المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فَتْحُ رَبِّ الْبَرِيَّة في تَيسيرِ قِراءةِ الأَلْفِيَّة أَلفِيَّةِ السُّيُوطيِّ في عِلمِ الحَديثِ لِلْحافِظِ جَلالِ الدِّينِ - فتح رب البرية في تيسير قراءة الألفية

[شعبان العودة]

فهرس الكتاب

فَتْحُ رَبِّ الْبَرِيَّة

في

تَيسيرِ قِراءةِ الأَلْفِيَّة

أَلفِيَّةِ السُّيُوطيِّ في عِلمِ الحَديثِ

لِلْحافِظِ

جَلالِ الدِّينِ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطيِّ

المُتوفَّى: (911 هـ) رحمه الله

«تعليقٌ مُيسَّرٌ لفَهمِ أبياتِ الألفيَّةِ، مع ذِكرِ زوائِدِها على ألفِيَّةِ العِراقيِّ رحمه الله»

اعتنى بها ضَبطًا وتَهذيبًا

شعبان العُودة

غَفَر اللهُ له ولوالِدَيهِ

ص: 3

‌المقدمة

إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71].

وبعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

أهل الحديث هم قناديل الله، والعلماء العاملون؛ نور البلاد، وخير العباد، وهم الفرقة الناجية، كتب الله لهم القبول؛ فلا يحبهم إلا كل مؤمن، ولا يبغضهم إلا كل مبتدع منافق، هم الفرسان الذين أعلى الله ذكرهم،

ص: 5

ونشر الله تعالى علمهم، فبهم ميزنا بين الصحيح والسقيم؛ فصحت الشريعة، وثبت كذب المفتري على الله ورسوله، فإذا أدركت هذا ظهر لك ضرورة فهم كلامهم؛ إذ به يتضح مراد أصحابه، ويتميز الثابت من المتروك، والمجروح من المقبول.

ولهذا ما زال العلماء قديمًا وحديثًا يخدمون هذا الباب بالتحرير والتصنيف، وكان من ضمن هؤلاء: الإمام العلم المصنف: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي رحمه الله في نظمه الفريد المسمى بـ: «نظم الدرر في علم الأثر» .

وهيَ أحد الألفيات التي نَظمتْ مقدمةَ ابنِ الصلاح، واعْتَنَتْ بألفية العراقي، فزاد عليهما زيادات كثيرة؛ فقد اشتملت على جميع أنواع المصطلح ومسائله، بطريقة سهلة سلسة جامعة.

قال السيوطي رحمه الله عليها: «فإني نظمت في علم الحديث ألفية سمَّيْتُهَا «نظم الدرر في علم الأثر» كادَتْ عقود الجواهر تكون لأبياتها خُدَّامًا، احْتَوَتْ على جميع علوم ابن الصلاح وزوائد ألفية العراقي، وزادت بضعف ذلك تمامًا مع ما حوَتْهُ من سلاسة النظم، وخلت من الحشو والتعقيد، فبلغت بذلك محلًّا لا قِسام فيه ولا تُسامى»

(1)

.

(1)

البحر الذي زخر (1/ 223).

ص: 6

وقال الكتاني، محمد بن جعفر رحمه الله:«وللسيوطي في ذلك أيضًا ألفية حاذى بها ألفية العراقي، وزاد عليها نكتًا غزيرة وفوائد جمَّةً»

(1)

.

شروح ألفية السيوطي:

وقد تولى شرحها مصنِّفُها بنفسه في شرح المسمى بـ: «البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر» ، ثم تتابع الناس على شرحها، فمِنْ هذِه الشروحِ:

- «منهج ذوي النظر بشرح ألفية الأثر» ، للإمام محمد محفوظ الترمس رحمه الله.

- «استقصاء الأثر بشرح ألفية الأثر» ، للشيخ محمد حجازي القلقشندي رحمه الله

(2)

.

- «شرح ألفية السيوطي» ، للشيخ العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله.

- تعليقات العلامة المحدث أحمد شاكر رحمه الله.

- «الشرح الوسيط على ألفية السيوطي في علم الحديث» ، للشيخ نوري حسن حامد المسلاتي رحمه الله.

- «إسعاف ذوي الوطر بشرح ألفية الأثر» ، لشيخنا العلَّامة محمد بن الشيخ آدم الإتيوبي رحمه الله.

(1)

الرسالة المستطرفة (1/ 215).

(2)

المتوفى سنة (1035 هـ) وهي مخطوطة لم تُطْبَع فيما أعلم.

ص: 7

وهو شرحنا الذي اختصرناه في هذا الكتاب، ويقع شرحه في مجلدين

(1)

، وهو شرحٌ نفيسٌ في غايةِ الروعة، لا تَرَى مثلَهُ على ألفية السيوطي، بَيَّنَ فيه معاني الأبيات، وحَرَّرَ فيه بعض المسائل، ومَيَّزَ فيه زوائد السيوطي على ألفية العراقي، واستَدْرَكَ فيها على من قبله من الشرَّاح، فكان شرحًا نفيسًا لا يستغني عنه دارِس هذا النظم فأرَدْت أن أستخرج منه ما يوضح معاني الأبيات؛ ليكون عونًا لطالب حفظها وميسرًا لفهمها، وسَمَّيْتُه:

«فَتْحُ رَبِّ الْبَرِيَّة في تَيسيرِ قِراءةِ الأَلْفِيَّة»

- اقتصرت فيه على ما يضبط الأبيات، ويبين بعض اللغات، وما يظهر معاني الألفية.

- وربما أضفتُ بعض الكلمات إذا اقتضاه السياق.

- صححت ما رأيته صحيحًا في النظم، وعليه تممت الشرح وأوضحته.

- أضفت بعض الأبيات التي رأيت صِحَّة نسبتها، وتمَّمْتُ شرحها من منهج ذوي النظر.

- أضفت بعض النقول الهامَّةِ للشيخ أحمد شاكر رحمه الله.

(1)

طُبِع بمكتبة ابن تيمية، ومكتبة الغرباء بالمدينة.

ص: 8

- قارنت بين الزوائد التي ميزها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، وبين ما حرَّرَهُ شيخنا رحمه الله، ووضعتها بين معكوفتين.

- افتتحت الكتاب بِسَرْدِ النظم مصحِّحًا قدْرَ الطاقة، على وفق ما اختاره الشيخ مع بعض التصويبات.

والله أسأل أن ينفع به كمَا نفع بأصله ونظمه، إنه جواد كريم، وعلى كل شيء قدير.

كتبه الفقير إلى عفو ربه

أبو عُبيدةَ

ashabelhadeth.com

[email protected]

ص: 9

‌ترجمة موجزة للناظم رحمه الله

-

قال شيخنا العلامة محمد بن علي بن آدم بن موسى الإتيوبي رحمه الله وغفر له:

هو الإمام الحافظ جلال الدين، أبو الفضل، عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد بن سابق الدين أبي بكر بن فخر الدين عثمان بن ناصر الدين الخضيري المصري الأسيوطي رحمه الله.

وُلد رحمه الله بعد المغرب ليلة مستهل رجب سنة 849 هـ، ونشأ يتيمًا؛ حيث تُوفِّي والده وله خمس سنين وسبعة أشهر، فحفِظَ القرآن وهو دون ثماني سنين، ثم حفِظَ بعض كتب الفقه، والأصول، والنحو، واشتغل بالطلب من سنة 864 هـ، وأجيز بتدريس العربية سنة 866 هـ، وأُجيز في التدريس والإفتاء من سنة 876 هـ.

أخذ رحمه الله عن عدة شيوخ، جمعهم في معجم سمَّاه «حاطب ليل، وجارف سيل» ، وبلغ عددهم خمسين شيخًا، وجمع تلميذه الداودي شيوخه، فبلغ بهم 151؛ ممن سمع منه، أو قرأ عليه، أو أجازه.

وله رحمه الله مؤلفات كثيرة في عدة فنون؛ من التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، والنحو، والصرف، والبلاغة، وغير ذلك، وقد رزقه اللهُ فيها

ص: 10

القبولَ، فانتفع بها الناس، وقد ذكر في «حسن المحاضرة» نحوًا من ثلاثمائة مؤلَّف، وذكر تلميذه المذكور أنها زادت على خمسمائة مؤلَّف، وأوْصَلَهَا بعضهم إلى ستمائة مُؤَلَّف.

ولما بلغ رحمه الله من العمر أربعين سنة تجرَّد للعبادة، والتصنيف، وتحرير مؤلفاته، واعتذر عن التدريس والإفتاء، فألَّفَ رسالة سماها «التنفيس في الاعتذار من ترك الإفتاء والتدريس» .

ولمَّا بلغ من العمر إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يومًا أُصِيب بمرض شديد، وهو وَرَمَ في ذراعه الأيسر، فمرض سبعة أيام، فمات سَحَرَ ليلة الجمعة تاسع عشر شهر جمادى الأولى من سنة 911 هـ، رحمه الله.

ص: 11

‌ترجمة الشارح

شيخنا العلامة محمد بن علي بن آدم بن موسى الإتيوبي رحمه الله وغفر له

قال رحمه الله:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الأكرمين، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأنا المَدْعُوّ محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى الإتيوبي، وُلِدتُ سنة (1366 هجريًّا) تقريبًا، بدأت بقراءة القرآن الكريم على والدي رحمه الله في مبكّر حياتي، ثم أسْلَمَنِي والدي إلى الشيخ محمد قيو رحمه الله، فأكملت عليه قراءة القرآن، ثم بدأت بقراءة الكتب الدينية حسب المناهج المُقَرَّرَةِ في أنظمة المدارس الريفية في بلدنا، فتلقَّيْتُ علومًا كثيرة من والدي رحمه الله، ثم تلقيت على المشايخ الفضلاء الأخيار الذين كانوا محطَّ أنظار أهل عصرهم في نشر العلم، وهم جموع كثرة، لا جموع قِلَّة، وأخص منهم هنا اختصارًا الآتية أسماؤهم:

1 -

(فمنهم): والدي العَلَّامة الجليل، والدراكة النبيل، الفقيه الأصولي المحدث الشيخ علي ابن آدم بن موسى الإتيوبي الورهمني الأصل

ص: 12

اللجهدي المهاجر، المتوفى يوم الخميس 12/ 09/1412 هـ، له نَيِّف وثمانون سنة رحمه الله، كان رحمه الله بارعًا في الفقه وأصوله، والنحو، والبلاغة، وغير ذلك من فنون العِلْمِ المختلفة، وتَخَرَّج على يديه كثير من طلاب العلم في بلدنا، وله عليَّ بعد فضْلِ الله تعالى اليد الطُّولَى في تحصيل العلم، قرأتُ عليه كتب العقائد المقرّرة في بلدنا، وكتب الفقه الحنفي المقرر فيه؛ كمختصر القدوريّ، مع شروحه، وكنز الدقائق مع شرح العيني، وتنوير الأبصار مع شرحه، والفوائد السمية شرح الفرائد السنية، وغيرها من الكتب المقررة في المدارس الريفية في بلدنا.

وقرأت عليه من كتب أصول الفقه: المنار وشرحه، وحواشيه، والتوضيح لصدر الشريعة، مع شرحه التنقيح، وكتاب التسهيل، وجمع الجوامع مع شرح المحليّ، وحاشيتي البناني والعطار، ولب الأصول مع شرحه، وقرأت عليه التلخيص للقزويني في البلاغة مع شروحه، وقصيدة حرز الأماني في القراءة للشاطبي مع شرحها سراج القاري، و «صحيح البخاري» ، وبعض كتب علم الحساب، وعلم الجبر والمقابلة، وكتب علم الميقات، وتعلمت منه الرُّبْع المُجَيَّب.

وبالجملة فأكثر ما لدي من العلوم منه، وأجازني بلفظه، وكتب لي إجازة فائقة، رحمه الله، وجزاه الله تعالى عني خير الجزاء، وجعل الجنة مثواه.

2 -

(ومنهم): الشيخ محمد قيُّو ابن وديّ رحمه الله قرأت عليه القرآن الكريم.

ص: 13

3 -

(ومنهم): العلامة النحويّ اللغويّ الأديب الشيخ محمد سعيد بن الشيخ علي الدَّرّيّ رحمه الله، جلست عنده ما يقارب ثلاث سنين، فأخذت منه بعض الصحيحين، والنحو، والصرف، والبلاغة، والمنطق، والمقولات العشر، وآداب البحث والمناظرة، وأصول الفقه، فمِمَّا قرأت عليه بعض الفواكه الجنيَّة للفاكهيّ، وألفية ابن مالك، وشرح ابن عقيل عليها، وحاشية الخضري عليه، ومجيب الندا على قطر الندى، مع مراجعة حاشية ياسين الحمصي، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، مع مراجعة حاشيتي الدسوقي والأمير، وشافية ابن الحاجب مع مراجعة شروحها، وكتب البلاغة، كتلخيص القزويني مع شرحه وحواشيه، وكتب المنطق، كالسلَّم المنَوْرق وشروحها، وحواشيها، والإيساغوجي وشروحها، ومتن الشمة، والمقولات العشر، ورسالة في علم الوضع، ومن كتب أصول الفقه: المنار وشروحها وحواشيها. وكتب لي إجازة فائقة. وبالجملة فجلُّ ما أخَذْتهُ من فنون العربية منه رحمه الله، وجزاه عنِّي خير الجزاء.

4 -

(ومنهم): العلّامَة النحوي خليل زمانه، وسيبويه أوانه الشيخ عبدالباسط بن محمد بن حسن الإتيوبيّ، البورنيّ الْمِنَاسيّ رحمه الله، تلقيت منه العلوم العربية، وغيرها، فقرأت عليه إعراب المقدمة الآجرّومِيَّة، وملحة الإعراب، وشرحها كشف النقاب، والفواكه

ص: 14

الجنية، ونظم طلعة الأنوار في مصطلح الحديث، وأجازني، واستخلفني في مدرسته لما كان يسكن أديس أبابا مرَّتَيْن، فدرست كتب النحو والصرف والبلاغة هناك ما يُقَارِب سنتين، وكتب لي إجازة فائقة، فجزاه الله عني خير الجزاء.

5 -

(ومنهم): الشيخ المقرئ المحدِّث حياة بن عليّ الإتيوبيّ الدّرّيّ رحمه الله، قرأت عليه بعض الصحيحين، وغيرهما، وأجازني، وأملى عليّ إجازته، فكتبتُهَا.

6 -

(ومنهم): العلامة النحرير، والدراكة النبيل الشيخ محمد زين بن محمد ياسين الإتيوبيّ الداني، المتوفى يوم الأحد 03/ 08/1395 هـ، قرأت عليه معظم «صحيح مسلم» مع شرح النوويّ، وأوائل السنن الكبرى للبيهقي، وسمعت كثيرًا من «صحيح البخاري» ، بقراءة غيري عليه، وكذا تفسير القرآن الكريم، والجوهر المكنون في البلاغة، وطلعة الأنوار مع شرحها، مع مراجعة تدريب الراوي، في مصطلح الحديث، وغير ذلك.

7 -

(ومنهم): العلامة محدث الديار الحبشيّة في العصر الحاضر الشيخ محمد بن رافع بن بصيري -حفظه الله تعالى-، قرأت عليه «جامع الإمام الترمذي» رحمه الله، وسمعت عليه سنن أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وبعض صحيح مسلم، بقراءة غيري عليه، وأجازني بجميع مرويَّاته، وأملى عليَّ إجازته فكتبتها، فجزاه الله عني خير الجزاء.

ص: 15

8 -

(ومنهم): العلامة المحقّق، والمفسّر المدقّق محمد ثاني بن حبيب الإتيوبيّ المتوفّى يوم الجمعة 23/ 06/1409 هـ، قرأنا عليه رحمه الله «جمع الجوامع» لابن السبكي في أصول الفقه مع مراجعة شروحه وحواشيه، وبعض «الشاطيبة» ، وغير ذلك من الفنون.

9 -

(ومنهم): العلامة الفقيه اللغويّ الشيخ عليّ جمّيّ الإتيوبيّ اللجهديّ رحمه الله، أخذت منه الفقه، والبلاغة، وغيرها.

10 -

(ومنهم): العلامة النحويّ اللغويّ الشيخ محمد عرب الإتيوبيّ الأجامسيّ رحمه الله، قرأت عليه بعض كتب النحو.

11 -

(ومنهم): الفقيه المحقّق الشيخ سعيد دكشا رحمه الله، قرأت عليه بعض كتب الفقه.

12 -

(ومنهم): الشيخ المفسّر عبد الجليل بن الشيخ علي الْبَرِيَديّ، قرأت عليه تفسير القرآن مرّتين.

13 -

(ومنهم): الشيخ الفقيه حسين تولّيّا رحمه الله، قرأت عليه بعض كتب الفقه.

14 -

(ومنهم): الشيخ سراج البجمدريّ رحمه الله، قرأت عليه كثيرًا من كتب الفقه المقرّرة في بلدنا.

15 -

(ومنهم): الشيخ المحقق عمر بن علي بن بشرى الطبيّ، قرأت عليه كثيرًا من كتب الفقه، وكتب الاستعارة، والبلاغة، والعروض، وغير ذلك.

ص: 16

16 -

(ومنهم): الشيخ أحمد الدين الشافعيّ، قرأت عليه بعض كتب الفقه الشافعيّ.

17 -

(ومنهم): أخونا الفاضل الشيخ سراج بن محمد الجاميّ الشافعي، قرأت عليه المقدمة الحضرميّة في الفقه الشافعيّ.

18 -

(ومنهم): الشيخ إدريس قَيُّو، قرأت عليه كثيرًا من كتاب «منهاج الطالبين» للإمام النووي في فقه الشافعيّ.

19 -

(ومنهم): الشيخ علي بن آدم الْيَصَليّ، قرأت عليه «كشف النقاب شرح ملحة الإعراب» ، و «الفواكه الجنية» ، وغير ذلك.

20 -

(ومنهم): أخونا الفاضل محمد بن جبريل، قرأت عليه من كتب الصرف:«مراح الأرواح» ، و «تصريف العزي» ، و «البناء» ، و «المقصود» ، و «لامية الأفعال» ، وغيرها.

21 -

(ومنهم): الشيخ الفاضل النحوي يوسف السِّيسِي رحمه الله قرأت عليه بعض كتب النحو.

22 -

(ومنهم): العلامة اللغويّ النحويّ الدراكة الفهَّامة محمد ولي ابن الشيخ أحمد بن عمر الدريّ، حضرت كثيرًا من دروسه الممتعة.

23 -

(ومنهم): صاحبنا الشيخ محمد سراج بن صالح الرايويّ، ثم اليمنيّ، ثم المكيّ، قرأت عليه «سنن أبي داود» كلّه، وناولني ثبتًا سمّاه «نيل المرام» .

ص: 17

24 -

(ومنهم): الشيخ محمد نور بن الشيخ إدريس اليجويّ رحمه الله.

25 -

(ومنهم): الشيخ أحمد الهادي الورّوويّ رحمه الله أسمعني حديث الرحمة المسلسل بالأوليّة.

26 -

(ومنهم): الشيخ محمد نور الدانيّ، قرأت عليه بعض منهاج الطالبين للنوويّ مع شرحه «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتميّ.

27 -

(ومنهم): صاحبنا الشيخ الفاضل أحمد بن محمد الإيفاتيّ رحمه الله، قرأت عليه بعض الكتب.

28 -

(ومنهم): الشيخ أحمد الطويل النحويّ، قرأت عليه الآجرومية.

29 -

(ومنهم): محمد أول الوُراجي، حضرت دروسه كثيرًا.

30 -

(ومنهم): الشيخ إسماعيل بن عثمان زين اليمني المتوفّى 21/ 12/1414 هـ رحمه الله أخذت منه حديث الرحمة المسلسل بالأوليّة أولية حقيقيّة، والمسلسل بتحريك الشفة، وقرأت عليه كثيرًا من «موطأ الإمام مالك» ، وكثيرًا من «صحيح البخاريّ» ، وكثيرًا من «سنن النسائيّ» ، وسمعت عليه بقراءة غيري كتبًا أخرى، وأجازني إجازة فائقة، وناولني ثبته.

31 -

(ومنهم): المسنِد الكبير الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى الفادنيّ المكيّ المتوفّي 28/ 12/1410 هـ رحمه الله قرأت عليه «الأوائل السنبليّة» ،

ص: 18

وفيها أوائل نيف وأربعين كتابًا حديثيّة، قرأتها في مجلس واحد، وأخذت منه مسلسلات كثيرة، وأعلاها، وأولاها المسلسل بالأوليّة الحقيقيّة، والمسلسل بقراءة سورة الصفّ، والمسلسل بقبض اللحية، وغيرها، وقرأت عليه كتابه «العُجلة في الأحاديث المسلسلة» ، وهي (113) مسلسلًا، قرأت منها إلى آخر المسلسل بوضع اليد على الرأس، وهو (87) من المسلسلات، وناولني كثيرًا من مؤلفاته، وأكثرها في الأسانيد.

32 -

(ومنهم): العلامة المحدث محمد المنتصر الكتانيّ، حضرت دروسه، وكتب لي إجازة بالحديث المسلسل بالأولية، وغيرها بخطه.

33 -

(ومنهم): المحدث الكبير الشيخ محمد بن عبدالله الصوماليّ رحمه الله فقد أجاز لي بعد أن قرأت عليه أول حديث من «صحيح البخاري» ، وأمر ابن أخيه حسن بن عبد الرحمن المعلميّ الصوماليّ بكتابة الإجازة، فكتبها، وذلك في منزله بالسكن الخيريّ في محبس الجنّ، وذلك ليلة الجمعة بعد صلاة المغرب، بتاريخ 10/ 11/1419 هـ.

34 -

(ومنهم): العلامة عبدالله بن محمد الصدّيق الغماريّ، أجازني بجميع مروياته، وكتب لي إجازة بذلك.

35 -

(ومنهم): الشيخ أبو بكر زُهير بن مصطفى الدمشقيّ، كتب لي إجازة، وأرسل لي ثبته.

ص: 19

36 -

(ومنهم): الشيخ مولوي إعزاز الحق بن مولوي مظهر الحقّ الأركاني المكيّ، كتب لي إجازة أجازني بها، وغير هؤلاء، من علماء بلدنا، واليمن، والحجاز، والمغرب، وغيرهم، جزى الله تعالى عني الجميع خير الجزاء، وجعل مستقرّهم الجنة، وجمعني وإياهم في دار كرامته، بمنه وفضله، إنه جواد كريم.

وبعد أن تخرجت على أيدي هؤلاء الأعلام بدأتُ في تدريس هذه العلوم المذكورة مُدَّةً تقارب أربع سنين، ثم إن الأمور تضايقت عليَّ بِسَبَبِ غزو النظام الشيوعي لبلدنا، فعزمْتُ على الهجرة إلى الحرمين الشريفين؛ فرارًا بِدِينِي، فهاجرْتُ سنة ألف وأربعمائة وواحد، فما أن وصلت إلى مكة المكرمة طَلَبَ لي بعض الأخوات التدريس في بعض المدارس، وذكر لمسؤوليها أني كنت مدرِّسًا في بلدي، فطلبوا مني الشهادة، فأخبرتهم بأنه ليس عندنا شهادة، فرفضوا القبول، ولما لَمْ أجِدْ سبيلاً إلى التدريس طلبتُ أن أكون طالبًا، فلم أجد القبول أيضًا إلا في معهد الحرم المكي، فقُبِلْتُ فيه، ولما أنهيت المرحلة الثانوية انتقلت إلى دار الحديث الخيرية، فذُكِر لمديرها آنذاك الشيخ علي بن عامر رحمه الله أني كنتُ مدرِّسًا في بلدي، وإنما التحقت في معهد الحرم لعدم المؤهل للتدريس وهو الشهادة، فقال -جزاه الله عني خيرًا-: العمدة عندنا العلم لا الشهادة، فقَبِلَنِي مدرِّسًا، ورفع

ص: 20

اسمي إلى المجلس الأعلى للدار، وكان رئيسه آنذاك سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله، فوافق المجلس على تعييني مدرسًا، فبدَأْتُ في التدريس، ولا زلت -ولله الحمد- إلى الآن مدرِّسًا في دار الحديث الخيرية، أسأل الله تعالى أن يختم لي بالخير والحسنى، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

ومما مَنَّ الله به عليَّ أن حبَّبَ إليَّ علم الحديث من صغرِي، فكنت وأنا صغير السنِّ حينما كان والدي يُقْرِئُ صحيح البخاري، أختَبِئُ وراء الجدار حتى أسمع قراءة القارئ، فكان يتحرَّك قلبي شوقًا عند سماع صحيح البخاري، وكنت خلال طلبي للعلوم المذكورة أبْحَثُ عَمَّا صح في الحديث حتى أعْمَلَ به، فكنت أرفع يدي في الركوع وغيره مع أن مذهب منطقتنا مذهبٌ حنَفِيٌّ لا يلتفت أهله إلى العمل بالحديث المخالف للمذهب، فلما هاجرْتُ إلى مكة، وبدأت أدرُس في معهد الحرم، وطالعت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله؛ وجدت فيها ما يناقض ما عليه كتب العقائد المقرّرة في بلدنا، فبدأت أسير على المنهج الذي سلكته سابقًا، وهو اتباع ما صَحَّ دليله، فوجدت ما في كتب هؤلاء موافقًا للنصوص الصحيحة، فتركتُ ما كنت أعتقده مما تلقيته من مشايخي الأشْعَرِيِّينَ في بلدنا، وتخلَّيْتُ عنه، فلما

ص: 21

سافرت إلى بلدي لزيارة والدي قال بعض أهل البلد: إنك صرْتَ وهابيًّا، فقلت: لا، بل أنا متبع للنصوص، وأنت تعلم قبل أن أذهب إلى مكَّةَ أني أتبع النصوص الصحيحة، فقال: نعم أعرف ذلك، إلا أنك ازددت تشدُّدًا، فقلت له: ألا تعلم أن الإمام الشافعي لما كان في الحجاز والعراق كان له مذهب، ولما ذهب إلى مصر، ووجد الأدلة الكثيرة ترك مذهبه القديم، وأسس مذهبه الجديد؟ فكذلك أنا لما وجدت الأدلة التي غابت عن أهل بلدنا صِرْتُ أتبعها، وأعمل بمقتضاها، وهذا هو الذي أسير عليه في حياتي أبدًا إن شاء الله تعالى.

ومما منّ الله علَيَّ أيضًا أن وفّقني لتأليف كُتُبٍ ينتفع بها طلاب العلم، ولا سيما الكتب الحديثية.

كتبه راجي الكريم محمد بن علي بن آدم بن موسى المدرس في دار الحديث الخيرية عفا الله عنه.

ص: 22

نظم الدرر في علم الأثر

1

للهِ حَمْدِي وإلَيهِ أَسْتَنِدْ

وما يَنوبُ فَعَلَيْهِ أَعْتَمِدْ

2

ثمَّ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدِ

خَيْرُ صَلاةٍ وسَلامٍ سَرْمَدِ

3

وهذهِ أَلْفيَّةٌ تَحكِي الدُّرَرْ

منظومةٌ ضَمَّنْتُها عِلْمَ الأَثَرْ

4

فائِقةٌ أَلْفيَّةَ العِرَاقِي

فِي الجَمْعِ والإِيجازِ وَاْتِّسَاقِ

5

واللهُ يُجْرِيْ سابِغَ الإِحْسانِ

لِيْ وَلَهُ ولِذَوِيْ الإِيْمَانِ

‌حد الحديث وأقسامه

6

عِلمُ الحديثِ: ذُو قوانِينَ تُحَدّْ

يُدْرَى بِها أَحْوَالُ مَتْنٍ وَسَنَدْ

7

فَذَانِكَ الموضوعُ، والمقصودُ

أَنْ يُعرَفَ المقبُولُ والمَردُودُ

8

والسَّندُ: اْلإِخْبارُ عنْ طَرِيقِ

مَتْنٍ كَاْلِاسْنادِ لَدَى فَرِيقِ

9

وَالْمَتْنُ: ما انْتَهَى إِلَيْهِ السَّنَدُ

مِنَ الْكَلامِ، والحديثَ قَيَّدُوا

10

بِما أضيفَ لِلنَّبِيِّ قَوْلًا اوْ

فِعْلًا وَتَقْرِيرًا وَنَحْوَهَا حَكَوْا

11

وَقِيلَ: لا يَخْتَصُّ بِالمَرْفُوعِ

بَلْ جَاءَ لِلمَوْقُوفِ وَالمَقْطُوعِ

12

فَهْوَ عَلَى هَذَا مُرادِفُ الْخَبَرْ

وَشَهَّرُوا رِدْفَ الْحَدِيثِ والأَثَرْ

13

وَالأَكْثَرُونَ قَسَّمُوا هَذِيْ السُّنَنْ

إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ

ص: 23

‌الصَّحِيح

14

حَدُّ الصَّحِيحِ: مُسنَدٌ بِوَصْلِهِ

بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطٍ عَنْ مِثْلِهِ

15

ولَمْ يَكُنْ شَذَّ وَلا مُعَلَّلا

والحُكْمُ بِالصَّحَةِ وَالضَّعْفِ عَلَى

16

ظاهِرِهِ، لاالقَطْعِ، إلَّا مَاحَوَى

كِتابُ مُسلِمٍ أَوِ الجُعْفِي سِوَى

17

ما انْتَقَدُوا فَابْنُ الصَّلاحِ رَجَّحَا

قَطْعًا بِهِ، وَكَمْ إِمَامٍ جَنَحَا

18

والنَّوَوِيْ رَجَّحَ فِي التَّقْرِيبِ

ظَنًّا بِهِ، وَالقَطْعُ ذُو تَصْوِيبِ

19

وَلَيْسَ شَرْطًا عَدَدٌ، وَمَنْ شَرَطْ

رِوَايَةَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا غَلِطْ

20

والوَقْفُ عَنْ حُكْمٍ لِمَتْنٍ أَوْ سَنَدْ

بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطلَقًا أَسَدّْ

21

وآخَرُونَ حَكَمُوا فاضْطَرَبُوا

لِفَوقِ عَشْرٍ ضُمِّنَتْهَا الْكُتُبُ

22

فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ

وَزِيدَ مَا لِلشَّافِعِيْ فَأَحْمَدِهْ

23

وَابْنُ شِهابٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِهْ

عَنْ جَدِّهِ، أَوْ سَالِمٍ عَمَّنْ نَبِهْ

24

أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ حَبْرِ البَشَرْ

هُوَ ابْنُ عَباسٍ وَهَذَا عَنْ عُمَرْ

25

وَشُعْبَةٌ عَنْ عَمْرٍو بْنِ مُرَّهْ

عَنْ مُرَّةٍ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ كَرَّهْ

26

أَوْ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَهْ

إِلَى سَعِيدٍ عَنْ شُيُوخٍ سَادَهْ

27

ثُمَّ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الْحَبْرِ الْعَلِي

عَبِيدَةٍ بِما رَوَاهُ عَنْ عَلِي

28

كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ

عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسعُودِ الْحَسَنْ

ص: 24

29

وَوَلَدُ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ

عائِشَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ ذُو فِطَنْ

30

لا يَنْبَغِي التَّعْمِيمُ فِي الإِسْنادِ

بَلْ خُصَّ بِالصَّحْبِ أَوِ البِلادِ

31

فَأَرْفَعُ الإِسْنادِ لِلصِّدِّيقِ مَا

اِبْنُ أَبِي خَالِدِ عَنْ قَيْسٍ نَمَا

32

وَعُمَرٍ فَابْنَ شِهابٍ بَدِّهِ

عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ

33

وَأَهْلِ بَيْتِ المُصْطَفَى جَعْفَرُ عَنْ

آبَائِهِ، إِنْ عَنْهُ رَاوٍ مَا وَهَنْ

34

وَلأَبِي هُرَيرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ

سَعِيدٍ اوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ

35

عَنْ أَعْرَجٍ، وَقيلَ: حَمَّادٌ بِمَا

أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا

36

لِمَكَّةٍ سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو، وَذَا

عَنْ جَابِرٍ، وَلِلمَدِينَةِ خُذا

37

ابْنَ أَبِي حَكِيمَ عَنْ عَبِيدَةِ

الحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةِ

38

وَما رَوَى مَعْمَرُ عَنْ هَمَّامَ عَنْ

أَبِي هُرَيرَةَ أَصَحُّ لِلْيَمَنْ

39

لِلشَّامِ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَا

عَنِ الصِّحَابِ فَائِقٌ إِتْقَانَا

40

وَغَيْرُ هَذَا مِنْ تَراجِمٍ تُعَدّْ

ضَمَّنْتُهَا شَرْحِيَ عَنْها لا تُعَدْ

‌مسألةٌ

41

أَوَّلُ جامِعِ الحديثِ والأَثَرْ

اِبْنُ شِهابٍ آمِرًا لَهُ عُمَرْ

42

وَأَوَّلُ الجَامِعِ لِلأَبْوَابِ

جَمَاعَةٌ فِي العَصْرِ ذُو اقْتِرَابِ

43

كَابْنِ جُرَيْجٍ وَهُشَيْمٍ مَالِكِ

وَمَعْمَرٍ وَوَلَدِ المُبَارَكِ

ص: 25

44

وَأَوَّلُ الجَامِعِ بِاقْتِصَارِ

عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ البُخَارِي

45

وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَالأَوَّلُ

عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ

46

وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا

تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا

47

وَانْتَقَدُوا عَلَيْهِمَا يَسِيرَا

فَكَمْ تَرَى نَحْوَهُمَا نَصِيرَا

48

وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ أَصَحُّ مِنْهُمَا

بَعْدَ الْقُرَانِ وَلِهَذَا قُدِّمَا

49

مَرْوِيُّ ذَيْنِ، فَالبُخَارِيِّ، فَمَا

لِمُسْلِمٍ، فَمَا حَوَى شَرْطَهُمَا

50

فَشَرْطَ أَوَّلٍ، فَثَانٍ، ثُمَّ مَا

كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى غَيْرِهِمَا

51

وَرُبَّمَا يَعْرِضَ لِلْمَفُوقِ مَا

يَجْعَلُهُ مُسَاوِيًا أَوْ قُدِّمَا

52

وَشَرْطُ ذَيْنِ كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ

لَدَيْهِمَا بِالجَمْعِ وَالإِفْرَادِ

53

وَعِدَّةُ الأَوَّلِ بِالتَّحْرِيرِ

أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ بِلا تَكْرِيرِ

54

وَمُسْلِمٍ أَرْبَعَةُ الآلافِ

وَفِيهِمَا التَّكْرَارُ جَمًّا وَافِ

55

مِنَ الصَّحِيحِ فَوَّتَا كَثِيرِا

وَقَالَ نَجْلُ أَخْرَمٍ: يَسِيرًا

56

مُرَادُهُ أَعَلَى الصَّحِيحِ فَاحْمِلِ

أَخْذًا مِنَ الحَاكِمِ أَيْ فِي المَدْخَلِ

57

النَّوَوِيْ: لَمْ يَفُتِ الخَمْسَةَ مِنْ

مَا صَحَّ إِلاَّ النَّزْرُ فاقْبَلْهُ وَدِنْ

58

وَاحْمِلْ مَقَالَ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ

أَحْوِي عَلَى مُكَرَّرٍ وَوَقْفِ

59

وَخُذْهُ حَيْثُ حَافِظٌ عَلَيْهِ نَصْ

وَمِنْ مُصَنَّفٍ بِجَمْعِهِ يُخَصْ

ص: 26

60

كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَيتْلُو مُسْلِمَا

وَأَوْلِهِ البُسْتِيَّ ثُمَّ الحَاكِمَا

61

وَكَمْ بِهِ تَسَاهُلٌ حَتَى وَرَدْ

فِيهِ مَناكِرُ وَمَوْضُوعٌ يُرَدْ

62

وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: مَا تَفَرَّدَا

فَحَسَنٌ إِلاَّ لِضَعْفٍ فَارْدُدَا

63

جَرْيًا عَلَى امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا

فِي عَصْرِنَا كَمَا إِلَيْهِ جَنَحَا

64

وَغَيْرُهُ جَوَّزَهُ وَهْوَ الأَبَرْ

فَاحْكُمْ هُنَا بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ

65

مَا سَاهَلَ البُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ

بَلْ شَرْطُهُ خَفَّ وَقَدْ وَفَّى بِهِ

66

وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِأَنْ

يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنْ

67

لا مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَا

مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدَا

68

فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنًى، وَفِي

لَفْظٍ كَثِيرًا، فَاجْتَنِبْ أَنْ تُضِفِ

69

إِلَيْهِمَا، وَمَنْ عَزَا أَرَادَا

بِذَلِكَ الأَصْلَ وَمَا أَجَادَا

70

وَاحْكُمْ بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ

فَهْوَ مَعَ العُلُوِ ذَا يُفِيدُ

71

وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ وَتَبْيِينَ الَّذِي

أُبْهِمَ أَوْ أُهْمِلَ أَوْ سَمَاعَ ذِي

72

تَدْلِيسٍ أوْ مُخْتَلِطٍ وَكُلُّ مَا

أُعِلَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْهُ سَلِمَا

‌خاتمة

73

لِأَخْذِ مَتْنٍ مِنْ مُصَنَّفٍ يَجِبْ

عَرْضٌ عَلَى أَصْلٍ، وَعِدَّةٍ نُدِبْ

74

وَمَنْ لِنَقْلٍ فِي الحَدِيثِ شَرَطَا

رِوَايَةً وَلَوْ مُجَازًا غُلِّطَا

ص: 27

‌الحسن

75

المُرْتَضَى فِي حَدِّهِ مَا اتَّصَلا

بِنَقْلِ عَدْلٍ قَلَّ ضَبْطُهُ وَلا

76

شَذَّ وَلا عُلِّلَ وَلْيُرَتَّبِ

مَرَاتِبًا والِاحْتِجَاجِ يَجْتَبِي

77

اَلْفُقَهَا وَجُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ

فَإِنْ أَتَى مِنْ طُرْقٍ أُخْرَى يَنْمِي

78

إِلَى الصَّحِيحِ، أَيْ لِغَيْرِهِ، كَمَا

يَرْقَى إِلَى الحُسْنِ الَّذِي قَدْ وُسِمَا

79

ضَعْفًا لِسُوءِ الحِفْظِ أَوْ إِرْسَالٍ أْوْ

تَدْلِيسٍ أْوْ جَهَالَةٍ إِذَا رَأَوْا

80

مَجِيئَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَمَا

كَانَ لِفِسْقٍ اْوْ يُرَى مُتَّهَمَا

81

يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ بِالتَّعَدُّدِ

بَلْ رُبَّمَا يَصِيرُ كَالَّذِي بُدِي

82

وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ ثَمَّتَ السُّنَنْ

لِلدَّارَقُطْنِيْ مِنْ مَظِنَّاتِ الحَسَنْ

83

قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ كِتَابِهْ

ذَكَرْتُ مَا صَحَّ وَمَا يُشَابِهْ

84

وَمَا بِهِ وَهْنٌ أَقُلْ وَحَيْثُ لا

فَصَالِحٌ، فَابْنُ الصَّلاحِ جَعَلا

85

مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ وَلا صَحَّ حَسَنْ

لَدَيْهِ مَعْ جَوَازِ أَنَّهُ وَهَنْ

86

فَإِنْ يَقُلْ: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ

قُلْنَا: احْتِيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ

87

فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ يَقُولُ: لا

يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النُّبَلا

88

فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّقِ

وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لا يَرْتَقِي

89

هَلاَّ قَضَى فِي الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ

بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى فِي المَاضِيَهْ

ص: 28

90

أَجِبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فِيهِ شَرَطْ

مَا صَحَّ فَامْنَعْ أَنْ لِذِي الحُسْنِ يُحَطْ

91

فِإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصِّحَاحُ مَعْ

ضَعِيفِهَا وَالبَغَوِيُّ قَدْ جَمَعْ

92

مَصَابِحًا وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا

فِي سُنَنٍ قُلْنَا: اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى

93

يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ

ثُمَّ الضَّعِيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ

94

وَالنَّسَئِي مَنْ لَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا

تَرْكًا لَهُ وَالآخِرُونَ ألْحَقُوا

95

بِالْخَمْسَةِ ابْنَ مَاجَهٍ، قِيلَ: وَمَنْ

مَازَ بِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُ وَهَنْ

96

تَساهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا

صَحِيحَةً وَالدَّارِمِيْ وَالْمُنْتَقَى

97

وَدُونَهَا مَسَانِدٌ وَالْمُعْتَلِيْ

مِنْهَا الَّذِي لِأَحْمَدٍ وَالحَنْظَلِيْ

‌مَسْأَلَةٌ

98

الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالحُسْنِ عَلَى

مَتْنٍ رَواهُ التِّرْمِذِيْ، وَاسْتَشْكَلا

99

فَقِيلَ: يعْنِي اللُّغَوِي وَيَلْزَمُ

وَصْفُ الضَّعِيفِ وَهْوَ نُكْرٌ لَهُمُ

100

وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ

وَفِيهِ شَيْءٌ حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ

101

وَقِيلَ: مَا تَلْقَاهُ يَحْوِي العُلْيَا

فَذَاكَ حَاوٍ أَبَدًا لِلدُّنْيَا

102

كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ لا يَنْعَكِسْ

وَقِيلَ: هَذَا حَيِثُ رَأْيٌ يَلْتَبِسْ

103

وَصَاحِبُ النُّخْبَةِ: ذَا إِنِ انْفَرَدْ

إِسْنَادُهُ، وَالثَّانِ حَيْثُ ذُو عَدَدْ

104

وَقَدْ بَدَا لِي فِيهِ مَعْنَيَانِ

لَمْ يُوجَدَا لأَهْلِ هَذَا الشَّانِ

ص: 29

105

أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحُ

لِغَيْرِهِ، لَمَّا بَدَا التَّرْجِيحُ

106

أَوْ حَسَنٌ عَلَى الَّذِيِ بِهِ يُحَدْ

وَهْوُ أَصَحُّ مَا هُنَاكَ قَدْ وَرَدْ

107

وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ

وَالحُسْنِ دُونَ المَتْنِ لِلنُّقَّادِ

108

لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ وَاحْكُمِ

لِلْمَتْنِ إِنْ أَطْلَقَ ذُو حِفْظٍ نُمِي

109

وَلِلْقَبُولِ يُطْلِقُونَ جَيِّدَا

وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا

110

وَهَذِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنْ

وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ

111

وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ

أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ نِزَاعٌ ثَابِتُ

‌الضعيفُ

112

هُوَ الَّذِي عَنْ صِفَةِ الحُسْنِ خَلا

وَهْوَ عَلَى مَرَاتِبٍ قَدْ جُعِلا

113

وَابْنُ الصَّلاحِ فَلَهُ تَعْدِيدُ

إِلَى كَثِيرٍ وَهْوَ لا يُفِيدُ

114

ثُمَّ عَنِ الصِّدِّيقِ الأوْهَى كَرَّهْ

صَدَقَةٌ عَنْ فَرْقَدٍ عَنْ مُرَّهْ

115

وَالْبَيْتِ عَمْرٌو ذَا عَنِ الجُعْفِيِّ

عَنِ حَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ

116

وَلأَبِي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ عَنْ

دَاوُدَ عَنْ وَالِدِهِ أَيَّ وَهَنْ

117

لأَنَسٍ: دَاوُدُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ

أَبَانَ، وَاعْدُدْ لأَسَانِيدِ اليَمَنْ

118

حَفْصًا عَنَيْتُ العَدَنِيْ عَنِ الحَكَمْ

وَغَيْرُ ذَاكَ مِنْ تَرَاجِمٍ تُضَمْ

ص: 30

‌المُسْنَدُ

119

الْمُسْنَدُ: الْمَرْفُوعُ ذَا اتِّصَالِ

وَقِيلَ: أَوَّلٌ، وَقِيلَ: التَّالِي

‌المَرفُوعُ، والمَوقُوفُ، والمَقطُوعُ

120

وَمَا يُضَافُ لِلنَّبِي المَرْفُوعُ لَوْ

مِنْ تَابِعٍ، أَوْ صَاحِبٍ وَقْفًا رَأَوْا

121

سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ فِي

ذَيْنِ، وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ قُفِي

122

وَمَا يُضَفْ لِتَابِعٍ مَقْطُوعُ

وَالْوَقْفُ إِنْ قَيَّدْتَهُ مَسْمُوعُ

123

وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ

نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ، مِنْ صَحَابِي

124

كَذَا: أُمِرْنَا، وَكَذَا: كُنَّا نَرَى

فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى

125

ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي:

تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي

126

وَنَحْوُ: كَانُوا يَقْرَعُونَ بَابَهُ

بِالظُّفْرِ، فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ

127

وَما أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لا

يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا

128

وَهكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا

فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَأْيًا أَبَى

129

وَعَمَّمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ

وَخَصَّ فِي خِلافِهِ كَمَا حُكِي

130

وَقَالَ: لا، مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ

وَقَدَ عَصَى الْهَادِيَ فِي الْمَشْهُورِ

131

وَهَكَذَا: يَرْفَعُهُ، يَنْمِيهِ

رِوَايَةً، يَبْلُغْ بِهِ، يَرْوِيهِ

ص: 31

132

وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ

لا رَابِعٌ جَزْمًا لَهُمْ، وَالأَوَّلُ

133

صَحَّحَ فِيهِ النَّوَوِيُّ الْوَقْفَا

وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ لا يَخْفَى

‌المَوصُولُ، والمُنقَطِعُ، والمُعضَلُ

134

مَرْفُوعًا اْوْ مَوْقُوفًا إِذْ يَتَّصِلُ

إِسْنَادُهُ: الْمَوْصُولُ وَالمُتَّصِلُ

135

وَوَاحِدٌ قَبْلَ الصَّحابِيِّ سَقَطْ

مُنْقَطِعٌ، قِيلَ: أَوِ الصَّاحِبِ قَطْ

136

مُنْقَطِعٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ لا

تَوَالِيًا وَمُعْضَلٌ حَيْثُ وَلا

137

وَمِنْهُ حَذْفُ صَاحِبٍ وَالْمُصْطَفَى

وَمَتْنُهُ بِالتَّابِعِيِّ وُقِفَا

‌المُرسَلُ

138

الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ، أَوْ

ذِي كِبَرٍ، أَوْ سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا

139

أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ ثُمَّ الْحُجَّةُ

بِهِ رَأَى الأَئِمَّةُ الثَّلاثَةُ

140

وَرَدُّهُ الأَقْوَى، وَقَوْلُ الأَكْثَرُ

كَالشَّافِعِيْ، وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ

141

نَعَمْ بِهِ يُحْتَجُّ إِنْ يَعْتَضِدِ

بِمُرْسَلٍ آخَرَ أَوْ بِمُسْنَدِ

142

أَوْ قَوْلِ صَاحِبٍ أَوِ الْجُمْهُورِ أَوْ

قَيْسٍ وَمِنْ شُرُوطِهِ كَمَا رَأَوْا

143

كَوْنُ الَّذِي أَرْسَلَ مِنْ كِبَارِ

وَإِنْ مَشَى مَعْ حَافِظٍ يُجَارِي

144

وَلَيْسَ مِنْ شُيُوخِهِ مَنْ ضَعُفَا

كَنَهْيِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالأَصْلِ وَفَا

ص: 32

145

وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ

كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ اتَّضَحْ

146

إِسْلامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ وَالَّذِي

رَآهُ لا مُمَيِّزًا لَا تَحْتَ ذِي

147

وَقَوْلُهُمْ: عَنْ رَجُلٍ مُتَّصِلُ

وَقِيلَ: بَلْ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُرْسَلُ

148

كَذَاكَ فِي الأَرْجَحِ كُتْبٌ لَمْ يُسَمْ

حَامِلُهَا أَوْ لَيْسَ يُدْرَى مَا اتَّسَمْ

149

وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ، وَأَبَى

الصَّيْرَفِيْ مُعَنْعَنًا، وَلْيُجْتَبَى

150

وَقَدِّمِ الرَّفْعَ كَالِاتِّصَالِ

مِنْ ثِقَةٍ لِلْوَقْفِ وَالإِرْسَالِ

151

وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ،

وَقِيلَ: قَدِّمْ أَحْفَظَا، وَالأَشْهَرُ

152

عَلَيْهِ لا يَقْدَحُ هَذَا مِنْهُ فِي

أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ وَالَّذِي يَفِي

153

وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ تَعَارَضَا

فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى

‌المُعَلَّقُ

154

مَا أَوَّلُ الإِسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ

وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ مُعَلَّقُ

155

وَفِي الصَّحِيحِ ذَا كَثِيرٌ، فَالَّذِي

أُتِيْ بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذِ

156

صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ

وَغَيْرَهُ ضَعِّفْ وَلا تَهِنْهُ

157

وَمَا عَزَا لِشَيْخِهِ بِقَالا

فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالا

158

وَمَا لَهَا لَدَى سِوَاهُ ضَابِطُ

فَتَارَةً وَصْلٌ وَأُخْرَى سَاقِطُ

ص: 33

‌المُعَنْعَنُ

159

وَمَنْ رَوَى بِـ «عَنْ» وَ «أَنَّ» فَاحْكُمِ

بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَمِ

160

وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا، وَقِيلَ: لا

وَقِيلَ «أَنَّ» اقْطَعْ وَأَمَّا «عَنْ» صِلا

161

وَمُسْلِمٌ يَشْرِطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ

وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةٍ شَرَطْ

162

وَبَعْضُهُمْ عِرْفَانَهُ بِالأَخْذِ عَنْ

وَاسْتُعْمِلا إِجَازَةً فِي ذَا الزَّمَنْ

163

وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى

مُتَّصِلٌ، وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى

‌التَّدْلِيسُ

164

تَدْلِيسُ الِاسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ

مُعَاصِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْهُ بِـ «أَنْ»

165

يَأْتِي بِلَفْظٍ يُوهِمُ اتِّصَالا

كَـ «عَنْ» وَ «أَنَّ» وكذاك «قالا»

166

وَقِيلَ: أَنْ يَرْوِيَ مَا لَمْ يَسْمَعِ

مِنْهُ وَلَوْ تَعَاصُرًا لَمْ يَجْمَعِ

167

وَمِنْهُ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّيخَ فَقَطْ

قَطْعٌ بِهِ الأَدَاةُ مُطْلَقًا سَقَطْ

168

وَمِنْهُ عَطْفٌ، وَكَذَا أَنْ يَذْكُرَا

«حَدَّثَنَا» وَفَصْلُهُ الاِسْمَ طَرَا

169

وَكُلُّهُ ذَمٌّ، وَقِيلَ: بَلْ جَرَحْ

فَاعِلَهُ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَضَحْ

170

وَالْمُرْتَضَى قَبُولُهُمْ إِنْ صَرَّحُوا

بِالْوَصْلِ فَالأَكْثَرُ هَذَا صَحَّحُوا

171

وَمَا أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِـ «عَنْ»

فَحَمْلُهُ عَلَى ثُبُوتِهِ قَمَنْ

ص: 34

172

وَشَرُّهُ «التَّجْوِيدُ» وَالتَّسْوِيَةُ

إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ

173

كَمِثْلِ «عَنْ» وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَحُ

وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخٍ يُفْصِحُ

174

بِوَصْفِهِ بصِفَةٍ لا يُعْرَفُ

فَإِنْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ يُضَعَّفُ

175

فَقِيلَ: جَرْحٌ أَوْ لِلاسْتِصْغَارِ

فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتِكْثَارِ

176

وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا

اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ تَشْبِيهَا

‌الإِرْسَالُ الخَفِيُّ، والمَزِيْدُ في مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ

177

وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ

بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ

178

وَمِنْهُ مَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ

مِنْ جِهَةٍ بِزيْدِ شَخْصٍ وَاعِ

179

وَبِزِيَادَةٍ تَجِي، وَرُبَّمَا

يُقْضَى عَلَى الزَّائِدِ أَنْ قَدْ وَهِمَا

180

حَيْثُ قَرِينَةٌ وَإِلَّا احْتَمَلا

سَمَاعُهُ مِنْ ذَيْنِ مَا قَدْ حَمَلا

181

وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالإِخْبَارِ

عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّصِّ مِنْ كِبَارِ

‌الشَّاذُّ والمَحْفُوظُ

182

وَذُو الشُّذُوذِ مَا رَوَى المَقْبُولُ

مُخَالِفًا أَرْجَحَ، وَالمَجْعُولُ

183

أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ وَقِيلَ مَا انْفَرَدْ

لَوْ لَمْ يُخَالِفْ، قِيلَ: أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ

ص: 35

‌المُنكَرُ والمَعرُوفُ

184

المُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ

مُخَالِفًا، فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ

185

قَابَلَهُ المَعْرُوفُ، وَالَّذِي رَأَى

تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى

‌المَترُوكُ

186

وَسَمِّ بِالْمَتْرُوكِ فَرْدًا تُصِبِ

رَاوٍ لَهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ

187

أَوْ عَرَفُوهُ مِنْهُ فَي غَيْرِ الأَثَرْ

أَوْ فِسْقٌ اْوْ غَفْلَةٌ اْوْ وَهْمٌ كَثُرْ

‌الأفرَادُ

188

الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَا

رَاوٍ بِهِ فَإِنْ لِضَبْطٍ بَعُدَا

189

رُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ

أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنْ

190

وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ

بِثِقَةٍ أَوْ عَنْ فُلانٍ أَوْ بَلَدْ

191

فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَرْدٍ وَرَدْ

وَهَكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَرْدًا يُرَدْ

‌الغَرِيبُ، والعَزِيزُ، والمَشهُورُ والمُستَفِيضُ، والمُتَوَاتِرُ

192

الأَوَّلُ الْمُطْلَقُ فَرْدًا وَالَّذِي

لَهُ طَرِيقَانِ فَقَطْ لَهُ خُذِ

193

وَسْمَ الْعَزِيزِ وَالَّذِي رَوَاهُ

ثَلاثَةٌ مَشْهُورُنَا، رَآهُ

194

قَوْمٌ يُسَاوِي الْمُسْتَفِيضَ وَالأَصَحْ

هَذَا بِأَكْثَرَ، وَلَكِنْ مَا وَضَحْ

ص: 36

195

حَدُّ تَوَاتُرٍ وَكُلٌّ يَنْقَسِمْ

لِمَا بِصِحَّةٍ وَضَعْفٍ يَتَّسِمْ

196

وَالْغَالِبُ الضَّعْفُ عَلَى الْغَرِيبِ

وَقُسِّمَ الْفَرْدُ إِلَى غَرِيبِ

197

فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ، وَالثَّانِ قَدْ

وَلا تَرَى غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ

198

وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي اشْتَهَرْ

فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ

199

وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌّ يَجِبْ

إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ

200

فَالمُتَوَاتِرُ، وَقَوْمُ حَدَّدُوا

بِعَشْرَةٍ، وَهْوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ

201

وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ اْوْ عِشْرِينَا

يُحْكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا

202

وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ

وَبَعْضُهُمْ عِزَّتَهُ، وَهْوَ وَهَمْ

203

بَلِ الصَّوابِ أَنَّهُ كَثِيرٌ

وَفِيهِ لِي مُؤَلَّفٌ نَضِيرٌ

204

خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا «مَنْ كَذَبَا»

وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا

205

لَهَا حَدِيثُ «الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ»

وَ «الْحَوْضِ» وَ «الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ»

206

وَلابْنِ حِبَّانَ: الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ

بِحَدِّهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَمْ يُجِدْ

207

وَلِلْعَلائِيْ جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ

ذُو وَصْفَيِ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ

‌الاعْتِبَارُ، والمُتَابَعَاتُ، والشَّوَاهِدُ

208

الاِعْتِبَارُ سَبْرُ مَا يَرْوِيهِ

هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فِيهِ

209

فَإِنْ يُشَارِكْهُ الَّذِي بِهِ اعْتُبِرْ

أَوْ شَيْخَهُ أَوْ فَوْقُ: تَابِعٌ أُثِرْ

ص: 37

210

وَإِنْ يَكُنْ مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ وَرَدْ

فَشَاهِدٌ، وَفَاقِدٌ ذَيْنِ انْفَرَدْ

211

وَرُبَّمَا يُدْعَى الَّذِي بِالْمَعْنَى

مُتَابِعًا، وَعَكْسُهُ قَدْ يُعْنَى

‌زِيَادَاتُ الثِّقَاتِ

212

وَفِي زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمْ

مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَتَمْ

213

ثَالِثُهَا: تُقْبَلُ لا مِمَّنْ خَزَلْ

وَقِيلَ: إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ حَمَلْ

214

بَعْضًا، أَوِ النِّسْيَانَ يَدَّعِيهِ

تُقْبَلْ، وَإِلاَّ يُتَوَقَّفْ فِيهِ

215

وَقِيلَ: إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا تُرَدْ

وَقِيلَ: فِيمَا إِنْ رَوَى كُلًّا عَدَدْ

216

إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لا يَغْفُلُ

عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَةٍ لا تُقْبَلُ

217

وَقِيلَ: لا، إِذْ لا تُفِيدُ حُكْمَا

وَقِيلَ: خُذْ مَا لَمْ تُغَيِّرْ نَظْمَا

218

وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ -وَهْوَالْمُعْتَمَدْ-

إِنْ خَالَفَتْ مَا لِلثِّقَاتِ فَهْيَ رَدْ

219

أَوْ لا فَخُذْ تِلْكَ بِإِجْمَاعٍ وَضَحْ

أَوْ خَالَفَ الإِطْلاقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحْ

‌المُعَلُّ

220

وَعِلَّةُ الْحَدِيثِ: أَسْبَابٌ خَفَتْ

تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ، حِينَ وَفَتْ

221

مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرُهُ السَّلامَهْ

فَلْيَحْدُدِ الْمُعَلَّ مَنْ قَدْ رَامَهْ

222

مَا رِيءَ فِيهِ عِلَّةٌ تَقْدَحُ فِي

صِحَّتِهِ بَعْدَ سَلامَةٍ تَفِي

ص: 38

223

يُدْرِكُهَا الْحَافِظُ بِالتَّفَرِّدِ

وَالْخُلْفِ مَعْ قَرَائِنٍ، فَيَهْتَدِي

224

لِلْوَهْمِ بِالإِرْسَالِ أَوْ بِالْوَقْفِ أَوْ

تَدَاخُلٍ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ حَكَوْا

225

بِحَيْثُ يَقْوَى مَا يَظُنُّ، فَقَضَى

بِضَعْفِهِ، أَوْ رَابَهُ فَأَعْرَضَا

226

وَالْوَجْهُ فِي إِدْرَاكِهَا جَمْعُ الطُّرُقْ

وَسَبْرُ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَالْفِرَقْ

227

وَغَالِبًا وُقُوعُهَا فِي السَّنَدِ

وَكَحَدِيثِ «الْبَسْمَلَهْ» فِي الْمُسْنَدِ

228

وَنَوَّعَ الْحَاكِمُ أَجْنَاسَ الْعِلَلْ

لِعَشْرَةٍ، كُلٌّ بِهَا يَأْتِي الْخَلَلْ

229

وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِقَادِحٍ، كَأَنْ

يُبْدِلَ عَدْلًا بِمُسَاوٍ، حَيْثُ عَنْ

230

وَرُبَّمَا أُعِلَّ بِالْجَلِيِّ

كَالْقَطْعِ لِلْمُتَّصِلِ الْقَوِيِّ

231

وَالْفِسْقِ وَالْكِذْبِ وَنَوْعِ جَرْحِ

وَرُبَّمَا قِيلَتْ لِغَيْرِ الْقَدْحِ

232

كَوَصْلِ ثَبْتٍ، فَعَلَى هَذَا رَأَوْا

صَحَّ مُعَلٌّ وَهْوَ فِي الشَّاذِ حَكَوْا

233

وَالنَّسْخُ قَدْ أَدْرَجَهُ فِي الْعِلَلِ

التِّرْمِذِيْ، وَخُصَّهُ بِالْعَمَلِ

‌المُضْطَرِبُ

234

مَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ حَيْثُ وَرَدْ

مِنْ وَاحِدٍ أَوْ فَوْقُ: مَتْنًا أَوْ سَنَدْ

235

وَلا مُرَجِّحَ: هُوَ الْمُضْطَرِبُ

وَهْوَ لِتَضْعِيفِ الْحَدِيثِ مُوجِبُ

236

إِلاَّ إِذَا مَا اخْتَلَفُوا فِي اسْمٍ أَوَ اْبْ

لِثِقَةٍ فَهْوَ، صَحِيحٌ مُضْطَرِبْ

ص: 39

237

الزَّرْكَشِيُّ: الْقَلْبُ وَالشُّذُوذُ عَنْ

وَالاِضْطِرَابُ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ

238

وَلَيْسَ مِنْهُ حَيْثُ بَعْضُهَا رَجَحْ

بَلْ نُكْرُ ضِدٍّ أَوْ شُذُوذُهُ وَضَحْ

‌المقْلُوبُ

239

الْقَلْبُ فِي الْمَتْنِ وَفِي الإِسْنَادِ قَرْ

إِمَّا بِإِبْدَالِ الَّذِي بِهِ اشْتَهَرْ

240

بِوَاحِدٍ نَظِيرِهِ لِيُغْرِبَا

أَوْ جَعْلِ إِسْنَادِ حَدِيثٍ اجْتَبَى

241

لآخَرٍ وَعَكْسُهُ إِغْرَابًا اوْ

مُمْتَحِنًا، كَأَهْلِ بَغْدَادَ، حَكَوْا

242

وَهْوَ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالسَّرِقَهْ

وَقَدْ يَكُونُ الْقَلْبُ سَهْوًا أَطْلَقَهْ

‌المُدْرَجُ

243

وَمُدْرَجُ الْمَتْنِ بِأَنْ يُلْحَقَ فِي

أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطٍ أَوْ طَرَفِ

244

كَلامُ رَاوٍ مَّا بِلا فَصْلٍ، وَذَا

يُعْرَفُ بِالتَّفْصِيلِ فِي أُخْرَى، كَذَا

245

بِنَصِّ رَاوٍ أَوْ إِمَامٍ، وَوَهَى

عِرْفَانُهُ فِي وَسْطٍ اوْ أَوَّلِهَا

246

وَمُدْرَجُ الإِسْنَادِ مَتْنَيْنِ رَوَى

بِسَنَدٍ لِوَاحِدٍ، أَوْ ذَا سِوَى

247

طَرْفٍ بِإِسْنَادٍ فَيَرْوِي الْكُلَّ بِهْ

أَوْ بَعْضَ مَتْنٍ فِي سِوَاهُ يَشْتَبِهْ

248

أَوْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مُخْتَلِفا

فِي سَنَدٍ، فَقَالَ هُمْ مُؤْتَلِفا

249

وَكُلُّ ذَا مُحَرَّمٌ وَقَادِحُ

وَعِنْديَ التَّفْسِيرُ قَدْ يُسَامَحُ

ص: 40

‌المَوضُوعُ

250

الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ شَرُّ الْخَبَرِ

وَذِكْرَهُ لِعَالِمٍ بِهِ احْظُرِ

251

فِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ إِلَّا وَاصِفَا

لِوَضْعِهِ، وَالْوَضْعُ فِيهِ عُرِفَا

252

إِمَّا بِالاِقْرَارِ، وَمَا يَحْكِيهِ

وَرِكَّةٍ، وَبِدَلِيلٍ فِيهِ

253

وَأَنْ يُنَاوِي قَاطِعًا وَمَا قُبِلْ

تَأْوِيلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا نُقِلْ

254

حَيْثُ الدَّوَاعِي ائْتَلَفَتْ بِنَقْلِهِ

وَحَيْثُ لا يُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِهِ

255

وَمَا بِهِ وَعْدٌ عَظِيمٌ اْوْ وَعِيدُ

عَلَى حَقِيرٍ وَصَغِيرَةٍ شَدِيدُ

256

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ

احْكُمْ بِوَضْعِ خَبَرٍ إِنْ يَنْجَلِي

257

قَدْ بَايَنَ الْمَعْقُولَ أَوْ مَنْقُولَا

خَالَفَهُ أَوْ نَاقَضَ الأُصُولَا

258

وَفَسَّرُوا الأَخِيرَ: حَيْثُ يَفْقِدُ

جَوَامِعٌ مَشْهُورَةٌ وَمُسْنَدُ

259

وَفِي ثُبُوتِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُشْهَدُ

مَعْ قَطْعِ مَنْعِ عَمَلٍ تَرَدُّدُ

260

وَالْوَاضِعُونَ بَعْضُهُمْ لِيُفْسِدَا

دِينًا وَبَعْضٌ نَصْرَ رَأْيٍ قَصَدَا

261

كَذَا تَكَسُّبًا، وَبعْضٌ قَدْ رَوَى

لِلأُمَرَاءِ مَا يُوَافِقُ الْهَوَى

262

وَشَرُّهُمْ صُوفِيَّةٌ قَدْ وَضَعُوا

مُحْتَسِبِينَ الأَجْرَ فِيمَا يَدَّعُوا

263

فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ رُكُونًا لَهُمُ

حَتَّى أَبَانَهَا الأُولَى هُمُ هُمُ

264

كَالْوَاضِعِينَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرْ

فَمَنْ رَواهَا فِي كِتَابِهِ قَذَرْ

ص: 41

265

وَالْوَضْعُ فِي التَّرْغِيبِ ذُو ابْتِدَاعِ

جَوَّزَهُ مُخَالِفُ الإِجْمَاعِ

266

وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ

بِكُفْرِهِ بِوَضْعِهِ إِنْ يَقْصِدِ

267

وَغَالِبُ الْمَوْضُوعِ مِمَّا اخْتَلَقَا

وَاضِعُهُ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ لَفَّقَا

268

كَلامَ بَعْضِ الْحُكَمَا، وَمِنْهُ مَا

وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَهَمَا

269

وَفِي كِتَابِ وَلَدِ الْجَوْزِيِّ مَا

لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ حَتَّى وُهِّمَا

270

مِنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ وَالْحَسَنْ

ضَمَّنْتُهُ كِتَابِيَ «الْقَوْلَ الْحَسَنْ»

271

وَمِنْ غَرِيبِ مَا تَرَاهُ فَاعْلَمِ

فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمِ

‌خَاتِمَةٌ

272

شَرُّ الضَّعِيفِ الْوَضْعُ فَالْمَتْرُوكُ ثُمّ

ذُو النُّكْرِ فَالْمُعَلُّ فَالْمُدْرَجُ ضُمّ

273

وَبَعْدَهُ الْمَقْلُوبُ فَالْمُضْطَرِبُ

وَآخَرُونَ غَيْرَ هَذَا رَتَّبُوا

274

وَمَنْ رَوَى مَتْنًا صَحِيحًا يَجْزِمُ

أَوْ وَاهِيًا أَوْ حَالُهُ لا يُعْلَمُ

275

بِغَيْرِ مَا إِسْنَادِهِ يُمَرِّضُ

وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضَعْفٍ قَدْ رَضُوا

276

فِي الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ

لا الْعَقْدِ وَالْحَرَامِ وَالْحَلالِ

277

وَلا إِذَا يَشْتَدُّ ضَعْفٌ ثُمَّ مَنْ

ضَعْفًا رَأَى فِي سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ

278

يَقُولَ فِي الْمَتْنِ: ضَعِيفٌ: قَيَّدَا

بِسَنَدٍ، خَوْفَ مَجِيءِ أَجْوَدَا

279

وَلا تُضَعِّفْ مُطْلَقًا مَا لَمْ تَجِدْ

تَضْعِيفَهُ مُصَرَّحًا عَنْ مُجْتَهِدْ

ص: 42

‌مَنْ تُقبَلُ رِوَايَتُهُ، ومَنْ تُرَدُّ

280

لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا:

عَدْلٌ، وَضَبْطٌ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَا

281

مُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا ولا

خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلا مُغَفَّلا

282

يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ، كِتَابًا يَضْبِطُ

إِنْ يَرْوِ مِنْهُ، عَالِمًا مَا يُسْقِطُ

283

إِنْ يَرْوِ بَالْمَعْنَى، وَضَبْطُهُ عُرِفْ

إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ

284

وَاثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلٌ وَالأَصَحّْ

إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ

285

أَوْ كَانَ مَشْهُورًا وزَادَ يُوسُفُ

بِأَنَّ كُلَّ مَنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ

286

عَدْلٌ إِلَى ظُهُورِ جَرْحٍ، وَأَبَوْا

وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًا رَأَوْا

287

قَبُولَهُ مِنْ عَالِمٍ عَلَى الأَصَحّْ

مَا لَمْ يُوَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالٍ جُرِحْ

288

وَيُقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ

أُنْثَى وَفِي الأُنْثَى خِلافٌ قَدْ زُكِنْ

289

وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ

أَكْثَرُ فِي الأَقْوَى، فَإِنْ فَصَّلَهُ

290

فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ، أَوْ نَفَاهُ

بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ

291

وَلَيْسَ فِي الأَظْهَرِ تَعْدِيلًا إِذَا

عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ وَلَوْ خُصَّ بِذَا

292

وَإِنْ يَقُلْ: حَدَّثَ مَنْ لا أَتَّهِمْ

أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ

293

بِثِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْهَمِ

لا يُكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاعْلَمِ

ص: 43

294

وَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ

قَلَّدَهُ، وَقِيلَ: لا، مَا لَمْ يُبنْ

295

وَمَا اقْتَضَى تَصْحِيحَ مَتْنٍ فِي الأَصَحّْ

فَتْوَى بِمَا فِيهِ كَعَكْسِهِ وَضَحْ

296

وَلا بَقَاهُ حَيْثُما الدَّوَاعِي

تُبْطِلُهُ، وَالْوَفْقُ لِلإِجْمَاعِ

297

وَلا افْتِرَاقُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ

مَا بَيْنَ مُحْتَجٍّ وِذِي تَأَوُّلِ

298

وَيُقْبَلُ الْمَجْنُونُ إِنْ تَقَطَّعَا

وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إِفَاقَةٍ مَعَا

299

وَتَرَكُوا مَجْهُولَ عَيْنٍ: مَا رَوَى

عَنْهُ سِوَى شَخْصٍ وَجَرْحًا مَا حَوَى

300

ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مَنْ عَنْهُ انْفَرَدْ

لَمْ يَرْوِ إِلَّا لِلْعُدُولِ: لا يُرَدّْ

301

رَابِعُهَا: يُقْبَلُ إِنْ زَكَّاهُ

حَبْرٌ وَذَا فِي نُخْبَةٍ رَآهُ

302

خَامِسُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ قَدْ شُهِرْ

بِمَا سِوَى الْعِلْمِ كَنَجْدَةٍ وَبِرّْ

303

وَالثَّالِثُ الأَصَحُّ: لَيْسَ يُقْبَلُ

مَنْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا يُجَهَّلُ

304

وَفِي الأَصَحِّ: يُقْبَلُ الْمَسْتُورُ: فِي

ظَاهِرِهِ عَدْلٌ وَبَاطِنٌ خَفِي

305

وَمَنْ عَرَفْنَا عَيْنَهُ وَحَالَهُ

دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبٍ مِلْنَا لَهُ

306

وَمَنْ يَقُلْ: «أَخْبَرَنِي فُلانٌ اوْ

هَذَا» لِعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا

307

فَإِنْ يَقُلْ: «أَوْ غَيْرُهُ» ، أَوْ يُجْهَلِ

بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا: لا تَقْبَلِ

308

وَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلا

ثَالِثُهَا: إِنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلا

309

وَغَيْرُهُ: يُرَدُّ مِنْهُ الرَّافِضِي

وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِي

ص: 44

310

قَبُولُهُمْ لا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا

لِرَأْيِهِمْ، أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا

311

وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ

أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبَلِ

312

وَالصَّيْرَفيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ أَبَوْا

قَبُولَهُ مُؤَبَّدًا، ثُمَّ نَأَوْا

313

عَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاهُ

وَالنَّوَوِيُّ كُلَّ ذَا أَبَاهُ

314

وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ

دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ

315

وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّْ

إِسْقَاطُهُ، لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ

316

أَوْ قَالَ: لا أَذْكُرُهُ. وَنَحْوَ ذا

كَأَنْ نَسِي: فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذا

317

وَآخِذٌ أَجْرَ الْحَدِيثِ يَقْدَحُ

جَمَاعَةٌ، وَآخَرُونَ سَمَحُوا

318

وَآخَرُونَ جَوَّزُوا لِمَنْ شُغِلْ

عَنْ كَسْبِهِ، فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبِلْ

319

مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأَدَا

كَنَوْمٍ اوْ كَتَرْكِ أَصْلِهِ ارْدُدَا

320

وَقَابِلَ التَّلْقِينِ وَالَّذِي كَثُرْ

شُذُوذُهُ أَوْ سَهْوُهُ حَيْثُ أَثَرْ

321

مِنْ حِفْظِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كُبَرْ

وَمَنْ يُعَرَّفْ وَهْمَهُ ثُمَّ أَصَرّْ

322

يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَى وَقَيَّدَا

بِأَنْ يُبِينَ عَالِمٌ وَعَانَدَا

323

وَأَعَرَضُوا فِي هَذِهِ الأَزمَانِ

عَنِ اعْتِبارِ هَذِهِ الْمَعَانِي

324

لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَادِ

صَارَ بَقَا سَلْسَلَةِ الإِسْنَادِ

325

فَلْيُعْتَبَرْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتْرُ

وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتٌ بَرُّ

ص: 45

326

وَلْيَرْوِ مِنْ مُوَافِقٍ لأَصْلِ

شُيُوخِهِ فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ

‌مَرَاتِبُ التَّعدِيلِ، والتَّجرِيحِ

327

وَأَرْفَعُ الأَلْفَاظِ فِي التَّعْدِيلِ

مَا جَاءَ فِيهِ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ

328

كَـ «أوْثَقِ النَّاسِ» وَمَا أَشْبَهَهَا

أَوْ نَحْوِهِ نَحْوُ «إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى»

329

ثُمَّ الَّذِي كُرِّرَ مِمَّا يُفْرَدُ

بَعْدُ بِلَفْظٍ أَوْ بِمَعْنًى يُورَدُ

330

يَلِيهِ ثَبْتٌ مُتْقِنٌ أو ثِقَةُ

أَوْ حَافِظٌ أَوْ ضَابِطٌ أَوْ حُجَّةُ

331

ثُمَّ «صَدُوقٌ» أَوْ فـ «مَأْمُونٌ» وَ «لا

بَأْسَ بِهِ» كَذَا «خِيَارٌ» وَتَلا

332

«مَحَلُّهُ الصِّدْقُ» «رَوَوْا عَنْهُ» «وَسَطْ»

شَيْخٌ مُكَرَّرَيْنِ أَوْ فَرْدًا فَقَطْ

333

وَ «جَيِّدُ الْحَدِيثِ» أَوْ «يُقَارِبُهْ»

«حَسَنُهُ» «صَالِحُهُ» «مُقَارَبُهْ»

334

وَمِنْهُ «مَنْ يُرْمَى بِبِدْعٍ» أَوْ يُضَمّْ

إِلَى «صَدُوقٍ» «سُوءُ حِفْظٍ أَوْ وَهَمْ»

335

يَلِيهِ مَعْ مَشِيئَةٍ «أَرْجُو بِأَنْ

لا بَأْسَ بِهْ «صُوَيْلِحٌ» «مَقْبُولُ عَنّْ»

336

وَأَسْوَأُ التَّجْرِيحِ مَا قَدْ وُصِفَا

«بِكَذِبٍ» وَ «الْوَضْعِ» كَيْفَ صُرِّفَا

337

ثُمَّ بِذَيْنِ «اتَّهَمُوا» «فِيهِ نَظَرْ»

وَ «سَاقِطٌ» وَ «هَالِكٌ» «لا يُعْتَبَرْ»

338

وَ «ذَاهِبٌ» وَ «سَكَتُوا عَنْهُ» تُرِكْ

وَ «لَيْسَ بِالثِّقَةِ» بَعْدَهُ سُلِكْ

339

«أَلْقَوْا حَدِيثَهُ» «ضَعِيفٌ جِدّا»

«ارْمِ بِهِ» «وَاهٍ بِمَرَّهْ» «رُدّا»

340

«لَيْسَ بِشَيءٍ» ثُمَّ «لا يُحْتَجُّ بِهْ»

كَـ «مُنْكَرِ الْحَدِيثِ» أَوْ «مُضْطَرِبِهْ»

ص: 46

341

«وَاهٍ» «ضَعِيفٌ» «ضَعَّفُوا» يَلِيهِ

«ضُعِّفَ» أَوْ «ضُعْفٌ» «مَقَالٌ فِيهِ»

342

«يُنْكِرْ وَيُعْرفْ» «فِيهِ خُلْفٌ» «طَعَنُوا»

«تَكَلَّمُوا» «سَيِّئُ حِفْظٍ» «لَيِّنُ»

343

«لَيْسَ بِحُجَّةٍ» أَوِ «الْقَوِيِّ»

«بِعُمْدَةٍ» «بِذَاكَ» «بِالْمَرْضِيِّ»

‌تَحَمُّلُ الحَدِيثِ

344

وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِبًا قَدْ حَمَلَا

أَوْ فِسْقِهِ ثُمَّ رَوَى إِذْ كَمُلَا

345

يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُشْتَهِرُ

لا سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ

346

تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا

قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا

347

وَمَا رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ

وَنَجْلِ هَارُونَ عَلَى ذَا نَزِّلِ

348

وَغَالِبًا يَحْصُلُ إِنْ خَمْسٌ غَبَرْ

فَحَدُّهُ الْجُلُّ بِهَا ثُمَّ اسْتَقَرّْ

349

وَكَتْبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ اسْتَعَدّْ

وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّْ

‌أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ

350

أَعْلَى وُجُوهِ مَنْ يُرِيدُ حَمْلا

سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ أَمْلَى أَمْ لا

351

مِنْ حِفْظٍ اوْ مِنْ كُتُبٍ وَلَوْ وَرَا

سِتْرٍ إِذَا عَرَفْتَهُ أَوْ أَخْبَرَا

352

مُعْتَمَدٌ، وَرَدَّ هَذَا شُعْبَهْ

ثُمَّ «سَمِعْتُ» فِي الأَدَاءِ أَشْبَهْ

353

وَبَعْدَهُ التَّحْدِيثُ فَالإِخْبَارُ ثُمّْ

«أَنْبَأَنَا» «نَبَّأَنَا» وَبَعْدُ ضُمّْ

ص: 47

354

«قَالَ لَنَا» وَدُونَهُ «لَنَا ذَكَرْ»

وَفِي الْمُذَاكِّرَاتِ هَذِهِ أَبَرّْ

355

وَبَعْضُهُمْ قَالَ: «سَمِعْتُ» أَخِّرَا

وَقِيلَ: إِنْ عَلَى الْعُمُومِ أَخْبَرَا

356

وَبَعْدَ ذَا قِرَاءَةٌ «عَرْضًا» دَعَوْا

قَرَأْتَهَا مِنْ حِفْظٍ اوْ كِتَابٍ اوْ

357

سَمِعْتَ مِنْ قَارٍ لَهُ وَالْمُسْمِعُ

يَحْفَظُهُ، أَوْ ثِقَةٌ مُسْتَمِعُ

358

أَو أَمْسَكَ الْمُسْمَعُ أَصْلًا أَوْ جَرَى

عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَا

359

وَالأَكْثَرُونَ حَكَوُا الإِجْمَاعَا

أَخْذًا بِهَا وَأَلْغَوُا النِّزَاعَا

360

وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ أَوْ

سَاوَتْهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ: خُلْفٌ حَكَوْا

361

وَفِي الأَدَا قِيلَ: «قَرَأْتُ» أَوْ «قُرِي»

ثُمَّ الَّذِي فِي أَوَّلٍ إِنْ تَذْكُرِ

362

مُقَيَّدًا قِرَاءَةً لا مُطْلَقا

وَلا «سَمِعْتُ» أَبَدًا فِي الْمُنْتَقَى

363

وَالْمُرْتَضَى الثَّالِثُ فِي الإِخْبَارِ

يُطْلَقُ لا التَّحْدِيثُ فِي الأَعْصَارِ

364

وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ «حَدَّثَنِي»

وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ «أَخْبَرَنِي»

365

وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً «حَدَّثَنَا»

وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا «أَخْبَرَنَا»

366

وَحَيْثُ شُكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ

أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدّْ

367

وَلَمْ يُجَوَّزْ مِنْ مُصَنَّفٍ وَلا

مِنْ لَفْظِ شَيْخٍ فَارِقٍ أَنْ يُبْدَلا

368

«أَخْبَرَ» بِالتَّحْدِيثِ أَوْ عَكْسٌ، بَلَى

يَجُوزُ إِنْ سَوَّى، وَقِيلَ: حُظِلا

369

إِذَا قَرَا وَلَمْ يُقِرَّ الْمُسْمَعُ

لَفْظًا: كَفَى، وَقِيلَ: لَيْسَ يَنْفَعُ

ص: 48

370

ثَالِثُهَا: يَعْمَلُ أَوْ يَرْوِيهِ

بِـ «قَدْ قَرَأْتُ» أَوْ «قُرِي عَلَيْهِ»

371

وَلْيَرْوِ مَا يَسْمَعُهُ وَلَوْ مَنَعْ

الشَّيْخُ، أَوْ خَصَّصَ غَيْرًا، أَوْ رَجَعْ

372

مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَالسَّمَاعُ فِي الأَصَحّْ

ثَالِثُهَا مِنْ نَاسِخٍ يَفْهَمُ صَحّْ

373

رَابِعُهَا: يَقُولُ «قَدْ حَضَرْتُ»

وَلا يَقُلْ «حُدِّثْتُ» أَوْ «أُخْبِرْتُ»

374

وَالْخُلْفُ يَجْرِي حَيْثُمَا تَكَلَّمَا

أَوْ أَسْرَعَ الْقَارِئُ أَوْ إِنْ هَيْنَمَا

375

أوْ بُعْدَ السَّامِعُ، لَكِنْ يُعْفَى

عَنْ كِلْمَةٍ وَكِلْمَتَيْنِ تَخْفَى

376

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيزَ الْمُسْمِعُ

جَبْرًا لِذَا وَكُلِّ نَقْصٍ يَقَعُ

377

وَجَازَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ مُمْلِيهِ

مَا بَلَّغَ السَّامِعَ مُسْتَمْلِيهِ

378

لِلأَقْدَمِينَ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ

وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: هَذَا يُحْظَلُ

379

وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي الَّذِي لا يَفْهَمُ

كَلِمَةً، فَمِنْهُ قَدْ يَسْتَفْهِمُ

380

ثَالِثُهَا: إِجَازَةٌ، وَاخْتُلِفَا

فَقِيلَ: لا يَرْوِي بِهَا، وَضُعِّفَا

381

وَقِيلَ: لا يَرْوِي وَلَكِنْ يَعْمَلُ

وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: أَفْضَلُ

382

مِنَ السَّمَاعِ، وَالتَّسَاوِي نُقِلا

وَالْحَقُّ: أَنْ يَرْوِي بِهَا وَيَعْمَلا

383

وَأَنَّهَا دُونَ السَّمَاعِ لِلسَّلَفْ

وَاسْتَوَيَا لَدَى أُنَاسٍ الْخَلَفْ

384

عَيَّنَ مَا أَجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ

أَوْ ذَا وَمَا أَجَازَهُ قَدْ أَجْمَلَهْ

385

فَإِنْ يُعَمِّمْ مُطْلَقًا أَوْ مَنْ وُجِدْ

فِي عَصْرِهِ: صُحِّحَ رَدٌّ وَاعْتُمِدْ

ص: 49

386

مَا لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ مَعْ حَصْرِ

فَصَحِّحَنْ، كَالْعُلَمَا بِمِصْرِ

387

وَالْجَهْلُ بِالْمُجَازِ وَالْمُجَازِ لَهْ

كَلَمْ يُبَيِّنْ ذُو اشْتِرَاكٍ: أَبْطَلَهْ

388

وَلا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ مَعْ

تَسْمِيَةٍ أَوْ لَمْ يُصَفِّحْ مَا جَمَعْ

389

وفِي الأَصَحِّ أَبْطَلُوا وَإِنْ يَقُلِ

أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ عَلِي

390

وَصَحَّحُوا «أَجَزْتُهُ إِنْ شَاءَ» أَوْ

«أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ» رِوَايَةً رَأَوْا

391

وَالإِذْنُ لِلْمَعْدُومِ فِي الأَقْوَى امْتَنَعْ

ثَالِثُهَا: جَازَ لِمَوْجُودٍ تَبَعْ

392

وَصَحَّحُوا جَوازَهَا لِطِفْلِ

وَكَافِرٍ وَنَحْوِ ذَا وَحَمْلِ

393

وَمَنْعَهَا بِمَا الْمُجِيزُ يَحْمِلُهْ

مِنْ بَعْدِهَا، فَإِنْ يَقُلْ لا نُبْطِلُهْ

394

«أَجَزْتُ مَا صَحَّ وَمَا يَصِحُّ لَكْ

مِمَّا سَمِعْتُ أَوْ يَصِحُّ مَا سَلَكْ»

395

فِي مِثْلِ ذَا لا تُدْخِلِ الْمُجَازَا

أَوْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَا

396

وَمَنْ رَأَى إِجَازَةَ الْمُجَازِ

وَلَوْ عَلا فَذَاكَ ذُو امْتِيَازِ

397

وَلَفْظُهَا «أَجَزْتُهُ» «أَجَزْتُ لَهْ»

فَأَنْ يَخُطَّ نَاوِيًا فَيُهْمِلَهْ

398

وَلَيْسَ شَرْطًا الْقَبُولُ بَلْ إِذَا

رَدَّ فَعِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ بِذَا

399

وَاسْتُحْسِنَتْ مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ

وَشَرْطُهُ يُعْزَى إِلَى أَكَابِرِ

400

رَابِعُهَا عِنْدَهُمُ: الْمُنَاوَلَهْ

أَنْ يُعْطِيَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ لَهْ

401

مِلْكًا، تَلِي إِعَارَةٌ، أَوْ يُحْضِرَهْ

لِلشَّيْخِ ذِي الْعِلْمِ لِكَيْمَا يَنْظُرَهْ

ص: 50

402

ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَأَذِنْ

فِي الصُّورَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، فَدِنْ

403

وَأَخَذُوا بِهَذِهِ إِجْمَاعَا

بَلْ قِيلَ: ذِي تُعَادِلُ السَّمَاعَا

404

وَآخَرُونَ فَضَّلُوهَا وَالأَصَحّْ

تَلِي، وَسَبْقُهَا إِجَازَةً وَضَحْ

405

وَصَحَّ إِنْ نَاوَلَ وَاسْتَرَدَّا

وَمِنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ أَدَّى

406

قِيلَ: وَمَا لِذِي مِنَ امْتِيَازِ

عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَازِ

407

وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ

وَمَا رَأَى: صَحَّ، وَإِلَّا فَلْيُرَدّْ

408

فَإِنْ يَقُلْ: «أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا»

صَحَّ وَيُرْوَى عَنْهُ حَيْثُ بَانَا

409

وَإِنْ يُنَاوِلْ لا مَعَ الإِذْنِ وَلا

«هَذَا سَمَاعِي» : فَوِفَاقًا بَطَلا

410

وَإِنْ يَقُلْ: «هَذَا سَمَاعِي» ثُمَّ لَمْ

يَأْذَنْ: فَفِي صِحَّتِهَا خُلْفٌ يُضَمّْ

411

وَمَنْ يُنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ فَلْيَقُلِ:

«أَنْبَأَنِي» «نَاوَلَنِي» «أَجَازَ لِي»

412

«أَطْلَقَ» أَوْ «أَبَاحَ» أَوْ «سَوَّغَ» أَوْ

«أَذِنَ» أَوْ مُشْبِهَ هَذِي، وَرَأَوْا

413

ثَالِثَها مُصَحَّحًا أَنْ يُورِدَا

«حَدَّثَنَا» «أَخْبَرَنَا» مُقَيِّدَا

414

وَقِيلَ: قَيِّدْ فِي مُجَازٍ قَصَرَا

وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِخَبَّرَا

415

وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي بِنَحْوِ «لِي كَتَبْ»

«شَافَهَ» وَهْوَ مُوهِمٌ فَلْيُجْتَنَبْ

416

فِي الاقْتِرَاحِ مُطْلَقًا لا يَمْتَنِعْ

«أَخْبَرَ» إِنْ إِسْنَادَ جُزْءٍ قَدْ سَمِعْ

417

وَ «عَنْ» وَ «أَنَّ» جَوَّدُوا فِيمَا يَشُكّْ

سَمَاعَهُ، وَفِي الْمُجَازِ مُشْتَرَكْ

ص: 51

418

خَامِسُهَا: كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ

يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ

419

يَكْتُبَ عَنْهُ، فَمَتَى أَجَازَا

فَهِي كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا

420

أَوْ لا، فَقِيلَ لا تَصِحُّ وَالأَصَحّْ

صِحَّتُهَا، بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ

421

وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطّْ

كَاتِبِهِ، وَشَاهِدًا بَعْضٌ شَرَطْ

422

ثُمَّ لْيَقُلْ «حَدَّثَنِي، أَخْبَرَنِي

كِتَابَةً» وَالْمُطْلِقِينَ وَهِّنِ

423

السَّادِسُ: الإِعْلامُ، نَحْوُ «هَذَا

رِوَايَتِي» مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ حَاذَا

424

فَصَحَّحُوا إِلْغَاءَهُ، وَقِيلَ: لا

وَإِنَّهُ يَرْوِي وَلَوْ قَدْ حَظَلا

425

وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي وَصِيَّةٍ وَفِي

وِجَادَةٍ، وَالْمَنْعُ فِيهِمَا قُفِي

426

وَفِي الثَّلاثَةِ إِذَا صَحَّ السَّنَدْ:

نَرَى وُجُوبَ عَمَلٍ فِي الْمُعْتَمَدْ

427

يُقَالُ فِي وِجَادَةٍ: «وَجَدْتُ

بِخَطِّهِ» وِإِنْ تَخَلْ: «ظَنَنْتُ»

428

فِي غَيْرِ خَطٍّ: «قَالَ» مَا لَمْ تَرْتَبِ

فِي نُسْخَةٍ تَحَرَّ فِيهِ تُصِبِ

429

وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ وَمَنْ أَتَى

بِـ «عَنْ» يُدَلِّسْ أَوْ بِـ «أَخْبَرْ» رُدَّتَا

430

فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ فِيهِ تَرَى

وِجَادَةً، فَقُلْ: أَتَى مِنْ آخَرَا

‌كِتَابَةُ الحَدِيثِ، وضَبْطُهُ

431

كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا

ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى

432

مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ:

«لا تَكْتُبُوا عَنِّيَ» فَالْخُلْفُ نُمِي

ص: 52

433

فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ

وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ

434

مِنِ اخْتِلاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ

لأَمْنِهِ، وَقِيلَ: ذَا لِمَنْ نَسَخْ

435

الكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ

لآمِنٍ نِسْيَانَهُ، لا ذِي خَلَلْ

436

ثُمَّ عَلَى كَاتِبِهِ صَرْفُ الْهِمَمْ

لِلضَّبْطِ بِالنَّقْطِ وَشَكْلِ مَا عَجَمْ

437

وَقِيلَ: شَكْلُ كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَا

وَفِي سُمًى مَحَلِّ لَبْسٍ أُكِّدَا

438

وَاضْبِطْهُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْحَوَاشِي

مُقَطِّعًا حُرُوفَهُ لِلنَّاشِي

439

وَالْخَطَّ حَقِّقْ لا تُعَلِّقْ تَمْشُقِ

وَلا بِلا مَعْذِرَةٍ تُدَقِّقِ

440

وَيَنْبَغِي ضَبْطُ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَهْ

بِنَقْطِهَا أَوْ كَتْبِ حَرْفٍ أَسْفَلَهْ

441

أَوْ هَمْزَةٍ أَوْ فَوْقَهَا قُلامَهْ

أَوْ فَتْحَةٍ أَوْ هَمْزَةٍ عَلامَهْ

442

وَالنَّقْطُ تَحْتَ السِّينِ قِيلَ: صَفَّا

وَقِيلَ كَالشِّينِ: أَثَافِي تُلْفَى

443

وَالْكَافُ لَمْ تُبْسَطْ فَكَافٌ كُتِبَا

فِي بَطْنِهَا، وَاللامُ لامًا صَحِبَا

444

وَالرَّمْزَ بَيِّنْ وَسِوَاهُ أَفْضَلُ

وَبَيْنَ كُلِّ أَثَرَيْنِ يُفْصَلُ

445

بِدَارَةٍ، وَعِنْدَ عَرْضٍ تُعْجَمُ

وَكَرِهُوا فَصْلَ مُضَافٍ يُوهِمُ

446

وَاكْتُبْ ثَنَاءَ اللهِ وَالتَّسْلِيمَا

مَعَ الصَّلاةِ وَالرِّضَى تَعْظِيمًا

447

وَلا تَكُنْ تَرْمُزُهَا أَوْ تُفْرِدِ

وَلَوْ خَلا الأَصْلُ، خِلافَ أَحْمَدِ

448

ثُمَّ عَلَيْهِ حَتْمًا الْمُقَابَلَهْ

بِأَصْلِهِ أَوْ فَرْعِ أَصْلٍ قَابَلَهْ

ص: 53

449

وَخَيْرُهَا مَعْ شَيْخِهِ إِذْ يَسْمَعُ

وَقَالَ قَوْمٌ: مَعَ نَفْسٍ أَنْفَعُ

450

وَقِيلَ: هَذَا وَاجِبٌ، وَيُكْتَفَى

إِنْ ثِقَةٌ قَابَلَهُ فِي الْمُقْتَفَى

451

وَنَظَرُ السَّامِعِ مِنْهُ يُنْدَبُ

فِي نُسْخَةٍ، وَابْنُ مَعِينٍ: يَجِبُ

452

إِنْ لَمْ يُقَابِلْ جَازَ أَنْ يَرْوِيَ إِنْ

يَنْسَخْ مِنَ اصْلٍ ضَابِطٌ ثُمَّ لْيُبِنْ

453

وَكُلُّ ذَا مُعْتَبَرٌ فِي الأَصْلِ

وَسَاقِطًا خَرِّجْ لَهُ بِالْفَصْلِ

454

مُنْعَطِفًا، وَقِيلَ: مَوْصُولًا إِلَى

يُمْنَى بِغَيْرِ طَرْفِ سَطْرٍ وَاعْتَلَى

455

وَبَعْدَهُ «صَحَّ» وَقِيلَ: زِدْ «رَجَعْ»

وَقِيلَ كَرِّرْ كِلْمَةً، لَكِنْ مُنِعْ

456

وَخَرِّجَنْ لِغَيْرِ أَصْلٍ مِنْ وَسَطْ

وَقِيلَ ضَبِّبْ خَوْفَ لَبْسِ مَا سَقَطْ

457

مَا صَحَّ فِي نَقْلٍ وَمَعْنًى وَهْوَ فِي

مَعْرِضِ شَكٍّ «صَحَّ» فَوْقَهُ قُفِي

458

أَوْ صَحَّ نَقْلًا وَهْوَ فِي الْمَعْنَى فَسَدْ

ضَبِّبْ وَمَرِّضْ فَوْقَهُ صَادٌ تُمَدْ

459

كَذَاكَ فِي الْقَطْعِ وَفِي الإِرْسَالِ

وَبَعْضُهُمْ أَكَّدَ فِي اتِّصَالِ

460

لِعَطْفِ أَسْمَاءٍ بِصَادٍ بَيْنَهُمْ

وَاخْتَصَرَ التَّصْحِيحَ فِيهَا بَعْضُهُمْ

461

وَمَا يَزِيدُ فِي الْكِتَابِ فَامْحُ أَوْ

حُكَّ أَوِ اضْرِبْ وَهْوَ أَوْلَى وَرَأَوْا

462

وَصْلًا لِهَذَا الْخَطِّ بِالْمَضْرُوبِ

وَقِيلَ: بَلْ يُفْصَلُ مِنْ مَكْتُوبِ

463

مُنْعَطِفًا مِنْ طَرْفَيْهِ أَوْ كَتَبْ

صِفْرًا بِجَانِبَيْهِ أَوْ هُمَا أَصِبْ

464

بِنِصْفِ دَارَةٍ فَإِنْ تَكَرَّرَا

زِيَادَةُ الأَسْطُرِ سِمْهَا أَوْ عَرَا

ص: 54

465

وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ «لا» أَوْ «مِنْ» عَلَى

أَوَّلِهِ أَوْ «زَائِدًا» ثُمَّ «إِلَى»

466

وَإِنْ يَكُ الضَّرْبُ عَلَى مُكَرَّرِ

فَالثَّانِيَ اضْرِبْ فِي ابْتِدَاءِ الأَسْطُرِ

467

وَفِي الأَخِيرِ: أَوَّلًا أَوْ وُزِّعَا

وَالْوَصْفَ وَالُمضَافَ صِلْ لا تَقْطَعَا

468

وَحَيْثُ لا وَوَقَعَا فِي الأَثْنَا:

قَوْلانِ: ثَانٍ، أَوْ: قَلِيلٌ حُسْنَا

469

وَذُو الرِّوَايَاتِ يَضُمُّ الزَائِدَهْ

مُؤَصِّلًا كِتَابَهُ بِوَاحِدَهْ

470

مُلْحِقَ مَا زَادَ بِهَامِشٍ وَمَا

يَنْقُصُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَعْلَمَا

471

مُسَمِّيًا أَوْ رَامِزًا مُبَيِّنَا

أَوْ ذَا وَذَا بِحُمْرَةٍ وَبَيَّنَا

472

وَكَتَبُوا «حَدَّثَنَا» «ثَنَا» «وَنَا»

وَدَثَنَا «ثُمَّ» أَنَا «أَخْبَرَنَا»

473

أَوْ «أَرَنَا» أَوْ «أَبَنَا» أو «أَخَنَا»

«حَدَّثَنِي» قِسْهَا عَلَى «حَدَّثَنَا»

474

وَ «قَالَ» «قَافًا» مَعْ «ثَنَا» أَوْ تُفْرَدُ

وَحَذْفُهَا فِي الْخَطِّ أَصْلًا أَجْوَدُ

475

وَكَتَبُوا «حَ» عِنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ

فَقِيلَ: مِنْ «صَحَّ» وَقِيلَ: ذَا انْفَرَدْ

476

مِنَ الْحَدِيثِ، أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ

أَوْ حَائِلٍ، وَقَوْلُهَا لَفْظًا أَسَدّ

477

وَكَاتِبُ التَّسْمِيعِ فَلْيُبَسْمِلِ

وَيَذْكُرِ اسْمَ الشَّيْخِ نَاسِبًا جَلِي

478

ثُمَّ يَسُوقُ سَنَدًا وَمَتْنَا

لآخِرٍ، وَلْيَتَجَانَبْ وَهْنَا

479

وَيَكْتُبُ التَّأْرِيخَ مَعْ مَنْ سَمِعُوا

فِي مَوْضِعٍ ما، وَابْتِدَاءً أَنْفَعُ

480

وَلْيَكُ مَوْثُوقًا، وَلَوْ بِخَطِّهِ

لِنَفْسِهِ، وَعَدَّهُمْ بِضَبْطِهِ

ص: 55

481

أَوْ ثِقَةٍ، وَالشَّيْخُ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى

تَصْحِيحِهِ، وَحَذْفُ بَعْضٍ حُظِلا

482

وَمَنْ سَمَاعُ الْغَيْرِ فِي كِتَابِهِ

بِخَطِّهِ أَوْ خُطَّ بِالرِّضَى بِهِ

483

نُلْزِمُهُ بِأَنْ يُعِيرَهُ، وَمَنْ

بِغَيْرِ خَطٍّ أَوْ رِضَاهُ فَلْيُسَنّ

484

وِلْيُسْرِعِ الْمُعَارُ ثُمَّ يَنْقُلُ

سَمَاعَهُ مِنْ بَعْدِ عَرْضٍ يَحْصُلُ

‌صِفَةُ رِوَايَةِ الحَدِيثِ

485

وَمَنْ رَوَى مِنْ كُتُبٍ وَقَدْ عَرِي

حِفْظًا أَوِ السَّمَاعَ لَمَّا يَذْكُرِ

486

أَوْ غَابَ أَصْلٌ إِنْ يَكُ التَّغْيِيرُ

يَنْدُرُ أَوْ أُمِّيٌّ اوْ ضَرِيرُ

487

يَضْبِطْهُمَا مُعْتَمَدٌ مَشْهُورُ

فَكُلَّ هَذَا جَوَّزَ الْجُمْهُورُ

488

وَمَنْ رَوَى مِنْ غَيْرِ أَصْلِهِ بِأَنْ

يَسْمَعَ فِيهَا الشَّيْخُ أَوْ يُسْمِعَ لَنْ

489

يُجَوِّزُوهُ، وَرَأَى أَيُّوبُ

جَوَازَهُ وَفَصَّلَ الْخَطِيبُ:

490

إِنِ اطْمَأَنَّ أَنَّهَا الْمَسْمُوعُ

فَإِنْ يُجِزْهُ يُبَحِ الْمَجْمُوعُ

491

مَنْ كُتْبَهُ خِلافَ حِفْظِهِ يَجِدْ

وَحِفْظَهُ مِنْهَا: الْكِتَابَ يَعْتَمِدْ

492

كَذَا مِنَ الشَّيْخِ وَشَكَّ، وَاعْتَمَدْ

حِفْظًا إِذَا أَيْقَنَ، وَالْجَمْعُ أَسَدّ

493

كَمَا إِذَا خَالَفَ ذُو حِفْظٍ وَفِي

مَنْ يَرْوِي بِالْمَعْنَى خِلافٌ قَدْ قُفِي

494

فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوا لِلْعَارِفِ

ثَالِثُهَا: يَجُوزُ بِالْمُرَادِفِ

495

وَقِيلَ: إِنْ أَوْجَبَ عِلْمًا الْخَبَرْ

وَقِيلَ: إِنْ يَنْسَ، وَقِيلَ: إِنْ ذَكَرْ

ص: 56

496

وَقِيلَ: فِي الْمَوْقُوفِ وَامْنَعْهُ لَدَى

مُصَنَّفٍ، وَمَا بِهِ تُعُبِّدَا

497

وَقُلْ أَخِيرًا: «أَوْ كَمَا قَالَ» وَمَا

أَشْبَهَهُ، كَالشَّكِّ فِيمَا أُبْهِمَا

498

وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الْخَبَرِ

إِنْ لَمْ يُخِلَّ الْبَاقِي عِنْدَ الأَكْثَرِ

499

وَامْنَعْ لِذِي تُهْمَةٍ فَإِنْ فَعَلْ

فَلا يُكَمِّلْ خَوْفَ وَصْفٍ بِخَلَلْ

500

وَالْخُلْفُ فِي التَّقْطِيعِ فِي التَّصْنِيفِ

يَجْرِي وَأَوْلَى مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ

501

وَاحْذَرْ مِنَ اللَّحْنِ أَوِ التَّصْحِيفِ

خَوْفًا مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ

502

فَالنَّحْوُ وَاللُّغَاتُ حَقُّ مَنْ طَلَبْ

وَخُذْ مِنَ الأَفْوَاهِ لا مِنَ الْكُتُبْ

503

فِي خَطَأٍ وَلَحْنٍ اصْلٍ يُرْوَى

عَلَى الصَّوَابِ مُعْرَبًا فِي الأَقْوَى

504

ثَالِثُهَا: تَرْكُ كِلَيْهِمَا وَلا

تَمْحُ مِنَ الأَصْلِ، عَلَى مَا انْتُخِلا

505

بَلْ أَبْقِهِ مُضَبَّبًا وَبَيِّنِ

صَوَابَهُ فِي هَامِشٍ، ثُمَّ إِنِ

506

تَقْرَأْهُ قَدِّمْ مُصْلَحًا فِي الأَوْلَى

وَالأَخْذُ مِنْ مَتْنٍ سِوَاهُ أَوْلَى

507

وَإِنْ يَكُ السَّاقِطُ لا يُغَيِّرُ

كَابْنٍ وَحَرْفٍ زِدْ وَلا تُعَسَّرُ

508

كَذَاكَ مَا غَايَرَ حَيْثُ يُعْلَمُ

إِتْيَانُهُ مِمَّنْ عَلا، وَأَلْزَمُوا

509

«يَعْنِي» وَمَا يَدْرُسُ فِي الْكِتَابِ

مِنْ غَيْرِهِ يُلْحَقُ فِي الصَّوَابِ

510

كَمَا إِذَا يَشُكُّ وَاسْتَثْبَتَ مِنْ

مُعْتَمَدٍ، وَفِيهِمَا نَدْبًا أَبِنْ

511

وَمَنْ عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ تُشْكِلُ

يَرْوِي عَلَى مَا أَوْضَحُوا إِذْ يَسْأَلُ

ص: 57

512

وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ اشْيَاخٍ وَقَدْ

تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ

513

مُقْتَصِرًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَلَمْ

يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ

514

أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ

وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا

515

وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ

مَعْ «قَالَ» أَوْ «قَالا» فَذَاكَ أَحْسَنُ

516

وَإِنْ رَوَى عَنْهُمْ كِتَابًا قُوبِلا

بِأَصْلِ وَاحِدٍ يُبِينُ: احْتَمَلا

517

جَوَازَهُ وَمَنْعَهُ، وَفُصِّلا

مُخْتَلِفٌ بِمُسْتَقِلٍّ وَبِلا

518

وَلا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ

فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ

519

بِنَحْوِ «يَعْنِي» أَوْ بِـ «أَنَّ» أَوْ بِـ «هُو»

أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ

520

أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ

وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ

521

وَ «قَالَ» فِي الإِسْنَادِ قُلْهَا نُطْقًا اوْ

«قِيلَ لَهُ» وَالتَّرْكَ جَائِزًا رَأَوْا

522

وَنُسَخٌ إِسْنَادُهَا قَدِ اتَّحَدْ

نَدْبًا أَعِدْ فِي كُلِّ مَتْنٍ فِي الأَسَدّ

523

لا وَاجِبًا، وَالْبَدْءُ فِي أَغْلَبِهِ

بِهِ وَبَاقٍ أَدْرَجُوا مَعْ «وَبِهِ»

524

وَجَازَ مَعْ ذَا ذِكْرُ بَعْضٍ بِالسَّنَدْ

مُنْفَرِدًا عَلَى الأَصَحِّ الْمُعْتَمَدْ

525

وَالْمَيْزُ أَوْلَى، وَالَّذِي يُعِيدُ

فِي آخِرِ الْكِتَابِ لا يُفِيدُ

526

وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَوْ بَعْضِ سَنَدْ

ثُمَّ يُتِمُّهُ: أَجِزْ، فَإِنْ يُرَدْ

527

حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ كُلِّهِ رَجَحْ

جَوَازُهُ، كَبَعْضِ مَتْنٍ فِي الأَصَحّ

ص: 58

528

وَابْنُ خُزَيْمَةَ يُقَدِّمُ السَّنَدْ

حَيْثُ مَقَالٌ، فَاتَّبِعْ وَلا تَعَدّ

529

وَلَوْ رَوَى بِسَنَدٍ مَتْنًا وَقَدْ

جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْنٍ لَمْ يُعَدْ

530

بَلْ قَالَ فِيهِ «نَحْوَهُ» أَوْ «مِثْلَهُ»

لا تَرْوِ بِالثَّانِي حَدِيثًا قَبْلَهُ

531

وَقِيلَ: جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ

ذَا مَيْزَةٍ، وَقِيلَ: لا فِي «نَحْوِهِ»

532

الْحَاكِمُ: اخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنَى

وَمِثْلَهُ بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا

533

وَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: مِثْلَ خَبَرِ

قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا، فَلْيَذْكُرِ

534

وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْلِهِ

«وَذَكَرَ الْحَدِيثَ» أَوْ «بِطُولِهِ»

535

فَلا تُتِمَّهُ، وَقِيلَ: جَازا

إِنْ يَعْرِفَا، وَقِيلَ: إِنْ أَجَازا

536

وَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ «قَالَ وَذَكَرْ

حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا» وَائْتِ الْخَبَرْ

537

وَجَازَ أَنْ يُبْدِلَ بِالنَّبِيِّ

رَسُولُهُ، وَالْعَكْسُ فِي الْقَوِيِّ

538

وَسَامِعٌ بِالْوَهْنِ كَالْمُذَاكَرَهْ

بَيَّنَ حَتْمًا والْحَدِيثُ مَا تَرَهْ

539

عَنْ رَجُلَيْنِ ثِقَتَيْنِ أَوْ جُرِحْ

إِحْدَاهُمَا فَحَذْفَ وَاحِدٍ أَبِحْ

540

وَمَنْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَنْ رَجُلْ

وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرٍ ثُمَّ جَمَل

541

ذَلِكَ عَنْ ذَيْنِ مُبَيِّنًا بِلا

مَيْزٍ أَجِزْ وَحَذْفُ شَخْصٍ حُظِلا

542

مُجَرَّحًا يَكُونُ أَوْ مُعَدَّلا

وَحَيْثُ جَرْحُ وَاحِدٍ لا تَقْبَلا

ص: 59

‌آدَابُ المُحَدِّثِ

543

وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثَرِ

فَصَحِّحِ النِّيَّةَ ثُمَّ طَهِّرِ

544

قَلْبًا مِنَ الدُّنْيَا وَزِدْ حِرْصًا عَلَى

نَشْرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ مَنْ يُحْتَجْ إِلَى

545

مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ: شَيْخًا أَوْ حَدَثْ

وَرَدَّ لِلأَرْجَحِ نَاصِحًا وَحَثّ

546

وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لا تُرْشِدْ إِلَى

أَعْلَى فِي الاِسْنَادِ إِذَا مَا جَهِلا

547

وَمَنْ يُحَدِّثْ وَهُنَاكَ أَوْلَى

فَلَيْسَ كُرْهًا أَوْ خِلافَ الأَوْلَى

548

هَذَا هُوَ الأَرْجَحُ وَالصَّوَابُ

عَهْدَ النَّبِيِّ حَدَّثَ الصِّحَابُ

549

وَفِي الصِّحَابِ حَدَّثَ الأَتْبَاعُ

يَكَادُ فِيهِ أَنْ يُرَى الإِجْمَاعُ

550

وَهْوَ عَلَى الْعَيْنِ إِذَا مَا انْفَرَدَا

فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَدَّدَا

551

وَمَنْ عَلَى الْحَدِيثِ تَخْلِيطًا يَخَفْ

لِهَرَمٍ أَوْ لِعمًى وَالضَّعْفِ كَفّ

552

وَمَنْ أَتَى حَدِّثْ وَلَوْ لَمْ تَنْصَلِحْ

نِيَّتُهُ، فَإِنَّهَا سَوْفَ تَصِحّ

553

فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ كِبَارٍ جِلَّهْ:

«أَبَى عَلَيْنَا الْعِلْمُ إِلاَّ لِلَّه»

554

وَلِلْحَدِيثِ الْغُسْلُ وَالتَّطَهُّرُ

وَالطِّيبُ وَالسِّوَاكُ وَالتَّبَخُّرُ

555

مُسَرِّحًا وَاجْلِسْ بِصَدْرٍ بِأَدَبْ

وَهَيْبَةٍ مُتَّكِئًا عَلَى رَتَبْ

ص: 60

556

وَلا تَقُمْ لأَحَدٍ وَمَنْ رَفَعْ

صَوْتًا عَلَى الْحَدِيثِ فَازْبُرْهُ وَدَعْ

557

وَلا تُحَدِّثْ قَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعْ

أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى حَالٍ شَنِعْ

558

وَافْتَتِحِ الْمَجْلِسَ كَالتَّتْمِيمِ

بِالْحَمْدِ وَالصَلاةِ وَالتَّسْلِيمِ

559

بَعْدَ قِرَاءَةٍ لآيٍ وَدُعَا

وَلْيَكُ مُقْبِلًا عَلَيْهِمو مَعًا

560

وَرَتِّلِ الْحَدِيثَ وَاعْقِدْ مَجْلِسَا

يَوْمًا بِأُسْبُوعٍ لِلاِمْلَاءِ ائْتِسَا

561

ثُمَّ اتَّخِذْ مُسْتَمْلِيًا مُحَصِّلا

وَزِدْ إِذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ وَاعْتَلَى

562

يُبَلِّغُ السَّامِعَ أَوْ يُفَهِّمُ

وَاسْتَنْصَتَ النَّاسَ إِذَا تَكَلَّمُوا

563

وَبَعْدَهُ بَسْمَلَ ثُمَّ يَحْمَدُ

مُصَلِّيًا وَبَعْدَ ذَاكَ يُورِدُ

564

مَا قُلْتَ أَوْ مَنْ قُلْتَ مَعْ دُعَائِهِ

لَهُ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي انْتِهَائِهِ

565

«حَدَّثَنَا» وَيُورِدُ الإِسْنَادَا

مُتَرْجِمًا شُيُوخَهُ الأَفْرَادَا

566

وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ

أَوْ حِرْفَةٍ لا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ

567

وَارْوِ فِي الاِمْلا عَنْ شُيُوخٍ عُدِّلُوا

عَنْ كُلِّ شَيْخٍ أَثَرٌ وَيَجْعَلُ

568

أَرْجَحَهُمْ مُقَدَّمًا وَحَرِّرِ

وَعَالِيًا قَصِيرَ مَتْنٍ اخْتَرِ

569

ثُمَّ أَبِنْ عُلُوَّهُ وَصِحَّتَهْ

وَضَبْطَهُ وَمُشْكِلًا وَعِلَّتَهْ

570

وَاجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ كَالصِّفَاتِ

وَرُخَصًا مَعَ الْمُشَاجَرَاتِ

ص: 61

571

وَالزَّهُدُ مَعْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ

أَوْلَى فِي الاِمْلاءِ بِالاِتِّفَاقِ

572

وَاخْتِمْهُ بِالإِنْشَادِ وَالنَّوَادِرِ

وَمُتْقِنٌ خَرَّجَهُ لِلْقَاصِرِ

573

أَوْ حَافِظٍ بِمَا يَهُمُّ يُشْغَلُ

وَقَابِلِ الإِمْلاءَ حِينَ يَكْمُلُ

‌مَسأَلَةٌ

574

وَذَا الْحَدِيثِ وَصَفُوا، فَاْخْتَصَّا

بِحَافِظٍ كَذَا الْخَطِيبُ نَصَّا

575

وَهْوَ الَّذِي إِلَيْهِ فِي التَّصْحِيحِ

يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ

576

أَنْ يَحْفَظَ السُّنَّةَ مَا صَحَّ وَمَا

يَدْرِي الأَسَانِيدَ وَمَا قَدْ وَهِمَا

577

فِيهِ الرُّوَاةُ زَائِدًا أَوْ مُدْرَجَا

وَمَا بِهِ الإِعْلالُ فِيهَا نَهَجَا

578

يَدْرِي اصْطِلاحَ الْقَوْمِ وَالتَّمَيُّزَا

بَيْنَ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ مَيَّزَا

579

فِي ثِقَةٍ وَالضَّعْفِ وَالطِّبَاقِ

كَذَا الْخَطِيبُ حَدَّ لِلإِطْلاقِ

580

وَصَرَّحَ الْمِزِّيُّ أَنْ يَكُونَ مَا

يَفُوتُهُ أَقَلَّ مِمَّا عَلِمَا

581

وَدُونَهُ مُحَدِّثٌ أَنْ تُبْصِرَهْ

مِنْ ذَاكَ يَحْوِي جُمَلًا مُسْتَكْثَرَهْ

582

وَمَنْ عَلَى سَمَاعِهِ الْمُجَرَّدِ

مُقْتَصِرٌ لا عِلْمَ سِمْ بِالْمُسْنِدِ

583

وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَقَّبُوا

ذَوِي الْحَدِيثِ قِدَمًا ذَا مَنْقَبُ

ص: 62

‌آدَابُ طَالِبِ الحَدِيثِ

584

وَصَحِّحِ النِّيَّةَ ثُمَّ اسْتَعْمِلِ

مَكَارِمَ الأَخْلاقِ ثُمَّ حَصِّلِ

585

مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي

ثُمَّ البِلادَ ارْحَلْ وَلا تَسَهَّلِ

586

فِي الْحَمْلِ، وَاعْمَلْ بِالَّذِي تَرْوِيهِ

وَالشَّيْخَ بَجِّلْ لا تُطِلْ عَلَيْهِ

587

وَلا يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَبِ

وَالْكِبْرُ، وَابْذُلْ مَا تُفَادُ وَاكْتُبِ

588

لِلْعَالِ وَالنَّازِلِ لاِسْتِبْصَارِ

لا كَثْرَةِ الشُّيُوخِ لاِفْتِخَارِ

589

وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لا تُؤَخِّرِ

بَلْ خُذْ وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ فَانْظُرِ

590

فَقَدْ رَوَوْا: إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ

ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ

591

وَتَمِّمِ الْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ

وَإِنْ يَكُنْ لِلاِنْتِخَابِ دَاعِ

592

فَلْيَنْتَخِبْ عَالِيَهُ وَمَا انْفَرَدْ

وَقَاصِرٌ أَعَانَهُ مَنِ اسْتَعَدّ

593

وَعَلَّمُوا فِي الأَصْلِ لِلْمُقَابَلَهْ

أَوْ لِذَهَابِ فَرْعِهِ فَعَادَلَهْ

594

وَسَامِعُ الْحَدِيثِ بِاقْتِصَارِ

عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ

595

فَلْيَتَعَرَّفْ ضَعْفَهُ وَصِحَّتَهْ

وَفِقْهَهُ وَنَحْوَهُ وَلُغَتَهْ

596

وَمَا بِهِ مِنْ مُشْكِلٍ وَأَسْمَا

رِجَالِهِ وَمَا حَوَاهُ عِلْمَا

597

وَاْقْرَأْ كِتَابًا تَدْرِ مِنْهُ الاِصْطِلاحْ

كَهَذِهِ وَأَصْلِهَا وَابْنِ الصَّلاحْ

ص: 63

598

وَقَدِّمِ الصِّحَاحَ ثُمَّ السُّنَنَا

ثُمَّ الْمَسَانِيدَ وَمَا لا يُغْتَنَى

599

وَاحْفَظْهُ مُتْقِنًا وَذَاكِر وَرَأَوْا

جَوَازَ كَتْمٍ عَنْ خِلافِ الأَهْلِ أَوْ

600

مَنْ يُنْكِرُ الصَّوَابَ إِنْ يُذَكَّرِ

ثُمَّ إِذَا أُهِّلْتَ صَنِّفْ تَمْهَرِ

601

وَيُبْقِ ذِكْرًا مَا لَهُ مِنْ غَايَهْ

وَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَهْ

602

فَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالأَبْوَابِ

وَقَوْمٌ الْمُسْنَدَ لِلصِّحَابِ

603

يَبْدَأُ بِالأَسْبَقِ أَوْ بِالأَقْرَبِ

إِلَى النَّبِيْ أَوِ الْحُرُوفَ يَجْتَبِي

604

وَخَيْرُهُ مُعَلَّلٌ، وَقَدْ رَأَوْا

أَنْ يَجْمَعَ الأَطْرَافَ أَوْ شُيُوخًا اوْ

605

أَبْوَابًا اوْ تَرَاجِمًا أَوْ طُرُقَا

وَاحْذَرْ مِنَ الإِخْرَاجِ قَبْلَ الاِنْتِقَا

606

وَهَلْ يُثَابُ قَارِئُ الآثَارِ

كَقَارِئِ الْقُرْآنِ: خُلْفٌ جَارِي

‌العَالِي وَالنَّازِلُ

607

قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ

وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلا تَرْدَادِ

608

وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ، وَمَنْ

يُفَضِّلُ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ

609

وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا:

قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ اوْ

610

بِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَدْ

يُنْزَلُ لَوْ ذَا مِنْ طَرِيقِهِ وَرَدْ

611

فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ مُوَافَقَهْ

أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ: بَدَلٌ، أَوْ وَافَقَهْ

612

فِي عَدَدٍ فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ، وَإِنْ

فَرْدًا يَزِدْ مُصَافَحَاتٌ فَاْسْتَبِنْ

ص: 64

613

وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِينَا

عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سِوَى عِشْرِينَا

614

وَقِدَمُ السَّمَاعِ وَالنُّزُولُ

نَقِيضُهُ فَخَمْسَةً مَجْعُولُ

615

وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ

لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنًى يَقْتَصِرْ

616

وَلاِبْنِ حِبَّانَ: إِذَا دَارَ السَّنَدْ

مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ

617

فَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلامُ

وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ

‌المُسَلسَل

618

هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ

قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ

619

قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا

لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا

620

وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوَصْفِ، وَمِنْ

مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ

621

وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ

مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ

622

كَأَوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَاَن انْتَهَى

وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا

‌غَريبُ ألفاظِ الحَدِيثِ

623

أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ مَعْمَرُ

وَالنَّضْرُ، قَوْلانِ، وَقَوْمٌ أَثَرُوا

624

وَاْبْنُ الأَثِيرِ الآنَ أَعْلَى، وَلَقَدْ

لَخَّصْتُهُ مَعَ زَوَائِدَ تُعَدّ

ص: 65

625

فَاعْنَ بِهِ، وَلا تَخُضْ بِالظَّنِّ

وَلا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ

626

وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ اوْ

عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا

‌المُصَحَّفُ، والمُحَرَّفُ

627

وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ فِي التَّصْحِيفِ

وَالدَّارَقُطْنِيْ أَيَّمَا تَصْنِيفِ

628

فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ مُصَحَّفُ

أَوْ شَكْلُهُ لا أَحْرُفٌ مُحَرَّفُ

629

فَقَدْ يَكُونُ سَنَدًا وَمَتْنَا

وَسَامِعًا وَظَاهِرًا وَمَعْنَى

630

فَأَوَّلٌ: «مُرَاجِمٌ» صَحَّفَهُ

يَحْيَى «مُزَاحِمًا» فَمَا أَنْصَفَهُ

631

وَبَعْدَهُ: «يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَا»

صَحَّفَهُ وَكِيعُ قَالَ: «الْحَطَبَا»

632

وَثَالِثٌ: كَـ «خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَهْ»

شُعْبَةُ قَالَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَهْ

633

وَرَابِعٌ: مِثْلُ حَدِيثِ احْتَجَرَا

صَحَّفَهُ بِالمِيمِ بَعْضُ الْكُبَرَا

634

وَخَامِسٌ مِثْلُ حَدِيثِ الْعَنَزَهْ

ظَنَّ الْقَبِيلَ عَالِمٌ مِنْ عَنَزَهْ

‌النَّاسِخُ، وَالمَنْسُوخُ مِنَ الحَدِيثِ

635

النَّسْخُ: رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ وَالصَّوَابْ

فِي الْحَدِّ رَفْعُ حُكْمِ شَرْعٍ بِخِطَابْ

636

فَاعْنَ بِهِ فَإِنَّهُ مُهِمُّ

وَبَعْضُهُمْ أَتَاهُ فِيهِ الْوَهْمُ

ص: 66

637

يُعْرَفُ بِالنَّصِّ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ

صَاحِبِهِ أَوْ عُرِفَ الْوَقْتُ، وَلَوْ

638

صَحَّ حَدِيثٌ وَعَلَى تَرْكِ الْعَمَلْ

أُجْمِعَ فَالْوَفْقُ عَلَى النَّاسِخِ دَلّ

‌مُختَلِفُ الحَدِيثِ

639

أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُخْتَلِفِ

الشَّافِعِي، فَكُنْ بِذَا النَّوْعِ حَفِي

640

فَهْوَ مُهِمٌّ، وَجَمِيعُ الْفِرَقِ

فِي الدِّينِ: تَضْطَرُّ لَهُ فَحَقِّقِ

641

وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهِ مَنْ كَمَلْ

فِقْهًا وَأَصْلًا وَحَدِيثًا وَاعْتَمَلْ

642

وَهْوَ: حَدِيثٌ قَدْ أَبَاهُ آخَرُ

فَالْجَمْعُ إِنْ أَمْكَنَ لا يُنَافِرُ

643

كَمَتْنِ «لا عَدْوَى» وَمَتْنِ «فِرَّا»

فَذَاكَ لِلطَّبْعِ، وَذَا لاِسْتِقْرَا

644

وَقِيلَ: بَلْ سَدُّ ذَرِيعَةٍ، وَمَنْ

يَقُولُ مَخْصُوصٌ بِهَذَا: مَا وَهَنْ

645

أَوْ لا فَإِذْ يُعْلَمُ نَاسِخٌ قُفِي

أَوْ لا فَرَجِّحْ وَإِذَا يَخْفَى قِفِ

646

وَغَيْرُ مَا عُورِضَ فَهْوَ الْمُحْكَمُ

تَرْجَمَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ الْحَاكِمُ

647

وَمِنْهُ ذُو تَشَابُهٍ لَمْ يُعْلَمِ

تَأْوِيلُهُ، فَلا تَكَلَّمْ تَسْلَمِ

648

مِثْلُ حَدِيثِ «إِنَّهُ يُغَانُ»

كَذَا حَدِيثُ «أُنْزِلَ الْقُرآنُ»

‌أَسبَابُ الحَدِيثِ

649

أَوَّلُ مَنْ قَدْ أَلَّفَ الْجُوبَارِي

فَالْعُكْبَرِيْ فِي سَبَبِ الآثَارِ

ص: 67

650

وَهْوَ كَمَا فِي سَبَبِ الْقُرْآنِ:

مُبَيِّنٌ لِلْفِقْهِ وَالْمَعَانِي

651

مِثْلُ حَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ»

سَبَبُهُ فِيمَا رَوَوْا وَقَالُوا:

652

مُهَاجِرٌ لأُمِّ قَيْسٍ كَيْ نَكَحْ

مِنْ ثَمَّ ذِكْرُ امْرَأَةٍ فِيهِ صَلَحْ

‌مَعْرِفَةُ الصَّحَابةِ رضي الله عنهم

653

ثُمَّ الصَّحَابِي مُسْلِمًا لَاقِي الرَّسُولْ

وَإِنْ بِلَا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ

654

كَذَاكَ الاتْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ

وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ وَمَعْ رِوَايَةِ

655

وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ، وَقِيلَ: الْغَزْوِ أَوْ

عَامٍ، وَقِيلَ: مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ

656

وَشَرْطُهُ الْمَوْتُ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ

تَخَلَّلَ الرِّدَّةُ. وَالْجِنُّ رَأَوْا

657

دُخُولَهُمْ دُونَ مَلائِكٍ. وَمَا

نَشْرِطْ بُلُوغًا فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا

658

وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ بِالتَّوَاتُرِ

وَشُهْرَةٍ وَقَوْلِ صَحْبٍ آخَرِ

659

أَوْ تَابِعِيٍّ، وَالأَصَحُّ: يُقْبَلُ

إِذَا ادَّعَى مُعَاصِرٌ مُعَدَّلُ

660

وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ

النَّوَوِيْ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ

661

وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ:

أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ

662

وَأَنَسٌ وَالْبَحْرُ كَالْخُدْرِيِّ

وَجَابِرٌ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ

663

وَالْبَحْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوِي وَعُمَرْ

وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ

664

ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلِي

وَبَعْدَهُمْ عِشْرُونَ لا تُقَلِّلِ

ص: 68

665

وَبَعْدَهُمْ مَنْ قَلَّ فِيهَا جِدَّا

عِشْرُونَ بَعْدَ مِائَةٍ قَدْ عُدَّا

666

وَكَانَ يُفْتِي الْخُلَفَا ابْنُ عَوْفٍ ايْ

عَهْدَ النَّبِيْ زَيْدٌ مُعَاذٌ وَأُبَيْ

667

وَجَمَعَ الْقُرْآنَ مِنْهُمْ عِدَّهْ

فَوْقَ الثَّلاثِينَ فَبَعْضٌ عَدَّهْ

668

وَشُعَرَاءُ الْمُصْطَفَى ذَوُو الشَّانْ

ابْنُ رَوَاحَةَ وَكَعْبٌ حَسَّانْ

669

وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو

وابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي

670

دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَهُمْ «عَبَادِلَهْ»

وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ

671

وَالْعَدُّ لا يَحْصُرُهُمْ، تُوُفِّي

عَمَّا يَزِيدُ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ

672

وَأَوَّلُ الْجَامِعِ لِلصَّحَابَةِ

هُوَ الْبُخَارِيُّ وَفِي الإِصَابَةِ

673

أَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ وَتَحْرِيرٍ، وَقَدْ

لَخَّصْتُهُ مُجَلَّدًا فَلْيُسْتَفَدْ

674

وَهُمْ طِبَاقٌ، قِيلَ: خَمْسٌ وَذُكِرْ

عَشْرٌ مَعَ اثْنَيْنِ وَزَائِدٌ أُثِرْ:

675

فَالأَوَّلُونَ أَسْلَمُوا بِمَكَّةِ

يَلِيهِمُ أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ

676

ثُمَّ الْمُهَاجِرُونَ لِلْحَبَشَهْ

ثُمَّ اثْنَتَانِ انْسُبْ إِلَى الْعَقَبَهْ

677

فَأَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ لِقُبَا

فَأَهْلُ بَدْرٍ وَيَلِي مَنْ غَرَّبَا

678

مِنْ بَعْدِهَا فَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ثُمّْ

مَنْ بَعْدَ صُلْحٍ هَاجَرُوا وَبَعْدُ ضُمّْ

679

مُسْلِمَةَ الْفَتْحِ فَصِبْيَانٌ رَأَوْا

وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ إِجْمَاعًا حَكَوْا

680

وَعُمَرٌ بَعْدُ وَعُثْمَانُ يَلِي

وَبَعْدَهُ أَوْ قَبْلُ قَوْلانِ: عَلِي

ص: 69

681

فَسَائِرُ الْعَشْرَةِ فَالْبَدْرِيَّهْ

فَأُحُدٌ فَالْبَيْعَةُ الزَّكِيَّهْ

682

وَالسَّابِقُونَ لَهُمُ مَزِيَّهْ

فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ الْمَرْضِيَّهْ

683

وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ أَوْ هُمُ

بَدْرِيَّةٌ أَوْ قَبْلَ فَتْحٍ أَسْلَمُوا

684

وَاخْتَلَفُوا أَوَّلَهُمْ إِسْلامَا

وَقَدْ رَأَوْا جَمْعَهُمُ انْتِظَامَا

685

أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ فِي الرِّجَالِ

صِدِّيُقُهُمْ وَزَيْدُ فِي الْمَوَالِي

686

وَفِي النِّسَا خَدِيجَةٌ وَذِي الصِّغَرْ

عَلَيُّ وَالرِّقِّ بِلالٌ اشْتَهَرْ

687

وَأَفْضَلُ الأَزْوَاجِ بِالتَّحْقِيقِ

خَدِيجَةٌ مَعَ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ

688

وَفِيهِمَا ثَالِثُهَا الْوَقْفُ وَفِي

عَائِشَةٍ وَابْنَتِهِ الْخُلْفُ قُفِي

689

يَلِيهِمَا حَفْصَةُ فَالْبَوَاقِي

وَآخِرُ الصِّحَابِ بِاتِّفَاقِ

690

مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ وَهْوَ آخِرُ

بِمَكَّةٍ، وَقِيلَ فِيهَا: جَابِرُ

691

بِطَيْبَةَ السَّائِبُ أَوْ سَهْلٌ أَنَسْ

بِبَصْرَةٍ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى حُبِسْ

692

بِكُوفَةٍ وَقِيلَ عَمْرٌو أَوْ أَبُو

جُحَيْفَةٍ وَالشَّامُ فِيهَا صَوَّبُوا

693

الْبَاهِلِي أَوِ ابْنَ بُسْرٍ وَلَدَى

مِصْرَ ابْنُ جَزْءٍ وَابْنُ الَاكْوَعِ بَدَا

694

وَالْحَبْرُ بِالطَّائِفِ وَالْجَعْدِيُّ

بِأَصْبَهَانَ وَقَضَى الْكِنْدِيُّ

695

الْعُرْسُ فِي جَزِيرَةٍ، بِبَرْقَةِ

رُوَيْفِعُ الْهِرْمَاسُ بِالْيَمَامَةِ

696

وَقُبِضَ الْفَضْلُ بِسَمْرَقَنْدَا

وَفِي سِجِسْتَانَ الأَخِيرُ الْعَدَّا

ص: 70

697

النَّوَوِيْ: مَا عَرَفُوا مَنْ شَهِدَا

بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ إِلاَّ مَرْثِدَا

698

وَالْبَغَوِيُّ زَادَ: أَنَّ مَعْنَا

وَأَبَهُ وَجَدَّهُ بِالْمَعْنَى

699

وَأَرْبَعٌ تَوَالَدُوا صَحَابَهْ:

حَارِثَةُ الْمَوْلَى أَبُو قُحَافَهْ

700

وَمَا سِوَى الصِّدِّيقِ مِمَّنْ هَاجَرَا

مَنْ وَالِدَاهُ أَسْلَمَا قَدْ أُثِرَا

701

وَلَيْسَ فِي صَحَابَةٍ أَسَنُّ مِنْ

صِدَّيقِهِم مَعَ سُهَيْلٍ فَاسْتَبِنْ

702

أَجْمَلُهُمْ دِحْيَةُ الْجَمِيلُ

جَاءَ عَلَى صُورَتِهِ جِبْرِيلُ

‌مَعرِفَةُ التَّابِعِينَ، وأَتبَاعِهِمْ

703

وَمِنْ مُفَادِ عِلْمِ ذَا وَالأَوَّلِ

مَعْرِفَةُ الْمُرْسَلِ وَالْمُتَّصِلِ

704

وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ

مَعْ، خَمْسَةٍ: أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ

705

وَذَاكَ «قَيْسٌ» مَا لَهُ نَظِيرُ

وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ

706

وَآخِرُ الطِّبَاقِ لاقِي أَنَسِ

وَسَائِبٍ كَذَا صُدَيٌّ، وَقِسِ

707

وَخَيْرُهُمْ أُوَيْسُ أَمَّا الأَفْضَلُ

فَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَكَانَ الْعَمَلُ

708

عَلَى كَلامِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ

هَذَا عُبَيْدِ اللهِ سَالِمْ عُرْوَةِ

709

خَارِجَةٍ وَابْنِ يَسَارٍ قَاسِمِ

أَوْ فَأَبُو سَلَمَةٍ عَنْ سَالِمِ

710

وَبِنْتُ سِيرِينَ وَأُمُّ الدَّرْدَا

خَيْرُ النِّسَا مَعْرِفَةً وَزُهْدَا

ص: 71

711

وَمِنْهُمُ الْمُخَضْرَمُونَ: مُدْرِكُ

نُبُوَّةٍ وَمَا رَأَى مُشْتَرَكُ

712

يَلِيهِمُ الْمَوْلُودُ فِي حَيَاتِهِ

وَمَا رَأَوْهُ عُدَّ مِنْ رُوَاتِهِ

713

وَمِنْهُمُ مَنْ عَدَّ فِي الأَتْبَاعِ

صَحَابَةً لِغَلَطٍ أَوْ داعِ

714

وَالْعَكْسُ وَهْمًا وَالتِّبَاعُ قَدْ يُعَدّ

فِي تَابِعِ الأَتْبَاعِ إِذْ حَمْلٌ وَرَدْ

715

ومَعْمَرٌ أَوَّلُ مَنْ مِنْهُمْ قَضَى

وَخَلَفٌ آخِرُهُمْ مَوْتًا مَضَى

‌رِوَايَةُ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصَاغِرِ والصَّحَابَةِ عَنِ التَّابِعِينَ

716

وَقَدْ رَوَى الْكِبَارُ عَنْ صِغَارِ

فِي السِّنِّ أَوْ فِي الْعِلْمِ وَالْمِقْدَارِ

717

أَوْ فِيهِمَا، وَعِلْمُ ذَا أَفَادَا

أَنْ لا يُظَنَّ قَلْبُهُ الإِسْنَادَا

718

وَمِنْهُ أَخْذُ الصَّحْبِ عَنْ أَتْبَاعِ

وَتَابِعٍ عَنْ تَابِعِ الأَتْبَاعِ

719

كَالْبَحْرِ عَنْ كَعْبٍ وَكَالزُّهْرِيِّ

عَنْ مَالِكٍ وَيَحْيَى الانْصَارِيِّ

‌رِوَايَةُ الصَّحَابَةِ عَنِ التَّابِعِينَ عَنِ الصَّحَابَةِ

720

وَمَا رَوَى الصَّحْبُ عَنِ الأَتْبَاعِ عَنْ

صَحَابَةٍ فَهْوَ ظَرِيفٌ لِلْفَطِنْ

721

أَلَّفَ فِيهِ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ

وَمُنْكِرُ الْوُجُودِ لا يُصِيبُ

722

كَسَائِبٍ عَنِ ابْنِ عَبْدٍ عَنْ عُمَرْ

وَنَحْوُ ذَا قَدْ جَاءَ عِشْرُونَ أَثَرْ

ص: 72

‌روَايَةُ الأَقْرَانِ

723

وَوَقَعَتْ رِوَايَةُ الأَقْرَانِ

وَعِلْمُهَا يُقْصَدُ لِلْبَيَانِ

724

أَنْ لا يُظَنَّ الزَّيْدُ فِي الإِسْنَادِ أَوْ

إِبْدَالُ عَنْ بِالْوَاوِ وَالْحَدَّ رَأَوْا

725

إِنْ يَكُ فِي الإِسْنَادِ قَدْ تَقَارَبَا

وَالسِّنَّ دَائِمًا وَقِيلَ: غَالِبَا

726

وَفِي الصِّحَابِ أَرْبَعٌ فِي سَنَدِ

وَخَمْسَةٌ، وَبَعْدَهَا لم يَرِدِ

727

فَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنَ الْقِرْنَيْنِ عَنْ

صَاحِبِهِ فَهْوَ «مُدَبَّجٌ» حَسَنْ

728

فَمِنْهُ فِي الصَّحْبِ رَوَى الصِّدِّيقُ

عَنْ عُمَرٍ ثُمَّ رَوَى الفَارُوقُ

729

وَفِي التِّبَاعِ عَنْ عَطَاءِ الزُّهْرِيْ

وَعَكْسُهُ، وَمِنْهُ بَعْدُ فَادْرِ

730

فَتَارَةً رَاوِيهِمَا مُتَّحِدُ

وَالشَّيْخُ أَوْ أَحْدُهُمَا يَتَّحِدُ

731

وَمِنْهُ فِي الْمُدَبَّجِ الْمَقْلُوبُ

مُسْتَوِيًا مِثَالُهُ عَجِيبُ

732

مَالِكُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكْ

وَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَالِكْ سُلِكْ

‌الإِخوَةُ والأَخَوَاتُ

733

وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَئِيُّ صَنَّفَا

فِي إِخْوَةٍ وَقَدْ رَأَوْا أَنْ يُعْرَفَا

734

كَيْ لا يُرَى عِنْدَ اشْتِرَاكٍ فِي اسْمِ الأَبْ

غَيْرُ أَخٍ أَخًا وَمَا لَهُ انْتَسَبْ

735

أَرْبَعُ إِخْوَةٍ رَوَوْا فِي سَنَدِ

أَوْلادُ سِيرِينَ بِفَرْدٍ مُسْنَدِ

ص: 73

736

وَإِخْوَةٌ مِنَ الصِّحَابِ بَدْرَا

قَدْ شَهِدُوهَا سَبْعٌ اَبْنَا عَفْرَا

737

وَتِسْعَةٌ مُهَاجِرُونَ هُمْ بَنُو

حَارِثٍ السَّهْمِيِّ كُلٌّ مُحْسِنُ

‌رِوَايَةُ الآبَاءِ عَنِ الأَبْنَاءِ، وعَكْسُهُ

738

وَأَلَّفَ الْخَطِيبُ فِي ذِي أَثْرِ

عَنِ ابْنِهِ كَوَائِلٍ عَنْ بَكْرِ

739

وَالْوَائِلِي فِي عَكْسِهِ فَإِنْ يُزَدْ

عَنْ جَدِّهِ فَهْوَ مَعَالٍ لا تُحَدّْ

740

أَهَمُّهُ حَيْثُ أَبٌ وَالْجَدُّ لا

يُسَمَّى وَالآبَا قَدِ انْتَهَتْ إِلَى

741

عَشْرَةٍ وَأَرْبَعٍ فِي سَنَدِ

مُجَهَّلٍ لأرْبَعِينَ مُسْنَدِ

742

وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهْ

عَنْ جَدِّهِ فَالأَكْثَرُونَ احْتَجَّ بِهْ

743

حَمْلًا لِجَدِّهِ عَلَى الصَّحَابِي

وَقِيلَ بِالإِفْصَاحِ وَاسْتِيعَابِ

744

وَهَكَذَا نُسْخَةُ بَهْزٍ، وَاخْتُلِفْ:

أَيُّهُمَا أَرْجَحُ وَالأُولَى أُلِفْ

745

وَاعْدُدْ هُنَا مَنْ تَرْوِ عَنْ أُمٍّ بِحَقّ

عَنْ أُمِّهَا، مِثْلَ حَدِيثِ مَنْ سَبَقْ

‌السَّابِقُ واللاحِقُ

746

فِي سَابِقٍ وَلاحِقٍ قَدْ صُنِّفَا

مَنْ يَرْوِ عَنْهُ اثْنَانِ وَالْمَوْتُ وَفَى

747

لِوَاحِدٍ وَأُخِّرَ الثَّانِ زَمَنْ

كَمَالِكٍ عَنْهُ رَوَى الزُّهْرِيْ وَمِنْ

748

وَفَاتِهِ إِلَى وَفَاةِ السَّهْمِي

قَرْنٌ وَفَوْقَ ثُلْثِهِ بِعِلْمِ

ص: 74

749

وَمِنْ مُفَادِ النَّوْعِ أَنْ لا يُحْسَبَا

حَذْفٌ وَتَحْسِينُ عُلُوٍّ يُجْتَبَى

750

بَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ وَالسِّبْطِ اللَّذَا

لِلسِّلَفِيْ قَرْنٌ وَنِصْفٌ يُحْتَذَى

‌منْ رَوَى عنْ شَيخٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ

751

وَمَنْ رَوَى عَنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَوَى

عَنْ غَيْرِهِ عَنْهُ مِنَ الْفَنِّ حَوَى

752

أَنْ لا يُظَنَّ فِيهِ مِنْ زَيَادَهْ

أَوِ انْقِطَاعٍ فِي الَّذِي أَجَادَهْ

‌الوُحْدَانُ

753

صَنَّفَ فِي الْوُحْدَانِ مُسْلِمٌ بِأَنْ

لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَمِنْ

754

مُفَادِهِ مَعْرِفَةُ الْمَجْهُولِ

وَالرَّدُّ لا مِنْ صُحْبَةِ الرَّسُولِ

755

مِثَالُهُ: لَمْ يَرْوِ عَنْ مُسَيَّبِ

إلاَّ ابْنُهُ وَلا عَنِ ابْنِ تَغْلِبِ

756

عَمْرٍو سِوَى الْبَصْرِي وَلا عَنْ وَهْبِ

وَعَامِرِ بْنِ شَهْرٍ اْلاَّ الشَّعْبِي

757

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ صِحَابٌ مِنْ أُولَى

كَثِيرٌ الْحَاكِمُ عَنْهُمْ غَفَلا

‌منْ لَمْ يَروِ إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا

758

وَلِلْبُخَارِيِّ كِتَابٌ يَحْوِي

مَنْ غَيْرَ فَرْدٍ مُسْنَدٍ لَمْ يَرْوِي

759

وَهْوَ شَبِيهُ مَا مَضَى وَيَفْتَرِقْ

كُلٌّ بِأَمْرٍ فَدِرَايَةٌ تُحِقّ

760

مِثْلُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةٍ رَوَى

فِي الْخُفِّ لا غَيْرُ، فَكُنْ مِمَّنْ حَوَى

ص: 75

‌منْ لَمْ يَروِ إِلا عَنْ وَاحِدٍ

761

وَمِنْهُمُ مَنْ لَيْسَ يَرْوِي إِلَّا

عَنْ وَاحِدٍ وَهْوَ ظَرِيفٌ جَلَّا

762

كَابْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ عَنْ أَوْزَاعِي

وَعَنْ عَلِيْ عَاصِمُ فِي الأَتْبَاعِ

763

وَابْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ الْحَبْرِ وَمَا

عَنْهُ سِوَى الزُّهْرِيِّ فَرْدٌ بِهِمَا

‌مَنْ أُسْنِدَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ

الذِينَ مَاتُوا فِي حَيَاتِهِ صلى الله عليه وسلم

764

وَاعْنَ بِمَنْ قَدْ عُدَّ مِنْ رُوَاتِهِ

مَعْ كَوْنِهِ قَدْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ

765

يُدْرَى بِهِ الإِرْسَالُ نَحْوُ جَعْفَرِ

وَحَمْزَةٍ خَدِيجَةٍ فِي أُخَرِ

‌منْ ذُكِرَ بِنُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ

766

وَأَلَّفَ الأَزْدِيُّ فِيمَنْ وُصِفَا

بِغَيْرِ مَا وَصْفٍ إِرَادَةَ الْخَفَا

767

وَهْوَ عَوِيصٌ عِلْمُهُ نَفِيسُ

يُعْرَفُ مِنْ إِدْرَاكِهِ التَّدْلِيسُ

768

مِثَالُهُ: مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ

خَمْسِينَ وَجْهًا اسْمُهُ مَقْلُوبُ

‌أَفْرَادُ العَلَمِ

769

وَالْبَرْذَعِيْ صَنَّفَ أَفْرَادَ الْعَلَمْ

أَسْمَاءً أَوْ أَلْقَابًا اوْ كُنًى تُضَمّْ

770

كَأَجْمَدٍ وَكَجُبَيْبٍ سَنْدَرِ

وَشَكَلٍ صُنَابِحِ بْنِ الأَعْسَرِ

ص: 76

771

أَبِي مُعَيْدٍ وَأَبِي الْمُدِلَّهْ

أَبِي مُرَايَةَ اسْمُهُ عَبْدُ الله

772

سَفِينَةٍ مِهْرَانَ ثُمَّ مِنْدَلِ

بِالْكَسْرِ فِي الْمِيمِ وَفَتْحُهَا جَلِي

‌الأَسْمَاءُ والكُنَى

773

وَاعْنَ بِالاسْمَا وَالْكُنَى فَرُبَّمَا

يُظَنُّ فَرْدٌ عَدَدًا تَوَهُّمَا

774

فَتَارَةً يَكُونُ الاِسْمُ الْكُنْيَهْ

وَتَارَةً زَادَ عَلَى ذَا كُنْيَهْ

775

وَمَنْ كُنِي وَلا نَرَى فِي النَّاسِ

اسْمًا لَهُ نَحْوُ أَبِي أُنَاسِ

776

وَتَارَةً تَعَدَّدُ الْكُنَى وَقَدْ

لُقِّبَ بِالْكُنْيَةِ مَعْ أُخْرَى وَرَدْ

777

وَمِنْهُمُ مَنْ فِي كُنَاهُمُ اخْتُلِفْ

لا اسْمٍ، وَعَكْسُهُ وَذَيْنِ أَوْ أُلِفْ

778

كِلاهُمَا، وَمِنْهُمُ مَنِ اشْتَهَرْ

بِكُنْيَةٍ أَوْ بِاسْمِهِ، إِحْدَى عَشَرْ

‌أَنْوَاعْ عَشَرَةْ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالكُنَى، مَزِيدَةْ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَالأَلفِيَّةِ

779

وَأَلَّفَ الْخَطِيبُ فِي الَّذِي وَفَا

كُنْيَتُهُ مَعَ اسْمِهِ مُؤْتَلِفَا

780

مِثْلُ «أَبِي الْقَاسِمِ» وَهْوَ «الْقَاسِمُ»

فَذَاكِرٌ بِوَاحِدٍ لا وَاهِمُ

781

وَفِي الَّذِي كُنْيَتُهُ قَدْ أُلِفَا

اسْمَ أَبِيهِ غَلَطٌ بِهِ انْتَفَى

782

نَحْوُ «أَبِي مُسْلِمٍ بْنِ مُسْلِمِ»

هُوَ «الأَغَرُّ الْمَدَنِيُّ» فَاعْلَمِ

783

وَأَلَّفَ الأَزْدِيُّ عَكْسَ الثَّانِي

نَحْوُ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانِ

ص: 77

784

وَأَلَّفُوا مَنْ وَرَدَتْ كُنْيَتُهُ

وَوَافَقَتْهُ كُنْيَةً زَوْجَتُهُ

785

مِثْلُ «أَبِي بَكْرٍ» وَ «أُمِّ بَكْرِ»

كَذَا «أَبُو ذَرٍّ» وَ «أُمُّ ذَرِّ»

786

وَفِي الَّذِي وَافَقَ فِي اسْمِهِ الأَبَا

نَحْوُ «عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ» نَسَبَا

787

وَإِنْ يَزِدْ مَعْ جَدِّهِ فَحَسِّنِ

كَالْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ

788

أَوْ شَيْخَهُ وَشَيْخَهُ قَدْ بَانَا

عِمْرَانُ عَنْ عِمْرَانَ عَنْ عِمْرَانَا

789

أَوِ اسْمُ شَيْخٍ لأَبِيهِ يَأْتَسِي

«رَبِيعٌ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ»

790

أَوْ شَيْخُهُ وَالرَّاوِ عَنْهُ الْجَارِي

يَرْفَعُ وَهْمَ الْقَلْبِ وَالتَّكْرَارِ

791

مِثْلُ: «الْبُخَارِي رَاوِيًا عَنْ مُسْلِمِ

وَمُسْلِمٌ عَنْهُ رَوَى» فَقَسِّمِ

792

وَفِي الصَّحِيحِ قَدْ رَوَى الشَّيْبَانِي

عَنْ ابْنِ عَيْزَارٍ عَنْ الشَّيْبَانِي

793

أَوِ اسْمُهُ وَنَسَبٌ فَادَّكِرِ

كَحِمْيَرِيِّ بْنِ بَشِيرِ الْحِمْيَرِي

794

وَمَنْ بِلَفْظِ نَسَبٍ فِيهِ سُمِي

مِثَالُهُ الْمَكِّيُّ ثُمَّ الْحَضْرَمِي

‌الأَلقَابُ

795

وَاعْنَ بِالالْقَابِ لِمَا تَقَدَّمَا

وَسَبَبِ الْوَضْعِ وَأُلِّفْ فِيهِمَا

796

كَعَارِمٍ وَقَيْصَرٍ وَغُنْدَرِ

لِسَتَّةٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ

797

وَالضَّالِ وَالضَّعِيفِ سَيِّدَانِ

وَيُونُسَ الْقَوِيِّ ذُو لِيَانِ

798

وَيُونُسَ الْكَذُوبِ وَهْوَ مُتْقِنُ

وَيُونُسَ الصَّدُوقِ وَهْوَ مُوهِنُ

ص: 78

‌المُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ

799

أَهَمُّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ مَا ائْتَلَفْ

خَطًّا وَلَكِنْ لَفْظُهُ قَدِ اخْتَلَفْ

800

وَجُلُّهُ يُعْرَفُ بِالنَّقْلِ وَلا

يُمْكِنُ فِيهِ ضَابِطٌ قَدْ شَمِلا

801

أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَهُ «عَبْدُ الْغَنِي»

وَ «الذَّهَبِيُّ» آخِرًا، ثُمَّ عُنِي

802

بِالْجَمْعِ فِيهِ «الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ»

فَجَاءَ أَيَّ جَامِعٍ مُحَرَّرِ

803

وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ مِمَّا اخْتَصَرْ

ابْنُ الصَّلاحِ مَعْ زَوَائِدٍ أُخَرْ

804

بَكْرِيُّهُمْ وَابْنُ شُرَيْحٍ «أَسْفَعُ»

وَجَاهِلِيُّونَ، وَغَيْرٌ «أَسْقَعُ»

805

«أُسَيْدُ» بِالضَّمِّ وَبِالتَّصْغِيرِ

أَبْنَا أَبِي الْجَدْعَاءِ وَالْحُضَيْرِ

806

وَأَخْنَسٍ أُحَيْحَةٍ وَثَعْلَبَهْ

وَابْنِ أَبِي إِيَاسِ فِيمَا هَذَّبَهْ

807

وَرَافِعٍ سَاعِدَةٍ وَزَافِرِ

كَعْبٍ وَيَرْبُوعٍ ظُهَيْرٍ عَامِرِ

808

ثُمَّ أَبُو عُقْبَةَ مَعْ تَمِيمِ

وَجَدُّ قَيْسٍ صَاحِبٍ تَمِيمِي

809

وَاكْنِ «أَبَا أُسَيْدٍ» الْفَزَارِي

وَابْنَا عَلِي وَثَابِتٍ بُخَارِي

810

ثُمَّ ابْنُ عِيسَى وَهْوَ فَرْدٌ «أَمَنَهْ»

وَغَيْرُهُ «أُمَيَّةٌ» أَوْ «آمِنَهْ»

811

مُحَمَّدُ بْنُ «أَتَشَ» الصَّنْعَانِي

بِالتَّاءِ وَالشِّينِ بِلا تَوَانِ

812

«أَثْوَبُ» نَجْلُ عُتْبَةٍ وَالأَزْهَرِ

وَوَالِدُ الْحَارِثِ، ثُمَّ اقْتَصِرِ

813

وَأَبَوَا عَالِيَةٍ وَمَعْشَرِ

أُذَيْنَةٌ حَمَّادُ «بَرَّاءُ» اذْكُرِ

ص: 79

814

إِلَى بُخَارَى نِسْبَةُ الْبُخَارِي

وَمَنْ مِنَ الأَنْصَارِ فَالنَّجَّارِي

815

وَلَيْسَ فِي الصَّحْبِ وَلا الأَتْبَاعِ

مَنْ يُنْسَبُ الأَوَّلَ بِالإِجْمَاعِ

816

وَالِدَ رَافِعٍ وَفَضْلٍ كَبِّرِ

«خَدِيجَ» أَهْمِلْ غَيْرَ ذَا وَصَغِّرِ

817

«حِرَاشٌ» بْنُ مَالِكٍ كَوَالِدِ

رِبْعِيٍّ اهْمِلْهُ بِغَيْرِ زَائِدِ

818

كُلُّ قُرَيْشِيٍّ حِزَامٌ «وَهْوَ جَمّْ

وَمَا فِي الَانْصَارِ «حَرَامٌ» مِنْ عَلَمْ

819

أُهْمِلَ لَيْسَ غَيْرٌ «الْحُضَيْرُ»

أَبُو أُسَيْدٍ غَيْرُهُ «خُضَيْرُ»

820

عِيسَى وَمُسْلِمٌ هُمَا حَنَّاطُ

وَإِنْ تَشَا خَبَّاطٌ «أَوْ خَيَّاطُ

821

وَصِفْ أَبَا الطَّيِّبِ بِالْجَرِيرِي

ابْنَ سُلَيْمَانَ وَبِالْحَرِيرِي

822

وَلَيْسَ فِي الرُّوَاةِ بِالإِهْمَالِ

وَصْفًا سِوَى هَارُونٍ «الْحَمَّالِ»

823

«الْخَدَرِيْ» مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ

وَمَنْ عَدَاهُ فَاضْمُمَنْ وَسَكِّنِ

824

عَلِيٌّ النَّاجِي وَلَدْ «دُؤَادِ»

وَابْنُ أَبِي «دُؤَادٍ» الإِيَادِي

825

«الدَّبَرِيْ» إِسْحَاقُ وَ «الدُّرَيْدِي»

نَحْوِيُّهُمْ وَغَيْرُهُ «زَرَنْدِي»

826

بِالْفَتْحِ رَوْحٌ سَالِفٌ وَوَاهِمْ

مَنْ قَالَ ضُمَّ رَوْحٌ بْنُ الْقَاسِمْ

827

ابْنُ الزَّبِيرِ صَاحِبٌ وَنَجْلُهُ

بِالْفَتْحِ وَالْكُوفِيُّ أَيْضًا مِثْلُهُ

828

«السَّفْرُ» بِالسُّكُونِ فِي الأَسْمَاءِ

وَالْفَتْحُ فِي الْكُنَى بِلا امْتِرَاءِ

829

عَمْرٌو وَعَبْدُ اللهِ نَجْلا سَلِمَهْ

بِالْكَسْرِ مَعْ قَبِيلَةٍ مُكَرَّمَهْ

ص: 80

830

وَالْخُلْفُ فِي وَالِدِ عَبْدِ الْخَالِقِ

وَالسُّلَمِيُّ لِلْقَبِيلِ وَافِقِ

831

فَتْحًا وَمَنْ يَكْسِرْهُ لا يُعَوَّلُ

ثُمَّ سَلَامُ كُلُّهُ مُثَقَّلُ

832

إِلاَّ أَبَا الْحَبْرِ مَعَ الْبِيكَنْدِي

بِالْخُلْفِ وَابْنَ أُخْتِهِ مَعْ جَدِّ

833

أَبِي عَلِيْ وَالنَّسَفِيْ وَالسَّيِّدِي

وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ ذِي التَّهَوُّدِ

834

وَابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاهِضٍ وَفِي

سَلَامٍ بْنِ مِشْكَمٍ خُلْفٌ قُفِي

835

«سَلاَّمَةٌ» مَوْلاةُ بِنْتِ عَامِرِ

وَجَدُّ كُوفِيٍّ قَدِيمٍ آثِرِ

836

«شِيرِينُ» نِسْوَةٌ وَجَدُّ ثَانِي

مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِي

837

«السَّامِرِيُّ» شَيْخُ نَجْلِ حَنْبَلِ

وَمَنْ عَدَاهُ فَافْتَحَنْ وَثَقِّلِ

838

وَاكْسِرْ أُبَيَّ بْنَ «عِمَارَةٍ» فَقَدْ

وَ «عَسَلٌ» هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ انْفَرَدْ

839

فِي الْبَصْرَةِ «الْعَيْشِيُّ» وَ «الْعَنْسِيُّ»

بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ قُلْ عَبْسِيُّ

840

بِالنُّونِ وَالإِعْجَامِ كُلُّ «غَنَّامْ»

إِلاَّ أَبَا عَلِيٍّ بْنَ «عَثَّامْ»

841

«قَمِيرُ» بِنْتُ عَمْرٍو لا تُصَغِّرِ

وَفِي خُزَاعَةَ «كَرِيزٌ» كَبِّرِ

842

وَنَجْلُ مَرْزُوقٍ رَأَوْا «مُسَوَّرُ»

وَابْنُ يَزِيدَ، وَسِوَى ذَا «مِسْوَرُ»

843

كُلُّ «مُسَيَّبٍ» فَبَالْفَتْحِ سِوَى

أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى

844

أَبُو «عُبَيْدةَ» بِضَمٍّ أَجْمَعُ

زَيْدُ بْنُ «أَخْزَمَ» سِوَاهُ يُمْنَعُ

845

وَلَيْسَ فِي الرُّوَاةِ مِنْ «حُضَيْنِ»

إِلاَّ أَبُو سَاسَانَ عَنْ يَقِينِ

ص: 81

846

وَلِلْقَبِيلِ نِسْبَةُ «الْهَمْدَانِي»

وَبَلَدٍ أَعْجِمْ بِلا إِسْكَانِ

847

فِي الْقُدَمَاءِ ذَاكَ غَالِبٌ، وَذَا

فِي الآخَرِينَ، فَهْوَ أَصْلٌ يُحْتَذَى

848

وَمِنْ هُنَا خُصَّ صَحِيحُ الْجُعْفِي

لِكُلِّ مَا يَأْتِي بِهِ مُوَفِّي

849

«أَخْيَفُ» جَدُّ مِكْرَزٍ وَ «الأَقْلَحُ»

كُنْيَةُ جَدِّ عَاصِمٍ قَدْ نَقَّحُوا

850

وَكُلُّ مَا فِيهِ فَقُلْ «يَسَارُ»

إِلاَّ أَبَا مُحَمَّدٍ «بَشَّارُ»

851

الْمَازِنِيْ وَابْنُ سَعِيدَ الْحَضْرَمِي

وَابْنُ عُبَيْدِ اللهِ «بُسْرٌ» فَاعْلَمِ

852

وَابْنُ يَسَارٍ وَابْنُ كَعْبٍ قُلْ بُشَيْرْ

وَقُلْ يُسَيْرٌ فِي ابْنِ عَمْرٍو أَوْ أُسَيْرْ

853

أَبُو «بَصِيرَ» الثَّقَفِي مُكَبَّرُ

وَاْبنُ أَبِي الأَشْعَثِ نُونًا صَغَّرُوا

854

يَحْيَى وَبِشْرٌ وَابْنُ صَبَّاحٍ بِرَا

«بَزَّارُ» وَ «النَّصْرِيُّ» بِالنُّونِ عَرَا

855

مَالِكَ عَبْدَ وَاحِدٍ تُمَيْلَهْ

كُنْيَةُ يَحْيَى، غَيْرُهُ «نُمَيْلَهْ»

856

اسْمُ أَبِي الْهَيْثَمِ «تَيِّهَانُ»

وَاسْمُ أَبِي صَالِحِهِمْ «نَبْهَانُ»

857

مُحَمَّدُ ابْنُ الصَّلْتِ «تَوَّزِيُّ»

مُسَيَّبٌ بِالْغَيْنِ «تَغْلِبِيُّ»

858

أَبُو «حَرِيزٍ» وَابْنُ عُثْمَانَ يُرَى

بِالْحَاءِ، وَالزَّايِ، وَغَيْرُهُ بِرَا

859

يَحْيَى هُوَ ابْنُ بِشْرٍ «الْحَرِيرِي»

وَغَيْرُهُ بِالضَّمَّةِ «الْجُرَيْرِي»

860

«جَارِيَةٌ» جِيمًا أَبُو يَزِيدِ

وَابْنُ قُدَامَةَ أَبُو أَسِيدِ

861

«حَيَّانُ» بِالْيَاءِ سِوَى ابْنِ مُنْقِذِ

وَابْنِ هِلالٍ فَافْتَحَنْ وَوَحِّدِ

ص: 82

862

أَبْنَا عَطِيَّةَ وَمُوسَى الْعَرِقَهْ

بِالْكَسْرِ وَالتَّوْحِيدِ فِيمَا حَقَّقَهْ

863

أَبَا «حَصِينَ» الأَسَدِيَّ كَبِّرِ

ثُمَّ رُزَيْقِ بْنِ «حُكَيْمٍ» صَغِّرِ

864

«حَيَّةُ» بِالْيَاءِ ابْنُهُ جُبَيْرُ

مُحَمَّدُ بْنُ «خَازِمَ» الضَّرِيرُ

865

ابْنُ حُذَافَةَ «خُنَيْسٌ» فَقَدِ

«خُبَيْبُ» شَيْخُ مَالِكٍ وَابْنُ عَدِي

866

وَكُنْيَةٌ لابْنِ الزُّبَيْرِ «الْجُرَشِي»

يُونُسُ وَالنَّضْرُ فَلا تُفَتِّشِ

867

ثُمَّ عُبَيْدُ اللهِ فَـ «الْخَرَّازُ»

بِالرَّاءِ بَدْأً غَيْرُهُ «خَزَّازُ»

868

بِنْتُ مُعَوِّذٍ وَبِنْتُ النَّضْرِ

«رُبَيِّعٌ» وَابْنُ حُكَيْمٍ فَادْرِ

869

«رُزَيْقُ» بِالرَّا أَوَّلًا «رَبَاحُ»

وَالِدُ زَيْدٍ وَعَطَا إِفْصَاحُ

870

مُحَمَّدٌ يُكْنَى «أَبَا الرِّجَالِ»

وَعُقْبَةٌ يُكْنَى «أَبَا الرَّحَّالِ»

871

«سُرَيْجٌ» ابْنَا يُونُسٍ وَالنُّعْمَانْ

وَاكْنِ أَبَا أَحْمَدَ وَابْنُ حَيَّانْ

872

سُلَيْمُ بِالتَّكْبِيرِ، وَالسِّيْنَانِي

فَضْلٌ وَمَنْ عَدَاهُ فَالشَّيْبَانِي

873

مُحَمَّدٌ عَبَّادُ وَالنَّاجِيُّ

وَعَبْدُ الاعْلَى كُلُّهُمْ «سَامِيُّ»

874

صَبِيحَ وَالِدَ الرَّبِيعِ فَافْتَحَا

وَاضْمُمْ أَبًا لِمُسْلِمٍ أَبِي الضُّحَى

875

«عَيَّاشٌ» الرَّقَّامُ وَالْحِمْصِيُّ

أَبًا كَذَاكَ الْمُقْرِئُ الْكُوفِيُّ

876

وَافْتَحْ «عَبَادَةً» أَبَا مُحَمَّدِ

وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسٍ «عُبَادًا» تَرْشُدِ

877

وَفَتَحُوا بَجَالَةَ بْنَ «عَبْدَهْ»

كَذَا «عَبِيدَةُ» بْنُ عَمْرٍو قَيَّدَهْ

ص: 83

878

وَالِدُ عَامِرٍ كَذَا وَابْنُ حُمَيْدْ

وَكُلُّ مَا فِيهِ مُصَغَّرٌ «عُبَيْدْ»

879

وَوَلَدُ الْقَاسِمِ فَهْوَ «عَبْثَرُ»

وَابْنُ سَوَاءٍ السَّدُوسِيْ «عَنْبَرُ»

880

«عُيَيْنَةٌ» وَالِدُ ذِي الْمِقْدَارِ

سُفْيَانَ، وَابْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِي

881

«عَتَّابُ» بِالتَّا ابْنُ بَشِيرَ الْجَزَرِي

«عُقَيْلُ» بِالضَّمِّ فَرَاوِي الزُّهْرِي

882

ابْنَ سِنَانَ الْعَوَقِيَّ أَفْرِدِ

قَارِيُّهُمْ هُوَ ابْنُ عَبْدٍ شَدِّدِ

883

أَبُو عُبَيْدِ اللهِ فَهْوَ «مُحْرِزُ»

صَفْوَانَ، أَمَّا الْمُدْلِجِي «مُجَزِّزُ»

884

وَالِدُ عَبْدِاللهِ قُلْ «مُغَفَّلُ»

مُنْفَرِدٌ وَمَنْ سِوَاهُ «مَعْقِلُ»

885

«مُعَمَّرٌ» يُشَدَّدُ ابْنُ يَحْيَى

وَ «مُنْيَةٌ» بِالْيَاءِ أُمُّ «يَعَلَى»

886

ابْنُ شُرَحْبِيلَ فَقُلْ «هُزَيْلُ»

بِالزَّايِ لَكِنْ غَيْرُهُ «هُذَيْلُ»

887

نَجْلُ أَبِي بُرْدَةَ قُلْ «بُرَيْدُ»

وَابْنُ «الْبِرِنْدِ» غَيْرُ ذَا «يَزِيدُ»

888

هَذَا جَمِيعُ مَا حَوَى الْبُخَارِي

فَاضْبِطْهُ ضَبْطَ حَافِظٍ ذَكَّارِ

889

فِي مُسْلِمٍ خَلَفٌ «الْبَزَّارُ»

وَسَالِمٌ «نَصْرِيُّهُمْ» «جَبَّارُ»

890

هُوَ ابْنُ صَخْرٍ وَعَدِيُّ بْنُ «الْخِيَارْ»

«جَارِيَةٌ» أَبُو الْعَلا بِالْجِيمِ سَارْ

891

أَهْمِلْ «أَبَا بَصْرَةٍ الْغِفَارِي»

كَذَا اسْمُهُ «حُمَيْلُ» مع إِصْغَارِ

892

صَغِّرْ «حُكَيْمًا» ابْنَ عَبْدِاللهِ ثُمّْ

«عَبِيدَةَ» بْنِ الْحَضْرَمِيِّ لا تَضُمّْ

893

وَافْتَحْ أَبَا عَامِرٍ ابْنَ «عَبْدَهْ»

وَابْنِ «الْبَرِيدِ» هَاشِمٍ فَأَفْرِدَهْ

ص: 84

894

وَاضْمُمْ عُقَيْلًا فِي الْقَبِيلِ مَعْ أَبِي

يَحْيَى الْخُزَاعِيِّ كَمَاضٍ تُصِبِ

895

عَيَّاشُ بِالْيَاءِ ابْنُ عَمْرِو الْعَامِرِي

مَعْ نَقْطِهِ وَهَكَذَا ابْنُ الْحِمْيَرِي

896

«رِيَاحُ» بِالْيَاءِ أَبُو زِيَادِ

وَكُنْيَةٌ لَهُ بِلا تَرْدَادِ

897

وَكُلُّ مَا فِي ذَيْنِ وَالْمُوَطَّا

فَهْوَ «الْحَرَامِيُّ» بِرَاءٍ ضَبْطَا

898

إِلاَّ الَّذِي أُبْهِمَ عَنْ أَبِي الْيَسَرْ

فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّ فِيهِ الْخُلْفُ قَرّْ

899

وَحِّدْ «زُبَيْدًا» مَا عَدَا ابْنَ الصَّلْتِ

وَ «وَاقِدٌ» بِالْقَافِ فِيهَا يَأْتِي

900

بِالْيَاءِ «الأَيْلِيُّ» سِوَى شَيْبَانَا

لَكِنَّهُ بِنَسَبٍ مَا بَانَا

901

وَلَمْ يَزِدْ مُوَطَّأٌ إِنْ تَفْطِن

سِوَى بِضَمِّ «بُسْرٍ» ابْنِ مِحْجَنِ

‌المُتَّفِقُ والمُفْتَرِقُ

902

وَاعْنَ بِمَا لَفْظًا وَخَطًّا يَتَّفِقْ

لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ قَدْ تَفْتَرِقْ

903

لا سِيَّمَا إِنْ يُوجَدَا فِي عَصْرِ

وَاشْتَرَكَا شَيْخًا وَرَاوٍ فَادْرِ

904

فَتَارَةً يَتَّفِقُ اسْمًا وَأَبَا

أَوْ مَعَ جَدٍّ أَوْ كُنًى وَنَسَبَا

905

كَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: خَمْسٌ بَانْ

وَ «أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانْ»

906

ثُمَّ «أَبِي عِمْرَانٍ الْجَوْنِيِّ»

اثْنَيْنِ: بَصْرِيٍّ وَبَغْدَادِيِّ

907

أَوْ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبٍ وَالنَّسَبِ

أَوْ كُنْيَةٍ كَعَكْسِهِ وَاسْمِ أَبِ

908

نَحْوُ «مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ» مِنْ

قَبِيلَةِ الأَنْصَارِ أَرْبَعٌ زُكِنْ

ص: 85

909

كَذَا «أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ» وَضُمّْ

«ابْنَ أَبِي صَالِحٍ صَالِحًا» تَعُمّْ

910

وَتَارَةً فِي اسْمٍ فَقَطْ ثُمَّ السِّمَهْ

«حَمَّادُ» لابْنِ زَيْدَ وَابْنِ سَلَمَهْ

911

فَإِنْ أَتَى عَنْ حَرْبٍ مُهْمَلا

أَوْ عَارِمٍ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلا

912

أَوْ هُدْبَةٍ أَوِ التَّبُوذَكِيِّ أَوْ

حَجَّاجٍ أَوْ عَفَّانَ فَالثَّانِيْ رَأَوْا

913

وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ «عَبْدُ اللهِ» فِي

طَيْبَةَ فَاْبنُ عُمَرٍ، وَإِنْ يَفِي

914

بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ، أَوْ جَرَى

بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى

915

وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ، وَعِنْدَ مِصْرِ

وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو

916

وَعَنْ «أَبِي حَمْزَةَ» يَرْوِي شُعْبَةُ

عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ

917

إِلاَّ «أَبَا جَمْرَةَ» فَهْوَ بِالرَّا

وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا

918

وَمِنْهُ مَا فِي نَسَبٍ كَـ «الآمُلِي»

وَ «الْحَنَفِيْ» مُخْتَلِفُ الْمَحَامِلِ

919

وَاعْدُدْ بِهَذَا النَّوْعِ مَا يَتَّحِدُ

فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَا وَعَدَّدُوا

920

قِسْمَيْنِ مَا يَشْتَرِكَانِ إِسْمَا

بِنْتُ عُمَيْسِ ابْنُ رِيَابٍ «أَسْمَا»

921

وَالثَّانِي فِي اسْمٍ وَكَذَا فِي اسْمِ أَبِ

«كَهِنْدٍ ابْنِ وَابْنَةِ الْمُهَلَّبِ»

‌المُتَشَابِهُ

922

فِي الْمُتَشَابِهِ الْخَطِيبُ أَلَّفَا

وَهْوَ مِنَ النَّوْعَيْنِ قَدْ تَأَلَّفَا

923

يَتَّفِقَا فِي الاسْمِ وَالأَبُ ائْتَلَفْ

أَوْ عَكْسُهُ أَوْ نَحْوُ ذَا كَمَا اتَّصَفْ

ص: 86

924

كِـ «ابْنِ بَشِيرٍ» وَ «بُشَيْرٍ» سُمِّيَا

أَيُوبَ «حَيَّانَ» «حَنَانَ» عُزِيَا

925

كَذَا «شُرَيْحٌ» وَلَدُ النُّعْمَانِ

مَعَ «سُرَيْجٍ» وَلَدِ النُّعْمَانِ

926

وَكَأَبِي عَمْرٍو هُوَ «الشَّيْبَانِي»

مَعَ أَبِي عَمْرٍو هُوَ «السَّيْبَانِي»

927

وَكَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ

«الْمَخْرَمِيْ» «الْمُخَرِّمِيْ» مُضَاهِي

928

وَكَـ «أَبِي الرِّجَالِ» الانْصَارِي

مَعَ «أَبِي الرَّحَّالِ» الانْصَارِي

‌المُشْتَبِهُ المَقْلُوبُ

929

أَلَّفَ فِي الْمُشْتَبِهِ الْمَقْلُوبِ

رَفْعًا عَنِ الإِلْبَاسِ فِي الْقُلُوبِ

930

كَـ «ابْنِ الْوَلِيدِ مُسْلِمٍ» لَبْسٌ شَدِيدْ

عَلَى الْبُخَارِي بِـ «ابْنِ مُسْلِمَ الْوَلِيدْ»

‌مَنْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ

931

وَادْرِ الَّذِي لِغَيْرِ أَبٍّ يَنْتَسِبْ

خَوْفَ تَعَدُّدٍ إِذَا لَهُ نُسِبْ

932

كَابْنِ «حَمَامَةٍ» لأمٍّ وَابْنِ

«مُنْيَةَ» جَدَّةٌ، وَلِلتَّبَنِّي

933

مِقْدَادٌ ابْنُ «الأَسْوَدِ» ابْنُ «جَارِيَهْ»

جَدٌّ وَفِي ذَلِكَ كُتْبٌ وَافِيَهْ

‌المَنْسُوبُونَ إِلَى خلَافِ الظَّاهِرِ

934

وَنَسَبُوا «الْبَدْرِيَّ» وَ «الْخُوزِيَّا»

لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَ «التَّيْمِيَا»

935

كَذَلِكَ «الْحَذاَّءُ» لِلْجَلَّاسِ

وَ «مِقْسَمٌ مَوْلَى بَنِي عَبَّاسِ»

ص: 87

‌المُبْهَمَاتُ

936

وَأَلَّفُوا فِي مُبْهَمَاتِ الأَسْمَا

لِكَيْ تُحِيطَ النَّفْسُ مِنْهَا عِلْمَا

937

كَرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَابْنٍ وَعَمّْ

خَالٍ أَخٍ زَوْجٍ وَأَشْبَاهٍ وَأُمّْ

‌مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ

938

مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ وَالْمُضَعَّفِ

أَجَلُّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ فَاعْرِفِ

939

بِهِ الصَّحِيحَ وَالسَّقِيمَ وَارْجِعِ

لِكُتُبٍ تُوضَعُ فِيهَا وَاتْبَعِ

940

وَجُوِّزَ الْجَرْحُ لِصَوْنِ الْمِلَّهْ

وَاحْذَرْ مِنَ الْجَرْحِ لأَجْلِ عِلَّهْ

941

وَارْدُدْ كَلامَ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ

فِي بَعْضِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ

942

وَرُبَّمَا رُدَّ كَلامُ الْجَارِحِ

إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ بِأَمْرٍ وَاضِحِ

943

الذَّهَبِيْ: مَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ عَلَى

تَوْثِيقِ مَجْرُوحٍ وَجَرْحِ مَنْ عَلا

944

وَتُعْرَفُ الثِّقَةُ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ

رَاوٍ وَذِكْرٍ فِي مُؤَلَّفٍ زُكِنْ

945

أُفْرِدَ لِلثِّقَاتِ أَوْ تَخْرِيجِ

مُلْتَزِمِ الصِّحَّةِ فِي التَّخْرِيجِ

‌مَعْرِفَةُ مَنْ خَلَّطَ مِنَ الثِّقَاتِ

946

وَالْحَازِمِيْ أَلَّفَ فِيمَنْ خَلَّطَا

مِنَ الثِّقَاتِ آخِرًا فَأُسْقِطَا

947

مَا حَدَّثُوا فِي الاِخْتِلاطِ أَوْ يُشَكّْ

وَبِاعْتِبَارِ مَنْ رَوَى عَنْهُمْ يُفَكّْ

948

كَابْنَيْ أَبِي عَرُوبَةٍ وَالسَّائِبِ

وَذَكَرُوا رَبِيعَةً لَكِنْ أُبِي

ص: 88

‌طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ

949

وَالطَّبَقَاتُ لِلرُّوَاةِ تُعْرَفُ

بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ وَقَدْ تَخْتَلِفُ

950

فَالصَّاحِبُونَ بِاعْتِبَارِ الصُّحْبَهْ

طَبَقَةٌ وَفَوْقَ عَشْرٍ رُتْبَهْ

951

وَمِنْ مُفَادِ النَّوْعِ أَنْ يُفَصَّلا

عِنْدَ اتِّفَاقِ الاِسْمِ وَالَّذِي تَلا

‌أَوْطَانُ الروَاة، وبُلْدَانُهُمْ

952

قَدْ كَانَتِ الأَنْسَابُ لِلْقَبَائِلِ

فِي الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ وَالأَوَائِلِ

953

وَانْتَسَبُوا إِلَى الْقُرَى إِذْ سَكَنُوا

فَمَنْ يَكُنْ بِبَلْدَتَيْنِ يَسْكُنُ

954

فَانْسُبْ لِمَا شِئْتَ وَجَمْعٌ يَحْسُنُ

وَابْدَأْ بِالاوْلَى وَبِثُمَّ أَحْسَنُ

955

وَمَنْ يَكُنْ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ بَلْدَةِ

فَانْسُبْ لِمَا شِئْتَ وَلِلنَّاحِيَةِ

956

كَذَا لإِقْلِيمٍ أَوِ اجْمَعْ بِالأَعَمّْ

مُبْتَدِئًا وَذَاكَ فِي الأَنْسَابِ عَمّْ

957

وَنَاسِبٌ إِلَى قَبِيلٍ وَوَطَنْ

يَبْدَأُ بِالْقَبِيلِ. ثُمَّ مَنْ سَكَنْ

958

فِي بَلْدَةٍ أَرْبَعَةَ الأَعْوَامِ

يُنْسَبْ إِلَيْهَا فَارْوِ عَنْ أَعْلامِ

‌المَوَالِي

959

وَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي

وَمَا لَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ

960

وَلَا عَتَاقَةٍ وَلَاءُ حِلْفِ

وَلَاءُ إِسْلامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي

ص: 89

‌التَّأْرِيخُ

961

مَعْرِفَةُ الْمَوْلِدِ لِلرُّوَاةِ

مِنَ الْمُهِمَّاتِ مَعَ الْوَفَاةِ

962

بِهِ يَبِينُ كَذِبُ الَّذِي ادَّعَى

بِأَنَّهُ مِنْ سَابِقٍ قَدْ سَمِعَا

963

مَاتَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ النَّبِي، وَفِي

ثَلاثَ عَشْرَةٍ أَبُو بَكْرٍ قُفِي

964

وَبَعْدَ عَشْرٍ عُمَرٌ، وَالأُمَوِي

آخِرَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، عَلِي

965

فِي الأَرْبَعِينَ، وَهْوَ وَالثَّلاثُ

سِتِّينَ عَاشُوا بَعْدَهَا ثَلاثُ

966

وَطَلْحَةٌ مَعَ الزُّبَيْرِ قُتِلا

فِي عَامِ سِتٍّ وَثَلاثِينَ كِلا

967

وَفِي ثَمَانِي عَشْرَةٍ تُوُفِّي

عَامِرُ، ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُ عَوْفِ

968

بَعْدَ ثَلاثِينَ بِعَامَيْنِ، وَفِي

إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَعِيدٌ، وَقُفِي

969

سَعْدٌ بِخَمْسَةٍ تَلِي خَمْسِينَا

فَهْوَ آخِرُ عَشْرَةٍ يَقِينَا

970

وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا

عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُ

971

سِتُّونَ فِي الإِسْلامِ حَسَّانٌ، يَلِي

حُوَيْطِبٌ، مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ

972

ثُمَّ حَكِيمٌ، حَمْنَنٌ، سَعِيدُ

وَآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ

973

عَاصِمُ، سَعْدٌ، نَوْفَلٌ، مُنْتَجِعُ

لَجْلاجُ، أَوْسٌ، وَعَدِيٌّ، نَافِعُ

974

نَابِغَةُ ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ

أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجدّْ

ص: 90

975

ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بَأَنْ وُلِدْ

بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ

976

وَمَاتَ مَعْ حَسَّانَ عَامْ أَرْبَعِ

مْن بَعْدِ خَمْسِينَ عَلَى تَنَازُعِ

977

لِمِائَةٍ وَنِصْفِهَا النُّعْمَانُ

وَبَعْدُ إِحْدَى عَشْرَةٍ سُفْيَانُ

978

وَمَالِكٌ فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِينَا

وَالشَّافِعِي الأَرْبَعُ مَعْ قَرْنَيْنَا

979

وَفِي ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ قَضَى

إِسْحَاقُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ قَدْ مَضَى

980

أَحْمَدُ وَالْجُعْفِيُّ عَامَ سِتَّةِ

مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ وَبَعْدَ خَمْسَةِ

981

مُسْلِمُ وَابْنُ مَاجَهٍ مِنْ بَعْدِ

سَبْعِينَ فِي ثَلاثَةٍ بِحَدِّ

982

وَبَعْدُ فِي الْخَمْسِ أَبُو دَاوُدَا

وَالتِّرْمِذِيْ فِي التِّسْعِ خُذْ مَلْحُودَا

983

وَالنَّسَئِي بَعْدَ ثَلاثِمِائَةِ

عَامَ ثَلاثٍ ثُمَّ بَعْدَ خَمْسَةِ

984

الدَّارَقُطْنِيْ وَثَمَانِينَ نُعِي

خَامِسَ قَرْنِ خَامِسَ ابْنُ الْبَيِّعِ

985

عَبْدُ الْغَنِي لِتَسْعَةٍ وَقَدْ قَضَى

أَبُو نُعَيْمٍ لِثَلاثِينَ رِضَى

986

وَلِلثَّمَانِ الْبَيْهَقِي لِخَمْسَةِ

مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ مَعًا فِي سَنَةِ

987

يُوسُفُ وَالْخَطِيبُ ذُو الْمَزِيَّهْ

هَذَا تَمَامُ نَظْمِيَ الأَلْفِيَّهْ

988

نَظَمْتُهَا فِي خَمْسَةِ الأَيَّامِ

بِقُدْرَةِ الْمُهَيْمِنِ الْعَلَّامِ

989

خَتَمْتُهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ الْعَاشِرِ

يَا صَاحِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الآخِرِ

ص: 91

990

مِنْ عَامِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ الَّتِي

بَعْدَ ثَمَانِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ

991

نَظْمٌ بَدِيعُ الْوَصْفِ سَهْلٌ حُلْوُ

لَيْسَ بِهِ تَعَقُّدٌ أَوْ حَشْوُ

992

فَاعْنَ بِهَا بِالْحِفْظِ وَالتَّفْهِيمِ

وَخُصَّهَا بِالْفَضْلِ وَالتَّقْدِيمِ

993

وَأَحْمَدُ اللهَ عَلَى الإِكْمَالِ

مُعْتَصِمًا بِهِ بِكُلِّ حَالِ

994

مُصَلِّيًا عَلَى نَبِيٍّ قَدْ أَتَمّْ

مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَالرُّسْلَ خَتَمْ

ص: 92

فَتْحُ رَبِّ الْبَرِيَّة

في

تَيسيرِ قِراءةِ الأَلْفِيَّة

ص: 93

قال رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

اقتداءً بالكتابِ العزيزِ، واقتفاءً لآثارِ نبيِّه الكريمِ عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليمِ؛ حيث بدَأ بها كُتُبَه إلى الآفاقِ، كما بُيِّنَ ذلك في «الصَّحِيحَينِ»

(1)

، وغيرِهِما.

1 -

للهِ حَمْدِي وإلَيهِ أَسْتَنِدْ

وما يَنوبُ فَعَلَيْهِ أَعْتَمِدْ

2 -

ثمَّ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدِ

خَيْرُ صَلاةٍ وسَلامٍ سَرْمَدِ

[1]

(للهِ) سبحانه وتعالى (حَمْدِي) أي: ثنائي بالجميلِ الاختياريِّ على وجهِ التبجيلِ والتعظيمِ كائنٌ للَّهِ تعالى، (وإلَيهِ) تعالى (أَسْتَنِدْ) أي: ألتجئُ، (وما) أي: الذي (يَنوبُـ) ني أي: يُصيبُني منَ العوائقِ عن تكميلِ المقصودِ (فَعَلَيْهِ) تعالى وحدَه (أَعْتَمِدْ)، أي: ألتجئُ.

[2]

(ثمَّ) بعدَ الحمدِ (عَلَى نَبِيِّهِ) خبرٌ مقدَّمٌ (مُحَمَّدِ) صفةٌ، أو بدلٌ، أو عطفُ بيانٍ (خَيْرُ صَلاةٍ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، أي: أفضلُ صلاةٍ (و) خيرُ (سَلامٍ) أي: تسليمٍ (سَرْمَدِ) السَّرمَدُ: الدائمُ الذي لا يَنقطِعُ.

(1)

أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773) من مسند ابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 95

3 -

وهذهِ أَلْفيَّةٌ تَحكِي الدُّرَرْ

منظومةٌ ضَمَّنْتُها عِلْمَ الأَثَرْ

4 -

فائِقةٌ أَلْفيَّةَ العِرَاقِي

فِي الجَمْعِ والإِيجازِ وَاْتِّسَاقِ

[3]

(و) بعدَ ما تقدَّم فأقولُ: (هذهِ) إشارةٌ إلى المعاني الحاضرةِ في الذِّهنِ، (أَلْفيَّةٌ) أي: أُرجوزةٌ (تَحكِي) أي: تُشابِهُ (الدُّرَرْ) جمعُ دُرَّةٍ، وهي اللُّؤلؤةُ العظيمةُ الكبيرةُ، (منظومةٌ) صفةٌ كاشفةٌ بعدَ صفةٍ (ضَمَّنْتُها) أي: جعلتُ فيها (عِلْمَ الأَثَرْ) أي: مسائلَه.

[4]

(فائِقةٌ) من فاقَ الرجلُ أصحابَه يَفُوقُهم: فَضَلَهُم، وَرَجَحَهُم، أو غَلَبَهُم (أَلْفيَّةَ العِرَاقِي) هو الإمامُ الحافظُ الأثريُّ زينُ الدينِ عبدُ الرَّحيمِ بنُ الحُسَينِ بنِ عبدِ الرحمنِ ابنِ العراقيِّ رحمه الله، (فِي الجَمْعِ) للأنواعِ (والإِيجازِ) للألفاظِ، مع كثرةِ المعاني، (وَاْتِّسَاقِ) أي: انتظامِ بَعضِها مع بعضٍ على وجهِ المُناسبةِ.

ص: 96

5 -

واللهُ يُجْرِيْ سابِغَ الإِحْسانِ

لِيْ وَلَهُ ولِذَوِيْ الإِيْمَانِ

[5]

(واللهُ) عز وجل، مبتدأٌ، خبَرُه (يُجْرِيْ) منَ الإِجراءِ (سابِغَ الإِحْسانِ) أي: الإِحسانِ السابغِ (لِيْ) بدَأ بنفسِه لأنَّه السُّنَّةُ، (وَلَهُ) أي: للعِراقيِّ رحمه الله (ولِذَوِيْ) أي: أصحابِ (الإِيْمَانِ) أيِ: التَّصديقِ الجازمِ بكُلِّ ما عُلِمَ مجيئُه صلى الله عليه وسلم بِه بالضَّرورةِ؛ إجمالًا في الإجماليِّ، وتفصيلًا في التفصيليِّ.

ص: 97

‌حد الحديث وأقسامه

6 -

[عِلمُ الحديثِ: ذُو قوانِينَ تُحَدّْ

يُدْرَى بِها أَحْوَالُ مَتْنٍ وَسَنَدْ

7 -

فَذَانِكَ الموضوعُ، والمقصودُ

أَنْ يُعرَفَ المقبُولُ والمَردُودُ

[6]

(عِلمُ) مصطلحُ أهلِ (الحديثِ ذُو) أي: صاحبُ (قوانِينَ) جمعُ قانونٍ، وهو القاعدةُ، (تُحَدّْ) أي: تُضْبَطُ، (يُدْرَى) يُعرَفُ (بِها) أي: بتلك القوانينِ (أَحْوَالُ مَتْنٍ) للحديثِ من صحةٍ، وحُسنٍ، وضعفٍ، ورفعٍ، ووَقفٍ، وغيرِ ذلك، (وَ) أحوالُ (سَنَدْ) له من صفاتِ رجالهِ، وكيفيةِ التحمُّلِ، والأداءِ، وغيرِ ذلك.

[7]

(فَذَانِكَ) أيِ: المتنُ والسَّندُ (الموضوعُ) أي: موضوعُ علمِ الحديثِ درايةً، (والمقصودُ) أيِ: الفائدةُ والغايةُ من علمِ الحديثِ (أَنْ يُعرَفَ المقبُولُ) من الحديثِ ليُعملَ به، (والمَردُودُ) منه ليُجتنَبَ.

ص: 98

8 -

والسَّندُ: اْلإِخْبارُ عنْ طَرِيقِ

مَتْنٍ كَاْلِاسْنادِ لَدَى فَرِيقِ

9 -

وَالْمَتْنُ: ما انْتَهَى إِلَيْهِ السَّنَدُ

مِنَ الْكَلامِ، والحديثَ قَيَّدُوا

10 -

بِما أضيفَ لِلنَّبِيِّ قَوْلًا اوْ

فِعْلًا وَتَقْرِيرًا وَنَحْوَهَا حَكَوْا

[8]

(والسَّندُ) المتقدِّم ذِكرُه (اْلإِخْبارُ) بكسرِ الهمزةِ مصدرًا (عنْ طَرِيقِ مَتْنٍ) أي: حالَ كونِه ناشئًا عن طريقِ متنٍ.

والمعنى: أنَّ السَّندَ هو إخبارُ المحدِّث بالحديثِ ذاكرًا طريقَه، (كَاْلِاسْنادِ)، أي: كائنٌ كالإِسناد من حيثُ المعنى (لَدَى فَرِيقِ) أي: عندَ طائفةٍ من علماءِ الحديثِ.

[9]

(وَالْمَتْنُ) بفتحٍ فسكونٍ (ما انْتَهَى إلَيْهِ السَّنَدُ) أي: ما بلَغ إليه السَّندُ منَ النهايةِ (مِنَ الْكَلامِ والحديثَ) مفعولٌ مقدَّم لقولِه: (قَيَّدُوا) أيِ: العلماءُ.

[10]

(بـ) قولِهم (ما أضيفَ لِلنَّبِيِّ) أي: أُسنِد ورُفِع إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم-

ص: 99

(قَوْلًا) كقولِه صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»

(1)

(اوْ فِعْلًا) كصلاته صلى الله عليه وسلم على الراحلةِ حيثُما توجَّهَت به، (وَتَقْرِيرًا) كتقريرِه صلى الله عليه وسلم خالدَ بنَ الوليدِ في أكلِه الضبَّ عندَه. (وَنَحْوَهَا) عطفٌ على «قولًا» ، (حَكَوْا) أي: حَكَى ذلك العلماءُ الحُفَّاظُ.

11 -

وَقِيلَ: لا يَخْتَصُّ بِالمَرْفُوعِ

بَلْ جَاءَ لِلمَوْقُوفِ وَالمَقْطُوعِ

12 -

فَهْوَ عَلَى هَذَا مُرادِفُ الْخَبَرْ]

وَشَهَّرُوا رِدْفَ الْحَدِيثِ والأَثَرْ

[11]

(وَقِيلَ) أي: قال بعضُ علماءِ هذا الفنِّ: (لا يَخْتَصُّ) الحديثُ (بِالمَرْفُوعِ) إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم (بَلْ) يَعُمُّه وغيرَه؛ فإنَّه (جَاءَ) إطلاقُه (لِلمَوْقُوفِ) أي: على الموقوفِ، وهو ما أُضيف إلى الصحابيِّ، قولًا له، أو نحوَه، كما يأتي في مَحَلِّه. (وَالمَقْطُوعِ): هو ما أُضيفَ إلى التابعيِّ كذلك.

[12]

(فَهْوَ) أيِ: الحديثُ (عَلَى هَذَا) أي: حالَ كونِه جاريًا على هذا القولِ الثاني (مُرادِفُ الْخَبَرْ) أي: مُترادفٌ معه، والمعنى: أنَّ الحديثَ

(1)

أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907) من حديث عمر رضي الله عنه.

ص: 100

والخبَر على هذا القولِ بمعنًى واحدٍ، (وَشَهَّرُوا) أي: عَدَّ العلماءُ مشهورًا (رِدْفَ) بالكسرِ

(1)

، أي: ترادُفَ (الْحَدِيثِ والأَثَرْ) أي: إتيانَ كلٍّ منهما بمعنَى الآخَرِ.

وقيل: الخبرُ: ما يُروَى عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والأثرُ: عنِ الصحابةِ، وقيل: والتابعين، ومَن بعدَهم.

13 -

[وَالأَكْثَرُونَ] قَسَّمُوا هَذِيْ السُّنَنْ

إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ

[13]

(وَالأَكْثَرُونَ) مبتدأٌ خبرُه قولُه: (قَسَّمُوا) أي: نوَّعوا (هَذِيْ السُّنَنْ) جمعُ سُنَّةٍ -بالضمِّ- فيهِما (إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ)، والمعنى: أنَّ أكثرَ أهلِ الحديثِ قسَّموا الحديثَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: صحيحٍ، وضعيفٍ، وحسنٍ.

(1)

رجّح الشارح الفتْحَ.

ص: 101

‌الصَّحِيح

14 -

حَدُّ الصَّحِيحِ: مُسنَدٌ بِوَصْلِهِ

بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطٍ عَنْ مِثْلِهِ

15 -

ولَمْ يَكُنْ شَذَّ وَلا مُعَلَّلا

والحُكْمُ بِالصَّحَةِ وَالضَّعْفِ عَلَى

[14]

(حَدُّ الصَّحِيحِ) اصطلاحًا: (مُسنَدٌ) أي: حديثٌ مرفوعٌ إلى قائلِه (بِوَصْلِهِ) أي: مع وَصْلِ سندِه؛ فخرج به المُنقطِعُ، والمُعضَلُ، والمُرسَلُ، والمُعلَّقُ، (بِنَقْلِ عَدْلٍ) وهو: مَن له مَلَكَة تحمِلُه على ملازمةِ التقوى والمروءةِ، (ضَابِطٍ) ضَبْطَ صدرٍ، وهو إثباتُ ما سَمِعَه حتى يتمكَّنَ منِ استِحضارِه متى شاءَ، حتى يؤدِّيَه، وضبْطَ كتابٍ، وهو صونُه عن تَطَرُّقِ الخَلَل إليه من حينِ سماعِه إلى وقتِ أدائه، (عَنْ مِثْلِهِ)، أي: عنِ العدلِ الضابطِ.

[15]

(ولَمْ يَكُنْ) الحديثُ المذكورُ (شَذَّ وَلا مُعَلَّلا)، والمعنى: أنَّه غيرُ شاذٍّ، وهو ما يُخالِفُ فيه الثِّقةُ مَن هو أرجَحُ منه، ولا مُعلَّلٌ، وهو ما ظاهِرُه الصِّحَّةُ، وبعدَ التفتيشِ اطُّلِعَ على عِلَّةٍ قادحةٍ فيه.

ص: 102

وحاصِلُ معنى البيتِ: أنَّ حدَّ الصَّحِيح: هو الحديثُ الذي اتَّصَل إسنادُه مع عدالةِ ناقلِه وضبطِه، مع انتفاءِ الشُّذوذِ والعِلَّةِ.

وعليه؛ فشروطُ الحديثِ الصَّحِيحِ -على ما ذكَره- خمسةٌ:

1 -

اتِّصالُ السَّنَدِ.

2 -

وعَدالةُ النَّاقِلِ.

3 -

وضَبْطُه.

4 -

وعَدَمُ الشُّذوذِ.

5 -

وعَدَمُ العلةِ.

قال رحمه الله: (والحُكْمُ) مبتدأٌ (بِالصَّحَةِ) وكذا بالحُسنِ، (وَالضَّعْفِ) بالفتحِ (عَلَى).

16 -

ظاهِرِهِ، لاالقَطْعِ، إلَّا مَاحَوَى

كِتابُ مُسلِمٍ أَوِ الجُعْفِي [سِوَى

[16]

(ظاهِرِهِ) أي: حكمُ المحدِّثين على الحديثِ بالصحةِ والضعفِ وكذا الحسنُ فيما يظهَرُ لهم، عَملًا بظاهِرِ الإِسنادِ؛ حيثُ اجتمَعَت فيه الشروطُ. (لاالقَطْعِ) أي: ليس الحكمُ على القطعِ في نفسِ الأمرِ؛ لجوازِ الخطأِ والنسيانِ على الثقةِ، والإصابةِ على مَن هو كثيرُ الخطأِ، (إِلاَّ مَا) أيِ: الحديثُ الذي (حَوَى) أي: جَمَعه (كِتابُ مُسلِمٍ) أي: كتابُ الإمامِ الحافظِ الحُجَّةِ أبي الحُسَينِ مسلمِ بنِ الحجَّاجِ بنِ مُسلمٍ القُشيرَيِّ

ص: 103

النَّيسابُوريِّ. وقَدَّمَ مسلمًا -مع أنَّ عادتَهُم تقديمُ البخاريِّ- للنظمِ (أَوِ الجُعْفِي)«أو» بمعنى الواوِ، أي: وكتابُ الإمامِ الحافظِ الحُجَّةِ أبي عبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ المُغيرةِ بنِ بَرْدِزْبَهْ الجُعفيِّ، بضمِّ الجيمِ وسُكونِ العينِ، وخفَّفَ الياءَ هنا للوزنِ (سِوَى) أي: غيرَ الحديثِ الذي.

17 -

ما انْتَقَدُوا] فَابْنُ الصَّلاحِ رَجَّحَا

قَطْعًا بِهِ، [وَكَمْ إِمَامٍ جَنَحَا]

[17]

(ما انْتَقَدُوا) أي: اعترضَ العلماءُ النُّقَّادُ على هذَينِ الكِتابَينِ، كالدَّارَقُطنيِّ، وأبي مَسعودٍ الدِّمَشْقيِّ، وأبي عليٍّ الغَسَّانيِّ الجَيَّانيِّ

(1)

؛ (فَـ) الإمامُ الحافظُ تقيُّ الدينِ أبو عمرٍو عثمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ الشَّهْرزُوريُّ، ثمَّ الدمشقيُّ المعروفُ بـ (ابْنُ الصَّلاحِ رَجَّحَا) بألفِ الإطلاقِ منَ التَّرجيحِ (قَطْعًا) أي: إفادةَ قطعٍ. (بِهِ) أي: بما حواهُ الكِتابانِ.

والمعنى: أنَّ الإمامَ ابنَ الصلاحِ رحمه الله رجَّح إفادةَ ما في هذينِ الكتابَينِ -ممَّا لم يُنتَقدْ عليهِما- العلمَ اليَقِينيَّ النظريَّ المقطوعَ بصِدقِه، وهذا دونَ

(1)

بفتح الجيم وتشديد الياء المعجمة: نسبة إلى جَيَّان، بلدة من بلاد الأندلس. الأنساب (3/ 404).

ص: 104

التعليقاتِ، والموقوفاتِ، والمقاطيعِ، (وَكَمْ) خبريةٌ بمعنى عَدَدٍ كثيرٍ (إِمَامٍ) مضافٌ إليه (جَنَحَا) أي: مالَ إليه، والألفُ إطلاقيةٌ، أي: كثيرٌ منَ الأئمةِ مالَ إلى رأيِ ابنِ الصلاحِ؛ فمنهم مَنْ سَبَقه، كالإمامِ مُحمَّدِ بنِ طاهِرٍ المَقدسيُّ، وأبي نَصرٍ عبدِ الرَّحيمِ بنِ عبدِ الخالقِ بنِ يوسُفَ، ومنهم منَ أتى بعدَه، كالإمامِ ابنِ كثيرٍ، والناظِمِ، كما يأتي، وحَكَى ابنُ كثيرٍ: أنَّ الإمامَ ابنَ تَيمِيَّةَ رحمه الله حَكَى ذلك عن أهلِ الحديثِ، وعنِ السلفِ، وجماعةٍ منَ الشافعيةِ، والحنابلةِ، والأشاعِرةِ، والحنفيةِ، وغيرِهم.

18 -

والنَّوَوِيْ رَجَّحَ فِي التَّقْرِيبِ

ظَنًّا بِهِ، [وَالقَطْعُ ذُو تَصْوِيبِ

[18]

(والنَّوَوِيْ) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ، مبتدأٌ، وهو الإمامُ مُحيِي الدينِ، أبو زكريَّا يحيَى بنُ شرفٍ بنِ مُرِّي الحِزاميُّ الشافعيُّ (رَجَّحَ فِي التَّقْرِيبِ) خبرُ المبتدأِ، أي: قَوَّى في كتابِه المُسَمَّى بـ «التقريبِ» ، المُختصَرُ منَ «الإرشادِ» له، المختصرِ من «علومِ الحديثِ» لابنِ الصلاحِ (ظَنًّا) أي: إفادَةَ ظنٍّ (بِهِ) أي: بما حواه الكِتاباِن، (وَالقَطْعُ ذُو تَصْوِيبِ) أي: القولُ بإفادةِ ما في هذَينِ الكِتابَينِ القطعَ بصِدقِه صاحبُ صَوَابٍ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ القولَ بالقَطعِ -وهو قولُ ابنِ الصَّلاحِ- هو الصوابُ.

ص: 105

19 -

وَلَيْسَ شَرْطًا عَدَدٌ، وَمَنْ شَرَطْ

رِوَايَةَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا غَلِطْ]

20 -

والوَقْفُ عَنْ حُكْمٍ [لِمَتْنٍ أَوْ] سَنَدْ

بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطلَقًا أَسَدّْ

[19]

(وَلَيْسَ شَرْطًا عَدَدٌ) أي: رواية متعدد، أي: ليس تعدد الرواة شرطًا في صحة الحديث، بل المعتبر فيه هي الشروط الخمسة المتقدمة (وَمَنْ) شرطية (شَرَطْ) في صحة الحديث (رِوَايَةَ اثْنَيْنِ) من الرواة (فَصَاعِدًا) أي: حال كونه زائدًا على ذلك (غَلِطْ) بكسرِ اللامِ جوابُ الشرطِ، أي: فهو ذو غَلَطٍ، وهذا القولُ مَحكِيٌّ عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ عُلَيَّةَ، وبعضِ المُعتزِلةِ.

[20]

(والوَقْفُ) أي: التَّوَقُّفُ (عَنْ حُكْمٍ لِمَتْنٍ أَوْ سَنَدْ بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطلَقًا) أي: حالَ كونِ الحكمِ على سبيلِ الإطلاقِ، أي: من غيرِ تقييدٍ بصحابيٍّ، أو بلدٍ مثلًا (أَسَدّْ) أي: أكثر سَدَادًا بالفتحِ.

ومعنى البيتِ: أنَّ التَّوقُّفَ عنِ الحُكمِ لأيِّ متنٍ كان، أو أيِّ سندٍ بكَونِه أصحَّ على الإطلاقِ هو الصَّوابُ، والمُختارُ من أقوالِ المحدِّثين.

ص: 106

21 -

وآخَرُونَ حَكَمُوا فاضْطَرَبُوا

[لِفَوقِ عَشْرٍ ضُمِّنَتْهَا الْكُتُبُ]

[21]

(وآخَرُونَ) مبتدأٌ خبَرُه قولُه: «حَكَموا» أي: جماعةٌ منَ المحدِّثين غيرُ مَن توقَّفَ عنِ الحُكمِ (حَكَمُوا) بالأصَحِّيَّةِ على الإطلاقِ على بعضِ الأسانيدِ (فاضْطَرَبُوا) أي: اختَلَفوا في التعيينِ؛ لاختلافِ أنظارِهِم (لِفَوقِ عَشْرٍ) أي: اضطرابًا مُنْتَهِيًا لفوقِ عشرٍ (ضُمِّنَتْهَا الْكُتُبُ) أي: جُعِلَتِ الكتبُ محتويةً عليها.

ثم شَرَع الناظمُ يعدِّد بعضَ تلك الأقوالِ بقولِه:

22 -

فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ

وَزِيدَ مَا لِلشَّافِعِيْ فَأَحْمَدِهْ

[22]

(فَـ) أقولُ لك: أصَحُّ الأسانيدِ مطلقًا: (مَالِكٌ) ابنُ أنسِ بنِ مالكِ بنِ أبي عامرِ بنِ عمرِو بنِ الحارثِ الأصبَحيُّ، أبو عبدِ اللهِ المَدَنيُّ، إمامُ دارِ الهجرةِ، أحدُ الأئمةِ الأربعةِ، (عَنْ نَافِعٍ) أي: حالَ كونِه راويًا عن نافِعٍ العَدَوِيِّ، أبي عبدِ اللهِ المدنيِّ، أحدِ الأعلامِ، وهو غيرُ نافعِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي نُعيمٍ المُقرِئِ، حالَ كونِ نافعٍ آخذًا (عَنْ سَيِّدِهْ) أي:

ص: 107

مولاه عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطابِ العدويِّ أبي عبدِ الرحمنِ.

وهذا القولُ للبخاريِّ رحمه الله، وروى الخطيبُ بسندِه عن يحيَى بنِ بُكيرٍ: أنه قال لأبي زُرعةَ الرَّازيِّ: «يا أبا زُرْعَةَ، لَيْسَ ذا زَعْزَعَةٍ عَنْ زَوْبَعَةٍ، إنَّما تَرْفَعُ السِّتْرَ تَنْظُرُ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأصْحابُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ: نا مالِكٌ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ»

(1)

، (وَزِيدَ) على مالكٍ في هذا السَّندِ:(مَا) أيِ: الحديثُ الذي (لِـ) لإِمامِ الأعظمِ أحدِ الأئمةِ الأعلامِ مُحمَّدِ بنِ إدريسَ بنِ العبَّاسِ بنِ عُثمانَ بنِ شافِعِ بنِ السَّائبِ بنِ عُبيدِ بنِ عبِد يزيدَ بنِ هاشمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ منافٍ القرشيِّ أبي عبدِ اللهِ (الشَّافِعِيْ) رحمه الله، والمعنى: أنَّه زِيدَ في هذا السَّندِ المذكورِ الحديثُ الذي رواه الشافعيُّ عن مالكٍ

إلخ، هكذا زادَهُ الإمامُ أبو مَنصورٍ عبدُ القاهِرِ بنُ طاهرٍ التميميُّ.

واحتجَّ بإجماعِ أهلِ الحديثِ على أنَّه لم يكُنْ في الرُّواةِ عن مالكٍ أجلُّ منه؛ (فَأَحْمَدِهْ) بالجرِّ عطفًا على الشافعيِّ، والهاءُ ضميرٌ راجِعٌ إلى الشافعيِّ رحمه الله، وأضافَه إليه لاختِصاصِه بكَونِه أجلَّ مَن أخَذ عنه، والمقصودُ: أنَّ الصلاحَ العلائيَّ شيخَ العراقيِّ زاد ما لأحمدَ عنِ الشافعيِّ

إلخ؛ لأنَّه أجلُّ مَن أخَذ عنِ الشافعيِّ.

وأحمدُ: هو الإمامُ الأوحَدُ الفقيهُ الحافظُ الحُجَّةُ أحمُد بنُ مُحمَّدِ بنِ حَنبَلٍ الشَّيبانيُّ، أبو عبدِ اللهِ المَرْوَزِيُّ، ثمَّ البَغداديُّ.

(1)

الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي (2/ 123).

ص: 108

تنبيهٌ: قولُ الناظمِ: (لِمَتْن)، قاله تبعًا لابنِ الصلاحِ زيادةً على العراقيِّ، قال الحافظُ رحمه الله:«إنَّ مِنْ لازِمِ قولِ بَعضِهِم: إنَّ أصحَ الأسانيدِ ما رواه أحمَدُ، عنِ الشافعيِّ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ: أن يكونَ أصحُّ الأحاديثِ الحديثَ الذي رواه أحمدُ بهذا الإسنادِ؛ فإنَّه لم يروِ في «مُسنَدِه» به غيرَه؛ فيكونُ أصحَّ الأحاديثِ على رأيِ مَن ذَهَب إلى ذلك».

23 -

وَابْنُ شِهابٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِهْ

عَنْ جَدِّهِ، أَوْ سَالِمٍ عَمَّنْ نَبِهْ

[23]

(وَ) قيلَ: أصحُّ الأسانيدِ: الإمامُ الحجةُ مُحمَّدُ بنُ مسلمِ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ (ابْنُ شِهابٍ) القرشيُّ الزُّهريُّ، أبو بكرٍ المدنيُّ، أي: أصحُّ الأسانيدِ: ابنُ شهابٍ (عَنْ عَلِيٍّ) أي: حالَ كونِه راويًا عن عليِّ بنِ الحُسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ الهاشميِّ، أبي الحُسَينِ، زينِ العابِدين (عَنْ أَبِهْ) على لغةِ النَّقصِ، وأبوه هو الحُسَيُن بنُ عليٍّ المَذكورُ، سِبطُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وريحانَتُه، اسْتُشْهِدَ بِكَرْبَلَاء، من أرضِ العراقِ، يومَ عاشوراءَ، سنةَ إحدَى وستِّين.

عن أربعٍ وخمسين سنةً، (عَنْ جَدِّهِ) أي: جدِّ عليٍّ، وهو عليُّ بنُ أبي طالبٍ، أميرُ المؤمنين، أبو الحسنِ، وهذا القولُ لعبدِ الرَّزَّاقِ الصنعانيِّ صاحِبِ «المصنَّفِ» ، وأبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ صاحِبِ «المُسندِ» ، والمُصَنَّفِ».

ص: 109

(أَوْ) لتَنويعِ الخلافِ، أي: أصحُّ الأسانيدِ -على رأيِ بَعضِهم-: ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ، عن (سَالِمٍ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ العدويِّ المدنيِّ، أحدِ الفُقهاءِ السَّبعةِ على أحدِ الأقوالِ، (عَمَّنْ نَبِهْ) أي: عن شخصٍ شريفٍ فَطِنٍ، ويقال: نَبُهَ؛ كـ «كَرُمَ وفَرِحَ» : فَطِنَ.

والمُرادُ بمَن نَبِهَ هو عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رضي الله عنهما وهذا القولُ مرويٌّ عن أحمدَ وإسحاقَ بنِ راهَوَيهِ -رحمهما الله-.

24 -

[أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ حَبْرِ البَشَرْ

هُوَ ابْنُ عَباسٍ وَهَذَا عَنْ عُمَرْ

[24]

(أَوْ) لتَنويعِ الخِلافِ أيضًا، أي: قال بَعضُهم: أصحُّ الأسانيدِ: ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مَسعودٍ، أبي عبدِ اللهِ الأعمى، أحدِ الفُقهاءِ السَّبعةِ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ حَبْرِ البَشَرْ) أي: عالِمِ هذه الأُمَّةِ بدعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له (هُوَ) أي: حبرُ البشرِ عبدُ اللهِ (ابْنُ عَباسٍ) بنِ عبدِ المُطَّلِبِ الهاشميِّ، (وَهَذَا) أي: ابنُ عباسٍ (عَنْ عُمَرْ) أي: حالَ كونِ الحبرِ راويًا عن عُمرَ بنِ الخطابِ بنِ نُفيلِ بنِ عبدِ العُزَّى، العَدَويُّ، أبي حفصٍ، أحدِ الخُلَفاءِ الرَّاشدين، وهذا القولُ منقولٌ عنِ النَّسائيِّ.

ص: 110

25 -

وَشُعْبَةٌ عَنْ عَمْرٍو بْنِ مُرَّهْ

عَنْ مُرَّةٍ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ كَرَّهْ

26 -

أَوْ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَهْ

إِلَى سَعِيدٍ عَنْ شُيُوخٍ سَادَهْ]

[25]

(وَ) قيل: أصحُّ الأسانيدِ: (شُعْبَةٌ) بنُ الحجَّاجِ بنِ الوَرْدِ العَتَكِيُّ مَولاهُمُ الحافِظُ الواسطيُّ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ عَمْرٍو بْنِ مُرَّهْ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ طارقِ بنِ الحارِثِ الهَمْدانيِّ المُرَاديِّ، أبي عبدِ اللهِ الأعمى الكوفيِّ، أحدِ الأعلامِ، (عَنْ مُرَّةٍ) بنِ شَراحِيلَ الهَمدانيِّ، أبي إسماعيلَ الكوفيِّ العابدِ، مُرَّةَ الطَّيِّبِ، ومُرَّةَ الخَيرِ، حالَ كونِه راويًا (عَنِ ابْنِ قَيْسٍ) هو عبدُ اللهِ بنُ قيسِ بنِ سُلَيمانَ الأشعريِّ، أبو موسى، وقَولُه:(كَرَّهْ)، أي: مرةً، يعني: أنَّ شُعبةَ له تاراتٌ؛ فتارةً يَروي عن عَمرِو بن مُرَّةَ

إلخ. وتارةً عن غيرِه.

وهذا القولُ رواه الخطيبُ في «الكفايةِ» عن وكيعٍ.

[26]

(أَوْ) لتنويعِ الخِلافِ (مَا رَوَى) أي: نَقَل (شُعْبَةُ) بنُ الحجاجِ، (عَنْ قَتَادَهْ) بنِ دِعامةَ السَّدوسيِّ أبي الخَطَّابِ البَصريِّ، أحدِ الأئمةِ الأعلامِ، حافِظٌ يُدَلِّسُ، (إِلَى) أي: عن (سَعِيدٍ) بالتَّنوينِ، وهو: ابنُ المُسيَّبِ بنِ حَزْنِ بنِ أبي وَهبِ بنِ عَمرِو بنِ عابِدِ بنِ مَخزومٍ المَخزومِيُّ،

ص: 111

أبو مُحمَّدٍ المدنيُّ، (عَنْ شُيُوخٍ سَادَهْ)، وهم شُيوخُ سعيدٍ؛ لأنَّه من كِبارِ التَّابعين، وهذا مَنقولٌ عن حجَّاجِ بنِ الشَّاعِرِ.

27 -

ثُمَّ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الْحَبْرِ الْعَلِي

عَبِيدَةٍ بِما رَوَاهُ عَنْ عَلِي

[27]

(ثُمَّ) للتَّرتيبِ الذِّكريِّ، أصحُّ الأسانيدِ: مُحمَّدُ (ابْنُ سِيرِينَ) الأنصاريُّ إمامُ وَقتِه، (عَنِ الْحَبْرِ) بالفَتحِ والكسرِ، أي: العالِمِ، (الْعَلِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ، صفةٌ للحَبْرِ (عَبِيدَةٍ) بفَتحِ العينِ، والصَّرفُ للضَّرورةِ، وهو عَبِيدَةُ بنُ عَمرٍو السَّلْمانيُّ، مات النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو في الطَّريقِ إليه (بِما) أي: بالحديثِ الذي (رَوَاهُ) أي: نَقَله عَبِيدَةُ (عَنْ عَلِي) بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه، وهذا القَولُ منقولٌ عن عَمرِو بنِ عليٍّ الفَلَّاسِ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، وسُلَيمانَ بنِ حَربٍ، إلَّا أنَّ ابنَ المَدينيِّ شَرَط أن يكونَ الرَّاوي عن ابنِ سيرينَ: عبدَ اللهِ بنَ عونٍ، وسُلَيمانَ شَرَط أن يَكُونَ الرَّاوي عنه: أيوبَ السِّخْتِيانيَّ، والفَلَّاسُ ما شَرَط ذلك.

ص: 112

28 -

كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ

عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسعُودِ الْحَسَنْ

29 -

[وَوَلَدُ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ

عائِشَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ ذُو فِطَنْ]

[28]

(كَذَا) أي: مِثلُ ما تقدَّم منَ الأقوالِ في أصحِّ الأسانيدِ: سُلَيمانُ (ابْنُ مِهْرَانَ) بكَسرٍ فسُكونٍ، الكاهليُّ الكوفيُّ، أبو مُحمَّدٍ الأعمَشُ، أحدُ الأعلامِ الحُفَّاظِ والقُرَّاءِ، حالَ كونِه راويًا (عَنِ ابْرَاهِيمَ) بنِ يَزيدَ بنِ قَيسِ بنِ الأسوِد النَّخَعيِّ أبي عِمرانَ الكوفيِّ، (عَنْ عَلْقَمَةٍ) بنِ قيسِ بنِ عبدِ اللهِ بن علقمةَ النَّخَعيِّ الكوفيِّ أبي شِبْلٍ، أحدِ الأعلامِ، مُخَضْرِمٍ، (عَنِ ابْنِ مَسعُودِ) بنِ غافِلِ بنِ حَبِيبِ بنِ شَمْخِ بنِ مَخُزومِ الهُذْليِّ أبي عبدِ الرَّحمنِ الكوفيِّ، أحدِ السَّابِقين الأوَّلين، وحَذْفُ تَنوينْ «مَسعود» هنا للضَّرورةِ، وقَولُه:(الْحَسَنْ) صِفةٌ لابنِ مسعودِ رضي الله عنه، أي: حَسَنُ الأوصافِ؛ لأنَّه كان يُشْبِهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في هَدْيِه ودَلِّهِ وسَمْتِه. وهذا القولُ لابنِ مَعينٍ.

[29]

(وَ) قيلَ: أَصَحُّها: عبدُ الرَّحمنِ (وَلَدُ القَاسِمِ) بنِ مُحمَّدِ بنِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ أبي مُحمَّدٍ المدنيِّ، (عَنْ أَبِيهِ) القاسمِ المَذكورِ، أحدِ الفُقهاءِ السَّبعةِ، (عَنْ) عَمَّتِه (عائِشَةٍ) بالصَّرفِ للضَّرورةِ بنتِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ

ص: 113

-رضي الله عنهما أمِّ المُؤمنين، أمِّ عبدِ اللهِ، الفقيهةِ الرَّبَّانيةِ. وهذا القَولُ لابِن معينٍ أيضًا؛ فله قَولانِ، وله ثالِثٌ يأتي. (وَقَالَ قَوْمٌ) من المُحَدِّثين، وهو الحاكِمُ أبو عَبدِ اللهِ المَعروفُ بابن البَيِّعِ، صاحِبُ «المُستدرَكِ على الصَّحِيحَينِ» ، ومَن تَبِعَه (ذُو) أي: صاحِبُ (فِطَنْ) بكَسرِ ففَتحٍ، وهي الحِذْق بالكَسرِ، أي: أصحابُ حِذْقٍ في فنِّ الحَديثِ.

30 -

لا يَنْبَغِي التَّعْمِيمُ فِي الإِسْنادِ

[بَلْ خُصَّ بِالصَّحْبِ أَوِ البِلادِ

31 -

فَأَرْفَعُ الإِسْنادِ لِلصِّدِّيقِ مَا

اِبْنُ أَبِي خَالِدِ عَنْ قَيْسٍ نَمَا

[30]

(لا يَنْبَغِي التَّعْمِيمُ) أي: تَعميمُ الحُكمِ (فِي الإِسْنادِ) أي: في أصَحِّيَّتِه على الإطلاقِ، أي: لا يُحكَمُ بأنَّه أصَحُّ الأسانيدِ كُلِّها، (بَلْ خُصَّ) أيُّها المُحَدِّثُ، أي: قَيِّدْ (بِالصَّحْبِ)، أي: بصَحابيِّ تلك التَّرجمةِ، بأن تَقولَ مثلًا: أصحُّ أسانيدِ فلانٍ: فُلَانٌ

إلخ (أَوِ) خُصَّ بـ (البِلادِ) بأن تَقولَ مثلًا: أصحُّ أسانيدِ المَدَنيِّين: فلانٌ إلخ.

[31]

(فَأَرْفَعُ) أي: إذا عَرَفْتَ أنَّ الأحسَنَ والأليَقَ هو التَّقيِيدُ؛ فأقولُ

ص: 114

لك: أرفَعُ (الإِسْنادِ) أي: أصحُّ الأسانيدِ (لِـ) أبي بكرٍ (الصِّدِّيقِ)، واسمُه عبدُ اللهِ بنُ عُثمانَ بنِ عامِرِ بنِ عَمرِو بنِ كَعبِ بنِ سَعدِ بنِ تَيمٍ التَّيميِّ (مَا) رَوَى إسماعيلُ (اِبْنُ أَبِي خَالِدِ)

(1)

بتَركِ التَّنويِن للوَزنِ، البَجَليُّ الأحمَسيُّ، أبو عبدِ اللهِ الكوفيُّ، أحدُ الأعلامِ، (عَنْ قَيْسٍ) بنِ أبي حازِمٍ

(2)

البَجَليِّ الأحمَسيِّ، أبي عبدِ اللهِ الكوفيِّ، مُخضرَمٍ (نَمَا) أي: نَسَبه إليه، ونَمَا الحديثُ: ارتفَعَ.

ومعنى البَيتِ: أنَّ أرفَعَ وأصحَّ أسانيدِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه: هو الحَديثُ الذي رواه إسماعيلُ بنُ أبي خالِدٍ، حالَ كونِه آخذًا عن قيسِ بنِ أبي حازِمٍ، أي: الحَديثُ المَروِيُّ بهذا السَّندِ.

32 -

وَعُمَرٍ فَابْنَ شِهابٍ بَدِّهِ

عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ

[32]

(وَعُمَرٍ) بالجرِّ عَطفٌ على «الصِّدِّيقِ» ، وصُرِف للضَّرورةِ، أي: أصحُّ الأسانيدِ لعُمرَ رضي الله عنه: (فَابْنَ شِهابٍ بَدِّهِ) أمرٌ منَ التَّبديهِ، (عَنْ سَالِمٍ) المُتقدِّمِ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ أَبِهِ) عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، على لغةِ

(1)

اسم أبي خالد قيل: هُرمُز، وقيل: كثير، وقيل: سعد.

(2)

اسم أبي حازم: قيل: حصين، وقيل: عوف، وقيل: عبد عوف، صحابي له حديث. اهـ. تقريب التهذيب (ص 581).

ص: 115

النَّقصِ، (عَنْ جَدِّهِ) أي: جدِّ سالِمٍ، وهو عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه، وهذا القَولُ للحاكِمِ أيضًا.

33 -

وَأَهْلِ بَيْتِ المُصْطَفَى جَعْفَرُ عَنْ

آبَائِهِ، إِنْ عَنْهُ رَاوٍ مَا وَهَنْ

[33]

(وَ) أرفَعُ أسانيدِ (أَهْلِ بَيْتِ المُصْطَفَى) صلى الله عليه وسلم: (جَعْفَرُ) بمَنعِ الصَّرفِ للوَزنِ، هو الصَّادِقُ بنُ محمدِ الباقرِ بنِ عليٍّ زَيْنِ العابِدين بنِ الحُسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ الهاشميِّ، أبو عبدِ اللهِ، المدنيِّ، (عَنْ آبَائِهِ) المذكورين، أي: راويًا هو عن أبيه، وهو عن جَدِّه

إلخ.

قال النَّاظِمُ: هذه عِبارةُ الحاكمِ، ووافَقَه مَن نَقَلها، وفيها نظرٌ؛ فإنَّ الضميرَ في جدِّه إنْ عاد إلى جعفرٍ؛ فجدُّهُ عَلِيٌّ لم يسمَعْ من عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، أو إلى مُحمَّدٍ؛ فهو لم يسمَعْ من الحُسَينِ.

(إِنْ عَنْهُ رَاوٍ مَا وَهَنْ) أي: إنْ لم يَكُنِ الرَّاوي عن جعفرٍ ضَعيفًا.

وحاصِلُ معنَى البيتِ: أنَّ أصحَّ أسانيدِ أهلِ البيتِ: جعفرُ بنُ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عليٍّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ؛ إنْ كان الرَّاوي عن جَعفرٍ ثِقةً.

ص: 116

34 -

وَلأَبِي هُرَيرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ

سَعِيدٍ اوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ

35 -

عَنْ أَعْرَجٍ، وَقيلَ: حَمَّادٌ بِمَا

أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا

[34]

(وَ) أصحُّ الأسانيدِ (لأَبِي هُرَيرَةَ) الدَّوسيِّ رضي الله عنه: (الزُّهْرِيُّ) مُحمَّدُ بنُ مُسلِمٍ، (عَنْ سَعِيدٍ) ابنِ المُسيَّبِ، (أوْ) لتَنويعِ الخِلافِ، أي: قال البُخاريُّ رحمه الله: أصحُّ أسانيدِ أبي هُرَيرةَ: (أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ اللهِ بنُ ذَكْوانَ، الأُمَويُّ، المَدنيُّ، أبو عبدِ الرَّحمنِ، (حَيْثُ عَنْ) بتشديدِ النُّونِ، وخُفِّفَ هنا للوَزنِ، أي: ظَهَر ووُجِدَ مَروِيُّه.

[35]

(عَنْ أَعْرَجٍ) عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمُزَ الهاشمِيِّ مَولاهُم، أبي داوُدَ المَدنيِّ القارئِ، (وَقيلَ:) في أصحِّ أسانيدِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه (حَمَّادٌ) بنُ زيدِ بنِ دِرهمٍ الأزديُّ، أبو إسماعيلَ، الأزرقُ البَصريُّ، الحافِظُ، مَولَى جريرِ بنِ حازِمٍ، وقيلَ غيرُ ذلك، (بِمَا) أي: بالحَديثِ الذي (أَيُّوبُ) بنُ أبَي تَميمَةَ، واسمُه كَيسانُ، السِّختيانِيُّ، أبو بكرٍ البَصريُّ الفَقيهُ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي: ابنِ سِيرينَ (لَهُ) أي: لأبي هُريرَةَ (نَمَا) أي: نَسَبهُ إليه.

ص: 117

والمعنى: أنَّ أصحَّ أسانيدِ أبي هُريرةَ: حمَّادُ بنُ زيدٍ، حالَ كَونِه مُقيَّدًا بالحديثِ الذي رواه أيُّوبُ، عن مُحمَّدِ بنِ سِيرينَ، عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه، وهذا القَولُ لابنِ المَدينيِّ رحمه الله.

36 -

لِمَكَّةٍ سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو، وَذَا

عَنْ جَابِرٍ، وَلِلمَدِينَةِ خُذا

[36]

(لِمَكَّةٍ) بالصَّرفِ للوَزنِ: (سُفْيانُ) أي: أصحُّ أسانيدِ أهلِ مَكَّةَ المُشرَّفةِ: سُفيانُ بنُ عُيَينةَ، أبو مُحمَّدٍ، الهِلاليُّ، مَولاهُمُ، الكوفيُّ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابنُ دِينارٍ، الجُمَحيُّ، مَولاهُم، أبو مُحمَّدٍ المكيُّ، الأَثرَمُ، أحدُ الأعلامِ، (وَذَا) أي: عَمرٌو (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ حرامٍ الأنصاريُّ، السَّلَمِيُّ، أبو عبدِ الرحمنِ، أو أبو عبدِ اللهِ، أو أبو مُحمَّدِ المَدنيُّ، الصَّحابيُّ، المَشهورُ.

والمعنى: أنَّ أصحَّ الأسانيدِ لأهلِ مكَّةَ، سُفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عَمرٍو، حالَ كَونِه راويًا عن جابِرٍ رضي الله عنه.

(وَلِلمَدِينَةِ) المُنوَّرةِ -على ساكِنها أفضلُ الصَّلاِة وأزكى السَّلامِ (خُذا) أيُّها الطَّالِبُ الذَّكيُّ، والألفُ بَدَلٌ منَ النُّونِ الخَفيفةِ.

ص: 118

37 -

ابْنَ أَبِي حَكِيمَ عَنْ عَبِيدَةِ

الحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةِ

38 -

وَما رَوَى مَعْمَرُ عَنْ هَمَّامَ عَنْ

أَبِي هُرَيرَةَ أَصَحُّ لِلْيَمَنْ

[37]

(ابْنَ) بالنَّصبِ مَفعولُ «خُذ» (أَبِي حَكِيمَ) بمَنعِ الصَّرفِ للوَزنِ، هو إسماعيلُ بنُ أبي حكيمٍ، مولَى عُثمانَ المَدنيِّ، (عَنْ عَبِيدَةِ) بفَتحِ العَينِ، هو ابنُ سُفيانَ بنِ الحارِثِ، (الحَضْرَمِيِّ) نِسبةً إلى حَضْرَمَوْتَ: بُلَيدةٌ منَ اليَمنِ بقُربِ عَدَنَ، (عَنْ أَبِي هُرَيرَةِ) رضي الله عنه بالصَّرفِ للقافِيَةِ.

والمعنى: خُذْ أيُّها المُحدِّثُ أصحَّ أسانيدِ المدينةِ: ابنَ أبي حَكيمٍ

إلخ. وهذا القَولُ لأحمَدَ بنِ صالِحٍ المِصرِيِّ رحمه الله.

[38]

(وَما) أصحَّ الحديثِ الذي (رَوَى)، أي: نَقَله (مَعْمَرُ) بمَنعِ الصَّرفِ للوَزنِ، ابنُ راشِدٍ الأَزْديُّ، مولًى لمَولاهُم عبدُ السَّلامِ بنُ عبدِ القُدُّوسِ، أبو عُروةَ البَصريُّ، ثمَّ اليَمانِيُّ، أحدُ الأعلامِ، (عَنْ هَمَّامَ) بمَنعِ الصَّرفِ أيضًا للوَزنِ ابنِ مُنَبِّهِ بنِ كامِلٍ الأَبْنَاوِيِّ، أبي عُقْبةَ الصَّنعانيِّ اليَمانيِّ، (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) رضي الله عنه (أَصَحُّ) الأحاديثِ (لـ) أهلِ (الْيَمَنْ).

ص: 119

39 -

لِلشَّامِ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَا

عَنِ الصِّحَابِ فَائِقٌ إِتْقَانَا

40 -

وَغَيْرُ هَذَا مِنْ تَراجِمٍ تُعَدّْ

ضَمَّنْتُهَا شَرْحِيَ عَنْها لا تُعَدْ]

[39]

(لِلشَّامِ) مُتعلِّقٌ بـ «فائقٌ» (الأَوْزَاعِيُّ) إمامُ أهلِ الشَّامِ، أبو عَمرٍو عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَمرٍو، (عَنْ حَسَّانَا) بألفِ الإطلاقِ، ابنِ عَطِيَّةَ المُحارِبيِّ مولاهم أبي بَكرٍ الدِّمَشقيِّ الفقيهِ (عَنِ الصِّحَابِ) رضي الله عنهم بكَسرِ الصَّادِ- جَمعُ صاحِبٍ بمَعنَى الصحابيِّ، (فَائِقٌ) أي: راجِحٌ (إِتْقَانَا) أي: من حيثُ الإتقانُ على غيرِه من أسانيدِ الشَّاميِّين ..

والمعنى: أَنَّ أصحَّ أسانيدِ أهلِ الشامِ هوَ الأوزاعيُّ، عن حسَّانَ

إلخ؛ فهو سَنَدٌ فائِقٌ على غيرِه من أسانيدِهم.

[40]

(وَغَيْرُ هَذَا) أي: ومنها غيرُ هذا، (مِنْ تَراجِمٍ تُعَدْ)، أي: مَعدودَةٌ عند العُلَماءِ بأنَّها أصحُّ الأسانيدِ، (ضَمَّنْتُهَا شَرْحِيَ) أي: جَعَلْتُها ضِمنَه، والمُرادُ بالشَّرحِ هو «تدريبُ الرَّاوي» الذي جَعَله شَرحًا لـ «تقريبِ النَّواويِّ» ، بل ولجَميعِ كُتُبِ الفنِّ؛ إذ هو مِن أجمَعِ ما أُلِّفَ في هذا الفَنِّ، (عَنْها) أي: لها مُتعلِّق بـ «شرح» (لا تُعَدّْ) أي: لا تُذكَرُ هنا؛ لضِيقِ النَّظمِ، واللهُ أعلَمُ.

ص: 120

‌مسألةٌ

41 -

[أَوَّلُ جامِعِ الحديثِ والأَثَرْ

اِبْنُ شِهابٍ آمِرًا لَهُ عُمَرْ

42 -

وَأَوَّلُ الجَامِعِ لِلأَبْوَابِ

جَمَاعَةٌ فِي العَصْرِ ذُو اقْتِرَابِ

[41]

(أَوَّلُ جامِعِ) أي: أسبقُ مُدَوِّنِ (الحديثِ) النبويِّ (والأَثَرْ) إمَّا عطفُ تفسيرٍ للحديثِ، إنْ قلنا بتَرادُفِهما، وإمَّا عطفٌ مُغايِرٌ، إنْ خُصَّ بالمَوقوفِ:(اِبْنُ شِهابٍ) الزُّهريُّ (آمِرًا لَهُ) أي: الآمِرُ لابنِ شهابٍ بجَمعِ الأحاديثِ (عُمَرْ) بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، أحدِ الخُلَفاءِ الرَّاشدين.

ومعنى البيتِ: أنَّ أولَ مَن دَوَّن الحَديثِ هو الإمامُ ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ بأمرِ الخَليفةِ عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمه الله، والمُرادُ بالتَّدوينِ المذكورِ: هو التَّدوين الرَّسميُّ؛ بحيث يَكونُ مَجموعًا مُرتَّبًا، وإلَّا فقد كان يُكتَبُ في الرِّقاعِ والعِظامِ من لَدُنْ زمنِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهَلُمَّ جَرًّا.

[42]

(وَأَوَّلُ) مُبتدَأُ (الجَامِعِ لِلأَبْوَابِ) المُتنوِّعةِ منَ العِباداتِ، والمُعاملاتِ، والمَغازي، وغيرِها (جَمَاعَةٌ) خبرُ المُبتدأِ، أي: طائفةٌ

ص: 121

(فِي العَصْرِ) أي: في الزمنِ (ذُو اقْتِرَابِ) صفةٌ لجماعةٍ.

ومعنى البيتِ: أنَّ أوَّلَ مَن جَمَع الحديثَ جماعةٌ مُتقارِبون في الزَّمنِ، وذلك أثناءَ المِائةِ الثانيةِ؛ فلا يُدرَى أيُّهم سَبَق؛ لكَونِهم في وقتٍ واحدٍ، وهم:

43 -

كَابْنِ جُرَيْجٍ وَهُشَيْمٍ مَالِكِ

وَمَعْمَرٍ وَوَلَدِ المُبَارَكِ]

44 -

وَأَوَّلُ الجَامِعِ بِاقْتِصَارِ

عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ البُخَارِي

[43]

(كَا) لإمامِ عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ (بْنِ جُرَيْجٍ) الأُمَويِّ مَولاهُم، أحدِ الأعلامِ، من تابِعي التَّابعين، (وَهُشَيْمٍ) بضمِّ الهاءِ وفَتحِ الشِّينِ، ابنِ بَشِيرٍ بفَتحِ الباءِ، أبي مُعاوِيةَ، السُّلَمِيِّ الواسِطيِّ، من تابِعي التَّابعين، و (مَالِكِ) بنِ أنسٍ، إمامِ دارِ الهِجرةِ، (وَمَعْمَرٍ) بنِ راشدٍ، أبي عُروةَ الإمامِ، الحافِظِ، (وَ) عبدِ اللهِ (وَلَدِ المُبَارَكِ) بنِ واضِحٍ المَروَزيِّ، الحَنظَليِّ، مَولاهم أبي عبدِ الرحمنِ، الإمامِ المُجْمَعِ على جَلالَتِه، وإمامَتِه في كلِّ شيءٍ.

[44]

(وَأَوَّلُ الجَامِعِ) أي: أسبَقُ مُحدِّثٍ في جَمعِ الأحاديثِ المُسنَدةِ (بِاقْتِصَارِ) أي: مع اقتِصارٍ، أي: مُقتصِرًا (عَلَى الصَّحِيحِ) المُجرَّدِ منَ

ص: 122

الحديثِ، (فَقَطِ) أي: فحَسْبُ: (البُخَارِي) وهو الإمامُ الحافِظُ الحُجَّةُ مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ.

45 -

وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَالأَوَّلُ

عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ

46 -

[وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا

تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا]

[45]

(وَمُسْلِمٌ) بنُ الحجَّاجِ، القُشَيْريُّ (مِنْ بَعْدِهِ) أي: البُخاريِّ، يَعني: أنَّ الإمامَ مُسلِمًا جَمَع الصَّحِيحَ بعدَ البخاريِّ؛ لأنَّه مُتأخِّرٌ وقتًا؛ فإنه تِلميذُه وخِرِّيجُه، (وَالأَوَّلُ) أيِ: الإمامُ البُخاريُّ (عَلَى الصَّوَابِ) أيِ: القَولِ السَّدِيدِ (فِي) التَّثبُّتِ واستِيفاءِ شُروطِ (الصَّحِيحِ) منَ الأحاديثِ المُسنَدةِ (أَفْضَلُ)؛ لكَونِه أعلَمَ بالفَنِّ، وأعدَلَ رُوَاةً، وأشدَّ اتِّصالًا منه.

[46]

(وَمَنْ) شَرطيَّةٌ (يُفَضِّلْ) منَ العُلَماءِ (مُسْلِمًا) على البُخاريِّ، أي: كِتابَه على كِتابِه (فَإِنَّمَا تَرْتِيبَهُ) بالنَّصبِ مَفعولٌ لمَحذوفٍ، أي: فَضَّلَ، أو بالرَّفعِ خبرٌ لمحذوفٍ، أي: مُرادُه: تَرتيبُه، لا من حيثُ الأَصحِّيَّةُ، (وَصُنْعَهُ) عَطفُ تفسيرٍ لترتيبَ، أوِ المُرادُ بالتَّرتيبِ: ترتيبُ الأبوابِ والأحاديثِ؛ بحيث يَذكُرُ كلَّ بابٍ وحديثٍ إلى جَنبِ مُناسِبِه، وفي مَظَانِّه،

ص: 123

وبالصُّنعِ: حُسنُ صِناعةِ الحَديثِ من حيثُ تَلخيصُ الطُّرُقِ، والاحتِرازُ من تَحويلِ الأسانيدِ عندَ الِاتفاقِ من غَيرِ تنبيهٍ على اختلافِ ألفاظِ الرُّواةِ في متنٍ، أو إسنادٍ، ولو في حرفٍ واحدٍ؛ فالعَطفُ للمُغايَرَةِ، (قَدْ أَحْكَمَا) أي: حالَ كونِه مُحْكِمًا، أي: مُتقِنًا لتَرتيبِه، وصُنعِه، والألِفُ ضَميرٌ راجِعةٌ إلى التَّرتيبِ والصُّنعِ، أي: حالَ كَونِهِما مُحْكَمَينِ.

47 -

وَانْتَقَدُوا عَلَيْهِمَا يَسِيرَا

[فَكَمْ تَرَى نَحْوَهُمَا نَصِيرَا]

48 -

وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ أَصَحُّ مِنْهُمَا

بَعْدَ الْقُرَانِ وَلِهَذَا قُدِّمَا

[47]

(وَانْتَقَدُوا) أيِ: اعتَرَض بعضُ أهلِ النقدِ، كالدَّارَقُطنيِّ، وأبي عليٍّ الغَسَّانيِّ الجَيَّانيِّ، وأبي ذَرٍّ الهَرَويِّ، وأبي مَسعودٍ الدِّمَشقيِّ، وغَيرِهم.

(عَلَيْهِمَا) أيِ: البُخاريِّ ومُسلمٍ (يَسِيرَا) أي: قليلًا من أحاديثِهما، وعِدَّتُها -كما قال الحافِظُ- مِائتانِ وعَشَرةُ أحاديثَ، اشتَرَكَا في اثنَينِ وثَلاثينَ، واختَصَّ البُخاريُّ بثَمانينَ إلَّا اثنَينِ، ومُسلِمٌ بمائةٍ؛ (فَكَمْ) بمعنى عددٍ كثيرٍ (تَرَى) بالتاءِ أيُّها الطَّالِبُ، أي: رَأينا كَثيرًا من العُلَماءِ المُبَرَّزِين، والحُفَّاظِ المُتقِنين (نَحْوَهُمَا) أي: قَصْدَهُما (نَصِيرَا) أي: مُعِينًا، أو مانِعًا من أن يَتطرَّق إليه قَدْحُ قادِحٍ.

ص: 124

[48]

(وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ) بسُكونِ التاءِ (أَصَحُّ) أي: أقوَى وأرجَحُ صِحَّةً (مِنْهُمَا) أي: الصَّحِيحَين (بَعْدَ الْقُرَانِ) الكريمِ، لغةٌ قُرِئ بها في السَّبعةِ؛ (وَلِهَذَا) أي: لأجلِ كونِهما بهذه المَرتبةِ الرَّفيعةِ (قُدِّمَا) الألفُ للإطلاقِ.

49 -

مَرْوِيُّ ذَيْنِ، فَالبُخَارِيِّ، فَمَا

لِمُسْلِمٍ، فَمَا حَوَى شَرْطَهُمَا

50 -

فَشَرْطَ أَوَّلٍ، فَثَانٍ، ثُمَّ مَا

كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى غَيْرِهِمَا

[49]

(مَرْوِيُّ ذَيْنِ) أيِ: الحديثُ الذي رواه هذانِ الإمامانِ، وهذا هو القِسمُ الأوَّلُ من أقسامِ الصَّحِيحِ السَّبعةِ، (فَالبُخَارِيِّ) أي: فما رَوى البخاريُّ مُنفرِدًا عن مسلمٍ، (فَمَا) أي: الحَديثُ الذي (لـ) لإمامِ الحُجَّةِ (مُسْلِمٍ) بنِ الحجَّاجِ، وهو الثالثُ، (فَمَا حَوَى) أي: فالحديثُ الذي جَمَعَ (شَرْطَهُمَا) أي: رجالَ إسنادِهما، وهو الرابعُ.

[50]

(فَشَرْطَ أَوَّلٍ) أي: ما جَمَع شرْطَ البخاريِّ، وهو الخامِسُ، (فَثَانٍ) عطفٌ على «أولٍ» أي: شرْطُ مسلمٍ، وهو السادِسُ، (ثُمَّ مَا) أي: ثم قُدِّم الحديثُ الذي (كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى) من أئمةِ الحديثِ (غَيْرِهِمَا) أي: غيرِ الشَّيخَينِ، وهذا آخرُ الأقسامِ السَّبعةِ، وفائدةُ التَّقسيمِ تظهَرُ عندَ التَّعارُضِ.

ص: 125

51 -

[وَرُبَّمَا يَعْرِضَ لِلْمَفُوقِ مَا

يَجْعَلُهُ مُسَاوِيًا أَوْ قُدِّمَا

52 -

وَشَرْطُ ذَيْنِ كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ

لَدَيْهِمَا بِالجَمْعِ وَالإِفْرَادِ]

53 -

وَعِدَّةُ الأَوَّلِ بِالتَّحْرِيرِ

أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ بِلا تَكْرِيرِ

[51]

(وَرُبَّمَا) للتَّقليلِ (يَعْرِضَ) أي: يظهَرُ ويتَّضِحُ (لِلْمَفُوقِ) أيِ: المَفضولِ لتأخُّرِ رُتبَتِه (مَا) يعرِض (يَجْعَلُهُ) أيِ: المَفوقَ (مُسَاوِيًا) للفائقِ (أَوْ قُدِّمَا) أي: أو مُقدَّمًا عليه بسببِ ما صاحَبَه من المُرجِّحاتِ.

[52]

(وَشَرْطُ ذَيْنِ) أي: المُرادُ بشَرطِ الشَّيخَينِ: (كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ) أي: كونُ هذا الإسنادِ الذي قيلَ: إنَّه على شَرطِهما، أو شَرطِ أحدِهِما (لَدَيْهِمَا) أي: في كتابَيهِما (بِالجَمْعِ) أي: كَونُ إسنادِه مَذكورًا في كتابَيهِما معًا، (وَالإِفْرَادِ) فيما قيلَ فيه: على شَرطِ البخاريِّ، أو مُسلِمٍ.

[53]

(وَعِدَّةُ) أحاديثِ (الأَوَّلِ) أي: «صَحيحِ البُخاريِّ» ، والمُرادُ الأحاديثُ المُسنَدةُ (بِالتَّحْرِيرِ) أي: على ما حرَّره مَن حقَّقَه، وهو إمامُ المُتقِنين في المتأخِّرين الحافِظُ ابنُ حجرٍ في كِتابِه «فتحِ الباري» ومُقدِّمَتِه

ص: 126

المُسمَّاةِ بـ «هُدى الساري» : (أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ) أي: رُبْعُ الألفَينِ، وهو خَمسُمِائةٍ، أي: وزِيادَةُ ثَلاثةَ عَشَرَ، هذا هو الذي ذَكَره في «الفَتحِ» في بابِ كُفرانِ العَشيرِ، وتَبِعَه النَّاظِمُ في «التَّدريبِ» ، والذي ذَكَره في «هُدى الساري» يُخالِفُ هذا؛ حَيثُ قال:«فجَميعُ ما في «صحيحِ البُخاريِّ» منَ المُتونِ المَوصولةِ بلا تَكريرٍ على التَّحريرِ: ألفَا حديثٍ وسِتُّمِائةِ حَديثٍ وحَديثانِ

» ثمَّ قال: «فجميعُ ما في الكِتابِ على هذا بالمُكرَّرِ (9082) حديثًا، وهذه العِدَّةُ خارِجةٌ عنِ المَوقوفاتِ على الصَّحابةِ والمَقطوعاتِ عنِ التَّابِعين فمَن بَعدَهم» ، وقَولُه:(بِلا تَكْرِيرِ) أي: حالَ كَونِ ما ذُكِر بدونِ ذِكْرِ المُكرَّرِ، وأمَّا مع المُكرَّرِ فجُملَتُه -كما قال الحافِظُ أيضًا- من غيرِ المُعلَّقاتِ والمُتابَعاتِ: سَبعةُ آلافٍ وثَلاثُمِائةٍ وسَبعةٍ وتِسعون حَديثًا.

54 -

[وَمُسْلِمٍ أَرْبَعَةُ الآلافِ]

وَفِيهِمَا التَّكْرَارُ جَمًّا وَافِ

[54]

(وَمُسْلِمٍ) أي: وعِدَّةُ أحاديثِ «صَحيحِ مُسلمٍ» (أَرْبَعَةُ الآلافِ) بإدخالِ «ألْ» على «آلافٍ» ، وهو لغةٌ لا ضَرورةٌ، (وَفِيهِمَا) أيِ:«الصَّحِيحين» (التَّكْرَارُ) أي: تَكرارُ الحَديثِ الواحِدِ مرَّتينِ فصاعدًا لفائدةٍ إسنادِيةٍ، أو مَتْنيَّةٍ (جَمًّا) أي: حالَ كونِ التَّكرارِ كثيرًا، والْجَمُّ: الشيءُ الكثيرُ، (وَافِ) أي: كثيرٌ، والمعنى: أن التَّكرارَ في الكِتابَينِ كثيرٌ جدًّا، وقد عَلِمتَ

ص: 127

عِدَّةَ المُكرَّراتِ في «البُخارِي» ، وأمَّا في «صحيحِ مُسلمٍ»؛ فقد قال العِراقيُّ: «إنَّه يَزيدُ على البُخاريِّ؛ لكَثرَةِ طُرقِه، قال: وقد رأيتُ عن أبي الفضلِ أحمدَ بنِ سَلمةَ: إنَّه اثنا عَشَرَ ألفًا، وقال المَيَانِجِيُّ: ثَمانيةُ آلافٍ.

55 -

مِنَ الصَّحِيحِ فَوَّتَا كَثِيرِا

وَقَالَ نَجْلُ أَخْرَمٍ: يَسِيرًا

[55]

(مِنَ الصَّحِيحِ) أي: الحديثِ الصَّحِيحِ (فَوَّتَا) بتشديدِ الواوِ، والألفُ والضميرٌ عائدٌ على البخاريِّ ومسلمٍ، أي: تَرَكَا (كَثِيرِا) أي: شيئًا، أو تَفويتًا كثيرًا، والمعنى: أن البُخاريَّ ومسلمًا -رحمهما الله- تَرَكَا تخريجَ أحاديثَ صَحيحةٍ كثيرةٍ؛ فلم يَذكُراهَا في كِتابَيهِما؛ وذلك لأنَّهُما لم يَستوعِبَا ذِكْرَ الصَّحِيحِ، ولا الْتَزَماه، (وَقَالَ) الحافِظُ أبو عبدِ اللهِ (نَجْلُ أَخْرَمٍ) بالصَّرفِ للضَّرورةِ، أي: ولدُ الأخرمِ بالخاءِ المُعجَمةِ والرَّاءِ المُهمَلةِ، هو مُحمَّد بنُ يَعقوبَ بنِ الأخرَمِ الشَّيبانيُّ، المَعروفُ أبوه بابنِ الكِرْمانيِّ، وهو شيخُ أبي عبدِ اللهِ الحاكِمِ (يَسِيرًا) أي: تَرَك الشَّيخانِ قَليلًا منَ الأحاديثِ الصِّحاحِ.

ص: 128

56 -

[مُرَادُهُ أَعَلَى الصَّحِيحِ فَاحْمِلِ

أَخْذًا مِنَ الحَاكِمِ أَيْ فِي المَدْخَلِ]

[56]

(مُرَادُهُ) مبتدأٌ، أي: مَقصودُ ابنِ الأخرَمِ بقَولِه: لم يَفُتْهُما إلَّا القليلُ (أَعَلَى الصَّحِيحِ) خبرُ المبتدَأِ، أيِ: الحَديثِ الذي في الدَّرجةِ العُلْيا منَ الصِّحَّةِ، فكأنَّه قال: لم يَفُتْهُما من أصحِّ الصَّحِيحِ إلَّا القليلُ، (فَاحْمِلِ) عليه -أيُّها الطَّالبُ الماهِرُ، والمُحقِّقُ الباهِرُ- مرادَ ابنِ الأخرمِ، (أَخْذًا) أي: حالَ كَونِك آخذًا هذا الجوابَ (مِنَ) كلامِ (الحَاكِمِ) أبي عبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ النَّيسابوريِّ، المَعروفِ بابنِ البَيِّعِ (أَيْ) تَفسيرُه (فِي) كتابِه المُسمَّى بـ («المَدْخَلِ) إلى كتاب الإكليل»، والمعنى: أنَّ مرادَ ابنِ الأخرمِ رحمه الله في قَولِه: «ما فاتَهما إلَّا القليلُ» هو أصحُّ الصَّحِيحِ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ مراتِبُ، وهذا الجَوابُ مأخوذٌ من تقسيمِ الحافِظِ أبي عبدِ اللهِ الحاكِمِ للحديثِ الصَّحِيحِ في كتابِه «المَدخَلِ» إلى عَشَرةِ أقسامٍ؛ فذَكَر منها في القسمِ الأوَّلِ الذي هو الدرجةُ الأولى اختيارَ الشَّيخَينِ

إلى آخِرِ الأقسامِ التي ذَكَرها، فتبيَّنَّا أنَّ ما فاتَهُما من هذا النَّوعِ قليلٌ، لا كثيرٌ؛ فحصَل الجوابُ، وللَّهِ الحمدُ.

ص: 129

57 -

النَّوَوِيْ: لَمْ يَفُتِ الخَمْسَةَ مِنْ

مَا صَحَّ إِلاَّ النَّزْرُ فاقْبَلْهُ وَدِنْ

58 -

وَاحْمِلْ مَقَالَ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ

أَحْوِي عَلَى مُكَرَّرٍ وَوَقْفِ

[57]

(النَّوَوِيْ) أي: قال النَّوويُّ: (لَمْ يَفُتِ) الأُصولَ (الخَمْسَةَ) أي: «الصَّحِيحينِ» ، و «سننِ أبي داودَ، و «التِّرمذيِّ» ، و «النَّسائيِّ» (ممَا صَحَّ) أي: منَ الحديثِ الذي صحَّ (إِلاَّ النَّزْرُ) أيِ: الشيءُ القليلُ.

والمعنى: أنَّ الإمامَ النَّوويَّ رحمه الله قال: «إنَّه لم يَفُتِ الأصولَ الخمسةَ إلَّا اليسيرُ» ، قال النَّاظِمُ رحمه الله مُقرِّرًا لقَولِه وراضيًا له-:(فاقْبَلْهُ) أيُّها الطَّالِبُ الذَّكِيُّ والرَّاغِبُ الألمَعِيُّ؛ لكَونِه صوابًا، (وَدِنْ) بالكسرِ فِعلُ أمرٍ مِن دانَه يَدِينُه، بمعنى: أَطَاعَه أو جَازَاهُ، أي: أَطِعْه في هذا القَولِ، ولا تَعتَرِضْ عليه، أو جازِهِ بالشُّكرِ والدُّعاءِ له؛ لكَونِه أفادَك عِلمًا. ولمَّا كان يَتوجَّهُ على قَولِه اعتِراضٌ بقَولِ البُخاريِّ رحمه الله:«أحفَظُ مِائةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومِائتيْ ألفِ حديثٍ غيرِ صَحيحٍ» ؛ فإنَّه يدلُّ على كَثرةِ ما فات الأُصولَ الخَمسةِ منَ الصَّحِيحِ؛ لقلةِ أَحَاديثِهَا - أجابَ عنه النَّاظِمُ بقَولِه:

[58]

(وَاحْمِلْ) أيُّها الطَّالِبُ الرَّاغِبُ (مَقَالَ) أي: قولَ الإمامِ البخاريِّ:

ص: 130

(عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ) أي: مِائةُ ألفٍ (أَحْوِي) أي: أحفَظُ (عَلَى مُكَرَّرٍ) أي: على الحديثِ الذي يَتكرَّرُ إسناده (وَوَقْفِ) أي: مَوقوفٍ على الصَّحابةِ والتَّابعين.

ثمَّ ذَكَر ما يُعرَفُ به الحَديثُ الصَّحِيحُ الزَّائدُ على «الصَّحِيحَينِ؛ فقال:

59 -

وَخُذْهُ حَيْثُ حَافِظٌ عَلَيْهِ نَصْ

وَمِنْ مُصَنَّفٍ بِجَمْعِهِ يُخَصْ

60 -

كَابْنِ خُزَيْمَةَ [وَيتْلُو مُسْلِمَا

وَأَوْلِهِ] البُسْتِيَّ [ثُمَّ] الحَاكِمَا

[59]

(وَخُذْهُ) أي: الحَديثَ الصَّحِيحَ الزَّائدَ عَلَيهِما (حَيْثُ حَافِظٌ) من حُفَّاظِ الحديثِ النبويِّ (عَلَيْهِ) أي: على صِحَّتِه (نَصْ) أي: عَيَّنَهُ، وأوضَحَه، كأبي داوُدَ، والتِّرمذيِّ، والدَّارَقطنيِّ، وغَيرِهم (وَ) خُذْهُ أيضًا (مِنْ) كتابٍ (مُصَنَّفٍ) بفتحِ النُّونِ (بِجَمْعِهِ) أي: جَمعِ الصَّحِيحِ، مُتعلِّقٌ بـ (يُخَصْ) أيِ: الكُتبِ التي تَختَصُّ بجَمعِ الصَّحِيحِ الذي لم يَختلِطْ بغَيرِه.

[60]

(كَـ) صحيحِ الإمامِ الحافِظِ أبي بَكرٍ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ (ابْنِ خُزَيْمَةَ) بنِ المُغيرةِ السُّلَميِّ النَّيسابُوريِّ، (وَيتْلُو) أي:«صحيحُهُ» في الرُّتبةِ (مُسْلِمَا) أي: «صَحيحَهُ» ، (وَأَوْلِهِ) أي: أَتْبِعْ «صحيحَ ابنِ خُزيمةَ» في الرُّتبةِ

ص: 131

(البُسْتِيَّ) أي: «صَحيحَهُ» ، وهو الحافِظُ أبو حاتِمٍ مُحمَّدُ بنُ حِبَّانَ بنِ أحمَدَ بنِ حِبَّانَ بنِ مُعاذٍ التميميُّ، (ثُمَّ) أَوْلِ البُستيَّ في الرُّتبةِ، (الحَاكِمَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: كتابَه المُسمَّى بـ «المُستدرَكِ» ، ولمَّا كان كتابُه -مع ذلك- وَقَع فيه تَساهُلٌ كبيرٌ - نَبَّه عليه بقَولِه:

61 -

وَكَمْ بِهِ تَسَاهُلٌ [حَتَى وَرَدْ

فِيهِ مَناكِرُ وَمَوْضُوعٌ يُرَدْ]

62 -

وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: مَا تَفَرَّدَا

فَحَسَنٌ إِلاَّ لِضَعْفٍ فَارْدُدَا

[61]

(وَكَمْ) أي: عددٌ كثيرٌ (بِهِ) أي: في كتابِه (تَسَاهُلٌ) أي: تَغافُلٌ في التَّصحيحِ؛ (حَتَى وَرَدْ) غايةٌ لتَساهُلِه في التَّصحيحِ (فِيهِ) أيِ: «المُستدرَكِ» (مَناكِرُ) أي: واهِياتٌ لا تَصِحُّ، (وَمَوْضُوعٌ) أي: مَكذوبٌ (يُرَدْ) أي: مَردودٌ صِفةٌ لـ «موضوعٌ» ، ثم ذَكَرَ ما قالَه الإمامُ ابنُ الصَّلاحِ في شأنِ ما تفرَّد الحاكِمُ بتَصحيحِه؛ فقال:

[62]

(وَ) الإمامُ الحافِظُ أبو عَمرٍو عُثمانُ (ابْنُ الصَّلاحِ قَالَ) في شأنِ الحاكِمِ: (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (تَفَرَّدَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: الحاكِمُ

ص: 132

بتَصحيحِه (فَـ) هو حديثٌ (حَسَنٌ) للعملِ به، والاحتجاجِ، (إِلاَّ لِضَعْفٍ) أي: إلَّا أن يظهَرَ ضَعْفُه؛ فإذا كان كذلك (فَارْدُدَا)، وإنَّما قال ذلك.

63 -

جَرْيًا عَلَى امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا

فِي عَصْرِنَا كَمَا إِلَيْهِ جَنَحَا

64 -

وَغَيْرُهُ جَوَّزَهُ [وَهْوَ الأَبَرْ]

فَاحْكُمْ هُنَا بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ

[63]

(جَرْيًا) أي: لأَجلِ جَرْيِه (عَلَى) رأيِ (امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا)، وكذا أن يُحَسَّنَ، أو يُضَعَّفَ (فِي عَصْرِنَا) المتأخِّرِ؛ لضَعفِ أهلِيَّةِ أهلِ هذه الأزمانِ، وقَولُه:(كَمَا إِلَيْهِ) أي: إلى هذا الرأيِ (جَنَحَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: مالَ ابنُ الصلاحِ، واعتمَدَه، مؤكِّدٌ لِمَا قَبْلَه.

والمعنى: أنَّ ابنَ الصَّلاحِ إنَّما حَكَم بكَونِ ما تَفرَّد بتَصحيحِه الحاكِمُ حَسَنًا، لأجلِ كَونِه جاريًا على مَنعِ الاستِقلالِ بإدراكِ الصَّحِيحِ، وكذا الحَسنُ، والضَّعِيفُ -كما تُفيدُه عِبارةُ «التَّدريبِ» - في هذه الأعصارِ المتأخِّرةِ؛ لضَعفِ أهلِها عن ذلك، ثم أشار النَّاظِمُ إلى ردِّ رأيِ ابنِ الصَّلاحِ هذا بقَولِه:

[64]

(وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ الصَّلاحِ -كالإِمامِ النوويِّ- (جَوَّزَهُ) أيِ: التَّصحيحَ، وكذا التَّحسينُ، والتَّضعيفُ، لِمَن تمكَّن وقَوِيَت مَعرِفَتُه، (وَهْوَ)

ص: 133

أي: القَولُ هذا (الأَبَرْ) أيِ: الأحسَنُ والأرجَحُ؛ (فَاحْكُمْ) أي: فإذا كان كذلك فاحكُمْ -أيُّها المتأهِّلُ لذلك- في الحديثِ (هُنَا) أي: فيما انفرَدَ بتَصحيحِه الحاكِمُ (بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ)، أي: بالحُكمِ الذي أدَّى إليه نَظَرُك واجتِهادُك منَ الصِّحَّةِ، أوِ الحُسنِ، أوِ الضَّعفِ.

65 -

[مَا سَاهَلَ البُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ

بَلْ شَرْطُهُ خَفَّ وَقَدْ وَفَّى بِهِ]

66 -

وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحَيْنِ [بِأَنْ

يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنْ

[65]

(مَا) نافيةٌ (سَاهَلَ) أي: تَساهَلَ الإمامُ الحافِظُ مُحمَّدُ بنُ حِبَّانَ (البُسْتِيُّ) بضمِّ فسُكونٍ نِسبةٌ إلى بلدٍ بسِجِسْتانَ، في التَّصحيحِ (فِي كِتَابِهِ)«الأنواعِ والتقاسيمِ» ، (بَلْ شَرْطُهُ) أي: البُستيِّ (خَفَّ) أي: قَلَّ، بخلافِ شرطِ غيرِه من الأئمةِ، (وَقَدْ وَفَّى) البُسْتِيُّ (بِهِ) أي: بما اشتَرَطه، وغايَتُه: أنه يُخْرِج في كِتابِه المَذكورِ ما كان راوِيه ثِقةً، غيرَ مُدلِّسٍ، سَمِعَ من شَيخِه، وسَمِع منه الآخِذُ عنه، ولا يكونُ هناك إرسالٌ، ولا انقِطاعٌ، وإذا لم يَكُنْ في الراوي جَرحٌ، ولا تَعديلٌ، وكُلٌّ من شَيخِه والرَّاوي عنه ثقةٌ، ولم يأتِ بحَديثٍ مُنكَرٍ - فهو عِندَه ثقةٌ، ثم تكلَّم على الكُتبِ المُستخرَجةِ على

ص: 134

«الصَّحِيحينِ بقَولِه:

[66]

(وَاسْتَخْرَجُوا) أيِ: العُلماءُ (عَلَى الصَّحِيحَيْنِ)«صحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ» (بِأَنْ يَرْوِي) الباءُ للتَّصويرِ، أي: يَذكُرَ المُستخرِجُ (أَحَادِيثَ كِتَابٍ)، وإنَّما نكَّره، وإنْ كان الأولَى كونَه مُعَرَّفًا؛ ليُفيدَ أنَّ هذا الحُكمَ غيرُ مُختَصٍّ بهذَينِ الكتابَينِ؛ (حَيْثُ عَنْ) بتَشديدِ النُّونِ، وخُفِّفَت هنا للوَزنِ، أي: ظهَر المَذكورُ منَ الأحاديثِ.

67 -

لا مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَا

مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدَا]

68 -

فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنًى، وَفِي

لَفْظٍ كَثِيرًا، فَاجْتَنِبْ أَنْ تُضِفِ

[67]

(لا) أي: يروي من طَريقِ نَفسِه، لا (مِنْ طَرِيقِ مَنْ) أيِ: الشخصِ الذي (إِلَيْهِ عَمَدَا)، أي: قَصَده لِاستِخراجِ أحاديثِه، والضميرُ عائدٌ إلى الرَّاوي، أيِ: المُستخرِجُ حالَ كونِه (مُجْتَمِعًا) مع صاحِبِ الكتابِ في الإسنادِ (فِي شَيْخِهِ) أي: مع شيخِ صاحِبِ الكتابِ، (فَصَاعِدَا) أي: فما فوقَ الشَّيخِ، كشيخِ الشَّيخِ، ثمَّ إنَّ المُستخرَجاتِ لم يُلتَزَم فيها موافقةُ الصَّحِيحينِ في الألفاظِ، وإليه أشار بقَولِه:

ص: 135

[68]

(فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ) المستخرَجاتُ والمستخرَجُ عليها (مَعْنًى) أي: في المعنى، وهذا قليلٌ (وَفِي لَفْظٍ كَثِيرًا) أي: تفاوَتَت في لفظٍ تَفَاوُتًا كثيرًا؛ لأنَّهم يَرْوُونَهَا بالألفاظِ التي وَقَعت لهم من شُيوخِهم، (فَاجْتَنِبْ) أيُّها المُحدِّثُ (أَنْ تُضِفِ) أي: تَنسُبَ.

69 -

إِلَيْهِمَا، وَمَنْ عَزَا أَرَادَا

بِذَلِكَ الأَصْلَ [وَمَا أَجَادَا]

70 -

وَاحْكُمْ بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ

فَهْوَ مَعَ العُلُوِ ذَا يُفِيدُ

[69]

(إِلَيْهِمَا) أي: «الصَّحيحينِ» ، (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (عَزَا) منَ المُحدِّثين كالبيهقيِّ في «السُّننِ» ، والبَغويِّ في «شرحِ السُّنةِ» إلى «الصَّحيحَينِ» قائلًا: رواه البخاريُّ أو مسلمٌ، مع أنه قد وَقَع في بعضِه تفاوُتٌ في المعنى، أو في اللفظِ (أَرَادَا) جوابُ «من» والألِفُ للإطلاقِ (بِذَلِكَ) أي: العَزْوِ المذكورِ (الأَصْلَ) أي: أصْلَ الحديثِ الذي أورَدَه، دون اللفظِ، (وَمَا أَجَادَا) بألفِ الإطلاقِ أيضًا، أي: ما أحسَنَ في صَنيعِه هذا.

ولَمَّا ذَكَر المُستخرَجاتِ وحُكمَ العزو إلى «الصَّحِيحَينِ» لمن نَقَل عنها - شَرَع يَذكُرُ فَوائدَها، وهي كثيرةٌ أوصَلَها الحافِظُ إلى عَشَرةٍ؛ فذَكَر منها هنا ثَمانِيةً بقَولِه:

ص: 136

الأولى: صِحَّةُ الزِّيادةِ، وإليها أشار بقَولِه:

[70]

(وَاحْكُمْ) أيُّها المُحدِّثُ (بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ)، أي: للَّذي يَزيدُه المُستخرِجُ -بكسرِ الراءِ- في المُستخرَجاتِ -بفَتحِها- من ألفاظٍ؛ لأنَّها خارجةٌ من مَخرجِ الصَّحيحِ.

والثانيةُ: العُلُوُّ، وأشار إليها بقَولِه:(فَهْوَ) أي: المُستخرَجُ (مَعَ العُلُوِ) أي: عُلُوِّ الإسنادِ (ذَا) أي: المَذكورَ من الصِّحَّةِ (يُفِيدُ) الحُكمَ بصِحَّةِ الزِّيادةِ مع إفادتِه العُلُوَّ؛ إذ قد تكونُ الرِّوايةُ المُستخرَجةٌ أعلى إسنادًا.

مِثالُه: أنَّ أبا نُعيمٍ لو روى حديثًا عن عبدِ الرَّزاقِ من طريقِ البخاريِّ أو مسلمٍ، لم يَصِلْ إليه إلا بأربعةٍ، ولو رواه عن طريقِ الطَّبرانيِّ، عنِ الدَّبَرِي، عنه وصَل باثنينِ، وعلى هاتَينِ الفائدَتينِ اقتَصَر ابنُ الصَّلاحِ، وتَبِعَه العراقيُّ.

71 -

[وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ وَتَبْيِينَ الَّذِي

أُبْهِمَ أَوْ أُهْمِلَ أَوْ سَمَاعَ ذِي

[71]

الثالثةُ: ما أشار إليه بقَولِه: (وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ) بسُكونِ الرَّاءِ للتَّخفيفِ: جمعُ طريقٍ، أي: يُفيدُ أيضًا كَثْرةَ الأسانيدِ؛ بأن يَضُمَّ المستخرِجُ -بالكسرِ شخصًا آخرَ فأكثَرَ، مع الذي حدَّث عنه مصنِّفُ الصَّحِيح، فيحصُلَ قوَّةُ الحديثِ المستخرَجِ، والمستخرَجِ عليه؛ فإذا تعارَضتِ الأحاديثُ رُجِّح أكثرُها طُرُقًا.

ص: 137

الرابعةُ: ما أشار إليها بقولِه: (وَتَبْيِينَ الَّذِي أُبْهِمَ) يَعني: تبيينَ المُستخرِجِ -بالكسر- الروايَ الذي أبهَمَه صاحِبُ الصَّحِيحِ، كحدَّثنا فلانٌ، أو رجلٌ؛ فيُعيِّنَه المُستخرِجُ.

والخامسةُ: ما ذَكَرها بقَولِه: (أَوْ) تبيينَ الذي (أُهْمِلَ) في الصَّحيحِ، كحدَّثني مُحمَّدٌ، فيُميِّزَه المُستخرِجُ أيضًا.

والسادسةُ: ما أشار إليها بقَولِه: (أَوْ سَمَاعِ) أي: تبيِينَ سماعِ (ذِي تَدْلِيسٍ) أي: مُدلِّسٍ، فيُبيِّنُ المُستخرِجُ تَصريحَه بالسَّماعِ.

72 -

تَدْلِيسٍ أوْ مُخْتَلِطٍ وَكُلُّ مَا

أُعِلَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْهُ سَلِمَا]

[72]

والسابعةُ: ما أشار إليها بقَولِه: (أوْ مُخْتَلِطٍ) أي: تبيينَ رِوايةِ مُختلِطٍ بكَونِها قبْلَ اختِلاطِه.

والثامنةُ: ما أشار إليها بقولِه: (وَكُلُّ مَا) أيِ: الذي (أُعِلَّ) به حديثٌ (فِي الصَّحِيحِ) أي: صحيحِ البخاريِّ أو مسلمٍ (مِنْهُ) أي: ممَّا أُعِلَّ به (سَلِمَا) بألفِ الإطلاقِ، والمعنى: وكلُّ حديثٍ أُعِلَّ، أي: حَصَلت فيه علةٌ في الصَّحيحِ سَلِمَ المستخرَجُ منه.

ص: 138

‌خاتمة

73 -

لِأَخْذِ مَتْنٍ مِنْ مُصَنَّفٍ يَجِبْ

عَرْضٌ عَلَى أَصْلٍ، وَعِدَّةٍ نُدِبْ

74 -

وَمَنْ لِنَقْلٍ فِي الحَدِيثِ شَرَطَا

رِوَايَةً وَلَوْ مُجَازًا [غُلِّطَا]

[73]

(لِأَخْذِ مَتْنٍ) أي: حديثٍ (مِنْ مُصَنَّفٍ) بفَتحِ النونِ، أي: من كتابٍ من الكتبِ المعتمَدةِ، كالبخاريِّ ومسلمٍ، ممَّا اشتُهِرَ وصحَّ لِيَعْمَلَ، أو يَحْتَجَّ به لذي مذهبٍ، (يَجِبْ عَرْضٌ) أي: تَجِبُ مُقابلةُ ذلك المصنَّفِ (عَلَى أَصْلٍ) واحِدٍ محَقَّقٍ، معتمَدٍ، متعلِّق بِـ «عَرْضٍ» ، (وَعِدَّةٍ) أي: نُسَخٍ عِدَّةٍ، أي: متعدِّدةٍ، (نُدِبْ)، ومعنى البيتِ: أنَّ مَن أرادَ الاحتِجاجَ، أوِ العملَ بحديثٍ من كتابٍ منَ الكُتبِ المُعتمَدةِ، وَجَب عليه أن يُقاِبَله على أصلٍ واحِدٍ مُحقَّق مُعْتَمَدٍ، واستُحِبَّ أن يُقاِبِلَه على أُصولٍ مُتعدِّدةٍ.

[74]

(وَمَنْ) شَرطيةٌ (لِنَقْلٍ) متعلِّقٌ بـ «شَرَط» (فِي الحَدِيثِ) أي: كائِنٌ الحديثُ (شَرَطَا) بألفِ الإطلاقِ (رِوَايَةً) أي: نَقلًا عنِ الشُّيوخِ، (وَلَوْ) كان النقلُ على أقلِّ وُجوهِ الرِّواياتِ بأن يَكونَ (مُجَازًا) بالضَّمِّ (غُلِّطَا) أي: نُسِب

ص: 139

قولُه هذا إلى الغَلَطِ، ومعنى البيت: أنَّ مَن شَرَطَ لروايةِ الحديثِ النقلَ عنِ الشَّيخِ ولو بالإجازةِ غُلِّطَ في قولِه هذا، وهذا المشتَرِطُ هو بَعضُ المحدِّثين، ومنهم أبو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ خيرِ بنِ عُمرَ الأُمويُّ الإشبيليُّ.

ص: 140

‌الحسن

وهو النوع الثاني من أنواع علوم الحديث:

75 -

المُرْتَضَى فِي حَدِّهِ مَا اتَّصَلا

بِنَقْلِ عَدْلٍ قَلَّ ضَبْطُهُ وَلا

76 -

شَذَّ وَلا عُلِّلَ [وَلْيُرَتَّبِ

مَرَاتِبًا] والِاحْتِجَاجِ يَجْتَبِي

[75]

(المُرْتَضَى) أي: القَولُ المَرضيُّ منَ الأقوالِ التي ذُكِرت (فِي حَدِّهِ) أي: تعريفِ الحَسَنِ: ما قاله شيخُ الإسلامِ تقيُّ الدينِ الشُّمُنِّيُّ بضمِّ الشينِ وتشديدِ النونِ، وهو:(مَا اتَّصَلا) بألفِ الإطلاقِ، أي: خبرٌ متَّصلٌ سندُه (بِنَقْلِ عَدْلٍ) أي: مع عدالةِ الناقلِ (قَلَّ ضَبْطُهُ) أي: قليلُ الضبطِ صَدرًا، أو كتابةً (وَلا).

[76]

(شَذَّ) أي: وليس حديثًا شاذًّا (وَلا عُلِّلَ) أي: وليس مُعلَّلًا بعلةٍ قادِحةٍ، ثمَّ أشار إلى أنَّ للحسَنِ مراتبَ كالصحيحِ؛ فقال:(وَلْيُرَتَّبِ) أي: الحَسَنُ (مَرَاتِبًا) بالصَّرفِ للضَّرورةِ، أي: على مراتِبَ

ثمَّ ذَكَر حُكْمَه؛ فقال: (والاِحْتِجَاجِ) أي: جَعْلَ الحديثِ الحسنِ حُجةً في الأحكامِ وغيرِها (يَجْتَبِي).

ص: 141

77 -

اَلْفُقَهَا وَجُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ

فَإِنْ أَتَى مِنْ طُرْقٍ أُخْرَى يَنْمِي

78 -

إِلَى الصَّحِيحِ، أَيْ لِغَيْرِهِ، كَمَا

يَرْقَى إِلَى الحُسْنِ الَّذِي قَدْ وُسِمَا

79 -

ضَعْفًا لِسُوءِ الحِفْظِ [أَوْ إِرْسَالٍ أْوْ

تَدْلِيسٍ أْوْ جَهَالَةٍ] إِذَا رَأَوْا

[77]

(اَلْفُقَهَا) أي: يختارُه الفُقَهاءُ، (وَجُلُّ) أي: مُعظَمُ (أَهْلِ الْعِلْمِ) منَ المُحدِّثين والأُصوليِّين؛ (فَإِنْ أَتَى) الخبَرُ الحسَنُ (مِنْ طُرْقٍ) بسُكونِ الراءِ: جمعُ طريقٍ (أُخْرَى) أي: من جهةٍ أخرى ولو واحدةً (يَنْمِي) يرتفِعُ من درجةِ الحُسنِ.

[78]

(إِلَى) درجةِ (الصَّحِيحِ)، لكِنْ لمَّا كان الصحيحُ له قِسمانِ: صحيحٌ لذاتِه، وصحيحٌ لغَيرِه، والحَسنُ إنَّما يرتفِعُ إلى الصَّحيحِ لغيرِه - بَيَّن ذلك بـ «أيِ» التَّفسيريةِ؛ فقال:(أَيْ لِغَيْرِهِ) أيِ: الصَّحيحِ لغَيرِه، (كَمَا يَرْقَى) بسببِ المُتابعةِ (إِلَى) درجةِ ذِي (الحُسْنِ) -ويُسمَّى: الحَسَنَ لغَيرِه- الحديثُ (الَّذِي قَدْ وُسِمَا) أي: عُلِّمَ.

[79]

(ضَعْفًا) أي: بضَعفٍ، يعني: أنَّه شُهِرَ بكَوِنه ضعيفًا (لـ) أجلِ

ص: 142

(سُوءِ الحِفْظِ) من رَاويهِ الصَّدوقِ؛ فإذا جاء من وجهٍ آخرَ زال ضَعْفُه (أَوْ) وُسِم بضَعفِه لأجلِ (إِرْسَالٍ) أي: كان ضَعْفُه لوُجودِ إرسالٍ في سَنَدِه؛ فإذا جاء من وجهٍ آخرَ فإنَّه يزولُ ضَعْفُه، ويَكونُ حَسَنًا لغيرِه، (أْوْ) كان ضَعفُه لأجلِ (تَدْلِيسٍ) مِن راويهِ، (أْوْ) ضُعِّفَ لأجلِ (جَهَالَةٍ) رجالِ الإسنادِ (إِذَا رَأَوْا) أي: المُحدِّثون.

80 -

مَجِيئَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَمَا

كَانَ لِفِسْقٍ اْوْ يُرَى مُتَّهَمَا

81 -

[يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ بِالتَّعَدُّدِ

بَلْ رُبَّمَا يَصِيرُ كَالَّذِي بُدِي

[80]

(مَجِيئَهُ) أيِ: الحديثِ الذي وُسِمَ بالضَّعفِ (مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَمَا كَانَ) أي: الحديثِ الذي كان ضَعفُه (لِفِسْقٍ) في راويهِ، (اْوْ يُرَى) أي: يُظَنُّ راويهِ (مُتَّهَمَا) بالكذبِ.

[81]

(يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ) أي: عن كونِه مُنكَرًا، أو لا أصلَ له (بِالتَّعَدُّدِ) أي: بسببِ تعدُّدِ طُرُقِه، (بَلْ رُبَّمَا) كثرةُ الطُّرقِ حتى أوصلَتْه إلى درجةِ المَستورِ والسيئِ الحفظِ؛ بحيثُ إذا وُجِد له طريقٌ آخَرَ (يَصِيرُ) بمَجموعِ ذلك (كَالَّذِي بُدِي) أي: كالحسنِ.

ص: 143

82 -

وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ ثَمَّتَ السُّنَنْ

لِلدَّارَقُطْنِيْ مِنْ مَظِنَّاتِ الحَسَنْ]

83 -

قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ كِتَابِهْ

ذَكَرْتُ مَا صَحَّ وَمَا يُشَابِهْ

[82]

(وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ) التي هي السُّننُ الأربَعُ للأئمةِ الأربعةِ: أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ، وابنِ ماجهْ (ثَمَّتَ) بمعنى الواوِ؛ لأنَّه لا ترتيبَ يُرادُ هنا، (السُّنَنْ) بالضَّمِّ: جَمعُ سنةٍ، وهي الطَّريقةُ (لِـ) لإمامِ شيخِ الإسلامِ حافِظِ الزمانِ، أبي الحسنِ عليِّ بنِ عُمرَ بنِ أحمدَ بنِ مهديٍّ البغداديِّ (الدَّارَقُطْنِيْ) بفتحِ الراءِ وضمِّ القافِ وسُكونِ الطاءِ: نسبةٌ إلى «دارَ قطن» مَحِلَّةٌ ببَغدادَ كبيرةٌ، (مِنْ مَظِنَّاتِ الحَسَنْ) جمْعُ «مظِنَّةٍ» بكَسرِ الظَّاءِ.

[83]

(قَالَ) الإمامُ الحافِظُ الحُجَّةُ (أَبُو دَاوُدَ) سُلَيمانُ بنُ الأشعثِ بنِ إسحاقَ بنِ بَشيرِ بنِ شدَّادِ بنِ عمرٍو الأزديُّ السِّجِسْتانيُّ (عَنْ كِتَابِهْ) أي: مُبيِّنًا عن شأنِ كتابِه «السُّننِ» : (ذَكَرْتُ) فيه (مَا صَحَّ) أيِ: الحديثَ الصحيحَ (وَمَا يُشَابِهْ) أي: يشابِهُ الصحيحَ.

ص: 144

84 -

وَمَا بِهِ وَهْنٌ أَقُلْ وَحَيْثُ لا

فَصَالِحٌ، فَابْنُ الصَّلاحِ جَعَلا

85 -

مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ وَلا صَحَّ حَسَنْ

لَدَيْهِ [مَعْ جَوَازِ أَنَّهُ وَهَنْ]

[84]

وقال أبو داودَ أيضًا: (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (بِهِ) أي: فيه (وَهْنٌ) أي: ضعفٌ شديدٌ؛ فالتنوينُ للتعظيمِ (أَقُلْ) أي: أُبَيِّنُ، وجَزْمُه للضَّرورةِ، (وَحَيْثُ لا) أذكُرُ فيه شيئًا (فَـ) هو (صَالِحٌ) للاحتِجاجِ به، (فَا) لإمامُ أبو عمرِو (ابْنُ الصَّلاحِ) رحمه الله (جَعَلا) بألفِ الإطلاقِ.

[85]

(مَا) أيِ: الحديثَ الذي (لَمْ يُضَعِّفْهُ) أبو داودَ في «سُنَنِه» ، (وَلا صَحَّ) عند غيرِه من المُعتمَدين الذين يُميِّزون بين الصحيحِ والحَسنِ:(حَسَنْ) وَقَف عليه بالسكونِ على لُغةِ رَبيعةَ، (لَدَيْهِ) أي: عندَ أبي داودَ (مَعْ) بسكونِ العينِ: لغةٌ في فتحِها (جَوَازِ) أي: احتمالِ (أَنَّهُ) أي: ما سَكَت هو عليه (وَهَنْ) بفتحِ الواوِ والهاءِ، أي: مع احتمالِ ضَعفِه عندَ غيرِه.

ص: 145

86 -

فَإِنْ يَقُلْ: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ

[قُلْنَا: احْتِيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ]

87 -

فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ يَقُولُ: لا

يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النُّبَلا

[86]

(فَإِنْ يَقُلْ) أي: فإنْ قال قائلٌ معتَرِضًا على ابنِ الصلاحِ؛ كما أبداهُ ابنُ رُشَيدٍ: (قَدْ يَبْلُغُ) ما سَكَت عنه أبو داودَ (الصِّحَّةَ لَهْ) أي: لأبي داودَ، أي: عندَه، وإنْ لم يكُنْ صحيحًا عند غيرِه؛ فكيف يقتصِرُ ابنُ الصلاحِ على الحُكمِ بحُسْنِه فقطْ؟ (قُلْنَا) جوابًا على اعتِراضِه (احْتِيَاطًا) أي: لأجلِ احتِياطِه: (حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ) ابنُ الصلاحِ رحمه الله؛ إذ الصالِحُ للاحتِجاجِ لا يَخرُجُ عنِ الصَّحِيحِ والحسَنِ، ولا يَرتَقي إلى الصِّحَّةِ إلَّا بنصٍّ؛ وحينئذٍ فالاحتِياطُ الاقتِصارُ على الحُسنِ.

[87]

(فَإِنْ يَقُلْ) أي: إنْ قال قائلٌ -معترضًا عليه، كما أبداه ابنُ سيِّدِ الناسِ اليَعمُريُّ-:(فَمُسْلِمٌ) صاحِبُ الصحيحِ (يَقُولُ) في «مُقدِّمةِ صَحيحِه» ما معناه: (لا يَجْمَعُ جُمْلَةَ) الحديثِ (الصَّحِيحِ) أي: كلَّ ما صحَّ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (النُّبَلا) بضمٍّ ففتحٍ: جمعُ نَبِيلٍ، وهو الذَّكاءُ والنَّجابةُ.

ص: 146

88 -

فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّقِ

وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لا يَرْتَقِي

89 -

هَلاَّ قَضَى فِي الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ

بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى فِي المَاضِيَهْ

[88]

(فَاحْتَاجَ) الإمامُ مسلمٌ (أَنْ يَنْزِلَ) أيِ: إلى النزولِ (لِلْمُصَدَّقِ) أي: لتخريجِ أحاديثِ الرجلِ المَنسوبِ إلى الصدقِ، (وَإِنْ يَكُنْ) ذلك المُصَدَّقُ (فِي حِفْظِهِ) وإتقانِه للحديثِ، متعلِّقٌ بقولِه:(لا يَرْتَقِي) إلى درجةِ أولئك النُّبَلاءِ.

[89]

(هَلَّا قَضَى) ابنُ الصَّلاحِ (فِي) بمعنى «على» ، أي: على أحاديثِ (الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ) وهي التي لا تَرتقي في الحفظِ إلى درجةِ النبلاءِ (بِالحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى) أي: مثلَ قضائِه (فِي المَاضِيَهْ) أي: على الحالةِ الماضيةِ، وهي التي سَكَت عنها أبو داودَ.

وحاصِلُ كلامِ المُعترِضِ: أنَّ عَمَلَ أبي داودَ شبيهٌ بعملِ مُسلمٍ؛ فهلَّا ألزَمَ الشيخُ ابنُ الصلاحِ مُسلِمًا من ذلك ما ألزَمَه أبا داودُ؛ لاتِّحادِ معنَى كلامَيهِما؟

ص: 147

90 -

[أَجِبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فِيهِ شَرَطْ

مَا صَحَّ فَامْنَعْ أَنْ لِذِي الحُسْنِ يُحَطْ]

91 -

فِإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصِّحَاحُ مَعْ

ضَعِيفِهَا وَالبَغَوِيُّ قَدْ جَمَعْ

92 -

مَصَابِحًا وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا

فِي سُنَنٍ [قُلْنَا: اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى]

[90]

(أَجِبْ) أيُّها المُحدِّثُ (بِأَنَّ مُسْلِمًا) رحمه الله (فِيهِ) أي: في كتابِه (شَرَطْ) أيِ: الْتزَمَ تخريجَ (مَا صَحَّ) من الحديثِ؛ (فَامْنَعْ) أيُّها النِّحْريرُ، الطَّالبُ للتَّحريرِ (أَنْ لِذِي الحُسْنِ) أي: لدرجةِ حديثِ صاحِبِ الحُسنِ، متعلِّقٌ بقَولِه:(يُحَطْ) أي: امنَعْ حَطَّ حديثِه إلى درجةِ الحديثِ الحَسَنِ.

[91]

(فِإِنْ يُقَلْ) أي: قال قائلٌ اعتِراضًا على صنيعِ البغويِّ (فِي السُّنَنِ) الأربعِ وأشباهِهَا (الصِّحَاحُ) بكسرِ الصادِ: جمعُ صحيحٍ، أيِ: الأحاديثُ الصحيحةُ، وكذا الحِسانُ (مَعْ ضَعِيفِهَا) أيِ: الأحاديثِ، بل وفيها المُنكَرُ أيضًا (وَالبَغَوِيُّ) مُحيِي السُّنَّةِ الفقيهُ المُجتهِدُ أبو مُحمَّد الحُسَينُ بنُ مَسعودِ بنِ مُحمَّدٍ الفَرَّاءُ (قَدْ جَمَعْ) كتابًا في الحديثِ سمَّاه.

[92]

(مَصَابِحًا) بحذفِ الياءِ تخفيفًا؛ لأنَّه جَمْعُ مِصباحٍ، وهو السِّراجُ، واسمُ الكتابِ الكاملُ «مَصابيحُ السُّنَّةِ» ، (و) قَسَّمَ أحاديثَه إلى صحاحٍ وحِسانٍ؛ فجَعَل الصِّحاحَ ما في «الصَّحِيحينِ» ، أو أحدِهِما، (وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا) أيِ:

ص: 148

الأحاديثَ التي (فِي سُنَنٍ) لأبي داودَ، والترمذيِّ، وأشباهِهِما؛ فَاعْتُرِضَ عليه في ذلك - (قُلْنَا) مُجيبِين عن هذا الِاعتراضِ: إنَّ هذا (اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى) أي: يُنسَبُ إليه خاصَّةً في هذا الكتابِ.

93 -

يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ

ثُمَّ الضَّعِيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ

94 -

وَالنَّسَئِي مَنْ لَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا

تَرْكًا لَهُ [وَالآخِرُونَ ألْحَقُوا

[93]

(يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ) في «سُنَنِه» (أَقْوَى مَا وَجَدْ) بالبناءِ للفاعِلِ، أي: أصحَّ ما وَجَبَ قَبولُه منَ الأحاديثِ إذا وَجَده، (ثُمَّ) يروي (الضَّعِيفَ) منها مِن قِبَلِ سوءِ حِفظِ راويهِ ونحوِ ذلك، لا مُطلَقَ الضَّعيفِ؛ (حَيْثُ غَيْرَهُ) أيِ: الضَّعيفَ (فَقَدْ) أي: حيثُ لم يَجِدِ الأقوَى المَذكورَ.

ثم ذَكَر شرْطَ النسائيِّ في الأصلِ؛ فقال:

[94]

(وَ) الإمامُ الحافظُ الحجةُ أبو عبدِ الرحمنِ أحمدُ بنُ شُعيبِ بنِ عليِّ بن سِنانِ بنِ بَحرٍ الخُراسانيُّ (النَّسَئِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ: نِسبةٌ إلى نَسَأٍ، وهي بَلدةٌ بخُراسانَ، كان رحمه الله لا يَقتصِرُ في التَّخريجِ على المُتَّفقِ على قَبولِهم؛ بل يُخرِجُ حديثَ (مَنْ لَمْ يَكُونُوا) أي: أئمةُ الحديثِ (اتَّفَقُوا تَرْكًا لَهُ) أي: على تَركِه، (وَالآخِرُونَ) بكسرِ الخاءِ، أي: المُحدِّثون المُتأخِّرون عن زمانِ مَن جَعَل الأُصولَ خمسةً (ألْحَقُوا بِـ) الأصولِ.

ص: 149

95 -

بِالْخَمْسَةِ ابْنَ مَاجَهٍ، قِيلَ: وَمَنْ

مَازَ بِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُ وَهَنْ]

96 -

تَساهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا

صَحِيحَةً [وَالدَّارِمِيْ وَالْمُنْتَقَى]

[95]

(الْخَمْسَةِ) الصَّحيحَينِ، و أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ و (ابْنَ مَاجَهٍ) بسُكونِ الهاءِ وصلًا ووقْفًا، وَنَوَّنَهُ هنا للضرورةِ، أي: سُنَنَ الحافظِ أبي عبدِ الله مُحمَّدِ بنِ يزيدَ ابنِ ماجهْ القَزْوينيِّ الرَّبَعِيِّ، (قِيلَ: وَمَنْ مَازَ بِهِمْ) أيِ: الرواةُ الذين امتازَ بهم ابنُ ماجهْ عن غيرِه، أي: انفَرَد بإخراجِ أحاديثِهِم؛ (فَإِنَّ فِيهِمُ وَهَنْ) بفَتحَتَين، أي: ضَعْفًا، ثم ذَكَر تَساهُلَ مَن أطلَقَ على السُّننِ الصَّحيحةَ، فقال:

[96]

(تَساهَلَ الَّذِي) أيِ: المُحدِّثُ الذي (عَلَيْهَا) أيِ: السُّنَنِ كُلِّها، أو بعضِها (أَطْلَقَا) بألفِ الإطلاقِ (صَحِيحَةً) أي: هذه الصيغةَ، كالحاكمِ، والخطيبِ؛ حيث أطلقَا الصِّحَّةَ على الترمذيِّ، وابنِ السَّكَنِ على كتابِ أبي داودَ والنسائيِّ، والحاكِمِ على أبي داودَ، وجماعةٍ -منهم أبو عليٍّ النَّيسابوريُّ، وأبو أحمَدَ بنِ عَدِيٍّ، والدَّارقُطنيِّ والخطيبِ- على كتابِ النسائيِّ، (وَ) كذا تساهَلَ مَن أطلَقَ اسمَ الصِّحةِ على كتابِ الحافظِ أبي مُحمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ (الدَّارِمِيْ) نسبةً إلى دارِمِ ابنِ مالكٍ، بطنٍ كبيرٍ من تميمٍ، (وَ) كذا تساهَلَ مَن أطلَقَ اسمَ الصَّحيحِ على كتابِ الإمامِ الحافِظِ أبي مُحمَّدٍ

ص: 150

عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ الجارُودِ النَّيسابوريِّ المُجاوِرِ بمَكَّةَ، المُسمَّى بـ (الْمُنْتَقَى) في الأحكامِ.

تنبيهٌ: يَحتمِلُ عطْفُ قولِه «والدَّارِمِي» و «المُنتقَى» على قَولِه: «ابنَ ماجَهٍ» أيْ: ألْحَقَ بعضُ المُتأخِّرين بالأصولِ الخمسةِ سننَ الدارمِيِّ، والمُنتقَى، وهو الذي ذَكَره الشارحُ التِّرمِسيُّ؛ لكِنَّ الأوَّلَ أوضَحُ.

ولمَّا أنهى الكلامَ على السُّننِ شَرَع يُبيِّنُ دَرجةَ المَسانيدِ؛ فقال:

97 -

وَدُونَهَا مَسَانِدٌ [وَالْمُعْتَلِيْ

مِنْهَا الَّذِي لِأَحْمَدٍ وَالحَنْظَلِيْ]

[97]

(وَدُونَهَا) أي: الأُصولِ الخمسةِ (مَسَانِدٌ) جمعُ مسندٍ، (وَالْمُعْتَلِيْ) أي: المُسندِ العالِي رتبةً (مِنْهَا) من تلك المسانيدِ (الَّذِي) أي: المُسندُ الذي (لـ) لإمامِ الحُجَّةِ أبي عبدِ اللهِ (أَحْمَدٍ) صُرِفَ للضرورةِ ابنِ مُحمَّدِ بنِ حَنبلٍ الشَّيبانيِّ، (وَ) المُسندُ الذي للحافِظِ الحُجَّةِ أبي يَعقوبَ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ مَخلَدِ بنِ إبراهيمَ بنِ مُطرِّفٍ المَعروفِ بابنِ رَاهَوَيهِ التَّميميِّ (الحَنْظَلِيْ) المَروَزيِّ النَّيسابُوريِّ.

ص: 151

‌مَسْأَلَةٌ

98 -

الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالحُسْنِ عَلَى

مَتْنٍ رَواهُ التِّرْمِذِيْ، وَاسْتَشْكَلا

99 -

فَقِيلَ: يعْنِي اللُّغَوِي وَيَلْزَمُ

وَصْفُ الضَّعِيفِ وَهْوَ نُكْرٌ لَهُمُ

[98]

(الحُكْمُ) مبتدأٌ خبرُه قولُه: «عَلَى متنٍ»

إلخ (بِالصِّحَّةِ وَالحُسْنِ) وكذا الغَرابةِ، وإنَّما لم يَذكُرْها لأنَّها لا تُنافي الصِّحَّةَ والحُسنَ، وقَولُه:(عَلَى مَتْنٍ)، أي: كائنٌ على متنٍ

إلخ (رَواهُ التِّرْمِذِيْ وَ) لكنَّ هذا الاستِعمالَ (اسْتَشْكَلا) والألفِ للإطلاقِ.

ومعنى البيتِ: أنَّ الحُكمَ بالصِّحَّةِ والحُسنِ واقعٌ في كلامِ الإمامِ الترمذيِّ في «جامِعِه» في حديثٍ واحدٍ؛ حيثُ يقولُ: «هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ» ، ولكنَّ هذا الاستِعمالَ مُستشكِلٌ قديمًا وحديثًا.

[99]

(فَقِيلَ) في الجَوابِ عنه: (يعْنِي) أي: يُريدُ بالحسَنِ معناه (اللُّغَوِي)، وهو ما تَميلُ إليه النَّفسُ، وهذا القَولُ للإمامِ ابنِ الصَّلاحِ رحمه الله، (وَيَلْزَمُ) على هذا الجوابِ (وَصْفُ) الحديثِ (الضَّعِيفِ) بل والموضوعِ إذا كان حَسَنَ اللفظِ بأنَّه حسنٌ، (وَهْوَ) أي: الوصفُ المذكورُ (نُكْرٌ) بالضَّمِّ أي: منكرٌ (لَهُمُ) أي: عند المُحدِّثين، وهذا الرَّدُّ لابنِ دقيقِ العيدِ.

ص: 152

100 -

وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ

وَفِيهِ شَيْءٌ حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ

101 -

وَقِيلَ: مَا تَلْقَاهُ يَحْوِي العُلْيَا

فَذَاكَ حَاوٍ أَبَدًا لِلدُّنْيَا

[100]

(وَقِيلَ) في الجوابِ أيضًا، وهو لابنِ الصلاحِ رحمه الله أيضًا، وتَبِعه النوويُّ رحمه الله:(بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ) أيِ: الوصفُ بهذَينِ الوصفَينِ إنَّما يكونُ إذا تعدَّد السَّندُ؛ بأنْ رُوِيَ بإسنادَين أحدُهُما صحيحٌ، والآخَرُ حسنٌ، (وَفِيهِ) أي: في هذا الجوابِ (شَيْءٌ) منْ الاعتِراضِ؛ (حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ) أي: حيث وُجِدَ وَصْفُ التِّرمذيِّ رحمه الله لسندٍ مُنفَردٍ بالحُسنِ.

وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّه إنَّما يقولُ ذلك لتعدُّدِ سندِه، لكنَّ هذا مُعترَضٌ؛ لأنَّه يقولُ ذلك في الأحاديثِ التي ليس لها إلَّا مَخرَجٌ واحدٌ.

[101]

(وَقِيلَ) في الجوابِ أيضًا، وهو للعلَّامةِ أبي الفتحِ بنِ دقيقِ العيدِ (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (تَلْقَاهُ) أي: تجِدُه -أيُّها المُحدِّثُ- (يَحْوِي) أي: يجمَعُ الدَّرجةَ (العُلْيَا)، وهي الحفظُ والإتقانُ، وهو معنَى الصِّحَّةِ؛ (فَذَاكَ) أيِ: الحاوي للعُلْيَا (حَاوٍ أَبَدًا) أي: لا محالةَ (لِلدُّنْيَا)، أي: للدَّرجةِ الدُّنيا: تأنيثُ الأدنى، وهي صِفةُ الحُسنِ التي هي كالصِّدقِ؛ فعلى هذا يلزَمُ أن يُقالَ:

ص: 153

102 -

كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ لا يَنْعَكِسْ

[وَقِيلَ: هَذَا حَيِثُ رَأْيٌ يَلْتَبِسْ

103 -

وَصَاحِبُ النُّخْبَةِ: ذَا إِنِ انْفَرَدْ

إِسْنَادُهُ، وَالثَّانِ حَيْثُ ذُو عَدَدْ]

104 -

[وَقَدْ بَدَا لِي فِيهِ مَعْنَيَانِ

لَمْ يُوجَدَا لأَهْلِ هَذَا الشَّانِ

[102]

(كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ) و (لا يَنْعَكِسْ) ذلك؛ فلا يُقالُ: كلُّ حسَنٍ صحيحٌ، ثمَّ أشار إلى الرَّابعِ بقَولِه:(وَقِيلَ) في الجَوابِ، وهو للحافِظِ ابنِ كثيرٍ رحمه الله (هَذَا) أي: وَصْفُه بالوصفَينِ (حَيِثُ رَأْيٌ) للمُجتهِدِ (يَلْتَبِسْ) عليه.

[103]

(وَ) الإمامُ الحافظُ (صَاحِبُ النُّخْبَةِ) أي: أنَّ صاحِبَ «نُخبةِ الفِكَرِ في مُصطلَحِ أهلِ الأثرِ» -وهو الحافِظُ ابنُ حجرٍ رحمه الله قال: (ذَا) أي: جوابُ ابنِ كثيرٍ (إِنِ انْفَرَدْ إِسْنَادُهُ) أي: إسنادُ الحديثِ؛ إذ لا يَتَمَشَّى إلَّا عليه، (وَ) ذلك (الثَّانِ) أي: الجوابُ الثاني، من جَوابَيِ ابنِ الصلاحِ رحمه الله؛ (حَيْثُ ذُو عَدَدْ) أي: حيثُ رواه ذو تعدُّدٍ، اثنانِ فصاعدًا.

[104]

(وَقَدْ بَدَا) أي: ظهَر (لِي فِيهِ) أي: فيما يقولُ فيه التِّرمذيُّ وغيرُه: حسنٌ صحيحٌ (مَعْنَيَانِ) يكونانِ جوابًا لِمَا اسْتُشْكِلَ (لَمْ يُوجَدَا) هذانِ المعنَيانِ (لأَهْلِ هَذَا الشَّانِ)، ممَّن تكلَّم في هذا المَوضوعِ، ثمَّ فسَّرَهُما بقولِه:

ص: 154

105 -

أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحُ

لِغَيْرِهِ، لَمَّا بَدَا التَّرْجِيحُ

106 -

أَوْ حَسَنٌ عَلَى الَّذِيِ بِهِ يُحَدْ

وَهْوُ أَصَحُّ مَا هُنَاكَ قَدْ وَرَدْ]

107 -

وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ

وَالحُسْنِ دُونَ المَتْنِ لِلنُّقَّادِ

[105]

(أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ) أيِ: الحديثُ الذي قيلَ فيه ذلك حسنٌ لذاتِه على الحدِّ الذي مَرَّ بيانُه؛ لكَوِن رجالِه رجالَ الحَسَنِ، وهو (صَحِيحُ لِغَيْرِهِ) لوُجودِ ما يُرَقِّيه إلى درجةِ الصحيحِ؛ (لَمَّا) أي: حينَ (بَدَا) أي: ظهَرَ (التَّرْجِيحُ) أي: المُرجِّحُ، أي: ثبتَت له الصِّحَّةُ حينَ ظهَر المُرجِّحُ، أو لظُهورِ المرجِّحِ، وهذا المعنى يتمَشَّى إذا تعدَّدتِ الطُّرقُ.

[106]

(أَوْ) للتَّقسيمِ: (حَسَنٌ) أيِ: الحديثُ المذكورُ حسنٌ (عَلَى) المعنى (الَّذِيِ بِهِ) أي: بذلك المعنى (يُحَدْ) الحسَنُ على ما تقدَّم؛ لاجتِماعِ شُروطِه، (وَهْوُ) أيِ: الحديثُ المَوصوفُ بالحُسنِ (أَصَحُّ) أي: أقوى (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (هُنَاكَ) أي: في ذلك البابِ الذي قيلَ فيه ذلك (قَدْ وَرَدْ) أي: جاء ورُوِيَ.

[107]

(وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ) أي: حُكْمُ بعضِ الحُفَّاظِ لأيِّ إسنادٍ كان بأنَّه صحيحٌ؛ كقَولِه: هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ، (وَالحُسْنِ)

ص: 155

كقَولِهم: هذا حديثٌ حسَنُ الإسنادِ، وكذا الضَّعفِ (دُونَ المَتْنِ) أي: حالَ كونِ الحُكمِ للإسنادِ، مُتجاوِزًا المتنَ، (لِلنُّقَّادِ) أي: للبُصَراءِ بعِلَلِ الحديثِ.

108 -

[لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ] وَاحْكُمِ

لِلْمَتْنِ إِنْ أَطْلَقَ ذُو حِفْظٍ نُمِي

109 -

[وَلِلْقَبُولِ يُطْلِقُونَ جَيِّدَا

وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا

[108]

(لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ) أي: لأجلِ وُجودِ علَّةٍ قادِحةٍ في ذلك المتنِ، أو لوُجودِ شُذوذٍ فيه، (وَ) لكنِ (احْكُمِ) -أيُّها المُحدِّثُ العَزيزُ، إنْ كُنتَ من ذوي التَّمييزِ- بما حَكَم به النُّقَّادُ للإسنادِ منَ الصِّحَّةِ والحُسنِ (لِلْمَتْنِ) أيضًا (إِنْ أَطْلَقَ) الحُكمَ للإسنادِ بواحدٍ منهما (ذُو حِفْظٍ نُمِي) أي: نُسِب إلى الحفظِ، وهو إشارةٌ إلى أنَّ ذلك الحافِظَ مشهورٌ مُعتمَدٌ عليه في التَّصحيحِ والتَّحسينِ، ممَّن عُرِف بعدمِ التَّفرِقةِ بين اللَّفظَينِ؛ خُصوصًا إنْ كان في مقامِ الِاحتجاجِ.

[109]

(وَلِلْقَبُولِ) أيِ: الحديثُ المقبولُ في الأحكامِ وغيرِها (يُطْلِقُونَ) أي: يَستعمِلُ المُحدِّثون ألفاظًا، منها:(جَيِّدَا وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا) بفتحِ الواوِ المُشدَّدةِ، ومنها: القويُّ، والمعروفُ، والمحفوظُ، والمُشبَّهُ.

ص: 156

110 -

وَهَذِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنْ

وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ

111 -

وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ

أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ نِزَاعٌ ثَابِتُ]

[110]

(وَهَذِهِ) الألفاظُ المذكورةُ دائرةٌ (بَيْنَ الصَّحِّيحِ وَالحَسَنْ) فتُستعمَلُ فيهِما.

(وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ) أي: جعَلوها قريبةً (مِنْ) درجةِ (حَسَنْ)؛ فهي بالنِّسبةِ إليه كنِسبةِ الجيِّدِ إلى الصحيحِ؛ فتُطلَقُ على الحَسَنِ، وما يُقارِبُه.

[111]

(وَهَلْ يُخَصُّ بِـ) الحديثِ (الصَّحِيحِ الثَّابِتُ) أي: لَفْظُه، يعني: أنَّهم إذا قالوا: هذا حديثٌ ثابتٌ؛ هل هو مُختَصٌّ بالصَّحيحِ؟ (أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ) أيضًا؟ فيه (نِزَاعٌ ثَابِتُ) بين المُحقِّقين، وجَزَم في «التدريبِ» بالشُّمولِ.

ص: 157

‌الضعيفُ

وهو النَّوعُ الثالثُ من أنواعِ عُلومِ الحديثِ:

112 -

هُوَ الَّذِي عَنْ صِفَةِ الحُسْنِ خَلا

[وَهْوَ عَلَى مَرَاتِبٍ قَدْ جُعِلا]

113 -

وَابْنُ الصَّلاحِ فَلَهُ تَعْدِيدُ

إِلَى كَثِيرٍ [وَهْوَ لا يُفِيدُ

[112]

(هُوَ) أيِ: الضِّعيفُ اصطِلاحًا: (الَّذِي عَنْ صِفَةِ) الحديثِ ذي (الحُسْنِ) منَ الصِّفاتِ المُتقدِّمةِ (خَلا) سندًا أو متنًا (وَهْوَ) أيِ: الضعيفُ (عَلَى مَرَاتِبٍ) بالصَّرفِ للضرورةِ متفاوتةٍ (قَدْ جُعِلا) بألفِ الإطلاقِ، بحسَبِ شدَّةِ ضعفِ رُواتِه وخِفَّتِه، كما تفاوَتَت صحةُ الصحيحِ.

[113]

(وَ) أمَّا الحافظُ العلَّامةُ أبو عمرِو (ابْنُ الصَّلاحِ فَلَهُ تَعْدِيدُ) لأنواعِ الضَّعيفِ في «مقدِّمتِه» (إِلَى كَثِيرٍ) منَ الأنواعِ، (وَهْوَ لا يُفِيدُ) يعني: أنَّ هذا التقسيمَ لا فائدةَ فيه.

ثمَّ تكلَّم على بعضِ أَوْهَى الأسانيدِ على نمَطِ ما تقدَّم في الصحيحِ؛ تبعًا للحاكمِ؛ فقال:

ص: 158

114 -

ثُمَّ عَنِ الصِّدِّيقِ الأوْهَى كَرَّهْ

صَدَقَةٌ عَنْ فَرْقَدٍ عَنْ مُرَّهْ

115 -

وَالْبَيْتِ عَمْرٌو ذَا عَنِ الجُعْفِيِّ

عَنِ حَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ

[114]

(ثُمَّ) بعدَ أنْ عرفْتَ تعريفَ الضعيفِ؛ فاعرِفْ بعضَ أوهَى الأسانيدِ؛ فمنها: (عَنِ) أبي بكرٍ (الصِّدِّيقِ) رضي الله عنه (الأوْهَى) أيِ: السندُ الأضعَفُ (كَرَّهْ) بفتحِ الكافِ وتشديدِ الراءِ المفتوحةِ بوزن «مَرَّة» ومعناها: (صَدَقَةٌ) بالصرفِ للضرورةِ، وهو صَدَقةُ بنُ موسى الدَّقِيقيُّ، أبو المغيرةِ البصريُّ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ فَرْقَدٍ) هو ابنُ يَعقوبَ السَّبَخِيِّ، بفتحِ المُهملةِ والموحَّدةِ، وبخاءٍ مُعجَمةِ، أبو يعقوبَ البصريُّ، (عَنْ مُرَّهْ) بنِ شَراحيلَ، يُقال له: مُرَّةُ الطَّيِّبُ.

[115]

(وَالْبَيْتِ) أي: أوهى الأسانيدِ لأهلِ البيتِ: (عَمْرٌو)، وهو عمرُو بنُ شَمِرٍ الجُعفيِّ الشيعيِّ (ذَا) أي: عَمرٌو يروي (عَنِ) جابرِ بنِ يَزيدَ (الجُعْفِيِّ) الكوفيِّ، من عُلَماءِ الشيعةِ، حالَ كونِه راويًا (عَنِ حَارِثِ) بتَرِك الصرفِ للوزنِ، ابنِ عبدِ اللهِ أو ابنِ عُبيدٍ، أبي زُهيرٍ (الأَعْوَرِ) الهَمدانيِّ، الكوفيِّ، من كبارِ التابعين على ضعفٍ فيه، حالَ كونِه راويًا (عَنْ عَلِيِّ) بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

ص: 159

116 -

وَلأَبِي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ عَنْ

دَاوُدَ عَنْ وَالِدِهِ أَيَّ وَهَنْ

117 -

لأَنَسٍ: دَاوُدُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ

أَبَانَ، وَاعْدُدْ لأَسَانِيدِ اليَمَنْ

[116]

(وَ) أوهى الأسانيدِ (لأَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه: (السَّرِيُّ) بنُ إسماعيلَ بفتحِ السينِ وكسرِ الراءِ وتشديدِ الياءِ، الهَمدانيِّ الكوفيِّ، (عَنْ دَاوُدَ) بنِ يَزيدَ بنش عبدِ الرحمنِ الأوديِّ، الزَّعافِريِّ بزايٍ مفتوحةٍ ومهملةٍ وكسرِ الفاءِ، أبي يزيدَ الكوفيِّ الأعرجِ، (عَنْ وَالِدِهِ) يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ الأوديِّ، (أَيَّ وَهَنْ) أي: حالَ كونِ هذا السندِ كاملَ الوَهَنِ، أي: شديدَ الضعفِ.

[117]

(لأَنَسٍ) أي: أوهى الأسانيدِ لأنسِ بنِ مالكِ بنِ النضرِ بنِ ضَمضَمِ بن زيدِ بنِ حرامٍ الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ خادمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (دَاوُدُ) بن المُحَبَّر، بمُهملةٍ وموحَّدةٍ ومشدَّدةٍ مفتوحةٍ، بنُ قَحْذَمٍ، بفتحِ القافِ وسكونِ المهملةِ وفتحِ المُعجمةِ، الثَّقَفيُّ البَكراويُّ، أبو سُليمانَ البصريُّ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ أَبِيهِ) المُحبَّرِ المذكورِ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ أَبَانَ) بنِ أبي عيَّاشٍ، واسمُه فَيروزٌ، أبي إسماعيلَ، البصريِّ.

ثمَّ قال: (وَاعْدُدْ) أيُّها المحدِّثُ (لـ) أَوْهَى (أَسَانِيدِ اليَمَنْ).

ص: 160

118 -

حَفْصًا عَنَيْتُ العَدَنِيْ عَنِ الحَكَمْ

وَغَيْرُ ذَاكَ مِنْ تَرَاجِمٍ تُضَمْ]

[118]

(حَفْصًا)، وهو أبو إسماعيلَ الصَّنعانيُّ، حَفصُ بنُ عُمرَ بنِ مَيمونٍ (عَنَيْتُ) أي: قَصدْتُ به (العَدَنِيْ) منسوبٌ إلى عَدَنَ بفَتحتَين بلدٌ باليمنِ، لَقَبُه الفَرْخُ بفتحِ الفاءِ وسكونِ الراءِ بعدها خاءٌ معجمةٌ، حالَ كونِه راويًا (عَنِ الحَكَمْ) بنِ أبانَ العدنيِّ، أبي عيسى.

(وَغَيْرُ ذَاكَ مِنْ تَرَاجِمٍ) أي: أسانيدَ (تُضَمْ) أيُّها المحدِّثُ.

ص: 161

‌المُسْنَدُ

وهو النوعُ الرابعُ، واختلَفوا في حقيقتِه على أقوالٍ ثلاثةٍ: بَيَّنَهَا بقولِه:

119 -

الْمُسْنَدُ: الْمَرْفُوعُ ذَا اتِّصَالِ

وَقِيلَ: أَوَّلٌ، وَقِيلَ: التَّالِي

[119]

(الْمُسْنَدُ) بفتحِ النونِ (الْمَرْفُوعُ) إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حالَ كونِه (ذَا اتِّصَالِ) في إسنادِه؛ فخرَج الموقوفُ، والمرسَلُ، والمعضَلُ، والمدلَّسُ، وهذا القولُ للحاكِمِ، وبه جزَم الحافظُ في «النخبةِ» .

(وَقِيلَ): المسندُ (أَوَّلٌ) أيِ: المرفوعُ فقطْ، وهذا القولُ للحافِظِ أبي عُمرَ بنِ عبدِ البَرِّ، ذَكَره في كتابِه «التمهيدِ» ؛ وعليه فالمسندُ والمرفوعُ شيءٌ واحدٌ.

(وَقِيلَ): المسندُ هو (التَّالِي) أي: التابعُ في الذكرِ للمرفوعِ في قولِه: «ذا اتصالٍ» ، يعني: المتصِلَ، أي: أنَّ المسندَ هو المتصلُ فقطْ، سواءٌ كان مرفوعًا، أو موقوفًا، أو مقطوعًا، وهذا القولُ للحافظِ أبي بكرٍ الخطيبِ، وتَبِعه ابنُ الصَّبَّاغِ.

ص: 162

‌المَرفُوعُ، والمَوقُوفُ، والمَقطُوعُ

وهي الأنواعُ: الخامسُ، والسادسُ، والسابعُ:

120 -

وَمَا يُضَافُ لِلنَّبِي المَرْفُوعُ لَوْ

مِنْ تَابِعٍ، أَوْ صَاحِبٍ وَقْفًا رَأَوْا

121 -

سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ فِي

ذَيْنِ، وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ قُفِي

[120]

(وَمَا) موصولةٌ (يُضَافُ) أي: يُنسَبُ (لِلنَّبِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ، أي: إليه صلى الله عليه وسلم قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، (المَرْفُوعُ) منَ الحديثِ (لَوْ مِنْ تَابِعٍ) أي: ولو كان الرفعُ صادرًا من تابعيٍّ، خلافًا للخطيبِ، (أَوْ صَاحِبٍ) أي: وما يُضافُ إلى صاحبٍ، بمعنى صحابيٍّ قولًا له، أو فعلًا، أو نحوَهُما (وَقْفًا رَأَوْا) أي: رأَوْه موقوفًا.

[121]

(سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ)، والمقطوعُ أيِ: المنقطعُ؛ إذِ المرادُ به هنا معناه اللغويُّ، لا الاصطلاحيُّ الذي يأتي، أيِ: المنقطعُ سنَدُه بسببِ حذفِ بعضِ الرواةِ عنه سواءٌ، أي: مستوِيان (فِي ذَيْنِ) أي: في إطلاقِ المرفوعِ والموقوفِ عليه.

ص: 163

وحاصلُ المعنى: أنَّه لا يُشتَرطُ في المرفوعِ والموقوفِ اتصالُ السَّندِ؛ فيُطلَقانِ على المتصلِ، والمنقطعِ، ونحوِهما، كما مرَّ آنفًا.

(وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ) أيِ: الموصولِ (قُفِي) أي: تُبِعَ، أيِ: استِعمالُ المرفوعِ في خُصوصِ المتصلِ أمرٌ مُتَّبَعٌ، استعمَلَه بعضُ أهلِ الحديثِ.

122 -

وَمَا يُضَفْ لِتَابِعٍ مَقْطُوعُ

وَالْوَقْفُ إِنْ قَيَّدْتَهُ مَسْمُوعُ

123 -

وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ

نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ، مِنْ صَحَابِي

[122]

(وَمَا) شرطيةٌ (يُضَفْ لِتَابِعٍ) كبيرًا أو صغيرًا (مَقْطُوعُ) خبرٌ لمحذوفٍ، أي: هو.

(وَالْوَقْفُ) أي: استِعمالُ الموقوفِ للتابعيِّ (إِنْ قَيَّدْتَهُ) به، كقَولِك: موقوفٌ على عطاءٍ، أو ابنِ المُسيَّبِ مثلًا، (مَسْمُوعُ) أي: إنَّ استعمالَ الموقوفِ على غيرِ الصحابيِّ مسموعٌ منَ المحدِّثين بشرطِ التقييدِ، وإلَّا فلا للإِلباسِ.

[123]

(وَلْيُعْطَ) بالبناءِ للمفعولِ (حُكْمَ الرَّفْعِ) أي: حُكمَ الحديثِ المرفوعِ إليه صلى الله عليه وسلم (فِي) القولِ (الصَّوابِ) أيِ: الحقِّ الراجحِ من أقوالٍ ثلاثةٍ، وهو الذي عليه الجمهورُ:(نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ) أي: نحوُ قولِه: «من السُّنَّةِ» كذا، حالَ كونِه صادرًا (مِنْ صَحَابِي).

ص: 164

124 -

كَذَا: أُمِرْنَا، وَكَذَا: كُنَّا نَرَى

فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى

125 -

[ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي:

تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي

[124]

(كَذَا) حُكمُ قولِه: (أُمِرْنَا)، وكذا «نُهِينا» عن كذا، (وَكَذَا) قولُه:(كُنَّا نَرَى) أو «نفعَلُ» أو «نقولُ» ، ونحوُ ذلك؛ فهو في حكمِ المرفوعِ، سواءٌ نُسِب ذلك إلى عهدِه صلى الله عليه وسلم؛ بأن يقولَ: كنَّا نرى كذا (فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ) إلى عهدِه صلى الله عليه وسلم، متعلِّق بـ (عَرَى) أي: خلَا، يعني: أنَّه خلَا عن نسبِته إلى عهدِه صلى الله عليه وسلم.

[125]

(ثَالِثُهَا) أيِ: الأقوالُ: (إِنْ كَانَ) ذلك الفعلُ (لا يَخْفَى) فمرفوعٌ، وإلَّا فموقوفٌ، أي: إنْ كان الفعلُ ممَّا لا يَخفَى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم غالبًا فمرفوعٌ، وهذا القولُ قَطَع به أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ، وقال به ابنُ السَّمعانيِّ وآخَرون.

ثم قال رحمه الله: (وَفِي: تَصْرِيحِهِ) أي: تصريحِ الصحابيِّ (بِعِلْمِهِ) أي: عِلمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالقضيةِ (الْخُلْفُ) أيِ: الخلافُ المتقدِّمُ (نُفِي) بالبناءِ للمفعولِ، أيِ: انَتَفى.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الصحابيَّ إذا صرَّح بعلمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنْ ذَكَر ذلك في القصةِ - صار ذلك مَرفوعًا إجماعًا، لكنَّ دعوى الإجماعِ مُنتقَضةٌ بخِلافِ داودَ الظاهريِّ، وبعضِ المتكلِّمين؛ فتأمَّلْ!

ص: 165

126 -

وَنَحْوُ: كَانُوا يَقْرَعُونَ بَابَهُ

بِالظُّفْرِ، فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ

127 -

وَما أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لا

يُقَالُ [إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا]

[126]

(وَنَحْوُ) بالرفعِ عطفًا على «نحوُ منَ السُّنَّةِ» ، أي: ولْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ في الأصحِّ نحوُ: (كَانُوا) أيِ: الصحابةُ (يَقْرَعُونَ) أي: يَطرُقون (بَابَهُ) صلى الله عليه وسلم (بِالظُّفْرِ فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ) أي: في القولِ الذي رأى العلماءُ كونَه صوابًا، وهو قولُ ابنِ الصلاحِ رحمه الله.

[127]

(وَما) أي: ولْيُعْطَ -في الأصحِّ- حُكْمَ الرفعِ: الحديثُ الذي (أَتَى) أي: جاء عنِ الصحابيِّ من قولٍ له، أو فعلٍ، (وَمِثْلُهُ) أي: مثلُ ذلك الآتي (بِالرَّأْيِ) أي: الاجتهادِ (لا يُقَالُ)، أي: ولا يُفعَلُ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الصحابيَ إذا قال قولًا، أو فَعَل فعلًا، لا مجالَ للاجتهادِ فيه يُحمَلُ على أنَّه تلقَّاه منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ثمَّ ذَكَر قيدًا ذَكَره العراقيُ رحمه الله، وتَبِعه عليه الحافظُ بقولِه:(إِذْ) ظرفيةٌ (عَنْ سَالِفٍ) أي: متقدِّمٍ منَ الأُممِ (مَا) نافيةٌ (حُمِلا) أي: إذا لم يَحْمِلْ ذلك الصحابيُّ عن أهلِ الكتابِ، والألفُ إطلاقيةٌ فيهِما، يعني: أنَّه إنَّما يكونُ له حُكْمُ المرفوعِ إذا لم يكُنِ الصحابيُّ يَروي الإسرائيلياتِ عن أهلِ الكتابِ، وإلَّا فلا.

ص: 166

128 -

وَهكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا

فِي سَبَبِ النُّزُولِ [أَوْ رَأْيًا أَبَى

129 -

وَعَمَّمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ

وَخَصَّ فِي خِلافِهِ كَمَا حُكِي]

[128]

(وَهكَذَا) أي: ولْيُعْطَ حكمَ الرفعِ (تَفْسِيرُ مَنْ) أي: تبيِينُ وتوضيحُ شخصٍ للقُرآنِ (قَدْ صَحِبَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: صَحِبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم (فِي سَبَبِ النُّزُولِ) أي: حالَ كونِ التفسيرِ واقعًا في سببِ نُزولِ الآيةِ، (أَوْ) فيما (رَأْيًا) أيِ: اجتهادًا (أَبَى) أيِ: امتَنَع من أن ينالَه رأيُ مجتهِدٍ؛ فلا يأخُذُ حُكْمَ الرفعِ، وهذا هو المعتمَدُ الذي ذَهَب إليه الخطيبُ، وأبو منصورٍ البغداديُّ، وتَبِعَهُما ابنُ الصلاحِ رحمهم الله.

[129]

(وَعَمَّمَ) هذا الحُكْمَ في كلِّ ما فَسَّرَ به الصحابيُّ (الْحَاكِمُ) أبو عبدِ اللهِ (فِي) كتابِه (الْمُسْتَدْرَكِ وَخَصَّ) الحاكمُ (فِي خِلافِهِ) أي: في غيرِ «المستدرَكِ» ، وهو كتابُه المسمَّى «معرفةُ علومِ الحديثِ» (كَمَا حُكِي).

والمعنى: أنَّ الحاكمَ في كتابِه «معرفةِ علومِ الحديثِ» لم يُعمِّمِ الحُكمَ، بل خصَّ كما خَصَّ غيرُه بما كان في سببِ النزولِ، وفيما لا مجالَ للرأيِ فيه.

ص: 167

130 -

وَقَالَ: لا، مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ

[وَقَدَ عَصَى الْهَادِيَ فِي الْمَشْهُورِ]

131 -

وَهَكَذَا: يَرْفَعُهُ، يَنْمِيهِ

رِوَايَةً، يَبْلُغْ بِهِ، يَرْوِيهِ

[130]

(وَقَالَ) الحاكمُ: (لا) يكونُ تفسيرُ الصحابيِّ مرفوعًا إنْ كان صادرًا (مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ) أي: منَ الصحابيِّ الذي ذُكِر في سندِ ذلك التفسيرِ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ شرْطَ كونِ تفسيرِ الصحابيِّ مرفوعًا: أن يتعلَّقَ بسبَبِ النزولِ، أو بما لا مجالَ للرأيِ فيه، وإلَّا فهو منَ الموقوفاتِ.

ثمَّ قال رحمه الله: (وَ) لْيُعْطَ أيضًا حُكْمَ الرفعِ: قولُ الصحابيِّ على مَن فَعَل فعلًا منَ الأفعالِ: إنَّ هذا (قَدَ عَصَى) النبيَّ (الْهَادِيَ) صلى الله عليه وسلم، (فِي) القولِ (الْمَشْهُورِ) بين أهلِ الحديثِ، وجَزَم به الزَّرْكَشيُّ، وادَّعى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ عليه.

[131]

(وَ) لْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ أيضًا (هَكَذَا) أي: مثلُ ما تقدَّم منَ الأنواعِ: قولُ التابعيِّ (يَرْفَعُهُ) أيِ: الحديثَ، أو رَفَعَه (يَنْمِيهِ) بفتحِ الياءِ، أي: يَنسُبُه (رِوَايَةً) أي: يَنقُلُ ذلك الحديثَ نقلًا (يَبْلُغْ) بسكونِ الغينِ للوزنِ (بِهِ) أي: بذلك الحديثِ (يَرْوِيهِ)، أو رواه بمعنًى يَنقُلُه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ص: 168

132 -

وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ

[لا رَابِعٌ جَزْمًا] لَهُمْ، وَالأَوَّلُ

[132]

(وَكُلُّ ذَا) أي: كلُّ ما تقدَّم من قولِه: «ولْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ» إلى هنا (مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ) مرفوعٌ، ويَحتمِلُ أن يكونَ اسمُ الإشارةِ عائدًا إلى البيتِ الذي قبْلَه، أي: كلُّ هذه الألفاظِ إذا صَدَرت عندَ ذِكْرِ التابعيِّ؛ كأن يقولَ مَن يَروي عنِ التابعيِّ: حدَّثَنا فلانٌ بكذا يرفَعُه، أو ينمِيه، أو يبلُغُ به، ونحوُها؛ فهو مرسلٌ مرفوعٌ بلا خلافٍ، وهو الذي تُفيدُه عبارةُ شُروحِ الألفيةِ العراقيةِ للسخاويِّ، وغيرِه، (لا رَابِعٌ) قال الشارحُ: هو التفسيرُ في سببِ النزولِ.

قلتُ: لا وجْهَ لإخراجِ التفسيرِ عمَّا قبْلَه؛ لأنَّه يكونُ المعنى عليه: وكلُّ هذه الألفاظِ المتقدِّمةِ إذا كانت منَ التابعيِّ فهو مرسَلٌ، إلَّا الرابِعَ؛ فإنَّه ليس كذلك، وهذا معنًى فاسدٌ؛ لأنَّ التفسيرَ الذي يتعلَّق بسببِ النزولِ مرسَلٌ مرفوعٌ أيضًا، ولعلَّ النُّسخةَ وَقَع فيها تصحيفٌ، والأصلُ:

وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ

مَعْ رَفْعِهِ جَزْمًا لَهُمْ والأَوَّلُ

وتكونُ الإشارةُ إلى البيتِ الذي قبْلَه، يعني: أنَّ هذه الألفاظَ إذا ذُكِرَت عند ذِكْرِ التابعيِّ؛ فالحديثُ مرسَلٌ مرفوعٌ بلا خلافٍ، كما أشار إليه بقولِه:(جَزْمًا لَهُمْ) أي: حالَ كونِه مجزومًا به، أي: مُتَّفَقًا عليه بين العلماءِ، (وَالأَوَّلُ) أي: قولُه: «منَ السُّنَّةِ» .

ص: 169

133 -

صَحَّحَ فِيهِ [النَّوَوِيُّ] الْوَقْفَا

[وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ لا يَخْفَى]

[133]

(صَحَّحَ فِيهِ النَّوَوِيُّ الْوَقْفَا) أي: كونُه موقوفًا، والمعنى: أنَّ قولَ التابعيِّ: منَ السُّنَّةِ كذا، صحَّح الإمامُ النوويُّ رحمه الله كونَه متصلًا موقوفًا على الصحابيِّ، (وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ) أيِ: الفرقُ بينه وبين المسألةِ المذكورةِ في البيتِ الذي قبْلَه واضحٌ (لا يَخْفَى) على مَن تأمَّلَه.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الفرقَ بين قولِه: «منَ السُّنَّةِ كذا» حيث جعلْناه موقوفًا متصلًا، وبين الألفاظِ المتقدِّمةِ حيث جعلْناها مرفوعةً مرسلةً - واضحٌ غيرُ خَفِيٍّ؛ وذلك لأنَّ «يرفَعُ الحديثَ» تصريحٌ بالرفعِ، وقريبٌ منه ما ذُكِرَ معه منَ الألفاظِ، بخلافِ «منَ السُّنَّةِ» ؛ فيَتطَرَّقُها احتمالُ إرادةِ سُنَّةِ الخُلَفاءِ الراشِدين؛ فكثيرًا ما يُعبِّرون بها فيما يُضافُ إليهم، وقد يُريدون سُنَّةَ البلدِ، ومقابِلُ الصَّحِيحِ قوُل مَن قال: إنَّه مرفوعٌ مرسَلٌ.

ص: 170

‌المَوصُولُ، والمُنقَطِعُ، والمُعضَلُ

وهو النَّوعُ الثامنُ، والتاسعُ، والعاشرُ:

134 -

مَرْفُوعًا اْوْ مَوْقُوفًا إِذْ يَتَّصِلُ

إِسْنَادُهُ: الْمَوْصُولُ وَالمُتَّصِلُ

135 -

وَوَاحِدٌ قَبْلَ الصَّحابِيِّ سَقَطْ

مُنْقَطِعٌ، قِيلَ: أَوِ الصَّاحِبِ قَطْ

[134]

(مَرْفُوعًا) أي: حالَ كونِ الموصولِ مرفوعًا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم (اْوْ مَوْقُوفًا) على الصَّحَابيِّ (إِذْ يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ) بسماعٍ كلِّ واحدٍ من رُواتِه عمَّن فوقَه، أو بالإجازةِ كما قالَه ابنُ جماعةَ، إلى مُنتَهاهُ:(الْمَوْصُولُ)، والتقديرُ: الموصولُ حاصلٌ إذ يتصِلُ إسنادُه، أي: وقْتَ اتصالِ سندِ الحديثِ، (وَ) يُقالُ له:(المُتَّصِلُ) أيضًا فهُما اسمانِ لِمُسَمًّى واحدٍ.

[135]

(وَوَاحِدٌ) أي: راوٍ واحدٌ (قَبْلَ الصَّحابِيِّ) أيْ: من أيِّ موضعٍ كان السقوطُ، وإنَّما قُيِّد به؛ لأنَّه لو كان الساقطُ صحابيًّا لَكانَ مُرسَلًا (سَقَطْ) أي: واحدٌ ساقطٌ (مُنْقَطِعٌ) أي: فالسندُ منقطِعٌ، وتقديرُ الكلامِ: وواحدٌ ساقطٌ قبْلَ الصحابيِّ فالسندُ منقطِعٌ بسببِه، (قِيلَ: أَوِ الصَّاحِبِ) أي: أو سَقَط الصحابيُّ (قَطْ) أي: فحسْبُ.

ص: 171

136 -

[مُنْقَطِعٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ لا

تَوَالِيًا] وَمُعْضَلٌ حَيْثُ وَلا

137 -

وَمِنْهُ حَذْفُ صَاحِبٍ وَالْمُصْطَفَى

وَمَتْنُهُ بِالتَّابِعِيِّ وُقِفَا

[136]

(مُنْقَطِعٌ) أيِ: السندُ منقطِعٌ (مِنْ مَوْضِعَيْنِ) متعلِّقٌ بـ «منقطعٌ» (اثْنَيْنِ) صفةٌ كاشفةٌ لـ «موضِعَين» ؛ يعني: أنَّه إذا سَقَط منَ السندِ راوِيانِ (لا تَوَالِيًا) حالٌ من «موضِعَين» ، أي: حاَل كونِهما غيرَ متوالِيَينِ.

والحاصِلُ: أنَّه إذا كان الساقطُ أكثرَ من واحدٍ بشرطِ عدمِ التوالي فهو منقطعٌ أيضًا، لكنَّه مقيَّدٌ بأنَّه منقطِعٌ من موضِعَين، أو من ثلاثةٍ، أو أربعةٍ، وهَلُمَّ جَرًّا، (وَمُعْضَلٌ) بفتحِ الضادِ المعجمةِ (حَيْثُ وَلا) بفتحِ الواو، أيِ: السندُ الذي سَقَط منه اثنانِ يُسمَّى بالمعضَلِ.

والحاصلُ: أن المُعضَلَ هو الذي سَقَط من إسنادِه اثنانِ فأكثَرُ مع التوالي.

[137]

(وَمِنْهُ) أي: ومنَ المُعضَلِ (حَذْفُ صَاحِبٍ) أي: صحابيٍّ منَ السندِ (وَ) حذفُ الرسولِ (الْمُصْطَفَى) صلى الله عليه وسلم، (وَمَتْنُهُ) أي: متنُ ذلك السندِ (بِالتَّابِعِيِّ) أي: عليه (وُقِفَا) بالبناءِ للمَفعولِ، والألِفُ للإطلاقِ.

وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّ منَ المُعضَلِ ما حُذِفَ منه الصَّحابيُّ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم معًا، ووُقِفَ مَتْنُه على التابعيِّ.

ص: 172

‌المُرسَلُ

وهو النَّوعُ الحادي عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

138 -

الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ، أَوْ

ذِي كِبَرٍ، أَوْ سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا

[138]

(الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ) أيِ: المرسلُ في اصطِلاحِ أهلِ الحديثِ هو: الحديثُ المرفوعُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قولًا، أو فعلًا، أو نحوَهُما (بِالتَّابِعِ) متعلِّقٌ بالمرفوعِ، والباءُ سببيةٌ، أي: بسببِه.

وحاصلُ المعنى: أنَّ المرسلَ اصطلاحًا هو: قولُ التابعيِّ مطلقًا، كبيرًا كان، أو صغيرًا: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كذا، أو فَعَلَ كذا، أو فُعِلَ بحَضْرتِه كذا، أو نحوُ ذلك، (أَوْ) لتنويعِ الخِلافِ، أي: قال بعضُهم: المُرسلُ هو: مرفوعُ تابعيٍّ (ذِي كِبَرٍ) أي: كبيرٍ؛ فكأنَّه قال: إنَّ المُرسَلَ هو مرفوعُ التابعيِّ الكبيرِ، (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ أيضًا (سَقْطُ) بفتحٍ فسكونٍ، بمعنى سقوطٍ، أيِ: المرسلُ ذو سُقوطِ (رَاوٍ) من سندِه، يعني: أنَّ بعضَهم قال: إنَّ المرسلَ هو: ما سَقَط من سندِه راوٍ، سواءٌ كان في أولِه، أو آخرِه، أو بينَهُما، واحدًا أو أكثرَ (قَدْ حَكَوْا) جملةٌ حاليةٌ ممَّا تقدَّم منَ الأقوالِ، أي: حالَ كونِ العلماءِ قد حَكَوها في تعريفِ المرسلِ.

ص: 173

139 -

أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ ثُمَّ الْحُجَّةُ

بِهِ رَأَى الأَئِمَّةُ [الثَّلاثَةُ]

140 -

وَرَدُّهُ الأَقْوَى، وَقَوْلُ الأَكْثَرُ

كَالشَّافِعِيْ، وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ

[139]

(أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ) أي: أشهرُ الأقوالِ الثلاثةِ عند المحدِّثين، والأكثرُ في استعمالِهِم: هو القولُ الأولُ.

(ثُمَّ) بعدَ أنْ عرفْتَ الأقوالَ في تعريفِه: (الْحُجَّةُ بِهِ) بالضمِّ في الأصلِ: هو الدليلُ، والبُرهانُ، أي: الاحتجاجُ بالمرسلِ (رَأَى) أي: ذَهَب إليه (الأَئِمَّةُ الثَّلاثَةُ) الإمامُ أبو حنيفةَ، والإمامُ مالكٌ في المشهورِ عنه، وجمهورُ أتباعِهِما، والإمامُ أحمدُ في روايةٍ عنه.

[140]

(وَرَدُّهُ الأَقْوَى) أي: ردُّ الاحتجاجِ بالمرسلِ هو الرأيُ الأقوى؛ لقوَّةِ دليلِه، (وَ) هو (قَوْلُ الأَكْثَرُ) منَ العلماءِ المحقِّقين، وذلك (كَـ) الإمامِ القدوةِ رأسِ الفقهاءِ والمحدِّثين أبي عبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ إدريسَ (الشَّافِعِيْ)؛ فإنَّه رضي الله عنه أوَّلُ مَنْ ردَّ المرسَلَ على ما قيلَ، (وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ) أي: وكأهلِ علمِ الحديثِ، كما حكاهُ عنهم مسلِمٌ في صدرِ «صحيحِه» .

ص: 174

141 -

نَعَمْ بِهِ يُحْتَجُّ إِنْ يَعْتَضِدِ

بِمُرْسَلٍ آخَرَ أَوْ بِمُسْنَدِ

142 -

[أَوْ قَوْلِ صَاحِبٍ أَوِ الْجُمْهُورِ أَوْ

قَيْسٍ] وَمِنْ شُرُوطِهِ كَمَا رَأَوْا

[141]

(نَعَمْ) بفتحتَين (بِهِ) أي: بالمرسَلِ (يُحْتَجُّ) بالبناءِ للمفعولِ، أي: يُحتَجُّ به عند القائلِين بعدمِ حُجِّيَّتِه، بشروطٍ أشار إليها بقولِه:(إِنْ) شرطيةٌ (يَعْتَضِدِ) تَقَوَّى، يعني: أنَّه يُحتَجُ به إنْ تقوَّى بأحدِ أُمورٍ: منها: (بِمُرْسَلٍ آخَرَ) أي: يُحتَجُّ به إنِ اعتَضَدَ بمرسَلٍ آخرَ يرويه المُرسِلُ من غيرِ شيوخِ الأولِ، (أَوْ) يعتضِدُ (بِمُسْنَدِ) أي: مرفوعٍ متصلٍ يجيءُ من وجهٍ آخرَ صحيحٍ، أو حسَنٍ، أو ضعيفٍ.

[142]

(أَوْ) يعتضِدُ بـ (قَوْلِ صَاحِبٍ) أي: صحابيٍّ، (أَوِ) يعتضِدُ بقولِ (الْجُمْهُورِ) بالضَّمِّ، يعني: أنَّه إذا أفتى أكثرُ العلماءِ بمُوافقةِ المرسلِ قُبِلَ، (أَوْ) يعتضِدُ بـ (قَيْسٍ) بفتحٍ فسكونٍ، وهو: إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حُكمٍ لِعلَّةٍ جامعةٍ بينهما؛ كإلحاقِ النبيذِ بالخمرِ في الحرمةِ للإِسكارِ (وَمِنْ شُرُوطِهِ) أي: شروطِ قَبولِ المرسلِ المعتضِدِ للاحتجاجِ به (كَمَا رَأَوْا) أي: اعتقَدَه المحقِّقون:

ص: 175

143 -

كَوْنُ الَّذِي أَرْسَلَ مِنْ كِبَارِ

وَإِنْ مَشَى مَعْ حَافِظٍ يُجَارِي

144 -

وَلَيْسَ مِنْ شُيُوخِهِ مَنْ ضَعُفَا

[كَنَهْيِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالأَصْلِ وَفَا]

[143]

(كَوْنُ) الشخصِ (الَّذِي أَرْسَلَ) الحديثَ (مِنْ كِبَارِ) التابِعين، (وَ) كونُ الذي أَرسَلَ (إِنْ) شرطيةٌ (مَشَى) في حديثِه (مَعْ حَافِظٍ) منَ الحُفَّاظِ (يُجَارِي) بالجيمِ، والمرادُ: يُوافِقُه، ولا يُخالِفُه.

[144]

(وَ) كونُه أيضًا (لَيْسَ مِنْ شُيُوخِهِ) خبرٌ مقدَّمٌ، أيِ: الذين يَروي عنهمُ الحديثَ (مَنْ ضَعُفَا) أي: شخصٌ ضعيفٌ.

والمعنى: أنَّه يَلتزِمُ الروايةَ عنِ الثقاتِ؛ بحيثُ إذا عَيَّن شيخَه في مُرسَلِه في روايةٍ أخرى، أو في مُطلَقِ حديثِه -حسْبَما يحتمِلُه كلامُ الشافعيِّ- لا يُسَمِّي مجهولًا، ولا مرغوبًا عنِ الروايةِ عنه، (كَنَهْيِ بَيْعِ اللَّحْمِ) تقديرُه: وذلك كائنٌ كنهيِ بيعِ اللحمِ (بِالأَصْلِ) أيِ: الحيوانِ، وذلك ما رواه سعيدُ بنُ المسيَّبِ:«أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن بَيعِ اللَّحمِ بالحَيَوانِ» ؛ فقد جاء عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ جَزُورًا نُحِرَت على عهدِ أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ فجاء رجلٌ بِعَنَاق، فقال: أَعطُونِي جزءًا بهذِه العَناقِ؛ فقال أبو بكرٍ: رضي الله عنه: لا يَصلُحُ هذا» . وكان القاسمُ بنُ محمَّدٍ، وابنُ المسيَّبِ، وعُروةُ بنُ الزبيرِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ يُحرِّمون بيعَ اللحمِ بالحَيوانِ، (وَفَا) أي: أن هذا المثالَ الواحدَ تمَّ به المثالُ لكُلِّها.

ص: 176

145 -

وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ

[كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ اتَّضَحْ

146 -

إِسْلامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ وَالَّذِي

رَآهُ لا مُمَيِّزًا لَا تَحْتَ ذِي]

[145]

(وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ) أيِ: الصحابيِّ (وَصْلٌ) على حذفِ مُضافٍ، أي: ذو وصلٍ، أي: محكومٌ بأنَّه موصولٌ صحيحٌ يُحتَجُّ به (فِي) المذهبِ (الأَصَحْ) الذي قَطَع به الجمهورُ، وأطبَق عليه المحدِّثون المشترِطون للصحيحِ، القائلون بضعفِ المرسلِ، وفي «الصحيحَينِ» منه ما لا يُحصَى.

(كَسَامِعٍ) كحُكمِ سامعٍ منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (فِي) حالِ (كُفْرِهِ) متعلِّقٌ بما قبْلَه، (ثُمَّ) أسلَمَ و (اتَّضَحْ) أي: ظهَرَ

[146]

(إِسْلامُهُ) أي: ذلك السامِعِ (بَعْدَ وَفَاةٍ) أي: موتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، (وَالَّذِي) أيِ: الصحابيُّ الذي (رَآهُ) أيِ: النبيَّ صلى الله عليه وسلم (لا مُمَيِّزًا) أي: حالَ كونِه غيرَ مميِّزٍ (لَا تَحْتَ ذِي) أي: لا يدخُلُ حُكْمُ روايتِه تحتَ المسألةِ؛ فلا يُقالُ: إنه مرسلُ صحابيٍّ، بل مرسلٌ كسائرِ المراسيلِ.

ص: 177

147 -

وَقَوْلُهُمْ: عَنْ رَجُلٍ [مُتَّصِلُ]

وَقِيلَ: بَلْ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُرْسَلُ

148 -

[كَذَاكَ فِي الأَرْجَحِ كُتْبٌ لَمْ يُسَمْ

حَامِلُهَا أَوْ لَيْسَ يُدْرَى مَا اتَّسَمْ

[147]

(وَقَوْلُهُمْ) أي: قولُ المحدِّثين: (عَنْ رَجُلٍ) أي: حدَّثَنا فلانٌ عن رجلٍ (مُتَّصِلُ) أي: هو حديثٌ متصلٌ، في إسنادِه مجهولٌ، (وَقِيلَ): لا يكونُ متصلًا (بَلْ) هو (مُنْقَطِعٌ)، ولا يُسمَّى أيضًا مرسلًا، (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ، أي: قال بعضُهم: إنَّه (مُرْسَلُ) منَ المراسيلِ.

[148]

(كَذَاكَ) أي: مِثلُ ما تقدَّم في قولِهم: «عن رجلٍ» (فِي الأَرْجَحِ) أيِ: القولِ الأقوَى (كُتْبٌ) بسكونِ التاءِ مخفَّفُ كُتُبٍ بضمِّها: جمْعُ كتابٍ، أي: كُتُبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى الآفاقِ، وقولُه:(لَمْ يُسَمْ) بتخفيفِ الميمِ للوزنِ (حَامِلُهَا).

والمعنى: أنَّ كُتُبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي أرسلَها إلى المُلوكِ وغيرِهم حكمُها إذا لم يُسَمَّ حامِلُها: أنَّها متصلةٌ في سندِها مجهولٌ، في الأرجحِ.

ثم قال رحمه الله: (أَوْ لَيْسَ) حامِلُها (يُدْرَى) أي: يُعلَمُ (مَا اتَّسَمْ) به، أي: ما اتَّصَف به.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الكتبَ المذكورةَ إذا سُمِّي حامِلُها باسمٍ لا يُعرَفُ به، فحُكمُها كذلك، أي: أنَّها متصلةٌ في إسنادِها مجهولٌ، في الأرجَحِ.

ص: 178

149 -

وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ، وَأَبَى

الصَّيْرَفِيْ مُعَنْعَنًا، وَلْيُجْتَبَى]

150 -

وَقَدِّمِ الرَّفْعَ كَالِاتِّصَالِ

مِنْ ثِقَةٍ لِلْوَقْفِ وَالإِرْسَالِ

[149]

(وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ) مبتدأٌ خبَرُه محذوفٌ، أي: متصلٌ.

والمعنى: أنَّ قولَهم: رجلٌ من الصحابةِ، حُكمُه: أنَّه متصِلٌ بلا خِلافٍ، سوى ما يأتي عن الصَّيرفيِّ، (وَأَبَى) كَرِه قَبولَ ما أُبْهِمَ فيه الصحابيُّ الإمامُ البارعُ المتفنِّنُ أبو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ عبدُ اللهِ (الصَّيْرَفِيْ) البغداديُّ الشافعيُّ (مُعَنْعَنًا) أي: قَبولَ ما ذُكِر حالَ كونِه مُعنعنًا، أو قَبولَ ما رُوِي بـ «عن» ، وما أشبَهَ ذلك.

وحاصلُ كلامِ الصَّيرفيِّ: أنَّه يَقبَلُ ما أُبْهِمَ فيه الصحابيُّ، بشرْطِ أن يصرِّحَ التابعيُّ بالتحديثِ ونحوِه، (وَلْيُجْتَبَى) واللَّامُ لامُ الأمرِ، أي: لِيُخْتَرْ هذا التفصيلُ؛ لحُسْنِه.

[150]

(وَقَدِّمِ) أيُّها المحدِّثُ (الرَّفْعَ) أي: قدِّمْ روايةَ الرفعِ على روايةِ الوقفِ إذا تعارَضَا، (كَالاْتِّصَالِ) أي: كما يتقدَّمُ الاتِّصالُ إذا تعارَضَ مع الإرسالِ (مِنْ ثِقَةٍ) أي: حالَ كونِهما صادِرَين من ثقةٍ ضابطٍ (لِلْوَقْفِ) راجعٌ للرفعِ واللامِ بمعنى «على» أي: عليه، (وَالإِرْسَالِ) أي: عليه راجِعٌ للاتِّصالِ.

ص: 179

151 -

وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ،

وَقِيلَ: قَدِّمْ أَحْفَظَا، وَالأَشْهَرُ

152 -

عَلَيْهِ لا يَقْدَحُ هَذَا مِنْهُ فِي

أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ وَالَّذِي يَفِي

[151]

(وَقِيلَ: عَكْسُهُ) أيِ: المعتبَرُ عكْسُ هذا الحُكمِ، وهو تقديمُ الوقفِ والإرسالِ، قال الخطيبُ رحمه الله: وهو قولُ أكثرِ المحدِّثين، (وَقِيلَ: الأَكْثَرُ) أي: يقدَّم ما قالَه الأكثرُ، من وقفٍ أو رفعٍ، ووصلٍ أو إرسالٍ، وهذا القولُ نَقَله الحاكِمُ رحمه الله في «المدخلِ» عن أئمةِ الحديثِ، (وَقِيلَ: قَدِّمْ) منَ التقديمِ (أَحْفَظَا) أي: ما قاله الأحفَظُ من رفعٍ ووقفٍ، أو وصلٍ وإرسالٍ، (وَالأَشْهَرُ) من قولَيِ العلماءِ.

[152]

(عَلَيْهِ) أي: إذا مَشَينا على القولِ الرابعِ، وكذا الثالثِ، كما أفادَه في التنقيحُ: أنَّه (لا يَقْدَحُ) أي: لا يَجرَحُ (هَذَا) إشارةٌ إلى ما ذُكِر منَ الوقفِ والإرسالِ (مِنْهُ) أي: منَ الأحفظِ (فِي أَهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ) أي: والرافعِ، يعني: أنَّ ما ذُكِر منَ الوقفِ والإرسالِ إذا قُدِّم الأحفظُ فيه على غيرِه لا يلزَمُ منه القدحُ في عدالةِ مَن رَفَع، أو وَصَل، (وَ) لا يقدَحُ أيضًا في الحديثِ (الَّذِي يَفِي) بسندِه، يعني: الحديثَ الذي يروِيه مسندًا، والمرادُ جنسُ الحديثِ الذي رواه بسندِه، لا الحديثُ المختلَفُ فيه الذي هو محَلُّ النِّزاعِ؛ فإنَّه يقدَحُ فيه بلا شكٍّ.

ص: 180

153 -

وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ تَعَارَضَا

فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى

[153]

(وَإِنْ يَكُنْ مِنْ) راوٍ (وَاحِدٍ تَعَارَضَا) كلٌّ منَ الرفعِ والوقفِ، والوصلِ والإرسالِ؛ (فَاحْكُمْ) أيُّها المحدِّثُ (لَهُ) أي: لهذا المُتعارِضِ (في الْمُرْتَضَى) أي: في القولِ المَرْضِيِّ الذي عليه الجمهورُ (بِمَا مَضَى)، أي: بالحُكمِ الذي مرَّ قريبًا، وهو الحُكمُ للرفعِ والوصلِ.

ص: 181

‌المُعلق

وهو النوعُ الثاني عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

154 -

مَا أَوَّلُ الإِسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ

وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ مُعَلَّقُ

155 -

وَفِي الصَّحِيحِ ذَا كَثِيرٌ، فَالَّذِي

أُتِيْ بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذِ

[154]

(مَا) أيِ: الحديثُ الذي (أَوَّلُ الإِسْنَادِ) من جهةِ الراوي، كشيخِه، فمَن فوقَه (مِنْهُ) أي: من ذلك الحديثِ (يُطْلَقُ) أي: يُحذَفُ، ويُسقَطُ، من قولِهم: أطلقْتُ الأسيرَ: إذا حَلَلْتُ أَسْرَه، (وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ) أي: ولو كان الحذفُ من أولِ السندِ إلى آخِرِه؛ بأنِ اقتصَرَ على الرسولِ صلى الله عليه وسلم في المرفوعِ، وعلى الصحابيِّ في الموقوفِ:(مُعَلَّقُ) أي: فهذا النوعُ يُسمَّى معلَّقًا.

[155]

(وَفِي الصَّحِيحِ) أي: «صحيحِ البخاريِّ» ؛ لأنَّه المرادُ عندَ الإطلاقِ، (ذَا) أيِ: التعليقُ (كَثِيرٌ، فَالَّذِي) الفاءُ فصيحيَّةٌ، «والذي» مبتدأٌ، أي: إذا عرفْتَ أنَّ معلَّقاتِ البخاريِّ كثيرةٌ، وأردْتَ بياَن حُكمِها؛ فأقولُ

ص: 182

لك: المعلَّقُ: الذي (أُتِيْ بِهِ) أي: المعلَّق (بِصِيغَةِ) أي: صورةِ (الْجَزْمِ) كـ: قال، وفَعَلَ، وأَمَرَ، وَذَكَرَ فلانٌ (خُذِ) أيُّها المُحدِّثُ.

156 -

صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ

وَغَيْرَهُ ضَعِّفْ وَلا تَهِنْهُ

157 -

وَمَا عَزَا لِشَيْخِهِ بِقَالا

فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالا

[156]

(صِحَّتَهُ) أي: صحةُ ما أتى به مجزومًا (عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ) أي: عنِ الشخصِ الذي أُضيفَ الحديثُ إليه، (وَغَيْرَهُ) أي: غيرَ ما أتى به بصيغةِ الجزمِ؛ بأنْ أتى به بصيغةِ التمريضِ، كَـ: يُروَى، ويُذْكَرُ، ويُحكَى، وذُكِرَ، وحُكِيَ عن فلانٍ، أو في البابِ عنه صلى الله عليه وسلم، كما قال ابنُ الصلاحِ رحمه الله (ضَعِّفْ) أيِ: احكُمْ بضَعفِه عنِ المضافِ إليه، (وَلا) ناهيةٌ (تَهِنْه) مضارعٌ «وَهَنْتُه» أي: لا تَحْكُمْ على ما أورَدَه بصيغةِ التمريضِ بأنَّه واهنٌ ساقطٌ جِدًّا؛ لإدخالِه إيَّاهُ في الكتابِ الموسومِ بالصحيحِ.

ووَقَع في نسخةٍ: «تُوهِنْهُ» .

[157]

(وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (عَزَا) أي: نَسَبه صاحبُ الصحيحِ في كتابِه (لِشَيْخِهِ) أي: إليه (بِقَالا) أي: بهذه الكلمةِ، والألِفُ للإطلاقِ، ونحوِها كـ «زَادَ» و «ذَكَر» ، وذلك كقولِه: قال فلان، وزاد فلان، وذَكَر فلان،

ص: 183

ونحوُها (فَفِي الأَصَحِّ) أيِ: القولِ الأصحِّ الذي جَزَم به ابنُ الصلاحِ رحمه الله، وصوَّبَه العراقيُّ رحمه الله، متعلِّقٌ بـ (احْكُمْ لَهُ) أي: لهذا المعزُوِّ لشيخِه (اتِّصَالا) أي: باتصالٍ.

158 -

[وَمَا لَهَا لَدَى سِوَاهُ ضَابِطُ

فَتَارَةً وَصْلٌ وَأُخْرَى سَاقِطُ]

[158]

(وَمَا) نافيةٌ (لَهَا) أي: لـ «قال» (لَدَى سِوَاهُ) أي: عند غيرِ البخاريِّ منَ المحدِّثين، وهو متعلِّقٌ بـ (ضَابِطُ) والمعنى: أنَّه ليس لهذِه الكلمةِ عندَ غيرِ البخاريِّ ضابطٌ يُرجَعُ إليه؛ (فَتَارَةً وَصْلٌ) أي: هي ذاتُ وصلٌ، بمعنى: أنَّها مستعمَلةٌ في الوصلِ، (وَأُخْرَى) أي: تارةً أخرى هي (سَاقِطُ)، يعني: أنَّ ما استُعمِلَت فيه ليس موصولًا بالسماعِ.

تنبيهٌ: قال شيخنا رحمه الله: ولو قال بدلَ هذا البيتِ:

وَمَنْ سِوَاهُ بَعْضُهُمْ يَسْتَعْمِلُ

لِلْوَصْلِ وَالْبَعْضُ لِقَطْعٍ يَعْمَلُ

لَكانَ موضِّحًا لاصطِلاحِ البخاريِّ واصطِلاحِ غيرِه.

ص: 184

‌المُعَنْعَنُ

وهو النَّوعُ الثالثَ عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

159 -

وَمَنْ رَوَى بِـ «عَنْ» وَ «أَنَّ» فَاحْكُمِ

بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَمِ

160 -

وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا، وَقِيلَ: لا

وَقِيلَ «أَنَّ» اقْطَعْ وَأَمَّا «عَنْ» صِلا

[159]

(وَمَنْ) شرطيةٌ أو موصولةٌ: مبتدأٌ (رَوَى) الحديثُ عن شيخِه (بِـ) صيغةِ («عَنْ») كأنْ يقولَ: عن فلانٍ، (وَ) بصيغةِ («أَنَّ») بفتحِ الهمزةِ، وتُكسَرُ، وتشديدِ النونِ؛ كأن يقولَ: حدَّثَنا فلانٌ أنَّ فلانًا قال كذا، ونحوُ ذلك؛ (فَاحْكُمِ) بكسرِ الميمِ للوزنِ -أيُّها المحدثُ- على حديثِه (بِوَصْلِهِ) أي: بكونِه موصولًا مسنَدًا، (إِنِ اللِّقَاءُ) أي: لقاءُ المعنعِنِ -بكسرِ العينِ الثانيةِ- والمُعَنعَنِ عنه -بفتحِها-، وكذا في المؤنِّنِ (يُعْلَمِ) بكسرِ الميمِ للرويِّ، أي: إنْ يُعلَمِ اللقاءُ المذكورُ المَكنِيُّ به عنِ السماعِ؛ بأن يثبُتَ ذلك، ولو مرةً، وهذا هو الشرطُ الأولُ.

[160]

(وَلَمْ يَكُنْ) المُعنعِنُ بالكسرِ، وكذا المؤنِّنُ (مُدَلِّسًا)، وهذا

ص: 185

هو الشرطُ الثاني، (وَقِيلَ): إنَّ المعنعَنَ والمؤنَّنَ (لا) يُحكَمُ باتصالِهما، بل هما مُنقطِعانِ، (وَقِيلَ أَنَّ) مفعولٌ مقدمٌ (اقْطَعْ) أي: احكُمْ -أيُّها المحدِّثُ- بانقطاعِ ما رُوِيَ بـ «أنَّ» حتى يتبيَّنَ السماعُ في ذلك الخبرِ بعينِه من جهةٍ أخرى.

(وَأَمَّا «عَنْ» صِلا) أي: أنَّك تحكُمُ باتصالِ ما رُوي بـ «عن» بالشرطَينِ السابقَينِ.

161 -

وَمُسْلِمٌ يَشْرِطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ

وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةٍ شَرَطْ

[161]

(وَ) الإمامُ الحافظُ الحجةُ أبو الحسينِ (مُسْلِمٌ) بنُ الحجاجِ القُشَيريُّ صاحِبُ الصحيحِ (يَشْرِطْ) سُكِّنت طاؤه؛ فأدغِمت في التاءِ بعدها، وهو جائزٌ في سَعةِ الكلامِ، ويتعيَّن هنا للوزنِ (تَعَاصُرًا) مفعولُ «يشرِط» (فَقَطْ) أي: فحسْبُ، والمعنى: أنَّ مسلمًا رحمه الله اكتفَى في الحكمِ على الحديثِ المعنعَنِ بالاتصالِ بالمُعاصرةِ.

(وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ العلماءِ، وهو أبو المُظفَّرِ بنُ السمعانيِّ (طُولَ صَحَابَةٍ) مفعولٌ مقدَّمٌ لـ «شَرَطْ» والصَّحابةِ بالكسرِ، والفتحِ.

والمعنى: أنَّ بعضَ العُلماءِ شَرَط -زيادةً على اللقاءِ- طُول صُحبةِ المعنعِنِ للمُعنعَنِ عنه، ولم يكتفِ بثُبوتِ اللقاءِ.

ص: 186

162 -

وَبَعْضُهُمْ عِرْفَانَهُ بِالأَخْذِ عَنْ

وَاسْتُعْمِلا إِجَازَةً فِي ذَا الزَّمَنْ

163 -

وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى

مُتَّصِلٌ، وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى

[162]

(وَبَعْضُهُمْ) أي: شَرَطَ (عِرْفَانَهُ) بكسرٍ فسكونٍ، أي: شَرَط كونَ الراوي معروفًا (بِالأَخْذِ) أي: الروايةِ (عَنْ) أي: عمَّن رَوى عنه.

والمعنى: أنَّ بعضَهم شَرَط لقبولِ العنعنِة ونحوِها -زيادةً على ما تقدَّم- كونَه معروفًا بالأخذِ عمَّن عَنعَن عنه.

وهذا القولُ لأبي عمرٍو عثمانُ بنُ سعيدٍ المقرئُ الدَّاني.

ثم قال رحمه الله: (وَاسْتُعْمِلا) بالبناءِ للمفعولِ، والضميرُ عائدٌ على «عَنْ» و «أنَّ» (إِجَازَةً) أي: في إجازةٍ (فِي ذَا الزَّمَنْ) أي: في هذا الوقتِ المتأخِّرِ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ المتأخرين قدِ اصطَلَحوا على أنَّ: «عَنْ» و «أَنَّ» للإجازةِ؛ فهما عندَهم بمنزلةِ: «أخبَرَنا» .

[163]

(وَكُلُّ) أي: حديثُ كلِّ (مَنْ أَدْرَكَ) منَ الرواةِ سواءٌ كان صحابيًّا أو مَن دونه (مَا لَهُ رَوَى مُتَّصِلٌ)، والمعنى: أنَّ كلَّ مَن روى قصةً، أو واقعةً أدرَكَها فحديثُه متصِلٌ.

(وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ ما ذُكِر، هو كلُّ مَن لم يُدرِكْ ما رواه منَ الواقعةِ

ص: 187

(قَطْعًا) أي: انقطاعًا (حَوَى) أي: جَمَع، والمعنى: أنَّ كلَّ مَن رَوَى واقعةً لم يُدرِكْها فروايتُه منقطعةٌ؛ فإن كان صحابيًّا؛ فمرسلُ صحابيِّ، وإلَّا فمنقطعٌ بالمعنى الاصطلاحيِّ.

وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّ الراويَ إذا روى حديثًا فيه قصةٌ أو واقعةٌ؛ فإنْ أدرَك ما رواه بأنْ حكى قصةً وَقَعت بين النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبين بعضِ الصحابةِ، والراوي لذلك صحابيٌّ أدرك تلك الواقِعةَ؛ فهو محكومٌ له بالاتصالِ، وإنْ لم يُعلَمْ أنَّه شاهَدَها، وإنْ لم يُدرِك تلك الواقِعةَ؛ فهو مرسلُ صحابيٍّ، وإنْ كان الراوي تابعيًّا؛ فهو منقطِعٌ.

ص: 188

‌التَّدْلِيسُ

وهو النوعُ الرابعَ عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

164 -

تَدْلِيسُ الِاسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ

مُعَاصِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْهُ بِـ «أَنْ»

165 -

يَأْتِي بِلَفْظٍ يُوهِمُ اتِّصَالا

كَـ «عَنْ» وَ «أَنَّ» وكذاك «قالا»

[164]

(تَدْلِيسُ الِاسْنَادِ) أيِ: النوعُ المسمَّى به (بِأَنْ يَرْوِيَ) الباءُ للتصويرِ، يعني: أنَّ تدليسَ الإسنادِ مُصَوَّر بروايةِ شخصٍ (عَنْ مُعَاصِرٍ) أي: شيخٍ معاصِرٍ له، أو مُلَاقٍ (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (لَمْ يُحَدِّثْهُ) أي: ذلك المعاصِرُ، وإنَّما حدَّثَه رجلٌ آخرُ عنه (بِـ «أَنْ») أي: مع إتيانِ ذلك الراوي.

[165]

(يَأْتِي بِلَفْظٍ) من ألفاظِ الأداءِ (يُوهِمُ) أي: يُوقِعُ في الوَهْمِ (اتِّصَالا) بذلك الشيخِ (كَـ «عَنْ») أي: ذلك كلفظةِ «عَنْ» (وَ «أَنَّ» وكذاك «قالا»).

وحاصلُ معنى البيتَينِ: أنَّ تدليسَ الإسنادِ هو: أن يروِيَ شخصٌ عمَّن عاصَرَه، أو لَقِيَه ما لم يسمَعْه منه، موهِمًا سماعَه، بإتيانِه بلفظٍ يوهِمُ الاتصالَ، ولا يقتضيهِ، مثلُ عن «فلانٍ» أو «أنَّ فلانًا» ، أو «قال فلانٌ» ، أو نحوِها.

ص: 189

166 -

[وَقِيلَ: أَنْ يَرْوِيَ مَا لَمْ يَسْمَعِ

مِنْهُ وَلَوْ تَعَاصُرًا لَمْ يَجْمَعِ

167 -

وَمِنْهُ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّيخَ فَقَطْ

قَطْعٌ بِهِ الأَدَاةُ مُطْلَقًا سَقَطْ

[166]

(وَقِيلَ): التدليسُ: (أَنْ) مصدريةٌ (يَرْوِيَ) الرجلُ عنِ الرجلِ (مَا لَمْ يَسْمَعِ) أيِ: الحديثَ الذي لم يسمَعْه (مِنْهُ)، أي: منَ المحدِّثِ، والمعنى: أنَّ التدليسَ هو: أن يروِيَ ما لم يسمَعْه بلفظٍ يُوهِمُ اتِّصالًا كـ «عن» ، (وَلَوْ) كان الراوي (تَعَاصُرًا) أي: معاصرَةً مع مَن روى عنه (لَمْ يَجْمَعِ) أي: ولو لم يجمَعِ المعاصرةَ، وكُسِرَتِ العينُ فيه وفي «يسمَعِ» للوزنِ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ التدليسَ على هذا القولِ هو: أن يحدِّثَ الرجلُ عنِ الرجلِ بما لم يسمَعْه منه بلفظٍ لا يقتضي تصريحًا بالسماعِ، ولو لم يتعاصَرَا.

[167]

(وَمِنْهُ) أي: من تدليسِ الإسنادِ: (أَنْ يُسَمِّيَ) الراوي (الشَّيخَ) أي: يذكُرَ اسمَ الشيخِ (فَقَطْ) أي: فحسْبُ، يعني: أنه ما ذَكَر صِيَغَ الأداءِ، (قَطْعٌ) أي: هو تدليسُ قطعٍ (بِهِ) والباءُ بمعنى «مِن» أي: من ذلك الحديثِ (الأَدَاةُ) أي: صيغةُ التحديثِ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كان «حدَّثَنا» ، أو «أخبَرَنا» ، أو «عن» ، أو نحوَ ذلك (سَقَطْ).

ص: 190

وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّ من تدليسِ الإسنادِ: ما يُسَمَّى تدليسَ القطعِ، سمَّاه به الحافِظُ في «تصنيفِه في المدلِّسين» ، وهو أن يُسْقِطَ أداةَ الروايةِ أصلًا مقتصِرًا على اسمِ شيخِه، ويفعَلُه أهلُ الحديثِ كثيرًا.

168 -

وَمِنْهُ عَطْفٌ، وَكَذَا أَنْ يَذْكُرَا

«حَدَّثَنَا» وَفَصْلُهُ الاِسْمَ طَرَا]

[168]

(وَمِنْهُ عَطْفٌ) أي: ومن تدليسِ الإسنادِ: «تدليُس عطفٍ» : وهو أن يروِيَ عن شيخَين من شيوخِه ما سَمِعاه من شيخٍ اشتَرَكا فيه، ويكونُ قد سمِعَ من أحدِهِما دونَ الآخَرِ؛ فيصرِّحُ عنِ الأولِ بالسماعِ، ويَعطِفُ الثانيَ عليه، فيُوهِمُ أنَّه حدَّث عنه بالسماعِ أيضًا، وإنَّما حدَّث بالسماعِ عنِ الأولِ، (وَكَذَا) أي: مثلُ ما تقدَّم من تدليسِ القطعِ، والعطفِ:(أَنْ) مصدريةٌ (يَذْكُرَا) أيِ: الراوي، والألِفُ إطلاقيةٌ («حَدَّثَنَا») أي: لفظُ «حدَّثَنا» ، (وَفَصْلُهُ) أي: فصلُ الراوي (الاِسْمَ) أيِ: اسمِ الشيخِ (طَرَا) بقلبِ الهمزةِ ألِفًا للوقفِ، أي: وَقَع، والتقديرُ: ومثلُ ما تقدَّم منَ الأنواعِ: ذِكرُ الراوي ألفاظَ الأداءِ، والحالُ أنَّ فصْلَه اسمَ الشيخِ عن صيغِ الأداءِ طارئٌ؛ بأن يسكُتَ بعدَ ذكرِ الأداةِ، ثم يذكُرُ اسمَ الشيخِ.

ص: 191

169 -

وَكُلُّهُ ذَمٌّ، وَقِيلَ: بَلْ جَرَحْ

فَاعِلَهُ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَضَحْ

170 -

وَالْمُرْتَضَى قَبُولُهُمْ إِنْ صَرَّحُوا

بِالْوَصْلِ فَالأَكْثَرُ هَذَا صَحَّحُوا

[169]

(وَكُلُّهُ) أي: جميعُ أنواعِ التدليسِ (ذَمٌّ) أي: ذمَّه العلماءُ، (وَقِيلَ) أي: قال فريقٌ من أهلِ الحديثِ: (بَلْ) للإضرابِ الانتقاليِّ (جَرَحْ فَاعِلَهُ) أي: جَرَحَ التدليسُ فاعلَه، (وَلَوْ) للتقليلِ (بِمَرَّةٍ) واحدةٍ (وَضَحْ) أي: ظَهَر التدليسُ.

[170]

(وَالْمُرْتَضَى) أيِ: القولُ المرضيُّ من أقوالِ العُلماءِ في المُدَلِّسين، (قَبُولُهُمْ) أي: قبولُ العلماءِ حديثَ المدلِّسين (إِنْ) شرطيةٌ (صَرَّحُوا) أيِ: المدلِّسون فيما رَوَوه (بِالْوَصْلِ) أي: بكونِ ما رَوَوه موصولًا بالسماعِ؛ بأن قالوا: «سَمِعتُ» ، أو «حدَّثَنا» ، أو «أخبَرَنا» ، أو نحوَها؛ (فَالأَكْثَرُ) من أئمةِ الحديثِ، والفقهِ، والأصولِ (هَذَا صَحَّحُوا) أي: صحَّحَ أكثرُ العلماءِ هذا القولَ المُفَصلَ.

ص: 192

171 -

[وَمَا أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِـ «عَنْ»

فَحَمْلُهُ عَلَى ثُبُوتِهِ قَمَنْ]

172 -

وَشَرُّهُ [«التَّجْوِيدُ»] وَالتَّسْوِيَةُ

[إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ

173 -

كَمِثْلِ «عَنْ» وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَحُ]

وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخٍ يُفْصِحُ

[171]

(وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (أَتَانَا) أي: وَصَل إلينا عنِ المدلِّسين (فِي الصَّحِيحَيْنِ) أي: حالَ كونِه في كتابيِ البخاريِّ ومسلمٍ (بِعَنْ) أي: حالَ كونِه مرويًّا بصيغةٍ تحتمِلُ السماعَ وعدَمَه كـ «عن» ونحوِها؛ (فَحَمْلُهُ) أي: حمْلُ ذلك الحديثِ (عَلَى ثُبُوتِهِ) أي: ثبوتِ ذلك الحديثِ بالسماعِ له من جهةٍ أخرى (قَمَنْ) أي: حقيقٌ.

[172]

(وَشَرُّهُ «التَّجْوِيدُ») أي: شرُّ أقسامِ التدليسِ: النوعُ المسمَّى عندَ المتقدِّمين بالتجويدِ، (وَ) هو (التَّسْوِيَةُ)؛ فالتجويدُ والتسويةُ اسمانِ لمسمًّى واحدٍ (إِسْقَاطُ) أي: هو إسقاطُ (غَيْرِ شَيْخِهِ) أي: حذفُ الراوي منَ السندِ غيرَ شيخِه، كشيخِ شيخِه، أو مَن فوقَه؛ لكونِه ضعيفًا، أو صغيرًا (وَيُثْبِتُ) أي: وهو يُثبِتُ.

[173]

(كَمِثْلِ «عَنْ») أي: لفظًا محتمِلًا للسماعِ كـ «عن» ونحوِها؛ فالكافُ زائدةٌ.

ص: 193

وحاصلُ المعنى: أنَّ أفحشَ أنواعِ التدليسِ: ما يسمَّى بالتجويدِ والتسويةِ، وصورتُه -كما قال العراقيُّ رحمه الله: أن يروِيَ حديثًا عن شيخٍ ثقةٍ، وذلك يرويه عن ضعيفٍ، عن ثقةٍ؛ فيأتي المدلِّسُ الذي سَمِع الحديثَ منَ الثقةِ الأولِ، فيُسقِطُ الضعيفَ الذي في السندِ، ويجعَلُ الحديثَ عن شيخِه الثقةِ، عنِ الثقةِ الثاني، بلفظٍ محتمِلٍ؛ فيستوي الإسنادُ كلُّه ثقاتٌ.

ثم قال رحمه الله: (وَذَاكَ) أيِ: التجويدُ والتسويةُ (قَطْعًا) أي: مقطوعًا به بين العلماءِ، يعني: أنه لا خِلافَ فيه (يَجْرَحُ)، واسمُ الإشارةِ عائدٌ على المُجَوِّدِ.

(وَدُونَهُ) أي: دونَ تدليسِ الإسنادِ بأنواعِه (تَدْلِيسُ شَيْخٍ) من شيوخِ الراوي (يُفْصِحُ) أي: يُبَيَّن ويُذكَرُ ذلك الشيخُ.

174 -

بِوَصْفِهِ بصِفَةٍ لا يُعْرَفُ

فَإِنْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ يُضَعَّفُ

[174]

(بِوَصْفِهِ) الباءُ بمعنى «مع» ، أي: مع وصْفِه (بصِفَةٍ) من صفاتِه (لا يُعْرَفُ) بها بين الناسِ (فَإِنْ يَكُنْ) أيِ: التدليسُ؛ (لِكَوْنِهِ) أي: ذلك الشيخِ (يُضَعَّفُ) أي: يُنسَبُ إلى الضعفِ.

ص: 194

175 -

[فَقِيلَ: جَرْحٌ] أَوْ لِلاسْتِصْغَارِ

فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتِكْثَارِ

176 -

[وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا

اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ تَشْبِيهَا]

[175]

(فَقِيلَ) أي: قال بعضُهم: هذا (جَرْحٌ) أي: جارِحٌ فاعِلَه، أو مجروحٌ فاعِلُه، وهذا القولُ لابنِ الصَّبَّاغِ رحمه الله.

(أَوْ) يكونُ التدليسُ (لِـ) أجلِ (الاسْتِصْغَارِ) أي: عَدِّ المرويِّ عنه صغيرَ السنِّ؛ (فَأَمْرُهُ) أي: شأنُ هذا التدليسِ، وحُكْمُه (أَخَفُّ) أي: أسهَلُ ممَّا قبْلَه (كَاسْتِكْثَارِ) أي: كما يكونُ أخفَّ إذا كان الحامِلُ له على ذلك استكثارَ الشيوخِ.

[176]

(وَمِنْهُ) أي: من تدليسِ الشيوخِ: (إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا) أي: في الأسانيدِ (اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ) صفةٌ لـ «مُسَمًّى» ، وصُرِف للضرورةِ، أي: إعطاءُ شيخٍ من شيوخِ الإسنادِ اسمَ شخصٍ آخرَ، وذلك الشخصُ مشهورٌ (تَشْبِيهَا) أي: لأجلِ تشبيهِ ذلك الشيخِ بذلك الشخصِ المشهورِ.

ص: 195

‌الإِرْسَالُ الخَفِيُّ، والمَزِيْدُ في مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ

وهما النوعُ الخامسَ عَشَرَ والسادسَ عَشَرَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

177 -

وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ

بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ

178 -

وَمِنْهُ مَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ

مِنْ جِهَةٍ بِزيْدِ شَخْصٍ وَاعِ

[177]

(وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ) احتَرَز به عنِ الإرسالِ الظاهرِ، والمعنى: أنَّ الإرسالَ الخفيَّ يُعرَفُ (بِعَدَمِ السَّمَاعِ) أي: سماعِ الراوي منَ المرويِّ عنه مُطلقًا، لا هذا الحديثَ، ولا غيرَه، ولو تلاقَيَا، (وَ) يُعرَفُ أيضًا بعدمِ (اللِّقَاءِ) بينهما، حيثُ عُلِمَ ذلك؛ إمَّا بالإخبارِ عن نفسِه، أو بإخبارِ إمامٍ مُطَّلِعٍ.

[178]

(وَمِنْهُ) أي: منَ المرسلِ الخفيِّ (مَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ) لمجيئِه (مِنْ جِهَةٍ) أخرى (بِزيْدِ) أي: بزيادةِ (شَخْصٍ وَاعِ) بينَهما.

قال الشيخُ أحمد شاكر رحمه الله: «هذا البيتُ زيادةٌ في المتنِ الذي شَرَحه التِّرمسيُّ رحمه الله، ولم يوجدْ في الأصلِ، وأرى أنَّه لا داعِيَ له؛ لفَهمِ معناه ممَّا

ص: 196

في الأبياتِ بعدَه، ولعلَّه من مسوَّدةِ المؤلِّفِ، ثم حذَفَه في النسخةِ الأخيرةِ.

وتَبِعه على ذلك الشارِحُ رحمه الله.

179 -

وَبِزِيَادَةٍ تَجِي، وَرُبَّمَا

يُقْضَى عَلَى الزَّائِدِ أَنْ قَدْ وَهِمَا

180 -

[حَيْثُ قَرِينَةٌ] وَإِلَّا احْتَمَلا

سَمَاعُهُ مِنْ ذَيْنِ مَا قَدْ حَمَلا

[179]

(وَ) يُعرَفُ أيضًا (بِزِيَادَةٍ)، أي: بسببِ زيادةِ اسمٍ (تَجِي) أي: تجيءُ تلك الزيادةُ في السندِ بين الراوِيَين اللَّذَين كان يُظَنُّ الاتصالُ بينهما، (وَرُبَّمَا يُقْضَى عَلَى) الراوي (الزَّائِدِ) راويًا بين الراوِيَين (أَنْ) مخففةٌ (قَدْ وَهِمَا) أي: بأنَّه قد وَهِمَ، أي: غَلِطَ.

وحاصِلُ المعنى: أنَّه ربَّما كان الحكمُ للناقصِ، وهذا إذا كان حذْفُ الزائدِ بتحديثٍ، أو نحوِه، وهذا الحكمُ للناقصِ:

[180]

(حَيْثُ) توجَدُ (قَرِينَةٌ) أي: علامةٌ قويةٌ تدلُّ على أن الزائدَ وَهِمَ في زيادتِه (وَإِلَّا) أي: إنْ لم توجَدْ قرينةٌ تدلُّ على الوَهَمِ (احْتَمَلا) أي: جاز وأمكَنَ (سَمَاعُهُ) أي: سماعُ ذلك الراوي (مِنْ ذَيْنِ) أي: هذَين الراوِيَين -المزيدِ وشيخِه- (مَا) أيِ: الحديثَ الذي (قَدْ حَمَلا) الألِفُ إطلاقيةٌ، أي: نَقَله.

ص: 197

181 -

[وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالإِخْبَارِ

عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّصِّ مِنْ كِبَارِ]

[181]

(وَإِنَّمَا يُعْرَفُ) عدمُ السماعِ واللقاءِ بأحدِ أمرَينِ: إمَّا (بِالإِخْبَارِ) أي: إخبارِ الراوي (عَنْ نَفْسِهِ) بأنَّه لم يلْقَ فلانًا أو لم يسمَعْ منه، (وَ) إمَّا بـ (النَّصِّ) أيِ: الإظهارِ، أو التعيينِ (مِنْ) أئمةٍ (كِبَارِ) مُطَّلعين على دقائقِ الأسانيدِ، أي: بإظهارِهم أو تعيِينِهم على أنَّه لم يلْقَ فلانًا، أو لم يسمعْ منه.

ص: 198

‌الشَّاذُّ والمَحْفُوظُ

وهما النوعُ السابعَ عَشَرَ والثامنَ عَشَرَ، وجَمَع بينَهُما لتَقابُلِهما:

182 -

وَذُو الشُّذُوذِ مَا رَوَى المَقْبُولُ

مُخَالِفًا أَرْجَحَ، وَالمَجْعُولُ

183 -

[أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ] وَقِيلَ مَا انْفَرَدْ

لَوْ لَمْ يُخَالِفْ، قِيلَ: أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ

[182]

(وَذُو الشُّذُوذِ) اصطِلاحًا: هو (مَا) أي: الحديثُ الذي (رَوَى) أي: نَقَله الراوي (المَقْبُولُ) أي: الثِّقةُ، حالَ كونِه (مُخَالِفًا) بالزيادةِ، أوِ النقصِ في السندِ، أوِ المتنِ (أَرْجَحَ) أي: أولى منه، إمَّا لمزيدِ ضبطٍ، أو كثرةِ عددٍ، أو غيرِ ذلك من وجوهِ الترجيحاتِ (وَالمَجْعُولُ) أي:

[183]

(أَرْجَحَ) أيِ: الحديثُ الذي جُعِل أرجَحَ من مُقَابِلِهِ لرُجْحانِ راوِيه (مَحْفُوظٌ) أي: يُقال له: «محفوظٌ» .

ص: 199

(وَقِيلَ) الشاذُّ هو: (مَا انْفَرَدْ) أيِ: الحديثُ الذي انفرَدَ برِوايتِه المقبولُ، أيِ: الثقةُ، و (لَوْ لَمْ يُخَالِفْ) مَن هو أرجَحُ منه.

و (قِيلَ) الشاذُّ: ما انفَرَد به واحدٌ، سواءٌ كان ضابطًا (أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ) أي: أو لم يكُنْ ضابطًا.

ص: 200

‌المُنكَرُ والمَعرُوفُ

وهما النوعُ التاسعَ عَشَرَ والعِشرون، وجمَعهما في بابٍ واحدٍ لتَقابُلِهِما:

184 -

المُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ

مُخَالِفًا، فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ

185 -

[قَابَلَهُ المَعْرُوفُ]، وَالَّذِي رَأَى

تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى

[184]

(المُنْكَرُ) اسمُ مفعولٍ مِن أنكَرَه، بمعنى جَحَده، أو لم يعرِفْه (الَّذِي رَوَى) أيِ: الحديثُ الذي نَقَله وحدَّث به (غَيْرُ الثِّقَهْ) منَ الرواةِ حالَ كونِه (مُخَالِفًا) لغيرِه منَ الثقاتِ.

والمعنى: أنَّ المنكرَ: هو الحديثُ الذي رواه غيرُ ثقةٍ مخالفًا للثقاتِ (فِي نُخْبَةٍ) أي: في الكتابِ المسمَّى بـ «نخبةِ الفِكَرِ في مصطلَحِ أهلِ الأثرِ» (قَدْ حَقَّقَهْ) أي: ذَكَره على الوجهِ الحقُّ مؤلِّفُها الحافظُ أبو الفضلِ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ حجرٍ رحمه الله.

ص: 201

[185]

(قَابَلَهُ) أي: المُنكرَ الذي عُرِّفَ بهذا التعريفِ: (المَعْرُوفُ) أيِ: النوعُ المسمَّى به؛ لكونِه معروفًا عندَهم.

وحاصلُ المعنى: أنَّ المنكرَ هو ما رواه الضعيفُ مخالِفًا للثقةِ، ويُقابِلُه المعروفُ.

(وَالَّذِي رَأَى) أيِ: اعتَقَد (تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ) بتخفيفِ الذالِ للوزنِ، أي: كونَهُما بمعنى واحدٍ، وهو الإمامُ الحافظُ أبو عمرِو بنُ الصلاحِ رحمه الله (نَأَى) أي: بَعُدَ عنِ الصوابِ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ مَن سَوَّى بين الشاذِّ والمنكرِ قد غَفَل عن منهجِ الصوابِ.

ص: 202

‌المَترُوكُ

وهو النَّوعُ الحادي والعشرون:

186 -

[وَسَمِّ بِالْمَتْرُوكِ فَرْدًا تُصِبِ

رَاوٍ لَهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ

187 -

أَوْ عَرَفُوهُ مِنْهُ فَي غَيْرِ الأَثَرْ

أَوْ فِسْقٌ اْوْ غَفْلَةٌ اْوْ وَهْمٌ كَثُرْ]

[186]

(وَسَمِّ) أيُّها المحدِّثُ (بِالْمَتْرُوكِ فَرْدًا) أي: حديثًا فردًا (تُصِبِ) بالجزمِ جوابًا للأمرِ، وكُسِرتِ الباءُ للوزنِ، أي: تَنَلِ الحقَّ (رَاوٍ لَهُ) أي: لذلك الحديثِ الفردِ (مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ) في الحديثِ النبويِّ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الحديثَ الذي انفَرَد بروايتِه مَن هو متهمٌ بالكذبِ في حديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ بألا يُروَى ذلك الحديثُ إلَّا من جهتِه، وهو مخالِفٌ للقواعدِ المعلومةِ - يسمَّى بـ «المتروكِ» .

[187]

(أَوْ عَرَفُوهُ) أي: الكذبَ (مِنْهُ) أي: من ذلك الراوي (فَي غَيْرِ الأَثَرْ) النبويِّ، والمعنى: أنَّه إذا عُرِف ذلك الراوي بالكذبِ بأن ظهَرَ

ص: 203

الكذبُ في كلامِه، (أَوْ فِسْقٌ) أي: فسقُ ذلك الراوي (اْوْ غَفْلَةٌ) أي: غفلةُ ذلك الراوي، أي: ذُهولُه عنِ الإِتقانِ، والحفظِ، والمرادُ كثرتُه، (اْوْ وَهْمٌ) بسكونِ الهاءِ، أي: روايةُ الحديثِ على سبيلِ التَّوهُّمِ، وجملةُ قولِه:(كَثُرْ) صِفةٌ له.

ص: 204

‌الأفرَادُ

وهو النوعُ الثاني والعشرون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

188 -

الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَا

رَاوٍ بِهِ فَإِنْ لِضَبْطٍ بَعُدَا

189 -

رُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ

أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنْ

[188]

(الْفَرْدُ إِمَّا) فردٌ (مُطْلَقٌ) أي: عنِ التقييدِ بشيءٍ ممَّا يأتي (مَا) أي: هو الحديثُ الذي (انْفَرَدَا) بألِفِ الإطلاقِ (رَاوٍ) واحدٌ عن جميعِ الرواةِ (بِهِ) أي: بروايةِ ذلك الحديثِ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الفردَ على قِسمَين: أحدُهما: ما تفرَّد بروايتِه راوٍ واحدٌ، ولو تعدَّدتِ الطرقُ إليه.

(فَإِنْ) كان ذلك المتفرِّدُ (لِضَبْطٍ) أي: عنه (بَعُدَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: إنْ بَعُدَ عن درجةِ الضبطِ.

[189]

(رُدَّ) أي: يكونُ مردودًا؛ لضعفِ راويه (وَإِذْ يَقْرُبُ) ذلك المنفردُ (مِنْهُ) أيِ: الضبطِ (فَـ) حديثُه (حَسَنْ) يجوزُ الاحتِجاجُ به،

ص: 205

(أَوْ بَلَغَ) المنفردُ (الضَّبْطَ) أي: درجةَ الضبطِ والإتقانِ؛ فحديثُه (فَصَحِّحْ) أي: صحيحٌ يُحتَجُّ به (حَيْثُ عَنْ) بتخفيفِ النونِ للوزنِ، أي: في أيِّ حُكمٍ وَرَد ذلك الحديثُ، سواءٌ كان في التحليلِ والتحريمِ، أم في الفضائلِ والزهدِ.

190 -

وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ

بِثِقَةٍ أَوْ عَنْ فُلانٍ أَوْ بَلَدْ

191 -

فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَرْدٍ وَرَدْ

وَهَكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَرْدًا يُرَدْ

[190]

(وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ) أي: بعضُ الأفرادِ نسبيٌّ، أي: فردٌ بالنِّسبةِ إلى جهةٍ خاصةٍ، وإن كان مشهورًا في نفسِه (بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ)، أي: بسببِ قيدٍ يُذكَرُ معه، وذلك القيد: إمَّا أن يكونَ (بِثِقَةٍ) كأن يقالَ: لم يروِه ثقةٌ إلى فلانٍ (أَوْ) إمَّا أن يكونَ بقيدِ فلانٍ (عَنْ فُلانٍ)، كأن يُقالَ: لم يروِه عن فلانٍ إلَّا فلانٌ، (أَوْ) إمَّا أن يكونَ بقيدِ (بَلَدْ) كمكَّةَ، والمدينةِ، والبصرةِ، والكوفةِ، كأنْ يُقالَ: لم يروِه إلَّا أهلُ مكَّةَ.

[191]

(فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ) أيِ: المُقيَّدُ بالثقةِ (مِنْ فَرْدٍ) مُطلَقٍ (وَرَدْ) أي: أتى.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الفردَ المقيَّدَ بالثقةِ يكون قريبًا من الفردِ المطلقِ؛ لأنَّ روايةَ غيرِ الثقةِ كَلَا روايةٍ.

ص: 206

(وَهَكَذَا الثَّالِثُ) أي: بقُربِ القسمِ الثالثِ منَ النسبيِّ، وهو المقيَّدُ بالبلدِ منَ الفردِ المُطلقِ، وَتَرَكَ الثانيَ لكَونِه معروفًا من بيانِ الأولِ والثالثِ.

(إِنْ فَرْدًا يُرَدْ) أي: إنْ أُريد بتفرُّدِ أهلِ البلدِ انفِرادَ واحدٍ منهم، والمعنى: أنَّ الفردَ المقيَّدَ بالبلدِ يَقرُبُ منَ القسمِ الأولِ.

ص: 207

‌الغَرِيبُ، والعَزِيزُ، والمَشهُورُ

والمُستَفِيضُ، والمُتَوَاتِرُ

وهي النوعُ الثالثُ والعشرون، والرابعُ والعشرون، والخامسُ والعشرون والسادسُ والعشرون، والسابعُ والعشرون:

192 -

الأَوَّلُ الْمُطْلَقُ فَرْدًا وَالَّذِي

لَهُ طَرِيقَانِ فَقَطْ لَهُ خُذِ

193 -

وَسْمَ الْعَزِيزِ وَالَّذِي رَوَاهُ

ثَلاثَةٌ مَشْهُورُنَا، [رَآهُ

[192]

(الأَوَّلُ) أيِ: الغريبُ (الْمُطْلَقُ فَرْدًا) أيِ: الفردُ المطلقُ، والمعنى: أنَّ الغريبَ هو الفردُ المطلقُ الذي تقدَّم في الأفرادِ: أنَّه ما رواه واحدٌ فقط.

(وَالَّذِي) أيِ: الحديثُ الذي (لَهُ طَرِيقَانِ) أي: راوِيانِ (فَقَطْ) أي: فحسْبُ (لَهُ) أي: لهذا الحديثِ متعلِّقٌ بـ (خُذِ) بكسرِ الذالِ لِلرَّويِّ.

[193]

(وَسْمَ الْعَزِيزِ) أي: علامةَ العزيزِ.

ص: 208

وحاصلُ المعنى: أنَّ الحديثَ الذي يَرويهِ اثنانِ فقطْ يسمَّى: بالعزيزِ.

ثم قال رحمه الله: (وَالَّذِي) أيِ: الحديثُ الذي (رَوَاهُ ثَلاثَةٌ) من الرواةِ (مَشْهُورُنَا) أي: مشهورُ المحدِّثين.

وحاصلُ المعنى: أنَّ المشهورَ عندَنا -أيُّها المحدِّثون- هو

إلخ، وإنَّما خصَّهمُ احتِرازًا منَ المشهورِ عندَ العامَّةِ، كما يأتي: هو الذي يروِيه ثلاثةٌ فأكثَرُ.

(رَآهُ) أي: المشهورَ.

194 -

قَوْمٌ يُسَاوِي الْمُسْتَفِيضَ وَالأَصَحْ

هَذَا بِأَكْثَرَ، وَلَكِنْ مَا وَضَحْ

[194]

(قَوْمٌ) من العلماءِ، بمعنى: ذهبوا إليه، والمعنى: أنَّه ذَهَب جماعةٌ من أئمةِ الفقهاءِ، والأصوليِّين، وبعضِ المحدِّثين إلى أنَّ المشهورَ (يُسَاوِي) في المعنى الحديثَ الذي سُمِّي (الْمُسْتَفِيضَ).

وحاصلُ المعنى: أنَّ المشهورَ هو المستفيضُ على رأيِ جماعةٍ منَ العلماءِ، لكنَّ الأصحَّ: أنَّ بينهما مُغايَرةً، كما ذَكَره بقولِه:(وَالأَصَحْ) من أقوالِ العلماءِ: أنَّ (هَذَا) أيِ: المستفيضَ يكونُ (بِأَكْثَرَ) من ثلاثةٍ، (وَلَكِنْ مَا) نافيةٌ (وَضَحْ) أي: ظهَرَ فيه.

ص: 209

195 -

حَدُّ تَوَاتُرٍ] وَكُلٌّ يَنْقَسِمْ

لِمَا بِصِحَّةٍ وَضَعْفٍ يَتَّسِمْ

196 -

[وَالْغَالِبُ الضَّعْفُ عَلَى الْغَرِيبِ]

وَقُسِّمَ الْفَرْدُ إِلَى غَرِيبِ

[195]

(حَدُّ تَوَاتُرٍ) يعني: أنَّه لم يوجَدْ فيه حدُّ التَّواتُرِ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الأصحَّ في حدِّ المُستفيضِ هو: ما رواهُ أكثَرُ من ثلاثةٍ ما لم يبلُغْ إلى حدِّ التواتُرِ، على ما يأتي بَيانُه.

(وَكُلٌّ) منَ الأقسامِ المذكورةِ (يَنْقَسِمْ لِمَا) إلى الحديثِ الذي (بِصِحَّةٍ)، والمرادُ: ما يشمَلُ الحسَنَ، (وَضَعْفٍ) بفتحِ الضادِ وضَّمِها (يَتَّسِمْ) أي: يتحلَّى، ويتَّصِفُ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ كلًّا منَ الأقسامِ المذكورةِ ينقسِمُ إلى صحيحٍ، وحسَنٍ، وضعيفٍ؛ إذ لا يُنافِي واحدًا منها.

[196]

(وَ) لكنِ (الْغَالِبُ الضَّعْفُ) بالفتحِ والضَّمِّ (عَلَى الْغَرِيبِ) أيِ: النوعِ المسمَّى به، يعني: أنَّ الغريبَ غالبًا يكونُ ضَعيفًا، ويَندُرُ فيه الصِّحَّةُ؛ ولذا كَرِه جَمعٌ من الأئمَّةِ تَتبُّعَ الغرائبِ. (وَقُسِّمَ الْفَرْدُ) أيِ: المُطلقُ الذي هو الغريبُ (إِلَى) قِسمَينِ: (غَرِيبِ) أي:

ص: 210

197 -

فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ، وَالثَّانِ قَدْ

[وَلا تَرَى غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ

198 -

وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي اشْتَهَرْ

فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ]

[197]

(فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ)، كالحديثِ الذي ينفرِدُ بروايةِ متنِه راوٍ واحدٌ فقطْ، (وَ) غريبٌ في (الثَّانِ) أيِ: السندِ (قَدْ) أيْ: فحسْبُ، كأنْ يكونَ المتنُ معروفًا بروايةِ جماعةٍ منَ الصحابةِ؛ فينفرِدُ بها راوٍ من حديثِ صحابيٍّ آخرَ، (وَلا تَرَى) بالتاءِ، أي: لا تعرِفُ أيُّها المحدِّثُ، ولا تجدُ بالبحثِ، وفي نسخةٍ بالنُّونِ والبناءِ للفاعلِ، أي: لا نعرِفُ معاشِرَ المحدِّثين، (غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ) أي: دونَه، يعني: أنَّه لا يوجَدُ حديثٌ غريبٌ متنًا لا سَندًا.

[198]

(وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي) أي: على الحديثِ الذي (اشْتَهَرْ فِي النَّاسِ) أي: بينَهم (مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ) أي: من دونِ أن توجَدَ فيه الشروطُ المعتبَرةُ عند المحدِّثين في المشهورِ المصطلَحِ عليه.

وحاصلُ المعنى: أنَّ اسمَ المشهورِ قد يُطلَقُ على الأحاديثِ التي اشتَهَرت على ألسنةِ الناسِ، سواءٌ كانت صحيحةً، أم ضعيفةً، أم مكذوبةً.

ص: 211

199 -

وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌّ يَجِبْ

إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ

200 -

فَالمُتَوَاتِرُ، [وَقَوْمُ حَدَّدُوا

بِعَشْرَةٍ، وَهْوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ

201 -

وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ اْوْ عِشْرِينَا

يُحْكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا

[199]

(وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (رَوَاهُ عَدَدٌ) أي: جماعةٌ منَ الناسِ (جَمٌّ) بفتحِ الجيمِ وتشديدِ الميمِ، أي: كثيرٌ (يَجِبْ) عادةً (إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ) وتواطُئهِم (عَلَى الْكَذِبْ) بمعنى: أنَّ العادةَ تمنَعُ اتفاقَهم على الكذبِ عمدًا، أو وُقوعَه منهم من غيرِ قصدٍ.

[200]

(فَـ) هو (المُتَوَاتِرُ) وهو: اصطلاحًا: ما رواه جماعةٌ غيرُ مَحصورين في عددٍ معيَّنٍ

إلى آخِرِ ما تقدَّمَ.

(وَقَوْمُ حَدَّدُوا) أي: قوم من المحدثين أو من علماء أصول الفقه جعلوا لأقل عدده حَدًّا (بِعَشْرَةٍ).

وحاصلُ المعنى: أنَّ بعضَ العلماءِ عَيَّنَ أقلَّ المُتواتِرِ بعَشَرةٍ، وهذا القولُ مَحكِيٌّ عن أبي سعيدٍ الإِصطَرْخِيِّ رحمه الله، (وَهْوَ) أيِ: التحديدُ بعشَرةٍ (لَدَيَّ) أي: عندي (أَجْوَدُ) أي: أحسنُ من غيرِه منَ الأقوالِ.

ص: 212

[201]

(وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ) أيِ: القولُ بتحديدِ رُواةِ المتواتِرِ باثنيْ عشرَ (اْوْ عِشْرِينَا) أي: القولُ بتحديدِهم بعشرينَ شخصًا (يُحْكَى) أي: يُروى عن بعضِ العُلَماءِ، (وَأَرْبَعِينَ) أيِ: القولُ بتحديدِهم بأربعين نفسًا يُحكى عن بعضِهم، (أَوْ سَبْعِينَا) أي: يُحْكَى عن بعضِهم تَحديدُهم بسبعينَ شخصًا.

202 -

وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ

وَبَعْضُهُمْ عِزَّتَهُ، وَهْوَ وَهَمْ

203 -

بَلِ الصَّوابِ أَنَّهُ كَثِيرٌ

وَفِيهِ لِي مُؤَلَّفٌ نَضِيرٌ]

204 -

خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا «مَنْ كَذَبَا»

وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا

[202]

(وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ العلماءِ، كابنِ حِبَّانَ والحازِميِّ (قَدِ ادَّعَى فِيهِ) أيِ: المُتواترِ (الْعَدَمْ) أي: كَونَه غيرَ موجودٍ في الرواياتِ، (وَبَعْضُهُمْ) ادَّعى (عِزَّتَهُ) أي: قِلَّتَه جِدًّا، (وَهْوَ) أيِ: المذكورُ من دعوَى العدمِ والعزَّةِ (وَهَمْ) غَلَطٌ.

[203]

(بَلِ الصَّوابِ) في الحديثِ المتواترِ: (أَنَّهُ) أيِ: المتواترُ (كَثِيرٌ) يوجَدُ في الدَّواوينِ المشهورةِ بكثرةٍ، (وَفِيهِ) أي: في خصوصِ

ص: 213

المتواتِرِ (لِي مُؤَلَّفٌ) أي: كتابٌ مجموعٌ (نَضِيرٌ) أي: حسَنٌ.

[204]

(خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) منَ الصحابةِ (رَوَوْا) عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثَ («مَنْ كَذَبَا») بألِفِ الإطلاقِ، (وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ) أي: ومن جُملةِ الخمسةِ والسَّبعين الصَّحابَةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، وهمُ الخلفاءُ الأربعةُ، وسعدٌ، وسعيدٌ، وطَلْحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، والزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وأبو عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ، (ثُمَّ انْتَسَبَا) بألِفِ الإطلاقِ.

205 -

لَهَا حَدِيثُ «الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ»

[وَ «الْحَوْضِ»] وَ «الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ»

[205]

(لَهَا) أي: للأحاديثِ المتواترةِ (حَدِيثُ «الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ»).

والمعنى: أنَّ الحديثَ الدالَّ على مشروعيةِ رفعِ اليدَينِ في الصلاةِ معدودٌ في جملةِ المتواتِرِ؛ فإنَّه وَرَد من روايةِ خمسين صحابيًّا.

(وَ «الْحَوْضِ»)، أيِ: انتسَبَ حديثُ الحوضِ أيضًا؛ فإنَّه وَرَد من روايةِ نيِّفٍ وخمسين صحابيًّا، (وَالْمَسْحِ) أي: حديثِ المسحِ (عَلَى الْخُفَّيْنِ) في الوُضوءِ؛ فإنَّه ورد من روايةِ سبعين صحابيًّا.

ص: 214

206 -

[وَلابْنِ حِبَّانَ: الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ

بِحَدِّهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَمْ يُجِدْ

207 -

وَلِلْعَلائِيْ جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ

ذُو وَصْفَيِ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ]

[206]

(وَلـ) لحافظِ أبي حاتمٍ مُحمَّدِ (ابْنِ حِبَّانَ) البُستيِّ صاحِبِ «الصحيحِ» (الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ).

وحاصلُ المعنى: أنَّ ابنَ حبانَ أنكَرَ وجودَ العزيزِ (بِحَدِّهِ السَّابِقِ)، أي: بتعريفِه المتقدِّمِ، وهو روايةُ اثنَينِ (لَكِنْ لَمْ يُجِدْ) منَ الإجادةِ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ ابنَ حبانَ لم يأتِ بكلامٍ حسنٍ في هذا الإنكارِ.

[207]

(وَلِـ) لحافظِ الفقيهِ صلاحِ الدينِ (الْعَلائِيْ) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ (جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ).

وحاصلُ المعنى: أنَّه قال: جاء في الحديثِ المأثورِ، أيِ: المرويِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثٌ: (ذُو وَصْفَيِ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ) أي: صاحبُ الاتِّصافِ بهذَينِ الوصفَينِ، يعني: أنَّ بعضَ الأحاديثِ يُوصَفُ بِهما.

ص: 215

‌الاعْتِبَارُ، والمُتَابَعَاتُ، والشَّوَاهِدُ

وهي النوعُ الثامنُ والعشرونُ والتاسعُ والعشرون والثَّلاثون:

هذا هو الظاهِرُ من صنيعِه؛ حيثُ جعلَ الاعتِبارَ قسيمًا للآخَرَين، وتَبِع في ذلك ابنَ الصلاحِ وغيرَه.

208 -

الاِعْتِبَارُ سَبْرُ مَا يَرْوِيهِ

هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فِيهِ

[208]

(الاِعْتِبَارُ) في اصطِلاحِهِم (سَبْرُ) بفتحِ السينِ المُهملةِ (مَا) أيِ: الحديثِ الذي (يَرْوِيهِ) بعضُ الرواةِ، ويُعرَفُ (هَلْ شَارَكَ) ذلك (الرَّاوِي) الذي يُظَنُّ تفرُّدُه به (سِوَاهُ) أي: غيرُه (فِيهِ) أي: روايةِ ذلك الحديثِ الذي ظُنَّ أنَّه فردٌ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الاعتِبارَ هو: أن يأتيَ الحافظُ إلى حديثٍ لبعضِ الرواةِ، فيعتبِرُه برواياتِ غيرِه منَ الرواةِ بسَبْرِ طرقِ الحديثِ، أي: تَتَبُّعِها منَ الجوامِعِ، والمسانيدِ، والمعاجِمِ، والمَشْيَخاتِ، والفوائدِ، والأجزاءِ؛ ليَعرِفَ هل شارَكَه في روايةِ ذلك الحديثِ رَاوٍ غيرُه، أم لا؟

ص: 216

209 -

فَإِنْ يُشَارِكْهُ الَّذِي بِهِ اعْتُبِرْ

أَوْ شَيْخَهُ أَوْ فَوْقُ: تَابِعٌ أُثِرْ

210 -

وَإِنْ يَكُنْ مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ وَرَدْ

فَشَاهِدٌ، وَفَاقِدٌ ذَيْنِ انْفَرَدْ

[209]

(فَإِنْ يُشَارِكْهُ) أي: ذلك الذي ظُنَّ تفرُّدُه بذلك الحديثِ (الَّذِي بِهِ اعْتُبِرْ)، والمعنى: أنَّه إنْ وَجَد بعدَ السبرِ والتَّتبُّعِ مَن يشارِكُ ذلك الراويَ منَ الرواةِ المعتبَرِ بِهم، وهو مَن لم يَكُنْ شديدَ الضعفِ، ومن باب أَوْلَى إذا كان ثقةً، (أَوْ شَيْخَهُ) أي: أو يشارِكُ الراوي المعتبَرُ به شيخَه في روايتِه عن شيخِه، (أَوْ) يشارِكُ منَ (فَوْقُ) أي: مَن فوقَ شيخِه، وهو شيُخ شيخِه، فصاعدًا، إلى آخرِ السندِ (تَابِعٌ) أي: فهو تابعٌ، أي: ذلك المشاركُ يسمَّى تابعًا (أُثِرْ) أي: نُقِل، أي: هو تابِعٌ منقولٌ عن أهلِ الحديثِ؛ فإنَّهم سَمَّوه بذلك.

[210]

(وَإِنْ يَكُنْ مَتْنٌ) آخَرُ في البابِ، سواءٌ كان عن ذلك الصحابيِّ، أو عن غيرِه (بِمَعْنَاهُ) أي: بمعنى ذلك الحديثِ المظنونِ تفرُّدُ الراوي به (وَرَدْ) أي: رُوي (فَـ) هو (شَاهِدٌ).

ثم قال رحمه الله: (وَفَاقِدٌ ذَيْنِ) أيِ: الحديثُ الفاقدُ لهذَينِ المذكورَينِ التابعِ والشاهدِ: (انْفَرَدْ) أي: سُمِّي بالفردِ؛ لانفِرادِه عنِ التابعِ، والشاهدِ.

ص: 217

211 -

وَرُبَّمَا يُدْعَى الَّذِي بِالْمَعْنَى

مُتَابِعًا، وَعَكْسُهُ قَدْ يُعْنَى

[211]

(وَرُبَّمَا) للتقليلِ (يُدْعَى) أي: يُسمَّى الحديثُ (الَّذِي) رُوي (بِالْمَعْنَى) أي: معنى الحديثِ الذي ظُنَّ فَرديَّتُه (مُتَابِعًا).

وحاصلُ المعنى: أنَّه قد يسمَّى الحديثُ المرويُّ بالمعنى متابعًا، (وَعَكْسُهُ) أي: عكسُ هذا الإطلاقِ، وهو إطلاقُ الشاهدِ على المرويِّ باللَّفظِ (قَدْ) للتقليلِ أيضًا (يُعْنَى)، والمعنى: أنَّ عكْسَ ما تقدَّم، وهو إطلاقُ الشاهدِ على المرويِّ باللَّفظِ قد يُستعمَلُ، فلا فرْقَ بينَهما إلَّا بغلَبةِ الِاستِعمالِ، والأمرُ فيه سهلٌ.

ص: 218

‌زِيَادَاتُ الثِّقَاتِ

وهو النوعُ الحادي والثَّلاثون:

وهو بابٌ دقيقٌ من أبوابِ التعارُضِ والتَّرجيحِ بين الأدِلَّةِ، وهو منُ البُحوثِ المُهِمَّةِ عندَ المحدِّثين والفقهاءِ والأصوليِّين.

212 -

وَفِي زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمْ

مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَتَمْ

[212]

(وَفِي زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ) أيِ: العُدولِ الضابِطين منَ التابِعين فمَن بَعدَهم (الْخُلْفُ) بالضَّمِّ، أيِ: اختِلافُ العلماءِ منَ الفقهاءِ، والمحدِّثين، وغيرِهم (جَمْ) بفتحٍ فتشديدٍ، إلَّا أنَّه خفَّف للوزنِ، أي: كثيرٌ (مِمَّنْ رَوَاهُ) أي: حالَ كونِ تلك الزِّياداتِ كائنةً من نفسِ مَن رَوَى الحديثَ، حالَ كونِه (نَاقِصًا) بأنْ رواه مرةً ناقصًا، ومرةً مع تلك الزياداتِ، (أَوْ مَنْ أَتَمْ) أي: أو كائنةً ممَّن أتمَّ الحديثَ، أي: رواه تامًّا.

وحاصلُ المعنى: أنَّه إذا روى الحافظُ الثقةُ العدلُ حديثًا ما مرَّتينِ، ووَقَعت في إحدى روايتَيهِ زيادةٌ لم يَروِها هو في الروايةِ الأخرى.

أو رَوى حافِظانِ ثِقَتانِ عدلانِ حديثًا واحدًا، ووَقَعت في روايةِ أحدِهِما

ص: 219

لهذا الحديثِ زيادةٌ لا يَرويها الآخَرُ؛ فقدِ اختَلَف العلماءُ فيها على أقوالٍ فوقَ عشَرةٍ، ذَكَر بعضَها في النظمِ: أوَّلُها: تُقبَلُ. وثانيها: لا تُقبَلُ.

213 -

ثَالِثُهَا: تُقْبَلُ لا مِمَّنْ خَزَلْ

[وَقِيلَ: إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ حَمَلْ

214 -

بَعْضًا، أَوِ النِّسْيَانَ يَدَّعِيهِ

تُقْبَلْ، وَإِلاَّ يُتَوَقَّفْ فِيهِ

[213]

و (ثَالِثُهَا) أيِ: الأقوالِ (تُقْبَلُ) أي: ثالثُ الأقوالِ: قَبولُ تلك الزيادةِ (لا مِمَّنْ خَزَلْ) أي: نَقَصَ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الزيادةَ مقبولةٌ من غيرِ مَن رَوى الحديثَ ناقصًا، ولا تُقبَلُ ممَّن رواه ناقصًا.

(وَقِيلَ): تُقبَلُ تلك الزيادةُ (إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ) متعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُه قَولُه (حَمَلْ) أي:

[214]

(بَعْضًا) والمقصودُ: إنْ حَمَل من شيخِه في مجلسَين؛ بأنْ ذَكَر أنَّه سَمِع ذلك الحديثَ مرَّتَين، مرةً مع الزيادةِ، ومرةً بدونِها.

(أَوِ النِّسْيَانَ) أي: نسيانَ تلك الزيادةِ في حال روايتِه ناقصًا (يَدَّعِيهِ) بأنْ أثبَتَ السماعَ في مجلسٍ واحدٍ، لكنْ قال: كُنتُ نَسيتُها، (تُقْبَلْ) أي: تُقبَلُ تلك الزيادةُ في المسألتَينِ، (وَإِلاَّ) أي: وإنْ لم يَذكُرِ السماعَ في مجلِسَين، ولم يَدَّعِ النِّسيانَ (يُتَوَقَّفْ فِيهِ) أي: فيما زادَه.

ص: 220

215 -

وَقِيلَ: إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا تُرَدْ

وَقِيلَ: فِيمَا إِنْ رَوَى كُلًّا عَدَدْ

216 -

إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لا يَغْفُلُ

عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَةٍ لا تُقْبَلُ

217 -

وَقِيلَ: لا، إِذْ لا تُفِيدُ حُكْمَا

وَقِيلَ: خُذْ مَا لَمْ تُغَيِّرْ نَظْمَا]

[215]

(وَقِيلَ) أي: قال بعضُ العلماءِ: (إِنْ) شرطيةٌ (أَكْثَرَ) أي: الرَّاوي (حَذْفَهَا) أيِ: الزيادةِ بأنْ كان أكثَرُ روايتِه بدونِ الزيادةِ، (تُرَدْ) أي: تُرَدُّ تلك الزيادةُ، (وَقِيلَ: فِيمَا إِنْ رَوَى كُلًّا) أي: كلًّا منَ الزِّيادةِ وعدَمِها (عَدَدْ) أي: عددٌ منَ الرواةِ.

[216]

(إِنْ) شرطيةٌ (كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا) أيِ: الراوي الذي يَحذِفُ تلك الزيادةَ (لا يَغْفُلُ)، والمعنَى: إنْ كان الراوي الذي يَحذِفُ الزيادةَ لا يَذهَلُ، ولا يَسهُو (عَنْ مِثْلِهَا) أي: مثلِ الزيادةِ (فِي عَادَةٍ) يعني: أنَّ العادةَ تُحيلُ أن يَغفُلُوا عنها، لكَونِهم عددًا لا يُتصوَّرُ ذلك منهم، (لا تُقْبَلُ) أي: لا تُقبَلُ تلك الزِّيادةُ منهم.

[217]

(وَقِيلَ: لا) أي: لا تُقبَلُ الزيادةُ (إِذْ) ظرفيةٌ (لا تُفِيدُ) تلك

ص: 221

الزيادةُ (حُكْمَا) شرعيًّا، يعني: أنَّها لا تُقبَلُ وقْتَ عدمِ إفادتِها الحُكمَ الشرعيَّ، وإن أفادَت قُبِلَت، (وَقِيلَ: خُذْ) أيِ: اقبَلِ الزيادةَ (مَا لَمْ تُغَيِّرْ) الزيادةُ (نَظْمَا) أي: نظْمَ الكلامِ، والمرادُ إعرابُه.

218 -

وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ -وَهْوَالْمُعْتَمَدْ-

إِنْ خَالَفَتْ مَا لِلثِّقَاتِ فَهْيَ رَدْ

219 -

أَوْ لا فَخُذْ تِلْكَ بِإِجْمَاعٍ وَضَحْ

أَوْ خَالَفَ الإِطْلاقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحْ

[218]

(وَ) الحافِظُ أبو عمرِو (ابْنُ الصَّلاحِ قَالَ) أي: قال في كتابِه المعروفِ بـ «معرفةِ علومِ الحديثِ» (وَهْوَ الْمُعْتَمَدْ) أي: إنَّ ما قاله ابنُ الصلاحِ منَ التفصيلِ هو المعتمَدُ من جميعِ الأقوالِ المتقدِّمةِ، ومَقولُ القولِ جملةُ قولِه:(إِنْ خَالَفَتْ) الزيادةُ (مَا) أيِ: الحديثَ الذي (لِلثِّقَاتِ) بأنْ كانت مُنافِيةً له؛ (فَهْيَ) أيِ: الزيادةُ (رَدْ) أي: مردودةٌ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الزيادةَ إذا وَقَعت مخالِفةً منافِيةً لِمَا رواه سائرُ الرُّواةِ فهي مردودةٌ.

[219]

(أَوْ لا) أي: أو لم تُخالِفْ ما رواه الثقاتُ؛ (فَخُذْ) أيُّها المحدِّثُ (تِلْكَ) أيِ: الزيادةَ (بِإِجْمَاعٍ وَضَحْ) أي: حالَ كونِ المذكورِ

ص: 222

واضِحًا بإجماعِ العلماءِ، (أَوْ خَالَفَ) أي: راوي الزيادةِ (الإِطْلاقَ) أي: إطلاقَ غيرِه، بأنْ زاد لفظةً لم يَذكُرْها غيرُه، وهي مُقَيِّدةٌ لإطلاقِه؛ (فَاقْبَلْ) أيُّها المُحدِّثُ الزيادةَ (فِي الأَصَحْ) أي: حالَ كونِ القَبولِ كائنًا في القولِ الأصحِّ، ثمَّ إنَّ الظاهرَ مِن عِبارةِ النظمِ أنَّ التَّصحيحَ مِن كلامِ ابنِ الصلاحِ، وليس كذلك؛ بل هو مِن كلامِ النوويِّ في «التقريبِ» ؛ فتنبَّهْ لذلك!

ص: 223

‌المُعَلُّ

وهو النوعُ الثاني والثَّلاثون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

220 -

وَعِلَّةُ الْحَدِيثِ: أَسْبَابٌ خَفَتْ

تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ، حِينَ وَفَتْ

221 -

مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرُهُ السَّلامَهْ

فَلْيَحْدُدِ الْمُعَلَّ مَنْ قَدْ رَامَهْ

[220]

(وَعِلَّةُ الْحَدِيثِ) أيِ: الأشياءُ التي تُوجِبُ كونَ الحديثِ مُعَلًّا (أَسْبَابٌ) جمْعُ سببٍ: وهو ما يلزَمُ من وُجودِه الوجودُ، ومن عدَمِه العدمُ لذاتِه (خَفَتْ) بفتحِ الخاءِ والفاءِ، أي: أسبابٌ خَفِيَّة غيرُ واضحةٍ إلَّا للحُذَّاقِ الماهِرِين بِالفَنِّ، (تَقْدَحُ) أي: تلك العِلَّةُ (فِي صِحَّتِهِ) أي: صِحَّةِ ذلك الحديثِ الذي وُجِدت هي فيه، (حِينَ وَفَتْ) أي: وُجِدَتِ العلةُ، أي: تقدَحُ العلةُ في صحةِ الحديثِ وقْتَ وُجودِها فيه.

[221]

(مَعْ) بسُكونِ العينِ لغةٌ قليلةٌ (كَوْنِهِ) أيِ: الحديثِ (ظَاهِرُهُ السَّلامَهْ).

وحاصلُ المعنى: أنَّ علةَ الحديثِ هي أسبابٌ غامِضةٌ خَفِيَّةٌ قادِحةٌ في

ص: 224

الحديثِ، مع كونِ ظاهرِهِ السلامةَ منها، وهذا تعريفُ العلَّةِ؛ (فَلْيَحْدُدِ) الفاءُ فَصيحيَّةٌ، أي: يُعَرِّف الحديثَ (الْمُعَلَّ مَنْ) أيِ: الشخصِ الذي (قَدْ رَامَهْ) أي: قَصَد حدَّه بأنَّه:

222 -

مَا رِيءَ فِيهِ عِلَّةٌ تَقْدَحُ فِي

صِحَّتِهِ بَعْدَ سَلامَةٍ تَفِي

223 -

يُدْرِكُهَا الْحَافِظُ بِالتَّفَرِّدِ

وَالْخُلْفِ مَعْ قَرَائِنٍ، فَيَهْتَدِي

[222]

(مَا) أيِ: الحديثُ الذي (رِيءَ) بكسرِ الراءِ بوزن قِيلَ، أيِ: اطُّلِعَ (فِيهِ) بعدَ التفتيشِ التَّامِّ (عِلَّةٌ) أي: خَفيَّةٌ، في سندِه، أو متنِه (تَقْدَحُ) أي: تنتقِصُ (فِي صِحَّتِهِ)، أي: صحةِ ذلك الحديثِ، (بَعْدَ سَلامَةٍ) من تلك العلةِ ظاهرًا؛ لجَمعِه شروطَ القبولِ الظاهرةِ (تَفِي) من الوفاءِ، أي: تحصُلُ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ المُعَلَّ هو: الحديثُ الذي ظاهِرُه السلامةُ، لكِنِ اطُّلِع فيه بعدَ التفتيشِ على علةٍ قادِحةٍ.

[223]

(يُدْرِكُهَا) أيِ: العلةَ القادِحةَ (الْحَافِظُ) أيِ: الضابطُ المتقِنُ ذو المعرفةِ التَّامَّةِ (بِالتَّفَرِّدِ) أي: بسببِ تفرُّدِ الراوي بذلك الحديثِ، وعدمِ المتابَعةِ عليه؛ فإنَّ ذلك ممَّا يُورِثُ الشَّكَّ، (وَالْخُلْفِ) بالجرِّ عطفًا على ما

ص: 225

قبْلَه، أي: وبسبِب مُخالفةِ الراوي غيرَه ممَّن هو أحفَظُ، وأضبَطُ، أو أكثرُ عددًا (مَعْ) بالسكونِ (قَرَائِنٍ) بالصرفِ للضرورةِ جمعُ قرينةٍ، أي: مع ضمِّ القرائنِ إلى ما ذُكِرَ منَ التفرُّدِ والمُخالَفةِ؛ (فَيَهْتَدِي) بذلك الحافِظُ للوهمِ؛ كما قال الناظِمُ:

224 -

لِلْوَهْمِ بِالإِرْسَالِ أَوْ بِالْوَقْفِ أَوْ

تَدَاخُلٍ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ حَكَوْا

225 -

بِحَيْثُ يَقْوَى مَا يَظُنُّ، فَقَضَى

بِضَعْفِهِ، أَوْ رَابَهُ فَأَعْرَضَا

[224]

(لِلْوَهْمِ) أي: إلى وَهْمِ الرَّاوي (بِالإِرْسَالِ) في الموصولِ، (أَوْ بِالْوَقْفِ) في المرفوعِ، (أَوْ) بـ (تَدَاخُلٍ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ) أي: دُخولِ حديثٍ في حديثٍ، (حَكَوْا) أي: حكى العلماءُ ذلك، جملةٌ أَتَى بها إشارةً إلى أنَّ هذه الأُمورَ ذَكَرها العُلَماءُ في تعليلِ الحديثِ.

[225]

(بِحَيْثُ يَقْوَى) أي: يغلِبُ (مَا يَظُنُّ) ذلك الحافِظُ؛ من كونِ الحديثِ مُعَلًّا بما ذُكر؛ (فَقَضَى) أي: حَكَمَ الحافظُ (بِضَعْفِهِ) أي: ضعْفِ ذلك الحديثِ الذي وُجِدَت فيه العلةُ، (أَوْ رَابَهُ) أي: أوقَعَه في الرَّيبِ، وهو الشَّكُّ والتَّردُّدُ؛ (فَأَعْرَضَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: توقَّف عنِ القولِ بقَبولِه وعدَمِه احتِياطًا.

ص: 226

226 -

[وَالْوَجْهُ فِي إِدْرَاكِهَا جَمْعُ الطُّرُقْ

وَسَبْرُ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَالْفِرَقْ]

227 -

وَغَالِبًا وُقُوعُهَا فِي السَّنَدِ

وَكَحَدِيثِ «الْبَسْمَلَهْ» فِي الْمُسْنَدِ

228 -

[وَنَوَّعَ الْحَاكِمُ أَجْنَاسَ الْعِلَلْ

لِعَشْرَةٍ، كُلٌّ بِهَا يَأْتِي الْخَلَلْ]

[226]

(وَالْوَجْهُ) أيِ: الجهةُ والطَّريقُ المُوصِلةُ (فِي إِدْرَاكِهَا) أي: إلى إدراكِ ومعرفةِ علةِ الحديثِ: (جَمْعُ الطُّرُقْ) أي: جمْعُ أسانيدِ الحديثِ المُشتمِلةِ على المتونِ، واستِقصاؤها منَ الجوامِعِ، والمَسانيدِ، والأجزاءِ، (وَسَبْرُ) بفتحِ السينِ وسُكونِ الباءِ، أي: تَتبُّعُ (أَحْوَالِ الرُّوَاةِ) جمْعُ راوٍ، (وَالْفِرَقْ) جمْعُ فِرْقَة، وهي الطائفةُ، والمرادُ هنا الرُّواةُ.

[227]

(وَغَالِبًا وُقُوعُهَا) أي: وُجودُ العلةِ في غالِبِ الأحوالِ (فِي السَّنَدِ) أي: كائنٌ في سندِ الحديثِ، ثمَّ إنهَّا قد تقدَحُ في المتنِ أيضًا.

ومِثالُ ما وَقَعتِ العلةُ في متنِه دُونَ الإسنادِ: ما أشارَ إليه الناظِمُ بقَولِه: (وَكَحَدِيثِ) نفْيِ قراءةٍ («الْبَسْمَلَهْ») في الصَّلاةِ، حالَ كونِه مروِيًّا (فِي) جُملةِ (الْمُسْنَدِ) أيِ: الحديثِ المرفوعِ المتصِلِ.

[228]

(وَنَوَّعَ) أي: قَسَّمَ (الْحَاكِمُ) أبو عبدِ اللهِ الحافِظُ في كتابَه «معرفةَ علومِ الحديثِ» (أَجْنَاسَ الْعِلَلْ) أي: أنواعَ عِلَلِ الحديثِ، التي إذا

ص: 227

وُجِدَت منها واحدةٌ فيه يُسمَّى مُعَلًّا (لِعَشْرَةٍ) أي: إلى عشرةِ أنواعٍ، (كُلٌّ) أي: كلُّ واحدٍ من تلك الأنواعِ (بِهَا) أي: بسببِ وُجودِها في الحديثِ (يَأْتِي الْخَلَلْ) أي: يوجَدُ القدحُ في صِحَّتِه.

229 -

وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِقَادِحٍ، كَأَنْ

يُبْدِلَ عَدْلًا بِمُسَاوٍ، حَيْثُ عَنْ

230 -

وَرُبَّمَا أُعِلَّ بِالْجَلِيِّ

كَالْقَطْعِ لِلْمُتَّصِلِ الْقَوِيِّ

[229]

(وَمِنْهُ) أيِ: العلةُ (مَا) أيِ: العلةُ التي (لَيْسَ بِقَادِحٍ) أي: منتقِصٍ في صحةِ المتنِ؛ وذلك (كَأَنْ يُبْدِلَ) الرَّاوي (عَدْلًا) في السندِ (بِـ) راوٍ (مُسَاوٍ) له في الحفظِ والإتقانِ؛ (حَيْثُ عَنْ) أي: ظهَر، متعلِّقٌ بـ «مساوٍ» ، أي: أنَّه يُساوِيه في الحفظِ والإتقانِ في جميعِ شُيوخِه، وإنَّما قيَّدَه به لأنَّ بعضَ الرُّواةِ يكونُ ضابِطًا لحديثِ بعضِ شُيوخِه دونَ بعضٍ.

[230]

(وَرُبَّمَا) للتَّقليلِ (أُعِلَّ بِالْجَلِيِّ) أيِ: الأمرِ القادِحِ الظاهِرِ الذي لا غُموضَ فيه.

وحاصلُ المعنى: أنَّه ربَّما يُعِلُّ المحدِّثون بغيرِ ما مرَّ منَ الأُمورِ التي لا غموضَ فيها، بل هي ظاهرةٌ، وذلك (كَالْقَطْعِ) أي: مثلِ الإعلالِ بالانقطاعِ (لِلْمُتَّصِلِ) أي: للحديثِ الذي اتَّصل إسنادُه (الْقَوِيِّ) صفةٌ للقطعِ، لا

ص: 228

للمتَّصلِ؛ لأنَّه إنَّما يُعَلُّ المُتَّصلُ بالانقِطاعِ إذا كان أقوَى منه.

وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّه ربَّما يُعِلُّ المحدِّثون الحديثَ المتصلَ بالانقطاعِ، إنْ كان قويًّا على الاتصالِ؛ وذلك بكونِ راوي المُنقطِعِ أضبطَ أو أكثرَ عددًا.

231 -

وَالْفِسْقِ وَالْكِذْبِ وَنَوْعِ جَرْحِ

وَرُبَّمَا قِيلَتْ لِغَيْرِ الْقَدْحِ

232 -

كَوَصْلِ ثَبْتٍ، فَعَلَى هَذَا رَأَوْا

صَحَّ مُعَلٌّ وَهْوَ فِي الشَّاذِ حَكَوْا

[231]

(وَالْفِسْقِ) أي: وكالإعلالِ بفسقِ الراوي، (وَالْكِذْبِ) أي: وكالإعلالِ بكذبِ الرَّاوي، (وَنَوْعِ جَرْحِ) أي: وكالإعلالِ بأيِّ نوعٍ من أنواعِ الجرحِ، غيرَ ما ذُكِر؛ كغَفلةِ الرَّاوي، وسوءِ حِفْظِه.

(وَرُبَّمَا قِيلَتْ) أي: أُطلِقَتِ العلةُ -على قلَّةٍ- توسُّعًا (لِغَيْرِ الْقَدْحِ) أي: على شيءٍ غيرِ قادِحٍ في صحَّةِ الحديثِ.

[232]

(كَوَصْلِ ثَبْتٍ) بسُكونِ الباءِ، كوَصْلِ ثقةٍ ضابطٍ حديثًا أرسَلَه مَن هو دونَه، أو مثلُه، ولا مُرَجِّحَ، وهذا الإطلاقُ منقولٌ عنِ الشيخِ أبي يَعلَى الخَليليِّ رحمه الله؛ (فَعَلَى هَذَا) أيِ: الإطلاقِ المذكورِ من أنَّه تُقالُ العِلةُ لغيرِ قادِحٍ (رَأَوْا) أيِ: المحدِّثون (صَحَّ مُعَلٌّ) أي: حديثٌ صحيحٌ مُعَلٌّ،

ص: 229

(وَهْوَ) أي: نظيرُ الإطلاقِ المَذكورِ (فِي الشَّاذِ حَكَوْا) أيِ: العُلَماءُ؛ حيث يقولون: منَ الصحيحِ صَحيحٌ شاذٌّ.

233 -

وَالنَّسْخُ قَدْ أَدْرَجَهُ فِي الْعِلَلِ

التِّرْمِذِيْ، وَخُصَّهُ بِالْعَمَلِ

[233]

(وَالنَّسْخُ قَدْ أَدْرَجَهُ) أي: نسْخُ الحديثِ (فِي) أقسامِ (الْعِلَلِ) الحديثيةِ (التِّرْمِذِيْ).

وحاصلُ المعنى: أنَّ الإمامَ الحافظَ أبا عيسى التِّرمذيَّ صاحِبَ «الجامِعِ» سمَّى النَّسْخَ علةً من عِلَلِ الحديثِ، ومَعنَى كلامِه هذا: أنَّه يُريدُ أنَّه علةٌ في الحديثِ للعملِ به لا لصِحَّتِه، (وَخُصَّهُ) أي: خُصَّ -أيُّها المحدِّثُ- عمومَ قولِ الترمذيِّ هذا (بِالْعَمَلِ) أي: بكَونِه علَّةً في العملِ بالحَديثِ، لا أنَّه يُريدُ بذلك العِلَّةَ الاصطِلاحيَّةَ.

ص: 230

‌المُضْطَرِبُ

وهو النَّوعُ الثالثُ والثَّلاثون من أنواعِ عُلومِ الحديثِ:

234 -

مَا اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ حَيْثُ وَرَدْ

مِنْ وَاحِدٍ أَوْ فَوْقُ: مَتْنًا أَوْ سَنَدْ

235 -

وَلا مُرَجِّحَ: هُوَ الْمُضْطَرِبُ

وَهْوَ لِتَضْعِيفِ الْحَدِيثِ مُوجِبُ

[234]

(مَا) أيِ: الحديثُ الذي (اخْتَلَفَتْ وُجُوهُهُ) أي: طُرُقُه، بأنْ رُوِي على وجوهٍ مُختلِفةٍ متقارِبةٍ؛ (حَيْثُ وَرَدْ) أي: الاختلاف (مِنْ وَاحِدٍ) أي: راوٍ واحدٍ، بأن رواه مرةً على وجهٍ، وأُخرى على آخَرَ مُخالفٍ له، (أَوْ فَوْقُ) أي: أوْ وَرَدَ من فوقِ واحدٍ؛ بأنِ اختلَفَ فيه راويانِ فأكثَرُ، (مَتْنًا) أي: من حيثُ مَتْنُهُ (أَوْ سَنَدْ) أي: أو من حيثُ سندُه.

[235]

(وَ) الحاُل أنَّه (لا مُرَجِّحَ) لإحدى الرِّوايتَينِ: (هُوَ) ضميرُ فصلٍ (الْمُضْطَرِبُ) وهو بكَسرِ الراءِ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ المُضطرِبَ هو الذي اختلَفَ كلامُ راوِيه فيه، وَاحِدًا كان: بأنْ رواه مرةً على وجهٍ، ومرةً على وجهٍ آخرَ مُخالِفٍ له، أو

ص: 231

أكثرَ: بأنِ اختَلَف راويانِ فأكثَرُ؛ فرواه كُلٌّ على وجهٍ مُخالِفٍ للآخَرِ؛ بشرطِ ألا يترجَّحَ بعضُها على بعضٍ.

(وَهْوَ) أي: الِاضطرابُ، سواءٌ كان في السندِ، أو في المتنِ (لِتَضْعِيفِ الْحَدِيثِ) أي: للحُكمِ على الحديثِ بالضَّعفِ (مُوجِبُ) بكسرِ الجيمِ، من أوجَبَ الشيءَ: إذا أثبَتَه، يعني: أنَّه سببٌ لضعفِ الحديثِ؛ فلا يُعمَلُ به، لإشعارِه بعدمِ ضَبطِ الرَّاوي، الذي هو شرطٌ في الصِّحَّةِ والحُسنِ.

236 -

[إِلاَّ إِذَا مَا اخْتَلَفُوا فِي اسْمٍ أَوَ اْبْ

لِثِقَةٍ فَهْوَ، صَحِيحٌ مُضْطَرِبْ

237 -

الزَّرْكَشِيُّ: الْقَلْبُ وَالشُّذُوذُ عَنْ

وَالاِضْطِرَابُ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ]

[236]

(إِلاَّ إِذَا مَا) زائدةٌ (اخْتَلَفُوا) أيِ: الرُّواةُ (فِي اسْمٍ) أي: تعيينِ اسمِ راوٍ، (أَوَ اْبْ) أي: أو تعيينِ اسمِ أبِ راوٍ (لِثِقَةٍ) أي: كائنٍ لثقةٍ، يعني: أنَّهم إذا اختَلَفوا في اسمِ ثِقةٍ أو أبيه، وكذا في نسَبِه أو نحوِ ذلك؛ فإنَّه لا يَضُرُّ في صحةِ الحديثِ مع الاضطرابِ؛ (فَهْوَ) أيِ: الحديثُ الذي وَقَع فيه ذلك الاختِلافُ (صَحِيحٌ)؛ لكَونِ راويه ثقةً (مُضْطَرِبْ)؛ للاختِلافِ فيه.

[237]

وقال (الزَّرْكَشِيُّ) مُحمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ بَهَادِرَ رحمه الله:

ص: 232

(الْقَلْبُ) الآتي في البابِ التالِي، (وَالشُّذُوذُ) المتقدِّمُ (عَنْ) خُفِّفَت للوزنِ، أي: ظهْرِ القلبِ، (وَالاِضْطِرَابُ) الذي نحن في مَبحَثِه، (فِي الصَّحِيحِ وَالْحَسَنْ).

وحاصلُ المعنى: أنَّ القلبَ والشُّذوذَ والِاضطِرابَ وُجِدَ في قسمِ الصحيحِ والحسنِ؛ فعلى هذا فقولُهم: إنَّ الاضطِرابَ موجِبٌ لضَعفِ الحديثِ إنَّما هو في الأغلبِ.

238 -

وَلَيْسَ مِنْهُ حَيْثُ بَعْضُهَا رَجَحْ

بَلْ نُكْرُ ضِدٍّ أَوْ شُذُوذُهُ وَضَحْ

[238]

(وَلَيْسَ) الحديثُ الذي اختُلِفَت وُجوهُهُ (مِنْهُ) أي: منَ المُضطَرِبِ المَحكومِ عليه بالضعفِ؛ (حَيْثُ بَعْضُهَا) أيِ: الوُجوهُ (رَجَحْ) أي: زاد قوةً على غيرِه، إمَّا بالأَحفَظِيَّةِ، وإمَّا بالأكثَرِيةِ المُلازِمةِ للمَرويِّ عنه، أو غيرِهما من وُجوهِ التَّرجيحاتِ، (بَلْ نُكْرُ) بضمٍّ فسُكونٍ (ضِدٍّ) أي: نَكارةُ ضدِّه (أَوْ شُذُوذُهُ) أي: شذوذُ الضِّدِّ (وَضَحْ) أي: ظهَرَ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ ذلك الراجِحَ لا يكونُ مُضطرِبًا، بلِ الحُكمُ له، وأنَّ ضِدَّه المَرجوحَ: إمَّا مُنكَرٌ، أو شاذٌّ.

ص: 233

‌المقْلُوبُ

وهوَ النَّوعُ الرَّابعُ والثَّلاثونَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

239 -

[الْقَلْبُ فِي الْمَتْنِ] وَفِي الإِسْنَادِ قَرْ

إِمَّا بِإِبْدَالِ الَّذِي بِهِ اشْتَهَرْ

240 -

بِوَاحِدٍ نَظِيرِهِ لِيُغْرِبَا

أَوْ جَعْلِ إِسْنَادِ حَدِيثٍ اجْتَبَى

[239]

(الْقَلْبُ) أي: قلبُ الحديثِ بتقديمٍ وتأخيرٍ (فِي الْمَتْنِ وَفِي الإِسْنَادِ) أي: متنِ الحديثِ، أو إسنادِهِ (قَرْ) أي: ثبتَ.

والحاصلُ أنَّ القلبَ ينقسمُ إلى قسمينِ: قسمٍ في المتنِ، وهو قليلٌ بالنِّسبةِ إلى قلبِ الإسنادِ.

والقسمُ الثَّاني: في الإسنادِ، وهو كثيرٌ (إِمَّا) بالكسرِ (بِإِبْدَالِ) الرَّاوي (الَّذِي بِهِ اشْتَهَرْ) أي: بالحديثِ.

[240]

(بِوَاحِدٍ) من الرُّواةِ (نَظِيرِهِ) أي: مماثلٌ له في الطَّبقةِ، كحديثٍ مشهورٍ عن سالمٍ جُعِلَ عن نافعٍ، أو عن مالكٍ جُعِلَ عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، (لِيُغْرِبَا) الألفُ للإطلاقِ، أي: لأجلِ أنْ يأتيَ بحديثٍ غريبٍ لا يعرِفُه

ص: 234

النَّاسُ، إذِ الغريبُ يَرغبُ فيهِ النَّاسُ، (أَوْ) بمعنَى الواوِ، أي: وإمَّا بـ (جَعْلِ إِسْنَادِ حَدِيثٍ اجْتَبَى) أي: اختارَهُ لقلبِ إسنادِهِ.

241 -

لآخَرٍ وَعَكْسُهُ إِغْرَابًا اوْ

مُمْتَحِنًا، كَأَهْلِ بَغْدَادَ، حَكَوْا

242 -

[وَهْوَ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالسَّرِقَهْ]

وَقَدْ يَكُونُ الْقَلْبُ سَهْوًا أَطْلَقَهْ

[241]

(لآخَرٍ) وصُرِفَ للوزنِ، أي: لمتنٍ آخرَ، بأنْ يُجعلَ سندُ هذا لمتنِ هذا، (وَعَكْسُهُ) أي: مثلُه عكسُه، ثمَّ أشارَ إلى الغرضِ الباعثِ عليهِ فقالَ:(إِغْرَابًا). أي: فعلَ هذا لأجلِ الإغرابِ علَى النَّاسِ، (اْوْ مُمْتَحِنًا) أي: فعلَه حالَ كونِهِ ممتحنًا لحفظِ المحدِّثِ، (كَأَهْلِ بَغْدَادَ) أي: مثالُ ذلكَ كامتحانِ أهلِ بغدادَ للإمامِ البخاريِّ رحمه الله، (حَكَوْا) أي: حالَ كونِهَا محكيَّةً من الحفَّاظِ.

[242]

(وَهْوَ) أي: القلبُ الواقعُ في السَّندِ، (يُسَمَّى عِنْدَهُمْ) أي: المحدِّثينَ، (بِالسَّرِقَهْ) أي: سرقةِ الحديثِ.

(وَقَدْ يَكُونُ الْقَلْبُ) المذكورُ بنوعَيْهِ، أي: متنًا أو إسنادًا، (سَهْوًاً) أي: غلطًا من الرَّاوي الثِّقةِ، لا قصدًا، (أَطْلَقَهْ) أي: حالَ كونِ الرَّاوي مُطْلِقَهُ.

ص: 235

‌المُدْرَجُ

وهوَ النَّوعُ الخامسُ والثَّلاثونَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

243 -

وَمُدْرَجُ الْمَتْنِ بِأَنْ يُلْحَقَ فِي

أَوَّلِهِ [أَوْ وَسَطٍ] أَوْ طَرَفِ

244 -

كَلامُ رَاوٍ مَّا بِلا فَصْلٍ، وَذَا

[يُعْرَفُ بِالتَّفْصِيلِ فِي أُخْرَى، كَذَا

[243]

(وَمُدْرَجُ الْمَتْنِ) أي: الشَّيءُ الَّذي أُدرِجَ، أي: أُدخِلَ في متنِ الحديثِ وليسَ منهُ، (بِأَنْ يُلْحَقَ) والتَّقديرُ: ومدرجُ المتنِ مصوَّرٌ بإلحاقِ كلامِ بعضِ الرُّاوةِ، (فِي أَوَّلِهِ) أي: أوَّلِ المتنِ، (أَوْ وَسَطٍ) للمتنِ، (أَوْ طَرَفِ) لهُ، أي: في آخرِهِ.

[244]

(كَلامُ رَاوٍ مَّا)«ما» زائدةٌ؛ لتأكيدِ العمومِ، (بِلا فَصْلٍ) أي: حالَ كونِهِ غيرَ مفصولٍ عن الحديثِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ مدرجَ المتنِ هوَ ما أُدرِجَ في أوَّلِ الحديثِ، أو وسطِهِ، أو آخرِه من كلامِ بعضِ الرُّواةِ صحابيًّا كانَ أو مَن دونَه، من غيرِ تمييزٍ وتفرِقةٍ بينَ المدرجِ والحديثِ.

ص: 236

(وَذَا) أي: المدرجُ، (يُعْرَفُ) أي: يُدرَكُ، (بِالتَّفْصِيلِ) أي: تبيينِ كونِهِ مدرجًا، (فِي) روايةٍ (أُخْرَى) مُبَيِّنَةٍ لذلكَ، (كَذَا) يُعرَفُ المدرجُ.

245 -

بِنَصِّ رَاوٍ أَوْ إِمَامٍ، وَوَهَى

عِرْفَانُهُ فِي وَسْطٍ اوْ أَوَّلِهَا]

246 -

وَمُدْرَجُ الإِسْنَادِ [مَتْنَيْنِ رَوَى

بِسَنَدٍ لِوَاحِدٍ]، أَوْ ذَا سِوَى

[245]

(بِنَصِّ رَاوٍ) أي: تصريحِ راوِي الحديثِ نفسِه، (أَوْ) نصِّ (إِمَامٍ) من أئمَّةِ الحديثِ المطَّلعينَ علَى عللِ الحديثِ، والعارفينَ بالزَّائدِ والنَّاقصِ، علَى أنَّه مدرجٌ، (وَوَهَى) أي: ضعفَ، (عِرْفَانُهُ) بكسرٍ فسكونٍ، أي: معرفةُ الإدراجِ، (فِي وَسْطٍ) بفتحٍ فسكونٍ بمعنَى (بَيْنَ)، أي: في أثناءِ الأحاديثِ، (اْوْ) في (أَوَّلِهَا) أي: الأحاديثِ.

والمعنَى: أنَّ معرفةَ الإدراجِ والحُكمِ بهِ في أوَّلِ الحديثِ أو في وسطِه ضعيفٌ.

[246]

(وَمُدْرَجُ الإِسْنَادِ) أي: الشَّيءُ الَّذي أُدرجَ في الإسنادِ، (مَتْنَيْنِ رَوَى) بتقديرِ حرفِ مصدرٍ، أي: أنْ روى، وتقديرُ الكلامِ: ومدرجُ الإسنادِ روايةُ متنينِ مختلفينِ بإسنادينِ مختلفينِ، (بِسَنَدٍ لِوَاحِدٍ) أي: رواهُما بسندِ أحدهما مقتصرًا عليه، (أَوْ ذَا) الحديثُ (سِوَى) أي: جزءٌ.

ص: 237

247 -

طَرْفٍ بِإِسْنَادٍ فَيَرْوِي الْكُلَّ بِهْ

أَوْ بَعْضَ مَتْنٍ فِي سِوَاهُ يَشْتَبِهْ

248 -

أَوْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مُخْتَلِفا

فِي سَنَدٍ، فَقَالَ هُمْ مُؤْتَلِفا

[247]

(طَرْفٍ بِإِسْنَادٍ)، أي: كائنٌ بإسنادٍ، يعنِي أنَّ هذَا الحديثَ عندَه بسندٍ آخرَ، (فَيَرْوِي) راوٍ عنهُ، (الْكُلَّ) أي: الحديثَ والطَّرَفَ، (بِهْ) أي: بسندِ الحديثِ الأوَّلِ.

وحاصلُ المعنَى: أنْ يكونَ متنُ الحديثِ عندَ راوٍ بسندٍ إلَّا طَرَفًا منهُ، فإنَّه عندَه بسندٍ آخرَ، فيروِيه راوٍ عنه تامًّا بالإسنادِ الأوَّلِ.

(أَوْ بَعْضَ مَتْنٍ) أي: أو أدرجَ بعضَ متنِ حديثٍ (فِي سِوَاهُ) أي: في حديثٍ غيرِه، مخالفٍ لهُ في السَّندِ.

وحاصلُ المعنَى: أنْ يروِيَ أحدَهما بإسنادِه الخاصِّ بهِ، ويزيدَ فيهِ مِن المتنِ الآخَرِ ما ليسَ في الأوَّلِ، (يَشْتَبِهْ) أي: يتناسبُ ذلكَ البعضُ المدرَجُ معَ الحديثِ معنًى.

[248]

(أَوْ قَالَهُ) أي: رَوَى الحديثَ (جَمَاعَةٌ) من الرُّواةِ، (مُخْتَلِفَا) أي: حالَ كونِ الحديثِ مختلفًا، (فِي سَنَدٍ) يعنِي أنَّه اختلَفَ الرُّواةُ في سندِ ذلكَ الحديثِ، بأنْ خالفَ بعضُهم بعضًا بزيادةٍ أو نقصٍ، (فَقَالَهُمْ) أي: ذكرَ

ص: 238

هؤلاءِ الجماعةَ المختلفينَ بعضُ الرُّواةِ، (مُؤْتَلِفَا) أي: ذوِي ائتلافٍ.

وحاصلُ المعنَى: أنْ يروِيَ بعضُ الرُّواةِ حديثًا عن جماعةٍ، وبينَهم في إسنادِهِ اختلافٌ، فيجمعَ الكلَّ علَى إسنادٍ واحدٍ ممَّا اختلَفُوا فيهِ، ويدرجَ روايةَ مَن خالفَهم معَهم علَى الاتِّفاقِ.

249 -

وَكُلُّ ذَا مُحَرَّمٌ [وَقَادِحُ

وَعِنْديَ التَّفْسِيرُ قَدْ يُسَامَحُ]

[249]

(وَكُلُّ ذَا) أي: الإدراجُ بأقسامِهِ، (مُحَرَّمٌ) أي: جميعُ أنواعِ الإدراجِ حرامٌ بإجماعِ أهلِ الحديثِ، والفقهِ، والأصولِ، وغيرِهم، إذَا حصَلَ عن عمدٍ؛ لمَا يتضمَّنُ من عَزْوِ الشَّيءِ لغيرِ قائلِه، (وَقَادِحُ) أي: جارحٌ لفاعلِه، سواءٌ كانَ عمدًا أو خطأً، وكَثُرَ، (وَعِنْديَ) بفتحِ الياءِ لغةٌ، (التَّفْسِيرُ) أي: المدرجُ لتفسيرِ غريبِ الحديثِ، (قَدْ يُسَامَحُ) أي: يغتفَرُ فلا يُمنَعُ منهُ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ ما أُدرِجَ لتفسيرِ شيءٍ من معانِي الحديثِ لا يحرُمُ، ولذلكَ فعلَه كبارُ المحدِّثينَ، كالزُّهريِّ، وغيرِه.

ص: 239

‌المَوضُوعُ

وهوَ النَّوعُ السَّادسُ والثَّلاثونَ مِن أنواعِ علومِ الحديثِ:

وأوردَه في أنواعِ الحديثِ معَ أنَّه ليسَ بحديثٍ؛ نظرًا إلى زعمِ واضعِه، ولتُعرَفَ طرقُه الَّتي يُتوصَّلُ بها لمعرفتِه ليُنفَى عنهُ القَبولُ.

250 -

الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ شَرُّ الْخَبَرِ

وَذِكْرَهُ لِعَالِمٍ بِهِ احْظُرِ

251 -

فِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ إِلَّا وَاصِفَا

لِوَضْعِهِ، وَالْوَضْعُ فِيهِ عُرِفَا

[250]

(الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ) أي: الخبرُ المكذوبُ علَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، (شَرُّ الْخَبَرِ) أي: أقبَحُ أنواعِ الخبرِ المردودِ، (وَذِكْرَهُ) أي: احظُرْه، (لِعَالِمٍ بِهِ) أي: بكونِه موضوعًا بـ (احْظُرِ) أي: امنَعْ أيُّها المحدِّثُ.

[251]

(فِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ) أي: امنَعْ ذكرَ الموضوعِ لمَنْ علمَ بوضعِه، حالَ كونِه كائنًا في جميعِ الأبوابِ، سواءٌ كانَ في الأحكامِ، أو القَصصِ، أو الفضائلِ، أو التَّرغيبِ، أو التَّرهيبِ، أو غيرِهَا، (إِلَّا) حالَ كونِه (وَاصِفَا)

ص: 240

أي: مبينًا (لِوَضْعِهِ) أي: لكونِه موضوعًا، (وَالْوَضْعُ فِيهِ) أي: الخبرِ، (عُرِفَا) والألفُ للإطلاقِ.

252 -

إِمَّا بِالاِقْرَارِ، وَمَا يَحْكِيهِ

وَرِكَّةٍ، [وَبِدَلِيلٍ فِيهِ

253 -

وَأَنْ يُنَاوِي قَاطِعًا وَمَا قُبِلْ

تَأْوِيلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا نُقِلْ

[252]

(إِمَّا) بالكسرِ، (بِالاِقْرَارِ) أي: إقرارِ الواضعِ علَى نفسِه أنَّه وضعَ الحديثَ الفُلانيَّ، (وَ) إمَّا بـ (مَا يَحْكِيهِ) أي: يشابهُ الإقرارَ ممَّا ينزلُ منزلتَه، (وَ) إمَّا بـ (رِكَّةٍ) يعنِي: أنَّه يُعرَفُ أيضًا بركَّةِ المرويِّ، أي: الضَّعفِ عن قوَّةِ فصاحتِه صلى الله عليه وسلم، (وَ) إمَّا (بِدَلِيلٍ فِيهِ) أي: الحديثِ، يعنِي: أنَّه يُعرفُ الوضعُ أيضًا بقرينةٍ في الحديثِ.

[253]

(وَ) إمَّا بـ (أَنْ يُنَاوِي) أي: يخالفَ الحديثُ، (قَاطِعًا) أي: دليلًا مقطوعًا به، (وَ) الحالُ أنَّه (مَا) نافيةٌ (قُبِلْ تَأْوِيلُهُ) أي: والحالُ أنَّه غيرُ مقبولٍ تأويلُه، (وَ) إمَّا بـ (أَنْ يَكُونَ) ذلكَ الحديثُ (مَا) نافيةٌ، (نُقِلْ) أي:

ص: 241

254 -

حَيْثُ الدَّوَاعِي ائْتَلَفَتْ بِنَقْلِهِ

وَحَيْثُ لا يُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِهِ

255 -

وَمَا بِهِ وَعْدٌ عَظِيمٌ اْوْ وَعِيدُ

عَلَى حَقِيرٍ وَصَغِيرَةٍ شَدِيدُ

[254]

(حَيْثُ الدَّوَاعِي) أي: الأسبابُ الدَّاعيةُ لنقلِه. (ائْتَلَفَتْ) أي: اتَّفقَتْ (بِنَقْلِهِ) أي: علَى نقلِ ذلكَ الحديثِ، بأنْ كانَ بمَحضَرٍ من الجمعِ، ثمَّ لا ينقلُه إلَّا واحدٌ منهُم.

(وَ) إمَّا بكونِ ذلكَ الخبرِ (حَيْثُ لا يُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِهِ) أي: أهلِ الحديثِ بعدَ التَّفتيشِ، يعنِي: أنَّه يُعرفُ كونُ الحديثِ موضوعًا عندَ عدمِ وجودِه في مراجِعِ أهلِ الحديثِ، وهيَ الكتبُ.

[255]

(وَمَا) أي: كذلكَ، (بِهِ) أي: فيهِ، (وَعْدٌ) أي: ذِكرُ وَعْدٍ، (عَظِيمٌ) أي: الخبرُ الَّذي فيهِ ذكرُ وعدٍ عظيمٍ كذلكَ، (اْوْ وَعِيد عَلَى حَقِيرٍ) أي: علَى فعلِ شيءٍ قليلٍ من الأعمالِ الصَّالحاتِ، (وَصَغِيرَةٍ) أي: من الذُّنوبِ، (شَدِيدُ).

وحاصلُ المعنَى: أنَّه يُعرَفُ كونُ الحديثِ موضوعًا بالإفراطِ في الوعدِ العظيمِ علَى الفعلِ الحقيرِ، والوعيدِ الشَّديدِ علَى الأمرِ الصَّغيرِ.

ص: 242

256 -

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ

احْكُمْ بِوَضْعِ خَبَرٍ إِنْ يَنْجَلِي

257 -

قَدْ بَايَنَ الْمَعْقُولَ أَوْ مَنْقُولَا

خَالَفَهُ أَوْ نَاقَضَ الأُصُولَا

[256]

(وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ) أي: الَّذينَ رسَخَتْ أقدامُهم في تحقيقِ العلومِ، (احْكُمْ) أيُّها المحدِّثُ، (بِوَضْعِ خَبَرٍ) أي: بكونِه موضوعًا، (إِنْ) شرطيَّةٌ، (يَنْجَلِي) أي: يتَّضِحُ.

[257]

(قَدْ بَايَنَ) أي: خالفَ (الْمَعْقُولَ) أي: الشَّيءَ الَّذي يقتضيهِ العقلُ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّكَ تحكمُ بوضعِ الخبرِ إنْ كانَ مباينًا لمقتضَى العقلِ، معَ عدمِ إمكانِ تأويلِهِ بالكلِّيَّةِ؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يَرِدَ الشَّرعُ بمَا ينافِي مقتضَى العقلَ.

(أَوْ مَنْقُولا) أي: خالفَ الخبرُ منقولًا، أي: دليلًا ثابتًا بالنَّقلِ، وهوَ الكتابُ والسُّنَّةُ المتواترةُ أو الإجماعُ القطعيُّ (خَالَفَهُ).

والمعنَى: أنَّكَ تحكمُ بوضعِ الخبرِ إذَا خالفَ نصَّ الكتابِ، أو السُّنَّةِ المتواترةِ، أو الإجماعَ القطعيَّ، (أَوْ نَاقَضَ) الخبرُ، أي: خالفَ (الأُصُولا) بألفِ الإطلاقِ، أي: أصولَ الإسلامِ، وهيَ الدَّواوينُ كمَا بيَّنَه بقولِه:

ص: 243

258 -

وَفَسَّرُوا الأَخِيرَ: حَيْثُ يَفْقِدُ

جَوَامِعٌ مَشْهُورَةٌ وَمُسْنَدُ

259 -

وَفِي ثُبُوتِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُشْهَدُ

مَعْ قَطْعِ مَنْعِ عَمَلٍ تَرَدُّدُ]

[258]

(وَفَسَّرُوا الأَخِيرَ) أي: بيَّنَ العلماءُ، كابنِ الجَوزيِّ رحمه الله، المرادَ بالأخيرِ، أي: الَّذي ناقضَ الأصولَ بـ (حَيْثُ يَفْقِدُ) أي: يَعْدَمُ (جَوَامِعٌ) بمعنَى أنَّها لم تذكُرْه، (مَشْهُورَةٌ) أي: الَّتي اشتُهِرَت بينَ العلماءِ، كالصَّحيحينِ، وجامعِ التِّرمذيِّ، وغيرِها، (وَمُسْنَدُ) مِن المسانيدِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه يُحكمُ بكونِ الخبرِ موضوعًا إذَا كانَ خارجًا عن دواوينِ الإسلامِ من الجوامعِ والمسانيدِ، وكذَا الأجزاءُ، والفوائدُ، وغيرُها.

[259]

(وَفِي ثُبُوتِ الْوَضْعِ) أي: في ثبوتِ كونِ الخبرِ موضوعًا، (حَيْثُ يُشْهَدُ) أي: علَى الوضعِ، (مَعْ) بسكونِ العينِ، (قَطْعِ مَنْعِ عَمَلٍ) أي: معَ كونِ العملِ بهِ مقطوعًا بمنعِه (تَرَدُّدُ).

وحاصلُ المعنَى: أنَّ التَّردُّدَ حاصلٌ في ثبوتِ الوضعِ للخبرِ، حيثُ يشهدُ شاهدانِ علَى ذلكَ، معَ كونِ العلمِ بهِ ممنوعًا قطعًا.

ص: 244

260 -

وَالْوَاضِعُونَ [بَعْضُهُمْ لِيُفْسِدَا

دِينًا وَبَعْضٌ نَصْرَ رَأْيٍ قَصَدَا

261 -

كَذَا تَكَسُّبًا، وَبعْضٌ قَدْ رَوَى

لِلأُمَرَاءِ مَا يُوَافِقُ الْهَوَى]

262 -

وَشَرُّهُمْ صُوفِيَّةٌ قَدْ وَضَعُوا

مُحْتَسِبِينَ الأَجْرَ فِيمَا يَدَّعُوا

[260]

(وَالْوَاضِعُونَ) أي: المختلِقونَ للأخبارِ الكاذبةِ، أقسامٌ؛ (بَعْضُهُمْ) أي: وضعَ (لِيُفْسِدَا) بألفِ الإطلاقِ، (دِينًا) أي: دينَ الإسلامِ، (وَبَعْضٌ) من الوضَّاعينَ (نَصْرَ رَأْيٍ) أي: مذهبٍ من المذاهبِ الفاسدةِ الَّتي لا دليلَ عليهَا، (قَصَدَا) بألفِ الإطلاقِ، يعني: أنَّه أرادَ أنْ ينصُرَ رأيَه الَّذي ينتحِلُه.

[261]

(كَذَا) أي: مثلَما تقدَّمَ من أنواعِ الوضعِ، (تَكَسُّبًا) أي: لأجلِ الارتزاقِ بهِ، يعنِي: أنَّ وضعَ الأخبارِ لأجلِ التَّكسُّبِ، (وَبعْضٌ) من الوضَّاعينَ، (قَدْ رَوَى) أي: أخبرَ، (لِلأُمَرَاءِ مَا) أي: الخبرَ الَّذي (يُوَافِقُ الْهَوَى) أي: يناسبُ ما يهوَوْنَه ويحبُّونَه من الأفعالِ، والأقوالِ، والأحوالِ.

[262]

(وَشَرُّهُمْ صُوفِيَّةٌ) أي: أشرُّ أصنافِ الوضَّاعينَ قومٌ صوفيُّونَ، نَسَبُوا أنفسَهم إلى الزُّهدِ، حملَهم الجهلُ علَى الوضعِ، (قَدْ وَضَعُوا) أي: اختلَقُوا أحاديثَ، حالَ كونِهم (مُحْتَسِبِينَ الأَجْرَ) أي: مدَّخِرينَ الأجرَ عندَ اللهِ (فِيمَا يَدَّعُوا) أي: في زعمِهم الباطِلِ.

ص: 245

263 -

فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ رُكُونًا لَهُمُ

حَتَّى أَبَانَهَا الأُولَى هُمُ هُمُ

[263]

(فَقُبِلَتْ) تلكَ الموضوعاتُ (مِنْهُمْ) أي: من هؤلاءِ الصُّوفيَّةِ الجَهَلَةِ، أي: قَبِلَ الناسُ موضوعاتِهِم؛ (رُكُونًا لَهُمُ) أي: لأجلِ ميلِ النَّاسِ إليهِم، واعتمادِهِم عليهِم؛ وثوقًا بهِم؛ لمَا يتَّصفونَ بهِ من التَّزهُّدِ، والتَّديُّنِ، فاغتَرُّوا، وفَشَتْ موضوعاتُهم بينَهم، (حَتَّى أَبَانَهَا) أي: إلى أنْ أظهرَ كونَها مختلَقَةً (الأُولَى): اسمٌ موصولٌ بمعنَى «الَّذينَ» ، (هُمُ هُمُ): واتِّحادُ المبتدأِ والخبرِ للتَّعظيمِ، كقولِهِ:

أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي

قالَ الشَّيخُ أحمدُ شاكرٌ رحمه الله: (حَتَّى أَبَانَهَا الأُولَى هُمُ هُمُ): هذهِ هيَ الرِّوايةُ الصَّحيحةُ في البيتِ، المصحَّحةُ علَى النُّسخةِ المقروءةِ علَى المؤلِّفِ. ورواهُ الشَّارحُ:(حَتَّى أَبَانَهَا أُولُو هِمَمٍ هُمُ). وجعلَ كلمةَ (هُم) مبتدأً خبرُه (كالواضِعينَ) في البيتِ الَّذي بعدَه، وشرحَ الكلامَ علَى ذلكَ. وهوَ تكلُّفٌ ظاهرٌ لا داعِيَ لهُ.

ص: 246

264 -

كَالْوَاضِعِينَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرْ

فَمَنْ رَواهَا فِي كِتَابِهِ قَذَرْ

265 -

وَالْوَضْعُ فِي التَّرْغِيبِ ذُو ابْتِدَاعِ

جَوَّزَهُ [مُخَالِفُ الإِجْمَاعِ

[264]

(كَالْوَاضِعِينَ) أي: هم كالواضِعينَ، (فِي فَضَائِلِ السُّوَرْ) أي: من الوضَّاعينَ الَّذينَ يضَعُونَ حِسْبةً وتقرُّبًا للهِ تعالَى بزعمِهم الباطلِ مَن وضعَ فضائلَ القرآنِ سورةً سورةً، (فَمَنْ رَواهَا) أي: نقلَ هذهِ الموضوعاتِ في فضائلِ السُّورِ جميعِها من المفسِّرينَ؛ كالواحديِّ، والثَّعلبيِّ، والزَّمخشريِّ، والبَيْضاويِّ، وأبي السُّعودِ، رحمَ اللهُ الجميعَ، (فِي كِتَابِهِ قَذَرْ) بالقافِ والذَّالِ المعجمتَينِ المفتوحتَينِ، أي: وَسَخٌ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ مَن نقلَ تلكَ الأخبارَ المختلَقَةَ، ففي كتابِه وسخٌ.

[265]

(وَالْوَضْعُ) أي: وضعُ الأخبارِ واختِلاقُها، (فِي التَّرْغِيبِ) أي: ترغيبِ النَّاسِ، وحملِهم علَى الطَّاعةِ، وكذَا في التَّرهيبِ عن المعصيةِ، (ذُو ابْتِدَاعِ) أي: مبتدعٌ، (جَوَّزَهُ) أي: الوضعَ المذكورَ، (مُخَالِفُ الإِجْمَاعِ) أي: إجماعِ أهلِ الإسلامِ.

ص: 247

266 -

وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ

بِكُفْرِهِ بِوَضْعِهِ إِنْ يَقْصِدِ]

267 -

وَغَالِبُ الْمَوْضُوعِ مِمَّا اخْتَلَقَا

وَاضِعُهُ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ لَفَّقَا

268 -

كَلامَ بَعْضِ الْحُكَمَا، وَمِنْهُ مَا

وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَهَمَا

[266]

(وَجَزَمَ) أي: قطعَ، (الشَّيْخُ) العلَّامةُ (أَبُو مُحَمَّدِ) الجُوَيْنيُّ رحمه الله، (بِكُفْرِهِ) أي: بكفرِ ذلكَ الشَّخصِ الَّذي وضعَ الحديثَ علَى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، (بِوَضْعِهِ) أي: حكمَ بسببِ وضعِه الحديثَ، (إِنْ) شرطيَّةٌ، (يَقْصِدِ) أي: إنْ يتعمَّدْ ذلكَ، لا عن سهوٍ، ولا غلطٍ.

[267]

(وَغَالِبُ) الخبرِ، (الْمَوْضُوعِ مِمَّا اخْتَلَقَا) الألفُ إطلاقيَّةٌ، (وَاضِعُهُ) والمعنَى: أنَّ غالبَ الموضوعاتِ ممَّا صنعَه الوضَّاعونَ مِن عندِ أنفسِهم، (وَبَعْضُهُمْ) أي: الوضَّاعينَ، (قَدْ لَفَّقَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: ضَمَّ.

[268]

(كَلامَ بَعْضِ الْحُكَمَا).

وحاصلُ المعنَى: أنَّ بعضَ الوضَّاعينَ ما وضعَ الأخبارَ مِن عندِ نفسِه، وإنَّما أخذَ ذلكَ من كلامِ بعضِ الحكماءِ.

(وَمِنْهُ) أي: الموضوعِ، (مَا) أي: الكلامُ الَّذي كانَ، (وُقُوعُهُ) أي:

ص: 248

صدورُه من الرَّاوِي، (مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ) لوضعِه، بلْ وقعَ (وَهَمَا) أي: لِوَهَمِ الرَّاوِي.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ مِن أقسامِ الموضوعِ ما لم يُقْصَدْ وَضْعُهُ، وإنَّما وَهِمَ فيهِ بعضُ الرُّواةِ.

269 -

وَفِي كِتَابِ وَلَدِ الْجَوْزِيِّ مَا

لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ حَتَّى وُهِّمَا

270 -

[مِنَ الصَّحِيحِ] وَالضَّعِيفِ [وَالْحَسَنْ

ضَمَّنْتُهُ كِتَابِيَ «الْقَوْلَ الْحَسَنْ»

[269]

(وَفِي كِتَابِ) الحافظِ أبي الفرجِ، (وَلَدِ الْجَوْزِيِّ) بفتحِ الجيمِ، ابنِ الجَوْزيِّ، (مَا) أي: الحديثُ الَّذي (لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ) أصلًا؛ لعدمِ ما يدُلُّ علَى وضعِه، بلْ هوَ ضعيفٌ، بلْ وفيهِ الحسنُ، والصَّحيحُ، (حَتَّى وُهِّمَا) أي: نسبَه العلماءُ الحفَّاظُ، والأئمَّةُ النُّقَّادُ إلى الوَهَمِ.

[270]

(مِنَ الصَّحِيحِ) أي: من الحديثِ الصَّحيحِ، (وَالضَّعِيفِ وَالْحَسَنْ) منهُ، (ضَمَّنْتُهُ) أي: ذكَرْتُ ما في كتابِه ممَّا ليسَ من الموضوعِ، بلْ إمَّا صحيحٌ، أو حسنٌ، أو ضعيفٌ، ضِمْنَ (كِتَابِيَ) بفتحِ الياءِ لغةٌ، المسمَّى بـ («الْقَوْل الْحَسَنْ) في الذَّبِّ عن السُّننِ».

ص: 249

271 -

وَمِنْ غَرِيبِ مَا تَرَاهُ فَاعْلَمِ

فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمِ]

[271]

(وَمِنْ غَرِيبِ) أي: بعيدِ، (مَا تَرَاهُ) أيُّها المحدِّثُ، (فَاعْلَمِ) أي: اعلَمْ ذلكَ وتَحَقَّقْهُ، (فِيهِ) أي: في كتابِ ابنِ الجَوْزيِّ، (حَدِيثٌ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمِ) أي: كائنٌ في صحيحِ الإمامِ مسلمٍ.

ص: 250

‌خَاتِمَةٌ

أي: هذَا مبحثُ خاتمةٍ يختمُ بهَا ما بقِيَ ممَّا يتعلَّقُ بالأبوابِ السَّابقةِ، من بيانِ ترتيبِ أقسامِ الضَّعِيفِ الَّتي لهَا ألقابٌ خاصَّةٌ، وبيانِ كيفيَّةِ روايةِ الصَّحِيحِ، والضَّعِيفِ، وكيفَ يحكمُ من رأَى ضعفًا في سندِ حديثٍ.

272 -

شَرُّ الضَّعِيفِ الْوَضْعُ [فَالْمَتْرُوكُ ثُمّ

ذُو النُّكْرِ فَالْمُعَلُّ فَالْمُدْرَجُ ضُمّ

[272]

(شَرُّ الضَّعِيفِ الْوَضْعُ) أي: الموضوعُ شرُّ أنواعِ الضَّعيفِ من الأخبارِ، وهذَا لا خلافَ فيهِ، (فَـ) يليهِ (الْمَتْرُوكُ) من الأخبارِ، وهوَ ما انفردَ بروايتِه متَّهمٌ بالكذبِ، (ثُمَّ) يليهِ (ذُو النُّكْرِ) بضمٍّ فسكونٍ، يعنِي: أنَّ المنكرَ يلِي المتروكَ في الرُّتبةِ، (فَـ) يليهِ (الْمُعَلُّ) وهوَ: ما ظاهرُه السَّلامةُ، ثمَّ اطُّلِعَ فيهِ بعدَ التَّفتيشِ علَى قادحٍ، (فَـ) يليهِ (الْمُدْرَجُ) وقد تقدَّمَ تعريفُه بنوعَيهِ، (ضُمّ) أي: ضُمَّ أيُّها المحدِّثُ المدرجَ إلى ما قبلَهُ.

ص: 251

273 -

وَبَعْدَهُ الْمَقْلُوبُ فَالْمُضْطَرِبُ

وَآخَرُونَ غَيْرَ هَذَا رَتَّبُوا]

274 -

وَمَنْ رَوَى مَتْنًا صَحِيحًا يَجْزِمُ

أَوْ وَاهِيًا أَوْ حَالُهُ لا يُعْلَمُ

[273]

(وَبَعْدَهُ) أي: المُدرَجِ في الرُّتبةِ، (الْمَقْلُوبُ) وهوَ الَّذي أُبْدِلَ فيهِ شيءٌ بآخرَ علَى الوجهِ المتقدِّمِ، (فَـ) يليهِ (الْمُضْطَرِبُ) وهوَ الَّذي اختلَفَت وجوهُه من غيرِ مرجِّحٍ لأحدِهَا، ولا قابلَ للجمعِ بينَها، (وَآخَرُونَ) من المحدِّثينَ، (غَيْرَ هَذَا) التَّرتيبِ، (رَتَّبُوا) أنواعَ الضَّعيفِ، يعنِي: أنَّ بعضَ المحدِّثينَ سلَكُوا في ترتيبِ أنواعِ الضَّعيفِ مسلكًا آخرَ.

[274]

(وَمَنْ) أي: الَّذي (رَوَى) أي: أرادَ الرِّوايةَ، (مَتْنًا صَحِيحًا) بغيرِ إسنادِه، (يَجْزِمُ) عندَ روايتِهِ، أي: يذكرُه بصيغةِ الجزمِ، والحاصلُ أنَّ من روَى حديثًا صحيحًا بغيرِ إسنادِه، أو كَتَبَهُ فعليهِ أنْ يؤدِّيَه، أو يكتُبَه بصيغةِ الجزمِ، ولا يورِدَه بصيغةِ التَّمريضِ الَّتي تُشعِرُ بضعفِه؛ لأنَّه يوقعُ السَّامعَ أو القارئَ -إنْ كتبَه- في أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، (أَوْ وَاهِيًا) أي: أو أرادَ روايةَ حديثٍ ضعيفٍ، (أَوْ) روايةَ حديثٍ (حَالُهُ) أي: حالُ ذلكَ الحديثِ، (لا يُعْلَمُ) أي: غيرُ معلومٍ للرَّاوِي.

ص: 252

275 -

بِغَيْرِ مَا إِسْنَادِهِ يُمَرِّضُ

وَتَرْكَهُ بَيَانَ ضَعْفٍ قَدْ رَضُوا

276 -

فِي الْوَعْظِ أَوْ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ

لا الْعَقْدِ وَالْحَرَامِ وَالْحَلالِ

[275]

(بِغَيْرِ مَا)«ما» زائدةٌ، (إِسْنَادِهِ) أي: بلا ذكرِ سندِه، (يُمَرِّضُ) يعنِي: يذكرُه بصيغةِ التَّمريضِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ مَن أرادَ روايةَ، أو كتابةَ حديثٍ ضعيفٍ، أو مشكوكٍ في صحتِه بغيرِ سندِه فعليهِ أنْ يروِيَه، أو يكتبَه بصيغةِ التَّمريضِ، (وَتَرْكَهُ) أي: الرَّاوي، (بَيَانَ ضَعْفٍ) بفتحِ الضَّادِ وضمِّها، (قَدْ رَضُوا) أي: أهلُ الحديثِ وغيرُهم.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ العلماءَ جوَّزُوا التَّساهلَ في الأسانيدِ الضَّعيفةِ، وروايةِ ما سوَى الموضوعِ من الضَّعيفِ، وكذا العملُ بهِ من غيرِ بيانِ ضعفِه.

[276]

(فِي الْوَعْظِ) أي: النُّصحِ والتَّذكيرِ بالعواقبِ، (أَوْ) في (فَضَائِلِ الأَعْمَالِ) وكذَا القَصصُ، وسائرُ فنونِ التَّرغيبِ والتَّرهيبِ، ممَّا لا تعلُّقَ له بالعقائدِ والأحكامِ، (لا) في (الْعَقْدِ) بفتحٍ فسكونٍ، أي: الشَّيءِ المعتقَدِ، كصفاتِ اللهِ تعالى، (وَ) لا في (الْحَرَامِ وَالْحَلالِ)، فلا يجوزُ التَّساهلُ فيهِما أيضًا.

ص: 253

277 -

[وَلا إِذَا يَشْتَدُّ ضَعْفٌ] ثُمَّ مَنْ

ضَعْفًا رَأَى فِي سَنَدٍ وَرَامَ أَنْ

278 -

يَقُولَ فِي الْمَتْنِ: ضَعِيفٌ: قَيَّدَا

بِسَنَدٍ، خَوْفَ مَجِيءِ أَجْوَدَا

[277]

(وَلا) يرضَوْنَ أيضًا ذلكَ، (إِذَا يَشْتَدُّ ضَعْفٌ) أي: ضعفُ ذلكَ الحديثِ.

(ثُمَّ) بعدَ أنْ بَيَّنَّا ما تقدَّمَ نقولُ: (مَنْ) شرطيَّةٌ، (ضَعْفًا) بالفتحِ والضَّمِّ، (رَأَى فِي سَنَدٍ) لحديثٍ، بأنْ كانَ مرويًّا بسندٍ ضعيفٍ، (وَرَامَ) أي: قصدَ (أَنْ).

[278]

(يَقُولَ فِي الْمَتْنِ) أي: متنِ ذلكَ السَّندِ الضَّعيفِ، (ضَعِيفٌ) أي: هوَ حديثٌ ضعيفٌ، (قَيَّدَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: قيَّدَ ذلكَ القولَ (بِسَنَدٍ) بأنْ يقولَ: هوَ ضعيفٌ بهذَا السَّندِ؛ (خَوْفَ مَجِيءِ أَجْوَدَا) أي: مخافةَ أنْ يوجدَ لهُ سندٌ أجودُ من هذَا يَثْبُتُ بمثلِه الحديثُ، أو بمجموعِهِما.

ص: 254

279 -

وَلا تُضَعِّفْ مُطْلَقًا مَا لَمْ تَجِدْ

تَضْعِيفَهُ مُصَرَّحًا عَنْ مُجْتَهِدْ

[279]

(وَلا) ناهيةٌ، (تُضَعِّفْ) أيُّها المحدِّثُ، يعنِي: لا تَجزِمْ بضعفِ الحديثِ الَّذي رأَيْتَه بسندٍ ضعيفٍ، (مُطْلَقًا) أي: تضعيفًا مطلقًا عن التَّقييدِ بذلكَ السَّندِ، (مَا لَمْ تَجِدْ) أيُّها المحدِّثُ (تَضْعِيفَهُ) أي: الحديثِ، (مُصَرَّحًا) أي: موضَّحًا، (عَنْ مُجْتَهِدْ) أي: عن إمامٍ مطَّلِعٍ علَى عللِ الحديثِ، فحكمَ علَى الأحاديثِ بما تستحِقُّه.

ص: 255

‌مَنْ تُقبَلُ رِوَايَتُهُ، ومَنْ تُرَدُّ

هذَا مبحثُ معرفةِ صفةِ الشَّخصِ الَّذي تُقبلُ روايتُه؛ لاستكمالِه شروطَ القَبولِ، والَّذي لا تُقبلُ؛ لعدمِ استكمالِه لهَا، وهوَ النَّوعُ السَّابعُ والثَّلاثونَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

280 -

لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا:

عَدْلٌ، وَضَبْطٌ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَا

281 -

مُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا ولا

خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلا مُغَفَّلا

[280]

(لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ) أي: راوِي الأحاديثِ، (شَرْطَانِ) يعنِي: أنَّ الشَّخصَ الَّذي يروِي الأحاديثَ يُشترَطُ لقَبولِ روايتِه أمرانِ؛ (هُمَا) أي: الشَّرطانِ: (عَدْلٌ، وَضَبْطٌ) والعدلُ القَصدُ في الأمورِ، وهوَ خلافُ الجَوْرِ، واصطلاحًا (أَنْ يَكُونَ) ناقلُ الأخبارِ (مُسْلِما) أي: هوَ كونُه مسلمًا، فلا يُقبلُ كافرٌ.

[281]

(مُكَلَّفًا) أي: بالغًا عاقلًا، (لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا) أي: لم يُزاوِلْ مُفَسِّقًا، والفسقُ: ارتكابُ كبيرةٍ، أو إصرارٌ علَى صغيرةٍ، (ولا خَرْمَ) أي: خارمَ (مُرُوءَةٍ) أي: قاطعَها، ومُزيلَها، وهيَ آدابٌ نفسانيَّةٌ، تحملُ مُرَاعَاتُهَا

ص: 256

علَى الوقوفِ عندَ محاسنِ الأخلاقِ، وجميلِ العاداتِ.

(وَ) أمَّا الضَّبطُ فمصدرُ ضبطَ الشَّيءَ إذَا حفِظَه حفظًا بليغًا.

واصطلاحًا: ما أشارَ إليهِ بقولِه: (لا) أنْ يكونَ (مُغَفَّلا) أي: منسوبًا إلى الغفلةِ.

282 -

يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ، كِتَابًا يَضْبِطُ

إِنْ يَرْوِ مِنْهُ، عَالِمًا مَا يُسْقِطُ

283 -

إِنْ يَرْوِ بَالْمَعْنَى، وَضَبْطُهُ عُرِفْ

إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وُصِفْ

[282]

(يَحْفَظُ) أي: حالَ كونِه حافظًا، أي: مُثْبِتًا ما سمِعَه في حافظتِه بحيثُ يبعدُ زوالُه عنهَا، متمكِّنًا من استحضارِه متَى شاءَ، (إِنْ يُمْلِ) قيدٌ في الحفظِ، أي: إنْ رواهُ من حفظِه، وهذَا هوَ المسمَّى عندَهم بضبطِ الصَّدرِ، (كِتَابًا يَضْبِطُ) بكسرِ الباءِ، أي: يحفظُه، ويصونُه عن تطرُّقِ التَّزويرِ والتَّغييرِ إليهِ من حينِ سمعَ فيهِ إلى أنْ يُؤَدِّيَ منهُ، (إِنْ يَرْوِ مِنْهُ) أي: الكتابِ، وهذَا هوَ المسمَّى عندَهم بضبطِ الكتابِ، (عَالِمًا مَا) أي: اللَّفظَ الَّذي (يُسْقِطُ) بضمِّ الياءِ، من الإسقاطِ، أي: يحذفُه من الحديثِ.

[283]

(إِنْ يَرْوِ) الحديثَ (بَالْمَعْنَى) بناءً علَى جوازِه، (وَضَبْطُهُ) أي:

ص: 257

الرَّاوِي (عُرِفْ) أي: عُلِمَ، (إِنْ) شرطيَّةٌ، (غَالِبًا) أي: في كثيرٍ من الأحوالِ (وَافَقَ) الرَّاوي، (مَنْ بِهِ) أي: الضَّبطِ (وَصِفْ) أي: مَن اتَّصفَ بالضَّبطِ، وإنْ خالفَه نادرًا.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ ضبطَ الرَّاوي يُعرَفُ باعتبارِ ما يرويهِ برواياتِ الثِّقاتِ المعروفينَ بالضَّبطِ والإتقانِ، فإنْ وُجِدَ موافقًا لهم غالبًا، ولو مِن حيثُ المعنَى فضابطٌ، وإلَّا فلا، ولا تضرُّ مخالفتُه النَّادرةُ.

284 -

وَاثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلٌ وَالأَصَحّْ

إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ

285 -

أَوْ كَانَ مَشْهُورًا وزَادَ يُوسُفُ

بِأَنَّ كُلَّ مَنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ

[284]

(وَاثْنَانِ) من المُزَكِّينَ، (إِنْ زَكَّاهُ) أي: حَكَمَا بعدالتِه في الرِّوايةِ، (عَدْلٌ) أي: محكومٌ لهُ بعدالةِ الرِّوايةِ، (وَالأَصَحّ) من أقوالِ العلماءِ، (إِنْ) شرطيَّةٌ، (عَدَّلَ الْوَاحِدُ) أي: أخبرَ المزكِّي الواحدُ بعدالةِ الرَّاوِي، (يَكْفِي) يعنِي: أنَّ تعديلَ الواحدِ يكفِي في عدالةِ الرَّاوي، (أَوْ جَرَحْ) عطفٌ علَى «عدَّل» ، أي: إنَّ جرحَ الواحدِ يكفِي في الجرحِ أيضًا.

[285]

(أَوْ كَانَ) الرَّاوي (مَشْهُورًا) بالعدالةِ، وَنَبَاهَةِ الذِّكرِ بالاستقامةِ والصِّدقِ معَ البصيرةِ والفَهمِ، فإنَّه يكفِي ذلكَ في قَبولِه، كشُهرةِ مالكٍ، وشُعبةَ،

ص: 258

ووَكِيعٍ، وأحمدَ، وابنِ مَعِينٍ، رحمهم الله جميعًا، ومَن جرَى مَجْرَاهُم.

(وزَادَ) توسُّعًا في بابِ العدالةِ الحافظُ أبو عمرَ (يُوسُفُ) بنُ عبدِ البَرِّ، (بِأَنَّ): الباءُ زائدةٌ، (كُلَّ مَنْ) أي: شخصٍ، (بِعِلْمٍ) أي: بالعنايةِ بهِ، (يُعْرَفُ) بالبناءِ للمفعولِ.

286 -

عَدْلٌ إِلَى ظُهُورِ جَرْحٍ، وَأَبَوْا

وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًا رَأَوْا

287 -

قَبُولَهُ مِنْ عَالِمٍ عَلَى الأَصَحّْ

[مَا لَمْ يُوَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالٍ جُرِحْ

[286]

(عَدْلٌ) أي: محمولٌ أمرُه علَى العدالةِ، (إِلَى ظُهُورِ جَرْحٍ) أي: إلى تبيُّنِ أمرٍ جارحٍ لهُ، (وَأَبَوْا) أي: امتنعَ العلماءُ من قَبولِ كلامِ ابنِ عبدِ البرِّ المذكورِ، وقالُوا: إنَّه توسُّعٌ غيرُ مرضيٍّ.

(وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ) أي: جَرْحَ الرَّاوي وتعديلَه حالَ كونِ كلٍّ منهُما (مُطْلَقًا) أي: غيرَ مفسَّرٍ بذكرِ سببِه، (رَأَوْا) أي: المحقِّقونَ.

[287]

(قَبُولَهُ) أي: كلِّ واحدٍ منهُما، (مِنْ عَالِمٍ) أي: من شخصٍ عالمٍ بأسبابِ الجرحِ والتَّعديلِ والخلافِ في ذلكَ، (عَلَى الأَصَحّ) أي: هذَا علَى القولِ الأصحِّ، (مَا لَمْ يُوَثَّقْ مَنْ) أي: الشَّخصُ الَّذي (بِإِجْمَالٍ) أي:

ص: 259

من غيرِ تفصيلٍ، (جُرِحْ) يعنِي: مَن جرحَه جارحٌ بأمرٍ مجملٍ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ الأصحَّ قَبولُ الجرحِ والتَّعديِل المُبْهَمينِ إذَا صدَرَا من عالِمٍ بالأسبابِ، بصيرٍ، مرضيٍّ، اعتقادًا وأفعالًا، ما لم يوجَدْ توثيقُ إمامٍ من الأئمَّةِ لمَن جُرِحَ مجملًا، فإنَّ هذَا الجرحَ لا يُقبَلُ إلَّا مفسَّرًا.

288 -

وَيُقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ

أُنْثَى وَفِي الأُنْثَى خِلافٌ قَدْ زُكِنْ]

289 -

وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ

أَكْثَرُ فِي الأَقْوَى، [فَإِنْ فَصَّلَهُ

[288]

(وَيُقْبَلُ التَّعْدِيلُ) أي: يُقبلُ تعديلُ الرَّاوِي، (مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ أُنْثَى) يعنِي: أنَّ العبدَ والأنثَى إذَا زَكَّيَا شخصًا يُقبَلانِ إذَا كانَا عارفَينِ بهذهِ الصَّنعةِ، (وَفِي) قَبولِه مِن (الأُنْثَى خِلافٌ) بينَ العلماءِ، (قَدْ زُكِنْ) أي: عُلِمَ.

[289]

(وَقَدِّم) أيُّها الطَّالبُ للرَّأيِ الأرجحِ، (الْجَرْحَ) للرَّاوي علَى التَّعديلِ لهُ فيمَا إذَا اجتمَعَا من الأئمَّةِ النُّقَّادِ، (وَلَوْ عَدَّلَهُ) أي: حكمَ لهُ بالعدالةِ (أَكْثَرُ) عددًا ممَّنْ جرحَه، (فِي الأَقْوَى) أي: القولِ الأرجحِ؛ لقوَّةِ دليلِه، (فَإِنْ فَصَّلَهُ) أي: بَيَّنَ المعدِّلُ وجهَ تعديلِه بذكرِ ما يرجِّحُه من نقضِ كلامِ الجارحِ، كأنْ يقولَ الجارحُ: إنَّ هذَا الرَّاوِيَ زَنَى.

ص: 260

290 -

فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ، أَوْ نَفَاهُ

بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ]

291 -

وَلَيْسَ فِي الأَظْهَرِ تَعْدِيلًا إِذَا

عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ [وَلَوْ خُصَّ بِذَا]

[290]

(فَقَالَ) المعدِّلُ: عرَفْتُ ذلكَ، ولكنَّه (مِنْهُ) أي: ممَّا جُرِحَ بهِ (تَابَ) إلَى اللهِ بشرطِه، وحَسُنَ حالُه، واستَقامَ، (أَوْ) عَيَّنَ الجارحُ سببًا فـ (نَفَاهُ) أي: نفَى المعدِّلُ ما عيَّنَه الجارحُ سببًا للجرحِ، (بِوَجْهِهِ) أي: بطريقٍ من طُرُقِ النَّفيِ المعتبرةِ، كأنْ يقولَ الجارحُ: قتلَ غلامًا ظلمًا يومَ كذَا. فيقولَ المعدِّلُ: رأيتُه حيًّا بعدَ ذلكَ، (قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ) أي: قُدِّمَ قولُ المعدِّلِ علَى الجارحِ في هاتينِ الصُّورتينِ؛ لأنَّ معَه زيادةَ علمٍ.

[291]

(وَلَيْسَ فِي) القولِ (الأَظْهَرِ) الَّذي قالَه أكثرُ العلماءِ من المحدِّثينَ وغيرِهم، (تَعْدِيلًا) أي: ليسَ روايةُ العدلِ عن شخصٍ تعديلًا لهُ، (إِذَا عَنْهُ رَوَى) أي: عن الشَّخصِ، (الْعَدْلُ) الحافظُ الضَّابطُ فضلًا عن غيرِه، (وَلَوْ خُصَّ) أي: ولو خَصَّ ذلكَ العدلُ روايَتَه (بِذَا) أي: العدلِ، أي: ولو خُصَّ ذلكَ العدلُ بالرِّوايةِ عن العدلِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا روَى العدلُ عمَّنْ سمَّاهُ لم يكُنْ تعديلًا لذلكَ الشَّخصِ عندَ الأكثرينَ، وهوَ الصَّحيحُ؛ لجوازِ روايةِ العدلِ عن غيرِ العدلِ، فلم تتضمَّنْ روايتُه عنهُ تعديلَهُ.

ص: 261

292 -

وَإِنْ يَقُلْ: حَدَّثَ [مَنْ لا أَتَّهِمْ]

أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ

293 -

بِثِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْهَمِ

لا يُكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاعْلَمِ

294 -

وَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ

قَلَّدَهُ، وَقِيلَ: لا، مَا لَمْ يُبنْ

[292]

(وَإِنْ يَقُلْ) الرَّاوي في روايتِهِ: (حَدَّثَـ) ني، أو أخبَرَني مثلًا (مَنْ لا أَتَّهِمـ) هـ بكذبٍ. (أَوْ) قالَ: حدَّثَني (ثِقَةٌ) أو ضابطٌ أو عدلٌ. من غيرِ أنْ يسمِّيَه (أَوْ) قالَ: (كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ).

[293]

(بِثِقَةٍ) أي: عُلِمَ بكونِه ثقةً، يعنِي: أنَّه قالَ: جميعُ أشياخِي الَّذينَ أروِي عنهُم ثقاتٌ، وإنْ لم أُسمِّهِم. (ثُمَّ) بعدَ هذَا كلِّه (رَوَى) حديثًا (عَنْ) راوٍ (مُبْهَم) أي: غيرِ مُسَمًّى باسمِهِ، (لا يُكْتَفَى) أي: لا يكتَفَى بهِ في تعديلِ ذلكَ المبهَمِ (عَلَى الصَّحِيحِ) من الأقوالِ، (فَاعْلَم) هذَا وحَقِّقْهُ في ذهنِكَ.

[294]

(وَيُكْتَفَى) حالَ كونِه صادرًا (مِنْ عَالِمٍ) أي: مجتهِدٍ؛ كمالكٍ، والشَّافعيِّ، (فِي حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ) أي: يُكتفَى بالتَّعديلِ المذكورِ من

ص: 262

ذلكَ العالمِ في حقِّ مَن تبِعَه في مذهبِه، (وَقِيلَ: لا) يُكتفَى بهِ مطلقًا. أي: في حقِّ المقلِّدِ، (مَا لَمْ يُبَنْ) أي: ما لم يُظْهَرْ كونُ ذلكَ الشَّخصِ ثقةً.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه لا يُكتَفَى بهِ في حقِّ مَن قلَّدَه أيضًا حتَّى يوضِّحَ ذلكَ، كأنْ يقولَ: كلُّ مَن أروِي لكُمْ عنهُ، ولم أسمِّهِ فهوَ عدلٌ.

295 -

وَمَا اقْتَضَى تَصْحِيحَ مَتْنٍ [فِي الأَصَحّْ]

فَتْوَى بِمَا فِيهِ [كَعَكْسِهِ وَضَحْ

296 -

وَلا بَقَاهُ حَيْثُما الدَّوَاعِي

تُبْطِلُهُ، وَالْوَفْقُ لِلإِجْمَاعِ

297 -

وَلا افْتِرَاقُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ

مَا بَيْنَ مُحْتَجٍّ وِذِي تَأَوُّلِ

[295]

(وَمَا) نافيةٌ، (اقْتَضَى) أي: دلَّ، (تَصْحِيحَ مَتْنٍ) أي: صحَّةَ حديثٍ وَرَدَ في أيِّ معنًى كانَ، (فِي الأَصَحّ) الَّذي عليهِ الجمهورُ، (فَتْوَى بِمَا فِيهِ) أي: إفتاءُ العالمِ، وكذَا عملُه بمقتَضَى ما في ذلكَ المتنِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ فتوَى العالِمِ، وكذَا عملُه علَى وَفْقِ حديثٍ واردٍ في ذلكَ المعنَى لا يكونُ حكمًا منهُ بصحَّتِه، ولا بتعديلِ رواتِه.

(كَعَكْسِهِ) أي: عَكْسِ الحكمِ المذكورِ، وهوَ أنَّه إذَا أفتَى بخلافِ

ص: 263

مرويِّهِ، لا يقتضِي ذلكَ قدحًا في صحَّتِه، ولا في رواتِه؛ لإمكانِ أنْ يكونَ ذلكَ لمانعٍ من مُعَارِضٍ أو غيرِه، (وَضَحْ) صفةٌ لـ (عكسِ)، أو حالٌ منهُ.

[296]

(وَلا) يقتضِي صحَّةَ الحديثِ أيضًا علَى الأصحِّ، (بَقَاهُ) أي: بقاءُ الحديثِ (حَيْثُما الدَّوَاعِي) أي: الأسبابُ الدَّاعيةُ للبُطلانِ، (تُبْطِلُهُ) أي: ذلكَ الحديثَ، بأنْ تركَه ذوو الدَّواعِي معَ سماعِهم له آحادًا، (وَ) لا يقتضِي صحَّةَ الحديثِ أيضًا علَى الأصحِّ، (الْوَفْقُ) بالفتحِ أي: موافقةُ معنَاهُ (لِلإِجْمَاعِ) أي: للحكمِ المُجمَعِ عليهِ؛ لجوازِ أنْ يكونَ للإجماعِ مستندٌ آخرُ.

[297]

(وَلا) يقتضِي أيضًا صحَّتَه علَى الأصح (افْتِرَاقُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ) جمعُ كاملٍ، (مَا) زائدةٌ، (بَيْنَ مُحْتَجٍّ) بذلكَ الحديثِ، (وِ) بينَ (ذِي تَأَوُّلِ) أي: متأوِّلٍ لهُ.

298 -

وَيُقْبَلُ الْمَجْنُونُ إِنْ تَقَطَّعَا

وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إِفَاقَةٍ مَعَا]

[298]

(وَيُقْبَلُ الْمَجْنُونُ) أي: خبرُه، (إِنْ تَقَطَّعَا) أي: زالَ جنونُه، (وَ) الحالُ أنَّه (لَمْ يُؤَثِّرْ) الجنونُ، أي: لم يبقَ فيهِ علامةُ الجنونِ (فِي إِفَاقَةٍ) أي: في حالِ إفاقتِهِ، (مَعَا) أي: حالَ كونِ تقطُّعِ الجنونِ، وعدمِ تأثيرِه مجتمعَينِ في وقتٍ واحدٍ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ خبرَ المجنونِ مقبولٌ وقتَ إفاقتِه، إذا لم يبقَ أثرُ

ص: 264

الجنونِ فيهِ، وما تقدَّمَ من أنَّ المجنونَ لا يقبلُ محمولٌ على الجنونِ المُطبِقِ.

299 -

وَتَرَكُوا مَجْهُولَ عَيْنٍ: مَا رَوَى

عَنْهُ سِوَى شَخْصٍ وَجَرْحًا مَا حَوَى

300 -

[ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مَنْ عَنْهُ انْفَرَدْ

لَمْ يَرْوِ إِلَّا لِلْعُدُولِ: لا يُرَدّْ

[299]

(وَتَرَكُوا) أي: أكثرُ العلماءِ من أهلِ الحديثِ وغيرِهم، (مَجْهُولَ عَيْنٍ) أي: روايتَهُ، ثمَّ بيَّنَه بقولِه:(مَا) نافيةٌ، (رَوَى) أي: نَقَلَ (عَنْهُ) أي: عن ذلكَ المجهولِ، (سِوَى شَخْصٍ) واحدٍ، (وَجَرْحًا مَا) نافيةٌ (حَوَى) أي: جمَعَ، يعنِي أنَّه لم يُجرَحْ، والجملةُ حالٌ من «مجهولَ عينٍ»؛ أي: حالَ كونِه غيرَ مجروحٍ.

[300]

(ثَالِثُهَا) أي: الأقوالِ المرويَّةِ في قبولِ خبرِ المجهولِ العينِ، (إِنْ كَانَ مَنْ) أي: الرَّاوي الَّذي (عَنْهُ) أي: المجهولِ العينِ، (انْفَرَدْ) بالرِّوايةِ، (لَمْ يَرْوِ إِلَّا لِلْعُدُولِ) أي: عن العدولِ، (لا يُرَدّ) حديثُه.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ صاحبَ هذَا القولِ يقولُ بالتَّفصيلِ؛ فإنْ كانَ الرَّاوي المنفردُ بالرِّوايةِ عنهُ لا يروِي إلَّا عنِ العدولِ قُبِلَ، وذلكَ مثلُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مهديٍّ وَيَحْيَى بنِ سعيدٍ القطَّانِ ومالكٍ، رحمهم الله، ممَّنْ لا يروِي إلَّا عنِ الثِّقاتِ، وإلَّا لم يُقبَلْ.

ص: 265

301 -

رَابِعُهَا: يُقْبَلُ إِنْ زَكَّاهُ

حَبْرٌ وَذَا فِي نُخْبَةٍ رَآهُ

302 -

خَامِسُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ قَدْ شُهِرْ

بِمَا سِوَى الْعِلْمِ كَنَجْدَةٍ وَبِرّْ

[301]

(رَابِعُهَا) أي: الأقوالِ، أنَّه (يُقْبَلُ) مجهولُ العينِ (إِنْ زَكَّاهُ) أي: عدَّلَه، (حَبْرٌ) بالفتحِ، أي: عالمٌ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ مجهولَ العينِ يُقبَلُ إنْ زكَّاهُ عالمٌ من أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ غيرُ من انفرَدَ عنهُ، أو هوَ إنْ كانَ أهلًا لذلكَ، (وَذَا) أي: هذَا القولُ الرَّابعُ، (فِي نُخْبَةٍ) أي: في الكتابِ المسمَّى بـ «نخبةِ الفكرِ» ، (رَآهُ) أي: رجَّحَه مؤلِّفُها الحافظُ ابنُ حجرٍ، رحمه الله تبعًا لاختيارِ أبي الحسنِ بنِ القطَّانِ رحمه الله.

[302]

(خَامِسُهَا) أي: الأقوالِ، أي: يُقبلُ، (إِنْ كَانَ) أي: مجهولُ العينِ (مِمَّنْ قَدْ شُهِرْ) أي: من الَّذينَ اشتُهِرُوا بينَ النَّاسِ، (بِمَا سِوَى الْعِلْمِ) من الخِصالِ الجميلةِ؛ وذلكَ (كَنَجْدَةٍ) بفتحِ النُّونِ علَى المشهورِ، وهيَ الشَّجاعةُ، كاشتهارِ عمرِو بنِ مَعدِي كَرِبَ بهَا، (وَبِرّ) بالكسرِ، أي: الخيرِ، والفضلِ، وكاشتهارِ مالكِ بنِ دينارٍ بالزُّهدِ.

ص: 266

303 -

وَالثَّالِثُ] الأَصَحُّ: لَيْسَ يُقْبَلُ

مَنْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا يُجَهَّلُ

304 -

وَفِي الأَصَحِّ: يُقْبَلُ الْمَسْتُورُ: فِي

ظَاهِرِهِ عَدْلٌ وَبَاطِنٌ خَفِي

[303]

(وَالثَّالِثُ) من الأقوالِ في مسألةِ مجهولِ العدالةِ، (الأَصَحُّ) صفةٌ لهُ، أو بدلٌ منهُ، (: لَيْسَ يُقْبَلُ مَنْ) أي: الرَّاوِي الَّذي (بَاطِنًا وَظَاهِرًا يُجَهَّلُ) أي: يُنسَبُ إلى كونِه مجهولًا في باطنِه وظاهرِه.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ العلماءَ اختلَفُوا فيمَنْ جُهِلَتْ عدالتُه باطنً وظاهرًا، معَ كونِهِ معروفَ العينِ بروايةِ عدلينِ عنهُ على أقوالٍ.

[304]

(وَ) أمَّا المستورُ فـ (فِي الأَصَحِّ) من الأقوالِ (يُقْبَلُ الْمَسْتُورُ) أي: خبرُه، وهوَ:(فِي ظَاهِرِهِ عَدْلٌ) أي: هوَ عدلٌ في ظاهرِه، (وَبَاطِنٌ خَفِي).

وحاصلُ المعنَى: أنَّ الأصحَّ أنَّه يُقبَلُ خبرُ المستورِ، وهوَ الَّذي ثبتَتْ عدالتُه في الظَّاهِرِ دونَ الباطنِ.

ص: 267

305 -

[وَمَنْ عَرَفْنَا عَيْنَهُ وَحَالَهُ

دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبٍ مِلْنَا لَهُ

306 -

وَمَنْ يَقُلْ: «أَخْبَرَنِي فُلانٌ اوْ

هَذَا» لِعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا

307 -

فَإِنْ يَقُلْ: «أَوْ غَيْرُهُ» ، أَوْ يُجْهَلِ

بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا: لا تَقْبَلِ]

[305]

(وَمَنْ) شرطيَّةٌ أو موصولةٌ، (عَرَفْنَا عَيْنَهُ) بروايةِ عدلَينِ عنهُ، (وَحَالَهُ) بثُبوتِ عدالتِه باطنًا وظاهرًا، (دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبٍ) لهُ، أي: من غيرِ أنْ نعرِفَ اسمَه ونسبَه أو أحدَهُما، (مِلْنَا لَهُ) أي: عَدَلْنَا إلى قبولِه، بمعنَى أنَّنا نحتَجُّ بهِ.

[306]

(وَمَنْ) شرطيَّةٌ (يَقُلْ) من المحدِّثينَ: («أَخْبَرَنِي فُلانٌ) لشخصٍ سمَّاهُ، (اْوْ هَذَا») علَى الشَّكِّ (لِعَدْلَيْنِ) أي: حالَ كونِهِما كائنَينِ لعدلَينِ من الشُّيوخِ، (قَبُولَهُ رَأَوْا) أي: العلماءُ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذا قالَ الرَّاوِي: حدَّثَني فلانٌ، أو فلانٌ. علَى الشَّكِّ، وهما عدلانِ احْتُجَّ بروايتِه.

[307]

(فَإِنْ يَقُلْ) المحدِّثُ: أخبَرَني فلانٌ («أَوْ غَيْرُهُ»). بالإبهامِ، (أَوْ يُجْهَلِ بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا) من شيخَيهِ، يعنِي: أنَّه سمَّى شيخَيهِ بأنْ قالَ: فلانٌ أو فلانٌ. إلَّا أنَّ أحدَهُما جُهِلَت عدالتُه، (لا) ناهيةٌ، (تَقْبَلِ) أيُّها

ص: 268

المحدِّثُ ذلكَ الحديثَ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا سمَّاهُما، ولكنْ جُهِلَتْ عدالةُ أحدِهِما لم يُحتجَّ بهِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الخبرُ عن المجهولِ.

308 -

وَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلا

[ثَالِثُهَا: إِنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلا]

309 -

وَغَيْرُهُ: يُرَدُّ مِنْهُ [الرَّافِضِي]

وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِي

[308]

(وَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ) أي: شخصٌ كُفِّرَ بسببِ بدعةٍ ابتدَعَها، (لَنْ يُقْبَلا) الألفُ للإطلاقِ، أي: لم يُحتَجَّ بروايتِه مطلقًا، وعليهِ الجمهورُ، وقيلَ: يُقبَلُ مطلقًا، حكاهُ الخطيبُ عن جماعةٍ من أهلِ النَّقلِ، (ثَالِثُهَا) أي: الأقوالِ، (إِنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلا) الألفُ للإطلاقِ، أي: فلَنْ يُقبَلَ.

وحاصلُ هذَا القولِ: أنَّه يُفَصَّلُ بينَ ما إذَا اعتقَدَ حِلَّ الكذبِ، فَيُرَدُّ، أو لا فيُقبَلُ، وهذَا القولُ هوَ الَّذي صحَّحَه صاحبُ المحصولِ.

[309]

(وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ الكافرِ ببدعتِه، وهوَ الَّذي يفسقُ بهَا، (يُرَدُّ مِنْهُ) أي: من غيرِ الكافرِ، (الرَّافِضِي) أي: المبتدعُ الَّذي يُنسَبُ إلى الرَّفضِ، (وَ) يردُّ أيضًا من المبتدِعةِ غيرِ المُكَفَّرينَ، (مَنْ دَعَا) أي: المبتدعُ الَّذي يدعُو النَّاسَ إلى بدعتِه، (وَمَنْ سِوَاهُمْ) أي: غيرُ مَن ذكَرْنا من الرَّافضةِ، والدُّعاةِ، (نَرْتَضِيْ) أيُّها المحقِّقونَ.

ص: 269

310 -

قَبُولُهُمْ [لا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا

لِرَأْيِهِمْ، أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا]

311 -

وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ

أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبَلِ

312 -

وَالصَّيْرَفيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ أَبَوْا

قَبُولَهُ مُؤَبَّدًا، ثُمَّ نَأَوْا

[310]

(قَبُولُهُمْ) أي: قبولُ روايتِهِم، (لا) نقبلُهم، (إِنْ رَوَوْا) أي: المبتدعةُ، (وِفَاقَا) أي: موافقًا مقوِّيًا، (لِرَأْيِهِمْ) الباطلِ، (أَبْدَى) أي: أظهرَ هذَا التَّفصيلَ الحَسَنَ، الحافظُ (أَبُو إِسْحَاقَا) بألفِ الإطلاقِ، الجُوزَجَانيُّ، إبراهيمُ بنُ يعقوبَ رحمه الله.

[311]

(وَمَنْ) شرطيَّةٌ، (يَتُبْ) أي: يرجِعْ إلَى اللهِ تعالَى، (عَنْ فِسْقِهِ) السَّابقِ الَّذي تسبَّبَ لردِّ روايتِه، (فَلْيُقْبَلِ) أي: يُقبلْ حديثُه، ويُعمَلْ بهِ، (أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ) أي: مَن يَتُبْ عَنِ الكذبِ في الحديثِ النَّبويِّ مطلقًا في الفضائلِ، أو الأحكامِ، أو غيرِهِما، (فَابْنُ حَنْبَلِ) أي: أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ رحمه الله.

[312]

(وَ) العلَّامةُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ (الصَّيْرَفيُّ) رحمه الله، (وَ) أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ (الْحُمَيْدِيُّ) رحمه الله، (أَبَوْا) أي: امتنَعُوا، (قَبُولَهُ)

ص: 270

أي: قبولَ روايتِه، (مُؤَبَّدًا) حالٌ من الإِباءِ، أي: حالَ كونِ الإباءِ مؤبَّدًا، أي: ولو تابَ وحَسُنَتْ توبتُه، (ثُمَّ) إنَّهم بعدَ ما أَبَوْا قبولَهُ، وإنْ تابَ، (نَأَوْا) أي: ابتَعَدُوا أيضًا.

313 -

عَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاهُ

[وَالنَّوَوِيُّ كُلَّ ذَا أَبَاهُ

314 -

وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ

دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ]

[313]

(عَنْ) قبولِ (كُلِّ مَا) أي: الحديثِ الَّذي (مِنْ قَبْلِ ذَا) أي: كَذِبِهِ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، (رَوَاهُ) هذَا التَّائبُ، يعنِي: أنَّهم أبَوْا قبولَ روايتِه قبلَ أنْ يُحْدِثَ الكذبَ عليهِ صلى الله عليه وسلم، (وَ) لكنَّ الإمامَ أبا زكريَّا (النَّوَوِيَّ) رحمه الله، (كُلَّ ذَا) أي: كلَّ ما تقدَّمَ ممَّا قالَه هؤلاءِ الأئمَّةُ، (أَبَاهُ) أي: كَرِهَه، وامتَنَعَ من قَبولِه.

[314]

(وَمَا) أي: الَّذي (رَآهُ الأَوَّلُونَ) وهم أحمدُ، والحُمَيديُّ، والصَّيرفيُّ رحمهم الله من عدمِ قبولِ روايتِه بعدَ التَّوبةِ، (أَرْجَحُ) أي: أكثرُ رُجْحانًا ممَّا رآهُ النَّوويُّ رحمه الله من القبولِ، (دَلِيلُهُ) أي: شاهدُ أرجحيَّتِهِ، (فِي شَرْحِنَا) أي: في الكتابِ المُسَمَّى «تدريبَ الرَّاوِي، بشرحِ تقريبِ النَّواوي» ، (مُوَضَّحُ) أي: مُبيَّنٌ.

ص: 271

315 -

وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى [فَالأَصَحّْ]

إِسْقَاطُهُ، لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ

316 -

أَوْ قَالَ: لا أَذْكُرُهُ. وَنَحْوَ ذا

كَأَنْ نَسِي: فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذا

[315]

(وَمَنْ نَفَى) أي: كذَّبَ صريحًا، (مَا) أي: الحديثَ الَّذي (عَنْهُ يُرْوَى) أي: ينقَلُ عنهُ، كمَا إذَا روَى ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا، وَرُوجِعَ المرويُّ عنهُ فيهِ، فنفَاه صريحًا بقولِه: كَذَبَ عَلَيَّ. أو: ما روَيْتُه. (فَالأَصَحّ) أي: القولُ المختارُ عندَ المتأخِّرينَ وفاقًا لابنِ الصَّلاحِ، والنَّوويِّ -رحمهما الله-، (إِسْقَاطُهُ) أي: إسقاطُ ذلكَ الحديثِ، فلا يُعمَلُ بهِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذا روَى ثقةٌ من الثِّقاتِ حديثًا، فنفَاهُ المرويُّ عنه لَمَّا رُوجِعَ، فإنْ كانَ جازمًا بنفيِه بأنْ قالَ: ما روَيْتُه. أو: كَذَبَ عَلَيَّ. ونحوَهُ، فالمختارُ وجوبُ ردِّهِ؛ لتعارضِ قولِهِما.

(لَكِنْ بِفَرْعٍ) وهوَ الرَّاوي، (مَا) نافيةٌ، (قَدَحْ) أي: النَّفيُ، أي: ما أثبتَ جرحَهُ.

[316]

(أَوْ قَالَ) الشَّيخُ: (لا أَذْكُرُهُ) أي: هذَا المرويَّ، (وَنَحْوَ ذا) أي: قالَ الشَّيخُ نحوَ: «لا أذكرُه» . من الألفاظِ الَّتي لا تَقتَضِي الجزمَ بالنَّفيِ كقولِه: «لا أعرِفُه» . أو: «لا أدرِي» . (كَأَنْ نَسِي) أي: مثلَ ما إذَا حدَّثَ فنَسِيَ، (فَـ) في كلِّ ذلكَ، (صَحَّحُوا) أي: جمهورُ المحدِّثينَ، (أَنْ) مصدريَّةٌ (يُؤْخَذَا) والألفُ للإطلاقِ، أي: أنْ يُعمَلَ بذلكَ الحديثِ.

ص: 272

317 -

وَآخِذٌ أَجْرَ الْحَدِيثِ يَقْدَحُ

جَمَاعَةٌ، وَآخَرُونَ سَمَحُوا

318 -

وَآخَرُونَ جَوَّزُوا لِمَنْ شُغِلْ

عَنْ كَسْبِهِ، فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبِلْ

[317]

(وَآخِذٌ) أي: رَاوٍ آخذٌ، (أَجْرَ الْحَدِيثِ) أي: أجرَ روايةِ الحديثِ، (يَقْدَحُ) أي: يَعيبُه وينقصُه، (جَمَاعَةٌ) أي: إنَّ مَن أخذَ أجرًا علَى التَّحديثِ قدحَ جماعةٌ من العلماءِ في روايتِه، منهُم الإمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بنُ راهوَيْهِ، وأبو حاتمٍ الرازيُّ، رحمهم الله، (وَآخَرُونَ) من المحدِّثينَ، (سَمَحُوا) أي: سهَّلُوا في أخذِ الأجرةِ علَى التَّحديثِ ترخُّصًا؛ للفقرِ والحاجةِ.

[318]

(وَآخَرُونَ) من العلماءِ، أي: وهم المُحقِّقونَ، (جَوَّزُوا) أخذَ الأجرةِ علَى التَّحديثِ، (لِمَنْ شُغِل) أي: مُنِعَ، (عَنْ كَسْبِهِ) أي: لمَنْ كانَ مشغولًا بسببِ التَّحديثِ عن الكسبِ لنفسِه وعيالِه، (فَاخْتِيرَ هَذَا) القولُ المُفَصِّلُ، (وَقُبِل)؛ لتوسُّطِه بينَ القولَينِ السَّابقينِ.

ص: 273

319 -

مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأَدَا

كَنَوْمٍ اوْ كَتَرْكِ أَصْلِهِ ارْدُدَا

320 -

وَقَابِلَ التَّلْقِينِ وَالَّذِي كَثُرْ

شُذُوذُهُ أَوْ سَهْوُهُ حَيْثُ أَثَرْ

321 -

مِنْ حِفْظِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كُبَرْ

وَمَنْ يُعَرَّفْ وَهْمَهُ ثُمَّ أَصَرّْ

[319]

(مَنْ) شرطيَّةٌ (يَتَسَاهَلْ) أي: يتسامَحْ، (فِي السَّمَاعِ) أي: في حالِ سماعِهِ للحديثِ من شيخِه، (وَالأَدَا) الواوُ بمعنَى «أو» أي: أدائِه إلى من يروِي عنهُ، (كَنَوْمٍ) أي: كتساهُلِه بسببِ نومٍ في مجلسِ سماعِه، (اوْ كَـ) تساهُلِه بـ (تَرْكِ أَصْلِهِ) أي: كتابِه الَّذي فيهِ سماعُه، المُقابَلِ بأصلٍ صحيحٍ، أو أصلِ شيخِه، (ارْدُدَا) أي: فاردُدَنَّ أيُّها المحدِّثُ روايتَهُ.

[320]

(وَ) اردُدْ أيضًا (قَابِلَ التَّلْقِينِ) أي: الشَّخصَ الَّذي يَقبَلُ التَّلقينَ، وهوَ أنْ يُلَقَّنَ الشَّيءَ، فيُحدِّثَ بهِ من غيرِ أنْ يعلمَ أنَّه من حديثِه، (وَ) اردُدَنَّ أيضًا روايةَ الشَّخصِ (الَّذِي كَثُرْ) أي: غلبَ (شُذُوذُهُ) أي: تفرُّدُه بروايةِ شاذٍّ أو منكرٍ، (أَوْ) كَثُرَ (سَهْوُهُ حَيْثُ أَثَرْ) أي: حدَّثَ.

[321]

(مِنْ حِفْظِهِ) لا من كتابِه، بأنْ لم يحدِّثْ من أصلٍ صحيحٍ، يعنِي: أنَّ الَّذي يكثرُ سهوُه إذَا حدَّثَ من حفظِه تردُّ روايتُه، وقُيِّدَ بما إذَا

ص: 274

حدَّثَ من حفظِه؛ لأنَّه إنْ حدَّثَ من أصلٍ صحيحٍ لا يردُّ، إذْ لا عبرةَ بكثرةِ سهوِه حينَئذٍ؛ لأنَّ الاعتمادَ علَى الأصلِ لا علَى حفظِه، (قَالَ جَمَاعَةٌ) من العلماءِ (كُبَرْ) بضمٍّ ففتحٍ؛ كالإمامِ أحمدَ، وابنِ المباركِ، والحميديِّ رحمهم الله، (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (يُعَرَّفْ) من التَّعريفِ، (وَهْمَهُ) بسكونِ الهاءِ، أي: غَلَطَه، (ثُمَّ) بعدَ أنْ يُبَيَّنَ لهُ، (أَصَرّ) أي: ثَبَتَ علَى غلطِه.

322 -

يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَى وَقَيَّدَا

[بِأَنْ يُبِينَ عَالِمٌ] وَعَانَدَا

[322]

(يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَى).

وحاصلُ المعنَى: أنَّ مَنْ بُيِّنَ لهُ غلطُه في حديثٍ ولو مرَّةً واحدةً، فأصرَّ علَى روايتِه ولم يرجِعْ، سقطَتْ رواياتُه كلُّها، (وَقَيَّدَا) والألفُ للإطلاقِ، أي: قَيَّدَ ما قالَه هؤلاءِ الأئمَّةُ بعضُ المتأخِّرينَ، (بِأَنْ يُبِينَ) من الإبانةِ، وهوَ الإظهارُ، أي: يُظهِرَ لهُ وَهْمَه، (عَالِمٌ) بالفنِّ عندَ ذلكَ الواهمِ، (وَعَانَدَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: خالَفَ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّهُ إنَّما يردُّ بالمعاندةِ إذا بيَّنَ لهُ عالمٌ بالفنِّ عندَه، فلم يرجِعْ، وأمَّا إذَا لم يثبُتْ عندَه أهليَّةُ الرَّادِّ فلا؛ لأنَّ المعاندَ كالمستخفِّ بالحديثِ بترويجِ قولِهِ بالباطلِ.

ص: 275

323 -

وَأَعَرَضُوا فِي هَذِهِ الأَزمَانِ

عَنِ اعْتِبارِ هَذِهِ الْمَعَانِي

324 -

لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَادِ

صَارَ بَقَا سَلْسَلَةِ الإِسْنَادِ

325 -

فَلْيُعْتَبَرْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتْرُ

وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتٌ بَرُّ

326 -

وَلْيَرْوِ مِنْ مُوَافِقٍ لأَصْلِ

شُيُوخِهِ فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ

[323]

(وَأَعَرَضُوا) أي: ترَكُوا، أي: العلماءُ المحدِّثونَ وغيرُهم ترَكُوا، (فِي هَذِهِ الأَزمَانِ) المتأخِّرةِ، (عَنِ اعْتِبارِ هَذِهِ الْمَعَانِي) أي: اجتماعِ هذهِ الأوصافِ المتقدِّمةِ في الرَّاوِي، بل تسامَحُوا فيهَا.

[324]

(لِعُسْرِهَا) أي: مشقَّةِ وجودِهَا في الرَّاوي وافيةً، (مَعْ) بسكونِ العينِ، (كَوْنِ ذَا الْمُرَادِ) أي: المقصودِ الآنَ من طلبِ الحديثِ، (صَارَ بَقَا سَلْسَلَةِ الإِسْنَادِ) أي: اتِّصالِ بعضِه ببعضٍ.

[325]

(فَلْيُعْتَبَرْ) أي: فإذَا كانَ المقصودُ ذلكَ فلْيُعتبَرْ من الشُّروطِ ما يليقُ بالمرادِ المذكورِ، وهوَ (تَكْلِيفُهُ) أي: كونُ الرَّاوي مكلَّفًا، أي

ص: 276

بالغًاعاقلًا، (وَالسَّتْرُ). أي: كونُه مستورَ الحالِ، وهوَ أنْ لا يكونَ متظاهرًا بالفسقِ، أو السَّخَفِ الذي يُخِلُّ بالمروءةِ، (وَمَا) أي: الحديثُ الَّذي (رَوَى) أي: نقَلَه وحَفِظَه، (أَثْبَتَـ) هُ (ثَبْتٌ) بسكونِ الباءِ، أي: ثقةٌ متثبِّتٌ في روايتِه، (بَرُّ) أي: صادقٌ، أو تَقِيٌّ، يعنِي: أنَّ ما رواهُ يكونُ ثَابِتًا بخطِّ ثقةٍ غيرِ متَّهَمٍ، سواءٌ الشَّيخُ، أو القارِئُ أو بعضُ السَّامعينَ، وسواءٌ كُتِبَ علَى الأصلِ، أم في ثَبَتٍ بيدِه إذَا كانَ الكاتبُ ثقةً من أهلِ الخِبْرَةِ بهذَا الشَّأنِ.

[326]

(وَلْيَرْوِ) حينَ يحدِّثُ، (مِنْ) أصلٍ صحيحٍ، (مُوَافِقٍ لأَصْلِ شُيُوخِهِ فَذَاكَ) أي: ما ذكَرْناه، (ضَبْطُ الأَهْلِ) أي: الضَّبطُ المعتبرُ لأهلِ الحديثِ في الأعصارِ المتأخِّرةِ بخلافِ الضَّبطِ في المتقدِّمينَ.

ص: 277

‌مَرَاتِبُ التَّعدِيلِ، والتَّجرِيحِ

أي: هذَا مبحثُهما، وجمَعَهُمَا في بابٍ؛ لتقابُلِهِما، وقدَّمَ التَّعديلَ لشرفِه؛ وليُوازِيَ البابَ الَّذي قبلَه؛ لأنَّهما من تتمَّاتِه؛ ولذَا جعلَه غيرُه من تتمَّةِ النَّوعِ الماضِي، لا نوعًا مستقِلًّا.

327 -

وَأَرْفَعُ الأَلْفَاظِ فِي التَّعْدِيلِ

[مَا جَاءَ فِيهِ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ

328 -

كَـ «أوْثَقِ النَّاسِ» وَمَا أَشْبَهَهَا

أَوْ نَحْوِهِ نَحْوُ «إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى» ]

[327]

(وَأَرْفَعُ الأَلْفَاظِ) أي: أعْلَى الصِّيغِ، (فِي التَّعْدِيلِ) أي: نسبةِ الرَّاوِي إلى العدالةِ، (مَا جَاءَ فِيهِ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ)؛ لدلالتِه على المبالغةِ في التَّعديلِ.

[328]

(كَـ «أوْثَقِ النَّاسِ») أي: كقولِهِم: فلانٌ أوثَقُ النَّاسِ. (وَمَا أَشْبَهَهَا) أي: ما أشبَهَ «أوثقُ النَّاسِ» كأثبَتِ النَّاسِ، أي: حفظًا وعدالةً، (أَوْ نَحْوِهِ) أي: نحوِ أفعلِ التَّفضيلِ، ممَّا يفيدُ الزِّيادةَ والمبالغةَ في الوصفِ، (نَحْوُ): فلانٌ («إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى») في التَّثبُّتِ.

ص: 278

329 -

ثُمَّ الَّذِي كُرِّرَ مِمَّا يُفْرَدُ

بَعْدُ بِلَفْظٍ أَوْ بِمَعْنًى يُورَدُ

330 -

يَلِيهِ ثَبْتٌ مُتْقِنٌ أو ثِقَةُ

أَوْ حَافِظٌ أَوْ ضَابِطٌ أَوْ حُجَّةُ

331 -

ثُمَّ «صَدُوقٌ» أَوْ فـ «مَأْمُونٌ» وَ «لا

بَأْسَ بِهِ» كَذَا «خِيَارٌ» وَتَلا

[329]

(ثُمَّ) اللَّفظُ (الَّذِي كُرِّرَ) مرَّتينِ فأكثرَ، (مِمَّا يُفْرَدُ بَعْدُ) أي: من اللَّفظِ الَّذي يُذكَرُ مفردًا، (بِلَفْظٍ) أي: سواءٌ كانَ كُرِّرَ بلفظِه، كـ: ثبتٌ ثبتٌ، وثقةٌ ثقةٌ، وحجَّةٌ حجَّةٌ، (أَوْ) كُرِّرَ (بِمَعْنًى) كـ: ثقةٌ ثبتٌ، وحافظٌ حجَّةٌ، وضابطٌ متقِنٌ، (يُورَدُ) أي: يؤتَى بهِ بعدَ الأوَّلِ للتَّأكيدِ.

[330]

(يَلِيهِ) أي: يلِي ما ذُكِرَ من المرتبةِ الثَّانيةِ، فلانٌ (ثَبْتٌ) بسكونِ الباءِ الموحَّدةِ، وفلانٌ (مُتْقِنٌ) من الإتقانِ، وهوَ الإحكامُ، (أو) فلانٌ (ثِقَةٌ) من الوثوقِ، وهوَ الاعتِمادُ، أي: معتَمَدٌ عليهِ، (أَوْ) فلانٌ (حَافِظٌ) من الحفظِ، (أَوْ) فلانٌ (ضَابِطٌ) من الضَّبطِ، وهو الحفظُ البليغُ، (أَوْ) فلانٌ (حُجَّةٌ). فهذهِ كلُّها في مرتبةٍ واحدةٍ، وهيَ الثَّالثةُ.

[331]

(ثُمَّ) يلِي ما تقدَّمَ قولُهم: فلانٌ («صَدُوقٌ») بفتحِ الصَّادِ، وصفٌ لهُ بالصِّدقِ علَى سبيلِ المبالغةِ، (أَوْ فـ) لانٌ (مَأْمُونٌ) الفاءُ زائدةٌ،

ص: 279

(وَ) فلانٌ («لا بَأْسَ بِهِ») أو ليسَ بهِ بأسٌ، و (كَذَا) قولُهم: فلانٌ («خِيَارٌ») بكسرٍ ففتحٍ: أي: من خيارِ النَّاسِ، فهذهِ الألفاظُ كلُّها في مرتبةٍ واحدةٍ.

(وَتَلا) أي: تَبِعَ ما تقدَّمَ في المرتبةِ مَن قِيلَ فيهِ.

332 -

«مَحَلُّهُ الصِّدْقُ» «رَوَوْا عَنْهُ» «وَسَطْ»

شَيْخٌ مُكَرَّرَيْنِ أَوْ فَرْدًا فَقَطْ

333 -

وَ «جَيِّدُ الْحَدِيثِ» أَوْ «يُقَارِبُهْ»

«حَسَنُهُ» «صَالِحُهُ» «مُقَارَبُهْ»

[332]

(«مَحَلُّهُ الصِّدْقُ») أي: مرتبتُه مطلقُ الصِّدقِ، أو قيلَ فيهِ: فلانٌ («رَوَوْا عَنْهُ»). أو: روَى النَّاسُ عنهُ. أو: يُرْوَى عنهُ. أو: فلانٌ («وَسَطْ») بفتحتَينِ، ومعناهُ: المعتدِلُ، أي: بينَ الجيِّدِ والرَّديءِ، وفلانٌ (شَيْخٌ مُكَرَّرَيْنِ) حالٌ من (وَسَط)، و (شيخٌ) أي: حالَ كونِهِما مذكورَينِ معًا، بأنْ يُقالَ: شيخٌ وسَطٌ. (أَوْ فَرْدًا) أي: مفردَينِ بأنْ ذُكِرَ كلٌّ منهُما منفرِدًا، (فَقَطْ) أي: فحَسْبُ، مثلُ: فلانٌ وسطٌ. و: فلانٌ شيخٌ.

[333]

(وَ) فلانٌ («جَيِّدُ الْحَدِيثِ»). أي: حسنُ الحديثِ، (أَوْ) فلانٌ («يُقَارِبُهْ») بكسرِ الرَّاءِ، أي: حديثُه يقارِبُ حديثَ غيرِه، بمعنَى أنَّ حديثَهُ ليسَ شاذًّا، ولا منكَرًا، وفلانٌ («حَسَنُهُ») أي: الحديثِ، وفلانٌ («صَالِحُهُ») أي: الحديثِ، وفلانٌ («مُقَارَبُهْ») بفتحِ الرَّاءِ، أي: يقاربُه حديثُ غيرِه.

ص: 280

334 -

[وَمِنْهُ «مَنْ يُرْمَى بِبِدْعٍ» أَوْ يُضَمّْ

إِلَى «صَدُوقٍ» «سُوءُ حِفْظٍ أَوْ وَهَمْ» ]

335 -

يَلِيهِ مَعْ مَشِيئَةٍ «أَرْجُو بِأَنْ

لا بَأْسَ بِهْ «صُوَيْلِحٌ» [«مَقْبُولُ عَنّْ»]

[334]

(وَمِنْهُ) أي: ممَّا تلَا المرتبةَ الرَّابعةَ من المَوصوفينَ بالألفاظِ المذكورةِ، («مَنْ يُرْمَى) أي: الشَّخصُ الَّذي يُقذَفُ، (بِبِدْعٍ») بكسرِ الباءِ وفتحِ الدَّالِ، إلَّا أنَّه سكَّنَها هنا للضَّرورةِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ مِن هذهِ المرتبةِ مَن يُرمَى بتَلَبُّسِهِ بِبِدعَةِ ضلالةٍ، كالتَّشيُّعِ، والقَدَرِ، والنَّصْبِ، والإرجاءِ، والتَّجهُّمِ، (أَوْ) مَن (يُضَمُّ إِلَى) وصفِه بـ («صَدُوقٍ») أو («سُوءُ حِفْظٍ) أي: الوصفُ بسوءِ الحفظِ، بأنْ يُقالَ: فلانٌ صدوقٌ، سيِّئُ الحفظِ (أَوْ)، يُضَمُّ إلى «صدوقٍ» أيضًا (وَهَمْ») بفتحتَينِ، أي: غلطٌ، أي: الوصفُ بالوَهَمِ، بأنْ يُقالَ: فلانٌ صدوقٌ يَهِمُ. أو صدوقٌ لهُ أوهامٌ. فكلُّ هذهِ الألفاظِ في مَرتَبَةِ: محلُّه الصِّدقُ، وهيَ الخامسةُ.

[335]

(يَلِيهِ) أي: يلِي ما ذُكِرَ في المرتبةِ الخامسةِ المرتبةُ السَّادسةُ الَّتي فيهَا قولُهم: (مَعْ) بسكونِ العينِ لغةٌ في الفتحِ، (مَشِيئَةٍ) أي: مع ضمِّ

ص: 281

لفظِ: إنْ شاءَ اللهُ: فلانٌ (أَرْجُو بِأَنْ لا بَأْسَ بِهْ) بسكونِ الهاءِ؛ للوزنِ، وكذَا: صدوقٌ إنْ شاءَ اللهُ. وقولُهم: فلانٌ (صُوَيْلِحٌ) إنْ شاءَ اللهُ. تصغيرُ صالحٍ، وفلانٌ (مَقْبُولُ) إنْ شاءَ اللهُ. بلا تنوينٍ للوزنِ، (عَنّ) بتشديدِ النُّونِ، خُفِّفَتْ هنا للوزنِ، أي: ظَهَرَ عَدُّ هذهِ الألفاظِ في المرتبةِ السَّادسةِ.

336 -

وَأَسْوَأُ التَّجْرِيحِ مَا قَدْ وُصِفَا

«بِكَذِبٍ» وَ «الْوَضْعِ» كَيْفَ صُرِّفَا

337 -

ثُمَّ بِذَيْنِ «اتَّهَمُوا» «فِيهِ نَظَرْ»

وَ «سَاقِطٌ» وَ «هَالِكٌ» «لا يُعْتَبَرْ»

[336]

(وَأَسْوَأُ) أوصافِ (التَّجْرِيحِ مَا قَدْ وُصِفَا) يعنِي: أنَّ أقبحَ أوصافِ الجرحِ هوَ الوصفُ، («بِكَذِبٍ» وَ «الْوَضْعِ») أو بأحدِهِما، (كَيْفَ صُرِّفَا) أي: حالَ كونِهِما مُصَرَّفَينِ علَى أيِّ كيفيةٍ بأيِّ عبارةٍ كانَ، كـ: أكذبِ النَّاسِ، وكذَا قولُهم: إليهِ المنتهَى في الوضعِ. و: هوَ ركنُ الكذبِ. ونحوِ ذلكَ.

[337]

(ثُمَّ) تلِي المرتبةُ الثَّانيةُ في النَّظمِ؛ فلانٌ (بِذَيْنِ) أي: الكذبِ والوضعِ، متعلِّقٌ بـ («اتَّهَمُوا») أي: ظنُّوه بهِما، وفلانٌ («فِيهِ نَظَرْ») فقَطْ أطلَقَه البخاريُّ رحمه الله فيمَنْ ترَكُوا حديثَه، (وَ) فلانٌ («سَاقِطٌ» وَ) فلانٌ («هَالِكٌ»)، وفلانٌ («لا يُعْتَبَرْ») بهِ عندَ المحدِّثينَ، أو لا يُعتبَرُ بحديثِهِ.

ص: 282

338 -

وَ «ذَاهِبٌ» وَ «سَكَتُوا عَنْهُ» تُرِكْ

وَ «لَيْسَ بِالثِّقَةِ» بَعْدَهُ سُلِكْ

339 -

«أَلْقَوْا حَدِيثَهُ» «ضَعِيفٌ جِدّا»

«ارْمِ بِهِ» «وَاهٍ بِمَرَّهْ» «رُدّا»

340 -

«لَيْسَ بِشَيءٍ» ثُمَّ «لا يُحْتَجُّ بِهْ»

كَـ «مُنْكَرِ الْحَدِيثِ» أَوْ «مُضْطَرِبِهْ»

[338]

(وَ) فلانٌ («ذَاهِبٌ») أو ذاهبُ الحديثِ، (وَ) فلانٌ («سَكَتُوا عَنْهُ») فقَطْ أطلَقَه البخاريُّ رحمه الله فيمَنْ ترَكُوا حديثَه، وفلانٌ (تُرِكْ) أي: حديثُه، أو: متروكُ الحديثِ، أو: ترَكُوه، (وَ) فلانٌ («لَيْسَ بِالثِّقَةِ») أو: غيرُ ثقةٍ، ولا مأمونٍ. ونحوُ ذلكَ.

(بَعْدَهُ) أي: بعدَ ما تقدَّمَ من الألفاظِ في المراتبِ السَّابقةِ (سُلِكْ).

[339]

(«أَلْقَوْا حَدِيثَهُ») أي: أُدخِلَ في المرتبةِ التَّاليَةِ، ومعنَى «ألقَوْا حديثَهُ» أي: طرَحُوه، وكذَا: فلانٌ مطروحٌ، أو مطروحُ الحديثِ، وفلانٌ («ضَعِيفٌ جِدًّا») أي: بلَغَ الغايةَ في الضَّعفِ، وفلانٌ («ارْمِ بِهِ») أمرٌ من الرَّميِ، أوِ ارْمِ بحديثِه، وفلانٌ («وَاهٍ بِمَرَّهْ») أي: قولًا واحدًا لا تردُّدَ فيهِ، («رُدّا») الألفُ للإطلاقِ، أو رَدُّوا حديثَه، أو مردودُ الحديثِ، وفلانٌ.

[340]

(«لَيْسَ بِشَيءٍ») أو لا يُساوِي شيئًا، أو لا شيءَ، أو لا يُساوِي

ص: 283

فَلْسًا، ونحوُ ذلكَ، ثمَّ أشارَ إلى المرتبةِ الرَّابعةِ في النَّظمِ بقولِه:

(ثُمَّ) بعدَ هذهِ المرتبةِ، فلانٌ («لا يُحْتَجُّ بِهْ»)، وفلانٌ مجهولٌ (كَـ «مُنْكَرِ الْحَدِيثِ») أي: كإطلاقِهِم علَى الرَّاوي أنَّه منكَرُ الحديثِ، أو حديثُه منكرٌ، أو لهُ مناكيرُ، أو لهُ ما يُنكَرُ، (أَوْ «مُضْطَرِبِهْ») أي: مضطربِ الحديثِ.

341 -

«وَاهٍ» «ضَعِيفٌ» «ضَعَّفُوا» يَلِيهِ

«ضُعِّفَ» أَوْ «ضُعْفٌ» «مَقَالٌ فِيهِ»

342 -

«يُنْكِرْ وَيُعْرفْ» «فِيهِ خُلْفٌ» «طَعَنُوا»

«تَكَلَّمُوا» «سَيِّئُ حِفْظٍ» «لَيِّنُ»

[341]

وفلانٌ («وَاهٍ») أي: ضعيفٌ، وفلانٌ («ضَعِيفٌ») من غيرِ تقييدِهِما بمرَّةٍ ولا بِجِدًّا، وفلانٌ («ضَعَّفُوا») روايتَهُ، فهذِه كلُّها في مرتبةٍ واحدةٍ، ثمَّ ذكرَ المرتبةَ الخامسةَ في النَّظمِ بقولِه:

(يَلِيهِ) أي: ما تقدَّمَ من الألفاظِ، («ضُعِّفَ») أي: ضعَّفَه أهلُ الحديثِ، (أَوْ) فيهِ («ضُعْفٌ») بضمِّ الضَّادِ وفتحِهَا، أو في حديثِهِ ضعفٌ، وفلانٌ («مَقَالٌ فِيهِ») أو فيهِ أدنَى مقالٍ.

[342]

وفلانٌ («يُنْكِرْ وَيُعْرفْ») بضمِّ الياءِ فيهِما، أي: يأتِي مرَّةً بالمناكيرِ، ومرَّةً بالمشاهيرِ، وفي نسخةٍ:«تُنكرْ وتَعرِفْ» ، ومعنَاهُ: تُنكِرُ أيُّها المحدِّثُ ما يأتِي به مرَّةً، وتَعرِفُ منهُ أخرَى؛ لكونِه يأتِي بالمناكيرِ

ص: 284

والمشاهيرِ، وفلانٌ («فِيهِ خُلْفٌ») بضمٍّ فسكونٍ، أي: خلافٌ بيَّنَ الحفَّاظُ في حديثِه، وفلانٌ اختُلِفَ فيهِ، وفلانٌ («طَعَنُوا») فيهِ، أو مطعونٌ فيهِ، وفلانٌ (تَكَلَّمُوا) فيه.

وكذَا: سكَتُوا عنه. أو: فيهِ نظرٌ. من غيرِ البخاريِّ، وأمَّا عندَهُ فقد تقدَّمَ، وفلانٌ:(سَيِّئُ حِفْظٍ). وفلانٌ («لَيِّنُ») بفتحِ اللَّامِ وتشديدِ الياءِ، يُكتَبُ حديثُه، ويُنظَرُ فيهِ اعتبارًا.

343 -

«لَيْسَ بِحُجَّةٍ» أَوِ «الْقَوِيِّ»

«بِعُمْدَةٍ» «بِذَاكَ» «بِالْمَرْضِيِّ»

[343]

وفلانٌ («لَيْسَ بِحُجَّةٍ» أَوْ) ليسَ بـ («الْقَّوِيِّ») أو المتينِ، أو المأمونِ، وفلانٌ ليسَ («بِعُمْدَةٍ») أي: لا يُعتمَدُ عليهِ، وفلانٌ ليسَ («بِذَاكَ») أو فلانٌ ليسَ («بِالْمَرْضِيِّ») أو ليسَ يحمَدُونَه، أو ليسَ بالحافظِ.

ص: 285

‌تَحَمُّلُ الحَدِيثِ

وهوَ النَّوعُ الثَّامنُ والثَّلاثونَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

344 -

وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِبًا قَدْ حَمَلَا

[أَوْ فِسْقِهِ] ثُمَّ رَوَى إِذْ كَمُلَا

345 -

يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُشْتَهِرُ

لا سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ

[344]

(وَمَنْ بِكُفْرٍ) أي: في حالةِ كفرِه، أو معَ كفرِه، (أَوْ صِبًا) بكسرٍ ففتحٍ، أي: في حالةِ صغرِهِ، (قَدْ حَمَلَا) الألفُ للإطلاقِ، أي: نقَلَ الحديثَ، (أَوْ) حَمَل في حالِ (فِسْقِهِ ثُمَّ رَوَى) ما حمَلَه، (إِذْ كَمُلَا) أي: وقتَ كمالِهِ بالإسلامِ، والبلوغِ، والتَّوبةِ.

[345]

(يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ) أي: يَقبَلُ روايتَهُ أكثرُ أهلِ الحديثِ، (وَالْمُشْتَهِرُ) من أقوالِ العلماءِ:(لا سِنَّ لِلْحَمْلِ) أي: عدمُ اعتبارِ سنٍّ معيَّنٍ في تحمُّلِ الحديثِ، (بَلِ الْمُعْتَبَرُ) في ذلكَ:

ص: 286

346 -

تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا

قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا

347 -

وَمَا رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ

وَنَجْلِ هَارُونَ عَلَى ذَا [نَزِّلِ]

[346]

(تَمْيِيزُهُ) أي: كونُ الصَّبيِّ مميِّزًا، وإنْ كانَ دونَ خمسٍ، وإلَّا لم يصِحَّ، (أَنْ يَفْهَمَ) الصَّبيُّ (الْخِطَابَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: مخاطبةَ النَّاسِ لهُ، (قَدْ ضَبَطُوا) أي: ضبطَ العلماءُ وقتَ التَّحمُّلِ بفهمِ الخطابِ، (وَرَدُّهُ الْجَوَابَا) أي: ردُّهُ جوابًا لمَنْ خاطَبَه.

[347]

(وَمَا رَوَوْا) أي: نقلَ العلماءُ، (عَنْ) الإمامِ أبي عبدِ اللهِ (أَحْمَدَ) بنِ محمدِ (ابنِ حَنْبَلِ) الشَّيبانيِّ رحمه الله، وهوَ أنَّه سُئِلَ: متَى يسمَعُ الصَّبيُّ الحديثَ؟ فقالَ: إذَا عَقَلَ، وضبَطَ.

(وَ) كذَا ما رُوِيَ عن موسَى (نَجْلِ) أي: ابنِ (هَارُونَ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَرْوانَ الحَمَّالِ رحمه الله، والمنقولُ عنهُ هوَ: أنَّه سُئِلَ: متَى يسمَعُ الصَّبيُّ؟ فقالَ: إذَا فرَّقَ بينَ البقرةِ والحِمارِ.

(عَلَى ذَا) أي: المذكورِ من أنَّ المعتبرَ هوَ التَّمييزُ، دونَ التَّحديدِ بسنٍّ مخصوصةٍ (نَزِّلِ).

ص: 287

348 -

وَغَالِبًا يَحْصُلُ إِنْ خَمْسٌ غَبَرْ

فَحَدُّهُ الْجُلُّ بِهَا ثُمَّ اسْتَقَرّْ

349 -

وَكَتْبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ اسْتَعَدّْ

[وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّْ]

[348]

(وَغَالِبًا) أي: في غالبِ الأحوالِ، (يَحْصُلُ) ما ذُكِرَ من التَّمييزِ، (إِنْ) شرطيَّةٌ، (خَمْسٌ) من السِّنينَ (غَبَرْ) أي: مضَى، (فَحَدُّهُ) أي: من أجلِ أنَّ حصولَ التَّمييزِ غالبًا في الخمسِ حدُّه، أي: وَقَّتَ السَّماعَ (الْجُلُّ) بالضَّمِّ، أي: معظمُ أهلِ الحديثِ، (بِهَا) أي: الخمسِ، (ثُمَّ اسْتَقَرّ) عليهِ عملُ المتأخِّرينَ من أهلِ الحديثِ، فيكتُبونَ لابنِ خمسٍ فصاعِدًا:«سَمِعَ» ، ولمَن لم يبلُغْها:«حَضَرَ» .

[349]

(وَكَتْبُهُ) بفتحٍ فسكونٍ، أي: كتابةُ الصَّبيِّ للحديثِ، (وَضَبْطُهُ) أي: تحقيقُ الحديثِ، (حَيْثُ اسْتَعَدّ) أي: عندَ كونِ الصَّبيِّ مُستَعِدًّا، ومتأهِّلًا لذلكَ، فلا يتعيَّنُ بوقتٍ مخصوصٍ، (وَإِنْ يُقَدِّمْ) الطَّالبُ (قَبْلَهُ) أي: قبلَ اشتغالِهِ بالحديثِ، (الْفِقْهَ) أي: طلبَهُ (أَسَدّ) أي: أصوَبُ.

ص: 288

‌أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ

أي: هذَا مبحثُ أنواعِ تحمُّلِ، أي نقلِ، الحديثِ عن الشُّيوخِ، وهذَا البابُ مكمِّلٌ للبابِ السَّابقِ، وليسَ بابًا مستقِلًّا بنفسِه، ومجاميعُ هذهِ الأقسامِ ثمانيةٌ، تأتِي مفصَّلةً معَ الألفاظِ الَّتي يُؤَدِّي بهَا ما تحمَّلَه في كلِّ قسمٍ؛ فالقسمُ الأوَّلُ ما ذكَرَه بقولِه:

350 -

أَعْلَى وُجُوهِ مَنْ يُرِيدُ حَمْلا

سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ أَمْلَى أَمْ لا

351 -

مِنْ حِفْظٍ اوْ مِنْ كُتُبٍ وَلَوْ وَرَا

سِتْرٍ إِذَا عَرَفْتَهُ أَوْ أَخْبَرَا

[350]

(أَعْلَى) أي: أرفَعُ (وُجُوهِ) أي: طرقِ (مَنْ يُرِيدُ حَمْلا) أي: أَخْذًا للحديثِ عنِ الشُّيوخِ، (سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ) أي: سماعُ الطَّالبِ تلفُّظَ الشَّيخِ بالحديثِ، (أَمْلَى) من الإملاءِ، (أَمْ لا) أي: أم لَمْ يُمْلِ.

[351]

(مِنْ حِفْظٍ اوْ مِنْ كُتُبٍ) أي: سواءٌ كانَ تحديثُه لهُ من حفظِه، أو من كتبِهِ.

ص: 289

وحاصلُ المعنَى: أنَّ أعلَى وجوهِ تحمُّلِ الحديثِ أنْ يسمعَ الطَّالبُ لفظَ شيخِه، سواءٌ حدَّثَه من حفظِه، أو من كتبِه بإملاءٍ، أو بغيرِ إملاءٍ.

(وَلَوْ) كانَ الشَّيخُ المُسمِعُ (وَرَا سِتْرٍ) بكسرٍ فسكونٍ، أي: حجابٍ، (إِذَا عَرَفْتَهُ) بصوتِه (أَوْ أَخْبَرَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: أخبرَكَ بأنَّه الشَّيخُ الفُلَانيُّ.

352 -

مُعْتَمَدٌ، وَرَدَّ هَذَا شُعْبَهْ

ثُمَّ «سَمِعْتُ» فِي الأَدَاءِ أَشْبَهْ

[352]

(مُعْتَمَدٌ) أي: ثقةٌ من أهلِ الخِبْرةِ بذلكَ الشَّيخِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا سمِعْتَ الشَّيخَ يحدِّثُ، وهوَ وراءَ الحجابِ صحَّ أنْ تروِيَ عنهُ، بشرطِ معرفتِكَ لهُ إمَّا بصوتِه، أو بإخبارِ ثقةٍ بهِ.

(وَرَدَّ هَذَا) أي: السَّماعَ من وراءِ السِّترِ، (شُعْبَهْ) بنُ الحجَّاجِ أبو بِسْطامٍ؛ فإنَّه شرَطَ رؤيةَ الشَّيخِ؛ لاحتمالِ أنَّه شيطانٌ تصوَّرَ بصورةِ ذلكَ الشَّيخِ، يقولُ:«حدَّثَنا» و «أخبَرَنا» . (ثُمَّ «سَمِعْتُ») أي: هذَا اللَّفظَ (فِي الأَدَاءِ) أي: روايةِ ما تحمَّلَه بسماعِ لفظِ الشَّيخِ، (أَشْبَهْ) أي: أولَى بالتَّقديمِ ممَّا يأتِي بَعْدُ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ قولّ مَنْ تحمَّلَ بسماعِ لفظِ الشَّيخِ: «سمِعْتُ» . في الأداءِ أولَى ممَّا يأتِي؛ لأنَّه لا يكادُ أحدٌ يقولُ: سمِعْتُ. في الإجازةِ، والمكاتَبةِ.

ص: 290

353 -

وَبَعْدَهُ التَّحْدِيثُ فَالإِخْبَارُ ثُمّْ

«أَنْبَأَنَا» «نَبَّأَنَا» وَبَعْدُ ضُمّْ

354 -

«قَالَ لَنَا» وَدُونَهُ [«لَنَا ذَكَرْ»]

وَفِي الْمُذَاكِّرَاتِ هَذِهِ أَبَرّْ

[353]

(وَبَعْدَهُ) أي: بعدَ «سمِعْتُ» ، (التَّحْدِيثُ) أي: اللَّفظُ المُشتَقُّ منه، وهوَ لفظُ «حدَّثَني» ، و «حدَّثَنا» يعنِي: أنَّ لفظَ «حدَّثَني» و «حدَّثَنا» يلِي «سمِعْتُ» (فَـ) يلِي (الإِخْبَارُ) بكسرِ الهمزةِ، أي: ما اشتُقَّ منهُ كأخبَرَني، وأخبَرَنا، وهوَ كثيرُ الاستعمالِ، (ثُمَّ) بعدَ الإخبارِ لفظُ («أَنْبَأَنَا») و («نَبَّأَنَا») بتشديدِ الباءِ، وهمَا قليلَا الاستِعمالِ فيمَا سمعَ من لفظِ الشَّيخِ، وهذَا قبلَ اشتهارِ استعمالِ «أنبَأَنا» في الإجازةِ، (وَبَعْدُ) أي: بعدَ «أنبَأَنا» و «نبَّأَنا» (ضُمّ).

[354]

«(قَالَ لَنَا» ) أي: ضُمَّ قولُ القائلِ: قالَ لنا فلانٌ، أو قالَ لي فلانٌ، إلى ما تقدَّمَ، (وَدُونَهُ) أي: دونَ ما تقدَّمَ من «أنبَأَنا» و «نبَّأَنا» ، وليسَ المرادُ أنَّه دونَ «قالَ لنَا» ؛ لأنَّهُما في مرتبةٍ واحدةٍ، («لَنَا ذَكَرْ») أي: هذَا اللَّفظَ، يعنِي: أنَّ قولَ الرَّاوِي: «ذكرَ لنَا فلانٌ» . أو: ذكرَ لي فلانٌ. دونَ قولِه: «أنبَأَنا» . (وَفِي الْمُذَاكِّرَاتِ) أي: في حالِ المذاكِّراتِ معَ الشَّيخِ والمُناظَرةِ لهُ، (هَذِهِ) أي:«ذَكَرَ لنَا» ، و «قالَ لنَا» ، (أَبَرّ)، أي: أحسَنُ.

ص: 291

وحاصلُ المعنَى: أنَّ استعمالَ «ذكرَ لنَا» وما أشبَهَه في أداءِ ما سمِعَه مذاكرةً أحسنُ من «حدَّثَنا» .

355 -

[وَبَعْضُهُمْ قَالَ: «سَمِعْتُ» أَخِّرَا

وَقِيلَ: إِنْ عَلَى الْعُمُومِ أَخْبَرَا]

[355]

(وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ العلماءِ، وهوَ ابنُ الصَّلاحِ رحمه الله، (قَالَ:«سَمِعْتُ» ) أي: استعمالَهَا، (أَخِّرَا) الألفُ إطلاقيَّةٌ، يعنِي: أنَّ (سمِعْتُ) مؤخَّرةٌ عن (حدَّثَنا).

وحاصلُ المعنَى: أنَّ بعضَهم قالَ: إنَّ «سمِعْتُ» مؤخَّرةٌ عنْ نحوِ «حدَّثَنا» ؛ لأنَّها لا تدلُّ علَى أنَّ الشَّيخَ خاطَبَه بالحديثِ، بخلافِ «حدَّثَنا» ونحوِهَا، فإنَّها تدلُّ عليهِ.

(وَقِيلَ) أي: قالَ بعضُهم، وهوَ الزَّرْكشيُّ، والقُطبُ القَسْطلانيُّ -رحمهما الله-: إنَّما تؤخَّرُ «سمِعْتُ» عن نحوِ «حدَّثَنا» ، (إِنْ) كانَ المحدِّثُ (عَلَى) وجهِ (الْعُمُومِ أَخْبَرَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: أخبرَ النَّاسَ عمومًا، يعنِي: أنَّه إذَا أخبرَ النَّاسَ علَى جهةِ العُمومِ تكونُ «حدَّثَنا» ونحوُها أرفعَ من «سمِعْتُ» ، وإلَّا فلا.

ص: 292

ثمَّ بدَأَ بالقسمِ الثَّاني فقالَ رحمه الله:

356 -

وَبَعْدَ ذَا قِرَاءَةٌ «عَرْضًا» دَعَوْا

قَرَأْتَهَا مِنْ حِفْظٍ اوْ كِتَابٍ اوْ

357 -

سَمِعْتَ مِنْ قَارٍ لَهُ وَالْمُسْمِعُ

يَحْفَظُهُ، أَوْ ثِقَةٌ مُسْتَمِعُ

[356]

(وَبَعْدَ ذَا) أي: بعدَ القسمِ الأوَّلِ، وهوَ السَّماعُ من لفظِ الشَّيخِ في الرُّتبةِ، (قِرَاءَةٌ) علَى الشَّيخِ، يعنِي: أنَّ قراءةَ الطَّالبِ علَى الشَّيخِ تلِي في المرتبةِ السَّماعَ من لفظِه، («عَرْضًا») بفتحٍ فسكونٍ، لـ (دَعَوْا) أي: سَمَّوْهاعرضًا، يعنِي أنَّ العلماءَ، وهم أكثرُ المحدِّثينَ من الشَّرقِ، وخُراسانَ، سمَّوُا القراءةَ عرضًا، بمعنَى أنَّ القارئَ يَعْرِضُ الحديثَ علَى الشَّيخِ كما يَعْرِضُ القُرآنَ علَى المُقْرِئِ. (قَرَأْتَهَا) أي: الأحاديثَ بنفسِكَ علَى الشَّيخِ، (مِنْ حِفْظٍ) أي: من ظهرِ قلبِكَ، (اوْ كِتَابٍ) لكَ، أو للشَّيخِ، أو لغيرِه، يعنِي: أنَّ قراءتَكَ الأحاديثَ من حفظٍ أو من كتابٍ لا فرقَ بينَهُما، (أَوْ) كونُكَ.

[357]

(سَمِعْتَ) القراءةَ (مِنْ قَارٍ) أصلُه قارِئٌ، (لَهُ) أي: للحديثِ، (وَ) الحالُ أنَّ (الْمُسْمِع) أي: الشَّيخُ الَّذي يُسمِعُهُ الطَّالبُ قراءتَهُ، (يَحْفَظُهُ) أي: الحديثَ المقروءَ عليهِ، (أَوْ ثِقَةٌ) أي: أو يحفظُه ثِقَةٌ، (مُسْتَمِعُ) لتلكَ

ص: 293

القراءةِ غيرُ غافلٍ، ومسألةُ حفظِ الثِّقةِ زادَها العراقيُّ علَى ابنِ الصَّلاحِ -رحمهما الله-، قالَ: لا فرقَ بينَ إمساكِ الثِّقةِ لأصلِ الشَّيخِ، وبينَ حفظِ الثِّقةِ لمَا يقرَأُ.

358 -

أَو أَمْسَكَ الْمُسْمَعُ أَصْلًا أَوْ جَرَى

عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَا

359 -

وَالأَكْثَرُونَ حَكَوُا الإِجْمَاعَا

أَخْذًا بِهَا وَأَلْغَوُا النِّزَاعَا

[358]

(أَو أَمْسَكَ) الشَّيخُ (الْمُسْمَعُ أَصْلًا) أي: أصلَه الَّذي سمِعَه من شيخِه، (أَوْ جَرَى) في إمساكِ الأصلِ، (عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَا) أي: أو جرَى في إمساكِ الأصلِ القارئُ الَّذي قرأَ الحديثَ، يعنِي أنَّه لا يشترَطُ حفظُ ذلكَ الحديثِ الَّذي يقرؤُه الطَّالبُ، بلْ إذَا أمسكَ الشَّيخُ أصلَه، أو أمسكَ ثقةٌ، أو القارئُ نفسُه جازَ في صحَّةِ العرضِ.

[359]

(وَالأَكْثَرُونَ) من المحدِّثينَ والفقهاءِ، (حَكَوُا الإِجْمَاعَا) أي: روَوْا إجماعَ العلماءِ، (أَخْذًا) أي: علَى الأخذِ (بِهَا) أي: بالقراءةِ، (وَأَلْغَوُا النِّزَاعَا) أي: ردُّوا الخلافَ المحكيَّ في ذلكَ؛ لكونِه غيرَ معتبرٍ.

ص: 294

360 -

وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ أَوْ

سَاوَتْهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ: خُلْفٌ حَكَوْا

361 -

وَفِي الأَدَا قِيلَ: «قَرَأْتُ» أَوْ «قُرِي»

ثُمَّ الَّذِي فِي أَوَّلٍ إِنْ تَذْكُرِ

[360]

(وَكَوْنُهَا) علَى القراءةِ (أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ) أي: من السَّماعِ من لفظِ الشَّيخِ، (أَوْ سَاوَتْهُ) أي: صارَتْ مساويةً لهُ في الرُّتبةِ، (أَوْ تَأَخَّرَتْ) عنهُ (خُلْفٌ) بضمٍّ فسكونٍ، أي: في هذهِ الوجوهِ اختلافٌ للعلماءِ، (حَكَوْا) أي: محكيٌّ نقلَه العلماءُ عنِ المحدِّثينَ، وغيرِهِم.

وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّ العلماءَ في القراءةِ: هلْ هيَ أرجحُ منه، أو مساويةٌ، أو دونَهُ؟ علَى أقوالٍ:

الأوَّلُ: أنَّها أرجحُ.

الثَّاني: هوَ المساواةُ.

والثَّالثُ: هوَ ترجيحُ السَّماعِ علَيْها.

[361]

(وَفِي الأَدَا) بالقصرِ للضَّرورةِ، أي: أداءِ ما تحمَّلَه بالقراءةِ متعلِّقٌ بـ (قِيلَ) أي: قالَ الرَّاوِي: («قَرَأْتُ») علَى فلانٍ، إنْ قرأَ بنفسِه، (أَوْ) قالَ («قُرِي») وبتخفيفِ الهمزةِ علَى فلانٍ، لكنْ يُصَرِّحُ الحالُ بقولِه: وأنا أسمَعُ. فأقرَّ بِهِ؛ للأمنِ من التَّدليسِ، (ثُمَّ) يلِي (الَّذِي) تقدَّمَ (فِي أَوَّلٍ) أي: القسمِ الأوَّلِ، وهوَ السَّماعُ من التَّحديثِ، والإخبارِ، والإنباءِ، وغيرِهَا، (إِنْ) شرطيَّةٌ، (تَذْكُرِ) أيُّها المُحدِّثُ.

ص: 295

362 -

مُقَيَّدًا قِرَاءَةً لا مُطْلَقا

وَلا «سَمِعْتُ» أَبَدًا فِي الْمُنْتَقَى

363 -

وَالْمُرْتَضَى الثَّالِثُ فِي الإِخْبَارِ

يُطْلَقُ لا التَّحْدِيثُ فِي الأَعْصَارِ

[362]

(مُقَيَّدًا قِرَاءَةً) أي: بقراءةٍ (لا مُطْلَقًا).

وحاصلُ المعنَى: أنَّه يلِي «قَرَأْتُ» و «قُرِئَ» ما تقدَّمَ من صيغِ الأداءِ في القسمِ الأوَّلِ، لكِنْ بشرطِ أنْ يكونَ مقيَّدًا بالقراءةِ نحوَ: حدَّثَنا فلانٌ بقراءتِي عليهِ، أو قراءةً عليهِ وأنا أسمَعُ، أو أخبرَنا فلانٌ بقراءتِي، أو قراءةً عليهِ، أو أنبَأَنا، أو نبَّأَنا فلانٌ بقراءتِي، أو قراءةً عليهِ، أو قالَ لنَا فلانٌ بقراءتِي، أو قراءةً عليهِ، أو نحوَ ذلكَ.

(وَلا) تقُلْ: («سَمِعْتُ») فلانًا يقولُ: كذَا (أَبَدًا) أي: مطلقًا، يعنِي: سواءٌ قيَّدْتَه بقراءةٍ، أو لا، (فِي الْمُنْتَقَى) أي: في القولِ المختارِ الَّذي صحَّحَه القاضِي أبو بكرٍ الباقِلانيُّ رحمه الله؛ لأنَّ سمِعْتُ صريحةٌ في السَّماعِ لفظًا.

[363]

(وَ) القولُ (الْمُرْتَضَى) عندَ العلماءِ المحقِّقينَ مبتدأ، (الثَّالِثُ) من الأقوالِ (فِي الإِخْبَارِ) بكسرِ الهمزةِ، (يُطْلَقُ) أي: يجوزُ إطلاقُه.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ القولَ المختارَ في «أخبَرَنا» من الأقوالِ الثَّلاثةِ جوازُ إطلاقِه فيمَا تحمَّلَه بالعرضِ، (لا التَّحْدِيثُ) أي: لا يطلقُ التَّحديثُ، أي: ولا ما تصَرَّفَ منهُ، في أداءِ ما تحمَّلَه بالعرضِ، (فِي الأَعْصَارِ) جمعُ

ص: 296

عصرٍ، أي: في جميعِ الأعصَارِ، فجعَلُوا «أخبرَنَا» قائمًا مَقَامَ قولِه: أنَا قرَأْتُه، لا أنَّه لَفَظَ لِي بهِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّهم اختلَفُوا في إطلاقِ «حدَّثَنا» و «أخبَرَنا» في القراءةِ علَى ثلاثةِ مذاهبَ:

الأوَّلُ: المنعُ، فلا يجوزُ إطلاقُ «حدَّثَنا» ، ولا «أخبَرَنا» في القراءةِ.

والثَّاني: جوازُ إطلاقِهَا، فيجوزُ فيمَا قُرِئَ علَى الشَّيخِ أنْ يقولَ:«حدَّثَنا» و «أخبَرَنا» من غيرِ أنْ يصرِّحَ بالقراءةِ.

الثَّالثُ: منعُ الإطلاقِ في «حدَّثَنا» ، وجوازُه في «أخبَرَنا» ، وهذَا هوَ القولُ المختارُ كمَا أشارَ إليهِ النَّاظمُ.

364 -

وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ «حَدَّثَنِي»

وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ «أَخْبَرَنِي»

365 -

وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً «حَدَّثَنَا»

وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا «أَخْبَرَنَا»

[364]

(وَاسْتَحْسَنُوا) أي: العلماءُ كافةً، (لِمُفْرَدٍ) أي: لمَنْ سمعَ من شيخِه، وهوَ منفردٌ أنْ يقولَ في الأداءِ:(«حَدَّثَنِي») فلانٌ. بالإفرادِ، (وَ) استَحْسَنوا لـ (قَارِئٍ بِنَفْسِهِ) علَى الشَّيخِ، وليسَ معَه غيرُه أنْ يقولَ في الأداءِ:(«أَخْبَرَنِي») فلانٌ. بالإفرادِ.

[365]

(وَإِنْ) شرطيَّةٌ (يُحَدِّثْ) الشَّيخُ (جُمْلَةً) أي: جماعةً من الطَّلبةِ

ص: 297

اثنَينِ فأكثرَ، استحسَنُوا أنْ يقولَ في الأداءِ:(«حَدَّثَنَا») فلانٌ. بالجمعِ، (وَإِنْ سَمِعْتَ) أيُّها الطَّالبُ (قَارِئًا) يقرَأُ علَى الشَّيخِ فقُلْ:(«أَخْبَرَنَا»). بالجمعِ.

366 -

وَحَيْثُ شُكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ

أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدّْ

367 -

وَلَمْ يُجَوَّزْ مِنْ مُصَنَّفٍ وَلا

مِنْ لَفْظِ شَيْخٍ فَارِقٍ أَنْ يُبْدَلا

[366]

(وَحَيْثُ شُكَّ) أي: شكَّ الرَّاوِي (فِي سَمَاعٍ) للحديثِ بقراءةِ غيرِه، أم بقراءةِ نفسِه هوَ، (أَوْ) شكَّ في (عَدَدْ) أي: وجودِ عددٍ من الطُّلَّابِ واحد أو أكثرَ، (أَوْ) شكَّ فيـ (مَا يَقُولُ الشَّيْخُ) من الصِّيغِ هل هوَ «حدَّثَنا» أو «أخبرَنا» أو «حدَّثني» أو «أخبرَني» ؟ (وَحِّدْ) أيُّها الرَّاوي عندَ الأداءِ في هذهِ الصُّورِ كلِّها، أي: ائتِ بالإفرادِ، فتقولُ:«حدَّثَني فلانٌ» . أو: «أخبَرَني» . وهذَا (فِي) القولِ (الأَسَدّ) أي: الأرجحِ والأصوبِ.

[367]

(وَلَمْ يُجَوَّزْ) من التَّجويزِ، (مِنْ مُصَنَّفٍ) بفتحِ النُّونِ، أي: كتابٍ مؤلَّفٍ من الجوامعِ، والسُّننِ، والمسانيدِ، ونحوِهَا، (وَلا) يجوزُ أيضًا (مِنْ لَفْظِ شَيْخٍ فَارِقٍ) بينَ «حدَّثَنا» ، و «أخبرَنا» (أَنْ) مصدريَّةٌ، (يُبْدَلا) أي: أنْ يُبدِلَ الرَّاوي لفظَ:

ص: 298

368 -

«أَخْبَرَ» بِالتَّحْدِيثِ أَوْ عَكْسٌ، بَلَى

يَجُوزُ إِنْ سَوَّى، وَقِيلَ: حُظِلا

369 -

إِذَا قَرَا وَلَمْ يُقِرَّ الْمُسْمَعُ

لَفْظًا: كَفَى، وَقِيلَ: لَيْسَ يَنْفَعُ

[368]

(«أَخْبَرَ» بِالتَّحْدِيثِ) أي: بما اشتُقَّتْ منهُ، كأنْ يقولَ:«حدَّثَنا» . (أَوْ) يبدلَ (عَكْسٌ) وهوَ «حدَّثَنا» بـ «أخبرَنا» .

وحاصلُ المعنَى: أنَّه لا يجوزُ إبدالُ «أخبرَنا» بـ «حدَّثَنا» ، أو عكسُه في الكتبِ المؤلَّفةِ المُبَوَّبةِ، أو المسندةِ، أو غيرِهَا.

(بَلَى يَجُوزُ) إبدالُ «حدَّثَنا» بـ «أخبرَنا» ، والعكسُ، (إِنْ سَوَّى) الشَّيخُ بينَ الألفاظِ، يعنِي: أنَّه إذَا سمعَ الحديثَ من لفظِ شيخٍ يرَى التَّسويةَ بينَ «حدَّثَنا» و «أخبرَنا» ، فلهُ الإبدالُ إنْ قُلْنا بالرِّوايةِ بالمعنَى، وإلَّا فلا، ونُقلَ المنعُ عن أحمدَ رحمه الله، وإليهِ أشارَ بقولِه:(وَقِيلَ: حُظِلا). بالبناءِ للمفعولِ، وألفِ الإطلاقِ، أي: مُنِعَ الإبدالُ مطلقًا.

[369]

(إِذَا قَرَا) أي: الطَّالبُ الحديثَ علَى شيخٍ متيقِّظٍ عارفٍ غيرِ مُكْرَهٍ، (وَ) لكنْ بعدَ القراءةِ، (لَمْ يُقِرَّ) بذلكَ الحديثِ (الْمُسْمَعُ) أي: الشيخُ الَّذي يُسمِعُه الطَّالبُ، أي: ولم ينكِرْ ففيهِ اكتفاءٌ، (لَفْظًا) أي: لم يُقِرَّ بلفظِه بأنْ يقولَ: نعَمْ. وكذَا ما أشبَهَه، كأنْ يومِئَ برأسِه، أو يُشيرَ

ص: 299

بإصبعِه، وغلبَ علَى ظنِّ القارئِ أنَّ سكوتَهُ إجابةٌ، (كَفَى) جوابُ «إذَا» أي: كفَى ذلكَ في صحَّةِ السَّماعِ، وهذَا قولُ الجمهورِ، (وَقِيلَ: لَيْسَ يَنْفَعُ) ذلكَ السُّكوتُ، بلْ لا بدَّ من إقرارِهِ بهِ نطقًا، وهذَا لقومٍ من الظَّاهريَّةِ، وبعضِ أهلِ الحديثِ.

370 -

ثَالِثُهَا: يَعْمَلُ أَوْ يَرْوِيهِ

بِـ «قَدْ قَرَأْتُ» أَوْ «قُرِي عَلَيْهِ»

371 -

وَلْيَرْوِ مَا يَسْمَعُهُ وَلَوْ مَنَعْ

الشَّيْخُ، أَوْ خَصَّصَ غَيْرًا، أَوْ رَجَعْ

[370]

(ثَالِثُهَا) أي: الأقوالِ في هذهِ المسألةِ أنَّه (يَعْمَلُ) بذلكَ الحديثِ (أَوْ) بمعنَى الواوِ، (يَرْوِيهِ) أي: ذلكَ الحديثَ إذَا أرادَ روايتَهُ (بِـ) قولِه: (قَدْ قَرَأْتُ) الحديثَ الفُلانيَّ علَى فلانٍ. إنْ قرأَ بنفسِه، (أَوْ قُرِي) بتخفيفِ الهمزةِ (عَلَيْهِ) أي: الشَّيخِ، إنْ قرأَ غيرُه، وهوَ يسمعُ، ولا يقولُ:«حدَّثَني» . ولا: «أخبرَني» .

[371]

(وَلْيَرْوِ) مَن سَمِعَ شيخًا يحدِّثُ، (مَا يَسْمَعُهُ) من الأحاديثِ لفظًا، (وَلَوْ مَنَع الشَّيْخُ) السَّامعَ من روايةِ ذلكَ، بأنْ قالَ لهُ، لا لعلَّةٍ، أو رِيبةٍ في المسموعِ، (أَوْ خَصَّصَ) الشَّيخُ بالرِّوايةِ (غَيْرًا) أي: غيرَ ذلكَ السَّامعِ، (أَوْ رَجَعْ) عن حديثِه صريحًا، أو كنايةً.

ص: 300

372 -

مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَالسَّمَاعُ فِي الأَصَحّْ

ثَالِثُهَا مِنْ نَاسِخٍ يَفْهَمُ صَحّْ

373 -

رَابِعُهَا: يَقُولُ «قَدْ حَضَرْتُ»

وَلا يَقُلْ «حُدِّثْتُ» أَوْ «أُخْبِرْتُ»

[372]

(مِنْ غَيْرِ شَكٍّ) في سماعِه، أو نحوِ ذلكَ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا سمعَ حديثًا من شيخٍ جازَ أنْ يروِيَه، ولو منعَه عن روايتِه، كمَا صرَّحَ بذلكَ غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ؛ لأنَّه قد حدَّثَه، وهوَ شيءٌ لا يُرجَعُ فيهِ، فلا يُؤثَرُ المنعُ.

(وَالسَّمَاعُ)، أي: سماعُ الحديثِ، (فِي الأَصَحّ) من الأقوالِ المرويَّةِ في هذهِ المسألةِ، (ثَالِثُهَا) أي: ثالثُ الأقوالِ، (مِنْ نَاسِخٍ) أي: كاتبٍ، (يَفْهَمُ) صفةُ «ناسخٍ» ، أي: كاتبٍ مميِّزٍ للألفاظِ المقروءةِ، (صَحّ) أي: السَّماعُ منهُ، أو عليهِ.

[373]

(رَابِعُهَا) أي: الأَقْوَالِ في المسألةِ أنَّه (يَقُولُ) في الأداءِ: («قَدْ حَضَرْتُ») عندَ فلانٍ حينَ حدَّثَ بكذَا، أو قُرِئَ عليهِ كذَا. (وَلا) ناهيةٌ (يَقُلْ:«حُدِّثْتُ» أَوْ «أُخْبِرْتُ» ) أي: لا يقُلْ في الأداءِ: «حدَّثَني فلانٌ» . ولا: «أخبرَنِي» .

وحاصلُ المعنَى: أنَّ العلماءَ اختلَفُوا في صحَّةِ السَّماعِ من ناسخٍ ينسخُ

ص: 301

حالَ القراءةِ، مُسمِعًا كانَ، أو سامعًا علَى أقوالٍ:

الأوَّلُ: المنعُ مطلقًا.

والثَّاني: الجوازُ مطلقًا.

والثَّالثُ: التَّفصيلُ؛ فإنْ كانَ السَّماعُ من ناسخٍ لا يمتنعُ معَ نسخِه فهمُ ما قُرِئَ صحَّ، وإلَّا بأنْ يمتنِعَ معَه فهمُ ما يقرأُ حتَّى يكونَ الواصلُ إلى سمعِه كأنَّه صوتُ غُفْلٍ لا يصحُّ.

والرَّابعُ: قولُ من قالَ: إنَّه يقولُ في الأداءِ: حضَرْتُ، ولا يقولُ: حدَّثَنا، ولا أخبرَنا.

374 -

وَالْخُلْفُ يَجْرِي حَيْثُمَا تَكَلَّمَا

[أَوْ أَسْرَعَ الْقَارِئُ] أَوْ إِنْ هَيْنَمَا

375 -

أوْ بُعْدَ السَّامِعُ، لَكِنْ يُعْفَى

عَنْ كِلْمَةٍ وَكِلْمَتَيْنِ تَخْفَى

[374]

(وَالْخُلْفُ) بالضَّمِّ، أي: الاختلافُ المذكورُ في مسألةِ النَّسخِ، (يَجْرِي حَيْثُمَا تَكَلَّمَا) الشَّيخُ أو السَّامعُ وقتَ التَّحديثِ، (أَوْ أَسْرَعَ الْقَارِئُ) أي: إفراطُ القارئِ في الإسراعِ، بحيثُ يَخفَى بعضُ الكلامِ علَى السَّامعِ، (أَوْ إِنْ) شرطيَّةٌ، (هَيْنَمَا) أي: أخفَى صوتَه، والهَيْنمةُ بفتحِ الهاءِ وسكونِ الياءِ وفتحِ النُّونِ: الصَّوتُ الخفيُّ.

ص: 302

[375]

(أوْ بُعْدَ السَّامِعُ) عن القارئِ، أو كانَ في سمعِه، أو المسمَعِ بعضُ ثِقَلٍ، أو عَرَضَ نُعَاسٌ خفيفٌ بحيثُ يُفَوِّتُ سماعَ البعضِ، (لَكِنْ) معَ ذلكَ (يُعْفَى) أي: يُغتفَرُ، (عَنْ) قدرٍ يسيرٍ، (كِلْمَةٍ وَكِلْمَتَيْنِ تَخْفَى) صفةٌ لـ «كلمةٍ» .

وحاصلُ المعنَى: أنَّ الخلافَ المذكورَ في المسألةِ السَّابقةِ، يجرِي فيمَا إذَا تحدَّثَ الشَّيخُ، أو السَّامعُ، أو أفرطَ القارئُ علَى الإسراعِ، بحيثُ يخفَى علَى السَّامعِ بعضُ الكلامِ، أو أخفَى صوتَه، أو بعدَ السامعُ بحيثُ لا يَفْهَمُ المقروءَ.

376 -

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيزَ الْمُسْمِعُ

جَبْرًا لِذَا وَكُلِّ نَقْصٍ يَقَعُ

377 -

وَجَازَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ مُمْلِيهِ

مَا بَلَّغَ السَّامِعَ مُسْتَمْلِيهِ

[376]

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ) مصدريَّةٌ، (يُجِيزَ) الشَّيخُ (الْمُسْمِعُ) أي: الَّذي يسمِعُ الحديثَ للطَّلبةِ، (جَبْرًا لِذَا) أي: لأجلِ جبرِ الخللِ المذكورِ، (وَ) جَبْرًا لـ (كُلِّ نَقْصٍ يَقَعُ) أي: يحصلُ في حالِ السَّماعِ، كأنْ يغلطَ القارئُ ويغفلَ الشَّيخُ، أو بالعكسِ.

[377]

(وَجَازَ أَنْ) مصدريَّةٌ، (يَرْوِيَ) الرَّاوي (عَنْ مُمْلِيهِ) أي: الشَّيخِ الَّذي أملَى الحديثَ عليهِ، (مَا بَلَّغَ) بتشديدِ اللَّامِ، (السَّامِعَ مُسْتَمْلِيهِ).

ص: 303

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا عظُمَ مجلسُ الإملاءِ، فاتَّخَذَ الشَّيخُ مستملِيًا يبلِّغُ عنهُ، فمَن سمِعَ من المستملِي حديثًا جازَ أنْ يروِيَ ذلكَ الحديثَ عن المُملِي عندَ جماعةٍ من المتقدِّمينَ وغيرِهِم.

378 -

لِلأَقْدَمِينَ، [وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ]

وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: هَذَا يُحْظَلُ

379 -

وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي الَّذِي لا يَفْهَمُ

كَلِمَةً، فَمِنْهُ قَدْ يَسْتَفْهِمُ

[378]

(لِلأَقْدَمِينَ) متعلِّقٌ بـ «جازَ» ، (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) أي: علَى هذَا المذهبِ جرَى عملُ أكابرِ المحدِّثينَ الَّذينَ كانَ يَعْظُمُ الجمعُ في مجالِسِهم جِدًّا، (وَ) أبو عَمرٍو عثمانُ (ابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: هَذَا يُحْظَلُ) أي: الَّذي ذُكِرَ من جوازِ روايةِ مَن سمِعَ من المستملِي عن المُملِي ممنوعٌ؛ لمَا فيهِ من التَّساهُلِ.

[379]

(وَالْخُلْفُ) أي: الاختلافُ المذكورُ، (يَجْرِي) أيضًا، (فِي) السَّامعِ (الَّذِي لا يَفْهَمُ كَلِمَةً) أو أكثرَ، (فَمِنْهُ) أي: المُستملِي وكذَا من رفيقِهِ، (قَدْ يَسْتَفْهِمُ) أي: يطلُبُ فهمَهَا.

وحاصلُ المعنَى: أنَّهم اختلَفُوا في صحَّةِ روايةِ ما استفهَمَه السَّامعُ

ص: 304

من الألفاظِ اليسيرةِ من المستملِي، أو من بعضِ الحاضرينَ، فجوَّزَه بعضُهم، ومنهم: الإمامُ أحمدُ رحمه الله، ومنعَه آخرونَ منهُم: أبو نُعَيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ رحمه الله.

ثمَّ ذكرَ رحمه الله القسمَ الثَّالثَ بقولِه:

380 -

ثَالِثُهَا: إِجَازَةٌ، وَاخْتُلِفَا

فَقِيلَ: لا يَرْوِي بِهَا، وَضُعِّفَا

381 -

وَقِيلَ: لا يَرْوِي وَلَكِنْ يَعْمَلُ

وَقِيلَ: عَكْسُهُ، [وَقِيلَ: أَفْضَلُ

[380]

(ثَالِثُهَا: إِجَازَةٌ) أي: ثالثُ أقسامِ التَّحمُّلِ ما يُسمَّى بإجازةٍ، (وَاخْتُلِفَا) بالبناءِ للمفعولِ، وألفِ الإطلاقِ، أي: اختلَفَ العلماءُ في جوازِ الرِّوايةِ بهَا علَى أقوالٍ؛ (فَقِيلَ: لا يَرْوِي بِهَا) أي: الإجازةِ، وهوَ قولُ جماعةٍ منَ المحدِّثينَ كشُعبةَ، (وَ) لكِنَّ هذَا القولَ (ضُعِّفَا) بالبناءِ للمفعولِ، وألفِ الإطلاقِ، أي: نُسِبَ إلى الضَّعفِ.

[381]

(وَقِيلَ: لا يَرْوِي) بهَا بالضَّبطِ المتقدِّمِ، أي: لا تجوزُ الرِّوايةُ بالإجازةِ، (وَلَكِنْ يَعْمَلُ) أي: لكِنْ يجوزُ العملُ بها، وهذَا القولُ منقولٌ عن الأوزاعيِّ رحمه الله، (وَقِيلَ: عَكْسُهُ) أي: عكسُ القولِ المذكورِ، وهوَ

ص: 305

جوازُ الرِّوايةِ دونَ العملِ، كالمُرسلِ، وهوَ لبعضِ الظَّاهريَّةِ ومَن تابَعَهم، قالَ ابنُ الصَّلاحِ رحمه الله: وهذَا باطلٌ. (وَقِيلَ): إنَّها (أَفْضَلُ) أي:

382 -

مِنَ السَّمَاعِ، وَالتَّسَاوِي نُقِلا]

وَالْحَقُّ: أَنْ يَرْوِي بِهَا وَيَعْمَلا

383 -

[وَأَنَّهَا دُونَ السَّمَاعِ لِلسَّلَفْ

وَاسْتَوَيَا لَدَى أُنَاسٍ الْخَلَفْ]

[382]

(مِنَ السَّمَاعِ) مطلقًا، وهوَ اختيارُ بعضِ المحقِّقينَ، (وَالتَّسَاوِي نُقِلا وَالْحَقُّ) أي: القولُ الصَّحيحُ الَّذي قالَه المحقِّقونَ: (أَنْ يَرْوِي بِهَا وَيَعْمَلا) أي: جوازُ الرِّوايةِ والعملِ بهَا، وهوَ قولُ الأكثرينَ من العلماءِ المحدثينَ، وغيرِهم.

[383]

(وَأَنَّهَا) أي: الإجازةَ، (دُونَ السَّمَاعِ) رتبةً، (لِلسَّلَفْ) أي: عندَهم، أي: قيلَ: إنَّها دونَ السَّماعِ، (وَاسْتَوَيَا) أي: السَّماعُ والإجازةُ، (لَدَى أُنَاسٍ) أي: عندَهم، (الْخَلَفْ) وهوَ قولُ العلَّامةِ الطُّوفيِّ رحمه الله، قالَ: إنَّها في عصرِ السَّلفِ دونَ السَّماعِ، وفي عصرِ الخلفِ مساويةٌ لهُ، والحاصلُ أنَّ مسألةَ الإجازةِ فيهَا مذاهبُ.

الأوَّلُ: وهوَ الَّذي قالَه الجمهورُ من الطَّوائفِ، واستقرَّ عليهِ العملُ جوازُ الرِّوايةِ والعملِ بها، وهوَ الصَّحيحُ.

ص: 306

الثَّاني: المنعُ.

الثَّالثُ: أنَّها لا يعملُ بهَا مع جوازِ التَّحديثِ بهَا.

الرَّابعُ: عكسُ هذَا القولِ.

الخامسُ: أنَّ الإجازةَ أفضلُ من السَّماعِ.

السَّادسُ: أنَّهما متساوِيانِ في الرُّتبةِ.

السَّابعُ: التَّفصيلُ؛ ففي عصرِ السَّلفِ السَّماعُ أولَى، وأمَّا بعدَ أنْ دُوِّنَتِ الدَّواوينُ، وجُمِعتِ السُّننُ واشتُهِرَتْ، فلا فرقَ بينَهما، أي: فهما مستوِيانِ.

384 -

عَيَّنَ مَا أَجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ

أَوْ ذَا وَمَا أَجَازَهُ قَدْ أَجْمَلَهْ

[384]

(عَيَّنَ) المُجيزُ، (مَا) أي: الحديثَ، أو الكتابَ الَّذي (أَجَازَ) للطَّالبِ، (وَ) عيَّنَ (الْمُجَازَ لَهْ) من الطَّلبةِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ النَّوعَ الأوَّلَ هوَ أنْ يعيِّنَ المُجازَ بهِ والمُجازَ لهُ، كأنْ يقولَ: أجَزْتُكَ البخاريَّ.

(أَوْ) عيَّنَ (ذَا) أي: المُجازَ له (وَ) الحالُ أنَّ (مَا أَجَازَهُ) أي: الَّذي أجازَ لهُ من الحديثِ أو الكتابِ مثلًا، (قَدْ أَجْمَلَهْ) أي: عمَّمَه، يعنِي: أنَّه لم يعيِّنْه.

وحاصلُ هذَا النَّوعِ: أنْ يجيزَ المحدِّثُ لمعيَّنٍ أو مُعَيَّنِينَ في غيرِ مُعَيَّنٍ، وهوَ المسمَّى بإجازةِ خاصٍّ بعامٍّ، وهوَ مقبولٌ كسابقِه عندَ جمهورِ العلماءِ من المحدِّثينَ، وغيرِهم.

ص: 307

385 -

فَإِنْ يُعَمِّمْ مُطْلَقًا أَوْ مَنْ وُجِدْ

فِي عَصْرِهِ: صُحِّحَ رَدٌّ وَاعْتُمِدْ

386 -

مَا لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ مَعْ حَصْرِ

فَصَحِّحَنْ، كَالْعُلَمَا بِمِصْرِ

[385]

(فَإِنْ يُعَمِّمْ) المحدِّثُ، المُجازَ لهُ، (مُطْلَقًا) أي: مِن دونِ قيدٍ، وسواءٌ عينَ المجازَ بهِ أو لا، بأنْ يقولَ: أجَزْتُ المسلمينَ، أو كلَّ أحدٍ، الكتابَ الفلانيَّ، أو جميعَ مرويَّاتِي. (أَوْ) قيَّدَه بقيدٍ شبيهٍ بالإطلاقِ، كأنْ يجيزَ (مَنْ وُجِدْ فِي عَصْرِهِ) أي: وقتِه، كأنْ يقولَ: مَن أدرَكَ زمانِي أو أهلَ زمانِي (صُحِّحَ رَدٌّ) أي: ردُّ الرِّوايةِ بهذَا النَّوعِ، (وَاعْتُمِدْ) أي: اعْتَمَدَ هذَا الرَّأيَ العلماءُ.

[386]

(مَا) مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، (لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ) أي: المُجازِ لهُ، (مَعْ) بسكونِ العينِ لغةٌ في فتحِهَا، (حَصْرِ) بوصفٍ حاصرٍ، يعنِي: أنَّ الرَّدَّ المذكورَ كانَ مدَّةَ عدمِ حصرِه بقيدٍ حاصرٍ، فأمَّا إذَا كانَ تعميمُه مقيَّدًا بوصفٍ حاصرٍ، (فَصَحِّحَنْ) تلكَ الإجازةَ العامَّةَ، وذلكَ (كَـ) قولِهِ: أجَزْتُ (الْعُلَمَا) بالقصرِ للوزنِ، أي: العلماءِ الموجودينَ (بِمِصْرِ) البلدِ المعروفِ، أو نحوِه، كأجَزْتُ لمَن ملَكَ نسخةً من التَّصنيفِ الفُلانيِّ.

ص: 308

387 -

وَالْجَهْلُ بِالْمُجَازِ وَالْمُجَازِ لَهْ

كَلَمْ يُبَيِّنْ ذُو اشْتِرَاكٍ: أَبْطَلَهْ

388 -

وَلا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ مَعْ

تَسْمِيَةٍ أَوْ لَمْ يُصَفِّحْ مَا جَمَعْ

[387]

(وَالْجَهْلُ بِالْمُجَازِ) بهِ من الحديثِ، أو الكتابِ، أو نحوِهِما، (وَالْمُجَازِ لَهْ) أي: الشَّخصِ الَّذي أُجيزَ لهُ، كأجَزْتُ بعضَ النَّاسِ بعضَ مرويَّاتِي، (كَلَمْ يُبَيِّنْ ذُو اشْتِرَاكٍ) أي: كعدمِ تبيينِ صاحبِ الاشتراكِ من الشَّخصِ أو الكتابِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا سَمَّى المجيزُ كتابًا، أو شخصًا، وقد تَسَمَّى بذلكَ الكتابِ، أو الشَّخصِ سواهُ، مثلَ أنْ يقولَ: أجَزْتُ لكَ أنْ ترويَ عَنِّي كتابَ السُّننِ. وفي مرويَّاتِه عدَّةُ كتبٍ يعرفُ كلٌّ منها بالسُّننِ، كأبي داودَ، والدَّارقطنيِّ، والبيهقيِّ، وغيرِها، أو يقولَ: أجزتُ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ الأنصاريَّ. وفي ذلكَ الوقتِ جماعةٌ مشترِكُونَ في هذَا الاسمِ، (أَبْطَلَهْ) أي: أبطلَ الجهلُ بذلكَ الإجازةَ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ الجهلَ المذكورَ يبطلُ الإجازةَ؛ لعدمِ التَّمييزِ عندَ السَّامعِ.

[388]

(وَلا يَضُرُّ) في صحَّةِ الإجازةِ (الْجَهْلُ) أي: جهلُ المُجيزِ (بِالأَعْيَانِ) أي: أشخاصِ المُجازِ لهم، (مَعْ تَسْمِيَةٍ) أي: ذكرِ أسمائِهِم

ص: 309

وأنسابِهِم بحيثُ يزولُ الاشتِباهُ عنهم.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا جهلَ المجيزُ أعيانَ المجازِ لهم مع تسميتِهِم، فإنَّه لا يضرُّ ذلكَ في الإجازةِ، كما أنَّه لا يشترطُ معرفةُ المسمعِ عينَ السامعِ الَّذي سمِعَ منهُ، (أَوْ لَمْ يُصَفِّحْ) أي: لم يَرَ المجيزُ صَفَحَاتِ وُجُوهِ (مَا) بمعنَى «مَن» (جَمَعْ) أسماءَهُم في إجازتِه.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ المجيزَ إذَا جمعَ بالإجازةِ جماعةً سمَّاهم من غيرِ حصرِ عددِهم، وتَصَفُّحِهِمْ واحدًا واحدًا، جازَ قياسًا علَى السَّماعِ أيضًا.

389 -

وفِي الأَصَحِّ أَبْطَلُوا وَإِنْ يَقُلِ

أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ عَلِي

[389]

(وفِي الأَصَحِّ) من قولَيِ العلماءِ، (أَبْطَلُوا) أي: حكَمُوا ببُطلانِ الإجازةِ، (وَإِنْ يَقُلِ) المجيزُ في إجازتِه:(أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ) الإجازةَ منِّي، (وَ) كذَا إنْ يقُلْ: أجزتُ (مَنْ شَاءَ) الإجازةَ لهُ، (عَلِي) ابنَ فلانٍ، لرجلٍ معيَّنٍ.

وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّه إذَا علقَ المجيزُ الإجازةَ بالمشيئةِ، فإمَّا أنْ تكونَ معلَّقةً بمشيئةِ مبهمٍ لنفسِه، كأنْ يقولَ: منْ شاءَ أنْ أجيزَ لهُ، فقَدْ أجَزْتُ لهُ. أو: أجَزتُ لمَن شاءَ. وإمَّا أنْ تكونَ بمشيئةِ غيرِ المُجازِ معيِّنًا لغيرِه، كأنْ يقولَ: أجزتُ لمَنْ شاءَ عليَّ بنَ محمدٍ مثلًا أنْ أجيزَ له، أو من شاءَ عليُّ بنُ محمدٍ أنْ أجيزَ لهُ فقَدْ أجَزْتُه.

أو يقولَ لشخصٍ: أجَزْتُ لمَن شئتَ أنْ أُجيزَهُ. أو نحوَ ذلكَ.

ص: 310

390 -

وَصَحَّحُوا «أَجَزْتُهُ إِنْ شَاءَ» أَوْ

«أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ» رِوَايَةً رَأَوْا

391 -

وَالإِذْنُ لِلْمَعْدُومِ فِي الأَقْوَى امْتَنَعْ

ثَالِثُهَا: جَازَ لِمَوْجُودٍ تَبَعْ

[390]

(وَصَحَّحُوا) أي: حكمَ الحُذَّاقُ من العلماءِ بصحَّةِ الإجازةِ إذَا قالَ: («أَجَزْتُهُ). أي: فلانٌ. (إِنْ شَاءَ») الرِّوايةَ عنِّي، أو: أجَزْتُ لكَ إنْ شئتَ أنْ تروِيَ عنِّي، أو أحبَبْتَ، أو أرَدْتَ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا قالَ: أجَزْتُ لفلانٍ كذَا إنْ شاءَ الرِّوايةَ عنِّي. فالصَّحِيحُ الجوازُ؛ لانتفاءِ الجهالةِ، وحقيقةِ التَّعليقِ، ولمْ يبقَ سوَى صيغتِهِ، وقيلَ: لا تجوزُ.

(أَوْ) قال: («أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ» رِوَايَةً) عنِّي. فكذلكَ (رَأَوْا) أي: العلماءُ جوازَها.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا علَّقَ الرِّوايةَ بالمشيئةِ، كقولِه: أجَزْتُ منْ شاءَ الرِّوايةَ عنِّي. جازَتْ؛ لأنَّه تصريحٌ بمقتضَى الحالِ.

[391]

(وَالإِذْنُ) أي: الإجازةُ (لِلْمَعْدُومِ) أي: غيرِ المولودِ، (فِي الأَقْوَى) أي: القولِ الأرجحِ، (امْتَنَعْ) أي: صارَ ممنوعَا، (ثَالِثُهَا) أي:

ص: 311

الأقوالِ: (جَازَ) أي: الإذنُ للمعدومِ، (لِمَوْجُودٍ تَبَعْ) بفتحتينِ، أي: حالَ كونِه تابعًا لموجودٍ، بأنْ عطفَ عليهِ، كأجَزْتُ لكَ ولمَن يولَدُ لكَ، أو أجَزتُ لفلانٍ ولمَن سيُولَدُ لهُ.

392 -

وَصَحَّحُوا جَوازَهَا لِطِفْلِ

وَكَافِرٍ [وَنَحْوِ ذَا] وَحَمْلِ

393 -

وَمَنْعَهَا بِمَا الْمُجِيزُ يَحْمِلُهْ

مِنْ بَعْدِهَا، فَإِنْ يَقُلْ لا نُبْطِلُهْ

[392]

(وَصَحَّحُوا) أي: العلماءُ، (جَوازَهَا) أي: الإجازةِ، (لِطِفْلِ) أي: صبيٍّ غيرِ مميِّزٍ، (وَكَافِرٍ وَنَحْوِ ذَا) أي: الكافرُ ممَّنْ ليسَ أهلًا للرِّوايةِ كفاسقٍ، ومبتدِعٍ، ومجنونٍ، (وَ) صحَّحُوها أيضًا لـ (حَمْلِ)، سواءٌ نُفِخَ فيهِ الرُّوحُ، أم لا، فقالَ العراقيُّ رحمه الله: لم أجِدْ فيهِ أيضًا نقلًا، ولا شكَّ أنَّه أولَى بالصِّحَّةِ من المعدومِ.

[393]

(وَمَنْعَهَا) أي: صحَّحُوا منعَ الإجازةِ وبُطلانَها، (بِمَا) أي: المرويِّ الَّذي (الْمُجِيزُ يَحْمِلُهْ) أي: الحديثِ الَّذي يحمِلُه الشَّيخُ المجيزُ للطَّالبِ (مِنْ بَعْدِهَا) أي: بعدَ الإجازةِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ الشَّيخَ إذَا أجازَ للطَّالبِ بما لم يتحمَّلْه بوجهٍ من

ص: 312

سماعٍ أو إجازةٍ ليرويَهُ ذلكَ الطَّالبُ إذا تحمَّلَه المجيزُ، فالصَّحِيحُ بل الصَّوابُ كما قالَه النَّوويُّ رحمه الله، وهوَ الَّذي حكاهُ عياضٌ رحمه الله عنْ أبي الوليدِ يونُسَ بنِ المغيثِ القرطبيِّ رحمه الله منعُ ذلكَ، (فَإِنْ يَقُلْ) الشَّيخُ (لا نُبْطِلُهْ).

394 -

«أَجَزْتُ مَا صَحَّ وَمَا يَصِحُّ لَكْ

مِمَّا سَمِعْتُ أَوْ يَصِحُّ مَا سَلَكْ»

395 -

فِي مِثْلِ ذَا لا تُدْخِلِ الْمُجَازَا

أَوْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَا

[394]

(«أَجَزْتُ مَا صَحَّ) عندَكَ حالَ الإجازةِ (وَمَا يَصِحُّ لَكْ) أي: عندَكَ بعدَها أَنِّي أَرْوِيهِ (مِمَّا سَمِعْتُـ) هـ من الأحاديثِ، (أَوْ) اقتصرَ علَى قولِه:«ما صحَّ» (يَصِحُّ مَا سَلَك») أي: ما ذكرَه، يعنِي: أنَّه تركَ ذكرَ «يصِحُّ» مكتفيًا بـ «ما صحَّ» .

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا قالَ الشَّيخُ: أجَزتُ لفلانٍ ما صحَّ، ويصحُّ عندَه من مسموعاتِي. صحَّتِ الإجازةُ.

فتجوزُ الرِّوايةُ لِمَا صحَّ عندَه بعدَ الإجازةِ أنَّه سمعَه قبلَها، وقد فعلَهُ الدَّارقطنيُّ رحمه الله وغيرُه.

[395]

(فِي مِثْلِ ذَا) أي: الإجازةِ المتقدِّمةِ، (لا تُدْخِلِ) أيُّها الرَّاوي بها (الْمُجَازَا) بضمِّ الميمِ، أي: ما تحمِلُه بالإجازةِ، (أَوْ صَحَّ) أي: أو

ص: 313

الصَّحيحَ، (عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَا) أي: عندَ غيرِ الشَّيخِ الَّذي أجازَ لكَ بهذهِ الكيفيَّةِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا أجازَ لكَ الشَّيخُ بالصِّيغةِ المتقدِّمةِ، وهي أجَزتُ لكَ ما صحَّ

إلخ، فليسَ لكَ أنْ ترويَ ما تحمِلُه بالإجازةِ، أو ما صحَّ عندَ غيرِه؛ لأنَّه مقيَّدٌ بسماعِه.

396 -

وَمَنْ رَأَى إِجَازَةَ الْمُجَازِ

وَلَوْ عَلا فَذَاكَ ذُو امْتِيَازِ

[396]

(وَمَنْ) شرطيَّةٌ (رَأَى) من العلماءِ صحَّةَ، (إِجَازَةَ الْمُجَازِ) بضمِّ الميمِ، أي: الحديثِ الَّذي تحمَّلَه الرَّاوِي بالإجازةِ، كأنْ يقولَ: أجَزتُ لكَ مَجَازَاتي. أو روايةَ ما أُجِيزَ لي، أو ما أُبِيحَ لي روايتُهُ. (وَلَوْ عَلا) ذلكَ المجازُ، أي: كَثُرَ بسببِ تَوَالِي الإجازاتِ، (فَذَاكَ ذُو امْتِيَازِ) يعنِي: أنَّ ذلكَ الرَّائيَ ذو تميُّزٍ وفضلٍ علَى مَن لم يَرَ صحَّةَ ذلكَ لكونِ رأيِه صوابًا.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ العلماءَ اختلَفُوا في إجازةِ المُجازِ، كقولِه: أجَزتُ لكَ مجازاتِي. ونحوَ ذلكَ.

فمنعَ ذلكَ بعضُهم؛ لأنَّ الإجازةَ ضعيفةٌ، فَيَقْوَى الضَّعفُ باجتماعِ إجازتينِ، والصَّحيحُ الَّذي عليهِ العملُ، وهوَ الَّذي أشارَ إلى ترجيحِهِ هنا، جوازُها مطلقًا؛ لأنَّ المقصودَ منهَا بقاءُ سِلسِلَةِ الإسنادِ.

ص: 314

397 -

وَلَفْظُهَا «أَجَزْتُهُ» «أَجَزْتُ لَهْ»

فَأَنْ يَخُطَّ نَاوِيًا [فَيُهْمِلَهْ

398 -

وَلَيْسَ شَرْطًا الْقَبُولُ بَلْ إِذَا

رَدَّ فَعِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ بِذَا]

[397]

(وَلَفْظُهَا) أي: اللَّفظُ المستعملُ في الإجازةِ: («أَجَزْتُهُ») أي: أجَزتُ فلانًا مسموعاتِي أو مرويَّاتِي. («أَجَزْتُ لَهْ») والتَّلفُّظُ بالإجازةِ سواءٌ كانَ معَ الكتابةِ أم لا، هوَ الأعلَى رتبةً، ويليهِ الكتابةُ معَ قصدِ الإجازةِ بدونِ تلفُّظٍ، وإليهِ أشارَ بقولِه:(فَأَنْ) الفاءُ للتَّرتيبِ (يَخُطَّ) أي: يكتُبَ الشَّيخُ بالإجازةِ، حالَ كونِهِ (نَاوِيًا) لهَا، يعنِي: أنَّ الكتابةَ بالإجازةِ معَ قصدِهَا تلِي التَّلفُّظَ بهَا، ثمَّ تلِي الكتابةُ بدونِ القصدِ، وإليهَا أشارَ بقولِه:(فَيُهْمِلَهْ) من الإهمالِ، وهوَ التَّركُ، أي: يلِي الخطَّ معَ النِّيَّةِ أنْ يخُطَّ، ويهمِلَ النِّيَّةَ.

والحاصلُ: أنَّ كيفيَّةَ الإجازةِ أربعةٌ: الكتابةُ معَ اللَّفظِ، وهوَ الأعلَى، ثمَّ اللَّفظُ بدونِ الكتابةِ، ثمَّ الكتابةُ معَ النِّيَّةِ، ثمَّ الكتابةُ معَ إهمالِ النِّيَّةِ.

[398]

(وَلَيْسَ شَرْطًا) في صحَّةِ الرِّوايةِ بهَا، (الْقَبُولُ) أي: قَبولُ المجازِ لهُ إيَّاها، (بَلْ إِذَا رَدَّ) المُجازُ لهُ الإجازةَ، وكذَا لو رجَعَ المُجيزُ عنهَا، (فَعِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ) في الإجازةِ، (بِذَا) أي: بسببِ ردِّهِ للإجازةِ، يعنِي: أنَّ المُجازَ لهُ لو رَدَّهَا فهوَ غيرُ قادحٍ لهَا بردِّه.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ قبولَ المُجازِ لهُ للإجازةِ غيرُ شرطٍ في صحَّةِ الرِّوايةِ بهَا، كمَا صرَّحَ بهِ البلقينيُّ رحمه الله.

ص: 315

399 -

وَاسْتُحْسِنَتْ مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ

وَشَرْطُهُ يُعْزَى إِلَى أَكَابِرِ

[399]

(وَاسْتُحْسِنَتْ) أي: الإجازةُ، أنْ تكونَ (مِنْ) مُجيزٍ (عَالِمٍ) بمَا يجيزُ بهِ، (لِمَاهِرِ) أي: لِمُجَازٍ حاذقٍ بالفنِّ، (وَشَرْطُهُ) أي: اشتراطُ كونِهَا من عالمٍ لماهرٍ، (يُعْزَى) أي: يُنسَبُ (إِلَى أَكَابِرِ) بالصَّرفِ للضَّرورةِ، أي: الأئمَّةِ الكبارِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّهم قالُوا: إنَّما تُستحسَنُ الإجازةُ إذَا كانَ المُجيزُ عالِمًا بمَا يُجيزُه، وكانَ المُجَازُ لهُ من أهلِ العلمِ أيضًا؛ لأنَّها تسويغٌ، وترخيصٌ يتأهَّلُ لهُ أهلُ العلمِ؛ لمسيسِ حاجتِهِم إليهَا.

ثمَّ بيَّنَ رحمه الله النَّوعَ الرَّابعَ بقولِه:

400 -

رَابِعُهَا عِنْدَهُمُ: الْمُنَاوَلَهْ

أَنْ يُعْطِيَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ لَهْ

[400]

(رَابِعُهَا) أي: رابعُ وجوهِ تحمُّلِ الحديثِ (عِنْدَهُمُ) أي: العلماءِ حالٌ منهُ، (الْمُنَاوَلَهْ) لغةً: العَطِيَّةُ، واصطلاحًا:(أَنْ) مصدريَّةٌ (يُعْطِيَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ لَهْ) أي: للطَّالبِ.

ص: 316

401 -

مِلْكًا، تَلِي إِعَارَةٌ، أَوْ يُحْضِرَهْ

لِلشَّيْخِ ذِي الْعِلْمِ لِكَيْمَا يَنْظُرَهْ

402 -

ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَأَذِنْ

فِي الصُّورَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، فَدِنْ

[401]

(مِلْكًا) بتثليثِ الميمِ، أي: حالَ كونِه مملوكًا لهُ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ النَّوعَ الرَّابعَ من أنواعِ التَّحمُّلِ هوَ المُناولةُ، وهيَ إعطاءُ المحدِّثِ الكتابَ للطَّالبِ، قائلًا: هذَا من تصنيفِي، أو روايتِي، وأنَا عالمٌ بما فيهِ، فَارْوِهِ عنِّي. وهذهِ الصُّورةُ هيَ الأعلَى، (تَلِي) هذهِ الصُّورةَ الأولَى (إِعَارَةٌ) أي: مناولةُ الشَّيخِ الكتابَ علَى وجهِ الإعارةِ، فيقولُ لهُ: خُذْ عنِّي، فانتسِخْه، ثمَّ قَابِلْ بهِ، ثمَّ رُدَّهُ إليَّ. (أَوْ يُحْضِرَهْ) أي: يُحضِرَ الكتابَ الطَّالبُ، (لِلشَّيْخِ) أي: عندَ المحدِّثِ (ذِي الْعِلْمِ) أي: المعرفةِ بما في الكتابِ؛ (لِكَيْمَا يَنْظُرَهْ) أي: يُطالِعَ الكتابَ، ويتصفَّحَه، متأمِّلًا ليعلَمَ صحَّتَه، وعدمَ الزِّيادةِ فيهِ، والنَّقصِ منهُ.

[402]

(ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ) أي: يرُدَّ الشَّيخُ ذلكَ الكتابَ إلى الطَّالبِ، ويقولَ لهُ: وقَفْتُ علَى ما فيهِ، وهوَ كتابِي، أو روايتِي عن فلانٍ، أو نحوَه، فاروِهِ عنِّي، أو أجزتُ لكَ روايتَهُ. (وَ) قد (أَذِنْ) أي: حالَ كونِهِ آذِنًا للطَّالبِ (فِي الصُّورَتَيْنِ) المذكورتَينِ، أي: صورةِ دفعِ الشَّيخِ الكتابَ إلى الطَّالبِ،

ص: 317

إمَّا ملكًا، أو إعارةً، وصورةِ إحضارِه الكتابَ إلى الشَّيخِ ليتأمَّلَه، ثم يردَّهُ إليهِ، (فِي رِوَايَةٍ) أي: روايةِ ما في الكتابِ، (فَدِنْ) تتميمٌ للبيتِ، بمعنَى أطِعْ، أي: أَطِعِ المحدِّثينَ في قواعدِهِم.

403 -

وَأَخَذُوا بِهَذِهِ إِجْمَاعَا

بَلْ قِيلَ: ذِي تُعَادِلُ السَّمَاعَا

404 -

[وَآخَرُونَ فَضَّلُوهَا] وَالأَصَحّْ

تَلِي، وَسَبْقُهَا إِجَازَةً وَضَحْ

[403]

(وَأَخَذُوا) أي: العلماءُ من المحدِّثينَ وغيرِهم، (بِهَذِهِ) أي: المناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ، (إِجْمَاعَا) أي: حالَ كونِهِم مجمِعينَ عليهِ، والمعنَى أنَّ صحَّةَ المُناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ مجمعٌ عليها، (بَلْ قِيلَ: ذِي) أي: المناولةُ المقرونةُ بالإذنِ، (تُعَادِلُ) أي: تساوِي (السَّمَاعَا) في الرُّتبةِ والقوَّةِ.

[404]

(وَآخَرُونَ) من أهلِ الحديثِ، (فَضَّلُوهَا) أي: المناولةَ علَى السَّماعِ، يعنِي: أنَّ بعضَ المحدِّثينَ ذهَبُوا إلى أنَّ المناولةَ أولَى من السَّماعِ، (وَالأَصَحّ) من الأقوالِ، وهوَ الَّذي عليهِ المحقِّقونَ أنَّها (تَلِي) السَّماعَ، بلْ والقراءةَ في الرُّتبةِ، فهيَ منحطَّةٌ عنهُما، (وَسَبْقُهَا) أي: سبقُ المناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ، أي: تقدُّمُها في الرُّتبةِ، (إِجَازَةً) أي: مجرَّدةً من المناولةِ (وَضَحْ)؛ لأنَّ تلكَ مختلَفٌ فيهَا دونَ هذِه؛ لمَا ذكَرْنا من الإجماعِ.

ص: 318

405 -

وَصَحَّ إِنْ نَاوَلَ وَاسْتَرَدَّا

وَمِنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ أَدَّى

[405]

(وَصَحَّ) التَّحمُّلُ (إِنْ) شرطيَّةٌ (نَاوَلَ) أي: أعطَى الشَّيخُ الطَّالبَ الكتابَ ونحوَه، معَ الإجازةِ لهُ بروايتِهِ، (وَ) لكنَّه (اسْتَرَدَّا) بألفِ الإطلاقِ، أي: طلبَ ردَّ ما أعطَاهُ في الوقتِ، ولم يُمَكِّنْه منهُ، بلْ أمسَكَه الشَّيخُ عندَه.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إنْ ناوَلَ الشَّيخُ مَرويَّهُ الطَّالبَ، ثمَّ استرَدَّه في الحالِ، فقد صحَّ هذَا الصَّنيعُ منهُ، فتجوزُ الرِّوايةُ، والعملُ بهِ، ولكنَّه دونَ ما سبقَ؛ لعدمِ اطِّلاعِ الطَّالبِ علَى ما يحمِلُه، وغيبتِهِ عنهُ.

(وَ) لكنْ إذَا أرادَ الطَّالبُ الرِّوايةَ لذلكَ (مِنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ) أي: من كتابٍ مساوٍ لمَا أعطاهُ الشَّيخُ (أَدَّى) أي: رَوَى، أي: عليهِ أنْ يؤدِّيَ من مساوِي ذلكَ الأصلِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ الطَّالبَ المُنَاوَلَ علَى هذهِ الكيفيَّةِ، إذَا أرادَ روايةَ ما تحمَّلَهُ علَى هذا الوجهِ يلزَمُه أنْ يؤدِّيَه من مساوِي ذلكَ الكتابِ المردودِ، بأنْ وجدَ فرعًا مقابِلًا بهِ موثَّقًا بموافقةِ ما تناولَتْه الإجازةُ، كما يعتبرُ ذلكَ في الإجازةِ المجرَّدةِ، ومن بابٍ أولَى إنْ أدَّاهُ من ذلكَ الأصلِ المستردِّ منه إنْ ظفرَ به وغلبَ علَى ظنِّه سلامتُه من التَّغييرِ.

ص: 319

406 -

قِيلَ: وَمَا لِذِي مِنَ امْتِيَازِ

عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَازِ

407 -

وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ

وَمَا رَأَى: صَحَّ، وَإِلَّا فَلْيُرَدّْ

[406]

(قِيلَ)، أي: قالَ جماعةٌ من أصحابِ الفقهِ والأصولِ، (وَمَا) نافيةٌ (لِذِي) أي: لهذهِ المناولةِ المذكورةِ، (مِنَ) زائدةٌ، (امْتِيَازِ) أي: تَمَيُّزٌ، وفَضْلٌ، (عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَازِ) بضمِّ الميمِ، أي: من كتابٍ معيَّنٍ مُجازٍ بهِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ جماعةً من العلماءِ قالُوا: لا مَزِيَّةَ لهذهِ المناولةِ علَى الكتابِ الَّذي عُيِّنَ في الإجازةِ مجرَّدًا عنها، فلا تأثيرَ لهَا، ولا فائدةَ غيرَ أنَّ شيوخَ أهلِ الحديثِ في القديمِ والحديثِ، يَرَوْنَ لذلكَ مزيَّةً معتبرةً.

[407]

(وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ) أي: الكتابَ إلى الشَّيخِ، (مَنْ يُعْتَمَدْ) أي: الطَّالبُ الَّذي يُعتَمَدُ عليهِ لإتقانِه وثقتِهِ، (وَ) الحالُ أنَّه (مَا) نافيةٌ (رَأَى) الشَّيخُ في ذلكَ الكتابِ، (صَحّ) أي: صحَّ صنيعُه هذَا.

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا أحضرَ الطَّالبُ الكتابَ إلى الشَّيخِ، وقالَ لهُ: هذَا روايتُكَ فناوِلْنيهِ، وأجِزْ لي روايتَه. فأجابَهُ إليهِ معتمدًا عليهِ لإتقانِهِ وثقتِهِ من غيرِ نظرٍ فيهِ، صحَّتِ المناولةُ والإجازةُ، كمَا يصحُّ الاعتمادُ علَى الطَّالبِ في القراءةِ علَى الشَّيخِ إذَا كانَ موثوقًا به معرفةً ودينًا.

ص: 320

وأمَّا إذَا لم يكُنِ الطَّالبُ ممَّنْ يعتمدُ عليهِ فلا تصحُّ الإجازةُ فضلًا عن المناولةِ، كمَا أشارَ إليهِ بقولِه:(وَإِلَّا) يكُنِ الطَّالبُ الَّذي أحضرَ الكتابَ معتمَدًا علَى خَبَرِهِ، ولا يوثقُ بخِبْرَتِهِ، (فَلْيُرَدّ) أي: هذا الصَّنيعُ؛ إذ لا يصحُّ الاعتمادُ علَى غيرِ موثوقٍ بهِ.

408 -

فَإِنْ يَقُلْ: «أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا»

صَحَّ وَيُرْوَى عَنْهُ حَيْثُ بَانَا

409 -

[وَإِنْ يُنَاوِلْ لا مَعَ الإِذْنِ وَلا

«هَذَا سَمَاعِي» : فَوِفَاقًا بَطَلا]

[408]

(فَإِنْ يَقُلْ) الشَّيخُ في الصُّورةِ المذكورةِ، سواءٌ كانَ الطَّالبُ معتمَدًا عليهِ، أم لا؟ (:«أَجَزْتُهُ) لكَ (إِنْ كَانَا» ) بألفِ الإطلاقِ، أي: الكتابُ من حديثِي. (صَحَّ) أي: صحَّ هذَا القولُ، وكانَ حسنًا فتصِحُّ الرِّوايةُ بهِ، (وَيُرْوَى) أي: يُروَى ذلكَ الحديثُ، أي: يروِي ذلكَ الطَّالبُ ما في الكتابِ (عَنْهُ) أي: عن ذلكَ الشَّيخِ، (حَيْثُ بَانَا) أي: ظهرَ واتَّضَحَ كونُه من مرويَّاتِه.

[409]

(وَإِنْ يُنَاوِلْ) الشَّيخُ الطَّالبَ شيئًا من مرويَّاتِه، أو أحضرَ الطَّالبُ إليهِ شيئًا منهُ فتصفَّحَه وعرَفَ ما فيهِ، ثمَّ دفعَه إليهِ، (لا مَعَ الإِذْنِ) في الرِّوايةِ (وَلا) قالَ لهُ:(«هَذَا) الكتابُ أو الحديثُ (سَمَاعِي») علَى الشَّيخِ الفُلانيِّ، ولا ممَّا أُجِيزَ لي في روايتِهِ. (فَوِفَاقًا) بينَ العلماءِ (بَطَلا) هذَا التَّحمُّلُ، فلا تجوزُ الرِّوايةُ بهِ.

ص: 321

410 -

وَإِنْ يَقُلْ: «هَذَا سَمَاعِي» ثُمَّ لَمْ

يَأْذَنْ: فَفِي صِحَّتِهَا خُلْفٌ يُضَمّْ

411 -

وَمَنْ يُنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ فَلْيَقُلِ:

«أَنْبَأَنِي» «نَاوَلَنِي» «أَجَازَ لِي»

412 -

«أَطْلَقَ» أَوْ «أَبَاحَ» أَوْ «سَوَّغَ» أَوْ

«أَذِنَ» أَوْ مُشْبِهَ هَذِي، وَرَأَوْا

[410]

(وَإِنْ يَقُلْ) الشَّيخُ عندَ المناولةِ: («هَذَا) الكتابُ أو الحديثُ (سَمَاعِي») علَى الشَّيخِ الفُلانيِّ. أو نحوَهُ، (ثُمَّ لَمْ يَأْذَنْ) لهُ في الرِّوايةِ، بلْ اقتصَرَ علَى قولِه المذكورِ، (فَفِي صِحَّتِهَا) أي: المناولةِ الخاليةِ عنِ الإذنِ (خُلْفٌ) بالضَّمِّ، أي: اختلافٌ بينَ العلماءِ (يُضَمّ)، أي: يُجمَعُ إلى الخلافِ في الأنواعِ المتقدِّمةِ.

[411]

(وَمَنْ) شرطيَّةٌ (يُنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ) أي: يناوِلُه الشَّيخُ مرويَّهُ، أو يجيزَهُ لهُ، (فَلْيَقُلِ) أي: عندَ أدائِه: («أَنْبَأَنِي») فلانٌ، أو أنبَأَنا، في المناولةِ والإجازةِ، و («نَاوَلَنِي») فلانٌ، أو ناوَلَنا في المناولةِ، و («أَجَازَ لِي») أو أجازَنَا في الإجازةِ المجرَّدةِ عن المناولةِ.

[412]

أو («أَطْلَقَ») لي روايتَهُ عنهُ، (أَوْ «أَبَاحَ») لي (أَوْ «سَوَّغَ») لي، أي: جوَّزَ لي روايتَهُ، أو («أَذِنَ») في روايتِهِ، (أَوْ مُشْبِهَ هَذِي،) الألفاظِ المذكورةِ، من كلِّ عبارةٍ مشعرةٍ بالواقعِ.

ص: 322

وحاصلُ المعنَى: أنَّ مَنْ تحمَّلَ الحديثَ بالمناولةِ، أو الإجازةِ، يقولُ في الأداءِ:«أنبَأني» ، «ناوَلَني» ، «أجازَ لي» ، أو «أطلَقَ لي» روايتَهُ، أو ما أشبَهَ ذلكَ ممَّا يبيِّنُ الواقعَ، (وَرَأَوْا) أي: العلماءُ.

413 -

ثَالِثَها مُصَحَّحًا أَنْ يُورِدَا

«حَدَّثَنَا» «أَخْبَرَنَا» مُقَيِّدَا

414 -

وَقِيلَ: قَيِّدْ فِي مُجَازٍ قَصَرَا

وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِخَبَّرَا

[413]

(ثَالِثَها) والضَّميرُ راجعٌ إلى الأقوالِ، (مُصَحَّحًا) أي: رَأى العلماءُ ثالثَ الأقوالِ محكومًا بصحَّتِه، (أَنْ يُورِدَا) الألفُ للإطلاقِ، («حَدَّثَنَا» «أَخْبَرَنَا» مُقَيّدَا) أي: حالَ كونِه مقيِّدًا هذينِ اللَّفظينِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ العلماءَ رأَوْا إيرادَ «حدَّثَنا» و «أخبَرَنا» مقيدًا ببيانِ الواقعِ صحيحًا، فيقولُ: حدَّثَنا فلانٌ إجازةً أو مناولةً، وأخبرَنَا فلانٌ إجازةً أو مناولةً. أو نحوَ ذلكَ.

[414]

(وَقِيلَ) أي: قالَ بعضُهم: (قَيِّدْ) أيُّها المحدِّثُ بعبارةٍ تُبَيِّنُ الواقعَ كمَا تقدَّمَ، (فِي مُجَازٍ) بضمِّ الميمِ، أي: إجازةً، (قَصَرَا) عن المُناولةِ، يعنِي: أنَّها إجازةٌ مجرَّدةٌ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ بعضَهم قالَ بوجوبِ التَّقييدِ في الإجازةِ المجرَّدةِ

ص: 323

عنِ المناولةِ، فيقولُ: حدَّثَنا إجازةً. أو: أخبَرَنا إجازةً. وأمَّا الإجازةُ معَ المناولةِ، فلا يجبُ تقييدُهَا.

(وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ المحدِّثينَ، وهوَ الإمامُ أبو عمرٍو الأوزاعيُّ رحمه الله، (يَخُصُّهُ) أي: المُجَازَ القاصرَ بمعنَى الإجازةِ، (بِـ «خَبَّرَا») بتشديدِ الباءِ، يعنِي: أنَّ الأوزاعيَّ رحمه الله يخصُّ الإجازةَ بـ «خبَّرَنا» ، بالتَّشديدِ ويجعلُ «أخبَرَنا» بالهمزةِ للقراءةِ.

415 -

وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي بِنَحْوِ «لِي كَتَبْ»

«شَافَهَ» وَهْوَ مُوهِمٌ فَلْيُجْتَنَبْ

416 -

[فِي الاقْتِرَاحِ مُطْلَقًا لا يَمْتَنِعْ

«أَخْبَرَ» إِنْ إِسْنَادَ جُزْءٍ قَدْ سَمِعْ]

[415]

(وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ المحدِّثينَ من المتأخِّرينَ، (يَرْوِي) ما أجازَه شيخُه بالكتابةِ، (بِنَحْوِ «لِي كَتَبْ») فلانٌ، وأخبَرَني كتابةً، أو في كتابةٍ، ويروِي في الإجازةِ باللَّفظِ («شَافَهَـ») نِي، وأخبَرَنا مشافهةً، (وَهْوَ) أي: هذَا الاستعمالُ (مُوهِمٌ) أي: مُوقِعٌ في الوهمِ، أي: الغلطِ، (فَلْيُجْتَنَبْ) أي: فليُبتَعَدْ عنهُ؛ لمَا فيهِ من خطرِ الإيهامِ.

[416]

(فِي) كتابِ (الاقْتِرَاحِ) لابنِ دقيقٍ رحمه الله، (مُطْلَقًا) أي: حالَ كونِه غيرَ مقيَّدٍ بشيءٍ ممَّا تقدَّمَ، (لا يَمْتَنِعْ «أَخْبَرَ») أي: إطلاقُ لفظِ

ص: 324

«أخبَرَنا» و «أخبَرَني» (إِنْ) كانَ (إِسْنَادَ جُزْءٍ قَدْ سَمِعْ) من الشَّيخِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ الإمامَ أبا الفتحِ بنَ دقيقِ العيدِ رحمه الله، قالَ في كتابِهِ «الاقتراحِ»: لا يمتنعُ إطلاقُ «أخبَرَنا» و «أخبَرَني» غيرَ مقيَّدٍ إنْ سمِعَ من الشَّيخِ الإسنادَ وناوَلَه الكتابَ؛ لأنَّه أخبرَه بالكتابِ، وإنْ كانَ جُمْلِيًّا فلا فرقَ بينَهُ وبينَ التَّفصيلِ.

417 -

وَ «عَنْ» وَ «أَنَّ» جَوَّدُوا فِيمَا يَشُكّْ

سَمَاعَهُ، وَفِي الْمُجَازِ مُشْتَرَكْ

[417]

(وَ «عَنْ» وَ «أَنَّ») أي: استعمالُها (جَوَّدُوا) أي: جعَلَه المتأخِّرونَ جيدًا حسنًا، (فِيمَا) أي: في أداءِ الحديثِ الَّذي (يَشُكّ) أي: يرتابُ فيهِ الرَّاوي، (سَمَاعَهُ).

وحاصلُ المعنَى: أنَّه إذَا شكَّ الرَّاوِي في سماعِ شيخِه من شيخِه معَ تحقُّقِ إجازتِه لهُ، فقَدِ استحسَنَ المتأخِّرونَ استعمالَ «عن» و «أن» (وَ) جوَّدُوا أيضًا (فِي) أداءِ (الْمُجَازِ) من أجازَ، أي: الحديثَ المُجازَ بهِ، فيقولُ فيمَنْ سمعَ شيخًا بإجازتِه عن شيخٍ: قرَأتُ علَى فلانٍ عن فلانٍ، (مُشْتَرَكْ) أي: ما ذكرَ مِن «عن» و «أن» مشتركٌ بينَ السَّماعِ والإجازةِ صادقٌ عليهِمَا.

ص: 325

ثمَّ بيَّنَ رحمه الله النَّوعَ الخامسَ بقولِهِ:

418 -

خَامِسُهَا: كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ

يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ

419 -

يَكْتُبَ عَنْهُ، فَمَتَى أَجَازَا

فَهِي كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا

[418]

(خَامِسُهَا) أي: خامسُ وجوهِ التَّحمُّلِ، (كِتَابَةُ الشَّيْخِ) بشيءٍ من مرويِّهِ، حديثًا فأكثرَ، ويرسِلُه إلى الطَّالبِ مع ثقةٍ، مُؤتَمَنٍ، (لِمَنْ يَغِيبُ) أي: لشخصٍ يغيبُ عن مجلسِ الشَّيخِ (أَوْ يَحْضُرُ) مجلسَهُ سواءٌ كانَتِ الكتابةُ بنفسِه، وهوَ أعلَى، (أَوْ) غيرِه بأنْ (يَأْذَن) له (أَنْ):

[419]

(يَكْتُبَ عَنْهُ) أي: يكتُبَ عن الشَّيخِ، يعنِي: أنَّه أمَرَ مَن يكتبُ عنهُ لشخصٍ غائبٍ أو حاضرٍ، سواءٌ كانَ لضرورةٍ أم لا، وسواءٌ سُئِلَ في ذلكَ أم لا، (فَمَتَى أَجَازَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: الشَّيخُ بخطِّهِ، أو بإذنِهِ بقولِهِ: أجَزتُ لكَ ما كتبتُه لكَ، أو ما كتبتُ بهِ إليكَ. (فَهِي كَمَنْ نَاوَلَ) أي: الكتابةُ المقرونةُ بالإجازةِ منزلةٌ منزلةَ مَن نَاوَلَ كتابَهُ للطَّالبِ معَ الاقترانِ بالإجازةِ، (حَيْثُ امْتَازَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: تميَّزَ هذَا الفعلُ بسببِ اقترانِهِ بالإجازةِ.

ص: 326

420 -

أَوْ لا، فَقِيلَ لا تَصِحُّ وَالأَصَحّْ

صِحَّتُهَا، بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ

421 -

وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطّْ

كَاتِبِهِ، وَشَاهِدًا بَعْضٌ شَرَطْ

[420]

(أَوْ لا) أي: لم يُجِزِ الشَّيخُ بأنْ جرَّدَ الكتابةَ عنِ الإجازةِ، (فَـ) فيهِ اختلافٌ بينَ العلماءِ علَى قولينِ، (قِيلَ) إنَّها (لا تَصِحُّ) كالمناولةِ المجرَّدةِ، ولكنَّ هذَا القولَ غلطٌ، (وَالأَصَحّ) من القولَينِ المشهورُ بينَ أهلِ الحديثِ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ، (صِحَّتُهَا) أي: الكتابةِ المجرَّدةِ عن الإجازةِ، (بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ) يعنِي: أنَّ الكتابةَ المجرَّدةَ عن الإجازةِ تكونُ أقوَى من الإجازةِ بغيرِ كتابةٍ عندَ بعضِهِم.

[421]

(وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ) إليهِ في الرِّوايةِ بالكتابةِ، (أَنْ يَعْرِفَ) بنفسِهِ، وكذَا بإخبارِ ثقةٍ معتمَدٍ (خَطّ كَاتِبِهِ) أي: يكتفِي المكتوبُ إليهِ بمعرفةِ خطِّ الكاتبِ، وإنْ لم تَقُمْ بيِّنةٌ علَى ذلكَ، (وَشَاهِدًا) أي: قيامُ بيِّنةٍ تشهدُ علَى ذلكَ الخطِّ بالرُّؤيةِ أو الإقرارِ، (بَعْضٌ) من العلماءِ، (شَرَطْ) يعنِي أنَّ بعضَ العلماءِ شرَطَ وجودَ بيِّنةٍ علَى ذلكَ الخطِّ؛ لأنَّ الخطَّ يشبِهُ الخطَّ بحيثُ لا يتميَّزُ أحدُهما عنِ الآخرِ.

قالَ ابنُ الصَّلاحِ رحمه الله: إنَّه غيرُ مرضيٍّ؛ لنُدرةِ ذلكَ اللَّبسِ، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّ خطَّ الإنسانِ لا يشتبِهُ بغيرِهِ.

ص: 327

422 -

ثُمَّ لْيَقُلْ «حَدَّثَنِي، أَخْبَرَنِي

كِتَابَةً» وَالْمُطْلِقِينَ وَهِّنِ

[422]

(ثُمَّ) إذَا صحَّحْنا التَّحمُّلَ بالكتابةِ، وأرادَ المتحمِّلُ الأداءَ بهَا، فلا بدَّ مِن تقييدِها، فـ (ليَقُلْ) المكتوبُ إليهِ عندَ الأداءِ:(«حَدَّثَنِي) فلانٌ أو (أَخْبَرَنِي) فلانٌ (كِتَابَةً») أو مكاتبةً. أو: كتبَ إليَّ فلانٌ، قالَ: حدَّثَنا فلانٌ بكذَا (وَالْمُطْلِقِينَ) أي: المستعمِلِينَ لـ «حدَّثَني» و «أخبَرَني» علَى سبيلِ الإطلاقِ من دونِ تقييدٍ بالكتابةِ، (وَهِّنِ) أمرٌ من التَّوهينِ، أي: احكُمْ بضعفِ عملِهِم هذَا.

وحاصلُ المعنَى: أنَّهم اختَلَفُوا في تقييدِ «حدَّثَني» و «أخبَرَني» علَى أقوالٍ:

الأوَّلُ: للجمهورِ، وهوَ وجوبُ التَّقييدِ.

الثَّاني: جوازُ الإطلاقِ.

الثَّالثُ: جوازُ إطلاقِ «أخبَرَنا» دونَ «حدَّثَنا» .

ص: 328

ثمَّ بيَّنَ رحمه الله النَّوعَ السَّادسَ بقولِهِ:

423 -

السَّادِسُ: الإِعْلامُ، نَحْوُ «هَذَا

رِوَايَتِي» مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ حَاذَا

424 -

فَصَحَّحُوا إِلْغَاءَهُ، وَقِيلَ: لا

وَإِنَّهُ يَرْوِي وَلَوْ قَدْ حَظَلا

[423]

(السَّادِسُ: الإِعْلامُ) يعنِي: أنَّ سادسَ أنواعِ التَّحمُّلِ هوَ النَّوعُ المسمَّى بالإعلامِ، ثمَّ عرَّفَه بالمثالِ، فقالَ: وذلكَ (نَحْوُ) قولِهِ: («هَذَا) الحديثُ (رِوَايَتِي») عن فلانٍ حالَ كونِهِ (مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ) للطَّالبِ (حَاذَا)، أي: قارَنَ، أي: من غيرِ إذنٍ مُقَارِنٍ للإعلامِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّ سادسَ وجوهِ التَّحمُّلِ الإعلامُ، وهوَ أنْ يُعلِمَ الشَّيخُ الطَّالبَ بشيءٍ من مرويِّهِ، نحوِ قولِه: هذَا الحديثُ أرويهِ من فلانٍ، ولكنَّ ما قارَنَ إِعلامَهُ الإذنُ في روايتِهِ، فلم يقُلْ: اروِهِ عنِّي. أو نحوَ ذلكَ.

[424]

(فَصَحَّحُوا) أي: طائفةٌ من المحدِّثينَ وغيرِهم، (إِلْغَاءَهُ) أي: إبطالَ الإعلامِ المذكورِ، (وَقِيلَ: لا) أي: قالَ كثيرونَ، (وَإِنَّهُ) بكسرِ «إنَّ» أي: الطَّالبُ الَّذي وقعَ لهُ الإعلامُ المجرَّدُ، (يَرْوِي) ذلكَ الحديثَ، (وَلَوْ قَدْ حَظَلا) أي: منَعَه الشَّيخُ من الرِّوايةِ، يعنِي: أنَّه يجوزُ لهُ أنْ يروِيَ بهذَا الإعلامِ مِن دونِ إجازةٍ، بلْ ولو منعَهُ.

ص: 329

ثمَّ بيَّنَ رحمه الله النَّوعَ السَّابعَ والثَّامنَ بقولِه:

425 -

وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي وَصِيَّةٍ وَفِي

وِجَادَةٍ، وَالْمَنْعُ فِيهِمَا قُفِي

426 -

وَفِي الثَّلاثَةِ إِذَا صَحَّ السَّنَدْ:

نَرَى وُجُوبَ عَمَلٍ فِي الْمُعْتَمَدْ

[425]

(وَالْخُلْفُ) أي: الاختلافُ المذكورُ في الإعلامِ المجرَّدِ عن الإذنِ، (يَجْرِي) أي: يوجَدُ (فِي وَصِيَّةٍ) وهوَ النَّوعُ السَّابعُ من وجوهِ التَّحمُّلِ، أي: وصيَّةُ الشَّيخِ عندَ موتِه، أو سفرُه لشخصٍ بكتابٍ يرويهِ ذلكَ الشَّيخُ مقتصِرًا عليهَا دونَ إجازةٍ، (وَ) يجرِي الخلافُ أيضًا (فِي وِجَادَةٍ) وهوَ النَّوعُ الثَّامنُ من وجوهِ التَّحمُّلِ، والوجادةُ أنْ يقفَ الشَّخصُ علَى أحاديثَ بخطِّ راوِيهَا غيرِ المعاصرِ له، أو المعاصِرِ، ولم يسمَعْ منهُ، أو سمِعَ منهُ ولكنْ لا يروي تلكَ عنهُ بسماعٍ ولا إجازةٍ، واختُلِفَ فيها أيضًا إلَّا أنَّ الخلافَ فيها ضعيفٌ جدًّا، (وَالْمَنْعُ) أي: منعُ الرِّوايةِ، (فِيهِمَا) أي: الوصيَّةِ والوجادةِ، (قُفِي) أي: اتُّبِعَ؛ لأنَّه الأصحُّ هذَا في الرِّوايةِ، وأمَّا العملُ بهَا فقد أشارَ إليهِ بقولِه:

[426]

(وَفِي) هذهِ الأنواعِ (الثَّلاثَةِ) أي: الإعلامِ، والوصيَّةِ، والوجادةِ،

ص: 330

(إِذَا صَحَّ الْسَّنَدْ) في كلٍّ منهَا، (نَرَى) بالنُّونِ، أي: نعتقدُ أيُّها المحدِّثونَ، (وُجُوبَ عَمَلٍ) يعنِي: أنَّه يجبُ العملُ بهَا، وإنْ لم تجُزْ روايتُها بطريقتِهَا، وهذَا (فِي) القولِ (الْمُعْتَمَدْ) عليهِ؛ لأنَّ العملَ يكفِي فيهِ صحَّتُه في نفسِه.

427 -

يُقَالُ فِي وِجَادَةٍ: «وَجَدْتُ

بِخَطِّهِ» وِإِنْ تَخَلْ: «ظَنَنْتُ»

428 -

فِي غَيْرِ خَطٍّ: «قَالَ» مَا لَمْ تَرْتَبِ

فِي نُسْخَةٍ تَحَرَّ فِيهِ تُصِبِ

[427]

(يُقَالُ فِي) أداءِ ما استفادَهُ بـ (وِجَادَةٍ) بالكسرِ: («وَجَدْتُ) أو قرَأتُ (بِخَطِّهِ») أي: فلانٍ، أو كتابِهِ بخطِّه، حدَّثَنا فلانٌ. ويسوقُ الإسنادَ، والمتنَ، (وِإِنْ تَخَلْ) بفتحِ الخاءِ وكسرِهَا، أي: تظُنَّ، أي: إذَا شكَكْتَ في كونِهِ خَطَّهُ فقُلْ: («ظَنَنْتُ») أنَّه خَطُّهُ.

[428]

(فِي غَيْرِ خَطٍّ)

وحاصلُ المعنَى: أنَّكَ إذَا وجَدْتَ حديثًا في مصنَّفٍ لبعضِ مَنْ عاصَرْتَهُ، أوْ لَا، فقُلْ: قالَ فلانٌ كذَا، ونحوَه من ألفاظِ الجزمِ، إذَا جزَمتَ بصحَّةِ النُّسخةِ، بأنْ قابَلَها المصنِّفُ، أو ثقةٌ غيرُه بالأصلِ، أو بفرعٍ مقابلٍ بهِ، كمَا يأتِي في محلِّه، إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، وأمَّا إذَا لم تثِقْ بهِ فلا تجزِمْ، كمَا أشارَ إليهَا بقولِه:(مَا لَمْ تَرْتَبِ) أي: تشُكَّ (فِي نُسْخَةٍ) لذلكَ الكتابَ، فأمَّا

ص: 331

إذَا ارتَبْتَ فيهَا فـ (تَحَرَّ فِيهِ تُصِبِ) أي: اطلُبِ الأحْرَى، أي: الصَّوابَ في أداءِ ما ارتَبْتَ فيهِ.

وذلكَ بأنْ تقولَ: بلَغَني عن فلانٍ أنَّه ذكرَ كذَا. أو: وجَدتُ في نسخةٍ من الكتابِ الفُلانيِّ. وما أشبَهَها من العباراتِ الَّتي لا تقتَضِي الجزمَ.

429 -

وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ وَمَنْ أَتَى

بِـ «عَنْ» يُدَلِّسْ أَوْ بِـ «أَخْبَرْ» رُدَّتَا

430 -

[فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ فِيهِ تَرَى

وِجَادَةً، فَقُلْ: أَتَى مِنْ آخَرَا]

[429]

(وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ) أي: كلُّ ما رُوِيَ بالوجادةِ، سواءٌ وثقَ بكونِه خطَّه أم لا، (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (أَتَى) في ذلكَ متساهِلًا (بِـ) صيغةِ («عَنْ») أو نحوِهَا، كقالَ، مكانَ وجَدْتُ، (يُدَلِّسْ) يعنِي: مَن أدَّى ما وجَدَه بخطِّ شخصٍ بصيغةِ «عن» ونحوِهَا فهوَ مدلِّسٌ تدليسًا قبيحًا، (أَوْ) أتَى مجازِفًا (بِـ «أَخْبَرْ») بسكونِ الرَّاءِ، (رُدَّتَا) أي: ترَدُّ روايتُه.

[430]

(فَإِنْ يَقُلْ) أي: قالَ معترِضٌ (فَمُسْلِمٌ) الإمامُ صاحبُ الصَّحيحِ (فِيهِ تَرَى وِجَادَةً) أي: تَرَى أيُّها المخاطَبُ، «وجادةً» (فَقُلْ) أيُّها المحدِّثُ مجيبًا عن هذَا الاعتراضِ:(أَتَى) ذلكَ الحديثُ الذي قالَ فيهِ: وجَدتُ (مِنْ) طريقٍ (آخَرَا) بألفِ الإطلاقِ.

ص: 332

وحاصلُ المعنَى: أنَّه انتُقِدَ علَى صحيحِ مسلمٍ بعضُ الأحاديثِ التي رويَتْ بالوجادةِ؛ لأنَّ حكمَ الوجادةِ منقطعٌ؛ لأنَّها ليسَتْ من الرِّوايةِ، فأجابَ النَّاظِمُ تبعًا للرَّشيدِ العطَّارِ: بأنَّ مسلمًا رواهَا من طرقٍ أخرَى، موصولةٍ إلى من ذكرَ أنَّه وجدَ روايتَهُم فزالَ الإشكالُ.

ص: 333

‌كِتَابَةُ الحَدِيثِ، وضَبْطُهُ

وهوَ النوعُ التاسعُ والثلاثونَ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ:

431 -

كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا

ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى

432 -

[مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ:

«لا تَكْتُبُوا عَنِّيَ» فَالْخُلْفُ نُمِي

[431]

(كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا) الألِفُ للإطلاقِ، والمعنى: أنَّ كتابةَ الحديثِ والعلمِ اخْتَلَفَ فيهِ العلماءُ مِنَ السلفِ: الصحابةِ، والتابعينَ؛ عَمَلًا وتركًا، (ثُمَّ) بعدَ هذَا الخلافِ كُلِّه (الْجَوَازُ) للكتابةِ (بَعْدُ) أيْ: بعْدَ الخِلافِ المذْكُورِ بين الصحابةِ والتابعِينَ (إِجْمَاعًا) أيْ: حالَ كونِهِ مجمعًا عليهِ (وَفَى) أيْ: تَمَّ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الخلافَ المذكورَ زالَ، فصَارَ في المتأخِّرِينَ جَوَازُ الكتابةِ أمرًا مُجْمَعًا عليهِ.

[432]

(مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ) أيِ: الدليلُ الَّذِي اعْتَمَدَ عليهِ المانعُونَ مِنْ كتابَةِ الحديثِ: (حَدِيثُ مُسْلِمِ: «لا تَكْتُبُوا عَنِّيَ») بفتحِ الياءِ للوزنِ، وتمامُ الحديثِ: «شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ، مَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ

ص: 334

فَلْيَمْحُهُ»

(1)

، (فَالْخُلْفُ) بالضَّمِّ، أيْ: الاختلافُ بينَ العلماءِ في هذا الحديثِ؛ لمُعَارَضَتِهِ الأحاديثَ الدالَّةَ على الجوازِ (نُمِي) أيْ: نُسِبَ إليهِمْ، يعْنِي أنَّهُمُ اختلَفُوا في التوفِيقِ.

433 -

فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ

وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ

434 -

مِنِ اخْتِلاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ

لأَمْنِهِ، وَقِيلَ: ذَا لِمَنْ نَسَخْ

[433]

(فَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ المُخْتَلِفِين (أَعَلَّهُ) أي: حَدِيثَ مُسْلِمٍ الدَّالَّ على المَنْعِ (بِالْوَقْفِ) أيْ: بأنَّهُ مَوْقُوفٌ، (وَآخَرُونَ) منَ المخْتَلِفِينَ أيضًا (عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ) أيْ: جعَلُوا عِلَّةَ النَّهْيِ عنِ الكتابَةِ: الخَوْفَ:

[434]

(مِنِ اخْتِلاطٍ بِالْقُرَانِ) يعنِي: أنَّهُمْ جعلُوا عِلَّةَ النَّهْيِ لأَجْلِ خوفِ اختِلاطِ الحديثِ بِالقرْآنِ، (فَانْتَسَخْ) أي: صارَ النهيُ منسوخًا؛ (لأَمْنِهِ) أيْ: أَمْنِ الاختلاطِ المذكورِ، (وَقِيلَ: ذَا) أيْ: نهْيُ الكتابةِ (لِمَنْ نَسَخْ) أيْ: إذا نَسَخَ:

(1)

أخرجه مسلم (3004)، وأحمد (11085)، واللفظ له.

ص: 335

435 -

الكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ

لآمِنٍ نِسْيَانَهُ، لا ذِي خَلَلْ]

436 -

ثُمَّ عَلَى كَاتِبِهِ صَرْفُ الْهِمَمْ

لِلضَّبْطِ بِالنَّقْطِ وَشَكْلِ مَا عَجَمْ

437 -

وَقِيلَ: شَكْلُ كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَا

وَفِي سُمًى مَحَلِّ لَبْسٍ أُكِّدَا

[435]

(الكُلَّ) أيْ: كَتَبَ القرآنَ والحديثَ معًا (فِي صَحِيفَةٍ) واحدةٍ، فنُهُوا عَنْ ذلكَ؛ لِخَوْفِ الاشتباهِ، (وَقِيلَ: بَلْ) النهيُ عَنِ الكتابةِ كائِنٌ (لآمِنٍ نِسْيَانَهُ) أيْ: لشخصٍ يَأْمَنُ النسيانَ، (لا) لـ (ذِي خَلَلْ) أيْ: صاحبِ نَقْصٍ في حفظِهِ.

[436]

(ثُمَّ) بعْدَ أنْ عرفْنَا رفعَ الخلافِ السابقِ، واستِقْرارَ الإجماعِ اللاحِقِ، على جوازِ الكتابةِ؛ يتأكَّدُ (عَلَى كَاتِبِهِ) أيِ: الحديثِ (صَرْفُ) أيْ: ردُّ (الْهِمَمْ) جمعُ هِمَّةٍ بالكَسْرِ: أوَّلُ العَزْمِ (لِلضَّبْطِ) أي: ضَبْطِ ما يُحَصِّلُهُ بخَطِّهِ، ضَبْطًا يُؤْمَنُ معهُ اللبْسُ (بِالنَّقْطِ) يعنِي: أنَّ ذلك الضبطَ يكونُ بنقطِ الحروفِ، (وَ) يضبطُهُ أيضًا بـ (شَكْلِ) أيْ: وَضْعِ حركاتِ (مَا) أيِ: الحَرْفِ الَّذِي (عَجَمْ) أيِ: اسْتَبْهَمُ.

[437]

(وَقِيلَ: شَكْلُ كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَا) أيْ: شكْلُ المشكِلِ وغيرِهِ مستحسنٌ للمبتَدِئِ، (وَفِي سُمًى) وَهُوَ لغةٌ في الاسمِ (مَحَلِّ لَبْسٍ) أيْ: مَوْضِعُ التباسٍ على قارئِهِ (أُكِّدَا) الألِفُ للإطلاقِ، أيْ: أُكِّدَ شكلُ ما يلتبسُ منَ الأسماءِ.

ص: 336

438 -

وَاضْبِطْهُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْحَوَاشِي

مُقَطِّعًا حُرُوفَهُ لِلنَّاشِي

439 -

وَالْخَطَّ حَقِّقْ لا تُعَلِّقْ تَمْشُقِ

وَلا بِلا مَعْذِرَةٍ تُدَقِّقِ

[438]

(وَاضْبِطْهُ) أيِ: المشكِلَ مِنَ الأسماءِ، والألفاظِ (فِي الأَصْلِ) أيْ: نفسِ الكتابِ (وَ) اكتُبْهُ أيضًا (فِي الْحَوَاشِي) أيْ: هامشِ الكتابِ قُبَالَتِهِ، حسْبَمَا جرى عليه رسمُ جماعةٍ من أهلِ الضَّبْطِ (مُقَطِّعًا حُرُوفَهُ) أيْ: حالَ كونِكَ مقطِّعًا حروفَ ذلِكَ المشكلِ (لِلنَّاشِي) أيْ: للمُبْتَدِئِ الذي لا يُمَيِّزُ الحروفَ.

وحاصلُ المعنى: اضْبِطْ أيها المحدثُ المشكلَ في نفسِ الكتابِ، واكتُبْهُ أيضًا في الحاشيةِ قُبَالتَهُ معَ تقطيعِ الحروفِ، فإنَّ هذا أنفعُ؛ وذلك لأنَّهُ يظهرُ شَكْلُ الحرفِ بكتابَتِهِ مفردًا في بعضِ الحروفِ؛ كالنونِ، والياءِ التحتانيَّةِ، بخِلافِ ما إذا كُتِبَتْ مجتَمِعَةً، والحرفُ المذكورُ في أوَّلِهَا، أو وَسَطِهَا.

[439]

(وَالْخَطَّ حَقِّقْ) والمعْنَى: أَحْكِمْ خطَّكَ أيُّهَا المحدِّثُ بِتَبْيِينِ حروفِهِ (لا تُعَلِّقْ) خلْطُ الحروفِ التي ينبغِي تفْرِقَتُهَا، وإذْهَابُ أسْنَان ما ينبَغِي إقامَةُ أسنانِهِ، وَلا (تَمْشُقِ) بفَتْحِ أوَّلِهِ وإسكانِ ثانِيهِ، وهو خِفَّةُ اليَدِ وإرسالُها، مع بعْثَرَةِ الحروفِ، وعدمِ إقامَةِ الأسنانِ، (وَلا بِلا مَعْذِرَةٍ) أيْ: دُونَ عُذْرٍ متعلِّق بـ (تُدَقِّقِ) أيْ: لا تُرَقِّقْ خطَّكَ مِنْ غيرِ عذرٍ.

ص: 337

وقد قال حَنْبَلُ بْنُ إسْحاقَ رحمه الله: «رَآنِي أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأنا أكْتُبُ خَطًّا دَقِيقًا، فَقالَ: لا تَفْعَلْ، أحْوَجُ ما تَكُونُ إلَيْهِ يَخُونُكَ»

(1)

.

440 -

وَيَنْبَغِي ضَبْطُ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَهْ

بِنَقْطِهَا أَوْ كَتْبِ حَرْفٍ أَسْفَلَهْ

[440]

(وَيَنْبَغِي) أيْ: ينْدُبُ ندْبًا مؤكَّدًا (ضَبْطُ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَهْ) كالدالِ، والرَّاءِ، والصادِ، والطاءِ، والعينِ، ونحوِهَا، إلا الحاءَ، ولم يستَثْنِهَا كما استثْنَاهَا العراقِيُّ رحمه الله؛ لِوُضُوحِهَا؛ لأنَّهَا لو جُعِلَتْ تحتَهَا نقطةٌ لالْتَبَسَتْ بالجِيمِ، فترْكُ العَلَامةِ لها علامَةٌ، ثم اخْتُلِفَ في كيفيَّةِ ضبطها على سِتَّةِ أقْوَالٍ:

أشارَ إلى الأوَّلِ بقَوْلِهِ: (بِنَقْطِهَا) فيُجْعَلُ تحْتَ الدالِ، والراءِ، والسينِ، والصادِ، والعينِ: النُّقَطُ التي فوْقَ نظائِرِهَا، هذا قولُ بعضِهِمْ.

وأشارَ إلى الثاني بقوْلِهِ: (أَوْ) يُمَيِّزُهَا بـ (كَتْبِ حَرْفٍ) بفتْحِ الكافِ وسُكونِ التاءِ بمعنى: كتابَةِ حَرْفٍ (أَسْفَلَهْ) أيْ: تحتَ الحرفِ المُهْمَلِ؛ بِأَنْ يُجعلَ تحتَهُ حرفٌ صغيرٌ مِثْلُهُ.

(1)

أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (537).

ص: 338

441 -

أَوْ هَمْزَةٍ أَوْ فَوْقَهَا قُلامَهْ

أَوْ فَتْحَةٍ [أَوْ هَمْزَةٍ عَلامَهْ]

442 -

وَالنَّقْطُ تَحْتَ السِّينِ قِيلَ: صَفَّا

وَقِيلَ كَالشِّينِ: أَثَافِي تُلْفَى

[441]

وأشارَ إلى الثالثِ بقوْلِهِ: (أَوْ) يُمَيِّزُهَا بكتابَةِ (هَمْزَةٍ) أيْ: بِكَتْبِ همزَةٍ أسْفَلَهُ.

وأشارَ إلى الرابعِ بقوْلِهِ: (أَوْ) يُمَيِّزُهَا (فَوْقَهَا قُلامَهْ) أيْ: بكتْبِ قلامَةٍ، وهي بالضَّمِّ: ما سَقطَ مِنَ الظُّفْرِ، أيْ: بكتابةِ علامَةٍ كقُلامةِ الظفْرِ، مِثْلُ الهلالِ مُضْطَجِعَةً على قفَاهَا، لتكُونَ فُرجتُهَا إلى فَوْقُ، هَكَذا (v).

وأشارَ إلى الخامسِ بقوْلِهِ: (أَوْ) يُمَيِّزُهَا بكَتْبِ (فَتْحَةٍ) فوْقَهَا، أيْ: خطٍّ صغيرٍ يُشْبِهُ فتْحَةً.

وأشارَ إلى السادسِ بقولِهِ: (أَوْ هَمْزَةٍ) أيْ: قال بعضُهُمْ: يُمَيِّزُهَا بكتْبِ همزَةٍ فَوْقَهَا (عَلامَهْ).

[442]

(وَالنَّقْطُ) الكائِنُ (تَحْتَ السِّينِ) المُهْمَلةِ (قِيلَ: صَفَّا) أيْ: يُجْعَلُ مبسوطًا صفًّا واحِدًا، (وَقِيلَ) يُجْعَلُ (كَالشِّينِ) أيْ: مِثْلَ نقْطِهَا (أَثَافِي) وَهُوَ ما يُوضَعُ علَيْهِ القِدْرُ (تُلْفَى) أيْ: تُوجدُ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ النُّقَطَ التي تُمَيَّزُ بها السينُ المهملَةُ اخْتُلِفَ في كيفيَّةِ كتابَتِهَا، فقِيلَ: تُجْعَلُ صفًّا واحدًا مبسُوطَةً، وقيل: كصورَةِ النقطِ التي فوْقَ الشِّينِ مِثْلَ الأثَافِيِّ.

ص: 339

443 -

[وَالْكَافُ لَمْ تُبْسَطْ فَكَافٌ كُتِبَا

فِي بَطْنِهَا، وَاللامُ لامًا صَحِبَا]

444 -

وَالرَّمْزَ بَيِّنْ وَسِوَاهُ أَفْضَلُ

وَبَيْنَ كُلِّ أَثَرَيْنِ يُفْصَلُ

445 -

بِدَارَةٍ، وَعِنْدَ عَرْضٍ تُعْجَمُ

وَكَرِهُوا فَصْلَ مُضَافٍ يُوهِمُ

[443]

(وَالْكَافُ لَمْ تُبْسَطْ) حالٌ مِنَ الكافِ، أيْ: حالَ كوْنِهَا غيرَ مبسوطَةٍ (فَكَافٌ كُتِبَا) بالبِنَاءِ للمفْعُولِ وألِفِ الإِطْلاقِ (فِي بَطْنِهَا) متعلِّقٌ بـ «كُتِبَ» ، أيْ: كُتِبَ في بطنِ الكافِ كافٌ صغيرةٌ، والمعْنَى: أنَّ الكافَ إذا لمْ تُكْتَبْ مبسوطَةً تُكْتَبُ في بطنِهَا كافٌ صغيرَةٌ؛ لئلَّا تشتَبِهَ باللامِ، أو هِيَ همْزَةٌ، هكَذَا:«ك» (وَاللامُ لامًا صَحِبَا) أيْ: تصحبُ اللامُ لامًا في بطْنِهَا، هَكَذا (ل لام).

[444]

(وَالرَّمْزَ بَيِّنْ) أيْ: وضِّحِ الرمزَ الذي تجعَلُهُ لنفسِكَ اصطلاحًا في أوَّلِ الكتابِ أو آخرهِ، (وَسِوَاهُ) أيْ: غيْرِهِ، وهو عدَمُ الرمزِ (أَفْضَلُ) أيْ: أوْلَى، فيُكْتَبُ عندَ كلِّ راوٍ أو كتابٍ اسمُهُ بكمالِهِ مختَصَرًا. (وَبَيْنَ كُلِّ أَثَرَيْنِ) أيْ: حدِيثَيْنِ، متعلِّقٌ بـ (يُفْصَلُ) أيْ: يميَّزُ استِحْبَابًا.

[445]

(بِـ) وَضْعِ (دَارَةٍ) أي: حَلْقَةٍ مُنْفَرِجَةٍ (وَعِنْدَ) تمامِ (عَرْضٍ) للكتابِ على الشيخِ (تُعْجَمُ) أيْ: تنقطُ تلك الدارَةُ بنقطَةٍ في وسطِهَا.

ص: 340

(وَكَرِهُوا) أيْ: أهلُ الحديثِ في الكتابَةِ (فَصْلَ مُضَافٍ) عنِ المضافِ إليْهِ (يُوهِمُ) أيْ: يُوقِعُ الوَهمَ في معنًى غيرِ لائقٍ، مِثْلُ: عبدُ اللهِ، فلا يكتبُ «عبْد» آخِرَ السطْرِ، واسمُ الجلالَةِ «الله» مَعَ ابنِ فلانٍ أولَ السطرِ الآخرِ؛ احترازًا عن قبْحِ الصورَةِ.

446 -

وَاكْتُبْ ثَنَاءَ اللهِ وَالتَّسْلِيمَا

مَعَ الصَّلاةِ [وَالرِّضَى] تَعْظِيمًا

447 -

وَلا تَكُنْ تَرْمُزُهَا أَوْ تُفْرِدِ

وَلَوْ خَلا الأَصْلُ، خِلافَ أَحْمَدِ

[446]

(وَاكْتُبْ) أيُّهَا الكاتبُ للحديثِ (ثَنَاءَ اللهِ) سبحانَهُ كُلَّمَا مرَّ ذِكْرُهُ؛ كـ: عز وجل، أو تبارك وتعالى، أو نحوِهِمَا (وَ) كذا اكْتُبِ (التَّسْلِيمَا مَعَ الصَّلاةِ) عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم كُلَّمَا مَرَّ ذِكْرُهُ (وَالرِّضَى) أيِ: اكْتُبِ التَّرَضِّيَ عنِ الصحَابةِ رضي الله عنهم، ومِثْلَهُ التَّرَحُّمَ على العُلَمَاءِ؛ (تَعْظِيمًا) أيِ: اكْتُبْ كلَّ ما ذُكِرَ لأجْلِ تعظِيمِهِمْ، أيْ: حالَ كونِكَ معظِّمًا لهُمْ.

[447]

(وَلا تَكُنْ) أيُّها المحدثُ (تَرْمُزُهَا) المرادُ هُنَا: الاختصارُ في الصلاةِ والسلامِ على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونحْوِهَا، فيَكْتُبُونَ بَدَلًا عن صلى الله عليه وسلم:«ص» ، أو «صم» ، أو «صلم» ، أو «صلعم» ، (أَوْ تُفْرِدِ) أيْ: وَلَا تُفْرِدْ أحدَهُمَا عنِ الآخرِ؛ فإنَّهُ مكروهٌ.

ص: 341

(وَلَوْ خَلا الأَصْلُ) المنقولُ منْهُ؛ لِعَدَمِ التقيُّدِ به في ذلك؛ فإنَّهُ ثناءٌ ودُعَاءٌ تُثْبِتُهُ أنتَ، لا كلامٌ تَرْويهِ عن غيرِكَ (خِلافَ) الإمامِ (أَحْمَدِ) بْنِ حنْبَلٍ رحمه الله، أيِ: اكْتُبْ ذلك كُلَّهُ مخالفًا لأحمَدَ، قال الخطيبُ: بلغَنِي أنَّهُ كان يُصَلِّي نُطْقًا

(1)

.

448 -

ثُمَّ عَلَيْهِ [حَتْمًا] الْمُقَابَلَهْ

بِأَصْلِهِ أَوْ فَرْعِ أَصْلٍ قَابَلَهْ

449 -

وَخَيْرُهَا مَعْ شَيْخِهِ إِذْ يَسْمَعُ

وَقَالَ قَوْمٌ: مَعَ نَفْسٍ أَنْفَعُ

[448]

(ثُمَّ) بعدَ أنْ يكتبَ ويُتِمَّ المقصودَ (عَلَيْهِ) أيِ: الكاتِبِ نفْسِهِ (حَتْمًا) أيْ: وُجوبًا (الْمُقَابَلَهْ) أيْ: مقابَلَةُ كتابِهِ (بِأَصْلِهِ) أيْ: بالكِتَابِ الذي أخَذَهُ عَنْ شيخِهِ بسائِرِ وجوهِ الأخْذِ الصحيحةِ، (أَوْ) المقابلَةُ بـ (فَرْعِ أَصْلٍ) أيْ: كِتَابٍ منقولٍ مِنْ أصلِ الشيخِ (قَابَلَهْ) صاحَبَهُ بأصلِ الشيخِ.

[449]

(وَخَيْرُهَا) أيِ: المقابلَةِ (مَعْ شَيْخِهِ) على كتابِهِ بمباشرَةِ الطالبِ بنفسِهِ (إِذْ يَسْمَعُ) الطالبُ مِنَ الشيخِ، أو يقْرَأُ (وَقَالَ قَوْمٌ) من المحدِّثِين، وهو أبو الفَضْلِ محمدُ بنُ أحمَدَ الهرويُّ الحافِظُ: المقابلةُ (مَعَ نَفْسٍ) أيْ: نفسِ الطالبِ، يعْني: حرفًا حرفًا (أَنْفَعُ) مِنَ المقابلَةِ معَ شيخِهِ.

(1)

الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/ 271).

ص: 342

450 -

وَقِيلَ: هَذَا وَاجِبٌ، [وَيُكْتَفَى

إِنْ ثِقَةٌ قَابَلَهُ فِي الْمُقْتَفَى]

451 -

وَنَظَرُ السَّامِعِ مِنْهُ يُنْدَبُ

فِي نُسْخَةٍ، وَابْنُ مَعِينٍ: يَجِبُ

[450]

(وَقِيلَ: هَذَا) المذكورُ مِنَ المقابَلَةِ مَعَ نفْسِهِ (وَاجِبٌ)، فلا تَصِحُّ مقابلَتُهُ معَ أحَدٍ سِوَى نفْسِهِ، (وَيُكْتَفَى) أيْ: يُكْتَفَى بالمُقَابَلَةِ (إِنْ) شرْطِيَّةٌ (ثِقَةٌ قَابَلَهُ) أيْ: إِنْ قابَلَ الكتابَ ثقةٌ غيرُهُ (فِي الْمُقْتَفَى) أيِ: القَوْلِ المُخْتَارِ.

[451]

(وَنَظَرُ السَّامِعِ) أيِ: الشخصِ الَّذِي يَسمعُ الحديثَ (مِنْهُ) أيْ: مِنَ الشيْخِ (يُنْدَبُ) أيْ: يُسْتَحَبُّ (فِي نُسْخَةٍ) يعني أنَّهُ ينظرُ في نسخةٍ إمَّا لهُ، أو لِمَنْ حضَرَ مِنَ السامعِين، أو الشيخِ.

حاصلُ المعْنَى: أنه يُسْتَحَبُّ أن ينظرَ الطالبُ حينَ سماعِ الحديثِ في نسخةٍ من الكتابِ المسْموعِ؛ لأنَّهُ أضبطُ وأجدرُ أن يفهَمَ معه ما يستَمِعُ.

(وَابْنُ مَعِينٍ) إمامُ الجرحِ والتعديلِ: (يَجِبُ)، والمعنى: أنَّ ابْنَ معينٍ قال: يجِبُ النظرُ المذْكورُ.

ص: 343

452 -

إِنْ لَمْ يُقَابِلْ جَازَ أَنْ يَرْوِيَ إِنْ

يَنْسَخْ مِنَ اصْلٍ ضَابِطٌ ثُمَّ لْيُبِنْ

453 -

وَكُلُّ ذَا مُعْتَبَرٌ فِي الأَصْلِ

وَسَاقِطًا خَرِّجْ لَهُ بِالْفَصْلِ

[452]

(إِنْ) شرطيةٌ (لَمْ يُقَابِلْ) كتابَهُ بالأصلِ ونحوِهِ (جَازَ) لهُ (أَنْ يَرْوِيَ) منْهُ، لكِنْ بشروطٍ ثلاثةٍ، أشَارَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ:(إِنْ) شرطيةٌ أيضًا (يَنْسَخْ) ذلكَ الفَرْعَ (مِنَ اصْلٍ) أيْ: يكْتُبُهُ مِنْ أصلٍ معتَمَدٍ (ضَابِطٌ) أيْ: ناقلٌ مُتْقِنٌ، بحيثُ لا يكونُ سَقِيمَ النقلِ، كَثِيرَ السقطِ، (ثُمَّ لْيُبِنْ) أي: يُظهِرْ للنَّاسِ عند الرِّوايةِ أنَّهُ لَمْ يعارِضْهُ.

[453]

(وَكُلُّ ذَا) أيِ: المذكورِ منَ المقابلَةِ وما يتعلَّقُ بِهَا (مُعْتَبَرٌ فِي الأَصْلِ) أيِ: الكتابِ المنقولِ منْهُ، وهو كتابُ شيْخِهِ.

(وَسَاقِطًا) أيْ: خَرِّجْ شيئًا ساقِطًا من الكتابِ، ويُسَمَّى اللَّحَقَ بفَتْحِ اللامِ، والحاءِ المهملَةِ (خَرِّجْ) أَمْرٌ من التخريجِ (لَهُ) أي: خَرِّجْ ذلك الساقِطَ (بِالْفَصْلِ) أيِ: الخطِّ الفاصِلِ بينَ الكلمتَيْن اللَّتيْنِ بينهُمَا الساقِطُ، حالَ كونِهِ:

ص: 344

454 -

مُنْعَطِفًا، وَقِيلَ: مَوْصُولًا إِلَى

يُمْنَى بِغَيْرِ طَرْفِ سَطْرٍ وَاعْتَلَى

455 -

وَبَعْدَهُ «صَحَّ» وَقِيلَ: زِدْ «رَجَعْ»

وَقِيلَ كَرِّرْ كِلْمَةً، لَكِنْ مُنِعْ

[454]

(مُنْعَطِفًا) إلى فوقِ السطْرِ، هكَذَا «» إلى اليمينِ، أو هكَذَا «» إلى اليسَارِ (وَقِيلَ) يُكْتَبُ الفاصلُ (مَوْصُولًا) أيْ: بأوَّلِ اللَّحَقِ، يعني: أنَّهُ يمدُّ العطفةَ منْ موضِعِ السقوطِ حتَّى تلتحقَ بأوَّلِ اللحَقِ، لكنَّهُ -كَمَا قالَ ابنُ الصلاحِ رحمه الله غيرُ مرضِيٍّ، بلْ هوَ -كما قالَ عياضٌ رحمه الله تسخيمٌ للكتابِ، وتسويدٌ لهُ، لا سِيَّمَا إن كثُرَتِ الإلحاقاتُ. (إِلَى يُمْنَى) أيْ: موصولًا إلى الجِهَةِ اليُمْنَى من الحاشيةِ إنِ اتَّسَعَتْ له (بِغَيْرِ طَرْفِ سَطْرٍ) أيْ: هذا كائِنٌ بغيرِ طرفِ سطرٍ.

وحاصِلُ المعْنَى: أنه يُخرجُ الساقطَ إلى جهةِ اليُمْنَى بشكلِ زاويةٍ كما سَبَقَ إلى اليمينِ، هذا إِذَا لمْ يكُنِ الساقِطُ في آخرِ السطْرِ، وإلا فيُخْرِجهُ إلى جِهَةِ الشِّمَالِ؛ للأَمْنِ حينئذٍ منَ النقصِ بعدَهُ، وليكون مُتَّصِلًا بالأصْلِ.

(وَاعْتَلَى) أيْ: كتَبَ الساقطَ صاعدًا إلى أعلَى الورَقَةِ مِنْ أيِّ جهَةٍ كانَ، لَا نازلًا إلى أسْفَلِهَا؛ لاحْتِمَالِ وقُوعِ سقْطٍ آخَرَ فيهِ.

[455]

(وَبَعْدَهُ) أيْ: بعْدَ انتهاءِ الساقِطِ، يَكْتُبُ في آخِرِهِ كَلِمَةَ:(«صَحَّ») فقَطْ؛ إشارَةً إلى انتِهائِهِ، وتكونُ صغِيرةً؛ لئلَّا تشتَبِهَ معَ ألفاظِ

ص: 345

اللَّحَقِ، (وَقِيلَ: زِدْ) أيُّهَا الكَاتِبُ علَى «صَحَّ» لَفْظَ: («رَجَعْ») يَعْنِي: يكْتُبُ «صَحّ» مَعَ «رجَع» ، (وَقِيلَ: كَرِّرْ كِلْمَةً) بسكُونِ اللَّامِ مَعَ فتْحِ الكافِ وكَسْرِهَا، كمَا تقَدَّمَ، أيْ: أعِدِ الكلِمَةَ المتَّصِلَةَ بداخِلِ الكِتَابِ، (لَكِنْ مُنِعْ) أيْ: رُدَّ هَذَا القوْلُ.

456 -

وَخَرِّجَنْ لِغَيْرِ أَصْلٍ مِنْ وَسَطْ

وَقِيلَ ضَبِّبْ خَوْفَ لَبْسِ مَا سَقَطْ

457 -

مَا صَحَّ فِي نَقْلٍ وَمَعْنًى وَهْوَ فِي

مَعْرِضِ شَكٍّ «صَحَّ» فَوْقَهُ قُفِي

[456]

(وَخَرِّجَنْ) أمرٌ منَ التخريجِ (لِغَيْرِ أَصْلٍ) أيْ: لأجْلِ كتابَةِ شيءٍ غيْرِ أصلٍ مِنْ شَرْحٍ، أو فائدَةٍ (مِنْ وَسَطْ) أيْ: وَسَطِ الكلمَةِ التي تُشرَحُ أو يُنَبَّهُ على ما فيهَا، (وَقِيلَ ضَبِّبْ) أيِ: اجعلْ علَى الحرفِ المُخَرَّجِ عليهِ ضَبَّةً، والضبَّةُ: صادٌ ممدودَةٌ هكَذَا: «ص» (خَوْفَ لَبْسِ مَا سَقَطْ) أيْ: لأجْلِ خوفِ الالتباسِ بِمَا سقطَ مِنْ أصلِ الكتابِ.

[457]

(مَا) أيِ: الكلامُ الَّذِي (صَحَّ فِي نَقْلٍ) أيْ: رِوَايةٍ (وَمَعْنًى) أيْ: فِيمَا يُعنَى ويُقصَدُ منْهُ، (وَ) الحالُ (هْوَ) أيِ: الكلامُ الصحيحُ فيهِمَا (فِي مَعْرِضِ شَكٍّ) أيْ: محلِّ عُرُوضِهِ، أيْ: ظهورِهِ («صَحَّ») أيْ: هَذَا اللفظُ (فَوْقَهُ) أيْ: فوقَ مَا هوَ معرِضٍ للشكِّ (قُفِي) أيْ: تُبِعَ، بمعنى كُتِبَ.

ص: 346

وحاصلُ المعنَى: أنَّهُ إذَا وُجِدَ كلامٌ صحيحٌ معنًى ورِوَايةً، وهُوَ عُرْضَةٌ للشَّكِّ في صحَّتِهِ، أو الخلافِ فيهِ: كُتِبَ فوقَهُ كلمةُ «صَحَّ» تامَّةً كبيرَةً، أو صَغِيرَةً.

458 -

أَوْ صَحَّ نَقْلًا وَهْوَ فِي الْمَعْنَى فَسَدْ

ضَبِّبْ وَمَرِّضْ فَوْقَهُ صَادٌ تُمَدْ

459 -

كَذَاكَ فِي الْقَطْعِ وَفِي الإِرْسَالِ

وَبَعْضُهُمْ أَكَّدَ فِي اتِّصَالِ

[458]

(أَوْ صَحَّ نَقْلًا) أيْ: مِنْ حيثُ النقلُ والروايةُ (وَهْوَ فِي الْمَعْنَى) أيْ: مِنْ جهةِ المعْنَى (فَسَدْ) بأَنْ يكُونَ غيرَ جائِزٍ منْ حيثُ العَربيةُ (ضَبِّبْ) أمْرٌ منَ التضبيبِ، (وَمَرِّضْ) أمْرٌ منَ التمريضِ، والتضبيبُ والتمريضُ شيءٌ واحِدٌ فسَّرَهُ بقولِهِ:(فَوْقَهُ) أيْ: فوقَ ما ذُكِرَ ممَّا صحَّ نقلًا، وفَسَدَ مَعْنًى (صَادٌ) أيْ: كائِنَةٌ فوقَهُ صادٌ (تُمَدْ) أيْ: صاد ممْدُودَةٌ.

وحاصِلُ المعْنَى: أنَّ ما صحَّ نقلًا، ولكِنْ في معنَاهُ فسَادٌ كَتبَ فوقَهُ علامَةَ التضبيبِ، وتُسَمَّى أيضًا: التمريضَ، وهِيَ صادٌ ممدودةٌ هَكَذَا:(صـ).

[459]

(كَذَاكَ) أيْ: مثلُ ما تقدَّمَ من كتابَةِ صَادٍ ممدودَةٍ علَى ما صَحَّ نَقْلًا، واخْتَلَّ معنًى تُوضَعُ هذِهِ العلامَةُ (فِي) موضِعِ (الْقَطْعِ) أيْ: محَلِّ

ص: 347

انقِطاعِ السَّنَدِ (وَفِي) موضِعِ (الإِرْسَالِ) منْهُ.

وحاصِلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا وَقَعَ في الإسنادِ انقطاعٌ، أو إرسالٌ، فمِنْ عادَتِهِمْ تضبيبُ موضِعِ الانْقِطاعِ والإرسالِ، وهو مِنْ قبيلِ ما تقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّضْبِيبِ على الكلامِ الناقصِ.

(وَبَعْضُهُمْ أَكَّدَ) أيْ: أَنَّ بعضَ المحدِّثِين كتبَ العلامَةَ المذكورَةَ تأكيدًا (فِي) حالِ (اتِّصَالِ) للسنَدِ؛ أيْ: عدَمِ انقطاعٍ أوْ إرسالٍ خِلَافَ المسألَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

460 -

لِعَطْفِ أَسْمَاءٍ بِصَادٍ بَيْنَهُمْ

وَاخْتَصَرَ التَّصْحِيحَ فِيهَا بَعْضُهُمْ

[460]

(لِعَطْفِ أَسْمَاءٍ) أَيْ: عندَ عطْفِ أسماءِ الرُّوَاةِ بعضِهِمْ على بعْضٍ، مِثلُ ما يُقَالُ: حدَّثَنَا فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ تأكيدًا للعَطْفِ؛ خوفًا من أن يَجعَلَ غيرُ الخبيرِ مكانَ الواوِ «عَنْ» (بِصَادٍ بَيْنَهُمْ وَاخْتَصَرَ التَّصْحِيحَ) أيْ: كَتَبَ علامَةَ التَّصْحِيحِ (فِيهَا) أيِ: الصَّادِ المذْكُورَةِ (بَعْضُهُمْ).

وحاصِلُ المعنَى: أن بعضَ المُحَدِّثِينَ رُبَّمَا اختَصَرَ «صَحَّ» التي هي علامَةُ التَّصْحِيحِ بالصَّادِ المذكورَةِ، فيكْتُبُ هكَذَا:«ص» ، فيُوهِمُ كونَهَا تَضْبِيبًا وليسَ كذلِكَ، فينبغي التفطُّنُ لَهُ.

ص: 348

461 -

وَمَا يَزِيدُ فِي الْكِتَابِ فَامْحُ أَوْ

حُكَّ أَوِ اضْرِبْ وَهْوَ أَوْلَى وَرَأَوْا

462 -

وَصْلًا لِهَذَا الْخَطِّ بِالْمَضْرُوبِ

وَقِيلَ: بَلْ يُفْصَلُ مِنْ مَكْتُوبِ

[461]

(وَمَا) أيِ: الَّذِي (يَزِيدُ فِي الْكِتَابِ) مِمَّا ليسَ مِنْهُ (فَامْحُ) أيُّهَا الكاتبُ، والمَحْوُ: هو الإزالَةُ بدون سَلْخٍ، (أَوْ حُكَّ) أيُّهَا الكاتِبُ، ويُعَبَّرُ عنه بالبَشْرِ -بِفَتْحٍ فسُكُونٍ-، ويُقَال له أيضًا: الكَشْطُ، وهو سَلْخُ القِرْطَاسِ بالسكينِ، ونحْوِهَا، (أَوِ اضْرِبْ) على الزَّائِدِ، (وَهْوَ) أيِ: الضَّرْبُ (أَوْلَى) أيْ: أحسنُ مِنَ المَحْوِ والحَكِّ، ثُمَّ إنهمُ اختَلَفُوا في كيفيَّةِ الضَّرْبِ عَلَى خمسةِ أقْوَالٍ، أشارَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ:(وَرَأَوْا) أَيْ: أكْثَرُ الضَّابِطِينَ.

[462]

(وَصْلًا لِهَذَا الْخَطِّ) أيِ: المَضْرُوبِ (بِالْمَضْرُوبِ) علَيْهِ، وهُوَ الزَّائِدُ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ أكْثَرَ العلماءِ قالُوا في كيفيَّةِ الضَّرْبِ: يَخُطُّ فوقَ المضروبِ عليه خطًّا بَيِّنًا دالًّا على إبطالِهِ باختِلاطِهِ بِهِ، ولا يطْمِسُهُ، بلْ يكونُ مُمْكِنَ القراءَةِ، ويُسَمَّى هذا الضربُ عنْدَ المَغَاربَةِ الشَّقَّ، بفتح المُعْجَمَةِ وتشْدِيدِ القافِ.

ثم ذَكَرَ القولَ الثانِي في الضَّرْبِ، فَقَالَ:(وَقِيلَ) لا يُخلَطُ الخطُّ المَذْكُورُ بالمَضْرُوبِ علَيْهِ، (بَلْ يُفْصَلُ) بالبِنَاءِ للمفْعُولِ (مِنْ مَكْتُوبِ)

ص: 349

وَهُوَ الزائِدُ المضْرُوبُ علَيْهِ.

وحاصِلُ المعنى: أنَّهُ لا يُخْلَطُ خطُّ الضربِ بالمضروبِ علَيْهِ، بَلْ يُجعلُ فوْقَهُ منفصلًا عنْهُ، حالَ كونِهِ.

463 -

مُنْعَطِفًا مِنْ طَرْفَيْهِ أَوْ كَتَبْ

صِفْرًا بِجَانِبَيْهِ أَوْ هُمَا أَصِبْ

464 -

بِنِصْفِ دَارَةٍ فَإِنْ تَكَرَّرَا

زِيَادَةُ الأَسْطُرِ سِمْهَا أَوْ عَرَا

[463]

(مُنْعَطِفًا مِنْ طَرْفَيْهِ) أَيْ: على طَرَفَيِ المكتوبِ الزَّائِدِ، بحيثُ يكونُ كالنُّونِ المَقْلُوبَةِ هكَذَا:«» ، ثُمَّ أشارَ إلى الثالِثِ بِقَوْلِهِ:(أَوْ) لتنويعِ الخِلافِ، أيْ: قَالَ بعضُهُمْ: (كَتَبْ) أيْ: مَنْ أرادَ إبْطَالَ الزائِدِ (صِفْرًا) أيْ: كَتَبَ مُرِيدُ إبطالِ الزائدةِ صفرًا بجانبَيْهِ، وهِيَ دائرةٌ صغيرةٌ (بِجَانِبَيْهِ) أيْ: جانِبَيِ الزَّائِدِ إِنِ اتَّسَعَ المَحَلُّ، وَلَمْ يلتبسْ بالدَّائِرَةِ التي تُجْعَلُ فصلًا بينَ الحدِيثَيْنِ، ونَحوِ ذلِكَ، ثم أشَارَ إلى الرَّابِعِ بقولِهِ:(أَوْ) لتنويعِ الخلافِ، قالَ بعضُهُمْ:(هُمَا) أيِ: الجانِبَانِ، (أَصِبْـ) هُمَا، أمْرٌ مِنَ الإِصَابَةِ، أيْ: أَصِبِ الجانِبَيْنِ مِنَ الزَّائِدِ.

[464]

(بِنِصْفِ دَارَةٍ) أيْ: كالهلالِ هكَذَا: ().

(فَإِنْ تَكَرَّرَا) بأَلِفِ الإطْلاقِ (زِيَادَةُ الأَسْطُرِ) أيْ: إِنْ كَثُرَ الزائدُ المَضْرُوبُ علَيْهِ؛ بأنْ كَانَ فوقَ سَطْرٍ (سِمْهَا) أيْ: فَعَلِّمْ علَيْهَا كُلِّهَا.

ص: 350

وحاصِلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا تكَرَّرَتِ الأسْطُرُ فَعَلِّمْ عَلَى أوَّلِ كُلِّ سَطْرٍ وآخِرِهِ؛ لِمَا فيهِ مِنْ زِيَادَةِ البيانِ والإِيضَاحِ.

(أَوْ عَرَا) أيْ: خلَا عَنِ العلامَةِ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّهُ إذا كَثُرَتْ سُطُورُ الزَّائِدِ، فاجْعَلْ علامَةَ الإبطالِ في أَوَّلِ كلِّ سطْرٍ وآخِرِهِ لِلْبَيَانِ إن شئتَ، أو لا تُكَرِّرِ العلامَةَ، بَلِ اكتَفِ بها في أوَّلِ الزائدِ وآخِرِهِ، وإن كَثُرَتِ السطورُ.

ثُمَّ ذكرَ الخامِسَ بِقَوْلِهِ:

465 -

وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ «لا» [أَوْ «مِنْ»] عَلَى

أَوَّلِهِ [أَوْ «زَائِدًا»] ثُمَّ «إِلَى»

[465]

(وَبَعْضُهُمْ) أيِ: العُلَمَاءُ (يَكْتُبُ) علامَةً لإِبْطَالِ الزَّائِدِ مِثْلُ: كلمةِ («لا») النافِيَةِ (أَوْ) كلمَةِ («مِنْ») الجَارَّةِ (عَلَى أَوَّلِهِ) أيِ: الزَّائِدِ (أَوْ) يَكْتُبُ «زَائِدًا» أي: لَفْظَةَ («زَائِدًا»، ثم) يكتُبُ كلِمَةَ («إِلَى») الجارَّةِ في آخِرِهِ.

وحاصِلُ المَعْنَى: أنَّ بعضَهُم يكتُبُ لإبطالِ الزائِدِ «لا» النَّافيَةَ، أَوْ «مِنْ» الجارَّةَ، أو كَلِمَةَ «زائِد» ، وفي آخِرِه كلِمَةَ «إلى» الجارَّةَ؛ إشارَةً إلى أنَّ هذَا القَدْرَ زائِدٌ علَى أصْلِ الكِتَابِ.

ص: 351

466 -

وَإِنْ يَكُ الضَّرْبُ عَلَى مُكَرَّرِ

فَالثَّانِيَ اضْرِبْ فِي ابْتِدَاءِ الأَسْطُرِ

467 -

وَفِي الأَخِيرِ: أَوَّلًا أَوْ وُزِّعَا

وَالْوَصْفَ وَالُمضَافَ صِلْ لا تَقْطَعَا

[466]

(وَإِنْ يَكُ الضَّرْبُ) الَّذِي يُجْعلُ علامَةً لإبطالِ الزائدِ (عَلَى مُكَرَّرِ) أيْ: على زائدٍ مكرَّرٍ، مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ (فَالثَّانِيَ اضْرِبْ) أيُّهَا المريدُ لإِبْطَالِ الزائدِ، يَعْنِي: أنَّكَ تَضْرِبُ على الزَّائِدِ الثانِي (فِي ابْتِدَاءِ الأَسْطُرِ) أيْ: فِي أوَّلِ السطرِ.

[467]

(وَ) اضْرِبْ فِيمَا إذا كان المُكَرَّرُ (فِي الأَخِيرِ) أيْ: آخِرِ السَّطْرِ (أَوَّلًا) أَيْ: أَوَّلَ المُكَرَّرَيْنِ (أَوْ وُزِّعَا) أيْ: قُسِّمَ المُكَرَّرَانِ بينَ سطرَيْنِ، بأنِ اتَّفَقَ أحدُهُمَا في آخِرِ السطرِ والآخرُ فِي أوَّلِهِ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّكَ تضرِبُ أوَّلَ المُكَرَّرَيْنِ في حالِ وُقُوعِ التَّكرارِ في آخرِ السطرِ، وفي حالِ وقوعِهِ مُوَزَّعًا على سطْرَيْنِ، بأنْ وَقَعَ أحدُهُمَا آخِرَ السطرِ، ووقعَ الآخرُ أوَّلَ السطرِ الَّذِي يَلِيهِ.

(وَالْوَصْفَ وَالُمضَافَ صِلْ) كُلًّا منهُمَا و (لا تَقْطَعَا) كُلًّا منْهُمَا.

وحاصِلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا كانَ المُكَرَّرُ المضافَ والمضافَ إلَيْهِ، أَوِ الموصوفَ والصِّفَةَ، ونحوَهُ رُوعِيَ اتِّصَالُهُمَا، ولا يُرَاعَى أوَّلُ السَّطْرِ ولا آخِرُهُ.

ص: 352

468 -

وَحَيْثُ لا وَوَقَعَا فِي الأَثْنَا:

قَوْلانِ: ثَانٍ، أَوْ: قَلِيلٌ حُسْنَا

469 -

وَذُو الرِّوَايَاتِ يَضُمُّ الزَائِدَهْ

مُؤَصِّلًا كِتَابَهُ بِوَاحِدَهْ

470 -

مُلْحِقَ مَا زَادَ بِهَامِشٍ وَمَا

يَنْقُصُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَعْلَمَا

[468]

(وَحَيْثُ لا) يكونُ المُكَرَّرُ نحوَ الوَصْفِ والمضافِ (وَ) الحالُ أنَّهُ قَدْ (وَقَعَا) بأَلِفِ الإطلاقِ، أيِ: المُكَرَّرِ (فِي الأَثْنَا) أيْ: وسطَ السُّطُورِ، لا في أوَّلِهَا، ولا فِي آخِرِهَا (قَوْلانِ) أيْ: قولانِ للعلماءِ كائِنَانِ حيثُ لا يكونُ المُكَرَّرُ مِنْ نحوِ ما ذُكِرَ وَهُمَا:

الأوَّلُ: أنَّهُ يضربُ (ثَانٍ) أيْ: ثانِي المُكَرَّرِ؛ لأنَّهُ الَّذِي كُتِبَ خَطَأً، والخطأُ أوْلَى بالإبْطَالِ.

والثاني: ما أشارَ إليهِ بقَوْلِهِ: (أَوْ) يُضرَبُ (قَلِيلٌ حُسْنَا) وإنْ كانَ أوَّلًا، دونَ كثيرِ الحسنِ، وإنْ كانَ ثانيًا.

[469]

(وَذُو)، أَيْ: صَاحِبُ (الرِّوَايَاتِ) المختلفةِ (يَضُمُّ) بالبناءِ للفاعلِ (الزَائِدَهْ) مِنَ الرِّوَايةِ، حالَ كونِهِ (مُؤَصِّلًا كِتَابَهُ) أيْ: بانِيًا كتابَهُ (بِوَاحِدَهْ) أيْ: عَلَى روايةٍ واحِدَةٍ، هِيَ أساسُ الرِّوَايَاتِ الأخْرَى.

[470]

(مُلْحِقَ مَا زَادَ) منَ الرِّوَاياتِ الأُخْرَى (بِهَامِشٍ) أيْ: حَاشِيَةِ

ص: 353

كتابِهِ، (وَمَا) أيِ: الَّذِي (يَنْقُصُ مِنْهَا) أيِ: الرِّوَاياتِ (فَعَلَيْهِ أَعْلَمَا) بأَلِفِ الإِطلاقِ، أَيْ: كَتَبَ عليهِ علامَةً، حالَ كونِهِ:

471 -

مُسَمِّيًا أَوْ رَامِزًا مُبَيِّنَا

أَوْ ذَا وَذَا بِحُمْرَةٍ وَبَيَّنَا

472 -

وَكَتَبُوا «حَدَّثَنَا» «ثَنَا» «وَنَا»

وَدَثَنَا «ثُمَّ» أَنَا «أَخْبَرَنَا»

473 -

أَوْ «أَرَنَا» أَوْ «أَبَنَا» [أو «أَخَنَا»

«حَدَّثَنِي» قِسْهَا عَلَى «حَدَّثَنَا» ]

[471]

(مُسَمِّيًا) صاحِبَ تِلْكَ الرِّوَاياتِ باسْمِهِ (أَوْ رَامِزًا) أيْ: مشيرًا إليهِ بِحَرْفٍ، حالَ كونِهِ (مُبَيِّنَا) ذلكَ الرَّمْزَ فِي أوَّلِ الكِتَابِ، (أَوْ) أَعلَمَ (ذَا) أَيِ: الزائِدَ منَ الرِّوَايَةِ (وَ) أَعلَمَ أيضًا (ذَا) أَيِ: النَّاقِصَ منْهَا (بِحُمْرَةٍ) أو نَحْوِهَا مِنَ المِدَادِ المُخَالِفَةِ للكِتَابِ (وَ) الحالُ أنهُ قَدْ (بَيَّنَا) ذلِكَ في أوَّلِهِ أو آخِرِهِ كمَا مَرَّ.

[472]

(وَكَتَبُوا) أَيْ: أهلُ الحديثِ: («حَدَّثَنَا») أَيْ: هَذَا اللفظَ («ثَنَا») أَيِ: الحروفَ الثلاثةَ الأخيرةَ، («وَ) منهُمْ مَنْ يقتَصِرُ علَى (نَا») فقَطْ (وَ) منهُمْ مَنْ يقْتَصِرُ علَى (دَثَنَا) فيَتْرُكُ منهَا الحاءَ فقَطْ، («ثُمَّ») بمعْنَى الواوِ، أيْ: واختصَرُوا أيضًا كَلِمةً أخْرَى (أَنَا) مختصِرًا كلِمَةَ («أَخْبَرَنَا»).

ص: 354

[473]

(أَوْ «أَرَنَا» أَوْ) يقْتصرُ علَى («أَبَنَا») أو يقْتصرُ علَى («أَخَنَا») ولكِنَّهُ لمْ يشتهِرْ («حَدَّثَنِي» قِسْهَا عَلَى «حَدَّثَنَا») فـ «حدَّثَنِي» أيْ: هذِهِ الكلِمَةُ «قِسْهَا عَلَى حدَّثَنَا» أيْ: مَثِّلْهَا بِهَا أيُّها المحدِّثُ في الاختصارِ لهَا، فتكتبْ:«ثَنِي» أو «دَثَنِي» .

474 -

وَ «قَالَ» «قَافًا» [مَعْ «ثَنَا» أَوْ تُفْرَدُ]

وَحَذْفُهَا فِي الْخَطِّ أَصْلًا أَجْوَدُ

475 -

وَكَتَبُوا «حَ» عِنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ

فَقِيلَ: مِنْ «صَحَّ» وَقِيلَ: ذَا انْفَرَدْ

476 -

مِنَ الْحَدِيثِ، أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ

أَوْ حَائِلٍ، وَقَوْلُهَا لَفْظًا أَسَدّ

[474]

(وَ) كتَبُوا لفظَ («قَالَ») اختصارًا («قَافًا») مجموعةً (مَعْ «ثَنَا») أيْ: تكتَبُ معهَا هكَذَا: «قثنا» (أَوْ تُفْرَدُ) القافُ عنْهَا، فتُكْتَبُ هكَذَا:«ق ثنا» ، (وَحَذْفُهَا) أيْ: حذْفُ «قَالَ» (فِي الْخَطِّ) أي: الكتابَةِ، دُونَ النُّطْقِ (أَصْلًا) أيْ: رأْسًا مِنْ غيْرِ رمْزٍ إلَيْهَا (أَجْوَدُ) أيْ: أحْسَنُ مِنْ كتابَتِهَا رَمْزًا.

[475]

(وَكَتَبُوا) أيْ: أهلُ الحديثِ: («حَ») أيْ: كتَبُوا حاءً مُفْرَدَةً (عِنْدَ) إرادَةِ (تَكْرِيرِ سَنَدْ) للحديثِ الواحدِ، (فَقِيلَ): إنَّهَا مختصَرَةٌ (مِنْ) كلِمَةِ: («صَحَّ»)(وَقِيلَ: ذَا) أيْ: لفظُ «ح» (انْفَرَدْ) أيِ: اختُصِرَ.

ص: 355

[476]

(مِنَ) كلِمَةِ (الْحَدِيثِ) أيْ: هو رَمْزٌ إلى قَوْلِهِمُ: «الحَدِيث» (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ، أيْ: وقيلَ (لِتَحْوِيلٍ) مِنْ إسنادٍ إلى إسنادٍ آخَرَ (وَرَدْ) أيْ: وارِدٍ في السَّنَدِ، (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ، أيْ: وَقِيلَ (حَائِلٍ) أيْ: إلى لفظٍ حائِلٍ؛ لكونِهَا حالَتْ بينَ الإسنادَيْنِ، (وَقَوْلُهَا) أيِ: النُّطْقُ بهَا (لَفْظًا أَسَدّ) أيْ: أصْوَبُ.

يعني: أنَّ التلفُّظَ بها حاءً مفردةً كمَا كُتِبَتْ عندَ الانتهاءِ إلَيْهَا، والاِسْتِمْرَارِ فِي قراءةِ ما بعدهَا هُوَ الأحسنُ.

477 -

وَكَاتِبُ التَّسْمِيعِ فَلْيُبَسْمِلِ

وَيَذْكُرِ اسْمَ الشَّيْخِ [نَاسِبًا جَلِي]

478 -

ثُمَّ يَسُوقُ [سَنَدًا وَمَتْنَا

لآخِرٍ، وَلْيَتَجَانَبْ وَهْنَا]

[477]

(وَكَاتِبُ التَّسْمِيعِ) أَيِ: الطَّالِبُ الذِي يُرِيدُ كتابةَ السماعِ (فَلْيُبَسْمِلِ) أيْ: ليكتبِ البسْمَلَةَ استحبابًا في أوَّلِ كِتَابِهِ، (وَيَذْكُرِ اسْمَ الشَّيْخِ) الَّذِي سَمِعَ منه الحدِيثَ (نَاسِبًا) أيْ: عازِيًا لَهُ إلى ما يُوَضِّحُهُ (جَلِي) أيْ: حالَ كونِهِ جَلِيًّا، أيْ: مُتَّضِحًا للناسِ، بحيثُ لَا يخْفَى، ولا يَلْتَبِسُ معَ غيرِهِ.

[478]

(ثُمَّ) بعدَ كتابةِ البسمَلَةِ، واسْمِ الشيخِ (يَسُوقُ) أيْ: يَذْكُرُ (سَنَدًا وَمَتْنَا) لِذَلِكَ المَسْمُوعِ (لآخِرٍ) أيْ: إِلَى آخرِ السندِ والمتنِ، (وَلْيَتَجَانَبْ) أيْ: يتباعدْ كاتِبُ السماعِ (وَهْنَا) بفتحٍ فسكُونٍ، أيْ: ضَعْفًا في كتابَةِ التسميعِ، بمَعْنَى أنه لا يتساهَلُ في ذلِكَ.

ص: 356

479 -

وَيَكْتُبُ التَّأْرِيخَ مَعْ مَنْ سَمِعُوا

فِي مَوْضِعٍ ما، وَابْتِدَاءً أَنْفَعُ

480 -

وَلْيَكُ مَوْثُوقًا، وَلَوْ بِخَطِّهِ

لِنَفْسِهِ، وَعَدَّهُمْ بِضَبْطِهِ

481 -

أَوْ ثِقَةٍ، وَالشَّيْخُ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى

تَصْحِيحِهِ، وَحَذْفُ بَعْضٍ حُظِلا

[479]

(وَيَكْتُبُ) كاتِبُ التسميعِ (التَّأْرِيخَ) بالهمزةِ (مَعْ) بسكونِ العينِ، أيْ: معَ كتابَةِ (مَنْ سَمِعُوا) أيِ: الطَّلَبَةِ الذينَ سمعُوا الحديثَ مَعَهُ (فِي مَوْضِعٍ ما) أيْ: فِي أيِّ مكانٍ كانَ في أوَّلِ الكِتَابِ أَوْ آخِرِهِ، (وَ) لكِنْ كَوْنُهُ (ابْتِدَاءً) أيْ: فِي أوَّلِ الكِتَابِ قبْلَ البَسْمَلَةِ فوْقَ سَطْرِهَا (أَنْفَعُ) مِنْ غيرِهِ.

[480]

(وَلْيَكُ) كاتبُ التسميعِ (مَوْثُوقًا) بِهِ؛ أَيْ: غَيْرَ مجهولِ الخَطِّ، (وَلَوْ) كانَ كتابَةُ التسمِيعِ (بِخَطِّهِ لِنَفْسِهِ) إذا كانَ ثِقَةً (وَعَدَّهُمْ) أَيْ: عَدَّ السامعِينَ (بِضَبْطِهِ) أيْ: ضَبْطِ نفْسِهِ.

[481]

(أَوْ) بضبطِ (ثِقَةٍ) غيرِهِ ممَّنْ حضَرَ السَّمَاعَ.

وحاصِلُ المعْنَى: أنَّهُ إِنْ حضرَ جميعَ التسميعِ ضَبَطَ أسماءَهُمْ بنفْسِهِ، وإنَ كان غيرَ حاضِرٍ في بعْضِهِ أثبَتَ ذلكَ مُعتَمِدًا على إخبارِ مَنْ يثِقُ بخبَرِهِ مِنْ حاضِرِيهِ.

(وَالشَّيْخُ) المُسمِعُ (لَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَصْحِيحِهِ) أيْ: كِتَابَتِهِ على التَّسْمِيعِ بأنَّهُ صحيحٌ.

ص: 357

وحاصِلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا كانَ التسمِيعُ بِخَطِّ ثِقَةٍ فَلا يحْتَاجُ إلَى كتابَةِ الشيخِ عليْهِ بخَطِّهِ بالتصحيحِ.

(وَحَذْفُ بَعْضٍ) مِنَ السامعِينَ، أيْ: عدَمُ إثباتِ أسمَائِهِمْ في كتابَةِ التسْمِيعِ، لأَجْلِ غَرَضٍ فاسِدٍ (حُظِلا) والألِفُ للإِطلاقِ، أيْ: مُنِعَ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ حذْفَ أسماءِ بعضِ الحاضِرِينَ لغرضٍ فاسدٍ؛ كعَدَاوَةٍ بينَهُمَا لا يَجُوزُ؛ لأنَّ هذَا يُنَافي الثِّقَةَ والأمانةَ العِلْمِيَّةَ.

482 -

وَمَنْ سَمَاعُ الْغَيْرِ فِي كِتَابِهِ

بِخَطِّهِ [أَوْ خُطَّ بِالرِّضَى بِهِ]

483 -

نُلْزِمُهُ بِأَنْ يُعِيرَهُ، وَمَنْ

بِغَيْرِ خَطٍّ أَوْ رِضَاهُ فَلْيُسَنّ

[482]

(وَمَنْ) أيِ: الشخصُ الَّذِي (سَمَاعُ الْغَيْرِ) كلامٌ إضافِيٌّ (فِي كِتَابِهِ) أو جزْئِهِ، أو نحوِهِمَا (بِخَطِّهِ) أيْ: خَطِّ صاحبِ الكِتَابِ (أَوْ خُطَّ) أيْ: كُتِبَ سمَاعُ الغيْرِ في كتابِهِ بخَطِّ غيرِهِ، لكِنْ (بِالرِّضَى بِهِ) أيْ: بِسَبَبِ رضاهُ، أوْ مَعَ رِضاهُ بذلِكَ.

[483]

(نُلْزِمُهُ) أيْ: نُلْزِمُ ذلكَ الشخصَ الَّذِي في كتابِهِ سماعُ الغَيْرِ عَلَى الوَجْهِ المذْكُورِ (بِأَنْ يُعِيرَهُ) أيْ: يُعِيرَ ذلك الكتابَ لِذَلِكَ الغَيْرِ، لِيَكْتُبَ منْهُ.

ص: 358

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ مَنْ ثبتَ في كتابِهِ أو نحْوِهِ سماعُ غيْرِهِ، فأرادَ مَنْ كانَ اسمُهُ في طبقَةِ السَّمَاعِ أنْ يستَعِيرَ ذَلِكَ الكِتَابَ منْهُ؛ وَجبَ عليهِ إِعارَةُ ذلِكَ الكتابِ إنْ كانَ بِخَطِّهِ، أو خَطِّ غيْرِهِ لَكِنْ بِرِضَاهُ.

(وَمَنْ) أيْ: مَنْ ثبَتَ ذلِكَ في كتابِهِ (بِغَيْرِ خَطٍّ) منْهُ (أَوْ) خُطَّ، لكِنْ بِغَيْرِ (رِضَاهُ) أيْ: رِضَى صاحبِ الكتابِ (فَلْيُسَنّ) أيْ: يستَحَبُّ أنْ يُعِيرَهُ.

484 -

وِلْيُسْرِعِ الْمُعَارُ ثُمَّ يَنْقُلُ

سَمَاعَهُ مِنْ بَعْدِ عَرْضٍ يَحْصُلُ

[484]

(وِ) إذا أعارَهُ الكِتَابَ فَـ (لْيُسْرِعِ) ذلِك (الْمُعَارُ) أيِ: الَّذِي أُعْطِيَ العارِيَةَ.

يَعْنِي: أنَّهُ إذا أعارَهُ صاحِبُ الكتابِ كتابَهُ فلا يُبْطِئْ عليْهِ بهِ، بَلْ يَرُدُّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الحاجَةِ.

(ثُمَّ) إذَا نَسخَ الكِتَابَ (يَنْقُلُ سَمَاعَهُ) أيْ: يُثْبِتُهُ علَيْهِ (مِنْ بَعْدِ عَرْضٍ) أَيْ: مُقابَلَةِ ذَلِكَ الكِتَابِ (يَحْصُلُ) أيْ: يوجَدُ ذلك العَرْضُ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّهُ إِذَا نَسَخَ المُعَارُ الكِتَابَ لنَفْسِهِ، وأرادَ أن يُثْبِتَ سماعَهُ علَيْهِ، فلا بُدَّ لَهُ مِنَ المُقَابَلَةِ، بَلْ لا ينبَغِي إثباتُ سمَاعٍ في كِتَابٍ مُطْلَقًا إِلَّا بَعْدَ مُقَابَلَتِهِ؛ لئلَّا يغْتَرَّ أحدٌ بِهِ قبْلَهَا، إلَّا أنْ يُبَيِّنَ في الإِثْبَاتِ والنَّقْلِ أنَّ النُّسْخَةَ غَيْرُ مُقَابَلَةٍ.

ص: 359

‌صِفَةُ رِوَايَةِ الحَدِيثِ

أَيْ: هَذَا مبحثُ صِفَةِ رِوَايَةِ الحديثِ، وآدابِهَا، وما يتعلَّقُ بِهَا.

وهوَ النَّوْعُ الأرْبَعُونَ مِنْ أنواعِ علومِ الحدِيثِ:

485 -

وَمَنْ رَوَى مِنْ كُتُبٍ وَقَدْ عَرِي

حِفْظًا أَوِ السَّمَاعَ لَمَّا يَذْكُرِ

486 -

أَوْ غَابَ أَصْلٌ إِنْ يَكُ التَّغْيِيرُ

يَنْدُرُ أَوْ أُمِّيٌّ اوْ ضَرِيرُ

[485]

(وَمَنْ) شرطيَّةٌ (رَوَى) أيْ: أرادَ روايةَ حديثٍ (مِنْ كُتُبٍ) مصنَّفَةٍ فيهِ (وَقَدْ عَرِي) أيْ: خَلا، وسُكِّنَتِ اليَاءُ للوَزْنِ (حِفْظًا) أيْ: والحالُ أنَّهُ خالٍ مِنَ الحِفْظِ لِتِلْكَ الكُتُبِ (أَوِ السَّمَاعَ لَمَّا) أيْ: لَمْ (يَذْكُرِ) أيْ: أَوْ حَالَ كَوْنهِ غيْرَ ذاكِرٍ سماعَ ذلِكَ الحدِيثِ.

والمعْنَى: أنه أرَادَ رِوَايَةَ حديثٍ رَآهُ في كِتَابِهِ بخطِّهِ، أو بِخَطِّ غيْرِهِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ غيْرَ متذكِّرٍ سماعَهُ وعدَمَهُ.

[486]

(أَوْ) أرادَ رِوَايَةَ حديثٍ، وقدْ (غَابَ) عنْهُ (أَصْلٌ) أيْ: كتابُهُ الَّذِي سمِعَ منْهُ.

ص: 360

والمقْصُودُ: أنَّهُ أرادَ أنْ يرْوِيَ حديثًا مِنْ كِتَابٍ غَابَ عنْهُ مُدَّةً بِإِعَارَةٍ أوْ ضَيَاعٍ، أوْ سرِقَةٍ، ولَوْ طالَتِ الغَيْبَةُ، بِشَرْطِ عدمِ التغْيِيرِ، كما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:(إِنْ يَكُ التَّغْيِيرُ) أيْ: تبديلُ ذلِكَ الأصلِ (يَنْدُرُ) أيْ: يَقِلُّ.

والمقصودُ: أنَّ الغالِبَ على الظَّنِّ سلامَتُهُ مِنْهُ، (أَوْ) أرادَ روايةَ حدِيثٍ شَخْصٌ (أُمِّيٌّ) هُوَ الَّذِي لا يُحْسِنُ الكتابَةَ، (اوْ) أرادَ رِوَايَةَ حديثٍ شخصٌ (ضَرِيرُ) الذاهِبُ البَصَرِ.

487 -

يَضْبِطْهُمَا مُعْتَمَدٌ مَشْهُورُ

فَكُلَّ هَذَا جَوَّزَ الْجُمْهُورُ

488 -

وَمَنْ رَوَى مِنْ غَيْرِ أَصْلِهِ بِأَنْ

يَسْمَعَ فِيهَا الشَّيْخُ أَوْ يُسْمِعَ لَنْ

[487]

(يَضْبِطُهُمَا) يعْنِي: أنه يضبط للأمِّي والضَّرِيرِ ما سَمِعَاهُ (مُعْتَمَدٌ) أيْ: ثِقَةٌ يَعتَمِدَانِ عليْهِ (مَشْهُورُ) صِفَةٌ لِـ «معْتَمَد» (فَكُلَّ هَذَا) أيْ: كُلَّ ما ذَكَرْنَاهُ (جَوَّزَ الْجُمْهُورُ) أيْ: جَوَّزَ الرِّوَايَةَ بِه جُلُّ العلماءِ المُحَقِّقِينَ.

[488]

(وَمَنْ رَوَى) أيْ: أرادَ الرِّوَايَةَ (مِنْ) نسخَةٍ (غَيْرِ أَصْلِهِ) أيْ: سَمَاعِهِ، يَعْنِي: أنَّهَا ليْسَتْ مِمَّا سمِعَهَا على شيْخِهِ، ولا هي مُقَابَلَةٌ (بِأَنْ يَسْمَعَ فِيهَا) أيْ: يسْمَعَ في تلكَ النُّسْخَةِ التي أرادَ الرِّوايَةَ عنهَا (الشَّيْخُ) الذي سمعَ هُوَ عليْهِ في نسخةٍ خِلَافِهَا على الشَّيْخِ الأعْلَى (أَوْ يُسْمِعَ) أيْ:

ص: 361

غَيْرَهُ، يَعْنِي: أنَّ الشيخَ أسمعَ في تِلكَ النسخةِ غَيْرَ ذلكَ الشخصِ الَّذِي أرَادَ الراويةَ منْهَا.

(لَنْ) أيْ:

489 -

يُجَوِّزُوهُ، وَرَأَى أَيُّوبُ

جَوَازَهُ [وَفَصَّلَ الْخَطِيبُ:

490 -

إِنِ اطْمَأَنَّ أَنَّهَا الْمَسْمُوعُ]

فَإِنْ يُجِزْهُ يُبَحِ الْمَجْمُوعُ

[489]

(يُجَوِّزُوهُ) أيْ: لَمْ يُجِزْ هذَا الفعلَ جمهورُ المُحَدِّثِينَ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا أرادَ الرِّوَايَةَ مِنْ نسخةٍ ليسَ فيهَا سماعُهُ وَلَا هِيَ مقابَلَةٌ بِهِ، ولَكِنْ سُمِعَتْ علَى شيْخِهِ، أو فِيهَا سمَاعُ شيْخِهِ علَى الشيْخِ الأعْلَى، وكَذَا إذا كُتِبَتْ عن شَيْخِهِ، وسكنَتْ نفسُهُ إليْهَا لَمْ يُجِزِ الروايَةَ مِنْهَا عامَّةُ المُحَدِّثِينَ.

(وَرَأَى أَيُّوبُ) بْنُ أبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيُّ بفتحِ المُهْمَلَةِ أو كسرِهَا (جَوَازَهُ) أيْ: صِحَّةَ الرِّوَايَةِ من تلكَ النسخةِ مطلقًا، (وَفَصَّلَ) مِنَ التفصيلِ (الْخَطِيبُ) البغداديُّ، يَعْنِي: أنَّهُ حكمَ في هذهِ المسألةِ بالتفصيلِ قائِلًا:

[490]

(إِنِ اطْمَأَنَّ) أيْ: سكنَتْ نفسُهُ (أَنَّهَا) أيْ: تلكَ النسخةُ، أوِ

ص: 362

الأحاديثُ الَّتِي فيهَا (الْمَسْمُوعُ) مِنَ الشيخِ، يعنِي: أنَّهُ إذا سَكَنَتْ نفسُهُ بأنَّ تلكَ الأحاديثَ هِيَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنَ الشيخِ جَازَ لهُ أنْ يرويَهَا إِنْ تيقَّنَ صِحَّتَهَا وسلامَتَهَا، وَإِلَّا فَلَا، (فَإِنْ يُجِزْهُ) أيْ: يُجِزِ الشيخُ إيَّاهُ رِوَايَةَ تلكَ النُّسخَةِ (يُبَحِ الْمَجْمُوعُ) أيْ: أنَّهُ إذا كانَتْ لَهُ إجازَةٌ عامَّةٌ مِنْ شيْخِهِ لِمَرْوِيَّاتِهِ، أو لِهَذِهِ النسخةِ جازَتْ له الرِّوَايةُ منْهَا، ولهُ أنْ يقُولَ: حدَّثَنَا وأخبَرَنَا، مِنْ غيْرِ بيَانٍ للإِجازَةِ، والأمْرُ قريبٌ يُتسامَحُ بمِثْلِهِ.

491 -

مَنْ كُتْبَهُ خِلافَ حِفْظِهِ يَجِدْ

وَحِفْظَهُ مِنْهَا: الْكِتَابَ يَعْتَمِدْ

492 -

كَذَا مِنَ الشَّيْخِ وَشَكَّ، وَاعْتَمَدْ

حِفْظًا إِذَا أَيْقَنَ، وَالْجَمْعُ أَسَدّ

[491]

(مَنْ) شرطيةٌ (كُتْبَهُ) بضَمٍّ فسكُونٍ، أيْ: في كُتُبِهِ (خِلافَ حِفْظِهِ يَجِدْ) فِعْلُ الشَّرْطِ (وَحِفْظَهُ مِنْهَا) أيْ: والحالُ أنَّ حِفْظَ ذلكَ الشخْصِ منْ تلكَ الكتُبِ (الْكِتَابَ يَعْتَمِدْ) يعْنِي: أنَّهُ يعتمِدُ على كتابِهِ دونَ حِفْظِهِ.

[492]

(كَذَا) أيِ: الحكمُ كائنٌ كذَا إذا كانَ حفظُهُ (مِنَ) فمِ (الشَّيْخِ وَ) لكِنَّهُ (شَكَّ) في حفْظِهِ (وَاعْتَمَدْ) الراوِي الَّذِي تَخَالَفَ حفْظهُ معَ كتابِهِ (حِفْظًا) دونَ الكتابِ (إِذَا أَيْقَنَ) ولم يتشكَّكْ فِيهِ (وَ) لكِنِ (الْجَمْعُ) بين

ص: 363

الحفْظِ والكتابِ في حالِ الرِّوَايَةِ (أَسَدّ) أيْ: أصْوَبُ مِنَ الاقتصارِ على ما في الكتابِ، فيقولُ: حفظِي كَذَا، وفي كتابِي كَذَا، كما فعلَهُ الأئِمَّةُ.

493 -

كَمَا إِذَا خَالَفَ ذُو حِفْظٍ وَفِي

مَنْ يَرْوِي بِالْمَعْنَى خِلافٌ قَدْ قُفِي

494 -

فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوا لِلْعَارِفِ

ثَالِثُهَا: يَجُوزُ بِالْمُرَادِفِ

[493]

(كَمَا) يُستَحسَنُ الجمعُ لَهُ (إِذَا خَالَفَـ) هُ (ذُو حِفْظٍ) أيْ: شخْصٌ حافِظٌ، متْقِنٌ.

(وَفِي مَنْ يَرْوِي) الحديثَ (بِالْمَعْنَى) لا باللفظِ الوارِدِ (خِلافٌ) أيِ: اختلافٌ بينَ العلماءِ (قَدْ قُفِي) أيْ: تُبِعَ.

والمعْنَى: أنَّ العُلَمَاءَ اختلَفُوا في جوازِ رِوَايَةِ الحديثِ بالمَعْنَى على أقْوَالٍ:

[494]

الأوَّلُ: (فَالأَكْثَرُونَ) مِنَ السلفِ، وأصْحَابِ الحديثِ (جَوَّزُوا) ذلك (لِلْعَارِفِ) أيْ: للشخصِ العارفِ بمَدْلُولَاتِ الألفاظِ، والقولُ الثانِي: لا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ إلَّا بلفْظِهِ المَرْوِيِّ، (ثَالِثُهَا)، أيِ: الأقْوَالِ المَرْوِيَّةِ في المَسْأَلَةِ: (يَجُوزُ) ذلك (بِالْمُرَادِفِ) فَقَطْ؛ كإِبْدَالِ «قامَ» بـ «نهَضَ» .

ص: 364

495 -

وَقِيلَ: إِنْ أَوْجَبَ عِلْمًا الْخَبَرْ

وَقِيلَ: إِنْ يَنْسَ، وَقِيلَ: إِنْ ذَكَرْ

496 -

وَقِيلَ: فِي الْمَوْقُوفِ وَامْنَعْهُ لَدَى

مُصَنَّفٍ، [وَمَا بِهِ تُعُبِّدَا]

[495]

والقولُ الرَّابِعُ: (وَقِيلَ: إِنْ أَوْجَبَ) أيْ: أثْبَتَ وأَفَادَ (عِلْمًا) أيِ: اعْتِقَادًا (الْخَبَرْ) أيِ: الحَدِيثُ الَّذِي يُروَى بالمعْنَى.

وحاصِلُ المَعْنُى: أنه تجوزُ الرِّوَايَةُ بالمعْنَى إِنْ كانَ مُوجَبُ الحدِيثِ عِلْمًا؛ لأنَّ المُعَوَّلَ على معْنَاهُ دُونَ لفْظِهِ.

والقولُ الخامسُ: (وَقِيلَ: إِنْ يَنْسَ) المحدِّثُ لفْظَ الحديثِ، ولكِنْ بَقِيَ معْنَاهُ مرتَسِمًا في ذهنِهِ جازَتْ لهُ الرِّوَايَةُ بالمعْنَى.

والقولُ السادسُ: عكسُ ما قَبْلَهُ (وَقِيلَ: إِنْ ذَكَرْ) المُحَدِّثُ لفْظَ الحدِيثِ جازَتِ الرِّوَايَةُ بالمَعْنَى، لا إنْ نَسِيَهُ.

[496]

والقولُ السابعُ: (وَقِيلَ): تجوزُ الروايةُ بالمعنَى (فِي الْمَوْقُوفِ) علَى الصحابيِّ، لا في المرفوعِ إليْهِ صلى الله عليه وسلم، (وَامْنَعْهُ) أيُّهَا المُحَدِّثُ، أَيْ: ما ذُكِرَ من الرِّوَايةِ بالمعْنَى قطْعًا (لَدَى) أيْ: عِنْدَ النَّقْلِ عن كِتَابٍ (مُصَنَّفٍ) بفَتْحِ النونِ، أيْ: مُؤَلَّفٍ، فلا يجوزُ التَّغْيِيرُ لِمَا فِيهِ، (وَ) امنَعْهُ أيضًا اتِّفَاقًا في نَقْلِ (مَا) أيِ: الحديثُ الَّذِي (بِهِ) أيْ: بلفْظِهِ (تُعُبِّدَا) والأَلِفُ للإطلاقِ، أيْ: فِيمَا دُعِينَا، وأُمِرنَا إلى الطاعةِ بِلَفْظِهِ؛ كالأذانِ، والتشهدِ، والتكبيرِ، والتسليمِ، وجميعِ الأذكارِ؛ فإنَّهُ لا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا بلا خِلافٍ.

ص: 365

497 -

وَقُلْ أَخِيرًا: «أَوْ كَمَا قَالَ» وَمَا

أَشْبَهَهُ، كَالشَّكِّ فِيمَا أُبْهِمَا

498 -

وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الْخَبَرِ

إِنْ لَمْ يُخِلَّ الْبَاقِي عِنْدَ الأَكْثَرِ

[497]

(وَقُلْ) أيُّهَا الرَّاوِي بالمَعْنَى (أَخِيرًا) أيْ: عَقِّبِ الحديثَ المَرْوِيَّ بالمَعْنَى («أَوْ كَمَا قَالَ») مَقُولُ «قُل» ، أيْ: هَذَا اللفظُ، يعْنِي: أنَّكَ تقولُ بعْدَ انْتِهَاءِ المرويِّ بالمعْنَى: أو كَمَا قال صلى الله عليه وسلم في المَرْفُوعِ (وَمَا أَشْبَهَهُ)(كَالشَّكِّ) أيْ: كمَا يَحْسُنُ لكَ أن تقولَ ما ذُكِرَ في حالِ شَكِّكَ (فِيمَا) أي: اللَّفْظِ الَّذِي (أُبْهِمَا) بالْبِنَاءِ للمَفْعُولِ، وأَلِفِ الإِطْلاقِ، أَيْ: أُغْلِقَ.

وحاصِلُ المَعْنَى: أنه إذا شَكَّ القارِئُ، أو الشيخُ في لَفْظَةٍ، أو أَكْثَرَ، فَإِنَّهُ يحْسُنُ أن يَقُولَ: أو كَمَا قَالَ.

[498]

(وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الْخَبَرِ) يعْنِي أنَّهُ يجوزُ لكَ أن تحذِفَ بعضَ الحديثِ، وتقْتَصِرَ على بعْضِهِ (إِنْ لَمْ يُخِلَّ) من الإخلالِ، أيْ: إنْ لَمْ يُقَصِّرِ (الْبَاقِي) أيِ: المَذْكُورِ عَنْ إفادَةِ تَمَامِ المعْنَى (عِنْدَ الأَكْثَرِ) أيْ: عِنْدَ أكْثَرِ العُلَمَاءِ.

وحاصِلُ المعْنَى: أنَّ حذْفَ بعضِ المَتْنِ يجوزُ عِنْدَ جمهورِ العلماءِ بشرطَيْنِ:

أحدهُمَا: كونهُ عالِمًا عارفًا بكيفيَّةِ الاخْتِصَارِ.

الثانِي: وهُوَ الَّذِي ذكرَهُ في النَّظمِ أنْ لَا يكونَ المَذْكُورُ مُخِلًّا بالمقصودِ.

ص: 366

499 -

وَامْنَعْ لِذِي تُهْمَةٍ فَإِنْ فَعَلْ

فَلا يُكَمِّلْ خَوْفَ وَصْفٍ بِخَلَلْ

500 -

وَالْخُلْفُ فِي التَّقْطِيعِ فِي التَّصْنِيفِ

يَجْرِي وَأَوْلَى مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ

[499]

(وَامْنَعْ) أيُّهَا المُحَدِّثُ حذْفَ بعضِ الخبَرِ (لِذِي تُهْمَةٍ) أيْ: لِمَنْ يُتَّهَمُ في روايَتِهِ بِعَدَمِ الضَّبْطِ فيما رَوَاهُ، (فَإِنْ) أبى إلَّا أن يَرْوِيَ ناقِصًا و (فَعَلْ) ذلك بِأَنْ حذَفَ بعضَ الخبَرِ (فَلا يُكَمِّلْ) أيْ: لا يَرْوِ ذلِكَ بعْدَهُ تامًّا؛ (خَوْفَ وَصْفٍ) أيْ: لأجْلِ خوْفِ وصْفِ ذلِكَ الرَّاوِي (بِخَلَلْ) في رِوَايَتِهِ.

[500]

(وَالْخُلْفُ) بِضَمٍّ فسكونٍ، أيْ: الِاخْتِلافُ بينَ العلماءِ (فِي التَّقْطِيعِ) أيْ: تقطيعِ المصنفِ للحديثِ الواحدِ (فِي التَّصْنِيفِ) أيْ: في حالِ تصنيفِهِ للكتابِ (يَجْرِي) أيِ: الخُلْفُ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ تقطيعَ المصنفِ للحديثِ الواحِدِ وتفريقَهُ في الأبوابِ بِحَسَبِ الاحتجاجِ بِهِ على مسْأَلَةٍ يجْرِي فِيهَا الخلافُ كمَا جَرَى في سابِقِهِ، (وَ) لكِنَّ هَذَا (أَوْلَى مِنْهُ) أيْ: مِنَ الاخْتِصَارِ السابقِ (بِالتَّخْفِيفِ) أيْ: تخفيفِ كراهَتِهِ، يعْنِي: أنَّ هَذَا أقْرَبُ إلى الجوَازِ.

ص: 367

501 -

وَاحْذَرْ مِنَ اللَّحْنِ أَوِ التَّصْحِيفِ

خَوْفًا مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ

502 -

فَالنَّحْوُ [وَاللُّغَاتُ] حَقُّ مَنْ طَلَبْ

وَخُذْ مِنَ الأَفْوَاهِ لا مِنَ الْكُتُبْ

[501]

(وَاحْذَرْ) أيُّهَا المُحَدِّثُ (مِنَ اللَّحْنِ) أيِ: الوقُوعِ فيهِ في الألْفَاظِ النبويَّةِ، أيْ: أخطَأَ الإعرابَ، وخالفَ وجْهَ الصوابِ، (أَوِ) منَ (التَّصْحِيفِ) في الألفاظِ، وفي أسماءِ الرُّواةِ، وهو تَغْيِيرُ اللفظِ حتَّى يتغيَّرَ المعْنَى المرادُ من المَوْضِعِ، وأصلُهُ الخَطَأُ؛ (خَوْفًا) أيْ: لأَجْلِ خَوْفِكَ (مِنَ التَّبْدِيلِ) أيْ: تغييرِ كلامِهِ صلى الله عليه وسلم (وَالتَّحْرِيفِ) لَهُ.

[502]

(فَـ) نقولُ: (النَّحْوُ) أيْ: تعلُّمُ قواعِدِهِ (وَ) تَعَلُّمُ (اللُّغَاتِ) جمعُ لُغَةٍ، وهِيَ: العِلْمُ بالألفاظِ المَوْضُوعَةِ للمعَانِي (حَقُّ مَنْ طَلَبْ) الحدِيثَ (وَ) إذا أرَدْتَ السلامَةَ مِنَ اللحنِ والتصحيفِ في الأسماءِ والألفاظِ فـ (خُذْ) ها (مِنَ الأَفْوَاهِ) أيْ: أَفْواهِ العلماءِ الضابطِينَ لِذَلكَ (لا) تأخُذْ ذَلكَ (مِنَ) بطونِ (الْكُتُبْ) والصُّحُفِ، مِنْ غيرِ تَدْرِيبِ المشايخِ.

ص: 368

503 -

فِي خَطَأٍ وَلَحْنٍ اصْلٍ يُرْوَى

عَلَى الصَّوَابِ مُعْرَبًا فِي الأَقْوَى

504 -

[ثَالِثُهَا: تَرْكُ كِلَيْهِمَا] وَلا

تَمْحُ مِنَ الأَصْلِ، عَلَى مَا انْتُخِلا

505 -

بَلْ أَبْقِهِ مُضَبَّبًا وَبَيِّنِ

صَوَابَهُ فِي هَامِشٍ، ثُمَّ إِنِ

[503]

(فِي خَطَأٍ) أيْ: فِي وقوعِ خطَأٍ مِنْ تحريفٍ وتصْحِيفٍ (وَلَحْنٍ اصْلٍ) أيْ: خطأِ إعرابٍ في أصلِ الروايةِ (يُرْوَى) أيْ: يرْويهِ المحدثُ منْ أوَّلِ الوَهْلَةِ (عَلَى) الوجْهِ (الصَّوَابِ) حالَ كوْنِهِ (مُعْرَبًا) أيْ: مُبَيَّنًا (فِي الأَقْوَى) أيْ: ذلكَ في القَوْلِ الأقْوَى.

[504]

(ثَالِثُهَا) أيِ: الأقوالُ المَرْوِيَّةُ في المَسْأَلَةِ: (تَرْكُ كِلَيْهِمَا) أيِ: الخَطَإِ والصوابِ، وهُوَ الخلافُ في القراءةِ، وأمَّا الإِصلاحُ في الكتابِ، فقَدْ بَيَّنهُ بقوْلِهِ:(وَلا تَمْحُ) أيْ: لا تُزِلِ الخَطَأَ واللَّحْنَ (مِنَ الأَصْلِ) أيِ: النسخةِ المسموعَةِ عَلَى الشيخِ (عَلَى مَا انْتُخِلا) الألِفُ للإطلاقِ، أيْ: علَى القولِ المُخْتَارِ.

[505]

(بَلْ أَبْقِهِ) عَلَى ما هو علَيْهِ (مُضَبَّبًا) أيْ: حالَ كونِكَ مُضَبِّبًا (وَبَيِّنِ) أمْرٌ مِنَ التَّبْيِينِ (صَوَابَهُ) أيْ: وَضِّحْ معَ التَّضْبِيبِ عليهِ ما ظهَرَ لكَ أنَّهُ الصَّوَابُ (فِي هَامِشٍ، ثُمَّ إِنِ):

ص: 369

506 -

تَقْرَأْهُ قَدِّمْ مُصْلَحًا فِي الأَوْلَى

وَالأَخْذُ مِنْ مَتْنٍ سِوَاهُ أَوْلَى

507 -

وَإِنْ يَكُ السَّاقِطُ لا يُغَيِّرُ

كَابْنٍ وَحَرْفٍ زِدْ وَلا تُعَسَّرُ

[506]

(تَقْرَأْهُ) أيْ: إنْ تُرِدْ قراءةَ الأصلِ الذِي وقعَ فيهِ الخطأُ الذي أصْلحْتَهُ في الهامِشِ (قَدِّمْ مُصْلَحًا) بفَتْحِ اللامِ، أيْ: صَوَابًا مصلَحًا في الهامِشِ (فِي الأَوْلَى) أيِ: الوَجْهِ الأحْسَنِ، ثم تَذكُرُ ما وقعَ في الأصْلِ، بِأَنْ تقولَ بعْدَ قراءَةِ الصَّوَابِ: وقعَ في روايتِنَا، أو عندَ شيْخِنَا، أو مِنْ طَرِيقِ فلانٍ كذَا، ومقابلُ الأولَى: هُوَ أنْ يقرَأَ ما فِي الأصلِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَذْكُرُ الصَّوَابَ، (وَالأَخْذُ) أيْ: أخْذُ الصوابِ (مِنْ مَتْنٍ سِوَاهُ) أيْ: حَدِيثٍ آخَرَ وَارِدٍ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الطَّرِيقِ، فَضْلًا عَنْهَا (أَوْلَى) أيْ: أحسنُ.

[507]

(وَإِنْ يَكُ السَّاقِطُ) مِنَ الأصْلِ (لا يُغَيِّرُ) المعنى إسقاطُهُ، وذَلِكَ (كَـ) لفْظَةِ (ابْنٍ وَحَرْفٍ) مِثْلُ الألِفِ، والوَاوِ (زِدْ) أيُّهَا المُحَدِّثُ في الأصْلِ (وَلا تُعَسَّرُ) أيْ: حالَ كونِكَ غيْرَ مُضَيَّقٍ عليْكَ في ذَلِكَ، بأنْ تُنَبِّهَ على ذلِكَ كالسابِقِ.

ص: 370

508 -

كَذَاكَ مَا غَايَرَ حَيْثُ يُعْلَمُ

إِتْيَانُهُ مِمَّنْ عَلا، وَأَلْزَمُوا

509 -

«يَعْنِي» وَمَا يَدْرُسُ فِي الْكِتَابِ

مِنْ غَيْرِهِ يُلْحَقُ فِي الصَّوَابِ

510 -

كَمَا إِذَا يَشُكُّ وَاسْتَثْبَتَ مِنْ

مُعْتَمَدٍ، وَفِيهِمَا نَدْبًا أَبِنْ

[508]

(كَذَاكَ) أيْ: مثلُ هَذَا الحكمِ، وَهُوَ جوازُ الإِلحاقِ للساقِطِ حكْمُ (مَا غَايَرَ) أيِ: الساقِطُ الَّذِي غايَرَ معنى ما وَقَعَ في الأصْلِ (حَيْثُ يُعْلَمُ إِتْيَانُهُ) أيْ: مجيئُهُ (مِمَّنْ عَلا) أيِ: الرُّوَاةِ المُتَقَدِّمِين (وَأَلْزَمُوا).

وحاصِلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا كانَ الساقطُ المُغَايِرُ لمعنى الأصْلِ يُعْلَم أنَّهُ سَقَطَ مِنْ بعضِ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْ رُوَاةِ الحديثِ، وأن مَنْ فوقَهُ مِنَ الرواةِ أتى بِهِ، فإنَّهُ يُزَادُ في الأصلِ.

[509]

(«يَعْنِي» وَمَا يَدْرُسُ)، أيِ: الَّذِي يَنْمَحِي، وَيَسْقُطُ (فِي الْكِتَابِ) أيْ: كتابِ المُحَدِّثِ بنحوِ تقطُّعٍ، أو بَلَلٍ (مِنْ غَيْرِهِ) أيْ: كتابِ غيرِهِ بـ (يُلْحَقُ فِي) القَوْلِ (الصَّوَابِ) ومقابِلِهِ منَعَ بعضُهُمْ مِنْ ذلِكَ.

[510]

(كَمَا إِذَا يَشُكُّ) أي: وذلك مِثْلُ ما إذا يشكُّ الحافظُ في بعضِ محفوظاتِهِ (وَاسْتَثْبَتَ) أيْ: طلبَ التثبُّتَ (مِنْ) حافظٍ (مُعْتَمَدٍ) عليهِ مِنْ

ص: 371

حفظِهِ، أو كتابِهِ فَثَبَّتهُ، (وَفِيهِمَا) أيْ: في الصورتَيْنِ المذكورتَيْنِ، وهُمَا إذا درَسَ بعضُ ما فِي الكتابِ فألْحَقَهُ منْ غيْرِهِ، وإذا شكَّ في شيءٍ فَثَبَّتَهُ غيرُهُ (نَدْبًا أَبِنْ) أيْ: أَظْهِرْ، وبَيِّنْ ذلِكَ عِنْدَ الرِّوَايةِ حالَ كَوْنِ البَيَانِ مَنْدُوبًا، أو ذا نَدْبٍ.

511 -

وَمَنْ عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ تُشْكِلُ

يَرْوِي عَلَى مَا أَوْضَحُوا إِذْ يَسْأَلُ

512 -

وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ اشْيَاخٍ وَقَدْ

تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ

[511]

(وَمَنْ) أيِ: الرَّاوِي الَّذِي (عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ) في المعْنَى (تُشْكِلُ) في ضَبْطِهَا (يَرْوِي) أيْ: تلكَ الكلِمَةَ المشكِلَةَ (عَلَى مَا) أيِ: الضبطِ الَّذِي (أَوْضَحُوا) لَهُ (إِذْ يَسْأَلُ) أيْ: وقْتَ سؤالِهِ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا وَجَدَ الراوي في كتابِهِ كلِمَةً أو أكْثَرَ مِنْ غريبِ العربيةِ غيْرَ مضبوطَةٍ، وأشكلَتْ عليه جَازَ أنْ يَسْأَلَ عنْهَا العُلَمَاءَ بِهَا، ويَرْوِيَها على ما يُخْبِرُونَهُ بِهِ.

[512]

(وَمَنْ) شرطيةٌ (رَوَى مَتْنًا) أيْ: حَدِيثًا (عَنَ اشْيَاخٍ) اثنيْنِ، فأَكْثَرَ (وَ) الحالُ أنَّهُ (قَدْ تَوَافَقَا) وكانَ الأَوْلَى أنْ يقولَ: توافَقُوا؛ لأنَّهُ راجِعٌ إلى الأشْيَاخِ، أيْ: تَوَافَقَ الأشياخُ في ذلكَ الحديثِ (مَعْنًى) أيْ: مِنْ حيثُ المَعْنَى (وَ) الحالُ أنَّهُ (لَفْظٌ مَا) نافيةٌ (اتَّحَدْ) بَلِ اخْتَلَفَ.

ص: 372

513 -

مُقْتَصِرًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَلَمْ

يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ

514 -

أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ

وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا

515 -

وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ

مَعْ «قَالَ» أَوْ «قَالا» فَذَاكَ أَحْسَنُ

[513]

(مُقْتَصِرًا) أيْ: حالَ كوْنِ الراوِي مكْتَفِيًا (بِلَفْظٍ وَاحِدٍ) مِنَ الأشْيَاخِ (وَ) الحالُ أنَّهُ (لَمْ يُبَيِّنِ) حِينَ فَعَلَ ذَلِكَ (اخْتِصَاصَهُ) أيِ: اخْتِصَاصَ ذَلِكَ اللفْظِ بذلِكَ الواحدِ، بل سَمَّى كُلَّهُمْ؛ حَمْلًا للفْظِهِمْ عَلَى لفْظِهِ، (فَلَمْ يُلَمْ) أيْ: لَمْ يُعْذَلْ في فِعْلِهِ هَذَا؛ لأنَّهُ جائزٌ، وواقِعٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، وهذَا علَى رأيِ مَنْ يجوِّزُ الراويةَ بالمعْنَى، وهمُ الجمهورُ كما سَبَقَ.

[514]

(أَوْ قَالَ) ذَلِكَ الرَّاوِي الَّذِي اقتَصَرَ على لفظِ أحدِ المشايخِ: (قَدْ تَقَارَبَا) بِأَنْ قالَ: أخبرنَا فلانٌ وفلانٌ وقَدْ تقَارَبَا (فِي اللَّفْظِ) أيْ: لفْظِ ذلِكَ الحديثِ؛ فهَذَا أيضًا جائِزٌ على رأْيِ المُجَوِّزِينَ للرِّوَايةِ بالمعْنَى، (أَوْ وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى) أيْ: قالَ: أخبرنَا فلانٌ، وفلانٌ، والمعْنَى واحِدٌ (عَلَى خُلْفٍ) بضمِّ الخاءِ، أيِ: اختلافٍ بينَ العلماءِ (حَكَوْا) أيِ: المُحَدِّثُونَ.

[515]

(وَإِنْ يَكُنْ) الراوِي (لِلَفْظِهِ) أيْ: لفظِ ذلكَ الواحِدِ (يُبَيِّنُ) أيْ: يظهِرُهُ (مَعْ) ذكِرِهِ لفْظَةَ («قَالَ») بالإفْرَادِ (أَوْ «قَالا») بالتثنِيَةِ، وكذا بالجَمْعِ (فَذَاكَ أَحْسَنُ) من جميعِ ما تقَدَّمَ؛ لأنَّهُ أبْيَنُ، وأصرحُ فِي المرادِ.

ص: 373

516 -

وَإِنْ رَوَى عَنْهُمْ كِتَابًا قُوبِلا

بِأَصْلِ وَاحِدٍ يُبِينُ: احْتَمَلا

517 -

جَوَازَهُ وَمَنْعَهُ، [وَفُصِّلا

مُخْتَلِفٌ بِمُسْتَقِلٍّ وَبِلا]

[516]

(وَإِنْ رَوَى عَنْهُمْ) أيْ: عَنِ الأشْيَاخِ (كِتَابًا) منَ الكتُبِ المُصَنَّفَةِ، كالمُوَطَّإِ، والبخارِيِّ (قُوبِلا) الألِفُ إطلاقِيَّةُ، أيْ: مُقَابَلًا (بِأَصْلِ وَاحِدٍ) أيْ: شيخٍ واحدٍ مِنَ الأشياخِ، دونَ غيرِهِمْ (يُبِينُ) أيْ: حَالَ كونِهِ مبينًا ذلِكَ، بأنْ قالَ: اللفظُ لفلانٍ، يعْنِي: المُقَابَلَ بأصْلِهِ (احْتَمَلا) الألِفُ إطلاقِيَّةٌ، أيِ: احْتَمَلَ فعلُهُ هذَا.

[517]

(جَوَازَهُ) لأنَّ ما أوْرَدَهُ قد سَمِعَهُ بنصِّهِ ممَّنْ يذكرُ أنه لفْظُهُ (وَ) احتَمَلَ (مَنْعَهُ)؛ لأنَّهُ لا عِلْمَ عندَهُ بكيفيَّةِ روايةِ الآخرِينَ حتَّى يُخْبِرَ عنْهَا، (وَفُصِّلا) بالبناءِ للمفعولِ، والألفُ للإطلاقِ منَ التفصيلِ (مُخْتَلِفٌ بِمُسْتَقِلٍّ) أيْ: طَرِيقٌ مُتَبَاينٌ بحديثٍ مستقِلٍّ (وَبِلا) أيْ: بغيْرِ مستَقِلٍّ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّهُ ينظرُ إلى اختلافِ الطرقِ؛ فإنْ كانتْ متبايِنَةً بأحاديثَ مستقِلَّةٍ لَمْ يجُزْ أنْ يرويَ مقتصِرًا على روايَةِ واحِدٍ منْهُمْ، وإنْ كانَ تفاوُتُهَا في ألفاظٍ أوْ لغاتٍ أوِ اختلافِ ضبطٍ؛ جازَ.

ص: 374

518 -

وَلا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ

فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ

519 -

بِنَحْوِ «يَعْنِي» أَوْ بِـ «أَنَّ» أَوْ بِـ «هُو»

أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ

520 -

أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ

وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ

[518]

(وَلا تَزِدْ) أَيُّهَا الرَّاوِي علَى ما حدَّثَكَ بِهِ شيخُكَ (فِي نَسَبٍ) أيْ: نَسَبِ غيْرِ شيْخِكَ، (أَوْ وَصْفِ مَنْ فَوْقَ شُيُوخٍ) أيْ: فَوْقَ شيوخِكَ الَّذِينَ أخذْتَ عنْهُمْ، وأمَّا هُمْ فلكَ كيفَ شئْتَ (عَنْهُمُ) بضَمِّ المِيمِ (مَا لَمْ يُبَنْ) أيْ: مَا لم يُفَصَّلْ، ويُمَيَّزْ ما تزيدُهُ.

[519]

(بِنَحْوِ) كلمةٍ («يَعْنِي») كقولِكَ: يعْنِي: ابْنَ فلانٍ (أَوْ بِـ «أَنَّ») أيْ: بكلمَةِ «أنَّ» كقولِكَ: أنَّ فلانَ ابْنَ فلانٍ أخْبَرَهُ، (أو بـ) كلمةِ («هُو») كقولِكَ: هوَ ابنُ فلانٍ، و (أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ) الشيخُ الذِي حدَّثَكَ، أيْ: أتَمَّ المذكورَ مِنَ النسبِ والوَصْفِ (أَوَّلَهُ) أيْ: في أوَّلِ الكتابِ، بأنْ ساقَ فِي أوَّلِهِ نَسَبَ الشيخِ وَوَصْفَهُ، ثُمَّ اقْتَصَرَ بعْدَ ذلِكَ علَى اسْمِهِ خاصَّةً.

[520]

(أَجِزْهُ) أيْ: فأجزْ أيُّهَا الراوي إتمامَ ما ذُكِرَ (فِي الْبَاقِي) أيْ: فِيما بعدَ الأولِ؛ اعتمادًا على ذكْرِهِ كذلِكَ أوَّلًا (لَدَى الْجُمْهُورِ) أيْ: هذا عندَ

ص: 375

جمهورِ العلماءِ، (وَالْفَصْلُ أَوْلَى) أيْ: فصلُ الزائدِ بـ «يعني» ونحوِهَا أحسنُ (قَاصِرَ الْمَذْكُورِ) أيْ: حالَ كونِهِ قاصرًا على ما ذكَرَهُ الشيخُ، يعنِي أنَّهُ يقتصرُ على ما ذكرَهُ الشيخُ، ثم يذكرُ ما يريدُ زيادتَهُ بعْدَ ذكرِ الفاصلِ المتقدِّمِ.

521 -

وَ «قَالَ» فِي الإِسْنَادِ قُلْهَا نُطْقًا اوْ

«قِيلَ لَهُ» [وَالتَّرْكَ جَائِزًا رَأَوْا]

522 -

وَنُسَخٌ إِسْنَادُهَا قَدِ اتَّحَدْ

نَدْبًا أَعِدْ فِي كُلِّ مَتْنٍ فِي الأَسَدّ

[521]

(وَ «قَالَ») أيْ: لفْظُهَا، أيْ: قلْ لفظةَ «قالَ» (فِي الإِسْنَادِ) أيْ: فيما بيْنَ رجالِ الإسنادِ (قُلْهَا) أيْ: تلَفَّظْ بهَا (نُطْقًا).

والمعنى: أنَّكَ تتلفظُ بكلِمَةِ «قال» بينَ رجالِ الإسنادِ إذا حُذِفَتِ اختصارًا.

(اوْ) بمعْنى الوَاوِ («قِيلَ لَهُ») أيِ: اذكرْ كلمةَ: «قيلَ لهُ» فيما إذا كانَ فيهِ قُرِئَ علَى فلانٍ أخبرَكَ فلانٌ، فتقولُ: قيلَ لهُ: أخبرَكَ فلانٌ (وَالتَّرْكَ) أيْ: تركُ تلفظِ القارئِ بهِمَا (جَائِزًا رَأَوْا) أيْ: لوْ تركَ القارئُ التلفظَ بهِمَا رأوْا جوَازَ السماعِ معَ كوْنِهِ مخطِئًا.

[522]

(وَنُسَخٌ) جمعُ نسخةٍ (إِسْنَادُهَا) أيْ: إسنادُ تلكَ النُّسَخِ (قَدِ اتَّحَدْ) أيْ: ونسخٌ متحدَةُ الإسنادِ؛ كنسخَةِ هَمَّامِ بنِ منبهٍ روايةِ عبد الرزَّاقِ، عن معْمَرٍ، عنْهُ؛ ونسخةِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عنْ جَدِّهِ (نَدْبًا) أيْ:

ص: 376

لأجْلِ كونِهِ مندوبًا (أَعِدْ) إسنادَهَا أيُّهَا المُحَدِّثُ (فِي كُلِّ مَتْنٍ) أيْ: عندَ روايةِ كلِّ متْنٍ منْ تلكَ النسخةِ (فِي) القولِ (الأَسَدّ) أيِ: الأصوبِ.

523 -

لا وَاجِبًا، وَالْبَدْءُ فِي أَغْلَبِهِ

بِهِ وَبَاقٍ أَدْرَجُوا مَعْ «وَبِهِ»

524 -

وَجَازَ مَعْ ذَا ذِكْرُ بَعْضٍ بِالسَّنَدْ

مُنْفَرِدًا عَلَى الأَصَحِّ الْمُعْتَمَدْ

[523]

(لا وَاجِبًا) أيْ: ليسَ ذلكَ على سبيلِ الوجوبِ (وَالْبَدْءُ) أيِ: ابتدَاءُ الرِّوَايَةِ (فِي أَغْلَبِهِ) أيْ: أكْثَرِ الاستعمالِ (بِهِ) أيِ: الإسنادِ فِي أوَّلِهَا (وَبَاقٍ) مِنَ الأحاديثِ (أَدْرَجُوا) أيْ: ذكروهُ مندرجًا معَ ما قبْلَهُ (مَعْ) ذكْرِ لفظَةِ («وَبِهِ») أيْ: وبالإسنادِ المذْكُور.

وحاصلُ المعنى: أنَّ الأغلبَ، والأكثرَ في الاستعمالِ، أَنْ يُبْدأَ بالإسنادِ في أوَّلِهَا، أو فِي أوَّلِ كلِّ مجلسٍ مِنْ سماعِهَا، وَيُدرجَ الباقِي عليْهِ بقوْلِهِ في كلِّ حديثٍ بعدَ الحديثِ الأولِ:«وبِهِ» ، أوْ «وبالإسنادِ» ، ونحوِ ذلكَ.

[524]

(وَجَازَ مَعْ) بسكونِ العينِ (ذَا) أيْ: معَ هذا الَّذِي ذكرناهُ، مِنَ الاكتفاءِ بعدَ الأولِ بذكرِ لفظةِ:«وبه» لِمَنْ سمِعَ كذَلِكَ (ذِكْرُ بَعْضٍ) أيْ: بعضِ أحادِيثِ تلكَ النسخِ (بِالسَّنَدْ مُنْفَرِدًا عَلَى) القولِ (الأَصَحِّ) مِنْ قولَيِ العلمَاءِ (الْمُعْتَمَدْ) عليْهِ، وهُوَ قولُ الأكثَرِ، ومنعَهُ بعضُهُمْ.

ص: 377

525 -

وَالْمَيْزُ أَوْلَى، وَالَّذِي يُعِيدُ

فِي آخِرِ الْكِتَابِ لا يُفِيدُ

526 -

وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَوْ بَعْضِ سَنَدْ

ثُمَّ يُتِمُّهُ: أَجِزْ، فَإِنْ يُرَدْ

[525]

(وَالْمَيْزُ أَوْلَى) أيْ: تبيينُ صورَةِ الحالِ أحسنُ مِمَّا ذكرناهُ، كمَا يفعلُهُ مسلمٌ رحمه الله (وَالَّذِي يُعِيدُ) أيِ: الراوي الَّذِي يعيدُ الإسنادَ (فِي آخِرِ الْكِتَابِ) أَيْ: نِهَايةِ الكتابِ (لا يُفِيدُ)، أيْ: لَا يَنَفعُ فعلُه في رَفْعِ الخلافِ المذكورِ.

[526]

(وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ) أيْ: مَتنِ الحديثِ، يعْنِي: أَنَّ مَنْ قدَّمَ متْنَ الحديثِ على سنَدِهِ كلِّهِ، كأَنْ يقولَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كذَا، حَدَّثَنَا بِهِ فلانٌ، ويذكُرُ سنَدَهُ (أَوْ) سابِقٌ بـ (بَعْضِ سَنَدْ) معَ المتْنِ (ثُمَّ يُتِمُّهُ) أيْ: باقِي السنَدِ؛ كأنْ يقولَ: رَوَى عمرُو بْنُ دينارٍ، عن جابرٍ، عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كذَا، حدَّثَنا فلانٌ، ويَسوقُ سندَهُ إلى عمْرٍو (أَجِزْ) أجِزْهُ أيُّهَا المحدِّثُ، ثمَّ ذكَرَ حكْمَ مَنْ أرادَ أنْ يقدِّمَ السنَّدَ بتمامِهِ على المتْنِ، معَ كونِهِ تحمَّلَهُ كذلِكَ، فقَالَ:(فَإِنْ يُرَدْ).

ص: 378

527 -

حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ كُلِّهِ رَجَحْ

جَوَازُهُ، كَبَعْضِ مَتْنٍ [فِي الأَصَحّ

528 -

وَابْنُ خُزَيْمَةَ يُقَدِّمُ السَّنَدْ

حَيْثُ مَقَالٌ، فَاتَّبِعْ وَلا تَعَدّ]

[527]

(حِينَئِذٍ) أيْ: بعْدَ وقتِ تحمُّلِهِ ذلِكَ الحديثَ بتقديمِ المتْنِ عَلَى السنَّدِ (تَقْدِيمُ كُلِّهِ) أيْ: كلِّ السنَدِ علَى المتْنِ كالعادَةِ الغالبَةِ المشهورَةِ (رَجَحْ جَوَازُهُ)؛ لأنَّهُ لا محذورَ فيهِ (كَبَعْضِ مَتْنٍ) أيْ: هذَا الجوازُ مشابِهٌ لجوَازِ تقديمِ بعضِ متْنٍ على بعضٍ حيثُ يَصِحُّ (فِي) القَوْلِ (الأَصَحّ).

[528]

(وَابْنُ خُزَيْمَةَ) الحافظُ الكبيرُ محمَّدُ بنُ إسحاقَ (يُقَدِّمُ) هكَذا وَقَعَ في النُّسَخِ، وهوَ خطأٌ، والصَّوَابُ:«يؤخِّرُ» (السَّنَدْ) علَى المَتْنِ، فيَبْتَدِئُ أوَّلًا بِذِكْرِ المتنِ ثمَّ بَعْدَ الفراغِ منْهُ يذْكُرُ السَّنَدَ (حَيْثُ) يوجدُ (مَقَالٌ) أيْ: طعْنٌ فِي ذلِكَ السَّنَدِ، (فَـ) إذا كان السببُ الحامِلُ لَهُ ذلكَ (اتَّبِعْ) أيُّهَا المحدِّثُ صنيعَهُ هَذَا (وَلا تَعَدّ) أيْ: لَا تتعدَّهُ.

ص: 379

529 -

وَلَوْ رَوَى بِسَنَدٍ مَتْنًا وَقَدْ

جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْنٍ لَمْ يُعَدْ

530 -

بَلْ قَالَ فِيهِ «نَحْوَهُ» أَوْ «مِثْلَهُ»

لا تَرْوِ بِالثَّانِي حَدِيثًا قَبْلَهُ

531 -

وَقِيلَ: جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ

ذَا مَيْزَةٍ، وَقِيلَ: لا فِي «نَحْوِهِ»

[529]

(وَلَوْ رَوَى) الشيخُ للرَّاوِي (بِسَنَدٍ) أيْ: مَعَ ذِكْرِ سَنَدٍ (مَتْنًا وَ) الحَالُ أنَّهُ (قَدْ جَدَّدَ إِسْنَادًا) للمتْنِ، أيْ: ذكَرَ إِسْنادًا آخَرَ بعْدَ الأولِ (وَمَتْنٍ) لَهُ (لَمْ يُعَدْ) أَيْ: والحالُ أنَّ متنَ هذَا الإسنادِ لمْ يُذْكَرْ ثانِيًا؛ إحالَةً علَى المتْنِ الأوَّلِ.

[530]

(بَلْ قَالَ) الشَّيْخُ (فِيهِ) أيْ: في هذَا الإسنادِ المُجَدَّدِ كَلِمَةَ: («نَحْوَهُ») أَيْ: نَحْوَ المتْنِ السَّابِقِ (أَوْ) كلِمَةَ («مِثْلَهُ») أيْ: مِثْلَ المتْنِ السابقِ (لا تَرْوِ) أيْ: لَا تنقلْ أيُّهَا السامعُ على هذِهِ الكيفيَّةِ (بِالثَّانِي) أيْ: بالإسنادِ الثانيِ (حَدِيثًا) أيْ: متنًا (قَبْلَهُ) أيْ: قبْلَ هذَا الإسنادِ، يعنِي: أنَّهُ لا يجوزُ لكَ أنْ تَرْوِيَ بالإسنادِ الثانِي فقطِ المَتْنَ الأوَّلَ؛ لعدمِ تيقُّنِ تماثُلِهِمَا في اللفظِ.

[531]

(وَقِيلَ: جَازَ) ذلِكَ (إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ) أيْ: يرْوِي ذلِكَ المَتْنَ بالإسنادِ الثانِي (ذَا مَيْزَةٍ) بالفتْحِ، والمعْنَى: أنَّهُ يجوزُ أنْ يرْوِيَ المتْنَ المتقدِّمَ بالسندِ الثاني إذا كانَ الرَّاوِي مَعرُوفًا بتمييزِ الألفاظِ وعَدِّ الحروفِ،

ص: 380

(وَقِيلَ: لا) يجوزُ ذلك فِي («نَحْوِهِ») أيْ: فِيمَا إذا قالَ الشيخُ: «نحوهُ» ويجُوز فِي «مثله» .

532 -

[الْحَاكِمُ: اخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنَى

وَمِثْلَهُ بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا]

533 -

وَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: مِثْلَ خَبَرِ

قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا، فَلْيَذْكُرِ

534 -

وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْلِهِ

«وَذَكَرَ الْحَدِيثَ» [أَوْ «بِطُولِهِ»]

[532]

(الْحَاكِمُ) أبو عبْدِ اللهِ (اخْصُصْ) أيُّهَا الرَّاوِي (نَحْوَهُ) أيْ: هذَا اللفظِ (بِالْمَعْنَى) أيْ: بمَا اتَّفَقَا في المعنى، لا في اللفظِ (وَ) اخصصْ (مِثْلَهُ بِاللَّفْظِ) أيْ: بِمَا اتَّفَقا في اللفظِ، ثم قالَ الناظِمُ مستحسنًا قولَ الحاكِمِ:(فَرْقٌ سُنَّا) أيْ: هذا فرقٌ مسنونٌ.

[533]

(وَالْوَجْهُ) أيِ: المختارُ في الأداءِ (أَنْ يَقُولَ) بعدَ إيرادهِ السَّنَدَ (مِثْلَ خَبَرِ قَبْلُ) أيْ: ذَكَرَ مثلَ حديثٍ قبلُ، أي: قبْلَ هذا الإسنادِ (وَمَتْنُهُ كَذَا) أيْ: متْنُ هذا السندِ الثاني كذَا (فَلْيَذْكُرِ) ذلك المَتْنَ بتمَامِهِ.

[534]

(وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى) أيْ: أتى الشيخُ ببعضِ الحديثِ بعدَ سوقِ السندِ بتمامِهِ (وَقَوْلِهِ) أيْ: أتى بقولِهِ في آخرِ ما اقتصَرَهُ («وَذَكَرَ الْحَدِيثَ» أَوْ) أتى بقولِهِ («بِطُولِهِ») أو قولِهِ «الحديث» .

ص: 381

535 -

فَلا تُتِمَّهُ، وَقِيلَ: جَازا

إِنْ يَعْرِفَا، وَقِيلَ: إِنْ أَجَازا

536 -

وَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ «قَالَ وَذَكَرْ

حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا» وَائْتِ الْخَبَرْ

537 -

وَجَازَ أَنْ يُبْدِلَ بِالنَّبِيِّ

رَسُولُهُ، وَالْعَكْسُ فِي الْقَوِيِّ

[535]

(فَلا تُتِمَّهُ) أيُّهَا السامِعُ على هذهِ الكيفيَّةِ (وَقِيلَ: جَازا) بألِفِ الإطلاقِ، أيْ: جازَ للسامِعِ على هذهِ الكيفيَّةِ أن يُتِمَّهُ (إِنْ يَعْرِفَا) أي: المحدثُ والسامعُ الخبرَ بتمامِهِ، (وَقِيلَ) جازَ ذَلِكَ (إِنْ أَجَازا) بألِفِ الإطلاقِ، أيْ: أجَازَ الشيخُ للسَّامِعِ.

[536]

(وَقُلْ) أيُّهَا السامعُ إذا أردتَ الإتمامَ (عَلَى الأَوَّلِ) أيْ: حالَ كونِكَ جاريًا على القولِ الأوَّلِ، وهو المنعُ وُجُوبًا، وكذا علَى الثانِي احْتِيَاطًا («قَالَ) الشيخُ (وَذَكَرْ حَدِيثَهُ وَهْوَ) أيْ: نصُّ الحديثِ (كَذَا») أو تَمامُهُ كَذَا (وَائْتِ الْخَبَرْ) أيِ: اذكرِ الخبَرَ بنصِّهِ، بأنْ تسوقَهُ بتمَامِهِ.

[537]

(وَجَازَ أَنْ يُبْدِلَ بِـ) لفْظِ (النَّبِيِّ رَسُولُهُ) أيْ: هذَا اللفظُ (وَالْعَكْسُ) أيْ: جائِزٌ (فِي الْقَوِيِّ) أيْ: هذا كائِنٌ في القَوْلِ القَوِيِّ.

ص: 382

538 -

وَسَامِعٌ بِالْوَهْنِ كَالْمُذَاكَرَهْ

بَيَّنَ حَتْمًا والْحَدِيثُ مَا تَرَهْ

539 -

عَنْ رَجُلَيْنِ ثِقَتَيْنِ أَوْ جُرِحْ

إِحْدَاهُمَا فَحَذْفَ وَاحِدٍ أَبِحْ

[538]

(وَسَامِعٌ) مبتدأٌ (بِالْوَهْنِ) أيْ: بالضعفِ في سماعِهِ (كَالْمُذَاكَرَهْ) أيْ: وذلِكَ كالسماعِ في حالِ المذاكرَةِ (بَيَّنَ حَتْمًا) أيْ: وجوبًا.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا سمِعَ منَ الشيخِ مِنْ حفظِهِ في حالِ المذاكرَةِ بَيَّنَ وجوبًا بحكايةِ الواقِعِ، كأنْ يقولُ: حدثَنَا فلانٌ مذاكَرَةً. (والْحَدِيثُ مَا تَرَهْ) أيْ: إِنْ تَرَ الحديثَ حالَ كونِهِ مروِيًّا.

[539]

(عَنْ رَجُلَيْنِ ثِقَتَيْنِ) كلٌّ منهُمَا (أَوْ جُرِحْ إِحْدَاهُمَا) أيْ: أحدُ الرجليْنِ (فَحَذْفَ وَاحِدٍ) أي: حذفَ واحدٍ منَ الرجليْنِ (أَبِحْ) أيُّهَا المحدثُ.

وحاصلُ المعْنَى: أنهُ إذا كانَ الحديثُ عنْ رجُلَيْنِ ثِقَتَيْنِ، أو أحدُهُمَا ثقةٌ والآخرُ مجروحٌ جازَ حذفُ أحدِهِمَا؛ وذلكَ كحديثٍ عنْ ثابتٍ البُنَانِيِّ، وأبانَ بنِ أبِي عياشٍ، عن أنسٍ رضي الله عنه.

ص: 383

540 -

وَمَنْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَنْ رَجُلْ

وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرٍ ثُمَّ جَمَل

541 -

ذَلِكَ عَنْ ذَيْنِ مُبَيِّنًا بِلا

مَيْزٍ أَجِزْ وَحَذْفُ شَخْصٍ حُظِلا

[540]

(وَمَنْ) شرطيةٌ (رَوَى) أيْ: نُقِلَ بسماعِ (بَعْضَ حَدِيثٍ عَنْ رَجُلْ وَبَعْضَهُ) أيْ: بعضَ ذلِك الحديثِ (عَنْ آخَرٍ) بالصرْفِ للضرورةِ، أيْ: عنْ شيخٍ آخرَ (ثُمَّ جَمَل) بالجِيمِ، أي: جمَعَ.

[541]

(ذَلِكَ) الحديثُ المسموعُ علَى هذِهِ الكيفيَّةِ (عَنْ ذَيْنِ) أيْ: حالَ كونِهِ راويًا عنْ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ (مُبَيِّنًا) أيْ: حالَ كونِهِ مبينًا كونَ بعضِهِ عنْ أحدِهِمَا، وبعْضِهِ عنِ الآخَرِ (بِلا مَيْزٍ) بفتْحٍ فسُكُونٍ، أيْ: بلا تمْيِيزٍ لِمَا سَمِعَهُ مِنْ كلِّ واحدٍ منْهُمَا (أَجِزْ).

وحاصلُ المعْنَى: أنَّهُ إذَا سمِعَ بعضَ حديثٍ عنْ شيْخٍ، وبعْضَهُ عَنْ آخَرَ، فرَوَى جُمْلتَهُ عنهُمَا مبينًا أنَّ بعضَهُ عَنْ أحدِهِمَا، وبعضَهُ عنِ الآخَرِ جازَ وَلَوْ لمْ يُبَيِّنْ ما سمِعَهُ منْ كلٍّ منْهُمَا بالتَّعْيينِ.

(وَحَذْفُ شَخْصٍ) أيْ: إسقاطُ واحدٍ مِنْ هذَيْنِ الرجليْنِ (حُظِلا) الألِفُ إطلاقيَّةٌ، أيْ: مُنِعَ.

ص: 384

542 -

مُجَرَّحًا يَكُونُ أَوْ مُعَدَّلا

وَحَيْثُ جَرْحُ وَاحِدٍ لا تَقْبَلا

[542]

(مُجَرَّحًا يَكُونُ) ذلِك المحذوفُ (أَوْ مُعَدَّلا) أيْ: كونُهُ مجروحًا أوْ معدّلًا سواءً في مَنْعِ حذْفِهِ، بلْ يجبُ ذكْرُهُمَا مُبَيِّنًا أنَّ بعضَهُ عنْ أحدِهِمَا وبعضَهُ عنِ الآخَرِ، (وَحَيْثُ جَرْحُ وَاحِدٍ) يعْنِي أنَّهُ حيثُ جُرِحَ واحدٌ منهُمَا (لا تَقْبَلا) أيُّهَا المحدِّثُ ذلكَ الحديثَ، والألِفُ للإطْلاقِ، أيْ: لنْ تقبلَ الرِّوَايَةَ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّهُ إذا كانَ أحدُهُمَا مجروحًا لا يُحْتَجُّ بذلِكَ الحديثِ؛ لأنَّهُ ما مِنْ جزءٍ منْهُ إلَّا ويجُوزُ أنْ يكونَ عنْ ذَلِكَ المجروحِ.

ص: 385

‌آدَابُ المُحَدِّثِ

وَهُوَ النوعُ الحادِي والأربعُونَ منْ أنْوَاعِ علُومِ الحَدِيثِ:

543 -

[وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثَرِ]

فَصَحِّحِ النِّيَّةَ ثُمَّ طَهِّرِ

544 -

قَلْبًا مِنَ الدُّنْيَا وَزِدْ حِرْصًا عَلَى

نَشْرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ مَنْ يُحْتَجْ إِلَى

[543]

(وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثَرِ) أيْ: أفْضَلُ العلومِ المُدَوَّنَةِ علَى الإطلاقِ: علمُ الحديثِ، (فَصَحِّحِ النِّيَّةَ) أيُّهَا المحدِّثُ (ثُمَّ) بعد تصحيحِكَ النيَّةَ (طَهِّرِ) أيْ:

[544]

(قَلْبًا) لك (مِنَ) أعراضِ (الدُّنْيَا وَزِدْ) أيُّهَا المحدثُ على ما تقدَّمَ (حِرْصًا) أيْ: شِدَّةَ اهتمامٍ (عَلَى نَشْرِ الْحَدِيثِ)؛ لقولهِ صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عنِّي» ، (ثُمَّ مَنْ) شرطِيَّةٌ (يُحْتَجْ) بالبناءِ للمفْعُولِ (إِلَى) أيْ: إلى الحديثِ الَّذِي ثبَتَ.

ص: 386

545 -

مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ: شَيْخًا أَوْ حَدَثْ

وَرَدَّ لِلأَرْجَحِ نَاصِحًا وَحَثّ

546 -

[وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لا تُرْشِدْ إِلَى

أَعْلَى فِي الاِسْنَادِ إِذَا مَا جَهِلا]

547 -

وَمَنْ يُحَدِّثْ وَهُنَاكَ أَوْلَى

فَلَيْسَ كُرْهًا أَوْ خِلافَ الأَوْلَى

[545]

(مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ) أي: تصدَّى للتحْدِيثِ، سواءً كانَ (شَيْخًا) وهُوَ منِ اسْتَبَانتْ فيه السِّنُّ، وظَهَرَ عليه الشيبُ (أَوْ حَدَثْ) أيِ: الفَتَى (وَرَدَّ) المُحَدِّثُ منْ طلَبَ أن يحدِّثَهُ بجزءٍ أو نحْوِهِ (لِلأَرْجَحِ) أي: إلى الشخصِ الأرْجَحِ منْهُ (نَاصِحًا) لذلك الطَّالِبِ (وَحَثّ) أي: حَثَّ الطالبَ على لزومِ الأرْجَحِ.

[546]

(و) تقيُّ الدِّينِ (ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ) قال: (لا تُرْشِدْ) أيُّهَا المحدِّثُ مَنْ طَلَب منك أن تحدِّثَهُ (إِلَى) مَنْ كانَ (أَعْلَى) مِنْكَ (فِي الاِسْنَادِ) فقَطْ (إِذَا مَا) زائدةٌ (جَهِلا) الألِفُ للإطْلاقِ، أيْ: إذا كان جاهلًا.

[547]

(وَمَنْ) شرْطِيَّةٌ (يُحَدِّثْ) أيْ: يَتَصَدَّ للتحدِيثِ (وَ) الحالُ أنَّهُ (هُنَاكَ) أيْ: بحضْرَتِهِ (أَوْلَى) أيْ: شخصٌ أحَقُّ بالتحديثِ منْهُ (فَلَيْسَ) أيْ: تحديثُهُ (كُرْهًا) أي: مكْرُوهًا (أَوْ) بمعْنَى الواوِ (خِلافَ الأَوْلَى) أيْ: وليسَ خِلافَ الأوْلَى.

ص: 387

548 -

[هَذَا هُوَ الأَرْجَحُ وَالصَّوَابُ

عَهْدَ النَّبِيِّ حَدَّثَ الصِّحَابُ

549 -

وَفِي الصِّحَابِ حَدَّثَ الأَتْبَاعُ

يَكَادُ فِيهِ أَنْ يُرَى الإِجْمَاعُ

550 -

وَهْوَ عَلَى الْعَيْنِ إِذَا مَا انْفَرَدَا

فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَدَّدَا]

[548]

وَ (هَذَا) القولُ (هُوَ الأَرْجَحُ)؛ لقوَّةِ دليلِهِ، (وَالصَّوَابُ) لاستقامَةِ مُدْرَكِهِ (عَهْدَ النَّبِيِّ) أيْ: فِي زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (حَدَّثَ) وأفْتَى (الصِّحَابُ) بالكَسْرِ، أي: أنَّ الصّحابَةَ رضي الله عنهم حدَّثُوا فِي وقتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

[549]

(وَفِي) عهْدِ (الصِّحَابِ حَدَّثَ الأَتْبَاعُ) أيْ: أنَّ التابعِينَ رحمهم الله حدَّثُوا في زمنِ الصحابَةِ رضي الله عنهم (يَكَادُ) أيْ: يقرُبُ (فِيهِ) أيْ: في جوازِ التحديثِ المذكورِ (أَنْ يُرَى الإِجْمَاعُ) أيْ: إجماعُ العلماءِ.

[550]

(وَهْوَ) أيِ: التحديثُ (عَلَى الْعَيْنِ) أيْ: مفروضٌ على كلِّ أحدٍ (إِذَا مَا انْفَرَدَا) بألفِ إطلاقٍ، أيْ: هُوَ فرضُ عيْنٍ على مَنِ انفردَ في بلدٍ بأنْ لَا يكونَ فيهِ أهلٌ لهُ سواهُ، وهُوَ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) يسقطُ الحرجُ عنِ الباقِينَ بفعلِ البعضِ (إِذَا تَعَدَّدَا) بألفِ الإطلاقِ أيضًا، أيْ: كثُرَ المتأهِّلُونَ لَهُ.

ص: 388

551 -

وَمَنْ عَلَى الْحَدِيثِ تَخْلِيطًا يَخَفْ

لِهَرَمٍ أَوْ لِعمًى وَالضَّعْفِ كَفّ

552 -

وَمَنْ أَتَى حَدِّثْ وَلَوْ لَمْ تَنْصَلِحْ

نِيَّتُهُ، فَإِنَّهَا سَوْفَ تَصِحّ

553 -

[فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ كِبَارٍ جِلَّهْ:

«أَبَى عَلَيْنَا الْعِلْمُ إِلاَّ لِله» ]

[551]

(وَمَنْ) شرطيةٌ (عَلَى الْحَدِيثِ تَخْلِيطًا يَخَفْ) أيْ: منْ يَخْشَ التخليطَ فِي حديثِهِ بأنْ يُدخِلَ عليهِ ما ليسَ منْهُ (لِهَرَمٍ) بمعنَى: كَبِرَ، وضعْفٍ (أَوْ لِعَمًى وَالضَّعْفِ) أيْ: ضعفِ عقلِهِ (كَفّ) أيِ: امْتَنَعَ عنِ التحديثِ.

[552]

(وَمَنْ أَتَى) إليكَ طالبًا للحديثِ (حَدِّثْ وَلَوْ) وصليَّةٌ (لَمْ تَنْصَلِحْ نِيَّتُهُ) بعدمِ إخلاصِهِ؛ (فَإِنَّهَا) أي: نيَّةُ ذلكَ الطالبِ (سَوْفَ تَصِحّ) فيما بعْدُ.

[553]

(فَقَدْ رَوَيْنَا) أيْ: نقلْنَا أيتُهَا العلماءُ (عَنْ) أئِمَّةٍ (كِبَارٍ جِلَّهْ) بالكسْرِ («أَبَى) أيِ: امْتَنَعَ (عَلَيْنَا الْعِلْمُ) أنْ يكُونَ (إِلاَّ لِله»).

ص: 389

554 -

وَلِلْحَدِيثِ الْغُسْلُ وَالتَّطَهُّرُ

وَالطِّيبُ [وَالسِّوَاكُ وَالتَّبَخُّرُ]

555 -

مُسَرِّحًا وَاجْلِسْ بِصَدْرٍ بِأَدَبْ

وَهَيْبَةٍ [مُتَّكِئًا عَلَى رَتَبْ]

556 -

وَلا تَقُمْ لأَحَدٍ وَمَنْ رَفَعْ

صَوْتًا عَلَى الْحَدِيثِ فَازْبُرْهُ وَدَعْ

[554]

(وَلِلْحَدِيثِ الْغُسْلُ) أيْ: يُسْتَحَبُّ للمحدِّثِ أن يغتسِلَ عندَ إرادَةِ نشرِ الحديثِ (وَالتَّطَهُّرُ) مِنْ عطْفِ العامِّ علَى الخاصِّ؛ ليشمَلَ الوضوءَ والتيممَ (وَالطِّيبُ) أيِ: استعمالُهُ في بدنِهِ وثوْبِهِ (وَالسِّوَاكُ) أيِ: استِعْمَالُهُ (وَالتَّبَخُّرُ) أيِ: استِعْمَالُ البَخُورِ في بدَنِكَ وثوْبِكَ.

[555]

(مُسَرِّحًا) لحيتَكَ، وكذا ممشِّطًا شعرَكَ إنْ كانَ لكَ (وَاجْلِسْ) أيُّها المحدِّثُ إذا أردْتَ التسمِيعَ لقَوْمٍ (بِصَدْرٍ) أيْ: صدرِ المجلسِ (بِأَدَبْ) معَ الطَّلَبَةِ بأنْ تحتَرِمَهُمْ وتعْتَنِيَ بهِمْ (وَهَيْبَةٍ) أيْ: إجلالٍ للحديثِ (مُتَّكِئًا)، أيْ: حالَ كوْنِكَ متمَكِّنًا في جلوسِكَ، (عَلَى رَتَبْ) بفتحتَيْنِ، أيْ: شيءٍ مرْتَفِعٍ.

[556]

(وَلا تَقُمْ لأَحَدٍ) كائنًا مَنْ كانَ (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (رَفَعْ) مِنَ الحاضِرِينَ (صَوْتًا) له (عَلَى الْحَدِيثِ فَازْبُرْهُ) أيِ: امنَعْهُ عنْ ذَلِكَ (وَدَعْ) التحديثَ إنْ لمْ يتْرُكْ ذلِكَ.

ص: 390

557 -

وَلا تُحَدِّثْ قَائِمًا [أَوْ مُضْطَجِعْ]

أَوْ فِي الطَّرِيقِ [أَوْ عَلَى حَالٍ] شَنِعْ

558 -

وَافْتَتِحِ الْمَجْلِسَ كَالتَّتْمِيمِ

بِالْحَمْدِ وَالصَلاةِ وَالتَّسْلِيمِ

559 -

[بَعْدَ قِرَاءَةٍ لآيٍ] وَدُعَا

وَلْيَكُ مُقْبِلًا عَلَيْهِمو مَعًا

[557]

(وَلا تُحَدِّثْ قَائِمًا) أيْ: في حالِ قيامِكَ (أَوْ مُضْطَجِعْ) أيْ: فِي حالِ اضطجاعِكَ (أَوْ فِي الطَّرِيقِ) يَشْمَلُ المشْيَ فيهِ والجلوسَ عليهِ (أَوْ عَلَى حَالٍ شَنِعْ) أيْ: قبيحٍ، كالجوعِ، والشِّبَعِ المُفْرطَيْنِ.

[558]

(وَافْتَتِحِ) أيُّهَا المحدِّثُ (الْمَجْلِسَ) أيْ: مجلسَ التحديثِ (كَالتَّتْمِيمِ) أيْ: مِثلِ تتميمِكَ لهُ (بِالْحَمْدِ) للهِ تعَالَى (وَالصَلاةِ) على رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (وَالتَّسْلِيمِ) علَيْهِ.

[559]

(بَعْدَ قِرَاءَةٍ) مِنْ قارِئٍ حسَنِ الصوْتِ (لآيٍ) جمعِ آيَةٍ (وَ) افتتحَ أيضًا بـ (دُعَا) أيْ: بدعاءٍ يليقُ بالحالِ (وَلْيَكُ) أيِ: المحدِّثُ (مُقْبِلًا عَلَيْهِم) أيِ: الحاضِرِينَ (مَعًا) مجتمعِين، والمرادُ أنَّهُ يُقْبِلُ علَى الحاضِرِينَ جميعًا إذا أمْكَنَ.

ص: 391

560 -

وَرَتِّلِ الْحَدِيثَ وَاعْقِدْ مَجْلِسَا

[يَوْمًا بِأُسْبُوعٍ] لِلاِمْلَاءِ ائْتِسَا

561 -

ثُمَّ اتَّخِذْ مُسْتَمْلِيًا مُحَصِّلا

وَزِدْ إِذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ وَاعْتَلَى

562 -

يُبَلِّغُ السَّامِعَ أَوْ يُفَهِّمُ

وَاسْتَنْصَتَ النَّاسَ إِذَا تَكَلَّمُوا

[560]

(وَرَتِّلِ الْحَدِيثَ) أيُّهَا المُحَدِّثُ، أيْ: تمَهَّلْ في قِرَاءَتِهِ، ولا تعجلْ، ولا تسردْهَا سرْدًا يمنعُ فهْمَ بعضِهِ.

(وَاعْقِدْ) أيُّهَا المحدِّثُ العارفُ (مَجْلِسَا) أيْ: مَحَلًّا يجتمعُ فيهِ الناسُ للاستماعِ (يَوْمًا) واحدًا (بِأُسْبُوعٍ) بالضمِّ (لِلاِمْلَاءِ ائْتِسَا) أيِ: اقْتِدَاءً بفعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والصَّحَابةِ، والتابعينَ، ومَنْ بعدَهُمْ.

[561]

(ثُمَّ) إذا كَثُرَ جموعُ الناسِ ولمْ يبلغْهُمْ صوتُكَ (اتَّخِذْ) أيُّهَا المحدِّثُ (مُسْتَمْلِيًا) يتلقَّنُ منك ويبلغُ الحاضِرِينَ البعيدِينَ عنْكَ (مُحَصِّلا) وهُوَ الماهِرُ في التبليغِ (وَزِدْ) أيُّهَا المحدِّثُ على المستَمْلِي الواحِدِ (إِذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ) أيْ: جماعَةُ الحاضِرِينَ بحيثُ لا يكْفِي واحدٌ، فزِدْ بحسَبِ الحاجَةِ (وَاعْتَلَى) أيْ: كانَ المستَمْلِي في مكانٍ عَالٍ مِنْ كُرْسِيٍّ ونحْوِهِ.

[562]

(يُبَلِّغُ) المستملِي وجوبًا ما سَمِعَهُ منْكَ، ويؤدِّيهِ على وجْهِهِ مِنْ غيْرِ تغْيِيرِ (السَّامِعَ) منْهُ، دونَ المُمْلِي، لبُعْدِهِ (أَوْ يُفَهِّمُ) مَنْ بَلغهُ علَى

ص: 392

بُعْدٍ لكِنْ لَمْ يتفهَّمْهُ، (وَاسْتَنْصَتَ النَّاسَ) أيْ: طلَبَ المستَمْلِي الإنْصَاتَ، وهُوَ السُّكوتُ معَ الاسْتِماعِ منَ الحاضِرِينَ (إِذَا تَكَلَّمُوا) وقْتَ الإمْلاءِ.

563 -

وَبَعْدَهُ بَسْمَلَ ثُمَّ يَحْمَدُ

مُصَلِّيًا وَبَعْدَ ذَاكَ يُورِدُ

564 -

مَا قُلْتَ أَوْ مَنْ قُلْتَ مَعْ دُعَائِهِ

لَهُ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي انْتِهَائِهِ

565 -

«حَدَّثَنَا» وَيُورِدُ الإِسْنَادَا

مُتَرْجِمًا شُيُوخَهُ الأَفْرَادَا

[563]

(وَبَعْدَهُ) أيْ: بعْدَ اسْتِنْصَاتِهِمْ (بَسْمَلَ) أيْ: قالَ المُسْتَمْلِي: بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيمِ (ثُمَّ) بعْدَ البسمَلَةِ (يَحْمَدُ) اللهَ تعَالى (مُصَلِّيًا) عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (وَبَعْدَ ذَاكَ) كلِّهِ (يُورِدُ) المستَمْلِي.

[564]

(مَا قُلْتَ) أيْ: أيَّ شيْءٍ ذكرْتَ منَ الأحادِيثِ (أَوْ مَنْ قُلْتَ) أيْ: أيَّ شخْصٍ ذكرْتَ منَ الشيوخِ (مَعْ) بسكونِ العَيْنِ (دُعَائِهِ لَهُ) أيْ: دُعَاءِ المستَمْلِي للممْلِي رافعًا لصوْتِهِ قائلًا: رَحِمَكَ اللهُ، أوْ أصلحكَ اللهُ (وَقَالَ الشَّيْخُ) المُمْلِي (فِي انْتِهَائِهِ) أيِ: انتهاءِ المستمْلِي ممَّا يقولُهُ.

[565]

(«حَدَّثَنَا») شيخُنَا العلَّامَةُ المتقِنُ فلانُ ابنُ فلانٍ (وَيُورِدُ الإِسْنَادَا) بألِفِ الإطلاقِ، أيْ: يذكُرُ الإسنادَ بتمامِهِ (مُتَرْجِمًا شُيُوخَهُ) بضمِّ الشينِ، أيْ: مبيِّنًا أحوالَهُمْ وصفاتِهِم (الأَفْرَادَا) بألِفِ الإطلاقِ، أيْ: مترجمًا أفرادَ شيوخِهِ بأنْ يترجِمَ لكلِّ شيخٍ بترجمَةٍ مستقِلَّةٍ ليتميَّزَ تمامَ تَمَيُّزٍ.

ص: 393

566 -

وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ

أَوْ حِرْفَةٍ لا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ

567 -

وَارْوِ فِي الاِمْلا عَنْ شُيُوخٍ عُدِّلُوا

عَنْ كُلِّ شَيْخٍ أَثَرٌ وَيَجْعَلُ

568 -

أَرْجَحَهُمْ مُقَدَّمًا وَحَرِّرِ

وَعَالِيًا قَصِيرَ مَتْنٍ اخْتَرِ

[566]

(وَذِكْرُهُ) أيْ: ذكرُ المُمْلِي شيوخَهُ أو ذِكْرُ الشيخِ (بِالْوَصْفِ) أيْ: صِفَةِ النقصِ كالأعْمَشِ (أَوْ بِاللَّقَبِ) كغُنْدرٍ (أَوْ حِرْفَةٍ) كالخيّاطِ (لا بَأْسَ) بهِ (إِنْ لَمْ يَعِبِ) أيْ: إنْ لمْ يقصِدْ عيبَهُ بِهِ.

[567]

(وَاْرْوِ) أيُّهَا المُحَدِّثُ الِّذِي يريدُ الإمْلاءِ (فِي الاِمْلا) أيْ: حَالِ إملائِكَ الحدِيثَ استحبَابًا (عَنْ شُيُوخٍ) كثيرينَ، ولا تقْتَصِرْ عَلَى شَيْخٍ واحِدٍ (عُدِّلُوا) أيْ: وُصِفُوا بالعَدَالَةِ (عَنْ كُلِّ شَيْخٍ أَثَرٌ) حديثًا واحدًا، ولا تَزدْ عليْهِ، (وَيَجْعَلُ) المُمْلِيَ:

[568]

(أَرْجَحَهُمْ) بعلوِّ سنَدِهِ، أو كونِهِ أحفظَ (مُقَدَّمًا) أيْ: متَقَدِّمًا على غيْرِهِ (وَحَرِّرِ) ما تُمْلِيهِ، أيْ: قَوِّمْه (وَعَالِيًا) أيْ: سندًا عاليًا (قَصِيرَ مَتْنٍ) لِمَا فيهِ مِنْ مزيدِ الفائِدَةِ (اخْتَرِ) أيُّهَا المحدثُ المُمْلِي.

ص: 394

569 -

ثُمَّ أَبِنْ [عُلُوَّهُ وَصِحَّتَهْ]

وَضَبْطَهُ وَمُشْكِلًا وَعِلَّتَهْ

570 -

وَاجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ [كَالصِّفَاتِ

وَرُخَصًا مَعَ الْمُشَاجَرَاتِ

571 -

وَالزَّهُدُ مَعْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ

أَوْلَى فِي الاِمْلاءِ بِالاِتِّفَاقِ]

[569]

(ثُمَّ) بعَدَ أنْ أمليتَ (أَبِنْ) أيْ: أظْهِرْ للسامِعِينَ (عُلُوَّهُ) أيْ: علوَّ إسنادِهِ (وَصِحَّتَهْ) إن كانَ صحيحًا، أيْ: وحُسْنَهُ، وضُعفَهُ (وَضَبْطَهُ وَمُشْكِلًا) فِي الأسماءِ والألفاظِ (وَعِلَّتَهْ) إن كانتْ فيهِ عِلَّةٌ.

[570]

(وَاجْتَنِبِ) أيِ: ابتعِدْ فِي إملائِكَ (الْمُشْكِلَ) أيْ: ذكرَ المشكلِ مِنَ الأحاديثِ (كَالصِّفَاتِ) أيْ: كأحاديثِ الصفاتِ لِمَا لا يؤمنُ على السامِعِينَ مِنَ الخطَأِ والوَهمِ، (وَ) اجتنبْ (رُخَصًا) أيْ: ذِكرَ أحاديثِهَا للعوَامِّ (مَعَ الْمُشَاجَرَاتِ) والمرادُ هُنَا التشاجرُ الذِي وقَعَ بين الصحابَةِ؛ لئلَّا يقعَ السامعُونَ في بَعْضِ الصحابَةِ.

[571]

(وَالزَّهُدُ) أيِ: الحديثُ الدالُّ والباعثُ على الإعراضِ عَنِ الدُّنْيَا (مَعْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ) أيْ: معَ الأحاديثِ الدالةِ علَى مكارِمِ الأخلاقِ (أَوْلَى) أيْ: أحَقُّ بالذِّكْرِ (فِي) مجْلِسِ (الاِمْلاءِ) وذَلِكَ (بِالاِتِّفَاقِ) بينَ أهْلِ العلْمِ.

ص: 395

572 -

وَاخْتِمْهُ بِالإِنْشَادِ وَالنَّوَادِرِ

وَمُتْقِنٌ خَرَّجَهُ لِلْقَاصِرِ

573 -

[أَوْ حَافِظٍ بِمَا يَهُمُّ يُشْغَلُ]

وَقَابِلِ الإِمْلاءَ حِينَ يَكْمُلُ

[572]

(وَاْخْتِمْهُ) أيْ: مجلسَ الإملاءِ (بِالإِنْشَادِ) أيْ: قراءةِ الأشعارِ المباحةِ المُرَقِّقَةِ (وَالنَّوَادِرِ) المستحسنةِ.

(وَمُتْقِنٌ) أيْ: حافظٌ متقنٌ (خَرَّجَهُ) أيِ: الحديثَ الَّذِي يريدُ إملاءَهُ قبْلَ يومِ مجْلِسِهِ (لِلْقَاصِرِ) أيِ: المملِي القاصِرِ عنِ التخريجِ؛ لقصورِ معرفتِهِ بالحديثِ وعِلَلِهِ، واختلافِ وجوهِهِ.

[573]

(أَوْ حَافِظٍ) أيْ: خرجهُ لحافظٍ قادِرٍ على التخريجِ، إلَّا أنَّهُ (بِمَا) أيْ: بشيءٍ (يَهُمُّ) بفتحِ الياءِ (يُشْغَلُ).

وحاصلُ المعنَى: أنَّهُ إذا قصَّرَ المحدِّثُ عنْ تخريجِ الإملاءِ، أو كانَ مشغولًا بأعمالِ تُهِمُّهُ؛ كالإفتاءِ، والتأليفِ فلَا بأْسَ أنْ يستعِينَ علَى ذلِكَ ببعضِ الحفَّاظِ المتقنِينَ، كما فعلَهُ جماعةٌ منَ الشيوخِ.

(وَقَابِلِ) أيُّهَا المحدِّثُ (الإِمْلاءَ) أيِ: المُمْلَى بفتحِ اللامِ (حِينَ يَكْمُلُ) إملاؤُهُ، فإِنَّ المقابلةَ واجبةٌ كمَا تقدَّمَ؛ لإصلاحِ ما فسَدَ منْهُ بزيغِ القلَمِ وطُغْيَانِهِ.

ص: 396

‌مَسأَلَةٌ

وهِيَ مِنْ زوائِدِ الناظِمِ على العراقِيِّ رحمه الله:

574 -

[وَذَا الْحَدِيثِ وَصَفُوا، فَاْخْتَصَّا

بِحَافِظٍ كَذَا الْخَطِيبُ نَصَّا

575 -

وَهْوَ الَّذِي إِلَيْهِ فِي التَّصْحِيحِ

يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ

[574]

(وَذَا الْحَدِيثِ) أيْ: صاحبَ الحديثِ (وَصَفُوا) أيْ: أهلُ الحديثِ (فَاْخْتَصَّا بِحَافِظٍ) أيْ: بهذَا الوصْفِ (كَذَا) أيْ: مثلَ هذَا التنصيصِ (الْخَطِيبُ) أبو بكرٍ البغدادِيُّ (نَصَّا) بألِفِ الإطلاقِ، أيْ: عَيَّنَ اختصاصَ صاحبِ الحديثِ بالحافظِ.

[575]

(وَهْوَ) أيِ: الحافظُ في اصطلاحِ المحدِّثينَ (الَّذِي إِلَيْهِ فِي التَّصْحِيحِ) أيْ: تَصْحِيحِ الحديثِ (يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيلِ) أيِ: الحكمِ بعدالَةِ الرواةِ (وَالتَّجْرِيحِ) أيِ: الحكمِ بجرحهِمْ.

ص: 397

576 -

أَنْ يَحْفَظَ السُّنَّةَ مَا صَحَّ وَمَا

يَدْرِي الأَسَانِيدَ وَمَا قَدْ وَهِمَا

577 -

فِيهِ الرُّوَاةُ زَائِدًا أَوْ مُدْرَجَا

وَمَا بِهِ الإِعْلالُ فِيهَا نَهَجَا

578 -

يَدْرِي اصْطِلاحَ الْقَوْمِ وَالتَّمَيُّزَا

بَيْنَ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ مَيَّزَا

[576]

(أَنْ يَحْفَظَ) صاحبُ الحديثِ (السُّنَّةَ) النبويَّةَ، وكَذَا الآثارَ المَرْوِيَّةَ (مَا صَحَّ) أيِ: الَّذِي صَحَّ منْهَا (وَمَا) أيْ: يحفظُ الَّذِي (يَدْرِي) بِهِ (الأَسَانِيدَ) مِنْ علْمِ الرجالِ (وَ) يحفظُ أيضًا (مَا قَدْ وَهِمَا) كَغَلِطَ، والألِفُ للإطلاقِ.

[577]

(فِيهِ الرُّوَاةُ زَائِدًا) أيْ: حالَ كونِهِ زائدًا (أَوْ مُدْرَجَا) في المَتْنِ، أو فِي الإِسْنَادِ (وَ) يحفظُ أيضًا (مَا بِهِ الإِعْلالُ فِيهَا) أيِ: الأسانيدُ (نَهَجَا) أيْ: بَانَ.

[578]

(يَدْرِي) أيْ: يعْرِفُ معرِفَةً تامَّةً (اصْطِلاحَ الْقَوْمِ) أيْ: مصطلحاتِ المحدِّثِينَ (وَ) يدْرِي أيضًا (التَّمَيُّزَا) أيِ: التَّفَاوُتَ الَّذِي (بَيْنَ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ)؛ فإنَّهَا تتفاوَتُ (مَيَّزَا) أيْ: حالَ كوْنِهِ مميِّزًا لذلِكَ، وضابِطًا لَهُ.

ص: 398

579 -

فِي ثِقَةٍ وَالضَّعْفِ وَالطِّبَاقِ

كَذَا الْخَطِيبُ حَدَّ لِلإِطْلاقِ

580 -

وَصَرَّحَ الْمِزِّيُّ أَنْ يَكُونَ مَا

يَفُوتُهُ أَقَلَّ مِمَّا عَلِمَا

581 -

وَدُونَهُ مُحَدِّثٌ أَنْ تُبْصِرَهْ

مِنْ ذَاكَ يَحْوِي جُمَلًا مُسْتَكْثَرَهْ

[579]

(فِي ثِقَةٍ وَالضَّعْفِ) أيْ: مميِّزًا بينَ مراتبهِمْ في صفَةِ الثقةِ والضعفِ (وَالطِّبَاقِ) أيْ: يدرِي أيضًا تبايُنَ طبقاتِهِمْ (كَذَا) أيْ: مثلُ هذَا التعريفِ (الْخَطِيبُ) أبو بكرٍ البغدادِيُّ (حَدَّ) أيْ: عَرَّفَ (لِلإِطْلاقِ) أيْ: لأجْلِ أنْ يُطلَقَ عليهِ اسمُ «الحافِظ» .

[580]

(وَصَرَّحَ) أيْ: بَيَّنَ (الْمِزِّيُّ) أبو الحجاجِ (أَنْ يَكُونَ مَا يَفُوتُهُ) منَ الرجالِ وتراجمهِمْ، وأحوالهِمْ، وبلدانِهِمْ (أَقَلَّ مِمَّا عَلِمَا) الألِفُ للإطْلاقِ، أيْ: مِنَ الَّذِي علِمَهُ مِنْ ذلِكَ.

[581]

(وَدُونَهُ) أيِ: الحافظِ في الرُّتبةِ (مُحَدِّثٌ) أيِ: المحدثُ (أَنْ تُبْصِرَهْ) أيْ: تعرِفَهُ (مِنْ ذَاكَ) أيْ: مِنَ الذي تقدَّمَ في تعريفِ الحافِظِ (يَحْوِي) أيْ: يجمعُ (جُمَلًا مُسْتَكْثَرَهْ) أيْ: معدودةً بأنَّهَا كثيرةٌ.

وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّ المحدِّثَ مَنْ يجمعُ جُمَلًا كثيرَةً مِنْ صفاتِ الحافظِ إنْ لمْ يجمَعْهَا كلَّهَا.

ص: 399

582 -

وَمَنْ عَلَى سَمَاعِهِ الْمُجَرَّدِ

مُقْتَصِرٌ لا عِلْمَ سِمْ بِالْمُسْنِدِ

583 -

وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَقَّبُوا

ذَوِي الْحَدِيثِ قِدَمًا ذَا مَنْقَبُ]

[582]

(وَمَنْ) أيِ: الَّذِي (عَلَى سَمَاعِهِ الْمُجَرَّدِ) أيْ: عنْ معرِفَةِ ما ذُكِرَ في صفةِ الحافِظِ والمحدِّثِ (مُقْتَصِرٌ) أيْ: هُوَ (لا عِلْمَ) أيْ: لَا عِلْمَ له بتِلْكَ الأمورِ المشتَرَطَةِ قبلُ (سِمْ) أمْرٌ مِنْ وَسَمَ، إذا جَعَلَ لهُ علامَةً (بِالْمُسْنِدِ) بكسْرِ النونِ.

فالمسنِدُ هُوَ الَّذِي يقتصرُ علَى سماعِ الأحاديثِ وإسماعِهَا مِنْ غيرِ معرفَةٍ بعُلُومِهَا أو إتقانٍ لهَا.

[583]

(وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَقَّبُوا) أيِ: العلماءُ (ذَوِي الْحَدِيثِ) أيْ: أصْحَابَ الحديثِ (قِدَمًا) بكَسْرٍ ففَتْحٍ (ذَا) أيْ: هذا اللقبُ (مَنْقَبُ) أيْ: مَفْخَرٌ لهُمْ.

ص: 400

‌آدَابُ طَالِبِ الحَدِيثِ

وهوَ النوعُ الثانِي والأربعُونَ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ:

وقَدْ تقدَّمَتْ جملَةٌ منْ آدابِهِ فِيمَا قبْلُ لاشتراكِهِمَا فِيهَا، والمذكورُ هُنَا هوَ الَّذِي يختصُّ بهِ الطالِبُ غَالِبًا.

584 -

وَصَحِّحِ النِّيَّةَ [ثُمَّ اسْتَعْمِلِ

مَكَارِمَ الأَخْلاقِ] ثُمَّ حَصِّلِ

585 -

مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي

ثُمَّ البِلادَ ارْحَلْ وَلا تَسَهَّلِ

[584]

(وَصَحِّحِ) أيُّهَا الطالبُ للحديثِ (النِّيَّةَ) في طَلَبِهِ، (ثُمَّ) بعْدَ تصحيحِ النيةِ (اسْتَعْمِلِ) أيْ: لازِمْ وحَقِّقْ (مَكَارِمَ الأَخْلاقِ) أيِ: الأخلاقَ الطيبةَ (ثُمَّ) بعْدَ أنْ تتَخَلَّقَ بِهَا (حَصِّلِ) أيِ: اطلُبْ حصولَ عِلْمِ الحدِيثِ.

[585]

(مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ) أيْ: تَطَلَّبْهُ منْ أهْلِ بلَدِكَ (الْعَلِيِّ) أيِ: الرفيعِ سنَدًا، وعِلْمًا، (فَالْعَلِي) أيْ: إذا انتهيْتَ مِنَ الأعلَى فاطْلُبْهُ مِمَّنْ دونَهُ عُلُوًّا، (ثُمَّ) إذا أتْقَنْتَ ما فِي بلدِكَ (البِلادَ) الأخْرَى (ارْحَلْ) أيِ: انْتَقِلْ لطلبِ الحَدِيثِ مِنْ بلدِكَ إلى البلادِ الأخْرى (وَلا تَسَهَّلِ) أيْ: لا تَتَسَاهَلْ.

ص: 401

586 -

فِي الْحَمْلِ، وَاعْمَلْ بِالَّذِي تَرْوِيهِ

وَالشَّيْخَ بَجِّلْ لا تُطِلْ عَلَيْهِ

587 -

وَلا يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَبِ

وَالْكِبْرُ، وَابْذُلْ مَا تُفَادُ وَاكْتُبِ

588 -

لِلْعَالِ وَالنَّازِلِ لاِسْتِبْصَارِ

لا كَثْرَةِ الشُّيُوخِ لاِفْتِخَارِ

[586]

(فِي الْحَمْلِ) أيْ: حمْلِ الحديثِ بحيثُ تُخِلُّ بِمَا يجبُ عليْكَ فيهِ، (وَاعْمَلْ) أيُّهَا الطالِبُ (بِالَّذِي تَرْوِيهِ) من أحاديثِ العِبَادَاتِ، والآدابِ، والفضائلِ (وَالشَّيْخَ بَجِّلْ) أيْ: عظِّمْهُ واحْتِرمْهُ (لا تُطِلْ عَلَيْهِ) أيْ: لا تملَّهُ بإطَالَةِ الجلوسِ؛ لأنَّ ذلِكَ يُغَيِّرُ الأفهامَ ويُفْسِدُ الأخلاقَ ويُحِيلُ الطبْعَ، ويُخْشى على فاعِلِ ذلِكَ أنْ يُحْرمَ مِنَ الانتفاعِ.

[587]

(وَلا يَعُوقَنْكَ) أيْ: لا يمْنَعْكَ (الْحَيَا) بالقصْرِ للضرورةِ (عَنْ طَلَبِ) ما تحتاجُ إلَيْهِ (وَ) لا يمْنَعْكَ (الْكِبْرُ) أيِ: العظمَةُ (وَابْذُلْ) أيْ: أعطِ لغيرِكَ بمعْنَى عَلِّمْهِمْ وُجُوبًا (مَا تُفَادُ) أيْ: مَا أفادَكَ شيوخُكَ (وَاكْتُبِ) أيُّهَا الطالبُ عمَّنْ لَقِيتَهُ.

[588]

(لِلْعَالِ) بحذْفِ الياءِ للوزنِ، أيِ: الحديثِ العالِي سَنَدًا

ص: 402

(وَالنَّازِلِ) منهُ (لاِسْتِبْصَارِ) أيِ: اكتُبْ ذلِكَ لِطَلَبِ البصيرةِ، وهِيَ العلمُ والخِبْرَةُ (لَا كَثْرَةِ الشُّيُوخِ) أيْ: لَا تكتُبْ لتكثيرِ عدَدِ شيوخِكَ (لاِفْتِخَارِ) أيْ: لأجْلِ أنْ تفتخِرَ به على أقرانِكَ.

589 -

[وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لا تُؤَخِّرِ

بَلْ خُذْ وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ فَانْظُرِ]

590 -

فَقَدْ رَوَوْا: إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ

ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ

[589]

(وَمَنْ) شرطيةٌ (يُفِدْكَ) أيُّهَا الطالِبُ (الْعِلْمَ) أيَّ عِلْمٍ كانَ (لا تُؤَخِّرِ)«لا» ناهيَةٌ، أيْ: فلا تؤخِّرْ فائدتَهُ (بَلْ خُذْ) هَا واكْتُبْهَا (وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ) أيْ: إذَا أرَدْتَ الروايَةَ عَنْ ذلِكَ المفِيدِ (فَانْظُرِ) أيِ: ابْحَثْ، هَلْ هوَ مِمَّنْ تحلُّ الروايةُ عنْهُ، أم لا؟ لئلَّا ترويَ عمَّنْ ليسَ أهلًا للروايَةِ.

[590]

(فَقَدْ رَوَوْا) أيْ: لأَنَّ العلماءَ نقَلُوا (إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ) أيِ: اجْمَعْ مِنْ ههُنَا وههُنَا (ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ) أيْ: إذا أردْتَ رِوَايَةَ ما كتَبْتَهُ (فَفَتِّشِ) أيِ: ابحَثْ بشِدَّةٍ، لتميِّزَ الصحيحَ فَتَرْوِيَهُ، وغيرَ الصحيحِ فتَرْمِيَه.

ص: 403

591 -

وَتَمِّمِ الْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ

وَإِنْ يَكُنْ لِلاِنْتِخَابِ دَاعِ

592 -

فَلْيَنْتَخِبْ [عَالِيَهُ وَمَا انْفَرَدْ]

وَقَاصِرٌ أَعَانَهُ مَنِ اسْتَعَدّ

593 -

وَعَلَّمُوا فِي الأَصْلِ [لِلْمُقَابَلَهْ

أَوْ لِذَهَابِ فَرْعِهِ فَعَادَلَهْ]

[591]

(وَتَمِّمِ) أيُّهَا الطالِبُ (الْكِتَابَ) أوِ الجزءَ (فِي السَّمَاعِ) أيْ: في حَالِ سماعِكَ من شَيْخِكَ، ولا تنتخبْ منهُ، فرُبَّمَا تحتاجُ إلَى روايَةِ شيءٍ منْهُ لمْ يكُنْ فيمَا انتخَبْتَهُ فتندمُ، (وَإِنْ يَكُنْ لِلاِنْتِخَابِ دَاعِ) أيْ: إنْ يَحْصُلْ للطالبِ دَاعٍ، أيْ: سببٌ موجبٌ للانتخابِ.

[592]

(فَلْيَنْتَخِبْ) الطالبُ (عَالِيَهُ) أيْ: عالِيَ ذلكَ الكتابِ (وَمَا انْفَرَدْ) بِهِ (وَ) أمَّا الـ (قَاصِرٌ) أيْ: عنْ أهْلِيَّةِ الانتِخَابِ (أَعَانَهُ) على الانتِخَابِ (مَنِ اسْتَعَدّ) أيْ: من تَأَهَّلَ لذلك بكَوْنِهِ حافظًا عارفًا بكيفيَّةِ الانْتِخَابِ.

[593]

(وَعَلَّمُوا) أيْ: وضَعَ المنتخبونَ علامَةً (فِي الأَصْلِ) أيِ: المنتخبِ منْهُ وهُوَ كتابُ الشيخِ على ما انتخبُوهُ (لِلْمُقَابَلَهْ) أيْ: لأجْلِ أنْ يقابلُوا ما كتبُوهُ مِنَ المنتخَبِ بِهِ (أَوْ لِـ) أجْلِ (ذَهَابِ فَرْعِهِ) أيْ: فَقْدِ فرعِهِ

ص: 404

المُنْتَخَبِ (فَعَادَ) أيْ: رَجعَ ذلك المنتخِبُ (لَهْ) أيْ: إلَى المحلِّ الَّذِي وضعَ عليْهِ العلامَةَ.

فائِدةٌ: بيت زائدٌ في ألفيةِ العراقيِّ رحمه الله لمْ يذكُرْهُ الناظمُ رحمه الله.

قالَ الشيخُ رحمه الله: لمْ يذكُرِ الناظمُ رحمه الله كيفيَّةَ العلامَةِ، وذكرَهَا العراقِيُّ رحمه الله معَ الاختلافِ، فقالَ:

وَعَلَّمُوا فِي الأصْلِ إمَّا خَطَّا

أوْ هَمْزَتَيْنِ أوْ بِصَادٍ أوْطَا

والمعنى: أنَّهُمْ اخْتلفُوا في اختيارِ العلامةِ، ولكِنْ لا حَرَجَ في ذلِكَ، فكانَ الدارقُطْنِيُّ يعلِّمُ بخطٍّ عريضٍ بالحمرةِ في الحاشيةِ اليُسْرَى، وكانَ اللالَكَائِيُّ يُعَلِّمُ على أوَّلِ إسنادِ الحديثِ بخطٍّ صغيرٍ بالحمرةِ، وهَذَا الَّذِي استَقَرَّ عليْهِ عملُ أكْثَرِ المتأخِّرِينَ.

594 -

وَسَامِعُ الْحَدِيثِ بِاقْتِصَارِ

عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ

595 -

[فَلْيَتَعَرَّفْ ضَعْفَهُ وَصِحَّتَهْ

وَفِقْهَهُ وَنَحْوَهُ وَلُغَتَهْ

[594]

(وَسَامِعُ الْحَدِيثِ) وكَذَا كاتِبُهُ (بِاقْتِصَارِ) أيْ: مع اقْتِصَارٍ (عَنْ فَهْمِهِ) أيْ: فهْمِ ما فِي سنَدِهِ ومتْنِهِ (كَمَثَلِ الْحِمَارِ) أيْ: كصِفَةِ الحِمَارِ الَّذِي هو أبلدُ الحيوانِ، وبِئْسَ المثلُ.

ص: 405

[595]

(فَلْيَتَعَرَّفْ) أيْ: لِيَعْرِفْ سامِعُ الحديثِ معرفةً بالِغةً (ضَعْفَهُ) أيْ: ضعْفَ ذلكَ الحديثِ إن كان ضَعِيفًا (وَصِحَّتَهْ) إن كانَ صحيحًا، وكذا حُسْنَهُ (وَفِقْهَهُ) أيْ: ما فيهِ مِنَ الأحكامِ (وَنَحْوَهُ) أيْ: ما يحتاجُ إليهِ الحديثيُّ (وَلُغَتَهْ) أيْ: ما يحتاجُ إلَيْهِ الحديثيُّ مِنْ علْمِ اللغةِ.

596 -

وَمَا بِهِ مِنْ مُشْكِلٍ وَأَسْمَا

رِجَالِهِ وَمَا حَوَاهُ عِلْمَا]

597 -

وَاْقْرَأْ كِتَابًا تَدْرِ مِنْهُ الاِصْطِلاحْ

[كَهَذِهِ] وَأَصْلِهَا وَابْنِ الصَّلاحْ

[596]

(وَ) ليتعرَّفْ أيضًا (مَا بِهِ)، أيِ: الَّذِي استَقَرَّ فيهِ (مِنْ مُشْكِلٍ) منَ الأسانِيدِ والمتونِ (وَأَسْمَا) بالقَصْرِ للوَزْنِ، أيْ: وليتعرَّفْ أيضًا أسْمَاءَ (رِجَالِهِ) وكذَا ألْقَابُهُمْ، وكُنَاهُمْ، وليتعرَّفْ أيضًا جمِيعَ (وَمَا حَوَاهُ) الحديثُ (عِلْمَا) أيْ: مِنْ حيثُ العلمُ.

[597]

(وَاْقْرَأْ) أيُّهَا الطالبُ لتحقيقِ علومِ الحديثِ (كِتَابًا) من كُتُبِ المُصْطَلحِ (تَدْرِ) بحذْفِ لامِ الفعْلِ تخفيفًا (مِنْهُ الاِصْطِلاحْ كَهَذِهِ) الألفيَّةِ الَّتِي هي أجْمَعُ ما أُلِّفَ من المنظوماتِ فيهِ (وَ) كـ (أَصْلِهَا) الَّذِي هو ألفِيَّةُ الحافظِ العراقِيِّ رحمه الله (وَ) كمُقَدِّمَةِ الحافظِ أبي عمْرِو (ابْنِ الصَّلاحْ) فإنَّهَا مِنْ أنفَعِ ما أُلِّفَ في هذَا الفَنِّ.

ص: 406

598 -

وَقَدِّمِ الصِّحَاحَ ثُمَّ السُّنَنَا

ثُمَّ الْمَسَانِيدَ وَمَا لا يُغْتَنَى

599 -

وَاحْفَظْهُ مُتْقِنًا وَذَاكِر [وَرَأَوْا

جَوَازَ كَتْمٍ عَنْ خِلافِ الأَهْلِ أَوْ

600 -

مَنْ يُنْكِرُ الصَّوَابَ إِنْ يُذَكَّرِ]

ثُمَّ إِذَا أُهِّلْتَ صَنِّفْ تَمْهَرِ

[598]

(وَقَدِّمِ) أيُّهَا الطالبُ في السَّمَاعِ والضبطِ والمعرِفَةِ (الصِّحَاحَ) بالكسْرِ جمع صحيحٍ؛ كالبخاريِّ، ومسلمٍ، (ثُمَّ) قَدِّمْ بعْدَهَا (السُّنَنَا) كـ «سننِ أبي داوُدَ» و «سننِ النَّسَائِيِّ» (ثُمَّ) قَدِّمْ بعْدَهَا (الْمَسَانِيدَ) أيْ: سمَاعَهَا؛ كمسنَدِ الإمامِ أحْمَدَ، وإسحاقَ بنِ راهوَيْهِ (وَ) اقْرَأْ أيضًا (مَا) أيْ: كُتُبًا (لا يُغْتَنَى) أيْ: لا يُستَغْنَى عنْهَا، وأهَمُّهَا «الموطأ» لمالِكٍ.

[599]

(وَاحْفَظْهُ) أيِ: الحدِيثَ (مُتْقِنًا) لهُ، أيْ: مُحكِمًا (وَ) بعْدَ حفظِكَ (ذَاكِرْ) أيُّهَا الطالبُ بمحفوظاتِكَ الطلبَةَ ونحوَهُمْ.

(وَرَأَوْا) أيِ: العلماءُ (جَوَازَ كَتْمٍ) أيْ: كتْمِ العلْمِ (عَنْ خِلافِ) أيْ: غيرِ (الأَهْلِ) أيْ: أهلِ العلمِ، والمعَنْى: أنَّ العلماءَ جَوَّزوا كتْمَ العِلْمِ عمَّنْ ليسَ بأهْلِهِ (أَوْ) عَنْ:

[600]

(مَنْ) موصولَةٌ (يُنْكِرُ) أيْ: يتركُ (الصَّوَابَ إِنْ) شرْطِيةٌ

ص: 407

(يُذَكَّرِ) أيْ: يُلَقَّنِ، والمعنى: أنَّهُمْ جوَّزُوا كتْمَهُ أيضًا عمَّنْ لا يقْبَلُ الصوابَ إِذا أُرْشِدَ إليهِ.

(ثُمَّ إِذَا) أتقنْتَ طلبَهُ علَى الوجْهِ الذِي تقدَّمَ و (أُهِّلْتَ) فـ (صَنِّفْ) في علْمِ الحديثِ (تَمْهَرِ) أيْ: تصِرْ ماهِرًا في عِلْمِ الحديثِ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّكَ إذا تأهَّلْتَ للتصنيف صَنِّفْ؛ لأنَّكَ تتمهَّرُ بهِ.

601 -

وَيُبْقِ ذِكْرًا مَا لَهُ مِنْ غَايَهْ

[وَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَهْ]

602 -

فَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالأَبْوَابِ

وَقَوْمٌ الْمُسْنَدَ لِلصِّحَابِ

[601]

(وَيُبْقِ) بضمِّ أوَّلِهِ، أيْ: يُخَلِّدْ (ذِكْرًا) بالكسْرِ، أيْ: وشَرَفًا (مَا) نافيةٌ، أيْ: لَيْسَ (لَهُ) أيْ: لذلِكَ الذكْرِ (مِنْ غَايَهْ) أيْ: نهايَةٍ ينتَهِي إليْهَا.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ التصنيفَ يُخَلِّد شرفَكَ بينَ العلماءِ المحصِّلِينَ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.

(وَإِنَّهُ) أيِ: التصنيفُ (فَرْضٌ) أيْ: مفْرُوضٌ (عَلَى) سبيلِ (الْكِفَايَهْ).

[602]

(فَبَعْضُهُمْ) أيْ: بعضُ العلماءِ الذِينَ تَصَدَّوا للتصنيفِ (يَجْمَعُ) أيْ: يُؤَلِّفُ ما يريدُهُ (بِالأَبْوَابِ) الفقهِيَّةِ (وَقَوْمٌ) أيْ: ويجمعُ قومٌ منهُمُ (الْمُسْنَدَ لِلصِّحَابِ) بالكسْرِ جمْعُ صاحِبٍ، والمرادُ بهِ الصحابِيُّ، فيُفْرَدُ ما لهُمْ منَ الأحاديثِ واحدًا فواحدًا، كمسنَدِ الإمامِ أحمَدَ، وغيْرِهِ.

ص: 408

603 -

[يَبْدَأُ بِالأَسْبَقِ أَوْ بِالأَقْرَبِ

إِلَى النَّبِيْ أَوِ الْحُرُوفَ يَجْتَبِي]

604 -

وَخَيْرُهُ مُعَلَّلٌ، وَقَدْ رَأَوْا

أَنْ يَجْمَعَ [الأَطْرَافَ] أَوْ شُيُوخًا اوْ

[603]

(يَبْدَأُ) أيْ: حالَ كونِهِ بادئًا (بِالأَسْبَقِ) في الإسلامِ، فيُقَدِّمُ العشرَةَ، ثُمَّ أهلَ بَدْرٍ، ثمَّ أهْلَ الحديبيةِ، ثم المهاجِرِينَ بيْنَها وبيْنَ الفتْحِ، ثم مسلِمَةَ الفتْحِ، ثُمَّ أصاغِرَ الأسْنَانِ، ثُمَّ بالنِّساءِ مقدِّمًا أمهاتِ المؤمنِينَ، ومنهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ علَى القبائِلِ، وإليْهِ أشارَ بقولِهِ (أَوْ) يَبْدَأُ (بِالأَقْرَبِ) منهُمْ (إِلَى النَّبِيْ) بتخْفِيفِ الياءِ للوَزْنِ صلى الله عليه وسلم نَسَبًا، ومنهُمْ منْ يُرَتِّبُ على حروفِ المعْجَمِ، وإليْهِ أشارَ بقوْلِهِ (أَوِ الْحُرُوفَ) المعجمَةَ لـ (يَجْتَبِي) أيْ: يختارُهَا علَى ما تقدَّم لِيُرَتِّبَ عليْهَا أسماءَ الصَّحَابَةِ.

ثم ذكرَ أحْسَنَ أنواعِ التصنيفِ، فَقَالَ:

[604]

(وَخَيْرُهُ) أيْ: أحسنُ التصنيفِ في الطريقتَيْنِ المتقدِّمَتَيْنِ (مُعَلَّلٌ) أيْ: مَا ذُكِرَ فيه عللُ الحديثِ، وذلِكَ بأنْ يجمَعَ في كلِّ متْنٍ طُرُقَهُ، واختلافَ الرُّوَاةِ فيهِ (وَقَدْ رَأَوْا) أي: ذهبَ أهْلُ الحديثِ إلى (أَنْ يَجْمَعَ) المُصَنِّفُ (الأَطْرَافَ) جمعُ طرَفٍ، أيْ: طرفَ الحَدِيثِ الدالَّ على بقِيَّتِهِ (أَوْ) يجمَعَ

ص: 409

(شُيُوخًا) أيْ: أحادِيثَ شيوخٍ، كلُّ شيخٍ بانْفِرَادِهِ (اوْ) يجْمَعَ:

605 -

أَبْوَابًا اوْ تَرَاجِمًا أَوْ طُرُقَا

وَاحْذَرْ مِنَ الإِخْرَاجِ قَبْلَ الاِنْتِقَا

606 -

[وَهَلْ يُثَابُ قَارِئُ الآثَارِ

كَقَارِئِ الْقُرْآنِ: خُلْفٌ جَارِي]

[605]

(أَبْوَابًا) مِنْ أبوابِ الكُتُبِ المصنفَةِ الجامِعَةِ للأحكَامِ وغيرِهَا؛ كرُؤْيَةِ اللهِ، والقراءةِ خلْفَ الإمامِ، وغَيْرِهَا، (اوْ) يجمعَ (تَرَاجِمًا) جمْعَ ترجمَةٍ، أيْ: أسانيدَ معيَّنَةً، كمالِكٍ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَرَ، (أَوْ) يجمعَ (طُرُقَا) جمعُ طريقٍ، أيْ: سندًا، أيْ: يجمعُ أسانيدَ كثيرةً لحديثٍ واحدٍ؛ كطرقِ حديثِ: «منْ كَذَبَ عليَّ» ، (وَاحْذَرْ) أيُّهَا المصنِّفُ (مِنَ الإِخْرَاجِ) أيْ: إخراجِ مُصَنَّفِكَ إلى الناسِ (قَبْلَ الاِنْتِقَا) أيْ: تهذيبِهِ، وتحريرِهِ.

[606]

(وَهَلْ يُثَابُ) ويُؤْجَرُ (قَارِئُ الآثَارِ) أيِ: الأحاديثِ النبويَّةِ (كَقَارِئِ الْقُرْآنِ) أيْ: كمَا يُثابُ قارئُ القرآنِ (خُلْفٌ) بالضَّمِّ، أيِ: اختلافٌ، أيْ: بَيْنَ العلماءِ (جَارِي).

وحاصلُ معْنَى البيتِ: أنَّهُ جرَى اختلافٌ بينَ العلمَاءِ في أنَّ قارِئَ الحديثِ مجردًا يُثابُ كقارِئِ القرْآنِ أوْ لا؟

ص: 410

‌العَالِي وَالنَّازِلُ

وهو النَّوْعُ الثالثُ والأربَعُونَ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ:

607 -

[قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ

وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلا تَرْدَادِ]

608 -

وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ، وَمَنْ

يُفَضِّلُ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ

[607]

(قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ) المحمديَّةُ (بِالإِسْنَادِ) المُتَّصِلِ إلى نَبِيِّهَا صلى الله عليه وسلم (وَهْوَ) أيِ: الإسنادُ (مِنَ) جُمْلَةِ أمورِ (الدِّينِ) وسُنَّةٌ بالغةٌ منْ سنَنِهِ المؤكَّدَةِ (بِلا تَرْدَادِ) أيْ: منْ غيْرِ تردُّدٍ وشَكٍّ في ذَلِكَ.

[608]

(وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ) نبويةٌ، أيْ: طلبُ الإنسانِ علوَّ الإسنادِ الَّذِي هوَ قلَّةُ الوسائِطِ في السَّنَدِ، سُنَّةٌ مأثُورةٌ (وَمَنْ) شرطيةٌ، أو موْصُولَةٌ (يُفَضِّلُ) أيِ: الَّذِي يُفَضِّلُ (النُّزُولَ) ضِدَّ العُلُوِّ (عَنْهُ) أيْ: عَنِ العُلُوِّ، وهو بعْضُ أهْلِ النَّظَرِ محتجًّا لهُ بأنَّ الإسنادَ كُلَّمَا زادَ عددُهُ زادَ الاجتهادُ في معرِفَةِ أحوالِ الرواةِ، فيكْثُرُ الثوابُ فيهِ (مَا) نافيةٌ (فَطَنْ) فمَا فَهِمَ المقصودَ مِنَ العُلُوِّ؛ إذِ المقصودُ منهُ الصحِّةُ؛ إذْ قلةُ الوسائطِ يُقِلُّ الخلَلَ وكثْرَتُهَا بالعَكْسِ.

ص: 411

609 -

وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا:

قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ اوْ

610 -

بِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَدْ

يُنْزَلُ لَوْ ذَا مِنْ طَرِيقِهِ وَرَدْ

[609]

(وَقَسَّمُوهُ) أيْ: قسَّمَ العُلَمَاءُ العُلُوَّ (خَمْسَةً) أيْ: تقسِيمًا خمْسَةً (كَمَا رَأَوْا) أيْ: إِنَّمَا قسَّمُوهُ خمسةً لِمَا اسْتَبَانَ لهُمْ ممَّا يقتَضِي ذَلِكَ (قُرْبٌ) أيْ: أوَّلُهَا قربُ المحدِّثِ (إِلَى النَّبِيِّ) صلى الله عليه وسلم مِنْ حيثُ العدَدُ، وأشارَ إلى الثانِي، وهُوَ العلُوُّ النسبِيُّ بقوْلِهِ:(أَوْ) قربٌ إِلَى (إِمَامٍ) مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ ذِي صِفَاتٍ عَلِيَّةٍ، وأشَارَ إلى الثالِثِ، وهُوَ علوٌّ نِسْبِيٌّ أيضًا بقَوْلِهِ:(اوْ) قُرْبٌ مُقَيَّدٌ.

[610]

(بِنِسْبَةٍ إِلَى) رِوَايَةِ (كِتَابٍ مُعْتَمَدْ) كالكُتُبِ السِّتَّةِ (يُنْزَلُ) أيْ: يُنْسَبُ إلى النزولِ، أيْ: يُنْزَلُ الرَّاوِي (لَوْ ذَا) أيْ: هَذَا الحديثُ (مِنْ طَرِيقِهِ) أيْ: طَرِيقِ ذلِكَ الكتابِ (وَرَدْ) أيْ: نُقِلَ.

وحاصلُ المعنَى: أنَّنَا لو رَوَيْنَا الحديثَ مِنْ طَرِيقِ كتابٍ مِنْ تلكَ الكتبِ يَقَعُ أنزلَ مِمَّا لَوْ رويْنَاهُ مِنْ غيْرِ طَرِيقِهَا.

ثُمَّ إِنَّ هذَا النَّوْعَ هُوَ النوعُ الَّذِي تقعُ فيهِ المُوَافَقَاتُ، والأَبْدَالُ، والمُسَاوَاةُ والمُصَافحاتُ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ:

ص: 412

611 -

فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ مُوَافَقَهْ

أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ: بَدَلٌ، أَوْ وَافَقَهْ

612 -

فِي عَدَدٍ فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ، وَإِنْ

فَرْدًا يَزِدْ مُصَافَحَاتٌ فَاْسْتَبِنْ

[611]

(فَإِنْ يَصِلْ) الراوِي (لِشَيْخِهِ) أيْ: شَيْخِ صاحِبِ الكتابِ؛ كَشَيْخِ أحَدِ الأئمةِ الستَّةِ مَثلًا (مُوَافَقَهْ)، أيْ: فَهُوَ موافَقَةٌ، (أَوْ) يَصِلْ إِلَى (شَيْخِ شَيْخٍ) لأحَدِ الأئِمَّةِ السِّتَّةِ مثلًا مع وُجُودِ العُلُوِّ أيْضًا (بَدَلٌ) أيْ: فَهُوَ بَدلٌ، أَيْ: يُسَمَّى بِهِ (أَوْ وَافَقَهْ) أيْ: وافَقَ الرَّاوِي صاحِبَ الكِتَابِ.

[612]

(فِي عَدَدٍ) أيْ: عَدَدِ إسنادِهِمَا (فَهْوَ) أيِ: الوِفَاقُ المذْكُورُ (الْمُسَاوَاةُ) أيْ: يُسَمَّى بِهَا، (وَإِنْ فَرْدًا) أيْ: رَاوِيًا واحِدًا (يَزِدْ) صاحِبُ الكِتَابِ: (مُصَافَحَاتٌ) أيْ: فهُوَ مصافحَاتٌ.

وحاصلُ المعْنَى: أنهُ إنْ زادَ أحدُ الستةِ -مثلًا- راويًا واحدًا على الرَّاوِي الذِي وقعَ لَهُ ذَلِكَ الحديثُ سُمِّيَ مصافحةً، بمعنى أنَّ الراوِيَ كأنَّهُ لقِيَ أحدَ الأئمةِ الستةِ وصافحَهُ بذلِكَ، (فَاْسْتَبِنْ) أيِ: اطْلُبْ بيانَه واتِّضَاحَهُ علَى الوجهِ الذي بَيَّنَّاه، ثم شَرَعَ يذكُرُ علوَّ الصفَةِ.

ص: 413

وهوَ القسمُ الرابعُ، فقالَ:

613 -

وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِينَا

عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سِوَى عِشْرِينَا

[613]

(وَقِدَمُ الْوَفَاةِ) أَيْ: رابعُهَا: قِدَمُ الوفاةِ، بكسْرِ القافِ، وفتحِ الدالِ، أيْ: تقدُّم موتِ الراوي عنْ شيخٍ على وفاةِ راوٍ آخرَ عنْ ذلك الشيخِ، (أَوْ خَمْسِينَا) أيْ: تقدُّمُ خمسينَ (عَامًا تَقَضَّتْ) أيِ: انصرمَتْ، أيْ: مضَتْ تلكَ الخمسُونَ منْ وقْتِ وفاةِ الشيخِ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ الذي تقدَّمَ كان بالنسبةِ لوفاةِ الراوي مع راوٍ آخَرَ، وأمَّا العلوُّ الذي يُستفادُ مِنْ مجرَّدِ وفاةِ الشيخِ لَا معَ الالتفاتِ لأَمْرٍ آخرَ: فقدِ اختلفُوا فيهِ، فقِيلَ: مُضِيُّ خمسينَ سنَةً مِنْ تاريخِ وفاةِ الشيخِ، وهذا قولُ الحافظِ ابنِ جوصاءَ، (أَوْ سِوَى) أيْ: إِلَّا (عِشْرِينَا) سنَةً، أيْ: مِنَ الخمسِينَ، يعْنِي: ثلاثِينَ سنَةً مِنْ وفاةِ الشيخِ، وهذا للحافظِ ابنِ منْدَهْ، قال: إذا مَرَّ على الإسنادِ ثلاثون سنَةً فهُوَ عالٍ.

ص: 414

ثُمَّ ذكَرَ ثانِي أقْسَامِ علُوِّ الصفةِ وهو خامِسُ الأقسامِ، فقالَ:

614 -

وَقِدَمُ السَّمَاعِ وَالنُّزُولُ

نَقِيضُهُ فَخَمْسَةً مَجْعُولُ

615 -

وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ

[لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنًى يَقْتَصِرْ]

[614]

(وَقِدَمُ السَّمَاعِ) أيْ: وخامِسُهَا علوُّ قدمِ السماعِ لأحَدِ رواتِهِ بالنسبةِ لراوٍ آخَرَ اشترَكَ معهُ في السماعِ عنْ شيخِهِ، بأنْ يكونَ سماعُ أحدهِمَا مِنْ ستِّينَ مثلًا والآخرِ مِنْ أربعِينَ، ويتسَاوَى العددُ إليْهِمَا، فالأوَّلُ أعلَى، سواءً تقدَّمَتْ وفاتُهُ على الآخَرِ أمْ لَا.

(وَالنُّزُولُ نَقِيضُهُ) أيْ: ضِدُّهُ (فَخَمْسَةً مَجْعُولُ) أيْ: جُعِلَ خمسةَ أقسامٍ مِثلَهُ، فتفْصِيلُهَا يُدْرَكُ مِنْ تفصيلِ أقسامِ العلوِّ المتقدِّمِ.

[615]

(وَإِنَّمَا يُذَمُّ) أيْ: إنَّمَا ذَمَّ العلماءُ النزولَ (مَا لَمْ يَنْجَبِرْ) أيْ: مُدَّةَ عدَمِ انجبارِهِ بصفَةٍ مرجِّحَةٍ، (لَكِنَّهُ) أيْ: هذا النزولَ المُنْجَبِرَ (عُلُوُّ مَعْنًى) أيْ: مِنْ حيثُ المعْنَى (يَقْتَصِرْ) عليْهِ لا يتَعَدَّاهُ إلى الظَّاهِرِ.

ص: 415

616 -

وَلاِبْنِ حِبَّانَ: إِذَا دَارَ السَّنَدْ

مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ

617 -

فَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلامُ

وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ

[616]

(وَلاِبْنِ حِبَّانَ) البُسْتِيِّ صاحِبِ «الصحيح» (إِذَا دَارَ السَّنَدْ) أيْ: إِذَا كانَ سندُ الحديثِ دائرًا (مِنْ) بَيْنِ (عَالِمٍ يَنْزِلُ) سندُهُ لكثْرَةِ عدَدِهِ (أَوْ) بمعْنَى الواوِ (عَالٍ) أيْ: رجلٌ عالٍ سندُهُ؛ لِقِلَّةِ عدَدِهِ (فَقَدْ) بمعْنى عَدِمَ.

[617]

(فَإِنْ تَرَى) أيُّهَا المحدثُ، أيْ: تنْظُرُ (لِلْمَتْنِ) أيْ: إلى مَتْنِ الحديثِ (فَالأَعْلامُ) أيْ: أوْلَى، أيِ: الفقهاءُ الذينَ هُمْ كالأعلامِ أَوْلَى من العوامِّ الَّذِينَ هُمْ أعْلَى سندًا، (وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ) أيْ: تنظرُ أيُّهَا المُحَدِّثُ إلى سنَدِ ذَلِكَ المَتْنِ، (فَالْعَوَامُ) أيْ: أوْلَى.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ ابنَ حِبَّانَ له تفصيلٌ حسنٌ، وهو أنَّ النَّظَرَ إن كان للسَّنَدِ فالشيوخُ أوْلَى، وإن كان للمَتْنِ فالفقهاءُ أوْلَى.

ص: 416

‌المُسَلسَل

وهُوَ النوعُ الرابعُ والأربعُونَ مِنْ أنْوَاعِ علومِ الحديثِ:

618 -

هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ

قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ

619 -

قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا

لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا

[618]

(هُوَ) أيِ: المسلسلُ (الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ قَدْ تَابَعُوا) أيْ: توارَدُوا واحدًا بَعْدَ واحدٍ (فِي صِفَةٍ) أيْ: على صِفَةٍ واحِدَةٍ (أَوْ) على (حَالَهْ) واحِدَةٍ.

[619]

(قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ) أيْ: أوْ صِفَةٍ فعليةٍ (كِلَيْهِمَا) أيْ: أوْ كليْهِمَا، أيِ: القوليَّةِ والفعليةِ معًا (لَهُمْ) أيْ: حالَ كوْنِ الوصْفِ والحالةِ لرِجالِ الإسنادِ (أَوِ الإِسْنَادِ) أيْ: روايَةِ الحديثِ، فالإسنادُ هنَا بمعْنَى رفعِ القولِ إلى قائلِهِ، بخلافِهِ فيمَا تقدَّمَ، فإنَّهُ بمعْنَى الرِّجَالِ (فِيمَا قُسِّمَا) أيْ: هذَا حصَلَ في تقسيمِ المحدِّثِينَ لأنواعِ المسلسلِ.

ص: 417

620 -

[وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوَصْفِ، وَمِنْ

مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ]

621 -

وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ

مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ

622 -

كَأَوَّلِيَّةٍ [لِسُفْيَاَن انْتَهَى

وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا]

[620]

(وَخَيْرُهُ الدَّالُّ) أيْ: أفضَلُ أنواعِ المسلسلِ هوَ الَّذِي يَدُلُّ (عَلَى الْوَصْفِ) أيْ: وصفِ الاتصالِ (وَمِنْ مُفَادِهِ) أيْ: مِنْ فائدةِ المسلسلِ: (زِيَادَةُ الضَّبْطِ) أيِ: اشتِمَالُهُ علَى زيادَةِ ضبطِ الراوِي (زُكِنْ) عُلِمَ.

[621]

(وَقَلَّمَا يَسْلَمُ) أَيِ: المُسَلْسَلُ (فِي) وصْفِ (التَّسَلْسُلِ) لا فِي أصْلِ المَتْنِ (مِنْ خَلَلٍ) أيْ: عَيْبٍ بضعفٍ، (وَرُبَّمَا) للتقليلِ (لَمْ يُوصَلِ) أيِ: التسلسلُ بأَنْ يقعَ فيهِ انقطاعٌ.

[622]

(كَأَوَّلِيَّةٍ) أيْ: كالحديثِ المسلسلِ بوصفِ الأوَّلِيَّةِ، وهُوَ قوْلُ كلِّ راوٍ مِنْ رواتِه: أولُ حديثٍ سمعتُهُ مِنْ شيخِي (لِسُفْيَاَن) بنِ عُيَيْنَةَ (انْتَهَى) أيِ: انقطَعَ تسلسُلُهُ.

ص: 418

وحاصلُ المعْنَى: أنَّ تسلسلَ هذَا الحديثِ بالأوليةِ مَا جاوزَ سفيانَ، بَلِ انقطعَ عنْدَهُ، فمن رواهُ مسلسلًا إلى آخرِهِ فقَدْ وَهِمَ، (وَخَيْرُهُ) أيْ: أفضلُ أنواعِ المسلسلاتِ على الإطلاقِ (مُسَلْسَلٌ) أيْ: حديثٌ مسلسلٌ (بِالْفُقَهَا) أيِ: الأئمَّةِ الحفاظِ؛ كحديثٍ رَوَاهُ أحمدُ، عنِ الشافعيِّ، عنْ مالكٍ.

ص: 419

‌غَريبُ ألفاظِ الحَدِيثِ

وهو النوعُ الخامسُ والأربعُونَ مِنْ أنْواعِ علومِ الحدِيثِ:

623 -

أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ مَعْمَرُ

وَالنَّضْرُ، قَوْلانِ، وَقَوْمٌ أَثَرُوا

624 -

[وَاْبْنُ الأَثِيرِ الآنَ أَعْلَى، وَلَقَدْ

لَخَّصْتُهُ مَعَ زَوَائِدَ تُعَدّ]

[623]

(أَوَّلُ) أيْ: أسبقُ (مَنْ صَنَّفَ) أيْ: جمَعَ (فِيهِ) أيْ: تفسيرِ الغريبِ: (مَعْمَرُ) أبُو عُبَيْدَة معمرُ بنُ المُثَنَّى، (وَالنَّضْرُ) بْنُ شُمَيْلٍ.

والمَعْنَى: أنهُ اختُلِفَ في أوَّلِ منْ صنَّفَ في غريبِ ألفاظِ الحديثِ، هَلْ هوَ معْمَرُ بنُ المُثَنَّى، أوِ النضرُ بنُ شُمَيْلٍ؟

(قَوْلانِ) أيْ: هذانِ قولانِ للعُلَمَاءِ، (وَقَوْمٌ) مِنَ العلماءِ ممَّنْ جاءَ بعدَهُمَا (أَثَرُوا) أيْ: نقلُوا عَنْ هذَيْنِ الإمامَيْنِ.

[624]

(وَاْبْنُ الأَثِيرِ) أيْ: كتابُهُ المُسَمَّى بـ «النهايةِ في غريبِ الحديثِ والأثرِ» (الآنَ) أيْ: في الوَقْتِ الحاضِرِ (أَعْلَى) أيْ: أفْضَلُ مِنْ غيْرِهِ (وَلَقَدْ لَخَّصْتُهُ) أيِ: اخْتَصَرْتُهُ (مَعَ زَوَائِدَ) مزيدةٍ عليْهِ (تُعَدّ) أيْ: معدودةٌ، وسَمَّى كتابَهُ الملخَّصَ:«الدُّرُّ النَّثير» .

ص: 420

625 -

فَاعْنَ بِهِ، وَلا تَخُضْ بِالظَّنِّ

وَلا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ

626 -

وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ [اوْ

عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا]

[625]

(فَاْعْنَ بِهِ) أيِ: اجْتَهِدْ أيُّهَا الطالبُ في معْرِفَةِ غريبِ الحدِيثِ، (وَلا تَخُضْ) أيْ: لا تدخلْ فيهِ (بِالظَّنِّ) أيْ: متلَبِّسًا بِهِ، (وَلا تُقَلِّدْ) أيْ: لا تَتَّبِعْ في معْرِفَتِهِ أحَدًا (غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ) الماهرِينَ به إنْ وجدتَهُمْ، وإلا فكتبُهُمْ.

[626]

(وَخَيْرُهُ) أيْ: أحْسَنُ ما فسِّرَ به الغريبُ (مَا) أيِ: التفسيرُ الَّذِي (جَاءَ) أيْ: ورَدَ مبيَّنًا (مِنْ طَرِيقٍ) أُخْرى (اوْ) جاءَ (عَنِ الصَّحَابِيِّ) راوِي ذلك الحديثِ (أو) عَنْ (رَاوٍ) آخرَ غيْرِ الصحابيِّ (قَدْ حَكَوْا).

ص: 421

‌المُصَحَّفُ، والمُحَرَّفُ

وهُمَا النوعُ السادسُ والأربعُونَ والسابِعُ والأربعُونَ:

ولِكَوْنِهِمَا تحويلَ الكلِمَةِ منَ الهيئَةِ المتعارفَةِ إلى غيْرِهَا كانا فنًّا مهمًّا لا ينهضُ بأعبائِهِمَا إلَّا الحُفَّاظُ الحُذَّاقُ

627 -

وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ فِي التَّصْحِيفِ

وَالدَّارَقُطْنِيْ أَيَّمَا تَصْنِيفِ

[627]

(وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ) أيْ: ألَّفَ الإمامُ اللغويُّ الحجةُ أبو أحْمَدَ الحسنُ بنُ عبدِ اللهِ العسكريُّ (فِي) فنِّ (التَّصْحِيفِ) والتحريفِ (وَالدَّارَقُطْنِيْ) الإمامُ الحافظُ أبو الحسنِ عليُّ بنُ عُمَرَ (أَيَّمَا تَصْنِيفِ) أيْ: تصنيفًا كاملًا في بابِهِ.

ثمَّ بيّنَ معنى التصحيفِ والتحريفِ، فقَالَ:

628 -

فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ مُصَحَّفُ

أَوْ شَكْلُهُ لا أَحْرُفٌ مُحَرَّفُ

[628]

(فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ) بضَمٍّ ففتحٍ جمعُ نقْطَةٍ، خفَّفَهُ بتسكينِ القافِ للوَزْنِ، أيْ: أيُّ حَرفٍ غُيِّرَتْ نُقْطَةٌ مِنْ نُقَطِهِ (مُصَحَّفُ) أيْ: فهُوَ مصحَّفٌ

ص: 422

(أَوْ شَكْلُهُ) أيْ: أو غُيِّر شكْلُهُ، أيْ: حركاتُهُ (لا أَحْرُفٌ) أيْ: ليسَتِ الأحرفُ منهُ مغيَّرةً (مُحَرَّفُ) أيْ: فَهُوَ محرَّفُ.

629 -

فَقَدْ يَكُونُ سَنَدًا وَمَتْنَا

وَسَامِعًا وَظَاهِرًا وَمَعْنَى

[629]

(فَقَدْ يَكُونُ) أيِ: المذْكُورُ مِنَ التَّصْحِيفِ والتحْرِيفِ (سَنَدًا) أيْ: فيهِ (وَمَتْنَا) أيْ: فيهِ (وَ) يكونُ أيضًا (سَامِعًا) أيْ: خَطَأَ سَمْعِ سَامِعٍ (وَ) يكونُ أيضًا (ظَاهِرًا) يعني: لفظًا بدليلِ ما بَعْدَهُ، (وَ) يكونُ (مَعْنَى) أيْ: من جِهَةِ المعْنَى.

ثم ذكَرَ أمْثِلَةَ هذهِ الأقسامِ بالتَّرْتِيبِ، فقَالَ:

630 -

فَأَوَّلٌ: «مُرَاجِمٌ» صَحَّفَهُ

يَحْيَى «مُزَاحِمًا» فَمَا أَنْصَفَهُ

[630]

(فَأَوَّلٌ) وهو التَّصْحِيفُ في السَّنَدِ («مُرَاجِمٌ») بضمِّ الميمِ فراءٌ فجيمٌ والِدُ العَوَّام (صَحَّفَهُ) أيْ: مراجمًا هذا (يَحْيَى) بنُ معينٍ فجعَلَهُ: («مُزَاحِمًا») بالزَّاي المعْجَمَةِ، والحاءِ المُهْمَلَةِ (فَمَا أَنْصَفَهُ) أيْ: ما أعْطَاهُ حقَّهُ.

ص: 423

ثم ذكَرَ مِثَالَ الثاني بقَوْلِهِ:

631 -

وَبَعْدَهُ: «يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَا»

صَحَّفَهُ وَكِيعُ قَالَ: «الْحَطَبَا»

[631]

(وَبَعْدَهُ) أيْ: بعْدَ تصحيف السَّنَدِ («يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَا» صَحَّفَهُ وَكِيعُ) بنُ الجرَّاحِ (قَالَ: «الْحَطَبَا») أيْ: حالَ كونِهِ قائلًا فيهِ: «الحَطَبَ» بدلَ الخطبِ، وهُوَ حديثٌ رُوِيَ عنْ معاويةَ رضي الله عنه قالَ:«لعَنَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِينَ يشقِّقُونَ الخُطَبَ تَشْقِيقَ الشِّعْرِ» أيِ: الذين يتكلَّفُونَ تحْسِينَهَا.

ثم ذكَرَ مثالَ الثالثِ: فَقَالَ:

632 -

وَثَالِثٌ: كَـ «خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَهْ»

شُعْبَةُ قَالَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَهْ

[632]

(وَثَالِثٌ) أيْ: مِثالُ ثالثِ الأقْسَامِ، وهو التَّصْحِيفُ في السَّمْعِ (كَـ «خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَهْ» شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (قَالَ) فيهِ:(مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَهْ) بالتَّصْحِيفِ.

ثم ذَكَرَ مثالَ الرابعِ، فَقَالَ:

633 -

وَرَابِعٌ: مِثْلُ حَدِيثِ احْتَجَرَا

صَحَّفَهُ بِالمِيمِ بَعْضُ الْكُبَرَا

[633]

(وَرَابِعٌ) أيْ: ورابعُ الأقسامِ، وهُوَ التَّصْحِيفُ في اللَّفْظِ، (مِثْلُ

ص: 424

حَدِيثِ احْتَجَرَا) بألفِ الإطلاقِ حالَ كوْنِهِ (صَحَّفَهُ بِالمِيمِ) بدَلَ الرَّاءِ (بَعْضُ الْكُبَرَا) وهُوَ عبدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ المصْرِيُّ، وهُوَ:«أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ في المسْجِدِ» ، وإِنَّمَا هُوَ بالرَّاءِ:«احْتَجَرَ في المسجِدِ بِخُصٍّ وحَصِيرٍ حُجْرَةً يُصَلِّي فِيهَا» .

ثم ذَكَرَ مثالَ الخامسِ، فقَالَ:

634 -

وَخَامِسٌ مِثْلُ حَدِيثِ الْعَنَزَهْ

ظَنَّ الْقَبِيلَ عَالِمٌ مِنْ عَنَزَهْ

[634]

(وَخَامِسٌ) أيْ: وخامسُ الأقسامِ وهُوَ التصحيفُ في المَعْنَى وإعرابِهِ، (مِثْلُ حَدِيثِ الْعَنَزَهْ) في حديثِ:«أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى إلى العنَزَةِ» والعَنَزَةُ -بفتْحَتَيْنِ-: عصا أقْصَرُ من الرُّمحِ (ظَنَّ الْقَبِيلَ) أيْ: توهَّمَ أنَّ المرادَ بالعنَزَةِ في هذا الحديثِ: القبيلةُ المشهورةُ (عَالِمٌ) أيْ: عالمٌ جليلُ (مِنْ) قبيلةِ (عَنَزَهْ) وهو الحافظُ الحجَّةُ أبو موسى محمدُ بْنُ المُثَنَّى رحمه الله.

ص: 425

‌النَّاسِخُ، وَالمَنْسُوخُ مِنَ الحَدِيثِ

وهُوَ النَّوْعُ الثامِنُ والأربعُونَ مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ:

635 -

النَّسْخُ: [رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ] وَالصَّوَابْ

فِي الْحَدِّ رَفْعُ حُكْمِ شَرْعٍ بِخِطَابْ

636 -

فَاعْنَ بِهِ فَإِنَّهُ مُهِمُّ

[وَبَعْضُهُمْ أَتَاهُ فِيهِ الْوَهْمُ]

[635]

(النَّسْخُ: رَفْعٌ) أيْ: رَفْعٌ للحكمِ (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ (بَيَانٌ) أيْ: قيلَ: النسخُ بيانٌ لانتهاءِ أمَدِ الحُكْمِ، (وَالصَّوَابْ) أيِ: القولُ الحَقُّ (فِي الْحَدِّ) أيْ: فِي تعريفِ النسخِ: (رَفْعُ حُكْمِ شَرْعٍ بِخِطَابْ) أيْ: رَفْعُ الشارِعِ حكمًا منهُ متقَدِّمًا بحُكْمٍ منه متأخِّرٍ.

[636]

(فَاعْنَ) أيِ: اشتَغِلْ، واجتَهِدْ (بِهِ) أيْ: بمعْرِفَةِ الناسخِ والمنسوخِ مِنَ الحديثِ؛ (فَإِنَّهُ) أيْ: هذا النوعُ (مُهِمُّ وَبَعْضُهُمْ) أيْ: بعضُ مَنِ اعْتَنَى بالتصنيفِ في هذا النوعِ (أَتَاهُ فِيهِ الْوَهْمُ) أيْ: حصَلَ له الخطأُ؛ حيثُ أدْخَلَ فيه ما ليسَ منْهُ.

ص: 426

637 -

يُعْرَفُ بِالنَّصِّ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ

صَاحِبِهِ أَوْ عُرِفَ الْوَقْتُ، وَلَوْ

638 -

[صَحَّ حَدِيثٌ] وَعَلَى تَرْكِ الْعَمَلْ

أُجْمِعَ فَالْوَفْقُ عَلَى النَّاسِخِ دَلّ

[637]

(يُعْرَفُ) أيِ: النسخُ (بِالنَّصِّ) أيِ: التَّصْرِيحِ (مِنَ الشَّارِعِ) أيِ: النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ (أَوْ) قولِ (صَاحِبِهِ) بأنَّ هذَا منسوخٌ، وشَرَطَ أهلُ الأصولِ في هذَا أنْ يُخْبِرَ بتأخُّرِهِ، (أَوْ عُرِفَ الْوَقْتُ) أيْ: تاريخُ ورودِ الحَدِيثَيْنِ (وَلَوْ) أيْ:

[638]

(صَحَّ حَدِيثٌ) باستيفاءِ شروطِ الصِّحَّةِ (وَ) لكِنْ (عَلَى تَرْكِ الْعَمَلْ أُجْمِعَ) أي: أجْمَعَ العلمَاءُ عَلَى ترْكِ العملِ بذلِكَ الحديثِ، (فَالْوَفْقُ) أيِ: اتِّفَاقُهُمْ عليهِ (عَلَى النَّاسِخِ) متعلِّقٌ بـ (دَلّ) أيْ: أَرْشَدَ على أنَّ هذَا الحديثَ له ناسِخٌ، وإِنْ لمْ نقفْ عليْهِ.

ص: 427

‌مُختَلِفُ الحَدِيثِ

وهو النوعُ التاسعُ والأربعُون مِنْ أنواعِ علومِ الحديثِ

639 -

[أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُخْتَلِفِ

الشَّافِعِي، فَكُنْ بِذَا النَّوْعِ حَفِي

640 -

فَهْوَ مُهِمٌّ، وَجَمِيعُ الْفِرَقِ]

فِي الدِّينِ: تَضْطَرُّ لَهُ فَحَقِّقِ

[639]

(أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ) أيْ: جَمَعَ (فِي الْمُخْتَلِفِ) أيِ: النَّوْعِ المُسَمَّى بمختلِفِ الحدِيثِ: (الشَّافِعِي) محمدُ بنُ إدريسَ، (فَكُنْ) أيْ: إذا كان مختلِفُ الحديثِ مما يُعْتَنَى به، فكُنْ أيُّهَا المُحَدِّثُ (بِذَا النَّوْعِ) أيِ: مختلفِ الحديثِ (حَفِي) أيْ: مبالغًا في تحقيقِهِ.

[640]

(فَهْوَ مُهِمٌّ) أيْ: لأنَّهُ مهِمٌّ (وَجَمِيعُ الْفِرَقِ) أيْ: طوائفِ العلماءِ مِنَ المُحَدِّثِينَ، والمفسِّرِينَ، والفقهاءِ وغيْرِهِمْ (فِي الدِّينِ: تَضْطَرُّ لَهُ) أيْ: تحتاجُ إِلَى هذا الفنِّ، (فَحَقِّقِ) أيْ: إذا كانَ الأمرُ كذلك فيَنْبَغِي لك أنْ تُحَقِّقَ معرفتَهُ وتَغُوصَ في أسرارِهِ.

ص: 428

641 -

[وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهِ مَنْ كَمَلْ

فِقْهًا وَأَصْلًا وَحَدِيثًا وَاعْتَمَلْ]

642 -

وَهْوَ: حَدِيثٌ قَدْ أَبَاهُ آخَرُ

فَالْجَمْعُ إِنْ أَمْكَنَ لا يُنَافِرُ

[641]

(وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهِ) أيْ: للكلامِ على مختلفِ الحديثِ (مَنْ كَمَلْ فِقْهًا وَأَصْلًا وَحَدِيثًا) أيْ: منْ كانَ كاملًا في فنِّ الفِقْهِ، وأصولِ الدينِ، والحديثِ (وَاعْتَمَلْ) أيْ: بالَغَ في تحقيقِهَا.

[642]

(وَهْوَ) أيْ: مختلِفُ الحديثِ: (حَدِيثٌ قَدْ أَبَاهُ) أيْ: عارَضَهُ في الظاهِرِ حديثٌ (آخَرُ) مثلُهُ في القُوَّةِ، ثمَّ إنَّهُ ينقسِمُ إلى قسمَيْنِ: أحدُهُمَا: ما يُمْكِنُ فيهِ الجمعُ، أشارَ إليه بقَوْلِهِ:(فَالْجَمْعُ) أيِ: الجمْعُ بينَ مدْلُولَيِ الحديثَيْنِ المتعارضَيْنِ ظاهرًا (إِنْ أَمْكَنَ) بوجْهٍ صحيحٍ (لا يُنَافِرُ) أيْ: لا يُنَافي أحَدُ الحديثَيْنِ الآخَرَ.

ثم ذكر مثالًا لِمَا يُمْكِنُ فيه الجَمْعُ:

643 -

كَمَتْنِ «لا عَدْوَى» وَمَتْنِ «فِرَّا»

فَذَاكَ لِلطَّبْعِ، وَذَا لاِسْتِقْرَا

644 -

[وَقِيلَ: بَلْ سَدُّ ذَرِيعَةٍ، وَمَنْ

يَقُولُ مَخْصُوصٌ بِهَذَا: مَا وَهَنْ]

[643]

(كَمَتْنِ «لا عَدْوَى) ولا طيَرَةَ» فإِنَّهُ يدُلُّ على نفْيِ الإِعْداء

ص: 429

مطْلقًا، (وَمَتْنِ «فِرَّا») بألِفِ الإطلاقِ، وهُوَ حديثُ:«فِرَّ من المجذومِ فرارَكَ مِنَ الأسَدِ» فإنَّهُ يدُلُّ على إثباتِ الإِعداءِ، وكلاهُمَا في «الصحيح» ، (فَـ) قَالَ بعضُهُمْ:(ذَاكَ) أيِ: الحديثُ الأوَّلُ (لِلطَّبْعِ) أيْ: نافٍ لهُ، يعْنِي: أنَّ الأمْرَاضَ لا تُعِدي بطَبْعِهَا، (وَذَا) أيِ: الحديثُ الثانِي (لاِسْتِقْرَا) أيْ: كائِنٌ لأجْلِ التَّتَبُّعِ، أيْ: أنَّ التَّتَبُّعَ لِمَا أجْرَاهُ اللهُ مِنَ العادَةِ جعَلَ مخالطَةَ المريضِ بالصحيحِ سببًا لإِعْدائه مَرَضَهُ.

[644]

(وَقِيلَ: بَلْ سَدُّ ذَرِيعَةٍ) أيِ: الأمرُ بالفِرَارِ من بابِ سدِّ الذرائعِ، (وَمَنْ يَقُولُ) في الجمعِ بيْنَهُمَا (مَخْصُوصٌ) أيِ: العَدْوَى مخصوصٌ (بِهَذَا) أيِ: الجذامِ (مَا) نافيةٌ (وَهَنْ) ضَعُف، أيْ: ما ضعُفَ قوْلُهُ.

والقسمُ الثانِي: ما لا يُمْكِنُ الجمعُ فيهِ، وأشارَ إليْهِ بقوْلِهِ:

645 -

أَوْ لا فَإِذْ يُعْلَمُ نَاسِخٌ قُفِي

أَوْ لا فَرَجِّحْ [وَإِذَا يَخْفَى قِفِ

[645]

(أَوْ لا) يُمْكِنُ الجمعُ بين مدلولَيْهِمَا بوجْهٍ مِنَ الوجوهِ، فلا يَخْلُو مِنْ ثلاثةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: (فَإِذْ) بمعْنى إِذَا (يُعْلَمُ نَاسِخٌ قُفِي) أيْ: تُبِعَ ذلك الناسخُ فينسخُ الآخَرَ، الثانِي:(أَوْ لا) يُعْلَمُ ناسخُهُ، ولكنْ فيهِ مرجِّحٌ مِنَ المُرَجِّحَاتِ، (فَرَجِّحْ) أيُّهَا المُحَدِّثُ، أيِ: اسْلُكْ مسْلَكَ الترجِيحِ بصفاتِ الرُّوَاةِ، وكثْرَتِهِمْ، والمُرَجِّحَاتُ أكثَرُ من مائة، الثالثُ:(وَإِذَا يَخْفَى) وجهُ الترجيحِ (قِفِ) أيْ: أمْسِكْ عنِ العملِ بأحدِ الحديثَيْنِ حتى يتبينَ لك أمْرُهُ.

ص: 430

646 -

وَغَيْرُ مَا عُورِضَ فَهْوَ الْمُحْكَمُ

تَرْجَمَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ الْحَاكِمُ

647 -

وَمِنْهُ ذُو تَشَابُهٍ لَمْ يُعْلَمِ

تَأْوِيلُهُ، فَلا تَكَلَّمْ تَسْلَمِ

648 -

مِثْلُ حَدِيثِ «إِنَّهُ يُغَانُ»

كَذَا حَدِيثُ «أُنْزِلَ الْقُرآنُ» ]

[646]

(وَغَيْرُ مَا عُورِضَ) أيِ: الحديثُ الذي خَلا عن مُعَارِضٍ (فَهْوَ الْمُحْكَمُ) وهو ما اتَّضَحَ المُرَادُ مِنْهُ (تَرْجَمَ) أيْ: عَقَدَ بابًا لَهُ (فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ) أيْ: في كتابِهِ المُسَمَّى: «معرفةُ علومِ الحديثِ» (الْحَاكِمُ) أبو عبدِ اللهِ.

[647]

(وَمِنْهُ ذُو تَشَابُهٍ) أيْ: بعضُ الحديثِ النبويِّ صاحبُ تشابُهٍ (لَمْ يُعْلَمِ تَأْوِيلُهُ) بأنْ لم يتبينِ المُرادُ مِنْهُ، (فَلا تَكَلَّمْ) أيْ: إذا كان الأمرُ كذلِكَ فلا تتَكَلَّمْ أيُّهَا المُحَدِّثُ في المتشابِهِ (تَسْلَمِ) أيْ: تكونُ سالِمًا مِنَ الذَّمِّ.

[648]

(مِثْلُ حَدِيثِ «إِنَّهُ يُغَانُ») ونَصُّهُ: «إنه ليُغَانُ على قلْبِي، وإني لأستَغْفِرُ اللهَ في اليومِ مِائة مَرَّةٍ» ، وقال بَعْضُهُمْ: أرَادَ ما يغْشَاهُ مِنَ السَّهْوِ

ص: 431

الَّذِي لا يَخْلُو منه البشرُ؛ لأنَّ قلبَهُ أبدًا كانَ مشغُولًا باللهِ تعَالَى، (كَذَا حَدِيثُ «أُنْزِلَ الْقُرآنُ») أيْ: مِنَ المتشابِهِ أيضًا: قولُهُ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»

(1)

؛ لأنَّ الحرفَ يَصدُق لغةً على حرفِ الهجَاءِ، وعَلَى المعنى، وعلى الجِهَةِ، وذُكِرَ في «الإتقان»

(2)

اختلافُ العلماءِ في معْنَى هذا الحديثِ على نحْوِ أربَعِينَ قَوْلًا.

(1)

أخرجه البخاري (2419)، ومسلم (818)، من مسند عمر رضي الله عنه.

(2)

الإتقان في علوم القرآن (1/ 131).

ص: 432

‌أَسبَابُ الحَدِيثِ

وهو النوعُ الخمْسُونَ مِنْ أنْواعِ علومِ الحَدِيثِ:

649 -

[أَوَّلُ مَنْ قَدْ أَلَّفَ الْجُوبَارِي

فَالْعُكْبَرِيْ فِي سَبَبِ الآثَارِ

650 -

وَهْوَ كَمَا فِي سَبَبِ الْقُرْآنِ:

مُبَيِّنٌ لِلْفِقْهِ وَالْمَعَانِي

[649]

(أَوَّلُ) أيْ: أقْدَمُ (مَنْ قَدْ أَلَّفَ) أيْ: جَمَعَ (الْجُوبَارِي) بضمِّ الجيم وفتحِ الباءِ نسبةً إلى موْضِعٍ، هو أبو حامِدِ بْنُ كزْناه الجُوبَارِيُّ، وكزْناه بإسكانِ الزَّاي، (فَالْعُكْبَرِيْ) أيْ: ثُمَّ بعْدَهُ أَلَّف أبو حفصٍ العُكْبَريُّ بضَمِّ العَيْنِ وسكونِ الكافِ وفتحِ الباءِ (فِي سَبَبِ الآثَارِ) أيْ: في سببِ وُرُودِ الأحاديثِ النَّبَوِيَّةِ.

[650]

(وَهْوَ) أيْ: سببُ الحديثِ، أيْ: معْرِفَتُهُ (كَمَا فِي سَبَبِ الْقُرْآنِ)، أيْ: حالَ كونِهِ مشابهًا لمعرفَةِ أسبابِ نزولِ القرآنِ (مُبَيِّنٌ) أيْ: مُوَضِّحٌ (لِلْفِقْهِ) أيْ: فهْمِ معانِي الحديثِ (وَالْمَعَانِي) فكَمَا أنَّ معْرِفَةَ سببِ نُزُولِ الآية يُوَضِّحُ معْنَاهَا، كذلك معرفَةُ سببِ الحديثِ يوضِّحُ معْنَاهُ.

ص: 433

651 -

مِثْلُ حَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ»

سَبَبُهُ فِيمَا رَوَوْا وَقَالُوا:

652 -

مُهَاجِرٌ لأُمِّ قَيْسٍ كَيْ نَكَحْ

مِنْ ثَمَّ ذِكْرُ امْرَأَةٍ فِيهِ صَلَحْ]

[651]

(مِثْلُ) أيْ: أعْنِي مِثْلَ (حَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ)

» الحديثُ، (سَبَبُهُ) أيْ: سببُ ورودِهِ (فِيمَا رَوَوْا) أيْ: حكَى العلماءُ المحدِّثُون (وَقَالُوا):

[652]

(مُهَاجِرٌ) أيْ: رجلٌ مهاجِرٌ مِنْ مكَّةَ إلى المدينةِ (لأُمِّ قَيْسٍ) أيْ: لأجْلِهَا (كَيْ) تعليليَّةٌ (نَكَحْ) أيْ: لِيَتَزَوَّجَهَا (مِنْ ثَمَّ) أيْ: مِنْ أجْلِ كَوْنِ ما ذُكِرَ سببُ ورُودِ حديثِ: «إنَّمَا الأعمالُ» (ذِكْرُ امْرَأَةٍ فِيهِ) أيْ: في الحديثِ المَذْكُورِ (صَلَحْ) أيْ: حَسُنَ.

ص: 434

‌مَعْرِفَةُ الصَّحَابةِ

وهو النوعُ الحادِي والخمسُونَ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

653 -

ثُمَّ الصَّحَابِي مُسْلِمًا لَاقِي الرَّسُولْ

وَإِنْ بِلَا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ

[653]

(ثُمَّ الصَّحَابِي) بتخفيفِ الياءِ للوزْنِ، أيْ: تعريفُ الصحَابِيِّ (مُسْلِمًا لَاقِي الرَّسُولْ) يعْنِي: أنَّ الصحَابِيَّ: هُوَ مَنْ لَقِيَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْلِمًا، (وَإِنْ) كانتِ المُلاقَاةُ (بِلَا رِوَايَةٍ) أيْ: نَقْلِ حَدِيثٍ (عَنْهُ) صلى الله عليه وسلم (وَ) بِلا (طُولْ) زمَانٍ.

654 -

كَذَاكَ الاتْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ

[وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ وَمَعْ رِوَايَةِ]

655 -

وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ، وَقِيلَ: الْغَزْوِ أَوْ

عَامٍ، [وَقِيلَ: مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ

[654]

(كَذَاكَ الاتْبَاعُ) أيِ: التَّابِعُونَ (مَعَ الصَّحَابَةِ) مثلُ الصحابةِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلا الإيمانَ بِهِ، فإنَّهُ خاصٌّ بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فالتابعيُّ مَنْ لقِيَ الصحابِيَّ مطلقًا، (وَقِيلَ): الصحابِيُّ مَنْ لَقِيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مسلمًا (مَعْ) بسكونِ العينِ (طُولٍ) في الصحبةِ (وَمَعْ رِوَايَةِ) للحديثِ.

ص: 435

[655]

(وَقِيلَ) هو مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (مَعْ طُولٍ) أيْ: طولِ المُجَالَسَةِ لَهُ، (وَقِيلَ: الْغَزْوِ) أيْ: قال بعضُهُمْ: هو مَنْ لاقاهُ صلى الله عليه وسلم، وأقامَ معَهُ حتى غزَا غزوَةً فأكْثَرَ، (أَوْ عَامٍ) أيْ: أنَّهُ لاقاهُ وجالَسَهُ سنَةً فأكْثَرَ، (وَقِيلَ): الصَّحَابِيُّ (مُدْرِكُ الْعَصْرِ) أيْ: مَنْ أدْرَكَ زمَنَهُ صلى الله عليه وسلم (وَلَوْ) لم يَلْقَ، ولم يَرَهُ صلى الله عليه وسلم.

656 -

وَشَرْطُهُ الْمَوْتُ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ

تَخَلَّلَ الرِّدَّةُ. وَالْجِنُّ رَأَوْا

657 -

دُخُولَهُمْ دُونَ مَلائِكٍ. وَمَا

نَشْرِطْ بُلُوغًا فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا]

[656]

(وَشَرْطُهُ الْمَوْتُ عَلَى الدِّينِ) أيْ: شرطُ الصحابِيِّ في دوامِ اسمِ الصُّحْبَةِ له موتُهُ على الإسلامِ (وَلَوْ تَخَلَّلَ الرِّدَّةُ) أيْ: وإِنْ فَصَلَتِ الردّةُ بين لُقِيِّه صلى الله عليه وسلم وبين موْتِهِ مؤْمِنًا، فإنَّ اسْمَ الصحبةِ باقٍ له في الأصَحِّ، (وَالْجِنُّ) الذين لاقوه صلى الله عليه وسلم مؤمنِينَ به (رَأَوْا) أيْ:

[657]

(دُخُولَهُمْ) والمقصودُ: ذهبَ العلماءُ إلى دخولهِمْ في جمْلَةِ الصحابةِ (دُونَ مَلائِكٍ) أيْ: دُونَ الملائكةِ الَّذِينَ رأوْهُ صلى الله عليه وسلم، وكذا الأنبياءُ؛ لأَنَّ الرُّؤْيَةَ المعتبرَةَ هِيَ الَّتِي في عالَمِ الشَّهَادَةِ (وَمَا) نافيةٌ (نَشْرِطْ) وجُزِمَ للضَّرُورَةِ (بُلُوغًا فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا) أيْ: لا نشْرِطُ بالبلوغِ في المسألَتَيْنِ؛ مسألةِ الصحابيِّ، ومسألةِ التابعيِّ، يعْنِي: أن الأصَحَّ لا يُشْتَرَطُ كونُ الصَّحَابِيِّ بالغًا عند اللقاءِ.

ص: 436

658 -

وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ بِالتَّوَاتُرِ

وَشُهْرَةٍ وَقَوْلِ صَحْبٍ آخَرِ

659 -

[أَوْ تَابِعِيٍّ، وَالأَصَحُّ]: يُقْبَلُ

إِذَا ادَّعَى [مُعَاصِرٌ] مُعَدَّلُ

[658]

(وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ) أيْ: يُعلَم كونُ الشخصِ صحابيًّا بواحدٍ مِنْ هَذِهِ الأمورِ الآتية: إِمَّا (بِالتَّوَاتُرِ) كالخلفاءِ الأرْبَعَةِ (وَ) إِمَّا بـ (شُهْرَةٍ) أيِ: اسْتِفَاضَةٍ قاصِرَةٍ عنِ التَّوَاتُرِ (وَ) إِمَّا بـ (قَوْلِ صَحْبٍ آخَرِ) بصُحْبَتِهِ.

[659]

(أَوْ) إما بقَوْلِ (تَابِعِيٍّ) بذلِكَ، أيْ: بإخبارِ تابعِيٍّ واحدٍ بأنَّهُ صحابِيٌّ، (وَالأَصَحُّ: يُقْبَلُ) أيِ: الأرْجَحُ مِنَ الأقْوَالِ: أن يُقْبَلَ (إِذَا ادَّعَى) الصُّحْبَةَ (مُعَاصِرٌ) للنبيِّ صلى الله عليه وسلم (مُعَدَّلُ) أيْ: منسوبٌ إلى العدالةِ.

660 -

وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ

[النَّوَوِيْ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ]

[660]

(وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ) أيْ: أنَّ كُلَّ الصحابةِ عدولٌ (لا يَشْتَبِهْ) علَى مَنْ لَهُ بصيرةٌ أنَّ كلَّ الصحابةِ رضي الله عنهم عدولٌ مطلقًا (النَّوَوِيْ) أيْ: قائِلٌ: (أَجْمَعَ) على عدالةِ الصحابَةِ رضي الله عنهم (مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ) أيْ: يُعْتَبَرُ بإجْمَاعِهِ.

ص: 437

661 -

وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ:

أَبُو هُرَيْرَةَ [يَلِيهِ] ابْنُ عُمَرْ

662 -

وَأَنَسٌ وَالْبَحْرُ [كَالْخُدْرِيِّ]

وَجَابِرٌ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ

[661]

(وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ) النبويِّ: (أَبُو هُرَيْرَةَ) الدَّوْسِيِّ رضي الله عنه، رَوى خمسةَ آلافٍ وثلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةً وسبْعِينَ حديثًا، (يَلِيهِ) أيْ: يَلِي أبَا هُرَيْرَةَ في الإِكْثَارِ: عبدُ اللهِ (ابْنُ عُمَرْ) رضي الله عنهما روى ألْفَيْنِ وسِتَّمِائَةٍ وثلاثِينَ حديثًا.

[662]

(وَ) يلِي ابنَ عُمَرَ (أَنَسٌ) بنُ مالِكٍ خادمُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، رَوَى ألفَيْنِ ومِائَتَيْنِ وسِتَّةً وثمانِينَ حديثًا (وَ) يلي أنسًا:(الْبَحْرُ) عبدُ الله بنُ عبَّاسِ رضي الله عنهما، رَوَى ألفَا وسِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وتِسْعِينَ حديثًا (كَالْخُدْرِيِّ) أيْ: كَمَا يَلِي الخدريُّ البَحْرَ، وهُوَ أبُو سعِيدٍ، سَعْدُ بن مالِكٍ الأنصارِيُّ رضي الله عنهما، رَوَى ألفًا ومِائةً وسبْعِينَ حديثًا، (وَجَابِرٌ) بنُ عبْدِ اللهِ روى ألفًا وخمسَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ حديثًا، (وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ) أمُّ المؤمنِينَ عائِشَةُ رضي الله عنها، فَإِنَّهَا رَوَتْ ألْفَيْنِ ومِائتَيْنِ وعشرَةَ أحادِيثَ.

ص: 438

663 -

وَالْبَحْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوِي [وَعُمَرْ

وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ

664 -

ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلِي

وَبَعْدَهُمْ عِشْرُونَ لا تُقَلِّلِ

[663]

(وَالْبَحْرُ) عبد اللهُ بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما (أَوْفَاهُمْ) أيْ: أتمُّهُمْ (فَتَاوِي) بكسْرِ الواوِ (وَعُمَرْ) بنُ الخَطَّابِ (وَنَجْلُهُ) -بفتْحٍ فسكونٍ- أيِ: ابْنُهُ عبْدُ اللهِ (وَ) عائِشَةُ (زَوْجَةُ) النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (الْهَادِي) الخَلقَ إِلَى الحقِّ (الأَبَرّ) أيِ: الأصدَقِ.

[664]

(ثُمَّ) بمعْنَى الوَاوِ عبدُ اللهِ (ابْنُ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه، (وَزَيْدٌ) بنُ ثابِتٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه، (وَعَلِي) بنُ أبِي طالِبٍ رضي الله عنه. (وَبَعْدَهُمْ) أيْ: بعْدَ هؤلاءِ السبعةِ في كثْرَةِ الفَتْوَى: (عِشْرُونَ) صحابيًّا (لا) ناهِيَةٌ (تُقَلِّلِ) أيُّهَا المحدِّثُ عِدَّتهُمْ عن عِشْرِينَ؛ أيْ: لا تَنْقُصْهَا، أو لا تَعُدُّ فتاواهُمْ قلِيلَةً؛ فإنَّها كثيرةٌ بالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمْ.

وَهُمْ أبُو بَكْرٍ، وعُثْمَانُ، وأبو موسى، ومعاذٌ، وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وأبو هريرةَ، وأنسٌ، وعبدُ الله بنُ عمرٍو، وسلمانُ، وجابرٌ، وأبو سعيدٍ، وطلحةُ، والزبيرُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وعمرانُ بنُ حصينٍ، وأبو بكرَةَ، وعبادةُ بنُ الصامتِ، ومعاويةُ، وابنُ الزبيرِ، وأمُّ سلمةَ رضي الله عنهم.

ص: 439

665 -

وَبَعْدَهُمْ مَنْ قَلَّ فِيهَا جِدَّا

عِشْرُونَ بَعْدَ مِائَةٍ قَدْ عُدَّا

666 -

وَكَانَ يُفْتِي الْخُلَفَا ابْنُ عَوْفٍ ايْ

عَهْدَ النَّبِيْ زَيْدٌ مُعَاذٌ وَأُبَيْ

[665]

(وَبَعْدَهُمْ) أيْ: بعْدَ هؤلاءِ العِشْرِينَ (مَنْ قَلَّ فِيهَا) أيْ: في الفتاوى (جِدَّا) بالكَسْرِ (عِشْرُونَ) أيْ: هُمْ عِشْرُونَ صَحَابِيًّا (بَعْدَ مِائَةٍ) يعْنِي: أنَّهُمْ مِائَةٌ وعشرُون صحابيًّا؛ كأُبَيِّ بنِ كعْبٍ، وأبي الدَّرْدَاءِ، وأبِي طَلْحَةَ (قَدْ عُدَّا) أيْ: ذُكِرَ عددُهُمْ عندَ العُلَمَاءِ.

[666]

(وَكَانَ يُفْتِي) الناسَ (الْخُلَفَا) الأربعةُ، (ابْنُ عَوْفٍ) أيْ: وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ (ايْ) تفسيريةٌ (عَهْدَ) أيْ: في زَمَنِ (النَّبِي) صلى الله عليه وسلم (زَيْدٌ) بنُ ثابِتٍ الأنصارِيُّ (مُعَاذٌ) هُوَ ابنُ جبَلٍ الأنصارِيُّ (وَأُبَيْ) بتخفيفِ الياءِ للوَزْنِ، هو ابنُ كعبٍ.

667 -

وَجَمَعَ الْقُرْآنَ مِنْهُمْ عِدَّهْ

فَوْقَ الثَّلاثِينَ فَبَعْضٌ عَدَّهْ

[667]

(وَجَمَعَ الْقُرْآنَ) أيْ: كلَّهُ حِفْظًا (مِنْهُمْ) أيِ: الصَّحَابَةِ (عِدَّهْ) أيْ: جماعةٌ (فَوْقَ الثَّلاثِينَ) أيْ: بالِغةٌ فوقَ الثلاثِينَ صحابيًّا، (فَبَعْضٌ عَدَّهْ) أيْ: بعضُ العلماءِ عَدَّ العددَ المذكورَ، فمنْهُمُ الخلفاءُ الأربعةُ، وغيْرُهُمْ.

ص: 440

668 -

وَشُعَرَاءُ الْمُصْطَفَى ذَوُو الشَّانْ

ابْنُ رَوَاحَةَ وَكَعْبٌ حَسَّانْ]

[668]

(وَشُعَرَاءُ الْمُصْطَفَى) صلى الله عليه وسلم (ذَوُو الشَّانْ) أيْ: أصحابُ الحالِ المَرْضِيَّةِ: (ابْنُ رَوَاحَةَ) عبدُ اللهِ بنُ رواحَةَ الأنصاريُّ، (وَكَعْبٌ) بنُ مالكٍ الأنصاريُّ، أحَدُ الثلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ علَيْهِمْ، و (حَسَّانْ) بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ.

669 -

وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو

وابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي

670 -

دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَهُمْ «عَبَادِلَهْ»

[وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ]

[669]

(وَالْبَحْرُ) عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ (وَابْنَا عُمَرٍ) بالصَّرْفِ للضرورةِ (وَعَمْرِو) أيْ: عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطابِ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرِو بْنِ العاصِ، (وابْنُ الزُّبَيْرِ) أيْ: عبدُ اللهِ (فِي اشْتِهَار) أيْ: في وُضُوحٍ (يَجْرِي) بينَ العُلَمَاءِ.

[670]

(دُونَ) عبدِ اللهِ (ابْنِ مَسْعُودٍ) الهُذَلِيِّ (لَهُمْ) أيْ: حالَ كوْنِهِمْ دُونَ عبدِ اللهِ بنِ مسعُودٍ؛ فإنَّهُ ليْسَ مِنَ العبادِلَةِ («عَبَادِلَهْ») أيْ: يجْرِي هذا اللَّقَبُ لهُمْ دونَ ابنِ مسعُودٍ (وَغَلَّطُوا) أيْ: نَسَبَ العلماءُ إلى الغَلَطِ (مَنْ غَيْرَ هَذَا) القولِ (مَالَ لَهْ) أيِ: اعتمَدَهُ.

ص: 441

671 -

وَالْعَدُّ لا يَحْصُرُهُمْ، تُوُفِّي

عَمَّا يَزِيدُ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ

672 -

[وَأَوَّلُ الْجَامِعِ لِلصَّحَابَةِ

هُوَ الْبُخَارِيُّ وَفِي الإِصَابَةِ

673 -

أَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ وَتَحْرِيرٍ، وَقَدْ

لَخَّصْتُهُ مُجَلَّدًا فَلْيُسْتَفَدْ]

[671]

(وَالْعَدُّ لا يَحْصُرُهُمْ) أيْ: لا يَضْبِطُ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم عددٌ مُعَيَّنٌ؛ لكثرتِهِمْ جِدًّا (تُوُفِّي) أيِ: النبيُّ صلى الله عليه وسلم (عَمَّا) أيْ: عددٍ (يَزِيدُ) العددُ (عُشْرَ أَلْفِ أَلْفٍ) أيْ: مِائَة ألفٍ.

[672]

(وَأَوَّلُ الْجَامِعِ) أيْ: أقدمُ مَنْ جمَعَ في تصنيفِهِ (لِلصَّحَابَةِ) رضي الله عنهم (هُوَ) الإمام أبو عبْدِ اللهِ محمدُ بنُ إسْمَاعِيلَ (الْبُخَارِيُّ) صاحِبُ «الصحيحِ» (وَفِي الإِصَابَةِ) أيْ: في الكتابِ المُسَمَّى بـ «الإصابةِ في تمييزِ الصحابَةِ» لابنِ حَجَرٍ رحمه الله.

[673]

(أَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ) للصحابةِ (وَتَحْرِيرٍ) أيْ: تنقيحٍ لهُمْ وتهْذِيبٍ (وَقَدْ لَخَّصْتُهُ) أيِ: الكتابَ المذْكُورَ (مُجَلَّدًا) وسَمَّاهُ «عينُ الإِصَابَةِ» (فَلْيُسْتَفَدْ) أيْ: فينبَغِي الاستفادةُ منه لِقُرْبِ تناوُلِهِ.

ص: 442

674 -

وَهُمْ طِبَاقٌ، [قِيلَ: خَمْسٌ وَذُكِرْ]

عَشْرٌ مَعَ اثْنَيْنِ وَزَائِدٌ أُثِرْ:

[674]

(وَهُمْ) أيِ: الصحابَةُ (طِبَاقٌ) بالكسرِ، وهي جماعَةٌ متَّفِقَةٌ في شيءٍ واحِدٍ (قِيلَ: خَمْسٌ) أيْ: قالَ بعْضُهُمْ: هم خمسُ طبَقَاتٍ (وَذُكِرْ) أيْ: ذكَرَ بعضُهُمْ أنَّهَا (عَشْرٌ مَعَ اثْنَيْنِ) أيِ: اثْنَتَا عشرةَ طبَقَةً، وهذا ما ذكرَهُ الحاكِمُ رحمه الله (وَزَائِدٌ) على اثْنَيْ (أُثِرْ) أيْ: نُقِلَ عن بعضِهِمْ.

ثم رَجَّحَ الناظمُ رحمه الله قولَ الحاكِمِ رحمه الله فَقَالَ:

675 -

[فَالأَوَّلُونَ أَسْلَمُوا بِمَكَّةِ

يَلِيهِمُ أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ

676 -

ثُمَّ الْمُهَاجِرُونَ لِلْحَبَشَهْ

ثُمَّ اثْنَتَانِ انْسُبْ إِلَى الْعَقَبَهْ

[675]

(فَالأَوَّلُونَ) من الطبقاتِ قومٌ (أَسْلَمُوا بِمَكَّةِ) أيْ: تقدَّمَ إسلامُهُمْ في مكَّةَ؛ كالخلفاءِ الأرْبَعَةِ (يَلِيهِمُ)، أيْ: يتبَعُهُمْ (أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ) أيِ: الصحَابَةُ الذين أسلَمُوا قبْلَ تشاوُرِ قريْشٍ في دارِ النَّدْوَةِ للمَكْرِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم.

[676]

(ثُمَّ) تلي الطبقةَ الثالثةَ، وهُمُ (الْمُهَاجِرُونَ لِلْحَبَشَهْ) وهِيَ أوَّلُ مُهَاجَرَ في الإسلامِ (ثُمَّ اثْنَتَانِ) من الطبقاتِ (انْسُبْـ) هُمَا (إِلَى الْعَقَبَهْ).

ص: 443

والمعْنَى: أنَّ الطبقةَ الرابعةَ همْ أصحابُ العقبةِ الأُولى، والطبقةُ الخامسةُ همْ أصحابُ العقبةِ الثانيةِ.

677 -

فَأَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ لِقُبَا

فَأَهْلُ بَدْرٍ وَيَلِي مَنْ غَرَّبَا

678 -

مِنْ بَعْدِهَا فَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ثُمّْ

مَنْ بَعْدَ صُلْحٍ هَاجَرُوا وَبَعْدُ ضُمّْ

679 -

مُسْلِمَةَ الْفَتْحِ فَصِبْيَانٌ رَأَوْا]

وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ [إِجْمَاعًا حَكَوْا]

[677]

(فَأَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ لِقُبَا) أيْ: ثُمَّ الطبقةُ السادِسَةُ: أولُ المهاجِرِينَ (فَأَهْلُ بَدْرٍ) أيْ: ثُمَّ الطبقَةُ السابِعَةُ: أهْلُ غزوةِ بَدْرٍ، (وَيَلِي مَنْ غَرَّبَا) بتشدِيد الرَّاءِ؛ أيْ: اغْتَرَبَ عن وطَنِهِ مهاجرًا إلى المدينةِ.

[678]

(مِنْ بَعْدِهَا) أي: بعد غَزْوَةِ بدْر، وهذِهِ هي الثامِنَةُ، (فَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ) أيْ: ثُمَّ الطَّبَقَةُ التاسعةُ: أهلُ بيعةِ الرضوانِ، وهُمْ أهلُ الحديبيةِ، (ثُمّْ) تلي الطبقةُ العاشِرَةُ، وهُمْ (مَنْ بَعْدَ صُلْحٍ) أيْ: صلحِ الحُدَيْبِيَةِ (هَاجَرُوا) إلى المدينةِ النبويَّةِ (وَبَعْدُ ضُمّْ) أيْ: هؤلاءِ تَلِي الطبقَةُ الحاديةَ عَشَرَةَ.

[679]

(مُسْلِمَةَ الْفَتْحِ) أيِ: الصَّحَابَةَ الذين أسْلَمُوا يوْمَ فتْحِ مَكَّةَ، (فَصِبْيَانٌ رَأَوْا) أيْ: ثمَّ تَلِي الطبقةُ الثانِيَةَ عشرَةَ، وهمُ الصِّبْيَانُ الَّذِين رأوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يومَ الفَتْحِ وفي حجَّةِ الوَدَاعِ.

ص: 444

(وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ) أبو بكرٍ (إِجْمَاعًا) أيْ: حَالَ كوْنِ هذا الحُكْمِ مجمَعًا عليْهِ (حَكَوْا) أيْ: حَكَى العلمَاءُ هذَا الإجماعَ عن جميعِ أهْلِ السُّنَّةِ والجمَاعَةِ.

680 -

وَعُمَرٌ بَعْدُ وَعُثْمَانُ يَلِي

وَبَعْدَهُ أَوْ قَبْلُ قَوْلانِ: عَلِي

681 -

فَسَائِرُ الْعَشْرَةِ فَالْبَدْرِيَّهْ

فَأُحُدٌ فَالْبَيْعَةُ الزَّكِيَّهْ

[680]

(وَعُمَرٌ) بالصَّرْفِ للضرورةِ: ابنُ الخطَّابِ رضي الله عنه (بَعْدُ) أيْ: بعْدَ أبي بَكْرٍ في الأفْضَلِيَّةِ، (وَعُثْمَانُ) بنُ عفانَ رضي الله عنه (يَلِي) في الأفْضَلِيَّةِ (وَبَعْدَهُ) أيْ: بعْدَ عثمانَ فِيهِ، (أَوْ قَبْلُ) أيْ: قَبْلَ عثمانَ؛ (قَوْلانِ) أيْ: هذانِ الاحتمالانِ قولانِ لأهلِ العلمِ (عَلِي) ابنُ أبي طالِبٍ.

[681]

(فَسَائِرُ الْعَشْرَةِ) بسكونِ الشينِ (فَالْبَدْرِيَّهْ) أيْ: فتَلِي الطائفةُ المنسوبةُ إلى غزوةِ بَدْرٍ وهُمْ ثلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ (فَأُحُدٌ) أيْ: يَلِي أُحُدٌ، أَيْ: أهْلُهُ الذين شَهِدُوا وقعتَهُ، وكانوا ألفًا، فرَجَعَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ بثلاثِمِائَةٍ، وبَقِيَ مَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم سبعُمِائَةٍ استُشهِد منهُمْ كثيرٌ، (فَالْبَيْعَةُ الزَّكِيَّهْ) أيْ: يَلِي أهلُهَا الَّذِين بايعُوا بالحُدَيْبِيَةِ {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] الآية.

ص: 445

682 -

وَالسَّابِقُونَ لَهُمُ مَزِيَّهْ

فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ الْمَرْضِيَّهْ

683 -

وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ أَوْ هُمُ

بَدْرِيَّةٌ [أَوْ قَبْلَ فَتْحٍ أَسْلَمُوا]

[682]

(وَالسَّابِقُونَ) الأوَّلُونَ مِنَ المهاجرِين والأنصارِ (لَهُمُ مَزِيَّهْ) ثبَتَ فضلُهُمْ، وقدِ اختُلِفَ في المرادِ بهِمْ على أربَعَةِ أقْوَالٍ؛ (فَقِيلَ) كمَا قالَ الشَّعْبِيُّ: هُمْ (أَهْلُ الْبَيْعَةِ) في الحديبِيَةِ (الْمَرْضِيَّهْ) التي ثبَتَ لها الرِّضَا نصًّا.

[683]

(وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ) أيِ: الَّذِينَ صَلَّوْا إلى بيتِ المقدسِ والكعْبَةِ، (أَوْ هُمُ بَدْرِيَّةٌ) أيْ: قِيلَ: إنَّ السابقِينَ أهْلُ بدْرٍ (أَوْ قَبْلَ فَتْحٍ أَسْلَمُوا) أيْ: قِيلَ: هُمُ الَّذِين أسْلَمُوا قبلَ فتحِ مَكَّةَ.

684 -

وَاخْتَلَفُوا أَوَّلَهُمْ إِسْلامَا

[وَقَدْ رَأَوْا جَمْعَهُمُ انْتِظَامَا]

685 -

أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ [فِي الرِّجَالِ]

صِدِّيُقُهُمْ وَزَيْدُ [فِي الْمَوَالِي

[684]

(وَاخْتَلَفُوا) أيِ: السَّلَفُ مِنَ الصحابةِ والتابعِين (أَوَّلَهُمْ) أيْ: فِي أقْدَمِهِمْ (إِسْلامَا وَقَدْ رَأَوْا) أيِ: المُحَقِّقُونَ (جَمْعَهُمُ انْتِظَامَا) أيْ: لأجلِ أنْ تنتَظِمَ الأقوالُ مِنْ غيرِ منافاةٍ بيْنَهَا، وذلك الجمعُ أنْ يُقَالَ:

ص: 446

[685]

(أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ فِي) أيْ: مِنَ (الرِّجَالِ صِدِّيُقُهُمْ) أبو بَكْرٍ رضي الله عنه، (وَزَيْدُ) بمَنْعِ الصرفِ للضَّرُورَةِ هو ابنُ حَارِثَةَ (فِي الْمَوَالِي) أيْ: مِنْهُمْ.

686 -

وَفِي النِّسَا] خَدِيجَةٌ [وَذِي الصِّغَرْ]

عَلَيُّ [وَالرِّقِّ] بِلالٌ اشْتَهَرْ

687 -

[وَأَفْضَلُ الأَزْوَاجِ بِالتَّحْقِيقِ

خَدِيجَةٌ مَعَ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ

[686]

(وَفِي النِّسَا) بالقصْرِ للوَزْنِ، أي: مِنْهُنَّ (خَدِيجَةٌ) بالصَّرْفِ للضرورَةِ بنتُ خُوَيْلِدٍ زوجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (وَ) مِن (ذِي الصِّغَرْ) أيْ: أوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنْ ذِي الصِّغَرِ، أيِ: الصبيانِ: (عَلَيُّ) بمنْعِ الصرَّفِ للوزْنِ ابنُ أبي طالِبٍ، (وَالرِّقِّ) أيْ: أوَّلُ مَنْ آمَنَ مِنْ ذِي الرِّقِ، أيِ: العبوديةِ: (بِلالٌ) ابنُ رَبَاحٍ (اشْتَهَرْ).

[687]

(وَأَفْضَلُ الأَزْوَاجِ) أيْ: زوجاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (بِالتَّحْقِيقِ) أيْ: حالَ كونِ هَذَا الحكمِ ملتبسًا بالتحقيقِ: (خَدِيجَةٌ) بنتُ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها (مَعَ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ) أيْ: عائِشَةَ، يعْنِي أنَّهُمَا أفْضَلُ مِنْ غيرِهِما مِنْ أمهاتِ المؤمنِين رضي الله عنهن.

ص: 447

688 -

وَفِيهِمَا ثَالِثُهَا الْوَقْفُ وَفِي

عَائِشَةٍ وَابْنَتِهِ الْخُلْفُ قُفِي

689 -

يَلِيهِمَا حَفْصَةُ فَالْبَوَاقِي]

وَآخِرُ الصِّحَابِ بِاتِّفَاقِ

[688]

(وَفِيهِمَا) أيْ: (ثَالِثُهَا) أيِ: الأقْوَالِ: (الْوَقْفُ) أيْ: وتَوَقَّفَ بعضُهُم (وَفِي عَائِشَةٍ) بالصرْفِ للضرورةِ (وَابْنَتِهِ) صلى الله عليه وسلم فاطمةَ أمِّ الحسنِ والحُسَيْنِ (الْخُلْفُ) بالضمِّ، أيِ: الاختلافُ المذكورُ في خديجةَ وعائشةَ (قُفِي) أي: اتُّبِعَ.

[689]

(يَلِيهِمَا حَفْصَةُ فَالْبَوَاقِي) أيْ: ثمَّ يلِي البواقي مِنْ أزواجِه صلى الله عليه وسلم. (وَآخِرُ الصِّحَابِ) بالكسْرِ (بِاتِّفَاقِ) مِنَ العلماءِ:

690 -

مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ وَهْوَ آخِرُ

بِمَكَّةٍ، وَقِيلَ فِيهَا: جَابِرُ

[690]

(مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ) عامرُ بنُ واثِلَةَ (وَهْوَ) أيْ: أبو الفَضْلِ (آخِرُ) مَنْ تُوُفِّيَ (بِمَكَّةٍ) بالصَّرْفِ للضرورةِ (وَقِيلَ) آخِرُ مَنْ مَاتَ (فِيهَا) أيْ: مَكَّةَ (جَابِرُ) ابنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ رضي الله عنهما.

ص: 448

691 -

بِطَيْبَةَ السَّائِبُ أَوْ سَهْلٌ أَنَسْ

بِبَصْرَةٍ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى حُبِسْ

692 -

بِكُوفَةٍ [وَقِيلَ عَمْرٌو أَوْ أَبُو

جُحَيْفَةٍ] وَالشَّامُ فِيهَا صَوَّبُوا

693 -

الْبَاهِلِي أَوِ ابْنَ بُسْرٍ وَلَدَى

مِصْرَ ابْنُ جَزْءٍ وَابْنُ الَاكْوَعِ بَدَا

[691]

(بِطَيْبَةَ السَّائِبُ) أيْ: آخِرُ منْ ماتَ بالمدينةِ النبويةِ السائبُ بنُ يزيدَ مِنْ صغارِ الصحابةِ، (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ (سَهْلٌ) ابنُ سعدٍ الأنصاريُّ (أَنَسْ) بنُ مالكٍ الأنصاريُّ (بِبَصْرَةٍ) بالصَّرْف للضرورةِ (وَ) عبدُ اللهِ (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) علْقَمَةَ بْن خالِدِ بنِ الحارثِ الأسلَمِيِّ (حُبِسْ) أي: ماتَ.

[692]

(بِكُوفَةٍ) بالصرْفِ للضرورةِ، أيْ: فِيهَا (وَقِيلَ) آخرُ مَنْ ماتَ بها (عَمْرٌو) ابنُ حُرَيْثِ بنِ عمرِو بنِ عثمانَ المخْزُومِيُّ (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ (أَبُو جُحَيْفَةٍ) بالصَّرْفِ للوَزْنِ وهبُ بنُ عبدِ الله السُّوائي بِضَمِّ المهملة والمَدِّ، (وَالشَّامُ) البَلَدُ المعروفُ (فِيهَا صَوَّبُوا) أيْ: عَدَّ العلماءُ صوابًا كَونَ آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصحابة في الشامِ:

[693]

(الْبَاهِلِي) أبَا أُمَامَةَ صُدَيَّ بْنَ عَجْلَانَ (أَوِ) لتنويعِ الخلافِ

ص: 449

عبدَ اللهِ (ابْنَ بُسْرٍ) بضمِّ الموحَّدَةِ وسكونِ المهلةِ، (وَلَدَى مِصْرَ) أيْ: آخِرُ مَنْ مَاتَ في مصرَ عبدُ اللهِ بنُ الحارِثِ (ابْنُ جَزْءٍ) الزُّبَيْديُّ، (وَ) سَلَمَةُ (ابْنُ الَاكْوَعِ بَدَا) ماتَ بالبادِيَةِ.

694 -

[وَالْحَبْرُ بِالطَّائِفِ وَالْجَعْدِيُّ

بِأَصْبَهَانَ] وَقَضَى الْكِنْدِيُّ

695 -

الْعُرْسُ فِي جَزِيرَةٍ، بِبَرْقَةِ

رُوَيْفِعُ الْهِرْمَاسُ بِالْيَمَامَةِ

[694]

(وَالْحَبْرُ) بالفتْحِ والكسرِ، عبدُ الله بنُ عباسٍ رضي الله عنهما، (بِالطَّائِفِ) أيْ: ماتَ، (وَالْجَعْدِيُّ) وهُوَ النابِغَةُ الشاعِرُ المشهورُ اخْتُلِفَ في اسْمِهِ على عِدَّةِ أقْوَالٍ.

(بِأَصْبَهَانَ وَقَضَى) أي: ماتَ (الْكِنْدِيُّ).

[695]

(الْعُرْسُ) بضمٍّ فسُكُونٍ عُرْسُ بنُ عَمِيرة بِفَتْحٍ فكَسْرٍ، صحَابِيُّ (فِي جَزِيرَةٍ) أيْ: آخِرُ مَنْ ماتَ مِنَ الصحابةِ في الجزيرةِ: العُرْسُ بنُ عَمِيرةَ الكنْدِيُّ، والمرادُ بالجَزِيرَةِ: الَّتِي بينَ دجلةَ والفراتِ، (بِبَرْقَةِ) بفتحٍ فسكونٍ وبالصرْف للضرورةِ مِنْ بلاد المَغْرِبِ (رُوَيْفِعُ) ابنُ ثابتٍ الأنصاريُّ المَدَنِيُّ، (الْهِرْمَاسُ) بكَسْرٍ فسكونِ الراءِ المهملَةِ، ثم ميمٍ مفتوحةٍ، فسينٍ مهملةٍ، ابنُ زيادٍ الباهِلِيُّ، (بِالْيَمَامَةِ) أيْ: ماتَ بِهَا.

ص: 450

696 -

[وَقُبِضَ الْفَضْلُ بِسَمْرَقَنْدَا

وَفِي سِجِسْتَانَ الأَخِيرُ الْعَدَّا

697 -

النَّوَوِيْ: مَا عَرَفُوا مَنْ شَهِدَا

بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ إِلاَّ مَرْثِدَا

698 -

وَالْبَغَوِيُّ زَادَ: أَنَّ مَعْنَا

وَأَبَهُ وَجَدَّهُ بِالْمَعْنَى

[696]

(وَقُبِضَ) أيْ: تُوُفِّيَ (الْفَضْلُ) بنُ عبَّاسٍ (بِسَمْرَقَنْدَا) بفَتْحِ السينِ والميمِ وسكونِ الراءِ، والصحيحُ أنَّ الذِي ماتَ بِهَا أخُوهُ قُثَمُ بنُ العبَّاسِ، وأمَّا الفضلُ فقَدْ ماتَ بطاعونِ عَمَوَاسَ، (وَفِي سِجِسْتَانَ الأَخِيرُ) أيْ: آخِرُ الصحابَةِ مَوْتًا (الْعَدَّا) خُفِّفَ للوزْن ابنُ خالدِ بن هوذَةَ العامِرِيُّ.

[697]

(النَّوَوِيْ: مَا) نافيةٌ (عَرَفُوا) أيِ: العلماءُ (مَنْ) شخصًا (شَهِدَا) بألفِ الإطلاقِ، أيْ: حَضَرَ (بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ) أيْ: حالَ كونِهِ معَ أبِيهِ (إِلاَّ مَرْثِدَا) هو ابنُ أبِي مرثَدٍ الغَنَوِيُّ.

وحاصلُ المعْنَى: أنَّهُ لا يُعْرَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ شَهِد وقْعَةَ بَدْرٍ معَ أبِيهِ إِلَّا مرْثدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ رضي الله عنهما.

[698]

(وَالْبَغَوِيُّ) الحافظُ أبُو القاسِمِ (زَادَ) أيْ: عَلَى ما قالَهُ النوويُّ

ص: 451

(أَنَّ) بالفتْحِ والتَّشْدِيدِ (مَعْنَا) أيِ: ابْنَ يَزِيدَ بْنِ الأخْنَسِ السُّلَمِيَّ (وَأَبَهُ) بالنقصِ لُغَةٌ فِي الأسماءِ السِّتَّةِ، أيْ: يَزِيدَ (وَجَدَّهُ) الأخنسَ (بِالْمَعْنَى).

وحاصلُ المعْنَى: أن معْنًا وأباهُ يزيدَ وجَدَّهُ الأخنسَ شَهِدُوا بدرًا، ولا يُعلَمُ بهذهِ المَنْقَبَةِ غيرُهُمْ.

699 -

وَأَرْبَعٌ تَوَالَدُوا صَحَابَهْ:

حَارِثَةُ الْمَوْلَى أَبُو قُحَافَهْ

[699]

(وَأَرْبَعٌ تَوَالَدُوا) أيْ: تنَاسَلُوا (صَحَابَهْ) وَهُمْ: (حَارِثَةُ الْمَوْلَى) ابْنُ شرَاحِيلَ بنِ كعْبٍ وابْنُهُ زَيْدُ بنُ حارِثَةَ، وابْنُ ابنِهِ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ، وذَكَرُوا أنَّ أسامةَ وُلِدَ لَهُ في حياةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهؤلاءِ كُلُّهُمْ صحابِيُّونَ، وَ (أَبُو قُحَافَهْ) والدُ الصِّدِّيقِ، واسمُه عثمانُ، وبِنْتُهُ أسماءُ بنتُ أبِي بكرٍ، وابْنُهَا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ.

تنبيهٌ: يُوجَدُ هنا في نسخة المحقِّق ابْنِ شاكرٍ ثلاثةُ أبْيَاتٍ: الأوَّلُ قولُهُ:

700 -

وَمَا سِوَى الصِّدِّيقِ مِمَّنْ هَاجَرَا

مَنْ وَالِدَاهُ أَسْلَمَا قَدْ أُثِرَا

[700]

(وَمَا سِوَى الصِّدِّيقِ مِمَّنْ هَاجَرَا

مَنْ وَالِدَاهُ أَسْلَمَا قَدْ أُثِرَا) ومعناهُ: أنَّهُ لا يُوجَدُ في المهاجِرِينَ مَنْ أسلمَ والِدَاهُ غيرُ أَبِي بكْرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنه.

ص: 452

701 -

وَلَيْسَ فِي صَحَابَةٍ أَسَنُّ مِنْ

صِدَّيقِهِم مَعَ سُهَيْلٍ فَاسْتَبِنْ

[701]

(وَلَيْسَ فِي صَحَابَةٍ أَسَنُّ مِنْ

صِدَّيقِهِم مَعَ سُهَيْلٍ فَاسْتَبِنْ) ومعناهُ: أنَّهُ لا يوجدُ في الصحابَةِ أسَنُّ مِنْ أبي بَكْرٍ الصديقِ، وسهيلِ بنِ عمرِو بْنِ عبدِ شَمْسٍ القرشيِّ العامرِيِّ أسْلَمَ يومَ الفَتْحِ.

702 -

أَجْمَلُهُمْ دِحْيَةُ الْجَمِيلُ

جَاءَ عَلَى صُورَتِهِ جِبْرِيلُ]

[702]

(أَجْمَلُهُمْ دِحْيَةُ الْجَمِيلُ

جَاءَ عَلَى صُورَتِهِ جِبْرِيلُ) ومعناهُ: أنَّ أجْمَلَ الصحابَةِ هُوَ دِحْيَةُ بنُ خلِيفَةَ بنِ فرْوَةَ بنِ فضَالَةَ بنِ زيْدٍ الكلْبِيُّ صحابِيٌّ مشهورٌ، كانَ يُضْرَبُ به المثلُ في حُسْنِ الصُّورَةِ.

ص: 453

‌مَعرِفَةُ التَّابِعِينَ، وأَتبَاعِهِمْ

وهو النوعُ الثاني والخمسون من أنواعِ علومِ الحديثِ

703 -

وَمِنْ مُفَادِ عِلْمِ ذَا وَالأَوَّلِ

مَعْرِفَةُ الْمُرْسَلِ وَالْمُتَّصِلِ

[703]

(وَمِنْ مُفَادِ) بضمِّ الميمِ (عِلْمِ ذَا) أي: معرفةِ هذا البابِ (وَ) علمِ البابِ (الأَوَّلِ) أي: بابِ معرفةِ الصحابةِ (مَعْرِفَةُ الْمُرْسَلِ) منَ الحديثِ (وَالْمُتَّصِلِ) منه.

704 -

وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ

مَعْ، خَمْسَةٍ: أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ

705 -

وَذَاكَ «قَيْسٌ» مَا لَهُ نَظِيرُ

[وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ

[704]

(وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ مَعْ، خَمْسَةٍ) أي: خمْسَ عشْرةَ طبقةً (أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ) أي: مَن لقيَ ورَوَى عن العشَرةِ.

[705]

(وَذَاكَ) أي: صاحِبُ العشَرةِ («قَيْسٌ») هو ابنُ أبي حازمٍ (مَا)

ص: 454

نافيةٌ (لَهُ نَظِيرُ) أي: ليس له مشابِهٌ في هذه الفضيلةِ، (وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ) أبي عبدِ اللهِ (كَثِيرُ) أي: عَدَّ الحاكمُ زيادةً على قيسٍ ممَّن رَوى عنِ العشَرةِ كَثيرًا، والحقُّ أنَّ قيسًا لا ثانيَ له في هذا.

706 -

وَآخِرُ الطِّبَاقِ لاقِي أَنَسِ

وَسَائِبٍ كَذَا صُدَيٌّ، وَقِسِ]

707 -

وَخَيْرُهُمْ أُوَيْسُ أَمَّا الأَفْضَلُ

فَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَكَانَ الْعَمَلُ

[706]

(وَآخِرُ الطِّبَاقِ) من الطَّبَقاتِ الخمسَ عشْرةَ (لاقِي أَنَسِ) بنِ مالكٍ رضي الله عنه، (وَ) لاقِي (سَائِبٍ) بنِ يزيدَ (كَذَا صُدَيٌّ) بنِ عَجْلانَ الباهليِّ رضي الله عنه (وَقِسِ) أي: قِسْ على المَذكورِ المَتروكِ، كقَولِك: آخِرُ الطبقةِ من أهلِ الكوفةِ لاقِي عبدِ اللهِ بنِ أبي أوفَى

وهكذا.

[707]

(وَخَيْرُهُمْ) أيِ: التَّابعين (أُوَيْسُ) ابنُ عامرٍ القَرَنيُّ، بفتحِ القافِ والراءِ بعدها نونٌ، كما رواه مُسلِمٌ في «صحيحِه» ، و (أَمَّا الأَفْضَلُ) من حيثُ حفظُ الخبرِ والأثرِ (فَـ) سعيدُ (ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَكَانَ الْعَمَلُ) أي: عملُ الناسِ في أيَّام التَّابعين.

ص: 455

708 -

عَلَى كَلامِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ

هَذَا عُبَيْدِ اللهِ سَالِمْ عُرْوَةِ

709 -

خَارِجَةٍ وَابْنِ يَسَارٍ قَاسِمِ

أَوْ فَأَبُو سَلَمَةٍ عَنْ سَالِمِ

[708]

(عَلَى كَلامِ) أي: فَتَاوِي (الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ) من أهلِ المدينةِ (هَذَا) والإشارةُ إلى سعيدِ بنِ المسيَّبِ (عُبَيْدِ اللهِ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مَسعودٍ الهُذْلِيِّ (سَالِمْ) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ (عُرْوَةِ) ابنِ الزُّبيرِ.

[709]

(خَارِجَةٍ) هو ابنُ زيدِ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، (وَ) سُلَيمانَ (ابْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ، و (قَاسِمِ) بنِ مُحمَّدِ بنِ أبي بكرٍ التَّيميِّ، (أَوْ فَأَبُو سَلَمَةٍ) ابنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ (عَنْ سَالِمِ) أي: بَدَلَه.

710 -

وَبِنْتُ سِيرِينَ وَأُمُّ الدَّرْدَا

خَيْرُ النِّسَا مَعْرِفَةً وَزُهْدَا

[710]

(وَ) حفصةُ (بِنْتُ سِيرِينَ) أمُّ الهُذَيلِ البصريةُ، (وَأُمُّ الدَّرْدَا) ءِ هُجَيمةُ، وهي الصُّغرى، وأمَّا الكُبرى فصحابيةٌ، واسمُها خَيْرَةُ، (خَيْرُ النِّسَا مَعْرِفَةً) باللهِ وأحكامِه (وَزُهْدَا) أي: عنِ الدنيا.

ص: 456

711 -

وَمِنْهُمُ الْمُخَضْرَمُونَ: مُدْرِكُ

نُبُوَّةٍ وَمَا رَأَى مُشْتَرَكُ

[711]

(وَمِنْهُمُ) أي: منَ التَّابعين (الْمُخَضْرَمُونَ) وهم (مُدْرِكُ نُبُوَّةٍ) مع جاهليةٍ (وَ) الحالُ أنَّه (مَا) نافيةٌ (رَأَى) النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو (مُشْتَرَكُ) بين العَصرَينِ.

712 -

[يَلِيهِمُ الْمَوْلُودُ فِي حَيَاتِهِ

وَمَا رَأَوْهُ عُدَّ مِنْ رُوَاتِهِ]

[712]

(يَلِيهِمُ) أيِ: المُخَضْرَمين (الْمَوْلُودُ فِي حَيَاتِهِ) صلى الله عليه وسلم، (وَمَا) نافيةٌ (رَأَوْهُ) أيِ: اعتقَد العلماءُ هذا المولودَ (عُدَّ) أي: مَعدودًا (مِنْ رُوَاتِهِ) أي: النَّقَلةِ عنه صلى الله عليه وسلم.

وحاصِلُ معنى البيتِ: أنَّ مَن وُلد في حياةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من أولادِ الصحابةِ، وأحاديثُه مُرسَلةٌ.

713 -

وَمِنْهُمُ مَنْ عَدَّ فِي الأَتْبَاعِ

صَحَابَةً لِغَلَطٍ أَوْ داعِ

[713]

(وَمِنْهُمُ) أيِ: العلماءِ (مَنْ عَدَّ فِي الأَتْبَاعِ) أيِ: التَّابعين (صَحَابَةً) أي: جماعةً معروفةً بالصُّحبةِ (لِغَلَطٍ) منه، (أَوْ) عَدَّ صحابةً في التَّابعين لا لغَلَطٍ، بل لـ (داعِ) أي: لسببٍ اقتضَى ذلك؛ لكَونِه من صِغارِ الصحابةِ.

ص: 457

714 -

وَالْعَكْسُ وَهْمًا وَالتِّبَاعُ قَدْ يُعَدّ

فِي تَابِعِ الأَتْبَاعِ إِذْ حَمْلٌ وَرَدْ

715 -

[ومَعْمَرٌ أَوَّلُ مَنْ مِنْهُمْ قَضَى

وَخَلَفٌ آخِرُهُمْ مَوْتًا مَضَى]

[714]

(وَالْعَكْسُ) أي: أنَّه وَقَع عدُّ التَّابعين في الصحابةِ، (وَهْمًا) أي: غَلَطًا، (وَالتِّبَاعُ) بالكسرِ (قَدْ يُعَدّ فِي تَابِعِ الأَتْبَاعِ) أي: منهم (إِذْ حَمْلٌ) أي: نَقلٌ (وَرَدْ) أي أتى.

[715]

(و) أبو زيدٍ (مَعْمَرٌ) بنُ زيدٍ (أَوَّلُ) أي: أسبَقُ (مَنْ مِنْهُمْ) أيِ: التَّابعين (قَضَى) أي: مات سنةَ (30)، (وَخَلَفٌ) بنُ خليفةَ أبو أحمَدَ الكوفيُّ، (آخِرُهُمْ) أي: التَّابعين (مَوْتًا مَضَى) صفةُ «موتًا» ، وذلك لأنَّه مات سنةَ (180).

ص: 458

‌رِوَايَةُ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصَاغِرِ

والصَّحَابَةِ عَنِ التَّابِعِينَ

وهو النَّوعُ الثالثُ والخمسون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

716 -

وَقَدْ رَوَى الْكِبَارُ عَنْ صِغَارِ

فِي السِّنِّ أَوْ فِي الْعِلْمِ وَالْمِقْدَارِ

717 -

أَوْ فِيهِمَا، [وَعِلْمُ ذَا أَفَادَا

أَنْ لا يُظَنَّ قَلْبُهُ الإِسْنَادَا]

[716]

(وَقَدْ رَوَى الْكِبَارُ) منَ العلماءِ (عَنْ صِغَارِ) منهم (فِي السِّنِّ أَوْ) روى الحافظُ العالمُ عمَّن هو أصغَرُ منه (فِي الْعِلْمِ وَالْمِقْدَارِ).

[717]

(أَوْ) رَوَى عمَّن هو أصغَرُ منه (فِيهِمَا) أيِ: السنِّ والمقدارِ.

ثم ذَكَر فائدتَه؛ فقال:

(وَعِلْمُ ذَا) أي: معرفةُ هذا النوعِ (أَفَادَا) بألِفِ الإطلاقِ (أَنْ) مصدريةٌ (لا يُظَنَّ قَلْبُهُ) أي: عكسُ الرَّاوي (الإِسْنَادَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: عَكسُه بالتَّقديمِ والتَّأخيرِ.

ص: 459

718 -

وَمِنْهُ أَخْذُ الصَّحْبِ عَنْ أَتْبَاعِ

[وَتَابِعٍ عَنْ تَابِعِ الأَتْبَاعِ

719 -

كَالْبَحْرِ عَنْ كَعْبٍ وَكَالزُّهْرِيِّ

عَنْ مَالِكٍ وَيَحْيَى الانْصَارِيِّ]

[718]

(وَمِنْهُ) أي: من هذا النوعِ (أَخْذُ الصَّحْبِ) أي: روايةُ الصحابةِ (عَنْ أَتْبَاعِ) لهم، (وَ) أخَذ (تَابِعٍ عَنْ تَابِعِ الأَتْبَاعِ) ثمَّ مثَّلَ لذلك بقَولِه:

[719]

(كَالْبَحْرِ) ابنِ عباسٍ (عَنْ كَعْبٍ) هو ابنُ ماتِعٍ المَعروفُ بكعبِ الأحبارِ، ثقةٌ مُخَضرمٌ، (وَكَالزُّهْرِيِّ) محمدِ بنِ مسلمٍ (عَنْ مَالِكٍ) الإمامِ، (وَ) كرِوايةِ (يَحْيَى) بنِ سعيدِ بنِ قَيسٍ (الانْصَارِيِّ) المدنيِّ، عن مالكٍ أيضًا.

ص: 460

‌رِوَايَةُ الصَّحَابَةِ عَنِ التَّابِعِينَ عَنِ الصَّحَابَةِ

وهو النَّوعُ الرابعُ والخمسون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

720 -

[وَمَا رَوَى الصَّحْبُ عَنِ الأَتْبَاعِ عَنْ

صَحَابَةٍ فَهْوَ ظَرِيفٌ لِلْفَطِنْ

721 -

أَلَّفَ فِيهِ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ

وَمُنْكِرُ الْوُجُودِ لا يُصِيبُ

[720]

(وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (رَوَى الصَّحْبُ) جَمعُ صاحبٍ، بمعنى الصحابيِّ (عَنِ الأَتْبَاعِ عَنْ صَحَابَةٍ) أي: حالَ كونِ الأتباعِ ناقِلين عنِ الصحابةِ (فَهْوَ ظَرِيفٌ) أي: فنٌّ حسنٌ (لِلْفَطِنْ) بفتحٍ فكسرٍ، أي: للحاذقِ بهذا الفنِّ.

[721]

(أَلَّفَ فِيهِ) أي: جَمَع في هذا النوعِ جُزءًا لطيفًا (الْحَافِظُ) أبو بكرٍ (الْخَطِيبُ) البغداديُّ، (وَمُنْكِرُ الْوُجُودِ) أي: وجودِ هذا النوعِ (لا يُصِيبُ) أي: لم يُدرِكِ الحقَّ.

ص: 461

722 -

كَسَائِبٍ عَنِ ابْنِ عَبْدٍ عَنْ عُمَرْ

وَنَحْوُ ذَا قَدْ جَاءَ عِشْرُونَ أَثَرْ]

[722]

(كَسَائِبٍ) أي: كرِوايةِ سائبِ بنِ يزيدَ (عَنِ ابْنِ عَبْدٍ) هو عبدُ الرحمنِ بنِ عبدٍ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ عُمَرْ) بنِ الخطابِ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (وَنَحْوُ ذَا) أي: مثلُ ما وقَع لسائبٍ (قَدْ جَاءَ عِشْرُونَ أَثَرْ) أي: حَديثًا.

وحاصِلُ المعنى: أنَّه حصَل من روايةِ الصحابيِّ، عنِ التابعيِّ، عنِ الصحابيِّ كما لسائبٍ عِشرون حديثًا، جَمَعها الحافظُ العراقيُّ.

ص: 462

‌روَايَةُ الأَقْرَانِ

وهو النَّوعُ الخامسُ والخمسون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

723 -

وَوَقَعَتْ رِوَايَةُ الأَقْرَانِ

[وَعِلْمُهَا يُقْصَدُ لِلْبَيَانِ

724 -

أَنْ لا يُظَنَّ الزَّيْدُ فِي الإِسْنَادِ أَوْ

إِبْدَالُ عَنْ بِالْوَاوِ] وَالْحَدَّ رَأَوْا

725 -

إِنْ يَكُ فِي الإِسْنَادِ قَدْ تَقَارَبَا

وَالسِّنَّ دَائِمًا وَقِيلَ: غَالِبَا

[723]

(وَوَقَعَتْ) أي: حَصَلت (رِوَايَةُ الأَقْرَانِ) بعضِهِم عن بعضٍ (وَعِلْمُهَا) أي: معرفةُ روايةِ الأقرانِ (يُقْصَدُ لِلْبَيَانِ) أي: ليتَّضِحَ الحالُ، ويزولَ الإشكالُ.

[724]

(أَنْ) مصدريةٌ (لا يُظَنَّ الزَّيْدُ فِي الإِسْنَادِ) والمعنى: أنَّ عِلمَ هذا النوعِ أمرٌ مُهِمٌّ مقصودٌ؛ لئلَّا يُظَنَّ الزيادةُ في الإسنادِ (أَوْ) ألَّا يُظَنَّ (إِبْدَالُ عَنْ) الواقعةِ فيه (بِالْوَاوِ) أي: وَقَع «عن» بدلًا عنِ الواوِ (وَالْحَدَّ) أي: تعريفُ هذا النوعِ (رَأَوْا) أيِ: العلماءُ.

ص: 463

[725]

(إِنْ) شرطيةٌ (يَكُ) أيِ: القرينانِ (فِي الإِسْنَادِ) أيِ: الأخذِ عنِ الشيوخِ (قَدْ تَقَارَبَا وَالسِّنَّ) أي: تقاربَا أيضًا في العمرِ (دَائِمًا وَقِيلَ: غَالِبَا) أي: إِنَّ التقارُبَ لا يُشتَرطُ في السنِّ، بل هو الغالبُ؛ فيكفي التَّقارُبُ في الإسنادِ فقطْ.

726 -

[وَفِي الصِّحَابِ أَرْبَعٌ فِي سَنَدِ

وَخَمْسَةٌ، وَبَعْدَهَا لم يَرِدِ]

727 -

فَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنَ الْقِرْنَيْنِ عَنْ

صَاحِبِهِ فَهْوَ «مُدَبَّجٌ» حَسَنْ

[726]

(وَفِي الصِّحَابِ أَرْبَعٌ) أي: وثابتٌ في الصحابةِ رضي الله عنهم أربعُ أنفُسٍ (فِي سَنَدِ) واحدٍ يروِي بعضُهم عن بعضٍ، (وَ) مذكورٌ في الصِّحابِ أيضًا (خَمْسَةٌ) نفرٍ في سندٍ واحدٍ، (وَبَعْدَهَا) أي: بعدَ الخمسةِ (لم يَرِدِ) منَ الوُرودِ، أي: لم يجئْ؛ بمعنى أنَّ رِوايةَ الصحابةِ بعضِهم عن بعضٍ لا تتعدَّى خمسةَ أشخاصٍ، ووقع في نسخة المحقق «لَمْ يُزَدِ» من الزيادة.

[727]

(فَإِنْ رَوَى) أي: أخَذ (كُلٌّ) واحدٍ (مِنَ الْقِرْنَيْنِ) بكسرِ القافِ (عَنْ صَاحِبِهِ) أي: قِرْنِه (فَهْوَ «مُدَبَّجٌ» حَسَنْ) صفةُ «مُدَبَّجٌ» .

والحاصِلُ: أنَّه إنْ رَوَى كلُّ واحدٍ من القِرنَينِ عن صاحبِه فهو المُدبَّجُ.

ص: 464

728 -

[فَمِنْهُ فِي الصَّحْبِ رَوَى الصِّدِّيقُ

عَنْ عُمَرٍ ثُمَّ رَوَى الفَارُوقُ

729 -

وَفِي التِّبَاعِ عَنْ عَطَاءِ الزُّهْرِيْ

وَعَكْسُهُ، وَمِنْهُ بَعْدُ فَادْرِ

[728]

(فَمِنْهُ) أي: منَ المدبَّجِ (فِي الصَّحْبِ) رضي الله عنهم (رَوَى الصِّدِّيقُ) أبو بكرٍ رضي الله عنه (عَنْ عُمَرٍ) بالصرفِ للضرورةِ، (ثُمَّ) بمعنى الواوِ (رَوَى الفَارُوقُ) عطفٌ على ما قبْلَه، أي: رِوايةُ الفاروقِ عنه.

[729]

(وَ) المدبَّجُ (فِي التِّبَاعِ) بالكسرِ، أي: ذوي التِّباعِ، بمعنى التابعين، (عَنْ عَطَاءِ) بمنعِ الصرفِ للوزنِ، بنِ أبي رباحٍ (الزُّهْرِيْ) على حذفِ مضافٍ، أي: روايةُ الزهريِّ، (وَعَكْسُهُ) أي: روايةُ عطاءٍ عنه، (وَمِنْهُ) أي: منَ المدبَّجِ (بَعْدُ) أي: بعدَ التابعين، أي: في أتباعِ التابعين (فَاْدْرِ) أيِ: اعلَمْ.

730 -

فَتَارَةً رَاوِيهِمَا مُتَّحِدُ

وَالشَّيْخُ أَوْ أَحْدُهُمَا يَتَّحِدُ

[730]

(فَتَارَةً رَاوِيهِمَا) أيِ: الراوي عنِ القِرنَين (مُتَّحِدُ وَالشَّيْخُ)، والمعنى: أنَّه قد يكونُ الراوي عنِ القِرنَينِ واحدًا، ويتَّحِدُ شَيخُهما الذي أخَذَا عنه (أَوْ أَحْدُهُمَا) بسكونِ الحاءِ (يَتَّحِدُ) دونَ الآخَرِ؛ كأنْ يَتَّحِدَ الراوي دونَ الشيخِ أوِ العكسُ، وقد لا يَتَّحِدُ واحدٌ منهما.

ص: 465

731 -

وَمِنْهُ فِي الْمُدَبَّجِ الْمَقْلُوبُ

مُسْتَوِيًا مِثَالُهُ عَجِيبُ

732 -

مَالِكُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكْ

وَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَالِكْ سُلِكْ]

[731]

(وَمِنْهُ) أي: المدبَّجُ (فِي الْمُدَبَّجِ) بمعنى التدبيجِ (الْمَقْلُوبُ) أيِ: المقلوبُ في تدبيجِه كائنٌ من أنواعِ المدبَّجِ، حالَ كونِه (مُسْتَوِيًا) أي: ليس فيه شيءٌ من الضعفِ الذي في نوعِ المقلوبِ الماضي في أنواعِ الضعيفِ، (مِثَالُهُ) أي: مثالُ المقلوبِ في التدبيجِ (عَجِيبُ) أي: مُستَطْرَفٌ.

[732]

(مَالِكُ) أي: روايةُ مالكِ بنِ أنسٍ (عَنْ سُفْيَانَ) الثوريِّ (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكْ) بنِ عبدِ العزيزِ بنِ جُرَيجٍ، (وَ) روى (ذَا) أي: عبدُ الملكِ (عَنِ الثَّوْرِيِّ) سفيانَ (عَنْ مَالِكْ) بنِ أنسٍ (سُلِكْ) أي: هذا طريقٌ مسلوكٌ واضحٌ.

ص: 466

‌الإِخوَةُ والأَخَوَاتُ

وهو النوعُ السادسُ والخمسون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

733 -

[وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَئِيُّ] صَنَّفَا

فِي إِخْوَةٍ [وَقَدْ رَأَوْا أَنْ يُعْرَفَا

734 -

كَيْ لا يُرَى عِنْدَ اشْتِرَاكٍ فِي اسْمِ الأَبْ

غَيْرُ أَخٍ أَخًا وَمَا لَهُ انْتَسَبْ

[733]

(وَمُسْلِمٌ) بنُ الحجاجِ صاحبُ «الصحيحِ» (وَ) أبو عبدِ الرحمنِ (النَّسَئِيُّ صَنَّفَا) كتابَينِ (فِي) بيانِ أسماءِ (إِخْوَةٍ) أي: وأخواتٍ منَ الرُّواةِ والعلماءِ، (وَقَدْ رَأَوْا) أيِ: العلماءُ الذين أفرَدوه بالتصنيفِ (أَنْ يُعْرَفَا) الألِفُ للإطلاقِ، أي: أرادوا أن يُعرَفَ هذا الفنُّ معرفةً تامةً.

[734]

(كَيْ) تعليليةٌ (لا يُرَى) أي: لا يُظَنَّ (عِنْدَ اشْتِرَاكٍ) أيِ: اشتراكِ جماعةٍ (فِي اسْمِ الأَبْ غَيْرُ أَخٍ أَخًا وَ) الحالُ أنه (مَا) نافيةٌ (لَهُ) أي: للمُشْتَرَكِ بالفتحِ (انْتَسَبْ) المشتَرِك بالكسرِ، يعني: أنَّه لا انتِسابَ بينهما، وإنَّما هو مجردُ اشتِراكٍ في الاسمِ فقطْ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ فائدةَ هذا النوعِ هي الأَمْنُ مِن ظَنِّ مَن ليس بأخٍ أخًا؛ للاشتِراكِ في اسمِ الأبِ؛ كأحمدَ بنِ إشكابٍ، وعليِّ بنِ إشكابٍ، ومُحمَّدِ بن إشكابٍ.

ص: 467

735 -

أَرْبَعُ] إِخْوَةٍ رَوَوْا فِي سَنَدِ

أَوْلادُ سِيرِينَ [بِفَرْدٍ مُسْنَدِ

736 -

وَإِخْوَةٌ مِنَ الصِّحَابِ بَدْرَا

قَدْ شَهِدُوهَا سَبْعٌ اَبْنَا عَفْرَا

[735]

(أَرْبَعُ إِخْوَةٍ) منَ الرجالِ (رَوَوْا) أي: أخَذ بعضُهم عن بعضٍ (فِي سَنَدِ) واحدٍ، وهم (أَوْلادُ سِيرِينَ) وهم محمدٌ، وأنسٌ، ويَحيَى، ومَعبَدٌ (بِفَرْدٍ) أي: بحديثٍ واحدٍ (مُسْنَدِ) أي: متصلٍ.

[736]

(وَإِخْوَةٌ مِنَ الصِّحَابِ) رضي الله عنهم (بَدْرَا قَدْ شَهِدُوهَا)، أي: حَضَروها، وباشَروا القِتالَ فيها، (سَبْعٌ) أي: هم سبعٌ (اَبْنَا عَفْرَا) بوصلِ الهمزةِ والقصرِ للضرورةِ، وهم أبناءُ عَفْراءَ بنتِ عُبيدِ بنِ ثَعلَبةَ، وهم مُعاذٌ، ومُعوَّذٌ، وعَوفٌ، أبوهمُ: الحارثُ بنُ رِفاعةَ بنِ الحارثِ، وعاقلٌ، وخالدٌ، وإياسٌ، وعامرٌ، أبوهمُ: البُكَيرُ بنُ عبدِ يالِيلَ اللَّيثيِّ، فهم سَبعةُ إخوةٍ لأمٍّ.

737 -

وَتِسْعَةٌ مُهَاجِرُونَ هُمْ بَنُو

حَارِثٍ السَّهْمِيِّ كُلٌّ مُحْسِنُ]

[737]

(وَتِسْعَةٌ) منَ الصحابةِ رضي الله عنهم (مُهَاجِرُونَ هُمْ بَنُو حَارِثٍ)، وهم أولادُ الحارثِ بنِ قيسِ بنِ عَدِيٍّ (السَّهْمِيِّ)، وهم بِشرٌ، وتميمٌ، والحارثُ، والحجَّاجُ، والسائبُ، وسعيدٌ، وعبدُ اللهِ، ومَعمَرٌ، وأبو قيسٍ، (كُلٌّ) من هؤلاءِ التسعةِ (مُحْسِنُ).

ص: 468

‌رِوَايَةُ الآبَاءِ عَنِ الأَبْنَاءِ، وعَكْسُهُ

وهما نوعانِ جَمَعهما في بابٍ واحدٍ لتَقابُلِهما، وهما النوعُ السابعُ والخمسون والثامنُ والخمسون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

738 -

وَأَلَّفَ الْخَطِيبُ فِي ذِي أَثْرِ

عَنِ ابْنِهِ كَوَائِلٍ عَنْ بَكْرِ

739 -

وَالْوَائِلِي فِي عَكْسِهِ فَإِنْ يُزَدْ

عَنْ جَدِّهِ فَهْوَ مَعَالٍ لا تُحَدّْ

[738]

(وَأَلَّفَ الْخَطِيبُ) البغداديُّ كتابًا (فِي ذِي) أي: صاحبِ (أَثْرِ) بفتحٍ فسكونٍ، نَقَل (عَنِ ابْنِهِ) أي: فيمَن رَوَى عنِ ابنِه (كَوَائِلٍ) ابنِ داودَ التيميِّ الكوفيِّ (عَنْ) ابنِه (بَكْرِ) عنِ الزهريِّ، وكروايةِ العباسِ عنِ ابنِه الفضلِ.

[739]

(وَ) ألَّف الحافظُ أبو نَصرٍ السِّجْزِيُّ (الْوَائِلِي فِي عَكْسِهِ) أي: عكسِ روايةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ، وهو روايةُ الأبناءِ عنِ الآباءِ، وهو الجادَّةُ.

(فَإِنْ يُزَدْ) أي: أنَّه إنْ زِيدَ في روايةِ الابنِ عن «أبيه (عَنْ جَدِّهِ» فَهْوَ) أي: هذا القسمُ (مَعَالٍ) بفتحِ الميمِ، جَمعُ مَعْلَاةٍ بفَتحِها أيضًا، أي: مَكْسَبٌ للشَّرَفِ (لا تُحَدّْ).

ص: 469

740 -

أَهَمُّهُ حَيْثُ أَبٌ وَالْجَدُّ لا

يُسَمَّى [وَالآبَا قَدِ انْتَهَتْ إِلَى

741 -

عَشْرَةٍ وَأَرْبَعٍ فِي سَنَدِ

مُجَهَّلٍ لأرْبَعِينَ مُسْنَدِ]

[740]

(أَهَمُّهُ) أي: أهمُّ رِوايةِ الأبناءِ عنِ الآباءِ (حَيْثُ أَبٌ وَالْجَدُّ لا يُسَمَّى) يعني: أنَّه ما سُمِّي كلٌّ منهما، أو سُمِّيَ الأَبُ وأُبْهِمَ الجدُّ، (وَالآبَا) بالقصرِ للوزنِ (قَدِ انْتَهَتْ) روايةُ أبنائهِم عنهم (إِلَى) أي:

[741]

(عَشْرَةٍ وَأَرْبَعٍ) يعني: أربعةَ عشرَ أبًا (فِي سَنَدِ مُجَهَّلٍ) أي: منسوبٍ إلى الجهالةِ في بعضِه (لأرْبَعِينَ مُسْنَدِ) أي: لأربعينَ حَديثًا مسنَدًا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

وحاصلُ المعنى: أنَّ أكثرَ ما وَقَع في التَّسلسُلِ بروايةِ الأبناءِ عنِ الآباءِ أربعةَ عشرَ أبًا جاء بها أربَعون حديثًا.

742 -

وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهْ

عَنْ جَدِّهِ فَالأَكْثَرُونَ احْتَجَّ بِهْ

[742]

(وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) بنِ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاصِ (عَنْ أَبِهْ) على لغةِ النقصِ، وهو شعيبٌ (عَنْ جَدِّهِ فَالأَكْثَرُونَ) من المحدِّثين (احْتَجَّ بِهْ) أي: بما لعمرٍو.

ص: 470

743 -

حَمْلًا لِجَدِّهِ عَلَى الصَّحَابِي

[وَقِيلَ بِالإِفْصَاحِ وَاسْتِيعَابِ

744 -

وَهَكَذَا نُسْخَةُ بَهْزٍ، وَاخْتُلِفْ:

أَيُّهُمَا أَرْجَحُ وَالأُولَى أُلِفْ

[743]

(حَمْلًا) أي: إنَّما احتجُّوا به لأجلِ حَمْلِهِم (لِجَدِّهِ) المذكورِ (عَلَى) أنَّه عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو (الصَّحَابِي) الجليلُ، بإرجاعِ الضميرِ على شُعيبٍ، دونَ عمرٍو، (وَقِيلَ بِالإِفْصَاحِ وَاسْتِيعَابِ) إشارةٌ إلى قولَينِ آخَرَينِ.

القولُ الأولُ: الفرقُ بين ما إذا أفصَحَ بجدِّه أنَّه عبدُ اللهِ فيُحتَجُّ به، أو لا يُفصِحُ فلا يُحتَجُّ به.

القولُ الثاني: إنِ استَوعَب ذِكرَ آبائه في الروايةِ احتُجَّ به، وإنِ اقتَصَر على قولِه:«عن أبيه، عن جده» لم يُحتَجَّ به، هكذا عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عمرٍو، عن أبيه.

[744]

(وَهَكَذَا نُسْخَةُ بَهْزٍ) بنِ حكيمِ بنِ مُعاوِيةَ بنِ حَيْدَةَ (وَاخْتُلِفْ: أَيُّهُمَا أَرْجَحُ).

وحاصلُ المعنى: أنَّه اختَلَف العلماءُ في هاتَين النُّسختَينِ أيُّهما أرجَحُ، هل نُسخَةُ عمرٍو، عن أبيه، عن جدِّه؟ أو نُسخةُ بهزٍ، عن أبيه، عن جدِّه؟

(وَالأُولَى) أي: نسخةُ عمرٍو (أُلِفْ) أيِ: اخْتِيرَ.

ص: 471

745 -

وَاعْدُدْ هُنَا مَنْ تَرْوِ عَنْ أُمٍّ بِحَقّ

عَنْ أُمِّهَا، مِثْلَ حَدِيثِ مَنْ سَبَقْ]

[745]

(وَاعْدُدْ هُنَا) أيِ: اذكُرْ هنا -أيُّها المحدِّثُ- في نوعِ روايةِ الأبناءِ عنِ الآباءِ روايةَ (مَنْ تَرْوِ عَنْ أُمٍّ) لها (بِحَقّ) أي: بحديثٍ حقٍّ (عَنْ أُمِّهَا) أي: جدَّتِها (مِثْلَ حَدِيثِ مَنْ سَبَقْ) أي: حديثُ: «مَن سُبِقَ إلى ما لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ»

(1)

.

(1)

أخرجه البيهقي في «الكبرى» (11779)، وغيره.

ص: 472

‌السَّابِق واللاحِقُ

وهو النوع التاسع والخمسون من أنواع علوم الحديث:

746 -

فِي سَابِقٍ وَلاحِقٍ قَدْ صُنِّفَا

مَنْ يَرْوِ عَنْهُ اثْنَانِ وَالْمَوْتُ وَفَى

747 -

لِوَاحِدٍ وَأُخِّرَ الثَّانِ زَمَنْ

كَمَالِكٍ عَنْهُ رَوَى الزُّهْرِيْ وَمِنْ

[746]

(فِي سَابِقٍ وَلاحِقٍ) من الرُّواةِ (قَدْ صُنِّفَا) أي: أَلَّفَ العلماءُ -كالخطيبِ- (مَنْ يَرْوِ) أي: هو مَن يروِي (عَنْهُ اثْنَانِ) منَ الرواةِ (وَالْمَوْتُ وَفَى) أي: حالَ كونِ الموتِ أتى.

[747]

(لِوَاحِدٍ) من الراوِيَينِ، (وَأُخِّرَ الثَّانِ) منهما، أي: تأخَّر موتُ الثاني (زَمَنْ) أي: زمنًا طويلًا حتى حصَل بينهما أمدٌ مديدٌ، (كَمَالِكٍ) أي: مثالُه كمالكٍ الإمامِ، حالَ كونِه (عَنْهُ رَوَى) أبو بكرٍ محمدُ بنُ مسلمٍ (الزُّهْرِيْ وَمِنْ وَفَاتِهِ) أي: الزهريِّ (إِلَى) أي:

ص: 473

748 -

وَفَاتِهِ إِلَى وَفَاةِ السَّهْمِي

قَرْنٌ وَفَوْقَ ثُلْثِهِ بِعِلْمِ

749 -

[وَمِنْ مُفَادِ النَّوْعِ أَنْ لا يُحْسَبَا

حَذْفٌ وَتَحْسِينُ عُلُوٍّ يُجْتَبَى

750 -

بَيْنَ أَبِي عَلِيٍّ وَالسِّبْطِ اللَّذَا

لِلسِّلَفِيْ قَرْنٌ وَنِصْفٌ يُحْتَذَى]

[748]

(وَفَاةِ) أبي حُذَافَة أحمدَ بنِ إسماعيلَ (السَّهْمِي) بفتحِ فسكونٍ (قَرْنٌ) بفتحِ فسكونٌ، أي: مائةُ سنةٍ، (وَفَوْقَ ثُلْثِهِ) بسكونِ اللامِ، أي: ثُلُثُ القرنِ، وهو خمسٌ وثلاثون سنةً؛ فإنَّ الزهريَّ مات سنةَ (124 هـ)، والسهميُّ مات سنة (259 هـ)؛ فبينهما مائةٌ وخمسٌ وثلاثون سنةً، (بِعِلْمِ) خبرٌ لمحذوفٍ، أي: هذا مضبوطٌ بعلمٍ محقَّقٍ.

[749]

(وَمِنْ مُفَادِ النَّوْعِ) أي: ممَّا أفادَه هذا النوعُ: (أَنْ) مصدريةٌ (لا يُحْسَبَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: لا يُظَنَّ (حَذْفٌ) لبعضِ الرواةِ، (وَ) من مُفادِه أيضًا (تَحْسِينُ عُلُوٍّ) للإسنادِ، أي: إيصالُ حُسنِه وحلاوتِه إلى قلوبِ مَن يَروي لهم (يُجْتَبَى) أي: يُخْتارُ.

[750]

(بَيْنَ) وفاةِ (أَبِي عَلِيٍّ) الحافظِ أحمدَ بنِ أبي الحسنِ البَرَدَاني بفتحتَينِ، الحنبليِّ، وهو أحدُ شيوخِ الحافظِ السِّلَفيِّ (وَ) بين وفاةِ (السِّبْطِ)

ص: 474

بكسرٍ فسكونٍ، ولدُ الولدِ (اللَّذَا) لغة في «الذي» (لِلسِّلَفِيْ) بكسرٍ ففتحٍ، هو الحافظُ أبو طاهرٍ عمادُ الدينِ أحمدُ بنُ محمدٍ الأصفهانيُّ، والسِّبطُ هو عبدُ الرحمنِ بنُ مَكِّيٍّ (قَرْنٌ وَنِصْفٌ يُحْتَذَى).

وحاصلُ المعنى: أنَّ الوقتَ الذي بين وفاتَيْ أبي عليٍّ البَرَدَانيِّ وسِبطِ السِّلَفيِّ: قرنٌ ونِصفٌ، أي: مائةٌ وخمسون سنةً؛ وذلك أنَّ الحافظَ السِّلَفيَّ سَمِع منه أبو عليٍّ البَرَدانيُّ -أحدُ مَشايخِه- حديثًا، ورواه عنه، ومات على رأسِ سنةِ (500 هـ)، ثم آخِرُ أصحابِ السلفيِّ بالسماعِ سِبطُه أبو القاسمِ عبدُ الرحمنِ بنُ مَكِّيٍّ، وكانت وفاتُه سنةَ (650 هـ).

ص: 475

‌منْ رَوَى عنْ شَيخٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ

وهو النوعُ السِّتُّون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

751 -

[وَمَنْ رَوَى عَنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَوَى

عَنْ غَيْرِهِ عَنْهُ مِنَ الْفَنِّ حَوَى

752 -

أَنْ لا يُظَنَّ فِيهِ مِنْ زَيَادَهْ

أَوِ انْقِطَاعٍ فِي الَّذِي أَجَادَهْ]

[751]

(وَمَنْ رَوَى) أي: نَقَل حديثًا (عَنْ رَجُلٍ) المرادُ به الشخصُ، لا خصوصُ الرجلِ، (ثُمَّ رَوَى) ذلك الراوي ذلك الحديثَ (عَنْ غَيْرِهِ) أي: عن غيرِ ذلك الشيخِ، حالَ كونِ ذلك الغيرِ راويًا (عَنْهُ) أيِ: الشيخِ الذي روى ذلك الراوي عنه (مِنَ الْفَنِّ) أي: فنِّ مصطلحِ الحديثِ (حَوَى) أي: جَمَع.

[752]

(أَنْ) مصدريةٌ (لا) نافيةٌ (يُظَنَّ فِيهِ) أي: في السندِ الثاني المُشتمِلِ على الواسطةِ (مِنْ زَيَادَهْ) لذلك الواسطةِ، إذا رواه بدونِه، (أَوِ انْقِطَاعٍ) أي: ألَّا يُظَنَّ انقِطاعٌ في محلِّ الواسِطةِ، أي: نَقْصٌ (فِي) السندِ

ص: 476

(الَّذِي أَجَادَهْ) أي: رواه أوَّلًا مُجِيدًا.

وحاصلُ المعنى: أنَّ معرفةَ هذا النوعِ حَوَى من مهمَّاتِ مصطلحِ الحديثِ عدمَ ظنِّ الزيادةِ في صورةِ زيادةِ الواسطةِ، أوِ النقصِ في صورةِ حَذْفِها.

ص: 477

‌الوُحْدَانُ

وهو النوعُ الحادي والسِّتُّون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

753 -

صَنَّفَ فِي الْوُحْدَانِ مُسْلِمٌ بِأَنْ

لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ [وَمِنْ

754 -

مُفَادِهِ مَعْرِفَةُ الْمَجْهُولِ

وَالرَّدُّ لا مِنْ صُحْبَةِ الرَّسُولِ]

[753]

(صَنَّفَ فِي الْوُحْدَانِ) بضمٍّ فسكونٍ جمعُ واحدٍ (مُسْلِمٌ) الإمامُ صاحبُ «الصحيحِ» (بِأَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ) والباءُ للتصويرِ، أي: ذلك مُصَوَّرٌ بأن لم يروِ عنِ الشخصِ (غَيْرُ وَاحِدٍ) من الرواةِ (وَمِنْ).

[754]

(مُفَادِهِ) بالضمِّ، أي: فائدةِ هذا النوعِ (مَعْرِفَةُ الْمَجْهُولِ) عَيْنُهُ، أو حالُهُ، (وَالرَّدُّ) أي: من مُفادِه أيضًا ردُّ رِوايَتِه (لا) أي: من كلِّ راوٍ، لا (مِنْ صُحْبَةِ الرَّسُولِ) صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّهم كُلَّهم عدولٌ بإجماعِ مَن يُعتَدُّ بإجماعِه؛ فلا تضرُّ جَهالَتُهم.

ص: 478

755 -

مِثَالُهُ: لَمْ يَرْوِ عَنْ مُسَيَّبِ

[إلاَّ ابْنُهُ] وَلا عَنِ ابْنِ تَغْلِبِ

756 -

عَمْرٍو [سِوَى الْبَصْرِي] وَلا عَنْ وَهْبِ

وَعَامِرِ بْنِ شَهْرٍ اْلاَّ الشَّعْبِي

[755]

(مِثَالُهُ) أي: مثالُ مَن لم يروِ عنه إلَّا واحدٌ من الصحابةِ رضي الله عنهم: أنَّه (لَمْ يَرْوِ عَنْ مُسَيَّبِ) بنِ حَزْنٍ بفتحٍ فسكونٍ (إلاَّ ابْنُهُ) سعيدُ بنُ المسيَّب (وَلا) أي: لم يرو (عَنِ ابْنِ تَغْلِبِ).

[756]

(عَمْرٍو) النَّمَريِّ، صحابيٌّ، أي: لم يروِ عن عمرِو بنِ تَغلِبَ أحدٌ (سِوَى) الحسنِ (الْبَصْرِي وَلا) أي: لم يروِ (عَنْ وَهْبِ) بن خَنْبَشٍ، صحابيٌّ، (وَ) كذا لم يروِ عن (عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ) الهمدانيِّ، صحابيٌّ (اْلاَّ) الإمامُ عامرُ بنُ شَرَاحِيلَ (الشَّعْبِي) بفتحِ الشينِ وسكونِ العينِ.

757 -

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ صِحَابٌ مِنْ أُولَى

كَثِيرٌ الْحَاكِمُ عَنْهُمْ غَفَلا

[757]

(وَفِي الصَّحِيحَيْنِ) للبخاريِّ ومسلمٍ (صِحَابٌ) أي: كائنٌ في «الصحيحَينِ» صحابةٌ (مِنْ أُولَى) أي: منَ الذين لم يروِ عنهم إلا راوٍ واحدٌ (كَثِيرٌ) صفةٌ لـ «صحابٌ» أي: هم كثيرٌ، لا قليلٌ، (الْحَاكِمُ) أبو عبدِ اللهِ (عَنْهُمْ) أي: عن وُجودِهم (غَفَلا) أي: ذَهَلَ؛ حيث قال في كتابه «المَدخَلِ» : إنَّ الشيخَينِ لم يُخرِجَا في «الصحيحَينِ» عن أحدٍ منَ الصحابةِ الوُحدانِ.

ص: 479

‌منْ لَمْ يَروِ إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا

وهو النوعُ الثاني والسِّتُّون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

758 -

[وَلِلْبُخَارِيِّ كِتَابٌ يَحْوِي

مَنْ غَيْرَ فَرْدٍ مُسْنَدٍ لَمْ يَرْوِي

759 -

وَهْوَ شَبِيهُ مَا مَضَى وَيَفْتَرِقْ

كُلٌّ بِأَمْرٍ فَدِرَايَةٌ تُحِقّ

[758]

(وَلِلْبُخَارِيِّ) محمدِ بنِ إسماعيلَ (كِتَابٌ يَحْوِي) أي: يَجمَعُ (مَنْ غَيْرَ فَرْدٍ) أي: حديثٍ واحدٍ (مُسْنَدٍ) أي: مرفوعٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم (لَمْ يَرْوِي).

وحاصلُ معنى البيتِ: أنَّ للإمامِ البخاريِّ رحمه الله كتابًا مُفرَدًا يَجمَعُ مَن لم يروِ إلَّا حديثًا واحدًا منَ الصحابةِ خاصةً، ثمَّ ذَكَر الفرقَ بينه وبين الوُحدانِ؛ فقال:

[759]

(وَهْوَ) أي: هذا النوعُ (شَبِيهُ) أي: مماثلُ (مَا) أيِ: النوعِ الذي (مَضَى) -وهو الوُحدانِ-؛ يجتَمِعانِ فيمن روى عنه واحدٌ حديثًا واحِدًا، (وَيَفْتَرِقْ كُلٌّ) واحدٍ منهما عنِ الآخرِ (بِأَمْرٍ) يختصُّ به؛ فإنَّه قد يكونُ روى

ص: 480

عنه أكثرُ من واحدٍ، وليس له إلَّا حديث واحدٌ؛ (فَدِرَايَةٌ تُحِقّ) أي: فإذا كان كذلك فمعرفةُ كلٍّ منهما تكونُ لازِمةً.

760 -

مِثْلُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةٍ رَوَى

فِي الْخُفِّ لا غَيْرُ، فَكُنْ مِمَّنْ حَوَى]

[760]

(مِثْلُ) أي: ذلك مثلُ (أُبَيِّ) بالتَّصغيرِ (بْنِ عِمَارَةٍ) بكسرِ العينِ (رَوَى) حديثًا واحدًا عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (فِي) مسْحِ (الْخُفِّ) أي: الخُفَّين (لا غَيْرُ) أي: ليس له غيرُ هذا الحديثِ الواحدِ؛ (فَكُنْ) أيُّها الطالبُ للتَّحقيقِ (مِمَّنْ حَوَى) أي: حَفِظَ المذكورَ.

ص: 481

‌منْ لَمْ يَروِ إِلا عَنْ وَاحِدٍ

وهو النوعُ الثالثُ والسِّتُّون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

761 -

[وَمِنْهُمُ مَنْ لَيْسَ يَرْوِي إِلَّا

عَنْ وَاحِدٍ وَهْوَ ظَرِيفٌ جَلَّا

762 -

كَابْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ عَنْ أَوْزَاعِي

وَعَنْ عَلِيْ عَاصِمُ فِي الأَتْبَاعِ

[761]

(وَمِنْهُمُ) أي: من رواةِ الحديثِ (مَنْ لَيْسَ يَرْوِي إِلاَّ عَنْ) شيخٍ (وَاحِدٍ وَهْوَ) أي: هذا النوعُ (ظَرِيفٌ) مَلِيحٌ (جَلَّا) بالجيمِ، أي: عَظُم قدْرُه عند المحدِّثين.

[762]

(كَـ) عبدِ الحميدِ بنِ حبيبٍ (ابْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ) كاتبِ الأوزاعيِّ، حالَ كونِه راويًا (عَنْ أَوْزَاعِي) عبدِ الرحمنِ بنِ عمرٍو؛ يعني: أنَّ ابنَ أبي العشرينَ لم يروِ إلَّا عنِ الأوزاعيِّ فقطْ، (وَعَنْ عَلِيْ) بسكونِ الياءِ للوزنِ، بنِ أبي طالبٍ فقطْ (عَاصِمُ) بنُ ضَمْرةَ السَّلُوليُّ (فِي الأَتْبَاعِ) أيِ: التَّابعين.

ص: 482

763 -

وَابْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ الْحَبْرِ وَمَا

عَنْهُ سِوَى الزُّهْرِيِّ فَرْدٌ بِهِمَا]

[763]

(وَ) كعُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ (ابْنِ أَبِي ثَوْرٍ) القرشيِّ (عَنِ الْحَبْرِ) ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما فقط، (وَمَا) نافيةٌ (عَنْهُ) أي: رَوَى (سِوَى الزُّهْرِيِّ) أي: لم يروِ عنه غيرُ الزهريِّ (فَرْدٌ) أي: هو منفردٌ (بِهِمَا) أيِ: الحبْرِ والزهريِّ؛ يعني: أنَّه منفردٌ من كِلَا الجانبَينِ، انفَرَد بالروايةِ عنِ الحبرِ، وانفَرَد الزهريُّ بالروايةِ عنه؛ فهو مثالٌ للنَّوعينِ: لمَن لم يروِ إلَّا عن واحدٍ، ولِمَن لم يروِ عنه إلَّا واحدٌ

(1)

.

(1)

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هكذا جعله المؤلف مثالًا تبعًا للخطيب، ولكن نقل المِزِّيُ في «التهذيب»: أن عُبيدَ الله هذا رَوَى أيضًا عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، وروى عنه أيضًا محمد بن جعفر بن الزبير؛ فهو ليس فردًا بهما، ولا في واحد منهما. اهـ.

ص: 483

‌مَنْ أُسْنِدَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ

الذِينَ مَاتُوا فِي حَيَاتِهِ صلى الله عليه وسلم

-

وهو النوعُ الرابعُ والسِّتون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

764 -

[وَاعْنَ بِمَنْ قَدْ عُدَّ مِنْ رُوَاتِهِ

مَعْ كَوْنِهِ قَدْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ

765 -

يُدْرَى بِهِ الإِرْسَالُ نَحْوُ جَعْفَرِ

وَحَمْزَةٍ خَدِيجَةٍ فِي أُخَرِ]

[764]

(وَاعْنَ) أيِ: اهتَمَّ -أيُّها المحدِّثُ- (بِمَنْ) أي: بمعرفةِ مَن (قَدْ عُدَّ مِنْ رُوَاتِهِ) أي: رواةِ حديثِه صلى الله عليه وسلم (مَعْ كَوْنِهِ) أي: ذلك الراوي الصحابيِّ (قَدْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ) صلى الله عليه وسلم.

[765]

(يُدْرَى بِهِ) أي: بمعرفةِ هذا النوعِ (الإِرْسَالُ) لحديثِه، إذا كان الراوي عنه تابعيًّا، وذلك (نَحْوُ جَعْفَرِ) بنِ أبي طالبٍ، (وَحَمْزَةٍ) بالصرفِ للضرورةِ ابنِ عبدِ المُطَّلِبِ، (خَدِيجَةٍ) بالصرفِ ضرورةً، بنتِ خُوَيلِدٍ أمِّ المُؤمنين رضي الله عنها (فِي أُخَرِ) أي: مع جماعةٍ أُخَرَ منَ الصحابةِ، كسُهَيلِ بنِ بَيضاءَ، وأبو سَلَمةَ زوجُ أمِّ سَلَمةَ رضي الله عنهما.

ص: 484

‌منْ ذُكِرَ بِنُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ

وهو النوعُ الخامسُ والسِّتُّون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

766 -

[وَأَلَّفَ الأَزْدِيُّ فِيمَنْ] وُصِفَا

بِغَيْرِ مَا وَصْفٍ إِرَادَةَ الْخَفَا

767 -

[وَهْوَ عَوِيصٌ عِلْمُهُ نَفِيسُ]

يُعْرَفُ مِنْ إِدْرَاكِهِ التَّدْلِيسُ

[766]

(وَأَلَّفَ) أي: جَمَع الحافظُ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ (الأَزْدِيُّ فِيمَنْ وُصِفَا) الألِفُ إطلاقيةٌ، أي: في الشخصِ الذي وُصِف (بِغَيْرِ مَا وَصْفٍ) واحدٍ، بل بأوصافٍ متعددةٍ من أسماءٍ، أو كُنًى، أو ألقابٍ، أو أنسابٍ؛ (إِرَادَةَ الْخَفَا) أي: إنَّما يُوصَفُ بالأوصافِ المتعدِّدةِ لأجلِ إرادةِ خَفائه.

[767]

(وَهْوَ) أي: هذا النوعُ (عَوِيصٌ) أي: صعبٌ (عِلْمُهُ) أي: معرفتُه (نَفِيسُ) أي: شريفٌ (يُعْرَفُ مِنْ إِدْرَاكِهِ) أي: معرفةِ هذا النوعِ (التَّدْلِيسُ) للمدلِّسين.

ص: 485

768 -

مِثَالُهُ: مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ

خَمْسِينَ وَجْهًا اسْمُهُ مَقْلُوبُ

[768]

(مِثَالُهُ) أي: هذا النوعِ (مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ) في الزندقةِ، كان يَضَعُ الحديثَ (خَمْسِينَ وَجْهًا اسْمُهُ مَقْلُوبُ) أي: أنَّ اسمَ محمدٍ هذا مقلوبٌ خمسين وجهًا.

ص: 486

‌أَفْرَادُ العَلَمِ

وهو النوعُ السادسُ والسِّتُّون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

769 -

[وَالْبَرْذَعِيْ صَنَّفَ أَفْرَادَ الْعَلَمْ]

أَسْمَاءً أَوْ أَلْقَابًا اوْ كُنًى تُضَمّْ

[769]

(وَ) الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ هارونَ (الْبَرْذَعِيْ صَنَّفَ أَفْرَادَ الْعَلَمْ) أيِ: الأعلامَ المفردةَ (أَسْمَاءً) أي: سواءٌ كانت أسماءً (أَوْ أَلْقَابًا)، وهو ما دلَّ على رِفْعَةِ المسمَّى أو ضَعَتِهِ، (اوْ كُنًى) وهو ما صُدِّرَ بأبٍ أو أمٍّ (تُضَمّْ) أي: يُزادُ كلٌّ منهما على الاسمِ.

ثم هو أقسامٌ: الأولُ في الأسماءِ:

770 -

[كَأَجْمَدٍ وَكَجُبَيْبٍ سَنْدَرِ

وَشَكَلٍ صُنَابِحِ بْنِ الأَعْسَرِ]

[770]

مثالُ ذلك: (كَأَجْمَدٍ) بالجيمِ ابن عُجَيَّانِ بعينٍ مهملةٍ ثمَّ جيمٍ ومُثنَّاةٍ تحتانيةٍ، (وَكَجُبَيْبٍ) بضمِّ الجيمِ ومُوَحَّدَتَينِ، هو ابنُ الحارثِ، صاحبيٌّ، وكـ (سَنْدَرِ) بفتحِ المُهمَلَتَين بينهما نونٌ ساكنةٌ، الخَصِيِّ، (وَ)

ص: 487

كـ (شَكَلٍ) بفتحَتَين بنِ حُمَيدٍ العَبْسيِّ، صحابيٌّ، وكـ (صُنَابِحِ) بالضمِّ (بْنِ الأَعْسَرِ) البَجَليِّ الأحمَسيِّ، صحابيٌّ: ليسَ الصُّنابِحُ هو الصُّنابحيَّ؛ هذا صحابيٌّ، وذاك تابعيٌّ.

القسمُ الثَّاني: الكُنَى:

771 -

أَبِي مُعَيْدٍ [وَأَبِي الْمُدِلَّهْ

أَبِي مُرَايَةَ اسْمُهُ عَبْدُ الله

[771]

وكـ (أَبِي مُعَيْدٍ) مُصغَّرًا مُخفَّفَ الياءِ، حَفصُ بنُ غَيْلَانَ، (وَ) كـ (أَبِي الْمُدِلَّهْ) بضمِّ الميمِ وكسرِ المُهمَلةِ وتشديدِ اللَّامِ مولَى عائشةَ، وكـ (أَبِي مُرَايَةَ) بضمِّ الميمِ وتخفيفِ الراءِ فياءٍ تحتانيةٍ، (اسْمُهُ عَبْدُ الله) بنُ عمرٍو العِجْليُّ، تابعيٌّ.

تنبيهٌ:

عبدُ اللهِ بحذفِ الألِفِ من لفظِ الجلالةِ للوَزْنِ، وهو قَبيحٌ.

والقسمُ الثالثُ: الألقابُ:

772 -

سَفِينَةٍ مِهْرَانَ] ثُمَّ مِنْدَلِ

بِالْكَسْرِ فِي الْمِيمِ [وَفَتْحُهَا جَلِي]

[772]

وكـ (سَفِينَةٍ) بالصرفِ للضرورةِ، مولَى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،

ص: 488

واختُلِف في اسمِه على أقوالٍ، قيل:(مِهْرَانَ) بكسرٍ فسكونٍ، وقيل غيرُ ذلك، (ثُمَّ مِنْدَلِ) عمرِو بنِ عليٍّ العَنَزيِّ، الكوفيِّ (بِالْكَسْرِ فِي الْمِيمِ وَفَتْحُهَا جَلِي) أي: فتْحُ الميمِ واضحٌ، صوَّبه ابنُ ناصرٍ.

ص: 489

‌الأَسْمَاءُ والكُنَى

وهما النوعُ السَّابعُ والسِّتُّون والثَّامنُ والسِّتُّون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

773 -

وَاعْنَ بِالاسْمَا وَالْكُنَى [فَرُبَّمَا

يُظَنُّ فَرْدٌ عَدَدًا تَوَهُّمَا]

[773]

(وَاعْنَ) بفتحِ النونِ وكسرِها، أيِ: اهتَمَّ (بِالاسْمَا) وقصْرُها للوزنِ، أي: بمعرفةِ الأسماءِ لذَوِي الكُنى (وَالْكُنَى) بضمِّ الكافِ، لذَوِي الأسماءِ (فَرُبَّمَا يُظَنُّ)؛ لأنَّهُ رُبَّما يُظَنُّ (فَرْدٌ) أي: راوٍ واحدٌ (عَدَدًا) أي: متعدِّدًا (تَوَهُّمَا) فيتوهَّمُه رَجُلَين.

ثمَّ إنَّ هذا النوعَ أقسامٌ، القسم الأول:

774 -

فَتَارَةً يَكُونُ الاِسْمُ الْكُنْيَهْ

وَتَارَةً زَادَ عَلَى ذَا كُنْيَهْ

[774]

(فَتَارَةً يَكُونُ الاِسْمُ الْكُنْيَهْ) القسمُ الأولُ: هو الذي سُمِّي بالكُنية، لا اسمَ له غيرُها، كأبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ المقرئِ، والضَّربُ الثَّاني:(وَتَارَةً زَادَ عَلَى ذَا كُنْيَهْ) أي: زادَ على اسمِه الذي هو كنيةٌ كنيةً أُخرى؛

ص: 490

فصار كَأَنَّ لكُنيَتِه كُنيةً، كأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أحدِ الفقهاءِ السبعةِ، اسمُه أبو بكرٍ، وكُنيتُه أبو عبدِ الرحمنِ، وفيه قَولانِ آخَرانِ: أحدُهُما: أنَّ اسمَه محمَّدٌ، والثَّاني: أنَّ اسمَه كُنيَتُه.

والقسمُ الثَّاني:

775 -

وَمَنْ كُنِي وَلا نَرَى فِي النَّاسِ

اسْمًا لَهُ نَحْوُ أَبِي أُنَاسِ

[775]

(وَمَنْ كُنِي) أي: مَن عُرف بكُنيَتِه، (وَلا نَرَى) أي: والحالُ أنَّنا لا نعلَمُ (فِي النَّاسِ) أي: بينَهم (اسْمًا لَهُ) يعني: أنَّه لا يُعرَف من بينِ الناسِ اسمُه، وذلك (نَحْوُ أَبِي أُنَاسِ) اللَّيثيِّ، صحابيٌّ، وكأبي مُوَيْهِبةَ مولَى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأبي شاهٍ.

والقسمُ الثَّالِثُ:

776 -

وَتَارَةً تَعَدَّدُ الْكُنَى وَقَدْ

لُقِّبَ بِالْكُنْيَةِ مَعْ أُخْرَى وَرَدْ

[776]

(وَتَارَةً تَعَدَّدُ) أي: تتعدَّدُ (الْكُنَى) بأن تكونَ له كُنًى متعدِّدةٌ أكثرُ من كُنيةٍ، كابنِ جُريجٍ اسمُه عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ ابنُ جُريجٍ، وكُنيتُه: أبو الوَليدِ، وأبو خالدٍ.

ص: 491

والقسمُ الرابعُ:

(وَقَدْ لُقِّبَ) أي: تارةً قد لُقِّب الشخصُ (بِالْكُنْيَةِ) بأنْ شُبِّهتِ الكُنيةُ باللَّقَبِ (مَعْ أُخْرَى) أنَّه يوجَدُ للشخصِ لقبٌ بصورةِ الكُنيةِ: وله كُنيةٌ أُخرى حقيقةً كأبي ترابٍ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ، لقَّبه به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وكُنيتُه أبو الحسَنِ، (وَرَدْ) أي: حالَ كونِ هذا الاستِعمالِ واردًا.

والقسمُ الخامسُ:

777 -

وَمِنْهُمُ مَنْ فِي كُنَاهُمُ اخْتُلِفْ

لا اسْمٍ، وَعَكْسُهُ وَذَيْنِ أَوْ أُلِفْ

[777]

(وَمِنْهُمُ) أي: ومنَ الرواةِ (مَنْ فِي كُنَاهُمُ اخْتُلِفْ لا) في (اسْمٍ) لهم، أي: لا يختلِفون في أسمائهم، كأُسامةَ بنِ زيدٍ، لا اختِلافَ في اسمِه، وفي كُنيتِه اختلافٌ: أبو زيدٍ، أو أبو مُحمَّدٍ، أو أبو عبدِ اللهِ، أو أبو خارِجةَ.

والقسمُ السادسُ:

(وَعَكْسُهُ) منهم منِ اختَلَف العلماءُ في اسمِه، لا في كُنيتِه، كأبي بَصْرةَ الغِفاريِّ، حُمَيلٌ بالحاءِ المُهملةِ، أو جَمِيلٌ بالجيمِ مُكبَّرًا، وأبي هُريرةَ اختُلِفَ في اسمِه واسمِ أبيه على أقوالٍ، قيل: ثلاثين.

والقسمُ السابعُ:

(وَذَيْنِ) أي: ومنهم مَن اختَلَف العلماءُ في اسمِه وكُنيتِه، كسفينةَ مولَى

ص: 492

رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسمُه عُميرٌ، أو صالحٌ، أو مِهرانُ، أو غيرُه، وكُنيتُه أبو عبدِ الرحمنِ، أو أبو البَخْتَريِّ.

والقسمُ الثامنُ:

(أَوْ أُلِفْ) أي: منهم من أُلِفَ: أي: عُلِمَ له.

778 -

كِلاهُمَا، وَمِنْهُمُ مَنِ اشْتَهَرْ

بِكُنْيَةٍ أَوْ بِاسْمِهِ، إِحْدَى عَشَرْ

[778]

(كِلاهُمَا) أيِ: الكُنيةُ والاسمُ، والمعنى: أنَّ منَ الرواةِ مَن عُلم اسمُه وكُنيتُه، ولم يُخْتَلَف في واحدٍ منهما، كالخُلفاءِ الأربعةِ.

والقسمُ التاسعُ:

(وَمِنْهُمُ) أيِ: الرواةِ (مَنِ اشْتَهَرْ) بين العلماءِ (بِكُنْيَةٍ) له دون اسمِه، كأبي الضُّحى مُسلِمِ بنِ صُبَيحٍ، وأبي إدريسَ الخَوْلانيِّ عائذِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ.

والقسمُ العاشرُ:

(أَوْ) منِ اشتَهَر (بِاسْمِهِ) دون كُنيتِه، وإنْ كانت له كُنيةٌ مُعيَّنةٌ، كطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، أبو مُحمَّدٍ، فجُملةُ ما في هذا البابِ (إِحْدَى عَشَرْ) قِسمًا بجَعلِ القسمِ الذي هو مَن سُمِّيَ بالكُنيةِ لا اسمَ له غيرُها ضَربَينِ.

ص: 493

‌أَنْوَاعْ عَشَرَةْ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالكُنَى

مَزِيدَةْ عَلَى ابْنِ الصَّلاحِ وَالأَلفِيَّةِ

وبها تصيرُ الأنواعُ ثمانيةً وسبعينَ نَوعًا

الأولُ منَ الأنواعِ:

779 -

[وَأَلَّفَ الْخَطِيبُ فِي الَّذِي وَفَا

كُنْيَتُهُ مَعَ اسْمِهِ مُؤْتَلِفَا

780 -

مِثْلُ «أَبِي الْقَاسِمِ» وَهْوَ «الْقَاسِمُ»

فَذَاكِرٌ بِوَاحِدٍ لا وَاهِمُ

[779]

(وَأَلَّفَ) الحافظُ أبو بكرٍ (الْخَطِيبُ) البغداديُّ (فِي) بيانِ الراوي (الَّذِي وَفَا) أي: أتى (كُنْيَتُهُ مَعَ اسْمِهِ مُؤْتَلِفَا) أي: مُتَّفِقًا، والمعنى: أنَّ الخطيبَ ألَّفَ جزءًا فيمن اتَّفَق اسمُه مع كُنيَتِه منَ الرواةِ.

[780]

(مِثْلُ «أَبِي الْقَاسِمِ» وَهْوَ «الْقَاسِمُ») بنُ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ الطَّيلَسانُ الأوسيُّ، من مُحدِّثي الأندلُسِ؛ فإذا عُرِفَ هذا (فَذَاكِرٌ) في سندِه لمَن كان كذلك (بِوَاحِدٍ) منَ الكُنيةِ، أوْ الاسمِ (لا وَاهِمُ) أي: غالطٌ، أي: لا يُحكَمُ عليه بأنَّه غَلِطَ في ذلك.

ص: 494

الثَّاني منَ الأنواعِ:

781 -

وَفِي الَّذِي كُنْيَتُهُ قَدْ أُلِفَا

اسْمَ أَبِيهِ غَلَطٌ بِهِ انْتَفَى

[781]

(وَ) ألَّف الخطيبُ أيضًا (فِي) معرفةِ الراوي (الَّذِي كُنْيَتُهُ قَدْ أُلِفَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: وافَقَ (اسْمَ أَبِيهِ غَلَطٌ بِهِ) أي: بسببِ معرفتِه (انْتَفَى) يعني: أنَّ فائدتَه: انتفاءُ الغلطِ بسببِ معرفتِه عمَّن نسَبَه إلى أبيه، مثالُه:

782 -

نَحْوُ «أَبِي مُسْلِمٍ بْنِ مُسْلِمِ»

هُوَ «الأَغَرُّ الْمَدَنِيُّ» فَاعْلَمِ

[782]

(نَحْوُ «أَبِي مُسْلِمٍ بْنِ مُسْلِمِ») واسمُه (هُوَ «الأَغَرُّ الْمَدَنِيُّ») وهو غيرُ سَلْمانَ الأَغَرِّ (فَاعْلَمِ) أيُّها المُحدِّثُ هذا ونظائرَه؛ فإنَّه مُفيدٌ.

الثَّالِثُ منَ الأنواعِ:

783 -

وَأَلَّفَ الأَزْدِيُّ عَكْسَ الثَّانِي

نَحْوُ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانِ

[783]

(وَأَلَّفَ) الحافظُ أبو الفَتحِ (الأَزْدِيُّ) المَوصِليُّ (عَكْسَ الثَّانِي) وهو مَن وافَقَ اسمُه كُنيةَ أبيه (نَحْوُ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانِ) الدِّيليِّ المَدَنيِّ.

ص: 495

الرَّابِعُ منَ الأنواعِ:

784 -

وَأَلَّفُوا مَنْ وَرَدَتْ كُنْيَتُهُ

وَوَافَقَتْهُ كُنْيَةً زَوْجَتُهُ

785 -

مِثْلُ «أَبِي بَكْرٍ» وَ «أُمِّ بَكْرِ»

كَذَا «أَبُو ذَرٍّ» وَ «أُمُّ ذَرِّ»

[784]

(وَأَلَّفُوا) أي: جماعةٌ منَ الحُفَّاظِ، كأبي الحسنِ بن حَيُّوَيْهِ، وابنِ عساكِرَ (مَنْ وَرَدَتْ) أي: أتت (كُنْيَتُهُ) منَ الرواةِ (وَ) الحالُ أنَّه (وَافَقَتْهُ كُنْيَةً زَوْجَتُهُ) وهم كَثيرون.

[785]

(مِثْلُ «أَبِي بَكْرٍ») الصِّدِّيقِ رضي الله عنه (وَ) زوجَتِه («أُمِّ بَكْرِ») ولم يصحَّ إسلامُها، و (كَذَا «أَبُو ذَرٍّ») الغِفاريُّ جُنْدَبُ بنُ جُنادةَ (وَ «أُمُّ ذَرِّ») امرأةُ أبي ذرٍّ.

الخامِسُ منَ الأنواعِ:

786 -

وَفِي الَّذِي وَافَقَ فِي اسْمِهِ الأَبَا

نَحْوُ «عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ» نَسَبَا

787 -

وَإِنْ يَزِدْ مَعْ جَدِّهِ فَحَسِّنِ

كَالْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ

[786]

(وَ) ألَّفوا أيضًا: منهم أبو الفَتحِ الأزديُّ (فِي) بيانِ معرفةِ

ص: 496

الراوي (الَّذِي وَافَقَ فِي اسْمِهِ الأَبَا) أيِ: اسمِ الأبِ (نَحْوُ «عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ») بن عَمِيرةَ بفتحِ العينِ، الكنديِّ (نَسَبَا)، أي: منسوبًا إلى أبيه.

[787]

(وَإِنْ يَزِدْ) الرَّاوي الموافقُ في اسمِ أبيه المُوافقةَ (مَعْ) اسمِ (جَدِّهِ) بأن تتَّفِقَ أسماؤهم (فَحَسِّنِ) أيِ: احكُمْ -أيُّها المُحدِّثُ- على هذا النَّوعِ بأنه حسنٌ (كَالْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ) بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ الهاشميِّ، سِبطِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ورَيحانتِه.

السادسُ منَ الأنواعِ:

788 -

أَوْ شَيْخَهُ وَشَيْخَهُ قَدْ بَانَا

عِمْرَانُ عَنْ عِمْرَانَ عَنْ عِمْرَانَا

[788]

(أَوْ) بمعنى الواوِ (شَيْخَهُ) أي: وألَّفوا أيضًا فيمَن وافَقَ اسمُه اسمَ شيخِه، وممَّن ألَّف فيه أبو موسى المدينيُّ، (وَشَيْخَهُ) أي: شيخَ شيخِه (قَدْ بَانَا) بألِفِ الإطلاقِ، أيِ: اتَّضَح مِثالًا لهذا النوعِ: (عِمْرَانُ) بنُ مُسلِمٍ المِنقَرِيُّ (عَنْ عِمْرَانَ) بنِ مِلْحانَ بكَسرٍ فسكونٍ، ابنِ تيمٍ أبو رجاءٍ العَطارِديِّ، مشهورٌ بكُنيَتِه (عَنْ عِمْرَانَا) بنِ الحُصينِ رضي الله عنه.

السَّابِعُ منَ الأنواعِ:

789 -

أَوِ اسْمُ شَيْخٍ لأَبِيهِ يَأْتَسِي

«رَبِيعٌ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ»

[789]

(أَوِ اسْمُ شَيْخٍ لأَبِيهِ يَأْتَسِي) أي: يَقتدِي بمعنى: أنَّه قد يتَّفِقُ

ص: 497

اسمُ شيخِ الراوي مع اسمِ أبيه، ومِثالُه:(«رَبِيعٌ بْنُ أَنَسٍ) البَكْريُّ (عَنْ أَنَسِ») بنِ مالكٍ الصَّحابيِّ، وليس والِدًا له، بل وافَقَ اسمُه اسمَ والِدِه.

الثَّامنُ منَ الأنواعِ:

790 -

أَوْ شَيْخُهُ وَالرَّاوِ عَنْهُ الْجَارِي

يَرْفَعُ وَهْمَ الْقَلْبِ وَالتَّكْرَارِ

791 -

مِثْلُ: «الْبُخَارِي رَاوِيًا عَنْ مُسْلِمِ

وَمُسْلِمٌ عَنْهُ رَوَى» فَقَسِّمِ

[790]

(أَوْ) وافَقَ (شَيْخُهُ وَ) اسمُ (الرَّاوِ عَنْهُ الْجَارِي) أيِ: الذي يَجرِي معه، أيِ: اتَّفَق اسمُ شيخِه واسمُ الراوي عنه، (يَرْفَعُ) علمُ هذا النَّوعِ (وَهْمَ الْقَلْبِ) أي: تَوهُّمَ أنَّ هذا الاسمَ في السندِ مقلوبٌ، (وَ) تَوَهُّمَ (التَّكْرَارِ) أي: كَونِه وَقَع تَكرارًا.

[791]

(مِثْلُ) الإمامِ أبي عبدِ اللهِ («الْبُخَارِي) حالَ كونِه (رَاوِيًا عَنْ مُسْلِمِ) بنِ إبراهيمَ الأزديِّ أبي عمرٍو البصريِّ، (وَمُسْلِمٌ) بنُ الحجَّاجِ صاحبُ «الصَّحيحِ» (عَنْهُ رَوَى») أي: نَقَل عنِ البخاريِّ حديثًا؛ (فَقَسِّمِ) أي: فرِّقْ بينهما على الوجهِ الذي ذَكَرْناه.

792 -

وَفِي الصَّحِيحِ قَدْ رَوَى الشَّيْبَانِي

عَنْ ابْنِ عَيْزَارٍ عَنْ الشَّيْبَانِي

[792]

(وَفِي الصَّحِيحِ) أي: «صحيحِ البخاريِّ» (قَدْ رَوَى) سليمانُ بنُ

ص: 498

أبي سليمانَ، فيروزٌ (الشَّيْبَانِي) الكوفيُّ (عَنْ) الوليدِ (ابْنِ عَيْزَارٍ) بفَتحِ العينِ وسُكونِ الياءِ، بنِ حُرَيثٍ العَبديِّ (عَنْ) أبي عمرٍو سعدِ بنِ إياسٍ (الشَّيْبَانِي) الكوفيِّ.

وحاصلُ المعنى: أنَّه وَقع من هذا النوعِ في «صحيحِ البخاريِّ» ؛ حيث روى الشيبانيُّ، عنِ الوليدِ بنِ العَيزارِ، عنِ الشَّيبانيِّ؛ فاتَّفَقت نِسبةُ الشيخِ للوليدِ مع نِسبةِ الرَّاوي عنه؛ فهو نظيرُ ما قَبْلَه.

التَّاسِعُ منَ الأنواعِ:

793 -

أَوِ اسْمُهُ وَنَسَبٌ فَادَّكِرِ

كَحِمْيَرِيِّ بْنِ بَشِيرِ الْحِمْيَرِي

[793]

(أَوِ) اتَّفقَ (اسْمُهُ) أيِ: الرَّاوي (وَنَسَبٌ) له (فَادَّكِرِ) أي: تذكَّرْه؛ فإنَّه منَ النوادرِ (كَحِمْيَرِيِّ) بكسرٍ فسكونٍ بلفظِ النَّسَبِ (بْنِ بَشِيرِ الْحِمْيَرِي).

العاشِرُ منَ الأنواعِ:

794 -

وَمَنْ بِلَفْظِ نَسَبٍ فِيهِ سُمِي

مِثَالُهُ الْمَكِّيُّ ثُمَّ الْحَضْرَمِي]

[794]

(وَمَنْ بِلَفْظِ نَسَبٍ فِيهِ) أي: في هذا النوعِ (سُمِي) بتخفيفِ الميمِ لغةٌ في سُمِّيَ بالتَّشديدِ.

ص: 499

وحاصلُ المعنى: أنَّ منَ الرواةِ مَن سُمِّي بلفظِ النسَبِ، وهو قريبٌ منَ الذي قَبْلَه؛ (مِثَالُهُ) أي: مثالُ هذا النوعِ: (الْمَكِّيُّ) بنُ إبراهيمَ بنِ بَشيرٍ التَّميميُّ البَلْخيُّ أبو السَّكَنِ، (ثُمَّ الْحَضْرَمِي) والدُ العلاءِ، وحَضْرَميُّ بنُ عَجْلانَ مولَى الجارودِ، وحَضْرميُّ بنُ لاحِقٍ التميميُّ اليامِي القاصُّ.

ص: 500

‌الأَلقَابُ

وهو النوعُ التاسعُ والسَّبعونُ من أنواعِ علومِ الحديثِ:

795 -

وَاعْنَ بِالالْقَابِ لِمَا تَقَدَّمَا

وَسَبَبِ الْوَضْعِ [وَأُلِّفْ فِيهِمَا

796 -

كَعَارِمٍ وَقَيْصَرٍ] وَغُنْدَرِ

[لِسَتَّةٍ] مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ

[795]

(وَاعْنَ) أيِ: اجعَلْ -أيُّها الطَّالِبُ- من عِنايَتِك الِاهتمامَ (بِالالْقَابِ) أي: بمعرفةِ ألقابِ المُحدِّثين (لِمَا تَقَدَّمَا) أي: لئلَّا يَتَوهَّمَ مَن لا مَعرِفةَ له بهذا الفنِّ الشخصَ الواحدَ جماعةً، (وَ) اعنَ أيضًا بمَعرِفةِ (سَبَبِ الْوَضْعِ) للألقابِ، (وَأُلِّفْ فِيهِمَا) فقد ألَّفَ ابنُ الجَوزيِّ «كَشْفَ النِّقابِ» ، وجَمَعها كُلَّها مع الزِّياداتِ الحافظُ في «نُزهةِ الألبابِ في الألقابِ» .

[796]

(كَعَارِمٍ) لمُحمَّدِ بنِ الفضلِ السَّدُوسيِّ، (وَقَيْصَرٍ) لقبُ أبي النَّضْرِ هاشِمِ بنِ القاسمِ الليثيِّ، (وَ) كـ (غُنْدَرِ) كثيرِ الشَّغَبِ، وهو لَقبٌ (لِسَتَّةٍ) كلُّ واحدٍ منهمُ اسمُه (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ)، أوَّلُهم أبو عبدُ اللهِ البصريُّ، صاحِبُ شُعبةَ.

ص: 501

797 -

وَالضَّالِ وَالضَّعِيفِ سَيِّدَانِ

[وَيُونُسَ الْقَوِيِّ ذُو لِيَانِ

798 -

وَيُونُسَ الْكَذُوبِ وَهْوَ مُتْقِنُ

وَيُونُسَ الصَّدُوقِ وَهْوَ مُوهِنُ]

[797]

(وَ) كـ (الضَّالِ) لقبُ مُعاوِيةَ بنِ عبدِ الكريمِ؛ لأنَّه ضلَّ في طريقِ مكَّةَ، (وَ) كـ (الضَّعِيفِ) لَقبٌ لعبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدٍ؛ لُقِّب به لضَعفٍ في جِسمِه، لا في حَديثِه، (سَيِّدَانِ) أي: الضَّالُّ والضَّعيفُ سيِّدانِ، (وَ) كـ (يُونُسَ الْقَوِيِّ ذُو لِيَانِ) بكسرِ اللَّاِم، بمعنى ضَعفٍ، أبو الحَسنِ يونُسُ بنُ يزيدَ القويُّ، والذي في «فتحِ المُغيثِ»: القويُّ لقبٌ للحسنِ بنِ يزيدَ بنِ فَرُّوخٍ أبي يونُسَ، ولعلَّه انقَلَب على الناظِمِ اسمُه بكُنيَتِه وبالعكسِ.

[798]

(وَ) كـ (يُونُسَ الْكَذُوبِ) في عصرِ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ، ثقةٌ، (وَهْوَ مُتْقِنُ) فهو من بابِ الأضدادِ، (وَ) كـ (يُونُسَ) بنِ مُحمَّدٍ (الصَّدُوقِ) من صغارِ الأتباعِ كذَّابٌ، (وَهْوَ مُوهِنُ) أي: دَخَل في الضَّعفِ.

ص: 502

‌المُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ

وهو النوعُ الثَّمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

799 -

أَهَمُّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ مَا ائْتَلَفْ

خَطًّا وَلَكِنْ لَفْظُهُ قَدِ اخْتَلَفْ

[799]

(أَهَمُّ أَنْوَاعِ) علومِ (الْحَدِيثِ) أي: من أهمِّها (مَا ائْتَلَفْ) أيِ: اتَّفَق (خَطًّا) أي: من حيثُ الخطُّ، (وَلَكِنْ) مع ذلك (لَفْظُهُ) أيِ: التَّلفُّظُ به (قَدِ اخْتَلَفْ).

800 -

[وَجُلُّهُ يُعْرَفُ بِالنَّقْلِ وَلا

يُمْكِنُ فِيهِ ضَابِطٌ قَدْ شَمِلا

[800]

(وَجُلُّهُ) أي: مُعظَمُه (يُعْرَفُ) أي: يُعلَمُ (بِالنَّقْلِ) عنِ الأئمَّةِ العارِفين به، (وَلا يُمْكِنُ فِيهِ) أي: في هذا النوعِ الجُلُّ (ضَابِطٌ) أي: قانونٌ كلِّيٌّ (قَدْ شَمِلا) أي: جَمَع.

ص: 503

801 -

أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَهُ «عَبْدُ الْغَنِي»

وَ «الذَّهَبِيُّ» آخِرًا، ثُمَّ عُنِي

802 -

بِالْجَمْعِ فِيهِ «الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ»

فَجَاءَ أَيَّ جَامِعٍ مُحَرَّرِ

[801]

(أَوَّلُ) أيِ: أسبَقُ (مَنْ صَنَّفَهُ) أي: هذا النَّوعَ مفردًا («عَبْدُ الْغَنِي») بنُ سَعيدٍ الأزديُّ المصريُّ، صنَّف كِتابَ «المُؤتلفِ والمُختلِفِ في أسماءِ نَقَلةِ الحديثِ» ، وكتابَ «مُشتبهِ النِّسبةِ» ، ثمَّ صنَّف شَيخُه الدَّارقُطنيُّ، وهو حافِلٌ، واستدرك عليهِما الخطيبُ، وجَمَعها مع زياداتٍ أبو نصرِ بنُ مَاكُولَا، وهو أكمَلُ التَّصانيفِ فيه، ثمَّ ذيَّل عليه جماعةٌ، (وَ) صنَّف الحافظُ شمسُ الدينِ («الذَّهَبِيُّ» آخِرًا) أي: متأخِّرًا عن هؤلاءِ المذكورين، وسَمَّى كتابَه «المُشتبِهَ في أسماءِ الرجالِ» ، (ثُمَّ) جاء بعدَه فـ (عُنِي) أيِ: اشتغَلَ.

[802]

(بِالْجَمْعِ فِيهِ) أيِ: المُؤتلِفِ والمُختلِفِ («الْحَافِظُ) أحمدُ بنُ عليٍّ (ابْنُ حَجَرِ»)؛ فألَّف كتابَه المُسمَّى «تبصيرَ المُنتبِهِ بتحريرِ المُشتبِهِ» ؛ (فَجَاءَ) كتابُه هذا جامِعًا لأنواعِ المُختلِفِ والمُؤتلِفِ، حالَ كونِه (أَيَّ جَامِعٍ مُحَرَّرِ) أي: كاملًا في جَمْعِه وتحريرِه.

ص: 504

803 -

وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ مِمَّا اخْتَصَرْ

ابْنُ الصَّلاحِ مَعْ زَوَائِدٍ أُخَرْ

[803]

(وَهَذِهِ) الأسماءُ الآتيةُ (أَمْثِلَةٌ مِمَّا اخْتَصَرْ) الحافظُ النَّاقدُ أبو عَمْرِو (ابْنُ الصَّلاحِ) في كتابِه المشهورِ (مَعْ زَوَائِدٍ أُخَرْ) مأخوذةٌ منَ الكتبِ المتقدِّمة.

فمنها: «الأسفَعُ» و «الأسقَعُ» .

804 -

بَكْرِيُّهُمْ وَابْنُ شُرَيْحٍ «أَسْفَعُ»

وَجَاهِلِيُّونَ، وَغَيْرٌ «أَسْقَعُ»

[804]

(بَكْرِيُّهُمْ) أيِ: الرجلُ المنسوبُ إلى بني بكرٍ، (وَ) كذا (ابْنُ شُرَيْحٍ) كلٌّ منهما اسمُه («أَسْفَعُ») بالسينِ المُهملةِ والفاءِ، والمعنى: أنَّ البكريَّ يُقالُ له: الأسفَعُ البكريُّ، وكذا ابنُ شَريحٍ الجَرْميُّ اسمُه أسفَعُ بنُ شُريحٍ، (وَ) كذا رجالٌ (جَاهِلِيُّونَ) كلُّ واحدٍ منهم بهذا الضبطِ، وهم يَزيدُ بنُ ثُمامةَ بنِ الأسفَعِ بنِ الأوبَرِ، والأسفَعُ بنُ الأجدعِ، (وَغَيْرٌ) أي: غيرُ هؤلاءِ المذكورين، («أَسْقَعُ») وهم جماعة؛ منهم: واثلةُ بنُ الأسقعِ الليثيُّ الصحابيُّ.

ص: 505

ومنها: «أُسَيد» بالتَّصغيرِ مع «أَسِيد» بالتَّكبيرِ.

805 -

«أُسَيْدُ» بِالضَّمِّ وَبِالتَّصْغِيرِ

أَبْنَا أَبِي الْجَدْعَاءِ وَالْحُضَيْرِ

806 -

وَأَخْنَسٍ أُحَيْحَةٍ وَثَعْلَبَهْ

وَابْنِ أَبِي إِيَاسِ فِيمَا هَذَّبَهْ

[805]

(«أُسَيْدُ» بِالضَّمِّ) لهَمزهِ (وَبِالتَّصْغِيرِ أَبْنَا) جمعُ ابنٍ قُصِر للضرورةِ، (أَبِي الْجَدْعَاءِ) أُسيدِ بنِ أبي الجدْعاءِ، يُقال: له صحبةٌ، (وَ) أُسيد بنُ (الْحُضَيْرِ) الصحابيُّ.

[806]

(وَ) أُسيدُ بنُ (أَخْنَسٍ)، وهو ابنُ الأخنسِ بنُ شَرِيق، بفتحِ الشينِ، وأُسيدُ بن (أُحَيْحَةٍ) بهمزةٍ مضمومةٍ، ابنُ خلفٍ الجُمَحيُّ، من مُسلِمةِ الفتحِ، (وَ) أُسيدُ بنُ (ثَعْلَبَهْ) له صحبةٌ، (وَ) أُسيد (ابْنِ أَبِي إِيَاسِ)، هكذا «إياس» بالياءِ، والذي في «الإصابة» أسيد بن أبي أُناس -بالنونِ-، وهو صحابيٌّ، وهذا الضبط (فِيمَا هَذَّبَهْ) أي: في القولِ الذي حرَّره النُّقَّاد مِن ضبطِه، فقوله:«فيما هذَّبَه» خبرٌ لمحذوفٍ، أي: عَدُّ ابن أبي أُناس في أُسيدٍ بضمِّ الهمزةِ وفتحِ السين - كائنٌ في القولِ الذي حرَّره مَن حقَّقَه.

ص: 506

807 -

وَرَافِعٍ سَاعِدَةٍ وَزَافِرِ

كَعْبٍ وَيَرْبُوعٍ ظُهَيْرٍ عَامِرِ

808 -

ثُمَّ أَبُو عُقْبَةَ مَعْ تَمِيمِ

وَجَدُّ قَيْسٍ صَاحِبٍ تَمِيمِي

[807]

(وَ) أُسيدُ بنُ (رَافِعٍ) بن خَديجٍ، وأُسيد بنُ (سَاعِدَةٍ) ابنِ عاصمٍ الأنصاريُّ الحارثيُّ، صحابيٌّ، (وَ) أُسيد بنُ (زَافِرِ) والِي إِرْمِينيَةَ، وأُسيدُ بن (كَعْبٍ) القرظيُّ، (وَ) أُسيد بنُ (يَرْبُوعٍ) السَّاعدي شهِد أُحدًا، وأُسيد بنُ (ظُهَيْرٍ) ابنِ رافعٍ الأنصاريُّ الحارثيُّ، له ولأبيه صحبةٌ، وأُسيدُ بنُ (عَامِرِ) بنِ سَلْمٍ، أحدُ الحُفَّاظِ.

ولما أنهى المنسوبَ إلى الأبناءِ أتبعَه بما هو منسوبٌ إلى الآباء فقال:

[808]

(ثُمَّ أَبُو عُقْبَةَ) أي: والدُ عقبةَ، وهو أُسيدٌ الصدَفيُّ، تابعي، (مَعْ) والدِ (تَمِيمِ) أُسيد أبو رِفاعةَ، الصحابيُّ، (وَجَدُّ قَيْسٍ) أي: جدُّ قيسِ بنِ عاصمِ بنِ أُسيد بنِ جَعْوَنَةَ (صَاحِبٍ) أي: هو صاحبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، يعني: أنَّ قيسًا هذا صحابيٌّ (تَمِيمِي) منسوبٌ إلى بني تميمٍ.

ص: 507

809 -

وَاكْنِ «أَبَا أُسَيْدٍ» الْفَزَارِي

وَابْنَا عَلِي وَثَابِتٍ بُخَارِي

[809]

(وَاكْنِ) أيُّها المحدِّثُ («أَبَا أُسَيْدٍ» الْفَزَارِي وَابْنَا عَلِي وَثَابِتٍ) يعني: أنَّ ابنَ عليٍّ، وابنَ ثابتٍ: يُكْنَيانِ بأبي أُسيد، فأمَّا ابنُ عليٍّ؛ فهو أبو أُسَيد بنُ عليِّ بنِ مالكٍ الأنصاريُّ، وأمَّا ابنُ ثابتٍ؛ فهو عبدُ اللهِ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ، خادمُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (بُخَارِي) منسوبٌ إلى بُخَارَى، وسوف يأتي الكلامُ على «بُخارِي ونجَّارِي» .

ومنها «أَمَنَةُ» و «أُمَيَّة» ، و «آمِنَةُ» وقد ذَكَرها بقوله:

810 -

ثُمَّ ابْنُ عِيسَى وَهْوَ فَرْدٌ «أَمَنَهْ»

وَغَيْرُهُ «أُمَيَّةٌ» أَوْ «آمِنَهْ»

[810]

(ثُمَّ ابْنُ عِيسَى وَهْوَ فَرْدٌ) أي: والحالُ أنه منفرِدٌ بهذا الاسمِ («أَمَنَهْ») بوزنِ حَسَنةٍ، (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عيسى إمَّا («أُمَيَّةٌ») بضمِّ الهمزةِ وتشديدِ الياءِ مصغَّرًا، وهو كثيرٌ، (أَوْ «آمِنَهْ») بهمزةٍ ممدودةٍ بوزنِ فاطمةَ.

ومنها «أَتَش» و «أنس» ، وقد ذكَرَهما بقوله:

811 -

مُحَمَّدُ بْنُ «أَتَشَ» الصَّنْعَانِي

بِالتَّاءِ وَالشِّينِ بِلا تَوَانِ

[811]

(مُحَمَّدُ بْنُ «أَتَشَ» الصَّنْعَانِي) وهو مُحمَّدُ بنُ الحسنِ بنِ أَتَشٍ (بِالتَّاءِ وَالشِّينِ بِلا تَوَانِ) أي: هذا الضبطُ محقَّقٌ بلا تساهُلٍ.

ص: 508

ومنها «أَثوَب» مع «أيُّوب» كما ذكَرَهما بقوله:

812 -

«أَثْوَبُ» نَجْلُ عُتْبَةٍ وَالأَزْهَرِ

وَوَالِدُ الْحَارِثِ، ثُمَّ اقْتَصِرِ]

[812]

(«أَثْوَبُ») بفتحِ الهمزةِ وسكونِ المثلَّثة وفتحِ الواو (نَجْلُ) أيِ: ابنُ (عُتْبَةٍ) له صحبةٌ، (وَ) أَثوَبُ نجلُ (الأَزْهَرِ وَ) أثوبُ (وَالِدُ الْحَارِثِ) وهو خطأٌ، وإنَّما هو ثُوَب بلا ألفٍ، (ثُمَّ) إذا عرفْتَ هؤلاءِ الثلاثةَ أثوبُ بوزن أفضل فـ (اقْتَصِرِ) عليهم؛ فإن غيرَهم أيُّوبُ.

ومنها «بَرَّاء» بالتشديدِ مع «بَرَاء» بالتخفيفِ، ذكَرَهما بقوله:

813 -

وَأَبَوَا عَالِيَةٍ وَمَعْشَرِ

[أُذَيْنَةٌ حَمَّادُ]«بَرَّاءُ» اذْكُرِ

[813]

(وَأَبَوَا) بصيغةِ التثنيةِ (عَالِيَةٍ وَمَعْشَرِ أُذَيْنَةٌ حَمَّادُ «بَرَّاءُ») أي: لقبُ أبي العاليةِ وأبي معشرٍ وأذينةَ وحمادٍ: بَرَّاءُ بفتحِ الباءِ وتشديدِ الراءِ، أبو العاليةِ، واسمُه زيادُ بنُ فيروزٍ، وأبو معشرٍ يوسفُ بنِ يزيدَ البصريُّ، وأُذَينةَ، وحمادُ بنُ سعيدٍ المازِنيُّ البصريُّ (اذْكُرِ) أي: اذكُرْ هذا، وأمَّا غيرُه فالبَراءُ بالفتحِ وتخفيفِ الراءِ.

ص: 509

ومنها «النَّجَّاري» مع «البُخَاري» ، أشار إليه بقوله:

814 -

[إِلَى بُخَارَى نِسْبَةُ الْبُخَارِي

وَمَنْ مِنَ الأَنْصَارِ فَالنَّجَّارِي

815 -

وَلَيْسَ فِي الصَّحْبِ وَلا الأَتْبَاعِ

مَنْ يُنْسَبُ الأَوَّلَ بِالإِجْمَاعِ]

[814]

(إِلَى بُخَارَى) بضمِّ الباءِ (نِسْبَةُ الْبُخَارِي) يعني: منسوبًا إلى البلدةِ المشهورةِ، وهو كثيرٌ في الأنسابِ، (وَمَنْ مِنَ الأَنْصَارِ) أي: ومَن كان منَ الأنصارِ من أولادِ الصحابةِ والتابعين (فَـ) هو (النَّجَّارِي) أي: منسوبٌ إلى بني النَّجَّارِ.

[815]

(وَلَيْسَ فِي الصَّحْبِ وَلا الأَتْبَاعِ) أيِ: الصحابةِ والتابعين (مَنْ يُنْسَبُ الأَوَّلَ) وهو بُخَارَى، وهذا (بِالإِجْمَاعِ) منَ العلماءِ.

ومنها «خَدِيج» ، مع «حُدَيجٍ» أشار إليهما بقوله:

816 -

وَالِدَ رَافِعٍ وَفَضْلٍ كَبِّرِ

«خَدِيجَ» أَهْمِلْ غَيْرَ ذَا وَصَغِّرِ

[816]

(وَالِدَ رَافِعٍ وَفَضْلٍ كَبِّرِ) يعني: أنَّ والدَ رافعٍ وفضلٍ مكبَّر («خَدِيجَ») بفتحِ الخاءِ المعجمةِ وكسرِ الدالِ المهملةِ (أَهْمِلْ) أيِ: انطِقْ به مهمَلًا بلا نقطةٍ على الحاءِ، (غَيْرَ ذَا) أي: غيرَ خَدِيجٍ المذكورِ (وَصَغِّرِ) فتقول: حُدَيْجٌ.

ص: 510

وحاصلُ المعنى: أن رافعَ بنَ خَدِيج، وفضْلَ بنَ خديجٍ أبوهما مكبَّر ومعجَمٌ، وأما غير ذلك فهو حُدَيج بحاءٍ مهملةٍ آخرُه جيمٍ مصغرًا، وهو كثيرٌ.

ومنها «حِرَاش» مع «خِرَاش» ، أشار إليهِما بقولِه:

817 -

[«حِرَاشٌ» بْنُ مَالِكٍ] كَوَالِدِ

رِبْعِيٍّ اهْمِلْهُ بِغَيْرِ زَائِدِ

[817]

(«حِرَاشٌ» بْنُ مَالِكٍ) معاصرٌ لشعبةَ (كَوَالِدِ رِبْعِيٍّ) وإخوتِه (اهْمِلْهُ) أي: اضبِطْه بحاءٍ مهملةٍ مكسورةٍ (بِغَيْرِ) شخصٍ (زَائِدِ) على هَذَين؛ فإنَّ غيرَهما خِراشٌ بخاءٍ معجمةٍ.

ومنها «حِزَام» و «حَرَام» ، أشار إليهِما بقولِه:

818 -

كُلُّ قُرَيْشِيٍّ حِزَامٌ [«وَهْوَ جَمّْ]

وَمَا فِي الَانْصَارِ «حَرَامٌ» مِنْ عَلَمْ

[818]

(كُلُّ قُرَيْشِيٍّ حِزَامٌ) أي: كلُّ مَن كان قريشيًّا فاسمُه حِزامٌ، بحاءٍ مهملةٍ مكسورةٍ وزايٍ معجمةٍ، (وَهْوَ جَمّْ) كثيرٌ، (وَمَا) أيِ: الذي وقَع (فِي الأَنْصَارِ «حَرَامٌ») بحاءٍ وراءٍ مهملتَين (مِنْ عَلَمْ).

ص: 511

ومنها «حُضَيْر» و «خُضَيْر» أشار إليهِما بقولِه:

819 -

[أُهْمِلَ لَيْسَ غَيْرٌ «الْحُضَيْرُ»

أَبُو أُسَيْدٍ غَيْرُهُ «خُضَيْرُ» ]

[819]

(أُهْمِلَ) أي: بحاءٍ مهملةٍ (لَيْسَ غَيْرٌ) أي: ليس غيرُه بهذا الضبطِ («الْحُضَيْرُ») بضمِّ حاءٍ مهملةٍ فضادٍ معجمةٍ بصيغةِ التصغيرِ (أَبُو أُسَيْدٍ) مصغَّرًا، (غَيْرُهُ) أي: غيرُ حُضيرٍ أبي أُسَيد («خُضَيْرُ») بضمِّ خاءٍ معجمةٍ فضادٌ بصيغةِ التصغيرِ أيضًا.

ومنها «حَنَّاط» و «خَبَّاط» و «خَيَّاط» ، ذكرها بقولِه:

820 -

عِيسَى وَمُسْلِمٌ هُمَا حَنَّاطُ

وَإِنْ تَشَا خَبَّاطٌ «أَوْ خَيَّاطُ

[820]

(عِيسَى) بنُ أبي عيسى، (وَمُسْلِمٌ) بنُ أبي مسلمٍ (هُمَا حَنَّاطُ) أي: يُقال له: حنَّاط، (وَإِنْ تَشَا) أيُّها المحدِّثُ أن تَزيدَ لهما وصفًا؛ فقل:(خَبَّاطٌ» أَوْ خَيَّاطُ) فبأيِّ وَصْفٍ وُصِفَ به كلُّ واحدٍ منهما كان صحيحًا، والغلَطُ لذلك مأمونٌ فيهما.

ص: 512

ومنها «الجَرِيرِيّ» و «الحَرِيرِيّ» ، ذكَرهما بقولِه:

821 -

[وَصِفْ أَبَا الطَّيِّبِ بِالْجَرِيرِي

ابْنَ سُلَيْمَانَ وَبِالْحَرِيرِي]

[821]

(وَصِفْ) أيُّها المحدِّث (أَبَا الطَّيِّبِ) أحمدَ بنَ سليمان (بِالْجَرِيرِي) بالجيمِ مفتوحةً فراءٍ مهملةٍ مكبَّرًا (ابْنَ سُلَيْمَانَ) أي: هو ابنُ سليمان، (وَ) صِفْهُ أيضًا (بِالْحَرِيرِي) بحاءٍ مهملةٍ؛ فهو أبو الطيِّبِ أحمدُ بنُ سُليمانَ الجَريري، ثمَّ الحَريري.

ومنها: «حَمَّال» و «جَمَّال» أشار إليهِما بقولِه:

822 -

وَلَيْسَ فِي الرُّوَاةِ بِالإِهْمَالِ

وَصْفًا سِوَى هَارُونٍ «الْحَمَّالِ»

[822]

(وَلَيْسَ فِي الرُّوَاةِ) أي: رواةِ الحديثِ خاصةً (بِالإهْمَالِ وَصْفًا سِوَى هَارُونٍ) يعني: أنه لا يوجدُ غيرُ هارونَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مروانَ يُقال له: («الْحَمَّالِ») بحاءٍ مهملةٍ فميمٍ مشددةٍ، وقيَّده بالصفاتِ ليَخرُج مَن تسمَّى بذلك، كحَمَّالِ بنِ مالكٍ وأبيضَ بنِ حَمَّالٍ.

ص: 513

ومنها «الخَدَرِيُّ» مع «الخُدْرِيّ» أشار إليهِما بقولِه:

823 -

[«الْخَدَرِيْ» مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ

وَمَنْ عَدَاهُ فَاضْمُمَنْ وَسَكِّنِ

[823]

(«الْخَدَرِيْ») بخاءٍ معجمةٍ فدالٍ مهملةٍ مفتوحتَين (مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ) أبو جعفر، (وَمَنْ عَدَاهُ) أي: غيرُ مُحمَّدِ بنِ الحسنِ (فَاضْمُمَنْ) خاءَه (وَسَكِّنِ) دالَه.

ومنها «دُؤَاد» مع «داود» ، أشار إليهِما بقولِه:

824 -

عَلِيٌّ النَّاجِي وَلَدْ «دُؤَادِ»

وَابْنُ أَبِي «دُؤَادٍ» الإِيَادِي

[824]

(عَلِيٌّ) و (النَّاجِي) صفتُه (وَلَدْ «دُؤَادِ») يعني: أنَّ عليًّا هو ابنُ دُؤَادٍ، أبو المتوكِّل صاحبُ أبي سعيدٍ الخدري، (وَ) بهذا الضبطِ أيضًا أحمدُ (ابْنُ أَبِي «دُؤَادٍ» الإِيَادِي) الجهميُّ المشهورُ، وغيرُهما داودُ، وهو كثيرٌ.

ومنها «الدَّبَرِيّ» و «الدُّرَيْدِيّ» وَ «زَرَنْدِي» ذكرها بقوله:

825 -

«الدَّبَرِيْ» إِسْحَاقُ وَ «الدُّرَيْدِي»

نَحْوِيُّهُمْ وَغَيْرُهُ «زَرَنْدِي»

[825]

(«الدَّبَرِيْ») بفتحِ الدالِ المهملةِ والباءِ الموحدةِ (إِسْحَاقُ) هو ابنُ إبراهيمَ، يروي عن عبدِ الرزَّاقِ، (وَ «الدُّرَيْدِي» نَحْوِيُّهُمْ) يعني: أنَّ

ص: 514

الدُّرَيدِيَّ -بضمِّ الدالِ المهملةِ وفتحِ الراءِ وسكونِ الياءِ- نسبةٌ إلى دُرَيدٍ جدِّه، هو النحويُّ المشهورُ: أبو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ الحسنِ بنِ دُرَيدٍ، (وَغَيْرُهُ «زَرَنْدِي») أنَّ غيرَ ما ذكَره من الدَّبَري والدُّرَيدي: زَرَنْديٌّ، بزايٍ مفتوحةٍ ونونٍ ساكنةٍ، وهم جماعةٌ.

ومنها: «رَوْح» بالفتح، و «رُوح» بالضَّم، ذكَرَهما بقولِه:

826 -

بِالْفَتْحِ رَوْحٌ سَالِفٌ وَوَاهِمْ

مَنْ قَالَ ضُمَّ رَوْحٌ بْنُ الْقَاسِمْ

[826]

(بِالْفَتْحِ رَوْحٌ) وهم جماعةٌ (سَالِفٌ) أي: في المتقدِّمين، واحتَرَز به عن رُوحٍ في المتأخِّرين؛ فإنَّه بالضَّمِّ، (وَوَاهِمْ) أي: مخطئٌ (مَنْ قَالَ) منَ العلماءِ (ضُمَّ رَوْحٌ بْنُ الْقَاسِمْ) فإنَّه بالفتحِ.

ومنها «الزَّبِيرُ» و «الزُّبَيْرُ» ، ذكرهما بقولِه:

827 -

ابْنُ الزَّبِيرِ صَاحِبٌ وَنَجْلُهُ

بِالْفَتْحِ وَالْكُوفِيُّ أَيْضًا مِثْلُهُ]

[827]

(ابْنُ الزَّبِيرِ) عبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبيرِ (صَاحِبٌ) أي: صحابيٌّ، (وَنَجْلُهُ) أي: ولدُه الزَّبِيرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، (بِالْفَتْحِ) مضبوطانِ، (وَالْكُوفِيُّ أَيْضًا مِثْلُهُ) يعني: أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزَّبيرِ الكوفيُّ الأسَديُّ الشاعرُ، بالفتحِ كذلك.

ص: 515

ومنها «السَّفْر» بالسكونِ، و «السَّفَر» بالفتحِ، ذكرهما بقولِه:

828 -

«السَّفْرُ» بِالسُّكُونِ فِي الأَسْمَاءِ

وَالْفَتْحُ فِي الْكُنَى بِلا امْتِرَاءِ

[828]

(«السَّفْرُ» بِالسُّكُونِ فِي الأَسْمَاءِ) يعني: أنَّ السفَر بفتحِ السينِ وسكونِ الفاءِ أسماءٌ، (وَالْفَتْحُ فِي الْكُنَى) يعني: أنَّ الكُنَى كلَّها سَفَر بفتحِ الفاءِ؛ فمنَ الأولِ: السَّفْر بنُ نُسَيْر، ومن الثاني: أبو السَّفَر سعيدُ والدُ عبدِ اللهِ بنِ أبي السَّفَر، (بِلا امْتِرَاءِ) أي: بدونِ شكٍّ.

ومنها «سلِمَة» بكسرِ اللَّامِ، و «سَلَمَة» بفتحِها، ومنها «السَّلَمِي» بالفتحِ، ذكرهما بقولِه:

829 -

[عَمْرٌو وَعَبْدُ اللهِ نَجْلا سَلِمَهْ

بِالْكَسْرِ مَعْ قَبِيلَةٍ مُكَرَّمَهْ

830 -

وَالْخُلْفُ فِي وَالِدِ عَبْدِ الْخَالِقِ]

وَالسُّلَمِيُّ لِلْقَبِيلِ وَافِقِ

[829]

(عَمْرٌو وَعَبْدُ اللهِ نَجْلا) أيِ: ابنَا (سَلِمَهْ بِالْكَسْرِ) أي: مضبوطٌ بالكسرِ (مَعْ قَبِيلَةٍ) هي بنو سَلِمَة (مُكَرَّمَهْ) لأنها من أنصارِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

ص: 516

وحاصلُ المعنى: أنَّ عمرَو بنَ سَلِمَة الجَرْميَّ وعبدَ الله بنَ سَلِمَة، وبنو سَلِمَة القبيلةُ المشهورةُ - كلُّهم بكسرِ اللامِ، ومَن عدا ذلك فهو بفتحِها، وهم كثيرون.

[830]

(وَالْخُلْفُ) أيِ: اختلافُ العلماءِ (فِي) ضبطِ (وَالِدِ عَبْدِ الْخَالِقِ) شيخِ شُعبةَ، فقال يزيدُ بنُ هارونَ: إنَّه بفتحِ اللامِ، وقال ابن عُلَيَّةَ: بكسرِها.

ذكَره بقولِه:

(وَالسُّلَمِيُّ لِلْقَبِيلِ) صفتُه، أي: للقبيلةِ المعروفةِ التي مرَّت آنفًا، (وَافِقِ) أيُّها المحدِّثُ.

831 -

فَتْحًا وَمَنْ يَكْسِرْهُ لا يُعَوَّلُ

ثُمَّ سَلَامُ كُلُّهُ مُثَقَّلُ

[831]

(فَتْحًا) أي: بفتحِ اللامِ (وَمَنْ يَكْسِرْهُ) أي: يضبِطْه بكسرِ اللامِ -وهم أكثرُ المحدثين- (لا يُعَوَّلُ) أي: لا يُعتمَد عليه في ذلك، وصرَّح بكونِه لحنًا ابنُ الصلاحِ، وقال النوويُّ: إنه لُغَيَّةٌ.

ومنها «سلَّام» بالتثقيل، و «سَلَام» بالتخفيفِ، ذكرهما بقوله:

(ثُمَّ سَلَامُ كُلُّهُ مُثَقَّلُ) يعني: أنَّ كُلَّ سلامٍ يُضبَطُ بتشديدِ اللامِ.

ص: 517

832 -

إِلاَّ أَبَا الْحَبْرِ مَعَ الْبِيكَنْدِي

بِالْخُلْفِ وَابْنَ أُخْتِهِ مَعْ جَدِّ

833 -

أَبِي عَلِيْ وَالنَّسَفِيْ وَالسَّيِّدِي

وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ ذِي التَّهَوُّدِ

834 -

وَابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاهِضٍ وَفِي

سَلَامٍ بْنِ مِشْكَمٍ خُلْفٌ قُفِي

[832]

(إِلاَّ أَبَا الْحَبْرِ) عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ الصحابيِّ، (مَعَ الْبِيكَنْدِي) مُحمَّدِ بنِ سلَامِ بنِ الفرجِ البُخاريِّ، أحدِ شيوخِ البخاريِ، (بِالْخُلْفِ) أيِ: اختلافِ العلماءِ فيه في التخفيفِ والتشديدِ، (وَابْنَ أُخْتِهِ) الضميرُ راجعٌ إلى الحبرِ؛ لا إلى البِيكَنديِّ؛ فهو سَلَام بالتخفيفِ، ولم نقفْ على اسمِ أبيه (مَعْ جَدِّ).

[833]

(أَبِي عَلِيْ) الجُبَّائيِّ المُعتزِليِّ، مُحمَّدِ بنِ عبدِ الوهابِ بنِ سَلَامٍ، مخففًا، (وَ) جدِّ أبي نصرٍ مُحمَّدِ بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ مُحمَّدِ بنِ موسى بنِ سَلَامٍ، مخففًا (النَّسَفِيْ وَ) جدِّ سعدِ بنِ جعفرِ بنِ سَلَامٍ (السَّيِّدِي) بفتحِ المهملةِ وياءٍ تحتانيةٍ ثقيلةٍ مكسورةٍ، (وَ) إلَّا سَلَامَ (ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ) بحاءٍ مهملةٍ فقافَينِ مصغَّرًا، أبي رافعٍ (ذِي التَّهَوُّدِ) أي: صاحبِ الانتِسابِ إلى اليهودِ؛ لأنَّه كان من يهودِ بني قُريظةَ، بَعث إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن قَتَلهُ وهو في حِصنٍ له.

ص: 518

[834]

(وَ) إلَّا سَلَامِ (ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاهِضٍ) بالنونِ والهاءِ والضادِ المعجمةِ، (وَفِي سَلَامٍ بْنِ مِشْكَمٍ) مثلثِ الميمِ ثمَّ شينٍ معجمةٍ ساكنةٍ وفتحِ كافٍ ثمَّ ميمٍ (خُلْفٌ قُفِي) أيِ: اختلافٌ بين العلماءِ؛ فقيل: بتخفيفِ اللامِ، وقيل: بتشديدِها وهو الأشهَرُ المعروفُ.

ومنها: «سلَّامة» بالتشديدِ، و «سلَامة» بالتخفيفِ، ذكَرهما بقولِه:

835 -

[«سَلاَّمَةٌ» مَوْلاةُ بِنْتِ عَامِرِ

وَجَدُّ كُوفِيٍّ قَدِيمٍ آثِرِ

[835]

(«سَلاَّمَةٌ») أي: بتشديدِ اللامِ (مَوْلاةُ بِنْتِ عَامِرِ) أي: هي مولاةٌ لعائشةَ بنتِ عامرٍ، (وَ) سلَّامةُ أيضًا بالتشديدِ (جَدُّ كُوفِيٍّ) أي: جدُّ شخصٍ كوفيٍّ (قَدِيمٍ) أي: متقدِّمٍ زمنُه (آثِرِ) أي: راوٍ للحديثِ، وهو عليُّ بنُ الحُسَينِ بنِ سَلَّامةَ الكوفيُّ، ومَن عدا هؤلاءِ فهو سلَامةُ، بالتخفيفِ، وهم جماعةٌ.

ومنها «شِيرِين» ، و «سِيرِين» ، ذكرهما بقولِه:

836 -

«شِيرِينُ» نِسْوَةٌ وَجَدُّ ثَانِي

مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِي

[836]

(«شِيرِينُ») بكسرِ الشينِ المعجمةِ والراءِ، (نِسْوَةٌ) أي: عَلَم لجماعةِ نسوةِ، (وَ) شيرين أيضًا (جَدُّ ثَانِي مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِي)، أي:

ص: 519

جدُّ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ الجُرجانيِّ، يعني: أنَّ شِيرينَ يُطلَقُ على نوعيِ النساءِ والرجالِ؛ فالأولُ جماعةُ نسوةٍ، والثاني جدُّ مُحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ شِيرينَ الجُرجانيِّ، وأمَّا غيرُ هؤلاءِ فسيرينُ، بسينٍ مهملةٍ، كمُحمَّدِ بنِ سيرينَ، وآخَرِين كثيرِين.

ومنها «سامِرِيّ» ، «وسَامَرِّيّ» ، ذكرهما بقولِه:

837 -

«السَّامِرِيُّ» شَيْخُ نَجْلِ حَنْبَلِ

وَمَنْ عَدَاهُ فَافْتَحَنْ وَثَقِّلِ]

[837]

(«السَّامِرِيُّ») بكسرِ الميمِ وتخفيفِ الراءِ (شَيْخُ نَجْلِ) ابنِ (حَنْبَلِ) يعني: أنَّ السامريَّ شيخٌ لأحمدَ بنِ حنبلٍ، وهو إبراهيمُ بنُ أبي العبَّاسِ السامِريِّ، (وَمَنْ عَدَاهُ) أي: غيرُ شيخِ ابنِ حنبلٍ (فَافْتَحَنْ) مِيمَه (وَثَقِّلِ) رَاءَه، وهم كثيرون.

ومنها «عِمارة» بالكسر مع «عُمَارة» بالضمِّ، و «عَسَل» ، بفتحتَين مع «عِسْل» بكسرٍ فسكونٍ؛ ذكرها بقولِه:

838 -

وَاكْسِرْ أُبَيَّ بْنَ «عِمَارَةٍ» فَقَدْ

وَ «عَسَلٌ» هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ انْفَرَدْ

[838]

(وَاكْسِرْ) أيُّها المحدِّثُ (أُبَيَّ بْنَ «عِمَارَةٍ») وهو صحابيٌّ؛ (فَقَدْ) أي: فحسْبُ، وأمَّا غيرُه فجمهورُهم بالضمِّ؛ وفيهم جماعةٌ بالفتحِ

ص: 520

والتشديدِ، (وَ «عَسَلٌ») بفتحتَين (هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ) أَخْبَارِيٌّ لَقِيَ الأصمعيَّ (انْفَرَدْ) بهذا الضبطِ، وأمَّا غيرُه فَعِسْل، بكسرٍ فسكونٍ، وهم جماعةٌ.

ومنها «العَيْشيُّ» ، و «العَنْسِي» ، و «العَبْسي» ، ذكرها بقولِه:

839 -

فِي الْبَصْرَةِ «الْعَيْشِيُّ» وَ «الْعَنْسِيُّ»

بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ قُلْ عَبْسِيُّ

[839]

(فِي الْبَصْرَةِ «الْعَيْشِيُّ») يعني: أنَّ العيشيَّ كائنٌ في رواةِ البصرةِ، (وَ «الْعَنْسِيُّ» بِالشَّامِ) يعني: أنَّ العنسيَّ بهذا الضبطِ خاصٌّ بالشاميِّين، (وَ) بـ (الْكُوفَةِ قُلْ) أيُّها المحدثُ، (عَبْسِيُّ) يعني: أنَّ العبسيَّ بهذا الضبطِ خاصٌّ في الكوفيين.

ومنها: «غَنَّام» ، و «عَثَّام» ذكرَهما بقولِه:

840 -

بِالنُّونِ وَالإِعْجَامِ كُلُّ «غَنَّامْ»

إِلاَّ أَبَا عَلِيٍّ بْنَ «عَثَّامْ»

[840]

(بِالنُّونِ وَالإِعْجَامِ) أي: مضبوطٌ بهما (كُلُّ «غَنَّامْ») يعني: أن كلَّ غنامٍ بغينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ فنونٍ مشددةٍ، (إِلاَّ أَبَا عَلِيٍّ) والدَ عليِّ (بْنَ «عَثَّامْ») فإنه بعينٍ مهملةٍ فثاءٍ مثلثةٍ مشددَّةٍ، العامريَّ الكوفيَّ.

ص: 521

ومنها «قَمِيرُ» مكبَّرًا، و «قُمَيْرٌ» مصغَّرًا، و «كَرِيز» و «كُرَيْزٌ» كذلك، ذكرها بقولِه:

841 -

«قَمِيرُ» بِنْتُ عَمْرٍو لا تُصَغِّرِ

وَفِي خُزَاعَةَ «كَرِيزٌ» كَبِّرِ

[841]

(«قَمِيرُ») بفتحِ القافِ ثمَّ ميمٍ مكسورةٍ (بِنْتُ عَمْرٍو) امرأةُ مسروقِ بنِ الأجدعِ (لا تُصَغِّرِ) أيُّها المحدِّث، بَلْ كَبِّرها، وأمَّا غيرُها فمُصغَّرٌ، (وَفِي خُزَاعَةَ «كَرِيزٌ» كَبِّرِ) يعني: أنَّ كَريزًا في قبيلةِ خزاعةَ خاصةً مكبَّرٌ، وأمَّا في غيرِها فمُصغَّر.

ومنها: «مُسَوَّر» ، و «مِسْور» ، ذكرهما بقولِه:

842 -

[وَنَجْلُ مَرْزُوقٍ] رَأَوْا «مُسَوَّرُ»

وَابْنُ يَزِيدَ، وَسِوَى ذَا «مِسْوَرُ»

[842]

(وَنَجْلُ) أيِ: ابنِ (مَرْزُوقٍ) مسوَّرٌ (رَأَوْا) أيِ: العلماءُ («مُسَوَّرُ») بضمِّ الميمِ ثمَّ مهملةٍ مفتوحةٍ بعدها واوٌ مشدَّدة، يعني: أن مُسَوَّرَ بنَ مرزوقٍ مضبوطٌ بالضبطِ المذكورِ، (وَابْنُ يَزِيدَ) كذلك بهذا الضبطِ مُسَوَّرُ بنُ يزيدَ الكاهليُّ الأسَديُّ، (وَسِوَى ذَا) أي: غيرُ هذا («مِسْوَرُ») بميمٍ مكسورةٍ فسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ فواوٍ مفتوحةٍ، آخرُه راءٌ.

ص: 522

ومنها «مُسَيَّب» بالفتح و «مُسَيِّب» بالكسرِ، ذكرهما بقولِه:

843 -

[كُلُّ «مُسَيَّبٍ» فَبَالْفَتْحِ سِوَى

أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى]

[843]

(كُلُّ «مُسَيَّبٍ» فَبَالْفَتْحِ) يعني: مضبوطًا بفتح الياءِ وهم جماعةٌ، وغيرهم (سِوَى) مسيَّب بنِ حَزْن (أَبِي) أي: والدِ (سَعِيدٍ) التابعيِّ الجليلِ، وهو صحابيٌّ، وأبوه حَزْن بنُ أبي وهبٍ، صحابيٌّ، (فَلِوَجْهَيْنِ) بالفتحِ والكسرِ (حَوَى) أي: جَمَع، يعني: أنه ضُبِط بهما.

ومنها «عُبَيْدَة» ، و «عَبِيدَة» و «أَخْزَم» و «أَحْرَم» ، و «أَجْرَمُ» و «أَخْرَم» ، ذكرها بقولِه:

844 -

أَبُو «عُبَيْدةَ» بِضَمٍّ أَجْمَعُ

[زَيْدُ بْنُ «أَخْزَمَ» سِوَاهُ يُمْنَعُ]

[844]

(أَبُو «عُبَيْدةَ») الكُنيةُ (بِضَمٍّ) أي: مضبوطٍ بضمِّ العينِ مصغَّرًا، (أَجْمَعُ) يعني: أنَّ أبا عُبيدةَ مصغَّرٌ كلُّه لا يُستثنَى منه شيءٌ، (زَيْدُ بْنُ «أَخْزَمَ») بخاءٍ معجمةٍ ثمَّ زايٍ معجمةٍ، (سِوَاهُ) أي: غيره (يُمْنَعُ) يعني: أنَّ زيدَ بنَ أخزمَ شيخَ البخاريِّ لا نظيرَ له في هذا الضبطِ، وأمَّا غيرُه فأحرَمُ بمُهملتَين، أو أجرَمُ بجيمٍ فراءٍ مهملةٍ، أو أخرَمُ بخاءٍ معجمةٍ فراءٍ مهملةٍ، أو أحزَمَ بمهملةٍ فمعجمةٍ.

ص: 523

ومنها «حُضَيْن» ، بالضَّادِ المعجمةِ، و «حُصَين» بالصادِ المهملةِ، ذكرهما بقولِه:

845 -

وَلَيْسَ فِي الرُّوَاةِ مِنْ «حُضَيْنِ»

إِلاَّ أَبُو سَاسَانَ عَنْ يَقِينِ

[845]

(وَلَيْسَ فِي الرُّوَاةِ) أي: رواةِ الحديثِ (مِنْ) زائدةٌ («حُضَيْنِ») بحاءٍ مهملةٍ، (إِلاَّ أَبُو سَاسَانَ) حُضَينِ بنِ المنذرِ بنِ الحارثِ (عَنْ يَقِينِ) أي: هذا الكلامُ ناشئٌ عن يقينٍ، وما سواه حُصَينٌ.

ومنها «الهَمْدَانِيُّ» و «الهَمَذانِيُّ» ، ذكرهما بقولِه:

846 -

وَلِلْقَبِيلِ نِسْبَةُ «الْهَمْدَانِي»

وَبَلَدٍ أَعْجِمْ بِلا إِسْكَانِ

847 -

فِي الْقُدَمَاءِ ذَاكَ غَالِبٌ، وَذَا

فِي الآخَرِينَ، فَهْوَ أَصْلٌ يُحْتَذَى

[846]

(وَلِلْقَبِيلِ) لغةٌ في القبيلةِ (نِسْبَةُ «الْهَمْدَانِي») بفتحِ الهاءِ المهملةِ وسكونِ الميمِ، يعني: أنَّ نسبةَ الهمدانيِّ بهذا الضبطِ إلى القبيلةِ باليمنِ، (وَبَلَدٍ أَعْجِمْ) أي: اجعَلْ على الدالِ نقطةً (بِلا إِسْكَانِ) للميمِ، يعني: أنَّ النسبةَ إلى هَمَذَان بَلْدَةٍ، يكونُ بفتحِ الميمِ وإعجامِ الذالِ.

[847]

(فِي الْقُدَمَاءِ) أي: في المتقدِّمين (ذَاكَ) الأولُ (غَالِبٌ، وَذَا)

ص: 524

الثاني (فِي الآخَرِينَ) أيِ: المتأخِّرين (، فَهْوَ أَصْلٌ) أي: قانونٌ (يُحْتَذَى) يُقْتَدَى به.

وحاصلُ المعنى: أن الهمْداني في المتقدِّمين بسكونِ الميمِ، وبفَتحِها في المتأخِّرين.

848 -

[وَمِنْ هُنَا خُصَّ صَحِيحُ الْجُعْفِي

لِكُلِّ مَا يَأْتِي بِهِ مُوَفِّي

[848]

(وَمِنْ هُنَا) أي: من هذا الموضِعِ (خُصَّ صَحِيحُ) الإمامِ أبي عبدِ الله البخاريِّ (الْجُعْفِي) والمعنى: أنَّ ما بعدَ هذا منَ الأسماءِ والكُنَى والألقابِ والأنسابِ خاصٌّ بـ «صحيحِ البخاريِّ» ، (لِكُلِّ مَا يَأْتِي) منَ المؤتلِفِ والمختلِفِ (بِهِ) في صحيحِ الجُعفيِّ، (مُوَفِّي) أي: يُوفِّي ما في «صحيحِ البخاريِّ» منَ المؤتلِفِ والمختلِفِ.

فمنها «أَخْيف» و «أَقْلَح» مع «أحنف» و «أفلح» ، ذكرها بقولِه:

849 -

«أَخْيَفُ» جَدُّ مِكْرَزٍ وَ «الأَقْلَحُ»

كُنْيَةُ جَدِّ عَاصِمٍ قَدْ نَقَّحُوا]

[849]

(«أَخْيَفُ») بفتحِ الهمزِ وسكونِ الخاءِ المعجمةِ وتحتَه مثناةٌ مفتوحةٌ آخرُه فاءٌ (جَدُّ مِكْرَزٍ) بميمٍ مكسورةٍ فكافٍ ساكنةٍ فراءٍ مهملةٍ فزايٍ معجمةٍ، بنِ حفصِ بنِ الأخيفِ العامريِّ، (وَ «الأَقْلَحُ») بهمزةٍ فقافٍ

ص: 525

فلامٍ فحاءٍ مهملةٍ (كُنْيَةُ جَدِّ عَاصِمٍ) بنِ ثابتِ بنِ أبي الأقلحِ، له صحبةٌ (قَدْ نَقَّحُوا) أي: هذَّب العلماءُ هذا الواحدَ، أمَّا غيرُه فأفلحُ، بالفاءِ، وهو كثيرٌ.

ومنها «يَسَار» مع «بَشَّار» ، ذكرهما بقولِه:

850 -

وَكُلُّ مَا فِيهِ فَقُلْ «يَسَارُ»

إِلاَّ أَبَا مُحَمَّدٍ «بَشَّارُ»

[850]

(وَكُلُّ مَا فِيهِ) أي: «صحيحِ البخاريِّ» (فَقُلْ) أيُّها المحدِّثُ («يَسَارُ»)، وهو كثيرٌ (إِلاَّ أَبَا مُحَمَّدٍ) فإنَّه («بَشَّارُ») أي: والدُ مُحمَّدِ بنِ بشارٍ، الملقَّب ببُندارٌ.

ومنها «بُسْر» ، و «بِشْر» ، ذكرهما بقولِه:

851 -

الْمَازِنِيْ وَابْنُ سَعِيدَ الْحَضْرَمِي

وَابْنُ عُبَيْدِ اللهِ «بُسْرٌ» فَاعْلَمِ

[851]

(الْمَازِنِيْ) والمرادُ به عبدُ اللهِ بنُ بُسرٍ، صحابيٌّ ابنُ صحابيٍّ، (وَابْنُ سَعِيدَ الْحَضْرَمِي) المدنيُّ تابعيٌّ مولَى ابنِ الحضرميِّ، (وَابْنُ عُبَيْدِ اللهِ) الحضرميُّ الشاميُّ، كلٌّ منهم («بُسْرٌ») بضمِّ أولِه ثمَّ سينٍ مهملةٍ ساكنةٍ (فَاعْلَمِ) ذلك أيُّها المحدِّثُ، وأمَّا غيرُهم فهو «بِشرٌ» ، وهو كثيرٌ.

ص: 526

ومنه «بُشَيْر» و «بَشِير» ، و «يُسَيْر» ، و «أُسَيْر» ، ذكرها بقولِه:

852 -

وَابْنُ يَسَارٍ وَابْنُ كَعْبٍ قُلْ بُشَيْرْ

وَقُلْ يُسَيْرٌ فِي ابْنِ عَمْرٍو أَوْ أُسَيْرْ

[852]

(وَابْنُ يَسَارٍ) الحارثيُّ المدنيُّ، (وَابْنُ كَعْبٍ) العدويُّ البصريُّ التابعيُّ، (قُلْ) أيُّها المحدِّثُ (بُشَيْرْ) بموحدةٍ تحتانيةٍ فشينٍ معجمةٍ فياءٍ ساكنةٍ مصغَّرًا، ومَن عداهُما في الصحيحِ فهو «بَشِير» مكبَّرًا، وهو كثيرٌ، (وَقُلْ) أيُّها المحدِّثُ (يُسَيْرٌ) بالتحتانيةِ ثمَّ المهملةِ مصغَّرًا (فِي) ضبطِ اسمِ (ابْنِ عَمْرٍو) تابعيٌّ، (أَوْ) لتنويعِ الخلافِ (أُسَيْرْ) أي: قيلَ: إنَّ اسمَه أُسيرٌ بضمِّ همزةٍ بدلَ التحتانيةِ، وكذا اختَلَف في اسمِ أبيه.

ومنها «بَصِير» ، و «نُصَير» ذكرهما بقولِه:

853 -

[أَبُو «بَصِيرَ» الثَّقَفِي مُكَبَّرُ

وَاْبنُ أَبِي الأَشْعَثِ نُونًا صَغَّرُوا

[853]

(أَبُو «بَصِيرَ») عتبةُ بنُ أَسيدِ بنِ جاريةَ (الثَّقَفِي مُكَبَّرُ) أي: بفتحِ الباءِ وكسرِ الصادِ (وَاْبنُ أَبِي الأَشْعَثِ نُونًا) أي: بنونٍ (صَغَّرُوا) أي: ضبَطوه بالتصغيرِ، يعني: أنه ضبَط بالنونِ مصغَّرًا، نُصَيرُ بنُ أبي الأشعثِ الأسديُّ أبو الوليدِ الكوفيِّ.

ص: 527

ومنها: «بزَّار» مع «بزَّاز» و «النَّصري» ، مع «البصري» ، ذكرها بقولِه:

854 -

يَحْيَى وَبِشْرٌ] وَابْنُ صَبَّاحٍ بِرَا

«بَزَّارُ» وَ «النَّصْرِيُّ» بِالنُّونِ عَرَا

855 -

مَالِكَ عَبْدَ وَاحِدٍ [تُمَيْلَهْ

كُنْيَةُ يَحْيَى، غَيْرُهُ «نُمَيْلَهْ»

[854]

(يَحْيَى) أي: يحيى بنُ مُحمَّدِ بنِ السكَنِ البزارُ، (وَبِشْرٌ) بنُ ثابتٍ البزارُ، (وَ) الحسنُ (ابْنُ صَبَّاحٍ) البزارُ، حالَ كونِهم، (بِرَا) مهملةٍ في آخرِه، كلُّهم ثمَّ قال:(«بَزَّارُ») أي: بموحَّدةٍ فزايٌ، وأمَّا غيرهمُ فبزَّاز بزايَين، وهم جماعةٌ (وَ «النَّصْرِيُّ» بِالنُّونِ عَرَا) أي: أصاب.

[855]

(مَالِكَ عَبْدَ وَاحِدٍ) والحاصلُ: أنَّ مالكَ بنَ أوسِ بنِ الحَدَثَانِ، مخصوصٌ بهذا الضبطِ، ومِثلُه عبدُ الواحدِ بنُ عبدِ اللهِ النَّصريُّ، أبو بِشرٍ الدمشقيُّ، ومَن عدا هذَين فهو بصريٌّ نسبةً إلى البصرةِ.

ومنها «تُمَيْلة» ، و «نُمَيْلة» ، ذكرهما بقولِه:

(تُمَيْلَهْ) بمثناةٍ فوقيةٍ مضمومةٍ وميمٍ مفتوحةٍ فياءٍ مثنَّاةٍ ساكنةٍ (كُنْيَةُ يَحْيَى) بنِ واضِحٍ الأنصاريِّ أبي تُميلة مصغَّرًا، (غَيْرُهُ) أي: غيرُ يحيى المذكورِ («نُمَيْلَهْ») بنونٍ بدلَ المثناةٍ، وهو جدُّ مُحمَّدِ بنِ مِسكينٍ.

ص: 528

ومنها: «تَيِّهَان» ، و «نَبْهَان» ، ذكرهما بقولِه:

856 -

اسْمُ أَبِي الْهَيْثَمِ «تَيِّهَانُ»

وَاسْمُ أَبِي صَالِحِهِمْ «نَبْهَانُ» ]

[856]

(اسْمُ أَبِي الْهَيْثَمِ «تَيِّهَانُ») يعني: أنَّ اسمَ والدِ أبي الهثيمِ الصحابيِّ تَيِّهان، ابنُ مالكِ بنِ عَتِيكٍ، وأمَّا أبو الهيثمِ فاسمُه مالكٌ، (وَاسْمُ أَبِي صَالِحِهِمْ «نَبْهَانُ») بنونٍ مفتوحةٍ ثمَّ باءٍ موحدةٍ ساكنةٍ، يعني: أنَّ والدَ صالحٍ مولى التوأَمةِ هو نَبْهانُ الجُمَحيُّ.

ومنها: «تَوَّزِي» مع «ثَوْرِيّ» ، و «تَغْلِبِيّ» ، مع «ثَعْلَبِيّ» ، ذكرها بقولِه:

857 -

مُحَمَّدُ ابْنُ الصَّلْتِ «تَوَّزِيُّ»

مُسَيَّبٌ بِالْغَيْنِ «تَغْلِبِيُّ»

[857]

(مُحَمَّدُ ابْنُ الصَّلْتِ) أبو يَعْلَى البصريُّ («تَوَّزِيُّ») بفتحِ المثنَّاةِ الفوقانيةِ والواوِ المشدَّدةِ ثمَّ زايٍ مكسورةٍ، ومن عداه ثوريٌّ بالمثلَّثةِ والواوِ الساكنةِ ثمَّ راءٍ (مُسَيَّبٌ) بنُ رافعٍ الأسَديُّ، الكاهليُّ، (بِالْغَيْنِ) المعجمةِ («تَغْلِبِيُّ») أي: بتاءٍ فوقانيةٍ فغينٍ معجمةٍ ساكنةٍ ولامٍ مكسورةٍ ثمَّ باءٍ موحدةٍ، ومَن عداه كلُّه ثعلبيٌّ.

ص: 529

ومنها «حَرِيز» مع «جَرِير» ، ذكرهما بقولِه:

858 -

أَبُو «حَرِيزٍ» وَابْنُ عُثْمَانَ يُرَى

بِالْحَاءِ، وَالزَّايِ، وَغَيْرُهُ بِرَا

[858]

(أَبُو «حَرِيزٍ») عبدُ الله بنُ الحُسينِ الأزْديُّ، (وَ) حَريز (ابْنُ عُثْمَانَ) الرَّحْبيُّ الحِمصيُّ (يُرَى) أي: كلٌّ منهما (بِالْحَاءِ) المهملةِ المفتوحةِ، (وَالزَّايِ) المعجمةِ (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ حَريزٍ (بِرَا) مهملةٍ بدلَ الزايِ، وكذا بجيمٍ بدلَ الحاءِ، وهو كثيرٌ.

ومنها: «الحَرِيريّ» ، مع «الجُرَيرِيّ» ، ذكرهما بقولِه:

859 -

يَحْيَى هُوَ ابْنُ بِشْرٍ «الْحَرِيرِي»

وَغَيْرُهُ بِالضَّمَّةِ «الْجُرَيْرِي»

[859]

(يَحْيَى هُوَ ابْنُ بِشْرٍ) بكسرِ الراءِ («الْحَرِيرِي») بالضبطِ المذكورِ، (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ يحيى (بِالضَّمَّةِ «الْجُرَيْرِي») أي: بضمِّ الجيمِ وفتحِ الراءِ مصغَّرًا.

ومنها: «جارية» ، و «حارثة» ، ذكرهما بقولِه:

860 -

«جَارِيَةٌ» جِيمًا أَبُو يَزِيدِ

وَابْنُ قُدَامَةَ أَبُو أَسِيدِ

[860]

(«جَارِيَةٌ» جِيمًا) أي: مضبوطًا بجيمٍ (أَبُو يَزِيدِ) والدُ يزيدَ بنِ

ص: 530

جاريةَ الأنصاريُّ، (وَ) جاريةُ (ابْنُ قُدَامَةَ) التميميُّ البصريُّ، صحابيٌّ، و (أَبُو أَسِيدِ) والدُ أَسيد، بوزن كَبِير، جدُّ عمرِو بنِ أبي سفيانَ بنِ أَسيد ابن جاريةَ.

ومنها «حَيَّان» ، و «حَبَّان» ، بالفتحِ، و «حِبَّان» بالكسرِ؛ فذكَر الأوَّلَينِ بقولِه:

861 -

«حَيَّانُ» بِالْيَاءِ سِوَى ابْنِ مُنْقِذِ

وَابْنِ هِلالٍ فَافْتَحَنْ وَوَحِّدِ

[861]

(«حَيَّانُ») كلُّه مضبوطٌ (بِالْيَاءِ سِوَى) حَبَّانِ (ابْنِ مُنْقِذِ) بضمِّ الميمِ ثمَّ نونٍ ساكنةٍ بعدها قافٌ مكسورةٌ، ابنُ عمرٍو الأنصاريُّ، الصحابيُّ، (وَ) حَبَّانِ (ابْنِ هِلالٍ) الباهليِّ البصريِّ (فَافْتَحَنْ) حاءَهُما أيُّها المُحدِّثُ (وَوَحِّدِ) باءَهُما.

862 -

أَبْنَا عَطِيَّةَ وَمُوسَى الْعَرِقَهْ

بِالْكَسْرِ وَالتَّوْحِيدِ فِيمَا حَقَّقَهْ

[862]

(أَبْنَا) حِبَّانِ بنِ (عَطِيَّةَ) السُّلميِّ العلَويِّ، (وَ) حِبَّانِ بنِ (مُوسَى) بنِ سَوَّارٍ، أبي مُحمَّدٍ السلميِّ المَروَزيِّ، وحِبَّان بن (الْعَرِقَهْ) بفتحِ العينِ وكسرِ الراءِ، (بِالْكَسْرِ وَالتَّوْحِيدِ) أي: هؤلاءِ الثلاثةُ يُضبَطون بكسرِ الحاءِ المهملةِ وباءٍ موحَّدةٍ، (فِيمَا حَقَّقَهْ) أيِ: الحُذَّاقُ المُتقِنون.

ص: 531

ومنها «حَصِين» بالتكبيرِ، و «حُصَين» بالتصغيرِ، ذكَرهما بقولِه:

863 -

أَبَا «حَصِينَ» الأَسَدِيَّ كَبِّرِ

ثُمَّ رُزَيْقِ بْنِ «حُكَيْمٍ» صَغِّرِ

[863]

(أَبَا «حَصِينَ» الأَسَدِيَّ كَبِّرِ) يعني: أنَّ أبا حَصِين عثمانَ بنَ عاصمٍ الأسَديَّ مكبَّرٌ مع الإهمالِ لحَرفَيه، ومَن عداه فحُصَين مصغَّرًا.

ومنها: «حُكَيم» بالتصغيرِ، مع «حَكِيم» بالتكبيرِ، ذكَرهما بقولِه:

(ثُمَّ رُزَيْقِ بْنِ «حُكَيْمٍ» صَغِّرِ) أيُّها المحدِّثُ، أيِ: اضبِطْ بالتصغيرِ رُزَيقَ بنَ حُكَيمٍ أبا حَكِيمٍ، ومن عداه: فحَكِيمٌ بفتحِ الحاءِ وكسرِ الكافِ.

ومنها: «حَيَّة» مع «حبَّة» و «خازم» مع «حَازِم» ، ذكَرها بقولِه:

864 -

[«حَيَّةُ» بِالْيَاءِ ابْنُهُ جُبَيْرُ]

مُحَمَّدُ بْنُ «خَازِمَ» الضَّرِيرُ

[864]

(«حَيَّةُ» بِالْيَاءِ) التحتانيةِ المشدَّدةِ (ابْنُهُ جُبَيْرُ) يعني: أنَّ حيَّةَ بهذا الضبطِ والدُ جُبيرٍ الثقفيِّ (مُحَمَّدُ بْنُ «خَازِمَ») أي: بخاءٍ وزايٍ معجمتَين (الضَّرِيرُ) يعني: أنَّ مُحمَّد بنَ خازِمٍ بهذا الضبطِ هو الضريرُ، ليس في البخاريِّ بهذا الضبطِ إلَّا هو.

ص: 532

ومنها: «خُنَيس» مع «حُبَيش» ، و «خُبَيب» مع «حَبِيب» ، و «الجَرَشِي» مع «الحَرَشِي» ، ذكرها بقولِه:

865 -

[ابْنُ حُذَافَةَ «خُنَيْسٌ» فَقَدِ]

«خُبَيْبُ» شَيْخُ مَالِكٍ وَابْنُ عَدِي

866 -

وَكُنْيَةٌ لابْنِ الزُّبَيْرِ [«الْجُرَشِي»

يُونُسُ وَالنَّضْرُ فَلا تُفَتِّشِ

[865]

(ابْنُ حُذَافَةَ) بحاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ فذالٍ معجمةٍ («خُنَيْسٌ») يعني: أنَّ خُنيسًا بهذا الضبطِ هو خُنَيسُ بنُ حُذَافَة الصحابيُّ (فَقَدِ) أي: فحسْبُ؛ إشارةٌ إلى أنَّه ليس لهذا الضبطِ غيرُه في البخاريِّ («خُبَيْبُ») بخاءٍ معجمةٍ فباءٍ موحدةٍ (شَيْخُ مَالِكٍ) بنِ أنسٍ الإمامٍ، وهو خُبَيبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأنصاريُّ، (وَ) بهذا الضبطِ أيضًا خُبَيبُ (ابْنُ عَدِي).

[866]

(وَ) بهذا الضبطِ أيضًا (كُنْيَةٌ لـ) عبدِ اللهِ (ابْنِ الزُّبَيْرِ) فهو أبو خُبَيبٍ، ومَن عدا هؤلاءِ الثلاثةَ، فهو حَبِيبٌ بفتحِ المُهملةِ ككَبيرٍ. ومنها:(«الْجُرَشِي») بضمِّ المعجمةِ وفتحِ الراءِ المهملةِ فشينٍ معجمةٍ، اثنانِ: وهما (يُونُسُ) بنُ القاسمِ اليَماميُّ، (وَالنَّضْرُ) بنُ مُحمَّدٍ (فَلا تُفَتِّشِ) أيُّها المُحدِّثُ، أي: لا تبحثْ؛ لأنَّه لا يوجَدُ غيرُهما، وأمَّا غيرُهما فهو الحَرَشي بالشينِ المُعجمةِ وبالحاءِ والراءِ المهملتَين المفتوحتَين، وبإهمالِ السينِ بوزنِه، ولم يقعْ في البخاريِّ. قالَه في «الهُدى» .

ص: 533

ومنها «الخَرَّاز» و «الخَزَّاز» ذكرهما بقوله:

867 -

ثُمَّ عُبَيْدُ اللهِ فَـ «الْخَرَّازُ»

بِالرَّاءِ بَدْأً غَيْرُهُ «خَزَّازُ»

[867]

(ثُمَّ عُبَيْدُ اللهِ فَـ «الْخَرَّازُ») يعني: أنَّ عُبيدَ اللهِ بنَ الأخنسِ أبا مالكٍ هو الخرَّازُ (بِالرَّاءِ) المهملةِ المشددةِ (بَدْأً) أي: قبْلَ الألفِ، والزايِ المعجمةِ، وأمَّا (غَيْرُهُ) فكلُّه («خَزَّازُ») بزايَين معجمتَين، هكذا قال الناظمُ تبعًا للحافظِ في «هُدى الساري» ، لكنَّ الذي في كتبِ أسماءِ الرجالِ أن عُبيدَ اللهِ هو الخزَّازُ بمُعجَماتٍ.

ومنها «رُبَيِّع» مع «رَبِيع» ، و «رُزَيق» مع «زُرَيق» ، و «رَباح» و «رِياح» ، ذكرها بقولِه:

868 -

بِنْتُ مُعَوِّذٍ وَبِنْتُ النَّضْرِ

«رُبَيِّعٌ» وَابْنُ حُكَيْمٍ فَادْرِ

869 -

«رُزَيْقُ» بِالرَّا أَوَّلًا «رَبَاحُ»

وَالِدُ زَيْدٍ وَعَطَا إِفْصَاحُ

[868]

(بِنْتُ مُعَوِّذٍ) بتَشديدِ الواوِ ابنِ عفراءَ، صحابيةٌ، (وَبِنْتُ النَّضْرِ) بفتحِ النونِ وسكونِ الضادِ، عمَّةُ أنسِ بنِ مالكٍ، صحابيةٌ، كِلاهما («رُبَيِّعٌ») بضمِّ الراءِ وفتحِ الباءِ وتشديدِ الياءِ تصغيرُ ربيعٍ بفتحٍ فكَسْرٍ، وأمَّا

ص: 534

غيرُهما فَرَبيعٌ مكبَّرًا، (وَابْنُ حُكَيْمٍ فَادْرِ) أيِ: اعلَمْ ذلك أيُّها المُحدِّثُ.

[869]

(«رُزَيْقُ» بِالرَّا) المهملةِ (أَوَّلًا) أي: في أولِ الكلمةِ قبْلَ الزايِ المعجمةِ بصيغةِ التصغيرِ («رَبَاحُ» وَالِدُ زَيْدٍ) بنِ رَباحٍ المدنيِّ، (وَ) كنيةُ والدِ (عَطَا) أي: عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، ومَن عداهُما فبكسرِ راءٍ (إِفْصَاحُ) أي: هذا إفصاحٌ وتوضيحٌ لمشتبِهِ الأسماءِ.

ومنها «أبو الرِّجَال» و «أبو الرَّحَّال» ، ذكرهما بقولِه:

870 -

مُحَمَّدٌ يُكْنَى «أَبَا الرِّجَالِ»

وَعُقْبَةٌ يُكْنَى «أَبَا الرَّحَّالِ» ]

[870]

(مُحَمَّدٌ) هو ابنُ عبدِ الرحمنِ بنِ حارثةَ بنِ النُّعمانِ المدنيِّ (يُكْنَى «أَبَا الرِّجَالِ») براءٍ مكسورةٍ فجيمٍ مخففةٍ؛ لأنه كان له عشَرةٌ منَ الأولادِ رجالٌ، (وَعُقْبَةٌ) ابنُ عُبَيدٍ الطَّائيُّ الكوفيُّ (يُكْنَى «أَبَا الرَّحَّالِ») براءٍ مفتوحةٍ فحاءٍ مهملةٍ مشدَّدةٍ.

ومنها: «سُرَيج» مع «شُرَيح» ، ذكَرهما بقولِه:

871 -

«سُرَيْجٌ» ابْنَا يُونُسٍ وَالنُّعْمَانْ

وَاكْنِ أَبَا أَحْمَدَ وَابْنُ حَيَّانْ

[871]

(«سُرَيْجٌ») بسينٍ مهملةٍ فراءٍ فجيمٍ بعدَ ياءٍ مصغَّرًا (ابْنَا يُونُسٍ) بالصرفِ للوزنِ، (وَالنُّعْمَانْ) يعني: أن سُريجًا بالضبطِ المذكورِ،

ص: 535

اسمُ سريجِ بنِ يونُسَ بنِ إبراهيمَ البغداديِّ أبي الحارثِ، (وَاكْنِ) أيُّها المحدِّثُ بأبي سُريجٍ (أَبَا أَحْمَدَ) أي: والدَ أحمدَ بنِ الصبَّاحِ النَّهْشَليِّ، ومَن عداهم فبالشِّينِ المعجمةِ والحاءِ المهملةِ، شُريحٌ، وهم جماعةٌ.

ومنها «سَلِيم» مع «سُلَيم» ، و «السِّيناني» مع «الشَّيبَاني» ، ذكرها بقولِه:

(وَ) سَلِيم (ابْنُ حَيَّانْ) الهُذليُّ البصريُّ.

872 -

سُلَيْمُ بِالتَّكْبِيرِ، [وَالسِّيْنَانِي

فَضْلٌ وَمَنْ عَدَاهُ فَالشَّيْبَانِي

[872]

(سُلَيْمُ بِالتَّكْبِيرِ) يعني: أنَّ سَلِيم بنَ حيَّانَ مكبَّرٌ، ومَن عداه فهو سُلَيم مصغرًا، (وَالسِّيْنَانِي) بكسرِ المهملةِ بعدَها ياءٌ (فَضْلٌ) هو ابنُ موسى أبو عبدِ اللهِ المَروَزيُّ، (وَمَنْ عَدَاهُ) أي: غيرُه (فَـ) هو (الشَّيْبَانِي) بفتحِ المعجمةِ بعدَها ياءٌ ثمَّ موحَّدةٌ.

ومنها: «السَّامِي» مع «الشَّامِي» ، ذكَرهما بقولِه:

873 -

مُحَمَّدٌ عَبَّادُ وَالنَّاجِيُّ

وَعَبْدُ الاعْلَى كُلُّهُمْ «سَامِيُّ»

[873]

(مُحَمَّدٌ) بنُ عَرعَرةَ البصريُّ، و (عَبَّادُ) بنُ منصورٍ، (وَ) أبو المتوكِّلِ عليُّ بنُ دؤادٍ (النَّاجِيُّ وَعَبْدُ الاعْلَى) البصريُّ، أبو مُحمَّد (كُلُّهُمْ) أي: هؤلاءِ الأربعةُ («سَامِيُّ») بسينٍ مهملةٍ، ومَن عداهُم فبالشِّينِ المعجمةِ شاميٌّ.

ص: 536

ومنها: «صَبِيح» ، مكبرًا، و «صُبَيح» مصغرًا، ذكَرهما بقولِه:

874 -

صَبِيحَ وَالِدَ الرَّبِيعِ فَافْتَحَا

وَاضْمُمْ أَبًا لِمُسْلِمٍ أَبِي الضُّحَى

[874]

(صَبِيحَ وَالِدَ الرَّبِيعِ) بنُ صَبِيحٍ السعديُّ البصريُّ (فَافْتَحَا) أيُّها المحدِّثُ، يعني: أنَّ صَبيحًا والدُ الرَّبيعِ مفتوحُ الأولِ بوزنِ كبيرٍ، (وَاضْمُمْ) أيُّها المُحدِّث (أَبًا لِمُسْلِمٍ أَبِي الضُّحَى) يعني: أنَّ أبا مسلمٍ أبي الضُّحَى الهمْدانيَّ الكوفيَّ العطارَ صُبَيحٌ، مضمومُ الأولِ بصيغةِ التصغيرِ.

ومنها: «عيَّاش» مع «عباس» ، ذكَرهما بقولِه:

875 -

«عَيَّاشٌ» الرَّقَّامُ وَالْحِمْصِيُّ

أَبًا كَذَاكَ الْمُقْرِئُ الْكُوفِيُّ]

[875]

(«عَيَّاشٌ») بعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فياءٍ تحتانيةٍ مشدَّدةٍ، هو ابنُ الوليدِ (الرَّقَّامُ) البصريُّ، (وَ) كذا (الْحِمْصِيُّ أَبًا) أي: وكذلك أبو الحمصيِّ، وهو عليُّ بنُ عياشٍ الحمصيُّ، و (كَذَاكَ) أي: مثلُ الحمصيِّ في كونِ أبيه بهذا الضبط: أبو بكرِ بنُ عيَّاشِ بنِ سالمٍ (الْمُقْرِئُ) الأسَديُّ (الْكُوفِيُّ)، وغيرُ هؤلاءِ كلُّه «عبَّاس» ، وهو كثيرٌ.

ص: 537

ومنها: «عَبَادَةُ» و «عُبَادَةُ» ، ذكَرهما بقولِه:

876 -

وَافْتَحْ «عَبَادَةً» أَبَا مُحَمَّدِ

وَاضْمُمْ أَبَا قَيْسٍ «عُبَادًا» تَرْشُدِ

[876]

(وَافْتَحْ) أيُّها المُحدِّثُ («عَبَادَةً») أي: أولَه (أَبَا مُحَمَّدِ) والدَ مُحمَّدِ بنِ عَبادةَ الواسطيَّ، وغيرُه كلُه «عُبادة» بالضمِّ، وهو كثيرٌ.

ومنها: «عُبَاد» مع «عَبَّاد» ، ذكَرهما بقولِه:

(وَاضْمُمْ) أيُّها المحدِّثُ (أَبَا قَيْسٍ) أي: والدَه («عُبَادًا») يعني: أنَّ والدَ قيسِ بنِ عُبَادٍ التابعيِّ بضمِّ العينِ المهملةِ وتخفيفِ الباءِ، وغيرُه «عَبَّاد» بفتحٍ فتشديدِ باءٍ (تَرْشُدِ) طريقَ الصوابِ.

ومنها: «عَبَدَةُ» مع «عَبْدَة» ، ذكَرهما بقولِه:

877 -

وَفَتَحُوا بَجَالَةَ بْنَ «عَبْدَهْ»

كَذَا «عَبِيدَةُ» بْنُ عَمْرٍو قَيَّدَهْ

[877]

(وَفَتَحُوا) أيِ: المحدِّثون باءَ عَبَدَة والدِ (بَجَالَةَ) بفتحِ الموحدةِ التميميِّ، البصريِّ، المروزيِّ (بْنَ «عَبْدَهْ»).

ص: 538

ومنها: «عَبِيدةُ» مع «عُبَيْدَة» ، ذكَرَهما بقولِه:

878 -

وَالِدُ عَامِرٍ كَذَا وَابْنُ حُمَيْدْ

وَكُلُّ مَا فِيهِ مُصَغَّرٌ «عُبَيْدْ»

(كَذَا) أي: مثلُ ما تقدَّم منَ المفتوحِ («عَبِيدَةُ» بْنُ عَمْرٍو) السَّلْمانيُّ، يعني: مفتوحَ العينِ مع كسرِ بائه (قَيَّدَهْ) بهذا الضبطِ.

[878]

(وَالِدُ عَامِرٍ) وهو عَبِيدَة الباهليُّ البصريُّ (كَذَا) أي: مثلُ الضبطِ المتقدِّم، وهو فتحُ العينِ وكسرُ الباءِ، (وَ) كذا بهذا الضبطِ عَبِيدَة (ابْنُ حُمَيْدْ) بنِ صُهيبٍ الكوفيُّ، المعروفُ بالحَذَّاء، ومَن عدا هؤلاءِ الثلاثةَ فكلُّه «عُبَيدَة» بالتصغيرِ.

ومنها: «عُبَيد» ، بالضمِّ مع «عَبِيد» بالفتحِ، ذكَرهما بقولِه:

(وَكُلُّ مَا فِيهِ مُصَغَّرٌ) أي: هو مصغَّرٌ، أي: كلُّ ما في «صحيحِ البخاريِّ» («عُبَيْدْ») بدونِ هاءِ التأنيثِ، وهو مصغَّرٌ، وليس فيه -وكذا في «مسلمٍ» و «الموطأِ» - ممَّن هو بالفتحِ أحدٌ.

ومنها: «عَبْثَر» مع «عَنْبَر» ، ذكَرهما بقولِه:

879 -

[وَوَلَدُ الْقَاسِمِ فَهْوَ «عَبْثَرُ»

وَابْنُ سَوَاءٍ السَّدُوسِيْ «عَنْبَرُ»

[879]

(وَوَلَدُ الْقَاسِمِ) يُكْنى أبا زُبَيد (فَهْوَ «عَبْثَرُ») بالموحَّدةِ الساكنةِ بعدَها ثاءٌ مثلَّثةٌ ثمَّ راءٌ، يعني: أنَّ عبْثَرَ بنَ القاسمِ الكوفيَّ الزُّبَيْديَّ، (وَ) أمَّا

ص: 539

جدُّ مُحمَّدِ (ابْنُ سَوَاءٍ) بنِ عنبرٍ (السَّدُوسِيْ) بفتحٍ فضمٍّ، فهو («عَنْبَرُ») بنونٍ بدلَ الباءِ، هكذا قال:«وابنُ سَواءٍ» وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ابنَ سَواءٍ هو مُحمَّدٌ، وليس عَنبَرًا، وصوابُ العبارةِ «أبُو سَوَاءٍ السَّدُوسِي عَنْبَرُ» .

ومنها: «عُيَيْنَة» مَع «عُتَيْبَة» ، ذكَرهما بقولِه:

880 -

«عُيَيْنَةٌ» وَالِدُ ذِي الْمِقْدَارِ

سُفْيَانَ، وَابْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِي

[880]

(«عُيَيْنَةٌ») بياءَينِ مصغَّرًا (وَالِدُ ذِي الْمِقْدَارِ) الرفيعِ (سُفْيَانَ) الهلاليِّ الكوفيِّ، (وَابْنُ حِصْنٍ) بكسرٍ فسكونٍ، يعني: أنَّ عيينةَ بالضبطِ المذكورِ ابنَ حِصنِ بنِ حُذيفةَ بنِ بدرٍ (الْفَزَارِي) بفتحتَين، وأمَّا غيرُهما فعُتيبة، بتاءٍ بدلَ الياءِ الأولى.

ومنها: «عَتَّاب» مع «غِيَاث» ، ذكَرهما بقولِه:

881 -

«عَتَّابُ» بِالتَّا ابْنُ بَشِيرَ الْجَزَرِي]

«عُقَيْلُ» بِالضَّمِّ فَرَاوِي الزُّهْرِي

[881]

(«عَتَّابُ») بعينٍ مهملةٍ، و (بِالتَّا) أيِ: المشدَّدة (ابْنُ بَشِيرَ) الأُمويُّ أبو سهلٍ (الْجَزَرِي)، وأمَّا غيرُه فغياثٌ بكسرِ المعجمةِ بعدَها مثنَّاةٌ من تحتَ وبعدَ الألفِ ثاءٌ مثلَّثةٌ.

ص: 540

ومنها: «عُقَيل» بالضمِّ مع «عَقِيل» بالفتحِ، ذكَرهما بقولِه:

(«عُقَيْلُ» بِالضَّمِّ) لأوَّلِه (فَرَاوِي الزُّهْرِي) يعني: أنَّ عُقَيلَ بنَ خالدٍ بهذا الضبطِ راوي ابنِ شِهابٍ الزهريِّ، وأمَّا غيرُه فهو «عَقِيل» بالفتحِ مكبَّرًا.

ومنها: «العَوَقِيُّ» مع «العَوْفِيِّ» ، ذكَرهما بقولِه:

882 -

[ابْنَ سِنَانَ الْعَوَقِيَّ أَفْرِدِ

قَارِيُّهُمْ هُوَ ابْنُ عَبْدٍ شَدِّدِ

[882]

(ابْنَ سِنَانَ) مُحمَّدِ بنِ سنانٍ (الْعَوَقِيَّ أَفْرِدِ) أيُّها المحدِّث، وأمَّا غيرُه فالعوفيُّ، بسكونِ الواوِ بعدَها فاءٌ.

ومنها: «القاريّ» بالتشديدِ مع «القارِيْ» بالتخفيفِ، ذكَرهما بقولِه:

(قَارِيُّهُمْ هُوَ ابْنُ عَبْدٍ شَدِّدِ) ياءَه أيُّها المُحدِّثُ، يعني: أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَبدٍ القارِيَّ، يُشدَّدُ ياؤه، وغيرُه مخفَّفُ الياءِ، وهو مَن يُنسَبُ إلى القراءةِ، وهم جماعةٌ.

ومنها: «مُحْرِز» ، مع «مُجَزِّزٍ» ، ذكرهما بقوله:

883 -

أَبُو عُبَيْدِ اللهِ فَهْوَ «مُحْرِزُ»

صَفْوَانَ، أَمَّا الْمُدْلِجِي «مُجَزِّزُ»

[883]

(أَبُو عُبَيْدِ اللهِ) أي: والدُ عُبيدِ اللهِ (فَهْوَ «مُحْرِزُ») بحاءٍ فراءٍ

ص: 541

مهملتَين فزايٍ معجمةٍ (صَفْوَانَ) بنِ مُحرِزٍ، تابعيٌّ، أي: أبو صفوانَ كذلك، و (أَمَّا) الصحابيُّ (الْمُدْلِجِي) فهو («مُجَزِّزُ») بجيمٍ فزايَين.

ومنها «مُغَفَّل» مع «مَعْقِل» ، ذكَرهما بقولِه:

884 -

وَالِدُ عَبْدِاللهِ قُلْ «مُغَفَّلُ»

مُنْفَرِدٌ وَمَنْ سِوَاهُ «مَعْقِلُ»

[884]

(وَالِدُ عَبْدِاللهِ قُلْ) أيُّها المُحدِّثُ في ضبطِه: («مُغَفَّلُ») بغينٍ معجمةٍ ففاءٍ مشدَّدةٍ، يعني: أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مُغفَّلٍ، الصحابيُّ يُضبَطُ أبوه بهذا الضبطِ، وهو (مُنْفَرِدٌ) بهذا الضبطِ، (وَ) أمَّا (مَنْ سِوَاهُ) فهو («مَعْقِلُ») بعينٍ مهملةٍ فقافٍ، وهم جماعةٌ.

ومنها: «مُعَمَّر» مع «مَعْمَر» ، و «مُنْيَة» مع «مُنَبِّه» ، ذكَرها بقولِه:

885 -

«مُعَمَّرٌ» يُشَدَّدُ ابْنُ يَحْيَى

وَ «مُنْيَةٌ» بِالْيَاءِ أُمُّ «يَعَلَى»

[885]

(«مُعَمَّرٌ» يُشَدَّدُ) ميمًا مع ضمِّ أولِه (ابْنُ يَحْيَى) يعني: أنَّ معمرَ بنَ يَحْيَى بنِ بسامٍ الكوفيِّ، يُضبَطُ بهذا الضبطِ، لكنِ الأكثَرون على أنَّه بالتخفيفِ كالجادَّةِ، وأمَّا غيرُه فمَعْمَرٌ، بفتحٍ فسكونٍ، (وَ «مُنْيَةٌ» بِالْيَاءِ) أي: حالَ كونِه مضبوطًا بالياءِ (أُمُّ «يَعَلَى») الصحابيِّ، ابنِ أُمَيَّةَ بنِ أبي عُبيدةَ بنِ همَّامٍ، وأمَّا غيرُها فهو مُنَبِّهٌ.

ص: 542

ومنها: «هُزَيل» بالزايِ مع «هُذَيل» بالذالِ، ذكَرهما بقولِه:

886 -

ابْنُ شُرَحْبِيلَ فَقُلْ «هُزَيْلُ»

بِالزَّايِ لَكِنْ غَيْرُهُ «هُذَيْلُ» ]

[886]

(ابْنُ شُرَحْبِيلَ) بضمِّ الشينِ وفتحِ الراءِ وسكونِ الحاءِ وكسرِ الباءِ (فَقُلْ) في ضبطِه أيُّها المُحدِّثُ: («هُزَيْلُ») مصغَّرًا، حالَ كونِه (بِالزَّايِ) يعني: أنَّ هُزيلَ بنَ شُرَحْبِيلٍ الأوديَّ الكوفيَّ مضبوطٌ بهذا الضبطِ، (لَكِنْ غَيْرُهُ) ممَّا في الكتابِ («هُذَيْلُ») بالذالِ المعجمةِ بدلَ الزايِ.

ومنها: «بُرَيْد» و «بِرِنْد» مع «يَزِيد» ، ذكَرها بقولِه:

887 -

نَجْلُ أَبِي بُرْدَةَ قُلْ «بُرَيْدُ»

وَابْنُ «الْبِرِنْدِ» غَيْرُ ذَا «يَزِيدُ»

[887]

(نَجْلُ) أيِ: ابنُ (أَبِي بُرْدَةَ) بنِ أبي موسى الأشعريِّ (قُلْ) أيُّها المحدِّثُ في ضبطِه: («بُرَيْدُ») بباءٍ موحَّدةٍ فراءٍ مهملةٍ مصغَّرًا، يعني: أنَّ بُريدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ أبي بُردةَ مضبوطٌ بهذا الضبطِ، (وَ) مُحمَّد بنُ عَرْعَرةَ (ابْنُ «الْبِرِنْدِ») السَّامِيُّ بالمهملةِ، كذلك، أي: في كونِه بباءٍ موحَّدةٍ ثمَّ راءٍ، (غَيْرُ ذَا) أي: غيرُ مَن ذُكر ممَّا هو على صورتِه فهو («يَزِيدُ») بفتحِ المثناةِ التحتانيةِ ثمَّ زايٍ مكسورةٍ، وهو الجادَّةُ.

ص: 543

888 -

[هَذَا جَمِيعُ مَا حَوَى الْبُخَارِي]

فَاضْبِطْهُ ضَبْطَ حَافِظٍ ذَكَّارِ

[888]

(هَذَا) إشارةٌ إلى ما ذكَره في هذه الأبياتِ الأربعين (جَمِيعُ مَا حَوَى) أي: جَمَع مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ (الْبُخَارِي) من المُؤتلِفِ والمُختلِفِ؛ (فَـ) إذا كان كذلك فأقولُ لك: (اضْبِطْهُ) أيُّها المُحدِّثُ (ضَبْطَ حَافِظٍ ذَكَّارِ) أي: مبالغٍ في التَّذَكُّرِ.

ثم ذَكَر ما يختصُّ به «صحيحُ مسلمٍ» ؛ فقال:

889 -

فِي مُسْلِمٍ خَلَفٌ «الْبَزَّارُ»

وَسَالِمٌ «نَصْرِيُّهُمْ» [«جَبَّارُ»]

890 -

[هُوَ ابْنُ صَخْرٍ وَعَدِيُّ بْنُ «الْخِيَارْ»]

«جَارِيَةٌ» أَبُو الْعَلا بِالْجِيمِ سَارْ

[889]

(فِي مُسْلِمٍ) في «صحيحِه» (خَلَفٌ «الْبَزَّارُ») يعني: أنَّ الذي في «صحيحِ مسلمٍ» هو خلَفُ بنُ هشامِ بنِ ثعلبةَ، البزَّارُ، وأمَّا غيرُه فهو البزَّازُ بزايَين، وهو كثيرٌ، (وَسَالِمٌ «نَصْرِيُّهُمْ») يعني: أنَّ سالمًا في «مسلمٍ» هو النَّصريُّ، بالنونِ المفتوحةِ والصادِ المهملةِ الساكنةِ آخرُه راءٌ، وهو ابنُ عبدِ اللهِ أبو عبدِ اللهِ أحدُ التَّابعين، ومَن عداه فكلُّه بصريٌّ، بالباءِ («جَبَّارُ») بجيمٍ.

[890]

(هُوَ ابْنُ صَخْرٍ) بنِ أميةَ بنِ خنساءَ، الصحابيُّ الأنصاريُّ، (وَ)

ص: 544

ثبَت أيضًا في «مسلمٍ» (عَدِيُّ بْنُ «الْخِيَارْ») بنِ عديِّ بنِ نوفلِ بنِ عبدِ منافٍ، يعني: أنه مضبوطٌ بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ بدلَ الجيمِ، وفي «مسلمٍ» أيضًا:(«جَارِيَةٌ» أَبُو الْعَلا) يعني: أنَّ جاريةَ والدِ العَلَا حالَ كونِه مضبوطًا (بِالْجِيمِ سَارْ) أي: ذِكْرُهُ مستمرٌّ في «مسلمٍ» ، والعلاءُ هذا هو والدُ الأسودِ بنِ العلاءِ، وأمَّا غيرُّه فكلُّه «حارثةُ» بالحاءِ والثاءِ.

891 -

[أَهْمِلْ «أَبَا بَصْرَةٍ الْغِفَارِي»

كَذَا اسْمُهُ «حُمَيْلُ» مع إِصْغَارِ]

[891]

(أَهْمِلْ) أي: أيُّها المحدِّثُ («أَبَا بَصْرَةٍ) أيِ: اضبِطْه بصادٍ مهملةٍ (الْغِفَارِي») يعني: أنَّ أبا بصرةَ مضبوطٌ بالصادِ المهملةِ، (كَذَا) يُهمَلُ (اسْمُهُ «حُمَيْلُ») يعني: أنَّ اسمَ أبي بصرةَ هو حُمَيلُ بنُ بصرةَ، صحابيٌّ، سكَن مصرَ، مضبوطٌ بالإهمالِ ككُنيتِه حالَ كونِه (مع إِصْغَارِ) أي: تصغيرِه.

892 -

صَغِّرْ «حُكَيْمًا» ابْنَ عَبْدِاللهِ ثُمّْ

«عَبِيدَةَ» بْنِ الْحَضْرَمِيِّ لا تَضُمّْ

[892]

(صَغِّرْ «حُكَيْمًا» ابْنَ عَبْدِاللهِ) يعني: أنَّ حُكيمَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ، مضبوطٌ بصيغةِ التصغيرِ، (ثُمّْ «عَبِيدَةَ») بنِ سفيانَ بنِ الحارثِ (بْنِ الْحَضْرَمِيِّ لا تَضُمّْ) أي: لا تضبِطْه بالضمِّ مصغَّرًا، بلِ اضبِطْه بصيغةِ المكبَّرِ.

ص: 545

893 -

وَافْتَحْ أَبَا عَامِرٍ ابْنَ «عَبْدَهْ»

وَابْنِ «الْبَرِيدِ» هَاشِمٍ فَأَفْرِدَهْ

[893]

(وَافْتَحْ) أيِ: اضبِطْ بالفتحِ (أَبَا) أي: والدَ (عَامِرٍ ابْنَ «عَبْدَهْ») يعني: أنَّ عامرَ بنَ عَبَدَةَ، الكوفيَّ البجليَّ، يُضبَطُ بفتحِ الباءِ، (وَابْنِ «الْبَرِيدِ») أيِ: افتحْ والدَ ابنِ البَرِيدِ (هَاشِمٍ) يعني: أنَّك تفتحُ باءَ البريدِ، والدِ هاشمِ بنِ البريدِ أبي عليٍّ الكوفيِّ (فَأَفْرِدَهْ).

894 -

وَاضْمُمْ عُقَيْلًا فِي الْقَبِيلِ مَعْ أَبِي

يَحْيَى الْخُزَاعِيِّ كَمَاضٍ تُصِبِ

[894]

(وَاضْمُمْ) أيُّها المحدِّثُ (عُقَيْلًا فِي الْقَبِيلِ) أيِ: القبيلةِ المعروفةِ (مَعْ أَبِي) أي: والدِ (يَحْيَى) بنِ عُقيلٍ (الْخُزَاعِيِّ كَمَاضٍ) أي: كما تضُمُّ العينَ في عُقيلٍ الماضي ذِكرُه في قولِه: «عُقَيْلُ بالضَّمِّ فَرَاوِي الزُّهرِي» (تُصِبِ) أي: تَنَلِ الصوابَ.

895 -

[عَيَّاشُ بِالْيَاءِ ابْنُ عَمْرِو الْعَامِرِي

مَعْ نَقْطِهِ وَهَكَذَا ابْنُ الْحِمْيَرِي]

[895]

(عَيَّاشُ بِالْيَاءِ) التحتانيةِ (ابْنُ عَمْرِو) يعني: أنَّ عياشًا بعينٍ مهملةٍ فياءٍ مشدَّدةٍ آخرُه شينٌ معجمةٌ، هو ابنُ عمرٍو (الْعَامِرِي) الكوفيِّ (مَعْ نَقْطِهِ) أي: حالَ كونِه مصاحِبًا لنقطِ آخرِه الذي هو الشينُ، (وَهَكَذَا) أي:

ص: 546

مثلُ هذا الضبطِ عيَّاشُ (ابْنُ) عباسٍ بموحَّدةٍ القِتْبَانِيُّ (الْحِمْيَرِي).

896 -

«رِيَاحُ» بِالْيَاءِ أَبُو زِيَادِ

وَكُنْيَةٌ لَهُ بِلا تَرْدَادِ

[896]

(«رِيَاحُ») بكسرِ الراءِ (بِالْيَاءِ أَبُو زِيَادِ) أي: والدُ زيادٍ القَيسيِّ، البصريُّ، (وَ) رياحٌ (كُنْيَةٌ لَهُ) أي: لزيادٍ، يعني: أنَّ زيادًا يُكْنَى بأبي رياحٍ كاسمِ أبيه (بِلا تَرْدَادِ) وشكٍّ، والذي رجَّحَه في «التدريبِ» خلافُ هذا، ونصُّه:«وقيل: يُكْنَى أبا قيسٍ، وهو الصوابُ» .

897 -

وَكُلُّ مَا فِي ذَيْنِ وَالْمُوَطَّا

فَهْوَ «الْحَرَامِيُّ» بِرَاءٍ ضَبْطَا

[897]

(وَكُلُّ مَا) أي: كلُّ اسمٍ كائنٍ (فِي ذَيْنِ) أي: «صحيحيِ البخاريِّ ومسلمٍ» (وَ) في كتابِ (الْمُوَطَّا) للإمامِ مالكٍ (فَهْوَ «الْحَرَامِيُّ») بحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، و (بِرَاءٍ) مهملةٍ (ضَبْطَا) يعني: أنَّ الحَرامِيَ منسوبًا في الكتب الثلاثةِ فهو بالراءِ.

898 -

إِلاَّ الَّذِي أُبْهِمَ عَنْ أَبِي الْيَسَرْ

فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّ فِيهِ الْخُلْفُ قَرّْ

[898]

(إِلاَّ) الرجلَ (الَّذِي أُبْهِمَ) اسمُه (عَنْ أَبِي الْيَسَرْ) الأنصاريِّ

ص: 547

اسمُه كعبُ بنُ عمرِو بنِ عبَّادٍ، حالَ كونِه واقعًا (فِي) «صحيح (مُسْلِمٍ)» مُقْتَصِرًا فيه على قولِه: «كان لي على فلانِ بنِ فلانٍ الحراميِّ مالٌ

» الحديثَ؛ (فَإِنَّ فِيهِ) أي: في ضبطِ الحراميِّ هذا (الْخُلْفُ) بالضمِّ، أيِ: اختلافٌ (قَرّْ) أي: ثبَت.

899 -

وَحِّدْ «زُبَيْدًا» مَا عَدَا ابْنَ الصَّلْتِ

وَ «وَاقِدٌ» بِالْقَافِ فِيهَا يَأْتِي

[899]

(وَحِّدْ) أيِ: اضبِطْ -أيُّها المُحدِّثُ- بالباءِ الموحدةِ («زُبَيْدًا») هو ابنُ الحارثِ الياميُّ (مَا عَدَا) زُيَيْدَ (ابْنَ الصَّلْتِ) بنِ مَعْدِيَكَرِبَ، الكنديَّ التابعيَّ، يُضبَطُ بياءٍ مثناةٍ بعدها ياءانِ تحتانيَّتانِ.

(وَ «وَاقِدٌ» بِالْقَافِ فِيهَا) أي: في «الصحيحينِ» و «الموطأِ» (يَأْتِي) يعني: أنَّ واقدًا يأتي في الكتبِ الثلاثةِ مضبوطًا بالقافِ، ولا يوجَدُ فيها «وافِدٌ» بالفاءِ.

900 -

بِالْيَاءِ «الأَيْلِيُّ» سِوَى شَيْبَانَا

[لَكِنَّهُ بِنَسَبٍ مَا بَانَا]

[900]

(بِالْيَاءِ «الأَيْلِيُّ») بفتحِ الهمزةِ مضبوطٌ بالياءِ التحتانيةِ الساكنةِ، (سِوَى شَيْبَانَا) أي: غيرَ شيبانَ بنِ فَرُّوخٍ شيخِ مسلمٍ، فهو «أُبُلِّيٌّ» بضمِّ الهمزةِ والباءِ الموحَّدةِ ثمَّ لامٍ مشدَّدةٍ، (لَكِنَّهُ) أي: شيبانُ (بِنَسَبٍ مَا) نافيةٌ

ص: 548

(بَانَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: ظهَر، يعني: أنَّ شيبانَ لم يوجدْ منسوبًا؛ فلا اعتِراضَ، والمعنى عليه: أنَّ الأيلِيَّ كلَّه بالياءِ إلَّا شيبانَ فإنَّه بالباءِ، وإنْ كان لم يقع فيها منسوبًا.

901 -

وَلَمْ يَزِدْ مُوَطَّأٌ إِنْ تَفْطِن

سِوَى بِضَمِّ «بُسْرٍ» ابْنِ مِحْجَنِ

[901]

(وَلَمْ يَزِدْ مُوَطَّأٌ) على «الصحيحينِ» في المؤتلفِ والمختلفِ (إِنْ تَفْطِن) أي: إن تَحْذَقْ في الفنِّ أيُّها المُحدِّثُ (سِوَى) أي: غيرُ (بِضَمِّ «بُسْرٍ» ابْنِ مِحْجَنِ) بكسرٍ فسكونٍ ففتحِ جيمٍ.

وحاصلُ المعنى: أنَّ «الموطأَ» ليس فيه منَ الرجالِ من هذا النوعِ زيادةً على «الصحيحَين» إلا بُسْرُ بنُ مِحْجَنٍ الدِّيلِيُّ.

ص: 549

‌المُتَّفِقُ والمُفْتَرِقُ

وهو النوعُ الحادي والثمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

902 -

وَاعْنَ بِمَا لَفْظًا وَخَطًّا يَتَّفِقْ

لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ قَدْ تَفْتَرِقْ

903 -

[لا سِيَّمَا إِنْ يُوجَدَا فِي عَصْرِ

وَاشْتَرَكَا شَيْخًا وَرَاوٍ فَادْرِ

[902]

(وَاعْنَ) بفتحِ النونِ وكسرِها، أي: اهتَمَّ (بِمَا) أي: بمعرفةِ الذي (لَفْظًا وَخَطًّا يَتَّفِقْ) منَ الأسماءِ والأنسابِ (لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ قَدْ تَفْتَرِقْ) لتعدُّدِهم.

[903]

(لا سِيَّمَا) اعتِناؤك (إِنْ يُوجَدَا) أيِ: المُشْتَرِكَان في الاسمِ (فِي عَصْرِ) أي: وقتٍ واحدٍ، (وَاشْتَرَكَا شَيْخًا) أي: في الروايةِ عن بعضِ الشيوخِ، (وَرَاوٍ) أيِ: اشترَكا أيضًا في الراوي الذي يروي عنهما؛ (فَادْرِ) أي: فاعلَمْ.

ص: 550

ثم ذكَر أقسامه: وهي عشَرةٌ؛ فقال:

904 -

فَتَارَةً يَتَّفِقُ اسْمًا وَأَبَا

أَوْ مَعَ جَدٍّ أَوْ كُنًى وَنَسَبَا]

[904]

(فَتَارَةً يَتَّفِقُ) كلٌّ منهما (اسْمًا وَأَبَا) أي: في اسمِه واسمِ أبيه، (أَوْ مَعَ جَدٍّ) له، أو أكثرَ من ذلك، (أَوْ) يتفقانِ (كُنًى وَنَسَبَا) أي: في نسبِه وكنيتِه.

ثمَّ مثَّل للأولِ؛ فقال:

905 -

كَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: خَمْسٌ بَانْ

وَ «أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانْ»

[905]

(كَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: خَمْسٌ بَانْ) أي: ظهَر، الأولُ: أنسُ بنُ مالكٍ خادمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والثَّاني: كعبيٌّ، يُكنَى أبا أميةَ، والثالثُ: أبو مالكٍ الفقيهِ، والرابعُ: حِمصيٌّ، والخامسُ: كوفيٌّ، ثمَّ مثَّل للثاني: وهو ما اتَّفق أسماؤهم وأسماءُ آبائهِم وأجدادِهم بقولِه: (وَ) كـ («أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانْ») وهم أربعةٌ، وكلُّهم في عصرٍ واحدٍ، أحدُهمُ: القَطِيعيُّ، الثَّاني: السَّقَطيُّ أبو بكرٍ البصريُّ، الثَّالثُ: دِينَوريٌّ، الرابعُ: طَرَسُوسِيٌّ يُكنَى أبا الحسنِ.

ص: 551

ثم مثل للثالث وهو ما اتفق في الكنية والنسبة معًا بقوله:

906 -

ثُمَّ «أَبِي عِمْرَانٍ الْجَوْنِيِّ»

اثْنَيْنِ: بَصْرِيٍّ وَبَغْدَادِيِّ

[906]

(ثُمَّ «أَبِي عِمْرَانٍ الْجَوْنِيِّ») بفتحِ الجيمِ وسكونِ الواوِ (اثْنَيْنِ: بَصْرِيٍّ وَبَغْدَادِيِّ) أحدُهما بصريٌّ، واسمُه عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ الأزديُّ، والثاني: بغداديٌّ، واسمُه موسَى بنُ سهلِ بنِ عبدِ الحميدِ.

ثم ذكَر الرابعَ، والخامسَ، والسادسَ بقولِه:

907 -

[أَوْ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبٍ وَالنَّسَبِ

أَوْ كُنْيَةٍ كَعَكْسِهِ وَاسْمِ أَبِ]

908 -

نَحْوُ «مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ» مِنْ

قَبِيلَةِ الأَنْصَارِ [أَرْبَعٌ زُكِنْ]

909 -

كَذَا «أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ» وَضُمّْ

«ابْنَ أَبِي صَالِحٍ صَالِحًا» تَعُمّْ

[907]

(أَوْ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبٍ وَالنَّسَبِ) وهذا هو رابعُ الأقسامِ، (أَوْ كُنْيَةٍ كَعَكْسِهِ وَاسْمِ أَبِ) وهذا هو الخامِسُ، وقوله:«كعكسِه» هو الاتفاقُ في الاسمِ وكنيةِ الأبِ، وهذا هو السادسُ.

ص: 552

ثمَّ مثَّل للرابِعِ:

[908]

(نَحْوُ «مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ») الأنصاريِّ (مِنْ قَبِيلَةِ الأَنْصَارِ) هم (أَرْبَعٌ زُكِنْ) أي: عُلم، الأولُ: مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المُثَنَّى، أبو عبدِ اللهِ القاضي، الثَّاني: مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ ابنُ حفصٍ، والثالثُ: مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، والرابعُ: أبو سَلَمةَ مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ. ثمَّ مثَّل للخامسِ:

[909]

(كَذَا «أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ») ثلاثةٌ، أحدُهمُ: الكوفيُّ القارئُ الشهيرُ، وثانيهِم: حمصيٌّ، وثالِثُهم: سُلميٌّ مولاهم، ثمَّ مثَّل للسادسِ بقولِه:(وَضُمّْ) أيُّها المحدِّث: («ابْنَ أَبِي صَالِحٍ صَالِحًا») يعني: أنَّ صالحَ بنَ أبي صالحٍ مثالٌ لهذا النوعِ، وهم جماعةٌ، الأولُ: أبو مُحمَّدٍ المدَنيُّ مولَى التَّوْأَمةِ، والثَّاني: أبو عبدِ الرحمنِ المدنيُّ السَّمَّانُ، والثالثُ: السَّدوسيُّ، يروي عن عليٍّ، والرابعُ: الكوفيُّ مولَى عمرِو بنِ حُريثٍ المخزوميِّ، (تَعُمّْ) بضبطِكَ بعضَ المشكلاتِ التي تَعترَي أسماءَ الرواةِ.

ثم ذكَر السابعَ بقولِه:

910 -

وَتَارَةً فِي اسْمٍ فَقَطْ ثُمَّ السِّمَهْ

«حَمَّادُ» لابْنِ زَيْدَ وَابْنِ سَلَمَهْ

[910]

(وَ) يتفقانِ (تَارَةً فِي اسْمٍ) أو في كنيةٍ، أو في نسبةٍ (فَقَطْ) أي: فحسْبُ؛ فيقعُ في السندِ منهم واحدٌ باسمِه، مهملًا من ذِكر أبيه، (ثُمَّ السِّمَهْ) أيِ: العلامةُ («حَمَّادُ» لابْنِ زَيْدَ وَابْنِ سَلَمَهْ) أي: فهو اسمٌ لحمادِ بنِ زيدٍ، واسمٌ لحمادِ بنِ سَلَمةَ.

ص: 553

ثم ذكَر بعضَ العلاماتِ التي يتميَّزُ بها كلٌّ منهما، فقال:

911 -

فَإِنْ أَتَى عَنْ حَرْبٍ مُهْمَلا

أَوْ عَارِمٍ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلا

912 -

[أَوْ هُدْبَةٍ] أَوِ التَّبُوذَكِيِّ أَوْ

حَجَّاجٍ أَوْ عَفَّانَ فَالثَّانِيْ رَأَوْا

[911]

(فَإِنْ أَتَى) ذِكرُ حمادٍ (عَنْ) سليمانَ بنِ (حَرْبٍ) الأزديِّ (مُهْمَلا) أي: حالَ كونِ حمادٍ مهملًا عن ذِكرِ أبيه، (أَوْ) أتى حمادٌ مهملًا عن (عَارِمٍ) لقبٌ لمُحمَّدِ بنِ الفضلِ؛ (فَهْوَ) حمادُ (ابْنُ زَيْدٍ جُعِلا) أي: حالَ كونِهما مجعولَين علامةً على حمادِ بنِ زيدٍ، يعني: أنَّه إذا أتى حمادٌ مهملًا في روايةِ ابنِ حربٍ، وعارِمٍ؛ فهو حمَّادُ بنُ زيدٍ.

[912]

(أَوْ) أتى حمَّادٌ مهملًا عن (هُدْبَةٍ) بنِ خالدٍ البصريِّ، (أَوِ) أتى ذِكرُ حمادٍ مهملًا عن موسى بنِ إسماعيلَ، (التَّبُوذَكِيِّ أَوْ حَجَّاجٍ) بنِ منهالٍ، (أَوْ) أتى ذِكرُ حمادٍ مهملًا عن (عَفَّانَ) بنِ مسلمٍ (فَالثَّانِيْ) أي: فهو الثَّاني (رَأَوْا) والمعنى: أنه إذا ورَد حمادٌ مهملًا من روايةِ هؤلاءِ عنه فإنه حمَّادُ بنُ سَلَمةَ.

ص: 554

913 -

[وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ «عَبْدُ اللهِ» فِي

طَيْبَةَ فَاْبنُ عُمَرٍ، وَإِنْ يَفِي

914 -

بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ، أَوْ جَرَى

بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى

915 -

وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ، وَعِنْدَ مِصْرِ

وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو

[913]

(وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ «عَبْدُ اللهِ» فِي طَيْبَةَ) المدينةِ (فَـ) هو عبدُ اللهِ (اْبُن عُمَرٍ) بنِ الخطابِ رضي الله عنهما، (وَإِنْ يَفِي) أي: يحصُلْ إطلاقُ عبدِ اللهِ.

[914]

(بِمَكَّةٍ فَـ) هو عبدُ اللهِ (ابْنُ الزُّبَيْرِ) رضي الله عنهما، (أَوْ جَرَى) إطلاقُه (بِكُوفَةٍ فَهْوَ) عبدُ اللهِ (ابْنُ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (يُرَى) لهم.

[915]

(وَ) إذا أُطلِق عبدُ اللهِ في (الْبَصْرَةِ) فهو عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ (الْبَحْرُ، وَعِنْدَ) أهلِ (مِصْرِ وَ) أهلِ (الشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ) عبدُ اللهِ فهو عبدُ اللهِ (ابْنُ عَمْرِو) بنِ العاصِ رضي الله عنهما.

916 -

وَعَنْ «أَبِي حَمْزَةَ» يَرْوِي شُعْبَةُ

عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ

917 -

إِلاَّ «أَبَا جَمْرَةَ» فَهْوَ بِالرَّا

وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا]

[916]

(وَعَنْ «أَبِي حَمْزَةَ» يَرْوِي) أي: يحدِّثُ (شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاجِ (عَنِ) عبدِ اللهِ (ابْنِ عَبَاسٍ) رضي الله عنهما (بِزَايٍ) أي: مضبوطًا بزايٍ (عِدَّةُ)

ص: 555

جماعةٌ متعدِّدون، سبعةٌ كلُّهم بهذا الضبطِ.

[917]

(إِلاَّ «أَبَا جَمْرَةَ») الضُّبَعيَّ؛ (فَهْوَ) مضبوطٌ (بِالرَّا) ءِ المهملةِ قبلها جيمٌ مفتوحةٌ فميمٌ ساكنةٌ، (وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ) أي: إنَّ شعبةَ يُطلِقُه بخلافِ السِّتَّةِ؛ فإنه إذا أراد واحدًا منهم بيَّنه باسمِه ونسبِه (يُدْعَى نَصْرَا) أي: يُسَمَّى أبو جمرةَ هذا نصرًا.

ثم ذكر الثامنَ فقال:

918 -

وَمِنْهُ مَا فِي نَسَبٍ [كَـ «الآمُلِي»]

وَ «الْحَنَفِيْ» مُخْتَلِفُ الْمَحَامِلِ

[918]

(وَمِنْهُ) أي: منَ المتفقِ والمفترِقِ (مَا) يحصُلُ فيه الاتفاقُ (فِي) لفظِ (نَسَبٍ) فقطْ (كَـ «الآمُلِي») بلدٍ (وَ) كـ («الْحَنَفِيْ») منسوبًا إلى قبيلةِ بني حنيفةَ، (مُخْتَلِفُ الْمَحَامِلِ) أي: حالَ كونِ كلٍّ منهما مختلفًا مَحمَلُه.

ثم ذكَر التاسعَ فقال:

919 -

[وَاعْدُدْ بِهَذَا النَّوْعِ مَا يَتَّحِدُ

فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَا وَعَدَّدُوا

[919]

(وَاعْدُدْ) أيُّها المُحدِّثُ (بِهَذَا النَّوْعِ مَا) أي: الاسمِ الذي (يَتَّحِدُ فِيهِ) أي: في التسميةِ به (الرِّجَالُ وَالنِّسَا وَعَدَّدُوا) أي: قسَّم أهلُ الحديثِ هذا النوعَ.

ص: 556

920 -

قِسْمَيْنِ مَا يَشْتَرِكَانِ إِسْمَا

بِنْتُ عُمَيْسِ ابْنُ رِيَابٍ «أَسْمَا»

921 -

وَالثَّانِي فِي اسْمٍ وَكَذَا فِي اسْمِ أَبِ

«كَهِنْدٍ ابْنِ وَابْنَةِ الْمُهَلَّبِ» ]

[920]

(قِسْمَيْنِ) أحدُهما (مَا يَشْتَرِكَانِ) أيِ: الرجلُ والمرأةُ (إِسْمَا) أي: في الاسمِ، مع اختلافِ اسمِ الأبِ (بِنْتُ عُمَيْسِ) أي: مثالُه بنتُ عُميسِ (ابْنُ رِيَابٍ «أَسْمَا») أي: كلٌّ من هذَين اسمُه؛ فمنَ النساءِ أسماءُ بنتُ عُميسٍ، ومنَ الرجالِ أسماءُ بنُ رِيابِ بنِ معاويةَ الجَرْميُّ.

ثم ذكَر العاشرَ فقال:

[921]

(وَالثَّانِي) منَ القِسمَين ما يشتركانِ (فِي اسْمٍ) للرجلِ والمرأةِ، (وَكَذَا) يشتركانِ (فِي اسْمِ أَبِ) لهما، وذلك («كَهِنْدٍ ابْنِ وَابْنَةِ الْمُهَلَّبِ») يعني: أنَّ «هندًا» يكون للرجلِ، كهندِ بنِ المهلَّبِ، ويكونُ للمرأةِ، كهندِ بنتِ المهلَّبِ.

ص: 557

‌المُتَشَابِهُ

وهو النَّوعُ الثَّاني والثَّمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

922 -

فِي الْمُتَشَابِهِ الْخَطِيبُ أَلَّفَا

وَهْوَ مِنَ النَّوْعَيْنِ قَدْ تَأَلَّفَا

923 -

يَتَّفِقَا فِي الاسْمِ وَالأَبُ ائْتَلَفْ

أَوْ عَكْسُهُ أَوْ نَحْوُ ذَا كَمَا اتَّصَفْ

[922]

(فِي الْمُتَشَابِهِ) أي: في بيانِ هذا النوعِ (الْخَطِيبُ) البغداديُّ (أَلَّفَا) كتابًا جليلًا سمَّاه «تلخيصَ المتشابهِ» (وَهْوَ) أيِ: المتشابهُ (مِنَ النَّوْعَيْنِ) السابقَين، وهما «المؤتلِف والمختلِف» ، و «المتَّفِق والمفترِق» (قَدْ تَأَلَّفَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: تَركَّبَ.

[923]

وهو إمَّا أن (يَتَّفِقَا) أيِ: المتشابهان لفظًا وخطًّا (فِي الاسْمِ) خاصةً ويفتَرِقَا في المسمَّى، (وَالأَبُ) أي: أبواهُما (ائْتَلَفْ) أيِ: اتَّفَق خطًّا مع الاختلافِ لفظًا (أَوْ عَكْسُهُ) وهو أن يأتلِفَ الاسمانِ خطًّا، ويختلِفَا لفظًا، ويتَّفِقَ اسْمَا أَبَوَيْهمَا لفظًا (أَوْ نَحْوُ ذَا) بأن يتفِقَ الاسمانِ، أوِ الكُنيتان لفظًا (كَمَا اتَّصَفْ) أيِ: المتشابهُ بجميعِ هذه الأقسامِ كلِّها.

ص: 558

924 -

كِـ «ابْنِ بَشِيرٍ» وَ «بُشَيْرٍ» سُمِّيَا

أَيُوبَ «حَيَّانَ» «حَنَانَ» عُزِيَا

925 -

[كَذَا «شُرَيْحٌ» وَلَدُ النُّعْمَانِ

مَعَ «سُرَيْجٍ» وَلَدِ النُّعْمَانِ

[924]

(كِـ) أيوبَ («ابْنِ بَشِيرٍ») بفتحِ الباءِ (وَ) أيوبَ بنِ («بُشَيْرٍ») بالضمِّ (سُمِّيَا) ابنَ بَشِير، وابنَ بُشَير (أَيُوبَ) يعني: أنَّ كلًّا منهما اسمُه «أيوبُ» ، ثمَّ مثَّل لِمَا حَصَل فيه الاتفاقُ في النسبةِ والاختلافُ في الاسمِ، وهو الخامسُ في الترتيبِ («حَيَّانَ») بفتحِ الحاءِ، وتشديدِ الياءِ («حَنَانَ») بفتحِ الحاءِ والنونِ المخفَّفةِ، (عُزِيَا) أي: منسوبَين؛ إذ كلٌّ منهما أسَديٌّ، لكِنَّ الأولَ «حيَّانُ الأسَديُّ» بالياءِ، اثنانِ: الأولُ منهما: اسمُ أبيه حُصَينٌ، وثانيهما: حيَّانُ الأسديُّ أبو النضرِ، شاميٌّ، والثَّاني: هو حَنانٌ الأسَديُّ، بصريٌّ، ثمَّ ذكَر مثالًا لِمَا حصَل فيه الافتراقُ في الاسمِ والاتفاقُ في الأبِ.

[925]

(كَذَا «شُرَيْحٌ») بشينٍ معجمةٍ (وَلَدُ النُّعْمَانِ) الصَّائِديُّ، الكوفيُّ؛ فهو متشابهٌ (مَعَ «سُرَيْجٍ») بمُهملةٍ (وَلَدِ النُّعْمَانِ) بنِ مرْوانَ الجوهريِّ، ثمَّ ذكَر مثالًا لِمَا حصَل فيه الاتفاقُ في الكنيةِ، والافتراقُ في النِّسبةِ.

ص: 559

926 -

وَكَأَبِي عَمْرٍو هُوَ «الشَّيْبَانِي»

مَعَ أَبِي عَمْرٍو هُوَ «السَّيْبَانِي»

927 -

وَكَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ

«الْمَخْرَمِيْ» «الْمُخَرِّمِيْ» مُضَاهِي

[926]

(وَكَأَبِي عَمْرٍو هُوَ «الشَّيْبَانِي») بفتحِ الشينِ المعجمةِ، سعدُ بنُ إياسٍ، وهارونُ بنُ عَنتَرةَ، وإسحاقُ بن مِرَارٍ؛ فكلٌّ من هؤلاءِ الثلاثةِ متشابهٌ (مَعَ أَبِي عَمْرٍو هُوَ «السَّيْبَانِي») بمهملةٍ، التابعيُّ الشاميُّ المخضرمُ، ثمَّ ذكَر مثالًا لِمَا حصَل فيه الاتفاقُ في الاسمِ واسمِ الأبِ، والافتِراقُ في النسبةِ نُطقًا.

[927]

(وَكَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) اثنانِ: أحدُهما: («الْمَخْرَمِيْ») بفتحِ الميمِ وسكونِ الخاءِ وفتح الراءِ، وثانيهما:(«الْمُخَرِّمِيْ») بضمِّ الميمِ وفتحِ الخاءِ وكسرِ الراءِ المشدَّدةِ (مُضَاهِي) أي: أحدُهما مشابهٌ للآخَرِ، ثمَّ ذكَر مثالًا لِمَا حصَل فيه الاتِّفاقُ في النسبةِ، والاختلافُ في الكنيةِ.

ص: 560

928 -

وَكَـ «أَبِي الرِّجَالِ» الانْصَارِي

مَعَ «أَبِي الرَّحَّالِ» الانْصَارِي]

[928]

(وَكَـ «أَبِي الرِّجَالِ») بكسرِ الراءِ المهملةِ وتخفيفِ الجيمِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ الرحمنِ (الانْصَارِي مَعَ «أَبِي الرَّحَّالِ») بفتحِ الراءِ وتشديدِ الحاءِ، مُحمَّدِ بنِ خالدٍ (الانْصَارِي) البصريُّ.

ص: 561

‌المُشْتَبِهُ المَقْلُوبُ

وهو النَّوعُ الثالثُ والثمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

929 -

أَلَّفَ فِي الْمُشْتَبِهِ الْمَقْلُوبِ

[رَفْعًا عَنِ الإِلْبَاسِ فِي الْقُلُوبِ]

930 -

كَـ «ابْنِ الْوَلِيدِ مُسْلِمٍ» لَبْسٌ شَدِيدْ

[عَلَى الْبُخَارِي] بِـ «ابْنِ مُسْلِمَ الْوَلِيدْ»

[929]

(أَلَّفَ) الخطيبُ كتابًا (فِي الْمُشْتَبِهِ الْمَقْلُوبِ)«رافعَ الارتيابِ في المقلوبِ منَ الأسماءِ والأنسابِ» ، وفائدةُ ضَبْطِه: الأمنُ من توَهُّمِ القَلبِ، كما أشارَ إليه بقولِه:(رَفْعًا عَنِ الإِلْبَاسِ) أي: الاشتباهِ (فِي الْقُلُوبِ) أيِ: الأذهانِ، لا في الرسمِ.

[930]

مثالُه: (كَـ «ابْنِ الْوَلِيدِ مُسْلِمٍ») أي: كمسلمِ بنِ الوليدِ المدنيِّ شيخِ الدَّرَاوَرْدِيِّ (لَبْسٌ) أيِ: اشتباهٌ (شَدِيدْ عَلَى) الإمامِ (الْبُخَارِي) في «تاريخِه» (بِـ «ابْنِ مُسْلِمَ الْوَلِيدْ») أي: بالوليدِ بنِ مسلمٍ الدمشقيِّ، صاحبِ الأوزاعيِّ، وكعبدِ اللهِ بنِ يزيدَ، ويزيدَ بنِ عبدِ اللهِ، وكالأسودِ بنِ يزيدَ، النَّخَعيِّ، ويزيدَ بنِ الأسودِ، الصَّحابيِّ.

ص: 562

‌مَنْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ

وهو النوع الرابع والثمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

931 -

[وَادْرِ الَّذِي لِغَيْرِ أَبٍّ يَنْتَسِبْ

خَوْفَ تَعَدُّدٍ إِذَا لَهُ نُسِبْ]

932 -

كَابْنِ «حَمَامَةٍ» لأمٍّ وَابْنِ

«مُنْيَةَ» جَدَّةٌ، وَلِلتَّبَنِّي

[931]

(وَادْرِ) أيِ: اعلمِ (الَّذِي لِغَيْرِ أَبٍّ يَنْتَسِبْ) كأمٍّ، وجدٍّ، ونحوِهما (خَوْفَ تَعَدُّدٍ) أي: لأجلِ إزالةِ توهُّمِ تعدُّدِ ذلك المنسوبِ (إِذَا لَهُ نُسِبْ) أي: عند نِسبتِه إلى أبيه في بعضِ المواضعِ.

[932]

وذلك (كَـ) بلالِ (ابْنِ «حَمَامَةٍ») المؤذنِ (لأمٍّ) له اسمُها حمامةُ، (وَ) كيَعْلَى (ابْنِ «مُنْيَةَ») الصحابيِّ الشهيرِ (جَدَّةٌ) أي: هي جَدَّةٌ له، أمُّ أبيه، وقيل: إنَّها أمُّه، وعليه الجمهورُ (وَلِلتَّبَنِّي).

ص: 563

933 -

مِقْدَادٌ ابْنُ «الأَسْوَدِ» ابْنُ «جَارِيَهْ»

جَدٌّ [وَفِي ذَلِكَ كُتْبٌ وَافِيَهْ]

[933]

(مِقْدَادٌ ابْنُ «الأَسْوَدِ») يعني: أنَّ المقدادَ الصحابيَّ ليس ابنًا للأسودِ بنِ عبدِ يَغُوثَ؛ إنَّما كان في حَجرِه فنُسِب إليه، واسمُ أبيه عمرُو بنُ ثعلبةَ الكنديُّ، وكذا مُجَمِّع (ابْنُ «جَارِيَهْ») الصحابيُّ، وهو مُجَمِّع بنُ يزيدَ (جَدٌّ) أي: هو اسمُ جدٍّ له (وَفِي ذَلِكَ) أي: فيمن نُسِب إلى غيرِ أبيه (كُتْبٌ) بسكونِ التاءِ مصنَّفةٌ (وَافِيَهْ) بالمقصودِ.

ص: 564

‌المَنْسُوبُونَ إِلَى خلافِ الظَّاهِرِ

وهو النَّوعُ الخامسُ والثمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

934 -

وَنَسَبُوا «الْبَدْرِيَّ» [وَ «الْخُوزِيَّا»]

لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَ «التَّيْمِيَا»

935 -

كَذَلِكَ «الْحَذاَّءُ» لِلْجَلَّاسِ

وَ «مِقْسَمٌ مَوْلَى بَنِي عَبَّاسِ»

[934]

(وَنَسَبُوا) أيِ: المحدِّثون («الْبَدْرِيَّ») لمَن نزَل بدرًا، وهو عقبةُ بنُ عمرٍو أبو مسعودٍ، الأنصاريُّ، الصحابيُّ، لم يشهَدْ بدرًا، ولكنْ نزل بدرًا فنُسِب إليها، (وَ) نسَبوا أيضًا إبراهيمَ بنَ يزيدَ («الْخُوزِيَّا») بضمِّ الخاءِ وسكونِ الواوِ آخرُه زايٌ شِعبٌ بمكةً، وإنَّما نُسب إليها ليس لكَونِه منها، بل (لِكَوْنِهِ جَاوَرَ) ها، (وَ) كذلك نسَبوا أيضًا سُلَيمانَ بنَ طَرْخانَ («التَّيْمِيَا») لكونِه نزَل في بني تيمٍ.

[935]

(كَذَلِكَ «الْحَذاَّءُ») بالحاءِ المهملةِ والذالِ المعجمةِ المشدَّدةِ، خالدُ بنُ مِهْرانَ، ظاهرُه أنَّه منسوبٌ إلى صناعةِ الحِذَاء، وليس كذلك؛

ص: 565

وإنَّما أطلقوه (لِلْجَلَّاسِ) أي: لمَن يُكثِرُ الجلوسَ في دُكَّانه، (وَ) كذا («مِقْسَمٌ) مولى عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ فقالوا:(مَوْلَى بَنِي عَبَّاسِ) يعني: عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ لمُلازمتِه له، وجَمَع «بني» لضرورةِ الوزنِ.

ص: 566

‌المُبْهَمَاتُ

وهو النَّوعُ السادسُ والثمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

936 -

[وَأَلَّفُوا فِي] مُبْهَمَاتِ الأَسْمَا

[لِكَيْ تُحِيطَ النَّفْسُ مِنْهَا عِلْمَا]

937 -

كَرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَابْنٍ وَعَمّْ

[خَالٍ] أَخٍ زَوْجٍ وَأَشْبَاهٍ [وَأُمّْ]

[936]

(وَأَلَّفُوا) أيِ: المحدِّثون (فِي) بيانِ (مُبْهَمَاتِ الأَسْمَا) يعني: التي لم تُسَمَّ في بعضِ الرواياتِ، في الإسنادِ، أو المتنِ ككتابِ: ابنِ بَشْكُوالٍ «الغوامضِ والمبهماتِ» ، والنوويِّ «الإشاراتِ إلى المبهَماتِ» ، ووليِّ الدينِ العراقيِّ «المُستفادِ من مبهماتِ المتنِ والإسنادِ»؛ (لِكَيْ تُحِيطَ النَّفْسُ مِنْهَا) أيِ: المبهماتِ (عِلْمَا) بذلك المبهمِ؛ هو أقسامٌ كما بيَّنه بقولِه:

[937]

(كَرَجُلٍ) أي: مثالُه: كرجلٍ، كحديثِ: «أنَّه صلى الله عليه وسلم رأى رَجُلًا قَائمًا في الشَّمسِ

»

(1)

إلخ، هو أبو إسرائيلَ، (وَ) كـ (امْرَأَةٍ) كحديثِ

(1)

أخرجه البخاري (6704).

ص: 567

عائشةَ: «أنَّ امرأةً سألتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن غُسلِها في الحيضِ

» الحديثَ، هي أسماءُ بنتُ يزيدَ، (وَ) كـ (ابْنٍ) مثلِ ابنِ أمِّ مكتومٍ، اسمُه عبدُ اللهِ، وقيل: عمرٌو، (وَ) كـ (عَمّْ) كروايةِ خارجةَ بنِ الصلتِ عن عمِّه؛ هو عِلَاقَة بنُ صَحَّار، وكـ (خَالٍ) مثلُ حديثِ:«تزوَّجَ ابنُ عمرَ بنتَ خالِه» ، اسمُه عثمانُ بنُ مظعونٍ، وبنتُه زينبُ، وكـ (أَخٍ) كحديثِ عُمرَ: «أنَّه رأى حُلَّةَ سِيَرَاءَ

» إلخ، وفيه:«فكسَاها أخًا له مُشرِكًا بمكَّةَ» ، هو أخوه لأُمِّه عثمانُ بنُ حكيمٍ السُّلميُّ، وكـ (زَوْجٍ) مثلُ زوجِ بِرْوَعَ بنتِ واشِقٍ، هو هلالُ بنُ مرَّةَ، (وَأَشْبَاهٍ وَ) كـ (أُمّْ) كحديثِ أبي هريرةَ: «كنتُ أدعو أُمِّي إلى الإسلامِ

» الحديثَ، هي أُميمةُ، وقيل: مَيمونةُ.

ص: 568

‌مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ

وهو النَّوعُ السَّابعُ والثمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

938 -

مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ وَالْمُضَعَّفِ

أَجَلُّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ فَاعْرِفِ

939 -

بِهِ الصَّحِيحَ وَالسَّقِيمَ [وَارْجِعِ

لِكُتُبٍ تُوضَعُ فِيهَا وَاتْبَعِ]

[938]

(مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ) منَ الرواةِ (وَالْمُضَعَّفِ) منهم (أَجَلُّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ) أي: من أعظمِ وأنفعِ أنواعِ علومِ الحديثِ (فَاعْرِفِ) أيُّها المُحدِّثُ.

[939]

(بِهِ) أي: بسببِ معرفةِ هذا النوعِ (الصَّحِيحَ) منَ الحديثِ (وَالسَّقِيمَ) منه، (وَارْجِعِ) فيه (لِكُتُبٍ تُوضَعُ فِيهَا) أي: في معرفةِ الثقاتِ والضعفاءِ، (وَ) بعدُ (اتْبَعِ) ما يترجَّحُ لديك منها.

ص: 569

940 -

وَجُوِّزَ الْجَرْحُ لِصَوْنِ الْمِلَّهْ

وَاحْذَرْ مِنَ الْجَرْحِ لأَجْلِ عِلَّهْ

[940]

(وَجُوِّزَ الْجَرْحُ) أي: جَرْحُ الرواةِ (لِصَوْنِ) لأجلِ حفظِ (الْمِلَّهْ) أيِ: الدينِ، وأجمَع المسلمون على ذلك، (وَاحْذَرْ) أيُّها المُتصدِّي لذلك (مِنَ الْجَرْحِ) لأيِّ راوٍ كان (لأَجْلِ عِلَّهْ) أي: لأجلِ هَوًى.

941 -

[وَارْدُدْ كَلامَ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ

فِي بَعْضِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ]

[941]

(وَارْدُدْ) أيُّها المُحدِّثُ (كَلامَ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ) الواحدِ (فِي) حقِّ (بَعْضِهِمْ) بالجرحِ (عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ) خبرٌ لمحذوفٍ، أي: هذا مَحْكيٌّ عنِ الحافظِ أبي عُمرَ يوسفَ بنِ عبدِ اللهِ، المشهورِ بابنِ عبدِ البرِّ؛ فإنَّه قال:«مَن ثَبَتَت عدالتُه لم يُلْتَفَت إلى قَولِ أحدٍ إلَّا أن يأتيَ في جرحِه ببيِّنةٍ» .

942 -

وَرُبَّمَا رُدَّ كَلامُ الْجَارِحِ

إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ بِأَمْرٍ وَاضِحِ

[942]

(وَرُبَّمَا رُدَّ كَلامُ الْجَارِحِ) فيمَن جرَحَه (إِذْ) أي: لأجلِ أنَّه (لَمْ يَكُنْ ذَاكَ) الجرحُ (بِأَمْرٍ وَاضِحِ) فيه، أي: مُفَسَّرٌ.

ص: 570

943 -

[الذَّهَبِيْ: مَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ عَلَى

تَوْثِيقِ مَجْرُوحٍ وَجَرْحِ مَنْ عَلا

[943]

(الذَّهَبِيْ) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ، أي: قال (: مَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ) أي: رجلانِ منِ عُلماءِ هذا الشأنِ (عَلَى تَوْثِيقِ) شخصٍ (مَجْرُوحٍ) منَ الضُّعفاءِ، (وَ) لا على (جَرْحِ) أي: تضعيفِ (مَنْ عَلا) أي: شخصٍ ارتفَع قدْرُه بكونِه ثقةً.

944 -

وَتُعْرَفُ الثِّقَةُ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ

رَاوٍ وَذِكْرٍ فِي مُؤَلَّفٍ زُكِنْ

945 -

أُفْرِدَ لِلثِّقَاتِ أَوْ تَخْرِيجِ

مُلْتَزِمِ الصِّحَّةِ فِي التَّخْرِيجِ]

[944]

(وَتُعْرَفُ الثِّقَةُ) للراوي (بِالتَّنْصِيصِ) عليه (مِنْ رَاوٍ) عنه، (وَ) يُعرَفُ أيضًا بـ (ذِكْرٍ) أي: ذِكْرِ الراوي (فِي) كتابٍ (مُؤَلَّفٍ زُكِنْ) أي: عُلِمَ.

[945]

(أُفْرِدَ لِلثِّقَاتِ) أي: لذِكْرِهم، ككتابِ «الثقاتِ» لابنِ حِبَّانِ، والعِجلِيِّ، وابنِ شاهينَ، (أَوْ) يُعرَفُ بـ (تَخْرِيجِ مُلْتَزِمِ الصِّحَّةِ) أي: مشترِطِ الصِّحَّةِ (فِي التَّخْرِيجِ) كالشيخَينِ في «صحيحَيهِما» .

ص: 571

‌مَعْرِفَةُ مَنْ خَلَّطَ مِنَ الثِّقَاتِ

وهو النوع الثامن والثمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

946 -

[وَالْحَازِمِيْ أَلَّفَ فِيمَنْ] خَلَّطَا

مِنَ الثِّقَاتِ آخِرًا فَأُسْقِطَا

947 -

مَا حَدَّثُوا فِي الاِخْتِلاطِ أَوْ يُشَكّْ

[وَبِاعْتِبَارِ مَنْ رَوَى عَنْهُمْ يُفَكّْ]

[946]

(وَ) الحافظُ أبو بكرٍ (الْحَازِمِيْ أَلَّفَ) أي: صنَّف جُزءًا لطيفًا (فِي) معرفةِ (مَنْ خَلَّطَا) بتشديدِ اللَّامِ، والألِفُ إطلاقيةٌ (مِنَ الثِّقَاتِ) أي: حالَ كونِ ذلك المخلِّطِ منَ الثقاتِ (آخِرًا) أي: في آخِرِ عُمُرِه (فَأُسْقِطَا) الألِفُ للإطلاقِ.

[947]

(مَا حَدَّثُوا) أيِ: الحديثَ الذي حدَّثوا به (فِي الاِخْتِلاطِ) أي: في حالةِ اختلاطِهم، (أَوْ) ما (يُشَكّْ) فيه هل هو قبْلَ الاختلاطِ أو بعدَه، (وَبِاعْتِبَارِ مَنْ رَوَى عَنْهُمْ) أي: نَقَلَ الحديثَ عنِ المُخلِّطين (يُفَكّْ) أي: يُزَالُ الإشكالُ، والمعنى: أنَّه يتميَّزُ ما حدَّثوا به قبْلَ الاختلاطِ وبعدَه؛ باعتبارِ الرواةِ عنهم؛ فمَن نَقَل قَبْلَ الاختلاطِ قُبِلَ، ومَن نَقَل بعدَه رُدَّ.

ص: 572

ثمَّ ذكَر أمثلةً لهم بقولِه.

948 -

كَابْنَيْ أَبِي عَرُوبَةٍ وَالسَّائِبِ

وَذَكَرُوا رَبِيعَةً [لَكِنْ أُبِي]

[948]

(كَابْنَيْ أَبِي عَرُوبَةٍ) سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، (وَالسَّائِبِ) وهو عطاءُ بنُ السائبِ، (وَذَكَرُوا) أيِ: العلماءُ فيمنِ اختَلَط (رَبِيعَةً) هو ربيعةُ بنُ أبي عبدِ الرحمنِ الشهيرُ بربيعةَ الرأيِ، (لَكِنْ أُبِي) أي: مُنِع هذا القولُ من الاعتمادِ عليه.

ص: 573

‌طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ وهو النوعُ

التَّاسِعُ والثَّمانون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

949 -

وَالطَّبَقَاتُ لِلرُّوَاةِ تُعْرَفُ

بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ [وَقَدْ تَخْتَلِفُ

950 -

فَالصَّاحِبُونَ بِاعْتِبَارِ الصُّحْبَهْ

طَبَقَةٌ وَفَوْقَ عَشْرٍ رُتْبَهْ

[949]

(وَالطَّبَقَاتُ لِلرُّوَاةِ) أي: رواةِ الأحاديثِ (تُعْرَفُ) في الاصطلاحِ (بِالسِّنِّ) أي: باشتراكِ المُتعاصِرِين في السنِّ، ولو تقريبًا، وبـ (وَالأَخْذِ) عنِ المشايخِ (وَقَدْ تَخْتَلِفُ) أيِ: الطبقاتُ.

[950]

(فَـ) إذا كان كذلك منِ اختلافِ الطبقاتِ باختلافِ الجهاتِ، وأردْتَ بيانَه (فـ) أقولُ لك:(الصَّاحِبُونَ) أيِ: الصحابةُ رضي الله عنهم (بِاعْتِبَارِ) اشتِراكِهم في (الصُّحْبَهْ) للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (طَبَقَةٌ) واحدةٌ، (وَ) باعتبارِ تَفاوُتِهم في سَوابِقِهم ومَراتِبِهم فهم (فَوْقَ عَشْرٍ رُتْبَهْ) أي: من جهةِ المرتبةِ.

ص: 574

ثم ذكَر فائدتَه؛ فقال:

951 -

وَمِنْ مُفَادِ النَّوْعِ أَنْ يُفَصَّلا

عِنْدَ اتِّفَاقِ الاِسْمِ وَالَّذِي تَلا]

[951]

(وَمِنْ مُفَادِ) أي: فائدةِ معرفةِ هذا (النَّوْعِ أَنْ يُفَصَّلا) الألِفُ للإطلاقِ، أيِ: التفصيلُ والتمييزُ بين المتشابِهَين (عِنْدَ اتِّفَاقِ الاِسْمِ) أيِ: اسمِ الراوِيَين (وَالَّذِي تَلا) أي: تبِعَ الاسمَ، والمرادُ به الكنيةُ، ونحوُها؛ لأنَّها تتلو الاسمَ في الذِّكرِ.

ص: 575

‌أَوْطَانُ الروَاة، وبُلْدَانُهُمْ

وهو النَّوعُ التِّسعون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

952 -

[قَدْ كَانَتِ الأَنْسَابُ لِلْقَبَائِلِ

فِي الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ وَالأَوَائِلِ]

953 -

وَانْتَسَبُوا إِلَى الْقُرَى إِذْ سَكَنُوا

فَمَنْ يَكُنْ بِبَلْدَتَيْنِ يَسْكُنُ

[952]

(قَدْ كَانَتِ الأَنْسَابُ) أي: الِانتسابُ (لِلْقَبَائِلِ) أيِ: إليها (فِي الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ وَالأَوَائِلِ) أيِ: المتقدِّمين، يعني: أنَّ العربَ الخُلَّصَ والأوائلَ كانوا ينتسِبون إلى الشُّعوبِ والقبائلِ، وأمَّا العجمُ فكانوا ينتسِبون إلى القُرَى والبُلدانِ، وكانت بنو إسرائيلَ تُنسَبُ إلى أسباطِها.

[953]

(وَ) لمَّا جاء الإسلامُ، وانتشَر الناسُ في الأقاليمِ والمدنِ والقرى (انْتَسَبُوا إِلَى الْقُرَى إِذْ سَكَنُوا) أي: وقْتَ سُكناهُم فيها (فَمَنْ يَكُنْ بِبَلْدَتَيْنِ يَسْكُنُ) بأنِ انتقَلَ منَ الشامِ إلى العراقِ، أو من دِمَشقَ إلى مِصرَ، وأردْتَ نِسبَتَه.

ص: 576

954 -

[فَانْسُبْ لِمَا شِئْتَ وَجَمْعٌ يَحْسُنُ]

وَابْدَأْ بِالاوْلَى وَبِثُمَّ أَحْسَنُ

955 -

وَمَنْ يَكُنْ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ بَلْدَةِ

فَانْسُبْ لِمَا شِئْتَ وَلِلنَّاحِيَةِ

956 -

[كَذَا لإِقْلِيمٍ أَوِ اجْمَعْ بِالأَعَمّْ

مُبْتَدِئًا وَذَاكَ فِي الأَنْسَابِ عَمّْ

[954]

(فَانْسُبْ) أي: فاعْزُهُ (لِمَا شِئْتَ) منهما مقتصِرًا على أحدِهما، (وَجَمْعٌ) أي: جمْعُك بين البلْدتَين في النسبةِ (يَحْسُنُ) من الاقتصارِ على أحدِهِما، (وَ) لكنِ (ابْدَأْ) في النسبةِ (بـ) البلدةِ (الاوْلَى) أي: بالبلدةِ التي هي الأولى بالسُّكنى فيها، (وَ) كونُه (بِثُمَّ) في الثانيةِ المُنتَقَلِ إليها (أَحْسَنُ) من عدِمها؛ فتقولُ: الشاميُّ، ثمَّ العراقيُّ.

[955]

(وَمَنْ يَكُنْ) منَ الرواةِ (مِنْ قَرْيَةٍ) كائنةٍ (مِنْ بَلْدَةِ) كَجَرْوَلٍ من مكةَ مثلًا (فَانْسُبْ) أيُّها المُحدِّثُ (لِمَا شِئْتَ) من تلك القريةِ؛ فتقولَ: فلانٌ الجَرْوَليُّ، أوِ المَكِّيُّ، (وَ) انسُبْه أيضًا (لِلنَّاحِيَةِ) كالحجازِ في مثالِنا؛ فتقولَ فيه: فلانٌ الحجازيُّ.

[956]

(كَذَا) يجوز أن تنسُبَه (لإِقْلِيمٍ) كالعربِ في المثال؛ فيُقال: فلانٌ العربيُّ، (أَوِ اجْمَعْ) بينهما (بِالأَعَمّْ مُبْتَدِئًا) أي: حالَ كونِك مبتدِئًا في

ص: 577

النِّسبةِ بالأعمِّ، وهو الإقليمُ، ثمَّ الناحيةُ، ثمَّ البلدةُ، ثمَّ القريةُ؛ فتقولَ: فلانٌ العربيُّ، الحجازيُّ، المَكِّيُّ، الجَرْوَليُّ، (وَذَاكَ) أيِ: الحكمُ (فِي الأَنْسَابِ) أيِ: القبائلِ (عَمّْ) يعني: أنَّ الحُكمَ المذكورَ يَعُمُّ الِانتسابَ إلى القبائلِ؛ فتقولُ: فلانٌ القرشيُّ، ثمَّ الهاشميُّ.

957 -

وَنَاسِبٌ إِلَى قَبِيلٍ وَوَطَنْ

يَبْدَأُ بِالْقَبِيلِ. ثُمَّ مَنْ سَكَنْ

958 -

فِي بَلْدَةٍ أَرْبَعَةَ الأَعْوَامِ

يُنْسَبْ إِلَيْهَا فَارْوِ عَنْ أَعْلامِ]

[957]

(وَنَاسِبٌ إِلَى قَبِيلٍ وَ) إلى (وَطَنْ يَبْدَأُ) في حالِ الجمعِ بينهما (بِـ) النسبةِ إلى (الْقَبِيلِ) ثمَّ الوطنِ؛ فيقولُ: فلانٌ القرشيُّ، المَكِّيُّ، (ثُمَّ) إنَّ (مَنْ) شرطيةٌ (سَكَنْ) أي: أقام.

[958]

(فِي بَلْدَةٍ) ونحوِها (أَرْبَعَةَ الأَعْوَامِ) أي: أربعَ سنينَ كاملةً (يُنْسَبْ إِلَيْهَا) أي: إلى البلدةِ التي سَكَن فيها؛ (فَارْوِ) أيُّها المُحدِّثُ هذا الكلامَ (عَنْ أَعْلامِ) أي: أئمَّةٍ يُقْتَدَى بهم.

ص: 578

‌المَوَالِي

وهو النَّوعُ الحادي والتِّسعون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

959 -

[وَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي

[وَمَا لَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ]

960 -

وَلَا عَتَاقَةٍ وَلَاءُ حِلْفِ

وَلَاءُ إِسْلامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي

[959]

(وَلَهُمُ) أي: للعلماءِ (مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي) منَ العلماءِ والرواةِ، (وَمَا) أيِ: الذي (لَهُ فِي الْفَنِّ) أي: فنِّ علومِ الحديثِ (مِنْ) زائدةِ (مَجَالِ) يعني: أنَّ الذي له تعلُّقٌ في هذا الفنِّ وغيرِه؛ إذ هو منَ الضَّرورياتِ لِاشتراطِ حقيقةِ النسَبِ في الإمامةِ العظمى، وغيرِها منَ الأحكامِ، ولاستِحبابِ التقديمِ فيه في الصلاةِ، وغيرِها.

[960]

(وَلَا) بالقصرِ للوزنِ (عَتَاقَةٍ) بالفتحِ كأبي العاليةِ الرِّياحيِّ، رُفَيع بنُ مِهْرانَ، كان مَوْلًى لامرأةٍ من بني رِيَاحٍ، (وَلَاءُ حِلْفِ) أيِ: الثاني ولاءُ حِلْفٍ، ومعناه: العهدُ على أن يكونَ أمرُهما واحدًا في النُّصرةِ

ص: 579

والحمايةِ، وأبطَلَ الإسلامُ ما كان في الجاهليةِ على الفِتَنِ، دونَ نصرِ المظلومِ، وصلةِ الأرحامِ. وهم جماعةٌ كمالكِ بنِ أنسٍ الإمامِ؛ فإنَّه حِمْيريٌّ، أَصبَحِيٌّ، صَليبةً، ولكِنْ لكونِ نفَرِه أصبَحَ حُلفاءَ عثمانَ بنِ عُبيدِ اللهِ التيميِّ، وقد يُراد به ولاءُ الإسلامِ، وهو الثالثُ، كما أشار إليه بقولِه:(وَلَاءُ إِسْلامٍ) أيِ: الثالثُ منَ الموالي ولاءُ إسلامٍ، وهو أن يُسْلِمَ الرجلُ على يدِ الرجلِ فيُنسَبُ إليه، (كَمِثْلِ الْجُعْفِي) بضمِّ الجيمِ ثمَّ مهملةٍ ساكنةٍ بعدها فاءٌ، مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ؛ فإنَّه انتَسَب كذلك لأنَّ جدَّ أبيه المغيرةَ كان مجوسيًّا فأسلم على يدِ اليَمانِ بنِ أخنسَ الجُعفيِّ.

ص: 580

‌التَّأْرِيخُ

وهو النَّوعُ الثَّاني والتِّسعون من أنواعِ علومِ الحديثِ:

961 -

مَعْرِفَةُ الْمَوْلِدِ لِلرُّوَاةِ

مِنَ الْمُهِمَّاتِ مَعَ الْوَفَاةِ

[961]

(مَعْرِفَةُ الْمَوْلِدِ) أي: معرفةُ وقتِ الولادةِ (لِلرُّوَاةِ) أي: نَقَلةِ الأخبارِ (مِنَ) الأمورِ (الْمُهِمَّاتِ مَعَ) معرفةِ (الْوَفَاةِ) أي: وقتَ موتِهم.

ثمَّ ذكَر من فوائدِه ما أشار إليه بقولِه:

962 -

بِهِ يَبِينُ كَذِبُ الَّذِي ادَّعَى

بِأَنَّهُ مِنْ سَابِقٍ قَدْ سَمِعَا

[962]

(بِهِ) أي: بما ذُكر من معرفةِ المولدِ والوفاةِ (يَبِينُ) أي: يظهَرُ (كَذِبُ) الشخصِ (الَّذِي ادَّعَى) لنفسِه (بِأَنَّهُ مِنْ سَابِقٍ) منَ الشيوخِ (قَدْ سَمِعَا) الحديثَ.

ص: 581

ثم ذكَر كثيرًا من عيونِ الوفيَاتِ؛ فقال:

963 -

مَاتَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ النَّبِي، وَفِي

ثَلاثَ عَشْرَةٍ أَبُو بَكْرٍ قُفِي

964 -

وَبَعْدَ عَشْرٍ عُمَرٌ، وَالأُمَوِي

آخِرَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، عَلِي

965 -

فِي الأَرْبَعِينَ، وَهْوَ وَالثَّلاثُ

سِتِّينَ عَاشُوا بَعْدَهَا ثَلاثُ

[963]

(مَاتَ بِإِحْدَى) أي: في سنةِ إحدى (عَشْرَةَ) منَ الهجرةِ (النَّبِي) صلى الله عليه وسلم في شهرِ ربيعٍ الأولِ يومَ الاثنينِ، وهذا لا خلافَ فيه، لاثنتيْ عشْرةَ ليلةٍ خلَت منه، (وَفِي) سنةِ (ثَلاثَ عَشْرَةٍ أَبُو بَكْرٍ) الصديقُ رضي الله عنه (قُفِي) أي: أُكْرِمَ.

[964]

(وَبَعْدَ عَشْرٍ) من وفاةِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قُتِل (عُمَرٌ) بنُ الخطابِ رضي الله عنه أي: سنةَ (23 هـ)، (وَ) قُتل الخليفُة الثَّالثُ عثمانُ بنُ عفانَ (الأُمَوِي آخِرَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ) منَ الهجرةِ في ذي الحِجةِ يومَ الجُمُعةِ (18) منه، وقُتِل (عَلِي) بنُ أبي طالِبٍ رضي الله عنه.

[965]

(فِي) شهرِ رمضانَ منَ العامِ (الأَرْبَعِينَ) منَ الهجرةِ، (وَهْوَ) أي: عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه (وَالثَّلاثُ) الأوَّلون: النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ،

ص: 582

وعمرُ رضي الله عنهما (سِتِّينَ) سنةً (عَاشُوا) في الدنيا (بَعْدَهَا) أي: بعدَ الستينَ (ثَلاثُ) سنواتٍ، يعني: أنها اتَّفَقت في كونِها ثلاثًا وستين على القولِ الأصحِّ في كلِّهم.

966 -

وَطَلْحَةٌ مَعَ الزُّبَيْرِ قُتِلا

فِي عَامِ سِتٍّ وَثَلاثِينَ كِلا

967 -

وَفِي ثَمَانِي عَشْرَةٍ تُوُفِّي

عَامِرُ، ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُ عَوْفِ

[966]

(وَطَلْحَةٌ) ابنُ عُبَيدِ اللهِ، أحدُ العشَرةِ رضي الله عنه (مَعَ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّامِ، حَوَارِيِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأحدِ العشَرةِ (قُتِلا) في وقْعةِ الجملِ (فِي عَامِ سِتٍّ وَثَلاثِينَ) منَ الهجرةِ (كِلا) أي: كلاهما.

[967]

(وَفِي ثَمَانِي) بسكونِ الياءِ للوزنِ (عَشْرَةٍ) يعني: في سنةِ ثماني عشْرةَ من الهجرةِ (تُوُفِّي عَامِرُ) بنُ عبدِ اللهِ بنِ الجَرَّاحِ، أبو عُبَيدةَ الأمينُ، أحدُ العشَرةِ، مات في طاعونِ عَمَوَاسَ، موضِعٌ بالشامِ، (ثُمَّ) تُوُفِّي (بَعْدَهُ) أي: بعدَ عامِرٍ المذكورِ عبدُ الرحمنِ (ابْنُ عَوْفِ) بنِ عبدِ عوفٍ، أحدُ العشَرةِ.

ص: 583

968 -

بَعْدَ ثَلاثِينَ بِعَامَيْنِ، وَفِي

إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَعِيدٌ، وَقُفِي

969 -

سَعْدٌ بِخَمْسَةٍ تَلِي خَمْسِينَا

[فَهْوَ آخِرُ عَشْرَةٍ يَقِينَا]

[968]

(بَعْدَ ثَلاثِينَ) سنةً (بِعَامَيْنِ) أي: معهما، بمعنى أنَّه تُوُفِّي سنةَ اثنتَينِ وثلاثين منَ الهجرةِ، (وَ) تُوُفِّي (فِي) سنةِ (إِحْدَى وَخَمْسِينَ) منَ الهجرةِ (سَعِيدٌ) هو ابنُ زيدِ بنِ عمرٍو، أحدُ العشرةِ، (وَقُفِي) أي: أُكرِمَ.

[969]

(سَعْدٌ) ابنُ أبي وقَّاصٍ، أحدُ العشَرةِ (بِخَمْسَةٍ) منَ السِّنينَ (تَلِي) تلك الخمسةُ (خَمْسِينَا) عامًا منَ الهجرةِ، يعني: أنَّه مات سنةَ (55) منَ الهجرةِ؛ (فَـ) إذا علِمتَ ما تقدَّم منَ الأقوالِ الراجحةِ - علِمتَ أنَّ سعدًا هذا (هْوَ آخِرُ عَشْرَةٍ) أيِ: الذين بُشِّرُوا بالجنةِ (يَقِينَا) أي: موتًا.

970 -

وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا

عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُ

971 -

سِتُّونَ فِي الإِسْلامِ حَسَّانٌ، يَلِي

حُوَيْطِبٌ، مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ

[970]

(وَعِدَّةٌ) أي: جماعةٌ متعدِّدونَ (مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا) في العمرِ

ص: 584

(عِشْرِينَ) سنةً حالَ كونِها (بَعْدَ مِائَةٍ) منَ السِّنينَ (تُكَمَّلُ) أي: مكمَّلةٌ، منها ستُّون في الجاهليةِ.

[971]

و (سِتُّونَ فِي الإِسْلامِ حَسَّانٌ) ابنُ ثابتٍ، شاعرُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، و (يَلِي حُوَيْطِبٌ) ابنُ عبدِ العُزَّى بنِ أبي قَيسٍ العامريُّ، صحابيٌّ، و (مَخْرَمَةُ) بفتحِ الميمَينِ بينهما خاءٌ ساكنةٌ (بْنُ نَوْفَلِ) بنُ أَهَيبَ والِدُ مِسْوَرٍ.

972 -

ثُمَّ حَكِيمٌ، حَمْنَنٌ، سَعِيدُ

وَآخَرُونَ مُطْلَقًا [لَبِيدُ

973 -

عَاصِمُ، سَعْدٌ، نَوْفَلٌ، مُنْتَجِعُ

لَجْلاجُ، أَوْسٌ، وَعَدِيٌّ، نَافِعُ

[972]

(ثُمَّ حَكِيمٌ) مُكبَّرًا هو ابنُ حِزَامِ بنِ خُويلِدٍ، ابنُ أخي خَديجةَ أمِّ المُؤمنين رضي الله عنهما، و (حَمْنَنٌ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ ثمَّ ميمٍ ساكنةٍ بعدها نونٌ مفتوحةٌ، ابنُ عوفٍ، أخو عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، و (سَعِيدُ) بنُ يَرْبُوعٍ ابنُ عَنْكَثَةَ، كان اسمُه صِرْمًا فسمَّاه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم سعيدًا؛ فهؤلاءِ الستةُ كلُّهم معمَّرون مائةً وعشرين سنةً، نصفُها في الجاهليةِ، ونصفُها في الإسلامِ، على خلافٍ في بعضِهم، (وَ) وصَل هذا المقدارَ منَ العمرِ قومٌ (آخَرُونَ) منَ الصحابةِ رضي الله عنهم (مُطْلَقًا) أي: من غيرِ توزيعِ نِصفِها في الجاهليةِ ونِصفِهَا في الإسلامِ: (لَبِيدُ) بنُ ربيعةَ بنِ مالكِ بنِ جَعفَرٍ العامريُّ، كان شاعرًا، من فُحولِ الشُّعراءِ.

ص: 585

[973]

و (عَاصِمُ) بنُ عديِّ بنِ الجدِّ بنِ العَجْلانِ العَجْلانيُّ، وهو الذي سأل رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لعُوَيمِرٍ العَجْلانيِّ عنِ الواجدِ مع زوجتِه رجلًا، و (سَعْدٌ) ابنُ جُنادةَ بضمِّ الجيمِ، العَوْفيُّ، الأنصاريُّ، و (نَوْفَلٌ) ابنُ مُعاوِيةَ بنِ عمرٍو الدِّيليُّ، و (مُنْتَجِعُ) ذَكَره العسكريُّ في الصَّحابةِ، ولا يَصِحُّ حديثُه، و (لَجْلاجُ) العامريُّ، و (أَوْسٌ) بنُ مَغْرَاءَ، شاعرٌ اشتَهَر في الجاهليةِ، (وَعَدِيٌّ) ابنُ حاتمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ الطائيُّ، وأبوه حاتمٌ هو الجوَادُ المشهورُ، و (نَافِعُ) بنُ سُلَيمانَ العبْديُّ.

974 -

نَابِغَةُ] ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ

أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجدّْ

975 -

[ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بَأَنْ وُلِدْ

بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ]

[974]

و (نَابِغَةُ) الجَعْديُّ، (ثُمَّةَ) أي: ثمَّ بعدَ أنْ عرفْتَ ما تقدَّم؛ فاعلَمْ أنَّه (حَسَّانُ انْفَرَدْ) عن نُظَرائِه بـ (أَنْ عَاشَ ذَا) أيِ: العمرَ المذكورَ له ولنُظرائِه، وهو (120) سنةً (أَبٌ) وهو ثابتٌ، (وَجَدُّهُ) وهو المنذرُ، (وَجدّْ) أبيه، وهو حرامٌ، يعني: أنَّ كلَّ واحدٍ من حسَّانَ وآبائه إلى حرامٍ عاشوا (120) سنةً، ولا يُعرَفُ ذلك في العربِ لغيرِهم.

ص: 586

[975]

(ثُمَّ حَكِيمٌ) هو ابنُ حزامٍ المتقدِّمُ (مُفْرَدٌ) عن غيرِه (بَأَنْ وُلِدْ بِكَعْبَةٍ) أي: داخلَها، يعني: أنه انفرَد بمَزِيَّةٍ على غيره، وهي ولادتُه في جوفِ الكعبةِ، (وَمَا لِغَيْرِهِ) أي: حكيمٍ (عُهِدْ) أي: عُرِف.

976 -

وَمَاتَ مَعْ حَسَّانَ عَامْ أَرْبَعِ

مْن بَعْدِ خَمْسِينَ [عَلَى تَنَازُعِ]

977 -

لِمِائَةٍ وَنِصْفِهَا النُّعْمَانُ

وَبَعْدُ إِحْدَى عَشْرَةٍ سُفْيَانُ

978 -

وَمَالِكٌ فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِينَا

وَالشَّافِعِي الأَرْبَعُ مَعْ قَرْنَيْنَا

[976]

(وَمَاتَ) حكيمُ (مَعْ حَسَّانَ) بنِ ثابتٍ (عَامْ أَرْبَعِ مْن بَعْدِ خَمْسِينَ) يعني: أنَّ حكيمًا وحسانًا ماتا في سنةٍ واحدةٍ سنةَ (54) منَ الهجرةِ (عَلَى تَنَازُعِ).

[977]

(لِمِائَةٍ) من السنينَ (وَنِصْفِهَا) أيِ: المائةِ، وهو خمسون سنةً، (النُّعْمَانُ) بنُ ثابتٍ، يعني: أنَّ الإمامَ أبا حنيفةَ النعمانَ بنَ ثابتٍ مات ببغدادَ سنةَ مائةٍ وخمسين، (وَ) تُوُفِّي (بَعْدُ) أي: بعدَ موتِ نُعمانٍ (إِحْدَى عَشْرَةٍ) أي: سنةَ إحدى عشرةَ، وهو سنةُ إحدى وستِّين ومائةٍ (سُفْيَانُ) الثوريُّ، أحدُ أئمَّةِ الحُفَّاظِ، والفقهاءِ المتبوعين.

ص: 587

[978]

(وَ) تُوُفِّي بالمدينةِ الإمامُ (مَالِكٌ) ابنُ أنسٍ، إمامُ دارِ الهجرةِ (فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِينَا) يعني: بعدَ المائةِ، (وَ) تُوُفِّي في مِصرَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ إدريسَ (الشَّافِعِي) في (الأَرْبَعُ مَعْ قَرْنَيْنَا) يعني: أنه تُوُفِّي سنةَ (204).

979 -

[وَفِي ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ قَضَى

إِسْحَاقُ] بَعْدَ أَرْبَعِينَ قَدْ مَضَى

980 -

أَحْمَدُ وَالْجُعْفِيُّ عَامَ سِتَّةِ

مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ وَبَعْدَ خَمْسَةِ

[979]

(وَفِي) سنةِ (ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ) أي: بعدَ (200)(قَضَى) أي: مات، أبو يعقوبَ (إِسْحَاقُ) بنُ إبراهيمَ المشهورُ بابنِ راهُويَهْ، و (بَعْدَ أَرْبَعِينَ) أي: مع المِئتين (قَدْ مَضَى) أي: ذهَب، أبو عبدِ اللهِ.

[980]

(أَحْمَدُ) بنُ مُحمَّد بنِ حنبلٍ، يعني: أنه مات سنةَ (241) على الصحيحِ.

(وَ) تُوُفِّي مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ صاحبُ «الصَّحيحِ» البخاريُّ (الْجُعْفِيُّ) بضمٍّ فسكونٍ مولاهم، ليلةَ عيدِ الفطرِ ليلةَ السبتِ، وقتَ صلاةِ العشاءِ (عَامَ سِتَّةِ مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ) أي: ومِئتينِ، (وَ) تُوُفِّي (بَعْدَ خَمْسَةِ) منَ السِّنينَ من موتِ البخاريِّ، يعني: سنةَ (261) الإمامُ أبو الحُسَينِ.

ص: 588

981 -

مُسْلِمُ [وَابْنُ مَاجَهٍ مِنْ بَعْدِ

سَبْعِينَ فِي ثَلاثَةٍ بِحَدِّ]

982 -

وَبَعْدُ فِي الْخَمْسِ أَبُو دَاوُدَا

وَالتِّرْمِذِيْ فِي التِّسْعِ خُذْ مَلْحُودَا

983 -

وَالنَّسَئِي بَعْدَ ثَلاثِمِائَةِ

عَامَ ثَلاثٍ ثُمَّ بَعْدَ خَمْسَةِ

[981]

(مُسْلِمُ) بنُ الحجَّاجِ، النَّيسابوريُّ، صاحبُ «الصحيحِ» ، (وَ) وتُوُفِّيَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ مُحمَّدُ بنُ يزيدَ القزوينيُّ (ابْنُ مَاجَهٍ) بهاءٍ ساكنةٍ وصلًا ووقْفًا، نَوَّنَهَا هنا للضرورةِ، لقبُ والدِه لا جَدِّه، (مِنْ بَعْدِ سَبْعِينَ) أي: ومِئتين (فِي ثَلاثَةٍ) أي: معها، يعني: سنةَ (273)(بِحَدِّ) أي: بوقتٍ محدودٍ عندَ المحقِّقين.

[982]

(وَ) تُوُفِّي بالبصرةِ (بَعْدُ) أي: بعدَ وفاةِ ابنِ ماجهْ (فِي الْخَمْسِ) بعدَ السبعين ومِئَتين، الإمامُ الحافظُ (أَبُو دَاوُدَا) بألِفِ الإطلاقِ، سُليمانُ بنُ الأشعثِ صاحبُ «السننِ» ، (وَالتِّرْمِذِيْ فِي التِّسْعِ) أي: في السنةِ التاسعةِ بعدَ سبعين ومِئتين (خُذْ) أيُّها المُحدِّثُ ضبْطَه بذلك (مَلْحُودَا).

[983]

(وَ) تُوُفِّيَ الإمامُ أبو عبدِ الرحمنِ (النَّسَئِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ، (بَعْدَ ثَلاثِمِائَةِ عَامَ ثَلاثٍ) يعني: أنَّ الإمامَ النسائيَّ رحمه الله تُوُفِّي سنةَ (303).

(ثُمَّ) تُوُفِّي (بَعْدَ خَمْسَةِ) منَ الهجرةِ الإمامُ الحافظُ أبو الحسنِ عليُّ بنُ عُمرَ.

ص: 589

984 -

الدَّارَقُطْنِيْ وَثَمَانِينَ نُعِي

خَامِسَ قَرْنِ خَامِسَ ابْنُ الْبَيِّعِ

985 -

عَبْدُ الْغَنِي لِتَسْعَةٍ وَقَدْ قَضَى

أَبُو نُعَيْمٍ لِثَلاثِينَ رِضَى

[984]

(الدَّارَقُطْنِيْ) نسبةٌ إلى دَارَقُطْنَ، مَحِلةٌ ببغدادَ، (وَثَمَانِينَ) عطفٌ على «خسمةِ» فهو مِن تتمَّةِ تاريخِ وفاةِ الدارقطنيِّ، يعني: أنَّه تُوُفِّيَ بعدَ ثلاثمئةٍ وخمسةٍ وثمانين، لكنَّ الذي في تراجِمه أنَّه تُوُفِّي ثامنَ ذي القَعدةِ سنةَ (385) (نُعِي) أي: أُخْبِرَ بموتِه (خَامِسَ قَرْنِ خَامِسَ) أي: سنةَ (405 هـ)(ابْنُ الْبَيِّعِ) الحافظُ أبو عبدِ اللهِ، الحاكمُ النيسابوريُّ، صاحبُ «المستدركِ على الصحيحَين» ، يعني: أنَّه تُوُفِّي سنةَ خمسٍ وأربعِمئةٍ.

[985]

(عَبْدُ الْغَنِي) أي: تُوُفِّيَ الحافظُ أبو مُحمَّدٍ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ، الأزديُّ المصريُّ (لِتَسْعَةٍ) أي: في سنةِ تسعٍ بعدَ أربعمِئةٍ، (وَقَدْ قَضَى) أي: مات الحافظُ (أَبُو نُعَيْمٍ) أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ إسحاقَ، الأصفهانيُّ، صنَّف «الحليةَ» وغيرَها (لِثَلاثِينَ) أي: في سنةِ ثلاثين بعدَ أربعِمئةٍ (رِضَى) أي: رضي اللهُ عن الجميعِ رِضًا.

ص: 590

986 -

وَلِلثَّمَانِ الْبَيْهَقِي لِخَمْسَةِ

مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ مَعًا فِي سَنَةِ

987 -

يُوسُفُ وَالْخَطِيبُ ذُو الْمَزِيَّهْ

هَذَا تَمَامُ نَظْمِيَ الأَلْفِيَّهْ

[986]

(وَ) تُوُفِّي (لِلثَّمَانِ) أي: في سنةِ ثمانٍ بعدَ خمسين وأربعمِئة، يعني: أنَّه تُوُفِّيَ الحافظُ، أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحُسينِ بنِ عليٍّ (الْبَيْهَقِي) نسبةٌ إلى «بَيْهَقَ» ، وهي قرًى مجتمعةٌ بنواحي نَيسابُورَ، تُوُفِّيَ (لِخَمْسَةِ مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ) وأربعمِئةٍ (مَعًا) أي: مع الثمانيةِ؛ فيكونُ أربعَمِئةٍ وثلاثًا وستِّين سنةً (فِي سَنَةِ) واحدةٍ الحافظُ أبو عُمرَ.

[987]

(يُوسُفُ) بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُحمَّدٍ ابنُ عبدِ البرِّ، النَّمِريُّ القرطبيُّ المالكيُّ، (وَ) الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ ثابتٍ، (الْخَطِيبُ ذُو الْمَزِيَّهْ) أي: صاحبُ الخصوصيةِ؛ لأنَّه وَسَّعَ دائرةَ هذا الفنِّ، وبَحَثَ فيه بحثًا دقيقًا.

(تنبيهٌ): البيهقيُّ مات سنةَ (458)، وبعدَ أربعٍ من موتِ البيهقيِّ، أي: في سنةِ (463) مات يوسفُ بنُ عبدِ البرِّ، والخطيبُ البغداديُّ، هذا هو الصحيحُ.

(هَذَا تَمَامُ) أي: متمِّمُ (نَظْمِيَ) أي: منظومتي (الأَلْفِيَّهْ) أيِ: المنسوبةِ إلى الألفِ، لكنَّها ناقصةٌ ستةَ أبياتٍ.

ص: 591

988 -

نَظَمْتُهَا فِي خَمْسَةِ الأَيَّامِ

بِقُدْرَةِ الْمُهَيْمِنِ الْعَلَّامِ

989 -

خَتَمْتُهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ الْعَاشِرِ

يَا صَاحِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الآخِرِ

990 -

مِنْ عَامِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ الَّتِي

بَعْدَ ثَمَانِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ

991 -

نَظْمٌ بَدِيعُ الْوَصْفِ سَهْلٌ حُلْوُ

لَيْسَ بِهِ تَعَقُّدٌ أَوْ حَشْوُ

[988]

(نَظَمْتُهَا) أيِ: الألفيةَ من أوَّلِها إلى آخِرِها (فِي خَمْسَةِ الأَيَّامِ) أي: في مدةٍ قصيرةٍ، وهي خمسةُ أيامٍ (بِقُدْرَةِ الْمُهَيْمِنِ الْعَلَّامِ).

[989]

(خَتَمْتُهَا) أي: بلغتُ آخِرَها (يَوْمَ الْخَمِيسِ الْعَاشِرِ يَا صَاحِ) لغةٌ في صاحِبٍ (مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الآخِرِ).

[990]

(مِنْ عَامِ) أي: سنةِ (إِحْدَى وَثَمَانِينَ الَّتِي بَعْدَ ثَمَانِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ) أي: من هجرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

[991]

(نَظْمٌ) أي: هو نظمٌ (بَدِيعُ الْوَصْفِ) أي: عجيبُ الوصفِ (سَهْلٌ) في لفظِه (حُلْوُ) في معناه، (لَيْسَ بِهِ) أي: في هذا النظمِ، (تَعَقُّدٌ) هو كونُ الكلامِ مُغْلَقًا لا يظهر معناه بسهولةٍ، (أَوْ حَشْوُ) الزائدُ الذي لا طائلَ تحتَه.

ص: 592

992 -

فَاعْنَ بِهَا بِالْحِفْظِ وَالتَّفْهِيمِ

وَخُصَّهَا بِالْفَضْلِ وَالتَّقْدِيمِ

993 -

وَأَحْمَدُ اللهَ عَلَى الإِكْمَالِ

مُعْتَصِمًا بِهِ بِكُلِّ حَالِ

[992]

(فَاعْنَ) بفتحِ النونِ وكسرِها، أيِ: اهتَمَّ (بِهَا) أي: بهذه المنظومةِ (بِالْحِفْظِ) لِلَفظِها (وَالتَّفْهِيمِ) أي: فهمِ معناها (وَخُصَّهَا) أي: خُصَّ هذه المنظومةَ، (بِالْفَضْلِ) أي: بكونِها فاضلةً في ذاتِها، (وَالتَّقْدِيمِ) على غيرِها منَ المؤلَّفات، كـ «مقدمةِ ابنِ الصلاحِ» ، و «تقريبِ النوويِّ» ، و «ألفيةِ العراقيِّ» ، وغيرِها، لكونِها جَمَعت ما في هذه كُلِّها وزادت عليها فوائدَ جمةً، لا غنَى عنها لطالبِ علومِ الحديثِ.

[993]

(وَأَحْمَدُ اللهَ) أي: أُثني عليه بما هو أهلُه (عَلَى الإِكْمَالِ) أي: لأجلِ توفيقِه وتيسيرِه لإكمالِ هذه المنظومةِ، حالَ كوني (مُعْتَصِمًا) أي: ممتنِعًا ومتقوِّيًا (بِهِ) سبحانه وتعالى (بِكُلِّ حَالِ) أي: في كلِّ أحوالِي الدنيوية، والأُخرَويةِ:{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101].

ص: 593

994 -

مُصَلِّيًا عَلَى نَبِيٍّ قَدْ أَتَمّْ

مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَالرُّسْلَ خَتَمْ

[994]

(مُصَلِّيًا عَلَى نَبِيٍّ) أي: طالبًا منَ اللهِ أن يصلِّيَ على نبيٍّ (قَدْ أَتَمّْ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ) أيِ: الأخلاقِ الفاضلةِ، (وَالرُّسْلَ خَتَمْ) أي: ختَمَ الرسلَ؛ فلا نبيَّ بعدَه.

ص: 594

قال شيخُنا رحمه الله وغفَر له:

واللهُ أعلَمُ، ومنه التوفيقُ للطريقِ الأقومِ، هذا قد تمَّ الفراغُ من هذا الشرحِ الوجيزِ، صباحَ يومِ الثلاثاءِ (14) جمادى الثانيةِ من سنةِ (1408 هـ). وذلك في بلدِ اللهِ الحرامِ مكَّةَ المكرمةِ زادها الله شرفًا وعزًّا، وزادَني بها إقامةً وفوزًا.

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43]، الحمدُ للهِ الذي بنعمتِه تتمُّ الصالحاتِ، الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

اللهمَّ لك الحمدُ حمدًا خالدًا مع خُلودك، ولك الحمدُ حمدًا لا منتهَى له دونَ علمِك، ولك الحمدُ حمدًا لا منتهَى له دونَ مشيئتِك، ولك الحمدُ حمدًا لا آخرَ لقائلِه إلَّا رضاك.

اللهمَّ صلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ باركْ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد كما باركْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ.

ص: 595

السَّلامُ على النبيِّ، ورحمةُ اللهِ وبركاتُه

سُبحانك اللهمَّ وبحمدِك، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا أنتَ وحدَك لا شريكَ لك، وأستغفِرُك وأتوبُ إليك. اهـ

قلتُ:

أنا العبدُ الفقيرُ إلى ربِّه

شعبانُ بنُ سليم بنِ سالمٍ العودة

المصريُّ الحنبليُّ

وكان الفراغُ من تهذيبِه يومَ الثلاثاءِ

(15/ من جمادى الأولى/ سنةَ 1442 هـ) الموافقَ (28/من سبتمبر/ سنةَ 2020 م).

ص: 596