الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقديم
الدكتور صالح بن محمد الونيان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
…
وبعد:
إن الله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر عمّا أشكل وذلك أحرى لإتقان أداء العبادة ولذا قام أخي الشيخ الدكتور/ عبدالكريم بن محمد العميريني بجمع ما تمس الحاجة إليه من أحكام الجنائز في كتابه الموسوم (قراريط - مسائل وأحكام وبدع الجنائز-) وقام بتخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها ووضع الحواشي عند الحاجة إلى ذلك والبحث عما يشكل على الناس في هذا الأمر فالكتاب شبيه بحديقة غناء تقطف منها ثماراً يانعة وقد قرأت الكتاب من أوله إلى آخره فألفيته مهماً في بابه.
فهنيئاً لمن يجنون القراريط في اليوم والليلة هذا الجهد المبارك، أسأل الله تعالى أن ينفع به قارئه ويجزل المثوبة لجامعه والمنفق على طباعته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
إن الله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر عمَّا أشكل وذلك أحرى لإتقان أداء العبادة ولذا قام أخي الشيخ الدكتور / عبدالكريم بن محمد العميريني بجمع ما تمس الحاجة إليه من أحكام الجنائز في كتابه الموسوم (قراريط - مسائل وأحكام وبدع الجنائز-) وقام بتخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها ووضع الحواشي عند الحاجة إلى ذلك والبحث عما يشكل على الناس في هذا الأمر فالكتاب شبيه بحديقة غناء تقطف منها ثمارًا يانعة وقد قرأت الكتاب من أوله إلى آخره فألفيته مهما في بابه.
فهنيئًا لمن يجنون القراريط في اليوم والليلة هذا الجهد المبارك، أسأل الله تعالى أن ينفع به قارئه ويجزل المثوبة لجامعه والمنفق على طباعته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
…
أما بعد.
لما كانت الصلاة على الجنازة من العبادات التي ينال منها المرء حسنات كالجبال وهناك مسائل قد تخفى على بعض المهتمين بالصلاة على الجنازة وتشييعها، حاولت في هذا الكتيب أن أساهم في تقريب مسائل الجنائز على طريقة السؤال والجواب، وأحلت كل فائدة إلى مرجعها، وقد أورد أكثر من فتوى لمسألة واحدة وتكون الإجابة مختلفة حتى يعلم القارئ أن هذه مسألة اجتهادية فالأمر فيها واسع فلا ينكر أحد على أحد خاصة إذا لم يكن فيها نص صحيح صريح.
وعندما أتصرف بالنقل إما حذفا، أو اختصارا فإني أشير إليه بعبارة «بتصرف» .
كما قمت بتخريج الأحاديث وذكرت حكم العلماء عليها قدر ما أمكن، وقمت بتوثيق النصوص والنقولات من مصادرها.
فما وجدتَ -أخي القارئ- فيه من خير فالحمد لله على توفيقه، وما
كان فيه من زللٍ فإن هذا حال من خُلِق من عَجَلٍ، وظني بك عدلاً، لا يعُدُّ الغلط فيُشنّع على صاحبه، لكنْ يتنبَّه إليه فينبّهه عليه، والخطأ من طبع الإنسان، وجل من لا عيب فيه. وذلك كما قيل:
وإن تجدْ عيباً فَسُدَ الخللا
…
فجَلَّ مَنْ لا عيبٌ فيه وعلا
يقول الثعالبي: لا يكتب أحد كتاباً فيبيت عنده ليلة إلا أحب في غيرها أن يزيد فيه أو ينقص منه، هذا في ليلة فكيف في سنين عديد.
وقال العماد الأصبهاني: إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غّير هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
أسأل الله رب العرش العظيم أن يغفر لي ولوالدي وذريتي والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وأن يجعل أجر هذا العمل في موازيننا يوم أن نلقاه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه
عبدالكريم بن محمد العميريني
1437 هـ
أحكام عامة في التغسيل والتكفين والصلاة والدفن
أحكام في تغسيل الميت
قال ابن عثيمين:
1/ غسل الميت المسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية، فينبغي لمن قام بذلك أن ينوي أنه مؤد لهذه الفريضة، لينال أجرها وثوابها من الله تعالى. أما الكافر فلا يجوز تغسيله، ولا تكفينه، ولا دفنه مع المسلمين.
2/ الغاسل مؤتمن على الميت فيجب عليه أن يفعل ما يلزم في تغسيله وغيره.
3/ الغاسل مؤتمن على الميت فيجب عليه أن يستر ما رآه فيه من مكروه.
4/ الغاسل مؤتمن على الميت فلا ينبغي أن يمكن أحداً من الحضور عنده إلا من يحتاج إليه لمساعدته في تقليب الميت وصب الماء ونحوه.
5/ الغاسل مؤتمن على الميت فينبغي أن يستعمل الرفق به والاحترام، وأن لا يكون عنيفاً، أو حاقداً عليه عند خلع وتغسيله وغير ذلك.
6/ لا يغسل الرجل المرأة إلا أن تكون زوجته، ولا المرأة الرجل إلا أن يكون زوجها، إلا من دون سبع سنين فيغسله الرجل والمرأة سواء كان ذكراً أم أنثى.
7/ يستحب للغاسل إذا فرغ أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، فإن لم يغتسل فلا حرج عليه
(1)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 471)
كيفية تغسيل الميت
قال ابن عثيمين:
الواجب في تغسيل الميت أن يغسل جميع جسده بالماء حتى ينقى، والأفضل أن يعمل ما يلي:
1/ يضع الميت على الشيء الذي يريد أن يغسله عليه منحدراً نحو رجليه.
2/ يلف خرقة على عورة الميت من السرة إلى الركبة قبل أن يخلع ثيابه لئلا ترى عورته بعد الخلع.
3/ يخلع ثياب الميت برفق.
4/ يلف الغاسل على يده خرقة فيغسل عورة الميت من غير كشف حتى ينقيها، ثم يلقي الخرقة.
5/ يبل خرقة بماء فينظف بها أسنان الميت ومناخره.
6/ يغسل وجه الميت، ويديه إلى المرفقين، ورأسه ورجليه إلى الكعبين، يبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، وبالرجل اليمنى قبل اليسرى.
7/ لا يدخل الماء في فم الميت ولا أنفه اكتفاء بتنظيفهما بالخرقة.
8/ يغسل جسده كله ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك. حسب حاجة الجسم إلى التنظيف والتنقية، يبدأ بالجانب الأيمن من الجسم قبل الأيسر.
9/ فيضرب الماء المخلوط بالسدر بيده حتى تظهر رغوته، فيغسل بالرغوة رأسه ولحيته، وبالباقي بقية الجسم.
10/ الأفضل أن يخلط بالغسلة الأخيرة كافوراً (وهو نوع معروف من الطيب).
11/ إذا كان للميت شعر فإنه يسرح ولا يلبد ولا يقص شيء منه.
12/ إذا كان الميت امرأة نقض شعرها إن كان مجدولاً، فإذا غسل ونقي جدل ثلاث جدائل، وجعلن خلف ظهرها.
13/ إذا كانت بعض أعضاء الميت منفصلة فإنها تغسل وتضم إليه.
14/ إذا كان الميت متفسخاً بحروق أو غيرها، ولا يمكن تغسيله فإنه ييمم عند كثير من أهل العلم، فيضرب الميمم يديه بالأرض ويمسح بهما وجه الميت وكفيه
(1)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 472)
كيفية تكفين الميت
قال ابن عثيمين:
الواجب في تكفين الميت خرقة تغطي جميع بدنه، لكن الأفضل كما يلي:
1/ يكفن الرجل في ثلاث خرق بيض، يوضع بعضها فوق بعض، ثم يوضع الميت عليها، ثم يرد طرف العليا من جانب الميت الأيمن على صدره، ثم طرفها من جانبه الأيسر، ثم يفعل باللفافة الثانية، ثم الثالثة كذلك، ثم يرد طرف اللفائف من عند رأسه ورجليه ويعقدها.
2/ تبخر الأكفان بالبخور، ويذر بينها شيء من الحنوط (والحنوط أخلاط من الطيب يصنع للموتى).
3/ يجعل من الحنوط على وجه الميت، ومغابنه، ومواضع سجوده.
4/ يوضع شيء من الحنوط في قطن فوق عينيه، ومنخريه، وشفتيه.
5/ يوضع شيء من الحنوط في قطن بين إليتيه، ويشد بخرقة.
6/ تكفن المرأة في خمس قطع: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين. وإن كفنت كما يكفن الرجل فلا حرج في ذلك.
7/ تحل عقد الكفن عند وضع الميت في قبره
(1)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 474)
كيفية الصلاة على الميت
قال ابن عثيمين:
1/ يصلى على الميت المسلم صغيراً كان أم كبيراً، ذكراً كان أم أنثى.
2/ يصلى على الحمل إذا سقط وقد بلغ أربعة أشهر، ويفعل به كما يفعل بالكبير فيغسل، ويكفن قبل الصلاة عليه.
3/ لا يصلى على الحمل إذا سقط قبل تمام أربعة أشهر؛ لأنه لم تنفخ فيه الروح، ولا يغسل، ولا يكفن، وإنما يدفن في أي مكان.
4/ يقف الإمام في الصلاة على الميت عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، ويصلي الناس وراءه.
5/ يكبر في الصلاة على الميت أربع تكبيرات، يقرأ في التكبيرة الأولى بعد التعوذ والبسملة سورة الفاتحة.
ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ويدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة. والأفضل أن يدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإن لم يعرفه دعا بما يعرف.
ويقف بعد الرابعة قليلاً، ثم يسلم، وإن قال قبل السلام: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار فلا بأس بذلك.
كيفية دفن الميت
قال ابن عثيمين:
1/ الواجب أن يدفن الميت في قبر يمنعه من السباع متوجهاً إلى القبلة، وكلما عمقه فهو أفضل.
2/ الأفضل أن يكون القبر لحداً، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في عمق القبر مما يلي القبلة.
3/ يجوز أن يكون القبر شقًّا، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في عمق القبر في وسطه، إذا دعت الحاجة لذلك، بأن تكون الأرض رخوة.
4/ يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن متوجهاً إلى القبلة.
5/ ينصب عليه اللبن نصباً، ويسد ما بينها بالطين المثرى لئلا ينهال التراب على الميت.
6/ يدفن القبر بعد ذلك، ولا يرفع، ولا يشيد بجص أو غيره.
7/ لا يجوز الدفن في ثلاثة أوقات:
1/ إذا طلعت الشمس حتى ترتفع قدر رمح.
2/ إذا وقفت عند الزوال حتى تزول.
3/ إذا بقي عليها مقدار رمح عند الغروب حتى تغرب.
ومقدار الوقتين الأول والأخير نحو ربع ساعة، ومقدار الثاني نحو سبع دقائق
(1)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 475)
الأمور التي تعين على الاستعداد للآخرة
1 -
الإكثار من ذكر الموت والاستعداد للقاء الله تعالى: ينبغي للمسلم أن يكثر من ذكر الموت، ويبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يأتيه الموت بغتة فيندم حين لا ينفع الندم؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذِكْرَ هاذِم اللذَّات)
(1)
.
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا محمد عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، وأحببْ من شئتَ فإنك مفارقُه، واعملْ ما شئتَ فإنك مَجزيٌّ به، ثم قال: (يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس)
(2)
.
2 -
ذكر القبر والبلى؛ لحديث هانئ مولى عثمان رضي الله عنه قال: كان عثمان إذا وقف على قبرٍ بكى حتى يَبُلَّ لحيته، فقيل له: تُذكرُ الجنة والنارُ فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن القبر أول
(1)
أخرجه أحمد في المسند برقم (7925) 13/ 301، والترمذي في جامعه برقم (2307) 4/ 553، والنسائي في سننه برقم (1824) 4/ 4. وصححه الألباني في الجامع الصغير 1/ 2090.
(2)
أخرجه الطبراني في الأوسط برقم (4278) 4/ 306، والحاكم في المستدرك برقم (7921) 4/ 360، والبيهقي في الشعب برقم (10058) 13/ 125. وحسنه الألباني في الجامع الصغير 1/ 73.
منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه)
(1)
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت منظراً قطُّ إلا والقبرُ أفظعُ منه)
(2)
.
والقبر أقرب شيء للإنسان، وشدته أمارة للشدائد كلها، وهو أشد وأشنع المناظر في الدنيا
3 -
قصر الأمل والاستعداد للموت بالأعمال الصالحة، قال الله تعالى:{ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} .
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ارتحلت الدنيا مدبرةً، وارتحلت الآخرة مقبلةً، ولكل واحدةٍ منها بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل
(3)
.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطّاً مربعاً، وخطَّ خطّاً في الوسط خارجاً منه، وخطَّ خُطَطاً صغاراً إلى الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: (هذا الإنسان وهذا أجَلُهُ محيطٌ به أو
(1)
أخرجه ابن ماجه في سننه برقم (4267) 5/ 334، والحاكم في المستدرك برقم (1317) 1/ 526، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (7064) 4/ 92. وحسنه الألباني في الجامع الصغير 1/ 2564.
(2)
أخرجه أحمد في المسند برقم (425) 1/ 503، والترمذي في جامعه برقم (2308) 4/ 553، وابن ماجه في سننه برقم (4267) 5/ 334. وحسنه الألباني في الجامع الصغير 1/ 10560.
(3)
ذكره البخاري في صحيحه في باب الأمل وطوله 8/ 89.
قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطَطُ الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)
(1)
.
وعن أنس رضي الله عنه قال: خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً فقال: (هذا الأمل وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب
(2)
4 -
الإكثار من التفكر في أحوال المحتضرين. جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة بيان أحوال المحتضرين عند الموت، ومن ذلك على سبيل المثال ما يأتي:
قال الله تعالى: {كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} يعظ الله تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، التي بين ثغرة النحر والعاتق - فحينئذ يشتد الكرب والأهوال ثبتنا الله هناك بالقول الثابت، وفي هذه الحال تُطلب كل وسيلة وسبب يُظن أنه يحصل بها شفاء، ولكن إذا جاء قضاء الله وقدره فلا مردَّ له
5 -
التفكُّر في أحوال الظالمين عند الاحتضار وما تفعل بهم الملائكة نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6417) 8/ 89.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6418) 8/ 89.
تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} . وقال الله عز وجل: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}
قال ابن كثير رحمه الله: (وذلك أن الكافر إذا احتضر بشَّرته الملائكة بالعذاب، والنكال، والأغلال، والسلاسل، والجحيم، والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتفرق روحه في جسده، وتعصي، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم)
(1)
.
6 -
تذكُّر فتنة القبر وسؤال منكر ونكير، وسماع قرع نعال الأصدقاء والأصحاب عندما يولّون مُدبرين؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه
(1)
تفسير ابن كثير 3/ 271.
يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد صلى الله عليه وسلم، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً
(1)
7 -
تذكُّر نعيم القبر وعذابه؛ لأدلة قطعية كثيرة جدّاً، من القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة التي بلغت حد التواتر
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (1338) 2/ 90، ومسلم في صحيحه برقم (2870) 4/ 2200.
(2)
بتصرف من كتاب أحكام الجنائز للدكتور سعيد بن وهف القحطاني. (ص: 12)
أسباب نيل حسن الخاتمة
ينبغي للمسلم أن يعمل بالأسباب التي توصل إلى حسن الخاتمة ويبتعد عن جميع الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة، ومن ذلك ما يأتي:
السبب الأول: خوف الله عز وجل والخشية من سوء الخاتمة، فقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة، فيحسنون العمل؛ لأن الخوف مع الرجاء يبعث على إحسان العمل؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة
(1)
السبب الثاني: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي وإتباعها بالأعمال الصالحة؛ لأن التسويف في التوبة من أسباب سوء الخاتمة؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
السبب الثالث: الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله عز وجل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر الدعاء بالثبات على دين الله عز وجل فعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان أكثر دعائه: (يا مقلب القلوب ثبّتْ قلبي على دينك) قالت: قلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من
(1)
أخرجه الترمذي في جامعه برقم (2450) 4/ 633، والحاكم في المستدرك برقم (7851) 4/ 343، والبيهقي في الشعب برقم (10093) 3/ 150. وصححه الألباني في الجامع الصغير 1/ 11167.
أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ) فتلا معاذ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
(1)
.
السبب الرابع: معرفة ما أعده الله عز وجل من النعيم المقيم للمؤمنين، من أسباب حسن الخاتمة؛ لأن هذا العلم يَحثُّ على العمل، والاستقامة على طاعة الله عز وجل رغبة فيما عنده عز وجل من الثواب، قال الله عز وجل:{وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} .
السبب الخامس: معرفة قصر الحياة الدنيا، وأنها كيوم أو بعض يوم مهما عاش الإنسان فحياته قصيرة جداً، قال الله تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
وقال عز وجل: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الله وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} ، وهذا يدل على سرعة انقضاء الدنيا، وأن الناس إذا حشروا كأنَّه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس وهم يتعارفون بينهم كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم
(2)
.
(1)
أخرجه الترمذي في جامعه برقم (3522) 5/ 538، والطبراني في الكبير برقم (865) 23/ 366، وصححه الألباني في الجامع الصغير 1/ 8932.
(2)
بتصرف من كتاب أحكام الجنائز للدكتور سعيد بن وهف القحطاني. (ص: 80)
من العلامات التي تدل على حسن الخاتمة
1 -
نطقه بالشهادة عند الموت من أعظم البشارات بحسن الخاتمة؛ لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»
(1)
.
2 -
الموت برشح الجبين؛ لحديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أنه كان بخراسان فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَوْتُ الْمُؤْمِنِ بِعَرَقِ الْجَبِينِ»
(2)
.
3 -
الموت ليلة الجمعة أو نهارها، لما روي وذكر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ»
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده 36/ 443، وأبو داود في سننه 3/ 190، والحاكم في المستدرك 1/ 678، صححه الألباني.
(2)
أخرجه أحمد في مسنده 38/ 443، والنسائي في سننه 4/ 5. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 4/ 472.
(3)
أخرجه أحمد في مسنده 38/ 443، وقال محقق المسند:«إسناده ضعيف» . والترمذي في سننه 3/ 378. وقال الترمذي: «هذا حديث غريب» وهذا حديث ليس إسناده بمتصل، وحسنه الألباني في المشكاة 1/ 431. وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص 35:«فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح» .
4 -
(1)
.
5 -
من مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد، يعني لم يباشر الحرب ولو لم يشاهده وبأي صفة مات.
6 -
المطعون شهيد، وهو الذي يموت بالطاعون، وهو الوباء.
7 -
المبطون شهيد، وهو الذي يموت من علة في البطن، كالاستسقاء وهو انتفاخ الجوف، والإسهال، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا.
8 -
الغرق شهيد، وهو الذي يموت غريقًا في الماء.
9 -
وصاحب الهدم شهيد، وهو الذي يموت تحت الهدم.
10 -
والحريق شهيد، وهو الذي يموت بحرق النار، ومن فرط في هذه الثلاثة ولم يتحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات فهو عاص وأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
11 -
صاحب ذات الجنب شهيد، وهي قرحة تكون في الجنب وورم شديد باطنًا.
12 -
المرأة تموت بجمع شهيدة، ويقال بضم الجيم وكسرها وهي المرأة تموت حاملاً، وقد جمعت ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، وصحح
(1)
آل عمران: 169، 170، 171.
القرطبي والنووي الأول.
13 -
من قتل دون ماله فهو شهيد.
14 -
من قتل دون أهله فهو شهيد.
15 -
من قتل دون دينه فهو شهيد.
16 -
من قتل دون دمه فهو شهيد.
17 -
من قتل دون مظلمته فهو شهيد.
18 -
السل شهادة، بكسر السين، وضمها وتشديد اللام، وهو داء يحدث في الرئة يؤول إلى ذات الجنب، وقيل: زكام أو سعال طويل مع حمى هادية، وقيل: غير ذلك
19 -
الموت مرابطًا في سبيل الله تعالى؛ لحديث سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ»
(1)
.
20 -
الموت على عمل صالح؛ لحديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»
(2)
.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 1520.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 38/ 350، وقال الأرنووط في تحقيق المسند:(صحيح لغيره). وصحح إسناده الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/ 579.
21 -
ثناء الناس على الميت؛ من جمعٍ من المؤمنين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة بفضل الله عز وجل، ففي حديث عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ، قَالَ: وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ» .
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 97. ينظر: أحكام الجنائز في ضوء الكتاب والسنة ص 163، المؤلف: د. سعيد القحطاني.
الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم
1/ أن يدعى له؛ لما في حديث أم سلمة السابق فيقال: (اللهم اغفر لفلان، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه)
(1)
.
2/ أن يُغطَّى بثوب يستر جميع بدنه؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: سُجِّي
(2)
رسول الله حين مات بثوب حَبِرةٍ)
(3)
، ولفظ البخاري:(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي سُجي ببردٍ حِبَرة)
(4)
3/ أن يُبادر بقضاء دينه بعد موته من ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة، فإن لم تقم به وتطوَّع به بعض الحاضرين جاز؛ لحديث سعد بن الأطول: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إن أخاك محتَبسٌ بدينه فاقضِ عنه)، فقال: يا رسول الله: قد أدَّيت عنه إلا دينارين ادَّعَتْهُما امرأة وليس لها بينة، قال:(فأعطها فإنها مُحقّة)
(5)
.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (920) 2/ 634.
(2)
سجي: أي غطي.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (942) 2/ 651.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (5814) 7/ 147.
(5)
أخرجه أحمد في المسند برقم (20067) 33/ 264، وابن ماجه في سننه برقم (2433) 3/ 502. قال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (3/ 71): وإسناد حديثه صحيح.
وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تُوضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنّا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، فجاء معنا، فتخطى خطى، ثم قال: (لعل على صاحبكم ديناً؟) قالوا: نعم، ديناران، فتخلف، قال: صلوا على صاحبكم، فقال له رجل منا يُقال له: أبو قتادة: يا رسول الله هُما عَلَيّ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي أبا قتادة يقول (وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال: ما صنعتِ الديناران؟) قال: يا رسول الله إنما مات أمس حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: (ما فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال:(الآن حين بَرَدَتْ عليه جلدُه)
(1)
4/ أن تُنفَّذ وصيته: الثلث فأقل؛ لأن إنفاذ الوصية واجب، والإسراع بالتنفيذ إما واجب أو مستحب؛ لأن الوصية إن كانت في واجب، فللإسراع في إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع فللإسراع في الأجر له، والوصية إما واجبة وإما تطوع، قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن
(2)
.
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك برقم (2346) 2/ 66، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(2)
بتصرف من كتاب أحكام الجنائز للدكتور سعيد بن وهف القحطاني. (ص: 160)
فضل اتباع الجنازة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ»
(1)
.
وفي لفظ لمسلم: (قيل وما القيراطان؟ قال: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ»
(2)
.
وفضل الله عز وجل على عبده المسلم الميت بشرعية الصلاة عليه، وقبول شفاعة إخوانه فيه واسع لحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ»
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 87، ومسلم في صحيحه 2/ 652.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 653.
فائدة: يقع الجبل شمالي المدينة، ويبلغ طول الجيل 7 كيلو مترات وعرضه بين 2 و 3 كم وارتفاعه يصل إلى قرابة 350 متراً ويبعد عن المسجد النبوي 5 كم تقريباً، وسمي بهذا الاسم لتوحده وتفرده عن الجبال التي حوله. ينظر الموسوعة الحرة: https:// ar.wikipedia.org/ wiki
إذا تصورت مساحة هذا الجبل العظيم، فتصوّر عظم هذا الأجر؟ فلنجاهد أنفسنا على الحرص على الصلاة على الجنائز واتباعها حتى ولو كان في ذلك جهد، فالجنة غالية، ومحفوفة بالمكاره.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 654.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ»
(1)
.
ويمكن الجمع بين حديث المائة، والأربعين، بما ذكره الشيخ عبدالعزيز ابن باز رحمه الله قال:[قال أهل العلم في الجمع بين حديث المائة وحديث الأربعين: إن حديث المائة أولا، ثم تفضل الله عز وجل وجعل الأربعين يقومون مقام المائة في قبول الشفاعة، وبكل حال فالحديثان يدلان على استحباب كثرة الجمع على الجنائز]
(2)
.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في فضل اتباع الجنازة، قال:(لَقَدْ فَرَّطْنَا فِى قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ)
(3)
. أي من عدم المواظبة على حضور الدفن
(4)
.
قال ابن عثيمين رحمه الله: [ثم صار بعد ذلك لا يرى جنازة إلا تبعها؛ لأن هذه غنيمة.
غنيمة أن يحصّل الإنسان مثل الجبلين العظيمين في عمل يسير، هذا الأجر متى يلقاه؟ يلقاه في يوم هو أحوج ما يكون إليه؛ في يوم ليس عنده
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 655.
(2)
بتصرف من أحكام الجنائز ص: 241.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 87، ومسلم في صحيحه 2/ 653.
(4)
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 2/ 427.
درهم، ولا دينار ولا متاع، ولا قرابة، ولا زوجة تنفعه يوم القيامة إلا العمل الصالح، فهو إذا تبع الجنازة حتى يصلى عليها، ثم حتى تدفن، فله قيراطان مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد.
وينبغي لمن اتبع أن يكون خاشعًا، مفكرًا في مآله، يقول لنفسه: يا نفسي أنت مآلك كمآل هذا الذي فوق أعناقنا، عن قريب أو بعيد وربما يكون عن قريب، ويتذكر هذا الرحيل، يتذكر إلى حفرته ويدفنه ويتخلى عنه
(1)
، وأقرب الناس إليك الذي يحملك إلى مدفنك ثم ينصرف عنك ويدعك في هذا اللحد وحيدًا بأعمالك، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال العلماء: يكره للإنسان المتبع للجنازة: أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا، أو أن يتبسم ويضحك]
(2)
.
(1)
هكذا في شرح رياض الصالحين ولعل العبارة (ويتذكر حين يدفن ويتخلى عنه).
(2)
شرح رياض الصالحين 2/ 598.
فتاوى الجنائز
س 1: ما حكم حفر الانسان قبره قبل الموت
؟
الجواب: قال شيخ الإسلام: لا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل ان يموت فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا أصحابه رضي الله عنهم والعبد لا يدري اين يموت وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون بالعمل الصالح
(1)
.
س 2: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «يموت المؤمن بعرق الجبين»
؟
أقرب ما قيل فيه أن معناه أن المؤمن يموت وهو يعمل العمل الصالح، أي أنه يستمر في عمله الصالح إلى الموت، لقول الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)
(2)
.
س 3: ما حكم الأذان في أذن الميت؟ وتلقينه لا إله إلا الله عند الموت؟ وتلقينه إجابة الملكين بعد دفنه
؟
الأذان في أُذن الميت بدعة. وتلقينه عند الموت: لا إله إلا الله أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أما تلقينه إجابة الملكين بعد دفنه، فهذا ورد في حديث، لكنه ضعيف، فلا يعتمد
(3)
(1)
الفتاوى الكبرى 5/ 362.
(2)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 73)
(3)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 73)
س 4: متى وقت التلقين
؟
التلقين عند الموت وعند الاحتضار يلقن المُحتضر لا إله إلا الله، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عند موت عمه أبي طالب حيث حضره فقال:«يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» ، ولكن عمه أبا طالب والعياذ بالله لم يقل هذا ومات على الشرك.
وأما التلقين بعد الدفن فإنه بدعة لعدم ثبوت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولكن الذي ينبغي أن يفعل ما رواه أبو داود حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال:«استغفروا لأخيكم، اسألوا له التثبيت، فإنه الان يُسأل» ، وأما القراءة عند القبر وتلقينه في القبر فهذا بدعة لا أصل له
(1)
.
س 5: هل تقرأ سورة يس على الميت
؟
الجواب: ورد في ذلك حديث معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» ، لكنه حديث ضعيف
(2)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 75)
(2)
أخرجه أحمد في مسنده 33/ 416، وأبو داود في سننه 3/ 191، والنسائي في السنن الكبرى 9/ 394، وابن حبان في صحيحه 7/ 269.
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 2/ 212: [وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث]. وضعفه الألباني في المشكاة 1/ 509.
قال الشيخ عبد الله الفوزان: [لكن الصواب ان قراءتها غير مشروعة لضعف الحديث فيقتصر على تلقينه لا إله إلا الله]
(1)
.
س 6: هل يجوز تقبيل الميت
؟
الجواب: لا بأس بتقبيل الميت، للرجال والنساء ممن هنّ من محارمه، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
.
س 7: هل للتعزية وقت محدد
؟
التعزية لا تحدد بثلاثة أيام لا يتجاوزها، بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبدالله بن جعفر، فما دامت حرارة المصيبة قائمة فلا بأس بالتعزية، ولو بعد وقت طويل، فالأمر فيه واسع وفيه مواساة لأهل الميت في مصابهم.
قال عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: [العزاء ليس له أيام محدودة، بل يشرع من حين خروج الروح قبل الصلاة على الميت وبعدها، وقبل الدفن وبعده، وليس لغايته حد في الشرع المطهر، سواء كان ذلك ليلا أو نهارا، وسواء كان ذلك في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، أو في غير ذلك من الأماكن]
(3)
.
(1)
فقه الدليل 2/ 235.
(2)
الحديث في صحيح البخاري 5/ 6. وفيه (فكشف عن رسول الله فقبله، قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا
…
).
الجواب للشيخ: ابن باز كما في مجموع فتاويه 13/ 101.
(3)
ينظر: مجموع فتاوى ابن باز 13/ 379.
وقال: [والمبادرة بها أفضل، وتجوز بعد ثلاث من موت الميت لعدم الدليل على التحديد]
(1)
.
وقال ابن عثيمين رحمه الله: [وقت التعزية من حين ما يموت الميت أو تحصل المصيبة إذا كانت التعزية بغير الموت إلى أن تنسى المصيبة وتزول عن نفس المصاب؛ لأن المقصود بالتعزية ليست تهنئة أو تحية، إنما المقصود بها تقوية المصاب على تحمل هذه المصيبة واحتساب الأجر]
(2)
.
س 8: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه
"؟
قال ابن عثيمين: معناه أن الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يعلم بذلك ويتألم، وليس المعنى أن الله يعاقبه بذلك لأن الله تعالى يقول:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} والعذاب لا يلزم أن يكون عقوبة ألم تر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن السفر قطعة من العذاب"
(3)
والسفر ليس بعقوبة، لكن يتأذى به الإنسان ويتعب، وهكذا الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يتألم ويتعب من ذلك، وإن كان هذا ليس بعقوبة من الله عز وجل له، وهذا
(1)
ينظر: أحكام الجنائز لسعيد علي القحطاني ص 327.
(2)
مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 17/ 340. وينظر: كتاب أحكام الجنائز لسعيد بن وهف القحطاني ص: 327.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (1804) 3/ 8، ومسلم في صحيحه برقم (1927) 3/ 1526.
التفسير للحديث تفسير واضح صريح، ولا يرد عليه إشكال، ولا يحتاج أن يقال: هذا فيمن أوصى بالنياحة، أو فيمن كان عادة أهله النياحة ولم ينههم عند موته، بل نقول: إن الإنسان يعذب بالشيء ولا يتضرر به
(1)
.
س 9: انتشر في الآونة الأخيرة تأخير الجنازة إلى الغد، أو إلى أن يحضر أولياء الميت، وكذلك الاصطفاف بعد الدفن للتعزية، ما رأي فضيلتكم في ذلك
؟
الجواب: أما الأول: فهو خلاف السنة لا شك في هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ»
(2)
. وتأخيرها خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو من جهة أخرى إساءة إلى الميت؛ لأن الميت الصالح إذا خرج من بيته يقول: قدموني قدموني
(3)
.
يتمنى الإسراع؛ لأنه مقبل على سكن في الجنة -اللهم اجعلنا منهم- فهو إساءة للميت من جهة، وخلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، وأولياؤه أو أصدقاؤه الذين ليسوا بحاضرين يمكنهم إذا جاءوا يصلون على قبره كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على قبر الرجل أو المرأة التي كانت تقم المسجد.
وأما الاصطفاف للعزاء فهذا اتخذه الناس يقولون: إنه أسهل، كان
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 408).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 86، ومسلم في صحيحه 2/ 651.
(3)
ورد في ذلك حديث في البخاري صحيح البخاري (2/ 85)(إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ).
الناس في الأول كل إنسان في جهة من أهل الميت فإذا عزوا واحدا جعلوا يلتمسون الآخر أين فلان أين فلان؟ فقالوا: نجتمع جميعًا ليكون ذلك أسهل، فإذا لم يتطور هذا الشيء إلى محذور فهذا لا أرى فيه بأسا إن شاء الله لكن الذي لا أرى له وجها: هو أنهم يقبلون «يعانقون» ، أهل الميت، وهذا لا أصل له، إلا إذا كان الإنسان قادما من سفر وقبله «عانقه» ، بناء على قدومه من السفر
(1)
.
س 10: لقد توفي شخص في يوم جوه حار، وذهبوا به إلى المقبرة لدفنه رحمه الله، وقد تعبوا من الجو الحار، وقام شخص وجلب لهم ماءً باردًا من أجل أن يشربوا منه بعد تعبهم، وقال بعضهم: هذا لا يجوز. وقال بعضهم: هذه بدعة. فضيلة الشيخ هل هذا العمل فيه شيء؟ أفيدونا
أفادكم الله.
الجواب: لا حرج في ما ذكرتم، بل ذلك من الإحسان والمساعدة على الخير. وفق الله الجميع
(2)
.
س 11: ما حكم قول "فلان المرحوم" أو "تغمده الله برحمته" أو "انتقل إلى رحمة الله
"؟
قال ابن عثيمين: قول "فلان المرحوم" أو "تغمده الله برحمته" لا بأس بها؛ لأن قولهم: "المرحوم" من باب التفاؤل والرجاء، وليس من باب الخبر، وإذا كان من باب التفاؤل والرجاء فهو لا بأس به.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: لقاء الباب المفتوح 13/ 200.
(2)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاويه 13/ 211.
وأما قولهم: "انتقل إلى رحمة الله" فهو كذلك فيما يظهر لي أنه من باب التفاؤل، وليس من باب الخبر، إلا أن هذا من أمور الغيب ولا يمكن الجزم به، وكذلك لا يقال:"انتقل إلى الرفيق الأعلى"
(1)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 452)
فتاوى التغسيل
س 12: من مات وعليه جنابة هل يغسل
؟
الجواب: إذا مات من عليه جنابة يغسل كغيره، وتجوز الصلاة عليه في المسجد كغيره، وكذا الحائض والنفساء؛ لأن الأحكام انقطعت بالموت
(1)
.
س 13: هل يجوز للإنسان أن يوصي أن لا يغسله إلا فلان من الناس؟ مع ذكر الدليل
.
الجواب: يجوز للميت أن يوصي ألا يغسله إلا فلان، والميت قد يوصي بذلك لسبب، مثل: أن يكون هذا الوصي تقيًا يستر ما يراه من مكروه، أو أن يكون عالمًا بأحكام الغسل، أو أن يكون رفيقًا، والدليل على استفادة أولوية التغسيل بالوصية: أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته.
وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين
(2)
.
س 14: هل يجوز للرجل أن يغسل طفلة عمرها أقل من سبع سنين
؟
الجواب: للرجل والمرأة أن يغسلا من له سبع سنين فقط سواء كان ذكرًا أم أنثى.
(1)
المجيب عبدالله بن ابراهيم القرعاوي. ينظر: منتديات إنما المؤمنون إخوة.
(2)
المجيب: ابن عثيمين، بتصرف من الشرح الممتع 5/ 265.
دليل ذلك: أن إبراهيم ابن النبي غسلته النساء؛ لأنه مات في الرضاعة أي قبل أن يفطم؛ ولأن عورة من دون السبع لا حكم لها، فإذا ماتت طفلة لها أقل من سبع سنوات فلأبيها أن يغسلها، وإذا مات طفل له أقل من سبع سنوات فلأمه أن تغسله، فإن ماتت طفلة لها سبع سنوات فأكثر فليس لأبيها أن يغسلها؛ لأنه لا يغسل الرجل المرأة، ولا المرأة الرجل إلا في الزوجين، والمالك وأمته
(1)
.
س 15: متى يغسل السقط
(2)
ويصلى عليه؟ وهل يسمى؟ وإذا كان لا يعلم هل هو ذكر أم أنثى كيف يسمى
؟
الجواب: إذا بلغ السقط أربعة أشهر من بدء الحمل، أي: إذا تم له أربعة أشهر، وليس المعنى إذا دخل الشهر الرابع. والمراد بالأشهر هنا: الأشهر الهلالية؛ لأنها هي التي جعلها الله سبحانه وتعالى مواقيت للناس، فقال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}
(3)
قال العلماء: ويسمى؛ لأن هذا السقط يبعث يوم القيامة، فلا بد أن يسمى؛ لأن الناس يدعون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيسمى حتى يدعى باسمه يوم القيامة.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: الشرح الممتع 5/ 268.
(2)
السقط: بكسر السين، ويجوز الفتح، ويجوز الضم، ومعناه: الساقط، وهو الحمل إذا سقط من بطن أمه.
(3)
البقرة: 189.
قال العلماء: فإن شك فيه هل هو ذكر أو أنثى؟
وهو بعيد لكن ربما يقع، فإنه يسمى باسم صالح للذكر والأنثى مثل هبة الله، أو عطية الله، أو نحلة الله، وما أشبه ذلك.
أما إذا كان ذكرًا فيسمى باسم الذكور كعبد لله، وإن كان أنثى يسمى بأسماء الإناث كزينب، وفاطمة
(1)
.
س 16: إذا كان في الميت أسنان ذهب فهل تخلع منه؟ وإذا كان هذا الخلع يترتب عليه مضرة لبقية الأسنان فما الحكم
؟
أولاً: يجب أن نعلم أن السن الذهب لا يجوز أن يركب إلا عند الحاجة إليه، فلا يجوز أن يركبه أحد للزينة، اللهم إلا النساء إذا جرت عادتهن التزين بتحلية الأسنان بالذهب فلا بأس، أما الرجال فلا يجوز أبداً إلا لحاجة.
ثانياً: إذا مات من عليه أسنان من ذهب، فإن كان يمكن خلع السن بدون مُثلة خُلع، لأن ملكه انتقل إلى الورثة، وإن كان لا يمكن خلعه إلا بمُثلة، بحيث تسقط بقية الأسنان فإنه يبقى ويدفن معه. ثم إن كان الوارث بالغاً عاقلاً رشيداً وسمح بذلك تُرك ولم يتعرض له، وإلا فقد قال العلماء: إنه إذا ظن أن الميت بلى حُفر القبر وأُخذ السن لأن بقاءه إضاعة مال. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك
(2)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. بتصرف من الشرح الممتع 5/ 295. 296.
(2)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 88).
س 17: ما حكم تغسيل الميت وتكفينه ودفنه
؟
الجواب: قال ابن عبد البر: غسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونقل الكافة، فواجب غسل كل ميت إلا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة وهذا قول مالك
(1)
.
وقال النووي: التكفين واجب وهو إجماع في حق المسلم وكذلك غسله والصلاة عليه ودفنه
(2)
.
وقال ابن المنذر: لم يختلف من أحفظ عنه من أهل العلم أن دفن الموتى واجب لازم على الناس، لا يسعهم ترك ذلك عند الإمكان، ووجود السبيل إليه، ومن قام به سقط فرض ذلك عن سائر المسلمين
(3)
.
س 18: هل يغسل جميع موتى المسلمين، ويكفنون ويصلى عليهم
؟
الجواب: جميع موتى من المسلمين يغسلون، ويكفنون، ويصلى عليهم؛ إلا شهداء المعركة فقط، فهؤلاء لا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يصلى عليهم؛ لأن المقصود بالصلاة عليهم الشفاعة لهم، وكفى ببارقة السيوف على رؤوسهم شفاعة، فيشفع لهم هذا البذل الذي بذلوه، فإنهم بذلوا أغلى ما عندهم وهو النفس لإعلاء كلمة الله
(4)
.
(1)
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (24/ 246)
(2)
شرح النووي على مسلم (8/ 129)
(3)
الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (5/ 450) وبتصرف من كتاب التذكرة في أحكام المقبرة العقدية والفقهية تأليف: عبدالرحمن الشثري ص: 15.
(4)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: الشرح الممتع 5/ 289.
س 19: هل يجوز تغسيل الميت في دورة المياه - الحمام
-؟
الجواب: يجوز أن يغسل الميت في دورة المياه النظيفة والمستورة عن الناس؛ لعدم المحذور في ذلك، كما أنه يجوز للمسلم الحي أن يغتسل فيها
(1)
.
س 20: هل للمغسل أن يسأل أهل الميت هل المتوفى يصلي أم لا
؟
الجواب: ما دام ظاهره الإسلام، والذين أحضروه مسلمون فلا حاجة إلى سؤالهم، وقد يتساهل البعض في ذلك فيترتب على ذلك فضائح، وكذلك عند الصلاة عليه، فلا يسأل عنه إذا كان ظاهره الإسلام
(2)
.
س 21: هل يبين المغسل بعض العلامات من الخير أو الشر
؟
الجواب: علامات الخير لا بأس بالإخبار عنها، أما الشر فلا؛ لأنها غيبة، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسوداً أو غير ذلك فلا بأس، لكن الممنوع أن يقول غسلت فلانًا، ورأيت فيه كذا من علامات الشر؛ لأن ذلك يحزن أهله ويؤذيهم وهو من الغيبة
(3)
.
س 22: من غسل ميتًا، هل يجب عليه الغسل أم الوضوء
؟
الجواب: من غسل ميتًا فينبغي له أن يتوضأ؛ فقد أفتى بهذا جماعة من الصحابة، فينبغي أن يتوضأ وضوء الصلاة، يتمسح، ويتمضمض ويستنشق، ويغسل وجهه، وذراعيه، ويمسح رأسه مع أذنيه، ويغسل قدميه، هذا الوضوء الشرعي، فينبغي له أن يتوضأ خروجًا من خلاف
(1)
فتاوى اللجنة الدائمة 7/ 249.
(2)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاويه 13/ 106.
(3)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاويه 13/ 123.
العلماء، وعملاً بما أفتى به بعض الصحابة، أما الغسل فلا يجب عليه، وإذ اغتسل فهو أفضل، والغسل «التروش» . أفضل ولا يجب، وجاء في الحديث الصحيح عنه
أنه كان يغتسل من غسل الميت
(1)
، فإذا غسل ميتًا شرع له أن يغتسل «يتروش» . وأما الوضوء فيجب عند جمع من أهل العلم، وإذا غسل فرجه وجب الوضوء بكل حال، لكن مشروع للذي يغسل الميت أنه لا يمس الفرج، بل يغسله من وراء خرقة، يغسل فرجه بخرقة، لا يلمس الفرج؛ لكن لو قدر أنه لمسه جهلاً أو خطأ، فإنه ينتقض وضوؤه بكل حال؛ لكن لو غسله بخرقة ولم يمس الفرج، لا الدبر، أو القبل فإنه ينبغي أن يتوضأ وضوء الصلاة فقط، هذا يجب عند جمع من أهل العلم، وأما الغسل فلا يجب، قولاً واحدًا، بل يستحب استحبابًا ويشرع ذلك، قال بعض أهل العلم، ولعل الحكمة في ذلك أن تقليب الميت مما يوهن القوى ويضعف القوى؛ لأن الإنسان يتذكر الموت،
(1)
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» . أخرجه أحمد في مسنده 15/ 534، وأبو داود في سننه 3/ 201، وابن حبان في صحيحه 3/ 436، والبيهقي في الكبرى 1/ 448. صححه الألباني في المشكاة 1/ 169.
قال الخطابي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء يوجب الاغتسال من غسل الميت، ولا الوضوء من حمله، ويشبه أن يكون الأمر فيه على الاستحباب، ويمكن أن الغاسل لا يبعد أن= =يترَّشش عليه من الغَسُول، وربما كان على بدن الميت نجاسة ولا يعلم مكانها، فيكون عليه غسل جميع بدنه، ليكون الماء قد أتى على الموضع النجس من بدنه. ينظر: جامع الأصول 7/ 335.
ويتذكر حال القبر، فيحصل له ضعف في قواه وانهيار، فشرع الله الغسل حتى يستفيد من ذلك، وحتى يقوى وينشط البدن للضعف الذي أصابه
(1)
.
س 23: هل تغسيل الميت ينقض الوضوء
؟
الجواب: تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، وذلك أن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي، ولا دليل على أن تغسيل الميت ينقض الوضوء. ولهذا يجب علينا أن نتحرى في مسألة نقض الوضوء، فلا نتجرأ على القول بأن هذا ناقض إلا إذا وجدنا دليلاً بينًا يكون لنا حجة عند الله
(2)
.
س 24: ما حكم تصوير تغسيل الميت على شريط فيديو، ثم بيعه بحجة أنه من باب التذكير بالموت
؟
الجواب: إن كان المقصود تصوير الميت حين التغسيل فذلك لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن تصوير ذوات الأرواح، ولعن المصورين وقال: إنهم أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)
(3)
.
أما إن كان مراد السائل بيان صفة تغسيل الميت، كما شرع الله في شريط يوزع أو يباع فلا بأس، كما يسجل تعليم الناس الصلاة وغيرها مما يحتاجه الناس من غير تصوير
(4)
.
(1)
المجيب: ابن باز. ينظر: فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر 13/ 460.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 11/ 203.
(3)
الحديث في البخاري 7/ 167، ومسلم 3/ 1670، بلفظ:(إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ).
(4)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاويه 8/ 425.
س 25: عن حكم استعمال الصابون في تغسيل الميت
؟
الجواب: لا حرج في استعمال الصابون من أجل إزالة الوسخ؛ لأن الصابون مثل الأشنان، بل هو أقوى منه في التنظيف
(1)
.
س 26: هل يجوز تغسيل المنتحر والصلاة عليه
؟
الجواب: يشرع تغسيل المسلم المنتحر والصلاة عليه، وهكذا غيره من العصاة
(2)
، مع الدعاء لهم بالعفو والمغفرة
(3)
.
س 27: من تعذر تغسيله لتمزقه بسب حريق، أو حادث فماذا يفعل فيه
.
الجواب: إذا تعذر غسله فإنه ييمم لعموم قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 4)؛ ولأن الله شرع التيمم للطهارة من الحدث الأكبر والأصغر في
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 89.
(2)
قد يشكل هذا مع الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه 2/ 672، فعن جابر بن سمرة قال:(أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه)، أجاب النووي على هذا الإشكال في شرح لمسلم 7/ 47، بقوله: [الحديث دليل لمن يقول لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي. وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء يصلى عليه. وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر أصحابه بالصلاة عليه. فقال:«صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» قال القاضي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم، ومحدود، ومرجوم، وقاتل نفسه وولد الزنى
…
].
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 360.
(4)
سورة التغابن آية 16.
حالة عدم وجود الماء، أو العجز عن استعماله، أو التضرر باستعماله
(1)
.
وقال الشيخ عبدالله القرعاوي: من تعذر غسله لعدم الماء أو غيره كالحرق والجذام والتبضيع، ييمم كالجنب إذا تعذر عليه الغسل، وإن تعذر غسل بعضه غسل ما أمكن، ويمم للباقي، وإن أمكن صب الماء عليه بلا عرك ودلك صب عليه الماء بحيث يعم بدنه، وترك دلكه لتعذره، والله أعلم
(2)
.
س 28: ما حكم أخذ أجرة على تغسيل الميت، سواء كانت هذه الأجرة مشروطة، أم غير مشروطة
؟
الجواب: يجوز، والأولى أن يقوم بها متبرع إذا تيسر ذلك
(3)
.
س 29: اعتاد الناس عندنا أن يقوموا بتجهيز الميت من غسل وحنوط وتكفين، ولكن هناك أمور نحب بيانها لنا من حيث الجواز وعدمه وهي:
1 -
كشف عورة الميت عند التغسيل.
2 -
رش الكفن بالعطر بعد أن يسجى بعد غسله.
3 -
كشف وجهه عندما تحل أربطة الكفن وهو في لحده على جنبه الأيمن وقبل الدفن.
(1)
فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 371.
(2)
المجيب: عبدالله بن إبراهيم القرعاوي منتديات «إنما المؤمنون إخوة» . وقال الشيخ عبد الله الفوزان في فقه الدليل 2/ 254: (وعنه رواية -أي الإمام أحمد- أنه لا يمم؛ لأن المقصود التنظيف، والتيمم لا يفيد الميت شيئًا من ذلك، وهذا أظهر؛ لأن التيمم إنما شرع لطهارة الحدث، وهذه طهارة تنظيف. والله أعلم).
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة 15/ 112.
الجواب:
1 -
لا يجوز كشف عورة الميت؛ لأن حرمته وهو ميت كحرمته وهو حي.
2 -
السنة تطييب الأكفان بالبخور ونحوه قبل أن يدرج الميت في الأكفان.
3 -
يشرع حل أربطة الكفن بعد وضع الميت في اللحد وقبل دفنه، وأما كشف وجهه فلا أصل له
(1)
.
س 30: إذا مات المسلم ولم يغسل، ولم يكفن، ولم يصل عليه، ولم يدفن في مقابر المسلمين (وضع في مقبرة جماعية) إذا وجد مسلم بهذه الحالة، فماذا يفعل من وجده
؟
الجواب: إن استطيع أن يفرد قبل أن يبلى، ولم يكن هناك مثلة في إخراجه، فإن الواجب أن يخرج ويغسل ويكفن ويصلى عليه، فإن لم يمكن شيء من ذلك فإنه يصلى عليه وهو في قبره؛ لعموم أدلة تغسيل الميت المسلم وتكفينه والصلاة عليه، وقول الله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}
(2)
، ويقول:«وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
(3)
.
(1)
فتاوى اللجنة الدائمة 7/ 228.
(2)
سورة التغابن آية 16.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 94.
المجيب: خالد بن علي المشيقح. ينظر: فتاوى واستشارات الإسلام اليوم 16/ 104.
س 31: إذا وقع على الرجل حادث فقطع يده ورجله، ولم يمت فماذا يفعل بذلك العضو الذي انقطع منه؛ هل نغسلها ونصلي عليها وندفنها، أم ماذا علينا؟ هذا فيما حصل وهو على قيد الحياة، أما إذا وجدنا أحد أعضاء الإنسان متبقية بعد أن أكلته الحيوانات المفترسة، ولم نعرف أكان صاحبها مسلمًا أم لا، فماذا علينا في هذه الحالة؟ أو علمنا أن صاحبها كان مسلما ماذا علينا في الحالتين
؟
الجواب: العضو المقطوع من الحي بأي سبب سواء كان بحادث، أو بحد، وغيرهما لا يغسل ولا يصلى عليه، ولكن يلف في خرقة ويدفن في المقبرة، أو في أرض طيبة بعيدة عن الامتهان، إذا كان واجده ليس بقربه مقبرة
(1)
.
(1)
فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 448.
فتاوى الصلاة على الميت
س 32: أين يقف الإمام عند الصلاة على الجنازة بالنسبة للرجل والأنثى؟ وما الحكمة من وقوف الإمام عند وسط المرأة
؟
الجواب: الصحيح أنه يقف عند رأس الرجل، لا عند صدره؛ لأن السنة ثبتت بذلك، وعند وسط المرأة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم:«قام عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا»
(1)
والحكمة في ذلك: أن وسطها محل العجيزة والفرج، فكان الإمام عنده ليحول بين المأمومين وبين النظر إليها، هذه من الحكمة.
(2)
.
س 33: كيف يسلم الإمام في صلاة الجنازة
؟
الجواب: يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس، لكن عن اليمين أفضل. وإن سلم تسليمتين فلا بأس؛ لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 89، ومسلم في صحيحه 2/ 664.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. بتصرف من الشرح الممتع 5/ 315.
(3)
المجيب: ابن عثيمين. بتصرف من الشرح الممتع 5/ 336، لحديث ابن مسعود قال:(ثلاث خلال كان رسول الله يفعلهن تركهن الناس: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة). أخرجه البيهقي 4/ 34. قال النووي في المجموع 5/ 239: [إسناده جيد] ..
س 34: هل يرفع المصلي يديه عند التكبيرات
؟
الجواب: يرفع يديه مع كل تكبيرة على صفة ما يرفعهما في صلاة الفريضة، أي: يرفعهما حتى يكونا حذو منكبيه، أو حذو فروع أذنيه. هذا هو القول الصحيح، والدليل على ذلك ما يلي:
1 -
ورود السنة بذلك، بسند جيد.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز،: وأعله الدار قطني بعمر بن شيبة؛ لكن عمر ثقة، والزيادة من الثقة عند علماء الحديث مقبولة، إذا لم تكن منافية وهنا لا تنافي؛ لأن المسكوت عنه ليس كالمنطوق، ولا منافاة إلا إذا تعارض منطوقان، أما إذا كان أحدهما ناطقًا والثاني ساكتًا فلا معارضة؛ لأن عدم النقل ليس نقلا للعدم.
2 -
صح عن ابن عمر موقوفًا، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يثبت بالاجتهاد.
ولو قيل: لعل ابن عمر قاس ذلك على غيرها من الصلوات؟
فالجواب: أن الصلوات الأخرى ليس فيها رفع في كل تكبيرة، كما ثبت ذلك من حديث ابن عمر نفسه.
3 -
أن المعنى يقتضيه؛ لأنه إذا حرك يديه اجتمع في الانتقال من التكبيرة الأولى قول وفعل، كسائر الصلوات، فإن الصلوات يكون مع القول فعل إما ركوع، أو سجود، أو قيام، أو قعود، فكان من المناسب أن يكون مع القول فعل، ولا فعل هنا يناسب إلا رفع اليدين؛ لأن الركوع
والسجود متعذران فيبقى رفع اليدين. وحينئذ يكون رفع اليدين في كل تكبيرة مؤيدا بالأثر، والنظر
(1)
.
وقال ابن باز: [وكان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام - التكبيرة الأولى في الصلوات كلها - أما في الجنازة فقد ثبت عن ابن عمر أنه كان يرفع في التكبيرات كلها، قال بعض أهل العلم: وهذا يدل على أنه تلقاه عن النبي؛ لأن هذا لا يقال من جهة الرأي، ففعل ابن عمر معتبر فعله من السلف، يدل على أن هذا كان متوارثًا عندهم عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه المسائل لا تقال من جهة الرأي، فالأفضل في هذا هو الرفع في جميع التكبيرات، تكبيرات الجنازة]
(2)
.
س 35: كم عدد التكبيرات على الجنازة؟ وما يقول المصلي في تكبيرات الزيادة
؟
الجواب: لا تقل عن أربع، وله الزيادة إلى خمس، وست، وسبع، وثمان، وتسع كل هذا ورد. لكن الثابت في صحيح مسلم إلى خمس، فعن زيد بن أرقم (صلى على جنازة فكبر عليها خمسًا، وأخبر أن ذلك من فعل النبي)
(3)
ولهذا ينبغي للأئمة أحيانًا أن يكبروا على الجنازة خمس مرات إحياء للسنة، وسيقول بعض الناس: إن إمامنا نسي فزاد خامسة، لكن إذا فعلها مرة بعد مرة، وبين للناس أن هذا من السنة فذلك حسن.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. بتصرف من الشرح الممتع 5/ 338.
(2)
بتصرف من فتاوى نور على الدرب 13/ 358.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 659.
أما ماذا يقال في التكبيرات الزيادة فلا أعلم في هذا سنة، لكنني إذا أردت أن أكبر خمسًا جعلت بعد الثالثة الدعاء العام، وبعد الرابعة الدعاء الخاص بالميت، وما بعد الخامسة:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} . ولهذا قد يعرف النبيه أنني أريد أن أكبر خمسًا، إذا صار الدعاء بعد الثالثة قصيرًا
(1)
.
س 36: رجل فاتته ثلاث تكبيرات في صلاة جنازة فماذا يصنع، كيف يقضي هذه التكبيرات السابقة
؟
الجواب: إذا دخل في التكبيرة الرابعة فإنه يدعو للميت؛ لأن هذا محل دعاء للميت بالنسبة للإمام وأنت تابع للإمام، فإذا سلم الإمام فإن انتظروا بالجنازة حتى يقضي من فاتهم ما بقي عليهم قضى ما فاته على صفته، وإن حملت كما هو الغالب فإنه يتابع التكبير الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ويسلم، وإن شاء سلم مع الإمام، وهذه مسألة لم أطلع فيها على سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكن هذا كلام العلماء يقولون: إذا أمكن أن ينهي ما فاته قبل أن ترفع الجنازة فليفعل، وإن خاف رفعها فإما أن يسلم مع الإمام وإما أن يكبر ويتابع التكبير ويسلم
(2)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. بتصرف من الشرح الممتع 5/ 339.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. اللقاء الشهري رقم 30.
س 37: عندما يحضر المصلي إلى صلاة الجنازة ويجد أن الإمام قد سبقه في بعض التكبيرات، فهل يعيد ما فاته منها، أم يبدأ مع الإمام، وينتهي معه ويسلم
؟
الجواب: تواترت النصوص الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يبدأ مع الإمام في صلاة الجنازة في التكبيرات التي يدركها، فإذا أدركه في التكبيرة الثالثة كبر معه في الثالثة، وقرأ الفاتحة، ثم إذا كبر الرابعة صلى هو على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا سلم كبر الثالثة، وقال: اللهم اغفر لهذا الميت، اللهم اغفر له وارحمه، ثم كبر وسلم، قبل أن ترفع الجنازة يبادر، وإن فاتته الأولى كبر ثانية، وقرأ الفاتحة، ثم إذا كبر الإمام الثالثة، كبر معه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا كبر الرابعة كبر معه الرابعة وهي ثالثة له، فيدعو للميت ويترحم عليه، ثم يكبر ويسلم يقضي ما فاته بسرعة، يدعو للميت بسرعة كلمتين ثلاثًا قبل أن ترفع الجنازة؛ لقول النبي
: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا»
(1)
يعني: فأتموا. وهذا يعم صلاة الجنازة وغيرها
(2)
.
س 38: ما هي حالات المأموم المسبوق في صلاة الجنازة
؟
الجواب: أحوال المسبوق في صلاة الجنازة ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يمكنه قضاء ما فات قبل أن تحمل الجنازة فهنا يقضي، ولا إشكال فيه؛ لعموم قوله:«وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 129.
(2)
المجيب: ابن باز، فتاوى نور على الدرب 14/ 13.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 129، ومسلم في صحيحه 1/ 420.
الحالة الثانية: أن يخشى من رفعها فيتابع التكبير، وإن لم يدع إلا دعاء قليلاً للميت.
الحالة الثالثة: أن يسلم مع الإمام، ويسقط عنه ما بقي من التكبير.
وعلته: أن الفرض سقط بصلاة الإمام، فكان ما بقي مخيرًا فيه. ومع هذا فليس هناك نص صحيح صريح في الموضوع؛ أعني سلامه مع الإمام، أو متابعته التكبير بدون دعاء، لكنه اجتهاد من أهل العلم رحمهم الله
(1)
.
س 39: نرى كثيرًا من المأمومين يقضي ما فاته من صلاة الجنازة في أول صلاته، فأول ما يكبر يبدأ بقضاء التكبيرات، هل عمله هذا صحيح، وهل يحكم ببطلان صلاته
؟
الجواب: عمله غير صحيح، بل ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، فيكبر التكبيرة الأولى فيقرأ الفاتحة، ثم يكبر الثانية مع الإمام فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت، ثم يكبر الرابعة ويسلم، على هذا الترتيب، وعند الحنابلة والحنفية أن ما يدركه المسبوق يكون آخر صلاته، فإذا جاء والإمام يدعو في التكبيرة الثالثة فعليه عندهم أن يكبر فيدعو معه ثم يقضي ما فاته إذا سلم الإمام على صفته، فإذا سلم الإمام كبر فقرأ الفاتحة، ثم كبر فصلى على النبي عليه الصلاة والسلام ثم سلم؛ لكن المرجح أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، لكن قد يقال: إن التكبيرة الثالثة بالنسبة للإمام وهي التي فيها الدعاء قد أطال
(1)
المجيب: ابن عثيمين، بتصرف من الشرح الممتع 5/ 343.
فيها الإمام، وأنا أدركته فيها، وإذا قرأت الفاتحة وفرغت منها بقي وقت يكفي لأن أصلي على النبي عليه الصلاة والسلام وأكبر وأدعو. وهذا يفعله كثير من الناس ممن يخشى أن ترفع الجنازة ولما يتمكن من الدعاء للميت الذي هو الأصل في مشروعية الصلاة على الميت، لكن هذا غير صحيح كما ذكرنا
(1)
.
س 40: إذا دخل رجل إلى المسجد فوجدهم يصلون صلاة الجنازة فصلى معهم، فهل تغني عن تحية المسجد
؟
الجواب: إذا دخل وهم يصلون الجنازة وصلى معهم، فإن كان يريد البقاء بعد انصرافهم بالجنازة فليصل تحية المسجد بعد صلاة الجنازة، وإن كان سيخرج مع الجنازة، فليخرج وإن لم يصل تحية المسجد
(2)
.
س 41: يوجد مكان يصلى فيه على الجنازة في المقبرة ولا تقام فيه صلوات أخرى، فهل يجوز إقامة صلاة الجنازة في المقبرة في هذا المصلى
؟
الجواب: نعم. لا بأس أن يصلى على الجنازة في المقبرة؛ لأنه لا دليل على المنع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«جُعِلَتْ لِي اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»
(3)
، ولا أعلم في ذلك سنة، ولكن ثبت عن النبي أنه صلى على القبر، وذلك في
(1)
المجيب: عبدالكريم الخضير أجاب عنها كتابة.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: لقاء الباب المفتوح 26/ 12.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه بلفظه 1/ 74، ومسلم في صحيحه بلفظ (وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا) 1/ 370.
قصة المرأة التي كانت تقم المسجد -أي: تنظفه من القمامة- فماتت في الليل فكأنهم تقالوا شأنها وقالوا: لا نخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها، فلما سأل عنها النبي قالوا: إنها ماتت ليلاً فقال: «هَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي -أي: أخبرتموني ثم قال: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا. فدلوه على قبرها فخرج وصَلَّى عَلَيْهَا»
(1)
، فدل ذلك على جواز الصلاة على الميت في المقبرة، ولا فرق بين المدفون وبين الذي لم يدفن بعد
(2)
.
س 42: هل تصلى فوق المقابر
؟
الجواب: نعم تصلى في المقبرة، ولهذا استثنى أهل العلم صلاة الجنازة من النهي عن الصلاة في المقبرة، وقالوا: أنه يجوز أن تصلى صلاة الجنازة في المقبرة كما تجوز الصلاة على القبر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على القبر في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد، فماتت ليلاً فدفنها الصحابة ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«دُلُوني على قَبْرها» ، فدلوه فصلى عليه
(3)
.
س 43: ما حكم تسوية الصفوف في صلاة الجنازة
؟
الجواب: عموم الأدلة تدل على تسوية الصفوف في كل جماعة، في الفريضة، أو النافلة كصلاة القيام، أو الجنازة، أو جماعة النساء، فمتى شرع الصف شرعت فيه المساواة.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 659.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. لقاء الباب المفتوح 35/ 26.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 99، ومسلم في صحيحه 2/ 659. المجيب: ابن عثيمين. ينظر: بتصرف من فتاوى نور على الدرب 9/ 2.
وكثير من الناس يتهاونون في تسوية الصفوف مع أن الأدلة تدل أن تسوية الصفوف واجبة، ومن ذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه على تسوية الصفوف، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح بصدور أصحابه ومناكبهم ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم
(1)
" وكان الخلفاء الراشدون كعمر، وعثمان رضي الله عنهما يُوكِّلون رجالاً يسوون الصفوف فإذا أخبروهم أن الصفوف استوت كبروا للصلاة.
ويجب على الإمام أن يعتني بتسوية الصف، ولا تأخذه في الله لومة لائم، لأن كثيراً من الجهلة إذا تأخر الإمام في التكبير لتسوية الصفوف أخذهم الحمق والغضب، فلا ينبغي أن يبالي الإمام بأمثال هؤلاء، لأن صلته بالله مادامت وثيقة فستقوى الصلة بالناس بإذن الله.
س 44: قد تتعدد الجنائز فهل يتعدد الأجر الذي أخبر عنه الرسول
؟
الجواب: الظاهر: نعم؛ لأنه يصدق عليه أنه صلى على جنازتين، أو ثلاث، أو أربع، فيأخذ الأجر، لكن كيف ينوي؟ ينوي الصلاة على واحدة أو على الجميع؟ ينوي الصلاة على الجميع، وإذا كان معه أطفال فالطفل له دعاء خاص إذا انتهى من الدعاء للكبار دعا للأطفال، وإذا كان رجل وامرأة دعا لهما بصيغة التثنية فيقول: اللهم اغفر لهما، وكذلك إذا كانا رجلين يقول: اللهم اغفر لهما، وكذلك إذا كانا انثيين يقول: اللهم اغفر لهما، أما إذا كانوا جماعة نساء يقول: اللهم اغفر لهن، جماعة ذكور
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (432) 1/ 323.
يقول: اللهم اغفر لهم، ذكور وإناث يقول: اللهم اغفر لهم، فيفصل ضمير الذكور على ضمير الإناث
(1)
.
س 45: هل صلاة الجنازة في الحرم المكي تضاعف مثل بقية الصلوات في أجر القيراط
؟
الجواب: هذا فيه خلاف بين العلماء، بعض العلماء يقول: الذي يضاعف في المسجد الحرام هو الصلوات الخمس فقط وغيرها لا يضاعف، والذي يظهر من الحديث العموم، وتكون الصلاة على الجنازة داخلة في العموم تضاعف في المسجد الحرام والله أعلم
(2)
.
س 46: في المسجد الحرام ينادى للصلاة على الميت فهل يجوز للنساء أن يؤدين هذه الصلاة مع الرجال سواء على ميت حاضر أو غائب
؟
الجواب: المرأة كالرجل إذا حضرت الجنازة فإنها تصلي عليها ولها من الأجر مثل ما للرجل لأن الأدلة في هذا عامة ولم يستثن منها شيء، وقد ذكر المؤرخون أن المسلمين كانوا يصلون على الرسول صلى الله عليه وسلم فرادى الرجال، ثم النساء، وعلى هذا فلا بأس، بل إنه من الأمور المطلوبة إذا حضرت الجنازة، والمرأة في المسجد أن تصلي مع الرجال على هذه الجنازة
(3)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: لقاء الباب المفتوح 149/ 23.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: لقاء الباب المفتوح 216/ 11.
(3)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 113)
س 47: ما حكم السفر لحضور الصلاة على الجنازة وتعزية أهل الميت
؟
الجواب: إذا كانت هذه الجنازة ممن له حق عام أو خاص فلا بأس أن يسافر الإنسان له، وليس هذا من باب شد الرحال إلى القبور، وكذلك في التعزية، لكن السفر إلى التعزية سوف يستلزم اجتماع أهل الميت في البيت، واستقبالهم للناس، وهذا من البدع، حتى إن جرير بن عبد الله البجلي
قال: «كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَصُنِع الطَّعَامِ مِنْ النِّيَاحَةِ»
(1)
، والناس الآن في بعض المناطق يفعلون أعظم من هذا، يجتمعون ويصفون الكراسي ويضيئون الأنوار، وإذا مررت ببيتهم كأنما مررت ببيت عرس، وهذا لا شك أنه من البدع، والميت لا ينتفع بذلك، وهم لا ينتفعون أيضًا؛ لأنهم يزدادون بذلك إضاعة للوقت، وإضاعة للمال، ومخالفة لهدي السلف، فلهذا نحن ننصح إخواننا المسلمين أن نقول لهم: دعوا هذه العادات، فإن شيئًا لم يفعله السلف لا خير فيه
(2)
.
س 48: ما حكم تأخير الصلاة على الجنازة حتى يحضر أقارب الميت
؟
تأخير تجهيز الميت والصلاة عليه خلاف السنة، خلاف ما أمر به النبي
(1)
أخرج أحمد في مسنده 11/ 505، وابن ماجه في سننه 1/ 514، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم (1612).
قال القرطبي في التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص 336: [الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام والمبيت عندهم كل ذلك من فعل الجاهلية].
(2)
ينظر: لقاء الباب المفتوح 112/ 18.
-صلى الله عليه وسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام:«أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» .
ولا ينبغي الانتظار اللهم إلا مدة يسيرة كما لو انتظر به ساعة أو ساعتين وما أشبه ذلك، وأما تأخيره إلى مدة طويلة فهذا مخالفة للسنة وجناية على الميت؛ لأن النفس الصالحة إذا خرج أهل الميت بها تقول: قدموني. قدموني، فتطلب التعجيل والتقديم؛ لأنها وعدت بالخير والثواب الجزيل
(1)
س 49: ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى على جنازة فله قيراط، ومن حضرها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: ما القيراط؟ قال: مثل جبل أحد» . لكن السؤال: بعض الناس يحضر الجنازة ويذهب قبل أن يكمل دفنها فهل ينال الأجر؟
الجواب: ظاهر الحديث: (مَنْ شَهِدَها حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا)
(2)
، أن هذا الرجل صحبها من بيتها؛ لأن الميت ميت؛ جنازة من حين يموت، وقوله:
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 77)
(2)
لفظه في مسلم 2/ 652 «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ» ، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» . ورواية «أصغرهما مثل احد» رواه مسلم في صحيحه 2/ 653.
قال النووي في شرحه لمسلم 7/ 14: [القيراط مقدار من الثواب، معلوم عند الله تعالى، وهذا الحديث يدل على عظم مقداره في هذا الموضع، ولا يلزم من هذا أن يكون هذا هو القيراط المذكور فيمن اقتنى كلبًا إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراط، وفي روايات قيراطان بل ذلك قدر معلوم ويجوز أن يكون مثل هذا وأقل وأكثر].
(مَنْ شَهِدَها حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا). يدل على أن هناك غاية وأن الإنسان أكرم هذا الميت فمشى معه من البيت إلى المسجد، ثم إلى المقبرة، لكن قد يقول قائل: إن قوله: «مَنْ شَهِدَها حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا» . يشمل من انتظر في المسجد حتى تأتي ويصلى عليها، ونرجو من الله الخير. أما أن ينصرف قبل أن يتم دفنها فإنه لا يحصل على الأجر؛ لقوله:«مَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ» . وإذا انصرف قبل أن يتم دفنها فإنه لم يشهدها حتى تدفن، فلا يكتب له هذا الأجر. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم -عن القيراطين؟ قال:«مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» . وفي رواية أظنها لمسلم: قال: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ»
(1)
.
س 50: متى يحصل المتبع للجنازة على القيراطين
؟
الجواب: قال النووي: إذا صلى على جنازة حصل له قيراط من الأجر، كما ثبت في الصحيحين، فإذا صلى عليها ثم تبعها، ودام معها حتى تدفن حصل له قيراطان، كما ثبت في الصحيحين، ولا يقال: يحصل بالمجموع ثلاثة قراريط، وإنما يحصل قيراطان كما ذكرته، وطرق الأحاديث توضحه.
ومما يحصل به القيراط الثاني: ثلاثة أوجه حكاه السرخسي وآخرون من أصحابنا-:
1 -
أصحها: عند صاحب الحاوي والمحققين: أنه لا يحصل إلا بالفراغ من الدفن.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: لقاء الباب المفتوح 125/ 20.
2 -
والثاني: يحصل بالمواراة باللبن. وإن لم يهل عليه التراب، قاله القفال والمروزي، واختاره إمام الحرمين.
3 -
والثالث: إذا وضع في اللحد فقط قبل نصب اللبن، ويحتج لقول القفال، وللثالث: بحديث في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ فَلَهُ قِيرَاطَانِ»
(1)
، وفي رواية:«حَتَّى تُوضَعَ فِي اَللَّحْدِ»
(2)
.
ويحتج للأول برواية البخاري ومسلم في هذا الحديث الشريف: (ومن تبعها حتى يفرغ من دفنها فله قيراطان) وفي رواية مسلم: (حتى يفرغ منها)
(3)
، ويتأول رواية:(حتى توضع في القبر، أو في اللحد)، على أن المراد وضعها مع الفراغ، وتكون الإشارة إلى أنه ينبغي أن لا يرجع قبل وصولها إلى القبر.
والصحيح المختار: أنه لا يحصل إلا بالفراغ من إهالة التراب وتتميم الدفن، فالحاصل أن للانصراف عن الجنازة أربعة أحوال:
1 -
الأول: أن ينصرف عقب الصلاة.
2 -
والثاني: أن ينصرف عقب وضعها في اللحد وسترها باللبن قبل إهالة التراب.
3 -
والثالث: أن ينصرف بعد إهالة التراب وفراغ القبر.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 653.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 652.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 652.
4 -
والرابع: أن يمكث عقب الفراغ، ويستغفر للميت، ويدعو له، ويسأل الله تعالى له التثبيت.
والرابع: أكمل الأحوال، والثالث: يحصل القيراطين، ولا يحصله الثاني على الأصح، ويحصل بالأول قيراط فقط بلا خلاف، والله أعلم
(1)
.
س 51: رأيت شخصًا يصلي الظهر في مقبرة، فقلت له: إن صلاتك هذه غير صحيحة، فهل كلامي هذا صحيح
؟
الجواب: نعم هذا صحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، ألا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»
(2)
، وعليه فلا تجوز الصلاة داخل المقبرة، وإنما يصلي خارجها؛ لأن الصلاة في المقبرة من وسائل الشرك، فلا تصح
(3)
.
س 52: من دخل المسجد للصلاة على الجنازة، ولم يصل الفرض فهل يصلي الفرض أولاً، أو يدخل معهم في الصلاة على الجنازة؟ وإذا حملت الجنازة هل يصلي عليها
؟
الجواب: يصلي معهم على الجنازة ثم يصلي الفرض؛ لأن الجنازة تفوت والفرض لا يفوت، وأما إذا حملت الجنازة فلا يصلي عليها، وإنما يتبعها ويصلي عليها بعد الدفن أو عند القبر
(4)
.
(1)
فتاوى النووي ص: 79.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 377.
(3)
فتاوى منوعة للشيخ عبدالعزيز الراجحي 22/ 18.
(4)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاويه 13/ 151.
س 53: إذا دخلت المسجد وهم يصلون على جنازة هل أكمل معهم الجنازة أم أصلي صلاة الفريضة
؟
الجواب: نقول إنك تصلي معهم صلاة الجنازة، ثم تقبل على فريضتك لأنك إذا صليت الفريضة فاتت الجنازة وإذا صليت على الجنازة لم تفت الفريضة، فالأولى في مثل هذه الحال أن تدخل معهم في صلاة الجنازة، ثم إذا أنهيتها تصلى صلاة الفريضة؛ وذلك لأن تشاغلك بالفريضة يستلزم فوات صلاة الجنازة، وتشاغلك بصلاة الجنازة لا يستلزم فوات صلاة الفريضة
(1)
.
س 54: هل تشرع الصلاة على الغائب مطلقًا، أم لها شروط معينة
؟
الجواب: القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الصلاة على الغائب غير مشروعة إلا لمن لم يصل عليه، كما لو مات شخص في بلد كفر ولم يصل عليه أحد، أو غرق في بحر، أو نهر، أو واد، ولم يعثر على جثته، فإنه يجب الصلاة عليه، وأما من صلي عليه فالصحيح أن الصلاة عليه غير مشروعة، لأن ذلك لم يرد في السنة إلا في قصة النجاشي، والنجاشي لم يصل عليه في بلده، فلذلك صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وقد مات الكبراء والزعماء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه صلى عليهم، وقال بعض أهل العلم: من كان فيه منفعة في الدين بماله، أو عمله، أو علمه فإنه يصلى عليه صلاة الغائب، ومن لم يكن كذلك فلا يصلى عليه. وقال بعض أهل العلم: يصلى على الغائب مطلقًا، وهذا أضعف الأقوال
(2)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: فتاوى نور على الدرب 9/ 2.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: فتاوى أركان الإسلام ص: 412.
س 55: ما حكم الصلاة على الميت الغائب؟ وإذا كانت مشروعة فهل يصلى على كل غائب
؟
الجواب: ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أصحابه يوم مات النجاشي ملك الحبشة، فنعاه لهم، وصفَّهم وصلى عليه صلاة الجنازة.
فهذا الحديث دليل على مشروعية الصلاة على الغائب، إلا أن بعض العلماء كالحنفية والمالكية قالوا: إن هذا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم فلا تشرع صلاة الغائب لغيره.
وقد رد جمهور العلماء ذلك بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صحيح، والأصل: أن الأمة مأمورة بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به.
وقد اختلف العلماء القائلون بمشروعية الصلاة على الغائب، هل تشرع الصلاة على كل غائب أم لا؟ وكلهم يستدل بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي.
فذهب الشافعية والحنابلة إ لى أنه تشرع الصلاة على كل غائب عن البلد، ولو صلي عليه في المكان الذي مات فيه.
والقول الثاني: أنه تشرع الصلاة على الغائب إذا كان له نفع للمسلمين، كعالم، أو مجاهد، أو غني نفع الناس بماله، ونحو ذلك.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، واختارها الشيخ السعدي وبه أفتت اللجنة الدائمة.
والقول الثالث: أنها تشرع الصلاة على الغائب بشرط ألا يكون قد صلي عليه في المكان الذي مات فيه، فإن صلي عليه فلا تشرع صلاة الغائب عليه.
وهذا القول رواية أخرى عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومال إليها من المتأخرين الشيخ ابن عثيمين
(1)
.
س 56: إذا علم الشخص بموت قريبة له وهو في بلد، وهذه المرأة في بلد، فهل يصلي عليها صلاة الجنازة
؟
الجواب: لا بل يدعو لها بالمغفرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي على الغائبين، إلا إذا كان له شأن، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، لأنه له شأن وله دعوة إلى الله، وكان قد أكرم المهاجرين إليه، فإذا كان الميت ممن له شأن، كالأمير الصالح، والعالم الصالح، ونحو ذلك، إذا صلي عليه صلاة الغائب فلا بأس، أما عامة الناس، فلا يصلى عليهم صلاة الغائب، لأنه مات الجم الغفير في مكة وغيرها، ولم يصل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب
(2)
.
س 57: فضيلة الشيخ رجل صلى في مسجده، ثم ذهب إلى مسجد آخر لكي يصلي فيه على جنازة فوجدهم يصلون الفريضة فدخل معهم بنية النفل حيث أدرك معهم ركعتين وسلم، فما الحكم
؟
الجواب: الظاهر إن شاء الله أنه لا بأس به؛ لأنه إنما حضر من أجل الصلاة على الجنازة، والتطوع بركعتين جائز، لكن إذا كان يعرف أنه يمكنه أن يقضي الركعتين فإنه يقضيهما أعني: الركعتين اللتين فاتتاه
(3)
.
(1)
بتصرف من موقع الإسلام سؤال والجواب 5/ 4786 بإشراف الشيخ محمد المنجد.
(2)
المجيب: ابن باز. ينظر: فتاوى نور على الدرب لابن باز 14/ 36.
(3)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: بتصرف اللقاء الشهري 41/ 33.
س 58: إذا صليت الفريضة في المسجد مثلاً صلاة العشاء، ثم خرجت لمسجد آخر فوجدتهم يصلون وكانوا في الركعة الثالثة هل أشرع معهم، وإذا انتهت الصلاة هل أقضي ما علي، أو لا
؟
الجواب: هذا يسأل يقول: إذا صليت في مسجدي ثم أتيت مسجدًا آخر وهم يصلون صلاة العشاء ودخلت معهم في الثالثة فهل إذا سلم الإمام أسلم لأني صليت ركعتين، أو أتم فأصلي كما صلى الإمام أربعا؟ الجواب: ينظر في هذا، إن كان الإنسان أتى للمسجد الثاني لحاجة ربما تفوته لو أتم الصلاة، فلينو ركعتين من أول ويسلم مع الإمام، مثاله: إنسان جاء يصلي على جنازة في مسجد آخر وقد فاتته ركعتان من صلاة العصر فهل نقول: ادخل معهم في الركعتين الباقيتين ثم اقض الركعتين الفائتتين، أو نقول: سلم؟ في أي الحالين يدرك صلاة الجنازة إذا سلم، أو إذا قرأ؟ إذا سلم، إذا نقول: سلم، لكن من أول انو أنك داخل على أنك ستصلي ركعتين فقط
(1)
.
س 59: هل يقال دعاء الاستفتاح لصلاة الجنازة
؟
الجواب: صلاة الجنازة قال العلماء: إنه لا يستفتح لها؛ لأنها ليس فيها ركوع، ولا سجود، ولا تشهد، فهي مبنية على التخفيف
(2)
.
س 60: ما حكم قراءة آية بعد الفاتحة في صلاة الجنازة
؟
الجواب: لا بأس أن يقرأ الإنسان في صلاة الجنازة شيئاً قليلاً من
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: لقاء الباب المفتوح 234/ 22.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: فتاوى نور على الدرب 8/ 2.
القرآن بعد الفاتحة، وإن اقتصر على الفاتحة فالأمر واسع، لأن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف. ولهذه لا يشرع فيها استفتاح، وإنما يتعوذ ويقرأ الفاتحة
(1)
.
س 61: هل للصلاة على الميت وقت محدد بأن تكون بعد الفرائض مثلاً، أم تجوز في كل وقت، وهل لها عدد معين من المصلين، أم أنها تؤدى ولو بمصل واحد، وهل يجوز أن تصلى فوق المقابر، أم لا، وما هي صفتها
؟
الجواب: الصلاة على الجنازة ليس لها وقت محدد؛ وذلك لأن الموت ليس له وقت محدد، فمتى مات الإنسان، فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، في أي وقت من ليل، أو نهار، ويدفن في أي وقت من ليل، أو نهار؛ إلا في ثلاثة أوقات فإنه لا يجوز الدفن فيها وهي: من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، يعني قبل الزوال بنحو عشر دقائق، وحين تضيف للغروب حتى تغرب، وتضيفها للغروب أن يكون بينها وبين الغروب مقدار رمح، فهذه الثلاثة الأوقات لا يحل فيها الدفن حتى لو وصلنا إلى المقبرة فإننا ننتظر حتى تنتهي هذه الأوقات
(2)
.
س 62: هل النهي للتحريم؟ وما علة التحريم
؟
الجواب: نعم النهي للتحريم لحديث عقبة بن عامر أنه قال (ثلاث ساعات نهى الرسول أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا)
(3)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 121)
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: فتاوى نور على الدرب 9/ 2.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 568.
أما عن علة التحريم: الله أعلم. لا نعرف ما هي العلة في تحريم الدفن في هذه الأوقات، أما تحريم الصلاة في هذه الأوقات، فإن الرسول بين ذلك بأن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان، وأن الكفار يسجدون لها، وأن الصلاة يكون فيها نوع من المشابهة للكفار الذين يسجدون للشمس.
وليس لصلاة الجنازة عدد معين بل لو صلى عليه واحد فقط أجزأ ذلك.
س 63: هل يُشتَرَطُ إتمام الصف الأول، وسد الفرج بين الصفوف في صلاة الجنازة
؟
الجواب: الصفوف في صلاة الجنازة ينبغي فيها تسوية الصفوف كغيرها من الصلوات، وأن يكمل الصف الأول فالأول، وأن تُسدَّ الفُرَجُ بين الصفوف
(1)
.
س 64: ما حكم تعدد الصفوف بدون اكتمال في صلاة الجنازة
؟
الجواب: هذا خلاف السنة وإن كان بعض أهل العلم رأى أنه ينبغي أن لا تنقص عن ثلاثة حتى وإن لم يتم الصف الأول، وقالوا: إنه ينبغي إذا كانوا لا يملؤون الصفوف ينبغي للإمام أن يجزئهم ثلاثة صفوف
(2)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 110)
(2)
قال النووي في روضة الطالبين 2/ 131: [ويستحب أن تجعل صفوف الجنازة ثلاثة فأكثر للحديث الصحيح فيه]. وقال ابن مفلح في الفروع 2/ 187: [وَيُستحب أن يصفهم ولا ينقصهم عن ثلاثة صفوف]. وهناك حديث مرثد بن عبد الله اليزني رضي الله عنه قال: كان مالك بن هبيرة رضي الله عنه إذا صلى على جنازة، فَتَقَالَّ الناس عليها جزأهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أوْجَبَ» ، أخرجه الترمذي في سننه 3/ 347، وأبو داود في سننه 2/ 219، وابن ماجه في سننه 1/ 478، وأحمد في مسنده 27/ 281، بلفظ (إلا غفر له)، والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 30، قال الترمذي: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن.
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: فتاوى نور على الدرب 9/ 2.
س 65: هل يسن جعل صفوف الجنازة ثلاثة صفوف
؟
الجواب: ثَبُتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله فيه"
(1)
. وكذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا غفر له
(2)
".
فمن العلماء من قال: يُسْتحَبُّ أن يجعلهم ثلاثة صفوف، ولو كانوا على رجلين رجلين.
ومنهم من قال: إن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الكثرة؛ بدليل الحديث الثاني (أربعون رجلاً) وهذا هو الأقرب.
وعلى هذا فنقول: الأفضل أن يكمل الصف الأول فالأول، وإذا حصلت الكثرة كفى
(3)
.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (948) 2/ 655.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه برقم (3166) 5/ 78، بلفظ:(ما مِنْ مُسلمِ يموتُ فيصلِّيَ عليه ثلاثةُ صفوفِ من المسلمين إلاَّ أوْجَبَ) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير برقم (5220) 1/ 754.
(3)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 107)
س 66: ما هو الدعاء الثابت في الصلاة على الميت وإذا كانت الجنازة طفلاً كيف يدعو
؟
الجواب:
1 -
(1)
.
2 -
«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ» . وفي لفظ: «وقه فتنة القبر»
(2)
.
3 -
(3)
.
4 -
الدعاء للطفل في الصلاة عليه صلاة الجنازة، يقول: «اللَّهُمَ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ
(1)
أخرجه الترمذي في سننه 2/ 334، وابن ماجه في سننه 1/ 480، و والنسائي في الكبرى 9/ 396، والحاكم في المستدرك 1/ 511، وقال:[هذا حديث صحيح على شرط الشيخين].
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 662.
(3)
أخرجه أحمد في مسنده 25/ 400، وأبو داود في سننه 3/ 211، وابن ماجه في سننه 1/ 480، وابن حبان في صحيحه 7/ 343. وصححه الألباني في المشكاة 1/ 528.
مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»، «اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ، «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطَاً، وَسَلَفاً، وَأَجْراً»
(1)
، «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدَيَّه وَارْحَمْهُمَا»
(2)
.
س 67: حكم الصلاة على جنازتين إحداهما حاضرة والأخرى غائبة، هل يصلى عليهما صلاة واحدة؟ أم يصلى على كل جنازة صلاة مستقلة بها
؟
الجواب: نظرًا إلى أن الصلاة على الجنازة الحاضرة لا تختلف من حيث الأقوال والأفعال عن الصلاة على الجنازة الغائبة، فلا يظهر لنا بأس في الصلاة على الجنازتين؛ الحاضرة والغائبة، صلاة واحدة كالصلاة على جنازتين حاضرتين أو غائبتين
(3)
.
س 68: حكم صف أهل الميت بقرب الإمام حال الصلاة على الجنازة
؟
الجواب: اصطفاف أقارب الميت مع الإمام حين الصلاة عليه إن كان
(1)
من رواية الحسن في صحيح البخاري 2/ 89.
(2)
دليل ذلك حديث: (والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) أخرجه أحمد في مسنده 30/ 110، وأبو داود في سننه 3/ 205، والبيهقي في الكبرى 4/ 11. صححه الألباني في المشكاة 1/ 525.
فرطا: أي أجرًا يتقدمنا حتى نرد عليه، والفرط الذي يتقدم الواردين فيهيئ لهم ما يحتاجون إليه، وهو هنا المتقدم للثواب والشفاعة. بتصرف من أحكام الجنائز ص 378 تأليف سعيد القحطاني.
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 393.
المكان ضيقًا لا يمكنهم أن يصطفوا خلف الإمام ولو بينه وبين الصف الأول فلا بأس؛ لأن هذا حاجة، ويقفون عن يمين الإمام وعن شماله، وإن كان المكان واسعًا فلا يصفون مع الإمام؛ لأن هذا خلاف السنة في صلاة الجماعة، لكن رأينا بعض أقارب الميت يتقدمون عمدًا ليصفوا مع الإمام ظنًا منهم أن هذا سنة، وهذا غلط ينبغي للأئمة أن ينبهوا عليه، ويبينوا للناس أن هذا ليس من السنة
(1)
.
س 69: نرى كثيرًا من الأئمة الذين يصلون على الجنازة لا يفرقون بين الجنائز، وقد يوجد طالب علم ونحوه، مما ينبغي تقديمه على غيره في وضعه أمام الإمام
.
الجواب: إذا اجتمعت جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم ويجعل الرجال مما يلي الإمام، ثم الصبيان، ثم النساء مما يلي القبلة، قال عمار
: (شهدت جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرت ذلك عليه، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة)
(2)
، وإن كانوا نوعًا واحدًا قدم الإمام أفضلهم بعلم، أو تقى، أو سن
(3)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 457.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه 3/ 208، والبيهقي في الكبرى 4/ 53. وصححه الألباني في أحكام الجنائز 1/ 104.
(3)
المجيب عبدالله بن ابراهيم القرعاوي منتديات إنما المؤمنون إخوة.
س 70: ما حكم الصلاة على الجنازة في أوقات النهي؟ وهل تعتبر الصلاة عليها من ذوات الأسباب
؟
الجواب: تجوز الصلاة على الجنازة في وقتي النهي الطويلين بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر، أما الثلاثة الأوقات الباقية فلا يصلى على الجنازة فيها ولا تدفن فيها، لحديث عقبة بن عامر صلى الله عليه وسلم:(ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ)
(1)
، وإذا صلي على الجنازة أول مرة فلا تعاد الصلاة عليها مرة أخرى في أوقات النهي الخمسة، يستوي في ذلك من شهد الصلاة عليها، أولم يشهدها؛ لأن الصلاة عليها ثانية تعتبر نافلة مطلقة، والنوافل المطلقة لا تفعل في أوقات النهي. والله تعالى أعلم
(2)
.
س 71: نرى كثيرين يصلون على الجنازة أكثر من مرة، فما حكم الصلاة على الجنازة أكثر من مرة
؟
الجواب: لا نعلم فيها بأسًا، إذا حضر الجنازة صلى عليها مع الجماعة، ثم حضر الجماعة، وصلى عليها في المقبرة، أو في مكان آخر لا حرج في ذلك إن شاء الله، ولا بأس في ذلك، الواجب أن يصلى عليها مرة واحدة، لكن إن
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 568.
(2)
المجيب عبدالله بن ابراهيم القرعاوي منتديات إنما المؤمنون إخوة.
قدر أنه صلى عليها في المسجد، ثم جاء آخرون وصلى معهم في المقبرة، أو في مسجد آخر، وحضر وصلى معهم فلا بأس كل هذا مزيد من الخير
(1)
.
س 72: هل تجوز الصلاة على الميت أكثر من مرة، وهل تجوز الصلاة على الميت بعد دفنه
؟
الجواب: تكرار الصلاة على الميت غير مشروعة لمن صلى عليه، لكن من صلى على الجنازة ثم حضر صلاة عليها أخرى في المسجد، أو في المقبرة، فلا بأس أن يصلي معهم عليها؛ لما في ذلك من مزيد الأجر له وللميت، أما من لم يصل عليه فيستحب له أن يصلي عليه ولو في المقبرة قبل الدفن أو بعده؛ لحديث أبي هريرة
(أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فمَاتَتْ، فصلوا عليها ليلا فقال النبي
: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قَالَ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ فَقَالَ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا)
(2)
.
س 73: هناك جنازتان متجاورتان في المقبرة، ما كيفية الصلاة عليهما بعد الدفن؟ هل يصلى على كل جنازة على حدة، أو ينوي الصلاة عليهما
؟
الجواب: إن كان القبران كلاهما بين يدي المصلي فإنه يصلي عليهما صلاة واحدة، وإن كان كل واحد بمكان فلكل واحد صلاة
(3)
.
(1)
المجيب: ابن باز، ينظر: فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر 14/ 38.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 99، ومسلم في صحيحه 2/ 659.
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بتصرف 7/ 280.
(3)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 159.
س 74: هل من صلى على قبر ميت يكون الأجر له كاملاً
؟
الجواب: الظاهر والله أعلم أنه لا يدرك الأجر كاملاً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ» قيل: وما القيراطان؟ قال: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ»
(1)
ولكن له أجر؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر المرأة التي كانت تقم المسجد، فيكون صلاته على القبر اتباعًا لسنة النبي
(2)
.
س 75: هل في كثرة عدد المصلين على الجنازة فضل
؟
الجواب: ثبت في حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ» رواه مسلم
(3)
، ولذا استحب العلماء تحري المسجد الذي فيه جماعة كثيرة للصلاة على الميت فيه، وكلما كان العدد أكثر صار أقرب إلى الخير وأكثر للدعاء
(4)
.
س 76: ما فضل من مات له شيء من الأولاد
؟
الجواب: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث
(5)
إلا أدخله الله
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 87، ومسلم في صحيحه 2/ 652.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 139.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 655.
(4)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاويه 13/ 138.
(5)
لم يبلغوا الحنث: أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث وهو الإثم. شرح النووي على صحيح مسلم، 16/ 420.
الجنة بفضل رحمته إياهم)
(1)
والولد يشمل الذكر والأنثى.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تعدّون الرّقوب فيكم؟) قال: قلنا: الذي لا يولد له، قال:(ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي م يقدم من ولده شيئاً)
(2)
.
من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجاباً من النار؛ ودخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجاباً من النار أو دخل الجنة)
(3)
. وفي مسلم أنه قال لامرأة مات لها ثلاثة من الولد: (لقد احتظرت بحظار شديد من النار)
(4)
؛ ولحديث عتبة بن عبدٍ السلمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقَّوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل)
(5)
.
من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسوة من الأنصار: (لا يموت لإحداكن ثلاثة من
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (1248) 2/ 73.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2608) 4/ 2014.
(3)
ذكره البخاري في صحيحه في باب ما قيل في أولاد المسلمين 2/ 100.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2636) 4/ 2030.
(5)
أخرجه أحمد في المسند برقم (17640) 29/ 189، وابن ماجه في سننه برقم (1605) 2/ 534، والطبراني في الكبير برقم (294) 17/ 119.
الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة)، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: (أو اثنين)
(1)
، قال النووي رحمه الله:(وقد جاء في غير مسلم (وواحد)
(2)
.
س 77: عندما يسلم الإمام من الفريضة يسرع أهل الميت بإحضاره للصلاة عليه بحجة الإسراع بدفنه، نرجو بيان ما يجب عليهم وما هي نصيحتك للإمام حيالهم
؟
الجواب: الذي أرى أنه إذا سلم الإمام من الفريضة فإن كان فيه أناس يقضون وهم كثيرون، فالأولى أن ينتظر في تقديم الجنازة من أجل كثرة المصلين عليها، حتى لا يفوتهم الثواب ولا يفوت الميت شفاعتهم، وربما يكون في الذين يقضون من هم خير من الذين سلموا مع الإمام. أما إذا لم يكن هناك سبب فالمبادرة لذلك أفضل وأولى
(3)
.
س 78: بعض الأئمة ينبه المصلين بعد الصلاة على أن في المسجد الفلاني جنازة، هل هذا من النعي المحرم
؟
الجواب: كلا، يجوز ذلك كما صنع النبي حين نعى النجاشي
(4)
.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2632) 4/ 2028.
(2)
أخرجه أحمد في المسند برقم (4077) 7/ 160، قال محققه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود. وينظر: أحكام الجنائز للدكتور سعيد بن وهف القحطاني ص 201.
(3)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 109.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 72.
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين ص 90.
س 79: ما حكم بيان جنس الميت أذكر هو أم أنثى عند الصلاة عليه
؟
الجواب: لا بأس بالإخبار عن الميت أذكر أم أنثى عند تقديمه للصلاة عليه إذا لم يعرف المصلون ذلك، من أجل أن يدعوا له دعاء التذكير إن كان ذكرًا، ودعاء التأنيث إن كان أنثى، وإن لم يفعل فلا بأس أيضًا، وينوي المصلون الذين لا يعلمون عن هذا الميت ينوون الصلاة على الحاضر الذي بين أيديهم، وتجزؤهم الصلاة سواء قالوا بلفظ المذكر «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ» ، أي لهذا الحاضر بين أيدينا، أو بلفظ المؤنث «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهَا» ، أي لهذه الجنازة التي بين أيدينا. والله أعلم
(1)
.
س 80: لو تبع الجنازة من طريق آخر فهل يعد تابعًا لها
؟
الجواب: إن كان لحاجة كبعد عن زحام ونحوه فلا بأس
(2)
.
س 81: في بعض البلدان أثناء دفن الميت ينادي شخص عموم الناس قائلاً: هذا قبر فلان الذي صلي عليه أمس الظهر، وهذا قبر فلان الذي صلي عليه قبل أمس
…
إلخ فيأخذ الناس في الصلاة على تلك القبور فما الحكم
؟
الجواب: هذا العمل بدعة ليس عليه فعل السلف الصالح؛ بل إن مسألة الصلاة على القبر عند بعض العلماء قضية عين سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد رفع شأن من عده الناس وضيعًا، فصلى على قبر المرأة التي كانت تقم المسجد
(3)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين 17/ 103.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: ثمرات التدوين ص 93.
(3)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: ثمرات التدوين ص 93.
س 82: هل أصلي على الجنازة المدفونة ولو لم أعرفها، وذلك بعد يوم أو يومين حرصًا على القيراط
؟
الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر الجارية التي كانت تقم المسجد ودفنت بغير إذنه وبغير علمه؛ لكنه لم يتخذ ذلك عادة ولا ديدنا، فالذي يصلي يرجو القيراط يرجى له ذلك، وفضل الله واسع؛ لكنه ليس من عادته عليه الصلاة والسلام أن يصلي على كل من دفن، ولا حفظ عن صحابته -رضوان الله عليهم- أنهم صلوا على كل من دفن ولم يشعروا به، نعم الأصل لمطلق الفعل موجود، وهو أن النبي صلى على الجنازة التي لم يؤذن بها، لكن الدوام على ذلك والاستمرار عليه لا يعرف له أصل من فعله عليه الصلاة والسلام ولا من فعل صحابته -رضوان الله عليهم-
(1)
.
(1)
المجيب: عبدالكريم الخضير أجاب عنها كتابة.
وهناك من يرى جواز ذلك قال ابن القيم في زاد المعاد (1/ 493): كان من هديه (إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر)، فصلى مرة على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتا.
قال أحمد رحمه الله: من يشك في الصلاة على القبر؟! ويروى عن النبي كان إذا فاتته الجنازة صلى على القبر من ستة أوجه، كلها حسان.
قال أبو عمر في الاستذكار (3/ 35): (من صلى على قبر أو جنازة قد صلي عليها فمباح ذلك له لأن الله لم ينه عنه ولا رسوله ولا اتفق الجميع على كراهيته بل الآثار المسندة تجيز ذلك وعن جماعة من الصحابة إجازة ذلك وفعل الخير يجب ألا يمنع عنه إلا بدليل لا معارض له).
قلت: والمسألة متنازع فيها وعلى المرء أن يحتاط لدينه و يتبع الدليل إن كان من أهل العلم والقدرة على الترجيح، أو أن يقلد من يثق بعلمه إن كان غير ذلك.
س 83: هل الصلاة على الجنازة بعد دفنه بيوم يجوز، وهل لها أفضلية في وقت معين
؟
الجواب: يجوز أن يصلى على القبر بعد يوم، أو يومين، أو شهر، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، لكن بشرط أن يكون هذا القبر قد دفن بعد ولادة الشخص الذي يريد أن يصلى عليه، بل بعد تمييزه، فمثلاً: لو جاء إنسان له عشرون سنة وأراد أن يصلي على قبر مات صاحبه قبل عشرين سنة فإنه لا يصلي عليه؛ لأنه لما مات الميت هذا كان هذا مولودًا، ولو أراد شخص له عشرون سنة أن يصلي على قبر له ثلاث عشرة سنة، فإنه يجوز؛ لأنه لما مات الميت كان لهذا الرجل الذي عمره عشرون سنة عمره سبع سنوات وكان من أهل الصلاة. لكن متى يصلي؟ لا يصلي في وقت النهي على القبر؛ لأنها ليست من ذوات الأسباب، إذ إن الإنسان يمكن أن يأتي في وقت آخر ويصلي عليه، فمثلا: لو خرجت إلى جنازة بعد صلاة العصر وأنت لم تصل عليه، ووجدتهم قد دفنوها فإنه لا يمكن أن تصلي، إن كنت تريد الصلاة عليها ائت بعد المغرب، أو ائت في الضحى، أما في وقت النهي فلا يصلى على القبر
(1)
.
س 84: رجل دخل المقبرة بعد صلاة العصر وقد صلي على جنازة ودفنت، فهل يجوز له الصلاة عليها؟ وهل هذا الوقت وقت نهي لا يدفن فيه الميت
؟
الجواب: إذا أتيت إلى المقبرة وقد دفن الميت بعد العصر فلا تصل
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: لقاء الباب المفتوح 180/ 17.
عليه، لعموم قوم النبي صلى الله عليه وسلم «لَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ»
(1)
، ولك أن تصلي عليه في الليل أو في النهار من الغد. وأما الصلاة عليه قبل أن يدفن فلا بأس؛ وذلك لأن الصلاة عليه قبل أن يدفن صلاة لها سبب، وجميع الصلوات التي لها سبب ليس عنها نهي، كل صلاة لها سبب صلها متى وجد سببها في أية ساعة شئت من ليل أو نهار، فمثلاً: إذا دخلت المسجد بعد العصر صل ركعتين، لو توضأت بعد العصر صل ركعتين للوضوء، لو حدث لك أمر تريد أن تستخير الله فيه ويفوت قبل انتهاء وقت النهي، صل ركعتين واستخر
(2)
.
س 85: صلى بعض الناس على جنازة فكبر الإمام ثلاث تكبيرات ولم يأت بالرابعة ناسيًا، فما حكم صلاته؟ وهل يتابعه المأموم
؟
الجواب: تكبيرات الجنازة أربع وكلها أركان وعليه؛ فإذا كبر الإمام ثلاث تكبيرات ناسيًا لم يتابع وينبه وجوبًا، فإن عاد وكبر الرابعة صحت صلاته، فإن لم يرجع فعلى المأمومين إتمام التكبيرة الرابعة، ثم السلام
(3)
.
(1)
ولفظ البخاري في صحيحه 1/ 120: من حديث ابن عباس، قال:(شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر، أن النبي نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب)، وهذا اللفظ أخرجه أحمد في مسنده 11/ 555، وابن ماجه في سننه 1/ 395، وغيرهم.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: لقاء الباب المفتوح (173/ 14)
(3)
منقول من موقع الإسلام سؤال وجواب عبر الشبكة سؤال رقم (159418).
س 86: من يتعمد الصلاة في غير المسجد الذي يصلى فيه على الجنازة؛ ليصلي عليها في المقبرة، هل هذا سائغ أو لا، خاصة إذا كانت الصلاة في المقابر ستوافق وقت نهي
؟
الجواب: الأصل أن صلاة الجنازة تصلى في المصلى في الصحراء، أو في براز قريب من المقبرة، والصلاة على الجنازة في المسجد محل خلاف بين أهل العلم على قولين، والمعتمد الآن والمعول عليه هو القول الثاني وهو صحة الصلاة على الجنازة في المسجد، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد، وصلى عمر على أبي بكر في المسجد، وصلي على عمر في المسجد، فلا إشكال في ذلك.
وعلى هذا فالأصل أن يصلى على الجنازة مع الإمام في المسجد؛ لكن إن فاتته وأراد أن يحصل على ما تيسر له من الأجر الموعود وصلى على القبر فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى على القبر، وإذا كان وقت نهي فله أن يصلي في الوقتين الموسعين من أوقات النهي كبعد صلاة العصر، أو بعد صلاة الصبح ما لم يضق الوقت.
أما الأوقات الثلاثة المضيقة فلا يصلى فيها على الجنازة، وقد ورد فيها حديث عقبة بن عامر ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا.
وهذا محمول على صلاة الجنازة عند أهل العلم: (حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ،
وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ)
(1)
، هذه الثلاثة المضيقة هي التي ينهى فيها عن الصلاة على الجنازة
(2)
.
س 87: هل للذي يصلي على الجنازة في المقبرة أجر كمن صلى عليها في المسجد
؟
الجواب: لفظ الحديث وعمومه يتناول من صلى في المقبرة، وهو قوله
: (مَنْ صَلَّى على جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ)، فهذا له أجر القيراط؛ لأن عموم الحديث يشمله، وفضل الله واسع
(3)
.
س 88: هل صلاة الراتبة بعد صلاة الجنازة تقطع المتابعة لها
؟
الجواب: الذي يظهر أنها تقطع؛ لأنها فاصل، والأولى أن يتبعها مباشرة ويمشي خلفها، وإذا رجع إلى بيته صلى الراتبة؛ لأن وقت الراتبة موسع
(4)
.
س 89: لو تبع شخص جنازة بدون أن يصلي عليها فهل يأخذ قيراطا، أم يشترط أن يصلي عليها لكي يأخذ هذا الأجر
؟
الجواب: دلت السنة على أن من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 568.
(2)
المجيب: عبدالكريم الخضير أجاب عنها كتابة.
(3)
المجيب: عبدالكريم الخضير أجاب عنها كتابة.
(4)
المجيب: عبدالكريم الخضير أجاب عنها كتابة.
شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْن»
(1)
، وعن سعد بن أبي وقاص
أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خباب، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة! أنه سمع رسول الله
يقول: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ» . فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ، وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ»
(2)
.
والقيراط مقدار كبير من الأجر مثله النبي صلى الله عليه وسلم بجبل أحد.
والقيراط الذي يحصل بالصلاة، هل يحصل بالصلاة فقط، أم لا بد أن يخرج مع الجنازة من بيتها؟
قال الحافظ ابن حجر: [وفي رواية خباب عند مسلم
(3)
: من خرج مع جنازة من بيتها]
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 87، ومسلم في صحيحه 2/ 652.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 87، و مسلم في صحيحه 2/ 653.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 653.
(4)
ينظر: فتح الباري 3/ 197.
ولأحمد في حديث أبي سعيد الخدري: (فمشى معها من أهلها)
(1)
.
ومقتضاه أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، وبذلك صرح المحب الطبري وغيره. والذي يظهر لي: أن القيراط يحصل أيضًا لمن صلى فقط؛ لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها؛ لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع مثلاً وصلى، ورواية مسلم عن أبي هريرة بلفظ:(أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ). يدل على أن القراريط تتفاوت) انتهى.
ثانيا: وأما من تبعها دون أن يصلي عليها أو يشهد دفنها، فلا يدخل في هذا الوعد، لكن يرجى له أن يحصل له ثواب بحسب نيته.
قال الحافظ ابن حجر: [قال الزين بن المنير ما محصله:
…
القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى، أو اتبع وشيع وحضر الدفن، لا لمن اتبع مثلاً وشيع ثم انصرف بغير صلاة؛ وذلك لأن الإتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودين: إما الصلاة، وإما الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المرتب على المقصود، وإن كان يرجى أن يحصل لفاعل ذلك فضل ما بحسب نيته. انتهى]
(2)
.
ثالثا: وظاهر الحديث أن القيراط المرتب على الدفن لا يحصل إلا إذا تقدمه الصلاة على الميت.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده 17/ 317. قال محققه: (هذا الحديث له إسنادان كل منهما قوي).
(2)
ينظر: فتح الباري 3/ 193.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ»
(1)
.
قال النووي [ومقتضى هذا أن القيراطين، إنما يحصلان لمن كان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فإن صلى مثلاً وذهب إلى القبر وحده فحضر الدفن لم يحصل له إلا قيراط واحد. انتهى]
(2)
.
وقال الشيخ ابن عثيمين: [من فوائد الحديث -يعني حديث أبي هريرة المذكور في أول الجواب- أن القيراطين لا يحصلان إلا لمن شهد الصلاة والدفن، لقوله
: «وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ» ؛ لأنه من المعلوم أن الصلاة سابقة على الدفن، فإن شهد الدفن دون الصلاة، مثل أن يمر رجل بأناس في المقبرة يدفنون ميتًا فحضر وشاركهم في الدفن، فالحديث ليس فيه دليل على أنه يحصل له بالدفن وحده قيراط؛ إنما يحصل له بالدفن قيراط إذا انضم إلى الصلاة، ولا يلزم من حصول الأجر بانضمام شيء إلى آخر أن يحصل به منفردًا انتهى]
(3)
.
والحاصل أن اتباع الجنازة على خمس مراتب:
الأولى: أن يشهدها منذ خروجها من بيتها، حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها، وهذه أكمل المراتب، وفيها قيراطان عظيمان من الأجر.
(1)
صحبح البخاري 1/ 18.
(2)
ينظر: فتح الباري 3/ 197.
(3)
شرح كتاب الجنائز من بلوغ المرام، الشريط السادس، الوجه الثاني.
الثانية: أن يشهدها منذ خروجها من بيتها حتى يصلي عليها، فله قيراط.
الثالثة: أن يصلي عليها، وإن لم يخرج معها من بيتها، فله قيراط على ما اختاره الحافظ ابن حجر؛ لكنه دون من شهدها من بيتها.
الرابعة: أن يشهد دفنها فقط دون أن يصلي عليها، فظاهر الحديث أنه ليس له قيراط، وإن كان له ثواب في الجملة بقدر عمله.
الخامسة: أن يتبعها مدة، ثم ينصرف، دون أن يشهد الصلاة أو الدفن، فهذا يرجى له ثواب على قدر نيته
(1)
.
س 90: إذا تأخر الرجل في متابعة الجنازة بسبب الزحام، أو لأداء الراتبة، أو لإتمام فريضة، أو غير ذلك فلم يسر معها؛ ولكنه أدرك الجنازة قبل أن تدفن هل يكون مشيعًا لها يثبت له أجر المشيع
؟
16 -
الذي يتأخر لأداء الراتبة ثم يلحق الجنازة لا يكتب له أجر المشيع؛ لأن ترك الراتبة ممكن، فيمكن أن تؤخر الراتبة حتى يرجع من الجنازة.
17 -
وأما من تأخر عنها لعذر كالزحام وإتمام الفريضة وقد أتى وحرص على أن يشيع، ولكن حصل له مانع، أو تقدم الناس حتى صلوا عليها وخرجوا بها إلى المقبرة، فالظاهر أنه يكتب له الأجر؛ لأنه نوى وعمل ما استطاع، ومن نوى وعمل ما استطاع فإنه يكتب له الأجر كاملا. قال: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ
(1)
موقع الإسلام سؤال والجواب 5/ 4758.
مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}
(1)
.
س 91: كيف نجمع بين نهيه عن الصلاة والدفن في ثلاث ساعات وبين حديث التعجيل بالجنازة، وكانت الجنازة مثلا بعد العصر
؟
الجواب: ليس بين الأحاديث تعارض، فالسنة تعجيل الصلاة على الجنازة ودفنها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إليه، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ»
(2)
ولكن إذا صادف ذلك وقت الساعات الثلاث أجلت الصلاة عليها ودفنها لقول عقبة بن عامر: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كانَ رسولُ الله يَنْهَانَا أَنْ نُصَلّيَ فِيهِنّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشّمْسُ بَازِغَةً حَتى تَرْتَفِعَ، وحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظّهِيرَةِ، حَتّى تَزُول الشّمْسُ، وحِينَ تَضَيّفُ الشّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتّى تَغْرُبَ»
(3)
، وهذه الساعات الثلاث كلها قليلة لا يضر تأخير الصلاة على الميت فيها ولا تأخير دفنه، ولله الحكمة البالغة سبحانه في ذلك، وهو سبحانه أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، والله الموفق
(4)
.
(1)
النساء: 100. المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 169.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 86، ومسلم في صحيحه 2/ 651.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 568. قال محمد فؤاد عبد الباقي في تعلقه على مسلم 1/ 568: [حين يقوم قائم الظهيرة]. الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب. «تضيف» أي تميل.
(4)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاويه 13/ 181.
س 92: هل يجوز تأخير دفن الميت في قبره بحجة إتيان جماعة يصلون عليه ولو لمدة أقل من عشر دقائق، إذا كان قد صلي عليه بالمسجد
؟
الجواب: الإسراع في الجنازة هو السنة والأفضل ولا ينتظر أحد، والذين يأتون متأخرين يصلون عليه ولو بعد الدفن لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر المرأة التي كانت تقم المسجد
(1)
.
س: هل هناك علامات تبشر بالخير عند الوفاة
؟ [*]
الجواب: تلفظه بالشهادتين عند الوفاة. وعرق الجبين عند الاحتضار، على القول، بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:«الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ»
(2)
، أن المؤمن يكابد من شدة النزع وسياق الموت ما يكفر الله به ما بقي من ذنوبه؛ ولذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إِنَّ الْعَبْد الصَّالِح لَيُعَالِج الْمَوْت وَسَكَرَاته»
(3)
، وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن عائشة قالت:«حضرت موت أبي فأصابته غشية»
(4)
، وقال صلى الله عليه وسلم وهو في سياق الموت:«إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ»
(5)
، فالمؤمن يموت وجبينه يقطر عرقًا من شدة النزع، ليمحص الله ذنوبه عند آخر مرحلة من مراحل الحياة، وأول منزلة من مراحل الآخرة. والله تعالى أعلم
(6)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 139).
(2)
أخرجه أحمد في مسنده 38/ 62، وابن ماجه في سننه 1/ 467، والترمذي في سننه 3/ 301، والنسائي في سننه 4/ 5، وابن حبان في صحيحه 7/ 281. وصححه الألباني في المشكاة 1/ 505.
(3)
أخرجه علاء الدين الهندي في كنز العمال 15/ 56، والعراقي في المغني عن حمل الاسفار 1/ 1842.
(4)
في كتابه المحتضرين ص 52.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 13.
(6)
الجواب للشيخ: عبدالله بن ابراهيم القرعاوي. ينظر: منتديات إنما المؤمنون إخوة.
[*] تعليق الشاملة: هذا السؤال لم يرد في المطبوع، وهو ثابت في الأصل الإلكتروني الوارد من المؤلف -حفظه الله-، وقد سبق شيء من ذلك ص 25
فتاوى الدفن
س 93: ما الافضل في دفن الميت، وهل تنفذ وصيته اذا أوصى بدفنه في مقبرة معينة؟ أو بلد معين
؟
ج قال ابن المنذر: يستحب أن يدفن الميت في البلد الذي توفي فيه، على هذا كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عوام أهل العلم، وكذلك تفعل العامة في عامة البلدان، ويكره حمل الميت من بلد إلى بلد يخاف عليه التغير فيما بينهما
(1)
.
وعن منصور بن عبد الرحمن، أن أمه صفية أخبرته قالت: عزيت عائشة في أخيها، فقالت:«يرحم الله أخي، إن أكثر ما أجد فيه من شأن أخي أنه لم يدفن حيث مات»
(2)
وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء إذا أوصى الميت أن يقبر في مكان محدد أو بلد معين فإنه لا يلزم العمل بوصيته، بل السنة المبادرة بتجهيزه ودفنه مع المسلمين في مقبرة البلد الذي مات فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله»
(3)
(1)
الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (5/ 464)
(2)
مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 517) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (5/ 464).
(3)
أخرجه أبو داود في سننه برقم (3159) 5/ 71، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (6620) 3/ 543، وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى 2/ 125: إسناده ليس بالقوي، وضعفه الألباني في تحقيق المشكاة برقم (1625) 1/ 510.
رواه أبو داود في (سننه) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم»
(1)
ولعموم الأدلة التي تحث على الإسراع بالجنازة إلى المقبرة.
(2)
وقال ابن باز رحمه الله: والسنة أن يدفن الإنسان في بلده، ولا ينقل إلى مكة ولا إلى غيرها، كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن بعضهم مات بالكوفة، وبعضهم مات بالشام، وبعضهم مات في البصرة، وبعضهم مات في غيرها، ولم ينقلوا إلى مكة وإلى المدينة، ولم يوصوا بذلك رضي الله عنهم. والسبب في ذلك: أن المعول في ذلك على العمل لا على الأماكن، وأيضا لما في النقل من المشقة من دون سبب شرعي يقتضي ذلك. ولو كان النقل مشروعا لأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم، ولو فعل ذلك لنقله الصحابة رضي الله عنهم وبينوه؛ لأنهم قد نقلوا سنته، وأوضحوا ما شرع الله لعباده من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وتقريراته. والخير كله في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
(3)
وقال ابن عثيمين رحمه الله: لا ينبغي أن ينقل الميت عن الأرض التي مات فيها، بل الأفضل أن يدفن في مكانه وأرض الله تعالى كلها سواء، اللهم إلا أن يكون في بلد الكفر وليس فيه مقابر للمسلمين فهنا ينقل إلى بلد
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (1315) 2/ 86.
(2)
فتاوى اللجنة الدائمة - 2 (7/ 313)
(3)
مجموع فتاوى ابن باز (13/ 216)
إسلامي ويدفن مع المسلمين، وأما في البلاد الإسلامية يدفن الإنسان في مكانه.
(1)
س 94: حكم القول لمن دفن: (دفن في مثواه الأخير)
؟
الجواب: قال ابن عثيمين رحمه الله: قول القائل (دفن في مثواه الأخير) حرام ولا يجوز، لأنك إذا قلت في مثواه الأخير فمقتضاه أن القبر آخر شيء له، وهذا يتضمن إنكار البعث، ومن المعلوم لعامة المسلمين أن القبر ليس آخر شيء، إلا عند الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، فالقبر آخر شيء عندهم، أما المسلم فليس آخر شيء عنده القبر، وقد سمع أعرابي رجلاً يقرأ قوله تعالى:{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} فقال (والله ما الزائر بمقيم) لأن الذي يزور يمشي فلا بد من بعث وهذا صحيح.
لهذا يجب تجنب هذه العبارة فلا يقال عن القبر إنه المثوى الأخير، لأن المثوى الأخير إما الجنة، وإما النار في يوم القيامة
(2)
.
وقد فصل ابن باز رحمه الله فقال: لا أعلم في هذا بأسا؛ لأنه مثواه الأخير بالنسبة للدنيا، وهي كلمة عامية؛ أما المثوى الأخير الحقيقي فهو الجنة للمتقين والنار للكافرين
(3)
.
(1)
لقاء الباب المفتوح (143/ 11، بترقيم الشاملة آليا) وبتصرف من كتاب التذكرة في أحكام المقبرة العقدية والفقهية تأليف: عبدالرحمن الشثري ص: 19.
(2)
فتاوى أركان الإسلام (ص: 201)
(3)
مجموع فتاوى ابن باز (13/ 409)
وقال بكر أبو زيد رحمه الله: انتشرت هذه العبارة في زماننا على ألسنة المذيعين وبأقلام الصحفيين، وهي من جهالاتهم الكثيرة، المبنية على ضعف رعاية سلامة الاعتقاد. يقولونها حينما يموت شخص، ثم يدفن، فيقولون:(ثم دفن في مثواه الأخير) ونحوها.
ومعلوم أن (القبر) مرحلة بين الدنيا والآخرة، فبعده البعث ثم الحشر، ثم العرض في يوم القيامة ثم إلى جنة أو نار:{فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} . ولذا فلو اطلقها إنسان معتقداً ما ترمي إليه من المعنى الإلحادي الكفر المذكور؛ لكان كافراً مرتداً فيجب إنكار إطلاقها، وعدم استعمالها
(1)
.
س 95: هل يختلف الدفن في مكة عن أي بلد آخر؟ وهل فيه زيادة حسنات ودرجات للميت
؟
الجواب: لا يختلف الدفن في مكة عن غيرها، فالدفن في جميع البلدان واحد، وهو أن يحفر للميت قدر نصف قامة الرجل، ويلحد له في الجانب القبلي، ويوضع على جنبه الأيمن، ثم يوضع عليه اللبن وتسد المنافذ بالطين، ثم يهال عليه التراب، كما فعل الصحابة بالنبي.
ومن هذا قول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (إذا أنا مت فأَلْحِدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صنع برسول الله)
(2)
.
(1)
معجم المناهي اللفظية (ص: 476)
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 665.
والسنة أن يدفن الإنسان في بلده، ولا ينقل إلى مكة ولا إلى غيرها، كما فعل أصحاب النبي، فإن بعضهم مات بالكوفة، وبعضهم مات بالشام، وبعضهم مات في البصرة، وبعضهم مات في غيرها، ولم ينقلوا إلى مكة وإلى المدينة، ولم يوصوا بذلك.
والسبب في ذلك أن المعول في ذلك على العمل لا على الأماكن، وأيضًا لما في النقل من المشقة من دون سبب شرعي يقتضي ذلك، ولو كان النقل مشروعا لأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم، ولو فعل ذلك لنقله الصحابة رضي الله عنهم وبينوه؛ لأنهم قد نقلوا سنته، وأوضحوا ما شرع الله لعباده من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وتقريراته، والخير كله في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كما قال الله: عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
(1)
(2)
.
س 96: ما حال المشيعين للجنازة، ومن تبع الجنازة على السيارة هل يكون أمامها أم خلفها
؟
الجواب: ينبغي إذا كان المشيعون مختلفين ما بين راكب وماش أن يكون المشاة أمامها، والركبان خلفها.
(1)
الممتحنة: 6.
(2)
التوبة: 100. المجيب: ابن باز. مجموع فتاويه 13/ 216.
والدليل على ذلك: ورود السنة عن النبي
بذلك، وجاءت السنة أيضًا بتخيير الماشي بين أن يكون أمامها، أو عن يمينها، أو عن شمالها، أو خلفها، حسب ما يتيسر
(1)
.
وأما السيارات فإن الأولى أن تكون أمام الجنازة؛ لأنها إذا كانت خلف الناس أزعجتهم، فإذا كانت أمامها لم يحصل إزعاج منها؛ لأن ذلك أكثر طمأنينة للمشيعين، وأسهل لأهل السيارات في الإسراع وعدمه
(2)
.
س 97: ما هي الآداب التي ينبغي لمتبع الجنازة اتباعها
؟
الجواب: التحدث في أمر الدنيا لمتبعي الجنازة مخالف لما ينبغي أن يكون المتبع عليه من التفكر في حاله ومآله، وأنه الآن يشيع الموتى وغدًا يشيعه الأحياء، ولا يدري متى يكون، ثم إن فيه كسرًا لقلوب المصابين بالميت من أقاربه وأصدقائه، وقد كره بعض العلماء لمتبع الجنازة أن يتحدث في أمر الدنيا، وأن يجلس إلى صاحبه يمازحه ويضاحكه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إلى أصحابه في المقبرة قبل أن يتم اللحد، فيحدثهم
(1)
من ذلك حديث المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» ، أخرجه أحمد في مسنده 30/ 96، وأبو داود في سننه 3/ 205، والترمذي في سننه 3/ 340، وقال الترمذي: ذا حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه 4/ 55، وابن ماجه في سننه 4/ 56، وصححه الألباني في إرواء الغليل 3/ 192.
وفي مسند الطيالسي 2/ 77، هذا الحديث برواية مقاربة وهي:«الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، أَمَامَهَا قَرِيبًا، أَوْ عَنْ يَمِينِهَا قَرِيبًا، أَوْ يَسَارِهَا قَرِيبًا» .
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: الشرح الممتع 5/ 358.
بما يناسب، ففي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس -أي رأسه- فجعل ينكت بمخصرته وذكر الحديث
(1)
(2)
. وهو حديث طويل عظيم، وبه وبحديث علي نعرف أن المشروع لمتبعي الجنائز أن يكون حديثه فيما يتعلق بالموت وما بعده.
هذا وقد أخذ بعض الناس من الحديثين أنه ينبغي أن يعظ الناس في هذه الحال، فيقوم خطيبًا بين الناس يتكلم بما يتكلم به، لكن لا وجه لأخذه؛ لأن النبي لم يقم خطيبًا في أصحابه، بل كان جالسًا بينهم يتحدث إليهم حديث الجالس إلى من كان بجنبه؛ لأنه إما أن يسكت، أو يتكلم بأمر لا يناسب المقام، أو يتكلم بما يناسب المقام وهذا هو الحاصل من النبي
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده 30/ 499، وأبو داود في سننه 4/ 239، وهو في مصنف عبدالرزاق 3/ 580، ومصنف ابن أبي شيبة 3/ 54. صححه الألباني في مشكاة المصابيح 1/ 512.
(2)
أخرجه أحمد في مسنده 30/ 499، والحاكم في مستدركه 1/ 93، وأبو داود في سننه 7/ 131. وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 49، والألباني في المشكاة 1/ 536.
(3)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: بتصرف من مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 458.
س 98: أيهما أفضل: حمل الجنازة على الأكتاف أو على السيارة؟ وأيهما أفضل: السير أمامها أو خلفها سواء كان ماشياً أو راكباً
؟
الجواب: الأفضل حملها على الأكتاف، لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة، ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنها جنازة ودعوا لها، ولأنه أبعد عن الفخر والأبهة، إلا أن يكون هناك حاجة، أو ضرورة فلا بأس أن تحمل على السيارة، مثل: أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين.
وأما السير فذكر أهل العلم أن يمينها، ويسارها، وخلفها، وأمامها يختلف، فيكون المشاة أمامها، والركبان خلفها، وبعض أهل العلم يقول: ينظر الإنسان ما هو أيسر سواء كان أمامها، أو عن يمينها، أو شمالها، أو خلفها
(1)
.
س 99: هل يشترط فيمن يتولى إدخال المرأة في قبرها أن يكون من محارمها، مع ذكر الدليل
؟
الجواب: لا يشترط فيمن يتولى إدخال الميتة في قبرها أن يكون من محارمها، فيجوز أن ينزلها شخص، ولو كان أجنبيًا، ودليل ذلك: أن النبي لما ماتت ابنته زوجة عثمان، وخرج إلى المقبرة وحان وقت دفنها، قال:«أَيّكُمْ لَمْ يُقَارِف اللّيْلَةَ؟»
(2)
، لم يقارف قال العلماء: أي لم يجامع
(3)
،
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 166)
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 79.
(3)
ينظر: مشارق الأنوار 2/ 180، ولسان العرب 9/ 281.
فقال أبو طلحة: أنا، فأمره أن ينزل في قبرها) مع أن النبي وهو أبوها، وزوجها عثمان بن عفان كانا حاضرين
(1)
.
س 100: ما حكم دفن المسلم في بلاد الكفار
؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء
لا يجوز للمسلمين أن يدفنوا مسلما في مقابر الكافرين؛ لأن عمل أهل الإسلام من عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ومن بعدهم مستمر على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر الكافرين، وعدم دفن مسلم مع مشرك فكان هذا إجماعا عمليا على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر الكافرين، ولما رواه النسائي «عن بشير بن معبد السدوسي قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر على قبور المسلمين قال: لقد سبق هؤلاء شرا كثيرا، ثم مر على قبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا»
(2)
فدل هذا على التفريق بين قبور المسلمين وقبور المشركين. وعلى كل مسلم ألا يستوطن بلدا غير إسلامي، وألا يقيم بين أظهر الكافرين، بل عليه أن ينتقل إلى بلد إسلامي فرارا بدينه من الفتن، ليتمكن من إقامة شعائر دينه، ويتعاون مع إخوانه المسلمين على البر والتقوى، ويكثر سواد المسلمين
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: الشرح الممتع 5/ 361.
(2)
أخرجه أبوداود الطيالسي في المسند برقم (1220) 2/ 446، والنسائي في سننه برقم (2048) 4/ 96، وابن حزم في المحلى برقم (582) 3/ 367. قال الألباني في إرواء الغليل (3/ 211): قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى. قال الألباني: وهو كما قالا.
إلا من أقام بينهم لنشر الإسلام، وكان أهلا لذلك قادرا عليه، وكان ممن يعهد فيه أن يؤثر في غيره، ولا يغلب على أمره، فله ذلك وكذا من اضطر إلى الإقامة بين أظهرهم، وعلى هؤلاء أن يتعاونوا ويتناصروا، وأن يتخذوا لأنفسهم مقابر خاصة يدفنون فيها موتاهم
(1)
.
وقال ابن باز رحمه الله: إذا مات في بلاد الكفر وفيها مقبرة مسلمة، يدفن في مقابر المسلمين، وإذا نقل فلا حرج، لكن عدم النقل أولى؛ لعدم التكلف، كان المسلمون يموتون في بلدان كثيرة، ويدفنون في مقابر المسلمين في تلك الديار، ما ينقلون إلى المدينة ولا غيرها
(2)
.
س 101: ما حكم استئجار العمالة الكافرة في حفر القبور
؟
الجواب: أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بأنه لا يجوز استخدام الكفرة في حفر قبور المسلمين، ولا سيما في هذه الجزيرة العربية؛ لأنهم لا يؤمنون، ولأنه لا يجوز إبقاؤهم في هذه الجزيرة، بل يجب العمل على إبعادهم منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بإخراج الكفار من جزيرة العرب حتى لا يبقى فيها إلا مسلم.
(3)
س 102: هل يسن أن ينزل أحد أقرباء الميت إلى القبر لدفنه
؟
الجواب: الأولى أن يقدم في دفن الرجل من يقدم في غسله إن أمكن لأنه
(1)
فتاوى اللجنة الدائمة - 1 (8/ 452)
(2)
مجموع فتاوى ابن باز (28/ 130) وبتصرف من كتاب التذكرة في أحكام المقبرة العقدية والفقهية تأليف: عبدالرحمن الشثري ص: 26.
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة (7/ 342)
تولى دفنه العباس، وعلي، وأسامة، وهم الذين تولوا غسله؛ ولأن ذلك أقرب إلى ستر أحوال الميت قال علي:«إِنَّمَا يَلِي الرَّجُلَ أَهْلُهُ»
(1)
.
ويقدم في دفن المرأة محارمها الرجال وزوجها إن أمكن؛ لأن المرأة عورة؛ ولأنه يلزم من النزول للقبر وتولي دفنها مس جسدها من وراء الكفن ولا مانع من تولي غيرهم ذلك
(2)
.
س 103: هل يجب وضع الميت على جنبه الأيمن في اللحد؟ وما حكم وضع لبنة أو حجر تحت رأسه كالوسادة
؟
الجواب: ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الأفضلية أن يكون على الشق الأيمن.
وعللوا ذلك: بأنها سنة النائم، والنوم والموت كلاهما وفاة، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال للبراء بن عازب رضي الله عنه:«إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ»
(3)
، فالموت كذلك. فإن وضعه على جنبه الأيسر مستقبل القبلة، فإنه جائز، لكن الأفضل أن يكون على الجنب الأيمن.
أما وضع لبنة أو حجرا تحت رأسه كالوسادة؟
فالأصل: عدم السنية، ولا أعلم في ذلك سنة، ومن ادعى السنية فعليه الدليل، ولهذا عد ذلك بعض العلماء من البدع
(4)
.
(1)
أخرجه أبو داود في سننه 3/ 213، والبيهقي في الكبرى 4/ 87، صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (3209)
(2)
فتاوى اللجنة الدائمة (7/ 336)
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 58، ومسلم في صحيحه 4/ 2081.
(4)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: بتصرف من الشرح الممتع 5/ 362.
س 104: إذا أنزل الميت في قبره هل تحل العقد التي على الكفن كلها أو بعضها، وما هي التي تحل، وهل يكشف عن وجهه قبل وضع اللبن عليه أو يترك مستورًا
؟
الجواب: نعم تحل العقد التي على كفن الميت بعد وضعه في قبره لزوال الحاجة إليها، ولا يكشف عن وجهه لعدم الدليل على ذلك
(1)
.
س 105: ما حكم حل العقد في القبر، وكشف وجه الميت
؟
الجواب: حل عقد اللفائف ورد فيه أثر عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «إِذَا أَدْخَلْتُمُ الْمَيِّتَ القَبْرَ فَحَلُّوْا العَقْدَ»
(2)
.
أما كشف وجه الميت كله فلا أصل له، وغاية ما ورد فيه إن صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:«إذَا جَعَلْتُمُونِي فِي اللَّحْدِ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ»
(3)
.
س 106: يذكر بعض الناس أنه يشرع عند دفن الميت أن يشترك من حضر في دفن القبر ولو بثلاث حثيات من التراب عند موضع رأس الميت، فما حكم ذلك
؟
الجواب: يشرع لمن حضر دفن الميت أن يشارك في دفنه ويسن أن يحثو عليه ثلاث حثيات من قبل رأسه؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، ثم
(1)
فتاوى اللجنة الدائمة 7/ 378.
(2)
لم أجده.
(3)
أخرجه ابن كثير في مسند الفاروق 1/ 240، وأخرجه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 2/ 487، وابن حجر في المطالب العالية 5/ 309. المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 183.
أتى إلى قبر الميت من جهة رأسه فحثى عليه ثلاثًا)
(1)
.
ولما رواه عامر بن ربيعة «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ؛ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَأَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ»
(2)
.
وهو فعل الصحابة حيث ثبت عن ابن عباس لما دفن زيد بن ثابت حثى على قبره ثلاثًا وقال: هكذا يذهب العلم
(3)
، ذكره ابن قدامة في المغني
(4)
.
قال الصنعاني في التعليق على حديث عامر بن ربيعة: فيه دلالة على مشروعية الحثي على القبر ثلاثا وهو يكون باليدين معا
(5)
.
(1)
أخرجه ابن ماجه في سننه 1/ 499، قال ابن حجر في التلخيص الحبير 2/ 264:[إسناده ظاهره الصحة]، وصححه الألباني في الإرواء 3/ 200.
(2)
أخرجه الدار قطني في سننه 2/ 440، والبيهقي في السنن الكبرى 3/ 575، وقال البيهقي: إسناده ضعيف، وقال ابن الملقن في البدر المنير 5/ 316:[وهذا حديث ضعيف]، وقال في مجمع الزوائد 3/ 35:[وفيه القاسم بن عبد الله العمري، وهو متروك]، وضعفه الألباني في الإرواء 3/ 202.
(3)
اللفظ الوارد كما في مصنف عبد الرزاق 3/ 501، والمستدرك للحاكم 3/ 484، والسنن الكبرى للبيهقي 3/ 575:[هكذا يدفن العلم].
(4)
فتاوى اللجنة الدائمة 7/ 337.
…
=
=قال الألباني في أحكام الجنائزص 152: [ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعًا بعد الفراغ من سد اللحد، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه:«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» . أخرجه ابن ماجه 1/ 474 بإسناد قال: جيد. لكن قال الحافظ: ظاهره الصحة. ثم ذكر أنه معلول بعنعنة بعض رواته كما بينته في التعليقات الجياد، لكن الحديث قوي بما له من الشواهد، وقد ذكرها الحافظ في التلخيص الحبير 5/ 222، فليراجعها من شاء، ثم تبين لي أن الإعلال المشار إليه غير قادح، كما حققته في الإرواء.
(5)
سبل السلام 1/ 499.
وقال مرعي الكرمي: (وسن حثو التراب عليه ثلاثا)
(1)
.
وقال ابن عثيمين في صفة الحثي: لا يكون قاعدًا، بل يكون قائمًا لئلا ينسب إلى كونه مصابًا بهذه المصيبة كالجاثي على ركبتيه؛ لأن الإنسان إذا أتاه ما يفزعه أو أصيب بمصيبة حثا على ركبتيه، فهذه العادة لكن هذا يحثو وهو قائم ولا يجثو
(2)
.
س 107: ما هي السنة لمن تبع الجنازة
؟
الجواب: السنة لمن تبع الجنازة؛ ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض، وأما الانصراف فإن المشروع لمتبعها ألا ينصرف حتى توضع في القبر ويفرغ من دفنها، وهذا كله على سبيل الاستحباب، لكن الأفضل ألا ينصرف التابع للجنازة إلا بعد الفراغ من الدفن حتى يستكمل الأجرين، أجر الصلاة، وأجر الإتباع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ تَبِعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ، فَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ»
(3)
.
س 108: ما حكم الدعاء للميت عند الدفن بصوت مرتفع أو جماعي
؟
الجواب: الدعاء للميت برفع الصوت عند الدفن فإنه بدعة؛ لأن الرسول كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ»
(4)
، ولو كان الدعاء بصوت
(1)
دليل الطالب لنيل المطالب (ص: 71)
(2)
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (2/ 601)
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 18. المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاويه 13/ 177.
(4)
أخرجه أبو داود في سننه 3/ 215، والحاكم في المستدرك 1/ 526، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (3221)
جماعي سنة لكان الرسول يدعو بذلك لأصحابه؛ لأن دعوته لهم أبرك وأقرب للإجابة، ولكن يقال للناس: كل يدعو بنفسه لهذا الميت إذا دفن، فيستغفروا له ويسألوا الله له التثبيت ويكفي مرة واحدة، لكن إن كررها ثلاثًا فهو خير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا؛ دعا ثلاثًا
(1)
.
س 109: هل تصل الأعمال إلى الموتى
؟
الجواب: يصل إليهم ما دل الشرع على وصوله إليهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»
(2)
، ولأحاديث أخرى وردت في ذلك، ومن ذلك: الصدقة، والدعاء، والحج، والعمرة، وما خلفه الميت من نشر العلم.
أما إهداء الصلاة، والقراءة إلى الموتى، أو الطواف، أو صيام التطوع، فلا أعلم لذلك أصلاً، والمشروع تركه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»
(3)
.
س 110: هل يصل ثواب قراءة القرآن، وأنواع القربات إلى الميت؟ سواء من أولاده، أو من غيرهم
؟
الجواب: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم أنه قرأ القرآن ووهب ثوابه
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 1418. المجيب: ابن عثيمين. فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 171.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 1255.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 1343. المجيب: ابن باز، ينظر: مجموع فتاويه 13/ 249.
للأموات من أقربائه أو من غيرهم، ولو كان ثوابه يصل إليهم لحرص عليه، وبينه لأمته لينفعوا به موتاهم، فإنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وقد سار الخلفاء الراشدون من بعده وسائر أصحابه على هديه في ذلك،، ولا نعلم أن أحدًا منهم أهدى ثواب القرآن لغيره، والخير كل الخير في اتباع هديه، وهدي خلفائه الراشدين، وسائر الصحابة، والشر في اتباع البدع ومحدثات الأمور، لتحذير النبي من ذلك بقوله:«إِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُور، فإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة»
(1)
، وقوله:«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»
(2)
، وعلى هذا لا تجوز قراءة القرآن للميت، ولا يصل إليه ثواب هذه القراءة بل ذلك بدعة.
أما أنواع القربات الأخرى فما دل دليل صحيح على وصول ثوابه إلى الميت وجب قبوله، كالصدقة عنه، والدعاء له، والحج عنه، وما لم يثبت فيه دليل فهو غير مشروع حتى يقوم عليه الدليل.
وعلى هذا لا تجوز قراءة القرآن للميت، ولا يصل إليه ثواب هذه القراءة في أصح قولي العلماء، بل ذلك بدعة
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده 28/ 373، وأبو داود في سننه 4/ 200، وابن ماجه في سننه 1/ 15، وصححه ابن الملقن في البدر المنير 9/ 582، والألباني في المشكاة 1/ 58.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 1343.
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة 9/ 42.
س 111: إذا لم يوجد اللبن عند الدفن فما هو الأفضل: الدفن مباشرة بالتراب من دون أي حاجز، أو وضع الحجارة أو الخشب بدلاً عن اللبن تحجب مباشرة الميت بالتراب
؟
الجواب: الأمر في هذا الباب فيه سعة، فعلى حسب الموجود من لبن أو حجر أو خشب، يجعل حائلاً بين التراب وبين الميت، فإن لم يوجد ما يمنع التراب فيدفن الميت ولو باشره التراب؛ لقول الله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
(1)
، وقوله سبحانه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}
(2)
.
س 112: ما معنى التربيع في حمل الجنازة؟ وهل لهذا أصل
؟
الجواب: التربيع في حمل الجنازة أن يحملها من أعواد السرير الأربعة، فيبدأ من عود السرير الأيمن بالنسبة للميت، الأيمن المقدم، ثم يرجع إلى المؤخر، ثم يذهب إلى العود الأيسر بالنسبة للميت، المقدم، ثم يرجع إلى المؤخر، وقد وردت فيه آثار عن السلف
(3)
، واستحبه أهل العلم. ولكن الأولى للإنسان إذا كان هناك زحام أن يفعل ما هو أيسر بحيث لا يتعب ولا يتعب غيره
(4)
.
(1)
سورة البقرة آية (286).
(2)
سورة التغابن آية (16). فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 440.
(3)
من ذلك ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 4/ 30 عن عبد الله بن مسعود: (إِذَا تَبِعَ أَحَدُكُمُ الْجِنَازَةَ فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الأَرْبَعَةِ، ثُمَّ لِيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ يَذَرَ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ).
وكذلك ما أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار 5/ 263، عن الشافعي أنه قال:[يستحب للذي يحمل الجنازة أن يضع السرير على كاهله بين العمودين المقدمين ويحمل بالجوانب الأربع].
(4)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 166.
س 113: كثير من الناس عند دفن الميت نجدهم كلهم مجتمعين حول القبر، وترى الكلام من كل شخص، ونجد الخلافات حول القبر حتى لا تجد سكينة ولا فائدة من حضوره للجنازة ما رأيكم في ذلك
؟
الجواب: هذا خلاف السنة، والذي ينبغي للإنسان في هذا الحال أن يكون مفكرًا في مآله، منتظرًا ما سيؤول إليه، كما آل إليه هؤلاء الأموات، هذا هو الذي ينبغي، ولا ينبغي النزاع والشقاق ورفع الأصوات في هذا الحال
(1)
.
س 114: ما رأي فضيلتكم في المقصورة التي توضع على المرأة الميتة على نعشها لتسترها
؟
الجواب: لا شك أن المقصورة إذا وضعت على نعش الميتة الأنثى أنه أستر لها؛ لأنه أحيانًا تقدم جنائز من النساء يشاهد الإنسان حجم الميتة تمامًا، ويتبين بذلك مقاطع جسمها، وهذا أمر لا يرغب فيه، وما يوجد في الحجاز ولاسيما في مكة من وضع المكبة هذه التي تكون على النعش، لا شك أنه أستر وأبعد عن رؤية الميتة.
أما ما ظهر من المرأة من ثياب ونحوه فليس بعورة سواء كانت حية أو ميتة إلا إذا كان عليها ثياب لاصقة بالجسم ضيقة تبين مقاطع الجسم، فإنه لا يجوز لها أن تفعل ذلك
(2)
.
س 115: من أي الجهات ينزل الميت إلى قبره
؟
الجواب: من الجهة المتيسرة، لكن بعض العلماء قالوا: يسن من عند
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 169.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 173.
رجليه، وبعض العلماء يقول: يسن من الأمام، والأمر في هذا واسع
(1)
.
س 116: ماذا يقال عند إدخال الميت إلى قبره
؟
الجواب: نص الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على أنه يقول مدخله: «بسم الله، وعلى ملة رسول الله»
(2)
.
س 117: ما حكم رفع القبر
؟
الجواب: رفع القبر خلاف السنة، ويجب أن يسوى بالقبور التي حوله إن كان حوله قبور، أو ينزل حتى يكون كالقبور المعتادة؛ لأن علي بن أبي طالب قال لأبي الهياج الأسدي:«أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه، أَلاّ تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ»
(3)
.
س 118: ما حكم الكتابة على القبور أو تعليمها بالألوان
؟
الجواب: أجابة اللجنة الدائمة: وأما وضع الأرقام على القبور فلا يجوز لأنه من الكتابة على القبور التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم كما يجب منع تجصيص القبور ورشها بالبوية والبناء عليها ونحو ذلك من البدع؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها والكتابة
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 181.
(2)
أخرجه أحمد في مسنده 9/ 42، والترمذي في سننه 3/ 355، وابن ماجه في سننه 1/ 494، وابن حبان في صحيحه 7/ 367، والحاكم في مستدركه 1/ 520، وصححه الألباني في الإرواء 3/ 197.
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 181.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 666. المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 185.
عليها، ولأن المطلوب من ذوي الميت الدعاء لميتهم والترحم عليه سواء عرفوا قبره أم لم يعرفوه
(1)
.
وأما الكتابة عليه فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة على القبر
(2)
؛ لكن بعض أهل العلم خفف فيما إذا كانت الكتابة لمجرد الإعلام فقط، ليس فيها مدح ولا ثناء، وحمل النهي على الكتابة التي يكون فيها تعظيم لصاحب القبر، وقال بدليل أنه -أي النهي عن الكتابة- قرن بالنهي عن تجصيص القبور والبناء عليها
(3)
.
س 119: ما حكم كتابة دعاء زيارة المقابر عند بوابات المقبرة أو جدرانها من أجل التذكير
؟
الجواب: أفتت اللجنة الدائمة بأن المشروع هو تعليم الناس الأدعية والآداب في الدروس والخطب وغيرها ومن ذلك أحكام دخول المقابر وكيفية السلام على موتى المسلمين، وأما كتابة صيغة السلام في لوحات وتعليقها على جدران المقابر فهذا لم يكن من عمل السلف الصالح فلا يفعل
(4)
.
(1)
فتاوى اللجنة الدائمة (7/ 364)
(2)
قال ابن الملقن في البدر المنير (5/ 320) ولفظ الحاكم: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبر، أو يجصص، أو يقعد عليه، ونهى أن يكتب عليه). ولفظ ابن حبان (أنه عليه السلام نهى عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والبناء عليها، والجلوس عليها). وفي رواية له: (نهى أن تقصص القبور). وكان يسمون الجص القصة.
(3)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 189)
(4)
فتاوى اللجنة الدائمة (7/ 366)
وقال ابن باز: لا أعلم لهذا أصلا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة على القبر، ويخشى أن تكون الكتابة على جدار المقبرة وسيلة إلى الكتابة على القبور
(1)
.
س 120: ما حكم المشي على القبور
؟
قال ابن عثيمين: المشي على القبور لا يجوز؛ لأن فيه إهانة للميت، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، وقال في الجلوس على القبر:"لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده، خير له من أن يجلس على القبر"
(2)
.
س 121: ما حكم وضع العلامة على القبر
؟
الجواب: لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف كحجر، أو عظم، من غير كتابة، ولا أرقام؛ لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر؛ لأنه يروى أن النبي علم على قبر عثمان بن مظعون بعلامة
(3)
.
(1)
مجموع فتاوى ابن باز (13/ 244)
(2)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 202)
(3)
وذلك من حديث عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة) أخرجه ابن ماجه في سننه (1/ 498)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 4/ 61.
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاوى ابن باز 13/ 200.
س 122: ما حكم وضع علامة على القبر أو كتابة الاسم عليه بحجة الزيارة له
؟
الجواب: وضع العلامة عليه لا بأس به؛ كحجر، أو خشبة، أو ما شابه ذلك، وأما الكتابة عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن يكتب على القبر)؛ لكن إذا كانت الكتابة مجرد كتابة الاسم فقط بدون أن يكون مدحًا، أو إطراء، أو كتابة قرآن وما أشبه ذلك، فإن هذا لا بأس به عند بعض أهل العلم، وبعض العلماء يرى أن الكتابة ولو كتابة الاسم أنها داخلة في النهي، ويقول: بدلاً عن كتابة الاسم نجعل الوسم المعروف في القبيلة، ويجعل على الحجر الذي عند رأس الميت ويكفي، وإذا حصل هذا فهو أحسن أي إذا كانت علامة الوسم تكفي فلا حاجة للكتابة
(1)
.
س 123: نلاحظ بعض الناس أنهم يضعون على أحد جانبي قبر الميت علامة من الإسمنت يكتب عليها اسم الميت، وتاريخ وفاته، وقد يرفع بناؤها
؟
الجواب: هذا من المنهي عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يكتب على القبر، ورخص بعض العلماء أن يكتب علامة فقط كالوسم، أو الاسم فقط. أما أن يكتب تاريخ الموت، والاسم، واسم الأب، والجد، وما أشبه ذلك، أو يكتب شيء من القرآن، فإن هذا كله من البدع التي تزال إذا وجدت، يستبدل الحجر بغيره.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 190.
ثم إن الحجر الذي يوضع لا يكون مشرفًا على غيره من القبور، بل يكون مماثلاً لها، لأن علي بن أبي طالب قال لأبي الهياج الأسدي: (ألا أبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عليه رسول الله
ألَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ)
(1)
.
(2)
س 124: هل وضع شيء على القبور من أشجار رطبة وغيرها من السنة بدليل صاحبي القبرين اللذين يعذبان، أم أن ذلك خاص بالرسول
وما دليل الخصوصية؟
الجواب: وضع الشيء الرطب من أغصان، أو غيرها على القبر ليس بسنة، بل هو بدعة، وسوء ظن بالميت؛ لأن النبي لم يكن يضع على كل قبر شيئًا من ذلك، وإنما وضع على قبرين علم أنهما يعذبان
(3)
، فوضع الجريدة على القبر جناية عظيمة على الميت، وسوء ظن به، ولا يجوز لأحد أن يسيء الظن بأخيه المسلم؛ لأن هذا الذي يضع الجريدة على القبر يعني أنه يعتقد أن هذا القبر يعذب؛ لأن النبي لم يضعها على القبرين إلا حين علم أنهما يعذبان.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 190.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 666.
(3)
كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال:«إِنِّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» ، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال:«لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» ، أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 54، ومسلم في صحيحه 1/ 240.
وخلاصة الجواب أن وضع الجريدة ونحوها على القبر بدعة وليس له أصل، وأنه سوء ظن بالميت حيث يظن الواضع أنه يعذب، فيريد التخفيف عليه، ثم ليس عندنا علم بأن الله تعالى يقبل شفاعتنا فيه إذا فعلنا ذلك، وليس عندنا علم بأن صاحب القبر يعذب
(1)
.
س 125: هل نبات الشجر على القبر دليل على صلاح صاحبه
؟
الجواب: قال ابن باز: لا أصل لهذا، وليس نبات الشجر والحشيش على القبور دليلا على صلاح أصحابها، بل ذلك ظن باطل، والشجر ينبت على قبور الصالحين والطالحين ولا يختص بالصالحين، فينبغي عدم الاغترار بقول من يزعم خلاف ذلك من المنحرفين وأصحاب العقائد الباطلة
(2)
.
س 126: بعض الناس يقول إن التراب الذي يخرج من القبر حال حفره لابد حال الدفن أن يوضع جميعه؛ لأنه حق للميت
؟
الجواب: هذا ليس بصحيح، بل إنه إذا كان التراب كثيرًا بحيث يزيد على الشبر فإنه لا ينبغي أن يدفن به؛ لأن رفع القبور أكثر من الشبر خلاف السنة، وأما الزيادة على تراب القبر فقد قال العلماء: إنه لا يزاد عليه
(3)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 191.
(2)
مجموع فتاوى ابن باز (4/ 380)
(3)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 194.
س 127: ما حكم رش القبر بالماء بعد الدفن بحجة أنه يمسك التراب؟ وهل هو يبرد على الميت
؟
الجواب: لا بأس أن يرش؛ لأن الماء يمسك التراب فلا يذهب يمينًا ويسارًا. أما ما يعتقد العامة من أنهم إذا رشوا بردوا على الميت فإن هذا ليس له أصل
(1)
.
س 128: ما حكم من حمل الميت إلى المقابر
؟
الجواب: من حمل الجنازة إلى المقبرة فهو مثاب لحمله لها، وأما حملها فهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين
(2)
.
س 129: ما هو اللحد والشق في القبر
(3)
، وأين يحفر كل منهما
؟
الجواب: اللحد في القبر هو: أن يحفر في الأرض الصلبة إلى أسفل طولاً، ثم يميل الحافر بالحفر إلى جانبه الذي من جهة القبلة ليوضع الميت في الحفر الجانبي مستقبلاً القبلة، ولا يتيسر ذلك إلا في الأرض الصلبة أو المتماسكة، والشق هو: أن يحفر القبر في الأرض طولاً فقط ليوضع الميت في ذلك طولاً، ويكون ذلك في الأرض الرخوة غير المتماسكة كالأرض الرملية
(4)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 194.
(2)
فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 418.
(3)
ورد في ذلك حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّحدُ لنا والشّقُّ لغيرنا» أخرجه أبوداود في سننه 3/ 213، والترمذي في سننه 3/ 354، والنسائي في سننه 4/ 80، وابن ماجه في سننه 1/ 496. ضعفه ابن حجر في التلخيص الخبير 2/ 296، وحسنه الألباني في المشكاة 1/ 533.
(4)
فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 422.
س 130: كم يجزئ في حفر القبر
؟
الجواب: روى عن النبي
أنه قال في ذلك: «احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَوْسِعُوا»
(1)
، واستحسن الشافعي
(2)
، وأبو الخطاب أن يكون عمقه قدر قامة، ورأي عمر بن عبد العزيز أن يحفر إلى السرة، واستحب أحمد
(3)
، أن يعمق إلى الصدر، وهي متقاربة. والسنة أن يعمق تعميقًا يمنع خروج الريح وحفر السباع له
(4)
.
س 131: هل يجوز قطع الشجرة النابتة على القبر، أم الأولى تركها
؟
الجواب: لا بأس بقطع الشجر النابت على القبر مع المحافظة على حرمة القبر وعدم امتهانه بالحفر أو الوطء عليه، ويتأكد قطع الشجر الذي على القبور إذا خشي من التبرك به وتعظيمه، أو ترتب على بقائه أذى للقبر، أو الزائر للقبر للسلام عليه، والدعاء له؛ لأن هذا الشجر قد يكون مأوى للحشرات والحيات، فقطعه أولى من بقائه
(5)
..
(1)
أخرجه أحمد في المسند 26/ 192، وأخرجه أبو داود في سننه 3/ 214، وقال محققه اسناده صحيح على شرط الشيخين والبيهقي في السنن الكبرى 3/ 580، وصححه في جامع الأصول 11/ 134، وصححه في البدر المنير 5/ 295، وصححه الألباني في المشكاة 1/ 534.
(2)
ينظر: المهذب 1/ 254، وروضة الطالبين 2/ 132.
(3)
ينظر: الكافي 1/ 371، والمبدع 2/ 269.
(4)
فتاوى اللجنة الدائمة 8/ 422.
(5)
فتاوى اللجنة الدائمة 7/ 352. وبهذا أفتى ابن باز، كما في مجموع الفتاوى 13/ 172.
س 132: ما حكم زيارة القبور والوقوف عندها كلما دخل المقبرة، أو بشكل مستمر
؟
الجواب: قد كره مالك وغيره لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. قال وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من السفر، أو أراد سفرًا ونحو ذلك. ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل للصلاة ونحوها. وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام عليه، فما علمت أحدًا رخص في ذلك؛ لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدًا، وأيضًا فإن ذلك بدعة. فقد كان المهاجرون والأنصار في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي لا يفعلونه لعلمهم بما كان النبي يكرهه من ذلك، وما نهاهم عنه؛ ولأنهم كانوا يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي آخر الصلاة في التشهد، كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته. والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك. قال أبو سعيد في سننه
(1)
، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد، حدثني أبي عن ابن عمر، إنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فصلى وسلم عليه وقال:«السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ» . وعبد الرحمن بن يزيد وإن كان يضعف لكن الحديث الصحيح عن نافع يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائمًا ولا غالبًا وما أحسن ما قال مالك لن يصلح
(1)
لعله سعيد بن منصور ولم أجده في سننه. وإنما أخرجه عبد الرزاق في المصنف 3/ 576، وابن أبي شيبة في المصنف 3/ 28، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 402.
آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها
(1)
.
وقال ابن عثيمين رحمه الله: لا ينبغي للإنسان إذا مات له الميت أن يعلق قلبه به وأن يكثر من التردد على قبره لأن هذا يجدد له الأحزان وينسيه ذكر الله ــ عز وجل ــ ويجعل أكبر همه أن يكون عند هذا القبر وربما يبتلي بالوساوس والأفكار السيئة والخرافات
(2)
.
س 133: هل يسلم على اهل القبور من خارج المقبرة
؟
قال ابن عثيمين رحمه الله: السلام على أهل القبور يكون داخل المقبرة، أي إذا دخل المقبرة، أما إذا مر بها فإن كانت المقبرة مسورة فإنه لا يسلم، وإن لم تكن مسورة فقد قال بعض العلماء: إذا مر بها فليسلم ليحصل على الأجر، لأنه سيدعو لإخوانه فيكون محسناً إليهم، وفي ذلك أجر وخير إن شاء الله
(3)
.
س 134: وضع نصيلة واحدة لقبر المرأة، واثنتين على قبر الرجل. هل هذا صحيح أم لا
؟
الجواب: لا بأس بتعليم القبر بحجر لما روى أبو داود وغيره عن المطلب أنه أمره لما توفي عثمان بن مظعون أن يأتيه بحجر فوضعها عند رأسه، وقال:«أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي»
(4)
، وأما وضع نصيلتين
(1)
بتصرف من كتاب عيون الرسائل والأجوبة على المسائل (2/ 687) لعبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293 هـ).
(2)
فتاوى إسلامية (2/ 48)
(3)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 333).
(4)
أخرجه أبو داود في سننه 3/ 212، والبيهقي في الكبرى 3/ 577، قال في البدر المنير 5/ 325:[إسناده حسن متصل؛ لأن المطلب بين في كلامه أنه أخبره -به- صحابي حضر القصة، والصحابة كلهم عدول لا تضر الجهالة بأعيانهم]، حسنه ابن حجر في التلخيص 2/ 307، وحسنه الألباني في المشكاة 1/ 536.
على قبر الرجل، وعلى قبر المرأة نصيلة واحدة فهذا التفريق ليس بصحيح وليس عليه دليل، فيتعين النهي عنه والإنكار على فاعله
(1)
.
س 135: نرى كثيرًا من المصلين إذا مرت بهم جنازة لا يقومون لها، ما هي نصيحتكم لهم؟ وما حكم القيام للجنازة
؟
الجواب: القيام للجنازة إذا مرت مستحب، لحديث:«إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا»
(2)
، ظاهر الحديث وجوب القيام للجنازة إذا مرت؛ إعظامًا لأمر الموت، ولذا جاء في صحيح مسلم
(3)
: «إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا» ، وذهب بعضهم إلى عدم الاستحباب، وقال: إن القيام للجنازة منسوخ
(4)
، بما رواه علي قال: «أَمَرَنَا رَسُولَ اللَّهِ
بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ»
(5)
.
والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن هذا لا ينسخ الأمر بالقيام كما
(1)
المجيب: عبدالله بن ابراهيم القرعاوي، منتديات إنما المؤمنون إخوة.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 85، ومسلم في صحيحه 2/ 660.
(3)
صحيح مسلم 2/ 660.
(4)
وهو قول الحنفية: ينظر: تبيين الحقائق 1/ 244، والمالكية: ينظر: البيان والتحصيل 2/ 274، والشافعية: ينظر: المنهاج القويم ص 211. وأخرجه مسلم 2/ 662: عنه بلفظ: (أن رَسُولَ اللَّهِ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ).
(5)
أخرجه أحمد في مسنده 2/ 57، أبو داود في سننه 3/ 204. وحسنه الألباني في المشكاة 1/ 529.
في الحديث المتفق عليه، وإنما يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب -والله تعالى أعلم-
(1)
.
س 136: من دخل المسجد النبوي هل يقدم تحية المسجد، أم السلام على النبي
؟ وماذا يقول من أراد السلام عليه، وعلى صاحبيه؟
الجواب: يصلي ركعتين تحية المسجد، أو يصلي ما شاء، ويدعو في صلاته بما شاء، والأفضل أن يفعل ذلك في الروضة الشريفة، وهي ما بين منبر النبي
وحجرته؛ لقوله
: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي»
(2)
، أما صلاة الفريضة فينبغي للزائر وغيره أن يحافظ عليها في الصف الأول.
ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي وقف أمام قبره: بأدب، ووقار، وخفض الصوت، ثم يسلم عليه قائلا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أو يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته لقوله: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عليه السلام»
(3)
، وإن قال: أشهد
(1)
المجيب عبدالله بن إبراهيم القرعاوي منتديات إنما المؤمنون إخوة.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 61، ومسلم في صحيحه 20/ 1011.
(3)
أخرجه أحمد في مسنده 16/ 477، وأبو داود في سننه 2/ 218، والبيهقي في الكبرى 5/ 402. وحسنه الألباني في المشكاة 1/ 291.
أنك رسول الله حقًا، وأنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت الأمة، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيا عن أمته، فلا بأس؛ لأن هذا كله من أوصافه.
ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً، فيسلم على أبي بكر الصديق ويدعو له بما يناسبه، ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً أيضًا، فيسلم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، ويدعو له، وكان ابن عمر إذا سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه لا يزيد غالبًا على قوله:«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ»
(1)
ثم ينصرف، ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة، أو الطواف بها، ولا يسأل الرسول قضاء حاجته، أو شفاء مريضه، ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله وحده.
والمرأة لا تزور قبر النبي ولا قبر غيره؛ لأنه «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ»
(2)
؛ لكن تزور المسجد، وتتعبد لله فيه رغبة فيما فيه من مضاعفة الصلاة، وتسلم على النبي وهي في مكانها، فيبلغ ذلك النبي وهي في أي مكان كانت؛ لقوله:«لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»
(3)
.
(1)
أخرجه عبدالرزاق في مصنفه 3/ 576، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 402.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 14/ 165، وابن ماجه في سننه 1/ 502، والترمذي في سننه 3/ 362، والبيهقي في الكبرى 4/ 130، وصححه الألباني في المشكاة 1/ 554. وقال الأرنووط في تحقيق المسند:(إسناده حسن).
(3)
أخرجه أحمد في مسنده 14/ 403، وأبو داود في سننه 2/ 218، والطبراني في الأوسط 8/ 81. وحسنه الألباني في المشكاة 1/ 291.
وقال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلامَ»
(1)
.
س 137: ما هي حال أهل المدينة كلما دخلوا مسجده
الجواب: حالهم كما فعل من هو من أشهر الصحابة ابن عمر، لا يرى أنه كلما دخل المسجد، بل لا يفعل ذلك إلا عند مبارحة المدينة أو القدوم من السفر، ومن المعلوم أن الصلاة عليه في الصلاة في المسجد يكفي، كما يكفي من البعيد. ثم فعل ذلك عند دخول المدينة
(2)
.
س 138: هل يجوز شد الرحال إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم
-؟
قال ابن عثيمين: من يشد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك من أجل السلام عليه، ونقول: إن الله قد كفاك، فأي إنسان يسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام في أي مكان فإن تسليمه يبلغه، فلا يجوز أن يشد الرحال من أجل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك أقل ما فيه إضاعة مال، وإضاعة المال محرمة.
لكن لو شد الرحل للمسجد النبوي فهذا جائز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، وإذا وصلت إلى المسجد فصل تحية المسجد وقم
(1)
أخرجه أحمد في مسنده 6/ 183، والنسائي في سننه 3/ 43، وابن حبان في صحيحه 3/ 195، والحاكم في المستدرك 2/ 456. وصححه الألباني في المشكاة 1/ 291. = =بتصرف من كتاب أحكام الجنائز لسعيد القحطاني ص 403.
(2)
المجيب: محمد بن إبراهيم. ينظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 6/ 127.
بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقم بزيارة قبر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بالبقيع، وقم بزيارة أهل البقيع كلهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البقيع
(1)
.
س 139: ما كيفية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه رضي الله عنهم
-؟
الجواب: قال ابن عثيمين: بعد أن يُصلي في المسجد النبوي أول قدومه ما شاء الله أن يُصلي، يذهب للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
1/ فيقف أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلاً للقبر مستدبراً للقبلة، فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن زاد شيئاً مناسباً فلا بأس مثل أن يقول: السلام عليك يا خليل الله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده. وإن اقتصر على الأول فحسنٌ.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سلم يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف.
2/ ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام أبي بكر رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
3/ ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام عمر رضي الله عنه فيقول: السلام
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 293)
عليك يا عمر، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وليكن سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه بأدب، وخفض صوت، فإن رفع الصوت في المساجد منهيٌّ عنه، لاسيما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند قبره
(1)
.
س 140: كيف نجيب عبَّاد القبور الذين يحتجون بدفن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي
؟
قال ابن عثيمين: الجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر بل بني في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن في المسجد حتى يقال إن هذا من دفن الصالحين في المسجد؛ بل دفن صلى الله عليه وسلم في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم، وذلك في عام (أربعة وتسعين) هجرية تقريباً، فليس مما أجازه الصحابة؛ بل إن بعضهم خالف في ذلك وممن خالف أيضاً سعيد بن المسيب.
الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد حتى بعد إدخاله، لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد فليس المسجد مبنيًّا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظاً ومحوطاً بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة أي أنه مثلث، والركن في الزاوية الشمالية حيث لا يستقبله الإنسان
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 296)
إذا صلى لأنه منحرف، وبهذا يبطل احتجاج أهل القبور بهذه الشبهة
(1)
.
س 141: حكم نقل الميت ليدفن في مكان آخر، أو بلد آخر
؟
الجواب: إن قصد بنقل الميت اختيار أن يدفن في بلد آخر إما لكون الدفن فيه أفضل، أو لكون أهله فيه ونحو ذلك، فهذا لا بأس به؛ لكن إن منع منه الإمام خوفًا من تزاحم الناس على المكان الفاضل، وضيق المكان، والعجز عن القيام بواجب الدفن فلا ينقل، وكذلك لو كان يتحمل نفقات باهظة تضر بحق الورثة في التركة ونحو ذلك.
وربما يكون النقل واجبًا كما لو مات بدار كفار ليس فيها مقابر للمسلمين ولا يمكن دفنه في هذه الدار في مكان آخر فإنه لابد من نقله إلى بلاد المسلمين.
وأما نقل الميت من مسجد إلى آخر في البلد ليصلى عليه في عدة مساجد فهو أيضًا من البدع المنكرة، وفيه من المحذور ما سبق والميت يؤتى إليه، ولا يطاف به بين الناس ليصلى عليه
(2)
.
س 142: هل يجوز إضاءة المقابر والطرق التي بين القبور
؟
الجواب: أفتت اللجنة الدائمة بأن إضاءة طرق المقابر ومداخلها إضاءة مستمرة لا يجوز، وأما استعمال بعض الوسائل للإضاءة المؤقتة عند الدفن ليلا كالمصابيح اليدوية فهذه لا بأس بها
(3)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 304)
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: بتصرف من مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 456.
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة - 2 (7/ 374).
وقال ابن عثيمين: المقبرة التي لا يحتاج الناس إليها كما لو كانت المقبرة واسعة، وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فيه فلا حاجة إلى إسراجه، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله فقد يقال: بجوازه لأنها لا تسرج إلا بالليل فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر بل اتخذت للحاجة. ولكن الذي نرى المنع مطلقًا للأسباب الآتية:
السبب الأول: أنه ليس هناك ضرورة.
السبب الثاني: أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك فيمكنهم أن يحملوا سراجًا معهم.
السبب الثالث: أنه إذا فتح هذا الباب فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد. أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه، فلا بأس بإضاءتها؛ لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد
(1)
.
وقال ابن باز: إذا كان لمصلحة الناس عند الدفن أو كان في السور فلا بأس، أما وضع السرج والأنوار على القبور فلا يجوز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لعن زائرات الْقُبُور، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ»
(2)
، وإذا كانت الإضاءة في الشارع الذي يمر بقربها فلا بأس، وإذا وضع لمبة
(3)
عند الحاجة
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (2/ 236).
(2)
أخرجه أحمد في مسنده 5/ 227، وأبو داود في سننه 3/ 218، والترمذي في سننه 2/ 136، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن، والنسائي في سننه 4/ 94، وحسنه الألباني في المشكاة 1/ 230.
(3)
أي: مصباح.
تضيء لهم عند الدفن أو أتوا بسراج معهم لهذا الغرض فلا بأس
(1)
.
س 143: هل يجوز إضاءة مداخل المقابر لإنارة الطريق عندما يكون هناك جنازة في الليل مع العلم أن الإضاءة ليس لها علاقة بالدفن، وإنما الطريق إلى القبور فقط
؟
الجواب: إضاءة طرق المقابر ومداخلها إضاءة مستمرة لا يجوز، وأما استعمال بعض الوسائل للإضاءة المؤقتة عند الدفن ليلاً كالمصابيح اليدوية فهذه لا بأس بها
(2)
.
س 144: حكم دخول السيارات داخل المقبرة
؟
الجواب: دخول السيارات للمقبرة من غير حاجة لا ينبغي؛ لأنها أحيانًا تضيق على الناس، وتجعل مشهد الجنائز كمشهد الأعراس مما ينسي الناس تذكرة الآخرة
(3)
.
س 145: ما حكم دخول السيارات في المقبرة عند تشييع الجنائز؟ علمًا أنه يوجد في بعض الأحيان كبار في السن ولا يستطيعون الوصول للقبور إلا عن طريق السيارة، أفتونا مأجورين
؟
الجواب: لا حرج في دخول السيارات إلى المقبرة بشرط الحذر من المشي على القبور وعدم الإضرار بالناس
(4)
.
(1)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاوى ابن باز 13/ 244.
(2)
ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة 7/ 374.
(3)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: بتصرف من مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 457.
(4)
فتاوى اللجنة الدائمة 7/ 374.
س 146: يقول هذا السائل: في المقبرة وعند زيارة القبر للسلام على الميت هل من المشروع أن يقف الإنسان متجها للقبلة والقبر أمامه أم يكون ذلك متجها لجهة الشرق
(1)
حتى يكون مواجهًا لوجه الميت
؟
الجواب: ليس في هذا تحديد، السنة أن يقف على القبر ويسلم على الميت، سواء من خلفه أو أمامه، المهم أن يسلم عليه، وإذا أتاه من أمامه حتى يكون أمام وجه الميت هذا لا بأس، الأمر واسع في هذا، فالنبي
قال: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ»
(2)
، ولم يعين جهة معينة، فالأمر واسع والحمد لله، المهم أنه يزور القبور، ويسلم عليهم ويدعو لهم، وإذا خص بعض الناس كأبيه، أو أخيه، زاره وخص وسلم عليه، فالأمر واسع، الحمد لله
(3)
.
س 147: هل يستقبل الزائر للقبر القبلة أم القبر
؟
الجواب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومذهب الأئمة الأربعة: مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي وأراد أن يدعو لنفسه، فإنه يستقبل القبلة.
واختلفوا في وقت السلام عليه: فقال الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء، ثم في مذهبه
(1)
السائل يظهر أنه ممن قبلتهم نحو الغرب أو قريبًا من ذلك.
(2)
أخرجه ابن ماجه في سننه 1/ 500، وصححه الألباني في صحيح سنن أبن ماجه 4/ 69.
(3)
المجيب ابن باز. ينظر: فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر 14/ 438.
قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل: يجعلها عن يساره]
(1)
.
وقال عبد العزيز ابن باز: [يدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر؛ لأن النبي
وقف على القبر بعد الدفن، وقال:«اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ»
(2)
. ولم يقل: استقبلوا القبلة، فكل جائز سواء استقبل القبلة
(3)
أو استقبل القبر، والصحابة دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر]
(4)
.
وقال أبو الحسن الزعفراني: فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة.
(5)
وقال العلامة ابن عثيمين في مكان وقوف زائر القبور: [يقف عند رأس الميت مستقبلا إياه]
(6)
.
وقال في موضع آخر: [يسلم على الميت تجاه وجهه، ويدعو له وهو قائم هكذا بدون أن ينصرف إلى القبلة]
(7)
.
(1)
مجموع الفتاوى 1/ 352.
(2)
أخرجه الحاكم في مستدركه 1/ 526، وأبو داود في سننه 5/ 127، والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 93. وحسنه ابن الأثير في جامع الأصول 11/ 149، والنووي في خلاصة الأحكام 2/ 1028، والألباني في المشكاة 1/ 49.
(3)
(4)
مجموع فتاوى ابن باز 13/ 338.
(5)
المجموع شرح المهذب (5/ 311).
(6)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 288.
(7)
مجموع الرسائل والفتاوى 7/ 288.
ويقول ابن تيمية
: [إن المسلمين مجمعون على أن القبلة التي يشرع للداعي استقبالها حين الدعاء هي القبلة التي شرع استقبالها حين الصلاة. انتهى]
(1)
.
أما عند زيارة القبر للدعاء للميت والاستغفار له، كما يصنع الناس عند زيارة موتاهم في قبورهم، فلا حرج على من يستقبل القبر في دعائه حينئذ، فإنه لم يفعل ذلك تقصدًا لبركة ذلك القبر أو تعظيمًا لجهته، إنما ليكون أقرب في مكانه من الميت، وأقرب في دعائه منه
(2)
.
س 148: أين يقف الذي يسلم على القبر؟ وهل يرفع يديه عند الدعاء للميت وهو واقف على قبره؟ وهل هناك دعاء وارد عند السلام على الميت؟ وهل له أن يدعو لنفسه عند القبر
؟
الجواب: الذي يسلم على المدفون في القبر ينبغي كما قال أهل العلم أن يستقبل وجه الميت كما لو حياه وهو حي.
وأما الدعاء فيستقبل فيه القبلة، ويرفع يديه عند الدعاء، فرفع اليدين عند الدعاء معروف، وفيه أحاديث متواترة تواترًا معنويًا، ومنها هذا الموضع، فيرفع يديه ويطيل الدعاء للميت، ويمحض له الدعاء، ويخلص له، وهذا مما ينفع به أخاه، وهو من فوائد زيارة القبور: فيتذكر الآخرة ويتعظ ويعتبر، وينفع أخاه المسلم بالدعاء.
(1)
نقض التأسيس 2/ 452.
(2)
موقع الإسلام سؤال والجواب 5/ 4657.
ولا يوجد دعاء مخصوص في هذا الموضع، وإنما يدعو له بالمغفرة والرحمة والتجاوز
…
إلى آخره، وأما أن يدعو لنفسه عند القبر فهذا بدعة، فلا يدعو لنفسه عند القبر، بل يدعو لنفسه في غير هذا المكان؛ لئلا يظن أو يقع في قلبه أن هذا المكان له ميزة أو خصيصة، أو أن لصاحب القبر أثرا في قبول هذا الدعاء، فكما تمنع الصلاة عند القبور خشية الإفضاء إلى عبادتها فكذلك تمنع العبادات الأخرى أيضًا كالدعاء وقراءة القرآن وغيرها، وكلها بدع ممنوعة
(1)
.
س 149: هل زيارة المقابر في أول يوم من رجب أو آخره جائزة أم لا
؟
الجواب: لا يجوز تخصيص يوم معين من السنة لا الجمعة، ولا أول يوم من رجب، ولا آخر يوم، في زيارة المقابر؛ لعدم الدليل على ذلك، وإنما المشروع أن تزار متى تيسر ذلك، من غير تخصيص يوم معين للزيارة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ»
(2)
.
س 150: ماذا يقول المعزي وماذا يقول المعزى
؟
الجواب: أولاً يجب أن نعلم أن كلمة تعزية معناها: تقوية -يعني تقوية المصاب على تحمل المصيبة والصبر عليها- وعلى هذا فمن مات له ميت ولم تلحقه مصيبة بموته لا يعزى، يعزى على أي شيء؟! ومن مات له ميت وأصيب به وحزن عليه فإنه يعزى، سواء كان من أقاربه،
(1)
المجيب: عبدالكريم الخضير. أجاب عنها كتابة.
(2)
فتاوى اللجنة الدائمة 9/ 113.
أو أصدقائه، أو زملائه، أو أهل بلده، المهم أن نعلم أن هذا الرجل حزن لفراق هذا الميت فإننا نعزيه.
ما معنى نعزيه؟ أي نأتي بكلمات يتعزى بها ويستعين بها على الصبر، ومن أحسن ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لإحدى بناته وعندها صبي في النزع:«فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بأَجَلٍ مُسَمًّى»
(1)
. لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى هذا فيه أكبر تعزية فلتصبر يعني على المصيبة ولتحتسب يعني ثوابها عند الله، فإن لله ما أخذ وله ما أعطى تفويض الأمر إلى الله له ما أخذ وله ما أعطى، الخلق كله ملك لله فلماذا نحزن أن تصرف في ملكه كما شاء، كل شيء عنده بأجل مسمى، يعني معناه شيء مؤجل لا يمكن تغييره الحزن لا يرد غائبًا ولا يحي ميتًا كل شيء بأجل مسمى محدد لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، هذه الكلمات العظيمة إذا وردت على قلب مصاب اطمأن، قال: إن صبرت واحتسبت أثبت على الصبر وعلى الاحتساب، وإن نظرت إلى أن الملك ملك الله يتصرف فيه كما شاء اقتنعت هذا ملكه يفعل ما يشاء، وإذا علمت أن كل شيء مؤجل علمت أن هذا الذي مات لا يمكن أن يتقدم ولا يتأخر، لابد أن يقع الأمر كما كتب فيتسلى بهذا ويخف عليه الحزن، وربما إذا تكرر هذا الدعاء من أشخاص يزول الحزن بالكلية إذن أحسن ما يعزى به هذا الكلام اصبر
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 115، ومسلم في صحيحه 2/ 635.
واحتسب لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، وإذا قال كلمات أخرى مما يناسب مثل أن يقول هذه هي الدنيا ونحن صائرون إلى ما صار إليه، ولم يخلد أحد وما جعل الله لبشر الخلد وما أشبه ذلك، فأرجو أن لا يكون به بأس، ولو اقتصر على الوارد لكان فيه خير.
أما بالنسبة للمعزى فيقول: جزاك الله خيرًا وأعاننا وإياك على الصبر، وما أشبه ذلك من الكلمات المناسبة
(1)
.
س 151: ما حكم صنع الطعام لأهل الميت؟ بحيث يكون في كل يوم الطعام على أناس معينين يتبرعون بذلك؟ ويكون الطعام في العادة ذبائح مطبوخة مقدمة لأهل الميت، ويحتجون أنه قد جاء أهل البيت ما يشغلهم من عمل الطعام
؟
الجواب: قال ابن عثيمين: الذي ثبت في السنة أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما استشهد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأهله: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، ولكن ليس على هذا الوجه الذي يفعله بعض الناس اليوم؛ حيث تكون الذبائح التي تهدى إلى أهل البيت ذبائح كثيرة، يجتمع عليها الناس كثيراً، فإن هذا خلاف المشروع؛ ثم إن الانشغال الذي كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ليس موجوداً الآن ولله الحمد؛ هناك مطاعم كثيرة قريبة، خصوصاً في المدن، فهم ليسوا في حاجة إلى أن يُهدى لهم الطعام
(2)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: فتاوى نور على الدرب 9/ 2.
(2)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 281)
س 152: هل الميت يرى أهله في الدنيا، ومتى يراهم، ومتى يحجب عنهم
؟
الجواب: لم يثبت في هذا شيء يدل على أنه يراهم، إنما ذكر بعض أهل العلم أن الأرواح في النوم قد تلتقي بأرواح الأموات، وهذا قد يقع في بعض الأحيان ما يدل عليه، فإن الروح عند الله، روح المؤمن في الجنة، وروح الكافر تعذب، لكن قد ترسل هذه الروح إلى البدن للسلام على من يسلم على القبور والرد عليه، هذه الروح قد تلتقي مع روح النائم في النوم، وتتحدث معها في شيء كما ذكر ذلك ابن القيم وغيره من أهل العلم، وقد يموت الإنسان وعنده دين لأحد، فتتفق روحه مع روح بعض النوام، ويخبرهم بأن عليه لفلان كذا، ولفلان كذا، فيسأل من ذكر له ذلك، فيصدق ذلك، وقد يخبره بأشياء له أنها في المحل الفلاني والمحل الفلاني، برؤيا المنام التي التقت فيها روح الميت وروح النائم، هذه الأشياء تدل على أنها قد تلتقي الأرواح، روح الميت بأرواح النوام من أقاربه أو غيرهم، لكن ليس في الأحاديث الصحيحة فيما نعلم ما يدل على أن هذه الأرواح تتلاقى، وإنما هو من الواقع والتجارب الواقعة بين الناس، ولا أذكر شيئًا في وقتي هذا ورد عن النبي في هذا المعنى، لا يحضرني فيه شيء في هذا الوقت، ولكن ابن القيم في كتاب «الروح» ، ذكر أشياء كثيرة في هذا المعنى، وسرد أشياء كثيرة، فمن أحب أن يراجعه فليراجعه ففيه فائدة كبيرة
(1)
.
(1)
المجيب: ابن باز، ينظر: فتاوى نور على الدرب 14/ 156.
س 153: ما تعريف الجزع؟ وهل يعذب الميت بذلك؟ هل البكاء دون صوت عال يعتبر من الجزع؟ مع العلم أن البكاء كان بسبب ألم الفراق، أو ألم لعدم التمكن من رؤية الميت قبل وفاته، ولم يكن اعتراضا على قضاء الله. وما هو تعريف النواح والندب
؟
الجواب: الجزع: هو عدم الصبر على البلاء. الميت يعذب ببكاء أهله معناه أحد أمرين:
الأول: أنه يتألم عندما يسمعهم ينوحون ويندبونه؛ لأنه معصية لله والتألم نوع من العذاب.
الثاني: أنه يعذب إذا كان أمرهم بذلك، أو عرف منهم ذلك، ولم ينههم في حياته، فيكون العذاب بسبب أمره أو رضاه.
وأما إذا لم يرض، ولم يأمر، فإنه لا عذاب عليه، كما قال تعالى:
(1)
، أما البكاء العادي فليس من الجزع، والنوح: هو رفع الصوت بالبكاء، والندب: أن يعدد محاسن الميت
(2)
.
(1)
سورة النجم (36، 37، 38).
(2)
المجيب: أحمد الغامدي. عضو التدريس بجامعة أم القرى فتاوى واستشارات الإسلام اليوم 13/ 229.
س 154: ما حكم وقوف أهل الميت صفوفا للعزاء والمصافحة والمعانقة
؟
الجواب: لا أعلم أصلاً عن السلف فيما يصنعه الناس أخيرًا من المصافحة والمعانقة عند التعزية، وكذلك الاصطفاف للمعزين لكن بعض الناس قالوا: إنهم يصطفون من أجل راحة المعزين حتى لا يتعبوا في طلب أهل الميت، لاسيما إذا كان المشيعون كثيرين، وأهل الميت ذوي عدد، وهذا ربما يكون غرضا صحيحا، وإن كان لا يعجبني فعلهم
(1)
.
س 155: ما حكم الجلوس في بيت أهل الميت للعزاء وفعل الولائم
؟
الجواب: بقاء أهل الميت في المنزل لاستقبال المعزين ليس معروفًا في عهد السلف الصالح، ولهذا صرح بعض العلماء بأنه بدعة.
قال في الإقناع وشرحه: [ويكره الجلوس لها أي للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان ليعزوه] ولما ذكر حكم صنع الطعام لأهل الميت قال: [وينوي فعل ذلك لأهل الميت لا لمن يجتمع عندهم فيكره؛ لأنه معونة على مكروه، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت، نقل المروذي عن أحمد، هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدًا، ثم ذكر حديث جرير بن عبد الله قال:(كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة)
(2)
(3)
.
(1)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: بتصرف من مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 457.
(2)
أخرجه أحمد في مسنده 11/ 505، وابن ماجه في سننه 1/ 514، صححه الألباني في صحيح ابن ماجه 4/ 112.
(3)
ينظر: كشاف القناع 2/ 149.
وقال النووي: [وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته، ونقله أبو حامد في «التعليق»، وآخرون عن نص الشافعي قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم]
(1)
.
ثم إن فتح أهل الميت الباب ليأتيهم من يعزيهم كأنما يقولون للناس بلسان الحال: يا أيها الناس إنا قد أصبنا فعزونا، وكونهم يعلنون في الصحف عن مكان العزاء هو دعوة بلسان المقال أيضًا. وهل من السنة إعلان المصيبة ليعزى لها؟ أليس الواجب على المرء أن يصبر لحكم الله وقضائه، وأن يجعل ذلك بينه وبين ربه، وأن يتعزى بالله تعالى عن كل هالك؟! ثم إن الأمر قد تطور في بعض المناطق إلى أن تهيأ السرادق، وتصف الكراسي، وتضاء الأنوار، ويكثر الداخل والخارج حتى لا تكاد تفرق بين هذا وبين وليمة العرس، وربما استأجروا قارئًا يقرأ كما يزعمون لروح الميت مع أن الإجارة على هذا فاسدة، والقارئ الذي قرأ من أجل المال لا ثواب له، فيكون في هذا إضاعة للمال، وإغراء لهؤلاء القراء على الإثم
(2)
.
س 156: ما حكم جلوس أهل الميت ثلاثة أيام للتعزية
الجواب: بعض أهل الميت يجلسون ثلاثة أيام، فما حكم ذلك؟.
(1)
ينظر: المجموع 5/ 306.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 459.
الجواب: إذا جلسوا حتى يعزيهم الناس فلا حرج إن شاء الله حتى لا يتعبوا الناس، لكن من دون أن يصنعوا للناس وليمة
(1)
.
س 157: ما حكم تقديم الرجل اليمنى في الدخول إلى المقبرة وتقديم اليسرى في الخروج منها
؟
الجواب: ليس في هذا سنة عن النبي، وبناء على ذلك فالإنسان يدخل حيث صادف، إن صادف دخوله برجله اليمنى، فالرجل اليمنى، أو اليسرى فاليسرى حتى يتبين دليل من السنة
(2)
.
س 158: هل يتوضأ من اراد زيارة المقبرة
؟
الجواب: أجابت اللجنة الدائمة عن سؤال من زارد البقيع وهو على غير طهارة هل عليه شيء.
لا شيء عليه؛ لأن زيارة البقيع أو شهداء أحد لا يطلب لها أن يكون الزائر على وضوء
(3)
س 159: ما حكم الدوران على المقابر بقصد الرياضة
؟
الجواب: قال الشيخ ناصر عبدالكريم العقل: الأمر بادئ ذي بدء قد لا يلفت النظر، لكن في الحقيقة أنه يشكل عند التأمل إذا نظرنا إلى سد الذرائع، وما يحدث غالباً من حدوث البدع، وأنه لا يستهان بأي ذريعة يمكن أن تكون سبباً لاعتقاد باطل، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات،
(1)
المجيب: ابن باز. ينظر: مجموع فتاوى ابن باز 13/ 382.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 166.
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة 9/ 101.
فيظهر أن الدوران على المقبرة لا ينبغي؛ لأن الذي يدور لم يكن قصده أي شيء يتعلق بالمقابر ولا بالمقبورين ولا بالموت، ولكن يراه الجاهل العامي، ويراه الطفل الناشئ، ويراه الأعجمي؛ فيظن أن هذا من الأمور المشروعة، وأن هذا له علاقة بالموتى، فالناس مفاهيمهم عجيبة! وأعظم من ذلك أن العجم تعودوا الدوران على القبور، ويظنون أن هذا من ضمن المراسم التي يعملونها هناك؛ فلذلك أرجو تنبيه الإخوة الذين يدورون على المقابر أن يبحثوا عن غيرها، كالحدائق والأماكن الأخرى، فالشبهة قوية، وينبغي التنبه لها
(1)
.
س 160: ما حكم خلع الحذاء عند الدخول إلى المقبرة
؟
الجواب: المشي بين القبور بالنعال خلاف السنة، والأفضل للإنسان أن يخلع نعليه إذا مشى بين القبور إلا لحاجة، إما أن يكون في المقبرة شوك، أو شدة حرارة، أو حصى يؤذي الرجل فلا بأس به، أي يلبس الحذاء ويمشي به بين القبور
(2)
.
س 161: هل يجوز لولي الميت أن يطلب من المشيعين أن يحللوا الميت
؟
الجواب: طلب ولي الميت من المشيعين أن يحللوه من البدع، وليس
(1)
شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة للدكتور نصر عبدالكريم العقل. موقع إسلام ويب http:// audio.islamweb.net، وبتصرف من كتاب التذكرة في أحكام المقبرة العقدية والفقهية تأليف: عبدالرحمن الشثري ص: 66.
(2)
المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 202.
من السنة أن تقول للناس: «حللوه» ؛ لأن الإنسان إذا لم يكن بينه وبين الناس معاملة فليس في قلب أحد عليه شيء، ومن كان بينه وبين الناس معاملة فإن كان قد أدى ما يجب عليه فليس في قلب صاحب المعاملة شيء، وإن كان لم يؤد فربما لا يحلله، وربما يحلله، وقد ثبت عن النبي أنه قال:«مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ»
(1)
.
س 162: ما رأيكم فيمن يلقون المواعظ عند تلحيد الميت؟ وهل هناك حرج في المداومة على ذلك
؟
الجواب: الذي أرى أن هذا ليس بسنة؛ لأنه لم يرد عن النبي، ولا عن الصحابة وغاية ما هنالك أنه خرج مرة في جنازة رجل من الأنصار فجلس، وجلس الناس حوله ينتظرون حتى يلحد، وحدثهم عن حال الإنسان عند الموت وبعد الدفن، وكذلك كان ذات مرة عند قبر وهو يدفن فقال:«ما مِنكُمْ مِن أحَدٍ إلا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنِّةِ وَمَقَعَدُهُ مِنَ النَّارِ»
(2)
ولكن لم يقم بهم خطيبًا واقفًا كما يفعل بعض الناس، وإنما حدثهم بها حديث مجلس، ولم يتخذها دائمًا. فمثلاً لو أن إنسانًا جلس ينتظر تهيئة القبر، أو دفن الميت، وحوله أناس في المقبرة وتحدث بمثل هذا الحديث فلا بأس
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 115. المجيب: ابن عثيمين. ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 216.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 170.
به، وهو من السنة، أما أن يقوم قائمًا يخطب الناس فليس هذا من السنة، ثم إن فيه عائقًا عن المبادرة بالدفن إن صار يعظهم قبل الدفن، والله نسأل أن يهدينا صراطه المستقيم
(1)
.
س 163: هل لزيارة الميت يوم العيد أو الجمعة مزية وفضل على غيرهما من الأيام
؟
الجواب: أفتت اللجنة الدائمة: لا فرق في زيارة القبور بين يوم الجمعة وغيره من أيام الأسبوع، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خصص يوما من الأسبوع تزار فيه القبور، فتخصيص يوم لزيارتها بدعة محدثة، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد
(2)
(3)
.
وقالت أيضا: وتخصيص زيارة القبور بالأعياد بدعة
(4)
.
وقال ابن عثيمين رحمه الله: يعتاد بعض الناس الخروج إلى المقابر يوم العيد يهنئون أصحاب القبور، وليس أصحاب القبور في حاجة لتهنئة، فهم ما صاموا ولا قاموا.
وزيارة المقبرة لا تختص بيوم العيد، أو الجمعة، أو أي يوم، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم زار المقبرة في الليل، كما في حديث عائشة عند مسلم. وقال
(1)
ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 17/ 229.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2697) 3/ 184، ومسلم في صحيحه برقم (1718) 3/ 1343.
(3)
فتاوى اللجنة الدائمة (9/ 115)
(4)
فتاوى اللجنة الدائمة (9/ 109)
النبي صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»
(1)
(2)
س 164: ما هي نصيحتكم لمن يتحدث في المقبرة بأمور الدنيا
؟
الجواب: يكره الحديث والكلام في أمر الدنيا عند القبور، وكذا التبسم والضحك أشد؛ لأنه موضع مذكر للموت، وحالة الموتى، والغد معهم؛ ولأنه غير لائق بالحال، بل هو مزهد في الدنيا ومرغب في الاستعداد للآخرة، لقول النبي:«كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، أَلا فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ»
(3)
، رواه الترمذي، ولأحمد:(فإنها عبرة)
(4)
، وإني أنصح الزائر للقبور والمشيع للجنازة أن لا يغفل عن الاعتبار بحال الميت، كيف تقطعت أوصاله وتفرقت أجزاؤه، وكيف يبعث من قبره، وأنه عما قريب يلحق به. فعليه أن يتأدب بآداب الزيارة من ترك حديث الدنيا والتبسم فضلاً عن الضحك، وأن يحضر قلبه في إتيانها ويتعظ بأهلها وأحوالهم، ويعتبر بهم وما صاروا إليه
(5)
.
س 165: هل يكون الدعاء عند قبر الميت برفع اليدين
؟
الجواب: إن رفع يديه فلا بأس؛ لما ثبت عن النبي في حديث عائشة
(1)
أخرجه ابن ماجه في سننه برقم (1569) 2/ 511. وصححه الألباني في الجامع الصغير 1/ 5890.
(2)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (16/ 221)
(3)
أخرجه الترمذي 3/ 361. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/ 388.
(4)
أخرجه أحمد في مسنده 38/ 122 بلفظ: (فَإِنَّ زِيَارَتَهَا عِظَةٌ وَعِبْرَةً) وقال شعيب الأرنووط في تحقيق المسند: (حديث صحيح).
(5)
المجيب عبدالله بن إبراهيم القرعاوي منتديات إنما المؤمنون إخوة.
(أنه زار القبور ورفع يديه ودعا لأهلها)
(1)
.
س 166: ما أنواع زيارة القبور
؟
الجواب: النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها ما يأتي:
1 -
السلام على الموتى والدعاء لهم، والترحم عليهم؛ فقد انقطعت أعمالهم.
2 -
تذكر الموت، والآخرة، وحصول رقة القلب ودمع العين.
3 -
إحياء سنة النبي؛ لأنه زار القبور وأمر بزيارتها.
النوع الثاني: زيارة بدعية، وشركية وهذا النوع ثلاثة أنواع:
1 -
من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ويخرجون من الإسلام.
2 -
من يسأل الله تعالى بالميت، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يخرج عن الإسلام، كما يخرج الأول.
3 -
من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع.
قال الإمام ابن القيم في مشروعية زيارة القبور: [وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت: من الدعاء، والترحم، والاستغفار، فأبى المشركون إلا دعاء الميت،
(1)
ولفظ الحديث الذي في صحيح مسلم 2/ 670 (ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع فقام، فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات
…
). المجيب: ابن باز. مجموع فتاويه 13/ 337.
والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به والتوجه إليه، بعكس هديه
؛ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعو الميت، أو يدعو به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق]
(1)
.
س 167: هل يسمع أهل القبور سلام من يسلم عليهم أثناء زيارتهم
؟
الجواب: هذه مسألة اختلف أهل العلم فيها، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية
(2)
، وتلميذه ابن القيم
(3)
، والإمام ابن كثير
(4)
، والعلامة الشنقيطي
(5)
: أن الأموات يسمعون سلام الزائر لهم، ويرد الله عليهم أرواحهم حتى يردوا عليه السلام.
قال الإمام ابن كثير
(6)
: [والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: (مَا مِنْ أَحَد يَمُرّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُسْلِم كَانَ يَعْرِفهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّم عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ رُوحه حَتَّى
(1)
ينظر: زاد المعاد 1/ 507. من كتاب أحكام الجنائز لسعيد بن وهف القحطاني (ص: 397).
(2)
ينظر: الفتاوى الكبرى 3/ 61.
(3)
ينظر: زاد المعاد 3/ 599.
(4)
ينظر: تفسير ابن كثير 6/ 291.
(5)
ينظر: أضواء البيان 6/ 141.
(6)
ينظر: تفسير ابن كثير 6/ 291.
يَرُدّ عليه السلام
(1)
، ثم ذكر آثارًا كثيرة جدا عن الصحابة، وعن التابعين رحمهم الله، والله تعالى أعلم
(2)
..
قال ابن عثيمين: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم والسنة قد بينت فيها بعض الأشياء، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن العبد إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه فإنه يسمع قرع نعالهم"
(3)
، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ما من مسلم يمر بقبر مسلم فيسلم عليه، وهو يعرفه في الدنيا، إلا رد الله عليه روحه، فرد عليه السلام. وهذا الحديث صححه ابن عبد البر رحمه الله وذكره ابن القيم رحمه الله في كتاب (الروح) ولم يتعقبه، وربما يؤيد هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج إلى المقابر قال:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين"، وعلى كل تقدير مهما قلنا بأن الميت يسمع فإن الميت لا ينفع غيره ولو سمعه، يعني أنه لا يمكن أن ينفعك الميت إذا دعوت الله عند قبره كما أنه لا ينفعك إذا دعوته نفسه، ودعاؤك الله عند قبره، معتقداً لذلك مزية وبدعة من البدع، ودعاؤك إياه شرك أكبر مخرج من الملة
(4)
.
(1)
ينظر: الفوائد لتمام الرازي 1/ 63. قال ابن الجوزي في العلل المتناهية 2/ 429: (هذا حديث لا يصح)، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة 9/ 473.
(2)
من كتاب أحكام الجنائز لسعيد بن وهف القحطاني (ص: 397).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه برقم (1338) 2/ 90، ومسلم في صحيحه برقم (2870) 4/ 2200.
(4)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 431)
س 168: هل عذاب القبر دائم أو منقطع
؟
الجواب: قال ابن عثيمين: أما إن كان الإنسان كافراً والعياذ بالله فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبداً ويكون عذابه مستمرًّا.
وأما إن كان عاصياً وهو مؤمن، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة وحينئذ يكون منقطعاً
(1)
.
(1)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (17/ 437)
من بدع الجنائز
قبل الوفاة:
1 -
وضع المصحف عند رأس المحتضر.
2 -
قراءة سورة «يس» . على المحتضر.
3 -
توجيه المحتضر إلى القبلة.
بعد الوفاة:
1 -
إخراج الحائض والنفساء والجنب من عنده.
2 -
وضع غصن أخضر في الغرفة التي مات فيها.
3 -
ترك أهل الميت الأكل حتى يفرغوا من دفنه.
4 -
التزام البكاء حين الغداء والعشاء.
5 -
الإعلان عن وفاة الميت من على المنائر.
6 -
قولهم عند إخبار أحدهم بالوفاة: الفاتحة على روح فلان.
غسل الميت:
1 -
ذكر الغاسل، ذكرًا من الأذكار عند كل عضو يغسله.
2 -
سدل شعر الميتة من بين ثدييها.
الكفن والخروج بالجنازة:
1 -
كتابة دعاء على الكفن.
2 -
اعتقاد بعضهم أن الجنازة إذا كانت صالحة خف ثقلها على حامليها
وأسرعت.
3 -
إخراج الصدقة مع الجنازة.
4 -
التزام البدء في حمل الجنازة باليمين.
5 -
الإبطاء في السير بها.
6 -
القول خلفها: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، سبحان من تعزز بالقدرة والبقاء، وقهر العباد بالموت والفناء.
الصلاة عليها:
1 -
الصلاة على الغائب مع العلم أنه صلي عليه في موطنه.
2 -
وقوف الإمام عند وسط الرجل وصدر المرأة.
3 -
قراءة دعاء الاستفتاح.
الدفن وتوابعه:
1 -
إنزال الميت في القبر من قبل رأس القبر.
2 -
جعل الوسادة أو نحوها تحت رأس الميت في القبر.
3 -
قراءة: «منها خلقناكم» . في الحثوة الأولى و «فيها نعيدكم» . في الثانية، و «ومنها نخرجكم تارة أخرى» . في الثالثة.
التعزية وملحقاتها:
1 -
الاجتماع في مكان للتعزية.
2 -
تحديد التعزية بثلاثة أيام.
3 -
حفر القبر قبل الموت استعدادًا له.
زيارة القبور:
1 -
زيارة قبر الأبوين كل جمعة.
2 -
ذهابهم إلى المقابر في يومي العيدين، ورجب، وشعبان، ورمضان.
3 -
زيارتها يوم الاثنين، والخميس.
4 -
نقش اسم الميت، وتاريخ موته على القبر.
5 -
السفر لزيارة قبره
(1)
.
* * *
(1)
من كتاب أحكام الجنائز للألباني 1/ 243.
ملحوظات حول متابعي الجنائز
أولاً: مضايقة المسلمين في طرقاتهم، أو في المقبرة
.
كثيرًا ما ترى من يقف موقفًا خاطئًا، فيضايق المارة، ويعطل السير ليدرك صلاة الجنازة، أو يزعج المشيعين بصوت سيارته القريبة من أماكن جلوس المشيعين للجنازة، أو يؤذيهم بالحرارة الصادرة من سيارته وهو جالس فيها، وهو يريد أن يفعل سنة وقد أذى الآخرين، فلربما ارتكب محرمًا وهو لا يشعر، والنبي أمر بإزالة الأذى عن الطريق لا بوضعه فيه.
وأذكر القارئ الكريم بشيء من أحاديث المصطفى في فضل إماطة الأذى، وحرمة أذية المسلمين ومضايقتهم.
16 -
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُميط الأَذَى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ»
(1)
.
وقال في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 56.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 132. ومسلم في صحيحه 4/ 2021.
وفي حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ»
(1)
.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: [وذكر من حقوق الطريق كف الأذى
(2)
، وهي كلمة جامعة تتضمن: الأذى القولي: بأن يتكلموا على الإنسان إذ مرّ، أو يتحدثوا فيه بعد ذلك بالغيبة ونحوها.
والأذى الفعلي: بأن يضايقوه في الطريق بحيث يملؤون الطريق حتى يؤذوا المارة، ولا يحصل المرور إلا بتعب ومشقة]
(3)
.
ثانيًا: تقديم صلاة الفريضة على صلاة الجنازة لمن فاتتهم الصلاة الأولى مع أن هناك سعة في الوقت
.
وقد سبق في السؤال رقم (42) بيان ذلك.
ثالثًا: الكلام الزائد، والضحك، ورفع الصوت وربما البيع داخل المقبرة
.
يكثر من بعض الناس عدم التهيب والاستشعار لموقف الدفن وحضور الجنازة، وقد شاهدت بعض الناس في المقبرة حال الدفن
(1)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 3/ 179، وحسن إسناده الهيثمي في المجمع 1/ 204، والألباني في الجامع الصغير برقم (10867).
(2)
يريد حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ:«فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» ، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟، قَالَ:«غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَر» أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 132.
(3)
ينظر: شرح رياض الصالحين 2/ 443.
وهو يضحك، وبعضهم يستقبل المكالمات عبر الهاتف الجوال ويعقد المواعيد ويصرف أمور دنياه، وهذا يدل على الغفلة وعدم تقدير ما ينبغي في ذلك المقام من السكينة والإخبات والاتعاظ والاعتبار.
قال ابن عثيمين: [قال العلماء: يكره للإنسان المتبع للجنازة: أن يتحدث في شيء من أمور الدنيا، أو أن يتبسم ويضحك]
(1)
.
وقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم بخلاف هذا كانوا إذا رأوا الجنائز نظروا إليها نظر المعتبرين وتكلموا عندها بكلام الموفقين وكانوا يقولون القول ويعملون بمقتضاه.
وقد ذكر ابن الخراط حال السلف عند رؤية الجنازة وفي المقبرة وحال الدفن فقال: [يروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان إذا رأى جنازة قال امض ونحن على أثرك].
[وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال اغد فإنا رائحون موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له].
[ومرت بالحسن البصري جنازة فقال يا لها موعظة ما أبلغها وأسرع نسيانها يا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة ثم قال يا غفلة شاملة للقوم كأنهم يرونها في النوم ميت غد يدفن ميت اليوم].
[وقال أسيد بن حضير ما شهدت جنازة وحدثت نفسي بشيء سوى ما يفعل بالميت وما هو صائر إليه].
(1)
شرح رياض الصالحين 2/ 598.
[وقال الأعمش كنا نشهد الجنازة ولا ندري من المعزى فيها لكثرة الباكين وإنما بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت].
[وقال ثابت البناني كنا نشهد الجنازة فلا نرى إلا باكيا].
[وقال إبراهيم النخعي كانوا يشهدون الجنازة فيرى فيهم ذلك أياما كأن فيهم الفكرة في حال الموت وفي حال الميت].
وهذه المظاهر من الكلام في أمور الدنيا، والضحك، حال التشييع للجنازة تدل على قسوة القلب. والغفلة عن المصير المحتوم، فعن جَابِرٍ، قَالَ: مَرَّتْ بِنَا جِنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ قَالَ: " إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا).
(1)
قال القرطبي رحمه الله: قوله إن الموت فزع؛ أي يفزع إليه ومنه، وهو تنبيه على استذكاره وإعظامه وجعله من أهم ما يخطر بالإنسان.
والمقصود من هذا الحديث ألا يستمرَّ الإنسان على غفلته عند رؤية الميت، فإنه إذا رأى الميت ثم تمادى على ما كان عليه من الشغل كان هذا دليلا على غفلته وتساهله بأمر الموت، فأمر الشرع أن يترك ما كان عليه من الشغل ويقوم تعظيمًا لأمر الميت واستشعارًا به.
(2)
وقال ابن الحاج لما ذكر جنائز السلف: كَانَتْ عَلَى الْتِزَامِ الْأَدَبِ وَالسُّكُونِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّضَرُّعِ حَتَّى إنَّ صَاحِبَ الْمُصِيبَةِ كَانَ لَا يُعْرَفُ مِنْ بَيْنِهِمْ لِكَثْرَةِ حُزْنِ الْجَمِيعِ وَمَا أَخَذَهُمْ مِنْ الْقَلِقِ وَالِانْزِعَاجِ بِسَبَبِ
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (960) 2/ 660.
(2)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 620)
الْفِكْرَةِ فِيمَا هُمْ إلَيْهِ صَائِرُونَ وَعَلَيْهِ قَادِمُونَ حَتَّى لَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَلْقَى صَاحِبَهُ لِضَرُورَاتٍ تَقَعُ لَهُ عِنْدَهُ فَيَلْقَاهُ فِي الْجِنَازَةِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى السَّلَامِ الشَّرْعِيِّ شَيْئًا لِشُغْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْخُذَ الْغِذَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِشِدَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْجَزَعِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رضي الله عنه: مَيِّتُ غَدٍّ يُشَيِّعُ مَيِّتَ الْيَوْمِ
(1)
.
وقال أيضا: ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي كَوْنِهِمْ يَسْبِقُونَ الْجِنَازَةَ وَيَجْلِسُونَ يَنْتَظِرُونَهَا وَيَتَحَدَّثُونَ إذْ ذَاكَ فِي التِّجَارَاتِ وَالصَّنَائِعِ وَفِي مُحَاوَلَةِ أُمُورِ الدُّنْيَا. وَمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ كَيْفَ يُرْجَى قَبُولُ شَفَاعَتِهِ؟ بَلْ بَعْضُهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَالْمَيِّتُ يُقْبَرُ فِي الْغَالِبِ، بَلْ بَعْضُهُمْ يَتَضَاحَكُونَ حِينَ يَتَكَلَّمُونَ وَآخَرُونَ يَتَبَسَّمُونَ وَآخَرُونَ يَسْتَمِعُونَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
(2)
.
[وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه كان يلقى الرجل في الجنازة من خاصة إخوانه قد بعد عهده به فلا يزيده على السلام حتى يظن الرجل أن في صدره عليه موجدة كل ذلك لانشغاله بالجنازة وتفكره فيها وفي مصيرها حتى إذا فرغ من الجنازة لقيه وسأله ولاطفه وكان منه أحسن ما عهد].
[ورأى عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يضحك في جنازة فقال أتضحك وأنت في جنازة والله لا أكلمك أبدا].
(3)
(1)
المدخل لابن الحاج (3/ 251)
(2)
المدخل لابن الحاج (3/ 257)
(3)
ينظر: العاقبة في ذكر الموت (ص: 154).
وقد سبق في السؤال رقم (138) بيان ذلك.
رابعًا: عدم وصل الصفوف
.
فتجد الكثير من أهل الفضل والصلاح لا يحرصون على تطبيق هذه السنة التي ورد فيها فضائل عظيمة عن رسول الأمة
فنجد البعض يصلون مجموعة في أطراف الصفوف مع أن الصف لم يكتمل.
أو يحصل من بعضهم تركه لفرجة ظاهرة بينه وبين من يليه، أو يرى فرجة في الصف الذي أمامه ولا يتقدم لسدها ووصل الصف المقدم.
والبعض الآخر يصلي على الجنازة مع مجموعة قليلة خلف الصفوف وبينهم وبين الصفوف المكتملة مسافات بعيدة.
إن عدم اكتمال الصف، وتخلل الفرج، فيه تفويت أجور عظيمة، ومخالفة لما حث عليه النبي في الأحاديث، والآثار الواردة ومنها:
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ»
(1)
.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ»
(2)
.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده 40/ 443، وابن ماجة في سننه 1/ 318، وابن خزيمة في صحيحه 3/ 23، وابن حبان في صحيحه 5/ 537، والحاكم في مستدركه 1/ 334، والبيهقي في السنن الكبرى 3/ 103. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحه 5/ 274.
(2)
أخرجه النسائي في سننه 2/ 93، وابن خزيمة في صحيحه 3/ 23، والحاكم في المستدرك 1/ 333. وصححه الألباني في الجامع الصغير 2/ 1121.
ومن الآثار أيضًا:
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: [رَأَيْتنَا وَمَا تُقَام الصَّلَاة حَتَّى تتكامل الصُّفُوف]
(1)
.
وعن إبراهيم النخعي أنه [كان يكره أن يقوم الرجل في الصف الثاني، حتى يتم الصف الأول، ويكره أن يقوم في الصف الثالث، حتى يتم الصف الثاني]
(2)
.
فهذه الأحاديث والآثار، تبين فضيلة إكمال الصفوف، وسد الفرج، وأن ذلك من تمام الصلاة، ومن مظاهر عز المسلمين، وتكاتفهم، وأنهم كالجسد الواحد، ومما يوحي للنفوس بالأخوة، والتعاون، فليحذر المصلي أن يقف في صف متأخر مع وجود أمكنة خالية في الصفوف الأُوَل، وليبادر إلى وصل الصفوف، وسد الفرج، ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
خامسا: الذهاب لمكان العزاء بعد الدفن مباشرة وعدم الوقوف على القبر والدعاء له
.
وهذا خلاف الهدي النبوي فقد كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»
(3)
.
وقال عمرو ابن العاص قال: [إِذَا دَفَنْتُمُونِي، فَأقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحمُهَا حَتَّى أَسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي]
(4)
.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده برقم (3979) 7/ 86.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 55.
(3)
أخرجه أبو داود في سننه 5/ 127، والبيهقي في الكبرى 4/ 93، والحاكم في المستدرك 1/ 526. وصححه الألباني في المشكاة 1/ 48.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 112.
قال المناوي: [قال الآجري: يسن الوقوف بعد الدفن قليلاً والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات]
(1)
.
وقال ابن عثيمين رحمه الله: [باب الوقوف بعد دفن الميت والدعاء له والاستغفار له].
وذلك أن الميت إذا دفن فإنه يأتيه ملكان يسألان عن ربه، ودينه، ونبيه، فكان النبي
إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه يعني عنده، وقال «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»
(2)
، فيسن للإنسان إذا فرغ الناس من دفن الميت أن يقف عنده ويقول: اللهم اغفر له ثلاث مرات اللهم ثبته ثلاثًا؛ لأن النبي (كان غالب أحيانه إذا دعا دعا ثلاثًا ثم ينصرف)]
(3)
.
سادسا: يقع من بعض من يشهد دفن الجنازة، وخاصة الذين يتولون الدفن ومن حولهم- يقع من بعضهم - لغط ومزادة في الكلام
، حيث يريد كل أن يفرض رأيه وأن يعمل ما يظنه هو الصواب، وربما أفضى ذلك إلى الخصومة، وخاصة إذا تكلم من لا علم عنده بكيفية الدفن وإنزال الميت في قبره. وهذا الذي تقدم لا ريب أنه خطأ فاحش، فمثل ذلك الموقف المفترض أن تخيم عليه السكينة والخشوع، مع الاعتبار والدعاء للميت.
(1)
ينظر: فيض القدير 5/ 151.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه 5/ 127، والبيهقي في الكبرى 4/ 93، والحاكم في المستدرك 1/ 526. وصححه الألباني في المشكاة 1/ 48.
(3)
ينظر: شرح رياض الصالحين 4/ 561.
ألا ترى كيف وصف البراء بن عازب حضورهم إحدى الجنائز مع النبي حيث وصف جلوسهم وانتظارهم تجهيز القبر وجلوسهم حول النبي بقوله: (وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ)
(1)
.
يعني لو رأتهم طير لحطت على رؤوسهم وما طارت لخشوعهم وسكينتهم وامتناع أدنى صوت منهم، حتى تظنهم الطير شيئًا جامدًا لا يتحرك من شدة خشوعهم وسكينتهم.
ثم إن من المفترض- أيضًا- أن يسمع الناس لأهل العلم إن كان معهم أحد منهم، فإن الدفن وإنزال الميت في قبره ووضعه فيه إلى آخر ذلك
…
كل هذا عبادة ينبغي أن تؤدى على الوجه المشروع والمأثور عن المعصوم وأدرى الناس بذلك هم طلبة العلم وأهله
(2)
.
وقد سبق في السؤال رقم (114) فتوى حول هذا الموضوع.
أسأل الله العلي العظيم الرحمن الرحيم أن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يفسح لهم في قبورهم، وأن يجعلها روضة من رياض الجنة، وأن يتوفانا مؤمنين غير خزايا ولا ندامى ولا مفتونين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
* * *
(1)
أخرجه أحمد في مسنده 30/ 499، والحاكم في مستدركه 1/ 93، وأبو داود في سننه 7/ 131. وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 49، والألباني في المشكاة 1/ 536.
(2)
بتصرف من كتاب تنبيهات حول بعض المخالفات الواقعة في المقابر لخالد الشايع ص 12، ومابعدها.