المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ - عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر

[محمود شكري الألوسي]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].

{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا} [النساء: 1]

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا} [الأحزاب: 71 - 72].

أما بعد:

«فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القرب وأجلِّ الطاعات، وأهم أنواع الخير وآكد العبادات، وأولى ما أُنفقت فيه نفائس الأوقات، وشَمَّرَ في إدراكه والتمكن فيه أصحاب الأنفس الزكيات، وبادر إلى الاهتمام به

ص: 5

المسارعون إلى الخيرات، وسابق إلى التحلي به مستبقو المكرمات، وقد تظاهر على ما ذكرته جمل من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحة المشهورات، وأقاويل السلف رضي الله عنهم النيرات.

ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات؛ أعني معرفة متونها صحيحها، وحسنها، وضعيفها، ومتصلها، ومرسلها، ومنقطعها، ومعضلها، ومقلوبها، ومشهورها، وغريبها، وعزيزها، ومتواترها، وآحادها، وأفرادها؛ معروفها، وشاذها، ومنكرها، ومعللها، وموضوعها، ومدرجها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومجملها، ومبيِّنها، ومختلفها

وغير ذلك من أنواعها المعروفات، وكذا معرفة علم الأسانيد؛ أعني معرفة حال رجالها وصفاتهم المعتبرة، وضبط أسمائهم، وأنسابهم، ومواليدهم، ووفياتهم، وغير ذلك من الصفات. ومعرفة التدليس والمدلسين، وطرق الاعتبار والمتابعات، ومعرفة حكم اختلاف الرواة في الأسانيد، والمتون، والوصل، والإرسال، والوقف والرفع، والقطع والانقطاع، وزيادات الثقات، ومعرفة الصحابة والتابعين وأتباعهم، وأتباع أتباعهم، ومن بعدهم رضي الله عنهم وعن سائر المؤمنين والمؤمنات، وغير ما ذكرته من علومها المشهورات.

ودليل ما ذكرته: أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز، والسنن المرويات، وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات، وبيانها في السنن المحكمات، وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالمًا بالأحاديث الحكميات، فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجلِّ العلوم

ص: 6

الراجحات، وأفضل أنواع الخير وآكد القربات، وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل مع ما ذكرناه على بيان حال أفضل المخلوقات، عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات.

ولقد كان أكثر اشتغال العلماء في الأعصار الخاليات، حتى لقد كان يجتمع في مجلس من الطالبين ألوف متكاثرات، فتناقص ذلك، وضعفت الهمم؛ فلم يبق إلا آثار من آثارهم قليلات، والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات.

وقد جاء في فضل إحياء السنن المماتات أحاديث كثيرة معروفات مشهورات، فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات ولكونه أيضًا من النصيحة لله -تعالى- وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم وللأئمة، والمسلمين والمسلمات، وذلك هو الدين كما صحَّ عن سيد البريات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وذريته، وأزواجه الطاهرات».

(1)

ثم اعلم -رحمني الله وإياك- أن علم أصول الحديث، وقواعد اصطلاح أهله لا بد منه للمشتغل برواية الحديث؛ إذ بقواعد يتميز صحيح الرواية من سقيمها، ويُعرف المقبول من الأخبار والمردود، وهو للرواية كقواعد النحو لمعرفة صحة التراكيب العربية، فلو سُمي منطلق المنقول وميزان تصحيح الأخبار لكان اسمًا على مُسمَّى.

هذا وقد كتب العلماء فيه من عصر التدوين إلى يومنا هذا نفائس ما يكتب: من ذلك ما نجده في أثناء مباحث «الرسالة» للإمام الشافعي، وفي

(1)

مقدمة شرح النووي على مسلم (1/ 3 - 4).

ص: 7

ثنايا «الأم» له، وما نثله تلاميذ الإمام أحمد في أسئلتهم له، ومحاورته معهم، وما كتبه الإمام مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه، ورسالة الإمام أبي داود السجستاني إلى أهل مكة في بيان طريقته في سننه الشهيرة، وما كتبه الحافظ أبو عيسى الترمذي في كتابه «العلل المفرد» ، في آخر جامع، وما بثَّه في الكلام على أحاديث جامعه في طيات الكتاب: من تصحيح وتضعيف، وتقوية وتعليل، وللإمام البخاري التواريخ الثلاثة، ولغيره من علماء الجرح والتعديل من معاصريه ومن بعدهم بياناتٌ وافية لقواعد هذا الفن، تجيء منتشرة في تضاعيف كلامهم، حتى جاء من بعدهم فجرد هذه القواعد في كتب مستقلة، ومصنفات عدة، أشار إلى أشهرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فاتحة شرحه لنخبة الفكر».

(1)

ومما صُنِّف في ذلك، وتبوأ بين كتب الفن أعلى المراتب مختصر الحافظ ابن حجر المعروف ب «نخبة الفِكَر» ، ويعدُّ هذا الكتاب اختصارًا للتصانيف في اصطلاح الحديث التي كثرت، وبسطت، واختصرت.

وكان مقصد الاختصار الأول: تلخيص المهم من ذلك، كله في أوراق لطيفة، مع فوائد زيدت عليه. فصارت جديرة -إذ صغُرت حجمًا وتراءت نَجمًا- لكل أثري بقول من قال:

والنجم تَستَصْغِرُ الأبصارُ صورتَه

والذَّنْبُ للطَّرفِ لا للنجم في الصغرِ

حتى قال في «النخبة» من قال:

عِلمُ الحَديث غَدا في نخبة الفكرِ

نارًا على عَلَمٍ يدعو أُولي الأثرِ

(2)

(1)

من مقدمة العلامة محمد عبد الرزاق حمزة رحمه الله لكتاب «اختصار علوم الحديث» لابن كثير ص (9).

(2)

«فهرس مخطوطات دار الكتب المصرية» (1/ 316).

ص: 8

من أجل ذا اهتم به العلماء والطلاب؛ حفظًا، ودراسةً، وتعليمًا، وشرحًا، ونظمًا، وتحْشية.

وممن اختصرها الشيخ «عبد الوهاب بن بركات الأحمدي» المتوفي بعد سنة (1150 هـ). في كتابه «المختصر من نحبة الفكر» .

قال الألوسي في وصف هذا المختصر: بَيْدَ أنِّي وجَدَتُّ مَتْنًا جامعًا لغرَرِ هذا الفنِّ وقواعِدِه، حاويًا لفرائِدِ مَسَائِلِهِ وفوائِدِه، مشتملًا على مباحثَ هي لُبَابُ آراء المحدِّثين، من المتقدمين والمتأخرِّين، ليس له نَظيرٌ في بَابِه، ولا مُمَاثلٌ له ولا مُشَابِه، بوجازة لَفْظٍ تتحيَّرُ فيه الألباب، وحُسْنِ سَبْكٍ يُقْضَى منه العَجَبُ العُجَابِ.

وقد شرح هذا المختصر الإمام الألوسي، في هذا الكتاب الذي بين يديك، وقال مبيَّنًا سبب ذلك:

«ولم أظفر على شرح له تنشرح قلوبُ الطالبين بمكنون فرائده، ويظهر من مطوي إشاراته مَنشور فوائده، مع أنه لا ينبغي أن يُترك مثل هذا ويُهمل، ولا يليق أن يُعرض عنه ويُغفل» .

(1)

وهكذا صنف الإمام الألوسي هذا السِّفر القيم «عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفِكَر» .

وقد وقفت -بفضل من الله ومنة- على هذا السفر الجليل لهذا الإمام النبيل، فأردتُ أن أخرجه في أزهى حلة، وأبرزه ليستفاد منه ولينضم إلى أمثاله من كتب هذا الفن، عسى أن يكون هذا العمل من العلم النافع

(1)

انظر: ص (82).

ص: 9

الذي ينتفع به، ويجري أجره على المرء بعد أن يكون حبيس الثرى، ولا يبقى مع إلا عمله، كما جاء في الأثر عن نبينا الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه.

‌عملي في الكتاب:

1 -

قمت بنسخ المخطوط.

2 -

قابلت المنسوخ على الأصل المخطوط.

3 -

ضبط النص بالشكل.

4 -

وضعت علامات الترقيم العصرية.

5 -

عزوت الآيات القرآنية.

6 -

خرَّجت الأحاديث النبوية والآثار السلفية.

7 -

ترجمت للأعلام الواردة.

8 -

عرَّفت بالبلدان والأماكن.

9 -

عرَّفت بالفِرَق والطوائف.

10 -

وثَّقتُ كلام المؤلف الذي ينقله عن غيره بعزوه إلى مصادره.

11 -

وثَّقتُ المسائل التي تكلم فيها المؤلف.

12 -

عزوتُ أنواع علوم الحديث الواردة في الكتاب إلى عدة كتب من كتب المصطلح وبخاصة الكتب التي اعتمد عليها المؤلف.

13 -

عملتُ على إقامة النص قدر المستطاع وزدت بعض الزيادات اللازمة لذلك وضعتها بين معكوفتين.

14 -

جعلتُ متن المختصر مفردًا في بداية الكتاب وميزته في ثنايا الشرح بالحروف السوداء الداكنة.

ص: 10

15 -

ابتعتُ الكتاب بفهارس علمية تخدم الكتاب وتقربه وتسهل الاستفادة منه.

وقد قدمتُ للكتاب بمقدمة: عرَّفتُ فيها ب «نخبة الفِكَر» ومختصراتها وشروحها ونظمها، كما عرَّفت «بمختصر الأحمدي» ، وبيَّنت منهج الألوسي في كتابه «عقد الدرر» ، ثم ترجمت لكل من العلامة محمود شكري الألوسي، والشيخ عبد الوهاب الأحمدي. «والله أسأل أن يثيبني به جَميل الذكر في الدنيا، وجزيل الأجر في الآخرة، سائلًا من ينظر من عالم في عَملي، أن يستر عثاري وزللي ويَسدُ بسداد فَضله خَللي، ويصلح ما طغى به القلم، وزاغ عنه البصر، وقَصَرَ عنه الفهم، وغفلَ عنه الخاطر، فالإنسان محل النسيان، وإن أولُ ناسٍ أولُ الناس» .

(1)

وختامًا: فإني أتوجه بالشكر لوالدي الكريمين، وأدعو الله لهما أن يثيبهما خير الثواب على تنشئتي على حب الدين والشرع. وكذا أتوجه بالشكر للإخوة الأفاضل الذين ساعدوا على إخراج هذا الكتاب سواءً بتصوير مخطوطاته أو مراجعته وتصحيح تجارب طبعه أو غير ذلك.

وأخص بالذكر منهم الأخوة الأفاضل: مؤمن فاروق، وأحمد عيسى، وشقيقي مؤمن محمود. جزاهم الله جميعًا خير الجزاء، ففي الأثر «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» .

وقبل أن أضع القلم لا أنسى أن أخص بالشكر زوجتي الكريمة على صبرها، ومعونتها، وتشجيعها أسأل الله أن يجزيها عني خير الجزاء.

اللهم اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرًا، واغفر لمشايخي وأساتذتي، وأجزهم عني خير الجزاء، وأجمعنا بهم في جناتك جنات النعيم.

(1)

من مقدمة الفيروزآبادي «القاموس المحيط» ص (40).

ص: 11

‌التعريف ب ‌

«نخبة الفِكَر»

و‌

‌شروحها

ومختصراتها ونظمها.

* نخبة الفِكَر:

تعدُ «نخبة الفِكَر» مختصرًا جمع خلاصة التصانيف في مصطلح الحديث، قال الحافظ في مقدمتها:«فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثُرت، وبُسطت، واختُصرت، فسألني بعضُ الإخوان أن ألخصَ له المهم من ذلك فأجبته إلى سؤاله؛ رجاء الاندراج في تلك المسالك» .

(1)

وقال مبيِّنًا طريقته في «النخبة» بعد أن ذكر أن بعض الإخوان سأله أن يلخص له المهم من ذلك، قال: «فلخصته في أوراقٍ لطيفة

، على ترتيبٍ ابتكرته، وسبيل انتهجته، ومع ما ضممته إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد».

(2)

* شروحها:

1 -

شرح الحافظ ابن حجر المسمى «نزهة النظر» ، قال في مقدمتها بعد أن ذكر أن بعض الإخوان قد سأله تأليف «النخبة»: «فرعب إليَّ جماعة ثانيًا أن أضع عليها شرحًا يحلُّ رموزها، ويفتح كنوزها، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك، فأجبته إلى سؤاله؛ رجاء الاندراج في تلك المسالك، فبالغت في

(1)

«نخبة الفِكَر» مع «نزهة النظر» ، ص (15).

(2)

«نزهة النظر» ، ص (18).

ص: 12

شَرحها في الإيضاح والتوجيه، ونبهتُ على خبايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه».

(1)

وقد أكثر الشارح الألوسي في الاعتماد عليه في شرحه ل «مختصر الأحمدي» ، وكذلك أكثر من ذكر الاعتراضات على كلام ابن حجر.

2 -

«نتيجة النظر» لكمال الدين الشمني، المتوفي سنة (821 هـ).

وقد نقل عنه الألوسي في عدة مواضع.

3 -

«عنوان معاني نخبة الفِكَر» لأبي الفضل أحمد بن صدقة، المتوفي سنة (905 هـ).

4 -

«شرح نخبة الفكر»

(2)

لابن موسى المراكشي، المتوفي سنة (823 هـ).

5 -

«منتهى الرغبة في حلِّ ألفاظ النخبة»

(3)

لمحمد بن عبد الله الخرشي المالكي ت (1101 هـ).

6 -

«شرح نخبة الفِكَر» للأبهري.

*‌

‌ نَظْمُها:

1 -

«الرتبة في نظم النخبة» .

(4)

محمد بن محمد الشُّمِّني، المتوفي (821 هـ).

2 -

«نظم نخبة الفِكَر» لشهاب الدين الطوفي المتوفي سنة (839 هـ).

(1)

«نزهة النظر» ، ص (18).

(2)

انظر: «الضوء اللامع» (10/ 57).

(3)

منه نسخة بدار الكتب المصرية كما في فهرسها (1/ 360).

(4)

منه نسخة خطية في المكتبة التيمورية كما في فهرسها (2/ 15)، وقد طبع هذا النظم مؤخرًا بتحقيق أخينا/ محمد سماعي، طبع دار البخاري- في المدينة المنورة.

ص: 13

3 -

«سلك الدرر في علم الأثر» لرضي الدين الغزي، المتوفي سنة (935 هـ).

4 -

«قصب السكر في نظم نخبة الفِكَر» لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، المتوفي سنة (1182 هـ).

* و‌

‌من شروح النظم:

1 -

«العالي الرتبة في شرح نظم النخبة»

(1)

لأحمد بن محمد الشُّمني، المتوفي سنة (877 هـ). شرح فيه نظم أبيه المسمى «الرتبة في نظم النخبة» .

2 -

«شرح سلك الدرر في علم الأثر» لشهاب الدين أحمد عبد الكريم الغزي، المتوفي سنة (1143 هـ). شرح فيه نظم جده.

3 -

«إسبال المطر على قصب السكر»

(2)

لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، شرح نظمه الذي تقدم ذكره.

4 -

«سح المطر شرح قصب السكر»

(3)

لعبد الكريم بن مراد الأثري.

*‌

‌ مختصراتها:

1 -

«المختصر من نخبة الفِكَر»

(4)

لعبد الوهاب بن أحمد بن بركات الأحمدي، المتوفي بعد سنة (1150 هـ).

2 -

«المختصر في علوم الحديث»

(5)

لمحمد بن إبراهيم الوزير، المتوفي (840 هـ).

(1)

منه نسخة في دار الكتب المصرية كما في فهرسها (1/ 259).

(2)

وهو مطبوع في الهند.

(3)

وهو مطبوع في مكتبة الدار بالمدينة المنورة.

(4)

وهو الذي شرحه العلامة الألوسي في كتابنا هذا.

(5)

فهرس دار الكتب (1/ 287).

ص: 14

3 -

«مختصر نخبة الفِكَر في علم الأثر»

(1)

لمحمد بن مصطفى الأقكرماني.

4 -

«نتيجة النظر في علم الأثر»

(2)

لمحمد همات زاده، ت (1175 هـ)، وشرح مختصره في «قلائد الدرر على نتيجة النظر في علم الأثر» .

5 -

«المختصر في مصطلح أهل الأثر»

(3)

للشنشوري، المتوفي سنة؟؟؟؟.

*‌

‌ ومن شروح مختصراتها:

1 -

«عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر»

(4)

لمحمود شكري الألوسي، المتوفي سنة (1342 هـ) شرح مختصر الأحمدي.

2 -

«قلائد الدرر على نتيجة النظر في علم الأثر»

(5)

لمحمد همات زاده، المتوفي سنة (1175 هـ). شرح فيه مختصره للنخبة المسمى «نتيجة النظر» .

3 -

«خلاصة الفِكَر في شرح المختصر في مصطلح الأثر»

(6)

للشنشوري، المتوفي سنة؟؟؟. شرح فيه مختصره للنخبة.

وغير ذلك كثير مما تذخر به بطون مكتبات التراث من شروح ومنظومات ومختصرات ل «نخبة الفكر» . مما الإحاطة بمثله غير يسيرة، وإن دلَّ ذلك على شيء فإنما يدل على اهتمام أهل العلم وطلبته بهذا

(1)

منه نسخة بدار الكتب المصرية رقم (699 - مجاميع طلعت) كما في فهرسها (1/ 288).

(2)

منه نسخة في دار الكتب المصرية كما في فهرسها (1/ 312).

(3)

منه نسخة في دار الكتب كما في فهرسها (1/ 287).

(4)

وهو كتابنا هذا.

(5)

منه عدة نسخ خطية في دار الكتب المصرية كما في فهرسها (1/ 312).

(6)

منه نسخة خطية في دار الكتب المصرية، كما في فهرسها (1/ 219) وقد طبع.

ص: 15

«المختصر» الذي اشتغل به المتأخرون من المشتغلين بالحديث شغلًا ليس باليسير.

* ‌

«مختصر الأحمدي» :

لم يذكر الأحمدي رحمه الله شيئًا عن منهجه في اختصار «النخبة» ولا غرضه؛ فقد بدأ بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «هذه كلمات سميتها «المختصر من نخبة الفِكَر»

(1)

ثم شرع في تعريف الخبر

إلى أن قال في خاتمتها معتذرًا عن تركه بعض التفاصيل والمسائل المهمة: «وتركتُ تفاصيلًا ومهمات أحلتها على المطولات لغرض الاختصار»

(2)

وذكر في خاتمتها أنه قد فرغ من تأليفها في ختام سنة (1150 هـ).

وقد قال الألوسي في وصف وصف «مختصر الأحمدي» :

«بيد أني وجدتُّ متنًا جامعًا لغرر هذا الفن وقواعده، حاويًا لفرائد مسائله وفوائده، مشتملًا على مباحث هي لباب آراء المحدثين، من المتقدمين والمتأخرين، ليس له نظير في بابه، ولا مماثل له ولا مشابه، بوجازة لفظ تتحير فيه الألباب، وحسن سَبكٍ يُقضي منه العَجب العُجاب» .

(1)

انظر: ص (71).

(2)

انظر: ص (76).

ص: 16

*‌

‌ سبب تأليف «عقد الدرر» :

قال الألوسي مبيِّنًا سبب شرحه «مختصر الأحمدي» بعد أن ذكر محاسنة من جمعه لغرر هذا الفن، واشتماله على مباحث هي لباب آراء المحدثين، إضافةً إلى حسن سبكه ووجازة لظفه «ولم أظفر على شرحٍ له تنشرح قلوب الطالبين بمكنون فرائده، ويظهر من مطوي إشاراته مَنشور فوائده مع أنه لا ينبغي أن يترك مثل هذا ويهمل، ولا يليق أن يُعرض عنه ويُغفل.

فحدثتني نفسي، وسارني حَدسي، بما يستوجب الاستغفار، ويُطلب منه الفِرار، مما تشتد إليه الضرورة من شرح يذلل من اللفظ صعابه، ويكشف عن وجه المعاني نقابه».

(1)

إضافةً إلى ذلك فقد «أكد ذلك رغبة بعض الأخوان، ومزيد حثي وتشويقي على ما هنالك في كل آن، فركبتُ تلك الشدائد والأخطار، واقتحمتُ هاتيك الزوايا القرار، وكلفتُ نفسي فوق الطاقة، وشددتُّ على كاهل العزم نطاقه؛ حرصًا على ألا يبقى مث لهذا الكتاب مضروبًا عليه من الخمول باب، وخدمةً للإخوان» .

(2)

*‌

‌ منهج الإمام الألوسي في شرحه ل «المختصر من نخبة الفِكَر» :

سلك الإمام الألوسي رحمه الله منهجًا وسطًا في شرحه، وقد حرص على توضيح المسائل بالأمثلة والشرح، وذكر الأقوال والاختلافات في المسألة التي يعرض لها إن كان ثمة خلاف.

(1)

انظر: (82).

(2)

انظر: (83).

ص: 17

وقد أكثر رحمه الله من النقل عن عدة كتب من كتب مصطلح الحديث، إضافة إلى نقله أقوال الفقهاء والأصولين، مع إيضاحه لبعض المسائل والمباحث التي ليست من علوم الحديث بل هي من مباحث أصول الفقه أصالةً وإشارته إلى ذلك. وقد قال موضحًا أسلوبه في الكتاب:

«وقد صرفتُ غاية وسعي في تهذيب هذا الشرح وتنقيحه، وبذلت نهاية جَهدي في كشفه وتوضيحه، باسطًا فيه الكلام، ممهدًا فيه المقاصد والأحكام، وقد أكثرت فيه الفوائد، وشحنته بالأمثلة والشواهد؛ فاتضح بذلك غاية الاتضاح، واستغنى بالصباح عن المصباح، وبيَّنتُ -حسب الطاقة- المراد، ودفعتُ ما بدا لي من إيراد؛ فجاء -ولله الحمد- حسبما كنت أتمناه وسألته من كرمه جلَّ شأنه وعُلاه» .

(1)

وقد ابتدأ كتابه بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر شرف علم الحديث وفضله؛ فقال: «إن أحق العلوم بالتقديم، وأجدر الفضائل بالتبجيل والتعظيم، وأحسن ما تصر ف له الأعمار، وتوجه إليه الهم والأفكار، الاشتغال بعلم الحديث الممدوح في القديم والحديث، كيف لا؛ وهو الذي يُعْرَف به سائر التكاليف والأحكام، ويتميز به الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والعارف به مرفوع القدر في كل قرنٍ وعصر» .

(2)

ثم قام بعد شرحه للبسملة والحمد لله والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وما يتعلق بذلك، بذكر ثلاث فوائد كالمقدمات:

(1)

ص (397).

(2)

ص (81).

ص: 18

الأولى: في بيان حد هذا الفن وموضوعه وغايته.

الثانية: في بيان أول من ابتدأ بتصنيف هذا العلم.

الثالثة: في بيان آداب طالب علم الحديث.

(1)

ثم شرع في بيان حد الخبر وتقسيمه إلى آحاد ومتواتر.

وقال وهو بصدد الكلام على خبر الآحاد: «ولنتعرض في هذا المقام لمسألة دعتنا المناسبة لذكرها تبعًا لجماعة من الفضلاء في استطرادهم» .

وقال في ختامه: «وتمام هذا البحث في أصول الفقه» .

(2)

وقد استطرد في بعض المباحث الأصولية الأخرى، حيث قال بعد أن أطال النفس في الكلام على الفرق بين التواتر والاستفاضة:«وإنما أطنبنا الكلام -وإن كان ذلك ليس في محله- ليقف الناظر على حقيقة الحال، ويحيط بما في هذا البحث من المقال» .

(3)

إلا أنه في بعض المباحث الأخرى كان يحيل على كتب الأصول مباشرةً دونما استطرد، وينبه في مباحث أخرى على أن هذه المباحث ليست من مباحث علوم الحديث، وإنما من مباحث أصول الفقه، حيث قال رحمه الله في مبحث دلالة خبر الآحاد «ولما أراد المصنف أن يقسم الآحاد فقط إلى أقسامه الآتية دون المتواتر؛ لأنه ليس من مباحث علم الإسناد، بل من مباحث أصول الفقه؛ لأن علم الإسناد علمُ ما يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه ليعمل به أو يترك

».

(1)

استغرقت هذه الفوائد من ص (99 - 127).

(2)

ص (176).

(3)

ص (157).

ص: 19

وفي مبحث زيادات الثقات ذكر بعض المرجحات ثم قال: «إلى غير ذلك من المرجحات المذكورة في الأصول» .

(1)

وفي بحث النسخ ذكر أنه مختلفٌ في حقيقته ثم ذكر بعض الأقوال في ذلك ثم قال: «ودلائل الطرفين في كتب الأصول» .

(2)

وفي آخر مبحث المرفوع ذكر حكم قول الصحابي «من السنة كذا» ثم قال بعد أن ذكر ما ظهر عنده: «والتفصيل في الأصول الفقهية» .

(3)

وهكذا فإن المصنف استطرد في المباحث المتعلقة بأصول الفقه إلا أنه كان ينبه ويشير إلى أن هذه المباحث من مباحث علم أصول الفقه، وليس من علوم الحديث وهذا مما يتميز به هذا الكتاب.

ومما يتميز به الكتاب -أيضًا- حشده لكثير من الأمثلة على مختلف أنواع علوم الحديث، إضافة إلى بسطه وتوضيحه للمسائل المختلف فيها، وذكره الأقوال في ذلك. كما تميز بأنه يختار من الأقوال ما يراه راجحًا عنده، ولا يكتفي بسرد الأقوال فقط.

وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على نضج عقليته، وتوقد ذهنه رحمه الله إضافةً إلى مناقشته لبعض اختيارات الحافظ ابن حجر وآرائه في «نخبته» و «نزهته» ، وكذلك فقد ناقش بعض اختيارات الأحمدي في مختصره.

(1)

ص (211).

(2)

ص (247).

(3)

ص (347).

ص: 20

وقد اعتمد الألوسي على عدد غير يسير من كتب المصطلح والفقه والأصول. ومن الكتب التي أكثر الاعتماد عليها:

1 -

«نزهة النظر شرح نخبة الفِكَر» لابن حجر.

2 -

«فتح المغيث شرح ألفية الحديث» للعراقي.

3 -

«حاشية نزهة النظر» للكمال محمد بن أبي شريف.

4 -

«فتح الباقي شرح ألفية العراقي» لزكريا الأنصاري.

5 -

«فتح المغيث شرح ألفية العراقي» للسخاوي.

6 -

«الكافي» للتبريزي.

7 -

«الهداية في علوم الحديث» لابن الجزري.

ص: 21

‌ترجمة صاحب «عقد الدرر»

(1)

*‌

‌ اسمه ونسبه وكنيته ولقبه:

هو محمود شكري، أبو المعالي جمال الدين الألوسي البغدادي الحسيني بن السيد عبد الله بهاء الدين بن السيد محمود شهاب الدين، صاحب تفسير «روح المعاني» ابن عبد الله صلاح الدين بن محمد الخطيب الألوسي، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين رضي الله عنه.

*‌

‌ أسرته:

(ألوس) التي تنتسبُ إليها أسرة الألوسي، فيها لغات، منها، (ألُوس)

(1)

مصادر ترجمته:

- محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية- للأستاذ/ محمد بهجة الأثري.

- أعلام العراق (86 - 241) بهجة الأثري.

- الزركلي: الأعلام (7/ 172، 173).

- زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية (4/ 285).

- فهرس التيمورية (3/ 6)، (4/ 100).

- سركيس: جامع التصانيف (8، 12، 78).

- مجاهد: الأعلام الشرقية (2/ 184 - 187).

- سركيس: معجم المطبوعات (7).

- عواد: المخطوطات العربية (71، 72، 75).

- البغدادي: إيضاح المكنون (1/ 194).

- فهرس دار الكتب المصرية (3/ 38، 39، 94، 241 - هـ/ 61 - 7/ 102 - 8/ 82، 235).

ص: 22

بوزن صبُور و (آلوسة) بالمد، ذكرهما الزبيدي في «تاريخ العروس» ، و (ألوسة) كما وردت في نزهة المشتاق للإدريسي «وصورة الأرض» له أيضًا، و (آلُس) بمد الهمزة وضم اللام، وقد ذكر هذا ابنُ خلكان عن ابن النجار المؤرخ البغدادي.

وهي جزيرة صغيرة قديمة في أعالي نهر الفرات بالعراق.

(1)

وقد رجح الأستاذ محمد بهجة الأثري في كتابه «أعلام العراق» أن الألوسي نسبه إلى (ألوس) بقصر الهمزة.

(2)

قال الأستاذ الأثري: «والألوسيون سادة أشراف، محبوكوا الأطراف ضموا إلى زينة النسب، حلية الأدب، فتفيئوا في الشرف مكانًا عليًّا

وهم -على ثبوت نسبهم- من أبعد الناس عن التفاخر بالأنساب، ولعَمري إن انتسابهم إلى العلم ليكفيهم، ومحك النسب العمل:

إن فاتكم أصل امرئ ففعاله

تنبيكم عن أصله المتناهي

(3)

*‌

‌ أشهر رجالات الأسرة الألوسية:

‌1 - أبو الثناء شهاب الدين محمود الألوسي (1217 - 1270 هـ):

وهو جد العلامة محمود شكري، قال الأستاذ محمد بهجة الأثري: «هو مؤسس هذه الأسرة والمظهر الأول والأكبر لنبوغها، فهو مؤسس المجد العلمي والأدبي في العراق في عصوره الأخيرة بلا منازع، ولا نعرف من

(1)

محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص (21).

(2)

«أعلام العراق» ص (7)، وانظر:«معجم البلدان» (1/ 56 و 246)، و «تاج العروس» (4/ 98).

(3)

«أعلام العراق» ص (9).

ص: 23

يناصيه في إحاطته وتعمقه، وافتنانه، وجمعه بين العلم والأدب واللغة والشعر والنثر والفتيا والتأليف البارع في كل هذا بأساليب زاخرة بالروعة والجمال

أخذ علمه من أبيه، ومن نفر من علماء العراق، منهم عبد العزيز الشواف، وعلي السويدي، ومحمد أمين الحلي، علاء الدين الموصلي.

وبدأ التأليف وهو ابن ثلاث عشرة عام، وكان نبوغه مثيرًا للدهشة والاستغراب، وفنصبه بعض الوجهاء مدرسًا وواعظًا وخطيبًا، وثم عُيِّن أمين الفتوى ومدرسًا وواعظًا وخطيبًا، ثم عُيِّن أمين الفتوى ومدرسًا في المدرسة القادرية، وكانت مشروطة لأعلم أهل بغداد بالكتاب والسُّنَّة، وأجازه السلطان «محمود علي» ببعض كتبه برتبة «رءوس تدريس إسلامبول» ، ونُصِّب مفتي الخنفية ببغداد، ثم قلب له بعض الولاة ظهر المجن، وكاد له، وطالت أيام محنته، وساءت حاله، فرحل إلى إستنبول ليعرض أمره على السلطان «عبد المجيد» ، وقدم إليه تفسيره:«روح المعاني» .

فأكبره وأكرمه، وخصص له مبلغًا من بيت المال في كل عام، وبعد أن أقام في إستنبول عامين قفل إلى بغداد، ولم تصل أيامه فتوفي عن ثلاث وخمسين سنة، وهي عمر قصير، غير أنه عَرُضَت جوانبه وطالت أبعاده بإنتاجه الخصب القيم وإبداعه في هذا الإنتاج وتنويعه له من تفسير، وحديث، وفقه، وكلام، ومنطق، وجدل، ونحو، ولغة، وتاريخ، ورِحَل، وشعر، ونثر، مع اضطلاعه بالتدريس وبالإفتاء، وكان بيته مثابة طلاب العلم والأدب من أهل العلم والأدب من أهل بغداد، ومن أطرف العراق وكردستان، فتخرج به خلق كثير، وراسله العلماء، وألتف حوله الشعراء

ص: 24

والأدباء، ومدحوه بمدائح طنانة لم يُتح نظائرها إلا لا للملوك والأمراء

وآثار أبي الثناء تمتاز بالإحاطة والعمق واستقلال الفكر وحريته، مع روعة البيان وحسن الافتنان في صياغة معانيه وأفكاره، وقد جاوزت مؤلفاته العشرين منها:«روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ، «الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية» ، «الأجوبة العراقية عن الأسئلة اللاهورية» ، «نهج السلامة إلى مباحث الإمامة» ، «نزهة الألباب، وضرائب الاغتراب في الذهاب والإقامة والإياب» ، «المقامات» ، وغيرها.

«وقد خلف أبو الثناء خمسة أشبال، اغترفوا جميعًا من بحره، واقتبسوا من نوره، ومشوا على أثره» .

(1)

‌2 - عبد الله بهاء الدين الألوسي (1248 - 1291 هـ):

هو بِكْر أولاد أبي الثناء ووالد أبي المعالي الألوسي، عالم في علوم الشريعة، وكاتب يجري في مذهب أبيه وأسلوبه، تخرج بأبيه في المنقول والمعقول، واقتدى به في جملة فضائله، وحاكاه حتى في خطه، وتعاطى الصناعة اليدوية، فكان يشتغل أدق الأشغال بغاية المهارة والإتقان، وترفع عن مناصب الدولة، وآثر عليها التدريس فانصرف إليه، وكان نسيج وحده في التقرير، وتقريب الشوارد إلى الأذهان

وكان تقيًّا زاهدًا عفيفًا أبيًّا شديد الورع، كبير النفس، حاد المزاج، سريع الغضب سريع الرضى، قوي الفطنة، طيب المفاكهة،

(1)

محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص (31 - 36).

ص: 25

موصوفًا بمراعاة حقوق الخلاء وحب الفقراء.

(1)

ولكنه -معه الأسف- كان غارقًا في التصوف يحب أهل الطرق المبتدعة وكان «نقشبنديًّا» ، ومسلكه هذا كان له تأثيرًا في توجه ابنه أبي المعالي في أول حياته، ثم أنقذه الله من غياهب تلك الضلالات كما ستقف عليه إن شاء الله في ترجمته.

وتصوفه هذا كان ناشئًا عن علل شتى نفسية وجسمية أورثته وساوس وخيالات خيلت إليه شفاءه به.

(2)

وله مصنفات قليلة في التصوف والنحو والمنطق والبيان.

(3)

وقد خلَّف خمسة بنين جروا على منهجه في العلم والأدب والتعفف، وكانوا أصحاب فضل ووجاهة وتهذيب، تولى ثلاثة منهم القضاة والإدارة في الدولة العثمانية وبلغوا درجاتها الرفيعة

وكان واسطة عقدهم نابغتهم أبو المعالي محمود شكري الألوسي الذي ورث أرفع خصال أبيه وجده، وكان أحد أعمدة هذه الأسرة.

(4)

‌3 - عبد الباقي الألوسي (1250 - 1298 هـ):

وهو ثاني أبناء أبي الثناء، وقد كان من أجلاء علماء العراق، تخرج بأبيه وبعض تلاميذه، وغيرهم كعيسى البندنيجي البغدادي، فتأدب وتفقه، ودرس الهيأة وسائر الرياضي، وقرأ الأصلين والتفسير والحديث.

(1)

محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص (37 - 38).

(2)

المرجع السابق ص (38).

(3)

أعلام العراق ص (52).

(4)

محمود شكري وآراؤه ص (39).

ص: 26

من تصانيفه: «القول الماضي فيما يجب للمفتي والقاضي» ، «الروضة اليانعة في بيان السفرة الرابعة» ، «أوضح منهج إلى معرفة مناسك الحج» ، وغيرها.

(1)

‌4 - أبو البركات نعمان خير الدين الألوسي (1252 - 1317 هـ):

وهو ثالث أنجال أبي الثناء، وثاني اثنين بنيا مجد الأسرة، وأعلم أهل عصره في مِصْرِه، كان أنبغ إخوته الخمسة، وأعلمهم، وأكثرهم شبهًا بأبيه في حدة ذكائه وسعة علمه وشدة نشاطه، وإليه يعود الفضل في نشر أهم كتب أبيه وتعريف الناس بنبوغه، وهو علامة في العلوم الإسلامية متبحرًا واسع الفكر والأفق، مصلح متحمس، متحرر من التقليد جريء في مجاهدة البدع، بذل جهودًا كبيرة في سبيل تجديد الإسلام وتنقيته من الشوائب التي أضيفت إليه

، وانتصب لقراع «المبشرين» من دعاة النصرانية وصد حملاتهم على الإسلام.

تخرج بأبيه، وتلميذه الفقيه السلفي محمد أمين الواعظ، ونبغ وتحرر فكره ونزع إلى الاجتهاد، وتولى في شبابه القضاء في بلاد عديدة ثم تركه وانصرف إلى التأليف، من مؤلفاته:«جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» ، «الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح» ، «غالية المواعظ» ، «الأجوبة العقلية لأشرفية الشريعة المحمدية» ، وقد خلَّف أبو البركات ثلاثة أولاد سلكوا مسلكه في العلم والأدب والإصلاح الديني.

(2)

(1)

محمود شكري وآراؤه ص (40).

(2)

محمود شكري وآراؤه ص (40 - 42).

ص: 27

‌5 - محمد حامد الألوسي (1262 - 1290 هـ):

وهو رابع أنجال أبي الثناء، أخذ العلوم العربية والفقه والحديث عن إخوته وغيرهم من علماء بغداد وكان حاد الذكاء؛ فنبغ وشرح قبل بلوغه العشرين أربعين حديثًا من صحاح الأحاديث، ثم قضت عليه الحياة بالتحول إلى السلك المدني، فرح إلى إستنبول، ودخل إحدى المدارس السلطانية، وتعلم التركية ومهر فيها حتى ألَّف بها، وتقلد بعض المناصب، وتوفي شابًا.

(1)

‌6 - أحمد شاكر الألوسي (1264 - 1330 هـ):

خامس أنجال أبي الثناء، تخرج بإخوته وغيرهم من علماء بغداد، وامتاز بقوة الحافظة فحفظ كثيرًا من المتون، وولي القضاء، وله كتاب «أحسن الكلام ببعثة محمد عليه الصلاة والسلام» ، ضمَّنه مقدمة في الوحدانية والنبوة والرسل، وخمسة أبواب في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الأنام وأنه خاتم الأنبياء، وفي مولده ونسبه، ومبعثه وهجرته ودلائل نبوته، ومعجزاته وسيرته، وما يلزم العمل به من شريعته.

(2)

‌7 - علي علاء الدين الألوسي (1227 - 1340 هـ):

وهو ابن أبي البركات نعمان خير الدين بن أبي الثناء، أخذ عن أبيه وعن ابن عمه محمود شكري الألوسي وغيرهما، وتعلم الفارسية

(1)

محمود شكري وآراؤه ص (43).

(2)

محمود شكري وآراؤه ص (44).

ص: 28

والتركية، وأوفده أبوه في صباه إلى ملك بهوبال العلامة السيد حسن صديق خان، فقرأ عليه وعلى شيخه، الشيخ حسين بن محسن الأنصاري وأجازاه إجازةً عامةً.

وكان على جانب عظيم من العلم والأدب والذكاء، وقوة العقل والنبل، وأصالة الرأي والورع، وعلو النفس وجمال السمت، جمع بين الفقه واللغة والأدب، ونشر طائفة من كتب أبيه، ورسائل بعض السلف، ك «كتاب التوحيد» ، و «غاية السول» وغيرها.

لا شك أن أسرة أخرجت أولئك، الأعلام الأماجد والعلماء الأفاضل لهي أسرة حازت من مجامع الشرف نصيب ومن السمات الحسان خير نصيب، وقد ذكر الأستاذ محمد بهجة الأثري تلميذ العلامة محمود شكري الألوسي عدة مميزات لهذه الأسرة منها:

كثرة عدد النبغاء فيها، قيام حياتها على أصول الإيمان والصلاح والتقوى ونحوها من المثل الأخلاقية، تمثيلها للفكر الإسلامي، وتمكينها له، واحتفالها بمقوماته من تشريع ولغة وأدب، المنافحة عن الإسلام الصحيح ومحاربة الانحرافات الدخيلة على الإسلام، التحرر من الجمود والتقليد، الانصراف التام إلى الإنتاج الخصب المثمر، نشاطها للرحلة وجوب الآفاق في طلب العلم، الشجاعة التي جعلتهم لا يخافون في الحق لومة لائم.

(1)

ولا شك أن العلامة محمود شكري قد أصابته بعض هذه الخصال العلية والسلمات الشريفة إن لم يكن رزقها كلها وزيادة عليها.

(1)

محمود شكري وآراؤه اللغوية ص (47) بتصرف واختصار.

ص: 29

*‌

‌ عصره:

ولد السيد محمود شكري الألوسي ببغداد في 19 شهر رمضان 1273 هـ (الموافق 12 أيار 1856 م)، وتوفي فيها يوم الخميس 4 شوال 1342 هـ (الموافق 8 أيار 1924 م).

فهو قد عاش تسعًا وستين سنة، قضى معظمها تحت راية الخلافة العثمانية حتى شهد زوالها.

*‌

‌ الحالة السياسية:

تعاقب على الحكم في الخلافة العثمانية في فترة حياة محمود شكري ستة من سلاطين الدولة العثمانية.

كان آخرهم عبد المجيد بن عبد العزيز الثاني تولى من سنة (1922 م- 1924 م)، جاء إلى الحكم وقد أصبح أتاتورك سيد الموقف فجعله أتاتورك خليفة فقط وجرده من السلطة، وبعد سنتين ألغى أتاتورك الخلافة وطرده ليعيش في منفاه.

(1)

وقد وافق زمن الألوسي أيام هرم دولة الخلافة العثمانية، لكن هرمها كان أشبه في ظواهره بالشباب؛ لأنه تميز بشيء من روح الحياة الجديدة تدب إليه، والهرم كما نعلم مرض من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها وارتفاعها، لكنه -كما ابن خلدون- ربما يحدث عند آخر الدولة قوة توهم أنه قد ارتفع عنها، ويومض ذبالها إيماض الخمود، كما قد

(1)

تاريخ الدولة العلية العثمانية- لمحمد فريد ص (717 - 718).

ص: 30

يقع في الذبال المشتعل، فإنه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضه توهم أنها اشتعال وهي انطفاء.

(1)

وقد كان محمود شكري حائرًا بين الرضى -بدولة الخلافة العثمانية- والكره لها، ومن أسباب رضاه بها أنها كانت في هذا الشرق، طوال خمسة قرون موئل المسلمين، وحامية الإسلام والحصن المنيع الذي قام بوجه الغرب المتحضر للاستيلاء على دياره وإخضاعها لسلطانه الذي قد يتعذر الخلاص منه إذا هي وقعت في قبضته.

فإذا زالت هذه الخلافة، يزول معها الوجود السياسي للإسلام، ويحدث بعدها فراغ في الحياة الإسلامية يُهدَّدُ بملئه بحياة أخرى مكانها أو يعرضها لمصاير منكرة لا طاقة لأحد بدفعها، أو هكذا كان يخيلُ إليه.

وأما باعثه على كرهها، فهو الفساد الذي أصاب حياة الدولة في أخريات أيامها، وكان قد استشرى، وجاوز المدى، وبلغ الحدِّ الذي جزع منه الأحرار، وعلاهم القنوط من إصلاحه ولم تغن معه حيلة، ولا ريب أن حزم الحازم يضيع في مثل هذين الحالين مهما ملك الإنسان صوابه ورشده، ولا تكون في أحدهما خيرة المختار.

(2)

هذه هي الصورة العامة للدولة التركية قد انعكس بخيرها وشرِّها على حياة العراق موطن الألوسي، وقد تميز عهده في العراق بكثيرة تبديل الولاة

وقد تراوحت مدد هؤلاء الولاة في مناصبهم من شهور إلا ثلاث سنين، وقلَّ من تجاوز ذلك، وكانوا متفاوتين في الثقافة وأسلوب

(1)

محمود شكري الألوسي وآراؤه ص (4 - 5).

(2)

محمود شكري وآراؤه ص (3).

ص: 31

الحكم، بل منهم الأمي، والسكير، والمجاهر بالارتشاء، وربما وجد فيهم الأديب والمتصوف والفقيه.

(1)

وهؤلاء الولاة لم يستثن منهم إلا أربعة أو خمسة هم الذين استطاعوا أن يتركوا أثرًا مذكورًا في العراق.

وعلى رأسهم «مدحت باشا» الذي تولى ولاية بغداد من سنة (1286 هـ) إلى (1289 هـ)، فقد استطاع أن ينجز في سنواته الثلاث ما لم ينجزه الولاة الآخرون.

وفي سنة (1335 هـ- 1917 م) سقطت بغداد بأيدي الكفرة الإنجليز بعد معارك شديدة مع الأتراك.

وفي ذلك الوقت كان الألوسي قد بلغ الستين من عمره فعاشر ثمانية أعوام من سن الشيخوخة في سلطان الاحتلال البريطاني لبغداد، وكانت البصرة وما حولها قد احتلت من طرف بريطانيا سنة 1914 م.

(2)

وفي سنة (1327 هـ- 1909 م) تم إسقاط السلطان عبد الحميد، وكانت الحرب العالمية الأولى (1333 - 1337 هـ)، (1914 م- 1918 م).

ثم توالى على الدولة العثمانية ثلاثة من سلاطين إلى أن أسقط أتاتورك الخبيث الخلافة العثمانية سنة (1924 م)

(3)

، وهي السنة التي توفي فيها الألوسي، وقد كان للعلامة محمود شكري موقف مشرف تجاه الاحتلال البريطاني للعراق نذكره في مواقفه.

(1)

المرجع السابق ص (10 - 12) بتصرف واختصار.

(2)

تاريخ العراق المعاصر ص (3)، ص (12).

(3)

حاضر العالم الإسلامي (1/ 118 - 126).

ص: 32

*‌

‌ الحالة الاجتماعية:

كان أهل بغداد على طبقات متفاوتة وينقسمون إلى شرائح مختلفة في لغاتهم وأديانهم ومذاهبهم.

وقد وصفهم العلامة محمود شكري في كتابه «أخبار بغداد» وتوسع في ذلك فمما ذكره: أن بغداد ونواحيها أكثر سكانها من قبائل العرب المحافظين على أنسابهم، وفيهم أكراد وأتراك، وفي كربلاء والنجف وسامراء كثير من الإيرانيين المتعربين وغير المتعربين، وينقسمون بالنظر إلى البداوة والحضارة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أهل الحضر: وهم سكان المدن والمترفون والأعيان، منهم موظفون مع الدولة، ومنهم أصحاب عقار ومزارع وتجارة، وأما عوامهم فيعملون في الصناعات والتجارة والملاحة.

القسم الثاني: سكنة البوادي والأرياق: ومن طبائعهم الخشونة والجفاء والشجاعة والكرم، والغيرة والشرف، ومعاشرهم من الفلاحة وتربية المواشي.

القسم الثالث: البدو الصرف البعيدون عن الأرياف المتنقلون من محل إلى محل.

أما اللغة: فاللغة العامة في بغداد وما جاورها العربية العامية، وفيهم من يتكلم التركية، ومنهم من يتكلم بالفارسية، ولا سيما الشيعة، ومنهم من يتكلم بالكردية، ومن اليهود من يتكلم بالعبرانية، ومن النصار من يتكلم بالسريانية.

(1)

(1)

نقلًا عن «أخبار بغداد» للألوسي بواسطة كتاب: محمود شكري وآراؤه ص (14 - 15).

ص: 33

وأما الأديان والمذاهب في العراق، ففيهم مسلمون -وهم الغالبية- ويهود ونصارى، والمسلمون فيهم سُنَّة وشيعة.

*‌

‌ الحالة العلمية والثقافية:

لم تكن الحالة العلمية والثقافية في العراق أحسن حالًا مما هو موجود في عموم بلدان العالم الإسلامي.

يقول جمال الدين الألوسي واصفًا هذه الأحوال: «

وإن كان التدني عامًا شمل البلاد العربية والعثمانية فإنه كان في العراق بصورة خاصة، فالولاة الذين كانوا يرسلون إلى العراق يغلب على أكثرهم الجهل، ولا غاية لهم إلا التسلط وجباية الأموال وإرضاء الرؤساء والأعوان، وأكثرهم لا يقرءون ولا يكتبون، فكانوا بحكم تخلفهم الثقافي أن يتخلف العراق ثقافيًّا وفكريًّا وأدبيًّا».

(1)

وتميزت الثقافة في هذا العصر بأن سارت في مسارين: ثقافة حديثة، وثقافة عربية إسلامية أصيلة:

أما الحديثة؛ فقد تفرعت إلى فرعين:

عسكري، ومدني. وهذه الثقافة تركية في الغالب، فأضرت بالعربية.

وأما الثقافة العربية والإسلامية الأصلية فقد تمثلت في مدرستين مختلفتين في المنحى والفكر والمادة.

- مدرسة يجثم عليها الجمود والتقليد لمعتقدات يقل فيها السداد ويكثر

(1)

مقدمة الدرر المنتثر ص (7).

ص: 34

الباطل والزيف، ولآراء يغلب زبدها وغثاؤها على ما ينفع الناس.

- ومدرسة أخرى تتميز بالنشاط العقلي وتدعو إلى الاجتهاد والتخلص من التقليد وإلى تطهير الإسلام من البدع وتجريد العقيدة من رواسب والوثنيات، وتُعنى باللغة والأدب، وبالتركيز على العلم النافع.

(1)

*‌

‌ الحالة الدينية:

أما الحياة الدينية؛ فكانت تتجاذبها عدة مذاهب يصطرع حولها العلماء، ويسوقون الناس في تياراتها المتعارض سوقًا، جذبًا ودفعًا.

وكان أظهر هذه المذاهب ثلاثة: التصوف، والتشيع، والدعوة السُّنية السلفية.

أما التصوف؛ فقد كانت الدولة العثمانية تؤيد التصوف جملة في مختلف «طرائقه» من رفاعية ونقشبندية ومولوية وغيرها، وتمكن له وتحرص على تشجيع أربابه؛ وتناهش التشيع والحركة السُّنية السلفية معًا، إذ كانت تنظر إلى القوى التي خلفهما نظرة ارتياب عظيم وحذر شديد، سياسية لا ديانة.

أما التشيع؛ فكان خلفه دولة إيران الإمامية، وهي قد اصطرعت مع الدولة العثمانية زمنًا طويلًا من أجل الاستيلاء على العراق.

مع أن الإيرانيين انهزموا أمامها هزائم منكرة واستوثق لها من دونهم السلطان على العراق أربعة قرون، ظلت تنظر إليهم بعين الحذر، وتراقب تصرفاتهم ودعاياتهم في العراق، وتعد لها كل ما يضعفها من الوسائل.

(1)

محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص (16 - 18) بتصرف واختصار.

ص: 35

وأما الدعوة السُّنية السلفية؛ التي هي المظهر الصحيح للعقائد السُّنية قبل أن تغشاها التحريفات والبدع، فقد كانت خلفها قوة عربية صغيرة في أواسط جزيرة العرب، بدأ ظهورها في أواخر الربع الأول من هذا القرن الرابع عشر الهجري، وهي تحاول استعادة سلطان سياسي كبير ذاهب.

وكان قد أوجد هذا السلطان محمد بن عبد الوهاب وآل سعود في القرن الثاني عشر، فهز جوانب الدولة العثمانية هزًّا كان يفقدها زعامة العالم الإسلامي، فاستعدت عليه «محمد علي» مؤسس الأسرة الخديوية الألبانية بمصر؛ فسارع إلى نجدتها، ونهد بجيوشه إلى جزيرة العرب، وحارب العرب بأسلحة جديدة فتاكة من أسلحة الغرب لم يألفوها، فغلبهم، وأزال سلطانهم، وأخمد اليقظة العربية الإسلامية المتحررة في عقر ديارها حينًا طويلًا من الدهر.

لذلك ما كادت تنجم ناجمتها ثانية في هذا القرن الرابع عشر الهجري حتى عاود الأتراك الخوف الشديد من استفحالها، فبادروها بحربين لإفسادها والقضاء عليها؛ القتال، والدعاية.

وقد قامت حرب الدعاية على تأليف الكتب والرسائل في تشويه صورة الإصلاح الديني الذي تتبناه

وقد اعترف بعض من كتب الرسائل في مهاجمة الدعوة السلفية أنه كتبها سياسة لا تدينًا، أو ما هذا معناه.

وقد قوبلت هذه الكتب والرسائل بردود كثيرة من علماء نجد والعراق والشام ومصر والهند أوحت إليهم بها الدراسات العلمية الحرة لا السياسات العابثة بالعقول

فكانت هذه الحركة وما نتج عنها من آثار قيمة من أكبر

ص: 36

المظاهر العقلية التي ظهرت في عصر النهضة، زعزعت الناس عن المألوف من الخرافات والبدع، ووجهت العقول إلى منابع الإسلام الصحيح؛ كتاب الله وسُنَّة الرسول، وهُدى السلف الصالح، ولذلك نُعتت ب «السلفية» كما هي طبيعتها، وب «الوهابية» على سبيل التنفير.

(1)

*‌

‌ مولده ونشأته:

ولد في دار جده أبي الثناء، وهي يومئذ موئل أبناء أبي الثناء وذراريهم، وكانت تشتمل على عدة دور لسكناه وسكنى أولاده ولاستقبال زائريه وطلاب العلم الذين كانوا يقصدونه من أنحاء العراق وكردستان.

وكان مولد محمود شكري الألوسي في هذه الدار قريبًا من وفاة جده الحبر العظيم بينهما سنيات.

وهو أول مولود يولد لأبيه -بعد وفاة أبيه أبي الثناء فسماه باسمه فنشأ في كنف أبيه في دار عامرة بالعلم والعلماء، وفي أسرة عريقة في المجد والنسب والعلم والدين.

مما كان سببًا في زيادة ذكائه ونشاطه وطموحه ونبوغه فيما بعد.

(2)

*‌

‌ بعض شيوخه الذين أخذ عنهم وتأثر بهم:

- كان أول شيوخه وأكبرهم وأشهدهم تأثيرًا في توجيهه والده عبد الله بهاء الدين الألوسي، وقد تقدمت ترجمته.

(1)

محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص (18 - 20).

(2)

محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص (51).

ص: 37

فقد حاول أبوه وشيخه الأول أن يغرس فيه كل ما يعتقد أنه صواب وحق من علوم آداب وميل إلى الكتابة والتأليف، ومن زهد وسمت، وحتى التصوف الذي عمق جذوره فيه تعميقًا لم يتخلص منه إلا بمشقة ولولا لطف الله عز وجل ثم ما كان يتمتع به أبو المعالي من عقلية وقادة.

وقد توفي والده حين بلغ أبو المعالي سن الثامنة عشرة، وورث من أبيه فقه النفس وحسن السمت، وصفاء الطوية، وحب الأدب والعلم، والقرطاس والقلم.

(1)

- أما شيخه الثاني بعد وفاة أبيه فعمه العلامة السلفي الكبير نعمان خير الدين أبو البركات فكان بركة عليه، حيث عنى بتهذيبه وتعليمه عناية أبيه به فكان له خير عزاء فيه

على ما كان من الاختلاف بينهما في المذهب والمشرب.

فالأول: مقلد غارق في التصوف.

والثاني: لا يعمل شيئًا إلا بدليل من كتاب أو سُنَّة، ويحارب التصوف ويعتبره دخيلًا على الإسلام.

ولكن الشاب المتأثر بالعقيدة الخلفية، والمتشبع بالروح الصوفية الموروثة له من أبيه وأستاذه الأول لم يستطع ملازمة دروس عمه الذي كان يحارب الخزعبلات الصوفية والمذاهب التقليدية، فصرفه التعصب عن عمه إلى غيره.

لكنه على كل حال فارقه وقد تزعزعت ثقته بالتقليد والتصوف من غير

(1)

محمود شكري وآراؤه اللغوية ص (52).

ص: 38

شك، ثم ظهرت له فيما بعد الحقائق فكان -بسبب ما غرسه فيه عمه من أفكار نيرة نَمت فيما بعد- أشد منه حماسة في مناهضة التقليد والتصوف وأشد وطأة عليهما منه.

(1)

- إسماعيل بن مصطفى الموصلي؛ هذا هو الشيخ أبي المعالي الثالث حيث لزمه بعد أن أعرض عن دروس عمه أبو البركات، وقد كان الموصلي حنفي المذهب نقشبندي الطريقة، ولعل نقشبنديته هي التي جعلت محمود شكري يختاره على غيره نظرًا لأن والده وشيخه الأول كان كذلك.

وقد أكمل عليه محمود شكري الكتب التي يدرسها طالب العلم المبتدئ في بغداد والتي لم يتم دراستها على والده، وكانت هذه الكتب تُعرف بكتب «الجادة» وهي كتب مقررة في المدارس العتيقة عند أهل بغداد لا بد لطالب العلم المبتدئ أن يدرسها جميعها وهي كتب معروفة في كل المواد الموجودة في ذلك الوقت، مثل: النحو والفقه والحديث والتفسير والبلاغة والأصول وغير ذلك.

(2)

*‌

‌ الأطوار التي مرت بها عقيدته:

بالتتبع والاستقراء لعقيدته -من خلال كتبه وسيرته- يلاح أنه مر من حيث معتقده بأطور ثلاثة:

الطور الأول: كان فيه صوفيًّا خالصًا؛ وهذا التطور يبدأ من أول حياته إلى أن تجاوز الثلاثين من عمره، وليس غريبًا أن يكون في هذه المرحلة

(1)

محمود شكري وآراؤه اللغوية ص (52) باختصار وتصرف.

(2)

محمود شكري وآراؤه اللغوية ص (54)، و «المسلك الأذفر» ص (212).

ص: 39

صوفيًّا خالصًا لأن أكثر من كان حوله كان كذلك، فأبوه الذي كان شيخه الأول كان غارقًا في التصوف، والمجتمع بمدارسه وعلمائه وولاته كان كذلك أيضًا، فلا ينتظر من طفل ناشئ إلا أن يكون مثلهم.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأبوين يغيران فطرة المولود إلى عقيدتهما.

(1)

وقد بقي أبوه المصدر الوحيد لثقافته حتى بلغ سنة ثمانية عشرة عامًا، ولما مات الأب تركه وقد استحكمت فيه العقائد التي لقنه إياها؛ فما أصبح يتقبل غيرها ولذلك لما أراد عمه نعمان خير الدين أن يلقنه العقيدة الصحيح، تركه وانصرف إلى غيره ممن هم على شاكلة أبيه.

قال الأستاذ الأثري: «

ولكن الشاب المتأثر بالعقيدة الخلفية، والمتشبع بالروح الصوفية الموروثة له من أبيه وأستاذه الأومل لم يستطع ملازمة عمه المستقل بعلمه وآرائه الضار بالخزعبلات الصوفية، والمذاهب التقليدية عرض الحائط، فصرف التعصب بصره عن عمه».

(2)

وقال في شأن مجتمعه الذي تربى فيه: «

وهكذا انقلبت الحال وساء المآل وأخمدت الأرواح الحية، واشتدت وطأ الجهل، وعلقت جسم المجتمع الأدواء؛ فما كان يولد يومئذ مولود إلا وأفسد ذلك -المجتمع العليل- فطرته».

(3)

(1)

إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» متفق عليه، البخاري مع الفتح (3/ 219 و 245 - 246).

(2)

أعلام العراق ص (91).

(3)

أعلام العراق ص (98).

ص: 40

وقال عن المدة التي استمر فيها صوفيًّا: «استمر السيد على هذه الطريقة العوجاء متأثرًا بها مدة من الزمن ليست بالقليلة، لا يكاد يلويه عنها أحمد حتى بوقت له بارقة اليقين -وقد سنه الثلاثين- من سماوات كتب بعض المجتهدين» .

(1)

الطور الثاني: كان فيه مازجًا بين الصوفية والسلفية، أو طور المجاملة ويظهر أن هذه المرحلة لم تستمر معه طويلًا، وهذا هو المتوقع من عالم مثل أبي المعالي الذي يتمتع بعقلية نيرة ونفس طُلَعة، ومن كانت هذه صفته فإنه إذا بدأ الشيء لا تستريح نفسه إلا إلى النتيجة النهاية فيه، ومن أهم الأسباب في بداية تحوله كثرة المطالعة والتنقيب والاجتهاد.

يقول الأستاذ الأثري: «لما بلغ الألوسي هذا الطور من حياته، واتسعت آفاقه الذهنية والعلمية رأيناه يبدأ حالًا جديدة من أحوال التفكير والنزعات المذهبية المختلفة، .... وقد استقر اجتهاده -في جملة ما كان يمارسه من بحث ونظر واجتهاد- على الوقوف بوجه بعض هذه العقائد والنزعات وإدحاضها والبراهين» .

(2)

ويقول عن موقفه من التصوف في هذا الطور: «ووقف من التصوف موقفًا وسطًا في بادئ الأمر، لا متشيعًا له ولا خارجًا عليه، كما تمثل ذلك في كتابه «الأسرار الإلهية شرح القصيدة الرفاعية» الذي كتبه سنة 1305 هـ؛ فقبل منه ما وافق الكتاب والسُّنَّة، لكنه قال بالعلم بالباطن «الذي لم يسطر في

(1)

المصدر نفسه ص (99)، والمنار (م 25/ 379).

(2)

محمود شكري الألوسي وآراؤه ص (76).

ص: 41

الطروس، ولم يحفظ في الدروس، وإنما هو إلهام وتلقين من الله تعالى بغير واسطة» -حسب زعم القائلين به- واعتذر عن القائلين بالحلول والاتحاد بأن ما يقولونه ليس المراد به ظاهره الذي هو كفر محض، وإنما هو اصطلاح جروا عليه سترًا لاعتقادهم من دعاة الباطل، على حدِّ تعبيره، وفي الوقت نفسه أَبَى أن يلحق متشيخو عصره بهم، وحمل عليهم حملة شعواء».

(1)

ومما أضاء الطريق أمامه في هذه المرحلة خزانة عمه وأستاذه نعمان خير الدين المملوءة بكتب المصلحين والمجددين كابن تيمية وابن القيم، ومع وضوح الرؤية له لم يستطع أن يجاهر بآرائه، بل اضطر إلى المجاملة خشية أن يقع بيد من لا يخالف الله ولا يرحمه مع عدم من ينصره ويأخذ بيده، كما ذكر ذلك هو عن نفسه لتلميذه الأثري.

ومن علامة هذه المجاملة شرحه منظومة أبي الهدى الصيادي في مدح الرفاعي، وهي «الأسرار الإلهية» ، وقد قدَّمه إلى السلطان عبد الحميد فأجازه عليه بالتدريس في مدرسة السيد سلطا علي ببغداد.

(2)

الطور الثالث: «نبذ التصوف جملة وتفصيلًا وجاهر بدعوته إلى توحيد الله بالعبادة» ، بعد أبقي في الطور الثاني زهاء ثلاث سنوات تجلى له الإسلام الحقيق فانخلع مما كان عليه من العقائد الموروثة وتمسك بالكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف الأمة، وحمل على أهل البدع والخرافات وعباد القبور حملة شعواء وكتب فيهم عدة رسائل وكتب

(1)

محمود شكري الألوسي وآراؤه ص (76 - 77) بتصرف قليل.

(2)

انظر: أعلام العراق ص (99).

ص: 42

بعضها يبين فيها عقائدهم الفاسدة، وأخرى يدافع فيها عن بعض رموز الدعوة إلى توحيد الله.

وكانت بداية طوره الثالث سنة 1306 هـ عندما أعلن دعوته صراحة وانحيازه لأهل التوحيد في كتابه «فتح المنان»

(1)

وكان قبل هذا التاريخ لا يجرؤ أن يبين وضوح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو يدافع عنه لكنه في هذا الكتاب يدافع عن الشيخ دفاعًا مستميتًا، ويوضح أن دعوته لم تخرج عن الكتاب والسُّنَّة.

ومما قاله دفاعًا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وردًّا على من اتهمه بتكفير الناس:«والشيخ محمد بن عبد الوهاب كان من أحوط الناس في هذه المسألة، وقد سبق أول الكتاب بيان من يحكم عليهم بالكفر» .

(2)

وقال في مكان آخر: «إن هذا العراقي

(3)

الملحد الذي حادَّ الله ورسوله عبر عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رضي الله عنه بلفظ الدجال -والدجال اسم للكافر المعلوم- مع شهرة حال الشيخ وصلاح وقوة إيمانه وصلابة دينه، لم يأمر أحدًا بمنكر ولا بزور، بل كان يأمر بإحياء السُّنَّة وينهي عن الشرور، ويدعو إلى إخلاص التوحيد لله، وقطع الالتفات إلى ما سواه، وكان يأمر بالصدق والعفاف وصلة الأرحام وإكرام الضيف والأرامل والأيتام، وكان يعظم أنبياء الله ورسله وأولياءه العظام، ولم ينحرف عن جادة الشريعة المحمدية قيد شعرة، ومن

(1)

محمود شكري الألوسي وآراؤه ص (82).

(2)

فتح المنان ص (437).

(3)

هو داود بن سليمان بن جرجيس.

ص: 43

حكم الله تعالى ورسوله بكفره كفره

فبالله عليك أيها المنصف من الأحق باسم الدجال؟ أمحيي السُّنَّة ابن عبد الوهاب أم هذا العراقي طاغية العراق شيخ أرباب الضلال».

(1)

يقول الأستاذ الأثري في شأن تحوله إلى هذا الطور الأخير: «ثم ما لبث الألوسي أن أصحر عن انحيازه في جراءة وقوة إلى الحركة السُّنية السلفية، مع مقاومة الدولة العثمانية الصوفية لهذه الحركة الإصلاحية بكل قواها الرجعية، واستعلن وقوفه إلى جانبها بكتابه «فتح المنان» ، «تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان» الذي فرغ من تأليفه في غرة ذ ذي الحجة سنة 1306 هـ».

(2)

ويقول أيضًا: «فكان في أول أمره يؤمن بالتصوف ويكفر بشيوخه المعاصرين، ثم لما اتسعت آفاقه العقلية والعلمية واستنار بحقائق الشريعة أطرحه جملة، ولزم الزهد والورع على مراشد القرآن والسُّنَّة ومناهج السلف الأوائل الصالحين المصلحين في العلم والعمل والاتباع والشموخ على المادة ولم ير في الإسلام مكانًا لهذا التصوف الدخيل» .

(3)

وقال محمد كرد علي: «وكان قبل أن ينشد ساعده يجامل ويتقي فلما تمت فيه أسباب الدعوة لم تأخذه هوادة فيمن وقفوا في سبيلها» .

(4)

وفي ترجمة له كتبها بخطه وقف عليها أحمد تيمور نقلها في كتابه «أعلام

(1)

فتح المنان ص (439 - 440).

(2)

محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص (82 - 83).

(3)

محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية ص (52).

(4)

المعاصرون ص (32).

ص: 44

الفكر الإسلامي»، يقول عن نفسه: «ثم إني توغلت في أتباع سيرة السلف الصالح وكرهت ما شاهدته من البدع والأهواء ونفر قلبي منها كل النفور، حتى إني منذ صغري كنت أنكر على من يغالي في أهل القبور وينذر لهم النذور، ثم إن ألَّفت عدة رسائل في إبطال هذه الخرافات فعاداني كثير من أبناء الوطن وشرعوا يغيرون علي ولاة البلد، ويحرضونهم على كتابة ما يستوجب غضب السلطان علي

حتى جاء الأمر بإبعادي إلى جهة ديار بكر».

(1)

وعن هذا التحول الأخير يقول تلميذه الأثري في مكان آخر: «حتى إذا عُرف فضله وقوي ساعده، .... وصار له شأن يدفع به عاديات الاضطهاد خلع عنه ذلكم الرداء، رداء المجاملة والتقية، وهتف بضرورة تطهير الدين من أوضار البدع التي طرأت عليه ونبذ التقليد، وشن الغارات الشعواء على الخرافات المتأصلة في النفوس، بمؤلفات ورسائل زعزعت أسس الباطل فغاظ ذلك «أصحاب العمائم المكورة والأردان

(2)

المكبرة والأذيال المجررة» وصاروا يشنعون عليه في مجالسهم، وينبزونه بوهابي، ولم يزالوا يتربصون به الدوائر حتى كتبوا به إلى السلطان، وجاء الأمر بنفيه».

(3)

هذه هي أطواره التي أتى تقسيمها كالتالي:

الطور الأول: من أول حياته إلى بلوغه الثلاثين من عمره، وتوافق سنة 1303 هـ.

الطور الثاني: من 1303 هـ إلى 1306 هـ.

(1)

أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث ص (312).

(2)

الأردان جمع ردن، وهو أصل الكم. القاموس ص (1548) مادة «درن» .

(3)

أعلام العراق ص (100 - 101).

ص: 45

الطور الثالث: من 1306 هـ إلى 1342 هـ وهي سنة الوفاة.

ومن الفوائد التي يستفيدها القارئ من هذا التقسيم التاريخي؛ أنه إذا وقف على مؤلف للألوسي وقد كتبه قبل سنة 1306 هـ يكون في علمه أن المؤلف كان على غير عقيدة السلف في كثير من المسائل فيقرأ الكتاب بحذر.

*‌

‌ دعوته الإصلاحية وما لاقى في سبيلها من الأذى:

بعد أن صحح الشيخ الألوسي مصادر تلقيه ومعتقده، وجعلها وفق الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، فنراه بعدها نبذ التقليد الأعمى في السلوك والعقائد والعبادات وأخذ رحمه الله يدعو إلى ذلك في دروسه التي كان يؤمها كثيرون من طلاب العلم؛ وفي رسائله التي نشرها وتلقاها منه الناس -الذين صحَّت عقائدهم وزكت نفوسهم -بالقبول الحسن داخل العراق وخارجه، مما أوقد نار الحسد في قلوب الذين وقفوا حائلًا دون نشر هذه العقيدة الصافية -كما هو ديندنهم في كل عصر ومصر؛ إذ لم يخل أي عصر من علماء متزلقين إلى سلطان جائر وأناس متبعين لكل ناعق جاهل؛ فحاولوا -بشتى الطرق- النيل من الشيخ الألوسي، ولم يتيسر لهم ذلك إلا بعد أن تقلد أمور الولاية في بغداد «عبد الوهاب باشا» وهو من أصل ألباني؛ وكان رجلًا خرفًا يكره الإصلاح ودعاته فأخذوا يوسوسون له في أمر الشيخ رحمه الله ويزينون له أمرًا طالمًا حلموا به -ولبئس ما يتمنون -وهو نفي الشيخ إلى الأناضول؛ بغية إبعاده عن ساحة المواجهة، وإبعاده عن يشهر بوجوههم سلاح الحجة التي يعجزون أمامها.

فتم لهم ما أرادوا -في بداية الأمر- بما أبطنوا من غلٍّ على شيخنا الألوسي، ومضت سهامم الحقد لتنال من الشيخ بغيتها، فصدرت الإرادة

ص: 46

السلطانية بنفيه هو وكبار أصحابه وتلاميذه

(1)

إلى الأناضول، فأخذ من داره مخفورًا ليلة 22 محرم سنة 1323 هـ. ولما توجه ركب الشيخ وصحبه وبلغوا مدينة الموصل خرج إليه علماؤها والطيبون من أهلها فاستقبلوه بكل الحفاوة والتكريم مستنكرين أمر نفيه والنيل منه، فكتبوا بذلك إلى السلطان عبد الحميد الثاني موضحين له حقيقة الأمر وما ينبغي للسلطان عبد الحميد أن يقوم به من واجب باحترام هذا الشيخ الجليل، وعملوا على تصحيح ما سبق للسلطان أن تلقاه من أخبار بخصوص ذلك، فتم لهم الأمر، وصدرت الإرادة السلطانية بإلغاء أمر النفي وإعادته إلى بغداد معززًا مكرمًا.

وقد امتد بقاؤه مع صحبه في الموصل مدة شهرين، حاول خلالها المغرضون والمرجفون أن يمنعوا تلك المرسلات

(2)

من أن تصل إلى السلطان، إلا أن الله سبحانه قد أراد لهذا الأمر أن يتم، ولتدبير السوء أن ينجلي وتظهر حقيقته للعيان؛ ففشلوا في ذلك فشلًا ذريعًا، وعاد الألوسي رحمه الله وصحبه إلى بغداد مرفوعي الرءوس، وقد استقبله الطيبون من أهلها على مراحل بعيدة عن بغداد، بعد أن سمعوا بمقدمه وصدور العفو عنه.

(1)

كان برفقة الشيخ الألوسي في حادثة النفي كل من:

1 -

الشيخ علي علاء الدين الألوسي ابن عمه.

2 -

التاجر المعروف حمد العسافي.

3 -

الحاج عبد الرازاق الأعظمي -الذي علم بأمر إلقاء القبض عليهم فخرج من داره ولم يظفروا به.

(2)

كان من سعيهم الخبيث أن عمدوا إلى صاحب البريد في الموصل سائليه عدم رفع الرسائل إلى الباب العالي ومحاولة إتلافها بدل ذلك!!! لبئس ما عملوا ولبئس ما مكروا

ص: 47

وهكذا عاد الألوسي إلى حياته السابقة، وإلى دعوته الإصلاحية وهو أكثر همة وأبين حجة وأنصع جبينًا، وكأن الأمر كما قال الشاعر:

وإذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود

فعاد رحمه الله لدروسه ولطلابه وكتبه وكراريسه.

*‌

‌ مؤلفاته:

كان الألوسي رحمه الله من المكثرين من التأليف وسأكتفي هنا بذكر مؤلفاته الدينية الإصلاحية، حيث كان مكثرًا أيضًا من المؤلفات الأدبية والتاريخية ولكن المجال لا يتسع لذكرها.

1 -

«غاية الأماني، في الرد على النبهاني» .

قال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله في تقريظه هذا الكتاب ما نصه:

«كتاب مؤلف من سفرين كبيرين لأحد علماء العراق الأعلام المكنى بأبي المعالي الحسيني السلامي الشافعي هكتاب مؤلف من سفرين كبيرين لأحد علماء العراق الأعلام المكنى بأبي المعالي الحسيني السلامي الشافعي

(1)

، ردَّ فيها ما جاء به النبهاني في كتابه «شواهدالحق» من الجهالات والنقول الكاذبة والآراء السخيفة والدلائل المقلوبة في جواز الاستغاثة بغير الله تعالى، وما تعدى به طوره، من سب أئمة العلم وأنصار السُّنَّة كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى أن قال:

(1)

هذه هي المرة الأولى الوحيدة التي يعمد فيها الألوسي للتورية وعدم ذكر اسمه الصريح، بسبب الجو العام السائد في ذلك العصر؛ إذ يخشى أن يكيد له دعاة الخرافة.

ص: 48

«وفي هذا الكتاب ما لا أحصيه من الفوائد العلمية في التوحيد والحديث والتفسير والفقه والتاريخ والأدب والتصوف، وما انفرد به بعض المشاهير فأنكره العلماء عليه كالإنكار على الغزالي وابن عربي الحاتمي وغيرهما، فعلى هذا الكتاب نحيل الذين يكتبون إلينا من الشرق والغرب يسألوننا أن نرد على النبهاني» .

ومما تجدر الإشارة إليه أن الشيخ الألوسي لم يصرح باسمه علانية، وإنما استعاض عنه بكنيته؛ وما ذاك إلا دفعًا للسوء أن يُلَّم به من كثير ممن كانوا يتبوءون المراكز عند السلطان، ممن غلب عليهم حب النبهاني ومن على شاكلته. وقد طبع الكتاب في مطبعة كردستان العلمية في مصر بالتزام السلفي الشيخ عبد القادر التلمساني رحمه الله.

ولما كانت الحاجة إليه متجددة لظهور أحفاد النبهاني جدد، هيأ الله سبحانه وتعالى لهذا الكتاب من يخدمه؛ فطبع بحمد الله طبعة جديدة لطيفة على نفقة عبد العزيز ومحمد الجميح، فجزاهما الله خير الجزاء.

2 -

«الآية الكبرى على ضلال النبهاني في رائيته الصغرى»

بعد أن صدر الكتاب الأول في الرد على النبهاني وإطلاع يوسف النبهاني عليه نظم قصيدة ركيكعة وقد رمى أجلة أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب وغيرهما، بما هم برءاء منه فرد عليه العلامة محمود شكري.

ووسم كتابه «الآية الكبرى .... » وقد رد عليه أيضًا جماعة من الفضلاء نظمًا؛ منهم الشيخ سليمان بن سحمان العالم النجدي، والشيخ محمد حسن المرزوقي القطري، والشيخ علي بن سليمان اليوسف التميمي، والشيخ محمد بهجة البيطار العالم الدمشقي الجليل وغيرهم. وتوجد نسخة بخط المؤلف كتبها سنة 1330 هـ في مكتبة الآثار العامة المتحف العراقي،

ص: 49

برقم (8721/ 1). أما رد الشيخ ابن سحمان فتوجد منه نسخة مخطوطة برقم (8789) في (21) صفحة في المكتبة نفسها.

3 -

«فتح المنان، تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان» .

ذكر في أوله ما معناه؛ إن كتاب «صلح الإخوان» الذي ألفه الشيخ داود ابن سليمان، لما كان مشتملًا على ما يصادم الشريعة الغراء من الدعاء إلى عبادة غير الله وجواز الالتجاء إلى ما سواه وما إلى غير ذلك من الشبه.

وكان قد رد عليه بسبب ذلك الشيخ عبد اللطيف النجدي بكتاب جليل أسماه «منهاج التأسيس

» بيد أن لم يتمه؛ إذ وافاه الأجل، فأحببت أن أتطفل في أكماله

وقد جاء الكتاب في 258 صفحة مطبوعًا بالهند، بالتزام محي رفات المكارم الأمير الشيخ قاسم بن محمد بن ثاني حكم قطر.

4 -

«المنحة الإلهية، تلخيص التحفة الاثنى عشرية»

ألَّف الشيخ عبد العزيز الفاروقي كتاب «التحفة الاثنى عشرية» باللغة الفارسية، وترجمه الشيخ غلام محمد أسلمي الهندي. وقد رأى فيها الأستاذ الألوسي إطنابًا وتكرارًا لكثير من المسائل بعبارة بعيدة عن الفصاحة والانسجام، فلخَّصها وضم إليها فوائد جزيلة بهذا الكتاب، ثم أتمه، وذلك سنة 1301 هـ. وطبع في الهند في (200) صفحة بالقطع الكبير.

5 -

«السيوف المشرقة، مختصر الصواعق المحرقة» .

الأصل - الصواعق المحرقة- للشيخ محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي ابن خواجة محمد سميع الشهير بمولانا برخور ولد الحسيني الصديقي، وهو رد على الشيعة بليغ، اختصره الألوسي وأضاف إليه، فوقع في (303) صفحة بالقطع الكبير، وقد فرغ منه سنة 1303 هـ. وتوجد

ص: 50

نسخة بمكتبة الآثار العامة، المتحف العراقي، برقم (8628)، وهي بخط المؤلف رحمه الله.

6 -

«صب العذاب، على من سب الأصحاب»

رد على الشيعة أيضًا، يقع في (115) صفحة بقطع الربع، وقد نقض به أرجوزة للمدعو -الشيخ أحمد

(1)

زعم أنه يرد بها ما أقامه أبو الثناء جد الشيخ الألوسي -من الأدلة في كتابه «الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية» ، وقد طبع بفضل الله مؤخرًا.

7 -

«سعادة الدارين في شرح الثقلين»

رسالة في الرد على الشيعة باللغة الفارسية للشيخ عبد العزيز الملقب بغلام حليم ابن شاه ولي الله الدهلوي الفاروقي مصنف كتاب «حجة الله البالغة» .

وقد عرَّبها الألوسي رحمه الله وضم إليها بعض الفوائد المتعلقة بهذا الحديث، ورتبها على مقدمة ومقصد وخاتمة؛ فجاءت في نحو (40) صفحة، كتبها سنة 1336 هـ. وتوجد منها نسخة بخط المؤلف رحمه الله في مكتبة المتحف العراقي برقم (8872)، وهي مكونة من (26) صفحة.

8 -

«فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية للإمام محمد بن عبد الوهاب»

(1)

وهو اسم مستعار والصواب هو «محمد الطباطبائي» المتستر باسم «أحمد الفاطمي» ناقض به كتاب «الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية» للشيخ أبي الثناء الألوسي كتبه سنة 1340 هـ. وكثيرًا ما يعمد هؤلاء للتضليل في ذكر أسماءهم مصانة لا يمسها نقص ولا يتوجه إليه نقد، رد الله مكرهم، وجعل بغيهم فيما بينهم.

ص: 51

يتضمن مائة مسألة خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الجاهلية من الأميين والكتابيين، نشر باسم «مسائل الجاهلية

» وقد طبع في المطبعة السلفية بالقاهرة، الأولى سنة 1347 هـ، والثانية سنة 1376 هـ، ثم طبع مرة أخرى سنة 1398 هـ.

9 -

«كتاب ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة» .

وهو كتاب يُعنى بدراسة بعض الظواهر الفلكية واختلاف الناس فيها؛ فمنهم من يرى أنه تعارض بعض النصوص الواردة في الكتاب والسُّنَّة، ومنهم من يرى عكس ذلك، إلا أن للألوسي كلامًا لطيفًا في ذلك، وهو يقع في (100) صفحة بقطع الربع. وقد طبع في دمشق سنة 1960 م، ونشره المكتب الإسلامي.

10 -

«الدلائل العقلية، على ختم الرسالة المحمدية»

رسالة في نحو (37) صفحة، ذكرها الأثري ولم يعين مكان وجودها.

11 -

«عقد الدرر، شرح مختصر نخبة الفِكَر» ، وهو كتابنا هذا.

12 -

«كشف الحجاب، عن الشهاب في الحكم والآداب» .

13 -

«مختصر مسند الشهاب، في الحكم والآداب» .

الأصل للقضاعي؛ ويذكر الأثري أنه اختصره مع المؤلف، أشار إلى نسخة منه بخطه «الأثري» في خزانة الألوسي.

14 -

«منتهى العرفان والنقل المحض، في ربط بعض الآي ببعض» .

شرع فيه أوائل سنة 1341 هـ، فوافته المنية قبل إتمامه، رحمه الله.

15 -

«كنز السعادة، في شرح كلمتي الشهادة»

ص: 52

توجد منه في مكتبة المتحف العراقي برقم (8694)، كتبها سنة 1298 هـ في (56) صفحة، نسخة أخرى في مكتبة الأوقاف العامة برقم (13719)، مجاميع في (34) ورقة، وهي مسودة المؤلف، كتبها سنة 1298 هـ.

16 -

«الروضة الغناء شرح دعاء الثناء»

وهو باكورة مؤلفاته ألَّفه سنة 1294 هـ، وهو في (17) صفحة، وتوجد منه نسخة بخط محمود بن حسين بن قفطان، كتبها سنة 1298 هـ في مكتبة المتحف العراقي برقم (8580/ 1).

17 -

«إتحاف الأمجاد فيما يصح به الاستشهاد» .

وهو مؤلف صغير الحجم قيم المعنى، يقع في (9) صفحات كتبه سنة 1301 هـ، وتوجد منه نسخة في مكتبة المتحف العراقي برقم (8566/ 1).

18 -

«القول الأنفع، في الردع عن زيارة المدفع» .

وهو كتاب فريد في موضوعه، إذ يحاول المؤلف رحمه الله إرشاد الناس وتبصيرهم بأن ما هم عليه من الذهاب إلى مدفع -طوب أبي خزامة- والتبرك به إنما هو من أعمال الجاهلية الأولى التي جاء الإسلام لمحوها ووجوب إخلاص الدعاء والتوكل وغيرها من العبادات لله تبارك وتعالى. وقد قدمه المؤلف رحمه الله هدية إلى المشير هدايت باشا، ليمنع العوام من هذه الأعمال المضادة للدين الحنيف. وقد ترجم إلى اللغة التركية. وتوجد نسخة منه في مكتبة الأوقاف العامة برقم (5/ 13799)، مجاميع في ثلاثة ورقات.

ص: 53

*‌

‌ من مواقفه:

قضى العلامة محمود شكري ثمانية أعوام من الشيخوخة المريضة، وقد عاشها في سلطان الاحتلال البريطاني للعراق، كارهًا له برمًا به غاضبًا عليه، لا يرى في ظواهر طبيعته وبواطنها ما يلائم منطق العقل أو يغري بقبوله؛ لأنه سلطان غريب، فرض نفسه بالحديد والنار، وليس له بأهل البلاد صلة من صلات الدين أو الجنس أو اللغة أو المصالح والغايات العليا المشتركة في أمر جامع من أمور الحياة.

ومع أن هذا السلطان قد اصطنع مجاملته فوقره وتحبب إليه وحرص على رضاه، لم تكن نفسه لتلتقي معه على شيء.

وقد أهدى إليه الذهب، وبه فقر إليه وخصاصه، فاستغنى عنه ورده وزجر حامله إليه؛ وأحدث له المنصب الرفيع الذي كان يتهافت على أصغر منه الكبراء، وهو منصب قاضي القضاة فرفضه؛ لأنه شَرَكٌ يستدرجه إلى تعاونه معه، وينطوي ذلك على الإقرار بشرعية هذا السلطان على البلاد، وهو شيء لا يستقيم مع عقيدته وفكره وهدفه، وقد كان يشبه بالنار، ويشبه أعوانه بالمكواة التي تحمى بها.

ومن هنا قاطع أخاه الأكبر حين خالف مشورته فقبل وزارة العدل في عهد الانتداب، وأقام على مقاطعته حتى فرَّق بينهما الموت، ورضي لنفسه ما كان رضيه لها من قبل؛ من شرف العلم وحده، فمضى في سبيله إلى الغاية التي توجه إليها منذ طفولته، وانقطع انقطاعًا تامًا للتدريس والتأليف، وعكف على التعبد وحفظ القرآن وتدارسه، ضاربًا أروع أمثلة الزهد والكبر على السلطان ومغرياته، مؤثرًا جوهر الباقية على عرض الفانية.

(1)

(1)

محمود شكري وآراؤه ص (4).

ص: 54

*‌

‌ لجوء الدولة العثمانية إليه في آخر أيامها:

مع كل الذي لاقاه الشيخ الألوسي رحمه الله من ظلم وغمط من قبل الدولة العثمانية، بفعل سعي جهال العلماء وفساق الولاة، نرى الدولة تلجأ إليه في أيام محنتها وتحاول إقحامه في ميدان السياسة، مع ما عُرف عنه من بغض للسياسة ولأساليبها، فقد عرف أن السياسة لا تخلو من الكذب وانتهاز الفرص لتحقيق مآرب دنيوية ولو كانت على حساب الدين. فنراها عند نشوب الحرب العالمية الأولى، وبعد احتلال الجيش البريطاني لمدينتي الفاو والبصرة في جنوبي العراق، تنتدبه على رأس وفد

(1)

فيه ابن عمه العلامة علي علاء الدين بن نعمان الألوسي -الذي كان رفيقه في حادثة النفي- أن يؤم الرياض ليحمل أميرها عبد العزيز آل سعود رحمه الله للوقوف إلى جانب الدولة العثمانية في هذه الحرب، فسار إليه من طريق الشام والحجاز، وأبلغه هذه الرغبة، فشاركه الأمير هذا الشعور الإسلامي وما يجب على المسلم من نصرة أخيه المسلم في ساعة العسرة؛ مؤكدًا أن سجاياه العربية الإسلامية تملي عليه نسيان ما اقترفت هذه الدولة -العثمانية- من مآثم في تخريب دياره وتقتيل أجداده وقومه

(2)

،

(1)

ضم الوفد بالإضافة إلى الشيخ الألوسي وابن عمه الشيخ علي علاء الدين الألوسي، الحاج نعمان الأعظمي، والضابط الحاج بكر أفندي. وذلك لمنزلتهم المعهودة عند الأمير عبد العزيز آل سعود، بسبب رابطة العقيدة المتينة بينهم، رحم الله الجميع وأجزل مثوبتهم منه وفضله.

(2)

الحادثة أكبر من أن تذكر على هذه العجالة، حيث استعانت الدولة العثمانية بالمدعو «محمد علي باشا» حاكم مصر الذي عمل فيهم السيف تقتيلًا وتشريدًا خلال حملاته العدوانية المتكررة على نجد لاجتثاث الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب وسندها البيت السعودي، فقضى الله لتلك الدعوة بالخلود ولهؤلاء الأزلام ومن على شاكلتهم بالزوال

ص: 55

وأنه يود لو يستطيع أن ينضم إليها فيدفع عنها وعن العراق هذا العدوا، إلا أن الأمير عبد العزيز آثر أن يتخذ جانب الحياد في هذه الأمر بسبب حداثة إمارته وعدم تهيؤه لهذا الأمر، مما قد يلحق الضرر الجسيم به وبإمارته لو أن عمد إلى نصرة الدولة العثمانية التي لا ينفعها ذلك الدعم المتأخر البسيط.

وعندما رجع الألوسي بهذه النتيجة وبلغ دمشق بطريق عودته، وجد ناسًا من أعداء الإصلاح قد كادوا له عند جمال باشا السفاح.

متهميه بأنه هو الذي أشار على عبد العزيز بهذا الرأي، ولكنه أي: جمال باشا- صم أذنيه عن هذه الفرية لعلمه بإخلاص الألوسي وكراهيته للاستعمار.

(1)

*‌

‌ عنايته بنشر كتب علماء السلف:

كانت للألوسي جهود لا تنسى في مجال نسخ المخطوطات وإظهار بعضها إلى حيز المطبوع المنشور، وكان جل اهتمامه ينصب على كتب الإصلاح الديني التي نهل منها الشيء الكثير من مكتبة عمه الشيخ نعمان الألوسي، وكان أغلبها من كتب شيخ الإسلام تفي الدين أحمد بن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى؛ فكان حريصًا على اقتنائها عاملًا على نشرها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

(1)

ذكر ذلك جمال باشا السفاح خلال لقائه بالألوسي في دمشق. ينظر كتاب «أعلام العراق» ص (105 - 107) للأستاذ الأثري.

ص: 56

ويعود إليه الفضل -بعد الله- في طبع كثير من الكتب التي كانت طي النسيان، ومن هذه الكتب:

1 -

«منهاج السُّنَّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية» .

وهو للإمام شيخ الإسلام ابن تيمية، ويقع في 4 مجلدات، طبع بالمطبعة الأميرية الكبرى، القاهرة، سنة 1321 - 1322 هـ.

ولقد أغفل ذكر الألوسي عند طبعه إلا أن الأستاذ الأثري لديه بينات تؤيد نسخه ونشره للكتاب.

2 -

«بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول» .

وهو لابن تيمية أيضًا، وقد طبع على هامش الكتاب السابق.

3 -

«تفسير سورة الإخلاص» .

لابن تيمية أيضًا، طبع سنة 1323 هـ بالمطبعة الحسينية بالقاهرة على نسخة قرئت على الألوسي؛ كما نص على ذلك في أول الكتاب.

4 -

«جواب أهل العلم والإيمان» .

وهي رسالة لطيفة لشيخ الإسلام ابن تيمية في بيان فضل سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن، وقد قال الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله في مقدمته لهذا الكتاب ما نصه:«يرجع الفضل في تعريف أهل هذا العصر بهذا الكتاب النافع لعلامة العراق السيد محمود شكري الألوسي؛ فقد عثر على نسخة مخطوطة منه في بغداد، فنقلها بخطه وأرسلها إلى القاهرة سنة 1322 هـ، فطبعت بمطبعة التقدم، ثم أعيد طبعها سنة 1325 هـ بالمطبعة الخيرية» .

ص: 57

5 -

«مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة» .

وهو لابن القيم رحمه الله، ويقع في مجلدين، طبع بمطبعة السعادة سنة 1323 هـ، وكتب في أوله:«صحح هذا الأصل على نسختين؛ أولاهما وردت لنا من صاحب الفضيلة علامة العراق على الإطلاق ألوسي زاده السيد محمود شكري الألوسي -حفظه الله- وعليها علامة المقابلة بخطه» .

6 -

«شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل» .

وهو لابن القيم رحمه الله، ويقع في مجلد واحد، طبع بالمطبعة الحسينية المصرية سنة 1323 هـ، وجاء في آخره بقلم مصححه -بدر الدين النعساني الحلبي- ما نصه: «وبعد، فقد تم ولله الحمد طبع كتاب شفاء العليل

وذلك بعد عناء تصحيح النصف الأول على نسخة وصلتنا من صاحب الفضيلة علامة العراق على الإطلاق ألوسي زاده محمود شكري الألوسي -حفظه الله تعالى».

7 -

«تأويل مختلف الحديث» .

وهو للإمام ابن قتيبة الدينوري، وقد طبع على نفقة محمود الشابندر البغدادي، سنة 1323 هـ بمطبعة كردستان العلمية بالقاهرة، وكتب صاحب المطبعة في أول الكتاب:

«طبع وصحح على ثلاث نسخ، النسخة الواسطية المصححة بمعرفة أستاذي المفضال السيد محمود شكري الألوسي» .

وغيرها كثير يعجز عن حصرها ضيق المجال، وتقف عاجزة عن سرد محاسنها الأوراق الطوال، فجزى الله الشيخ الألوسي على ما قدم خير الجزاء وكل من سار على هديه الذي هو هدي سلف الأمة الأقوم،

ص: 58

وسبيلها لإعادة ما اندرس من دعائم هذا الدين القويم الذي جعله الله حجة على الخلق أجمعين منذ بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين.

*‌

‌ ثناء العلماء عليه:

إذا أردنا أن نذكر محاسن الألوسي وثناء العلماء عليه، فحسبنا في ذلك أن نذكر ما لهذا الرجل من سيرة عظيمة وإرث علمي رائع، يعد خير شاهد على ألمعية هذا الرجل وإخلاصه في سبيل رفعة هذا الدين إعلاء شأنه.

ولقد أثنى على الألوسي جماعةٌ من أهل العلم والفضل منهم العلامة محمد رشيد رضا -عليه الرحمة والرضوان- فقال يصفه في مجلة المنار بعد وفاته

(1)

:

«عالم العراق، ورحلة أهل الآفاق، ناصر السُّنَّة، قامع البدعة، محيي هدي السلف، حافظ فنون الخلف، علامة المنقول، ودراكة المعقول» .

أما ما قاله عند سماعه بنبأ وفاته فهو

(2)

:

«إن مصاب الأمة العربية، بل الأمة الإسلامية، بفقد علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي -لعظيم، وإن نصيبنا نحن منه لأعظم، فهو أخونا الأكبر وظهيرنا الأعظم، ومرجعنا في إحياء آثار السلف الصالح

».

أما علامة الشام الأستاذ الجليل محمد بهجة البيطار الدمشقي رحمه الله فقال: «علامة العراق، ذي الشهرة الطائرة في الآفاق، سيدنا

(1)

ينظر مجلة المنار (25/ 374) في مقال للشيخ/ محمد رشيد رضا رحمه الله ترجم فيه للفقيد الألوسي رحمه الله.

(2)

في رسالة كتبها الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله إلى العالم الجليل محمد بهجة البيطار الدمشقي رحمه الله لما سمع بنبأ وفاة الألوسي رحمه الله تعالى.

ص: 59

ومرشدنا السيد محمود شكري الألوسي». وقال البيطار رحمه الله «لو كان السيد الألوسي وليد الأيام أو نتيجة الأعوام، لكان المصاب فيه خفيف الوقع سهل الاحتمال، ولكنه من الأفراد الذين يجود العصر أو العصور بواحد منهم أو برجال يعدون على الأنامل، وهذا هو الذي يجعل الفجيعة بمثله أليمة والخطب عظيمًا» .

أما ما قاله الأستاذ محب الدين الخطيب

(1)

-عليه الرحمة والرضوان- فقد سبقت الإشارة إليه عند التنويه على إسهامات الشيخ في نشر كتب علماء السلف، وجهوده في إظهار كتاب «جواب أهل العلم والإيمان

» لابن تيمية رحمه الله.

ولقد كتب العالم المحقق صاحب السعادة أحمد تيمور باشا

(2)

؛ فقال: «قضى الله -ولا راد لقضائه- أن يفجع العلم بإمامه ونبراسه وأن يحرم المستفيدون من سندهم في حل معضلاته» .

وكتب أيضًا أحمد زكي باشا

(3)

؛ فقال: «أسفت جد الأسف على وفاة علامة العراق» .

(1)

هو أحد العلماء الأفذاذ الذين وقفوا في وجه البدع والتشيع والرفض؛ وله مؤلفات وتحقيقات كان له الأثر الطيب في توجيه النشء الجديد.

(2)

هو أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور عالم بالأدب، باحث، مؤرخ مصري من أعضاء المجمع العلمي العربي، ولد في القاهرة سنة 1288 هـ الموافق 1871 م، وهو كردي الأصل. جمع مكتبة قيمة حوت «18 ألف مجلد» ، وله مؤلفات في الأدب والتاريخ. نقلت مكتبته بعد وفاته إلى دار الكتب المصرية سنة 1348 هـ الموافق 1930 م. «الأعلام» (1/ 95).

(3)

أديب بحاثة مصري من كبار كتاب مصر ولد في الإسكندرية عام 1284 هـ الموافق 1867 م، لقب بشيخ العروبة، تخرج من كلية الحقوق بالقاهرة واتقن الفرنسية وله معرفة بالإنكليزية والإيطالية واللاتينية، تولى إحياء المخطوطات العربية عليها وله مكتبة قيمة جعلها وفقًا تحوي «10 آلاف كتاب» ذهبت بعد وفاته إلى دار الكتب المصرية. توفي سنة 1353 هـ الموافق 1934 م «الأعلام» (1/ 122).

ص: 60

أما ما قيل من قصائد ي رثائه حين وفاته ويوم تشيعه ودفنه فأكثر من أن تحصر، وأكثر من أن تذكر في هذه العجالة التي قد يحسبها بعض الناس طويلة.

*‌

‌ أواخر أيامه ووفاته:

أصيب رحمه الله في أواخر رمضان عام 1342 هـ بذات الرئة، فشعر بدنو أجله وقرب رحيله عن هذه الحياة الفانية، فطلب إلى أهله وأصحابه أن يكرموا نزله ولا يؤذوه بالأطباء وعقاقيرهم، ولبث كذلك ثلاثة عشر يومًا والمرض يزداد عليه وهو يزداد معه تجلدًا وصبرًا حتى توفاه الله عند أذان الظهر اليوم الرابع من شوال. ولقد تولى غسله بعض الفقهاء، وعجل بغداد وسط جموع مشيعيه ولم تشهد بغداد مثل تشييعه وجنازته، وقد صلَّى عليه جمع كثيف، بمبلغين كثيرين ينقلون تكبيرات الإمام، ودفن رحمه الله في مقبرة الجنيد البغدادي -حسب وصيته- وقبره قائم إلى اليوم يمين المداخل إلى المقبرة.

ولقد وري جثمانه الثرى بعد صلاة العصر، طيب الله ثراه وجعل فردوس الجنة مستقره ومأواه.

وقد صُليت على الفقيد رحمه الله صلاة الغائب في الكويت وجميع أنحاء نجد -حرسها الله- إذ كان وقع الخبر أليمًا عليهم، لما تربطهم به من وشائج العقيدة الصحيحة والدين القويم.

ص: 61

‌ترجمة صاحب «المختصر من نخبة الفِكَر»

(1)

لم تسفعنا كتب التراجم بشيء كثير عن حياة الشيخ عبد الوهاب الأحمدي رحمه الله ومما وقفنا عليه:

هو الشيخ عبد الوهاب بركات الشافعي الأحمدي.

‌من آثاره:

* «المختصر من نخبة الفِكَر» .

* «التيسير لمريد التفسير» .

‌وفاته:

لم يذكر من ترجم له تاريخ وفاته إلا أنهم ذكروا أنه كان حيًّا قبل سنة (1150 هـ).

(1)

انظر لترجمته: معجم المؤلفين (2/ 341)، تاريخ التراث العربي (2/ 390).

ص: 62

‌وصف النسخ الخطية:

‌وصف مخطوط «عقد الدرر»

عدد الأوراق: 56 ورقة.

قياسها: 15 × 20. 5.

عدد الأسطر: يتراوح ما بين (16 - 17) سطر في الصفحة.

خطها: واضح في الجملة، وإن لم تخل من بعض الأخطاء والتحريفات التي صوبناها من المصادر التي نقل عنها المؤلف.

الناسخ: السيد صالح بن السيد محمد بن السيد يوسف.

تاريخ النسخ: الأحد 31 ذي الحجة 1303 هـ.

وهذه النسخة قد نسخت عن نسخة بخط المؤلف وفي حياته حيث جاء في آخرها «قال مؤلفه -حفظه الله تعالى، وأبقاه، ونفع بعلومه: وقد فرغتُ من تسويده يوم الثلاثاء، بعيد الظهر لثماني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، من شهور السنة التاسعة والتسعين بعد المائتين والألف، ومن تبيضه يوم الأربعاء، بعد العصر، لثلاثٍ وعشرين ليلةً خلت من صفر الخير، من السنة الثانية بعد الألف والثلاث مائة، من الهجرة المباركة في بغداد دار السلام، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين» .

ص: 63

وأصل هذه النسخة محفوظ في المكتبة المركزية لجامع البصرة.

وعنه نسخة مصورة في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة برقم (182) حديث غير مفهرس.

‌وصف مخطوط «المختصر من نخبة الفِكَر»

وهي نسخة بخط واضح فُرغ من نسخها سنة (1326 هـ) وليس عليها اسم الناسخ.

وقد ذكر أنه نسخها عن نسخة بخط محمد الشيخ، فرغ من نسخها سنة (1324) وهي محفوظة ضمن مجموع في مكتبة جامعة الإمام محمد بن مسعود رقم (4987).

ص: 64

صورة الورقة الأولى

من كتاب «عقد الدرر»

ص: 65

صورة الورقة الأخيرة

من كتاب «عقد الدرر»

ص: 66

صورة الورقة الأولى

من «مختصر الأحمدي»

ص: 67

«المختصر من نخبة الفِكَر»

للشيخ عبد الوهاب بركات الشافعي الأحمدي

ص: 69

بسم الله الرحمن الرحيم

وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

فَهَذِهِ كَلِمَاتٌ سَمَّيْتُهَا: «الْمُخْتَصَر مِنْ نُخْبَةِ الْفِكَرِ» .

‌الْخَبرُ:

إِنْ رَوَاهُ فيِ سَائِرِ طَبَقَاتِهِ جِمْعٌ يَسْتَحِيلُ عَادَةً تَواطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَاسْتَنَدَ إلَى الْحِسِّ؛ فَهُوَ الْمُتَواتِرُ.

وَإِنْ رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ الثَّلَاثَةُ؛ فَهُوَ الْمَشْهُورُ.

وَإِنْ رَوَاهُ اثْنَانِ؛ فَهُوَ الْعَزِيزُ.

وَإِنْ رَوَاهُ واحِدٌ؛ فَهُوَ الْغَرِيبُ، وَيُقَالُ لَهُ: الْفَرْدُ الْمُطْلَقُ، إِنْ كَانَ التَّفَرُّدُ فيِ أَصْلِ السَّنَدِ؛ وإِلَّا فَهُوَ الْفَرْدُ النِّسْبِيُّ.

وَمَا سِوَى الْمُتَوَاتِرِ؛ آحَادٌ، وَبَعْضُهَا مَقْبُولٌ، وَبَعْضُهَا مَرْدُودٌ.

‌الْمَقْبُولُ:

إِنْ رَوَاهُ عَدْلٌ تَامُّ الْضَّبْطِ، وَاتَّصَلَ سَنَدُهُ، وَسَلِمَ مِنْ الشُّذُوذِ، وَمِنَ

ص: 71

الْعِلَّةِ القَادِحَةِ؛ فَهُوَ الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ.

وَإِنْ وُجِدَتِ الشُّرُوطُ الخَمْسُ، لَكِنْ خَفَّ الضَّبْطُ؛ فَهُوَ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ.

وَتَفَاوَتُ مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ بِتَفَاوُتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِالْقُوَّةِ.

وَيُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْحَسَنِ إِذَا كَثرت طُرُقِهِ.

وَزِيَادَةُ رَاوِي الصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ -مَقْبُولَةٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُنَافِيَةً لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ.

فَإِنْ خَالَفَ الرَّاوِي مَنْ هُوَ أَرْجَحُ؛ فَالرَّاجِحُ هُوَ: الْمَحْفُوظُ، وَمُقَابِلُهُ هُوَ: الشَّاذُّ.

وَمَعَ الضَّعْفِ؛ فَالرَّاجِحُ هُوَ: الْمَعْرُوفُ، وَمُقَابِلُهُ هُوَ: الْمُنْكَرُ.

وَمَا يُظَنُّ أنَّهُ فَرْدٌ نِسْبِيٌّ:

إِنْ وُجِدَ لَهُ مُوَافِقٌ، وَلَو مَعْنَىَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيِّهِ؛ فَذَلِكَ الْمُوَافِقُ هُوَ: الْمُتَابعُ، وَالْمُتَابَعَةُ: إِنْ كَانَتْ لِلرَّاوِي نَفْسِهِ؛ فَهِيَ التَّامَّةُ. وَإِنْ كَانَتْ لِشَيْخِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ؛ فَهِيِ الْقَاصِرَةُ، وَكلٌّ مِنْهُمَا يُفْيُد التَّقْوِيَةَ.

وَإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُشْبِهُهُ -وَلَوْ فِي الْمَعْنَى- مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ آخَرَ؛ فَهْوَ الشَّاهِدُ.

وتَتَبُّعُ الطَّرِيق هُوَ: الاعْتِبَارُ.

ثُمَّ إِنْ سَلِمَ الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِمِثْلِهِ؛ فَهُوَ الْمُحْكَمُ؛ وَإِلَّا: فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ؛ فَهُوَ مُخْتَلِفُ الْحَدِيثِ؛ وَإِلَّا: فَإِنْ عُرِفَ المُتَّأَخر؛ فَهُوَ النَّاسِخُ، وَالْآخَرُ الْمَنْسُوخُ.

ص: 72

‌وَالْمَرْدُودُ:

إِمَّا إَنْ يَكُونَ رَدُّهُ لِسَقْطٍ مِنَ السَّنَدِ، أَوْ طَعْنٍ فِي رَاوٍ:

فَمَا سَقَطَ أَوَّلُ سَنَدِهِ، تَصَرُّفًا مِنْ مُصَنِّفٍ؛ فَهُوَ الْمُعَلَّقُ.

وَمَا سَقَطَ صَحَابِيُّهُ؛ فَهُوَ الْمُرْسِلُ.

وَمَا سَقَطَ مِنْهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ مَعَ التَّوَاليِ؛ فَهُوَ الْمُعْضَلُ.

وَمَا سَقَطَ مِنْهُ وَاحِدٌ، وَلَوْ فِي مَوَاضِعَ؛ فَهُوَ الْمُنْقَطِعُ.

فَإِنْ خَفِيَ السُّقُوطُ بِأَنَ رَوَى عَنْ مُعَاصِرِهِ شَيئًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، بِصِيَغةٍ تَحْتَمِلُ السَّمَاعَ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّهُ لَقِيَهُ؛ فَهُوَ الْمُدَلَّسُ:

وَإِلَّا: فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ.

وَالطَّعْنُ يَكُونُ بِوَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ:

خَمْسَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعَدَالَةِ؛ وَهِيَ:

1 -

الكَذِبُ فيِ الْحَدِيثِ النَّبوِيِّ.

2 -

وَالتُّهَمَةُ بِذَلِكَ.

3 -

وَظُهُورُ الْفِسْقِ،.

4 -

وَالْجَهْلُ بِحَالِ الرَّاوِي.

5 -

وَبِدْعَتُهُ المُكَفِّرَةُ.

وَخَمْسَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالضَّبْطِ؛ وَهِيَ:

1 -

فُحْشُ غَلَطِهِ.

2 -

وَكَثْرَةُ غَفْلَتِهِ.

ص: 73

3 -

وَوَهْمُهُ.

4 -

وَمُخَالَفَتُهُ لِلثِّقَاتِ.

5 -

وَسُوءُ حِفْظِهِ.

وَالْوَهْمُ: كَوَصْلِ مُرْسِلٍ، وَإِدْخَالِ حَدِيثٍ فيِ حَدِيثٍ؛ وَهَذَا هُوَ الْمُعَلَّلُ.

‌والْمُخَالَفَةُ:

إِنْ كَانَتُ بِتَغَيْيِرِ سِيَاقِ الْإِسْنَادِ؛ فَهُوَ مُدْرَجُ الْإِسْنَادِ.

أَوْ بِدَرْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ؛ فَهُوَ مُدْرَجُ الْمَتْنِ.

أَوْ بِتَقْدِيِمٍ وتَأْخِيرٍ فِي الْأَسْماَءِ؛ فَهُوَ الْمَقْلُوبُ، وَقَدْ يَقَعُ الْقَلْبُ فِي الْمَتْنِ أَيْضًا.

أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ؛ فَهُوَ الْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

أَوْ بِإِبْدَالِ رَاوٍ، وَلَا مُرَجِّحَ؛ فَهُوَ المُضْطَرِبُ.

أَوْ بِتَغْيِيِر بَعْضِ الْحُرُوفِ بِالْنِّسْبَةِ إِلَى النَّقْطِ: هُوَ الْمُصَحَّفُ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّكْلِ: هُوَ المُحَرَّفُ.

‌وَالْإِسْنَادُ:

إِنِ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: فَالْمرْفُوعُ.

أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ: فَالْموْقُوفُ.

أَوْ إِلَى التَّابِعِيِّ، أَوْ منْ دُونَهُ: فَالْمَقْطُوعُ.

ص: 74

وَيُقَالُ لِلأَخِيَريْنِ: الْأَثَرُ.

وَالمُسْنَدُ: مَرْفُوُع صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهرِه الِاتِّصَالِ.

فَإِّنْ قَلَّ عَدَدُ رِجَالِ السَّنَدِ، وَانْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فَهُوَ الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ.

أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ؛ فَهُوَ الْعُلُوُّ النِّسْبِيُّ.

فِإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ في صِفَةِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرِّوَايَةِ؛ كَالسِّنِّ، واللُّقِيِّ: فَهُوَ الْأَقْرَانُ.

وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ: فَهُوَ الْمُدَبَّجُ.

وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُوْنَهُ: فَهُوَ رِوَايَةُ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِر.

وإِنِ اجتَمَعَ اثْنَانِ عَلَى شَيْخٍ، وَتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا: فَهُوَ السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ.

وَإِنِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيغِ الْأَدَاء، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْحَالَاتِ؛ فَهُوَ الْمُسَلْسَلُ.

وصَيَغُ الْأَدَاءِ: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنِي، ثُمَّ أَخْبَرَنِي، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرِئ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَأَنْبَأَنِي، ثُمَّ نَاوَلَنِي، ثُمَّ شَافَهَنِي، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيَّ -أيْ: بِالْإِجَازَةِ فِيْهِمَا- ثُمَّ عَنْ نَحْوُهَا.

وَعَنْعَنَةُ الْمُعَاصِرِ مُحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ، إِلَّا مِنَ الْمُدَلِّس، وَقِيِلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِمَا وَلَوْ مَرَّة؛ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ.

ثُمَّ الرُّوَاة: إِنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آَبَائِهِمْ فَصَاعِدًا: فَهُوَ الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ.

ص: 75

وَإِنِ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ خَطًّا، وَاخْتَلَفَتْ نُطْقًا: فَهُوَ الْمُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ.

وَإِنْ اتَّفَقَتِ الْأَسْمَاءُ، وَاخْتَلَفَتِ الْآَباءُ، أَوْ بِالْعَكْسِ: فَهُوَ الْمُتِشَابِهُ.

وَتَرَكْتُ تَفَاصِيلَ وَمُهِمَّاتٍ أَحَلْتُهَا عَلَى الْمُطَوَّلَاتِ؛ لِغَرَضِ الِاخْتِصَارِ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

(1)

(1)

وجد بهامش المخطوط ما نصه: قَالَ الشَّيْخُ الْأُسْتَاذُ، عُمْدَةُ الْمُحَقَّقِينَ، مُؤَلِّفُهَا الشِّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بَرَكَاتٌ الشَّافِعِيُّ الْأَحْمَدِيُّ: فَرَغْتُ مِنْ تَأْلِيفِهَا فِي خِتَامِ سَنَةِ (1150 هـ)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَرَغَ مِنْ نَقْلِهَا مُحَمَّد الشَّيْخ فِي رَبيع أَوَّل سَنَةَ (1324 هـ) وَنَقَلْتُهُ مِنْهُ سَنَةَ (1326 هـ).

وُجِدَ بِهَامِش الأصْلِ بَعْدَ ما تقدَّمَ: فَرَغْتُ مِنْ شَرْحِهَا، وَلَهُ الْحَمْدُ والْمِنَّةِ، حَسَبَ المرادِ، في أواخر ربيع الأَوَّل سَنَةَ 1299 هـ نفعنا الله به السيد محمود شكري الألوسي بخطه.

ص: 76

عقد الدرر

في

شرح مختصر نخبة الفكر

للعلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي

ص: 77

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمدك- اللهُمَّ على متواتر نعمائك

(1)

ومستفيض إحسانك وآلائِك، وأشكُرُكَ على ما مَنَحْتَنَا به من الحديث الصحيح، ومَيَّزْتَنَا به من المَنْطِق الفصيح، وأصلِّي وأسلِّم على سَنَدِ كلِّ مُرْسَل، والعُرْوَةِ الوُثْقَى لمن تمسَّك به وتَوَسَّل

(2)

، صاحبِ الخُلُق الحَسَن، ومَنْ تَسَلْسَلَتْ بوجوده أنواعُ المِنَن،

(1)

قوله: على متواتر نعمائك

إلى آخره.

فيه براعة الاستهلال، وهي كون نتين الكلام مناسب للمقصود.

(2)

التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يشرعه الله عز وجل، ولا يجوز التوسل لا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بغيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فلفظ التوسل" بالشخص و "التوجه" به والسؤال به فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة:

1 -

يراد به التسبب به، لكونه داعيًا وشافعًا مثلاً، أو لكون الداعي مجيبًا له مطيعًا لأمره، مقتديًا به فيكون التسبب إما بمحبة السائل له و اتباعه له و إما بدعاء الوسيلة وشفاعته.

2 -

ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل بشيء منه ولا بشيء من السائل بل بذاته، أو لمجرد الإقسام به على الله.

فهذا الثاني هو الذي كرهوه. ونهوا عنه، وكذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سببًا في حصول المطلوب. وقد يراد به الإقسام. اه.

"اقتضاء الصراط المستقيم" ص (416) وانظر "شرح العقيدة الطحاوية" ص: (237 - 238)، وقد نقل كلام شيخ الإسلام الذي ذكرته بالنص.

وقال العلامة عبد العزيز بن باز -متع الله بحياته- في سياق جوابٍ له عن أنواع التوسل المشروع والممنوع: "أما التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم، أو بذاته، أو بحقه، أو بجاه غيره من الأنبياء والصالحين أو ذواتهم أو حقهم، فمن البدع التي لا أصل لها؛ بل من وسائل الشرك، لأن الصحابة رضي الله عنهم وهم أعلم الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ وبحقه لم يفعلوا ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه". اه

"فتاوى مهمة تتعلق بالعقيدة" ص (23).

وقال العلامة الألبانى -متع الله بحياته- بعد أن ذكر أقسام التوسل المشروع، قال:"وأما ما عدا هذه الأنواع من التوسلات ففيه خلاف، والذي نعتقده وندين الله تعالى به أنه غير جائز ولا مشروع، لأنه لم يرد فيه دليل، تقوم به الحجة، وقد أنكره العلماء المحققون في العصور الإسلامية المتعاقبة، مع أنه قد قال ببعضه بعض الأئمة، فأجاز الإمام أحمد التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم وحده فقط، وأجاز غيره كالإمام الشوكاني التوسل به وبغيره عن الأنبياء والصالحين، ولكننا -كشأننا في جميع الأمور الخلافية- ندور مع الدليل حيث دار، ولا نتعصب للرجال، ولا ننحاز لأحد إلا للحق كما نراه ونعتقده، وقد رأينا في قضية التوسل التي نحن بصددها الحق مع الذين حظروا التوسل بمخلوق، ولم نر لمجيزيه دليلاً صحيحًا يُعتد به، ونحنُ نطالبهم بأن يأتونا بنص صحيح صريح، من الكتاب أو السنة فيه التوسل بمخلوق، وهيهات أن يجدوا شيئًا يؤيد ما يذهبون إليه، أو يسند ما يدعونه، اللهم إلا شبهًا واحتمالات". ثم شرع يردها ويفندها.

"التوسل أحكامه وأنواعه" ص (46 - 47).

وقد بينا في المقدمة أن الشارح (الألوسي) قد مر بعدة مراحل حتى استقر على عقيدة أهل السنة، وأن كتابه هذا كان مما ألف في أوائل حياته.

وقد نقَّد مثل هذه الأقوال في كُتبه المتأخرة، ك "غاية" الأماني في الرد على النبهاني وغيرها.

ص: 79

وارتفعَتْ بِبِعْثته جميعُ المِحَن

(1)

، المنقطِعِ إلى الله، والمُتَّصِلِ بعبادة مولاه، جَلَّ شأنه وعُلَاه، وعلى آله الذين يَكِلُّ مَتْنُ الدهر عن حَمْل مناقبهم،

(1)

قوله رحمه الله: "ومن تسلسلت بوجوده أنواع المنن، وارتفعت ببِعْثته جميع المحن" فيه مجاوزة للحد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه:"لا تطروني كما أطرت النصاري عيسى بن مريم".

وكذا في ثنايا سجعات هذه المقدمة ألفاظٌ أُخر العدول عنها أولى وأسلم.

ص: 80

وشريفِ خصالهم، وينحني كاهلُ الأزمنة عن رفَعْ محاسنهم، ومَزِيِد كمالهم، شموسِ فَلَكِ الهداية، وبدور سماء الرواية والدراية، وعلى أصحابه الذين رَوُوْا من زلاله، ورَوَوْا عنه جميعَ أفعاله و أقواله، باعوا عزيز نفوسِهِمْ، حتَّى غدا غَرِيبُ الدِّين بهم موصولَ الرَّحِم، وكَشَفُوا غَيَاهِبَ الجهالات حتى اتضح بذلك كل مُشْكِلٍ ومُعْضَلٍ ومُدْلَهِمّ؛ وبعد:

فيقول الفقيرُ إلى الله تعالى، الهادي: السيدُ محمود شُكْرِي بْنُ السيّدِ عبد اللهِ بهاء الدِّينِ بْن أبي الثَّنَاءِ شِهَابِ الدِّينِ، الحُسَيْنِيُّ، الآلُوسِيُّ، البغداديُّ:

إن أحقَّ العلومِ بالتقديم، وأَجْدَرَ الفضائل بالتَّبْجيل والتعظيم، وأحْسَنَ ما تُصْرَفُ له الأعمار، وتُوَجَّهُ إليه الهِمَم والأفكار، الاشتغالُ بعلْمِ الحَدِيث، الممدوحِ في القديم والحديث؛ كيف لا: وهُوَ الذي يُعْرَفُ به سائر التكاليف والأحكام، ويتميَّزُ به الحقُّ من الباطل والحلالُ من الحرام، والعارفُ به مرفوعُ القَدْر في كلِّ قَرْنٍ وعَصْر [من الكامل]:

أَهْلُ الْحَدِيِثِ عِصَابَةُ الْحَقِّ

فَاَزُوا بدَعْوَةِ سَيِّدِ الْخَلْقِ

فَوُجُوهُهُمْ زُهْرٌ مُنَضَّرَةٌ

لأْلَاؤُهَا كَتَأَلُّقِ الْبَرْقِ

(1)

.

لاسيَّما عِلْمُ أصوله الذّي هو مَبْنَاه، وأساسُهُ الذي يَقُوم عليه أوَّلُهُ

(1)

يشير في البيت الأول إلى قوله صلى الله عليه وسلم لا تزال عصابةٌ من أمتي على الحق ظاهرين. أخرجه أحمد (5/ 103)، ومسلم (1922)، وابن حبان (3837)، والطبراني (1891)، من حديث جابر بن سمرة، وأخرجه مسلم (1924) عن عقبه بن عامر، وله شواهد أخرى كثيرة عن جماعة من الصحابة.

أما في البيت الثاني:

إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءً سمع مقالتى فوعاها، فأداها كما سمعها، فربَ مُبلغ أوعى من سامع" أخرجه الترمذي (2656)، وأبو داود (3660)، وأحمد (5/ 183)، والدارمي (1/ 75)، وابن حبان (67)، وابن أبي عاصم في السنة (94)، و لأبي عمرو أحمد بن محمد المديني (ت-333) جزء جمع فيه طرق هذا الحديث، وهو مطبوع بتحقيق بدر البدر طبع دار ابن حزم عام 1415 و لشيخنا العلامة عبد المحسني بن حمد العباد دراسة بعنوان "حديث نصر الله امرءًا سمع مقالتي و وعاها. رواية و دراية"مطبوع عام 1401 والطحاوي في مشكل الآثار. (1/ 232)، من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.

ص: 81

ومُنْتَهَاه، ويتميَّز به القِشْرُ من اللُّبَاب، ويَرْتَفِعُ به عن الأبصار الحِجَاب، به يَتَبَيَّنُ ما يُقْبَلُ من الكلام، ويُعْرَفُ ما لَهُ مِنَ الأنواع والأَقْسَام؛ وتظهرُ لطائِفُه، وتَبْرُزُ نُكَتُهُ وطرائفه، وقد كَثُرَ فيه التأليف؛ وأُشْبِعَ الكلامُ عليه في التَّصَانيف، حتَّى لم يَبْقَ فيه قَوْلٌ لقائل، ولا نَظَرٌ في مسألةٍ من المسائل، وهكذا كلُّ عِلْمٍ من العلوم؛ مِنْ منطوقها والمفهوم؛ فصار المتصدِّي -اليَوْمَ- لتأليف كتاب؛ كالراقم على الماء عند ذوي الأَلْبَاب، بَيْدَ أنِّي وجَدَتُّ مَتْنًا جامعًا لعرَرِ هذا الفنِّ وقواعِدِه، حاويًا لفرائِدِ مَسَائِلِهِ وفوائِدِه، مشتملًا على مباحثَ هي لُبَابُ آراء المحدِّثين، من المتقدِّمين والمتأخِّرين، ليس له نَظيرٌ في بَابِه، ولا مُمَاثلٌ له ولا مُشَابِه، بوجازة لَفْظٍ تتحيَّرُ فيه الألباب، وحُسْنِ سَبْكٍ يُقْضَى منه العَجَبُ العُجَاب، للعالم العَلاَّمهْ؛ والكامل الفَهَّامهْ، مولانا الشَّيْخِ عبد الوَهَّابِ بَرَكَاتٍ الشَّافعيِّ الأحمديّ، عليه رحمة مولاه الأبديّ.

ولم أَظْفَرْ على شَرْحٍ له تنشرحُ قلوبُ الطَّالبِينَ بَمْكُنونِ فرائِدِه، ويَظْهَرُ من مطويِّ إشاراتِهِ مَنْشُورُ فوائِدِه، مع أنَّه لا ينبغي أن يُتْرَكَ مِثْلُ هذا ويُهْمَل، ولا يليقُ أنْ يُعْرَضَ عنه ويُغْفَل.

فحدَّثَتْنِي نَفْسي، وسَارَّني حَدْسي، بما يستوجبُ الاستغفار، ويُطْلَبُ منه الفِرَار، ممُّا تَشْتَدُّ إليه الضرورة: من شَرْحٍ يُذَلِّل من اللفظ صِعَابَه، ويكشفُ عَنْ وَجْه المعاني نِقَابَه؛ حيثُ إِنَّ ذلكَ مسلكٌ خطير، لا يَسْلُكُهُ إلا خبير، وإِنِّيٍ وإنْ بذلْتُ في تحصيل هذا الفنِّ شَطْرًا من الزمان، لَسْتُ مِنْ فُرْسَان هذا الميدان، فَضَرَبْتُ عن ذلك صَفْحًا، وخاطَبْتُ نفسي بما

ص: 82

يَرْدَعُهَا تخويفًا ونُصْعَا، على أنَّ مِثْلَ هذا الفنِّ قد نَضَبَ اليوم مَاؤُه، وذهَبَ والأمْرُ لِلَّهِ تعالى رُوَاؤُه، وعَرَا أزهارَهُ الذُّبُول، وتُرِكَ في زوايا الخُمُول، والمتحدِّثُ به مُنْتَقَص، والمُشْتَغِلُ فيه منغَّص، وإنَّ الرغبات -اليَوْمَ- ممتدَّةٌ أعناقُهَا نَحْوَ تحصيل الأموالُّ؛ والتفاخُرِ للأنْذَال والأرزال

(1)

؛ فما أفادَتْ مدافَعَتي، ولم ينفعْ نُصْحِي ولا مؤاخَذَتِي؛ بل كَثُرَ الإلحاح، وزاد الاقْتِرَاح، وأكَّدَ ذلك الداعِيَ وافرُ رَغْبة بعض الإخوان، ومزيدُ حَثِّي وتَشْويقي على ما هنالك في كل آن، فَرَكِبْتُ تلكَ الشدائدَ والأخْطَار، واقتحمْتُ هَاتِيكَ الزَّوايا القرار، وكَلَّفْتُ نَفْسي فوق الطاقَهْ، وشَدَدتُّ عَلى كاهل العَزْم نِطَاقَهْ، حِرْصًا على ألاَّ يَبْقَى مِثْلُ هذا الكتاب، مضروبًا علَيْهِ من الخُمُولِ باب، وخدمةً للإخوان، إن وقع ذلك لَدَيْهِمْ في حَيِّزِ الاِسْتِحْسان، وسَمَّيْتُه:"عِقْدَ الدُّرَر، فيِ شَرْح مُخْتَصَرِ نُخْبَةِ الْفِكَر"

والله أسْأل أن ييسِّر لي ذلك، ويسهِّلَ لي هاتيك المسالك، وأنْ ينفَعَ به

(1)

قال الإمام الذهبي المتوفى سنة (748 هـ) بعد أن ذكر رجال الطبقة الثامنة في كتابه "تذكرة الحفاظ": "فهؤلاء المسمون في هذه الطبقة هم ثقات الحفاظ ولعل قد أهملنا طائفة من نظرائهم فإن المجلس الواحد في هذا الوقت كان يجتمع فيه أزيد من عشرة الآف محبرة يكتبون الآثار النبوية ويعتنون بهذا الشأن، وبينهم نحو من مائتي إمام قد برزوا وتأهلوا للفتيا فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بهم أعداء الحديث والسنة ويسخرون منهم وصار علماء العصر في الغالب عاكفين على التقليد في الفروع، من غير تحرير لها، ومكبين على عقليات من حكمة الأوائل وآراء المتكلمين من غير أن يتعقلوا أكثرها فعم البلاء واستحكمت الأهواء، ولاحت مباديء رفع العلم وقبضه من الناس. فرحم الله امرءاً أقبل على شأنه، وقصر من لسانه، وأقبل على تلاوة قرآنه وبكى على زمانه وأدمن النظر في الصحيحين، وعبد الله قبل أن يبغته الأجل اللهم فوفق وارحم". اه. "تذكرة الحفاظ"(2/ 530).

قلتُ: هذا كلام الألوسي المتوفى سنة والذهبي من قبله المتوفى سنة (748 هـ) فماذا نقول نحن في هذا الزمان فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ص: 83

العباد، وأَنْ يجعله ذُخْرًا إلى يَوْم التَّنَاد.

قال المصنِّف عليه الرحْمَة -: "بسْم اللَّهِ الرَّحْمن الرَّحيم"

لا يخفى أن الكلام على البَسْملة ونحوهَا شهير، لا حاجَةَ لنا [إليه] في مثل هذا التقرير، فالأَوْلَى بنا الاكتفاءُ بما لابُدَّ من ذِكْره، وهو تحقيقُ الخَبَرِ والإنشاء في الجملة المقدَّرة بها البسملَةُ - أعني: قولنًا: "أُؤَلِّفُ مستعينًا أو متبِّركًا باسم الله

إلخ"؛ فنقول: لا شكَّ أن قولنَا: "مستعينًا" أو "متبرِّكًا" حالٌ من فاعل "أُؤَلِّف" وقد تقرَّر أن الحال قَيْدٌ في عاملها، فههنا: مُقيَّد وقَيْد.

والأَوَّل: خبر، لصِدْقِ حَدِّ الخبر عليه، وهو: ما يتحقَّق مدلولُهُ بدون ذِكْر دالِّه، ولا شُبْهَةَ أنَّ الدالَّ يتحقَّق خارجًا بدون ذِكْر "أُؤَلِّف".

والثاني: إنشاءٌ؛ لِصِدْق حَدِّ الإنشاء عليه؛ وهو: ما يتحقَّقُ مدلولُهُ بذكْرِ دالِّهِ؛ ولا شكَّ أن كُلًا من الاستعانة والتبرُّك، لا يتحقَّق مدلولُهُ بدون ذِكْر اللفْظِ الدالِّ عليه؛ وهو قولنا:"مستعينًا" أو "متبرِّكًا".

فقد أتَّضَحَ محَلُّ الخبريَّة والإنشائيَّة في جُمْلة البَسْملة، وسقَطَ استشكالُ كَوْنِهَا إنشائيَّةً؛ بأنَّ شأن الإنشاء لا يتحقَّق مدلوله بدون ذِكْر اللفْظِ الدالِّ عليه، والأمْرُ -هنا- ليس كذلك؛ لتحقُّق التأليف بدُون ذكْر "أُؤَلِّف"، وكونُهَا خبريَّةً بأنَّ الخَبَرَ شأنُهُ تحقُّقُ مدلوِلِه بدون ذِكْرِ اللفْظِ الدالِّ عليه، وما هنا: ليس كذلكَ؛ لأنَّ الاستعانَةَ -مثلًا- لا يتحقَّق مدلولُهَا بدون ذِكْر اللفظ الدالِّ عليها، والقَوْلُ بأنَّ الجملة بتمامها إنشائيةٌ؛ تبعًا لإنشاء المتعلَّق -: غَيْرُ سَدِيد.

وفي هذا المقامِ زيادَةُ تحقيقٍ ذكرْتُهُ في "كَنْز السعادة"

(1)

.

(1)

هو كتاب "كنز السعادة، في شرح كلمتي الشهادة" منه نسخة خطية في مكتبة المتحف العراقي برقم 8694، وتقع في (56) ورقة وقد فرغ من كتابتها في سنة 1298 هـ.

ص: 84

"وصلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آله وَصِحْبه وَسَلَّمَ:

جملةٌ خبريَّةٌ لفظًا، إنشائيةَّ معنًى، لقَصْد الدعاء، ولم تُذْكَرْ في الصَّدْر الأوَّل في صدر الرسائل؛ بل إنما حَدَثَتْ في زمن ولاية بني هاشِمٍ، - أعني: بني العباس.

واختلف في أوَّل من كَتَبَ هذا فقيل: السَّفَّاح

(1)

، وقيل: هارُونُ الرَّشِيدٌ

(2)

، ثُمَّ مضى العمل على استحبابه، ومِنَ العلماء مَنْ يختِمُ بها الكتابَ أيضًا.

وفي عَطْفها على البَسْملة خلافٌ، ورأيتُ في "بدائع الفوائد"

(3)

للحافظ

(1)

هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي الهاشمي العباس المنصور ولد سنة خمس وتسعين هو مؤسس دولة بني العباس، قال الذهبي في "العبر": كان طويلاً مهيبًا أسمر خفيف اللحية، رجب الجبهة، وكان يخالط أبهة الملك بزي أولي النسك، ذا حزمٍ وعزم ودهاءٍ ورأيٍ وشجاعةٍ وعقل، وفيه جبروتٌ وظلم. اه مات سنة ثمان وخمسين ومئة، وله ثلاثٌ وستون سنة، وكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة. انظر ترجمته في:"تاريخ الطبري"(7/ 469)"تاريخ بغداد"(10/ 53)"العبر"(1/ 228).

(2)

هو هارون بن المهدي محمد، بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي الهاشمي العباسي، روى عن أبيه وجده، ومبارك بن فضالة روى عنه: ابنه المأمون وغيره، قال الذهبي: كان من أنبل الخلفاء، وأحشم الملوك، ذاحج وجهاد، وغزوٍ وشجاعةٍ ورأي، قيل: إنه "كان يُصلي في خلافته في كل يوم مئة ركعة إلى أن مات، ويتصدق بألف، وكان يحبُّ العلماء، ويُعظم حُرمات الدين، ويبغض الجدال والكلام، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لاسيما إذا وُعِظ".

توفي سنة ثلاث وتسعين ومئة وكانت خلافته، ثلاثًا وعشرين سنة انظر ترجمته في:"تاريخ بغداد"(14/ 15) و"العبر"(1/ 243) و"سير أعلام النبلاء"(9/ 286).

(3)

هو أحد كتب العلامة ابن القيم وقد حوى نكات وقواعد، في النحو واللغة وغيرهما، وهو مطبوع في مجلدين.

ص: 85

ابن القيِّم

(1)

- قدَّس اللَّه سرَّه، ونوَّر ضريحه:"قولُ المصنِّفين: "بسْمِ الله الرحمن الرحيم، وصلى اللَّه على محمَّد وآله" قد استشكَلَهُ طائفةٌ، وقالوا: الفِعْلُ بعد الواو دعاءٌ بالصَّلاةِ، والتسميةُ قبْلَهُ خَبَرٌ، والدعاءُ لا يَحْسُنُ عطفُهُ على الخَبَرِ، فلو قلُتَ: "مَرَرْتُ بزيْدٍ، وغَفَرَ الله لك" لكانَ غَثًّا من الكلام، والتسميةُ في معنى الخَبَر؛ لأنَّ المعنى: "أفعَلُ كذا باسم الله"، وحجَّة مَنْ أثبتها الاقتداءُ بالسلف.

والجوابُ عمَّا قاله هؤلاء: أنَّ الواو لم تعْطِف دعاءً على خبر وإنَّما عَطَفَتِ الجملة على كلامٍ مَحْكِيٍّ؛ كأنك تقول: "قلْتُ: باسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على محمَّد" أو: أقولُ هذا وهذا، أو: أكتُبُ هذا وهذا"

(2)

. انتهى.

(1)

هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي شمس الدين المشهور بابن قيم الجوزية، ولد سنة إحدي وتسعين وستمئة سمع الشهاب النابلسي، وعيسى المطعم، وأبي بكر بن عبد الدائم، ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية من سنة 712 هـ إلى وفاته سنة 728 هـ وانتفع به قال ابن رجب: "تفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفاً بالتفسير لا يجارى فيه: وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية

" قال: "وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة، وإلانابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له

، وصنف رحمه الله تصانيف كثيرة جداً في أنواع العلم وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب مالم يحصل لغيره ومنها: تهذيب سنن أبي داود، زاد المعاد في هدي خير العباد، مدارج السالكين، حادي الأرواح، غيرها كثير توفي رحمه الله سنة إحدى و خمسين و سبع مئة انظر ترجمته في:"ذيل طبقات الحنابلة"(2/ 447)"البداية والنهاية"(14/ 234)"الدرر الكامنة"(4/ 21)"شذرات الذهب"(6/ 168) "

(2)

"بدائع الفوائد" لابن القيم (1/ 22).

ص: 86

"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ": قال النوويُّ

(1)

: "يستحبُّ الحمْدُ في ابتداء الكُتُب المصنَّفة؛ وكذا في ابتداء دُرُوس المدرِّسين، وقراءةِ الطالبين بَيْنَ يَدَىِ المعلِّمين؛ سواءٌ قرَأَ حديثًا أو فِقْهًا أو غَيْرَهُمَا، وأحسَنُ العبارات في ذلك: الحَمْدُ للَّهِ ربِّ العالميِن"

(2)

. انتهى.

ولم يخالف المصنِّفُ بتَقْديم البَسْملة، وجملةِ الصلاة [على الحَمْدَلة]-: قولهُ- صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيِه بِحَمْدِ اللَّهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ"

(3)

؛ لحمل الابتداءِ فيه على الإضافيِّ.

(1)

هو الإمام محيى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، قال فيه الذهبي: الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام، سمع من الرضي ابن برهان، وزين الدين بن عبد الدائم، وجمال الدين ابن الصيرفي وغيرهم.

قال تلميذه ابن العطار: كان حافظًا للحديث وفنونه ورجاله، وصحيحه وعليله رأسًا في معرفة المذهب، وله تصانيف كثيرة، منها:"شرح صحيح مسلم""رياض الصالحين"، "الأزكار"، "الأربعين"، "الإرشاد"، "المجموع"، "روضة الطالبين" وغيرها كثيرتوفي رحمه الله سنة ست و سبعين و ست مئة. انظر ترجمته في:"تذكرة الحفاظ"(4/ 1470).

(2)

تهذيب الأسماء واللغات انظر المجموع (1/ 5) وشرح صحيح مسلم (1/ 43).

(3)

أخرجه أبو داود (4840) وابن ماجة (1894) والنسائي في عمل اليوم والليلة (1894) وأحمد (2/ 359) والدارقطني (1/ 229) وابن حبان (578 - موارد) والبيهقي (3/ 208 - 209) كلهم من طريق الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن ا لنبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وكذا قال البيهقي في سننه، وقال الدارقطني: تفرد به قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأرسله غيره عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرة ليس بقوي في الحديث والمرسل هو الصواب. اه

ورجح المرسل أيضًا في "العلل"(8/ 29 - 30) فقال: يرويه الأوزاعي واختلف عنه، فرواه عبيد الله بن موسى وابن أبي العشرين والوليد بن مسلم وابن المبارك وأبو المغيرة عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري كذلك ولم يذكر قرة، ورواه وكيع عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث ضعفه الألباني في "الإرواء" رقم (2).

ص: 87

وغَيَّرَ الأسلوبَ في الجُمَلِ؛ قَصْدًا لموافقةِ حَمْدِهِ حمْدَ الله تعالَى في كتابه جَلّ شأنه، وتَنْشيطًا للقارئين.

وفي الحَمْدِ كلامٌ لا يَسَعُهُ هذا المقام؛ كيف لا، وقد شَبِعَتْ مِنْه بُطُون المطوَّلات، وضاق عن الإحاطة به نطاقُ العبارات.

"وَالصَّلاة وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبه أَجْمَعِينَ":

كرَّرها؛ جَرْيًا على العادة المأْلُوفة في ورودها بعد الحَمْد، واختارَ الجملةَ الأسْميةَ؛ لأنَّها أَبْلَغ، ولِتُوافِقَ جُمْلةَ الحمد، وكونُهُ عليه الصلاة والسلام سيِّدَ المرسلين-: مما لانزاع فيه عند المحقِّقين؛ لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للِنَّاسِ} [آل عمران: 110].

والآلُ عند إمامنا الشافعيِّ

(1)

رضي الله عنه: مؤمنو بني هاشم والمُطَّلِب؛ كما دلَّ عليه مجموعُ أحاديثَ صحيحةٍ؛ لكنْ بالنِّسْبة إلى الزَّكَاة

(1)

هو الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي المطلبي أبو عبد الله ناصر الحديث، أخذ الفقه عن مسلم بن خالد الزَّنجي مفتى مكة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعمه محمد بن علي بن شافع، وسفيان بن عيينة، وفُضيل بن عياض وغيرهم، حدث عنه الحُميدي، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم وأحمد بن حنبل، وأبو يعقوب البويطي، وأبو ثور، وحرملة بن يحيى، وعبد العزيز الكناني وغيرهم، قال الذهبي:"صنف التصانيف ودون العلم ورد على الأئمة متبعًا للأثر وصنف في أصول الفقه وفُروعه، وبَعدُ صيته، وتكاثر عليه الطلبة".

قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيتُ أعقل ولا أفقه من الشافعي وأنا أدعو الله له أخصه به وحده في كل صلاة، وقال النسائي: كان الشافعي عندنا أحد العلماء ثقة مأمونًا، وقال ابن عبد الحكم: إن كان أحد من أهل العلم حجة فالشافعي حجة في كل شيء توفي رحمه الله سنة أربع ومئتين.

انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير"(1/ 42)، "تاريخ بغداد"(2/ 56)، "سير أعلام النبلاء"(10/ 5)، "تهذيب التهذيب"(9/ 23).

ص: 88

والفَىْء دون مقام الدعاء؛ ومِنْ ثَمَّ: أختار النووي

(2)

في "شرح مسلم"

(3)

والأزهري

(4)

وغيرُهُمَا من المحقِّقيِن، أنهم هنا: كُلُّ مؤمنٍ تَقِيٍّ، لقوله -صلى الله تعالى عليه وسَّلم- "آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ"

(5)

لكنْ سنده ضعيفٌ.

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

شرح صحيح مسلم (2/ 124). وانظر المجموع 1/ 120.

(4)

محمد بن أحمد بن الأزهري بن طلحة الأزهري اللغوي الشافعي الهروي سمع ببلده من الحسين بن إدريس، ومحمد بن عبد الرحمن السامي وعدة، وسمع ببغداد من أبي القاسم البغوي، وابن السراج وغيرهم.

روى عنه: أبو عبيد الهَروي مؤلف الغريبَين، وأبو يعقوب الِقَراب، وأبو ذر عبدُ بن أحمد الحافظ، وسعيد بن عثمان القرشي وآخرون.

كان رأساً في اللغة والفقه، من تصانيفه: تهذيب اللغة، وكتاب التفسير وكتاب تفسير ألفاظ مختصر المزني المسمي بالزاهر، وشرح ديوان أبي تمام وغيرها.

توفى سنة 371 هـ، وقيل سنة 370 هـ.

انظر ترجمته في: "بغية الوعاة"(29)"معجم الأدباء"(17/ 164)"وفيات الأعيان"(4/ 334)"سير أعلام النبلاء"(16/ 315)"العبر"(2/ 356)"شذرات الذهب"(3/ 72).

(5)

أخرجه العقيلي في الضعفاء (4/ 287)، وتمام في فوائده كما في المقاصد الحسنة ص (5)، وأبو بكر الشافعي في الرباعيات، وأبو الشيخ في عواليه، وأبو بكر الكلاباذي في مفتاح المعاني كما في "الضعيفة" (1304) كلهم من طريق نافع أبي هرمز عن أنس قال:"قيل يا رسول الله: من آل محمد قال كل تقي" قال العقيلي: لا يتابع عليه -أي نافع- والحديث ذكره البيهقي في الشعب (2/ 225) وقال: أبو هرمز ضعفه أهل العلم بالحديث وتركوه ونافع ضعفه أحمد وجماعة وكذبه ابن معين، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة.

وينظر "الجرح والتعديل"(8/ 455) و"الميزان"(9007) و"المغني"(2/ 693).

وللحديث طريق آخر عن أنس، أخرجه الطبراني في "الصغير"(1/ 115) وفي "الأوسط"(3332) من طريق نعيم بن حماد ثنا نوح بن أبي مريم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس به.

وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم.

قال الهيثمي في المجمع (10/ 272): "وفيه نوح بن أبي مريم وهو ضعيف". اه قلت: بل هو وضاع، قال الحافظ في التقريب (ص- 567):"كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع". وزيادة على نوح فشيخه نعيم ضعيف.

وقد توبع نوح على هذا الحديث تابعه النضر بن محمد الشيباني عند الديلمي كما في المقاصد (ص: 5) لكن في إسناد هذه المتابعة محمد بن مزاحم وهو متروك، والنضر غير معروف، قاله العلامة الألباني في "الضعيفة"(1304).

وللحديث طريق ثالث ذكره الشيخ الألباني وعزاه لأبي بكر الشافعي في "الرباعيات" وقال الألباني: إسناده واهٍ جدًا، وفيه محمد بن سليمان بن هشام أبو جعفر الخزاز المعروف بابن بنت مطر الوراق وهو متهم.

والحديث ضعف أسانيده السخاوي في "المقاصد"(ص-605).

والشيخ الألباني في "الضعيفة"(1304) وقال: "وجملة القول أن الحديث ضعيفٌ جدًا لشدة ضعف رواته وتجرده من شاهد يعتبر به".

ص: 89

"الصَّحْب" اسْمُ جمعٍ ل"صاحب"؛ كما قال سيبويه

(1)

، أوجَمْعٌ له؛ كما قال الأخفش

(2)

؛ وبه جزم الجوهريُّ

(3)

، ومعناه العُرْفِيُّ معلومٌ.

(1)

هو أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قَنبر الفارسي ثم البصري، قال الذهبي: طلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية، فبرع وساد أهل عصره، وألف فيها كتابه الكبير الذي لا يُدرك شأوه فيه، استملى على حماد بن سلمة، وأخذ النحو عن عيسى بن عمر، والخليل، وأبي الخطاب الأخفش الكبير، قال إبراهيم الحربي: سمي سيبويه، لأن وجنتيه كانتا كالتفاحتين بديع الحسن، وقيل: كان فيه مع فَرْطِ ذكائه حُبْسةٌ في عبارته، وانطلاقٌ في قلمه.

قيل مات سنة ثمانين ومئة وقيل ثمان وثمانين ومئة.

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد"(12/ 195)، "معجم الأدباء"(16/ 114)"إنباه الرواة"- للقفطي (2/ 346)"سير أعلام النبلاء"(8/ 351)"بغية الوعاة"(2/ 229).

(2)

هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي النحوي، أبو الحسن الأخفش الأوسط، أخذ النحو عن سيبويه وصحب الخليل، وكان معلماً لولد الكسائي. وقد سمى بالأخفش أحد عشر نحويًا ذكرهم السيوطي في "المزهر" ثم قال:"حيث أطلق في كتب النحو الأخفش، فهو الأوسط". أشهر كتبه. تفسير معاني القرآن، والاشتقاق، وغيرها توفي سنة عشر ومئتين وقيل غير ذلك انظر ترجمته في "بغية الوعاة"(1/ 590)"المزهر"(2/ 405)"إنباه الرواة"(2/ 36).

(3)

هو إسماعيل بن حماد التركي أبو نصر صاحب كتاب "الصحاح"، وأحد من يُضرب به المثل في ضبط اللغة، وكان يحبُ الأسفار والتغرُّب، دخل بلاد ربيعة ومُضر في تطلُّب لسان العرب، ودار الشام والعراق، ثم عاد إلى خُراسان، فأقام بنيسابور يُدرس ويصنف ويُعلم الكتابة، وينسخُ المصاحف. وقد أخذ العربية عن أبي سعيد السِّيرافي، وأبي علي الفارسي، وخاله صاحب"ديوان الأدب" أبي إبراهيم الفارابي، قال القفطي: مات سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة. انظر ترجمته في: "معجم الأدباء"(6/ 151)، "إنباه الرواة"(1/ 194)"بغية الوعاة"(1/ 446)"شذرات الذهب"(3/ 142).

وانظر: المصباح المنير (1/ 333، القاموس المحيط (1/ 91)"مقدمة ابن الصلاح"(293) شرح النووي على صحيح مسلم (1/ 35)، البحر المحيط (4/ 301) إرشاد الفحول (70) والمجموع (1/ 120).

ص: 90

وعِدَّة الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- عِنْدَ وفاتِهِ عليه الصلاة والسلام مائةٌ وأربعةَ عَشَرَ ألفًا؛ على ما ذكره بعضُ المحقِّقين

(1)

.

وإفتاءُ العِزِّ بن عبد السَّلام

(2)

بأنَّ الأَوْلَى الاُقتصارُ على ما وَرَدَ من ذِكْر

(1)

هذا قول أبي زرعة الرازي وقد نقله عنه النووي في "التقريب" مع ينظر التدريب (2/ 220).

وقد اعترض على هذا الحافظ العراقي فقال في "التقييد والإيضاح" ص (305 - 306): وفي هذا التحديد بهذا العدد نظر كبير وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البوادى والقرى والموجود عن أبي زرعة بالأسانيد المتصلة إليه ترك التحديد في ذلك وأنهم يزيدون على مائة ألف كما رواه أبو موسى المديني في ذيله على الصحابة لابن منده باسناده إلى أبي جعفر أحمد بن عيسى الهمداني قال: قال أبو زرعة: توفي النبي صلى الله عليه وسلم ومن رآه سمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة وكل قد روى عنه سماعًا أو رؤية: انتهى، وهذا قريب لكونه لا تحديد فيه بهذا القدر الخاص وأما ما ذكره المصنف عن أبي زرعة فلم أقف له على إسناد ولا هو في كتب التواريخ المشهورة.

(2)

هو الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن المعروف بعز الدين أبو محمد السلمي الشافعي الملقب بسلطان العلماء سمع على أبي الحسين أحمد بن الموازيني، والخُشُوعي، وسمع القاسم بن عساكر، وابن طَبَرْزَد وجماعة، روى عنه: تقي الدين ابن دقيق العيد، وهو الذي لقبه بسلطان العلماء، وهبة الله القفطي وأبو الحسين اليونيني، مهر في العربية ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب وبلغ رتبه الاجتهاد، وصار رأس الشافعية في وقته، وكان عاقلاً ناسكاً، ورعًا زاهدًا متقشفًا، أمارًا بالمعروف نهاءً عن المنكر، لا يخافُ في الله لومة لائم، له مصنفات كثيرة منها:"قواعد الأحكام"، بداية السول في تفضيل الرسول وكتاب "شجرة المعارف""والإمام في أدلة الأحكام" وغيرها كثير.

توفي رحمه الله سنة 660 هـ. انظر ترجمته في: "البداية والنهاية" 13/ 335 "طبقات الشافعية" للسبكي (8/ 209)"العبر"(5/ 260)"مفتاح السعادة"(2/ 353).

ص: 91

الآلِ والأزواجِ، والذُّرِّيَّة دون الأصحاب-: محمولٌ على صلاة التشهُّد، دون الصلاة خارجَ الصلاة.

وهذه الجملة -أيضًا- خبريَّةٌ يراد بها الإنشاء، فكأنه قال:"اللهُمَّ، صلِّ وسلِّم على سيِّد المرسلين" أي: اللهمَّ، عَظِّمْةُ في الدنيا: بإعلاءِ ذِكْره، وإظهار دينه، وإبقاءِ شَرِيعته، وفي الآخرة: بتَشْفيعه في أُمتَّه، وإجزالِ أَجْره، ومَثُوبته، وإبداءِ فَضْله للأوَّلين والآخرين- بالمقام المحمود، وتَقْديِمهِ على كافَّة المقرَّبين الشهود. إنتهى.

وتفسيرُهَا بالتعظيمَ كُلٍّ بحَسَبِ ما يليقُ به؛ كما ذكره الهَيْتَمِيّ

(1)

.

وذَهَبَ جماعةٌ كثيرون إلى أنَّها مِنْهُ تعالى الرحمةُ، ومِنَ الملائكةِ استغفارٌ، ومن غيرهما تضُّرعٌ ودعاءٌ، وفي ذلك كلامٌ طويلٌ لايَسَعُهُ هذا المقام

(2)

.

ومعنى "السَّلام": التحيَّةُ؛ وهو المراد من سلام الله تعالى عَلَى أنبيائه؛

(1)

هو أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي شهاب الدين والهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم من أقليم الغربية بمصر أخذ عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، والشمس السمهودي، والشهاب الرملي وغيرهم، من تصانيفه: تحفة المحتاج لشرح المنهاج للنووي. الصواعق المحرقة، الإعلام بقواطع الإسلام، الزواجر عن اقتراف الكبائر، وغيرها، مات سنة ثلاث وسبعين وتسع مئة.

انظر ترجمته في: "شذرات الذهب"(8/ 370)، "البدر الطالع"(1/ 109).

(2)

انظر لذلك "بدائع الفوائد" ص 22، "جلاء الأفهام" ص 72، و"القول البديع":75.

ص: 92

فاندَفَعَ استشكالُ سلام اللَّهِ عليهم بأنَّهُ دعاء، وهو لا يُتَصوَّرُ من الله تعالى إليهم، لأنَّهُ المُطَّلَبُ، والله مَدْعُوٌّ ومطلوبٌ منه، لا داعٍ وطالب.

وقيل: المرادُ اسمُهُ تعالى، فتأويل "السلامِ" كما قال المجد اللغوي

(1)

.

والحافظ السخاوي

(2)

: "لاخَلَوْتَ من الخيرات والبركات، وسَلِمْتَ من المكاره والآفات، إِذْ كان اسْمُ الله إنما يُذْكَرُ على الأمور؛ توقُّعًا لاجتماع

(1)

هو محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي مجد الدين الفيروزأبادي ولد بفارس واهتم به والده وأسمعه في صغره، ورحل في طلب العلم فرحل إلى العراق والشام واليمن وغيرها، وسمع من التقي السبكي وابن القيم، وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي، والعلائي وغيرهم وأخذ عنه جهابذة عصرهم كالحافظ ابن حجر، والصلاح الصفدي، وابن عقيل النحوي، والجمال الأسنوي وغيرهم قال التقي الكَرْماني. كان عديم النظير في زمانه نظمًا ونثرًا،

جاب البلاد، وسار إلى الجبال والوهاد، ورحل وأطال النَّجعَة، واجتمع بمشايخ كثيرة عزيزة: وعَظُمَ بالبلاد. اه إلا أنه كان معظمًا لابن عربي صاحب وحدة الوجود وألف في نصرة مذهبه، ومن تصاينفه:"القاموس المحيط"، "بصائر ذوي التمييز""سفر السعادة"، "عدة الحكام في شرح عمدة الأحكام".

وغيرها توفي في زبيد سنة سبعة عشر وثمان مئة. انظر ترجمته في: إنباء الغمر (7/ 159) لابن حجر، "الضوء اللامع"(10/ 79) للسخاوي، "بغية الوعاة"(1/ 273)"مفتاح السعادة"(1/ 119)"البدر الطالع"(2/ 280).

(2)

هو محمد بن عبد الرحمن الملقب بشمس الدين أبو الخير السخاوي القاهري الشافعي، أخد عن النور البلبيسي، والزين عبد الغني الهيثمي، والتقي الشمني، ولازم الحافظ ابن حجر وانتفع به أشد الانتفاع، وقد سمع منه معظم مصنفاته، وأذن له في الإقراء والإفادة والتصنيف، وتدرب به في طريق أصحاب الحديث، ومعرفة العالي والنازل، والكشف عن التراجم والمتون، وغير ذلك. من تصانيف السخاوي:"الضوء اللامع" لأهل القرن التاسع، والذيل على رفع الإصر عن قضاة مصر، و"القول البديع" في الصلاة على الحبيب الشفيع، والمقاصد الحسنة وغيرها كثير توفي بالمدينة النبوية سنة اثنتين وتسع مئة. انظر ترجمته في:"الضوء اللامع"(8/ 2)، "البدر الطالع"(2/ 184)، "شذرات الذهب"(8/ 15) الأعلام (6/ 194) معجم المؤلفين (10/ 150).

ص: 93

معاني الخير والبَرَكَة، وانتفاء عوارض الْخَلَلِ والفساد عنها".

(1)

وقيل: هو بمعنى السلامة من النقائص؛ فإذا قُلْتَ: "اللهمَّ، سلِّمْ على محمَّد" فإنما تريد: اللهمَّ، اكتُبْ لمحمَّد في دعوته وأُمَّته وذِكْره- السلامَةَ من كُلِّ نقص؛ فتزدادُ دَعْوَتُهُ على مَمَرِّ الأيام عُلُوا، وأُمَّتُهُ تكاثُرا، وذِكْرُهُ ارتفاعًا.

قال السخاويُّ: "ويحتمل أن يكونَ مِنَ المسالمة والاِنقياد؛ كما قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدِوُ فيِ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا، قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 56] "

(2)

؛ فمعنى السلام -على هذا- اللهمَّ، صَيِّرِ العِبَادَ.

مُنْقَادين مُذْعِنِين له ولشريعته.

وجَمَعَ بين الصلاة والسلام؛ لكراهةِ إفراد: أحدهما عن الآخر؛ كما صرَّح بها الإمام النووي

(3)

في "الأذكار"

(4)

وغيره؛ مستدلاًّ بورود الأمَرْ بها في قوله تعالى {يَأَيُّهَا الَّذِيَن آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]؛ لكنْ قال الحافظ السخاويُّ.

في "القول البديع"

(5)

: إن مَحَلَّ ذلك فيما إذا لَمْ يَردْ الاقتصارُ فيه؛ كالقنوت؛ على أن بعضهم توقَّف في إطلاق الكراهة؛ قال: لو صلَّى في وقْتٍ، وسلَّم في وقتٍ آخر -فإنه يكونُ ممتثلًا.

: "أَمَّا بَعْدُ":

كلمةٌ يُؤْتَى بها؛ للانتقال من أسلوبٍ إلى آخر؛ فلا يُؤْتَى بها في أول الكلام، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يأتي بها في خُطَبِه وكُتُبِهِ، فهي سُنَّةٌ، وكذلكَ

(1)

"القول البديع" ص 75.

(2)

"القول البديع" ص: 75.

(3)

تقدمت ترجمته.

(4)

الأذكار ص (120).

(5)

"القول البديع" ص: 35 ونقل نحو هذا عن شيخه الحافظ ابن حجر.

ص: 94

الصحابةُ رضي الله عنهم حتَّى رَوَى بعضُ الحُفَّاظ ذلك عن أربعين صحابيًّا

(1)

.

"فهذه كلماتٌ":

الكلامُ علَى مثل هذه الإشارة شهيرٌ، قلَّما تجد كتابًا خاليًا عن ذِكْره.

وكلمات: من جموع القِلَّة، يُطْلَق على ثلاثة وعَشَرَةٍ وما بينهما؛ كجَمْع المذكَّر السالم، وفي "شرح الرضيِّ"

(2)

: أنَّ الظاهر أنَّهما -أي: جَمْعَيِ السلامةِ- لمُطْلَق الجمع من غير نظر، لا القلَّة والكَثْرة، فيَصْلُحَان لهما، والحقُّ الأوَّل؛ وَهُوَ الذي ذَهَبَ إليه الشيخ ابن الحاجب

(3)

- رَوَّحَ الله تعالى رُوحَهُ- وعليه: فالتعبير به؛ ترغيبًا لِحِفْظها، وأنَّها لا تحتاج في

(1)

نقل الحافظ في فتح الباري (2/ 470): "قال سيبويه: أما بعد معناها؛ مهما يكن من شيء بعد، وقال أبو إسحاق- هو الزجاج -: إذا كان الرجل في حديث فأراد أن يأتي بغيره قال أما بعد

" ثم ذكر الأقوال في أول من قالها، وقال بعد ذلك: "وقد تتبع طرق الأحاديث التي وقع فيها "أما بعد "الحافظ عبد القادر الرهاوي في خطبة الأربعين المتباينة له، فأخره عن اثنين وثلاثين صحابيًا. منها ما أخرجه من طريق ابن جريج عن محمد بن سيرين عن المسور بن مخرمة:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب خطبة قال: أما بعد" ورجاله ثقات وظاهره المواظبة على ذلك". اه وينظر. الإرواء. رقم 7.

(2)

الرضي هو محمد بن الحسن الاستراباذي من تصانيفه "شرح الشافية لابن الحاجب في التصريف"، "شرح الكافية" لابن الحاجب في النحو، وغيرها. توفي سنة (686 هـ)، انظر ترجمته في:"شذرات الذهب"(5/ 395)، "بغية الوعاة"(248).

(3)

هو عثمان بن عمر بن أبي بكر، أبو عمرو، جمال الدين المالكي المعروف بابن الحاجب، قال أبو شامة:"كان ركنًا من أركان الدين في العلم والعمل، بارعًا في العلوم الأصولية وتحقيق علم العربية ومذهب الإمام مالك. له تصانيف مفيدة، منها: "الجامع بين الأمهات" "المختصر في أصول الفقه" "الكافية" النحو، و"الشافية" في الصرف. توفي سنة ست وأربعين وست مئة. انظر ترجمته في: "الديباج المذهب" (2/ 86) "شذرات الذهب" (5/ 234) "وفيات الأعيان" (2/ 413) ".

ص: 95

تعلُّمها إلى فسيح مُدَّة -كما في غيرها من الكتب المؤلَّفة في هذا الفَنِّ- كما لا يَخْفَى؛ فهي مثلُ قوله تعالى {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 183، 184].

"سَمَّيْتُهَا: المُخْتَصَر، مِنْ نُخْبَةِ الْفِكَر":

الاسم: هو المجموع، وأسماء الكُتُب والرسائل: قيل: هي أعلامٌ شخصيَّة، وقيل: جِنْسيَّة، وقد بيَّنَ ذلك العلاَّمة عصام الدين

(1)

في شرحه على "العَضُديَّة

(2)

، في عِلْم الوَضْع"

(3)

، أَتَمَّ بيان.

(1)

هو عصام الدين إبراهيم بن محمد الاسفرائيني من علماء خراسان وما وراء النهر، قال ابن العماد: هو من بيت علم ونشأ وهو طالبًا للعلم فحصل وبرع وفاق أقرانه، وصار مشارًا إليه بالبنان، وكان بحرًا في العلوم، له التصانيف الحسنة النافعة في كل فن من تصانيفه:"شرح الشمائل للترمذي"، "شرح الكافية في النحو" و"شرح العضدية"، وشرح لكتاب تلخيص المفتاح، توفي في حدود سنة 951 هـ انظر ترجمته في "شذرات الذهب"(8/ 291).

(2)

وتعرف بالرسالة العضدية في علم الوضع أو الرسالة الوضعية مؤلفها هو عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، عضد الدين الإيجي الشيرازي وإيج من نواحي شيراز تتلمذ على زين الدين السهنكي أحد تلامذة البيضاوي، مات مسجونًا سنة 756، ومن أبرز تلامذته شمس الدين الكرماني وسعد الدين التفتازاني. انظر "طبقات الشافعية"(10/ 46)"الدرر الكامنة"(3/ 110). "البدر الطالع"(1/ 326)، ورسالته الوضعية مطبوعة ضمن مجموع مهمات المتون. وانظر كشف الظنون (1/ 877).

(3)

قال طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة (1/ 125): "هو علمٌ باحث عن تفسير الوضع، وتقسيمه إلى الشخصي، والنوعي، والعام والخاص، وبيان حال وضع الذوات، والهيئات، إلى غير ذلك من الأحوال. وموضوعه وغايته، ومنفعته، لا يخفى على المتدرب. وهذا علم "نافع في العاية إلا أنه لم يدون بعد، ولقد ذكر نبذًا"منها مولانا عضد الدين في رسالته:"الوضعية"لكنها قطرة من البحر، ورشفة من ذلك النهر "اه.

ص: 96

والاختصارُ يُطْلَقُ ويراد به تارةً: حَذْفُ ما يُسْتَعْننَى [عنه] وذكْرُ ما لابدَّ مِنْه، وتارةً: التعبيرُ عن المعنَى المراد بأقَلَّ من عبارة المتعارف، والظاهر: أنَّ المراد به هنا الأوَّل.

و"نُخْبَة الفِكَر": هو كتابُ العالم العلاَّمة، البحَرْ الفهامةْ، جامع المعقول والمنقول؛ جاوي الفُرُوع والأصول، حُجَّة وَقْتِهِ، وفريد عصره، شيخ الإسلام، الشيخ الحافظ مولانا أَحْمَد، الشهير بابْن حَجَرٍ العسقلانيِّ -روَّح الله تعالى رُوحَهُ فلقَدْ كان إمامًا في كل فَنٍّ، ولا سيَّما في علْمِ الحديث؛ فلقد شرح "البُخَارِيَّ" بشَرْح ليس له نظير، حتى قيل:"إنَّ مَنْ شرح البخاريَّ بعده، فهو عيالٌ عليه"، وقد اشتهَرَ شرقًا وغربًا، وذلك فضْلُ الله يُؤْتيه من يشاء، وليس مِثْلُ هذا المقام يَسَعُ ذِكْرَ مزاياه وعَدَّ مؤلفاتِهِ، وقد اعتذروا عما وقَعَ له -عليه الرَّحْمَة- في هذا الكتاب وشَرْحِهِ له؛ بأنه قد أَلَّفَه وهُوَ على جَنَاحِ السَّفَر

(1)

، كذا ذكره لي بعْضُ الفضلاء.

(1)

نقل العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بالأمير في شرحه على نظم نخبة الفكر المسمى إسبال المطر ص (9) عن العلامة محمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير- وكان من المعاصرين للحافظ ابن حجر-: "أن الحافظ كتب في سفره إلى مكة المكرمة سنة سبع عشرة وثمان مئة من الهجرة مختصرًا بديعًا في علوم الحديث". اه

وأشار إلى ذلك الأمير الصنعاني في نظمه لنخبة الفكر فقال:

وبَعدُ فالنخبة في علم الأثر

مُختصرٌ يا حبذا من مختصر

ألفها الحافظ في حال السفر

وهو الشهاب بن علي بن حجر

بينما ذكر الحافظ السخاوي في كتابه الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر أن الحافظ فرغ من تأليفها سنة اثنتي عشرة وثمان مئة. وانظر شرح نخبة الفكر "للشيخ عبد الكريم الأثري ص (19) ".

ص: 97

فإن قيل: كَيْفَ فَعَلَ ذلك المصنِّف؛ ومن شأنِ مَنْ نَقَلَ كلامَ غيره: أن يَشْرَحَهُ ويفسِّرهُ ولا يَخْتَصِرَهُ، ونَرَى كثيرًا من الناس - كالمصنِّف- يَنْقُلُون كلامَ غيرهم ويختصرونه، فكيف ساغَ لَهُمْ ذلك؟! وأيُّ فائدة في الاختصار؟!

فالجواب: أنَّ من اختَصَرَ لم يَنْقُلِ اللفظ، وإنما ينقل المعنَى بلَفْظٍ أقلَّ من لَفظْ الأَصْل وأخْصَرَ؛ وإنما يفعل ذلك لأنه محمودٌ مرغُوبٌ فيه؛ يدلُّ عليه قوله تعالى في وصَفْ الجنة:{وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} [الزخرف: 71]؛ فاكتفى بهذا عن شَرْحٍ طويل، وقال تعالى:{وَلَكُمْ فيِ الِقْصَاصِ حَيَاةٌ ياَ أُوِلي الألَبْابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] ومعناه: أنَّ القاتلَ إذاعلم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ - كَفَّ عن القتل؛ فلا يقتل؛ فاخْتُصِرَ هذا كلُّهُ في قوله تعالى: {فيِ الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} يعني: حياةَ القاتل والمَقْتُول. وقال صلى الله عليه وسلم: "أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَتْ لِيَ الْحِكْمَةُ اخْتِصَارًا".

(1)

.

ولأن العادة أنَّ الإنسانَ يَمَلُّ الكلامَ الطويل، وتسْأمهُ نفسه، ويميل إلى الكلام القليلِ المختصر، إذا كان مفهومًا؛ فلهذا تُخْتَصَرُ الكتب.

كذا حقَّقه العلاَّمة أبو يَعْلَى محمَّدُ بْنُ حُسَيْنٍ الفَرَّاءُ

(2)

في شرحه على

(1)

أخرجه أبو يعلى كما في مجمع الزوائد (1/ 187) من طريق خالد بن عرفطة عن عمر مرفوعًا وقال الهيثمي: "وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة". اه

وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2/ 160) رقم (1436) من طريق علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن عمر مرفوعًا.

وقال السخاوي: وهو مرسل وفي سنده من لم أعرفه، وللديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعًا مثله بَلفظ: أعطيت جوامع الحديث بدل الكلم. اه

(2)

هو القاضي أبو يعلى؛ محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي، الحنبلي، ابن الفرَّاءِ سمع على بن عمر الحربي، وإسماعيل بن سويد، وعيسى بن الوزير. حدث عنه: الخطيب البغدادي وأبو الخطاب الكَلْوَذَاني، وأبو الوفاء بن عقيل، وأبو العز بن كادش وغيرهم. أفتى ودرَّس، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه، مع معرفةٍ. بعلوم القرآن وتفسيره، والنظر والأصول

وكان ذا عبادةٍ وتهجد، وملازمة للتصنيف، مع الجلالة والمهابة

وكان متعففًا، نَزِه النفس كبير القدر، ثَخين الوَرَع وقال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة من تصانيفه أحكام القرآن ومسائل الإيمان، والمعتمد، والرد على الجهمية والعدة في أصول الفقه وغيرها. مات سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، انظر ترجمته في:"تاريخ بغداد"(2/ 256)، طبقات الحنابلة (2/ 193 - 230)، الأنساب (9/ 246). "سير أعلام النبلاء"(18/ 89)، الوافي بالوفيات (3/ 7)، "شذرات الذهب"(3/ 306).

ص: 98

"مختصر الْخِرَقِيِّ

(1)

".

ثم أعْلَمْ: أنَّ المصنِّف -عليه الرحمة- لما قصد الاختصار في رسالتِهِ، تَرَكَ تعريفَ هذا الفنِّ، وغايتَهُ، وموضوعه، ونحْوَ ذلك، ولا بأْسَ أن نَذْكُرَهَا في ضِمْن ثلاث فوائد:

الفائدة الأُولى: في بيان حَدِّ هذا الفَنِّ، وموضوعِهِ، وغايته:

قال الحافظ السُّيوطي

(2)

-عليه الرحمة- في شَرْحِهِ على ألفيَّته المسمَّاةِ

(1)

قال ابن بدران: اشتهر في مذهب الإمام أحمد عند المتقدمين و المتوسطين مختصر الخرقي، و لم يُخدم كتاب في المذهب مثل هذا المختصر، و لا اعتني بكتاب مثل ما اعتنى به.

قال ابي بدران: و مما اطلعنا عليه من شروح الخرقي شرح القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراءالبغدادي و هو مجلدين ضخمين، و بعض نسخه في أربع مجلدات، و طريقته أنه يذكر المسألة من "الخرقي" ثم يذكر من خالف فيها ثم يقول، و دليلنا، فيفيض في إقامة الدليل من الكتاب و السنة و القياس، على طريقة الجدل. و المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص (214، 216).

(2)

هو جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي الشافعي -نسبة إلى أَسْيُوط بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه، وهو اسم لمدينة غربي النيل من نواحي صعيد مصر، ويقال لها سيوط بغير همز - كان أبوه من فقهاء الشافعية، مات وابنه عمره خمس سنوات حفظ السيوطي القرآن وهو ابن ثمان، ثم حفظ: العمدة، ومنهاج الفقه، ومنهاج الأصول، وألفية ابن مالك، وسمع ولازم شيوخ عدة منهم سراج الدين البلقيني، وابنه علم الدين، والشرف المناوي، وتقي الدين الشمني، و البهان البقاعي و غيرهم، و رحل إلى الشام و الحجاز و اليمن والهند والمغرب وبلاد التكرور، وإلى المحلة ودمياط والفيوم من المدن المصرية، وله مصنفات كثيرة شهيرة في شتى العلوم منها في علم الحديث: ألفية الحديث. و"تدريب الراوي"، المدرج إلى المدرج، إسعاف المبطأ برجال الموطأ. الروض المكلل والورد المعلل في المصطلح وزوائد الرجال على "تهذيب الكمال" واللمع في أسماء من وضع، مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة وغيرها كثير، وقد جرت بينه وبين معاصريه خطوبٌ وأمور ذات شجون. مات سنة (911 هـ)، وقد ترجم لنفسه في حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ".

ص: 99

ب "نَظْم الدُّرَر"

(1)

: "أحسنُ حُدُودِهِ: قولُ الشيْخِ عِزِّ الدين بْنِ جَمَاعة"

(2)

:

(1)

أما ألفية السيوطي في علم المصطلح فمشهورة معروفة وعليها عدة شروحات منها شرح الشيخ محمد محفوظ بن عبد الله التِّرمسي في "منهج ذوي النظر"، وكذلك شرحها الشيخ: أحمد بن محمد شاكر. عليه رحمه الله وكذا الشيخ آدم الأثيوبي في مجلدين. أما شرح السيوطي فقد سماه "البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر" ولم يكمله، وقد حقق الجزء الموجود من هذا الشرح في رسالتان علميتان في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- أما الرسالة الأولى فبتحقيق شيخي المفضال الشيخ أنيس بن أحمد طاهر الأستاذ المساعد بكلية الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية، والرسالة الثانية بتحقيق شيخي المفضال عبد الباري بن العلامة المحدث الشيخ حماد الأنصاري محدث المدينة النبوية عليه رحمة الله وحفظ الله من بقي بها من أهل العلم من الشرور والآفات.

(2)

هو عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني المعروف بعز الدين بن جماعة الكناني الشافعي المصري أخذ عن عمر بن القواس، والأبرقوهي، وأبي الفضل بن عساكر، والحافظ شرف الدين الدمياطي وجماعة، وسمع بدمشق والحرمين والقاهرة، وولي قضاء الديار المصرية قال الحسيني استقضي مراراً، ودرس: وأفتى، وصنف التصانيف المفيدة منها المنسك الكبير على المذاهب الأربعة وغيره، وتنقل في الولايات الرفيعة، حج وجاور بالحجاز غير مرة

مات بمكة سنة سبع وستين وسبعمئة. انظر ترجمته في ذيل "تذكرة الحفاظ" للحسيني ص 41) وكذلك ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي ص: (363).

ص: 100

"عِلْمٌ بقوانينَ يُعْرَفُ بها أحوالُ السَّنَدِ والمَتْنِ، وموضوعُهُ: السَّنَدُ والمَتْن، وغايتُهُ: معرفةُ الصَّحيحِ مِنْ غيره"

(1)

.

ثم نَقَلَ عن الحافظ ابْن حَجَر؛ أنه قال: "أَوْلَى تعاريفه أن يقال: مَعْرِفَةُ القواعدِ المعرِّفَةِ لحال الراوي والمَرْوِيِّ"

(2)

، قال

(3)

: "وإنْ شئْتَ حذفتَ لفظ "مَعْرِفة" فقلتَ: "القواعد" ..... "، قال: وفي عبارة له -أي لابن حَجَر-: "القَوَاعِدُ الَّتي يُتَوَصَّلُ بها إلَى معرفة حال الراوي والمرويِّ"

(4)

.

وحَدُّ ابْنِ جماعة أقرَبُ منه؛ من جهة أنه يدخل تحته أحوال السَّنَد التي [

]

(5)

حال الرجال؛ كصيغ الأداء؛ بدليل المغايرة بينهما في نوع المسلسل، ولا يدخُلُ ذلك في حال الراوي والمرويِّ؛ لاختصاص المرويِّ في المتن.

والتعبير ب"العلم" أحسنُ من التعبير ب"المعرفة"؛ لأن المراد منها الصناعةُ لا الوصفُ القائمُ بالعالم؛ وكذا في حدود سائر العلوم. انتهى.

وقال ابْنُ الأَكْفاني

(6)

في "إرشاد القاصد"

(7)

: "علم الحديث الخاصّ

(1)

انظر ""تدريب الراوي""(1/ 41).

(2)

""النكت على ابن الصلاح" "(1/ 225).

(3)

أي السيوطي.

(4)

""النكت على ابن الصلاح" "(1/ 225).

(5)

كلمة غير واضحة بالأصل، ولعلها:"تُبين".

(6)

محمد بن إبراهيم بن ساعد السنجاري الأصل المصري، المعروف بابن الأكفاني، ولد بسنجار، وطلب العلم ونبغ في عدة علوم واشتغل بالطب والأدب والتاريخ، قال الحافظ ابن حجر، من تصانيفه: إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، وهو كتاب نفيس، ونخب الذخائر في معرفة الجواهر واللباب في الحساب، ومات في الطاعون سنة (749 هـ).

انظر ترجمته في "الدرر الكامنة"(3/ 279)، الوافي بالوفيات (2/ 25)"البدر الطالع" الشوكاني (2/ 79).

(7)

ذكره صاحب "كشف الظنون"(1/ 66) وقال إرشاد القاصد إلى أسنى المطالب، ذكر فيه أنواع العلوم وأصنافها، وهو مأخذ "مفتاح السعادة" لطاش كبرى زاده، وجملة ما فيه ستون علمًا منها عشرة أصلية، سبعة نظرية وهي المنطق والإلهي والطبيعي والرياضي بأقسامه، وثلاثة عملية وهي السياسة والأخلاق وتدبير المنزل، وذكر في جملة العلوم أربعمائة تصنيف. اه

ص: 101

بالرواية: عِلْمٌ يشتملُ على نقْلِ أقوالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأفعالِهِ، ورواتِها، وضبطِها، وتحرير ألفاظِها، وعلْمُ الحديثِ الخاصُّ باّلدراية عِلْمٌ يُعْرَفُ منه حقيقةُ الرواية، وشروطُهَا، وأنواعُهَا، وأحكامُهَا، وحالُ الرواةِ، وشروطُهُم، وأصنافُ" المرويَّات، وما يتعلَّق بها

(1)

.

فحقيقةُ الرواية نقل السنَّة ونَحْوِها، وإسنادُ ذلك إلى مَنْ عُزِيَ إليه بتحديثٍ أو إخبار أو غَيْرِ ذلك.

وشروطها_: تحمُّلُ راويها لما يَرْويه بنَوْع من أنواع التحمُّل: من سماع أو عَرْضٍ أو إجازةٍ أو نحوِها.

وأنوعها: الأتِّصال والانقطاعُ ونحوُهُما.

وأحكامها: القَبُول والرَّدّ.

وحال الرواة -العدالةَ والجَرْحَ- وشروطُهُمْ في التحمُّل والأداء، وأصنافُ والمرويَّاتِ من المسانيد والمعاجِمِ، وغَيْرِها- أحاديثَ أو آثارًا أو غيْرَهُما- وما يتعلَّق بها-: هو معرفةُ اصطلاح أهلها

(2)

.

وقال "الكَرْمَانِىّ"

(3)

في شَرْح البخاريِّ

(4)

: "عْلَمْ: أن علْمَ الحديث

(1)

نقل السيوطي كلام ابن الأكفاني هذا في تعريف علم الحديث روايةً ودراية في ""تدريب الراوي""(1/ 40) وانظر "توجيه النظر" -للجزائري (22).

(2)

انظر المرجع السابق.

(3)

هو محمد بن يوسف بن علي الكرماني ثم البغدادي، أخذ عن أبيه بهاء الدين وجماعة، ببلده ثم ارتحل إلى شيراز، فأخذ عن القاضي عضد الدين، ولازمه اثنتي عشرة سنة حتى قرأ عليه تصانيفه ثم حج واستوطن بغداد، ودخل الشام ومصر، سمع منه جماعة منهم القاضي محب الدين البغدادي، وولده الشيخ تقي الدين يحيى الكرماني، من تصانيفه:"الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري"، حاشية على تفسير البيضاوي، شرح المواقف للإيجي في علم الكلام، توفي سنة ست وثمانين وسبع مئة انظر ترجمته في:"الدرر الكامنة"(4/ 310)، "بغية الوعاة"(120)، "البدر الطالع"(2/ 292).

(4)

واسمه "الكواكب الدراري" قال العلامة عبد السلام المباركفوري: "وهو شرح مشهور متوسط جامع للفوائد والزوائد ونافع لأهل العلم، وقد أثبت في أول هذا الشرح أن علم الحديث أفضل العلوم، وصحيح البخاري أعلى وأفضل كتاب في الحديث من حيث العدالة والضبط

وقد قدم فيه المؤلف البارع حلولاً طيبة للمسائل النحوية الصعبة والألفاظ المشكلة والغريبة، وضبط أيضًا الروايات وأسماء الرجال وألقاب الرواة بأحسن طريق، وجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وقد فرغ من تأليف هذا الكتاب في مكة المكرمة سنة 775 هـ، ولكن الحافظ ابن حجر قال في "الدرر الكامنة": بأيه قد وقعت فيه أوهام كثيرة مع أن الشرح مفيد جدًا". اه "سيرة الإمام البخاري" ص (191).

ص: 102

موضوعُهُ: ذاتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيثُ أنَّه رسول الله وحَدُّهُ: علْمٌ يُعْرَف به أقوالُ الرسوِل، وأفعالُهُ، وأحوالُهُ، وغايته: الفَوْز بسعادة الدارَيْن".

(1)

انتهى.

وهذا الحدُّ مع شموله لعلْمِ الاستنباط: غير محرَّر، ولم يزلِ العَلاَّمة الكَافِيَجِيُّ

(2)

يتعجَّب من قوله: "إنَّ موضوَع علْمِ الحديث ذاتُ الرسول"؛ ويقول: "هذا حَرِيُّ أن يكونَ موضوعَ الطِّبِّ".

والغاية التي ذكرها: هي غايةُ كلِّ علمٍ شرعيٍّ، وليستِ الغايةُ التي تُذْكَرُ في العلوم هي التي الغايَةُ الأخروية أثرها أولازمها.

(1)

"الكواكب الدراري"(1/ 25).

(2)

هو محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي، المعروف بمحيي الدين الكافيجي، سمى بذلك لكثرة اشتغاله بكتاب الكافية في النحو لابن الحاجب ولد ببلاد الروم، أخذ عن الشمس الفناري، و البرهان أمير حيدر الخافي وعبد الواحد الكوتائي وغيرهم ورحل إلى الشام والقدس والقاهرة واشتهر فيها قال السخاوي: تصدى للتدريس والإفتاء والتأليف وخضعت له الرجال وذلت له الأعناق، وصار إلى صِيت عظيم وجلالة وشاع ذكره وانتشرت تلامذته، وزادت تصانيفه على المائة منها شرح القواعد الكبرى لابن هشام، شرح الهداية حاشية على تفسير البيضاوي، والمختصر في علم الأثر، والمختصر المفيد في علم التاريخ وغيرها توفي سنة 879 هـ. انظر ترجمته في:"الضوء اللامع"(7/ 259)، حسن المعاضرة (1/ 317)، البدر الطالع (2/ 171)"شذرات الذهب"(7/ 326).

ص: 103

الفائدة الثانية [في بيان] أوَّلِ من ابتدأ بتَصْنيف هذا العلْمِ:

اعلم: أن أوَّل من صنَّف فيه

(1)

القاضي أبو محمَّدٍ الرَّامَهُرْ مُزِيُّ

(2)

؛ لكنَّه لم

(1)

قلت قول الشارح "اعلم أن أول من صنف فيه" مشعرة "بالأولية المطلقة، وفي هذا نظر، بينما عبارة الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر" أدق، حيث قال ص (15): "فمن أول من صنف في ذلك" فكلامه مشعر أن هناك من صنف غيره وهو من أوائلهم".

وقال علي القارى في "شرحه على "نزهة النظر"" ص (9) ما نصه: "فممن صنف" وفي نسخة فمن أول ما صُنف "في ذلك" أي في اصطلاح أهل الحديث "القاضي أبو محمد"

وفي الكلام إشعار بوجود تعدد التصنيف في قرن القاضي، وعدم تحقق الأولية. اه

فلأهل العلم قبل "الرامهرمزي" كلامٌ كثير في أصول الحديث، كالإمام الشافعي المتوفي سنة (204) في كتابه "الرسالة".

والإمام مسلم بن الحجاج المتوفي سنة (261 هـ) في مقدمة صحيحه. وغيره.

ولعل الرامهرمزي هو أول من دون في أصول الحديث كتابًا مستقلاً. وانظر مقدمة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ل"اختصار علوم الحديث" لابن كثير ص (9).

"النكت على نزهة " النظر للحلبي ص (46).

(2)

هو الحسن بن عبد الرحمن بن خلاَّد الفارسي أبو محمد الرَّمَهرْمُزيُّ. سمع أباه ومحمد بن عبد الله مطيَّناً الحضرمي، وأبا الحصين الوادعي، ومحمد بن حيان المازني، وزكريا السَّاجي، وأبا القاسم البغوي وغيرهم.

حدث عنه: أبو الحسِين محمد بن أحمد الصيداوي والحسن بن الليث الشيرازي، وأبو بكر محمد بن موسى بن مردويه، وآخرون.

قال فيه الذهبي: "الإمام الحافظ البارع، محدث العجم

وكان أحد الأثبات".

ومن تصانيفه: كتاب "أمثال الحديث" وهو مطبوع. كتاب "الرقى" والتعازي، وكتاب "أدب الناطق".

قال الذهبي: وقد ذكر أبو القاسم بن مندة في "الوفيات" له أنه عاش إلى قريب الستين وثلاث مئة بمدينة رامهرمز.

انظر ترجمته في: "الأنساب"(6/ 52)، "معجم الأدباء"(9/ 5)، "تذكرة الحفاظ"(3/ 905)، "سير أعلام النبلاء"(16/ 73)، الوافي بالوفيات (12/ 64)، "شذرات الذهب"(3/ 30).

ص: 104

يستوعبْ

(1)

، ثم الحاكم أبو عبد الله

(2)

، وكتابُه غيْرُ مهذَّب ولا مرتَّب

(3)

،

(1)

قال العلامة الألباني في حواشيه على "نزهة النظر". "أي: لم يأت بالاصطلاحات كلها؛ لأنه من أول من صنف في هذا العلم". اه نقلاً عن النكت على "نزهة النظر" -لعلي بن حسن الحلبي ص (47).

وقد طبع كتاب الرامهرمزي، وعنوانه كاملاً "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" طبع في مجلد بتحقيق الدكتور/ محمد عجاج الخطيب - في دمشق.

وكتاب الرامهرمزي هذا قال فيه الذهبي: "ما أحسنه من كتاب وقيل إن السِّلفي كان لا يكاد يفارق كمه- يعني في بعض عمره-". وقال أيضًا في سياق كلامه عن الرامهرمزي: "وأول طلبه لهذا الشأن في سنة تسعين ومئتين، وهو حدث فكتب وجمع وصنف، وساد أصحاب الحديث، وكتابه المذكور ينبيء بإمامته". اه من "سير أعلام النبلاء"(16/ 73).

(2)

هو الإمام محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدُويه بن نُعيم الإمام الحافظ أبو عبد الله بن البَيِّع الضَّبِّي النيسابوري قال الذهبي: طلب هذا الشأن في صغره بعناية والده وخاله،

ولحق الأسانيد العالية بخراسان والعراق وماوراءَ النهر، و حدَّث عن أبيه، و كان أبوه قد رأى مسلمًا صاحب "الصحيح"، وعن محمد بن علي المُذَكرِّ، ومحمد بن عبد الله الصَّفَّار، وأبي بكر النجاد، وعبد الباقي بن قانع وخَلق. حدث عنه: الدارقطني وهو من شيوخه، وأبو ذر الهروي، وأبو يعلى الخليلى، وأبو بكر البيهقي. من تصانيفه:"المستدرك على الصحيحين" و"معرفة علوم الحديث"، و"الإكليل"، و"تاريخ النيسابوريين" وغيرها. توفي رحمه الله سنة 405 هـ.

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد"(5/ 473)، الأنساب (2/ 370). "وفيات الأعيان"(4/ 280)، "سير أعلام النبلاء"(17/ 162)، الوافي بالوفيات (3/ 320)، "شذرات الذهب"(3/ 176).

(3)

كتابه هو "معرفة علوم الحديث" وقد طبع في الهند في دائرة المعارف العثمانية -بتصحيح د. السيد معظم حسين وقد تعرض للكلام عليه الأستاذ -الدكتور/ محمود الطحان في أطروحته للدكتوراه "الخطيب وأثره في علوم الحديث " وقارن بين كتاب الحاكم، وكتاب الكفاية للخطيب وكان مما قاله حول ترتيب كتاب الحاكم، وأن الكتاب لم يهذب:"أما من جهة الترتيب فإنه غير مرتب، فنجده بدأ الأنواع بذكر العالي والنازل وهي من صفات الإسناد ثم أتبعها بنوع "صدق المحدث" وهو بحث يتعلق بالراوي، ثم أتبعه بنوع "المسانيد من الأسانيد" وهو من صفات السند، ثم اتبعه بنوع "الموقوفات من الروايات" وهو من صفات المتن وهكذا ينتقل من بحث يتعلق بالسند إلى بحث يتعلق بالمتن إلى بحث يتعلق بالراوي بدون التزام أي ترتيب، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه النقطة حينما قال عن الحاكم بأنه "لم يرتب" في هذا الكتاب والحاكم رحمه الله يكثر من سرد الأمثلة، المتماثلة، للمسألة الواحدة، وهو وإن دل على سعة إطلاع الحاكم وطول باعه؛ إلا إن صناعة التصنيف لا تقتضي ذكر كل هذه الأمثلة بدون حاجة.

وقد أشار الحافظ إلى هذه النقطة كذلك فقال عن الحاكم في معرض وصفه لكتابه هذا: "لكنه لم يهذب". اه من "الخطيب واثره في علوم الحديث".

ص: 105

ثم أبو نُعَيْمٍ الأصْبَهَانيُّ

(1)

، ثم الخطيبُ البَغْدَادِيُّ

(2)

؛ فعمل في قوانين

(1)

هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى، قال الذهبي: الإمام الحافظ الثقة العلامة أبو نعيم الأصبهاني وكان أبوه من علماء المحدثين والرحالين، فاستجاز له جماعة من كبار المُسندين، وسمع من عبد الله بن جعفر بن فارس، وأبي القاسم الطبراني، وأبي أحمد الحاكم، وأبي بكر الآجري وخلق. روى عنه: أبو سعد الماليني، وأبو بكر الخطيب، وأبو علي الوخشي، وأبو صالح المؤذن وغيرهم، من مصنفاته:"حلية الأولياء، والمستخرج على الصحيحين وتاريخ أصبهان، ودلائل النبوة". وغيرها. مات سنة ثلاثين وأربع مئة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان"(1/ 91)، "سير أعلام النبلاء"(17/ 453)، الوافي بالوفيات (7/ 81). "شذرات الذهب" (3/ 245). أما كتابه فذكره الذهبي في السير (7/ 456) وسماه:"علوم الحديث" وذكره أبو سعد السمعاني في التحبير (1/ 181) وسماه "معرفة علوم الحديث على كتاب الحاكم" وقد ذكر الحافظ ابن حجر في النزهة ص (16) أن كتاب أبو نعيم مستخرج على كتاب الحاكم. والمستخرج هو: "كتاب يروي فيه صاحبه أحاديث وآثار كتاب معين بأسانيد لنفسه، فيلتقي في أثناء السند مع صاحب الكتاب الأصل" انظر "تدريب الراوي"(1/ 111) فكتاب الحاكم ألفه بأسانيده، فاستخرج عليه أبو نعيم بأسانيد لنفسه، على المنهج الذي سبق بيانه. وانظر "النكت على "نزهة النظر"" لعلي بن حسن الحلبي: ص (47).

(2)

هو الإمام أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، قال الذهبي: الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، صاحب التصانيف، وخاتمة الحُفاظ، سمع: أباعمر بن مهدي الفارسي، وأحمد بن محمد بن الصلت الأهوازي، وأبا الحسين بن المُتَيم والحافظ أباحازم العَبدوي، وخلقًا.

حدث عنه: أبو بكر البَرْقَاني؛ وهو من شيوخه، وأبو نصر بن ماكولا، هبة الله بن الأكفاني، وأبو الفضل بن خيرون وغيرهم.

قال ابن ما كولا: "كان أبو بكر آخر الأعيان، ممن شاهدناه معرفة" وحفظًا وإتقانا، وضبطًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتَفننًا في عِلله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره ومَطروحه. وتصانيفه كثيرة منها "تاريخ بغداد"، "شرف أصحاب الحديث"، "الكفاية"، "الجامع"، "السابق واللاحق""المتفق والمفترق""الأسماء المبهمة"، "اقتضاء العلم العمل"، وغيرها كثير انظرها في ترجمته في "سير أعلام النبلاء" وتارخ الأدب العربي لبروكلمان (6/ 62).

وتوفي الخطيب رحمه الله سنة ثلاث وستين وأربع مئة أنظر ترجمته في: الأنساب (5/ 151)، "وفيات الأعيان"(1/ 92)"المستفاد من ذيل تاريخ بغداد"(54)، "سير أعلام النبلاء"(18/ 270)"البداية والنهاية"(12/ 101).

ص: 106

الرِّوَاية كتابًا سمَّاه: "الكِفَاية"

(1)

، وفي آدابها كتابًا سماه:"الجامع؛ لآداب الشَّيْخ والسامح"

(2)

وقَلَّ فَنٌّ من فنون الحديث إلاَّ وصنَّف فيه كتابًا مفردًا

(3)

؛

(1)

هو كتاب "الكفاية في علم الرواية" وقد طبع عدة طبعات منها طبعة في حيدر آباد الدكن سنة 1357 هـ وهو بحاجة إلى مزيد عناية وتحقيق.

قال ابن الجوزي في المنتظم: "الكفاية في معرفة أصول علم الرواية" يعرض الخطيب فيه تفصيلاً للشروط الواجب توافرها في عالم الحديث، وهو يدل على حرصه الشديد على تنقية الحديث. اه المنتظم (8/ 267).

(2)

هو أحد مصنفات الخطيب، وقد استوفى فيه ذكر ما ينبغي للمحدث وطالب الحديث أن يتحليا به من الآداب والواجبات والأصول التي تقتضيها صنعة التحديث، وقد طبع الكتاب عدة طبعات، إحداها بتحقيق د/ محمود الطحان طبع مكتبة المعارف بالرياض.

(3)

انظر جملة من مصنفات الخطيب والكلام عليها في: "سير أعلام النبلاء"(18/ 289 - 292) و"وفيات الأعيان"(1/ 92) وكتاب الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها للأستاذ يوسف العش ص: (120 - 134) وبلغ عدد ما أحصاه من مؤلفات الخطيب واحدًا وسبعين مؤلفًا، وعين أماكن وجودها في مكتبات العالم، وكذلك فعل الدكتور أكرم العمري في كتابه "موارد الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ص:(55 - 84) وذكر أن مؤلفات الخطيب بلغت ستة وثمانين مصنفًا. وكذلك الدكتور محمود الطحان في كتابه" الخطيب البغدادي وكتابه الكفاية" وقد بلغ عدد ما أحصاه من مصنفات الخطيب أكثر من ثمانين مصنفًا.

ص: 107

حتَّى قال الحافظ أبو بكر بْنُ نُقْطَةَ

(1)

: "كُلُّ من أنْصَفَ، عَلِمَ أن المحدِّثين بعده عيالٌ على كُتُبه"

(2)

، ثم ألَّف من تأخَّر عنه كالقاضي "عياض"

(3)

كتابه "الإلماع"

(4)

(1)

هو محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع البغدادي الحنبلي "أبو بكر بن نُقْطة" سمع من يحيى بن بَوش، وسمع من أبي أحمد بن سُكينة، وأبي الفتح المَنْدَائي وابن طَبَرْزَذ وعدة. أخذ عنه السيف أحمد بن المجد، والمنذري، والشرف حسين الإربلي، سئل عنه الضياء، فقال: حافظٌ دَيِّن، ثقة، ذو مروءة وكرم.

وقال البرْزالي: ثقةٌ دين، مُفيد.

من تصانيفه: "التقييد في معرفة رواة الكتب والمسانيد" و"ذيل على الإكمال" لابن ماكولا و"الملتقط مما في كتب الخطيب وغيره من الوهم والخطأ"، وكتابٌ لطيف في الأنساب. توفي رحمه الله سنة تسع وعشرين وست مئة. انظر ترجمته في:"وفيات الأعيان": (4/ 392)"سير أعلام النبلاء"(22/ 347)، الذيل على طبقات الحنابلة (2/ 182)، و"شذرات الذهب"(5/ 133).

(2)

انظر كلامه في "التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد"(1/ 170) وكذا قال في "تكملة الإكمال"(1/ 103).

(3)

هو القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي المالكي، قال ابن خلكان:"هو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم، وأنسابهم". روى عن أبي بحر بن العاص، والقاضي أبي علي بن سُكَّرة الصَّدفي، وأبي محمد بن عتاب وغيرهم، وحدث عنه خلقٌ منهم: عبد الله بن محمد الأشيري، وأبو جعفر بن القصير الغرناطي والحافظ خلف بن بشكوال، وولده القاضي محمد بن عياض وغيرهم. من تصانيفه:"الإكمال في شرح صحيح مسلم" ومشارق الأنوار و"الشفا" في التعريف بحقوق المصطفى وغيرها، مات سنة أربع وخمس مئة انظر ترجمته في: الصلة لابن بشكوال (2/ 453)، "وفيات الأعيان"(3/ 483)، "تذكرة الحفاظ"(4/ 1304). الديباج المذهب (2/ 46).

(4)

هو كتاب"الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" وقد ذكر في مقدمته أن راغبًا رغب إليه في تلخيص فصول في معرفة الضبط وتقييد السماع والرواية، وتبيين أنواعها وما يصح وما يتزيف، وما يتفق من وجوهها وما يختلف، فأجابه القاضي إلى ما طلب لأنه "لم يعتن أحد بالفصل الذي رغبته كما يجب، ولا وقفت فيه على تصنيف يجد فيه الراعب ما رغب" قال: "وجمعتُ في ذلك نكتًا غريبة من مقدمات علم الأثر وأصوله، وقدمت بين يدي ذلك كله أبوابًا مختصرة في عظم شأن علم الحديث وشرف أهله، ووجوب السماع والأداء له ونقله، والأمر بالضبط والوعي والإتقان وختمته بباب في أحاديث غريبة ونكت مفيدة عجيبة، من آداب المحدثين وسيرهم، وشوارد من أقاصيصهم وخبرهم" انظر الإلماع ص: (4 - 5). وقد طبع بتحقيق الأستاذ: السيد أحمد صقر رحمه الله سنة (1389 هـ) ".

ص: 108

وأبو حفص الميانجي

(1)

جُزْءًا سمَّاه "الإيضاح لما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُهُ"

(2)

، وآخرون، إلى أن جاء الإمام تَقِيُّ الدينِ ابْنُ الصَّلَاح

(3)

؛

(1)

وهو أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي شيخ الحرم تناول من أبي عبد الله الرازي سداسياته وسمع من جماعة توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ترجمته في "العبر"(3/ 83)"تاريخ مكة"(3/ 23)"العقد الثمين"(6/ 334)"شذرات الذهب"(4/ 272)"معجم البلدان"(5/ 277).

(2)

وهو جزء لطيفٌ موجز قال مؤلفه في آخره (ص 30): "وهذه نُبذةٌ يستفيدُ منها المبتدي، ويتذكر بها العالم المُنتهي، وتدعو إلى الرَّغبة في التبحر في هذا العلم". اه و قد طبع هذا الكتاب سنة 1967 بتحقيق الاستاذ صبحي السامرائي. وأعاد طبعه الأخ علي بن حسن الحلبي سنة (1404) ضمن مجموع فيه "ثلاث رسائل في علوم الحديث".

وقد قال العلامة الألباني في حواشيه على "النزهة": "وفيها فوائد لا بأس بها، إلا أن فيها بعض الأحاديث الضعيفة و المنكرة" أه انظر النكت على النزهة ص (50) للحلبي وفي "النكت على ابن الصلاح" للحافظ ابن حجر (1/ 241)، "و"تدريب الراوي""(1/ 71) بعض آراء الميانجي وكلام له وتعقباتٍ عليه".

(3)

هو عثمان بن المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الكُردي الشَّهرزوريُّ الموصلي الشافعي تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح. ولد سنة سبع وسبعين وخمس مئة، وتفقه على والده بشَهرزور، ثم اشتغل بالموصل مدة، وسمع من عبيد الله ابن السمين، ونصر بن سلامة الهيتي وغيرهما. حدث عنه: الإمام شمس الدين بن نوح المقدسي، والإمام كمال الدين سلاّرُ، وتقي الدين بن رزين وغيرهم، قال ابن خلكان:"كان تقي الدين أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وله مشاركة في عدة فنون، وكانت فتاويه مُسددة، وهو أحد شيوخي الذين انتفعتُ بهم". توفي سنة ثلاث وأربعين وست مئة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان"(2/ 243)"سير أعلام النبلاء"(23/ 140)، "شذرات الذهب"(5/ 221).

ص: 109

فجمَعَ - لمَّا وَلِيَ تدريسَ الحديث بالمدرسة الأَشْرفيَّة

(1)

في دِمِشْقَ - كتابَهُ المشهورَ

(2)

؛ فهذَّب فنونَهُ، وأملاه شيئًا فشيئًا، واعتنىَ بتصانيف الخطيبِ المفرَّقة؛ فجمَعَ شَتَاتَ مقاصدها، وضَمَّ إليها

(3)

فوائِدَ من غيرها؛ فجمع في كتابه ما تفرَّقَ في غيره، فعَكَفَ الناسُ علَيْه؛ واتَّخَذُوُه أصْلًا يُرْجَعُ إليه؛ فلا يحصى كَمْ ناظم له ومختَصِرٍ ومُنَكِّتٍ.

فَمِمَّنِ اختصره "النوويُّ"

(4)

. في "الإرشاد"

(5)

، ثم "التقريب"

(6)

(1)

وهي الأولى المبنية سنة 628 هـ)، وأما المدرسة الأشرفية الثانية؛ فبنيت سنة (634 هـ)؛ كما في "الدارس في تاريخ المدارس" (1/ 19 و 47) للنعيمي وفي التعليق على منادمة الأطلال ص (24) لعبد القادر بدران: فيها الآن مدرسة إعدادية للعلوم الشرعية، يُنفقُ عليها جماعة من أهل الخير، وتُقام فيها الجمعة".

(2)

هو المعروف "ب""مقدمة ابن الصلاح" وله عدة طبعات.

(3)

في الأصل "إليه" والصواب ما أثبتناه، وهو موافق لما في ""نزهة النظر" (17).

(4)

تقدمت ترجمته.

(5)

واسمه كاملاً "إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق" وقد طبع في مجلدين بتحقيق عبد الباري السلفي.

(6)

واسمه كاملاً: "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير" وقد شرحه السيوطي في "تدريب الراوي" قال النووي في مقدمة تقريبه: "و هذا كتاب أختصرته من كتاب الإرشاد الذي اختصرته" من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رضي الله عنه، أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى من غير إخلال بالمقصود، وأحرص على إيضاح العبارة، وعلى الله الكريم الاعتماد".

ص: 110

وابنُ دقيقِ العِيدِ

(1)

في "الأقترَاح"

(2)

، والمُحِبُّ إبراهيمُ بْنُ محمَّدٍ الطَّبَرِيُّ

(3)

. في "الملخَّص" و"البُرْهَانِ"، وإبراهيمُ بْنُ عُمَرَ الجَعْبَرِيُّ

(4)

(1)

هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي الصعيدي المالكي والشافعي، تقي الدين أبو الفتح المعروف بابن دقيق العيد، سمع من ابن المقير، وحدَّث عن ابن الجميزي، وسبط السلفي، وابن عبد الدائم، وغيرهم، روى عنه: قاضي القضاة علاء الدين القونوي، وعلم الدين بن الأخنائي، وقطب الدين الحلبي وغيرهم، قال قطب الدين الحلبي "كان الشيخ تقي الدين إمام أهل زمانه وممن فاق بالعلم والزهد على أقرانه عارفًا بالمذهبين إمامًا في الأصلين حافظًا متقنًا في الحديث وعلومه، ويضرب به المثل في ذلك، وكان آية في الحفظ والإتقان والتحري، شديد الخوف دائم الذكر لا ينام الليلا إلا قليلاً، ويقطعه فيما بين مطالعة "وتلاوة" وذكر وتهجد، حتى صار السهر له عادة وأوقاته كلهًا معمورة، لم يُر في عصره مثله". من تصانيفه: "شرح عمدة الأحكام" و"الإلمام""والإمام في الأحكام" وغيرها، توفي سنة اثنتين وسبع مئة. انظر ترجمته في:"تذكرة الحفاظ"(4/ 1481)، "طبقات الشافعية" للسبكي (9/ 207)، الديباج المذهب. لابن فرحون (2/ 318)"الدرر الكامنة" لابن حجر (5/ 348).

(2)

هو كتاب "الاقتراح في بيان الاصطلاح" قال ابن دقيق في مقدمته: "هذه نبذُ من فنونٍ مهمة في علوم الحديث، يستعان بها على فهم مصطلحات أهله ومراتبهم على سبيل الاختصار والإيجاز، ليكون كالمدخل إلى التوسع في هذا الفن إنشاء الله تعالى" ص (151) وقد طبع الكتاب سنة 1402 هـ طبعته وزارة الأوقاف العراقية بتحقيق الأستاذ/ قحطان عبد الرحمن الدوري.

(3)

هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبري المكي الشافعي قال ابن العماد: "شيخ الإسلام وإمام المقام كان صاحب حديث وفقه وإخلاص وتأله، روى عن شعيب الزعفراني، وابن الجميزي، وعبد الرحمن بن أبي حرمي من تصانيفه مختصر شرح السنة للبغوي والتساعيات توفي سنة (722 هـ) " انظر ترجمته في "شذرات الذهب"(6/ 56).

(4)

إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجَعْبري يقال له ابن السراج، واشتهر بالجعبري، سمع في صباه من كمال الدين محمد بن سالم المنبجي، ورحل إلى بغداد فسمع بها من الكمال ابن وضاح والعماد بن أشرف العلوي وغيرهم. قال الذهبي في المعجم المختص شيخ بلد الخليل له التصانيف المتقنة وفي القراءات والحديث والأصول والعربية والتاريخ وغير ذلك، وله مؤلف في علوم الحديث. اه وقد ولد بجعبر، وسكن دمشق مدة ثم ولي مشيخة الخليل إلى أن مات بها.

من تصانيفه: نزهة البررة في القراءات العشرة، عقود الجمان في تجويد القرآن، رسوم التحديث في علوم الحديث مواليد أئمة المسانيد وغيرها قال ابن حجر: بعد أن ذكر بعض تصانيفه: إلى غير ذلك من التصانيف المختصرة التي تقارب المئة توفي سنة 732 هـ. انظر ترجمته في "البداية والنهاية"(14/ 160)"الدرر الكامنة" لابن حجر (1/ 150) طبقات القراء لابن الجزري (1/ 21)"شذرات الذهب"(6/ 17).

ص: 111

في "رُسُومِ التحديث"

(1)

، والعِزُّ بْنُ جماعة

(2)

. في "الإقناع"

(3)

، الكَافيَجيُّ

(4)

في "المُخْتَصَر"

(5)

، وغيرُهُمْ.

ومن المُنَكتِن عليه: العِرَاقِيُّ

(6)

،

(1)

ذكره غير واحد ممن ترجم للجَعْبري في ترجمته منهم الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة"(1/ 150).

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

لم أقف على أن للعز بن جماعة مختصر لابن الصلاح باسم "الإقناع" والمعلوم المشهور أن الذي اختصر ابن الصلاح هو بدر الدين بن جماعة جدُ العز بن جماعة في كتاب "المنهل الروي". وقد شرح "المنهل" العز بن جماعة "الحفيد في كتاب المنهج السوي".

(4)

تقدمت ترجمته.

(5)

وهي رسالة صغيرة طبعت سنة 1417 هـ في دار الرشد -بالرياض تحقيق د/ علي الزوين.

(6)

هو الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الكردي المصري الشافعي، أخذ عن ناصر الدين بن سمعون، والشهاب أحمد بن يوسف السمين وعلاء الدين بن التركماني الحنفي، وكان في أول أمره مقبلاً على القراءات "ثم طلب الحديث ورحل في طلبه. قال ابن فهد:"كان رحمه الله صالحًا خيرًا دينًا ورعًا عفيفًا صينًا متواضعًا، من تصانيفه: تخريج أحاديث الأحياء، تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" وشرحه في "طرح التثريب"، "وألفية الحديث" وشرحها، "و"التقييد والإيضاح"" وتخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي" وغيرها كثير، مات رحمه الله في القاهرة سنة ست وثمان مئة. انظر ترجمته في لحظ الألحاظ (220) لابن فهد، و"الضوء اللامع" (4/ 171) للسخاوي، وذيل "تذكرة الحفاظ" (370).

أما نكته على "مقدمة ابن الصلاح" فسماها: " "التقييد والإيضاح" لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح".

وقال الشيخ الألباني في "حواشيه على النزهة"، عن كتاب "التقييد والإيضاح" طبع أكثر من طبعة، من أتقنها طبعة حلب سنة 1350 هـ، بتحقيق شيخي إجازة الشيخ الفاضل محمد راغب الحلبي رحمه الله تعالى.

ص: 112

والزَّرْكَشِيُّ

(1)

، والعِزُّ بْنُ جماعَةَ

(2)

، والحافظ ابْنُ حَجَر

(3)

، وقال

(4)

: "إنَّهُ لم يَحْصُلُ ترتيبُهُ على الوَضْع اللائق؛ بأن يَذْكُرَ ما يتعلَّق بالمَتْن وَحْدَهُ، وما يتعلَّقُ بالسَّنَدِ وحده، وما يَشْتَرِكَان فيه، وما يختصُّ بكيفيَّة التحمُّل والأداء وَحْده، وما يختصُّ بصفات الرُّوَاة وَحْدَها؛ لأنه جَمَعَ متفرِّقَاتِ هذا الفنِّ من كُتُبٍ مطوَّلة، في هذا الحَجْم اللطيف، ورأَى أنَّ تحصيَلُه وإلقًاءَهُ إلى طالبه: أهَمُّ من تأخير ذلك إلى أنْ تحصُلَ العنايةُ التامَّةُ بحُسْن ترتيبه"

(5)

.

(1)

هو محمد بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي ولد في مصر وطلب بها العلم فأخذ عن الشيخين سراج الدين البلقيني والحافظ علاء الدين مغلطاي ورحل وأخذ في حلب عن الأذرعي وعن الحافظ ابن كثير في دمشق ثم عاد إلى القاهرة، من تصانيفه: البرهان في علوم القرآن، والبحر المحيط في أصول الفقه، وخادم الرافعي، والتنقيح في شرح الجامع الصحيح البخاري، سلاسل الذهب في الأصول، توفي سنة (794) انظر ترجمته في "الدرر الكامنة"(3/ 397)"شذرات الذهب"(6/ 335).

(2)

تقدمت ترجمته، وله شرح على مختصر جده بدر الدين بن جماعة واسمه "المنهج السوي".

(3)

في كتابه المطبوع باسم ""النكت على ابن الصلاح""، وهو مطبوع في مجلدين بتحقيق الشيخ ربيع بن هادي.

(4)

أي ابن حجر في نكته على ابن الصلاح.

(5)

النكت (1/ 232).

ص: 113

قال

(1)

: "ورأيتُ بخَطِّ صاحبه

(2)

المحدِّث فخر الدين عُمَرَ بِنْ يحيى الكَرْخِيّ

(3)

: ما يصرِّح بأنَّ الشيْخَ كان إذا حرَّر نَوْعًا من الأنواع، واستوفى في التعريفِ به، وأورد أمثلتَهُ، وما يتعلَّق به [أمْلَاه]

(4)

، ثم انتقَلَ إلَى نَوْعٍ آخَرَ؛ ولأجل هذا: احتاج إلَى سَرْد أنواعه في خُطْبة الكتاب؛ لأنه صنَّفها بعد فراغه مِنْ إملائه؛ ليكونَ عِنْوانًا للأنواع، ولو كانَتْ محرَّرة التَّرتيبِ على الوَجْه المناسب، ما كان في سرْدِهِ للأنواعِ في الخُطْبة كَبِيرُ فائدة "

(5)

، وقد تبعه على هذا الترتيب جماعةٌ.

الفائدة الثالثة: في بيان آداب طالب عِلْم الحديث.

اعْلَمْ: أنه لابُدَّ لطالبه أنْ يُخْلِصَ النيَّة في طلبه لله تعالى؛ إِذِ النفْعُ به -بل وبسائر العُلُوم- متوقِّفٌ على الإخلاصِ فيه، والإعراضِ عن الأغَرْاض الدُّنْيَويَّة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَي بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلا يُصِيبَ بِهِ عَرْضًا مِنَ الدُّنْيَا-: لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ

(1)

أي الحافظ ابن حجر بعد كلامه السابق مباشرة.

(2)

أي: صاحب ابن الصلاح.

(3)

هو عمر بن يحيى بن عمر بن حَمَد، فخر الدين الكرخي نزيل دمشق، ولد بالكرخ سنة تسع وتسعين وخمس مئة، وقدم إلى دمشق، ولزم الشيخ تقي الدين بن الصلاح، وتفقه عليه، وسمع من ابن الزَّبيدي، وابن اللتي، والبهاء عبد الرحمن المقدسي. حدث عنه: أبو الحسن بن العطار وغيره، وقد زوجه ابن الصلاح بابنته، مات سنة تسعين وست مئة.

انظر ترجمته في: "البداية والنهاية"(3/ 326)، "العبر"(5/ 369)"طبقات الشافعية"(8/ 344)، "شذرات الذهب"(5/ 417).

(4)

زيادة لازمة من "النكت على كتاب ابن الصلاح"(1/ 233).

(5)

""النكت على ابن الصلاح"": (1/ 232 - 233).

ص: 114

أَيْ: رِيحَهَا- يَوْمَ الْقيَامَةِ"

(1)

، وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ

(2)

: "مَنْ تعلَّم عِلْمًا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ الله والدَّارَ الآخرةَ، آتاه اللهُ مِنْ العلْم ما يحتاجُ إلَيْه"

(3)

.

وينبغي له -أيضًا- أنْ يَجِدَّ ويَجْتهدَ في طلبه، وأن يَحْرِصَ عليه مِنْ غَيْر تأخُّر ولا توقُّف؛ فمن جَدَّ وَجَدَ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، واَسْتِعَنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ"

(4)

، وقال -أيضًا-: "التُّؤَدَةُ في كُلِّ

(1)

أخرجه أبو داود (3664) وابن ماجة (252) وأحمد (2/ 338) وابن أبي شيبة (8/ 731)، وأبو يعلى (6373). وابن حبان (78). والحاكم (1/ 85)، والخطيب في تاريخه (5/ 346). (8/ 78) وفي اقتضاء العلم العمل رقم "102" وابن عبد البر في جامع بيان العلم (ص: 230) والبيهقي في الشعب (1770) كلهم من طريق فليح بن سليمان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة مرفوعًا وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وكذا حكم على إسناده بالصحة في كتاب الكبائر ص: 120 وصححه ابن حبان، والشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (99) وكذلك في تخريج أحاديث إقتضاء العلم العمل ص (65).

(2)

هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخَّعي الإمام الحافظ، روى عن خاله، ومسروق، وعلقمة بن قيس وعَبيدة السَّلماني، وأبي زُرعة البَجلي، روى عنه: الحكم بن عُتيبة، وعمرو بن مرة، وحماد بن أبي سليمان، وسماك بن حرب، ومنصور بن المعتمر وغيرهم. قال الإمام أحمد: كان إبراهيم ذكيًا، حافظًا، صاحب سنة. مات سنة ستٍ وتسعين. انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد"(6/ 270)، "تاريخ البخاري"(1/ 333)"تهذيب التهذيب"(1/ 177).

(3)

أخرجه الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"(1/ 104) بنحوه.

(4)

أخرجه مسلم (2664) وابن ماجة (9/ 1) وابن أبي عاصم في "السنة"(356) وابن حبان (5722) والطحاوي في "الأسماء والصفات"(262) والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 89)، وفي "الأسماء والصفات"(1/ 263) من طريق عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، فاحرص على ما تنتفع به واستعن بالله ولا تعجز

"الحديث.

وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة أخرجه أحمد (2/ 366، 370) وابن ماجة 4168 والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (623، 624) والطحاوي في مشكل الآثار رقم (259، 260، 261) وابن حبان (5721) وأبو نعيم في "الحالية"(10/ 296) من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن الأعرج عن أبي هريرة به.

ص: 115

شَيْءٍ خَيْرٌ، إِلاَّ عَمَلَ الآخِرَةِ

(1)

، وقال يحيى بن أبي كَثِير

(2)

"لا ينال العلم براحة الجسم"

(3)

: وقال الشافعي

(4)

: "لا ينَالُ العِلْمَ من يطلُبُه بالتملُّل- وفي رواية: بالمَلَل- وغِنَى النَّفسْ؛ فيُفْلِحَ؛ ولكنْ مَنْ طَلَبَهُ بذلَّةِ النفْسِ، وضِيقِ العَيْش، وخِدْمِة العلمِ- أفْلَحَ"

(5)

.

(1)

أخرجه أبو داود (4810) والحاكم (1/ 62) وأبو يعلى (2/ 123) رقم (792) والبيهقي في الزهد رقم (713) وفي الآداب (ص 124)، وفي السنن الكبرى (10/ 194) كلهم من طريق الأعمش عن مالك بن الحارث عن مصعب بن سعد عن أبيه به، قال الأعمش:"ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم " وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

وتعقبهما الشيخ الألباني في الصحيحة (4/ 403) فقال "وفيه نظر فإن مالكًا هذا وهو السلمي الرقي إنما روى له البخاري في الأدب المفرد فهو على شرط مسلم وحده".

(2)

هو يحيى بن أبي كثير أبو نصر الطائي الإمام الحافظ. روى عن أبي أمامة الباهلي مرسلاً، وعن أنس بن مالك، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي قتادة، وغيرهم. روى عنه: ابنه عبد الله، ومعمر، والأوزاعي، وهشام بن أبي عبد الله وخلق، قال أحمد: هو من أثبت الناس، وقال أبو حاتم: هو إمام لا يروي إلا عن ثقة، وقد نالته محنةٌ، وضُرب لكلامه في ولاة الجور، قال الذهبي: وكان طلابة للعلم حجة. قال الفلاس: مات سنة تسع وعشرين ومئة. انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (5/ 555). "التاريخ الكبير"(8/ 301)"تهذيب التهذيب"(11/ 268).

(3)

انظر ""تدريب الراوي""(2/ 141).

(4)

تقدمت ترجمته.

(5)

انظر ""تدريب الراوي""(2/ 141).

ص: 116

وينبغي له -أيضًا- أنْ يلازمَ مَشَايخ مِصْره؛ ليأخذ عنهم ما يُهِمُّ من الأسانيد العالية، لا ما انفَرَدَ به بعضُهُمْ؛ قال أبو عُبَيْدَةَ

(1)

: "مَنْ شَغَلَ نفَسُه بَغْير المُهِمِّ، أضَرَّ بالمُهِمِّ"، وإن استوَى جماعةٌ في السند، وأَرَدتَّ الاقتصارَ على أحدِهِمْ- فاختَرِ المشهورَ مِنْهُمْ في طلبِ الحديثِ، والمشارَ إلَيْه بالاتفاق فيه والمَعْرفِة له، وإن تساوَوْا في ذلك، فالأشرَفُ ذو النَّسَب منهم، فإنْ تَسَاوَوْا في ذلك فالأسنُّ.

ثُمَّ إذا استَوْفَى مَرْوِيَّ مَشَايِخ مِصره، فَلْيَشُدَّ الرحالَ لغَيْر بلده؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ عُلُوِّ الإسناد وعلْمِ الطائفتَيْنِ؛ ولخَبَرِ:"مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيِهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلىَ الْجَنَّةِ"

(2)

، وقد رَحَلَ جابر بْنُ عبد الله

(1)

هو معمر بن المثنى أبو عبيدة البصري الإمام النحوي حدث عن هشام بن عروة، ورؤبة بن الحجاج، وأبي عمرو بن العلاء، حدث عنه: علي بن المديني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وعمر بن شبة، وعدة، قال يعقوب بن شيبة: سمعتُ علي بن المديني ذكر أباعبيدة، فأحسنى ذكره، وصحح روايته، وقال: لا يحكي عن العرب إلا الشيء الصحيح.

وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال الذهبي: قد كان هذا المرءُ من بُحور العلم، ومع ذلك فلم يكن بالماهر بكتاب الله، ولا العارف بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا البصير بالفقه واختلاف أئمة الاجتهاد. مات سنة عشر ومئة. انظر ترجمته في:"تاريخ بغداد"(13/ 252)، "معجم الأدباء"(9/ 154)"إنباه الرواة"(3/ 276، "سير أعلام النبلاء" (9/ 445)"شذرات الذهب"(2/ 24).

(2)

أخرجه مسلم (38/ 2699) والترمذي (2945) وابن ماجه (225) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا مطولاً، وفيه:"ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" وأخرجه أبو داود (3643)، والترمذي (2646) وأحمد (2/ 407) والدارمي (1/ 99). والحاكم (1/ 88 - 89)، وابن حبان (84) من الطريق السابق بلفظ مختصر:"من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله به طريقًا من طرق الجنة ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه".

ص: 117

[إلى]

(1)

ابْن أنيس رضي الله عنه مسيرَةَ شَهْرٍ في حديثٍ واحد

(2)

.

(1)

ما بين المعكوفين غير موجودة في المخطوط والسياق يقتضيه.

(2)

الحديث أخرجه أحمد (3/ 495) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (970) وفي خلق أفعال العباد رقم (59) من طريق همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، وعلقه البخاري في صحيحه (1/ 234) فقال:"ورحل جابر بن عبد الله ميسرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد".

وحسن إسناده الشيخ الألباني في صحيح الأدب المفرد. رقم (746).

وقال الحافظ في "تغليق التعليق"(5/ 356): وقد وجدت لعبد الله بن محمد بن عقيل متابعًا فيه، ثم ساقه من طريق الطبراني في "مسند الشاميين" وعزاه في الفتح (1/ 234) إلى تمام في "الفوائد" من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر فذكر نحوه وقال في الفتح: وإسناده صالح.

قلتُ وأسوق هنا لفظ حديث جابر إتمامًا للفائدة وزيادةً في الاعتبار، عن جابر بن عبد الله قال: بَلَغني حديث عن رجل، سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسِرتُ إليه شهرًا حتى قدمتُ عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلتُ للبواب قل له جابرٌ على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت نَعم فخرج يطأ ثوبه: فاعتنقني واعتنقته فقلت حديثا بلغني عنك، أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيتُ أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشرُ الناسُ يوم القيامة، أو قال: العِباد، عُراةً غُرلاً بُهماً. قال: قُلنا: وما بُهْما؟ قال: ليس معهم شيءٌ، ثم يُناديهم بصوتٍ يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الدَّيانُ، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحدٍ من أهل الجنة حقٌ حتى أقصه منه و لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يَدخل الجَنة، ولأحدٍ من أهل النار عنده حقٌ حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عز وجل غُرلاً بُهما؟ قال: بالحسنات والسيئات".

تنبيه: قال الحافظ في "الفتح"(1/ 235): ووهم ابن بطال فزعم أن الحديث الذي رحل فيه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو حديث الستر على المسلم. وهو انتقالٌ من حديثٍ إلى حديث. فإن الراحل في حديث الستر هو أبو أيوب الأنصاري، رحل فيه إلى عقبة بن عامر الجهني أخرجه أحمد بسند منقطع، وأخرجه الطبراني من حديث مسلمة بن مخلد قال: أتاني جابر فقال لي: حديث بلغني أنك ترويه في الستر

فذكره. اه.

ص: 118

وإذا رحَلَ، فليسلكْ ما سلك في مصْرِهِ من الابتداء بالأهمِّ فالأهَمِّ.

وليعمَلْ بما سمع من الأحاديث التَّي يُعْمَلُ فيها في الفضائل والترغيبات؛ فقَدْ رُوِيَ؛ أن رجلًا قال: يا رسول الله، مَا يَنْفِي عَنيِّ حُجَّةَ الجَهْل؟ قال:"الْعِلْمُ"، قَالَ فَمَا يَنْفِي عَنِّي حُجَّةَ الْعِلْمِ؟ قَالَ:"العَمَلُ"

(1)

، وقال: إبراهيمُ بْنُ إسماعيلَ بْنِ مجمِّعٍ

(2)

: "كنَّا نستعينُ على حفْظِ الحديث بالعَمَل به"

(3)

، وقال الإمام أحمد

(4)

: "ما كتبتُ حديثًا إلا وقَدْ عِملْتُ به حتىَّ مرَّبي في الحديث؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: "احْتَجَمَ فَأعَطْىَ أباطَيْبَة دِينَارًا"، فأعطيْتُ الحَجَّام دينارًا حين احتجمت"

(5)

، وعن عمرو بْن قيسٍ المُلَائِيِّ

(6)

، قال: "إذا بلغَكَ

(1)

أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 11) عن علي معلقاً، ورواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي"(1/ 89) بإسناده عن علي مرفوعًا.

(2)

هو إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، أبو إسحاق المدني، روى عن الزهري، وأبي الزبيره وعمرو بن دينار، وغيرهم، وعنه الداروردي، وابن حازم، وأبو نعيم، وعدة.

قال ابن معين: ضعيف ليس بشيء، وقال أبو حاتم: كثير الوهم ليس بالقوي يُكتب حديثه ولا يُحتج به. "تهذيب التهذيب"(1/ 95).

(3)

أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل ص (90) وفي "الجامع"(1789).

(4)

هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي البغدادي الإمامخ الحجة شيخ الإسلام سمع: بشر بن المفضل، وإسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة وغيرهم روى عنه الجماعة وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق ووكيع وغيرهم، قال العجلي: ثقة ثبتٌ في الحديث، نزه النفس، فقيه في الحديث، متبع الآثار، صاحب سنة وخير، وقال النسائي: جَمَع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث، والفقه والورع والزهد والصبر. مات رحمه الله سنة 241 انظر ترجمته في:"طبقات ابن سعد"(7/ 354)"الجرح والتعديل"(1/ 292)"طبقات الحنابلة"(1/ 4)"تهذيب التهذيب"(1/ 107).

(5)

ينظر الجامع - الخطيب (184).

(6)

هو عمرو بن قيس المُلائي -بضم الميم وتخفيف اللام والمد (وقد تصحف في المخطوط إلى "الملامي)" حدث عن عكرمة والحكم بن عُتيبة، وعطاء، وأبي إسحاق السبيعي، وليس هو بالمكثر. حدث عنه: سفيان الثوري وصحبه زمانا، وأبو خالد الأحمر، وأسباط بن محمد وآخرون. قال أبو زرعة: ثقةٌ مأمون وقال أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي ثقة، وقال ابن حبان في الثقات كان من ثقات كان من ثقات أهل الكوفة ومتقنيهم وعباد أهل بلده وقرائهم قال ابن حجر: أرخه بعضهم سنة ستٍ وأربعين ومئة. انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" (6/ 363)، "الجرح والتعديل" (6/ 354)، "تهذيب التهذيب" (8/ 77).

ص: 119

شيْءٌ من الخبر، فاعمَلْ به -ولو مرةً- تكُنْ من أهله"

(1)

.

وينبغي له أيضًا أن يُجِلَّ الشيْخَ ولا يُضْجِرَهُ؛ فإنَّ الإضجار -كما قال الخطيبُ- يُغَيِّرُ الأفهام، ويُفِسْدُ الأخلاق، ويُحِيل الطِّبَاع؛ ويُخْشَى - كما قال ابن الصلاح- على فاعل ذلك: أن يُحْرَمَ الانتفاع.

وينبغي له أيضًا ألاَّ يتكبَّر في الطلب، ولا يستَحْيِيَ فيه؛ ففي البخاريِّ: قال مجاهد

(2)

: "لايَنَالُ العِلْمَ مستَحٍ ولا متكبِّرٌ"

(3)

، وعن عُمَرَ

(4)

(1)

"الجامع" للخطيب (184) وانظر ""تدريب الراوي""(2/ 144).

(2)

مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، روى عن ابن عباس فأكثر وأطاب، وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه، وعن أبي هريرة وعائشة، وسعد بن أبي وقاص حدث عنه: عكرمة، وطاووس. وعطاء، وهم من أقرانه، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، والحكم بن عتيبة وغيرهم.

قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. رحمه الله. انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد"(5/ 466)"وتاريخ البخاري"(7/ 411)، و "تهذيب التهذيب"(10/ 37).

(3)

علقه البخاري (1/ 308) كتاب العلم: باب الحياء في العلم، وقال الحافظ، قول مجاهد هذا وصله أبو نعيم في الحلية من طريق على بن المديني عن ابن عيينة عن منصور عنه، وهو إسناد صحيح على شرط المصنف -أي البخاري-. اه

(4)

هو فاروق الإسلام عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي أبو حفص أمير المؤمنين، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر رضي الله عنه، وأبي بن كعب، روى عنه أولاده: عبد الله وعاصم وحفصة وروى عنه أيضًا عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم قال الزبير بن بكار: كان عمر من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية وقال ابن عبد البر: كان إسلامه عزًا ظهر به الإسلام بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شهد بدرًا والمشاهد كلها، وولي الخلافة بعد أبي بكر، بويع له يوم مات أبو بكر فسار أحسن سيرة وفتح الله له الفتوح بالشام والعراق ومصر ودون الدواوين وأرخ التاريخ، وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظًا.

وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر قال ابن حجر: ومناقبه وفضائل كثيرة جدًا مشهورة، ولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر، وقيل ستة أشهر وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة وقيل لثلاث، سنة ثلاث وعشرين. انظر "تهذيب التهذيب"(7/ 371).

ص: 120

وابِنِهِ

(1)

رضي الله عنهما: "مَنْ رَقَّ وجهه، دَقَّ عِلْمُهُ"

(2)

؛ وهذا لا ينافي كونَ الحياء من الإيمانِ؛ لأنَّ ذلك شرعيٌّ يقَعُ على وجه الإجلال والاحترام للأكابر؛ وهو محمودٌ، والذي هنا ليس بشرعيٍّ؛ بل سببٌ لتَرْكِهِ، وهو مذمومٌ.

وينبغي له أيضًا ألا يكَتُمَ ما علم؛ ففي الحديث الصحيح:

(1)

هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل القرشي العدوي أبو عبد الرحمن، أسلم قديمًا وهو صغير، وهاجر مع أبيه واستصغر في أحد ثم شهد الخندق وبيعة الرضوان والمشاهد بعدها. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبيه وعمه زيد، وأخته حفصة، وأبي بكر وعثمان، وعلي وسعيد وبلال، وزيد بن ثابت وغيرهم. وعنه أولاده: بلال وحمزة وزيد وسالم وعبد الله وعبيد الله وعمر، وروى عنه أيضًا عروة بن الزبير، وموسى بن طلحة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم.

قالت حفصة: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن عبد الله رجل صالح" قال أبو نعيم: أعطى ابن عمر القوة في الجهاد والعبادة والبضاع والمعرفة بالآخرة والإيثار لها وكان من التمسك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم بالسبيل المتين ومامات حتى أعتق ألف إنسان أو أزيد، قال الزبير بن بكار: مات سنة ثلاث وسبعين وكذا أرخه غير واحد، وقال ابن سعد: مات سنة أربع.

انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب"(5/ 291).

(2)

أخرجه الدارمي (1/ 137) باب البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعليم السنن: وانظر "تدريب الراوي"(2/ 147).

ص: 121

"الدِّينُ النَّصِيحَةُ"

(1)

، وعن يحيى بن مَعِين

(2)

: "مَنْ بَخِلَ بالحديثِ، وكَتَمَ على الناس سماعَهُمْ -لم يُفْلِحْ"، وعن

ابن عباس رضي الله عنه مرفوعًا: "يا إخْوَانِي، تناصَحُوا في العلْم، ولا يكتُمْ بَعْضُكُم بعضًا؛ فإنَّ خيانَةَ الرجل في عِلْمِهِ أشدُّ من خيانته في مالِهِ"

(3)

.

(1)

أخرجه مسلم (95/ 55) وأبو داود (4944) والنسائي (7/ 156) وأحمد (4/ 102)، والحميدي (837) وأبو عوانة (1/ 36 - 37) والبخاري في التاريخ الصغير (2/ 34) وأبو عبيد في الأموال رقم (1) وأبو يعلى (7194) وابن حبان في روضة العقلاء (ص: 194) والطبراني في الكبير (2/ 52، 54) والبيهقي في "الشعب"(7401) والبغوي في "شرح السنة"(6/ 485) والقضاعي في "مسند الشهاب". رقم (17، 18) كلهم من حديث تميم الداري.

(2)

هو يحيى بن معين بن عون أبو زكريا، الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، سمع ابن المبارك، وهشيم، وإسماعيل بن عياش، وسفيان بن عيينة، وابن مهدي، روى عنه: أحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو خيثمة، وعدة من أقرانه، وروى عنه: البخاري ومسلم وأبو داود، وعباس الدوري وغيرهم قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عن يحيى، فقال: إمام، وقال النسائي أبو زكريا أحد الأئمة في الحديث ثقة مأمون. وقال ابن حبان في الثقات:"كان من أهل الدين والفضل وممن رفض الدنيا في جمع السنن وكثرت عنايته بها وجمعه وحفظه إياها حتى صار علمًا يقتدى به في الأخبار، وإمامًا يرجع إليه في الآثار". اه وقال الخطيب: كان إمامًا ربانيًا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد"(7/ 354)"تاريخ بغداد"(14/ 177)"تذكرة الحفاظ"(2/ 429)، "تهذيب التهذيب"(11/ 280).

(3)

أخرجه الخطيب في ""تاريخ بغداد" (6/ 389) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (456) وابن الشجري في "الأمالي" (ص: 9) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل ثنا عبد القدوس بن حبيب الكلاعي ثنا عكرمة عن ابن عباس به.

قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: تفرد به عبد القدوس قال ابن المبارك: لأن أقطع الطريق أحب إلي من أن أروي عن عبد القدوس، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه. اه

وأخرجه الطبراني في "الكبير". (11701) من طريق مصعب بن سلام عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس به مرفوعًا.

وقد جزم السيوطي في "اللآلي"(1/ 207 - 208) بأن أباسعد هو سعيد بن المرزبان البقال، قال: وهو صدوق مدلس. وسبقه إلى ذلك الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (1/ 75) والهيثمي في "المجمع"(1/ 141) وأن ابن المرزبان قد تابع عبد القدوس على هذا الحديث.

وتعقبهم الشيخ الألباني في "الضعيفة"(783) أن أباسعد هو عبد القدوس بن حبيب الكلاعي فليراجع.

وللحديث طريق آخر أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(9/ 20) وفي إسناده الحسن بن زياد اللؤلؤي وهو كذاب ثم هو منقطع بين الضحاك وابن عباس، والحديث حكم عليه الشيخ الألباني بالوضع وينظر "الفوائد المجموعة"(ص 2740)"وتنزيه الشريعة"(1/ 261)"والسلسلة الضعيفة"(783).

ص: 122

نَعَمْ: له الكتْمُ عمَّىْ لم يره أهْلًا، أو يكون ممَّنْ لا يقبَلُ الصَّوَاب إذا أرشده إليه، أو نحو ذلك؛ فعن الخليل بن أحمد

(1)

؛ أنه قال لأبي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ المُثَنَّى

(2)

: "لا ترون على مُعْجَبٍ خَطَأً؛ فيستفيدَ مِنْكَ علمًا، ويتخذَكَ به عَدُوًّا"

(3)

.

وينبغي له أيضًا أن يكتُبَ ما يستفيدُهُ؛ فالفائدة ضالَّة المؤمن؛ حيثما وجَدَها التقطَهَا؛ وهكذا كانت سيرَةُ السَّلَف الصالح، فكَمْ من كبير رَوَى عن صغير؛ وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قرَأَ مع عظيم منزلته على أُبَيِّ بن كَعْب

(4)

؛ فعل ذلك ليتأسَّى به غيرُهُ، ولا يستنكفَ الكبير أنْ يأخذ العلم

(1)

هو الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري، الإمام صاحبُ العربية منشيء علم العروض، حدث عن أيوب السختياني، وعاصم الأحول، والعوام بن حوشب، أخذ عنه سيبويه النحو، والنضر بن شميل، وهارون بن موسى النحوي، والأصمعي، وآخرون.

قال الذهبي: كان رأسًا في لسان العرب، دينًا، ورعًا، قانعًا متواضعًا، كبير الشأن

وكان رحمه الله مفرط الذكاء صنف كتاب العين، ولم يتمه، مات سنة سبعين ومئة انظر ترجمته في:"معجم الأدباء"(11/ 72)، "إنباه الرواة"(1/ 341)"سير أعلام النبلاء"(7/ 429)، "بغية الوعاة"(1/ 557)، "شذرات الذهب"(1/ 275).

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

انظر "تدريب الراوي"(2/ 147).

(4)

هو الصحابي الجليل أبي بن كعب بن قيس أبو المنذر، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنه عمر بن الخطاب، وأبو أيوب وأنس بن مالك، وسهل ابن سعد، وغيرهم، شهد بدرًا والعقبة الثانية وقال عمر بن الخطاب: سيد المسلمين أبي بن كعب قال الهيثم بن عدي: مات سنة (19)، وقيل سنة (32) في خلافة عثمان قال الحافظ ابن حجر: وفي موته اختلافٌ كثير جدًا، الأكثر على أنه في خلافة عمر، وروى ابن سعد في الطبقات بإسنادٍ رجاله ثقات لكن فيه إرسال: أن عثمان أمره أن يجمع القرآن، فعلى هذا يكون موته في خلافته، قال الواقدي: وهو أثبت الأقاويل عندنا. انظر "الإصابة"(1/ 19)، "الاستيعاب"(1/ 47)"تهذيب التهذيب"(1/ 169).

أما حديث قراءة النبي صلى الله عليه وسلم على أبي فأخرجه أحمد (5/ 122)، والبخاري في خلق أفعال العباد ص (68). عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أعرض القرآن عليك. قال: وسماني لك ربِّي تبارك وتعالى؟ قال: {بفضل الله وبرحمته فبذلك "فلتفرحوا"} هكذا قرأها أبي".

ص: 123

عمَّنْ دونه، مع ما فيه من ترغيب الصغير في الازْدياد إذا رأَى الكبيرَ يَأْخُذُ عنه، وقال وكيع

(1)

: "لا يكونُ الرجُلُ عالمًا حَتَّى يأخُذَ عمن هو فوقَهُ، وعمَّن هو دونَهُ، وعمن هو مِثْلُهُ"

(2)

، ولتكنْ همَّةُ الطالب تحصيلَ الفائدة.

وينبغي له أيضًا حفْظُ الأحاديث تدريجًا، فذلك أدعَى لتحصيله، وعدمِ نِسْيانه، وألاَّ ياخذَ ما لا يطيقُهُ؛ لخَبَر:"خُذُوا مِنَ الِعْلْم مَا تُطِيقُونَ"

(3)

، وعن الثوري

(4)

قال: "كنْتُ آتيِ

(1)

هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي أحد الأعلام، سمع من هشام بن عروة، وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، والأوزاعي وغيرهم، حدث عنه سفيان الثوري وهو من شيوخه، وابن المبارك، ويحيى بن آدم وعبد الرحمن بن مهدي، والحميدي وغيرهم.

قال العجلي: وكيع كوفي ثقة عابد صالح أديب من حفاظ الحديث، وكان مفتيًا توفي سنة سبع وتسعين ومئة وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (6/ 394). "التاريخ الكبير"(8/ 179)"تهذيب الكمال"(1462). "تهذيب التهذيب"(11/ 123).

(2)

أخرجه الخطيب في "الجامع"(1/ 216).

(3)

لم أقف عليه بهذا اللفظ.

ولكن أخرج أحمد) (6/ 84، 189، 244)، والبخاري (1970) ومسلم (2/ 811)، وابن خزيمة (1283)، وابن حبان (353) عن عائشة "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملو".

(4)

هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله، حدَّثَ عن أبيه وحبيب بن أبي ثابت، وزياد بن عِلَاقة، وعنه ابن المبارك، ويحيى القطان، وابن وهب، ووكيع وخلق، قال شعبة ويحيى بن معين وجماعة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وقال أحمد: لم يتقدمه في قلبي أحد، مات سنة إحدى وستين ومائة. انظر ترجمته في:"طبقات ابن سعد"(6/ 371)، "التاريخ الكبير"(1/ 713)"تذكرة الحفاظ"(1/ 206). "تهذيب التهذيب"(4/ 111).

ص: 124

الأعمش

(1)

ومنصورًا

(2)

، فأسمَعُ أربعةَ أحاديثَ أو خمْسَةً، ثم أنصرفُ، كراهية أن تكثُرَ وتُفْلِت"

(3)

، وعن الزُّهْرِي

(4)

، قال: "مَنْ طلَبَ العلْمَ جملةً فاته جملةً، وإنما يُدْرَكُ العلْمُ؛ حديثٌ أو

(1)

هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، رأى أنس بن مالك وروى عنه، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وأبي صالح السمان ومجاهد وغيرهم، روى عنه: الحكم بن عتيبة، وأبو إسحاق السبيعي، وعاصم بن أبي النجود وغيرهم.

قال يحيى القطان عن الأعمش: هو علامة الإسلام، وقال النسائي: ثقةٌ ثبت. قال أبو عوانة مات سنة سبع وأربعين ومئة. وقال وكيع وغيره سنة ثمان. انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد"(6/ 342)"تاريخ بغداد"(9/ 3)"تذكرة الحفاظ"(1/ 154)"تهذيب التهذيب"(4/ 222).

(2)

هو منصور بن المعتمر أبو عتاب السُلمي الكوفي روى عن أبي وائل، وربعي بن حِراش، وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه: أيوب السختياني وسليمان الأعمش، وسليمان التيمي وشعبة والسفيانان وغيرهم وقال بعض العلماء: أصح الأسانيد مطلقًا، سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، وقال يحيى بن معين: لم يكن أحدٌ أعلم بحديث منصور من الثوري.

قال العجلي: كان منصور أثبت أهل الكوفة لا يختلف فيه أحد، صالحٌ متعبد، أكُره على القضاء فقضى شهرين، قال ابن معين: مات سنة ثلاثٍو ثلاثين و مئة، و فيها أرخه محمد بن عبد الله بن نمير، وشباب العصفري. انظر ترجمته في:"طبقات ابن سعد"(6/ 337)"التاريخ الكبير"(7/ 346)"سير أعلام النبلاء"(5/ 402).

(3)

رواه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع "(1/ 232).

(4)

هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله أبو بكر القرشي الزهري المدني نزيل الشام، روى عن ابن عمر وجابر: وروى عن سهل بن سعد، وأنس بن مالك، وغيرهم وعنه: عمرو بن دينار، وعمرو بن شعيب، وقتادة، وابن إسحاق وغيرهم، قال ابن المديني له نحو من ألفي حديث، وقال الليث بن سعد: ما رأيت عالمًا قط أجمع من ابن شهاب، يُحدث في الترغيب، فتقول لا يُحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب، قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه. قال ابن سعد وغيره مات سنة أربع وعشرين ومئة وقيل ثلاث وعشرين. انظر ترجمته في:"التاريخ الكبير"(1/ 220)"الجرح والتعديل"(8/ 71)، "تذكرة الحفاظ"(1/ 108)، "سير أعلام النبلاء"(5/ 326)، "تهذيب الكمال"(1268)، "تهذيب التهذيب"(9/ 445).

ص: 125

حديثان"

(1)

، وعنه أيضًا:"إنَّ هذا العلْمَ إنْ أخذْتَهُ بالمكاثرة له، غلَبَكَ، ولكنْ خُذْهُ مع الأيامِ والليالي أَخْذًا رفيقًا؛ تَظْفَرْ به"

(2)

.

ثمَّ المذاكرةٌ بعد الحفْظِ مع الطلبة، ثم مع نفْسِهِ؛ إذ المذاكرةُ تُعِينُ على ثُبُوت المحفوظ، وعن علي

(3)

رضي الله عنه قال: "تذاكَرُوا هذا الحديثَ، إلاَّ تفعلوا يَدْرُسْ"

(4)

، وعن ابن مسعود

(5)

رضي الله عنه قال: "تذاكَرُوا

(1)

أخرجه الخطيب في "الجامع"(1/ 232).

(2)

"الجامع" - للخطيب (1/ 232).

(3)

هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو الحسن الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، والمقداد، وعنه. أولاده، الحسن، والحسين، ومحمد الأكبر المعروف بابن الحنفية وعمر، وفاطمة وابن ابنه محمد بن عمر بن علي، وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع، ومن الصحابة عبد الله بن مسعود، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري وغيرهم. كان له من الولد الذكور أحد عشر، قال ابن عبد البر: قد أجمعوا أنه أول من صلى القبلتين وهاجر وشهد بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد وأنه أبلى ببدر وأحد والخندق، وخيبر البلاء العظيم، وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في مواطن كثيرة. اه قتل رحمه الله ورضي عنه شهيدًا. سنة أربعين. انظر:"تهذيب التهذيب"(7/ 334).

(4)

أخرجه الدارمي (1/ 150)، وابن أبي شيبة (8/ 545)، الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص (545)، والحاكم في "المعرفة"(60)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم"(687)، والخطيب في "الجامع"(1/ 236).

(5)

هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود بن غَافل بن حبيب الهذلي، وأمه أم عبد بنت عبد بن سواء من هذيلٍ أيضًا لها صحبة، أسلم بمكة قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، وكان صاحب نَعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن سعد بن معاذ، وعمر، وصفوان بن عسال وعنه ابناه عبد الرحمن وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عتبة بن مسعود وأبو سعيد الخدري وأنس وجابر وابن عمر وغيرهم من الصحابة وعلقمة والأسود بن يزيد، ومسروق، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وغيرهم من التابعين، قال البخاري مات بالمدينة قبل عثمان وقال أبو نعيم، وغير واحد مات سنة اثنتين وثلاثين وقال يحيى بن بكير سنة (33)، وقيل مات بالكوفة قال الحافظ والأول أثبت "تهذيب التهذيب"(6/ 26).

ص: 126

هذا العلْمَ؛ فاحياؤُهُ مذاكرتُهُ"

(1)

، وعن الخليل بن أحمد

(2)

قال: "ذاكرْ بعلْمِكَ، تَذْكُرْ ما عندك، وتَسْتَفِدْ ما ليس عندك"

(3)

.

وبَقِيَتْ آدابٌ كثيرة مذكورةٌ في المطَّولات

(4)

؛ وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن اتصَفَ بها تيك الصفات، ولنَرْجِعْ من بعده لِذكْرِ ما نَحْن بصدده:

(1)

أخرجه الدارمي (1/ 150)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" ص (546) عنه بنحوه.

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"(2/ 273).

(4)

ومن ذلك "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للحافظ الخطيب البغدادي "و جامع بيان العلم و فضله" للحافظ ابن عبد البر "وتذكرة السامع والمتكلم" لبدر الدين بن جماعة، وكلها مطبوعة.

ص: 127

[المتواتر اللفظي]

(1)

قال المصنِّف رحمه الله: "الخبر":

وهُوَ: أحد قِسمَيِ الكلام، والثاني: الإنشاءُ المنقسمُ إلى الأمر والنهي، والعَرْض والتحضيض، والاستفهام، والتمنِّي والترجِّي، والتنبيه.

فالخبر: ما كان لِنِسْبته خارجٌ يُطابقُهُ أو لا يُطابقه، وافَقَ اعتقادَ المتكلِّم أَوْلا

(2)

؛ فلا واسطة

(3)

.

وعِنْدَ المحدِّثين: هو والحديثُ بمعنًى، وهو: ما أضيفَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قيل: وإلَى الصحابيِّ، ومَنْ دونه: قولًا، أوفعلًا، أو تقريرًا أو صفةً، حتَّى الحَرَكَاتِ والسَّكَناتِ، في اليقظة أو المنام؛ وهذا هو الأصحُّ؛

(1)

«تدريب الراوي» (2/ 176)، «شرح نزهة النظر» - للقاري (19) توجيه النظر للجزائري (46)، «لقط الدرر» للعدوي (28)«سح المطر» ، لعبد الكريم الأثري (23)، تيسير التحرير (3/ 36) غهاية لسول (2/ 274)، غاية الوصول (95).

(2)

قال في "شرح الكوكب المنير"(2/ 289): "الخبر، لهم فيه حدودٌ كثيرةٌ، قل أن يسلم واحدٌ منهما من خَدش، وأسلمها قولهم: ما يَدخُله صِدقٌ وكَذب وهو لأبي الخطاب في "التمهيد"، وابن البناء وابن عقيل وقال في (2/ 309): الخبر إن طابق ما في الخارج فهو صدقٌ، وإلا -أي وإن لم يطابق الواقع في الخارج- فهو كذب، ولا فرق في ذلك بين اعتقاد المطابقة مع الصدق. أو عدمها مع الكذب، وبين أن لا يعتقد شيئاً، أو يعتقد عدم المطابقة مع وجودها، أو يعتقد وجودها مع عدمها وإذن، فلا واسطة بين الصدق والكذب، وهذا مذهبُ أهل الحق. اه وانظر الفروق للقرافي (1/ 25).

(3)

قوله "فلا واسطة" أي لا واسطة بين الصدق والكذب وانظر التعليق المتقدم.

ص: 128

فلا يطلقان إلا على المرفوع، وأما على غير المرفوع: فلا؛ إلا مع التقييد؛ فيقال: هذا حديثٌ موقوفٌ.

وهذا هو عِلْمُ الحديث درايةً، وقد مَرَّ في الفائدة الأولى تعريفه درايةً وروايةً؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "شرح النخبة":"وقيل: الحديثُ: ما جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم والخَبَرُ: ما جاء عن غَيْره؛ ومن ثَمَّةَ قيل لمن يشتغل بالتواريخ والحكايات والمواعظ: الأَخْبَاريّ، ولمن يشتغل بالسنة النبوية: المحدِّث، وقيل: بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلَقُ، فكلُّ حَديثٍ خَبَرٌ، ولا عكس، وعبَّر بالخبر؛ ليكون أشمل"

(1)

انتهى.

أقول: أما أشملَّيتُه -نظرًا إلى القول بالترادف- فظاهر، وأمَّا على القول بالتبايُن: فَلَأنَّه إذا اعتبر هذه الأمورَ في الخَبَر الذي هو واردٌ عن غَيْر النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَأَنْ يُعْتبَرَ ذلك فيما وَرَدَ عنه- وهو الحديث- أَوْلَى، وأما على القول بالعمومِ والخصوصِ: فَلأَنَّ الخبَرَ أعمُّ مطلقًا، وكلَّما ثبت الأخصُّ، ثبت الأعمُّ.

والحاصل: أن الحديثَ شاملٌ لما جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين على القَوْل الأوَّل فقطْ، وشمول الخَبَرِ على الأقوال الثلاثة؛ فو أولَى بالذِّكْر.

ثم إنه تارَةً ينقسم باعتبار نفسه؛ وقد سبَقَ، وتارةً باعتبار وُصُوله إلينا من الغَيْر؛ فهذا: إن رواه - أي: أخبر بالخَبَر، وخَصَّ بعضُهُمُ الروايَةَ بالإخبار- بعامٍّ؛ كالإخبار عن خصائص النبي صلى الله عليه وسلم إذا القصْدُ اعتقادُ خصوصيَّتها بمن اختصَّتْ به، وهو يَعُمُّ الناس، وما في المرويِّ من أمر ونَهْيِ ونحوهما- يرجع إلى الخَبَر بتأويل؛ {أَقِيُموا الصَّلاةَ} ،

(1)

"نزهة النظر"(18 - 19).

ص: 129

{ولَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} ؛ إذ مآلُهُما: الصلاةُ واجبةٌ، والزنا حرامٌ،،، وعلى هذا: القياسُ.

أو يقال: إنَّ ذلك إخبارٌ بالإضافة إلى النَّقَلَة؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تارَة يخبرُ عن الله تعالى؛ بأنه قال: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} وبأنه قال: {لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} ونحو ذلك، وتارَةً يقول:"افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا"، والصحابة يُخْبِرون بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك، والتابعون يُخْبِرون بأنه الصحابة رضي الله عنهم أخبروا عَنْهُ، وهلمَّ جَرًّا.

"في سَائِرِ طَبَقَاته" جَمْعٌ عُقَلَاءُ، وَلَوْ كُفَّارًا عَلَى الأَصَحِّ:

والمراد بالجَمْع: مازاد على الأربعة، "وسائر" هنا -بمعنى: جميع، وقد أنكر قومٌ إطلاقَهُ عَلْيه؛ ك "الحريريِّ"

(1)

في "الدُّرَّة"

(2)

؛ بناءً على أنه من

(1)

هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، أبو محمد الحريري البصري، صاحب المقامات المشهورة، قال ابن السمعاني:"أحد الأئمة في الأدب واللغة، ولم يكن له في فنه نظير في عصره، فاق أهل زمانه بالذكاء والفصاحة"، وقال ابن خلكان:"ورزق الحظوة التامة في عمل "المقامات"، وأشتملت على شيء كثير من كلام العرب، من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار كلامها، ومن عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل، وكثرة اطلاعه، وغزارة مادته"، ويحكى أنه كان دميمًا، قبيح المنظر، وكان مولعًا بنتف لحيته عند الفكرة، وله تواليف حسان منها: درة الغواص في أوهام العوام، وملحة الإعراب منظومة في النحو، وشرحها وله ديوان شعر ورسائل توفي سنة 516 هـ، وقيل غير ذلك انظر ترجمته في:"طبقات الشافعية الكبرى"(7/ 266)، "وفيات الأعيان"(3/ 227)، "شذرات الذهب"(4/ 50)، "إنباه الرواة"(3/ 23)، "بغية الوعاة"(2/ 257)، "النجوم الزاهرة"(5/ 225).

(2)

أي درة الغواص في أوهام العوام.

ص: 130

السُّؤْر، وهو البقيَّة، وأجاز ذلك أبو علي

(1)

ومن تبعه: إمَّا بناءً على أنه من: سَارَ يَسِيُر، ومعناها: جماعة يسير فيها هذا الاسْمُ، ويُطْلَقُ عليها، أو لأنَّه لا مانِعَ من كون الباقي جميعًا؛ باعتبار آخر؛ ككونه جميعَ ما بقي أو ما ترك أو نحوه؛ فيْتَجَوَّز به عن مطلق "جميع" وهذا أسهل مما مَرَّ؛ واستدلُّوا على وقوعه بقول ابن أحْمَرَ [من الطويل]:

.........................

فَلَنْ تَقْدمُوا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ رَاعِيَا.

فتوهُّمُ من [لا] يستعمله بمعنى الجميع ليس في محلِّه.

واعلم: أن ابن السِّيد

(2)

قال في "شرح السِّقْط"

(3)

: قال النحويُّون: "سائر" لا يضافُ إلا إلى شيء قد تقدَّم ذِكْرُ بعضه؛ كقولك: "رَأَيْتُ فَرَسَكَ وسائِرَ الخَيْل ولو قلتَ: "رأيتُ حمارَكَ وسائِرَ الخَيْل" لم يجز؛ لأنه لم يتقدَّمْ للخيْل ذكْرٌ، ولكن إن قلْتَ: "رأيْتُ حمارَكَ وسائر الدوابِّ"، جاز".

(1)

هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار النحوي، إمام عصره في علوم العربية، من شيوخه: أبو بكر بن مجاهد، والزجاج، وابن السري ومن تلاميذه: عبد الملك النهرواني، وابن جني، وأبو الحسنى الربعي توفي سنة 377 هـ من مصنفاته: الإيضاح في النحو، "التذكرة" و "الحجة في القراءات"، و "المقصور" و "الممدود". انظر ترجمته في:"وفيات الأعيان"(2/ 80)، "معجم الأدباء"(7/ 232)، "إنباه الرواة"(1/ 273)، "شذرات الذهب"(3/ 88).

(2)

هو عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، أبو محمد، أديب نحوي لغوي، مشارك في أنواع العلوم، ولد في مدينة "بطليوس" عام 444 هـ وسكن "بلنسية" من مصنفاته:"الاقتضاب في شرح أدب الكتاب"، "لمثلث في اللغة"، "شرح سقط الزند" لأبي العلاء المعري، "شرح موطأ مالك"، "الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم"، توفي سنة 521 هـ ب "بلنسية" انظر ترجمته في:"وفيات الأعيان"(3/ 96)، "شذرات الذهب"(4/ 64).

(3)

أي شرح "سقط الزند، وسقط الزند" هو أحد دواوين أبو العلاء المعري المشهورة وعدد أبياته تزيد على ثلاثة الآف بيت، وهو مطبوع مع شروح عدة للأئمة اللغة والأدب. بمصر سنة 1945.

ص: 131

ويخالف هذا قولُ المَعَرِّيِّ

(1)

[من الوافر]:

وَكَمْ جَاَوزْنَ مِنْ بَلَدٍ بِعَيدٍ

وَسَاِئُر نُطْقِنَا هيدٌ وَهَاد

فإنَّه لم يتقدَّم للنطْق ذكْرٌ، ولا حاجة إلى تكلُّف جعل "سائر" بمعنى الأكْثَر والأعْظَم، وإذا كان أكثره هذا، عُلِمَ أنَّ أقلَّه بخلافه؛ لأنَّ كونه بمعنى الجميع أظهَرُ.

تعريف الطبقة:

والطبقة لغةً: "القوم المتشابِهُون، أي: في السنِّ والعِلْمِ ونحوِ ذلك"

(2)

، والجَمْع: طبقات، وقد تُطْلَق على القَرْن، أو على عشرين سنةً، وقد تطلَقُ أيضًا على المرتبة.

وفي الاصطلاح: "جماعةٌ اشترَكُوا في السِّنِّ ولقاءِ المشايخ"

(3)

، وقد

(1)

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء المعري قال الذهبي: "هو الشيخ العلامة، شيخ الأدب

اللغوي الشاعر، صاحب التصانيف السائرة، والمُتهم في نحلته"، قال: "وأخذ الأدب عن بني كوثر وأصحاب بن خالوية، وكان يتوقد ذكاء".

من تصانيفه: "لزوم ما لا يلزم"، "كتاب في الخيل"، إقليد الغايات في اللغة وغيرها كثير، قال الذهبي: ومن أردأ تواليفه: رسالة الغفران في مجلد، قد احتوت على مَزْدكَة وفراغ. مات سنة تسع وأربعين وأربع مئة، وعاش ستًا وثمانين سنة انظر ترجمته في:"تاريخ بغداد"(4/ 240)، "معجم الأدباء"(3/ 107)"إنباه الرواة"(1/ 46). "سير أعلام النبلاء"(18/ 23).

(2)

"تدريب الراوي"(2/ 381).

(3)

انظر المرجع السابق. وعلم طبقات الرواه أحد علوم المصطلح المهمة قال السخاوي: وهو من المهمات، وفائدته الأمن من تداخل المشتبهين كالمتفقين في اسم أو كنية

وإمكان الإطلاع على تبين التدليس والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة. قال: "وبينه وبين التأريخ عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة، وينفرد التأريخ بالحوادث، والطبقات بما إذا كان في البدريين مثلاً من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة، وقد فرق بينهما بعض المتأخرين بأن التأريخ ينظر في بالذات إلى المواليد والوفيات، وبالعرض إلى الأحوال، والطبقات ينظر فيها بالذات إلى الأحوال، وبالعرض إلى الموليد والوفيات، لكن الأول أشبه""فتح المغيث"(4/ 394).

ص: 132

يكونُ الشخْصُ الواحد من طبقتَيْن باعتبارَيْن؛ كأنس بن مالك

(1)

رضي الله عنه فإنه من حيث صحبتُهُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم يعدُّ في طبقة العَشَرة، ومن حيثُ صِغَرُ السنِّ يُعَدُّ في طبقة مَنْ بعدَهُمْ، فمن نظر إلى الصحابة باعتبار الصحبة: جعل الجميعَ طبقةً واحدةً؛ كما صنع ابن حِبَّان

(2)

وغيره، ومَنْ نظر إليهم باعتبار قَدْرٍ زائدٍ، كالسَّبْق إلى الإسلام، أو شهودِ المشاهد الفاضلة؛ كبدر، وأحد، وبَيْعة الرِّضْوان -: جعلهم

(1)

هو الصحابي الجليل أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن النجار الأنصاري أبو حمزة المدني، خادم رسول الله ص روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر وعمر، وعثمان وعبد الله بن رواحة وجماعة، وعنه: الحسن وسليمان التيمي وأبو قلابة، وأبو مجلز، وقتادة، وثابت البناني، وحميد الطويل وغيرهم، قال الزهري عن أنس: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين، وكن أمهاتي يحثثنني علي خدمته، وقال أنس: جاءت بي أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام، فقالت يا رسول الله، أنيس ادع الله له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة" قال: فقد رأيتُ اثنتين وأنا أرجو الثالثة. أختلف في وفاته فقيل سنة 95، وقيل 92 وقيل 93 قال الحافظ وأقرب ما قيل في وفاته سنة 93.

انظر الإصابة (1/ 71)، "الاستيعاب"(1/ 71)، "طبقات ابن سعد"(7/ 12)، "تهذيب التهذيب"(1/ 342).

(2)

هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البُستي، سمع من زكريا الساجي، وأبي عبد الرحمن النسائي، وابن خزيمة وغيرهم. حدث عنه: أبو عبد الله بن مندة، وأبو عبد الله الحاكم، ومنصور بن عبد الله الخالدي وغيرهم، قال الحاكم:"كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال"، وقال أبو بكر الخطيب:"كان ابن حبان ثقة" نبيلاً فهمًا من تصانيفه الكثيرة: "الأنواع والتقاسيم". المعروف "بصحيح ابن حبان"، "تاريخ الثقات"، "المجروحين"، "علل مناقب الزهري"، علل حديث مالك، وغيرها. توفي سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. انظر ترجمته في:"الأنساب"(2/ 209)، "الكامل لابن الأثير"(8/ 566)، "تذكرة الحافظ"(3/ 920)، "طبقات الشافعية"(16/ 92).

ص: 133

طبقات، وإلى ذلك: جَنَحَ صاحب الطبقات: أبو عبد الله محمدُ ابْنُ سعدٍ البغداديُّ

(1)

؛ حيث جعلهم خمس طبقات:

"الأولى: البدريُّون.

الثانية: مَنْ أسلم قديمًا ممن هاجر، عامَّتُهُمْ إلى الحبشة، وشهدوا أُحُدًا فما بعده.

الثالثة: مَنْ شَهِدَ الخندق فما بعدها.

الرابعة: مُسْلِمَةُ الفَتْح فما بعدها.

الخامسة: الصِّبْيَان والأطفال؛ سواءٌ حُفِظَ عنهم -وهم الأكثر- أم لا"

(2)

.

وجعلهم الحاكم اثْنَتَىْ عَشْرةَ طَبقةً: "مَنْ تقدَّم إسلامهم بمكَّة؛ كالخلفاء الأربعة، ثم أصحابُ دَارِ النَّدْوة، ثم مهاجرو الحبشة، ثم أصحابُ العَقَبَة الأُولى، ثم الثانية، وأكثرُهُمْ من الأنصار، ثم أوَّلُ

(1)

هو محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البغدادي، كاتب الواقدي سمع من: هُشيم بن بشير، وابن عيينة، ووكيع، وإسماعيل بن علية وغيرهم.

حدث عنه: أبو بكر بن أبي الدنيا، والحارث بن أبي أسامة، وأبو القاسم البغوي قال الخطيب:"كان من أهل العلم، والفضل والفهم والعدالة صنف كتابًا كبيرًا في طبقات الصحابة والتابعين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن" وقال أيضًا: "محمد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرى في كثير من رواياته".

وقال أبو حاتم: صدوق. مات ببغداد سنة ثلاثين ومئتين.

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد"(5/ 221)"تهذيب التهذيب"(3/ 205)"سير أعلام النبلاء"(10/ 664).

أما كتابه الطبقات قال السيوطي في التدريب (2/ 381): "وطبقات ابن سعد، الكبير عظيم كثير الفوائد، وله كتابان آخران في ذلك وهو ثقة في نفسه، لكنه كثير الرواية فيه عن الضعفاء منهم شيخه محمد بن عمر الواقدي لاينسبه، بل يقتصر على اسمه واسم أبيه، وشيخه هشام بن محمد بن السائب الكلبي". اه

(2)

طبقات ابن سعد)

ص: 134

المهاجرين الذَّين لَقُوهُ بقُبَاء قَبْل دخول المدينة

(1)

، ثم أهْلُ بَدْر المهاجرون بَيْن بَدْر والحُدَيْبية، ثم أصحابُ بيعة الرِّضْوان، ثم مَنْ هاجَرَ بَيْن الحديبيَةِ وفَتْحِ مكَّة؛ كخالد بن الوليد، ثم مُسْلِمَةُ الفَتْح؛ كمعاوية وأبيه، ثم الصِّبْيَانُ والأطفالُ الذَّين رَأَوْهُ صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وفي حَجَّة الوداع، وغيرُهُمْ؛ كالسائب بن يزيد، وأبي الطُّفَيْل"

(2)

.

وكذلك مَنْ جاء بعد الصحابة، وهم التابعون؛ فمن نظر إليهم باعتبار الأَخْذ عن بعض الصحابة فقطْ جعل الجميعَ طبقةً واحدةً؛ كما صنع ابن حِبَّان

(3)

، ومن نظر إليهم باعبتار اللِّقَاء -أي: من جهة كثرتِهِ وقلته، والأَخْذ عن كبار الصحابة وصغارهم -قسَّمهم إلى طبقات؛ كما فعل "ابن سعد"؛ حيثُ جعَلَهُمُ ثلاث طبقات

(4)

، وقال الحاكم في "علوم الحديث": هُمْ خمس عشرة طبقةً، آخرهم من لَقِيَ أَنَسَ بن مالك من أَهْل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أوفَى مِنْ أَهْل الكوفة، ومن لَقِيَ السائب بن يزيد من أهل المدينة، والطبقة الأولى: من رَوَى عن العَشَرة المبَشَّرَة بالسماع منهم

(5)

. انتهى.

"وذَلِكَ الجَمْعُ بَحِيْثُ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِب":

قيل: "لو قال: أحال العقْلُ تواطؤهم

إلى آخره - لكان أولى؛ لأن قوله: "يستحيل عادة

إلى آخره" لا يكفي في إقامة العلم؛ لأنَّ إحالة

(1)

في الأصل: "مكة" والتصويب من "معرفة علوم الحديث" للحاكم: (23).

(2)

معرفة علوم الحديث للحاكم (22 - 24) وقد اختصر المؤلف كلام الحاكم وتصرف فيه.

(3)

تقدمت ترجمته وانظر تقسيمه للطبقات في كتابه "مشاهير علماء الأمصار".

(4)

"طبقات ابن سعد"(3/ 4).

(5)

"معرفة علوم الحديث"(42) باختصار وتصرف.

ص: 135

العادة شيئًا لا تستلزمُ إحالةَ العَقْل إيَّاه؛ فلا يكونُ مستلزمًا لحصول العلْم اليقيني". انتهى.

وفيه نظر؛ لأنه لا فرق بين إحالة العَقْل والعادة في هذا المَوْضِعِ؛ فإنَّ مجَّرد التجويز العقليِّ لا يرتفع -وإن بلغ العدد الغاية القُصْوَى - فمن أسند الإحالة إلى العَقْل، أراد أنَّ العَقْل لا يجوِّز ذلك مِنْ حيث العادة.

والتواطؤ: التوافُقْ، وخَصَّه بعضهم:"باتِّفَاق قومٍ على اختراع معيَّن بعد المشاورة والتقرير" بالأَّ يقول أحدٌ خلافَ صاحبه، والتوافق: حصولُ هذا الاختراع مِنْ غير مشاورة بينهم، ولا اتفاقٍ على اختراع، والكذبُ: عدمُ المطابقة للواقِعِ على الصحيح.

وما ذهَبَ إلَيْه المصنِّف من عَدَم الضَّبْط بعَدَد معيَّن - بل العبرةُ بحُصُول العلْم -: هو ما ذَهَبَ إَليْه الجمهورُ من الفُحُول؛ وتلَقَّتْهُ العقول بالقبول

(1)

؛ فإنا نقطع بالمتواتراتِ من غَيْر علْمٍ بعددٍ مخصوص قبل العلْمِ

(1)

قال الزركشي: "اخُتلف هل يُشترط فيه عددٌ معين، والجمهور على أنه ليس فيه حصر، وإنما الضابط حصول العلم، فمتى أخبر هذا الجمع، وأفاد خبرهم العلم -علمنا أنه متواتر وإلا فلا". اه تشنيف المسامع (2/ 947).

وقال الفتوحي في "شرح الكوكب"(2/ 333): "ولا ينحصر التواتر في عدد عند أصحابنا والمحققين". اه

وقال السيوطي: "ولا يُعتبر فيه عدد معين في الأصح". اه "تدريب الراوي"(2/ 176).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية "

ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة المتبحرون في معرفته قد يحصل لهم اليقين التام بأخبار، وإن كان غيرهم من العلماء قد لا يظن صدقها، فضلاً عن العلم بصدقها.

ومبني هذا على أن الخبر المفيد للعلم يُفيده؛ من كثرة المخبرين تارة، ومن صفات المخبرين أخرى، ومن نفس الإخبار به أخرى، ومن نفس إدراك المخبر له أخرى، ومن الأمر المخبر به أخرى.

فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم لما هم عليه من الديانة والحفظ الذي يؤمن معه كذبهم وخطؤهم، وأضعاف ذلك العدد من غيرهم قد لا يفيد العلم.

هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو قول جمهور الفقهاء، والمحدثين، وطوائف من المتكلمين". اه "مجموع الفتاوى" (20/ 258).

وقال رحمه الله أيضًا في (18/ 50) بعد ذكر الاختلاف في عدد التواتر: "والصحيح الذي عليه الجمهور أن التواتر ليس له عدد محصور، والعلم الحاصل بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة؛ كما يحصل الشبع عقيب الأكل، والريِّ عند الشرب، وليس لما يُشبع كل واحد ويرويه قدر معين، بل قد يكون الشبع لكثرة الطعام، وقد يكون لجودته، كاللحم، وقد يكون لاستغناء الآكل بقليله، وقد يكون لاشتغال نفسه بفرح أو غضب أو حزن أو نحو ذلك، كذلك العلم الحاصل عقيب الخبر، تارة يكون

" ثم ذكر نحوًا مما سبق قبل عنه.

وانظر "توجيه النظر" -لطاهر الجزائري ص: (39 - 41).

ص: 136

بها أو بعده؛ وذلك لأنَّ ظَنَّ الإنسانِ يتحرَّك بأوَّل مخبر، ثم لا يزالُ يتزايَدُ بتزايُدِ المُخْبِرِين تزايدًا خفيًّا؛ نحو: تزايد ضَوْء الصبح، وعَقْل الصبيِّ والبَدَن، حتَّى يبلغ القطْعَ واليقين؛ فلذلك: تعذَّر على القوة البشريَّة إدراكُ عَدَدٍ عنده يحصُلُ العِلْمُ، وأقلُّ العددِ الحاصِلِ منه ذلك خمسةٌ، أمَّا الأربعة فلا تكفي في عَدَدِ الجمعِ المذكور؛ لاحتياجهم إلى التزكية فيما لو شهدوا بالزِّنا؛ فلا يفيدُ قولهم العِلْم.

وذهب قومٌ إلى أن للتواتر عددا معيَّنًا لا يحصل العلْمُ بأقلَّ منه، والقائلون بذلك اختلَفوا في تَعْيينه واضْطَرَبوا.

فقيل: أقلُّه عَشَرة؛ وإليه ذهب صاحب "القواطع"

(1)

، [ونقله] عن

(1)

هو منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي الشافعي، الشهير "بابن السمعاني" أبو المظفر الفقيه الأصولي قال ابن السبكي عنه:"الإمام الجليل العلم الزاهد الورع أحد أئمة الدنيا" ثم قال: "وصنف في أصول الفقه "القواطع" وهو يغني عن كل ما صنف في ذلك الفن

ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع" وله مصنفات أخرى أشهرها "البرهان" في الخلاف، و"الأوساط" و"المختصر" توفي سنة 489 هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" لابن السبكي (5/ 335 - 346)، "النجوم الزاهرة" (5/ 160) "شذرات الذهب" (3/ 393).

ص: 137

الإصطخرىّ

(1)

؛ حيث قال: لا يجوزُ أنْ يتواتَرَ بأقلَّ من عشرة، وإنْ جاز أن يتواتَرَ بالعَشَرة فما زاد

(2)

، وحجته: أن ما دونهَا آحاد؛ فاختصَّ بأخبار الآحاد، والعشرة فمازاد جَمْعُ كثرةٍ.

ورُدَّ: بأنه: إن أراد بالآحاد ما هُوَ مصطلحُ الحساب فلاجهة للتمسُّك به، وإن أراد أنه جَمْعُ قلَّةٍ بقرينةِ مقابلتِهِ بجَمْع الكثرة- فلا يخفَى ضعفه أيضًا.

وقيل: أقله اثنا عَشَرَ، عَدَدَ النقباء الَّذينَ نصبَهُمْ موسى عليه الصلاة والسلام وبَعَثَهم للكَنْعَانيِّين بالشام، طليعةً لبني إسرائيل؛ ليُعْلِمُوهُمْ بأحوالهم التي لا تريب.

وقيل: أقلُّه عشرون؛ لقوله تعالى: {إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65]؛ فيتوقَّف بعث عشرين إلى مائتَيْن على إخبارهم بصَبْرهم.

وقيل: أقلُّهُ أربعون؛ لقوله تعالى: {يأيُّها النَّبِيُّ حُسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنيِنَ} [الأنفال: 64]، وكانوا أربعين رجلًا؛ فإخبارُ الله عنهم بأنَّهُمْ كافئوا نبيَّهُ يستدعي إخبارَهُمْ عن أنفسهم بذلك لَهُ؛ ليطمئنَّ قلبه؛ فكونُهُمْ على هذا العدد ليس إلا لأنَّه أقلُّ ما يفيد العِلْم.

(1)

هو الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى أبو سعيد الاصطخري، قاضي قم شيخ الشافعية بالعراق، وأحد أصحاب الوجوه في المذهب، ولي حسبة بغداد، وأفتى بقتل الصابئة، واستقضاه المقتدر بالله على سجستان، وله أخبار طريفة في الحسبة من مؤلفاته:"أدب القضاء"، كتاب "الفرائض الكبير" وله في الأصول أراء مشهورة، توفي سنة 328 هـ ببغداد انظر ترجمته في:"طبقات الشافعية"(3/ 230)، "وفيات الأعيان"(1/ 357)"شذرات الذهب"(2/ 312)، "تاريخ بغداد"(7/ 268).

(2)

انظر "تشنيف المسامع"(2/ 947 - 948)، "المسودة"(212)، "البحر المحيط"(4/ 232).

ص: 138

وقيل: أقله سبعون؛ لقوله تعالى: {وَاخْتَاَر مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعيِنَ رَجُلًا لمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155]؛ ليُخْبِروا قومهم بما يَسْمَعُونه؛ فكونُهُمْ على هذا العدد ليْسَ إلا لأنَّه أقَلُّ ما يفيد العلم.

وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر، عَدَدَ أَهْل بدر، وهذا الاقتضاء زيادةِ اخترامِهِم يستدعي التنقيب عنهم، ليُعْرَفُوا، وإنما يُعْرَفُون بأخبارهم؛ فكونُهُمْ على هذا العدد ليس إلا لأنَّهم أقلُّ عدد يفيد العِلْم.

وهذه الأدلَّة كلُّها ممنوعةٌ؛ إذ لا تعلُّق بشيءْ منها للأخبار.

ولو سلِّم، فليس فيها دَلَالةٌ على أن ذلك العدد شَرْطٌ لتلك الوقائع، ولا على كَوْنِهِ مفيدًا للعْلم.

وقال ابن قُتَيْبة

(1)

في كتابه "مُخْتَلِف الحديث"

(2)

: "والذي بَرْهَن بهذه الأقوال يلزمُهُ إثباتُ قولٍ بثمانية؛ لقوله تعالى: {وَثَاِمُنُهْم كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22]، وإثباتُ قولٍ بتسْعةَ عَشَرَ؛ لقوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30]؛ ولم يصيروا إليه، فدلَّ على فساد حُجَّتهم"

(3)

(1)

هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، قال الذهبي:"العلامة الكبير، ذو الفنون" حدث عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن زياد الزيادي، أبي حاتم السجستاني، حدث عنه: عبيد الله السكري، وعبيد الله بن أحمد، وعبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي وغيرهم. من تصانيفه:"غريب القرآن"، و "غريب الحديث" و "كتاب المعارف"، كتاب "مشكل القرآن"، و "مشكل الحديث"، و "أدب الكاتب" و "عيون الأخبار" وغيرها قال الخطيب: كان ثقة دينا فاضلاً. توفى سنة 276 هـ. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد"(10/ 170)، "وفيات الأعيان"(3/ 42)"سير أعلام النبلاء"(13/ 296)، "بغية الوعاة"(2/ 63)، "شذرات الذهب"(2/ 169 - 170).

(2)

وهو مطبوع في مجلد. وله عدة طبعات منها طبعة المكتب الإسلامي بتحقيق محمد الأصفر.

(3)

"تأويل مختلف الحديث" ص (66)، وانظر الكلام على عدد التواتر ومناقشة الأقوال في ذلك في:"المسودة"(235). "مختصر بن الحاجب مع شرح العضد"(2/ 54)"الإحكام لابن حزم"(1/ 94)"إرشاد الفحول"(47)"الروضة"(50)، "البحر المحيط"(4/ 232)"تدريب الراوي"(2/ 177).

ص: 139

"وَاسْتَنَدَ ذَلِك الخَبَرُ إِلَى الْحِسِّ":

أي: انتهى إلى أمْرٍ محسوس؛ وهو ما يُدْرَكُ بإحدى الحواسِّ الخمس؛ كالإخبار بوجود مَكَّة، وطَيْبة؛ بخلاف ما إذا استند إلى أمرٍ معقول؛ كالإخبار بحدوثِ العَالَم مثلًا؛ لأنه: إن كان من الأوَّليَّات، فلا يحتاج إلى التواتر؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ ذلك بمجرَّد العقل، وإن كان من النظريَّات، فكل واحد منهم يُخْبِرُ عن نظره؛ فَلَمْ يتواردْ على محلٍّ واحدٍ والغلط جائزٌ على كل واحد منهم، وفي المحسوس: المُخْبِرونَ به تواردوا على محل واحد.

وخصّ الحافظ ابن حجر في شرحه المستند بالمشاهد أو المسموع؛ اعتبارًا للغالب، ولأنَّ البحْثَ في المتواتر من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله، وتقريره؛ والأول من المسموعات، والثاني والثالث من المُبْصَرَات؛ وإلا فالشرط: الانتهاء إلى مُطْلَق الحسِّ الشامل للحواسِّ الخمس؛ كما ذهب إليه المصنِّف.

"فَهُوَ المُتَوَاتِرُ" اللَّفْظِيُّ:

وهو: "ما تواتر لفظُهُ ومعناه؛ وذلك كحديث: "مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:"البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالَيِمينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"

(3)

.

(2)

أخرجه البخاري (1/ 31) ومسلم (1/ 10)، وأبو داود (2/ 287) والترمذي (1342) والنسائي (8/ 248) وابن ماجه (1/ 13) وأحمد (1/ 70)، (4/ 245)، والدارمي (1/ 76)، والحاكم في المستدرك (1/ 103).

وغيرهم كثير عن غير واحد من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة وغيرهم، وقد توسع في ذكر رواته وطرقه السيوطي في الجامع الصغير (6/ 279) مع شرح المناوي، و"تدريب الراوي"(2/ 177)، وقال:"قال ابن الصلاح: رواه اثنان وستون من الصحابة، وقال غيره: رواه أكثر من مئة نفس، وفي شرح مسلم للمصنف -أي النووي- رواه نحو مائتين، قال العراقي: "وليس في هذا المتن بعينه، ولكنه في مطلق الكذب، والخاص بهذا المتن رواية بضعة وسبعين صحابياً ثم أخذ في سردهم".

وقال ابن الجوزي: وهذا الحديث

قد رواه من الصحابة ثمانية وتسعون نفسًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

".

(3)

أخرجه البخاري (4552) ومسلم (1/ 1711) وأبو داود (3619) والترمذي (1342) والنسائي (8/ 248) وابن ماجة (2321) والبيهقي (5/ 332) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناسُ دماء رجلا وأموالهم ولكن اليمين على المدعي عليه" وذكره النووي في الأذكار (ص: 447) بلفظ "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، وقال: هو حسنٌ بهذا اللفظ وبعضه في الصحيحين.

قلت: هو بهذا اللفظ عند البيهقي (10/ 252) وفي الباب عن أبي هريرة وعمر وعمران بن حصين وزيد بن ثابت.

كلها عند الدارقطني (4/ 217 - 219).

ص: 140

وهو قليلٌ جدًّا؛ كما قال ابن الصلاح

(1)

، وإن أثبته الحافظُ في شرحه بكثرةٍ؛ حيث قال:"ومن أحسَنِ ما يتقرَّر به كونُ المتواتر موجودًا وجودَ كَثْرة في الأحاديث: أن الكُتُبَ المشهورةَ المتداوَلَةَ بأيْدي أهلْ العلْمِ شرقًا وغربًا، المقطوعَ عندهم بصحَّة نسبتها إلى مصنِّفِيها: إذا اجتمعَتْ على إخرجِ حديثٍ، وتعدَّدَتْ طرقه تعدُّدًا تحيلُ العادةُ تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلْمَ اليقينيَّ بصحَّة نسبته إلى قائله، ومثلُ ذلك في الكُتُب المشهورة كثيرٌ"

(2)

. انتهى.

فإنَّ المحقِّق ابن أبي شريف

(3)

قد رَدَّ ذلك في حاشيته بقوله بعد ما ساق العبارة: "قد يقال عليه: لا يلزمُ نسبةَ الكُتُب إلى مصنِّفيها: أن يكونَ ذلك القطْع حاصلًا عن التواتر؛ فقد يكون حصوله بخبر الآحاد، المحفوفِ بالقرائن؛ وإلَّا فهذا صحيحُ البخاريِّ الذي هو أصحُّ كُتُبِ

(1)

"مقدمة ابن الصلاح" ص:)

(2)

"نزهة النظر" ص: 23 و"تدريب الراوي"(2/ 178).

(3)

هو محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن مسعود المري القدسي الشافعي المعروف بابن أبي شريف، كمال الدين، أبو المعالي، ولد بالقدس سنة (822 هـ) وقرأ على علمائها القرآن بالروايات، والعربية والأصول، والحديث والفقه، ورحل إلى القاهرة، وأخذ عن علمائها كالحافظ ابن حجر، والشمس القاياتي والعز البغدادي، وغيرهم وسمع بالمدينة على المحب الطبري، وغيره، من تصانيفه "الفتاوى"، "حاشية على تفسير البيضاوي"، "حاشية على شرح المحلي لجمع الجوامع"، "إتحاف الإخصا بفضل المسجد الأقصى" توفي سنة (906 هـ) انظر ترجمته في "الضوء اللامع"(9/ 65)، "شذرات الذهب"(8/ 29)، "البدر الطالع"(2/ 243).

ص: 141

الحديث، لا يُرْوَى بالسماع المتَّصِلِ إلا عن الْفَرَبْرِيّ

(1)

؛ بل وغالبُ الكُتُب المشهورة لا يبلُغُ فيما نعْلَمُ عَدَد رواتها عن مصنِّفيها الذي يتَّصِل الإسناد في عَصْرنا إليهم سماعًا - عَدَدَ المتواتر.

وقد يجابُ: بأن كون من عُلِمَتْ رواته دون عدد التواتر لا يستلزمُ كونَ الرواة في كل عصْرٍ أو في بعض الأعصار دون عدد التواتر؛ فكمْ من سامع مات قبل أن يُسْمَعَ منه؟! وكم من مستَمِعٍ لم يضبطْ جميعَ مَنْ سمع منه؟! بل ولا واحدٌ منهم في طبقة سَمِعَ؛ فمات ذِكْر روايته بموته؛ وهكذا في كل عصر؛ كما أجيبَ بمثله عن هذا الإيراد؛ حيث أورد على القول بتواتر القرآن الكريم بالقراءات المعروفة مع السبعة والعشرة، بل قد سمِعَ الصحيحَ من البخاريِّ -غَيْرَ الفَرَبْرِيِّ- عَدَدٌ، بعضهم يبلغ التواتر؛ غير أن الفَرَبْرِيّ تأخَّرَتْ وفاته، فعَكَفَ الناسُ على الأَخْذ عنه؛ كما صرَّح بذلك

(2)

، وقد اتفق ذلك في بعض الكُتُب. "

(1)

هو محمد بن يوسف بن مطر الفِرَبري، قال الذهبي: "المحدث الثقة العالم

راوي"الجامع الصحيح" عن أبي عبد الله البُخاري، سمعه منه بفَرَبْر مرتين" قال:"و فَربر" - بكسر الفاء وبفتحها، وهي من قرى بُخارى، حكى الوجهين القاضي عياض، وابن قُرْقُول، والحازمي. وقال: الفتح أشهرن وأما ابنُ ماكولا، فما ذَكر غير الفتح.

وسمع الفربري أيضًا من علي بن خشرم، وحدث عنه: الحافظ أبو علي بن السَّكن، وأبو الهيثم الكُشميهني، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي وغيرهم. قال أبو بكر السمعاني في "أماليه":"كان ثقة ورعًا" مات الفربري سنة عشرين وثلاث مئة، وقد أشرف على لاتسعين. انظر ترجمته في:"الأنساب"(9/ 260)، "معجم البلدان"(4/ 246)، "وفيات الأعيان"(4/ 290)، "سير أعلام النبلاء"(15/ 10)"شذرات الذهب"(2/ 286).

(2)

توفي الفربري لعشر بقين من شوال سنة عشرين وثلاث مئة، وقد أشرف على التسعين. قال الحافظ الذهبي:"ويُروى - ولم يصح- أن الفَربري قال: سمع "الصحيح" من البخاري تسعون ألف رجل، ما بقي أحدٌ يرويه غيري.

قلت -أي الذهبي-: قد رواه بعد الفَربري أبو طلحة منصور بن محمد البَزْدَوي النَّسَفى، وبقي إلى سنة تسع وعشرين وثلاث مئة" انتهى "سير أعلام النبلاء" (15/ 12).

ص: 142

[المتواتر المعنوي]

(1)

وأما المعنويُّ

(2)

: فهو أن يتواتَرَ معنَىَ في ضمن ألفاظٍ مختلفةٍ، ولو كان ذلك المعنى المشتَرَك فيه بطريق اللزوم؛ كما إذا أخبر واحدٌ عن حاتم

(3)

بأنه أعطى دينارًا، وآخر أنه أعطَى بعيرًا، وآخر أنه أعطى فرسًا، وهلم جرًّا؛ فإنَّ المخبرين -وإن اختلفوا في الأداء- فقد اتفقوا على معنى كليٍّ وهو الإعطاء، وهو دُونَ التواتُرِ اللفظيِّ؛ لأَجْل الاختلاف في طريق النقل؛ قال الشيخ أبو إسحاق

(4)

: "ولا يكاد يقعُ الاحتجاجُ به إلا في شيء من الأصول، ومسائل قليلة من الفروع؛ كغَسْل الرجلَيْن مع

(1)

انظر الكلام على التواتر المعنوي في: "شرح تنقيح الفصول" ص (353)"نهاية السول"(2/ 274)"المسودة" ص (235)"شرح الكوكب المنير"(2/ 332)"تدريب الراوي"(2/ 179)"توجيه النظر" ص (46 - 50)"لقط الدرر" -للعدوي (28)، "سح المطر"- لعبد الكريم الأثري (23).

(2)

أي وأما القسم الثاني من أفسام المتواتر فهو المتواتر المعنوي.

(3)

هو حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، كان جوادًا شاعرًا، وكان حيث نزل عرف منزله، وإذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب- انظر الشعر والشعراء لابن قتيبة (1/ 241).

(4)

هو إبراهيم بن علي بن يوسف، جمال الدين الفيروزآبادي الشافعي، قال النووي:"الإمام المحقق المتقن المدقق، ذو الفنون من العلوم المتكاثرات والتصانيف النافعة المستجادات" ومن أشهر مصنفاته "اللمع" وشرحه، والتبصرة في أصول الفقه. توفي سنة ست وسبعين وأربع مئة. انظر ترجمته في:"طبقات الشافعية" للسبكي (4/ 215)"شذرات الذهب"(3/ 349)، "وفيات الأعيان"(1/ 9).

ص: 143

الروافض،

(1)

والمسح على الخُفَّيْن مع الخوارج"

(2)

.

(1)

الروافضي نسبة إلى الرفض وهو الترك بازدراء واستهانة، سموا بذلك لرفضهم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وزعموا أنهما ظلما عليًا واغتصبوا منه الخلافة وقيل. لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه عن أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما فترحم عليهما فرفضوه وأبعدوا عنه، ومن عقائدهم الغلو في آل البيت، ويُكفرون من عداهم من الصحابة ويفسقونهم وهم فرق شتى منهم الغلاة الذين يدعون أن عليًا إله ومنهم دون ذلك، وأول ما ظهرت بدعتهم في خلافة علي بن أبي طالب حين قال له عبد الله بن سبأ أنت إلاله فأمر علي رضي الله عنه بإحراقهم وهرب زعيمهم عبد الله بن سبأ إلى المدائن

وهم يسمون أنفسهم الشيعة لأنهم يزعمون أنهم يتشيعون لآل البيت وينتصرون لهم، ويطالبون بحقهم في الإمامة والحق أنهم يتسترون بذلك والأولى أن يقال لهم الروافض انظر:"شرح الطحاوية" ص (470). و "معارج القبول"(3/ 1178)، "شرح لمعة الاعتقاد" للشيخ محمد العثيمين ص:(122).

قال ابن رشد في "بداية المجتهد"(1/ 15): "اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما، فقال قوم: طهارتهما الغسل، وهم الجمهور، وقال قوم: فرضهما المسح، وقال قوم: بل طهارتهما تجوز بالنوعين: الغسل والمسح، وإن ذلك راجع إلى اختيار المكلف، وسبب اختلافهم القرائتان المشهورتان في آية الوضوء: أعني قراءة من قرأ، وأرجلكم بالنصب عطفًا على المغسول، وقراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض عطفًا على الممسوح. وذلك أن قراءة النصب ظاهرة في الغسل وقراءة الخفض ظاهرة في المسح كظهور ذلك في الغسل، فمن ذهب إلى أن فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين إما الغسل، وإما المسح ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة الثانية وصرف بالتأويل ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ترجحت عنده، ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها على السواء، وأنه ليست إحداهما على ظاهرها أدل من الثانية على ظاهرها أيضًا جعل ذلك من الواجب المغير ككفارة اليمين وغير ذلك، وبه قال الطبري وداود، وللجمهور تأويلات في قراءة الخفض". اه

وقال ابن العربي: "اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين والرافضة من غيرهم". اه "تفسير القرطبي"(6/ 62).

(2)

هم الذين خرجوا لقتال على بن أبي طالب بسبب التحكيم ومن مذهبهم: التبرؤ من عثمان وعلي، والخروج على الإمام إذا خالف السنة، وتكفير فاعل الكبيرة وتخليده في النار، وقد كفروا أهل القبلة بالمعاصي وحكموا بتخليدهم في النار بذلك، واستحلوا دمائهم وأموالهم، حتى الصحابة من السابقين الأولين من أهل بدر وغيرهم. انظر "الملل والنحل"- للشهرستاني (1/ 114)"معارج القبول"(3/ 1172).

قال الحافظ في "الفتح"(1/ 365 - 366): "نقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف، لأن كل من روي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته

وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل: المسح على الخفين، أو نزعهما وغسل القدمين؟ قال:"والذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه". اه

وقال الشيخ محي الدين -أي النووي-: وقد صرح جمع من الأصحاب بأن الغسل أفضل بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة كما قالوه في تفضيل القصر على الإتمام، وقد صرح جمعٌ من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر؛ وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين ومنهم العشرة وفي ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين". اه

ص: 144

وأما الأوَّل

(1)

: فهو مفيد للعلْمِ الضَّرُورِيِّ

(2)

، أي: الحاصلِ عند سماعه مِنْ غَيْر احتياجٍ إلى نظر وكَسْب؛ لحصوله ممن لا يتأتَّى منه النظَرُ؛ كالبُلْهِ والصِّبْيَان؛ وهذا هو الصحيحُ الذي ذَهَبَ إليه الجمهورُ من المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين

(3)

.

(1)

أي المتواتر اللفظي.

(2)

قال الحافظ في "نزهة النظر"(21 - 22) معرفًا العلم الضروري: هو الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكن دفعه

إلى أن قال: "الضروري يفيد العلم بلا استدلال والنظري يُفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة، وأن الضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر". اه

(3)

قال الفتوحى في "شرح الكوكب"(2/ 326): "العلم الحاصل بخبر التواتر ضروري عند أصحابنا والأكثر، إذ لو كان نظريًا لافتقر إلى توسط المُقدمتين، ولما حَصل لمن ليس من أهل النظر، كالنساء والصبيان، ولساغ الخلاف فيه عقلاً. كسائر النظريات، ولأن الضروري ما اضطر العقل إلى التصديق به، وهذا كذلك".

وقال الزركشي في "تشنيف المسامع"(2/ 950): "ذهب الجمهور إلى أن العلم في التواتر ضروري لا على معنى إنه يُعلم بغير دليل، بل معنى أنه يلزم التصديق فيه ضرورةً إذا أوجِدت شروطه، كما يلزم التصديق بالنتيجة الحاصلة عن المقدمات ضرورة، وإن لم تكن في نفسها ضرورية واستدلوا بأنه لو لم يفد العلم الضروري لوجدنا أنفسنا شاكين في وجود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي وجود بغداد، وذلك باطل، لأن كل ما لا يعرض فيه الشك فليس بنظري، فالعلم الحاصل عن التواتر ليس بنظري". اه

ص: 145

وذهب الكَعْبِيُّ

(1)

من المعتزلة

(2)

: إلى أنه نَظَرِيٌّ؛ وفسَّر ذلك إمام الحَرَمَيْن

(3)

في "البُرْهَان"

(4)

بتوقُّفه على مقدِّماتٍ حاصلةٍ

(1)

هو عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي المعروف بالكعبي شيخ المعتزلة، من نظراء أبي علي الجبائي، من تصانيفه: كتاب "المقالات" وكتاب "الغرر" وكتاب "الجدل" وكتاب "التفسير الكبير"، وكتاب في النقض على الرازي في الفلسفة الإلهية، قال محمد بن إسحاق النديم: توفي أول شعبان سنة تسع وثلاث مئة قال الذهبي: كذا قال وصوابه: سنة تسع وعشرين. انظر ترجمته في: "الملل والنحل"(1/ 76)"تاريخ بغداد"(9/ 384)"سير أعلام النبلاء"(14/ 313)، "شذرات الذهب"(2/ 281).

(2)

هم أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري وقرر أن الفاسق في منزلة بين منزلتين لامؤمن ولا كافر وهو مخلد في النار وتابعه في ذلك عمرو بن عبيد، ومذهبهم في الصفات التعطيل كالجهمية، وفي القدر قدرية ينكرون تعلق قضاء الله وقدره بأفعال العبد وفي فاعل الكبيرة أنه مخلد في النار، وخارج من الإيمان في منزلة بين منزلتين الإيمان والكفر، وهم عكس الجهمية في هذين الأصلين، ومذهبهم. مبني على أصولهم الخمسة وهي: العدل، والتوحيد، وإنفاد الوعيد والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انظر "شرح العقيدة الطحاوية" ص:(521)، "الملل والنحل" للشهرستاني (1/ 43)"شرح لمعة الاعتقاد"(124).

(3)

هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي، أبو المعالي الملقب بضياء الدين المعروف بإمام الحرمين، قال ابن خلكان:"أعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته المتفق على غزارة مادته وتفننه في العلوم. أشهر مصنفاته "نهاية المطلب" في الفقه، والبرهان في أصول الفقه، والإرشاد والشامل في أصول الدين، وغياث الأمم في الأحكام السلطانية، توفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" الكبرى (5/ 165)، "وفيات الأعيان" (2/ 341)، "شذرات الذهب" (3/ 358).

(4)

انظر "البرهان"(1/ 372) والبرهان هو أحد مصنفات إمام الحرمين في أصول الفقه وهو مطبوع في مجلدين طبع دار الوفاء سنة 1412 هـ.

ص: 146

عند السامع

(1)

، وهي: ما مَرَّ من الأمور المحقِّقة لكَوْن الخبر متواترًا، بمعنى الاحتياج إلى النَّظَر عَقِبَ السَّمَاع؛ فلا خلاف في المعنَى في أنه ضروريٌّ؛ لأن توقُّفَهُ على تلك المقدِّمات لا ينافي كَوْنَهُ ضروريًّا؛ وتوقَّفَ الآمِدِيُّ

(2)

والشَّرِيف المُرْتَضَى

(3)

عن القَوْل بواحد من الضروريِّ

(1)

قال "الزركشي في تشنيف المسامع"(2/ 951): "ذهب الكعبي إلى أنه كسبي أي نظري مفتقر إلى تقدم استدلال، ونقله المصنف -أي السبكي- عن الإمامين يعني إمام الحرمين والرازي فأما إمام الحرمين فهو قد صرح في البرهان بموافقته الكعبي، لكنه نزله على أن العلم الحاصل عقبيه من باب العلم المستند إلى القرائن والمقدمات الحاصلة، قال: وهذا هو مراد الكعبي، ولم يرد نظرًا عقليًا وفكرًا سبريًا على مقدمات ونتائج".

وعبارة "إمام الحرمين" في "البرهان"(1/ 375، 376): "ذهب الكعبي إلى أن العلم بصدق المخبرين تواترًا نظري، وقد كثرت المطاعن عليه من أصحابه ومن عصبة الحق، والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت إبالة جامعة وانتفائها، فلم يعن الرجل نظريًا عقليًا وفكرًا سبريًا على مقدمات ونتائج، وليس ماذكره. أي الكعبي إلا الحق".

وما ذهب إليه الكعبي وإمام الحرمين هو قول أبي "الحسين البصري من المعتزلة والدقاق من الشافعية" انظر "المعتمد للبصري"(2/ 81).

(2)

هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، أبو الحسن، سيف الدين الآمدي، الفقيه الأصولي المتكلم، قال سبط ابن الجوزي:"لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام"، من كتبه:"أبكار الأفكار" في علم الكلام، والإحكام في أصول الأحكام في أصول الفقه. وغيرها. توفي سنة إحدى وثلاثين وست مئة. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" للسبكي (8/ 306)، "وفيات الأعيان"(2/ 44)، "شذرات الذهب"(5/ 144).

(3)

هو علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف المرتضى أبو القاسم الموسوي، وهو أخو الشريف الرضي، كان أبو القاسم نقيب الطالبيين وكان إمامًا في علم الكلام والأدب والشعر وأصول الفقه وله تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أصول الدين، وله ديوان شعر كبير من تصانيفه:"الغرر والدرر" في اللغة والنحو، و "الذخيرة" في الأصول، و "الذريعة" في أصول الفقه وغيرها. مات ببغداد سنة ست وثلاثين وأربع مئة انظر ترجمته في:"تاريخ بغداد"(11/ 402)، "وفيات الأعيان"(3/ 3)"شذرات الذهب"(3/ 256).

ص: 147

والنظريِّ

(1)

، وصحَّح القوْلَ بالوَقْف صاحب "المصادر".

وهو متَّفِقٌ للسامعين

(2)

إن كان لكثرة العدد في رُوَاته، أي: يجب حصوله لكلِّ من السامعين، وما يَحْصُلُ منه لقرائنَ زائدةٍ على أقلِّ عددٍ صالحٍ له يختلفُ؛ فيحصُلُ لزيد دون غيره من السامعين -مَثَلًا- لأنَّ القرائن قد تَقُومُ عند شخْصٍ دون آخر، أما الخَبَرُ المفيدُ للعِلْمِ بالقرائن المُنْفَصلةً عنْهُ: فليس بمتواتر.

وقيل: يجبُ حصولُ العلْم من المتواتر لكُلٍّ من السامعين مطلقًا؛ لأنَّ القرائن في مثْلِ ذلك ظاهرةٌ لا تَخْفَى على أَحَدٍ منهم.

وقيل: لا يجبُ ذلك مطلقًا، بل قد يحصُلُ العلْمُ لكُلٍّ منهم، ولبعضهم فقطْ؛ لجواز ألَّا يحصُلَ العلْمُ لبعْضٍ بكَثْرة العدد؛ كالقرائن

(3)

.

(1)

"الأحكام" للآمدي (2/ 34)؛ وانظر "الإبهاج شرح المنهاج"(2/ 316)، "المستصفى"(1/ 331)، "البحر المحيط"(4/ 239).

(2)

أي العلم الضروري الحاصل بالتواتر.

(3)

قال في "شرح الكوكب المنير"(2/ 335): "ويختلف العلم الحاصل بالتواتر باختلاف القرائن أي قرائن التعريف، مثل الهيئات المقانة للخبر الموجبة لتعريف متعلقه، ولاختلاف أحوال المخبرين في اطلاعهم على قرائن التعريف، ولاختلاف إدراك المستمعين لتفاوت الأذهان والقرائح، ولاختلاف الوقائع على عِظمها وحقارتها.

وفي المسألة ثلاثة أقوال: قال في جمع الجوامع: والصحيح ثالثها: أن علمه لكثرة العدد متفق وللقرائن ثالثها: أن علمه لكثرة العدد متفق، وللقرائن قد يختلف فيحصل لزيد دون عمرو.

وقال ابن العراقي: هل يجب أطراد حصول العلم بالتواتر لكل من بَلَغَ أو يمكن حصول العلم لبعضهم دون بعض، فيه ثلاثة أقوال ثالثها- أن علمه مُتفق أي يتفق الناس كلهم في العلم به. ولا يختلفون، وإن كان لاختلاف قرائن به اضطربت، فقد يحصل لبعضهم دون بعض، وفيه نظر، فإن الخبر الذي لم يحصل العلم فيه إلا بانضمام قرينة إلى الخبر ليس من التواتر، بل لابد أن يكون حصول العلم بمجرد روايتهم". اه

ص: 148

هذا: وقوله: "جَمْع" يخرجُ خَبَرَ الواحد.

وقوله: "يَسْتَحِيلُ عَادَةً تواطؤهُمْ

إلى آخره" يُخْرِجُ خبَرَ جمعٍ لا يمتنُع فيهم ذلك.

وقوله: "واستند

إلى آخره".

يُخْرِجٌ ما استند إلى معقول، كما مَرَّ؛

ص: 149

[المشهور]

(1)

وإن "رواه" أي: الخَبَرَ -أكْثَرُ منَ اثنيَنْ، كثلاثة وأربعة وخمسة -مثلًا- وقد تَبِعَ المصنِّف بهذا ابْنَ الصَّلاح

(2)

.

لكن اختاَر ابْنُ الحاجب والآمِدِيُّ الغَزَّالِيُّ: أنَّ أقلَّهُ: ما زادَتْ نَقَلَتُهُ على ثلاثة، مالم يبلُغْ حدَّ التواتر

(3)

وبه جزم الجَزَرِيُّ

(4)

في

(1)

معرفة علوم الحديث -للحاكم (92)، مقدمة ابن الصلاح (450 - 455)، المنهل الروي -لابن جماعة (62)، اختصار علوم الحديث- لابن كثير (160)، فتح المغيث - للعراقي (317)، نزهة النظر- لابن حجر (23)، لقط الدرر -للعدوي (29).

(2)

انظر "مقدمة ابن الصلاح"(450).

(3)

وهو قول الأصوليين، انظر "الإحكام" للآمدي (2/ 31)"نهاية السول"(2/ 281)، "مختصر ابن الحاجب"(2/ 55)"تدريب الراوي"(2/ 173)، "إرشاد الفحول" ص:(49) وعرفه المحدثون بأنه ماله طرقٌ محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر. قال الحافظ ابن حجر في "المشهور" ماله طرق محصورة بأكثر من اثنين، ولم يبلغ حد التواتر، سمي بذلك لوضوحه، وسماه جماعة من الفقهاء المستفيض لانتشاره، من فاض الماء يفيض فيضًا. ومنهم من غاير بينهما؛ بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك، منهم من عكس. وانظر "تدريب الراوي"(2/ 173)، "شرح نخبة الفكر" ص (30).

(4)

هو محمد بن محمد بن محمد بن علي الدمشقي الشافعي المعروف بابن الجزري من شيوخه ابن أصيلة، والبهاء الدماميني، وأخذ الفقه عن الأسنوي والبلقيني، والحديث عن العماد بن كثير، وابن المحب العراقي وغيرهم، له تصانيف مفيدة منها:"النشر في القراءات العشر"، و "الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين"، و "التوضيح في شرح المصابيح"، و "البداية في علوم الرواية"، و "الهداية" في فنون الحديث أيضاً نظم، و "المصعد الأحمد في ختم مسند أحمد"، وغيرها توفي سنة ثلاثٍ وثلاثين وثمان مئة انظر ترجمته في:"الضوء اللامع"(9/ 255)، طبقات القراء (2/ 247)، "شذرات الذهب"(7/ 204)، ذيل "تذكرة الحفاظ"(377).

ص: 150

منظومته

(1)

التي نظَمَهَا في هذا العِلْمِ؛ حيثُ قال: [من الرجز]:

وَالْخَبَرُ الْمَشْهُورُ مَا يَرِوْيهِ

فَوْقَ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْوَجِيهِ.

أي: عن راو ذي وَجَاهَة، ولم تجتمعْ فيه شروطُ المتواتر الثلاثَةُ السابقةُ، وهي.

1 -

رواية العَدَدِ الكثير في سائر الطَّبَقَاتِ.

2 -

واستِحَالَةُ تواطُئهمْ على الكَذِبَ.

3 -

والاستِنَادُ إلى الحِسِّ.

وهذا هو الحَقُّ الحَقِيقُ بالقَبُول.

وأمَّا ما ذهب إليه الحافِظُ في "شرحه" من أنها أربعةٌ بل خمسةٌ.

"أولها: أن يَرْويَهُ عدد كثير.

الثاني: أنْ تُحِيَل العادةُ تواطُؤَهم وتوافُقَهُمْ على الكذب"

الثالث: أن يَرْوُوا ذلك عن مِثْلهم مِنَ الإبتداء إلى الانتهاء، أي: في جميع طبقاتِهِ إن كانَتْ له، والمرادُ بالمماثلة: المماثلةُ في أَصْل الكثرة، بألاَّ تَنْقُصَ طَبَقةٌ من الطبقات عن حَدِّ الكثرة الذي سَبَقَ، لا في عدد آحادها؛ فلا يَرِدُ شَيءٌ من حيثُ زيادةُ الآحادِ ونقصانُهَا، حتى يحتاجَ إلى التأويل الذي ذكَرَهُ الشارح، على أنَّه يَخْتَلُّ به التعريفُ جَمْعًا، فتأمَّلْ.

(1)

وهي منظومة لطيفة، "سماها الهداية في علم الرواية" وللسخاوي عليها شرح مطبوع في مجلدين سماه "الغاية في شرح الهداية".

ص: 151

الرابع: أن يكونَ مستَنَدُ انتهائِهِمُ الحِسَّ، أي: ينتهِيَ إلَى واقعة قوليَّة أو فعليَّة.

الخامس: أنْ ينضافَ إلَى ذلك أنْ يَصْحَبَ خَبَرهُمْ إفادَةُ العلْمِ لسامعه"

(1)

.

فمخالفٌ لما ذَكَره أغلَبُ المحقِّقين من أنَّ الشروط ثلاثةٌ، مع أنَّ في عدِّ الأخير شرطًا للمتواتر نَظَرٌ؛ لأنَّ إفادَةَ العلْمِ حُكْمُ المتواتر؛ فكيفَ يُجْعَلُ ذلك الشيءُ شرطًا له وداخلًا في تعريفه؛ فيلزمَ منه الدَّوْرُ.

"فَهُوَ" أي: الخَبَرُ الذي رواه أكْثَرُ مِنِ اثنين، ولم تجتمعْ

إلى آخره "المَشْهُوُر" عند المحدِّثين، سمي بذلك؛ لظهوره ووضوحِهِ، وبَيْنه وبَيْن المتواتر مبايَنَةٌ.

وقد اضْطَرَبَ كلامُ الحافظ في شَرْحه في هذا المقامِ؛ فصرَّح -أولًا- أن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ حيثُ قال: "فكُلُّ متواتر مشهورٌ من غير عَكْس"

(2)

، وثانيًا: بالمباينة؛ حيثُ قال: "ما لم يجتمعْ فيه شروطُ المتواتر"

(3)

.

ويُمْكِنُ أن يجابَ: بأنَّ المشهورَ يُطْلَقُ على ما يقابل المتواتِرَ، وهو المراد ثانيًا، وعلى ما هو أعمُّ، وهو المراد أولًا.

وعند جماعة من الأصولييِّن: أنَّ المشهور والمستفيض بمعنًى واحدٍ؛ لأنَّهما قِسْمٌ من الآحاد - في أرجح الأقوال وأقواها

(4)

وهو: الشائعُ عن

(1)

"نزهة النظر" ص: 21.

(2)

"نزهة النظر" ص: 21.

(3)

المرجع السابق.

(4)

ذهب الجمهور إلى أن خبر الآحاد أقسام منها خبر الواحد، ومنها المستفيض

ومنها المشهور، وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث، وكان رواته في الطبقة الأولى واحدًا أو أكثر، وجعل الجصاص الحنفي الحديث المشهور قسمًا من المتواتر ووافقه بعض الحنفية، وذهب جمهور الحنفية إلى أن المشهور قسيم للمتواتر. انظر "شرح الكوكب"(2/ 345) الحاشية، و "غاية الوصول"(97)"تيسير التحرير"(1/ 291).

ص: 152

أصْلٍ؛ بخلاف الشائع لاعن أصل؛ فإنه مقطوعٌ بكَذِبِهِ، سمي بالأول؛ لوضوح أمره؛ كما سبق؛ يقال: شَهَرْتُ الأمْرَ شَهْرًا وشُهْرة؛ فاشتهر وبالثاني؛ لانتشاره وشيوعه في الناس مِنْ فَاضَ الماءُ يَفيضُ فَيْضًا وفُيُوضَةَ: إذا كَثُرَ حتَّى سال.

وذَهَبَ جَمْعٌ منهم: المَاوَرْدِيُّ

(1)

، والأستاذ أبو إسحاق

(2)

-: إلى أن المشهور قِسْمٌ ثالثٌ غير المتواتر والآحاد.

وذهَبَ أبو بكر الصَّيْرَفيُّ

(3)

، والقَفَّال

(4)

: إلى أنه بمعنى المتواتر.

(1)

هو علي بن محمد بن حبيب، القاضي أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي، قال ابن العماد:"كان إمامًا في الفقه والأصول والتفسير بصيرًا بالعربية". من أشهر مصنفاته: "الحاوي" في الفقه و "النكت" في التفسير و "الأحكام السلطانية" و "أدب الدنيا والدين" توفي سنة خمسين وأربع مئة. انظر ترجمته في: "طبقات الشافعية" الكبرى (5/ 267)، "شذرات الذهب"(3/ 286)، "وفيات الأعيان"(2/ 444).

(2)

هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني كان فقيها متكلما أصوليا قال الذهبي: أحد المجتهدين في عصره وصاحب المصنفات الباهرة من تصانيفة: "الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين"، "أدب الجدل"، "تعليقة في أصول الفقه". توفي "بنيسابور سنة ثماني عشر وأربع مئة وقيل سبع عشر" انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء"(17/ 353)، "طبقات الشافعية" الكبرى (4/ 256)، "شذرات الذهب"(3/ 209).

(3)

هو محمد بن عبد الله البغدادي أبو بكر الصيرفي الشافعي، الإمام الفقيه الأصولي، قال القفال "كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي" أشهر مصنفاته:"شرح الرسالة للشافعي"، و "البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام": في أصول الفقه، وغيرها. توفي سنة ثلاثين وثلاث مئة. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" للسبكي (3/ 186)، "شذرات الذهب"(2/ 325)"وفيات الأعيان"(3/ 337).

(4)

هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر القفال الشاشي الكبير، الشافعي، كان فقيهاً محدثًا أصوليًا لغوياً شاعرًا، قال ابن السبكي: كان إمامًا في التفسير، إمامًا في الحديث، إماماً في الكلام، إمامًا في الأصول، إمامًا في الفروع، إمامًا في الزهد والورع، إمامًا في اللغة والشعر، ذاكرًا للعلوم، محققًا لما يورده، حسن التصرف فيما عنده"، من تصانيفه: "شرح الرسالة" كتاب في "أصول الفقه" "أدب القضاء" "محاسن الشريعة"، وهو والدا القاسم صاحب "التقريب" توفي سنة ست وثلاثين وثلاث مئة. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" (3/ 200)، "وفيات الأعيان" (3/ 338)، "شذرات الذهب" (3/ 51).

ص: 153

وفسَّره الماوَرْدِيُّ

(1)

في "الحاوي"

(2)

الرُّويَانِيّ

(3)

بما يقتضي: أنه أخصُّ من المتواتر، وأعلَى منه، حيث قالا

(4)

: الاِسْتِفَاضَةُ: أنْ ينتشِرَ مِنْ ابتدائِهِ بين البَرِّ والفاجر، ويتحقَّقَهُ العالمُ والجاهلُ، ولا يشكَّ فيه سامعٌ، إلى أن ينتهِيَ.

قالا: "وهو أَقْوَى الأخبار وأثبتُها حُكْمًا، والتواتُرُ: أن يبتديء به الواحدُ بعد الواحد، حتى يكُثرَ عددُهُمْ ويبلغوا عددًا ينتفي عن مِثْلِهِمْ

(1)

تقدمت ترجمته.

(2)

وهو أحد الكتب الموسوعية في فقه الشافعية قال الأسنوي: "لم يصنف مثله، وقال حاجي خليفة: هو كتاب عظيم في عشر مجلدات، ويقال إنه ثلاثون مجلدًا، لم يؤلف في المذهب مثله". اه وقال ابن خلكان "ولم يطالعه أحد إلا وشهد له بالتبحر والمعرفة التامة في المذهب". اه انظر "طبقات ابن قاضي شهبة"(1/ 231) كشف الظنون (1/ 268)، "وفيات الأعيان"(3/ 282).

(3)

هو عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد أبو المحاسن الرُوياني الإمام الجليل، أحد أئمة المذهب الشافعي، وكان يلقب فخر الإسلام، قال الجرجاني فيه:"نادرة العصر، إمامٌ في الفقه" ولي قضاء طبرستان؛ ورويان من قراها، صنف في الأصول والخلاف، من تصانيفه:"البحر" و"الحلية" في الفقه، "الفروق" قال أبو عمرو بن الصلاح:"هو في البحر" كثير النقل قليل التصرف وفعل في الحلية ضد ذلك فإنه أمعن في الاختيار حتى اختار كثيرًا من مذاهب العلماء غير الشافعي. اه قتله الباطنية الملاحدة بجامع آمل سنة اثنين وخمس مئة. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" الكبرى (7/ 197)، "شذرات الذهب"(4/ 4)، "البداية والنهاية"(12/ 170).

(4)

في الأصل "قال"، والصواب ما أثبتناه، والمراد الماورى والروياني.

ص: 154

التواطُؤ والغَلَط؛ فيكونُ في أوَّله من أخبار الآحاد، وفي آخره من التواتُرِ، ومرادُهُما بأوَّله: أولُ أمره لا أول الطَّبَقات من الأسفل.

قالا: والفرق بينهما من ثلاثة أوجه:

أحَدُها: هذا.

وثانيها: الاستفاضَةُ لا يُرَاعَى فيها عَدَالة المُخْبِرِ؛ بخلاف التواتر.

وثالثها: أَنَّ الاستثناء في الاستفاضة مِنْ غير قَصْد، والاستثناء في التواتُرِ بالقَصْد.

ويستويان:

1 -

فَي انتفاء الشَّكِّ ووقوع العلْمِ بهما.

2 -

وعدم الحَصْرِ في العدد.

3 -

وانتفاء التواطُؤ على الكَذِب من المُخْبِرِين.

ومثَّلا المستفيضَ بعدد الركعات، والتواتر بوجوب الزكاة".

قال البَرَمَاوِيُّ

(1)

بعد نَقْله ما ذُكِرَ عنهما: "وما اشْتَرَطَاه في الإفاضة من عَدَدٍ يمتنُع تواطُؤُهُمْ على الكذب مفرَّعٌ على قولهما في شهادة الاستفاضة

(1)

هو محمد بن عبد الدايم بن موسى النعيمي المعروف بشمس الدين البرماوي الشافعي، قال الشوكاني: كان إمامًا في الفقه وأصوله والعربية وغير ذلك. من كتبه: "شرح البخاري" و "شرح العمدة" و "ألفية في الأصول" وشرحها توفي سنة إحدى وثلاثين وثمان مئة انظر ترجمته في "البدر الطالع"(2/ 181)"شذرات الذهب"(7/ 197).

ص: 155

بذلك؛ وبه قال ابْنُ الصَّبَّاغ

(1)

والغَزَّاليُّ

(2)

والمتأخِّرون، قال الرافعي

(3)

: "هو أشْبَهُ بكلامِ الشَّافعيِّ، ولكن الذي اختاره الشَّيْخُ أبو حامد

(4)

والشَّيْخ أبو إسحاق

(5)

، وأبو حاتم القَزويِنِيُّ

(6)

: أن أقلَّ ما يثبُتُ به الاستفاضةُ

(1)

هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، أبو نصر المعروف بابن الصباغ الشافعي، فقيه العراق في عصره، قال ابن عقيل:"لم أدرك فيمن رأيت وحاضرت من العلماء على اختلاف مذاهبهم من كملت له شرائط الاجتهاد المطلق إلا ثلاثة: أبايعلى بن الفراء، وأبا الفضل الهمذاني الفرضي، وأبا نصر بن الصباغ" أشهر كتبه: "الشامل" في الفقه و"العدة" في أصول الفقه توفي سنة سبع وسبعين وأربع مئة انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" للسبكي (5/ 122)، "وفيات الأعيان"(2/ 385)"شذرات الذهب"(3/ 355).

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني الرافعي، أبو القاسم، كان متضلعًا في علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولاً، وكان ورعًا تقيًا زاهدًا، ويعتبر مع النووي من محرري المذهب الشافعي ومحققيه في القرن السابع، له مصنفات منها. "الشرح الكبير" المسمى ب "فتح العزيز في شرح الوجيز" والشرح الصغير و "المحرر". وشرح مسند الشافعي وغير ذلك توفي سنة ثلاث وعشرين وست مئة. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" للسبكي (8/ 281)، "شذرات الذهب"(5/ 108).

(4)

هو أحمد بن محمد بن أحمد، الشيخ أبو حامد الاسفراييني، الشافعي، انتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وكان كثير التلاميذ، قوي الحجة والبرهان، وكان زعيم طريقة العراق في الفقة الشافعي في القرن الرابع وكان له مكانة رفيعة من تصانيف، "شرح مختصر المزني"، و "كتاب في أصول الفقه"، توفي ببغداد سنة ستٍ وأربع مئة. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية"(4/ 61). "وفيات الأعيان"(1/ 55)"شذرات الذهب"(3/ 178).

(5)

هو الشيخ أبو إسحاق الشيرازي تقدمت ترجمته ذكر ذلك في "التنبيه" ص: (162).

(6)

هو محمود بن الحسن بن محمد الطبري، المعروف بالقزويني أبو حاتم، ينتهي نسبه إلى أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو شيخ أبي إسحاق الشيرازي، تفقه على الشيخ أبي حامد ببغداد، وأخذ الأصول عن أبي بكر الباقلاني، وكان حافظًا للمذهب والخلاف، صنف كتبًا كثيرة في المذهب والخلاف والأصول والجدل، توفي سنة أربع عشرة وأربع مئة، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في:"طبقات الشافعية الكبرى"(5/ 312)، "تهذيب الأسماء واللغات"(2/ 207).

ص: 156

اثنانِ؛ وإليه مال إمام الحَرَمَيْن

(1)

"

(2)

انتهى.

وإنما أطنبنا الكلام وإن كان ذلك ليس هذا محلَّهُ ليقفَ الناظرُ على حقيقِة الحالٍ؛ ويُحِيطَ بما في هذا البحْثِ من المقال.

ثُمَّ المشهور -كما يُطْلَقُ على ما ذكره المصنِّف- كذلك يُطْلَقُ على ما يشتَهِرُ على الألسنة؛ فيشمَلُ ماله إسنادٌ واحدٌ فصاعدًا؛ بل مالا يوجَدُ له إسنادٌ أصلًا؛ كما ذكره الحافظُ في شرحه

(3)

، وأمثلته

(4)

ما نُقِلَ عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: أربعَةُ أحاديثَ تدور في الأسواق، وليس لها أصلٌ في الاعتبار:

(1)

تقدمت ترجمته.

(2)

انظر "غاية الوصول" ص 97، إرشاد الفحول ص: 49 "المحلي على جمع الجوامع"(2/ 129)، "التنبيه" ص:162.

(3)

"نزهة النظر" ص: 24 قال الحافظ: "ثم المشهور يطلق على ما حرر هنا -أي بالمعنى الاصطلاحي- وعلى ما اشتهر على الألسنة، فيشمل ماله إسنادٌ واحد فصاعدًا، بل ما لا يوجد له إسنادٌ أصلاً". اه

قلت وقد أُلف في الأحاديث المشتهرة على الألسنة كتب كثيرة منها "التذكرة في الأحاديث المشتهرة" للزركشي و "كشف الخفا ومزيل الإلباس" للعجلوني، و "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" قال عنه الشيخ الألباني في حواشيه على "نزهة النظر":"والمشهور في الباب كتاب الحافظ السخاوي "المقاصد الحسنة في بيان كثير منى الأحاديث المشتهرة على لاألسنة"، وهو عمدة كل من جاء بعده وألف فيه، ولا نظير له في التحقيق والتدقيق، وكيف لا؛ وهو تلميذ الحافظ المؤلف رحمهما الله تعالى". اه نقلاً عن النكت على النزهة - للحلبي ص: 64.

(4)

أي: أمثلة المشهور على الألسنة.

ص: 157

أحدها: "مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آذَارَ، بَشَّرْتُهُ بالْجَنَّةِ"

(1)

.

والثاني: "مَنْ آذَى ذِمِّيًّا، فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"

(2)

.

والثالث: "يَوْمُ نَحْرِكُمْ يَوْمُ صَوْمِكُمْ"

(3)

.

والرابع: "للِسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ"

(4)

.

(1)

قال ابن الجوزي في "الموضوعات"(920): "وهذا محال، ليس بشيء"، وقال الصاغاني "موضوع". كما في موضوعاته ص (53)، وكذا قال العراقي وينظر المنار المنيف (123)، و "الفوائد المجموعة"(380).

(2)

أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد"(8/ 370) من طريق العباس بن أحمد المُذَكر ثنا داود بن علي بن خلف ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا:"من آذى ذميًا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمتهُ يوم القيامة" وقال الخطيب: وهذا حديث منكر بهذا الإسناد، والحملُ فيه على المذكر، فإنه غير ثقة. اه.

وأخرجه الخطيب (8/ 370) بهذا الإسناد أيضًا عن جابر، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات"(1207) وينظر "غاية المرام" للعلامة الألباني رقم (470) وقد حكم عليه أيضًا "بالنكارة".

وقد نقل المصنف عن العراقي فيما سيأتي أنه أخرجه أبو داود بنحوه، فلم يخرجه بهذه اللفظة، وسيأتي تفصيل الكلام على ذلك.

(3)

لا أصل له. وينظر "الموضوعات" لابن الجوزي (1207).

(4)

روي من طرق من حديث غير واحد من الصحابة منهم الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلى بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك والهرماس بن زياد، وأبي هريرة. أما حديث الحسين بن علي.

فأخرجه أحمد (1/ 201)، وأبو داود (1665)، وأبو نعيم في "الحلية"(8/ 379)، وأبو يعلى (6784)، والطبراني في الكبير (2893)، والقضاعي في "مسند الشهاب"(285)، من طريق مصعب بن محمد عن يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها.

ويعلى ذكره ابن حبان في الثقات (7/ 652).

أما حديث علي فأخرجه أبو داود (1666) من طريق زهير عن شيخ عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن علي مرفوعًا.

حديث ابن عباس: أخرجه ابن عدي في الكامل (1/ 258)، وفيه إبراهيم بن عبد السلام وهو ضعيف يسرق الحديث.

حديث أبي هريرة: أخرجه ابن عدي (4/ 1503 - 1504)، وفيه عبد الله بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وله طريق آخر عنده أيضًا (5/ 1687) وفيه عمر بن يزيد المدائني وهو ضعيف.

حديث الهرماس بن زياد: أخرجه الطبراني الكبير (22/ 535)، وقال الهيثمي في "المجمع" (3/ 104): رواه الطبراني في "الصغير" و "الأوسط" وفيه عثمان بن فائد وهو ضعيف. اه والحديث فصل طرقه وأطال الكلام عليه العلامة الألباني -متع الله بحياته- في "السلسلة الضعيفة" حديث رقم (1378) وحكم عليه بالضعف. فلينظر.

ص: 158

وإنَّما عَبَّر عَنْ "صَفَرٌ" بآذار؛ لأنَّهُ إما لغةُ الفُرْس؛ فإنهم يسمُّون هذا الشهر بآذَارَ، أولأنَّ شهْر صَفَرٍ وافقت التسميةُ له بآذار، والآذَارُ: النارُ، فعبَّر به، أو لوقوع الفِتَن والبلايا فيه؛ فهي كآذار إذا وقعَتْ في بلدة؛ ولهذا حَكَمُوا بشُؤْم صَفَر.

وقال بعض العارفين: "سبَبُ هذا الحديث: أنَّ الله لما وعد رسولَهُ صلى الله عليه وسلم بلقائه إياه في شهرِ ربيع الأوَّلِ- اشتاق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى لقاء ربِّه، ووصالِ مَحْبوبه؛ فصَدَرَ عنْهُ هذا الحديثُ؛ لأنَّ البِشَارةَ بخروج صفر بشارةٌ بالوصول إلى المحبوب".

قال العراقيُّ

(1)

في "شَرْح ألفيته"

(2)

: "وذَكَر ابن الصَّلَاح في أمثلة ما بلغَهُ عن الإمام أحمد رضي الله عنه تلكَ الأربعةَ السابقَةَ، واعترَضَ بعضُهُمْ؛ حيث قال: "لا يصحُّ هذا عن الإمام"، وقد أخرج في "مسنده"

(1)

تقدمت ترجمته.

(2)

وهو شرح متوسط بين الاختصار والتطويل سماه " "فتح المغيث" شرح ألفية الحديث" وهو مطبوع عدة طبعات.

ص: 159

الحديثَ الرابعَ عن وكيع وعبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، كلاهما عن سفيانَ، عن مُصْعَبِ ابن محمدٍ، عن يَعْلَى بْنِ أبي يَحْيَى، عن فاطمةَ بنْتِ الحُسَيْن، عن أبيها الحُسَيْن بن علي رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو إسنادٌ جيِّدٌ، ويَعْلَى

(1)

وإن جهله أبو حاتم الرازيُّ فقد وثَّقه أبو حاتمِ بُنُ حِبَّانَ.

وأما مصعبٌ

(2)

: فوثَّقه يحيى بن مَعِينٍ وغيره، وأخرجه أبو داود في "سننه"، وسكَتَ عنه؛ فهو عنده صالح

(3)

، وأخرجه -أيضًا- من حديث عليٍّ،

(1)

هو يعلى بن أبي يحيى روى عن فاطمة بنت الحسين، وعنه مصعب بن محمد بن شرحبيل، قال فيه أبو حاتم مجهول وذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي في الكاشف:"مجهول وثق" إشارة منه إلى توثيق ابن حبان له، وقال في "الميزان": مجهول، وقال ابن حجر في "التقريب": مجهول.

انظر "الجرح والتعديل"(9/ 303)"ثقات" ابن حبان (7/ 652)"ميزان الاعتدال"(4/ 458)، "الكاشف"(6421)"التقريب"(7851).

(2)

هو مصعب بن محمد بن عبد الرحمن بن شُرحبيل العبدري المكي روى عن أبيه وأبي أمامة الباهلي، ويعلى بن أبي يحيى وغيرهم روى عنه ابن عجلان وسهيل بن أبي صالح والسفيانان وغيرهم قال أبو طالب عن أحمد: لا أعلمُ إلا خيرًا، وقال ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: صالح يكتبُ حديثه ولا يحتج به. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب"(10/ 151).

(3)

لأهل العلم رحمهم الله فيما سكت عنه أبو داود كلام كثير واشتهر بين الكثير أن ما سكت عنه أبو داود فهو حسن وليس الأمر كذلك وفي المسألة كلام طويل وهو مبسوط في كثير من كتب المصطلح وقد لخص الكلام في ذلك العلامة الألباني متع الله بحياته حيث قال: "اشتهر عن أبي داود أنه قال في حق كتباه السنن ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بينته، ومالم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، فاختلف العلماء في فهم مراده من قوله: "صالح" فذهب بعضهم إلى أنه أراد أنه حسنٌ يُحْتَجُ به. وذهب آخرون إلى أنه أراد ما هو أعم من ذلك، فيشمل ما يُحتج به، وما يُستشهد به، وهو الضعيف الذي لم يشتد ضعفه وهذا هو الصواب بقرينة قوله: "وما فيه وهنٌ شديد بينته، فإنه يدل بمفهومه على أن ما كان فيه وهنٌ غير شديد لايُبينه. فدل على أنه لس كل ما سكت عليه حسنًا عنده، ويشهد لهذا وجود أحاديث كثيرة عنده لا يشك عالمٌ في ضعفها، وهي مما سكت أبو داود عليها، حتى إن النووي يقول في بعضها:"وإنما لم يُصَرح أبو داود بضعفه لأنه ظاهر".

ومع هذا فقد جرى النووي رحمه الله على الاحتجاج بما سكت عنه أبو داود في كثير من الأحاديث، ولم يُعرج فيها على مراجعة أسانيدها، فوقع بسبب ذلك في أخطاء كثيرة.

وقد رجح هذا الذي فهمناه عن أبي داود العلماء المحققون أمثال ابن منده، والذهبي وابن عبد الهادي وابن كثير، وقد نقلتُ كلماتهم في مقدمة كتابي "صحيح أبي داود". ثم وقفت على كلام الحافظ ابن حجر في هذه المسألة، وقد ذهب فيه إلى هذا الذي ذكرناه، وشرحه واحتج له بما لا تراه لغيره، لولا خشية الإطالة لنقلته هنا فأكتفي بالإحالة إلى مصدره، وهو:" "توضيح الأفكار" لمعاني تنقيح الأنظار"(1/ 196 - 199) للإمام الصنعاني. اه من مقدمة "تمام المنة" ص: (27 - 28).

ص: 160

وفي إسناده مَنْ لم يُسَمَّ، ورُوِّيناه -أيضًا- من حديثِ ابْنِ عَبَّاس، ومن حديث الهِرْمَاس بن زياد.

وأما حديثُ: "مَنْ آذَى ذِمِّيًّا

" فقد رواه بنحوه أبو داود -أيضًا- وسكَت عنه من رواية صَفْوَان بن سُلَيْمٍ، عن عِدَّة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم دِنْيَةً

(1)

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إلاَّ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ؛ فأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"

(2)

وهذا إسنادٌ جيدٌ، وإن كان فيه من لم

(1)

دِنْيَةً بكسر الدال المهملة، وسكون النون، بعدها ياء مثناة -: مصدر للَفعل "دَنَا".

(2)

أخرجه أبو داود (3052) والبيهقي (9/ 205) من طريق أبي صخر المدني أن صفوان بن سليم أخبره عن عدة وقال البيهقي عن ثلاثين -من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم دِنْيةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا من ظلم معاهدًا، أو أنتقصه حقه

، وقد خرجه العلامة الألباني في "غاية المرام" (471) وذكر قول العراقي وأنه جود إسنادة وأقره. ونقل عن السخاوي في "المقاصد الحسنة" (1044) أنه قال:"وسنده لا بأس به، ولا يضره جهالة من لم يسم من أبناء الصحابة فإنهم عدد تنجبر به جهالتهم". اه وانظر ما تقدم.

ص: 161

يُسَمَّ؛ فإنهم عدَّةٌ من أبناء الصحابة- رضي الله عنهم يَبْلُغُونَ حد التواتر الذي لا يشتَرَطُ فيه العدالةُ، وقد رُوِّيناه في سنن البيهقيِّ، عن ثلاثين من أبناء الصحابة رضي الله عنهم.

وأما الحديثان الآخران: فلا أصْلَ لهما؛ كما ذكره"

(1)

. انتهى.

قال البقاعي

(2)

ناقلًا عن شيخه: والذي صحَّ عن أحمدَ ثلاثةُ أحاديثَ، وهي الأوَّل من الأربعة، والثاني منها، والثالثُ حديث السائل؛ لكنْ بلفظ:"لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ، مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ".

(1)

"فتح المغيث" للعراقي (318 - 319).

(2)

هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرُباط الخرباوي البقاعي الشافعي قال ابن العماد: أخذ عن أساطين عصره كابن ناصر الدين وابن حجر، وبرع وتميز وناظر وانتقد حتى على شيوخه، وصنف تصانيف عدية أجلها:"المناسبات القرآنية"، و "عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران"، و "تنبيه الغبي بتكفير"، عمر بن الفارض وابن عربي توفي سنة خمس وثمانين وثمان مئة انظر ترجمته في "الضوء اللامع"(1/ 101)، "شذرات الذهب"(7/ 339).

ص: 162

[العزيز]

(1)

"هذا، وَإِنْ "رَوَاهُ" أي: الخبر فيِ سَائِرِ طَبَقَاتِهِ اثْنَانِ" والمراد: ألَّا يرويَهُ أقَلُّ مَنْ ذلك عن مِثْلهم -: "فَهُوَ العَزِيزُ"؛ سمي [به]: إما لقلَّةِ وجوده؛ من باب عَزَّ يَعِزُّ - بكسر العين في المضارع - عِزًّ وَعَزَازَةً -بفتح العين-: إذا قَلَّ؛ ومنه قولُهُم: فلانٌ عزيزُ النظير، أي: قليلٌ وجود نظيرِهِ، وإما لكوْنه من: عَزَّ - أي: قَوِيَ والمضارع حينئذ-: يَعَزُّ - بالفتح- ومنه: "فَعَزَرْنَا هما بثالث".؛ وقولهم: "مَنْ عَزَّيَزَّ" أي: من قَوِيَ وغَلَب، سَلَبَ، وإنما كان هذا النوع قويًّا؛ لمجيئه من طريق أخرى.

وليس التعدُّد في الرواة شرطًا للصحيح؛ بل قد يوجَدُ في الغريب، لكنِ الضعيفُ فيه كثيرٌ؛ ولهذا

(2)

كَرِهَ جَمْعٌ من الأئمَّة تتبُّع الغريب، وقال أبو علي الجُبَّائِيُّ

(3)

"إنَّه شَرْطٌ"؛ وإليه يوميء كلامُ الحاكمِ أبي عبد الله في

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(456 - 457)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (62)، "اختصار علوم الحديث" - "لابن كثير (161) "، "التقييد والإيضاح"- للعراقي (268)، "نزهة النظر" -لابن حجر (24)، "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 21)، "تدريب الراوي" للسيوطي (2/ 180) شرح "نزهة النظر" -لعلي القاري (32)، "توضيح الأفكار"- للصنعاني (2/ 401)، "توجيه النظر"- للجزائري (36). "منهج ذوي النظر"- للترمسي (81)، "لقط الدرر"- للعدوي (30)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (30).

(2)

أى: لكون الغريب كثيرًا ما يكون ضعيفًا - كره

إلخ.

(3)

هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري، الفيلسوف المتكلم، رأس المعتزلة وشيخهم، أخذ عن أبي يعقوب الشجام، قال الذهبي:"كان أبو علي- على بدعته- متوسعًا في العلم، سيال الذهنى، هو الذي ذلل الكلام وسهله، ويسر ما صعُب منه، من أشهر مصنفاته: "كتاب الأصول"، و "كتاب النهي عن المنكر"، و "كتاب الأسماء والصفات"، و "كتاب التفسير الكبير" وغيرها توفي سنة ثلاث وثلاث مئة، فخلفه ابنه أبو هاشم الجُبائي. انظر ترجمته في: "الفرق بين الفرق" (167) "وفيات الأعيان" (4/ 267)، "سير أعلام النبلاء" (14/ 183) "شذرات الذهب" (2/ 241).

ص: 163

فُنُون الحديث؛ حيث قال: "الصحيحُ: أنْ يرويَهُ الصحابيُّ الزائلُ عنه اسْمُ الجَهَالة؛ بأن يكُونَ له راويان، ثم يتداولَهُ أهْلُ الحديث إلى وَقْتنا؛ كالشَّهَادة على الشَّهَادة"

(1)

.

والباء في قوله

(2)

: بِأَنْ

إلى آخره بمعنى "مع"؛ وحينئذٍ: يظهرُ وجه الإيماء.

قال الحافظ في "شرحه"

(3)

"صرَّح القاضي أبو بكر بنى

(1)

"معرفة علوم الحديث" ص (60) وقال الحافظ ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح"(1/ 240) بعد أن نقل كلام الحاكم: "وقد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك، وإنما أراد أن كل راوٍ في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له روايتان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه. إلاأن قوله في آخر الكلام: "ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة، إن أراد به تشبيه الرواية بالشهادة من كل وجه، فيقوى اعتراض الحازمي، إن أراد به تشبيهها بها في الاتصال والمشافهة، فقد ينتقض عليه بالإجازة، والحاكم قائلٌ بصحتها".

وأظنه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الاتصال، والإجازة عند المحدثين لها حكم الاتصال، والله أعلم"اه

وانظر المزيد من مناقشة كلام الحاكم هذا في: "فتح المغيث"(1/ 24) للسخاوي، "تدريب الراوي"(2/ 182) للسيوطي، "توضيح الأفكار"(2/ 403).

(2)

أي: في قول الحاكم السابق.

(3)

أي: في " "نزهة النظر"، شرح نخبة الفكر"، وانظر توثيق كلامه في آخر النقل عنه.

ص: 164

العَرَبِيُّ

(1)

في "شرح البخاري"؛ بأن ذلك شرطُ البخاريِّ

(2)

، وأجابَ عما أُورِدَ عليه، بسبب ذلك- بجواب منظور فيه؛ لأنه قال:"فإن قيل: حديثُ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"

(3)

فَرْدٌ لم يَرْوِهِ عن عُمَرَ إلا علقمةُ

(4)

: قلنا: قد خَطَبَ عمر على المِنْبَر بحَضْرة الصحابة، فلولا أنَّهم يعرفونُهُ، لأنكروه؛ كذا قال.

ثم قال الحافظ: "وتُعُقِّبَ بأنه لا يلزَمُ مِنْ كونهم سكَتُوا عنه: أن يكونُوا سَمِعُوهُ من غَيْره، وبأنَّ هذا لو سُلِّمَ في عمر، مُنِعَ في تفرُّد علقمه

(5)

عنه،

(1)

هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الإشبيلي، المعروف بأبي بكر بن العربي، سمع من طراد بن محمد الزَّينبي، وأبي عبد الله النعالي، وأبي الحسن الخِلَعي، وتفقه بالإمام أبي حامد الغزالي والفقيه أبي بكر الشاشي وجماعة، حدث عنه الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن الخثعمي السهيلي، وأحمد بن خلف الإشبيلي وغيرهم قال الذهبي: كان ثاقب الذهن، عذب المنطق، كريم الشمائل كامل السؤدد، ولي قضاء إشبيلية من تصانيفه:"عارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي"، كتاب "الأصناف" في الفقه، و "المحصول في الأصول"، و "العواصم من القواصم" وغيرها توفي سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة. انظر ترجمته في:"الصلة"(2/ 590)"وفيات الأعيان"(4/ 296)، "سير أعلام النبلاء"(20/ 197)، "الديباج المذهب"(2/ 252)، "نفح الطيب"(2/ 25)، "شجرة النور الزكية"(1/ 136).

(2)

ذكره غير واحد ولم يذكروا شيئاً من طريقة ابن العربي فيه وانظر "كشف الظنون"(1/ 371)، "الحطة في ذكر الصحاح الستة"(224).

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

هو علقمة بن وقاص بن محصن بن كلدة الليثي المدني، روى عن عمر وابن عمر، وبلال بن الحارث وغيرهم، عنه ابناه عبد الله وعمرو والزهري، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وابن أبي مليكة وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد كان قليل الحديث. انظر "تهذيب التهذيب"(7/ 240).

(5)

تقدمت ترجمته.

ص: 165

ثم تَفَرُّدِ محمد بن إبراهيم

(1)

به عن علقمة، ثم تَفَرُّدِ يحيى بن سعيد

(2)

به

(1)

هو محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبد الله المدني: كان جده الحارث من المهاجرين الأولين، رأى محمد، سعد بن أبي وقاص، وروى عن أبي سعيد الخدري وعمير مولى أبي اللحم، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك وعائشة، وعلقمة بن وقاص الليثي، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن خراش ثقة، وقال ابن سعد: توفي سنة عشرين ومئة، وكان ثقة كثير الحديث. انظر "تهذيب التهذيب"(9/ 6).

(2)

هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري أبو سعيد، روى عن أنس بن مالك وعبد الله بن عامر، وسهل بن حنيف ومحمد بن إبراهيم التيمي، روى عنه الزهري ويزيد بن الهاد ومالك وابن إسحاق وشعبة والسفيانان وغيرهم قال النسائي: ثقة مأمون، وقال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة.

وقال ابن سعد: كان كثير الحديث حجة ثبتًا

مات سنة ثلاث وأربعين ومئة انظر "تهذيب التهذيب"(11/ 193).

قال الذهبي في "السير"(5/ 295) في ترجمته محمد بن إبراهيم التيمي: "من غرائبه المنفرد بها حديث الأعمال عن علقمة عن عمر، وقد جاز القنطرة واحتج به أهل الصحاح بلا مثنوية".

وقال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" ص: 5: "وعن يحيى انتشر، فرواه جمع من الأئمة، فهو غريب في أوله، مشهور في آخره".

وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(1/ 11): "وقد تواتر عن يحيى بن سعيد".

وقد نقل الذهبي في "السير"(5/ 476 - 481) عن ابن منده أسماء من رواه عن يحيى، فبلغ عددهم ثلاث مئة وأربعين نفسًا.

ونقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(1/ 11) عن بعض مشايخ أبي موسى المديني عن إسماعيل الأنصاري الهروي، قال:"كتبته من حديث سبع مئة من أصحاب يحيى".

ثم عقب رحمه الله بقوله: "وأنا أستبعد صحة هذا؛ فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبتُ الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المئة".

وفي "السير"(10/ 620) أيضًا بعد روايته بالسند حديث: "إنما الأعمال"؛ قال: "هذا أول شيء أفتتح به البخاري "صحيحه" فصيره كالخطبة له، وعدل من روايته افتتاحا بحديث مالك الإمام إلى هذا الإسناد لجلالة الحُميدي وتقدمه، ولأن إسناده هذا عزيز المثل جدًا ليس فيه عنعنة أبدًا، بل كل واحد منهم صرح بالسماع له". اه

ص: 166

عَنْ محمد، على ما هو الصحيحُ المعرُوفُ عند المحدِّثين، وقد وَرَدَتْ لهم متابعاتٌ لا يُعْتَبَرُ بها؛ وكذا لا نُسَلِّمُ جوابَهُ في غير حديث عمر؛ قال ابن رُشَيْد

(1)

: "ولقد كان يَكْفِي القاضِيَ في بُطْلان ما ادّعَى أَنَّه شَرْطُ البخاريِّ -: أوَّلُ حديثٍ مذكور فيه

(2)

.

ثم قال: "وادَّعَى ابْنُ حِبَّان، " نقيضَ دَعْواه؛ فقال: "إن رواية اثنيَنْ عن اثنين إلى أن يَنْتَهى لا توجَدُ أصلًا قلت: إن أراد به" أنَّ روايةَ اثنَيْن فقط عن اثنينْ فقط لا توجَدُ أصلًا: - فيمكن أن يسلَّمَ.

وأما صورة العزيز التي حرَّرناها فموجودةٌ بألاَّ يرويَهُ أقَلُّ من اثنين عن أقلَّ من اثنَيْن؛ مثاله: ما رَوَاهُ الشيخانِ من حديثِ أنَسٍ، والبخاريُّ من حديثِ أبي هريرة؛ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ

(1)

هو محمد بن عمر بن محمد بن عمر أبو عبد الله الفهري السبتي المعروف بابن رشيد، قال ابن حجر: "أخذ عن أبي الحسين بن أبي الربيع العربية، وسمع من أبي محمد بن هارون وغيره، فأكثر واحتفل في صباه بالأدبيات حتى برع في ذلك، ثم رحل إلى فاس فأقام بها، وطلب الحديث فمهر فيه، وصنف الرحلة المشرقية في ستِ مجلدات، وفيه من الفوائد شيء كثير

، دخل مصر والشام فسمع من العز الحراني، والفخر ابن البخاري، والقطب القسطلاني، ولقي ابن دقيق العيد واستفاد منه كثيرًا

له: "إيضاح المذاهب فيمن ينطلق عليه اسم الصاحب"، وكتاب "ترجمان التراجم على أبواب البخاري"، أطال فيه النفس. توفي سنة إحدى وعشرين وسبع مئة انظر "الدرر الكامنة"(4/ 111)، "البدر الطالع"(2/ 234)، "الديباج المذهب"(310).

(2)

جزم المناوي في "اليواقيت والدرر" أن كلام ابن رشيد هذا ذكره في كتابه "تُرجمان التراجم".

ص: 167

أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ والَدِهِ وَوَلَدِهِ

"

(1)

الحديثَ، ورواه عن أنس قتادةُ، وعبدُ العزيز بْنُ صُهَيْب، ورواه عن قتادَةَ: شعبةُ وسعيدُ بن عَرُوبَةَ، ورَوَاهُ عن عبد العزيز: إسماعيلُ بنُ عُلَيَّة، وعبدُ الوارثِ، ورواه عن كلٍّ جماعةٌ". انتهىٌ كلامه

(2)

.

والمقصود من هذا المثال: الدَّلَالةُ على أنَّ هذا الحديثَ أخرجه البخاريُّ من طريقِهِ، ومسلمٌ من طريقٍ واحدٍ، وهو عزيزٌ من طريق أنس رضي الله عنه كما حرَّره

(3)

وأما من طريق أبي هريرة: فليس مفهومًا من كلامِهِ.

(1)

أخرجه البخاري (15) ومسلم (44/ 70) وأحمد (3/ 177) والنسائي (8/ 114) وابن ماجه (67) والدرامي (2/ 307) وأبو عوانة (1/ 33) وابن حبان (179) وابن منده في "الإيمان"(284).

(2)

أي: الحافظ ابن حجر، في "نزهة النظر":(24، 25).

(3)

أي: الحافظ ابن حجر فيما نقله الشارح عنه.

ص: 168

[الغريب]

(1)

"وَإِنْ رَوَاهُ" أي: الخبر "وَاحِدٌ" ولو في بعض الطبقاتِ -: "فَهُوَ الْغَرِيبُ"؛ سُمِّيَ به لغَرَابته، ويقال له - أي: للغريب-: الفَرْدُ المُطْلَقُ؛ إن كان التفرُّد في أصل السند، أوَّلِهِ ومَنْشئَه وآخِرِهِ، ونَحْوُ ذلك قد يُطْلَقُ ويرادُ به الطَّرَف الَّذي من جهة المُخَرِّج، والصارفُ إلى أحدهما المقامُ، والمرادُ -هنا- الأوَّلُ؛ كما يشيرُ إلى ذلك الشارحُ، وهو طَرَفُهُ الذي فيه الصحابيُّ، أي: الذي يَرْوِيه عن الصحابيِّ، وهو التابعيُّ، وإنما لم يُتَكَلَّمْ في الصحابيِّ؛ لأن المقصود ما يترتَّب عليه من القَبُولِ والرِّدِّ، والصحابةُ كلُّهُمْ عدولٌ.

والسَّنَدُ والإسنادُ واحدٌ، وهو: حكايةٌ طريقِ المَتْن، أي: ذِكْرُ أسماء الرُّواة الَّذين وَصَلَ المتْنُ إلينا بواسِطَتهم، وقد يتغايَرَانِ؛ فيُرَاد ب "السَّنَد": الطريقُ الذي هوأسماءُ الرواة، وب "الإسناد": رفْعُ الحديثِ إلى قائِلهِ، والمراد الأوَّلُ.

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (94)، " "مقدمة ابن الصلاح""(456 - 457)، "الاقتراح"- لابن دقيق العيد (199)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (62)، "الموقظة"- للذهبي (43)"اختصار علوم الحديث" -لابن كثير. (161)، محاسن "الاصطلاح" للبلقيني (456)، "التقييد والإيضاح"- للعراقي (268)، "فتح المغيث" -للعراقي (317)، "نزهة النظر"- لابن حجر (25)، "فتح المغيث"- للسخاوي (1/ 21)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 180)، "شرح "نزهة النظر"" -لعلي القاري (36)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 401)، "توجيه النظر"- للجزائري (36)، "منهج ذوي النظر"- للترمسي (81)، "لقط الدرر" - للعدوي 32، "سح المطر" لعبد الكريم الأثري (31).

ص: 169

وسمي ب "الفرد"؛ لتفرُّد الراوي، وبالمطلق؛ لأن الغَرَابة لم تُقيَّدْ بشيْء، بل سواء كان في أصله فقطْ، أوفي أصله ومَنْ رَوَى عنه، أوفي أصِلِه، واستمرَّتْ في أكثره أو في جميعِهِ: كحديث النهْي عن بيع الوَلَاء، وهو ما ورد مرفوعًا؛ "الوَلَاءُ لُحْمَهٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ؛ لَايُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُوَرَّثُ وهِبَتُهُ"

(1)

؛ تفرَّد به أبو صالح، عن أبي هُرَيْرة، وتفرَّد به عبد اللهِ بْنُ دينار، عن ابن عُمَر، وكحديث شُعَب الإيمان، وهو:"الإْيمَانُ بضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فأَفْضَلهَا قَوْلُ لَا إله إلا الله، وأدْناها إمَاطَةُ الأْذَىَ عَنِ الطَّرِيقِ، والحْيَاَءُ شُعْبَةُ مِنَ الإْيمَانِ"

(2)

؛ تفرَّد به أبو صالح، عن أبي هريرة، وتفرَّد به عبد الله بْنُ دينَار، عن أبي صالح" وكحديث "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" تفرَّد به علقمةُ، عن عُمَر، وانفرد به محمَّد بن إبراهيم التَّيْمِيُّ، عن علقمة، وتفرَّد به يحيى بْنُ سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيميِّ، ورواه عن يحيى بن سعيد عَدَدٌ كثيرٌ.

(1)

أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الولاء كما في "تلخيص الحبير"(4/ 341)، والبيهقي (10/ 292)، كلهم من طريق محمد بن الحسن الشيباني عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر به.

وقال الحاكم صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي: وشنع عليه. وقال البيهقي بعد أن روى الحديث: قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: هذا الحديثٌ خطأ لأن الثقات لم يرووه هكذا، وإنما رواه الحسن مرسلاً. اه وهذا المرسل أخرجه البيهقي (10/ 292) كتاب الولاء باب من أعتق مملوكًا له.

(2)

أخرجه مسلم (1/ 63) كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان حديث (57، 58/ 35)، وأبو داود (4676)، والنسائي (8/ 110)، وابن ماجة (57) وأحمد (2/ 414)، وابن منده في "الإيمان"(147، 171، 172) والآجري في الشريعة" (110)، وابن حبان (166). كلهم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة به.

ص: 170

وفي "مسند البزار"

(1)

و"المعجم الأوسط"

(2)

(1)

واسمه "البحر الزخار" لكنه اشتهر بمسند البزار، وقد رتبه على المسانيد، وتكلم على الأسانيد والعلل فيه، وقد طبعت منه عدة أجزاء، ولم يكتمل طبعه بعد بتحقيق د/ محفوظ الرحمن زين الله السلفي. في مكتبة العلوم والحكم. وقد جرد زوائده الحافظ الهيثمي وسماه "كشف الأستار عن زوائد البزار" وقد طبع في مؤسسة الرسالة بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.

واختصر هذه الزوائد الحافظ ابن حجر وهي مطبوعة.

أما صاحبه فهو الإمام أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري البزَّار سمع هدبة بن خالد، وعبد الأعلى بن حماد، وبنداراً وابن المثناوغيرهم، حدث عنه: ابن قانع، وأبو الشيخ، وأبو القاسم الطبراني، وغيرهم، قال فيه الدراقطني: ثقة يُخطيء ويتكل على حفظه وقال أبو أحمد الحاكم: يُخطيء في الإسناد والمتن. توفي رحمه الله سنة اثنتين وتسعين ومئتين انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (4/ 334)"تذكرة الحفاظ"(2/ 653)"لسان الميزان"(1/ 237)"شذرات الذهب"(2/ 209).

(2)

وهو أحد معاجم الطبراني الثلاث: الكبير والأوسط والصغير قال الإمام الذهبي في ترجمة الطبراني: "ومن تواليفه المعجم الصغير" في مجلد، عن كل شيخ حديث و"المعجم الكبير" وهو معجم أسماء الصحابة وتراجمهم وما رووه، لكن ليس فيه مسند أبي هريرة، ولا استوعب حديث الصحابة المُكثرين، في ثمان مجلدات، و"المعجم الأوسط" على مشايخه المكثرين، وغرائب ما عنده عن كل واحد، يكون خمس مجلدات. وكان الطبراني فيما بلغنا -يقول عن الأوسط- هذا الكتاب روحي.

وله عدة طبعات.

وللحافظ الهيثمي: "مجمع البحرين في زوائد المعجمين الصغير والأوسط" وهو مطبوع، ثم أدخل زوائد معاجم الطبراني الثلاث ضمن كتابه "مجمع الزوائد".

أما الحافظ الطبراني صاحب المعجم الأوسط وغيره فهو: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني أسمعه أبوه وهو صغير إذا أنه كان من أصحاب دحيم، وارتحل سنة خمس وسبعين، وبقي في الارتحال ستة عشر عامًا، قال الذهبي: وكتب عمن أقبل وأدبر، وبرع في هذا الشأن، وجمع وصنف، وعُمر دهراً طويلاً، وازدحم عليه المحدثون، ورحلوا إليه من الأقطار سمع من: هاشم بن مرثد وأحمد بن مسعود الخياط وروى عن أبي زرعة الدمشقي، وإسحاق بن إبراهيم الدبري، وحفص بن عمر سنجة وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم حدث عنه: أبو خليفة الجمحي، والحافظ ابن عقدة وهما من شيوخه، وابن منده، وأبو بكر بن مردويه، وأبو نعيم الأصبهاني، وغيرهم.

من تصانيفه: "السنة" و "الدعاء"، و "مسانيد الشاميين"، "مناقب أحمد" و "الأشربة" إضافة إلى معاجمه الثلاثة وغيرها كثير.

قال فيه الذهبي: الإمام الحافظ الثقة، الرحال الجوال محدث الإسلام، علم المعمرين. قال أبو نعيم الحافظ توفي الطبراني لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مئة، بأصبهان. انظر ترجمته في:"أخبار أصبهان"(1/ 335)، "طبقات الحنابلة"(2/ 49)، "الأنساب"(8/ 199)، "سير أعلام النبلاء"(16/ 119) ميزان الاعتدال (2/ 195)"شذرات الذهب"(3/ 30).

ص: 171

للطَّبرانيِّ أمثلةٌ كثيرةٌ لذلك

(1)

.

(1)

قال الحافظ ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح"(2/ 708): "من مظان الأحاديث الأفراد مسند أبي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط" ثم الدارقطني في كتاب الأفراد وهو يُنبيء على اطلاع بالغ، ويقع عليهم - أي البزار والطبراني والدارقطني التعقب فيه كثيرًا بحسب اتساع الباع وضيقه أو الاستحضار وعدمه اه".

ص: 172

[الفرد النسبي]

(1)

و"إلاَّ" أي: وإن لم يكن التفرُّد في أصْلِ السنَدِ -: "فَهُوَ" أي: فالخبرُ المتصِفُ بذلك "الفَرْدُ النِّسْبِيُّ، سُمِّيَ نِسبيًّا؛ لكون التفرُّد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين وإنْ كان الحديثُ في نفسه مشهورًا؛ بأن كان مِنْ طرقٍ أُخَرَ، ثم ينفردُ فيها راوٍ، أي: مشهورٌ على ألسنة الناس، وقد يكُونُ بالنِّسْبة إلى بَلَدٍ معينَّ؛ كأن يقال: هو من أفراد الكوفيِّينَ أو الشامِيِّينَ، فإن أراد قائلُ ذلكَ

(2)

؛ أنه رواه واحد منهم - فهو من الفَرْد المطلق.

فإن قيل: "انفرادُ المُطْلَقِ -أيضًا- كذلك" قلنا: إنَّ الغرابة إذا كانَتْ في أصل السند، فكأنَّها وُجِدَتْ في الجميع؛ لأن الإسناد دائرٌ على ذلك الأصْلِ؛ بخلاف ما إذا كانتْ في الأثناء فالغرابة مختصَّة بذلك المعيَّن، مع أن المناسبة عنْدَ التسمية مناسبٌ، ولا يلزم من المناسبة التسمية.

قال الحافظ في "شرحه" ويقلُّ إطلاق الفرديَّة عليه، لأنَّ الغريبَ والفَرْد مترادفانِ لغةً واصطلاحًا، إلا أنَّ أهْلَ الاصطلاح غَايَرُوا بينهما مِنْ حيثُ

(1)

"معرفة علوم الحديث"- للحاكم (96)، " "مقدمة ابن الصلاح""(258)"المنهل الروي" لابن جماعة (57)"اختصار علوم الحديث"- لابن كثير (58)، "محاسن""الاصطلاح" للبلقيني (257)"التقييد والإيضاح"- للعراقي (115)"النكت على ابن الصلاح"- لابن حجر (2/ 703)، "نزهة النظر" -لابن حجر (28)، "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 253)، "تدريب الراوي"- للسيوطي (1/ 248)، "شرح "نزهة النظر"" -لعلي القاري (48)، "منهج ذوي النظر"- للترمسي (79)، "سح المطر"- لعبد الكريم الأثري (36).

(2)

أي من قال من العلماء: هذا حديث فرد، أو هذا حديث غريب.

ص: 173

كثْرَةُ الاستعمال وقلَّتُهُ؛ فالفَرْدُ أكْثَر ما يُطْلِقُونه على الفرد المُطْلَق، والغريب أَكْثَر ما يطلقونه على الفرد النسبيِّ

ثم قال: [هذا من حيث إطلاق الأسْم]

(1)

عليهما، وأما من حيثُ استعمالُهُمُ الفعْلَ المشتَقَّ - فلا يفرِّقون؛ فيقولون في المُطْلَق والنِّسْبيِّ: تفرَّد به فلان، أو أَغْرَبَ به فلان"

(2)

. انتهى.

قال المحقِّق الكمالُ بْنُ أبي شَرِيفٍ

(3)

: فيما زعمه من كونِهِمَا مترادفَيْنِ لغةً نظَرٌ؛ لأن الفرْدَ - في اللغة -: الِوَتْرُ، وهو الواحد، والغريب: مَنْ بَعُدَ وطنُهُ، والكلامُ الغريبُ: هو البعيدُ عن الفَهْم؛ فالقول بالترادُفِ لغةً باطلٌ

(4)

، ثمَّ لما كان الغريبُ والفَرْدُ مترادفَيْنِ اصطلاحًا، والتفرقَةُ بين الفَرْد المطلق والفَرْد النسبيِّ استعمالا، فغايروا بينهما من جهة الاستعمال"

(5)

.

أقول: قد أجيبَ عنه بأنَّ المراد بأنهما مترادفانِ لغةً بَحَسَبِ المآل

(6)

،

(1)

في الأصل: ومن إطلاق الاسم، والتصويب من "النزهة"(28).

(2)

"نزهة النظر": (28).

(3)

تقدمت ترجمته.

(4)

وقال ابن قطلوبغا: "الله أعلم بمن حكى هذا الترادف" قال الشيخ علي القاري: "قول ابن قطلوبغا محمولٌ على منعه الترادف اللغوي لقوله: وقد قال ابن فارس في مجمل اللغة: غرب بَعُدَّ، والغربة الاغتراب عن الوطن، والفرد الوتر والمنفرد". اه "شرح "نزهة النظر""(50) للقاري. وسيأتي جواب المصنف عن هذا الاعتراض.

(5)

"حاشية ابن أبي شريف على "نزهة النظر"" وهو مخطوط منه نسخة بدار الكتب المصرية.

(6)

قال الشيخ على القاري في "شرحه على النزهة": "و الظاهر أن مراد الشيخ - أي ابن حجر - أنهما مترادفان في مآل المعنى اللغوي لهما ويلائمه ما في القاموس فرد أي منفرد، وشجرة فاردة متنحية، ظبية فاردة عن القطيع، واستفرد فلانًا أخرجه من بين أصحابه، والغرب الذهاب والتنحي، وبالضم التروح عن الوطن كالغربة والاغتراب والتغريب". اه ص (50).

ص: 174

وفيه أنَّ هذا يخالف ما نقل من تقريره.

وقال الكمال - أيضًا -: "هذا التعليل - أعني: قوله: "لأنَّ الغريب

وإلى آخره" في خبر المنع؛ لأن الترادف إن لم يقتضي التسوية في الإطلاق - لم يقتضي ترجيح أحد المترادفَيْن فيه"

(1)

.

وأقول: جوابه في غاية الظهور؛ لأن الذي يستعمل اللفْظ في المعنَى مختارٌ في استعماله بلا ترجيحِ أحَدِ المترادفَيْن.

(1)

"حاشية الكمال بن أبي شريف على "نزهة النظر"".

ص: 175

[دلالة خبر الآحاد]

(1)

"وَ مَا" أي: الخبر الذي هو "سِوَى المتواترِ" - سواءٌ كان مشهورًا "أم عزيزًا" أم غريبًا - يُقَالُ لَهُ "آحَادٌ" عَلَى الأَصَحِّ؛ وذهب قومٌ إلى أنَّ المشهور قسمٌ ثالثٌ غير المتواتر والآحاد، وما سَبَقَ من الكَلام يوضِّحُ لك المَرَامَ.

ولنتعَّرضْ في هذا المقام لمسألة دعَتْنَا المناسبةُ لذكْرِها؛ تبعًا لجماعةٍ من الفضلاء في استطرادِهِمْ ذِكْرَ أَدْنَى ما يتعلَّقُ بغَرَضِهِمْ، وهي: أنَّ دلالة الآحاد ظنيَّةٌ؛ فلا يُقْطَعُ بِصدْقِها، وقد يفيد القَطْعَ والعِلْمَ اليقينيَّ؛ لقرينة احتفَّتْ به؛ كما في إخبار رَجُلٍ يَمُوتُ ولدُهُ المُشْرِفُ على الموت، مع قرينة البكاءِ وإحضار الكَفَن والنَّعْش؛ وهذا هو الأصحُّ الذي اختاره ابْنُ السّبْكِيِّ

(2)

؛ وفاقًا للآمدي

(3)

، وابن

(1)

انظر "الكفاية" - للخطيب البغدادي (25)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (1/ 25)، "الإحكام" - لابن حزم (1/ 107) المسودة (240)، "الإحكام" - للأمدي (2/ 32)، "إرشاد الفحول" - للشوكاني (48)، "شرح الكوكب المنير" - للفتوحي (2/ 348).

(2)

هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي أبو نصر تاج الدين السبكي الشافعي، الفقيه الأصولي اللغوي، من تصانيفه:"شرح منهاج البيضاوي" و "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب وجمع الجوامع وشرحه في أصول الفقه و "الأشباه والنظائر" و "طبقات الفقهاء الكبرى"، و "الوسطى"، و "الصغرى" توفي سنة إحدى وسبعين سبع مئة. انظر ترجمته في "الدرر الكامنة" (3/ 39)، "البدر الطالع" (1/ 410)، "شذرات الذهب" (6/ 221).

(3)

تقدمت ترجمته.

ص: 176

الحاجب

(1)

، والبيضاوي

(2)

وغيرهم.

(3)

وقيل: لا يفيدُ العلْمَ مطلقًا؛ وعليه الأكثر

(4)

، واختاره ابْنُ السبكي في "شَرْح المختصر"

(5)

.

وقيل: يفيدُهُ مطلقًا

(6)

؛ بشرط العَدَالَةِ؛ لأنَّه حديثٌ يجبُ العملُ به،

(1)

تقدمت ترجمته.

(2)

هو عبد الله بن عمر بن محمد أبو الخير، ناصر الدين البيضاوي الشافعي، قال الداودي:"كان إمامًا علامة، عارفًا بالفقه والتفسير والأصلين، والعربية والمنطق نظارًا صالحًا أشهر مصنفاته: "مختصر الكشاف" في التفسير، "المنهاج" وشرحه في أصول الفقه، والإيضاح في أصول الدين، و "شرح الكافية لابن الحاجب" توفي سنة خمس وثمانين وست مئة. انظر ترجمته في: "طبقات المفسرين" للداودي (1/ 242)، "بغية الوعاة" (2/ 50) "شذرات الذهب" (5/ 392)، "طبقات الشافعية" للسبكي (8/ 157).

(3)

وهو قول إمام الحرمين والغزالي وأيده الشيخ زكريا الأنصاري، واحتج له الأمدي بحجج كثيرة انظر "البرهان" - لإمام الحرمين (1/ 388)، "المستصفى" للغزالي (1/ 135)، "الإحكام" للأمدي (2/ 50)، "إرشاد الفحول" ص (48).

(4)

وهو قول الجمهور انظر حججهم والرد عليها في "الإحكام" للأمدي (2/ 50)"شرح اللمع"(2/ 579)"روضة الناظر"(52)"البحر المحيط"(4/ 262).

(5)

هو شرح مختصر ابن الحاجب واسمه "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب"، وقد حقق كرسالة علمية بكلية الشريعة- جامعة الأزهر وانظر فهرس المكتبة الأزهرية (2/ 46).

(6)

وهو قول الإمام أحمد وداود الظاهري، وابن خويز منداد من المالكية، والحسين بن علي الكرابيسي والحارث المحاسبي وغيرهم قال الشوكاني:

"و قال أحمد بن حنبل، إن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم، وحكاه ابن حزم في الإحكام" عن داود الظاهري، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث المحاسبي، وقال، وبه نقول، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك بن أنس، واختاره، وأطال في تقريره، ونقل عن القفال أنه يوجب العلم الظاهر"، "إرشاد الفحول" (48)، واستدلوا على القول بأنه يفيد العلم مطلقًا أنه يجب العمل به، وبين صاحب كشف الأسرار أن الإمام أحمد قال، إن خبر الأحاد يفيد العلم ضرورة، وقال داود، إنه يفيد العلم استدلالا""كشف الأسرار"(2/ 371)

ونصره ابن حزم في "الإحكام"(1/ 119 - 137)

وأطال النفس في ذلك، وهو قول جماعة من أهل الحديث، وقد ذكر أدلتهم ابن القيم في "الصواعق المرسلة"(2/ 453) وما بعدها.

وكذا نصر هذا القول العلامة أحمد شاكر فقال رحمه الله: "اختلفوا في الحديث الصحيح هل يوجب العلم القطعي اليقيني، أو الظن؟ وهي مسألة دقيقة تحتاج إلى تحقيق: "أما الحديث المتواتر لفظًا أو معنى فإنه قطعي الثبوت، لا خلاف في هذا بين أهل العلم، وأما غيره من الصحيح، فذهب بعضهم إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت، وهو الذي رجوه النووي في التقريب، وذهب غيرهم إلى أنه يفيد العلم اليقيني، وهو مذهب داود الظاهري، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وهو الذي اختاره وذهب إليه ابن حزم، قال في الإحكام:"إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم، والعمل معًا". ثم أطال في الاحتجاج له والرد على مخالفيه، في بحث نفيس (1/ 119 - 137).

واختار ابن الصلاح أن ما أخرجه الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما أو رواه أحدهما: مقطوعُ بصحته، والعلم اليقيني النظري واقعٌ به. واستثنى من ذلك أحاديث قليلة، تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشان. هكذا قال في كتابه علوم الحديث، ونقل مثله العراقي في شرحه على ابن الصلاح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، ونقله البقليني عن أبي إسحاق، وأبي حامد الإسفرائينيين، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي من الشافعية، وعن السرخسي من الحنفية، وعن القاضي عبد الوهاب من المالكية، وعن أبي يعلى وأبي الخطاب وابن الزاغوني من الحنابلة، وعن أكثر أهل الكلام من الأشعرية، وعن أهل الحديث قاطبة، وهو الذي اختاره الحافظ ابن حجر والمؤلف - أي ابن كثير-.

والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله، من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما. وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني، لا تحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل. وأكاد أوقن أنه مذهب من نقل عنهم البلقيني ممن سبق ذكرهم، وأنهم لم يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك وهذا العلم اليقيني النظري يبدو ظاهر لكل من تبحر في علم من العلوم، وتيقنت نفسه بنظرياته، واطمأن قلبه إليها، ودع عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما نريد، ومنه زعم الزاعمين أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنكارًا لما يَشعُر به كل واحد من الناس من اليقين بالشيء ثم ازدياد هذا اليقين. قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، وإنما الهدى هدى الله". اه الباعث الحثيث (34).

ص: 177

وإنما يجبُ العلْمُ بما يفيد العلْمَ؛ لقوله تعالى: {وَ لا تَقْفُ مَا لَيْسَ

ص: 178

لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]؛ وأجيب: بأن ذلك فيما المطلوبُ به العِلْمُ من أُصُولِ الدِّين؛ كوحدانية الله تعالى؛ لما ثَبَتَ من وجوب العمل بالظنِّ في الفُرُوع، وتمامُ هذا البَحْثِ في أصول الفقه.

(1)

ولمَّا أراد المصنِّف أنْ يقسِّم الآحادَ فقَطْ إلى أقسامِهِ الآتية دون المتواتر؛ لأنه ليس من مباحث عِلْمِ الإسناد؛ بل من مباحث أُصُول الفقه

(12)

؛ لأنَّ

(1)

انظر ما ذكرناه من المراجع في مقدمة هذا المبحث.

(2)

قال ابن الصلاح: "و من المشهور المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه إلا باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب الحافظ قد ذكره ففي كلامه مايُشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في روايتهم، فإن عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في روايته من أوله إلى منتهاه". اه "مقدمة ابن الصلاح" ص (265).

ص: 179

علم الإسناد علْمُ ما يبحثُ فيه عن صِحَّةِ الحديث أو ضَعْفِهِ؛ ليُعْمَلَ فيه أو يُتْرَكَ

إلى آخر ما سَبَقَ في الفوائد.

والمتواتر لا يُبْحَثُ فيه عن رجاله؟ بل يجب العَمَلُ به من غير بَحْث - كما مَرَّ - ولذا تَرَكَ الحافظُ بيانَ شروطه في الأصْلِ، وقد ذكره المصنِّف؛ تكميلا للفائدة، ونِعْمَ ما صنع.

ص: 180

[الصحيح لذاته]

(1)

قال: "وَ بَعْضُهَا" أي: الآحاد "مَقْبُولٌ، وبَعْضُهَا مَرْدُودٌ"، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيانُ كلٍّ من الأقسام على وَجْهٍ لا غبار عليه:

فالمقبول: أربعةٌ؛ لأنه إن رواه عدلٌ، أي: متصفٌ بالعدالة، وهي مَلَكَةٌ تمنَعُ من فعْلِ كبيرةٍ، وسيجييء تتمَّة هذا البحث إن شاء الله.

وقوله "عَدْل"

(2)

: احتراز عما ينقُلُهُ غير العدل؛ كالفاسق، والمجهول العَيْنِ والحالِ، والمعروفِ بالضَّعْف، وسيجيء، زيادة بيانٍ لهذا - أيضًا - في مباحث الطعن.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(151 - 173)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (152)"المنهل الروي" - لابن جماعة (41)، "الموقظة" - للذهبي (24 - 26)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (19)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (18)، "فتح المغيث" -للعراقي (9)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (1/ 234)، "نزهة النظر" - لابن حجر (29)، "فتح المغيث" -للسخاوي (1/ 14)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 63)، "شرح "نزهة النظر"" - للقاري (66)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (1/ 88)، "توجيه النظر" - للجزائري (69)، "لقط الدرر" - للعدوي (40)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (38).

(2)

قال الحافظ في "النزهة"(29) المراد بالعدل: من له مَلكة تَحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شركٍ أو فسقٍ أو بدعة". اه وانظر الكفاية (34) و"تدريب الراوي" (1/ 300)، توجيه النظر (26) وضوابط "الجرح والتعديل" ص (12) وما بعدها، لشيخنا عبد العزيز بن محمد العبدى اللطيف.

ص: 181

وقوله: "تَامّ الضَّبْطِ" أي: كامله

(1)

؛ فخَرَجَ ناقصُهُ وقليلُهُ مما هو المعتبر في الحَسَنِ لذاته، وهذه المرتبُة العليا في ذلك، لِمزيد الوثوق مع هذا الوَصْف؛ ولذلك رُجِّحَ روايةُ مالكٍ وسُفْيانَ، عن أبي حازمٍ حديثَ:"زُوَّجْتُكَهَا بِمَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"

(2)

على رواية عبد العزيز بْنِ أبي حازم بلَفْظ: "مَلَّكْتُكَهَا

"؛ لأنَّ مالكًا وسفيانَ أضبَطُ منه.

وسواءٌ في ذلك: أن تكونَ روايتُهُ باللفْظِ أو بالمعنى،

ويَخْرُجُ - أيضًا - ما نقله مغفَّلٌ كثيرُ الخطأ؛ بألا يجيز الصواب؛ فيرفع

(1)

قال علي القاري: "تام الضبط أي كامله حالتي التحمل والأداء من غير حصول قصور في ضبطه، وعروض عارض في حفظه". اه "شرح النزهة" ص (51).

(2)

أخرجه أحمد (5/ 336) ومالك (2/ 526) والحميدي (2/ 414)، والبخاري (2310) ومسلم (1425)، وأبو داود (2111)، والترمذي (1114)، والنسائي (6/ 123)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 17)، والبيهقي (7/ 144).

كلهم من طرق عن سهل بن سعد، وتفصيل الروايات التي ذكرها المصنف كالأتي:

رواية مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد:

أخرجها مالك (2/ 526) كتاب النكاح - باب ما جاء في الصداق والحباء. حديث (8).

ومن طريق مالك:

أخرجه أحمد (5/ 336)، والبخاري (2310)، وأبو داود (2111)، والترمذي (1114)، والنسائي (6/ 123)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 16)، والبيهقي (7/ 144)

رواية سفيان عن أبي حازم عن سهل.

أخرجه أحمد (5/ 330) والبخاري (5149، 5150)، مسلم (1425)، والنسائي (6/ 54)، والحميدي (2/ 414) رقم (928)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 17)، والبيهقي (7/ 144).

رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل أخرجه البخاري (5087)، ومسلم (1425).

ص: 182

المَوْقُوف، ويَصِل المُرْسَل، ويصحِّف الرواة، وهو لا يَشْعُرُ

(1)

.

والضبْطُ قسمان: ضبط صَدْر؛ وهو: عبارةٌ عن تحصيلِ مَلَكَةٍ بالنسبة إلى ما سَمِعَ من الشيخ؛ بَحيْثُ يتمكَّن من استحضارِهِ متى شاء، وضَبْطُ كتابٍ؛ وهو: صيانَتُهُ عن احتمال التصرُّف فيه؛ بأن يكونَ الكتابُ الذي صحَّحه عند شَيْخِهِ، وسَمِعَهُ منه - لم يخرُجْ من يده، ثُمَّ عاد إليه؛ فلا عبرة بضَبْطِهِ، وهذا معنَى ما ذكره الحافظُ في "شرحه" من أن ضبْطَ الصدر: هو أنْ يثبت ما سَمِعَهُ؛ بحيث يتمكَّنُ من استحضارِهِ متَى شاء، وضَبْطَ الكتابِ: هو صيانتُهُ لدَيْهِ منذ سَمِعَهُ فيه وصحَّحه إلى أن يؤدِّيَ منه

(2)

.

و"اتَّصَلَ سَنَدُهُ" مُخْرِجٌ للمنقطع والمُعْضَل والمُرْسَل على رأْيِ من لا يقبَلُهُ؛ لأنَّ المتصل ما سَلِمَ إسنادُهُ من سقوطٍ فيه؛ بحيث يكونُ كُلٌّ مِنْ رجاله سَمِعَ ذلك المرويَّ من شيخه.

والسنَدُ: تقدَّم تعريفُهُ من أنه: "حكايَةُ طريقِ المَتْنِ".

وقوله: "وَ سَلِمَ مِنَ الشُّذُوذِ ومِنَ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ" فخرج الشَّاذّ والمعلَّل، والمنَكَّر؛ بِنَاءً على أنَّ معنى الشذوذ - لغة -:"الانفراد"، واصطلاحًا:"مخالفةُ الراوِي مَنْ هُوَ أرجَحُ منه، سواء كان الراوي ثقةً أو ضعيفًا".

وعند ابن الصَّلاح: هو والشذوذ سيَّانِ

(4)

؛ فَذِكْرُهُ معه تَكْرارٌ، وعند غيره: أن المُنَكَّر أسوأ حالا من الشاذِّ، فاشتراط نَفْي الشذوذ يقتضي اشتراطَ نَفْيهِ بالأولى؛ فلا يرد أنَّ كلام المصنِّف ناقص؛ حيث لم يشترطْ

(1)

انظر شرح على القاري على "نزهة النظر" ص (51).

(2)

"نزهة النظر" ص (29).

(4)

أي أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح سيان. فنفى الشاذ يقتضى نفى النكارة. انظر "مقدمة ابن الصلاح" ص (237).

ص: 183

نَفْيَ الإنكار، ولا ينافي هذا ما ذهَبَ إلَيْه الشيخ

(1)

عن أنَّ الحقَّ في تعريف الشاذِّ هو: "ما رواه المقبولُ مخالفًا لمنْ هُوَ أَوْلَى منه"

(2)

؛ لأنَّ الشاذَّ له إطلاقاتُهُ، والمراد بالعلَّةِ العلَّةُ الخفية، وهي ما طَرَأَتْ على الحديثِ السالِمِ ظاهرهً منها، ولا يطلعُ عليه إلا المتبحِّر في الشأن، وليس المراد بذكر الخفية: إخراجَ الظاهرةِ؛ لأن الخفيَّة إذا أثَّرَتْ، فالظاهرة أَوْلَى؛ بل الظاهرة: إما راجعةٌ إلَى ضعف الراوي، أو عَدَمِ اتصالِ السند؛ وذلك خارجٌ بما سبق، واحترز بالقادحة - كالإرسال - عن غيره.

فإذا توفَّرَتْ هذه الأمور، فهو - أي المقبول - يقالُ له:"الصَّحيح لذاتِهِ".

واعلم: أنَّ المراد به ما في حدث بهذه الأمور، وبالضعيف: ما لم توجَدْ، لا ما هو كذلك في نَفْس الأَمْر؛ لجواز صِدْقِ الكاذب، وخَطَإ الراوي، وأنَّ الصحيحَ قد يكُونُ فَرْدًا وقد يكونُ غَيْرَ فَرْد؛ لأن الأدلَّة على قَبُول خبر الواحد، لا تفصِّلُ بين الفَرْد وغيره؛ ولهذا أطلق المصنِّف رحمه الله وذهب أبو عليٍّ الجُبائي

(3)

من المعتزلة: إلى اشتراط العدد في قَبُول الخبر، وهو ظاهرُ كلامِ الحاكمِ، في "علوم الحديث"

(4)

، ولا يَرِدُ أنَّ المتواتِرَ صحيح مع أنه لا يشترط فيه هذه القيود؛ لأن عمادة النقض لابُدَّ أن تكُون محقَّقة، ووجود حديث متواتِرٍ لا تجتمعُ فيه هذه الأمورُ غَيْر متحقِّقة.

(1)

يعني بالشيخ الحافظ ابن حجر.

(2)

"نزهة النظر": (35).

(3)

تقدمت ترجمته، وانظر كلامه في "المعتمد" لأبي الحسين البصري (1/ 622).

(4)

حيث قال في علوم الحديث ص (62): "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة". اه.

ص: 184

[الحسن لذاته]

(1)

وإنْ وُجِدَتِ الشروطُ الخمْسُ المذكورةُ - وهي: روايةُ العَدْل، وتماميَّةُ الضَّبْط، واتصالُ السنَدِ، والسلامةُ من الشذوذِ، والسلامةُ من العلَّة القادحة؛ لكنْ خَفَّ الضبط، أي: قل؛ يقال: خَفَّ القَوْمُ خُفُوفًا، أي: قَلُّوا، وفي القاموس:"إلخِفّ بالكسر -: الخفيفة، والجماعة القليلة" فالخِفَّة استعملَتْ في الكيفيَّة والكميَّة -: فهو الحَسَنُ لذاته، لا لشيْءٍ خارجٍ عنه، واحترز به عن الحَسَنِ لغيره، وسيجيء ذِكْرُهُ في بَحْث سوء الحفْظِ، إن شاء الله

(2)

، وهو الذي يكونُ حُسْنه بسَبَب الاعتضادِ؛ نحو حديث "المَسْتُور"

(3)

إذا تعدَّدَتْ طرقه.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(174 - 187)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (162)"المنهل الروي" - لابن جماعة (43)، "الموقظة" - للذهبي (26 - 27)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (35)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (43)، "فتح المغيث" -للعراقي (32)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (1/ 385)، "نزهة النظر" - لابن حجر (33)، "فتح المغيث" -للسخاوي (1/ 71)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 153)، "شرح "نزهة النظر"" - للقاري (70)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (1/ 154)، "توجيه النظر" - للجزائري (145)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (36)، "لقط الدرر" - للعدوي (48)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (45).

(2)

"القاموس المحيط" انظر ص (1041).

(3)

قال الحافظ ابن حجر: "المجهول قسمان:

أ - مجهول العين: من لم يَرْوِ عنه غير واحد ولم يُوثَّقْ.

ب- مجهول الحال (المستور): من روى عنه اثنان فأكثر ولم يُوثق" "نزهة النظر" ص (50) بتصرف.

أما رواية مجهول العين فمذهب الجمهور ردها مطلقًا

وكذا رواية مجهول الحال وهو المستور مذهب الأكثرين ردها هذا إذا انفرد المجهول بالرواية، وانظر ص (76 - 85) مذاهب الأئمة في ذلك وتفصيل الأقوال فيه في ضوابط "الجرح والتعديل" لشيخنا عبد العزيز العبد اللطيف أما رواية المجهول هل تتقوى بالمتابعة: قال الشيخ عبد العزيز العبد اللطيف.

"قال الحافظ الدارقطني: "و أهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم إذا كان راويه عدلا مشهورًا، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفًا، فأما من لم يرو عنه إلا رجلٌ واحد انفرد بخبر وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره". ومفهوم ذلك أن رواية مجهول العين تتقوى بالمتابعة، لكنه غير صريح في حصول التقوية بمتابعة مجهول مثله أو متابعة ضعيف غير متروك.

وقد خص الحافظ ابن حجر رواية المستور - مجهول الحال - بالذكر فيما يتقوى من الروايات "الضعيفة" دون رواية مجهول العين". اه من "ضوابط الجرح والتعديل" ص (86) وانظر "نزهة النظر" ص (52) وكتابنا هذا ص 303.

ص: 185

وخَرَجَ بوجودِ الشُّرُوِطِ الخمسة: الضعيفُ، وهذا القسْمُ من الحَسَنِ، مشاركٌ للصحيحِ في الاحتجاجِ به، وإن كان دُونَهُ، ومشابِهٌ له في انقسامه إلَى مراتبَ بعضُهُا فوْقَ بعض؛ كما سيجي، -إن شاء الله تعالى- وتفاوت مراتب الصحيح والحَسَن بتفاوُتِ هذه الصفات المتقدِّمة، المقْتَضِيِة للصحَّة؛ فالأحاديثُ التي قِيلَ: إنها أصحُّ الأحاديث مطلقًا - أعْلَى في الصحَّة من الأحاديث الصحيحةِ التي لمْ يُقَلْ في شيْء منها ذلك.

وإنْ كان الجميعُ مشتملا على أَصْلِ العدالة والضَّبْط، وباقي الشُّرُوط، وتكون رُتَبُ الصحيحِ متفاوِتَةًّ، فما تَكُون رواتُهُ في الدرجة العُلْيَا في العدالة والضَّبْط، وسائرِ الصفات التي توجِبُ الترجيح -: كان أصحَّ مما دونه، ولذا قُدِّمَ في الصحَّة: صحيحُ أبي عبد الله محمَّدِ بْنِ إسماعيلَ بْنِ

ص: 186

إبراهيمَ البخاريِّ

(1)

، على صحيح مسلم بن الحَجَّاج القُشَيْرِيِّ

(2)

لأنَّ كلا

(1)

صحيح البخاري هو الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه قال الذهبي في تاريخ الإسلام: "و أما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله تعالى وقال الحافظ ابن حجر: "تقرر أنه التزم فيه الصحة، وأنه لا يورد فيه إلا حديثًا صحيحًا، هذا أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إياه:"الحامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه" ومما نقلنا عنه من رواية الأئمة عنه صريحًا ثم رأى أنه لا يخليه من الفوائد الفقهية، والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فَرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة". اه وقال الخطابي:"فأصبح هذا الكتاب كنزًا للدين وركازًا للعلوم، وصار بجودة نقده وشدة سبكه حكمًا بين الأمة فيما يراد أن تعلم من صحيح الحديث وسقيمه، وفيما يجب أن يعتمد ويعول عليه منه".

انظر "هدي الساري"(10)، "ما تمس إليه حاجة القاري لصحيح البخاري" للنووي، "البداية والنهاية"(12/ 24)"أعلام الحديث" للخطابي.

أما الإمام البخاري صاحب الصحيح فهو:

محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَردزبه البخاري سمع من: محمد بن سلام البيكندي، ويحيى بن يحيى، وأبي عاصم النبيل، ومحمد بن يحيى الذهلي وخلقٌ كثير رتبهم المزي في "تهذيب الكمال" على حروف المعجم.

قال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب السنن: قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل". وقال أيضًا:"هو أعلمنا وأفقهنا، وأكثرنا طلبًا". وقال الإمام ابن خزيمة: "ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل".

وثناء العلماء عليه طويلٌ لا ينتهي، أما مؤلفاته فكثيرةٌ جليلة منها، "التاريخ الكبير" و "التاريخ الصغير" و "الضعفاء" و "جزء رفع اليدين" و "الأدب المفرد" وغيرها.

توفي رحمه الله سنة: ست وخمسين ومئتين.

انظر أخباره في: طبقات الحنابلة (1/ 271)"تاريخ بغداد"(2/ 4)، "تهذيب الأسماء واللغات"(1/ 67)، "تهذيب الكمال"(1168)، "تذكرة الحفاظ"(2/ 555)، "طبقات الشافعية"(2/ 212)"تهذيب التهذيب"(9/ 47).

(2)

قال النووي: "اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول

" وقال: "من حقق نظره في صحيح مسلم رحمه الله، واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقته، وبديع طريقته، من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق، وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها، وضبط متفرقها وانتشارها، وكثرة اطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأجوبات واللطائف الظاهرات والخفيات علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" "شرح النووي على صحيح مسلم" (1/ 11).

أما الإمام مسلم صاحب الصحيح فهو:

مسلم بن الحجاج القشيري، أبو الحسين النيسابوري روى عن القعنبي، وأحمد بن يونس، وإسماعيل بن أبي أويس، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وخلق.

وعنه: الترمذي، وأبو الفضل أحمد بن سلمة، وأبو حامد وعبد الله ابنا الشرقي وأبو عوانة الإسفرائيني وغيرهم.

قال أحمد بن سلمة: رأيت أبازرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج على مشايخ عصره وقال إسحاق بن راهويه وقد ذكر مسلم: أي رجل هذا؟ يعني جلالة قدره وغزارة علمه.

وقال النووي: أجمعوا على جلالته وأمانته وعلو مرتبته وحذقه في هذه الصنعة وتقدمه فيها.

من تصانيفه "الكنى"، "المنفردات والوحدان"، "الطبقات" و "التمييز" و "مشايخ مالك"، مشايخ شعبة، وغيرها.

توفي رحمه الله سنة إحدى وستين ومئتين بنيسابور، عن بضع وخمسين سنة.

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد"(13/ 100)، طبقات الحنابلة (1/ 337)"تهذيب التهذيب"(1323)، "تهذيب التهذيب"(10/ 126)، "شذرات الذهب"(2/ 144).

ص: 187

من اتصال السنَدِ، وعدالةِ الرِّجَال، وضَبْطِهِمْ، والسلامةِ مِنَ الشذوذ والعلَّة، في صحيح البخاريِّ -: أتمُّ منها في صحيح مُسْلم

(1)

:

(1)

قال الإمام النووي رحمه الله في "شرحه لصحيح مسلم"(1/ 14): "إتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتها الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد، ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث. وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير، وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث

ومن أخصر ما ترجح به، اتفاق العلماء على أن البخاري أجل من مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه، وقد انتخب علمه ولخص ما ارتضاه في هذا الكتاب، وبقي في تهذيبه وانتقاءه ست عشرة سنة وجمعه من ألوف مؤلفة من الأحاديث الصحيحة، وقد ذكرت دلائل هذا كله في أول شرح صحيح البخاري" انتهى بتصرف ثم ذكر أن من المرحجات اشتراط البخاري للقي وأنه لا يكتفي بالمعاصرة، وسيأتي.

ص: 188

أما اتصالُ السنَدِ: فإنَّ البخاريَّ لا يَحْكُمُ بوَصْل المُعَنْعَنِ إلا إذا ثَبَتَ لقاءُ المُعَنْعِنِ للمُعَنْعَنِ عنه ولومرَّةً واحدةً، ومسلمٌ يكتفي في ذلك بإمكانِ اللِّقَاء

(1)

وأما عدالَةُ الرجال وضبْطُهُمْ: فلأنَّ البخاريَّ إنما يُخَرِّجُ حديثَ

(1)

قال النووي رحمه الله: ومما ترجح به كتاب البخاري أن مسلمًا رحمه الله كان مذهبه، بل نقل الإجماع في أول صحيحه أن الإسناد المعنعن له حكم الموصول "بسمعت" بمجرد كون المُعَنِعن، والمُعَنَعَن عنه كانا في عصر واحد، وإن لم يثبت اجتماعهما، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما، وهذا المذهب يُرجح كتاب البخاري، وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب، لكونه يجمع طرقًا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه

، الله أعلم". "شرح صحيح مسلم" (1/ 14).

وقال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" ص (13): "و عند التأمل يظهر أن كتاب البخاري أتقن رجالا وأشد اتصالا وبيان ذلك من وجوه

" ثم ذكر وجوه خامسها، قال: "الوجه الخامس: وذلك أن مسلمًا كان مذهبه على ما صرح به في مقدمة صحيحه وبالغ في الرد على من خالفه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المُعَنِعن، ومن عنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما إلا إن كان المُعَنعِن مدلسًا، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه، وأكثر منه حتى أنه ربما خرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئًا معنعنًا

هذا مما ترجح به كتابه، لأنا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال، فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال، والله أعلم".

ص: 189

الثقة المُتْقِنِ الملازِمِ لمَنْ أَخَذَ عنه ملازمةً طويلةً، ولا يخرِّجُ لمن يلي هذه الطبَقَةَ إلا في المتابعات ومسلم يُخَرِّج لهذه الطبقة؛ كما يخرِّج للتي قبلها

(1)

.

وأيضًا: الذين تُكُلِّمَ فيهم من رجالِ البخاريِّ: ثمانون، ومن رجال مُسْلِمِ مائة وسِتُّون.

(2)

وأما السلامةُ من الشُّذُوذ والعِلَّة: فلأنَّ ما انْتُقِدَ على البخاريَّ نحْوُ ثمانين حديثًا، وما انتُقِدَ على مُسْلِمٍ نحْوُ مائة وثلاثين حديثًا

(3)

، وفي هذه

(1)

قال السيوطي: "البخاري يخرج عن الطبقة الأولى البالغة في الحفظ والإتقان. ويخرج عن طبقة تليها في التثبت وطول الملازمة، اتصالا وتعليقًا، ومسلم يخرج عن هذه الطبقة أصولا، كما قرره الحازمي""تدريب الراوي"(1/ 92).

(2)

قال الحافظ ابن حجر في سياق بيانه وجوه ترجيح البخاري على مسلم: "أحدها: أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضع وثلاثون رجلا "المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا، المتكلم فيه بالضعف منهم مئة وستون رجلا، ولا شك أن التخريج عمن لم يُتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه، وإن لم يكن ذلك الكلام قادحًا"

ثانيها: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها، أو أكثرها، إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ: كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه وحماد بن سلمة عن ثابت وغير ذلك.

ثالثها: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيهم أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم، وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم، وميز جيدها من موهومها، بخلاف مسلم فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تُكلم فيه ممن تقدم عن عصره من التابعين ومن بعدهم، ولا شك أن المُحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدم منهم". "هدي الساري" ص (13 - 14).

(3)

قال الحافظ ابن حجر: "الأحاديث التي انتقدت عليهما بلغت مائتي حديث وعشرة أحاديث

اختص البخاري منها بأقل من ثمانين، وباقي ذلك يختص بمسلم، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر

" "هدي الساري" ص (14).

ص: 190

المسألة أقوالٌ أُخَرُ مذكورةٌ في المطوَّلات

(1)

؛ ولقد أنْصَفَ من قال

(2)

:

[من الطويل]:

تَنَازَعَ قَوْمٌ في البُخَارِيْ ومُسْلِمٍ

لَدَيَّ وقَالُوَا أَيَّ ذَيْنً تُقَدِّمُ

فَقُلْتُ لِئن فَاقَ البُخَارِيُّ صِحَّةً

لَقَدْ فَاقَ فيِ حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ

(3)

وهذه طريقةٌ وسْطَى، وهي أحقُّ بالقبول؛ لَدَى الكُمَّل الفحول. ثم يقدم مرويُّ مسلم وحده؛ لمشاركته للبخاري في اتفاقِ الأمَّة على تلقِّي كتابه بالقَبُول، ثم ما حَوَى شرطَهُمَا، والمرادُ به: رواتُهُما أو مِثْلُهم مع باقي شروط الصحيح من اتِّصَالِ السندِ، ونَفْي الشذُوذِ والعلَّة.

قال الشُّمُنِّيُّ

(4)

في "شَرْح النُّخْبة"

(5)

: وقد اختَلَفَ أئمَّة الحديث في

(1)

انظر هدي الساري ص (13 - 14)، "النكت على ابن الصلاح"(1/ 286 - 289)"تدريب الراوي"(1/ 92 - 93).

(2)

القائل هو الحافظ عبد الرحمن بن علي بن الديبع الشيباني الشافعي وجيه الدين أبو محمد، ولد بزبيد، ونشأ بها، من تصانيفه:"تيسير الوصول إلى جامع الأصول، "مصباح المشكاة"، "تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث"، توفي سنة أربع وأربعين وتسع مئة انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" (8/ 255)، "البدر الطالع" (335).

(3)

ذكر البيتين صاحب "الحطة"(192)، ونقلها عنه العلامة عبد السلام المباركفوري في "سيرة الإمام البخاري" ص (181) ثم قال:"و لكن هذا الحكم من ابن الديبع يبين أن البخاري أرجح من مسلم في الصحة فقط، والواقع أنه يرجحه في الصحة وفي غيرها من النكات الفقهية التي هي كالفص على الخاتم". اه

(4)

هو محمد بن حسن بن محمد الشُّمُنِّي - بضم الشين وتشديد النون - ثم السكندري المالكي (كمال الدين) والشمني نسبة إلى شمنة مزرعة بباب قسطنطينية، اشتغل بالعلم من صغره في بلده حتى صار عالمًا، ثم قدم القاهرة، وسمع من شيوخها، وسمع في الاسكندرية، وتقدم في الحديث وصنف فيه، وتخرج ببدر الدين الزركشي، والزين العراقي، وكان ينظم الشعر وقد نظم نخبة الفكر توفي سنة 821 هـ. انظر ترجمته في "شذرات الذهب"(7/ 151).

(5)

اسمه "نتيجة النظر" ولم يطبع. منه نسخة خطية في دار الكتب المصرية.

ص: 191

شَرْطهما ما هُوَ؟ إذ لا شَرْطَ لهما مذكورٌ في كتابَيْهِما، ولا في غَيْرهما، وإنَّما أَخَذُوا ذلك من صَنِيعَيْهما في كتابَيْهما؛ فقال الحافظ أبو الفَضْل محمَّد بن طاهر

(1)

: شرْطُ البخاريِّ ومسلمٍ أن يخرِّجا الحديث المُجْمَعَ على ثِقَةِ نَقَلَتِهِ إِلى الصحابيِّ المشهور مِنْ غير اختلافٍ بَيْنَ الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غَيْرَ منقطع"

(2)

.

ثم قال: وتعقَّبه شيخنا الحافظ أبو الفَضْل ابن الحسيني

(3)

بأن النَّسَائِيَّ ضعَّف جماعةً أَخْرَجَ لهم الشيخانِ أو أحدُهُمَا"

(4)

.

وقال النوويُّ

(5)

وغيره: "المرادُ بقَوْلهم: "على شرطهما": أنْ يكُون رجالُ إسناده في كتابَيْهما"

(6)

؛ ولذلك يعترِضُ الإمامُ أبو الفَتْح بن

(1)

هو محمد بن طاهر بن علي أبو الفضل بن طاهر المعروف بابن القيسراني المقدسي، سمع من أبي علي الحسني بن عبد الرحمن الشافعي، وسعد الزنجاني، وهياج بن عبيد، وغيرهم، حدث عنه شرويه بن شهردار، وعبد الوهاب الأنماطي، والسلفي وغيرهم قال ابن منده:"كان ابن طاهر أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقًا، عالمًا بالصحيح والسقيم، كثير التصانيف، لازمًا للأثر". اه من تصانيفه: أطراف الكتب الستة، رجال الصحيحين، أطراف الغرائب والأفراد، شروط الأئمة الستة، وغيرها. قال الذهبي في "الميزان": محمد بن طاهر المقدسي الحافظ ليس بالقوي، فإن له أوهامًا كثيرة في تواليفه

ونقل عن ابن عساكر قال: وله انحراف عن السنة إلى تصوف غير مرضي، وهو في نفسه صدوق لم يتهم، وله حفظ ورحلة واسعة توفي سنة خمس مئة وسبع، انظر ترجمته في:"وفيات الأعيان"(4/ 287)، "ميزان الاعتدال"(3/ 587)، "سير أعلام النبلاء"(19/ 361)، "شذرات الذهب"(4/ 18).

(2)

انظر كلام ابن طاهر في "شروط الأئمة" ص (17).

(3)

هو الحافظ العراقي أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين وقد تقدمت ترجمته.

(4)

انظر كلامه في "فتح المغيث" ص (21).

(5)

تقدمت ترجمته.

(6)

انظر"فتح المغيث" للعراقي ص (22).

ص: 192

وَهْب،

(1)

على الحاكم؛ حيثُ ينقل تصحيحَهُ لحديث على شَرْط البخاريِّ مثلا؛ بأنَّ فيه فلانًا، ولم يخرِّجْ له البخاريُّ"

(2)

.

وكذلك فعل الحافظ أبو عبد الله الذَّهَبِيُّ

(3)

، وتَّصَرُّف الحاكم يؤيِّد ذلك؛ فإنه يقول في الحديث الذي أَخْرَجَ الشيخانِ أو أحدُهُمَا لرواته: صحيحٌ على شَرْط الشيخَيْن، أو على شَرْطِ البخاريِّ أو مسلمٍ، وإذا كان بعضُ رواته لم يخرِّجا له قال: صحيحُ الإسنادِ فقط" انتهى.

(4)

وههنا كلام؛ لم تسمَحْ بمثله الأفهام، قد ذكره الحافظ السُّيُوطيُّ

(5)

في "شرحه" على منظومته نظم الدرر، أعرضْنَا عن ذكْره - ولا غِنَى عنه - خوفًا من السآمة والضَّجَر.

(1)

هو ابن دقيق العيد محمدبن علي بن وهب أبو الفتح القشيري وقد تقدمت ترجمته.

(2)

انظر "فتح المغيث" ص (22).

(3)

هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني أبو عبد الله الذهبي، طلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير ورحل وعني بهذا الشأن وتعب فيه، سمع من أبي الفضل بن عساكر ومن الأبرقوهي بمصر، والعماد بن بدران وغيرهم، من تصانيفه: تاريخ الإسلام، و"سير أعلام النبلاء"، و"تذكرة الحفاظ"، والكاشف، وميزان الاعتدال، و"المغني" في الضعفاء، ومختصر سنن البيهقي وغيرها كثير، قال ابن الحسيني في ذيله على تذكرة الحافظ: ومصنفاته ومختصراته وتخريجاته تقارب المائة، وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان، وكان أحد الأذكياء المعدودين، والحفاظ المبرزين

" وقال السيوطي: "الإمام الحافظ محدث العصر، وخاتمة الحافظ مؤرخ الإسلام، وفرد الدهر، والقائم بأعباء هذه الصناعة

"

وقال: "و الذي أقوله أن المحدثين عيالٌ الأن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي وابن حجر" توفي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق.

انظر ترجمته في: ذيل "تذكرة الحفاظ" للحسيني ص (34) والسيوطي ص (347).

(4)

من "نتيجة النظر" للشمني وهو مخطوط.

(5)

تقدمت ترجمته.

ص: 193

ثمَّ يقدَّمُ ما حَوى شرْطَ البخاريِّ فقطْ، ثم ما حَوَى شرْطَ مسلم، ثم ما حوَى شَرْطَ غيرهما مِنْ سائر الأئمَّة الأربعة.

وهذه الأقسامُ هي مراتِبُ الصحيحِ.

وجَمْعُ المصنِّفِ الحَسَنَ مع الصحيح في التفاوُتِ - موافقٌ لما ذكَرَهُ كثيرٌ من الفضلاء؛ قال الشُّمُنِّيُّ

(1)

في شرح النخبة: "فائدةٌ: اعلم: أنَّ الحسن - أيضًا - يأتي على مراتِبَ متفاوتهٍ"، قال الحافظ الذهبيُّ: "فأعلى مراتِبِ الحسنِ بَهْزُ بنُ حَكِيم، عن أبيه عن جَدِّه ومحمد بن عمرو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة، وعمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، وابن إسحاق عن محمَّد بن إبراهيم التيميِّ، وأمثال ذلك كثيرٌ، وهو قسمٌ متجاذِبٌ بين الصحَّة والحُسْنِ؛ فإِنَّ عدَّةً من الحُفَّاظ يصحِّحون هذه الطرق، ويَنْعَتُونَهَا؛ بأنها من أدنى مراتِبِ الصحيحِ، ثم بعد ذلك أمثلةٌ كثيرةٌ متنازعٌ فيها؛ بَعَضُهُمْ يُحْسِنُهَا، وأخرون يُضَعِّفُونها

(2)

؛

(1)

تقدمت ترجمته.

(2)

وقد قال الحافظ الذهبي في الموقظة ص (28) - قبل هذا الموضع - بعد أن ذكر تعريفات الحديث الحسن والمؤاخذات عليها قال: "ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرجٌ كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك فكم من حديث تردد فيه الحُفاظ، هل هو حَسن أو ضعيف أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد فيومًا يصفه بالصحة، ويومًا يصفه بالحسن ولربما استضعفه وهذا حقٌ، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يُرَقِّيَه إلى رتبة الصحيح، فبهذا الاعتبار فيه ضعفٌ ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضَعفٍ ما، ولو انفك لصح باتفاق".

وقال العلامة الألباني في الإرواء (3/ 363) موضحًا دقة هذا النوع من علوم الحديث وصعوبته: "إن الحديث الحسن لغيره، وكذا الحسن لذاته، من أدق علوم الحديث وأصعبها، لأن مدارهما على من اختلف فيه العلماء من رواته، ما بين موثق ومضعف، فلا يتمكن من التوفيق بينها، أو ترجيح قول على الأقوال الأخرى، إلا من كان على علم بأصول الحديث وقواعده، ومعرفة قوية بعلم "الجرح والتعديل"، ومارس ذلك عمليًا مدة طويلة من عمره، مُستفيدًا من كتب التخريجات، ونقد الأئمة، عارفًا بالمتشددين منهم والمتساهلين، ومن هم وسطٌ بينهم، حتى لا يَقعَ في الإفراط والتفريط، وهذا أمرٌ صعب، قل من يصير له، ويناله ثمرته، فلا جرم أن صار هذا العلم غريبًا بين العلماء، والله يختص بفضله من يشاء".

وانظر ما ذكره الشيخ - حفظه الله - في "حواشية على "نزهة النظر"" - التي نقلها عنه الحلبي في "النكت على "نزهة النظر"" ص (91 - 92).

ص: 194

كحديث الحارث بن عبد الله

(1)

، وعَاصِمِ بْنِ ضَمْرَة

(2)

،

(1)

هو الحارث بن عبد الله الأعور الهَمْداني، روى عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت وغيرهم، وعنه: الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن مرة وغيرهم، قال ابن المديني فيه: كذاب، وقال ابن معين مرة: ليس به بأس، وقال أخرى: ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: كان الحارث غاليًا في التشيع، واهيًا في الحديث، مات سنة (65)، وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح المصري، الحارث الأعور ثقة، ما أحفظه، وما أحسن ما روى عن علي، وأثنى عليه، قيل له: فقد قال الشعبي: كان يكذب! قال: لم يكن يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه، وقال الحافظ في التهذيب:"و قرأت بخط الذهبي في "الميزان": والنسائي مع تعنته في الرجال قد احتج به، والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في الأبواب، وهذا الشعبي يكذبه ثم يروي عنه، والظاهر أنه يكذب حكاياته، لا في الحديث". اه قلت - أي ابن حجر -: لم يحتج به النسائي، وإنما أخرج له في السنن حديثًا واحدًا مقرونًا بابن ميسرة وآخر في "اليوم والليلة" هذا جميع ما عنده وقال في التقريب: كذبه الشعبي في رأية ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف، وليس له عند النسائي سوى حديثين" انظر:"تهذيب الكمال"(5/ 244)، "ميزان الاعتدال"(1/ 435)"تهذيب التهذيب"(2/ 133).

(2)

هو عاصم بن ضَمرة السَّلُوليُّ الكوفي، روى عن علي وحكى عن سعيد بن جبير، وعنه أبو إسحاق السبيعي ومنذر بن يعلى الثوري، والحكم بن عتيبة، وغيرهم قال علي بن المديني، والعجلي: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أحمد: عاصم أعلى من الحارث، وقال البزار: هو صالح الحديث وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ على أنه أحسن حالا من الحارث.

وقال ابن حجر في التقريب: "صدوق"

"تهذيب الكمال"(13/ 496)، "تهذيب التهذيب"(5/ 42)"تقريب التهذيب"(3074).

ص: 195

وحَجَّاج بن أَرْطَاة،

(1)

وخُصَيْف

(2)

، ....

(1)

هو حجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي الكوفي، روى عن الشعبي حديثًا واحدًا، وعن عطاء بن أبي رباح، وجبلة بن سحيم، وعمرو بن شعيب، والزهري وجماعة وعنه: شعبة وهشيم، والحمادان، والثوري وغيرهم. قال العجلي: كان فقيهًا، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تيه، وكان يقول: أهلكني حب الشرف. وولي قضاء البصرة، وكان جائز الحديث إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ومكحول، ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس وقال ابن معين: صدوق، ليس بالقوي، يدلس عن عمرو بن شعيب، وقال أبو زرعة: صدوق يدلس، وقال أبو حاتم: صدوق، يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأما إذا قال "حدثنا" فهو صالح لا يُرتاب في صدقه وحفظه.

وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو ممن يُكتب حديثه.

وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث، في حديثه اضطراب كثير.

وقال ابن حجر في التقريب: أحد الفقهاء صدوق كثير الخطأ والتدليس.

انظر: "تهذيب الكمال"(5/ 420)"تهذيب التهذيب"(2/ 181)، "تقريب التهذيب"(1122).

(2)

هو خُصَيْف - بالصاد المهملة مصغر - بن عبد الرحمن الجَزَري، أبو عَوْن الحضرمي الحَرَّاني الأموي، رأى أنسًا، وروى عن: عطاء، وعكرمة، وأبي الزبير، وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه السفيانان، وحجاج بن أرطأة، وزهير قال فيه الإمام أحمد مرة: ضعيف الحديث، وقال أخرى: ليس بحجة، وقال ثالثة: ليس بذاك، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وقال ابن خزيمة: لا يُحتج بحديثه. وقال ابن حبان: تركه جماعة من أئمتنا، واحتج به أخرون، وكان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا إلا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروي، ويتفرد عن المشاهير بما لا يُتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلا أن الإنصاف فيه قبول ما وافق الثقات في الروايات، وترك ما لا يُتابع عليه، وهو ممن استخير الله تعالى فيه" وقال ابن حجر في التقريب: صدوق سيء الحفظ خلط بأخره، ورمي بالإرجاء

انظر: "تهذيب الكمال"(8/ 257)، "تهذيب التهذيب"(3/ 129)"تقريب التهذيب"(1723).

ص: 196

ودَرَّاج أبي السَّمْح

(1)

، وخَلْقَ سواهم"

(2)

انتهي.

(1)

في المخطوط "أبي الشيخ" والصواب ما أثبتناه.

وهو دَرَّاج بن سَمعان، يقال اسمه عبد الرحمن ودَراج لقب، أبو السَّمْح القُرشي السهمي مولاهم، المصري القاص، رأى مولاه عبد الله بن عمرو بن العاص، وروى عن: عبد الله بن الحارث الزبيدي، وأبي الهيثم سليمان بن عمرو العُتواري، وعبد الرحمن بن حجيرة وغيرهم، وعنه: حيوة بن شريح، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وغيرهم.

قال فيه أحمد: حديثه منكر، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال في موضع أخر: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال في موضع آخر: متروك، وقال ابن عدي: عامة الأحاديث التي أمليتها عن دراج مما لا يُتابع عليه توفي سنة (126)، وقال ابن حجر:"صدوق في حديثه عن" أبي الهيثم ضعف

انظر: "تهذيب الكمال"(8/ 477)، "تهذيب التهذيب"(3/ 186)"تقريب التهذيب"(1829).

(2)

انظر كلامه في الموقظة ص (33) ط مكتب المطبوعات الإسلامية.

ص: 197

[الصحيح لغيره]

(1)

ويُحْكَمُ بصحَّة الحَسَن؛ إذا كَثُرَتْ طرقه؛ إذ فيه جَبْرٌ لما في قلَّة الضبْطِ، وصار صحيحًا؛ لكن لا لذاته؛ بل متابعةً

(2)

؛ كحديث أُبَيِّ بن العَبَّاس بن سَهْل بن سَعْد، عن أبيه، عن جده في ذكْرِ خيل النبيِّ صلى الله عليه وسلم فإن أُبَيًّا

(3)

هذا ضعَّفه لسوء حفظِهِ: أحمد بن حنبل رضي الله عنه ويحيى بن مَعِينٍ، والنَّسَائي؛ فحديثه حَسَنٌ؛ لكنْ لمَّا تابعه على هذا الحديثِ أخُوهُ عبد المهيمن بْنُ العباس

(4)

- ارتقَى إلى درجة الصحَّة، وإن كان عبد المهيمن - أيضًا - ضعيفًا.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(151 - 173)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (152)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (18)، "فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 14)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 63)"لقط الدرر" - للعدوي (40).

(2)

أي صحيحًا لغيره.

(3)

هو أُبيّ بن العباس بن سهل بن سعد الأنصاري الساعدي أخو عبد المهيمن، روى عن أبيه، وأبي بكر بن حزم، وعنه زيد بن الحباب، وعتيق الزبيري، ومعن القزاز.

قال فيه الدولابي: ليس بالقوي، وقال ابن معين: ضعيف.

وقال أحمد: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي.

وقال البخاري: ليس بالقوي، وقال العقيلي: له أحاديث لا يُتابع على شيء منها، روى له البخاري في موضع واحد، في ذكر خيل النبي صلى الله عليه وسلم.

انظر ترجمته في "تهذيب الكمال"(2/ 259)، "تهذيب التهذيب"(1/ 168).

(4)

عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي روى عن أبيه عن جده، وعن أبي حازم بن دينار، وعنه: ابنه عباس، وعبد الله بن نافع، وابن أبي فديك قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال في موضع آخر: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، قال ابن حبان: لما فحش الوهم في روايته بطل الاحتجاج به.

انظر ترجمته في "تهذيب الكمال"(18/ 440)، "تهذيب التهذيب"(6/ 377)، "ميزان الاعتدال"(2/ 671).

ص: 198

[قول الترمذي حسن صحيح]

(1)

وقد اسْتَشكَلَ الشيخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلاحِ قولَ التِّرْمِذِيِّ في الحديث الواحد: "حَسَنٌ صَحِيحٌ"؛ لأن الحسن قاصرٌ عن رُتْبة الصحيح؛ ففي الجمع بينهما في الحديث الواحد جَمْعٌ بين القُصُور وعدمِهِ

(2)

.

والجواب: أنَّ الحديثَ الذي قيل فيه ذلك: إن كان فردًا، فللتردُّد في راويه؛ لأنه عند قَوْمٍ في رتبة مَنْ حديثُهُ صحيحٌ، وعند آخرينَ في رُتْبه مَنْ حديثُهُ حَسَنٌ؛ وعلى هذا: إنَّ ما قِيلَ فيه: "حسن صحيح" دون ما قيل فيه: "صحيح"

وأورد عليه بأنَّ الترمذيَّ يجمع بينهما في الحديث الذي لا خِلافَ في رواته، إن كان الحديثُ الذي قِيلَ فيه ذلك ليس بفَرْد؛ فباعتبار إسنادَيْن.

أحدهما: يقتضي الحُسْن، والآخر يقتضي الصِّحَّة؛ لأنَّ كثرة الطرق تقِّوي؛ وعلى هذا: فما قيل فيه: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" فوق الذي قيل فيه: "صحيح".

واعلم: أن الحسن الذي يَجْمَعَ الترمذيُّ بينه وبين الصحيح هو الذي

(1)

انظر: ""مقدمة ابن الصلاح""(185)، " "فتح المغيث"" - للعراقي (47)، "نزهة النظر"(33 - 34)، "النكت على ابن الصلاح"- لابن حجر (1/ 475)، "شرح علل الترمذي" - لابن رجب (2/ 608)، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية"(18/ 41).

(2)

انظر ""مقدمة ابن الصلاح"" ص (185).

ص: 199

قَلَّ ضبط رواتِهِ، ولم يعرِّفْهُ الترمذيُّ؛ لكونه معروفًا عندهم؛ كما لم يعرِّفِ الصحيحَ لذلك، وإنَّمَا عرَّف الحسن الذي يُفْرَد بالذِّكْر؛ لكونه اصطُلِحَ عليه؛ وذلك: أنه يقول في بعضِ الأحاديث: "حَسَنٌ"، وفي بعضها:"حَسَنٌ صحيح"، وفي بعضها:"حسنٌ غَرِيب"، وفي بعضها "حسنٌ صحيحٌ غريبٌ"، وقال

(1)

آخر كتابه "و ما قلنا في كتابنا: حَدِيثٌ حسن - فإنما أردنا به عندنا: كُلَّ حديث لا يكونُ راوِيهِ متَّهمًا بكَذِب، ويُرْوَى من غير وجه نحو ذلك؛ فلا يكونُ شاذًّا؛ فهو عندنا حديثٌ حَسَنٌ"

(2)

؛ فعُرِفَ بهذا أَنَّما عرَّف الذي يقول فيه: حسنٌ فقطْ؛ فلا يَرِدُ ما قيل: إنه قد صرَّحَ بأنَّ شرط الحسن أن يروى مِنْ غَيْر وَجْه؛ فكيف يقولُ في بعض الأحاديث: "حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا مِنْ هذا الوجه"

(3)

؟!

والحاصل: أنَّ الترمذيَّ أورد في كتابه سبعةَ أصنافٍ من الأحاديثِ، وعبَّر عن كلِّ صِنْفٍ بعبارة خاصَّةٍ؛ وذلك أنه يقول في بعضها "حسن"، وفي بعضها:"صحيح"، وفي بعضها "غريب"، وفي بعضها:"حسن صحيح"، وفي بعضها:"حسن غريب"، وفي بعضها:"صحيحٌ غريب"، وفي بعضها:"حسنٌ صحيح غريب"، ولم يُعَرِّفْ من تلك الأصناف سوى الحَسَنِ، وشَرَطَ فيه ما شَرَطَ.

والقسم الذي يَجْمَعُ بينه وبين الغريب - قِسْمٌ آخَرُ غير هذا.

(1)

أي: الترمذي.

(2)

انظر كتاب "العلل الصغير" في آخر "سنن الترمذي"(5/ 758).

(3)

انظر "نزهة النظر"(33، 34).

ص: 200

[زيادات الثقات]

(1)

وزيادَةُ راوي الصحيحِ والحَسَن مقبولةٌ، سواء كانت في اللفْظِ أمْ في المعنَى، تعلَّق بهاحُكْمٌ شرعيٌّ أمْ لا، غيَّرَتِ الحكْمَ الثابت أم لا، أوْجَبَتْ نقْصًا من حكم ثَبَتَ بخبر آخر أم لا، عُلِمَ اتِّحَادُ المجلس أم لا، كثر الساكِتُونَ عنها أَمْ لا

(2)

؛ كذا ذكره الخطيب البغدادي

(3)

، وزاد العراقي: سواءٌ كانت مِنْ شَخْص واحد؛ بأن رواه ناقصًا، ومرَّةً بتلك الزيادة، أو كانت الزيادةُ من غَيْر من رواه ناقصًا، فيُقْبَل الراجح، ويُرَدّ المراجوح، سواء كان المرجّح في جانب راوي الزيادة أو غيره، ووجْهُ قَبُول الراجح: كَوْنُ الراوي أَوْثَقَ، أو شيْء آخر، فيما إذا كانَتْ منافيةً لرواية مَنْ هُوَ

(1)

معرفة علوم الحديث - للحاكم (130)، "مقدمة ابن الصلاح"(250 - 256)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (65)"اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (58)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (111)، "فتح المغيث" - للعراقي (93)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 686)، "نزهة النظر" - لابن حجر (34)، "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 245)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 245)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 16)"توجيه النظر" - للجزائري (184)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (89)"لقط الدرر" - للعدوي (51)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (50).

(2)

ذكر الشارح هذه التقييدات نافيًا لتأثيرها في قبول زيادات الثقات تبعًا لغيره، وهم يردون بذلك على بعض أهل الرأي وبعض الأصوليين الذين اشترطوا هذه الشروط، ولم يتقبلها أهل الحديث انظر "النكت على ابن الصلاح"(693 - 694)، و"تدريب الراوي"(1/ 245 - 246).

(3)

في الأصل "البخاري"، ولعل الصواب ما أثبتناه، وانظر "فتح المغيث" للعراقي (94).

ص: 201

مساو له؛ وذلك لأنَّها في حُكْم الحديث المستقلِّ الذي يَنْفَرِدُ به الثقَةُ، ولا يَرْويه عنْ شيخه غيره؛ وذلك كخبر التَّكْبير في العيد سبعًا

(1)

، مع خبر التَّكْبِيرِ فيه أربعًا

(2)

؛ رواهما أبو داود، والتكبيَرةُ الأُولَى من الأربع للافتتاح عند الحنفيَّة

(3)

، وكخبر البخاريِّ:"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"

(4)

،

(1)

أخرجه أبو داود (1/ 680) كتاب الصلاة - باب التكبير في العيدين (1149)، وابن ماجه (1280) كتاب الصلاة كلاهما من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسا قال الخطابي: وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وبه قال الزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: و"انظر نيل الأوطار"(3/ 298).

(2)

أخرجه أبو داود (1/ 682) كتاب الصلاة - باب التكبير في العيدين (1153)، من طريق مكحول قال: أخبرني أبو عائشة - جليسٌ لأبي هريرة - أن سعيد بن العاص سأل أباموسى الأشعري وحُذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنتُ أكبر في البصرة حيث كنت عليهم. وقد أخرجه البيهقي وقال عقبه: "خولف راويه في موضعين: في رفعه، وفي جواب أبي موسى، والمشهور أنهم أسندوه إلى ابن مسعود فأفتاهم بذلك، ولم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ".

(3)

انظر الهداية (1/ 86) للمرغيناني، و"بداية المجتهد" (1/ 217). و"نيل الأوطار" (3/ 298 - 300) وقال الشوكاني بعد أن حكى قول الحنفية: وهو مروي عن جماعة من الصحابة ابن مسعود وأبي موسى، وأبي مسعود الأنصاري، وهو قول الثوري وأبي حنيفة". اه

(4)

أخرجه البخاري (6/ 149) كتاب الجهاد: باب لا يعذب بعذاب الله حديث (3017)، وأبو داود (4351)، والترمذي (1458)، والنسائي (7/ 104)، وابن ماجه (2535)، وأحمد (1/ 217، 282)، وعبد الرزاق (10/ 168) رقم (18706) وابن حبان (5606)، وأبو يعلى (2532)، والدارقطني (3/ 113)، والبيهقي (8/ 202) من حديث ابن عباس.

ص: 202

مع خبر الصحيحَيْن: "نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ"

(1)

؛ لأنَّ الأوَّل نِيطَ الحكْمُ فيه بوَصْف الردَّة المناسب الذي لا تختلفُ مناسبتُهُ بالنِّسْبة إلى الرجال والنساء، ولا وَصْف في الثاني؛ فحملنا النساء على الحربيَّاتِ.

وذهَبَ بعض المحدِّثين: إلى رَدِّ الزيادة مطلقًا

(2)

؛ ونُقل ذلك عن أصحاب أبي حنيفة، وأبي بكر الأَبْهَرِيِّ المالكي

(3)

؛ لأن الأقّلَّ متفقٌ عليه.

وقال الحافظُ أبو سعيدٍ العلائيُّ:

(4)

"إنَّ المتقدِّمين من أئمَّة الحديث

(1)

أخرجه مالك (1/ 447) كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو (9)، والبخاري (6/ 148)، ومسلم (3/ 1364)، وأبو داود (2/ 60) حديث (2668) والنسائي في "الكبرى"(8618)، والترمذي (1569) وابن ماجه (2841)، وأحمد (2/ 22، 23، 76، 91)، والدارمي (2/ 222 - 223)، وابن الجارود في "المنتقى"(1043)، وابن أبي شيبة (12/ 381) رقم (14058) والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 220)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في "الأموال"(98) وابن حبان (1657)، والبيهقي (9/ 77)، والطبراني في "الكبير"(12/ 382 - 383) رقم (13416) كلهم من طريق نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فنهى عن قتل النساء والصبيان".

وفي الباب عن الأسود بن سريع، والصعب بن جثامة، وابن عباس، وأبي ثعلبة، وعبد الله بن عتيك، وأبي سعيد، وعوف بن مالك.

(2)

حكاه عنهم الخطيب في "الكفاية" وانظر "فتح المغيث" للعراقي (94).

(3)

هو محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح بن عمر التميمي الأبهري أبو بكر المالكي، انتهت إليه رئاسة المالكية في بغداد في عصره، وكان من أئمة القراء، وكان ورعًا زاهدًا ثقة يتصدر مجالس العلم، ومن مؤلفاته:"كتاب في الأصول" و"إجماع أهل المدينة" و"الرد على المزني" و"إثبات حكم القافة" و"فضل المدينة على مكة" توفي سنة 375 هـ ببغداد. انظر ترجمته في "الديباج المذهب"(2/ 206)"شذرات الذهب"(3/ 85)، "شجرة النور الزكية"(91).

(4)

هو خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي الشافعي صلاح الدين أبو سعيد، قال أبو المحاسن الحسيني:"حفظ القرآن وتعلم الفقه والنحو والأصول، وبرع في الحديث، ومعرفة الرجال والمتون والعلل، وخرج وصنف وأفاد، سمع ابن مشرف وست الوزراء وأبا بكر الدشتي، والرضي الطبري وطبقتهم، من تصانيفه: الوشي المعلم في ذكر من روى عن أبيه عن جده"، و"الأربعين الإلهية" و"المجالس المبتكرة""جامع التحصيل في أحكام المراسيل" وغيرها كثير مات رحمه الله سنة إحدى وستين وسبع مئة. انظر ترجمته في ذيل "تذكرة الحفاظ" لتلميذه أبو المحاسن الحسيني ص (46).

ص: 203

يَقْتَضِي تصرُّفهم في الزيادة - قَبُولا وردًّا - الترجيحَ، ولا يُحْكُمُون في المسألة بحُكْمٍ كُلِّيٍّ".

قال: وهذا هو الحَقُّ والصواب. انتهى.

ولكنْ لا تُقْبَلُ مطلقًا؛ بل إنْ لم تكنْ منافية لروايةِ مَنْ هو أوثَقُ منه؛ بأن يكونَ أحَدُهُمَا أوْرَعَ، وأضبَطَ، وأيقَظَ من الآخر؛ لشدَّة الوثوق بِمَنْ اتَّصَفَ بواحد من هذه الأوصاف على مَنْ لم يَتَّصِفْ؛ ولذلك رجَّح أصحابُ الشافعيِّ

(1)

رواية مالكٍ وسفيانَ عن أبي حازم حديثَ: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"

(2)

على رواية عبد العزيز بْنِ أبي حازم،

(1)

وترجيحهم هذا بناءً على القول بعدم قبول الزيادة مطلقًا وإنما القبول والرد بحسب القرائن، وقد أنكر الحافظ ابن حجر على بعض الشافعية الذين أطلقوا القول بقبول الزيادة خلافا للشافعي فقال:"و أعجب من ذلك - أي من قبول الزيادة مطلقًا - إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك؛ فإنه قال في أثناء كلامه على ما يُعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه: "و يكون إذا أشرك أحدًا من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه فوُجد حديثه أنقص كان في ذلك دليل على صحة مَخْرَج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر ذلك بحديثه" انتهى كلامه. ومقتضاه أنه إذا خالف فوُجد حديثه أزيد أضر ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مُطلقًا، وإنما تُقبل من الحافظ، وجَعَل نُقصان هذا الراوي من الحديث دليلا على صحته، لأنه يدل على تحريه وجَعَل ما عدا ذلك مُضرًا بحديثه، فدَخَلت فيه الزيادة، فلو كانت عنده مقبولة مُطلقًا، لم تكن مضرةً بحديث صاحبها". اه من "نزهة النظر" ص (34 - 35)، و"النكت على ابن الصلاح"(2/ 604). و"شرح علل الترمذي"(1/ 426).

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 204

بلفظ: "مَلَّكْتُكَهَا"؛ لأنَّ مالكًا وسفيان أعلَمُ منهما وأوثَقُ وأضبَطُ.

وما ذهَبَ إلَيْه المصنِّف هو الحقُّ؛ قال الحافظ في شرحه: "و اشتَهَرَ عن جَمْعٍ من العلماء القَوْلُ بَقُبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل

(1)

، ولا يتأتَّى ذلك على طريق المحدِّثين الذين يشتَرِطُونَ في الصَّحيح: ألا يكون شاذًّا، ثمَّ يفسِّرون الشذوذ: بمخالفة الثِّقَةِ مَنْ هو أوثَقُ منه، والعَجَبُ مِمَّنْ أغْفَلَ ذلك منهم؛ مع اعترافه باشتراط انتفاءِ الشذوذ في حدِّ الحديث الصحيح، وكذا الحَسَن

" إلى آخر ما قال.

(2)

والمراد بالمنافاة - التي ذكرها المصنِّف -: ما لم يمكُنِ الجَمْعُ بينهما في الجملة، لا ما هو المصطلح الحكماء.

واعتُرِضَ على المصنِّف: بأنَّ قوله: "إن لم تَكُنْ

إلى آخره"

(1)

قال الحافظ: "و جزم ابن حبان والحاكم، وغيرهما بقبول زيادة الثقة مطلقًا، في سائر الأحوال سواء اتحد المجلس أو تعدد، سواء أكثر الساكتون أو تساووا، وهذا قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيي الدين النوي في مصنفاته وفيه نظر كثير، لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه، إما في المتن، و إما في الإسناد، فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولاسيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته، كالزهري وأضرابه، بحيث يقال: إنه لورواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة". اه "النكت على ابن الصلاح"(2/ 687 - 688).

(2)

"نزهة النظر" ص (34) وقال عقب الكلام الذي نقله عنه الألوسي: "و المنقول عن أئمة الحديث المتقدمين، كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي والدارقطني، وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة". اه

ص: 205

ما لا حاجة إليه؛ لأن الكلام في زيادة راوي الصحيحِ والحَسَنِ، والذي فيه زيادَةٌ منافيةٌ لرواية مَنْ هو أوثَقُ منه، ليس بصحيحٍ ولا حسَنٍ؛ فهو خارجٌ عن حكم المقبولِ مِنْ غير تَقْييد، وأيضًا: يفهم منه أنَّه إذا وقعَتْ منافيةً لرواية مَنْ هُوَ دونه تفيدُ. وليس كذلك؛ بل يُتَوَقَّفُ فيها.

والجوابُ عن الأوَّل: أنَّ الكلام في الزيادة مطلقًا، وهي تنقسم إلى قسمَيْن: قِسْمٌ مقبولُ الزيادة، وقسمٌ شاذٌّ غيْرُ مقبول الزيادة؛ فلا بُدَّ من التقييد؛ ليخرج الثاني، وكَوْنُ راويِهِ راوِيَ الصحيحِ لا يستلزمُ صِحَّةَ هذا الذي منشأُ الاعتراضِ عليه؛ على أن قوله: "و الَّذِي فيه الزيادَةُ منافية

" إلى قوله: "لَيْسَ بصحيح ولا حسن" -: ليس في محلِّهِ؛ لأن المتصِفَ بعدم الصحَّة الزيادَةُ فقطْ، لا الذي فيه الزيادَةُ، وإن كان المقرَّرُ أنَّ المركَّب من الأعلى والأدْنَى أَدْنَى.

وعن الثاني: أنَّ المراد من القَبُولِ عدمُ الرَّدِّ، ومعلومٌ: أنَّ التوقُّف لا يقتضي الردَّ، بل يقتضي عَدَمَ العملِ فقَطْ؛ وذلك أن نقول:

قَوْلُهُ: "لمن أوثق" مذكورٌ لبيان المرجِّح

(1)

فقط، وليس من

(1)

ذكر الشارح هنا جملةً في المرجحات وقد ذكرها بعض المحدثين في باب مختلف الحديث وذكر الحازمي في كتاب "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" خمسون وجها وقد نقل الحافظ العراقي جملة المرجحات التي ذكرها الحازمي وزاد عليها فأوصلها إلى (110) وقسمها السيوطي في التدريب إلى سبعة أقسام. انظر "التقييد والإيضاح"(286)، "فتح المغيث" للعراقي (339)، "تدريب الراوي"(2/ 198).

وأصل هذه المرجحات من مباحث علم أصول الفقه قال الفتوحي: "الترجيح هو تقوية إحدى الإمارتين على الأخرى لدليل، ولا يكون إلا مع وجود التعارض، فحيث انتفى التعارض انتفى الترجيح، لأنه فرعُه، لا يقع إلا مرتبًا على وجوده، وقال ابن مفلح: الترجيح هو اقتران الأمارة بما تَقْوَى به على معارضها". اه شرح الكوكب (4/ 616)، وانظر "جمع الجوامع مع المحلى"(2/ 361)، "التعريفات" للجرجاني ص (31).

ص: 206

جملة القَيْد؛ لعدم القبول، والحامل على ذكره: أنه بصدد الشذوذ، فإن خالف الراوي للصحيحِ والحَسَن بروايتِهِ روايةَ مَنْ هو أرجَحُ منه بالحفْظِ والإتقان

(1)

، وكثرةِ الأدلَّة - خلافًا للحنفَّيةِ لأنها تفيدُ تقوية الظنِّ، والظَنان أقوَى من الظنِّ الواحد؛ لكونه أقرَبَ إلى الضبْطِ، أو بكثرة الرواة

(2)

؛ لأنَّ كَثْرتهم تُفِيدُ القُوَّة، على الصحيحِ، وقيل: لا؛ كالبينتَيْن، وفرق: بأن المقصودَ من الشهادة فَصْلُ الخصومة؛ لئلا تطول، فضبطَتْ بنصاب خاصٍّ، واعتبارُ الترجيح بالكَثْرة يؤديِّ إلى التَّطْويلِ المنافي لشَرْعيَّتها؛ بخلاف الدليل؛ فإنَّ مقصودَهُ ظَنُّ الحكُمْ، والمجتهد في مُهْلة النظر، وكلَّما كان الظنُّ أقْوَى، كان بالاعتبارُ أَوْلَى، وأمثلةُ ذلك كثيرةٌ ظاهرةٌ.

ومِنَ الترجيح بكثرة الرواةِ: قولُ الشافعيِّ في "الرسالة

(3)

"إنَّ الأخْذَ

(1)

قال في "شرح الكوكب": من المرجحات أن يكون أحد الراويين. راجحًا على الآخر في وصف يغلب على الظن صدقه فيرجح بالأزيد ثقة وبفطنة، وورع، وعلم، وضبط

" (4/ 635) وانظر شرح جمع الجوامع للزركشي (3/ 498)، و"الإبهاج" (3/ 222)، و"قواعد التحديث" (314).

(2)

قال في "شرح الكوكب المنير": "اعلم أن الذي عليه الأربعة والأكثر: أن السند يُرجح بالأكثر رواة، وهو بأن تكون رواته أكثر من رواة غيره، لأن العدد الكثير أبعدُ عن الخطأ من العدد القليل، لأن كل واحدٍ من الكثير يفيدُ ظنًا، فإذا انضم إلى غيره قوي فيكون مقدمًا لقوة الظن. قال: "و قدم ابن برهان الأوثق على الأكثر، قال المجد - أي ابن تيمية - وهو قياس مذهبنا"، وخالف الكرخي وغيره، فقال: لا يرجح بالكثرة، وذكره ابن عقيل في بعض الشافعية، ونقله صاحب "الميزان" من الحنفية عن أكثر الحنفية انظر مناقشة الأقوال والأدلة في "شرح الكوكب" (4/ 628)، "فواتح الرحموت" (2/ 210)، "تيسير التحرير" (3/ 169)، "المحلي على جمع الجوامع" (2/ 361).

(3)

هو كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي وهو يُعتبر أول كتاب صُنف في أصول الفقه "قال الشيخ شاكر" أول كتاب ألف في أصول الفقه، بل هو أول كتاب ألف في أصول الحديث أيضًا. وهي مطبوعة بتحقيق العلامة أحمد شاكر رحمه الله.

ص: 207

بحديث عُبَادة في ربا الفَضْل

(1)

- أَوْلَى من الأخذ بحديث أسامة: "لا رِبَا إِلا في النَّسِيئَةِ"

(2)

؛ لأنَّ مع عُبَادة: عُمَرَ، وعثمانَ، وأبا سعيدِ، وأبا هُرَيْرة رضي الله عنهم والخمسةُ أولَى من واحد"

(3)

. انتهى.

وحديثُ عبادة في مُسْلِمِ، وحديثُ أسامة في الصحيحَيْن.

ومن الترجيح بالكَثْرة: حديثُ ابن عُمَرَ في الصحيحَيْن: "أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ إِلا حْرَامِ، وإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ"

(4)

؛ فإنه مقدَّمٌ على حديث ابن مسعود - عند أبي داود والترمذيِّ -: "أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرَامِ، ثُمَّ لا يَعُودُ"

(5)

؛ لأنَّ مع

(1)

أخرجه مسلم (3/ 1210) كتاب المساقاة: باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا حديث (80/ 1587) وأبو داود (3350)، والترمذي (1240)، والنسائي في "الكبرى"، كما في التحفة (4/ 249)، وأحمد (5/ 320)، والدارمي (2/ 174) وابن الجارود (650) والدارقطني (3/ 24)، والبيهقي (5/ 278) من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة، وأخرجه أبو داود (3349)، والنسائي (7/ 277) والبيهقي (5/ 277) من طريق مسلم بن يسار عن أبي الأشعث عن عبادة.

(2)

أخرجه البخاري (2178، 2179)، ومسلم (1596) والنسائي (7/ 281) وابن ماجه (2257)، و"الطحاوي في شرح معاني الآثار"(4/ 64)، والطبراني في "الكبير"(442، 443)، والبيهقي (5/ 280).

(3)

"الرسالة" ص (279 - 281) وقد تصرف المصنف في كلام الشافعي واختصره اختصارًا شديدًا.

(4)

تقدم تخريجه.

(5)

أخرجه أبو داود (748) والترمذي (257)، والنسائي (2/ 182)، وأحمد (1/ 388)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 224) من طريق سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود به.

وقال الترمذي: حديثٌ حسن، وصححه ابن حزم في "المحلى"(3/ 235).

وضعفه جماعة كابن المبارك، وأبو حاتم الرازي، ويحيى بن أدم، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو داود، والدارقطني وابن حبان، وينظر "التلخيص"(1/ 222).

ص: 208

ابن عمر: وائلَ بْنَ حُجْر، وأبا حُمَيْدٍ الساعديَّ، في جَمْعٍ من الصحابة، منهم: أبو بكر، وعُمَرُ، وعليٌّ، وأنَسٌ، وابن الزُّبَيْر، وأبو هريرة، وجابرٌ، وأبو قتادَةَ، وأبو أُسَيْد، وسَهْلُ بْنُ سعد، ومحمَّد بن سَلَمَةَ، وغَيْرُهُمْ، قيل: وقد بلغوا ثلاثًا وأربعين صحابيًّا

(1)

، وقد أفرده البخاريُّ بالتصنيف

(2)

.

أو بعُلُوِّ الإسناد في الأخبار

(3)

، أي: قلَّة الوسائط بَيْن الراوي وبَيْن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فإنَّ قلَّة الوسائط يَقِلُّ معها احتمالُ الخطأ؛ ولهذا رغَّبَ الحُفَّاظُ في عُلُوِّ السند، ولم يزالوا يتفاخَرُنَ به.

(1)

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح"(2/ 258): "ذكر البخاري. أنه رواه سبعة عشر رجلا" من الصحابة، وذكر الحاكم، وأبو القاسم بن منده ممن رواه العشرة المبشرة، وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ - أي العراقي - أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلا". اه

وهذا الكلام على حديث ابن عمر في الصحيحين المتقدم تخريجه.

(2)

في "جزء رفع اليدين في الصلاة" وله عدة طبعات من أفضلها المطبوع مع تخريج شيخ شيوخنا العلامة المحدث بديع الدين الراشدي واسمه: "جلاء العينين بتخريج روايات البخاري في جزء رفع اليدين. وقد طبع في بيروت عام 1416 هـ في دار بن حزم".

(3)

قال في "شرح الكوكب": "و يُرجحُ أحدُ المُسْندين بالأعلى إسنادًا منهما، والمراد به: قلة عدد الطبقات إلى منتهاه، فيرجحُ على ما كان أكثر، لقلة احتمال الخطأ بقلة الوسائط"(4/ 649). وقد ذهب الجمهور إلى الترجيح بقلة الوسائط، وخالف في ذلك الحنفية فقالوا بعدم الترجيح بذلك قالوا: لأنه ربما تكون الوسائط القليلة كثيرة النسيان سيئة الفهم بمعنى الحديث، وقد تكون الكثرة قوية الحفظ قوية الذهن، والظن من رواية الوسائط القليلة أضعف بكثير من الظن الحاصل عن وسائط كثيرة انظر "مسلم الثبوت"(2/ 207)"تيسير التحرير"(3/ 163).

ص: 209

وبفقه الراوي

(1)

، سواءٌ كان الروايةُ بالمعنَى أو باللفظ؛ لأن الفقيه يميِّز بين ما يجوز إجراؤُهُ على ظاهرِهِ وبَنْنَ ما لا يجوزُ؛ بخلاف الجاهل.

وبشُهْرة العدالة؛ بحيثُ لا يحتاجُ إلَى تزكية؛ فيقدَّم على من عُرِفَتْ عدالتُهُ بالتزكية؛ لأنه ليس الخَبَرُ كالعِيَان.

(2)

وبكَوْنه ذَكَرًا لأنه أضبَطُ في الجملة

(3)

؛ فيقدَّمُ على خبر الأنْثَى،

(1)

أي ومن المرجحات الترجيح "بفقه الراوي، سواء كانت الرواية بالمعنى أو باللفظ، ومنهم من قال: إن روى باللفظ فلا يرجح بذلك، والصحيح الأول؛ لأن للفقيه مزية التمييز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز بخلاف الجاهل" اه

من "شرح جمع الجوامع" للزركشي (3/ 497).

(2)

قال ابن الصلاح: "عدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص المعدلين على عدالته، وتارة تثبت بالاستفاضة، فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانه استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصًا وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه.

وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومَثَّل ذلك بمالك وشعبة والسفيانين والأوزاعي والليث وابن المبارك ووكيع وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يُسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يُسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين" ""مقدمة ابن الصلاح"" (137) مع "التقييد والإيضاح" وانظر "الكفاية" ص (86) "تدريب الراوي" (1/ 301).

ومن ذلك أن الإمام أحمد سئل عن إسحاق بن راهويه فقال: مثل إسحاق يُسأل عنه؟ وسئل ابن معين عن أبي عُبيد فقال: مثلي يُسأل عن أبي عُبيد؟ أبو عبيد يُسأل عن الناس "انظر "تدريب الراوي" (1/ 302).

(3)

ومن المرجحات كون الراوي ذكرًا، قال الزركشي:"بكونه ذكرًا يرجح على رواية المرأة، لأن الضبط مع الذكورة أشد، هذا ما رجحه المصنف - أي السبكي - وهو ضعيف، والصواب ما قاله الأستاذ، أنه لا يرجح بها، وقال ابن السمعاني في القواطع: "إنه ظاهر المذهب، ولم يذكر الأول إلا احتمالا له وحكى الكيا الطبري الاتفاق عليه، فقال: اعلم أننا لا ننكر تفاوتًا بين الذكور والإناث في جودة الفهم وقوة الحفظ، ومع هذا كله لم يقل أحد؛ إن رواية الرجال مُرجَحة على رواية النساء، ولم نر أحدًا من المتقدمين ذكره مع استقصائهم وجوه الترجيح، وكأن المانع من ذلك أن الذي يقتضي الترجيح يجب رجوعه إلى عين ما وقع الاحتجاج به، ويظهر به التفاوت بين المتعارضين، والتفاوت بين الذكور والإناث في قوة الحفظ أمرٌ كلي، يرجع إلى الجنس، كما يقال: الفرس أعقل، وهذا النوع لا يظهر رجوعه إلى آحاد الجنس، فلا يقع التفاضل وقد يفرض امرأة أضبط من الرجال، أو أحفظ فإذا لم يظهر التفاوت في غير الخبر لم ينظر إلى الجنس، وإنما ينظر إليه في تمهيد الصواب، وذلك في الشرع كما فعل في شهادة النسوة مع الرجال، وهذا مقطوعٌ به لا ريبة فيه" انتهى قال الزركشي:"و في المسألة مذهبٌ ثالث: التفصيل بين أن يكون المروي في أحكام النساء فيقدمن على غيرهن، لأن همتهن إلى حفظه أكثر، وإن كان في أحكام غيرهن قدم، حكاه الأستاذ". اه "شرح جمع الجوامع"(3/ 506 - 507) وانظر "قواطع الأدلة"(2/ 178).

ص: 210

أو بكونه حُرًّ

(1)

، فيقدَّم خبره على خبر العبد؛ لأنه لشرف متبعيه يَحْترِزُ عمَّا لا يَحْتَزِزُ عنه الرقيقُ، إلى غير ذلك من المرجِّحات المذكورة في الأصول

(2)

(1)

قال الزركشي بعد ما تقدم نقله في الهامش السابق:

ومن المرجحات "كونه حرًا، وهو ضعيف كالذي قبله، قال ابن السمعاني، والحرية لا تأثير لها في قوة الظن".

(2)

انظر "شرح الكوكب"(4/ 628 - 743)، و"تشنيف المسامع"(3/ 490 - 552)، وغيرها وللدكتور عبد المجيد السُوسوة رسالة دكتوراه بعنوان:"منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلامي"، مطبوعة عام 1418 هـ في دار النفائس - بالأردن.

ص: 211

[الشاذ]

(1)

«فإن خالف الراوي من هو أرجح فالراجح: هو المحفوظُ» ؛ لأنَّ الغالب عليه أنْ يكونَ محفوظًا من الخطأ،

ومقابِلُهُ هو الشاذُّ؛ لأنه بعيدٌ عن أسبابِ الترجيحِ؛ فالمحفوظُ: ما رواه المَقْبولُ، مخالفًا لمَنْ دونه في الحفْظِ والإتقان؛ فخرج بالمقبول: المعروفُ، والمُنْكَر؛ فإنَّ راوِيَ كلٍّ منهما غيْرُ مقبول، ومِنْ دونه الشاذُّ؛ فإنه: ما رواه المقبول مخالفًا لمن فوقَهُ بالحفْظِ والإتقانِ؛ فإنَّ هذا هو المعتمَدُ في تعريف الشاذِّ؛ لأنَّه يَصْدُقُ براوي الصحيح، وهو العَدْلُ التامُّ الضبْطِ، وبراوي الحَسَن، وهو الصَّدُوق الذي أُمِنَ مِمَّا يُخْشَى عليه من سُوء الحفْظِ الذي قَصُرَ ضبطُهُ عن درجة راوي الصحيح؛ خلافًا لمن عبَّرَ بكَوْن الراوي ثقَةً مخالفًا لمن هو أوثَقُ منه، وخلافًا لمَنْ قال:"هو مخالفةُ الراوي مطلقًا، سواء كان ثقةً أو ضعيفًا".

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (119)، ""مقدمة ابن الصلاح""(237 - 243)"الاقتراح" - لابن دقيق العيد (197)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (56)، "الموقظة" - للذهبي (42)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (53)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (100)"فتح المغيث" - للعراقي (85)، "النكت على ابن الصلاح"(2/ 652)، "نزهة" النظر - لابن حجر (35)، "فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 229)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 223)، "شرح "نزهة النظر" -للقاري (87)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (1/ 377)، "توجيه النظر" - للجزائري (183)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (77)، "لقط الدرر" - للعدوي (54)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (50).

ص: 212

فقد تبيَّن: أنَّ للشاذِّ ثَلاثَةَ معانٍ؛ فإنْ حُمِلَ الثقة - في كلام الشافعيِّ - على المقبول -: تناوَلَ العَدْلَ التامَّ الضَّبْطِ، والذي قَصُرَ ضبطه، والصدوقَ، وإن حُمِلَ على التامِّ ضبْطُهُ، أفْهَمَ شذوذَ مخالفةِ راوي الحسن بطريقٍ أَوْلَى:

مثالُ المخالفة في الإسناد: ما رواه الحاكمُ، وصحَّحه والترمذي، وابن ماجه، والنَّسَائي - من طريق ابن عيينة -:"أنَّ رجلا تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولم يَدَعْ وارثًا إلا مولَى هو أعتَقَهُ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ لَهُ أَحَدٌ" قَالُوا: لا، إلا غُلامٌ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِيَراثَهُ لَهُ"

(1)

؛ رواه ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دِينَار، عن عَوْسَجَةَ، عن ابن عباس - موصولا - وتابعه ابن جُرَيْج وغيره، ورواه حَمَّاد بن زَيْد، عن عمرو، عن عَوْسَجَةَ، ولم يذكر ابْنَ عباس، وقال أبو حاتم:"المحفوظُ: حديثُ ابن عيينة، وتابعه محمَّد بن مُسْلِم، وقصر حَمَّاد بن زيد" انتهى؛ فحمَّاد: من أهل العدالة والضبطِ، ومع ذلك: رجَّحَ أبو حاتم مَنْ هو أكْثَرُ عددًا منه.

فإن قلتَ: قلَّةُ الوسائطِ أعلَى وأرجَحُ - كما تقدَّم - فكيفَ رجَّحَ أبو حاتم روايةَ من هو أكْثَرُ عددًا؟

(1)

أخرجه أحمد (1/ 221، 358)، والحميدي (523)، وأبو داود (2905)، والترمذي 2106)، والنسائي في "الكبرى"(6326 - تحفة) وابن ماجه (2741) والحاكم في "المستدرك"(4/ 385).

كلهم من طرق عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس به.

وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، إلا أن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة روياه عن عمرو بن دينار عن عوسجة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم، ورواه حماد بن سلمة، وابن عيينة عن عمرو فقال: عن عوسجة بدل عكرمة.

ص: 213

قلتُ: نعَمْ؛ إذا عينت، ويتعيَّن الطريقان من النبيِّ صلى الله عليه وسلم وههنا: لم يثبُتْ، فرجَّحَ من هم أكثَرُ عددًا؛ لمَظِنَّةِ الإرسال.

ومثالها في المَتْن: ما رواه أبو داود والتَّرْمذيُّ، مِنْ حديث عبد الواحد بْنِ زياد، عن الأعمش، [عن أبي صالح]

(1)

، عن أبي هريرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ"

(2)

، فقد خالفَ عبد الواحدِ العَدَدَ الكثير في هذا؛ فإنَّ الناس إنَّما رَوَوْهُ من فِعْل النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا مِنْ قوله، وانفرد عبد الواحد

(3)

من بَيْن ثقاتِ أصحابِ الأعمش بهذا اللفظ.

(1)

ما بين معكوفين ساقط من الأصل واستدركناه من مراجع التخريج.

(2)

أخرجه أحمد (2/ 415)، وأبو داود (1261)، والترمذي (420)، وابن خزيمة (1120).

كلهم من طرق عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.

أما من فعله صلى الله عليه وسلم فأخرجه ابن ماجه (1199) والنسائي في "الكبرى"(1365).

من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.

وقال الترمذي عقب رواية الحديث من طريق عبد الواحد بن زياد: "حديث أبي هريرة حديثٌ حسن صحيح غريب من هذا الوجه".

(3)

هو عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم أبو بشر روى عن أبي إسحاق الشيباني، وعاصم الأحول، والأعمش وغيرهم، وعنه: ابن مهدي، وعفان وعارم، وآخرون، عن محمد بن عبد الملك قال: قلت لابن معين: من أثبت أصحاب الأعمش قال بعد شعبة وسفيان أبو معاوية، وبعده عبد الواحد.

وقال أبو داود: عمر إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها، وقال العجلي: بصري ثقة حسن الحديث، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عبد البر: أجمعوا لا خلاف بينهم أن عبد الواحد بن زياد ثقة ثبت. انظر " تهذيب التهذيب"(6/ 380).

ص: 214

[المعروف والمنكر]

(1)

وإنْ خالفَ الراوي مَنْ هُوَ أرجَحُ منه، مع الضَّعْف - أي: ضعْفِ كُلٍّ مِنَ الراجحِ والمرجوحِ - لِسُوء، حفظهما وجهالتِهِمَا وغَيْرِ ذلك من مُوجبات الضَّعْف؛ لَكِنْ كان ذلك في المرجوحِ أَكْثَرَ منه في الراجح؛ فالراجح: هو المعروفُ؛ لشهرته ووضوحِ أمرِهِ، ومقابله: هو المنكر؛ لأنه لا يُعْرفُ متنه من غير جهةِ راويه؛ فلا يعتدُّ به؛ فالمعروف: "ما رواه الضعيفُ مخالفًا لمن فَوْقَهُ في الضعف"، والمُنْكَرُ:"مِا رواه الضعيفُ مخالفًا لمن دونه في الضَّعْف"؛ فخرج بقَيْد "الضعيف" في كلٍّ منهما: المحفوظُ والشاذُّ؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما راوِيهِ مقبولٌ.

وبهذا تبيَّن: أن النسبة بين الشاذِّ والمنكر تباين كُلِّيّ، لا تساو، ولا عموم وخصوص مطلقًا، ولا من وَجْه؛ لأن الشاذَّ - كما عرفت - لا يصدُقُ على شّيْءٍ مِنْ أَفْراد المُنْكَر؛ كما أنَّ المُنْكَر لا يصدُقُ على شيْء من أفراد الشاذِّ من رواية المقبول، والمُنْكَرِ من رواية الضعيف.

(1)

"الكفاية" - للخطيب (469)، ""مقدمة ابن الصلاح""(244 - 246)، "الاقتراح" - لابن "دقيق العيد"(198)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (57)، "الموقظة" -للذهبي (42)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (55)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (105)، "فتح المغيث" - للعراقي (87)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 674)، "نزهة النظر" - لابن حجر (36)، "فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 234)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 238)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 3)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (78)، "لقط الدرر" - للعدوي (54)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (50).

ص: 215

مثال المعروفِ والمُنْكَر: ما رواه ابْنُ أبو حاتم في العِلَلِ، من طريق حُبَيْب بن حَبِيب، وهو أخو حَمْزة بن حَبِيبٍ الزَّيَّاتِ المُقْرِيء، عن أبي إسحاق، عن العَيْزَار بن حُرَيْث، عن ابن عَبَّاس - مرفوعًا -:"مَنْ أَقَامَ الصَّلاةَ، وآتَى الزَّكَاةَ، وحَجَّ وصَامَ وقَرَى الضَّيْفَ -: دَخَلَ الجَنَّةَ"

(1)

.

قال أبو حاتِمٍ: "حديثُ حُبَيْبٍ هذا مُنْكَرٌ، والمعروف عن الثقات: روايتُهُ عن أبي إسحاق موقوفًا"

(2)

انتهى.

وحُبَيْب

(3)

الأوَّل بصيغة التصغير، والثاني والثالث بصيغة التكبير، والعَيْزَار

(4)

: بالعين المهملة.

(1)

علل بن أبي حاتم (2/ 182)، ونقل عن أبي زرعة قال:"هذا حديثُ منكر إنما هو عن ابن عباس موقوفًا".

وأخرجه الطبراني في الكبير (12/ 136 - 137) - رقم (12692) وقال الهيثمي في "المجمع"(1/ 48): "و في إسناده حبيب أخو حمزة الزيات قال أبو حاتم: واهي الحديث".

(2)

قلتُ: ما في نسخة "العلل" المطبوعة بخلاف ما نقله المصنف هنا ولعل النقل الذي نقله سقط من النسخة المطبوعة وإليك ما جاء في المطبوع من علل ابن أبي حاتم، قال:"سئل أبو زرعة عن حديث رواه حبيب بن أبي حبيب أخو حمزة بن حبيب عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أقام الصلاة وأتى الزكاة، وحج البيت وصام رمضان وقرى الضيف، دخل الجنة، قال أبو زرعة: هذا حديث منكر، إنما هو عن ابن عباس موقوفًا". اه "علل ابن أبي حاتم" (2/ 182).

(3)

هو حبيب بن حبيب أخو حمزة بن حبيب الزيات: روى عن أبي إسحاق الهمداني، روى عنه: أبو بكر بن أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى، قال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال ابن معين: لا أعرفه.

(4)

هو العَيْزَار بن حُرَيْث العَبدي الكوفي، روى عن عروة بن الجنيد البارقي، وابن عمر، والنعمان بن بشير، وابن عباس وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم، روى عنه. ابنه الوليد وأبو إسحاق السبيعي، ويونس بن أبي إسحاق، وجرير بن أيوب قال ابن معين والنسائي: ثقة. "تهذيب التهذيب"(8/ 176).

ص: 216

ولابُدَّ - ههنا - من بيان يتضحُ به المقصودُ؛ فنقول:

اعلَمْ: أنَّ الشاذَّ والمُنْكَر متميِّزان بالذات - كما جرى عليه الحافظ رضي الله عنه واختاره القاضي

(1)

-:

فالشاذُّ: ما خالف فيه المقْبُولُ مَنْ هو أرجَحُ منه وأوثَقُ، أو تفرَّد به قليلُ الضَّبْط.

والمُنْكَر: ما خالَفَ فيه المستُورُ أو الضعيفُ الذي يَنْجَبِرُ بمتابعة مِثْلِهِ، أو تفَّرد به الضعيفُ الذي لا يُجْبَرُ بذلك.

فعُلِمَ: أنَّهما متميِّزان، وأنَّهما قسمان، والمقابلُ للشاذِّ: المحفوظُ، والمُنْكَرِ: المعروفُ، ولكلٍّ مِنْ قسميِ المنكَرِ الذي هو بمعنى الشاذِّ - أمثلة:

فمثالُ الأوَّل: نحوُ حديثِ: نَزْعِهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ الخَلاءَ

(2)

؛

(1)

لعله يقصد الشيخ زكريا الأنصاري.

(2)

أخرجه أبو داود (19)، والنسائي (8/ 178)، والترمذي (1746)، وابن ماجه (303)، وأبو يعلى (3543)، وابن حبان (125 - موارد) والحاكم (1/ 187)، والبيهقي (1/ 94 - 95) كلهم من طريق همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس به، وقال الترمذي:"حسن صحيح غريب" وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

وقال النسائي: هذا حديث غير محفوظ، وقال أبو داود: منكر

قال الحافظ في "التلخيص"(1/ 190): "و ذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه".

وقال النووي في "الخلاصة"(1/ 151): "ضعفه أبو داود والنسائي، والبيهقي، والجمهور، وقول الترمذي: إنه حسن""مردود عليه".

قال الحافظ في "التلخيص"(1/ 190): وعلته أنه من رواية همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ورواته ثقات لكن لم يُخرج الشيخان رواية همام عن ابن جريج، عن الزهري عن أنس. ورواته ثقات لكن لم يخرج الشيخان رواية همام عن ابن جريج، وابن جريج قيل: لم يسمعه من الزهري إنما رواه عن زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر". اه

ص: 217

فإنَّ هَمَّام بن يحيى رواه عن ابْن جُرَيْج، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس؛ كما رواه عنه: أصحابُ السنَنِ الأربعة؛ فقد قال أبو داود: "إنه مُنْكَر"

(1)

، قال:"و إنَّما يعرفُ عن ابن جُرَيْج، عن زياد بن سَعْد، عن الزُّهْري، عن أنس: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اتًّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ أَلقَاهُ"

(2)

، قال:"و الوَهم فيه من هَمَّام، ولم يَرْوِهِ غيره"

(3)

؛ لكن قال الترمذيُّ: "إنه حَسَنٌ صَحِيحٌ غريب"

(4)

، قال العراقي

(5)

: "و همَّام ثقة

(6)

، احتجَّ به أهْلُ الصحيح؛ لكنه خالف فيما ذكروا"

(7)

.

وقد يمثَّلُ للحديث الذي سَنَدُهُ منكَرٌ برواية يَعْلَى بن عُبَيْد، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر:"البّيِّعَانِ بِالْخِيَارِ"

(8)

، والعلَّة

(1)

"سنن أبي داود"(1/ 25).

(2)

المرجع السابق.

(3)

المرجع السابق

(4)

"سنن الترمذي"(4/ 229).

(5)

تقدمت ترجمته.

(6)

هو همام بن يحيى بن دينار الأزدي العّوذْي أبو بكر البصري روى عن عطاء بن أبي رباح، وزيد بن أسلم، وقتادة، وابن جريج وغيرهم، وعنه الثوري، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وابن علية، وكيع، وابن مهدي وغيرهم.

قال العجلي: بصري ثقة، وقال أحمد: همام ثبت في كل المشايخ.

وقال مرة: همام ثقة، وقال ابن معين: ثقة صالح، وقال ابن سعد: كان ثقة ربما غلط في الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوق في حفظه شي، وقال أبو بكر البرديجي: همام صدوق يكتب حديثه ولا يُحتج به.

قال ابن حبان مات سنة أربع وستين ومئة وقيل ثلاث وقيل خمس.

انظر "تهذيب التهذيب"(11/ 60).

(7)

"فتح المغيث"(89) للعراقي.

(8)

أخرجه البخاري (2/ 19)، ومسلم (5/ 10)، والنسائي (2/ 214)، والبيهقي (5/ 269) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظ:"كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار"

وقد تابع عبد الله ابن دينار نافع أخرجه أحمد (2/ 73)، البخاري (2/ 18)، ومسلم (5/ 9)، ومالك (2/ 671)، وأبو داود (3454)، والنسائي (2/ 213)، والطحاوي (2/ 202)، والبيهقي (5/ 268). وكذلك سالم عن ابن عمر أخرجه الدارقطني (291)، والبيهقي (5/ 271).

ص: 218

في قوله: "عن ابن دينار"؛ وإنما هو عبد الله بن دينار، والمتن صحيح بكلِّ حال.

ومثالُ الثاني: "كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ"؛ فإنَّ ابن آدم إذا أكَلَهُ، غَضِبَ الشيطان، وقال: عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أَكَلَ الجَدِيَد بِالْخَلِقِ"

(1)

؛ فهذا الحديثُ مُنْكَر؛ كما قال النسائي وابن الصلاح وغيرهما؛ فإن راويَهُ أبو زُكَيْر، وهو يحيى بن محمَّد بن قيس البَصْريُّ

(2)

، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، تفرَّد به، وأخْرَجَ له مُسْلِمٌ في المتابعات غير أنه لم يبلغ رتبة من يحتمل تفرده لأن معناه؛ ركيكٌ لا ينطبقُ على محاسن الشريعة؛ لأن الشيطان، لا يَغْضَبُ من مجرَّد حياة ابْنِ آدَمَ، بل من حياتِهِ مسلمًا مطيعًا لله تقي.

(1)

أخرجه ابن ماجه (3330)، والحاكم (4/ 121) في "المستدرك"، وفي "المعرفة" ص (100/، وابن عدي في "الكامل" (7/ 4698)، والعقيلي في "الضعفاء"(4/ 427) والبيهقي في "الشعب"(5999، 6000)، والخطيب في "تاريخ بغداد"(5/ 353)، وابن الجوزي في "الموضوعات"(1393، 1394)، كلهم من طريق أبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.

وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي في التلخيص: حديثٌ منكر، وكذا قال في "الميزان"(4/ 405)

والكلام على هذا الحديث طويل الذيل، وينظر له "اللآليء"(2/ 243 - 244)، و"تنزيه الشريعة"(2/ 255).

(2)

هو يحيى بن محمد بن قيس المحاربي، أبو زُكَيْر البصري كنيته أبو محمد، وأبو زُكَيْر لقب، روى عن أبيه وزيد بن أسلم، وأبي حازم بن دينار، وهشام بن عروة، وغيرهم وعنه: نعيم بن حماد، وعلي بن المديني والفلاس، وغيرهم قال ابن معين: ضعيف، وقال عمرو بن علي: ليس بمتروك، وقال أبو زرعة أحاديثه متقاربة إلا حديثين، وقال أبو حاتم: يُكتبُ حديثه، وقال الساجي صدوق يهم وفي حديثه لين، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمد، لا يُحتج به. "تهذيب التهذيب"(11/ 240).

ص: 219

[الاعتبار والشواهد والمتابعات]

(1)

وما يُظَنُّ أنه فردٌ نسبيٌّ، وهو: ما جُعِلَ فيه التفرُّدُ بالنسبة إلى شخْصٍ معيَّن

وإن كان الحديثُ

مشهورًا؛ بأن كان مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، ثم ينفردُ بها راوٍ؛ كما سبق.

وإنما قيَّده بالنسبيِّ؛ لأنَّ الفرد المطلَقَ لو تابعه غيْرُهُ يَخْرُجُ عن كونه فردًا؛ كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنَّ هذا خلافُ ما ذهب إليه المحدِّثون، وهم قد أطلقوه:

قال العراقي. "الاعتبارُ: سَبْرُكُ لحديث، هل شَارَكَ راوٍ غيْرَهُ فيما حَمَلَ عن شَيْخِهِ؛ فإن يَكُنْ شُورِكَ من مُعْتَبَرٍ به، فمتابِع"

(2)

، وإن قيَّده به؛ بل الحقُّ: أنَّ تقييده به مجرَّد اصطلاح؛ وإلا فالحُكْم جَارٍ في الفَرْد المطلق - أيضًا - إنْ وُجِدَ له - أي: لِمَا يُظَنُّ أنه فردٌ نسبيٌّ - موافقٌ لفظًا ومعنًى؛ بل ولو كان معنًى - أي: في المعنَى فقَطْ - لكنْ بشَرْطِ أن يكُونَ ذلك

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(247 - 256)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (56)"التقييد والإيضاح" - للعراقي (109)، "فتح المغيث" للعراقي (90)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 681)، "نزهة النظر" - لابن حجر (36)، "فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 240)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 241)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 11)، "توجيه النظر" - للجزائري (211)، "لقط الدرر" - للعدوي (55)"سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (53).

(2)

"فتح المغيث" - للعراقي (90 - 91) بتصرف في الألفاظ.

ص: 220

الموافقُ من رواية صَحَابِيِّهِ، أي: صحابيِّ ما يُظَنُّ أن فردٌ نسبي - إِذْ لو كان من رواية غَيْره، كان شاهدًا؛ كما سيأتي، إن شاء الله.

فذلك الموافِقُ هذا: المتابِعُ، بكسر المُوَحَّدة، ولا يتمشَّا هنا الفتح، وإن جوَّزه بعض المحقِّقين

(1)

، في عبارة الحافظ في شرحه؛ حيث قال

(2)

: "إنَّ تقييد المُتَابع له بكسر بناء على عَوْد الضمير المذكور في كلامه إلى الخبر" قال: "و لعَلَّ ذلك اصطلاحٌ؛ وإلا فيصحُّ الفتْحُ، بناءً على عَوْده للفَرْد".

والمتابَعَةُ المدلولُ عليها بالمُتَابِع: مصدرُ تَابَعَ، وهي، لغةً: لُحُوق شَيْء الشيء، واصطلاحًا:"وِجْدَانُ راوٍ غيْرِ صاحبيٍّ، موافقٍ له، أو ظُنَّ أنه فردٌ نسبيٌّ، أو شَيْخه، أو شَيْخ شَيْخِهِ في لَفْظ ما رواه ومَعْناه، أو في مَعْناه فقط".

والحاصلُ: أنَّ الراوِيَ المنفرد في أثناء السَّنَد: إن شُورِكَ فيما رَوَاه، فرواه عَنْ شيخه أو آخر، أو شُورِكَ شيخُهُ فمَنْ فوقه، إلى آخر السند -: فهو المُتَابَعُ - بالفتح - والموافِقُ المُتَابِع: بالكسر.

وأشار المصنف إلى القِسْم الأوَّل بقوله: "إِنْ كَانَتْ لِلَّراوِيِ نَفْسِهِ لا لِشَيْخِهِ أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ - فَهِيَ المُتَابَعَةُ التَّامَّةُ"؛ لإفَادَتِهَا زِيَادَةَ قُوَّةٍ للْفَرْدِ المتابَعِ بقسمَيْها، أعني: الموافقة لفظًا أو معنًى فقط، ولا بدَّ في كَوْنها تامَّةً من اتفاقها في السند إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فإنْ تُوبِعَ وفارقه، ولو في الصحابة -: فغير تامَّة.

وأشار إلى القِسْمِ الثاني بقوله: "وَ إِنْ كَانَتْ لِشَيْخِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ، فَهِيَ المُتَابَعَةُ القَاصِرَةُ"؛ لأنَّها دون التامَّة، وكلَّما قَرُبَتْ منه كانت أتمَّ من التي

(1)

لعله يقصد على القاري في "شرحه على النزهة" ص (89).

(2)

أي: الحافظ ابن حجر.

ص: 221

بعدها، وهي - أيضًا - بقسمَيْها تُكْسِبُ الفَرْدَ والمتابَعَ قوَّةً ونفعًا:

مثال القسم الأوَّل منها: ما رُوِيَ عن مُسْلِمٍ وغيره، من طريق سفيان بن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن رَبَاح، عن ابن عباس:"أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ، أُعْطِيتَهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: "لَوْ أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغَوُهُ؛ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟! "

(1)

؛ فقد تفرَّد ابن عيينة بلفظ الدِّبَاغ؛ لأنه رواه عدَّة من أصحاب عمرو بن دينار بغَيْر هذه اللفظة، ولم يتابَعْ عليها. وقد تابع عَمْرَو بْنَ دينارٍ عن عطاء: الدارقطنيُّ، والبيهقيُّ

(2)

، عن ابن وَهْب، عن أسامة بن زيد الليثيِّ، عن عطاء، عن ابن عَبَّاس؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال، لأهْل شاةٍ ماتّتْ:"أَلا نَزَعْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ؛ فَانْتَفَعْتُمْ به" قال البيهقيُّ: وهكذا رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن حَبِيب، عن عطاء؛ وكذا رواه يحيى بن سَعِيد، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء؛ فهذه متابَعَاتٌ لابن عيينة في شَيْخِ شيِخِهِ.

ومثال الثاني، منها: ما وُجِدَ من رواية عبد الرحمن بن وَعْلَة، عن ابن عَبَّاس مرفوعًا:"أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ"

(3)

رواه وغيره، ولفظ مُسْلم:"إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ"؛ فهذا يوافقُ حديثَ ابن عُيَيْنة في المعنى؛ إذا العامُّ شاملٌ في الخاصِّ،

(1)

أخرجه الحميدي (491)، ومسلم (1/ 190)، والنسائي (7/ 172) عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به.

(2)

الدارقطني (1/ 44) والبيهقي (1/ 20).

(3)

أخرجه مسلم (105)، وأبو داود (4123)، والترمذي (1728)، والنسائي (7/ 173)، وابن ماجه (3609)، ومالك (2/ 498)، والشافعي في "المسند"(1/ 26)، وأحمد (1/ 219)، وابن الجارود في "المنتقى"(874)، والدارمي (2/ 86)، والدارقطني (1/ 46)، والبيهقي (1/ 20) وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ"(117)، والبغوي في "شرح السنة"(1/ 392) من طريق ابن وعلة عن ابن عباس.

ص: 222

وإنْ وُجِدَ متْنٌ يُشْبِهُهُ - أي: يشبه ما يُظَنُّ أنه فرْدٌ نسبي - لفظًا ومعنًى، بل ولو كانتِ المشابهةُ في المعنَى فقطْ، ولكنْ كان ذلك المُشَابِةُ من رواية صحابيٍّ آخَرَ -: فهو - أي: المَتْنُ المشابه - يقال له: الشاهد.

فالفرْقُ بينه وبَيْن المُتَابِعِ بالصحابيِّ فقطْ فَكُلُّ مَا جاء عن ذلك الصحابيِّ: فمتابِعٌ، أو عَنْ غيره: فشاهد، وقد مثَّل له قوْمٌ برواية ابن وَعْلَةَ، وجعلها شاهدًا لعطاء؛ بناءً على مذهَبِ من لم يَقْصُرْهُ على ما جاء من صحابيٍّ آخر، أما من يَقْصُرُهُ - وعليه الجمهورُ؛ كما مَرَّ - فعندهم هذه الروايةُ ليست شاهدٌ لعطاء؛ ولهذا عدل الحافظُ ابن حَجَرٍ في شرحه عن التمثيل به إلى حديثٍ فيه المتابَعَةُ التامَّة والقاصرة، والشاهِدُ باللفْظِ والشاهدُ بالمعنَى؛ فمثَّل به

(1)

، وهو ما رواه الشافعيُّ، عن مالك، عن عبد الله بن دِينَار، عن عبد الله بن عُمَرَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"الشَّهْرُ تِسْعٌ وعشْرُونَ؛ فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ" فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ"

(2)

؛ و رواه عِدَّة من أصحاب مالك، بلفظ:"فَاقْدُرُوا لَهُ"

(3)

، قال البيهقيُّ

(4)

: تفرَّد الشافعي بقوله: "فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ"

(5)

، فنظرْنَا، فوجدنا البخاريَّ رواه بلفظِ الشافعيِّ؛ فقال:"حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، حدَّثنا مالكٌ" إلى

(1)

"نزهة النظر" ص (36).

(2)

أخرجه مالك (1/ 286)، والبخاري (4/ 614) كتاب الصوم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الهلال فصوموا. رقم (1907)، ومسلم (2/ 759) من حديث ابن عمر.

وهو عند الشافعي في "المسند"(1/ 272).

(3)

أخرجه البخاري (4/ 102)، ومسلم (2/ 759) ومالك (1/ 286).

(4)

ينظر "السنن الكبرى"(4/ 205).

(5)

أخرجه الشافعي في "المسند"(1/ 272)، من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر به، وهذه رواية مالك والبخاري.

ص: 223

آخره؛ فهذه متابَعَةٌ تامَّة لما رواه الشافعيُّ، ودلَّ هذا على أنَّ مالكًا رواه عن عبد الله ابن دينار باللفظَيْن، وقد توبع فيه عبد اللهِ بْنُ دينارٍ، عن ابن عمر، حيث رواه مسلمٌ من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر بلفظ: فَاقْدُرُوا ثَلاثِينَ

(1)

، ورواه ابن خُزَيْمة، من طريق عاصم بن محمَّد بن زَيْد، عن أبيه، عن جَدِّه ابن عمر، بلفظ: فَكَمِّلُوا ثَلاثِينَ

(2)

؛ فهذه متابَعَةٌ قاصرةٌ، وله شاهدانِ:

أحدهما: مِنْ حديث ابن عباس؛ رواه النَّسَائِيُّ من طريقِ عَمْرو بن دينار، عن محمَّد بن حُنَيْن، عن ابن عباس، بلفظ حديث ابن دينار، عن ابن عمر: سوًاء.

(3)

وهذا مثالٌ للشاهد باللفْظِ والمعنَى.

وثانيهما: مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه رواه البخاريُّ

(4)

، عن آدَمَ، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، بلفظ:"فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثينَ لِلصَّوْمِ، وشَهْرِ رَمَضَانَ ثَلاثِينَ لِلْفِطْرِ"؛ فوافق رواية: "فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ" في المعنَى؛ فعلى هذا: لا يَبْقَى الحديثُ فَرْدًا نسبيًّا من طريقِ الشافعيِّ؛ لكنْ قيل: معناه: قدِّروا له المنازلَ؛ فإنه يّدُلُّكُمْ على أنَّ الشهر تسع وعشرون، قال ابن سُرَيْج

(5)

: "هذا خطابٌ

(1)

أخرجه أحمد (2/ 11) ومسلم (3/ 122)، النسائي (4/ 134)، ابن خزيمة (1913).

(2)

"صحيح ابن خزيمة"(1909).

(3)

أخرجه أحمد (1/ 221) والنسائي (4/ 135) والحميدي (513) من طريق عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس به.

(4)

أخرجه البخاري (1909).

(5)

هو أحمد بن عمر بن سريج البغدادي القاضي الشافعي صاحب المصنفات تفقه بأبي القاسم عثمان بن بشار الأنماطي الشافعي، صاحب المزني، وبه انتشر مذهب الشافعي ببغداد، وتخرج به الأصحاب. حدث عنه: أبو القاسم الطبراني وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، وأبو أحمد بن الغطريف الجُرجاني وغيرهم وتوفي رحمه الله سنة ثلاث وثلاث مئة.

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد"(4/ 287)، "طبقات الشافعية الكبرى"(3/ 21)، "شذرات الذهب"(2/ 247).

ص: 224

لمن خصَّه الله تعالى بهذا العِلْمِ"

(1)

أي علم النجوم؛ ولعلَّ كونه فردًا نسبيًّا باعتبار هذا المعنَى،

فإن قيل: "لِمَ ترك المصنِّف اعتبارَ المشابَهَةِ باللفْظِ فقطْ؛ مع أنه يُمْكِنُ أن يكونَ لكلٍّ من المتنَيْن لفْظٌ واحدٌ أريدَ بُكلٍّ منهما معنًى مغايِرٌ للآخَرِ؟ ".

قلتُ: إنَّ مِثْلَ ذلك لا يسمَّى شاهدًا، ولا يسمَّى متابِعًا؛ لأن العِبْرة بالمعاني؛ إِذِا الألفاظ قَوَالِبُ لها، مع أنَّ ذلك نادر، بل غيْرُ موجودٍ؛ كما يشهد لذلك التتبُّع.

واعلَمْ: أنَّ العراقيَّ ذهب: "إلى أنَّ المتابِعَ مختصٌّ بما كان باللفْظِ، سواءٌ كان في رواية ذلك الصحابيِّ أم لا، وأنَّ الشاهِدَ مختصٌّ بما كان بالمعنَى كذلك، وأنَّه قد يطلق على المتابعة القاصرة"

(2)

؛ وقد نَقَلَ ذلك الحافظُ ابن حَجَرٍ في شرحه

(3)

؛ لكنْ رجَّح ما عليه الجُمْهُور، ثُمَّ قال:"و قَدْ يُطْلَقُ" كُلُّ منهما على الآخر، والأمْرُ فيه سهل"

(4)

. انتهى، وإنما كان سهلا؛ لأنَّ المقصودَ - الذي هو التقويةُّ - حاصلٌ بكلٍّ منهما؛ سواء سُمِّيَ متابِعًا أم شاهدًا، وما لم يكنْ له متابِعٌ ولا شاهدٌ يبقَى على فَرْدِيَّتِهِ، وينقسمُ بعد ذلك إلَى ما انقسَمَ إليه، أعني: الشاذَّ والمُنْكَر

وممَّنْ صرَّح بكيفية الاعتبار: ابنُ حِبَّانَ؛ حيث قال: "مثاله أن يَرْوِيَ

(1)

انظر "شرح صحيح مسلم" للنووي (7/ 189).

(2)

"فتح المغيث" ص (91) للعراقي.

(3)

"نزهة النظر" ص (37) لكنه لم يصرح بنسبته للعراقي.

(4)

"نزهة النظر" ص (37).

ص: 225

حمَّاد بن سَلَمَةَ حديثًا لم يتابَعْ عليه، عن أيُّوب، عن ابن سِيرِينَ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيُنْظَرُ: هل رَوَى ذلك ثقةٌ غيْرُ أيوبَ، عن ابن سيرين؟

فإن وُجِدَ، عُلِمَ أنَّ للخبر أَصْلا يُرْجَعُ إليه، وإن لم يوجَدْ ذلك، فثقة غَيْر ابْنِ سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غيْرُ أبي هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأيُّ ذلك وُجِدَ، يُعْلَمُ أنَّ للحديث أصلا يُرْجَعُ إليه؛ وإلا فلا"

(2)

انتهى.

(1)

قال ابن الصلاح: "و من المشهور المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه إلا باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب الحافظ قد ذكره ففي كلامه ما يُشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في روايتهم، فإن عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في روايته من أوله إلى منتهاه". اه "مقدمة ابن الصلاح" ص (265).

وقال صاحب "توجيه النظر" الشيخ طاهر الجزائري، بعد أن نقل كلام ابن الصلاح:"هذا وما قاله ابن الصلاح من أن المتواتر لا يُبحث عنه في علم الأثر مما لا يمتري فيه" وأطال النفس في بيان ذلك ص (49)

ولكن قد نقل الحافظ العراقي اعتراض البعض على كلام ابن الصلاح وأجاب عنه فقال رحمه الله: "و قد اعترض عليه بأنه قد ذكره أبو عبد الله الحاكم، وأبو محمد بن حزم، وأبو عمر بن عبد البر، وغيرهم من أهل الحديث، والجواب عن المصنف أنه إنما نفى عن أهل الحديث ذكره باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وهؤلاء المذكورون لم يقع في كلامهم التعبير عنه بما فسره به الأصوليون، وإنما يقع في كلامهم أنه تواتر عنه صلى الله عليه وسلم كذا وكذا أو أن الحديث الفلاني متواتر، وكقول ابن عبد البر في حديث المسح على الخفين أنه استفاض وتواتر، وقد يريدون بالتواتر الإشهار لا المعنى الذي فسره به الأصوليون، والله أعلم". اه "التقييد والإيضاح"(266).

(2)

انظر مقدمة صحيح ابن حبان (1/ 155) وقد تصرف المصنف في كلام ابن حبان واختصره.

ص: 226

قال القاضي زكريَّا:

(1)

"و لا يختصُّ ذلك بالثقة؛ ولهذا قال ابن الصَّلاح: "و اعلَمْ: أنه قد يدخُلُ في باب المتابعة والاستشهادِ روايةُ مَنْ لا يحتجُّ بحديثه وحْدَهُ؛ بل يكونُ معدودًا من الضعفاءِ؛ وفي كتابَيِ البخاريِّ ومسلم جماعةٌ من الضعفاء ذَكَرَاهُمْ في المتابعاتِ والشواهد، وليْسَ كُلُّ ضعيفٍ يصلُحُ لذلك؛ ولهذا يقولون: فلانٌ يُعْتَبَرُ به، وفلان لا يُعْتَبَرُ به"

(2)

. انتهى.

و الحاصل: أنه يدخل في باب المتابعات والشواهد روايةُ مَنْ لا يُحْتَجُّ به؛ بل يكونُ معدودًا من الضعفاء، ولكنْ لا يصلُحُ كُلُّ ضعيفٍ، بل المضعَّفُ بما عدا الكذب وفحش الغلط

(3)

، والله الموفِّق للسَّدَاد.

و تتبُّعُ الطريق: هو الاعتبارُ، أي: تفتيشُهَا واختبارُهَا؛ بأنْ تنظُرَ طرُقَ الحديث الذي تجدُهُ في كتبه؛ لِتَعْرِفَ: هل شارك الراوِيَ الذي يُظَنُّ تفرُّده به راوٍ آخَرُ، عن شيخه أم لا؟ فالاعتبارُ ليس قَسِيمًا للمتابِعِ والشاهِدِ؛ بل طريقٌ لهما.

(4)

(1)

هو زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، ولد بسنيكة من قرى الشرقية بمصر، فحفظ القرآن وعمدة الأحكام، ثم تحول إلى القاهرة وقرأ على شيوخها كالعلم البلقيني، والشارطي السبكي، والحافظ ابن حجر، والشرف المناوي، وأخذ عن الكافيجي وغيرهم. قال ابن العماد: "لم ينفك عن الاشتغال والإشغال مع الطريقة الجميلة والتواضع وحسن العشرة والأدب والعفة والانجماع عن أبناء الدنيا مع التقلل وشرف النفس ومزيد العقل

وأذن له غير واحد من شيوخه في الأفتاء والإقراء منهم شيخ الإسلام ابن حجر، وتصدى للتدريس في حياة شيوخه، و انتفع به الفضلاء طبقة بعد طبقة، وشرح عدة كتب وألف ما لا يحصى كثرة

". اه توفى رحمه الله سنة 926 هـ وقيل غير ذلك.

انظر ترجمته في: "شذرات الذهب"(8/ 134)، "البدر الطالع"(2/ 252).

(2)

فتح الباقي شرح ألفية الحديث (1/ 205) لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري.

(3)

قال الحافظ ابن حجر: "و متى توبع السيء الحفظ بمعتبر - كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه - وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور والإسناد المرسل، وكذا المدلس، إذا لم يُعرف المحذوف منه، صار حديثهم حسنًا لا لذاته، بل ومعه بذلك باعتبار المجموع من المتابِع والمتابَع". اه "نزهة النظر"(52) ضوابط 130

وقال الشيخ الألباني - حفظه الله - "من المشهور عند أهل العلم أن الحديث إذا جاء من طُرق متعددة فإنه يتقوى بها، ويصير حُجة، وإن كان كلُّ طريق منها على انفراده ضعيفًا، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعفُ رواته في مختلف طرقه ناشئًا من سوء حفظهم، لا من تهمة في صدقهم أو دينهم، وإلا فإنه لا يتقوى مهما كثرت طرقه، وهذا ما نقله المحقق المناوي في "فيض القدير عن العلماء، قالوا:" وإذا قَوِيَ الضعف لا ينجبر بوروده من وجهٍ آخر وإن كثرت طرقه، ومن ثم اتفقوا على ضعف حديث: "من حفظ على أمتي أربعين حديثًا" مع كثرة طرقه؛ لقوة ضعفه، وقصورها عن الجَبْر، خلاف ما خفَّ ضعفه، ولم يقصر الجابر عن جَبْر، فإنه ينجبر ويعتضد

" قال الشيخ "و على هذا فلا بد لمن يُريد أن يُقوي الحديث بكثرة طُرقه أن يقف على رجال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها، ومن المؤسف أن القليل جدًا من العلماء من يفعل ذلك، ولاسيما المتأخرين منهم، فإنهم يذهبون إلى تقوية الحديث لمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقًا دون أن يقفوا عليها، ويعرفوا ماهيَّة ضعفها! والأمثلة على ذلك كثيرة، من ابتغاها وجدها في كتب التخريج". اه من مقدمة تمام المنة ص (31 - 32).

(4)

وقد نكتَ الحافظ على قول ابن الصلاح في مقدمته: "معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد" فقال ابن حجر: "هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد، وليس كذلك، بل الاعتبار هو: الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد. وعلى هذا فكان حق العبارة أن يقول: معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد". اه "النكت على ابن الصلاح"(2/ 681) لابن حجر، وانظر "نزهة النظر" ص (37)، و""مقدمة ابن الصلاح"" ص (76).

ص: 227

و المراد بالكتُبُ: الجوامعُ؛ وهي التي جُمِعَ فيها الأحاديثُ على ترتيب أبواب كُتُب الفِقْهِ؛ كالكتب الستَّة، وهي: صحيحُ البخاريِّ

(1)

ومسلمٍ

(1)

، وأبي دَاوُدَ،

(2)

(1)

تقدم التعريف بهما.

(2)

هو كتاب السنن المعروف بسنن أبي داود، قال أبو داود:"كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن جمعتُ فيه أربعة ألاف وثمان مئة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربة قال: لم يصنف في حكم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وعليه معول أهل العراق ومصر والمغرب، وكثير من أقطار الأرض، وقد حل كتابه هذا عند أهل الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الأبل ودامت إليه الرحل" وقال أبو داود: "ذكرت في السنن" الصحيح وما يقاربه، فإن كان فيه وهنٌ شَديد بينته قال الذهبي: "فقد وفى رحمه الله بذلك بحسب اجتهاده، وبين ما ضَعفه شديد، ووهنه غير محتمل، وكاسَرَ عن ما ضَعفه فضعيفٌ محتمل

، فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر، ثم يليه ما رَغِبا عنه وكان إسناده جيدًا، سالمًا عن علةٍ وشُذوذ، ثم يليه ما كان إسناده صالحًا، وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدًا، يعضد كل إسنادٍ منهما الآخر، ثم يليه ما ضُعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يمشيه أبو داود، ويسكت عنه غالبًا، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه، بل يوهنه غالبًا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته.

"سير أعلام النبلاء"(13/ 212 - 215)

أما الإمام أبو داود، فهو سليمان بن الأشعث قال الذهبي الإمام شيخ السنة، مقدم الحفاظ، أبو داود، الأزدي السجستاني، سمع من مُسلم بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل ولازمه وعلي بن المديني، ومسدد بن مسرهد، ويحيى بن معين وغيرهم حدث عنه: أبو عيسى الترمذي، في جامعه، وأبو بكر النجاد وأبو سعيد بن الأعرابي، وأبو بكر الخلال، وحرب بن إسماعيل الكرماني وغيرهم.

قال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وعِلمًا وحِفظًا ونُسكًا وورعًا وإتقانًا جمع وصنف وذب عن السنن.

وقال الصاغاني: ألين لأبي داود السجستاني الحديث كما لُين لداود الحديث.

قال أبو عبيد الأجري: توفي أبو داود في سادس عشر شوال سنة خمسٍ وسبعين ومئتين.

انظر ترجمته في:

"تاريخ بغداد"(9/ 55)، طبقات الحنابلة (1/ 159)، تذكره الحفاظ (2/ 591)، "سير أعلام النبلاء"(13/ 203).

ص: 228

والتِّرْمِذِيِّ

(1)

(1)

قال في كشف الظنون: "هو ثالث الكتب الستة في الحديث، وقد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه فيقال: جامع الترمذي، ويقال له: السنن أيضًا، والأول أكثر".

وقال طاش كبرى زاده في "مفتاح السعادة"، في ترجمة الترمذي "كتابه الصحيح أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيين "أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، و فيه جرحٌ وتعديل وفي آخره كتابُ العلل، وقد جمع فيه فوائد حسنة، لا يخفى قدرها على من وقف عليها".

قال الترمذي: "صنفتُ هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم".

قال الذهبي: في الجامع علمٌ نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثيرٌ منها في الفضائل".

وقال ابن رجب في شرح العلل: "و اعلم أن الترمذي رحمه الله خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن. وهو ما نزل عن درجة الصحيح وكان فيه بعض ضعف - والحديث الغريب

والغرائب التي خرجها، فيها بعض الكبائر، ولاسيما في كتاب الفضائل، ولكن يبين ذلك غالبًا، ولا يسكت عنه، ولا أعلمه خرج عن متهم بالكذب متفقٌ على اتهامه حديثًا بإسنادٍ منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثًا، مرويًا من طرق، أو مختلفًا في إسناده، وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي، نعم، قد يخرج عن سيء الحفظ، وعمن غلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالبًا، ولا يسكت عنه، ويخرج حديث الثقة الضابط، ومن يهم قليلا، ومن يهم كثيرًا، ومن يغلب عليه الوهم يخرج حديثه نادرًا، ويبين ذلك ولا يسكت عنه".

وقال شيخ الإسلام الهروي: "جامع الترمذي أنفع من كتاب البخاري ومسلم، لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، والجامع يصل إلى فائدته كل أحد"

انظر مزيدًا من: "سير أعلام النبلاء"(13/ 275)، "شرح علل الترمذي" - لابن رجب (1/ 395).

مقدمة تحقيق الترمذي - للعلامة أحمد شاكر (1/ 78 - 91).

أما الإمام الترمذي فهو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى أبو عيسى الترمذي، قال الذهبي: اختلف فيه فقيل ولد أعمى، والصحيح أنه أضر في كبره بعد رحلته، وكتابته العلم، ارتحل، فسمع بخراسان والعراق والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام، حدث عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وعمرو بن علي الفلاس وغيرهم، حدث عنه: أبو بكر أحمد بن إسماعيل السمرقندي، وحماد بن شاكر الوراق وأبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب، راوي الجامع، والهيثم بن كليب الشاشي راوي الشمائل، وغيرهم.

قال ابن حبان في "الثقات": كان أبو عيسى ممن جمع وصنف، وحفظ وذاكر، وقال الحاكم: سمعتُ عُمر بن غلك يقول: مات البخاري، فلم يُخلف بخُراسان مثل أبي عيسى، في العلم والحفظ والورع والزهد، بكي حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين.

من تصانيفه: "السنن" و"العلل الصغير" و"الكبير"، و"الشمائل" قال غُنجار توفي أبو عيسى سنة تسعٍ وسبعين ومئتين بترمِذ.

انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء"(3/ 270)، "تهذيب التهذيب"(9/ 387)، "شذرات الذهب"(2/ 174).

قال العلامة صديق حسن خان في "الحطة في ذكر الصحاح الستة". ص (396): "إذا أطلق أهل الحديث على أن النسائي روى حديثًا فإنما يريدون المجتبى لا السنن الكبرى، وهي إحدى الكتب الستة، قال أبو علي النيسابوري: للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط مسلم". أه

قال السيوطي في "تعليقه على سنن النسائي"(1/ 3): "قالوا شرط النسائي تخريج أحاديث أقوام لم يجمعوا على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، ومع ذلك فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين ولذلك قيل إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم، وروى عن السنائي أنه قال: لما عزمت على جمع السنن استخرتُ الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم،. و. " إلى أن قال: "و بالجملة فكتاب السنن للنسائي أقل الكتب بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلا مجروحًا".

أما الإمام النسائي صاحب السنن فهو: الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر قال الذهبي: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام ناقد الحديث، سمع من: إسحاق بن راهوية، وهشام بن عمار، وسويد بن نصر، وأحمد بن منيع وغيرهم. حدث عنه: أبو بشر الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو بكر بن السني، ومحمد بن معاوية بن الأحمر، وأبو القاسم الطبراني وغيرهم. قال الذهبي: كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبَصَر، ونقد الرجال، وحسن التأليف، جال في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيره والشام والثغور، ثم استوطن مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن، توفي سنة ثلاث وثلاث مئة انظر ترجمته في:"سير أعلام النبلاء"(14/ 125)، "طبقات الشافعية الكبرى"(3/ 14)، "شذرات الذهب"(2/ 239).

ص: 229

والنَّسَائِيِّ،

ص: 230

وابن مَاجَه

(1)

، وعلى ترتيب الحُرُوف الهجائيَّة؛

(1)

نقل الذهبي عن ابن ماجه قال: عرضتُ هذه السنن على أبي زرعة الرازي، فنظر فيه، وقال:"أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا، مما في إسناده ضعف أو نحوذا"

قال الذهبي معلقًا: قد كان ابن ماجه حافظًا ناقدًا صادقًا واسع العلم، وإنما غضَّ من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات، وقول أبي زُرعة - إن صح - فإنما عني بثلاثين حديثًا، الأحاديث المطرحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حُجة، فكثيرة، لعلها نحو الألف". اه

أما ابن ماجه صاحب السنن فهو: محمد بن يزيد الحافظ الكبير الحجة المفسر أبو عبد الله القزويني سمع من علي بن حمد الطنافسي، ومصعب بن عبد الله الزبيري، ودحيم، وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم حدث عنه: محمد بن عيسى الأبهري، وأبو الحسن إبراهيم القطان، وسليمان بن يزيد الفامي، وغيرهم قال الخليلي: هو ثقة كبير، متفقٌ عليه، مُحتج به، له معرفة بالحديث وحفظٌ، ارتحل إلى العراقين، ومكة والشام، ومصر والري لكتبِ الحديث" اه

من تصانيفه: "السنن"، و"التاريخ"، و"التفسير"

توفى سنة ثلاث وسبعين ومئتين، وقيل سنة خمس

انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء"(13/ 277)، "تهذيب التهذيب"(9/ 530)، "شذرات الذهب"(2/ 164).

ص: 231

كالجامع الصغير

(1)

، والمسانِيد، وهي: التيِ جُمِعَ فيها سَنَدُ كلِّ محابيِّ على حِدَةٍ، على وعلى ترتيب الحروف الهجائيَّه، كالجامع الصغير، والمسانيد وهي: التى جُمِعَ فيها سَنَدُ كَلِّ صحابيِّ على حِدَة، على اختلافِ مراتِبِ الصحابةِ وطبقاتِهِمْ، والتزامِ نقل جميِعِ مرويَّاتهم، صحيحًا كان أو ضعيفًا

(2)

و قد يَجْمَعُ بين الأمرَيْن في كتابٍ واحدٍ؛ بأن يجعَلَ قسمًا منه على ترتيب الحروفِ، وقسمًا آخَرَ على ترتيب المسانيد؛ كما فعل الجَلالُ

(1)

قال السيوطي في مقدمته معرفًا به: "أودعت فيه من الكلم النبوية ألوفًا، ومن الحكم المصطفوية صنوفًا، اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة، ولخصت فيه من معادن الأثر إبريزه، وبالغت في تحرير التخريج، فتركت القشر، وأخذت اللباب، وصنته عما تفرد به وضاع أو كذب، ففاق بذلك الكتب المؤلفة في هذا النوع "كالفائق" و"الشهاب"، وحوى من نفائس الصنعة الحديثية ما لم يودع قبله في كتاب، ورتبته على حروف المعجم، مراعيًا أول الحديث فما بعده تسهيلا على الطلاب، وسميته الجامع الصغير من حديث البشير النذير" لأنه مقتضب من الكتاب الكبير الذي سميته "جمع الجوامع"، وقصدتُ فيه جمع الأحاديث النبوية بأسرها

" ثم أخذ في ذكر الرموز التي استعملها في كتابه وقد ذكر في آخره أنه فرغ من تأليفه سنة (907 هـ)، وكانت وفاته سنة (911 هـ)

إلا أنه لم يخل الجامع الصغير من الأحاديث الموضوعة بل "الضعيفة" رغم أن السيوطي قد اشترط ذلك في مقدمته فقال: "وصنته عما تفرد به وضاع أو كذاب"

وقد تتبع العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أحاديث "الجامع الصغير" وحكم عليها بما تقتضيه الصناعة الحديثيه وأفرد الأحاديث الصحيحة في قسم الأحاديث "الضعيفة" والموضوعة في قسم آخر وهو مطبوع متداول.

(2)

الرسالة المستطرفة (46).

ص: 232

السُّيُوطِيُّ في جامعه الكبير؛ فجعل القوليَّ على ترتيب الحروف، والفعليَّ على ترتيب المسانيد.

(1)

و الأجزاء، هي: الكُتُبُ التي دُوِّنَ فيها حديثُ شخصٍ واحدٍ، أو أحاديثُ جماعةٍ في حادثةٍ واحدةٍ.

(2)

(1)

وهو - أصل كتابه الجامع الصغير الذي قدما الكلام عليه وقد طبع جزء من الجامع الكبير.

(2)

انظر الرسالة المستطرفة للكتاني ص (64) و"الحطة" لصديق حسن خان (125).

ص: 233

[المحكم]

(1)

وفائدةُ تقسيمِ المَقْبول إلى ما سبق من الأقسام - تَحْصُلُ عند التعارُضِ؛ فيقدَّمُ ما هو الراجحُ على ما هو المرجوحُ.

ثمَّ - أي: بعدما عرفْتَ الأقسامَ السابقة - ينقسمُ - أيضًا - الخَبَرُ المقبولُ باعتبار المعارِضِ وعدمِهِ، إلى أقسامٍ، فالتراضي ليس إلا في الذِّكْر إِنْ سَلِمَ الحديثُ من المعارضة بِمِثْلِهِ في القَبُول والصِّحَّةَ.

و الحديثُ تقدَّم معناه، والمراد بالمعارضة: أن يدلَّ أحدهما على خلافِ ما يَدُلُّ عليه الآخَرُ؛ فهو المُحْكَمُ - بفتح الكاف - من أَحْكَمْتُ الشَّيْء -: أَتْقَنْتُهُ، وذكر الحاكم: أنَّ عثمان بن سعيد الدَّارِمِيَّ

(2)

صنَّف فيه كتابًا كبيرًا

(3)

،

وأمثلتُهُ في الأحاديث كثيرةٌ

(1)

معرفة علوم الحديث - للحاكم - (129)، "نزهة النظر" - لابن حجر (37)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 198).

(2)

هو عثمان بن سعيد بن خالد أبو سعيد التميمي الدارمي، قال الذهبي: الإمام العلامة، الحافظ، الناقد" سمع أبااليمان، ويحيى الوحاظي، وسعيد بن أبي مريم، وأحمد بن حنبل، وابن المديني وابن معين وابن راهوية وخلقٌ كثير، حدَّثَ عنه: أحمد بن محمد الحيري ومحمد بن إبراهيم الصرام، ومؤمل بن الحسين وغيرهم

كان أحد أئمة السنة لهجًا بها، بصيرًا بالمناظرة، من تصانيفه:"الرد على المريسي"، و"الرد على الجهمية"، و"المسند الكبير".

توفي رحمه الله سنة ثمانين ومئتين. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة (1/ 221)، "سير أعلام النبلاء"(13/ 319).

وانظر الكلام على مسنده في الرسالة المستطرفة ص (49).

(3)

انظر معرفة علوم الحديث للحاكم (130).

ص: 234

[مختلف الحديث]

(1)

و إلا - أي: وإنْ لم يسلَمْ من المعارضة بمثْلِهِ - فلا يخلُو: إمَّا أنْ يمكنَ الجمْعُ بين مدلولهما بغَيْر تعسُّفٍ، وأمَّا إذا كان بتعسُّف، انتقَلْنا إلى ما بعد الجَمْع، فنظرنا في التَّاريخ، ثم في الترجيح

أولًا:

فإنْ أمكَنَ الجمْعُ بما يرفع المنافاةَ بتأويلٍ أو بتقييدٍ أو بتخصيصٍ من أحد الجانبَيْن؛ فإن أمكن الجمع بَوجْهٍ من هذه الوجوه، فهو مُخْتَلِفُ الحديثِ - بكسر اللام - كما صحَّحه الشيخُ الجَزَرِيُّ

(2)

، وقيل: بالفتح، وفسَّره السخاويُّ باختلافِ مدلول ظاهر؛ فعلى هذا: يكونُ بالفتْحِ؛ على أنه مصدرٌ ميميٌّ، أو اسْمُ مفعولٍ؛ كذا قيل؛ فالوجهانِ جائزان؛ لأنَّ الكَسْرَ يناسبُهُ النسخ، والفَتْحُ يلائمه الترجيحُ.

و هذا النوعُ من أهمِّ الأنواع، وقد تكلَّم فيه الأئمَّة الجامعون بين الفِقْهِ والحديث، وأوَّلُ مَنْ تكلَّم فيه: الإمامُ الشافعيُّ رضي الله عنه في كتابه "اختلاف الحديث"

(3)

الذي هو جُزْءٌ من كتاب

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(477 - 479)"المنهل الروي" - لابن جماعة (67)، الموقظة - للذهبي (91 - 92)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (169)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (285)، "فتح المغيث" - للعراقي (353)، "نزهة النظر" - لابن حجر (37)، "فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 65)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 296)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 423)، منهج ذوي النظر - للترمسي (253)، "لقط الدرر" - للعدوي (128)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (56).

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

وهو أول كتاب دون في التوفيق بين مختلف الحديث، وقد أراد الشافعي بتأليفه لهذا الكتاب؛ إيراد جملةً من الأخبار التي تتعارض في ظاهرها وأوجه التوفيق بينها؛ ليرسم من خلال ذلك منهجًا يسير عليه كل من أراد التوفيق بين مختلف الحديث. قال النووي:"و صنف فيه الإمام الشافعي، ولم يقصد رحمه الله إستيفاءه بل ذكر جملةً ينبه بها على طريقه".

"التقريب والتيسير" للنووي مع "تدريب الراوي"(2/ 196).

وقال العراقي: "و أول من تكلم فيه الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتابه اختلاف الحديث، ذكر فيه جملةً من ذلك، ينبه بها على طريق الجمع، ولم يقصد استيفاء ذلك، ولم يفرده بالتأليف، وإنما هو جزء من كتاب الأم". "فتح المغيث"(336).

والكتاب مطبوع مع "الأم"، ومطبوع طبعة أخرى مفردة.

ص: 235

"الأُمِّ"، ثم صنَّف فيه أبو محمَّد بن قُتَيْبَةَ

(1)

، ومحمَّد بن جَرِيرٍ

(1)

تقدمت ترجمة ابن قتيبة.

أما كتابه فهو: "تأويل مختلف الحديث" وقد صَدَّرَ كتابه بمقدمةٍ طويلة ذكر فيها أن تأليفه للكتاب جاء تلبيةً لطلب من أراد منه الرد على "ثلب أهل الكلام أهل الحديث وامتهانهم، وإسهابِهم في الكتب بذمهم" فبين في هذه المقدمة وصف أصحاب الكلام، وأظهر مثالبهم، وناقش بعض المسائل التي خالف فيها أهل الكلام صريح الأدلة، وصحيح المنقول عن رسول الله، وإجماع الأمة. ثم بين فضل أهل الحديث، وتحريهم في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزامهم بالسنة في أعمالهم، وأن الاقتداء بهم والأخذ عنهم هو طريق الرشاد.

وبعد المقدمة ذكر جملة من الأحاديث التي ادعى فيها التناقض والاختلاف؛ فأظهر وجه التألف بينها، وأجاب على ما قيل من شبه على بعض الأخبار، وذكر أيضًا مجموعة من الأحاديث التي أشكل فهمها، فأبان معناها، أو الأحاديث التي تتعارض في ظاهرها مع الكتاب أو الإجماع أو القياس، فأبان عدم تعارضها، فجاء كتابه متضمنًا لمختلف الحديث ومشكله، ولم يكن مختصًا بمختلف الحديث فقط.

كما أنه لم يرتب ما أورد من أحاديث على أبواب الفقه، وإنما أوردها بحسب ما يخطر له وقد سد ابن قتيبة رحمه الله بكتابه هذا ثغرة اصطنعها بعض المعتزلة وغيرهم من المعتزلة.

إلا أنه انتقضت عليه بعض المسائل في كتابه نظرًا لأنه كان الغالب عليه معرفة اللغة والأدب ولم يكن من المتمرسين في معرفة الحديث، قال العراقي:"أتى بأشياء حسنة وقصر باعه في أشياء قصر فيها".

"فتح المغيث" ص (336) وانظر "تدريب الراوي"(2/ 196)"الرسالة المستطرفة"(119).

ص: 236

الطَّبَرِيُّ

(1)

، والطَّحَاويُّ

(2)

، وغيرهما،

(1)

هو محمد بن جَرير بن يزيد بن كثير، الطبري، قال الذهبي: الإمام العلم المجتهد، عالم القصر

صاحب التصانيف البديعة أكثر الترحال، وتقى نبلاء الرجال، وكان من افراد الدهر علمًا وذكاءً وكثرة تصانيف. قل أن ترى العيون مثله، سمع: أحمد بن منيع، وهناد بن السري، وسفيان بن وكيع، وغيرهم. حدث عنه: أبوالقاسم الطبراني، وأحمد بن كامل القاضي، وأبو أحمد بن عدي".

وقال الذهبي أيضًا: "كان ثقةً صادقًا، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه، والإجماع والاختلاف، علامًة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة، وغير ذلك". من تصانيفه أخبار الأمم والملوك" التفسير وغيرهما توفى سنة عشر وثلاث مئة.

انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان"(4/ 191)"تذكرة الحفاظ"(2/ 710)"سير أعلام النبلاء"(14/ 267)، "طبقات المفسرين" للسيوطي (30)، "طبقات المفسرين" للداودي (2/ 106).

أما كتابه في مختلف الحديث فسماه "تهذيب الآثار" نقل الذهبي في السير (14/ 273) عن أبي محمد الفرغاني، قال: ابتدأ - أي الطبري - بتصنيف كتاب "تهذيب الآثار" وهو من عجائب كتبه، ابتداءً بما أسنده الصديق مما صح عنده سَنده، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه، ثم فقهه، واختلاف العلماء وحججهم، وما فيه من المعاني والغريب، والرد على الملحدين، ختم منه مسند العشرة وأهل البيت والموالي، وبعض مسند ابن عباس، فمات قبل تمامه.

قال الذهبي: هذا لو تم لكان يجيء في مئة مجلد". اه. وقد طبع العلامة محمود شاكر عليه رحمة الله قطعة منه.

(2)

هو أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الأزدي الحَجْري المصري الطَّحَاوي، سمع عن عبد الغني بن رفاعة، ويونس بن عبد الأعلى، وخاله أبي إبراهيم المُزني، والربيع بن سليمان المرادي، حدث عنه: أبو القاسم الطبراني، وأبو بكر بن المقريء، وأحمد بن عبد الوارث الزجاج وغيرهم. قال أبو سعيد بن يونس: كان ثقةً ثبتًا فقيهًا عاقلا، لم يخلِّفْ مثله. وقال أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء:"انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، أخذ العلم عن أبي جعفر بن أبي عمران، وأبي خازم وغيرهما، وكان شافعيًا يقرأ على أبي إبراهيم المزني".

من تصانيفه: "الشروط" وأحكام القرآن "و معاني الآثار"

قال الذهبي: من نظر في تواليف هذا الإمام عَلِمَ محله من العِلم، وسعة معارفه. مات سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة.

انظر ترجمته في: "طبقات الفقهاء" - للشيرازي (142)، "وفيات الأعيان"(1/ 71)، "سير أعلام النبلاء"(15/ 27)، "الجواهر المضية"(1/ 102)، "شذرات الذهب"(2/ 288).

أما كتابه في مختلف الحديث: فهو "مشكل الآثار": وهو يُعتبر من أجمع الكتب التي ألفت في موضوعه، وأحفلها وأنفعها وقد جمع فيه الطحاوي طائفة من الأحاديث النبوية التي يشكل ظاهرها أو يكون بينها تعارض، وحاول رفع الإشكال، ودفع التعارض، ولم يقتصر على أحاديث الأحكام الفقهية، وإنما شمل الأحاديث التي يُشكل ظاهرها سواء أكانت في العقائد، أو الآداب، أو المعاملات، أو الفرائض، أو التفسير أو غير ذلك.

قال الطحاوي مبينًا مقصده من تأليف هذا الكتاب:

"إني نظرت في الآثار المروية عنه صلى الله عليه وسلم بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها والأمانة عليها وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفته والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبوابًا أذكر في كل باب منها ما يهب الله عز وجل لي من ذلك فيها، حتى أبين ما قدرت عليه منها" مشكل الآثار (1/ 3).

وقد قال السخاوي عن كتاب مشكل الآثار: "من أجل كتب الطحاوي، ولكنه قابل للاختصار غير مستغن عن الترتيب والتهذيب، وقال عنه البيهقي: إنه بين في كلامه أن علم الحديث لم يكن من صناعته، وإنما أخذ الكلمة بعد الكلمة من أهله ثم لم يحكمها""فتح المغيث"(3/ 75).

وقد اختصره أبو الوليد الباجي، ومنه نسخة خطية في معهد المخطوطات - بالقاهرة

واختصر مختصر الباجي القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي في كتاب سماه: "المعتصر من المختصر" وقد طبع في الهند سنة 1362 هـ في مجلدين.

ص: 237

و هو - على ما استُفِيدَ من كلامِ المصنِّف -: المَقْبولُ الذي له معارِضٌ

ص: 238

يُماثِلُهُ في القَبُول، وأمكَنَ الجَمْعُ بينهما، ولو بوجهٍ دون وجه.

مثالُهُ: ما في الصحيحِ مِنْ قولِهِ صلى الله عليه وسلم: "لا عَدْوَى، ولا طِيَرَةَ، ولا صَفَرَ، ولا غُولَ"

(1)

، مع حديث:"فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ"

(2)

، وكقولِهِ صلى الله عليه وسلم:"لا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"

(3)

. والمساوي لمتن: "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ

إلى آخره".

و معنى العَدْوَى: الاعتداءُ، وهو: سريانُ شَيْءٍ مُضِرٍّ إلى آخر؛ كسَرَيَان الجَرَب والجُذَام ونحوِهما لمجاوِرِ من كانا فيه،، والطِّيَرَةُ: بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تُسَكَّن، والهَامَةُ - بتخفيف الميم -: طَيْر من طيور الليل، وقيل: هي البُوم، وكانتِ العرب تَزْعُمُ أن رُوحَ القتيل الذي لا يُدْرَكُ ثأرها - أي: قِصَاصُهُ - تصيرُ هامَةً؛ فتقول: "اسْقُونِي، اسْقُونِي"، فإذا أُدْرِكَ ثأره، طارَتْ، وكانوا يزعُمُون أن "صَفَر" حيةٌ في البطنِ تصيبُ الماشية والناس، وهي - عندهم - أعْدَى من الجَرَب، والذي يجده الإنسانُ عند جُوعه عضه، وقيل: كانُوا يتشاءمون بِصَفَر؛ ويقولون: تَكْثُرُ فيه الفتن؛ فالحديثُ لنَفْي ذلك، أو لنَفْي العدوى؛ فيه قولان، والغُول: واحد الغِيلان، كانت العربُ تزعُمُ أنه يتراءى للناس في الصلاة، فَيَتَلَوَّنُ بصور شتَّى؛ فَيَغُولُهُمْ، أي: يُضلُّهم عن الطريق؛ فنفاه صلى الله عليه وسلم

(1)

أخرجه أحمد (3/ 382)، ومسلم (2222)، وابن حبان (6128)، وأبو يعلى (1789)، وابن أبي عاصم في "السنة"(268، 281)، والطحاوي في "مشكل الآثار"(1/ 340)، وابن طهمان في مشيخته رقم (39038).

من طريق أبي الزبير عن جابر.

(2)

أخرجه البخاري (11/ 307) كتاب الطب باب الجذام حديث (5707) من طريق سعيد بن ميناء عن أبي هريرة مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (11/ 407) كتاب الطب: باب لا هامة حديث (5771) من حديث أبي هريرة.

ص: 239

وليس هو نفيًا لوجوده، بل إبطالٌ لزَعْمهم، في تَلَوُّنهم بالصُّوَرِ المختلفة، وأما قولُ بعضهم، من أنَّ معنى:"لا غُولَ": لا يستطيعُ أن يُضِلَّ أحدًا -: فليس على ظاهره؛ لأنه {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ

} الآية [الأنعام: 71]

و قولُهُ: "لَا يُورِد" بكسر الراء، ومُمْرِض - بضَمِّ الميم الأولى، وسكون الثانية، وكَسْر الراء - أي: صاحبُ الإِبِلِ المِرَاض، ومُصِحّ - بكسر الصَّاد - أي: صاحبُ الإِبِلِ الصحيحة، ومفعول "يُورِد" محذوفٌ، هي: إبله.

و قد جُمِعَ بين ذلك حيثُ إِنَّ جميعَهَا صحيح؛ بأن قوله: "لا عَدْوَى

إلى آخره" لنفْي ما يعتقدُهُ أهْلُ الجاهلية، وبعض الحكماء مِنْ أنَّ الجُذَام، والبَرَصَ، ونحوَهُما - تُعْدِى بَطْبعها؛ ولهذا قال: "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ

" في الحديث، أي: أنَّ الله تعالى هو الذي ابْتَدَأَهُ في الثاني؛ كما ابتدأه في الأوَّل، والأَمْر والنَّهْي - في حديث: "لا يُورِد

إلى آخره" و"فِرَّ .. إلى آخره" -: للخَوْف من المخالطة التي جعلها الله تعالى سَبَبًا عاديًّا للإعداء، وقد يتخلَّف عن سببه؛ كما أنَّ النار لا تُحْرِقُ بطبعها، ولا الطعامُ يُشْبِعُ بطَبْعه، وإنَّما هي أسباب عاديَّة، وقد وجَدْنا مَنْ خالط المصاب بشَيْءٍ مما ذُكِرَ، ولم يتأثَرْ به، ووجدنا من احتَرَزَ عن ذلك الاحترازَ المُمْكِنَ، وأَخَذَ به.

قال الحافظ ابن حَجَرٍ في شرحه: "و كذا جَمَعَ بينهما ابن الصلاح، تَبَعًا لغيره"

(1)

، قال:"و الأَوْلَى في الجَمْع بينهما: أنْ يقال: إنَّ نَفْيَهُ صلى الله عليه وسلم للعدوَى باقٍ على عُمُومه، وقد صَحَّ قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُعْدِي شَيْءٌ" شَيْئًا"، وقوله صلى الله عليه وسلم لمن عارضه بأن البعير الأجْرَبَ يكون في الإبل الصحيحة الصحيحة فيخالطها، فَتَجْرَب؛ حيث رَدَّ عليه بقوله: "فَمَنْ أَعْدَى

(1)

"نزهة النظر" ص (37)، وانظر "مقدمة ابن الصلاح" ص (285).

ص: 240

الأَوَّلَ" يعني: أنَّ الله تعالى، ابتدأ ذلك في الثاني؛ كما ابتدأه في الأوَّل،

و أمَّا الأمر بالفِرَار من المجذوم: فمِنْ باب سَدِّ الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يخالطُهُ شَيْء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً؛ لا بالعَدْوَى المنفيَّة؛ فيظنّ أنَّ ذلك بسبب مخالطتِهِ؛ فيعتقد صحَّة العدوىَ؛ فيقع بالحَرَج؛ فأمر بتجنُّبه؛ حَسْمًا للمادَّة"

(1)

انتهى.

و حاصله: أن حديثَ: "لا عَدْوَى" المقصود منه بيان العقيدةِ، أي ما يجبُ أن يُعْتَقَدَ، وهو عدمُ تأثير الطَّبْع، وأنَّ وجود المرض في الثاني بخَلْق الله تعالى، وحدِيثَ: "فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ

إلى آخره" المقصودُ منه: حِفْظُ العقيدة عن تطرُّق الخلل إليها.

(2)

و كخَبَرِ: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ"

(3)

، مع خبرِ:"لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ ولا عَصبٍ"

(4)

الشاملِ للإهابِ المدبوغِ وغيره؛ فيُحْمَلُ على غير المدبوغ؛ جمعًا بين الدليلَيْن؛ لأنه أَوْلَى من العمل بأحدهما؛ إذ فيه إعمالُ أحد الدليلَيْن، والإعمالُ أَوْلَى من الإهمال.

(1)

"نزهة النظر" ص (38).

(2)

انظر في الجمع بين الأحاديث المتقدمة والتوفيق بينها:

تأويل مختلف الحديث "لابن قتيبة" ص (117 - 123).

وفتح الباري (10/ 160) وشرح مسلم (4/ 213)، تهذيب السنن لابن القيم (5/ 375).

(3)

أخرجه مسلم (105/ 366)، وأبو داود (4123) والترمذي (1728) والنسائي (7/ 173)، وابن ماجه (3609)، ومالك (2/ 498) رقم (17) والشافعي في مسنده (1/ 26) رقم (58) وأحمد (1/ 219) وابن الجارود في المنتقى (874) والدارمي (2/ 86) والدارقطني (1/ 46). والبيهقي (1/ 20)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص (117) والبغوي في شرح السنة (1/ 392) من طرق عن ابن عباس.

(4)

تقدم تخريجه.

ص: 241

[الناسخ والمنسوخ]

(1)

"و إلا" أيْ: وإن لم يمكنِ الجمْعُ بينهما "فَلا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ تَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا: فَإِنْ عُرِفَ المُتَأَخِّرُ بنَحْوِ إجْمَاعٍ بِأَنْ يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ؛ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ عَلَى تَأَخُّرِهِ مِنَ الدَّلِيلِ، وقد مثَّل ذلك ابن السَّمْعَانِيِّ

(2)

" بنسخ وجوب الزكاةِ، ووجوبِ غيرها من الحُقُوق الماليَّة، ومثَّلها الخطيبُ البغداديُّ بقَوْل أبي ذَرٍّ لحذيفةَ: "أَيَّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْ تُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: هُوَ النَّهَارُ إِلا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ"، وأجُمَع المسلمون على أن طلوع الشمْسِ يُحَرِّمُ الطعام والشراب.

و كحديثِ قَتْل شارب الخمر في المرةَّ الرابعة،

(3)

الذي انعَقَدَ الإجماعُ

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (85)، "مقدمة ابن الصلاح"(466 - 470)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (68)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (164)، "التقييد والإيضاح" _ للعراقي (278)، "فتح المغيث" - للعراقي (329)، "نزهة النظر" - لابن حجر (38)، "فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 45)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 189)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (101)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 416)، توجيه النظر- للجزائري (179)"منهج ذوي النظر" - للترمسي (251)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (57).

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

أخرجه أحمد (4/ 95، 96، 101)، وأبو داود (4482) والترمذي (1444)، وابن ماجه (2573)، وعبد الرزاق (17087)، وابن حبان (4446)، والحاكم (4/ 372)، والطحاوي (3/ 159)، والبيهقي (8/ 313) من حديث معاوية بن أبي سفيان.

وله شاهد من حديث أبي هريرة.

أخرجه أبو داود (4484)، والنسائي (8/ 314)، وابن ماجه (2572)، وأحمد (2/ 291، 504)، والطيالسي (2337)، وابن الجارود (4447)، والطحاوي (3/ 159)، والحاكم (4/ 371)، والبيهقي (8/ 313) وابن حزم في المحلى (11/ 367).

وقد قال الترمذي في كتاب العلل الملحق بآخر السنن له: "جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمولٌ به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين؛ حديث ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر، ولا مطر" وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". اه

سنن الترمذي (4/ 49).

وقال عقب روايته للحديث في سننه من حديث معاوية، قال:"و إنما كان هذا في أول الأمر ثم نُسخَ بعدُ، هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه، قال ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك برجلٍ قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، قال: فَرُفِعَ القتل وكانت رُخصة، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوى هذا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه كَثيرة أنه قال: لا يحل دمُ امرئٍ مسلم يَشهدُ أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله إلا بإحدى ثلاث: النفسُ بالنفس" والثيب الزاني، والتارك لدينه. اه السنن (4/ 49). ونقل العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي: قال المنذري: قال الإمام الشافعي رحمه الله والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره - وقال غيره: قد يراد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبًا ثم نُسخَ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يُقتل. اه (4/ 600).

ونقل المباركفوري في شفاء الغلل في شرح كتاب العلل "لا يدل هذا الحديث - أي حديث ابن إسحاق أن رجلا شرب الخمر في الرابعة ثم جاء النبي فضربه ولم يقتله - إلا على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتل الرجل في الرابعة، فيُجمع بين الحديثين بأن الأمر بالقتل كان من باب الإباحة والرخصة للسياسة دون إيجابه حدًا في المرتبة الرابعة فترك القتل في الحديث الأخر لا يُعارض تلك الرخصة، ومتى يمكن الجمع لم يبح لنا القول بالنسخ على أنه إذا لم يمكن الجمع عندنا لا يقدم على النسخ أيضًا ما لم يوجد نص من الشارع صلى الله عليه وسلم بنسخه، وإن عُلمَ تأخر أحد الحديثين عن الأخر وبذلك صرح الحافظ الحازمي في "الاعتبار" في مقدمة كتابه، وقول الزهري برواية الترمذي عنه معلقًا قال: وكانت رخصة معناه عندي أن القتل في الرابعة كانت رخصة في الحديث الذي أمر به، فكأن الأمر هناك أمر إباحة، ولهذا لم يقتله فيما رواه الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه فالعجب كل العجب من أبي عيسى الترمذي أنه مع هذا الجمع الذي رواه عن الزهري بنفسه كيف أقدم على الحكم بالنسخ، وإذا لم يثبت نسخه فليت شعري ما علة هذا الحديث التي أشار في باب العلل إلى تقدم ذكرها في الكتاب، وما طريق ثبوت عدم أخذ أهل العلم به على المعنى الذي ورد من الرخصة والإباحة للسياسة في الرابعة، مع أنه لو ثبت عدم وقوع ذلك في الأمة عن أحد من العلماء لم يدل ذلك على عدم الأخذ منهم، لأن معنى الأخذ بأحاديث الرخص، روايتها كذلك مباحة، وإن لم يقع العمل بها منهم قط، كما لا يخفى على الفطن، فلم يظهر وجه صحة الحكم على هذا الحديث أيضًا بأنه ما أخذ به أحدٌ من العلماء". اه نقلا عن صاحب دراسات اللبيب. "التحفة"(10/ 322 - 323).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار (7/ 148): "و قد اختلف العلماء هل يقتل الشارب بعد الرابعة أولا، فذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه يقتل ونصره ابن حزم، واحتج له ودفع دعوى الإجماع على عدم القتل، وهذا هو ظاهر ما في الباب عن ابن عمر، وذهب الجمهور إلى أنه لا يُقتل الشارب، وأن القتل منسوخ

". اه

وقال السيوطي في "قوت المغتذى شرح الترمذي" - بعد أن أشار إلى عدة أحاديث -: "فهذه بضعة عشر حديثًا كلها صحيحة صريحة في قتله بالرابعة، وليس لها معارض صريح، وقول من قال بالنسخ لا يعضده دليل

". اه نقلا عن "عون المعبود" (12/ 120) ثم شرع في تفنيد حجج الجمهور ومن منها حديث ابن إسحاق من خمسة وجوه فانظره فإنه نفيس.

وللعلامة المُحدث أحمد شاكر عليه رحمة الله رسالة بعنوان كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر تعرض فيها للكلام حول هذا الحديث قال في مقدمتها: "هذا تحقيق واف - فيما أرى لحديث الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة يتبين منه للقاري أن هذا الأمر محكم ثابت لم يُنسخ، وأنه هو العلاج الصحيح للإدمان الذي يكاد يقضي على الأمم الإسلامية، ويكاد يذهب بتشريعهم السامي وآداب الإسلام العالية النقية". اه ص 10 من كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر ط الأولى سنة (1370 هـ) وقد تكلم عليه في تحقيقه للمسند برقم (6197).

ص: 242

على خلافِهِ؛ فإنَّ الإجماعَ - وإنْ كان لا يَنْسَخُ - لكنَّه مبيِّن، وكاشفٌ عن نَصٍّ ناسخٍ.

(1)

أو بِمثْلِ قوله صلى الله عليه وسلم: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوَها"

(2)

؛

(1)

يشير إلى أن الإجماع ليس بناسخ ولكنه يكشف ويدل على وجود نص ناسخ

قال الزركشي في "همع الهوامع شرح جمع الجوامع"(2/ 861): "لا يقع النسخ بالإجماع، لأنه لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يُتصور أن ينسخ ما كان من الشرعيات في زمنه وبعده لا نسخ، فأما الإجماع بما يخالف النص الخاص أو العام بالكلية، فلا يكون إجماعهم ناسخًا لذلك النص، بل يكون إجماعهم تضمن ناسخًا اقتضى ذلك، وهو مستند الإجماع، وحاصله أن النسخ بدليل الإجماع لا لابنفى الإجماع وعلى هذا يُنزل نص الشافعي رضي الله عنه الذي نقله البيهقي في المدخل: أن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع". اه

وقال الفتوحي في "شرح الكوكب المنير"(3/ 570): "و لأن الإجماع معصوم من مخالفة دليل شرعي، لا معارض له ولا مزيل عن دلالته، فتعين إذا وجدناه خالف شيئًا أن ذلك؛ إما غيرُ صحيح إن أمكن ذلك، أو أنه مؤول، أو نُسخَ بِناسخ، لأن إجماعهم حق.

فالإجماع دليلٌ على النسخ، لا رافع للحكم، كما قرره القاضي أبو يعلى، والصيرفي، والأستاذ أبو منصور، وغيرهم". اه

وانظر: "المسودة"(224)، "روضة الناظر"(87)، "مختصر الطوفي"(82)، "نهاية السول"(2/ 186)، "المستصفى"(1/ 126).

(2)

أخرجه مسلم (108/ 976)، وأبو داود (3234)، والنسائي (4/ 90) وابن ماجه (1572) وابن أبي شيبة (3/ 343). والبيهقي (4/ 76) من حديث أبي هريرة.

وأخرجه مسلم (106/ 977) من حديث بريدة.

وأخرجه ابن ماجه (1571) وابن حبان (981) والحاكم (2/ 336) والبيهقي (4/ 76) من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود.

وأيوب بن هانئ مختلفٌ فيه. وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بتضعيف ابن معين لأيوب بن هانئ.

ص: 245

فهو - أي: المتأخِّر - الناسِخُ مجازًا؛ وإلا فالناسخُ - في الحقيقة - هو اللهُ تعالَى

(1)

والآخَرُ - أَيِ: المتقدِّم - هو المنسوخُ حقيقًة.

و النَّسْخُ - في اللغة-

(2)

يُطْلَقُ على "الإزالة"؛

ك"نَسَخَتِ" الشمْسُ الظِّلَّ أي: أزالتْهُ، وعلى "النَّقْل"؛

ك "نَسَخْتُ" الكِتَابَ أي: نقلتُ ما فيه

إلى آخره؛ ومنه المناسخَاتُ في المواريث: الانتقالُ من وارثٍ إلى وارثٍ، والتَّنَاسُخُ في الأرْوَأح؛ كما يزعمه بعض الفلاسفة؛ لأنه نَقْلٌ من بَدَنٍ إلى بَدَنٍ.

و اختلفَ في حقيقتِهِ: فقيلَ: مشتَرَكٌ بين النقْلِ والإزالة؛ وعليه القاضي

(3)

والغَزَّالِيُّ

(4)

، وقيل: حقيقةٌ في الأَوَّل فقطْ؛ وهو قولُ

(1)

وقال الحافظ في "النزهة": "والناسخ ما يدل على الرفع المذكور وتسميته ناسخًا مجاز لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى" ص (38).

وقال ابن قاضي الجبل وغيره: "الناسخ يُطلق على الله سبحانه وتعالى. يقال نَسَخَ فهو ناسِخٌ، قال الله تعالى: {ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها} [البقرة: 106] ". اه

انظر "شرح الكوكب المنير" - للفتوحي (3/ 528)؛ و"زاد المسير"(1/ 110) لابن الجوزي.

وليس الناسخ اسم من أسماء الله عز وجل ولا صفة من صفاته وإنما هو من باب الإخبار عنه سبحانه وتعالى، قال العلامة ابن القيم "رحمه الله":"ما يدخلُ في الإخبار عنه تعالى، أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء و"الموجود" و"القائم بنفسه". فإنه يخبر به عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا""بدائع الفوائد"(1/ 134).

(2)

انظر "القاموس المحيط"(1/ 271)، "لسان العرب"(3/ 61)، "المصباح المنير"(2/ 602).

(3)

هو أبو بكر الباقلاني انظر.

(4)

تقدمت ترجمته، والذي نقله هنا عن القاضي والغزالي هو اختيار الصيرفي، والأمدي وابن الحاجب، انظر "اللمع" ص (30)"المستصفى" للغزالي (1/ 107)"الإحكام" للأمدي (3/ 151)، "مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد"(2/ 185)"البحر المحيط"(4/ 65).

ص: 246

الأكْثَرين؛ كما قاله الهِنْدِيُّ

(1)

؛ وهو المُخْتار، وقيل عكسه؛ وعليه القَفَّال

(2)

، وقيل غير ذلك، ولا يتعلق به غرضٌ علميٌّ؛ كما قاله العَضُدُ.

(3)

و في الاصطلاح، مُخْتَلَفٌ فيه: هل هو رَفْعٌ لحُكْمٍ، أو بيانٌ لانتهاءِ أَمَدِهِ؟

(4)

ودلائلُ الطرفَيْن في كتب الأصول.

(5)

و لم يبيِّنِ المصنِّف حكْمَ ما إذا لم يمكنِ الجمْعُ بينهما ولم يُعْلَمِ المتأجِّرُ؛ قصدًا للاختصارِ، ونحنُ نذكُرُ لك ذلك:

فإنْ وُجِدَ مرجِّح لأحدهما على الآخر: صِيَر إلي الترجيحِ، والعَمَلِ بالراجحِ، والمرجِّحات كثيرةٌ، ذكَرَها الأصوليُّون، وقد سبقَتْ نبذة يسيرَةٌ من ذلك.

و إن لم يوجَدْ مرجِّح لأحدهما على الآخر: وجب التوقُّفُ، وتَرْكُ العملِ والاستدلال، ووجَبَ الرجوعُ إلى غيرهما، وهو البراءة الأصلَّية؛

(1)

هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد، أبو عبد الله الملقب بصفي الدين الهندي الأرموي الفقيه الشافعي الأصولي، ولد بالهند سنة 644. وقدم اليمن والحجاز ومصر وسورية، واستقر فيها للتدريس والفتوى، وكان قوي الحجة، ناظر الإمام ابن تيمية في دمشق، من مصنفاته "الزبدة" في علم الكلام، و"الفائق" في التوحيد و"نهاية الوصول إلى علم الأصول". توفى سنة 715 هـ بدمشق.

انظر ترجمته في "طبقات الشافعية"(9/ 162)، "البدر الطالع"(2/ 187)، "شذرات الذهب"(6/ 37)، "الدرر الكامنة"(4/ 132).

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

تقدمت ترجمته.

(4)

قال في "شرح الكوكب المنير": "النسخ في اصطلاح الأصوليين رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخ

ذكر معنى ذلك ابن الحاجب وغيره وهو قول الأكثر" شرح الكوكب (3/ 526) وانظر "روضة الناظر" ص (69)، "مختصر الطوفي" ص (72)، العضد علي ابن الحاجب (2/ 185)، "تشنيف المسامع" للزركشي (2/ 859).

(5)

انظر المراجع السابقة.

ص: 247

كما في تعارُضِ البَيِّنَتَيَنْ؛ وهذا هو المختارُ الذي ذهب إليه كَثِيرٌ من الفقهاء؛ واختاره القاضي زكريا

(1)

وغيره، وقد يُخَيَّرُ بينهما في العمل، وهو ما ذَهَبَ إلَيْه القاضي أبو بَكْر،

(2)

وأبو عليٍّ

(3)

، وابنه أبو هاشم؛

(4)

ورجَّحه العَلامة البرماويُّ

(5)

، وقيل: يُوقَفُ عن العمل بالواحد منهما؛ كما في تعارُضِ البيِّنَتَيْن على قولٍ، وقيل: يخيَّر بينهما في الواجباتِ، ويتساقَطَان

(6)

في غيرها.

و قد توقَّف الأئمَّةُ الأربعة رضي الله عنهم في مسائِلَ معلومةٍ عِنْدَ الفقهاء.

و التعبيرُ عنه بالتوقُّف أَوْلَى من التعبير بالتساقُطِ؛ كما هو المشتهِرُ على [الألسنة]؛، من "أنَّ الدليلَيْن إذا تعارَضَا تساقطا؛ لأنَّه يُوهِمُ الاسْتِمْرارَ؛ مع أنَّه ليس كذلك؛ لأن سقوطَ حُكْمهما إنما هو لعَدَمِ ترجيحِ أَحَدِهما، ولا يلزمُ منه استمرارُ التساقُطِ، مع أنَّ إطلاق التساقُطِ على الأدلَّة الشرعيَّة خارجٌ عن سَنَنِ الآداب، ولأنَّ خفاءَ ترجيحِ أَحَدِهِما على الآخر إنما هو بالنِّسْبة للمُعْتَبِرِ مع احتمالِ أَنْ يظهَرَ لغيره، ماخفي عليه.

(7)

"

(1)

هو القاضي زكريا الأنصاري وقد تقدمت ترجمته.

(2)

هو القاضي أبو بكر الباقلاني، وقد تقدمت ترجمته.

(3)

هو أبو علي الجبائي وقد تقدمت ترجمته.

(4)

هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي معروف بأبي هاشم، متكلمٌ من رؤوس المعتزلة، ألف كتبًا كثيرة منها: تفسير القرآن، والجامع الكبير والأبواب الكبير توفى سنة 321 هـ

انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان"(2/ 355)، "شذرات الذهب"(2/ 289).

(5)

هو محمد بن عبد الدايم بن موسى النعيمي المعروف بشمس الدين البرماوي وقد تقدمت ترجمته ص 162.

(6)

سيأتي انتقاد المصنف لهذا التعبير.

(7)

انظر "نزهة النظر" ص (39) وشرح "نزهة النظر" ص (105) لعلي القاري.

ص: 248

[الضعيف]

(1)

و لما فرغ المصنِّف من مباحث أحد قِسْمَي الإسناد، وهو المقبول - شَرَعَ في قسمه الآخر فقال:"وَ المَرْدُودُ" أي: ما يجبُ به الرَّدُّ، وهو فواتُ صفة القَبُول، أعني: العدالَةَ والضبْطَ وغيْرَهُما، مما سبق بيانه؛ فقول الحافظ في شرحه:"و مُوجِب الرَّدِّ"

(2)

. عَطْفٌ تفسيرٍ للمردود، وقال بعضهم:"لا يظهر لقوله "مُوجِبَ الرَّدِّ" فائدةٌ، ولا رَبْطٌ بما قبله، ولا بما بعده" انتهى

و هذا كله مبنيٌّ على أن يكونَ "مُوجِب" بكسر الجيم، وأما إذا قُرِيء بالفتح، فيستقيمُ الكلامُ أولا، وآخرًا، وهو: إمَّا أنْ يكونَ ردُّهُ وعدمُ قَبُوله، لِسَقْط من السند؛ وقد تقدَّم معناه غير مرَّة،

أو يكونَ رَدُّهُ لطعْنٍ في راوٍ بأَحدِ الأمور التي تأتي، إن شاء الله.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(188 - 189)، الاقتراح - لابن دقيق العيد (177)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (46)، الموقظة - للذهبي (33 - 34)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (42)، "التقييد والإيضاح"- للعراقي (63)، "فتح المغيث" - للعراقي (49)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (1/ 491)، "نزهة النظر" -لابن حجر، "فتح المغيث" -للسخاوي (1/ 112)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 179)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (1/ 246)، توجيه النظر - للجزائري (238).

(2)

"نزهة النظر" ص (39).

ص: 249

[المعلق]

(1)

فما سقَطَ أوَّلُ سنده، أي: طرَفُهُ الذي فيه الصحابيُّ، سواء كان واحدًا أو أكثَرَ أو جميعَ الرُّوَاة، وكان ذلك السقُوطُ تصرُّفًا من مصنِّف -: فهو المُعَلَّق؛ مأخوذٌ من تعليق الجِدَار؛ لقَطْع اتِّصَاله، أو من تعليق الأمْرَأَةِ، وهو هَجْرها؛ ومنه تعليق أفعال القلوبِ، أي: إبطالُ عَمَلِها لفظًا لا معنًى، وسُمِّيَ هذا القسْمُ من الحديث بذلك؛ لكونه مردودًا، ومَهْجُور العمل به، وغيْرَ معتدٍّ بوجوده، وإنَّما كان كذلك للجهْلِ بالمحذوف، وعدم المعلم بحاله.

مثالُ ما حُذِفَ من أوله واحدٌ: قولُ البخاريِّ: وقال مالكٌ، عن الزهري، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

و مثالُ ما حُذِفَ من أوَّله أكثَرُ من واحد: قوله وقال ابنُ الماجِشُونِ، عن عبد الله بن الفَضْل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"لا تُفَاضِلُوا بَيْنَ الأنْبِيَاءِ"

(1)

، وقولُهُ: وقالتْ عائشةُ: "كَانَ

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(167)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (55)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (31)، "نزهة النظر" - لابن حجر (40)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 117)، شرح "نزهة النظر" - للقاري (106)، منهج ذوي النظر - للترمسي (66)، "لقط الدرر" -للعدوي - (62)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (60).

(2)

هذا التعليق ذكره البخاري في كتاب التوحيد، واعترض عليه أبو مسعود الدمشقي فجزم أن هذا ليس بصحيح لان عبد الله بن الفضل إنما رواه عن الأعرج عن أبي هريرة لا عن أبي سلمة، وقوى ذلك بأنه أخرجه في موضع آخر كذلك.

وهذا الطريق الثاني عند البخاري برقم (3414) وقد تعقبه السيوطي فقال: وهو اعتراض مردود ولا ينقض القاعدة ولا مانع من أن يكون لعبد الله بن الفضل شيخان، وكذلك أورده عن أبي سلمة الطيالسي في مسنده فبطل ما ادعاه

وينظر التدريب (1/ 92 - 93).

ص: 250

النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ"

(1)

.

و مثالُ ما حُذِف من أوَّله جميعُ الرواة: قوله: "و قَالَ وفْدُ عبد القَيْسِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: مُرْنَا بِعَمَلٍ إنْ عَمِلْنَا بِهِ، دَخَلْنَا الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ، والشَّهَادَةِ، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ"

(2)

.

و اعلَمْ: أنَّ الراوي إذا حَذَفَ من حديثه، وأضافَ الحديثَ إلى شَيْخِ شيخِهِ، وهو شيخٌ له، كان ذلك تعليقًا، إلا أَنْ يُعْرَفَ أنَّ ذلك الراوِيَ مدلِّس؛ فتدليسٌ، وأنَّ المعلَّق الواقعَ في كتابٍ التُزِمَتْ صحَّتُهُ؛ كالكُتُب الستَّة، إن كان بصيغةٍ فيها جَزْمٌ، نحو؛ قال أو "روَىَ" ممَّا بنى للفاعل - يُحْكَمُ له بالصحَّة عند ذلك المصنِّف؛ لأنه لو لَمْ يصحَّ عنده، لما جَزَمَ به، وإنْ كانَ بصيغةٍ ليْسَ فيها جزْمٌ؛ نحو: في البابِ كذا، أو رُوِىَ عن فلانٍ، أو ذُكِرَ، أو يُذْكَرُ مما بُنِيَ للمفعول - لا يُحْكَمُ له بالصحَّة؛ لأن مثلَ هذه لا يقالُ في الحديثِ الصحيحِ؛ لكن إيراد ذلك المصنِّف له في صحيحِهِ يُشْعِرُ بأصالته.

(3)

(1)

أخرجه أحمد (6/ 70)، ومسلم (372)، وأبو داود (18) والترمذي (3384)، وابن ماجه (302)، وأبو يعلى (4699)، وابن حبان (801)، وابن خزيمة (207)، والبيهقي (1/ 90).

(2)

أخرجه البخاري (1/ 157)، ومسلم (1/ 46) من حديث ابن عباس.

(3)

وعبارة ابن الصلاح: ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح يشعر بصحة أصله إشعارًا يؤنس به ويركن إليه

وينظر التدريب (1/ 94).

ص: 251

‌المرسل

(1)

و ما سقَطَ صحابيُّهُ: فهو المُرْسَلُ؛ وذلك بأنْ يرفَعَهُ تابعُ الصحابيِّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم سواءٌ كان التابِعُ كبيرًا، وهو: مَنْ لَقِيَ جماعًة من الصحابة، وكان أكْثَرُ رواتِهِ منهم؛ كعُبَيْد الله بْنِ الخِيَار

(2)

- بكسر المُعْجمة - أو صغيرًا، وهو: مَنْ لَقِيَ واحدًا منهم، أو اثنَيْنِ؛ كيحيى بْنِ سَعِيدٍ

(3)

، وهو مأخوذٌ من الإرسالِ، وهو الإطلاقُ؛ كقوله تعالى:{إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ} [مريم: 83]؛ فكأنَّ المُرْسِلَ أَطْلَقَّ الإسنادَ، ولم يقيِّدْهُ

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (25)، الكفاية - للخطيب (423)"مقدمة ابن الصلاح"(201 - 212)، الاقتراح - لابن دقيق العيد (192)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (50)، "الموقظة" -للذهبي (38)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (45)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (70)، "فتح المغيث" - للعراقي (63)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 540)، "نزهة النظر" - لابن حجر (41)، "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 155)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 195)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (109)، "لقط الدرر" - للعدوي (63). "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (61).

(2)

هو عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي النوفلي القرشي المدني روى عن عمرو عثمان وعلي وغيرهم قال الحافظ ابن حجر: كان في الفتح مميزًا، فعُد في الصحابةِ لذلك، وعده العجلي في ثقات التابعين وقال العلائي:"ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب لكونه ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم "، وليست له صحبة ولا رؤية بل هو تابعي، وحديثه مرسل. قال العجلي: تابعي ثقة من كبار التابعين.

قال ابن حبان مات سنة تسعين. انظر "تهذيب التهذيب"(7/ 36)، "جامع التحصيل"(232)، "التقريب"(4336).

(3)

هو يحيى بن سعيد الأنصاري وقد تقدمت ترجمته.

ص: 252

بجميِعِ رواته، ويُجْمَعُ على "مَرَاسيِل" و"مَرَاسِل"، وقيَّده الحافظُ بما لم يسمعْهُ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(1)

ليُخْرِجَ من لَقِيَهُ كافرًا، فسمع منه، ثم أسْلَمَ بعد موتهِ صلى الله عليه وسلم وحدَّثَ بما سَمِعَ منه؛ كالتَّنُوخِيِّ

(2)

؛ رسُولِ هِرَقْلَ، وروي قَيْصَر؛ فإنه مع كونه تابعيًّا محكومٌ لما سمعه بالاتصالِ لا بالإرسالِ، وبه يُلْغَزُ؛ فيقال: لنا تابِعِيٌّ أضافَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثًا، وحديثُهُ متصلٌ.

و خرَجَ بالتابعيِّ: مرسلَ الصحابيِّ؛ بأن لمْ يسمعْهُ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلا بواسطةٍ، كبيرًا كان؛ كابْن عُمَرَ وجابرٍ، أو صغيرًا؛ كابن عَبَّاس وابن الزُّبَيْر، فحكمُهُ الوصْلُ؛ فيحتجُّ به على الصحيح؛ لأن غالبَ روايتِهِ عن الصحابة، وهم عدولٌ؛ لا تَقْدَحُ فيهم الجهالةُ بأعيانِهِمْ؛ فلا يُبْحَثُ عن عدالتهم: في روايةٍ، ولا شهادةٍ؛ لأنَّهم خيرُ الأمَّة؛ لقولِهِ تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقوله تعالى: {وَ كّذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا؛ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]؛ فالصحابَةُ هم المخاطَبُونَ حقيقًة بهذا الخطابِ الشفاهي، وقولِهِ صلى الله عليه وسلم:"لا تَسُبُّوا أَصْحَابي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِيِ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ"

(3)

؛ رواه الشيخان، والحديثُ وإنْ

(1)

"نزهة النظر" ص (41).

(2)

أخرجه أحمد (3/ 441 - 442)

وذكره الهيثمي في "المجمع"(8/ 234 - 236) وقال: رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى ورجال أبي يعلى ثقات.

(3)

أخرجه البخاري (3603)، ومسلم (222/ 2541) وأبو داود (4658)، والترمذي (3861)، وأحمد (3/ 11، 54، 36)، وابن أبي عاصم في السنة (990، 991) والبيهقي (10/ 209)، والخطيب في "تاريخ بغداد"(7/ 144) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد مرفوعًا.

وأخرج مسلم (221/ 2540) وابن ماجه (161) عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأخرجه أحمد (3/ 266).

ص: 253

وَرَدَ على سَبَبٍ - فالعبْرَةُ بعمومِ اللفْظِ، ولا يضرُّ كونُ الخطاب بذلك للصحابِة؛ لأن المعنَى: لا يَسُبُّ غيْرُ أصحابي أصحابي، ولا يَسُبُّ بعضُكُمْ بعضًا، والأحاديث في ذلك كثيرةٌ لا تنحصرُ.

فَمَنْ أثنى الله تعالى عَليْه ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم بهذا الثناءِ، كيف لا يكونُ عَدْلا، مع أنَّ العدالة تثبت بتزكية عَدْلَيْنِ من آحادِ الأُمَّة؛ فكيفَ لا تثبُتُ مع هذا الثناءِ العظيم؟ _! ". انتهى.

و أمَّا احتمالُ روايتِهِ عن تابعيٍّ: فنادر؛ قال بعضهم: "و يتحصَّلُ من كلامهم خلافٌ في سبب المَنْعِ، وإن كان الكلُّ عدولا، بل هو احتمالُ روايتِهِ عن تابعيٍّ أو صحابيٍّ قامَ به مانعٌ؛ كسارِقِ رداءِ صفوانَ ونَحْوه" انتهى.

و بعضُهُمْ يقيِّده بالكبيرِ، فمرفوعُ الصَّغيرِ لا يسمَّى مرسلا بل منقطعًا.

و بعضُهُمْ يجعلُ المُرْسَلَ: ما سَقَطَ من سنده راوٍ واحدٌ أو أكثَرُ، سواءٌ كان من أولِهِ أو من آخرِهِ أم بينهما؛ فَشَمِلَ المنقطع والمُعضَلَ والمعلَّق؛ وهذا ما حكاه ابْنُ الصَّلاح عن الفقهاء، والأصوليِّين والخطيب؛ ولذا قال النوويُّ:"المُرْسَلُ عند الفقهاء، والأصوليِّين والخطيبِ، وجماعةٍ من المحدِّثين -: ما انقطَعَ إسنادُهُ على أيِّ وجه كان" انتهى.

و الحاصلُ أنَّ في المرسلِ ثلاثةً أقوال:

أوَّلها: وهُوَ ما ذكره أكْثَرُ استعمال المحدِّثين.

و ثانيها: أضْيَقُها؛ لتقييده بتابعٍ مخصوصٍ.

ص: 254

و ثالثها: أوسَعُهَا؛ لأنه مرفوعٌ غيْرِ صحابيٍّ - تابعيًّا كان أو غيْرَهُ - إلى النبيِّ، صلى الله عليه وسلم.

و قد احتجَّ بالمرسَلِ: أبو حنيفَةَ

(1)

، ومالكٌ

(2)

، وأحمد

(3)

في أشهر الروايتين عنه

(4)

واختاره الآمديُّ

(5)

؛ قالوا: لأنَّ العدْلَ لا يُسْقِطُ الواسطةَ بَيْنَهُ وبين النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلا من وهُوَ عدلٌ عنده، وإن كان ذلك تلبيسًا قادحًا فيه.

(1)

هو النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي، إمام أهل الرأي قال الحافظ: رأى أنسًا، وروى عن عطاء بن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود، وعلقمة بن مرثد وغيرهم، وعنه: ابنه حماد وإبراهيم بن طهمان، وحمزة بن حبيب الزيات، وزفر بن الهذيل، وعبد الرزاق ومحمد بن الحسن الشيباني، وأخرون

قال ابن المبارك: أفقه الناس أبو حنيفة ما رأيتُ في الفقه مثله، قال الحافظ ابن حجر: ومناقب الإمام أبي حنيفة كثيرة جدًا فرضي الله تعالى عنه وأسكنه الفردوس أمين. انظر: "تهذيب التهذيب"(10/ 401).

(2)

هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني أحد أعلام الإسلام، وإمام دار الهجرة، روى عن عامر بن عبد الله بن الزبير، ونعيم المجمر، وزيد بن أسلم، ونافع مولى عمر، وأبي حازم سلمة بن دينار وغيرهم، وعنه: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن الهاد وهم من شيوخه، والأوزاعي، والثوري وشعبة بن الحجاج وابن جريج والليث ابن سعد، وهم من أقرانه وغيرهم كثير، قال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم. وقال النسائي: ما عندي بعد التابعين أنبل من مالك ولا أجل منه ولا أوثق ولا أمن على الحديث منه، قال الحافظ ابن حجر:"إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين". قال: ومناقبه كثيرةٌ جدًا

وقد أفردت بالتصنيف. توفى سنة تسع وسبعين ومئة. انظر "تهذيب التهذيب"(10/ 5)"التقريب"(6444).

(3)

تقدمت ترجمته.

(4)

انظر أقوالهم في "الكفاية"(384)، "مقدمة ابن الصلاح"(26)"تدريب الراوي"(1/ 198)، "المجموع"(1/ 60)"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد"(96)"توضيح الأفكار"(1/ 277)"قواعد التحديث"(134)"جامع التحصيل"(34).

(5)

انظر "الإحكام" للأمدي (2/ 178) وقد تقدمت ترجمته.

ص: 255

و قال عيسى بْنُ أَبَانَ

(1)

واختاره ابن الحاجب

(2)

، وصاحب "البديع"

(3)

-: يُقْبَلُ المرسَلُ، ويُحْتَجُّ به إذا كان المرسَلُ من أئمَّة النقْلِ؛ كسعيد بن المسيِّب

(4)

،

(1)

هو عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى الحنفي، كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، وتفقه على محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكان حسن الوجه، وحسن الحفظ للحديث، وتولى قضاء العسكر، ثم قضاء البصرة، تفقه عليه أبو خازم القاضي، وقال عنه: ما رأيتُ لأهل بغداد حدثًا أزكى من عيسى بن أبان، وبشر بن الوليد، وقال هلال بن أمية:"ما في الإسلام قاض أفقه منه". من تصانيفه: كتاب "الحج"، وخبر الواحد، وإثبات القياس، و"اجتهاد الرأي" مات بالبصرة سنة 221 هـ. انظر ترجمته في:"تاريخ بغداد"(11/ 157)، "الفوائد البهية" ص (151)، "تهذيب الأسماء واللغات"(2/ 44).

(2)

تقدمت ترجمته ص.

(3)

كتاب البديع اسمه كاملا: "بديع النظام، الجامع بين أصول البزدوي والإحكام"، وكثيرًا ما يتصحف إلى البدائع أو يشتبه "ببدائع الصنائع" للكاساني، وكتاب البدائع في الفقه الحنفي، أما كتاب "البديع" فهو في أصول الفقه، وهو الذي ينقل عنه الحنفية في الأصول، ويتردد في كتبهم الأصولية. أما صاحبه فهو: مظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي البغدادي الحنفي المتوفى سنة 694 هـ. انظر الفتح المبين (2/ 94).

(4)

هو سعيد بن المسيب بن حَزن القرشي المخزومي روى عن أبي بكر مرسلا، وعن عمر، وعثمان، وعلي وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وكان زوج ابنته وغيرهم من الصحابة وعنه ابنه محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والزهري وقتادة وغيرهم قال نافع عن ابن عمر: هو والله أحد المتقنين، وقال قتادة: ما رأيت أحدًا قط أعلم بالحلال والحرام منه.

قال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب فقال: ومن مثل سعيد، ثقة من أهل الخير، وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه. قال الواقدي: مات سنة أربع وتسعين.

وقال أبو نعيم، مات سنة ثلاث وتسعين. انظر "تهذيب التهذيب"(4/ 75)

وانظر الكلام على مراسيل سعيد والخلاف في قبولها وردها في: "مختصر المزني" في آخر "كتاب الأم"(8/ 78) الكفاية للخطيب (444)، إرشاد طلاب الحقائق - للنووي (1/ 175)، "جامع التحصيل" - للعلائي (38)، (184). "شرح علل الترمذي" لابن رجب (1/ 530).

ص: 256

والشَّعْبِيِّ

(1)

؛ بخلاف من لم يكنْ منهم؛ فقد يَظُنُّ من ليس بعدلٍ عدلا؛ فيُسْقِطُهُ لظنِّه

إلى غير ذلك من الاختلافاتِ المذكورة في مَحَلِّها.

(2)

(1)

هو عامر بن شَراحيل بن عبدابو عمرو الشَّعْبي الكوفي روى عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة وغيرهم وعنه: أبو إسحاق السبيعي، وداود بن أبي هند، والأعمش، ومنصور وغيرهم. قال الشعبي: أدركت خمسمائة من الصحابة.

قال أبو زرعة وغير واحد: الشعبي ثقة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه. اختلف في وفاته فقيل سنة ثلاث ومئة، وقيل أربع، وقيل خمس وقيل ست وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (5/ 62) وانظر الكلام على مراسيل الشعبي في: جامع التحصيل - للعلائي (204).

(2)

انظر "الرسالة". للشافعي (464)، "الكفاية"(384)، "المسودة"(250)"تدريب الراوي"(1/ 198)، "الإحكام" لابن حزم (1/ 135)، "مقدمة ابن الصلاح"(26)، "توضيح الأفكار"(1/ 290)"صحيح مسلم"(1/ 30)"قواعد التحديث"(133).

ص: 257

[المعضل]

(1)

و ما سقَطَ منه اثنانِ فأكثَرُ، مع التوالي -: فهو المُعْضَلُ - بفتح الضاد - من: أَعْضَلَهُ فلانٌ، أي: أعياه؛ فهو مُعْضَلٌ، أي: مُعْيًا؛ لأن المحدِّث الذي حدَّث به أعضَلَهُ وأعياه؛ فلم ينتفعْ من يَرْويه عنه، وقد يقالُ: المعضَلُ، للمُشْكِلِ أيضًا، وهو - حينئذ - بكسر الضاد، أو بفتحها؛ على أنه مشتَرَكٌ فيه؛ وعليه بعضُ المحقِّقين.

و اصطلاحًا: ما يستَفَادُ من كلامِ المصنِّف؛ من أنه: الذي سقَطَ مه راويانِ على التوالِي.

مثالُ ذلك: روايَةُ الشافعيِّ، عن مالك، عن أبي هريرة

(2)

؛

(1)

معرفة علوم الحديث - للحاكم (36)، "مقدمة ابن الصلاح"(216 - 229) الاقتراح - لابن دقيق العيد (192)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (53)"اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (48)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (81)، "فتح المغيث" - للعراقي (73)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 575)، "نزهة النظر" - لابن حجر (42)"تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 211)، شرح "نزهة النظر" - للقاري (113)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (1/ 223)، توجيه النظر - للجزائري (168)، منهج ذوي النظر - للترمسي، "لقط الدرر" - للعدوي (65)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (62).

(2)

إذ هذا إسنادٌ منقطع وصوابه الشافعي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وقد قال البخاري أنه أصح الأسانيد عن أبي هريرة. انظر التهذيب (5/ 183) ترجمة أبي الزناد، ومعرفة علوم الحديث (36) للحاكم.

ص: 258

بإسقاط أبي الزِّنَاد

(1)

، والأعرجِ.

(2)

و اعلَمْ: أنَّ أبا الحسنِ التِّبْرِيزِيَّ

(3)

خَصَّ في كتابه "الكافي"

(4)

في علوم

(1)

في (خ) الزناد بدون أبي، وهو خطأ والصواب ما أثبتناه وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان القرشي، روى عن أنس وعائشة بنت سعد، وأبي أمامة سعد بن حنيف، وعروة بن الزبير والأعرج وهو راويته، وعنه ابناه عبد الرحمن وأبو القاسم، وصالح بن كيسان، والأعمش، والسفيانان، ومالك.

قال أحمد: ثقة، وقال: كان سفيان يسميه أمير المؤمنين، وقال العجلي مدني تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه صالح الحديث، صاحب سنة، وهو ممن تقوم به الحجة إذا روى عن الثقات، قال ابن معين وغيره مات سنة (131)، وقيل مات سنة (132). انظر "تهذيب التهذيب"(5/ 182).

(2)

وهو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد، وابن عباس، وغيرهم، روى عنه صالح بن كيسان، والزهري، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ومحمد بن إسحاق وغيرهم، قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وقال المقدمي: سئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة فبدأ بابن المسيب، وذكر جماعة قيل له فالأعرج؟ قال دون هؤلاء وهو ثقة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة قال ابن يونس وغير واحد مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. انظر "تهذيب التهذيب"(6/ 257).

(3)

هو علي بن عبد الله بن أبي الحسن الأردبيلي التبريزي، أبو الحسن تاج الدين الشافعي، قال ابن العماد: نزيل تبريز أحد شيوخ العلم المشهورين بتلك البلاد، والتصدي لشغل الطلبة أخذ عن القاضي ناصر الدين البيضاوي، وشرح منهاجه، والحاوي الصغير ولم يكمله

". اه قال ابن حجر: "اختصر علوم الحديث لابن الصلاح اختصارًا مفيدًا". اه وقال العراقي: "كان من خيار العلماء دينًا ومروءةً فانتفع الناس به". اه وقال الذهبي: "حصل جملةً من كتب الحديث وشغل في فنون، وناظر وكثرت طلبته" توفي في القاهرة سنة ست وأربعين وسبع مئة. انظر "الدرر الكامنة" (3/ 73)، "شذرات الذهب" (6/ 148).

(4)

منه نسخة خطية بمكتبة "طبقوسراي" باسطنبول رقم (197)، وعنه نسخة بمعهد المخطوطات رقم (363). ولعله هو "مختصر علوم الحديث" الذي ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة التبريزي في "الدرر الكامنة"(3/ 73).

ص: 259

الحديث المُعْضَلَ - وكذا المنقَطِعَ - بما بَيْنَ طرفَيِ الإسنادِ، وابنُ الصلاحِ لم يخصَّهما بذلك؛ فما حُذِفَ من أول إسنادِهِ واحدٌ، فهو منقطعٌ، عند ابن الصلاح، وما حذف من أوله اثنان متواليانِ، فهو المعضَلُ عنده، وعند التِّبْريزيِّ: كلاهُمَا معلَّق.

و أنَّ الجَوْزَقَانِيَّ

(1)

قال في مقدِّمة كتابه في "المَوْضُوعات"

(2)

: "المعضَلُ أسوأ حالا من المنْقَطِعِ، والمنقطعُ أسوأ حالا من المرسَلِ، والمرسَلُ لا تقُومُ به حجَّةٌ" انتهى، وإنَّما يكونُ المعضَلُ أسوَأَ حالا من المنقطعِ، إذا كان الانقطاعُ في موضِعِ واحدٍ، أما إذا كان في موضَعْينِ أو أكثَرَ - فإنه يساوي المُعْضَلَ في سوء الحالِ، وإنما قيَّدتُّهُ بقَيْد التوالي المستفادِ من مقابِلِهِ وقسيمِهِ؛ ليخرج - حينئذ - المُنْقَطِع الذي سيجيء ذِكْره.

و بعض المحدِّثين أطلق، وقال:"هُوَ ما سقَطَ منه اثنانِ فصاعدًا في الموضِعِ الواحدِ، من أي موضعٍ كان، وإن تعدَّدتِ المواضعُ، سواءٌ كان الساقطُ الصحابيَّ أو التابعيَّ أم غيرهما"؛ فيدخل فيه - كما قال ابن الصَّلاح - قول المصنِّف: "قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أي: كما قال مثلَهُ في المرسَلِ والمنقطع" انتهى.

و مِنَ المعضَلِ قسمٌ ثانٍ، وهو: حذفُ لفظِ النبيِّ والصحابيِّ، ووقْفُ

(1)

وهو الحسين بن إبراهيم بن الحسين الهَمداني الجوزقاني قال ابن النجار: كتب وحصل، وصنف، وأجاد تصنيف كتاب الموضوعات حدثنا عنه عبد الرزاق الجيلي وروى عنه أيضًا ابن طاهر المقدسي، ويحيى بن أحمد الغَضائري، وشيرويه الديلمي، وغيرهم. توفي سنة ثلاثٍ وأربعين وخمس مئة.

انظر ترجمته في: "الأنساب"(3/ 356)، "اللباب"(1/ 307)، "تذكرة الحفاظ"(4/ 1308)، "لسان الميزان"(2/ 269)، "شذرات الذهب"(4/ 136).

(2)

وهو مطبوع بتحقيق الأستاذ عبد الرحمن الفريوائي.

ص: 260

مَتْنِهِ على التابعيِّ؛ كقولِ الأعمش، عن الشعبي:" يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ: عَمِلْتَ كَذَا وكَذَا؟ _! فَيَقُولُ: مَا عَمِلْتُهُ!! فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ؛ فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ أَوْ لِسَانُهُ، فَيَقُولُ لِجَوَارِحِهِ: أبْعَدَكُنَّ اللهُ، مَا خَاصَمْتُ إِلا فِيكُنَّ" رواه الحاكم، وقال عَقِبَهُ: أَعْضَلَهُ الأعمشُ، وهو عند الشعبيِّ متصلٌ مسنَدٌ، رواه مسلم من حديثِ فُضَيْل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس، قال:"كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْروُنَ مِمَّا ضَحِكْتُ؟ " قُلْنَا: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ يَقُولُ يَأ رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي لا أُجِيزُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي شَاهِدًا إِلا مِنِّي فَيَقُولُ: "كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ شَهِيدًا، وبَالْكِرامِ الكَاتِبِينَ عَلَيْكَ شُهُودًا"؛ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ يُقالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي"

(1)

الحديث نحوه.

قال ابن الصَّلاح: "و هذا - أي: جعْلُ القسْمِ الذي حُذِفَ فيه النبيُّ والصحابيُّ من المعضل - حينئذ حَسَنٌ؛ لأن هذا الانقطاعَ باثنَيْن الصحابيِّ والنبيِّ؛ فذاك باتفاقٍ، اسم المعضل أولى.

(1)

أخرجه مسلم (4/ 2280)، وأبو يعلى (3975، 3977)، وابن حبان (7358)، والبيهقي في الأسماء والصفات (217) من حديث أنس رضي الله عنه.

ص: 261

و ما سقَطَ منه راوٍ واحدٌ قبل الصحابيِّ، ولو كان الساقط في مواضع؛ بحيثُ لا يزيدُ الساقطُ في كلٍّ منها على واحدٍ، فهو‌

‌ المنقطعُ

؛ لأنه ليس بمتصل، وخرج "الواحدِ" المعضَلُ، مع أنَّ الحاكم يسمِّيه منقطعًا أيضًا، وبقولي "قبل الصحابيِّ" المرسَلُ.

مثاله: روايةُ مالكٍ، عن يحيى بْنِ سعيد، عن عائشةَ؛ فإنَّ يحيى لم يسمَعْ من عائشة، وإنما سَمِعَ ممَّنْ سَمِعَ منها، وأكثَرُ استعمالِ المحدِّثين المنقطعَ بهذا المعنَى، فأكثَرُ ما يستعمل فيه المنقطع عن ابن عمر. وأكثَرُ ما يستعمل فيه المرسَلُ: ما رواه التابعيُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

و قيل: المنقطعُ: ما لم يتَّصِلْ سنده، ولو سقَطَ منه أكثَرُ من واحدٍ؛ فيدخُلُ فيه المرسَلُ، والمعضَلُ، والمعلَّق".

قال ابن الصلاح: "و هذا أقرَبُ من الأوَّل معنًى، وإن كان الأول أكثَرَ استعمالا؛ لأنَّ الانقطاع ضِدّ الاتصال؛ فيصدق بالواحد، وبالجمع، وبما

ص: 262

بينهما"، قال: "و قد صار إليه طوائفُ من الفقهاءِ وغيرِهِمْ، وقيل غير ذلك ممَّا يطُولُ ذِكْره"

(1)

.

و اعلَمْ: أَنَّ النسَبَ بين هذه الأنواعِ الأربعةِ، تعتَبَرُ بحسب التحقُّق، وبحسب الحمل؛ كما لا يخفى؛ فالنِّسْبة بين المعلَّق. والمرسَلِ هي المباينة الكليَّة، أي: كلَّما تحقَّق المعلَّق، انتفى المرسل، وبالعكس، وبينه وبين المعضَلِ عمومٌ وخصوصٌ من وجه؛ إذْ يجتمعانِ فيما إذا كان الساقطُ اثنان فأكثر، ويتحقَّق التعليقُ فقطْ فيما حُذِفَ من مبدإ إسنادِهِ واحدٌ فقطْ، ويتحقَّق المعضل فقطْ، إذا لم يكنِ السقوطُ من تصُّرف مصنِّف؛ إذ هو أعمُّ من ذلك؛ بخلاف التعليق؛ فإنه مقيَّد به، وبينه وبين المنقطع عمومٌ وخصوصٌ من وجه أيضًا، إذ يتحقَّقان فيما إذا كان الساقطُ واحدًا من أول السند، تصرُّفًا من مصنِّف، ويتحقَّق المعلَّق دونه فيما إذا كان الساقطُ أكثَرَ من واحد، ويتحقَّق المنقطع دونه فيما إذا كان الساقطُ لا مِنْ أوَّل السند، ولو كان في موضعٍ واحدٍ، وبين المرسَلِ والأخيرَيْن مباينةٌ كليةٌ؛ وكذا بين الأخيرَيْن.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(213).

ص: 263

[معرفة التواريخ، ومواليد الرواة ووفياتهم]

(1)

و لمَّا فرغ المصنِّف من تَقْسيم السقْطِ من الإسناد؛ باعتبار ذاته - شَرَعَ في تقسيمه ثانيًا؛ باعتبار صفته؛ وذلك لأنَّ السقوط قِسْمٌ منه ظاهر، يعرفه الحُذَّاق وغيرهم؛ بأن يكونَ مولد الراوي متأخِّرًا عن وفاة مَنْ روى عنه، أو تكونَ جهتهما مختلفًة؛ كخراسان، وتِلِمْسَان، ولم يُنْقَلْ أن أحدهما رَحَلَ عن جهته إلى جهة الآخر؛ ولذلك احتيج إلى التاريخ

(2)

، وهو ابتداءُ ذِكْر مِدَّة الشيْء؛ فإنَّ فيه تقييد مواليدِ الرواة ووَفَيَاتِهِمْ، وسماعِهِمْ، قال الحاكم

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(643، 653)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (232)، "فتح المغيث" - للعراقي (445)"التقييد والإيضاح" - للعراقي (445)"فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 307)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 349)، "توضيح الأفكار" للصنعاني (2/ 498)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (355)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (136).

(2)

قال السخاوي: "و هو فنٌ عظيم الوقع من الدين قديم النفع به للمسلمين، لا يستغنى عنه ولا يعتنى بأعم منه خصوصًا ما هو القصد الأعظم منه، وهو البحث عن الرواة والفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم، لأن الأحكام الاعتقادية والمسائل الفقهية مأخوذة من كلام الهادي من الضلالة، والمبصر من العمى والجهالة والنقلة لذلك هم الوسائط بيننا وبينه، والروابط في تحقيق ما أوجبه وسنه، فكان التعريف بهم من الواجبات، والتشريف بتراجمهم من المهمات، ولذا قام به في القديم والحديث أهل الحديث، بل نجوم الهدي ورجوم العدى". اه "فتح المغيث"(4/ 310) وقال السيوطي: "و هو فن مهم به يعرف اتصال الحديث وانقطاعه وقد ادعن قوم الرواية عن قوم فنظر في التاريخ فظهر أنهم زعموا الرواية عنهم بعد وفاتهم بسنين". اه "تدريب الراوي"(2/ 349).

ص: 264

أبو عبد الله: "لما قَدِمَ علينا أبو جعفر، محمَّد بن حاتمٍ الكَشِّيُّ

(1)

- بفتح الكاف وتشديد المعجمة المكسورة - وحدَّث عن عَبْد بن حُمَيْد

(2)

-: سألتُهُ عن مولده؟ فذكَرَ أنه سنة ستِّين ومِائَتَيْنِ، فقلتُ لأصحابنا: سَمِعَ هذا الشيخُ من عَبْد بن حُمَيْد بعد موتِهِ بثلاثَ عَشْرَةَ سنةً!! "

(3)

.

و قال أبو عبد الله الحُمَيْدِيُّ

(4)

: "ثلاثةُ أشياءَ يجبُ تقديمُ العناية بها:

(1)

محمد بن حاتم بن خُزيمة الكَشّي قال الذهبي: قدم نَيسابور وحدث عن عبد بن حُميد، وعن الفتح بن عمرو الكَشّي صاحب ابن أبي فديك، واتهم في ذلك، روى عنه: الحاكم وكذبه.

وقال: حدثنا إملاءً من كتابه، وذكر أنه ابن مئة وثمانِ سنين، كتب عنه في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة. انظر "سير أعلام النبلاء"(15/ 380) ميزان الاعتدال (3/ 503)، "الضعفاء للذهبي"(2/ 563).

هو عَبْدُ بن حُميد بن نصر الكِشَّي، ويقال له: الكَشَّي بالفتح والإعجام، يقال: اسمه عبد الحميد، حدث عن علي بن عاصم الواسطي، وعبد الرزاق، وأبي داود الطيالسي وغيرهم، حدث عنه مسلم والترمذي والبخاري تعليقًا وروى عنه ولده محمد، والمكي بن نوح وغيرهم. من تصانيفه المسند، والتفسير مات سنة تسع وأربعين ومئتين انظر ترجمته في:"تهذيب التهذيب"(6/ 397)، "السير"(12/ 235).

(2)

في (خ) عبد الحميد وما أثبتناه موافق لما في السير (15/ 380) وغيرها وقد ذُكر في ترجمته أن اسمه عبد بن حميد وقيل: عبد الحميد وما أثبتناه هو الأشهر.

(3)

انظر "ميزان الاعتدال"(3/ 503).

(4)

هو محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي، الحميدي، الأندلسي الفقيه الظاهري، صاحب ابن حزم وتلميذه، لازمه وأكثر عنه، وأخذ عن أبي عمر بن عبد البر والخطيب البغدادي وطائفة قال فيه الذهبي: "الإمام القدوة الأثري، المتقن الحافظ، شيخ المحدثين، حدث عنه: شيخه أبو بكر الخطيب، وأبو عامر العبدري، وإسماعيل بن محمد التيمي، وغيرهم، وقال يحيى بن إبراهيم السَّلَمَاسي:

قال أبي: لم ترعيناي مثل الحميدي في فضله ونبله، وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم، وكان ورِعًا تقيًا، إمامًا في الحديث وعلله ورواته، متحققًا بعلم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة فصيح العبارة

" اه

من تصانيفه: "الذهب المسبوك في وعظ الملوك"، "كتاب الترسل" وغيرهما توفى سنة ثمان وثمانين وأربع مئة.

انظر ترجمته في: "الأنساب"(4/ 233)، "سير أعلام النبلاء"(19/ 120)، "نفح الطيب"(2/ 112).

ص: 265

العِلَلُ، وأحسنُ كتابٍ وُضِعَ فيها: كتابُ [الدَّارَقُطْنِيِّ

(1)

، والمُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ، وأحسن ما وُضِعَ فيه]

(2)

: كتابُ ابن ماَكُولا

(3)

، ووَفَيَاتُ الشُّيُوخ، وليس فيه كتابٌ"

(4)

؛ وكأنه يريد على الاستيعاب.

و قد ظهر التاريخُ في خلافة عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ رضي الله عنه حين

(1)

وقد طبع منه - حتى الآن - أحد عشر مجلدًا

ولم يكتمل. قال الذهبي: "و جمع كتاب العلل في عدة كتب علي بن المديني إمام الصنعة، وجمع أبو بكر الخلال ما وقع له من علل الأحاديث التي تكلم عليها الإمام أحمد، فجاء في ثلاثة مجلدات، وفيه فوائد جمة، وألف ابن أبي حاتم كتابًا في العلل مجلد كبير" اه

"السير"(19/ 124). قلت: أما "علل ابن المديني" فقد طبع جزء منه بتحقيق الأعظمي أما الثاني فلم يطبع، إلا أنه طبع "المنتخب من علل الخلال" لابن قدامة، بتحقيق أخينا في الله أبو معاذ طارق بن عوض الله، أما "علل ابن أبي حاتم" فمطبوع قديما في المطبعة السلفية في مصر، في مجلدين.

(2)

ما بين معكوفين ساقط من المخطوط وأثبتناه من السير (19/ 24).

(3)

هو كتاب "الإكمال": وهو مطبوع في سبعة مجلدات بتحقيق العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي.

وفي المؤتلف والمختلف مصنفات أخرى للأزدي والدارقطني وهي مطبوعة.

(4)

انظر "السير"(19/ 24) وقال الذهبي معلقًا: "قد جمع الحافظ أبو يعقوب القَراب في ذلك كتابًا ضخمًا، ولم يستوعب، ولا قارب، وجمع في ذلك أبو القاسم عبد الرحمن بن منده الأصبهاني كتابًا كبيرًا منثورًا، وعلى ما أشار به الأمير أبو نصر - أي ابن ماكولا - عملتُ أنا "تاريخ الإسلام" وهو كافٍ في معناه فيما أحسب". وانظر "تدريب الراوي"(2/ 350).

ص: 266

افتَتَحَ بلادَ العَجَمِ، ودوَّن الدواوين، وجَبَى الخَرَاجَ، فقيل له: ألا تؤرِّخُ؟! فقال: "و ما التَّأْريخُ؟ " إذ لم يكن في صدر الإسلامِ، فقيل: شَيْء كانتْ تعمله الأعاجمُ، يَكْتُبُونَ في شَهْر كذا من سنة كذا، فقال عمر رضي الله عنه: هذا حَسَنٌ، فقال قومٌ: نَبْدَأُ من مَبْعَثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قوْمٌ: من الوَفَاةِ، وقال قومٌ: من الهِجْرة، ثم اتفقُوا على أن يُبْدَأَ من الهجرة، ثم قال قومٌ: نبدأُ بشَهْر رمضان، وقال آخرون نبدأُ بمُحَرَّم؛ لأنه مُنْصَرَفُ الناسِ من الحجِّ، ثم اتفقوا على أنْ يَبْدَءُوا من محرَّم.

و كانت الهجرة في شَهْر ربيعٍ الأوَّل، وكان مَقْدَمُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينَةَ يوْمَ الاثْنَيْنِ، لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خلَتْ منه؛ فتقدم التاريخ على الهجرة، وعلى قدومه صلى الله عليه وسلم المدينَةَ بشهرَيْنِ، واثنتَيْ عشرة ليلة.

(1)

(1)

انظر "تدريب الراوي"(2/ 353 - 354).

ص: 267

[المدلس]

(1)

و القسم الآخَرُ خَفِيُّ

(2)

، وهو قسمان، أشار المصنِّف إلى الأوَّل منهما بقوله: "فإَنْ خَفِيَ السُّقُوطُ، بِأَلا يَعْرِفَهُ إِلا الحُذَّاقُ، ولا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إِلا الحُفَّاظُ أَهْلُ المَذَاقِ، وذِلَكَ بأَنْ رَوَى عَنْ مُعَاصِرِهِ شَيْئًا لَمْ يَسْمَعَهُ مِنْهُ؛ بِأَنْ يُسْقِطَ مِنْ حَدِيثِهِ مِنَ الثِّقَاتِ لِصِغَرِهِ، أَوْ مِنَ الضُّعَفَاءِ، ولَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ فَقَطْ، ويَرْتَقِيَ لشيخ شيخِهِ فمَنْ فوقه بصيغةٍ تحتملُ السماع؛ كقوله: قال فلانٌ، أو: عن فلان، أو: إنَّ فلانًا قال كذا، ولا يقول: حدَّثنا، ولا أخبرنا، ولا ما يشبه ذلك من الصيغ الصريحة في السماعِ؛ تحرُّزًا من الكَذِبِ، وقد عُرِفَ أنه لَقِيَهُ، سواء لم يسمعْ منه شيئًا أو سَمِعَ منه غَيْرَ الذي رواه عنه، بلفظٍ محتمِلٍ للسماعِ منه، وموهمٍ له، وخرج بهذا القيد: الإرسال؛ فهو المُدَلَّس - بفتح الدال - من التدليس، وهو: اختلاط الكلامِ، سُمِّيَ به هذا النوع؛ لأنه لخفائه أَظْلَمَ أمرَهُ على الواقف عليه؛ لاشتراكهما في الخفاء: خفاءِ الساقطِ في الإسناد المدلَّس، وخفاءِ

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (103)، "الكفاية"- للخطيب (393)، "مقدمة ابن الصلاح"(230 - 236)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (209)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (79)، "الموقظة" - للذهبي (47 - 49)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (50)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (95)"النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 614)، "نزهة النظر"(42)"فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 207)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 223)، شرح "نزهة النظر" - للقاري (116)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (1/ 343)، "لقط الدرر"- للعدوي (66)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (63).

(2)

أي القسم الآخر من أقسام السقوط في الإسناد.

ص: 268

الشواخص ونحوها؛ باختلاط الظلام، والراوي الفاعلُ له يقال له: مُدَلِّس - بكسر اللام - لإبهامه سماعَ ما لَمْ يسمعْهُ، وفعْلُهُ تدليسٌ، والتدليس في اصطلاح المحدِّثين - يقع على أنواعٍ، والمذكورُ في كلامِ المصنِّف نوعٌ منه، وهو تدليسُ الإسنادِ؛ ومنه أن يُسَقِطَ الراوي أداة الروايةِ مقتصرًا على اسْمِ الشيخ، ويفعله أهْلُ الحديث كثيرًا".

مثال: ما قاله ابن خشرم

(1)

: "كنَّا عند ابن عُيَيْنة،

(2)

فقال: قال الزُّهْرِيُّ

(3)

، فقيل له، حدَّثَكَ الزهريُّ؟ فسكت، ثم قال: قال الزهريُّ، فقيل له: سمعْتَ من الزهريِّ؟ فقال: لا، لَمْ أسمعْهُ من الزهريِّ، ولا مِمَّنْ

(1)

هو علي بن خَشْرَم - بمعجمتين، على وزن جعفر - بن عبد الرحمن المروزي، روى عن حفص بن غياث وابن عيينة ووكيع، وحجاج بن محمد، وغيرهم، وعنه: مسلم والترمذي والنسائي، وابن خزيمة وغيرهم، قال النسائي ثقة. توفي سنة (257 هـ) انظر "التهذيب"(7/ 269)، "تقريب التهذيب"(4729).

(2)

هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران مَيمون الهِلالي أبو محمد الكوفي روى عن عبد الملك بن عمير، وأبي إسحاق السبيعي، وأيوب السختياني وسليمان التيمي، وعنه: الأعمش وابن جريج. وشعبة، والثوري ووكيع وغيرهم، قال العجلي: كوفي، ثقة ثبت في الحديث، كان حسن الحديث يعد من حكماء أصحاب الحديث؛ وقال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. قال الواقدي مات يوم السبت أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومئة "تهذيب التهذيب"(4/ 106).

وفد عد الحافظ ابن حجر ابن عيينة في الطبقة الثانية من طبقات المدلسين ممن احتمل الأئمة تدليسهم حيث قال في أصحابها: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح، لإمامته، وقلة "تدليسه في جنب ما روى كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة". اه "طبقات المدلسين" ص (13) وقد سمع ابن عيينة من الزهري وروى عنه كما في ترجمته في "التهذيب"(4/ 106) ولكن هذا الحديث الذي دلس فيه لم يسمعه منه.

(3)

تقدمت ترجمته.

ص: 269

سمعه من الزهريِّ، حدَّثني عبد الَّرزَّاق

(1)

، عن مَعْمَرٍ

(2)

، عن الزهري"

(3)

.

و مثْلُهُ ما رواه عبد الرَّزَّاق

(4)

، عن سفيانَ الثوريِّ

(5)

، عن أبي إسحاق

(6)

عن زَيْدِ بْنِ يُثَيْع

(7)

- بمثنَّاة تحتيَّة مضمومة، ففوقية - مفتوحة، فتحتيَّة

(1)

هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني، روى عن أبيه وعمه، وابن جريج والأوزاعي، ومالك والسفيانين، وعنه ابن عيينة ومعتمر بن سليمان وهما من شيوخه، ووكيع، وأبو أسامة وهما من أقرانه، وأحمد وإسحاق، وعلي ويحيى وأبو خيثمة وغيرهم. قال الحافظ في التقريب: ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع. قال البخاري وغير واحد: مات سنة إحدى عشرة ومئتين. انظر "تهذيب التهذيب"(6/ 275)"التقريب"(4064).

(2)

هو مَعْمَر بن راشد الأزدي الحُدَّاني أبو عروة، سكن اليمن، روى عن ثابت البناني وقتادة، والزهري، وعاصم الأحول، وأيوب، وصالح بن كيسان وآخرين، وعنه: بشيخه يحيى بن أبي كثير، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب وعمرو بن دينار، وشعبة والثوري وابن جريج، هم من أقرانه، قال العجلي: بصري سكن اليمن ثقة رجلٌ صالح، وقال ابن حبان:

كان فقيهًا حافظًا متقنًا ورعًا مات في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومئة، وقال أحمد ويحيى وعلي: مات سنة أربع.

انظر "تهذيب التهذيب"(10/ 219).

(3)

انظر الكفاية ص (359) ومعرفة علوم الحديث ص (105) وجامع التحصيل ص (98).

(4)

تقدمت ترجمته.

(5)

تقدمت ترجمته.

(6)

هو عمرو بن عبد الله بن عبيدابوإسحاق السُّبَيعي الكْوفي روى عن علي بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة، وقد رأهما وقيل لم يسمع منهما، وعن سليمان بن صُرد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب وغيرهم، وعنه ابنه يونس، وابن ابنه إسرائيل بن يونس، وابن ابنه الأخر يوسف بن إسحاق، وقتادة، وسليمان التيمي وشعبة والثوري، وهو أثبت الناس فيه، قال أحمد وابن معين والنسائي: ثقة قال الحميدي عن سفيان مات سنة ست وعشرين ومئة، وقيل ثمان وعشرين وقيل تسع. انظر "التهذيب"(8/ 53).

(7)

هو زيد بن يُثَيْع، بضم التحتانية - وقد تبدل همزة فيقال أثيع - بعدها مثلثة ثم تحتانية ساكنة ثم مهملة - كذا ضبطه الحافظ، روى عن أبي بكر الصديق، وعلي، وحذيفة، وأبي ذر، وعنه أبو إسحاق السبيعي قال العجلي: كوفي تابعي، ثقة. انظر "التهذيب"(3/ 371)"التقريب"(2160).

ص: 270

ساكنة، فعَيْن مهملة - عن حذيفَةَ قال: قَالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنْ وَلَّيْتُمُوهَا أبابَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ، لا تَأْخُذُهُ فيِ اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ"؛ فهذا الحديثُ في صورة المتَّصِل، وهو منقطعٌ في موضعَيْنِ؛ فإنَّ عبد الرزَّاق لم يسمعْهُ من الثوريِّ، وإنَّما سمعَهُ من النُّعْمَان بن أبي شيبة الجَنَدِيُّ

(1)

، عن الثَّوْرِيِّ، ولم يسمعْهُ الثوريُّ من أبي إسحاق - أيضًا - وإنما سمعه من شَرِيكٍ

(2)

، عن أبي إسحاق؛ كما جاء مبيَّنًا من وجه آخر

(3)

، وسماه الحافظُ: تدليسَ القَطْع

(4)

؛ لكنَّهُ مَثَّلَ له بما رواه ابْنُ عَدِيٍّ

(5)

وغَيْرُهُ، عن عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ

(1)

هو النعمان بن أبي شيبة الجَنَديُّ - بفتح الجيم والنون - عن طاوس وعبد الله بن طاوس والثوري. وعنه معتمر بن سليمان وهشام بن عمر، وعبد الرزاق الصنعاني، قال ابن معين: ثقةٌ مأمون كيس كيس. "التهذيب"(10/ 405).

(2)

هو شريك بن عبد الله النَّخَعي أبو عبد الله القاضي، روى عن زياد بن علاقة، وأبي إسحاق السبيعي، وإبراهيم بن جرير، وعنه: ابن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم، وهشيم وغيرهم.

قال الحافظ ابن حجر: صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا عابدًا شديدًا على أهل البدع توفى سنة سبع وسبعين ومئة. "التهذيب"(4/ 304)"التقريب"(2787).

(3)

انظر "الكفاية" ص (359)، "معرفة علوم الحديث" ص (105).

(4)

قال الحافظ في طبقات المدلسين ص (16) ويلتحق بتدليس الإسناد تدليس القطع وهو أن يحذف الصيغة ويقتصر على قوله مثلا الزهري عن أنس". اه

وقال في النكت (2/ 617) وفاتهم فرع "أخر وهو تدليس القطع". اه ومثل له بالمثال المذكور.

(5)

هو عبد الله بن عدي بن عبد الله أبو أحمد الجُرجاني، صاحب كتاب الكامل، سمع النسائي، والحسن بن سفيان النسوي، وأبا يعلى الموصلي، وأبا بكر بن خزيمة، والبغوي، وخلفًا كثيرًا، حدث عنه: شيخه أباالعباس بن عقدة وأبا سعد الماليني، وحمزة بن يوسف السهمي، قال السهمي: كان ابن عدي حافظًا متقنًا، لم يكن في زمانه أحدٌ مثله، وقال أبو يعلى الخليلي: كان أبو أحمد عديم النَّظير حِفظًا وجلالة. قال السهمي: توفى سنة خمس وستين وثلاثة مئة. انظر "تاريخ جرجان"(225)، "الأنساب"(3/ 221)، "تذكرة الحفاظ"(3/ 940).

ص: 271

الطَّنافِسِيِّ

(1)

؛ أنه كان يقُولُ: "حدَّثنا" ثمَّ يسكتُ وينوي القَطْعَ، ثم يقول:"هشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها"

(2)

.

و منه تدليسُ العَطْف، وهو أن يصرِّح بالتَّحْديث عن شيخٍ له، ويَعْطِفَ عليه شيخًا آخَرَ له، ولا يكون سمع ذلك المرويَّ منه.

مثاله: ما رواه الحاكمُ في "علومه"، قال: "اجْتَمَعَ أصحابُ هُشَيْم

(3)

، فقالوا: لا نَكْتُبُ اليَوْمَ عَنْهُ شَيْئًا ممَّا يدلِّسه، ففَطِنَ لذلك، فلمَّا جَلَسَ،

(1)

هو عمر بن عُبَيْد بن أبي أمية الطَّنَافِسِي - بفتح الطاء والنون، وبعد الألف فاء مكسورة ثم مهملة - أبو حفص الكوفي روى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، ومنصور، وعنه: أخواه يعلى وإبراهيم، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وابنا أبي شيبة وغيرهم قال ابن معين صالح، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقال ابن سعد وغيره مات سنة خمس وثمانية. وقيل غير ذلك. "التهذيب"(7/ 406). "التقريب"(4945).

(2)

الكامل لابن عدي.

(3)

هو هشيم بن بشير بن القاسم أبو معاوية الواسطي روى عن أبيه وخاله القاسم بن مهران، وسليمان التيمي، وحصين بن عبد الرحمن ومغيرة بن مقسم، وخلق. وعنه: مالك بن أنس وشعبة والثوري، وهما أكبر منه، ووكيع، وابن المبارك وغيرهم، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ثبتًا يدلس كثيرًا، فما قال في حديثه (أنا) فهو حجة، وما لم يقل فليس بشيء، وقال الحافظ ابن حجر، "مشهورٌ بالتدليس مع ثقته، وصفه النسائي وغيره بذلك". اه

توفي هشيم سنة ثلاث وثمانين ومئة. انظر "تهذيب التهذيب"(11/ 53)، "طبقات المدلسين" ص (47).

ص: 272

قال: حدَّثنا حُصَيْن

(1)

ومُغِيَرة

(2)

، عن إبراهيم

(3)

، وساق عدَّة أحاديث، فلما فرغ قال: هل دلَّسْتُ لكُمْ شيئًا؟ قالوا: لا، فقال: بَلَى كُلُّ ما حَدَّثْتُكُمْ عن حُصَيْنٍ، فهو سماعيٌّ، ولم أَسمَعْ عن مغيرة من ذلك شيئًا"

(4)

، ومع ذلك هو محمولٌ على أنَّه نَوَيً، القطع، ثم قال: وفلان، أي: وحديث فلان.

و اخْتُلِفَ في رواة هذا القِسْمِ، أَمَرْ دُودٌ حديثُهُم أم لا؟: ذَهَبَ جماعةٌ من المحدِّثين والفُقّهاء - حتى عن بعْضِ مَنْ يحتجُّ بالمرسل - وتَبِعَهُمُ المصنِّف كما يُشْعِرُ به ظاهر إطلاقه: أنه مردودٌ مطلقًا، سواءٌ بيَّنوا الاتصالَ أم لا، دلَّسوا عن الثقاة أمْ غيرِهِمْ، نَدَرَ تدليسُهُمْ أم لا؛ لأنَّ التدليس جرح لما فيه من التُّهَمِة والغِشِّ

(5)

.

(1)

هو حصين بن عبد الرحمن السُّلمي أبو الهذيل، روى عن جابر بن سمرة، وزيد بن وهب، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومجاهد وجماعة، وعنه: شعبة، والثوري وهشيم، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم صدوق ثقة في الحديث، وفي آخر عمره ساء حفظه، قال عبد الرحمن بن مهدي: هشيم أعلم الناس بحديث حصين قال مطين: توفي سنة ست وثلاثين ومئة. انظر "التهذيب"(2/ 343).

(2)

هو المغيرة بن مِقسَم الضبي أبو هاشم الكوفي. روى عن أبيه، وأبي وائل، وإبراهيم النخعي، والشعبي وغيرهم، وعنه: شعبة، والثوري، وهشيم، وأبو عوانة، قال أبو حاتم: ثقة، وقال العجلي: مغيرة ثقة فقيه الحديث إلا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم فإذا وقف أخبرهم ممن سمعه، انظر "التهذيب"(10/ 242).

(3)

هو إبراهيم بن يزيد النخعي، وقد تقدمت ترجمته.

(4)

"معرفة علوم الحديث" للحاكم ص (105)، وانظر "طبقات المدلسين" لابن حجر ص (47) حيث ذكر هذه القصة وعدها من عجائب هشيم في التدليس.

(5)

ذكر ذلك الخطيب في الكفاية ص (361) وعزاه لبعض الفقهاء.

وقال الحافظ ابن حجر في النكت: "حكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص"، فقال:"التدليس جرح وإن من ثبت أنه كان يدلس لا يُقبل حديثه مطلقًا - قال -: وهو الظاهر من أصول مالك".

وقال ابن السمعاني في "القواطع": "إن كان إذا استكشف لم يخبر باسم من يروي عنه، فهذا يسقط الاحتجاج بحديثه، لأن التدليس تزوير وإيهام لما لا حقيقة له، وذلك يؤثر في صدقه، وإن كان يخبر، فلا هكذا قال. والصواب الذي عليه جمهور المحدثين خلاف ذلك". اه من النكت ص (2/ 632 ت-633) وانظر هناك المزيد من كلام هذا الفريق والرد عليه وكذا، "جامع التحصيل للعلائي" ص (102)، و"فتح المغيث"(1/ 349) للسخاوي؛ و"التدليس في الحديث" ص (110 - 111) لمسفر الدميني.

ص: 273

و قيل: يُقْبَلُ مطلقًا، كالمُرْسَل عند من يحتجُّ به.

(1)

و قيل: إنْ لم يدلِّسْ إلا عن ثقةٍ؛ كسُفْيان وابْنِ عُيَيْنة - قُبِلَ؛ وإلا فلا.

(2)

وقيل: إنْ نَدَرَ تدليسُهُ، قُبِلَ؛ وإلا فلا

(3)

.

و الأكثرون من المحدِّثين والفُقَهاء والأصوليِّين

(4)

، ومنهم الإمامُ

(1)

أي عند من يحتج بالمرسل وانظر "الكفاية" ص (361)، و"مقدمة ابن الصلاح" ص (99).

(2)

"الكفاية" ص (363 - 364) و"التمهيد"(1/ 28) وقد عزا ابن عبد البر هذا القول ابن عبد البر لائمة الحديث والفقه.

وقد نقل الحافظ في النكت عن البزار في الجزء الذي جمعه فيمن يُترك ويقبل، قال البزار:"إن من كان لا يدلس إلا عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولا".

قال الحافظ: وبذلك صرح أبو الفتح الأزدي، وأشار إليه الفقيه أبو بكر الصيرفي في "شرح الرسالة". وجزم بذلك أبو حاتم ابن حبان وأبو عمر بن عبد البر، وغيرهما في حق سفيان بن عيينة" اه

"النكت على ابن الصلاح"(2/ 624).

(3)

قال السخاوي في "فتح المغيث"(1/ 352): وهو ظاهر جواب ابن المديني، فإن يعقوب بن شيبة قال:"سألته عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل فيه "ثنا" فقال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا". اه.

(4)

قال العلائي: "و الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل""جامع التحصيل" ص (98)

وقال العراقي في "فتح المغيث" ص (81): "وإلى هذا ذهب الأكثرون

وهو قول الشافعي، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهم". اه

ص: 274

الشافعيُّ

(1)

قَبِلُوا مِنْ حديثهم ما صرَّح ثقاتُهُمْ بوَصْله؛ ك "سَمِعْتُ" و"حدَّثنا"؛ لأنَّ التدليس لي كّذِبًا حتَّى يكونَ قادحًا في فاعله، وإنَّما هو تحسينُ ظاهرٍ الإسناد، وضَرْبٌ من الإيهامِ، بلفظ محتملٍ، فإذا بيَّن السماعَ بلَفْظٍ يقتضي الاتِّصَالَ كما سبق - وهو ثقة -: قُبِلَتْ روايتُهُ، واحتجَّ بها؛ لتصريحه فيها بالاتصال

(2)

، وفي الصحيحَيْن وغيرهما عدَّةٌ من هذا القسْم، تخريج لحديثهم، والمصرح فيه بالاتصال؛ كالأعمش

(3)

وهُشَيْم بْن بُشَيْر

(4)

، وقَتَادة

(5)

، وغيرهم، وإذا فَتَّشْتَ الكُتُب الصِّحَاح، تَجِدُ فيها التخريجَ لكثير ممَّا صرَّحوا فيه بالتحديث، بلْ قد يقعُ فيها من بعضهم؛ لكنَّه محمولٌ - كما قال ابنُ الصَّلاحِ

(6)

وغيره -: على ثُبُوت السماعِ عندهم فيه من جِهَةٍ أخْرَى، إذا كان في أحاديث الأصُول لا المتابعاتِ، وإن لم نَقِفْ عليها؛ لقُصُورنا

(7)

، هذا كلُّهُ في تدليس الإسنادِ؛ كما تقرَّر.

(1)

انظر "الرسالة"(379 - 380).

(2)

وانظر "الكفاية"(362)، "والتمهيد"(1/ 17) و"المجموع"(7/ 159).

(3)

تقدمت ترجمته.

(4)

تقدمت ترجمته قريبًا.

(5)

هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري أبو الخطاب، روى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن سرجس، وعن سعيد بن المسيب، وعكرمة وجماعة، وعنه: أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وجرير بن حازم وشعبة وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا حجة في الحديث وكان يقول بشيء من القدر، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالقرأن والفقه، ومن حفاظ أهل زمانه مات بواسط سنة 117 هـ. انظر "التهذيب"(8/ 307).

(6)

لم يصرح ابن الصلاح بذلك في مقدمته وقد أشار الحافظ في النكت إلى أنه صرح بذلك في موضع آخر انظر "مقدمة ابن الصلاح" ص 99، و"النكت"(2/ 635).

(7)

قال ابن الصلاح: "و في الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثيرٌ جدًا - أي من أحا المدلسين الذين صرحوا فيها بالسماع -

". اه وقال الحافظ ابن حجر في "النكت" معلقًا على كلام ابن الصلاح: أورد المصنف هذا محتجًا به على قبول رواية المدلس إذا صرح، وهو يوهم أن الذي في الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث المدلسين مصرح في جميعه، وليس كذلك، بل في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين، وهو محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى، وتوقف في ذلك من المتأخرين الإمام صدر الدين ابن المرحل، وقال في كتاب "الإنصاف": "إن في النفس من هذا الاستثناء غصة، لانها دعوى لا دليل عليها، ولاسيما أنا قد وجدنا كثيرًا من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها".

وكذلك استشكل ذلك قبله العلامة ابن دقيق العيد فقال: "لابد من الثبات على طريقة واحدة، إما القبول مطلقًا في كل كتاب أو الرد مطلقًا في كل كتاب.

وأما التفرقة بين ما في الصحيح من ذلك وما خرج عنه، فغاية ما يوجه به أحد أمرين:

إما أن يُدعى أن تلك الأحاديث عرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها، قال: وهذا إحالة على جهالة، وإثبات أمر بمجرد الاحتمال، وإما أن يدعي أن الإجماع على صحة ما في الكتابين دليلٌ على وقوع السماع في هذه الأحاديث، وإلا لكان أهل الإجماع مجمعين على الخطأ وهو ممتنع. قال: لكن هذا يحتاج إلى إثبات الإجماع الذي يمتنع أن يقع في نفس الأمر خلاف مقتضاه. قال: وهذا فيه عسر.

قال: ويلزم على هذا أن لا يستدل بما جاء من رواية المدلس خارج الصحيح ولا يقال: هذا على شرط مسلم - مثلا - لأن الإجماع الذي يدعى ليس موجودًا في الخارج" انتهى ملخصًا

وفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ أبي الحجاج المزي "و سألته على ما وقع في الصحيحين من حديث المدلس معنعنًا هل نقول: انهما اطلعا على اتصالها؟

فقال: كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما.

وإلا ففيهما أحاديث عن رواية المدلسين ما توجد من غير تلك الطريق التي في الصحيح". قلت - أي ابن حجر -: وليست الأحاديث التي في الصحيحين بالعنعنة عن المدلسين كلاها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط أما ما كان في المتابعات فيحتمل أن يكون حصل التسامح في تخريجها كغيرها.

وكذلك المدلسون الذين خُرج حديثهم في الصحيحين ليسوا في مرتبة واحدة في ذلك، بل هم على مراتب

إلخ": ثم شرع الحافظ في بيان مراتبهم النكت (2/ 634 - 636) وفي كتاب "التدليس في الحديث" للأستاذ مسفر الدميني ص (127 - 135) بحث جيد عن حكم ما في الصحيحين من روايات المدلسين بالعنعنة" ومزيد رد على كلام ابن دقيق العيد، وابن المرحل وغيرهما.

ص: 275

و أمَّا تدليسُ التسوية، وهو النوعُ الثاني المعبَّر عنه عند القدماء ب"التجْويدِ"؛ حيث قالوا: أجود فلانٌ، يريدون: من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء، وهو: أنْ يَرْوِيَ حديثًا عن ضَعِيفٍ بين ثقتَيْن، لَقِيَ أحدهما الآخَرَ؛ فيسقط الضعيف، ويَرْوِي الضعيفُ عَنْ شيخه الثقةِ بلَفْظٍ محتملٍ، فيستوي الإسنادُ؛ حيث صار كلُّهُ ثقاتٌ.

فهو مذمومٌ جدًّا؛ بل شَرُّ أنواعِ التدليس؛ لما فيه من مزيد الغِشِّ والتغطية؛ لأنَّ الثقة الأوَّل قد لا يكونُ معروفًا بالتدليس، ويَجِدُهُ الواقفُ على السَّنَدِ بعد التسوية قَدْ رواه عن ثِقَةٍ آخَرَ، فحكَمَ له بالصِّحَّة ومِمَّنْ كان يفعله: بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيد

(1)

، وقولُ الحافظ أبي بَكْر:"التدليسُ" اسْمٌ ثقيلٌ شنيعُ الظاهر؛ لكن خفيفُ الباطن"

(2)

فهذا المعنى محمولٌ على غير المحرَّم منه؛ لما تقرَّر.

(1)

هو بقية بن الوليد بن صائد الكلاعي، أبو يُحْمِدِ - بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم - الحمصي روى عن: الأوزاعي، وابن جريج، ومالك، وخلق كثير. وعنه: ابن المبارك وشعبة، والأوزاعي، وهم من شيوخه، والحمادان وابن عيينة، وهم أكبر منه، ويزيد بن هارون ووكيع وغيرهما.

قال أبو حاتم: يُكتبُ حديثه، ولا يُحتج به. وقال النسائي: إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة، وإذا قال عن فلان فلا يؤخذ عنه، لأنه لا يُدرى عمن أخذه، وقال ابن معين: إذا حدث عن الثقات مثل صفوان بن عمرو وغيره فاقبلوه، وأما إذا حدَّث عن أولئك المجهولين فلا، وقال الحافظ في التقريب: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء. وقال في طبقات المدلسين: له في مسلم حديث واحد، وكان كثير التدليس عن الضعفاء والمجهولين. "التهذيب"(1/ 434)"التقريب"(734)"طبقات المدلسين"(49).

(2)

نقله السخاوي في "فتح المغيث"(1/ 222) عن ابن دقيق العيد عن الحافظ أبي بكر المذكور، ولم يتبين لي من هو.

ص: 277

قال الحافظُ السخاويُّ

(1)

: "و مِنْ أنواع التَّدْليس، تدْليسُ الشُّيُوخِ، وهو: أن يكونَ للشيْخِ: اسْمٌ، وكُنْيَةٌ، ولَقَبٌ، ونسبةٌ إلى قبيلةٍ أو بلدٍ أو حرفةٍ أو نحوها، وبعضها مشهورٌ؛ لاشتهاره به، وبعضُهَا خَفِيٌّ؛ لعدم اشتهاره به؛ فيذكر الخفيَّ منها لغرضٍ؛ كإخفاء ظهورِهِ، وإيهام كَثْرة الشيوخ بأَنْ يَرْوِيَ عن شيخ واحدٍ في مواضِعَ؛ فيصفه في موضع بصفة، وفي آخر بأخرَى يَوهِمُ أنَّه غيره؛ كما كان الخطيبُ يفعَلُ ذلك.

(2)

وإخفاء الضعيف المرويِّ عنه؛ لتضمنه الخيانةَّ والغِشَّ، وحكم من عرف ألا يُقْبَلَ خبرُهُ؛ كما نقل ذلك العراقيُّ عن

(1)

تقدمت ترجمته

(2)

قال الحافظ زين الدين العراقي: "و ممن اشتهر بتدليس الشيوخ أبو بكر الخطيب فقد كان لهجا به في تصانيفه". اه

"و قد دافع عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال معقبًا على كلام العراقي: "ينبغي أن يكون الخطيب قدوة في ذلك، وأن يُستدل بفعله على جوازه، فإنه إنما يعمي على غير أهل الفن، وأما أهله فلا يخفى ذلك عليهم لمعرفتهم بالتراجم، ولم يكن الخطيب يفعل ذلك إيهامًا لكثرة فإنه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنما يفعل ذلك تعنتًا في العبارة"اه نقلا عن "توضيح الأفكار" للصنعاني (1/ 369).

قال الدكتور أكرم العمري - بعد أن نقل النقلان السابقان: "و تدليس الخطيب للشيوخ من أصعب ما يواجه الباحث في مؤلفاته لذلك نبه العلماء على بعض ذلك، فنبه الحافظ ابن حجر إلى أن الخطيب يذكر (الحاكم النيسابوري) باسم (محمد بن نعيم الضبي)، ونبه الأكفاني إلى أنه يذكر (عبد العزيز بن محمد الكتاني) باسم (عبد العزيز بن أبي طاهر الصيرفي) ونبهت في ثنايا هذه الدراسة على العديد من الأمثلة، فهو يذكر أحمد بن محمد العتيقي) باسم (أحمد بن أبي جعفر القطيعي)، ويذكر (الحسن بن محمد الخلال) باسم (الحسن بن أبي طالب) ويذكر (محمد بن علي الصوري) باسم محمد بن أبي الحسن الساحلي)، ويذكر (محمد بن أحمد بن رزق) باسم (أبو الحسن بن رزقويه) ". اه "موارد الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ص (50).

ص: 278

ابن الصَّبَّاغ

(1)

، وذلك حرامٌ؛ حيث لم يكنِ المرويُّ عنه ثقةً عند المدلِّس، أو تكبُّرًا على المرويِّ عنه بأن يكونَ أصغَرَ من المدلِّس أو أكْبَرَ؛ لكن بيسيرٍ أو بكثيرٍ، لكن تأخَّرَتْ وفاتُهُ حتى شاركَهُ في الأَخْذ من هو دونَهُ، ومعلومٌ أنَّ من استصغَرَ فقد أو لغير ذلك من الأغراضِ.

مثاله: قولُ أبي بكر ابن مُجَاهِدٍ المُقْرِيء

(2)

حدَّثنا عبد الله بن أبي عبد الله؛ يريُد به: الحافظَ عبد اللهِ بْنَ أبي داود السجستانيَّ

(3)

؛ قال ابن الصَّلاح: "و فيه تضييعٌ للمرويِّ عنه"

(4)

، قال العراقي:"و للمرويِّ أيضًا"

(5)

؛ بألا يتنبَّهَ له؛ فيصير راويه مجهولا، وهو قادحٌ في فاعله إنْ كان لغًرض إخفاءِ الضعيف؛ لما مر.

(1)

تقدمت ترجمته ص وانظر نقل العراقي عنه في "التقييد والإيضاح" ص (100) وفي "فتح المغيث" ص (83).

(2)

هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقريء قال الخطيب: كان شيخ القراء في وقته والمقدم منهم على أهل عصره

وكان ثقةً مأمونًا، سمع من سعدان بن نصر وعبد الله بن أيوب المخرمي، وأحمد بن منصور الرمادي وغيرهم، حدث عنه: ابن شاهين والدارقطني، وأبو بكر بن شاذان. من تصانيفه كتاب السبعة في القرأءات. توفى سنة أربع وعشرين وثلاث مئة. انظر "تاريخ بغداد"(5/ 144)"سير أعلام النبلاء"(15/ 272).

(3)

هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث الإمام العلامة الحافظ أبو بكر السجستاني، سافر به أبوه وهو صبي، روى عن أبيه وعمه، وأحمد بن صالح، وإسحاق الكوْسَج، حدث عنه خلق كثير منهم: ابن جِبان، وأبو أحمد الحاكم، وابن شاهين، والدارقطني، وابن المقريء وآخرون قال الذهبي: كان من بحور العلم، بحيث إن بَعضهم فَضله على أبيه؛ صنف "السنن"، و"المصاحف"، و"شريعة المقاريء"، و"الناسخ والمنسوخ، والبعث" وأشياء.

توفي رحمه الله سنة سِت عشرة وثلاث مئة انظر: "تاريخ بغداد"(9/ 464)"سير أعلام النبلاء"(13/ 222)، "ميزان الاعتدال"(2/ 433).

وانظر "فتح المغيث"(83) للعراقي.

(4)

"مقدمة ابن الصلاح" ص (100).

(5)

"فتح المغيث"(83) للعراقي.

ص: 279

و لهم - أيضًا - تدليسُ البَلَدِ؛ كأنْ يقولَ المصريُّ: حدَّثني فلانٌ ب"العراق"، وهو يريدُ: موضعًا ب"إخميم"

(1)

، أو زَبِيد

(2)

، ويريد موضعًا، ب"طوى"

(3)

، أو ب"زقاق حلب"

(4)

، ويريدُ موضعًا ب"القاهرة".، أو بالأندلس، ويريد موضعًا بالقَرَافَةَ

(5)

، أو بما وراء النَّهْر، موهمًا أنه نَهْرُ جَيْحُون

(6)

،

(1)

إخميم: بالكسر ثم السكون، وكسر الميم، وياء ساكنة، ثم ميم أخرى، بلدٌ بالصعيد، وهو بلد قديم على شاطيء النيل بالصعيد. معجم البلدان (1/ 123 - 124).

(2)

زبيد: بفتح أوله، وكسر ثانيه، ثم ياء مثناة من تحت، اسم واد به مدينة يقال لها الحُصيب، ثم غلب عليها اسم الوادي، فلا تعرف إلا به، وهي مدينة مشهورة في اليمن. معجم البلدان (3/ 131).

(3)

طُوى: بضم أوله بتنوين وبغير تنوين، اسم للوادي المذكور في القرآن، وأيضًا طوى: بالفتح والقصر، واد بمكة، قال الداودي، وهو الأبطح. معجم البلدان (4/ 44)، (4/ 45).

(4)

الزقاق: بضم أوله، وآخره مثل ثانيه، وهو في الأصل طريقٌ نافذ، وغير نافذ، ضيق دون السكة، وحَلَبُ بالتحريك، مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات طيبة الهواء صحيحة الأديم والماء، من بلاد الشام، وقال يا قوت: وحلب أيضًا محلةٌ كبيرة في شارع القاهرة بينها وبين الفسطاط. معجم البلدان (3/ 145)، (2/ 282)، (2/ 29).

(5)

القرافة: بالفتح، خطة بالفسطاط من مصر كانت لبني غصنى بن سيف بن وائل من المعافر، وقرافة بطنى من المعافر نزلوها فسميت بهم.

وهي اليوم مقبرة أهل مصر، وبها أبنية جليلة، ومحال واسعة، وسوق قائمة، وبها قبر الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ونُسب إليها قومٌ من المحدثين معجم البلدان (4/ 317).

(6)

جَيْحُون: بالفتح وادٍ عظيم يمر به نهر عرف باسمه، ويجئ جيحون من موضع يقال له ريوساران، وهو جبل يتحل بناحية السر والهند وكابل معجم البلدان (2/ 196).

ص: 280

وهو يريدُ نَهْر عيسى

(1)

ب"بغداد"، أو الجِيَزة

(2)

ب"مصْر"؛ لكنه لا يخلُو عن كراهةٍ، وإن كان صحيحًا في نَفْس الأمْرِ؛ لإيهامه الكَذِبَ بالرِّحْلة، ولما فيه من التشبُّع بما لم يُعْطَ.

و الحاصلُ: أنَّ التدليس بأقسامِهِ مذمومٌ، حتى قال الشافعيُّ رضي الله عنه راويًا عن شُعْبة بن الحَجَّاج

(3)

"إنَّ التدليسَ أخُو الكَذِبِ"

(4)

ولأَنْ أَزْني أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلَّسَ"

(5)

، ولم ينفردْ شعبةُ بذمِّه؛ بل شاركَهُ فيه غيره، وقال الشافعي: "مَنْ عُرِفَ بالتدليسِ مَرَّةً، لا يُقْبَلُ منه ما يُقْبَلُ من

(1)

نهر عيسى: نسبة إلى عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، وهي كورة وقرى كثيرة وعمل واسع في غربي بغداد يُعرف بهذا الاسم، ومأخذه من الفرات معجم البلدان (5/ 322).

(2)

الجِيزَةُ: بالكسر، والجيزة في لغة العرب، الوادي أو أفضل موضع فيه

والجيزة بليدة في غربي فسطاط مصر قبالتها، ولها كورة كبيرة واسعة، وهي من أفضل كور مصر، وقد نسب إليها قومٌ من العلماء منهم الربيع بن سليمان الجيزي. معجم البلدان (2/ 200).

(3)

هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم، أبو بِسْطام الواسطي، ثم البصري أمير المؤمنين في الحديث روى عن: أبان بن تغلب، وأنس بن سيرين، وأيوب السختياني، وحميد الطويل والسفيانين، والأعمش، وعنه: يحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع وابن المبارك وآخرون قال الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا ثبتًا، حجة، صاحب حديث، وقال: توفي سنة ستين ومئة.

(4)

رواه عنه الشافعي كما في الكفاية ص (355)، ومقدمة "الكامل" ص (165)، و"جامع التحصيل"(111).

(5)

رواه عنه المعافى بن عمران كما في "الكفاية"(355) وانظر المزيد من الكلام على ذم شعبة للتدليس وفقه عباراته في "النكت على ابن الصلاح"(2/ 628) وما بعدها.

ص: 281

أهْل النَّصيحة في الصِّدْق، حتى يقولَ: حدَّثني، أو سَمِعْتُ؛ وذلك لأنَّهُ بثبوت تدليسه مرَّةً، صار ذلك ظاهرَ حالِهِ في معنعناته؛ كما أنَّه بثبوت اللقاءِ مرَّةً، صار ظاهرُ حالِهِ السماعَ"

(1)

انتهى.

فعَلى ما ذكر فإنَّ أنواعَ التدليس أربعةٌ، وقد أَدْرَجَ الحافظُ ابن حَجَر تدليسَ التسوية في الأوَّل، ولم يَعْتَبِرِ الرابع، على أنه يمكن إدراجُهُ في تدليس الشُّيُوخ؛ فالتدليس عنده قسمانِ: تدليسُ الإسناد، وتَدْليسُ الشيوخِ؛ وعليه اقْتَصَرَ ابْنُ الصَّلاحِ والنَّوَوِيُّ، وفي الحقيقة: أنّ الثانيَ - أيضًا- داخلٌ في المُنْقَطِعِ على قولٍ فيه؛ لكن بشَرْطِ أنْ يكُونَ الساقطُ ضعيفًا؛ كما تقرَّر، نعم: بعضُهُم لم يقيِّدْ بالضعيف؛ بل سوَّى بينه وبين الثَّقَة، وعليكَ بتقليلِ الأقسام؛ فإنه أقربُ للضَّبْط.

(1)

"الرسالة"(379 - 380).

ص: 282

[المرسل الخفي]

(1)

و أشار إلى الثاني بقوله:

"وَ إِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لَقِيَهُ، فَهُوَ المُرْسَلُ الخَفِيُّ؛ فَإِنَّ الظَّاهِرَ هُوَ مَا كَانَ رَاوِيهِ رَاوِيًا لَهُ عَمَّنْ لم تَثْبُتْ معاصرتُهُ أصْلا؛ بحيْثُ لا يشتَبِهُ إرسالُهُ باتصِّالِهِ على أهْلِ الحديث، والمرادُ بالإرسَالِ - هنا -: مطلق الانقطاعِ، وهو مغايرٌ للمُرْسَل السابق.

مثاله: ما رواه ابن مَاجَهَّ، من حديث عُمَرَ بْنِ عبد العزيز، عن عُقْبة بن عامر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"رَحِمَ اللهُ حَارِسَ الحرس"

(2)

، قال الحافظُ

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(483 - 484)، "اختصار علوم الحديث" لابن كثير (172)"التقيد والإيضاح" -للعراقي (290)، "فتح المغيث" - للعقراقي (339)، "نزهة النظر" لابن حجر (43)، "فتح المغيث" - للسغاوي (69 - 74)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 205)، شرح "نزهة النظر" - للقاري (118).

(2)

أخرجه ابن ماجه (2/ 925) كتاب الجهاد: باب فضل الحرس والتكبير في سبيل الله حديث (2769) والدارمي (2/ 203) وأبو يعلى (1750) والبيهقي (9/ 149) من طريق صالح بن محمد بن زائدة قال: سمعت عمر بن عبد العزيز عن عقبة بن عامر مرفوعًا.

وعمر بن عبد العزيز لم يلق عقبة بن عامر كما سيأتي من قول المزني رحمه الله

وقال الذهبي في "السيرة"(5/ 114): وأرسل عن عقبة بن عامر.

وللحديث علة أخرى غير الانقطاع نبه عليها البوصيري. فقال في الزوائد (2/ 394).

هذا إسناد ضعيف صالح بن محمد ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود والنسائي وابن عدي وغيرهم. اه

ص: 283

أبو الحَجَّاجِ المِزِّيُّ

(1)

في "الأطراف"

(2)

: إنَّ عُمَرَ لم يلْقَ عقبة"

(3)

و عدم اللَّقْيِ يُعْرَفُ بتصريح إمامٍ مُطَّلِعٍ عليه؛ كقول المِزِّيِّ، في عَدَمِ لقاءِ عُمَرَ لعقبة، أو بإخبار الراوي عن نَفْسه بعدمِ اللَّقْيِ.

و اعلَمْ: أنَّ كثيرًا من المحدِّثين جعَلُوا المرسَلَ الخفيَّ مع المدلَّس قسمًا واحدًا، لكنَّ الحقَّ ما ذكره الحافظ ابن حَجَرٍ في شَرْحه، وجرى عليه المصنِّف؛ من الفَرْق بينهما؛ حيث قال: "وَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ اللقَاءِ مَعَ المُعَاصَرَةِ: في التَّدْلِيسِ فَقَطْ-: إِطْبَاقُ أَهْلِ العلْمِ

(1)

هو يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي الدمشقي أبو الحجاج المزي، قال الذهبي: شيخنا الإمام العالم الحبر الحافظ الأوحد، محدث الشام

وكان ثقة حجة كثير العلم حسن الأخلاق كثير السكوت قليل الكلام سمع المسند والكتب الستة، ومعجم الطبراني، وسمع صحيح مسلم من الإربلي، ورحل سنة ثلاث وثمانين، فسمع من العز الحراني، وأبي بكر الأنماطي، وغازي، وهذه الطبقة، وسمع بالحرمين وحلب، وحماة وبعلبك، وغير ذلك

ترافق هو وابن تيمية كثيرًا في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرر طريقة السلف في السنة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية

من تصانيفه كتاب "تهذيب الكمال" و"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف"، توفى في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.

"تذكرة الحفاظ"(4/ 1498).

(2)

أي "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" وهو مطبوع في أربعة عشر مجلدا، بتحقيق الشيخ عبد الصمد شرف الدين.

(3)

"تحفة الأشراف"(7/ 314).

ص: 284

بالحديثِ على أنَّ رواية المُخَضْرِمَينَ

(1)

كأبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ

(2)

وقَيْسِ بْنِ أبي حازم

(3)

، عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل الإرسالِ، لا من قبيل التَّدْليس، ولو كان مُجَرَّد المعاصرة يَكْفي في التدليسِ، لكان هؤلاءِ مدلِّسين؛ لأنَّهُمْ عاصروا النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَطْعًا، لكنْ لم يُعْرَفُ هل لَقُوهُ أم لا.

و ممَّنْ قال باشتراطِ اللقاءِ في التدليسِ فقطِ: الإمامُ الشافعيُّ، وأبو بكرٍ البَزَّارُ، وكلامُ الخطيبِ في "الكفاية" يقتضيه؛ وهو المعتَمَدُ"

(4)

.

أقولُ: ولا يَرِدُ عليه: "إنَّما لم يُطْلَقْ على روايةِ المُخَضْرَمِينَ اسْمُ "التدليسِ"؛ صيانةً لأهل ذلك القَرْنِ عن بَشَاعة هذا اللفْظِ؛ بدليل أنه لا

(1)

قال الحاكم في "علوم الحديث" ص (44): "هم الذين أدركوا الجاهلية وحياة صلى الله عليه وسلم وليست لهم صحبة، منهم أبو رجاء العُطاردي، وأبو وائل الأسدي، وسويد بن غَفَلة، وأبو عثمان النهدي وغيرهم من التابعين". اه

(2)

هو عبد الرحمن بن مُلّ - بلام ثقيلة، والميم مثلثة - أبو عثمان النَّهْدي - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته سكن الكوفة ثم البصرة، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلقه، روى عن عمر، وعلي، وسعد، وسعيد، وطلحة، وجماعة من الصحابة، قال أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي: ثقة، قال ابن معين وغيره، مات سنة مئة، وقال خليفة: مات بعد سنة مئة، وقيل غير ذلك.

انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال"(17/ 424).

(3)

هو قيس بن أبي حازم البَجلي الأحْمَسي أبو عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية ورحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه فقُبض وهو في الطريق، وأبوه له صحبة، ويقال إن لقيس رؤية، ولم يثبت، روى عن أبيه، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وسعد. والزبير، وغيرهم، قال ابن معين: هو أوثق من الزهري، وقال مرة: ثقة، وقال الذهبي: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد أذى نفسه كذا قال.

قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين.

وقيل غير ذلك. انظر "تهذيب الكمال"(24/ 10)، "تهذيب التهذيب"(8/ 335).

(4)

"نزهة النظر" ص (43).

ص: 285

يُطْلَقُ التدليسُ على مَنْ حدَّث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بشيْءٍ لم يسمعْهُ منه، ولو كان حَدُّهُ صادقًا عليه، وأُطْلِق عليه: مُرْسَلُ الصحابيِّ؛ لأنه لا فَرْقَ بين الصحابة وبين هؤلاءِ؛ لأنَّ حديثَ الصحابة كُلَّهُ مقبولٌ؛ لأنهُمْ إنَّما يُرْسِلُون عن مِثْلِهِمْ، وكلُّهم عدولٌ - كما مرَّ غيْرَ مَّرةٍ - وقد تُتُبِّعَ ما أسندوه عن التابعين، فلمْ يوجَدْ فيه حكْمٌ؛ إنما هو أخبارُ الأُمَمِ ونحوها، والتدليسُ إنما هو لأنَّه يوجبُ التوقُّفَ في قَبُولِ ما كان مِنْ خبره بصيغة مُحْتَمِلَةٍ؛ لاحتمال أن يكونَ حّذَفَ الذي حدَّث به، وهو ضعيفٌ، وهذا الاحتمالُ بعَيْنه يمكنُ في المُخَضْرَمِين؛ فإنهم رَوَوْا عن التابعين، فأكْثَرُوا عن الضعفاء وغيِرِهِمْ؛ فلم يَبْقَ إلا التفُّريق بين اللَّقْي وعدمِهِ".

ص: 286

‌أنواع لمردود للطَّعْن في الرَّاوِي

و لما فَرَغَ المصنِّف من بيان المردود للسَّقْط، شَرَعَ في المردود للطَّعْن؛ فقال: والطَّعْنُ يَكُونُ في الرَّاوِي بِوَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ، وهي قسمان:

خمسةٌ منها تتعلَّق بالعدالة

(1)

، وهي - لغةً - التوسُّط في الأَمْرو الاستقامةُ،

و في الاصطلاح: مَلَكَةٌ تَمْنَعُ من فِعْل كبيرةٍ، وأُلْحِقَ بها إصرارُهُ على صغيرةٍ، أي: المداومةُ عليها إنْ لمْ تَغْلِبْ طاعاتُهُ، أما من غلبَتْ طاعاتُهُ، فلا إصرارَ عِنْدَهُ؛ بل لا صغائر أصلا؛ لما قاله الجمهورُ مِنْ أنَّ من غَلَبَتْ طاعتُهُ معاصيَهُ، كان عدلًا، ومَنْ تَغْلِبُ معاصيه طاعَتَهُ، كان مردودَ الشَّهادة، والمرادُ "المَلَكَة" هيَيْئَةٌ راسخةٌ في النَّفْس، ويُعْرَفُ هذا الرسوخُ بغلبة الطاعاتِ؛ إذ ليس للعَدْلِ علامةٌ يُفَرَّقُ بينه وبين غير العَدْل في بدنه، ولا لَفْظِهِ؛ وإنما علامةُ صدقه ما يُخْبِرُ عن حاله في نفسه، فإن كان الأغلَبُ من أمره ظَاهِرَ الخَيْر، قُبِلَ. وهي -أي- الخمسة المتعلقة بالعدالة مجموع ما يذكر بعد لا كل واحد منها حتى يقال لا يصح الحكم على الخمسة بكلِّ واحدٍ من هذه الأمور؛ وبيان ذلك:

(1)

وهذه الخمسة المتعلقة بالعدالة هي: الكذب في الحديث النبوي، التهمة بالكذب ظهور الفسق، الجهل بحال الراوي، البدعة المكفرة.

والخمسة الأخرى متعلقة بالضبط وهي: فحش الغلط، كثرة الغفلة، الوهم، مخالفة الثقات، سوء الحفظ، وسيأتي الكلام عليها.

ص: 287

أن الضَّمِيرَ راجعٌ إلى الخمسة، إلا، أنَّ العطْفَ مقدَّم على الحكْم؛ فكأنه عطف أولا بعضهًا على بَعْض، ثُمَّ حكَمَ على المجموع بأنَّهُ خبر المبتدأ، و مِثْلُ هذا شائعٌ في عبارتِهِمْ،

ص: 288

[الموضوع]

(1)

و مِنْ ذلك المجموع: الكَذِبُ في الحديث النبويِّ، أبي المنسوب إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقدَّمه؛ لأنَّه أشهرها، وهو أنواعٌ،

فمنهم من يفعل ذلك؛ استخفافًا بالدِّين؛ ليُضِلَّ به الناس؛ كالزنادقة

(2)

، وهم: الذين يُبْطِنُونَ الكفْرَ، ويُظْهِرُونَ الإسلام، أو الذين لا يتديَّنون بِدِينٍ،

و منهُمْ من يفعله؛ انتصارًا أو تعصُّبًا لمذاهبهم؛ كالخَطَّابِيَّة

(3)

؛ فرقةٌ

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(279 - 283)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (231)"المنهل الروي" - لابن جماعة (60)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (74)"النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 838)، "نزهة النظر" - لابن حجر (44)، "فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 293)"تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 374)، "توضيح الأفكار" للصنعاني (2/ 70)، "توجيه النظر" - للجزائري (252)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (107)، "لقط الدرر" - للعدوي (70)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (69).

(2)

وقال أبو حاتم ابن حبان في مقدمة كتابه "المجروحين": "فأما الجرح في الضعفاء فهو على عشرين نوعًا"

قال: "فأما النوع الأول من أنواع الجرح في الضعفاء: فهم الزنادقة الذين كانوا يعتقدون الزندقة والكفر، ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر كانوا يدخلون المدن، ويتشبهون بأهل العلم، ويضعون الحديث على العلماء، ويرون عنهم، ليوقعوا الشك والريب في قلوبهم، فهم يُضِّلون ويُضلون، فيسمع الثقات منهم ما يروون، ويؤدونها إلى من بعدهم، فوقعت في أيدي الناس حتى تداولوها بينهم" المجروحين (1/ 63).

(3)

هم أتباع أبي الخطاب الأسدي ويقولون أن الإمامة في أولاد علي إلى أن انتهت إلى محمد بن جعفر الصادق، وكان أبو الخطاب يقول بألوهية جعفر فلما بلغ ذلك جعفر لعنه وطرده، فادعى أبو الخطاب بعد ذلك الألوهية، وفضله اتباعه على جعفر الصادق وخرج أبو الخطاب علي والي الكوفة أيام المنصور فبعث إليه المنصور عسكرًا فأسروه وأمر بصلبه في كناسة الكوفة. ومما يرى الخطابية أيضا: شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم ينظر "التبصير في الدين" للاسفراييني ص 73 - 74.

ص: 289

تننسِبُ لأبي الخَطَّب الأَسَدِيِّ، وكانوا يقولون بالحُلُول، وكالسَّالِمِية، وقد تُنْسَبُ للحسنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ سالمٍ السالِمِيِّ،

و منهم: مَنْ يفعله؛ ليتقرَّبون لبعض الخلفاءِ والأمراءِ بوَضْع ما يوافِقُ أفعالَهُمْ، وآراءَهُمْ؛ ليكُونَ كالعُذْرِ لهم فيما أَتَوْا به؛ كغِيَاث بْنِ إبْرَاهيم

(1)

؛ حيث وضَعَ للمَهْدِيِّ في حديث: لا سَبَقَ إِلا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ"؛ فزاد فيه: "أَوْ جَنَاحٍ"

(2)

، وكان المهديُّ إذْ ذاك - يَلْعَبُ بالحمامِ، فَتَرَكَهَا بعد ذلك، و أمر بذبحها، وقال: أنا حملْتُهُ على ذلك __!! " ومنهم: مَنْ يفعلُهُ لِذَمِّ من يريدون ذمَّهُ.

(1)

هو غياث بن إبراهيم النخعي، قال أحمد: ترك الناس حديثه، وروى عباس عن يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: كان فيما سمعت غير واحد يقول: يضع الحديث، وقال البخاري: تركوه، يكنى أباعبد الرحمن. يُعد في الكوفيين

قال الذهبي: وهو الذي ذكر أبو خيثمة أنه حدث المهدي بخبر: "لا سبق إلا في خف

" فدس فيه: أو جناح، فوصله، ولما قام قال: أشهد أن قَفاك قفا كذاب "ميزان الاعتدال" (3/ 337 - 338).

(2)

أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد"(12/ 323 - 324) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات"(1503) وهو حديث موضوع وضعه حفص بن غياث وينظر "المجروحين"(1/ 66) و"اللالئ المصنوعة"(2/ 232) و"تنزيه الشريعة"(2/ 239) و"الفوائد المجموعة"(174).

وأصل الحديث دون هذه الزيادة الباطلة أخرجه أحمد (2/ 256، 385، 424، 474) وأبو داود (2574) والنسائي (6/ 226) والترمذي (1700) وابن ماجه (2878) من حديث أبي هريرة.

ص: 290

و منهم: مَنْ يفعلُهُ للاكتسابِ والارتزاقِ.

و منهُمْ: من يفعلُهُ لإقامة دليلٍ على ما أَفْتَوْا فيه بآرائِهِمْ.

و منهُمْ: من يفعلُهُ ليتديَّن به؛ لترغيبِ الناسِ في أفعالِ الخَبْر بزعمهم؛ وهم ينتسبون به للزُّهْد.

ثم إنَّ منهم من وضَعَ ذلك مِنْ عنده، ونَسَبَهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

و منهم: من وضَعَ كلامَ الحكماءِ أو الزُّهَّاد أو الصَّحَابة، أو الإسرائيليَّات في المُسْنَدِ المرفوع؛ ترويحيًا؛ كحديثِ:"حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ"

(1)

؛ فإنه من كلام مالكِ بْنِ دينارٍ؛ كما رواه ابن أبي الدنيا في "مقايد الشيطان"، أو من كلام عيسى بْنِ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم كما رواه البيهقيُّ في "كتاب الزُّهْد" وقال في "شعب الإيمان": "و لا أصْلَ له من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من مراسيلِ الحسنِ البَصْرِيِّ

(2)

، ومراسيلُ الحَسَنِ - عندهم - أشبَهُ شَيْءٍ بالرِّيح المرسلة"

(3)

.

و كحديث: "المَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ؛ والْحَمِيَّةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ"

(4)

؛ فإنه من

(1)

لا أصل له مرفوعًا إنما أخرجه أحمد في "الزهد"(ص 92) والبيهقي في "الزهد"(248) وفي "الشعب"(10458) عن عيسى عليه السلام

وقال في المقاصد ص (182): وعند ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" من قول مالك بن دينار وعند ابن يونس في ترجمة سعد بن مسعود التجيبي في تاريخ مصر من قول سعد هذا وجزم ابن تيمية بأنه من قول جندب البجلي رضي الله عنه.

(2)

الحسن البصري هو الحسن بن أبي الحسن البصري روى عن أبي بن كعب، وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب ولم يدركهم، وعن عثمان، وعلي، وأبي موسى، وأنس، وجابر وغيرهم من الصحابة، وعنه حميد الطويل، ويزيد بن أبي مريم، وأيوب وقتادة.

(3)

أخرجه البيهقي في "الشعب"(10501) عن الحسن البصري مرسلاً.

(4)

قال السخاوي في المقاصد ص (389): لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره.

ص: 291

كلام بعض الأطبَّاء، ولا أصل له عن النبيِّ، صلى الله عليه وسلم.

و منهم من لا يقصد بوضَعْه، بَلْ يقع منه توهُّمًا وغَلَطًا؛ نحو حديث ثابتِ بن مُوسَى الزاهِدِ الذي رواه عَنْ شريكٍ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر - مرفوعًا:"مَنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ، حَسُنَ وَجَهُهُ بِالنَّهَارِ"

(1)

؛ فهذا لا أصْلَ له عن النبي صلى الله عليه وسلم ولَمْ يقصدْ ثابتٌ وضعَهُ، وإنما دَخَلَ على شَرِيكِ بن عبد الله القاضِيِ، وهو بمَجْلسِ إملائِهِ عند قوله:"حدَّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر المتْنَ؛ إذ ذكره - على ما اقتضاه كلامُ ابن حِبَّانَ - وهو: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ

(2)

"، فقال شريكٌ - متَّصلا بالسند أو المَتْن، حين نظر إلى ثابتٍ ممازحًا له -: "مِمَّنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ

إلى

(1)

أخرجه ابن ماجه (1/ 422 - 423) كتاب الصلاة: باب ما جاء في قيام الليل حديث (1333) والعقيلي في "الضعفاء الكبير". (1/ 176) وابن عدي في الكامل (2/ 99) وابن الجوزي في الموضوعات (986) من طريق ثابت بن موسى الزاهد قال ثنا شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به.

قال ابن عدي: وسرق هذا الحديث عن ثابت من الضعفاء عبد الحميد بن بحر وعبد الله بن شبرمة وإسحاق بن بشر الكاهلي وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسي وحدثني به بعض الضعاف عن زحمويه وكذب فإن زحمويه ثقة وبلغني عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه ذكر له هذا الحديث عن ثابت فقال: باطل شبه على ثابت وذلك أن شريك كان مزاحًا وكان ثابت رجلا صالحًا فيشتبه أن يكون دخل على شريك وكان شريك يقول: الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فالتفت فرأى ثابت فقال يمازحه: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار فظن ثابت لغفلته أن هذا الكلام الذي قال شريك هو من الإسناد الذي قرأه فحمله على ذلك وإنما ذلك قول شريك والإسناد الذي قرأه متن حديث معروف اه

وينظر الموضوعات (984 - 989) اللآلى المصنوعة (2/ 32 - 35).

(2)

أخرجه أحمد (3/ 315) وابن خزيمة (2/ 176) رقم (1133) وابن حبان (2554) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.

ص: 292

آخره"؛ مريدًا به ثابتًا؛ لزُهْده، ووَرَعِهِ، وعبادته، فظنَّ ثابتٌ أنَّهُ متْنَ السند أو بقيَّته؛ فكان يحدِّث كذلك - متصلا أو مدرجًا له في المَتْن - غفلةً ووهمًا منه.

و اعلَمْ: أن الكذِبَ يُعْرَفُ بالإقرارِ - كما سيجيء أو بمِثْلِهِ؛ كأنْ يحدِّثَ بحديثٍ عن شيخ، ثمَّ يَسْأَلَ عن مَوْلِدِهِ، فيذكره بتاريخٍ يُعْلَمُ به وفاتُهُ قبله، ولا يُعْرَف ذلك الحديث إلا عنده؛ فهذا لم يُقرَّ بوضعه، ولكنَّ إقراره بمَوْلده، يُنَزَّلُ منزلة إقراره بوضعه؛ لأن ذلك الحديثَ لم يثبُتْ إلا عند الشيخِ، ولا يُعْرَفُ إلا بروايتِهِ، أو يُعْرَف برَكَاكة لَفْظه مما يَرْجِع إلى عدم الفصاحة، وما يَتْبَعُها مع التَّصْريح بأنه لَفْظُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو بَرَكاكة معناهِ ممَّا يَرْجِع إلى الإخبار عن الجَمْع بين النقيضَيْن، وعن نَفْي الصانع، أو عَنْ قِدَمِ الأجسام، أو نَحْوِ ذلك، أو بِرَكَاكتهما معًا؛ وقد روى الرَّبِيعُ بنُ خُثَيْمٍ

(1)

التابعيُّ، قال: إِنَّ للحديثِ ضَوْءًا كضَوْءِ النهارِ، تَعْرِفُهُ، وظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ؛ تُنْكِرُهُ"

(2)

،

(1)

هو الربيع بن خثيم بن عائذ أبو يزيد الكوفي.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وعن ابن مسعود وأبي أيوب، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وعنه: ابنه عبد الله، والشعبي، وهلال بن يساف، وإبراهيم النخعي. روى أحمد في الزهد عن ابن مسعود أنه كان يقول للربيع: والله لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وقال الشعبي:"كان الربيع أشد أصحاب ابن مسعود ورعًا"، وقال العجلي:"تابعي، ثقة، وكان خياراً". وقال ابن معين: لا يُسأل عن مثله"، وقال ابن حبان: "أخباره في الزهد والعبادة أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في ذكره، مات سنة 63، وقيل 61. انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" (6/ 182)، "تهذيب التهذيب" (3/ 217). "

(2)

أخرجه ابن سعد في "الطبقات"(6/ 186)

والفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 564)، ووكيع في "الزهد" ص (528)، وأحمد في "الزهد"(338) والرامهرمزي في "المحدث الفاصل"(316) والحاكم في "معرفة علوم الحديث"(62)، وابن عدي في "مقدمة الكامل"(97 - 98) وابن الجوزي في "الموضوعات"(1/ 103).

ص: 293

وقال ابن الجَوْزِيّ

(1)

: "الحديثُ المُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ منه جِلْد الطالب؛ ويَنْفِرُ منه قَلْبُهُ في الغالب؛ وذلك بأن يَحْصُلَ - كما قال ابنُ دقيق العيد - للمحدِّث - لكثرة محاولة ألفاظِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم هيئةٌ نَفْسانيَّةٌ؛ ومَلَكَةٌ قويَّة، يعرفُ بها ما يجوزُ أن يكونَ من ألفاظِ النبوَّة، وما لا يجوز"

(2)

.

قال العراقي

(3)

ما حاصله: "و قد استشكَلَ ابنُ دَقِيقٍ الثَّبَجِيُّ

(4)

القطْعَ بالوَضْع على رواية من أقَرَّ بوضعها، بلا قرينةٍ؛ إذ قد يَكْذِبُ في اعترافه لقَصْدِ التنفير عن هذا المرويِّ أو لغيره، ممَّا يورِّثُ ريبةً؛ وحينئذٍ: فالاحتياطُ ألا يصرِّح بالوَضْع، ويُعْرَضَ عنه، ولا يُحْتَجَّ به؛ مواخذةً له باعترافه"

(5)

.

(1)

هو عبد الرحمن بن علي بن محمد البكري القرشي البغدادي أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي، قال الذهبي: الشيخ الإمام العلامة، الحافظ المفسر، شيخ الإسلام سمع عن أبي القاسم بن الحُصين، وأبي عبد الله الحسين بن محمد البارع، وعلي الدينوري، وأبي الوقت السجزي، وغيرهم. حدث عنه: ولده محيي الدين يوسف، وولده الكبير عليٌ الناسخ، وسبطه الواعظ شمس الدين يوسف، صاحب "مرأة الزمان"، والحافظ عبد الغني، والشيخ موفق الدين بن قدامة، وابن الدبيثي وغيرهم. تصانيفه كثيرة عجيبة منها:"المنتظم" في التاريخ، وزاد المسير في التفسير "تذكرة الأريب"، "صفة الصفوة"، "صيد الخاطر" "تلبيس إبليس" وغيرها كثير. مات سنة سبع وتسعين وخمس مئة. انظر ترجمته في:"الكامل" لابن الأثير (12/ 71)، "وفيات الأعيان"(3/ 140)"سير أعلام النبلاء"(21/ 365)، "البداية والنهاية"(13/ 28).

(2)

"الموضوعات"(1/ 103).

(3)

تقدمت ترجمته.

(4)

قال العراقي في "فتح المغيث" ص (130) الثبجى هو ابن دقيق العيد، وربما كان يكتب هذه النسبة في خطه لأنه ولد بثبج البحر بساحل ينبع من الحجاز، ومنه الحديث الصحيح" يركبون ثبج البحر" أي ظهره وقيل وسطه". اه

(5)

"فتح المغيث"(130) للعراقي، كلام ابن دقيق في:"الاقتراح"(232)، بعد أن ذكر حديث لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر المتقدم ذكره مع قصة غياث - قال ابن دقيق:"و قد ذكر فيه إقرار الراوي بالوضع، وهذا كاف في رده، لكنه ليس بقاطع في كونه موضوعًا، لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه". قال الحافظ ابن حجر: - بعد أن ذكر كلام ابن دقيق -:

"و فهم منه بعضهم أنه لا يُعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفى القطع بذلك. ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم، لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجمُ المُعترف بالزنى، لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به". اه "نزهة النظر" ص (44).

وانظر: "تدريب الراوي"(1/ 275)، "فتح المغيث"(1/ 251).

ص: 294

قال القاضي: "و حاصلُهُ: أنَّ إقراره بوَضْعِهِ كان في رَدِّهِ، لكنْ ليس بقاطِعٍ في كونِهِ موضوعًا؛ لجواز كَذِبِهِ في إقراره؛ ففي الحقيقة: ليس ذلك استشكالا، بل بيانٌ للمراد والواقع؛ إذ لا يُشْتَرَطُ في الحكم القطْعُ؛ بل يكفي غَلَبَةُ الظنِّ"

(1)

. انتهى ملخَّصًا.

و يسمَّى الخَبَرُ الكّذِبُ: موضوعًا؛ من وَضَعَ الشَّيْء، أي حَطَّهُ؛ سمي بذلك لانحطاطِ رُتْبَتِهِ دائمًا؛ بحيث لا ينجبرُ أصلا، ولم يجوِّزِ العلماءُ ذِكْره لمن عَلِمَ أنه كَذِب في أيِّ معنًى كان: من حُكْمٍ، أوِقصَّة، أو ترغيب أو ترهيب، أو غيرها؛ لخبر:"مَنْ حَدَّثَ عَنَّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابِينَ"

(2)

، وكلُّ مَنْ يرويه حصل له الضَّرَر، لاسِيَّمَا مَنْ وَضَعَ ذلك؛ ترغيبًا للخيْر، من نَسَبِ نفسَهُ إلى الصلاح؛ ليحتسبوها عند الله - بزعْمِهِمُ الباطل؛ وجَهْلِهِمُ القاتل - وإنما كانوا أضرَّ؛ لأنهم يَرَوْنَ ذلك. قُرْبَةَ؛ فلا يتركونَهُ، ويُقْبَلُ منهم؛ وثوقًا بهم؛ لِمَا نُسِبُوا له من

(1)

"فتح الباقي"(1/ 281) لزكريا الأنصاري.

(2)

أخرجه مسلم (1/ 9) المقدمة: باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين، وابن ماجه (1/ 15) - المقدمة: باب من حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرى أنه كذب حديث (39) وأحمد (5/ 14) وابن حبان (29) والطحاوي في "مشكل الآثار"(1/ 175) من حديث سمرة.

ص: 295

الزُّهْد والصلاح، وينقُلُهَا عنهم مَنِ اتصف بالخَيْر، والتقوى، وحُسْنِ الظنِّ، وسلامةِ الصدر؛ بحيث يُحْمَلُ كلُّ ما سَمِعه على الصدق، ولا يُهْتَدَي لتمييز الخطإ من الصَّوَاب.

و قد خَلَقَ اللهُ لها نُقَّادًا، واختصَّهُمْ بقوَّة البصيرة في عِلْمِ الحديث، فلَمْ يَخْفَ عليهم حالُ الكَذَّاب وغيرِهِ؛ فبيَّنوا فسادها، وقاموا بأعباء ما تحمَّلوه؛ ومِنْ ثم: لمَّا قيل لابْنِ المبارك

(1)

: هذه الأحاديثُ المصنوعَةُ؟! قالَ: يَعِيشُ لها الجَهَابِذَة؛ {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا

(1)

عبد الله بن المبارك بن واضح أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم، المروزي قال الذهبي: "الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته،

الحافظ الغازي، أحد الأعلام"

طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، سمع من سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وحميد الطويل، وهشام بن عروة، ومالك والليث، وشعبة والأعمش والأوزاعي ومعمر، وغيرهم.

حدث عنه: معمر، والثوري، وأبو إسحاق الفزاري، وابن وهب وابن مهدي، وأبو داود، وعبد الرزاق بن همام وغيرهم.

ارتحل ابن المبارك إلى الحرمين، والشام، ومصر، والعراق، والجزيرة وخُراسان، وحدَّث بأماكن.

وقال أحمد العجلي: "ابن المبارك ثقة ثبت في الحديث، رجلٌ صالح يقول الشعر"، وكان جامعًا للعلم".

وقال العباس بن مصعب "جمع عبد الله الحديث، والفقه والعربية، وأيام الناس، والشجاعة، والسخاء، والتجارة، والمحبة عند الفرق".

وقال الذهبي: "و الله إني لأحبه في الله وأرجو الخير بحبه لما أمنحه الله من التقوى والعبادة والإخلاص والجهاد، وسعة العلم والإتقان والمواساة والفتوة والصفات الحميده.

توفى رحمه الله سنة إحدى وثمانين ومئة.

انظر ترجمته في: "التاريخ الكبير"(5/ 212)، "حلية الأولياء"(8/ 162)"تاريخ بغداد"(10/ 152)"وفيات الأعيان"(2/ 32)، "سير أعلام النبلاء"(8/ 378)، "تذكرة الحفاظ"(1/ 274)، "تهذيب التهذيب"(5/ 382).

ص: 296

لَهُ لَحَافِظُونَ}

(1)

[الحجر: 9] "؛ وذلك نحو ما رُوِىَ عن أبي عِصْمَةَ - نُوحِ بْنِ أبي مَرْيَمَ القُرَشِيِّ المَرْوَزِيِّ

(2)

، قاضي مَرْوَ، الملقَّبِ بالجامع؛ لجَمْعه بين التَّفْسِير والحديث والمغازي والفِقْه مع العِلْمِ بأمور الدنيا - أنه لمَّا رأى النَّاسَ أَعْرَضُوا عن القُرْآنِ - بزَعْمه - واشتَغَلُوا بفِقْهِ أبي حنيفَةَ، ومغازي ابن إسْحَاقَ - مع أنهما من شُيُوخِهِ -: افْتَرَى لَهُمْ مِنْ عِنْدِ نفسِهِ حسبةً - باعترافه - حديثًا في فضائل قراءة السور، ورواه عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه وممَّنْ صرَّح بوضعه الحاكمُ، وقال هو وابْنُ حِبَّان:"إنه جَمَعَ كُلَّ شَيْءٍ إلا الصِّدق"

(3)

؛

و كذا قد اعتَرَفَ راوِي الحديثِ الطويلِ، عن أُبَيِّ بن كَعْب رضي الله عنه في فضائل قراءة السور، بوضعه أيضًا

(4)

؛ فقد قال عبد الرحمن المؤمَّل بْن إسماعيل: حدَّثني به شيخٌ، فقلتُ له: مَنْ حدَّثَكَ؟ فقال رجلٌ بالمدائن، وهو حّيٌّ، فصِرْتُ إليه، فقال: حدَّثني به شيخ بالبصرة فصرت إليه فقال حدثني به شيْخٌ بِعَبَّادَانَ، فَصِرْتُ إليه، فأخَذَ بيَدِي، فأدخَلَنِيِ بيتًا، فإذا فيه قَوْمٌ من

(1)

انظر "تقدمة الجرح والتعديل" ص (3)، ومقدمة "الكامل" ص (167) و"الموضوعات" لابن الجوزي (1/ 46).

(2)

هو نوح بن أبي مريم يزيد بن عبد الله، أبو عصمة المروزي، يُعرف بنوح الجامع قال الذهبي:"لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطاة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن ابن إسحاق"، قال أحمد: لم يكن بذاك في الحديث، وقال مسلم وغيره: متروك الحديث. وقال الحاكم: وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل.

وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما أوردت له لا يُتابع عليه، وهو مع ضعفه يُكتب حديثه.

"ميزان الاعتدال"(4/ 279).

(3)

ينظر "علوم الحديث" للحاكم ص: و"المجروحين" لابن حبان (3/ 48).

(4)

ينظر "تدريب الراوي"(1/ 288 - 289) والحديث أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات"(473، 474)

وينظر اللالئ "المصنوعة"(1/ 226 - 228).

ص: 297

المتصوِّفة، ومعهم شيخٌ، فقال: هذا الشيْخُ حدَّثني به، فقلت له: يا شيْخُ، مَنْ حدَّثَكَ بهذا؟ فقال: لم يحدِّثْنِيِ به أحدٌ، ولكنَّا رأينا الناسَ رَغِبُوا عن القُرْآنِ، فوضَعْنَا لهم هذا الحديثَ؛ ليَصْرِفُوا قلوبَهُمْ إلى القرآن.

و قد أخطأ مَنْ وضع ذلك، في تفسير ونحوِهِ، لاسيَّمَا الزمَخْشَرِيُّ

(1)

، ومَنْ تبعه؛ كالبَيْضاويِّ

(2)

ونحوه؛ حيث أوردوه بِصِيغَةِ الجَزْم، ولم يبرز سنده.

(1)

هو محمود بن عمر بن حمد أبو القاسم الزمخشري النحوي من شيوخه: أبو نصر محمد بن جرير، وأبو الحسن علي بن المظفر النيسابوري وأبو مضر الأصفهاني، وغيرهم

قال السمعاني: برع في الأدب، وصنف التصانيف، ورد العراق وخراسان، ما دخل بلدًا إلا واجتمعوا عليه، وتلمذوا له، وكان علامة نسابةً، جاور مدة حتى هبت على كلامه رياح البادية مات ليلة عرفة سنة ثمانٍ وثلاثين وخمس مئة.

وقال ابن خليكان: له الفائق في غريب الحديث، وربيع الأبرار، وأساس البلاغة، ومشتبه أسامي الرواة

و غيرها. قال الذهبي: كان داعية إلى الاعتزال.

انظر ترجمته في: "الأنساب"(6/ 297)، "الكامل"(11/ 97). "وفيات الأعيان"(5/ 168)، "سير أعلام النبلاء"(20/ 151). "شذرات الذهب"(4/ 118).

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تفسيره: "و أما الزمخشري فتفسيره محشو بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن، وأنكر أن الله مريد الكائنات، وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة"، ثم ذكر أصولهم الخمسة وتكلم عليها ثم قال:"و هذه الأصول حشا بها الزمخشري كتابه بعبارة لا يهتدي أكثر الناس إليها، ولا لمقاصده فيها، مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين". اه مقدمة في أصول التفسير ص 104 وانظر مقدمة ابن خلدون ص (491) ومباحث في علوم القرآن - للشيخ مناع القطان ص 381.

(2)

البيضاوي هو ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر البيضاوي وقد تقدمت ترجمته.

أما تفسيره، فهو تفسير متوسط الحجم، جمع فيه بين التفسير والتأويل، على مقتضى قواعد اللغة العربية، وقد اختصر البيضاوي تفسيره من الكشاف للزمخشري، ولكنه ترك ما فيه من إعتزالات، وإن كان أحيانًا يذهب إلى ما يذهب إليه صاحب الكشاف، كما أنه وقع فيما وقع فيه صاحب الكشاف من ذكره في نهاية كل سورة حديثًا في فضلها وما لقارئها من الثواب والأجر عند الله، وكذلك استمد من التفسير الكبير للرازي، وتفسير الراغب الأصفهاني؛ وضم لذلك بعض الأثار الواردة عن الصحابة والتابعين، كما أنه يتعرض عند أيات الأحكام لبعض المسائل الفقهية بدون توسع منه في ذلك. إضافة إلى بعض النكات واللطائف والاستنباطات الدقيقة التي حلى بها كتابه.

ص: 298

وجوَّز الكَرَّاميَّة

(1)

وَضْعَهُ؛ ترغيبًا وترهيبًا؛ زجَرًا عن المعصية؛ محتَجِّين في ذلك بأنَّ الكَذِبَ في الترغيب والترهيب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لكونه مقويَّا للشريعة، لا عَلَيْهِ، والكذبُ عليه إنما هو كأنْ يقالَ: إنه ساحرٌ أو مجنونٌ أو نَحْوُ ذلك؛ تمَّسكُوا في ذلك بخبر: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ لِيُضِلَّ النَّاسَ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"

(2)

، وتمسُّكُهم مردودٌ؛ لأن ذلك كذبٌ عليه في موضعٍ الأحكامِ؛ فإنَّ المندوب منها، ويتضمَّن ذلك الإخبارَ عن الله تعالَى بالوَعْد على ذلك العَمَلِ بالثواب، ولأنَّ لفظةً "لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ" اتفق

(1)

هم أتباع محمد بن كرام السجستاني، لهم اعتقادات باطلةٌ زائغة قال الذهبي عنهم وعن شيخهم: "حتى التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها

كان يقول: الإيمان هو منطق اللسان بالتوحيد، مجرد عن عقد قلب، وعمل جوارح، وقال خلقٌ من أتباعه أن الباري جسمٌ لا كالأجسام، وأن النبي تجوز منه الكبائر سوى الكذب

وقد سجن ابن كرام ثم نُفي، وكان ناشفًا عابدًا، قليل العلم، وكانت الكرامية كثيرين بخراسان ولهم تصانيف، ثم قلوا وتلاشوا، نعوذ بالله من الأهوا" "السير" (11/ 523).

(2)

أخرجه ابن عدي في "الكامل"(1/ 83) من طريق الفزاري عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء به والفزاري هو محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك وله شاهد من حديث عمرو بن حريث

أخرجه الطبراني في الكبير - كما في المجمع (1/ 146) وقال الهيثمي: وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف

وله طرق أخرى ذكرها الشيخ الألباني في الضعيفة (1011) وحكم بنكارة هذه اللفظة: "ليضل به الناس"

وينظر "الكامل" لابن عدي (1/ 83 - 84).

ص: 299

الأئمَّة على وضعها، وبتقدير قَبُولها، فاللامُ ليسَتْ للتعليل - ليكون لها مفهوم - بل للعاقبةِ؛ كما في قوله تعالى:{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وخَزَنًا} [القصص: 28]؛ لأنَّهُمْ لم يلتقطوه لذلك، أو للتأكيد؛ كما في قوله تعالى:{فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ} [الأنعام: 144]؛ إِذِا فتراءُ الكذِبِ على الله محرَّمٌ مطلقًا، سواءٌ قَصَدَ به الإضلالَ أم لا

و من ذلك المجموعِ

(1)

التُّهَمَةُ بذلك، أي بالحديث النبوي إمَّا لكونه تفرَّد بروايته، وكان ذلك مخالفًا للقواعد المعلومة [و إما]؛ لكونه مَعْرُوفًا بالكذِبِ في غيره؛ كحديث صَدَقَةَ الدَّقِيقِيِّ، عن فَرْقَدٍ، عن مُرَّةً الطَّيِّبِ، عن أبي بكر

(2)

،

و حديثِ عَمْرِو

(3)

بن شَمِرٍ، عن جابرٍ الجُعْفِيِّ، عن الحارث، عن علي، وكُلٌّ من صَدَقَةَ

(4)

وعَمْرٍو

(5)

كان مُتَّهَمًا بالكذب في غير الحديثِ النبويِّ،

(1)

أي ومن مجموع الأمور التي يطعن بها في الراوي.

(2)

وهذا من أوهى الأسانيد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد نص على ذلك الحاكم وغيره وينظر "علوم الحديث"(ص 57) و"تدريب الراوي"(1/ 180).

(3)

في المخطوط "عمر" والصواب ما أثبتناه من "المجروحين" و"الميزان" وغيرهما.

(4)

هو صدقة بن موسى الدقيقي البصري أبو المغيرة، ويقال: أبو محمد السلمي البصري، روى عن ثابت البناني، وأبي عمران الجوني، ومحمد بن واسع وغيرهم. وعنه: يزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وأبو نعيم، وغيرهم.

قال مسلم بن إبراهيم: كان صدوقًا، وقال ابن معين مرة: ليس حديثه بشيء، وقال ابن معين أيضًا وأبو داود والنسائي والدولابي: ضعيف. وقال الترمذي: ليس عندهم بذاك القوي وقال أبو حاتم: لين الحديث يُكتبُ حديثه ولا يحتج به ليس بقوي، وقال ابن حبان: كان شيخًا صالحًا إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان إذا روى قلب الأخبار حتى خرج عن الاحتجاج به. "المجروحين"(1/ 369)، "ميزان الاعتدال"(2/ 312)"تهذيب التهذيب"(4/ 383).

(5)

في المخطوط "عمر" والصواب "عمرو" وهو عمرو بن شمر الجعفي الكوفي يروي عن جعفر بن محمد، وجابر الجعفي، والأعمش قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال الجوزجاني زائغٌ كذاب وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان رافضيًا يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات في فضائل أهل البيت وغيرها لا يحل الكتابة عنه إلا على جهة التعجب، مات سنة سبع وخمسين ومائة. "المجروحين"(2/ 75)، "ميزان الاعتدال"(3/ 268).

ص: 300

ولا يُبَالى به، وإن كان كذبُهُ في حديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليْسَ بمتحقِّقٍ؛ فإنَّ من تجرَّأ على الكذبِ مطلقًا أمْكَنَ أن يَكْذِبَ في الحديث النبويِّ، وأيضًا إنَّ من كان بهذه المثابة لا اعتماد على كلامِهِ مطلقًا؛ فكيف في الأحاديثِ النبويَّة؛ والأحكامِ الشرعيَّة

(1)

، والشق الثاني أهون من الأول.

و منه

(2)

- وهو ثالثُهَا - ظهورُ الفِسْقِ؛ بأن ارتكَبَ كبيرةً، فعليَّةً أو

(1)

ذكر العلامة المعلمي عليه رحمة الله في "التنكيل" قاعدة في رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي ونقل نقولات عن غير واحد من الأئمة في المسألة، ومن ذلك قول مالك: لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ عن معلن بالسفه، وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ عن كذاب يكذب في حديث الناس إذا جرب عليه ذلك، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم "

قال المعلمي: أسنده الخطيب في الكفاية ص (116) إلى مالك

ثم قال ص (117)"باب في أن الكاذب في غير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ترد روايته - وقد ذكرنا أنفًا قول مالك بن أنس، ويجب أن يُقبل حديثه إذا ثبتت توبته" ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك. وأسند - أي الخطيب - ص 23 - 24 إلى الشافعي

ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا منها أن يكون من حدث به ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه"

وفي "لسان الميزان"(1/ 469): قال ابن أبي حاتم عن أبيه أن يحيى بن المغيرة سأل جريرًا - ابن عبد الحميد - عن أخيه أنس فقال: قد سمع من هشام بن عروة ولكنه يكذب في حديث الناس فلا يْكتب عنه"

ثم نقل كلام الحافظ في "النخبة" و"نزهة النظر" وكذا عن غيره، فانظره فإنه نفيس "التنكيل"(1/ 32 - 35) وانظر كتابنا "بلوغ الأماني من كلام المعلمي اليماني" طبع أضوء السلف بالرياض. ص (42 - 45).

(2)

أي من الأمور التي يطعن بها في الراوي.

ص: 301

قوليةً، من غير عُذْر، أما مِنْ عُذْر في فِعْلٍ مفسِّقٍ - ولو كان قطعيًّا مقبولٌ في الأصحِّ، سواءٌ اعتقَدَ الإباحَةَ أو لم يعتقدْ شيئًا - للعُذْر - بخلاف مَنْ عَلِمَ التحريمَ بإخبار، أو تديَّنَ بالكذب؛ فلا يُقْبَلُ قطعًا.

و هذا التفصيلُ منقولٌ عن الشافعيِّ.

أمَّا في المظنون: فكقوله: إِذَا شَرِبَ الحَنَفِيُّ النبيذَ مِنْ غَيْر سُكْرٍ، أَقْبَلُ الكلام للشافعي يوثَّق شهادتَهُ واحدًة؛ لأنَّه لم يُقْبِلْ عليه بجرأة، ودليلُ تحريمه ليس قطعيًّا حتى لا يُعْتَبَرَ معه، فتقبل روايتُهُ.

و أما في المَقْطُوع: فكقوله: أقبَلُ روايةَ أَهْل الأهواءِ إلا الخَطَّابيَّة

(1)

، وتوجيهُهُ فيهما: أن المقتضِيَ لقَبُولِ روايته قائمٌ، وهو ظنُّ صِدْقِه؛ لأنه يرى الكَذِبَ قبيحًا لغَيْه، والمعارضُ المتَّفَق عليه مُنْتَفٍ؛ فوجَبَ أن يُقْبَل؛ عملا بالمقتضِى.

و قيل: لا يُقْبَل؛ لارتكابه المفسِّق، وإنِ اعتقَدَ الإباحة.

و قيل: يُقْبَل في المظنون دون المقطوع؛ لأنَّ ظَنَّ الصدْقِ يَضْعُفُ في المقطوعِ دون المظنون،

و لا الكبيرةِ حُدُودٌ كلُّها مدخولةٌ، فالأَوْلَى تعريفها بالعد والتفصيل ب "الزواجر"

(2)

للعلامة ابن حجر الهيثمي

و ضده - وهو رابعها

(3)

- الجَهْلُ بحال الراوِيِ؛ بأن كان مَسْتُورَ،

(1)

هم أتباع أبي الخطاب الأسدي وقد تقدم التعريف بهذه الفرقة وبدعتهم مكفرة لأنهم يقولون بألوهية الأئمة بل إن أباالخطاب نفسه قد ادعاها وكذلك يستجيزون الكذب، وشهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم. وانظر ص 413.

(2)

هو كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر وقد تعرض فيه لتعريف الكبيرة، وما وقع للناس في عدها وما يتعلق بذلك، ثم ختم الكتاب بفصل في التوبة وذكر النار وصفتها والجنة ونعيمها. وللكتاب عدة طبعات.

(3)

أي رابع الأمور التي يطعن بها في الراوي من جهة العدالة.

ص: 302

العدالة، فلا تُقْبَلُ روايتُهُ؛ لانتفاء تحقُّق الشَّرْط؛ فإنَّ من كان مجهولا، احتمل أن يكون صادقًا، وأنْ يكونَ كاذبًا؛ فوقع الشَّكُّ في تعديله وجَرْحه؛ فلا عِبْرَةَ بروايته.

و اكتفَى أبو حنيفة رضي الله عنه بالإسلام وعَدَمِ ظُهُورِ الفِسْق؛ قال: لأنَّه يظنُّ من عدالته - في الظاهر - عدالتُهُ في الباطنِ، ووافقَهُ - من الشافعيَّة-

(1)

ابن فُورَكَ

(2)

وسَلِمٌ الرازيُّ

(3)

، وعزاه قومٌ

(1)

قال الزركشي الشافعي في "تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع": " وقال أبو حنيفة يقبل اكتفاء بالإسلام، وعدم ظهور الفسق، ووافقه منا ابن فورك كما نقله المازري في "شرح البرهان" وسليم كما رأيته في كتاب "التقريب في أصول الفقه" "تشنيف المسامع" (2/ 995).

(2)

هو محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني أبو بكر الشافعي؛ الفقيه الأصولي، النحوي المتكلم، سمع ابن خُرزاذ وحدث عنه: أبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القُشيري، وأبو بكر بن خلف، قال ابن خلكان: أبو بكر الأصولي، الأديب النحوي الواعظ، درَّس بالعراق مدةً، ثم توجه إلى الري

وكان شديد الرد على ابن كرام

قال الذهبي: "كان أشعريًا، رأسًا في فن الكلام، أخذ عن أبي الحسن الباهلي صاحب الأشعري" اه

قلت: ذُكرت عنه أقوال فاسدة في علم الكلام ومن ذلك فقد نقل أبو الوليد الباجي أن السلطان محمود سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان رسول الله، وأما اليوم فلا، فأمر بقتله بالسم. توفي سنة 406 هـ انظر ترجمته في:"طبقات الشافعية"(4/ 127)، "سير أعلام النبلاء"(17/ 214)، "وفيات الأعيان"(4/ 272)، "شذرات الذهب"(3/ 181).

(3)

هو سُلَيم بن أيوب بن سُلَيم أبو الفتح الرازي الشافعي قال الذهبي: الإمام شيخ الإسلام

حدث عن: محمد بن عبد الملك الجُعفي، والحافظ أحمد بن محمد بن البصير الرازي، وحمد بن عبد الله، صاحبي ابن أبي حاتم، وأحمد بن فارس اللغوي والأستاذ أبي حامد الأسفراييني وتفقه به.

حدث عنه: أبو بكر الخطيب، وأبو نصر الطُريثيثي والفقيه نصر المقدسي وأبو القاسم النسيب وغيرهم، وسكن الشام مرابطًا، ناشرًا للعلم احتسابًا، قال النسيب: هو ثقة، فقيه، مقرئ محدث، قال أبو القاسم بن عساكر:"حدثتُ عنه أنه كان يحاسب نفسه في الأنفاس، لا يدع وقتًا يمضي بغير فائدة، إما ينسخ أو يُدَرِّس، أو يَقْرَأ" من تصانيفه: "ضياء القلوب في التفسير"، و"التقريب" و"الإشارة" و"المجرد"، و"الكافي" في الفقه توفي سنة سبع وأربعين وأربع مئة انظر:"تهذيب الأسماء واللغات"(1/ 231)، "وفيات الأعيان"(2/ 397)، "طبقات الشافعية الكبرى"(4/ 388)، "شذرات الذهب"(3/ 275).

ص: 303

إلى الشافعيِّ

(1)

، وهو غلطٌ توهَّموه من قوله:"ينعقدُ النكاحُ بشهادة المستُورِينَ"، وذَكَرَ صاحب البديع

(2)

وغَيْرُهُ من الحنفيَّة - أن أباحنيفَةَ رضي الله عنه إنَّما قَبِلَ ذلك في صدر الإسلام؛ حيثُ كان الغالبُ على الناسِ العدالَةَ، فأما اليوْمَ، فلا بُدَّ من التزكية

(3)

؛ لغلبة الفسق

(4)

"؛ وهذا هو الصحيح.

(1)

انظر "الأم" للشافعي (5/ 24) حيث قال: "و لو جهلا حال الشاهدين، وتصادقا على النكاح بشهادة المستورين - جاز النكاح".

(2)

صاحب البَديع هو مظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي الحنفي ت 694 هـ. وقد تقدمت ترجمته والكلام على كتابه، وبينا ما يقع من الاشتباه بين بدائع الصنائع للكاساني، والبديع للساعاتي.

(3)

وهو اختيار الكمال بن الهمام نقلا عن ظاهر الرواية عن أبي حنيفة في مجهول الحال، وأنه لابد من التزكية، أما ظاهر العدالة، وهو ما التزم أوامر الله ونواهيه، ولم يظهر فيه خلاف ذلك وباطن أمره غير معلوم فهو - عدل وتقبل روايته.

تيسير التحرير (3/ 48، 49).

بينما يخصص السرخسي قبول العدالة الظاهرة بالقرون الثلاثة فيقول: "المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه، ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته، فيكون خبره حجة" انظر أصول السرخسي (1/ 352)، المسودة (228)"تدريب الراوي"(1/ 317).

(4)

حكى الإمام مسلم في صحيحه الإجماع على رد خبر الفاسق فقال: إنه غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهاداتهم مردودة عند جميعهم" انظر صحيح مسلم بشرح النووي (1/ 61 - 62). وهو ما نقله السرخسي عن محمد بن الحسن انظر أصول السرخسي (1/ 370).

ص: 304

و قال إمامُ الحرمينٍ

(1)

: "يُوقَفُ عن القَبُول والرَّدِّ إلى أن يظهر حاله بالبَحْث عنه، أما المجهول باطنًا وظاهرًا فمردودٌ قطعًا - كما عليه الجمهورُ - لانتفاءِ تحقُّق العدالة وظنِّها"

(2)

.

و أمَّا من وصفَهُ إمامٌ من أئمَّة المحدِّثين - كمالكٍ والشافعيٌ والبخاريِّ بلا تهمةٍ

(3)

، أو بكونه ثقةً، وذلك كقول مالك - قليلا -:"قال الثقَةُ، عن عَمْرو بن شُعَيْب"؛ وذكر ابن عبد البر أن المراد به عبد الله بُنْ وَهْبٍ

(4)

، فقيل: الزهريّ

(5)

، وكقول الشافعيِّ- كثيرًا -: "أخبَرَنيِ

(1)

تقدمت ترجمته.

(2)

انظر البرهان لإمام الحرمين (1/ 397).

(3)

أي بقوله حدثني من لا أتهم.

(4)

هو عبد الله بن وهب بن مسلم القُرشي مولاهم أبو محمد المصري، روى عن مالك، واليث بن سعد، وسليمان بن بلال والسفيانان، وغيرهم. وعنه: شيخه الليث، وعبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني، وعبد الرحمن بن مهدي، والربيع المرادي وغيرهم. قال العجلي:"مصري ثقة صاحب سنة رجلٌ صالح صاحب آثار" وقال أحمد: كان ابن وهب له عقلٌ ودين وصلاح، صحيح الحديث، وقال أبو زرعة: هو ثقة قال حاتم بن الليث الجوهري عن خالد بن خداش قريء على ابن وهب كتاب أهوال يوم القيامة - يعني من تصنيفه - فخر مغشيًا عليه فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام قال: فنرى والله أعلم أنه انصدع قلبه، فمات بمصر سنة سبع وتسعين ومئة " انظر "تهذيب التهذيب" (6/ 66).

قلتُ: ولعل إبهام مالك لابن وهب إذا روى عنه لكون ابن وهب من تلاميذ مالك. والله أعلم.

(5)

قال السيوطي في التدريب: "لو قال نحو الشافعي أخبرني من لا أتهم فهو كقوله أخبرني الثقة، وقال الذهبي: "ليس بتوثيق لأنه نفي للتهمة، وليس فيه تعرض لإتقانه ولا لأنه حجة".

قال ابن السبكي: "و هذا صحيح غير أن هذا إذا وقع من الشافعي على مسألة دينية فهي والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي، فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي، أما من ليس مثله فالأمر كما قال" اه

قال الزركشي: والعجب من اقتصاره - أي ابن السبكي - على نقله عن الذهبي مع أن طوائف من فحول أصحابنا صرحوا به، منهم: السيرافي والماوردي والروياني". اه "تدريب الراوي" (1/ 311 - 312).

وقال أيضًا: "و روينا في مسند الشافعي عن الأصم قال: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال أخبرني من لا أتهم يريد به إبراهيم بن أبي يحيى".

ص: 305

الثقَةُ، أو مَنْ لا أتهمُهُ"

(1)

؛ فهو مقبولٌ في الأصحِّ

(2)

؛ لأنه لا يصفه بذلك إلا وهو كذلك.

(3)

(1)

فائدة: قال شيخنا عبد العزيز العبد اللطيف: "هناك فرقًا بين الإبهام بلفظ "حدثني الثقة" والإبهام بلفظ "حدثني من لا أتهم"، فإن اللفظة الأولى: حدثني الثقة" أرفع بكثير لصراحتها في التوثيق بخلاف اللفظة الثانية: "حدثني من لا أتهم"، فإنها لا تفيد بلوغ الراوي منزلة الثقة إذ لا يلزم من عدم اتهام الراوي توثيقه من جانب الضبط وغاية العبارة نفي التهمة دون تعرض للإتقان" اه.

ضوابط الجرح والتعديل ص (78).

(2)

وبه قطع إمام الحرمين في "البرهان"(1/ 400) ورجحه الرافعي في "شرح مسند الشافعي"

وخالف فيه الصيرفي والخطيب وطوائف فقالوا يجوز أن يكون الخصم اطلع فيه على جارح لم يطلع عليه العدل، فلا يكتفى بقوله هو ثقة.

قال السيوطي: "و إذا قال حدثني الثقة أو نحوه عن غير أن يسميه، لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بجرح قادح، بل إضرابه عن تسميته ريبة توقع ترددًا في القلب، بل زاد الخطيب أنه لو صرح أن كل شيوخه ثقات ثم روى عمن لم يسمه لم يُعمل بتذكيته، لجواز أن يُعرف إذا ذكره بغير العدالة""تدريب الراوي"(1/ 311) وانظر "الكفاية"(112)"توضيح الأفكار"(2/ 167)، "البحر المحيط"(4/ 291).

(3)

تقدمت في التعليق السابق رد السيوطي والخطيب على ذلك.

ص: 306

[حكم رواية المبتدع]

(1)

و منه

(2)

- وهو خامسها - البدعةُ المكفِّرة.

أما البِدْعة: فهي ما حَدَثَ على خلافِ الحقِّ المتلقَّى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ مِنْ علْمٍ، أو عملٍ، أو حالِ نُبُوغِ شبهةٍ أو استحسانٍ.

و المكفِّرة

(3)

. ما انضمَّ إليها مكفِّر صريحٌ؛ وذلك كالخابِطِيَّة

(4)

،

(1)

"الكفاية" - للخطيب (148)، "مقدمة ابن الصلاح"(298 - 299)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (70)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (95)، "فتح المغيث" - للعراقي (162)، "فتح المغيث" - للسخاوي (2/ 58)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 324)"توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 215)، "التنكيل" - للمعلمي (1/ 52)، "لقط الدرر" - للعدوي (88)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (96).

(2)

أي ومن مجموع الأمور التي يطعن بها في الراوي من جهة العدالة.

(3)

قد ذكر المصنف هنا أمثلة للقائلين ببعض البدع المكفرة ولم يذكر ضابطًا لها وكذا تجد في أكثر كتب المصطلح يذكرون أمثلة للقائلين بالبدع المكفرة ولا يذكرون تعريفًا وضابطًا لها، انظر على سبيل المثال:"مقدمة ابن الصلاح" ص (298)"فتح المغيث" للعراقي ص (162)"تدريب الراوي" للسيوطي (1/ 324) قال العلامة حافظ الحكمي في معارج القبول (3/ 1228): "فضابط البدعة المكفرة: من أنكر أمرًا مجمعًا عليه متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة من جحود مفروض أو فرض ما لم يفرض أو إحلال محرم أو تحريم حلال أو اعتقاد ما ينزه الله ورسوله وكتابه عنه أو نفي أو إثبات لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أَرسل اللهُ به رُسلَه، كبدعة الجهمية في إنكار صفات الله عز وجل والقول بخلق القرآن، أو خلق أي صفة من صفات الله، وإنكار أن يكون الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليمًا وغير ذلك، وكبدعة القدرية في إنكار علم الله عز وجل، وأفعاله وقضائه وقدره

إلخ". اه

(4)

هي إحدى فرق المعتزلة يُنسبون إلى أحمد بن خابط المتوفى سنة 232 هـ كان من أصحاب النظام وطالع كتب الفلاسفة، وضم إلى مذهب النظام ثلاث بدع وهي أولاها إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح عليه السلام موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة.

البدعة الثانية: القول بالتناسخ البدعة الثالثة: تأويلهم الأيات والأحاديث في رؤية الله عز وجل في الآخرة بأن الذي يرى هو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات انظر الملل والنحل - للشهر ستات (1/ 60).

ص: 307

القَائِلِين بإلهَيْنِ، والجَنَاحِيَّة

(1)

، الذين أنْكَرُوا القيامة، واستحلُّوا المحرَّمات من الخَمْر والزِّنَى، والإسماعيليَّة

(2)

، الذين قَصَدُوا إبطال الشرائع، والخَطَّابيَّة

(3)

، الذين هُمْ قَوْمٌ من غلاة الشيعةِ أصحابُ أبي الخَطَّاب الأسديِّ، الذي كان يقولُ بألوهيَّة جعفرٍ الصادقِ رضي الله عنه ثم ادعى الألوهيَّة لِنَفْسه، وكان يزعُمُ أن الأئمَّة أنبياء، وفي كلِّ وقْتٍ رسولٌ

إلى غير ذلك من الضلال.

و أمثالِ هؤلاء.

(1)

هم أتباع عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب وجعفر رضي الله عنه هو الملقب بذي الجناحين لذا يسمون بالجناحية

ومن زعمهم: أن روح الإله تحل في الأنبياء والأئمة وتنتقل من بعضهم إلى بعض

وهم ينكرون القيامة والجنة والنار ويستحلون الزنا والخمر واللواطة وأكل الميتة وشرب الخمر ولا يرون وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج ويدعون أن عبد الله بن معاوية لم يمت والمشهور أن أبامسلم صاحب دولة بني العباس بعث إليه عسكرا فصلبوه وقتلوه.

ينظر "التبصير في الدين"(ص 73).

(2)

هي إحدى فرق الشيعة الغلاة الباطنية يثبتون الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق.

وظاهرهم التشيع لأل البيت وحقيقتهم هدم عقائد الإسلام، وهم ينقسمون إلى فرق كثيرة من معتقداتهم: وجود إمام معصوم، ويؤمنون بالتقية ويقولون بالتناسخ، ويستبيحون المحرمات وينكرون الشرائع "الملل والنحل"(1/ 191).

(3)

تقدم التعريف بهم.

ص: 308

فلا تقبَلُ روايتُهُمْ، سواءٌ كانوا يعتقدون حرمةَ الكَذِبِ أم لا؛ كما أن الكافِرَ لا تُقْبَلُ منه، وإن عُلِمَ منه التديُّن والتحرُّز عن الكذب؛ إذْ لا وُثُق به في الجملة، مع شَرَف مَنْصِبِ الرواية؛ نعم، إن أسلَمَ الكافرُ، أو تاب الفاسقُ - قُبِلَتْ منهما، ولو تحمَّلاها، قُبِلَ،

و أمَّا من لزمه الكُفْر؛ كالمكفِّرات التي انضمَّتْ إلى بدعة المُعْتزلةِ، والشِّيعةِ -: فتُقْبَلُ روايتُهُ ما لم يكُنْ داعيًة، أي يدعو الناسَ إلى بدعته؛ لأنه لا يُؤْمَنُ أن يضَعَ الحديثَ على وَفَقِ بِدْعته؛ وهذا قولُ مالك - كما حكاه القاضي عبد الوَهَّاب

(1)

- وقيل: إنه مذهبُ أحمد

(2)

؛ ورجَّحه ابن الصَّلاح في "علوم الحديث"

(3)

، وتَبِعَهُ على ترجيحه النوويُّ

(4)

وغيره -

(1)

هو عبد الوهاب بن علي بن نسر البغدادي أبو محمد من فقهاء المالكية توفى سنة اثنين وعشرين وأربع مئة. انظر "تاريخ بغداد"(11/ 31)، "الديباج المذهب"(2/ 26) قلتُ وما حكاه عن مالك فيه نظر وإنما هو فهمٌ فهمه من كلام الإمام مالك، وفهم غيره من الأئمة خلافه، وما فهمه القاضي عبد الوهاب خلاف المعروف عن الإمام مالك من القول برد رواية المبتدع مطلقًا. كما حكاه عنه الخطيب في "الكفاية"(194).

وقال السخاوي: "على أن القاضي عبد الوهاب في الملخص فهم من قول مالك: "لا تأخذ الحديث عن صاحب هوى يدعو إلى هواه" التفصيل، ونازعه القاضي عياض، فإن المعروف عنه الرد مطلقًا

وإن كانت هذه العبارة محتملة" "فتح المغيث" (2/ 65).

(2)

قال الفتوحي: بعد أن ذكر هذا القول -: "و هذا الصحيح عن الروايات عن الإمام أحمد رضي الله عنه، لعدم علة المنع ولما في الصحيحين وغيرهما من الرواية عن المبتدعة. كالقدرية والخوارج والمرجئة، ورواية السلف والأئمة عنهم".

شرح الكوكب المنير (2/ 403) والكفاية (149)

(3)

مقدمة "ابن الصلاح" ص (15) مع "التقييد والإيضاح". قال: "وهذا مذهب الكثير أو الأكثر".

(4)

"التقريب والتيسير"(1/ 325) مع "التدريب" وقال: وهذا هو الأظهر والأعدل وقول الكثير أو الأكثر".

وهو اختيار العلامة المعلمي اليماني، حيث قال في "التنكيل" (1/ 52) - بعد بحثٍ ماتع ذكر فيه أقوال الأئمة في ذلك ووجه ترجيح هذا القول - قال رحمه الله:"و بما تقدم يتبين صحة إطلاق الأئمة قبول غير الداعية إذا ثبت صلاحه وصدقه وأمانته، ويتبين أنهم إنما نصوا على رد المبتدع تنبيهًا على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي للقبول، وهو ثبوت العدالة". اه

ص: 309

ناقلين له عن الأَكْثَر - وقال ابن حِبَّان لا أعلَمُ فيه اختلافًا

(1)

.

و قيل لا تُقْبَلُ روايةُ المبتدعِ مطلقًا؛ وعليه الأكثرون؛ لأنه فاسق

(2)

، واستبْعَدَ ذلك ابن الصلاح؛ بأنَّ كُتُبَ الأئمَّة طافحةٌ بالرواية عن المبتدعة

(3)

؛ وقال الشافعي: "أقْبَلُ شهادة أهْلِ الأهواءِ إلا الخَطَّابيَّةَ"؛ لاعتقادهم حِلًّ الكذب مطلقًا، أو لموافِقِيِهِمْ؛ وهو الأشهر.

(4)

(1)

قال ابن حبان في "الثقات"(6/ 140 - 41) في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي: "و ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلافًا أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإن دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره". اه وقال السخاوي معقبًا: "و ليس صريحًا في الاتفاق لا مطلقًا، ولا بخصوص الشافعية". اه "فتح المغيث" للسخاوي (2/ 65)

وقال الحافظ ابن حجر في "النزهة": "و أغرب ابن حبان فادى الاتفاق وعلى قبول غير الداعية من غير تفصيل""نزهة النظر" ص (50) وانظر "التقييد والإيضاح" ص (141)، و"تدريب الراوي"(1/ 325).

(2)

وهو قول طائفة من السلف منهم محمد بن سيرين، والإمام مالك، وقال به بعض الأصوليين كالباقلاني والأمدي وغيرهما. وقد قال الحافظ في النزهة ص (50) - عن هذا المذهب -:"و هو بعيد".

وانظر الكفاية ص (120)، "التقييد والإيضاح" ص (149)، "تدريب الراوي"(1/ 324)"شرح الكوكب المنير"(2/ 405).

(3)

"مقدمة ابن الصلاح"(150) مع "التقييد والإيضاح".

(4)

وهذا هو القول الثالث وهو أن رواية المبتدع تقبل مطلقا سواء كان داعية أو غير داعية إذا كان لا يستحل الكذب، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وأبي الخطاب من الحنابلة والغزالي وغيره من الشافعية، وأبي الحسين البصري من المعتزلة. انظر "الكفاية"(194)"شرح علل الترمذي"(1/ 356)، "لسان الميزان"(1/ 10)، "تدريب الراوي"(1/ 225)"شرح الكوكب المنير"(2/ 403)، "تشنيف المسامع"(2/ 988).

ص: 310

و خمسةٌ مِنْها

(1)

تتعلَّق بالضَّبْط، وقد تقدَّم معناه، فتذكَّرْ، ولا تَكُنْ من الغافلين.

و هي - أي: الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ - مجموعُ ما يُذْكَرُ بَعْدُ؛ على وَفْقِ ما سبق.

أوَّلُها: فُحْش غَلَطه، أي: كثرتُهُ؛ بأن يكونَ خطؤه أَكْثَرَ من صوابه، أو مساويًا.

(2)

و ثانيها: كَثْرة غَفْلته.

(3)

و ثالثها: وَهَمُهُ - بفتح الهاء - أي: خَطَؤه

(4)

، وأما الذي

(1)

أي: من الأسباب الموجبة للطَّعْن في الراوي حيث ذكر أنها عشرة خمسةٌ منها تتعلق بالعدالة وقد تقدم الكلام عليها، وخمسةٌ تتعلق بالضبط وهي هذه الخمسة.

(2)

قال شيخنا عبد العزيز العبد اللطيف: "المراد بفحش الغلط: أن يزيد خطأ الراوي على صوابه زيادة فاحشة يخرج بها عن الاعتبار في المتابعة، فلا يُقَوْى غيره ولا يتقوى بغيره، ويُعد ما تفرد به منكرًا كما هو الحال في رواية ظاهر الفسق وشديد الغفلة". اه "ضوابط الجرح والتعديل" ص (118)، وانظر "نزهة النظر" ص (45).

(3)

الغفلة عدم الفطنة بأن لا يكون لدى الراوي من اليقظة والإتقان ما يميز به الصواب من الخطأ في مروياته، وقد تكون غفلة الراوي شديدة بحيث توضع له أحاديث فيُحدِّث بها على أنَها من مسموعاته، ويعرف ذلك ب "التلقين" متى كان الراوي يتلقن ما لُقن سواء كان من حديثه أو لم يكن". اه ضوابط "الجرح والتعديل" ص (117).

(4)

"المراد بالوهم: أن يروي الراوي على سبيل الخطأ والتوهّم فيَصل الإسناد المرسل ويرفع الأثر الموقوف ونحو ذلك، ويُعرف حصول الوهم بجمع الطرق والمقارنة بينها من حيث الوصل والإرسال، ومن حيث الرفع والوقف، وتوثيق الرواة الناقلين، ووجوه ضعفهم، فما ظهر الوهم فيه من الروايات فهو المعلل". اه من ضوابط "الجرح والتعديل" ص (116 - 117) وانظر "نزهة النظر" ص (44، 46).

* فائدة في الفرق بين الوهم والغفلة:

قال الشيخ عبد العزيز العبد اللطيف: "الوهم نوع من الخطأ قَلَّ أن يسلم منه أحد من الحفاظ المتقنين، فضلا عمن دونهم. وإنما يؤثر في ضبط الراوي إذا كثر منه ذلك، حيث لا تقبل روايته عندئذ إذا لم يُحدِّث من أصل صحيح، بخلاف الوهم اليسير فإن أثره يقتصر على ذلك الحديث الذي حصل فيه.

وأما الغفلة فهي صفة ملازمة لصاحبها، فمن اشتدت غفلته سميّ حديثه منكرًا".

ص: 311

بالسُّكُون، فهو أحد الحواسِّ الباطنة؛ عِنْدَ القائلين بها.

و رابعُهَا: مخالفتُهُ للثِّقَات

(1)

- جمع ثِقَةٍ - وهو الجامعُ لصفاتِ القَبُول.

(1)

المراد بالمخالفة "أن يخالف الراوي من هو أوثق منه أو جمعًا من الثقات، ويحكم على الرواية التي وقعت فيها المخالفة بحسب ما تقتضيه قواعد مصطلح الحديث كما يلي:

1 -

إن كانت المخالفة بالمغايرة التامة في المعنى بحيث يقع التضاد بين الروايتين، فذلك "الشاذ" إن كان الراوي ثقة أو صدوقًا، وهو المنكر إن كان الراوي ضعيفًا.

2 -

وإن كانت المخالفة بتغيير سياق الإسناد فذاك "مدرج الإسناد".

3 -

وإن كانت بدمج موقوف ونحوه في مرفوع فذاك "مدرج المتن".

4 -

وإن كانت بتقديم أو تأخير ف"المقلوب".

5 -

وإن كانت بزيادة راوٍ في الإسناد مع وقوع التصريح بالسماع في الطريق الناقصة في موضع الزيادة فذاك "المزيد في متصل الأسانيد".

6 -

وإن كانت بإبدال راو ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو "المضطرب"، وقد يقع في المتن.

7 -

وإن كانت بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق فله صورتان:

أ - إن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فهو (المُصَحَّف).

ب - وإن كان ذلك بالنسبة إلى الشكل فهو (المُحَرَّف). اه

من "ضوابط الجرح والتعديل" للشيخ عبد العزيز العبد اللطيف ص (115 - 116).

ص: 312

و خامسُهَا: سُوءُ حِفْظه

(1)

.

فكلُّ من هذه الخمسة

(2)

- وكذا الخمسة السابقة

(3)

- تُوجِبُ الطَّعْنَ في الراوي، وعَدَمَ قَبُول روايته؛ لما يَتَطَرَّقُ حديثَهُ مِنَ الخَلَلِ.

و قد بَقِيّ علَيْه أَنَّ المجنونَ لا تُقْبَلُ روايته، وإنِ انقطع جُنُونه.

(4)

(1)

المراد بسوء الحفظ: أن لا يترجح جانب إصابة الراوي على جانب خطئه، وسوء الحفظ قسمان هما:

1 -

إما أن يكون ملازمًا للراوي، فهذا يدور الحكم على حديثه بحسب ما تقتضيه قرائن "الجرح والتعديل" وغيرها من القرائن، فقد توجد قرينة تقتضي قبول روايته، وقد توجد قرينة تقتضي تضعيفها.

ويوضح ذلك أن من كان صدوقًا سيئ الحفظ ففي حديثه ضَعْفٌ يزول بكونه أثبت من يروي عن شيخ معين إذا جاءت روايته عن ذلك الشيخ لطول ملازمته له وخبرته بحديثه.

ويزادُ ضعفًا بكونه طارئًا على الراوي، إما لكبره أو لذهاب بصره أو لاحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء حفظه، فهذا هو ما يعرف ب (الاختلاط) فالمختلط يُقبل من حديثه ما حدث به قبل الاختلاط ولا يُقبل حديث من أخذ عنه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يُدْر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده؟ لكن ما عُرفَ أن المختلط حدّث به بعد اختلاطه أو لم يتميز كونه حدّث به قبل الاختلاط أو بعده، فهذا يتقوى بالمتابعة أو الشاهد ليرتقي بذلك إلى مرتبة الحسن لغيره". اه من "ضوابط الجرح والتعديل" ص (112 - 113) وانظر "نزهة النظر" ص (51 - 52).

(2)

أي: فحش الغلط، وكثرة الغفلة، والوهم، ومخالفة الثقات، وسوء الحفظ. وهذه كلها متعلقة بالضبط.

(3)

أي: الكذب في الحديث النبوي، التهمة بالكذب، ظهور الفسق، الجهل بحال الراوي، البدعة المكفرة، وهذه معلقة بالعدالة.

(4)

قال النووي في التقريب والتيسير، في النوع الثالث والعشرون، صفة من تقبل روايته وما يتعلق به، أجمع الجماهير من أئمة الحديث والفقه أنه يُشترط فيه - أي في الراوي - أن يكون عدلا ضابطًا بأن يكون مسلمًا بالغًا عاقلا سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المرؤة ". اه "التقريب" مع "التدريب" (1/ 300).

قال الفتوحي في "شرح الكوكب المنير"(2/ 379): "و من شروط راوٍ عقلٌ إجماعًا إذ لا وازع لغير عاقل يمنعه من الكذب".

وقال الزركشي في "شرح جمع الجوامع"(2/ 985) والمراد بالجنون؛ المطبق، أما المنقطع، فإن أثر جنونه في زمن إفاقته لم يقبل، وإلا قبل، قاله ابن السمعاني في القواطع، بل حكاها الشيخ أبو زيد المروزي قولين للشافعي رضي الله عنه ".

وانظر "تدريب الراوي"(1/ 300)، "البحر المحيط"(4/ 268).

ص: 313

و كذا الصبيُّ - عند قوم - على الأصحِّ؛ إذ لا وُثُوق به؛ لأنه - لعلْمِهِ بعدم تكليفه - قد لا يحترزُ عن الكذب.

و قيل: تُقْبَلُ روايته إن عُلِمَ منه التحرُّز عن الكذب.

(1)

أما غَيْرُ المميِّز: فلا تُقْبَلُ قطعًا؛ كالمجنون. نعم، إنْ تحمَّل الصبيُّ المميِّز، فبلَّغ، فأدَّى ما تحمَّله -: فإنه يُقْبَلُ عند الجمهور؛ لانتفاء المحذور السابق، ولأنَّهم أجمعوا على قَبُول رواية نَحْوِ الحُسَيْنِ، وابنِ عباس، وابن الزُّبَيْر، والنُّعْمَانِ بْنِ بَشِير، من أحداث الصحابة رضي الله عنهم من غَيْر فَرْقٍ بين ما تحمَّلوه قبل البلوغ أو بعده.

(2)

و اعلَمْ: أنَّ أَهْلَ الحديثِ يُجَوِّزون ما سمعه الصبيَّ الصغيرُ، وإنْ لم يَعْلَمْ عِنْدَ التحمُّل ما سَمعَ، وأكثرُهُمْ على أنه لا يجوزُ سَمَاعُ من له دُونَ خَمْس سنين؛

وأَمَّا الفْقَّهَاءُ: فلا يَرَوْنَ ذلك؛ بل لا بُدَّ من تمييز الصبيِّ عند التحمُّل، ولا بدَّ من ضَبْطِ ما سَمِعَهُ وحِفْظِهِ، حتَّى يَرْوِيَهُ كما سَمِعه، والاعتبارُ بضَبْط

(1)

انظر "تدريب الراوي"(1/ 300).

(2)

"تشنيف المسامع" 2/ 987.

ص: 314

اللفْظ، وإن لَمْ يَعْرِفِ المعنى، وبعضُهُمُ اشتَرَطَ المعنَى، وهو متعذِّرٌ مع العَمَل برواية الحديث إلا على الآحَاد؛ قاله ابن الأَثِير

(1)

في "شَرْح المسند

(2)

".

(1)

هو مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجَزَري ثم الموصلي روى صحيح البخاري عن ابن سرايا، وصحيح مسلم عن أبي ياسر بن أبي حبة، والموطأ عن ابن سعدون، وغيرها عن غيرهم.

روى عنه ولده، والشهاب القوصي، وتاج الدين عبد المحسن بن محمد بن الحامض، وخضر الدين ابن البخاري.

قال أبو شامة: قرأ الحديث والعلم والأدب، وكان رئيسًا مُشاورًا، صنف جامع الأصول، والنهاية، وشرحًا لمسند الشافعي إلى أن قال: حدث، وانتفع به الناس، وكان ورعًا عاقلا، بهيًا، ذا بر وإحسان اه

توفى سنة ست وست مئة انظر ترجمته في: ذيل الروضتين لأبي شامة (69)، "وفيات الأعيان"(4/ 141)، "سير أعلام النبلاء"(21/ 448).

قلتُ وكثيرًا ما يحصل لبس بينه وبين أخويه:

عز الدين علي صاحب الكامل في التاريخ وأسد الغابة واللباب في تهذيب الأنساب توفي سنة 630 هـ

وأما الأخر: نصر الله أبو الفتح ضياء الدين المعروف بابن الأثير الكاتب، من تصانيفه: المثل السائر. توفي سنة 637 هـ

انظر "الأوهام الواقعة في أسماء العلماء والأعلام"/ لمصطفى بن قحطان الحبيب و"سير أعلام النبلاء"(22/ 353)، و (23/ 72).

(2)

هو الشافي في شرح مسند الشافعي، ويقع في سبعة أجزاء منه نسخة ناقصة في دار الكتب المصرية، وعنه نسخة مصورة بمعهد المخطوطات كما في فهرسها ص (83) برقم (278 - حديث).

ص: 315

[المُعَلُّ]

(1)

و الْوَهَمُ: كوَصْلِ مُرْسَلٍ، وإدخالِ حديث في حديثٍ؛ وهذا هو المُعَلَّلُ، والأَجْوَدُ: المُعَلُّ؛ كما عَبَّرَ به بعضهم، وأَكْثَرُ عباراتِهِمْ في الفِعْل: أعلَّهٌ فلانٌ بكذا، وقياسُهُ: مُعَلٌّ، وهُو المعروفُ لغةً - يقال: لا أَعَلَّكّ اللهُ، أي: لا أصابَكَ بِعِلَّةٍ، ولا يصحُّ إرادةُ المعلَّل إلا بتجَّوز؛ لأنَّهُ ليس من هذا الباب، بَلْ من باب التعلُّل الذي هو: التشاغُلُ، والتلهِّي؛ ومنه تعليلُ الصبيِّ بالطعام، ولا يقال: مَعْلُولٌ - وإِنْ وَقَعَ في كلامِ كثيرٍ من أَهْل الحديثِ

(2)

والأُصُول والكلام - لأنَّه من حَملَّهُ بالشراب: إذا سقاه مرَّةً بعد أخرى، لا مما نحْنُ فيه.

(1)

"معرفة علوم الحديث" للحاكم (112)، "مقدمة ابن الصلاح"(259 - 268)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (57)، "الموقظة" - للذهبي (51 - 52)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (60)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (115)، "فتح المغيث" - للعراقي (100)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 710)، "نزهة النظر" - لابن حجر (46)، "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 258)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 251)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 25)، "توجيه النظر" - للجزائري (183)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (91)، "لقط الدرر" - للعدوي (75)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (75).

(2)

ومن أئمة الحديث الذين وقع في كلامهم ذلك كالبخاري والترمذي وابن عدي والدارقطني وأبو يعلى الخليلي والحاكم وغيرهم انظر "فتح المغيث"(101) للعراقي و"فتح المغيث"(1/ 259) للسخاوي.

قال ابن الصلاح: "و يسميه أهل الحديث المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول؛ مرذول عند أهل العربية واللغة""مقدمة ابن الصلاح"(115) مع "التقييد والإيضاح".

ص: 316

و هو: ما ظاهرُهُ السلامةُ، اطُّلِعَ فيه - بعد تفتيشٍ - على قادحٍ وعلى علَّةٍ خفيَّةٍ، وهي عبارةٌ عن أسبابٍ خفيَّةٍ غامضةٍ، قادحةٍ في صِحَّة الحديثِ، مع أنَّ الظاهر السلامةُ منها بجَمْعه شروطَ القَبُولِ، ظهرتْ للعارفِ، بمخالفة راويه لغَيْره ممَّن هو أحفَظُ وأضبَطُ، أو أكثَرُ عددًا، أو بتفرُّده بأن لم يُتَابَعْ عليه، مع انضمامِ قرينةٍ - لما ذكر تدل على أنه مُعَلٌّ.

و معرفةُ عِلَلِ الحديث: من أَجَلِّ علومِهِ، وأدقِّها، وأشرفها، وإنَّما يستضلَّعُ بذلك أهْلُ الحفْظ والفَهْم الثاقبِ، وقد تقصُرُ عبارةُ المُعِلِّ عن دعواه؛ فإنه يُدْرَكُ بالذَّوْق السليم، ولا يمكنُ إقامةُ الحُجَّة عليه؛ كالبلاغة في الكلام

(1)

حتى قال ابن مَهْدِيٍّ

(2)

:

(1)

قال السخاوي "هذا النوع من أغمض الأنواع وأدقها، ولذا لم يتكلم فيه كما سلف إلا الجهابذة أهل الحفظ والخبرة، والفهم الثاقب مثل ابن المديني، وأحمد، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني،

" إلى أن قال: "و هو أمرٌ يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر لا ينكر عليهم بل يشاركهم ويحذوا حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعنت، فالله تعالى لطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادًا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين، فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم، وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوي والتواضع، يوجب لك إن شاء الله معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله". اه

"فتح المغيث"(1/ 272 - 274).

(2)

هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان قال الذهبي: "الإمام الناقد المُجود، سيد الحفاظ

وكان إمامًا حجةً، قدوة في العلم والعمل".

سمع مالك بن أنس، وعبد العزيز الماجشون، وأيمن بن نابل وغيرهم، حدث عنه: ابن المبارك، وابن وهب - وهما من شيوخه - وعلي بن المديني، ويحيى بن سعيد، وأحمد، و إسحاق وغيرهم.

قال الشافعي: لا أعرفُ له نظيرًا في هذا الشأن، وقال علي بن المديني: لو أخذتُ فحُلفتُ بين الركن والمقام، لحَلفتُ بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي توفى رحمه الله بالبصرة سنة ثمان وتسعين ومئة. انظر ترجمته في: مقدمة "الجرح والتعديل"(1/ 451)"حلية الأولياء"(9/ 3)، "تاريخ بغداد"(10/ 240)، "سير أعلام النبلاء"(9/ 192)، "شرح علل الترمذي" لابن رجب (1/ 196)، "تهذيب التهذيب"(6/ 279).

ص: 317

"إنه إلهامٌ

(1)

، وقال: لأَنْ أَعْرِفَ [علَّةَ حديثٍ] واحد أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْتُبَ عشرين حديثًا ليس عندي"

(2)

.

و كما يَكُونُ الإعلالُ بالاطِّلَاع على وَصْل مرسل، أو إدخالِ حديثٍ في حديثٍ - كذلك يكون بإبدالِ راوٍ ضعيفٍ بثقةٍ؛ كحديث ابن جُرَيْجٍ في التِّرْمِذِيِّ وغيره، عن موسى بن عُقْبَةَ، عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أَبِيهِ، عن أبي هريرة، - مرفوعًا-:"مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا، فَكَثُرَ فيه لَغَطُهُ، فَقَالَ - قَبْلَ أَنْ يَقُومَ" -: "سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ، وبِحَمْدِكَ

"

(3)

الحديثَ؛

(1)

انظر معرفة علوم الحديث (140)، العلل لابن أبي حاتم (1/ 10)، "تدريب الراوي"(1/ 53).

(2)

انظر "معرفة علوم الحديث"(140)، "العلل" لابن أبي حاتم (1/ 10)، "تدريب الراوي"(1/ 53).

(3)

أخرجه الترمذي (5/ 494) كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا قام من المجلس حديث (3433) من طريق ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا.

وقال الترمذي: حسن صحيح غريب

وأخرجه الحاكم (1/ 536) وابن حبان (594) من هذا الطريق أيضا.

وقد اختلف في طرق هذا الحديث اختلافًا كثيرًا ذكره الحافظ الدارقطني في "العلل"(1513).

ص: 318

فإنَّ موسى ابْنَ إسماعيلَ المِنْقَرِيَّ رواه عن وُهَيْبِ بنِ خالدٍ الباهليِّ، عن سُهَيْلٍ المذكور، عن عَوْن بن عبد الله

(1)

، وبهذا أعلَّهُ البخاريُّ؛ فقال:"هو مرويٌّ عن موسى بن إسماعيل، وأما موسى بْنُ عقبة، فلا نَعْرِفُ له سماعًا من شُهَيْل"

(2)

.

و قد تكونُ العلَّةُ ظاهرةً؛ حيث كَثُرَ من المحدِّثين إعلالُ الموصول بالإرسال، والمرفوع بالوَقْف؛ إِنْ كان كُلٌّ من الإرسال والوَقْف أقوى من الاتِّصَال والرَّفْع، بِكَوْن راويه أحفَظَ، وأكثَرَ عددًا.

و قد يعلُّون الحديثَ بفسْقِ الراوي، وغَفْلته وسُوء حِفْظه.

و قد أطلق أبو يَعْلَى الخَلِيلِيُّ

(3)

واسْمَ العِلَّة على غير قادح؛ كوصل ثقةٍ

(1)

قال الدارقطني في "العلل"(8/ 204): وقال أحمد ابن حنبل: حدث به ابن جريج عن موسى بن عقبة وفيه وهم.

قال الدارقطني: والصحيح قول وهيب وقال: وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه عن موسى بن عقبة أخذه من بعض الضعفاء عنه والقول كما قال أحمد.

(2)

ينظر "معرفة علوم الحديث" ص (113 - 114) و"تاريخ بغداد"(13/ 102 - 103) و"النكت على ابن الصلاح"(2/ 716 - 726) و"فتح الباري"(13/ 544 - 546).

(3)

هو الخليل بن عبد الله بن أحمد بن الخليل، الخليلي القزويني أبو يعلى. سمع من علي بن أحمد القزويني، وأبي طاهر المُخَلِّص، وأبي عبد الله الحاكم، وعددٌ كثير.

حدث عنه: شيخه أبو بكر بن لال، وولده أبو زيد واقد بن الخليل، وإسماعيل بن ماكي، وآخرون.

وكان ثقةً حافظًا، عارفًا بالرجال والعلل، كبير الشأن، وله غلطات في إرشاده.

توفى سنة ست وأربعين وأربع مئة.

انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ"(3/ 1123)، "سير أعلام النبلاء"(17/ 666)، "شذرات الذهب"(3/ 274).

ص: 319

ضابط [ما] أرسلَهُ من لم يفقه، ولا مرجِّح

(1)

؛ حيث قال في إرشاده"

(2)

: الحديثُ أقسامٌ: معلولٌ صحيحٌ وصحيحٌ متَّفَقٌ عليه، وصحيحٌ مختَلَفٌ فيه"

(3)

، ومَثَّلَ الأوَّل بحديث مالكٍ في "الموطَّأ" أنه قال: بَلَغَنَا أنَّ أباهريرة قَالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ، وكُسْوَتُهُ

(4)

"؛ حيث وصله

(1)

وإطلاق الخليلي على مثل هذا علة من إطلاق العلة على غير مقتضاها من الأسباب القادحة قال السيوطي أن ذكر ما مثل به الخليلي هنا: قيل وذلك عكس المعلل فإنه ما ظاهره السلامة فاطلع فيه بعد الفحص على قادح، وهذا كان ظاهره الإعلال بالإعضال، فلما فتش تبين وصله".

"تدريب الراوي"(1/ 258).

(2)

هو كتاب "الإرشاد في معرفة علماء الحديث"، قال في مقدمته: "رأيتُ أن أملي كتابًا أضع فيه أسامي المشهورين بالرواية، وأبين قول الأئمة في الثقات، والمجروحين، وأضيف إليه ذكر أسامي العلماء والمحدثين الذين وجدوا في عصرهم، فارتفعوا عن ذِكرهم، ومن حدَّث بعدَهم إلى وقتنا هذا على ترتيب البلاد، والأصقاع، فأترجم بلدًا، أو ناحية، وأذكر عنده كل من عرف بتلك الناحية، منشئًا، أو مولدًا، أو انتقل إليها من غيرها، ومات بها، ليكون أسهل طلبه - عند الحاجة، وأقرب حِفظًا عند السرد، وتحريتُ فيه أسامي التابعين، ضمن بعدهم، وسأضع كتابًا مُفردًا في طبقات الصحابة إن شاء الله.

وقدمتُ على ذلك بيان أمثلة الأحاديث الصحاح وأنواعها، والمتفق عليها والمختلف فيها، ومعرفة كيفية عوالي الأسانيد

، ذكر مثال النازل منها والعالي

" "الإرشاد" (1/ 155 - 156).

(3)

"الإرشاد"(1/ 157).

(4)

أخرجه مالك (2/ 747) كتاب الاستئذان باب الأمر بالرفق بالمملوك حديث (40) بلاغًا

وأخرجه مسلم (3/ 1284) كتاب الأيمان باب إطعام المملوك مما يأكل حديث (41/ 1662) وأحمد (2/ 342) من طريق بكير بن الأشج عن العجلان مولى فاطمة عن أبي هريرة مرفوعًا

وأخرجه أحمد (2/ 247) والبخاري في "الأدب المفرد"(192، 193) والبيهقي (8/ 6) وابن حبان (4313) من طريق محمد بن عجلان عن بكير بن الأشج به.

وانظر "الإرشاد"(1/ 164).

ص: 320

مالك في غَيْر "الموطإ" بمحمَّد بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة.

قال: فقد صار الحديثُ بتبيين الإسناد صحيحًا يُعْتَمَدُ عليه

(1)

و جعل الترمذيُّ، النَّسْخَ عِلَّةً من علل الحديث، وألْحَقُّ: أنه أراد أنه عِلَّةٌ في العَمَل بالمنسوخ، لا أنه في صِحَّته وصِحَّة نَقْله؛ يدل على ذلك: أنَّ في كِتَابِهِ الصحيحِ أحاديثَ كثيرةً منسوخةً، وقد صحَّح هو نفسُهُ جملةً منها

(2)

(1)

"الإرشاد"(1/ 157) وانظر "التدريب"(1/ 258).

(2)

انظر "فتح المغيث" للعراقي (108)، "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 272)، "تدريب الراوي"(1/ 258).

ص: 321

[المدرج]

(1)

و المخالفَةُ، أي: مخالفةُ الراوِي للثقاتِ؛ إن كان بتَغْيير سياقِ الإسنادِ؛ بأنْ وجد مَتْنٌ، ورُدَّ عن جماعةٍ من الرواة بعضُهُمْ خالف بعضًا، بزيادةٍ أو نَقْصٍ في السند، فَيَجْمَعُ بعضُهُم كُلَّ الجماعة بإسنادٍ واحدٍ مذكورٍ، ويدرجُ روايَةَ مَنْ خالفهم معهم على الاتِّفَاق؛ كخبر ابن مسعود، قَالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ:"أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا"

(2)

،

فإنَّ واصلَ بْنَ حَيَّانَ الأسديَّ أسْقَطَ عَمْرَو ابن شُرَحْبِيل من بَيْن شيخه شقيق أبي وائلِ بْنِ سَلَمَةَ، وابنِ مسعودٍ، فرواه عن شقيقٍ، عن ابْنِ مسعودٍ

(3)

،

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (39)، "مقدمة ابن الصلاح"(274)، الاقتراح - لابن دقيق العيد (223)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (59)"الموقظة" - للذهبي (53)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (69)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (127)، "فتح المغيث" - للعراقي (111)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 811)، "نزهة النظر" - لابن حجر (46)، "فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 281)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 268)، شرح "نزهة النظر" - للقاري (135)، "لقط الدرر" - للعدوي (76)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (77).

(2)

أخرجه البخاري (8/ 163) كتاب التفسير: باب "فلا تجعلوا لله أندادًا

" حديث (4477) ومسلم (1/ 50) كتاب الإيمان: باب كون الشرك أقبح الذنوب حديث (86/ 141) من طريق منصور عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبد الله بن مسعود به.

(3)

أخرجه أحمد (1/ 434) والبخاري (6811) والترمذي (3183) والنسائي (7/ 90) من طريق واصل بن حيان عن أبي وائل عن ابن مسعود.

ص: 322

وزاده الأعمش

(1)

، وكذا منصورُ بْنُ المعتمِرِ

(2)

؛ فروياه عن شقيقٍ، عن عَمْرٍو، عن ابن مسعود، فلمَّا رَوَى الثَّوْريُّ، عنهما، وعن واصل - صارَتْ روايتُهُ هذه مدرجَةًّ على روايتهما، وقد فَصَلَ أحدَ الإسنادَيْن عن الآخر: يحيى بْنُ سعيدٍ القَطَّانُ، لكنْ روى عن واصل - أيضًا - أنه أثبَتَ عمرو؛ كالأعمشِ، ومنصورٍ، وروى عن الأعمش: أنه أسقَطَهُ؛ فهو مُدْرَجُ الإسناد؛ سُمِّيَ به؛ لأنَّ الغير أدخَلَ خللا في الإسناد؛ فالإسناد مدخلٌ فيه.

(3)

وله قسمانِ آخَرَانِ:

الأوَّل: أن يكونَ مَتْنٌ عند جماعة بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويه واحدٌ عنهم، بإسنادٍ واحدٍ، منها يجمعُهُمْ عليه، ولا يبيِّن اختلافَهُمْ في ذلك؛ كخبر وائل بْنِ حُجْر، في صفة صلاة النبيِّ صلى الله عليه وسلم رواه زائدةُ وغَيْرُهُ، عن عاصمِ بْنِ كُلَيْب، عن أبيه، عنه

(4)

؛ فإنه قد أَدْرَجَ، من بعض رواتِهِ في آخرِهِ بهذا السند "ثُمَّ جِئْتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ في زَمَانٍ فيه بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِم جل الثِّيَابِ تَحَرَّك أَيْدِيِهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ"، وما اتحد سنَدُ الجملتَيْن؛ بل الذي عند عاصمٍ - بهذا السند - الجملةُ الأولَى فقطْ، وأما الثانية: فإنَّما رواها عن عبد الجَبَّار بن وائلٍ، عن بعض أهْلِهِ، عن وائل هكذا بسندٍ

(1)

أخرجه البخاري (7532) ومسلم (1/ 50) من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله.

(2)

تقدم تخريج هذه الرواية.

(3)

وقد ذكر الحافظ الدارقطني في "العلل"(5/ 220 - 223) هذه الاختلافات وينظر أيضا الفتح (6811).

(4)

أخرجه أحمد (4/ 316، 317، 318، 319) والبخاري في رفع اليدين رقم (26، 30، 71) وأبو داود (726، 727، 957) والترمذي (292) والنسائي (2/ 126) وابن ماجه (810) وابن خزيمة (477) وغيرهم من طريق عاصم بن كليب به.

ص: 323

واحد بالوهم

(1)

صوبه ابن الصلاح، ووَجْهُ كونِهِ مدرجَ الإسنادِ: أنَّ الراويَ لما رَوَى الجملتَيْن بسندٍ أحدهما - كان كأنَّه أَدْرَجَ أحد السندَيْن في الآخر حتى ساغَ له أَنْ يُرَكِّب علَيْه الجملتَيْن.

القِسْم الثاني: أنْ يُدْرَجَ من الراوي، بعْضُ خبرٍ مُسْنَدٍ في خبر آخر، مع اختلاف السَّنَد فيهما؛ نحْوُ:"وَ لا تَنَافَسُوا" المُدْرَجِ في متن: "وَ لا تَبَاغَضُوا" المرويِّ عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن أنس، بلفظ:"لا تَبَاغَضُوا ولا تَحَاسَدُوا ولا تَدَابَرُوا"

(2)

فقطْ، نقله راويه ابْنُ مَرْيَمَ الآتي في متْنِ "لَا تَجَسَّسُوا" - بالجيم أو بالحاء - المرويِّ عن مالك أيضًا؛ لكن عن أبي الزِّنَاد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، بلفظ:"إِيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَنَافَسُوا، ولا تَحَاسَدُوا"

(3)

، ثم أَدْرَجَ "وَ لا تَنَافَسُوا" في السند الأوَّل: ابْنُ أبي مَرْيَمَ الحافظُ أبو محمَّد سعيدُ بْنُ محمدِ بْنِ الحَكَمِ الجُمَحِيُّ شيْخُ البخاريِّ؛ إذْ رواه عن مالكٍ، وصيَّرهما بإسنادٍ واحدٍ، وهو وهمٌ منه؛ كما جَزَمَ به الخطيبُ وصرَّح غيره بأنْ خالَفَ بذلك جَمِيعَ الرُّوَاة عنْ مالك.

(1)

أخرجه أحمد (4/ 318) حدثنا أسود بن عامر قال: ثنا زهير بن معاوية عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر

قال زهير: قال عاصم: وحدثني عبد الجبار عن بعض أهله أن وائلا قال: أتيت

فذكر هذا اللفظ المدرج انظر "مقدمة ابن الصلاح"(128) مع "التقييد والإيضاح".

(2)

أخرجه البخاري (6076) ومسلم (2559/ 23) وأبو داود (4910) والترمذي (1935) وأحمد (3/ 110، 165) ومالك (2/ 907) من طريق الزهري عن أنس.

(3)

أخرجه مالك (2/ 907 - 908) وأحمد (2/ 465، 517) والبخاري (6066) ومسلم (2563/ 28) وأبو داود (4917) من حديث الأعرج عن أبي هريرة.

ص: 324

أو بدَمْجِ موقوفٍ بمرفوعِ، فهو مدرجُ المتْنِ، وهو ثلاثةُ أقسامٍ:

الأوَّل: ما يُلْحَقُ في آخر الخبر، من قوْلِ صحابِيٍّ وغيره، مِنْ غير عَزْوٍ لقائله، بحيْثُ يتوهَّم أنه من الخبر.

مثال ذلك: حديثُ ابنِ مسعودٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فيِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، والصَّلَوَاتُ

إلى آخره"

(1)

؛ فقد أدرج في آخره أبو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ معاويةَ أحَدُ رواته، عن الحسن بن الحُرِّ - كلامًا لابْن مسعود، وهو:"فَإِذَا قُلْتَ هَذَا، فَقَدْ قَضِيتْ صَلاتُكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ"، وفَصَلَهُ عبد الرحمنِ بْنُ ثابت، عن ثوبان؛ حيثُ قال:"قال ابْنُ مسعودٍ؛ بل رواه شَبَّابَهَ بن سَوَّار وهو ثقَةٌ، عن زُهَيْر نفسه - أيضًا - كذلك؛ ويؤيِّده اقتصارُ جماعاتٍ على الخبر، وتصريحُ جماعاتٍ بعَدَمِ رَفْعِ ذلك؛ بل قال النوويُّ: "اتفق الحُفَّاظ على أنه مُدْرَجٌ". انتهى.

قال القاضي

(2)

: مع أنَّه لو صحَّ، لكان معارضًا لخبّرٍ:"تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"؛ علَى أن الخَطًّابيَّ جمَعَ بينهما علَى تقدير وَصْلِهِ؛ بأن قوله: "قُضِيَتْ صَلاتُكَ" أي: مُعْظَمُهَا.

القِسْم الثاني: ما يُلْحَقُ قَبْلَ أوَّل الخبر كذلك؛ كخبر: "أَسَبْغُوا الوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلأعْقَابِ مِنَ النَّارِ"

(3)

؛ فقد رواه شَيَّابة بن سَوَّار وغيره، عن شُعْبة،

(1)

أخرجه البخاري (835) ومسلم (402/ 58) وأحمد (1/ 431) وأبو داود (968) وغيرهم من حديث ابن مسعود.

(2)

يقصد القاضي زكريا الأنصاري.

(3)

أخرجه البخاري (165) ومسلم (28/ 242) وعبد الرزاق (62) والنسائي (1/ 77) والدارمي (1/ 179) وأحمد (2/ 228، 284) وابن الجارود في المنتقى (78، 79) وأبو عبيد في الطهور (ص 375) وأبو عوانة (1/ 251 - 252) والبيهقي (1/ 69) من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة به.

ص: 325

عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة، برَفْع الجملتَيْن، مع كون الأُولَى من كلام أبي هُرَيْرة؛ كما بينه جمهورُ الرُّوَاة عن شعبة، واقتصر بعضُهُمْ على الثانية، وهذا نادرٌ جدًّا،

(1)

حتى قال بعض المحقِّقين: "إنَّهُ لم يوجَدْ غيره، إلا ما وقع في بعض طُرُقِ بُسْرَةَ، على أنَّ قَوْل أبي هريرة: "أَسْبِغُوا الوُضُوءَ" قَدْ ثبت في الصحيحِ مرفوعًا من خبر عبد الله بن عمرو بن العاصِ

(2)

، وبذلك سقَطَ ما قيل: إن المُدْرَجَ في الأوَّل أكثَرُ منه في الأثناء.

القسم الثالثُ: ما يُلْحَقُ في أثناء الخبرِ كذلك؛ وهو قليلٌ بالنسبة إلى الأوَّل؛ مثاله: خبَرُ هشامِ بْنِ عروةَ بْنِ الزُّبَيْر، عن أبيه، عن بُسْرة بنت صفوان - مرفوعًا -:"مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رفنيه - فلَيْتَوَضّ_أْ"

(3)

؛ فقد رواه عبد الحميد بْنُ جعفرٍ وغيره، عن هشامٍ كذلك مع "الأُنْثَيَيْنِ والرفغ" إنما هو من قَوْل عروة؛ كما رواه جماعاتٌ عن هشامٍ، واقتصر كثيرٌ منْ أصحابِ هشامٍ على الخبر، وقد رواه الطبرانيُّ في "الكبير" من خبر محمَّد بن دينار، عن هشام، بلفظ:"مَنْ مَسَّ رفغه أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ"

(4)

؛ فهو على هذا مثالٌ للمُدْرَج في الأوَّل"

(5)

. انتهى.

(1)

ينظر "تدريب الراوي"(1/ 270).

(2)

أخرجه البخاري (60) ومسلم (27/ 241) وأبو داود (97) والنسائي (1/ 78) وابن ماجه (450) وأحمد (2/ 193، 205، 211) وابن خزيمة (161).

(3)

أخرجه الدارقطني (1/ 148) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(3235) والطبراني (24/ 200) رقم (511) والبيهقي (1/ 137)

وقال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد بن جعفر عن هشام ووهم في ذكر الأنثيين والرفع وإدراجه ذلك في حديث بسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(4)

أخرجه الطبراني في الكبير (24/ 100) وينظر تخريج الحديث السابق.

(5)

فتح الباقي (1/ 249 - 250).

ص: 326

وسبب الإدراج: إما تفسيرُ غريبٍ في الخَبَر؛ كخبر النَّهْيِ عن الشِّغَار.

(1)

أو استنباطٌ ممَّا فهمه منه أحَدُ رواته؛ كما فهم ابْنُ مسعودٍ من خبره السابِقِ؛ أنَّ الخُرُوج من الصّلاة؛ كما يحصل بالفراغ من التشهد، فأدرج فيه بعضُ رواته:"إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ إلى آخره"، وكما فَهِمَ عُرْوَةُ من خبره السابق - أيضًا - أن سَبَبَ نقض الوضوء مَسُّ مَظِنَّة الشهوة؛ فأدرج فيه بعضُ رواته "أُنْثَيَيْهِ، والرُّفْغ" بضم الراء وفتحها؛ أصل الفَخِذَيْن؛ لأنَّ ما قارب الشيء أُعْطِيَ حُكْمَهُ، إلى غير ذلك.

وتعمُّدُ مطلقِ الإدراجِ ممنوعٌ؛ لتضمُّنه عزْو القَوْل لغير قائله، إلا أن يُدْرَجَ لتفسيرِ غريبٍ، فإنَّه مُسَامَحٌ فيه؛ ولهذا فعله البخاريُّ والزهريُّ وغيره من المحدِّثين، ويُعْرَفُ المدرجُ بأمور:

أحدها: أن يَمْتِنعَ صدورُ ذلك من النبِّي صلى الله عليه وسلم؛ كحديثِ أبي هُرَيْرة الذي في صَحِيحِ البخاريِّ؛ قال: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم للعبد المملوك أجران والذي نفسي بِيَدِهِ، لَوْلا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، والحَجُّ، وبِرُّ أُمِّي لأحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وأَنَا مَمْلُوكٌ"

(2)

؛ فإن قوله: "وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ

إلى آخره" من كلام أبي هريرة؛ لأنه يمتنعُ منه صلى الله عليه وسلم أن يتمنَّى أن يكون مملوكًا، ولأنَّ أمَّهُ لم تكنْ حينئذٍ موجودَةً، حتى يَبَرَّهَا.

ثانيًا: أن يصرِّحَ الصحابيُّ بأنه قال ذلك؛ كحديث ابن مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ

(1)

أخرجه البخاري (9/ 66) كتاب النكاح: باب الشغار حديث (5112) ومسلم (3/ 1034) كتاب النكاح: باب تحريم نكاح الشغار حديث (57/ 1415) من حديث ابن عمر.

(2)

أخرجه البخاري (5/ 482 - 483) كتاب العتق: باب العبد إذا أحسن عبادة ربه حديث (2548).

ص: 327

وهُوَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ النَّارَ"

(1)

؛ كذا رواه أحمد بن عبد الجَبَّارالعُطَارِدِيُّ، عن أبي بكر بن عَيَّاش، ورواه الأسوَدُ بْنُ عامِرٍ شاذان وغيره، عن أبي بكر بن غِيَاثٍ، بلفظ:"سَمِعْتُ رَسُوَل اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ النَّارَ"، وآخرى أقولها، ولم أسمعها منه:"مَنْ مَاتَ لا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ الجَنَّةَ"

(2)

.

ثالثها: أن يصرِّحَ بعْضُ الرواةِ بتَفْصيله؛ كحديث ابن مسعود في التشهُّد الذي تقدَّم الكلام عليه

(1)

أخرجه أحمد (1/ 374، 382، 425، 443، 464) والبخاري (1238، 4497، 6683) ومسلم (1/ 94) رقم (150/ 92).

(2)

ينظر تخريج الحديث السابق.

ص: 328

[المقلوب]

(1)

أو كانَتِ المخالفَةُ بتَقْدِيمٍ، وتأخيرٍ في الأسماءِ؛ كمُرَّةَ بْنِ كَعْب، وكَعْبِ بنِ مُرَّةَ؛ اسم احدهما اسْمُ أبي الآخر، وقد صنَّفَ الخطيبُ فيه:"رَافِع الإرِتْيَاب، في المَقْلُوبِ مِنَ الأَسْمَاءِ والأنْسَاب"

(2)

.

فهو المقلوبُ، أي قِسْمٌ منه، وهو اسم مفعولٍ من القَلْب، وهو تبديلُ شَيء، بآخَرَ على الوجْه الآتي، وهو مِنْ أقسامِ الضَّعيف؛ بل بعض أقسامه من الموضوع، كما سيجيء".

وهو قسمانِ: عَمْدٌ وسَهْوٌ، والعَمْد - أيضًا - قسمان:

أحدهما: ما كان مشهورًا براوٍ أُبْدِلَ بآخر نظيرِهِ في الطبقة؛ كإبدال سالِمٍ بنافع؛ قصدًا لقَبُول الرواية عنه، ورواجِ حالِهِ، إذا استغرب للأغراب مِمَّنْ

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(284 - 287)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (236)"المنهل الروي" - لابن جماعة (60)، "الموقظة" - للذهبي (60)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (82)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (134)، "فتح المغيث" - للعراقي (131)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 864)، "نزهة النظر" - لابن حجر (47)"فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 318)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 98)، "لقط الدرر" - للعدوي (79)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (82).

(2)

هو في الرواة المتشابهين في الاسم والنسب المتمايزين بالتقديم والتأخير في الابن والأب مثل يزيد بن الأسود والأسود بن يزيد كما أوضح ذلك ابن الصلاح في "المقدمة" ص (627، 628)، وانظر "موارد الخطيب في تاريخ بغداد" للعمري ص (72).

ص: 329

وَقَفَ عليه، لكنِ المشهور خُلافُهُ

(1)

، وممن كان يفعلُهُ بهذا القصد - كذبًا -: حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو النَّصِيِبيُّ

(2)

؛ حيث رَوَى الحديث المعروفَ لسُهَيْل بن صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة - مرفوعًا -: إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ، فَلا تَبْدَءُ وهُمْ بِالسَّلامِ

(3)

الحديث، عن الأعمش، عن أبي صالح؛ ليغرب به، وهو لا يُعْرَفُ عن الأعمش؛ كما صرَّح به أبو جعفرٍ العُقَيْلُّي

(4)

، وللخَوْف من ذلكِ كْره: تَتَبَّعَ الغرائبَ أهلُ الحديث.

ثانيها: قَلْبُ سنَدٍ تامٍّ لمَتْنٍ؛ فيجعل مَتْنُ آخِرَ مرويٍّ بسند آخر، ويُجْعَلُ هذا المتْنُ لإسنادٍ آخَرَ بقَصْد امتحانِ حفْظِ الحديثِ واختبارِهِ، هل اختلَطَ أولا، وهل يَقْبَلُ التلقينَ أَوْلا،

كما امتَحَنَ المحدِّثون بِ"بَغْدَادَ" الإمامَ البخاريَّ رضي الله عنه لما قَدِمَهَا، بمائة حديثٍ، حيْثُ أجتمعوا على تقليب متونها وأسانيدِها فصُيِّر متْنُ سندٍ لسنَدِ مَتْنِ آخَرَ، وسَنَدُ هذا المتنِ، لمتْنٍ آخر، وعيَّنوا عشرة

(1)

قال العراقي: "من أقسام المقلوب: أن يكون الحديث مشهورًا براوٍ فيجعل مكانه راوٍ آخر في طبقته ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه كحديث مشهور بسالم فجعل مكانه نافع وكحديث مشهور بمالك جعل مكانه عبيد الله بن عمر"

(2)

قال الخطيب حماد بن عمرو، يكنى أبا إسماعيل، قدم بغداد، وحدث عن زيد بن رُفيع، والأعمش وسفيان، روى عنه إبراهيم بن موسى الفراء، وإسماعيل بن عيسى العطار، وعلي بن حرب، قال الجوزجاني: كان يكذب، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي متروك الحديث وقال ابن معين: ليس بشيء.

ميزان الاعتدال (1/ 598).

(3)

أخرجه أحمد (2/ 263، 266) والبخاري في "الأدب المفرد"(1103) ومسلم (4/ 1707) رقم (13/ 2167) وأبو داود (5205) والترمذي (1602، 2700) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.

(4)

حيث قال: لا نحفظ هذا من حديث الأعمش إنما هذا حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه. الضعفاء الكبير (1/ 38).

ص: 330

رجَالٍ، ودفَعُوا لكُلِّ عَشَرة منها، وتواعَدُوا على الحُضُورِ بمَجْلسِ البخاريِّ؛ لِيُلْقِيَ عليهم كلٌّ منهم عَشَرَتَهُ، فلَّما حضروا واطمأنَّ المجلسُ بأهْلِهِ البغداديِّين وغَيْرِهِمْ من الغرباء، مِنْ أهْلِ خراسان وغيرِهِمْ -: تقدَّم إليه واحدٌ من العَشَرة، وسأله عن أحاديثه، واحدًا واحدًا، والبخاريُّ يقول له في كلٍّ منها:"لا أَعْرِفُهُ"، ثم الثاني كذلك، وهكذا إلى أن اسْتَوْفَى العَشَرَةُ المائة، وهو لا يزيدُ في كُلٍّ منها على قولِهِ:"لا أَعْرِفُهُ"؛ فكان الفقهاء ممن حَضَرَ يَتَلَفَّتُ بعضُهُمْ إلى بعضٍ، ويقولُونَ:"فَهِمَ الرَّجُلُ"، وغيرهم من الدَّهْماء يقضي عليه بالعجز والتَّقْصِيرِ، وقلَّة الفهمِ، فلَّما علم أنهم فَرَغُوا، التَفَتَ إلى السائل الأوَّل، وقال له: سألْتَ عن حديث كذا، وصوابُهُ كذا إلى آخر أحاديثه، وكذا البقيَّةُ على الولاء، فرد المائة إلى أَصْلها، ولم يَخْفَ عليه موضعٌ مما قَلَبُوه، وركَّبوه، فأقَرَّ له الناسُ بالحفْظِ، وأذْعَنُوا له بالفَضْل، وَأَغْرَبُ مِنْ حفظِهِ لها وتيقظهِ لتَمْييزه صوابَهَا من خَطَئِها -: حِفْظُهُ لتواليها؛ كما أُلْقِيَتْ عليه من مرَّةٍ واحدةٍ.

(1)

وقد يُقْصَدُ بَقَلْب السند كلِّهِ - أيضًا - الإغرابُ؛ فلا ينحصرُ في راوٍ واحدٍ؛ كما أنه قد [لا] يُقْصَدُ بَقَلْبِ الرواةِ: قلبَهُ؛ بل وقع منهم سَهْوًا ووهمًا؛ كحديث: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي"؛ فَقَدْ حدَّثه حَجَّاجُ بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن عبد الله بن أبي

(1)

قصة امتحان أهل بغداد للبخاري، ذكرها الخطيب في "تاريخ بغداد"(2/ 20)، وفي إسنادها جهالة مشايخ ابن عدي حيث رواها في كتابه:"مشايخ البخاري" لكن قال السخاوي في "فتح المغيث"(1/ 321) بعد أن ذكرها: "رويناها في مشايخ البخاري لأبي أحمد بن عدي، قال سمعتُ عدة مشايخ يحكون، وذكرها. ومن طريق ابن عدي رواها الخطيب في تاريخه وغيره، ولا يضر جهالة شيوخ ابن عدي فيها، فإنهم عددٌ ينجبر به جهالتهم" __! كذا قال وفيه نظر.

وانظر مقدمة الفتح (486). و"النكت على ابن الصلاح"(2/ 867) لابن حجر، و"توضيح الأفكار"(2/ 104، 105).

ص: 331

قَتَادَةَ، عن أبيه، عن النبِّي صلى الله عليه وسلم

(1)

في مجلسِ ثابِتِ بْنِ أسلَمَ البُنَانِيِّ، فظنَّه: جرير بْنُ حازمٍ، عن ثابتٍ، عن أنس؛ كما بينه حمَّاد الضرير.

(2)

وقد يقع القَلْبُ في المَتْن أيضًا، وجعل بعض المتأخِّرين هذا نوعًا مستقلا، وسمَّاه: المقلَّب، وهو قليلٌ جدًّا؛ كما يستفادُ من تعبير المصنِّف ب "قَدْ"؛ وذلك بأنْ يعطي أحد الشيئَيْنِ ما اشتهر للآخَرِ.

مثاله: حديثُ أبي هريرة: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ

إلى آخر الحديث"

(3)

، وقد رواه مسلمٌ في بعض الطرق، و"رَجُل" تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ"، وهو مقلوبٌ، وإنما هو: "حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ"؛ كما رواه - أيضًا - مسلمٌ والبخاريُّ

(4)

، وحديثُ ابن خزيمة، عن عائشة: أنَّ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا

(1)

أخرجه أحمد (5/ 296، 303، 304) ومسلم (156/ 604) من طريق حجاج بن أبي عثمان به.

وأخرجه البخاري (637، 638) ومسلم (604) وأبو داود (539) وأحمد (5/ 310) وابن حبان (1755) من طرق عن يحيى بن أبي كثير.

(2)

المقصود بالضرير حماد بن زيد، حيث نقل في ترجمته أنه كان ضريرًا، انظر "تهذيب التهذيب" (3/ 9) وكذا "فتح المغيث" العراقي ص (134) وقد أخرج أبو داود في المراسيل (64) عن حماد بن زيد قال: كنت أنا وجرير بن حازم عند ثابت البناني فحدث حجاج بن أبي عثمان عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فظن جرير أنه إنما حدث به ثابت عن أنس. اه

وحكى وهم جرير أيضا الترمذي عن البخاري في سننه (517).

(3)

أخرجه البخاري (660) ومسلم (1031/ 91) والنسائي (8/ 222 - 223) والترمذي (2391) وابن خزيمة (358) وابن حبان (4486) وأحمد (2/ 439) والبيهقي (4/ 190) من حديث أبي هريرة.

(4)

أخرجه ابن خزيمه (406) وابن حبان (3473) ينظر كلام الحافظ في الفتح (2/ 365).

ص: 332

حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلالٌ، وكَانَ بِلالٌ لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَرَى الفَجْرَ"

(1)

؛ قال البُلْقِينِيُّ

(2)

: "هذا مقلوبٌ، والصحيحُ من حديث عائشَةَ: "إِنَّ بلالا لا يُؤَذِّنُ بَلْيلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتًّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْن أُمِّ مَكْتُومٍ، لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ"

(3)

قال: وما تأوَّله ابن خُزَيْمة - من أنَّه لا يجوزُ أنْ يكُونَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم جعَلَ الأذانَ نُوَبًا بَيْنَ بلالٍ وابْنِ أمِّ مكتومٍ - بعيدٌ، وأبعَدُ منه جزم ابْنِ حِبَّانَ بذلك"

(4)

.

وإنَّما قدَّم المصنِّفُ القَلْبَ في السنَدِ على الذي في المَتْن؛ لأنَّه بصدد بيانِ الطعْنِ في الرَّاوي.

(1)

أخرجه ابن خزيمة (406) وابن حيان (3473).

(2)

هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني. قال الحافظ ابن فهد: "إمام الأئمة وعلم الأمة حاز كل الفخر وهو أعجوبة الدهر خاتمة المجتهدين، ومن دان لفضله كل عالم من أئمة الدين

" حفظ القرأن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الشاطبية، و"المحرر" للرافعي، و"الكافية الشافية" لابن مالك، و"مختصر ابن الحاجب"، وأكب على الاشتغال في فنون العلم والفقه، والأصول، والفرائض والنحو حتى فاق أقرانه، ثم أقبل على الحديث وحفظ متونه ورجاله فحاز من ذلك علمًا جمًا.

من تصانيفه: "شرح البخاري"، شرح الترمذي، "حواشي الكشاف"، "محاسن الاصطلاح وتضمين ابن الصلاح" وغيرها. توفي سنة 805 هـ. انظر ترجمته في "لحظ الألحاظ"(206) لابن فهد، "شذرات الذهب"(7/ 51، 52)، "الضوء اللامع"(6/ 85)، "البدر الطالع"(1/ 506).

(3)

أخرجه البخاري (623) ومسلم (1092) والنسائي (2/ 10) والدارمي (1/ 270) والبيهقي (1/ 382) من حديث عائشة.

(4)

ينظر "صحيح ابن حبان"(3473).

ص: 333

[المزيد في متصل الأسانيد]

(1)

أوْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِزِيَادَةِ رَاوٍ أَوْ أَكْثَرَ في السَّنَدِ بَيْنَ رَاوِيَيْنِ يُظَنُّ الاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا - عَلَى رِوَايَةٍ أُخْرَىَ حُذِفَ مِنْهَا ذَلِكَ، وكانَ حَذفُ الزائدِ مِنْ السَّنَدِ بتَحْديثٍ، أو إخبارٍ، أو سماعٍ، أو نحوهَا، مما يقتضي الاتصالَ -: فهو المَزِيدُ في مُتَّصِلِ الأسانيد؛ لأنَّ الزيادة حينئذ غلَطٌ من راويها أو سهْوٌ، إنْ وُجِدَتْ قرينةٌ تدلُّ على ذلك أو على غَلَبَةِ الظنِّ إن لم تكُنْ؛ إذ يحتمل حينئذ أن يكون راوي الزيادةِ قد تَحَمَّل الحديثَ عن كُلٍّ مِنَ الراويَيْن؛ إذْ لا مانعَ أنْ يسمعه من واحدٍ عن آخر، ثمَّ يسمعه من الآخر، والمعتَمَدُ عليه الروايةُ الأخرَىَ؛ لأنَّ مع روايتها حينئذٍ زيادَةً، وهي إثباتُ سماعِهِ منه، مع احتمال أنْ يكونَ أوثَقَ، وقد ألَّفَ الخطيبُ في ذلك كتابًا سمَّاه:"تمييزَ المَزِيد، في مُتَّصِلِ الأسانيد"

(2)

.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(480 - 481)"المنهل الراوي- لابن جماعة (78) ""اختصار علوم الحديث"-" لابن كثير (171) "التقييد والإيضاح"- للعراقي (289) ""نزهة النظر"-" لابن حجر (47) "فتح المغيث" -للسخاوي- (73) "تدريب الراوي"- للسيوطي (2/ 203) "شرح "نزهة النظر""- للقري (139) "منهج ذوي النظر" للترمسي (75) ""لقط الدرر"- للعدوى- (80)" "سح المطر" العبد الكريم الأثري (84) ".

(2)

قال ابن الصلاح: "قد ألف الخطيب الحافظ" في هذا النوع كتابًا سماه (كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد)، وفي كثير مما ذكره نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد، إن كان بلفظ "عن" في ذلك فينبغي أن يُحكم بإرساله، ويُجعل معللا بالإسناد الذي ذُكرَ فيه الزائد، لما عُرف في نوع المعلل،

وإن كان فيه تصريح بالسماع أو بالإخبار كما في المثال الذي أوردناه، فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل، ثم سمعه منه نفسه. اه "مقدمة ابن الصلاح"(480، 481) وانظر "موارد الخطيب في تاريخ بغداد". للدكتور أكرم العمري ص (71).

ص: 334

مثاله: حديثُ عبد الله بن المُبَارَكِ، عن سُفْيَان، عن عبد الرَّحْمَنِ بن يزيدَ بْنِ جابر، قال: حدَّثني بُسْر بن عبيد الله، قال: سمعْتُ أبامَرْثَدٍ الغَنَوِيَّ يقول: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، ولا تُصَلُّلوا إِلَيْهَا"

(1)

؛ فذكْر سُفْيانَ، وأبي إدريس زيادةٌ، أما ذِكْر سُفيانَ: فزيادة مِمَّنْ دون ابن المبارك؛ لأنَّ جماعةً من الثقاة رَوَوْهُ عن ابن المبارك، عن ابن جابر نفسه، من غير ذكْرِ سفيانَ، وأما ذِكْرٍ أبي إدريس فزيادةٌ من ابن المبارك؛ لأنَّ جماعةً من الثقاتِ رَوَوْهُ عن ابن جابرٍ نفسه، ولم يذكُرُوا أباإدريسَ بَيْنَ بِشْر وواثلةَ.

وأما إذا كانتِ الروايةُ الأخْرَى التي حُذِفَ منها ذلك الاسْمُ ب"عَنْ" أو "قال" أو نحوهما ممَّا لا يقتضي الاتصالَ في السند الناقص -: فهي معلَّةٌ بالإسناد الزائد، وكان المعتَمَدُ عليه الزائد؛ لأن الزيادة من الثِّقَةِ مقبولٌ، كما سبق.

ويسمَّى هذا النوعُ بالخَفِيِّ؛ لخفائه على كثيرٍ؛ لاجتماعِ الروايتَيْن في عصرٍ واحدٍ، وهو أشبَهُ بروايات المدلِّسين.

(1)

أخرجه أحمد (4/ 135) ومسلم (972/ 98) والترمذي (1050) وابن خزيمة (794) وابن حبان (2320) والحاكم (3/ 220) والبيهقي (2/ 435) من طريق ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني بسر بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني قال: سمعت واثلة يقول سمعت: أبامرثد الغنوي فذكره وقد خطأ أبو حاتم والبخاري عبد الله بن المبارك في زيادته أبا إدريس في الإسناد وينظر علل الحديث (1/ 80)

وأخرجه أحمد (4/ 135) ومسلم (972/ 97) والترمذي (1051) والنسائي (2/ 67) وأبو داود (3229) وابن خزيمة (793) والحاكم (3/ 221) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر عن واثله عن أبي مرثد الغنوي به.

ص: 335

[المضطرب]

(1)

أو كانت المخالفة بإبدالِ راوٍ بآخر، ولا مُرَجِّحَ للمخالف.

والمخالفُ بوَجْهٍ من وجوه، المرجِّحات السابقَةِ، فهو المضطربُ، أي: قِسْمٌ منه؛ لأنَّ الاضطرابَ - كما يقعُ في السنَدِ - يقع في المَتْن أيضًا، بل ربَّما يجتمعان:

مثالُ الاضطراب في السند حديثُ أبي داود، وابنِ ماجة، من رواية إسماعيلَ بن أُمَيَّة، عن أبي عَمْرو بن محمَّد بن حُرَيْث، عن جدِّه حُرَيْث، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ شَيْئًا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ"

(2)

رواه بِشْر بن المفضَّل، ورَوْح بن القاسم،

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(269 - 273)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (219)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (59)، "الموقظة" - للذهبي (51)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير - (68)، "التقييد والإيضاح" - للعراقي (124)، "فتح المغيث" -للعراقي (109)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (2/ 773)"نزهة النظر" - لابن حجر (47)، "فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 274)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 262). "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 34)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (99)، "لقط الدرر" - للعدوي (80)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (86).

(2)

أخرجه أبو داود (690) وابن ماجه (943).

ص: 336

عن إسماعيل هكذا، ورواه، سُفْيان الثوريُّ، عنه، عن أبي عَمْرو بن محمَّد بن عَمْرو بن حُرَيْث، عن جدِّه، عنْ أبي هريرة

إلى غير ذلك من الاختلافاتِ التي وقعَتْ فيه على إسماعيلَ بْنِ أمية

(1)

.

ومثال الاضطرابِ في المَتْن: حديثُ فاطمَةَ بنتِ قَيْس، قالت: سُئِلْتُ أَوْ سُئِلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ فِي المَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ"؛ هكذا رواه الترمذيُّ من رواية شَرِيكٍ، عن أبي حمزة، عن الشَّعْبي، عن فاطمة، ورواه ابن ماجه من هذا الوَجْه، بلفظ:"لَيْسَ فيِ المَالِ سِوَى الزَّكَاةِ"

(2)

.

وقد جرى المصنِّف على ما هو الأغلَبُ من كون الاضطرابِ في السند، مخالفة الراوي من هو أوثَقُ منه بالإبدال المذكورِ، وإلا فقد يكونُ بمخالفة نَفْسه؛ وذلك لأنهُمْ قالوا: المضطربُ ما اختلف فيه الرواةُ على شَيْخٍ؛ بأن يرويه واحدٌ أو أكثر مرَّةً على وجه، وأخْرَى على وجه آخر يخالف الأوَّل، إلى آخر ما قالوا؛ فإنَّ ترجيحَ واحدٍ بالحفْظ أو أكثريَّةِ ملازمة المرويِّ عنه أو غَيْرِهِمْا مِنْ وجوه الترجيحِ -: فإنه لا اضطراب حينئذٍ؛ بل يتعيَّن الأَخْذُ بالراجح، وكذا الاضطرابُ إن أمْكَنَ الجمْعُ؛ بحيثُ يُمُكْنُ أنْ يقال: إنَّ المتكلِّم غَيَّرَ اللفظَيْن أو أثَرَ عن معنى واحدٍ، والاضطرابُ موجبٌ لضعْفِ الحديثِ؛ لإشعاره بعَدَمِ الضبْطِ،

(1)

اختلف في هذا الحديث على وجوه كثيرة وينظر "علل الدارقطني"(2010) علل الحديث (1/ 186 - 187)"النكت على ابن الصلاح"(2/ 772 - 773)"التلخيص"(1/ 286)"المسند" بتحقيق الشيخ شاكر (7386).

(2)

أخرجه الترمذي (659، 660) وابن ماجه (1789) من طريق شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس به وقال الترمذي هذا حديث إسناده ليس بذاك وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهذا أصح.

ص: 337

والفَرْقُ بينه وبَيْنَ المعَّلل السابق، أنَّ ذلك شرطهٌ ترجيحُ جانبِ العلَّة؛ فلذلك أسقَطَ علَّته للاحتجاجِ به، وهذا موضوعٌ لما يظهرٌ فيه ترجيحٌ؛ كما تقرَّر.

و اعلم أنَّ الإبدال قد يكونُ للغَلَطِ، وحكمهٌ حُكْمُ المقلوبِ أو المعَّلل، وقد يكونُ بقَصْد الإغراب، وحكمهُ حكمُ الموضُوع؛ يَقْدَحُ في فاعله، ويوجبُ رَدَّ حديثه، وقد يكونُ لقصْدِ الامتحان:

مثال الغَلَط. ما رواه يعلى بْنُ عُبَيْد، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مقسم، عن ابن عباس، قال سَاقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيهَا جَمَلٌ لأِبِي جَهْلٍ"

(1)

؛ قال ابن أبي حاتم. "سَأَلْتُ أبا زرعة عنْهُ فقال: هذا خطأ، إنما هو عن الثوْريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، والخطأ فيه من يعلى بن عُبَيْد"

(2)

.

ومثاله لقصد الإغراب: حديثُ أبي هريرة المرفُوعُ: "إذَا لَقِيتُمُ المُشْركِيِنَ في طَرِيقٍ، فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ" رواه مسلم في "صحيحه" من رواية شُعْبة، والثوريَّ، وجرير بْنِ عبد الحميد، وعبد العزيز بْنِ محمَّد الدَراورْدِي، كُلُّهم عن سُهَيْل بن أبي سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه حَمَّاد بن عمرو النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة

(3)

.

ومثال الإبدال لقَصْدِ امتحانِ حِفْظِ الشيخِ وفَهْمِهِ: كما فُعِلَ مع البخاريِّ، والعُقَيْلِيِّ، وغيرهما

(4)

، ويفعلونه أهْلُ الحديث كثيرًا.

(1)

أخرجه أحمد (1/ 234) وابن ماجة (3076، 3100) من طريق سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس به.

(2)

"علل ابن أبي حاتم"(1/ 295).

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

تقدمت قصة امتحان أهل بغداد للبخاري، وانظر حول امتحان الشيوخ "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 274).

ص: 338

[المصحف]

(1)

أَوْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بتغيير بَعْضِ الحُرُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْطِ، فهُوَ المُصَحَّفُ، أي قِسْمٌ منه، لأنه يكونُ في المتَنْ أيْضًا.

مثال الأول: ما ذكَرَهُ الدَّارَقُطِنُّيِ؛ أنَّ محمد بن جرير الطبريَّ قال فيمَنْ رواعن النبيَّ صلى الله عليه وسلم من بني سُلَيْم، وفيهم عتبة بن النُّدَّر، قاله بالموحَّدة، والدال المعجمة، وإنما هو بالنُّون المضمومة، وفتح الدال المهملة المشدَّدة.

و كقول يحيي بْنِ مِعَينٍ: العَوَّامُ بن مُزَاحم بالزاء والحاء المهملة، وإنما هو بالرَّاء والجِيمِ

(2)

.

و مثال الثاني: ما ذكَرَهُ الدارقطنُّي أيضًا أن أبا بكرٍ الصُّوليّ أمْلَى في الجامع حديثَ أبي أيُّوب مرفوعًا -: "مَنْ صَام رَمَضَاَنَ، وأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ"

(3)

، فقال فيه:"شَيْئًا"، بالشين المعجمة والياء آخر

(1)

معرفة علوم الحديث - للحاكم (146)، "مقدمة ابن الصلاح"(471 - 476)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (63)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (140)، "فتح المغيث" - للعراقي (332)، "فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 55)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 193)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (224)، "توضيح الأفكار) " - للصنعاني (2/ 419)، "توجية النظر" - للجزائري (186)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (248)، "لقط الدرر" - للعدوي (82)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (89).

(2)

أي العوام بن مراجم.

(3)

أخرجه مسلم (1164) وابو داود (2433) والترمذي (759) وابن ماجه (1716) والدارمي (2/ 21) وابن خزيمة (2114) وابن حبان (3634) والبيهقي (4/ 292) من حديث أبي أيوب.

ص: 339

الحروف،، وكقول هشام بن عُرْوة في حديث أبي ذَرٍّ رضي الله عنه:"تُعِينُ ضَائِعًا" بالضاد المعجمة والياء آخِرَ الحروف، والصواب: بالمهملة والنون، وكقول وكيع في حديث معاويةً بْنِ أبي سفيان:"لَعَنَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الذَّيِنَ يُشَقِّقُونَ الحَطَبَ"

(1)

بفتح الحاء المهمله، وإنَّما هو بضَمِّ المعجمة، وكقول أبي موسى محمَّد بن المثنَّى في حديثِ: "أَوْشَاة تَنْعَرُ

(2)

" بالنون، وإنَّما هو بالياء آخر الحروف "و كقول أبي بَكْرٍ الإسماعيليِّ، في حديث عائشة: قز الزُّجَاجَة" بالزاي، وإنما هو بالدَّال المهملة المفتوحة.

و للتصحيفِ تقسيمٌ آخَرُ؛ ذكره العراقي

(3)

، وهو إما أن يكونَ تصحيفَ السَّمْع، وإما أن يكون تصحيف المَعْنَى:

فالأَّول: أن يكون الاسْمُ واللقب أو الاسْمُ واسْمُ الأبِ على وزن اسْمِ الآخر، ولقبِه، أو اسم آخر واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلاً ونطقًا، فيشتبه ذلك على السَّمْع.

مثاله: ما ذكره النَّسَائِيُّ، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عاصم الأَحْوَلِ، عن أبي وائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه بحديث:"أَيُّ الذَّنبِ أَعْظَمُ .... الحديث"

(4)

؛ وكذلك ذكره الخَطِيبُ في المُدْرَجَات، من طريق مهديِّ بن ميمونٍ، عن "عاصم الَاحْوَل". والصواب " واصل الأَحْدَب" كطتم "عَاصِم الأَحْوَل" من طريق شُعْبة ومهديٍّ وغيرهما.

(1)

ذكره الهيثمي في "المجمع"(2/ 194) وقال: "رواه الطبراني في الكبير وفيه جابر الجعفي والغالب عليه الضعف".

(2)

أخرجه البخاري (2597) ومسلم (26/ 1832) من حديث أبي حميد الساعدى.

(3)

انظر التقييد والإيضاح (284).

(4)

تقدم تخريجه.

ص: 340

ومن ذلك: ما رواه أبو داود والنسائيُّ، من رواية شعبة، عن مالك بن عُرْفُطَةَ، عن عبد خير، عن علي، في صفة الوضوء

(1)

، والصوابُ:"خالد بن علقمة"، مكان "مالك بن عرفطة"

(2)

.

والثاني: هو تغيير المعنى إلى شيء لم يقصد.

مثاله: ما ذكره الدارقطنيُّ، أنَّ أبا موسى محمَّد بن المثنَّى العنزيَّ الملقَّب بالزمن، أحد شيوخ الأئمَّة الستَّة، قال يومًا "نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ، قَدْ صَلَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلينا" يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى عَنَزَةَ" فتوهَّم أنه صلّى إلى قبيلتهم، وإنما العنزة هنا "الحَرْبَة" التى تُنْصَبُ بين يَديْهِ، وقد صحَّفَ أعرابيٌّ معناه ولفظهُ معًا؛ حيث ظنَّ سُكُون نونه، ثم رواه بالمعنى فقال: "شَاة"، والصوابُ أنَّها بفتح النون

(3)

وبالنسبة إلى الحُرُوف، هو المحرَّف، في "القاموسِ" التحريفُ: التغييرُ

(4)

والتَصْحِيِفُ: الخَطَأُ في الصَّحيفة

(5)

، وفي"شَرْح ألفيَّة العراقي" للقاضي زكريا:"التحريفُ: الخَطَأُ بالحروف بالشَّكْل"" والتَّصحيفُ: الخَطَأُ فيها بالنَّقْل،، واللَّحْنُ: الخطأُ في الإعراب "

(6)

. وفي "تعريفات السَّيِّد": "السند: تجنيسُ التحريف هو أن يكون الاختلافُ في الهيئة؛ كبَرد، وبُرد وتجنيس التصحيف: هو أن يكونَ الفارقُ النقْطَ، كأنقي واتقي". انتهى

(1)

أخرجه أحمد (1/ 122، 139) وابو داود (113) والنسائي (1/ 68) من طريق شعبة عن مالك بن عرفطة به.

(2)

أخرجه أحمد (1/ 135، 154) وأبو داود (111، 112) وابن ماجه (404) والنسائي (1/ 67، 68) وابن خزيمة (147) من طريق خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي.

(3)

ينظر "تدريب الراوي"(2/ 194 - 195).

(4)

القاموس المحيط (1033).

(5)

القاموس المحيط (1068).

(6)

فتح الباقي (2/ 295).

ص: 341

وبعضُهُمْ لم يفرِّقْ بين الاِسمَيْنِ، فأطلق المصحَّف والمحرَّف على شيْء [واحد]، ولا مشاحَّة في الاصطلاح،، والذي ذهَبَ إليه المصنِّف هو مختارُ أكْثَر الأصولييِّن.

مثاله: ما ذكر مُسْلِمٌ في "التمييز"

(1)

أَنَّ ابن لَهِيعَة صحَّف في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: أَنَّ رَسَوُلَ الله صلى الله عليه وسلم "احْتَجَرَ في المسَجْد"

(2)

، فقال:"احْتَجَمَ" بالميم، وكما روى يحيي بن سالم المفسِّر، عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ، عن قتادة، في قوله تعالى:{سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] قال: مصر

(4)

؛ وقد استعظم أبو زُرعة الرازيُّ هذا واستَقْبَحَهُ، وذكر أنه في تفسير سعيد، عن قتادة: مَصِيرَهُمْ؛ فيسمى هذا تحريفًا، وإن لم يشتبهْ ولكنه سقط الضمير والياء فوقع هكذا.

و معرفهُ التصحيف والتحريف فَنٌّ مهمٌّ، حتَّى صنَّف فيه جماعة، منهم الدارقطني

(5)

، أبو أحمد العسكريُّ

(6)

، وغيرهما.

(1)

هوكتاب "التمييز" للإمام مسلم، وقد طبع جزء منه بتحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي. في الرياض.

(2)

أخرجه البخاري (6113) ومسلم (213/ 781).

(4)

ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(3/ 233) وعزاه إلى أبي الشيخ عن قتادة.

(5)

تقدمت ترجمته، أما كتابه فقد وصفه ابن خير في الفهرس ص (17) بأنه " كتاب مفيد" وقال السيوطي: أورد الدارقطني في كتاب التصحيف كل تصحيف وضع للعلماء، حتى في القرآن الكريم اه التدريب (2/ 195).

قلت: ومنه نسخة خطية بمكتبة الجامعة الإسلامية غير واضحة، وناقصة وقد أكثر الحفاظ النقل منه.

(6)

هو الإمام المحدث الأديب، أبو أحمد، الحسنى بن عبد الله سمع من عبدان الأهوازي، أبي بكر بن أبي داود، ومحمد بن جرير الطبري، وعنه: أبو سعد الماليني، وأبو نعيم الأصبهاني وغيرهما، قال أبو طاهر السلفي: كان أبو أحمد العسكري من الأئمة المذكورين بالتصرف في أنواع العلوم، والتبحر في فنون الفُهرم، ومن المشهورين بجودة التأليف وحسنى التصنيف، ألف كتاب " الحكم والأمثال" وكتاب " التصحيف"، وكتاب " راحة الأرواح"، وعاش حتى علا به السن واشتهر في الأفاق توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة. انظر السير (16/ 413).

أما كتابه فهو كتاب تصحيفات المحدثين، قال صاحب الرسالة المستطرحة ص (89):" شرح يه الأسماء والألفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف" اه.

قلت وهو مطبوع في ثلاث مجلدات بتحقيق شيخ شيوخنا د/ محمود أحمد.

ص: 342

‌[الرواية بالمعن

ي]

(1)

و لا يجوزُ تعمُّد تغيير صورة المتَنْ بتقديم أو تأخير، أو زيادةٍ أو نقصانٍ، أو تشديدٍ أو تخفيفٍ أو إبدال مرادف بمرادفٍ. نعم: يحلُّ لعارف نقْلُ حديث معناه ظاهر - ولم يتعَّبدْ بلفظه - بالمعنى؛ وذلك أن يأتي بلَفْظ بدلُّ آخَرُ مساوٍ له في المراد والفَهْم وإن لم يَنْسَ اللفْظ الآخر، أولم يرادفْهُ؛ لأن المقصود المعنى

(2)

واللفظ الدال، أما ما لم يظهَرْ معناه - ومنه المتشابه -

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(394)، "فتح المغيث" - للعراقي (260)"فتح المغيث" - للسخاوي (3/ 137)، "تدريب الراوي" - للسوطي (2/ 98)، "توضيخ الأفكار" - للصنعاني (2/ 392)"قواعد التحديث" - للقاسمي (229)، "توجية النظر" للجزائري (298).

(2)

قال الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر": "و أما الرواية بالمعنى فالخلاف فيها شهير، والأكثر على الجواز أيضًا، ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه في المفردات دون المركبات وقيل: إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ ليتمكنى من التصرف فيه، وقيل إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث فنسي لفظه وبقي معناه مرتسمًا في ذهنه، فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم منه بخلاف من كان مستحضرًا للفظه، وجميع ما تقدم يتعلق بالجواز وعدمه، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه دون التصرف فيه، قال القاضي عياض: ينبغي سد باب الرواية بالمعني لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة قديمًا وحديثًا" اه نزهة النظر ص (48)

ص: 343

فلا تجوزُ روايتُهُ بالمعنى؛ بل ينقل بلفظه، وكذلك ما تعبِّد بلفظه: لا يجوزُ نقله بالمعنى قطعًا؛ وكذلك ما كان مِنْ "جوامع الكلم"

(1)

؛ فلا يصحُّ نقلها بغير ألفاظها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "الخَرَاجُ بالضَّمَانِ"

(2)

، "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليِمَينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"

(3)

، "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ"

(4)

، "لَا ضَرَ ولَا ضِرَارَ"

(5)

"لَا يَنْتطِحُ فِيهِ عَنْزَانِ"، "الآن حَمِيَ الوَطِيسُ" إلى غير ذلك مما هو مذكورٌ في محله

(6)

(1)

قال النووي: " جوامع الكلم: الكلام قليل اللفظ كثير المعنى" اه. " شرح النووي على صحيح مسلم"(5/ 5).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

أخرجه مالك (2/ 868 - 869) رقم (12) والبخاري (6912) ومسلم (45/ 1710) وأبو داود (4593) والترمذي (642) والنسائي (5/ 45) وابن ماجه (2673) وأحمد (2/ 475) من حديث أبي هريرة.

(5)

تقدم تخريجه.

(6)

أخرجه أحمد (1/ 207) ومسلم (1775) من حديث العباس.

ص: 344

[المرفوع]

(1)

و لمَّا فَرَغَ المصنِّفُ من المباحث التي تتعلَّق بالمَتْنِ من حيث القَبُولُ والرَّدُّ -: شَرَعَ في الإسناد، فقال: والإسْنَادُ إِنِ انْتَهَاإلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مُتَّصِلاً - كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ - فَالمَرْفُوعُ، سَوَاءٌ كَانَ المَنْقُولُ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً أَوْ تَقْرِيرًا،، وَقَالَ الخَطِيبُ:"هُوَمَا أَخْبَرَ فيه الصَّحَابِيُّ عَنْ قَوْل الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَوْ فِعْلِهِ"؛ فعلى هذا: لا يدخُلُ فيه مراسيلُ التابعين، ومَنْ بعدهم،، قال ابن الصلاح:"و من جعل مِنْ أهْلِ الحديثِ المرفوعَ في مقابلة المُرْسَلِ، فقد عَنَي بالمرفوعِ المُتَّصِلَ"

(2)

. انتهى.

مثال المرفوع صريحًا من القول: قولُ الراوي - صحابيًّا كان أو غَيْرَهُ -: قالَ رَسُولُ اللهٍ، صلى الله عليه وسلم.

و مثالُهُ كنايةً - أي: غَيْرَ صريحٍ -: قولُ الصحابيِّ - الذي ليس مِنْ بني إسرائيل، ولا نَظَرَ في كُتُبِهِمْ - ما يكونُ عن الأمور الماضية، كَبَدْءِ الخَلْق، وقِصص الأنَبْيِاء، أو عن الأمور الآتية؛ كالمَلَاحِمِ، والفِتنِ، أو عَنْ ثَوَبٍ مخصوصٍ، أو عقابٍ مخصوصٍ، يترتَّب على عملٍ مخصوصٍ؛

(1)

مقدمة ابن الصلاح (193)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (48)"الموقظة" - للذهبي (41)، "اختصار علوم الحديث " - لابن كثير (43)، "النكت على ابن الصلاح" -لابن حجر (1/ 511)، توضيح الأفكار للصنعاني (1/ 254)"لقط الدرر" - للعدوي (104)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (99).

(2)

"مقدمة ابن الصلاح"(66)"مع التقييد والإيضاح".

ص: 345

كقول ابن مسعود: "مَنْ أَتَى سَاحِرًا أَوْ عَرَّافًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم"؛

(1)

لأن مثله لا يقولُهُ الصحابيُّ إلا بتوقيف.

و مثال المرفوع صريحًا من الفعل: قول الصحابيِّ: فَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ورأيتُهُ يفعُلُ كذا، وقولُ غيره، فَعَلَ رَسَوُلُ الله صلى الله عليه وسلم كذا.

و أما المرفوعُ من الفعل حُكْمًا - أي: غَيْرَ صريحٍ - فقال بعضُ الفضلاء: لا يتأتَّى فعلٌ مرفوعٌ حُكْمًا، ولا يكونُ مرفوعًا صريحًا، وقال الحافظُ في "شَرْح النخبة".

مثاله: "أن يفعَلَ الصحابيُّ ما لا مجَالَ للاجتهادِ فيه؛ فينزَّلُ على أن ذلك عِنْدَهُ عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما قال الشافعيُّ في صلاة علىٍّ رضي الله عنه في الكسوفِ، في كُلِّ ركعةٍ أَكْثَر من ركوعَيْنِ"

(2)

وردَّ بأنه لا يلزمُن كونه عند الصحابيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يكون عنده مِنْ فِعْلِهِ؛ لجواز أن يكون عنده من قوله.

ومثال المرفوع صريحًا من التقرير: أن يقولَ الصحابيُّ: فعلتُ أوفعل بحضرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا يذكُرُ إنكارَهُ

(1)

رواه أبو يعلى (5408) وذكره الهيثمي في المجمع (5/ 118) وقال "رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار، ورجال الطبراني في الكبير والبزار ثقات".

و ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وعزاه لأبي يعلى والبزار وقال: إسناده جيد كلهم رووه موقوفًا على ابن مسعود.

و قد روي مرفوعًا من حديث أبي هريرة بلفظ: "من أتي عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " رواه الترمذي (135)، وابن ماجة (639). والحاكم (1/ 8)

(2)

تقدم تخريجه وأصل الحديث في الصحيحين.

ص: 346

و مثاله غَيْرَ صريحٍ: حدَّثنا المغيرةُ بن شُعْبَة: "كَانَ أَصْحَابُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَعُونَ بَابَهُ بالأَظَافِيرِ"

(1)

؛ لأنه يستلزمُ اطلاع النبيِّ صلى الله عليه وسلم على ذلك، وإقرارهُمْ علَيْه،، وقال الحاكم والخَطِيب: إنه ليس بمرفوعٍ

(2)

.

و ممَّا يَدُلُّ على رفع الحديث: قولُ التابعيِّ، عن الصحابي:"يَرْفَعُ الحديثَ أو روايته، أو يبلُغُ به النبيَّ، صلى الله عليه وسلم"،، وقولُ الصحابيِّ "من السنَّة كذا" محمولٌ على الرفع؛ وكذا قولُ التابعيَّ؛ لأن الظاهر أنَّهُمْ لا يريدون بالسُّنَّة عند الإطلاق إلا سنة النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتفصيلُ في الأصول الفقهية.

(1)

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(1080) وأبو نعيم في "تاريخ أصفهان"(2/ 110، 365) والمزي في "تهذيب الكمال"(26/ 350) من حديث أنس بن مالك

و له طريق آخر عن أنس أخرجه البزار (2008 - كشف الأستار) وابن حبان في "المجروحين"(2/ 198 - 199) والكلام على هذا الحديث طويل وينظر "الصحيحه"(2092) و"صحيح الأدب المفرد"(824).

(2)

"تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 187).

ص: 347

[الموقوف]

(1)

أو انْتَهَى إلَى الصَّحَابِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ يسندٍ منصلٍ أم منقطعٍ -: فالموقوفُ، قولاً أو فعلاً أو تقريرًا - كما سبق - أو انتهى إلى التابعيِّ، أو انتهى إلى مَنْ دونه كذلك -: فالمَقْطُوعُ؛ فالفرق بينه وبين المُنْقَطِع: أن المَقْطُوع من مباحثِ الإسناد، والمنقطع من مباحث المَتْن، وقد سبَقَ.

و يقال للأخيرَيْن - وهما الموقوفُ، والمَقْطُوع: الأثَرُ أيضًا، وبعضُ فقهاء الشافعيَّة، سَمَّي الموقوفَ: أَثَرًا، وسَمَّىّ المرفوعَ: الخَبَرَ، وقال النوويُّ:"المحدِّثُونُ يُطْلِقُون الأثَرَ على المرفوعِ والموقوفِ"

(2)

(1)

مقدمة ابن الصلاح (194)، "المنهل الروي" - لابن جماعة (48)"الموقظة" - للذهبي (41)، "اختصار علوم الحديث " - لابن كثير (43)، "النكت على ابن الصلاح" - لابن حجر (1/ 512)" تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 194)"و توضيح الأفكار" - للصنعاني (1/ 261)"لقط الدرر" - للعدوي (104)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (102).

(2)

"انظر التقريب والتيسير"(1/ 184) مع "التدريب".

ص: 348

[المسند]

(1)

و المُسْنَدُ - بفتح النون - يقال لكتابٍ جُمِعَ فيه ما أَسْنَدَهُ الصحابيُّ، أي: رواه - كما سبق - وللإسناد، ك "مُسْنَدِ الشهابِ"

(2)

، و "مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ"

(3)

، أي: إسناد حديثهما،، وللحديث الذي هو مرفوعُ

(1)

معرفة علوم الحديث - للحاكم (17)، "مقدمة ابن الصلاح"(190 - 191)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (196)"المنهل الروي" -لابن جماعة (47)، "الموقظة" - للذهبي (42)"اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (42)، "فتح المغيث" - للعراقي (49)، "النكت على ابن صلاح" لابن حجر (1/ 505)"نزهة النظر" لابن حجر (57)"فتح المغيث" - للسخاوي (1/ 119)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (1/ 182)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (191)، "توضيح الأفكار) " - للصنعاني (1/ 258)، "لقط الدرر" - للعدوي (105).

(2)

هو "مسند الشهاب في المواعظ والآداب" في مجلد لشهاب الدين أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القضاعي، نسبة إلى قضاعة ولي قضاء مصر توفي سنة أربع وخمسين وأربع مئة، وعدد أحاديثه ألف ومئتان حديث في الحكم والوصايا محذوفة الإسانيد مرتبة على الكلمات من غير تقيد بحرف.

انظر الرسالة المستطرفة ص (57).

(3)

هو مسند كتاب الفردوس، ويعرف اختصارًا "بمسند الفردوس" لأبي منصور شهر دار بن شيرويه الديلمي المتوفي سنة خمسين وخمس مئة، وكتاب الفردوس لوالده المحدث الحافظ شيرويه بن شهردار المتوفي سنة تسع وخمس مئة. أورد فيه عشرة الآف حديث من الأحاديث القصار مرتبة على نحوٍ من عشرين حرفًا من حروف المعجم من غير ذكر إسناد في مجلد أو مجلدين وسماه "فردوس الأخبار بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب" أي "شهاب الأخبار" للقضاعي - وأسند أحاديث "فردوس الأخبار" ابن شيرويه المسمى شهردار في كتابه "مسند كتاب الفردوس"، في أربع مجلدات خرج سند كل حديث تحته، وسماه "إبانة الشبه في معرفة كيفية الوقوف على ما في كتاب الفردوس من علامة الحروف" واختصره الحافظ ابن حجر وسماه "تسديد القوس في مختصر مسند الفردوس" وهو مطبوع وانظر الرسالة المستطرفة (57).

ص: 349

صحابي بسند ظاهره الاتِّصَالُ؛ فخرج مرفوعُ التابعيِّ فَمَنْ دونه، وما ظاهره الانقطاعُ، ولم يخرجِ المُرْسَلُ الخفيُّ، ولاما عنعنه المدلِّس؛ وهذا موافق لقول الحاكم في كتابه "عُلُوم الحديث"؛ حيث قال:"و المُسْنَدُ: ما رواه المحِّدث عن شيخ يظهر سماعه منه لِيسِنٍّ يحتمله؛ وكذلك سماعُ شَيْخه مُتَّصِلاً إلى صحابيٍّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائُل به لَحَظَ الفَرْفَ بينه وبين المُتَّصِل والمرفوع من حيثُ إِنَّ المرفوعَ يُنْظَرُ فيه إلى حال المتن دون الإسناد، من أنه متصل أَوْلَا، والمتصلُ يُنْظَرُ فيه إلى حالِ الإسنادِ دون المَتْن، من أنه مرفوعٌ أَولا، والمسنَدُ يُنْظَرُ فيه إلى الحالَيْن معًا، فَيَجْمَعُ شرطي الرفع والاتصال فيكون بينه وبين كُلٍّ من المرفوع والمتصلِ عُمُومٌ وخصوصٌ مطلقًا فُكلُّ مُسْنَدٍ مرفوعٌ ومتَّصلٌ، ولا عكْس. "

وقال الخطيبُ: "المُسْنَدُ المتَّصِل"؛ فيدخل الموقوف الذي لا انقطاعَ في سَنَدِهِ؛ لكنه قال: إن استعمالَهُمْ هذه العبارة فيما أسُنِدَ عن النبيِّ، صلى الله عليه وسلم.

و قال ابن عبد البَرِّ: "المسند المرفوعُ"؛ فيدخل المرسل والمُعْضَل والمنقطع إذا كان مرفوعًا، ولا قائل به.

و الحاصل: أن بعضَهُمْ جعل المُسْنَدَ من صفات المَتْن والإسناد معًا، وهو الذي جَرَى عليه المصنِّف،، وبعضهم جعله مِنْ صفات المَتْن؛؛ لكنْ لَحَظَ فيه صفة الإسناد، وهو القولَ الثانِيِ؛ فإذا قيل عليه: هذا سَنَدٌ، علمنا أنه متصلُ الإسناد، ثم قد يكونُ مرفوعًا وموقوفًا إلى غير ذلك، وبعضهم جَعَلَهُ من صفات المَتْن فقطْ، وهو القولُ الأخِيرِ، فإذا قيل عليه: هذا حديثٌ مُسْنَدٌ عَلِمْنا أنه مضافٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قد يكُونُ مرسلاً ومعضلاً وغَيْرَ ذلك.

ص: 350

[العلو المطلق]

(1)

فإنْ قَلَّ عددُ رجالِ السَّنَدِ، وانتهَى إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: فهو العُلُوُّ المُطْلَقُ، يُعْلَمُ وَجْه إطلاقه من قَسِمه، وهو أجَلُّ أنواع العلوِّ، وأفضلها؛ قال العراقي:"و أعلَى ما يقعُ للشيوخِ في هذا الزمانِ من الأحاديثِ الصِّحَاحِ بالسماعِ -: ماهو تُسَاعِيُّ الإسناد"، ثم قال: "و لا يقعُ لأمثالِنا من الصحيح المُتَّصلِ بِالسماعِ إلاعُشَارِيُّ الإسناد، وقد يقع لنا التساعي

(2)

الصحيحُ، ولكنْ بإجازةٍ في الطَّرِيقِ"

(3)

. انتهى، وقد حَصَلَ لنا من هذا القُرْب ما حصل، ولله الحمد على ذلك.

ثم اعلم: أن قُرْب الإسناد مع ضَعْفِ بعض الرواة لا يُلْتَفَتُ إلَيْه؛ قال العراقي: "سيما إنْ كان فيه بَعْضُ الكذَّابين المتأخِّرين مِمَّنِ ادعَى سماعًا من

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (5)، "مقدمة ابن الصلاح"(437 - 449)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (301)"المنهل الروي" -لابن جماعة (70)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (154)، "فتح المغيث" - للعراقي (308)"نزهة النظر" لابن حجر (58)"فتح المغيث" - للسخاوي (3/ 331)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 159)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (193)، "توضيح الأفكار) " - للصنعاني (2/ 395)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (239)"لقط الدرر" - للعدوي (106)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (108).

(2)

في الأصل "السباعي" وما أثبتناه هو الصواب في " فتح المغيث للعراقي".

(3)

"فتح المغيث"(310) للعراقي.

ص: 351

الصحابة؛ كإبراهيم بن هُدْبَةَ

(1)

، ودينار بن عبد الله

(2)

، وخِراشٍ

(3)

، ويغنم بن سالم

(4)

، وغيرهم "

(5)

.

(1)

هو إبراهيم بن هدبة، أبو هدبة الفارسي، قال الذهبي:"حدث ببغداد وغيرها بالأباطيل" قال ابن معين: "قدم علينا هاهنا وكتبنا عنه عن أنس، ثم تبين لنا أنه كذابٌ خبيث".

و قال النسائي وغيره: "متروك" وقال أبو حاتم وغيره: "كذاب".

و قال أحمد: "لا شيءٍ". "ميزان الاعتدال"(1/ 71).

(2)

هو دينار أبو مِكْيَس الحبشي. عن أنس، قال ابن حبان: يروى عن أنس أشياء موضوعة، وقال ابن عدي: ضعيفٌ ذاهب، قال الخطيب: روى عنه: أحمد بن محمد بن غالب الباهلي غلام خليل، وحمدون بن أحمد السمسار. ومحمد بن موسى البربري، وابن ناجية. قال الذهبي: حدث في حدود الأربعين ومائتين بوقاحة عن أنس بن مالك. "ميزان الأعتدال"(2/ 30).

(3)

هو خِراش بن عبد الله عن أنس بن مالك، قال الذهبي:"ساقطٌ عدم"، قال ابن حبان:"لا يحل كتب حديثه إلا للاعتبار".

و قال ابن عدي: "زعم أنه مولى أنس".

المجروحين (1/ 284) وميزان الاعتدال (1/ 651)

(4)

صوابه يَغْنَم بن سالم - كما أثبتناه وفقًا "للمجروحين" و"ميزان الأعتدال" وفتح المغيث الذي نقل عنه المصنف وفي المخطوط "نعيم"، وهو تصحيف.

و يغنم هو يغنم بن سالم بن قنبر، مولى على رضي الله عنه، أتي عن أنس بعجائب، وبقي إلى زمان مالك، حدث عنه محمد بن مخلد الرُّعيني، وأحمد بن عيسى التسترى، وعبد الغني بن رفاعة، وطائفة. قال أبو حاتم: ضعيف، وقال ابن حبان: كان يضع على أنس بن مالك، وقال ابن يونس: حدث عن أنس فكذب، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. "المجروحين"(3/ 145)"ميزان الأعتدال"(4/ 459).

(5)

"فتح المغيث" - للعراقي (310) باختصار.

ص: 352

[العلو النسبي]

(1)

أو انْتَهَى إلى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ؛ كَالحِفْظِ والضَّبْطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ المُقْتَضِيَةٍ للتَّرجْيحِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَرْبابِ الكُتُب السِّتَّة أَوْ لم يَكُنْ، كَالأَعْمشِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، الأَوزْاِعَيِّ، وشُعْبَةَ، والثَّوْرِيِّ - مَعَ صِحَّةِ الإسْنَادِ أَيْضًا -: فَهُو العُلُوُّ النِّسْبِيُّ؛ لأنَّ قِلَّة رجاله بالنسبة إلى ذلك الإمام، وإن كَثُرَ العدد إلى النبيِّ، صلى الله عليه وسلم.

و من العُلُوُّ النسبيِّ -أيضًا - ما قُيِّدَتْ نسبتهٌ بالكُتُب الستَّة؛ إذْ لو روينا الحديثَ من طريقِ كتابٍ من الكتبِ الستَّة يقع أَنْزَلَ مِمَّا لو رويناه من غير طريقها، وقد يكوُنُ عاليًا مطلقًا أيضًا؛ كحديث ابن مسعود مرفوعًا: "يَوْمَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى عليه السلام كَانَ عَلَيْهِ جُبَةُ صُوفٍ

" الحديث

(2)

؛

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (5)، "مقدمة ابن الصلاح"(437 - 449)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (301)"المنهل الروي" -لابن جماعة (70)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (154)"نزهة النظر" لابن حجر (58)"فتح المغيث" - للسخاوي (3/ 331)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 159)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (192)، "توضيح الأفكار) " - للصنعاني (2/ 395)، "لقط الدرر" - للعدوي (106)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (108).

(2)

أخرجه الترمذي (1734) والحسن بن عرفه في جزئه (9، 10) والحاكم (2/ 379) من حديث ابن مسعود والحديث ضعيف جدًا وينظر "الضعيفة"(1240).

ص: 353

فإنا لو رَوَيْناه من جُزْء بن عَرَفَةَ

(1)

عن خَلَفِ بن خَليفة -: يكون أعلى مما رويناه من طريق الترمذيِّ، عن علي بن حُجْرٍ، عن خَلَفٍ، فهذا - مع كونه علوًّا نسبيًّا - علوٌ مطلق؛ إذ لا يقع هذا الحديثُ - اليَوْمَ - أعلَى من روايته من هذا الطريق.

ودخل في هذا النوعِ الموافقةُ والإبدالُ والمساواةُ والمصافَحَةُ:

فالموافَقَةُ: أن يَرْويَ الراوي حديثًا من أحد الكُتُب الستَّة بإسنادٍ لنَفْسه من غَيْر طريقها؛ بحيثُ يَجْتَمِعُ مع أحد الستَّة في شَيْخه، مع علوِّ الطريقِ الذي رواه منه، عَلَى ما لو رواه من طريق أَحَدِ الكُتَبِ الستَّة.

مثاله حديثٌ رواه البخاريُّ، عن محمد بن عبد الله الأنصاريِّ، عن عن حُمَيْدٍ عن أنس - مرفوعًا -:"كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ"

(2)

؛ فإذا رويناه من جُزْءِ الأنصاريِّ

(3)

تقَعُ موافقة للبخاريِّ في شيخه مع علوِّ درجته.

و البَدَلُ: أن يوافقَهُ في شيخِ شيخِهِ مع العُلُوِّ -أيضًا-.

مثاله: كحديث ابن مسعود الذي رواه الترمذيُّ، وتقدَّم ذِكْرُهُ.

و المساواة: هو أنْ يكونَ بَيْنَ الراوي وبَيْنَ الصحابيِّ، أو من قَبْلَ

(1)

هو جزء أبي علي الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي البغدادي المتوفى سنة سبع وخمسين ومئتين. وهو مطبوع بتحقيق د/ عبد الرحمن الغريوائي. وانظر الرسالة المستطرفة ص (65).

(2)

أخرجه البخاري (4500)، وأبو داود (4595)، والنسائي (8/ 26 - 27) وابن ماجه (2649)، وأحمد (3/ 128)، وابن الجارود (841) من طريق حميد الطويل عن أنس.

(3)

هو جزء أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن المثني الأنصاري البصري من شيوخ البخاري توفي سنة خمس عشرة ومئتين قال الكتاني: "وهو من الأجزاء العالية الشهيرة" الرسالة المستطرفة ص (65)

ص: 354

الصحابيِّ إلى شيخِ أَحَدِ الستَّةٌ؛ كما بَيْنَ أحد الأئمَّة الستَّة وبَيْنَ ذلك الصحابيَّ، أو مَنْ قبله على ما ذكر، أو يكون بَيْنَهُ وبين النبيِّ صلى الله عليه وسلم كما بَيْنَ أحد الأئمَّة الستَّة وبَيْنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال العراقي: "و هذا كلُّهُ يوجَدُ قديمًا، وأما اليوْمَ فلا توجَدُ المساواةُ، إلا أن يكونَ عَدَدُ ما بَيْنَ الراوي الآن وبَيْنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كعدد ما بين أحد الأئمة الستة وبين النبي صلى الله عليه وسلم.

و المصافحة: هو أن يَعْلُوَ طريقُ أحدِ الكتُبُ الستَّة عن المساواة بدرجةٍ، فيكون الراوي كأنَّه سَمِعَ الحديث من البخاريِّ أو مسلمٍ مثلاً

(1)

"، "يعني: أنَّ الراوي كأنَّه لَقِيَ أحد الأئمَّة الستَّة وصافَحَهُ بذلك الحديث.

و وقع التمثيلُ بالكُتُب الستَّة؛ لأن الغالب على المُخَرجِّين استعمالُ ذلك بالنسبة إليهم فقطْ، وقد استعمله الظاهريُّ

(2)

وغيره، بالنِّسْبة إلى مسند الإمامِ أحمَدَ، ولا مشاحَّةفي ذلك "؛

(3)

قاله العراقي، ولعُلُوِّ الإسناد أقسامٌ أخْرى تُطُلَبُ من المطوَّلات.

قال الحافظ ابن حَجَرٍ في "شرح النخبة": "و يُقَابِلُ العلوَّ بأقسامه المَذْكُورة: النُّزُولُ؛ فيكونُ كلُّ قسمِ من أقسام العُلُوَّ يقابلُهُ قِسْمٌ من أقسام النزول؛ خلافًا لمن زعم أن العُلُوَّ قد يقع غير تابع النزول"

(4)

. انتهى

(1)

فتح المغيث" - للعراقي (312).

(2)

يقصد الشيخ "جمال الدين الظاهري" كما أوضح ذلك العراقي في "فتح المغيث" ص (312) وكأنه من المعاصرين للعراقي.

(3)

انظر "فتح المغيث" للعراقي (311 - 312). بتصرف، واختصار.

(4)

"نزهة النظر"(59).

ص: 355

[رواية الأقران]

(1)

فِإَنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالِرَّوَايَةِ؛ كَالسِّنِّ، واللُ_قَي، وَهُوَ الأَخْذُ عَنِ المَشَايِخِ -: فَهُوَ الأَقْرَانُ - بفتح الهمزة - وهو نوعٌ لطيفٌ ومِنْ فوائد معرفتِهِ الأمْنُ من ظَنِّ الزيادة في السَنِد.

مثاله: روايةُ الأعمش، عن التَّيْمِيِّ، وهما قرينانِ، وقد يجتمعُ جماعةٌ من الأقران في سلسلة؛ كرواية أحمد، عن أبي خَيْثَمة زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عن ابن مِعَين، عن علي بن المديني، عن عبيد الله بن معاذ؛ لحديث أبي سَلَمَة، عن عائشة:

"كثنَّ أَزْوَاجُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذْنَ مِنْ شُعُوِرِهنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ "

(2)

؛ فالخمسة - كما قال الخطيب - أقْرَانٌ.

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (215)، "مقدمة ابن الصلاح"(523 - 526)، "الاقتراح" - لابن دقيق العيد (311)"المنهل الروي" -لابن جماعة (80)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (192)، "فتح المغيث" - للعراقي (374)"نزهة النظر" لابن حجر (60)"فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 168)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 246)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (200)، "توضيح الأفكار) " - للصنعاني (2/ 475)، "توجيه النظر" -للجزائري (195)"منهج ذوي النظر" - للترمسي (286)"لقط الدرر" - للعدوي (111)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (114).

(2)

أخرجه مسلم (320) من طريق عبيد الله بن معاذ ثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة.

ص: 356

و المصنَّف جرى على ما اشتهر عن الحاكمِ؛ حيث قال في كتابه "علوم الحديث": "و إنَّما القرينَانِ إذا تقارَبَ سنُّهما وإسنادهما"

(1)

، فإذا روى أحد القرينَيْن عن الآخر من غَيْر أن يروي الآخَرُ عنه -: فذلك من رواية الأقران"، وقال ابن الصَّلاح:

"إنَّ الحاكمَ ربَّما اكتفَى بالتقارُبِ في الإسنادِ، وإن لَمْ يوجَدِ التقاربُ في السِّنِّ"

(2)

. انتهى.

والمراد بالتقارب بالإسناد أن يكونَ أَخَذَ عن غالبِ من أخذ عنه شيخه،، وقد سَبَقَ معنى الرواية أوَّلَ الكتاب؛ على وجه يَنْكَشفُ به الحجاب.

(1)

"معرفة علوم الحديث"(215).

(2)

"مقدمة ابن الصلاح"(233) مع "التقييد والإيضاح".

ص: 357

[المدبج]

(1)

و إن روى كُلٌ منهما - أي: الراوي، ومَنْ روى عنه - عن الآخَرِ -: فهو المُدَبَّجُ - بضمِّ الميم، وفتح المُهْمَلة، وتشديد الموحَّدة، وآخره جيمٌ - سُمِّيَ بذلك؛ أخذًا من ديباجَتَي الوَجْه، وهما الخَدَّانِ؛ لتساويهما وتقابلهما، أو أنه لما فيه من الحُسْن والزينة، من: دَبَّجْتُ، بمعنى: زَيَّنْتُ، والذي سماه بذلك الدارقطنيُّ، وصنَّف فيه كتابًا.

و هو إما بواسطة؛ كرواية الليث، عن يزيد بن الهاد، عن مالك، ويروي مالك، عن يزيد، عن الليث، وإما بلا واسطة؛ كرواية كُلٍّ من أبي هريرة وعائشة عن الآخر، ويقع في الصحابة؛ كالمثال الثاني،، وفي التابعين؛ كرواية الزهري عن أبي الزبير، وأبي الزبير عن الزهري،، وفي أتباع التابعين؛ كرواية مالك عن الأوزاعيِّ، والأوزعيِّ عن مالك، وفي أتباع الأتباع؛ كرواية أحمدَ بْنِ حنبلٍ عن علي بن المَدِينيِّ، وعلي بن المديني عن أحمد بن حنبل.

(1)

" مقدمة ابن الصلاح"(523 - 526)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (80)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (192)، "نزهة النظر" لابن حجر (60)"فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 168)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 246)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (201)، "توضيح الأفكار) " - للصنعاني (2/ 475)، "لقط الدرر" - للعدوي (111)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (114).

ص: 358

[رواية الأكابر عن الأصاغر]

(1)

و إنْ روى الراوي عَمَّنْ دونه، أي: في الطبقة والسِّنِّ، وهما متلازمان غالبًا وفي القدر فَقَطْ، أو في القَدْرِ والسنِّ -: فهو روايةُ الأكابر عن الأصاغر، وهو نوعٌ لطيفٌ، ومن فوائد معرفته: الأَمْنُ من ظَنِّ الانقلاب، وتنزيلُ أهل العِلْمِ منازلهم عملاً بخبر أبي داود من حديث عائشة " أنزلو الناس منازلهم".

مثالُ الأول: روايةُ الزُّهريِّ

(2)

ويحيى بْنِ سعيدٍ الأنصاريِّ

(3)

، عن تلميذهما الإمام مالك بن أَنَسٍ

(4)

و كرواية أبي القاسم عبيد الله بن أَحْمَدَ الأزهريِّ

(5)

، عن تلميذه الحافظِ أبي بَكْرٍ الخطيبِ

(6)

، وكان إذْ ذاك شَابًّا.

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (48)، "مقدمة ابن الصلاح"(520 - 526)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (83)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (190)، "فتح المغيث" - للعراقي (373)"نزهة النظر" لابن حجر (60)"فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 164)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 243)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (200)، "توضيح الأفكار) " - للصنعاني (2/ 473)، "توجيه النظر" -للجزائري (175)"منهج ذوي النظر" - للترمسي (284)"لقط الدرر" - للعدوي (111).

(2)

هو الإمام محمد بن شهاب الزهري. وقد تقدمت ترجمته.

(3)

هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني أبو سعيد، ثقة ثبت من الخامسة "التقريب"(7559).

(4)

تقدمت ترجمته.

(5)

هو عبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري، حدث عن أبي بكر القطيعي وأبي سعيد الحُرفي، قال الخطيب: كان أحد المعنيين بالحديث والجامعين له، مع صدقٍ واستقامة ودوام تلاوة. سمعنا منه المصنفات الكبار، وكمل الثمانين. مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربع مئة. "تاريخ بغداد"(10/ 385).

(6)

تقدمت ترجمته.

ص: 359

و مثال الثاني: رواية مالكٍ وابن أبي ذئبٍ

(1)

عن شيخهما عبد الله بن دينَار

(2)

.

ومثال الثالث: روايةُ كَثِير من الحفَّاظ والعلماءِ عن تلامذتِهِمْ؛ كعبد الغنيِّ بن سعيدٍ

(3)

عن محمدَّ بن على الصُورِيِّ

(4)

.

(1)

هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث المعروف "بابن أبي ذئب" روى عن صالح مولى التوأمة، وعكرمة مولى ابن عباس، ونافع مولى ابن عمر والزهري ومحمد بن المنكدر وغيرهم، وعنه: الثوري ومعمر وهما من أقرانه، وعبد الله بن المبارك وأبو عاصم وأبو نعيم وغيرهم وهو ثقة فقيه وثقه أحمد وابن معين ويعقوب بن شيبة وغيرهم توفي سنة ثمان وخمسين ومئة وقيل غير ذلك. انظر "تهذيب التهذيب"(9/ 262).

(2)

هو عبد الله بن دينار العدوي مولى ابن عمر، روى عن: ابن عمر، وأنس، وسليمان بن يسار، ونافع القرشي مولى ابن عمر، وأبي صالح السمان وغيرهم. وعنه ابنه عبد الرحمن ومالك وشعبة والسفيانان وغيرهم قال الإمام أحمد: ثقة مستقيم الحديث مات سنة سبع وعشرين ومئة.

"تهذيب التهذيب"(5/ 180).

(3)

هو عبد الغني بن سعيد بن بشر أبو محمد الأزدي المصري، الإمام الحافظ الحُجة النشابة محدث الديار المصرية، سمع من عثمان بن محمد السمرقندي وعبد الله بن جعفر بن الورد، وعلى بن جعفر الفريابي وغيرهم، وعنه: الحافظ محمد بن علي الصوري، ورشأ بن نظيف المُقريء، وأبو عبد الله القضاعي، وغيرهم. قال البرقاني: سألت الدارقطني لما قدم من مصر: هل رأيت في طريقك من يفهم شيئًا من العلم؟ قال: ما رأيت في طول طريقي إلا شابًا بمصر يقال له عبد الغني، كأنه شعلة نار، وجعل يفخم أمره، ويرفع ذكره، من تصانيفه "المؤتلف والمختلف" و "جزء فيه أوهام كتاب المدخل إلى الصحيح" للحاكم توفي سنة تسع وأربع مئة. "سير أعلام النبلاء"(17/ 268)"البداية والنهاية"(12/ 7)"شذرات الذهب"(3/ 188).

(4)

هو محمد بن على بن عبد الله بن محمد الصوري سمع محمد بن أحمد بن جُمَيع الصَّيداوي، وعبد الغني بن سعيد المصري ولزمه وتخرج به، وسمع محمد بن جعفر الكلاعي وغيرهم.

حدث عنه: شيخه الحافظ عبد الغني، وأبو بكر الخطيب وسعد بن صاعد الرحبي وغيرهم.

قال الخطيب: كان الصُّوري من أحرص الناس على الحديث، وأكثرهم كتبًا له، وأحسنهم معرفة به، لم يقدم علينا أحدٌ أفهم منه لعلم الحديث.

قال الخطيب مات الصوري في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأربع مئة.

"تاريخ بغداد"(3/ 103)"تذكرة الحفاظ"(3/ 1114)"شذرات الذهب"(3/ 267).

ص: 360

و يدخُلُ في القسْمِ الأخيرِ من رواية الأكابِرِ عن الأصاغِر: روايةُ الصحابيِّ عن التابعيِّ؛ كرواية العبادلة الأربعة وعُمَرَ وعلىِّ وأنسِ بن مالكٍ ومعاويةً وأبي هُرَيْرة رضي الله عنهم عن كَعْب الأحبارِ.

وقد أفرد الخطيبُ في رواية الصَّحابة عن التابعين جزءً لطيفًا

(1)

.

ومِنْ رواية الأكابر عن الأصاغر: روايةُ الآباء عن أبنائهم؛ كرواية العَبَّاس بن عبد المُطّلِبِ عمِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن ابنه الفَضْل: أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم "جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي مُزْدَلِفَةً" ورواية وائل بن داود، عن ابنه بَكْر بن وائل، عن الزُّهْري، عن أنس:"أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ عَلَى صَفيَّةَ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ"

(2)

(1)

ذكره غير واحد ممن ترجم له منهم الذهبي في السير (18/ 292) وذكره صاحب الرسالة المستطرفة ص (122).

(2)

أخرجه أبو داود (3744) والترمذي (1095، 1096) وابن ماجه (1909) والحميدي (1184) وأبو يعلى (3580) وابن حبان (4061) والبيهقي (7/ 260) من طريق وائل بن داود.

ص: 361

[رواية الأبناء عن الأباء]

(1)

وعَكْسُ هذا

(2)

- وهو رواية الأبناء عن الآباء - كثير؛ كرواية عبد الله، عن أبيه عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنهما قال القاضي زكريَّا في شرحه:"فائدةٌ: يلتحقُ برواية الرجُل، عن أبيه، عن جده -: روايةُ المرأة، عن أمِّها، عن جَدَّتها، ومن ذلك ما رواه أبو داود عن بُنْدَار، عن عبد الحميد بن عبد الواحد، عن أم جَنُوب بنْتِ نُمَيلة، عن أمِّها سُوَيْدة بنت جابرٍ، عن أمها عَقِيلَةَ بنْتِ أسْمَر بْنِ مُضَرِّسٍ، عن أبيها أسمر، قال: أَتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْتهٌ فَقَالَ: مَنْ سَبَقَ إلى مَالَمْ يُسَبْقَ إِلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ"

(3)

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(540 - 549)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (81)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (194)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 254)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 477)، "سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (115).

(2)

أي وعكس رواية الأكابر عن الأصاغر.

(3)

أخرجه أبو داود (3071)، قال حدثنا ممد بن بشار قال حدثني عبد الحميد بن عبد الواحد قال حدثتني أم جنوب بنت نُميلة عن أمها سويدة بنت جابر عن أمها عقيلة عن أبيها فذكرته.

قال المنذري: غريب، وقال أبو القاسم البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد حديثًا غير هذا.

ص: 362

[السابق واللاحق]

(1)

وإن اجتمع اثنانِ على شيخ، وتقدَّم موت أحدهما، فهو السابقُ واللاحقُ، وهو نوعٌ لطيفٌ، وقد صنَّف الخطيبُ فيه كتابًا سمَّاه بذلك

(2)

ومن فوائده: الأمْن من ظنِّ سقوط شيءْ من إسناد المتأخِّر، وتقريرُ حلاوة الإسناد في القُلُوب.

مثاله: تحديثُ أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ صاحب "الصحيح" عن تلميذه أبي العَبَّاس محمد بن إسحاق السَّراَّج في التاريخ وغَيْره، وحدَّث عن أبي العباس - أيضًا - أبو الحسن أحمد بن محَّمد الخفاف النيسابوريُّ، وكان وفاهُ البخاريِّ سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، ووفاة الخفاف سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة، فبَيْنَ وفاتَيْهما مائة وسبْعٌ وثلاثون سنةً.

ومثاله -أيضًا-: أنَّ الحافظَ السِّلَفِيَّ

(3)

سَمِعَ منه أبو عليٍّ

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (48)، "مقدمة ابن الصلاح"(550 - 551)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (79)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (200)، "فتح المغيث" - للعراقي (385)"نزهة النظر" لابن حجر (60)"فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 194)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 262)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (203)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 480)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (294)"لقط الدرر" - للعدوي (113)"سح المطر" -لعبد الكريم الأثري (116).

(2)

وهو مطبوع بتحقيق شيخنا محمد بن مطر الزهراني طبع دار طيبة -بالرياض- سنة 1402 هـ.

(3)

هو أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني أبو طاهر السِّلَفِي قال الذهبي: "الإمام العلامة المُحَدِّث الحافظ المُفتى شيخ الإسلام شَرَفُ المُعمرين -و يلقبُ جدُّه أحمد سلفة وهو الغليظ الشفة، وأصله بالفارسية سلَبَة، وكثيرًا ما يمزجون الباء بالفاء - وسمع السلفي كثيرًا من الرئيس أبي عبد الله القاسم بن الفضل الثقفي .... وحدث عن أبي مطيع محمد بن عبد الواحد الصحاف صاحب ابن مردويه وأبي الفضل أحمد بن الحسن المؤدب، وغيرهم، حدث عنه: الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، وعلي بن إبراهيم السرقسطي، وعمر بن عبد المجيد الميانشي، والحافظان عبد الغني وعبد القادر الرهاوي وغيرهم

من تصانيفه: "الأربعين البلدية"، "الوجيز في المُجاز والمُجيز"، "جزء في شرط القراءة على الشيوخ" وغيرها، توفي رحمه الله سنة ستٍ وسبعين وخمس مئة انظر ترجمته في:"سير أعلام النبلاء"(21/ 5)، "الكامل" لابن الأثير (11/ 191)، "اللباب"(1/ 550)"طبقات الشافعية"(6/ 32).

ص: 363

البَرَدَانِيُّ

(1)

أحد مشايخه حديثَا، ورواه عنه، وماتَ على رأْسِ الخمس مائة سنة، ثم كان آخِرَ أصحابِ السِّلَفِيِّ بالسماع سِبْطُهُ أبو القاسم عبد الرحْمَنِ بن مَكِّيٍّ

(2)

، وكانتْ وفاته سنةَ خمسين وسَت مئة، فبَيْن وفاتَيْهما مئةٌ وخمسونَ سنةً.

(1)

هو أحمد بن محمد بن أحمد أبو علي البَرَداني، ثم البغدادي، والبَرَاداني: نسبة إلى بردان قرية من قرى بغداد على سبعة فراسخ منها، وقد ضبطها السمعاني، وياقوت الحموي بفتح الباء، وانفرد ابن الأثير في "اللباب" فضبطها بضم الباء - قال عنه الإمام الذهبي:"الشيخ الإمام الحافظ الثقة و، مفيد بغداد"، سمع أبا طالب بن غيلان، وأبا طالب العُشاري، والخطيب البغدادي، وعدة. قال السمعاني: كان أحدَ المشهورين في صِنعة الحديث، وكان حنبليًا ".

قال السلفي: كان ثقةً نبيلاً. مات سنة ثمان وتسعين وأربع مئة. انظر ترجمته في: "الأنساب"(2/ 136)"سير أعلام النبلاء"(19/ 219)، "شذرات الذهب"(3/ 408).

(2)

هو عبد الرحمن بن مكي بن عبد الرحمن جمال الدين الطرابلسي ثم الإسكندراني سبط الحافظ أبي طاهر السلفي، سمع من جدّه كثيرًا، وحضر عليه في الرابعة كثيرًا، أجاز له جده، والكاتبةُ شُهدة، وابن بشكوال، وغيرهم. وتفرَّدَ ورحلَ إليه الطلبة، وروى الكثير بالقاهرة، حدث عنه: المنذري، والدمياطي، وابن دقيق العيد، وغيرهم. توفي سنة إحدى وخمسين وستِّ مئة.

انظر "سير أعلام النبلاء"(23/ 278)، "شذرات الذهب"(5/ 253).

ص: 364

[المسلسل]

(1)

وإنِ اتَّفَقَ الرواةُ في صيغ الأداءِ؛ بأن يقولَ كُلُّ راوٍ من رواة السند: سَمِعْتُ فُلَانًا يقول، أو حَدَّثَنا فلانٌ، أو غَيْرَ ذلك من الصيغ وجَعَلَ الحاكمُ منه أن يكونَ ألفاظُ الأداء من جميع الرواةِ دَالَّةً على الاتِّصال، وإن اختلفت، فقال بعضهم: سَمِعْتُ، وقال بعضُهُمْ: أخبرنا، وقال بعضهم: حَّدثنا

(2)

، وما ذهب إليه المصنِّف هو المشهورُ الذي ذهب إليه الأكثرون.

أو إنِ اتفَقَ في غيرها، أي: غير صيغ الأداء حَالَ كَوْنِ ذلك الغير كائنًا من الحالاتِ - جمع حالة - وهي:

أما فعليَّة؛ كقول أبي هريرة رضي الله عنه: "شَبَّكَ بِيَدَيَّ أَبُوالقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، وقَاَلَ خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ

(3)

الحديث "؛ فإنه مسلسلُ بتشبيك كُلٍّ منهُمْ بيد مَنْ رواه عنه.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(462 - 465)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (64)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (163)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 187)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 414)، "لقط الدرر" - للعدوي (117)"سح المطر" - لعبد الكريم الأثري (120).

(2)

انظر "معرفة علوم الحديث"(31).

(3)

أخرجه أحمد (2/ 327) ومسلم (2789) والطبري في "تاريخه"(1/ 23) وابن حبان (6161) والبيهقي في "الأسماء والصفات"(ص 383)، وانظر المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة - لمحمد الأيوبي ص (60).

ص: 365

أو قوليةٌ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "إِنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: "اللَّهُمَّ، أَعِنِّي عَلَى ذِكْركَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبَادَتِكَ

(1)

"، فإنه مسلسلٌ بقولِ كُلِّ مَنْ رواه "إنِّي أُحِبُّكَ".

وقد يجتمعانِ؛ كما في حديث أنس: "لَا يَجِدُ العَبْدُ حَلَاوَةَ الإْيَمانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالَقَدَرِ؛ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ، قَالَ: وقَبَضَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لِحْيَتُه، وقَاَلَ: "أَمَنْتُ بِالقَدْرِ؛ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ "

(2)

، فإنه مسلسلٌ بقبض كُلٍّ منهم على لحيته، مع قوله:"آمَنْتُ بِالقَدَرِ .... إلخ" فهو، أي: ما اتفق فيه الرواهُ الذي دَلَّ عليه قولُ المصنِّف: "وإن اتفق -: المُسَلْسَلُ، ومِنْ فضيلته اشتمالُهُ على مزيد الضَّبْطِ من الرواة، وأفضله: ما كان فيه دلالةٌ على اتصال السماع، وعدم التدليس، قال بعض المحقِّقين من المحدِّثين: وأصحُّ مسلسلٍ يُرُوَى في الدنيا المُسَلْسَلُ بقراءة سورة الصَّفِّ

(3)

(1)

أخرجه أحمد (5/ 244) وأبو داود (1527) والنسائي (3/ 53) وابن خزيمة (751).

(2)

رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص (31) ونقل الأيوبي في المناهل السلسلة ص (69) عن محمد بن الطيب المغربي في ثبته قال: أخرجه الحاكم في نوع المسلسل من علومه، ورواه أبو نعيم في المعرفة مسلسلاً أيضًا، وأخرجه الديباجي، وعنه ابن المفضل في مسلسلاتهما، والغزنوي والخلعي في التاسع من فوائده، وعبد الغفار السعدي في مسلسلاته وغيرهم، ولا يخلو عن ضعف. اه.

قلت: في إسناده يزيد الرقاشي، قال الدارقطني وغيره ضعيف، وقال أحمد: كان منكر الحديث. ميزان الاعتدال (4/ 418).

(3)

أخرجه أحمد (5/ 452)، والدارمي (2395)، والترمذي (3309) والحاكم في المستدرك (2/ 249)، وابن حبان، والبيهقي، وابن أبي حاتم في التفسير -كما في ابن كثير (4/ 356) والطبراني في الكبير، وأبو يعلى في مسنده كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله تعالى {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو سلمة: فقرأها علينا بن سلام، قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة

إلخ.

ونقل الأيوبي في المناهل السلسلة ص (162) عن محمد بن الطيب المغربي في ثبته قال: " هذا حديث صحيح متصل الإسناد و التسلسل، ورجال أسانيده ثقات، بل قال بعض الحفاظ، هو أصح حديث وقع لنا مسلسلاً، وأصح مسلسل يروى في الدنيا" اه.

ص: 366

ثمَّ إنَّ التسلسل قد يكُونُ في جميعِ السَّنَدِ، وقد لا يكُونُ؛ بل في معظمِهِ؛ كحديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص:"الرَّاحِمُون يَرْحَمُهُمُ الرَحَمْنُ"

(1)

المسلسل بالأوليَّة؛ فإنه إنما صَحَّ تسلسله إلى سفيانَ بْنَ عُيَيْنَهَ، وانقطع فيما فوقَهُ.

و من المسلسل: ما يتعلَّق بزمن الرواية؛ كالمسلسل بقَصِّ الأَظْفَارِ يَوْمَ الخَمِيسِ

(2)

،، ومنه: ما يتعلَّق بمكانها؛ كالمسلسل بإجابة الدعاءِ

(1)

أخرجه أحمد (2/ 160) والحميدي (591، 592)، وأبو داود (4941) والترمذي (1924)، والحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب و نقل الأيوبي في المناهل السلسلة ص (10) عن الحافظ شمس الدين بن الجزري:" الصواب أن السلسل فيه من سفيان بن عيينة إلى آخر السند منقطع ومن رفع تسلسله بعده فقد غلط".

ونقل عن العراقي أنه قال: "هذا حديث حسن رجاله محتج بهم في الصحيح" اه.

(2)

المسلسل بقص الأظفار يوم الخميس ذكره الأيوبي في المناهل السلسلة ص (18) بإسناده إلى الحسين بن علي قال ثنا أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورأيته يقص أظفاره يوم الخميس، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلم أظفاره يوم الخميس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي قَصُ الظفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة.

قال ابن الطيب المغربي - في ثبته- أخرجه التيمي في مسلسلاته، والديلمي في مسند الفردوس مسلسلاً، ونبه عليه الجلال وغيره، وصرح السخاوي في الجواهر بأنه ضعيف " رجاله لا تعرف" ونقل عن شيخه ابن حجر أنه لم يثبت في استحباب قص الأظفار يوم الخميس شيء. اه.

ص: 367

في الملتزم

(1)

، ومنه: ما يتعلَّق بتاريخها؛ ككون الراوي آخر مَنْ يَرْوي عن شيخه،،، إلى غير ذلك مِنْ أنواع المسلسلِ التى لا تنحصرُ؛ كما قاله القاضي، ناقلاً عن ابن الصلاح.

(1)

ذكره الأيوبي في المناهل السلسلة ص (20) بإسناده إلى ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الملتزم موضع يستجابُ فيه الدعاء، وما دعا فيه عبد دعوة إلا استجاب قال ابن عباس فوالله ما دعوت الله عز وجل فيه قط منذ سمعت هذا الحديث إلا استجاب لي

، وكل واحد من رجال الإسناد يقول مثل قول ابن عباس.

قال ابن الطيب المغربي في ثبته. وأخرجه الديلمي ي مسند الفردوس من وجه آخر مسلسلاً، وقال الحافظ أبو بكر بن مسدي: هذا حديث حسنى غريب من حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس تفرد به مسلسلاً محمد بن إدريس المكي كاتب الحميدي عنه.

قلت: وقد ذكر الذهبي الحديث في ميزان الاعتدال (3/ 518) في ترجمة محمد بن الحسنى بن علي بن راشد قال: عن وراق الحميدي، فذكر حديثًا موضوعًا في الدعاء عند الملتزم. اه.

ص: 368

[صيغ الأداء]

(1)

ولما ذكر المصنفِّ صيغ الأداء - على سَبِيلِ الإجمال - أراد أن يفصِّلَهَا، ويبيِّنَ مراتبَهَا؛ تكميلاً للفائدة؛ فقال:"وصيَغُ الأداء" بالإظهار، وإن كان المقامُ يقتضي الإضمار؛ لإيهام عودِهِ إلى غيرها، وهي على ثماني مراتب

(2)

:

الأولى

(3)

: سمعت وحدَّثني، وهي في مرتبةٍ واحدةٍ، وقال بعضهم:

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(312 - 316)، "الاقترح" -لابن دقيق العيد (238)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (85)، "الموقظة" - للذهبي (55 - 56)، "اختصار علوم الحديث" - لابن كثير (103)، "فتح المغيث" - للعراقي (182)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 8)، "توضيح الأفكار" - للصنعاني (2/ 309)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (143)"لقط الدرر" - للعدوي (119)"سح المطر" -لعبد الكريم الأثري (122).

(2)

وسأسردها هنا مجتمعة من "نزهة النظر" زيادة في التوضيح: قال الحافظ ابن حجر:

"و صيغ الأداء المشار إليها على ثمان مراتب:

الأولى: سمعتُ وحدثني.

ثم أخبرني وقرأتُ عليه، وهي المرتبة الثانية، ثم قرُاء عليه وأنا أسمع، وهي الثالثة، ثم أنبأني وهي الرابعة، ثم ناولني وهي الخامسة، ثم شافهني أي بالإجازة، وهي السادسة، ثم كتب إلى أي بالإجازة، وهي السابعة، ثم عن ونحوها من الصيغ المحتملة للسماع والإجازة ولعدم السماع أيضًا وهذا مثل:"قال، وذكر، وروى " اه نزهة النظر ص.

(3)

"المرتبة الأولى: السماع من لفظ الشيخ؛ وهو منقسم إلى إملاء أو تحديث، وسواء كان من حفظه أو القراءة من كتابه، وهو أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين ولا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع منه: حدثنا، أو أخبرنا، وأنبأنا، وسمعتُ فلانًا يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان.

ولم يره جماعة من الحجازيين أرفع، وسووا بينه وبين "القراءة" و"العرض" على العالم، وروي هذا عن "مالك" وحكاه عن أئمة المدينة، وروي عنه أيضًا وعن غيره أن القراءة على الشيخ أعلى مراتب الحديث" الإلماع ص (69).

ص: 369

ليستْ برتبةٍ واحدةٍ؛ بل "سمعْتُ" أصرَحُ؛ لعدم احتمال الواسطة، ولا يُطْلَقُ إلا في الإجازة،، وهو -أيضًا- أَوْلَى في الذي سَمِعَ حال الإملاء؛ لأنَّ الذي سمع حال الإملاءِ أرفَعُ أنواع السماع؛ لأن الشيخ يَعْلَمُ ما يُمْلِي ويتدبَّرُهُ، والكاتبُ يتحقَّق ما يسمعه ويكتُبُهُ، وما ذكره المصنِّف تعبير مَنْ سمع وحده مِنْ لَفْظ الشيخ، ومِنْ سمع مع جماعة؛ يقول: سمعْنَا وحدَّثنا؛ وكذا الحكْمُ فيما سيأتي.

قال الحاكم أبو عبد الله: "الذي أختاُرهُ في الرواية، وعَهِدتُّ عليه أَكْثَرَ شيوخي، وأئمَّة عَصْري: أن يقول فيما يأخُذُه من المحدِّث، وليس معه أحَدٌ: "حدَّثَنِي فلان"، وما كان معه غيره: "حدَّثَنَا فلانٌ"، وما قرأ على المحدِّث بنفسه: "أخبرني"

وما قرأ على المحدِّث، وهو حاضر:"أخبرنا فلان"

(1)

، قال ابن الصلاح:"و هو حسَنٌ، وقدَّم الخطيبُ: "سمعْتُ، وحدَّثني" على "سمعْنَا وحدَّثنا"؛ لأن الأولَيْن لا يقبلان التأويل؛ بخلاف الأخيرَيْن؛ فقد روِى [أنَّ] الحسن البصريُّ كان يقول:"حدَّثَنا أبو هريرة"، ويتأول حديثَ أهل المدينة وأنا بها؛ كما يقولُ: خَطَبَنَا ابنُ عباسٍ بالبَصْرة، ويريد: خطَبَ أهْلَهَا، والمشهور أن الحسن لم يَسْمَعْ من أبي هريرة؛ بل قال يونس ابن عبيد: إنه ما رآه قط"

(2)

(1)

"معرفة علوم الحديث للحاكم"(260 - 261).

(2)

"مقدمة ابن الصلاح" ص (316)، وانظر "الكفاية" للخطيب (284).

ص: 370

و عطف المرتبة الثانية على الأُوَلى ب "ثُمَّ"؛ لتراخي رُتْبتها عنها، فقال:"ثُمَّ أَخْبَرَنِي، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ"

(1)

أي: على الشيخ؛ لأنه مُتَعَقل في الذِّهن؛ كما في قوله تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَاُه في لَيْلَةِ القَدْرِ"[القدر: 1].

وبعض المحدِّثين يسمِّى ذلك: عَرْضًا، بمعنى أن القاريء يَعْرِضُ على الشيخ الحديثَ، كما يَعْرِضُ القرآنَ على المقرئ، سواء كانت القراءة على الشيخ بِحِفْظٍ أو كتابٍ؛ بشرط أن يكونَ الشيْخُ حال القراءةِ عليه حافظًا لما عرض عليه، أو ماسكًا للكتابِ بيده، أو كان بيد ثِقَةٍ.

(2)

وأجْمَعَ المحدِّثون على صحَّة الأَخْذ والتحمُّل بالرواية عَرْضًا، ولم يعتدُّوا بالخلاف

(3)

؛ بل عملوا بخلافه

(4)

؛ فكان مالكٌ يُنْكِرُ على

(1)

المرتبة الثانية وهي: القراءة عل الشيخ. انظر الإلماع ص (70) وقد دمج عياض بين هذه المرتبة والتي بعدها. وكذا ابن صلاح وتبعه النووي في التقريب والسيوطي في التدريب انظر مقدمة ابن الصلاح ص (314) تدريب الراوي (2/ 12). وقال السيوطي: "و صرح كثيرون بأن القراءة بنفسه أعلى مرتبة من السماع بقراءة غيره" اه التدريب (2/ 16).

(2)

انظر "الإلماع" ص (71)، "تدريب الراوي"(2/ 16).

(3)

روي الخلاف في ذلك عن أبي عاصم النبيل، رواه عنه الرامهرمزي قال السيوطي:"إن ثبت" أي إن ثبت ذلك عن أبي عاصم. وانظر "تدريب الراوي (1/ 13) "، "و توضيح الأفكار"(2/ 302)

(4)

قال السوطي: "و ممن قال بصحتها من الصحابة فيما رواه البيهقي في المدخل: أنس، وابن عباس، وأبو هريرة، ومن التابعين ابن المسيب، وأبو سلمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وابن هرمز، وعطاء، ونافع، وعروة، والشعبي، والزهري، ومكحول، والحسن، ومنصور، وأيوب. ومن الأئمة، ابن جريج، والثوري وابن أبي ذئب، وشعبة، والأئمة الأربعة، وابن مهدي، وشريك، والليث، وأبو عبيد، والبخاري، وخلق لا يحصون كثير" اه التدريب (2/ 13).

ص: 371

المخالف، ويقول:"كَيْفَ لا يُجْزِيكَ هذا في الحديثُ، ويُجْزِيكَ في القُرْآن؛ والقرآنُ أعظَمُ"

(1)

.

وما ذهَبَ إليه المصنِّف مِنْ جَعْل هذه المرتبة ثانيةً هو الأَصَحُّ والأشهَرُ الذي ذهب إليه أهْلُ المَشْرِقِ وخراسان

(2)

.

و قد يَعْرِضُ للعَرْض ما يصيِّره أَوْلَى؛ كأن يكون الطالبُ أعْلَمَ وأضْبَطَ، أو الشيْخُ في حال العرض أوْعَى منه في حال قراءته

(3)

.

و ذهب مالك وأصحابُهُ والبخاريُّ والحجازيُّون والكوفُّيون: إلى أنَّ كلا المرتَبَتَيْنِ بمنزلةٍ واحدةٍ

(4)

.

و ذهب أبو حنيفة وابنُ أبي ذئب: إلى أنَّ العَرْض أَرْجَحُ من السماع؛ لأن الشيخ لو سَهَاَ لم يتهيَّأْ للطالبِ الردُّ عليه: إما لجهله، أو لهَيْبَتِهِ الشيخ، أو لغيرِ ذلك؛ بخلاف الطالب.

و سَلَكَ في الثالثة مسْلَكَ الثانية؛ فقال: وقُرِيءَ عليه وأنا أسمعَ

(1)

رواه عنه الحاكم في "معرفة علوم الحديث" ص (259).

(2)

قال القاضي عياض: "وذهب جمهور أهل المشرق وخراسان إلى أن "القراءة" درجة ثانية، وأبوا من تسميتها "سماعًا" وسموها "عرضًا"، وأبوا من إطلاق "حدثنا" فيها، وإلى هذا "ذهب أبو حنيفة" في أحد قوليه، و"الشافعي "، وهو مذهب "مسلم بن الحجاج" و"يحيى بن يحيى التميمي" اه "الإلماع" ص (73)، وانظر "تدريب الراوي" (2/ 15). "

(3)

انظر "التدريب"(2/ 14).

(4)

انظر "التدريب"(2/ 15) قال: "وهو رواية عن مالك حكاها عنه الدارقطني وابن فارس والخطيب، وحكاه الدارقطني أيضًا عن الليث بن سعد، شعبة، وابن لهيعة، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن عبد الله بن بكير، والعباس بن الوليد بن يزيد، وأبي الوليد بن يزيد، وموسى بن داود الضبي، وأبي عبيد، وأبي حاتم، وحكاه ابن فارس عن ابن جريج والحسن بن عمارة " أه.

ص: 372

بكتابٍ أو حِفْظٍ، والشيْخُ حافظ، أَوْلا

(1)

؛ كما سبق.

و إنما قيّد بقوله: "و أنا أَسْمَعُ" خشيةَ التدليس، وكانتْ هذه المرتبةُ ثالثةً؛ لأنَّ من يَسْمَع، ليس كالذي يقرأُ بنَفْسِهِ؛ إِذْ رُبَّما تَعْرِض للأوَّل غفلةٌ؛ لعدم توجُّه الشيخِ نحوه.

و مَنَعَ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وجماعةً: أنْ يقول مَنْ أخذ عَرْضًا: حَدَّثنا وأخْبَرَنَا فلانُ بلا تقييدٍ بقراءته أو قراءة غَيْرِهِ وهو يسمع؛ لدلالتها على السَّمَاع من لَفْظ الشَّيْخ وذهب البخاري وجماعة إلى الجواز.

و ذهَبَ الإمامُ الشافعيُّ، ومسلمٌ، وجماعةٌ، ومنهم المصنِّف: إلى جواز إطلاق "أَخْبَرَنَا" دون "حدَّثَنا"؛ للفرق بينهما، وللتَّمْيز بين القِسْمَيْن، وخصّ الأوَّل بالتحديث؛ لَقُوّة إشعاره بالنُّطْق والمشافهة، فلَفْظ الإخبار أعمُّ من التحديث

(2)

.

وسلك في الرابعة -أيضًا- المسلك السابق؛ فقال: "ثم أنبأني"

(3)

، وإنَّما كَانَتْ رابعةً؛ لتردُّدها بين الإخبار والإجازة؛ فإنها في اصطلاح المتقدِّمين - وعليه أَهْلُ اللغة - بمعنى: الإخبار، وفي عُرْف المتأخِّرين

(1)

وهذه المرتبة داخلة في التى قبلها عند عياض وغيره كما تقدم. وانظر "الإلماع" ص (70) و"تدريب الراوي"(2/ 12).

(2)

قال السيوطي: "و منعت طائفة إطلاق "حدثنا" وأجازت إطلاق "أخبرنا" وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق، وقيل إنه مذهب أكثر المحدثين، عزاه لهم محمد بن الحسن التميمي الجوهري، في كتاب الإنصاف، قال: "فإن "أخبرنا" علم يقوم مقام قول قائله أنا قرأته عليه لأنه لفظ به لي "، وروي عن ابن جريج والأوزاعي وابن وهب" اه "التدريب"(2/ 17).

(3)

المرتبة الرابعة وهي الإجازة، وعبر عنها "بأنبأني" لأنه اشتهر عند المتأخرين استعمال هذا اللفظ في أداء ما تُحمل "بالإجازة"، كما سيأتي.

ص: 373

بمعنى: الإجازة

(1)

؛ فينبغي عدمُ إطلاقِ "أنبأنا" على ما سُمِعَ من الشيخ، بعد اشتهار استعمالها في الإجازة؛ لأنه يؤدِّي إلى إسقاط المرويِّ بها عند من لا يحتجُّ بالإجازة.

و أشار إلى الخامسة

(2)

بقوله: "ثُمَّ نَاوَلَنِي"، والمناولةُ: إعطاءُ الشَّيْخِ الطالبَ شيئًا من مرويَّاته، ويقول له: هذا من حَدِيِثِي، أو مرويَّاتي، أو نحْوَ ذلك، وهي إما أن تَقْتَرِنَ بالإذن في الرواية أَوْلَا:

فالأولى: جاز الرواية بها، وصورَتُهَا: أن يدفَعَ الشيخُ للطالبِ ما سبَقَ ذِكْره، ويقول: هذا روايتي و سَمَاعي عن فلانِ، أو عَمَّنْ ذُكِرَ فيه، فارْوِهِ عني، أو أجَزْتُكَ به، أو يأْتِيه الطالبُ بأصْلِ سماعه أو فَرْعِهِ المُقَابَل به، فيعرضه عليه، فيتأمَّل؛ فيناوله للطالب، ويقول له: هذه روايتي أو سماعي عن فلانٍ، أو عمَّنْ ذُكِرَ فيه، فارْوِهِ عني، أو أَجَزْتُكَ به.

و المناوَلَةُ مع الإذنِ أَرْفَعُ أنواع الإجازة، حتى قال جماعةٌ منهم الإمامُ مالكٌ رحمه الله إنها بمنزلةِ السماع

(3)

.

و نقل ابن الأَثِيرِ

(4)

في مقدِّمة "جامع الأصول": "إن مِنْ أصحاب الحديث مَنْ ذَهَبَ إلى أنَّها أرفعُ من السماع، ووجْهُهُ: أن الوُثُوق بكتابِ

(1)

قال السيوطي في التدريب (2/ 52): "و اصطلح قومٌ من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة، واختاره أبو العباس الوليد بن بكر المعمري صاحب كتاب "الوجازة في تجويز الإجازة"، وعليه عمل الناس الآن، والمعروف عند المتقدمين أنها بمنزلة أخبرنا" اه.

(2)

المرتبة الخامسة: المناولة.

(3)

انظر "الإلماع" ص (79)، "تدريب الراوي"(2/ 46).

(4)

تقدمت ترجمته.

ص: 374

الشيْخِ مع إذْنِهِ فَوْقَ الوثوقِ بالسماعِ منه، وأثبَتُ؛ لما يدخُلُ من الوهم على السامِعِ والمستمع

(1)

".

و الثانية - أعني - المناولة المجرَّدة عن الإذن وذهَبَ ابنُ الصَّلاح إلى عدم جوازِ الرواية [بها]

(2)

وذكر أنَّ غيْرَ واحدٍ من الفقهاء والأصولييِّن عابها على المحدِّثين الذين سَوَّغوا الرواية بها

(3)

، وحكى الخطيبُ عن طائفة: أنَّ الرواية بها جائزةٌ؛ لأنها لا تخلُو من الإشعار بالإذْن بالرواية

(4)

.

ثم حيْثُ صحَّت الروايةُ بالمناولة، لا تُؤَدَّى عند الجمهور - إلا بلَفْظٍ يُشْعِرُ بها؛ ك "ناولني، أو حَدَّثني، أو أَخْبَرَني"

(5)

وجوّز الزهريُّ ومالك، إطلاق "حدّثنا وأخْبَرَنا"

(6)

و الأول هو الصحيحُ.

و أشار إلى السادسة والسَّابعة بقوله "ثُمَّ شَافَهَني، ثُمَّ كَتَبَ إلىَّ - أي الشَّيْخ - بشيءٍ من مرويِّهِ أو تأليفه أو نَظْمِهِ، وهذا على ما ذهَبَ إليه المتأخِّرون، وهم مَنْ بَعْدَ الخمس مئة".

(1)

قال السيوطي: "والصحيح أنهامنحطة عن السماع والقراءة وهو قول سفيان الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، والبويطي، والمُزني، وأحمد إسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى وأسنده الرامهرمزي عن مالك" اه التدريب (2/ 47).

(2)

ما بين المعكوفين زيادة يقتضيها السياق. أي وذهب ابن الصلاح إلى عدم جواز الرواية بالمناولة المجردة عن الإذن.

(3)

انظر "مقدمة ابن الصلاح" ص (194).

(4)

"الكفاية" - للخطيب - ص (350).

(5)

قال ابن الصلاح: "و هو الصحيح والمختار الذي عليه عمل الجمهور وإياه إختار أهل التحري والورع

" ص (195).

(6)

"مقدمة ابن الصلاح" ص (194)، و"تدريب الرواي"(2/ 51).

ص: 375

و المشافهة: الإجازة التي يشافِهُ بها الشيْخُ الطالبَ، فيقال: أَخْبَرَنَا فلانٌ مشافهةً، أو شافهني فلانٌ

(1)

.

[و المكاتبة]: كتابةُ الإجازة؛ فيقال: أخبرنا فلانٌ مكاتبةً أو كتابةً أو في كتابه

(2)

والمتقدِّمون لا يُطْلِقُون الكتابة إلا على ما كَتَبَ به الشيخُ إلاالطالبِ

(3)

من المحدث.

قال بعض الحُفَّاظ: "أن هذه الألفاظ لا تَسْلَمُ من طرق التدليس:

أما المشافهةُ: فلأنَّ منها: المشافهة بالتحديثِ، وأما الكتابةُ فلأنَّ منها الكتابة بنَفْس الحديث؛ كما يفعله المتقدَّمون، يكتُبُ المحدِّث منهم إلى أَخَرَ بأحاديثَ يَذْكُرُ أنه سمعَهَا من فلانٍ؛ كما رسمها في الكتاب

(4)

".

ثمَّ: أن الكتابة، إن كانَتْ بخطِّ الشيخ، فهي أعلاها، أو بخَطِّ ثقةٍ مأمورٍ من جانبِ الشيخ

(5)

فهي على نوعَيْن؛ كالمناولة:

الأول، وهو المسمَّى بالكتابة المَقْرونة بالإجازة: ما كان مع الكتابة

(1)

هذه هي المرتبة السادسة حسب ترتيب المصنف تبعًا لابن حجر، وشافهني هي أحد الألفاظ التي يؤدي بها ما تُحُمِّلُ بالإجازة، قال الحافظ العراقي:"هذه ألفاظ استعملها بعض أهل العلم في الرواية بالإجازة، فاستعمل بعضهم فيها شافهني فلان، أو أخبرنا مشافهةً، إذا كان قد شافهه بالإجازة لفظًا""فتح المغيث" للعراقي ص (221).

(2)

هذه هي المرتبة السابعة، قال العراقي:"و استعمل بعض في الإجازة بالكتابة كتب إلىَّ؛ أو إلى فلان، أو أخبرنا كتابةً أو في كتابهٍ" اه "فتح المغيث"(221).

(3)

انظر "تدريب الراوي"(2/ 57).

(4)

انظر "مقدمة ابن الصلاح" ص (195)، "و فتح المغيث" للعراقي (221).

(5)

انظر "مقدمة ابن الصلاح" ص (197).

ص: 376

إجازةٌ من الشيخ نَفْسِهِ بخطِّه أو إذنِهِ، كأجَزْتُ لَكَ ما كتبتُهُ لك، أو ما كتَبْتُ به إليك"

(1)

و الثاني: الكتابة المجرَّدة عما ذُكِرَ، ويصح الأداءُ به، كما في النوع الأول

(2)

؛ لأنها - وإنْ تجرَّدَتْ عن الإجازة لفظًا - تضمَّنَتْهَا معنى؛ وكُتُبُهُمْ مشحونةٌ بقولهم: "كَتَبَ إلَيّ فُلَانٌ"

قال: "حدَّثنا فلانٌ

(3)

، وبعْضُ العلماء منع صِحَّة الأداءِ بالكتابةِ مجرَّدة عما ذُكِرَ، حتى إنَّ الماورديَّ قد قَطَعَ بالمَنْع"

(4)

؛ وعلى ذلك: جرى المصنِّف، وبَيَّن مقصدَهُ؛ حيث قال:"أي: بالإجازة فيهما" أي: في "شافَهَنِي، وكَتَبَ إلَىَّ"؛ لإيهامه خلاف مقصوده؛ وإلا فالتفسيرُ ليس مِنْ وظيفته

(5)

.

(1)

قال السيوطي: "و هذا في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة". "تدريب الراوي"(2/ 55).

(2)

أي يصح الأداء بالكتابة المجردة، كما هو الحال في الكتابة المقرونة بالإجازة.

(3)

"مقدمة ابن الصلاح" ص (197).

(4)

قال السيوطي: "و أما الكتابة المجردة عن الإجازة، فمنع الرواية بها قوم منهم القاضي أبو الحسن الماوردي الشافعي في الحاوي والآمدي وابن القطان. وأجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين منهم أيوب السختياني ومنصور والليث بن سعد وابن أبي سبرة ...... وغير واحد من الشافعيين منهم أبو المظفر السمعاني، وأصحاب الأصول؛ منهم الرازي، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث ويوجد في مصنفاتهم كثيرًا كتب إلي فلان قال: حدثنا فلان، والمراد به هذا وهو معمولٌ به عندهم معدودٌ في الموصول من الحديث دون المنقطع، لإشعاره بمعنى الإجازة، وزاد السمعاني فقال: هي أقوى من الإجازة، قلت - أي السيوطي -: وهو المختار، بل وأقوى من أكثر صور المناولة" اه من "تدريب الراوي"(2/ 55 - 56).

(5)

أي ليس من وظيفة صاحب المختصر "الأحمدي" وإنما فسر في هذا الموضع خوف الإلتباس؛ ولأنه في مقام اختصار لا شرح وتفسير.

ص: 377

و الإجازةُ لغةً: إعطاءُ الإذْنِ

(1)

، واصطلاحًا: إعطاءُ الإذْنِ في الرواية لفْظًا أو كتابةً؛ بحيث يفيدُ الإخبارَ الإجماليَّ عُرْفًا

(2)

.

و أركانها أربعة:

المُجيزُ: ويُشْتَرَط فيه ما يشترطُ في المحدِّث: من الإسلام، والتكليف، والعَدَالة، والضَّبْط؛ إلا إن كان ما أجاز به مَصُونًا عنْدَ ثقةٍ؛ لم يُشْتَرَطْ فيه الضبْطُ، ويشترط أن يكُون عالمًا بالمجاز.

ثانيها: المُجَازُ له، ويشتَرَطُ أن يكونَ معيَّنًا على الصحيح، ولا يُشْتَرَطُ - عند الجمهور - أن يكون: عاقلاً، مميِّزًا؛ فتجوز الإجازة للمَجْنُون، والمولود؛ لكنْ يستَحْسَنُ أن يكون من أهل العِلْم؛ لأنَّ الإجازة توسيعٌ وترخيص يتأهَّل له أهْلُ العِلْمِ بالفَنِّ؛ لمسيس حاجتهم إليَهْا.

ثالثها: المُجَازُ به، ويشتَرَطُ أن يكونَ معيَّنا من وجه دُونَ وجه؛ ك"مسموعاتي" أو "مرويَّاتي" أو نحوهما.

رابعها: مابه الإجازةُ، وهو لَفْظٌ؛ نحو:"أَجَزْتُ لك الكتابَ الفلانيَّ" أو ما صَحَّ عندك أنِّي سمعتُهُ، أو كتابةً؛ نحو أنْ يكتُبَ ذلك

(3)

.

وأما صيغُ أداءِ الإجازة: فما ذَكَرَهُ المصنِّف سابقًا؛

(4)

على ما أشرنا إليه.

و أشار إلى الثامنة

(5)

بقوله: ثُمَّ "عَنْ" ونحوها: ك "أَنَّ" بفتح الهمزة

(1)

انظر المصباح المنير (1/ 114) والقاموس المحيط (2/ 170).

(2)

انظر "تدريب الراوي"(2/ 44).

(3)

انظر الكلام على أركان الإجازة وتعريفها: "تدريب الراوي"(2/ 44)

(4)

قد قدم المصنف ذكر صيغ أداء الإجازة على تعريف الإجازة وأركانها، وكان الأولى أن يفعل العكس.

(5)

هذه هي المرتبة الثامنة من مراتب صيغ الأداء.

ص: 378

والتشديد؛ ك "حدَّثنا فلانٌ أَنَّ فلانًا أخبره"، والإسنادُ الذي فيه "عَنْ فلان، عن فلان" يسمَّى: المُعَنْعَنَ

(1)

، وما فيه "أَنَّ" يسمَّى المُؤَنْأَنَ

(2)

.

و ما ذهب إليه المصنِّف من أنَّ نحو "عَنْ" في حكمها أو في مرتبتها، هو ما جَرَى عليه معظَمُ العلماء؛ ومنهُمُ الإمامُ مالكٌ، ولا اعتبار بالألفاظ والحروف؛ بل باللقاء، والمجالَسَةِ، والسماع

(3)

و ذَهَبَ أبو بَكْرٍ البرديجيُّ

(4)

لا نقطاع ما رواه الراوي ب "أَنَّ" حتى

(1)

المعنعن لغة: إسم مفعول من "عنعن" بمعنى قال: "عَنْ، عَنْ". واصطلاحًا: قول الراوي: فلان عن فلان.

انظر "تدريب الراوي"(1/ 214).

(2)

المؤنأن لغة: اسم مفعول من أنّنَ بمعنى قال: "أنَّ، أنَّ" اصطلاحًا: هو قول الراوي: "حدثنا فلان أن فلانًا قال ""تدريب الراوي"(2/ 217).

(3)

قال ابن الصلاح: "اختلفوا في قول الراوي أن فلانًا قال كذا وكذا، هل هو بمنزلة "عن" في الحمل على الاتصال إذا ثبت التلاقي بينهما حتى يتبين فيه الانقطاع مثاله: "مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب قال كذا، فروينا عن مالك رضي الله عنه أنه كان يروي عن فلان وأن فلانًا سواء. "

وعن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنهما ليسا سواء.

وحكى ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن "عن" و"أن" سواء وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ وإنما هو اللقاء والمجالسة، والسماع والمشاهدة، يعني مع السلامة من التدليس، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاع" "مقدمة ابن الصلاح" ص (84).

(4)

هو أبو بكر أحمد بن هارون بن روح البَرْدِيجي - بفتح الباء، كما قال السمعاني - نسبة إلى مدينة بأقصى أذربيجان، حدث عن أبي سعيد الأشج، وعلي بن إشكاب، وهارون بن إسحاق، حدث عنه، أبو أحمد بن عدي، وأبو القاسم الطبراني، وأبو أحمد العسال، قال الدارقطني:"ثقةٌ مأمون، جبل" قال الخطيب: كان ثقة فاضلاً فُهمًا، حافظًا.

قال أبو الشيخ الأصبهاني: مات سنة إحدى وثلاث مئة ببغداد انظر "أخبار أصبهان"(1/ 113)، "تاريخ بغداد"(5/ 194).

ص: 379

يتبيَّن الوصل بأنْ سَمِعَهُ ممن روى عنه من رواية أخْرَى

(1)

، وإليه ذهب الحافظ ابن أبي شَيْبة

(2)

؛ فإنه حَكَمَ على رواية أبي الزبير، عن محمَّد بن الحنفيَّة، عن عَمَّار، قال: "أَتَيْنَا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُصَلِّي، فَسَلّمْتُ عَلَيْه، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ

(3)

" بالاتصالِ

(4)

، وعلى رواية قَيْس بن سَعْد، عن عطاء ابن أبي رَبَاح، عن ابن الحنفيَّة:"أنَّ عَمَّارًا مَرَّ بالنَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُصَلِّي" بالإرسال؛ لكونه قال: أَنَّ عَمَّارًا ولم يقل: "عَنْ عَمَّارٍ"

(5)

والحق أن الحكم على الرواية الثانية بالإرسال لَيْس من جهة تعبير ابن الحنفية ب"أَنَّ" بل من جهة أنه لَمْ يُسْنِدِ الحكاية فيها إلى عَمَّار؛ بل إلى نفسه، مع أنه لم يدركْ مُرُوره بخلافه في الأولى؛ فإنه أسندها فيها إليه؛ فكانت متصلة

(6)

.

(1)

قال ابن الصلاح: "و حكى ابن عبد البر عن أبي بكر البرديجي أن حرف "أن" محمولٌ على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى وقال أي ابن عبد البر - عندي لا معنى لهذا لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، والله أعلم" اه "مقدمة ابن الصلاح" ص (87).

(2)

هو يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور، قال الذهبي:"الحافظ الكبير العلامة الثقة، أبو يوسف السدوسي البصري ثم البغدادي، صاحب "المسند" الكبير، العديم النظير المعلل، الذي تم من مسانيده نحو من ثلاثين مجلدًا ولو كمل لجاء في مئة مجلد. " سمع على بن عاصم، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهم. حدث عنه: حفيده محمد بن أحمد بن يعقوب، ويوسف بن يعقوب الأزرق، وثقه أبو بكر الخطيب وغيره. مات سنة اثنتين وستين ومئتين. "سير أعلام النبلاء"(12/ 476).

(3)

قال ذلك في مسنده، حيث قال ابن الصلاح في علوم الحديث ص (87): "ووجدت مثل ما حكاه عن البرديجي أبي بكر الحافظ، للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في مسنده الفحل

" ثم ذكر الحديث المذكور.

(4)

أخرجه أحمد (4/ 263).

(5)

أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" رقم (456، 1020).

(6)

انظر "تدريب الراوي"(1/ 218).

ص: 380

قال العراقي: "الصوابُ أنَّ من أدرك قصَّة - وإن لم يُعْلَمْ أنه شاهدَهَا مع السلامة من التدليس - يُحْكَمُ له بالوصل، سواءٌ رُوَى ب"قال" أو "عَنْ" أو ب"أنَّ" أو ب "ذَكَرَ" أو "فَعَلَ" أو نَحْوِ ذلك؛ فكلُّها سواءٌ في أنه يُحْكَمُ له بالوصل، صحابيًّا كان راويه أو تابعيًّا،، ومن لم يدركْ ذلك، فهو مرسَلُ، صحابيًّا أو تابعي أو منقطع إن لم يسنده إلى من رواه عنه؛ وإلا فمتصلٌ روى ب "عَنْ" أو بغيرها؛ وهذه قاعدةٌ يعمل بها"

(1)

انتهى. مع بعض توضيح لكلامه.

و أشار المصنِّفُ إلى ما يُقْبَلُ من العنعنة، وما لا يُقْبَلُ؛ فقال: "و عَنْعَنَةُ المُعَاصِرِ مَحْمولَةٌ عَلَى السَّمَاع إلا مِنْ المُدَلِّسِ، سَوَاءٌ عُلِمَ اللِّقَاءُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ وإليه ذَهَبَ مسلم؛ بل قد أَنْكَرَ اشتراط اللقاء، وادعى أنه قولٌ مخترعٌ ولم يُسْبَقْ قائلُهُ إليه، وأن القَوْل، الشائع الُمَّتفَقَ عليه بين أهْل العلْمِ بالأخبار: ما ذهَبَ هو إليه.

و العنعنَةُ: مصدَرُ "عَنْعَنَ الحديثَ": إذا رواه ب "عَنْ" من غير بيانٍ للتحديثِ، أو الإخبار، أو السماع.

و لاختبار المصنِّف القولَ المشهورَ: عَبَّر عن القوْل باشتراطِ اللقاءِ بصيغة التَّمريض، فقال:"و قِيلَ: يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ لِقَائِهِ، ولو مَرَّةً، وهو المُخْتَارُ عِنْدَ المُصَنِّفِ" أي: صاحبِ الأَصْل، وهو الشيخُ الحافظ ابن حَجَرٍ العسقلانيُّ فقد صحَّحه جمهورُ المحدِّثين وغيرهم؛ وعليه البخاريُّ، واحتجُّوا لذلك بأنه لو لَمْ يسمعْهُ منه، لكان بعدم ذِكْره الواسطة بينهما مُدَلِّسًا، والكلام فيمَنْ لم يُعْرَفْ بالتدليسِ، والظنُّ السلامةُ منه.

و قال بعض المحدِّثين يُشَتَرطُ طولُ الصُّحْبة، وقيل غير ذلك، مما هو مردودٌ في المطوَّلات.

(1)

"فتح المغيث" للعراقي ص (76).

ص: 381

[المتفق والمفترق]

(1)

ولما فَرَغَ المصنِّف شرَعَ في بيان فائدة تتعلَّق بالمقصودِ تعلُّقًا تامًّا؛ فقال: "ثُمَّ الرُّوَاةُ: إِنِ اتَّفَقَتْ أَسَماؤُهُمْ وَأَسْماءُ آبَائِهِمْ فَصَاعِدًا، لَفْظًا وخَطًّا -: فَهُوَ المُتَّفِقُ والمُفتَرِقُ" لاتِّفاقِ الأسماء وافتراقِ المسمَّيَات؛ فَهُوَ من قَبِيلِ المُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ، وهو فَنٌّ مُهِمٌّ، ومن فوائده: الأمْنُ من اللَّبْسِ، فَرُبَّمَا يُظَنُّ المتعدِّدُ واحدًا، ورُبَّما يكونُ أحَدُ المتَّفِقَيْنِ ثقةً والآخَرُ ضعيفًا؛ فيضعفُ ما هو الصحيُح، أو يعكس؛ لاسيَّما مَنِ اشتبه أمرُهُ؛ لتعاصُرٍ واشتراكٍ في شُيُوخٍ أو رواةٍ، مثال ما ذكره المصنِّف

(2)

وهم أربعةٌ:

الأوَّل: أبو بَكْرٍ أحمد بْنُ جعفرِ بْنِ حَمْدَانَ البغداديُّ، يَرْوي عن عبد الله بن أحمد بن حَنْبَلٍ.

الثاني: أبو بَكْر أحمَدُ بْنُ جعفرِ بْنِ حَمْدَانَ بن عيسى السقطيُّ البصريُّ يَرْوِي عن عبد الله بن أحمد الدَّوْرَقِيِّ، وغيْرِهِ.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(613 - 621)، "الاقترح" -لابن دقيق العيد (314)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (130)، "إختصار علوم الحديث" - لابن كثير (222)، "فتح المغيث" - للعراقي (426)، "نزهة النظر" -لابن حجر (66)، "فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 268)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 316)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (223)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (336)"لقط الدرر" - للعدوي (126)"سح المطر" -لعبد الكريم الأثري (132).

(2)

انظر هذا المثال في "فتح المغيث" للعراقي ص (428)، "تدريب الراوي"(2/ 316).

ص: 382

الثالث: أحمد بن جَعْفَرِ بن حَمْدَانَ الدِّينَوَرِيُّ، رَوَى عن جمعٍ، منهم عبد الله بن محمَّد بن سِنَانٍ الروحيُّ؛ نسبةً لشيخه رَوْح؛ لإكثاره عنه، وروى عنه علُّي بْنُ القاسمِ بن شَاذَانَ الرازيُّ وغيرُهُ.

الرابعُ: أبو الحسنِ أحمَدُ بْنُ جعفرِ بْنِ حَمْدَانَ الطَّرَسُوِسِيُّ يَرْوِيِ عن عبد الله بن جابِرٍ، وغيرهٍ.

قال العراقي: "و مِنْ غرائب الاتفاقِ في ذلك؛ محمَّد بن جعفرِ بْنِ محمَّدٍ ثلاثةٌ مُتَعَاصِرُونَ، ماتوا في سنةٍ واحدةٍ، وكُلٌّ منهم في عشر المائة، وهم: أبو بَكْرٍ محمَّدُ بْنُ جعفرِ بن محمَّدِ بن مَطَرٍ النَّيْسَابُورِي، وأبو بَكْرٍ محمَّدُ بْنُ جعفرِ بْنِ محمَّدِ بنِ كِنَانَةً البغدادي؛ ماتوا في سنة ستِّينَ وثلاث مئة". انتهى.

و الفاءُ في قولِهِ: "فَصَاعِدًا" عاطفةٌ لعاملٍ قَدْ حُذِفَ وبقي معمولهُ، والأصْلُ: فبَلغ المُتَّفِق صاعدًا، قال أبو البقاءِ

(1)

-في مثله-: "و لا يجوزُ هنا من حُرُوفِ العَطْف إلا الفاء".

(1)

هو عبد الله بن الحسين أبو البقاء العُكْبَرِيُّ النحوي الحنبلي، قرأ بالروايات على، علي بن عساكر، والعربية على ابن الخشاب، وتقفه على القاضي أبي يعلى الصغير حدث عنه: ابن الدبيثي، وابن النجار، والضياء المقدسي وغيرهم، قال ابن النجار: قرأت عليه كثيرًا من مُصنفاته، وصحبته مدة طويلة، وكان ثقةً متدينًا، حسن الأخلاق متواضعًا،. من تصانيفه:"تفسير القرآن"، "إعراب القرآن""متشابه القرآن""إعراب الحديث"، "و شرح الهداية لأبي الخطاب"، "المرام في المذهب"، "شرح الحماسة" وغيرها كثير فهو من المكثرين في التأليف، توفي سنة ست عشرة وست مئة.

انظر "وفيات الأعيان"(3/ 10)، "إنباه الرواة"(2/ 116)"البداية والنهاية"(13/ 85).

ص: 383

و ما ذكره المصنِّف قِسْمٌ من ثمانية أقسامٍ، وبقيَّة الأقسامِ مذكورةٌ في شروح ألفيَّة العراقيِّ، أعرضْنَا عنها؛ لطُولها

(1)

.

(1)

وأنا أذكرها هنا إجمالاً: المتفق والمفترق ثمانية أقسام:

1 -

من اتفقت أسماؤهم وأسماء أبائهم.

2 -

من اتفقت أسماؤهم وأسماء أبائهم وأجدادهم - وهو الذي ذكره المصنف ومثل له -.

3 -

ما اتفق في الكنية والنسبة.

4 -

عكسه وهو ما اتفق في الاسم وكنى الأب.

5 -

من اتفقت أسماؤهم وأسماء أبائهم وأنسابهم.

6 -

من اتفقوا في التسم فقط أو الكنية فقط.

7 -

أن يتفقا في النسبة من حيث اللفظ ويفترقا في المنسوب إليه.

8 -

أن تتفق كناهم وأسماء أبائهم. وانظر "فتح المغيث" للعراقي ص (426 - 434)، "فتح المغيث" للسخاوي (4/ 290)"تدريب الراوي"(2/ 316 - 329).

ص: 384

[المؤتلف والمختلف]

(1)

وإنِ اتفقَتِ الأسماء خَطًّا واختلَفْت نطقًا -: فهو المُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ، وهو فَنٌّ جليلٌ يَقْبُحُ جَهله بأهْلِ العِلْمِ، لاسيَّما أهْلَ الحديث، ومَنْ لم يعرفْهُ يكثُرْ خطؤه، ويفتضحْ بَيْنَ أهلِهِ، وهو سبعةُ أقسامٍ:

أحدها: ما هو عامٌّ غيْرُ مختصٍّ بكتابٍ من كُتُب الحديثِ.

والثاني: ما وقَع في البخاريِّ.

والثالث: ما وقَعَ في مسلمٍ.

والرابع: ما وقَعَ في الموطَّأ.

والخامس والسادس والسابع: ما وقَعَ في أحد هذه الكُتُب الثلاثة مع الآخَرِ.

وقد بُسِطَ ذلك في مَحَلِّهِ، ونحن نقتصرُ منه على ما كان عامًّا، وما جاء في الصحيحَيْن؛ لأنه أهمُّ؛ فنقول:

من الأوَّل: "سَلاَّم" كلُّه مشدَّد، إلا خمسةً،، و"عُمَارَةُ" كلُّه مضمومُ

(1)

"مقدمة ابن الصلاح"(590 - 611)، "الاقترح" -لابن دقيق العيد (313)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (125)، "الموقظة" - للذهبي (91 - 92)، "إختصار علوم الحديث" - لابن كثير (218)، "فتح المغيث" - للعراقي (398)، "نزهة النظر" -لابن حجر (66)، "فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 268)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 297)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (224)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (315)، "سح المطر" -لعبد الكريم الأثري (132).

ص: 385

العين المهملة إلا أبا عِمَارَةَ الصحابيّ، ممن صلَّى للقبلَتْين؛ فبالكسر، وفيهم جماعةٌ بالفَتْح وتشديدِ الميم؛ فمن الرجال:"عَمَّارة" أحدُ أجدادِ ثَعْلَبَةَ والدِ زَيْدٍ، وأحدُ أجدادِ عبد الله بن زيادٍ البلويِّ، وجَدُّ عبد الله بن مدركٍ، ومن النساء، عَمَّارَةُ بنْتُ عبد الوهاب الحمصيَّة، وعَمَّارة بنْتُ نافع بن عمر و"كَرِيز" بكاف مفتوحة، فراءٍ مكسورة، في خزاعة مكبَّرًا، وفي التصغير في عَبْدِ شمس؛ وكذا "العيشيون" بمهملة فمثنَّاة تحتيَّة، بعدها معجمة في البصريِّين، وبمهملةٍ، ثُمَّ نونٍ، فمهملة في الشاميِّين غالبًا،، و"السَّفَر" بسين مهملة ففاء، كلُّهُ بفتح الفاء كنية، وبإسكانها في الأسماء،، و"عِسْل" كُلُّه بمهملةٍ مكسورةٍ، فمهملة ساكنة، إلا عَسَلَ بْنَ ذَكْوان البصريَّ؛ فبفتحهما،، و"غَنَّام" بمعجمةٍ مفتوحةٍ، فنونٍ مشدَّدة، جميعُهُ إلا والدَ عليِّ بن عثام - فبالمهملةِ والمثلَّثة،، و"مِسْوَر" كله مَكْسُوُر الميمِ، ساكنُ السين المهملةِ، مخفَّف الواو المفتوحة، إلا ابْنَ يزيدَ الصحابيَّ، وابْن عبد الملكِ اليَرْبُوِعيَّ؛ فبالضم وتَشْديد الواو،، و"الجَمَّال" بالجيم المفتوحة، والميم المشدَّدة، جميعُهُ في الصفاتِ، إلا هارون بْنَ عبد الله الحَمَّال؛ فبالحاء المهملة،، وجاء في الأسماء: أبْيَضُ بْنُ حَمَّال، صحابيٌّ يَمَنِيٌّ، وحَمَّال بن مالكٍ بالحاء وغيرهما،، و"الحَنَّاط" بالمهملة، عيسى بن أبي عيسىَ، ويقال: بالمعجمة والموحّدة، وبالمعجمة مَعَ المثنَّاة تحتُ، كُلُّهَا جائزةٌ فيه.

و أما ما جاءَ في "الصحيحَيْنِ"، فقد نظمها العلاَّمة المحقِّق؛ والفهَّامة المدقِّق، نزيلُ مصر. حالاً، السيِّد عبد الهادي الأبياريُّ

(1)

في بسيطة ذكرها في فَنِّ الحديث، من سعود المطالع، ولولا طولُهَ_ا لذكَرْنَاها؛ فارِجِعْ إليها؛ فإنها مفيدةٌ جدًّا.

(1)

هو عبد الهادي بن نجا بن رضوان بن نجا بن محمد الأبياري المصري، ولد في قرية "الأبيار" من إقليم الغربية بمصر، تعلم بالأزهر من مصنفاته "نيل الأماني شرح مقدمة القسطلاني" توفي سنة 1305 هـ. "الأعلام"(4/ 173).

ص: 386

[المتشابه]

(1)

وإنِ اتَّفَقَتِ الأَسْمَاءُ فَقَطْ، نُطْقًا وخَطًّا، واختلَفَتِ الآبَاءُ نُطْقًا، مع الاتِّفَاقِ خَطًّا أو بالعَكْس: بِأَنْ اتفَقَتِ الأسماءُ خَطًّا، واختلَفَتْ نُطْقًا، واتفقَتْ أسماءُ الآباء، نطْقًا وخَطًّا:

مثال الأوَّل: موسى بن عَلِيِّ، بفتح العين، ومُوسَى بْنُ عُلَيِّ بضمِّها: فالأوَّل جماعةٌ كُّلهم متأخِّرون، منهم: موسى الختلي، الذي رَوَى عنه أبو عَلِيٍّ الصَّوَّافُ، وليس في الكُتُبِ الستَّة ولا في تاريخِ البخاريِّ منهم أَحَدٌ.

و الثاني: موسى بن عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ المصريّ أمير مصر؛ فالمشهورُ فيه الضمُّ؛ وعليه أهْلُ العراق؛ لكن الذي صحَّحه البخاريُّ، وصاحبُ "المشارق"

(2)

الفتْحُ؛ وعلَيْه أهْلُ مِصْر، وكان هو وأبو بَكْرٍ يكرهان

(1)

"معرفة علوم الحديث" - للحاكم (221)، "مقدمة ابن الصلاح"(622 - 626)، "المنهل الروي" -لابن جماعة (132)، "فتح المغيث" - للعراقي (435)"نزهة النظر" لابن حجر (67)"فتح المغيث" - للسخاوي (4/ 284)، "تدريب الراوي" - للسيوطي (2/ 229)، "شرح نزهة النظر" - للقاري (226)، "توضيح الأفكار) " - للصنعاني (2/ 493)، "توجيه النظر" - للجزائري (195)، "منهج ذوي النظر" - للترمسي (431)"لقط الدرر" - للعدوي (130)"سح المطر" -لعبد الكريم الأثري (134).

(2)

صاحب "المشارق" هو القاضي عياض بن موسى، وقد تقدمت ترجمته، أما كتاب "المشارق" فاسمه كاملاً:"مشارق الأنوار على صحاح الآثار" قال في الرسالة المستطرفة ص (118): جمع فيه بين ضبط الألفاظ وإختلاف الروايات وبيان المعنى، وخصه بالموطأ و الصحيحين، وهو كتاب لو وزن بالجوهر أو كتب بالذهب كان قليلاً فيه" اه.

ص: 387

الضمَّ، ويقول كُلٌّ منهما: لا أجعَلُ قائلَهُ في حِلٍّ.

و اختُلِفَ في سبب ضَمِّهِ كما في شرح القاضي زكريَّا؛ فقيل: لأنَّ بني أُمَيَّةَ كانَتْ إذا سمعَتْ بمولودٍ اسمه عَلِيٌّ، قَتَلُوه، فقال أبوه: هو عُلَيٌّ، بالضم، وقيل: كان أهْلُ الشام يجعلُونَ كلَّ عَلِيٍّ عندهم عُلَيًّا، لبُغْضهم عَلِيًّا، رضي الله عنه.

و مثال الثاني: "سُرَيْج" بمهملة وجيم، و"شُرَيْح" بمعجمة وحاء مُهْملة، وكُلٌّ منهما ابْنُ النعمانِ؛ فالأول: شيخُ البخاريِّ، وهو بغداديٌّ، واسم جدِّهِ مروانُ، والثاني: كوفيٌّ تابعيٌ.

فهو المتشابِهُ؛ للاشتباه الحاصل فيه، ومن فوائد معرفته الأَمْنُ من التصحيف، وظنُّ الاثنَيْن واحدًا.

و بَقِيَتْ له أقسامٌ أخرىَ؛ مثل: أن يَتَّفِقَ الاسمانِ أو الكُنْيَتَان، نطقًا وخطًّا، وتختلف نسبتُهُمَا نطقًا، أوتتفق النسبةُ نطقًا وخطًّا، ويختلف الاسمان أو الكُنْيَتان نطقًا، وأمثلَةُ هذه الأقسامِ مذكورةٌ في المطوَّلات، وقد صنَّف الخطيبُ البغداديُّ فيه كتابًا مفيدًا، سماه:"تلخيصَ المُتَشَابِه".

(1)

و لمَّا فَرَغَ المصنِّف من بيان الأقسامِ، ولواحِقِها - وقد تَرَكَ كثيرًا من ذلك - أشار إلى الاعتذار بقوله:"و تركْتُ تفاصيلَ وَمُهِمَّات؛ أَحَلْتُهَا على المطوَّلات؛ إذ هي المتكفِّلَةُ لمِثْلِ ذلك؛ والقائِمةُ بأعباءِ ما هنالك"، وعلَّل التّرْكَ بقوله: "لِغَرَضِ الاخْتِصَار؛ إذْ ربَّما يكونُ التطويلُ موِجِبًا لهَجْر

(1)

واسمه كاملاً: "تلخيص المتشابه في الرسم، وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم"، قال الرسالة المستطرفة ص (89):"وهو كتاب جليل القدر كثير الفائدة بل قال ابن الصلاح أنه من أحسن كتبه" وقد طبع في دمشق في مجلدين.

ص: 388

كتابه؛ ومسبِّبًا لتَرْك خِطَابِه، سِيَمَا في هذا الزَّمَنِ الذَّيِ قَلَّتْ فيه الرَّغَبَات؛ وكثُرَ فيه الأَخْذ والمعاطات".

واعلَمْ: أنَّ الذي تركَهُ المصنِّف أكثَرُ ممَّا ذكره؛ لأن أنواعَ الحديِثِ كثيرةٌ؛ فقد نقل الجَلَال السيوطيُّ

(1)

في شرحه على ألفيَّته في هذا الفَنِّ عن الحازميِّ

(2)

؛ أنه قال في "العُجَالة"

(3)

"عِلْمُ الحديث يشتَمِلُ على أنواع كثيرةٍ تبلُغُ مائة، كُلُّ نوعٍ منها عِلْمٌ مستقلٌّ، لو أنفق الطالبُ فيه عُمُرَهُ، لم يدركْ نهايتَهُ"

(4)

.

و الذي ذكَرَهُ ابن الصلاح منها: خمسةٌ وسِتُّونَ نوعًا؛ ثم قال: "و لَيْسَ ذلك بآخِرِ المُمْكِنِ في ذلك؛ فإنه قَابِلٌ للتَّنْويع إلى مالا يُحْصَى؛ إذ لا تُحْصَى أحوالُ رواة الحديث وصفاتُهُمْ، ولا أحوالُ متونِ الحديثِ

(1)

تقدمت ترجمته والكلام على شرحه لألفيته المسمى البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر.

(2)

هو أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن موسى الحازمي الهمذاني سمع من أبي الوقت السجزي، ومن شهردار بن شيرويه الديلمي، وأبي موسى محمد بن أبي عيسى المديني وغيرهم، قال الذهبي: جمع وصنف، وبرعَ في فن الحديث خصوصًا في النسب واستوطن بغداد. وقال ابن النجار: كان الحازمي من الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ألف كتاب "الناسخ والمنسوخ" وكتاب "عجالة المبتدي في النسب" وكتاب "المؤتلف والمختلف في أسماء البلدان" اه قلت وثلاثتها مطبوعة. قال ابن النجار: وكان ثقة، حجة، نبيلاً، زاهدًا عابدًا، ورعًا ملازمًا للخلوة والتصنيف وبث العلم. مات رحمه الله سنة أربع وثمانين وخمس مئة وله ستٌ وثلاثون سنة. "سير أعلام النبلاء"(21/ 167)، و"طبقات الشافعية"(7/ 13)، و "شذرات الذهب"(4/ 282).

(3)

هو كتاب "عجالة المبتدي وفضالة المنتهي في النسب" طبع في القاهرة سنة 1384 هـ بتحقيق عبد الله كانون.

(4)

" العجالة" ص (3).

ص: 389

وصفاتُهَا، وما مِنْ حالة فيها ولا صِفَةٍ إلا وهي بصَدَد أن تُفْرَدَ بالذِّكْر، فإذا هي نوعٌ على حيالها"

(1)

انتهى.

ثم نقل

(2)

عن الحافظ ابن حَجَرٍ؛ أنه قال: "وقد أخَلَّ ابن الصَّلاح بأنواع مستعملةٍ عند أهْلِ الحديث تتعلَّقُ بالحديثِ وبصفاتِ الرُّواة، وذكر - أيضًا - أنواعًا في ضِمْن نَوْعٍ؛ كإدماجه المعلَّق في نوعِ المُعْضَلِ، والمتواتِرَ والغَريبَ والمشهُورَ والعزيز في نوع واحدٍ، ووقع له عكْسُ ذلك، وهو تعديدُ أنْواعٍ وهي متَّحِدة"

(3)

؛ قال الزركشي

(4)

: "فإنَّ الإرسال الخفيَّ نَوْعٌ من المُرْسَلِ والمُنْقْطِعِ؛ وكذا المُدْرَجُ نوعٌ من التدليس، والأفرادُ يرجع إلى الشاذِّ، وزيادةِ الثِّقَةِ"،، قال:"و يجابُ بأنه لمَّا كان في مقامِ تَعْريف الجزيئَّات، انتفى التداخُلُ؛ لاختلاف حقائقها في أنْفُسِها بالنسبة إلى الاصْطِلَاح، وإنْ كانَتْ ترجِعُ إلى قَدْرٍ مشتَرَكٍ"

(5)

اه،، قال: "و قد زاد البُلْقِينِيُّ

(6)

في "محاسن الاصلاح" خمسة أنواع

(7)

على ما ذَكَرَهُ ابْنُ الصلاح، وزاد الزَّرْكَشِيُّ في "نُكَته" أنواعًا أُخَرَ، وزاد الحافظُ ابن حَجَرٍ في "نُكَته" و"نخبته" أنواعا

(8)

، وزدتُّ أنواعًا، فتمَّتْ مائةً - كما قال الحازمي- قال: وهذه فهرسها

(9)

.

(1)

"مقدمة ابن الصلاح" ص (17).

(2)

أي السيوطي.

(3)

انظر "تدريب الراوي"(1/ 53)، وقارن بما في "النكت على ابن الصلاح" لابن حجر (2/ 232).

(4)

تقدمت ترجمته.

(5)

قاله في نكته كما سيأتي.

(6)

تقدمت ترجمته.

(7)

ذكر ذلك في آخر كتابه "محاسن الاصلاح" ص (615 - 649).

(8)

انظر "النكت"(_/ 234).

(9)

قال الحافظ ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح"(1/ 231): "فهرست، الصواب أنها بالتاء المثناة وقوفًا وإدماجًا، وربما وقف عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ".

قال صاحب "تثقيف اللسان": "فهرست بإسكان السين والتاء فيه أصيلة، ومعناها في اللغة: جملة العدد للكتب، لفظة فارسية، قال: واستعمل الناس منها فهرس الكتب يفهرسها فهرسة مثل: دحرج، وإنما الفهرست: اسم جملة العدد.

و الفهرسة المصدر: كالفذلكة يقال: فذلكت الحساب إذا وفقت على جملته" اه. من النكت.

ص: 390

الحَسَن، الصَّحِيح، الجَيِّد، القَوِيُّ، الثابتُ، الصَّالح، المجوَّد، المستَقيِم، الضَّعيف، المُسْنَد، المرفوعُ، المَوْقُوف، المَقْطُوع، المَوْصُول، المُرْسَل، المَرَاسيل التي في حُكْم المسانيد، المُنْقَطِع، المُعْضَل، المُعَلَّق، المُعَنْعَن، التدليس، الإرْسَال الخَفِيّ، المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد، الشَّاذّ، المَحْفُوظ، المُنْكَر، المَعْرُوف، المتروك، الأَفْرَاد، الغريبُ، العَزِيز، المشهور، المُسْتَفِيض، المُتَواَتِر، الاعْتِبَار والمتابعات، والشَّواهِد، زياداتُ الثقاتِ، المُعَلّ، المُضْطَرِب، المَقْلُوب، المُدْرَج، المَوْضُوع، من تُقْبَلُ روايته ومن تُرَدُّ، مراتِبُ الجَرْح والتعديل، تَحَمُّل الحديث، كتابَةُ الحديثِ، روايَةُ الحديث، آداب المُحَدِّث، آدابُ طالبِ الحديث، العالي والنَّازل، المُسَلْسَل، غريبُ ألفاظِ الحديث، المُصَحَّف، المحرَّف، الناسخ والمنسوخ، مُخْتَلِفُ الحديث، أَسْبَابُ الحديث، معرفةُ الصَّحَابة، معرفَةُ التابعين وأَتْبَاعِهِمْ، روايةُ الأكابِرِ عن الأصاغر، رواية الصحابة عن التابعين، والتابعين عن الصحابة روايةُ الأَقْرَان، المدبَّج، الإخوَةُ والأَخَوَات، روايةُ الأبناءِ عن الآباء، روايةُ الآباء عن الأبناء، السابقُ واللاَّحِق، من روى عن شَيْخٍ ثم روى عنه بواسطة، مَنْ لم يَرْوِ عنه إلا واحدٌ، من لم يَرْو إلا عن واحدٌ، من لم يَروِ إلا حديثًا واحدًا، الأسانيد

ص: 391

التي لم يروبها إلا حديثٌ واحد، من ذُكِرَ بنُعُوتٍ متعدِّدة، أفرادُ العِلْم، الأسماءُ والكُنى، مَنْ وافقَتْ كنيتُهُ اسْمَ أبيه، عَكْسه، مَنْ وافقَتْ كنيتُهُ اسمَهُ، مَنْ وافَقَتْ كنيتُهُ كُنيَة زوجَهُ، من وافَقَ اسمُهُ اسْمَ أبيه أو مع جده، من وافَقَ اسمُهُ اسم شيخه أو مع شيخه من وافَقَ اسْمَ أبيه اسْمَ شيخه، مَنْ وافَقَ اسْمُ شيخه اسْمَ الراوي عنه، مَنْ وَافَقَ لفظُ اسْمِهِ نسبَهُ، الأسماءُ التى بلَفْظ النسب، الألقابُ، المؤتَلِفُ والمُخْتِلف، المُتّصفِق والمفترق، المتشابه، المُشْتَبِه، المَقْلُوب، مَنْ نُسِبَ إلى غير أبيه، النِّسْبَة التى على خلافِ الظاهر، المُبْهَمَات، معرفَةُ الثِّقَاتِ والضعفاءِ، مَنْ خَلَطَ من الثقات، طبقاتُ الرواةِ، الأَوْطَان، البلدان، الموالي، التَّاريخُ، فهذه بِضْعٌ وتسعون.

و من الأنواعِ التي زادها البُلْقِينِيُّ

(1)

والزَّرْكَشِيُّ

(2)

روايةُ الصحابةِ عن الصحابة، والتابعين عن التابعين؛ وهما داخلانِ في رواية الأقْرَان،، ومعرفَةُ مَنِ اشتَرَكَ من رجال الإسناد في بَلَدٍ أو إقليم؛ وهو داخلٌ في نوعِ الأوطانِ،، ومعرفةُ تاريخِ المُتُون؛ وهذا لا بأس به،، ومعرفة الأوائلِ والأواخِرِ،، ومعرفة تفاوت الرواة؛ وهذا داخل في مراتب الجَرْح والتعديل مع الثِّقَاتِ والضعفاء، ومعرفةُ الأصَحِّ مطلقًا أو في الباب، والجَمْعُ بَيْن معنى الحديثِ والقرآن، ومعرفةُ الأماكنِ وضَبْطُها؛ وهذا مُدخلٌ في الغريب،، ومعرفةُ الكَلِماتِ التي اختَرَعَها صلى الله عليه وسلم فَيُنْتَقَى من هذه مكمِّلة للمائة". انتهى.

و أنْتَ تعلمُ: أن المائة، لم تَحْتَوِ على جميع الأنواع؛ فقد اشتَمَلَ بعض المطوَّلات على ما لم يُذْكَرْ فيها.

"و اللَّهُ تَعَالى أَعْلَمُ" اسمُ التفضيل هذا: إمَّا أن يكون جاريًا على حقيقتِهِ

(1)

تقدمت ترجمته.

(2)

تقدمت ترجمته.

ص: 392

وعدمِ جوازِ خُلُوِّه عن أحد الأَوْجُه الثلاثة، أعني: استعمالَهُ بالإضافة، أو "مِنْ" أو "اللام"، إذا لم يكُنِ المفضَّلُ عليه معلومًا، وإن يكنه، فلا مانِعَ من الخلوِّ؛ كما في "اللَّهُ أَكْبَرُ" ونحوِهِ؛ فيقال: إن المحذوف المشعور به هو المضافُ إليه؛ باعتبار أنه مستعمل

(1)

بالإضافة، أي: أَعْلَمُ كُلِّ عالمٍ، أكْبَرُ كُلِّ كبير، ونحو ذلك، أو أنَّه "مِنْ" مع مجرورها، أي: أَعْلَمُ مِنْ كل عالم، وأكْبَرُ مِنْ كُلِّ كبير، وما أشبهه.

وإما أن يكونَ محمولاً على اسْمِ الفاعلِ مجازًا؛ قياسًا عند المُبَرِّدُ

(2)

، وسماعًا عند غيره؛ ومنه: قولُهُ تعالى: {وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} إذْ ليسَ شَيْءٌ أهْوَن عليه تعالى من شَيْءٍ، وما كان بهذا المعنى، فلزومُهُ صيغة "أَفْعَلَ" أكثَرُ من المطابقةِ؛ إجراءً له مُجْرَى الأغلب الذي هو الأَصْل، أي: أَفْعَلُ من عْلَمْ: واعلم أنَّ الحنفيَّة قد كَرِهُوا التلفُّظ بقول: "و اللهُ أعْلَمُ" عند ختم الدَّرْس، بقطع الكلام؛ حيث قال المحقِّق عبد البرِّ

(3)

في شرحه على

(1)

الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 131).

(2)

هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري النحوي إمام النحو، أخذ عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السِّجستاني وعنه: أبو بكر الخرائطي، ونفطويه، وأبو سهل القطان، وعدة قال الذهبي:": كان إمامًا، علامة، جميلاً، وسيمًا فصيحًا، مفوهًا، مُوَثَّقًا، صاحب نوادر وطرف، له تصانيف كثيرة توفي سنة ست وثمانين ومئتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (3/ 380)، "سير أعلام النبلاء" (3/ 576)، "بغية الوعاة" (1/ 269)، "شذرات الذهب" (2/ 190).

(3)

هو عبد البر بن محمد المعروف بابن الشحنة الحلبي ولد في حلب ورحل إلى القاهرة وأخذ على جماعة من أهل العلم فيها، وصار جليس السلطان الغوري من تصانيفه:"شرح جمع الجوامع للسبكي"، "الذخائر الأشرفية في الألغاز الحنفية" و"شرح منظومة ابن وهبان" وغيرها توفي سنة (921 هـ) انظر "شذرات الذهب"(8/ 98).

ص: 393

الوهبانيَّة

(1)

، عند قول الناظم "عليه الرحمة":[من الطويل]

وَقَدْ كَرِهُوا واللَّهُ أَعْلَمْ ونَحْوَهُ

لإعْلَامِ خَتْمِ الدَّرَسْ حينَ يُقَدَّرُ

ما نصه. "و مسألةُ البَيْتِ من القنية

(2)

؛ قال: "يقول عند تمام وِرْدِهِ من القرآن أو غيره، و الله أعلم، وصلَّى الله على سيدِّنا محمَّد، إعلامًا بانتهائِهِ يكره، والصلاةُ هي المشارُ إلَيْها بقَوْلِ الناظم: "وَ نَحْوِهِ"، ومفهومه: أنه إذا لم يكُنْ إعلامًا بانتهائه، لا يُكْرَهْ، وفي التجنيس، والمزيد حارس يقول: "لا إلَهَ إلا اللَّهُ، أو يقول: صلَّى اللَّه على سيِّدنا محمد"؛ أنه يأْخُذُ بذلك ثمنًا؛ بخلاف العالم إذا قال في المَجْلِسِ: "صَلُّوا"، أو الغازي يقول: "كَبِّروا" فإنه يثاب" انتهى ونحوه في قاضيخان

(3)

.

قلت: وهذا محمولٌ على ما إذا لم يَكْنْ من قُصَّاصِ زماننا الذين

(1)

الوهبانية هي منظومة في فروع الحنفية للشيخ عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقي المتوفي سنة (768 هـ) قال في كشف الظنون: "و هي قصيدة رائية من بحر الطويل

ضمنها غرائب المسائل، وهي نظم جيد متمكن في أربع مئة بيت سماها "قيد الشرائد، ونظم الفرائد" أخذها من ستة وثلاثين كتابًا ورتبها على ترتيب الهداية" اه. ولها شروح كثيرة منها شرح لابن وهبان نفسه أما شرح ابن عبد البر بن الشحنة فقال صاحب كشف الظنون: "و هو شرح مقبول ذكر فيه أن المصنف أطنب في شرحه بتوجيه المسائل .... وألحق به فروعًا غريبة، وسماه "تفصيل عقد الفوائد بتكميل قيد الشرائد"، وفرغ من تصنيفه سنة (885 هـ) انظر "كشف الظنون"(2/ 1865) ".

(2)

هو كتاب: " قنية المنية لتتميم الغنية " لمختار بن محمود بن محمد الزاهدي المتوفى سنة (658 هـ).

(3)

هي فتاوي الإمام فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني الحنفي المتوفى سنة (592 هـ) قال في كشف الظنون "و هي مشهورة مقبولة معمول بها متداولة بين أيدي العلماء والفقهاء، وكانت هي نصب عين من تصدر للحكم والإفتاء" انظر "كشف الظنون"(2/ 1227).

ص: 394

يَأْكُلُون الدنيا بالدِّين، ويَجْعَلُون ذلك وسيلة إلى أخذ الدَّرَاهِمِ من الناس؛ فإنه -حينئذٍ- أخَذَ لذلك ثمنًا، والله أعلَمُ بالصواب".

انتهى كلام المحقِّق.

و ما سَمِعْتَ من الكراهة غَيْرُ مُرْضٍ عند الشافعية؛ فقد قال العلامة ابن حَجَر

(1)

في "شرح المنهاج"

(2)

: "وزعَمَ بعض الحنفيَّة: أنه لا ينبغي أن يُقَال ذلك، قيل: مطلقًا، وقيل: للإعلامِ بخَتْمِ الدرس، ويُرَدُّ بأنه لا إيهامَ فيه؛ غاية التفْويض للمطلوب؛ بل في حديثِ البُخَارِيِّ في "باب العلم" في قصَّة موسى مع الخَضِرِ عليه السلام ما يَدُلُّ له، وهو قوله فيه "فعتب الله على موسى" أي: حيثُ سُئِلَ عن أعلَمِ الناس، فقال: "أنا"؛ إذ لم يرد العلم إليه صادق بأن يقول الله أعلم بل القرآن دالٌّ له، وهو: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]، وقد قال عليٌّ رضي الله عنه: "وأبردها عَلَى كَبِدِي؛ إذَا سُئِلْتُ عَمَّا لَا أَعْلَمُ أَنْ أقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ"

(3)

.

و لا ينافيه ما في البخاريِّ أن عُمَرَ سأل الصحابة رضي الله عنهم عن سورة النَّصْر؟ فقالوا: "اللَّهُ أَعْلَمُ" فَغَضِبَ وقَالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ، أَوْ لَا نَعْلَمُ

(4)

، وفي رواية: أنه قال لمن قال له مَرَّةً: "قد تيقنا إنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهُ يَعْلَمُ"، لتعين حمله على أنه فيمن جعل الجواب به ذريعةً إلى عدمِ إخبارِهِ عما سُئِلَ عنه، وهو يعلَمُ، وقد ذَكَرَ الأئمَّةُ في "اللَّه أَكْبِرُ وأَعْلَمُ"

(1)

هو ابن حجر الهيتمي. وقد تقدمت ترجمته.

(2)

أي شرح كتاب " المنهاج "للنووي.

(3)

رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم"(2/ 836)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه"(2/ 171).

(4)

تلبحتري رقك (4294) و (4970) بنحو ما ذكره المصنف.

ص: 395

ونحوِهِما، ما يصرِّح بحسن ما فَعَلَهُ المصنِّف، صاحب المنهاج

(1)

فعليْكَ به، ومِمَّا يؤيِّده - أيضًا -: قولُهمْ: يُسنُّ لِمَنْ سُئِل عما لا يَعْلَمُ أنْ يقُولَ: "اللَّهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ".

وَ مَنْعُ نَحْوِ "مَا أَحْلَمَ اللَّهَ"؛ نظرًا لتقدير النحاة في التعجُّب "شَيْء صَيَّرَهُ كَذَا " -: مردودٌ بأنَّ فيه غايَةَ الإجلالِ؛ ونحو: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لِبَثُوا} إلى قوله: {أَبْصِرْ بِهِ وأَسْمِعْ} [الكهف: 26] أَيْ: ما أبصَرَهُ وأسمَعَهُ؛ كما قال ابن

(1)

أي النووي.

ص: 396

عطية

(1)

، وغيره؛ لقول قتادة:"لا أحَدٌ أبْصَرُ من الله، ولا أَسْمَعُ"

(2)

.

و تقديرُ النحاةِ المذكورُ غَيْرُ لازمٍ، ولا مُطَّرِدٍ؛ لأنَّ كُلَّ مقامٍ بما يناسبه وصفه بذلك، إما نفسه أو مَنْ شاء مِنْ خَلْقِهِ" انتهى.

و هذا تحقيقٌ بديعٌ، لا أظنّك تراه في غَيْر هذا الموضع.

قال المصنِّف رحمه الله عند ختامِ رسالته -: "فَرَغْتُ منْ تأليِفِهَا خِتَامَ سَنَةِ مِائَةٍ وخَمَسْينَ بَعْدَ الأَلْفِ، مِنْ هِجْرَةِ مَنْ تَقْصُرُ عَنْهُ بردة الوَصْفِ، صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمِ، وشَرَّف وعَظَّمَ وكَرَّمَ"، وقد كانت النسخة التى وَجَدْتُهَا: محرَّرةً على مسوَّدة المؤلَّف؛ حَيْثُ قال كاتبُهَا في آخرها: "إنِّي كتبْتُهَا على مسوَّدة المؤلَّف سنة 1154، وقد أسمَعَنِي مؤلِّفها - حفظه الله تعالى - من أوَّلها إلى آخرها، وبلغَتْ مقابلةً وتصحيحًا معه بخَلْوته" انتهى.

و قد وفَّقني اللهُ سبحانه وتعالى للختام؛ ومَنَّ عَلَي - جَلَّ شَأْنُهُ - بالإتمام، وقد صرفْتُ غاية وُسْعي في تَهْذيب هذا الشرح وتنقيحه؛ وبَذَلْتُ نهاية جَهْدي في كشفه وتوضيحه، باسطًا فيه الكلام؛ ممهِّدًا فيه المقاصد والأحكام، وقد أكثَرْتُ فيه الفوائد؛ وشَحَنْتُهُ بالأمثلة والشواهد؛ فاتَّضَحَ

(1)

هو القاضي أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام بن عطية المحاربي ولد سنة ثمانين وأربع مئه واعتنى به والده فأدرك الشيوخ الكبار

قال ابن فرحون: كان فقيها عالما بالتفسير ويعد كتابه " المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز "من أعظم مؤلفاته واختلف في سنة وفاته فقيل في سنة اثنتين، وقيل إحدى، وقيل ست وأربعين وخمس مئة.

ينظر الديباج المذهب (2/ 57)، سير أعلام النبلاء (19/ 587)، شجرة النور الزكية (1/ 129).

(2)

انظر الدر المنثور (5/ 379).

ص: 397

بذلك غايَةَ الاتِّضَاح؛ واستغَنْىَ بالصَّبَاح عن المصباح، وبَيَّنْتُ - حَسْبَ الطاقة - المراد؛ ودَفَعْتُ ما بدا لي من إيراد؛ فجاء - وله الحَمْد - حَسْبما كنْتُ أتمنَّاه؛ وسألته - مِنْ كَرَمِهِ - جَلَّ شأنه وعُلاه، والمرجُوُّ من أرباب الكمال؛ وأهْلِ الفضْل والإفضال: أن يَنْظُرُ ذلك بعين الرضا؛ فعَيْن الرضا عن كل عَيْبِ كَلِيلَةْ؛ ولا يَرْمُقُوه بعين السُّخطِ؛ فإنَّ عَيْن السّخِطِ تُبْدِيِ كُلَّ رذيلةْ، وإنِّي قد اعترفْتُ بأنِّي لَسْتُ من فرسان هذا الميدان؛ ولا مِمَّنْ له باعٌ في شيْءٍ من العلوم فَضْلاً عن هذا العلمِ العظيم الشان، وإنِّي قد نَقَلْتُ غالبَ مباحثِهِ وأقوالِهِ من مَظَانِّهِ ومَحَالِّه.

اللهمَّ، ارزقْنَا حلَاوَةَ الإقَبالِ عليك، والإصغاءِ والفَهْمِ عنك، والبَصِيرة في أَمْرك والنَّفَاذِ في طاعتك، والمواظبةِ على إرادتك، والمبادَرَةِ إلى خِدْمتك، وحُسْنِ الأَدَبِ في معاملتك، والتَّسْليم إلَيْك، والرضا لقضائك، ولا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله العليِّ العظيم؛ وصَلَّى اللَّهُ تعالَى وَسلَّمَ على سيِّدنا محمَّد الرَّءُوفِ الرحيم؛ وعلى آله وَصَحْبِهِ وتابعيهم السالِكِينَ طريقَهُمُ المستقيم

(1)

.

(1)

قال مؤلِّفه - حَفِظَهَ الله تعالى، وأبقاه، ونَفَعَ المسلمين بعلومه -: وقد فَرَغْتُ من تَسْويده يومَ الثلاثاء، بُعَيْد الظهر، لثماني عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ من شَهْرِ ربيعٍ الأوِّل، من شهور السنة التاسعة والتسعين بعد المئتين والألف، ومن تبييضه يَوْمَ الأربِعاء، بعد العصر، لثلاثٍ وعشرين ليلةً خَلَتْ من صَفَر الخيرِ، من السنة الثانية بعد الأَلْفِ والثلاث مئة، من الهِجْرة المباركة، في بَغْدَادَ دَارِ السَّلَامِ، والحَمْدُ لله ربِّ العالمين؛ وصَلَّى الله على سيِّدِنَا محمَّدٍ وعلَاآلِهِ وصَحْبِهِ أجمعين.

وقد وَقَعَ الفراغُ من كتابة هذه النُّسْخة الشريفة، على يد أَفْقَر العبادِ؛ وأحوَجهِمْ إلى عفوه يَوْمَ التَّنَاد، السَّيِّد صالح بن السَّيِّد محمَّد بن السَّيِّد يُوسُف، الإمام الأوَّل، في الالاي الحادي والثلاثين من السواريه في دار السلام بَغْدَادَ، يوم الأحد، الثالث عَشَرَ من شَهْر ذي الحِجَّة، من شهور السَنَةِ الثالثة بعد الثلاث مئة والألف. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

ص: 398