الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتح الباقي
على
منظومة المراقي
تأليف:
محمد بن محمد محمود بن محمد المصطفى بن دي
اليعقوبي الأعمامي
الجزء الثاني
كتاب السنة
السنة لغة: الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسن، إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا، أي: طريقا.
وقال الكسائي رحمه الله سبحانه وتعالي -: معناها الدوام، فقولنا: سنة، معناه الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه، قاله في الإرشاد.
وكأن من الأخير السنة بمعنى العادة، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(سنة الله التي قد خلت في عباده)
وأما اصطلاحا: فتطلق في مقابلة البدعة، فتعم الشرع، ومن ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" عليكم بسنتي "
(1)
وتطلق في مقابلة الواجب، ومعناها عند المالكية ما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى في ما سبق بقوله:
وسنة: ما أحمد قد واظبا
…
عليه، والظهور فيه وجبا
وتطلق عند الأصوليين على أقوال النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وأفعاله، وتقريراته.
وهي بهذا المعنى هي المذكورة في حديث " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله سبحانه وتعالى وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض "
(2)
وتتناول عند علماء الأثر ـ زيادة على ذلك ـ صفاته ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وعلى اصطلاحهم وقع تعريف الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى حيث قال:
وهي ما انضاف إلى الرسول
…
من صفة، كليس بالطويل
والقول والفعل وفي الفعل انحصر
…
تقريره كذي الحديث والخبر
وتدخل في القول الكتابة، ككتابه لعمرو بن حزم المعروف.
(1)
جزء من حديث العرباض ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ الذي رواه أبو داوود وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(2)
رواه الإمام مالك بلاغا، والحاكم موصولا بإسناد حسن.
وتدخل في الفعل الإشارة، كإشارته على أبي بكر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - أن كما أنت
(1)
.
وإشارته برأسه حين قالت له عائشة ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنها ـ في مسواك بيد أخيها: آخذه لك؟
(2)
.
والهم، ويعرف بالقرائن، كما روي من همه حين استسقى وعليه خميصة سوداء أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فثقلت عليه، فقلبها على عاتقه
(3)
.
وكهمه أن يلعن الذي هم بالمجح قبل الاستبراء لعنا يدخل معه قبره
(4)
.
والتقرير، كما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وفي الفعل انحصر تقريره، فإذا فُعل شيء بحضرته وسكت عليه، أو بغير حضرته وعلم به، وسكت عليه، دل ذلك على أنه غير محرم.
وكذلك سكوته على القول أيضا، فهو تقرير لمضمونه.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: كذي الحديث والخبر، معناه أن السنة يرادفها الحديث والخبر.
ولما كانت حجية السنة متوقفة على العصمة بدأ بها، فقال:
والانبياء عصموا مما نهوا
…
عنه ...................
والمعنى أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وغيره من الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ معصومون من الوقوع في الذنوب بالإطلاق، فلا يصدر منهم ذنب، لا كبيرة ولا صغيرة، لا عمدا ولا سهوا، ومعصومون أيضا من الوقوع في المكروه، لندور صدوره من الأولياء، فكيف بالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ـ
ولم يكن لهم تفكه
(1)
متفق عليه.
(2)
رواه البخاري.
(3)
رواه أبو داوود والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(4)
رواه مسلم وأبو داوود والدارمي والإمام أحمد.
بجائز بل ذاك للتشريع
…
أو نية الزلفى من الرفيع
التفكه: التلذذ، والتمتع، والزلفى: القربة والمنزلة.
والمعنى أن الأنبياء ـ على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ لا يفعلون المباح تلذذا به وتشهيا، وإنما يفعلون ذلك بنية التقوي على الطاعات، والتشريع لأممهم، فأفعالهم كلها طاعات وقرب، ولا لغو في فعلهم، كما لا لغو في قولهم، عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.
فالصمت للنبي عن فعل عَلِم
…
به جواز الفعل منه قد فُهِم
معناه أن سكوت النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ على فعل علم به من غيره ـ سواء كان بحضوره أو لا ـ يستلزم جوازه، إذ لا يسكت ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ على غير جائز، لوجوب تغيير المنكر عليه مطلقا.
وقيل: إنما يدل على الجواز، إذا لم يكن الفاعل كافرا، بناء على عدم خطابهم بالفروع.
واختلف القائلون به في المنافق، فألحقه بعضهم بالمسلم، لأنه في معناه من هذا الوجه، معاملة له بما يُظهر، ومنهم من ألحقه بالكافر.
وقيل: يدل على الجواز، ما لم يكن الفاعل ممن يغريه النهي.
ومذهب الجمهور أن ذلك يدل على الجواز في حق الفاعل وغيره، لأن الأصل استواء المكلفين، وذهب القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أنه إنما يدل على الجواز في حق الفاعل خاصة، إذ لا عموم للفعل.
ومقتضى التعليل أن سكوته لا ينافي المرجوحية، وهو أبين.
وربما يفعل للمكروه
…
مبيِّنا أنهُ للتنزيه
فصار في جانبه من القُرَبْ
…
كالنهي أن يشرب من فم القِرَبْ
معناه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد يفعل الجائز المرجوح، لبيان جوازه، كشربه من فم السقاء
(1)
مع نهيه عنه،
(2)
(1)
رواه الترمذي من حديث كبشة بنت ثابت وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(2)
رواه البخاري وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد.
وشربه قائما
(1)
مع نهيه عن الشرب من القيام،
(2)
ووضوئه مرة مرة،
(3)
ومرتين مرتين،
(4)
وصلاته في آخر الوقت، في حديث " ما بين هذين وقت "
(5)
فصار في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم قربة، لوجوب البيان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم.
وفعله المركوز في الجِبِلَّه
…
كالاكل والشرب فليس مِلَّه
من غير لمح الوصف والذي احتمل
…
شرعا ففيه قل تردد حصل
فالحج راكبا عليه يجري
…
كضجعة بعد صلاة الفجر
الجبلة ـ بكسر الجيم، والباء، وفتح اللام مشددة ـ: الخلقة والطبيعة، والملة ـ بكسر الميم وفتح اللام مشددة ـ: الشريعة.
والمعنى أن فعل النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ينقسم إلى جبلي، وغيره.
فالجبلي كالأكل، والشرب، والنوم، والقيام، والقعود، لا يعتبر تشريعا، لاستلزام الجبلة له، فلا يقتضي أكثر من الجواز، ولا يؤمر بالتأسي به فيه، ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله سبحانه وتعالى عن قوم أنه مندوب، وكذا حكاه أبو حامد الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى في المنخول، وقد كان عبد الله بن عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما - يتتبع مثل هذا، ويقتدي به، كما هو معروف عنه، منقول في كتب السنة المطهرة، قاله في الإرشاد.
وهذا بالنظر إلى أصل الفعل، وأما بالنظر إلى الوجه الخاص الذي وقع عليه، منه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ فهو تشريع مأمور بالتأسي به فيه، ككونه يمشي كالمنحط من صبب،
(6)
وكونه ينام في الوقت كذا.
(1)
متفق عليه.
(2)
رواه مسلم.
(3)
رواه البخاري وأبو داوود والترمذي والسائي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد كلهم من حديث ابن عباس ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهما ـ.
(4)
متفق عليه من حديث عبد بن زيد بن عاصم ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ.
(5)
رواه النسائي، والإمام مالك، والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(6)
رواه الترمذي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
قال في النشر كما حكاه الباجي ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى عن بعض أهل المذهب.
واختلف في فعله صلى الله تعالى عليه وسلم المحتمل للتشريع والجبلة، بأن كانت الجبلة تقتضيه، ووقع متعلقا بعبادة، كحجه راكبا،
(1)
ودخوله مكة المكرمة من كداء من الثنية العليا، وخروجه من الثنية السفلى،
(2)
ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة،
(3)
ونزوله بالمحصب،
(4)
واضطجاعه بعد ركعتي الفجر،
(5)
ورجوعه في العيد مع طريق غير الطريق الذي سلك في ذهابه،
(6)
على أصل الاختلاف في تعارض الأصل والظاهر.
وقد اختلف القول في هذه الأمور بحسب ما يقوم عند كل مجتهد من القرائن، ومذهبنا في الضجعة الكراهة، وفي الركوب في الحج الاستحباب، وكذلك دخوله من كداء، وخروجه من كدى، ونزوله بالمحصب، ودخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ومخالفته طريق ذهابه في العيد.
وغيره وحكمه جلي
…
فالاستوا فيه هو القوي
من غير تخصيص ....... .........................
معناه أن غير الجبلي، وغير المتردد بين الجبلي والتشريعي، من أفعاله صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وهو التشريعي بلا تردد ـ إما أن يعلم حكمه من وجوب، أو استحباب، أو إباحة، أو لا.
فإن علم، فمذهب الجمهور أن أمته مثله، ما لم يدل دليل على اختصاصه به، كتزوج أكثر من أربع.
وقيل: أمته مثله في العبادات خاصة.
(1)
متفق عليه بل متواتر.
(2)
متفق عليه.
(3)
رواه الطبراني وفي إسناده ضعف، ورواه البيهقي في السنن الكبرى عن عطاء ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى وقال: وهذا مرسل جيد.
(4)
متفق عليه.
(5)
متفق عليه.
(6)
رواه البخاري.
وقيل: بالوقف، وقيل: لا يكون شرعا لنا مطلقا إلا بدليل خاص.
وإن لم يعرف، فهو ما سيشير إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وكل ما الصفة فيه تجهل
…
ألبيت
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى الأمارات التي يعرف به حكم الفعل، بقوله:
وبالنص يُرى
…
وبالبيان وامتثال ظهرا
وللوجوب عَلَمُ النداء
…
كذاك قد وُسم بالقضاء
والترك إن جلب للتعزير
…
وسْم للاستقرا من البصير
وما تمحض لقصد القرب
…
عن قيد الايجاب فسيمى الندب
والمعنى أن حكم فعله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرف بوجوه:
منها نصه على حكمه، كأن يقول: هذا واجب، أو هذا مستحب، أو هذا مباح، وهذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وبالنص يرى.
ومنها كونه بيانا لمعلوم الحكم مجهول الصفة، فيكون على حكمه، ويعرف كونه بيانا له بقول أو قرينة.
ومنها وقوعه امتثالا لأمر علم الحكم فيه.
وأورد على هذين الوجهين أنه إذا كان الحكم قد عرف بالقول، فما الفائدة من النظر إلى وقوع الفعل بيانا أو امتثالا؟
والجواب في المسألة الأولى: أن الموضوع عدم معرفة المأمور به في القول المبين - بفتح الياء - إذ لو عُرف الحكم، وعُرف المراد، لم يكن فيه إجمال حتى يبينه الفعل، والفرض أن الفعل مبين.
وأما في المسألة الثانية فالجواب عنها أيضا أن موضوعها القول المحتمل لخصوص ذلك الفعل وغيره، فلو لا القرينة الدالة على الارتباط بينهما، لكان الفعل شرعا مستقلا.
ومنها الأذان بالنسبة للصلاة، فقد دل الاستقراء على اختصاصه بالمفروضة، بخلاف ما لا يؤذن لها، كالعيد والاستسقاء، فعدم الأذان يدل على عدم الوجوب إلا لدليل خاص، كما في النافلة المنذورة، وذلك هو قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وللوحوب علم النداء.
ومنها أيضا القضاء، فغير الواجب لا قضاء فيه عندنا، كما أشار إليه سيدي خليل رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ولا يقضى غير فرض إلا هي ـ يعني ركعتي الفجر ـ وهذا أحد أقوال ثلاثة في المذهب، وهو المشهور.
والقولان الآخران: القضاء مطلقا، وعدمه مطلقا.
ومذهب الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى قضاء ذوات السبب، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: كذاك قد وسم بالقضاء.
ومنها التعزير على الترك، فغير الواجب لا لوم على تاركه، وذلك هو قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: والترك إن جلب للتعزير البيت.
وقوله: للاستقرا، تعليل لكون التعزير علامة على الترك، أي: وإنما كان التعزير على الترك علامة على وجوب الفعل، للاستقراء، فلا يعرف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم عزر على غير واجب، ومن التعزير العتاب واللوم، كما هو قول سيدي خليل رحمه الله سبحانه وتعالى: وعزر الإمام لمعصية الله سبحانه وتعالى حبسا، ولوما، وبالإقامة، ونزع العمامة، وضرب بسوط، أو غيره اهـ
ومن علامات الاستحباب عند بعضهم: تمحض الفعل للقربة، كالصلاة، والصوم، والذكر، مع تجرده عن قرائن الوجوب، وسيأتي ذكر الاختلاف فيه في مجهول الحكم الذي أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وكل ما الصفة فيه تجهل
…
فللوجوب في الأصح يجعل
وقيل معْ قصد التقرب وإن
…
فُقِد فهْو بالاباحة قمن
ومعنى أول البيتين، أن فعله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ الذي لم يعلم حكمه، الأصح حمله على الوجوب في حقه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وفي حقنا، لأنه أحوط.
…
قال في النشر: وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالي- والأبهري، وابن القصار ـ رحمهما سبحانه وتعالى وبعض الشافعية، وأكثر أصحابنا، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة اهـ
ولا فرق على هذا القول بين ما ظهر فيه قصد القربة، وبين غيره، كما اقتضاه قوله:
وقيل معْ قصد التقرب وإن
…
فقد فهو بالاباحة قمن
ومعناه أن الفعل المجهول الحكم، منهم من فصل فيه، فقال: إن ظهر فيه قصد القربة، حمل على الوجوب، وإن لم يظهر فيه كان للإباحة، ونسبه الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالي - في النشر لأبي الوليد الباجي، تبعا لحلولو- رحمهما الله سبحانه وتعالى لكن أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى قسم الفعل إلى الجبليات والقرب، وذكر الجواز في الجبليات، والوجوب في القرب، والطريقة التي سلك الناظم رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ قسمته إلى جبلي، وتشريعي، وينقسم إلى قرب وغيرها.
ولذلك ذكروا فيه الإباحة، فتقسيم أبي الوليد الباجي- رحمه الله سبحانه وتعالى ساكت عن التشريعي الذي ليس بقربة، فالغالب على الظن أن العزو له في ذلك غلط، منشأه عدم التأمل للاختلاف في التنويع.
وقد رُوِي عن مالك الاخير
…
والوقف للقاضي نمى البصير
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أن الإمام مالكا رحمه الله سبحانه وتعالى نقل عنه في مجهول الصفة، الحمل على الإباحة، ولو ظهر منه قصد القربة، كما في المحصول على ما في الإرشاد.
قال: ولم يحك الجويني ـ رحمها الله سبحانه وتعالى قول الإباحة هاهنا، لأن قصد القربة لا يجامع استواء الطرفين، لكن حكاه غيره، كما قدمنا عن الرازي رحمه الله سبحانه وتعالى وكذلك حكاه ابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب رحمهم الله سبحانه وتعالى حملا على أقل الأقوال اهـ
وهو عزو غريب قال في الإبهاج:
فإن قلت: فكيف يتجه جريان قول بالإباحة في ما يظهر فيه قصد القربة، فإن القربة لا تجامع استواء الطرفين؟
قلت: النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قد يقدم على ما هو مستوي الطرفين، ليبين للأمة جواز الإقدام عليه، ويثاب صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا القصد، وهذا الفعل، وإن كان مستوي الطرفين، فيظهر في المباح قصد القربة بهذا الاعتبار، ولا يتجه جريان القول
بالإباحة إلا بهذا التقريب، على أنا لم نر من المتقدمين من صرح بحكايته في هذا القسم، أعني السادس وهو ما ظهر فيه قصد القربة، نعم حكاه الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى ومن تلقاه منه، ولا مساعد للآمدي على حكايته، وأنا قد وقفت على كلام القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى فمن بعده اهـ
وفي عزو القول أيضا بوجوب ما لم يظهر فيه قصد القربة، غرابة بينة، وتفاريع أهل المذهب على خلافه.
قوله: والوقف للقاضي نمى البصير، أشار رحمه الله سبحانه وتعالى به إلى أن القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى نُسب له الوقف في مجهول الصفة من أفعاله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ظاهره ظهر قصد القربة أو لا، وقد حكاه عن أبي الوليد الباحي رحمه الله سبحانه وتعالى في الأول، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وذكر الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإحكام أن الخلاف في ما ظهر فيه قصد القربة، وما لم يظهر فيه واحد، غير أن القول بالوجوب والندب فيه - يعني ما لم يظهر فيه قصد القربة - أبعد مما ظهر فيه قصد القربة، والوقف والإباحة أقرب.
والناسخ الأخير إن تقابلا
…
فعل وقول متكررا جلا
معناه أنه إذا تقابل قول خاص به ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ دال على التكرار، مع فعل، كان المتأخر منهما ناسخا للمتقدم، وذلك كأن يقول: صوم عاشوراء واجب علي في كل سنة، وأفطر فيه قبل ذلك أو بعده، فالمتأخر في ذلك من قوله وفعله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ناسخ للمتقدم.
أما إذا تقدم القول فالأمر ظاهر، وأما إذا تأخر فالوجه في ذلك أن الفعل يدل على الجواز المستمر.
وأما إذا لم يكن القول دالا على التكرار، فإن تقدم الفعل، فالقول ناسخ، لما تقدم من دلالة الفعل على الجواز المستمر، وإن تأخر فلا نسخ، وذلك كأن يقول: صوم عاشوراء واجب علي في هذا العام، ثم يفطر فيه بعد ذلك.
والرأي عند جهله ذو خلف
…
بين مرجح ورأي الوقف
معناه أنهم اختلفوا إذا جهل المتأخر منهما، فمنهم من رجح القول، لأنه أقوى من الفعل دلالة، لوضعه لها، والفعل إنما يدل بقرينة.
ومنهم من رجح الفعل، لأنه أقوى في البيان، ولذلك بين به القول.
ومنهم من توقف، وجعله التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى الأصح.
والقول إن خص بنا تعارضا
…
فينا فقط والناسخ الذي مضى
إن بالتأسي أذِن الدليل
…
والجهل فيه ذلك التفصيل
يعني أنه إذا كان القول خاصا بنا، كأن يقول صلى الله تعالى عليه وسلم: صوم عاشوراء واجب عليكم في كل سنة، وأفطر فيه صلى الله تعالى عليه وسلم قبل ذلك أو بعده، مع انتصاب القرينة على وجوب التأسي به في ذلك، كان التعارض خاصا بنا، ولا تعارض في حقه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ويكون المتأخر منهما ناسخا في حقنا إن علم، وإن جهل فعلى الخلاف السابق من ترجيح القول، أو الفعل، والتوقف.
وإن لم تنتصب قرينة على شرع التأسي به صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك الفعل، اختص بنا القول، واختص به صلى الله تعالى عليه وسلم الفعل، ولا تعارض.
وإن يعم غيره والاقتدا
…
به له نص فما قبلُ بدا
معناه أن القول إذا كان يعمه صلى الله تعالى عليه وسلم على وجه صريح، كأن يقول ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: صوم عاشوراء واجب علي وعليكم دواما، فالتعارض واقع في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي حقنا أيضا عند قيام الدليل على شرع التأسي به ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ في الفعل.
فإن لم يدل دليل على شرع التأسي به ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ فلا تعارض في حقنا.
ومن حصل في حقه التعارض يكون المتأخر من الأمرين ناسخا في حقه إن علم، وإن جهل فعلى الخلاف السابق.
وأما إذا كان عموم القول له ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ليس صريحا، كأن يقول ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: صوم عاشوراء واجب على كل الناس، وأفطر فيه، قبل ذلك
أو بعده أو جهل التاريخ، فلا تعارض حينئذ في حقه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ بل يكون الفعل مخصصا لعموم القول، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
في حقه القول بفعل خصا
…
إن يك فيه القول ليس نصا
واستظهر شيخ الإسلام رحمه الله سبحانه وتعالى أن الحكم كذلك أيضا إذا لم يكن القول ظاهرا في الخصوص ولا في العموم، كأن يقول ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: صوم عاشوراء واجب في كل سنة، وهو ظاهر لا خفاء فيه.
ولم يكن تعارض الأفعال
…
في كل حالة من الأحوال
معناه أنه لا تعارض بين فعل وفعل، تماثلا أو تخالفا، أمكن الجمع بينهما أو لا، إذ ليس للفعل عموم، فيجوز أن يكون الفعل في وقت واجبا، وفي مثله بخلاف ذلك.
قال في الإرشاد: هكذا قال جمهور أهل الأصول على اختلاف طبقاتهم، وحكى ابن العربي رحمه الله سبحانه وتعالي - في كتاب المحصول له ثلاثة أقوال: الأول التخيير، الثاني تقديم المتأخر، كالأقوال إذا تأخر بعضها، الثالث حصول التعارض وطلب الترجيح من خارج.
قال: كما اتفق في صلاة الخوف، صليت على أربع وعشرين صفة، قال مالك والشافعي - رحمهما الله سبحانه وتعالى إنه يرجح من هذه الصفات ما هو أقرب إلى هيئة الصلاة، وقدم بعضهم الأخير منها إذا علم.
وإن يك القول بحكم لامعا
…
فآخر الفعلين كان رافعا
والكل عند بعضهم صحيح
…
ومالك عنه رُوِي الترجيح
وحيث ما قد عدم المصير
…
إليه فالأولى هو التخيير
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وإن يك القول البيت، معناه أنه إذا صحب الفعلين قول يدل على ثبوت الحكم، كان ذلك كتعارض الأقوال، فيكون المتأخر ناسخا، كقوله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ:" صلوا كما رأيتموني أصلي " مع صلاته صلاة الخوف على أحوال مختلفة، فتكون الهيئة الأخيرة ناسخة لما قبلها.
وذهب القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى إلى صحة كل تلك الهيئات، وإليه أشار ـ
رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: والكل عند بعضهم صحيح، وللإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى ميل إليه.
…
وروي عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى أنه يصار في ذلك للترجيح، فيرجح أقرب الهيئات في صلاة الخوف ـ مثلا ـ إلى صلاة الفرض، فإن لم يوجد مرجح فالحكم التخيير، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى ببقية الأبيات.
ولم يكن مكلفا بشرع
…
صلى عليه الله قبل الوضع
وهو والأمة بعدُ كُلفا
…
إلا إذا التكليف بالنص انتفى
وقيل: لا، والخلف في ما شرعا
…
ولم يكن داع إليه سمعا
يعني أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ لم يكن متعبدا قبل البعثة بشريعة نبي من الأنبياء الذين قبله ـ عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ وهذا هو المراد بأول الأبيات.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وهو والأمة بعد كلفا، إلخ، إلى الاختلاف في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا.
مذهب الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى وجمهور أصحابه، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنفية، واختاره الرازي، والشيخ أبو إسحاق، وابن الحاجب رحمهم الله سبحانه وتعالى أنه شرع لنا.
قال ابن السمعاني: وقد أومأ إليه الشافعي ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى في بعض كتبه.
واستدل لهذا القول بأدلة:
منها قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) فإن ذلك مما استدل به في شرعنا على ثبوت القصاص.
ومنها قراءته صلى الله تعالى عليه وسلم بآية (وأقم الصلاة لذكري) في الكلام على من تذكر صلاة نسيها.
ومنها قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (فبهديهم اقتده).
وقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا).
وذهب جماعة إلى أنه ليس شرعا لنا، واختاره الفخر الرازي والآمدي ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى واستدلوا بقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).
وحكى ابن القشيري وابن برهان ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى قولا بالوقف.
ومحل الخلاف: ما ثبت في شرعنا أنه شرع لهم، كالضمان في قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(وأنا به زعيم) ولم يدل دليل خاص على أنه شرع لنا، ولا على أنه غير شرع لنا.
وذلك هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: في ما شرعا، أي ما ثبت بشرعنا أنه شرع لهم.
أما ما لم يثبت في شرعنا، وإنما علم بخبرهم فليس شرعا لنا اتفاقا، كحرمة الطريفة.
وأما ما ثبت كونه شرعا لنا كالقصاص، فلا خلاف أنه شرع لنا.
وذلك هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ولم يكن داع إليه سمعا.
كما لا خلاف في ما ثبت في شرعنا أنه غير شرع لنا، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين)
وذكر الإمام الشاطبي رحمه الله سبحانه وتعالي - أن كل ما حكي في القرآن الكريم ولم يتعرض لإبطاله فهو حجة، ونصه:
كل حكاية وقعت في القرآن الكريم، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها ـ وهو الأكثر ـ رد لها أو لا.
فإن وقع رد، فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه.
وإن لم يقع معها رد، فذلك دليل صحة المحكي وصدقه.
أما الأول فظاهر، ولا يحتاج إلى برهان، وتلا من ذلك أمثلة كثيرة.
ثم قال رحمه الله سبحانه وتعالى:
وأما الثاني فظاهر أيضا، ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، فإن القرآن الكريم سمي فرقانا، وهدى، وبرهانا، وبيانا، وتبيانا لكل شيء، وهو حجة الله سبحانه
وتعالى على الخلق، على الجملة، والتفصيل، والإطلاق والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ثم لا ينبه عليه.
وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الاولين وأحكامهم، ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه، فهو حق يجعل عمدة عند طائفة في شريعتنا، ويمنعه قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك.
فقد اتفقوا على أنه حق، وصدق، كشريعتنا، ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط، ولو نبه على أمر فيه لكان في حكم التنبيه على الاول، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه)
وقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه)
وكذلك قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) فصار هذا من النمط الأول.
ومن أمثلة هذا القسم، جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقا، كحكايته عن الأنبياء ـ على نبينا وعليهم الصلاة والسلام ـ والأولياء.
ومنه قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع موسى ـ على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقصة أصحاب الكهف وأشباه ذلك.
ولاطراد هذا الأصل اعتمده النظار، فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع، بقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) إذ لو كان قولهم باطلا لرد عند حكايته.
واستدل على أن أصحاب الكهف سبعة، وثامنهم كلبهم، بأن الله سبحانه وتعالى لما حكى من قولهم أنهم (ثلاثة ورابعهم كلبهم) وأنهم (خمسة وسادسهم كلبهم) أعقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى جل من قائل ـ:(رجما بالغيب) أي: ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن، ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئا.
ولما حكى قولهم (سبعة وثامنهم كلبهم) لم يتبعه بإبطال، بل قال سبحانه وتعالى جل من قائل:(قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل) دل المساق على صحته، دون القولين الأولين.
وروي عن ابن عباس ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهما ـ أنه كان يقول: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم.
ثم ساق أمثلة على ذلك.
ومفهم الباطل من كل خبر
…
في الوضع أو نقص من الراوي انحصر
معناه أن كل خبر أوهم باطلا، ولم يقبل التأويل، فهو إما موضوع، أو نَقَص منه بعض الرواة عبارة يزول بها ذلك الإيهام.
قال في النشر: ومن الثاني ما رواه الشيخان عن ابن عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام، فقال:" أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد " قال ابن عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما -: فوهل الناس في مقالته - بفتح الهاء - أي: غلطوا، حيث لم يسمعوا لفظة اليوم، فظنوا انقراض جميع الناس، على رأس مائة سنة، ويوافقه في إثبات لفظة اليوم، حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -:" لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم "
ومعنى منفوسة مولودة، احترز به من الملئكة، وعن إبليس دون ذريته، فإنها مولودة على الصحيح، ويجاب عن الخضر وإلياس ـ على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ بأن المراد من كان ظاهرا مثلكم، ويتصرف تصرفكم.
والوضع للنسيان والترهيب
…
والغلط التنفير والترغيب
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا إلى الأسباب التي يقع لأجلها الوضع.
والمعنى أن من أسباب الوضع النسيان، ومنها الترهيب من المعصية، والترغيب في الطاعة، فقد وضع أقوام أحاديث في فضائل بعض الأعمال، والتنفير من بعض الأمور،
ومنها الغلط بأن يسبق إلى لسان الراوي غير ما أراد، وله أسباب أخرى.
وبعد أن بعث خير العرب
…
دعوى النبوءة انمها للكذب
تصور البيت ظاهر، ومعناه ضروري.
وما انتفى وجوده من نص
…
عند ذوي الحديث بعد الفحص
معناه أن مما يقطع بكذبه من الأخبار، ما لم يوجد في دواوين الحديث، ولا في صدور الرجال، لحكم العادة بكذبه.
وقيل: لا يقطع بذلك لجواز صدقه عقلا، وهذا بعد تدوين الحديث.
وبعض ما ينسب للنبي
…
وخبر الآحاد في السني
حيث دواعي نقله تواترا
…
نرى لها لو قاله تقرُّرا
معناه أن بعض ما يروى على أنه خبر عن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ مكذوب عليه، فقد روي عنه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أنه قال: إنه سيكذب عليه، فإن صح ذلك، فذلك، وإن لم يصح فقد كذب به عليه.
ومما يقطع بكذبه كذلك من الأخبار، ما نقل آحادا، مع توفر الدواعي على نقله تواترا، إما لكونه من أصول الشريعة، كوجوب صلاة سادسة، أو زيادة ركعة في إحدى الصلوات، وإما لكونه أمرا غريبا، كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة، فإن العادة قاضية أن مثل ذلك ينتشر بين الناس.
واقطع بصدق خبر التواتر
…
وسو بين مسلم وكافر
واللفظ والمعنى، وذاك خبر
…
مَنْ عادة كذبهم منحظر
عن غير معقول ........ .......................
التواتر لغة: التتابع، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(ثم أرسلنا رسلنا تترى) قالوا: أي: واحدا بعد واحد.
والمعنى أن من الأخبار التي يقطع بصدقها: خبر التواتر، وهو خبر العدد الذي يستحيل عادة تواطؤه على الكذب، عن أمر محسوس، فهو محصل للعلم الضروري، عند الجمهور.
وقال الكعبي وأبو الحسين البصري إنه نظري.
وقال الغزالي: إنه قسم ثالث، ليس أوليا، ولا كسبيا، بل من قبيل القضايا التي قياساتها معها.
وقال المرتضى والآمدي بالوقف.
ولا فرق في العدد المذكور بين المسلمين والكفار، فلا يشترط فيهم إسلام، ولا عدالة، ولا فرق بين التواتر في اللفظ والتواتر في المعنى، وذلك بأن يختلف خبرهم في المعنى الجزئي، مع توافقهم على معنى كلي، كأن يخبر أحدهم أن زيدا أعطى كذا، ويخبر آخر أنه أعطى كذا، وآخر أنه أعطى كذا لأشياء مختلفة، فالإعطاء بقطع النظر عن متعلقه متواتر عليه في خبرهم، وإن كانت كل واقعة بخصوصها غير متواترة، خلافا لمن اشترط العدالة، ولمن اشترط الإسلام.
وأما خبرهم عن المعقول، فلا يحصل به العلم، لجواز خطإ العدد الكثير في ذلك، كالفلاسفة في اعتقاد قدم العالم.
وأوجِب العدد
…
من غير تحديد على ما يعتمد
وقيل بالعشرين أو بأكثرا
…
أو بثلاثين أو اثني عشرا
إلغاء الاربعة فيه راجح
…
وما عليها زاد فهْو صالح
معناه أن المعول الذي هو مذهب الجمهور أنه لا حد في العدد الذي يحصل بخبره التواتر، بل المدار على حصول العلم، إلا أن الأربعة لا يكتفى بهم، فلا بد من الزيادة عليهم، لاحتياجهم للتزكية في الشهادة بالفاحشة.
وإلى ذلك أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: إلغاء الاربعة فيه راجح.
وجاء عن بعضهم اشتراط أن يكونوا عشرين، وعن بعضهم اشتراط الزيادة على عشرين، وعن بعضهم اشتراط الثلاثين، وعن بعضهم اشتراط اثني عشر، وعن بعضهم اشتراط عشرة، وعن بعضهم اشتراط أربعين وعن بعضهم اشتراط سبعين وعن بعضهم اشتراط ثلاثمائة وبضعة عشر، وقيل غير ذلك، وهي أقوال ضعيفة كلها.
والأقوال المذكورة في البيت مذهبية كما في النشر، ونسب الأول لابن القاسم والثاني
لسحنون والثالث لابن أبي زيد، ونسب الرابع لبعض أهل المذهب رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ.
وأوجِبَنْ في طبقات السند
…
تواترا وفقا لدى التعدد
معناه أنه يشترط في كون الخبر متواترا عند تعدد الطبقات، بلوغ كل طبقة العدد المحصل للعلم، فلا يكون متواترا حتى يتواتر في جميع طبقاته.
ومثال ما تواتر في بعض الطبقات حديث " إنما الأعمال بالنيات "
(1)
وذلك أنه لم يروه عن عمر ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ إلا علقمة، ولا عن علقمة، إلا محمد بن إبراهيم، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم، إلا يحيى بن سعيد، وعنه اشتهر.
ولا يفيد القطع ما يوافق
…
الاجماع، والبعض بقطع ينطق
وبعضهم يفيد حيث عولا
…
عليه .....................
معناه أن الإجماع على مضمون الخبر لا يستلزم صحته عن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ في نفس الأمر، سواء صرح المجمعون بالاستناد إليه أو لا.
فالإجماع إنما يدل على صحة الحكم المجمع عليه في نفس الأمر، للأدلة السمعية الدالة على ذلك، لا صحة مستنده في نفس الأمر، لعدم الدليل على ذلك.
وقيل: إن ذلك يستلزم صحة الحديث في نفس الأمر، إذ الظاهر استنادهم إليه، ولو لم يكن صدقا لكان استنادهم إليه خطأ، والخطأ لا يجوز عليهم.
وقيل: إن صرحوا بالاستناد إليه، اقتضى ذلك صحته في نفس الأمر، وإلا فلا، لاحتمال استنادهم إلى غيره.
وانفه إذا ما قد خلا
مع دواعي رده من مبطل
…
كما يدل لخلافة علي
معناه أن عدم الطعن في صحة الحديث، مع توفر الدواعي على إبطاله، لا يوجب القطع بصدقه، خلافا للزيدية، حيث جعلوا ذلك محصلا للعلم، للاتفاق على قبوله.
(1)
متفق عليه.
ومثال ذلك: قوله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ لعلي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي "
(1)
فدواعي بني أمية على الطعن في هذا الحديث الشريف متوفرة، لاقتضائه خلافة سيدنا علي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - وليس عدم طعنهم فيه، مع سماعهم له آحادا، موجبا للجزم بصحته في نفس الأمر.
كالافتراق بين ذي تأول
…
وعامل به على المعول
معناه أن افتراق العلماء في حديث بين عامل بظاهره، ومؤول له، لا يقتضي القطع بصدقه، خلافا لمن قال بذلك، معللا بالاتفاق على قبوله، لأن الاحتجاج به يستلزم قبوله، وتأويله يستلزم قبوله أيضا.
وأجيب بأن ذلك إنما يستلزم ظنهم صدقه، لا صدقه في نفس الأمر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومذهب الجمهور صدق مخبر
…
معْ صمت جمعٍ لم يخفه حاضر
معناه أن مذهب الجمهور القطع بصدق المخبر، بحضرة جمع يحصل بخبره التواتر، عن أمر محسوس، لا يخفى عليهم عادة، ولم يكذبوه مع سماعهم له، وعدم مانع من تكذيبهم له، لامتناع تواطئهم على الكذب، فسكوتهم في معنى خبرهم، وخبرهم معلوم الصدق، وهذا بين إذا كان ذلك في أمر ديني، ولم يكونوا بحيث يخفى عليهم امتناع السكوت على كذبه، لا سيما إذا كان الموقف موقف بيان، فحصول القطع بسكوتهم في غاية الظهور.
وقيل: لا يفيد إلا الظن، لجواز أن يسكتوا عن تكذيبه لا لشيء، وهو بعيد جدا.
ومودَع من النبي سمْعا
…
يفيد ظنا أو يفيد قطعا
وليس حامل على الإقرار
…
ثَمَّ مع الصمت عن الإنكار
معناه أنه اختلف في المخبر بخبر بمسمع من النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ولم يكذبه، مع عدم موجب لتقريره عليه، وعدم داع يحمل المخبر على الكذب في ما يخبر به، من إكراه ونحوه، أو عناد، هل يوجب الجزم بصدقه؟
(1)
متفق عليه.
قيل: يوجبه، لأنه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ لا يقر أحدا على كذب.
وذهب المتأخرون إلى أنه لا يستلزم ذلك، لأنه إن كان دينيا، فقد يكون سكوته لكونه قد بين ذلك، أو يؤخر بيانه بغير ذلك.
وأورد على أولهما: أن ذلك لا يبيح السكوت عند وقوع المنكر، وعلى الثاني لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وإن كان دنيويا، فقد يكون غير عارف بما عليه الحال في ذلك الشيء، وعورض أيضا.
…
وقيل: يوجب القطع في الديني دون الدنيوي.
وقيل: بالعكس.
وخبر الآحاد مظنون عرى
…
عن القيود في الذي تواترا
معناه أن خبر الآحاد لا يوجب عند صحته من حيث ذاته، إلا الظن، وقد يفيد العلم لقرائن منفصلة.
وهو: ما لم يستجمع شروط المتواتر، بأن لم يتعدد راويه، أو تعدد ولم يكن من الكثرة بحيث يستحيل التواطؤ على الكذب، أو كانوا كذلك، لكن أخبروا عن غير محسوس.
فقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: عرى إلخ تفسير لخبر الآحاد، أي: وخبر الآحاد هو ما لم تتوفر فيه الشروط المشترطة في المتواتر.
والمستفيض منه، وهْو أربعه
…
أقله، وبعضهم قد رفعه
عن واحد، وبعضهم عما يلي
…
وجعله واسطة قول جلي
معناه أن خبر الآحاد مستفيض وغيره، والمستفيض فسره السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى بالشائع عن أصل، أي: إسناد، فخرج الشائع لا عن أصل.
وهو عند ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى: ما زاد نقلته على ثلاثة، وقيل: ما رواه أكثر من واحد، وقيل: ما رواه أكثر من اثنين.
وجعله بعضهم واسطة بين المتواتر والآحاد، فخبر الآحاد يفيد الظن، والمتواتر يفيد العلم الضروري، والمستفيض يفيد العلم النظري.
قال في النشر: قال الفهري - رحمهما الله سبحانه وتعالى: ومثلوه بما تلقته الأمة
بالقبول، وعملت بمقتضاه كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" في الرقة ربع العشر "
(1)
" ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها "
(2)
قال: وجعل المستفيض واسطة، هو الذي عليه شرح عمليات فاس، ولا تشترط فيه العدالة، لأن الاعتماد فيه على القرائن، لا عليها.
وقال ابن عبد السلام رحمه الله سبحانه وتعالى والتوضيح: إن الخبر المستفيض: هو المحصل للعلم، أو الظن القريب منه، وإن لم يبلغ عدد التواتر، وقال ابن عبد الحكم رحمه الله سبحانه وتعالى: المستفيض هو الخبر الحاصل ممن لم يمكن تواطؤهم على باطل، وهذا هو المتواتر المحصل للعلم، واقتصر عليه ابن عرفة والأبي والمواق رحمهم الله سبحانه وتعالى وهذا التفسير أخص، وتفسير ابن عبد السلام أعم منه.
ولا يفيد العلم بالإطلاق
…
عند الجماهير من الحذاق
وبعضهم يفيد إن عدل روى
…
واختير ذا إن القرينة احتوى
معناه أن خبر الآحاد لا يفيد العلم مطلقا، احتفت به القرائن أو لا، ولو كان راويه عدلا، عند جمهور الأصوليين.
وقال ابن خويز منداد رحمه الله سبحانه وتعالى: يفيد العلم إن كان راويه عدلا، وحكاه عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى وقال به الإمام أحمد رحمه الله سبحانه وتعالى وحكاه ابن حزم في كتاب الإحكام عن داوود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث المحاسبي رحمهم الله سبحانه وتعالى قال: وبه نقول، قاله في الإرشاد.
قال: ونقل الشيخ في التبصرة عن بعض أهل الحديث أن منها ما يوجب العلم، كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهم ـ وما أشبهه. واختار ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى أنه يفيد العلم مع القرائن المنفصلة الزائدة على العدالة.
(1)
رواه البخاري من حديث أنس ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ.
والرقة ـ بكسر الراء وتخفيف القاف ـ: الورق.
(2)
متفق عليه.
قال في النشر: ومن خبر الواحد الذي يفيد العلم بقرينة ما أخرجه الشيخان، أو أحدهما، لما احتف به من القرائن:
منها جلالتهما في هذا الشأن.
وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول.
قال ابن حجر رحمه الله سبحانه وتعالى: وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق اهـ
وفي الشهادة وفي الفتوى العمل
…
به وجوبه اتفاقا قد حصل
كذاك جاء في اتخاذ الادويه
…
ونحوها كسفر والاغذيه
معناه أنهم أجمعوا على وجوب العمل بخبر الواحد في أمور:
منها الشهادة، فلا يشترط بلوغ الشهود عدد التواتر، بل يجب العمل بشهادتهم إذا استجمعت الشروط المقررة في الفروع، من العدالة وغيرها.
ومنها الفتوى، فيجب العمل بفتوى المفتي وإن كان واحدا.
وأجمعوا أيضا على جواز العمل به في الأمور الدنيوية، ومثل لذلك باتخاذ الأدوية، فإذا أخبر الطبيب العارف: أن الأمر كذا نافع، من الأمر كذا، من غير اشتمال على مضرة، جاز تعاطي ذلك تقليدا له.
وكذلك تناوله على وجه التغذي به، فإذا أخبر الثقة عن كون الأمر كذا غذاء مأمونا، جاز تناوله تقليدا له، سواء كان مأكولا أو مشروبا.
وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: والاغذيه.
وكذلك أجمعوا على قبول خبره في ما يجهله المسافر، أو مريد السفر، من شأن سفره، ككون الطريق الفلانية إلى البلد كذا مأمونة، ونحو ذلك.
وجاء عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى تعين العمل به في ما ذكر من الشهادة، والفتوى، وغيرها من الأمور الدينية، كالخبر عن دخول الوقت، وفاقا للأئمة الثلاثة، والفقهاء، والأصوليين.
وإلى ذلك أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
ومالك بما سوى ذاك نخع ..........................
ونخع معناه: نطق.
وذهبت الظاهرية إلى عدم وجوب العمل به مطلقا، إذ لا يفيد إلا الظن، والظن منهي عن اتباعه، وذلك عند الجمهور مختص بأصول الدين دون فروعه.
وقال الكرخي رحمه الله سبحانه وتعالى: لا يعمل به في الحدود، كأن يروى به: من باشر أجنبية جلد خمسين سوطا، فلا يعتبر لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وعورض بثبوت موجبها بشهادة الآحاد إجماعا كما تقدم.
وقال قوم: لا يجب العمل به في ابتداء النصب، بخلاف ثوانيها.
وقيل غير ذلك.
ووجوب العمل به قيل: إنه بالسمع فقط، دون العقل، أما السمع فكقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذرو قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فمقتضى الآية قيام الحجة بالطائفة المذكورة، والطائفة لفظ يصدق بالواحد، والفرقة أيضا تصدق بالثلاثة.
وقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فمفهوم الصفة عدم لزوم التبين في نبإ العدل، وبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم الآحاد لبيان الأحكام. وأما عدم اقتضاء العقل ذلك، فلما تقرر من أن الحكم بالشرع لا بالعقل، فالعقل لا يوجب حكما.
وأما اقتضاء توجه الخطاب إلى المكلفين في سائر أعمالهم الاختيارية، واقتصار الشرع في الإعلام على بعث الآحاد، وجوب العمل به، فهو مسلم، لكنه برهان شرعي، فاقتصار الشرع في الإعلام على بعث الآحاد، دليل شرعي، على عدم تعين بعث غيرهم.
وغاية ما في المقام كون وجه الدلالة مستنبطا بالعقل، وذلك لا يجعله عقليا، وإلا كان كل دليل عقليا.
وقيل: وجوب العمل به بالعقل، فلو لم يجب العمل به، لتعطلت وقائع الأحكام
المروية آحادا، وهي كثيرة جدا، واللازم باطل، فكذلك الملزوم.
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: الملازمة في المقدمة الأولى، ممنوعة، لأن الحكم في ما لا دليل فيه نفي الحكم، إذ عدم الدليل مدرك شرعي لعدم الحكم، لما ورد الشرع بأن ما لا دليل فيه، لا حكم فيه، وللإجماع على ذلك، وحينئذ لم يلزم إثبات حاكم غير الشرع، وهذا هو وجه ضعف هذا المذهب، على أن بعضهم قال: لا مانع من التزام خلو وقائع من الحكم عقلا.
وما ينافي نقل طيبة منع
…
إذ ذاك قطعي ...........
معناه أن خبر الواحد، إذا عارضه عمل أهل المدينة المنورة بأنواره ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ من الصحابة والتابعين، وجب تركه، والأخذ بعمل أهل المدينة، لأنه قطعي، وخبر الواحد ظني.
وهذا في ما كان طريقه النقل، وهذا أمر متفق عليه عند أهل المذهب، قال القاضي عياض رحمه الله سبحانه وتعالى في المدارك: فإن كان إجماعهم من طريق النقل، ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا، ولا الالتفات إليه، إذ لا يترك القطع واليقين، لغلبات الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه الخلاف، كما ظهر هذا للمخالف المنصف فرجع، وهذه نكتة مسألة الصاع، والمد، والوقوف
(1)
، وزكاة الخضروات، وغيرها اهـ
وكأنه يعني بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: كما ظهر للمخالف المنصف إلخ ما جاء من أن الإمام مالكا قال لأبي يوسف - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما - لما سأله عن الصاع، والمد، وأمر أهل المدينة المنورة بإحضار صيعانهم، وذكروا له إسنادها عن أسلافهم: أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون؟
فقال: لا، والله ما يكذبون.
قال: فأنا حررت هذه الصيعان، فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق.
(1)
يعني الأحباس.
فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
وسأله عن صدقة الخضروات، فقال: هذه مباقيل أهل المدينة المنورة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ولا أبي بكر ولا عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ فقال: رجعت، يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع.
وسأله عن الأحباس فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، فقال: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
ولو قيل: إن كل ما تعم به البلوى، مما هو من الأمور الظاهرة التي لا تخفى، من هذا القبيل، لكان وجيها، وقد نص ابن القيم رحمه الله سبحانه وتعالى في الكلام على حديث القلتين على أن عمل أهل المدينة المنورة بخلاف ذلك من باب النقل المتواتر الذي لا يجوز العدول عنه لأخبار الآحاد.
وحكى جماعة من أهل العلم الإجماع على تقديم هذا النوع من عمل أهل المدينة على أخبار الآحاد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومثل أخبار الآحاد في ما ذكر الأقيسة، كما نص عليه القاضي عياض ـ ر حمه الله سبحانه وتعالى في المدارك، وابن عرفة رحمه الله سبحانه وتعالى في مبحث القضاء من مختصره الفروعي.
ونص القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى: فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه، حجة يلزم المصير إليه، ويترك ما خالفه من خبر واحد، أو قياس، فإن هذا النقل محقق معلوم، موجب للعلم القطعي، فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون اهـ
وإن رأيا ففي
…
تقديم ذا أو ذاك خلف قد قفي
معناه أنه اختلف في خبر الواحد، إذا عمل أهل المدينة المنورة بخلافه، عن اجتهاد منهم.
فقيل: يقدم خبر الواحد، لأنهم بعض الأمة، ولا حجة إلا في إجماع الأمة، وهو قول أكثر البغداديين.
وقيل: يقدم عمل أهل المدينة المنورة في ذلك، على خبر الواحد.
قال في النشر: ومحل الخلاف خبر لا ندري هل بلغ أهل المدينة أو لا؟
والمختار عدم التمسك بالآحاد حينئذ، لأن الغالب عدم خفاء الخبر عليهم، لقرب دارهم، وزمانهم، وكثرة بحثهم عن أدلة الشريعة، أما ما بلغهم ولم يعملوا به، فهو ساقط قطعا، وما علم أنه لم يبلغهم فمقدم على عملهم قطعا اهـ
كذاك في ما عارض القياسا
…
روايتا من اَحكم الأساسا
معناه أنه جاء عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى في عمل أهل المدينة المنورة إذا عارضه القياس روايتان أيهما يقدم.
قال في النشر: ويبنى عليه الخلاف في جريان القصاص في الأطراف، بين الحر والعبد، والمشهور عدم جريانه، وبه قال الفقهاء السبعة، وعنه قول آخر بجريانه، وهو مقتضى القياس، لكن المشهور تقديم القياس اهـ
وقد نقل حكاية هذا الخلاف الزركشي في البحر عن الإبياري ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى.
وقد كفى من غير ما اعتضاد
…
خبر واحد من الآحاد
معناه أنه لا يشترط في وجوب العمل بخبر الآحاد، تعدد راويه، ولا اعتضاده، كأن يعمل به بعض الصحابة، أو ينتشر فيهم، خلافا للجبائي، لأن أبا بكر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أعطى الجدة السدس، وقال: هل معك غيرك؟
فوافقه محمد بن مسلمة الأنصاري - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - فأنفذه أبو بكر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه – لها
(1)
.
ولم يقبل عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - خبر أبي موسى الأشعري - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم
(1)
رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة والإمام مالك والإمام أحمد، وهو خبر صحيح.
يؤذن له فليرجع "
(1)
وقال: أقم عليه البينة، فوافقه أبو سعيد الخدري - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - فقبل ذلك عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -.
ويقوم مقام التعدد الاعتضاد.
وأجيب بأن طلب التعدد ليس لعدم قبول الواحد، بل للتثبت، كما قال عمر - رضي الله سبحانه وتعالى في خبر الاستئذان: إنما سمعت شيئا، فأحببت أن أتثبت.
والجزم من فرع وشك الاصل
…
ودع بجزمه لذاك النقل
وقال بالقبول إن لم ينتف
…
أصل من الحديث شيخ مقتفي
وليس ذا يقدح في العداله
…
كشاهد للجزم بالمقاله
قوله: والجزم من فرع وشك الأصل، الجزم فيه بالرفع، معطوف على لفظ: خبر في البيت قبله، والواو في: وشك، بمعنى مع، أي: وكفى الجزم من فرع مع شك الأصل.
والمعنى أن شيخ الراوي الذي يروي عنه الخبر، إذا شك في روايته عنه، بأن كان لا يتذكر كونه من مروياته، فذلك لا يمنع من قبول روايته، إذا كان الراوي لا يشك في أنه رواه عنه، وهو عدل، ويحمل شك الشيخ على عروض النسيان، كما يقع كثيرا.
قال في النشر: وقد روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم - أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قضى بالشاهد واليمين
(2)
ونسيه، فكان يقول: حدثني ربيعة عني، ولم ينكر عليه أحد.
ونقل مثله عن الزهري رحمه الله سبحانه وتعالى.
وهذا قول الأكثر من أصحاب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأبي حنيفة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم -.
قال في الحلي: وقد ألف الدارقطني رحمه الله سبحانه وتعالى كتابا سماه المؤتسي في من حدث ونسي.
(1)
متفق عليه.
(2)
قضاء النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ بالشاهد واليمين، ثابت رواه مسلم من حديث ابن عباس ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهما ـ وحديث أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة، وهو حديث حسن.
قوله: ودع بجزمه لذاك النقل، معناه أن الأصل إذا جزم بعدم رواية الفرع عنه الخبر، سقط، ولم يجز العمل به، وقد حكى الاتفاق على ذلك ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى وحكى الصفي الهندي الإجماع فيه.
واختار التاج السبكي وفاقا للسمعاني ـ رحمهما الله سيحانه وتعالى ـ عدم السقوط.
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: وجه المختار: أن الفرع عدل ضابط، إلى آخر شروطه، وقد تقدم أنه يجب العمل بخبره، والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلا أيضا إلخ، لكنه كذَّب عدلا، وتكذيب العدل خلاف الظاهر.
فإن قلت: يلزم أن يكون الأصل كاذبا، وهو أيضا عدل، فيكون خلاف الظاهر.
قلت: لا، بل هو الظاهر، لأنه كذب في التكذيب للفرع العدل، وقد عرفت أنه خلاف الظاهر، فيكون كذب الأصل هو الظاهر، إلا أنه لعدالته يحمل على النسيان اهـ
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وقال بالقبول البيت، إلى ما ذكره أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى من التفريق بين أن يقول الأصل: هذا الحديث في روايتي، لكن لم يروه عني، وأن يقول: لم أرو هذا الحديث قطعا، فيقبل في الأول، ويسقط في الثاني.
ونصه في كتاب الإشارة: وأما إذا قطع أنه لم يحدثه به، فهو على ضربين:
أحدهما أن يقول هو في روايتي، ولم أحدث به الراوي، فهذا لا يمنع وجوب العمل به من جهة المروي عنه، وأما إذا قال: لم أروه قط، فهذا لا يجوز الاحتجاج به جملة، لأن المروي عنه إن كان كاذبا، فقد بطل الخبر من جهته، وإن كان صادقا، فقد بطل الخبر أيضا، لأنه لم يروه اهـ
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وليس ذا يقدح في العداله، إلى أن ما ذكر من تكذيب الأصل الفرع، لا يقدح في عدالة واحد منهما اتفاقا، ومن ثم لو اجتمعا في شهادة أو رواية قبلا، فأولى إذا انفرد أحدهما، لأن ذلك وإن كان يستلزم كون أحدهما كاذبا، إلا أن الظاهر عدم تعمده، والكذب خطأ لا يجرح به باتفاق.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: كشاهد إلخ، إلى أن ذلك مثل اختلاف شهادة
الشهود، بأن يشهد بعضهم بشيء ويشهد بعض بخلافه، فذلك لا يقدح في عدالتهم، وإن تعذر الجمع.
ومثل في النشر أيضا، بمسألة اليمين التي أشار إليها سيدي خليل رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: فلو حلف اثنان على النقيض، كإن كان هذا غرابا، أو لم يكن، فإن لم يدعيا يقينا طلقتا.
قال في نثر الورود: ويستأنس لهذه المسائل بمسألة اللعان، حيث جاء القرآن بقبول أيمان الزوجين، وسقوط الحد عنهما، مع أنا نقطع بأن أحدهما كاذب، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم:" الله يعلم بأن أحدكما لكاذب "
(1)
والكاذب منهما يلزم على كذبه حد من حدود الله سبحانه وتعالى اهـ
وكذلك ما هو معلوم من تجويز ظالمية المحكوم له في الخصومات والله سبحانه وتعالى أعلم.
والرفعُ والوصلُ وزيْدُ اللفظ
…
مقبولةٌ عند إمام الحفظ
إن أمكن الذهول عنها عاده
…
إلا فلا قبول للزياده
وقيل: لا، إن اتحاد قد علم
…
والوفق في غير الذي مر رسم
المراد بإمام الحفظ: إمامنا مالك رحمه الله سبحانه وتعالى والمعنى أن الرواة إذا اختلفوا في الحديث بالرفع إلى النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ والوقف على الصحابي، فرواية الرفع مقدمة على رواية الوقف، عند الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى.
وكذلك إذا اختلفوا فيه بالوصل والإرسال، فرواية الوصل مقدمة.
وكذلك إذا زاد بعضهم على بعض لفظا، أو ألفاظا، فإن رواية من زاد يؤخذ بها أيضا، إن أمكن ذهول التاركين لتلك الزيادة عنها عادة، كما لو انفرد بخبر.
فإن كان التاركون من الكثرة بحيث تمنع العادة ذهولهم عنها، لم تقبل.
وقيل: لا تقبل مطلقا، لجواز خطإ الزائد، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
(1)
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للمتلاعنين: " أحدكما كاذب، فهل منكما تائب " متفق عليه.
وقيل لا.
وقيل بالوقف، وقيل غير ذلك.
ومحل الخلاف إن علم اتحاد المجلس، كما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: إن اتحاد قد علم، فإن علم اختلافه، أو جهل ذلك، قبلت اتفاقا، وهو مراده رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: والوفق في غير الذي مر رسم.
وممن صرح بالاتفاق ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى في المختصر، ونصه: إذا انفرد العدل بزيادة، والمجلس واحد، فإن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة، لم تقبل، وإلا فالجمهور تقبل، وعن الإمام أحمد رحمه الله سبحانه وتعالى روايتان، لنا: عدل جازم، فوجب قبوله، قالوا: ظاهر الوهم، فوجب رده، قلنا: سهو الإنسان بأنه سمع ولم يسمع بعيد، بخلاف سهوه عما سمع، فكثير، فإن تعدد المجلس قبل باتفاق، وإن جهل، فأولى بالقبول، ولو رواها مرة، وتركها مرة، فكروايتين اهـ
والتعليل بجواز سكوته ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ عنها في مجلس، يقتضي أن المراد الزيادة التي لا يترتب عليها تغير في المعنى ـ وإن كانت زيادة في المعنى ـ وهو مقتضى تعليل المسألة الآتية، فما في بعض الشروح هنا من التمثيل بحديث " قوموا إلى سيدكم "
(1)
لعله محل نظر.
وللتعارض نُمي المغيِّر
…
وحذف بعض قد رآه الاكثر
دون ارتباط، وهْو في التأليف
…
يسوغ بالوفق بلا تعنيف
قوله: وللتعارض نمي المغير، معناه أن ما تقدم من قبول زيادة الراوي، محله إذا لم يتغير بها الإعراب، فإن تغير بها الإعراب، كانا خبرين متعارضين، قال المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى: لاختلاف المعنى حينئذ، كما لو روي في حديث الصحيحين فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر إلخ: نصف صاع، خلافا لأبي عبد الله البصري.
(1)
متفق عليه.
وقوله: وحذف بعض قد رآه الاكثر دون ارتباط، معناه أنه يجوز عند الأكثر حذف بعض الحديث، بأن يقتصر على بعضه، حيث لم يكن هناك ارتباط في المعنى بين المذكور والمسكوت عنه، كأن يقتصر في حديث " هو الطهور ماؤه الحل ميتته "
(1)
على الجملة الأولى.
وقيل: لا يجوز، إذ قد يكون للاجتماع أثر في المعنى، ينعدم بالتفريق.
وفي المسألة أقوال أخرى مفصلة.
فإن كان هناك ارتباط في المعنى، كالاستثناء، والغاية، والشرط، امتنع، وقد حكى الاتفاق على منعه الصفي الهندي وابن الأنباري ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى.
كأن يقتصر في حديث نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو،
(2)
على ما قبل حتى.
وكأن يقتصر في حديث " تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك "
(3)
على الجملة الأولى.
قوله: وهو في التأليف إلخ، معناه أن الاقتصار على بعض الحديث عند عدم ارتباط المقتصر عليه، بالمسكوت عنه، جائز في التأليف اتفاقا، وقد فعله الأئمة الأعلام، كالإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام البخاري، وغيرهم رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ.
بغالب الظن يدور المعتبر
…
فاعتبر الإسلام كل من غبر
معناه أن الاعتبار في قبول الخبر، دائر مع غلبة الظن بصدقه، فكل ما يخل بذلك مسقط له، كالكفر، والفسوق، وانخرام المروءة، ولذلك قال: فاعتبر الإسلام كل من غبر.
والمعنى أنه يشترط في قبول الخبر: إسلام الراوي، فلا تقبل رواية كافر، ولو كان يحرِّم الكذب، أو علم منه توخي الصدق، والتحفظ من الكذب، إذ لا يؤمن خروجه عن معتاده، لضعف الوازع، ولأن منصب الرواية منصب شريف، لنفوذه على جميع المسلمين، وكيف
(1)
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام مالك والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(2)
متفق عليه.
(3)
أصل الحديث متفق عليه عن البراء بن عازب ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ في تضحية خاله أبي بردة بن نيار ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ بعناق، وهذا اللفظ لم أقف عليه.
يثبت به ما هو كافر بأصله ومبناه؟
وكالرواية في ما ذكر الشهادة، وجاء عن الحنفية قبول شهادة الذمي على الذمي، وشهادته في الوصية لقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(أو آخران من غيركم)
وفاسق وذو ابتداع إن دعا
…
أو مطلقا رد لكل سمعا
معناه أن الفاسق مردود الرواية، قال في النشر: إلا إذا كان يعتقد أنه على صواب لمستند عنده، ونحن نظن بطلان ذلك المستند، ولا نقطع به اهـ
وقال في جمع الجوامع: ويقبل من أقدم جاهلا على مفسق مظنون، أو مقطوع في الأصح اهـ
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: جهلا يعذر به، بأن قرب إسلامه، أو نشأ بعيدا عن العلماء اهـ
قوله: وذو ابتداع إن دعا، أو مطلقا، معناه أن المبتدع مردود الرواية مطلقا، في ما ذهب إليه القاضي، واختاره الإبياري، وابن الحاجب رحمهم الله سبحانه وتعالى ونسب للأكثر، كما في النشر.
وقيل: إنما ترد روايته إن كان يدعو إلى بدعته، فإن كان لا يدعو إلى بدعته قبلت روايته، ونسبه السبكي للإمام مالك - رحمهما الله سبحانه وتعالى ورجحه ابن الصلاح والنووي - رحمهما الله سبحانه وتعالى ونسباه للكثير أو الأكثر كما في النشر أيضا.
…
ومحل الخلاف إذا كان لا يجيز الكذب، فإن أجازه سقط اتفاقا.
قال ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى في المختصر: والمبتدع بما يتضمن التكفير، كالكافر عند المكفر، وأما عند غير المكفر فكالبدع الواضحة، وما لا يتضمن التكفير إن كان واضحا، كفسق الخوارج ونحوه، فرده قوم، وقبله قوم، والراد:(إن جاءكم فاسق بنبإ) وهو فاسق، القابل: نحن نحكم بالظاهر، والآية أولى لتواترها، وخصوصها بالفاسق، وعدم تخصيصها، وهذا مخصص بالكافر والفاسق المظنون صدقهما باتفاق، قالوا: أجمعوا على قبول قتلة عثمان - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - ورد بالمنع، أو بأنه مذهب بعض، وأما نحو خلاف البسملة، وبعض الأصول، وإن ادعي القطع فليس من ذلك، لقوة
الشبهة من الجانبين، وأما من يشرب النبيذ، ويلعب بالشطرنج ونحوه، من مجتهد، ومقلد، فالقطع أنه ليس بفاسق، وإن قلنا المصيب واحد، لأنه يؤدي إلى تفسيق بواجب، وإيجاب الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى الحد لظهور أمر التحريم عنده اهـ
كذا الصبي، وإن يكن تحمُّلُ
…
ثم أداً بنفْي منعٍ، يقبلُ
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: كذا الصبي، تشبيه بالفاسق والمبتدع، والمعنى أن الصبي لا تقبل روايته ـ ولو عُرف بالصدق والصلاح ـ لعلمه بعدم خطابه، فلا يؤمن أن يجنح عن الصدق لسبب.
وقيل: يقبل الصدوق الصالح، وأما المعروف بالكذب، فلا خلاف في سقوط خبره.
قوله: وإن يكن تحمل ثم أدا بنفي منع يقبل، معناه أن ما ذكر من الإسلام، والعدالة، والبلوغ، إنما يشترط الاتصاف به حال الأداء، فإذا كان التحمل مع الكفر، أو الفسوق، أو الصبوة، وأدَّى وهو عدل، قبلت روايته على المعول، وهو مذهب الجمهور، كرواية رسول هرقل ـ أو قيصر ـ بعد إسلامه ما تحمل وهو كافر.
وكرواية ابن عباس والحسنين ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين ـ.
وقيل: لا تقبل رواية الراوي حتى يكون عدلا وقت التحمل، عدلا وقت الأداء، لأن ما ذكر من الكفر، والفسوق، والصبوة، مظنة عدم الضبط.
وأجيب بأن عدالته تمنع رواية ما لا يستيقنه.
من ليس ذا فقه، أباه الجيل
…
وعكسه أثبته الدليل
معناه أن الفقه شرط في قبول رواية الراوي على المنقول عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى فلا تقبل رواية غير الفقيه، مخافة أن تكون روايته بالمعنى، فيروي على ما يفهم، ولا يؤمن أن يفهم غير الفقيه الكلام على خلاف المقصود منه.
واشترط الحنفية فقه الراوي إذا كان مرويه يخالف القياس، كحديث المصراة
(1)
.
قوله: وعكسه أثبته الدليل، أشار به رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أن عدم اشتراط فقه
(1)
"لاتصروا الإبل والغنم للبيع، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين من بعد أن يحلُبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" متفق عليه.
الراوي ثابت بالدليل، كحديث " رب حامل فقه ليس بفقيه "
(1)
والعدالة تمنع من التصرف في اللفظ إلا بشروطه، فيؤمن التغير.
قال في كشف النقاب: قال بعض الشراح: ما قاله الإمام مالك - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - مؤول بما إذا لم يكن الراوي ضابطا لما رواه، وقال القاضي عياض رحمه الله سبحانه وتعالى في الإكمال: لا يشترط في رواية الثقة عندنا وعند المحققين من الفقهاء، والأصوليين، والمحدثين، كون المحدث من أهل العلم والفقه، بل يشترط ضبطه لما رواه خاصة.
وقال القاضي عبد الوهاب رحمه الله سبحانه وتعالى في الملخص: لا يرد الخبر لكون الراوي لا يعرف معناه، ولا يدري المراد به، ولا يشترط علمه بمعناه، وإنما المشترط صدقه في الرواية اهـ
ولعل المراد بالفقه المشاركة القوية، كما هو ظاهر بعض ألفاظ الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى.
ومن له في غيره تساهل
…
ذو عجمة، أو جهْل منمى يقبل
كخلفه لأكثر الرواة
…
وخلفه للمتواترات
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا إلى قول القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في التنقيح:
قال الإمام فخر الدين رحمه الله سبحانه وتعالى: ولا يخل بالراوي تساهله في غير الحديث، ولا جهله بالعربية، ولا الجهل بنسبه، ولا مخالفة أكثر الأمة لروايته، وقد اتفقوا على أن مخالفة الحفاظ لا تمنع من القبول، ولا كونه على خلاف الكتاب العزيز اهـ
ومعنى قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ومن له في غيره تساهل، أن من يتساهل في غير الحديث، ويتشدد في الحديث، تقبل روايته، لأمن الخلل.
وقيل: لا تقبل روايته مطلقا، إذ لا يؤمن أن يتساهل في الحديث لعادته، والتساهل كالتحمل مع مشوش على الراوي، أو الشيخ.
(1)
رواه أبو داوود والترمذي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
وقوله: ذو عجمة، معناه أن رواية العجمي، مقبولة، فلا يشترط في الراوي العلم بالعربية، قال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح التنقيح: عدالته تمنعه أن يروي إلا كما سمع، وعلى إعرابه وصورته، وأنه متى شك في شيء تركه، هذا كله أثر العدالة، وهي موجودة فيكتفى بها اهـ
وقوله: والذي قد جهلا نسبه، معناه أن رواية مجهول النسب مقبولة أيضا، فالعبرة بثبوت العدالة.
وقوله: كخلفه لأكثر الرواة، معناه أن مخالفة الراوي في روايته لأكثر الرواة، لا تقدح فيه، لأنه قد ينفرد بما لم يطلعوا عليه، قاله في شرح التنقيح.
قوله: وخلفه للمتواترات، معناه أن مخالفة رواية الراوي، للمتواتر من كتاب أو سنة، غير قادحة فيه أيضا.
وكثرة، وإن لُقِيٌّ يندر
…
في ما به تحصيله لا يحظر
معناه أن الإكثار من الرواية، لا يقدح في الراوي ـ وإن قلت مخالطته للمحدثين ـ إذا أمكن تحمل الذي يرويه في زمن مخالطته لهم، فإن لم يمكن سقطت روايته جملة، لظهور كذبه، وسقوط عدالته.
قال في النشر: وأما الإقلال من الحديث، فقال المازري رحمه الله سبحانه وتعالى: إذا لم يرو من الحديث إلا حديثا واحدا، فالذي عليه المحققون أن ذلك لا يقدح في روايته، وربما أنكر بعض المحدثين روايته، لأن إقلاله يدل على عدم اهتمامه بدينه، وذلك قادح فيه.
عدل الرواية الذي قدَ اَوجبوا
…
هو الذي من بعد هذا يجلب
والعدل من يجتنب الكبائرا
…
ويتقي في الاغلب الصغائرا
وما أبيح وهْو في العيان
…
يقدح في مروءة الإنسان
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بهذه الأبيات، إلى بيان عدالة الرواية، المشترطة في قبول رواية الراوي، في غير التواتر، فذكر أنها اتقاء الكبائر جملة، والصغائر غالبا، والرذائل
جملة ـ ولو مباحة
(1)
ـ كالبول في الطريق، والأكل في السوق، لغير سوقي، والحرف الدنيئة، كالدباغة، والحياكة، لغير ضرورة.
والإصرار على الصغيرة في معنى الكبيرة، والكبيرة اختلف فيها على أقوال كثيرة، قال ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى: وقد اضطرب في الكبائر، فروى ابن عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما - الشرك بالله سبحانه وتعالى، وقتل النفس، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد في الحرم.
وزاد أبو هريرة - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - أكل الربا.
وزاد علي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - السرقة، وشرب الخمر.
وقيل ما توعد الشارع عليه بخصوصه اهـ
وذو أنوثة، وعبد، والعدا
…
وذو قرابة خلاف الشهدا
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا إلى ما يختلف فيها الرواي عن الشاهد، وهو أمور:
منها الذكورة، فالراوي لا تشترط فيه الذكورة مطلقا، بخلاف الشاهد، فإنها تشترط فيه غالبا.
ومنها الحرية، فهي غير مشترطة في الراوي مطلقا، وتشترط في الشاهد مطلقا.
ومنها السلامة من العداوة والقرابة، فهي شرط في الشاهد مطلقا، فلا تقبل شهادة الشاهد لقريبه قرابة متأكدة، ولا شهادته على عدوه، بخلاف الراوي، فتقبل روايته للخبر الذي يقتضي حكما على عدوه، أو حكما لقريبه ـ مثلا ـ.
ولا صغيرة مع الإصرار
…
المبطل الثقة بالأخبار
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أن الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار عليها، وهو
(1)
وفي البهجة للتسولي رحمه الله سبحانه وتعالى أن المباح الخسيس، إنما تشترط السلامة منه غالبا، لا دواما.
المداومة، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى: اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب:
منها الإصرار والمواظبة، ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، فقطرات من الماء تقع على الحجر على توال، فتؤثر فيه، فكذلك القليل من السيئات إذا دام، عظم تأثيره في إظلام القلب اهـ
ونقل في الموافقات عنه - أعني أبا حامد رحمهما الله سبحانه وتعالى أن الذنوب الغالبة في الناس على الخصوص، كالتكاسل عن تعليم الأهل، والولد، وسب الولد، والغلام، وضربهما بحكم الغضب، زائدا على حد المصلحة، يجري دوامها، مجرى الفلتات، فلا تقدح في العدالة اهـ
فدع لمن جُهل مطلقا، ومن
…
في عينه يجهل، أو في ما بطن
معناه أن الراوي المجهول، مردود الرواية، والجهل نوعان:
جهل الحال، وجهل العين.
وجهل الحال نوعان أيضا:
مجهول الحال ظاهرا وباطنا، ومجهول الحال باطنا فقط، بأن كان عدلا في الظاهر، مجهول الحال في الباطن.
أما أولهما فمردود، قال في جمع الجوامع: إجماعا، وحُكي فيه خلاف، وكأن المراد إجماع من يعتد بقوله.
وأما الثاني فمذهب الجمهور عدم قبوله، وجاء عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى أنه يقبل ما لم يعلم الجرح.
وذكر الأصفهاني رحمه الله سبحانه وتعالى أن المتأخرين من الحنفية قيدوا القول بالقبول، بصدر الإسلام، لغلبة العدالة على الناس إذ ذاك.
قالوا: وأما المستور في زماننا، فلا يقبل، لكثرة الفساد، وقلة الرشاد.
وقال الجويني رحمه الله سبحانه وتعالى بالوقف إذا روى التحريم إلى ظهور حاله.
ومجهول العين هو: من لم يرو عنه إلا واحد، ومذهب الجمهور أنه لا يقبل، وقال ابن
عبد البر رحمه الله سبحانه وتعالى إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل، كابن مهدي، وابن معين، ويحيى القطان، ارتفعت عنه الجهالة العينية.
وقال أبو الحسين بن القطان: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل، مع روايته عنه، وعمله بما رواه، قبل، وإلا فلا.
وهذا هو ظاهر تصرف ابن حبان في ثقاته، فإنه يحكم برفع الجهالة برواية واحدة، وحكي ذلك عن النسائي أيضا، قاله في الإرشاد.
فإذا روى عن الراوي اثنان ارتفعت جهالة العين، وبقيت جهالة الحال، حتى تثبت عدالته.
وجهالة العين لا تضر في الصحابي، بل لا يضر عدم ذكر اسمه، فإذا قال: عن رجل من أصحاب النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قبل، لأن الصحابة كلهم عدول.
ومثبت العدالة اختبار
…
كذاك تعديل والانتشار
وفي قضا القاضي وأخذ الراوي
…
وعمل العالم أيضا ثاو
وشرط كل أن يرى ملتزما
…
ردا لمن ليس بعدل علما
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا إلى ما تعرف به عدالة الراوي، فذكر من ذلك الاختبار بالمخالطة حضرا وسفرا، والمعاملة أخذا وإعطاء، مما يُطْلع على خفايا الأخلاق، ودسائس النفوس.
وتعرف أيضا بالتزكية، وهي وصف العدول المبرزين له بصفات العدل.
وتعرف بانتشار الأخبار بعدالته، بأن يتواتر ذلك أو يستفيض.
وتعرف بالتزكية الضمنية بأن يحكم الحاكم بشهادته، ما لم يحتمل كونه حكم بعلمه.
وتعرف بأخذ الراوي عنه إن كان لا يأخذ إلا عن العدول، سواء صرح بذلك، أو علم من عادته.
وتعرف بعمل العالم الذي لا يقبل رواية غير العدول بروايته.
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: وشرط كل البيت، معناه أن محل تضمن هذه الأمور الثلاثة المذكورة في البيت قبل، التزكية، إذا كان المذكورون لا يعبؤون في ذلك
بغير العدول، وإلا لم يستلزم تعديلا.
وذكر ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى الاتفاق على تضمن حكم الحاكم بشهادته التعديل، وهو ظاهره أيضا في عمل العامل، وصرح به الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
ونص ابن الحاجب في المختصر: حكم الحاكم المشترِطِ العدالةَ بالشهادة، تعديل باتفاق، وعمل العالم مثله، ورواية العدل، ثالثها المختار: إن كانت عادته أنه لا يروي إلا عن عدل اهـ
والجرح قَدِّم باتفاق أبدا
…
إن كان من جرح أعلى عددا
وغيره كهْو بغير مين
…
وقيل بالترجيح في القسمين
معناه أنه إذا اختلف في عدالة الراوي، فزكاه قوم، وجرحه قوم، فذلك على ثلاثة وجوه:
وذلك أن الجارح له إما أن يكون أكثر من المعدل، أو مساويا، أو أقل.
أما القسم الاول، فيقدم فيه الجرح، قال السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: إجماعا.
والمعول في الثاني، والثالث، تقديم الجرح، لاطلاع القائل بجرحه على ما لم يطلع عليه القائل بالعدالة.
وحكى المحلي والقرافي - رحمهما الله سبحانه وتعالى قولا بتقديم التعديل في أكثرية المعدل.
وجاء عن ابن شعبان - رحمهما الله سبحانه وتعالى من أصحابنا أنه يصار فيهما للترجيح.
وهذا ما لم يكن الجرح بأمر معين، ينفيه المعدل جزما، كقوله: قتل فلانا، فيقول: المعدل هو حي.
كلاهما يثبته المنفرد
…
ومالك عنه رُوِي التعدد
وقال بالعدد ذو درايه
…
في جهة الشاهد لا الروايه
اختلف هل لا بد في ثبوت عدالة الشاهد والراوي، وجرحهما، من شهادة اثنين بذلك، أو يكفي الواحد، أو يفرق، فيكتفى بالواحد في الراوي، دون الشاهد، لكفاية الواحد في الرواية، دون الشهادة، وهو أبين الأقوال، ونسبه ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى للأكثر، ونصه: الأكثر أن الجرح والتعديل يثبت بقول الواحد في الرواية دون الشهادة، وقيل: لا، فيهما، وقيل: نعم، فيهما.
الأول: شرط، فلا يزيد على مشروطه، كغيره، قالوا: شهادة، فيتعدد، وأجيب بأنه خبر، قالوا: أحوط، أجيب بأن الآخر أحوط، والثالث ظاهر اهـ
وما ذكره الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى من اشتراط التعدد عن الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى ذكر في النشر أنه بالنص في الشهادة، ومقتضى القياس في الرواية، على ما قال الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى ونقل عن حلولو ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه قال: لا يحسن أن يقال: التزكية في حق الشاهد شهادة، وفي حق المخبر خبر، لأن معقول الشهادة فيهما على حد واحد، هو الإنباء بأمر يختص بالمشهود له أو عليه، فالصواب إذا أن لا فرق اهـ والله سبحانه وتعالى أعلم.
وليس ببين جدا.
شهادةٌ: الاخبار عما خص إن
…
فيه ترافع إلى القاضي زكن
وغيره رواية ................. ..........................
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى الفرق بين الرواية والشهادة.
فذكر أن الشهادة هي: الإخبار عن خاص، يقع فيه الترافع إلى القضاة، سواء كان الإخبار عن كونه لخاص ـ أيضا ـ ككون زيد طلق حفصة، أو باع بعيره لعمرو، أو لعام، كما لو أخبر أن الدار الفلانية وقف على عموم المسلمين، كما نبه عليه الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى
(1)
.
ولما قيد الإخبار عن الخاص، بإمكان الترافع، علم أن الإخبار عنه من حيث الترافع،
(1)
وبه يعلم عدم ورود مثل الصورة الثانية على الحد، فكون المشهود له عاما، لا ينافي كون الخبر عن خاص.
فيكون الإخبار عنه بخصوص آخر، وهو كونه في الواقع للمدعي، بخلاف الخصوص الأول، فإنه من حيث الدعوى به، فلا يرد الدعوى والإقرار، فإن الأولى إخبار باختصاص المدعى به بالمدعي، والثاني إخبار باختصاص المقر به، بالمقر له، وليس فيه قبل الإقرار جهة خصوص قاله الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى –.
وأما الرواية فهي الإخبار عن عام، نحو:" الصلاة نور"
(1)
أو عن خاص لا يقع فيه الترافع، كبشارة العشرة المعروفين من أصحابه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بالجنة.
والصحب
…
تعديلهم كل إليه يصبو
واختار في الملازمين دون من
…
رآه مرة إمام مؤتمن
قوله: والصحب البيت، معناه أن الصحابة كلهم عدول، فلا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، حكى ذلك ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى عن الأكثرين، قال القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى: هو قول السلف، وجمهور الخلف، وقال الجويني رحمه الله سبحانه وتعالى: بالإجماع، قال السيوطي رحمه الله سبحانه وتعالى:
وهم عدول كلهم لا تشتبه
…
ألنووي: أجمع من يعتد به
وذلك لما ورد من العمومات المقتضية لتعديلهم، وبراءتهم عن المطاعن.
قال الجويني رحمه الله سبحانه وتعالى: ولعل السبب في قبولهم من غير بحث عن أحوالهم، أنهم نقلة الشريعة، ولو ثبت التوقف في روايتهم، لانحصرت الشريعة على عصر الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولما استرسلت على سائر الأعصار.
والمعول في حد الصحابي أنه كل من اجتمع بالنبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - اجتماعا متعارفا، وهو مؤمن به، ولو حكما، كالصبي المحكوم له بالإسلام، ذكرا كان أو أنثى، وإن لم يرو عنه شيئا، ولم يغز معه، ولم يطل اجتماعه به.
خلافا لمن اشترط الرواية وطول الاجتماع، وخلافالمن اشترط أحدهما، وخلافا لمن اشترط الجهاد معه، أو الاجتماع معه سنة.
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: واختار في الملازمين البيت، إلى ما
(1)
رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد.
ذكره المازري رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح البرهان، من أنه ليس المراد بالصحابة في قولنا الصحابة عدول، كل من رآه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ يوما ما، أو رآه لماما، أو اجتمع به لغرض وانصرف، وإنما نعني به الذين لازموه، وعزروه، ونصروه اهـ
وتبعه القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى وهو قول غريب جدا.
إذا ادعى العدل المعاصر الشرف
…
بصحبة يقبله جل السلف
معناه أن العدل الذي علم أنه كان في عصر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا ادعى الاجتماع بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبلت دعواه، وثبتت صحبته، في ما ذهب إليه القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى والأكثرون، لأن عدالته مانعة من الكذب، قال التاج في الإبهاج: ومن الناس من توقف في ثبوتها بقوله، لما في ذلك من دعواه رتبة لنفسه، وهو توقف ظاهر، فإن المرء لو قال: أنا عدل، لم يلتفت إلى مقاله، لدعواه لنفسه خصلة شريفة، فكيف إذا ادعى الصحبة، التي هي فوق منصب العدالة بأضعاف مضاعفة، فهذا ما يجب التوقف فيه اهـ
وأجيب من قبل الجمهور بالفرق بعلم العدالة في هذه المسألة.
ومرسل: قولة غير من صحب
…
قال إمام الاعجمين والعرب
عند المحدثين: قول التابعي
…
أو الكبير، قال: خير شافع
معنى أول البيتين، أن المرسل في اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو ما رفعه غير الصحابي إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يقول - مثلا -: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فيدخل فيه المنقطع، والمعضل، والمعلق.
وإذا حدث الصحابي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعلم أن بينه وبينه واسطة لم يسمها، فهو في حكم المتصل، إذ الظاهر صحبة الواسطة، وجهالة الصحابي لا تضر، ويعرف هذا بمراسيل الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - كتحديث أبي هريرة - رضي الله سبحانه وتعالى عن بدر، وابن عباس أو عائشة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - عن بدء الوحي.
ومعنى البيت الثاني، أن المرسل في اصطلاح المحدثين هو ما رفعه التابعي، بأن يقول:
قال رسول الله - صلي الله تعالى عليه وسلم كذا، أو فعل كذا.
سواء كان التابعي المذكور كبيرا، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب.
أو صغيرا، كالزهري وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين -.
هذا هو المشهور عندهم، ومنهم من خصه بالتابعي الكبير خاصة، لأن أكثر رواية الصغير عن التابعي، فما رفعه منقطع.
وما في بعض الشروح
(1)
هنا عن شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله سبحانه وتعالى من أن التابعي الكبير هو من أدرك الصحابة، وإن لم يلقهم، سهو.
…
والذي يغلب على الظن، أن منشأه سقَط في نسخة الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى من فتح الباري، وقد ذكرت ذلك في الأعلاق الموضونة، وهذا نص ما ذكرت:
قال في هدي الأبرار عند قوله في طلعة الأنوار:
ثم الكبير عند ذي النجابه
…
أكثر ما يروي عن الصحابه
ما نصه: وفي فتح الباري: أن الكبير من أدرك الصحابة، وإن لم يلقهم، قاله في كتاب التيمم اهـ
وهذا سهو، إذ كيف يكون من التابعين من لم يلق الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ مع اشتراط جماعة من أهل العلم، طول الصحبة، في تحقق التابعية، وعدم الاكتفاء باللقي، فضلا عن أن يكون من كبارهم.
قال العماد ابن كثير رحمه الله سبحانه وتعالى في حد التابعي: لم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابي، كما اكتفوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه عليه الصلاة والسلام، والفرق عظمة وشرف رؤيته عليه الصلاة والسلام اهـ
(2)
(1)
كالنشر والحلي.
(2)
قال في الإبهاج: والفرق شرف الصحبة وعظم رؤية النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وذلك أن رؤية الصالحين لها أثر عظيم، فكيف رؤية سيد الصالحين، فإذا رآه مسلم ولو لحظة انطبع قلبه على الاستقامة، لأنه بإسلامه متهيئ للقبول، فإذا قابل ذلك النور العظيم، أشرق عليه، وظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه اهـ
فالصواب أن من لم يلق الصحابة - رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم أجمعين - ليس من التابعين أصلا، فضلا عن أن يكون من كبارهم.
ولعل مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى في ما نسبه لشيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله سبحانه وتعالى قوله في سيار بن وردان رحمه الله سبحانه وتعالى أحد رواة الحديث الثاني من كتاب التيمم من صحيح البخاري رحمه الله سبحانه وتعالى ما نصه: اتفقوا على توثيق سيار، وأخرج له الأئمة الستة وغيرهم، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يلق أحدا منهم فهو من كبار أتباع التابعين اهـ
فتكون نسخة الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى قد سقط منها لفظ أتباع، والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ
وأورد السيوطي رحمه الله سبحانه وتعالى على تخصيص المرسل بالتابعي، من سمع من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو كافر، ثم أسلم بعد موته ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ فهو تابعي اتفاقا، وحديثه ليس بمرسل، بل موصول، لا خلاف في الاحتجاج به، كالتنوخي: رسول هرقل، وفي رواية: قيصر، فقد أخرج حديثه الإمام أحمد وأبو يعلى - رحمهما الله سبحانه وتعالى في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة.
وأورد أيضا من رأى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غير مميز، كمحمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما - فإنه صحابي، وحكم روايته حكم المرسل، لا الموصول، ولا يجيء فيه ما قيل في مراسيل الصحابة، لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعي، بخلاف الصحابي الذي أدرك وسمع، فإن احتمال روايته عن التابعي بعيد جدا اهـ من التدريب.
قال في الأعلاق الموضونة: ويجاب عن أمثال محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله
سبحانه وتعالى عنهما - بما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله سبحانه وتعالى في الإصابة، من أنهم من حيث الرواية أتباع، فانظره في الكلام على حد الصحابي.
وقد يؤخذ منه أن الصحابي رواية، غيره شرفا وعدالة.
وقد يقال حينئذ: إن التنوخي صحابي رواية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله: لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعي غير ظاهر، إذ لا يكون أنزل حالا من كبار التابعين الذين نصوا أن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وأكثر ما يقال في هذه الطبقة: أن احتمال روايتهم عن التابعين أقل بعدا، من احتمال رواية من هم أسن منهم عن التابعين، والله سبحانه وتعالى أعلم
وهو حجة، ولكن رجحا
…
عليه مسند، وعكس صححا
معناه أن المرسل حجة عند الإمام مالك والإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى في المشهور عنهما، وعند الإمام أحمد رحمه الله سبحانه وتعالى في أشهر الروايتين عنه، وأكثر من تكلم في الأصول، واختاره الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى وبالغ ابن خويز منداد حتى قال في ما نسبه له أبو الوليد الباجي ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى في الإشارة إن إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المائتين.
وحجة هذا القول: أن العدل لا يسقط الواسطة بينه وبين النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلا وهو عدل عنده، وإلا كان تلبيسا قادحا فيه.
ورده الأكثر، ومنهم الإمام الشافعي، والقاضي أبو بكر - رحمهما الله سبحانه وتعالى للجهل بعدالة الواسطة.
وقيل: إن كان المرسل من أئمة النقل مثل سعيد بن المسيب رحمه الله سبحانه وتعالى قبل، وإلا لم يقبل، إذ لا يؤمن أن يظن العدالة بغير عدل.
والمرسل على القول بحجيته أضعف من المسند، فإذا تعارض مرسل ومسند، قدم المسند، للخلاف في المرسل.
وقال قوم: يقدم المرسل، قالوا: لأن العدل لا يسقط إلا من يجزم بعدالته، بخلاف من يذكره، فإنه يحيل الأمر فيه على غيره.
وهذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: لكن رجحا إلخ.
والنقل للحديث بالمعنى منع
…
ومالك عنه الجواز قد سمع
اختلف في جواز رواية الحديث بالمعنى، فذهب الأكثر، ومنهم الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى، في إحدى الروايتين عنه ـ والأئمة الثلاثة، إلى جوازه، لأن المقصود المعنى، لنا: القطع بأنهم نقلوا عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أحاديث في وقائع متحدة، بألفاظ مختلفة، شائعة ذائعة، ولم ينكره أحد اهـ
وأنا نعلم بالضرورة ـ كما قال الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى أن الصحابة الذين رووا هذه الأخبار عن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، ولا يكررون عليها فيه، بل كما سمعوها تركوها، وما رووها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك يحصل القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ اهـ
وذهب جماعة من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، إلى المنع من ذلك مطلقا، مخافة التغيير.
وقال الماوردي رحمه الله سبحانه وتعالى: يجوز إن نسي اللفظ لا إن ذكره.
وقيل: يجوز بلفظ مرادف، مع بقاء التركيب.
وقال ابن العربي رحمه الله سبحانه وتعالى: يجوز للصحابة دون غيرهم، لما عندهم من الفصاحة والبلاغة جبلة، ومشاهدتهم أقوال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأفعاله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصود كله اهـ
قال: ولو جوزنا لكل أحد، لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث.
وفيه أن جوازه ليس مطلقا، فلا خلاف في المنع لمن ليس عارفا بمدلولات الألفاظ، لا تخفى عليه مقادير التفاوت بينها.
كما أشار إليه الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
لعارف بفهم معناه جزم
…
وغالب الظن لدى البعض انحتم
والمعنى أن الخلاف في جواز الرواية بالمعنى، محله العارف بمدلولات الألفاظ، البصير بموجبات اختلاف مضامينها.
وأما غير العارف بذلك، فلا يجوز له قولا واحدا، ويشترط جزمه بأنه قد فهم معنى الحديث، وأن عبارته دالة على ذلك المعنى، واكتفى بعضهم بغلبة الظن كما في النشر.
والاستوا في الخفاء والجلا
…
لدى المجوزين حتما نقلا
أشار به إلى الشرط الثالث، وهو أن يكون اللفظ الذي يؤدي به مساويا للأصل في الجلاء والخفاء، فيبدل اللفظ بمثله في الاحتمال وعدمه، ولا يبدل الأجلى بالجلي، وعكسه، ولا العام بالخاص، ولا المطلق بالمقيد، ولا الأمر بالخبر، ولا العكس، لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم، وتارة يقع بالمتشابه، لحكم وأسرار لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ورسوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلا يجوز تغييرها عن موضوعها.
ويشترط كذلك أن لا يكون الحديث متعبدا بلفظه، كالأدعية والأذكار.
وأن لا يكون من باب المتشابه، كأحاديث الصفات، للابتلاء بالكف عن طلب المعنى فيه، فكيف يتصور نقله بالمعنى.
وأن لا يكون من جوامع الكلم، نحو:" الخراج بالضمان "
(1)
و " العجماء جبار"
(2)
.
وبعضهم منع في القصار
…
دون التي تطول لاضطرار
معناه أن منهم من جوز الرواية بالمعنى في الأحاديث الطويلة خاصة، كحديث الإسراء، دون القصيرة.
قال في النشر: المراد بالبعض هنا القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله سبحانه وتعالى ووجه الفرق الضرورة مع الطول، كما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: لاضطرار.
وبالمرادف يجوز قطعا
…
وبعضهم يحكون فيه المنعا
معناه أن منهم من ذكر الاتفاق على الجواز في الأداء بمرادف، كإبدال القعود بالجلوس، والنطق بالتكلم، وهو الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى فقد جعل - في شرح البرهان - المسألة على ثلاثة أوجه:
(1)
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث حسن.
(2)
متفق عليه.
أحدها: أن يبدل اللفظ بمرادفه، وجعل ذلك جائزا بلا خلاف.
الثاني: أن يظن دلالته على مثل ما دل عليه الأول، من غير أن يقطع بذلك، وجعل هذا ممتنعا بلا خلاف أيضا.
الثالث: أن يقطع بفهم المعنى، ويعبر عما فهم، بعبارة يقطع بأنها تدل على ذلك المعنى الذي فهمه، من غير أن تكون الألفاظ مترادفة، وجعل هذا موضع الخلاف.
قال: الأكثرون على أنه متى حصل القطع بفهم المعنى مستندا إلى اللفظ، إما بمجرده، أو به مع القرائن، التحق بالمرادف، نقله الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى في البحر.
قال: وكلام أبي نصر القشيري رحمه الله سبحانه وتعالى يدل لما ذكره في الحالتين الأوليين، على الاتفاق على الجواز في الأولى، وعلى المنع في الثانية اهـ
وجوزنْ وفقا بلفظ عجمي
…
ونحوه الإبدال للمترجم
معناه أن ترجمة الحديث بلغات العجم، للإفتاء والتعليم، جائزة، وقد حكى على ذلك الرهوني رحمه الله سبحانه وتعالى وغيره الإجماع، كما في النشر.
كيفية رواية الصحابي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
المراد بالكيفية: الالفاظ والعبارات التي يؤدي بها الصحابي روايته، فهي متفاوتة في الرجحان، بحسب بعد احتمال عدم الاتصال ونحوه، فكلما ضعف احتمال الواسطة، كان أرجح، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
أرفعها الصريح في السماع
…
من الرسول المجتبى المطاع
منه سمعت منه ذا، وأخبرا
…
شافهني حدثنيه صيِّرا
معناه أن أقوى طرق أداء الصحابي، ما كان صريحا في السماع منه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كقوله: سمعت رسول الله - صلي الله تعالى عليه وسلم - يقول كذا، أو شافهني، أو أخبرني، أو حدثني، أو خاطبني.
وكذلك ما يدل على معاينة الفعل، نحو: رأيته - صلى الله تعالى عليه وسلم - فعل كذا، أو عاينته، أو شاهدته، أو حضرته، وذلك لعدم احتمال الواسطة التي يمكن دخول
الخلل من جهتها.
فقال، عن، ثم نُهي أوُ اُمِرا
…
إن لم يكن خير الورى قد ذكرا
معناه أن المرتبة الثانية أن يقول: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لظهور ذلك في سماعه منه - صلى الله تعالى عليه وسلم -، فهو متصل عند الأكثرين، وهو حجة حتى على احتمال الواسطة، على ما هو المعول ومذهب الجمهور في مراسيل الصحابة.
ومثل ذلك أن يقول: حدثنا، أو أخبرنا، كما نقله في النشر عن الفهري ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى.
واختلف في قوله: عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - هل هو في قوة قال، أو دونها، مع مساواته لها في أصل الظهور في السماع، وهو الذي شرح به في النشر.
المرتبة الرابعة في النظم أن يقول: نهينا عن كذا، أو أمرنا بكذا، أو كنا نؤمر بكذا، أو ننهى عن كذا، أو أُوجب علينا، أو حُرم علينا، أو رُخص لنا، أو أُرخص لنا، لظهوره في أنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو الآمر والناهي، وإنما كان بعد " قال " و" عن " لزيادته على احتمال الواسطة، احتمال كون الآمر أو الناهي - مثلا - غير النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يكون الأمر أو النهي من أحد الخلفاء، أو استنباطا من الصحابي.
وقيل: إنما يكون له حكم الرفع إذا كان قائل ذلك أبا بكر الصديق ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ.
وقيل: إن كان القائل أحد أكابر الصحابة - رضوان الله سبحانه وتعالي عنهم أجمعين - فإن أسند ذلك إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فهو مقدم على المبني للمفعول، إلا أنه متأخر أيضا عن قال، لاحتماله - زيادة على احتمال الواسطة - الخطأ في الفهم، لأنه رواية بالمعنى.
قال الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى: فهذا يتطرق إليه احتمال الواسطة، مع احتمال ظنه ما ليس بأمر أمرا اهـ
لا سيما إذا كان المعنى ذا دلالات متشعبة، وكأن هذا هو مراد شهاب الدين القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى بكلامه الذي نوقش في هذا الموضع، فهذه الأمور تزيد من
احتمال عدم صدور مضمون الخبر من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وذلك المعنى هو مبنى هذا الباب ـ في ما يظهر ـ فعدم الاتصال إنما تحفظ منه، من جهة خوف عدم صدور الخبر من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال التاج رحمه الله سبحانه وتعالى في الإبهاج:
الثالثة أن يقول: أمر النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ بكذا، ونهى عن كذا، فهذا يتطرق إليه هذا الاحتمال ـ يعني الواسطة ـ مع احتمال آخر، وهو احتمال ظنه ما ليس بأمر أمرا، وأيضا فليس فيه أنه أمر الكل أو البعض، ولا أن الأمر به يدوم، أو لا، فربما اعتقد شيئا لا يوافق اجتهادنا اهـ
وما ذكره في النشر من عدم احتمال الواسطة، ليس ببين، بل احتمال الواسطة فيه قائم، كما سبق، وقد نبه على ذلك في نثر الورود، وما استظهره ـ أعني صاحب نثر الورود ـ من أنها في قوة " قال " غير بين، لأنها رواية بالمعنى ـ كما تبين ـ.
وقوله: وما ادعوه من الاحتمالات في الأمر هل للكل أو البعض؟ أو دائم أو غير دائم؟ يظهر ضعفه إلخ، فيه أنهم لم يدعوا قوته، وإنما ذكروا احتماله بمرجوحية، وأن احتماله يوجب راجحية غير المحتمل له عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
كذا من السنة يروى والتحق
…
كنا به إذا بعهده التحق
يعني أن مما له حكم الرفع، قول الصحابي: من السنة كذا، كقول أنس - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعا، وقسم
(1)
.
وقول علي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج
(2)
.
وهو في الترتيب بعد ما تقدم.
(1)
متفق عليه، واللفظ للبخاري.
(2)
رواه الترمذي، وهو حديث حسن.
وقيل: ليس له حكم الرفع، لاحتمال إرادة سنة البلد، أو السلطان، أو نحو ذلك، زيادة على الاحتمالات المتقدمة.
ومما له حكم الرفع أيضا أن يقول: كنا نفعل على عهد النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ كقول ابن عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما -: كنا نأكل على عهد رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام
(1)
.
وقيل: ليس لذلك حكم الرفع حتى يعلم أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يعلم ذلك منهم، كحديث أنس - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: كنا نصلي على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، قيل له: أكان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا، ولم ينهنا
(2)
.
ويلي ذلك أن يقول: كانوا يفعلون، أو كنا نفعل - مثلا - من غير أن يذكر عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لاحتمال كون ذلك كان بعد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كقول أم عطية - رضي الله سبحانه وتعالى عنها -: كنا لا نعتد بالكدرة والصفرة بعد الغسل شيئا
(3)
.
قال في النشر: فلظهوره في جميع الناس، فهو إجماع، وقيل: لا، لجواز إرادة أناس مخصوصين.
كيفية رواية غير الصحابي عن شيخه
للعرض والسماع والإذن استوا
…
متى على النوال ذا الإذن احتوى
العرض هو: قراءتك على الشيخ، أو قراءة غيرك عليه وأنت تسمع، سواء كانت القراءة من كتاب، أو من حفظ، سواء كان الشيخ يحفظ ما قرئ أو لا، إذا أمسك أصله هو أو ثقة غيره، أو كان بعض الحاضرين يحفظ ذلك.
(1)
رواه الترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان.
(2)
رواه مسلم وأبو داوود.
(3)
رواه أبو داوود والدارمي، وهو حديث صحيح، وأصله في البخاري.
وشرط الإمام أحمد رحمه الله سبحانه وتعالى في القارئ أن يكون ممن يعرف ويفهم، وشرط إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى في الشيخ أن يكون بحيث لو وقع من القارئ تصحيف أو تحريف رده.
والسماع المراد به: سماع لفظ الشيخ.
والإذن المراد به: الإجازة.
والنوال كصواب: المناولة، وهي أن يعطيه الشيخ أصل سماعه، أو فرعا مقابلا عليه. والمعنى أن العرض، والسماع، والمناولة المصطحبة بالإجازة، بأن يناوله سماعه، ويقول: أجزت لك روايته عني، متساوية في القوة عند الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى.
قال في النشر: وكون الإجازة المقرونة بالمناولة، تساوي السماع، هو ما ذهب إليه ابن شهاب، وربيعة ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى وخلق كثير، والسماع أقوى منها عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله سبحانه وتعالى وصححه النووي رحمه الله سبحانه وتعالى ولا يعمل بالمناولة المجردة عن الإجازة اهـ
واعمل بما عن الإجازة رُوِي
…
إن صح سمعه بظن قد قوِي
معناه أن الإجازة المجردة عن المناولة، سواء كانت مشافهة، أو بالكتابة، تجوز الرواية والعمل بها على المشهور عندنا، وهو مذهب جمهور السلف والخلف، وكلام المانعين محمول على الكراهة.
قال الخطيب رحمه الله سبحانه وتعالى: وقد ثبت عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى الحكم بصحة الرواية بأحاديث الإجازة، فدل على أن منعه إنما هو على وجه الكراهة أن يجيز العلم لمن ليس أهله ولا خدمه، ولا عانى التعب، ولهذا قال: إنما يريد أحدكم أن يقيم المقام اليسير، ويحمل العلم الكثير اهـ
قال: وكذلك المنقول عن الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى كراهة الاتكال على الإجازة، بدلا عن السماع، وقد قال الكرابيسي: لما كان قَدْمة الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى الثانية إلى بغداد، أتيته، فقلت له: أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتب، قال: خذ كتب الزعفراني، فانسخها، فقد أجزتها لك، فأخذتها إجازة اهـ
ونقل عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى اشتراط علم المجيز والمستجيز ما في الكتاب من الأحاديث.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: إن صح سمعه إلخ، يعني أنه لا يروي بها عنه إلا ما استيقن، أو غلب على ظنه، أنه سماعه حيث كانت الإجازة عامة، كأن يقول: أجزت لك أن تروي عني ما صح عندي.
لشبهها الوقف تجي لمن عُدم
…
وعدم التفصيل فيه منحتم
معناه أن إجازة المعدوم جائزة، قال في النشر: قال عياض - رحمهما الله سبحانه وتعالى: أجازها معظم الشيوخ المتأخرين، قال - يعني عياضا -: وبها استمر عملهم شرقا وغربا اهـ
سواء كان المعدوم تبعا لموجود، نحو: أجزت لك، ولمن سيولد لك، أو لم يكن تبعا لموجود، نحو: أجزت لمن سيولد لك، قياسا على الحبس.
وذلك هو قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وعدم التفصيل فيه منحتم، فالضمير فيه: للمعدوم، أي: لا فرق بين أن يكون المعدوم تبعا لموجود أو لا.
خلافا لمن منع إجازة المعدوم مطلقا، لأن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم، لا تصح الإجازة له.
وخلافا لمن منع إجازة المعدوم إلا تبعا لموجود، وهو منسوب للإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى.
قال في النشر: والإجماع على منع الإجازة لكل من يوجد مطلقا، أي: من غير تقييد بالنسل.
والكتب دون الإذن بالذي سمع
…
إن عرف الخط وإلا يمتنع
الكتب، معطوف على الإجازة في قوله: واعمل بما عن الإجازة.
والمعنى أنه يجوز للمجتهد العمل دون الرواية بما كتب إليه الراوي أنه سماعه، من غير أن يأذن له في روايته عنه، وإلا كان إجازة.
وهذا إن كان يعرف خطه، أو ثبت عنده بالبينة أنه خطه، فإن كان لا يعرف خطه،
أو كان يعرفه وشك فيه، ولم تشهد بينة أنه خطه، امتنع العمل به أيضا، لعدم ثبوته عنه.
والخلف في إعلامه المجرد
…
وأعملنْ منه صحيح السند
معناه أنه اختلف في إعلام الشيخ بأن الحديث كذا سماعه، من غير أن يجيز روايته عنه، هل تجوز به الرواية، وإليه ذهب كثير من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، وذهب إليه ابن حبيب رحمه الله سبحانه وتعالى وصححه عياض رحمه الله سبحانه وتعالى كما في النشر، أو لا يجوز، إذ لعله يعلم فيه خللا، كالشاهد يذكر شهادته بغير مجلس الحكم، وقطع به الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى.
وأما العمل به فواجب إذا صح سنده، كما جزم به ابن الصلاح رحمه الله سبحانه وتعالى ونسبه القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى لمحققي الأصوليين، وحكى عياض رحمه الله سبحانه وتعالى الاتفاق عليه.
وذلك هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وأعملن منه صحيح السند.
والاخذ عن وجادة مما انحظل
…
وفقا، وجل الناس يمنع العمل
الوجادة - بكسر الواو -: مصدر ولَّده أهل الفن لما يوجد بخط شيخ معروف من غير سماع منه، ولا إجازة، ولا مناولة.
وذكر الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى في البيت، أن الرواية بها ممنوعة، قال في النشر: عند معظم المحدثين، والفقهاء المالكية وغيرهم، وقد حكى عياض رحمه الله سبحانه وتعالى الاتفاق على منع الرواية بالوجادة.
ونقل عن الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى ونظار أصحابه جوازها، ونقل عن بعض محققي الشافعية أنه قطع بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بها، ثم ذكر عن النووي رحمه الله سبحانه وتعالى أن المتحمل بالوجادة منقطع، فيه شائبة اتصال.
وما به يذكر لفظ الخبر
…
فذاك مسطور بعلم الأثر
معناه أن الألفاظ التي تؤدى بها الرواية، مذكورة في كتب مصطلح الحديث، فتركها الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى لقوله في صدر الكتاب:
منتبذا عن مقصدي ما ذكرا
…
لدى الفنون غيره محررا
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في جمع الجوامع: وألفاظ الرواية من صناعة المحدثين اهـ
كتاب الإجماع
الإجماع لغة يطلق في معنيين:
أحدهما العزم والتصميم، ومنه قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(فأجمعوا أمركم وشركاءكم) وحديث " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له "
(1)
ويتعدى بنفسه كما في الآية الكريمة، وبعلى، فقد حكى ابن فارس في المقاييس: أجمعت على الأمر إجماعا، وأجمعته، وتعديته بنفسه أفصح.
والثاني الاتفاق، ومنه أجمع القوم، إذا صاروا ذوي جمع، قال الفارسي: كما يقال: ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر.
قال القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى: العزم يرجع إلى الاتفاق، لأن من اتفق
(2)
على شيء، فقد عزم عليه.
وقال ابن برهان وابن السمعاني ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى: الأول أشبه باللغة، والثاني أشبه بالشرع، قاله في البحر.
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى إلى معناه في الاصطلاح بقوله:
وهو الاتفاق من مجتهدي
…
الامة، من بعد وفاة أحمد
وأطلقنْ في العصر، والمتفَق
…
عليه ................
والمعنى أن الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ بعد وفاته - صلى الله تعالى عليه وسلم - في عصر من العصور، على أمر من الأمور.
والمراد بالاتفاق: الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو في الفعل المشترك بين الثلاثة، أو اثنين منها، أو بين القول - مثلا - والسكوت.
قال ابن عاشور رحمه الله سبحانه وتعالى: مثال القول: أن يقولوا بتوريث الجدة،
(1)
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(2)
كأنه يعني أنه جزم به ولم يتردد فيه.
ولو لم تحدث الحادثة، ومثال الفعل: قضاؤهم بذلك وقت نزول الحادثة، وإجماعهم على كيفية الصلاة والحج، ومثال الاعتقاد: إجماهم على عصمة الأنبياء اهـ بخ.
وقال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح التنقيح: وقال أبو الحسين في المعتمد: وقد يجمعون على ترك القول، وترك الفعل، فيدل على أنه غير واحب، ويجوز أن يكون ما تركوه مندوبا إليه، لأن تركه غير محظور.
وقوله: مجتهدي الظاهر ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ تعين كتابته بالياء، لأن آحاد العام هنا لا يمكن أن تكون أفرادا، لأن الاتفاق لا يتأتى من الواحد، فما اختير فيه من الإفراد غير بين.
بل الأبين أن ذلك التركيب ـ وإن اختاره التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى لا يستقيم ـ أصلا ـ كما لا يستقيم أن تقول: إذا تنازع رجل، فأصلحوا بينه ـ فضلا عن أن يكون أولى كما في بعض شروح المراقي ـ
(1)
والله سبحانه وتعالى أعلم.
فهو من السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى – ذهول عن اقتضاء المضاف المفاعلة، المقتضي امتناع إضافته إلى المفرد ـ عاما كان أو لا ـ
وارتفاع دلالة اللفظ على أصل المعنى الموضوع له، لا يمكن مع بقائه دالا على ما عرضت دلالته عليه بالعموم، كما هو مقتضى كلامهم في تخصيص الجمع إلى واحد.
مع أن إفراد لفظ: مجتهد أيضا، يوهم واحدية المجتهد.
ولا يعترض ببطلان الجمع في العموم، لأن ذلك إنما هو عند عدم انتصاب القرينة على خلاف ذلك، كما تقدم التصريح به للشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى – وغيره في أكثر من موضع، وهو في غاية الظهور.
ويجاب عما يورد على الجمع من مسألة أنه إذا لم يكن في عصر إلا مجتهدان كان اتفاقهما حجة، على أن ذلك إجماع، ببناء التعريف على القول بأن أقل الجمع اثنان، والله
(1)
ونص في النشر أيضا على ضبطه بالإفراد عند قوله رحمه الله سبحانه وتعالى:
والكل واجب وقيل لا يضر
…
الاثنان دون من عليهما كثر
سبحانه وتعالى أعلم.
ولا يراد بالاجتهاد هنا، خصوص الاجتهاد الفقهي، بل في كل شيء ما يناسبه كما قال الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى في المحصول.
ولعل هذا يقتضي اختصاص تقييد الأمة بأمة الإجابة، بالإجماع في الشرعيات.
وبهذا القيد يخرج اتفاق غير المجتهدين، فليس بإجماع، ولا حجة.
وخرج بإضافة المجتهدين إلى الأمة، اتفاق مجتهدي الأمم السابقة.
قال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح التنقيح: قال الشيخ أبو إسحاق رحمه الله سبحانه وتعالى في اللمع: الأكثرون على أن إجماع غير هذه الأمة ليس بحجة، واختار الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني رحمه الله سبحانه وتعالى أنه حجة اهـ
والظاهر اختصاص التقييد به، بالإجماع في الشرعيات أيضا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقولنا: بعد وفاة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - للاحتراز عن الاتفاق في حياته - صلى الله تعالى عليه وسلم - فالعبرة في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم إنما هي في قوله، وفعله، وتقريره.
وقولنا: في عصر من العصور، لبيان عدم اختصاصه بعصر الصحابة - رضوان الله سبحانه وتعالي عليهم أجمعين -.
وقولنا: على أمر من الأمور، يعني نفيا كان أو إثباتا، شرعيا، أو عقليا، أو لغويا، ككون الفاء للتعقيب، أو دنيويا، كأمور الحرب.
وذهب إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أنه لا أثر للإجماع إلا في السمعيات، ونصه:
فأما ما ينعقد الإجماع فيه حجة ودلالة، فالسمعيات، ولا أثر للوفاق في المعقولات، فإن المتبع في العقليات الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق، ولم يعضدها وفاق.
وقال في تيسير التحرير: أي فائدة في الإجماع في العقليات، مع أنه لا يجوز التقليد فيها.
وذكر قولين في الأمور الدنيوية، قال: قال البرماوي - رحمهما الله سبحانه وتعالى:
فيه مذهبان مشهوران، المرجح منهما وجوب العمل فيه بالإجماع، وهو ظاهر كلام القاضي، وأبي الخطاب، وابن عقيل رحمهم الله سبحانه وتعالى وغيرهم في حد الإجماع، واختاره ابن حمدان، والآمدي، وأتباعه رحمهم الله سبحانه وتعالى وهو أظهر، لأن الدليل السمعي دل على التمسك به مطلقا من غير تقييد، فوجب المصير إليه، لأن الأصل عدم التقييد.
قال ابن قاضي الجبل: هذا قول الجمهور، وللقاضي عبد الجبار المعتزلي فيه قولان: أحدهما المنع، ووجهه اختلاف المصالح بحسب الأحوال، فلو كان حجة لزم ترك المصلحة، وإثبات المفسدة، وقطع به الغزالي، وصححه السمعاني، وهو ظاهر كلام الموفق في الروضة في حد الإجماع، والطوفي في مختصره، وابن حمدان في مقنعه، وغيرهم.
قال الكوراني: لا معنى للإجماع في ذلك، إلى أن قال: والمجمع عليه لا يجوز خلافه، وما ذكروه من أمور الحرب ونحوها، إن أثم مخالف ذلك فلكونه شرعيا، وإلا فلا معنى لوجوب اتباعه اهـ
ونقل عن البرماوي رحمه الله سبحانه وتعالى الاتفاق في الأمور اللغوية، ونقل عن القرطبي رحمه الله سبحانه وتعالى قولا باختصاص الاعتداد به فيها، بالمتعلقة بالدين خاصة.
وكأن وجه القول باختصاص الإجماع بالمسائل الشرعية، أن الحديث إنما دل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، والمتبادر من الضلالة المخالفة في الشرعيات خاصة، وفي الحديث " كل ضلالة في النار "
(1)
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولا ينافي ذلك تعين اتباع الإجماع في بعض الأمور الدنيوية، كما سبق من أمر الحرب، وكما في المسائل الطبية ونحوها، فوجوب العمل به في ذلك ليس لعصمته، بل لوجوب العمل بما يظهر أنه المصلحة، وقد علم اليوم بطلان مسائل كثيرة من الأمور التي كانت متفقا عليها بين أهل التجربة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فالإلغا لمن عم انتقي
(1)
رواه النسائي وهو حديث صحيح، وأصله في مسلم.
وقيل: لا، وقيل: في الجلي
…
مثل الزنى، والحج، لا الخفي
وقيل: لا في كل ما التكليف
…
بعلمه قد عمم اللطيف
وذا للاحتجاج أو أن يطلقا
…
عليه الاجماع، وكل ينتقى
مذهب الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى – والمحققين، أنه لا عبرة بموافقة العوام في الإجماع، لجهلهم، وإنما العبرة باتفاق المجتهدين خاصة.
قال أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في كتاب الإشارة: والدليل على ما نقوله، أن العامة يلزمهم اتباع العلماء في ما ذهبوا إليه، ولا يجوز لهم مخالفتهم، فهم في ذلك بمنزلة أهل العصر الثاني مع من تقدمهم، بل حال أهل العصر الثاني أفضل، لأنهم من أهل العلم والاجتهاد، ثم ثبت أنه لا اعتبار بأقوال أهل العصر الثاني مع اتفاق أقوال أهل العصر الأول، فبأن لا يعتبر بأقوال العامة مع اتفاق أقوال العلماء أولى وأحرى اهـ
وقيل: تشترط موافقتهم مطلقا، لأنهم بعض الأمة.
وقيل: تشترط موافقتهم في المشهور دون الخفي، كدقائق الفقه.
وقيل: تشترط موافقتهم في ما كلفت العامة والخاصة بمعرفته، نقله في النشر عن أبي الوليد الباجي - رحمهما الله سبحانه وتعالى قال: وما كلفت الخاصة فقط بمعرفته كالبيوع، وغيرها، لم يعتبر فيه العوام.
قال: وبهذا قال عامة الفقهاء، واعتبر بعضهم الأصولي في الفروع.
ونقل في النشر عن القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه ذكر قولين في اعتبار من لا يقول بالقياس.
قال: واختار الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى أن الظاهرية لا يعتد بخلافهم في المسائل، لأن المقايسة من شرط الاجتهاد، فمن لم يعتبرها لم يصلح للاجتهاد.
قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله سبحانه وتعالى: وهذا غير صحيح، فإنه لو لم يعتبر من لا يعتبر بعض المدارك، لألغينا من لا يعتبر المراسيل، والأمر للوجوب، أو العموم، أو غير ذلك، وما من طائفة إلا وقد خالفت في نوع من الأدلة اهـ
وقد اختلف في مراد القائل باعتبار العوام، هل مراده توقف حجية اتفاق المجتهدين على
موافقتهم، وهو ظاهر الإبياري، والفهري، والآمدي رحمهم الله سبحانه وتعالى.
وعليه فالخلاف معنوي.
أو مراده توقف التسمية بالإجماع، دون الحجية، فلا يقال: أجمعت الأمة، في ما لم يوافق فيه العوام، وإنما يقال: أجمع العلماء، وبه جزم التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع، وعليه فالخلاف في اللفظ لا في المعنى.
وفي حاشية البناني رحمه الله سبحانه وتعالى أن المراد بالعوام: من عدا المجتهدين.
وأن المراد بالأصولي: العارف بدلائل الفقه الإجمالية، وبطرق استفادة ومستفيد جزئياتها.
وكل من ببدعة يكفر
…
منَ اَهل الاهواء فلا يعتبر
معناه أنه لا عبرة بمخالفة أهل الأهواء الذين يكفرون ببدعهم، كالمجسمة، لعدم دخوله في الأمة المشهود لها بالعصمة.
وأما المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، فقيل: يعتبر، وقيل: لا يعتبر.
والكل واجب، وقيل لا يضر
…
الاثنان دون من عليهما كثر
معناه أنه لا بد في الإجماع من اتفاق جميع المجتهدين، عند أصحاب الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى والجمهور، فلو خالف واحد منهم لم يكن إجماعا، لأن الأدلة إنما شهدت لعصمة المجموع، ولا تحقق له إلا باتفاق جميع الأفراد.
وقيل: تغتفر مخالفة الواحد، دون ما زاد عليه.
وقيل: تغتفر مخالفة الاثنين، دون ما زاد عليهما، وهو لابن خويز منداد رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقيل: يغتفر ما دون عدد التواتر، دون ما بلغ عدد التواتر.
وقيل غير ذلك.
واحتج بعض من اغتفر مخالفة اليسير بما جاء من الحض على لزوم الجماعة، وبأن اسم الأمة لا ينخرم به، وأنه إذا كان الإجماع حجة، وجب أن يكون معه من يجب عليه الانقياد إليه.
وأجيب عن الأول بأنه يقتضي غلبة الظن أن الحق مع الأكثر، والمراد هنا القطع.
وعن الثاني بأن اسم الأمة لا يصدق بالبعض إلا مجازا.
وعن الثالث بأن المنقاد لإجماعهم من بعدهم، ومن عاصرهم ممن ليس له أهلية النظر، والنزاع هنا في من له أهلية، قاله في النشر.
واعتبرنْ مع الصحابي من تبع
…
إن كان موجودا وإلا فامتنع
معناه أن إجماع الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - تعتبر فيه موافقة الموجود من التابعين وقته متصفا بصفات الاجتهاد، فلا ينعقد دونه، وأما من لم يكن موجودا حينه، أو كان موجودا، ولم يكن متصفا بصفات المجتهدين، فلا تشترط موافقته بناء على مذهب الأكثرين من عدم اشتراط انقراض العصر، وهو ما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
ثم انقراض العصر والتواتر
…
لغو على ما ينتحيه الاكثر
والمعنى أن الأكثرين على أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين بموت من يعتبر فيه، لأن دليل الإجماع ليس مقيِّدا بالانقراض، فانعقاده لحظة كاف في حصول القطع بالحكم، لصدق اسم الإجماع عليه، فيتناوله دليل عصمة الإجماع، ولا يجوز لأحد منهم الرجوع عن رأيه، لحصول العلم بالحكم، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة رحمهم الله سبحانه وتعالى والجمهور.
وجاء عن الإمام أحمد وابن فورك ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى اشتراط الانقراض، وقيل: يشترط في السكوتي، دون النطقي، واختاره السيف الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإحكام.
وذكر سليم الرازي رحمه الله سبحانه وتعالى أن محل الاختلاف النطقي خاصة، وجعل اشتراطه في السكوتي محل اتفاق.
وقيل: يشترط أن لا يبقى منهم عدد التواتر.
وقيل: يشترط في إجماع الصحابة خاصة، وهو ظاهر كلام الطبري رحمه الله سبحانه وتعالى.
والخلاف في اشتراط ذلك لاستمرار الحجية، فمشترط الانقراض، يقول: نحتج به، لكن
لو رجع راجع قدح، فلا تستمر حجيته إلا بموت من يعتبر فيه.
وذهب الأكثرون أيضا في ما ذكره ابن برهان رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أنه لا يشترط في الإجماع، بلوغ المجمعين عدد التواتر، لعدم تقييد الدليل على عصمة الإجماع بذلك، فلو لم يكن إلا اثنان، كان اتفاقهما حجة.
وقيل: لا بد من ثلاثة، لأنه مشتق من الجماعة، وأقلها ثلاثة.
والمعول هو أول الأقوال، بل لو لم يكن إلا واحد، كان قوله حجة، لانحصار الاجتهاد فيه، فلو لم يكن قوله حقا، لزم خلوهم عنه.
وقيل: ليس قوله حجة، لأن المعصوم الاجتماع، وهو غير موجود.
وهو حجة ولكن يحظل
…
في ما به كالعلم دور يحصل
معناه أن الإجماع حجة على من انعقد قبله، لحديث الترمذي " إن الله سبحانه وتعالي لا يجمع أمتي - أو قال أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم - على ضلالة "
(1)
ولظواهر أخرى من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) وقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)
وقوله: صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق "
(2)
الحديث، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس "
(3)
والأحاديث التي تحض على لزوم الجماعة.
وحجية الإجماع إنما تكون في ما لا تتوقف صحته - أعني الإجماع ـ عليه كرؤية الباري سبحانه وتعالى وجواز البيع، والإجارة، ونحو ذلك، بخلاف وجود الله سبحانه وتعالى ونبوة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - للزوم الدور، وكذلك الأدلة السمعية كلها،
(1)
وهو حديث صحيح.
(2)
رواه مسلم وأبو داوود والترمذي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد.
(3)
متفق عليه.
فحجيتها متوقفة على ثبوت وجوده سبحانه وتعالى، وثبوت رسالة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلو ثبتا أيضا بالنقل، حصل دور، لثبوتهما بما يتوقف ثبوته وحجيته على ثبوتهما، وهذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ولكن يحظل في ما به كالعلم دور يحصل.
والمراد بالعلم: العلم الذي هو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وذلك أن الشرع كله متوقف على العلم، فلا يمكن إثبات العلم به.
وما إلى الكوفة منه ينتمي
…
والخلفاء الراشدين فاعلم
معناه أن إجماع أهل الكوفة، ليس بحجة، لأنهم بعض الأمة، وكذلك إجماع أهل الكوفة والبصرة معا، خلافا لمن قال بحجيتهما، ولمن قال بحجة الثاني فقط، لكثرة من سكنهما من أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وكذلك القول في إجماع الخلفاء الأربعة، والشيخين: أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - خلافا لمن قال بالحجية في ذلك.
وأوجبنْ حجية للمدني
…
في ما على التوقيف أمره بني
وقيل: مطلقا ....... ............................
معناه أن إجماع أهل المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم من الصحابة والتابعين حجة عندنا في ما طريقه النقل، وقد حكى عياض رحمه الله سبحانه وتعالى اتفاق المحققين من المذاهب الأخرى عليه، لأنه من باب الأخبار المتواترة، فهو في معنى النص القطعي المتن والدلالة، ولذلك طرحت له أخبار الآحاد، والأقيسة، وذلك كالصاع والمد، وكالأذان، والإقامة، وترك الجهر بالبسملة، والتسليمة الواحدة، وترك زكاة الخضروات. واختلف في ما طريقه الاجتهاد، وقد نص غير واحد من أئمة المذهب على عدم حجيته، وذهب أكثر المغاربة إلى أنه حجة، وهو الذي يدل له كلام الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى في الموطإ في غير موضع.
واختلف على القول بحجيته إذا عارضته أخبار الآحاد أو القياس، كما تقدم ذلك.
وما قدَ اَجمعا
…
عليه أهل البيت مما منعا
معناه أن إجماع أهل البيت ليس بحجة، لأنهم بعض الأمة، خلافا لمن قال بحجيته، محتجا بقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) والخطأ رجس، وأجيب بمنع ذلك.
وما عرى منه على السني
…
من الأمارة أو القطعي
معناه أنه لا بد في حجية الإجماع من استناده إلى دليل قطعي أو ظني، وهو المراد بالأمارة.
فالإجماع المنعقد عن غير مستند ليس بحجة، ويجوز استناده إلى القياس عند الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى والجمهور، كإجماعهم على إمامة أبي بكر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - قياسا على إمامته في الصلاة، وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه.
وقيل: لا بد في مستند الإجماع من القطع، ولا يكفي الظن.
وقيل: لا يشترط فيه الاستناد إلى دليل، لأن الدليل على عصمة إجماعهم بلا قيد، فيجوز أن يلهموا الحكم دون استناد إلى دليل.
ورد بأن حكمهم من غير رجوع إلى دليل، اتباع للهوى، وهو ضلال، وقد عصموا من الاجتماع على الضلال، وقد أشار إلى القول بجواز انعقاده دون مستند، بمفهوم قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: على السني.
وخرقه، فامنع لقول زائد
…
إذ لم يكن ذاك سوى معاند
وقيل: إن خرق ........ ............................
خرقه بالرفع، معطوف على نائب الفاعل في قوله: مما منعا.
والمعنى أن خرق الإجماع، لا يجوز، لأنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، ومخالفة لقاطع الدليل، فقد دلت ظواهر كثيرة لا يتطرق الشك إلى مجموعها، على استحالة الاجتماع على الخطإ، قال التاج رحمه الله سبحانه وتعالى في الإبهاج: الذي يظهر لي - وهو معتمدي في ما بيني وبين الله سبحانه وتعالى أن الظنون الناشئة عن الأمارات المزدحمة، إذا تعاضدت مع كثرتها، تؤدي إلى القطع، وأن على الإجماع آيات كثيرة من الكتاب العزيز، وأحاديث
عديدة من السنة، وأمارات قوية من المعقول، أنتج المجموع من ذلك، أن الأمة لا تجتمع على خطإ، وحصل القطع به من المجموع، لا واحد بعينه اهـ
وقد بين ذلك الشاطبي رحمه الله سبحانه وتعالى في موافقاته بما لا مزيد عليه.
وقيل: لا تمتنع مخالفة إجماع المجمعين لمن بعدهم، إذا كان إجماعهم عن اجتهاد.
ومما ينبني على وجوب اتباع الإجماع، وامتناع الخروج عنه، أنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، في ما ذهب إليه الجمهور.
قال في النشر: وعزاه في البرهان لمعظم المحققين، واختاره الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى منا، وقال: القائل بالحلية، قد نفى الحرمة وبقية الأحكام، والقائل بالحرمة، قد نفى الحلية وبقية الأحكام، فالفريقان متفقان على نفي ما سوى الحل والحرمة، فانتفاء ما سواهما مجمع عليه، فعندهم لا يكون إحداث الثالث إلا خارقا اهـ
وذهبت طائفة من الحنفية، والشيعة، وأهل الظاهر، إلى جواز إحداث قول زائد مطلقا، وقيل: إن لزم من القول المحدث رفع ما أجمعوا عليه امتنع، وإلا جاز، وهو الحق عند المتأخرين.
ومثال ذلك: اختلاف الأمة في النية في الطهارة على قولين:
وجوبها في الجميع، ووجوبها في البعض، فقد اتفق القولان على وجوبها في البعض، فإحداث قول بسقوطها في الجميع، خارق للإجماع على وجوبها في البعض.
بخلاف ما لو اختلف الأولون في وجوبها مطلقا، وعدمه مطلقا، فإحداث قول بإيجابها في بعض، ليس بخارق، لأنه موافق في النفي لبعض، وفي الإثبات لبعض.
والشأن لا يعترض المثال
…
إذ قد كفى الفرض والاحتمال
ومما ينبني عليه كذلك: امتناع الفرق بين مسألتين لم يفصل بينهما أهل عصر، لأنه خلاف ما أجمعوا عليه.
وقيل بالتفصيل بين ما إذا أجمعوا على عدم الفرق بينهما، فيكون إحداث تفصيل خرقا فيمنع، وما إذا لم يجمعوا على ذلك، فلا يمنع.
وإجماعهم على عدم الفرق بينهما، على وجهين:
أحدهما: النص على عدم الفرق بينهما.
والثاني: النص على اتحاد الجامع بينهما، كتوريث العمة والخالة، فالعلماء بين مورث لهما ومانع، والجامع بينهما عند الطائفتين كونهما من ذوي الأرحام، فلا يجوز منع واحدة، وتوريث أخرى، لأن ذلك خرق لما أجمعوا عليه من اتحاد العلة.
وهذا هو الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، فالخرق هنا في الحكم والعلة معا.
ولذلك لو لم يتفقوا على العلة، لم يكن توريث إحداهما دون الأخرى خارقا، إذ هما حكمان، تجوز موافقة فريق في أحدهما، وموافقة الآخر في الأخرى، فالإجماع على اتحاد العلة في المسألتين يصيرهما في معنى المسألة الواحدة، فيكون التفصيل فيها إحداث قول.
وردة الأمة لا الجهل لما
…
عدم تكليف به قد علما
قوله: وردة الأمة، معناه أن ارتداد جميع الأمة عن الإسلام - وإن جاز عقلا - لا يجوز شرعا، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " قال في رفع الحاجب: فإنه نص في أن هذه الأمة لا تخلو عن قائم بالحق، ويستحيل معه ردة الكل.
قوله: لا الجهل البيت، معناه أن اشتراكهم في الجهل في ما لم يكلفوا بعلمه، جائز، بل واقع، كترتيب الأنبياء في الزمن، خلافا لمن قال بمنع ذلك، معللا بأنه لو جاز، لكان الجهل لها سبيلا، وأجيب بمنع ذلك.
ولا يعارض له دليل .........................
معناه أن الإجماع القطعي لا يعارضه دليل، لامتناع تعارض قطعيين، وطرح الظني بالقطعي.
ويظهر الدليل والتأويل
معناه أنه يجوز إظهار دليل، أو تأويل للدليل، ليوافق غيره، أو علة غير ما ذكروه، إذا لم يكن ذلك خارقا للإجماع، بأن لم ينصوا على أنه لا علة غير ما ذكروه، أو لا تأويل غير ما ذكروه، أو لا دليل غير ما ذكروه.
فإن نصوا على ذلك، امتنع الإظهار، لأنه خرق لإجماعهم.
وقيل: يمتنع مطلقا، لأنه من غير سبيل المؤمنين المتوعد على اتباعه.
وأجيب بأن المتوعد عليه ما خالف سبيلهم، لا ما لم يتعرضوا له.
قال في نثر الورود: مثال إظهار الدليل والتأويل: أن المجتهدين المجمعين على منع وطء الأخت من الرضاع بملك اليمين، لم يتعرضوا أصلا للنص الذي هو مستند الإجماع، ولم يتعرضوا لتأويل النص المقتضي بظاهره مخالفة هذا الإجماع، فلمن بعدهم أن يظهر دليل الإجماع، بأن يقول: دليل هذا الإجماع قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (وأخواتكم من الرضاعة).
وله أيضا أن يؤول النص المخالف بظاهره لهذا الإجماع، وهو قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) المقتضي للإباحة الشامل عمومه الأخت من الرضاع، بأن يقول: هذا العموم مؤول، أي: محمول على غير ما لم يخرجه دليل، أما ما أخرجه الدليل كالأخت من الرضاع، وموطوأة الاب، فليس بمراد، وقس على ذلك.
وقدمنَّه على ما خالفا
…
إن كان بالقطع يرى متصفا
ليس في هذا زيادة على قوله قبل: ولا يعارض له دليل، وكأنه أعاده ليرتب عليه قوله:
وهْو المشاهَد أو المنقول
…
بعدد التواتر المقول
والمعنى أن الإجماع القطعي، هو الثابت بالمشاهدة، كما لو فرض اجتماع مجتهدي عصر في مكان، وأنت شاهد، وأجمعوا على حكم في مسألة نطقا.
أو المنقول بعدد التواتر، إذا كان نطقيا أيضا.
فالسكوتي ظني مطلقا، كالمنقول آحادا، ولا بد من حصول التواتر في سائر الطبقات عند التعدد، كما تقدم في الكلام على الخبر المتواتر.
وإذا علمت أن الإجماع السكوتي كله ظني، علمت أن الإجماع القطعي عزيز الوجود.
وفي انقسامها لقسمين وكل
…
في قوله مخط، تردد نقل
معناه أنه اختلف في جواز انقسام الأمة في مسألتين متشابهتين إلى قولين مع خطإ كل من الطائفتين، في ما ذهبت إليه، وعدم جوازه.
والأول هو المعول، لأنهما هما حكمان منفصلان، لا تلازم بينهما في المعنى.
ومثال ذلك: اتفاق فرقة على وجوب الترتيب في الوضوء، وعدم وجوبه في قضاء الفوائت، واتفاق الطائفة الأخرى على وجوبه في قضاء الفوائت، وعدم وجوبه في الوضوء، إذا كان الصواب وجوبه فيهما معا، أو عدم وجوبه فيهما معا.
فمن نظر إلى أصل الترتيب، منع، ومن نظر إلى اختلاف متعلقه جوز، وهو الصواب.
…
وأما خطأ الجميع في مسألتين متباينتين، فجائز بلا خلاف.
كخطإ طائفة في مسألة في الوضوء، وخطإ الطائفة الأخرى في مسألة في البيع.
وأما خطؤهم في مسألة واحدة من وجه واحد فلا يجوز قطعا، لما تقدم.
وجعْل من سكت مثل من أقر
…
فيه خلاف بينهم قد اشتهر
فالاحتجاج بالسكوتي نمى
…
تفريعه عليه من تقدما
وهْو بفقد السخط والضد حري
…
معَ مضي مهلة للنظر
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وجعل من سكت مثل من أقر البيت، معناه أنه اختلف في الساكت هل له حكم المقر، وبنوا على ذلك الاختلاف في الإجماع السكوتي.
فإذا قال بعض المجتهدين قولا في مسألة تكليفية اجتهادية، وعرف الباقون قوله، وسكتوا، فهل يكون ذلك إجماعا على قوله، أو لا؟
ذهب جماعة إلى أنه ليس بإجماع ولا حجة، وهو قول الغزالي والإمام وأتباعه، وهو اختيار القاضي أبي بكر، ونقل عن الإمام الشافعي رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - لأن السكوت لا يتعين أن يكون عن موافقة.
وذهب الإمام أحمد رحمه الله سبحانه وتعالى وأبو علي الجبائي إلى أنه إجماع وحجة بعد انقراض العصر، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، وذلك لظهور سكوتهم في الموافقة.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى التفصيل بين قول الحاكم وغيره، فإذا كان القائل حاكما لم يكن إجماعا ولا حجة، وإلا كان إجماعا، لأن الاعتراض على الحاكم ليس من الأدب.
وذهب أبو هاشم بن أبي علي إلى أنه حجة، وليس بإجماع، لحصول الظن به، وهو المشهور عند الشافعية.
والذي لابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى في المختصر أنه إجماع، أو حجة، ونصه: إذا أفتى واحد وعرفوا به، ولم ينكر أحد قبل استقرار المذاهب، فإجماع أو حجة، إلى أن قال: لنا سكوتهم ظاهر في موافقتهم، فكان كقولهم الظاهر، فينتهض دليل السمع.
ونسب أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في كتاب الإشارة لجمهور أصحابنا وجمهور أصحاب الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه إجماع وحجة قاطعة.
قال: ولو لم يصح إجماع ولا تثبت به حجة إلا بعد أن يروى الاتفاق على حكم الحادثة عن كل أحد من أهل العلم في عصر الإجماع، لبطل الإجماع، وبطل الاحتجاج به، لاستحالة وجود ذلك في مسألة من مسائل الأصول أو الفروع، كما لا نعلم اليوم اتفاق علماء عصرنا في جميع الآفاق على حكم حادثة من الحوادث، بل أكثر العلماء لا نعلم بوجودهم في العالم اهـ
قوله: وهو بفقد السخط البيت، معناه أن محل الاختلاف في اعتبار سكوت الساكتين موافقة، ما لم يظهر منهم ما يقتضي الرضى بالقول المذكور، ولا ما يقتضي الإنكار، مع مضي مهلة كافية للنظر والاجتهاد في المسألة.
فإن ظهر منهم ما يقتضي الرضى كان ذلك إجماعا بلا خلاف.
وإن ظهر منهم ما يقتضي الإنكار لم يكن إجماعا بلا خلاف، على ما فهمه جماعة، وهو الأشبه عند التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى ومقتضى كلام الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى جريان الخلاف فيه أيضا، كما في الإبهاج.
كما أنه لا خلاف في عدم اعتباره قبل مضي زمن كاف للنظر في المسألة، ولا بد أيضا من بلوغ قول المتكلم في المسألة لجميعهم، ويشعر بذلك التعبير بالسكوت.
ويشترط كذلك أن تكون المسألة تكليفية، كما تقدم، بخلاف ما ليس تكليفيا كالتفضيل بين الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين -.
ولا يكفَّر الذي قد اتبع
…
إنكار الاجماع وبيس ما ابتدع
معناه أن معتقد عدم حجية الإجماع، لا يكفر بذلك، لعدم ثبوت الأدلة المقتضية
له عنده، وليس في ذلك تكذيب للشرع، ومقتضى التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى أن في تكفيره خلافا.
قال في رفع الحاجب: لا ريب أنا لا نكفر من أنكر الإجماع السكوتي، والإجماع الذي لم ينقرض أهل عصره، ونحو ذلك من الإجماعات التي اختلف العلماء المعتبرون في انتهاضها حجة، إنما الخلاف في من أنكر أصل الإجماع، وهدم قاعدته، وزعم أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الاحتجاج به لخلقه، ولا شك في بدعة هذا، والقول في تكفيره، كالقول في تكفير أهل البدع والأهواء اهـ
وأما إنكار الحكم الثابت بالإجماع، فإن كان من المعلوم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة، والصوم، وحرمة الخمر، والربا، والزنا، وجواز البيع، والنكاح، فإنكاره كفر، ما لم يكن حديث عهد بالإسلام.
والضروري هو ما تستوي الخاصة والعامة في معرفته من غير قبول للتشكيك.
وذلك لأن إنكاره يتضمن تكذيب الشرع، لأن علمه على ذلك الوجه، في معنى سماعه من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - شفاها، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وكفروا الجاحد ما قدُ اُجمعا
…
عليه، مما علمه قد وقعا
عن الضروري من الديني ........................
وأما غير الديني كوجود القيروان، فلا يكفر بجحده.
وأما غير الضروري، فإن كان مشهورا بين الناس، وكان منصوصا عليه، كالقصر في السفر، فقد جعل التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع الأصح كفره. وقال البناني- رحمه الله سبحانه وتعالى إن المعتمد في الفروع النفي، وقال في الأول: اعترض بأنهم اعتبروا العلم من الدين بالضرورة في مفهوم الإيمان، حيث عرفوه بأنه: التصديق بما علم ضرورة أنه من دين محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا واسطة بين الإيمان والكفر اهـ
وإلى هذا الخلاف أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
..................
…
ومثله المشهور في القوي
إن كان منصوصا ........ ..........................
واختلف كذلك في إنكار المجمع عليه المشهور الذي ليس بمنصوص، ومثله في نثر الورود بإباحة القراض، والقول بالتكفير بإنكاره ضعيف، كما قال البناني رحمه الله سبحانه وتعالى وإلى الخلاف فيه أشار الناظم رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وفي الغير اختلَف
…
إن قدُم العهد بالاسلام السلف
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: إن قدم العهد بالإسلام، أشار به إلى أن التكفير بالإنكار في المواضع الثلاثة، إنما هو في حق من قدم عهده بالإسلام، فإن كان حديث العهد به، لم يكفر بذلك.
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: ولا بد أن يشتهر في محل من جحد، بحيث ينسب في جهله به إلى تقصير اهـ
وهذا ظاهر، فضرورية الحكم تختلف، فعدم قضاء الصوم من الحيض ضروري في حق النساء، وقد لا يكون ضروريا عند بعض الرجال.
وجواز التسري قد كان ضروريا في العهود الأولى، ولا يبعد جهله في هذه العصور - مثلا - هذا الذي يظهر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قول الناظم رحمه الله سبحانه وتعالى: السلف، هو فاعل قوله: اختلف.
وعلم من هذا، أن غير المشهور من الأحكام المجمع عليها، لا يكفر جاحده، سواء كان منصوصا عليه، كإرث بنت الإبن مع بنت الصلب السدس، فقد قضى به النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كما رواه البخاري رحمه الله سبحانه وتعالى أو لا، كفساد الحج بالجماع.
كتاب القياس
القياس في اللغة: تقدير شيء على مثال آخر، وتسويته به، ولذلك سمي المكيال مقياسا، وما يقدر به النعال مقياسا.
ويقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه.
وقيل: هو مصدر قست الشيء - إذا اعتبرته - أَقِيسه قَيسا وقياسا، ومنه قيس الرأي، وسمي امرؤا القيس، لاعتبار الأمور برأيه.
وذكر صاحب الصحاح، وابن أبي البقاء فيه لغة بضم القاف، يقال: قُسته أقوسه قوسا.
هو على اللغة الأولى من ذوات الياء، وعلى اللغة الثانية من ذوات الواو، قاله في الإرشاد.
وقال ابن عاشور رحمه الله سبحانه وتعالى – فيه: أصل من حجج الدين، لأن ديننا عام، ودائم، أما عمومه، فبنص قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(وما أرسلناك إلا كافة للناس).
وأما دوامه، فبنص قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(ولكن رسول الله وخاتم النبيئين).
والعموم والدوام، يقتضيان تجدد الأحكام على اختلاف أحوال الأقوام، وتعاقب العصور والأيام، وإذا اقتصرنا على النص، وجدناه متناهيا، ووجدنا الحوادث غير متناهية، فلو لم يكن القياس، لتعطلت أحكام كثيرة، لأشياء كثيرة، أو وُكل الناس إلى شهواتهم، أو احتيج إلى تجديد رسالة، وكل ذلك مناف لكل من الدوام والعموم، فتعين أن لا طريق لتحكيم الشرع في ما لم ينص عليه، إلا بإثبات حكم ما نص عليه، لأشبه الأشياء به في علة الحكم التي شرع لأجلها، لاتفاق الفقهاء الذي حكاه عنهم الشاطبي رحمه الله سبحانه وتعالى في كتاب المقاصد، على أن كل حكم شرعي له حكمة هي الباعث عليه، ومرجع ذلك للمصلحة والمفسدة، ورجحانهما، وتأكدهما، أو ضعفهما، تفضلا من الله سبحانه وتعالى ورفقا بعباده، كما صوبه الآمدي، وابن عرفة، والتلمساني، والإبياري، والشاطبي رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين – اهـ بتصرف.
بحمل معلوم على ما قد علم
…
للاستوا في علة الحكم وسم
والمعنى أن القياس هو: حمل معلوم على معلوم، لمساواته له في علة الحكم.
ومعنى حمله عليه: إلحاقه به في الحكم، بأن يعمم دليل الأصل في الفرع، وذلك ببيان أن المعنى الذي لأجله كان الحكم في المحمول عليه، موجود بتمامه في المحمول، فوجب
استواؤهما في الحكم، وإلا لم يكن ذلك المعنى سببا للحكم.
وعبروا بالمعلوم دون الشيء، ليشمل المعدوم، قال في النشر: والمراد بالعلم مطلق الإدراك، وإن كان ظنا اهـ
وذلك كقياس الأرز على البر في حرمة الربا، بجامع الاقتيات والادخار - مثلا -. فالأرز هو المعلوم المحمول، والبر هو المعلوم المحمول عليه، والحكم المحمول فيه حرمة الربا، والعلة: الاقتيات والادخار، فهي موجودة بتمامها في الأرز، وذلك هو المراد بالمساوات في علة الحكم.
وإذا أريد شمول الحد للقياس الفاسد، زيد فيه: عند الحامل.
فيشمل ما كانت المساواة فيه غير واقعة في نفس الأمر، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وإن ترد شموله لما فسد
…
فزد لدى الحامل، والزيد أسد
وذلك لانصراف المساواة عند الإطلاق، للمساواة في نفس الأمر، على ما قيل.
وأشار بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: والزيد أسد، إلى أن زيادة تلك العبارة أولى، أما على مذهب المصوِّبة، فظاهر، لأن الفاسد في نفس الأمر صحيح عندهم قبل الاطلاع على فساده.
وأما على مذهب المخطِّئَة، فزيادتها أولى أيضا، ليشمل الحد فاسد الماهية، لأن الاسم يصدق بفاسد مسماه.
وقيل بالعكس، والابين الاستغناء عن الزيادة على كلا المذهبين، كما استغني عنها في غير القياس، فقد يعتقد المجتهد ما ليس بإجماع، إجماعا، وقد يعتقد ما ليس بسنة، سنة، وهكذا، فالمتجه بناء التعاريف على ما هو الظاهر، فالكل متفق على اعتبار الفاسد قبل الظهور على فساده، كما يعتبر الصحيح في نفس الأمر، وعلى لغوه بعد الظهور على فساده، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
وهذا التعريف الذي ذكر الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى هو الذي اختاره التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى وأصله للقاضي أبي بكر رحمه الله سبحانه وتعالى
- وقد أوردت عليه اعتراضات يطول التعرض لها، مع قلة جدواها، وقد قال إلكيا رحمه الله سبحانه وتعالى عن هذا التعريف: إنه أسد ما قيل على صناعة المتكلمين، وقد حد بحدود أخرى كثيرة، أوردت عليها أيضا إيرادات كثيرة.
وقد ذهبت طائفة إلى تعذر حده أصلا، كإمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى.
والحامل المطلق والمقيد .....................
معناه أن الذي يجوز له القياس المعبر عنه في الحد بالحمل، هو المجتهد، سواء كان مجتهدا مطلقا، أو مجتهد مذهب، وسيأتي الكلام عليهما - إن شاء الله سبحانه وتعالى في كتاب الاجتهاد.
وهو قبل ما رواه الواحد
اختلف في القياس إذا عارضته أخبار الآحاد، على أقوال:
فقيل: يقدم خبر الواحد، وهو رواية المدنيين عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى ونسبه القاضي عبد الوهاب رحمه الله سبحانه وتعالى في الملخص للمتقدمين من المالكية، كما في رفع الحاجب، وجعله القاضي عياض رحمه الله سبحانه وتعالى مشهور مذهبه.
قال في نثر الورود: ومسائل مذهبه تدل على ذلك، كمسألة المصراة، ومسألة النضح، ومسألة غسل اليدين لمن أحدث في أثناء الوضوء، وما زعمه بعضهم من أنه قدم القياس على النص في مسألة ولوغ الكلب، غير صحيح، لأنه لم يترك فيها الخبر للقياس، وإنما حمل الأمر على الندب للجمع بين الأدلة، لأن الله سبحانه وتعالى قال ـ جل من قائل ـ:(فكلوا مما أمسكن عليكم) ولم يأمر بغسل ما مسه لعاب الكلب، فدل على أنه غير نجس اهـ
وقال في تفسيره: ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها في ذلك: أنه رحمه الله سبحانه وتعالى يقول: إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة، ثلاثين من الإبل، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل، ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى: حين عظم جرحها
واشتدت مصيبتها نقص عقلها، والإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى خالف القياس في هذا، لقول سعيد بن المسيب ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهما ـ: إنه السنة اهـ بتصرف
وقيل: يقدم القياس وهو رواية البغداديين عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى وقال صاحب بداية المجتهد: وذلك مذهب مهجور عند المالكية اهـ
وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقيل: إن عرفت العلة في الأصل، بنص راجح في الدلالة على الخبر المعارض للقياس، وقطع بوجودها في الفرع، قدم القياس، وإن كان وجودها في الفرع مظنونا فالوقف، وإن لم تعرف العلة بنص راجح، قدم الخبر.
واختاره ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقبله القطعي من نص ومن
…
إجماعهم عند جميع من فطن
معناه أن القياس الظني تقدم عليه الأدلة القطعية ـ نصا أو إجماعا ـ ككل دليل ظني، وأما القياس القطعي فلا يمكن تعارضه مع قطعي، إذ لا تعارض بين قطعيين.
وما رُوِي من ذمه فقد عُنِي
…
به الذي على الفساد قد بُنِي
معناه أن ما يؤثر عن السلف - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم - في ذم القياس والرأي، محمول على الحكم استنادا إلى العقل، دون بحث عن النص، والقياس في موضع النص، ونحو ذلك، وإلا فالقياس الصحيح، قد دلت عليه ظواهر النصوص، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
وكقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (فاعتبروا يا أولي الأبصار).
وكحديث " أرأيت لو كان على أمك دين "
(1)
.
وحديث " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر "
(2)
.
وحديث " أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم "
(3)
.
(1)
متفق عليه.
(2)
رواه مسلم والإمام أحمد.
(3)
رواه أبو داوود والدارمي، وهو حديث صحيح.
وكحديث " هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: " ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: " هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: " فأنى ذلك؟ " قال: لعله نزعه عرق، قال: " فلعلك ابنك هذا نزعه "
(1)
وكحديث " أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء "
(2)
.
وكحديث " أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله سبحانه وتعالى فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم "
(3)
.
وقال عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة، رعيتها بقدر الله سبحانه وتعالى وإن رعيت الجدبة، رعيتها بقدر الله سبحانه وتعالى؟
(4)
وجاء أنه قضى بالعول قياسا على الدين.
وجاء عن أبي بكر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - حين جاءته جدتان: أم أم، وأم أب، فأعطى السدس للتي من قبل الأم، فقيل له: أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها، فأشركهما فيه،
(5)
وغير ذلك كثير.
قال أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في كتاب الإشارة: وما أعلم أن مسألة يدعى الإجماع فيها، أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة اهـ
والحد والكفارة التقدير
…
جوازه فيها هو المشهور
معناه أن جريان القياس في الحدود، والكفارات، والتقادير، هو المشهور من المذهب، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى.
ومثال القياس في الحدود: قياس النباش على السارق، بجامع أخذ مال الغير من حرز
(1)
متفق عليه.
(2)
رواه مسلم والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد، وأصل الحديث متفق عليه.
(3)
رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
(4)
متفق عليه.
(5)
رواه الإمام مالك والبيهقي والدارقطني.
مثله خفية.
وانظره مع ما يأتي من امتناع القياس في الأسباب.
ومثال القياس في الكفارات: قياس رقبة الظهار، على رقبة القتل، في شرط الإيمان، بجامع أن كلا منهما كفارة.
ومثاله في التقدير: قياس إطعام المسكين في كفارة الظهار، على إطعامه في فدية الأذى، في أن قدره مدان.
وعلل المانع من جريان القياس في هذه الأمور، بعدم إدراك المعنى فيها.
وأجيب بمنع اطراد ذلك، فهي كغيرها تكون معقولة المعنى، وغير معقولته، فيقاس عليها عند عقل المعنى.
وانظر ما المراد بمقاديرالتقديرات في قول صاحب الحلي هنا: المراد بقولهم: يجري القياس في الحدود والكفارات والتقديرات، المراد فيه نفسها، أما مقاديرها فلا يجري فيها القياس اهـ
ورخصة بعكسها والسبب ...........................
معناه أن الرخصة والسبب، لا يجوز فيهما القياس، على المشهور عندنا، ومثل السبب الشرط والمانع، والمراد بالقياس في الرخصة، القياس في تفاصيل الرخصة الواحدة، لا القياس في أصول الرخص
(1)
فليس بجائز قطعا.
والخلاف في القياس في الرخصة ليس على إطلاقه، بل خاص بالقياس المساوي.
وأما عند أبلغية المعنى فيجوز اتفاقا على ما ذكره الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى وهو عائد إلى ما يعرف بالقياس في الأسباب.
ووجه منع جريان القياس في الأسباب، تعذره رأسا، فالقياس عليها مفض إلى عدم سببيتها، وعدم سببية ما ألحق بها أيضا، وعدم القياس أصلا، إذ لا أصل ولا فرع، فمطلق الإيلاج - مثلا - في قياس اللواط على الزنى، إذا ثبت أنه مناط الحد، صادق بالزنا واللواط على وجه سواء، وكذلك القول في الشروط، والموانع.
(1)
كقياس القفازين على الخفين في المسح.
ولذلك اختار ابن المنير رحمه الله سبحانه وتعالى أن القياس في الأسباب من قبيل تنقيح المناط، وأنه لا ينبغي أن يقع في الجواز خلاف من حيث المعنى، ونصه:
وإذا فرضنا القياس في الأسباب، فلا بد أن نفرض فيها جهة عامة، كالإيلاج، وجهة خاصةككونه فرجا لآدمية، وهو الذي يسمى بلفظ السبب، ويتناول أمرين أعم وأخص، ولا ينتظم القياس إلا بحذف الأخص عن درجة الاعتبار، ليتغير الأعم، إذ لو كان الأخص باقيا على تقييده، لاستحال القياس، وإذا حذف الأخص عن كونه مراد اللفظ، بقي الأعم، وهو مراد النص، وحينئذ يكون القياس في الأسباب تنقيح مناط، وتنقيح المناط حاصله تأويل ظاهر، وهو يتوقف على دليل، فينبغي أن يقع الاتفاق على قبول المسلك الذي سماه من سماه قياسا في الأسباب، لاتفاقنا على قبول تأويل الظاهر بالدليل، فلا حجر في التسمية، ولا منع من تسميته قياسا، لأن فيه صورة النطق في موضع، والسكوت في موضع، ووجود قدر مشترك بين الموضعين، وهو سبب الاشتراك في الحكم، غير أن امتياز المحلين نطقا وسكوتا، إنما كان مبنيا على الظاهر الذي قام الدليل على أنه غير مراد، فلهذا تكدرت التسمية، والخطب يسير اهـ من البحر المحيط بتصرف.
وامتناع القياس في الأسباب، منسوب أيضا لأصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى وجماعة من الشافعية، وكثير من أهل الأصول، كما في الإرشاد.
وجوازه منسوب لأكثر الشافعية.
ومثال القياس في السبب: ما تقدم من إلحاق النباش بالسارق.
ومثال القياس في الشروط: قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب، على الرؤية.
ومثال القياس في الموانع: قياس فقر مالك نصاب العين، أو كونه ذا عيال، على كونه مدينا.
وغيره للاتفاق ينسب
معناه أن غير ما ذكر من الرخص، والأسباب، والشروط، والموانع، يجوز فيه القياس باتفاق، دينيا كان أو دنيويا.
والذي تقتضيه تفاريع المذهب أن المدار على معقولية المعنى، فمتى عقل وتعدى،
صحت تعدية الحكم، وإلا فلا.
وذلك هو ما قرره التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب ونصه: نحن وإن جوزنا القياس في الحدود، والكفارات، والرخص، والتقديرات على الجملة، فلا ننكر وجدان ما لا يعلل، ويلتحق بمحض التعبد، وعلى هذا فلا بد من أمارة يعرف بها القسم الذي يجري فيه التعليل، من غيره.
وجماع القول عندنا، أن كل حكم يجوز أن يستنبط منه معنى مخيل، من كتاب، أو نص سنة، أو إجماع، فإنه يعلل، وما لا يصح فيه هذا، فلا يعلل، سواء أكان من الحدود والكفارات، أم غيرها.
فإن قلت: هل يصح إثبات حد مبتدإ، أو كفارة مبتدأة بالقياس؟
قلت: لا يصح، ولكن ليس لما يتوهمون من نفي القياس في الحدود، والكفارات، بل لأنه لا طريق توصل هنا إلى فهم العلة.
ولو صح لنا معنى في ذلك، لما تحاشينا من التعلق به، فافهم هذا، واجمع به بينه وبين قول المصنف في ما سبق: إن من شرط الأصل ألا يكون معدولا به عن سنن القياس، كمقادير الحدود والكفارات.
واعلم أن نفس مقادير الحدود والكفارات لا يفهم فيها معنى، فكيف يصح القياس فيها؟
وهذا بخلاف أصل الحدود، فنحن إنما نمنع القياس حيث لا يعقل المعنى، وذلك في مقادير الحدود، والكفارات، لا أصلها.
وإذا عرف هذا فاعلم أن أئمتنا قالوا:
من الأحكام ما يعلل جملة وتفصيلا، وهو كل ما يمكن إبداء معنى في أصله وفرعه.
وما يعلل جملة، دون تفاصيله، لعدم اطراد التعليل في التفاصيل.
وما يعلل تفاصيله، دون جملته، كالكتابة، والإجارة، وفروع تحمل العاقلة.
فلا يظن الظان أن إلحاقنا الكتابة الفاسدة - مثلا - بالصحيحة، حيد عن سنن الصواب، متعلقا بأن الكتابة غير معقولة المعنى، فكيف يقاس عليها؟
فإنا إنما قسنا على تفاصيلها المعقولة دون جملتها.
وتحقيق هذا يظهر في موضعه من الخلافيات، وله في شرحنا الكبير بسط تام.
وما لا يجري التعليل في جملته، ولا تفاصيله، كالصلاة، وما تشتمل عليه من قيام، وسجود، وركوع، وقعود، وربما يدخل في هذا القسم الزكوات، ومقادير الأنصبة، والأوقاص.
وكذلك قيل: لا مجال للقياس في الأحداث، وتفاصيلها، والوضوء، وتفاصيله.
وقيل: بل الوضوء معقول المعنى.
ولسنا هنا لتحقيق ذلك، وغرضنا أن هذه الأقسام الأربعة واقعة في الشريعة، و انفصال ما يعلل مما لا يعلل تفصيلا، عسر جدا، وفيه تلاطم أمواج الآراء، وافتراق أنظار العلماء اهـ
وإن نُمي للعرف ما كالطهر
…
أو المحيض فهْو فيه يجري
معناه أن الأمور العادية إذا كانت عليها أمارة، جاز دخول القياس فيها، كالحيض، كما قال أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى كما في النشر.
وقيل: لا يجوز دخول القياس في ذلك، وعليه درج القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في التنقيح، وعبر عن هذا بالخلقة.
قال الشوشاوي رحمه الله سبحانه وتعالى: واعترض هذا الذي قاله المؤلف بقياس المبتدأة على أيام لداتها، لأن ذلك روي عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى.
أركانه
أي: أركان القياس، وأركان الشيء: أجزاؤه الداخلة فيه، التي تتركب منها حقيقته، وتوجد بها هويته
(1)
.
والجواب عما قيل من أن الموجود في الخارج هو الحمل، وليس مركبا من هذه الأشياء: أن الحمل المذكور متوقف على وجود هذه الأمور، وذلك هو المراد بتحقيقها لهويته.
الاصل، وحكمه، وما قد شُبِّها
…
وعلة رابعها فانتبها
معناه أن أركان القياس أربعة: الأصل، وحكمه، والفرع، والمعنى المشترك بين الأصل
(1)
الهوية: الشخص الجزئي الذي في الخارج المشار إليه بهو كذا.
والفرع، وبدأ الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بالكلام على الأصل فقال:
والحكم، أو محله، أو ما يدل
…
تأصيل كل واحد مما نقل
اختلف في الأصل فقيل: هو حكم المحمول عليه، وهو مذهب الإمام فخر الدين رحمه الله سبحانه وتعالى وهو حرمة الخمر - مثلا - في قياس النبيذ عليه.
وقيل: هو المحمول عليه بعينه، وهو الخمر في المثال المذكور، وهذا القول قول الفقهاء، وبعض المتكلمين، وهو أقرب الأقوال، لأن القياس وقع بين الذاتين، وإن كان المقصود بيان الحكم، وعلى هذا القول عرف أهل الفن في خطابهم.
وقيل: هو دليل حكم المحمول عليه، وهو قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(فاجتنبوه) الآية الكريمة، والوجه في الكل ظاهر.
وقس عليه دون شرط نص
…
يجيزه بالنوع أو بالشخص
معناه أنه لا يشترط في الأصل الذي يقاس عليه، قيام دليل خاص على جواز القياس عليه، لا بالنوع، ولا بالشخص.
بل كل حكم انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه، جاز أن يقاس عليه.
…
فيجوز القياس على مسألة ـ مثلا ـ من مسائل الطلاق، وإن لم يدل دليل خاص على جواز القياس في الطلاق، أو على تلك المسألة بخصوصها، خلافا لعثمان البتي حيث اشترط في الأصل انتصاب الدليل على جواز القياس عليه، بالنوع بأن يثبت القياس في الطلاق، أو بشخصه.
ومثله في نثر الورود بقياس أنت خلية، على أنت طالق، فقد قاس الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى على أنت طالق، أنت حرام، فثبت بذلك عنه جواز القياس على أنت طالق.
وعلة وجودها الوفاق
…
عليه يأبى شرطه الحذاق
معناه أنه لا يشترط كذلك الاتفاق على وجود العلة في الأصل، خلافا لبشر المريسي، حيث اشترط الاتفاق على كون حكم الاصل معللا، وعلى وجود العلة في الأصل، إذ لا دليل على ما ادعاه.
الركن الثاني وهو حكم الأصل
وحكم الاصل قد يكون ملحقا
…
لما من اعتبار الادنى حققا
هذا شروع في الكلام على الركن الثاني، وهو حكم الأصل.
ومعنى البيت أن حكم الأصل قد يكون مستخرجا بالقياس، وإنما قيس على الفرع في القياس الأول، ولم يقس على الأصل، لكون الفرع في القياس الثاني، أقرب إلى الفرع منه إلى الأصل في القياس الأول، وذلك هو ما أشار إليه الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: لما من اعتبار الادنى حققا.
وهذا يقتضي أن الإلحاق بنفس العلة، ومثال ذلك قياس الوصايا المتزاحمة على الثلث، على العول، مع أن العول مقيس على حصاص الديون.
وقيل: لا يجوز ذلك، لأن الوصف الجامع في القياس الثاني، إن كان مساويا للوصف الجامع في القياس الأول، فلا حاجة إلى القياس على غير الأصل الأول، وإن اختلف الوصفان، لزم التعليل بعلتين.
وقد جعل صاحب اللمع والماوردي هذا النوع جائزا بلا خلاف.
وجعلا محل الخلاف: أن يستنبط من الفرع معنى يقاس به عليه، كأن يقاس الأرز على البر في الربا، بجامع الطعم، ثم يقاس على الأرز طعام آخر، بمعنى آخر يقتضي الربا يختص به - أعني الأرز - عن البر.
وهو على الخلاف في جواز التعليل بعلتين، وكلام أبي الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في إحكام الفصول، صريح في جواز هذا النوع.
ومقتضى التعليل بالتطويل، أن الخلاف جار في أول النوعين أيضا كما في البحر، قال: وينبغي أن يكون محل هذا الشرط ما إذا لم يظهر للوسط فائدة، فإن ظهر فلا يمتنع قياس الفرع على الفرع.
وقال أيضا: إذا منعنا أن يكون حكم الأصل قياسا، يستثنى منه صورتان:
إحداهما القياس الذي قاسه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا جوزنا له الاجتهاد
والثانية التي أجمعت الأمة على إلحاقه بالأصل اهـ
مستلحِق الشرعي هو الشرعيُّ
…
وغيره لغيره مرعي
معناه أن حكم الأصل في القياس الشرعي يجب أن يكون شرعيا، ويكون في القياسات الأخرى على حسبها، ففي القياس اللغوي على القول به، يكون لغويا، وفي القياس العقلي على القول به، يكون عقليا.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: مستلحق، هو بكسر الحاء، أي الأصل في القياس الشرعي، لا بد أن يكون شرعيا.
وما بقطع فيه قد تَعبدا
…
ربي، فملحَق كذاك عُهدا
معناه أن ما تعبدنا الله سبحانه وتعالى فيه بالعلم خاصة، لا يجوز فيه من القياس إلا ما كان قطعيا، ومنع الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى إثبات ما تعبد فيه باليقين بالقياس، لأن القياس لا يفيد اليقين، لأن تحصيل العلم بكون حكم الأصل معللا، ووجود علته بتمامها في الفرع، وأن خصوصية الأصل ليست شرطا، وخصوصية الفرع ليست مانعا، متعذر أو متعسر جدا.
وليس حكم الاصل بالأساس
…
متى يحد عن سنن القياس
لكونه معناه ليس يعقل
…
أو التعدي فيه ليس يحصل
معناه أنه يشترط في حكم الأصل، أن يكون جاريا على طريق القياس، بأن يعقل المعنى الذي رتب عليه، ويكون غير مختص بمحل النص، كتحريم الربا في البر - مثلا - فالمعنى الذي حرم فيه الربا بسببه معقول، وهو الاقتيات والادخار عندنا، وليس مختصا به، بل هو موجود في الأرز مثلا.
بخلاف ما لا يعقل معناه، وهو على وجهين:
أحدهما: ما كان مستثنى، بأن دل الدليل على اختصاصه بالحكم، نصا كان كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(خالصة لك من دون المؤمنين)
وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بردة - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: " ولن
يجزئ عن أحد بعدك "
(1)
وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أحلت لي ساعة من نهار "
(2)
وكرضاع سالم - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - فإن أزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كن يرين ذلك أمرا خاصا بسهلة بنت سهيل ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهن ـ
(3)
.
وكشهادة خزيمة - رضي الله سبحانه وتعالى عنه – حيث جعلت كشهادة رجلين
(4)
.
أو إجماعا، كالإجماع على اختصاص القصر في الصلاة بالمسافر، وإن كان المريض يساويه في الفطر.
والثاني: ما ليس كذلك كمقادير النصب، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود، والكفارات.
وبخلاف ما عقل معناه ولم يكن له نظير، كالقسامة، واللعان، والدية، والشفعة في العقار، والغرة في الجنين.
وامتناع القياس في هذا النوعين الأخيرين، إنما هو بالنسبة لأصولها لا تفاصيلها، كما تقدم.
وحيث ما يندرج الحكمان
…
في النص فالأمران قل سيان
معناه يشترط كذلك أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولا للفرع، لأن الدليل إذا كان عاما فيهما، فذلك مغن عن القياس، مع أنه ليس أحدهما أولى بأن يكون أصلا يلحق به من الآخر.
قال في النشر: كما لو استدل على ربوية البر، بحديث مسلم:" الطعام بالطعام مثلا بمثل " فيمتنع قياس الذرة عليه بجامع الطعم، لأن لفظ الطعام ـ الذي هو لفظ الدليل ـ يشمل الذرة كالبر.
(1)
متفق عليه.
(2)
متفق عليه.
(3)
رواه الإمام مالك في الموطإ.
(4)
كما رواه أبو داوود والنسائي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
والوفق في الحكم لدى الخصمين
…
شرط جواز القيس دون مين
معناه أنه يشترط عند الجمهور في المناظرة بين الخصمين، أن يكون حكم الأصل متفقا عليه بينهما، ليتأتى إلزام الخصم بمذهبه.
بخلاف ما إذا لم يكن متفقا عليه، فإنه يحتاج عند توجه المنع عليه إلى إثباته، فينتقل إلى مسألة أخرى، فينتشر الكلام، ولا يشترط اتفاق الأمة عليه، خلافا لمن قال به، حتى لا يتأتى المنع بوجه.
ولا يشترط اختلافهما فيه، خلافا لمن قال به، حتى يتأتى للخصم منعه.
ومحل اشتراط اتفاق الخصمين، ما لم يسق المستدل حكم الأصل مقترنا بدليله، من نص أو إجماع ابتداء، وإلا كفى ذلك.
وإذا اتفق الخصمان على حكم الأصل، نظر، فإن اختلفا في العلة، فإن نازع السائل في علية وصف المستدل للحكم، فهو مركب الأصل،
(1)
لتركب أصله، بمعنى انبنائه على علتين، وذلك كقياس حلي البالغة، على حلي الصبية في سقوط الزكاة، فسقوط الزكاة في حلي الصبية متفق عليه بيننا وبين الحنفية، لكن سقوطها عندنا فيه، لكونه حليا مباحا، وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى لكونه مال صبية.
وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وإن يكن لعلتين اختلفا
…
تركب الأصل لدى لدى من سلفا
وإن نازع السائل في وجود علة المستدل في الأصل، فهذا هو المعروف بمركب الوصف، وسمي مركب الوصف، لتركيب المستدل فيه الحكم على وصف يمنع السائل وجوده.
ومثاله قياس الشافعية: إن تزوجت فلانة فهي طالق، على فلانة التي أتزوجها طالق، بجامع أن كلا تعليق طلاق أجنبية.
فالمالكية والحنفية يوافقون على عدم الطلاق في الأصل، الذي هو فلانة التي أتزوجها طالق، لكنهم يرونه تنجيزا لا تعليقا، وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى
(1)
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى المراد بالأصل، حكم الأصل، فهو المركب أي: المبني على علتين.
بقوله:
مركب الوصف إذا الخصم منع
…
وجود ذا الوصف في الأصل المتبع
ومذهب الجمهور أن المركب بنوعيه غير مقبول، بمعنى أنه لا ينهض حجة على الخصم، وأما ثبوت الحكم به في حق المستدل ومن يقلده فظاهر، إذ لا توقف لذلك على موافقة غيره له في ما يرى من ذلك.
ونسب لبعض الجدليين قيام الحجة به على الخصم، للاتفاق على الحكم.
وإلى مذهب الجمهور أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
ورده انتقي وقيل: يقبل .........................
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وفي التقدم خلاف ينقل
إلى أن القائلين بقبول المركب، اختلفوا إذا عارضه قياس غير مركب، فقيل: يقدم المركب، تضييقا على الخصم، وقيل: بالعكس، ووجهه ظاهر، وقيل: هما سواء.
الركن الثالث وهو الفرع
ألحكم في رأي وما تُشُبِّها
…
من المحل عند جل النبها
معناه أن الفرع اختلف فيه، فقيل هو حكم الفرع، وذلك بناء على أن الأصل هو حكم المحل المقيس عليه، أو دليل الحكم.
وقيل: هو المعلوم المحمول ـ وهو محل الحكم الثابت بالقياس ـ بناء على أن الأصل هو المعلوم المحمول عليه، وهو مذهب الفقهاء ورأي الاكثرين، وعليه جرى أهل الفن في خطاباتهم.
فالفرع على أول القولين في قياس النبيذ على الخمر: هو حرمة النبيذ، وعلى الثاني هو النبيذ.
وجود جامع به متمما
…
شرط وفي القطع إلى القطع انتمى
معناه أنه يشترط في الفرع ـ على أنه المحل ـ وجود الوصف الذي هو علة حكم الأصل
بتمامه، فإذا كانت العلة مركبة من أوصاف، لم يكف وجود أغلبها مثلا في الفرع.
ومثال العلة المركبة: القتل العمد العدوان.
قوله: وفي القطع إلى القطع انتمى، معناه أن علية الوصف إذا كانت مقطوعا بها، فالقياس حينئذ قطعي، وذلك كالإسكار في النبيذ، فعلية الإسكار لحرمة الخمر قطعية، ووجوده في النبيذ قطعي، فإن كان حكم الأصل قطعيا، كان حكم الفرع قطعيا، وإن كان حكم الأصل ظنيا، كان حكم الأصل ظنيا أيضا، فقطعية القياس، لا تستلزم قطعية حكم الفرع، وإنما تستلزم قطعية مساواته للأصل.
وأما القطع بوجود الوصف في الفرع فلا بد منه، سواء كانت عليته قطعية أو لا على طريقة التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع، ولذلك قصر التقسيم على قطعية علية الوصف وعدمها، ولم يذكر مثل ذلك في وجوده في الفرع، كما بينه الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى وهو ظاهر قوله رحمه الله سبحانه وتعالى:
وجود جامع به متمما
…
شرط ..............
فالقياس الظني، ويعرف بقياس الأدون، على هذه الطريق هو ما كانت علية الوصف فيه ظنية.
سواء كان الوصف المظنون العلية، موجودا في الفرع والأصل على وجه سواء، كإلحاق التفاح بالبر في الربا بجامع الطعم، لجواز أن تكون العلة غير الطعم مما ليس في التفاح، كالادخار.
أو كان أبلغ في الفرع منه في الأصل، إذ المراد الأدونية في الثبوت، لا في ملاءمة المعنى، كإلحاق العمياء بالعوراء في الإجزاء في الضحية، فالعمى أبلغ من العور في التعيب، لكن يحتمل أن مانعية العور من الإجزاء، من جهة كونه مظنة الهزال، لأنها توكل إلى نفسها في الرعي، وهي ناقصة البصر، بخلاف العمياء فإنها تعلف.
والأبلغية في المعنى، لا تقتضي الأولوية بالحكم، إلا إذا كانت علية المعنى قطعية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما من يجيز ظنية وجود الوصف في الفرع، فالأدون عنده على ثلاثة أوجه:
ظن علية الوصف مع ظنية وجوده في الفرع.
وظنية أحدهما فقط.
والفرع للأصل بباعث وفي
…
ألحكم نوعا وبجنس يقتفي
معناه أنه لا بد من مساوات الفرع للأصل في ما يقصد من نوع العلة أو جنسها، وكذلك في ما يقصد من نوع الحكم أو جنسه.
فلا بد من اتفاقهما في العلة والحكم، نوعا أو جنسا.
مثال المساواة في نوع الوصف: قياس الأرز على البر بجامع الاقتيات والادخار، فوصف الاقتيات والادخار الموجب لتحريم الربا في البر، موجود بعينه ـ نوعا ـ في الأرز.
ومثال المساواة في جنسه: قياس أقل الصداق على أقل ما يقطع فيه، بجامع أن كلا استباحة عضو، فاستباحة العضو جنس لاستباحته بالاستماع، واستباحته بالقطع.
ومثال المساواة في نوع الحكم: ما ذكر من قياس الأرز على البر، فحرمة الربا فيهما شيء واحد.
ومثال المساواة في جنس الحكم: ما تقدم من أقل الصداق، وأقل ما يقطع فيه، فالأقلية جنس للأقلية في كل منهما.
ونص على هذا، ليبين أن ما تقدم من اشتراط التساوي في حد القياس، لا يختص بالنوع.
ومقتضي الضد أو النقيض
…
للحكم في الفرع كوقع البيض
بعكس ما خلاف حكم يقتضي .............................
معناه أن معارضة القياس، بقياس يوجب للفرع نقيض الحكم المستفاد من قياس المستدل، أو ضده، مبطلة له، لامتناع اجتماع الضدين، بخلاف معارضته بما يقتضي خلاف الحكم المستفاد من قياس المستدل، فلا تضر.
مثال معارضته بما يقتضي نقيض ما يوجبه قياس المستدل: قول المستدل في مسح الرأس: المسح ركن في الوضوء، فيسن تثليثه كالوجه، فيقول المعترض: مسح في الوضوء، فلا يسن تثليثه كالخف، فاستنان التثليث، وعدم استنانه نقيضان.
ومثال ما يقتضي ضد حكم المستدل: قول الحنفي: الوتر واجب قياسا على التشهد، بجامع مواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم عليهما.
فيقول السائل: الوتر مستحب، قياسا على ركعتي الفجر، بجامع أن كلا موقت بأوقات الصلوات المكتوبة، فالوجوب والاستحباب ضدان، لاجتماعهما ارتفاعا.
ومثال ما يقتضي حكما خلاف حكم المستدل: قول المستدل: الوتر سنة، قياسا على ركعتي الفجر، بجامع أن كلا موقت بأوقات الصلوات المكتوبة.
فيقول السائل: الوتر لا يقضى، قياسا على العيد، بجامع أن كلا صلاة غير واجبة، لأن عدم القضاء، لا ينافي الاستحباب.
وقيل: لا يقبل الاعتراض بالأولين أيضا، خوف انقلاب منصب المناظرة، فيصير المعترض مستدلا، والمستدل معترضا.
وأجيب بأن قصد المعترض إبطال مذهب المستدل، لا الاستدلال.
وعلى المعول من قبول الاعتراض بذلك، يقبل جوابه ببيان أرجحية الوصف الذي اعتمد المستدل، بكونه قطعيا، أو بكون ظن عليته، أقوى من ظن علية الآخر، أو مسلك العلية فيه أقوى، من مسلكها في الآخر.
وإليه أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وادفع بترجيح لذا المعترض
وقيل: لا يقبل الترجيح، لكفاية أصل الظن في المعارضة.
وأجيب بأن ذلك لا يمنع من الترجيح.
وعدم النص والاجماع على
…
وفاقه، أوجبه من أصَّلا
منْعَ الدليلين ............ ........................
معناه أنه يشترط في الفرع أيضا ـ عند من لا يجيز توارد دليلين على حكم واحد ـ أن لا يوجد دليل من نص أو إجماع دال على الحكم المستنبط بالقياس، لأن العمل بالقياس عند فقد النص للضرورة، ولا ضرورة مع وجود النص.
وهذا في النص الخاص به، دون الأصل، وأما نص يعمهما، فهو قوله السابق:
وحيث ما يندرج الحكمان ..................... ألبيت
وأما من يجيز توارد دليلين على حكم واحد، وهم الأكثر، فلا يمنع ذلك لتقوية الظن، إلا الغزالي والآمدي - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
وحكم الفرع
…
ظهوره قبلُ يرى ذا منْع
معناه أنه يشترط في الفرع كذلك، أن لا يكون شرعه سابقا على شرع الأصل، فلا يجوز قياس الوضوء - مثلا - على التيمم في وجوب النية، إذ التعبد بالتيمم إنما كان سنة ست، والتعبد بالوضوء كان في مكة المكرمة، فيلزم ثبوت وجوب النية في الوضوء قبل التعبد بالتيمم بلا دليل، ضرورة أن دليله إنما هو القياس على التيمم، فيلزم التكليف بغير معلوم.
نعم إن ذكر ذلك إلزاما للخصم، لا استدلالا على الحكم، جاز.
قال العطار رحمه الله سبحانه وتعالى: هذا المثال - يعني قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية - إنما يتم إذا ثبت أن النية في الوضوء تعبد بها قبل التعبد بالنية في التيمم، وإلا فيجوز أن يكون مع التعبد بالوضوء قبل التعبد بالتيمم، قد تعبد بالنية في التيمم، قبل التعبد بالنية في الوضوء فيصح القياس، فتأمل.
الركن الرابع وهو العلة
العلة مشتقة من علة المريض، لأن تأثيرها في الحكم، كأثر العلة في ذات المريض.
وقيل: مشتقة من العَلَل بعد النهل، وهو معاودة الماء للشرب مرة بعد مرة، لأن المجتهد يعاود في استخراجها النظر المرة بعد المرة، وقد يعبر بها عن موجب الفعل، فيقال: فعل كذا، لعلة كذا.
وأما معناها في الاصطلاح ففيه أقوال، أشار الناظم رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أحدها بقوله:
معرف الحكم بوضع الشارع ..........................
ومعناه أن العلة هي الوصف الذي جعله الشرع علامة على الحكم، إن وجد وجد الحكم.
قال في النشر: قال في المقدمات: مثال ذلك أن السكر كان موجودا في الخمر، ولم يدل على تحريمها، حتى جعله صاحب الشرع علة في تحريمها، فليست علة على الحقيقة، وإنما هي أمارة على الحكم وعلامة اهـ
والحكم ثابت بها فاتبع
معناه أن حكم الأصل من حيث إنه أصل، ثابت بالعلة، لا بالنص خلافا للحنفية، فالثابت بالنص هو حكم الأصل وحده، وأما أن محله أصل يقاس عليه، فهذا إنما يستفاد من العلة، فبمعرفتها يعرف تعليق الحكم عليها، بحيث إذا وجدت في محل ثبت له الحكم، بخلاف معرفة الحكم مجردا، فمعرفة حرمة الخمر، لا تستلزم معرفة حرمة النبيذ، بخلاف معرفة أن علة حرمة الخمر الإسكار، فإنها تستلزم معرفة حرمة كل مسكر، وإن لم يكن خمرا.
ووصفها بالبعث ما استبينا
…
منه سوى بعث المكلفينا
الغرض مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى لأنه يقتضي رجحان ذلك الفعل بالنسبة لصاحب الغرض، وحاجته إليه، وكل ذلك مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى.
وأشار الناظم رحمه الله سبحانه وتعالى إلى ما أجاب به تقي الدين السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى عن تسمية الفقهاء للعلة باعثا، وذلك في مكتوب له سماه ورد العلل، في فهم العلل، بين فيه أن العلة باعثة على فعل المكلف، ومثال ذلك: حفظ النفوس، فإنه علة باعثة على القصاص، الذي هو المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة له، ولا باعث عليه، لأنه قادر أن يحفظ النفوس بدون ذلك، وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس، وهو مقصود في نفسه، وبالقصاص لكونه وسيلة إليه، فكلا المقصد والوسيلة مقصود للشارع، وأجرى الله سبحانه وتعالى العادة أن القصاص سبب للحفظ، فإذا فعل المكلف من السلطان، والقاضي، وولي الدم، القصاص، وانقاد إليه القاتل، امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى ووسيلة إلى حفظ النفوس، كان لهم أجران، أجر على القصاص، وأجر على حفظ النفوس، وكلاهما مأمور به من جهة الله سبحانه وتعالى أحدهما بقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(كتب عليكم القصاص) والثاني
إما بالاستنباط، وإما بالإيماء، في قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(ولكم في القصاص حياة)
وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة.
ومن هنا يتبين أن كل حكم معقول المعنى، فللشارع فيه مقصودان:
أحدهما ذلك المعنى.
الثاني: الفعل الذي هو طريق إليه، وأمر المكلف أن يفعل ذلك الفعل، قاصدا به ذلك المعنى.
فالمعنى باعث له، لا للشارع.
ومن هنا يعلم أن الحكم المعقول المعنى أكثر أجرا من الحكم التعبدي فيه معنى آخر، وهو أن النفس لا حظ لها فيه، فقد يكون أجر الواحد يعدل الأجرين الذين في الحكم غير التعبدي.
ويعرف أيضا أن العلة القاصرة ـ سواء كانت منصوصة أو مستنبطة ـ فيه فائدة، وقد ذكر الناس لها فوائد، وما ذكرناه فائدة زائدة، وهي قصد المكلف فعله لأجلها، فيزداد أجره، فانظر هذه الفائدة الجليلة، واستعمل في كل مسألة ترد عليك هذه الطريق، وميز بين المراتب الثلاث، وهي حكم الله سبحانه وتعالى بالقصاص، ونفس القصاص، وحفظ النفوس، وهو باعث على الثاني، لا على الأول، وكذا حفظ المال بالقطع في السرقة، وحفظ العقل باجتناب المسكر، فشد يديك بهذا الجواب نقله في الإبهاج.
للدفع والرفع أو الأمرين .........................
معناه أن العلة المعلل بها، قد تكون دافعة لحكم، أو رافعة له، أو دافعة ورافعة معا، وقد تقدم تقسيم المانع إلى هذا في الكلام على خطاب الوضع، وهي في ذلك علة لعدم الحكم، فهي مانع للحكم الوجودي، سبب للحكم العدمي، الذي هو عدم حل النكاح ـ مثلا ـ وهذا هو وجه ذكر هذه المسألة هنا على ما قاله الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
واجبة الظهور دون مين
معناه أن الوصف المعلل به، يجب أن يكون أمرا ظاهرا، فلا يجوز التعليل بالأوصاف الخفية، لأن الخفي لا يعرف الخفي، ولذلك عللت العدة بالخلوة، لكونها أمرا ظاهرا، دون الوطء، إذ شأنه الخفاء.
ومن شروط الوصف الانضباط
…
إلا فحكمة بها يناط
وهْي التي من اَجلها الوصف جرى
…
علة حكم، عند كل من درى
يشترط في الوصف أيضا، أن يكون منضبطا، كالإسكار في الخمر، والاقتيات والادخار في البر - مثلا -.
ولذلك عدل عن تعليل القصر بالمشقة، لعدم انضباطها، إلى السفر، لانضباطه.
وعن تعليل العدة بالوطء، لأن شأنه الخفاء، إلى التعليل بالخلوة، لأنها ظاهرة، وهي مظنة له.
ومن شروطه كذلك أن يكون ضابطا لحكمة، أي: مشتملا عليها، بمعنى أن في ترتب الحكم عليه مصلحة، كالإسكار، ففي ترتيب التحريم عليه، مصلحة حفظ العقول.
…
والظاهر أن الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى – أراد أول المعنيين، وأنه عقد بهذين البيتين، والشطر الذي قبلهما، قول التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع في ذكر شروط العلة:" وصفا ظاهرا منضبطا " مع قول القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في التنقيح: الوصف إن لم يكن منضبطا جاز التعليل بالحكمة، وفيه خلاف اهـ
وهو غير بين، فإن شأن المظنة الظهور والانضباط، بخلاف الحكمة.
والتعليل بالحكمة حكوا فيه ثلاثة أقوال، وهي:
المنع مطلقا، وهو مذهب الأكثرين، لعدم الاطراد.
والجواز مطلقا، لأنها المقصود، ورجحه الرازي والبيضاوي ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى والجواز إن كانت ظاهرة منضبطة بنفسها، وإلا فلا، وهو مختار الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى.
والظاهر أن هذا - أعني التعليل بالحكمة إذا انضبطت - هو ما أراد القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى – فسبق قلمه إلى أن الوصف إذا لم ينضبط، يعلل بالحكمة، وإنما أراد أن
الحكمة إذا انضبطت يعلل بها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد نبه على عدم استقامة كلامه في ذلك في الحلي.
والمراد بالحكمة التي اختلف في التعليل: بها المعنى الذي لأجله ناسب شرع الحكم، كذهاب العقل في تحريم المسكر، والمشقة في السفر، الذي يترتب على مراعاته جلب المصلحة، أو درء المفسدة، لا عين جلب المصلحة، أودرء المفسدة، الذي هو الحكمة المشترط اشتمال الوصف عليها، بمعنى أنها فوائد بناء الحكم على المعنى المظنون في الوصف، كما بينه الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
ولذلك قال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى: والحكمة هي التي لأجلها صار الوصف علة، كذهاب العقل، الموجب لجعل الإسكار علة، قاله في التنقيح.
قال في شرحه: ومن الحكمة اختلاط الأنساب، فإنه سبب جعل وصف الزنا سبب وجوب الحد، وكضياع المال، الموجب لجعل وصف السرقة سبب القطع اهـ
وهذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وهي التي من أجلها الوصف البيت.
وقد وقع في حواشي الجمع خلط بين معنيي الحكمة، كما بينه الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
وهو للغة والحقيقه
…
والشرع والعرف نمى الخليقه
معناه أن الوصف المعلل به، يكون حقيقيا، وهو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو غيره.
ويكون لغويا، كتعليل حرمة النبيذ بأنه يسمى خمرا، كالمشتد من ماء العنب، على ما تقدم في ثبوت اللغة بالقياس.
ويكون شرعيا، كتعليل منع بيع الخمر بحرمة شربه.
ويكون عرفيا مطردا، لا يختلف باختلاف الأوقات، كالشرف والخسة في الكفاءة.
وقيل لا يجوز أن يكون حكما شرعيا، وليس بشيء، وفي اللغوي ما تقدم.
وقد يعلل بما تركبا
…
وامنع لعلة بما قد أذهبا
معناه أن العلة يجوز أن تكون مركبة من أوصاف متعددة، كما تقدم، كالاقتيات، والادخار، وغلبة العيش.
وقيل: لا يجوز التعليل بمركب، لأنه يؤدي إلى محال، وذلك أنه بانتفاء جزء، تنتفي عليته، فإذا انتفى جزء آخر، لزم تحصيل الحاصل، لأن انتفاء الجزء، علة لعدم العلية.
وأجيب بأنا لا نسلم أنه من قبيل علة عدم العلية، بل من قبيل عدم الشرط، فعدم العلية لانتفاء شرط وجودها، لا وجود علته - أعني علة عدمها - فلا يلزم تحصيل الحاصل، لأنه إذا كان عدم الشيء لانعدام شرط وجوده، لم يلزم من عدمه ذلك قاله الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
قوله: وامنع لعلة بما قد أذهبا، أشار رحمه الله سبحانه وتعالى به إلى مانع العلة، وذلك أن من شروط الوصف المعلل به، اشتماله على حكمة تبعث المكلف على الامتثال، وتصلح شاهدا لإناطة الحكم به، كحفظ النفوس، فإنه حكمة ترتب وجوب القصاص على وصف القتل العمد العدوان، فكان وجود ما يخل بهذه الحكمة مانعا من عليتها.
وذلك كالدين، بالنسبة لمالك نصاب العين، فملك النصاب علة لوجوب الزكاة، والحكمة الاستغناء بذلك، والدين مخل به، فلا استغناء معه، للحاجة إلى ما يقضى به، فكان مانعا من علية ملك النصاب لوجوب الزكاة.
والخلف في التعليل للذي عُدم
…
لما ثبوتيا، كنسبي علم
معناه أنه اختلف في جواز تعليل الأمر الثبوتي، بالعدمي، فذهب الأكثرون من المتقدمين ـ منهم القاضي أبو بكر الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق، وأبو الوليد الباجي رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ إلى جوازه، لصحة أن يقال: ضرب فلان عبده لعدم امتثال أمره.
وذلك كتعليل حرمة متروك التسمية، بعدم ذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليه.
واختار الآمدي وابن الحاجب وصاحب التنقيح والتاج السبكي رحمهم الله سبحانه وتعالى – المنع.
واختاره الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى في المعالم، واختار في المحصول الجواز.
وأما تعليل العدمي، بالعدمي، كتعليل عدم نفاذ التصرف، بعدم العقل، وتعليل العدمي بالثبوتي، كتعليل عدم نفوذ التصرف بالسفه، فحكي في جوازهما الاتفاق.
وقال ابن المنير رحمه الله سبحانه وتعالى: المختار أن النفي لا يقع علة للحكم الثبوتي، ولا للنفي، لأن النفي المفروض علته، لا يجوز أن يكون النفي المطلق باتفاق، فتعين أن يكون نفيا مضافا إلى أمر، وذلك الأمر إن كان منشأ مصلحة، استحال أن يعلل بنفيه حكم ثبوتي، إذ عدم المصلحة لا يكون علة في الحكم، وإن كان منشأ مفسدة، فهو مانع، ونفي المانع لا يكون علة، نقله عنه في البحر.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: كنسبي، أشار به إلى الاختلاف في التعليل بالأمور النسبية، ويقال لها الإضافية، كالأبوة، والبنوة، والأخوة، ونحو ذلك.
ومنشأ الاختلاف: الاختلاف في كونها وجودية أو عدمية.
فإن قلنا: وجودية، جاز التعليل بها مطلقا، وإن قلنا: عدمية، جرى فيها التفصيل المتقدم.
وكذلك القول في الوصف التقديري، كتعليل ثبوت الولاء للمعتق عنه، بتقدير ثبوت الملك له، وتعليل توريث الدية، بتقدير ثبوت الملك للمقتول قبل موته، إذ لا يستحقها وهو حي، وما لا يملك لا يورث عنه، ولا ملك بعد الموت.
والخلاف في المقدر أضعف من الخلاف في العدمي.
لم تلف في المعللات عله
…
خالية عن حكمة في الجمله
وربما يعوزنا اطلاع
…
لكنه ليس به امتناع
معناه أن الأحكام الشرعية المعللة، لا تخلو علة من عللها عن حكمة، لكن في الجملة، فلا يشترط ظهور تلك الحكمة في كل محل من محال المظنة المعلل بها، وعدم ظهورنا على تلك الحكمة، في بعض العلل، لا يقتضي انتفاءها، والوقوف على الحكمة في الآلاف المؤلفة من الأحكام، يحصل غلبة الظن القريبة من القطع، بأن العدد اليسير الذي لم نظهر على الحكمة فيه، على نحو ذلك العدد الذي لا يمكن أن يدخل تحت الحصر.
خاصة وأن شأن بعض المعاني الخفاء، فيجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته، حيث
دلت القرينة على عليته، كما في تعليل الربويات بالطعم، فما سبق من اشتراط اشتمال الوصف على حكمة تبعث المكلف على الامتثال، إنما هو في الجملة.
وأما التعبدات فيجوز خلوها عن درء المفاسد وجلب المصالح، فجلب مصلحة الثواب - مثلا ـ كاف في ذلك.
والاستقراء دال على أن أكثرها يتضمن حكما أخرى غير الجزاء كثيرة، فهي إذا كغيرها.
واختلف في المظنة إذا قطع في بعض محالها بانتفاء الحكمة، هل يثبت الحكم، لأن الشرع جعل المظنة علامة له، أو لا يثبت، إذ لا عبرة بالمظنة مع تحقق انتفاء المئنة.
مثاله: من مسكنه على البحر، ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة من غير مشقة، يجوز له القصر في سفره، واستبراء الصغيرة، التي لا تحمل عادة، وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وفي ثبوت الحكم عند الانتفا
…
للظن، والنفي خلاف عرفا
وقوله: للظن، يعني به للمظنة، وهو تعليل لقوله: ثبوت الحكم.
وقوله: عند الانتفاء، يعني انتفاء الحكمة قطعا.
وقوله: والنفي، معطوف على ثبوت.
والمعنى أنه اختلف في ثبوت الحكم وانتفائه، عند القطع بعدم الحكمة.
ولا يبعد أن يقيد بما إذا لم يكن الخالي من الحكمة ذريعة للمشتمل عليها، كما في حديث " ما أسكر كثيره فقليله حرام "
(1)
والله سبحانه وتعالى أعلم.
وعللوا بما خلت من تعديه
…
ليعلم امتناعه والتقويه
معناه أن التعليل بالعلة القاصرة، جائز اتفاقا في المنصوصة، والمجمع عليها، وعند جميع المالكية كما قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله سبحانه وتعالى والأكثرين في المستنبطة، خلافا للإمام أبي حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى وأصحابه وهو وجه للشافعية.
وحكى القاضي عبد الوهاب رحمه الله سبحانه وتعالى في الملخص قولا بالمنع
(1)
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث حسن صحيح.
مطلقا عن أكثر فقهاء العراق.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: ولم أر هذا القول في شيء مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا.
وحجة الحنفية عدم الفائدة في التعليل بها.
وأجيب بأن لها فوائد:
منها: معرفة منع الإلحاق، فهي مؤثرة في النفي، كما أثرت المتعدية في الإثبات.
ومنها: أن العلة إذا طابقت النص، زاده ذلك قوة، ويتعاضدان.
وإلى هاتين الفائدتين أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ليعلم امتناعه والتقويه.
ومن فوائدها: معرفة الباعث المناسب للحكم، فيكون أدعى للقبول.
ومنها: أن المكلف يقصد الفعل لأجلها، فيحصل له أجران:
أجر قصد الفعل للامتثال.
وأجر قصد الفعل لأجلها.
فيفعل المأمور به، لكونه أمرا، وللعلة، كما قال تقي الدين السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى.
منها محل الحكم أو جزء ورد
…
وصفا إذا كان لزوميا يرد
معناه أن من العلة القاصرة، التعليل بالمحل.
والمحل: ما وضع له اللفظ، كتعليل الربا في النقدين بجوهريتهما.
ومنها: جزء المحل الخاص به، كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين، بالخروج منهما، فالخروج جزء معنى الخارج، فمعناه ذات متصفة بالخروج، كما تقدم.
ومنها: الوصف اللازم الذي لا يتصف به غير المحل، كلطافة الماء.
وجاز بالمشتق نحو ضارب
…
لا نحو أبيض ولا باللقب
أشار بهذا إلى ثلاث مسائل:
الأولى: أن الوصف المشتق من الفعل، الذي هو الحدث الصادر باختيار فاعله، يجوز
التعليل به، وقد حكى التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى الاتفاق فيه، وهو المتجه، ومنهم من حكى فيه خلافا، وهو غريب فإن التعليل كما بينه في القواطع بموضع الاشتقاق، كالقتل، لا بنفس الاسم كالقاتل.
وهذا هو المراد بالشطر الأول.
الثانية: أن الوصف المشتق من صفة كالبياض، والسواد، لا يعلل به، وفيه اختلاف من جهة الاختلاف في التعلق بمعناه الذي هو الأشباه الصورية، وسيأتي الكلام عليها.
وهذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه -: لا نحو أبيض.
الثالثة: أن اللقب لا يعلل به، وقد حكى الفخر الرازي الاتفاق على ذلك، وهو نوعان: ما لا يشتمل على معنى يناسب، كزيد وعمرو، فهذا لا يختلف في عدم التعليل به.
وقسم يشتمل مسماه على معنى يصلح للتعليل به، وهذا موضع خلاف، وقد جاء عن الإمام الشافعي والإمام أحمد - رحمهما الله سبحانه وتعالى أنهما عللا بالبول،
(1)
والماء، وقد يؤخذ من عبارة الفخر أن ما يحكى من الخلاف لفظي، فالمعلل يقصد وصف المسمى، وهو صفة، والمانع يمنع التعلق باللفظ.
وهذا هو الحال ـ أيضا ـ في المشتق من الحدث الاختياري، كما تقدم عن ابن السمعاني رحمه الله سبحانه وتعالى.
والحاصل أن اللقب، إما أن يراد به اللفظ أو المعنى.
فإن كان المراد: اللفظ، فلا وجه لتفسيره بالجامد، والمقابلة بينه وبين المشتق، فكل ذلك لقب، ولا مزية لبعضه على بعض.
وإن كان المراد: معناه، كما هو ظاهر الاكثرين توجه الفرق بين ما يتضمن معنى يصلح للتعليل به كضارب، وما لا.
وقد يختلف الحكم على اللقب الواحد، بحسب الأحكام الواردة عليه، فيصلح
(1)
جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى أنه علل نجاسة بول ما يؤكل لحمه، بأنه بول، كبول الآدمي.
وجاء عن الإمام أحمد رحمه الله سبحانه وتعالى أنه جوز الوضوء بماء الباقلاء والحمص، معللا بأنه ماء.
للتعليل في بعض المواطن، دون بعض، كالصورة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وما أورده صاحب نثر الورود من الإشكال هنا متجه على الاحتمال الثاني الذي هو ظاهر الأكثرين، وجوابه بالتفصيل المذكور آنفا في اللقب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وعلة منصوصة تعدد
…
في ذات الاستنباط خلف يعهد
اختلف في تعليل حكم واحد بالشخص بعلتين فأكثر، فأجازه الأكثرون، قال القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله سبحانه وتعالى: وبهذا نقول، بناء على أن العلل علامات وأمارات على الأحكام، لا موجبة لها، فلا يستحيل ذلك اهـ
وهو الذي استقر عليه رأي إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقيل: لا يجوز مطلقا، وبه جزم الصيرفي، ونسبه القاضي عبد الوهاب رحمه الله سبحانه وتعالى لمتقدمي أصحابنا، واختاره الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقيل: يجوز في المنصوصة دون المستنبطة، وهو اختيار الأستاذ أبي بكر بن فورك، والإمام الرازي - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
وقيل: يجوز في المستنبطة دون المنصوصة، حكاه ابن الحاجب وابن المنير في شرحه للبرهان.
وعلى القول بالجواز، فمذهب الجمهور الوقوع، وقال إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى: إنه لم يقع.
ومقتضى ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى أن هذه المذاهب، جارية في التعليل بعلتين، سواء كانتا متعاقبتين أم معا، ومقتضى غيره أنه مختص بالمعية.
واحتج ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى للجواز بالوقوع، وكل الأمثلة التي يمثلون بها للوقوع يدعي فيها المانع فيها تعدد الحكم.
قال في رفع الحاجب: وقال - يعني إمام الحرمين رحمهما الله سبحانه وتعالى: وقال من يخالف هؤلاء: إنما يناط بالعلل تحريمات، ولكن لا يظهر أثر تعدده، وقد يتكلف المتكلف، فيجد بين كل تحريمين تفاوتا، وهذا بين في القتل، فإن من استحق قصاصا وقتلا، فالمستحق قتلان، ولكن المحل يضيق عن اجتماعهما، ولو فرض سقوط أحدهما لبقي الثاني،
فلا يكاد يصفو تحقيق تعليل حكم واحد بعلتين تصويرا اهـ
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: وما ذكره حق، فما من مكان إلا والخصم بسبيل من أن يدعي فيه تعدد الأحكام، وإتيانه بوجه واضح يدل له، وربما لاح في بعضها، وظهر ظهورا بينا.
ومن أماكن ظهوره كفلق الصبح: حدث البول والغائط الذين ادعى المصنف اتحادهما، وجعل ذلك كالأصل الممهد، ليقيس عليه - كما عرفت - وبينهما اختلاف يظهر أثره في ما إذا نوى رفع أحدهما، ففي المسألة أوجه اهـ
وحجة المنع لزوم المحال، فإن الشيء باستناده إلى كل واحد من علتين، يستغني عن الأخرى، فيلزم أن يكون مستغنيا عن كل منهما، وغير مستغن عنه، وذلك جمع بين النقيضين.
ويلزم أيضا تحصيل الحاصل في التعاقب، حيث يوجد بالثانية - مثلا - نفس الموجود بالأولى، قاله المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى.
وهذا بناء على أن العلة بمعنى الباعث أي: المتصف بالبعث بالفعل، لا أنه يكون باعثا إذا انفرد.
والموضوع الحكم الواحد بالشخص - كما تقدم -.
وأما الواحد بالنوع، فيجوز تعدد علله بحسب تعدد أشخاصه بلا خلاف.
كتعليل إباحة قتل زيد بالردة، وعمرو بالقصاص، وبكر بالزنى، وخالد بترك الصلاة قاله في النشر.
وبما تقدم عن التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى تعلم عدم ظهور ما ذكره ابن عاشور رحمه الله سبحانه وتعالى في نواقض الوضوء، من أنه من باب تعدد محل العلة الواحدة.
وهي المسألة التي أشار إليها سيدي خليل رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: أو نسي حدثا لا أخرجه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وذاك في الحكم الكثير أطلقه
…
كالقطع معْ غرم نصاب السرقه
هذه المسألة، مقابلة للمسألة السابقة، وهي أن تتحد العلة، ويتعدد المعلول، فيكون أحكاما مختلفة، وفيها خلاف على أن العلة بمعنى الباعث، والأكثرون على الجواز، وأما على أنها بمعنى الأمارة، فيجوز اتفاقا.
قال ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى: والمختار جواز تعليل حكمين بعلة، بمعنى الباعث، وأما الأمارة فاتفاق اهـ
ومثال ذلك في الإثبات: طلوع فجر رمضان، فهو أمارة لوجوب الإمساك، والصلاة، ومثاله في النفي: الحيض، فهو أمارة لمنع الصلاة، والصوم، والطواف، ومس المصحف، والوطء، والطلاق.
وقيل: لا يجوز ذلك مطلقا، بناء على اشتراط المناسبة فيها، لأن مناسبتها لحكم تحصل المقصود منها بترتيب الحكم عليها، فلو ناسبت آخر لزم تحصيل الحاصل.
وأجيب بمنع ذلك، لجواز تعدد المقصود، كما في السرقة، المترتب عليها القطع، زجرا عنها، والغرم جبرا لما تلف من المال.
وقيل: يجوز إن لم يكن بينهما تضاد، لأن الشيء الواحد لا يناسب المتضادين. وأجيب بمنع ذلك، لجواز تعدد الجهات فيهما، فعلية الوصف الواحد لحكمين، إنما يجوز بشرطين متضادين، كالجسم يكون علة للسكون، بشرط البقاء في الحيز، وعلة للحركة بشرط الانتقال عنه.
وقد تخصص وقد تعمم
…
لأصلها لكنها لا تخرم
من شروط العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال، لأنه منشؤها، فإبطالها له، إبطال لها، فلو صححناها لزم اجتماع النقيضين.
ومثلوا لذلك بتعليل الحنفية، وجوب الشاة في الزكاة، بدفع حاجة الفقير، المقتضي جواز إخراج قيمتها، المفضي إلى عدم وجوبها على التعيين.
وهذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: لكنها لا تخرم.
واختلف في عودها عليه بالتخصيص هل يجوز أو لا على قولين؟
ومثال ذلك: حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان،
(1)
فالحيوان شامل للمأكول وغيره، والعلة فيه - وهي معنى الربا - تقتضي تخصيصه بالمأكول.
وهذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وقد تخصص.
وأما عودها على أصلها بالتعميم فلا خلاف فيه.
ومثاله: النهي عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان،
(2)
إذا قيل: العلة التشويش، عم كل مشوش، وباب القياس كله تعميم للنص بالعلة.
وشرطها التعيين ......... .........................
معناه أنه يشترط عند الجمهور في الإلحاق بالعلة أن تتعين، خلافا لمن جوز التعليل بمبهم من أمور مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، تعلقا بقول عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك.
وذلك كأن يقال: يحرم الربا في البر للاقتيات أو الادخار، وكل منهما حاصل في الأرز، فهو ربوي.
قال الهندي رحمه الله سبحانه وتعالى: لكن أطبق الجماهير على فساده، لأنه يفضي إلى أن العامي والمجتهد سواء في إثبات الأحكام الشرعية في الحوادث، إذ ما من عامي جاهل، إلا وعنده معرفة بأن هذا النوع أصل من الأصول في أحكام كثيرة.
والتقدير
…
لها جوازه هو التحرير
معناه أن التعليل بالوصف المقدر، جائز على ما هو التحرير، والمقدر هو الفرضي الذي لا حقيقة له في الخارج، خلافا للفخر الرازي رحمه الله سبحانه وتعالى حيث منع تصور التقدير في الشرع، فضلا عن التعليل به، فهو يمنع كون الملك - مثلا - وصفا مقدرا.
قال العطار رحمه الله سبحانه وتعالى: فهو عنده وصف محقق، وليس من لوازم المحقق أن يحس، فإن المتكلمين يجعلون الصفات كالعلم ونحوه، من الأمور المحققة، وليست
(1)
رواه الإمام مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهما ـ مرسلا.
(2)
رواه مسلم وأبو داوود.
محسوسة.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله سبحانه وتعالى: إن جعل المقدر محققا، لا يخرجه عن كونه مقدرا، كيف وكلام الفقهاء طافح بالتعليل بالمقدر، كقولهم: الحدث: وصف مقدر قائم بالأعضاء اهـ
ومقتضِي الحكم وجوده وجب
…
متى يكن وجود مانع سبب
كذا إذا انتفاء شرط كانا
…
وفخرهم خلاف ذا أبانا
تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي يسمى تعليلا بالمانع، وقد شرط فيه الجمهور ـ ومنهم الآمدي ـ وجود المقتضي.
قال الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى: وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمصالح الخلق، فما لا فائدة في إثباته، فلا يشرع، فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته، وسواء وجدت ثم حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد، وفرق بين انتفاء الحكم، لانتفاء فائدته، وبين انتفائه لوجود فائدة نافية له، وإذا كان كذلك فما لم يوجد المقتضي للإثبات، كان نفي الحكم للمانع، أو لفوات الشرط ممتنعا اهـ
وذهب قوم منهم الرازي وابن الحاجب - رحمهما الله سبحانه وتعالى إلى عدم اشتراط ذلك.
وقالوا: إذا استقل المانع، وعدم الشرط، مع وجود معارضه المقتضي، فمع عدمه أولى.
قال في البحر: ثم قال الإمام، وتبعه الهندي رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين -: هذا الخلاف مفرع على جواز تخصيص العلة، لإمكان اجتماع العلة، مع المانع في أصل المسألة.
فإن منعناه فلا يتصور هذا الخلاف، لأن التعليل بالمانع حينئذ لا يتصور، فضلا عن أن يكون مشروطا ببيان المقتضي أم لا.
وكذلك الخلاف في ما لو علل عدم الحكم بفوات شرط، ومنع صاحب التلخيص التفريع على القول بتخصيص العلة، وقال بمجيء الخلاف وإن لم يجوز تخصيص العلة. وكأن وجهه أن المانع من التخصيص يقول: ما يسمونه بالمانع، مقتض عندي للحكم بالعدم،
فقتل المكافئ في غير الأب هو العلة في إيجاب القصاص، وقتل الأب بخصوصه، هو المقتضي لعدم الإيجاب، ويعود حينئذ الخلاف لفظيا اهـ
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسالك العلة
المسالك: جمع مسلك، وهو اسم مكان من السلوك، وهو المرور.
والعلة تقدم الكلام عليها.
فمسالك العلة هي: الطرق التي يعرف بها كون الوصف علة، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
ومسلك العلة ما دل على
…
علية الشيء متى ما حصلا
وقوله: متى ما حصلا، يصح عوده إلى الشيء، وإلى مسلك.
مسلك الإجماع
ومسالك العلة ثلاثة أنواع: الإجماع، والنص، والاستنباط.
ومثال الإجماع: إجماعهم على أن الغصب علة للضمان، والصغر علة للحجر، وعلى أن علة النهي في حديث " لا يحكمن أحد بين اثنين وهو غضبان "
(1)
التشويش.
مسلك النص
ويلي الإجماع النص، وينقسم إلى صريح وظاهر، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
الاجماع، فالنص الصريح مثْلُ
…
لعلة، فسبب، فيتلو
منَ اَجل ذا، فنحو كي، إذاً، فما
…
ظهر: لام، ثمت البا علما
فالفاء للشارع فالفقيه
…
فغيره، يتْبع بالشبيه
والمراد بالنص: ما دل من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، على العلية، سواء كانت دلالته عليها بوجه صريح، أو لا.
(1)
متفق عليه.
وهو على مراتب، لأنه إما صريح، أو غيره.
والصريح قال في رفع الحاجب: هو ما وضع دالا على العلية، ثم إن هذا الوضع إما أن يكون بحيث لا يحتمل غير العلية، أو بحيث يحتمل غيرها احتمالا مرجوحا، وذلك ممكن، بأن يضعه الواضع كذلك، أو يضعه للأول، ثم يستعمل في معنى آخر استعمالا قليلا، فإذا ورد بعد ذلك كان صريحا في الأول، مع احتماله في الثاني اهـ
وقال الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى كما في البحر: ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التاويل، بل المنطوق بالتعليل فيه ـ على حسب دلالة اللفظ الظاهر ـ على المعنى اهـ
ونقل عن صاحب التنقيح: أن الصريح هو ما يدل عليه اللفظ، سواء كان موضوعا له أو لمعنى يتضمنه، فدخل الحروف المتصلة بغيرها اهـ
ومن أقوى الصريح: لعلة كذا، أو لسبب كذا.
وجعل الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى " لعلة كذا " أقوى من " لسبب كذا " وهو ظاهر التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع، ومقتضى غير واحد استواؤهما، كالآمدي في الإحكام، والتاج في رفع الحاجب، والزركشي في البحر رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين -.
قال في النشر: وبعض الأصوليين أسقط هذين اللفظين لعزة وجودهما في الكتاب والسنة اهـ
وفي معناهما لموجب كذا.
ويلي ذلك: من أجل كذا، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(من أجل ذلك كتبنا على بني إسراءيل) الآية الكريمة.
أو لأجل كذا، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة "
(1)
.
(1)
الحديث متفق عليه، ولم أقف عليه بلفظ " لأجل ".
والوجه في تأخر هذا عما قبله، أن لفظ العلة، تعلم به العلية من غير واسطة، بخلاف لأجل، أو من أجل، فإنه يفيد معرفتها بواسطة معرفة أن العلة ما لأجلها الحكم، والدال بلا واسطة أقوى، نقله في البحر.
ومقتضى الرازي رحمه الله سبحانه وتعالى أن هذه الألفاظ الأربعة في رتبة واحدة.
…
ويلي ذلك " كي " ـ سواء كانت مع اللام، أو دونها ـ كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(لكيلا تأسوا) الآية.
وكقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (كي لا يكون دولة).
وقوله سبحانه وتعالى: (كي تقر عينها)
والمصدرية لا تخرجها عن العلية.
وإذا، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(إذا لأمسكتم خشية الإنفاق).
وظاهر الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى استواء كي وإذا، وهو ظاهر التاج رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع.
وجعل في البحر كي سابقة على إذا، وذكر أن إمام الحرمين والرازي رحمهم الله سبحانه وتعالى جعلا إذا من الظاهر.
وعد في البحر من الصريح المفعول لأجله، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" خشية الصدقة "
(1)
وبعد الصريح الظاهر، وهو مراتب:
أولها: اللام سواء كانت مذكورة أو مقدرة، الأولى: كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به).
والثانية: كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (أن كان ذا مال وبنين).
وظاهر الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى استواء الموضعين، وظاهر الجمع والبحر أن الظاهرة مقدمة على المقدرة.
ولم يجزم بذلك في رفع الحاجب، ونصه: ويشبه أن تكون - يعني المقدرة - دون الظاهرة
(1)
رواه البخاري وأبو داوود والنسائي وابن ماجة.
اهـ
ويلي ذلك الباء، قال ابن مالك رحمه الله سبحانه وتعالى: وضابطه أن يصلح غالبا في موضعها اللام، نقله في البحر، نحو قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(فبظلم من الذين هادوا).
ووجه تأخر الباء عن اللام، أن محامل اللام أقل من محامل الباء، قاله الأصفهاني رحمه الله سبحانه وتعالى.
قال: واللام وإن جاءت للاختصاص، فالتعليل لا يخلو عن الاختصاص، فكانت دلالة اللام أخص بالعلة نقله في البحر.
ويلي ذلك الفاء إذا علق بها الحكم على الوصف، ولا بد فيها من تأخرها، وهي نوعان:
أحدهما: أن تدخل على السبب والعلة، ويكون الحكم متقدما، كقوله عليه الصلاة والسلام في المحرم الذي وقصته ناقته:" لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا "
(1)
.
الثاني: أن تدخل على الحكم، وتكون العلة متقدمة، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)(إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) فالفاء للجزاء، والجزاء مستحق بالمذكور السابق، وهو السرقة - مثلا - لأن التقدير: إن سرق فاقطعوه.
ومن هذا القبيل قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل)
وتقدم الفاء الواقعة في كلام الشرع كتابا أوسنة، على الواقعة في كلام الراوي، كقول عمران بن حصين - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - سهى فسجد.
(2)
وتقدم الواقعة في كلام الراوي الفقيه، على الواقعة في كلام الراوي الذي ليس بفقيه،
(1)
متفق عليه.
(2)
رواه أبو داوود والترمذي وقال: حسن غريب، ورواه النسائي.
وقيل هما سواء.
قال في البحر: قيل: والفاء إذا امتنع كونها للعطف، تعين للسبب، والمانع للعطف أنها متى قدرت له الواو اختل الكلام، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" من أحيا أرضا ميتة فهي له "
(1)
لأنها لو كانت عاطفة بمعنى الواو، لتضمنت الجملة معنى الشرط بلا جواب.
وهذا مبني على حصر الفاء في التعليل والعطف، وهو ممنوع، بل هي في هذه المواضع جواب، أي: رابطة بين الشرط وجوابه، ولا يلزم من كون الأول شرطا كونه علة اهـ
وقوله: يتبع بالشبيه، معناه أنه يلحق بذلك ما يشبهه في الظهور في العلية.
وذلك كإن ـ بالكسر والتشديد ـ كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"
(2)
.
ومنهم من عدها من الإيماء، قال في التلويح: وأما كلمة إن بدون الفاء، مثل " إنها من الطوافبن "
(3)
فالمذكور في أكثر الكتب، أنها من قبيل الصريح، لما ذكره الشيخ عبد القاهر رحمه الله سبحانه وتعالى أنها في مثل هذه المواقع تقع موقع الفاء، وتغني غناءها، وجعلها بعضهم من قبيل الإيماء، نظرا إلى أنها لم توضع للتعليل، وإنما وقعت في هذه المواقع، لتقوية الجملة التي يطلبها المخاطب، ويتردد فيها، ويسأل عنها، ودلالة الجواب على العلية إيماء لا صريح، وبالجملة كلمة إن مع الفاء، أو بدونها، قد تورد في أمثلة الصريح، وقد تورد في أمثلة الإيماء، ويعتذر عنه بأنه صريح باعتبار أن والفاء، وإيماء باعتبار ترتب الحكم على الوصف اهـ
ومراده بالصريح الظاهر.
ومن الظاهر أيضا إذ، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (وإذ لم يهتدوا به
(1)
رواه أبو داوود والترمذي والإمام مالك والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(2)
متفق عليه.
(3)
رواه أبوداوود والإمام أحمد، وهو حديث صحيح. ل
فسيقولون هذا إفك قديم).
وكقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبئاء وجعلكم ملوكا).
وكقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (اذكروا نعمت الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها).
مسلك الإيماء
والثالث الإيما اقتران الوصف
…
بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير
…
قرانه لغيرها يضير
المسلك الثالث من مسالك العلة: مسلك الإيماء، وهو اقتران الوصف، أو نظيره بالحكم، اقترانا يستبعد كونه لغير علية الوصف للحكم، أو نظيره، في نظير الحكم.
مثال أولهما: قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (فاقتلوا المشركين) فترتيب القتل على وصف الشرك، مقتض عليته له.
ومثال الثاني: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للتي قالت إن أمها ماتت وعليها نذر حج، أفأحج عنها؟:" أرأيت إن كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال:" فحجي عن أمك، فالله أحق بالقضاء "
(1)
.
فقد سألت عن دين الله سبحانه وتعالى على الميت، وجواز قضائه عنه، فذكر لها دين الآدمي على الميت، وقررها على جواز قضائه، فلو لم يكن جواز القضاء فيهما، لكون الدين علة له، لكان بعيدا.
ولا فرق في ذلك بين أن يكونا ملفوظين، أو مقدرين، أو يكون أحدهما ملفوظا، والآخر مقدرا.
مثال ذكرهما: ما تقدم.
ومثال تقديرهما: قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) أي:
(1)
متفق عليه.
فإذا طهرن فلا جناح عليكم في قربانهن.
ومثال النطق بالوصف، وتقدير الحكم: قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) أي: فلا شيء لهن في الأولى، وفي الثانية عند الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى ولهن الصداق كاملا في الثانية عند الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى.
ومثال عكسه: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للأعرابي: " أعتق رقبة "
(1)
قال ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى: كأنه قال: إذا واقعت فكفر.
وقوله: رحمه الله سبحانه وتعالى: ملفوظين، يحترز به من المستنبطين، وذلك على ثلاثة أوجه، لأنهما إما أن يستنبطا معا، أو يذكر أحدهما ويستنبط الآخر.
فإن كانا مستنبطين معا، فليس بإيماء اتفاقا.
وإن استنبط أحدهما ونص الآخر، فإن كان المنصوص الوصفَ، وكان الحكم مستنبطا، كاستنباط صحة البيع من حليته في قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(وأحل الله البيع) فقد اختلف في كون ذلك إيماء، ورجح الهندي رحمه الله سبحانه وتعالى أنه إيماء، لأن الصحة لازمة للحل، إذ لولا الصحة لم يكن للإحلال فائدة.
وظاهر التاج رحمه الله سبحانه وتعالى تضعيفه.
وإن كان المنصوص الحكمَ، وكان الوصف مستنبطا، كاستنباط علية الاقتيات والادخار في تحريم الربا المنصوص، فليس بإيماء، قيل: اتفاقا، وقيل على الخلاف الآنف الذكر في عكسه، واستبعده الهندي رحمه الله سبحانه وتعالى واستبعاده إياه وجيه.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: دون خلف، يعني في كونه إيماء.
كذا إذا سمع وصفا فحكم .........................
معناه أن من صور الإيماء أيضا، أن يحكم صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم عند سماع وصف، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد قول الأعرابي: واقعت أهلي في نهار رمضان -: " أعتق رقبة ".
(1)
متفق عليه.
قال في رفع الحاجب: فإن قلت: يحتمل أن يكون ابتداء كلام، أو جواب سؤال، أو زجرا للسائل عن الكلام، كقول السيد لعبده - إذا سأله عن شيء -: اشتغل بشأنك.
قلت: غلبة الظن بالتعليل قائمة، من غير التفات إلى هذه الاحتمالات، وأيضا فكان يلزم خلو السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن الغالب أن السائل إنما سأل عن حاجته اهـ
وذكره في الحكم وصفا قدَ اَلم
إن لم يكن علته لم يفد .............................
معناه أن من الإيماء أيضا: أن يذكر الشارع في الحكم وصفا، لو لم يكن لكونه علة في الحكم، لكان ذكره لغوا، كحديث النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين،
(1)
فذكر مدافعة الأخبثين، لو قدر أن المدافعة غير علة للنهي عن ملابسة الصلاة، غير مفيد.
ومنه سؤاله عن وصف للمستفتى عنه، فإذا أخبر عنه، حكم بحكم، كسؤالهم عن شراء الرطب بالتمر، فقال:" أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم، فنهى عنه،
(2)
فكأنه قال: لا يجوز، لأنه ينقص إذا جف.
ومنه أن يسأل عن حكم، فيتعرض لنظيره، وينبه على وجه الشبه بينه، وبين المسؤول عنه، فيفيد أن وجه الشبه هو العلة، كحديث الخثعمية - رضي الله سبحانه وتعالى عنها -.
ومنعَه مما يفيت ...........
معناه أن من الإيماء أيضا: منع المكلف من الاشتغال بفعل، يفيت عليه أمرا تقدم وجوبه، فهو إيماء إلى أن علة ذلك النهي، كونه مانعا من الإتيان بذلك الواجب، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع).
استفد
(1)
روى مسلم " لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان " ورواه أبو داوود والنسائي والإمام أحمد.
(2)
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام مالك، وهو حديث صحيح.
ترتيبه الحكم عليه ......... ..........................
معناه أن من صور الإيماء أيضا: ترتيب الحكم على الوصف، نحو:" القاتل لا يرث "
(1)
.
واتضح
…
تفريق حكمين بوصف المصطلح
أو غاية، شرط، أو استثناء ................................
معناه أن من الإيماء أيضا: التفريق بين حكمين بوصف، أو غاية، أو شرط، أو استثناء.
مثال الوصف: التفريق بين المحصنات وغير المحصنات في الحد، فهو يقتضي علية عدم الحرية في التشطر، ولولا ذلك لم يكن لذكر الوصف فائدة.
وكذا التفريق بين الرجل والمرأة في الشهادة.
والتفريق بين الحر والعبد في الإرث.
ومثال التفريق بالغاية: قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فتفريقه بين وجوب قتالهم، والكف عنه، بإعطاء الجزية، لو لم يكن لعلية بذل الجزية للكف، لكان بعيدا.
ومثال التفريق بالشرط: حديث مسلم " فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " فالتفريق في منع الفضل بين اختلاف الأجناس واتحادها، لو لم يكن لعلية الاختلاف للجواز، لكان بعيدا.
ومثال الاستثناء: قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (ولا تقولن لشايء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) فالتفريق بين الإذن في قوله: فاعل ذلك غدا، والنهي عنه، بالتقييد بالمشيئة، لو لم يكن لعلية التقييد بالمشيئة للجواز، لكان بعيدا.
وصور الإيماء لا تدخل تحت الحصر.
تناسب الوصف على البناء
(1)
رواه الترمذي وابن ماجة، وهو حديث صحيح.
اختلف في اشتراط ظهور مناسبة الوصف المومى إليه، للحكم، والأكثرون على عدم اشتراط ذلك، بناء على أن العلة بمعنى المعرف.
وحكاه في البرهان عن إطلاق الأصوليين، واختاره إلكيا رحمه الله سبحانه وتعالى.
واشترط ذلك إمام الحرمين والغزالي - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
والثالث الفرق، واختاره ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى قال في مختصره: وفي اشتراط المناسبة في صحة علل الإيماء، ثالثها المختار: إن كان التعليل فُهم من المناسبة اشترطت اهـ
قال في رفع الحاجب - عند قوله: رحمهما الله سبحانه وتعالى: ثالثها المختار إلخ -: مثل " لا يقضي القاضي وهو غضبان "
(1)
لأن حقيقته ذكر وصف مناسب، فلو قلنا: لا يشترط فيه المناسبة، مع أنه لا يتحقق إلا بها، لكان تناقضا، وأما سواه من الأقسام فلا اهـ وهو مشكل.
مسلك السبر والتقسيم
والسبر والتقسيم: قسم رابع
…
أن يحصر الأوصاف فيه جامع
ويبطل الذي لها لا يصلح
…
فما بقِي تعيينه متضح
معناه أن المسلك الرابع من مسالك العلة: مسلك السبر والتقسيم، والسبر - بفتح السين -: الاختبار، ومنه سمي المسبار، وهو الميل الذي تختبر به الجراح.
والتقسيم: التجزئة، وذلك أن الناظر يقسم أوصاف المحل إلى ما يصلح للعلية ببادئ النظر، وما لا يصلح لها، ثم يختبر كل وصف.
قال في البحر: وقد أشير إليه في قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) وقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) فإن هذا تقسيم حاصر، لأنه ممتنع خلقهم من غير خالق خلَقَهم، وكونهم يخلقون
(1)
حديث نهي الغضبان عن الحكم متفق عليه.
أنفسهم أشد امتناعا، فعلم أن لهم خالقا خلقهم، وهو سبحانه وتعالى ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار، ليبين أن هذه الصيغة المستدل بها بطريقة بديهية، لا يمكن إنكارها اهـ
وقد يسمى هذا المسلك بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبالافتراق.
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى إلى تفسيره بقوله: أن يحصر الأوصاف إلخ، والمعنى أن السبر والتقسيم: هو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل، واختبارها، وإبطال ما لا يصلح منها للعلية، فيتعين الباقي لذلك.
وذلك كحصر أوصاف البر الصالحة لعلية امتناع جريان الربا فيه، عند إرادة قياس الذرة عليه ـ مثلا ـ فيقال: يشتمل على الطعمية، والاقتيات، والادخار، والكيل، ثم يبطل بعض هذه الأوصاف، بأن يظهر عدم صلاحيتها للتعليل.
فيقول - مثلا -: الطعم لا يصلح علة بمجرده، بقرينة اشتمال هذه الأطعمة المذكورة في الحديث كلها عليه، فلو كان علة بمجرده، لاكتفي بواحد منها.
والكيل بمجرده لا يصلح أيضا، لحصوله في ما لا يجري فيه الربا اتفاقا، ولما تقدم أيضا، فيبقى الاقتيات والادخار.
والشأن لا يعترض المثال
…
إذ قد كفى الفرض والاحتمال
وإنما اعتبر هذا طريقا للعلية، لأن الحكم مهمى أمكن أن يكون معللا، فلا يجعل تعبدا، وإذا أمكن إضافته للمناسب، فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسبا إلا ما بقي بعد السبر، فوجب كونه حجة وعلة بهذه القواعد قاله القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى.
ومنع جماعة حجيته، كالإبياري في شرح البرهان، وقال ابن المنير - رحمهما الله سبحانه وتعالى: ومن الأسئلة القاصمة لمسلك السبر والتقسيم، أن المنفي لا يخلو في نفس الأمر من أن يكون مناسبا، أو شبها، أو طردا، لأنه إما أن يشتمل على مصلحة، أو لا.
فإن اشتمل على مصلحة، فإما أن تكون منضبطة للفهم، أو كلية لا تنضبط، فالأول المناسبة، والثاني الشبه.
وإن لم يشتمل على مصلحة أصلا، فهو الطرد المردود.
فإن كان ثم مناسبة، أو شبه، لغا السبر والتقسيم، فإن كان عريا عن المناسبة قطعا، لم
ينفع السبر والتقسيم أيضا اهـ
معترض الحصر في دفعه يرد
…
: بحثت، ثم بعد بحثي لم أجد
أو انفقاد ما سواها الأصل
…
وليس في الحصر لظن حظْلُ
معناه أن المستدل إذا اعترض عليه بعدم الحصر، بأن قال السائل: يمكن أن يكون في الأصل وصف آخر، كفاه في دفع الاعتراض، أن يقول: بحثت فلم أجد غير هذه الأوصاف.
وذلك لعدالته وأهليته، لأن القياس الحقيقي لا يكون إلا من مجتهد.
أو يقول: الأصل عدم ما سواها.
وقيل: لا يكفي ذلك.
قال الصفي الهندي رحمه الله سبحانه وتعالى: سبره لا يصلح دليلا، لأن الدليل ما يعلم به المدلول، ومحال أن يعلم طالب الحصر الانحصار ببحثه ونظره، وجهله لا يوجب على خصمه أمرا.
وهذا الخلاف بالنسبة للمناظر، وأما المجتهد الناظر لنفسه، فيعمل على ما يظن، وذلك هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وليس في الحصر لظن حظل، على ما يقتضيه النشر.
وهو قطعي إذا ما نميا
…
للقطع، والظني سواه وعيا
معناه أن السبر إذا كان كل من الحصر والإبطال قطعيا، يفيد القطع، أما قطعية الإبطال فظاهرة، وأما قطعية الحصر، فبأن يكون مرددا بين النفي والإثبات، كأن يقول: علة الربا في البر، إما الطعم، أو الكيل، أو القوت، أو غيرها، وجميع الأقسام باطلة، ما عدا الطعم، ثم يستدل على الإبطال بدليل قطعي، قاله الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى. قيل: ولا بد مع ذلك من القطع بكون الأصل معللا، قال الهندي رحمه الله سبحانه وتعالى: وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدا اهـ
فإن كان منتشرا، بأن كان الحصر ظنيا فقط، أو كان الإبطال ظنيا فقط، فهو ظني، وقد اختلف في الاحتجاج به على أقوال:
قيل: حجة، وهو مذهب الأكثرين، لوجوب العمل بالظن.
وقيل: ليس بحجة مطلقا، لجواز بطلان ما أبقاه ـ أيضا ـ.
وقيل: حجة إن أجمع على كون ذلك الحكم معللا، حذرا من أداء إبطال الباقي، إلى خطإ المجمعين.
ورد بجواز كون العلة أمرا لم يذكره، أو أمرا مما أبطل، فلا يلزم خطأ المجمعين.
وقيل: حجة للناظر لنفسه، دون المناظر غيره.
وإلى هذا الخلاف أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
حجية الظني رأي الاكثر
…
في حق ناظر وفي المناظر
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
إن يبد وصفا زائدا معترض
…
وفى به دون البيان الغرض
وقطع ذي السبر إذا منحتم
…
والامر في إبطاله منبهم
معناه أن المعترض إذا أبدى وصفا زائدا غير ما ذكر المستدل، توجه الاعتراض بذلك، ولا يكلف بيان صلاحيته للتعليل، وعلى المستدل دفعه بإطال عليته، كأن يبين بقاء الحكم، مع عدم الوصف المذكور في بعض الصور.
ولا ينقطع المستدل بمجرد إبداء المعترض وصفا زائدا، فغاية إبدائه منع لمقدمة من الدليل، وهي قوله: حصرت الصالح، فلم أجد إلا كذا وكذا، والمستدل لا ينقطع بالمنع، ولكن يلزمه دفعه ليتم دليله.
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: وقطع ذي السبر البيت، معناه أن المستدل إذا عجز عن إبطال علية الوصف الذي أبداه المعترض، انقطع.
فالواو في قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: والامر في إبطاله منبهم، للحال.
أبطِلْ لما طردا يرى، ويبطل
…
غير مناسب له المنخزل
كذاك بالإلغا وإن قد ناسبا
…
وبتعدي وصفه الذي اجتبى
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا إلى طرق الإبطال بعد الحصر، فذكر منها بيان كون الوصف طرديا، أي: أنه من أفراد ما علم من الشرع بالاستقراء إلغاؤه، وعدم
تأثيره، مطلقا كالطول والقصر، والبياض والسواد، فإنها لم تعتبر في باب من الأبواب، أو في ذلك الحكم خاصة، كالأنوثة والذكورة في العتق، فلا أثر لهما فيه، لا في المعتق بالكسر، ولا في المعتق بالفتح، وإن اعتبرا في الشهادة، والولاية، والإرث.
ومنها بيان عدم مناسبة الوصف في تعليل الحكم، لانتفاء مثبت العلية من ظهور المناسبة، ويكفي أن يقول: بحثت فلم تظهر لي فيه مناسبة، واستشكل.
ومنها بيان كون الوصف ملغى - وإن كان مناسبا للحكم المذكور - بوجود الحكم في صورة متفق عليها، خالية من ذلك الوصف.
ومثاله: استقلال الطعم بالحكم الذي هو حرمة ربا الفضل، في ملء كف من القمح، دون الكيل وغيره، فإن ذلك لا يكال، وليس فيه اقتيات في الغالب، والشأن لا يعترض المثال.
ومنها كون ما سوى وصفه الذي استبقى قاصرا، ووصفه متعديا، لأن تعدية الحكم محله أكثر فائدة.
لكن هذا إنما يأتي في الترجيح، فإذا ادعى السائل أن المستبقى لا مناسبة فيه كالمحذوف، لم يكن للمستدل أن يبين مناسبته، لأن ذلك انتقال عن السبر إلى المناسبة، لكن له أن يرجح سبره بتعدي وصفه، كذا ذكر ابن الحاجب في المختصر، والسبكي في الجمع - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
مسلك المناسبة
ثم المناسبة والإخاله
…
من المسالك بلا استحاله
ثم بتخريج المناط يشتهر
…
تخريجها، وبعضهم لا يعتبر
المسلك الخامس من مسالك العلة: مسلك المناسبة، ويعبر عنها بالإخالة، وبالمصلحة، وبالاستدلال، وبرعاية المقاصد.
ويسمى استخراجها تخريج المناط، لأنها إبداء مناط الحكم.
والمناط بفتح الميم: اسم مكان من النوط، وهو التعليق.
والمناسبة لغة: الملاءمة، سمي به لمناسبة الوصف لترتيب الحكم عليه.
والإخالة من خال إذا ظن، لأنه بالنظر إليه يخال أنه علة.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وبعضهم لا يعتبر، إلى أن من أهل العلم من أنكر مسلكية المناسبة كالظاهرية.
وهو أن يعين المجتهد
…
لعلة بذكر ما سيرد
من التناسب الذي معْه اتضح
…
تقارن، والامن مما قد قدح
معناه أن المناسبة هي: تعيين المجتهد العلة، بإبداء مناسبة الوصف للعلية في الحكم، مع الاقتران بينهما، والسلامة من القوادح.
وقد عقد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا قول التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: الخامس المناسبة والإخالة، ويسمى استخراجها: تخريج المناط، وهو تعيين العلة بإبداء مناسبة، مع الاقتران، والسلامة عن القوادح، كالإسكار اهـ
وقد جعل شراحه قوله رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين -: والسلامة من القوادح، قيدا، واستشكل، لأن شرط السلامة من القوادح، لا يختص بالمناسبة، وقال زكريا رحمه الله سبحانه وتعالى: إنه لم يذكر ذلك في حد المسلك، بل في استخراجه.
وشرط الاقتران زاده التاج السبكي على ابن الحاجب - رحمهما الله سبحانه وتعالى ولفظ ابن الحاجب: وهو تعيين العلة، بمجرد إبداء المناسبة من ذاته، لا بنص، ولا غيره، كالإسكار في التحريم، والقتل العمد العدوان في القصاص اهـ
والاقتران المراد به: تلازم الحكم والوصف، لا اقترانهما في النص ـ كما قاله جمع من شروح المراقي ـ ولا وجودهما في محل ـ كما قاله في الحلي ـ إذ لا معنى لاشتراط لذلك، إذ لا يتصور دون ذلك ـ في ما يظهر والله سبحانه وتعالى أعلم ـ.
والاقتران في النص هو الإيماء المتقدم.
وقد ذكر التاج رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب، الاقتران في تعليل ربوية البر بالطعم، وقد علم أنه لا اقتران بين الحكم بالربا، ووصف الطعم في النص.
وقد فسر في رفع الحاجب الاقتران بما ذكر من تلازم الحكم والوصف في الوجود، في
الكلام على القدح بالنقض.
وواجب تحقيق الاستقلال
…
بنفي غيره من الأحوال
الظاهر أنه عقد بهذا قول التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: ويتحقق الاستقلال، بعدم ما سواه بالسبر اهـ
وهو في بيان جواب المستدل، إذا اعترض عليه المعترض، بإبداء ما يكون جزء علة، أو علة أخرى، بناء على تعددها، كما بينه الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
والحاصل أن المناسبة هي ما تقدم في كلام ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى: تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة من ذاته، لا بنص ولا غيره اهـ
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ولا غيره، شامل للسبر، وزاد في الجمع الاقتران، هذا ما يظهر والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم المناسب الذي تضمنا
…
ترتب الحكم عليه ما اعتنى
به الذي شرع من إبعاد
…
مفسدة، أو جلب ذي سداد
معناه أن الوصف المناسب هو الذي يتضمن ترتيب الحكم عليه، ما علم من الشارع الاعتناء به، من جلب المصالح، ودرء المفاسد.
والمصالح: المنافع، وما هو من ناحيتها.
والمفاسد: المضار، وما هو من ناحيتها، كحفظ العقل، في تعليل حرمة الخمر بالإسكار.
وينقسم المناسب باعتبارات:
اعتبار إفضائه إلى المقصود.
واعتبار نفس المقصود.
واعتبار نظر الشارع إليه.
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أولها بقوله:
ويحصل القصد بشرع الحكم
…
شكا وظنا وكذا بالجزم
وقد يكون النفي فيه أرجحا
…
كآيس لقصد نسل نكحا
معناه أن المقصود من شرع الحكم، قد يكون حصوله متيقنا، كالبيع، فالمقصود من شرعه الملك، وهو حاصل به يقينا.
وقد يكون مظنونا، كما في القصاص، فالمعنى الذي شرع له، وهو الانزجار عن جناية القتل مظنون الحصول.
وقد يكون مشكوكا، كما في الحدود، فالمقصود من شرعها، وهو الانزجار عن موجباتها، مساو في الحصول لعدمه.
وقد يكون مرجوحا، كنكاح الآيسة لتحصيل التناسل، فحصول النسل مرجوح.
بالطرفين في الأصح عللوا
…
فقصر مترف عليه ينقل
معناه أن التعليل بهذه الأقسام الأربعة جائز، اتفاقا في الثاني والثالث، وعلى الأصح في الأول والرابع، وهما المراد بالطرفين.
وقيل: لا يجوز التعليل بهما، لأن حصول المقصود منهما غير ظاهر، للمساواة في الأول، والمرجوحية في الرابع.
وقال الهندي رحمه الله سبحانه وتعالى: يجوز إن كان في آحاد الصور الشاذة، وكان ذلك في أغلب الصور من الجنس مفضيا إلى المقصود، نقله عنه الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى.
والظاهر - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنه لا يقع إلا كذلك.
ومقتضى هذا أنه إذا حصل القطع بانتفاء المقصود، لم يصح التعليل به، وهو كذلك، خلافا للحنفية.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: فقصر مترف عليه ينقل، كأن أصله قول التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: والأصح جواز التعليل بالثالث والرابع، كجواز القصر للمترفه اهـ
وذكر الشهاب أن مقتضاه أن المقصود من شرع الترخص المشقة، وهو في الحقيقة انتفاؤها اهـ
ولا أستبعد أن يكون المقصود التشبيه بما سبق من الاختلاف في ثبوت الحكم، عند
عروض تحقق خلو المظنة من الحكمة، خاصة وأنهم يمثلون بهذا لما قطع فيه بانتفاء المعنى، والمذكور هنا الشك والمرجوحية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما قوله في الحلي: وإن قطع بنفي الحكمة، فقد تقدم عند قوله: وفي ثبوت الحكم عند الانتفا إلخ، فهو غير ملائم لما سبق له هناك، من التمثيل بمشقة السفر.
ثم أشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى التقسيم بالاعتبار الثاني، فقال:
ثم المناسب عنيت الحكمه
…
منه ضروري، وجا تتمه
بينهما ما ينتمي للحاجي
…
وقدم القوي في الرواج
دين فنفس ثم عقل نسب
…
مال إلى ضرورة تنتسب
ورتبنْ ولتعطفنْ مساويا
…
عرضا على المال تكنْ موافيا
يعني أن المناسب الذي شرع الحكم لأجله، ينقسم إلى ضروري، وحاجي، ويسمى بالمصلحي، وتتميمي، ويسمى بالتحسيني، وهي في الآكدية على هذا الترتيب، كما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وقدم القوي في الرواج.
أما الضروري فهو المتضمن حفظ مقصود من المقاصد الستة التي اتفقت عليها ـ على ما قيل ـ الشرائع المقدسة
(1)
وهي الدين، الذي شرع لأجله قتال الكفار، وعليه نبه قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) الآية الكريمة، وشرع له أيضا قتل المرتد والزنديق.
وحفظ النفس، الذي شرع لأجله القصاص، كما قال سبحانه وتعالى جل من قائل:(ولكم في القصاص حياة) الآية الكريمة.
وحفظ العقل، الذي شرع لأجله حد السكر، وعليه نبه قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) الآية الكريمة.
وحفظ النسب، الذي شرع لأجله حد الزنى.
(1)
ونوزع في ذلك فالقصاص لم تعلم شرعيته إلا في شريعة موسى ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ بدليل قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (وكتبنا عليهم فيها) الآية وسيأتي الكلام على الخمر.
وحفظ المال، الذي شرع لأجله حد السرقة.
وحفظ العرض الذي شرع لأجله حد القذف.
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ورتبن، إلى أن هذه المذكورات مرتبة في الآكدية على الترتيب المذكور في النظم.
فحفظ الأديان، مقدم على حفظ النفوس، ولذلك شرع الجهاد المتضمن لتعريض النفوس، من أجل حفظ الدين.
وحفظ النفوس مقدم على حفظ العقول، ولذلك جازت الخمر لتخليص النفس في إساغة الغصة.
وحفظ العقول مقدم على حفظ الأموال، والأعراض، إذ بها صلاحهما.
وأما المال والعرض، فلا ترتيب بينهما، وإليه أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ولتعطفن مساويا إلخ.
فحفظها حتم على الإنسان
…
في كل شرعة من الأديان
معناه أن حفظ هذه المقاصد واجب على المكلف في سائر الملل والديانات.
ألحق به ما كان ذا تكميل
…
كالحد في ما يسكر القليل
معناه أنه يلحق بكل واحد من هذه المذكورات، ما كان مكملا له، كتحريم البدعة، والمبالغة في عقوبة المبتدع، وكتحريم شرب قليل المسكر، ووجوب الحد فيه، وكتحريم الخلوة بالأجنبية، والنظرإليها، واللمس، وترتيب التعزير على ذلك.
وهو حلال في شرائع الرسل
…
غير الذي نسخ شرعُه السبل
معناه أن شرب القليل الذي لا يسكر مما هو مسكر، كان مباحا في الشرائع المقدسة، السابقة على شرعنا المقدس، وأما القدر المسكر فحرام في جميع الشرائع كذا قال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح التنقيح، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أباحها في أول الإسلام
…
براءة ليست من الأحكام
معناه أن عدم حرمة الشرب في صدر الإسلام، لم يكن عن إباحة شرعية، وإنما كان إباحة عقلية، واستبعده جماعة، والذي يقتضيه التدرج في التحريم أن تحريمها كان نسخا، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
والبيع فالإجارة الحاجي
…
خيار بيع لاحق جلي
معناه أن الحاجي هو ما تعظم الحاجة إليه، مما لا يبلغ حد الضرورة، ومثل له بعضهم كالتاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع بالبيع.
ويلحق به مكمله، كالخيار لدفع الغبن في البيع، ومثلوا له أيضا بالإجارة، فهي مبنية على مسيس الحاجة إلى الانتفاع بما هو مملوك للغير، مع القصور عن تملكه، وحاجة المالك إلى أن يأخذ عنه عوضا.
وفي معنى الإجارة المساقاة، والقراض.
وجعل إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى في البرهان البيع من قبيل الضروري.
وقال: فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم، لجر ذلك ضرورة ظاهرة، فمستند البيع إذا آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة اهـ
وحكى في النشر خلافا في النكاح، هل هو من الضروري، أو الحاجي، والأوجه أنه من الضروري، إذ لا بقاء لنوع الإنسان إلا به، ولا غنى لأغلب الناس عنه.
هذا وقد يكون الحاجي بحسب الأصل، ضروريا في بعض الصور، كالإجارة لحفظ الطفل.
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: فالإجارة، عطَفه بالفاء، ليدل على أنه دون البيع، على أنه حاجي، وليدل على أن الحاجي متفاوت أيضا، كتفاوت الضروري.
وما يتمم لدى الحذاق
…
حثٌّ على مكارم الأخلاق
منه موافق أصول المذهب
…
كسلب الاعبد شريفَ المنصب
وحرمة القذر والإنفاق
…
على الأقارب ذوي الإملاق
وما يعارض كتابة سلم
…
ونحوه، وأكل ما صيد يؤم
التتميمي عرفه إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى في البرهان بقوله: ما لا يتعلق بضرورة حاقة، ولا حاجة عامة، ولكنه يلوح فيه غرض، في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها اهـ
وينقسم إلى موافق لمقتضى القياس والقواعد العامة، ومخالف لها على وجه الاستثناء والترخيص.
ومثلوا لأولهما، بسلب العبد أهلية الشهادة، لأنها منصب شريف، والعبد نازل القدر، والجمع بينهما غير ملائم.
واستشكل ابن دقيق العيد رحمه الله سبحانه وتعالى هذا المثال، بأن الحكم بالحق بعد ظهور الشاهد، واتصاله إلى مستحقه، ودفع اليد الظالمة عنه، من مراتب الضرورة، واعتبار نقصان العبد في الرتبة والمنصب، من مراتب التحسين، وترك مرتبة الضرورة، رعاية لمرتبة التحسين، بعيد جدا، نعم لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته، ويعلل هذا التعليل لكان له وجه، نقله عنه في البحر.
ومثلوا له أيضا بتحريم بيع النجاسات، لاستلزامه ماليتها وتقومها، مما يستدعي حفظها، والعناية بها، ومسها، وغير ذلك مما هو ظاهر في تنكب المناهج الحميدة، والسير الحسنة.
ومثلوا له أيضا بالنفقة على الأقارب الفقراء، فهو مواساة تتأكد رعايتها في مكارم الأخلاق.
ومثلوا للثاني بالكتابة، قال في الإبهاج: فإنها من حيث كونها مكرمة في العوائد مستحسنة، احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة، وهي امتناع معاملة السيد عبده، وامتناع مقابلة الملك بالملك، على سبيل المعاوضة اهـ
ومنها السلم، فإن الأصل أن لا يبيع الإنسان إلا ما هو في ملكه.
ومنها إباحة أكل الصيد الذي قتله الجارح، لعدم تسهيل الموت، وبقاء الفضلات. وفائدة مراعاة هذا الترتيب، أنه إذا تعارض مصلحتان، وجب إعمال الضرورة المهمة، وإلغاء التتمة، قاله في البحر.
ثم أشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى التقسيم الثالث، فقال:
من المناسب مؤثر ذكر
…
بالنص والإجماع نوعه اعتبر
في النوع للحكم، وإن لم يعتبر
…
بذين، بل ترتب الحكم ظهر
على وفاقه، فذا الملائم
…
أقواه ما ذَكَر قبلُ القاسم
من اعتبار النوع في الجنس ومن
…
عكس، ومن جنس بآخر زكن
والمعنى أن المناسب باعتبار مراعاة الشرع له، ينقسم إلى مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل.
وذلك أنه إما أن يعلم من الشرع اعتباره، أو يعلم منه عدم اعتباره، أو لا يعلم منه اعتباره، ولا عدم اعتباره.
وإذا علم منه اعتباره، فإما أن تعلم منه بالنص أو الإجماع علية نوع الوصف في نوع الحكم، أو لا.
فالأول يسمى مؤثرا، وهو المشار إليه بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى:
من المناسب مؤثر ذُكِر
…
بالنص والإجماع نوعه اعتبر
في النوع للحكم ..... ...........................
والثاني إن علم من الشرع اعتباره بإيراد الحكم على وفقه فقط، من غير تعرض لكونه علة، ولو باعتبار جنسه في جنسه، فهو الملائم، وهو المشار إليه بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى:
وإن لم يعتبر
…
بذين بل ترتب الحكم ظهر
على وفاقه فذا الملائم ...........................
مثال المؤثر الذي علمت فيه علية الوصف بالنص: تحريم المسكر، فقد جاء في بعض الأحاديث الإيماء إلى تعليلها بالإسكار، بترتيب التحريم عليه.
ومثال الذي علمت فيه علية المناسب بالإجماع: الولاية على الصغير.
ومثال الملائم الذي اعتبر فيه نوع الوصف في جنس الحكم، بإيراد الحكم على وفقه: تعليل الولاية على الصغيرة في النكاح بالصغر، فقد دل الشرع على علية عين الوصف ـ الذي هو الصغر ـ في جنس الحكم الذي هو الولاية، للإجماع على عليته لولاية المال.
ومثال اعتبار جنس الوصف في نوع الحكم: تعليل جواز الجمع في الحضر ليلة المطر، بالحرج، فقد اعتبر جنس الوصف الذي هو الحرج، في نوع الحكم الذي هو الجمع، حيث جاز الجمع في السفر للحرج.
ومثال اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم: تعليل حد الشرب في إلحاقه بحد القذف، بأنه مظنة القذف، فقد اعتبر جنس الوصف الذي هو مطلق القذف، حيث اعتبر في الصاحي، في جنس الحكم الذي هو الحد.
ومنهم من جعل اسم الملائم خاصا بهذا النوع، وهو ما اعتبر فيه جنس الوصف في جنس الحكم، وسمى ما سواه مؤثرا، كالآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقد اختلفت عبارات الأئمة هنا كما قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإبهاج
(1)
.
وما ذكر من تقسيم المناسب إلى مؤثر بالمعنى المذكور، تبع فيه الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى التاج في الجمع، وابن الحاجب في المختصر، والغزالي في المستصفى وغيرهم رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ.
وقسمه جماعة إلى مؤثر بمعنى ما اعتبر الشرع الكريم نوع الوصف فيه في نوع الحكم، بمجرد إيراد الحكم على وفقه، دون نص على عليته له، أو إجماع على ذلك.
وتفسيره بالمعنى الأول إنما يتجه في تقسيم المناسب الآتي من المناسبة من حيث هي، ولا نظر في مسلكيته للمناسبة، لا المناسب الآتي من المناسبة التي هي مسلك غير النص والإجماع، ولذلك فسره جماعة هنا بالمعنى الأخير، كالتاج السبكي في شرح المنهاج، والزركشي في البحر - رحمهما الله سبحانه وتعالى وغيرهما، والمؤثر يستعمل عند الأصوليين في كل من المعنيين، كما نص عليه السيف الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإحكام،
(2)
والتاج في الإبهاج
(3)
إلا أنه لا يختص بالمناسب كما بينه رحمه الله سبحانه وتعالى.
(1)
ونصه: وعبارات المصنفين في التعبير عن هذه الأقسام مضطربة، والأمر فيه قريب، لكونه أمرا اصطلاحيا.
(2)
ونصه: أما المؤثر فإنه يطلق باعتبارين:
الأول: ما كانت العلة الجامعة فيه منصوصة، بالصريح، أو الإيماء، أو مجمعا عليها.
والثاني: ما أثر عين الوصف الجامع في عين الحكم، أو عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم.
(3)
ونصه: وقال قوم: المؤثر هو ما دل نص أو إجماع على عليته، سواء كان مناسبا كما تقدم من الأمثلة، أو غير مناسب، كالمني لإيجاب الغسل، واللمس لنقض الوضوء، وقالوا: إنما سمي بذلك، لأنه ظهر تأثيره، فلم يحتج مع ذلك إلى المناسبة.
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى – بقوله: أقواه ما ذكر قبل القاسم، إلى أن الملائم مرتب على الترتيب المذكور في البيت بعد، فاعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، مقدم على اعتبار جنس الوصف، في نوع الحكم أو جنسه، واعتبار جنس الوصف في نوع الحكم، مقدم على اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، والمراد بالقاسم، الذي يَعُد أقسام الملائم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أخص حكم مثل منع الخمر
…
أو الوجوب لمضاهي العصر
فمطلق الحكمين بعده الطلب
…
وهو بالتخيير في الوضع اصطحب
فكونه حكما، كما في الوصف
…
مناسب خصصه ذو العرف
مصلحة وضدها بعدُ فما
…
كون محلها من الذْ عُلما
تكلم بعض أئمة الأصول على أجناس الحكم، وأجناس الوصف، كالتاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب، والمناسبة ما تقدم من أن اعتبار الوصف في الحكم، قد يكون باعتبار جنس الوصف، في جنس الحكم، وبغير ذلك.
والمعنى أن الحكم أجناس، أخصها أي: أقربها نحو حرمة الخمر، ووجوب العصر، من كل ما عُيِّن فيه الحكم، وعُيِّن متعلقه.
وفوق ذلك نحو الحرمة والوجوب، مما عيِّن فيه الحكم، من غير تعلق.
وفوق ذلك نحو الطلب، لأن الطلب أعم من الأمر والنهي، وفي رتبته التخيير، لتقابله معه، وإلى ذلك أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وهو بالتخيير في الوضع اصطحب.
وفوق ذلك كونه حكما، لأنه أعم من الطلب والتخيير.
وكذلك الحال في الوصف أيضا، فهو أجناس.
وأبعدها كونه وصفا تناط به الأحكام.
ويلي ذلك كون الوصف مناسبا، فهو أخص من مطلق الوصف.
يلي ذلك كونه مصلحة، أو كونه مفسدة، فهو أخص من مطلق كونه مناسبا.
ويلي ذلك كونه ضروريا، أو حاجيا، أو تتميميا، فهو أخص مما قبله.
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: كما في الوصف، هو تشبيه على الأبعدية في قوله: فكونه حكما، والمعنى أن كونه وصفا هو أبعد أجناس الوصف، كما أن كونه حكما هو أبعد أجناس الحكم.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: مناسب خصصه ذو العرف، معناه أن الأصولي، وهو المراد بذي العرف، أي: الاصطلاح، جَعَل كونه مناسبا، أخص من كونه وصفا.
فقدم الأخص ............ .........................
أشار به إلى أن فائدة ذكر هذه الأجناس المذكورة: تقديم الأخص - حكما كان أو وصفا - عند التعارض، وعلى ذلك يُبنى الترتيب المتقدم في قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: أقواه ما ذكر قبل القاسم.
ووجه تقديم اعتبار نوع الوصف في جنس الحكم، على اعتبار جنس الوصف في نوع الحكم، أن التعيين آكد في الوصف منه في الحكم.
وعلى ذلك ترتيب العصبة في الإرث، والولايات، ولأجله قدمت الصلاة في الحرير، على الصلاة بالمتنجس، لأن حرمة النجس خاصة بالصلاة، بخلاف حرمة الحرير.
ولذلك أيضا يُقدِّم المحرمُ المضطرُّ، الميتةَ على الصيد، لأن حرمة الصيد خاصة بالإحرام، نقله في النشر عن القرافي - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
والغريب
…
ألغى اعتباره العلي الرقيب
تقدم أن المناسب لا يخلو من أن يدل الشرع على اعتباره، وهو ما تقدم، أو على عدم اعتباره، أو لا يدل على اعتباره، ولا على عدم اعتباره، والثاني هو المراد هنا، والثالث هو المرسل الآتي بعدُ - إن شاء الله سبحانه وتعالى.
والمعنى أن المناسب الذي علم من الشرع عدم اعتباره، يسمى بالغريب، لبعده عن الاعتبار، قال المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى: كما في مواقعة الملك، فإن حاله يناسب التكفير ابتداء بالصوم ليرتدع، دون الإعتاق، إذ يسهل عليه بذل المال في شهوة الفرج، وقد أفتى يحيى بن يحيى المغربي رحمه الله سبحانه وتعالى ملكا جامع في نهار رمضان، بصوم شهرين متتابعين، نظرا إلى ذلك، لكن الشارع ألغاه، بإيجابه الإعتاق ابتداء، من غير تفرقة
بين ملك وغيره اهـ
وقال ابن عرفة رحمه الله سبحانه وتعالى في مختصره الفروعي: وبادر يحيى بن يحيى الأمير عبد الرحمن ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى حين سأل الفقهاء عن وطء جارية له في رمضان، بكفارته بصومه، فسكت حاضروه، ثم سألوه: لم لا تخيره في أحد الثلاثة؟
فقال: لو خيرته وطئ كل يوم، وأعتق.
فلم ينكروا.
عياض رحمه الله سبحانه وتعالى: وحكاه فخر الدين رحمه الله سبحانه وتعالى عن بعضهم، وتعقبه بأنه مما ظهر من الشرع إلغاؤه، واتفق العلماء على إبطاله.
قال ابن عرفة رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين -: وتأول بعضهم أن المفتي بذلك رأى الأمير فقيرا، ما بيده إنما هو للمسلمين.
قال: ولا يرد هذا، بتعليل المفتي بما ذكر، لأنه لا ينافيه، والتصريح به موحش اهـ
ومنهم من فسر الغريب بغير ما ذكر.
والغريب بالمعنى المذكور، هو مدرك أهل البدع غالبا في بدعهم، كما نص عليه بعض أئمة المذهب، وقد كنت قلت:
وغالبا مستمسك المبتدع
…
ما في الأصول بالغريب قد دعي
والله سبحانه وتعالى أعلم.
والوصف حيث الاعتبار يجهل
…
فهو الاستصلاح قل والمرسل
نقبله لعمل الصحابه
…
كالنقط للمصحف والكتابه
تولية الصديق للفاروق
…
وهدم جار مسجد للضيق
وعمل السكة، تجديد الندا
…
والسجن تدوين الدواوين بدا
أشار بهذا إلى المرسل، وهو الوصف المناسب الذي لم يدل دليل خاص على اعتباره، ولا على عدم اعتباره، وهو حجة عندنا يلزم المصير إليها حيث لا معارض.
وقيل: لا يجوز التعليل به مطلقا، ونسب للأكثرين.
وقال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى: إن الأخذ به حاصل في جميع المذاهب،
لأنهم إذا جمعوا أو فرقوا بين مسألتين، لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى، الذي جمعوا به أو فرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذه هي المصلحة المرسلة اهـ
ومذهب الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى على أصلية هذا المعنى فيه، والشهرة بالتوسع فيه، هو أعظم المذاهب صدودا عنه في العبادات، وأشدهم تعلقا بالنص، فالتحقيق كما قال ابن عاشور رحمه الله سبحانه وتعالى اختصاص النظر إلى هذا الأصل في مذهبه بما سوى العبادات، فهو مقتضى تفاريع المذهب، كما قال الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى.
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: نقبله لعمل الصحابه، إلى أن وجه اعتباره عندنا، ما هو معلوم بالقطع من عمل الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - من التمسك بالمصلحة عند عدم النص، من غير توقف على شاهد خاص.
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى ببقية الأبيات إلى أمثلة من التعلق بالمناسب المرسل، في عهد السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين -.
فذكر من ذلك ما ألحقه التابعون - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين – بالمصحف الشريف، من النقط والشكل.
ومنه أصل كتابة المصحف الذي فعله سيدنا أبو بكر الصديق - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - ومن بعده سيدنا عثمان - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - وحرق ما سوى مصحفه.
ومنها تولية سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - لسيدنا عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -.
ومنها توسيع المساجد إذا ضاقت بما جاورها من الدور ونحوها، كما فعل عمر وعثمان - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما -.
ومنها ضرب سكة يتعامل بها، ذكر في النشر أنها من عمل عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - والمشهور أنها من عمل عبد الملك بن مروان.
ومنها الأذان الأول للجمعة، عمله عثمان - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - لما اتسعت المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم.
ومنها اتخاذ السجون، فقد جاء أن عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - اشترى دارا وجعلها سجنا.
ومنها اتخاذ الدواوين، فقد عمله سيدنا عمر - رضي الله سبحانه عنه -.
أخرم مناسبا بمفسد لزم
…
للحكم وهو غير مرجوح علم
معناه أن المناسبة تبطل بمفسدة لازمة، أرجح من مصلحة المناسب، أو مساوية لها، إذ لا مصلحة مع المفسدة المساوية، فضلا عن الراجحة، خلافا للإمام الرازي رحمه الله سبحانه وتعالى حيث قال بعدم بطلان المناسبة، مع موافقته على عدم الأخذ بهذا المناسب، لكن عدم الأخذ به عنده للمانع، لا لانتفاء العلة.
قال في النشر: ومن فروع هذه المسألة: فك الأسارى من أيدي الكفار بالسلاح ونحوه.
ثم قال رحمه الله سبحانه وتعالى: مما يجب أن ينتبه له في هذه المسألة، النظر في مآلات الأمور، فلا يحكم المجتهد عل فعل من أفعال المكلفين، بالإقدام عليه أو الإحجام، إلا بعد نظره في ما يؤول إليه، فربما ظهر في فعل أنه مشروع لمصلحة تستجلب، أو منهي عنه لمفسدة تنشأ عنه، لكن مآله على خلاف ذلك، وقال ابن العربي رحمه الله سبحانه وتعالى: إن العلماء متفقون على ذلك اهـ
مسلك الشبه
لفظ الشبه يستعمل في المسلك، وهو اسم مصدر، من أشبه، ولا بد له من وصفين يكون بينهما التشابه.
ويستعمل في الوصف، وهو وصف بمعنى المشبه، وهو أحد الوصفين المذكورين.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى تعريف الثاني، فقال:
والشبه المستلزم المناسبا
…
مثل الوضو يستلزم التقربا
مع اعتبار جنسه القريب
…
في مثله للحكم لا الغريب
الظاهر أنه عقد رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا قول القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في التنقيح: الشبه قال القاضي أبو بكر رحمه الله سبحانه وتعالى: هو الوصف الذي لا يناسب لذاته، ويستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب، في جنس الحكم القريب اهـ
ونسب البيضاوي في المنهاج للقاضي - رحمهما الله سبحانه وتعالى تعريفه بكونه مناسبا بالتبع، من دون زيادة شهادة الشرع لتأثير جنسه القريب، في جنس الحكم القريب.
وذكر ذلك تعريفا آخر ولم يعزه.
وقال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: والذي رأيته في مختصر التقريب والإرشاد من كلامه، أن قياس الشبه: إلحاق فرع بأصل، لكثرة أشباهه للأصل في الأوصاف، من غير أن يعتقد أن الأوصاف التي شابه الفرع فيها الأصل، علة حكم الأصل اهـ
وبهذا عرفه ابن السمعاني رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقد ذكر التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب أنه منزلة بين المناسبة والطرد، قال: وهذا ما لا خلاف فيه، وإن تكاثر التشاجر في تعريف هذه المنزلة، ومع هذا لم أجد لأحد تعريفا صحيحا، وقد اعترف إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى بأنه لم تتحرر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحدود.
وما أحسن قول ابن السمعاني رحمه الله سبحانه وتعالى: قياس المعنى تحقيق، والشبه تقريب، والطرد تحكم اهـ
ونقل الزركشي في البحر، عن الإبياري - رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه قال: لست أرى في مسائل الأصول، مسألة أغمض من هذه اهـ
ومثال التعليل بمستلزم المناسب: قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية، بجامع أن كلا طهارة، فالطهارة لا مناسبة بينها وبين وجوب النية بالذات، لكنها تستلزم وصفا يناسب، وهو كونها عبادة، وإلى ذلك أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: مثل الوضو يستلزم التقربا.
وقوله: الوضوء، سهو، كما نبه عليه في نثر الورود.
واستشكل تعريف الشبه بهذا، بأنه إما أن يراد أن التعليل باللازم، وحينئذ فالتعليل بالمناسب، أو يراد أن المعلل به الملزوم، وقد علم الإجماع على أن الشبه لا يصار إليه مع إمكان قياس العلة.
ومثل التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإبهاج لاعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، بإيجاب المهر بالخلوة، فالخلوة لا تناسب وجوب المهر، لأن وجوبه في مقابلة الوطء، إلا أن جنس هذا الوصف - وهو كون الخلوة مظنة للوطء - معتبر في جنس الوجوب، وهو الحكم بتحريم الخلوة بالأجنبية.
صلاحه لم يدر دون الشرع
…
ولم ينط مناسب بالسمع
معناه أن الشبه يخالف المناسب في أن صلاحيته، لا تدرك بالعقل وحده، بخلاف المناسب، فاشتراط النية في الوضوء، إنما علم من ورود الشرع بوجوبها في التيمم، بخلاف مناسبة السكر لتحريم الخمر، فإن العقل يدركها ابتداء.
وحيث ما أمكن قيس العلة
…
فتركَه بالاتفاق أثبت
معناه أن قياس الشبه لا يصار إليه إجماعا، مع إمكان قياس العلة، قال في النشر: والمراد بقياس العلة هنا: ما قابل قياس الشبه، وإنما اختلف في الأخذ به عند تعذر قياس العلة، كما أشار إليه بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى:
إلا ففي قبوله تردد
…
غلبة الأشباه هو الأجود
في الحكم والصفة، ثم الحكم
…
فصفة فقط لدى ذي العلم
والمعنى أنه اختلف في حجية قياس الشبه إذا تعذر ما سواه، فنسب للإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى الأخذ به، وذكر في رفع الحاجب أن الذي يدل عليه نصه الأخذ به في قياس غلبة الأشباه خاصة.
ونقل الشيخ أبو حامد الغزالي عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - أنهما قالا بالشبه بطريق تمسكهما به، ونسب بعضهم الأخذ به للأكثرين.
وقيل: ليس بحجة، ونسب للقاضي أبي بكر، وأبي بكر الصيرفي، والقاضي أبي الطيب، والشيرازي، وأبي إسحاق المروزي، وأكثر الحنفية، لكنه مرجح عند القاضي أبي بكر، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ.
وقيل: يعتبر في الأشباه الراجعة إلى الصورة.
وقيل: يعتبر في ما يغلب على الظن أنه مناط الحكم، بأن يظن أنه مستلزم لعلة الحكم، سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى، وإليه ذهب الفخر الرازي رحمه الله سبحانه وتعالى.
وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: إلا ففي قبوله تردد.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: ولقد أكثر الأصحاب في الاحتجاج لقياس الشبه، وأصح ما ذكروه مسلكان:
أحدهما: أن قياس المعنى، إنما صير إليه، لإفادته الظن، فكل ما أثار ظنا يلحق به، وقياس الشبه يفيد الظن، وقضوا على من أنكر ذلك بالعناد.
واعترض ابن الأنباري أولا: بأنه قياس في الاصول، فلا يسمع.
وثانيا: بمنع إثارة الظن، ودعوى العناد لا تنهض حجة.
والثاني - يعني المسلك الثاني -: أنه لا تخلو واقعة عن حكم، وكثير من أصول الشرع لا تخلو عن المعاني، خصوصا في العبادات وهيئاتها، والسياسات ومقاديرها، وشرائط المناكحات والمعاملات اهـ باختصار
وزاد الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى في البحر مسلكا ثالثا، وهو أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نبه عليه في قوله:" لعل عرقا نزعه " ووجهه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - شبه حال هذا السائل في نزع العرق من أصوله، بنزع العرق من أصول الفحل اهـ
وقوله: غلبة الأشباه هو الأجود، في الحكم والصورة، معناه أن أقوى أنواع قياس الشبه على القول به، قياس غلبة الأشباه، وهو أن يجتذب الفرع أصلان، فيلحق بأكثرهما شبها به في الحكم والصورة.
وذلك كإلحاق الوضوء بالتيمم في وجوب النية، الغالب شبهه به حكما وصفة، على شبهه بطهارة الخبث، أما في الحكم فلوجوبهما بإجماع، مع الذكر والنسيان، واتحاد أسبابهما، وأما في الصفة فلتعلق كل منهما بأعضاء مخصوصة.
فإن غلب شبهه بأحدهما في الحكم فقط، وغلب شبهه بالآخر بالوصف فقط، كتكرار مسح الرأس، فهو أشبه بمسح الخف من حيث الصفة، وبغسل الوجه من حيث الحكم، لأن كلا منهما عزيمة، يجب فيه الاستيعاب التام، بخلاف الخف فإنه ينهى عن تتبع غضونه، فقيل: تقدم غلبة الشبه في الحكم.
وإليه أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ثم الحكم فصفة.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب: ومنهم من يسوي بينهما.
وابن علية يرى للصوري
…
كالقيس للخيل على الحمير
الصوري: نسبة إلى الصورة، والمعنى أن قياس غلبة الأشباه يليه القياس الصوري، وقد قال به إسماعيل بن علية رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقد تقدم مذهب الإمام الرازي رحمه الله سبحانه وتعالى بنحوه، حيث جعل المدار على ظن العلية بلا فرق بين الصورة والحكم.
قال في النشر: والصوري: ما كان الشبه فيه بالخلقة - بالكسر - كقياس الخيل على البغال والحمير، في عدم وجوب الزكاة، وفي حرمة الأكل، للشبة الصوري بينهما اهـ
وقد اعتبر الشرع الصورة في جزاء الصيد، وفي قضاء القرض.
السابع الدوران الوجودي والعدمي
ويسمى بالدوران فقط، ويعبر عنه الاقدمون بالجريان، وبالطرد والعكس.
قال في البحر: ومن أمثلته قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث ابن اللُّتْبية حين استعمله وقال: " ما بالنا نستعمل أقواما، فيجيء أحدهم، فيقول: هذا لكم، وهذا لي
؟ ألا جلس في بيت أبيه وأمه، حتى تأتيه هديته إن كان صادقا "
(1)
وهو عبارة عن تلازم الحكم مع الوصف وجودا وعدما، بأن يثبت كل ما ثبت الوصف، وينتفي كل ما انتفى، كالتحريم مع السكر في العصير، فإنه لما لم يكن مسكرا، لم يكن حراما، فلما أسكر حرم، فلما تخلل جاز، فاقتضى ذلك أن السكر هو علة تحريمه، للمساوقة، وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
أن يوجد الحكم لدى وجود
…
وصف وينتفي لدى الفقود
وأما ما ذكره من اشتراط ظهور المناسبة، أو احتمالها، في قوله:
والوصف ذو تناسب أو احتمل
…
له وإلا فعن القصد اعتزل
فلم أقف عليه، وظواهرهم كالصريحة في نفيه، وما سيذكر في توجيه اشتراط عدم المناسبة الأصلية والتبعية في الطرد، جار هنا بلا فرق.
نعم ذكر التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب قولا باشتراط المناسبة في قياس العلل مطلقا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وهو عند الاكثرين سند .......................
معناه أن الدوران حجة عند الأكثرين من مذهبنا وغيره، لإفادته الظن، بشرط عدم المزاحم.
وقال إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى: ذهب كل من يعزى إلى الجدل، إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل، وذهب قوم إلى أنه يفيد القطع، وربما قال بعضهم: لا دليل أقوى منه، وهو منسوب لبعض المعتزلة.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب: وأنا أقول: لعل من ادعى القطع فيه، ممن يشترط ظهور المناسبة في قياس العلل مطلقا، ولا يكتفي بالسبر ولا الدوران بمجرده، وعلى ذلك جمهور أصحابنا، فإذا انضم الدوران إلى المناسبة رقى بهذه الزيادة إلى اليقين، وإلا فأي وجه لتخيل القطع في مجرد الدوران؟ اهـ
وذهب قوم إلى أنه لا يفيد لا قطعا ولا ظنا، وهو اختيار الأستاذ أبي منصور، وابن
(1)
متفق عليه.
السمعاني، والغزالي، والشيخ أبي إسحاق، والسيف الآمدي، وابن الحاجب رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - لوجوده مع عدم العلية، كما في المتضايفين.
في صورة أو صورتين يوجد
معناه أن الدوران نوعان:
دوران في صورة واحدة، وهو ما تقدم.
ودوران في صورتين، بأن يكون محل الثبوت غير محل النفي.
قال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح التنقيح: مثاله: أن يدعى وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح، فنقول: الموجب لوجوب الزكاة في النقدين، كونهما أحد الحجرين، لأن وجوب الزكاة دار مع كونه أحد الحجرين وجودا وعدما.
أما وجودا ففي المسكوك، هو أحد الحجرين، والزكاة واجبة فيه.
وأما عدما، فالعقار ليس أحد الحجرين، ولا تجب الزكاة فيه اهـ
ولم يظهر لي فرق بين هذا وبين الطرد الآتي، فعدم التلازم في الانتفاء فيه، إنما هو بسبب قصر النظر على المحل الواحد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أصل كبير في أمور الآخره
…
والنافعات عاجلا والضائره
الظاهر والله سبحانه وتعالى أعلم أنه عقد بهذا قول القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح التنقيح:
حجة أن الدوران دليل العلية: أن اقتران الوجود بالوجود، والعدم بالعدم، يغلب على الظن أن المدار علة الدائر، بل قد يحصل القطع بذلك، لأن من ناديناه باسم فغضب، ثم سكتنا عنه، فزال غضبه، ثم ناديناه به فغضب كذلك، مرارا كثيرة، حصل الظن الغالب بأن علة غضبه، إنما هي ذلك الاسم الذي ناديناه به.
ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المسهلة والقابضة، وجميع ما يعطونه من المبردات وغيرها، بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير، وعدمها عند عدمها، فالدوران أصل كبير في أمور الدنيا والاخرة اهـ
الدوران الوجودي، وهو الطرد
وجود حكم حيث ما الوصف وجد
…
والاقتران في انتفا الوصف انحظل
ولم يكن تناسب بالذات
…
وتبع فيه لدى الثقات
المعنى أن الدوران هو التلازم في الوجود فقط، بأن يوجد الحكم كلما وجد الوصف، من غير أن ينتفي كلما انتفى، كقولك: من صح طلاقه صح ظهاره.
وذلك هو قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: والاقتران في انتفا الوصف انحظل، مع عدم المناسبة لا بالذات، ولا بالتبع، لأنه إن ناسب بذاته كان قياس علة، وإن ناسب بالتبع كان شبها، ولم يذكروا هذا في حده لظهوره.
ورده النقل عن الصحابه
…
ومن رأى بالأصل قد أجابه
معناه أن الطرد المذكور مردود، لأن الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - إنما نقل عنهم العمل بالمناسب، ورعاية المصالح.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ومن رأى بالاصل قد أجابه، معناه أن من رأى مسلكية الطرد، أجاب بأن الأصل في مقارنة للوصف للحكم، عليته له، وذلك يوجب ظن عليته، والعمل بالظن واجب.
وجماهير أهل العلم على بطلانه.
أما القائلون بعدم حجية الدوران، فالطرد أولى بعدم الحجية على رأيهم.
وإنما اختلف فيه القائلون بحجية الدوان.
قال في البحر: والمعتبرون من النظار على أن التمسك به باطل، لأنه من باب الهذيان اهـ
ونقل عن أبي زيد رحمه الله سبحانه وتعالى أنه سمى الذين يجعلون الطرد حجة، والاطراد دليلا على صحة العلية، حشوية أهل القياس، قال: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء، قال: وذكر القاضي أبو الطيب رحمه الله سبحانه وتعالى أن الاطراد زيادة دعوى على دعوى، والدعوى لا تثبت بزيادة دعوى.
ونقل عن الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى أن الطرد قد قال به كافة العلماء كالإمام مالك، والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، وأن أبا زيد وإمام الحرمين من جملة القائلين به رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ إلا أن الإمام يعبر عن الطرد الذي لا يناسب بالشبه.
ويقول: الطرد باطل، والشبه صحيح.
وأبو زيد يعبر عن الطرد بالمخيل، وعن الشبه بالمؤثر.
ويقول: المخيل باطل، والمؤثر صحيح اهـ
وأطال في بيان ذلك.
الدوران العدمي وهو العكس
والعكس وهو الدوران العدمي
…
ليس بمسلك لتلك فاعلم
أن ينتفي الحكم متى الوصف انتفى
…
وما لدى الوجود إِثرَه اقتفي
معناه أن الدوران العدمي، وهو عكس الدوران الوجودي، فهو التلازم في الانتفاء فقط، بحيث ينتفي الحكم كلما انتفى الوصف، من غير أن يوجد كل ما وجد، ليس من مسالك العلة.
تنقيح المناط
التنقيح لغة: التصفية والتهذيب، والتخليص، يقال: نقحت العظم، إذا استخرجت مخه، وكلام منقح أي: لا حشو فيه.
والمناط ـ بفتح الميم ـ: اسم مكان من النوط، وهو التعليق، ومن ذلك قول الشاعر:
بلاد بها نيطت علي تمائمي
…
وأول أرض مس جلدي ترابها
قال ابن دقيق العيد رحمه الله سبحانه وتعالى: وتعبيرهم بالمناط عن العلة، من باب المجاز اللغوي، لأن الحكم لما علق بها، كان كالشيء المحسوس الذي تعلق بغيره، فهو مجاز من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الإطلاق غيره اهـ
وذلك لأن العلة هي موضع تعلق الحكم بالمحل، فموضع تعلق الحرمة في الخمر ـ مثلا ـ وصف الإسكار، فهو مناط الحكم، أي: مثاره ومنبعه.
وهو أن يجي على التعليل
…
بالوصف ظاهر من التنزيل
أو الحديث، فالخصوص يطرد
…
عن اعتبار الشارع المجتهد
معناه أن تنقيح المناط هو: بيان المجتهد أن علة الحكم، أعم من الوصف الذي يوهم ظاهر النص أنه العلة.
قال الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى: هو خارج عن القياس، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر اهـ
مثاله في القرآن الكريم: قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) الآية الكريمة، ألغوا خصوص الإناث، وأناطوا بالإحصان.
ومثاله في الحديث الشريف: النهي عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان، فيقول المجتهد: العلة الشاغلية، ولا خصوصية للأخبثين بالحكم.
ويستدل على ذلك، بطردية الفارق بين المنطوق به، والمسكوت عنه، وببيان أن الأوصاف المتعددة المذكورة في النص، طردية إلا واحدا منها مثلا.
وإلى الأول أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
فمنه ما كان بإلغا الفارق
…
وما بغير من دليل رائق
بأن يقال: لا فرق بين الموضع كذا، وبين موضع النص، إلا كذا، وهذا أمر لا أثر له في الحكم، فيجب استواؤهما، في الحكم، لاستوائهما في السبب.
كأن يقال في قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (والذين يرمون المحصنات) الآية الكريمة، لا فرق بين المحصن والمحصنة، إلا الأنوثة، وليس لها مدخل في العلية، فيجب أن يساويها في وجوب الحد له على قاذفه.
وإلغاء الفارق قد يكون بنوع من السبر، كأن يقال: العلة إما الأمر المشترك بين العبد والأمة، وهي الرق، أو المميز للأمة عن العبد، وهو الأنوثة، والثاني باطل، فثبت الأول،
فيستوي العبد مع الأمة.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإبهاج: فإن قلت هذه الطريقة بعينها هي طريقة السبر والتقسيم، قلت: كذا قال الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى ولكن يمكن أن يفرق بينهما، بأن السبر والتقسيم لا بد فيه من تعيين الجامع، والاستدلال على العلية.
وأما هذا، فلا يجب فيه تعيين العلة، ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة، بل يتعرض للفارق، ويعلم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير اهـ
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى الثاني بقوله:
من المناط أن تجي أوصاف
…
فبعضها يأتي له انحذاف
عن اعتباره، وما قد بقيا
…
ترتب الحكم عليه اقتفيا
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: من المناط، هو على حذف مضاف، أي: من تنقيح المناط: أن ترد مع الحكم أوصاف، فيحذف المجتهد بعضها، لعدم تأثيره، وينيط الحكم بالباقي.
وذلك كحديث الصحيحين في المواقعة في نهار رمضان، فقد ذكر فيه أن الواطئ أعرابي، وأن الموطوءة زوجة، وأنه جاء يضرب رأسه، وينتف شعره، فيقول المجتهد: هذه الأمور كلها لا أثر لها في الحكم، وإنما العلة انتهاك الحرمة وتعمد الفطر.
وظاهر الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى في البحر أن هذا أيضا من إلغاء الفارق، وهو ظاهر.
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: وما بغير من دليل رائق، ظاهره في النشر أنه عقد به كلاما للمحشي نحو منه، ومراده به عدم انحصار تنقيح المناط في إلغاء بعض الأوصاف ببيان طرديتها، وأنه يتناول إلغاء الفارق، ولم أقف على من ذكر غير هذين الأمرين، وقد علمت أيضا أنهما يرجعان إلى معنى واحد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
تحقيق علة عليها ائتلفا
…
في الفرع تحقيق مناط ألفا
معناه أن بيان وجود علة حكم الأصل المتفق على عليتها له في الفرع، يسمى تحقيق
المناط، فهو بيان لكون صورة معينة من أفراد الصور المتضمنة للوصف كذا، الذي علمت عليته للحكم.
كبيان أن نبش القبور لأخذ الأكفان، فرد من أفراد السرقة التي علمت عليتها لقطع اليد.
وأن اللواط ـ مثلا ـ فرد من أفراد الزنى الذي علمت عليته للحد.
قال في النشر: لا خلاف في وجوب العمل به بين الأمة، وإليه تضطر كل شريعة، قال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله سبحانه وتعالى: لا بد من الاجتهاد فيه في كل زمن، ولا ينقطع، إذ لا يمكن التكليف إلا به اهـ
قال الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: وإنما ذكرته هنا، جريا على عادة أهل الجدل في قرانهم بين الثلاثة: تنقيح المناط، وتحقيق المناط، ولم أذكر تخريج المناط، لتقدمه.
والعجز عن إبطال وصف لم يفد
…
علية له على الذي اعتمد
معناه أن عجز الخصم عن إبطال علية الوصف الذي يدعي المستدل عليته، لا يقتضي أنه علة، فعجز الخصم ليس بمسلك من مسالك العلة، خلافا للأستاذ، حيث جعله دالا على العلية قياسا على المعجزة.
وأجيب بأن العجز في المعجزة من الخلق، وهنا من الخصم.
كذا إذا ما أمكن القياس
…
به على الذي ارتضاه الناس
معناه أن تأتي القياس على تقدير علية الوصف، لا يقتضي عليته، عند الجمهور. وقيل: يقتضيه، لأن القياس مأمور به، ورد بأن المأمور به قياس خاص، وأيضا تأتي القياس متوقف على كون الوصف علة، فإذا توقف كونه علة على تأتي القياس حصل الدور.
تنبيه
عد الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى في البحر من مسالك العلة فعل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: وهذا مما أهمله أكثر الأصوليين، وقد ذكره القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى في التقريب.
وصورته أن يفعل فعلا، بعد وقوع شيء، فيعلم أن ذلك الفعل، إنما كان لأجل ذلك
الشيء الذي وقع، ووقوع ذلك إما أن يكون من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كأن يرى أنه سهى في الصلاة، فسجد،
(1)
فيعلم أن ذلك السجود لذلك السهو.
وإما أن يكون من غيره، ويكون منه شيء آخر، كما روي أن ماعزا زنى فرجم
(2)
.
قال القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى: إنما يجب مثل ذلك الحكم في غير ذلك المحكوم عليه، بعد نقله بالقياس، إذ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" حكمي على الواحد، حكمي على الجماعة "
(3)
ونحوه مما يحل الفعل فيه محل القول العام، لأنا قد قلنا: إن قضاءه على المعين لعلة وصفية، لا يقتضي وجوب عموم ذلك الحكم، ولا يمتنع اختلاف الأحكام في ذلك، وإنما يتعدى لغيره بدليل يقترن به.
قال: وكذلك اجتنابه الطيب، وما يجتنبه المحرمون عند إحرامهم، إذ عقل من ذلك شاهد الحال، أنه إنما اجتنبه لأجل الإحرام.
ومن أمثاله المنبهة على علة الحكم، تخييره بريرة - رضي الله سبحانه وتعالى عنها - لما عتقت تحت زوجها
(4)
اهـ
وقد كنت قلت:
فعل النبي المصطفى العدناني
…
صلى عليه خالق الأكوان
ألزركشي بمسالك العلل
…
جعله مما على العلل دل
وإن تشأ في البحر ذلك انظرِ
…
ما سامع بنبإ كالمبصر
القوادح
القوادح: جمع قادح، وهو ما يؤثر في الدليل من حيث العلة، أو غيرها، كما قال المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى.
مبحث القدح بالنقض
(1)
تقدم
(2)
متفق عليه.
(3)
قال العراقي ـ رحمه سبحانه وتعالى: لا أصل له.
(4)
متفق عليه.
منها وجود الوصف دون الحكم
…
سماه بالنقص وُعاة العلم
الوعاة كقضاة، وهداة: جمع واع، وهو الحافظ.
والمعنى أن من القوادح تخلف الحكم عن الوصف، بأن يوجد الوصف في محل، أو أكثر، دون الحكم، وسماه الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى – بالنقض.
وذلك لأن العلة تستلزم الحكم، فوجودها دونه، دليل على عدم عليتها.
ولا يجري النقض بين قطعيين، بأن يكون دليل علة الأصل، قطعيا في ذلك، وفي عمومها في الأصل وغيره بلا مانع وشرط، ودليل صورة النقض قاطعا.
ولا يجري النقض أيضا، في ما إذا كانت منصوصة بنص قاطع في خصوصية محل النقض، وإلا ثبت الحكم ضرورة بقوته عند ثبوت علته قطعا، ولا في ما إذا كانت منصوصة بقاطع في غيره خاصة، لأنه إنما دل على عليتها في غير محل النقض، ولا تعارض عند تغاير المحلين، ولا في ما إذا كان دليل العلية في غير محل النقض خاصة ظني، وإنما يكون التعارض في ما إذا ثبتت العلية فيهما جميعا بظاهر عام، فيدل بعمومه على العلية في محل النقض وغيره، ويعارضه عدم الحكم في محل النقض، نقله الشربيني عن السعد - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
والقدح بالنقض هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى والقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب البغدادي، وأبي الحسين البصري، وجماهير المحققين، كما قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقال في توجيهه: العلة معرف الحكم، وتخصيصها يمنع من كونها معرفا في ذلك المخصَّص، وإذا لم تكن معرفا فيه، لم تكن علة له، وإذا لم تكن علة له، كان إطلاق القول بأنها علة على وجه التعميم في كل الصور غير سديد.
فمن قال - مثلا -: علة تحريم بيع الذهب متفاضلا: الوزن، ثم جوز بيع الرصاص بالرصاص مع وجود الوزن، قيل له: أبنص قلت ذلك، أم بعلة هي أقوى من علة تحريم بيع الذهب بالذهب؟
فإن قال: بعلة، ثم بين وجه قياس الرصاص، على أصل مباح بيعه بعضه ببعض، فيقال:
ليس العلة حينئذ في الذهب مجرد الوزن، بل الوزن مع عدم ذلك الوصف المجعول علة للإباحة، إذ لو وجد في الذهب لما قلنا بالتحريم.
فإن قال الخصم: أنا أشترط نفي ذلك الوصف، إلا أني لا أسميه جزءا من العلة، وإن كان التحريم لا يحصل بدونه.
قلنا: هب أنك لا تسميه، إلا أن وجدانه مما لا بد للعلة منه.
والتحقيق: أنه جزء، لأن انتفاء المانع، ووجدان الشرط، جزء من العلة التامة، والعلة المعرفة لا فرق بينها وبين التامة، إلا أنها لا توجد الحكم، وإنما يوجد عندها، وهو لا يوجد عندها، إلا بعد وجدان الشرائط، وانتفاء المانع.
وإن قال: بنص، فيقال له: هل علمت علة إباحته؟
فإن قال: علمت، قلنا له كما قلنا أولا.
وإن لم يعلم، فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص لا تتعداه، إذ لو تخطته، لنصب الله سبحانه وتعالى علما على ذلك، ليعلم ثبوت حكمها في ما عدا الرصاص.
وإذا كان كذلك، لم يعلم تحريم الذهب بالذهب، إلا لأنه موزون وليس برصاص، فبطل كون العلة مجرد الوزن، فثبت أن التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة.
وإن قال: الرصاص ورد مستثنى لا علة له.
فيقال: العلة هي المعرف، وهي لم تعرف إلا في ما لم يرد مستثنى، فهي حينئذ في ما عدا الرصاص كونه موزون، لم يرد مستثنى، لا مطلق كونه موزونا، فقد لاح كالصباح أن النقض قادح، وأنه لا فرق بين ما ورد مستثنى، وما لم يرد، ولا بين المنصوصة، والمستنبطة.
وقوله في الكتاب: العلة: الباعث.
قلنا أولا: لا نسلم، وثانيا سلمناه، ولكن ليس الباعث مثلا مجرد الوزن، بل الوزن مع القيد الآخر، وهو واضح في ما تقدم.
فقد لاح وظهر أن النقض قادح، سواء فسرت العلة بالمعرف، أم بالباعث، أم بالمؤثر اهـ
واستدل بعد ذلك بأدلة كثيرة يطول جلبها.
وهذا المذهب مشكل جدا، لإفضائه إلى خلاف الإجماع في علل كثيرة، كالإسكار، فقد أجمعوا على عليته لحرمة الخمر، وهذا المذهب يقتضي أن الإسكار جزء العلة، وليس مستقلا بالتأثير، فالعلة على هذا مركبة منه، ومن عدم الإكراه، وعدم الضرورة لإساغة غصة، ونحو ذلك، وإفضائه إلى أن العلل كلها مركبة أو جلها، بل ربما تعذر حصر أجزائها، إذ وجود كل شرط جزء، وانتفاء كل مانع جزء، فليس ببين جدا، ويفضي إلى أن العلل لا شروط لها ولا موانع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
والاكثرون عندهم لا يقدح
…
بل هو تخصيص، وذا مصحح
المذهب الثاني: أنه غير قادح مطلقا في علية الوصف في ما وراء محل النقض، ويتعين تقدير مانع، أو تخلف شرط، وعليه أكثر أصحاب أبي الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد - رحمهما الله سبحانه وتعالى ونسبه الشافعية لأصحابنا.
وقال أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى: لم أر أحدا من أصحابنا أقر به، ولا نصره.
ووجه هذا القول أن العلة بالنسبة إلى محالها ومواردها، كالعموم اللفظي بالنسبة إلى موضوعاته، فكما جاز تخصيص العموم اللفظي، وإخراج بعض ما تناوله، فكذلك الحال في العلة.
وفرق المثبتون للقدح به، بينه وبين العام، بأن العلة مستلزمة للمعلول.
وقد روي عن مالك تخصيص
…
إن يك الاستنباط لا التنصيص
معناه أنه روي عن الإمام مالك والإمام أحمد - رحمهما الله سبحانه وتعالى وأكثر الحنفية كما في النشر، جواز تخصيص المستنبطة دون المنصوصة، وإن لم يوجد في صورة النقض مانع ولا عدم شرط.
وذلك لأن دليل العلة المستنبطة اقتران الحكم بها، ولا وجود له في صورة التخلف، فلا يدل على العلية فيها.
وأورد عليه أن اقتران الحكم بالوصف، يدل على عليته في جميع صوره، كدليل المنصوصة.
وعكس هذا قد رآه البعض ..........................
معناه أن عكس المذهب المنسوب للإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى ذهب إليه قوم، وهو التخصيص به في المنصوصة، والقدح في المستنبطة، حكاه إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى عن معظم الأصوليين، والمراد بالمنصوصة أن يكون مسلكها النص أو الإجماع، سواء كان النص تصريحا أو إيماء.
ووجه هذا القول أن مستند المستنبطة الظن، وعدم الجريان يؤثر فيه.
ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر
…
وليس في ما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع
…
والوفق في مثل العرايا قد وقع
المنتقى: المختار، والمراد بذي الاختصار ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى والمعنى أن المختار عند ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى القدح بالنقض في العلة المنصوصة بقطعي، وفي المستنبطة إذا كان التخلف لفقد شرط أو وجود مانع.
وهذا القول ذكره التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع غير معزو، وجعله حلولو هو مختار ابن الحاجب - رحمهما الله سبحانه وتعالى وتبعه في النظم، قاله في النشر، وهو وهم، كما نقله الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى أيضا بعد ذلك عن زكريا رحمه الله سبحانه وتعالى وهو ظاهر.
فالذي اختاره ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى القدح بها في المستنبطة، حيث كان التخلف لا لانتفاء شرط، أو وجود مانع، فإن كان لفقد شرط أو وجود مانع لم يقدح، وأما المنصوصة فيخصصها، ويجب تقدير المانع، ولا يقع ذلك إلا في المنصوصة بظاهر عام - كما تقدم -.
قال الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى في البحر: والسابع يجوز في المستنبطة في صورتين، ولا يقدح فيهما، وهما: ما إذا كان التخلف لمانع، أو انتفاء شرط.
ولا يجوز في صورة واحدة، ويقدح فيها، وهي: ما إذا كان التخلف دونهما.
وأما المنصوصة، فإن كان النص ظنيا، وقدر مانع أو فوات شرط، جاز، وإن كان قطعيا
لم يجز، أي: لم يمكن وقوعه، لأن الحكم لو تخلف، لتخلف الدليل، وهو لا يمكن أن يكون قطعيا، لاستحالة تعارض القطعيين، ثم قال: وهذا اختيار ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى – اهـ
وأصله للتاج رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب.
ونص ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى: والمختار إن كانت مستنبطة لم يجز إلا بمانع، أو عدم شرط، لأنها لا تثبت عليتها إلا ببيان أحدهما، لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن ذلك، لعدم المقتضي، وإن كانت منصوصة فبظاهر عام، فيجب تخصيصه، كعام وخاص، ويجب تقدير المانع اهـ
فمختار ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى وهو أبين الأقوال أنه لا يقدح في المنصوصة، وإنما يقدح في المستنبطة إذا لم يكن التخلف لفقد شرط أو وجود مانع.
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: والوفق في مثل العرايا قد وقع، معناه أن تخلف الحكم عن الوصف، إذا ورد على سبيل الاستثناء، لا يقدح، ويعلم كونه واردا على سبيل الاستثناء بوروده على جميع المذاهب، قال البيضاوي رحمه الله سبحانه وتعالى: لأن الإجماع أدل من النقض اهـ
قال التاج رحمه الله سبحانه وتعالى على المختار، خلافا لبعض المانعين، من جواز تخصيص العلة، سواء كانت العلة معلومة، كمسألة الصاع في المصراة، أو مظنونة، كمسألة العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، والعنب في الكرم بالزبيب، فإنها واردة نقضا على تحريم الربا، لأن العلة في تحريمه، إما الطعم، أو الكيل، أو القوت، أو المال، وكل منها موجود في العرايا.
وإنما لا يقدح ذلك في العلة، لأنه إنما يعلم كونه ورد على سبيل الاستثناء، إذا كان النقض لازما على جميع المذاهب، كما ذكرناه في مسألة العرايا، وحينئذ يكون معارضا للإجماع، فإنه منعقد على أن علة الربا أحد الأمور الأربعة، والإجماع أقوى في الدلالة منه، فيقدم عليه، ويعمل بمقتضاه اهـ.
جوابه منع وجود الوصف أو
…
منع انتفاء الحكم في ما قد رأوا
معناه أن جواب النقض على أقوال وروده، بمنع تحققه، وذلك يكون ببيان أحد أمرين:
منع وجود الوصف في صورة النقض، أو منع انتفاء الحكم فيها، لأن النقض هو ادعاء تخلف الحكم، ووجود الوصف.
مثال الأول: أن يقول المعترض للمستدل: جعلك علة الربا في البر الكيل، منقوض بالجبس، فإنه مكيل، وليس بربوي، فيقول المستدل: لا نسلم أن الجبس مكيل، بل هو موزون.
ومثال الثاني: أن يقول في المثال المذكور: لا نسلم أن الجبس غير ربوي، إذا لم يكن مذهبه أنه غير ربوي.
ويصح جوابه أيضا ببيان وجود مانع، أو فقد شرط، في صورة النقض، عند من لا يرى التخلف لذلك قادحا.
مبحث القدح بالكسر
والكسر قادح ومنه ذكَرا
…
تخلفَ الحكمة عنه من درى
ومنه إبطال لجزء، والحيل
…
ضاقت عليه في المجيء بالبدل
الأكثرون من الأصوليين والجدليين يفسرون الكسر بإسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة، وإخراجه من الاعتبار، ببيان أنه لا أثر له، ويورد النقض على ما بقي.
وهو نوعان:
أحدهما: أن يبدل الوصف الخاص، بوصف عام، ثم ينقضه عليه.
كقولنا في صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها لو لم تفعل، فيجب أداؤها كصلاة الأمن، فيقول المعترض: كونها صلاة لا أثر له، لأن الصوم كذلك، فلم يبق إلا الوصف العام، وهو كونها عبادة، ثم يَنقض ذلك بقوله: وليس كل عبادة يجب قضاؤها، يجب أداؤها، بدليل الصوم في حق الحائض.
وظاهر غير واحد أن الإبدال من المعترض لا من المستدل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
النوع الثاني: أن لا يبدل خصوص الوصف الملغى، ويورد النقض على ما بقي، وهو في
المثال المذكور يجب أداؤها، فيقول: وليس كل ما يجب أداؤه يجب قضاؤه، بدليل صوم الحائض المذكور.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: الكلام فيه، كالكلام في النقض سواء بسواء.
واستدل الزركشي- رحمه الله سبحانه وتعالى للكسر في البحر: بما رواه البيهقي رحمه الله سبحانه وتعالى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - دعي إلى دار، فأجاب، ودعي إلى أخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: إن في دار فلان كلبا، فقيل: وفي هذه الدار سنور، فقال:" السِّنَّوْرُ سبع "
(1)
وجه الدلالة أنهم ظنوا أن الهرة تكسر المعنى، فأقرهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على اعتراضهم، وأجاب بالفرق وهو أن الهرة سبع اهـ بخ
وهذا الكسر هو الذي أراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ومنه إبطال لجزء.
قال في النشر: والقدح به مقيد بأن يتعذر على المستدل الإتيان ببدل من المبطل، فإن ذكر بدلا يصلح أن يكون علة للحكم، ألغي الكسر، واستقام الدليل اهـ
وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: والحيل ضاقت عليه في المجيء بالبدل.
ولم أقف على هذا.
وقال الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى في البحر: جواب الكسر نحو ما سبق من الأجوبة في النقض، لأنه نقض في المعنى، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وعبر ابن الحاجب والآمدي - رحمهما الله سبحانه وتعالى عن هذا النوع بالنقض المكسور.
والكسر عندهما: أن توجد حكمة العلة، دون العلة والحكم، قال في المختصر: كقول الحنفي في العاصي بسفره: مسافر، فيترخص، كغير العاصي، ثم يبين المناسبة بالمشقة،
(1)
رواه الإمام أحمد والدارقطني والبيهقي، وهو حديث ضعيف.
فيعترض بصنعة شاقة في الحضر اهـ
وهذا هو النقض بعينه، والفرق بين هذا وبين ما سبق، أن السابق في التعليل بالمظنة، وهذا في التعليل بالحكمة.
وهذا النوع هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بالبيت الأول، إلا أنه وقع في عبارته عنه قلب، فعبر عنه بتخلف الحكمة عن الوصف، ومراده تخلف الحكم عن الحكمة، وقد تقدم الكلام على تخلف الحكمة عن المظنة في قوله:
وفي ثبوت الحكم عند الانتفا ................. ألبيت
وقد بين ذلك في الحلي، وهو جد ظاهر.
مبحث القدح بعدم العكس
وعدم العكس مع اتحاد
…
يقدح دون النص بالتمادي
من القوادح كذلك عدم العكس، وهو وجود الحكم بدون العلة، والقدح به إنما هو عند من يمنع تعدد العلة لحكم واحد بالنوع، وأما على جوازه وهو المعول - كما تقدم - فليس بقادح، لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضا.
ومحل القدح به ما لم يكن ثبوت الحكم عند انتفاء العلة بتوقيف، كما قال إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى.
قال الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى في البحر: قال إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى: إذا قلنا إن اجتماع العلل على معلول واحد غير واقع، فالعكس لازم، ما لم يثبت الحكم عند انتفاء العلة بتوقيف، لكن لا يلزم المستدل بيانه، بخلاف ما ألزمناه مثله في النقض، لأن ذلك داع إلى الانتشار، وسببه أن إشعار النفي بالنفي، منحط عن إشعار الثبوت بالثبوت، ولهذا لو فرضنا عللا، لكان إشعار كل واحدة بنفي الحكم، كإشعار جزء العلة بالحكم، لا كإشعار العلة المستقلة به، وزوالها لزوال الترجيح، والذي أبطل العلة إذا امتنع الطرد بتوقيف، لا يبطلها إذا امتنع العكس بتوقيف، فليتلمح الطالب تفاوت المراتب اهـ
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: وشاهده قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " في جواب: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟
مبحث القدح بعدم التأثير
والوصف إن يعدم له تأثير
…
فذاك لانتقاضه يصير
خص بذي العلة بائتلاف
…
وذات الاستنباط والخلاف
يجيء في الطردي حيث عللا
…
به، وقد يجيء في ما أُصِّلا
وذا بإبدا علة للحكم
…
ممن يرى تعددا ذا سُقْم
وقد يجي في الحكم وهو أضرب
…
فمنه ما ليس لفيد يجلب
وما لفيد عن ضرورة ذُكر
…
أو لا وفي العفو خلاف قد سطر
معناه أن من القوادح أيضا، القادح المسمى بعدم التأثير، بمعنى عدم مناسبة الوصف للحكم، بدليل بقائه مع عدم الوصف.
ويختص بقياس المعنى، وهو ما ثبتت فيه علية الوصف بالمناسبة، بخلاف غيره كالشبه، فلا يأتي فيه.
ويختص بالعلة المستنبطة، المختلف فيها، فلا يأتي في المنصوصة ولا في المستنبطة المجمع عليها، لأنهما لا بد أن يكونا علة في الواقع، وهذا هو المراد بالبيتين الأولين.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى. - ببقية الأبيات، إلى أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
ما لا تأثير له مطلقا، وما لا تأثير في ذلك الأصل، وما اشتمل على قيد لا تأثير له.
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أولها بقوله:
يجيء في الطردي حيث عللا
…
به ....................
والمعنى أن القدح بعدم التأثير، يقع في الوصف، ببيان أنه طردي، أو شبهي، كأن يقال في الخف: واجب مسح، فلا يطلب تكراره، قياسا على مسح الرأس، فيقال: وجوب المسح لا أثر له في عدم طلب التكرار، فمسح الأذنين لا يطلب فيه التكرار، وليس بواجب.
ويرجع حاصله إلى سؤال المطالبة بالدلالة على كون العلة علة.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى الثاني بقوله:
وقد يجيء في ما أصلا
وذا بإبدا علة للحكم
…
ممن يرى تعددا ذا سقم
والمعنى أن القدح بعدم التأثير يكون أيضا في الأصل، وذلك ببيان أن المعنى الجامع بينه وبين الفرع في قياس المستدل، يوجد الحكم بدونه لوجود موجب آخر، كقول الشافعية في منع بيع الغائب: مبيع غير مرئي، فلا يجوز، قياسا على السمك في الماء، فيقال: عدم الرؤية مستغنى عنه في امتناع الأصل، بالعجز عن التسليم.
وحاصله معارضة في الأصل بإبداء علة أخرى.
والقدح به إنما يكون على القول بمنع تعدد العلة، وأما على القول بالجواز فلا يقدح، لصحة التعليل بكل من العلتين كما قال إمام الحرمين والبيضاوي - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى القسم الثالث بقوله:
وقد يجي في الحكم وهو أضرب
…
فمنه ما ليس لفيد يجلب
وما لفيد عن ضرورة ذكر
…
أو لا ................
والمعنى أن القدح بعدم التأثير، يكون أيضا في الحكم، بأن يبين أن بعض الأوصاف المعلل بها لا مدخل له في الحكم، لا في الأصل ولا في الفرع، وهذا الوصف إما أن لا يكون لذكره فائدة أو لا، والفائدة إما ضرورية أو لا.
فأولها ـ وهو ما ليست لذكره فائدة ـ كقول الحنفية في نفي ضمان المرتد ما أتلفه وهو بدار الحرب: مشرك أتلف مالا في دار الحرب، فلا ضمان عليه كالحربي.
فدار الحرب طردي عنده، ولا فائدة لذكره، لأن من أثبت ضمان المرتد، أثبته مطلقا، سواء كان في دار الحرب، أو في دار الإسلام، ومن نفاه نفاه مطلقا أيضا.
وهذا هو قول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: فمنه ما ليس لفيد يجلب.
والثاني ـ وهو ما كان لذكر الوصف فيه فائدة ضرورية ـ كقول معتبر العدد في الاستجمار بالحجارة: عبادة متعلقة بالحجارة لم تتقدمها معصية، فيعتبر فيها العدد، كرمي الجمار.
فوصف العبادة بعدم تقدم معصية، لا أثر له لا في الأصل، ولا في الفرع، ولكن المستدل ذكره اضطرارا، إذ لو لم يذكره، لورد عليه النقض بالرجم، فهو عبادة متعلقة بالحجارة، ولا يعتبر فيها العدد.
وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وما لفيد عن ضرورة ذكر.
والثالث ـ وهو ما كان ذكر الوصف فيه لحاجة غير ضرورية - ويسمى الحشو - مثاله: أن يقال: الجمعة تصح بغير إذن الإمام، لأنها صلاة مفروضة، فلم تفتقر في إقامتها لإذن كالظهر.
فنقول: الوصف بكونها مفروضة حشو، ولو اقتصرت على قولك: صلاة لم ينتقض بشيء.
فيقال: هذا قيد زائد لا لإثبات الحكم، بل لتقريب الفرع من الأصل، وتقوية الشبه بينهما، إذ الفرض بالفرض أشبه.
وهذا هو المراد بقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: أو لا.
واختلف في اغتفار الزيادة في هذين القسمين، لوقوعها لفائدة، فكانت مؤثرة في الجملة، وعدم اغتفارها، إذ لا يجوز أن يذكر في معرض التعليل ما ليس له أثر.
وعلى الاغتفار اقتصر السيف الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإحكام ونصه: ومع ذلك كله فقد أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا، بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور النزاع، كما ذكر من مثال أخذ الإتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير مستغنى عنه في إثبات الحكم، إما لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض اهـ
وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى – بقوله: وفي العفو خلاف قد سطر.
وعدم التأثير في الحكم، راجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم، كما قال السيف الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإحكام.
ثم قال: فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف، وعدم التأثير في الأصل، وعدم التأثير في الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه جوابه، فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الأصل، فحاصله يرجع إلى المعارضة في الأصل، لا أنه غيره، وجوابه جوابه اهـ
ولهذا اقتصر البيضاوي رحمه الله سبحانه وتعالى في المنهاج على عدم التأثير في الأصل، وعدم التأثير في الوصف، قال الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى: وهو من محاسنه اهـ
مبحث القدح بالقلب
والقلب إثبات الذي الحكم نقض
…
بالوصف والقدح به لا يعترض
فمنه ما صحح رأي المعترض
…
معَ اَنَّ رأي الخصم فيه منتقض
ومنه ما يبطل بالتزام
…
أو الطباق رأي ذي الخصام
من القوادح القلب، وليس مختصا بالقياس، بل يرد على غيره من الأدلة، واقتصر الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى على قلب القياس تبعا لشهاب الدين القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في التنقيح، فقد عرف القلب، بقوله: وهو إثبات نقيض الحكم، بعين العلة، وهذا هو المراد بقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى:
والقلب إثبات الذي الحكم نقض
…
بالوصف ...................
وعرفه التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع بقوله: دعوى أن ما استَدَلَّ به في المسألة على ذلك الوجه، عليه، لا له إن صح اهـ
قال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح التنقيح: القلب يبطل العلة، من جهة أنه معارضة في أنها موجبة لذلك الحكم، فإذا أثبت بها القالب نقيض ذلك الحكم في صورة النزاع، استحال إيجابها لذلك الحكم في صورة النزاع، وإلا اجتمع النقيضان في صورة النزاع، وهو محال اهـ
وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: والقدح به لا يعترض.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بالبيتين الأخيرين، إلى أن القلب ينقسم إلى ثلاثة أنواع، ويمكن القول بانقسامه إلى أربعة، لأن أول الثلاثة - وهو ما يذكره المعترض لتصحيح مذهبه - نوعان: لأن المستدل قد يصرح بمذهبه في دليله، وقد لا يصرح به.
أما أولهما: فكقول الشافعية في بيع الفضولي: عقد في حق الغير، بلا ولاية، ولا استنابة، فلا يصح، كما إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه.
فيقول المعترض: عقد في حق الغير بلا ولاية، فيصح، كما إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه، فإنه يصح بالإجماع في حق العاقد.
وأما الثاني فكقول الحنفي: الاعتكاف: لبث في محل مخصوص، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة، وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكنه لم يتمكن من التصريح باشتراطه، إذ لو صرح به لم يجد أصلا، فيقول الشافعي: لبث في محل مخصوص، فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة.
وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: فمنه ما صحح البيت.
النوع الثاني من القلب ما كان لإبطال مذهب المستدل، من غير تعرض لإثبات مذهبه ـ أعني المعترض ـ ويكون الإبطال أحيانا مدلولا عليه بالالتزام، وهو المراد بقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: ومنه ما يبطل بالتزام.
وأحيانا يصرح به، وهو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: أو الطباق، أي: المطابقة.
ومثال أولهما: قول مجيز بيع الغائب إذا اشترط فيه خيار الرؤية: عقد معاوضة، فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح، فإنه يصح مع الجهل بالزوجة، فيقول المعترض: فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح، ونفي الاشتراط يلزمه نفي الصحة، إذ القائل بها يقول بالاشتراط.
ومثال ثانيهما: قول الحنفي الذي يرى كفاية مسح الربع في مسح الرأس، في الرد على الشافعي، الذي يكتفي بأقل ما يصدق عليه اسم المسح: عضو وضوء، فلا يكفي فيه أقل ما يصدق عليه الاسم، كالوجه.
فيقول الشافعي: عضو وضوء، فلا يتقدر مسحه بالربع، كالوجه.
ومنه ما إلى المساواة نسب
…
ثبوت حكمين للاصل ينسلب
حكم عن الفرع بالائتلاف
…
وواحد من ذين ذو اختلاف
فيلحق الفرع بالاصل فيرد
…
كون التساوي واجبا من منتقد
يعني أن من القلب لإبطال مذهب المستدل بالالتزام، قلب المساواة، أو التسوية، وهو أن يكون في الأصل حكمان، أحدهما منتف في الفرع اتفاقا من الخصمين، والآخر مختلف في ثبوته، فيثبته له المستدل قياسا على ذلك الأصل، فيوجب المعترض التسوية بينهما في الفرع، بالقياس على الأصل.
وهذا هو المراد بقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: ثبوت حكمين للاصل ينسلب، أي: ينتفي حكم منهما عن الفرع بالائتلاف، أي: اتفاقا من الخصمين، وواحد، أي: والثاني من ذين، أي: الحكمين، ذو اختلاف، أي: مختلف فيه بين الخصمين في جهة الفرع، فيلحق المستدل الفرع بالأصل في الحكم المختلف فيه، فيرد عليه كون التساوي أي: تساوي الحكمين في الفرع واجبا، لاستوائهما في الأصل.
وقوله: من منتقد، يتعلق بقوله: يرد.
ومثاله: قول من يرى لزوم طلاق المكره: مكلف مالك للطلاق، فيقع طلاقه كالمختار، فيقول المعترض: مكلف مالك للطلاق، فيسوى بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه كالمختار.
وإقرار المكره بالطلاق لغو باتفاق، فيلزم من التسوية بينه وبين الإنشاء، عدم اللزوم في الإنشاء.
والأكثرون على القدح بقلب المساواة، وذهب القاضي أبو بكر وابن السمعاني - رحمهما الله سبحانه وتعالى وطائفة ممن قبل أصل القلب إلى رده، لأنه لا يمكن التصريح فيه بحكم العلة، إذ الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات.
وأجيب بأن القياس على الأصل إنما هو من حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة، وفي الفرع عدمها، إذ الاختلاف غير مناف لأصل الاستواء الذي جعل جامعا قاله في رفع الحاجب.
وإلى الاختلاف في قبول قلب المساواة أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
قبوله فيه خلافا يحكي
…
بعض شروح الجمع لابن السبكي
مبحث القدح بالقول بالموجَب
ثم انتقل يتكلم على القول بالموجب، فقال:
والقول بالموجَب قدحه جلا
…
وهو تسليم الدليل مسجلا
من مانع أن الدليل استلزما
…
لما من الصور فيه اختصما
من القوادح القول بالموجب - بفتح الجيم - وموجب القول مقتضاه ومفاده، والمراد بالقول: الدليل، قياسا أو غيره، فالقول بالموجب هو: تسليم الدليل، وبيان عدم استلزامه لموضع النزاع.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: وشاهده: (ولله العزة ولرسوله) في جواب (ليخرجن الأعز منها الأذل)
قال في البحر: وهو من أحسن وجوه الاعتراضات.
وأكثر الاعتراضات الواردة على النصوص ترجع إليه، لأن النص إذا ثبت فلا يمكن رده، فلا يرد عليه سؤال إلا وحاصله يرجع إلى تسليم النص، ومنع لزوم الحكم منه اهـ
يجيء في النفي أو الثبوت
…
ولشمول اللفظ والسكوت
عما من المقدمات قد خلا
…
من شهرة لخوفه أن تحظلا
معناه أن القول بالموجب يقع على وجوه:
منها النفي، وذلك بأن يستنتج المستدل إبطال ما يَتَوهم أنه مأخذ الخصم، والخصم يمنع ذلك، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه.
قال السيف الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى: وورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات، من ورود النوع الأول - يعني مجيئه في الإثبات - من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الأحكام، لكثرة المدارك وتشعبها، وعدم الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها، بخلاف الأحكام، فإنه قل ما يتفق الذهول عنها، ولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول عن الإمام الخواص والعوام، دون معرفة المدارك، فكان احتمال الخطإ في اعتقاد كون المدرك المعين، هو مدرك الإمام، أقرب من احتمال الخطإ في ما ينسب إلى
الإمام من الحكم المدلول عليه اهـ
ومثاله: أن يقول المستدل لوجوب القصاص في القتل بمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه وهو الجناية.
فيقول المعترض: سلمنا، لكن لا يلزم من إبطال مانع، انتفاء جميع الموانع، ووجود جميع الشروط والمقتضي، والحكم إنما يثبت بارتفاع كل الموانع، ووجود كل الشرائط بعد قيام المقتضي.
وهذا هو المراد بقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: يجيء في النفي.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى النوع الثاني بقوله: أو الثبوت.
والمعنى أن القول بالموجب يرد على الثبوت، وذلك أن يستنتج المستدل مما استدل به ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه، سواء كان ذلك نفيا أو إثباتا، وليس كذلك، مثل أن يقول المستدل لوجوب القصاص في القتل بمثقل: قتل بما يقتل غالبا، فلا ينافي وجوب القصاص، كحرقه، فيقول المعترض: سلمنا، ولكن محل النزاع ليس منافاته للقتل، بل اقتضاؤه للقتل، ولا يلزم من عدم منافاته له، أن يكون مقتضيا له.
والمراد بوروده على النفي، أن يكون دليل المستدل المورد عليه، مسوقا لنفي ما يعتقد أنه مدرك الخصم، سواء كان مذهب الخصم نفيا أو إثباتا، وبالثبوت أن يكون دليل المستدل المورد عليه، مسوقا لإثبات مذهبه، سواء كان مذهبه نفيا أو إثباتا.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى: ولشمول اللفظ، إلى النوع الثالث.
والمعنى أن القول بالموجب، يرد أيضا لشمول لفظ المستدل صورة متفقا عليها بينهما على خلاف مذهب المستدل في صورة النزاع، فيحمل المعترض كلام المستدل عليها، ويبقى النزاع في ما عداها.
ومثاله قول القائل بزكاة الخيل: حيوان يسابق عليه كالإبل، فتجب فيه الزكاة.
فيقول المعترض: نعم إذا كانت للتجارة، ولكن الخلاف إنما هو في وجوب زكاتها من حيث هي خيل.
قال في النشر: قال الفهري - رحمهما الله سبحانه وتعالى: إن هذا هو أضعف أنواع
القول بالموجب، فإن حاصله مناقشة في اللفظ، فتندفع بمجرد العناية
(1)
.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى النوع الرابع بقوله: والسكوت عما من المقدمات إلخ.
والمعنى أن القول بالموجب يرد أيضا لسكوت المستدل عن صغرى القياس، وهي غير مشهورة، ومثاله: أن يقول موجب النية في الوضوء، مستدلا لذلك: القرب تشترط فيها النية، كالصلاة، ويسكت عن الصغرى التي هي: الوضوء قربة، مخافة المنع.
فيقول المعترض: هذا مسلم، ومن أين اشتراط النية في الوضوء؟
ولو ذكر الصغرى لم يرد القول بالموجب، وإنما يرد المنع من الصغرى، فيقول: لا نسلم أن الوضوء قربة.
وإنما اشترط في الصغرى أن تكون غير مشهورة، لأن المشهورة بمنزلة المذكورة، فلا يتوجه إلا المنع حيث كانت مختلفا فيها.
مبحث القدح بالفرق بين الأصل والفرع
والفرق بين الأصل والفرع قدح
…
إبداء مختص بالاصل قد صلح
أو مانع في الفرع، والجمع يرى
…
إلا فلا فرق أناس كبرا
من القوادح القادح المسمى بالفرق، ويسمى سؤال المعارضة، وسؤال المزاحمة، وهو إبداء معنى يختص به الأصل عن الفرع يجعل شرطا في الحكم، بأن يجعل من علته، أو إبداء معنى يختص به الفرع عن الأصل، يجعل مانعا من الحكم، إذ المانع من الشيء في قوة المقتضي لنقيضه، فيكون وصفا يقتضي نقيض الحكم، الذي أثبته المستدل.
وقيل: لا بد من إبداء المعنيين معا، وذلك هو قول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: والجمع يرى إلا فلا فرق أناس كبرا.
يعني أن الجمع بين الأمرين مشترط عند أناس كبرا.
قال في البحر: قال بعضهم: اختلف الجدليون في حده، فقال الجمهور - ومنهم الإمام
(1)
وهي: أن يقول: أعني كذا.
رحمه الله سبحانه وتعالى: إن حقيقة الفرق قطع الجمع بين الأصل والفرع، إذ اللفظ أشعر به، وهو الذي يقصد منه.
وقال بعض الجدليين: حقيقته المنع من الإلحاق، بذكر وصف في الفرع، أو في الأصل. وينبني على هذا الخلاف: مسألة، وهي أن الفارق إذا ذكر فرقا في الأصل، هل يجب عليه أن يعكسه في الفرع، اختلفوا فيه.
فما عليه الحذاق من أهل النظر أنه يشترط، لأنه عبارة عن قطع الجمع، وإنما ينقطع الجمع إذا عكسه، لأن المقصود الفرق، والافتراق له ركنان: أحدهما وجود الوصف في الأصل، والثاني انتفاؤه في الفرع، لأن المستدل يقول: وجود معنى آخر لا يضرني، لأنه يؤكد الحكم في الأصل، وذلك لا يمنع تعليلي.
وصار غيرهم إلى أنه لا يلزم المعترض عكسه، لأنه ادعى أن العلة في الأصل وصف كذا، فإذا أبدى المعترض وصفا آخر، امتنع التعليل في الاصل به، وإذا امتنع التعليل امتنعت التعدية اهـ
وذكر في قبوله أقوالا، ونقل عن إمام الحرمين - رحمهما الله سبحانه وتعالى أن المختار عنده فيه والذي ارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين أنه صحيح مقبول، وأنه وإن اشتمل على معنى معارضة الاصل، وعلى معارضة علة الفرع بعلة، فليس المقصود منه المعارضة، بل مناقضة الجمع، وذكر أن القاضي - رحمهما الله سبحانه وتعالى استدل على قبوله بأن السلف كانوا يجمعون، ويفرقون، ويتعلقون بالفرق، كما يتعلقون بالجمع، كما في قضية الجارية المرسية التي أجهضت الجنين، وقد أرسل إليها عمر بن الخطاب - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - يهددها، فإن عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - استشار في ذلك، فقال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: إنما أنت مؤدب، ولا أرى عليك شيئا، وقال علي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: أرى عليك الغرة.
وكان عبد الرحمن بن عوف - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - حاول تشبيه تأديبه بالمباحات التي لا تعقب ضمانا، وجعل الجامع: أنه فعل ما له أن يفعله، فاعترضه علي -
رضي الله سبحانه وتعالى عنه - بالفرق، وأبان أن المباحات المضبوطة النهايات، ليست كالتعزيرات التي يجب الوقوف عليها دون ما يؤدي إلى الإتلاف.
قال: ولو تتبعنا معظم ما يخوض فيه الصحابة - رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم أجمعين - وجدناه كذلك، قال: وبالغ ابن السمعاني في الرد على الإمام رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ.
تعدد الأصل لفرع معتمد
…
إذ يوجب القوة تكثير السند
اختلف هل يجوز تعدد الأصل لفرع واحد، بأن يقاس على أكثر من أصل، لما في ذلك من تقوية الظن، وهو ما صححه ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى أو لا يجوز سواء قيل بجواز تعدد العلة أو لا، خوف حصول انتشار، وهو ما صححه التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع.
قال في النشر: والمراد بتعدد الأصل، تعدد أمور يصلح كل منها بانفراده للقياس عليه، أعم من أن يقاس على كل منها بانفراده، أو يقاس على مجموعها اهـ
وعلى ما صححه ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى إذا فرق المعترض بين الفرع وأصل من الأصول المتعددة، كفى ذلك في القدح، لأنه يبطل جمعها المقصود لإفادة قوة الظن، كما هو حجة الجواز.
وقيل: لا يكفيه ذلك، بل حتى يفرق بينه وبين كل واحد من الأصول.
وقيل: يكفيه إن قصد المستدل إلحاق الفرع بمجموع الأصول، لأن المجموع يبطل بإبطال جزئه، وإن قصد الإلحاق بكل واحد منها على انفراده لم يكف.
وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
فالفرق بينه وأصل قد كفى
…
وقال: لا يكفيه بعض العرفا
وقيل: إن ألحق بالمجموع
…
فواحد يكفيه لا الجميع
واختلف إذا فرق بينه وبين الأصول كلها، هل يكفي المستدل أن يجيب عن الفرق بينه وبين أحدها، لحصول المقصود بصحة الجمع بينه وبين أحدها، أو لا يكفيه ذلك، لأنه التزم الجميع، فلزمه الدفع عنه، وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وهل إذا اشتغل بالتبيان
…
يكفي جواب واحد قولان
مبحث القدح بفساد الوضع
ثم انتقل يتكلم على فساد الوضع، فقال:
من القوادح فساد الوضع أن
…
يجي الدليل حائدا عن السنن
كالاخذ للتوسيع والتسهيل
…
والنفي والإثبات من عديل
والمعنى أن من القوادح فسادَ الوضع، ولا يختص بالقياس، وهو أن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، كأن يكون صالحا لضد ذلك الحكم أو نقيضه.
وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى – بأول البيتين.
والسنن - بفتح السين -: الطريق، وذلك كأن يستنتج المستدل التوسيع مما يقتضي التضييق، كقول الحنفية: الزكاة وجبت على وجه الارتفاق، لدفع الحاجة، فكانت على التراخي، كالدية على العاقلة، فدفع الحاجة إنما يقتضي التضييق بعدم التراخي.
أو يستنتج التسهيل مما يقتضي التشديد، كقول الحنفي: القتل عمدا جناية عظيمة، فلا تجب له كفارة كالردة ـ نعوذ بالله تعالى من الشرور كلها ـ.
فعظم الجناية، إنما يناسب التشديد بإيجاب الكفارة، لا التخفيف بإسقاطها.
وكأن يستنتج النفي مما يقتضي الإثبات، كأن يقال في بيع المحقر: لم يوجد فيه إلا الرضا، فلا ينعقد، كغير المحقر.
فوجود الرضا، إنما يناسب الانعقاد لا عدمه.
أو يستنتج الإثبات مما يقتضي النفي، كأن يقال في معاطاة غير المحقر: لم توجد فيه صيغة، فينعقد كالمحقر.
فعدم الصيغة إنما يناسب عدم الانعقاد، لا الانعقاد.
وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
كالأخذ للتوسيع والتسهيل
…
والنفي والإثبات من عديل
والعديل المقابل، أي: كأخذ التوسيع مما يقابله، وهو التضييق، وأخذ التسهيل مما يقابله، وهو التشديد، وأخذ النفي مما يقابله، وهو الإثبات، وأخذ الإثبات مما يقابله، وهو النفي.
منه اعتبار الوصف بالإجماع
…
والذكر أو حديثه المطاع
في ناقض الحكم بذا القياس ........................
معناه أن من فساد الوضع كون الوصف في قياس المستدل قد ثبت اعتباره في نقيض الحكم في قياسه، بنص أو إجماع، إذ الوصف الواحد لا يثبت به نقيضان.
أولهما: كقول الحنفية: الهرة سبع ذو ناب، فيكون سؤره نجسا، كالكلب.
فيقال من قبل من يرى نجاسة الكلب: السبعية اعتبرها الشرع علة للطهارة، حيث دعي إلى دار فيها كلب، فلم يجب، وإلى أخرى فيها سنور، فأجاب، فقيل له في ذلك، فقال:" السنور سبع "
(1)
ومثال الثاني: قول الشافعية في مسح الرأس في الوضوء: يستحب تكراره كالاستجمار بالحجر، فيقال: المسح على الخف لا يستحب تكراره إجماعا.
جوابه بصحة الأساس
معناه أن جواب القدح بفساد الوضع، ببيان صحة الدليل، بإظهار جهة غير الجهة التي نظر إليها المعترض، يكون الدليل باعتبارها جاريا على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه.
كأن يقول في مسألة الزكاة: إنه بنى التراخي على جهة الرفق بالمالك، لا جهة دفع الحاجة.
أو يقول في مسألة الكفارة: إنه إنما نظر لجهة كونها دافعة للإثم، لا لجهة عظم الجرم.
ويقرر كون الجامع معتبرا في ذلك الحكم في القسم الأخير، ويكون تخلفه عنه - بأن وجد مع نقيضه - لمانع، كما في مسح الخف، فإن تكراره يفسده كغسله.
فيندفع فساد الاعتبار، ويرد النقض عند من يراه في التخلف ولو لمانع أو وجود شرط،
(1)
تقدم.
لا من لا يراه في التخلف لوجود مانع أو فوات شرط.
مبحث القدح بفساد الاعتبار
والخلف للنص أو اجماع دعا
…
فساد الاعتبار كل من وعى
من القوادح فساد الاعتبار، وهو مخالفة القياس للنص أو الإجماع، إذ لا يجوز القياس في موضع النص أو الإجماع.
وهذا إذا كان النص غير خبر الآحاد، فإن كان خبر آحاد، فعلى الخلاف المتقدم، كقول مجيز ما لم يسم عليه من الذبائح: ذبْح صدر من أهله في محله، فيحل، كذبح ناسي التسمية.
فيقول المعترض: قياسك فاسد الاعتبار، لمخالفته لقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الآية الكريمة.
وكقول مانع رؤية الزوجة بعد موتها: لا يجوز للرجل تغسيل زوجته الميتة، لحرمة النظر إليها كالأجنبية.
فيقول المعترض: هذا مخالف للإجماع السكوتي في تغسيل علي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - فاطمة - رضي الله سبحانه وتعالى عنها.
وجوابه بالطعن في سند النص، أو منع ظهوره في ما حمله عليه المعترض، أو تأويله، كأن يقول في الآية الكريمة المتلوة آنفا، إنها مؤولة بذبح عبدة الأصنام، تعبيرا عن الجنس باسم معنى يلازمه غالبا، فإن عدم الذكر عند ذبح أهل الشرك أمر غالب.
وذاك من هذا أخص مطلقا
…
وكونه ذا الوجه مما ينتقى
معناه أن فساد الاعتبار، أعم من فساد الوضع مطلقا، فالقياس المخالف للنص قد يكون على النظام المعتبر في قبوله، فينفرد فساد الاعتبار، وقد لا يكون عليها فيجتمعان، هذا هو ظاهر التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى لكن قضية تعريفهما بما سبق، أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، ففساد الوضع ينفرد في ما إذا كان الدليل على غير الترتيب المقتضي لاستخراج مراد المستدل، من غير أن يخالف نصا ولا إجماعا.
قال شيخ الإسلام زكريا رحمه الله سبحانه وتعالى: فما قيل من أن فساد الوضع أعم، ومن أنهما متباينان، ومن أنهما متحدان، سهو اهـ
وجمعه بالمنع لا يضير
…
كان له التقديم والتاخير
معناه أن للمعترض بفساد الوضع أن يجمعه مع المنع لمقدمة أو أكثر من مقدمات الدليل، قدم فساد الاعتبار، أو قدم المنع، وتقديم المنع أحسن، لما فيه من الترقي من الأدنى
(1)
إلى الأعلى
(2)
وهو من المحسنات الكلامية.
قال البناني رحمه الله سبحانه وتعالى: ومثال ذلك ما لو قيل: لا يحرم الربا في البر، لأنه مكيل، كالجبس.
فيقول له المعترض: لا نسلم أن الكيل علة لعدم حرمة الربا، لوجوده في الأرز مع أنه ربوي، ثم ما اقتضاه دليلك من عدم حرمة الربا في البر، مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" البر بالبر ربا "
(3)
الحديث.
أو يقول: ما اقتضاه دليلك من عدم حرمة الربا في البر، مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" البر بالبر ربا " ولا نسلم أن الكيل علة حرمة الربا اهـ
مبحث القدح بمنع وجود علة الأصل
من القوادح كما في النقل
…
منْع وجود علة للاصل
قال في النشر: يعني أن من المنقول عن أهل الفن، القدح بمنع وجود علة الأصل، أي: المقيس عليه، في الفرع اهـ
ومثلوا لذلك بقول من يرى أمان العبد: أمان صدر عن أهله، كالعبد المأذون له في القتال، فيقول المعترض: لا نسلم أن العبد أهل للأمان.
وما وقع التمثيل به في النشر والحلي من قياس شهود الزور على المكره غيره، سهو، فما ذكراه مثال للقادح المسمى باختلاف الضابط في الأصل والفرع، كما هو صريح آخر
(1)
الذي هو المنع، وذلك لعدم كفايته.
(2)
الذي هو فساد الاعتبار.
(3)
متفق عليه.
كلامهما.
مبحث القدح بمنع علية الوصف
ومنْع علية ما يعلل
…
به وقدحه هو المعول
معناه أن من القوادح منعَ علية الوصف، ويسمى المطالبة بتصحيح العلة، ولو لم يكن قادحا، لتمسك المستدل بما شاء أن يتمسك به، لأمنه المنع.
وقيل: لا يقبل لأدائه إلى الانتشار، بمنع كل ما يدعى عليته، فإن المستدل يحتاج - على قبوله - إلى الانتقال لتعليل عليته، فيمنع تعليل العلية، فيحتاج للانتقال لتعليل علة العلية، فيمنع، فيحتاج لتعليل علة علة العلية وهكذا، قاله الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
ومثاله أن يقول الحنفي: علة طعام الربا الكيل، فيقول المالكي: لا نسلم كونها الكيل، لوجود الربا في ما لا يكال، كالحفنة.
وجوابه بإثبات عليته بمسلك من مسالك العلة.
مبحث القدح بالتقسيم
ويقدح التقسيم أن يحتملا
…
لفظ لأمرين ولكن حظلا
وجود علة بأمر واحد
…
وليس عند بعضهم بالوارد
جوابه بالوضع في المراد
…
أو الظهور فيه باستشهاد
معناه أن من القوادح التقسيم، وهو كون لفظ واقع في دليل المستدل مترددا بين أمرين ـ مثلا ـ على السواء، أحدهما ممنوع، وهو غير مقصود المستدل.
وأما إذا كان اللفظ ظاهرا في أحد الاحتمالين - مثلا - فيتعين حمله عليه، ولا ورود لسؤال التقسيم.
واختلف في القدح بالتقسيم قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: والمختار وروده.
وجوابه: أن اللفظ موضوع لغة، أو عرفا، في مراده المستدل، أو ظاهر فيه، ولو بقرينة.
ومنهم من جعل التقسيم: تردد اللفظ بين أمرين ـ مثلا ـ أحدهما ممنوع، وهو مراد المتكلم، كابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى في المختصر.
وحاصله على هذا منع يتوجه بعد التقسيم، كقول مجيز التيمم للحاضر الصحيح: وجد السبب بتعذر الماء، فساغ التيمم.
فيقول المعترض: السبب تعذر الماء، أو تعذر الماء في السفر أو المرض خاصة.
أما أولهما فممنوع، وأما الثاني فمسلم، ولكن لا ينتج المقصود.
وجوابه على هذا بصحة ما منع، لا ما ذكر الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى في البيت الأخير.
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: أنت خبير بأن ذلك المراد إذا كان ممنوعا عند المعترض في نفسه، فما الفائدة في كونه مرادا؟
وهل يزيد ذلك، على ما لو صرح المستدل من أول الأمر بأن ذلك مراده، ثم منعه المعترض؟
وللمعارضة والمنع معا
…
أو الاخير الاعتراض رجعا
جعل المتأخرون القوادح كلها راجعة إلى المعارضة، أو المنع.
والمعارضة هي نصب المعترض دليلا على خلاف ما نصب عليه المستدل دليله.
والمنع يراد به: منع مقدمة من الدليل.
وذلك لأن غرض المستدل من إثبات مدعاه بدليله، يكون بصحة مقدماته، ليصلح للشهادة، وبسلامته عن المعارض لتنفذ شهادته، فيترتب عليه الحكم.
وذهب السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى تبعا لبعض الجدليين إلى رجوعها إلى المنع خاصة، لأن المعارضة منع للعلة عن الجريان.
والاعتراض يلحق الدليلا
…
دون الحكاية فلا سبيلا
معناه أن الاعتراض - منعا أو معارضة - إنما يلحق الدليل، إما قبل تمامه لمقدمة منه، أو بعد تمامه.
ولا يلحق حكاية المستدل للأقوال في المسألة المبحوث فيها، حتى يختار منها قولا،
ويستدل عليه.
ولا يعترض على أدلة المسألة المحكية فيها، ما لم يختر منها، لأن الناقل ـ من حيث إنه ناقل ـ ليس بملتزم صحة ما نقله، بل هذا ليس بدليل بالنسبة إليه من تلك الحيثية، فإن التزم صحة الدليل الذي نقله، أو أقام دليلا برأيه، على ما نقله، صار حينئذ مستدلا، قاله في النشر.
والشأن لا يعترض المثال
…
إذ قد كفى الفرض والاحتمال
معناه أن الشأن عند الأصوليين أن المثال لا يعترض عليه، لأنه إنما يساق لتوضيح المقصود، وإظهار المراد، فإذا كان كذلك، لم يلزم أن يكون واقعا، فيكفي فيه التقدير والفرض، بخلاف الشاهد فإنه مسوق للاحتجاج للقاعدة، فلا بد من ثبوته.
قال في الحلي: نعم تكثر الاعتراضات على الأمثلة لشحذ ذهن الطالب، والمبالغة في تصحيح التصور، إذا كان في المسألة خفاء، فربما أفضى بالناظر إلى الغلط اهـ
خاتمة
وهو مفروض إذا لم يكن
…
للحكم من نص عليه ينبني
معناه أن القياس حيث عدم ما سواه من الأدلة في النازلة، واجب وجوب كفاية على المجتهدين حيث تعددوا، فإن لم يوجد إلا واحد تعين عليه، كما هو الشأن في فروض الكفاية.
وهذا بالنسبة لإيقاعه للمقلدين، ليخبروهم بحكم الله سبحانه وتعالى في الواقعة، وأما بالنسبة لإيقاعه لنفسه، فقال البناني رحمه الله سبحانه وتعالى: ينبغي أن يكون فرض عين، على كل منهم، لامتناع تقليد بعضهم بعضا.
ووجوب القياس على المجتهد للمقلد، محله إذا تعلق بواجب، أو تعلق بسنة، وأراد العمل كما قال العبادي رحمه الله سبحانه وتعالى.
لا ينتمي للغوث والجليل
…
إلا على ضرب من التأويل
الغوث المراد به: النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - والجليل: اسم من أسمائه - جل
وعلا -.
والمعنى أن الحكم المستخرج بالقياس، لا يجوز أن ينسب إلى الله سبحانه وتعالى أو إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يقال: قال الله سبحانه وتعالى أو قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأنه مستنبط لا منصوص، إلا أن يقصد قائل ذلك أنه دل عليه بحكم المقيس عليه ودليله.
قال في النشر: فيجوز حينئذ، أن يقال مثلا قال الله سبحانه وتعالى كذا، لا إن قصد أن الله سبحانه وتعالى قال ذلك صريحا، بأن دل عليه بقول يخصه، وإن لم يقصد هذا ولا ذاك، فمحل نظر اهـ
وهو معدود من الأصول
…
وشرعة الإله والرسول
معنى أول الشطرين: أن القياس من أصول الفقه، كما علم من قوله رحمه الله سبحانه وتعالى في تعريفه: أصوله دلائل الإجمال، خلافا لإمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى فقد ذهب إلى أنه ليس منها، وإنما يبين في كتبه، لتوقف غرض الأصولي من إثبات حجيته، التي يتوقف عليها الفقه. قاله بمعناه المحلي.
قوله: وشرعة الإله والرسول، معناه أن القياس من دين الله سبحانه وتعالى قال في النشر: وإنما كان من الدين لأنه مأمور به في قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (فاعتبروا يا أولي الابصار) وكل مأمور به من الدين، دليل صحة الكبرى أن الدين: ما يدان الله سبحانه وتعالى أي: يطاع به، فكل مأمور به، يدان الله سبحانه وتعالى به، لأنه بامتثال أمره به، يكون مطيعا له، ودليل صحة الصغرى الآية.
قال في الآيات البينات: لكن في دليل الصغرى بحث، لجواز أن يكون المراد بالاعتبار الاتعاظ، فلا تدل على القياس اهـ
وقيل: ليس من الدين، لأن اسم الدين إنما يقع على ما هو ثابت غير منقطع، والقياس قد لا يحتاج إليه.
وقيل: إنه من الدين حيث تعين للاستدلال، بأن لم يكن للمسألة دليل غيره اهـ بخ
القياس الجلي والقياس الخفي
ما فيه نفي فارق ـ ولو بِظَنْ ـ
…
جلي، وبالخفي عكسَه استبن
كون الخفي بالشبه دأبا يستوي
…
وبين ذين واضح مما رُوِي
قيل الجلي وواضح وذو الخفا
…
أولى مساو أدون قد عرفا
معناه أن القياس ينقسم إلى جلي وخفي، والجلي هو ما قطع فيه بنفي الفارق، أو كان احتمال الفارق فيه ضعيفا.
أولهما: كقياس الأمة على العبد في سراية العتق، وفي تشطر الحد.
والثاني: كقياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية، الثابت بحديث:" أربع لا تجزئ في الأضاحي "
(1)
ووجه الفارق المحتمل أن يقال: العمياء تعلف، والعوراء توكل إلى نفسها في المرعى، وهي ناقصة البصر، فيكون العور مظنة الهزال دون العمى.
والقياس الخفي: خلافه، وهو ما كان احتمال الفارق فيه قويا، كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص.
وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بأول الأبيات.
وقيل: ينقسم القياس إلى جلي، وواضح، وخفي، والجلي هو: ما تقدم، والخفي: قياس الشبه، والواضح: ما بينهما.
وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بالبيت الثاني.
وقيل: الجلي: الأولى، والواضح: المساوي، والخفي: الأدون.
وهو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بالبيت الثالث.
قياس العلة وقياس الدلالة والقياس في معنى الأصل
وما بذات علة قد جمعا
…
فيه، فقيس علة قد سمعا
جامع ذي الدلالة الذي لزم
…
فأثر، فحكمها، كما رسم
قياس معنى الأصل عنهم حقق
…
بما دعي الجمع بنفي الفارق
(1)
رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجة والإمام مالك والإمام أحمد بألفاظ متقاربة، وهو حديث صحيح.
هذا تقسيم آخر للقياس، والمعنى أن القياس كما ينقسم باعتبار قوته وضعفه إلى جلي وغيره، ينقسم باعتبار علته إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل.
أما أولها فهو ما صرح فيه بالعلة، كأن يقال: يحرم النبيذ كالخمر، للإسكار، وهذا هو مقصود الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بأول الأبيات.
وأما الثاني فهو ما جمع فيه بلازمها، أو أثرها، أو حكمها.
وهو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بالبيت الثاني.
مثال الجمع بلازم العلة: أن يقال: النبيذ حرام كالخمر، بجامع الرائحة المشتدة، فهي لازمة للإسكار.
ومثال الجمع بأثرها: أن يقال: القتل بمثقل، يوجب القصاص، كالقتل بمحدد بجامع الإثم.
ومثال الجمع بحكمها: أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية قاله المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى.
وهي مرتبة في القوة على هذا الترتيب، كما أشار إليه الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بالعطف بالفاء.
وأما الثالث - وهو القياس في معنى الأصل - فهو الإلحاق بنفي الفارق، كقياس الأمة على العبد في سراية العتق، وقياسه عليها في تشطر الرق.
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: يؤخذ منه - يعني المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى أن معنى قولهم: قياس في معنى الأصل: قياس بسبب وجود مقصود الأصل، لعدم الفارق، ووجود المقصود يدل على وجود العلة، وحاصله: قياس بتلك العلة المحققة بنفي الفارق عن المقصود.
كتاب الاستدلال
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: اعلم أن علماء الأمة أجمعوا على أن
ثم دليل شرعي غير ما تقدم، واختلفوا في تشخيصه، فقال قوم: هو الاستصحاب، وقوم: الاستحسان، وقوم: المصالح المرسلة، ونحو ذلك.
والاستفعال يرد لمعان، وعندي أن المراد منها هاهنا: الاتخاذ.
والمعنى أن هذا باب ما اتخذوه دليلا، والسر في جعله دون ما عداه متخذا، أن تلك الأدلة قام القاطع عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شيء منها، فقيامها أدلة لم ينشأ عن صنيعهم واجتهادهم.
أما ما عقدوا له هذا الباب، فشيء قاله كل إمام بمقتضى أداء اجتهاده، فكأنه اتخذه دليلا، كما يقال الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى يستدل بالاستصحاب، والإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى بالمصالح المرسلة، والإمام أبو حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى بالاستحسان اهـ
وقال ابن عاشور رحمه الله سبحانه وتعالى: اصطلح الأصوليون على أن يسموا بالاستدلال: إيجاد دليل غير واضح من الأدلة الشرعية، وهو ينقسم إلى قسمين:
أولهما: إيجاد دليل على حكم شيء، بالأخذ بلازم حكم آخر له، أو لغيره، كإشارة النص، وواضح كون هذا إيجادا، لأن الحكم المنصوص ـ مثلا ـ لم يتعرض للحكم المثبت، وإنما أخذ هذا الحكم الثاني باللازم.
ثانيهما: أخذ دليل من تتبع مقاصد الشريعة، أو مواردها، كأخذ كون الأصل في المضار التحريم، ويدخل تحت القسمين طرق إثباتها، كالأقيسة المنطقية، والاستقراآت، والقواعد العقلية اهـ
والاستدلال هو دليل ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس، كما أشار إليه الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
ما ليس بالنص من الدليل
…
وليس بالإجماع والتمثيل
والمراد بالتمثيل: القياس الشرعي المتقدم في قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: حمل لمعلوم على معلوم إلخ.
وقال ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى في تعريف الاستدلال: فقيل: ما ليس
بنص ولا إجماع ولا قياس، وقيل: ولا قياس علة، فيدخل نفي الفارق، والتلازم اهـ
منه قياس المنطقي والعكس ..........................
المعنى أنه يدخل في الاستدلال القياس المنطقي، فهو دليل باعتبار التلازم، فوجود الملزوم كالسكر، يستلزم وجود اللازم وهو الحرمة، وانتفاؤه يستلزم انتفاءه.
والقياس المنطقي هو: قول مركب من قضايا، متى سلمت، لزم عنه لذاته قول آخر، وهو نوعان: اقتراني واستثنائي.
وذلك أن النتيجة إن ذكرت صورتها، أو ذكر نقيضها بالفعل، في القياس، بأن كان ذلك جزءا من إحدى القضيتين، فهو قياس استثنائي، نحو: إن كان النبيذ مسكرا، فهو حرام، لكنه مسكر، ينتج: فهو حرام، فقد جاءت فيه صورة النتيجة بالفعل.
ونحو: إن كان النبيذ مباحا، فهو ليس بمسكر، لكنه مسكر، ينتج: فهو غير مباح، وقد جاء نقيض ذلك في القياس.
وإن لم تذكر فيه النتيجة بالفعل، ولا نقيضها، فهو الاقتراني، نحو: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، ينتج: كل نبيذ حرام، ولم يقع هذا ـ أعني كل نبيذ حرام ـ في القياس بالفعل، ولا نقيضه، وإنما ذكر فيه بالقوة.
وسمي اقترانيا، لاقتران الحدود فيه، حيث لم يفصل بينهما بحرف الاستثناء، وسمي السابق استثنائيا للفصل بحرف الاستثناء عند المناطقة.
وإلى هذا يشير الأخضري في السلم بقوله:
إن القياس من قضايا صورا
…
مستلزما بالذات قولا آخرا
ثم القياس عندهم قسمان
…
فمنه ما يدعى بالاقتراني
وهو الذي دل على النتيجة
…
بقوة، واختص بالحملية
إلى أن قال:
ومنه ما يدعى بالاستثنائي
…
يعرف بالشرطي بلا امتراء
وهو الذي دل على النتيجة
…
أو ضدها بالفعل لا بالقوة
ويدخل في الاستدلال أيضا قياس العكس، وهو إثبات عكس حكم شيء، لشيء
آخر، لتعاكسه معه في العلة.
والمراد بالعكس ما يشمل الضد، كما صرح به العطار رحمه الله سبحانه وتعالى وهو صريح الأمثلة التي مثلوا بها، قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: وحاصل قياس العكس: استدلال بنقيض العلة، على نقيض الحكم اهـ
كحديث أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟
(1)
"
قال أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في كتاب الإشارة: يصح الاستدلال بالعكس، وقال أبو حامد الاسفرائيني رحمه الله سبحانه وتعالى: لا يجوز، والدليل على قولنا أن المعلل إذا قال: لا تحُل الشعرةَ الروحُ، لأنه لو حلته، لما جاز أخذه من الحيوان حال الحياة مع السلامة، ولَمَّا جاز أخذه منه حال الحياة، علمنا أن الروح لا تحله كالريش، هذا استدلال صحيح، لأنه لو حلت الحياة الشعر، وجاز أخذه من الحيوان حال الحياة، لانتفت العلة اهـ
ونقل في البحر عن الشيخ أبي إسحاق ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه ذكر في الاستدلال به عن أصحابهم وجهين، أصحهما الإثبات، قال: ويدل عليه، أن الله سبحانه وتعالى دل على التوحيد بالعكس، فقال سبحانه وتعالى جل من قائل:(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ودل على أن القرآن من عنده بالعكس، قال سبحانه وتعالى جل من قائل:(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) اهـ
ومنه فقد الشرط دون لبس
ثم انتفا المدرك مما يرتضى
…
كذا وجود مانع أو ما اقتضى
كأن البيت انقلب في التبييض، والمعنى أن من ما يدخل في الاستدلال وجود المقتضي، فهو دليل على وجود الحكم، ووجود المانع، فهو دليل على انتفاء الحكم، وفقد الشرط، فهو دليل على انتفاء الحكم، هكذا في شروح المراقي، والذي عد ابن الحاجب رحمه الله
(1)
تقدم.
سبحانه وتعالى - في مختصره في الاستدلال، والتاج رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: وُجد المقتضي أو المانع، أو فُقِد الشرط، بصيغة الفعل، أي: قول المستدل: وجد، لا وجود بالمصدر، ومذهب الأكثرين أنه دعوى، لا دليل.
ويدخل في الاستدلال أيضا انتفاء الحكم لانتفاء مدركه.
قال في المنهاج: السادس: فقد الدليل بعد التفحيص البليغ، يغلب ظن عدمه، وعدمه يستلزم عدم الحكم، لامتناع تكليف الغافل اهـ
وقد تكلم الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى في المحصول عليه، وقال بعد بحث: وإذا عرفت هذا فالعبارة الصحيحة عن هذا الدليل أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان اهـ
ولا شك أن بين الاستدلال بهذا والاستدلال باستصحاب العدم الأصلي فرقا، وذلك لأمرين:
أحدهما: أن كون الاستصحاب حجة، منهم من حكى عليه الاتفاق،
(1)
ومنهم من حكى فيه خلافا، وجعل مذهب الجمهور أنه حجة، وأما الاستدلال بفقد الدليل على عدم الحكم فمذهب الأكثرين أنه غير حجة.
الثاني: ذكرهما معا في تعداد ما يدخل في الاستدلال، كما فعل الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى تبعا للتاج في الجمع، والبيضاوي في المنهاج والسيف الآمدي في الإحكام رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ.
وفرق بين الموضعين في الحلي بأن الاحتجاج بالأخير خاص بالمناظرة، وأنه إنما يقع في الاعتراض خاصة، وساق كلاما للإمام رحمه الله سبحانه وتعالى – وغيره، ذكر أنه يقتضي ذلك، ولم يظهر لي ذلك جدا، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
كما ساق عليه كلاما لأبي الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في الاستصحاب، وقد وقع فيه الاستدلال به على نفي دليل خاص، كما وقعت فيه نسبة القول به لجمهور
(1)
ولعله أقعد بما يأتي ـ إن شاء الله سبحانه وتعالى من عد القول به شرطا في أهلية الاجتهاد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أهل العلم، مما يقتضي أنه يتكلم في الاستصحاب، فلينظر ذلك مع ما قيل من أن المراد في مسألة البيت انتفاء مدرك حكم خاص، وفي الاستصحاب انتفاء مدارك الأحكام الخمسة.
وظاهر كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى أن حجية الاستصحاب خاصة بما علم فيه انتفاء الدليل، فعدم العلم بالدليل، ليس بدليل ملزم للخصم، وإنما الدليل الملزم، العلم بعدم الدليل، نعم ظن عدم الدليل حجة في العمل، لوجوب العمل على المجتهد بالراجح عنده، ونصه:
الأصل الرابع: دليل العقل والاستصحاب:
اعلم أن الأحكام السمعية، لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات، وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام ـ وتأييدهم بالمعجزات، وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل، قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع.
فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات، فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة، لا بتصريح النبي بنفيها، لكن كان وجوبها منتفيا، إذ لا مثبت للوجوب، فبقي على النفي الأصلي، لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة، فبقي على النفي في حق السادسة، وكأن السمع لم يرد.
وكذلك إذا أوجب صوم رمضان، بقي صوم شوال على النفي الأصلي.
وإذا أوجب عبادة في وقت، بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية.
وإذا أوجب على القادر، بقي العاجز على ما كان عليه.
فإذاً النظر في الأحكام، إما أن يكون في إثباتها، أو في نفيها.
أما إثباتها، فالعقل قاصر عن الدلالة عليه.
وأما النفي، فالعقل قد دل عليه، إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، فانتهض دليلا على أحد الشطرين، وهو النفي.
فإن قيل: إذا كان العقل دليلا بشرط أن لا يرد سمع، فبعد بعثة الرسل، ووضع الشرع، لا يعلم نفي السمع، فلا يكون انتفاء الحكم معلوما، ومنتهاكم عدم العلم بورود السمع، وعدم العلم لا يكون حجة.
قلنا: انتفاء الدليل السمعي قد يعلم، وقد يظن، فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا على وجوب صلاة سادسة، إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر، ولما خفي على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، وليس هو عدم العلم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس بحجة، والعلم بعدم الدليل حجة.
أما الظن فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة في وجوب الوتر، والأضحية، وأمثالهما، فرآها ضعيفة، ولم يظهر له دليل، مع شدة بحثه، وعنايته بالبحث، غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في حق العمل، لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهو غاية الواجب على المجتهد.
فإن قيل: ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل؟
أو يكون عليه دليل لم يبلغنا؟
قلنا: أما إيجاب ما لا دليل عليه، فمحال، لأنه تكليف بما لا يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود السمع.
وأما إن كان عليه دليل ولم يبلغنا، فليس دليلا في حقنا، إذ لا تكليف علينا إلا في ما بلغنا.
فإن قيل: فيقدر كل عامي أن ينفي، مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل.
قلنا: هذا إنما يجوز للباحث المجتهد المطلع على مدارك الأدلة، القادر على الاستقصاء، كالذي يقدر على التردد فى بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع، أو يدعي غلبة الظن.
أما الأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يبصر ما فيه، فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت اهـ
فلعل المراد بمسألة البيت: أن احتجاج أحد المتناظرين، بعدم وجدان الدليل، لا ينهض حجة على خصمه، فهو دعوى دليل، لا دليل، كقوله: وجد المقتضي، أو المانع، أو فقد الشرط، فهي دعاو لا أدلة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما ما قيل من أن انتفاء المدرك دليل بنفسه هنا، جزء من الدليل في الاستصحاب،
فليس ببين، فقد قال الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى فالعبارة الصحيحة عن هذا الدليل أن يقال: حكم الشرع إبقاء ما كان على ما كان، إلا إذا وجدت دلالة شرعية مغيرة اهـ
وقال أيضا: المناظر تلو المجتهد، ومعلوم أن المجتهد لا يجوز له التمسك باستصحاب حكم الأصل، إلا إذا بحث، واجتهد في طلب الأدلة المغيرة، فإذا لم يجد في الواقعة شيئا منها، حل له في ما بينه وبين الله سبحانه وتعالى أن يحكم بمقتضى الاستصحاب، فأما قبل البحث عن وجود هذه الدلائل المغيرة، فلا يجوز له التمسك بالاستصحاب ـ أصلا ـ فلما ثبت أن الأمر في المجتهد كذلك، وجب أن يكون في حق المناظر كذلك، لأنه لا معنى للمناظرة المشروعة إلا بيان وجه الاجتهاد اهـ
فانتفاء المدرك دليل في الموضعين على عدم الحكم، فيستصحب عند من يقول بالاستصحاب.
وأما الحنفية فيخالفون في تسميته استصحابا، ولا يخالفون في الحكم، فهو ثابت عندهم أيضا، لكن بالعقل لا بالاستصحاب كما نص عليه الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
ومنه الاستقراء بالجزئي
…
على ثبوت الحكم للكلي
فإن يعم غير ذي الشقاق
…
فهو حجة بالاتفاق
وهو في البعض إلى الظن انتسب
…
يسمى لحوق الفرد بالذي غلب
يدخل في الاستدلال كذلك الاستقراء، بأن تُتَتَبَّعَ جزئيات كلي، ليثبت حكمها له، وينقسم إلى تام، وناقص.
أما التام فهو: ما استقرئت فيه جميع الجزئيات، ما عدا الجزئية التي هي صورة النزاع، أو محل البحث، وهو دليل قطعي على ثبوت الحكم فيها، عند الأكثرين، واحتمال مخالفة تلك الصورة لغيرها، لا يمنع من القطع العادي، إذ الاحتمالات البعيدة لا تنافيه، كما قالوه في إفادة التواتر العلم، من أن تجويز العقل التواطأ على الكذب، لا ينافي إفادته العلم الضروري.
…
وقيل: ليس بقطعي، وحكى البدخشي في شرح منهاج البيضاوي - رحمهما الله سبحانه وتعالى الاتفاق على أنه دليل يقيني، كما في حاشية العطار رحمه الله سبحانه
وتعالى ـ.
وأما الناقص فهو: ما استقرئ فيه أكثر الجزئيات، غير صورة النزاع، وهو دليل ظني، ويعرف عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب.
قال في الإبهاج: ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كانت أكثر، كان الظن أغلب، وقد اختلف في هذا النوع، واختار المصنف - يعني البيضاوي رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه حجة تبعا لتاج الدين صاحب الحاصل، وهو ما اختاره صفي الدين الهندي رحمه الله سبحانه وتعالى وبه نقول.
وقال الإمام رحمه الله سبحانه وتعالى: الأظهر أنه لا يفيد الظن، إلا بدليل منفصل.
ثم بتقدير الحصول يكون حجة، وهذا يعرفك أن الخلاف الواقع في أنه هل يفيد الظن، لا في أن الظن المستفاد منه هل يكون حجة اهـ
والفرق بين القياس الأصولي، والمنطقي، والاستقرائي، أن الأصولي هو: الاستدلال بثبوت الحكم في جزئي، لإثباته في جزئي آخر مثله بجامع، والمنطقي هو الاستدلال بثبوت الحكم في كلي، لإثباته في جزئي، والاستقرائي عكس المنطقي قاله العطار رحمه الله سبحانه وتعالى.
والمقصود بالذات بالاستقراء عند المناطقة الحكم على الكلي، بخلافه عند الأصوليين، فإنه الحكم على الجزئي، لتعلق غرضهم بأحكام الجزئيات، ومن هنا يعلم أنه لا حاجة بهم إلى الاستقراء التام عند المناطقة، لأنه مبني على علم ثبوت الحكم في جميع الجزئيات، والاصوليون إنما يحتاجون للدليل لعلم حكم الجزئي، والفرض أنه معلوم، ولما كان وجه الدلالة عند المناطقة لا بد وأن يكون لزوما عقليا، كان الاستقراء سواء للجميع ما عدا واحدة أو للأكثر ما عداها، لا يفيد عندهم إلا الظن، لجواز المخالفة قاله الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
قال: واعلم أن التقييد بصورة النزاع في المحلين، يخرج ما لو كان النزاع في صورتين فأكثر، فلا يقال في الأول إنه حينئذ قطعي، ولا في الثاني إنه ظني، لكن لا يخلو عدم كون الثاني ـ
حينئذ ـ ظنيا، عن تأمل اهـ
ورجحنَّ كون الاستصحاب
…
للعدم الأصلي من ذا الباب
بعد قُصارى البحث عن نص فلم
…
يلف وهذا البحث وفقا منحتم
وإن يعارض غالبا ذا الاصْلُ
…
ففي المقدم تنافى النقل
وما على ثبوته للسبب
…
شرعٌ يدل مثل ذاك استصحب
وما بماض مثبت للحال
…
فهو مقلوب وعكس الخالي
كجري ما جهل فيه المصرف
…
على الذي الآن لذاك يعرف
الاستصحاب أنواع: منها استصحاب العدم الأصلي، وهو المذكور هنا، وقد تقدم الكلام عليه قريبا بما يكفي.
واختلف إذا عارضه غالب، فقيل: يقدم الأصل على الغالب، وقيل: يقدم الغالب عليه، كتنازع مشتري لحم - مثلا - وبائعه بعد بينونته به، في دفع الثمن.
وربما قدم الغالب اتفاقا، وربما قدم الأصل اتفاقا، وربما ألغيا معا، وأخذ بالنادر الذي ليس بأصل، لمعنى يوجب ذلك، كما بينه ابن عاشور رحمه الله سبحانه وتعالى.
وإلى الاختلاف المذكور أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وإن يعارض غالبا البيت.
ومن أنواع الاستصحاب: استصحاب الإجماع، وليس بحجة عندنا، قال أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى – في الإشارة: وذلك مثل استدلال داود رحمه الله سبحانه وتعالى على أن أم الولد يجوز بيعها، لأنهم قد أجمعوا على جواز بيعها قبل الحمل، فمن ادعى المنع من ذلك بعد الحمل، فعليه الدليل.
وهذا غير صحيح من الاستدلال، لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حجة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا، لم يجز الاحتجاج بها في الموضع الذي لا تتناوله اهـ
وقال به المزني والصيرفي وابن سريج والآمدي رحمهم الله سبحانه وتعالى.
ومنها استصحاب العموم والنص، إلى ورود المغير، من مخصص أو ناسخ.
وعندنا أن الدليل في ذلك النص أو العموم، إذ الزمن لا أثر له، حتى يصار إلى الاستصحاب.
قال في النشر: قال الرازي - رحمهما الله سبحانه وتعالى: وإن سمى هذا مسمِّ استصحابا، لم يناقش اهـ
ومنها استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه، كثبوت الملك، لثبوت الشراء، وثبوت النكاح، لثبوت التزوج.
وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وما على ثبوته للسبب البيت.
ومنه نوع يسمى بالاستصحاب المقلوب، وهو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر - مثلا - على ثبوته في الزمان الذي قبله.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: وطريقك في المقلوب، أن تقول: لو لم يكن الثابت الآن، ثابتا أمس، لكان غير ثابت، إذ لا واسطة، وإذا كان غير ثابت، قضى الاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت، يدل أنه كان ثابتا أيضا اهـ
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: وحاصله أن ثبوته الآن، علامة على ثبوته في الماضي، إذ لو لم يكن ثابتا فيه، لاختلف الحالان، والأصل توافقهما اهـ
وإلى مقلوب الاستصحاب أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وما بماض مثبت للحال البيت.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب: كما إذا وقع النظر في هذا المكيال، هل كان على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ فيقال: نعم، إذ الأصل موافقة الماضي للحال اهـ
ومن أمثلته ما أشار إليه الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: كجري ما جهل فيه المصرف البيت.
قال في النشر: يعني أن من أمثلة الاستصحاب المقلوب: ما لبعض القرويين والأندلسيين من أهل مذهبنا، من أن الحبس إذا جهل أصل مصرفه، ووجد على حالة، فإنه
يجرى عليها، ورأوا أن إجراءه على هذه الحالة، دليل على أنه كان كذلك في الأصل، فهذا دليل على أنه حجة عندهم، وظاهر كلام السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى أنه حجة.
والاخذ بالذي له رجحان
…
من الادلة هو استحسان
أو هو تخصيص بعرف ما يعم
…
ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم
ورد كونه دليلا ينقدح
…
ويقصر التعبير عنه متضح
يدخل في الاستدلال أيضا، الاستحسان، وقد اختلف في تفسيره، ونقل أبو الوليد االباحي في الإشارة عن ابن خويز منداد ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه القول بأقوى الدليلين، وهذا المعنى لا خلاف في المصير إليه بين أهل العلم، لوجوب العمل بالراجح.
وجاء عن الإمام أشهب رحمه الله سبحانه وتعالى أنه تخصيص الدليل العام، بالعادة، لمصلحة الناس، كاستحسان جواز دخول الحمام من غير تعيين زمن المكث فيه، وقدر الماء، فإنه معتاد على خلاف الدليل.
وأجيب بأن العادة إن انتصب عليها دليل، كتقريره صلى الله تعالى عليه وسلم، أو إجماع أهل العلم، فلا خلاف في الأخذ بها لقيام دليلها، وإلا فلا حجة فيها.
واستظهر الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى أنه استعمال مصلحة جزئية، في مقابلة قياس كلي، فهو كتقديم الاستدلال المرسل على القياس، كما إذا اختار بعض ورثة المشتري بالخيار، الرد، وبعضهم الإمضاء، فالقياس رد الجميع إن رد بعضهم، لأن من ورثوا عنه الخيار، لو رد البعض، رد الجميع، لما في التبعيض من إدخال الضرر على البائع، والاستحسان أخذ المجيز الجميع، ارتكابا لأخف الضررين.
فالاستحسان على هذا القول: الأخذ بمصلحة جزئية، في مقابلة دليل كلي، ويشهد له الرخص الواقعة في الشريعة قاله في النشر.
وقيل: إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، يعسر عليه التعبير عنه، قال السيف الآمدي رحمه الله سبحانه وتعالى: والوجه في الكلام عليه، أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا، ووهما فاسدا، فلا خلاف في امتناع التمسك به، وإن تحقق أنه دليل من الأدلة الشرعية، فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا، وإن كان ذلك في غاية البعد، وإنما النزاع في
تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه، دون حالة إمكان التعبير عنه، ولا حاصل للنزاع اللفظي اهـ
وقال في المنخول: وهذا أيضا هوس، فإن معاني الشارع إذا لاحت في العقول، انطلقت الألسن بالتعبير عنها، فما لا عبارة عنه لا يعقل اهـ
وقيل في تفسيره غير ذلك.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإبهاج بعد ما ذكر في تفسيره أقوالا: وقد ذكر للاستحسان تفاسير أخر مزيفة، لا نرى التطويل بذكرها، وحاصلها يرجع إلى أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه اهـ
وقال في التلويح: قد كثر فيه المدافعة، والرد على المدافعين، ومنشؤهما عدم تحقيق مقصود الفريقين، إلى أن قال: فإن القائلين بالاستحسان، يريدون به ما هو أحد الأدلة الأربعة، والقائلين بأن من استحسن فقد شرع، يريدون أن من أثبت حكما بأنه مستحسن من غير دليل عن الشارع، فهو الشارع لذلك الحكم، حيث لم يأخذه من الشارع اهـ
رأي الصحابي على الأصحاب لا
…
يكون حجة بوفق من خلا
معناه أن مذهب الصحابي المجتهد، ليس بحجة على صحابي آخر مجتهد اتفاقا، لإجماع الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - على جواز مخالفة بعضهم بعضا. قال في النشر: قولا كان - يعني مذهب الصحابي - أو فعلا، إماما كان أو حاكما، أو مفتيا.
أما قول الصحابي غير المجتهد، فغير حجة على الصحابي وغيره اتفاقا، فلا يعمل بما جاء عنه، إلا ما كان رواية صريحة، أو كالصريحة، بأن كان لا مجال للاجتهاد فيه اهـ
واختلف في حجية قول الصحابي المجتهد، على المجتهد الذي ليس بصحابي، فقيل: حجة مطلقا، وجعله في النشر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى في القديم.
وقيل: ليس بحجة مطلقا، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجديد، ونسب للإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى أيضا، وهو اختيار المتأخرين من المالكية، كما في حاشية ابن عاشور رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقيل: حجة إن انتشر، ولم يعلم له مخالف.
وأورد عليه أنه إن اجتمعت شروط الإجماع السكوتي، فهو الحجة، وإلا فلا.
وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
في غيره ثالثها إن انتشر
…
وما مخالف له قط ظهر
وقيل: حجة إن خالف القياس، ونسب للإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى ونسب له عكسه أيضا.
وعلى القول بالحجية فإذا اختلف صحابيان، كان كتعارض دليلين، فيصار إلى الترجيح.
وقال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح المختصر: فيه نظر، فإن التعارض بين الدليلين، إنما يقع في ظن المجتهد، لا في نفس الأمر، وهنا إذا كان قول الصحابي حجة، ونحن نشاهدهم مختلفين، يلزم وقوع التعارض في نفس الأمر، ولا قائل به اهـ
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: ولعله وجه ضعف هذا القول، مع ما مر من أن قوله في نفسه ليس بحجة، إذ ليس بكتاب ولا سنة ولا قياس ولا إجماع اهـ
ويقتدي من عم بالمجتهد
…
منهم لدى تحقق المعتمد
اختلف في تقليد غير المجتهد للصحابي المجتهد، فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز لارتفاع الثقة بما ينقل عنهم من ذلك، لعدم تدوين مذاهبهم، فالعامل بما يُنقل عنهم ليس على ثقة من قصدهم، لما يكتنف النقل عنهم غالبا من الإجمال، وقيام الاحتمال، الموجب للشك في المقصود، والتردد في حقيقة المراد، فمذاهب الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - لم تثبت حق الثبوت، لأنها نقلت فتاوى مجردة، فلعل لها مقيدا، أو مخصصا، أو مكملا، لو انضبط كلام قائله لظهر، قاله في النشر.
وهذا القول نسبه إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى للمحققين، وعليه فإذا اتفق تحقق مذهب واحد منهم على وجه لا لبس فيه، جاز تقليده اتفاقا.
والتابعي في الرأي لا يقلد
…
له منَ اَهل الاجتهاد أحد
معناه أن المجتهد لا يجوز له تقليد التابعي المجتهد، فليس فيه الخلاف الذي في الصحابي المجتهد.
من لم يكن مجتهدا فالعمل
…
منه بمعنى النص مما يحظل
معناه أن القاصر عن رتبة الاجتهاد، لا يجوز له تلقي الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، لعدم الأهلية الكافية لذلك، التي تقتضي الثقة برأي صاحبها، لاستلزامها القصد في النظر غالبا، ولزوم الجادة في الاجتهاد، وتسني الاهتداء إلى مثار الحكم، وتفهم دقائق الإشارات، والسلامة من تنكب نهج الصواب غالبا، فالنظر في الأدلة مع الخلو من ذلك، تخمين ومجازفة، وقول على الله سبحانه وتعالى على غير بصيرة.
وسيأتي ذكر الاختلاف في تجزئ الاجتهاد، ولقد أحسن الشيخ محمد عبد الله بن الإمام الجكني
(1)
رحمه الله سبحانه وتعالى حيث يقول:
من لم يكن مجتهدا فليستند
…
في قفوه النص لفهم مجتهد
ليقفو النص على بصيره
…
وحجة ظاهرة منيره
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
سد الذرائع إلى المحرم
…
حتم، كفتحها إلى المنحتم
وبالكراهة وندب وردا ..........................
مما يدخل في الاستدلال أيضا، سد الذرائع، والذرائع: جمع ذريعة، وهي لغة: الوسيلة والوصلة.
(1)
هو محمد عبد الله بن سيدي محمد بن محمد الأمين، بن الإمام، بن عبد الجليل، بن المعزوز، الجكني، ولد قرب واحة الدندان من تكانت، سنة 1347 هـ
أخذ عن لمرابط أحمدو بن مود الجكني الأجفاغي، ولمرابط اباه بن محمد الامين اللمتوني، والعالم البارع الشيخ سيدي محمد بن اجميلي، والعلامة الموهوب الشيخ محمد يحيى بن الشيخ الحسين رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ.
كان عالما، محققا، ناسكا، زاهدا، قويا في دين الله سبحانه وتعالى ماهرا في العلوم العقلية، قوي الفهم، مبرزا في الفتوى والقضاء، شاعرا حسن الشعر، له مؤلفات كثيرة في العقائد والأصول وغيرهما، وله نوازل مجموعة.
توفي رحمه الله سبحانه وتعالى لليال بقين من رمضان، سنة 1413 هـ بانواكشوط.
قال أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإشارة: وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل محظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إلى أجل، ثم يشتريها بخمسين نقدا، ليتوصل بذلك إلى بيع خمسين مثقالا نقدا، بمائة إلى أجل، وأباح الذرائع الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
والدليل على ما نقوله: قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تاتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تاتيهم)
فوجه الدليل من هذه الآية الكريمة، أنه سبحانه وتعالى حرم الاصطياد يوم السبت، وأباحه سائر الأيام، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم، وتغيب عنهم في سائر الأيام، فكانوا يحضرون عليها إذا جاءت يوم السبت، ويسدون عليها المسالك، ويقولون: إنما منعنا من الاصطياد يوم السبت فقط، وإنما نفعل الاصطياد في سائر الأيام، وهذه صورة الذرائع.
ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم)
فمنع جميع المؤمنين أن يقولوا: راعنا، لما كان اليهود يتوصلون بذلك إلى ما لا يجوز، فمنع من ذلك المؤمنين، وإن كانوا لا يقصدون به ما منع من أجله.
ويدل على ذلك أيضا ما روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " ثم قال: " احتجبي منه يا سودة " لما رأى من شبهه بعتبة
(1)
.
وأيضا فإن ذلك إجماع الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - وذلك أن عمر - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - قال: يا أيها الناس إن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبض ولم يفسر لنا الربا، فاتركوا الريبه.
وقال ابن عباس - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما - لما سئل عن بيع الطعام قبل أن يستوفى: دراهم بدراهم، والطعام مرجى اهـ بخ
(1)
متفق عليه.
واستدل أيضا في ما نقله عنه الزركشي في البحر - رحمهما الله سبحانه وتعالى بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها وأكلوا أثمانها "
(1)
وقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "
(2)
وبقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات "
(3)
اهـ
قال في البحر: قال القرطبي - رحمهما الله سبحانه وتعالى: وسد الذرائع ذهب إليه الإمام مالك وأصحابه رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - وخالفه أكثر الناس تأصيلا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلا.
قال الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى: ثم حرر موضع الخلاف، فقال:
اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يلزم منه الوقوع قطعا، أو لا.
والأول ليس من هذا الباب، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه، ففعله حرام، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والذي لا يلزم إما أن يفضي إلى المحظور غالبا، أو ينفك عنه غالبا، أو يتساوى الامران، وهو المسمى بالذرائع عندنا.
فالاول لا بد من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، ومنهم من لا يراعيه، وربما يسميه التهمة البعيدة، والذرائع الضعيفة اهـ
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: كفتحها إلى المنحتم وبالكراهة وندب وردا، كأنه عقد به قول شهاب الدين القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في التنقيح:
واعلم أن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها، ويكره، ويندب، ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج اهـ
وهذا منه مبني على ترادف الوسيلة والذريعة، وهو وإن كان كذلك لغة،
(4)
إلا أن الوسيلة
(1)
متفق عليه.
(2)
رواه النسائي والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(3)
متفق عليه.
(4)
وذكر القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى أنه اصطلاح المالكية.
لها حكم المقصد اتفاقا كما تقدم في مباحث الأمر
(1)
.
والمراد بها: ما لا يتأتى فعل المطلوب إلا به، سواء كان المطلوب فعلا أو تركا، كان الطلب جازما أو لا، سواء كان ما يتوقف عليه الإتيان بالمطلوب فعلا أيضا أو تركا.
وأما الذريعة فإنما اشتهر استعمالها في ذريعة المحرم، وقد تقدم تعريفها في قول أبي الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى: وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل محظور اهـ
وقد تقدم في كلام القرطبي رحمه الله سبحانه وتعالى ما هو صريح في الفرق بين الذريعة والوسيلة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولم أتمكن من الوقوف على التعبير بفتح الذريعة لأحد قبل شهاب الدين القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى – وليست عبارة: فتح الذريعة بينة في وجوب وسيلة الواجب، إذ المتبادر من الفتح، رفع الحظر.
هذا ولم أقف على سد ذريعة المكروه أيضا لغير شهاب الدين القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى أيضا، وظاهر عبارة من تسنى لي الوقوف على كلامهم في هذا الأصل، اختصاصه بالمحرم، وهو بين، فإن المكروه غير ممنوع الفعل، فلا يتهم في التحيل إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وألغ إن يك الفساد أبعدا
أو رجح الإصلاح كالأسارى
…
تفدى بما يدفع للنصارى
وانظر تدلي دوال العنب
…
في كل مشرق وكل معرب
لا خلاف بين العلماء في أنه ليس كل ما يمكن التوصل به إلى الممنوع ممنوعا، ولا يكاد شيء من الأشياء يخلو من ذلك.
قال في النشر: يعني أنه يجب إجماعا إلغاء الذريعة إذا كان الفساد أبعد جدا من المصلحة، وأشرت إلى دليل ذلك بقولي: وانظر إلخ، يعني أن مما يدل على إلغاء الذريعة التي
(1)
وإنما اختلف في وجوبه بموجب المقصد، كما تقدم، والحمد لله رب العالمين.
الفساد فيها بعيد جدا، ما تشاهده في مشارق الدنيا ومغاربها، من دوالي العنب المغروسة، المتدلية العناقيد، ولم يمنع أحد من غرسها، خوف شرب الخمر التي تكون من عنبها، وكذا لم يمنع أحد من الشركة في الدور خشية الوقوع في الزنى اهـ
وقوله: أو رجح الإصلاح البيت، معناه أن المفسدة إذا عارضتها مصلحة أرجح منها، سقط اعتبارها، والظاهر أن هذا هو عين ما تقدم، من تعين ارتكاب الضرر الأخف، حيث اجتمع ضرران ليس من أحدهما بد، وقد تقدم الكلام عليها في مباحث الأمر، ففوات المصلحة الراجحة، مفسدة أعظم من المفسدة المقابلة للمصلحة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال سيدي خليل رحمه الله سبحانه وتعالى: وجاز بالأسرى المقاتلة اهـ
قال المواق رحمه الله سبحانه وتعالى: ابن عرفة عن سحنون والأخوين رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين -: يفدى الأسرى، بأسرى الكفار القادرين على القتال، لما لم يرضوا إلا به، اللخمي عن أصبغ - رحمهما الله سبحانه وتعالى: ما لم يخش بفدائه ظهورهم على المسلمين اهـ
والدوالي: جمع دالية، وهي شجرة العنب.
وينبذ الإلهام بالعراء
…
أعني به إلهام الاولياء
وقد رآه بعض من تصوفا
…
وعصمة النبي توجب اقتفا
يظهر أنه عقد بأول البيتين وشطر الثاني، قول التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: الإلهام إيقاع شيء في القلب يثلُج له الصدر، يخص به الله سبحانه وتعالى بعض أصفيائه، وليس بحجة، لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره، خلافا لبعض الصوفية اهـ
يعني في قولهم: إنه حجة في حقه خاصة كما قال جلال الدين المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى.
وقال في رفع الحاجب: والذي عليه جمهور العلماء أنه خيار لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها، في ما أبيح عمله بغير علم اهـ
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بالشطر الأخير إلى قول جلال الدين المحلي - رحمه
الله سبحانه وتعالى: أما المعصوم كالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فهو حجة في حقه، وحق غيره إذا تعلق بهم، كالوحي اهـ
وقد تقدم ذلك في السنة.
لا يحكم الولي بلا دليل
…
من النصوص ومن التأويل
في غيره الظن وفيه القطع
…
لأجل كشف ما عليه نقْعُ
أول الأبيات بيان لنبذ الإلهام كما قال في النشر.
وكأنه أعاد ذلك، ليبين أن عدم اعتبار قول الولي، إنما هو بالنسبة للأحكام، وأما ما يقع له من الإلهام في غير الأحكام، فقد يحصل به القطع له بالكشف عنه حتى يعاينه، وقد يحصل له به الظن.
فقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ما عليه نقع، معناه لأجل انكشاف للأمر حتى يراه على وجه لا خفاء معه، والنقع: الغبار.
قال في النشر: ومن يخبره الولي بشيء، فقد يحصل له القطع به، لموجب من موجبات اليقين، ككونه تكرر منه ألا يخبر بشيء إلا رآه كما أخبر به، فمثل ذلك يحصل اليقين من غير الولي فضلا عنه اهـ
ولا يخفى أن القطع الذي قد يحصل بخبر الولي عادي، لا عقلي، بخلاف القطع الحاصل بخبر النبي - صلى الله سبحانه وتعالى وسلم على نبينا وعلى سائر الانبياء والمرسلين - فهو بالوجوب العقلي، الذي يستحيل معه التخلف، وهو موضوع كلام مولاي شيخ الشيوخ الراسخين وناصر الملة والدين مولاي: المختار ابن بونا ـ رحمهما الله سبحانه وتعالى إذ القطع العادي لا يكفي في أخبار الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ.
والظن يختص بخمس الغيب
…
لنفي علمها بدون ريب
قال في النشر: يعني أن الظن يختص بالخمس التي هي مفاتح الغيب، لنفي العلم بها في الحديث الصحيح، ونفي العلم لا يستلزم نفي الظن، وقال بعضهم إن نفي العلم بها إنما يكون قبل تكلم الملائكة بوقوع الأمر، أما بعده، فقد يعلمه الولي.
وقال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى إن الذي اختص الله سبحانه وتعالى – به
علم الخمس بلا سبب، أما به كالمنام، فقد يحصل لغيره سبحانه وتعالى كقصة سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - في حمل بنت خارجة حين أخبر بأنه أنثى اهـ
والأبين في العبارة أن يقال: إن اختصاصه سبحانه وتعالى بعلم ذلك لا يمنع أن يُطلع عليه من شاء.
وقد صرح الآلوسي في روح المعاني بامتناع إطلاق علم الغيب في غير الله سبحانه وتعالى وإنما يقال أُطلع، أو أُظهر - بالبناء للمفعول - على الغيب، ونحو ذلك مما يفهم الواسطة في ثبوت العلم، تجنبا لما يوهم.
قال: ويؤيد ما ذكر، أنه لم يجئ في القرآن الكريم نسبة علم الغيب إلى غيره سبحانه وتعالى أصلا، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى سبحانه وتعالى من رسول اهـ
صلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ـ
قدُ اُسس الفقه على رفع الضرر
…
وأن ما يشق يجلب الوطر
ونفي رفع القطع بالشك وأن
…
يحكم العرف وزاد من فطن
كون الامور تبع المقاصد
…
مع تكلف ببعض وارد
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: قال القاضي الحسين رحمه الله سبحانه وتعالى: مبنى الفقه على أن اليقين لا يرفع بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، قيل: والأمور بمقاصدها اهـ
وذكر عز الدين كما في حاشية العطار - رحمهما الله سبحانه وتعالى رجوع الفقه كله إلى قاعدتين: اعتبار المصالح ودرء المفاسد.
قال في النشر: ويشهد لهذه القاعدة - يعني قاعدة: الضرر يزال - قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار "
(1)
واستدل لقاعدة: المشقة تجلب التيسير، بقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(وما جعل عليكم في الدين من حرج) وأصل قاعدة: اليقين لا يرفع بالشك، الاستصحاب، فالمعنى أن ما تيقن حصوله، يستصحب وجوده حتى
(1)
رواه ابن ماجة والإمام مالك والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
يستيقن ارتفاعه، أو يظن، والظاهر أن المراد بقاعدة: العادة محكمة، أن الناس محمولون في قصودهم عند احتمال الألفاظ في العقود ونحوها، على ما جرت العادة به، ويرجح به في الدعوى، مثل القرائن كلها.
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: وزاد من فطن كون الأمور تبع المقاصد، يعني به أن منهم من زاد على القواعد الأربعة المذكورة قاعدة خامسة، وهي أن الأمور بمقاصدها، ومعناه كما قال البناني رحمه الله سبحانه وتعالى أن الأمور لا تحصل إلا بقصدها، قال: فمقاصدها: جمع مقصد، بمعنى قصد اهـ
وأصل هذا نحو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " وإنما لامرئ ما نوى "
(1)
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: مع تكلف ببعض وارد، معناه أن رجوع كثير من الفروع إلى هذه القواعد إنما يكون بتكلف، وهو ظاهر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
كتاب التعادل والتراجيح
التعادل: التساوي، والتراجيح: جمع ترجيح، جُمع - وإن كان مصدرا - لاختلاف أنواعه، فأشبه المعاني المختلفة، كما جمعوا البيع والنكاح، وسيأتي تعريف الترجيح في قول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: تقوية الشق من الخلاف، وأفرد التعادل لأنه واحد.
قال الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى: اعلم أن الله سبحانه وتعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين، ليلا ينحصروا في مذهب واحد، لقيام الدليل عليه، وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية، فقد تعارض بمعارض في الظاهر، بحسب جلائها وخفائها، فوجب الترجيح بينها، والعمل بالأقوى.
والدليل على تعين الأقوى، أنه إذا تعارض دليلان، أو أمارتان، فإما أن يعملا جميعا، أو يلغيا جميعا، أو يعمل بالمرجوح، أو الراجح، وهذا متعين اهـ
والتعارض: تفاعل من العرض - بضم العين - وهو الناحية، والجهة، وكأن الكلام
(1)
متفق عليه.
المتعارض يقف بعضه في عرض بعض، أي: ناحيته، وجهته، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجه، وفي الاصطلاح: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، قاله في البحر.
ولا يجي تعارض إلا لما
…
من الدليلين إلى الظن انتمى
معناه أن التعارض، إنما يكون في الأدلة الظنية خاصة، وأما الدليلان القطعيان فلا يمكن تعارضهما، لا في نفس الأمر، ولا في اعتقاد المجتهد، سواء كانا عقليين، أو نقليين، حيث لا نسخ أو مختلفين، لأن القاطع لا بد من وقوع مدلوله، فيلزم اجتماع المتنافيين. قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: فإن قيل: لا يلزم حصول المدلول هنا، لوجود المعارض، فيحمل على التخيير - مثلا -.
قلنا: حينئذ لا يكون قاطعا، لأنه لا بد في كونه قاطعا من انتفاء الاحتمال، والتعارض قرينة دالة على عدم إرادة المدلول اهـ
والاعتدال جائز في الواقع ..........................
معناه أن تعادل الأمارتين بحسب المراد والمقصود في نفس الأمر، جائز عند الأكثرين، ومنعه طائفة منهم الإمام أحمد والكرخي - رحمهما الله سبحانه وتعالى حذرا من التعارض في كلام الشارع.
قال في الإبهاج: واحتج من جوز تعادل الأمارتين في نفس الأمر، بالقياس على التعادل في الذهن، وبأنه لو امتنع لم يكن امتناعه لذاته، فلا يلزم من فرض وقوعه محال، أو الدليل والأصل عدمه.
وأجيب عن الأول بأن التعادل الذهني لا يمنع إمكان التوصل فيه إلى رجحان إحدى الامارتين فلا يكون نصبهما عبثا.
وعن الثاني بأنه إثبات للجواز بعدم ما يدل على الفساد، وليس أولى من عكسه، وهو إثبات الفساد بعدم ما يدل على الجواز اهـ
وقال في رفع الحاجب: والحق ما أشار إليه الغزالي وغيره رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - من أن القائلين بأن المصيب واحد لا يجوزون التعادل في نفس الأمر، وإنما الخلاف بين المصوبة اهـ
وأما تعادلهما في ظن السامع فجائز وواقع اتفاقا، وإليه أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
كما يجوز عند ذهن السامع
وهو منشأ تردده.
وقول من عنه رُوي قولان
…
مؤخر إذ يتعاقبان
إلا فما صاحبه مؤيِّد
…
وغيره فيه لهم تردد
معناه أن المجتهد إذا نقل عنه في مسألة واحدة قولان، فإما أن يكون ذلك على سبيل التعاقب والترتيب، أو لا.
فإن كان على سبيل التعاقب، فالمتأخر منهما هو قوله، والمتقدم مرجوع عنه.
قال عليش رحمه الله سبحانه وتعالى في فتح العلي المالك:
فإن قلت: إذا وجب إعمال القول المرجوع إليه، لكونه ناسخا، وإهمال المرجوع عنه، لكونه منسوخا، فما فائدة تدوين الأئمة للأقوال التي رجع عنها المجتهد، إذا كانت هذه منزلته عندهم.
قلت: فائدة تدوينها أنه يصح أن يذهب إليها المجتهد، أو من بلغ رتبة الترجيح، يوما من الدهر، على ما هو مبسوط في الفقه وأصوله اهـ
وقال الخرشي رحمه الله سبحانه وتعالى عند قول سيدي خليل رحمه الله سبحانه وتعالى: وفي الزنى خلاف: كيف يكون المعتمد والمشهور هو المرجوع عنه ـ أي: مع الكراهة ـ وقد تقرر في الأصول أن المرجوع عنه لا ينسب إلى قائله، فضلا عن كونه معتمدا مشهورا؟
وقد يجاب عن هذا، بأن أتباع الإمام أخذوا من قواعده ما رجع عنه، وإن كان لا ينسب إلى نفس الإمام، إنما ينسب لمذهبه اهـ
وقال سيدي الحطاب رحمه الله سبحانه وتعالى عند قول سيدي خليل رحمه الله سبحانه وتعالى في الإقرار: لا بجذع وباب، في: له من هذه الدار، أو الأرض، كفي على الأحسن -: لما كان القول بقبول تفسيره في "من " إنما هو القول المرجوع عنه، لم يلتفت
إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وكأن المصنف - رحمهما الله سبحانه وتعالى رأى أن القول بقبول تفسيره إنما هو القول المرجوع عنه، فصار كالعدم، فلذلك لم يذكر الخلاف إلا في قوله: في هذه الدار اهـ
وهذه المسألة هي المقصودة بأول البيتين.
وإن كان قول المجتهد بالقولين لا على سبيل التعاقب ـ بحسب العرف ـ فإن ذكر مع أحدهما ما يقتضي رجحانه عنده، فهو قوله.
ومن ذلك تفريعه عليه.
وإلا كان مترددا في الحكم، وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بالبيت الثاني.
وذكْرُ ما ضُعِّف ليس للعمل
…
إذ ذاك عن وفاقهم قد انحظل
بل للترقي لمدارج السنا
…
ويحفظ المدرك من له اعتنا
ولمراعاة الخلاف المشتهر
…
أو المراعاة لكل ما سطر
وكونه يلجي إليه الضرر
…
إن كان لم يشتد فيه الخور
وثبت العزو وقد تحققا
…
ضرا من الضر به تعلقا
معنى أول الأبيات، أن ذكر القول الضعيف في كتب الفقه، ليس للعمل به، إذ العمل به غير جائز، قال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى في شرح التنقيح:
فإن قلت: لأي شيء جمع الفقهاء الأقوال كلها السابقة واللاحقة في كتب الفقه، بل كان ينبغي أن لا يثبت لكل إمام إلا قوله الذي لم يرجع عنه.
قلت: ما ذكرتموه أقرب للضبط، غير أنهم قصدوا معنى آخر، وهو الاطلاع على المدارك، واختلاف الآراء وأن مثل هذا قد صار إليه المجتهد في وقت، فيكون ذلك أقرب للترقي لرتبة الاجتهاد، وهو مطلب عظيم أهم من تيسير الضبط، فلذلك جمعت الأقوال في المذاهب اهـ
والضعيف أولى من المرجوع عنه، لامتناع الأخذ بالمرجوع عنه إلا باجتهاد آخر، وكأن كلام القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى المذكور، هو المراد بالبيت الثاني.
وظاهر قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ويحفظ المدرك، أن المراد ذكره مع مأخذه، والترقي: تفعل من الرقي، وهو الصعود، والمدارج: مدرج: المسلك، والمذهب، أو مدرجة: ما يتوصل به لغيره، والسنا - بفتح السين -: الشرف، والمراد به الاجتهاد.
ومن فوائد ذكر الضعيف كذلك مراعاته، على القول بعدم اختصاص مراعاة الخلاف بما قوي مدركه، وهو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ولمراعاة الخلاف البيت.
ومن فوائد ذكره كذلك أن الضرورة قد تلجئ إلى المصير إليه، والمصير إليه عند الضرورة جائز، وهذا إذا لم يشتد ضعفه، وثبتت نسبته إلى قائله، وتحقق العالم الضرورة من نفسه، ولا يجوز له أن يفتي به غيره، إذ لا يتحقق الضرورة بالنسبة إلى غيره كما يتحققها من نفسه.
قال في النشر: ولذلك سدوا الذريعة، فقالوا: تمنع الفتوى بغير المشهور، خوف أن لا تكون الضرورة محققة، لا لأجل أنه لا يعمل بالضعيف إذا تحققت الضرورة يوما ما، ذكره شيخنا البناني رحمه الله سبحانه وتعالى عند قول خليل رحمه الله سبحانه وتعالى: فحكم بقول مقلده اهـ
وهذا في غير الضعيف الذي يجرى به العمل، لأن ضعفه إنما هو باعتبار زمان سابق، بل الصواب أن مسألة الضعيف قبل جريان العمل به، غير مسألته بعد جريان العمل به، فهما مسألتان، لاختلاف المبنى، لأن إجراء العمل به مبني على معنى طارئ لو اطلع عليه القائلون بالراجح لرجعوا إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فقول من قلد عالما لقي
…
ألله سالما فغير مطلق
معناه إذا تبين لك ما تقدم، علمت أن قول بعضهم: من قلد عالما لقي الله سبحانه وتعالى سالما ليس على عمومه، فليس كل قول يجوز التقليد فيه، والعمل به.
ولا يخفى أنه لا يراد بالضرورة المشترطة في العمل بالضعيف الضرورة القصوى، كإساغة غصة، وما يسد الرمق، ونحو ذلك، إذ لا تتوقف سببية ذلك النوع من الضرورة للإباحة، على شيء مما ذكر، ويبعد أن يراد بها مطلق الحاجة، ولعل في قولهم في تعليل منع الفتوى به: إنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة إلى غيره كما يتحققها من نفسه، ما يشهد لذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
إن لم يكن لنحو مالك أُلِف
…
قولٌ بذي، وفي نظيرها عُرِف
فذاك قوله بها المخرَّج
…
وقيل: عزوه إليه حرج
وفي انتسابه إليه مطلقا
…
خلف مضى إليه من قد سبقا
معناه أن المجتهد إذا لم يعرف له قول في مسألة، لكن عرف له قول في نظيرها، فقوله في نظيرها، هو قوله المخرج فيها، على الأصح.
وقيل: ليس قولا له، لاحتمال أن يذكر فرقا بين المسألتين لو روجع في ذلك.
وهذا هو مراد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بالبيتين الأولين، وبنى الخلاف في النشر في ذلك، على الخلاف في لازم المذهب هل يعد مذهبا، وقال رحمه الله سبحانه وتعالى في مثال المسألة: كأن يقال: ثبتت الشفعة في الشقص من الدار، فيقال: قوله في الحانوت كذلك اهـ
واختلف على القول بكون المخرج على قوله قولا له، هل تجوز نسبته إليه من غير تقييد بكونه مخرجا، بأن ينسب إليه في المثال المتقدم، القول بالشفعة في شقص الحانوت، من غير تقييد بالتخريج، أو لا تجوز نسبته إليه إلا مع التقييد بكونه مخرجا، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وفي انتسابه إليه مطلقا البيت.
قال في الحلي: ثم اختلفوا هل يجوز العمل به والإفتاء مطلقا، وهو لأكثر المالكيين أو لا يجوز بالكلية، وإنما يذكر تفقها وتفننا فقط، وقيل: يجوز إذا لم يكن في المسألة نص للإمام، وهذان القولان لبعض المالكية أيضا اهـ
وتنشأ الطرق من نصين
…
تعارضا في متشابهين
معناه أن أقوال أصحاب المجتهد في المسألة ينشأ اختلافها، من اختلاف قوله في مسألتين متشابهتين، فمنهم من يقرر في كل مسألة نصها، ويبدي فرقا بينهما، ومنهم من يرى ذلك اختلافا، ويخرج في كل منهما قوله في الأخرى، ثم أحيانا يرجح في كل نصها، ويفرق أيضا، وتارة يرجح في إحداهما نصها، وفي الأخرى المخرج، ويذكر ما يرجحه فيها على نصها.
الترجيح
تقوية الشق هي الترجيح
…
وأوجب الأخذ به الصحيح
وعملا به أباه القاضي
…
إذا به الظن يكون القاضي
معناه أن الترجيح هو: تقوية أحد الدليلين الظنيين المتعارضين على الآخر بشيء من الأمور الآتي ذكرها - مثلا - ولا ترجيح في القطعيات، لعدم التعارض بينها ـ كما تقدم ـ. ويجب العمل بالراجح، سواء كان رجحانه قطعيا أو ظنيا، اتفاقا في القطعي، وعلى الصحيح في الظني، خلافا للقاضي أبي بكر رحمه الله سبحانه وتعالى حيث لم ير الترجيح بالظن، وكذلك أبو عبد الله البصري من المعتزلة، إلا أن القاضي أبا بكر رحمه الله سبحانه وتعالى – قال: لا يعمل بواحد منهما للتعادل، وقال البصري بالتخيير بينهما.
والجمع واجب متى ما أمكنا .........................
يعني أن الجمع بين الدليلين المتعارضين من كتاب أو سنة أو منهما، واجب، لأن إعمالهما معا، أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر.
قال في نثر الورود: وأوجه الجمع كثيرة:
منها تخصيص العام بالخاص، وتقييد المطلق بالمقيد، وتقدمت أمثلتهما.
ومنها حمل كل من النصين على حالة غير حالة الثاني، كما في حديث " خير الشهداء من يشهد قبل أن يستشهد "
(1)
مع أنه ذكر في شر الشهداء، من شهد قبل أن يستشهد
(2)
فيحمل الأول على حقوق الله سبحانه وتعالى أو على أن المشهود له غير عالم بأن الشاهد يعرف حقه، ويحمل الثاني على حقوق الآدمي، أو العالم اهـ
وقيل لا يجب الجمع بينهما، وهو ضعيف.
ويجري ما ذكر في نصي المجتهد أيضا.
إلا فللأخير نسْخ بينا
(1)
رواه مسلم عن الإمام مالك، وهو في موطئه، ولفظه:" ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد.
(2)
كأنه يعني حديث عمران بن حصين ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ في الصحيحين " ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون "
ووجب الإسقاط بالجهل وإن
…
تقارنا ففيه تخيير زكن
معناه أنه إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإما أن يعلم أن أحدهما متأخر عن الآخر، أو يعلم خلاف ذلك، أو يجهل الأمر.
فإن كانا على الترتيب، وعلم المتأخر منهما، فهو ناسخ للمتقدم، إذا كان قابلا للنسخ، سواء كانا ظنيين أو قطعيين.
وإن جهل المتأخر منهما سقطا، ورجع إلى غيرهما، لاحتمال الناسخية والمنسوخية في كل منهما.
وإن علم تقارنهما كان المجتهد بالخيار في العمل بأيهما شاء.
وإن أمكن الجمع والترجيح، فالجمع أولى، لأن العمل بالدليلين ـ ولو من وجه ـ أولى من إلغاء أحدهما.
تعادل الأمارتين
وحيث ما ظُن الدليلان معا
…
ففيه تخيير لقوم سمعا
أو يجب الوقف أو التساقط
…
وفيه تفصيل حكاه الضابط
يعني أن المجتهد إذا ظن تعادل الأمارتين في نفس الأمر ـ بناء على القول بجوازه ـ فقيل: يخير في العمل بأيهما شاء، قال في البحر: وبه قال الجبائي وابنه أبو هاشم، قال إلكيا رحمه الله سبحانه وتعالى: وسويا في ذلك بين تعارض الخبرين والقياسين، ونقله الرازي والبيضاوي عن القاضي رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - والذي في التقريب أنه رأيٌ للقائلين بأن كل مجتهد مصيب اهـ
وقيل: يتوقف عن العمل بكل منهما، قال في البحر: حكاه الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى وغيره، وجزم به سليم في التقريب، واستبعده الهندي، إذ الوقف فيه إلى غير غاية وأمد، إذ لا يرجى فيه ظهور الرجحان، وإلا لم تكن مسألتنا، بخلاف التعادل الذهني، فإنه يتوقف فيه إلى أن يظهر المرجح اهـ
وقيل: يتساقطان كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى غيرهما، من العموم أو البراءة الأصلية.
قال في البحر: وهذا ما قطع به ابن كج، في كتابه، قال: لأن دلائل الله سبحانه وتعالى لا تتعارض، فوجب أن يستدل بتعارضها على وهائها جميعا، أو وهاء أحدها، غير أنا لا نعرفه، فأسقطناها جميعا، وكلامه يشعر بتفريعه على القول بمنع التعادل، ونقله إلكيا عن القاضي - رحمهما الله سبحانه وتعالى والأستاذ أبو منصور رحمه الله سبحانه وتعالى عن أهل الظاهر بالنسبة إلى الحديثين اهـ
وقيل: إن وقع بالنسبة إلى الواجبات فالتخيير، لأنه قد يخير فيها، كما في زكاة مائتي الإبل، وإن وقع بالنسبة إلى غيرها كالإباحة والتحريم، فالتساقط، والرجوع إلى البراءة الأصلية.
وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وفيه تفصيل حكاه الضابط، ومراده بالضابط: التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى فقد ذكره في جمع الجوامع، وفي المسألة أقوال غير ما ذكر، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قال الزركشي رحمه الله سبحانه وتعالى في البحر: إذا تخير، فللناظر ثلاثة أحوال، فإن كان مجتهدا، تخير في إلحاقه بما شاء، إن قلنا: كل مجتهد مصيب، فإن قلنا: الحق في واحد امتنع التخيير، قاله القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى في التقريب.
وإن كان مفتيا فقال القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى: قالت المصوبة لا يجوز له تخيير المستفتي، بل يجزم بمقتضى أحدهما، وقيل: يجوز، وهو الأولى عندنا، وبه أجاب في المحصول.
واستشكل الهندي رحمه الله سبحانه وتعالى الجزم بأحدهما، وقال: ليس في التخيير الأخذ بأي الحكمين شاء، واختار رأيا ثالثا، وهو أن المفتي بالخيار بين أن يجزم له الفتيا، وبين أن يخيره، إذ ليس في كل واحد منهما مخالفة دليل، ولا فساد، فيسوغ الأمران.
وإن كان حاكما فقال القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى: أجمع الكل - يعني المصوبة والمخطئة - أنه ليس له تخيير المتحاكمين في الحكم بأيهما شاء، بل عليه بت الحكم باعتقاده، لأنه نصب لقطع الخصومات، ولو خيرهما لما انقطعت خصومتهما، لأن كل واحد منهما يختار الذي هو أرفق له، بخلاف حال المفتي اهـ
وإن يُقَدَّمْ مشعر بالظن
…
فانسخ بآخر لدى ذي الفن
معناه أنه إذا تقابل دليلان نقليان، أحدهما قطعي والآخر ظني، فإن علم تأخر القطعي كان ناسخا، وإن علم تأخر الظني، أخذ بالقطعي، إذ لا ينسخ قطعي بظني، كذا قالوا هنا، قال المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى: وسكت المصنف رحمه الله سبحانه وتعالى هنا عن تقابل القطعي والظني لظهور أن لا مساواة بينهما، لتقدم القطعي، كما قاله في شرح المنهاج، وهذا في النقليين، وأما قول ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى: لا تعارض بين قطعي وظني، لانتفاء الظن، أي: عند القطع بالنقيض، كما تممه المصنف رحمه الله سبحانه وتعالى وغيره، فهو في غير النقليين، كما إذا ظن أن زيدا في الدار، لكون مركبه وخدمه بباها، ثم شوهد خارجها، فلا دلالة للعلامة المذكورة على كونه في الدار حال مشاهدته خارجها، فلا تعارض بينهما، بخلاف النقليين، فإن الظني منهما باق على دلالته حال دلالة القطعي، وإنما قدم عليه لقوته اهـ
قال العطار رحمه الله سبحانه وتعالى: قوله: لتقدم القطعي، محله في غير المتواتر المنسوخ بالآحاد، بقرينة ما يأتي اهـ
والظاهر أنه يعني بقوله: ما يأتي، قول التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: ولا ترجيح في القطعيات لعدم التعارض، والمتأخر ناسخ، وإن نقل التأخر بالآحاد عمل به، لأن دوامه - يعني المتقدم - مظنون اهـ
ومقتضى البناني وسلمه الشربيني - رحمهما الله سبحانه وتعالى أن المنقول بالآحاد إنما هو التأخر، لا أصل الخبر، وذكر البناني رحمه الله سبحانه وتعالى أن قول التاج رحمه الله سبحانه وتعالى: وإن نقل التأخر إلخ وقع لفظ التأخر فيه، في بعض النسخ بالمصدر، قال: وهي واضحة، وفي بعضها بصيغة اسم الفاعل، فتحتاج إلى تقدير مضاف، أي: تأخر المتأخر اهـ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وإذا جهل المتقدم من القطعي والظني، قدم القطعي أيضا بالأولى مما قبلها، وذلك هو قول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: ذو القطع في الجهل لديهم معتبر.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وإن يعم واحد فما غبر، إلى أن محل ما
تقدم، إذا تساوى الدليلان في العموم والخصوص، فإن كان بينهما عموم وخصوص، فقد تقدم الكلام على ذلك في مباحث التخصيص
(1)
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الترجيح باعتبار حال الراوي
وهو الترجيح باعتبار السند، قال في النشر: وقد تعرضت في جميع التراجيح التي أذكرها للترجيح بين ما أذكره وبين مقابله، ولم أتعرض للترجيح بين المذكورات بعضها مع بعض، لأن المدار في جميع ذلك على ما يغلب على ظن المجتهد ترجيحه، قال في الآيات البينات: ينبغي أن يحكم المجتهد ظنه، إذ التنصيص على جميعها مما يمتنع للتطويل البالغ إلى الغاية اهـ
قد جاء في المرجحات بالسند
…
علوه والزيد في الحفظ يُعد
معناه أن مما يرجح به من حيث السند، علوه، بأن تكون الوسائط بين المجتهد والنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقل منها في مقابله، لأنه كلما كثرت الوسائط كان ورود الخطإ واللبس أكثر.
ومنها كون أحد الراويين للحديثين أقوى حفظا، قال في الإشارة: لأن النفس أسكن إلى روايته، وأوثق بحفظه.
والفقه واللغة والنحو ورع
…
وضبطه وفطنة فقْد البدع
ومنها كذلك الفقه والأفقهية، فيقدم الراوي الفقيه، على الراوي الذي ليس بفقيه، ويقدم الأفقه على الفقيه، والنظر في ذلك إلى خصوص الباب الذي وقعت الرواية فيه.
قال في النشر: فيقدم خبر رواه ابن وهب رحمه الله سبحانه وتعالى في الحج، على ما رواه ابن القاسم رحمه الله سبحانه وتعالى فيه، لأنه أفقه منه فيه، وإن كان ابن القاسم أفقه منه في غيره اهـ
وإنما رجح بالفقه، لتمييز الراوي الفقيه بين ما يجوز إجراؤه على ظاهره، وما لا يجوز، ولما تقدم في كتاب السنة المطهرة.
ومما يرجح به أيضا، من حيث السند، كون أحد الراويين عارفا باللغة دون الآخر، أو
(1)
ومثله الإطلاق مع التقييد.
أعرف بها، وكون أحدهما عارفا بالنحو دون الآخر، أو أعرف به، وكون أحدهما عارفا بالبيان دون الآخر، أو أعرف به، لأن كل ذلك أبعد لصاحبه عن الوقوع في الخطإ، ويقدم الورع على العدل الذي ليس بورع، والأروع على الورع، لأن ذلك يحمل على المبالغة في التحرير والتحفظ.
ومنها زيادة أحد الراويين على الآخر في الضبط، أو الفطنة، لأن النفس أكثر اطمئنانا بروايته.
قال في النشر: والضبط: كونه غير كثير الخطإ، فيرجح خبر من لا خطأ له، أو من خطؤه قليل، على خبر كثير الخطإ، إلا أن كثير الخطإ ـ وهو غير الضابط ـ حديثه ضعيف، لا يعمل به لفقد الضبط الذي هو شرط من شروط الصحة، نعم قد يقوى الضعيف بكثرة الطرق، حتى يصير حسنا لغيره، أو صحيحا لغيره، فيعارض، أو نقول: المراد يرجح بزيادة الضبط اهـ
ويقدم الراوي الذي ليس بمبتدع، على ذي بدعة لا تمنع من القبول.
عدالة بقيد الاشتهار ......................
معناه أن الراوي المشهور العدالة يقدم ما رواه، على ما رواه الراوي العدل الذي ليس بمشهور العدالة، قال في النشر: وكذا شهرته بصفة من الصفات السابقة.
وكونه زكي باختبار
معناه أن مروي الراوي الذي ثبتت عند المجتهد عدالته باختباره، مقدم على رواية من ثبتت عدالته عنده بالأخبار.
صريحها وأن يزكي الاكثر
…
وفقْد تدليس كما قد ذكروا
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: صريحها، معناه أن المزكى تصريحا، يقدم على المزكى ضمنا، ويقدم مروي الراوي االذي زكاه الأكثر، على مروي الراوي الذي زكاه أقل.
ويقدم مروي الراوي الذي لا يدلس على مروي المدلس المقبول.
حرية والحفظ علم النسب
…
وكونه أقرب أصحاب النبي
معناه أن مروي الحر مقدم على مروي العبد، قال في النشر: وضعف صاحب الغيث
الهامع الترجيح بالحرية.
وترجح رواية الحافظ لمرويه على غيره، قال في النشر: المراد بغير الحافظ: من يتخيل اللفظ ثم يتذكره، ويؤديه بعد تفكر وتكلف، ومن لا يقدر على التأدية أصلا، لكن إذا سمع اللفظ علم أنه مرويه عن فلان، كقول أبي محذورة - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: لقنني صلى الله تعالى عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة،
(1)
ورواية عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاري ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ الأذان لا ترجيع فيه، وهو لا يحكيه لفظا عنه صلى الله تعالى عليه وسلم
(2)
ويحتمل أن يكون المراد من لم يحفظ لفظ الحديث معتمدا على المكتوب، والآخر حفظ لفظه.
وكذلك يرجح من شأنه التعويل على الحفظ، على من شأنه التعويل على الكتابة. وترجح رواية معروف النسب على غير معروفه، وترجح رواية من شأنه القرب من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في المجلس من الصحابة، وهم الأكابر منهم.
ذكورة إن حاله قد جهلا
…
وقيل لا وبعضهم قد فصلا
معناه أن رواية الرجل تقدم على رواية المرأة، ما لم يعلم أنها أضبط منه، لأن الأغلب أن الرجل أضبط من المرأة، وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني رحمه الله سبحانه وتعالى إلى عدم الترجيح بذلك.
وقيل: يقدم خبر الرجل إلا في أحكام النساء كالحيض، فتقدم المرأة لأنها أضبط بها.
ما كان أظهر رواية وما
…
وجه التحمل به قد علما
ذكر التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى أن من المرجحات ظهور طريق الرواية، واختلف في مراده رحمه الله سبحانه وتعالى ففسره جلال الدين المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى بكون طريق الرواية واضحة في إفادة المروي وضبطه، فيقدم المروي
(1)
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(2)
لم أقف على هذا، وحديث رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان صحيح مشهور، وليس فيه ترجيع.
بالسماع أو العرض على المروي بالإجازة، وقد تقدم الكلام في كتاب السنة المطهرة على ترتيب أوجه التحمل، وهذا ما أشار إليه الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ما كان أظهر رواية.
ومنهم من فسره بظهور وجه تحمل الراوي، من سماع أو عرض - مثلا - فتقدم رواية معلوم وجه التحمل، على من لم يعلم وجه تحمله، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وما وجه التحمل به قد علما.
تأخر الإسلام والبعض اعتمى
…
ترجيح من إسلامه تقدما
معناه أن تأخر إسلام أحد الراويين مرجح لروايته، لظهور تأخر خبره، وقيل: يقدم خبر متقدم الإسلام، لسابقته، قال جلال الدين المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى: وابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى جزم بهذا في الترجيح بحسب الراوي، وبما قبله في الترجيح بحسب الخارج، ملاحظا للجهتين، لا أنه تناقض في كلامه كما قيل اهـ
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: حاصل ذلك كما يؤخذ من العضد وبعض حواشيه، أنه إن علم اتحاد زمن روايتهما، قدم الأقدم، لثبات قدمه في الإسلام، فيهتم بالتصون والتحرز، وحينئذ يكون التقديم بحسب الراوي، لأنه لصفة فيه.
وإن لم يعلم، قدم متأخر الإسلام، لظهور تأخر خبره، كما قاله الشارح، وحينئذ يكون التقديم بحسب الخارج، لأن النظر حينئذ في تأخر الخبر وتقدمه، ولا دخل لثبات القدم في الإسلام فيه، لنسخ المتأخر للمتقدم، ولو مع العلم بأقدمية المتقدم، وحينئذ فتقدم الإسلام وتأخره بالنسبة لهذا خارجان، فيعمل بالمتأخر لظهوره في المطلوب اهـ
وكونه مباشرا أو كلفا
…
أو غير ذي اسمين للامن من خفا
كذلك ترجح رواية الراوي المباشر لمرويه، لأنه أتم معرفة به، قال في النشر: كحديث الترمذي عن أبي رافع أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوج ميمونة - رضي الله سبحانه وتعالى عنها - حلالا، وبنى بها حلالا، قال: وكنت الرسول بينهما،
(1)
مع حديث الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله سبحانه وتعالى عنهما - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوجها
(1)
ورواه الإمام أحمد أيضا، وهو حديث حسن.
وهو محرم.
وفي رواية البخاري عنه ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ أنه تزوج ميمونة - رضي الله سبحانه وتعالى عنها - وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف ـ بوزن كتف ـ لكن ما في الصحيحين أو أحدهما يقدم على ما في غيرهما من جهة كونه أقوى وأصح، كما سيأتي اهـ
وتقدم رواية المتحمل بعد البلوغ، على رواية المتحمل وهو صبي، لما تقدم من الخلاف في روايته.
وتقدم رواية من له اسم واحد، على رواية من له اسمان، إذ قد يشاركه في أحدهما ضعيف، فإن تحقق انتفاء ذلك، فقال العبادي رحمه الله سبحانه وتعالى: الوجه حينئذ أن لا يقدم خبر ذي الاسمين، نقله في النشر.
ومقتضى العلة أن ذا الاسمين يقدم على من له أسماء متعددة.
أو راويا باللفظ ......... ........................
معناه أن رواية الراوي باللفظ، مقدمة على رواية الراوي بالمعنى، للسلامة من تطرق الخلل من قبل الفهم، والخلل في ترجمته، وذلك كما تقدم في قول الصحابي: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقوله: أمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
أو ذا الواقع .........................
معناه أن رواية صاحب الواقعة، مقدمة على رواية غيره، لأن صاحب الواقعة أعرف بالحال، وأدرى بتفاصيل الأمر، ومثال ذلك حديث ميمونة - رضي الله سبحانه وتعالى عنها -: تزوجني رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ونحن حلالان بسرف،
(1)
مع حديث ابن عباس ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنهما ـ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوجها وهو محرم
(2)
.
(1)
رواه مسلم وأبو داوود واللفظ له، والترمذي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد.
(2)
متفق عليه.
......................
…
وكون من روَّاه غير مانع
يعني به أن رواية من لم ينكر شيخه روايته عنه، مقدمة على رواية من أنكر شيخه روايته عنه.
وكونه أودع في الصحيح
…
لمسلم والشيخ ذي الترجيح
معناه أن ما رواه الشيخان - رحمهما الله سبحانه وتعالى مقدم على ما رواه أحدهما، وما رواه البخاري وحده، مقدم على ما رواه مسلم وحده غالبا، وهكذا القول في شرطهما.
الترجيح باعتبار حال المروي
وكثرة الدليل والروايه
…
مرجح لدى ذوي الدرايه
معناه أن مما يرجح الدليل على معارضه، كثرة ما يوافقه من الأدلة، وكثرة رواته، لما يحصل بذلك من مزيد القوة في الظن، وذكر في نثر الورود أن هذا من قبل الترجيح بالسند.
وقوله فالفعل فالتقرير .........................
معناه أن الخبر المتضمن لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مقدم على الخبر المتضمن لفعله، لأن القول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل غالبا، لاحتمال الفعل الاختصاص به صلى الله تعالى عليه وسلم.
فإن وقع الاحتمال المذكور في القول، قدم عليه الفعل، كما في أمره صلى الله تعالى عليه وسلم عائشة - رضي الله سبحانه وتعالى عنها - بالإحرام من التنعيم،
(1)
فإنه يحتمل الخصوص بمثل حالها من العذر وضيق الوقت، فقدم عليه عندنا فعله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث أحرم من الجعرانة
(2)
.
ويقدم الخبر المتضمن لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم على المتضمن لتقريره، لأن التقرير يطرقه من الاحتمال ما لا يطرق الفعل.
فصاحة وألغي الكثير
معناه أن الخبر المروي بألفاظ غير فصيحة، يقدم عليه الخبر المروي بألفاظ فصيحة،
(1)
متفق عليه.
(2)
متفق عليه.
للجزم بأن غير الفصيح مروي بالمعنى، وأما الأفصح فلا يقدم على الفصيح، على الأصح كما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وألغي الكثير.
وقيل يرجح بالأفصحية أيضا، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو أفصح الناس.
زيادة، ولغة القبيل
…
ورجح المجل للرسول
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: زيادة، معناه أن الخبر المشتمل على زيادة، يقدم على مقابله الخالي منها، لما فيه من زيادة العلم، قال جلال الدين المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى: كخبر التكبير في العيد سبعا، مع خبر التكبير فيه أربعا، رواهما أبو داوود رحمه الله سبحانه وتعالى وأخذ بالثاني الحنفية تقديما للأقل، والأولى منه للافتتاح اهـ
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ولغة القبيل، معناه أن الخبر الوارد بلغة قريش، يقدم على الخبر الوارد بلغة غيرهم، لقوة احتمال كونه مرويا بالمعنى.
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ورجح المجل للرسول ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ معناه أن إشعار أحد الخبرين المتعارضين بعلو شأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - مرجح له على مقابله، لإيذان ذلك بالتأخر، إذ علوه صلى الله تعالى عليه وسلم كان في ازدياد دائما.
وشهرة القصة ذكر السبب
…
وسمعه إياه دون حُجُب
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وشهرة القصة، معناه أن خبر القصة المشهورة يقدم على خبر القصة التي ليست بمشهورة، لأن القصة المشهورة يبعد دخول الكذب فيها.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ذكر السبب، معناه أن الخبر الذي ذكر فيه السبب، مقدم على الخبر الذي لم يذكر فيه السبب، لظهور اعتناء راويه، الدال على اكتمال ضبطه، وأيضا المعرفة بالسبب تعين على فهم المعنى.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وسمعه إياه دون حجب، معناه أن رواية من سمع دون حجاب، مقدمة على رواية من سمع من وراء حجاب، حيث أمن اللبس، قال في النشر: كرواية القاسم بن محمد عن عائشة أن بريرة - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - عتقت وكان زوجها عبدا، رواه مسلم، مع رواية الأسود بن يزيد أنه كان حرا، لأن القاسم
محرمها لكونها عمته، وكان يسمع منها دون حجاب، بخلاف الأسود اهـ
والمدني والخبر الذي جمع
…
حكما وعلة كقتل من رجع
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: والمدني، معناه أن المدني مقدم على المكي، قال في النشر: والمدني: ما روي بعد الشروع في الهجرة، والمكي: ما روي قبل الشروع فيها، فيشمل المدني ما ورد بعد الخروج من مكة المكرمة، وقبل الدخول في المدينة، هذا هو الاصطلاح المشهور في المدني والمكي، وما اقتضاه كلام بعضهم من أن المدني: ما نزل بالمدينة المنورة، والمكي: ما نزل بمكة المكرمة، غير مرضي اهـ
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: والخبر الذي إلخ، معناه أن الخبر الذي جمع الحكم والعلة، مقدم على الخبر الذي لم تذكر فيه العلة، كحديث البخاري رحمه الله سبحانه وتعالى " من بدل دينه فاقتلوه " مع حديث الصحيحين أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، فيقدم الأول في ما تعارضا فيه، وهو المرتدات، لذكر سبب الحكم فيه.
وما به لعلة تقدُّم .......................
معناه أنه إذا ذكر في كل من الخبرين الحكم والعلة، إلا أن أحدهما ذكر فيه الحكم قبل العلة، والآخر ذكر فيه بعد العلة، قدم ما تقدم فيه ذكر العلة، لأنه أدل على ارتباط الحكم بالعلة، كما قال الإمام الرازي رحمه الله سبحانه وتعالى في المحصول.
واعترضه النقشواني رحمه الله سبحانه وتعالى – قائلا: إن الحكم إذا تقدم تطلب نفس السامع العلة، فإذا سمعتها ركنت إليها، ولم تطلب غيرها، والوصف إذا تقدم تطلب النفس الحكم، فإذا سمعته قد تكتفي في علته بالوصف المتقدم إذا كان شديد المناسبة، كما في قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقد لا تكتفي به، بل تطلب علة غيره، كما في قوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) الآية الكريمة، فيقال: تعظيما للمعبود اهـ قاله جلال الدين المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى.
قال في النشر: ورده في الآيات البينات بأن الوصف إذا كان ظاهر المناسبة ركنت النفس
تقدم أو تأخر، وإلا لم تركن، تقدم أو تأخر، إذ لا فرق بين إذا قمتم فاغسلوا، واغسلوا إذا قمتم اهـ
وما بتوكيد وخوف يعلم
معناه أن الخبر المشتمل على التوكيد، مقدم على الخبر الذي لا توكيد فيه، ومثل لذلك جلال الدين المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى بالحديث الذي رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم على شرط الشيخين " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل " مع حديث مسلم " الأيم أحق بنفسها من وليها "
ويقدم الخبر الذي يتضمن تهديدا على مقابله الخالي من ذلك، ومثلوا له بقول عمار - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم،
(1)
فهو مقدم على الأحاديث المرغبة في صوم النفل.
وما يعم مطلقا إلا السبب
…
فقدمنْه تقض حكما قد وجب
معناه أن العام الذي لم يرد على سبب، مقدم على العام الوارد على سبب في غير صورة السبب، لما تقدم من الاختلاف في اختصاصه بصورة السبب، ويقدم ذو السبب في صورة السبب، لما تقدم من أنها قطعية الدخول.
ما منه للشرط على المنكر
…
وهو على كل الذي له دُرِي
معناه أن الشرطي من أدوات العموم كمن وما، مقدم على النكرة المنفية على الأصح، لإفادة الشرطي التعليل غالبا، بخلاف النكرة، فإن لم يفد الشرطي التعليل، لم يقدم على النكرة، نحو: من فعل كذا فلا إثم عليه، وقيل: تقدم النكرة على الشرط، لبعد التخصيص فيها، بقوة عمومها دونه.
وتقدم النكرة العامة على ما سوى الشرط من أدوات العموم، كالمعرف بأل أو
(1)
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي، وهو حديث صحيح، ورواه البخاري معلقا.
الإضافة، لدلالتها على العموم بالوضع على الأصح، ودلالة ما ذكر عليه بالقرينة.
قال في نثر الورود: ويستثنى من ذلك الصريح في العموم، نحو كل وجميع اهـ
معرف الجمع على ما استفهما
…
به من اللفظين أعني من وما
معناه أن الجمع المعرف، يقدم على من وما غير الشرطيتين، كالاستفهاميتين، للاختلاف في جواز تخصيصه إلى واحد، بخلافهما، فلا خلاف في جواز تخصيصهما إلى واحد.
وذي الثلاثةُ على المعرف
…
ذي الجنس لاحتمال عهد قد يفي
معناه أن الثلاثة المذكورة في البيت قبل، وهي الجمع المعرف، ومن، وما، غير الشرطيتين، مقدمة على الجنس المعرف بأل، أو الإضافة، لاحتماله العهد، بخلاف من وما فلا يحتملانه، وبخلاف الجمع المعرف فاحتماله له بعيد.
تقديم ما خُص على ما لم يُخَصْ
…
وعكسه كل أتى عليه نص
اختلف إذا تعارض العام الذي لم يدخله تخصيص، والعام الذي دخله التخصيص، فذهب الأكثرون إلى تقديم العام الذي لم يدخله تخصيص، للإجماع على اعتبار عمومه، بخلاف الذي دخله التخصيص كما تقدم.
وذهب صفي الدين الهندي، والتاج السبكي - رحمهما الله سبحانه وتعالى إلى ترجيح العام الذي دخله التخصيص، لأنه أغلب، ولبعد تخصيص المخصوص ثانيا.
قال في نثر الورود: مثاله: (أو ما ملكت أيمانهم) فإنه يدل بعمومه على شمول الأختين بملك اليمين، مع أن (وأن تجمعوا بين الأختين) يشمل بعمومه وطأهما بملك اليمين، وعموم (أو ما ملكت أيمانهم) دخله التخصيص، لأنه مخصص بعموم (وأخواتكم من الرضاعة) فلا تحل الأخت من الرضاعة بملك اليمين، وبعموم (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) فلا تحل موطوءة الأب بملك اليمين، بخلاف عموم (وأن تجمعوا بين الأختين) فلم يدخله تخصيص غير محل النزاع اهـ
قال ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى في مختصره: والتقييد كالتخصيص اهـ
ويقدم العام الأقل تخصيصا، على العام الأكثر تخصيصا، قال جلال الدين المحلي -
رحمه الله سبحانه وتعالى: لأن الضعف في الأقل دونه في الأكثر اهـ
إشارة وذات الايما يرتضى
…
كونهما من بعد ذات الاقتضا
معناه أن الدال بالاقتضاء مقدم على الدال بالإشارة، والإيماء، لأن المدلول عليه بالاقتضاء مقصود يتوقف عليه الصدق، أو الصحة.
ويقدم الدال بالإيماء، على الدال بالإشارة، لأن المدلول عليه بالإيماء مقصود عند المتكلم.
ويقدم المقتضى الذي يتوقف عليه الصدق، على الذي تتوقف عليه الصحة.
وتقدم الإشارة، والإيماء، على المفهوم موافقة كان أو مخالفة، لأن الدلالة عليهما في محل النطق، وإليه أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
هما على المفهوم .......... .........................
ويقدم مفهوم الموافقة، على مفهوم المخالفة عند الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى والأكثر، للاختلاف في حجيتها.
وقيل: تقدم المخالفة، لأن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبيان وجوده في محل السكوت، بخلاف مفهوم المخالفة، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
والموافقه
…
ومالك غير الشذوذ وافقه
وأراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ومالك إلخ أن الأكثر على مثل قول الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى بتقديم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة، ولم يخالفه في ذلك إلا شذوذ: جمع شاذ على غير قياس.
الترجيح باعتبار مدلول أحد النصين المتعارضين
وناقل ومثبت والامُِر
…
بعد النواهي، ثم هذا الاخِر
على الإباحة وهكذا الخبر
…
على النواهي وعلى الذي أمر
معناه أن الناقل عن البراءة الأصليةـ مقدم على المقرر لها عند الجمهور، لأن مضمون
المقرر لها مستفاد منها، بخلاف الناقل، فكان أرجح للزيادة.
وقيل: يقدر تأخر المقرر لها، ليفيد تأسيسا، فيكون ناسخا، إذ لو قدر تقدمه لكان تأكيدا، لعلمه منها، والتأسيس أرجح منه.
ومثاله: تقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله.
ويقدم المثبت للحكم الشرعي، على النافي له، لاشتماله على زيادة علم، فيكون تأسيسا، وقيل: بالعكس، لاعتضاد النافي بالأصل، ومثلوا لتعارض المثبت والنافي بحديث بلال - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في الكعبة حين دخلها ركعتين،
(1)
وحديث أسامة - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - في مسلم أنه دعا في نواحي البيت حين دخله ولم يصل
(2)
.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب: ولقائل أن يقول: إنما يثبت التعارض بين هذين الخبرين لو ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدخل الكعبة إلا مرة واحدة، ولكنه دخلها غير مرة، فلعله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى مرة، ورواه بلال - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - وترك أخرى ورآه أسامة - رضي الله سبحانه وتعالى عنه –
(3)
اهـ
قال في النشر: ومثل الباجي - رحمهما الله سبحانه وتعالى لمسألة المثبت والنافي، بحديث أنس - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا،
(4)
وحديث ابن مسعود - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما قنت شهرا يدعو على حي من أحياء بني سليم، ثم لم
(1)
متفق عليه.
(2)
رواه البخاري.
(3)
وجا عن أسامة ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى فيها ـ ووفق ابن حبان رحمه الله سبحانه وتعالى بأن هذا ـ أعني الإثبات ـ كان في يوم الفتح، والآخر كان في حجة الوداع، وقيل غير ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(4)
رواه الإمام أحمد، وصححه الحاكم في جزء له في القنوت كما في التلخيص الحبير، وضعفه غير واحد.
يقنت بعد
(1)
اهـ
قال شيخ الإسلام زكريا رحمه الله سبحانه وتعالى: لا يقال هذا يغني عما قبله، أو بالعكس، لأنا نقول: المثبت قد يكون مقررا للأصل، كالمثبت للطلاق والعتاق،
(2)
فإنه مقرر للأصل، لأن الأصل عدم الزوجية، والرقية، فرجع ذلك إلى أن هذا مستثنى من الأول اهـ
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: والآمر بعد النواهي، يعني به أن النص الدال على التحريم، مقدم على الدال على الوجوب، لأن النهي لدرء المفسدة، والأمر لجلب المصلحة، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
ويقدم الدال على الوجوب على الدال على الإباحة، للاحتياط، وهذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى عنه -: ثم الآخر على الإباحة.
ويقدم الوارد بلفظ الخبر، كقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) على الأمر والنهي، لأن الطلب بالخبر، أقوى منه بالأمر والنهي، لأن الخبر يقتضي ثبوت مدلوله في الواقع، فاستعملت صيغته في الطلب تأكيدا له، وحضا على امتثاله، وعدم التردد في الإتيان به، فنزل في العبارة منزلة ما تحقق بالفعل، إيذانا بذلك.
في خبري إباحة وحظْر
…
ثالثها هذا كذاك يجري
معناه أنه اختلف إذا تعارض التحريم والإباحة، والمعول تقديم التحريم على الإباحة وغيرها من خطاب التكليف، للاحتياط.
وقيل: تقدم الإباحة لاعتضادها بالأصل.
قال في النشر: حكى هذا القول القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله سبحانه وتعالى في الملخص اهـ
وقيل: هما سواء، لتساوي مرجحيهما.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب: والخلاف في ما إذا لم
(1)
روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود ـ رضي الله سبحانه وتعالى عنه ـ أنه قال: قد علموا أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ إنما قنت شهرا.
(2)
العتاق بفتح العين: مصدر، وبكسرها: جمع عتيق.
يكن للشيء أصل من حظر، ولا إباحة، واقتضى أحد الخبرين الحظر، والآخر الإباحة، مثل خبر عدي بن حاتم - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - في ما أكلت منه الجارحة أنه يحرم، مع خبر أبي ثعلبة الحنشي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - في إباحة أكله، وأصح قولي الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى أنه لا يحل اعتمادا على هذا الأصل.
أما إذا كان للشيء أصل إباحة وأصل حظر، وأحد الخبرين يوافق ذلك الأصل، والآخر مخالفه، كان الناقل عن ذلك الأصل أولى، كتقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله اهـ
والجزم قبل الندب والذي نفى
…
حدا على ما الحد فيه ألفا
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: والجزم قبل الندب، معناه أن أمر الوجوب مقدم على أمر الندب، للاحتياط.
قوله: والذي نفى البيت، معناه أنه إذا تعارض نصان، وكان أحدهما يقتضي الحد، والآخر ينفيه، قدم نافي الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذا مستثنى من تقديم المثبت.
…
وقيل: يقدم موجب الحد، لإفادته التأسيس.
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب: وفي وجه لأصحابنا أنهما سواء، لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعا، ألا ترى أنه ثبت بخبر الواحد، والقياس، مع الشبهة فيهما، ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل، فيبيحه قوم، ويحظره آخرون، كالوطء في النكاح بلا ولي ولا شهود، وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه، فكانا سواء، ونظيره من عرف تحريم الخمر، وجهل أنه موجب للحد، ولا يجعل جهله بإيجاب الحد شبهة اهـ
ومثل الحد في ما ذكر التعزير كما في النشر.
ما كان مدلول له معقولا
…
وما على الوضع أتى دليلا
معنى أول الشطرين، أن ما عقل معناه، مقدم على ما لم يعقل معناه، لأن عقل المعنى أغلب في الأحكام، مع أنه أدعى للقبول، وأفيد بالقياس عليه، ومحل هذا غير أبواب التعبد، إذ الأغلب فيها خلاف ذلك.
قال البناني رحمه الله سبحانه وتعالى: قد يستشكل تصوير ذلك، إذ لا يتصور التعارض إلا عند اتحاد المتعلق، إذ مع اختلافه لا تعارض، كما هو ظاهر، فإذا عقل المعنى من أحد الخبرين صار معقولا مطلقا، فلا يتصور أن يكون معقولا في أحدهما غير معقول في الآخر اهـ
وهذا سهو بين، إذ الموضوع أنهما متعارضان، فكيف يلزم من عقل معنى أحدهما عقل الآخر.
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى:
فيه ـ يعني ما ذكره البناني ـ أنه يعقل المعنى إذا قيل: يجوز القصر للمسافر، وهو التخفيف، دون ما إذا قيل: يمتنع القصر عليه، فيقدم الأول، لكن يكون هذا مستثنى من تقديم الحظر، على الإباحة.
ويمكن أن يتصور بنحو: تقطع يد السارق، ويقتل السارق، فإن الأول معقول المعنى دون الثاني.
ومعنى الشطر الثاني، أن الخبر الدال على الوضع، مقدم على الخبر الدال على التكليف، لأن الوضع لا يتوقف على الفهم، ولا أهلية الخطاب، ولا التمكن من الفعل، قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: مثاله ما لو ورد: يجب تبييت النية ليلا، وورد: يصح التبييت ليلا، فإن حمل على الاول، أثم من تركه ليلا، أو على الثاني لم يأثم اهـ
وقيل يقدم التكليفي لترتب الثواب عليه، ولأنه أغلب، وبه صدر ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى في المختصر.
ترجيح الإجماعات
قال في النشر: أي: ترجيح الإجماع على النص، وترجيح بعض الإجماعات على بعض.
رجح على النص الذي قدُ اُجمعا
…
عليه والصحبي على من تبعا
كذاك ما انقرض عصره وما
…
فيه العموم وافقوا من علما
معناه أن الإجماع القطعي، يقدم على النص، لأن الإجماع مأمون النسخ دون النص،
كما تقدم في قوله رحمه الله سبحانه وتعالى:
وقدمنَّه على ما خالفا
…
إن كان بالقطع يرى متصفا
وإذا توهم المجتهد تعارض إجماعين، قدم إجماع الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - على إجماع التابعين، ويقدم إجماع التابعين على إجماع من بعدهم، وهكذا كل إجماع مع ما بعده، وعبارة ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى: والإجماع على ما بعده اهـ
ويقدم الإجماع الذي انقرض عصره، على غيره، لما تقدم من الاختلاف في اشتراط انقراض العصر.
ويقدم الإجماع الذي وافق فيه العوام المجتهدين، على ما خالفوا فيه، لما تقدم أيضا من الخلاف في اشتراط موافقتهم.
وظاهر ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى تقييد تعارض الإجماعين بالظنيين، ونحوه للرازي رحمه الله سبحانه وتعالى في المحصول، ونصه:
وأما الإجماع فإن كانا قطعيين لم يقبل الترجيح، وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، لم يقبل الترجيح، لأن الإجماع المعلوم، مقدم على الإجماع المظنون، أما إذا كانا مظنونين فهذا يقع على وجهين:
أحدهما: الإجماعان المختلف فيهما عند المجتهدين، كالإجماع الذي يحدث عن قول البعض، وبسكوت الباقين.
وثانيهما: الإجماع المنقول بطريق الآحاد، فهذان القسمان في محل الترجيح اهـ
ولم يرتض التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في رفع الحاجب ما قاله ابن الحاجب رحمه الله سبحانه وتعالى ونصه:
تعارض الإجماعين في نفس الأمر مستحيل، سواء كانا ظنيين أم قطعيين، وما قاله بعض الشروح أنه إذا نقل بخبر الواحد، فقد لا يطلع عليه أهل العصر الثاني، فيجمعون على خلافه، ليس بصحيح، فإنه وإن لم يطلعوا عليه فالله سبحانه وتعالى قد عصمه أن يجمعوا على خلافه، لأنه بالإجماع عليه حق، فلو أجمعوا على خلافه لأجمعوا على باطل،
سواء أعلموا بأنه تقدمهم إجماع أم لا، فظن تعارض الإجماعين، ممكن، سواء أكانا في القطعيين أم الظنيين اهـ
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: فإن قلت: ظن تعارض الإجماعين، كيف حصل مع العلم بعدم إمكانه؟
قلت: قال المصنف رحمه الله سبحانه وتعالى في منع الموانع - على قوله في ما سبق: فإن توهم التعادل إلخ، ما حاصله أنه إنما عدل عن لفظ الظن إلى لفظ التوهم، لأن المجتهد إذا اشتبه عنده أمر حديثين، فهو يحسبهما متعارضين، ويعلم أنه لا تعارض في نفس الأمر، وأن حسبانه ناشئ إما عن اختلال فهمه، أو اختلال السند، أو غير ذلك، ولا يهتدي إلى تعيين تلك الجهة التي أتى منها، ولو اهتدى لم يتوهم التعارض اهـ
فيقال هنا بمثله، وأن ظن التعارض مبني على ظاهر حال المنقول إلينا، من صحة سنده، وظاهر حال فهم المجتهد من عدم اختلاله اهـ
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
ترجيح الأقيسة والحدود
الترجيح في القياس يرجع إلى الأصل، أو الفرع، أو العلة، أو المدلول، أو الخارج.
بقوة المثبت ذا الأساس
…
أي: حكمه الترجيح للقياس
يعني أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كون دليل حكم الأصل في أحدهما أقوى من دليل حكم الأصل في الآخر، ككون حكم أحدهما مدلولا عليه بمنطوق، أو نص، وحكم الآخر مدلولا عليه بمفهوم، أو ظاهر، ونحو ذلك.
وكونه موافق السَّنن، عن
…
بالقطع بالعلة أو غالب ظن
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وكونه موافق السنن، معناه أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كونه على سنن القياس دون مقابله، والمراد بسنن القياس هنا: كون الفرع من جنس الأصل.
ومثله أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى بقياس المالكية قتل البهيمة
الصائلة، على الصائل من الآدمي، في عدم الضمان، فهو مقدم على قول الحنفية: عليه الضمان، لأن من أبيح له إتلاف مال غيره دون إذنه، لدفع ضرر عنه، يجب عليه الضمان، أصله لو اضطر إلى أكله للجوع، لأن الأول قياس صائل على صائل، بخلاف الثاني.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: عن بالقطع بالعلة أو غالب ظن، معناه أن مما يرجح به القياس، على القياس المعارض له، كون علته مقطوعا بوجودها في الأصل، دون مقابله، وكون الظن بوجود العلة في الأصل أغلب، من ظن وجودها في أصل القياس الآخر، وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: عن، معناه: عرض.
وقوة المسلك ولتقدما
…
ما أصلها تتركه معمما
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وقوة المسلك، معناه أن مما يرجح به القياس على القياس المعارض له، كون مسلك علته أقوى من مسلك علة مقابله، ككون مسلك إحداهما الإجماع، ومسلك غيرها غيره، وقد تقدم بيان ترتيب المسالك.
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ولتقدما ما أصلها إلخ، فسره في النشر بأن العلة العامة الأصل بأن توجد في جميع جزئياته، مقدمة على غيرها، لأنها أكثر فائدة، قال جلال الدين المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى: كالطعم: العلة عندنا في باب الربا، فإنه موجود في البر - مثلا - قليله وكثيره، بخلاف القوت اهـ
والذي يظهر من النظم أن المراد أن العلة التي تعود على أصلها بالتعميم، أرجح من التي تعود عليه بالتخصيص، وهو صحيح أيضا، فقد ذكر أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإشارة أن العلة التي لا تعود على أصلها بالتخصيص، مقدمة على العلة التي تعود على أصلها بالتخصيص، ونصه في باب ترجيح المعاني: الثاني أن تكون إحدى العلتين لا تعود على أصلها بالتخصيص، والثانية تعود على أصلها بالتخصيص، فالتي لا تعود على أصلها بالتخصيص أولى، لأن التعلق بالعموم أولى استنباطا ونطقا اهـ
إلى أن قال: والثامن أن تكون إحداهما لا تعم فروعها، والأخرى تعم فروعها، فتكون العامة أولى، لأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول لها اهـ
ثم قال: والتاسع أن تكون إحدى العلتين عامة، والأخرى خاصة، فتكون العامة
أولى، لأن كثرة الفروع تجري مجرى شهادة الأصول لها اهـ
وقد ساق ذلك شهاب الدين القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى عنه في التنقيح مختصرا.
وذات الانعكاس واطراد
…
فذات الاخر بلا عناد
معناه أن القياس بعلة مطردة منعكسة، أرجح من القياس بعلة مطردة فقط، أو منعكسة فقط، للاختلاف فيهما، والقياس بالعلة المطردة فقط، أرجح من القياس بالعلة المنعكسة فقط، لأن ضعف الثانية أشد.
وعلة النص وما أصلان
…
لها كما قد مر يجريان
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وعلة النص، معناه أن القياس الذي علته منصوصة، مقدم على القياس الذي علته مستنبطة.
قال في نثر الورود: وهذا تكرار مع قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: بقوة المسلك اهـ
وهو ظاهر.
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وما أصلان إلخ، معناه أن القياس الذي علته مأخوذة من دليلين، أو أكثر، مقدم على القياس الذي ليس لعلته إلا دليل واحد.
قال في النشر: مثاله: أنه ورد عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - تضمين الغاصب، وتضمين المستعير من الغاصب، وكل منهما يستنبط منه أن العلة في ضمان مال الغير وضع اليد عليه، ولو لغير تملك، فيرجح ذلك على ما قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى من كون العلة وضع اليد للتملك، وإن صح استنباط ذلك من تضمين مستلم السلعة.
قال: والترجيح بكثرة الأصول، من باب الترجيح بكثرة الأدلة اهـ
في كثرة الفروع خلف قد ألم ...........................
معناه أنه اختلف في العلتين المتعديتين، إذا كانت إحداهما أكثر فروعا، هل ترجح بذلك على العلة التي هي أقل منها فروعا، فمن قال بترجيح المتعدية على القاصرة، قال بالترجيح بذلك، ومن لم ير ترجيح المتعدية لم ير الترجيح بذلك.
وما تقلل تطرق العدم
أراد رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا أن العلة الأقل أوصافا، مقدمة على مقابلتها، فذات الوصف الواحد، مقدمة على المركبة من وصفين، والمركبة من وصفين مقدمة على المركبة من ثلاثة، وهكذا لأن الأوصاف كلما قلت، قل تطرق احتمال العدم.
وقال أبو الوليد الباجي رحمه الله سبحانه وتعالى في الإشارة: ولأن كل وصف يحتاج في إثباته إلى ضرب من الاجتهاد، وكلما استغنى الدليل عن كثرة الاجتهاد كان أولى اهـ
وقيل: بالعكس، لأن اشتراك الفرع مع الأصل في أمور كثيرة، أبلغ دلالة على الشبه والاستواء من عكسه.
ذاتيةً قدِّم وذات تعديه
…
وما احتياطا علمت مقتضيه
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: ذاتية قدم، معناه أن العلة الذاتية، مقدمة على العلة الحكمية، والذاتية هي الوصف القائم بالذات، كالإسكار في الخمر، والطعم في الطعام، وقدم السمعاني رحمه الله سبحانه وتعالى – الحكمية، كالطهارة، والحرمة، على الذاتية، لأن الحكم بالحكم أشبه.
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وذات تعديه، معناه أن العلة المتعدية أرجح عند الجمهور من العلة القاصرة، للاختلاف في جواز التعليل بالقاصرة، ولأن المتعدية أفيد بالإلحاق بها، ورجح أبو إسحاق الإسفرائيني رحمه الله سبحانه وتعالى القاصرة، لأن الخطأ فيها أقل، وقال القاضي رحمه الله سبحانه وتعالى هما سواء.
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وما احتياطا إلخ، معناه أن العلة التي يتضمن الإلحاق بها احتياطا في الواجب، مقدمة على ما لا تقتضيه، كتعليل نقض الوضوء بمطلق المس، مع تعليله بالمس لشهوة، فالتعليل بمطلق المس، أحوط في تحصيل الطهارة، التي هي شرط.
وقدمنْ ما حكم أصلها جرى
…
معللا وفقا لدى من غبرا
معناه أن العلة المتفق على تعليل حكم أصلها، مقدمة على العلة المختلف في تعليل حكم أصلها، للاختلاف في الثانية.
بعد الحقيقي أتى العرفي
…
وبعد هذين أتى الشرعي
معناه أن الوصف الحقيقي، مقدم على الوصف العرفي، والوصف الحقيقي: هو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف، أو شرع.
ويقدم الوصف العرفي، على الوصف الشرعي، للاختلاف في التعليل بالشرعي كما تقدم.
وفي الحدود الأشهر المقدم ..........................
هذا شروع في ترجيح الحدود، والمقصود هنا الحدود الشرعية، كحدود الاحكام، لا حدود الماهية العقلية، إذ لا يتعلق بها هنا غرض.
والمعنى أن الحد الأشهر ـ والمراد به الأوضح ـ مقدم على الواضح.
قال في النشر: قال اللقاني - رحمهما الله سبحانه وتعالى: وذلك بأن يكون المعرف في أحدهما شرعيا، وفي الآخر حسيا، أو عقليا، أو لغويا، أو عرفيا، فالحسي أولى من غيره، والعقلي من العرفي، ومن الشرعي، كما في الآيات البينات اهـ
ومعنى هذا أن الاوضحية راجعة إلى نوع المعنى المعرف به، لا اللفظ المعرف به.
قال في النشر: والحد عند أهل الأصول يشمل الحد والرسم عند أهل المنطق اهـ
وما صريحا أو أعم يعلم
قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وما صريحا، معناه أن الحد باللفظ الصريح، يقدم على ما ليس كذلك، لتجوز، أو اشتراك مع انتصاب القرينة على المقصود، لأن القرينة وإن اتضحت قد يطرقها الخفاء.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: أو أعم، معناه أن الحد الأعم، يقدم على الحد الأخص، لأن التعريف بالأعم أفيد لكثرة المسمى فيه، وقيل: يرجح الأخص أخذا بالمحقق.
وما يوافق لنقل مطلقا .........................
معناه أن الحد الموافق للنقل - شرعا أو لغة - يقدم على مقابله، لأن التعريف بما يخالفهما، إنما يكون لنقل عنهما، والأصل عدمه.
ويقدم موافق نقل الشرع، على موافق نقل اللغة.
..................
…
والحد سائر الرسوم سبقا
معناه أن التعريف بالحد - تاما كان أو ناقصا - مقدم على التعريف بالرسم - تاما أو ناقصا - لأن التعريف بالحد، تعريف بالذاتيات، والتعريف بالرسم تعريف بالعرضيات.
وقد خلت مرجحات فاعتبر .........................
معناه أن المرجحات سبق منها كثير، ترك ذكره هنا حذرا من التكرار، منها تقديم بعض المنطوق على بعض، وتقديم بعض توابعه على بعض، وتقديم بعض المفاهيم على بعض، وتقديم بعض ما يخل بالفهم على بعض، وتقديم بعض محامل الألفاظ على بعض، وغير ذلك كثير.
والمرجحات لا تنحصر في ما ذكر في هذا الباب، ولا في ما ذكر في عامة النظم، كما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
واعلم بأن كلها لا ينحصر
ومثارها قوة الظن، كما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
قطب رحاها قوة المظنه
…
فهْي لدى تعارض مئنه
وقطب الرحى مثلث القاف، وهو الحديدة التي في الطبق الأسفل من الرحيين يدور عليها الطبق الأعلى، وقطب القوم: سيدهم الذي يدور عليه أمرهم، وصاحب الجيش: قطب رحى الحرب.
والمظنة - بكسر الظاء -: موضع الظن، والمئنة بوزنه: العلامة، والمظنة.
قال في نثر الورود: وكون قوة الظن، مئنة الترجيح، أمر أغلبي، لأن المرجح قد يكون قطعيا، وقد يكون الترجيح بمجرد الظن، دون غلبة اهـ
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
كتاب الاجتهاد في الفروع
يعني من حيث استنباطها من الأدلة، فخرج مجتهد المذهب ومجتهد الفتيا، والاجتهاد: من الجهد بفتح الجيم وبضمها، وقال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى: فرقت العرب بين الجهد بفتح الجيم، وبضمها، فبالفتح: المشقة، وبالضم: الطاقة، ومنه قوله سبحانه
وتعالى جل من قائل: (والذين لا يجدون إلا جهدهم) أي: طاقتهم اهـ
نقله في النشر.
بذل الفقيه الوسع أن يحصلا
…
ظنا بأن ذاك حتم مثلا
معناه أن الاجتهاد في الاصطلاح، هو استفراغ الفقيه وسعه في النظر في الأدلة، لتحصيل ظن بحكم أمر، ككونه واجبا، أو حراما، أو مباحا.
فخرج غير الفقيه، وخرجت القطعيات إذ لا اجتهاد فيها.
والظن الحاصل هو الفقه الذي تقدم ذكره في الكلام على تعريف أصول الفقه.
وذاك معْ مجتهد رديف ........................
معناه أن الفقيه والمجتهد مترادفان في اصطلاح الأصوليين، قال في النشر: والفقيه في عرف الفقهاء: من تجوز له الفتوى من مجتهد ومقلد، وفي العرف اليوم: من مارس الفروع وإن لم تجز له الفتوى، وتظهر ثمرة ذلك في ما كالوصية والوقف على الفقهاء اهـ
وما له يحقق التكليف
معناه أن مما يشترط في المجتهد التكليف، فخرج الصبي، إذ لم يكتمل عقله حتى يعتبر قوله، وخرج غير العاقل، إذ لا تمييز له يهتدي به لما يقوله حتى يعتبر.
وهْو شديد الفهم طبعا ....... ..............................
معناه أنه يشترط في المجتهد كونه فقيه النفس، بأن يكون قوي الفهم، شديد الدراية بمقاصد الشارع في خطاباته، سجية، لأن الفقيه من فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية، فبهذا يتسنى الاستنباط على وجه تؤمن معه كثرة الغلط وفحشه.
واختلف
…
في من بإنكار القياس قد عرف
معناه أنه اختلف في من أنكر حجية القياس، كالظاهرية، هل يخرجه ذلك عن كونه مجتهدا، لاقتضائه عدم أهليته له، أو لا يخرجه عنه، لعدم منافاته لفقاهة النفس، وقيل يفرق بين إنكار الجلي، وغيره.
قد عرف التكليف بالدليل
…
ذي العقل قبل صارف النقول
معناه أن من شروط المجتهد أن يكون عارفا بالدليل العقلي، وهو البراءة الأصلية،
وبالتمسك به حتى يصرف عنه صارف.
وانظر لم لم يستغنوا عن هذا بما يأتي من معرفة أصول الفقه؟
وانظر أيضا ما المتحفظ منه بهذا الشرط؟
والنحو والميزان واللغة مع
…
علم الاصول وبلاغة جمع
يعني أنه يشترط في المجتهد أن يكون عارفا بالنحو الشامل للتصريف، وأن يكون عارفا بالمنطق، وهو المراد بالميزان، قال في النشر: أي: عارفا بالمحتاج إليه منه، كشرائط الحدود والرسوم وشرائط البراهين اهـ
وعبارة القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى: وشرائط الحد والبرهان اهـ
أي: عالما بشرائط الحد والبرهان.
ويشترط كذلك أن يكون عارفا باللغة، قال في النشر: عربية كانت أو شرعية أو عرفية اهـ
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بعلم أصول الفقه، وبالبلاغة من معان وبيان.
قال في النشر: وكلما كمل معرفة واحد من تلك العلوم، كان الاجتهاد أتم.
ولا يقال: كيف تشترط معرفة علم الأصول، مع أن جمهور المجتهدين كانوا متبحرين في الاجتهاد ولم يكن هذا العلم إذ ذاك مدونا، بل يكفي كونه ذا فهم صحيح، لأنا نقول: ليس المراد معرفته بهذه الاصطلاحات الحادثة، بل المراد معرفة ذات قواعده، مدونة كانت أم لا، عرفها بالطبع أو التعلم، وإلا لزم عدم اشتراط العربية وغيرها، فإن أكابر الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - كانوا في غاية الرفعة في الاجتهاد، ولم تكن إذ ذاك العربية ولا غيرها مدونة اهـ
وموضع الأحكام دون شرط
…
حفظ المتون عند أهل الضبط
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بمدارك الأحكام من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، ولا يشترط حفظهما، لكنه أكمل.
قال في النشر: بل يكفيه في الأحاديث أن يكون عنده من كتبها ما إذا راجعه فلم يجد فيه ما يدل على حكم الواقعة، ظن أنها لا نص فيها اهـ
ذو رتبة وسطى في كل ما غبر ............................
معناه أنه يشترط في المجتهد أن يبلغ الرتبة الوسطى في ما سبق ذكره من العلوم، ما عدا اللغة، فلا بد من الزيادة على التوسط فيها، حتى لا يشذ عنه المستعمل في الكلام في غالب الاوقات، ولا يلزم التبحر في شيء من هذه الأمور، وقيل يلزم في ما يختلف بسببه المعنى، ذكر ذلك كله في النشر.
وعلم الاجماعات مما يعتبر
معناه أنه يشترط لكن لإيقاع الاجتهاد خاصة، معرفته بمواضع الإجماع، ليلا يخرقه، ومواضع الخلاف ليلا يحدث تفصيلا أو قولا.
كشرط الاحاد وما تواترا
…
وما صحيحا أو ضعيفا قد جرى
وما عليه أو به النسخ وقع
…
وسبب النزول شرط متبع
كحالة الرواة والأصحاب
…
وقلدنْ في ذا على الصواب
معناه أنه يشترط في إيقاع الاجتهاد، كونه عارفا بشروط خبر الآحاد، والخبر المتواتر، ليقدم الثاني عند التعارص، وقد تقدم الكلام عليهما في كتاب السنة المطهرة، قال في النشر: لكن معرفة ما ذكر من علم الأصول اهـ
ويشترط كذلك أن يكون عارفا بشروط الحديث الصحيح، وغيره، ليعمل بالصحيح، ويترك الضعيف، ويشترط كذلك معرفة الناسخ والمنسوخ.
قال البناني رحمه الله سبحانه وتعالى: أي: بأن هذا ناسخ، وهذا منسوخ، وإلا فالعلم بتقدم الناسخ من حيث هو على المنسوخ، داخل في قوله سابقا: أصولا، كما نبه عليه بعضهم، وكذا القول في قوله: وشرط التواتر والآحاد، أن يعلم أن هذا متواتر، وذاك آحاد، وأما العلم بحال التواتر والآحاد من حيث هما، وأن الأول مقدم على الثاني، فداخل في قوله: أصولا، وقس على ذلك قوله: والصحيح والضعيف وحال الرواة اهـ
وتشترط كذلك لإيقاع الاجتهاد معرفته بسبب نزول الآية، وسبب الحديث، ليستعين بذلك في تفهم النص.
وتشترط كذلك معرفة أحوال الرواة، من قبول ورد، وأعدلية، وفقاهة، ونحو ذلك ليتمكن
من ترجيح بعض الروايات على بعض.
وتشترط كذلك معرفته بما يعين على معرفة الحكم من أحوال الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهمأجمعين - من أقضية، وفتاوى، وعمل، ونحو ذلك.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وقلدن في ذا، إلى أنه يكفي في معرفة ما تقدم تقليد الأئمة في تلك العلوم.
قال في النشر: فيرجع في الأحاديث إلى الكتب المشهورة بالصحة، كصحيح البخاري، ومسلم، وصحيح ابن حبان، وابن خزيمة، وأبي عوانة، وابن السكن، وكذا المستخرجات، وموطإ الإمام مالك رحمهم الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين ـ وفي أحوال الصحابة إلى الاستيعاب لابن عبد البر رحمه الله سبحانه وتعالى وإلى الإصابة لابن حجر رحمه الله سبحانه وتعالى ونحوهما، وفي أحوال الرواة إلى المدارك للقاضي عياض والميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر، وفي الإجماعات، إلى إجماعات ابن المنذر، وابن القطان، ونحو ذلك، وفي أسباب النزول، إلى أسباب النزول للسيوطي وهكذا اهـ
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: على الصواب إلى ما قاله الإبياري رحمه الله سبحانه وتعالى من اشتراط أن تكون معرفته من غير تقليد، معللا بأنه إذا قلد في شيء من ذلك، كان مقلدا في ما يبني عليه من الاجتهاد، وليس ببين، فمعرفة جميع ذلك من غير تقليد في شيء منه متعذرة.
وليس الاجتهاد ممن قد جهل
…
علم الفروع والكلام ينحظل
معناه أنه لا يشترط في المجتهد أن يكون عارفا بالفروع، قال في النشر: قال الإمام الرازي - رحمهما الله سبحانه وتعالى: وأما تفاريع الفقه، فلا حاجة إليها، لأن هذه التفاريع يولدها المجتهدون بعد أن فازوا بمنصب الاجتهاد فكيف يكون شرطا اهـ
قال: واشترطه أبو إسحاق الإسفرائيني رحمه الله سبحانه وتعالى وصحح بعضهم كونه شرطا في إيقاع الاجتهاد، وليس بصفة للمجتهد، لكن الواقع بعد زمان الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - أن الاجتهاد إنما يكون بعد ممارسة الفقه اهـ
ولا يشترط أيضا كونه عارفا بعلم الكلام، ونُقل اشتراط ذلك، وجاء عن الغزالي - رحمه
الله سبحانه وتعالى أنه قال: وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم، ولا يشترط معرفتها على طريقة المتكلمين بأدلتهم التي يحررونها اهـ
كالعبد والأنثى كذا لا تجب
…
عدالة على الذي ينتخب
معناه أنه لا يشترط في المجتهد أن يكون حرا، ولا أن يكون ذكرا، فيجوز أن يكون المجتهد عبدا، أو امرأة، كمثل ما حصل لعائشة - رضي الله سبحانه وتعالى وما جاء من نقصان عقولهن، إنما هو في الجملة لا في آحادهن.
ولا يشترط فيه كذلك أن يكون عدلا، لجواز بلوغ الفاسق رتبة الاجتهاد، خلافا لمن اشترط فيه العدالة، ووفق بينهما بأن من أثبت، قصد الاشتراط في جواز التقليد، ومن نفى قصد عدم الاشتراط في الأهلية للاجتهاد، فالفاسق يلزمه الأخذ باجتهاد نفسه، ولا يجوز لغيره تقليده.
هذا هو المطلق والمقيد
…
منسفل الرتبة عنه يوجد
معناه أن المجتهد الذي تقدم ذكر شروطه، هو المجتهد المطلق، وهو الناظر في الأدلة الشرعية من غير تقليد لأحد، كأئمة المذاهب الأربعة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين -.
والمجتهد المقيد دونه في الرتبة، فهو الملتزم لمراعاة أصول إمام معين، فينظر في نصوصه كما ينظر المجتهد المطلق في نصوص الشارع وما التحق بها، فلا يتعداها خلافا للخمي رحمه الله سبحانه وتعالى حيث كان يخرج أحيانا على غير قواعد إمامه رحمه الله سبحانه وتعالى وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
ملتزم أصول ذاك المطلق
…
فليس يعدوها على المحقق
وينقسم إلى مجتهد مذهب، ومجتهد فتوى، وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى أولهما بقوله:
مجتهد المذهب من أصوله
…
منصوصة أم لا حوى معقوله
وشرطه التخريج للأحكام
…
على نصوص ذلك الإمام
معناه أن مجتهد المذهب هو الذي جمع أصول إمامه حفظا وضبطا، سواء كانت
منصوصة له، أو مستنبطة من كلامه.
ويشترط فيه أن يكون متمكنا من تخريج الأحكام على نصوص إمامه، قال العبادي رحمه الله سبحانه وتعالى: كأن يقيس ما سكت عنه، على ما نص عليه، لوجود معنى ما نص عليه، في ما سكت عنه، سواء نص إمامه على ذلك المعنى، أو استنبطه هو من كلامه، أو يستخرج حكم المسكوت عنه، من دخوله تحت عموم ذكره، أو قاعدة قررها.
ويرد عليه أن أصحاب الوجوه، قد يستنبطونها من نصوص الشارع، كما يعلم من تتبع كلامهم، لكن يتقيدون في استنباطهم منها بالجري على طريق إمامهم في الاستدلال، ومراعاة قواعده، وشروطه فيه، وبهذا يفارقون المجتهد المطلق، فإنه لا يتقيد بطريق غيره، ولا بمراعاة قواعده، وشروطه فيه، اللهم إلا أن يريد بنصوص إمامه ما يشمل قواعده، وشروطه في الاستدلال، وبتخريج الوجوه على نصوص إمامه بالنسبة لهذا القسم استنباطها من الأدلة مع الجري على نصوص الإمام في الاستدلال، أي: قواعده، وشروطه عنده، ولا يخفى أنه تكلف اهـ
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى مجتهد الفتوى بقوله:
مجتهد الفتيا الذي يرجح
…
قولا على قول وذاك أرجح
ومعناه أن مجتهد الفتوى هو المتبحر في مذهب إمامه، المتكن من ترجيح قول على قول من قولين مذكورين في المذهب من غير ترجيح، سواء كانا للإمام أو لأصحابه.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وذاك أرجح، أشار به إلى أن مجتهد الفتوى أنزل رتبة من مجتهد المذهب.
لجاهل الأصول أن يفتي بما
…
نقل مستوفى فقط وأمما
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا إلى ما نقله العبادي عن السيوطي عن النووي رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - ونصه: قال السيوطي رحمه الله سبحانه وتعالى: ولم يذكر في جمع الجوامع مرتبة بعد ذلك، وقد ذكر في شرح المهذب مرتبة رابعة، وهي أن يقوم بحفظ المذهب، ونقله، وفهمه في الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته، وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه في ما يحكيه من مسطورات مذهبه،
وما لم يجده منقولا، إن وجد في المنقول معناه، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق، جاز إلحاقه به، والفتوى به، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه، إلا أنه يبعد كما قال إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص، ولا مندرجة تحت ضابط، وشرطه كونه فقيه النفس، ذا حظ وافر من الفقه اهـ
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وأمما، قال في النشر: فعل أمر، أي: اقتد به في ما نقل مستوفى اهـ
يجوز الاجتهاد في فن فقط
…
أو في قضية وبعض قد ربط
مذهب الأكثرين جواز تجزئ الاجتهاد بأنواعه الثلاثة، بأن يبلغ الشخص رتبة الاجتهاد في باب من أبواب الفقة دون غيره، كالأنكحة والبيع، وقيل: لا يجوز لاحتمال أن يكون في ما لم يعلمه من الأدلة معارض لما علمه
(1)
.
ونقل في الحلي عن البرماوي رحمه الله سبحانه وتعالى أن كلام الرافعي رحمه الله سبحانه وتعالى: يقتضي اختصاص الخلاف بالباب، دون المسألة، لشدة ارتباط مسائل الباب بعضها ببعض، وتباعد ارتباط مسائل بابين مختلفين اهـ وهو أبين، والله سبحانه وتعالى أعلم.
والخلف في جواز الاجتهاد أو
…
وقوعه من النبي قد رووا
مذهب الأكثرين جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وغيره من الأنبياء - عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - في الأحكام الشرعية، ووقوعه، لأن الله سبحانه وتعالى خاطب نبيه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كما خاطب عباده، وضرب له الامثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين في آيات الله سبحانه وتعالى وأعظم المعتبرين.
واحتجوا للوقوع بقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى
(1)
وهذا يقتضي أن التجزأ في الاطلاع على الأدلة، لا في أهلية الاستنباط.
حتى يثخن في الأرض) وقوله سبحانه وتعالى جل من قائل: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) الآية الكريمة.
وذهب نفاة القياس إلى منع الاجتهاد في حق النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - واحتج المانعون بقدرته على اليقين، بالتلقي من الوحي، بأن ينتظره، والقادر على اليقين، لا يجوز له الاجتهاد.
وأجيب بأن إنزال الوحي ليس في قدرته، واختار القاضي أبو بكر وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي - رحمهما الله سبحانه وتعالى الوقف، وقيل: بالجواز والوقوع في الآراء والحروب فقط، كإرادته أن يصالح غطفان على ثمار المدينة المنورة، وترك التلقيح، وحكى سليم الرازي وابن حزم - رحمها الله سبحانه وتعالى الإجماع على الجواز في هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وواجب العصمة يمنع الجنف ..........................
قال في النشر: يعني أن اجتهاده صلى الله تعالى عليه وسلم لا يخطئ، لوجوب العصمة له، بناء على جوازه، هذا إذا قلنا إن المصيب واحد، وأما إذا قلنا إن كل مجتهد مصيب، فلا خلاف في ذلك اهـ
وصحح الوقوع عصره السلف
المصحح أن الاجتهاد جائز وواقع في زمن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل ليس بجائز، للقدرة على اليقين في الحكم بتلقيه منه - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل: لم يقع للحاضر في قطره - صلى الله تعالى عليه وسلم -.
وقيل بالوقف، والأصح من هذه الأقوال أولها، والوقائع المروية في ذلك كثيرة جدا.
ووحِّد المصيب في العقلي ........................
معناه أن المصيب في العقليات واحد، وهو من صادف الصواب، والمراد بالعقليات: ما لا يتوقف على السمع، كحدوث العالم، ومعنى كون المصيب واحدا، أنه لا يتعدد، فلا يمكن أن يصيب من المختلفين أكثر من واحد، وقد يخطئون جميعا.
.........................
…
ومالك رآه في الفرعي
معناه أن الإمام مالكا رحمه الله سبحانه وتعالى ذهب إلى أن المصيب من المختلفين في مسائل الفقه التي لا قاطع فيها واحد أيضا، وهو مذهب الجمهور.
قال في النشر: حجة الجمهور أنه سبحانه وتعالى شرع الشرائع لتحصيل المصالح الخالصة، أو الراجحة، أو لدرء المفاسد كذلك، ويستحيل وجودها في النقيضين، فيتحد الحكم اهـ
وأما الجزئية التي فيها قاطع، من نص أو إجماع، واختلف فيها لعدم الوقوف عليه، فسيأتي الكلام عليها - إن شاء الله سبحانه وتعالى.
فالحكم في مذهبه معين
…
له على الصحيح ما يبين
مخطئه ـ وإن عليه انحتما
…
إصابة ـ له الثواب ارتسما
معناه أن مذهب الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى والجمهور في المسائل الفقهية المذكورة أن لله سبحانه وتعالى فيها حكما قبل الاجتهاد، إذ لا بد للطلب من مطلوب، وأن عليه أمارة، وأن المجتهد مكلف بإصابة الحكم.
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: إذ الاجتهاد عبارة عن طلب دليل يدل على الحكم، وطلب الشيء متأخر عنه، ومنه أيضا يظهر ثبوت الحكم قبل الاجتهاد، وأنه مكلف بإصابته، وإلا فلا معنى للاجتهاد، بل أي واحد يكفي اهـ
ومذهب الجمهور أن مخطئ الصواب لا يأثم بذلك، لبذله وسعه،
(1)
وفي الحديث " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر "
(2)
ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي يوسف، ومحمد ابن الحسن، وابن سريج - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - أن كل مجتهد في ما لا قاطع فيه مصيب، وقال الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر - رحمهما الله سبحانه وتعالى
(1)
والمكلف به إنما هو بذل الوسع، ولذلك لو لم يبذل وسعه، كان آثما، وإن أصاب.
(2)
متفق عليه.
-: حكم الله سبحانه وتعالى تابع لظن المجتهد، فما ظنه فهو حكم الله سبحانه وتعالى في حقه، وحق مقلده، وإليه أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
ومن رأى كلا مصيبا يعتقد
…
لأنه يتبع ظن المجتهد
وقال أبو يوسف ومحمد وابن سريج رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين -: هناك ما لو حكم الله سبحانه وتعالى فيها على التعيين، لكان الحكم به، لمناسبته، وإليه أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
أو ثم ما لو عُيِّن الحكم حُكم
…
به لدرء أو لجلب قد ألم
ولذلك قالوا في المخطئ فيها: إنه قد أصاب اجتهادا، لبذله وسعه، لا حكما، إذ لم يصادف ما لو كان حكم على التعيين، لكان به، وبعبارة أخرى: أصاب ابتداء لا انتهاء، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
لذا يصوبون في ابتداء
…
والاجتهاد دون الانتهاء
والحكم .............. ........................
والخطأ عند هؤلاء، غير الخطأ عند الجمهور، فالخطأ عند الجمهور عدم مصادفة حكم معين قد حكم الله سبحانه وتعالى به في المسألة بالفعل، وعند الثلاثة عدم مصادفة ما لو كان في المسألة حكم على التعيين، لكان به، كذا قال العبادي رحمه الله سبحانه وتعالى والله سبحانه وتعالى أعلم.
وهو واحد متى عقل
…
في الفرع قاطع ولكن قد جهل
معناه أن الجزئية التي فيها قاطع من نص أو إجماع، إذا اختلف فيها لعدم الوقوف عليه، المصيب فيها واحد اتفاقا، وهو من صادف ذلك القاطع، وقيل على الخلاف في ما لا قاطع فيه.
قال جلال الدين المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى: وهو بعيد، وعلى ما قبله فالأصح أن المخطئ فيها غير آثم.
وهو آثم متى ما قصرا
…
في نظر وفقا لدى من قد درى
معناه أن المجتهد إذا قصر فلم يستفرغ وسعه، في طلب الحكم، كان آثما اتفاقا، وإن
أصاب الصواب، لتركه ما وجب عليه.
والحكم من مجتهد كيف وقع
…
دون شذوذ نقضه قد امتنع
معناه أن حكم المجتهد - مطلقا كان أو مقيدا - في الاجتهاديات، لا يجوز نقضه إذا ظهر أن غيره أصوب، لا منه ولا من غيره، ما لم يكن ما حكم به شاذا جدا حيث صار إليه من غير ترجيح، إذ لو جاز نقضه لجاز نقض النقض، وهلم جرا، فتفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الخصومات، وهذا باتفاق من الأصوليين.
قال في النشر: ووقع الخلف فيه بين الفقهاء، ومشهور مذهبنا نقضه من الحاكم به، قال خليل - رحمهما الله سبحانه وتعالى: ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب، وقيل: لا ينقضه، وهو المختار اهـ
وأما إذا لم يظهر أن غيره أصوب، فلا يجوز نقضه اتفاقا.
إلا إذا النص أو الإجماع أو
…
قاعدة خالف في ما قد رووا
معناه أن ما ذكر من امتناع نقض حكم المجتهد، محله ما لم يخالف نصا، أو ظاهرا من كتاب أو سنة، أو إجماعا، ولو ظنيا، أو قاعدة متفقا عليها، أو مشهورة من غير معارض أرجح، وإلا وجب نقضه، ينقضه هو وغيره.
مثال مخالفة الكتاب العزيز: ما لو حكم بحلية المبتوتة قبل زوج.
ومثال مخالفة السنة المطهرة: ما لو حكم بصحة نكاح المرأة على عمتها أو خالتها.
…
ومثال مخالفة الإجماع، ما لو حكم بحجب الجد بالأخ.
ومثال مخالف القواعد: حكمه بفسخ النكاح بالشك في الرضاع، فهو مخالف لقاعدة لغو الشك في المانع.
أو اجتهاده .............. ..........................
معناه أن المجتهد ينقض حكمه إذا حكم بغير اجتهاده، بأن حكم بقول غيره، سواء اجتهد وخالف اجتهاده إلى قول غيره، أو لم يجتهد أصلا، لامتناع تقليده، لكن إنما ينقضه هو خاصة، وإلى ذلك يشير سيدي خليل رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب أو خرج عن رأيه اهـ
......... أو القيس الجلي
…
على الاصح ............
كذلك يجب نقض حكم الحاكم إذا خالف القياس الجلي، كحكمه بشهادة النصراني، فهي أحرى بالرد من شهادة الفاسق الوارد ردها في النص، ولا يختص النقض في هذه المسألة بالحاكم به، فهو كمخالفة النص سواء.
وقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: على الأصح، أشار به إلى قول ابن عبد الحكم رحمه الله سبحانه وتعالى بمنع نقض حكمه في المواضع المذكورة.
أو بغير المعتلي
حكم في مذهبه وإن وصل
…
لرتبة الترجيح فالنقض انحظل
معناه أن المقلد ينقض حكمه، إذا حكم بغير المشهور في المذهب، إذ لا يعدل عن المشهور غالبا إلا لغرض مذموم، وهذا ما لم يبلغ رتبة الترجيح، لأن مجتهد الترجيح يجوز له الحكم والفتوى والعمل بغير المشهور إذا ترجح عنده.
وقدم الضعيف إن جرى عمل
…
به لأجل سبب قد اتصل
معناه أن القول الضعيف إذا جرى به العمل، يقدم على المشهور، إذا كان جريان العمل به لسبب اقتضى تقديمه على المشهور، من جلب مصلحة، أو درء مفسدة، وكان السبب قائما، وذلك هو المراد بالاتصال في قوله رحمه الله سبحانه وتعالى: قد اتصل.
قال في النشر: وجه الترجيح بالعمل أن لشيوخ المذهب المتأخرين تصحيحاتٍ لبعض الروايات والاقوال، عدلوا فيها عن المشهور، وجرى بتصحيحاتهم عمل الحكام والفتوى، لما اقتضته المصلحة، والأحكام تجري مع الأعراف، قاله القرافي وابن رشد رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين – اهـ
وقال سيدي عبد الرحمن الفاسي رحمه الله سبحانه وتعالى في نظمه لعمل فاس:
وبعد فالقصد بذا النظام
…
بعض مسائل من الأحكام
جرى بها ليرفع الخلافا
…
عمل فاس، يتبع الأعرافا
ثمت ذا العمل قدم على
…
ما شهروا حيث الشروط استكملا
بأن جرى والوقت يُدرى والمقر
…
من مقتدى به لداع استمر
والحكم مهمى كان مبنيا على
…
عرف تبدل إذا تبدلا
وذاك في مقاصد للناس
…
ولفظ كالأيمان والأحباس
ثم قال الناظم رحمه الله سبحانه وتعالى:
وهل يقيس ذو الأصول إن عدم
…
نص إمامه الذي له لزم
مع التزام ما له أو مطلقا
…
وبعضهم بنصه تعلقا
اختلف في المقلد العارف بعلم الأصول، إذا لم يجد نصا لإمامه في مسألة، هل يجوز له قياسها على ما نص عليه إمامه أولا؟
قيل: يجوز له ذلك مع التزام أصول إمامه، وهو طريق ابن رشد والمازري والتونسي وأكثر المالكية رحمهم الله سبحانه وتعالى –.
وقيل: يجوز له ذلك دون شرط التزام أصول إمامه، فللمالكي أن يقيس على أصول الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى مثلا، وهذا قول اللخمي رحمه الله سبحانه وتعالى وله اختيارات خرج في كثير منها عن المذهب.
وقيل: لا يجوز له ذلك، ويلزمه التعلق بنصوص إمامه، فلا يحكم ولا يفتي إلا بنصه، وهو نص أبي بكر ابن العربي وظاهر نقل أبي الوليد الباجي - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
قال في النشر: أما إذا لم يجد المالكي في مسألة نصا لإمامه، ولا أصلا، ووجد فيها نصا لغيره كالشافعي - مثلا - أو أصلا، وجب عليه اتباع ذلك، إذ لا يعمل بغير الأدلة الشرعية، ويقدم نصه على أصله قياسا على إمامه، وغير العارف بالأصول لا يجوز له القياس أصلا، بل يقف مع نصوص مذهبه، فإن لم يجد نصا في مذهبه في مسألة، ووجد نصا في غيره وجب عليه اتباع مذهب الغير في تلك المسألة.
ولم يضمن ذو اجتهاد ضيعا
…
إن يك لا لقاطع قد رجعا
معناه أن المجتهد إذا أتلف شيئا بفتواه، أو حكمه، ورجع عن ذلك، لم يكن عليه ضمان لما فوته، لأمره بالاجتهاد، وقد اجتهد ولم يأل جهدا، إلا أن يكون رجوعه لقاطع، فإن رجع لقاطع. ضمن، لإشعار خفاء القاطع عليه، بالتقصير، كما نسبه في النشر
للحطاب - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
وإنما جاء في الجمع للتاج رحمه الله سبحانه وتعالى ونصه: ولا يضمن المتلف إن تغير لا لقاطع اهـ
والذي في الحطاب نفي ضمان المجتهد مطلقا، وقد يقال إن الشيخ - رحمهما الله سبحانه وتعالى فهمه على ما ذكر، جاعلا مخالفة القاطع مستلزمة التقصير، وظاهر الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى خلاف ذلك، حيث كتب على كلام التاج المتقدم ما نصه: الذي في فروع الشافعية عدم الضمان ما لم يقصر اهـ
ونص الحطاب رحمه الله سبحانه وتعالى: فرع من أفتى رجلا، فأتلف بفتواه مالا، فإن كان مجتهدا فلا شيء عليه، وإلا فقال المازري رحمه الله سبحانه وتعالى: يضمن ما تلف، ويجب على الحاكم التغليظ عليه، وإن أدبه فأهل، إلا أن يكون تقدم له اشتغال بالعلم، فيسقط عنه الأدب، وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلا.
ونقل البرزلي عن ابن رشد - رحمهما الله سبحانه وتعالى في أوائل النكاح أنه لا ضمان عليه، لأنه غرور بالقول، إلا أن يتولى فعل ما أفتى به، فيضمن.
وذكر في أوائل كتابه عن الشعبي - رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه يضمن، قال: وهذا عندي في المفتي الذي يجب تقليده المنتصب لذلك، وأما غيره فكالغرور بالقول، ويجري على أحكامه.
فتحصل أن المفتي المنتصب لذلك يضمن، ولعل ابن رشد رحمه الله سبحانه وتعالى لا يخالف فيه، لأن هذا يحكم بفتواه، فهو كالشاهد يرجع عن الشهادة، وأما غير المنتصب ففيه قولان لابن رشد والمازري - رحمهما الله سبحانه وتعالى والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ
وإلى كلامه في غير المجتهد أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
إلا فهل يضمن أو لا يضمن
…
إن لم يكن منه تول بين
وإن يكن منتصبا فالنظر
…
ذاك وفاقا عند من يحرر
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
فصل في التقليد في الفروع
التقليد في اللغة: جعل قلادة في العنق، ومنه تقليد الهدي.
قال في نثر الورود: فكأن المجتهد جعل الفتوى في عنق السائل، أو أن السائل جعل الأمر في عنق المسؤول، وهذا الأخير معروف في كلام العرب، ومنه قول لقيط الأيادي:
وقلِّدوا أمركم لله دركم
…
رحْبَ الذراع بأمر الحرب مطلعا
وأشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى إلى معناه اصطلاحا، بقوله:
هو التزام مذهب الغير بلا
…
علم دليله الذي تأصلا
والمعنى أن التقليد في اصطلاح الأصوليين، هو التزام مذهب الغير من غير معرفة دليله، وعرفه التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع بقوله: أخذ القول من غير معرفة دليله.
وكتب عليه الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى ما نصه: أما الفعل والتقرير فلا يظهر جواز العمل بمجردهما من المجتهد، لجواز سهوه وغفلته.
وإنما يعول على الفعل والتقرير الواقعين من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لكن ذلك ليس بتقليد، بل استدلال، وقد تقدم ذلك أول الكتاب.
فإن قلت: قد يقترن التقرير بما يدل على عدم الغفلة والرضا بالفعل.
قلت: يحتمل أنه رضيه لكونه مذهب غيره، وشرط الإنكار أن يكون منكرا عند الفاعل، ولعله قلد الغير تدبر اهـ
ونقل في النشر عن إمام الحرمين - رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه قال: ينبغي الإتيان، بلفظ يعم القول والفعل اهـ وهو بين.
وأما التقرير فإن أريد التقرير على أنه مذهبه، فواضح، وإن أريد مطلق التقرير، فالأوجه ما قاله الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
وخرج بقولنا: من غير معرفة دليله، أخذ قول الغير مع معرفة دليله، قال جلال الدين
المحلي رحمه الله سبحانه وتعالى: فهو اجتهاد وافق اجتهاد القائل، لأن معرفة الدليل إنما تكون للمجتهد، لتوقفها على معرفة سلامته عن المعارض، بناء على وجوب البحث عنه، وهي متوقفة على استقراء الأدلة كلها، ولا يقدر على ذلك إلا المجتهد اهـ
يلزم غير ذي اجتهاد مطلق
…
وإن مقيدا إذا لم يطق
معناه أن التقليد واجب على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق في ذلك الباب، وإن بلغها في غيره عند من يجيز تجزأ الاجتهاد، واستدل لذلك بقوله سبحانه وتعالى جل من قائل:(فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)
وقيل: إنما يجب تقليده المجتهد، بشرط تبين صحة اجتهاده، ليسلم من لزوم اتباعه في الخطإ الجائز عليه.
قال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى: إن كان المراد أنه يتبين للمقلد، فالخطأ عليه أجوز، أو لمجتهد آخر، فجائز عليه الخطأ أيضا، فإن ألزم ببيان مستنده في معرفة عدم خطئه، تسلسل الأمر اهـ
وقيل: لا يقلد العالم، وإن لم يكن مجتهدا، لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل في الجملة.
وأجيب بأن المدار في عدم التقليد على الصلاحية الكاملة، إذ بها تؤمن كثرة الأخطاء ويكون الناظر على بصيرة.
وهو للمجتهدين يمتنع
…
لنظر قد رزقوه متسع
معناه أن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره، إجماعا بعد اجتهاده في المسألة، وقبله عند الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى والاكثرين، لتمكنه من الاجتهاد.
وذهب الإمام أحمد رحمه الله سبحانه وتعالى إلى الجواز، لعدم علمه بالحكم حينئذ، وقيل: يجوز للقاضي، وقيل: يجوز له تقليد من هو أعلم منه، دون مساويه، وقيل: يجوز عند ضيق الوقت، لما يسأل عنه، بخلاف ما اتسع وقته، وقيل: يجوز له في ما يخصه، دون ما يفتي به.
وليس في فتواه مفت يتبع
…
إن لم يضف للدين والعلم الورع
من لم يكن بالعلم والعدل اشتهر
…
أو حصل القطع فالاستفتا انحظر
معناه أنه لا يجوز اتباع المفتي في فتواه، حتى يجمع بين ثلاث صفات:
أحدها: الدين، وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
والثاني: العلم.
والثالث: الورع.
قال في النشر: لعدم الثقة بمن عدمت فيه خصلة من الثلاث اهـ
هذا هو المراد بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: وليس في فتواه البيت.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى بالبيت الثاني إلى أن ذلك يشترط أيضا في جواز الاستفتاء، على ما ذكره في النشر، وأصله للقرافي رحمه الله سبحانه وتعالى واشتراط الورع، زيادة على العدالة، مشكل.
فالأبين أن الورع شرط كمال فقط، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال في النشر: والأصح وجوب البحث عن علمه، وعدالته، وورعه، وقيل: يكفي مجرد اشتهاره بها بين الناس، وإن لم يحصل علم بها أو ظن، والأصح الاكتفاء بظاهر العدالة، وقيل: لا بد من البحث عنها، والاكتفاء بخبر الواحد عن علمه، وعدالته، وورعه، وقيل: لا بد من اثنين.
وفي جواز استفتاء من عُلم علمه، وجهلت عدالته احتمالان، وذكرهما النووي وجهين عند الشافعية.
وعلى الجواز يفرق بأن الناس كلهم عوام إلا القليل، والعلماء كلهم عدول إلا القليل اهـ
وواجب تجديد ذي الرأي النظر
…
إذا مماثل عرى وما ذكر
للنص مثل ما إذا تجددا
…
مغيِّرٌ، إلا فلن يجددا
إذا تكررت الواقعة للمجتهد، فإن لم يتذكر مستنده في ما رآه أولا، أو تذكره ولكن تجدد له ما يقتضي الرجوع عن ما ظهر له أولا، وجب عليه تجديد الاجتهاد والنظر في ذلك.
وإن تذكر مستنده أولا، ولم يحدث في رأيه تغير، كان له أن يكتفي باجتهاده السابق،
ولا فرق في ما ذكر بين المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد بنوعيه.
وهل يكرر سؤال المجتهد
…
من عم إن مماثل الفتوى يعد
معناه أنه اختلف في العامي إذا استفتى المجتهد ـ مطلقا كان أو مقيدا ـ ثم حدث له مثل تلك الواقعة، هل يلزمه استفتاؤه من جديد، لاحتمال تغير اجتهاده، أو له أن يكتفي بجوابه السابق؟
قال في النشر: تردد فيه ابن القصار من المالكية رحمه الله سبحانه وتعالى وحكى ابن الصلاح رحمه الله سبحانه وتعالى فيه خلافا، ثم قال: الأصح لا يلزمه اهـ
إلى أن قال رحمه الله سبحانه وتعالى: ولا تجب إعادة السؤال اتفاقا حيث استند الجواب الأول إلى نص، أو إجماع، إذ لا حاجة إليه حينئذ اهـ
وقال الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى ?: لا يخفى أن التفصيل المتقدم بين ذكر الدليل الأول، وعدمه، مع التجدد، وعدمه، آت هنا أيضا تأمل اهـ
وأما المفتي الذي ليس له اجتهاد، لا مطلق ولا مقيد، فلا تجب إعادة سؤاله إذا تكررت الحادثة، كما قال القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى.
قال في النشر: لعدم احتمال تغير ما عنده في تلك الحادثة اهـ
وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وثانيا ذا النقل صِرفا أهمل ........................
ومقتضى هذا أن غير المجتهد بأنواعه، لا يفتي إلا بعلم، وهو مشكل.
وخيرنْ عند استواء السبل
وزائدا في العلم بعض قدما
…
وقدم الأورع كل القدما
معناه أن العالم إذا استفتاه العامي في مسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين متساويين، أو أقوال متساوية، خيره بين أن يأخذ بأيها شاء.
قال في النشر: وبعضهم يقول: يأخذ العامي بأغلظ الاقوال، لما فيه من الاحتياط اهـ
ومقتضى العلة تقديم الأحوط المساوي، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومحل ما ذكر حيث استوى أصحاب الأقوال علما وورعا، فإن اختلفوا في العلم مع
الاستواء في الورع، فقيل: يقدم الأعلم، وهو الابين، وقيل لا ترجيح بذلك، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: وزائدا في العلم بعض قدما.
وإن استووا في العلم مع التفاوت في الورع، قدم الأورع، لسببية الأورعية لزيادة التثبت في الاجتهاد، وإلى هذا أشار رحمه الله سبحانه وتعالى ببقية البيت.
ونحو هذا البحث في تقليد العامي لأحد المجتهدين عند مانع تقليد المفضول، - كما سيأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى.
وانظر ما حكم العالم المذكور إن كان قاضيا، أو محكما.
وجائز تقليد ذي اجتهاد
…
وهو مفضول بلا استبعاد
مذهب الجمهور جواز تقليد العامي للمجتهد المفضول علما وورعا، مع وجود الفاضل علما وورعا، لوقوعه في زمن الصحابة منتشرا متكررا، من غير نكير، فكان كالإجماع منهم على الجواز، فتقليد العامي أي واحد من مذاهب المجتهدين كاف في براءة ذمته، فهي كلها طرق موصلة إلى الجنة، كما أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
فكل مذهب وسيلة إلى
…
دار الحبور والقصور جعلا
والحبور: النعيم، والقصور: جمع قصر، والمراد بدارهما الجنة.
وذهب قوم - منهم الإمام أحمد، وابن القصار من المالكية، وابن سريج والغزالي من الشافعية رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - إلى منع تقليد المفضول، لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة، فيجب الأخذ بالراجح منها، وهو قول الفاضل، ويعرفه العامي بالتسامع وغيره، وإليه أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
وموجب تقليد الارجح وجب
…
لديه بحث عن إمام منتخب
قال التاج السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى: ثالثها المختار يجوز لمعتقده فاضلا أو مساويا، ومن ثم يجب البحث عن الأرجح، فإن اعتقد رجحان واحد منهم تعين، والراجح علما، فوق الراجح ورعا، على الاصح اهـ
إذا سمعتَ فالإمام مالكُ
…
صح له الشأو الذي لا يدرك
للأثر الصحيح معْ حسن النظر
…
في كل فن كالكتاب والأثر
أشار رحمه الله سبحانه وتعالى بهذا إلى رجحان مذهب الإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى.
والشأو: الغاية، والمعنى أن الإمام مالكا رحمه الله سبحانه وتعالى رزقه الله سبحانه وتعالى نظرا حسنا، وفهما جيدا، في الكتاب والسنة، وما يتفرع عنهما، مع ما جاء في الحديث الشريف " يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة "
(1)
فقد كان أهل العلم يرون أنه المقصود في الحديث.
وبراعته رحمه الله سبحانه وتعالى في فهم الشرع في الجملة، بلطف المأخذ، وحسن المنزع، وجودة استخراج المناطات، وقوة المدارك، وغير ذلك، مع شدة التعلق بالسنن، وعمل السلف، كل ذلك مشهور والله سبحانه وتعالى أعلم.
والخلف في تقليد ميت، وفي
…
بيع طروس الفقه الان قد نفي
اختلف في تقليد الميت، فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب الإمام الرازي رحمه الله سبحانه وتغالى ـ إلى منعه مطلقا، وقيل: يجوز إن لم يوجد مجتهد حي.
لكن حكى ابن عرفة رحمه الله سبحانه وتعالى أن الإجماع اليوم منعقد على جواز تقليد الميت، لفقدان المجتهدين، وإلا تعطلت الأحكام، نقله في النشر، وهو مشكل.
ونقل عن حلولو - رحمهما الله سبحانه وتعالى أنه قال: ويجري عندي في هذه المسألة الكلام في بيع كتب الفقه، فإن الخلاف الواقع فيها، إنما هو حيث كان المجتهدون موجودين وأما اليوم فلا يختلف في بيعها، كما صرح به اللخمي رحمه الله سبحانه وتعالى قال في تعليل ذلك: وإلا أدى إلى تعطيل الأحكام اهـ
والطروس: جمع طرس - بكسر الطاء - وهو الكتاب.
ولك أن تسأل للتثبت
…
عن مأخذ المسؤول لا التعنت
ثم عليه غاية البيان
…
إن لم عذر بالاكتنان
معناه أنه يجوز للعامي، سؤال العالم عن مأخذه في ما أفتاه به، إذا كان ذلك على وجه
(1)
رواه الترمذي وحسنه، ورواه الإمام أحمد، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
الاسترشاد، لتذعن نفسه وتطمئن، لا إن كان على وجه التعنت والمغالبة والجدال، ويؤمر العالم استحبابا كما صرح به البناني رحمه الله سبحانه وتعالى ببيانه له، إن لم يقصر فهمه عنه، وإلا اعتذر له بخفاء المدرك.
يندب للمفتي اطراحه النظر
…
إلى الحطام جاعل الرضا الوطر
متصفا بحلية الوقار
…
محاشيا مجالس الأشرار
معناه أنه يندب للمفتي أن يجعل حاجته ومقصده من إفتائه، نيل رضى الله سبحانه وتعالى بإرشاد من يفتيهم، إلى حكم الله سبحانه وتعالى وبيان الشرع لهم في ما ينزل بهم، ولا يجعل تحصيل حطام الدنيا الفانية من مال أو منصب، مطلبا له في ذلك، وأن يلازم السكينة والوقار، ويتجنب مجالس أهل السفه والمجون.
وكذلك كل أصحاب المناصب الدينية من معلم، وإمام، ومحتسب، وغيرهم، وأصل بعض ذلك واجب، والتنزه في ما لا يحرم منه مستحب متأكد الاستحباب.
والارض لا عن قائم مجتهد
…
تخلو إلى تزلزل القواعد
وهو جائز بحكم العقل
…
مع احتمال كونه بالنقل
المختار عند قوم - منهم ابن الحاجب - جواز خلو الزمان عقلا وشرعا عن مجتهد، إذ لا موجب لمنعه، والأصل عدمه، بل جاء في الشرع ما ظاهره وقوع الخلو منه كحديث " حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا "
(1)
الحديث.
ومنع ذلك الحنابلة عقلا، واستدلوا بحديث " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلم حتى يأتي أمر الله سبحانه وتعالى وهم كذلك "
(2)
وأجيب بأن هذا أعم من المطلوب، فظهور الحق لا يستلزم الاجتهاد، وعلى تسليم استلزامه لذلك، فليس مقتضيا نفي الجواز، وإنما يقتضي نفي الوقوع.
وعلى الجواز الذي هو قول الأكثر، اختلف هل ثبت أنه يقع، أو لا؟ قال التاج
(1)
متفق عليه.
(2)
رواه مسلم وأبو داوود وابن ماجة والإمام أحمد.
السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى في الجمع: والمختار أنه لم يثبت وقوعه اهـ
وفهمه بعضهم على أن مراده أن مختاره أنه لم يقع، وليس كذلك، وإنما مراده أنه وإن كان جائزا عقلا لم يثبت أنه سيقع، لتعارض الأحاديث، خلافا لابن الحاجب، القائل بثبوت أنه سيقع، كما بينه الشربيني رحمه الله سبحانه وتعالى.
ومقتضى ثاني البيتين أن خلو الزمان عن مجتهد جائز عقلا قطعا، وشرعا على احتمال، ومقتضى أولهما أنه لا يقع، والحكم بأنه لا يقع هو الحكم بالمنع، فإن كان عن عقل، نافى أول شطري البيت الثاني، وإن كان عن شرع، نافى الاحتمال في الشطر الثاني.
وقوله في النشر: يعني أنه لم يقع في الأرض خلو الزمان عن مجتهد اهـ
يريد: ولا يقع، بدليل بقية كلامه.
وإن بقول ذي اجتهاد قد عمل
…
من عم فالرجوع عنه منحظل
سيأتي الاختلاف في تعين التزام مذهب معين، وأن الأصح وجوبه، وعلى مقابله إذا استفتى العامي - وهو المقصود بقوله رحمه الله سبحانه وتعالى: من عم - المجتهد في حادثة، وأفتاه فيها، وعمل بما أفتاه به، ثم حدثت له مرة أخرى، وجب عليه العمل فيها بما أفتاه به، ولا يجوز له الرجوع إلى غيره، لأنه التزم قوله بالعمل به.
ومقتضى هذا أنه قبل العمل، بفتواه بالخيار، وفيه خلاف أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله:
إلا فهل يلزم أو لا يلزم
…
إلا إذا شرع أو يلتزم
والمعنى أنه اختلف قبل عمله بقوله، فقيل: لا يجوز له أن يعرض عن فتواه، ويسأل غيره، بل يتعين عليه العمل بمجرد الفتوى، لأنها في حقه كالدليل في حق المجتهدين.
وقيل: لا يلزمه الأخذ بفتواه، إلا إذا شرع في العمل بها، وقيل: لا يلزمه العمل بفتواه إلا أن يلتزم العمل بها، فإن التزم العمل بها، تعينت عليه وإن لم يشرع في العمل.
والمراد بالتزامها: أن يصمم على التمسك بها كما في حاشية العطار رحمه الله سبحانه وتعالى وقيل: يلزمه العمل إن وقع في نفسه صحتها.
وقول الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى: أو يلتزم، إشارة إلى قول آخر، غير القول
الذي أشار إليه رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: إلا الذي شرع.
رجوعه لغيره في آخر
…
يجوز للإجماع عند الاكثر
معناه أن العامي إذا استفتى مجتهدا في مسألة، وعمل بقوله فيها، ثم حدثت له مسألة أخرى مغايرة لها، جاز له أن يستفتي فيها مجتهدا آخر، وقد حكى القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى إجماع الصحابة - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - على جواز ذلك، ولم يرتضه ابن عاشور - رحمهما الله سبحانه وتعالى.
وقيل: لا يجوز له أن يرجع إلى غيره، لأن ذلك بمثابة التزام مذهبه.
ومال إمام الحرمين رحمه الله سبحانه وتعالى إلى الجواز في عصر الصحابة والتابعين - رضي الله سبحانه وتعالى عنهم أجمعين - ومنعه في الأعصار التي استقرت فيها المذاهب.
وذو التزام مذهب هل ينتقل
…
أو لا وتفصيل أصح ما نقل
هذا مما ينبني أيضا على الاختلاف في تعين التزام مذهب.
والمعنى أنه ـ على الأصح من تعين التزام العامي مذهبا ـ اختلف إذا التزم مذهبا، هل له أن يخرج عنه في بعض المسائل، فقيل: لا يجوز له إذ ليست له أهلية ترجيح، فلا يكون انتقاله لوجه صحيح.
وقيل: يجوز له ذلك، إذ لا يتعين عليه قبل الالتزام، والتزام ما لا يلزم غير ملزم.
وقيل: يجوز في ما لم يعمل به، ويمنع في ما عمل به، وجعله الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى الأصح.
ومن أجاز للخروج قيدا
…
بأنه لا بد أن يعتقدا
فضلا له، وأنه لم يبتدع
…
بخلف الاجماع وإلا يمتنع
وعدم التقليد في ما لو حكم
…
قاض به بالنقض حكمه يؤم
معناه أن جواز الخروج في بعض المسائل مقيد بأمور:
منها اعتقاده فضل من يخرج إلى مذهبه.
ومنها كذلك أن لا يجمع بين أكثر من مذهب على وجه يخالف الإجماع، بأن يفضي
تلفيقه إلى صورة لا يقول أحد بجوازها.
قال في النشر: كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بجوازها أحد.
ومنها أن لا يكون ما يقلد فيه ينقض فيه حكم الحاكم.
قال في النشر: لأنه إذا لم نقره شرعا، مع تأكده بقضاء القاضي المجتهد، فأولى أن لا نقره إذا لم يتأكد به، وهذا هو المراد بقولهم: يمنع تتبع الرخص اهـ
أما التمذهب بغير الاول
…
فصنْع غير واحد مبجل
كحجة الإسلام والطحاوي
…
وابن دقيق العيد ذي الفتاوي
إن ينتقل لغرض صحيح
…
ككونه سهلا أو الترجيح
معناه أن الانتقال عن المذهب، بحيث يترك تقليده جملة، وينتقل إلى مذهب آخر، كأن يصير مالكيا، بعد ما كان شافعيا، أو بالعكس، جائز، إذا كان لغرض صحيح، ككونه أسهل تحصيلا، وكتبين رجحانه عنده، وكتوطنه أرضا لا يجد فيها متفقها على مذهبه يفتيه في ما ينزل به ونحو ذلك.
وقد حصل من جماعة من العلماء المحققين، عد الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى منهم أبا حامد الغزالي رحمه الله سبحانه وتعالى وقد نقل في الحلي عن عبد الحي الكتاني رحمه الله سبحانه وتعالى أن ذلك وهم، سببه كلام لأبي بكر ابن العربي تعرض فيه لاختيار الغزالي قول الإمام مالك رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ في مسألة من مسائل المياه.
وعد منهم أيضا أبا جعفر الطحاوي رحمه الله سبحانه وتعالى فقد صعب عليه مذهب الإمام الشافعي فانتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - وتفقه فيه.
وذكر منهم ابن دقيق العيد رحمه الله سبحانه وتعالى فقد كان مالكيا ثم تحول شافعيا، وكان يفتي بالمذهبين، وإلى ذلك أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى بقوله: ذي الفتاوي.
وذم من نوى الدنا بالقيس
…
على مهاجر لأم قيس
معناه أن الانتقال المذكور إذا كان بقصد نيل دنيا، كأخذه من أحباس أهل المذهب المنتقل إليه، وهو غير مضطر ممنوع، قياسا على مهاجر أم قيس، وهو رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكانوا يسمونه مهاجر أم قيس، ويقال إن ذلك هو سبب حديث " إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ فهجرته إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه "
(1)
وإن عن القصدين قد تجردا
…
من عم فلتبح له ما قصدا
معناه أن العامي إذا أراد الانتقال من مذهب، إلى مذهب يلازمه، جاز له ذلك إذا لم يكن لغرض دنيوي، وإن لم يكن لغرض ديني.
والمراد العامي الذي ليس بفقيه، فهو كمن أسلم جديدا.
وأما الفقيه، فيكره له أو يمنع، لأنه حصل فقه السابق، فيحتاج إلى زمن طويل لتحصيل المذهب الثاني، قاله السيوطي رحمه الله سبحانه وتعالى كذا في النشر.
وأصل هذه المسألة ما ذكره الشعراني رحمه الله سبحانه وتعالى في الميزان ـ نقلا من خط جلال الدين السيوطي رحمه الله سبحانه وتعالى ونصه:
ورأيت بخط جلال الدين السيوطي رحمه الله سبحانه وتعالى ما نصه ـ حين سئل عن الانتقال من مذهب إلى آخر ـ:
الذي أقول به، إن للمنتقل أحوالا:
أحدها: أن يكون الحامل له على الانتقال أمرا دنيويا اقتضته الحاجة إلى الرفاهية اللائقة به، كحصول وظيفة، أو مرتب، أو قرب من الملوك، وأكابر الدنيا، فهذا حكمه حكم مهاجر أم قيس، لأنه الأعز من مقاصده.
(1)
متفق عليه.
الثاني: أن يكون الحامل له على الانتقال أمرا دنيويا كذلك، لكنه عامي لا يعرف الفقه، وليس له من المذهب سوى الاسم، كغالب المباشرين، وأركان الدولة، وخدامهم، وخدام المدارس، فمثل هذا أمره خفيف إذا انتقل عن مذهبه الذي كان يزعم أنه متقيد به، ولا يبلغ إلى حد التحريم، لأنه إلى الآن عامي لا مذهب له، فهو كمن أسلم جديدا، له التمذهب بأي مذهب شاء من مذاهب الأئمة.
الثالث: أن يكون الحامل له أمرا دنيويا كذلك، ولكنه من القدر الزائد على ما يليق بحاله، وهو فقيه في مذهبه، وأراد الانتقال لغرض الدنيا الذي هو من شهوات نفسه المذمومة، فهذا أمره أشد، وربما وصل إلى حد التحريم، لتلاعبه بالأحكام الشرعية لمجرد غرض الدنيا، مع عدم اعتقاده في صاحب المذهب الأول أنه على كمال هدى من ربه، إذ لو اعتقد أنه على كمال هدى، ما انتقل عن مذهبه.
الرابع: أن يكون انتقاله لغرض ديني، ولكنه كان فقيها في مذهبه، وإنما نتقل لترجيح المذهب الآخر عنده، لما رآه من وضوح أدلته، وقوة مداركه، فهذا إما يجب عليه الانتقال، أو يجوز له كما قاله الرافعي رحمه الله سبحانه وتعالى وقد أقر العلماء من انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي رحمه الله سبحانه وتعالى حين قدم مصر، وكانوا خلقا كثيرا، مقلدين للإمام مالك رحمه الله سبحانه وتعالى.
الخامس: أن يكون انتقاله لغرض ديني، لكنه كان عاريا من الفقه، وقد اشتغل بمذهبه فلم يحصل منه على شيء، ووجد مذهب غيره أسهل عليه، بحيث يرجو سرعة إدراكه والتفقه فيه، فهذا لا يجب عليه الانتقال قطعا، ويحرم عليه التخلف، لأن تفقه مثله على مذهب إمام من الأئمة الأربعة، خير من الاستمرار على الجهل، لأنه ليس له من التمذهب سوى الاسم، والإقامة على الجهل، نقص عظيم في المؤمن، وقل أن تصح معه عبادة.
قال الجلال السيوطي رحمه الله سبحانه وتعالى: وأظن أن هذا هو السبب في تحول الطحاوي رحمه الله سبحانه وتعالى حنفيا، بعد أن كان شافعيا، فإنه كان يقرأ على خاله: الإمام المزني رحمه الله سبحانه وتعالى فتعسر يوما عليه الفهم، فحلف المزني أنه لا يجيء منه شيء، فانتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله سبحانه وتعالى ففتح الله ـ
سبحانه وتعالى ـ عليه، وصنف كتابا عظيما، شرح فيه المعاني والآثار، وكان يقول: لو عاش خالي، ورآني اليوم، لكفر عن يمينه اهـ
السادس: أن يكون انتقاله لا لغرض ديني، ولا دنيوي، بأن كان مجردا عن القصدين جميعا، فهذا يجوز مثله للعامي، أما الفقيه فيكره له أو يمنع منه، لأنه قد حصل فقه ذلك المذهب الأول، ويحتاج إلى زمن آخر ليحصل فيه فقه المذهب الآخر، فيشغله ذلك عن الأمر الذي هو العمل بما تعلمه قبل ذلك، وقد يموت قبل تحصيل مقصوده من المذهب الآخر، فالأولى لمثل هذا ترك ذلك اهـ
وقد أشار الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى إلى الوجه الرابع والخامس، بقوله: إن ينتقل لغرض البيت.
وأشار رحمه الله سبحانه وتعالى إلى الوجه السادس بقوله: وإن عن القصدين البيت.
وأشار إلى الأوجه الثلاثة الأخرى بقوله: وذم من نوى الدنا البيت.
ثم التزام مذهب قد ذكرا
…
صحة فرضه على من قصرا
معناه أن الأصح أن من لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، يجب عليه التزام مذهب معين، وقيل: لا يجب.
والمجمع اليوم عليه الاربعه
…
وقفو غيرها الجميع منعه
معناه أن الإجماع وقع أخيرا على وجوب تقليد المذاهب الأربعة المعروفة، ومنع اتباع غيرها من القرن الثامن الذي انقرض فيه مذهب داوود رحمه الله سبحانه وتعالى.
وإنما تعين اتباع هذه الأربعة كما قال الحطاب رحمه الله سبحانه وتعالى لأنها انتشرت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، وشروط فروعها، فإذا أطلقوا حكما في موضع، وجد مكملا في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنهم الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملا، أو مقيدا، أو مخصصا، لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة اهـ
حتى يجيء الفاطمي المجدد
…
دين الهدى لأنه مجتهد
معناه أنه إذا جاء المهدي المنتظر، جاز لمن تمذهب بمذهب من المذاهب الأربعة، أن
ينتقل عنه إلى تقليده، لأنه مجتهد.
وليس في كلام الشيخ رحمه الله سبحانه وتعالى امتناع وجود مجتهد قبل ظهور المهدي المنتظر.
ولعل وجه منع الانتقال المذكور، عدم الجزم بحصول أهلية الاجتهاد في الأزمنة المتأخرة، والجزم بأهلية سيدنا المهدي المنتظر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
والفاطمي: نسبة إلى سيدتنا وبضعة نبينا ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: فاطمة الزهراء ـ رضي الله سبحانه وتعالى وعنها ـ.
أنهيت ما جمعه اجتهادي
…
وضربي الاغوارَ مع الأنجاد
مما أفادنيه درس البرره
…
مما انطوت عليه كتب المهره
كالشرح للتنقيح والتنقيح
…
والجمع والآيات والتلويح
مطالعا لابن حلولو اللامعا
…
مع حواش تعجب المطالعا
الأغوار: جمع غور، وهو ما انخفض من الأرض، والانجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع منها، والبررة: جمع بار، والمهرة: جمع ماهر، والتنقيح: المراد به تنقيح شهاب الدين القرافي رحمه الله سبحانه وتعالى والمراد بشرحه: شرحه لمؤلفه، والمراد بالجمع: جمع الجوامع لتاج الدين السبكي رحمه الله سبحانه وتعالى وبالآيات: الآيات البينات للعبادي على شرح جلال الدين المحلي لجمع الجوامع رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين - وبالتلويح: التلويح لسعد الدين التفتازاني على التنقيح لصدر الشريعة الحنفي - رحمهما الله سبحانه وتعالى وباللامع: الضياء اللامع على جمع الجوامع لابن حلولو - رحمهما الله سبحانه وتعالى وبالحواشي: حواشي جمع الجوامع، كحواشي ابن أبي شريف، وحواشي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحواشي ناصر الدين اللقاني، وحواشي شهاب الدين عميرة رحمهم الله سبحانه وتعالى أجمعين ـ.
فالحمد لله العلي المجزل
…
المانح الفضل لنا المكمل
لنعم عنها يكل العد
…
لو كان من في الارض لي يمد
ثم صلاة الله والسلام
…
على الذي انجلى به الظلام
محمد الذي سما فوق السما
…
وأهله من بعد الأرض سما
أسأله الحسنى وزيدا والرضى
…
واللطف بي في كل أمر قد قضى
المجزل: اسم فاعل من أجزل العطاء، إذا أكثره، ويكل: مضارع كل إذا قصر، وفتر، ويمد: مضارع أمده إذا أعانه، والحسنى: الجنة، والزيد: النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله تعالى، وسلم، وبارك، على سيدنا وشفيعنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وقد وافق الفراغ من هذا التعليق الميمون عشية يوم الجمعة المبارك الرابع والعشرين من شهر رجب المحرم من سنة 1443 من هجرة سيدنا محمد المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم الموافق لثلاث بقين من شباط، سنة اثنتين وعشرين بعد الألفين، بمحروسة كيف، والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.