الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكتاب الثاني
الثورة الدينية
1517 -
1564
الفصل السادس عشر
لوثر: الإصلاح الديني في ألمانيا
1517 - 1524
1 -
تيتزل
أصدر البابا ليو العاشر في اليوم الخامس عشر من مارس عام 1517 أشهر صكوك الغفران. ومما يؤسف عليه - وإن كان له ما يسوغه - أن الإصلاح الديني فرض عليه أن يحارب في عهد سلطة بابوية جمعت في روما كثيراً من ثمار عصر النهضة وجانباً كبيراً من روحها؛ فلقد أصبح ليو، ابن لورنزو العظيم، وقتذاك عميداً لأسرة مديتشي، التي غذّت عصر النهضة في فلورنسا، وكان بحاثة وشاعراً وسيداً مهذباً رقيق القلب كريماً، يعشق الأدب الكلامي والفن الرقيق. وكان حسن الأخلاق في وسط منحل، ويميل بطبعه إلى المرح المشروع الذي يشيع البهجة في النفوس، وأضحى مثالاً للسعادة في مدينة كانت منذ قرن خراباً بلقعاً. وكانت كل أخطائه جميعاً سطحية، إذا استثنينا سطحيته هو نفسه، ولم يكن يفرق إلا قليلاً بين مصلحة أسرته ومصلحة الكنيسة، وبدد أموال البابوية على شعراء أصالتهم محل شك وعلى حروب هي موضع نظر، وكان متسامحاً في العادة يستطيب الهجاء الموجه ضد رجال الدين الوارد في كتاب "الثناء على الطيش" لأرازموس، وقد عمل إلا في فترات عارضة بالاتفاق غير المكتوب الذي منحت بموجبه الكنيسة في عصر النهضة حرية لا بأس بها للفلاسفة والشعراء والعلماء - الذين كانوا يوجهون أحاديثهم باللاتينية - إلى الأقلية المتعلمة وإن تركوا عقيدة - الجماهير الراسخة دون مساس.
وكان ليو ابن مصرفي اعتاد أن يبادر إلى إنفاق المال، وبخاصة على الآخرين. وورث خزائن بابوية مفعمة بالأموال من يوليوس الثاني وأفرغها قبل أن يموت. ولعله لم يبالِ كثيراً بالكنيسة الضخمة التي فكر يوليوس في إنشائها وشرع في ذلك إلا أن كنيسة القدّيس بطرس القديمة لم تكن صالحة للترميم، وكان لابد أن تتدفق مبالغ كبيرة لإنشاء الكنيسة الجديدة ووجدت سلطات الكنيسة من العار عليها أن تدع هذا المشروع العظيم يُقبر في مهده. ولعله عرض في شيء من التردد أن يمنح في عام 1517 صك غفران لكل مَن يسهم في نفقات تكملة هذا المعبد العظيم. واحتج الحكام في إنجلترا وألمانيا وفرنسا وأسبانيا لأن ثروات بلادهم كانت تستنزف، ولأن اقتصادياتها القومية تتعرض للضرر بالحملات المتكررة لتحويل المال إلى روما، وكان ليو أحرص ما يكون على إرضاء الملوك وهم أقوياء: فوافق على أن يحتفظ هنري الثمن بربع الأموال التي تجمع من إنجلترا وقدم قرضاً قدره 175000 دوكات إلى الملك شارل الأول (الإمبراطور شارل الخامس فيما بعد) في مقابل الأموال المنتظر جمعها من أسبانيا ووافق على أن يحتفظ فرانسيس الأول بجزء من المبلغ الذي يجمع في فرنسا، أما ألمانيا فقد قوبلت بمعاملة أقل كرماً، فلم تكن فيها ملكية قوية تستطيع أن تساوم البابا ومهما يكن من الأمر، فإن الإمبراطور ماكمليان نال مبلغاً متواضعاً قدره 3000 فلورين من الإيرادات، وفوض آل فوجر في أن يأخذوا من الأموال التي تجمع مبلغ 20000 فلورين كانوا قد أقرضوه لألبرخت البراندنبرجي لكي يدفعها للبابا لتثبيته في منصب كبير أساقفة ماينز. ولسوء الحظ كانت تلك المدينة قد فقدت ثلاثة من كبراء أساقفتها في عشر سنوات (1504 - 1514) ودفعت مرتين نفقات باهظة للحصول على تأييد البابا، ومن ثم اقترض البرخت ليعفيها من الدفع مرة ثالثة - ووافق ليو وقتذاك على أن يتولى رئيس الأساقفة الشاب توزيع صكوك الغفران في ماجدبرج وهالبرشتادت وفي ماينز أيضاً. وكان يصحب كل واحد من واعظي
ألبرخت وكيل لآل فوجر يراجع المصروفات والإيرادات وكان يحتفظ بأحد مفاتيح الخزانة التي تضم الأموال (1).
وكان جوهان تيتزل وكيل ألبرخت الأول، وهو راهب دومينيكاني اكتسب مهارة وشهرة في جمع المال. وكان عمله الرئيسي منذ عام 1500 توزيع صكوك الغفران، وكان يلقى عادة في هذه المهام عون رجال الدين المحليين وإذا دخل مدينة استقبله موكب من القساوسة والحكام والأتقياء من العامة وهم يحملون الأعلام والشموع ويرتلون الأناشيد ويرفعون نشرة صك الغفران عالية فوق وسادة من المخمل أو وسادة مذهبة في حين تقرع الكنيسة أجراسها وتعزف على آلات الأرغن فيها وهكذا استطاع تيتزل (2) بفضل هذه المساندة أن يقدم بصفة مؤثرة صك غفران كامل لهؤلاء الذين يعترفون بخطاياهم وهم نادمون ويسهمون في بناء كنيسة جديدة للقديس بطرس حسب ما تسمح به مواردهم:
ألا فليرحمك الرب يسوع المسيح ويغفر لك بفضل ما لقي من آلام مقدسة وأنا بتفويض منه ومن رسوليه المباركين بطرس وبولس، ومن البابا المقدس منح لي وعهد به الي في هذه الأجزاء إن احلك أولاً من كل لوم ديني مهما كانت الطريقة التي تعرضت لها، ثم من كل خطاياك ومن كل تجاوز للحدود وكل إفراط في الملذات مهما بلغت من الجسامة، بل حتى من أي إثم تحتفظ بتقريره وإدراكه السدة البابوية، وبقدر ما يمتد نطاق سلطان الكنيسة المقدسة أعفيك من كل عقاب تستحقه في المطهر بسبب هذه الآثام، وأعيدك إلى القربان المقدس للكنيسة وإلى البراءة والطهر اللذين حزتهما في العماد، ولهذا فإنك عندما تموت ستغلق أمامك أبواب العذاب وتفتح لك أبواب جنة النعيم، وإذا لم تمت الآن فإن هذا الفضل سوف يظل في أوج قوته عندما تصبح على وشك الموت باسم الأب والابن والروح القدس (3).
وكانت هذه الصفقة الرائعة بالنسبة إلى مؤمن تتفق مع المفهوم الرسمي
لصكوك الغفران بالنسبة للأحياء، وها هو اسم تيتزل يتردد مرة أخرى خلال الخطاب المتضمن لتعليمات أسقفه عما استغنى عن الاعتراف التمهيدي إذا لجأ المتبرع إلى تقديم صك الغفران لروح في المطهر. ويقول مؤرخ كاثوليكي: ليس من شك في أن تيتزل أعلن طبقاً لما كان يتصوره من العقيدة المسيحية وفق التعليمات المخولة له أنه لا داعي لشيء سوى تقديم المال للحصول على صك غفران للميت في غير ما حاجة إلى الندم أو الاعتراف. ومن تعاليمه أيضاً، طبقاً للرأي الذي كان يعتنقه، أن صك الغفران يمكن أن يُمنح لأي روح معينه ويكون له أثر لا يخيب. وبناء على هذا الغرض فإن مما لا شك فيه أن مذهبه كان متفقاً مع هذا المثل السائر:"ما أن ترن قطع النقود في الخزانة حتى تقفز الروح من نار المطهر". ولم تنص نشرة البابا الخاصة بصكوك الغفران على أي دليل لهذا الرأي. وكان رأياً غامضاً لأنصار فلسفة اللاهوت
…
ولم يكن يمثل عقيدة ما للكنيسة (4).
وسمع مايكونيوس، وهو راهب فرنسسكاني ربما كان معادياً للدومينيكان بصنيع تيتزل فكتب تقريراً عن هذا العام 1517، يقول:"إن ما قاله هذا الراهب الجاهل وبشر به أمر لا يصدق. لقد أعطى خطابات مختومة ضمنها أن الخطايا التي يعتزم المرء أن يرتكبها سوف تخفر له، وقال إن البابا يملك سلطاناً يفوق سلطان الرسل والملائكة والقديسين، بل يفوق سلطان العذراء مريم نفسها، لأن هؤلاء جميعاً كانوا أتباعاً للمسيح أما البابا فانه ند للمسيح". وقد يكون في هذا مبالغة، ولكن مثل هذا الوصف يمكن أن يقدمه أي شاهد عيان يشير إلى ما يثيره تيتزل من مقت. ومثل هذا العداء يبدو في الشائعة التي ذكرها لوثر (5) في ارتياب والتي استشهد بها تيتزل عندما قال في هال إنه إذا حدث المستحيل أغتصب الرجل أم الرب فإن صك الغفران كفيل بأن يمحو عنه هذا الإثم. وحصل تيتزل على شهادات من السلطان المدنية والكهنوتية في هال بأنهم لم يسمعوا القصة قط (6). كان بائعاً متحمساً ولكنه لم يكن يفتقر تماماً إلى الضمير.
وكان يمكن أن ينجو من حكم التاريخ لو لم يقترب كثيراً من أراضي فردريك الحكيم الأمير المختار لسكسونيا
(1)
وكان فردريك حاكماً ورعاً حسن التدبير، ولم يكن لديه اعتراض من الناحية النظرية على صكوك الغفران وقد جمع 19000 من مخلفات القديسين في كنيسة قصره بفيتنبرج (7)، واتخذ التدابير اللازمة للحصول على صك غفران يرتبط بتوقيرها كما حصل على صك غفران آخر للمتبرعين بالأموال اللازمة لبناء قنطرة في تورجاو، وعهد إلى تيتزل بأن يعلن عن فوائد هذا الصك البابوي (8)، ومهما يكن من أمر فإنه أمسك من البابا الكسندر السادس (1501) المبلغ الذي جمع في إمارة سكسونيا بموجب صك غفران يمنح مقابل التبرعات اللازمة للحرب الصليبية ضد الأتراك، وقال إنه سوف يرفع يده عن المال عندما تتجسم الحرب الصليبية في صورة مادية، ولما لم يتحقق هذا قط احتفظ فردريك الحكيم بالأموال واستخدمها في بناء جامعة بفيتنبرج (9). وحرم في أرضه وقتذاك التبشير بصك غفران عام 1517 مدفوعاً بنفوره من السماح لعملة ساكسونيا بالهجرة، أو لعل هذا كان بدافع من التقارير عن مبالغات تيتزل؛ بيد أن تيتزل اقترب كثيراً من الحدود حتى أن أهالي فيتنبرج عبروا الحدود للحصول على صك الغفران، وجاء عدد من المشتركين لهذه "الرسائل البابوية" بها إلى مارتن لوثر أستاذ علم اللاهوت في الجامعة وطلبوا منه أن يشهد بفاعليتها فرفض، وترامى الرفض إلى مسامع تيتزل فتوعد لوثر وهكذا خلد اسمه في التاريخ.
(1)
في عام 1485 قسمت أملاك آل فتين إلى اقليمين. وكان القسم الأصغر والأغنى، ويشمل ليفزج ودرسدن من نصيب الابن الأصغر الدوق ألبرت، وأصبح هذا القسم باسم دوقية ساكسونيا أو ساكسونيا الألبرتية. أما القسم الأكبر وهو أقل سكاناً ويشمل فيتنبرج وفيمار فأصبح من نصيب الأخ الأكبر وهو إيرنست الأمير المختار الإمبراطوري وعرف باسم ساكسونيا إمارة المختار أو ساكسونيا الإيرنستية، وكان لهذا القسم شأن يذكر في حركة الاصلاح الديني.
كان قد أساء تقدير خصام الأستاذ إذ أن لوثر سرعان ما ألّف باللاتينية وخمسة وتسعين رسالة أطلق عليها اسم Disoutatio pro declaratione virtutis indulgentiarum " بحث في بيان قوة صكوك الغفران". ولم يعتبر آراءه من قبيل الهرطقة ولم تكن كذلك بكل تأكيد. وكان لا يزال كاثوليكياً متحمساً ليست لديه أدنى فكرة لقلب الكنيسة
…
كان غرضه أن يدحض الادعاءات المغالى فيها بشأن صكوك الغفران وأن يصحح المساوئ التي تنشأ عن توزيعها. وشعر بأن سهولة اصدار صكوك الغفران والاتجار فيها على نطاق واسع قد أضعف الاحساس بالندم الذي يجب أن يثيره ارتكاب الاثم، وجعل الخطيئة تبدو أمراً تافهاً يمكن تسويته ودياً بصفقة تُعقد مع بائع يتجر بالغفران، ومع ذلك فإنه لم ينكر "السلطة" البابوية في غفران الخطايا، وسلم بسلطة البابا في إحلال (إعفاء) النادم المعترف من العقوبات الدنيوية التي يفرضها عليه رجال الكنيسة ولكن من وجهة نظر لوثر هي أن سلطة البابا في تحرير الأرواح من المطهر أو في تقليل مدة عقابها، هناك تتوقف لا على السلطة التي تمثلها مفاتيح بطرس الرسول والتي لا تصل إلى أبعد من القبر - ولاكن تتوقف على تأثير الشفاعة لصلوات البابا، وهي قد تُسمع وقد لا تُسمع (الرسائل: 20 - 22) يضاف إلى هذا كله أن لوثر قال إن كل المسيحيين يشاركون آلياً في خزينة الفضائل التي كسبها المسيح والقديسون حتى وإن لم ينص خطاب بابوي بالغفران على منحهم مثل هذا النصيب. وأعفى البابوات من مسؤولية مبالغات الوعاظ، ولكنه أردف في خبث: "إن التبشير المطلق العنان بالغفران يجعل من الصعب حتى على الناس المتعلمين، أن ينقذوا الاحترام الواجب من التساؤلات الذكية اللماحة للعامة: لم لا يفرغ البابا مطهراً من أجل الحب المقدس والحاجة الملحة للأرواح الهائمة هناك إذا كان يفتدي
…
عدداً من الأرواح من أجل المال التعس الذي يبني به كنيسة؟ (رسائل من 81 - 82).
وفي وقت الظهيرة في اليوم الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 1517 ألصق هذه الرسائل على الباب الرئيسي لكنيسة القصر في فيتنبرج، وفي اليوم الأول من نوفمبر في يوم عيد جميع القديسين عرضت هناك المخلفات المقدسة التي جمعها الأمير المختار، وكان من المتوقع حضور جمع غفير. ولا شك أن عملية اعلان هذه الرسائل على الجمهور، والتي قام بها مقدمها لمواجهة كل المتحدين، كانت عادة قديمة في جامعات القرون الوسطى وأن الباب الذي استخدمه لوثر في لصق هذا الاعلان به، كان قد استخدم بانتظام لوحة النشرات الأكاديمية. وقدم لهذه الرسائل بدعوة ودية تقول:
بدافع من الحب للعقيدة والرغبة في تسليط الضوء عليها سوف تناقش الآراء التالية في فيتنبرج تحت رعاية الأب الموقر مارتن لوثر، أستاذ الآداب واللاهوت المقدس والمحاضر الثبت لنفس العلم في ذلك المكان. ولهذا يرجو من هؤلاء الذين لا يستطيعون الحضور والجدال شفوياً أن يفعلوا هذا بخطاب.
وقام لوثر بترجمة هذه الرسائل إلى الألمانية ووزعها على الناس لكي يتأكد من أنه سوف تفهم على أوسع نطاق. وارسل نسخة من هذه الرسائل إلى ألبرخت كبير أساقفة ماينز بجرأة لا نظير لها، وهكذا بدأ الاصلاح الديني في جو من الرقة والورع وعن غير قصد.
2 - تكوين لوثر
ترى ما هي ظروف الوراثة والبيئة التي صاغت من راهب مغمور، في مدينة لا يتعدى سكانها ثلاثة آلاف نسمة داود الثورة الدينية؟ كان أبوه هانز رجلاً صارماً فظاً يستثار بسهولة، ومناهضاً لرجال الدين، وكانت أمه امرأة خجولاً متواضعة تكرس كثيراً من أوقاتها للصلاة، وكان كلاهما مقتصداً. وعمل هانز فلاحاً في موهرا ثم اشتغل بالتعدين في مانسفيلد، إلا أن
مارتن ولد في أيسليبين في اليوم العاشر من نوفمبر عام 1483، وأعقب والده بعده ستة أطفال. وكان هانز وجريتا يؤمنان بالعصا كوسيلة سحرية لتقويم الأخلاق، ويقول مارتن إن أباه ثابر على ضربه يوماً حتى إنهما ظلا زمناً طويلاً يناصب كل منهما الآخر العداء، وفي مناسبة أخرى جلدته أمه حتى سال دمه لأنه سرق جوزة. وقال مارتن مفكراً فيما بعد:"إن الحياة الخشنة القاسية التي عشتها معهما هي التي دفعتني إلى أن ألجأ فيما بعد إلى الدير وأصبح راهباً"(10). وليس من شك في أن صورة الرب التي نقلها له والداه عكست مزاجهما الخاص. أب قاسٍ وقاضٍ صارم يطالب بفضيلة عبوس ويطلب استرضاءه دائماً ويلعن أخيراً الجانب الأكبر من البشر ويدعو عليهم بأن يخلدوا في النار. وكان والداه كلاهما يؤمنان بوجود سحرة وعفاريت وملائكة وشياطين من فصائل متعددة وتخصصات متنوعة، وحمل مارتن معه حتى النهاية معظم هذه الخرافات. وهكذا أسهم دين قام على الفزع في بيت يحتفل بالتأديب الصارم في تكوين شباب لوثر وعقيدته الدينية.
والتحق بمدرسة في مانسفيلد كان الطلبة يتلقون فيها مزيداً من العصي وكثيراً من الوعظ وجُلد فيها مارتن خمس عشرة مرة في يوم واحد لأنه أخطأ في اعراب اسم. وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره نقل إلى مدرسة ثانوية تديرها جمعية دينية في ماجدنبرج، وفي سن الرابعة عشرة حول إلى مدرسة سانت جورج في أيزيناخ، وأمضى ثلاث سنوات سعيدة نسبياً اقام فيها بمنزل السيدة كوتا المريح. ولم ينسَ لوثر قد قولها إنه ليس على ظهر الأرض ما هو أثمن للرجل من حب إمرأة فاضلة. وكانت هذه نعمة لم يظفر بها إلا بعد اثنين وأربعين عاماً، وفي هذا الجو الصحي استكمل السحر الطبيعي للشباب، إذ كان سليماً معافى صريحاً ومنشرحاً من الناحية الاجتماعية. وكان يحسن الغناء والعزف على العود.
وأرسله والده الميسور الحال عام 1501 إلى الجامعة في أرفورت، وكان
برنامج الدرس يركز على اللاهوت والفلسفة، وكانت لا تزال كلامية ولكن المذهب الاسمي لأوكهام كان قد انتصر هناك، ولعا لوثر قد فطن إلى رأي أوكهام الذي يذهب إلى أن البابوات والمجالس الدينية يمكن أن تخطئ، وكان من رأيه أن فلسفة الكلام في أية صورة من صورها غير مستحبة حتى انه امتدح لصديق له "إلا يتعلم الروث الذي يقدم باعتباره فلسفة"(11).
وكان في أرفورت بعض علماء الانسانيات المعتدلين، وتأثر بهم قليلاً ولكنهم لم يهتموا به عندما وجدوه يحتفل بالعالم الآخر. وتعلم قليلاً من اليونانية والنزر اليسير من العبرية ولكنه قرأ أمهات الكتب الكلاسيكية باللاتينية، وحصل على 1505 على درجة الماجستير في الآداب، فأرسل له أبوه المزهو به نسخة غالية من مجموعة قوانين البلد هدية بمناسبة تخرجه. واغتبط عندما بدأ ابنه في دراسة القانون. وفجأة بعد شهرين من هذه الدراسة قرر الشاب أن يصبح راهباً، الأمر الذي أفزع والده.
وهذا القرار يعبر عن التناقض في خلقه، فقد كان قوياً يفيض بالحيوية إلى حد الانغماس في الشهوات، وكان من الواضح أنه خلق لحياة يرضي فيها الغرائز الطبيعية، ومع أنه لقن في البيت والمدرسة عن اقتناع أن الإنسان آثم بطبعه، وأن الاثم معصية لإله قادر على كل شيء شديد العقاب، فإنه لم يوفق قط، في الفكر أو في السلوك، بين غرائزه الطبيعية وبين معتقداته المكتسبة. ويبدو أنه عندما كان يمر بالتجارب الغرامية العادية ونزوات المراهقة لم يستطع أن ينظر إلى هذه التجارب على أنها مراحل من التطور، بل رأى أنها من أعمال شيطان نذر نفسه للإيقاع بالارواح في لعنة أبدية لا فكاك منها. وكان مفهومه الذي لقن له عن الله لا يكاد يشمل أي عنصر من الحنان، ولم يكن لصورة مريم المواسية موضع كبير في هذا اللاهوت القائم على الخوف، ولم يكن يسوع هذا هو الابن المحب الذي لا يستطيع أن يرفض طلباً لأمه، بل كان عيسى في يوم الدينونة الذي كثيراً ما صوّر في
الكنائس، المسيح الذي هدد الخاطئين بعذاب جهنم الأبدي. وليس من شك في أن الفكرة المتواترة عن الجحيم وضعت غشاوة على عقل كان شديد التمسك بتعاليم الدين بحيث نسيها وهو ينتهب لذة الحياة كل يوم. وبينما كان عائداً يوماً من بيت أبيه في أرفورت (يوليو سنة 1505) واجهته عاصفة رهيبة، ولمع البرق حوله، وأصابت الصاعقة شجرة قريبة منه؛ وخيل للوثر أن هذا انذار من الله وأنه ما لم يكرس أفكاره للخلاص فسوف يفاجئه الموت ويلقى حتفه دون أن يسمع اعترافه وتطارده اللعنة. ترى اين يستطيع أن يحيا حياة ينصرف فيها إلى التعبد؟ إن هذا لا يتيسر إلا حيث يقيم حاجزاً بينه وبين العالم والشهوة والشيطان، بين أربعة جدران، أو يقهر النفس بالانصراف إلى التقشف، ونذر عهداً للقديسة آن أنه لو نجا من هذه العاصفة فسوف يصبح راهباً.
وكان هناك عشرون ديراً في أرفورت فاختار واحداً عرف بالإخلاص في مراعاة قواعد الأديرة، وهو دير الرهبان الأوغسطينيين، ودعا أصدقاءه جميعاً وشرب وغنى معهم في حفل قال لهم إنه يقوم به لآخر مرة وفي اليوم التالي استقبل في خلوة بدير كمبتدئ في الرهبنة، وقام بأحقر الأعمال في تواضع لا يخلو من الاعتزاز بالنفس، وتلا الصلوات مراراً وتكراراً كمن نوّم نفسه تنويماً مغناطيسياً، وتجمد جسده في مضجع بارد وصام وعذب نفسه، أملاً في أن يطرد من جسده الشياطين وقال: "كنت راهباً ورعاً أراعي أحكام الطائفة التي أنتمي إليها بشدة إلى حد أنه
…
إذ قد قدر لراهب أن يدخل الجنة عن طريق الرهبنة فإني أدخلها لا محالة
…
ولو أن هذا الأمر طال أكثر من هذا لكنت عذبت نفسي حتى الموت بالسهر والصلاة والقراءة وغيرها من الأعمال" (12). وفي إحدى المناسبات عندما اختفى عن الاعين بضعة أيام اقتحم اصدقاؤه عليه خلوته فوجدوه يرقد على الأرض غائب الوعي، وكانوا قد أحضروا معهم عوداً وعزف عليه واحد منهم فاسترد قواه وشكرهم. وفي سبتمبر عام 1506 أقسم قسماً مغلظاً بأن يلتزم
الخصاصة والعفة والطاعة، وفي مايو عام 1507 رُسم قساً ومحضه زملاؤه الرهبان نصيحة ودية وأكد له أحدهم أن عذاب المسيح إنما هو تكفير عن طبيعة الإنسان الخاطئة وأنه فتح للتائب أبواب الجنة.
وما قرأه لوثر عن الصوفيين الألمان وبخاصة عن تاولر أعطاه أملاً في أن يجتاز الثغرة الرهيبة بين روح تنزع بطبيعتها إلى الخطيئة وبين إله مقسط قادر على كل شيء. ثم وقعت في يديه رسالة بقلم جون هس فساورته شكوك عقائدية زادت من اضطرابه الروحي. وتساءل قائلاً: "ترى لماذا أحرق رجل استطاع أن يكتب بمثل هذه الروح المسيحية وبهذه القوة؟ لقد أغلقت الكتاب وأشحت بوجهي وقلبي جريح"(13). وأولى جوهان فون شتاوبتز، وهو قسيس اقليمي من الرهبان الأوغسطينيين، الراهب القلق، اهتماماً أبوياً، وأمره أن يستبدل بالتقشف قراءة الكتاب المقدس وتعاليم القدّيس أوغسطين بكل عناية. وأعرب الرهبان عن جزعهم لم أصابه فأعطوه كتاباً مقدساً باللاتينية - وكان وقتذاك من المقتنيات النادرة - بالنسبة لأي فرد.
وفي أحد أيام عام 1508 أو عام 1509 استرعت انتباهه عبارة وردت في رسالة القدّيس بولس إلى الرومان (1: 17)"إن الحق يحيا بالإيمان" وقادته هذه الكلمات في بطئ إلى العقيدة التي تذهب إلى أن الإنسان يمكن أن يزكى - أي يرجع إلى الصواب وينجو من النار - لا بالأعمال الطيبة التي لا يمكن أن تكفي أبداً للتكفير عن معصيته لإله لا حد لقدرته، بل بالإيمان المطلق بالمسيح وبتكفيره عن خطايا البشر. ووجد لوثر في تعاليم أوغسطين فكرة أخرى لعلها جددت من مخاوفه - تلك هي القدر - أن الله قدر حتى قبل الخليقة أن تحظى بعض الأرواح بالخلاص وأن يزج بالباقي في جهنم، وأن الاختيار تم بمشيئة الله أن يكون الخلاص بالتضحية بالمسيح. ومن هذا المجال الصريح فر مرة أخرى إلى أمله الأساسي في الخلاص عن طريق الأيمان.
وحول عام 1508 نقل إلى دير أوغسطين في فيتنبرج بناء على توصية من
شتاوبيتز، وعين في وظيفة معلم للمنطق والفيزياء، ثم عين أستاذاً للاهوت في الجامعة. وكانت فيتنبرج عاصمة الشمال - وقلما كانت محل إقامة - لفردريك الحكيم وقال أحد المعاصرين عنها:"مدينة فقيرة لا أهمية لها بيوتها خشبية صغيرة، قديمة قبيحة الشكل" ووصف لوثر السكان بقوله: "إنهم سكارى يفتقرون إلى التهذيب منغمسون في العربدة إلى حد يجاوز الاعتدال، وقد اشتهروا بأنهم أشد الناس إدماناً على الشراب في ساكسونيا التي كانت تعد أعظم مقاطعة في ألمانيا يغرم أهلها بالشراب". وقال لوثر إن الحضارة انتهت على بعد ميل من الشرق وبدأت الهمجية وظل هناك الجانب الأكبر من حياته إلى نهاية أيامه.
ولا بد أنه قد أصبح راهباً مثالياً وقتذاك لأنه أرسل في اكتوبر من عام 1510 مع زميل له من الرهبان، إلى روما في مهمة غامضة للرهبان الأوغسطينيين، وكان أول رد فعل عنده لدى مشاهدته المدينة رهبة مشوبة بالورع، فسجد ورفع يديه وهتف يقول:"سلاماً عليكِ يا روما المقدسة! " وقام بكل الشعائر شأنه شأن أي حاج، وانحنى في إجلال أمام مخلفات القديسين وصعد على السلم المقدس Scala Santa وهو يسير على ركبتيه، وزار عشرين كنيسة وظفر بكثير من صكوك الغفران، حتى انه تمنى أو كاد لو كان والداه ميتين حتى يستطيع أن ينقذهما من المطهر. وارتاد المنتدى الروماني ولكن كان من الواضح أنه لم يتأثر بفن عصر النهضة، وكان رافائيل ومايكل أنجيلو ومئات غيرهما قد بدءوا في تزيين العاصمة. وظل سنوات عديدة بعد القيام بهذه الرحلة دون أن يقوم بتعليق واضح جلي على تعلق رجال الدين الرومان بالدنيا، أو على الانحلال الخلقي الذي كان شائعاً وقتذاك في المدينة المقدسة. ومهما يكن من أمر فإنه بعد عشر سنوات رصف روما عام 1510 بأنها "تدعو للمقت" ولا يزال من هذا المزيد في ذكرياته التي تبتسم بالخيال المتوقد، والتي تخطر له أحياناً في أحاديثه حول مائدة الطعام في سن الشيخوخة،
وقال إن البابوات أسوأ من الأباطرة الوثنيين وإن اثنتي عشرة فتاة عارية كن يقمن بخدمة رجال البلاط البابوي وقت العشاء" (14). ومن المحتمل أنه لا يتيسر له الدخول في أوساط رجال الكهنوت الكبار ولم تكن له معرفة مباشرة بأخلاقهم المنحلة التي لا شك فيها.
وارتقى بسرعة في المناصب التعليمية بعد عودته إلى فيتنبرج "فبراير عام 1511" ونصب نائباً للأسقف في طائفته. وألقى محاضرات في الكتاب المقدس، وقام بالوعظ بانتظام في كنيسة الأبرشية ونهض بعبء العمل في وظيفته بجد وولاء، ويقول عالم كاثوليكي مشهور:"إن خطاباته الرسمية تنم على اهتمام شديد بالذين ساورتهم الشكوك وتفيض بعطف رقرق على الآثم وتفصح عن لمسات عميقة من الشعور الديني والرأي العملي النادر وإن كانت لم تخلُ من تشويه نصائح لها اتجاهات مخالفة للعقيدة، وعندما اجتاح الطاعون فيتنبرج عام 1516 لزم مكانه بشجاعة، ورفض أن يتخلى عنه على الرغم مما أبداه أصدقاؤه من قلق"(15). وخلال هذه السنوات (1512 - 1517) تحولت آراؤه الدينية ببطء عن المذاهب الرسمية للكنيسة، وبدأ يتحدث عن "لاهوتنا" مقابل ما كان يدرس في ارفورت. وفي عام 1515 عزا ما أصاب العالم من فساد إلى رجال الكهنوت الذين قالوا للناس كثيراً جداً من أمثال وحكايات خرافية من إبداع البشر وليست من الكتب المنزلة. واكتشف عام 1516 مخطوطة ألمانية مجهولة المؤلف أيد ما بها من التقوى الصوفية رأيه في اعتماد الروح الكلي في الخلاص على رحمة الله إلى حد أنه أعدها للنشر وطبعها باسم "لاهوت ألماني Theologia Germanica". ووجه اللوم إلى المبشرين بصكوك الغفران لاستغلالهم سذاجة الفقراء، وبدأ في مراسلاته الخاصة يبرهن على أن "ضد المسيح" الوارد في الرسالة الأولى ليوحنا شبيه بالبابا (16). ودعاه الدوق جورج صاحب ألبرتين سكسونيا عام
1517 إلى الوعظ في برسدن، فأثبت بالدليل أن مجرد قبول فضائل المسيح يحقق الخلاص للمؤمن. وشكا الدوق من أن مثل هذا التشدد في الإيمان أكثر من الفضيلة "سوف يجعل الناس مغرورين ومتمردين فحسب"(17)، وبعد ثلاثة شهور تحدى الراهب المشهور العالم إلى مناظرته في الرسائل الخمس والتسعين التي علها في كنيسة فيتنبرج.
3 - الثورة تتخذ شكلاً
قد توحي الصورة التي حفرها كراناخ على الخشب عام 1520 أن لوثر في عام 1517 كان راهباً حليق الرأس متوسط القامة رشيق الجسم إلى حين، وله عينان واسعتان ينما على العزم الجاد، وأنف كبير وذقن يدل على قوة العزيمة ووجه يفصح في هدوء لا في لجاجة عن الشجاعة وقوة الشخصية، ومع ذلك فإنه كتب هذه الرسائل بدافع من الغضب المتسم بالاخلاص لا عن جرأة حمقاء ولم يرَ فيها الأسقف الحلي شيئاً من الهرطقة ولكنه نصح لوثر في لطف ألا يكتب شيئاً آخر في الموضوع لفترة ما. وقد هل المؤلف نفسه ما أثاره من غضب. وفي مايو عام 1518 أبلغ شتاوبتز أن أمله الحقيقي هو أن يقضي حياته في عزلة هادئة ولكنه كان يخدع نفسه فقد كان تلذ له المعركة.
وأصبحت الرسائل حديث الطبقة المتعلمة في ألمانيا. كان الآلاف ينتظرون احتجاجاً كهذا، وهللت الحركة المضادة لرجال الدين وانطلقت من عقالها إذ وجدت صوتاً يعبر عنها. وقل الإقبال على شراء صكوك الغفران. ولكن كثيراً من أنصاره تصدوا لمواجهة التحدي وأجاب تيتزل، بمعاونة بعض المحترفين، في "مائة وست رسالة مضادة"(ديسمبر عام 1517). ولم يسلم فيها باي شيء ولم يقدم أي اعتذار بل "إنه أصدر في بعض الأحيان
حكماً لا يقبل التفاهم مؤيداً لآراء لاهوتية بحتة لا تكاد تتفق مع أعظم الدراسات دقة" (18). وعندما وصل هذا المؤلف إلى فيتنبرج وعرضه بائع جوال للبيع تألبت عليه جمهرة من طلبة الجامعة، وأحرق المخزون لديه وقدره 800 نسخة في ساحة السوق - وهو إجراء استهجنه لوثر في جذل. ورد على تيتزل في "عظة حوول صكوك الغفران والرحمة"، وختمها بقوله في تحد لا نظير له: "إذا كنت هرطيقاً في نظر مَن تعاني أكياس نقودهم من الحقائق التي أذكرها فإني لا أبالي كثيراً بصياحهم لأنه لا يقول هذا إلا مَن رانت على عقولهم غشاوة فلم يعرفوا قط الإنجيل" (19).
وأمطر جاكوب فان هوجسترايتن الكولوني، لوثر ووابلاً من عبارات التنديد، واقترح أن يحرق على السارية، وأصدر جوهان إيك، نائب مدير جامعة أنجولشتادت كتيباً باسم Obeilsci ( مارس عام 1518) اتهم فيه لوثر بنشر "السم البوهيمي"(هرطقات هس) وتقويض النظام الاكليروسي بأسره.
وفي روما نشر سيلفستر بريرياس، رقيب الأدب البابوي حواراً "يؤيد فيه سيادة البابا المطلقة بألفاظ لا تخلوا تماماً من المبالغة وبخاصة عندما يبسط نظريته إلى نقطة خاصة بالتجارة في صكوك الغفران ليس لها سند ولا عليها دليل"(20).
وردّ لوثر في كتيب اسمه Resolutiones قرارات (أبريل عام 1518) وأرسل نسخاً منه إلى أسقفه المحلي وإلى البابا - مع تأكيدات بالمحافظة والطاعة في كلتا الحالتين وتحدث النص في رفق عن ليو العاشر: "على الرغم من أن في عالم الكنيسة رجالاً يجمعون بين العلم والقداسة فإن من سوء طالع عصرنا مع ذلك أنهم لا يستطيعون أن يمدوا يد العون للكنيسة
…
وها نحن أولاء نجد حبراً أعظم لا يباري هوليو العاشر، يمتاز بكمال وعلم هما بهجة لكل آذان الناس الطيبين، ولكن ماذا يستطيع أن يفعل وحده أرق الرجال
قلباً في مثل هذه البلبلة الكبيرة بين الامور مهما كان جديراً بأن يحكم في أوقات خير من هذه؟
…
إننا في هذا العصر لا نستحق إلا بابوات من أمثال يوليوس الثاني وألكسندر السادس
…
إن روما نفسها - نعم روما، أكثر من الكل، تسخر الآن من الناس الطيبين، ترى في أي جزء من العالم المسيحي غير روما، حصن بابيلون الحقيقي، يهزأ الناس بحرية من أحسن الأساقفة؟ " وأكد لليو مباشرة خضوعاً غريباً بقوله:"أيها الاب المبارك أقدم تحت أعتاب قداستك تذللي وخضوعي بكل ما أكونه وما أملك. هيا وسارع، واقتل وادعِ واستدعِ واستحسن واستهجن إذا راق ذلك في نظرك. إني سأقر بأن صوتك هو صوت المسيح، إذ يقيم في جسدك ويتحدث. وإذا كنت أستحق الموت فلن ارفض أن أموت"(21).
ومهما يكن من أمر فإن كتابة قرارات Resolutiones كما لاحظ مستشارو ليو أكد أن المجلس المسكوني أعلى رتبة من البابا، وتحدث مستخفاً عن المخلفات المقدسة وعن الحجج وأنكر فضائل القديسين الزائدة ونبذ كل الإضافات التي قام بها البابوات في القرون الثلاثة الأخيرة على نظرية صكوك الغفران وممارستها، ولما كانت هذه مصدراً له أهميته للدخل البابوي ولما كان ليو في حيرة لا يدري كيف يمول مشروعاته الإنسانية ومنازله وحروبه وإدارة وتنفيذ برنامج بناء الكنيسة أيضاً فإن الحبر الأعظم الذي استبد به القلق، والذي لم يعبأ في مبدأ الأمر بالنزاع باعتباره ضجة عابرة بين الرهبان، تصدى للأمر وأخذه وقتذاك على عاتقه واستدعى لوثر إلى روما (7 يوليو سنة 1518).
وواجه لوثر قراراً حرجاً فحتى إذا عامله أرق البابوات برفق فإنه قد يجد نفسه ملزماً بإيثار الصمت في أدب واعتقال نفسه في دير روماني وسرعان ما ينساه هؤلاء الذين يهتفون له الآن. وكتب إلى جورج سبالاتان القسيس الخاص بالأمير المختار فردريك يقترح عليه أن يبادر الأمراء الألمان بحماية
مواطنيهم من التسليم الإجباري لإيطاليا فوافق الأمير إذ كان يجل لوثر الذ كان له الفل في نجاح جامعة فيتنبرج، وفضلاً عن هذا فإن الإمبراطور ماكس رأى أن لوثر ورقة رابحة يمكن أن يلعب بها في نزاعه الدبلوماسي مع روما فأشار على الأمير المختار أن "يهتم جداً بذلك الراهب"(22).
وفي هذا الوقت نفسه كان الإمبراطور قد دعا المجلس النيابي الإمبراطوري إلى الاجتماع في أوجسبورج للنظر في طلب البابا فرض ضريبة على ألمانيا للمعاونة في تمويل حملة صليبية جديدة ضد الأتراك فرجال الاكليروس (كما رأى ليو) يجب أن يدفعوا عشر دخلهم والعلمانيون جزءاً من أثني عشر جزءاً من دخلهم، وكل خمسين من أرباب البيوت يجب أن يجهزوا رجلاً ورفض المجلس النيابي بل أنه على النقيض سجل مرة أخرى
…
المظالم التي كانت تهيئ الدعامة التي قام عليها لوثر، وأوضح للقاصد الرسولي أن ألمانيا كثيراً ما فرضت على نفسها الضرائب للحملات الصليبية فوجدت أن الأموال تنفق في أغراض البابا الأخرى وأن الناس يعارضون بشدة أية تنازل آخر عن المال لإيطاليا وأن المبالغ السنوية التي تدفع للبابا عن ريع أول عام ورسوم التثبيت الديني ونفقات القضايا الكنسية المحالة إلى روما كانت عبئاً ثقيلاً لا يطاق، وأن التبرعات الألمانية كانت تعطى مثل ثمار البرقوق إلى القساوسة الإيطاليين. وقال أحد النواب إن مثل هذا الرفض الجريء للمطالب البابوية لم يعرف قط في تاريخ ألمانيا (23). وعندما لاحظ ماكسمليان روح الثورة بين الأمراء كتب إلى روما ينصح بالحرص في معاملة لوثر، ولكنه وعد بالتعاون في القضاء على الهرطقة.
وكان ليو ميالاً أو مضطراً إلى التسامح، والحق أن مؤرخاً بروتستانتياً عزا انتصار الاصلاح الديني إلى اعتدال البابا (24) واستبعد الأمر بمثول لوثر أمامه في روما، وبدلاً من ذلك أمره بأن يمثل أمام الكاردينال كاجيتان في أوجسبورج وأن يجيب على التهم الموجهة إليه بالخروج على النظام والهرطقة. وأصدر
تعليماته إلى قاصده الرسولي بأن يعرض على لوثر صفحاً كاملاً ومناصب في المستقبل إذا تراجع عن أقواله وأقر بذلك وإلا فإنه سوف يطلب من السلطات الزمنية أن ترسله إلى روما (25). وفي الوقت نفسه أعلم ليو عن نيته في تقديم تكريم لفردريك طالما تطلع إليه الأمير المختار الورع - ألا وهو "الوردة الذهبية" التي كان البابوات يمنحونها للحكام الزمنيين الذين يودون أن يخصّوهم بأرفع هباتهم، ولعل ليو عرض وقتذاك أن يؤيد فردريك كوارث للعرش الامبراطوري (26).
وقابل لوثر في أوجسبورج الكردينال كاجيتان وهو متسلح بجواز أمان من الإمبراطور (12 - 14 أكتوبر عام 1518)، وكان الكردينال رجلاً متضلعاً في اللاهوت ويعيش حياة مثالية، ولكنه أساء تفسير وظيفته على أنه قاضٍ وليس دبلوماسياً، ورأى أولاً وقبل كل شيء أن الأمر مسألة تتعلق بالنظام الكنسي وضبطه: هل يسمح لراهب أن ينتقد علناً رؤساءه - الذين أقسم أن يدين لهم بالطاعة وأن يدافع عن آراء أدانتها الكنيسة؟ ورفض أن يناقش صحة آراء لوثر أو خطأها وطالبه بأن يسحب أقواله وأن يتعهد بألا يعكر صفو الكنيسة. ولم يستطع أحدهما صبراً على الآخر، وعاد لوثر إلى فينبرج دون أن يتوب وطلب كاجيتان من فردريك أن يرسله إلى روما فأبى فردريك. وكتب لوثر بياناً شائقاً عن المقابلات نشر في أرجاء ألمانيا، وعندما قدمه إلى صديقه فينتسل لينك أضاف قائلاً:"أرسل لك عملي التافه لكي ترى ما إذا كنت مخطئاً في رأيي، طبقاً لتعاليم بولس، أن المناهض الحقيقي للمسيحية يسيطر على البلاد الروماني وأنا أعتقد أنه أسوأ من أي تركي"(27). وفي خطاب أكثر اعتدالاً بعث به إلى الدوق جورج طالب بقوله: "يجب القيام بإصلاح ديني عام للطبقات الروحية والزمنية"(28) والمعروف أن هذه هي المرة الولى التي استخدم فيها الكلمة التي أضفت على ثورته اسمها التاريخي.
واستمر ليو في محاولاته للتوفيق، فأصدر نشرة بابوية في التاسع من نوفمبر عام 1518 أنكر فيها كثيراً من المزاعم المتطرفة التي نسبت إلى صكوك الغفران، فهذه لا تمحو الآثام أو الذنوب ولكنها تعفي فحسب من العقوبات الدنيوية التي فرضتها الكنيسة - لا الحكام الزمنيون - أما بالنسبة لإطلاق سراح الأرواح من المطهر فإن سلطة البابا محدودة بصلواته التي يبتهل فيها إلى الله أن يمنح روح ميت البركة الزائدة للمسيح والقديسين. وفي الثامن والعشرين من نوفمبر قدم لوثر طلباً إلى مجلس عام يستأنف فيه حكم البابا. وفي ذلك الشهر نفسه عهد ليو إلى كارل فون ميلتيتز، وهو نبيل من الطبقات الصغرى في روما، بأن يأخذ "الوردة الذهبية" إلى فردريك وأن يقوم أيضاً بجهد سلمي للعودة بلوثر "إبن الشيطان" إلى حظيرة الطاعة (29).
وعندما وصل ميلتيتز إلى ألمانيا دهش عندما وجد أن نصف أهالي البلد يجاهرون بالعداء للسدة الرومانية وأن من بين كل خمسة من أصدقائه في أوجسبورج ونورمبورج ثلاثة يؤيدون لوثر. وفي ساكسوني كان الشعور المناهض للبابوية قوياً إلى حد أنه تنصل من كل الدلائل التي تشير إلى أنه مبعوث بابوي. وعندما التقى بلوثر في ألتن بورج (3 يناير سنة 1519) وجده صريحاً يؤثر أن يقرع الحجة بالحجة ولا يهاب أحداً. وربما كان لوثر في هذه المرحلة يتوق في اخلاصه إلى الحفاظ على وحدة العالم المسيحي الغربي. وقام بتنازلات كريمة: أن يلزم السكوت إذا التزم خصومه بذلك وأن يكتب رسالة يعلن فيها خضوعه للبابا وأن يقر علناً بصحة الصلوات للقديسين وبحقيقة المطهر وبفائدة صكوك الغفران في الإعفاء من العقوبات الكنسية وأن ينصح الناس بالولاء المسالم للكنيسة، وفي غضون ذلك يجب أن تعرض تفاصيل الخلاف على أسقف ألماني يقبله الطرفان (30) للفصل فيها. فسر ميلتيتز كثيراً وانطلق إلى ليبتسيج واستدعى تيتزل وعنّفه على تطاوله واتهمه بالكذب وخيانة الأمانة وعزله فانزوى تيتزل في ديره ومات بعدها بقليل (11 أغسطس سنة 1519) وتلقى، وهو على فراش الموت، خطاباً
رقيقاً من لوثر يؤكد له فيه أن بيع صك الغفران لم يكن غلا مناسبة وليس سبباً للفتنة و "أن المسألة لم تكن قد بدأت من أجل ذلك ولكن أن للموضوع الوليد أبا آخر"(31). وفي الثالث من مارس كتب لوثر رسالة إلى البابا يعلن فيها خضوعه التام فرد عليه ليو بروح وديّة (29 مارس) ودعاه للحضور إلى روما ليدلي باعترافه، وعرض عليه مالاً لتغطية نفقات رحلته (32). ومهما يكن من أمر فإن لوثر، في تناقض صريح كان قد كتب إلى سبالاتان في الثالث عشر من مارس:"إني في حيرة لا أدري هل البابا مناهض للمسيح أم أنه رسوله"(33). ورأى أن في هذه الظروف أن من الأسلم له أن يبقى في فيتنبرج.
وهناك كانت الكلية والطلبة والمواطنون يعطفون في الغالب على قضيته، ولقد أسعده بصفة خاصة أن يلقى التأييد من شاب ألمعي، عالم بالإنسانيات واللاهوت، كان قد عينه الأمير المختار عام 1518 وهو في الحادية والعشرين من عمره لتدريس اللغة اليونانية بالجامعة. وكان فيليب شفارتسرت (الأرض السوداء) قد صبغ اسمه بالهيلينية وغيرّه إلى ميلانكتون على يد عمه العظيم رويخلين، كان رجلاً صغير القامة ضعيف البنية، يعرج في مشيته، وله تقاطيع لطيفة، وحاجبان مرتفعان، وعينان تنمان عن الخجل، وقد أصبح مفكر الاصلاح الديني هذا محبوباً في فيتنبرج إلى حد أن خمسمائة أو ستمائة من الطلبة كانوا يتجمهرون في قاعة محاضرته، بل إن لوثر نفسه الذي وصفه بأنه "ستحلى بكل فضيلة معروفة للإنسان" (34) كان يجلس في تواضع بين تلاميذه. وقال أرازموس: "إن ميلانكتون رجل رقرق الحاشية فحتى أعداؤه يذكرونه بالخير (35).
وكان لوثر يلذ له الصراع بينما كان ميلانكتون يؤثر المسالمة والتراخي، وكان لوثر يؤنبه أحياناً على أنه حليم أكثر مما يجب، إلا أن أنبل جانب للوثر وأشده اعتدالاً قد اتضح في حبه الذي لم ينقطع لرجل يختلف عنه في المزاج والسياسة. "لقد خلقت للحرب والقتال مع الأحزاب والشياطين، ومن هنا فإن كتب عاصفة خليقة بمحارب. لابد أن أجتث جذور جذوع
الأشجار وبقاياها وأن أنتزع الأشواك وأقلم نباتات الأسوار وأن أردم الحفر، فأنا خبير بالإحراج وأستطيع أن أقتحم فيها طريقاً وأن أهيّئ الامور، أما الأستاذ فيليب فإنه يسير في رفق وهدوء ويفلح الأرض ويزرع ويبذر ويسقي وهو مسرور كما حباه الله في سخاء" (36).
وثمة أستاذ آخر في فيتنبرج لمع ببريق أشد من بريق ميلانكتون ذلك هو أندرياس بودينشتاين، المعروف من محل ميلاده باسم كارلشتادت، وقد انضم إلى هيئة التدريس بالجامعة وهو في الرابعة والعشرين من عمره (1504) وفي الثلاثين عين أستاذاً لكرسي الفلسفة التومية واللاهوت. وفي اليوم الثالث عشر من ابريل عام 1517 سبق احتجاج لوثر التاريخي بنشر 152 مقالاً ضد صكوك الغفران. وكان في مبدأ الأمر معارضاً للوثر ولكنه سرعان ما تحول إلى نصير غيور حتى لقد قال عنه الثائر العظيم "إنه أشد تحمساً مني للأمر"(37). وعندما تحدى إيك في كتابه Obelisci رسائل لوثر دافع عنها كارلشتادت في 406 قضية منطقية واحدى هذه القضايا المنطقية تحتوي على أول بيان محدد بالألمانية عن الاصلاح الديني الألماني وعن سلطة الإنجيل العليا على مراسيم الكنيسة وتقاليدها. فرد إيك وتحداه أن يدخل معه في مناظرة علنية، فوافق كارلشتادت في الحال وقام لوثر بعمل التدابير اللازمة، ثم نشر إيك بياناً أورد فيه قائمة بثلاثة عشر مقالاً عرض أن يقيم عليها الدليل في المناظرة. وجاء في إحداها "نحن ننكر أن الكنيسة الرومانية لم تكن أعلى من الكنائس الأخرى قبل عهد سيلفستر وقد اعترفنا لشاغل كرسي بطرس بأنه خليفة المسيح ونائبه". ولكن لوثر وليس كارلشتادت هو الذي أثار في كتابه "قرارات" Resolutiones مسألة أن السلطة الرومانية في القرون الأولى من المسيحية لم يكن لها من السلطان ما يزيد على سلطان عدة أساقفة آخرين من أساقفة الكنيسة، وشعر لوثر بأن هذا التحدي موجه له وزعم أن مقال إيك قد حرره من عهده الذي قطعه على نفسه بالتزام السكوت وقرر أن ينظم إلى كارلشتادت في المبارة اللاهوتية.
وفي يوليه عام 1519 انطلق المحاربان إلى ليبتسيج يصحبهما ميلانكتون
وستة اساتذة آخرون، ويرافقهما 200 طاب من فيتنبرج في عربات ريفية وهم مسلحون ومسربلون بالدروع وكأنهم مقبلون على معركة، والحق أنهم كانوا يدخلون أرضاً معادية للوثر. وفي القاعة الكبيرة المفروشة بالطنافس في قلعة بلايسينبورج ووسط جمهرة من المشاهدين المتلهفين وتحت رئاسة الدوق المحافظ جورج صاحب ألبرتين ساكسوني بدأ إيك وكارلشتادت المثاقفة بين القديم والجديد (27 يونيه). ولم يكد أحد في ليبتسبورج يعبأ بأن إمبراطوراً جديداً سوف يُنتخب غداً في فرانكفورد الواقعة في المين.
وبعد أن عانى كارلشتادت أياماً من براعة إيك العالية في المناظرة ناب لوثر عن فيتنبرج. وكان المعياً قوي الحجة في النقاش، ولكنه كان قليل المبالاة إلى درجة التهور، فأنكر بشدة رئاسة أسقف روما في أيام المسيحية الأولى وذكر أشد مستمعيه كراهة بأن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية الواسعة الانتشار لا تزال ترفض سيادة روما. وعندما هاجم إيك رأي لوثر وقال إنه إنما يردد وجهة نظر هس التي أدانها مجلس كونستانس، رد لوثر بقوله إن المجالس المسكونية يمكن أن تخطئ وأن كثيراً من آراء هس كانت صحيحة وعندما انتهى هذا الجدل (8 يوليه) كان إيك قد وصل إلى غرضه الحقيقي - وهو أن يستدرج لوثر إلى أن يرتكب بنفسه جريمة هرطقة محددة، فقد تحول الاصلاح الديني من خلاف صغير حول صكوك الغفران إلى تحدٍ كبير للسلطات البابوية على العالم المسيحي.
وانطلق إيك إلى روما وقدم إلى السدة البابوية تقريراً عما دار من نقاش وأوصى بحرمان لوثر من غفران الكنيسة، ولكن ليو لم يكن متعجلاً إلى هذا الحد إذ كان لا يزال يراوده الأمل في حل سلمي ثم إنه كان بعيداً جداً عن ألمانيا فلم يدرك مدى ما بلغته الثورة، كما أن مواطنين بارزين مبجلين من أمثال جوهان هولتسشوهر ولازاروس شبينجلر وفيليبالد بيركهايمر، دافعوا عن لوثر ودعا ديرر له بالنجاح وكان علماء الانسانية يطلقون
وابلاً من الكتيبات تطعن في البابوي بكل ما استوعبه العصر من نقد جارح. وعندما وصل أولريخ فون هوتن إلى أوجسبورج عام 1518 تحول بقصائده ضد نداء ليو بجمع الأموال للحرب الصليبية وأعرب عن أمله في أن يذهب الجباة إلى الوطن بحقائب خاوية. وعندما بلغته أنباء المناظرة في ليبتسيج حيا لوثر كمحرر لألمانيا وشرع قلمه ابتداء من ذلك الوقت سيفاً مسلطاً للدفاع عن الاصلاح، وانخرط في سلك فرسان فرانتس فون سيكنجن - الذين كانوا يتلهفون على الثورة - وأغراه على أن يقدم إلى لوثر كل التأييد والحماية اللتين يمكن لعصبته المسلحة أن تزوده بهما، ورد لوثر معبراً عن تقديره الحار، ولكنه لم يكن على استعداد لاستخدام القوة دفاعاً عن شخصه.
وفي مارس عام 1520 نشر هوتن مخطوطة ألمانية قديمة كتبت في عيد الإمبراطور هني الرابع (حكم من 1056 - 1106)، وكانت تؤيد هنري في صراعه مع البابا جريجوري السابع، وأهدى الكتاب إلى الإمبراطور الشاب شارل الخامس إشارة إلى أن ألمانيا تتوقع منه أن ينتقم لإذلال هنري وهزيمته. وقال هوتن إن تحرير ألمانيا من روما أشد إلحاحاً من صد الأتراك. "في الوقت الذي رأى فيه أجدادنا أنه لا يخلق بهم أن يخضعوا للرومان عندما كان هؤلاء أعظم أمه حربية في العالم نجد أننا لا نخضع لهؤلاء العبيد المخنثين المنغمسين في حمأة الشهوة والترف فحسب بل إننا نعرض أنفسنا للاغتصاب ونهيّئ لهم إرضاء شهواتهم الحسية"(38). وفي أبريل عام 1520 أصدر هوتن أول سلسلتين من Gesprache وهو محاورات منظومة لعبت دوراً لا يفوقه إلا مؤلفات لوثر، وذلك في الإعراب عن الرغبة القومية في الاستقلال عن روما واستنهاضها ووصف روما بأنها:"دودة ضخمة تمتص الدماء". وصرّح بأن "البابا زعيم لص وأن عصابته تحمل اسم الكنيسة
…
وروما بحر من الدنس وحمأة من القذارة وبالوعة ليس لها قرار من الظلم.
ألا يجدر بنا أن نتقاطر من كل حدب وصوب لنقوم بإزالة هذه اللعنة الشائعة التي حاقت بالبشرية؟ " (39)، وأقام أرازموس الحجة مع هوتن ليلطف من أسلوبه وحذره ودياً بأنه في خطر وعرضة للقبض عليه. واختبأ هوتن نفسه في قلاع سيكينجن واحدة إثر أخرى ولكنه استمر في حملته. ونصح الأمير المختار فردريك باستيلاء السلطة الزمنية على كل ثروة الأديرة، وأوضح الوجوه السامية التي يمكن لألمانيا أن تنفق فيها الأموال التي ترسل سنوياً إلى روما (40).
ولكن مركز الحرب ظل في فيتنبرج الصغيرة. وفي ربيع عام 1520 نشر لوثر موجزاً به ملاحظات عنيفة استشهد بها أحدث المزاعم التي لا تلين والتي يرددها علماء اللاهوت المحافظون عن سيادة البابوات وسلطانهم. وقابل لوثر التطرف بالتطرف: إذا كانت روما تؤمن وتعلم بمعرفة البابوات والكرادلة (التي أرجو ألا تكون تلك هي الحالة) فإني أعلن بحرية في هذه الكتابات بأن المناهض للمسيحية الحقيقي يجلس في معبد الرب ويحكم في روما - بابل هذه المصبوغة بلون الارجوان - وأن مجلس تلك العشيرة الرومانية هو هيكل الشيطان
…
وإذا استمر هياج أنصار روما على هذا النحو فلن يكون أمامنا من علاج سوى أن يتولى الأباطرة والملوك والأمراء، تحيط بهم القوة والأسلحة، مهاجمة هذه الأوبئة في العالم وحسم الأمر بالسيف لا بالكلمات
…
وإذا كنا نقضي على اللصوص بالمشانق ونضرب أعناق الناهبين بالسيوف ونلقي بالهراطقة في النار فلماذا لا نهاجم أيضاً بالأسلحة أساتذة الدمار هؤلاء، أعني هؤلاء الكرادلة وهؤلاء البابوات وكل هذه البالوعة من سدوم الرومانية التي أفسدت كنيسة الرب بلا حدود، ونغسل أيدينا في دمائهم؟ " (41).
وأصدر كارلشتادت فيما بعد في العام نفسه "كتيباً" De Canonicis Scripturis Libelus جعل فيه الكتاب المقدس يعلو على البابوات والمجالس
الدينية والتقاليد والأناجيل أعلى من الرسالات الإنجيلية، ولو أن لوثر اتبع هذا الخط الأخير لكانت البروتستانتية قد أصبحت أقل بولسية وأوغسطينية وجبرية كان كتاب Libellus على رأس عصره في الشك في تأليفٍ مؤسٍ للاسفار الخمسة (التوراة) وصحة الأناجيل ولكنه كان ضعيفاً في حجته الرئيسية: فقد قرر صحة الكتب الإنجيلية استناداً إلى الروايات المأثورة عن القرون الأولى ثم رفض الرواية التي تؤيد الكتب الثابتة على هذا النحو.
وتشجع لوثر بتأييد ميلانكتون وكارلشتادت وهوتن وسيكنجن فكتب إلى سبالاتان (11 يوليه سنة 1520): "لقد ألقيت النرد. وأنا أحتقر الآن غضب الرومان بقدر ما أحتقر رضاهم. ولن أهادنهم إلى الأبد
…
فليدينوا ويحرقوا كل ما يمت لي بصلة، وأنا في مقابل هذا سوف أفعل لهم الكثير
…
إني لم أعد اليوم أخشى أحداً وسوف أنشر كتاباً باللغة الألمانية عن الاصلاح المسيحي وهو موجه ضد البابا بلهجة عنيفة كما لو كنت أوجهها إلى مناهض للمسيحية" (43).
4 - نشرات بابوية ملتهبة
أصدر ليو العاشر في اليوم الخامس عشر من شهر يونيه عام 1520 نشرة أدان فيها واحداً وأربعين بياناً للوثر، وأمر بأن تُحرق علناً مؤلفاته التي ظهرت فيها، وأنذر لوثر بأن يتراجع عن أخطائه وأن يعود إلى حظيرة الدين. وإذا رفض أن يأتي إلى روما في خلال ستين يوماً ويسحب أقواله علناً فإنه سوف يُبتر من عضوية العالم المسيحي بحرمانه من غفران الكنيسة، وسوف يعرض عنه كل المؤمنين باعتباره هرطيقاً، وسوف تتوقف العبادة في جميع الأماكن التي يقيم فيها، وعلى جميع السلطات الزمنية أن تطرده من أملاكها أو تسلمه إلى روما.
وأعلن لوثر نهاية عهد التسامح بنشر أول كتاب من الكتيبات الثلاثة
التي كونت برنامج الثورة الدينية. وكان حتى هذا الوقت قد كتب باللغة اللاتينية مخاطباً الطبقات المستنيرة، أما الآن فإنه كتب باللغة الألمانية - كوطني ألماني - خطاباً مفتوحاً إلى أشراف الأمة الألمانية المسيحية بشأن إصلاح طبقة رجال الدين، وشمل نداءه "استغاثة بالنبيل الشاب" الذي كان قد اختير منذ عام امبراطوراً باشم شارل الخامس "وأنعم به الله علينا ليكون زعيماً لنا وبهذا ينعش في كثير من الأفئدة آمالاً كباراً في الخير" (43). وهاجم لوثر "الجدران الثلاثة" التي شيدتها البابوي حول نفسها وهي: التمييز بين رجال الأكليروس والعلمانيين وحق البابا في أن يفسر الكتاب المقدس على هواه، وحقه المطلق في دعوة مجلس عام للكنيسة، وقال لوثر إن كل هذه الدعاوى الدفاعية يجب أت تُهدم. فأولاً ليس هناك فرق حقيقي بين رجال الأكليروس والعلمانيين إذ أن كل مسيحي ينصب قساً بالتعميد ومن ثم فإن على الحكام الزمنيين أن يمارسوا سلطاتهم "دون عائق أو اعتراض بغض النظر عما إذا كانوا يسيئون إلى البابا أو الأسقف أو القس
…
وكل ما نص عليه القانون الكنسي مما يناقض ذلك من خالص بنات أفكار الوقاحة الرومانية" (44). وثانياً: أن كل مسيحي يُعد قساً فإن له الحق في أن يفسر الكتب المقدسة طبقاً لما يراه (45). وثالثاً: يجب أن يكون الكتاب المقدس مرجعنا الأخير للعقيدة أو أداء الشعائر فالكتاب المقدس لا يقدم أية بينة على حق البابا المطلق في دعوة مجلس. وإذا كان ينشد بالحرمان من غفران الكنيسة أو التحريم أن يمنع مجلساً، "فإننا يجب أن نستخف بسلوكه كأنه تصرف رجل مجنون ونقذفه بحرمانه معتمدين في ذلك على الله ونقمته بقدر الإمكان" (46) ويجب دعوة مجلس في أقرب وقت وعليه أن يفحص المفارقة الفظيعة في أن زعيم العالم المسيحي يعيش في ترف دنيوي يفوق ما يحلم به أي ملك ولابد أن يضع هذا حداً لاستيلاء رجال الدين الإيطاليين على التبرعات الألمانية وأن يقلل إلى واحد في المائة من "زمرة الهوام" الذين يشغلون في روما مناصب دينية تدر عليهم دخلاً دون أن يؤدوا عملاً ويعيشون بصفة أساسية على الأموال التي يسلبونها من ألمانيا.
"لقد قرر البعض أن أكثر من 300000 جولدن تجد طريقها كل عام من ألمانيا إلى إيطاليا
…
وها نحن أولاء نصل إلى لب الموضوع
…
كيف يتأتى أن يكون لزاماً علينا نحن الألمان أن نتسامح في مثل هذه السرقة ومثل هذا السلب لأملاكنا على يدي البابا؟
…
وإذا كنا بحق نشنق اللصوص ونضرب أعناق السارقين بالإكراه فكيف نسمح للشره الروماني أن يفلت من العقاب؟ ذلك لأنه أكبر لص وسارق بالإكراه جاء أو يمكن أن يجيء إلى العالم بل وشرهم قاطبة بالاسم المقدس للمسيح والقديس بطرس ومَن في وسعه بعد هذا أن يتحمل أو يلزم السكوت؟ " (47).
لماذا يتحتم على الكنيسة الألمانية أن تدفع هذه الجزية الدائمة إلى سلطة؟ فليتخلص رجال الدين الألمان من تبعتهم لروما ولينشئوا كنيسة قومية تحت زعامة كبير أساقفة ماينز. إن أوامر الاستجداء يجب أن تقل ويجب أن يُسمح للقساوسة بالزواج ويجب ألا تؤخذ عهود الرهبنة قبل سن الثلاثين، وأن تلغى التحاريم والحج وشعائر القداس على أرواح الموتى
…
والعطلات (ما عدا أيام الآحاد) وعلى الكنيسة الألمانية مصالحة الهسيين في بوهيميا، إن هس أحرق دون أن يشفع له حصوله على جواز الأمان من الإمبراطور، وفي أية حال فإننا "يجب أن نتغلب على الهراطقة بالكتب لا بالحرق"(48)"ويجب أن يُنبذ كل قانون كنسي وألا يكون هناك إلا قانون واحد يطبق على رجال الدين والعلمانيين على السواء" - "يجب علينا فوق كل شيء أن نطرد من الأراضي الألمانية مبعوثي البابا بكل ما لهم من قوى" - وهي التي يبيعونها لنا مقابل مبالغ كبيرة من المال - لإقرار الأرباح الجائرة، للتحلل من الأقسام والعهود والاتفاقيات بحجة أن البابا له سلطة القيام بهذا العمل - وإن كان هذا خداعاً لا مراء فيه
…
وإذا لم يكن هناك أضاليل خبيثة أخرى لإثبات أن البابا هو المناهض الحقيقي للمسيحية فإن هذا الشيء يكفي لإثبات هذا. أتسمع هذا أيها البابا، ولا أقول أقدس الرجال بل أكبرهم إثماً؟
ثق بأن الله رب السموات سوف يقوض عرشك قريباً ويغرقه في هاوية الجحيم
…
يا سيدي المسيح أطل علينا من عليائك ودع يوم قصاصك يشرق ودمر عش الشيطان في روما! (49).
وأصبح هذا الهجوم العنيف الذي قام به رجل ضد سلطة تشمل كل أوربا الغربية، حديث ألمانيا، فالحذرون من الرجال عدّوه من قبيل الافراط والتهور وعدّه الكثيرون من بين أعظم الأفعال البطولية في تاريخ ألمانيا. وسرعان ما نفدت أول طبعة من كتاب "خطاب مفتوح" وشغلت مطابع في تمبرج بإخراج طبعات جديدة. وكانت ألمانيا مثل إنجلترا، مهيأة لتقبل الدعوة إلى القومية ولم يكن هناك إبان هذا العهد دولة اسمها ألمانيا على الخريطة ولكن كان هناك ألمان بدءوا يشعرون بأنفسهم كشعب. وبما أن هس قد أكد وطنيته البوهيمية، وبما أن هنري الثامن لم ينبذ العقيدة الكاثوليكية بل رفض أن يمتد سلطان البابا إلى إنجلترا، فإن لوثر وقتذاك زرع بذرة الثورة لا في صحارى اللاهوت بل في الأرض الخصبة لروح ألمانيا القومية وحيثما فازت البروتستانية حملت القومية العلم.
وفي سبتمبر عام 1520 أصدر إيك وجيروم ألياندر منشور الحرمان من غفران الكنيسة في ألمانيا فرد عليهم لوثر الطعنة باصدار بيان ثانٍ هو "الأسر البابلي للكنيسة"(6 أكتوبر) ولما كان موجهاً إلى علماء اللاهوت والدارسين فإنه عاد إلى الكتابة باللاتينية، ولكن سرعان ما ترجم البيان وكان له تأثير عظيم على العقيدة المسيحية قارب تأثير "خطاب مفتوح" على التاريخ الديني والسياسي. فكما قاسى اليهود طويلاً من الأسر في بابل فإن الكنيسة كما أنشأها المسيح، وكما نص عليه في العهد الجديد قد تعرضت للأسر ما يزيد على ألف عام تحت حكم البابوية في روما. وفي خلال تلك الفترة تعرض دين المسيح إلى الفساد في الإيمان والأخلاقيات والشعائر. وبما أن المسيح قد أعطى حوارييه نبيذاً وخبزاً في العشاء الأخير فإن الهسيين كانوا
على حق فيما ذهبوا إليه: إذ يجب أن يتناول القربان المقدس بكلا الشكلين كما يشاء الناس، والقس لا يغير الخبز والنبيذ إلى جسد ودم المسيح، فليس هناك قس يملك هذه القدرة الصوفية، ولكن المسيح سيجيء روحياً ومادياً لكل مَن يتناول القربان المقدس لا عن طريق أي تحول معجز على يد أحد القساوسة بل سيجيء بإرادته وقوته، فهو حاضر في القربان المقدس مع الخبز والنبيذ عن طريق التجاسد لا عن طريق التجسيم (50). ورفض في هلع الفكرة التي تذهب إلى أن القس يقدم المسيح إلى أبيه في القداس قرباناً للتكفير عن خطايا البشر ولو أنه لم يجد ما يفزعه في الفكرة التي تقول إن الرب قد سمح للبشر بأن يصلبوا الرب قرباناً للرب تكفيراً عن خطايا البشر.
وأضاف بعض المستحدثات الأخلاقية إلى هذه الأمور الدينية التي تدق على الفهم، فالزواج ليس قرباناً مقدساً لأن المسيح لم يقطع على نفسه عهداً بأن يبث فيه الرحمة الإلهية وقال "إن زيجات الأقدمين لم تكن تقل قداسة عن زيجاتنا كما أن زيجات الكفار ليست أقل صحة من زيجاتنا"(51). وعلى ذلك يجب ألا يحرم الزواج بين المسيحيين وغير المسيحيين "فكما آكل وأشرب وأنام وأمشي
…
وأتعامل مع وثني أو يهودي أو تركي أو هرطيقي فإن في وسعي أن أتزوج من أي واحدة من نسائهم، فلا تبالوا بالقانون الذي سنه الأحمق لتحريم هذا
…
إن الشخص الوثني سواء كان رجلاً أو امرأة خلقه الله كما خلق القدّيس بطرس والقديس بولس أو القديسة لوسي" (52). وأي امرأة تتزوج من رجل عنين يجب أن يسمح لها، إذا وافق زوجها، بأن تضاجع رجلاً آخر لكي تنجب منه طفلاً ويجب أن يسمح لها بأن تدعي أن الطفل هو ابن زوجها وإذا أبى الزوج فإنها تستطيع بحق أن تطلق منه. ومع ذلك فإن الطلاق مأساة لا نهاية لها، ولعل تعدد الزوجات خير منه (53). ثم أضاف لوثر التحدي إلى الهرطقة وانتهى إلى أن يقول "إني أسمع إشاعة إن نشرات بابوية جديدة ولعنات بابوية تُرسل ضدي تتضمن حثاً على سحب أقوالي (54)
…
وإذا كان هذا حقاً أود أن يكون هذا الكتاب جزءاً من الانكار الذي أقوم به".
وكان حرياً بمثل هذه السخرية أن تزيغ ميلتيتز عن حلمه بالمهادنة. ومع ذلك فإنه سعى مرة أخرى إلى لوثر (11 أكتوبر سنة 1520) وأقنعه بأن يرسل للبابا ليو خطاباً يتنصل فيه من أي قصد في مهاجمته شخصياً ويعرض القضية باعتدال للاصلاح وسوف يحاول ميلتيتز من جانبه أن يكفل له إلغاء النشرة، فما كان من لوثر البالغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً "والفلاح ابن الفلاح" كما كان يدعو نفسه مفاخراً، إلا أن كتب خطاباً لم يضمنه اعتذاراً بل نصيحة ابوية تقريباً إلى خليفة القدّيس بطرس وسليل آل مديتشي البالغ من العمر خمسة وأربعين عاماً. وأعرب عن احترامه للبابا كفرد ولكنه استنكر في غير هوادة فساد البابوية في الماضي والمحكمة البابوية في الحاضر: "إن ما تتمتع به من سمعة وشهرة في حياتك الطاهرة الذيل أمر معروف تماماً وأسمى من أن يكون مجالاً للهجوم
…
ولكن سدتك البابوية التي تسمى المحكمة الرومانية والتي لا يمكنك أنت أو أي انسان أن تنكر أنها أكثر فساداً مما كان عليه أهل بابل أو سدوم والتي بقدر ما أستطيع أن أرى، تتسم بخبث غوى لا أمل فيه قبيح الصيت - فهذه السدة أنا أزدريها
…
ولقد أصبحت الكنيسة الرومانية أكبر وكر داعر للصوص وأعظم المواخير التي يندى لها الجبين ومملكة الاثم والموت والجحيم
…
ولطالما ساءني يا صاحب المقام السامي ليو إنك تُنصَّب بابا في هذه العهود لأنك خليق بأيام خير منها
…
"ولذلك أرجو" يا عزيزي ليو أن تستمع إلى تلك الأقوال المعسولة التي لا تجعلك بشراً سوياً وترفعك إلى مصاف أنصاف الآلهة لكي تأمر
…
بما تشاء فأنت خادم الاجراء وبعد كل الرجال الآخرين في مركز خطير يرثى له. فلا يخدعك هؤلاء الذين يدعون أنك سيد العالم
…
الذين
يهرفون بأن لك سلطاناً على السماء والجحيم والمطهر
…
إن الذين يعلون قدرك فوق المجلس وفوق الكنيسة العالمية يخطئون. والذين ينسبون إليك الحق في تفسير الكتاب المقدس يخطئون لأنهم ينشدون تحت ستار اسمك أن يرسوا قواعد خبثهم في الكنيسة، ومما يؤسف له أن الشيطان من خلالهم قد أحرز نجاحاً تحت حكم أسلافك. والخلاصة لا تصدق أحداً يعلي من قدرك، وصدق هؤلاء الذين يضعون من شأنك (55).
وأرسل لوثر مع هذا الخطاب ثالث بياناته وأطلق عليه اسم "عجالة في الحرية المسيحية"(نوفمبر عام 1520) وشعر بأنه "ما لم أكن مخدوعاً فإنها الحياة المسيحية بأسرها في شكل موجز"(56). وعبّر هنا باعتدال يخلو من الرقة عن مذهبه الأساسي - أن ذلك الإيمان وحده لا الأعمال الصالحة هي التي تخلق المسيحي الصادق وتخلصه من عذاب النار. لأن الإيمان بالمسيح هو الذي يجعل الإنسان صالحاً وأعماله الصالحة تترتب على ذلك الإيمان. "فالشجرة تحمل الثمار أما الثمرة فلا تحمل الشجرة"(57). والإنسان القوي الإيمان بالله والذي يكفّر عن تضحية المسيح لا ينعم بحرية الإرادة فحسب ولكن ينعم بأعمق الحريات كلها: التحرر من نداء الجسد ومن كل القوى الشريرة ومن اللعنة الأبدية بل ومن القانون لأن الانسان الذي تتدفق فضيلته تلقائياً من إيمانه في غنى عن الأوامر بالاستقامة (58). ومع ذلك فإن هذا الإنسان الحر يجب أن يكون خادماً لكل الناس لأنه لن يكون سعيداً إذا عجز عن عمل كل ما في وسعه لإنقاذ الآخرين كما ينقذ نفسه. إنه بالإيمان يرتبط بالله وبالحب مع جاره. وكل مسيحي مؤمن يُعَد قساً يقوم بالخدمات الدينية.
وبينما كان لوثر يكتب تلك الرسائل التاريخية كان إيك والياندر يواجهان الثورة الدينية مباشرة وأحرزا نجاحاً في إعلان نشرة الحرمان من غفران الكنيسة في مايسين ومرسيبورج وبراندينبورج، أما في نورمبورج فإنهما
لم يستخلصا إلا الاعتذارات من بيركهايمر وشينجلر وفي ماينز طرد كبير أساقفتها ألبرخت من بلاطه هوتن بعد أن هادن فترة الاصلاح الديني وسجن طابعي كتب هوتن وصودرت كتب لوثر في أنجولستادت وأحرقت في ماينز ولوفان وكولونيا، ولكن في ليبتسيج وتورجاو وديبيلين لُطخت النشرة المعلقة بالقذارة ومُزقت وفي أرفورت انضم كثير من الأساتذة ورجال الدين في رفض عام للاعتراف بالنشرة، وألقى الطلبة بكل ما وصل إلى أيديهم من النسخ في النهر، وأخيراً فر إيك من المسرح الذي شهد انتصاراته قبل ذلك العام (59).
وندد لوثر بالاعلان في سلسلة من الكتيبات التي تقطر مرارة وفي إحدى هذه الكتيبات أعلن موافقته الكاملة على آراء هس، وحوالي 31 من أغسطس عام 1520 استغاث بالامبراطور طالباً الحماية مثل "برغوث واحد يجرؤ على مخاطبة ملك الملوك" وفي السابع عشر من نوفمبر نشر استغاثة رسمية من البابا بمجلس للكنيسة. وعندما علم أن مبعوثي البابا يحرقون كتبه قرر أن يرد عليهم بالمثل؛ فأصدر نداء إلى الشباب التقي المثقف في فيتنبرج لكي يتجمع خارج بوابة "الستر" في المدينة صباح يوم 10 ديسمبر، وهناك أمسك بيديه نشرة البابا وقذف بها في النار مع بعض المراسيم الكنسية ومجلدات من لاهوت أصحاب الفلسفة الكلامية، ورمز في عمل واحد إلى رفضه للقانون الكنسي وفلسفة الأكويني وكل سلطة للكنيسة تأخذ بسياسة القمع. وجمع الطلبة كتباً أخرى من نفس النوع في ابتهاج وألقوا بها في النار لتظل مشتعلة حتى ساعة متأخر من بعد ظهر ذلك اليوم. وفي الحادي عشر من ديسمبر أعلن لوثر أنه لا يمكن لإنسان الخلاص ما لم يتبرأ من حكم البابوية (60) وهكذا حرّم الراهب البابا من غفران الكنيسة.
5 - المجلس النيابي في ورمس
ولقد ظهر على المسرح وقتذاك ممثل ثالث قام منذ تلك اللحظة بطور كبير واستمر ثلاثين عاماً وذلك في الصراع بين اللاهوت والحكومات. ولسوف يفرض نفسه على سردنا التاريخي في اثني عشر فصلاً أو يزيد.
واستهل الرجل، الذي قُدّر له أن يصبح الإمبراطور شارل الخامس، سيرته بميراث ملكي وإن يكن مدنساً، فجده من جهة أبيه الإمبراطور ماكسمليان وجدته ماري البورغندية ابنة شارل الجسور، وجده من جهة أمه فرديناند وجدته إليزابلا، أما أبوه فهو فيلب المجيل ملك قشتالة الذي ارتقى العرش في السادسة والعشري ومات وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وأمه هي جوانا لالوكا التي جنت عندما بلغ شارل السادسة، وعاشت حتى بلغ الخامسة والخمسين من عمره. ولقد ولد في غنت (24 فبراير سنة 1500) ونشأ في بروكسل وظل فلمنكي اللسان والطبع إلى أن اعتزل الحكم نهائياً في إسبانيا. ولم تغفر له هذا إسبانيا ولا ألمانيا ولكنه بمرور الوقت تعلم الحديث بالالمانية والأسبانية والإيطالية والفرنسية، وكان يستطيع أن يلتزم الصمت في اللغات الخمس. وحاول أدريان الأوترختي أن يعلمه الفلسفة ولكنه لم يصب نجاحاً يذكر، وتلقى على يدي هذا الأسقف الصالح تأديباً صارماً، يتفق مع عقيدة المستمسكين بأهداب الدين، وربما تشرب مع ذلك في منتصف العمر نزعة شك خفية من مستشاريه ورجال بلاطه الفلمنكيين الذين شاع بينهم قدر يكتنفه الرضا من عدم المبالاة بالعقيدة على طريقة أرازموس.
ولكم شكا بعض القساوسة من اطلاق حرية الرأي الديني بين حاشية شارل (61). واعتصم بالتقوى ولكنه عكف على دراسة فن الحرب. وقرأ كومينيس وتعلم في مرحلة الطفولة حيل الدبلوماسية وعدم تمسك الدول بالأخلاق.
وعند وفاة أبيه (1506) ورث ألفراندرز وهولندة وكونتيه فرانش وادعاء الحق في حكم برغنديا. ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره نهض
بمسئولية الحكم ووقف نفسه على الادارة، وفي السادسة عشرة أصبح شارل الأول ملك أسبانيا وصقلية وساردينيا ونابلي وأمريكا الاسبانية، وفي التاسعة عشرة طمح إلى أن يصبح امبراطوراً، وكان فرانسيس الأول ملك فرنسا يصبوا إلى الشرف نفسه في ذلك الوقت أيضاً، وسر الأمراء المختارون الإمبراطوريون بدماثة أخلاقه إلا أن شارل أنفق 850000 فلورين ليكسب هذه المباراة واستطاع أن يفوز بها (1519). واضطر في سبيل جمع هذا المبلغ الطائل إلى أن يقترض مبلغ 543000 فلورين من آل فوجر، وهكذا أصبح شارل (62) منذ ذاك صديقاً لآل فوجر، كما أصبح آل فوجر أوفياء له، ولكنه لما تأخر في سداد القرض أرسل له جاكوب فوجر الثاني مذكرة حادة اللهجة: من المعروف جيداً أن جلالتكم ما كنتم تستطيعون الحصول إلى الشرف الإمبراطوري لولا مساعدتي وفي وسعي أن أثبت ذلك بالبيانات المسجلة من جميع المندوبين ولم أنشد في هذا منفعتي الخاصة
…
واني أطلب بكل احترام أن تتفضلوا
…
باصدار الأمر بإعادة المبلغ الذي كنت قد دفعته هو والفائدة دون تأخير (63).
وواجه شارل جانباً من التزامه بمنح آل فوجر حق الاستيلاء على رسوم الجمارك في ميناء أنتورب (64)، وعندما أوشك آل فوجر على الخراب نتيجة لغزوات الأتراك لهنغاريا هب لنجدتهم بمنحهم حق الاشراف على المناجم الاسبانية (65)، ومنذ ذلك الوقت صار مفتاح كثير من التاريخ السياسي "فتش عن المصرفي".
وهذا الفتى الذي وجد نفسه في التاسعة عشرة من عمره زعيماً بالاسم لكل وسط أوربا وغربها ما عدا إنجلترا وفرنسا والبرتغال والولايات البابوية قد يميز بالصحة الضعيفة التي ضاعفت من تقلباته
…
كان شاحب الوجه قصير القامة، تبدو عليه البساطة، له أنف حاد أقنى، وذقن ينم على التحدي، خافت الصوت رصين السمات، وكان رقيق القلب لطيف المعشر بطبعه، ولكنه سرعان ما تعلّم أن الحاكم يجب أن يحافظ
على المسافة والاتجاه وأن السكوت نصف الدبلوماسية، وأن روح الفكاهة الصريحة تكدر عبير جلال الملك. وعندما التقى به ألياندر عام 1520 كتب إلى ليو العاشر يقول: "في رأيي أن هذا الأمير قد وهب
…
فطنة تفوق عمره وأنه يخفي في رأسه أكثر مما يبدو على وجهه" (66). ولم يكن متوقد الذكاء إلا في الحكم على الرجال - مما يكسبه نصف المعركة، وكان يرتفع إلى مستوى الأزمات التي تواجهه بالجهد الجهيد - بيد أن ذلك كان يتكلف الكثير حقاً. ثم إن استمرار وهنه في الجسم والعقل جعله يفتر إلى أن يتأزم الموقف ويضطره إلى اتخاذ قرار حاسم وعندئذ يواجهه بعزم مفاجئ واصرار يتسم بالدهاء. كانت الحكمة تواتيه لا بالسليقة ولكن بالتجارب.
وفي الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1520 انطلق شارل الخامس، ولم يكن أكبر سناً من القرن الذي وجد فيه، إلى مدينة آخن بلدة شارلمان ليتوج فيها، وانطلق الأمير المختار فردريك لحضور الحفل ولكنه اضطر إلى التوقف في كولونيا بسبب داء النقرس، وهناك قدم له ألياندر التماساً آخر للقبض على لوثر، فما كان من فردريك إلا أن استدعى أرازموس وطلب منه النصيحة، فدافع أرازموس عن لوثر وأشار إلى أن هناك عيوباً صارخة في الكنيسة، وقال إن الجهود التي تُبذل لإصلاحها يجب ألا تُقمع، وعندما سأله فردريك ما هي الأخطاء الرئيسية التي ارتكبها لوثر:"خطأين: هاجم البابا في تاجه، والرهبان في بطونهم"(67). وناقض صحة النشرة البابوية وقال إنه يرى أنها لا تتفق مع ما عرف به ليو العاشر من رقة الحاشية (68) وأبلغ فردريك القاصد الرسولي أن لوثر قدم التماساً وأن لوثر يجب أن يظل طليقاً إلى أن يبت في هذا الالتماس.
وردّ الإمبراطور بالجواب نفسه
…
كان قد وعد الأمراء المختارين كشرط لانتخابه، ألا يُدان ألماني دون محاكمة عادلة في ألمانيا. ومهما يكن من أمر فإن مكانته جعلت - مذهب المحافظة على الدين لا مندوحة عنه.
وكانت أسبانيا تعترف به ملكاً عليها اسميا أكثر من اعتراف ألمانيا به إمبراطوراً عليها وهي بلد ينفر من نظام الحكم المركزي، ولم يعد رجال الدين في أسبانيا يحتملون طويلاً ملكاً يترفق بالهراطقة. يُضاف إلى ذلك أن الحرب مع فرنسا كانت تلوح في الأُفق ولسوف يدور القتال حول ميلان باعتبارها مغنماً، ومن هنا كان تأييد البابا يساوي جيشاً بأسره
…
كانت الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة مرتبطة بالبابوية بمائة وشيجة، وليس من شك في أن سقوط احداها سوف يلحق بالأخريات ضرراً بليغاً فكيف يستطيع الإمبراطور أن يحكم مملكته المتناثرة المتباينة دون أن يلقى العون من الكنيسة في النظام الأخلاقي والادارة السياسية؟ كان كبار وزرائه إلى ذلك الوقت من رجال الدين كما أنه كان في حاجة إلى أموال الكنيسة ونفوذها لحماية هنغاريا من الأتراك.
كان شارل يقلب في ذهنه هذه المشاكل على اختلافها، وكانت تشغله أكثر من مسألة راهب مشاكس، فدعا مجلساً نيابياً امبراطورياً لعقد اجتماع في ورنس، ولما اجتمع هناك كبار النبلاء ورجال الدين ممثلو المُدن الحرة (27 يناير عام 1521) إذا بلوثر هو الموضوع الرئيسي في المناقشة وليس من شك في أن القوى التي كانت تعد للاصلاح الديني خلال قرون بلغت أوجها في مسرح من أعظم المسارح الدرامية في التاريخ الأوروبي. ويقول مؤرخ كاثوليكي: لقد امتدحت الطائفة العظمى لنبلاء الألمان محاولات لوثر وأيدتها". بل إن إلياندر نفسه كتب تقريراً قال فيه: "إن ألمانيا بأسرها ترفع السلاح ضد روما والعالم كله يصرخ مطالباً بمجلس يجتمع على الأرض الألمانية. ولقد أصبحت النشرات البابوية التي تنص على الحرمان من غفران الكنيسة تثير السخرية وامتنع عدد كبير من الناس عن تناول القربان المقدس للتكفير
…
أما مارتن فإنه يصور وفوق رأسه هالة ويقبل الناس هذه الصورة. ولقد بيعت منها مقادير هائلة حتى أني عجزت عن الحصول على
صورة واحدة
…
وأنا لا أستطيع أن أخرج إلى الطرقات خشية أن يرفع الألمان سيوفهم في وجهي ويصرون بأسنانهم غضباً عن رؤيتي وإني لأرجو من البابا أن يمنحني صك غفران كامل وأن يرعى إخوتي وأخواتي إذا أصابني مكروه" (70).
وهبّت عاصفة من الكتيبات المناهضة للبابوية زادت من الإثارة وقال ألياندر في أسى أن عربة لا تسع كل هذه المقالات البذيئة. وأصدر هوتن، من قلعة سيكنجن في ابيرنبورج على بعد أميال قليلة من ورمس، نشرة تضمنت هجوماً محموماً ضد رجال الدين الألمان: "اذهبوا أيها الخنازير القذرة
…
ارحلوا عن الهيكل المقدس أيها التجار المبتذّلون ولا تلمسوا المذابح بايديكم الدنسة
…
كيف تجرءون على إنفاق المال المخصص لأغراض دينية في مظاهر الترف وفي التبذل والأبهة بينما الناس الشرفاء يتضورون جوعاً؟ لقد فاضت الكأس. ألا ترون أن نسمة الحرية قد بدأت تهب؟ " (71) وكان تعاطف الناس مع لوثر قوياً إلى حد أن كاهن الاعتراف عند الإمبراطور الراهب الفرنشكاني جان جلابيون اختلى بجورج سبالاتان راعي كنيسة فردريك في محاولة للتوفيق بين الطرفين. وأعرب عن عطفه الكبير على كتابات لوثر الأولى، ولكن "الأسر البابلي جعله يشعر كما لو كان قد جُلد بالسياط وضُرب بمقبض السيف من قمة رأسه إلى أخمص قدميه
…
" وأشار إلى أنه لا يمكن أن يقوم أساس سليم لعقيدة دينية تعتمد على الكتاب المقدس لأن "الانجيل يشبه شمعاً طرياً يستطيع كل انسان أن يفتله أو يمطه على هواه". وسلم بالحاجة الملحة إلى إصلاح كهنوتي. والحق أنه كان قد حذّر إمبراطوره التائب من أن "الله سوف يعاقبه هو وكل الأمراء إذا لم يحرروا الكنيسة من مثل هذه المساوئ التي تنطوي على الغرور". ووعد بأن شارل سوف ينجز الاصلاحات الكبرى خلال خمس سنوات. وحتى ذلك الوقت وبعد كل تلك الثورات اللوثرية المردعة كان يعتقد أن السلام ممكن إذا تراجع لوثر عما قاله (72). ولكن لوثر ابى عندما أخطر بذلك في فيتنبرج ....
وفي الثالث من مارس قدم ألياندر إلى المجلس النيابي (الدايت) اقتراحاً بالادانة الفورية للوثر فاحتج المجلس بأن الراهب يجب ألا يدان دون سماع أقواله، وعلى ذلك وجه شارل دعوة إلى لوثر للحضور إلى ورمس ليؤدي الشهادة
…
عن تعاليمه وكتبه. وكتب له يقول: "لا حاجة بك إلى الخوف من التعرض لأي عنف أو ازعاج لأننا أعطيناك جواز الأمان"(73). وتوسل أصدقاء لوثر إليه ألا يذهب وذكروه بجواز الأمان الذي كان الإمبراطور سيجسموند قد أعطاه لهس وأرسل أدريان الأوترختي، وكان وقتذاك كاردينالاً لتورتوزا، ثم نصب بابا بعد قليل، التماساً إلى الإمبراطور تلميذه السابق طلب فيه أن يتجاهل جواز الأمان وأن يقبض على لوثر ويرسله إلى روما، وفي اليوم التالي من أبريل غادر لوثر مدينة فيتنبرج، وعندما وصل إلى أرفورت حياه حشد كبير من بينهم أربعون أستاذاً من الجامعة باعتباره بطلاً. وعندما اقترب من ورمس سارع سبالاتان وأرسل له تحذيراً ألا يدخل المدينة وأن يقفل راجعاً على جناح السرعة إلى فيتنبرج. فردّ عليه لوثر بقوله:"على الرغم من أن في ورمس كثيراً من الشياطين بقدر عدد طوب القرميد على الأسطح فسوف أذهب إلى هناك"(74). وانطلقت عصبة من الفرسان إلى لقائه ومرافقته إلى المدينة (16 أبريل). وانتشر نبأ وصوله في الطرقات فتجمع 2000 حول عربته، وقال ألياندر "يخيل إلي أن العالم بأسره أقبل لرؤيته بل وحتى شارل حجب في الظلال".
وفي يوم 17 ابريل مثل لوثر في رداء الرهبان أمام المجلس النيابي (الدايت) الإمبراطور وستة أمراء مختارون محكمة رهيبة من الأمراء والنبلاء والبطاركة وأوساط الناس وجيوم إلياندر مسلحاً بسلطة بابوية ووثائق رسمية وفصاحة قضائية ورصّت على منضدة قريبة من لوثر مجموعة من الكتب. وتصدى جوهان إيك - ولم يكن صاحب مناظرة ليبتسيج بل موظفاً عند كبير أساقفة ترير - وسأله هل هذه الكتب من تأليفه وهل هو
على استعداد لإنكار كل هذه الهرطقة التي تضمنها؟ ومرّت لحظة على لوثر وهو واقف أمام هذا الجمع الذي يمثل هيئة الإمبراطوريّة والسلطة النيابية وجلال الكنيسة، فخانته شجاعته وأجاب بصوت خافت حي أن الكتب من تأليفه وأما بالنسبة للسؤال الثاني فإنه التمس منحه مهلة للتفكير فأمهله شارل يوماً. وعندما عاد إلى مسكنه تلقى رسالة من هوتن يناشده فيها الثبات في موقفه، وأقبل كثير من أعضاء المجلس النيابي لزيارته زيارة خاصة لتشجيعه ويبدو أن الكثيرين كانوا يحسون بأن جوابه النهائي سوف يكون نقطة تحول في التاريخ.
وفي يوم 18 أبريل واجه المجلس النيابي بثقة كاملة، وكانت قاعة المجلس تموج بالحاضرين إلى حد أن الامراء المختارين وجدوا صعوبة بالغة في الوصول إلى مقاعدهم ووقف معظم الحضور. وسأله إيك عما إذا كان على استعداد لإنكار المؤلفات التي كان قد كتبها كلياً أو جزئياً، فأجاب بأن تلك الأجزاء التي تناولت المفاسد الكهنوتية صحيحة بإجماع الآراء فقاطعه الإمبراطور بصوت جهوري دوى في القاعة "لا". ولكن لوثر استأنف حديثه وهاجم شارل نفسه فقال:"إذا أنكرت ما قلت في هذا الوقت فإني أفتح الباب لمزيد من الطغيان والزندقة وسوف يصبح هذا كله أسوأ ما يكون إذا ظهر أني فعلت هذا بناء على طلب الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة". أما بالنسبة للفقرات العقائدية في كتبه فقد وافق على أن يسحب أي فقرة منها إذا ثبت أنها تخالف ما جاء في الكتاب المقدس، فأبدا إيك على هذا باللاتينية اعتراضاً عبّر على وجهة نظر الكنيسة: "يا مارتن إن التمسّك بسماع ما جاء في الكتاب المقدس هو نفس ما كان يتذرع به دائماً الهراطقة إنك لا تفعل شيئاً سوى أن تكرر الأخطاء التي ارتكبها ويكليف وهس
…
كيف تدعي أنك الوحيد الذي يفهم معنى آيات الكتاب المقدس؟ وهل تضع حكمك فوق حكم كتبه كثيرون من الرجال المشهورين وتزعم أنك تعرف أكثر مما يعرفون
جميعاً؟ ليس لك الحق في أن تدخل في المناقشة العقيدة الأرثودكسية المقدسة التي لقنها المسيح المشرّع الكامل والتي نشرها الرسل في أرجاء العالم، والتي ختمت بدماء الشهداء وأكدتها المجالس المقدسة وعرفتها الكنيسة
…
والتي يحرم علينا البابا والامبراطور مناقشتها خشية ألا ينتهي النقاش. إني أسألك يا مارتن. أجب بأمانة وصدق بغير مواربة - هل تنكر أو لا تنكر كتبك والأخطاء التي تحتويها؟ " (75) فرد لوثر بجوابه التاريخي بالألمانية: مادام جلالتكم وسيادتكم تريدون جواباً بسيطاً فغني سأجيب بغير مواربة
…
ما لم تدينني آية في الكتاب المقدس أو الحجة الواضحة (وأنا لا أقبل سلطة البابوات والمجالس الدينية لأن كل منهم يناقض الآخر) فان ضميري أسير لكلمة الله. وأنا لا أستطيع أن أسحب شيئاً من أقوالي. ولن افعل هذا، لأن مخالفة ضميري ليس من الصواب والأمن في شيء. أسأل الله العظيم. آمين" (76)
(1)
.
فواجهه إيك بأنه لا يمكن إثبات أي خطأ في المراسيم العقائدية التي أصدرتها المجالس، فرد عليه لوثر بأنه على استعداد لإثبات مثل هذه الأخطاء، ولكن الإمبراطور اعترض قائلاً بلهجة قاطعة:"هذا يكفي. ما دام أنه أنكر المجالس فإننا لا نود سماع كلمة أخرى"(78). وعاد لوثر إلى مسكنه وقد أنهكه الصراع ولكنه كان واثقاً من أنه قدّم شهادة طيبة فيما أسماه كارلايل "أعظم لحظة في التاريخ الحديث للإنسانية"(79).
كان الإمبراطور لا يقل رجفة عن الراهب. ولما كانت تجري في عروقه الدماء الملكية ولأنه ألف السلطة فإنه اعتقد أن من الأمور التي لا تحتاج إلى برهان أن حق كل فرد في تفسير الكتاب المقدس وقبول المراسيم المدنية أو الدينية أو رفضها طبقاً لهواه الشخصي وما يمليه عليه ضميره سوف
(1)
ليس في وسعنا أن نؤكد صحة الكلمات المشهورة التي حفرت على النصب التذكاري الفخم الذي أُقيم تخليداً للوثر في ورمس - "هنا أقف ولا أستطيع أن أفعل شيئاً آخر". ولم ترد الكلمات في النسخة المطابقة لرد لوثر كما هو مثبت في سجلات المجلس النيابي (الدايت) لأول مرة في أول رواية طبعت لخطابه (77).
يعجل بتقويض أسس النظام الاجتماعي لأن هذا كما بدا له قائم على قانون أخلاقي يستمد بدوره قوته من الأحكام الخارقة للعقيدة الدينية.
وفي اليوم التاسع عشر من ابريل دعا كبار الأمراء إلى مؤتمر عقده في حجراته الخاصة وقدّم لهم بياناً عن الولاء والنية مكتوباً بالفرنسية ويبدو أنه كتبه بنفسه: "إني أنحدر من صلب سلسلة طويلة من الاباطرة المسيحيين لهذه الأمة الألمانية النبيلة ومن ملوك أسبانيا الكاثوليكيين ومن أرشيدوقات النمسا ودوقات برغنديا. وكانوا جميعاً اوفياء حتى الموت لكنيسة روما، ولقد دافعوا عن العقيدة الكاثوليكية ومجد الرب وقد عزمت على أن أحذو حذوهم. إن راهباً واحداً يسير ضد المسيحية بأسرها كما عرفت منذ ألف عام لابد أن يكون على خطأ مبين، ومن ثم فإني قررت أن أخاطر ببلادي واصدقائي وجسمي ودمي وحياتي وروحي
…
وبعد أن استمعت أمس إلى دفاع لوثر المتشبث برأيه فإني آسف لأني تأخرت طويلاً في اتخاذ الاجراءات ضده. وضد تعاليمه الزائفة. لن يكون لي معه شأن آخر. وفي وسعه أن يعود فقد منحته جواز الأمان ولكن عليه أن يمتنع عن الوعظ أو إحداث أية فتنه ولسوف أحاكمه على أنه هرطيق سيّئ السمعة وإني أطلب منكم أن تدلوا بآرائكم كما وعدتموني" (80).
فوافق أربعة من الأمراء المختارين على هذا الاجراء وامتنع فردريك صاحب سكسونيا ولودفيج صاحب بالاتينيت عن ابداء رأيهما - وفي تلك الليلة - 19 ابريل ثبت أشخاص مجهولون على باب قاعة المدينة وفي أماكن أخرى من ورمس إعلاناً كبيراً يحمل حذاء الفلاح رمز الثورة الاجتماعية. وأفزع هذا بعض رجال الدين والحوا شخصياً على لوثر بإحلال الوئام محل الخصام مع الكنيسة. ولكنه أيد تصريحه للمجلس النيابي. وفي السادس والعشرين من ابريل بدأ رحلة العودة إلى فيتنبج وأرسل ليو أوامر تقضي باحترام جواز الأمان (81)، ومع ذلك فإن الأمير المختار فردريك خشي أن يحاول رجال الشرطة الإمبراطوريّة القبض على لوثر بعد انتهاء مفعول جواز الأمان
يوم 6 مايو، فرتب - بعد أن رضي لوثر بهذا على مضض - كميناً له في طريق عودته إلى وطنه، كما لو كان من عمل قطاع الطرق واخذه خفية إلى قلعة فارتبورج.
وفي السادس من مايو قدم الإمبراطور للمجلس النيابي، وكان عدد أعضائه قد انخفض بسبب رحيل الكثيرين، المسودة التي أعدها ألياندر عن منشور ورمس وفيه يتهم لوثر بأنه "دنّس الزواج واستخف بالاعتراف وأنكر وجود جسد الرب ودمه. ثم إنه جعل القربان المقدس يتوقف على إيمان مَن يتناوله. إنه وثني في إنكاره للإرادة الحرة. إن هذا الشيطان الذي يرتدي مسوح راهب قد جمع الأخطاء القديمة في بركة آسنة منتنة، بل وابتدع أخطاء جديدة أنه ينكر سلطة الرؤساء، ويشجع العلمانيين على أن يغسلوا أيديهم من دم رجال الدين. وتعاليمه تدعو إلى العصيان والانقسام والحرب والقتل والسرقة والحرق عمداً وإلى انهيار العالم المسيحي وهو يحيا حياة بهيمية. لقد أحرق المراسيم البابوية، إنه يحتقر الحرمان من غفران الكنيسة والسيف على السواء. وهو يلحق بالسلطة المدنية من الأذى أكثر مما يلحق بالسلطة الكهنوتية للكتاب المقدس الذي يفسره على هواه. لقد أمهلناه واحداً وعشرين يوماً من 15 ابريل
…
وعندما تنقضي هذه المهلة فليس لأحد أن يؤويه ولسوف يدان أتباعه ايضاً. أما كتبه فيجب أن تمحى من ذاكرة الإنسان" (82).
وبعد يومين من تقديم هذا المنشور حول ليو العاشر تأييده السياسي من فرانسيس الأول إلى شارل الخامس. ووافق المجلس النيابي (الدايت) المجرد من السلطة على المنشور، وفي اليوم السادس والعشرين من مايو أصدره شارل رسمياً فحمد ألياندر الرب وامر بإحراق كتب لوثر أينما وجدت.
6 - الراديكاليون
كانت فارتبورج في حد ذاتها قطعة من العذاب الكئيب، فقد كانت القلعة القديمة تجثم على قمة جبل على مسيرة ميل من إيزيناخ، وكانت مختفية
عن أنظار العالم وعن أنظار الإمبراطور أيضاً. واقام لوثر هناك مدة تقرب من عشرة شهور (4 مايو سنة 1521 إلى 29 فبراير سنة 1522) في غرفة مظلمة مجهزة بفراش ومنضدة وموقد وجذع شجرة يستخدم كمقعد. وكان يحرس القلعة بضعة جنود، ويعنى بالأراضي حارس، ويقوم بخدمة لوثر صبيان يعملان وصيفين له. ورأى أن من الأوفق، ولعل هذا كان من قبيل التنكر المحلي، أن يخلع مسوح الرهبان، ولبس رداء فارس، وأطلق لحيته، وأصبح وقتذاك يعرف باسم جورج النبيل الألماني الشاب، وخرج للصيد ولكنه لم يستطب قتل الارانب في الوقت الذي لا يزال فيه كثير من المناهضين للمسيحية بنجوة من القتل. وأسقمه الكسل والأرق وكثرة الطعام وشرب الجعة وأصيب بالبدانة وأخذ يسب ويلعن كما يفعل أي نبيل الماني شاب وكتب يقول: "ليتني أُحرق على جمرات ملتهبة فهذا خير لي من أن أتعفن هنا
…
بودي أن أخوض غمار المعركة" (83). ولكن وزير فردريك نصحه بأن يظل في مخبئه لمدة عام ريثما تهدأ حماسة شارل. ومهما يكن من أمر فإن شارل لم يبذل أي جهد للعثور عليه أو لاعتقاله.
وراودت الشكوك والأوهام لوثر في خلوته الفكرية وتساءل أيمكن أن يكون على حق وأن يكون مثل هؤلاء الأحبار على ضلال؟ وهل كان من الحكمة أن يقوض دعائم عقيدة راسخة؟ وهل مبدأ الاجتهاد الشخصي نذير بنشوب الثورة والقضاء على القانون؟ إذا كنا نصدق القصة التي رواها في أخريات أيامه فإن أصواتاً غريبة كانت تزعجه
…
أصواتاً لم يستطع تفسيرها إلا بأنها من صنع الشياطين وأكد أنه رأى الشيطان في مناسبات عديدة وقرر أن الشيطان رجمه يوماً بالجوز (84). وتذهب أسطورة مشهورة إلى أن لوثر قذفه يوماً بزجاجة حبر ولكنها أخطأته (85). وكان يسلي نفسه بكتابة خطابات ناصعة العبارة لأصدقائه وأعدائه وبتأليف عجالات في علم اللاهوت وبترجمة العهد الجديد إلى الألمانية وقام في إحدى المرات برحلة خاطفة إلى فيتنبرج ليزكي نار ثورة.
وكان تحديه لرجال الدين في ورمس وبقاؤه على قيد الحياة قد أدارا رؤوس أتباعه وجعلهم يتيهون اعجاباً.
وفي أر فورت هاجم الطلبة وأصحاب الحرف والفلاحون أربعين بيتاً في الأبرشيات وهدموها وأتلفوا مكتبات ومحفوظات وقتلوا عالماً بالإنسانيات (يونيه 1521)، وفي خريف ذلك العام المثير هجر الرهبان الأوغسطينيون في أرفورت الدير وبشروا بالعقيدة اللوثرية ونددوا بالكنيسة باعتبارها "أم الجمود والخيلاء والشح والترف والجهود والهرطقة"(86).
وحينما ألّف ميلانكتون في فيتنبرج كتابه Loci Communes rerum theologicarum (1521) - وهو أول عرض منهجي للاهوت البروتستانتي. طالب زميله الاستاذ كارلستادت، وكان قد أصبح وقت ذاك رئيساً للشمامسة في كنيسة القلعة، بأن يتلى القداس (إذا كان لابد منه) باللغة الوطنية وأن يتناول القربان المقدس بالنبيذ والخبز دون أن يسبقه اعتراف أو صوم، كما يجب أن تُرفع الصور الدينية من الكنائس وأن يتزوج رجال الدين- من رهبان وقساوسة علمانيين- وأن ينجبوا. واتخذ كارلشتادت خطوة بالزواج من فتاة في ربيعها الخمس عشر (19 يناير سنة 1522) وكان هو في الأربعين من عمره.
ولم يستنكر لوثر هذا الزواج ولكنه كتب يقول: "يا للسماء! أيقبل أهالي فيتنبرج أن يقدموا زوجات للرهبان؟ "(87) ومع ذلك فإنه وجد في الفكرة ما يجذبه لأنه بعث إلى سبالاتان (21 نوفمبر سنة 1521) برسالة عن "عهود الرهبنة" دافع فيها عن نبذهم لهذه العهود. فتباطأ سبالاتان في نشره لأنه كان صريحاً بصورة تخالف التقاليد إذ كان يسلم بأن الغريزة الجنسية أمر طبيعي لا يمكن قمعه ويعلن أن عهود الرهبنة من غوايات الشيطان وأنها تضاعف الآثام. وكان لابد من مرور أربع سنوات قبل أن يتزوج لوثر نفسه إذ يبدو أن تقديره المتأخر للمرأة لم يلعب دوراً في افتتاح عهد الاصلاح الديني.
ومضت الثورة قدماً ففي اليوم الثاني والعشرين من سبتمبر عام 1521 ناول ميلانكتون القربان المقدس بكلا الطريقتين وهنا ظفر الأواكويستيون في بوهيميا بنصر جاءهم على مهل، وتوقفت تلاوة القداس في دير لوثر يوم 23 أكتوبر وخرج ثلاثة عشر راهباً من الدير يوم 12 نوفمبر وتقدموا للزواج، وسرعان ما خلت نصف أديرة ألمانيا على إثر خروج مماثل. وفي الثالث من ديسمبر دخل بعض الطلبة وسكان المدينة وهم مسلحون بالمدى كنيسة الأبرشية في فيتنبرج وطردوا القساوسة من المذابح ورجموا بعض المصلين الذين كانوا يؤدون الصلاة أمام تمثال العذراء. وفي الرابع من ديسمبر هدم أربعون طالباً مذابح دير الفرنشيسكان في فيتنبرج وفي اليوم نفسه زار لوثر، وكان لا يزال متنكراً في زي نبيل ألماني شاب، المدينة خفية وأقر زواج الرهبان ولكنه حذر رجال الدين والعلمانيين من الالتجاء إلى العنف وقال:"إن الإكراه ليس حقاً مطلقاً للجميع ولكنه يجب أن تمارسه السلطات الشرعية"(88). وفي اليوم التالي عاد إلى فارتبورج وبعد ذلك بقليل أرسل إلى سبالاتان لنشر كتاب: "تحذير" جاد لكل المسيحيين يحذرهم من العصيان والثورة فقد خشي إذا انتشرت الثورة الدينية بسرعة أو إذا أصبحت ثورة اجتماعية أن تنفر منها طبقة النبلاء وتقضي على نفسها، غير أن صفحاته الأولى ذاتها كانت موضع انتقاد لأنها كانت تحض على العنف.
"يخيل إليَّ أن المحتمل أن يكون هناك خطر من الثورة، وأن القساوسة والرهبان والأساقفة والطبقة الروحية بأسرها يمكن أن تتعرض للقتل أو الابعاد إلى المنفى ما لم يصلحوا من أنفسهم تماماً وبصورة حادة، ذلك لأن الرجل العادي كان يتذكر دائماً في فزع الضرر الذي حاق به في المال والجسد والروح وأصبح هدفاً للاستفزاز. لقد أمعنوا في اختباره إلى حد بعيد وحمّلوه ما لا طاقه له به بلا وازع من ضمير. ولم يكن في وسعه، هذا ولم يشأ، أن يتحمله بعد ذلك واستطاع أن يتعلل بحجة قوية لكي يضرب
في كل اتجاه بمدقات الحنطة والهراوات كما يهدد الفلاحون بالقيام بهذا العمل. وأنا الآن لست مستاء أن أسمع أن رجال الدين قد وصلوا إلى مثل هذه الحالة من الخوف والقلق. ولعلهم عادوا إلى رشدهم وخففوا من استبدادهم الجنوني
…
بل إني سوف أمضي إلى أبعد من هذا. لو أن لي عشرة أجساد واستطعت أن أنال من الله منة فيقتص منهم (أي من رجال الدين) بالوسائل الرفيقة (ذيل الثعلب غزير الشعر) التي تؤدي إلى الوفاة أو العصيان فإني أهب أجسادي العشرة كلها للموت وأنا مغتبط "في سبيل الفلاحين الفقراء"(89). وأردف يقول: "ومع ذلك فإن على الأفراد أن يتحاشوا الالتجاء إلى القوة فالله منتقم جبار".
"إن العصيان أمر غير معقول وهو بصفة عامة يضر الأبرياء أكثر مما يضر الآثمين. ولذلك فإن العصيان ليس من الصواب، في شيء، مهما كان الدافع لأصحاب المصلحة فيه، ذلك لأن الضرر الذي ينجم عنه يتجاوز دائما قدر ما يتم من الاصلاح
…
عندما يتخلص السيد فلان (أي سيد) من قيده فإنه لا يستطيع أن يميز الخبيث من الطيب ويضرب خبط عشواء وعندئذ لا مناص من وقوع ظلم فظيع
…
إن عواطفي ستكون دائماً، ولسوف تظل، مع أولئك الذين يوجه التمرد ضدهم" (90).
واستمرت الصورة سليمة إلى حد ما. وفي يوم عيد الميلاد منذ عام 521 أقام كارلستادت القداس باللغة الألمانيّة، وهو يرتدي ملابس مدنية ودعا الجميع إلى تناول القربان المقدس بأخذ الخبز في أيديهم والشرب من كأس القداس.
وفي ذلك الوقت تقريباً دعا جابرييل تسفيلينج، وهو أحد زعماء الطائفة الأوغسطينية، مستمعيه إلى إحراق الصور الدينية وهدم المذابح حيثما وجدت.
وفي السابع والعشرين من ديسمبر صب "الأنبياء" الذين وصلوا من تسفيكا الزيت على النار. وكانت هذه المدينة من أعظم المُدن الصناعية
في ألمانيا، وفيها عدد كبير من السكان يشتغلون بالنسيج في ظل بلدية أعضاؤها من السادة التجار، وشجعت حركة اجتماعية من العمال بأصداء وذكريات تجربة التابورية التي قمعت وأثارت بوهيميا القريبة، وأصبح توماس مينتسر راعي كنيسة سانت كاترين للنساجين الناطق بلسانهم والمعبر عن آمالهم وأصبح في الوقت نفسه نصيراً متحمساً للإصلاح الديني، وعندما أدرك أن تعظيم لوثر للإنجيل باعتباره القاعدة الوحيدة قد أثار التساؤل عمّن يفسر النص أعلن منتسر وإثنان من رفاقه- وهما نيكولاس ستورك النساج وماركوس شتيبنز العالم- أنهم وحدهم مؤهلون ليكونوا مفسرين للكتاب المقدس فقد أحسوا بأنهم يوحى إليهم من الروح القدس. وصرحوا بأن هذه الروح المقدسة أمرتهم بأن يؤجلوا العماد إلى حين بلوغ سن الرشد لأن القربان المقدس لا يكون له أثر إلا بالإيمان وهو أمر لا ينتظر من الأطفال. وتنبئوا بأن العالم سيتعرض قريباً لخراب شامل يهلك فيه كل الفجار- بما فيهم جميع القساوسة الجامدين بصفة خاصة، وتبدأ بعد ذلك على الأرض مملكة الرب الشيوعية (91) وفي عام 1521 سحق تمرد قام به النساجون وأقصى ثلاثة من "رسل تسفياكو" وانطلق منتسر إلى براغ فأخرج منها وحصل على أبرشية في الشتد في ساكسونيا". وذهب ستور إلى وشتينز إلى بيتنبرج وكان لهما أثر طيب على ميلانكتون وكارلشتادت أثناء غياب لوثر.
وفي يوم 6 يناير سنة 1522 تبدد جميع الأوغسطينيين في فيتنبرج، وفي يوم 22 يناير كان انصار كارلشتادت قد بلغوا حظاً كبيراً من القوة في المجلس البلدي إلى حد أنهم عملوا على إصدار مرسوم يقضي برفع كل الصور من كنائس فيتنبرج، وتحريم القداس إلا إذا أقيم بالشكل المبسط الذي ينادي به كارلشتاد. وأدخل كارلشتاد صورة لصلب المسيح ضمن الصور الممنوعة وحرم مثل المسيحيين الأوائل عزف الموسيقى في
العبادات وقال: "إن ألحان الأرغن الفاجرة تدعو إلى التفكير في أمور الدنيا، ففي الوقت الذي ينبغي فيه أن نتأمل في آلام المسيح التي تذكرنا باسطورة بيراموس Byramus Thibes
…
ابعدوا آلات الأرغن والأبواق والناي إلى المسرح" (92).
وعندما أرجأ مندوبو إزالة الصور قاد كارلشتاد اتباعه إلى داخل الكنائس، ومزقت الصور والصلبان من فوق الجدران ورجم القساوسة الذين قاوموهم ايضاً بالأحجار (93). وقبل كارلشتاد رأي أنبياء تسيفاكاو- أن الله يخاطب الناس مباشرة كما يخاطبهم من خلال الاسفار المقدسة، بل ويتكلم مع بسطاء العقول والقلوب أكثر مما يتكلم مع المتبحرين في اللغات والكتب- ولما كان هو نفسه علامة فإنه أعلن أن المدارس والدراسات تصرف الناس عن التقوى وأن المسيحيين حقاً سوف يعرضون عن كل الآداب والعلوم والفنون وعن التعليم ويصبحون فلاحين أميين أو حرفيين. وصرف أحد أتباعه وهو جورج مور طلبة المدرسة الذين يدرس لهم وحرض الآباء على أن يحافظوا على براءة أطفالهم من التأثر بالآداب والعلوم والفنون وترك عدد كبير من الطلاب الجامعة وانكفأوا إلى بيوتهم ليتعلموا حرفة يدوية وقالوا إنه لا حاجة بهم بعد هذا إلى الدراسة.
وعندما سمع لوثر بهذا خشي أن يجد نقاده المحافظون ما يؤيد نبوءاتهم التي رددها بأن رفضه التسليم بالسلطة الكنسية سوف يفصم عرى النظام الاجتماعي بأكمله. وتحدى لوثر أمر الإمبراطور وضرب عرض الحائط بالحماية التي أسبغها عليه الأمير المختار إذا سعى شارل للقبض عليه. فغادر قلعته وعاد إلى ارتداء مسوح الرهبان وحلق شعر رأسه وسارع بالعودة إلى فيتنبرج، وفي يوم 9 مارس عام 1522 بدأ سلسلة مؤلفة من ثماني عظات تدعو بشدة الجامعة والكنائس والمواطنين إلى مراعاة النظام، ذلك لأنه لم يكن يحبذ وقتذاك أي التجاء إلى العنف، ولمَ لا؟ ألم يحرر الملايين من الناس من
عسف الكنيسة دون أن يرفع شيئاً أكثر من القلم؟ وقال: "اتبعوني فأنا أول مَن اختصه الله بهذا الأمر والرجل الذي كشف له سبحانه وتعالى عن كلمته التي لابد أن أبشركم بها. ولذلك أقول إنكم قد ارتكبتم خطأ بشروعكم في القيام بهذا العمل دون
…
تستشيروني أولاً (94)
…
امهلوني بعض الوقت
…
ولا تظنوا أن المظالم تمحى بتدمير الهدف الذي يساء التصرف فيه. إن الناس يمكن أن يضلوا بالنبيذ والنساء فهل نحرم شرب النبيذ ونقضي على النساء؟ لقد عبد الناس الشمس والقمر والنجوم فهل ننتزعهما من السماء (95)؟ " إن الذين يريدون الاحتفاظ بالصور والتماثيل والصلبان وسماع الموسيقى أو ترتيل القداس يجب ألا يتدخل أحد في شئونهم فهو نفسه قد اقر الصور الدينية (96). واتفق على ضرورة إقامة القداس وفقاً للشريعة التقليدية في إحدى كنائس فيتنبرج وعلى تناول القربان المقدس في كنيسة أخرى بالخبز وحده في المذبح العالي وبالخبز والنبيذ في مذبح جانبي
…
وقال لوثر إن الشكل لا يهم إلا قليلاً والمهم هو الروح التي يتناول بها القربان المقدس.
كان في أحسن حالاته وأعظم الناس استمساكاً بالمسيحية في تلك العظات الثمانية التي القاها في ثمانية أيام. ولقد خاطر بكل شيء لكي يتمكن من كسب فيتنبرج والعودة بها إلى حظيرة الاعتدال، ونجح في ذلك، وسعى أنبياء تسفيكا لتحويله إلى آرائهم وعرضوا أن يقرءوا أفكاره كدليل على أنهم يتلقون الوحي من الله فقبل التحدي وأجابوا بأنه يضمر لأفكارهم عطفاً خفياً فرد جلاءهم البصري إلى الشيطان، وامرهم بمغادرة فيتنبرج وعندما فصل كارلشتادت من وظائفه بقرار من مجلس مدينة أُعيد تكوينه، أخذ أبرشية في أورلامينديه، وندد من فوق منبرها لوثر ووصفه بأنه: "كاهن نهم
…
وبابا فيتنبرج الجديد" (97). ولقد سبق كارلشتاد جماعة الكويكر فتخلى عن كل الثياب الكهنوتية وارتدى معطفاً رمادياً بسيطاً
واستغنى عن الالقاب وطلب أن يدعى "الأخ أندرياس" ورفض قبول مرتب عن قيامه بالخدمة الدينية، وعمل على كسب عيشه بالمحراث ورفض كل استخدام للعقاقير وفضّل الصلاة على الدواء ودافع عن تعدد الزوجات باعتباره أمراً لم يحرمه الإنجيل، وتبنى وجهة نظر رمزية محضة فيما يختص بالقربان المقدس، وذهب لوثر بناء على طلب الأمير المختار إلى أورلاميندية ليعظ ضد كارلشتادت ولكنه أخرج من المدينة ورُجم بالحجارة والطين (98). وعندما انهارت ثورة الفلاحين خشي كارلشتادت أن يُقبض عليه بتهمة التحريض فسعى إلى مكان أمين مع لوثر وحصل عليه. وبعد جولة طويلة وجد الراديكالي ملجأه الأمين بالعمل أستاذاً في بازيل حيث قضى نحبه في هدوء على 1541 في جو مدرسي.
7 - أسس الإيمان
استأنف لوثر طريقه العام غير المستقيم باعتباره قساً لطائفة واستاذاً في الجامعة - ودفع له الأمير المختار مرتباً قدره 200 جيلدر (5000 دولار) سنوياً وكان كل طالب يضيف إليه أتعاباً زهيدة مقابل حضور محاضرته.
وعاش لوثر صحبة راهب آخر، وكان كل منهما يرتدي ملابس عامة الناس في دير أوغسطيني مع طالب يقوم بخدمتها وقال:"كان فراشي لا يُرتب لمدة عام كامل حتى يصبح قذراً تفوح منه رائحة العرق، ومع ذلك كنت أواصل العمل طوال النهار فإذا جن الليل أكون منهوك القوى إلى حد أني أتهاوى في الفراش دون أن أدري أن هناك خطأ ما"(99). وكان العمل الشاق يغفر له شهيته المفتوحة وفي هذا يقول: "إني آكل كبوهيمي وأشرب كألماني والحمد لله آمين"(100).
وكان يعظ كثيراً ولكن في إيجاز يتسم بالاشفاق، وبلغة بسيطة أخاذة تستولي على ألباب مستمعيه الأجلاف. وكانت رياضته الوحيدة هي الشطرنج
والعزف على الناي، ويبدو أنه كان يجد متعة أكبر في الساعات التي يقضيها في مهاجمة "البابويين". كان أقوى مَن عرفه التاريخ في الجدل لا يصده عنه شيء. وكانت كل كتاباته تقريباً صراعاً ممتزجاً بعبارات لاذعة تفيض سخرية وطعناً. وترك خصومه يتأنقون في اللاتينية الرفيعة بحيث لا يقرأ لهم إلا قلة من الباحثين وكان هو أيضاً يكتب باللاتينية عندما يريد مخاطبة العالم المسيحي بأسره، بيد أن الجانب الأكبر من أهاجيه الّفه بالألمانية أو كان يترجم فوراً إلى الألمانية لأن ثورته كانت وطنية ولا يبزه مؤلف ألماني آخر في وضوح ألفاظه أو قوة أسلوبه وفي مباشرة عباراته وحدتها اللاذعة وفي تشبيهاته الموفقة والتي كانت أحياناً تبعث على الإبتهاج في ألفاظ تمتد جذورها في كلام الناس وتلائم العقلية القومية.
ووافقت الطباعة أغراضه باعتبارها بدعة أرسلتها العناية الإلهية فيما يبدو فاستخدمها ببراعة لا ينضب لها معين، وكان أول مَن جعل منها آلة للدعاية والحرب ولم تكن هناك وقتذاك جرائد ولا مجلات، وكانت المعارك تذكيها الكتب والعجالات والرسائل الخاصة التي دبجت للنشر. وارتفع عدد الكتب المطبوعة، في ألمانيا من 150 عام 1518 إلى 990 عام 1524، وذلك بحافز من ثورة لوثر، وكانت أربعة أخماس هذه الكتب تؤيد الإصلاح الديني أما الكتب التي كانت تدافع عن العقيدة المحافظة فقد كان من الصعب أن تجد مَن يشتريها، في حين كانت مؤلفات لوثر هي أكثر الكتب رواجاً في هذا العصر، وكانت لا تباع في المكتبات فحسب بل كانت تُباع عند الباعة الجائلين والطلبة المسافرين أيضاً، وقد أحضرت 1400 نسخة في سوق واحدة بفرانكفورت، بل إن ما بيع منها في باريس عام 1520 فاق ما بيع من أي كتاب آخر. وفي مطلع عام 1519 صدرت لفرنسا وايطاليا واسبانيا والأراضي المنخفضة وإنجلترا. وكتب أرازموس عام 1521 يقول:"إن كتب لوثر في كل مكان وبكل لغة ولن يصدق أحد مدى تأثيره في الناس"(101).
ورجح الأثر الأدبي القوي للمصلحين كفة المطبوعات من جنوبي أوروبا إلى شمالها حيث ظلّت على هذا الوضع منذ ذلك. كانت الطباعة هي الاصلاح الديني، ولا شك أن جوتنبرج هو الذي جعل نجاح لوثر ممكناً.
وكان أعظم عمل قام به لوثر هو ترجمة الإنجيل إلى الألمانية كانت ثماني عشرة ترجمة مثلها قد تمت من قبل ولكنها اعتمدت على نسخة جيروم اللاتينية من الكتاب المقدس، وحفلت بالأخطاء وصيغت عباراتها بأسلوب سقيم، وكانت صعوبات الترجمة عن الأصل مروعة ولم تكن هناك بعد معاجم من العبرية أو اليونانية إلى الألمانية وكل صفحة من النص تثير مائة مسألة في التفسير، وكانت اللغة الألمانية ذاتها لا تزال تفتقر إلى الدقة والاحكام في التركيب، واستخدم لوثر في ترجمة العهد الجديد النص اليوناني الذي كان أرازموس قد نشره مع نسخة لاتينية عام 1516، وأكمل هذا الجزء عام 1521 ونشر عام 1522. وبعد عمل دائب استمر أكثر من اثني عشر عاماً، ووسط كفاح دائم في مجال علم اللاهوت نشر لوثر العهد القديم بالألمانية، ولكن بمساعدة ميلانكتون وعدد من الباحثين اليهود وبرغم عدم دقة الدراسة في هذه الترجمات فإنها كانت من الأحداث المهمة في هذا العهد، فقد افتتحت الأدب الألماني وأصلها اللغة الألمانية الجديدة الرفيعة في ساكسونيا العليا - باعتبارها اللغة الأدبية الألمانية. ومع ذلك فإن الترجمات كانت غير أدبية عن عمد، وعلى نهج اللغة الدارجة، وقد فسر لوثر منهجه بطريقته الواضحة المعهودة فقال: "ينبغي ألا نطلب، كما يفعل الحمير، من الحروف اللاتينية أن تعلمنا كيف نتحدث الألمانية بل يجب أن نسأل الأمهات في بيوتهن والأطفال في الشوارع وعامة الناس في السوق
…
يجب أن نسترشد بهم في الترجمة ولسوف يفهموننا ويعرفون أننا نخاطبهم بالألمانية) (102). ومن هنا كان لترجمته في ألمانيا نفس الأثر والجلال اللذين حظيت بهما نسخة الملك جيمس المترجمة بعد قرن: كان لها تأثير حميد لا حد له على لغة الحديث القومية ولا تزال أعظم عمل نثري في الأدب القومي.
وطبعت في فيتنبرج مائة ألف نسخة من عهد لوثر الجديد إبان حياته، وظهرت في أمكنة أخرى إثنتا عشرة طبعة لم يرخَّص بها وعلى الرغم من المنشورات التي تحرم تداولها في براندنبرج وبافاريا والنمسا فإنها أصبحت أكثر الكتب رواجاً في ألمانيا وظلت كذلك.
وأثمرت ترجمات الإنجيل كنتيجة وعامل مساعد معاً وأعانت على أن تستبدل باللاتينية اللغات الوطنية والآداب التي واكبت الحركة القومية والتي سايرت هزيمة الكنيسة العالمية في بلاد لم تكن قد تلقت اللغة اللاتينية وغيرتها.
ولما كان لوثر قد أكبّ طويلاً على الكتاب المقدس وورث وجهة نظر القرون الوسطى عن صدوره من الله فإنه جعله عن محبة خالصة المصدر الأوحد لعقيدته الدينية وشريعتها. ومع أنه قبل بعض الروايات المأثورة التي لا تقوم على ما جاء في الكتاب المقدس - مثل تعميد الطفل والراحة يوم الأحد - فإنه رفض أن يسلّم بحق الكنيسة في أن تضيف إلى المسيحية عناصر لا تعتمد على ما جاء في الكتاب المقدس وإنما تعتمد على عرفها وسلطتها مثل المطهر وصكوك الغفران وعبادة مريم والقديسين وكان كشف فالا عن "هبة قسطنطين"(هبة أوربا الغربية المزعومة للبابوات) باعتبارها أضحوكة عتيقة في التاريخ قد زعزع إيمان الآلاف من المسيحيين في الوثوق بروايات الكنيسة وشكك في الشرعية الملزمة لمراسيمها وفي عام 1537 ترجم لوثر نفسه رسالة فالا إلى الألمانية. فالرواية يقوم بها انسان عرضه للزلل أما الكتاب المقدس فقد قبلته أوربا بأسرها تقريباً وعدته كلمة الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
ثم إن العقل أيضاً يبدو ضعيفاً بالقياس إلى الإيمان في وحي من لدن الله. وقال "نحن المساكين، الناس التعساء
…
نسعى في غرور إلى فهم الجلال الذي يدق على الفهم لنور عجائب الله التي لا تدرك
…
ونحن نتطلع بعيون مغمضة، مثل حيوان الخلد، إلى مجد الله" (103). وقال لوثر: "أنت
لا تستطيع أن تقبل كلاً من الإنجيل والعقل فأحدهما يجب أن يفسح الطريق للآخر".
"إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا الله عنها في كلمته أمام العقل مستحيلة تماماً منافية للمعقول وزائفة. فإذن كيف يعتقد ذلك الأحمق الصغير الماكر أن هناك شيئاً يمكن أن يكون أكثر مجافاة للعقل واستحالة من أن المسيح يعطينا جسده لنأكله ودمه لنشربه في العشاء الأخير؟
…
أو أن الموتى سيبعثون من جديد يوم القيامة؟
…
أو أن المسيح ابن الله حملت به مريم العذراء وولدته ثم غدا رجلاً يتعذب ثم يموت ميتة مخجلة على الصليب؟ (105)
…
إن العقل هو أكبر عدو للإيمان
…
إنه أفجر صنائع للشيطان كبغي فتك بها الجرب والجذام، ويجب أن توطأ بالأقدام ويقضى عليها هي وحكمتها
…
فاقذفها بالروث في وجهها
…
وأغرقها في العماد" (106).
وأدان لوثر الفلاسفة الكلاميين لأنهم سلموا للعقل بكثير من الأمور ولأنهم حاولوا أن يثبتوا العقائد المسيحية بالخضوع لمقتضى العقل ولأنهم حاولوا أن يوفقوا بين المسيحية وبين فلسفة أرسطو ذلك الوثني الداهية المغرور اللعين (107).
ومع ذلك فإن لوثر خطا خطوتين في اتجاه العقل: جعل الموعظة، وليس الاحتفال مركز شعيرته الدينية وأعلن في الأيام الأولى لثورته بحق كل فرد في تفسير آيات الكتاب المقدس لنفسه. واستن قانونه الخاص بصحة أسفار الكتاب المقدس: إلى أي مدى تتفق مع تعاليم المسيح؟ وقال "إن كل ما لا يبشر بالمسيح ليس رسولياً حتى لو كتبه القدّيس بطرس أو القدّيس بولس
…
وكل ما يبشر بالمسيح يكون رسولياً حتى لو صدر من يهوذا وبيلاطس أو هيرودس" (108). ورفض التسليم برسالة جيمس وأطلق عليها اسم: "رسالة الهشيم" لأنه لم يستطع أن يوفق بينها وبين رأي بولس
في التبرير بوساطة الإيمان، واستراب في أن الرسالة من عمل العبريين إذ بدا أنها تنكر صحة التوبة بعد العماد (ولذلك فإنها تؤيد الذين ينكرون التعميد النصراني) وقدر أولاً أن سفر الرؤيا مزيج لا يدرك من ضروب الوعد والوعيد "لا هي رسولية ولا هي نبوية"(109).
"أما سفر عزرا الثالث فإني أقذف به في نهر ألبا"(110). وعلى الرغم من أنه يقوم على عقلية وثنية وأن معظم أحكامه التي تقوم على شريعة الكتاب المقدس قبلها النقاد الإنجيليون المتأخرون وقالوا إنها ذكية وسليمة. وقال: "إن أحاديث الأنبياء لم يدون منها شيء بانتظام في حينه بل جمعها مريدوهم وسامعوهم فيما بعد
…
ولم تكن أمثال سليمان من عمل سليمان". ولكن خصومه الكثالكة أكدوا أن الاختبارات التي وضعها للحكم على الصحة والوحي كانت ذاتية وتحكمية وتنبأوا أن نقاداً آخرين سيحذون حذوه ويرفضون الاعتراف بكتب مقدسة أخرى حسب أهوائهم وآرائهم حتى لا يبقى شيء من الكتاب المقدس يعتبر أساساً للعقيدة الدينية.
وباستبعاد الاستثناءات السالفة فإن لوثر دافع عن الكتاب المقدس باعتباره صحيحاً بحذافيره وحرفياً. وسلّم بأنه لو لم ترد قصة يونس في الحوت في الكتاب المقدس لسخر منها وعدها خرافة وبالمثل حكايتا عدن والحية، ويوشع والشمس ولكنه قال متّى قبلنا القول بقداسة الكتاب المقدس، فلابد أن هذه القصص بالإضافة إلى الباقي حقيقة من كل وجه. ورفض محاولات أرازموس والباقين للتوفيق بين الكتاب المقدس والعقل عن طريق التأويل المجازي (111) وعدّها من قبيل الإلحاد. ولما كان قد فاز بالطمأنينة الذهنية لا عن طريق الفلسفة ولكن عن طريق الإيمان بالمسيح كما صورته الأناجيل، فإنه اعتصم بالكتاب المقدس باعتباره الملاذ الأخير للروح، وعارض علماء الانسانيات وعبادتهم للكلاسيات الوثنية فعرض الكتاب المقدس لا باعتباره نتاج فكر بشري، بل باعتباره بركة من الله وعزاء للبشر.
وقال: "إنه يعلّمنا أن نرى ونشعر وندرك ونفهم معنى الإيمان والأمل
والبر بطريقة مغايرة لما يستطيع أن يفعله العقل البشري وعندما تضيق صدورنا بالشر فإنه يعلّمنا كيف تشع هذه الفضائل الضوء لكي يبدد الظلام وكيف أن هناك حياة أخرى خالدة بعد هذه الحياة الهزيلة التعسة التي نحياها على الأرض" (112).
وعندما سُئل عن الأساس الذي استند إليه في أن الكتاب المقدس من وحي الله أجاب ببساطة أنه استند إلى تعاليمه ولا يمكن غلا لأُناس ألهمهم الله أن يكوّنوا مثل هذا الإيمان العميق الذي هو عزاء للنفس.
8 - لاهوت لوثر
وعلى الرغم من أن لاهوته قام على تصديق حرفية ما جاء بالكتب المقدسة فإن تفسيره احتفظ لا شعورياً بالروايات المأثورة في القرون الوسطى المتأخرة. وجعلته قوميته عصرياً أما لاهوته فيمت إلى عصر الإيمان. وكانت ثورته موجهة ضد النظام الكاثوليكي وطقوسه أكثر منها ضد العقيدة الكاثوليكية ولازمه معظم هذه الثورة إلى النهاية. بل إنه حذا في ثورته حذو ويكليف وهس ولم ينتهج أي منهج جديد. فثورته مثل ثورتهما تكمن في رفض البابوية والمجالس الدينية والمراتب الكهنوتية والاهتداء بأي شيء آخر للعقيدة غير الكتاب المقدس، وقد وصف مثلهما البابا بأنه مناهض للمسيحية ووجد مثلهما الحماية في رحاب الدولة. وتواصل الفكر من ويكليف إلى هس إلى لوثر يعد الخيط الرئيسي للتطور الديني من القرن الرابع عشر إلى القرن السادس عشر. فقد كان تواصل الفكر من الناحية اللاهوتية قد اعتصم بآراء أوغسطين عن القدر والرحمة، وهذه الآراء كانت لها بدورها جذور في رسائل بولس الذي لم يعرف المسيح قط. وقد تساقطت تقريباً جميع العناصر الوثنية التي شابت المسيحية عندما اتخذت البروتستانتية شكلها
المرسوم وانتصرت الهيبة اليهودية على الاغريقية وفاز الانبياء على أرسطو رائد فلسفة الجدليين وأفلاطون رائد علماء الانسانيات وحول بولس باعتباره أقرب إلى مصاف الأنبياء منه إلى مصاف - الرسل - المسيح إلى تكفير عن خطيئة آدم وحجب العهد القديم العهد الجديد أظلم يهوه وجه المسيح.
وكان مفهوم الله عند لوثر يهودياً، وكان في وسعه أن يتكلم بفصاحة عن رحمة الله وعفوه إلا أن صورة الله القديمة باعتباره منتقماً ثم صورة المسيح باعتباره القاضي الأخير أكثر استقراراً في نفسه، ولقد آمن دون أن يسجل أي اعتراض بأن الله قد أغرق كل البشر تقريباً في الطوفان وأنه أحرق سدوم وأهلك الأراضي والناس والامبراطوريات بنفثة من غضبه وإشارة من يده. ورأى لوثر أن "قلة قدر لها أن تنجو وأن كثرة كثيرة لحقتها اللعنة إلى الأبد" (113). ونبذت من القصة الأسطورة التي تخفف من هول تلك الصورة وهي التي تتناول الدور الذي تقوم به مريم في الشفاعة وبقي فيها اليوم الآخر بكل ما فيه من فزع شديد للبشر الخاطئين بطبيعتهم. وكان الله في عضون هذا كله قد سلط الوحوش المفترسة والديدان والنسوة الخبيثات على الناس عقاباً لهم على خطاياهم. وكان لوثر يذكر نفسه بين الفينة والفينة بأننا لا نعلم شيئاً عن الله إلا أنه قوة مدركة كونية موجودة. وعندما سأله شاب لحوح من علماء اللاهوت: أين كان الله قبل خلق العالم؟ أجابه بأسلوبه الخطابي الفظ عن طريقة جونسون "كان يبني جهنم لهذه الأرواح الفضولية المقلقة المغرورة من أمثالك"(114).
ولقد أخذ الجنة والجحيم قضية مسلّمة وآمن بنهاية مبكرة للعالم (115). ووصف جنة حافلة بالمسرات وفيها كلاب مدللة "لها شعر ذهبي يلمع كالأشجار الكريمة"(116)، وهي منحة طيبة لأطفاله الذين أعربوا عن اهتمامهم بمصير كلابهم المدللة. وتحدث في ثقة مثل الأكويني عن الملائكة وقال إنها أرواح كريمة لا أجساد لها. ولقد تصور لوثر الإنسان أحياناً عظمة لا نهاية لها يتنازعها
ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وهم الذين يعزى إلى اختلاف مشاربهم وإلى جهودهم كل الظروف التي تحيط بمصير الإنسان وفي هذا إقحام للزرادشتية في لاهوته. كما سلّم تسليماً كاملاً بالمفهوم السائد في القرون الوسطى عن الشياطين التي تهيم في الأرض وتوسوس للناس وتغويهم بالإثم وتعرضهم للنحس وتمهد للإنسان طريقه إلى جهنم. وقال:"إن كثيراً من الشياطين تهيم في الغابات والمياه والبراري وفي الأماكن المظلمة المليئة بالبرك وهي متأهبة أبداً لإيذاء الناس، وبعضها يهيم في السحب الكثيفة السوداء"(117).
وقد يكون بعض هذا الاعتقاد إبداعاً تربوياً واعياً لمخاوف خارقة نافعة، ولكن لوثر كان يتحدث بغير كلفة عن الشياطين ويبدو أنه صدق كل ما قيل عنهم. وقال "إني أعرف الشيطان حق المعرفة"، وذكر بالتفصيل أحاديثهم مع بعضهم بعضاً (118). وكان أحياناً يفتن الشيطان بالعزف على الناي واحياناً كان يفزع الشيطان المسكين (119) بأن يرميه بأقذع السباب (120). وأصبح من عادته أن يعزو إلى الشيطان الأصوات المخيفة التي تصدر من الجدران وهي تتقلص من البرودة في الليل وذلك عندما كان يستيقظ على هذه الأصوات، وكان في وسعه أن يستنتج وهو واثق أنها من عمل الشيطان، وهو يحوم حوله وأن يستأنف نومه في هدوء (121). ونسب إلى فعل الشيطان ظواهر مختلفة لا تسر. سقوط البَرَد والرعد والحرب والطاعون، أما الحوادث السعيدة كلها فهي في نظره من فعل الله (122). وكان يجد صعوبة في إدراك كل ما نسميه القانون الطبيعي. ويبدو أن كل التراث الشعبي التيتوني عن الطيف الصخّاب أو الروح التي تحدث الضجة قد صدقه لوثر بحذافيره والشياطين يؤثر أن تتقمص أجساد الثعابين والقردة (123). وكان لوثر يرى أن الفكرة القديمة التي تذهب إلى أن في وسع الشياطين أن تضاجع النساء وأن تنجب منهن أطفالاً فكرة صائبة، بل إنه أشار في مثل هذه الحالة بضرورة إغراق الطفل الذي يولد نتيجة لهذه العلاقة (124). وقبل السحر والعرافة على أنهما من الحقائق المسلّم بها وكان يرى أن إحراق الساحرات على السارية (125) واجب
مسيحي بسيط، وكان يشاطره في معظم آرائه معاصروه سواء أكانوا من الكثالكة أم من البروتستانت.
ثم إن الاعتقاد في قوة الشياطين وقدرتها على الوجود في كل مكان بلغ في القرن السادس عشر درجة قصوى لم تسجل في أي عصر آخر وقد أفسد هذا الاهتمام بالشيطان كثيراً من اللاهوت البروتستانتي.
وازدادت فلسفة لوثر قتامة بالاقتناع بأن الإنسان بطبعه شرير وميال للإثم
(1)
، وقد انتزعت الصورة الإلهية من قلب الإنسان عقاباً لعصيان آدم وحواء ولم يبقِ فيه إلا الميول الطبيعية. وها هو يقول: "ليس هناك مَن هو مسيحي أو ورع بفطرته
…
والناس والجماهير بعيدة عن روح المسيحية ولسوف تكون هكذا
…
والأشرار يفوقون دائماً الأخيار عدداً" (126). بل إن أعمال الشر في الرجل الخير تفوق في عددها أعمال الخير لأنه لا يستطيع أن يهرب من فطرته وكما قال بولس: "لا أحد بار، لا أحد". وشعر لوثر "بأننا أبناء الغضب وكل أعمالنا ونياتنا وأفكارنا لا تساوى في الميزان أمام آثامنا" (127). ومن جهة سير أعمال الخير فإن كل واحد منا يستحق العذاب المقيم، وكان لوثر يقصد بعبارة "أعمال الخير" بصفة خاصة تلك الأشكال من الورع الطقسي الذي أوصت به الكنيسة - الصيام والحج والابتهالات إلى القديسين والقداسات للموتى وصكوك الغفران والمواكب والتبرعات للكنيسة ولكنه ضمّنها أيضاً "كل الأعمال مهما كانت صفتها" (128) ولم يشك في مدى الحاجة إلى الاحسان والحب لتوفير حياة صحية اجتماعية ولكنه أحس
(2)
بأنه حتى لو كانت هناك حياة مباركة بمثل هذه الفضائل فإنها لا تستطيع أن تفوز بسعادة أزلية ويقول "غن الإنجيل لا يبشر بشيء من الجزاء عن الأعمال وإن مَن يقول إن الإنجيل نص على أن الأعمال هي وسيلة
(1)
أو كما يجب أن نقول يولد الإنسان بغرائز تتفق مع مرحة الصيد ولكنها في حاجة إلى كبح مستمر في الحضارة.
(2)
أُنظر الطوبوات - إصحاح متّى 5: 3 - 11.
الخلاص أقول له بصراحة تامة إنه كاذب" (129). ولا يمكن لقدر من الأعمال الصالحة - فكل منها إهانة لإله لا حد لقدرته - أن تكفّر عن الذنوب التي اقترفها خير الناس. ولا يمكن أن تكفّر عن خطايا البشر إلا تضحية المسيح المفتدية - آلام ابن الله وموته -، ولا يمكن أن ينجينا من عذاب جهنم إلا الإيمان بهذا التكفير الإلهي. وكما قال بولس للرومان: "إذا كنت تقر بلسانك أن الرب يسوع وإذا كنت تؤمن في قرارة فؤادك بأن الله قد رفعه من بين الأموات فإنك سوف تنجو" (130). وهذا الإيمان هو الذي "يبرر" - يجعل الإنسان باراً على الرغم مما اقترف من ذنوب ويجعله صالحاً للخلاص، وقد قال المسيح نفسه "كل مَن يؤمن ويُعمَّد سوف ينجو أما مَن يكفر فسوف تلحقه اللعنة" (131). وقال لوثر مستنتجاً منطقياً: "ولهذا فإن أول ما يجب أن يهتم له كل مسيحي هو أن يطرح جانباً كل يقين في الأعمال وأن يقوي إيمانه وحده شيئاً فشيئاً" (132) واستطرد قائلاً في فقرة أزعجت بعض علماء اللاهوت وإن كانت قد أراحت كثيراً من الخاطئين:
"إن يسوع المسيح ينحني ويدع الخاطئ يقفز فوق ظهره وهكذا ينقذه من الموت
…
أية تعزية للارواح التقية أن يعتصم بالمسيح على هذا النحو وأن تلفه في خطاياي وخطاياك وخطايا العالم بأسره وتعده هكذا يحمل خطايانا جميعاً!
…
وعندما ترى أن خطاياك تلصق به فعند إذ تنجو من الخطيئة والموت والجحيم
…
إن المسيحية ليست إلا ممارسة متصلة للإحساس بأنك لا ترتكب خطيئة على الرغم من أنك تقترفها وأن خطاياك إنما توضع على كاهل المسيح. حسبك أن تعرف الحَمَل الذي يحمل خطايا العالم والخطيئة لا يمكنها أن تُفرِّق بيننا وبينه حتى لو ارتكبنا ألف جريمة زنى كل يوم أو مهما ارتكبنا من جرائم القتل، ألا تعد هذه بشرى طيبة أن تعرف إنساناً غارقاً في الخطايا إلى أذنيه فيأتي الإنجيل يقول له:"كن على ثقة وآمن تُغفر لك خطاياك من الآن فصاعداً؟ حالما يقتلع هذا الحائل تُغفَر لك خطاياك وليس ثمة شيء آخر تعمل من أجله"(133).
ولعل هذا كان المقصود به تعزية وانعاش بعض الأرواح المرهفة الحس التي كانت تجزع كثيراً بسبب ما اقترفت من خطايا. واستطاع لوثر أن يتذكر كيف أنه قد غالى يوماً في جسامة ذنوبه ورأى أنها لا تغتفر ولكن الأمر بدا عند بعضهم يشبه كثيراً قول تيتزل المزعوم "أسقط قطعة نقدية في الصندوق تتبدد ذنوبك كلها" وكان الإيمان وقتذاك يفعل الأعاجيب التي زعموا من قبل أنها تتحقق بالاعتراف والتحلل من الذنوب والصدقة وصك الغفران. ومع ذلك فهناك فقرة تسترعي الانتباه: وجد لوثر الغيور الثائر كلمة طيبة يقولها عن الخطيئة ذاتها وقال عندما يغوينا الشيطان بإلحاح مزعج فقد يكون من الحكمة أن نستسلم لإغرائه ونقترف ذنباً أو اثنين.
"إسعَ يا مجتمع رفاقك الطروبين واشرب واقصف وانطلق بالفحش وسل نفسك فلابد للمرء أن يقترف أحياناً ذنباً كراهية واحتقاراً للشيطان حتى لا يعطيه الفرصة لكي يجعله يشعر بتأنيب الضمير على مجرد أشياء لا تستحق الذكر، فالمرء يضل إذا اشتد فزعه من أن يقترف ذنباً
…
أه!
…
بودي لو كان في استطاعتي أن أجد ذنباً عظيماً حقاً يقذف بالشيطان! " (134).
ولقد دعت هذه الأحكام العرضية المرحة إلى التأويل، وفسر بعض أتباع لوثر شخصيته بأنه يتسامح في الفجور والزنى والقتل واضطر أستاذ من أنصاره إلى نصح الوعاظ المؤثرين بأن يحرصوا على الاقلال ما أمكن من القول بأنه يمكن الحصول على البراءة من الذنب بالإيمان وحده (135).
ومهما يكن من أمر فإن لوثر كان لا يقصد بالإيمان التسليم العقلي بغرض فحسب ولكنه كان يقصد المكابدة الحيوية الشخصية لاعتقاد عملي، وكان على ثقة من أن الاعتقاد الكامل في أن عفو الله منح بسبب موت المسيح تكفيراً عن ذنوب البشر يجعل الإنسان أولاً وقبل كل شيء صالحاً إلى الحد الذي يجعل مجوناً عارضاً تشيع فيه شهوة الجسد لا يترتب
عليه ضرر دائم، ذلك لأن الإيمان سرعان ما يعود بالخاطئ إلى الصحة الروحية، ووافق من صميم قلبه على فائدة الأعمال الصالحات (136). غير أن ما أنكره هو فاعليتها في سبيل الخلاص. وقال "إن الأعمال الصالحات لا تخلق رجلاً صالحاً ولكن الرجل الصالح يقوم بأعمال صالحات"(137). وماذا يجعل الرجل صالحاً؟ الإيمان بالله والمسيح.
وكيف يتأتى لإنسان أن يصل إلى مثل هذا الإيمان الذي ينجيه من عذاب الجحيم؟ إنه لا يصل إليه عن طريق أعماله التي يثاب عليها بل انه منحة يهبها الله، بغض النظر عن هذه الأعمال، إلى مَن يشاء أن ينجيه من عذابه وكما قرر بولس وهو يتذكر قصة فرعون "إن الله يتغمد برحمته مَن يشاء ويحرم منها مَن يشاء"(138). والله قدّر مَن اصطفاهم للسعادة الأبدية أما الباقون فقد تركهم محرومين من رحمته ملعونين ومخلدين في نار جهنم (139).
"هذه هي ذروة الإيمان: أن تؤمن بأن الله، الذي ينجي من عذابه قلة من عباده والذي يعاقب الكثرة منهم، غفور رحيم وأنه تعالى عادل، إذ سبق في تقديره أن قضى علينا باللعنة الأبدية لأنه
…
ويبدو أنه يرضى بتعذيب الأشقياء. وإذا استطعت بأي جهد عقلي أن أدرك كيف يكون الله رحيماً في الوقت الذي يصدر عنه الكثير من الغضب والظلم فلن تكون بي حاجة إلى الإيمان" (140).
وهكذا نرى أن لوثر في غمرة رد فعله القروسطي
(1)
ضد كنيسة عصر النهضة التي ارتدت إلى عصر الوثنية ثق عاد لا إلى العقيدة الأوغسطينية فحسب ولكنه عاد إلى الترتوليانية: الإيمان بما لا يصدق، وبدا له أن من الفضيلة أن يؤمن بالقدر لأنه كان بالنسبة للعقل أمراً لا يصدق، ومع ذلك فقد رأى بالمنطق العسير أنه إنما دفع إلى هذا الاعتقاد بعدم قابلية الأمر للتصديق، وها هو عالم اللاهوت الذي كتب ببلاغة لا تضارع عن "حرية الإنسان
(1)
نسبة إلى القرون الوسطى
المسيحي" قد رأى وقتذاك (1525) في إحدى رسائله أنه إذا كان الله قادراً على كل شيء فلابد أنه السبب الوحيد لكل ما يصدر من أفعال بما فيها أعمال الإنسان وأنه إذا كان الله عليماً بكل شيء فإنه يعرف كل شيء مسبقاً وكل شيء لابد أن يحدث كما سبق في علمه وعلى ذلك فإن كل الأحداث في كل زمان قد قُدّرت بإرادته تعالى وأصبحت قدراً محتوماً للأبد. وانتهى لوثر مثل أسبينوزا إلى أن الإنسان "ليس حراً مثل كتلة من الخشب أو صخرة أو كتلة من الصلصال أو عموداً من الملح" (141). ومع ذلك فإنه لأمر أكثر غرابة أن تحرم الحكمة الإلهية نفسها الملائكة، لا، بل والله نفسه من الحرية فإنه تعالى يجب أن يعمل كما سبق في علمه فحكمته هي قدره.
ولقد فسر أحد المجانين هذه العقيدة كما شاء له هواه: ضرب شاب عنق أخيه وعزا هذا إلى فعل الله الذي لم يكن هو إلا عبده العاجز فحسب، وحطم أحد المناطقة جسد زوجته بعصبية حتى ماتت وهو يصرخ "الآن تمت إرادة الأب"(142).
وتتدرج معظم هذه الاستنتاجات ضمناً في لاهوت القرون الوسطى، وقد استخلصها لوثر من بولس إلى أوغسطين في تزمت لا يلين وبدا راغباً في قبول لاهوت القرون الوسطى إذا تجرد من سلطان كنيسة عصر النهضة، فقد كان في وسعه أن يكون أكثر تسامحاً في قبول حتمية وجود جمهرة كبيرة من الملعونين منه في الخضوع لسلطان بابوات يشتطون في جمع الضرائب بصورة فاضحة. ورفض التسليم بالتعريف الكهنوتي للكنيسة بأنه هي الأسقفية وعرّفها بأنها جماعة المؤمنين بالله وبآلام المسيح تكفيراً عن ذنوب البشر ولكنه ردد العقيدة البابوية عندما كتب يقول: إن كل الناس الذين ينشدون الوصول إلى الله ويعملون من أجل هذا الوصول بأية وسيلة أخرى غير التوسل بالمسيح (مثل اليهود والأتراك والبابويين والقديسين
الزائفين والهراطقة
…
إلخ) يسيرون في ظلام دامس سادرين في الخطأ ولابد من أن يموتوا آخر الأمر ويضيعوا في آثامهم" (143). وهنا ولدت من جديد في فيتنبرج تعاليم يونيفاس الثمن ومجلس روما (1302) التي تقول: "لا خلاص للإنسان خارج الكنيسة".
وأعظم مادة ثورية في لاهوت لوثر هي تجريد القسيس من منصبه وإباحته للقساوسة الحصول على راتب لا بصفته موزعين لا غنى عنهم للقربان المقدس ولا باعتبارهم وسطاء مختصين بين الله والناس ولكن بصفتهم خادمين اختارتهم كل أبرشية للوفاء بحاجاتها الروحية، ولسوف يبدد هؤلاء القساوسة، بزواجهم وتنشئتهم لأسرة هالة القداسة التي جعلت نظام القسوسة قوياً رهيباً، فهم سيكونون "أولاً بين أنداد" ولكن أي انسان في وسعه عند الحاجة أن يقوم بوظائفهم بل يحل تائباً من ذنبه. وعلى الرهبان أن يتخلوا عن عزلتهم الأنانية وحياة الدعة التي يعيشونها في الغالب وأن يتزوجوا ويكدحوا مع الآخرين، فالرجل الذي يجر المحراث والمرأة التي تشتغل في المطبخ يعبدان الله خيراً مما يفعل الراهب وهو يتمتم بصلوات غير مفهومة في تكرار يجلب النعاس. ولابد أن تكون الصلاة هي الصلة الروحية المباشرة بين العبد وربّه ولا تكون ابتهالات بقديسين شبه أسطوريين، ومن رأي لوثر أن عبادة القديسين لم تكن معايشة ودية موازية بين عزلة الحي وقداسة الموتى، كانت ردة إلى عبادة الأصنام البدائية المشركة (144).
أما القرابين المقدسة التي كان ينظر إليها على أنها حفلات يقيمها القساوسة للحصول على الغفران من الرب فأن لوثر هون من شأنها بقسوة فهي لا تنطوي على قوى معجزة وفاعليتها تتوقف لا على أشكالها وصيغها ولكن على إيمان مَن يتلقاها، وتثبيت العماد والزواج والرسالة الأسقفية للقساوسة والمسيح المغالى فيه للمحتضر ليست إلا طقوساً لم يرتبط بها أي وعد يعفو الله في الكتاب المقدس ويمكن للدين الجديد أن يستغني عنها. أما العماد فهناك بينة
عليه في مثال يوحنا المعمدان ويمكن استبقاء الاعتراف السمعي باعتباره من المقدسات على الرغم مما يحيط من شكوك بالأساس الذي يستند إليه في الكتاب المقدس
(1)
. وأعظم قربان مقدس هو عشاء الرب أو العشاء الرباني. ويرى لوثر أن الفكرة التي تذهب إلى أن القسيس يمكنه بتعويذة من كلماته أن يغير الخبز إلى المسيح سخيفة تنطوي على التجديف، ورأى مع ذلك أن المسيح يهبط من السماء بمحض مشيئته ليكون حاضراً بطريق التجسد مع الخبز والنبيذ في القربان المقدس. وليس القربان المقدس سحراً كهنوتياً ولكنه معجزة إلهية دائمة (145).
ولا شك أن عقيدة لوثر في القربان المقدس وإحلاله عشاء الرب محل القداس ونظريته عن الخلاص بالإيمان لا بالأعمال الصالحات قد قوضت دعائم سلطة رجال الكهنوت في شمال ألمانيا.
وأخذ لوثر يروج لهذا النهج فرفض الاغتراف بالمحاكم الأسقفية والقانون الكنسي وأصبحت المحاكم المدنية في أوروبا اللوثرية هي المحاكم الوحيدة كما أصبحت السلطة الزمنية هي السلطة الشرعية الوحيدة. وعين الحكام الزمنيون موظفي الكنيسة وانتزعوا أملاكها وبدأوا في الاشراف على مدارسها مبرات الأديرة. وظلت الكنيسة والدولة مستقلتين إحداهما عن الأخرى من الناحية النظرية وإن أصبحت الكنيسة بالفعل خاضعة للدولة. وهكذا قدر للحركة اللوثرية التي كان يعتقد أنه الحياة بأسرها للاهوت أن تقدم، بلا قصد ورغم أنفها، ذلك التحول الشامل نحو الدنيوية الذي أصبح الموضوع الأساسي في الحياة العصرية.
9 - الثورة
عندما سعى بعض الأساقفة إلى اسكات لوثر وأتباعه أطلق صرخة مدوية غاضبة كانت بمثابة الناقوس المنذر بالثورة تقريباً، ففي كتيب "ضد
(1)
استدل به في الشعيرة اللوثرية الإعتراف الجماعي بالاثم على أن يتبعه الإبراء العام.
النظام الذي يطلق عليه بهتاناً اسم النظام الروحي للبابا والأساقفة" (يوليو 1522) دمغ البطاركة ووصفهم بأنهم "أكبر الذئاب" جميعاً وناشد كل الألمان الصالحين أن يطردوهم بالقوة.
"كان من الخير أن يُقتل كل أسقف وأن تُقتلع جذور كل مؤسسة أو دير، فهذا أفضل من أن تُزهق روح واحدة فما بالك بفقد كل الارواح من أجل بهرجهم التافه وعبادة الأوثان. ما فائدة هؤلاء الذين يعيشون غارقين في الشهوات ويتغذون بعرق الآخرين وكدحهم؟
…
إنه إذا رضوا بكلمة الله وسعوا إلى حياة الروح فإن الله يكون معهم
…
أما إذا لم يستمعوا إلى كلمة الله وثاروا غضباً وتوعدوا بالحرمان والحرق والقتل وبكل شر مستطير، فماذا يستحقون غير ثورة عارمة تكتسحهم من فوق ظهر الأرض؟ ولسوف تبتسم إذا حدث هذا. إن كل مَن يتبرع بالجسد أو بالمتاع أو الشرف للقضاء على حكم الأساقفة هم أطفال الله الأعزاء ومسيحيون صادقون" (146).
وفي هذا الوقت انتقد لوثر الدولة انتقاده للكنيسة، فقد آلمه تحريم بيع عهده الجديد أو حيازته في المناطق التي تخضع لحكام من المحافظين فكتب في خريف عام 1522 رسالة عنوانها "عن السلطة الزمنية: إلى أي حد يجب أن تطاع". وبدأها بأسلوب ودي للغاية فأقر عقيدة القدّيس بولس عن الخضوع المدني والأصل الإلهي للدولة. ومن الواضح أن هذا كان يتناقض مع تعاليمه الخاصة التي تقول بالحرية الكاملة للمسيحي. وأوضح لوثر أنه على الرغم من أن المسيحيين المخلصين ليسوا في حاجة إلى قانون
…
ومع أن أحداً منهم لن يواجه الآخر بالقانون أو القوة فإنهم يدب أن يطيعوا القانون وأن يكونوا قدوة لغالبية الناس من غير المسيحيين المخلصين لأن فطرة الإنسان التي تجنح للإثم في غيبة القانون سوف تمزق المجتمع إرباً. ومع ذلك فإن سلطة الدولة يجب أن تنتهي حيث يبدأ ملكوت الروح. مَن
هم هؤلاء الأمراء الذين يأخذون على عواتقهم أن يفرضوا على الناس ما يقرأونه أو ما يعتقدونه؟
"لابد أن تعرفوا أن الأمير الحكيم يندر وجوده حقاً منذ بداية الخليقة مثله في ذلك مثل الأمير الورع. فالأمراء في العادة أكبر الحمقى أو أسوأ الأفاقين على ظهر الأرض. إنهم السجانون والجلادون الذين يسلطهم الله على عباده، وهم أدوات الله التي تحقق غضبه تعالى بعقاب الأشرار وللمحافظة على السلام بين الناس
…
ومهما يكن من أمر فإني بكل إخلاص أنصح هؤلاء الناس الذين طمس الله على ابصارهم أن ينتبهوا إلى القول الموجز في المزمور 107: (27)"إن الله تعالى ينزل سخطه على الأمراء" وإني أقسم لكم بالله أن هذه العبارة الموجزة لو أصبحت سيفاً مسّلطاً على أعناقكم بسبب خطئكم فلا تلوموا إلا أنفسكم، وذلك على الرغم من أن كل واحد منكم متين البنيان كالتركي ولن يجديكم فتيلاً تميزكم غضباً وتحمسكم للكلام فقد تحقق فعلاً جانب كبير منه، لأن
…
الرجل العادي يتعلم كيف يفكر
…
ثم إن الجماهير وعامة الناس تستجمع نقمتها على الأمراء وعلى الناس بعد هذا الا يعانوا من طغيانهم وغرورهم فهذا ما لا يستطيعونه ولن يسمحوا به. فيا أيها الأمراء والسادة الاعزاء تمسكوا بأهداف الحكمة واهتدوا بهديها. إن الله لن يتسامح معكم بعد هذا ولم يعد العالم ذلك الذي كنتم فيه تطاردون الناس وتسوقونهم كالأنعام" (147).
واتهمه رئيس وزراء بافارى بأن هذه دعوة للثورة تتسم بالخيانة، وندد بهذه الرسالة الدوق جورج ووصفها بأنها إفك وحث الأمير المختار فردريك على أن يصادرها. ولكنه على العكس من ذلك سمح بتوزيعها بما عهد فيه من اتزان. ترى ماذا كان يقول الأمراء لو أنهم قرأوا رسالة لوثر إلى فنتسل لينك Wanzel Link، (19 مارس 1522)؟ "إننا ننتصر على الطغيان البابوي الذي طالما سحق ملوكاً وأمراء فكيف لا يسهل علينا إذن أن نتغلب
على الأمراء أنفسهم نطأهم بنعالنا" (148). أو ماذا هم قائلون إذا أطلعوا على تعريفة للكنيسة؟ "أعتقد أنه لا توجد على ظهر الأرض إلا كنيسة مسيحية عامة، حكيمة كالعالم ولكنها كنيسة مقدسة وهي ليست إلا جماعة القديسين
…
وأعتقد أن كل الأشياء على المشاع في هذه الجماعة أو في هذا العالم المسيحي، وكل ما يملكه الإنسان من متاع ملك للآخر ولا يوجد شيء ملك لأحد فحسب" (149).
كانت هذه سورة عارضة يجب ألا تؤخذ بمعناها الحرفي؛ فالواقع أن لوثر محافظاً بل ورجعياً في السياسة والدين بمعنى أنه كان يريد أن يعود بالناس إلى المعتقدات والرسائل الأولى في القرون الوسطى، وكان يعد نفسه ممن يردون الأشياء إلى أصولها وأنه ليس مبتدعاً. وكان يمكن أن يقنع بالحفاظ على المجتمع الزراعي الذي عرفه في طفولته واستمراره مع إدخال بعض وجوه التحسين التي تتسم بالبر. واتفق في الرأي مع الكنيسة في القرون الوسطى في إدانة الربا إلا أنه أضاف بطريقته المرحة أن الربا بدعة من عمل الشيطان وأسف لنمو التجارة الخارجية ووصف التجارة بأنها:"مهنة مرذولة"(150) واحتقر هؤلاء الذين يكسبون معاشهم بشراء السلعة بثمن رخيص وبيعها بثمن غالٍ. وندد بالمحتكرين الذين كانوا يتآمرون لرفع الأسعار لأنهم "لصوص ظاهرون للعيان"، وقال:"لَكَم تحسن السلطات صنعاً لو أخذت من هؤلاء الناس كل ما يملكون وطردتهم من البلاد"(151) ورأى أن الوقت قد حان لوضع "شكيمة في فم آل فوجر"(152)، وانتهى إلى راي ينذر بالويل في رسالة عاصفة عنوانها:"عن التجارة والربا"(1524):
"ينبغي أن ينظر الملوك والأمراء إلى هذه الأشياء وأن يحرموها بمقتضى قوانين صارمة، ولكني أسمع أن لهم مصلحة فيها وهكذا يتحقق قول إشعيا: "لقد أصبح الأمراء رفاقاً للصوص" وأنهم ليشنقون اللصوص الذين سرقوا جولدن أو نصف جولدن ولكنهم يتاجرون مع مَن يسلبون العالم بأسره
…
وهكذا يشنق اللصوص الكبار صغارهم؛ وكما قال كاتو عضو الشيوخ الروماني: "الأغرار من اللصوص يزج بهم في السجن ويطرحون لآلات التعذيب بينما يسير اللصوص المعروفون للناس في الخارج يرفلون في الحرير ويتحلون بالذهب". ولكن ما هو حكم الله على هذا في آخر الأمر؟ إنه سوف يفعل ما يقوله لحزقيال: أمراء وتجار، لص مع آخر لسوف يصهرهم الله معاً كما يصهر الرصاص والنحاس أو كما تحترق مدينة؛ فبالمثل لن يكون هناك أمراء ولا تجار بعد هذا. وفي هذه المرة أخشى أن يكون هذا على الباب" (153).
وقد كان.
الفصل السابع عشر
الثورة الاجتماعية
1522 - 1536
1 -
الثورة الصاعدة
لقد كان الفرسان المسغبون ينتظرون في صبر نافد فرصة مواتية للثورة على الأمراء والبطارقة والممولين. وكان شارل الخامس بعيداً عن البلاد في أسبانيا عام 1522، وفرق سيكينجن ينتابها القلق بسبب تعطلها عن العمل، وكانت الأراضي الغنية التي تمتلكها الكنيسة مباحة ويمكن الاستيلاء عليها بسهولة. وكان هوتن يدعوا للعمل، وكان لوثر قد دعا الشعب الألماني إلى تطهير الأرض من مضطهديه.
وفي الثالث عشر من أغسطس وقد عدد من الفرسان في لاندوا تعهداً بالعمل الموحد، وحاصر سيكينجن مدينة تريز وقذفها بمنشورات تحرض الناس على الانضمام إليه لخلع كبير الأساقفة الحاكم، ولكنهم لم يحركوا ساكناً، وجمع كبير الأساقفة فرقاً، وقادها بنفسه، ثم قام بخمس هجمات مضادة، فرفع سيكينجن الحصار عن المدينة وتراجع إلى قلعته في لاندوشتول. وهاجم كبير الأساقفة القلعة بعنف، وأصيب سيكينجن بجرح قاتل وهو يدافع عنها، ثم استسلم في اليوم السادس من مايو عام 1523 ومات في اليوم السابع من مايو. وخضع الفرسان للأمراء وسرحوا الجنود العاملين بجيوشهم الخاصة وتشبثوا في قسوة يائسة بالضرائب الإقطاعية المفروضة على الفلاحين التي كانوا يعتمدون عليها في معاشهم.
وتنبأ لوثر بهذا التصدع فتنصل من الثورة قبل فوات الأوان (19 ديسمبر سنة 1522) واستمر نجمه في صعود. وكتب الأرشيدوق فرديناند لأخيه الإمبراطور (1522)"غن قضية لوثر تمتد جذورها عميقة في الإمبراطوريّة بأسرها إلى حد أنه ليس هناك شخص واحد من كل ألف في عصمة منها"(1). وكان الرهبان والقساوسة يقبلون زرافات إلى مذبح الزوجية الجديد. وترددت في كنيستي لورنز وزيبالدوس بنورمبرج "كلمة الله" - وهي العبارة التي أطلقها المصلحون على عقيدة تقوم على الكتاب المقدس فحسب. وأخذ الوعاض الإنجيليون ينتقلون بحرية في أرجاء شمالي ألمانيا ويستولون على منابر قديمة ويشيدون منابر جديدة، ولم ينددوا بالبابوات والأساقفة باعتبارهم "خدماً للشيطان" فحسب، ولكنهم نددوا أيضاً بالسادة الزمنيين باعتبارهم "مستبدين ظالمين" (2). ومهما يكن من أمر فإن السادة الزمنيين كانوا هم أنفسهم ممن اهتدوا بهدى العقيدة الجديدة: فيليب الهسي وكازيمير البراندنبرجي وأولريخ الفيرتيمبرجي وأرنست اللينيبرجي وجو صاحب ساكسونيا. بل إن إيزابيلا شقيقة الإمبراطور كانت من أتباع لوثر.
وكان الأستاذ القديم لشارل قد أصبح الآن البابا أدريان السادس (1521) فأرسل إلى مجلس النواب في نورمبرج (1522) طلباً بالقبض على لوثر واعترافاً صادقاً بالأخطاء التي تردت فيها الكنيسة: "إننا نعلم تمام العلم أن أموراً كثيرة تستحق المقت قد تجمعت حول منصب البابا منذ سنين عديدة. وقد أسيء استخدام الأشياء المقدسة واعتدي على القوانين حتى إنه في كل شيء كان هناك تغيير إلى الأسوأ، فلا عجب إذا كان المرض قد زحف من الرأس إلى الأعضاء، من البابوات إلى مَن يلونهم في المناصب. لقد حِدْنا نحن جميعاً، من البطارقة ورجال الدين، عن الطريق المستقيم، ومنذ عهد بعيد لم يعمل واحد منا عملاً صالحاً، لا أحد بتاتاً
…
ولذلك
…
فإننا سوف نبذل كل ما في طاقتنا من جهد لإصلاح المحكمة الرومانية قبل
كل شيء آخر، وهي التي ربما كانت سبباً في كل هذه الشرور
…
إن العالم بأسره يتوق إلى مثل هذا الإصلاح" (3).
ووافق المجلس على أن يطلب من الأمير المختار فردريك كبح جماح لوثر، ولكنه تساءل لماذا يجب أن يدان لوثر لأنه أشار إلى المظالم التي ارتكبها رجال الدين والتي أيدتها السلطات وقت ذلك. وعندما وجد المجلس أن اعتراف البابا ليس فيه ما يكفي من التفاصيل أرسل له قائمة خاصة ضمنها مائة مظلمة من ألمانيا ضد الكنيسة واقترح أن ينظر بعين الاعتبار إلى هذه الشكاوى، وعلاجها بواسطة مجلس وطني يعقد في ألمانيا برئاسة الإمبراطور.
واستمع المجلس النيابي نفسه، وكانت تغلب عليه طائفة النبلاء، في عطف إلى الاتهامات الموجهة ضد الاحتكاريين بأنهم يثيرون على حساب الشعب وكتبت إحدى اللجان إلى المُدن الكبرى في ألمانيا تطلب منها إبداء رأيها فيما إذا كانت الاحتكارات ضارة وهل يجب تنظيمها أو القضاء عليها. وردت مدينة أولم بأنها شر مستطير وأن المؤسسات التجارية يجب أن تكون مقصورة على الأب وابنه وزوج ابنته، أما أوجسبورج موطن آل فوجر فأنها قدمت دفاعاً كلاسياً عن المشروعات التجارية الكبيرة وحرية التجارة وعن الأرامل والأيتام:
"إن العالم المسيحي (أم ينبغي أن نقول العالم بأسره؟) غني بسبب العمل، وكلما اتسع حجم العمل في بلد ما ازداد رخاء شعبه
…
وحيث يكثر عدد التجار تزداد فرص العمل
…
ومن المستحيل تحديد حجم الشركات
…
فكلما اتسع حجم معاملاتها وازداد عددها كان هذا خيراً لكل إنسان. وإذا لم يكن للتاجر مطلق الحرية في القيام بأعماله في ألمانيا فإنه سوف ينطلق إلى مكان آخر فتخسر ألمانيا
…
وإذا لم يستطع القيام بالعمل بعد أن يتجاوز قدراً معيناً فماذا هو صانع فائض أمواله؟
…
من الخير أن يترك التاجر وشأنه، وألا توضع أية قيود على مقدرته أو على رأس ماله،
إن بعض الناس يتحدثون عن تحديد طاقة الربح في الاستثمارات. وهذا سوف
…
يؤدي إلى ظلم فادح وضرر بالغ بإبعاد معاش الأرامل والأيتام وبقية المعذبين الذين يستمدون دخلهم من الاستثمارات في هذه الشركات" (4).
وأصدر المجلس النيابي تشريعاً بألا يزيد رأسمال الشركات عن 50000 جيلدر وإلزامها بتوزيع الأرباح كل سنتين وتقديم حساب علني، وألا يُقرض المال بفوائد ربوية، وألا يشتري تاجر أكثر من قدر معيّن من أية سلعة في أي فصل من فصول السنة، وأن تحدد الأسعار بمقتضى القانون. واستعان التجار بشارل الخامس فأيدهم لأسباب سبق بيانها. ولما كان كثير من حكام المُدن يشاطرون في أرباح الاحتكارات فإن مراسيم نورمبرج سرعان ما أصبحت حبراً على ورق.
وأرسل كليمنت السابع، البابا الجديد، إلى جلسة تالية للمجلس النيابي (يناير عام 1524) الكاردينال لورزو كامبيجيو ومعه مطالب جديدة بالقبض على لوثر، وسخرت الجماهير من القاصد الرسولي في أوجسبورج واضطر إلى دخول نورمبرج سراً حتى يتجنب المظاهرات المعادية، وكان من حظه الإذلال عندما رأى 3000 شخص من بينهم شقيقة الإمبراطور يتلقون القربان المقدس بكلا نوعيه من راعٍ من أتباع لوثر. فحذر المجلس النيابي من أن الثورة الدينية إذا لم تقمع في مهدها فإنها سوف تقوض دعائم السلطة المدنية وتهدم النظام، ولكن المجلس النيابي رد عليه بأن أية محاولة لقمع الحركة اللوثرية بالقوة سوف تنتهي بـ "ثورة وعصيان ومذبحة
…
ودمار شامل" (5) وبينما كانت تدور المداولات بدأت الثورة.
2 - حرب الفلاحين
1524 -
1526
أتاحت الثورة الدينية الكادحين في الحقول أيديولوجية تستهوي الأفئدة
وتعبر عن مطالبهم بالحصول على نصيب أكبر في رخاء ألمانيا المتزايد. يضاف إلى هذا أن الشدائد التي كانت قد حفزت أهل الريف للقيام بأثنتي عشرة ثورة مازالت تثير إلى حد ما في ذهن الفلاح اضطرباً، والحق أن هذا الاضطراب المحموم ازداد شدة في الوقت الذي تحدى فيه لوثر الكنيسة وانتهر الأمراء وحطم سدود النظام والرهبة، وجعل من كل إنسان قساً وأعلن حرية الإنسان المسيحي. وكانت الكنيسة والدولة في هذا العهد بألمانيا مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً - وكان رجال الدين يلعبون دوراً كبيراً في النظام الاجتماعي والإدارة المدنية - إلى حد أن تقويض ما يتمتع به رجال الدين من هيبة وسلطان قد أزال أكبر عائق للثورة. وقد استمر والولدانيون والبغارديون وإخوة الحياة المشتركة في تقليد قديم يذهب إلى تأسيس آراء متطرفة من نصوص وردت بالكتاب المقدس. وكان تداول العهد الجديد مطبوعاً لطمة لطبقة المحافظين من رجال الساسة والدين ذلك لأنه فضح ما قام به رجال الدين من تراضٍ مع طبيعة الإنسان وطرق العيش في الدنيا كما كشف عن شيوعية الرسل وعطف المسيح على الفقراء والمضطهدين.
وكان العهد الجديد في هذه الأمور بمثابة "بيان شيوعي" حقيقي بالنسبة للمتطرفين في هذا العصر. ووجد فيه الفلاحون وطبقة الكادحين على السواء ضماناً إلهياً لكي يحلموا بمدينة فاضلة (يوتوبيا) تلغى فيها الملكية الخاصة ويرث فيها الفقراء الأرض.
وفي عام 1521 وزع في ألمانيا كتيب عنوانه karsthans أي جون المذراة، وقد ضمن الحماية للوثر هذا "الرجل ذو الفأس" والقلم، ونشر في العام نفسه ملحق يدافع عن قيام أهل الريف بانتفاضة ضد الكثالكة من رجال الدين (6) وطالب ينهانس إبرلين في كتيب آخر صدر عام 1521 بالتصويت العام للذكور، وبتبعية كل حاكم وكل موظف للمجالس الشعبية المنتخبة، وبإلغاء كل المؤسسات الرأسمالية، وبالعودة إلى تحديد أثمان
الخبز والنبيذ كما كانت في القرون الوسطى، وبتعليم كل الأطفال اللاتينية واليونانية والعبرية والفلك والطب (7).
وصدر عام 1522 كتيب عنوانه "احتياجات الأمة الألمانية" نسب زوراً إلى الإمبراطور فردريك الثالث المتوفى ودعا إلى إلغاء "كل المكوس والرائب وجوازات السفر والغرامات" وإلغاء القانون الروماني والقانون الكنسي وتحديد حجم العمل في المؤسسات برأسمال قدره 10000 جيلدر وباستبعاد رجال الدين من الحكومة المدنية وبتصفية ثروة الأديرة وتوزيع المبالغ المحصلة على الفقراء (8). وأعلن أوتوبر ونفيلز (1524) أن دفع ضرائب العشور إلى رجال الدين أمر مخالف لما جاء بالعهد الجديد. ومزج الوعاظ الإنجيلية البروتستانتية بالآمال اليوتوبية، وكشف أحدهم أن الجنة مفتوحة الأبواب للفلاحين ومغلقة في وجوه الأشراف ورجال الدين، ونصح آخر الفلاحين بأن يكفوا عن إعطاء المال للقساوسة أو الرهبان، وأشار منتس وكارلشتادت وهوبماير على مستمعيهم بأن "المزارعين والعاملين بالمناجم ودارسي الحنطة يفهمون نصن الإنجيل وفي وسعهم أن يعلّموها للناس خيراً من قرية بأسرها
…
من الرهبان والقساوسة
…
أو المتفقهين في اللاهوت"، وأرد كارلشتادت يقول: "بل وخيراً من لوثر" (9). وتنبأت التقاويم وطائفة المنجمين بقيام ثورة عام 1524 وكأنها كانت بهذا تعطي إشارة البدء في العمل. ومما يذكر أن يوهانس كوكلايوس وهو عالم إنسانيات كاثوليكي حذر لوثر عام 1523 بأن "عامة الناس في المُدن والفلاحين في الأقاليم سوف يقومون لا محالة بثورة
…
إذ سممت أفكارهم الكتيبات والخطب التي لا تحصى والحافلة بالسباب والتي نشرت أو أعلنت بينهم بفصاحة وإطناب ضد السلطة البابوية والسلطة الزمنية على السواء" (10). ولكن لوثر والوعاظ ومؤلفي الكتيبات لم يكونوا السبب في الثورة لأن الأسباب إنما تكمن بحق في المظالم التي حاقت بطبقة الفلاحين، وإن كان من الممكن أن يقال إن إنجيل لوثر وأتباعه المتطرفين قد "صبوا الزيت على
اللهب" (11) وحولوا استياء المضطهدين إلى أوهام يوتوبية وإلى عنف لم يكن في الحسبان وإلى انتقام شديد.
وتشبث سلوك توماس منتسر بكل إثارة حفل بها العصر، فما أن عين واعظاً في آلشتدت (1522) حتى طالب بإبادة الكفار - أي الأرثوذكس أو المحافظين - بحد السيف وقال:"إن الكفار لا حق لهم في العيش إلا بقدر ما تسمح لهم بهذا الصفوة"(12). واقترح على الأمراء أن يقودوا الشعب في ثورة شيوعية ضد رجال الدين والرأسماليين وعندما لم يظهر الأمراء أنهم أهل لانتهاز هذه الفرصة استنفر الناس لقلب الأمراء أيضاً "ولكي يقيموا مجتمعاً مهذباً كالمجتمع الذي كان يفكر فيه أفلاطون
…
وأبيليوس مؤلف "الحمار الذهبي"(13) وكتب يقول: "إن كل الأشياء على المشاع ويجب أن توزع حسب ما تقتضيه الحاجة وطبقاً للاحتياجات العديدة للجميع. وأي أمير أو كونت أو بارون يرغب عن قبول هذه الحقيقة بعد تذكيره بها في حزم يجب أن تقطع رأسه أو يشنق"(14). وتسامح الأمير المختار فردريك في هذا الإنجيل وعدّه من قبيل الهزل، ولكن أخاه الدوق جون وابن عمه الدوق جورج إنضما في الرأي إلى لوثر بضرورة إقصاء منتسر عن وظيفته كراعي أبرشية (1524) وأخذ الرسول الحانق يضرب في الأرض وينتقل من مدينة إلى مدينة ويعلن خلاص "إسرائيل" وقرب ظهور مملكة الرب على الأرض (15).
ووجد في مدينة ميلهاوزن الحرة في نورينجيا مناخاً سياسياً لطيفاً. فهناك جمعت صناعة النسيج عدداً كبيراً من طبقة الكادحين، وكان هينريخ بفيفر، وهو راهب سابق، قد بدأ هناك حركة لانتزاع المجلس البلدي من أيدي الأقلية من الأشراف. وبشر منتسر ببرنامجه المتطرف عمال المدينة وطبقة الفلاحين في المناطق المجاورة، وفي يوم 17 من مارس عام 1525 خلع أتباع بفيفر ومنتسر المسلحون الأشراف وأقاموا "مجلساً دائماً" ليحكم ميلهاوزن.
وطبقاً لما يقوله ميلانكتون طرد المتطرفون المظفرون الرهبان وجردوا الكنيسة من أملاكها (16)، ومهما يكن من أمر فلم يكن من المستطاع الوثوق بعالم من علماء اللاهوت في هذا العصر، ليقدم بلا تحيز تقريراً عن أعمال الخصوم ووجهات نظرهم ولم تنشأ جامعة أمم (كومونويلث) شيوعية، وأثبت بفيفر أنه أقدر في الناحية العملية من منتسر، وطوع الثورة للوفاء بحاجات الطبقة المتوسطة. وتوقع منتسر مسبقاً مهاجمة الفرق الإمبراطورية، فنظم جيشاً من العمال والفلاحين وأعد له طائفة من رجال المدفعية الثقيلة في دير "الرهبان الحفاة" وكانت الصيحة التي أطلقها بين رجاله هي "إلى الأمام والحديد لا يزال ساخناً واجعلوا سيوفكم دائماً ساخنة بالدماء"(17).
وفي نحو هذا الوقت نفسه كانت ثورات الفلاحين تزلزل جنوب ألمانيا، ولعل عاصفة البرد الهوجاء (1524) التي قضت على كل الآمال المعقودة لجني محصول في شتيلنجن كانت بمثابة الزناد الذي أشعل نار الثورة. ولم تكن هذه المقاطعة القريبة من شافهاوزن تبعد كثيراً عن سويسرة لكي يشعر أهلها مثل الفلاحين الأشداء الذين كانوا قد حرروا أنفسهم هناك من كل شيء إلا مظاهر السلطة الإقطاعية. وفي 24 أغسطس عام 1524 جمع هانزميلر حوله بعض الفلاحين من شتيلنجن بناء على إيحاء من منتسر وكون لهم رابطة باسم "الأخوة الانجيلية" وتعهد بتحرير المزارعين في أرجاء ألمانيا، وسرعان ما انظم إليهم المستأجرون الساخطون من راهب ريخيناو أسقف كونستانس وكونتات فردينبورج مونتفورت ولوبفين وسولتس. وما أن انتهى عام 1524 حتى كان هناك حوالي 30000 فلاح مدججين بالسلاح في جنوب ألمانيا، ورفضوا دفع الضرائب التي تفرضها الدولة وضرائب العشور الكنسية والضرائب الإقطاعية وأقسموا على الظفر بالحرية أو الموت.
وفي مارس 1525 صاغ في ميمينجن مندوبوهم، بإرشاد البروتستانت من أتباع تسفينلجي أو بتأثيره، البنود الأثني عشر التي أشعلت النار في نصف ألمانيا.
"إلى سلام القارئ المسيحي ورحمة الله من خلال المسيح".
هناك الكثيرون من المناهضين للمسيحية انتهزوا أخيراً فرصة انعقاد مجلس للفلاحين لازدراء الإنجيل قائلين أليس هذا ثمرة الإنجيل الجديد؟ وهل لابد ألا يمتثل أحد وأن يتمرد الجميع
…
لقلب السادة الروحيين والزمنيين أو ربما لقتلهم؟ إن كل النقاد الكافرين والأشرار يجدون الجواب على هذه الأسئلة في البنود التالية لكي يزيلوا أولاً هذا اللوم عن كلمة الله وثانياً ليبرروا بطريقة مسيحية عدم امتثال الفلاحين بل وثورتهم.
فأولاً نعرب أن ملتمسنا وطلبنا المتواضع وأن إرادتنا ومشيئتنا جميعاً هي أن يتحقق لنا في المستقبل قوة وسلطان يهيئان لجماعة بأسرها أن تختار راعياً وأن تعينه وأن يكون لها الحق في عزله
…
ثانياً: بما أن ضريبة العشور قد نص عليها العهد القديم ووردت في العهد الجديد فإننا سوف
…
ندفع ضريبة العشر من الحبوب ولكن بطريقة صحيحة
…
وسوف يجمع هذه في المستقبل ويتسلمها رئيس كنيستنا الذي تعينه الجماعة ومن هذه الضريبة يجب أن يمنح الراعي
…
مرتباً متواضعاً وكافياً لمعيشته هو وأسرته
…
وأن يوزع الباقي على الفقراء والمحتاجين الذين يعيشون في القرية نفسها
…
أما ضريبة العشر الصغيرة فلن ندفعها على الإطلاق، لأن الله قد خلق الماشية لكي ينتفع بها الناس دون قيد
…
ثالثاً: لقد جرت العادة حتى الآن على أن يعتبرنا الناس متاعاً خاصاً لهم، وهذا أمر يدعو للأسى، لأن المسيح كفّر عن سيئاتنا جميعاً وافتدى بدمه الزكي المراق الأدنياء والعظماء على السواء
…
ومن ثم فإنه مما يتفق وتعاليم الكتاب المقدس أن نكون أحراراً ولسوف نحون أحراراً (هكذا)
…
ونحن نخضع عن طواعية لحكامنا المختارين والمعينين (الذين عينهم لنا الله) في جميع الأمور المسيحية الصحيحة ولا تخالجنا أية ريبة في أنهم سوف يحررونا من نير العبودية أو يريننا في الإنجيل أننا أرقاء
…
سادساً: أن لنا شكوى مريرة بسبب الخدمات التي تتزايد من يوم إلى آخر
…
ثامناً: لقد لحق بنا ضرر بليغ لأن الكثيرين منا مستأجرون أراضي لا تكفي غلتها لسداد قيمة ما ندفعه من إيجار لها ولأن الفلاحين يتعرضون للخسارة والخراب. فليدع السادة أناساً من الشرفاء يفحصون الأراضي المستأجرة المذكورة ويحددون الإيجار العادل
…
لأن كل عامل يستحق أجره
…
عاشراً: لقد أصبنا بضرر بالغ لأن البعض انتزعوا لأنفسهم ملكية مراعٍ من الحقول المشاعة والتي كانت يوماً ملكاً للجماعة
…
حادي عشر: سوف نعمل على إلغاء الضرائب المفروضة على الوفاء إلغاءً تاماً. ولن نتحملها ولن نسمح بنهب أموال الأرامل والأيتام على هذا النحو المخجل.
ثاني عشر: إذا تبين لنا أن ثمة خطأ في بند أو أكثر من البنود الموضحة بفضل كلمة الله فإننا نتراجع عنها إذا أيدت لنا هذا أدلة من الكتاب المقدس (18).
وتشجع زعماء الفلاحين بتصريحات لوثر نصف الثورية وبعثوا إليه بنسخة من البنود وطلبوا منه أن يناصرهم، فرد عليهم بكتيب نشر في أبريل عام 1525 وعنوانه:"تنبيه إلى السلام" وأثنى على عرض الفلاحين بالخضوع لأي قصاص ينص عليه الكتاب المقدس وتعرض للاتهامات التي وجهت وقتذاك إلى خطبه ومقالاته بأنها قد أشعلت نار الثورة فأنكر مسئوليته عنها وأشار إلى أنه كان يحث الناس على الخضوع للسلطة الدينية ولكنه لم يسحب نقده للطبقة الحاكمة وقال:
"لا يوجد على ظهر البسيطة مَن نشكره على هذه الثورة الخبيثة إلا أنتم أيها الأمراء والسادة، وبخاصة أنتم أيها الأساقفة العميان والقساوسة والرهبان
المجانين يا مَن قست قلوبكم على الإنجيل المقدس رغم أنكم تعلمون أن ما جاء به صحيح وأنكم لا تستطيعون أن تدحضوه. وفضلاً عن هذا فإنكم في حكومتكم الزمنية لم تفعلوا شيئاً إلا التنكيل برعاياكم وسلب أموالهم لكي تنعموا بعيشة رغدة ترضي كبرياءكم. لقد فاضت الكأس حتى لم يعد الفقراء من عامة الناس يتحملون أكثر من ذلك. وإذن ما دمتم السبب في سخط الله فإن غضبه تعالى سوف يحيق بكم لا محالة إذا لم تصلحوا من وسائلكم في الوقت المناسب.
إن الفلاحين يحشدون قواهم ولابد أن يؤدي هذا إلى خراب ألمانيا ودمارها وتحطيمها بقتل الناس في قسوة وسفك الدماء ما لم يقبل الله توبتنا ويجنبنا هذا المصير (19).
ونصح الأمراء والسادة الإقطاعيين بأن يعترفوا بعدالة كثير من البنود وحثهم على انتهاج سياسة تتسم بالرأفة، ووجه إلى الفلاحين خطاباً صريحاً أقر فيه بما أصابهم من أضرار، ولكنه توسل إليهم أن يحجموا عن استخدام العنف وعن الانتقام، وتنبأ بقوله إن الالتجاء إلى العنف سوف يترك الفلاحين في وضع أسوأ مما كانوا فيه من قبل. وتنبأ أيضاً بأن أي ثورة سوف تصم بالعار حركة الإصلاح الديني وأنه سوف يلام على كل شيء. وعارض استيلاء كل أبرشية على ضرائب العشور وقال إنه يجب على الناس الخضوع للسلطات إذ أن لها الحق في فرض ما تراه من ضرائب لمواجهة نفقات الحكومة وأن حرية الرجل المسيحي يجب أن تفهم على أنها حرية روحية لا تتعارض مع العبودية بل ولا الرق. وقال:
ألم يتخذ إبراهيم وأبناؤه الآخرون والأنبياء عبيداً؟ اقرأ ما يعلمه لنا القدّيس بولس عن الخدم الذين كانوا جميعاً أرقاء في ذلك العهد
…
ومن ثم فإن بندكم الثالث لا يسري على الإنجيل فهذه المادة تساوي بين الناس جميعاً وهذا مستحيل، ذلك لأن مملكة دنيوية لا تستطيع أن تقف على قدميها
ما لم تكن هناك درجات متفاوتة بين الأشخاص بحيث يكون البعض منهم أحراراً والبعض مسجونين والبعض سادة والآخرون رعايا (20).
ولو اتبعت نصيحته الأخيرة لجنبت ألمانيا كثيراً من سفك الدماء والدمار:
"تخيروا من الأشراف بعض الكونتات واللوردات ومن المُدن بعض أعضاء المجلس وعالجوا هذه الأمور واحسموها بطريقة ودية. وأنتم أيها السادة تخلوا عن عنادكم واقلعوا قليلاً عن طغيانكم واضطهادكم حتى يتنفس الفقراء من الناس ويجدوا متسعاً للعيش. وعلى الفلاحين بدورهم أن يعلموا أنفسهم وأن يتخلوا عن بعض المطالب التي تدق على فهمهم وترتفع عن مستوى إدراكهم"(21).
ومهما يكن من أمر فإن زعماء الفلاحين شعروا بأن الأوان قد فات للتراجع عما اعتزموه لأنهم سيتعرضون للعقاب عاجلاً أو آجلاً في أية مصالحة. وأحزنهم هذا التحول من لوثر وعدّوه خائناً واستمروا في الثورة. وتشبث بعضهم حرفياً بحلم المساواة: كان على الأشراف أن يجردوا قلاعهم من السلاح ويعيشوا كما يعيش الفلاحون وأوساط الناس وكان عليهم أن يكفوا عن امتطاء صهوات الجياد لأن هذا يرفعهم فوق مصاف أتباعهم. وكان لابد من إبلاغ القساوسة أنهم منذ ذلك الوقت خدم لرعايا أبرشياتهم لا سادة لهم وأنهم سوف يُطردون إذا لم يتشبثوا بنصوص الكتب المقدس فحسب (22). وانهالت المطالب بالبريد من العمال في المُدن، ونددت باحتكار الأغنياء للوظائف في المدينة، وباختلاس الموظفين المنحرفين للأموال العامة وبارتفاع الأسعار الدائم في الوقت الذي ظلّت فيه الأجور ثابتة لا تتغير. وقال أحد المتطرفين لسوف يكون من الخير لخلاص الروح ألا يكون البطارقة على هذه الدرجة من الثراء وألا يعيشوا في مثل هذه الرفاهية وأن تقسم أملاكهم على الفقراء. واقترح فندل هبلر وفردريك فايجانت تصفية
كل أملاك الكنيسة للوفاء بالحاجات الدنيوية وأن تُلغى كل الرسوم للنقل والرسوم الجمركية وألا يُستخدم في كل أنحاء أوروبا إلا نوع واحد من السكة ونظام واحد من الأوزان والمكاييل (24).
وكان يتزعم هذه الحركة زعماء مختلفو المشارب: كان هناك إثنان من أصحاب الحانات هما جورج ميتزلر وميترن فويرباخر، وكان هناك جيكلاين رورباخ الخراط الطروب، وبعض قدامى الجنود والقساوسة السابقين وفارسان من عصبة سيكنجن المهزومة - فلوريان جيير وجيتزفون برليخنجن "ذو اليد الحديدية" وشاء القدر أن يقع اختيار هاوبتمان وجيته فيما بعد على هذين الرجلين فجعلا منهما بطلين لمسرحيات شائقة. وكان كل زعيم مطلق السلطان بين جماعته، وقلما كان يوفق بين عمله وعمل الآخرين، ومع ذلك فإن الثورة اشتعلت في ربيع عام 1525 في اثنتي عشرة منطقة متفرقة في نفس الوقت، واستولت جماعة من العمال على السلطة الإدارية في البلدية في هايلبرون وروتنبرج وفيرتسبورج، وأعلنت حكومة الكومون الظافرة في فرانكفورت على الماين أنها سوف تمثل منذ ذاك سلطة المجلس البلدي والعمدة والبابا والإمبراطور مجتمعين. وفي روثنبورج طرد القساوسة من الكاتدرائية وحطمت التماثيل الدينية وهدمت بيعة وسويت بالأرض (27 مارس سنة 1525) وأفرغ الناس مخازن النبيذ التي يملكها رجال الدين وهم منتشون بخمر النصر (25). وتخلت المُدن الخاضعة للسادة الإقطاعيين عن ولائها لهم ونادت المُدن الخاضعة للأساقفة بإنهاء امتيازات رجال الدين، وثارت غضباً مطالبة بتخصيص أملاك رجال الدين للأغراض الدنيوية، وانضمت دوقية فرانكونيا بأسرها تقريباً إلى الثورة. وأقسم كثير من السادة والأساقفة ممن لم يستعدوا للمقاومة، أنهم يقبلون المطلوبة منهم، وذلك من أمثال أساقفة سبيير وبامبرج ورهبان دير كمبتين ودير هرتسفيلد واعتنق الكونت ويليام الهنييرجي أرقاءه واستدعى الكونت جورج والكونت ألبرخت
الهوهنلوهي للمثول أمام زعماء الفلاحين للانخراط في سلك الهيئة الجديدة وقالوا: "تعال هنا أيها الأخ جورج والأخ ألبرخت واقسما للفلاحين أن تكونا لهم كإخوة لأنكما لم تعودا الآن سيدين بل أصبحتما فلاحين"(26). واستقبلت معظم المُدن ثورات أهالي الريف بترحيب قلبي، وأيد الثورة كثير من رجال الدين من الرتب الدنيا الذين كانوا يمقتون السلطة الكهنوتية، ووقعت أول مواجهة خطيرة في لايبهايم على نهر الدانوب قرب أولم (4 أبريل سنة 1525) إذ استولى على المدينة 3000 فلاح تحت لواء قسيس ناشط هو جاكوب فيهى واحتسوا كل ما عثروا عليه من نبيذ ونهبوا الكنيسة وحطموا الأرغن وصنعوا لأنفسهم طزالق من الثياب الكهنوتية وبايعوا في سخرية واحداً من جمعهم أُجلس على المذبح، وارتدى مسوح قسيس (27). وقام بحصار لابهايم جيش من الجنود المرتزقة استأجرته العصبة السوابية ويقوده جورج فون تروخسيس وهو قائد قدير، وأفزع الفلاحين غير المدربين فاستسلموا وقطعت رؤوس فيها وأربعة من الزعماء الآخرين. أما الباقون فقد عفت العصبة عنهم، وإن كانت فرقها قد أحرقت كثيراً من أكواخ الفلاحين.
وفي يوم الجمعة الحزينة 15 أبريل سنة 1525 قام بحصار مدينة فايتسبرج (قرب هايلبرون) ثلاثة من جماعات الثوار تحت قيادة متسلرجيير ورورباخ، وكان يحكم هذه المدينة الكونت لودفيج فون هلفشتاين الذي كان يمقته الناس بسبب قسوته وشدته. واقترب من الأسوار وفد من الفلاحين وطلب المفاوضة فقام الكونت وفرسانه بهجوم مفاجئ وذبحوا كل أعضاء الوفد. وفي يوم الأحد الموافق لعيد الفصح اقتحم المهاجمون الأسوار بمساعدة بعض أهالي المدينة ومزقوا أجساد الأربعين رجلاً المدججين بالسلاح، والذين اهتموا بالمقاومة وأسر الكونت وزوجته (وهي ابنة الإمبراطور الراحل ماكسمليان) وستة عشر فارساً، وأصدر رورباخ، دون مشاورة متسلر
أو جيير، أمراً للسبعة عشر رجلاً بالمرور بين صفين من الفلاحين المسلحين بالحراب لتأديبهم، وعرض الكونت أن يقدم كل أمواله فدية لهم ولكن هذا العرض رفض كوسيلة مؤقتة، وتوسلت إليه الكونتيسة في تذلل محموم أن يبقي على حياة زوجها ولكن رورباخ أمر اثنين من رجاله بأن يسنداها حتى تشهد نشوة الانتقام. وبينما كان الكونت يسير إلى حتفه وصل وابل من الخناجر والرماح ذكره الفلاحون بما ارتكب من أعمال وحشية وصاح أحدهم:"لقد ألقيت بأخي في غياهب اسجن لأنه لم يرفع قبعته من على رأسه وأنت تمر به". وصرخ آخرون: "لقد سخرتنا كالثيران في نير العبودية
…
لقد قطعت يدي والدي لأنه قتل أرنباً في حقلك
…
لقد داست خيولك وكلابك وصيادوك محاصيلي
…
لقد استنزفت منا آخر بنس لدينا". وفي خلال نصف الساعة القادمة لقي الستة عشر فارساً دتفهم بالمثل. أما الكونتيسة فقد سمح لها بأن تنسحب إلى دير (28).
كانت عصابات الفلاحين تثير الشغب في كل أرجاء ألمانيا تقريباً. ونهبت الأديرة أو أكرهت على دفع مبالغ كبيرة على سبيل الفدية. ويقول بعضهم في خطاب أرسل يوم 17 أبريل عام 1525: "في كل مكان يجاهر الثائرون
…
بنيتهم في قتل كل رجال الدين الذين لا يتنصلون من ولائهم للكنيسة ويعلنون عن عزمهم على تدمير كل الأديرة وقصور الأساقفة واستئصال شأفة الدين الكاثوليكي تماماً من البلاد" (29). ولعل في هذا شيئاً من المبالغة ولكن في وسعنا أن نسجل أن الثوار استولوا على كثير من المُدن وأكرهوا الأرشيدوق فرديناند على الموافقة على أن يكون الوعظ منذ ذلك الوقت طبقاً لنصوص الكتاب المقدس - وهو مطلب بروتستانتي خاص وذلك في بافاريا والنمسا والتيرول حيث لقيت البورتستانتية اضطهاداً ظاهراً. وفي ماينز فر كبير الأساقفة ألبرخت ولم يستطع مواجهة العاصفة وإن قام نائبه بإنقاذ كرسي الأسقفية وذلك بتوقيع المطالب الاثني عشر وبدفع فدية قدرها 15000 جيلدر، وفي الحادي عشر من شهر أبريل رفض أهالي مدينة
بامبرج الاعتراف بسلطة الأسقف الإقطاعية ونهبوا قصره وأحرقوه وجردوا بيوت المحافظين من رجال الدين مما فيها وانتشرت الثورة في الألزاس انتشار النار في الهشيم، وما أن أشرف شهر أبريل على نهايته حتى أصبح كل كاثوليكي وكل ملك ثري في المقاطعة يخشى على حياته. وفي الثامن والعشرين من شهر أبريل هاجم جيش عدته 20000 من الفلاحين زايرن مقر أسقف ستراسبورج ونهبوا ديره وفي يوم 13 مايو استولوا على المدينة وأجبروا كل رجل رابع على الانضمام إليهم ورفضوا دفع كل ضرائب العشور وطالبوا بانتخاب جميع الموظفين فيما بعد عدا الإمبراطور عن طريق الاقتراع الشعبي وبأن يكونوا عرضة للعزل (30).
وفي بريكسين بالتيرول نظم ميكائيل جاسماير، وهو سكرتير سابق للأسقفية، ثورة هاجمت كل رجال الدين المحافظين ونهبت الدير المحلي (12 مايو) وظلّت عاماً تهدد الأمن، ولا يستطيع أحد قمعها. ويقول أحد المؤرخين في هذا العهد ممن كانوا لا يتعاطفون مع الثوار إنه في جميع أودية نهري اين واتش كانت هناك - جماهير غفيرة وصراخ وهرج شديدان وكان من الصعب على أي إنسان صالح أن يسير في الطرقات وقال إن السلب والنهب أصبحا شائعين إلى الحد الذي كان فيه الأتقياء يشعرون بالإغراء للاشتراك فيهما" (31). وفي فرايبورج - أم - برايسجاو نهب الفلاحون القلاع والأديرة وأكرهوا المدينة على الانضمام إلى "الاخوة الانجيلية"، (24 مايو) وفي الشهر نفسه أقصت عصابة من الفلاحين أسقف فيرتسبورج عن قصره وأقاموا وليمة بما عثروا عليه في مخازنه. وفي شهر يونيو أقي ماتياس لانج كبير الأساقفة المعروف بحبه للقتال من قصره إلى قلعته التي تشرف على المدينة، وفي نيوشتادت في البلاتينيت دعا الأمير المختار لودفيج زعماء الفلاحين للعشاء بعد أن أحاط به 8000 منهم واستجاب لمطالبهم دون امتعاض (32).
وفي هذا قال أحد المعاصرين: "ها نحن أولاء نرى أهالي القرى وسيدهم
يجلسون جنباً إلى جنب ويأكلون ويشربون معاً ويبدو أنه يكن لهم مشاعر الود وأنهم يبادلونه هذا الشعور.
وفي وسط هذا السيل من الأحداث أصدر لوثر من مطبعة فيتنبرج نحو منتصف مايو عام 1525 كتيباً عنوانه: "معارضة لجموع الفلاحين التي تقوم بالسلب والقتل". وأفزعت لهجته الحادة الأمير والفلاح والأسقف وعالم الإنسانيات على السواء فقد راعَ لوثر تزايد العصاة الساخطين وخشي وقوع انقلاب ضد كل سلطة شرعية وحكومة في ألمانيا وآلمته الاتهامات التي تقول إن تعاليمه الخاصة قد أطلقت الفيضان من عقاله فتحول وقتذاك دون تحفظ إلى جانب السادة المعرضين للخطر وقال: "لم أجسر في كتاب سابق على الحكم على الفلاحين لأنهم عرضوا أن يسلكوا الطريق المستقيم وأن يتعلموا
…
ولكن قبل أن أتطلع حولي تناسوا ما عرضوه وعمدوا إلى العنف وقاموا بالسلب والنهب واسلموا قيادهم إلى الهياج وتصرفوا كالكلاب المسعورة
…
إن ما يقومون به من عمل الشيطان بل إنه بصفة خاصة من عمل إبليس (منتسر) الذي يحكم في ميلهاوزن
…
يجب أن أبدأ بوضع خطاياهم أمام أعينهم
…
ثم يجب أن أعلم الحكام كيف يسوسون أنفسهم في هذه الظروف
…
إن أي إنسان يمكن إثبات شغبه يعد خارجاً على سنة الله وقانون الإمبراطوريّة ومن ثم فإن أول مَن يقتله ويفعل خيراً ولا يرتكب إثماً
…
ذلك لأن الثورة تأتي معها بأرض مليئة بالقتل وسفك الدماء وترمل النساء وتيتم الأطفال وتقلب كل شيء رأساً على عقب
…
ولهذا دعوا أي إنسان يستطيع أن يقتل ويذبح ويطعن، سراً وعلناً، وضعوا نصب أعينكم أنه لا شيء أكثر فتكاً أو ضرراً أو خبثاً من الثورة
…
إن هذا لا يختلف عن حالة المرء الذي يجد نفسه مضطراً إلى قتل كلب مسعور وإذا لم تضربه فإنه سوف يقضي عليك ومعك بلد بأسره
…
ورفض التسليم بإجازة الكتاب المقدس المزعومة للشيوع وقال: "إن
الإنجيل لا يجعل الأمتعة على الشيوع إلا بالنسبة لمن يفعلون، بإرادتهم الحرة، ما كان الرسل والحواريون يفعلونه في الإصحاح الرابع. إنهم لم يطلبوا مثل فلاحينا المجانين في سورة غضبهم عندما يطالبون بأن تكون أمتعة الآخرين سواء كانت لبيلاطس أم لهيرود - مشاعاً لهم وأنهم لم يطلبوا تطبيق هذا إلا على أمتعتهم. ومهما يكن من أمر فإن فلاحينا سوف يحصلون على أمتعة الآخرين باعتبارها مشاعاً لهم ويحتفظون بأمتعتهم لأنفسهم، فما أروع هؤلاء من مسيحيين! أعتقد أنه لم يبق الشيطان في الجحيم وان الشياطين جميعاً قد انطلقت إلى الفلاحين".
أما الحكام الكثالكة فإنه عرض عليهم غفرانه إذا قضوا على العصاة دون محاكمة. وأوصى الحكام البروتستانت بالصلاة والندم والمفاوضة ولكن إذا ظل الفلاحون على عنادهم: "عندئذ سارعوا بامتشاق الحسام لأن أي أمير أو سيد يجب أن يتذكر في هذه الحالة أنه كاهن لله وأنه أداة نقمته تعالى (الرومان 13) الذي يمتشق من اجله الحسام لضرب رقاب هؤلاء الأتباع
…
وإذا كان في وسعه أن يعاقب ولا يفعل - حتى لو كان العقاب أن يستل الحياة ويسفك الدماء - فإنه يبوء بإثم كل جرائم القتل والشرور التي يرتكبها هؤلاء الأتباع
…
وعندئذ على الأتباع أن يستمروا بلا اكتراث ودون أن يعذبهم الضمير في النضال كالأبطال مادامت قلوبهم تحقق بين ضلوعهم
…
وإذا خطر لأحد أن هذا صعب جداً فليتذكر أن الثورة لا تحتمل وأن دمار العالم أمر متوقع في كل ساعة" (33).
وكان من سوء حظ لوثر أن تصل هذه الرسالة الغاضبة إلى قرائها في الوقت الذي بدأت فيه الطبقات المالكة في إخضاع الثورة. وتلقى المصلح ثناء لا يستحقه على الإرهاب بالقمع ومن غير المحتمل أن يكون السادة المعرضون للخطر قد تأثروا بالكتيب إذ كانوا بطبعهم يميلون إلى معاملة العصاة بقسوة تكون رادعاً لهم ولا تمحى ذكراها من أذهانهم وقد أخذوا
بعض الوقت يعللون الفلاحين البسطاء بالوعود والأماني وبهذا أغروا الكثير من العصابات بالتفرق وفي غضون ذلك نظم السادة جيوشهم وسلحوها.
وفي ذروة الفتنة مات فردريك الأمير المختار (5 مايو عام 1525) وكان رجلاً هادئاً يؤثر السلام ويسلم بأنه هو وباقي الأمراء قد ظلموا الفلاحين ورفض أن ينضم إليهم في اتخاذ إجراءات الانتقام وترك لخلفه الدوق جون نصائح ملحة بالتزام الاعتدال، بيد أن الأمير المختار الجديد شعر بأن سياسة أخيه كانت تعتمد على اللين وهو أمر يجافي الحكمة فانضم بقواته إلى قوات هنري دوق برونزفيك وفيليب لاندجريف الهسي وزحفوا جميعاً لمهاجمة معسكر منتسر خارج ميلهاوزن. وكانت جيوش الخصوم لا تفوقهم إلا عدداً - كان كل منها يتكون من 8000 رجل من الأشداء بيد أن معظم الرجال في قوات الدوقات كانوا من الجنود المدربين، بينما كان الفلاحون، على الرغم من مدفعية منتسر البسيطة، يتسلحون بأسلحة ليست جيدة أو رديئة ويفتقرون إلى النظام ويتفشى بينهم الاضطراب بسبب ما يساورهم من رهبة بالسليقة. واعتمد منتسر على فصاحته ليقوي من عزائم الفلاحين وأمهم في الصلاة وفي ترتيل الأناشيد وأطلقت مدفعية الأمير أول ستار من نيرانها فصرعت مئات من الثوار وفر الباقون مذعورين إلى مدينة فرانكنهاوزن (15 مايو سنة 1525) وطاردهم المنتصرون وقتلوا منهم 5000 وحكم على ثلاثمائة أسير منهم بالإعدام فتشفع لهم نساؤهم والتمسوا العفو عنهم رحمة بهن، فأُجبن إلى طلبهن على شريطة أن تحطم النساء رأسي قسيسين كانا قد حرضا على الثورة وتم تنفيذ هذا بينما كان الدوقات المنتصرون يرقبون هذا المشهد (34). واختفى منتسر ثم قبض عليه وعذب حتى أقر بخطأ وسائله ثم قطع رأسه أمام القادة والأمراء ودافع بفيفر ومعه 1200 جندي عن مدينة ميلهاوزن ولكنهم غلبوا على أمرهم، وأُعدم بفيفر وباقي القواد أما المواطنون فقد نالوا العفو على أن يدفعوا فدية إجمالية قدها 40. 000 جيلدر (1. 000. 000 دولار؟).
وفي غضون ذلك استولى طروخسيس على مدينة بيبلنجن ( Boblingen) بطريقة المفاوضة وحول مدافعه من داخل أسوار المدينة وأطلقها على معسكر للثوار خارجها (12 مايو)، وأجهز فرسانه على الفلاحين الذين نجوا من نيران هذه المدفعية وقضى هذا على الثورة في فيرتمبرج. ثم تحول تروخسيس إلى فاينزبرج وأحرفها حتى سويت بالأرض وشوى في بطئ جسد جيكلاين رورباخ الذي تزعم "مذبحة فاينزبرج". ثم زحف طروخسيس ليهزم قوات الفلاحين في كينجز هوفن وأنجولشتادت هزيمة منكرة، واستولى على فيتسبورج وأطاح برؤوس واحد وثمانين من الثوار اختارهم ليكونوا عبرة للآخرين (5 يونيه). وفر فلوريان جيير من فيرتسبورج ليعيش في غياهب النسيان وظل أسطورة يرددها الناس في اعتزاز واستسلم جيتزفون برليخنجن في الوقت الملائم وعاش ليحارب مع شارل الخامس ضد الأتراك ومات على فراشه وفي قلعته بالغاً من العمر إثنين وثمانين عاماً (1526) وسقطت مدينة روثنبرج في 20 يونيه وسرعان ما تلتها مدينة ممينجن وسحقت الثورة في الألزاس بعد مصرع 2000 إلى 6000 رجل في ليبشتلين وتسابيرن ( Zabern)(17 - 18 مايو) وما أن حل يوم 27 مايو حتى كان قد قتل نحو 20. 000 فلاح في الألزاس وحدها وفي كثير من الحالات كان هواء المُدن تشيع فيه رائحة الموت (35) وأمر ماركجراف كاسينير Markograf Casimir بقطع رؤوس بعض مَن استسلم من فلاحيه وشنق البعض الآخر. وفي الحالات المخففة قطع أيديهم أو سمل عيونهم (36)، وتدخل الأمراء العقلاء في آخر الأمر في تخفيف همجية الانتقام، وفي نهاية شهر أغسطس أصدر المجلس النيابي في أوجسبورج أمراً كتابياً حث فيه على الاعتدال في توقيع العقوبات وفرض الغرامات وتساءل شريف فيلسوف قائلاً:"أين نجد فلاحين يقومون بالوفاء لأغراضنا إذا قتل كل الثوار؟ "(37).
واستمرت الثورة عاماً في النمسا وفي يناير عام 1526 أعلن ميكائيل جاسمايين في أنحاء التيرول أعظم البرامج الثورية تطرفاً وقال: "يجب القضاء
على كل الكفار (أي غير البروتستانت) الذين يضطهدون "كلمة الله" الحقة أو يظلمون الرجل العادي. ويجب أن تزول الصور والمزارات من الكنائس وأن تتلى القداسات ويجب أن تُهدم أسوار المُدن والأبراج والحصون وألا تبقى إلا القرى وأن يتمتع جميع الناس بالمساواة. ويجب اختيار الموظفين والقضاة بالاقتراع العام الذي يشترك فيه الذكور البالغون كما يجب إيقاف دفع الإيجارات والمكوس للسادة الإقطاعيين فوراً وأن تجمع ضرائب العشور على أن تُعطى لسلطات الكنيسة التي خضعت للإصلاح الديني وللفقراء. ويجب أن تحول الأديرة إلى مستشفيات أو مدارس، أما المناجم فيجب أن تؤمم وعلى الحكومة أن تحدد الأسعار (38). وقدر لجاسمايير أن يهزم التي أرسلت لقتاله باستراتيجية ذكية، واستمر هذا الحال بعض الوقت غير الفرق أن أعداءه تفوقوا عليه أخيراً في الدهاء وفر إلى إيطاليا وأفرد الأرشيدوق فرديناند ثمناً لرأسه وفاز بالمبلغ إثنان من القتلة الإسبانيين عندما اغتالاه في غرفته ببادوا (1528).
ولم تفقد ألمانيا من الأرواح والأملاك ما فقدته في ثورة الفلاحين إلا في حرب الثلاثين عاماً. فقد هلك من الفلاحين وحدهم نحو 130. 000 في ساحة القتال أو على نطع التكفير، وتم تنفيذ حكم الإعدام في 10. 000 رجل تحت حكم العصبة السوابية. وامتلأت أعطاف جلاد تروخسيسس زهواً لأنه قتل بيديه المدربتين 1200 رجل محكوم عليه بالإعدام. أما الفلاحون أنفسهم فقد دمروا مئات القلاع والأديرة وأقفرت مئات القرى والمُدن من ساكنيها أو أصبحت خراباً بلقعاً أو فرضت عليها تعويضات باهظة، وتشرد ما يزيد على 50. 000 فلاح وأخذوا يهيمون في الطرقات العامة أو يختبئون في الغابات، وترملت آلاف النساء وتيتم الآلاف من الأطفال ولكن قلوب المحسنين لم ترق لهم، أو لعل جيوبهم كانت خاوية وكان المتمردون قد أحرقوا في كثير من الحالات المواثيق التي تسجل الضرائب المستحقة عليهم
للسادة الإقطاعيين فحررت وثائق جديدة أحيت من جديد هذه الالتزامات وكانت في بعض الحالات أكثر رفقاً بهم وفي أحيان أخرى أكثر تشدداً عما كانت عليه من قبل ومنحت امتيازات للفلاحين في النمسا وبادن وهس أما في المناطق الأخرى فقد اشتد أزر العبودية وقدر لها أن تستمر شرق الألب حتى القرن التاسع عشر. وأجهضت بوادر الديمقراطية وقمع الحركات الفكرية واشتدت الرقابة على النشر في عهد السلطات الكاثوليكية والبروتستانتية على السواء. وفقدت النزعة الإنسانية قوتها وأخلت لهجة عصر النهضة في الحياة والأدب الحب السبيل إلى اللاهوت والورع والتأمل في الموت.
واندثر الإصلاح الديني نفسه أو كاد يندثر في حرب الفلاحين. وعلى الرغم من المتنصلين من لوثر والتشهير به فغن الثورة تألقت بألوان وأفكار بروتستانتية: وكانت التطلعات الاقتصادية تغلف بعبارات أضفى عليها لوثر مسحة من القداسة ولم تكن الشيوعية إلا مجرد عودة إلى الإنجيل. وفسر شارل الخامس "الثورة" بأنها "حركة لوثرية"(39) واعتبر المحافظون نزع البروتستانت ملكية رجال الدين بمثابة أعمال ثورية تقف على قدم المساواة مع نهب الفلاحين للأديرة. وفي الجنوب جدد الأمراء والسادة الذين استبد بهم الفزع ولاءهم للكنيسة الرومانية. وفي أماكن عديدة مثل بامبرج وفيرتسبورج اعدم رجال حتى من طبقة الملاّك لأنهم اعتنقوا اللوثرية (40). وقلب الفلاحون أنفسهم ظهر المجن للإصلاح الديني وعدوه غواية وخيانة، وأطلق بعضهم على لوثر اسم "الدكتور ليجثر" أي "الدكتور الكذاب" و "المنافق صنيعة الأمراء"(41). وظل سنوات بعد الثورة لا يحظى بأي شعبية حتى انه قل ما كان يجرؤ على مغادرة فيتنبرج ولو كان هذا لكي يحضر وفاة والده على فراشه (1530). وكتب يقول (15 يونيه عام 1525)"لقد نسوا كل ما فعله الله للناس عن طريقي والآن ها هم السادة والقساوسة والفلاحون يتجمعون كلهم ضدي ويتوعدونني بالموت"(42).
ولم يكن من شيمته أن يسلّم أو يعتذر. وفي يوم 30 مايو عام 1525 كتب إلى نيكولاس أمسد ورف يقول: "في رأيي أنه من الخير أن يُقتل الفلاحون جميعاً ولا يهلك الأمراء والحكام لأن أهل الريف امتشقوا السيف دون أن يعتصموا بسلطان إلهي"(43). وفي يوليو عام 1525 نشر "خطاباً مفتوحاً بشأن الكتاب الصعب ضد الفلاحين". وقال إن مَن ينتقدونه لا يستحقون الرد عليهم فقد كشفت انتقاداتهم أنهم ثائرون في قرارة نفوسهم مثل الفلاحين وأنهم لا يستحقون الرحمة، وقال:"ينبغي أن يأخذ الحكام بتلابيب هؤلاء الناس ويجبرونهم على إمساك ألسنتهم"(44).
"دار بخلدهم أن هذا الرد صعب جداً وأن هذا تحريف للكلام ولا يقصد به غلا تكميم أفواه الناس فإني أجيب بأن هذا صحيح، إن أي ثائر لا يستحق عناء الرد عليه لأنه لن يتقبل الجدل. والرد على مثل هذا الفم هو لكمة تدمي الأنف، إن الفلاحين لن يصيخوا السمع، ففي آذانهم وقر ويجب أن تفتح بطلقات الرصاص حتى تقفز رؤوسهم من فوق أكتافهم. إن مثل هؤلاء التلاميذ في حاجة إلى تأديب بمثل هذه العصى. إن مَن لا يستمع إلى كلمة الله عندما ترتل برفق يجب أن يستمع إلى الجلاد عندما يأتي ومعه الفأس
…
أما عن الرحمة فأنا لن اسمع أو أعرف شيئاً ولكني سوف أهتم بإرادة الله التي تتضمنها كلمته
…
إذا شاء جل وعلا أن يصب عليك جام نقمته وأن يحجب عنك رحمته، فيما تفيدك الرحمة؟ ألم يأثم شاؤول بإبداء الرحمة لعماليق عندما فشل في تنفيذ غضب الله كما أمر؟ وأنتم يا مَن ترفعون عقيرتكم مطالبين بالرحمة وتمتدحونها مدحاً شديداً لماذا لم تنادوا بها عندما كان الفلاحون ساخطين، يقتلون ويسرقون ويحرقون وينهبون حتى أصبح الناس يفزعون لمرآهم أو عند سماع أخبارهم؟ لماذا لم يبدوا الرحمة للأمراء والسادة الذين أرادوا أن يقضوا عليهم قضاء مبرماً؟ ".
واستطرد لوثر يقول إن الرحمة واجبة على المسيحيين في شؤونهم الخاصة،
أما باعتبارهم من موظفي الدولة فيجب أن يراعوا العدالة أكثر من الرحمة لأن الإنسان منذ عصى آدم وحواء ربهما، فطر على الشر إلى حد أنه غدا في حاجة إلى حكومة وقوانين وعقوبات لكبح جماحه. إننا ندين بالاحترام للجماعة التي تتهددها الجريمة أكثر مما ندين للمجرمين الذين يهددون الجماعة.
"لو تحققت نيات الفلاحين فلن يكون هناك رجل شريف في مأمن منهم ولكن على كل مَن يملك فلساً أكثر من أي إنسان آخر أن يقاسي بسبب هذا. لقد بدأوا هذا الأمر وما كانوا ليتوقفوا هناك، لسوف يجلل العار النساء والأطفال ولسوف يتعودون أيضاً على قتل أحدهم الآخر، ولن يكون هناك سلام أو أمان في أي مكان. هل سمع أحد عن شيء لا يمكن كبح جماحه أكثر من غوغاء من الفلاحين عندما تمتلئ بطونهم ويملكون زمام السلطة؟
…
إن الحمار يتلقى الضربات أما الناس فيحكمون بالقوة" (45).
وقد تصدمنا اليوم عبارات لوثر المتطرفة حول حرب الفلاحين لأن النظام الاجتماعي توطد بحيث نفترض استمراره ونستطيع أن نعامل برفق هؤلاء القلائل الذين يعكرون صفوه بعنف، ولكن لوثر واجه الحقيقة القاسية وهي أن عصابات الفلاحين تحول شكاواها العادلة إلى نهب لا يفرق بين العدو والصديق وتهدد بخرق القانون وقلب الحكومة والإنتاج والتوزيع في ألمانيا. وبررت الحوادث تحذيره بأن الثورة الدينية التي خاطر من أجلها بحياته سوف تتعرض للخطر الشديد بسبب الرجعية المحافظة التي كانت مضطرة إلى أن تتبع ثورة فاشلة. وربما شعر بأنه مدين شخصياً بعض الشيء للأمراء والأشراف الذين كانوا قد أسبغوا عليه الحماية في كينبرج ورومس والفارتبورج، ولعله كان يتساءل مَن ينقذه من شارل الخامس وكليمنت السابع إذا كفت سلطة الأمراء عن حماية الإصلاح الديني، والحرية الوحيدة التي رأى إنها تستحق الكفاح من أجلها هي حرية عبادة الله والتماس الخلاص طبقاً لما يمليه ضمير المرء.
وأية أهمية في أن يكون المرء أميراً أو عبداً في هذا الموجز للحياة الأبدية؟ إننا يجب أن نتقبل حالتنا هنا دون تذمر مرتبطين بالجسد والواجب ولكن متحررين روحياً وبرحمة الله.
ومع ذلك فقد كان للفلاحين قضية ضده إذ أنه لم يتنبأ بالثورة الاجتماعية فحسب بل قال إنها لن تسوءه وإنه سوف يحييها بابتسامة حتى لو غسل الناس أيديهم في دماء الأساقفة، ثم إنه كان قد قام بثورة أيضاً وعرض النظام الاجتماعي للخطر بل وسخر من سلطة لا تقل قداسة عن سلطة الدولة. ولم يقم بأي اعتراض على نزع السلطة الزمنية للملكية رجال الدين فكيف كان في وسع الفلاحين أن يكون لهم حظ أفضل إذا لم يلجأوا إلى القوة ما دام حق التصويت كان محرماً عليهم ومادام مضطهدوهم كانوا يلجأون إلى القوة. لقد أحس الفلاحيون أن الدين الجديد قد أضفى صفة القداسة على قضيتهم، وأثار فيهم الأمل ودفعهم إلى العمل ثم تخلى عنهم في الساعة الحاسة الحاسمة. وفي يأس غاضب اصبح بعضهم ملحداً ساخراً (46) وعاد كثيراً منهم أو من أطفالهم برعاية اليسوعيين إلى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية. واتبع بعضهم المتطرفين الذين أدانهم لوثر وسمعوا وهم يتلون العهد الجديد دعوة إلى الشيوعية.
3 - اللامعمدانيون يجربون الشيوعية
(1534 - 1536)
لا نستطيع أن ندرك مدا الحماسة التي صاحبت الأقليات المتدينة الثائرة، في تحزبها لانقلاب واحد أو آخر من انقلابات الثورة الدينية في القرن السادس عشر، ولو أدى بها إلى الموت على الخازوق، إلا إذا لاحظنا مدى الحماسة المتأججة التي يعتنق به معاصرونا الهرطقات الاقتصادية.
وقد اتخذت أشد الوظائف الجديدة تطرفاً اسم اللامعمدانيين (المعمدين من جديد)، وذلك من إصرارها على أن التعميد، إذا تلقاه المرء في
طفولته، يجب أن تعاد مراسيمه عند البلوغ، بل إن من الخير أن يؤجل، كما فعل يوحنا المعمدان، إلى أن يتمكن المتلقي الراشد من اعتناق العقيدة المسيحية بعلمه واختياره.
وكانت هناك طوائف انشعبت إليها هذه الطائفة. أما الذين اتبعوا هانز دنك ولودفيج هيتزر فقد أنكروا ألوهية المسيح: فهو في نظرهم ليس إلا أشد الناس ورعاً وقد كفّر عن خطايانا لا بعذابه فوق الصليب، ولكن لأنه كان قدوة لنا في حياته (47) ورفع دنك من قدر ضمير الفرد، وجعله فوق الكنيسة والدولة، بل والكتاب المقدس ذاته. واتبع معظم اللامعمدانيين منهجاً تطهرياً، يتسم بتزمت في الأخلاق، وبساطة في السلوك والزي. ولقد شجعهم رأي لوثر المتهور القائل بحرية المسيحيين، فأدانوا كل حكم يقوم على العنف واستنكروا كل مقاومة للحكومة بالعنف، ورفضوا قبول الخدمة العسكرية، على أساس أن المرء يرتكب إثماً لا شك فيه، إذا قضى على حياة إنسان. أبوا أن يحلفوا اليمين مثل المسيحيين الأوائل، ولم يستثنوا من هذا القسم يمين الولاء للأمير أو الإمبراطور. وكانت تحيتهم العادية "سلام الله عليك" وهي ترديد للتحية عند اليهود والمسلمين، وتعد التحية الرائدة للصيغة التي اتخذتها طائفة الكويكر. وفي الوقت الذي اتفق فيه لوثر وزونجلي وكالفن ونوكس مع البابوات على عبث التسامح الديني، أخذ اللامعمدانيون يبشرون به بل ويمارسونه، وكتب أحدهم وهو بالتازار هيبماير أو دفاع عنه عام 1524 (48). وأعرضوا عن الالتجاء إلى رجال الإدارة ورفع الدعاوى
…
كانوا فوضويين تولستويين قبل ظهر تولستوي بثلاثة قرون، وبعد ظهر بيتر شيلتسكي بقرن كامل، ولعلهم قبسوا منه عقيدتهم. وورث بعض اللامعمدانيين، عن وعي أو غير وعي، عقيدة التابوريين البوهيميين أو الأخوان المورافيين، ونادوا بشيوعية الأمتعة (49). وإذا صدقنا ما قاله المؤرخون من الخصوم فإن قلة منهم اقترحت شيوعية
الزوجات (50). ومهما يكن من أمر فإن الطائفة رفضت بصفة عامة أية مشاركة إجبارية في الامتعة، ودافعت عن مبدأ العون الاختياري المتبادل. وتمسكت بأن الشيوعية سوف تكون آلية وشاملة في ملكوت السماء (51).
ولقد استلهمت كل جماعات اللامعمدانيين سفر الرؤيا. وتوقع عودة المسيح المبكرة بصفة يقينية إلى الأرض. وأكد كثير من المؤمنين أنهم يعرفون موعد مجيئه. وحددوا الساعة واليوم. ومن هنا كان لابد من القضاء على كل الكفار - وهم هنا كل الناس ما عدا اللامعمدانيين - بحد سيف الرب، ولابد أن يعيش الصفوة يحفهم المجد في فردوس أرضي بلا قوانين ولا زواج. وينعمون بفيض زاخر من أطايب كل شيء (52). وعلى هذا فإن الناس الذين يحدوهم هذا الأمل سلحوا أنفسهم ضد الكدح ووحدانية الزوجة.
وظهر اللامعمدانيون لأول مرة في سويسرا. ولعل مسيحية تدعوا إلى السلام قد تسربت من ثورة الولدان في جنوب فرنسا والبيغارد في الأراضي المنخفضة، وتبنى قليل من المثقفين هنا وهناك كما في بازل فكرة إقامة مجتمع شيوعي. ولعل بعض الفقرات الشيوعية في "المدينة الفاضلة"، كما صورها مور، قد حفزت العلماء الذين تجمعوا حول أرازموس هناك، وأصبح ثلاثة من أعضاء تلك الحلقة زعماء لامعمدانيين وهم: كونراد جريبل وفيلكس مانز الزيوريخي وبالتازار هيبماير الوالد شوتي في حدود النمسا المواجهة. وفي 1524 زار مينزر والد شوت وجاء كارتشاتادت إلى زيورخ، وتكونت طائفة من اللامعمدانيين في زيورخ باسم "الروحانيين" أو "الإخوان"، وأخذت تبشر بالتعميد عند البلوغ وبمجيء المسيح، ورفضت الاعتراف بالكنيسة والدولة، واقترحت وضع نهاية لتقاضي الفائدة والضرائب وإلغاء الخدمة العسكرية وضرائب العشور وتحريم حلف اليمين.
ولقد كان أولريخ زونجلي في ذلك الوقت يكسب إلى صفه مجلس زيورخ الكبير، ويستميله لآرائه البروتستانتية، التي تضمنت إشراف السلطات الزمنية على الدين، وناشد "الإخوان" أن يخففوا من كراهيتهم للدولة وأن يقبلوا التعميد في الطفولة، ولكنهم أبوا. واستدعاهم المجلس إلى مناظرة عامة (17 يناير سنة 1525)، وعندما فشل في تحويلهم عن آرائهم، أمر بأن يغادر المدينة آباء الأطفال الذين لم يعمّدوا. وندد اللامعمدانيون بالمجلس، وأطلقوا على زونجيلي لقب التنين العجوز، وتظاهروا في الطرقات وهم يصيحون "الويل لزيورخ! "(53). واعتقل زعمائهم ونفوا عن المدينة، وأتاح لهم هذا نشر عقائدهم، وتولى سانت - جول وابنتسيل الحركة، وأثارت هذه برن وبازيل وكسب هيبماير إلى صفه والدشوت بأسرها، وجلس في ابنتسيل 1200 رجل وامرأة ممن ارتضوا حرفياً كلمات المسيح:"لا تحمل هماً لطعامك" وأخذوا ينتظرون أن يأتي الله ويطعمهم (54).
وليس من شك فبي أن النجاح الظاهر الذي أحرزته حرب الفلاحين في ربيع عام 1525 وقد رفع من شأن هذه التحولات، ولكن فشلها شجع طبقات الملاّك في المُدن السويسرية على اتخاذ إجراءات قمع مشددة، واعتقل مجلس زيورخ مانز (يوليو)، ثم جريبل، ثم هيبماير، وأمر بزج كل اللامعمدانيين المتشبثين بآرائهم في سجن البرج، ليعيشوا على الخبز القفار والماء وان "يتركوا حتى يموتوا وتبلى أجسادهم"(55). وحدث هذا لجريبل وأغرق مانز، أما هيبماير فقد عدل عن رايه واطلق سراحه، وأنكر ردته وأخذ على عاتقه أن يهدي أهل أوجسبورج ومورافيا، وقطع رأس هيتزر في كونستانس بتهمة اللامعمدانية والزنى - وأظهرت المقاطعات التي تدين بالبروتستانتية والكاثوليكية أنها لم تكن أقل نشاطاً في قمع هذه الطائفة، وما أن حل عام 1530 حتى لم يبقَ في سويسرة إلا عصابات سرية لا يؤبه لها.
وفي غضون ذلك كانت الحركة قد انتشرت، كما تنتشر أي إشاعة، في أنحاء جنوب ألمانيا، وتملكت المرتدين حماسة فياضة للقيام بدعاية للمذهب الإنجيلي، وحولهم ذلك إلى رسل متحمسين للعقيدة الجديدة. وأحرز دنك وهيبماير في أوجسبورج نجاحاً سريعاً بين عمال النسيج والطبقة الوسطى الدنيا، وما أن قارن كثير من عمال المناجم في التيرول ما هم فيه من مسغبة، وما ينعم به من ثراء آل فوجر وآل هوخشتتر، الذين كانوا يملكون المناجم، حتى اعتنقوا اللامعمدانية عندما انهارت ثورة الفلاحين، أما في ستراسبورج فإن الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت أتاح للطائفة أن تتضاعف دون أن يلحظ ذلك أحد لبعض الوقت. إلا أن كتيباً صدر عام 1528 حذر السلطات من أن "مَن يعلم الناس أن كل الأشياء يجب أن تكون على المشاع لا يخطر بباله إلا إثارة الفقراء ضد الأغنياء، والرعايا ضد الحكام الذين عينهم الله"(56). وفي هذا العام أصدر شارل الخامس مرسوماً ينص على أن إعادة التعميد تُعَد جريمة عظمى. وصدق مجلس سبيير Speyer النيابي (1529) على مرسوم الإمبراطور وأمر بإعدام اللامعمدانيين أينما وجدوا وحالما يقبض عليهم كما يقضى على الوحوش المفترسة، ذلك دون أية محاكمة. وكتب مؤرخ لامعمداني تحقيقاً عن النتيجة، ولعله كان مغالياً، بأسلوب كتاب سير القديسين المسيحيين الأوائل:
عُذّب البعض على المخلعة، وشُدّت أطرافهم حتى انتزعت، وأُحرق البعض الآخر حتى غدت أجسادهم رماداً وهباء منثوراً، وشوي لحم البعض فوق أعمدة أو مزقوا إرباً بكماشات ملتهبة إلى درجة الاحمرار
…
وشنق آخرون فوق الأشجار، أو قطعت رؤوسهم بالسيف أو ألقي بهم في لجة الماء
…
ومات بعضهم جوعاً أو هلكوا في غياهب السجون المظلمة
…
وأعتُبر البعض منهم أصغر سناً من أن ينفذ فيهم حكم الإعدام فضربوا بالعصي، وظل الكثيرون منهم سنوات في غياهب السجون
…
وختمت على خدودهم أرقام تركت فيها أخاديد
…
أما الباقون فقد طوردوا
كالبوم والغربان، التي لا تجرؤ على الطيران بالنهار واضطروا في أغلب الأوقات إلى الاختفاء والعيش بين الصخور والشقوق أو في الغابات أو في الكهوف والحفر (57)
…
ويقول سابستيان فرانك أحد المعاصرين أنه ما أن حل عام 1530 حتى كان 2000 لامعمداني قد نُفذ فيهم حكم الإعدام، وفي أنزيشايم إحدى مُدن الألزاس أُعدم 600، وفي سالزبورج سُمح لمن تاب منهم بأن يقطع رأسه قبل وضعه على المحرقة، أما الذين لم يتوبوا فقد شويت أجسادهم على نار بطيئة حتى لاقوا حتفهم (1528)(58). وألف اللامعمدانيون أناشيد مؤثرة للإشادة بذكر هذه الحوادث، التي استشهد فيها الآلاف واصبح معظم مؤلفي هذه الأناشيد شهداء بدورهم.
وعلى الرغم من هذه المذابح فإن الطائفة ازدادت عددا، وانتقلت إلى شمالي ألمانيا. ورحب بعض الأشراف في بروسيا وفيرتمبورج باللامعمدانيين باعتبارهم فلاحين مسالمين مجتهدين. ويقول أحد المؤرخين الأوائل من أنصار لوثر إن وادي الفيرا في ساكسونيا كان يزخر بهم، وأنهم زعموا في أرفورت أنهم أوفدوا 300 مبعوث لهداية الناس المشرفين على الهلاك. وفي ليبيك سيطر جيرجن فولنفيفر المتهم باللامعمدانية على المدينة (1533 - 34). وفي مورافيا أحرز هيبماير تقدماً لعقيدته المعتدلة التي فسرت الشيوعية بأنها ليست الملكية على المشاع، بل الاستمساك بأن "على المرء أن يطعم الجائع ويروي ضمأ العطشان ويكسو العاري لأننا في الحقيقة لسنا مطلقي التصرف في ممتلكاتنا ولكننا وكلاء أو موزعون لها فحسب". وكسب هانزهوت (59)، الذي ألهبته تعاليم منتسر، قلوب اللامعمدانيين في مورافيا من هيبماير بتبشيرهم بشيوعية كاملة في الأمتعة. وأعاد هيبماير إلى فيينا، حيث أُحرق على السارية وأُلقي بزوجته وهي مقيدة الأطراف في نهر الدانوب (1538).
وأسس هوت وأتباعه مركزاً شيوعياً في أوستراليتز، حيث رفضوا
قبول كل خدمة عسكرية، وكأنهم كانوا يتنبئون بمجيء نابليون، ونددوا بكل صورة من صور الحرب، واقتصر هؤلاء اللامعمدانيون في أعمالهم على فلاحة الأرض والأعمال الصغيرة، وحافظوا على شيوعيتهم زهاء قرن تقريباً. واسبغ الأشراف من ملاّك الأراضي حمايتهم عليهم، لأنهم كانوا يثرون الضياع بكدحهم الواعي. وكانوا يقومون بالمشاركة في الزراعة، ويشتري لهم موظفو الكومون المواد اللازمة للزراعة وللحرف اليدوية، ويوزعونها عليهم ويدفع جانب من ثمن بيع المنتجات كإيجار للمالك ويوزع الباقي طبقاً لحاجة كل فرد ولم تكن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية بل البيت، وكان يحتوي على عدد يتراوح بين 400، 2000 شخص وفيه مطبخ مشترك ومغسل ومدرسة ومستشفى ومعصرة للخمر يشترك فيها الجميع. وكان الأطفال بعد فطامهم يربون بلا فوارق بينهم وإن ظل تحريم تعدد الزوجات كما هو. ومنع هذا المجتمع الشيوعي بمرسوم إمبراطوري صدر عام 1622 في حرب الثلاثين عاماً، وخُيّر أعضاؤه بين أن يعتنقوا الكاثوليكية أو ينفوا من البلاد. وذهب بعض المنفيين إلى روسيا، وذهب البعض الآخر إلى المجر ولسوف نسمع عنهم مرة أخرى.
وفي الأراضي المنخفضة بشر ملشيور هوفمان، وهو دباغ من سوابيا، بإنجيل لامعمداني لاقى نجاحاً فائقاً. وانتهى تلميذه جان ماتيس في ليدن إلى الرأي القائل بأنه لن يكون في الوسع الانتظار في أناة لمجيء أورشليم جديدة، بل يجب المبادرة إلى تحقيقها فوراً وبالقوة إذا لزم الأمر. وأوفد في أرجاء هولندة اثني عشر رسولاً لإعلان الأخبار السارة، وكان أقدرهم حائكاً صغير السن يدعى جان يويكلزون المعروف في التاريخ باسم جون الليديني وفي أوبرا ميير بير باسم (النبي). وكان، دون أن يتلقى تعليماً نظامياً، حاد الذهن خصيب الخيال وسيم الهيئة ذرب اللسان قوي الإرادة. وكتب مسرحيات أخرجها بنفسه، ونظم الشعر، وعندما وقعت في يده
كتابات توماس منتسر شعر بأن كل أشكال المسيحية، التي تختلف عما كان ميلهاوزن قد حصلها وفقدها، تفتقر إلى الحمية والإخلاص. وسمع ما قاله جان ماتيس وغدا نصيراً للامعمدانية (1533). وكان وقتذاك في الرابعة والعشرين من عمره وفي تلك السنة قبل دعوة مشئومة للحضور إلى منستر عاصمة وستفاليا الغنية الآهلة بالسكان لإلقاء عظاته.
وكانت منستر، بحكم تسميتها باسم الدير الذي نمت حوله، تابعة إقطاعياً لأسقفها ولرجال الكاتدرائية، ومع ذلك فإن نمو الصناعة والتجارة قد استحدثت فيها درجة من الديمقراطية. فقد كانت حشود الوطنيين، الذين يمثلون سبع عشرة طائفة حرفية، يختارون كل عام عشرة من المنتخبين، وكانوا بدورهم يختارون مجلس المدينة. ولكن الأقلية الثرية كان يتوفر فيها الجانب الأكبر من الكفاية السياسية، ومن الطبيعي أن تسيطر على المجلس.
وفي عام 1525 قدمت الطبقات الدنيا في غمرة حماستها لثورات الفلاحين ستة وثلاثين مطلباً إلى المجلس فسلم لها بالقليل منها وسخر من الباقي وأرجأ النظر فيها، وأقام برنارد روتمان، وهو واعظ من أنصار لوثر، من نفسه لسان حال هذا التذمر، وطلب من جان ماتيس أن يوفد بعض اللامعمدانيين الهولنديين لنصرته. فجاء جون الليديني (13 يناير سنة 1534) وسرعان ما اقبل جان ماتيس بنفسه. وخشي "حزب النظام" حدوث تمرد فأعد العدة لكي يدخل الأسقف فرانزفون فالديك المدينة مع 2000 من جنوده، فحاربهم الأهلون بقيادة ماتيس وروتمان وجون الليديني في الطرقات، وأجلوهم عن المدينة، وسيطروا عسكرياً على منستر (10 فبراير سنة 1534). وأجريت انتخابات جديدة وفاز اللامعمدانيون بالمجلس واختير اثنان منهم وهما كنيبر دولنجك وكيبفبرويك عمدتين وبدأت التجربة المنيرة.
ووجدت منستر نفسها على الفور في حالة حرب، يحاصرها الأسقف وجيشه المدعم، وفي حالة فزع من أن تتحد سريعاً كل قوى النظام والتقاليد في ألمانيا ضدها. ولكي يحمي المجلس الجديد نفسه ضد المعارضة الداخلية اصدر مرسوماً يقضي بأن يخير جميع المعارضين اللامعمدانيين بين قبول إعادة التعميد أو مغادرة المدينة. وكان هذا إجراءاً قاسياً لأنه كان يعني إكراه الشيوخ، والنساء الحاملات للأطفال، والأطفال الحفاة إلى الركوب أو السعي مشياً من المدينة إلى قلب الشتاء بألمانيا. وخلال هذا الحصار أعدم كلا الجانبين بلا رحمة أي شخص وجدوه يعمل لصالح العدو.
وألغى المجلس تحت وطأة الحرب وحل محله مجلس شعبي ولجنة تنفيذية للأمن، وكان يرأس كلاً منهما زعماء من رجال الدين. ولقي ماتيس حتفه وهو يقاتل في هجوم فاشل لفك الحصار (5 أبريل سنة 1534) ومن ثم تولى جون الليديني حكم المدينة باعتباره ملكاً لها.
وكانت الشيوعية التي أرست دعائمها وقتذاك تعني اقتصاد الحرب، ولعل هذا ما يجب أن تكون عليه كل شيوعية صارمة، ذلك لأن الناس ليسوا متساوين بفطرتهم، ولا يمكن إغراؤهم بمشاطرة الآخرين أمتعتهم وثرواتهم إلا عندما يستشعرون خطراً جوهرياً مشتركاً، وتتفاوت الحرية في الداخل بتفاوت الأمن في الخارج وتتحطم الشيوعية تحت وطأة السلام. وخشي المحاصرون أن يفقدوا حياتهم إذا لم تتحقق لهم الوحدة، واستهوتهم العقيدة الدينية والفصاحة التي لا مفر منها، فقبلوا حكومة دينية اشتراكية (60)، وكان يراودهم أمل يائس بأنهم إنما يحققون القدس الجديدة، التي وردت في سفر الرؤيا. وأطلق على أعضاء لجنة الأمن العام اسم أكابر الأسباط الأثني عشر لإسرائيل، وأصبح جون الليديني ملك إسرائيل، ولعل جون أراد أن يُدخل في أذهان البسطاء معنى من معاني الوقار المفيد لمنصبه المقلقل فارتدى هو وأعوانه ملابس فخمة تركها لهم بعض السراة من المنفيين، واتهم
الأعداء الزعماء المتطرفين بأنهم كانوا متخمين في الوقت الذي أشرف فيه الأهالي المحاصرون على الموت جوعاً، والدليل غير مقنع وذلك لأن الزعماء يستشعرون دائماً بأن عليهم التزاماً ملحاً بالمحافظة على صحتهم. وقد وزع الجانب الأكبر من أدوات الترف المصادرة على الشعب. وكتب أحدهم "يقول إن أفقر الناس منا كانوا يطوفون وهم يرتدون ثياباً فاخرة"(61) ثم ماتوا جوعاً في شيء من الأبهة.
وبطريقة أخرى كانت الشيوعية في منستر محدودة وتحت الاختبار، وطبقاً لما رواه شاهد من الخصوم أصدر لحكام أمراً، يقضي بأن تكون الممتلكات على المشاع (62)، ولكن في الحقيقة ظلت الملكية الخاصة عملياً في كل شيء ما عدا المجوهرات والمعادن الثمينة وغنائم الحرب. وكانت وجبات الطعام تقدم على الشيوع، ولكن كان لا يتناولها إلا المشتغلون بالدفاع عن المدينة. وعند تقديم هذه الوجبات كان يقرأ إصحاح من الكتاب المقدس وتنشد أناشيد قدسية. وعين ثلاثة من الشماسين لإمداد الفقراء بحاجاتهم، ولتوفير المواد لهذه الصدقات أغري البقية من الأثرياء أكرهوا على التنازل عن فائض أموالهم. وخصصت الأرض الصالحة للزراعة داخل المدينة لكل أسرة طبقاً لعدد أفرادها. وأكد أحد المراسيم سيادة الزوج التقليدية على الزوجة (63).
وكان ينظم الأخلاق العامة قوانين عامة، وشجعت الراقصات والألعاب والتمثيليات الدينية تح الإشراف، ولكن كان السكر والمقمرة ويعقب مَن يرتكبهما بقسوة، وكان البغاء محرماً والفجور والزنى من الجرائم التي تستحق أقصى عقاب، ودفعت زيادة عدد النساء بسبب قرار كثير من الرجال الزعماء على أن يصدروا أمراً يستند إلى السوابق في الكتاب المقدس، وبأن تصبح النساء غي المرتبطات رفيقات للزوجات - وكن في واقع الأمر حظايا (64). ويبدو أن النساء اللاتي ارتبطن حديثاً قد تقبلن الموقف على أسا أنه أفضل من العيش في عزلة وحرمان. واحتج بعض المحافظين في المدينة
ونظموا ثورة، وسجنوا الملك، ولكن سرعان ما قلي جنودهم حتفهم بعد أن سلبت الخمر عقولهم، وذلك على يد جنود اللامعمدانيين ولعبت النساء دوراً بطولياً في انتصار القدس الجديدة واتخذ جون، بعد أن أطلق سراحه وأعيد إلى عرشه. عدة زوجات (كما يقول المؤرخون من خصومه)، وحكم المدينة حكماً يتسم بالعنف والطغيان (65). ولابد أنه كان يتصف ببعض الصفات اللطيفة لأن آلاف الناس تحملوا حكمه وعرضوا للتضحية بأرواحهم في خدمته. وعندما طالب بمتطوعين يسيرون وراءه في هجوم مضاد على معسكر الأسقف انخرط في خدمته عدد كبير من النساء أكثر مما رأى أنه من الحكمة أن يستخدمن، وعندما طلب "رسلاً" لاقتحام الطريق لطلب العون من جماعات اللامعمدانيين الأخرى حاول اثنا عشر رجلاً أن يخترقوا خطوط الأعداء، وقبض عليهم جميعاً وقتلوا، واندفعت فجأة امرأة متحمسة مستلهمة قصة جوديث، إلى الخارج لاغتيال الأسقف، وحيل بينها وبينه، وأعدمت.
وعلى الرغم من أن الكثيرين من اللامعمدانيين في ألمانيا وهولندا رفضوا التجاء طائفتهم الأخوية في منستر للقوة فإن الكثيرين منهم هتفوا استحساناً للثورة. وتمتمت كولونيا وترير وأمستردام وميدن بصلوات لامعمدانية دعت فيها بنجاح اللامعمدانية وأبحرت من أمستردام خمسون سفينة (22 مارس و 25 مارس سنة 1535) تحمل إمدادات للمدينة المحاصرة، ولكن السلطات الهولندية فرقتها كلها بدداً. وفي الثامن والعشرين من مارس استولت عصابة من اللامعمدانيين على دير في وست فريزلاند، وحصنته بعد أن سمعت صدى ثورة منستر، ولكنها غلبت على أمرها، وفقد من أفرادها ثمانمائة.
وعندما واجهت قوى الإمبراطوريّة المحافظة من البروتستانت والكاثوليك على السواء هذه الثورة التي استشرت حشدت جنودها لقمع حركة
اللامعمدانية في كل مكان. وها هو لوثر الذي كان قد أشار عام 1528 بالرفق مع الهراطقة الجدد ينصح عام 1530 بشهر السيف ضدهم، لا باعتبارهم "كفّاراً بل بوصفهم من كبار مثيري الشغب"(66) وأذعن ميلانكتون، وأرسلت مدينة تلو أخرى المال والرجال للأسقف. وأصدر المجلس النيابي في ورمس (4 أبريل سنة 1535) أمراً بفرض ضريبة على كل ألمانيا لتمويل الحصار. وهكذا استطاع الأسقف وقتذاك أن يحيط بالمدينة ويحرمها من كل إمداداتها، وعندما واجه الملك جون المجاعة وخور العزيمة أعلن أن كل مَن يرغب يستطيع مغادرة المدينة، فانتهز الفرصة كثير من النساء والأطفال وبعض الرجال. أما الرجال فكان نصيبهم الشجن أو القتل على أيدي جنود الأسقف، وأما النساء فقد أبقوا على حياتهم للاستفادة بهن في أداء خدمات مختلفة. وأنقذ أحد المهاجرين حياته بأن عرض على المحاصرين أن يريهم جانباً من الأسوار خالياً من الحماية، فتسلقته قوة، واقتحمت أحد الأبواب بإرشاده (24 يونيه) وسرعان ما تدفق إلى المدينة بضع آلاف من الجنود. وكانت المجاعة قد انشبت أنيابها في المحاصرين، بحيث لم يبقَ منهم إلا 800 رجل من القادرين على حمل السلاح، وتحصنوا بمتاريس في السوق، ثم استسلموا مقابل وعد بمنحهم جواز الأمان لمغادرة منستر، وعندما سلموا أسلحتهم ذبحوا عن بكرة أبيهم. وفتشت البيوت وعثر فيها على أربعمائة من الأحياء كانوا مختبئين فقتلوا، وربط جون الليديني واثنان من أعوانه على الساريات، وخمش كل جزء من أجسادهم بكماشات ملتهبة إلى درجة الاحمرار حتى (أصيب بالغثيان تقريباً كل مَن كانوا وقوفاً في السوق من الرائحة المنتنة"، وشدت ألسنتهم حتى تدلت من أفواههم، وأخيراً طعنت قلوبهم بالخناجر (67).
واستعاد الأسقف المدينة، وزاد سلطانه السابق، وأصبحت كل أعمال السلطات المدنية عرضة من الآن فصاعداً للاعتراض من الأسقف، واستعادت الكاثوليكية سلطانها المظفر، وخشي اللامعمدانيون في أرجاء الإمبراطوريّة على أرواحهم، فنبذوا كل عضو في طائفتهم يتهم باستخدام القوة، ومع ذلك أعدم الكثيرون من هؤلاء الهراطقة المسالمين. وأشار ميلانكتون ولوثر على فيليب الهسي بإعدام كل مَن انضموا إلى الطائفة (68)، وشعر الزعماء المحافظون أن مثل هذا التهديد الخطير للنظام الاقتصادي والسياسي الذي توطدت أركانه يجب أن يعاقب بقسوة لا تعرف الغفران.
وتقبل اللامعمدانيون الدرس وأجلوا الشيوعية إلى العصر الألفي (عصر حكم المسيح ألف سنة) وأسلموا أنفسهم إلى ممارسة ما يتفق مع مبادئهم عن الحياة الرصينة البسيطة التقية المسالمة - التي لا تغضب الدولة.
وقام ميثو سيمونز، وهو قس كاثوليكي اعتنق مذهب اللامعمدانية (1531)، بإرشاد أتباعه من الهولنديين والألمان إرشاداً بارعاً جداً إلى حد أن "المينونيين" عاشوا على الرغم من كل ما تعرضوا له من محن، وكونوا كوميونات زراعية ناجحة في هولندة وروسيا وأمريكا. وليس هناك علاقة قرابة واضحة بين اللامعمدانيين في القارة الأوروبية وبين جماعة الكويكر الإنجليز والمعمدانيين (جماعة البابتست) الأمريكيين. إلا أن رفض جماعة الكويكر للحرب والإيمان، وإصرار جماعة المعمدانيين (البابتست) على التعميد عند البلوغ مستمدان من نفس تقاليد العقيدة الدينية والسلوك، التي اتخذت أشكالاً متعددة (69) في سويسرة وألمانيا وهولندة. وتشترك هذه الجماعات تقريباً في صفة واحدة، وهي تصميمها على تقبل العقائد التي تخالف عقائدها في سلام. وأن علم اللاهوت الذي ساندها
وقت الشدة والفقر والاستشهاد لا يكاد يتفق مع فلسفتنا العابرة، وإن كانت أيضاً بصدقها وولائها ومسالمتها قد أثرت تراثنا وكفّرت عن إنسانيتنا المدنسة.
(1)
(1)
هاجر فرع من اللامعمدانيين (1719) من ألمانيا إلى بنسلفانيا، واستقر في جرمانتاون أو بالقرب منها. وهؤلاء الدونكر يبلغ عددهم الآن زهاء 200. 000 وفي عام 1874 غادر روسيا كثير من اللامعمدانيين، الذين ينحدرون من أصل مورافي، واستقروا في جنوب داكوتا والبرتا. وفي شرق بنسلفانيا لا يزال المينونيون الأمينيون - وأطلق عليهم هذا الاسم نسبة إلى جاكوب أمين وهو زعيم عاش في القرن السابع عشر- يرفضون رسمياً استخدام الأمواس والأزرار وطرق السكك الحديدية والسيارات ومشاهدة الصور المتحركة وقراءة الجرائد، بل إنهم لا يستخدمون الجرارات، ومع ذلك فإن مزارعهم تعد من أنجح المزارع وأكثرها تنسيقاًً في أمريكا، وبلغ تعداد المينونيين 400. 000 عام 1949.
الفصل الثامن عشر
زونجلى- الإصلاح الديني في سويسرة
(1477 - 1531)
1 -
كثير في القليل
Multum in Parvo ?
دعم نجاح المقاطعات السويسرية في صد الهجوم الذي قام به شارل الجسور (1477) اتحادها وأشعل جذوة اعتزازها بقوميتها، وشجعها على مقاومة المحاولة التي قام بها ماكسمليان لإخضاعها اسماً وفعلاً للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وثارت منازعات على تقسيم الغنائم عقب هزيمة بورغنديا، فدفعت بالمقاطعات إلى حافة الحرب الأهلية، إلا أن فيلسوفاً ناسكاً بمجلس ستانز النيابي وهو نيكولاوس فون ديرفلو- الأخ كلاوس في الذاكرة السويسرية- أقنعها بأن تركن إلى السلام.
وانضمت مقاطعة إثر مقاطعة إلى الاتحاد، ليزداد قوة، فقبلت فيه فرايبورج وسولوثورن عام 1481، وبازيل وشافهاوزن عام 1501، وابنتسيل عام 1513، وغدا الاتحاد بعد أن انضمت إليه ثلاث عشرة مقاطعة، تتحدث كلها باللهجات الألمانية- ما عدا فريبورج وبرن، فقد كان الحديث يدور فيهما بالفرنسية- جمهورية اتحادية: وكانت كل مقاطعة تنظم شئونها الداخلية، أما علاقاتها الخارجية فكانت تحكمها سلطة تشريعية عامة.
وكانت الهيئة التشريعية الوحيدة للمجلس النيابي الاتحادي تتكون من عدد مماثل من النواب عن كل مقاطعة. ولم تكن الديمقراطية كاملة، فقد
حرمت عدة مقاطعات من التصويت الأقليات من رعاياها، يضاف إلى هذا أن سويسرا لم تكن نموذجاً يُحتذى في حب السلام.
ولقد انتهزت المقاطعات من 1500 - 1512 فرصة تفكك وحدة إيطاليا، واستولت على بلينزونا ولوكارنو ولوجانو وبعض المناطق الأخرى جنوب الألب، واستمرت في تأجير خدمات الفرق السويسرية- بموافقتها- السلطات الأجنبية. ولكن الاتحاد تخلى عن التوسع الإقليمي بعد هزيمة حملة الحراب السويسرية في موقعة مارينانو Marignano (1515) ، وتبنى سياسة تتسم بالحياد، ووجه فلاحيه الأقوياء وصناعه المهرة، وتجارة الكثيري الموارد إلى تنمية حضارة، تعد من أعظم الحضارات في التاريخ.
وكانت الكنيسة في سويسرة لينة العريكة وفاسدة، كما كانت في إيطاليا، وأسبغت الرعاية على علماء الإنسانيات، الذين احتشدوا حول فروبن وأرازموس في بازل، ومنحتهم قسطاً وافراً من الحرية. وأصبح هذا دعامة من دعائم التسامح الخلقي، الذي ساد هذا العصر، فاستمتع القساوسة السويسريون بالحظايا (1). وكان أحد الأساقفة السويسريين يتقاضى من رجال الدين التابعين له أربعة جيلدرات عن كل طفل يولد لهم، وجمع في عام واحد 1522 جيلدر من هذا المصدر (2). وشكا من أن الكثيرين من القساوسة يقامرون، ويترددون على الحانات، ويثملون علناً (3)، دون أن يدفعوا رسماً للأسقفية. وبدأت عدة مقاطعات، وبخاصة زيورخ، في الإشراف المدني على رجال الدين، وفرضت الضرائب على أملاك الأديرة. وزعم أسقف كونستانس أن زيورخ بأسرها إقطاعية تابعة له، وطالب بخضوعها له وبضرائب العشور المفروضة عليها، ولكن البابوية كانت جد مرتبكة باتجاهات السياسة الإيطالية، فلم تستطع أن تؤيد مزاعمه بالفعل. ولقد وافق البابا يوليوس الثاني في عام 1510 على أن يدير مجلس المدينة في جنيف الأديرة، وأن يضع قواعد للأخلاق العامة في نطاق سلطته (4)،
وذلك مقابل الحصول على بعض الفرق من جنيف. ومن ثم فإن روح الإصلاح الديني كانت قد تحقق في زيورخ وجنيف قبل ظهور أفكار لوثر بسبع سنوات، وهي سيادة السلطة الزمنية على السلطة الدينية وأصبح الطريق ممهداً أمام زونجلي وكالفن لوضع الأسس المختلفة التي رأوا أنها تزيل هوة الخلاف بين الكنيسة والدولة.
2 - زونجلى
إن زيارة يقوم بها المرء إلى محل ميلاد هولدرايخ، أو أولريخ زونجلى، لتوحى له بالقاعدة غير المضطردة التي تذهب إلى أن العظماء من الرجال إنما يولدون في بيوت متواضعة. ولقد استهل أعظم المصلحين الدينيين العقلانيين، الذين جانبهم التوفيق حياته (أول يناير عام 1484) في كوخ صغير بقرية فيلد هاوس، التي تربض في وادٍ جبلي على بعد خمسين ميلاً جنوب شرقي زيورخ في مقاطعة سانت-جولد الحالية، سقف جملوني منخفض، وجدران من ألواح ثقيلة، ونوافذ مقسمة إلى مربعات، وأرضيات مكونة من ألواح مصمتة ضخمة، وسقوف واطئة، وحجرات مظلمة، ودرجات تحدث صريراً، وأسرّة متينة من خشب البلوط، ومنضدة وكرسي ورف للكتب؛ وهذا البيت التاريخي يدل على بيئة كان الانتخاب الطبيعي فيها يتم بصورة صارمة، أما الانتخاب الخارق للطبيعة فقد كان يبدو أملاً لا غنى عنه، وكان والد أولريخ كبير القضاة في هذه القرية الصغيرة المغمورة أما أمه فكانت شقيقة قس معتزة بنفسها. وكان الابن الثالث من بين ثمانية أبناء يتنافسون على الظفر بإعجاب شقيقتين، ويبدو أنه قد قدر عليه أن يكون قساً منذ نعومة أظفاره.
وأسهم عمه، وهو نائب الأسقف في كنيسة قرب فيزين، في تعليمه مع والديه، وكان له الفضل في أن يكون زونجلى نزعة إنسانية اتساع أفق، تميز بها بوضوح عن لوثر وكالفن. وعندما بلغ الصبي العاشرة من
عمره أرسل إلى مدرسة لاتينية في باويل، وفي الرابعة عشرة دخل كلية في برن يرسها أحد الأهلين من أنصار الكلاسية المبرزين. ودرس من السادسة عشرة إلى الثامنة عشرة في جامعة فيينا، في الفترة التي ازدهرت فيها الدراسات الإنسانية، في عهد كونراد سيلتس. وكان يسري عن نفسه ما يلاقيه من عناء بالعزف على العود والقيثار والكمان والناي والسنطير.
وفي الثامنة عشرة من عمره عاد إلى بازيل، ودرس اللاهوت على يد توماس فيتنباخ، الذي هاجم قبل الأوان عام 1508 صكوك الغفران وعزوبة رجال الدين والقداس. وحصل زونجلى على درجة الماجستير، وهو في الثانية والعشرين من عمره، (1506) ورُسم قساً، واحتفل بإقامة أول قداس له في فيلدهاوس وسط الأقارب المبتهجين، واشترى بمبلغ مائة جيلدر جمعت له وظيفة راعي أبرشية (5) في جلاروس على بعد عشرين ميلاً.
وهناك تابع دراساته في الوقت الذي كان يؤدي فيه واجباته بغيرة وحماسة، وتعلم اليونانية ليقرأ العهد الجديد بلغته الأصلية، وقرأ بحماسة مؤلفات هوميروس وبندار وديموكريتوس وبلوتارك وشيشرون وقيصر وليفي وسينيكا وبلني الأصغر وتاسيتوس، وكتب تعليقاً على مؤلف لوسيان الشكاك الفكه، وتبادل الرسائل مع بيكوديلا ميراندولا وأرازموس، ووصف أرازموس بأنه "أعظم فيلسوف وعالم باللاهوت"، وزاره موقراً إياه (1515)، وكان يقرأ له كل ليلة قبل أن ينام. وقد درج، مثل أرازموس، على أن يسلق بلسان لاذع فساد رجال الدين، وأن يسخر بفطرته من التطرف في العقيدة، وأن يرفض بشدة الرأي القائل بأن قدامى الفلاسفة والشعراء يصلون نار جهنم:"وأقسم أنه يؤثر أن يشاطر سقراط أو سينيكا حظه المقدور ولا يتلقى الأنعام من البابا"(6). ولم يسمح لعهود الكهنوتية بأن تحرمه من ملذات الجسد، فكانت له علاقات مع نساء مترخصات، وظل منغمساً في ملذاته هذه حتى تزوج في عام 1514.
ولم تعبأ بأفعاله جموع المصلين عنده، وظل البابوات يدفعون له حتى عام 1520 معاشاً قدره خمسون فلورين، نظير تأييده لهم ضد الحزب المناصر للفرنسيين في جلاروس. واصطحب من عام 1513 إلى عام 1515 فرقة الجنود المرتزقة السويسرية في جلاروس إلى إيطاليا، بصفته واعظاً لها، وبذل أقصى ما في وسعه لكي يحمل الجنود على الحفاظ على ولائهم للقضية البابوية، إلا أن صلته بالحرب في المعارك التي دارت في نافارو ومارينيانو، جعلته يعارض بشدة أي تدبير لبيع شجاعة الجنود السويسريين للحكومات الأجنبية.
وفي عام 1516 فاز الحزب الفرنسي في جلاروس، وأصبحت له اليد الطولى فانتقل زونجلى إلى أبرشية في أنيزيدلن بمقاطعة شفيتز، وهنا اصطبغت عظته بصبغة بروتستانتية حتى قبل قيام ثورة لوثر، ونادى عام 1517 باعتناق دين يعتمد على الكتاب المقدس فحسب وأبلغ كبير الأساقفة الكاردينال ماتهويس شينر أن في الكتاب المقدس إجازة ضعيفة للبابوية، ولقد هاجم في أغسطس عام 1518 مساوئ بيع صكوك الغفران، وحرض رهبان البندكتيين على أن يرفعوا من المزار الذي أقاموه للعذراء، والذي يعود عليهم بالربح الوفير، نقشاً يعدون فيه الحجاج بـ "الغفران الكامل لجميع الخطايا التي اقترفوها واعفائهم من العقاب أيضاً"(7). وعاد بعض الحجاج من زيورخ إلى قساوستهم برواية حماسية عن وعظه. وفي العاشر من ديسمبر عام 1518 قبل الدعوة لتنصيبه "قساً" أو "قسيساً للشعب" في جروسمنستر أو الكنيسة الكبرى في زيورخ أعظم المُدن السويسرية جرأة، وكان في ذلك الوقت يقترب من النضج في الروح المعنوية والتعقل. وقام بإلقاء سلسلة من العظات فسر فيها، من النص اليوناني، العهد الجديد بأسره ما عدا سفر الرؤيا، الذي لم يكن يحبه، وكان يطوي بين جوانبه شيئاً من الصوفية، التي أسهمت في تكوين لوثر. وليس لدينا صورة شخصية له،
أخذت إبان حياته، ولكن معاصريه وصفوه بأنه رجل وسيم أصهب صريح النسب، له صوت شجي، يستولي على ألباب جموع المصلين في كنيسته، ولم يكن يضارع لوثر في الفصاحة أو التفسير، ومع ذلك فإن عظاته كانت مقنعة، لما تتسم به من صدق وصفاء، وسرعان ما استجابت زيورخ بأسرها لتأثيره. وأيده رؤساءه من رجال الدين عندما استأنف حملته ضد بيع صكوك الغفران. وقد اجتاز في أغسطس عام 1518 برنهاردن سمسون الراهب الفرنسكاني من ميلان ( Bernhardin Samson) مضيق سانت جوتار، وأصبح تيتزل سويسرا. وقدم صك غفران من البابا ليو إلى الأغنياء على ورق الورشمان نظير ريال، وإلى الفقراء، وقابل بضع بنسات، وبتلويحة من يده أعفى كل الأرواح التي هلكت في برن من عذاب المطهر. واحتج زونجلى، وظاهره في هذا الاحتجاج أسقف كونستانس، ولما كان ليو العاشر على علم بشيء من الأحداث الجارية في ألمانيا، فقد استدعى رسوله المتلاف. وفي عام 1519 انتشر وباء الطاعون في زيورخ، وقضى على ثلث السكان في خلال نصف عام. ولازم زونجلى مقره، وواصل العمل ليلاً ونهاراً في العناية بالمرضى، وأصيب هو نفسه بعدوى المرض، واشرف على الهلاك، وما أن عوفي حتى غدا أعظم شخصية في زيورخ، تحظى بالشعبية، وبعثت إليه بالتهاني بعض الشخصيات المرموقة، التي تقيم بعيداً عنه، من أمثال بيركهايمر وديرر. ونصب عام 1521 كبيراً للقساوسة في جروسمنستر، وأصبح وقتذاك من القوة بحيث استطاع أن ينادي في سويسرة بالإصلاح الديني.
3 - إصلاح زونجلى الديني
ولقد تغيرت شخصية راعي الأبرشية في كنيسته، دون وعي منه تقريباً، وإن كان هذا التغيير نتيجة طبيعية لم تلقاه من تعليم غير عادي
…
كانت الموعظة قبله هينة الشأن، ويكاد القداس والقربان المقدس أن يستغرقا
معظم الخدمة الدينية، وقد جعل زونجلى الموعظة المسيطرة في إقامة الشعائر الدينية، وأصبح معلماً لا يقل براعة عنه واعظاً، وكلما ازدادت ثقته اشتد إقناعه بأن المسيحية يجب أن تعود إلى بساطتها الأولى في النظام والعبادة. ولقد استفزته ثورة لوثر ورسائله ورسالة هس "عن الكنيسة"، فما أن حال عام 1520 حتى كان يهاجم علناً الرهبانية والمطهر والتوسل بالقديسين، وبرهم أكثر من هذا على أن دفع ضرائب العشور للكنيسة يجب أن يكون بمحض الاختيار، كما جاء في الكتاب المقدس. ورجاه الأسقف الذي يتبعه أن يسحب هذه العبارة، ولكنه أصر عليها وأيده مجلس المقاطعة، بأن أصدر أمراً لكل القساوسة المعينين في نطاق اختصاصه، أن تقتصر عظاتهم على ما وجدوه في الكتاب المقدس. وفي عام 1521 أقنع زونجلى المجلس بمنع تطوع الجنود السويسريين في صفوف الفرنسيين، وبعد مرور عام امتد الحظر حتى شمل كل الدول الأجنبية، وعندما استمر الكاردينال شينر في تجنيد الفرق السويسرية للبابا، أوضح زونجلى لجمهور المصلين عنده أن الكاردينال كان لا يرتدي قبعة حمراء دون داعي لأنها "إذا عصرت لرأيت دم أقرب الأقربين يقطر من ثناياها"(8). ولما لم يجد في العهد نصاً يحرم اللحم في الصوم الكبير، فقد سمح لرعايا أبرشيته بأن يتجاهلوا أوامر الكنيسة الخاصة بهذا الصوم الكبير. واحتج أسقف كونستانس، فرد عليه زونجلى في كتاب عنوانه (بداية ونهاية) تنبأ فيه بثورة عالمية ضد الكنيسة ونصح البطارقة بأن يقلدوا قيصر وأن يطووا حولهم أرديتهم، ويموتوا في جلال ووقار. والتمس، هو وعشرة من القساوسة الآخرين، من الأسقف أن يضع حداً لفجور رجال الدين، وذلك بأن يسمح بزواج رجال الكهنوت (1522). وكان في إبان ذلك العهد يحتفظ بسيدة تدعا أنا راينهارد بصفة عشيقة أو زوجة له في الخفاء. وتزوجها علناً عام 1524 قبل زواج لوثر من كاترين فون بورا بعام.
وقد سبق هذا الانفصام النهائي من الكنيسة جدلان ذكرا الناس بمناظرة
لوثر وإيك في ليبزج، وكانت لهما أصداء بعيدة في جدل أنصار الفلسفة الكلامية في جامعات العصور الوسطى.
ولما كانت سويسرة جمهورية نصف ديمقراطية فلم يروعها رأي زونجلى. الذي يذهب إلى أن الخلافات بين آرائه وآراء خصومه المحافظين يجب أن تلقى إذناً صاغية غير متحيزة، وأخذ مجلس زيورخ الكبير على عاتقه باغتباط مهمة الحكم على رجال الدين، فدعا الأساقفة أن يرسلوا ممثلين لهم فحضروا بكامل أهبتهم واحتشد منهم نحو ستمائة في قاعة المدينة، للاشتراك في الجدل المثير (25 يناير سنة 1523).
وعرض زونجلى سبعة وستين بنداً يدافع عنها:
1 -
يخطئ كل مَن يقول أن الإنجيل لا يساوي شيئاً، إذا لم ترض عنه الكنيسة.
15 -
يتضمن الإنجيل الحقيقة بأكملها في وضوح وجلاء
…
17 -
المسيح هو الكاهن الأعظم الخالد الوحيد، والذين يزعمون أنهم كهنة عظام، إنما يعارضون في الحقيقة شرف المسيح وجلاله.
18 -
أن المسيح الذي ضحى بنفسه يوماً فوق الصليب، قد قام بالتضحية الكافية والدائمة للتكفير عن خطايا كل المؤمنين، ومن ثم فإن القداس ليس تضحية، وإنما هو تذكرة للتضحية الوحيدة على الصليب
…
24 -
المسيحيون غير مكلفين بأية أعمال لم يأمر بها المسيح، ويمكنهم أن يأكلوا في جميع الأوقات كل أنواع الطعام
…
28 -
كل ما يبيحه الله ولم يحرمه حلال. ومن ثم فإن الزواج مباح لكل الناس.
34 -
لا أساس للسلطة الروحية التي يطلق عليها اسم (الكنيسة) في الكتب المقدسة وفي تعاليم المسيح.
35 -
إلا أن السلطة الزمنية تؤيدها تعاليم المسيح وسنته (إصحاح لوقا 2 - 5 وإصحاح متّى 22، 21)
…
49 -
لا أعرف فرية أعظم تحريم الزواج الشرعي على القساوسة، بينما يباح لهم اتخاذ حظايا على شريطة دفع غرامة. ياللعار!.
57 -
إن الكناس المقدس لا يعرف شيئاً عن المطهر
…
66 -
على جميع الرؤساء الروحيين أن يبادروا بالتوبة، وأن ينصبوا صليب المسيح وحده وإلا هلكوا. إن البلطة موضوعة على الجذر (9).
ورفض جوهان فاير - الأسقف العام لأبرشية كونستانس هذه الآراء تفصيلاً، وطالب بأن تطرح أمام جامعات كبير أو أمام مجلس عام للكنيسة، ورأى زونجلى أن هذا لا ضرورة له. فبعد أن أصبح العهد الجديد وقتذاك في متناول الناس باللغات الدارجة، صار في وسع الجميع أن يحصلوا على كلمة الله ليحكموا على هذه الآراء وهذا يكفي
…
ووافق المجلس وأعلن أن زونجلى بريء من الهرطقة، وأمر كل رجال الكهنوت في زيوريخ بأن تكون عظاتهم مقصورة على ما يجدون له سنداً في الكتاب المقدس، وهنا تولت الدولة أمر الكنيسة كما حدث بألمانيا في عهد لوثر.
وقبل معظم القساوسة - بعد أن ضمنت لهم الدولة الآن رواتبهم - أمر المجلس. وتزوج الكثيرون منهم وتعمدوا باللغة الدارجة وأغفلوا أمر القداس وتخلوا عن تقديس الصور. وبدأت عصبة من المتحمسين في إتلاف الصور والتماثيل بلا تمييز في كنائس زيوريخ. وانزعج زونجلى من انتشار العنف على هذا النحو فرتب مناظرة أخرى (26 أكتوبر سنة 1523) حضرها 550 من عامة الناس و 350 من رجال الكهنوت. وتمخضت عن أمر صدر من المجلس يقضي بأن تتولى لجنة من أعضائها زونجلى، إعداد كتيب يتضمن تعليمات، توضح العقيدة للناس، وأن يتوقف في غضون ذلك العنف بجميع صوره. وألف زونجلى بسرعة "مقدمة قصيرة في المسيحية" أرسلت لجميع رجال الدين في المقاطعة.
واحتجت السلطة الكهنوتية الكاثوليكية، وأيدها في الاحتجاج المجلس
النيابي للاتحاد الذي اجتمع في لوسون (26 يناير سنة 1524)، في الوقت نفسه تعهد بالقيام بإصلاح كهنوتي، غير أن مجلس المدينة تجاهل هذه الاحتجاجات.
وصاغ زونجلى عقيدته بتوسع في رسالتين باللاتينية: "الدين الحقيقي والزائف ( De vera et false religione) (1925) (Ratio fidei) (1530) وقبل لاهوت - الكنيسة الأساسي - إله ثلاثي التوحد، وهبوط آدم وحواء من الجنة، وتجسد الأقنوم الثاني، وولادة العذراء والتكفير، ولكنه فسر "الخطيئة الأصلية" لا بأنها لوثة إثم ورثناه من "آبائنا الأوائل" ولكن بأنها نزعة غير اجتماعية، تكمن في طبيعة الإنسان (10). وقد اتفق في الرأي مع لوثر بأن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحصل على الخلاص بالأعمال الصالحات، بل يجب أن يؤمن بالقدرة التكفيرية لموت المسيح المقترن بالتضحية. واتفق في الرأي أيضاً مع لوثر وكالفن في موضوع القدر: كل حادث وبالتالي المصير الأزلي لكل فرد قدره الله، ولابد أن ينفذ كما قدر سبحانه، ولكن الله لم يقدر اللعنة الأبدية إلا على الذين أعرضوا عن آيات الإنجيل، التي بسطت عليهم، وكل طفل (من أبوين مسيحيين) يموت، وهو طفل، يكتب له الخلاص، حتى ولو لم يعمد، لأنه أصغر من أن يرتكب خطيئة. وجهنم حق، أما المطهر فهو "خرافة
…
مهنة مربحة لمن ابتدعوه" (11) وليس في الكتاب المقدس إشارة عنه، أما القرابين المقدسة فإنها ليست وسائل معجزة بل رموزاً نافعة لرحمة الله. والاعتراف السري لا ضرورة له، وليس في وسع قسيس أن يغفر لأحد - خطيئته - فالله وحده هو الغفور، وإن كان من المفيد غالباً أن نسر بمتاعبنا إلى قسيس (12)، وليس العشاء الرباني، أكلاً فعلياً لجسد المسيح، ولكنه رمز لاتحاد الروح بالرب والفرد بالجماعة المسيحية.
وحافظ زونجلى على القربان المقدس باعتباره جزءاً من الصلاة التي
يقرها الإصلاح الديني، وناول القربان بالخبز والنبيذ معاً، ولكنه لم يناوله إلا أربع مرات في العام. وفي ذلك الاحتفال العرضي أبقى على جانب كبير من القداس، وإن أخذ جمهور المصلين والقس يتلونه باللغة الألمانية في سويسرة. أما في باقي السنة فقد كان يستبدل القداس بالعظة الدينية. وأصبح سلطان الشعيرة على الحواس والتصور تابعاً لتأثير مخاطبة العقل. وهو مقامرة تتسم بالتهور على الذكاء الشعبي وقدرة الأفكار على الثبات، ولما كان من الضروري أن يستبدل بكنيسة معصومة من الخطأ إنجيلاً لا تشوبه شائبة ليكون نبراساً للعقيدة والسلوك، فإن الترجمة الألمانية للعهد الجديد التي قام بها لوثر، أعدت باللهجة الألمانية في سويسرة، وعهد إلى هيئة من العلماء ورجال الدين برئاسة قداسة ليوجود إعداد نسخة بالألمانية من الكتاب المقدس بأسره، وقد نشر هذه النسخة كريستيان فروشاوا عام 1534 في زيوريخ، قبل أن تظهر نسخة لوثر - وهي خير منها - بأربع سنوات.
وفي امتثال صادق للوصية الثانية، ودلالة على عودة المسيحية البروتستانتية إلى تقاليدها اليهودية الأولى، أمر مجلس مدينة زيوريخ برفع كل الصور الدينية ومخالفات القديسين وزينات من كنائس المدينة، بل إن آلات الأرغن أبعدت عنها، وترك الصحن الداخلي الفسيح لكنيسة جروسمنستر عاطلاً كئيب المنظر، كما هو اليوم. وحقاً أن بعض الصور كان سخيفاً بصورة لا يقبلها العقل، وبعضها كان مهيباً للاستسلام للخرافة والوهم بحيث يستحق الإتلاف، إلا أن جانباً منها كان جميلاً، إلى حد دفع هينريخ بولينجر خلف زونجلى إلى أن يحزن لفقدها. وكان لزونجلى نفسه موقف متسامح من التماثيل التي لا تعبد باعتبارها أصناماً خارقة الصنع (13)، ولكنه صفح عن عملية التقويض باعتبارها زجراً لعبادة الأصنام (14)، وسمح للكنائس القروية في المقاطعة بأن تحتفظ بتماثيلها، إذا كانت هذه رغبة غالبية جموع المصلين. واحتفظ الكثالكة ببعض الحقوق المدنية ولكنهم لم يقبلوا في الوظائف العامة
وعوقب كل مَن يحضر القداس بغرامة، وحرم (15) مبدأ أكل السمك بدل من اللحوم يوم الجمعة. وأغلقت أديرة الرهبان والراهبات (باستثناء دير واحد) أو حولت إلى مستشفيات أو مدارس، وبرزت الرهبان والراهبات من الدير لعقد زواجهم، وألغيت أعياد القديسين، واختفت طقوس الحج والماء المقدس والقداسات التي كانت تقام للموتى.
وعلى الرغم من أن كل هذه التغييرات لم تتم حتى عام 1524 فإن الإصلاح الديني حتى ذلك الوقت، كان قد بلغ درجة من الرقي في عهد زونجلى وفي زيورخ، تفوق ما بلغه في عهد لوثر وفي فيتنبرج، وكان لوثر وقتذاك راهباً أعزب لا يزال يردد القداس.
وشكلت زيورخ مجلساً خاصاً، في نوفمبر عام 1524، يتكون من ستة أعضاء لإعداد الاتفاقات اللازمة لفض المشاكل العاجلة أو الدقيقة، التي كانت تعاني منها الحكومة، وتم بين زونجلى وهذا المجلس نوع من التفاهم، اتخذ شكلاً ما، إذ سلم له بتنظيم كل الشئون الخاصة برجال الدين والعلمانيين على السواء. وكان المجلس في كل من المجالين يتبع قيادته. وأصبحت الكنيسة والدولة في زيورخ منظمة واحدة، على رأسها زونجلى بصفة غير رسمية، وفيها ارتضى الإنجيل (كما هو الحال بالنسبة للقرآن في الإسلام) المصدر الأول والحكم الأخير للشريعة. وتحقق في زونجلى، كما تحقق في كالفن فيما بعد، المثل الأعلى للنبي الذي يرشد الدولة، كما تصوره العهد القديم.
وما أن حقق زونجلى هذا النجاح التام والسريع في زيورخ حتى قلب عيناً متسائلة في المقاطعات التي تدين بالكاثوليكية، وتساءل ألا يمكن كسب سويسرة بأسرها لصف الشكل الجديد للعقيدة القديمة.
4 - إلى الأمام أيها الجنود المسيحيون
ولقد مزق الإصلاح الديني "الاتحاد" ويبدو أنه قدر له أن يقضى عليه. وآثرت برن وبازيل وشافهاوزن وآبنتسل والجريزونيون أن تناصر زيورخ، أما باقي المقاطعات فقد ناصبها العداء. وكونت خمس مقاطعات - وهي لوسرن وأورى وشيفتيز وأونترفالدن وتسوج - حلفاً كاثوليكياً لقمع كل الحركات الهسية واللوثرية والزونجلية (1524)، وحث الأرشيدوق فرديناند النمساوي كل الولايات الكاثوليكية على أن تقوم بعمل موحد، ووعدها بتقديم المساعدة. وليس من شك في أنه كان يطمح في أن يستعيد سلطات آل هامبسبورج في سويسرة. وفي السادس عشر من يوليو وافقت كل المقاطعات باستثناء شافهاوزن على إقصاء زيورخ من المجالس النيابية الاتحادية في المستقبل. وردت زيورخ وزونجلى على هذا بإرسال مبشرين إلى مقاطعة ثورجاوي لإعلان الإصلاح الديني. وقبض على واحد من هؤلاء، إلا أن بعض الأصدقاء أنقذوه، وساروا في حشد هائج نهب ديراً وأحرقه، وحطم التماثيل في عدة كنائس (يوليو 1524)، وأعدم ثلاثة من الزعماء، وثارت روح عسكرية بين الطرفين. وروّع أرازموس، وهاله الظهور في بازيل خشية أن يرى متعبدين أتقياء يثورون بعد سماع وعظهم ويخرجون من الكنيسة "كرجال تملكتهم جنة، يرتسم الغضب والهياج على أساريرهم
…
كمحاربين يسيرون وراء قائدهم للقيام بهجوم قوي" (16). وهدد ست مقاطعات بأن تترك الاتحاد إذا لم يوقع العقاب على زيورخ.
وأشار زونجلى، وقد أعجبه القيام بدوره الجديد كقائد حربي على زيورخ بأن تزيد من عدد جيشها وطاقة دار صناعة أسلحتها، وأن تنشد التحالف مع فرنسا، وأن تشعل ناراً وراء فرديناند بالتحريض على الثورة
في التيرول وبعد تورجاو وسان-جال بمنحهما أملاك الأديرة مقابل تأييدهما لها. وعرض على الحلف الكاثوليكي السلام بثلاث شروط:
أن يسلم لزيورخ دير سان-جال الشهير وأن يتخلى عن الحلف النمساوي وأن يسلم إلى زيورخ توماس مورنر الهجاء اللوسرني، الذي طالما وجه نقداً لاذعاً في كتاباته للمصلحين الدينيين. وسخر الحلف من هذه الشروط، فأمرت زيورخ ممثليها في سان-جال بالاستيلاء على الدير فأطاعوا (28 يناير 1529) وخفت حدة التوتر في فبراير إثر أحداث في بازيل.
كان زعيم البروتستانت في "أثينا سويسرة" هو جوهانس هاوسشاين، الذي أسبغ على اسمه صفة الهلينية، ومعناه مصباح البيت، وأطلق على نفسه اسم أويكو لامباديوس. وقد نظم الشعر باللاتينية، وهو في الثانية عشرة من عمره، وسرعان ما أتقن اللغة اليونانية فيما بعد، وكان لا يفوقه في إتقان اللغة العبرية إلا رويخلين، وذاع صيته كمصلح ديني وأخلاقي رقيق العاطفة في كل شيء إلا الدين، وذلك من فوق منبره في كنيسة سانت مارتن، وفي كرسي الأستاذية للاهوت في الجامعة. وما أن حل عام 1521 حتى كان يهاجم مساوئ كرسي الاعتراف وعقيدة التجسد وعبادة العذراء. وحياة لوثر عام 1523، وتبنى عام 1525 برنامج زونجلى الذي يشمل اضطهاد اللامعمدانيين، ولكنه رفض التسليم بالقدر وعلم الناس أن "خلاصنا يأتي من الله أما هلاكنا فمن أنفسنا"(17). وعندما أعلن مجلس مدينة بازيل، وقد رجحت فيه وقتذاك كفة البروتستانت، حرية العبادة (1528) احتج أويكو لامبادموس وطالب بتحريم القداس.
واجتمع في 8 فبراير عام 1529 ثمانمائة رجل في كنيسة الفرانسسكان وبعثوا بطلب إلى المجلس التمسوا فيه ضرورة تحريم القداس وعزل كل الكثالكة من مناصبهم وبسريان دستور أكثر ديمقراطية، وتشاور المجلس في الأمر،
وفي اليوم الثاني أقبل مقدمو الالتماس إلى السوق، وهم مدججون بالسلاح، وعندما حل الظهر ولم يصل المجلس بعد إلى قرار تحرك الحشد نحو الكنائس بالمطارق. وحطموا كل التماثيل الدينية التي وجدوها (18). ووصف أرازموس الواقعة في خطاب له بعث به إلى بيركهايمر:
لقد رفع الحدادون والعمال كل الصور من الكنائس، وانهالوا بالشتائم على تماثيل القديسين والصليب نفسه. بصورة تدعوا إلى الدهشة، لعدم حدوث معجزة، بعد أن رأينا كيف اعتاد الناس الكثير منها دائماً عندما يساء إلى القديسين أدنى إساءة. أنهم لم يبقوا على تمثال واحد في الكنائس أو في الدهاليز أو في الأروقة أو في الأديرة. وطمست الصور الجدارية بوساطة تغطيها بطبقة من الجير، وألقي في النار بكل ما يمكن حرقه ودق الباقي حتى استحال إلى شظايا. ولم يستبق شيء بدافع الحب أو المال (19). وتلقف المجلس التلميح وسوط بإلغاء القداس إلغاء كاملاً، وغادر بازيل أرازموس وبياتوس رينانوس وكل الأساتذة في الجامعة تقريباً. وعاش أويكو لمباديوس المظفر حتى شهد اندلاع نيران الثورة، ولكنه لم يعمر إلا سنتين، إذ سرعان ما مات بعد وفاة زونجلى.
وفي مايو عام 1529 أحرق على الخازوق مبشر بروتستانتي من زيورخ، حاول أن يقدم عظاته في مدينة شفيتر. وأقنع زونجلى مجلس مدينة زيورخ بإعلان الحرب، ورسم خطة الحملة، وقاد بنفسه فرق المقاطعة. وأوقفهم رجل يدعى لانديمان أيبلي الجلاروسي في كابيل، التي تقع على بعد عشرة أميال جنوبي زيورخ، وتوسل إليهم أن يمنحوه، على سبيل الهدنة، ساعة يتفاوض فيها مع الحلف. وساور زونجلى الشك في أن الأمر ينطوي على خيانة، وآثر أن يتقدم بجيشه فوراً إلا أن حلفاءه من أهل بيرن تغلبوا عليه هم وجنوده الذين تآخوا بالفعل مع جنود العدو عبر الحدود الفاصلة بين المقاطعتين وبين اللاهوتيين، واستمرت المفاوضات ستة عشر يوماً
وأخيراً رجحت كفة التعقل بين السويسريين، ووقعت اتفاقية كابيل الأولى للسلام (24 يونية 1529) وكانت شروط الاتفاقية انتصاراً لزونجلى، إذ وافقت المقاطعات بموجبها على دفع تعويض لزيورخ، وإنهاء تحالفها مع النمسا، وحظر مهاجمة أي من الطرفين للآخر بسبب الفوارق الدينية، وعلى أن يترك للناس في "الأراضي المشتركة" التابعة لمقاطعة أو أكثر أن يقرروا بأغلبية الأصوات تنظيم حياتهم الدينية. ومهما يكن من أمر فإن زونجلى لم يرضَ عن هذا الاتفاق، فقد طالب بإطلاق حرية البروتستانت في الوعظ بالمقاطعات الكاثوليكية، ولم يتلقَ ما يفيد إجاباته إلى طلبه، وتنبأ بوقوع تصدع قريب للسلام.
واستمرت الاتفاقية سارية المفعول ثمانية وعشرين شهراً، وفي خلال هذه الفترة القصيرة بذلت محاولة لتوحيد صفوف البروتستانت في سويسرة وألمانيا. وكان شارل الخامس قد فض نزاعه مع كليمنت السابع، وأصبح كل منهما وقتذاك حراً في أن ينضم بقواته لمحاربة البروتستانت، ولكن هؤلاء كانوا يمثلون قوة سياسية عظيمة، فقد كان نصف سكان ألمانيا من أتباع لوثر، وكان كثير من المُدن الألمانية - أولم وأوجسبورج وفيرتمبيرج وماينز وفراكفورت - على - وشتراسبورج - تتعاطف بشدة مع أتباع زونجلى، وعلى الرغم من أن المناطق الريفية في سويسرة كانت تدين بالكاثوليكية، فإن معظم المُدن فيها كانت تدين بالروتستانتية. وكان من الواضح أن حماية النفس من الإمبراطوريّة والبابوية قد تطلبت اتحاد البروتستانت ولم يقف في الطريق إلا اللاهوت.
وأخذ فيليب لاندجراف الهيسي زمام المبادرة بدعوة لوثر وميلانكنون وآخرين من البروتستانت الألمان لمقابلة زونجلى وأويكو لانبيادوس وآخرين من البروتستانت السويسريين في قصره بماربورج شمالي فرانكفورت. وتقابل الحزبان المتناظران في 29 سبتمبر سنة 1529، وأقدم
زونجلى في سخاء على التسليم ببعض الأمور وأزال ما ساور لوثر من شك في أنه يتشكك في ألوهية المسيح، وقبل العقيدة النيقاوية والمذهب القائل بالخطيئة الأصلية. ولكنه لم يتراجع عن رأيه في القربان المقدس باعتباره رمزاً وذكرى أكثر منه معجزة. وكتب لوثر بالطباشير على مائدة المؤتمر هذه الكلمات المنسوبة للمسيح:"هذا جسدي" ولم يقبل أن يفسرها إلا تفسيراً حرفياً. ووقع الطرفان اتفاقاً. تضمن أربعة عشر بنداً، ولكنهما اختلفا في موضوع القربان المقدس (3 أكتوبر) ولم يكن اختلافهما متسماً بالود، ورفض لوثر أن يصافح اليد التي مدها إليه زونجلى، وقال:"إن روحك تختلف عن روحنا". واستخلص اعترافاً لاهوتياً من سبعة عشر بنداً يشمل "التجاسد"، وأقنع الأمراء اللوثريين برفض التحالف مع أي جماعة لا توقع على كل البنود السبعة عشر (20). واتفق ميلانكتون في الرأي مع أستاذه، وكتب يقول لقد أبلغنا أتباع زونجلى إننا عجبنا كيف تسمح لهم ضمائرهم بأن ينادونا باخوتهم في الوقت الذي يتمسكون فيه بأن عقيدتنا خاطئة (21). وهنا تتضح روح العصر في جملة واحدة. وفي عام 1532 حث لوثر الدوق البرخت البروسي على ألا يسمح لأي شخص من أتباع زونجلى بالإقامة في أرض بلاده، وإلا حطت عليه اللعنة الأبدية.
وكان كثيراً جداً مطالبة لوثر بأن يجتاز في خطوة واحدة المسافة من العصور الوسطى إلى الحديثة، فقد كان تأثره بدين القرون الوسطى عقيماً جداً، إلى حد أنه لم يستطع أن يتحمل صابراً أية جحود لأركانه الأساسية؛ وأحس، كأي كاثوليكي متدين، أن عالمه الفكري سوف ينهار، وأن معنى الحياة بأسره سوف يذوى، إذا خسر أي عنصر أساسي من عناصر العقيدة التي كانت قد صاغته، والحق أن لوثر كان أقرب المحدثين إلى القرون الوسطى.
وعاد زونجلى بعد أن حطمه هذا الفشل إلى زيورخ، التي أصبحت تموج بالاضطراب تحت وطأة دكتاتوريته. وعم الإستياء من قوانين النفقات
الصارمة، وعرقلت التجارة بالاختلافات الدينية بين المقاطعات، ولم يرض الحرفيون عن صوتهم الضئيل في الحكومة، وفقدت عظات زونجلى المختلطة بالسياسة إلهامها وسحرها. وكان شعوره بالتغيير قوياً إلى الحد الذي طلب فيه من المجلس الأذن له بالبحث عن أبرشية في مكان آخر، ولكنه أقنع بالبقاء.
وخصص جانباً كبيراً من وقته آنذاك للكتابة، وأرسل عام 1530 رسالته ratio fidei إلى شارل الخامس، الذي لم يبد منه ما يدل على أنه تلقاها.
وفي عام 1531 وجه إلى فرانسس الأول رسالة عنوانها "عرض موجز وواضح للعقيدة المسيحية"، وفي هذه الرسالة عبر عن اقتناعه، الآرازموسي بأن أي مسيحي سوف يجد عند وصوله إلى الفردوس كثيراً من اليهود والوثنيين الأجلاء، إنه لن يجد آدم وإبراهيم وإسحق وموسى وإشعيا فحسب
…
ولكنه سيجد أيضاً هرقل وتيزيوس وسقراط وأرستيد ونوما وكاميلوس وكاتو الكبير والصغير وسيبيو الكبير والصغير، وقال:"وباختصار ليس هناك رجل صالح ولا عقل مقدس ولا روح مخلصة، منذ بداية العالم إلى نهايته، لن نراها هناك مع الله. ماذا يمكن أن نتصور أنه أكثر بهجة للنفس ومسرة الفؤاد وسموا بالروح من هذا المنظر"(22). وذعر لوثر لهذه الفقرة إلى حد أنه انتهى إلى أن زونجلى لابد أن يكون "وثنياً"(23)، واتفق الأسقف بوسويه في الرأي في هذه المرة مع لوثر، فاستشهد بهذه الفقرة ليثبت أن زونجلى (24) كافر لا أمل في إصلاحه.
واجتمع في 15 مايو عام 1531 مجلس من زيورخ وحلفائها، وصوت لإكراه المقاطعات الكاثوليكية على السماح بحرية الوعظ على أرضها، وعندما رفضت المقاطعات اقترح زونجلى إعلان الحرب عليها غير أن حلفاءه آثروا أن يفرضوا عليها حصاراً اقتصادياً، فما كان من المقاطعات الكاثوليكية إلا أن أمسكت عن الواردات وأعلنت الحرب. وسار من جديد
جيشان متناظران، وتقدم زونجلى مرة أخرى وحمل العلم، وتقابل الجيشان مرة ثانية في كابيل (11 أكتوبر سنة 1531) - جيش الكاثوليك ويضم 8000 رجل وجيش البروتستانت ويضم 1500 - واشتبك الجيشان في هذه المرة وانتصر الكاثوليك. وكان زونجلى البالغ من العمر سبعة وأربعين عاماً من بين 500 رجل قتلوا من أهل زيورخ. ومزق جسده إلى أربعة أجزاء، ثم أحرق على محرقة نصبت فوق الروث (25). وعندما سمع لوثر بموت زونجلى هتف يقول "إن هذا حكم السماء على كافر (26) وانتصار لنا" (27) ويروى أنه قال:"كم أود من أعماق قلبي لو أمكن إنقاذ حياة زونجلى ولكني أخشى أن يحدث العكس لأن المسيح قال إنه: "ملعون كل مَن يكفر به" (28").
وخلف هينريخ بولنجر في زيورخ سلفه زونجلى، أما في بازيل فقد اضطلع أوزوالد بيكونيوس بالعبء بعد وفاة أويكو لامبيادوس، وتجنب بولينجر الخوض في الأمور السياسية، وأشرف على مدارس المدينة، وتستر على اللاجئين من البروتستانت، ووزع أموال البر على المحتاجين، بغض النظر عن المذهب الذي يعتنقونه، وانضم إلى ميكونيوس وليوجود في صياغة أول إقرار للسويسريين البروتستانت من أتباع زونجلى الذي ظل جيلاً كاملاً التعبير الرسمي عن آراء زونجلى، واستخلص مع كالفين اتفاق تيوجورينوس (1549) Consensus Tigurinus الذي حمل زيورخ والبروتستانت من أهالي جنيف على تكوين "كنيسة تؤمن بالإصلاح الديني".
وعلى الرغم من هذا الاتفاق الوقائي فإن الكاثوليكية استعادت في السنين الأخيرة كثيراً من أرضها المفقودة في سويسرة. ويرجع جزء من ذلك إلى انتصارها في كابيل، وليس من شك في أن إثبات قضايا اللاهوت أو عدم إثباتها في التاريخ إنما يتم بالتنافس في المذبحة أو في إثراء الموارد. واعتنقت الكاثوليكية سبع مقاطعات - وهي لوسرن وأورى وشفيتز
وتسوج وأوفترفالدن وفريبورج وسولوثورن. وتمسكت أربع مقاطعات بالبروتستانتية نهائياً
…
وهي زيورخ وبازل وبيرن وشلافهاوزن، أما بقية المقاطعات فقد ظلت تتأرجح بين العقيدتين لا يستقر رأيها على قرار على مجه اليقين، ووفق فالنتين تشودي، خلف زونجلى في جلاروس، بين وجهتي النظر، بأن قال بإقامة قداس في الصباح للكاثوليك، وإلقاء عظة حسب تعاليم الكنيسة الإنجيلية - من الكتاب المقدس لا غير - في المساء للبروتستانت، وناقش مبدأ التسامح المتبادل بين الطرفين، وقوبل بالتسامح، وكتب مدونة تاريخية، اتسمت بعدم التحيز، إلى حد أنه لا يستطيع امرؤ أن يجزم بالعقيدة التي كان يؤثرها، فحتى في ذلك العصر كان هنالك مسيحيون.
الفصل التاسع عشر
لوثر وأرازموس
(1517 - 1536)
1 -
لوثر
بعد أن أجملنا الظروف الاقتصادية والسياسية والدينية والأخلاقية، والفكرية، التي شهدت مهد الإصلاح الديني، نرى لزاماً علينا أن نعد من عجائب التاريخ في ألمانيا أن يتمكن رجل واحد من أن يجمع، بلا قصد هذه التأثيرات في ثورة، غيرت في صورة قارة. ولسنا في حاجة إلى المبالغة في دور البطل هنا، ذلك لأن قوى التغيير كان يمكن أن تجد تجسيماً آخر لها، إذا استمر لوثر في خضوعه. ومع ذلك فإن منظر هذا الراهب الخشن، وهو واقف في شك وفزع، لا يستقر على قرار، ضد أقوى النظم حصانة، وأشد العادات قداسة في أوروبا، يجعل الدم يغلي في العروق، ويشير مرة أخرى إلى المسافة التي قطعها الإنسان وهو ينحدر من الطين أو القرد.
ترى كيف بدا ذلك الرجل، الذي كان صوت عصره المدوي، كما كان قمة من قمم التاريخ الألماني؟ لقد كان في عام 1526، كما صوره لوكاس كراناخ (1)، وهو في الثالثة والأربعين من عمره في مرحلة التحول من النحافة إلى البدانة، صارم القسمات وإن لم يخلُ من لمحة مرح قوية، وله شعر مجعد لا يزال حالك السواد، وأنف ضخم، وعينان سوداوان لامعتان - قال خصومه إن الشياطين تظهر فيهما للعيان. وكانت له سحنة صريحة
لا تخفي شيئاً جعلته يصلح للدبلوماسية. وثمة صورة شخصية رسمها له فيما بعد كراناخ أيضاً (1532) ظهر فيها لوثر في هيئة رجل منبسط الأسارير، له وجه مستدير عريض يجعل الناظر يحكم بأنه رجل يستمتع بالحياة. وتخلى عام 1524 عن مسوح الراهب، واتخذ لباس واحد من عامة الناس، فكان يرتدي ثوب المدرس حيناً، ويلبس سترة وسراويل عادية حيناً آخر، ولم يتعفف عن رتق هذه الثياب بنفسه. وقد شكت زوجته مرة من أن هذا الرجل العظيم اقتطع رقعة من سراويل ولده، ليصلح بها من شأن سراويله.
ولقد انزلق إلى الزواج بطريق السهو، واتفق في الرأي مع القدّيس بولس بأنه خير للمرء أن يتزوج ولا يحرق، وصرح بأن الجنس أمر فطري وضروري كالطعام (2)، واحتفظ بالفكرة السائدة في القرون الوسطى، والتي تذهب إلى أن الجماع أمر آثم، حتى في الزواج، ولكن "الله يستر الخطيئة"(3)، وندد بالعذرة باعتبارها انتهاكاً لسنة الله التي تقضي بالتناسل والتكاثر وإذا "لم يستطع واعظ بالإنجيل أن يعيش محتفظاً بعفته دون أن يتزوج، فلنسمح له باتخاذ زوجة، لأن الله خلقها بلسماً لذلك الجرح"(4). وكان يعد طريقة البشر في التناسل منافية للعقل بعض الشيء، على الأقل عند تأمل الماضي، ورأى أنه "لو استشارني الله في الأمر لأشرت عليه بأن يستمر في خلق جيل من البشر بتشكيلهم من الطين مباشرة كما خلق آدم"(5). وكان مفهومه عن المرأة تقليدياً وألمانياً، فالله قد خلقها للحمل والطهي والصلاة لا لأي شيء آخر، وهو القائل "إنتزع النساء من تدبير شئون المنزل، تجدهن لا يصلحن لشيء"(6). و "إذا أنهك الحمل النساء، ولقين حتفهن، فليس في هذا ضرر دعهن يلاقين حتفهن ما دمن يحملن، فقد خلقن لهذا"(7). ويجب على المرأة أن تمنح زوجها الحب، وأن تحافظ على شرفه، ولا تعصي له أمراً، وعليه أن يحكمها، ولكن برفق، ويجب عليها أن تلزم
مجالها وهو البيت، ولكنها تستطيع هناك أن تفعل بالأطفال ببنانها أكثر مما يستطيع الرجل أن يفعل بقبضتيه (8). وبين الرجل والزوجة يجب ألا يكون هناك ملكي وملكك وذلك لأن كل الممتلكات يجب أن تكون بينهما على المشاع (9).
وكان لوثر يكن كراهية الذكر العادية للمرأة المتعلمة، وقال عن زوجته "بودي أن تتلو النساء صلاة الرب قبل أن ينبسن بشفة"(10)، ولكنه ازدرى الكتاب الذين ألفوا مقالات في هجو النساء، وقال: "مهما يكن في النساء من عيوب فإننا يجب أن نردعهن في الخلوة برفق
…
لأن المرأة قارورة هشة" (11). وعلى الرغم من صراحته الفظة في أمور الجنس والزواج، فإنه لم يكن يخلو من الإحساس بالاعتبارات الجمالية، ويقول: "الشعر أجمل زينة للمرأة. وقد اعتادت العذارى قديماً أن يرسلن شعورهن، إلا إذا كن يرتدين ثياب الحداد، وأنا أحب أن ترسل النساء شعورهن حتى يسقط على ظهورهن، فهو منظر من أروع المناظر وألطفها" (12). (وكان هذا حرياً بأن يجعله أكثر ليناً مع البابا إسكندر السادس الذي عشق شعر جوليافارنيزي المرسل).
ويبدو أن لوثر لم يتزوج لإشباع حاجة من حاجات الجسد. وقال في نوبة من المرح، إنه قد تزوج لإرضاء والده، وعلى الرغم من أنف الشيطان والبابا، ولكنه استغرق وقتاً طويلاً لكي يستقر على رأي في هذا الموضوع ثم حسم الأمر له. وعندما تركت بعض الراهبات ديرهن بناء على توصية منه أخذ على عاتقه أن يجد لهم أزواجاً. ولم يبق في آخر الأمر منهن واحدة لم تتزوج، إلا كاترين فون بورا، وهي امرأة كريمة المحتد على خلق قويم، ولكنها لم تخلق لتثير عاطفة متعجلة، وكانت قد وضعت أنظارها على طالب شاب من فيتنبرج، ينحدر من سلالة نبيلة، وفشلت في أن توقعه في حبائلها، وعملت مربية لكي تكسب ما يسد رمقها. واقترح عليها
لوثر أن تتزوج من الدكتور جلاتس، فردت عليه بأنها لا تقبل هذا الدكتور، ولكن ليس لديها مانع من الزواج من هرامسدوف أو الدكتور لوثر. وكان لوثر في الثانية والأربعين من عمره وقتذاك، بينما كانت كاترين في السادسة والعشرين، ورأى أن التفاوت في السن يحرم عليه هذا الزواج، غير أن أباه حثه على أن يحافظ على اسم الأسرة. وهكذا تزوج الراهب السابق في 27 يونية سنة 1525 من الراهبة السابقة.
ومنحهما الأمير المختار الدير الأوغسطيني لكي يتخذا منه مقراً لهما ورفع مرتب لوثر إلى 300 جيلدر (7. 500 دولار) في العام، ثم زيد هذا المرتب فيما بعد إلى 400، ثم إلى 500. واشترى لوثر مزرعة أدارتها كاتي، وأحبتها وأنجبت له ستة أطفال، وتعهدتهم بالرعاية في اخلاص، ولبت كل احتياجات مارتن المنزلية من معصرة للخمر بالبيت، وبركة للسمك، وحديقة للخضر، وربت له الدواجن والخنازير. وقد أطلق عليها اسم "سيدى كاتي" وأشار بهذا إلى أن في وسعها أن تضعه في موضعه إذا ما نسي خضوع الرجل بيولجياً للمرأة، ومع ذلك فقد كان عليها أن تتحمل الكثير من ثوراته العاصفة بين آن وآخر، وثقته التي تصل إلى حد عدم التبصر، وذلك لأنه كان لا يعبأ قط بالمال، وكان كريماً إلى حد التهور، ولم يتسلم من كتبه حقوق التأليف، على الرغم من أنها عادت بثروة طائلة على ناشريها، وتميط رسائله إلى كاترين أو عنها اللثام عن حبه المتزايد لها، وعن زواج موفق بصفة عامة. ولقد ردت بطريقته الخاصة ما قيل له في شبابه "إن أعظم نعمة يمنحها الله للإنسان زوجة تقية رقيقة، تخشى الله وتحب البيت"(13).
وكان أباً صالحاً يعرف بالفطرة كيف يمزج على أحسن وجه بين التأديب والحب. ويقول: "عاقب إذا لم يكن هناك بد من ذلك ولكن قدم قطعة الحلوى (بونبون) مع العصا"(14) وألف أغنيات لأطفاله، وغناها معهم، وهو يعزف على العود، وتعد خطاباته إلى أطفاله من درر الأدب الألماني.
وإذا كان قد استطاع بقوة شكيمته أن يواجه إمبراطوراً في الحرب، فإن شجاعته قد انهارت بموت ابنته الأثيرة ماجدالينا، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وقال:"إن الرب لم يهب أسقفاً نعمة كبرى في ألف عام كما وهبها لي ممثلة فيها"(15). وكان يتلو الصلوات ليلاً ونهاراً، طالباً لها من الله الشفاء وقال:"رباه إني أحبها كثيراً، ولكن إذا شاءت إرادتك تعالى أن تأخذها، فإني أتخلى عنها لكم عن طيب خاطر"(16). وقال لها: "إبنتي الصغيرة العزيزة لينا، إنكِ تحبين أن تظلي هنا مع أبيكِ. أتريدين أن تذهبي إلى ذلك الأب الآخر؟ ". فأجابت لينا: "نعم يا أبتاه كما يشاء الله". وعندما قضت نحبها بكاها طويلاً بكاء مريراً، وبينما كانت توسد في الثرى، خاطبها قائلاً كما لو كانت حية ترزق:"أنتِ تحبين وسوف تنهضين وتشرقين كالنجوم والشمس. إنه لأمر غريب أن يعرف الإنسان إنها ترقد في سلام، وإن كل شيء على ما يرام، ومع ذلك يشعر بالأسى والحزن"(17).
ولم يقنع بستة أطفال فآوى في بيته كثير الغرف بالدير أحد عشر يتيماً من أولاد أخيه وأخته، ورباهم، وكثيراً ما جلس معهم إلى المائدة، وتجاذب معهم أطراف الحديث في غير ملل، وحزنت كاترين لاحتكارهم إياه. وأبدى بعضهم ملاحظات جريئة على حديثه معهم حول المائدة. وليس من شك في أن حصيلة 6596 تدوين لأحاديثه تضارع أحاديث جونسن لبوزويل، وأحاديث نابليون المدونة، في الوزن والذكاء اللماح والحكمة.
ويجب علينا عند الحكم على لوثر أن نتذكر أنه لم يعد سلفاً أحاديث المائدة هذه، وقل بين الرجال من تعرض تماماً إلى استراق السمع من البشر، فهنا لا في المجادلات التي كانت في ميدان المعركة اللاهوتية، نجد لوثر في بيته على سجيته. وندرك، أولاً وقبل كل شيء أنه كان إنساناً لا مجرد
دواة، وأنه عاش حياته وكتب عنها. ولا يمكن شخص صحيح الجسم أن ينفس على تلذذه بأطايب الطعام وشراب الجعة، أو استمتاعه المثمر بكل المباهج، التي استطاعت كاترين بورا أن توفرها له. ولعله كان حرياً به أن يكون، بدافع الحرص، أكثر تحفظاً في هذه الأمور، ولكن التحفظ جاء مع المتطهرين، ولم يعرفه الإيطاليون في عصر النهضة، ولا الألمان في عهد الإصلاح الديني، بل إننا نجد أن أرازموس الرقيق يصدمنا بحديثه الفسيولوجي الصادق. كان لوثر يأكل بإفراط، ولكنه استطاع ردع نفسه بالصوم الطويل، وكان يفرط في الشراب ولكنه كان يبدي الأسف، ويعد الشرب رذيلة قومية، ومع ذلك فإن الجعة كانت ماء الحياة بالنسبة للألمان، كالنبيذ بالنسبة للإيطاليين والفرنسيين، وكان يمكن أن يكون الماء سماً زعافاً قي تلك الأيام الخوالي، ومع ذلك فإننا لم نسمع قط عن إفراطه في السكر حتى يفقد صوابه، وقال:"إذا كان الله يغفر لي إني صلبته بالقداسات عشرين عاماً مضت، فإنه يستطيع أن يتحملني لأني أتناول شراباً طيب المذاق، من آن لآخر، لكي أكرمه"(18).
وبدت أخطاؤه واضحة للعين والأذن، فقد كان الفخر يشيع وسط تعبيراته الدائمة عن التواضع. وكان عقيدياً ضد العقيدة، مفرطاً في الحماسة لا يبدي أية مجاملة لخصومه، ويتشبث بالخرافات، في الوقت الذي يسخر فيه من الخرافة، ويندد بالتعصب ويمارسه في الوقت نفسه - وهكذا لم يكن قدوة للصلابة أو مثلاً أعلى للفضيلة، ولكنه رجل جمع متناقضات الحياة، وإنسان مزقه بارود الحرب، وقد اعترف قائلاً "لم أكن أتوانى عن الانقضاض على خصومي بلسان حاد، ولكن ما فائدة الملح إذا لم يكن لاذع الطعم؟ "(19) وتحدث عن المراسي البابوية، فوصفها بأنها قذارة وروث (20)، وقال عن البابا إنه:"بذرة الشيطان" أو الملازم، ووصفه بأنه خصم للمسيحية، أما الاساقفة فقد نعتهم بأنهم "ديدان" وهراطقة كفرة "وقردة جهلة" وتحدث عن الرسامة الكهنوتية فقال إنها بمثابة دمغ إنسان "بشارة
البهيم في سفر الرؤيا"، وقال عن الرهبان إنهم أسوأ من الجلادين أو السفاحين أو على أحسن الفروض "براغيث فوق فراء الرب القادر" (21) ولنا أن نتصور إلى أي حد كان المستمعون إليه يجدون متعة في هذا العبث. وقد قال: "إن الجزء الوحيد من جسم الإنسان الذي اضطر البابا إلى إعفائه من رقابته هو العجز! " (22) وكتب يصور رجال الدين الكاثوليك بقوله: "إن نهر الراين لا يكاد يتسع لكي يغرق فيه كل عصبة المغتصبين الرومانيين الملاعين
…
كرادلة ومطارنة وأساقفة ورهبان" (23) أو إذا نقص الماء "لعل الله يرضى بأن يرسل عليهم صليباً من النار والكبريت كالذي قضى على سودوم وعمورة" (24)، وهذا يذكر الإنسان بالتعليق الذي صدر من الإمبراطور جوليان: "ليس هناك حيوان مفترس أشد ضراوة من عالم لاهوت غاضب" (25). ولكن لوثر عجب مثل كلايف لاعتداله وقال: "يعتقد الكثيرون إني شديد الشراسة ضد البابوية، ولكني على النقيض من ذلك أشكو من أنني، للأسف لين العريكة إلى حد كبير. وكم أود أن أنفث صاعقة ضد البابا والبابوية، وأن تكون كل ريح صاعقة (36): ولسوف ألعن وأنتهر الأفاقين حتى أثوي في لحدي، ولن ينالوا مني كلمة مهذبة
…
لأني لا أستطيع أن أصلي دون أن أصب اللعنات في الوقت نفسه. وإذا كنت مدفوعاً إلى أن أهتف "تبارك اسمك" فإنني يجب أن أضيف أن "اسم البابوية ملعون رجيم مغضوب عليه". وإذا كان ثمة ما يدفعني إلى أن أهتف "لتأتي مملكتك" فإني مضطر إلى أن أضيف "البابوية ملعونة، رجيمة، هالكة لا محالة. والحق أني أتلو صلواتي سنوياً على هذا النحو كل يوم وسراً في قلبي دون توقف (27)، وإني لا أعمل أبداً على خير وجه إلا عندما أستلهم الغضب، ذلك أني أستطيع، عندما أكون غاضباً أن أكتب، وأن أصلي، وأن أعظ على خير وجه، لأن مزاجي بأسره يستثار، وإدراكي يزداد حدة"(28)، ومثل هذه العاطفة البلاغية كانت تتفق مع روح العصر. ويعترف الكاردينال جاسكيه العلامة قائلاً: "إن بعض الوعاظ وكتاب الرسالات من طائفة المحافظين كانوا
يضارعون لوثر في هذه الناحية" (29). وكان الطعن متوقعاً من المتصارعين في مجال الفكر، ويستطيبه المستمعون، وكان الشك يخامر الناس في أن الأخلاق المهذبة دليل على الجبن. وعندما وجهت زوجة لوثر اللوم إليه بقولها: "أنت فظ للغاية يا زوجي العزيز" - رد عليها مجيباً: "إن الغصن يمكن قطعه بسكين الخبز أما شجرة البلوط فتستلزم الفأس" (30) وإن جواباً ليناً يمكن أن يطفئ سورة الغضب، ولكنه لا يستطيع أن يقلب البابوية رأساً على عقب، وحري بأي إنسان هذب حاشيته الكلام الدمث، أن يتنكب معركة مميتة مثل هذه. وقد اقتضى الأمر جلداً صفيقاً - أغلض من جلد أرازموس - لنبذ الأوامر البابوية والحرمان من غفران الكنيسة وأوامر التحريم الإمبراطوريّة.
واقتضى الأمر أيضاً إرادة قوية، وهذه كانت صخرة القاع بالنسبة إلى لوثر، ومن هنا كانت ثقته بنفسه وعقيدته وشجاعته وتعصبه. ومع ذلك فإنه كان لا يخلو من بعض الفضائل الرقيقة، ففي أواسط عمره كان مثلاً أعلى في الروح الاجتماعية والمرح، ودعامة قوية لكل مَن هم في حاجة إلى العزاء أو العون. ولم يشمخ بأنفه أو يتأنق في ملبسه، ولم ينسَ قط أن أباه كان فلاحاً، واستهجن نشر مجموعة أعماله، وطلب من قرائه أن يدرسوا الكتاب المقدس بدلاً منها، واعترض على إطلاق اسم "لوثرية" على الكنائس التي كانت تتبع زعامته. وعندما كان يعظ كان يحدث سامعيه باللغة التي يفهمونها. وكان لدعابته مسحة ريفية غذ كانت خشنة مرحة متحللة من كل القيود، مثل عذابات "رابيليه"، وقال شاكياً:"إن أعدائي يفحصون عن كثب كل ما أفعل، فإذا ضرطت في فيتنبرج فإنهم يشمون ريح الضرطة في روما"(31). وقال: "ترتدي النساء النقاب بسبب الملائكة، أما أنا فارتدي السراويل بسبب البنات"(32). وليس من شك في أن الكثيرين منا قد أطلقوا مثل هذه الدعابات الساخرة، ولكنهم
لم يجدوا مثل هؤلاء الرواة القساة. والرجل الذي تفوه بمثل هذه الدعابات كان يحب الموسيقى وهي هذا الجانب من عبادة الأوثان؛ وهو نفسه الذي ألف لهم أناشيد رقيقة أو عاصفة، وأسلمها - وفي هذا تحامل لاهوتي كان راكداً لحظة من الزمن - إلى أناشيد متعددة الأصوات، استخدمت من قبل في الكنيسة الرومانية، وقال: "لن أتخلى عن موهبتي الموسيقية المتواضعة مقابل أي شيء مهما كان عظيماً
…
وأنا أرى أنه
…
ليس هناك فن بعد اللاهوت يمكن أن يضارع الموسيقى، لأنها وحدها بعد اللاهوت تمنحنا
…
راحة القلب ومسرة الفؤاد" (33).
وأدى به لاهوته إلى أخلاقيات تؤمن باللين، لأنه علمه أن الأعمال الصالحة لا تكسب صاحبها الخلاص إذا لم تقترن بالإيمان بافتداء المسيح للناس، كما أن الخطيئة لا يمكن أن تضيع الخلاص، إذا بقي مثل هذا الإيمان. وكان يرى أن خطيئة ترتكب بين آن وآخر، قد تشجعنا على اجتياز الصراط المستقيم. وعندما سئم رؤية جسد ميلانكتون وهو يذوي من اثر الوساوس الكئيبة حول زلات صغيرة تتعارض مع القداسة، قال له مداعباً في مرح أصيل:"أكثر من الخطايا، فالله لا يغفر إلا لرجل غارق في الخطايا إلى أذنيه"، ولكنه يسخر من المفتي المصاب بفقر الدم (34) ومع ذلك فإن من السخف أن نصدر حكماً على لوثر بالإدارة على اساس هذا المزاح العارض. وثمة أمر واضح في جلاء وهو أن لوثر لم يكن متطهراً وهو يقول:"إن مشيئة الله الحبيب هي أن نأكل ونشرب ونمرح"(35). ويقول: "إني أنشد المتعة وأتقبلها حيثما أجدها ونحن نعلم الآن، ولله الحمد، أننا نستطيع أن نكون سعداء وضمائرنا مرتاحة"(36). ونصح أتباعه بأن يحتفلوا ويرقصوا يوم الأحد. وأقر ألعاب التسلية ولعب الشطرنج، ووصف اللهو بورق اللعب، بأنه تحويل لا ضرر منه للعقول (37)، التي لم تنضج بعد، وقال كلمة حكيمة عن الرقص: "إن الرقصات أعدت لكي تعلم الدماثة بين
الصحبة، وتعقد الصداقة والتعارف بين الشبان والفتيات، وهنا يمكن ملاحظة صلاتهم، وترتيب لقاء شريف عابر بينهم، وأنا نفسي لا مانع عندي من حضوري معهم في بعض الأحايين، ولكن الشباب سيكون أقل إمعاناً في الرقص لو أنني فعلت" (38). وأراد بعض الوعاظ البروتستانت تحريم اللهو، ولكن لوثر كان أكثر تسامحاً وقال: "يجب على المسيحيين ألا يعرضوا عن اللهو، لأن فيه أحياناً فظاظة وفحشاً، فما أحراهم، من أجل هذه الأسباب نفسها، أن يتخلوا أيضاً عن الكتاب المقدس" (29).
فإذا نظرنا لكل هذه الاعتبارات، فإن مفهوم لوثر عن الحياة كان صحياً باعثاً على المرح، إلى درجة ملحوظة لإنسان كان يعتقد أن "كل النوازع الفطرية ليست بعيدة عن الرب أو ضده"(40)، "وأن كل تسعة أرواح من عشرة قدر عليها الله أن تخلد في الجحيم"(41). والحق أن الرجل كان خيراً من لاهوته إلى حد كبير.
وكان عقله قوياً وإن غامت عليه إلى حد بعيد روائح عفن شبابه، وصبغته الحرب باللون الأحمر، فحالت بينه وبين التفكير في فلسفة عقلانية. وكان يعتقد، مثل معاصريه، في الغيلان والساحرات والشياطين، وقدرة الضفادع (42) البرية الحية على الشفاء، والكوابيس الخبيثة، التي تبحث عن العذارى في حمّاماتهن أو في مخادعهن، وتفزعهن ويدفعن بهن إلى الأمومة (43). وسخر من التنجيم، واستخدم مع ذلك في حديثه اصطلاحاته أحياناً، وامتدح الرياضيات، من حيث أنها "تعتمد على الأدلة والبراهين الثابتة"(44)، "وأعجب بما توصل إليه الفلك في جرأة في مجال النجوم، ولكنه، شأنه في هذا شأن جميع معاصريه، رفض النظام الكوبرنيقي في الفلك، باعتباره مناقضاً للكتاب المقدس، وأصر على أن العقل يجب أن يلزم الحدود التي وضعتها له العقيدة الدينية.
وليس من شك في أنه كان محقاً في حكمه الذي يذهب إلى أن الشعور،
وليس الفكر، هو عصا الميزان بالنسبة للتاريخ، فالناس الذين يصوغون الأديان يحركون العالم، أما الفلاسفة فإنهم، جيلاً بعد جيل، يغلفون بعبارات جديدة الجهل الفائق للجزء ينصب نفسه حبراً على الكل. وعلى هذا فإن لوثر كان يصلي، بينما كان أرازموس يفكر تفكيراً منطقياً. وبينما كان أرازموس يتملق الأمراء، كان لوثر يخاطب الرب - وقتذاك في كبرياء امرئ، خاض بعزم، معارك في سبيل الرب، فأصبح له الحق في أن يسمع وقتذاك كطفل ضل في فضاء لا نهاية له، وكان واثقاً أن الرب يقف في جانبه، فواجه عقبات يصعب التغلب عليها وانتصر. وقال:"إني أحتمل حقد العالم بأسره، ومقت الإمبراطور والبابا وكل بطانتهم. حسن باسم الرب إلى الأمام! "(45) وكان لديه من الشجاعة ما يكفي لأن يتحدى أعداءه، فلم يكن يدور بخلده ما يدفعه للشك في صدقه. كان يعتقد أن عليه أن يفعل ما ينبغي عليه أن يفعل.
2 - الهراطقة المتعصبون
إن من المفيد ملاحظة كيف انتقل لوثر من التسامح إلى العقيدة بازدياد قوته ويقينه. ومن بين "الأخطاء"، التي اتهم بها البابا ليو العاشر في منشوره Exsurge Domine لوثر، أنه قال:"إن حرق الهراطقة مخالف لإرادة الروح القدس" وفي خطاب مفتوح إلى طبقة النبلاء المسيحيين (1520) نصب لوثر "كل رجل قساً"، وأعطاه الحق في أن يفسر الكتاب المقدس، وفق حكمه الخاص، وفي ضوء فهمه الشخصي (46)، وأضاف قائلاً:"يجب أن نقهر الهراطقة بالكتب لا بالإحراق"(47) وفي مقال له بعنوان عن السلطة الزمنية (1522) كتب يقول:
إن الله هو المتصرف في الروح ولن يسمح لأحد سواه أن يسيطر عليها. ونحن نود أن نجعل هذا واضحاً جلياً، بحيث يفهمه كل إنسان، ولطي يرى نبلاؤنا وأمراؤنا وأساقفتنا إلى أي حد تبلغ حماقتهم، عندما ينشدون
إكراه الناس
…
على الإيمان بشيء أو بآخر
…
لأن الإيمان أو الكفر مسألة ترجع إلى ضمير كل إنسان
…
إن السلطة الزمنية يجب أن تقنع بالالتفات إلى شئونها الخاصة، وأن تسمح للناس بأن يؤمنوا بشيء أو بآخر حسبما يستطيعون، وكما يشاءون، وألا تكره أحداً على شيء بالقوة، لأن الإيمان عمل يتم بحرية ولا يكره عليه أحد
…
والإيمان والهرطقة لا يشتدان إلا عندما يعارضهما الناس بالقوة الغشوم، بلا سند من كلمة الله (48).
وفي خطاب بعث به لوثر إلى الأمير المختار فردريك (21 أبريل سنة 1524) طلب منه التسامح مع منتسر وآخر من أعدائه. وقال له: "يجب ألا تمنعهما من الكلام، يجب أن تكون هناك طوائف ويجب أن تتعرض كلمة الله لمعركة
…
دعنا نترك بين يديه تعالى الصراع، ونطلق الحرية لصدام العقول". وبينما كان الآخرون يدافعون. وفي عام 1528 عندما كان الآخرون يدافعون عن عقوبة الإعدام للامعمدانيين أشار بأنه لم يثبت عليهم الشغب فإنه يجب أن يكتفي بنفيهم.
وعلاوة على هذا فإنه أوصى في عام 1530 بأن تخفف العقوبة على جريمة الكفر من الإعدام إلى النفي. حقاً أنه تحدث في هذه السنوات الحرة كما لو كان يتمنى من أتباعه ومن الله أن يغرقوا البابويين جميعا، أو يتخلصوا منهم، بيد أن هذا كان مجرد "حملة خطابية"، لم يكن يقصدها بصفة جدية. ولقد كتب في يناير عام 1521:"لست أريد أن يدافع أحد عن الإنجيل بالعنف أو القتل"، وفي شهر يونية من ذلك العام وجه اللوم للطلبة في أرفورت، لأنهم هاجموا القساوسة، ومهما يكن من أمر فإنه لم يعارض في "تخويفهم" قليلاً لتحسين لاهوتهم (50). وفي مايو عام 1529 أدان خططاً، أعدت لتحويل الأبرشيات الكاثوليكية عنوة إلى البروتستانتية، وفي أواخر عام 1531 أخذ يلقن الناس "نحن لا نستطيع ولا يجب أن نكره أي إنسان على اعتناق العقيدة"(51).
ولكن من الصعب على رجل يمتاز بخلق متين وإيجابي مثل لوثر أن يدافع عن التسامح، بعد أن أصبح مركزه آمناً إلى حد ما. فرجل مثله، على يقين من أنه يحمل كلمة الله، لم يكن بوسعه أن يتسامح فيما يتناقض معها. وكان التحول إلى التعصب أسهل فيما يختص باليهود. فحتى عام 1537 كان لوثر يرى، أن من الواجب أن يغتفر لهم احتفاظهم بعقيدتهم الخاصة، "ما دام الأغنياء من بابواتنا وأساقفتنا والسفسطائيين من فلاسفتنا ورهباننا، هؤلاء الأجلاف الحمقى، تعاملوا مع اليهود، بأسلوب يدفع أي مسيحي إلى أن يفضل أن يكون يهودياً. والحق أني لو كنت يهودياً، ورأيت مثل هؤلاء المعتوهين والحمقى يشرحون معنى المسيحية، لآثرت أن أكون خنزيراً لا مسيحياً
…
وأنا أود أن أنصح كل امرئ وأرجوه أن يعامل اليهود برفق، وأن يفقههم الكتاب المقدس، وبوسعي أن أتوقع في هذه الحالة أن يجيئوا إلينا زرافات ووحداناً" (52). ولعل آرثر قد أدرك أن البروتستانتية كانت في بعض مظاهرها عودة إلى الدين اليهودي، وذلك في رفضها للرهبانية والعزوبة المفروضة، على رجال الكهنوت، وتشديدها على العهد القديم والأنبياء والمزامير، وتبنيها (باستثناء لوثر نفسه) لأخلاقيات جنسية أشد صرامة مما تتطلبه الكاثوليكية. وقد خاب أمله عندما لم يقم اليهود بحركة مماثلة نحو البروتستانتية، وساعده عداؤه لتقاضي فائدة على أن ينقلب ضد مقرضي الأموال من اليهود، ثم ضد اليهود بصفة عامة، وعندما نفى جون الأمير المختار اليهود من ساكسونيا (1537)، رفض لوثر التماساً يهودياً للتوسط في الأمر. وفي كتابه حديث المائدة جمع بين "اليهود والبابويين" ووصفهم بأنهم تعساء كفرة
…
"وأن الطائفتين جوربان صنعا من قطعة قماش واحدة"(53). واستغرق في سنواته الأخيرة في نوبة غضب جامح ضد السامية، وندد باليهود، ووصفهم بأنهم "أمة من أناس غلاظ كفرة متكبرين خبثاء ممقوتين" وطالب بإشعال النار في مدارسهم وهياكلهم حتى تتقوض دعائمها، وقال:
ودعوا كل مَن يستطيع أن يلقي عليهم كبريتاً وزفتاً، وإذا كان في وسع أحد أن يقذفهم بوابل من نار جهنم، فإنه يحسن صنعاً لو فعل هذا
…
وهذا ما يجب عمله كرامة لربنا وللمسيحية، حتى يرى الله أننا مسيحيون حقاً. ولتحطم بيوتهم وتدمر أيضاً
…
ولتنتزع منهم كتب صلواتهم وتلمودهم وكتابهم المقدس بأسره أيضاً، وليحرم على حاخاماتهم أن يلقنوا الناس تعاليمهم بعد ذلك من الآن فصاعداً، وإلا عوقبوا بالإعدام، ولتغلق في وجوههم الشوارع والطرق العامة، وليحرم عليهم الاشتغال بالربا، ولتؤخذ منهم كل أموالهم وكل ما يكنزون من الذهب الفضة، ولتوضع في الحفظ والصون. وإذا لم يكفِ هذا كله فليطردوا من البلاد كما لو كانوا كلاباً مسعورة (54).
ولم يحدث قط أن غلبت الشيخوخة على لوثر، ففي عام 1522 كان لا يزال متحدياً للبابوات وكتب يقول:"إني لا أقبل أن يحكم على عقيدتي أحد حتى لو كان من الملائكة، وكل مَن لا يتلقى عقيدتي بالقبول لن يستطيع الخلاص"(55). وما أن حل عام 1529 حتى استخلص فروقاً دقيقة بين العقيدتين وقال:
"لا يجوز إكراه إنسان على اعتناق عقيدة، ولكن ليس لأحد أن يلحق بها ضرراً. فليقدم خصومنا ما لديهم من اعتراضات، وليستمعوا إلى ردودنا، فإذا ما اهتدوا فيها ونعمت، وإذا لم يفعلوا فليمسكوا ألسنتهم ويؤمنوا بما يشاءون
…
ولكي نتجنب المتاعب يجب، إذا أمكن، إلا نعاني من التعاليم المتناقضة في نفس الولاية ويجب أن يكره الجميع بما فيهم الكفار على الامتثال على الوصايا العشر وحضور الصلاة في الكنيسة، والتلاؤم معها في ظاهر السلوك (56).
وهكذا اتفق لوثر وقتذاك مع الكنيسة الكاثوليكية في أن المسيحيين في حاجة إلى يقين ثابت ومذاهب محددة، وإلى كلمة الله الحقة، التي
يستطيعون أن يحيوا بها ويموتوا عليها، ولما كانت الكنيسة في القرون الأولى من المسيحية قد انقسمت وضعفت بكثرة الطوائف الجامحة، فقد أحست بأنها مضطرة إلى تحديد عقيدتها، وإقصاء كل المخالفين لها، ولهذا فإن لوثر، وقد راعه وقتذاك تنوع الطوائف المتنازعة، التي نبتت من بذرة الحكم الخاص، انتقل خطوة خطوة من التسامح إلى التعصب المذهبي، وقال شاكياً:
"إن كل الناس الآن متأهبون لانتقاد الإنجيل، فكل أحمق مأفون تقريباً أو كل سفسطائي مهرف، يجب أن يكون، حقاً، دكتوراً في اللاهوت". وآلمه ما وجهه إليه الكاثوليك من نقد جارح بأنه أطلق عقال فوضى، لا تجد مَن يكبح جماحها، في العقائد والأخلاقيات، وانتهى في الرأي مع الكنيسة إلى أن النظام الاجتماعي في حاجة إلى شيء من حسم المناقشة، وشيء من السلطة المنظمة، ليخدمها باعتبارها مرساة للعقيدة" فكيف يجب أن تكون هذه السلطة؟ على هذا السؤال أجابت الكنيسة بأن هذه السلطة هي الكنيسة نفسها لأن الكائن الحي وحده هو القادر على تعديل نفسه وكتبه المقدسة إلى صورة مغايرة لا مفر منها، وقال لوثر: "لا، إن السلطة الوحيدة والأخير يجب أن تكون الكتاب المقدس، مادام الجميع يسلمون بأنه كلمة الله".
وفي الإصحاح الثالث عشر من سفر التثنية من هذا الكتاب المنزه عن الخطأ وجد أمراً صريحاً يزعمون أنه صدر من فم الرب، وهو يقضي بإعدام الهراطقة:"إياك أن تشفق عينك عليه وإياك أن تخفيه". حتى لو كان "أخاك أو ابنك أو زوجتك في حضنك
…
ولكنك يجب أن تقتله لا محالة، ويجب أن تكون يدك هي أول يد تنفذ فيه حكم الإعدام". وعلى أساس تلك الرخصة الرهيبة، تصرفت الكنيسة في إبادة طائفة الإلبيجنسن في القرن الثالث عشر، وكانت تلك اللعنة الإلهية بمثابة شهادة معتمدة لما
قامت به محاكم التفتيش من إحراق. وعلى الرغم مما اتسم به حديث لوثر من عنف، فإنه لم يصل قط إلى درجة القسوة التي عاملت بها الكنيسة مَن يخالفونها في الرأي، ولكنه سار قدماً في نطاق وحدود سلطته، لإقحامها سلمياً بقدر ما استطاع. وفي عام 1525 استعان بلوائح موجودة خاصة بالرقابة في ساكسونيا وبراندنبرج لسحق "العقائد الخبيثة" التي يعتنقها اللامعمدانيون وأنصار زونجلى، وفي عام 1530 نصح، في تفسيره للمزمور الثاني والثمانين، الحكومات بإعدام كل الهراطقة، الذين ينادون في عظاتهم بإثارة الشغب، أو مناهضة الملكية الخاصة، وقال: "إن هؤلاء الذين يعارضون في تعاليم مادة واضحة في العقيدة
…
مثل المواد التي يحفظها الأطفال عن العقيدة، كالمادة التي تقول "إذا نادى أي واحد في تعاليمه بأن المسيح ليس إلهاً بل مجرد إنسان"(60). ورأى سباستيان فرانك أن هناك حرية في التعبير عن الرأي والعقيدة بين الأتراك أكثر مما يوجد في الولايات اللوثرية، وانضم ليوجد من أنصار زونجلى إلى كارلشتادت في وصف لوثر بأنه بابا آخر. ومهما يكن من أمر فإننا يجب أن نلاحظ أن لوثر عاد إلى سابق شعوره بالتسامح في أخريات أيام حياته. ولقد نصح في آخر عظة له بالتخلي عن كل المحاولات للقضاء على الهرطقة عنوة، وقال:"يجب تحمل الكثالكة واللامعمدانيين في صبر حتى يوم القيامة، عندما يتولى أمرهم المسيح"(61).
وقد صارع مصلحون دينيون آخرون لوثراً، وفاقوه في مطاردة الهراطقة فقد حث بوسر الستراسبورجي السلطات المدنية في الولايات البروتستانتية على إبادة كل مَن يعتنق ديناً "زائفاً"، وقال:"إن مثل هؤلاء الناس أسوأ من القتلة، وأنه يجب القضاء حتى على زوجاتهم وأولادهم وماشيتهم"(63)، وقبل ميلانكتون، الرقيق الحاشية نسبياً، أن يرأس التفتيش العلماني الذي قمع حركة اللامعمدانيين في ألمانيا بالسجن أو الموت. وتساءل قائلاً:"لماذا نشفق على أمثال هؤلاء الناس أكثر من الله؟ ". ذلك لأنه كان مقتنعاً بأن
الله قد قضى على كل اللامعمدانيين بعذاب جهنم (63). وأوصى باعتبار رفض تعميد الطفل، أو رفض الخطيئة الأصلية، أو عدم الأيمان بالوجود الحقيقي للمسيح في القربان المقدس، جرائم تستحق أن يعاقب عليها بالإعدام (64). وأصر على عقوبة الموت لكل طائفي يعتقد أن الكفرة قد يظفرون بالخلاص، أو لكل مَن يشك في أن الإيمان بأن المسيح يمكنه، باعتباره الذي كفّر عن خطايا البشر، أن يغير آثماً بفطرته إلى رجل من الأبرار (65). وهلل، كما سوف نرى، لإعدام سيرفيتوس. وطالب الحكومة بأن تجبر كل الناس على حضور الصلوات الدينية البروتستانتية بانتظام (66). وطالب بالقضاء على كل الكتب، التي تعارض أو تعوق انتشار التعاليم اللوثرية، وعلى هذا فإن كتابات زونجلى وأتباعه وضعت رسمياً في قائمة الكتب الممنوعة في فيتنبرج (67)، وبينما كان لوثر ينفي الكثالكة من المناطق التي يحكمها الأمراء اللوثريون، آثر ميلانكتون توقيع العقوبات البدنية، واتفق الاثنان في الرأي بأن السلطة المدنية مرتبطة بواجب نشر "شريعة الرب" ورفع شأنها. أي رفع شأن مذهب لوثر (68). ومهما يكن من أمر فإن لوثر أشار بأنه حيث توجد طائفتان في ولاية فإن الأقلية يجب أن تخضع للأغلبية: ففي إمارة تغلب عليها الكثلكة يجب على البروتستانت أن يخضعوا ويهاجروا، وفي مقاطعة ترجح فيها كفة البروتستانت يجب على الكثالكة أن يخضعوا ويرحلوا، وإذا قاوموا فإنهم يجب أن يعاقبوا بشدة (69).
وقبلت السلطات البروتستانتية، وهي في هذا قد حذت حذو السوابق الكاثوليكية، الالتزام بالحفاظ على المواءمة الدينية.
وأصدر مجلس المدينة في أوجسبورج (18 يناير سنة 1537)، مرسوماً يحرم العبادة الكاثوليكية ويقضي بنفي كل مَن لا يقبل اعتناق العقيدة الجديدة، بعد ثمانية أيام.
وبعد انقضاء هذه المهلة من العفو بعث المجلس بالجند للاستيلاء على
كل الكنائس والأديرة، وأزيلت كل المذابح والتماثيل، وأقصي كل القساوسة والرهبان والراهبات. وأصدرت (70) فرانكفورت - الواقعة إلى الماين - قانوناً مماثلاً، وانتشرت موجة الاستيلاء على ممتلكات الكنيسة الكاثوليكية، وتحريم إقامة الصلوات الكاثوليكية في الولايات التي يسيطر عليها البروتستانت (71)، وانتهج البروتستانت فرض رقابة على المطبوعات وكانت قد فرضت فعلاً في مناطق كاثوليكية، وعلى هذا أصدر جون الأمير المختار في ساكسونيا، بناء على طلب لوثر وميلانكتون، (عام 1528) منشوراً يحرم نشر أو بيع أو قراءة الأدب الزونجلي أو اللامعمداني، أو التبشير بعقائدهما أو تعليمهما وجاء فيه: "على كل مَن يعلم بحدوث شيء من هذا، أو قيام أي أحد بعمله، سواء أكان أجنبياً أو من المعارف، أن يبلغ إلى
…
الحكام في هذا المكان لكي يلقى القبض على الآثم ويعاقب في الوقت المناسب
…
وهؤلاء الذين يعلمون بارتكاب مخالفات لهذا الأمر
…
ولا يقومون بالإبلاغ عنها، يعاقبون بالإعدام أو مصادرة ممتلكاتهم" (72).
وتبنى البروتستانت سياسة الحرمان من غفران الكنيسة والرقابة أيضاً مقتدين في هذا بالكثالكة. وأعلن حزب أوجسبورج عام 1530 حق الكنيسة اللوثرية في حرمان كل عضو يرفض الاعتراف بعقيدة لوثرية أساسية (73) من غفران الكنيسة. وقال لوثر مفسراً: "على الرغم من أن الحرمان من غفران الكنيسة في البابوية قد أسيء استعماله بطريقة مخجلة، وجعل منه البابويون مجرد تعذيب للناس فإننا يجب أن نعاني منه حتى نكفر، ولكن يجب أن نحسن استخدامه كما أمر المسيح"(74).
3 - العلماء الإنسانيون والإصلاح الديني
إن العقيدة المتعصبة للمصلحين الدينيين، وعنف كلامهم وتشيعهم الطائفي واحتقارهم، وتدميرهم للفن الديني، ولاهوتهم القائل بالجبر قضاء وقدراً وعدم اكتراثهم بالتعليم الدنيوي وتأكيدهم المتجدد للشياطين والجحيم،
وتركيزهم على الخلاص الشخصي في حياة بعد القبر، كل هذه شاركت في تنفير علماء الإنسانيات من الإصلاح الديني، فقد كان المذهب الإنساني ردة وثنية إلى الثقافة الكلاسية، أما البروتستانتية فقد كانت عودة تتسم بالورع إلى أوغسطين الحزين، إلى المسيحية الأولى، بل إلى الدين اليهودي في العهد القديم، وتجدد النضال بين الهلينية والعبرية. وكان علماء الإنسانيات قد أحرزوا تقدماً ملحوظاً داخل حظيرة الكاثوليك وقبضوا على زمام البابوية في شخص نيكولاس الخامس وليو العاشر، ولم يتسامح معهم البابوات فحسب، بل إنهم أسبغوا عليهم حمايتهم، وعاونوهم على استرداد الكنوز الضائعة من الأدب والفن الكلاسيين، وكل هذا على أساس الفهم الضمني بأن كتاباتهم سوف توجه، فرضاً باللاتينية، إلى الطبقات المتعلمة، ولن تهدم العقيدة الكاثوليكية عند الناس.
ووجد علماء الإنسانيات، وقد أزعجهم وقتذاك هذا الاتفاق الودي المريح، أن أوروبا التيتونية كانت أقل مبالاة بهم وبثقافتهم الأرستقراطية منها بالحديث الحار عن الروح للوعاظ الجدد الذين يتكلمون باللغة الوطنية، والذي يدور حول الرب والجحيم والخلاص الفردي. وسخروا من كل المناقشات المتحمسة التي ثارت بين لوثر وإيك، وبين لوثر وكارلشتادت، وبين لوثر وزونجلى، باعتبارها معارك حول نتائج، اعتقدوا أنه قضي عليها منذ عهد بعيد، أو انطوت في غمار النسيان برقة. ولم يستسيغوا اللاهوت وأصبحت السماء والجحيم أساطير بالنسبة إليهم، وأقل حقيقة من ميثولوجيا اليونان وروما. ورأوا أن البروتستانتية خيانة لعصر النهضة، وأنها كانت تستعيد كل المذاهب الفوق الطبيعية واللاعقلية والشيطانية التي رانت بالظلام على عقلية القرون الوسطى، وقد شعروا بأن هذا لم يكن تقدماً، بل رجعية
…
كان إخضاعاً من جديد للعقل المتحرر لسيطرة الأساطير البدائية للسوقة. واستاءوا من طعن لوثر للعقل ومن تمجيده للعقيدة كما كان يعرفها البطارقة أو الحكام من البروتستانت. وماذا بقي للإنسان من
تلك الكرامة التي كان بيكوديلا ميراندولا قد وصفها بمثل هذا النبل، إذا كان كل شيء حدث على ظهر الأرض - كل بطولة وكل تضحية، وكل تقدم في أدب السلوك الإنساني يستحق الذكر - مجرد عمل آلي، قام به أناس عاجزون تافهون، لتحقيق ما سبق في علم الله، وتنفيذ أوامره التي لا نعرفها؟.
وليس من شك في أن علماء الإنسانيات الذين افتقدوا الكنيسة، وإن كانوا لم يتركوها قط - وينفي لينج وبياتوس رينانوس وتوماس مورنر وسيباستيان برانت - قد سارعوا وقتذاك إلى الإعراب عن ولائهم.
وابتعد عن لوثر كثير من علماء الإنسانيان الذين هللوا لصورة لوثر الأولى باعتبارها إصلاحاً شاملاً لظلم مخجل، وذلك كلما تشكل اللاهوت والجدل الديني للبروتستانت. وها هو فيليبالد بيركهايمر وهو هليني وسياسي، كان قد أيد لوثر علناً، حتى أنه حرم من غفران الكنيسة في المسودة الأولى للمنشور Exsurge Domine راعه عنف كلام لوثر وقطع صلته بالثورة، وفي عام 1529 وبينما كان لا يزال ينتقد الكنيسة كتب يقول:
"لا أنكر أن كل أعمال لوثر لم تبد عبثاً في مبدأ الأمر، مادام لا يوجد رجل صالح يستطيع أن يرضى عن كل تلك الأخطاء والضلالات التي تراكمت، تدريجياً في المسيحية. وعلى هذا فإني كنت أرجو أنا وآخرون أن يستخدم دواء ما لمثل هذه الآفات العظيمة، ولكني كوفئت بخديعة قاسية، لأنه قبل استئصال شأفة الأخطاء الآنفة الذكر، تسللت أخطاء لا تغتفر أشد جسامة، إذا قورنت بها الأولى، فإنها تبدو من قبيل عبد الأطفال
…
لقد وصلت الأمور إلى معبر دفع الأفاقين الإنجيليين إلى إظهار زملائهم البابويين، وهم يرتدون مسوح الفضيلة
…
ولابد أن لوثر
بلسانه اللاذع، الذي لا يعرف الخجل، قد انزلق إلى الخبل أو استلهم الشيطان" (75).
ووافق موتيانوس على هذا وكان قد حيى لوثر ووصفه بأنه "نجم الصباح في فيتنبرج" وسرعان ما شكا من أن لوثر "تعتريه لوثة مجنون"(76) أما كروتوس روبيانوس، الذي كان قد مهد الطريق للوثر بـ "خطابات من أناس مغمورين" فإنه فر عائداً إلى حظيرة الكنيسة عام 1521. وأرسل رويخلين إلى لوثر خطاباً رقيقاً، ومنع إيك من إحراق كتب لوثر في أنجولشتادت، ولكنه ندد بابن أخيه ميلانكتون، لأنه تبنى اللاهوت اللوثري ومات بين ذراعي الكنيسة. وأما جوهانس دوبينيك كوكلايوس فقد ناصر لوثر في مبدأ الأمر، ثم انقلب عليه في عام 1522، وبعث له برسالة أنبه فيها قائلاً.
"هل تظن أننا نريد العفو أو الدفاع عن آثام رجال الدين وشرهم؟ نسأل الله النجاة؟ إننا لنفضل أن نستأصل شأفتهم، مادام هذا يمكن أن يتم بطريقة مشروعة
…
ولكن المسيح لا يعلمنا مثل هذه الطرق التي تعمل بها على تلك الصورة المؤذية مع خصم المسيح" و"مواخير" و "أعشاش الشيطان" و "بالوعات" وألفاظ سب أخرى لم يسمع بها أحد من قبل فما بالك بالتهديدات بالضرب بالسيف وسفك الدماء والقتل يا لوثر! إن المسيح لم يعلمك قط هذه الطريقة في العمل"(77).
ولعل علماء الإنسانيات في ألمانيا قد نسوا بذاءة أسلافهم الإيطاليين - فيليلفو وبوجيو وكثيرين غيرهما - تلك البذاءة جعلت لوثر يسارع بأن يشرع قلمه المتمرد العنيد. ولكن أسلوب لوثر في العراك لم يكن إلا سطحاً لاتهامهم. ولاحظوا - كما لاحظ لوثر - فساد الأخلاق والسلوك في ألمانيا، وعزوا ذلك إلى تفكك السلطة الكهنوتية وإسقاط اللوثريين "للأعمال الصالحات"، باعتبارها مبرراً للخلاص. وساءهم انتقاص البروتستانت
للتعليم ومساواة كارلشتادت بين العلامة التحرير وبين الفلاح، وتهون لوثر من شأن التضلع في العلم والحصافة، وأعرب أرازموس عن الرأي العام لعلماء الإنسانيات. وهنا سلم ميلانكتون (78) بهذا الرأي في حزن - وهو يذهب إلى أنه حيث تنتصر اللوثرية ينحط شأن الآداب (أي التعليم والأدب)(79). ودفع البروتستانت هذه التهمة بقولهم إن هذا يرجع إلى أن التعليم بالنسبة لعالم الإنسانيات يعني، أولاً وقبل كل شيء، دراسة الكلاسيات الوثنية والتاريخ الوثني. وشغلت الكتب والمجلات في المجادلات الدينية الذهن والمطابع في ألمانيا وسويسرة مدة جيل بأسره، حتى فقد كل شيء آخر من أشكال الأدب (غير الهجو) تقريباً جمهوره. ووجدت دور النشر مثل دار فروبن للنشر في بازيل والاطلانسي في فيينا عددا قليلاً من المشترين للمؤلفات العلمية التي أصدرتها وكلفتها غالياً، حتى أشرفت على الإفلاس (80) وحجب تعصب المنافسين النهضة الألمانية الفتية، ووصل مسار مسيحية عصر النهضة نحو التوفيق بينها وبين الوثنية إلى نهايته.
وظل بعض علما الإنسانيات مثل أيوبان هيس وأورلريخ فون هوتن مخلصين للإصلاح الديني، وانتقل هس من موقع إلى موقع معاد إلى ارفورت ليجد أن الجامعة قد هجرها روادها. ومات وهو يقرض الشعر في مابورج (1540) وهرب هوتن، بعد سقوط سيكنجن، إلى سويسرة، ولجأ إلى السرقة للحصول على طعامه، وهو في الطريق (81)، وبحث عن ارازموس في بازيل (1522)، وهو يعاني من المرض والخصاصة، على الرغم من أنه كان قد دمغ علناً عالم الإنسانيات بأنه جبان، لأنه لم ينضم إلى المصلحين الدينيين (82). ورفض أرازموس أن يراه وزعم أن موقده لا يصلح لتدفئة عظام هوتن. ونظم الشاعر الآن قصيدة بعنوان "تحذير" ندد فيها بأرازموس ووصفه بأنه زنديق مارق، يفرق كفرخ الدجاج، ووعد بأن يمسك عن نشرها إذا دفع له أرازموس، ولكن أرازموس خيب ظنه، وحث هوتن على التزام جانب الحكمة وتسوية خلافاتهما سلميا،
غير أن هوتن كان قد سمح بتداول النسخة الخطية لقصيدته الهجائية بين الخاصة، ووصل ذلك إلى علم أرازموس ودفعه هذا إلى الانضمام إلى رجال الدين في بازيل في طلبهم بإلحاح من مجلس المدينة إقصاء الهجاء الحانق، وبعث هوتن بقصيدته "تحذير" إلى المطبعة وانتقل إلى مولهاوس. وهناك تجمع حشد من الغوغاء. وهاجم البيت الذي لاذ به، ففر مرة أخرى، وقبض عليه زونجلى في زيورخ (يونية 1533)، وقال المصلح الديني وهو هنا كريم خير أكثر من عالم الإنسانيات "انظروا
…
إلى هذا المخرب، انظروا إلى هوتن الرهيب، الذي نراه مغرماً جداً بالناس وبالأطفال؛ إن هذا الفم الذي تهم منه أعاصير على البابا لا ينفث غير الرقة والطيبة" (83). وفي غضون ذلك رد أرازموس على "تحذير" في رسالة كتبها على عجل وعنوانها Spongia Erasmi advrsus aspergimes Hutteni، ( أي إسفنجة أرازموس على مطاعن هوتن) وكتب إلى مجلس المدينة في زيورخ محتجاً على "أكاذيب" هوتن التي تحدث بها عنه وأوصى بنفي الشاعر (84). ولكن هوتن كان يحتضر وقتذاك، فقد أنهكته حرب الأفكار وأتلف الزهري صحته وأطلق زفرته الأخيرة (29 أغسطس سنة 1523) فوق جزيرة في بحيرة زيورخ، بالغاً من العمر خمساً وثلاثين عاماً، وهو لا يملك من حطام الدنيا سوى ملابسه وقلمه.
4 - أرازموس: حاشية على آرائه
(1517 - 36)
إن رد الفعل عند أرازموس بالنسبة إلى الإصلاح الديني يثير مناقشة حامية بين المؤرخين والفلاسفة. ترى أية طريقة خير للبشرية - هجوم لوثر المباشر على الكنيسة أم سياسة أرازموس التي تعتمد على المصالحة السلمية والإصلاح الديني على درجات؟ إن الإجابات تكاد تحدد نمطين من الشخصية: هما المحاربون "ذوو العقول الجامدة" الذين يعتصمون بالعمل والإرادة، والمهادنون "ذوو العقول المرنة في الفكر والشعور". لقد كان لوثر رجل عمل أساساً. وكانت أفكاره قرارات وكتبه أفعالاً. وكان تفكيره في
مضمونه لا يختلف عن تفكير رجال القرون الوسطى الأولى، ولكنه في النتيجة يشبه تفكير المحدثين الأوائل، ولقد عاونت شجاعته وحسمه للأمور القومية أكثر من لاهوته على تأصيل العصر الحديث. وكان لوثر يتحدث بلهجة ألمانية قوية، تنبض بالرجولة إلى الشعب الألماني، فأثار أمّةً ودفعها إلى القضاء على سلطة دولية، أما أرازموس فكان يكتب بلغة لاتينية رشيقة رقيقة لجمهور دولي، إلى صفوة عالمية من خريجي الجامعات. وكان شديد الحساسية لا يصلح لأن يكون رجل عمل، يمتدح السلم ويتوق إليه، بينما كان لوثر يشهر الحرب ويجد فيه متعة. كان إماماً في الاعتدال، يستهجن التطرف والمغالاة
…
وهرب من ميدان العمل إلى ميدان الفكر، ومن اليقين المتسم بالتهور إلى الشك المنطوي على الحذر، وعرف الكثير ليرى أن الحق أو الخطأ ليسا جميعاً في جانب واحد، ورأى الجانبين كليهما، وحاول أن يوفق بينهما فسحق في وسطهما.
وصفق لمقالات لوثر، وأرسل في مارس عام 1518 نسخاً منها إلى كوليه ومور، وكتب إلى كوليه يقول:"إن المحكمة الرومانية قد كشفت عن وجهها برقع الحياء. أي شيء يفوق في القحة صكوك الغفران هذه؟ "(85) وكتب في أكتوبر إلى صديق آخر يقول:
"سمعت أن لوثر يتفق معه في الرأي كل الناس الصالحين، وإن قيل إن كتاباته ليست كلها في مستوى واحد. وأعتقد أن هذه المقالات سوف يرضى عنها الجميع، اللهم إلا قلة ضئيلة لا تتفق معه في رأيه حول المطهر، الذي يعتمدون عليه في كسب عيشهم، ولا يريدون أن ينتزع من أيديهم
…
وأنا أدرك أن الحكومة الملكية للكاهن الأعظم الروماني (وهذا حل تلك الحكومة البابوية الآن) هي وباء يجتاح العالم المسيحي، على الرغم من أن وعاظاً يفتقرون إلى الحياء يمتدحونها في كل الظروف، ومع ذلك فإني لا أكاد أعرف هل من اللائق أن أمس هذا القرح المكشوف، لأن هذا
فرض واجب على الأمراء، ولكني أخشى أن يتآمروا مع الحبر الأعظم للحصول على قدر من الغنائم" (86).
وعاش أرازموس الجانب الأكبر من حياته وقتذاك في لوفان، وأسهم في تأسيس Collegium Trilingue قي الجامعة، بكراسي أستاذية في اللاتينية واليونانية والعبرية، وفي عام 1519 منحه شارل الخامس معاشاً، فاشترط أرازموس لقبوله أن يحتفظ باستقلاله جسداً وعقلاً، ولكنه إذا كان بشراً، فإن هذا المعاش، مضافاً إليه ما كان يتلقاه من كبير أساقفة وارهام ولورد ماونتجوي، قد قام بدور ما في صياغة موقفه نحو الإصلاح الديني.
وفي الوقت الذي جاوزت فيه ثورة لوثر مرحلة نقد بيع صكوك الغفران إلى رفض الاعتراف بالبابوية والمجالس الدينية، تردد أرازموس، فقد كان يأمل أن تتقدم عجلة إصلاح الكنيسة بالالتجاء إلى الإرادة الواعية للبابا ذي النزعة الإنسانية. كان لا يزال يجل الكنيسة باعتبارها (خيل إليه هذا) مؤسسة للنظام الاجتماعي والأخلاق الفردية لا بديل عنها، وعلى الرغم من اعتقاده أن لاهوت المحافظين قضى عليه ما تخلله من لغو، فإنه كان لا يثق بحكمة الإفتاء الفردي أو الشعبي لتطوير شعيرة أو عقيدة أكثر نفعاً، ذلك أن رجاحة العقل لا تتأتى إلا عن طريق تقطر الاستنارة العقلية، من الفئة القليلة المتفقهة، إلى الكثرة الغالية. وأقر بأنه كان له دور في تمهيد الطريق أمام لوثر، فقد كانت رسالته "الثناء على الطيش"، التي كان يتداولها وقتذاك الآلاف من القراء في أرجاء أوروبا، تسخر من الرهبان والمشتغلين باللاهوت، وتشدد من لذع خطابات لوثر المقذعة الجافية، وعندما اتهمه الرهبان المشتغلون باللاهوت بأنه وضع البيضة التي فقست تحت لوثر، رد عليهم في تأفف: "نعم ولكن البيضة التي وضعتها خرجت منها دجاجة، أما البيضة التي فقسها لوثر فقد خرج منها ديك من ديوك
المصارعة" (87). ولقد قرأ لوثر نفسه رسالة "الثناء على الطيش" كما قرأ تقريباً غيرها من كل ما نشره أرازموس، وقال لأصدقائه إنه إنما يقوم بصياغة مباشرة لما قاله عالم الإنسانيات الشهير، أو ما ألمح إليه منذ سنوات عديدة مضت، وكتب في 18 مارس عام 1519 إلى أرازموس في تواضع واحترام ينشد صداقته وعونه ضمناً.
وكان على أرازموس وقتذاك أن يتخذ قراراً حاسماً في حياته. وكان في مأزق بين أمرين أحلاهما مر. إذا تخلى عن لوثر فسوف يوسم بالجبن، وإذا اشترك مع لوثر في عدم الاعتراف بالكنيسة الرومانية فإنه لن يخسر فحسب بل ثلاثة مرتبات، ويفقد ما أسبغه عليه ليو العاشر من حماية ضد المشتغلين باللاهوت، الذين يعملون للحيلولة دون نشر العلم، وسيجد نفسه مضطراً إلى التخلي عن خطئه واستراتيجيته بشأن إصلاح الكنيسة عن طريق تحسين العقول والأخلاقيات في الرجال دوي النفوذ. وكان قد أحرز (كما اعتقد) تقدماً حقيقياً في هذا المجال مع البابا ورئيس الأساقفة وارهام والأسقف فيشر ونائب الأسقف كوليه وتوماس مور وفرانسس الأول وشارل الخامس، ولم يرض هؤلاء الرجال بالتأكيد أن يتخلوا عن الكنيسة. حقاً إنهم كانوا على استعداد لأن يحجموا عن تقويض نظام كان في نظرهم مرتبطاً بطريقة مبهمة مع حكومة الأمراء في المحافظة على الاستقرار الاجتماعي، ولكن يمكن تجنيدهم في حملة لتخفيف الخزعبلات والأهوال في عقيدة راجحة الكفة، وفي تطهير رجال الدين وتعليمهم، وفي السيطرة على الرهبان وإخضاعهم للتبعية، وفي حماية حرية الفكر من أجل تقدم العقل.
إن تغيير ذلك البرنامج بانقسام العالم المسيحي انقساماً شديداً إلى شطرين متحاربين، وبلاهوت، يأخذ بالقدرية وبعدم أهمية الأعمال الصالحات، سوف يبدو في نطر هؤلاء الرجال، بل وبدا لأرازموس، الطريق إلى
الجنون. وكان يراوده الأمل في استعادة السلام إذا خفضت كل الأطراف أصواتها، وأشار في فبراير عام 1519 على فروبين ألا ينشر المزيد من مؤلفات لوثر، لأنها تفيض بالعبارات الملتهبة (88). وكتب في أبريل إلى الأمير المختار فردريك، يحثه على حماية لوثر باعتباره رجلاً ارتكب الناس في حقه من الإثم أكثر مما ارتكب هو من آثام (89). وأخيراً (30 مايو) رد على لوثر، وقال:
"يا أعز أخ لي في المسيح، إن رسالتك إلي تظهر حدة ذهنك وتنبض بروح مسيحية قد أسعدتني أكثر من كل شيء. أنا لا أستطيع أن أعبر عن مدى الاضطراب الذي تحدثه كتبك هنا. إن هؤلاء الناس لا يمكن، بأي وسيلة، ألا يراودهم الشك في أنني عاونتك في كتابة مؤلفاتك وإني، كما يصفونني، حامل لواء حزبك
…
ولقد أقسمت لهم أني لا أعرفك بتاتاً، وأني لم أقرأ كتبك، وأني لا أستحسن كتاباتك ولا أستهجنها، ولكن عليهم أن يقرءوها قبل أن يتحدثوا بصوت مرتفع، ومن رأيي أيضاً أن الموضوعات التي كتبت عنها ليست من النوع الذي يصلح للخطابة من فوق المنابر، وبما أن من المسلم به أنك طاهر الذيل، فلا محل للتنديد بك أو صب اللعنات عليك. وكان هذا بلا جدوى فقد ظلوا يتميزون غضباً
…
وأنا نفسي الهدف الرئيسي للعداء والكراهية، وأما الأساقفة فإنهم في صفي بوجه عام
…
وأما أنت فإن لك أصدقاء أوفياء في انجلترا، حتى بين أكبر الشخصيات هناك. ولك أصدقاء هنا أيضاً
…
أنا بصفة خاصة. وأما بالنسبة لي فإني أشغل نفسي بالأدب، وأنا أقصر عليه جهودي بقدر الإمكان، وأتحاشى الخلافات الأخرى، ولكني بصفة عامة أعتقد أن اللطف مع الخصوم أشد تأثيراً من معاملتهم بالعنف
…
ولعل من الحكمة أن تندد بهؤلاء الذين يسيئون استخدام سلطة البابا بدلاً من أن تحصى أخطاء البابا نفسه. وهذا ما يجب عمله مع الملوك والأمراء. والأنظمة القديمة لا يمكن انتزاعها من
جذورها في لحظة. والمناقشة الهادئة قد تفيد أكثر مما تفعل الإدانة الجماعية، تجنب كل مظهر من مظاهر الشغب. واحتفظ ببرود أعصابك ولا تستسلم للغضب. لا تكره أحداً. لا تفرح بالضجة التي أثرتها. لقد اطلعت على كتابك "تعليق على المزامير" وسررت به كثيراً
…
ألا فليهبك المسيح روحاً من عنده من أجل مجده ومن أجل خير العالم (90).
وعلى الرغم من هذا الاحتياط في المواجهة بين الضدين، فإن المشتغلين باللاهوت في لوفان استمروا في مهاجمة أرازموس، باعتباره منبع الفيضان اللوثري. ووصل إلياندر في الثامن من أكتوبر عام 1520، وعلق النشرة البابوية التي تنص على حرمان لوثر من غفران الكنيسة، وسجل أن أرازموس يعد محرضاً سرياً على الثورة. وقبل العلماء النحارير زعامة إلياندر وأقصوا أرازموس من كلية لوفان (9 أكتوبر عام 1520)، فانتقل إلى كولون، وهناك كما رأينا، دافع عن لوثر في مداولة مع فردريك صاحب ساكسونيا (5 نوفمبر)، وفي الخامس من ديسمبر أرسل إلى الأمير المختار بياناً عرف باسم Axiomata Erasmi جاء فيه إن التماس لوثر أن يحاكم أمام قضاة لا يعرفون التحيز طلب معقول، وأن الصالحين من الناس والمحبين للإنجيل هم هؤلاء الذين كانت إساءتهم للوثر أقل من غيرهم، وأن الناس يتعطشون إلى معرفة الحقيقة الإنجيلية، (أي الحقيقة التي تعتمد إلى الإنجيل فحسب) وأنه لا يمكن قمع (91) مثل هذا المزاج الذي انتشر انتشاراً واسعاً. ودبج بمعاونة جوهان فابر الدومينيكي عريضة إلى شارل الخامس، طالباً فيها أن يقوم شارل وهنري الثامن ولويس الثاني ملك هنغاريا بتعيين محكمة محايدة للفصل في قضية لوثر. وحث في رسالة بعث بها إلى الكادينال كامبيجيو (6 ديسمبر) على توفير العدالة للوثر، وقال: "لقد أدركت أنه كلما كان الإنسان صالحاً كان أقل عداء للوثر
…
إن بضعة أشخاص فقط كانوا يصخبون في وجهه، خوفاً من أن يجردهم مما في جيوبهم
…
ولم يرد عليه أحد بعد أو يعدد أخطاءه
…
فكيف يحدث هذا في الوقت الذي يوجد
فيه أشخاص يزعمون أنهم أساقفة
…
وأخلاقهم كريمة
…
وهل من الصواب أن تضطهد رجلاً مثل هذا، لا تشوب أخلاقه شائبة، وليس في حياته ما يشينه، ووجد أشخاص من الصفوة في كتاباته الكثير مما يستحق الإعجاب؟ لقد كان الهدف ببساطة القضاء عليه وعلى كتبه، ليضيع في غمرات النسيان، وهذا لا يتحقق إلا إذا ثبت أنه على خطأ
…
إذا كنا ننشد الحقيقة، فإن كل امرئ يجب أن يكون حراً في أن يقول ما يراه دون خوف أو وجل. وإذا كوفئ المدافعون عن وجهة نظر أحد الطرفين يوضع تيجان الأساقفة على رؤوسهم، وجوزي المدافعون عن وجهة نظر الخصوم بالشنق أو بوضعهم فوق الخوازيق فإن الحقيقة لن تسمع أبداً
…
ولا يمكن أن يكون هناك شيء يبعث على النفور ويبعد عن الحكمة أكثر من نشرة البابا
…
إنها تخالف طبيعة البابا ليو العاشر، وأرى أن الذين أرسلوا لنشرها فحسب قد جعلوا الأمور تنقلب إلى أسوأ. ومهما يكن من شيء فإنه من الخطر أن يعارض الأمراء الزمنيون البابوية، أنا لست على استعداد لأن أكون أكثر شجاعة من الأمراء، وبخاصة عندما لا أستطيع أن أفعل شيئاً. ولعل فساد الحاشية الرومانية يجعلها في حاجة إلى إصلاح شامل وعاجل، ولكني أنا وأمثالي لا يطلب منا اتخاذ إجراء مثل هذا على عاتقهم، وأنا أرى أن تبقى الأمور على ما هي عليه، وأفضل أن أرى الأشياء على ما هي عليه على نشوب الثورة، قد تؤدي إلى نتيجة لا تحمد عقباها
…
ويمكنك أن تطمئن إلى أن أرازموس كان، وسوف يظل دائما، من الرعايا المخلصين لكرسي البابوية الروماني، وإن كنت أعتقد، ويعتقد كثيرون مثلي، أنه ستتاح فرصة أحسن لتسوية ما إذا قل الالتجاء إلى العنف، وإذا وضعت مقاليد الإدارة في أيدي رجال لهم وزن وعلى حظ من التعليم، وإذا تصرف البابا بوحي من ضميره، ولم يتأثر بآراء الآخرين" (92).
وقد جعل لوثر من الصعب على أرازموس أن يتشفع له لأن لهجة خطبه كانت تزداد عنفاً كل شهر، إلى أن دعا في يوليو عام 1520 قراءه إلى أن يغسلوا أيديهم في دماء الأساقفة والكرادلة، وعندما وصل نبأ إحراق لوثر علناً لمنشور البابا الذي يقضي بحرمانه من غفران الكنيسة، أقر أرازموس بأنه صدم لهذا النبأ. وفي الخامس عشر من يناير عام 1521 بعث إليه البابا برسالة أعرب فيها عن سروره بولائه، وفي الوقت نفسه أرسل ليو تعليماته إلى إلياندر بمعاملة عالم الإنسانيات بكل لطف. وعندما اقترب موعد انعقاد المجلس النيابي في ورمس، طلب أمير ألماني من أرازموس أن يخف لمعاونة لوثر، ولكنه رد بأن الأوان قد فات. وأسف لرفض لوثر الامتثال، إذ كان يعتقد أن هذا الامتثال سوف يؤدي إلى الإسراع بحركة الإصلاح الديني، أما الآن فإنه يخشى قيام حرب أهلية. وفي فبراير عام 1521 كتب إلى أحد أصدقائه: "إن كل إنسان أقر بأن الكنيسة قد عانت من نير طغيان بعض الناس، وكثيرون كانوا يسألون النصيحة لعلاج هذه الحالة الراهنة. والآن وقد هب هذا الرجل ليعالج الأمر على هذا النحو
…
لم يجرؤ أحد على أن يدافع حتى عما أجاد التعبير عنه. وقد حذرته منذ ست شهور خلت أن يحترس من الكراهية. وقد نفرت رسالته "الأسر البابيلوني" منه الكثيرين، وهو يعرض لنا كل يوم أشياء فظيعة (93).
وقد تخلى لوثر وقتذاك عن كل أمل في مساندة أرازموس، وأسقطه من حسابه باعتباره داعية للسلام جباناً "يعتقد أن كل شيء يمكن أن يتم بالتهذيب والعطف"(94). وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من تعليمات ليو، استمر إلياندر وعلماء اللاهوت في لوفان في مهاجمة أرازموس، باعتباره نصيراً سرياً للوثر. فاستاء من ذلك وانتقل إلى بازيل (15 نوفمبر عام 1521)، حيث راوده الأمل في أن يتناسى الإصلاح الديني الفتي في غمار النهضة العجوز. وكانت بازيل معقل مذهب الإنسانيات في سويسرة،
فهناك كان يعمل بياتوس رينانوس الذي نشر تاسيتوس وبلني الأصغر، واكتشف فيليوس بايتركولوس، وأشرف على طباعة العهد الجديد، الذي أعده أرازموس، وهناك كان طباعون وناشرون يعدون أيضاً من العلماء مثل هانز آمرباخ، وذلك القدّيس بين الناشرين الذي يدعى جوهان فروبن (يوس)، وهو الذي أضنى نفسه مكباً على مطابعه ونصصه و (قال عنه أرازموس)"ترك لأسرته من الشرف أكثر مما ترك لها من الثروة"(95) هناك عاش ديرر أعواماً طوالاً، وهناك قام هولبين برسم صورة الشخصية التي تخلب الألباب لفروين وبونيفاسيوس آمرباخ - الذي جمع المقتنيات الفنية الموجودة الآن في متحف بازيل. وقبل سبع سنواةت، وفي زيارة سابقة، كان أرازموس قد وصف هذا المحيط في شيء من المبالغة التي تنطوي على الحب.
"يبدو لي أني أعيش في هيكل قدسي ساحر لربات الفنون، يظهر فيه حشد من الأشخاص المتعلمين كأمر محتوم. ليس هناك مَن يجهل اللاتينية، ولا أحد يجهل اليونانية، ومعظمهم يعرفون العبرية. هذا يفوق زملاءه في دراسة التاريخ، وذاك متضلع في اللاهوت، وأحدهم بارع في الرياضيات، وآخر دارس للآثار، وثالث ضليع في القانون. وليس من شك في أن الحظ لم يسعدني، حتى ذلك الوقت، في أن أعيش في مثل هذا المجتمع الكامل
…
أية صداقة خالصة ترفرف عليهم جميعاً وأي بشر وأي توافق" (96).
وعاش أرازموس مع فروبن وعمل معه مستشاراً أدبياً، وكتب مقدمات وحرر جريدة "الآباء". ورسم هولبين صوراً شخصية مشهورة له في بازيل (1523 - 1524) ولا تزال إحداها هناك، وأرسلت أخرى إلى كبير أساقفة وارهام، وهي الآن من مقتنيات ايرل أف رادنور، والثالثة في متحف اللوفر، وهي من روائع هولبين. ويرى فيها جالساً إلى منضدة،
وهو يكتب ملتفاً بمعطف ثقيل حوافه مزينة بالفراء، ويضع على رأسه قلنسوة تغطي نصف أذنيه، وها هو أعظم علماء الإنسانيات تشي كهولته التي جاءت قبل الأوان، (كان وقتئذ في السابعة والخمسين من عمره) بالثمن الغالي الذي دفعه بسبب اعتلال صحته. حياة فيلسوف مشائي حافلة بالجدل والخصام، والعزلة الروحية والحزن، اللذين ترتبا على رغبته في أن يكون عادلاً مع الطرفين في الخلافات المذهبية التي حدثت في عصره. وتبرز من القلنسوة شعرات بيضاء مشعثة. وله شفتان رقيقتان كالحتان، وتقاطيع جميلة، وإن كانت قوية، وأنف حاد معقوف، وجفون ثقيلة، تكاد تغلق عينين متعبتين، هنا في لوحة من أعظم الصور الشخصية ترى النهضة وقد مزقها الإصلاح الديني إرباً.
وفي أول ديسمبر عام 1522 كتب البابا الجديد أدريان السابع إلى أرازموس بألفاظ توحي بسلطانه غير العادي على كلا الطرفين: "يتوقف عليك، وأسال الله أن يعينك، أن تهدي من أضلهم لوثر عن الطريق المستقيم، وأن تقف إلى جانب من لا يزالون صامدين
…
ولست في حاجة إلى أن أعرب لك عن مدى غبطتي عندما أتلقى ثانية هؤلاء الهراطقة دون حاجة إلى قرعهم بعصا القانون الإمبراطوري. وأنت تعرف إلى أي حد تتنافى مثل هذه الطرق الفظة مع طبيعتي. أنا لا أزال كعهدك بي عندما كنا ندرس معاً. تعال إلي في روما، وسوف تجد هنا ما تنشده من الكتب، وسوف تجدني أنا وآخرين من الرجال المستنيرين، لنتبادل المشورة، وإذا فعلت ما أطلبه منك فإنك لن تندم أبداً" (97).
وبعد تبادل تمهيدي لخطابات تعهد فيها كل منهما للآخر بالحفاظ على السرية، فتح أرازموس قلبه للبابا وقال: "إن قداستك تطلب مني النصيحة، وترغب في أن تراني. وكم كان يسعدني أن أذهب إليك لو سمحت بذلك صحتي. أما بالنسبة للكتابة ضد لوثر، فأنا لست على درجة كافية من العلم، وأنت تعتقد أن لكلماتي سلطاناً، ولكني للأسف أرى
أن شعبيتي، التي اكتسبتها فيما مضى قد استحالت إلى كراهية. لقد كنت يوماً أميراً للبيان، ونجماً من نجوم ألمانيا
…
وكاهناً أعظم للعلم ومنافحاً عن لاهوت أكثر نقاء. أما الآن فقد تبدل الوضع، ففريق يقول أني أتفق في الرأي مع لوثر، لأني لا أعارضه، وفريق آخر يرى أني على خطأ لأني أعارضه
…
وفي روما وفي برابانت يصفونني بأني هرطيق، وزعيم شعبة من الهراطقة، وداعية إلى الانشقاق، والحق أني لا أتفق بتاتاً مع لوثر. وأنهم ليستشهدون بهذه الفقرة أو تلك، ليبينوا أننا متشابهان، ومع ذلك ففي وسعي أن أجد مائة فقرة يبدو فيها أن القدّيس بولس يعلم العقائد التي يستنكرها عند لوثر. وخير من يمحضك النصح هم الذين يشيرون باتخاذ إجراءات خفيفة. والرهبان - يطلقون على أنفسهم العمالقة الذين يسندون كنيسة تهتز وتوشك أن تنقض - ينفّرون مَن يمكن أن يكونوا أنصاراً لها
…
ويعتقد البعض أنه لا علاج لهذه الحالة غلا القوة. وأنا أرى غير هذا
…
فسوف تؤدي إلى سفك مروع للدماء. إن المسألة ليست الجزاء الذي تستحقه الهرطقة، ولكنها الطريقة الحكيمة التي تعالج بها
…
وأنا من جهتي أرى اكتشاف جذور المرض واقتلاع ما يجب البدء به منها. لا تعاقب أحداً. واعتبر ما حدث عقوبة أنزلتها العناية الإلهية، وامنح عفواً عاماً. وإذا كان الله يغفر لي خطاياي، فإن كاهن الرب يمكن أن يغفرها، وفي وسع الحكام أن يمنعوا قيام ثورة مسلحة، وإذا أمكن يجب مراجعة المواد المطبوعة. ثم دع العالم يعرف ويرى أنك تنوي جاداً رفع المظالم، التي يشكو منها الناس بحق. وإذا أردت قداستك أن تعرف ما هي الجذور التي أشير إليها، فإرسل أشخاصاً تثق بهم إلى كل جزء من أجزاء العالم المسيحي اللاتيني، ودعهم يتبادلون الرأي مع أعقل مَن يجدون من الرجال في مختلف البلاد وسرعان ما تعرف بعد ذلك (98).
يا لأدريان المسكين الذي تجاوزت نياته الطيبة حدود قواه! لقد مات
كسير الفؤاد عام 1523. واستمر خلفه كليمنت السابع في حث أرازموس على الانخراط في سلك المناهضين للوثر. وعندما خضع العالم أخيراً، لم يكن هجومه على لوثر بصفة شخصية، ولم يكن لديه اتهام عام للإصلاح الديني ولكنه ناقشه مناقشة موضوعية مهذبة بإرادة حرة ( De Libro arbitrio) - (1524) . وسلم بأنه لم يستطيع أن يسبر غور لغز الحرية الأخلاقية، ولا أن يوفق بينها وبين علم الله بكل شيء وقدرته على كل شيء. ولكن ما من عالم بالإنسانيات يستطيع أن يتقبل العقائد، التي تقول بحتمية القدر ومذهب الجبر، دون تضحية بكرامة الإنسان أو الحياة البشرية وقيمتها: هنا فارق أساسي بين الإصلاح الديني والنهضة. وبدا واضحاً لأرازموس أن الإله الذي يعاقب على الخطايا التي ترتكبها مخلوقاته، ولا حيلة لهم في الامتناع عنها، وحش لا أخلاق له لا يستحق العبادة أو الثناء، ونسبة مثل هذا السلوك إلى الأب الذي في السماء" كفر فضيع. ووفق افتراضات لوثر يكون أسوأ المجرمين شهيداً بريئاً ذلك أن الرب قدر عليه الخطيئة، ثم حكم عليه المنتقم الجبار بالعذاب في نار جهنم خالداً فيها، فكيف يستطيع أي مؤمن بحتمية القدر أن يقدم أي مجهود خلاق، أو يعمل على تحسين أحوال البشر؟ وأقر أرازموس بأن اختيار الإنسان رهن بآلاف الظروف، التي لا يستطيع أن يتحكم فيها، ومع ذلك فإن شعور الإنسان يصر على أن يؤكد أن له بعض الحرية، وبدونها يكون آلة ذاتية الحركة لا معنى لها. وانتهى أرازموس إلى القول: على أية حال دعونا نسلم بجهلنا وبعجزنا في التوفيق بين حرية الإنسان في التمييز بين الصواب والخطأ، وبين سابق علم الله أو سبب وجوده في كل مكان. دعونا نؤجل الحل إلى يوم القيامة، ولكن في الوقت نفسه دعونا نتجنب كل فرض يجعل من الإنسان مجرد دمية، ومن الرب طاغية أقسى من أي طاغية عرف في التاريخ.
وأرسل كليمنت السابع مائتي فلورين (5. 000؟ دولار)، إلى أرازموس
عندما تسلك منه الرسالة، وشعر معظم الكثالكة بخيبة الأمل بسبب اللهجة الفلسفية، التي تنشد المصالحة، والتي تنطوي على عبارات الكتاب عليها، فقد كانوا يأملون أن يسمعوا خبر إعلان حرب يطربون لها. والحق أن ميلانكتون الذي أعرب عن وجهة نظره في الجبرية بكتاب Losi Communes تأثر كثيراً بالرأي الذي أبداه أرازموس، وحذف نظريته في هذا الموضوع، وذلك في الطبعات التي ظهرت فيما بعد (99). وكان هو أيضاً لا يزال يراوده الأمل في السلام - ولكن لوثر دافع عن الجبرية بلا هوادة في رد متأخر عنوانه De Servo arbitro عام 1525، وقال:
"إن الإرادة البشرية مثل دابة الحمل، إذا امتطاها الرب رغبت، وانطلقت كما يشاء الرب، وإذا امتطاها الشيطان رغبت، انطلقت كما يهوى الشيطان. وهي لا تستطيع أن تختار راكبها
…
والركاب يتنازعون على امتلاكها
…
والرب يعلم الغيب، ويقدر ويعمل كل شيء، بإرادة فعالة أزلية، لا تتبدل، وبهذه الإرادة القاهرة تغوص الإرادة الحرة، وتتفتت في التراب" (100).
ومن الأمور ذات المغزى عن المزاج السائد في القرن السادس عشر، أن لوثر رفض التسليم بحرية الإرادة، لا لأنها تتعارض مع حكم قانون عالمي وعلية عالمية، كما ذهب إلى ذلك بعض المفكرين في القرن الثامن عشر، ولا لأنه يبدو أن الوراثة والبيئة والظرف تحدد، كثالوث آخر، الرغبات التي يبدو أنها تحدد الإرادة، كما ذهب إلى ذلك كثيرون في القرن التاسع عشر، بل إنه رفض التسليم بالإرادة الحرة على أساس أن قدرة الله على كل شيء، تجعله تعالى السبب الحقيقي لكل الحوادث وكل الأفعال، وبالتالي فإنه تعالى، وليست فضائلنا أو خطايانا، هو الذي يحكم علينا بالخلاص أو العذاب الأبدي: ويواجه لوثر مرارة منطقه برجولة فيقول: "لقد أسيء إلى حسن الإدراك والعقل الفطري، إلى حد كبير، بالقول بأن الله يتخلى عن عبده ويقسو عليه ويعذبه بمحض إرادته تعالى، كما لو كانت
الخطيئة تسره، والعذاب الأبدي يسعده، وهو الذي يقال إنه رؤوف رحيم، ومثل هذا المفهوم عن الله يبدو خبيثاً قاسياً لا يغتفر، من أجله ثار عدد من الرجال في جميع العصور، وأنا نفسي أسيء إلي مرة إساءة، أردتني في هوة اليأس، إلى حد أني تمنيت لو أني لم أخلق قط. ولا جدوى من محاولة الهروب من هذا بإيجاد فوارق بارعة، ومهما أحس العقل الفطري بما لحقه من إساءة فلا مفر من تسليمه بنتائج علم الله بكل شيء وقدرته على كل شيء
…
وإذا كان من الصعب الإيمان برحمة الله ورأفته، عندما يعذب مَن لا يستحقون العذاب، فإننا يجب أن نتذكر أن عدالة الله لا تكون إلهية إذا أحاط بها عقل الإنسان" (101).
ومما امتاز به هذا العصر الرواج الذي حظيت به الرسالة التي عنوانها: "الإرادة المستعبدة" فقد بيع منها عدد كبير في سبع طبعات باللغة اللاتينية وطبعتين باللغة الوطنية، واشتد الإقبال عليها في خلال سنة واحدة. وأثبت ذلك أنها أعظم مصدر للاهوت البروتستانتي، وهكذا وجد كافن عقيدة الجبر والاختيار والرفض reprobation، التي نقلها إلى فرنسا وهولندة واسكوتلندة وإنجلترا وأمريكا. ورد أرازموس على لوثر في مقالين نشرا في كراستين دينيتين بعنوان Hyperaspistes ( المدافع) 1 و 2 (1526 - 1527)، ولكن رأي العصر كان في جانب الرأي الذي انتهى إليه المصلح في المناظرة. واستمر أرازموس حتى في هذه المرحلة، يبذل جهوده في سبيل السلام. وأوصى كل مَن بعث إليهم برسائل بالتسامح واللطف في المعاملة
…
ولقد ظن أن الكنيسة عليها أن تسمح برجال الدين بالزواج وتناول القربان المقدس بالأسلوبين المعروفين، وأنها يجب أن تتنازل عن بعض أملاكها الواسعة للسلطات الزمنية، لكي تستخدمها في مرافقها، وأن أمثال المسائل الحاسمة كالجبر والاختيار وحضور المسيح بجسده في القربان المقدس، يجب أن تترك دون تحديد مفتوحة
لمختلف التفسيرات (102). وأشار على الدوق جورج صاحب ساكسونيا بمعاملة اللامعمدانيين بالرفق، وقال:"ليس من العدل أن تعاقب بالنار على أي خطأ يرتكب ما لم يكن مقترناً بشغب أو بأية جريمة أخرى تعاقب عليها القوانين بالإعدام"(103). وحدث هذا في عام 1524، ومهما يكن من أمر فإنه دافع عام 1533 عن سجن الهراطقة، الذي دعى إليه توماس مور (104)، متأثراً بالصداقة أو الشيخوخة، أما في أسبانيا حيث أصبح بعض علماء الإنسانيات من مؤيدي أرازموس فقد بدأ رهبان محكمة التفتيش يفحصون أقوال أرازموس فحصاً منسقاً مستهدفين إدانته باعتباره هرطيقاً (1527). ومع ذلك فإنه استمر في نقده لفجور الرهبان والجمود اللاهوتي، باعتبارهما الحافزين الرئيسيين إلى الإصلاح الديني. وكرر عام 1528 الاتهام بأن كثيراً من الأديرة التي تضم الرهبان والراهبات "بيوت عامة للدعارة" وأن "آخر ما يوجد من فضائل في أديرة كثيرة إنما هي فضيلة العفة"(105). وأدان في عام 1532 الرهبان، باعتبارهم متسولين يسألون بإلحاح، ومضللين يغوون النساء، وصيادين ينطلقون في إثر الهراطقة، ومتصيدين للتركات ومزيفين للشهادات (106). وكان يؤيد كل شيء لإصلاح الكنيسة بينما كان يستهجن الإصلاح الديني. ولم يستطع أن يروض نفسه على التخلي عن الكنيسة، أو أن يراها مشطورة إلى نصفين، وقال:"إني أتحمل الكنيسة إلى اليوم الذي أرى فيه كنيسة أفضل"(107).
وارتاع عندما سمع بنبأ نهب روما على يد فرق بروتستانتية وكاثوليكية تعمل في خدمة الإمبراطور (1527). وكان قد راوده الأمل في أن شارل سوف يشجع كليمنت على أن يتصالح مع لوثر، ولكن البابا والإمبراطور كانا وقتذاك يمسك كل منهما بتلابيب الآخر. وأصيب بصدمة أكبر عندما دمر المصلحون الدينيون، في ثورة، التماثيل في الكنائس (1529)، مع أنه كان قبل ذلك بعام واحد فقط قد ندد بعبادة التماثيل
وقال: "يجب أن يعلم الناس أن هذه ليست غلا رموزاً، ومن الخير ألا يكون هناك شيء منها على الاطلاق، وأن توجه الصلاة للمسيح وحده. ولكن ليكن رائدنا الاعتدال في جميع الأمور"(108). وهذا بالضبط موقف لوثر من الموضوع نفسه. ولكنه رأى أن التجريد الأهوج الغبي للكنائس من التماثيل رجعية همجية، تتسم بضيق الأفق. وغادر بازيل، وانتقل منها إلى فرايبورج - الواقعة على نهر برايسجاو، في أرض نمساوية كاثوليكية فاستقبلته سلطات المدينة بالترحيب والتكريم، ومنحته قصر ماكسمليان الأول الذي لم يتم، ليقيم فيه. وعندما لم يصله المرتب، الذي خصصه له الإمبراطور بانتظام أرسل إليه آل فوجر كل ما احتاج إليه من أموال، بيد أن رهبان فرايبورج وعلماء اللاهوت فيها هاجموه باعتباره من معتنقي مذهب الشك في الخفاء، والسبب الحقيقي لما حدث في ألمانيا من فتنة.
وعاد إلى بازيل عام 1535 فخرج إليه وفد من أساتذة الجامعة مرحبين بعودته، وخصص له جيروم فروبن ابن جوهان غرفاً في منزله.
وكان وقتذاك قد بلغ التاسعة والستين، بوجه هزيل تغضن بفعل السنين وكان يعاني من القروح والإسهال وداء النقرس والحصوة ونزلات البرد المتكررة
…
لاحظ اليدين المتورمتين في رسم ديرر. وحبس نفسه، في سنواته الأخيرة، في حجراته، وكثيراً ما كان يلازم الفراش. وأضناه الألم، وفقد بسمته الجميلة المألوفة، التي كانت تحببه إلى أصدقائه، وأصبح دائم العبوس، وهو يكاد يسمع كل يوم عن هجمات جديدة يوجهها إليه البروتستانت والكثالكة. ومع ذلك فقد كانت ترد إليه يومياً تقريباً رسائل، تفيض بالإخلاص والاحترام، من ملوك أو بطاركة أو سياسيين أو علماء أو ماليين، وكان مسكنه كعبة يحج إليها الأدباء. وأصيب في السادس من يونية عام 1536 بدوزنتاريا حادة، وعرف أنه سوف يموت وشيكاً، ولكنه لم يطلب قسيساً أو كاهناً يعترف له ومات (12 يونيه)،
دون أن تجرى له الطقوس الدينية، التي فرضتها الكنيسة، وأخذ يكرر مبتهلاً اسمي مريم والمسيح. وشيعته بازيل في جنازة تليق بأحد الأمراء، ودفن في مقبرة بالكاتدرائية. واشترك علماء الإنسانيات وأسقف المدينة في إقامة لوح حجري فوق جثمانه، ولا يوال هذا اللوح في مكانه، وقد أشادوا فيه بما اتصف به من "سعة علم لا تضارع في كل فرع من فروع المعرفة". ولم يترك في وصيته ميراثاً لأغراض دينية، ولكنه خصص مبالغ للعناية بالمرضى أو المسنين، ولتقديم صداق للفتيات الفقيرات، ولتعليم الشبان الواعدين.
ويتذبذب موقفه في الأجيال القادمة مع تذبذب هيبة عصر النهضة، فكل الطوائف تقريباً وصفته بأنه مذبذب جبان، وذلك في حماسة الثورة الدينية، واتهمه أنصار الإصلاح الديني بأنه قادهم إلى حافة الهاوية، وأغراهم بأن يقفزوا ثم لاذ بالفرار. ووصف في مجلس مدينة ترنت بأنه هرطيق فاسق، وحرمت مؤلفاته على الفقراء الكاثوليك. وفي أواخر عام 1758 وصفه هوراس والبول بأنه "طفيلي متسول لديه من الشمائل ما يكفي لأن يتوصل إلى الحقيقة، ولكنه يفتقر إلى الشجاعة لكي يعترف بها"(109). وفي أواخر القرن التاسع عشر، عندما انقشع دخان المعركة، أسف مؤرخ بروتستانتي صائب الرأي على مفهوم أرازموس عن الإصلاح الديني، وقال: "مفهوم لعالم
…
سرعان ما أوقف وطرح جانباً بوسائل فظة خشنة. ومع ذلك يحق لنا أن نتساءل أما كانت، بعد كل شيء، الطريقة البطيئة هي في النهاية أكثر الطرق أمناً، وهل كان أي عامل من عوامل تقدم الإنسانية يمكن أن يكون بديلاً للثقافة على الدوام. لقد كان الإصلاح الديني في القرن السادس عشر من عمل لوثر، ولكن إذا ظهر في الأفق أي إصلاح ديني جديد
…
فإنه لا يمكن أن ينهض إلا على أساس مبادئ أرازموس" (110). ويضيف مؤرخ كاثوليكي تقديراً يكاد يكون
مطابقاً لمقتضيات العقل: "إن أرازموس كان ينتمي فكرياً إلى عصر لاحق علمي وعقلاني أكثر من عصره. والعمل الذي قد بدأ به والذي أوقفته الاضطرابات التي حدثت في عهد الإصلاح الديني استأنفه علماء القرن السابع عشر في وقت لاقى فيه قبولاً أكثر"(111)، وكان لابد أن يكون لوثر، ولكن عندما قام بعمله، وهدأت سورة الانفعال، حاول الناس مرة أخرى أن يتشبثوا بروح أرازموس وروح النهضة، وأن يجددوا، في صبر وتسامح متبادل، الجهد الطويل البطيء لتنوير أذهان الناس.
الفصل العشرون
العقائد في حرب
(1525 - 1560)
1 -
التقدم البروتستانتي
1525 -
1530
أي تحالف بين القوى والظروف مكن للبروتستانتية الوليدة من أن تعيش في مواجهة عداء البابوية والإمبراطوريّة؟ إن الورع الصوفي والدراسات الإنجيلية والإصلاح الديني والتطور الفكري وجرأة لوثر لم تكن كافية، فقد كان من الممكن أن يصرف عنها النظر أو تتم السيطرة عليها. ولعل العوامل الاقتصادية هي التي كانت حاسمة: الرغبة في الحفاظ على الثورة في ألمانيا، والرغبة في تحرير ألمانيا من السيطرة البابوية والاستبداد الإيطالي، وتحويل أملاك الكنيسة بحيث تستخدم للوفاء بالأغراض الدنيوية، ودرء الاعتداءات الإمبراطوريّة إلى السلطة الإقليمية والقضائية والمالية للأمراء والمُدن والحكومات. أضف إلى هذا بعض الظروف السياسية التي سمحت بنجاح البروتستانت، فبعد أن فتحت الإمبراطوريّة العثمانية القسطنطينية ومصر، أخذت في مد رقعتها بدرجة خطرة في بلاد البلقان وأفريقيا. وابتلعت نصف هنغاريا، وحاصرت فيينا، وهددت بإغلاق البحر الأبيض المتوسط في وجه تجارة العالم المسيحي، وأصبح شارل الخامس والأرشيدوق فرديناند في حاجة ماسة إلى توحيد ألمانيا والنمسا - أموالاً ورجالاً من البروتستانت والكاثوليك على السواء - لمقاومي هذا التهديد الاسلامي، الذي يوشك أن يكتسح أمامه كل شيء. وكان الإمبراطور عادة مشغولاً بشئون أسبانيا أو
الفلاندرز أو إيطاليا، أو منهمكاً في صراع مميت مع فرانسس الأول ملك فرنسا، ولم يكن لديه متسع من الوقت أو فائض من الأموال لشن حرب أهلية في ألمانيا. واتفق في الرأي مع أرازموس، الذي كان يحصل منه على معاش، في أن الكنيسة في حاجة ماسة إلى الإصلاح، وكان في فترات متقطعة على خلاف مع كليمنت السابع وبول الثالث، حتى فيما يختص بالسماح لجيشه بنهب روما. ولم يستطع الإمبراطور والبابا محاربة الثورة الدينية باقتدار، إلا عندما أصبحا صديقين.
أن حل عام 1527 حتى كانت "الهرطقة اللوثرية" قد أصبحت مذهباً للمحافظين في نصف ألمانيا، ووجدت المُدن أن البروتستانتية تعود عليها بالفائدة وقال ميلانكتون في أسى "إنهم لا يبالون، ولو قليلاً، بالدين، وهم لا يتطلعون إلا إلى وضع الأملاك بين أيديهم، وأن يتحرروا من أشراف الأساقفة"(1). ونجوا بتغيير طفيف للمسوح الدينية من الضرائب والمحاكم. واستطاعوا أن ينزعوا أجزاء لا بأس بها من أملاك الكنيسة (2)، ومع ذلك يبدو أن رغبة صادقة في دين يتميز بالبساطة والإخلاص، قد أثارت الكثير من المواطنين. ففي ماجديبرج اجتمع عدد من أعضاء أبرشية سانت أولريخ في فناء الكنيسة، واختاروا ثمانية رجال، ولكي ينتخبوا بدورهم الواعظ، وليديروا شئون الكنيسة (1524) وسرعان ما كانت كل الكنائس في المدينة تناول العشاء الرباني بالطريقة اللوثرية. وكانت أوجسبورج شديدة الحماسة للبروتستانتية، إلى حد أن العامة لقبوا كامبيجيو، عندما وصل هناك بصفته قاصداً رسولياً للبابا، بأنه خصم للمسيح (1524). وتقبل معظم أهالي ستراسبورج اللاهوت الجديد من ولفجانج فابريسيوس كابيتو (1523)، وحمل ماتن بوسر الذي خلفه هناك في أولم على اعتناق الدين الجديد أيضاً. وفي نورمبرج كسب كبار رجال الأعمال أمثال لازاروس شبينجلر وهيرونيموس باومجيرتنر، مجلس المدينة إلى
صف العقيدة اللوثرية (1526)، وحولت كنيسة زيبالدوس وكنيسة مورنز الشعائر التي تقام فيهما لتكون وفق هذه العقيدة، بينما احتفظنا بفنهما الكاثوليكي. وانتشرت مؤلفات لوثر انتشاراً واسعاً في برونزفيك، ورتلت أناشيده علناً، ودرست نسخته عن العهد الجديد عن اهتمام وجد، حتى أن المصلين قاموا بتصحيح خطأ وقع فيه قسيس، وهو يستشهد بفقرات منها، وفي نهاية الأمر أصدر مجلس المدينة أمراً إلى كل رجال الدين بألا يرددوا في عظاتهم إلا ما وجد في نصوص الكتب المقدسة، وأن يقوموا بمراسيم العماد باللغة الألمانية وأن يناولوا القربان المقدس بكلا الشكلين (1528). وما أن حل عام 1530 حتى كان المذهب الجديد قد كسب إلى صفه هامبورج وبريمن وروستوك ولوبيك وسترالزوند ودانزج ودوربات وريجا وريفال وكل المُدن الإمبراطوريّة في سوابيا تقريباً، وشبت ثورات لتحطيم الأصنام في أوجسبورج وهامبورج وبرونزفيك وسترالزوند. ولعل جانباً من هذا العنف كان رد فعل لاستخدام رجال الدين للتماثيل والصور الزيتية، لغرض أساطير مضحكة، تعود عليهم بالربح، في عقول الناس.
وليس من شك قي أن الأمراء الذين تبنوا باغتباط القانون الروماني، الذي يجعل الحاكم الزمني قادراً على الكثير باعتباره مفوضاً من "الشعب صاحب السيادة"، قد رأوا في البروتستانتية ديناً لا يرفع من شأن الدولة فحسب، بل جعلها تمتثل لأوامرها أيضاً، وأصبح في وسعهم وقتذاك أن يكونوا سادة روحيين وزمنيين على السواء، ويمكن أن يديروا الكنيسة بأسرها أو يستمتعوا بها. وقبل جون الحازم الذي خلف فريدريك الحكيم كأمير مختار لساكسونيا (1525) أن يعتنق بصفة نهائية العقيدة اللوثرية، وهو ما لم يفعله فريدريك قط، وحينما مات جون (1532) فإن ابنه جون فريدريك أبقى البروتستانتية موطدة في سكسونيا الانتخابية، وكون فيليب الشهم لاندجراف هس مع جون حلف جوثا وتورجا لحماية اللوثرية
ونشرها، وانخرط في سلك اللوثرية أمراء آخرون: أرنست اللونيبرجي، وأوتو وفرانسس أمير برونزفيك لونيبرج، وهنري أمير ميكلينبورج وأولريخ أمير فريتتيمبرج. واستمع ألبرت، البروسي كبير رهبان دير الفرسان التيوتونيين، إلى نصيحة لوثر، وتخلى عن عهوده الرهبانية، وتزوج وخصص الأراضي التي تملكها طائفته للأغراض الدنيوية، ونصب نفسه دوقاً على بروسيا (1525). ورأى لوثر نفسه، فيما يبدو، بقوة شخصيته وفصاحته فحسب، يكسب إلى صفه نصف ألمانيا.
ولما كان الكثيرون من الرهبان والراهبات يتركون أديرتهم وقتذاك، وبدا أن الجمهور لا يريد أن يؤيد مَن بقى منهم، فإن الأمراء اللوثريين اضطهدوا كل الأديرة الواقعة في أقاليمهم، ولم يستثنوا إلا قلة كان نزلاؤها قد اعتنقوا العقيدة البورتستانتية، ووافق الأمراء على أن يتقاسموا الأملاك المصادرة والدخول مع النبلاء والمُدن وبعض الجامعات، ولكن هذا التعهد نقض في تراخ. وندد لوثر بتخصيص الثروة الكنسية لغير الأغراض الدينية أو التعليمية، وأدان استيلاء طبقة النبلاء المتسم بالتهور على مباني الكنيسة وأراضيها. وتم التنازل عن جانب متواضع من الغنائم للمدارس وللتفريج عن الفقراء، أما الباقي فقد احتفظ به الأمراء والنبلاء، وكتب ميلانكتون (1530) يقول:"تحت ستار الإنجيل كانت نية الأمراء متجهة إلى سلب الكنائس فحسب"(2). وأخذ التحول العظيم يسير قدماً إلى الأمام للخير أو للشر، لأغراض روحية أو مادية، واعتنقت مقاطعات بأكملها - أيست فريزلاند وسيليزيا وشليزفيج وهولستين - البروتستانتية بالإجماع تقريباً، ولا شيء يمكن أن يوضح مدى ما وصلت إليه الكاثوليكية المحتضرة خير من هذا. وحيثما بقي القساوسة استمروا في تأييدهم لاتخاذ حظايا (4)، ورفعوا عقائرهم بالصياح، مطالبين بالسماح لهم بالزواج الشرعي، كما يفعل رجال الدين من أتباع لوثر (5). وأبلغ الأرشيدوق فرديناند البابا بأن الرغبة في الزواج تكاد تكون عامة بين رجال الدين الكثالكة من غير الرهبان، وأنه لا يكاد يوجد واحد من بين كل مائة من القسس
لم يتزوج علناً أو سراً. وتوسل الأمراء الكاثوليك للبابا وأبلغوه أن إلغاء العزوبة المفروضة على رجال الدين قد أصبحت ضرورة أخلاقية (6). وشكا كاثوليكي مخلص (1524) من أن الأساقفة استمروا في إقامة الولائم الفخمة (7)، على الرغم من أن الثورة كانت تطرق أبوابهم. وكتب مؤرخ كاثوليكي، وهو يتحدث عن ألبرخت كبير أساقفة ماينز، يصف "الشقق الفاخرة الأثاث التي استغلها هذا الأمير الدنس من أمراء الكنيسة لمضاجعة عشيقته سراً" (8). ويقول نفس المؤرخ:"لقد اصبح كل إنسان يناصب القسس العداء، إلى حد أنهم يقابلون بالسخرية، ويتعرضون للمضايقات أينما ذهبوا"(9)، وكتب أرازاموس (31 يناير عام 1530) يقول:"إن الناس في كل مكان يؤيدون العقائد الجديدة"(10). ومهما يكن من أمر فقد كان هذا صحيحاً في شمال ألمانيا فقط، وحتى هناك أصر الدوق جوج أمير ساكسونيا والأمير المختار جواكيم البراندنبورجي على أن يظلا كاثوليكيين أما جنوب ألمانيا وغربها، اللذان كانا جزءاً من الإمبراطوريّة الرومانية القديمة، وتلقى أهلها شيئاً من الثقافة اللاتينية، فإنهما ظلا في معظم أجزائهما يدينان بالولاء للكنيسة، وآثر جنوبها الطرق المرحة الملونة التي تنحو نحو التساهل في المسائل الجنسية، والتي تميزت بها الكاثوليكية، وفضلتها على فلسفة الرواقية التي تقول بالجبر، وتسود في الشمال. وحافظ كبيرو الأساقفة المختارون الأقوياء في ماينز وترير وفي كولونيا (الى عام 1543) على أن تسود الكاثوليكية في بلادهم، وأنقذ البابا أرديان السادس بافاريا بمنح دوقاتها خمس دخل الكنيسة في ولاياتهم، لصرفه على شئونهم الدنيوية. وهدأت منحة مماثلة من دخول الكنيسة من سورة غضب فرديناند في النمسا.
ودخلت هنغاريا إلى المسرح بصورة جوهرية. وكان ارتقاء لويس الثاني للعرش قبل الأوان، وهو في العاشرة من عمره، ووفاته أيضاً في سن مبكرة، من العوامل التي أسهمت في تكوين المأساة الهنغارية. بل إن مولده حدث قبل الأوان وأنقذ الأطباء في ذلك العهد حياة الطفل الضعيف
بوضعه داخل الجثث الدافئة للحيوانات التي كانت تذبح، لتوفر له الحرارة. وترعرع لويس وأصبح شاباً وسيماً رقرق الفؤاد كريماً، ولكنه اعتاد التبذير وإقامة الولائم رغم موارده الهزيلة، وسط حاشية فاسدة تفتقر إلى الكفايات. وعندما أرسل السلطان سليمان سفيراً إلى بودا رفض النبلاء أن يستقبلوه، وطافوا به حول البلد وجدعوا أنفه، وصلموا أذنه، وأعادوه إلى سيده (11). فما كان من السلطان الحانق إلا أن غزا هنغاريا، واستولى على معقلين من أعظم معاقلها حيوية، وهما ساباكس وبلغراد (1521). وبعد تمهل طويل ووسط خيانة نبلائه وجبنهم جهز لويس جيشاً قوامه 25. 000 من الرجال، وزحف في بطولة متهورة ليواجه 100. 000 تركي في ميدان قرب موهاكس (30 أغسطس 1526). وقتل الهنغاريون عن بكرة أبيهم تقريباً. وغرق لويس نفسه، بعد أن كبا به جواده، وهو يحاول الفرار. ودخل سليمان مدينة بودا منتصراً ونهب جيشه العاصمة الجميلة وأحرقها، ودمر كل مبانيها العظيمة ما عدا القصر الملكي، وأشعل النيران في الجانب الأكبر من مكتبة ماتياس كورنفينوس الثمينة.
وانتشر الجيش المنتصر في النصف الشرقي من هنغاريا، وأخذ يحرق وينهب، واستاق سليمان 100. 000 أسير مسيحي إلى القسطنطينية.
وانقسم الأقطاب، الذين بقوا على قيد الحياة، فرقاً وأحزاباً، يناصب بعضها بعضاً العداء، ورأت جماعة أن المقاومة مستحيلة، فاختارت جون زابوليا ملكاً وخولته سلطة توقيع معاهدة استسلام، وسمح له سليمان أن يحكم في بودا، باعتباره تابعاص له، أما النصف الشرقي من هنغاريا فقد ظل في الواقع نحت سيطرة الأتراك حتى عام 1686. واتخذ حزب آخر مع النبلاء في بوهيميا لمنح فرديناند تاج كل من هنغاريا وبوهيميا، وذلك بأمل ضمان الحصول على مساعدة الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة وأسرة هابسبورج القوية. وعندما عاود سليمان الهجوم (1529)، وسار 135 ميلاً من
بودا على طول نهر الدانوب إلى أبواب فينا دافع فرديناند بنجاح عن عاصمته، ولكن في خلال هذه السنوات الحرجة كان شارل الخامس قد أكره على مهادنة البروتستانت، حتى لا تسقط أوربا كلها في أيدي الاسلام، وليس من شك في أن تقدم الأتراك غرباً قد وفر الحماية للبروتستانتية حتى أن فيليب الهسي كان يطرب لانتصارات الأتراك. وعندما فشل سليمان في اقتحام فينا عاد إلى القسطنطينة، وبذلك أصبح الكثالكة والبروتستانت أحراراً ليدخلوا من جديد في صراع من أجل روح ألمانيا.
2 - مجالس الدايت لا توافق
(1526 - 1541)
لما كانت الحرية الداخلية تختلف (بينما تتساوى أمور أخرى) باختلاف درجات الأمن الخارجي، فإن البروتستانتية تورطت، أثناء فترة أمنها، في انقسام طائفي، يبدو أنه كان كامناً في مبادئ الحكم الفردي وسيادة الضمير. وكتب لوثر عام 1525:"هناك اليوم طوائف وعقائد بقدر عدد الرؤوس تقريباً"(12). وشغل ميلانكتون نفسه في حزن بالتخفيف من حدة سيده، وأخذ يتلمس صيغاً مبهمة للتوفيق بين اليقينيات المتناقضة. وأشار الكاثوليك باغتباط إلى الأحزاب البروتستانتية، التي تتبادل الاتهامات، وتنبئوا بأن حرية التفسير وحرية الاعتقاد تؤديان إلى فوضى دينية، وانحلال خلقي، وشكية بغيضة إلى البروتستانت والكاثوليك على السواء (13)، وفي عام 1525 أقصي من مدينة نورمبرج البروتستانتية ثلاثة من الفنانين لأنهم تساءلوا عن مؤلف الإنجيل، وعن وجود المسيح بجسده حقاً في القربان المقدس، وعن ألوهية المسيح.
وبينما كان سليمان يعد الحملة التي مزقت هنغاريا إلى شطرين، اجتمع في سبيير (يونيه سنة 1526) مجلس نيابي من الأمراء والبطارقة والأوساط من الألمان، لتبادل الرأي في المطالب التي تقدم بها الكاثوليك، ومؤداها أن مرسوم ورمس يجب أن ينفذ بالقوة والنظر في الاقتراح المضاد الذي
تقدم به البروتستانت، ومؤداه أن الدين يجب أن يترك حراً، إلى أن يقضي في النزاع مجلس عام، تحت رعاية ألمانيا. ورجحت كفة البروتستانت وقضى مرسوم هذا المجلس النيابي في الختام - وهو معلق على مجلس مثل هذا - بأن كل ولاية ألمانية "يجب أن تعيش وتحكم وتتحمل أعباء نفسها، بالطريقة التي يعتقد أنها يمكن أن تتفق مع أمر الله والإمبراطور"، وذلك في موضوع الدين، وأنه يجب ألا يعاقب أحد على ما ارتكبه من إساءات لمرسوم ورمس، وأن كلمة الله يجب أن يعظ بها كل الأحزاب، دون أن يتدخل أحدها في شئون الآخرين. وفسر البروتستانت هذا بأنه "مرسوم سبيير" باعتبار أنه أباح تأسيس الكنائس اللوثرية، ووفر السيادة الدينية لكل أمير في إقليمه، وحرم إقامة القداس في المناطق التي تدين بمذهب لوثر. ورفض الكثالكة التسليم بهذه الدعاوى، ولكن الإمبراطور، وهو مشتبك مع البابا، قبلها مؤقتاً، وسرعان ما انشغل فرديناند، إلى أقصى حد بشؤون هنغاريا، فلم يستطع أن يبذل أي جهد فعال للمقاومة.
وبعد أن حقق شارل السلام بينه وبين كليمنت، عاد إلى سياسة المحافظين، التي فطر عليها كل ملك، وأمر المجلس النيابي في سبيير أن يعود إلى الانعقاد يوم أول فبراير عام 1529. وقام المجلس الجديد تحت تأثير الأرشيدوق، الذي تولى رئاسته، والإمبراطور الذي تغيب عن الحضور بإلغاء "المرسوم" الذي وافق عليه عام 1526، وأصدر مرسوماً يسمح بأداء الصلاة وفق مذهب لوثر، ولكنه يقضي بالتسامح في أداء الصلوات الكاثوليكية، في الولايات التي تعتنق مذهب لوثر، ويحرم تماماً الوعظ بمبادئ لوثر أو إقامة الشعائر حسب مذهبه في الولايات الكاثوليكية. وأيد تنفيذ مرسوم ورمس، واعتبار الطوائف الزونجلية واللامعمدانية في كل مكان خارجة على القانون. وفي يوم 25 أبريل عام 1529 نشرت الأقلية اللوثرية "احتجاجاً Protest" أعلنوا فيه أن الضمير يحرم عليهم قبول هذا المرسوم، والتمسوا من الإمبراطور عقد مجلس عام، وفي الوقت
نفسه أعلنوا أنهم على استعداد للتمسك بمرسوم سبيير الأصلي بأي ثمن. وأطلق الكاثوليك اسم بروتستانت على مَن وقعوا هذا الاحتجاج، وبالتدريج استخدم للدلالة على الألمان المتمردين على روما.
وأدرك شارل أنه لا يزال في حاجة إلى اتحاد ألمانيا ضد الأتراك، فدعا إلى الانعقاد مجلساً نيابياً آخر، فانعقد في أوجسبورج (20 يونيه عام 1530) برئاسته. وفي خلال دورة هذا المجلس أقام مع أنطون فوجر، وكان وقتذاك رئيساً للمؤسسة، التي جعلت منه إمبراطوراً. وطبقاً لقصة قديمة أدخل المصرفي السرور على قلب الحاكم بإشعال نار ألقى فيها بشهادة، يقر فيها الإمبراطور بمد يونيته (14)، ولما كان آل فوجر مرتبطين مالياً مع البابوات، فإن الحركة المذكورة ربما تكون قد دفعت شارل إلى أن يخطو خطوة يقترب بها من البابوية. ولم يحضر لوثر لأنه كان لا يزال تحت الحظر الإمبراطوري، ومن الممكن أن يقبض عليه في أي لحظة، ولكنه ذهب إلى كوبورج الواقعة على حدود ساكسونيا، واستمر في الاتصال بالوفد البروتستانتي عن طريق الرسل. وشبه المجلس بجمع من غربان الزرع، التي تصفق أجنحتها، وتناور أمام نوافذ بيته، وشكا من أن "كل أسقف جاء ومعه شياطين كثيرة، بقدر عدد البراغيث على جسد كلب في يوم عيد القدّيس يوحنا"(15). وكان من الواضح في هذا العهد أنه ألف أعظم أناشيده "الحصن الحصين هو ربنا".
وفي يوم 24 يونيه التمس الكاردينال كامبيجيو من المجلس النيابي تحريم إنشاء الطوائف البروتستانتية تحريماً تاماً. وفي الخامس والعشرين قرأ كريستيان باير للإمبراطور ولجانب من المجلس إقرار أوجسبورج الشهير، الذي كان ميلانكتون قد أعده، والذي قدر له أن يصبح بشيء من التعديلات العقيدة الرسمية للكنائس اللوثرية. ولأن ميلانكتون قد خشي قيام القوات الإمبراطوريّة والبابوية معاً بحرب ضد البروتستانت المنقسمين من ناحية، ولأنه كان يميل بفطرته إلى المهادنة والسلام من ناحية أخرى، أضفى على الإقرار
(كما يقول باحث كاثوليكي)"لهجة مشرفة معتدلة مسالمة"(16). وسعى إلى تقليل الخلافات بين آراء الكاثوليك وآراء اللوثريين، وأفاض في الهرطقات التي أدانها الإنجيليون (كما كان اللوثريون يسمون أنفسهم بسبب اعتمادهم فحسب على الأناجيل أو على العهد الجديد) والكاثوليك الرومان على السواء، وفرق بين الإصلاح اللوثري والإصلاح الزونجلى، وترك الأخير يتحايل لنفسه. وخفف من العقائد التي تقول بالجبر و"التجسيد" والتزكية بالإيمان، وكتب باعتدال عن مظالم رجال الدين، التي كانت البروتستانتية قد قللت منها، ودافع مجاملاً عن تناول القربان المقدس في كل من الشكلين، وعن التحلل من عهود الرهبانية، وعن زواج رجال الدين، وطلب من الكاردينال كامبيجيو أن يتقبل هذا الإقرار بقبول حسن، كما دبجه هو. وأسف لوثر لبعض ما قدمه من تنازل، ولكنه أعرب عن رضاه، الذي لم يكن منه مفر، عن هذه الوثيقة، وأرسل زونجلى تقريره إلى الإمبراطور وقد أعرب فيه بصراحة عن عدم إيمانه بوجود المسيح بجسده في القربان المقدس، وقدمت ستراسبورج وكونستاتس ولينداو وممنجن إقراراً منفصلاً هو: Tetra Politana، وفيه جاهد كابيتو وبوسر. لسد الثغرات، التي بدت بين العقائد اللوثرية والزونجلية والكاثوليكية.
ورد الحزب المتطرف من الكاثوليك الذي يتزعمه إيك رداً مدعماً بالبراهين، فندوا فيه الاتهام بصورة لا تقبل التفاهم، إلى حد أن المجلس رفض أن يقدمه إلى الإمبراطور، حتى خففت لهجته مرتين. وعلى الرغم من مراجعته فإنه أصر على التجسيد والشعائر السبع والتوسل بالقديسين وفرض العزوبة على رجال الدين ومناولة القربان بالخبز والقداس باللغة اللاتينية، ووافق شارل على هذا الرد المدعم بالبراهين، وأعلن أن على البروتستانت أن يقبلوه وإلا واجهوا الحرب.
ولقد تفاوض حزب أكثر اعتدالاً من الكاثوليك مع ميلانكتون،
وعرضوا عليه السماح بتناول القربان بالخبز والنبيذ. فوافق ميلانكتون بدوره على التسليم بالاعتراف السماعي والصيام والسلطة القضائية للأساقفة، بل وسلطة البابوات، مع بعض التحفظات، غير أن الزعماء البروتستانت الآخرين رفضوا أن يذهبوا في الاتفاق إلى هذا الحد، واحتج لوثر، وقال: إن إعادة الولاية القضائية للأساقفة سيؤدي إلى إخضاع القسس الجدد للدرجات الكهنوتية في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وإلى تصفية الإصلاح الديني في أقرب وقت. ورأى عدد من الأمراء البروتستانت استحالة الاتفاق، فعادوا أدراجهم إلى أوطانهم.
وفي التاسع عشر من نوفمبر أصدر المجلس النيابي، الذي كان قد نقص عدد أعضائه، مرسومه النهائي أو مرسومه الأخير، وقد أدينت فيه كل وجوه البروتستانتية، ونص على تنفيذ مرسوم ورمس، وعلى مجلس العدالة الإمبراطوري أن يبدأ في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد جميع الذين انتزعوا أملاك الكنيسة، وأعطى البروتستانت مهلة تنتهي في 15 أبريل عام 1531 لقبول الرد المدعم بالبراهين بطريقة سلمية. وأضفى توقيع شارل على "مرسوم أوجسبورج" صفة المرسوم الإمبراطوري، ولابد أن الإمبراطور قد خال أن منح المتمردين مهلة الشهور الستة، لكي يروضوا أنفسهم على تنفيذ إرادة المجلس النيابي، ذروة التعقل، وفي خلال تلك الفترة عرض عليهم الإعفاء من تنفيذ مرسوم ورمس، ولذلك فإنه قد يقدم، إذا سمحت واجبات أخرى، القواعد المتناظرة في علم اللاهوت إلى محكمة الحرب العليا.
وبينما كان المجلس النيابي في ذروة انعقاده أقامت عدة ولايات حلفاً كاثوليكياً فيما بينها، للدفاع عن العقيدة التقليدية واستعادتها. وفسر هذا بأنه نذير بالحرب، فنظم الأمراء البروتستانت والمُدن البروتستانتية الحلف الشمالكالدي، الذي اتخذ اسمه من موطنه الأصلي بالقرب من أرفورت،
وعندما انتهت مهلة العفو، اقترح فرديناند، الذي أصبح وقتذاك ملكاً على الرومان، أن يبدأ شارل بالحرب، ولكن شارل لم يكن على استعداد، وكان سليمان يخطط لهجوم آخر على فيينا، كما أن بارباروسا حليف سليمان كان يغير على السفن التجارية في البحر الأبيض المتوسط، يضاف إلى ذلك أن فرانسيس ملك فرنسا - وهو حليف سليمان أيضاً - كان يتأهب للانقضلض على ميلان في اللحظة التي يتورط فيها شارل في حرب أهلية بألمانيا. وفي أبريل عام 1531 أوقف شارل مرسوم أوجسبورج بدلاً من وضعه موضع التنفيذ، وطلب المعونة من البروتستانت لقتال الأتراك، فاستجاب لوثر والأمراء معربين عن ولائهم، ووقع اللوثريون والكاثوليك معاهدة سلام في نورمبرج (23 يوليه عام 1532)، وتعهدوا بتقديم العون إلى فرديناند، والتسامح الديني فيما بينهما إلى أن ينعقد مجلس ديني عام. واحتشد جيش كبير من الألمان البروتستانت والكاثوليك، ومن الأسبان والإيطاليين والكاثوليك، تحت لواء الإمبراطور في فيينا، فوجد سليمان أن الظروف غير مواتية، فعاد أدراجه إلى القسطنطينية، بينما انتشى الجيش المسيحي بخمر النصر، الذي خلا من إراقة الدماء، وأعمل يد السلب والنهب في المُدن والبيوت، وقال شاهد عيان هو توماس كرانمر الإنجليزي (وأوقع بالبلاد كارثة أعظم مما جلبه الأتراك أنفسهم" (17).
ولقد أضفت وطنية البروتستانت على حركتهم رفعة جديدة ودفعة قوية، وعندما عرض إلياندر، الذي عين رسولاً بابوياً مرة أخرى، على الزعماء اللوثريين سماع دعواهم أمام مجلس عام، إذا وعدوا بالامتثال لقرارات المجلس النهائية، رفضوا الاقتراح، وبعد مرور عام (1534) قبل فيليب الهسي العون الفرنسي، لكي يستعيد الدوق اولريخ البروتستانتي السلطة في فيرتنبورج، مستخفاً بإدانة لوثر لانتهاج سياسة هجومية. وقضى هناك على حكم فرديناند، ونهبت الكنائس وأغلقت الأديرة، واستولت الحكومة على أملاكها (18). وأصبحت الظروف مرة أخرى مواتية للبروتستانت.
فقد كان فرديناند مشغولاً في الشرق، وشارل منهمكاً في الغرب، وكان من الواضح أن اللامعمدانيين يدعمون ثورة شيوعية في منستر. واستولى المتطرفون في يورجن فولنفيفر على لوبيك (1535)، وأصبح الأمراء الكاثوليك في ذلك الوقت في حاجة إلى عون لوثر، لمواجهة الثورة الداخلية، بقدر حاجتهم إليه في حربهم ضد العثمانيين، وفضلاً عن هذا فإن اسكنديناوة وإنجلترا تخلتا عن روما في هذا الوقت، وأخذت فرنسا الكاثوليكية تنشد التحالف مع ألمانيا اللوثرية ضد شارل الخامس.
وطرب الحلف الشمالكالدي بهذه القوة النامية. فطالب بحشد جيش قوامه 12. 000 رجل، وعندما سأل البابا الجديد بول الثالث عن الشروط، التي يقبل بها الحلف مجلساً دينياً عاماً، أجاب بأنه لن يعترف إلا بمجلس ينعقد مستقلاً عن البابا، ويتألف من زعماء ألمانيا الزمنيين والدينيين على السواء، وأنه يرحب بالبروتستانت ليشتركوا فيه على قدم المساواة (19)، ولا يعتبره هراطقة. ورفض الحلف قبول مجلس العدالة الإمبراطوري، وأبلغ نائب رئيس وزراء الإمبراطور أنه لن يسلم بحق الكاثوليك في الاحتفاظ بأملاك الكنيسة، أو بحقهم في القيام بالعبادة وفق شعائرهم في أراضي الأمراء البروتستانت (20). وجددت الولايات الكاثوليكية تكوين حلفها، وطالبت شارل بدعم السلطات المخولة لمجلس العدالة الإمبراطوري، فرد عليهم بكلمات رقيقة، ولكن خوفه من أن يطعنه فرانسيس الأول في ظهره جعله في حرج.
واستمر المد البروتستانتي يتعاظم، ويقول مؤرخ كاثوليكي: "في اليوم التاسع من سبتمبر عام 1538 كتب إلياندر إلى البابا من مدينة لينز يقول إن الحالة الديني في ألمانيا منهارة تقريباً، وقد كادت تتوقف عبادة الله، ومناولة القربان، وكان الأمراء الزمنيون جميعاً، ما عدا فرديناند الأول، إما من أتباع لوثر المخلصين، أو ممن يمقتون نظام القساوسة مقتاً بالغاً، ويطمعون في أملاك الكنيسة. أما البطارقة، فكانوا يعيشون في بذخ
كعهدهم من قبل. وتضاءلت الرتب الدينية إلى ما يعد على أصابع اليدين، ولم يكن رجال الدين من غير الرهبان أكثر عدداً، وكانوا على درجة من الانحلال والجهل، إلى حد أن بعض الكثالكة أعرضوا عنهم" (21).
وعندما توفي الدوق الكاثوليكي جورج صاحب البرتين سكاسونيا، خلفه شقيقه هنري. وكان من أتباع لوثر، وخلف موريس بدوره هنري وكان المنقذ العسكري للبروتستانتية في ألمانيا. وفي عام 1539 شيد يواقيم الثاني الأمير المختار في براندنبورج كنيسة بروتستانتية في عاصمته برلين معتزاً باستقلالها عن كل من روما وفيتنبرج. وفي عام 1542 أضيفت إلى قائمة بروتستانت دوقية كليفس وأسقفية نارمبورج بل وكرسي أسقفية ألبرخت في هال بطريقة جمعت بين الساسة والحرب كل في حينه. وفي عام 1543 روع الكونت هرمان فون فيد، كبير أساقفة كولون وأميرها المختار، روما بتحوله إلى المذهب اللوثري، وكان الزعماء اللوثريون واثقين بأنفسهم إلى حد أن لوثر وميلانكتون وآخرين أصدروا في يناير عام 1540 بياناً ينص على أن السلام لا يمكن أن يسود إلا بتخلي الإمبراطور ورجال الدين الكاثوليك عن "عبادتهم للأوثان وضلالهم". ولن يتم ذلك إلا باعتناقهم العقيدة الطاهرة، التي وردت في اقرار أوجسبورج، واستطردت الوثيقة تقول:"حتى إذا كان على البابا أن يسلم لنا بما نعتنقه من عقائد، وما نقوم به من شعائر، فإننا مضطرون إلى معاملته باعتباره ظالماً متعسفاً، منبوذاً، مادام أنه لن يتبرأ من أخطائه في ممالك أخرى". وقال لوثر: "لقد انتهى كل ما بيننا وبين البابا كما انتهى ما بيننا وبين ربه، الشيطان"(22).
ووافق شارل، أو كاد، لأنه اتخذ زمام المبادرة من البابا في أبريل عام 1540، ودعا زعماء الكاثوليك والبروتستانت في ألمانيا إلى الاجتماع في "ندوة مسيحية"، ليبحثوا مرة أخرى عن تسوية سلمية لخلافاتهم. وكتب قاصد رسولي:"ما لم يتدخل البابا بطريقة حاسمة، فإن ألمانيا بأسرها سوف تسقط في براثن البروتستانت". وفي مؤتمر تمهيدي بورمس دار
جدال طويل بين إيك وميلانكتنون، انتهى إلى أن الكاثوليك، الذين كانوا يرفضون من قبل التفاهم، قبلوا على سبيل التجربة المبادئ، التي تدل على رحابة الصدر، والتي صيغت في إقرار أوجسبورج (23)، وتشجع شارل فاستدعى جماعتين إلى راتيسبون (رجنزبورج)، وهناك عقدا اجتماعاً تحت رئاسته (5 أبريل - 22 مايو عام 1542)، وتقاربت آراؤهما إلى أقصى حد، للوصول إلى تسوية، وكان بول الثالث على استعداد للسلام، وكان كبير مندوبيه الكاردينال جابارو كونتاريني رجلاً حسن النية وعلى خلق رفيع. أما الإمبراطور فقد أزعجته تهديدات فرنسا واستغاثة فرديناند به، لمعاونته على صد الأتراك، الذين عادوا إلى الإغارة عليه، ولهذا كان تواقاً جداً إلى عقد الاتفاق المنشود، إلى حد أن الكثيرين من زعماء الكاثوليك ارتابوا في أن له ميولاً بروتستانتية. وتلاقت آراء المشتركين في المؤتمر وانتهت إلى السماح بزواج رجال الدين، وتناول القربان بالأسلوبين المعروفين، ولكن ما كان لأي شعوذة أن تجد في الحال صيغة تؤكد وتنفي في الوقت نفسه رئاسة البابوات الدينية والتجسيد في القربان المقدس، ولم يجد كونتاريني تفكهه في سؤال وجهه إليه بروتستانتي عما إذا كان الفأر الذي يقرض قطعة سقطت من القربان المقدس، يأكل الخبز أم الرب (24)، وفشل المؤتمر، لكن شارل قطع على نفسه عهداً موقوتاً للبروتستانت، وهو يخف للحرب، بعدم اتخاذ أي إجراء ضدهم لتمسكهم بالعقائد المنصوص عليها في إقرار أوجسبورج، أو لاحتفاظهم "بأملاك الكنيسة المصادرة".
وفي خلال هذه السنوات التي اشتد فيها الجدال وازداد، كانت العقيدة الجديدة قد أنشأت كنيسة جديدة، وأطلقت على نفسها اسم الكنيسة الإنجيلية بناء على اقتراح من لوثر. وكان أصلاً قد ناضل في سبيل تحقيق ديمقراطية كهنوتية. تنتخب فيها كل طائفة من المصلين قسيسها الخاص، وتحدد ما تقوم به من شعائر، وما تعتنقه من عقيدة، ولكن اعتماده المتزايد على الأمراء اضطره إلى التسليم بهذه الامتيازات للبعثات التي عينتها الدولة، وتعد مسئولة عنها.
وفي عام 1525 أصدر جون الأمير المختار لساكسونيا أمراً لجميع الكنائس الواقعة في دائرة دوقيته بأداء الصلاة وفق المذهب الإنجيلي، كما صاغه ميلانكتون بالاتفاق مع لوثر، وكل مَن يرفض الامتثال لهذا الأمر من القساوسة يفق مستحقاته، وينفى العلمانيون المتشبثون بآرائهم بعد فترة يمهلون فيها (25). وحذا حذوه أمراء آخرون من أنصار لوثر واتخذوا إجراء مماثلاً. وكتب لوثر في خمس صفحات Kleiner Katechismus، ويتألف من الوصايا العشر، التي وردت في عقيدة الرسل، وتفسيرات موجزة لكل وصية، وكان من الممكن أن يعد نصاً محافظاً جداً، يعود إلى القرون الأربعة الأولى للمسيحية.
كان القساوسة الجدد بوجه عام رجالاً يتصفون بالأخلاق الحميدة متضلعين في الكتاب المقدس، لا يعبأون بالتضلع في علوم الإنسانيات، ويكرسون حياتهم لأداء واجباتهم في أبرشياتهم. وروعيت إقامة الصلوات يوم الأحد، كما كانت تقام يوم السبت عند اليهود، وهنا رضي لوثر باتباع التقاليد، أكثر مما راعى ما ورد في الكتاب المقدس، واحتفظت "عبادة الرب" بكثير من شعائر الكاثوليك - المذبح والصليب والشموع والثياب الكهنوتية وأجزاء من القداس باللغة الألمانية، ولكن الموعظة حظيت باهتمام كبير، لتلعب دوراً أعظم، ولم تكن هناك صلوات تقام للعذراء والقديسين، ونبذت الصور والتماثيل الدينية، وتحولت عمارة الكنيسة، بحيث تتيح للعابدين سماع الواعظ بسهولة، وأصبحت الأروقة معلماً مألوفاً في الكنائس البروتستانتية. ومن أجمل ما استحدث المشاركة الفعلية لجماعة المصلين في عزف الموسيقى، التي تصحب أداء الشعيرة، فحتى صاحب الصوت النشاز يتوق للاشتراك في التراتيل، وفي وسع كل صاحب صوت الآن أن يسمع نفسه في شغف، دون أن يخشى أن يتعرف عليه أحد في هذا الجمع الحاشد. وأصبح لوثر شاعراً بين عشية وضحاها، وكتب أناشيد تعليمية، يتخللها الحوار، وتثير الاهتمام، وتتسم
بالقوة والجزالة، وتنبض بالرجولة، التي تتميز بها شخصيته، ولم يكتفِ العابدون بترتيل هذه الأناشيد وغيرها من أمثالها البروتستانتية، وإنما دعوا إلى إجراء تجارب عليها في غضون الأسبوع، ورتلتها عائلات كثيرة في البيوت. وقال أحد رجال الدين من اليسوعيين الذين أزعجهم هذا الأمر "إن أناشيد لوثر قضت على الأرواح (أخرجتها من دينها) أكثر مما فعلت عظاته"(26)، وارتقت الموسيقى البروتستانتية لتنافس التصوير الكاثوليكي في عصر النهضة.
3 - أسد فيتنبرج
1536 -
46
لم يشترك لوثر مباشرة في المؤتمرات السلمية في سنوات الأفول هذه، وأصبح الأمراء لا المشتغلون باللاهوت زعماء البروتستانت وقتذاك، لأن مواضيع النزاع كانت تدور حول الملكية والسلطان، أكثر مما تدور حول العقيدة والشعيرة. ولم يخلق لوثر للمفاوضة، وكان قد تقدم في السن، فلم يعد قادراً على الكفاح بأسلحة أخرى غير العلم. ووصفه رسول بابوي عام 1535، بأنه مازال قوياً، يميل إلى المزاح (كان أول سؤال وجهه إلي هو هل سمعت الخبر، الذي يتردد في إيطاليا، وهو أني سكير ألماني)(27)، ولكن هيكله المديد كان مأوى لكثير من الأمراض - سوء هضم وأرق ودوار ومغص وحصوات في الكليتين ودمامل في الأذنين وقرحات وداء النقرس وروماتزم وعرق النسا وخفقان في القلب. واعتاد أن يجرع الخمر ليخدر إحساسه بالالم، ويستعين بها على النوم، وجرب جرعات من عقاقير وصفها له الأطباء، وعكف على الصلاة ضجراً، واشتدت عليه الأسقام، وخيل إليه في عام 1537 أنه سيموت متأثراً بداء الحصوة، فأصدر إنذاراً نهائياً للرب قال فيه:"إذا استمر هذا الألم يعصرني أكثر من هذا فإني سوف أجن وأعجز عن إدراك رحمتك"(28). وكان مزاجه المتدهور يعكس، بعض الشيء، ما يقاسيه من آلام. وانصرف
أصدقاؤه عنه، يوماً بعد يوم، لأنه كما وصفه أحد مريديه في حزن:"كان من الصعب على أحدنا أن يفلت من غضبه واقتصاصه منه علناً"، وكان ميلانكتون المعروف بالصبر يتلوى ألماً، لكثرة ما يلقى من إذلال على يد صنمه، الذي صنعه دون أن يصقله، ومما يؤثر على لوثر أنه قال أما أوكيولامباديوس وكالفن
…
والهراطقة الآخرون فهم قلوب فاسدة، ذلك لأن الشيطان احتواهم من الباطن والظاهر، ومن الرأس إلى القدم، ولهم ألسنة لا تنطق إلا كذباً" (29).
ولكم حاول جاهداً أن يتوخى الاعتدال في رسالته "عن المجالس والكنائس"(1539)، وشبه الوعود البابوية المتكررة وتأجيل عقد مجلس عام أكثر من مرة بإثارة حفيظة حيوان جائع، وذلك بتقديم الطعام له ثم انتزاعه منه واستعرض تاريخاً ارتكز على المصالحة، وذلك بصورة تنم على علم غزير، وسجل أن عدة مجالس كهنوتية كانت قد دعيت إلى الانعقاد، ورأسها أباطرة - وفي هذا تلميح لشارل، وأعرب عن شكه في أن يقوم أي مجلس، دعاه البابا إلى الانعقاد، بإصلاح المحكمة الرومانية، وقبل إقرار حضور البروتستانت في مجلس للكنيسة "يجب أولاً أن ندين أسقف روما، باعتباره طاغية، وأن نحرق كل منشوراته ومراسيمه"(30).
وتوحي آراؤه السياسية في السنوات الأخيرة من عمره بأن السكوت من ذهب حقاً بعد سن الستين. وقد كان طوال حياته من المحافظين في السياسة، حتى عندما اتضح أنه يشجع على قيام ثورة اجتماعية. وكانت ثورته الدينية موجهة إلى ممارسة الشعيرة، أكثر مما وجهت إلى المبادئ النظرية، فقد اعترض على الثمن الفادح الذي يدفع مقابل الحصول على صكوك الغفران، واعترض فيما بعد على استبداد البابوات. ولكنه قبل إلى آخر لحظة من حياته أشق العقائد في مسيحية المحافظين - الثالوث وولادة العذراء والتكفير عن الخطايا وحضور المسيح بجسده في القربان المقدس
والجحيم - وجعل بعض هذه العقائد تبدو مستساغة في نظر الناس أكثر من ذي قبل. وكان يزدري العامة من الناس، وما كان أحراه بعد ذلك أن يصحح خطأ لينكولن الشهير في عدم الاكتراث بالعامة، إن السيد "الجمهور" في حاجة إلى حكومة قوية، حتى لا يطلق الناس غرائزهم الهمجية من عقالها، ويتبدد السلام، وتبور التجارة
…
لا حاجة لأن يعتقد أحد أن العالم يمكن أن يحكم دون إراقة الدماء
…
إن العالم لا يمكن أن يحكم بمسبحة" (31)، ولكن عندما تفقد حكومة المسبحات سلطانها، فمن الواجب أن تحل مكانها حكومة تعتمد على حد السيف. وعلى هذا كان لزاماً على لوثر أن ينقل إلى الدولة معظم ما كانت تنعم به الكنيسة من سلطة. ومن ثم فقد دافع عن الحق الإلهي للملوك، وفي هذا يقول: "إن اليد التي تدير السيف الدنيوي ليست يداً بشرية وإنما هي يد الرب. والرب (32)، لا الإنسان، هو الذي يشنق، ويحطم الضلوع على دولاب التعذيب، ويقطع الرؤوس بالمقصلة، ويجلد بالسياط. والرب أيضاً هو الذي يشهر الحرب". وفي هذا التمجيد للدولة، كما هو الحال الآن، نجد أن المنبع الوحيد للنظام يضع بذور فلسفات هوبز وهيجل الاستبدادية، وهو نذير بقيام ألمانيا الإمبراطوريّة. ولقد وجد هنري الرابع في لوثر ما يؤيد إحضار هيلدبراند إلى مدينة كانوسا.
وعندما تقدم لوثر في السن أصبح محافظاً أكثر من الأمراء أنفسهم، وأقر الإكراه البدني على العمل، والضرائب الإقطاعية الباهظة المفروضة على الفلاحين. وعندما أحس أحد البارونات بتأنيب ضميره طمأنه لوثر على أساس أن مثل هذه الأعباء الثقيلة، إذا لم تفرض على العامة، فإنهم سوف يشمخون بأنوفهم، إلى حد لا يطاق (33).
واستشهد بآيات من العهد القديم تبريراً للرق "الأغنام والماشية والعبيد والجواري كانت كلها ممتلكات يجوز لأصحابها أن يبيعوها كما يشاءون. ومن
الخير لو ظل هذا معمولاً به الآن، لأنه بدون هذا لا يمكن لامرئ أن يكره طبقة الرقيق على العمل، أو يروضها عليه" (34). "وعلى كل إنسان أن يقوم بواجبه في جلد، وأن يتخذ نهج الحياة الذي فرضه الله عليه"، "وفي وسع كل امرئ أن يعبد الله بان يبقى في وظيفته ومهنته، مهما كانت وضيعة وبسيطة". وقد أصبح هذا المفهوم عن الوظيفة دعامة لمذهب المحافظين في البلاد البروتستانتية.
وتسبب أمير كان نصيراً مخلصاً للقضية البروتستانتية، في خلق مشكلة معضلة للوثر عام 1539. فقد كان فيليب الهسي جندياً محارباً ومحباً عاشقاً ورجلاً حي الضمير في آن واحد. وكانت زوجته كريستين من (السافوية)، امرأة تفتقر إلى الوسامة، ولكنها مخلصة ولود. وتردد فيليب في أن يطلق زوجة كهذه تستحق التكريم، وكان يشتهي مرجريت السالية of Saale، التي لقيها، وهو في طور النقاهة من مرض الزهري (35)، وبعد أن اقترف جريمة الزنى فترة من الوقت، قرر أنه غارق في الإثم إلى أذنيه، ومن الواجب أن يمسك عن تناول العشاء الرباني. ولما كانت التجربة جد مزعجة، فقد أبدى رأيه إلى لوثر بأن الدين الجديد، الذي يعتمد على العهد القديم إلى حد كبير، يجب أن يسمح مثله بالزواج مرة أخرى. وهو أمر كانت عقوبته القانونية السائدة الإعدام. وفضلاً عن ذلك ألم يكن هذا أكثر لباقة مما أقدم عليه فرانسس الأول، من أن يرث العشيقات، وأكثر شفقة من الأعمال الهوجاء التي جنح إليها هنري الثامن في زيجاته؟ كان فيليب تواقاً للوصول إلى حل يعتمد على الإنجيل، حتى إنه أعلن أنه سوف يتخلى عن المعسكر الإمبراطوري، بل والبابوي، إذا لم يستطع علماء اللاهوت في فيتنبرج أن يتبينوا ضوء الكتاب المقدس. وكان لوثر على استعداد. والحق أنه كان قد فضل في رسالته "الأسر البابيلوني" الزواج مرة أخرى على الطلاق، وقد نصح بالزواج مرة أخرى باعتباره أفضل حل لمشكلة هنري الثامن (36). وكان الكثيرون من علماء اللاهوت في القرن السادس عشر منفتحي الأذهان بالنسبة لهذا الأمر (37)، أما ميلانكتون
فكان ينفر منه، إلا أنه اتفق أخيراً مع لوثر على أنه لا مفر من أن يعربا عن موافقتهما، ولكن يجب ألا يباح هذا للجمهور. ووافقت كرستين بدورها على شريطة أن يقوم فيليب بواجباته الزوجية نحوها أكثر من ذي قبل (38). وفي يوم 4 مارس عام 1540 تزوج فيليب رسمياً، وإن يكن ذلك سراً، من مرجريت، واعتبرها زوجة ثانية، وذلك بحضور ميلانكتون وبوسر. وما كان من اللاندجراف المعترف بالجميل إلا أن أرسل إلى لوثر حمل عربة من النبيذ على سبيل الهبة (39). وعندما تسرب نبأ الزواج أنكر لوثر أنه تم بموافقته، وكتب يقول:"إن لفظ نعم سراً يجب أن يظل لا علناً لصالح كنيسة المسيح"(40).
وخر ميلانكتون صريعاً بمرض خطير، ويبدو أنه كان يعاني من وخز الضمير والإحساس بالعار، وأمسك عن الطعام، إلى أن هدده لوثر بالحرمان من الغفران (41) وكتب لوثر يقول:"إن ميلانكتون شعر بحزن عميق بسبب هذه الفضيحة، أما أنا فإني ساكسوني صعب المراس، وفلاح صلب العود، وقد ازداد جلدي غلظاً إلى درجة تجعلني أستطيع أن أتحمل مثل هذه الأمور"(42). ومهما يكن من أمر فإن معظم الإنجيليين افتضحوا. وطرب الكاثوليك وتفكهوا، دون أن يعرفوا أن البابا كليمنت السابع نفسه، كان قد فكر في السماح لهنري الثامن بالزواج مرة أخرى (43). وأعلن فرديناند ملك النمسا أنه على الرغم من ميله القليل إلى العقيدة الجديدة، فإنه أصبح الآن يمقتها أشد المقت. وانتزع شارل الخامس من فيليب تعهداً بتأييده في جميع الانقسامات السياسية في المستقبل، وذلك مقابل عدم اضطهاده لفيليب.
وأصبح لوثر ناري الطبع كلما دنت منيته، فقد هاجم في عام 1545 "المؤمنون بأن القربان المقدس مجرد رمز" من أنصار زونجلى بعنف شديد، دفع ميلانكتون إلى أن يعرب عن أساه بسبب اتساع الهوة بين البروتستانت
في الجنوب والبروتستانت في الشمال. وعندما طلب الأمير المختار جون من لوثر أن يستأنف حملته ضد الاشتراك في مجلس يديره البابا مباشرة، دبج لوثر خطاباً مقذعاً بعنوان:"ضد البابوية في روما التي أسسها الشيطان"(1545) بدت فيها بوضوح نزعته إلى الطعن التي جاوزت الحد. وارتاع كل أصدقائه، ما عدا المصور لوكاس كراناش، الذي زين الكتاب برسوم محفورة على الخشب، تنطوي على هجاء مقذع، فأحدها يصور البابا ممتطياً ظهر خنزير، يبارك كومة من الروث، وأخرى تمثله هو وثلاثة من الكرادلة معلقين على مشانق، أما صورة الغلاف فتصور الحبر الأعظم جالساً فوق عرشه، تحيط به الشياطين ويتوج رأسه دلو "لجامع قمامة" وألهبت كلمة "شيطان" نص الخطاب
…
ووصف البابا بأنه "أعظم أب جهنمي" و "هذا الخنثى الروماني" و "البابا السدومي"، أما الكرادلة فقال عنهم أنهم "أولاد الشيطان الضالون
…
الحمير الجهلة
…
لكم يود المرء أن يصب عليهم لعنته، وأن تنقض عليهم صاعقة، تبيدهم، وأن يحرقوا في نار جهنم، وأن يصابوا بالطاعون والزهري والصرع والأسقربوط والجذام والجمرة وسائر الأمراض (44). ورفض مرة أخرى التسليم بالرأي القائل بان الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة منحة من البابوات، ورأى على النقيض أن الوقت قد حان لكي تبتلع الإمبراطوريّة الولايات البابوية:
فلتبدأوا الهجوم الآن أيها الإمبراطور والملك والأمراء والسادة، ولتنظروا مَن يبدأ معكم، إن الله لا يسعد الأيدي العاطلة. خذوا من بابا روما، أولاً وقبل كل شيء، رومانيا وأوربينو وبولونيا وكل ما يملك، باعتباره بابا، لأنه حصل على هذه البلاد بالأكاذيب والخداع، واختلسها وسرقها من الإمبراطوريّة بالكفر وعبادة الأوثان، في غير ما خجل، وداسها بقميه، ومن ثم دفع بأرواح لا تحصى إلى جهنم لتلقى جزاءها خالدة فيها
…
ومن ثم يجب أن يؤخذ البابا وكرادلته وكل طغمته من الدهماء، من عبدة
الأوثان، وأنصار قداسته البابوية، واعتبارهم كفرة، وانتزاع ألسنتهم من أقفيتهم، وشد وثاقهم في صفوف على المشانق (45).
ولعل الضعف قد بدأ يتسرب إلى ذهنه عندما كتب هذه الدعوة الصارخة إلى استخدام العنف. ولعل التسمم التدريجي للأعضاء الداخلية، بمرور الوقت وتناول الطعام والشراب، قد وصل إلى ذهنه وعطله عن التفكير. وأصبح لوثر في سني حياته الأخيرة بديناً إلى درجة مزعجة، بخدين متهدلين وذقن ملتو
…
وكان شعلة من النشاط، عملاقاً لا يهدأ، ويقول:"إذا استرحت فسوف يصيبني الوهن"(46)، أما الآن فقد تطرق إليه التعب ووصف نفسه (17 يناير عام 1546) بأنه "شيخ هرم مترهل متعب، لا يكترث لشيء، ليس له عين سليمة"(47). وكتب يقول: "لقد سئمت الحياة الدنيا وسئمت هي مني"(48) وعندما تمنت له الأميرة أرملة منتخب ساكسونيا أن يعيش أربعين عاماً أخرى رد عليها بقوله "سيدتي، إني لأتنازل عن فرصتي في دخول الجنة فهذا أحب إلي من أن أعيش أربعين عاماً أخرى"(49). وقال "إني لأضرع إلى الرب أن يبادر بالحضور ليحملني من هنا. ألا فليقبل بصفة خاصة مع اليوم الآخر، وعندئذ سوف أمد عنقي ويدوي الرعد وأرقد في سلام"(50). وظل حتى أخر نسمة من حياته تلوح له رؤى من الشيطان، وتراوده الشكوك بين آن وآخر في رسالته. وفي هذا يقول:"إن الشيطان يتعدى علي بالاعتراض بأن لساني أساء إلى الكثيرين، وأطلق سيلاً من الألفاظ الآثمة. وبهذا كثيراً ما يتركني في حيرة شديدة"(51). وكان في بعض الأحايين يتملكه اليأس من مستقبل البروتستانتية: "إن الصالحين من العباد يقلون يوماً بعد يوم" والطوائف والأحزاب (52) تزداد عدداً، وتتسع بينهما هوة الخلاف و "بعد وفاة ميلانكتون سوف تمر فترة انحلال يؤسف لها"(53) على العقيدة الجديدة. ولكن عندئذ عاودته شجاعته، وقال: "لقد أمسكت المسيح والبابوات من الآذان، ولهذا لن أزعج نفسي أكثر من ذلك، وعلى الرغم من أني حصرت نفسي
بين الباب والمفصلات، أن عودي يهصر هصراً، فإني لا أبالي بهذا الأمر، ولسوف يكابد المسيح ما كابدت" (54).
وبدأ وصيته بحروف كبيرة، بقوله:"إني معروف تماماً في السماء وعلى الأرض وفي الجحيم". وروت كيف أن "آثماً تعساً يستحق اللعنة، لقي من الرب العون لنشر إنجيل ابنه، وكيف أنه ظفر بالاعتراف به، أستاذاً للحق، يزدري الحرمان المفروض عليه من البابا والإمبراطور والملوك والأمراء والقساوسة، والكراهية من كل الشياطين" وانتهت بهذه العبارة: "لهذا السبب، ومن أجل تقرير هو أن شأني، أرجو أن يكفى الشاهد بخطي"، وأن يقال:"لقد كتب هذا الدكتور مارتن لوثر موثق الرب وشاهد إنجيله"(55)، ولم يراوده الشك قط في أن الرب كان في انتظاره للترحيب به.
وفي يناير عام 1546 سافر في شتاء قارص البرد إلى مسقط رأسه أيسليبين، ليحكم في نزاع، وبعث خلال تغيبه هناك برسائل شائقة إلى زوجته - منها الرسالة المؤرخة أول فبراير: أتمنى أن تجدي في المسيح السلام والبركة، وابعث إليكِ بحبي الضعيف العتيق المسكين. عزيزتي كاتي لقد كنت عليلاً وأنا في الطريق إلى أيسليبين، ولكن هذا إنما يرجع إلى خطئي، فقد هبت ريح صرصر عاتية من خلفي، واخترقت قلنسوتي فوق رأسي، فشعرت أن مخي قد تجمد واستحال إلى ثلج، وكان هذا حرياً بأن يعينني على ما يصيبني من دوار. أما الآن فأنا، ولله الحمد، بصحة جيدة، إلى الحد الذي يجعلني أشعر بميل شديد إلى الجميلات من النساء، فما بالكِ وأنا كيس ظريف. وليبارك الله (56).
وتناول عشاءه يوم 17 فبراير في مرح، وفي الصباح المبكر من اليوم التالي سقط مريضاً يعاني من آلام حادة في المعدة. ووهن جسده بسرعة، وأدرك أصدقاؤه، الذين تجمعوا إلى جانب فراشه، أنه يحتضر وسأله أحدهم "أيها الأب الجليل هل تقف راسخاً كالطود إلى جانب المسيح والعقيدة
التي بشرت بها؟ " فرد عليه قائلاً "نعم"، ثم أصيب بنوبة فالج، أفقدته النطق، ومات على أثرها (18 فبراير سنة 1546). ونقل الجثمان إلى فيتنبرج، ودفن في كنيسة القيصر، التي كان قد علق على بابها مقالاته منذ تسعة وعشرين عاماً.
كانت هذه السنوات من أخطر السنوات في التاريخ. وكان لوثر صوتها المدوي الذي يأخذ بمجامع القلوب، وكانت أخطاؤه عديدة، فقد كان يفتقر إلى تقدير الدور التاريخي، الذي لعبته الكنيسة في نشر المدنية في أوربا، وكان ينقصه فهم تعطش البشرية إلى أساطير رمزية، تجد فيها العزاء والسلوى، وكان يعوزه البر والإحسان، ليعدل في معاملته مع خصومه من الكاثوليك والبروتستانت. ولقد حرر اتباعه من بابا معصوم من الخطأ، ولكن في الوقت نفسه أخضعهم لكتاب منزه من الخطأ، مع أن تغيير البابوات أيسر من تغيير ذلك الكتاب. وتشبث بأكثر العقائد تشدداً في ديانة القرون الوسطى، وهي عقائد لا يمكن أن تصدق، بينما سمح بالقضاء على كل ما في تلك الديانة من جمال تقريباً في أساطيرها وفنها، وأورث ألمانيا مسيحية، ليست أصدق من القديمة، وهي أقل منها بهجة وساواناً، وإن كانت أكثر صدقاً وأشد إخلاصاً في القائمين بها. وكاد لوثر أن يصبح في تعصب محكمة التفتيش، بيد أن أقواله كانت أغلظ من أفعاله، وأدين بأنه كتب مقالات، انطوت على أقذع الألفاظ في تاريخ الأدب، وعلم ألمانيا كراهية لاهوتية صبغت أرضها بلون الحقد الأسود مائة عام عقب وفاته.
ومع ذلك فقد كانت أخطاؤه دعامة نجاحه، فقد كان بفطرته محباً للحرب، لأن الوقت كان يتطلب النزال، ولأن الشكلات التي هاجمها قد قاومت جميع الوسائل المؤدية إلى السلام قروناً طويلة. وقضى طوال حياته في معركة ضد الإحساس بالذنب، وضد الشيطان والبابا والإمبراطور وزونجلى، بل وضد الأصدقاء، الذين كان من الممكن أن يهدئوا من
ثورته، ويحولوها إلى احتجاج مهذب، يسمعه الناس في سماحة، ثم يضيع في غمرات النسيان. وماذا كان في وسع رجل أرحب منه صدراً أن يفعل، إذا ووجه بمثل هذه الصعاب وتلك القوى؟ ما من شك في أنه ليس في وسع رجل متضلع في الفلسفة ولا رجل له عقلية علمية، لا تؤمن إلا بشيء يثبت بالدليل، ولا رجل فطر على منح رواتب سخية لأعدائه، أن يقذف بمثل هذا التحدي، الذي هز العالم، أو أن يسير قدماً. بمثل هذا التصميم إلى هدفه، كما لو كانت هناك عصابة على عينيه. وإذا كان لاهوته، الذي يقول بحتمية القدر، منافياً للعقل والرأفة الإنسانية، كأي أسطورة أو معجزة في عقيدة أهل القرون الوسطى، فإنه أثر في قلوب الناس بهذه اللاعقلانية العاطفية، فالأمل والروع هما اللذان يدفعان الناس إلى الصلاة، وليس الدليل على أشياء يرونها بأعينهم.
ويبقى أن نذكر أنه حطم بضربات قبضته الخشنة كعكة العادات وصدفة السلطة، التي كانت قد سدت الطريق في وجه حركة الفكر الأوروبي. وإذا كنا نحكم على عظمة المرء بما له من نفوذ - وهذا أقل اختبار موضوعي في وسعنا أن نلجأ إليه - فإننا نستطيع أن نضع لوثر في مصاف كوبرنيقوس وفولتير وداروين، باعتبارهم من أقوى الشخصيات، التي ظهرت في العالم الحديث. ولقد كتب عنه أكثر مما كتب عن أي رجل آخر في العصر الحديث باستثناء شكسبير ونابليون. وكان تأثيره على الفلسفة بطيئاً وغير مباشر، ولقد أثر على يقينية fideism كانت وقومية فيخته ومذهب شوبنهاور في الإرادة واستسلام الروح الهيجلي للدولة، أما تأثيره على الأدب الألماني واللغة الألمانية، فكان حاسماً وشاملاً، كتأثير الإنجيل، الذي نشره الملك جيمس، على اللغة والآداب في إنجلترا. ولم يستشهد الناس بأقوال ألماني آخر بمثل هذه الكثرة، وهذا الولع. ولقد أثر هو وكارلشتادت وآخرون في خلق الإنسان الغربي، وعاداته التي درج عليها، بالتنصل من العزوبة المفروضة على رجال الدين، وبصبه في الحياة الدنيوية الطاقات التي كانت
قد صرفت إلى الزهد والرهبانية، أو إلى حياة الدعة والاسترخاء، أو إلى الورع. واخذ تأثيره يتقلص كلما انتشر
…
كان هائلاً في اسكنديناوة وعابرا في فرنسا، وانعدم بتأثير كافن في سكوتلاندة وإنجلترا وأمريكا، أما في ألمانيا فكان تأثيره فائقاً. ولم يقدر لمفكر أو كاتب آخر أن يكون له هذا التأثير العميق في العقلية الألمانية والشخصية الألمانية. كان أقوى شخصية في تاريخ ألمانيا، ولا شك أن مواطنيه من أهل الريف يحبونه حباً جماً، لأنه كان أشدهم جميعاً تعصباً لألمانيته.
4 - انتصار البروتستانتية
1542 -
55
ومات قبل عام من وقوع الكارثة، التي لاح للناس أنها قاضية لا محالة على البروتستانتية في ألمانيا.
وفي عام 1545 أكره شارل الخامس، الذي لقي العون من الجيوش اللوثرية، فرانسيس الأول على توقيع صلح كريبي. وعقد سليمان، وكان في حرب مع فارس، هدنة لمدة خمس سنوات مع الغرب. ووعد البابا بول الثالث أن يقدم إلى الإمبراطور 1. 100. 000 دوكات و12. 000 من جنود المشاة و 500 جواد، إذا تحول بكل قوته لمحاربة الهراطقة
…
وأحس شارل بأن في وسعه أن يحقق آخر الأمر أمله، وأن ينفذ سياسته. أن يسحق البروتستانتية، وأن يمنح مملكته عقيدة كاثوليكية موحدة، تدعم في رأيه حكومته وتسهل مهمتها. وكيف يكون إمبراطوراً بحق في ألمانيا، إذا استمر الأمراء البروتستانت في الاستهانة بسلطانه وعجز أن يملي عليهم الشروط التي يقبلون بموجبها تنصيبه إمبراطوراً؟ ولم يكن قد اتخذ البروتستانتية ديناً بصفة جدية، ولم تكن المنازعات بين لوثر وعلماء اللاهوت من الكاثوليك تعنيه قليلاً أو كثيراً، ولكن البروتستانتية باعتبارها لاهوت الأمراء المصلحين والمتحالفين ضده، وباعتبارها قوة سياسية، قادرة على تحديد مصير انتخاب الإمبراطور القادم، وبصفتها عقيدة كتاب الرسائل،
الذين وجهوا إليه هجاء متقعاً، وعقيدة للفنانين الذين رسموا له صوراً ساخرة، وعقيدة الوعاظ الذين لقبوه باسم ابن الشيطان (57) - كان في وسعه أن يتحمل هذا في صمت كئيب - أما الآن فإنه حر في أن يناضل من جديد خلال موسم سرعام ما ينقضي، وأن يصوغ مملكته، التي مزقتها الفوضى، في دولة واحدة، تؤمن بعقيدة واحدة، ولها قوة واحدة، واستقر رأيه على الحرب.
وحشد في مايو عام 1546 جيوشه الإسبانية والإيطالية والألمانية، والهولندية، واستدعى دوق ألفا أقدر قواده للوقوف بجانبه، وعندما أوفد إليه الأمراء البروتستانت نواباً عنهم إلى راتسبون للاستفسار عن معنى حركاته، رد عليهم قائلاً بأنه قد اعتزم أن يعيد ألمانيا إلى حظيرة الإمبراطوريّة. وفي أثناء انعقاد ذلك المؤتمر كسب إلى صفه أقدر قائد عسكري في ألمانيا، وهو الشاب الطموح الدوق موريس صاحب سكسونيا الألبرتينية، ووعد آل فوجر بتقديم العون المالي له، وأصدر البابا منشوراً يحرم فيه من الغفران كل مَن يقاوم شارل، ويعرض منح صكوك الغفران بلامقابل، لكل مَن يساعده في هذه الحرب المقدسة.
وأصدر شارل قراراً إمبراطورياً أعلن فيه حرمان الدوق جون صاحب ساكسونيا الأرنستية ولاندجراف فيليب الهسي، وأحل رعاياهما من الولاء لهما، وأقسم أن يستصفي أراضيهما وأموالهما. ولكي يفرق بين المعارضة أعلن أنه لن يتدخل في شئون البروتستانتية في أية منطقة، تكون قد استقرت فيها بصفة نهائية، وقدم أخوه فرديناند تعهداً مماثلاً لبوهيميا. وكان موريس مرتبطاً بالقضية بوعد صدر له بأن يحل محل جون كأمير مختار لساكسونيا. وتنازع الأمراء المختارون، في كولونيا وبراندنبرج، وكونت بالاتين، الخوف والأمل، أما أمير نورمبرج البروتستانتي فظل محايداً. وأدرك جون أمير ساكسونيا وفيليب الهسي وأمراء أنهالت وحكام مُدن أوجسبورج وستراسبورج وأولم أن الخطر لا يتهدد لاهوتهم فحسب،
ولكنه يتهدد أموالهم أيضاً، فعبأوا كل قواتهم، وحشدوا في ميدان القتال 57. 000 رجل.
ولكن عندما زحف جون وفيليب جنوباً يتحديان شارل، سار فرديناند شمالاً وغرباً للاستيلاء على دوقية جون، وانضم إليه موريس في غزو ساكسونيا الارنستية، لكي يساعد بشيء ما. وقدر جون عاقبة هذا الأمر، فهرع إلى الشمال للدفاع عن دوقيته، وقام بهذه المهمة خير قيام، ولكن في غضون ذلك بدأ جنود فيليب في الفرار من فرقهم، بسبب الامتناع عن دفع رواتبهم، وسارعت المُدن البروتستانتية تنشد السلام مع شارل، بعد أن أغرتها الوعود بالعدل في المعاملة، ولكنه أطلق حريتها بعد أن فرض عليها غرامات باهظة، حطمت العمود الفقري لماليتها، مقابل الحصول على حريتها، وكان شارل وقتذاك متفوقاً في السلاح، وفي الدبلوماسية على السواء. وكانت القوة الوحيدة التي وقفت في صف البروتستانت هي قوة البابا، إذا كان بول الثالث قد بدأ يخشى ما أحرزه الإمبراطور من نجاح عظيم، فإذا لم يبق من أمراء البروتستانت مَن يكبح جماح السلطة الإمبراطوريّة، فإن الأمور سوف تدين لها في شمال وجنوب إيطاليا على السواء، وسوف تحدق بالولايات البابوية وتبتلعها، وينتهي بها الأمر إلى أن تسيطر على البابوية سيطرة لا تقاوم. وفجأة (يناير سنة 1547) أصدر بول الثالث أوامره للجيوش البابوية، التي كانت تحارب مع شارل. بالتخلي عنه والعودة إلى إيطاليا، فأطاعت الأمر في اغتباط، ووجد البابا نفسه يطرب كأي هرطيق لانتصارات الأمير المختار جون في ساكسونيا، ولكن شارل كان مصمماً على أن يصل بالحملة إلى نهايتها الحاسمة، فزحف نحو الشمال، والتقى بقوات الأمير المختار المنهكة في ميلبرج، على مدينة مايسين، وقضى عليها قضاء مبرماً (24 أبريل 1547) وأسر جون. وطالب فرديناند بإعدام الأمير الباسل، غير أن شارل الذكي وافق على أن يخفف الحكم
إلى السجن مدى الحياة، إذا فتحت فيتنبرج أبوابها له، فخضعت المدينة لأمره، وهكذا سقطت عاصمة البروتستانتية الألمانية في أيدي الكاثوليك، بينما كان لوثر يرقد في هدوء تحت صفائح بارزة في كنيسة القصر.
وأقنع موريس أمير ساكسونيا وجواكيم أمير براندنبرج، فيليب الهسي بالتسليم ووعداه بأن يطلق سراحه فوراً. ولم يكن شارل قد قطع على نفسه مثل هذا العهد، وكان أقصى ما وصلت إليه رحابة صدره أن يعد فيليب بإطلاق سراحه بعد خمسة عشر عاماً. ويبدو أنه لم يبق هناك أحد يتحدى الإمبراطور المظفر، إذ كان هنري الثامن قد مات في يوم 28 يناير، ومات فرانسيس الأول يوم 31 مارس. ومنذ عهد شارلمان لم تكن قوة الإمبراطوريّة عظيمة إلى هذا الحد.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن. فقد اجتمع الأمراء الألمان في مجلس نيابي آخر في أوجسبورج (سبتمبر سنة 1547)، وقاوموا جهود شارل لدعم انتصاره العسكري، وتحويله إلى حكم مطلق شرعي. واتهمه بول الثالث بالتغاضي عن مقتل بيير لويجي فارنيزي، الابن غير الشرعي للبابا، وانقلبت بافاريا ضد الإمبراطور، وكانت دائماً موالية للكنيسة. وتكونت من جديد أغلبية بروتستانتية بين الأمراء، وانتزعوا من شارل موافقة مؤقتة على زواج رجال الكهنوت، ومناولة القربان بالطريقتين المعروفتين، واحتفاظ البروتستانت بأملاك الكنيسة (1548). وتميز البابا غضباً من دعوى الإمبراطور أن له السلطة في أن يصدر أحكاماً، في مثل هذه الأمور. وتهامس الكاثوليك بأن شارل كان يهتم في مد رقعة إمبراطوريته، وتعزيز سلطان آل هايسبورج، أكثر من اهتمامه باستعادة العقيدة الخالصة الوحيدة. ووجد موريس وقتذاك الأمير المختار لساكسونيا نفسه في فيتنبرج يعد بروتستانتياً ومنتصراً، ومكروها إلى حد خطير وسط قوم من البروتستانت المغلوبين على أمرهم، وكانت خيانته قد سممت ما فاز به من سلطان. وتجاهل شارل ما وجهه إليه من نداءات لإطلاق سراح اللاندجراف. وبدأ
يتساءل هل اختار الفريق الأحسن، وانضم سراً إلى الأمراء البروتستانت، ووقع معهم معاهدة شامبورد (يناير 1525)، وفيها وعد هنري الثاني ملك فرنسا بتقديم العون لطرد شارل من ألمانيا. وفي الوقت الذي غزا فيه هنري اللورين، واستولى على ميتز وتول وفردون، زحف موريس وحلفاؤه من البروتستانت جنوباً على رأس جيش قوامه 30. 000 رجل. وسرح شارل جنوده، دون أن يقدر العواقب، مستنداً إلى أكاليل الغار التي توجت رأسه في أنزبروك، ولم يكن أمامه وقتذاك ما يدافع به إلا الدبلوماسية. ولقد أثبت موريس تفوقه في هذه اللعبة التي تحتاج إلى الدهاء، واقترح فرديناند عقد هدنة، وأطال موريس المفاوضات مستخدماً كل ما أوتي من لباقة، وفي غضون ذلك أخذ يتقدم نحو أنزبروك. وفي يوم 9 مايو انتقل شارل بصعوبة فوق محفة، يصحبه بضع نفر من أتباعه، تحت المطر والجليد، متسربلاً بظلام الليل. وعبر ممر برينر إلى فيلاخ في كازنثيا. وهكذا حولت ضربة واحدة من ضربات الحظ سيد أوربا إلى شريد، يعاني من آلام النقرس، ويرتجف في جبال الألب.
والتقى موريس والبروتستانت الظافرون يوم 26 مايو بفرديناند وبعض زعماء الكاثوليك في باساو. ووافق شارل، بعد فترة شعر فيها بضآلة شأنه، على أن يوقع فرديناند معاهدة (20 أغسطس 1552) يطلق بموجبها صراع فيليب، وتنص على تسريح الجيوش البروتستانتية، وأن يتمتع البروتستانت والكاثوليك على السواء بحرية العبادة إلى أن يجتمع مجلس نيابي جديد، وإذا فشل هذا المجلس في الوصول إلى تسوية مقبولة، فإن حرية العبادة هذه تستمر إلى الأبد. وهي عبارة محببة في المعاهدات. وهكذا بدأ موريس بالخيانة، وارتفع إلى مصاف رجل السياسة المظفرين، وقدر له أن يموت وشيكاً (1553) من أجل بلده بالغاً من العمر ثلاثين عاماً، في معركة وقعت بينه وبين ألبرخت السيبياديس، الذي كان قد حول نصف ألمانيا إلى منطقة تسودها فوضى خطيرة بالنسبة للجميع.
وعندما يئس شارل من الوصول إلى حل لمشكلاته في ألمانيا، تحول نحو الغرب ليجدد صراعه مع فرنسا. ورأس فرديناند، متذرعاً بالصبر، المجلس النيابي التاريخي في أوجسبورج (5 فبراير - 25 سبتمبر 1555)، وهو المجلس الذي منح ألمانيا أخيراً سلاماً دام نصف قرن. ورأى أن المبدأ الإقليمي، الذي ينص على حرية الدوقات، كان قوياً إلى الحد الذي لا يسمح فيه بمثل هذه السيادة المركزية المطلقة، التي فاز بها الملوك في فرنسا، وكان النواب الكاثوليك يمثلون الأغلبية في المجلس النيابي، غير أن البروتستانت كانوا يفوقونهم في القوة العسكرية، فتشبثوا بكل مادة وردت في إقرار أوجسبورج عام 1530، وتمسك الأمير المختار أوغسطوس، الذي خلف موريس في ساكسونيا، بوجهة نظر البروتستانت، وأدرك الكاثوليك أن عليهم أن يخضعوا، أو تتجدد الحرب، وحث شارل، وهو في خرف دبلوماسيته، الأمراء المختارين على تعيين ابنه فيليب خلفاً له في حمل اللقب الإمبراطوري. وخشي الكثالكة مطمع هذا الإسباني القاسي في حكمهم، ولما كان فرديناند يطمع في ارتقاء العرش نفسه فإن الأمل لم يراوده في أن يفوز به، دون أن يعاضده البروتستانت في المؤتمر الانتخابي.
وساعدت الأسلحة والظروف على رجحان كفة البروتستانت، فطالبوا بكل شيء: يجب أن يكونوا أحراراً في ممارسة عقيدتهم في كل أرجاء ألمانيا، وأن تحرم عبادة الكاثوليك في الأرض التي تسود فيها العقيدة اللوثرية، وأن تبقى صحيحة ولا تتعرض للإلغاء إجراءات تصفية أملاك الكنيسة في الحاضر والمستقبل على السواء (58). وتوصل فرديناند وأوغسطوس إلى اتفاق أرضى الطرفين يتلخص في هذه الكلمات الأربع المشهورة Cuius regio eius religio، وهي تجسم الضعف الروحي الذي انتاب الأمة والعصر. ولتحقيق السلام بين الولايات وفي داخلها، يجب على كل أمير أن يختار بين الكاثوليكية الرومانية، وبين اللوثرية، وعلى كل رعاياه أن يقبلوا اعتناق دينه السائد في دولته، وكل مَن لا يحب أن
يعتنق هذا الدين عليه أن يهاجر من الإقليم. ولم يظهر أي جانب ميلاً إلى التساهل والواقع أن المبدأ، الذي أيده الإصلاح الديني في فتوة ثورته - الحق في الحكم الخاص - رفضه رفضاً باتاً زعماء البروتستانت والكاثوليك على السواء. فقد أدى ذلك المبدأ إلى تعدد الطوائف واصطدامها، إلى درجة أن الأمراء شعروا بأن لديهم ما يبرر استعادة السلطة العقيدية، حتى لو انقسمت إلى أجزاء بقدر عدد الولايات. واتفق البروتستانت وقتذاك في الرأي مع شارل والبابوات بأن وحدة العقيدة الدينية لا غنى عنها للنظام الاجتماعي والسلام، وليس في وسعنا أن نحكم عليهم حكماً عادلاً، ما لم ينكشف لأنظارنا الحقد والشقاق اللذين كانا يمزقان ألمانيا، وكانت النتائج سيئة وحسنة في آن واحد. فالتسامح وقتذاك كان، بعد الإصلاح الديني، أقل قطعاً من قبله (59)، ومع ذلك فإن الأمراء أقصوا المنشقين بدلاً من أن يحرقوهم أحياء وهذه شعيرة كانت مقصورة على الساحرات. وأضعف مراكزهم جميعاً تضاعف ما نتج عن ذلك من دعاوى العصمة.
ولم يكن الانتصار الحقيقي في حرية العبادة، ولكن في الحرية التي أصبح ينعم بها الأمراء، فقد غدا كل منهم، مثل هنري الثامن ملك انجلترا، الرئيس الأعلى للكنيسة في إقليمه، وله الحق المطلق في أن يعين رجال الدين، الذين يحددون للناس العقيدة التي يتعين عليهم أن يعتنقوها. وكان المبدأ الأراستي
(1)
- وينص على أن الدولة يجب أن تحكم الكنيسة - قد استقر قطعاً. ولما كان الأمراء وليس علماء اللاهوت، هم الذين عملوا على انتصار البروتستانتية، فمن الطبيعي أن يجنوا ثمار هذا النصر - سيادتهم الإقليمية على الإمبراطور، وسيادتهم الكهنوتية على الكنيسة. كانت البروتستاتية هي القومية ممتدة إلى الدين، ولكن القومية لم تكن تعني قومية ألمانيا، بل كانت وطنية كل إمارة، ولم تتقدم ألمانيا خطوة نحو الوحدة، بل إن
(1)
أطلق على المبدأ هذا الاسم نسبة إلى توماس أراستوس عالم اللاهوت السويسري (1524 - 83) وإن كان لا يمكن العثور عليه صراحة في أعماله.
الثورة الدينية عاقت هذه الوحدة، وإن لم يكن من المؤكد أنها كانت نعمة وبركة. وعندما اختير فرديناند إمبراطوراً (1558) كانت سلطاته الإمبراطوريّة أقل من السلطات التي كان يتمتع بها حتى شارل المتعب المقيد. وترتب على هذا أن الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة لم تمت في عام 1806، وإنما ماتت في عام 1555.
وضاعت المُدن الألمانية، مثل الإمبراطوريّة، في غمار انتصار الأمراء. كانت المقاطعات الإمبراطوريّة تحت رعاية الإمبراطور، يحميها من سيطرة الحكام الإقليمية، أما الآن - بعد أن أصبح الإمبراطور عاجزاً، فقد صار الأمراء أحراراً في أن يتدخلوا في الشئون البلدية، وتضاءل استقلال. وفي غضون ذلك ابتلعت قوة هولندة النامية معظم التجارة، التي كانت تصب المنتجات الألمانية في بحر الشمال، عن طريق مصبات نهر الراين، وضعف شأن المُدن الجنوبية، بانحطاط تجارة البندقية والبحر الأبيض المتوسط نسبياً. وليس من شك في أن الإضعاف من شأن التجارة والسياسة يترتب عليه اضمحلال الثقافة ولم يتيسر للمُدن الألمانية، في مدى مائتي عام بعد ذلك، أن تتمتع مرة أخرى بحيوية التجارة والفكر التي سبقت عهد الإصلاح الديني وعدمته
…
وعاش ميلانكتون خمس سنوات بعد صلح أوجسبورج، ولم يكن واثقاً من أنه كان يريد الإمهال. كان قد عمر أكثر من زعيمه، لا في المفاوضات مع الكثالكة فحسب، ولكن في تحديد اللاهوت البروتستانتي. كان قد حرر نفسه من لوثر من جهة رفضه التسليم بحتمية القدر كلية، وحضور المسيح بجسده في القربان المقدس (60)، وجاهد في الحفاظ على أهمية الأعمال الصالحات، وإن كان قد أصر مع لوثر على أنها لا يمكن أن تحقق لصاحبها الخلاص. وثار جدل مرير بين (الفلبيين) - ميلانكتون وأتباعه - وبين اللوثريين المحافظين الذين انفجروا أساساً من ينا، وأطلق هؤلاء على ميلانكتون لقب "المملوك المارق" و "خادم الشيطان"، ووصفهم هو بأنهم
أغبياء سفسطائيون من عبدة الأوثان (61). وكان الأساتذة يعينون أو يفصلون، ويسجنون أو يطلق سراحهم، حسب مد وجزر الحمم اللاهوتية. واتفق الطرفان على أن يعلنا حق الدولة في قمع الهرطقة بالقوة. وحذا ميلانكتون حذو لوثر في إقرار العبودية والتمسك بالحق الإلهي للملوك (62)، ولكنه تمنى لو وضعت الحركة اللوثرية نصب عينيه حماية أرستقراطيات أوساط الناس، كما في زيورخ وشتراسبورج ونورمبورح وجنيف بدلاً من أن تأتلف مع الأمراء. وفي أكثر لحظاته دلالة تحدث مثل الأرازمي الذي كان يتطلع إلى أن يكونه:"فلنتحدث فقط عن الإنجيل وعن الضعف الإنساني وعن رحمة الله وعن تنظيم الكنيسة، وعن العبادة الحقة. أليس جوهر المسيحية أن تحقق الطمأنينة والهدوء للأرواح، وأن تهب لها قاعدة للعمل المستقيم، أما الباقي فإنه جدل وفلسفة كلامية ومنازعات طائفية"(63). وعندما دنت منيته رحب بالموت، باعتباره تحريراً لطيفاً من "غضب علماء اللاهوت"، ومن همجية "العصر السفسطائي"(64). والحق أن التاريخ قد أخطأ في اختياره للقادة روحاً تنزع بفطرتها إلى البحث والصداقة والسلام، وأجبرها على الدخول في حرب ثورية لم تخلق لها.
الفصل الحادي والعشرون
جون كالفن
(1509 - 1564)
1 -
شبابه
ولد في نويون بفرنسا يوم 10 يوليو عام 1509، وكانت مدينته لها طابع كنسي، يسيطر عليها أسقفها وكاتدرائيتها، وهناك في البداية وجد مثالاً من حكومة يسيطر عليها رجال الدين - حكم رجال الدين لمجتمع باسم الرب.
وكان أبوه جيرار شوفان سكرتيراً للاسقف، ووكيل أعمال في إدارة الكاتدرائية، ووكيلاً للمقاطعة يشرف على الأعمال المالية. وقد ماتت أم جان وهو لا يزال حدثاً، فتزوج أبوه للمرة الثانية، ولعل كالفن يدين بجانب من روحه القاتمة إلى ما عاناه من تربية صارمة على يد زوجة أبيه. ونذر جيرار ثلاثة من أبنائه للكهنوت، وهو على ثقة من أن في وسعه أن يجد لهم مناصب، وحصل لاثنين منهما على صدقات بيد أن واحداً منهم انقلب إلى هرطيق، ومات وهو يرفض تناول القربان المقدس. وحرم جيرار نفسه من الغفران بعد خلاف مالي مع إدارة الكاتدرائية، ولقي بعض المتاعب قبل أن يوسد جثمانه في الأرض المقدسة.
وأرسل جان إلى كلية دي مارش في جامعة باريس. وقيد نفسه باسم جوهانس كالفينوس، وحذق كتابة اللاتينية ببراعة فائقة، ونقل فيما بعد إلى كلية دي مونيجو، ولابد أنه سمع هناك أصداء تتردد عن تلميذها المشهور أرازموس، وظل هناك حتى عام 1528، وهو العام الذي التحق
بها صنوه الكاثوليكي أجناتيوس لويولا. ويقول أحد الثقاة من الكاثوليك "أن القصص التي رويت في وقت ما عن شباب كالفن الطائش، لا تستند إلى أساس"(1) والأمر على نقيض ذلك تماماً، فكل الدلائل تشير إلى أنه كان طالباً مثابراً خجولاً معتصماً بالصمت تقياً و "رقيباً صارماً في نقد أخلاقيات زملائه"(2)، ومع ذلك فإنه كان محبوباً من أصدقائه، الآن وفيما بعد، حباً خالصاً لا يتزعزع. وفي غمار السعي الحثيث للحصول على معرفة ما وراء الظاهر أو نظرية تفتن العقول، قرأ كثيراً في الليل، ولقد طور، حتى في تلك السنوات التي قضاها في طلب العلم، بعض الأوصاب الكثيرة التي انتابت حياته الناضجة، وساعدت على تكوين مزاجه.
وفي أواخر عام 1528 جاءه على غير انتظار توجيه من أبيه بأن يذهب إلى أورليانز، ويدرس القانون، ويظن كما قال الابن "لأنه رأى أن علم القوانين قد أدر على الذين حصلوه الثراء العريض"(3). وعكف كالفن في غبطة على الدراسة الجديدة، إذ خيل إليه أن القانون، وليس الفلسفة أو الأدب، هو أبرز نتاج فكري حققته البشرية، وأنه يصوغ نوازع الإنسان الفوضوية ويحولها إلى نظام وسلام.
ونقل إلى اللاهوت وعلم الأخلاق، منطق قوانين جستنيان ودقتها وصرامتها، وأطلق على خير مؤلفاته اسماً مماثلاً. واصبح، فوق أي شيء آخر، مشرعاً، وصار نوما وليكورجوس مدينة جنيف.
وبعد أن حصل على درجته في ليسانس أو بكالوريوس في القوانين، (1531)، عاد إلى باريس وعكف في نهم على دراسة الأدب الكلاسي، وأحس بالرغبة العارمة الشائعة ليرى لنفسه مؤلفاً مطبوعاً، فنشر (1532) مقالاً باللاتينية عن De clementin لسينيكا، وبدأ اشد المشرعين الدينيين صرامة حياته العملية العامة بتحية للرحمة، وأرسل نسخة إلى أرازموس،
حياه فيها باعتباره "المعلم الثاني في عالم المجد"(بعد شيشرون) و "أول إشراقة للآداب". وخيل للناس أنه وقف حياته على الإنسانيات عندما وصلته بعض عظات لوثر وأثارته بما انطوت عليه من جرأة. وكانت الدوائر الناشطة في باريس تناقش الحركة الجديدة، وليس من شك في أنه دار حديث طويل حول الراهب المتهور، الذي أحرق منشور البابا، وتحدى قرار إمبراطور بتحريم التعامل معه، والحق أنه قد سقط في سبيل البروتستانتية شهداء في فرنسا. وكان بعض الرجال الذين يبحثون عن إصلاح الكنيسة من بين أصدقاء كالفن، وكان أحدهم وهو جيرار روسل أثيراً لدا شقيقة الملك مرجريت دي نافار. واختير صديق آخر، وهو نيكولاس كوب، ليشغل منصب مدير الجامعة، ولعل كالفن كان له ضلع في إعداد الخطاب الافتتاحي المشئوم، الذي ألقاه كوب "أول نوفمبر سنة 1533). وقد بدأ الخطاب برجاء أرازمس لمسيحية مطهرة، واستطرد ليشرح نظرية لوثر في الخلاص عن طريق الإيمان والعفو، وانتهى بالتماس الإصغاء في تسامح للأفكار الدينية الجديدة. وأثار الخطاب حنقاً بالغاً، وانفجرت جامعة السوربون غضباً، وبدأ البرلمان في اتخاذ إجراءات ضد كوب بتهمة الهرطقة، ففر هارباً، وعرضت مكفأة قدرها ثلاثمائة كراون لمن يقبض عليه حياً أو ميتاً، ولكنه استطاع أن يصل إلى بازيل، وكانت وقتذاك تعتنق البروتستانتية.
وحذر الأصدقاء كالفن وأخبروه أن اسمه ادرج مع اسم روسل في قائمة المطلوبين للقبض عليهم، ويبدو أن مرجريت قد تشفعت له، فغادر باريس (يناير سنة 1534) ووجد ملاذاً له في أنجوليم، ولعله بدأ هناك، بمكتبة لوي دي تييه الغنية بما تضم من كتب قيمة، في كتابة مؤلفه Institutes، وفي مايو جازف بالعودة إلى ثويون، وتنازل عن روايته، التي كانت تدر عليه دخلاً يعول به نفسه. وهناك قبض عليه وأطلق سراحه، ثم أعيد القبض عليه، ثم أطلق سراحه مرة أرى. وعاد سراً
إلى باريس، وتحدث مع زعماء البروتستانت، والتقى بسير فيتوس، الذي قدر عليه أن يحرقه. وعندما وضع بعض المتطرفين من البروتستانت إعلانات ملصوقة مهينة في أماكن متفرقة من باريس، انتقم فرانسس الأول منهم بأن أمعن في اضطهادهم، وفر كالفن في الوقت المناسب (ديسمبر 1534)، وانضم إلى كوب في بازيل وهناك أتم، وهو شاب في السادسة والعشرين من عمره، عملاً يعد من أبلغ الأعمال في أدب الثورة الدينية، وأشدها حماسة، وأوضحها معنى، وأكثرها تمشياً مع المنطق، وأعظمها تأثيراً، وأشدها جميعاً إرهاباً.
2 - عالم اللاهوت
ونشر الكتاب باللغة اللاتينية (1536) باسم "مبادئ الدين المسيحي"، وفي خلال عام واحد نفد الكتاب، واستدعى الأمر إصدار طبعة جديدة، فاستجاب كالفن، وأعد نسخة مطولة (1539) باللاتينية أيضاً وترجمها إلى الفرنسية عام 1541. ويعد هذا الشكل من التأليف من أعظم ما أنتجته القرائح تأثيراً في النثر الفرنسي. وحرم برلمان باريس تداول الكتاب باللغتين كلتيهما، وأحرقت نسخ منه علناً في العاصمة، واستمر كالفن طوال حياته يعمل على إضافة فصول إلى هذا الكتاب وإعادة نشره، وبلغت عدد صفحاته 1118 في شكله النهائي.
واستهلت الطبعة الأولى من الكتاب بـ "مقدمة إلى أعظم ملك مسيحي لفرنسا" وهي مقدمة تفيض بالمشاعر، ولكن بأسلوب رصين. ووقع حادثان أتاحا فرصة الحوار مع فرانسس أولهما: الأمر الملكي الصادر في يناير عام 1535 ضد الفرنسيين البروتستانت، وثانيهما: الدعوة التي وجهها فرانسس في الوقت نفسه تقريباً لميلانكتون وبوسر، لكي يحضرا إلى فرنسا، ويرتبا تحالفاً بين الملكية الفرنسية وبين الأمراء اللوفريين ضد شارل الخامس. وكان كالفن يأمل في أن يوطد المأرب السياسي على دعامة
من الجدل اللاهوتي، وأن يعاون في استمالة الملك، ومثل أخته، إلى القضية البروتستانتية، وكان تواقاً إلى أن يفرق بين هذه القضية وحركة اللامعمدانيين، التي اقتربت وقتذاك من الشيوعية في منستر. ووصف المصلحين الدينيين الفرنسيين بأنهم وطنيون مخلصون للملك كارهون لكل اضطراب اقتصادي أو سياسي. وتكشف بداية ونهاية هذه المقدمة روعة أفكار كالفن وجزالة أسلوبه:
"عندما بدأت هذا العمل يا مولاي لم يكن هناك شيء أبعد من التفكير في تدبيج كتاب، يقدم فيما بعد إلى جلالتكم، وكنت لا اقصد إلا أن أطرح أمامكم بعض مبادئ أولية يستطيع بها المتسائلون عن أمور الدين أن يفقهوا طبيعة التقوى الصحيحة
…
ولكنني عندما أدركت أن غضب بعض الأشرار في مملكتكم قد اشتد، إلى حد يجعلهم لا يسمحون بوجود عقيدة صحيحة في البلاد، رأيت من الواجب أن يستفاد مني ولو في العمل نفسه
…
لقد عرضت اعترافي عليك، لكي تعلم طبيعة تلك العقيدة، التي يستهدفها هذا الغضب، الذي لا يعرف حدوداً، والذي يعتمل في صدور هؤلاء المجانين، الذين يزعجون البلاد بالسيف والنار، ومن أجل ذلك فأنا لا أخشى التسليم بأن هذه الرسالة تحتوي على ملخص لتلك العقيدة ذاتها، والتي يستحق مَن يعتنقها، طبقاً لما أثاروه حولها من دعاوى، أن يعاقب بالسجن والنفي وإهدار الدم والتحريق وبإبادته من على ظهر الأرض. وإني لأعلم جيداً الدسائس الأثيمة، التي ملئوا بها أذنيك، لكي تبدو قضيتنا بغيضة جداً في نظرك، ولكن حلمك كفيل بأن يهديك إلى التفكير في أنه إذا كان الاتهام يكفي دليلاً على الذنب، فهو القضاء على كل براءة في الأقوال والأفعال
…
وأنت نفسك يا مولاي تستطيع أن تتبين الوشايات الزائفة، التي كانت تطرق أذنيك عنها (قضيتنا)، وهي تفتضح كل يوم، إن ما تصبو إليه فحسب إنما هو إنتزاع صولجانات الملوك من أيديهم، هدم جميع المحاكم
…
وتقويض دعائم النظام بأسره، وقلب
الحكومة، وتعكير صفو السلام والأمن بين الناس، وإلغاء جميع القوانين، وتبديد جميع الأموال الممتلكات، وباختصار جعل كل شيء في حالة اضطراب شامل.
ولهذا أتوسل إليك يا مولاي - وهو بالتأكيد طلب معقول - أن تأخذ على عاتقك الفهم الكامل لهذه القضية، التي أثيرت حتى الآن بصورة مبلبلة، وبلا اكتراث، وبلا سند من القانون، وبدافع من العاطفة الهوجاء أكثر من أي دعامة قانونية. ولا يذهبن بك الظن إلى أني أفكر الآن في إعداد دفاعي عن نفسي، لكي أضمن لنفسي عودة آمنة إلى وطني الحبيب، فأنا، على الرغم مما أكنه له من حب ينبغي على كل إنسان أن يحس به نحوه، لن أندم أبداً، في الظروف الحالية، على انتقالي منه. ولكي أدافع عن القضية أمام كل المتدينين، وبالتالي أمام المسيح نفسه، هل يحتمل أن نفكر في تقويض دعائم الممالك، نحن الذين لم يسمعنا أحد نفوه بكلمة واحدة تثير الفتنة
…
نحن الذين عرفنا طوال حياتنا أننا نعيش حياة هادئة مستقيمة عندما كنا نعيش تحت حكمك، نحن الذين لم نكف، حتى في منفانا الآن، عن الصلاة لك بالنجاح ولمملكتك بالرخاء
…
ثم إننا لن ننتفع إلا قليلاً بالإنجيل بفضل الله، ولكن حياتنا يمكن أن تكون مثالاً يحتذى لمن نددوا بعفتنا وكرمنا ورأفتنا وعزوفنا عن المنكر وصبرنا وتواضعنا وكل فضيلة أخرى هنا
…
وعلى الرغم من بغضك لنا ونفورك منا، بل وغضبك علينا، فإننا لا نيأس أبداً من استعادة عطفك، لو قرأت بهدوء واطمئنان إقرارنا هذا، الذي نعتزم تقديمه إلى جلالتكم، كدفاع لنا
…
ولكن إذا كانت أذناك مشغولتين عن النقيض بسماع همسات الحاقدين، التي لا تدع فرصة للمتهمين للدفاع عن أنفسهم، وإذا استمرت تلك العقبات الهوجاء في اضطهادنا بالسجن والتنكيل والتعذيب ومصادرة الأموال والحرق،
وتغاضيك عن ذلك، فإننا سوف نغلب على أمرنا حقاً إلى أقصى حد، ونكون مثل قطيع من الأغنام، يساق إلى الذبح. ومع ذلك هل لنا أن نحتفظ في صبر بأرواحنا، وننتظر أن تمتد إلينا يد الرب القوية
…
لإنقاذ الفقراء من غمهم، ولمعاقبة المستخفين بهم، الذين يبتهجون الآن في أمن واطمئنان تام. وإني لأدعو الرب ملك الملوك أن يوطد عرشك بالعدل والتقوى، وأن ينتشر في مملكتك القسط والإنصاف" (4).
وليس من اليسير علينا، في عصر أسلم فيه اللاهوت مكانه للسياسة، باعتبارها مركزاً لاهتمام بني الإنسان والصراع بينهم، أن نتذكر المزاج الذي ألف به كالفن كتابه القوانين. لقد كان رجلاً هائماً في حب الله - أكثر من سبينوزا، وكان شعور بضآلة الإنسان وعظمة الله.
وكم يكون الأمر منافياً للعقل أن نفترض أن العقل الواهي لهذا السوس، الذي لا يكاد يرى بالعين المجردة، وهو الانسان، يستطيع أن يدرك العقل المفكر الذي يحكم هذه النجوم الطيعة التي لا تحصى؟ وأن الله، رأفة بعقل الإنسان، قد اظهر لنا نفسه في الكتاب المقدس، وثبت أن هذا الكتاب المقدس هو كلمة الله، (كما يقول كالفن) بما له من سلطان لا نظير له على روح الإنسان.
"إقرأ لديموستين أو شيشرون، وإقرأ لأفلاطون أو أرسطو أو لغيرهم ممن هم في مستواهم، وأنا كفيل بأن ما تقرأه من مؤلفاتهم سوف يجتذبك، ويشرح صدرك، ويحرك شغاف قلبك، ويخلب لبك بطريقة مدهشة، ولكن إذا تحولت بعد قراءتها إلى تلاوة الكتاب المقدس، سواء كنت راغباً أو غير راغب، فإنه سوف يستولي عليك بقوة عظيمة، وينفذ إلى قلبك، ويطبع كلماته بقوة في ذهنك، إلى الحد الذي لو قارناه بما لتلك المصنفات من أثر قوي، فإن الجمال الذي يتسم به كلام البلغاء والفلاسفة يتبدد كله أو يكاد، ومن اليسير أن ندرك أن شيئاً إلهياً في الكتب المقدسة، يفوق بكثير أعظم ما أحرزه الإنسان في عالم الصناعة والزخرف"(5).
وعلى ذلك فإن هذه الكلمة التي نزلت علينا يجب أن تكون مرجعنا الاخير، لا في الدين والأخلاقيات فحسب، ولكن في التاريخ والسياسة وكل شيء أيضاً. يجب أن نتقبل قصة آدم وحواء لأننا نفسر، بعصيانهما أمر الله، الشر الذي فطر الإنسان عليه، وفقدانه لإرادته الحرة.
"إن عقل الإنسان لينفر كل النفور من عدل الله، حتى إنه ليدرك، ويرغب في، ويباشر كل شيء، يتسم بالزندقة الانحراف والخسة والدنس والفجور، وطمس على قلبه بسم الخطيئة فلم يعد يصدر عنه غلا ما هو فاسد خبيث، وإذا قام الناس في وقت من الأوقات بعمل يبدو طيباً في الظاهر، فإن العقل يظل دائماً متورطاً في النفاق والخداع، والقلب يظل عبداً لانحرافه الباطني"(6).
وأني لمخلوق فاسد إلى هذا الحد أن يستحق النعيم الأبدي في الفردوس؟ ليس في استطاعة واحد منا أن يحصل عليه مهما قدم من أعمال صالحات. حقاً أنه لا بأس بالأعمال الصالحات، ولكن موت ابن الرب الذي ضحى بنفسه في سبيل البشرية هو الذي يستطيع وحده أن يحقق للبشر الخلاص، وليس للناس أجمعين، لأن عدالة الرب تقتضي عذاب معظم البشر في نار جهنم. ولكن رحمته تعالى قد اختارت بعضنا للظفر بالنجاة، وقد وهب تعالى لهؤلاء إيماناً راسخاً بتكفير المسيح عن ذنوبهم، لأن القدّيس بولس قال:"لقد اختارنا الرب في نفسه قبل خلق العالم بأن علينا أن نكون أمامه أطهاراً، لا تشوبنا شائبة في الحب، وقدر علينا أن نتخذ لنا أبناء، كما اتخذ المسيح عيسى ابنا له بمشيئته"(7). وفسر كالفن هذا، كما فسره لوثر، فإن معناه أن الرب قد قرر بمشيئة حرة، لا تتوقف أبداً على ما نتمتع به من فضائل أو نتصف به من رذائل، وقبل خلقنا بوقت طويل، مَن منا يكتب له النجاة، ومَن يعذب في نار جهنم (8). ويجيب كالفن على السؤال الذي يتردد، وهو: "لماذا شاء الله النجاة لبعض الناس، والعذاب لآخرين، دون اعتبار لما قدموه من أعمال، بكلمات بولس: لأنه قال
لموسى إني أتغمد برحمتي مَن أشاء وأعفو عمن أشاء" (9). ويختم كالفن حديثه بقوله:
"وطبقاً لهذا نؤكد بأن الرب قدر بمشيئة أزلية لا تتبدل، مَن يكتب له الخلاص، ومَن يحكم عليه بالعذاب والهلاك، ونؤكد أن هذه المشيئة، فيما يختص بالاختيار، تقوم على رحمته، التي يتغمد بها مَن يشاء، دون اعتبار لما يستحقه الإنسان، ولكن الذين حكم عليهم بالعذاب في النار أغلق دونهم باب الحياة، بمقتضى حكم عادل لا سبيل إلى نقضه، ويدق على الفهم"(10).
بل إن خروج آدم وحواء من الجنة، وما ترتب عليه من نتائج بالنسبة للجنس البشري في رأي بولس "فرضته مشيئة الرب العجيبة"(11).
ويسلم كالفن بأن حتمية القدر تتنافى مع العقل، ولكنه يرد بقوله:"ليس من المعقول أن يتقاضى الإنسان هذه الأمور، التي قرر الرب أن يخفيها عنا في نفسه ويفلت من العقاب"(12). ومع ذلك فإنه يعترف بأنه يعترف لماذا يقرر الرب بصورة تحكمية مصير ملايين الأرواح منذ الأزل: "ذلك لكي يزيد من إعجابنا بمجده" بعرض قوته (13). ويوافق على أن هذا "حكم مروع""ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر أن الله عرف مصير الإنسان النهائي في المستقبل، قبل أن يخلقه، وأنه عرفه سلفاً، لأنه كان قد قضى به في حكمه"(14). وقد يجادل آخرون من أمثال لوثر بأن المستقبل قد تحدد، لأن الرب تنبأ به سلفاً وأن علمه بالغيب لا يمكن نفيه. أما كالفن فإنه يرى عكس ما تقدم، إذ أنه يعتقد أن الرب يتنبأ بالمستقبل، لأنه شاء هذا وقرره. والحكم بالعذاب الأبدي حكم مطلق، وليس هناك مطهر في لاهوت كالفن، وليس هناك منزل في منتصف الطريق، يستطيع الإنسان بعد أن يقضي فيه بضع ملايين من السنين، وهو يتعذب بالنار، أن يمحو بها سيئاته، وعلى هذا فلا محل للصلوات من أجل الموتى.
وقد يذهب بنا الظن إلى أنه لا معنى لأداء أي نوع من الصلاة، وذلك بناء على افتراضات كالفن فما دام كل شيء قد تحدد بحكم الله، فليس في وسع فيض من الابتهالات أن يمحو ذرة واحدة من قدر الإنسان المحتوم. ومهما يكن من شيء، فإن كالفن أكثر إنسانية من لاهوته، فهو يقول لنا: فلنصل بتواضع وإيمان، ولسوف يتقبل الله صلواتنا، فالصلاة وتقبلها قد سبقا في حكمه أيضاً. ولنعبد الله بأداء صلوات دينية متواضعة، ولكن يجب علينا ألا ننبذ القداس، ونعتبره ادعاء من القساوسة، ينتهكون به الحرمات بتحويل مواد دنيوية إلى جسد المسيح ودمه، والحق أن المسيح موجود في القربان المقدس بروحه لا بجسده، وعبادة رقاقة الخبز المقدسة، بدعوى أن المسيح يحل فيها بجسده، هي وثنية محضة. واستخدام الصور المنقوشة للرب انتهاك صارخ للوصية الثانية، وتشجيع على عبادة الأوثان، ويجب إزالة كل الصور والتماثيل الدينية، بل والصليب من الكنائس.
والكنيسة الحقة هي جمهور المصلين غير المنظور من الصفوة، الأموات أو الأحياء أو الذين سيولدون. وتتكون الكنيسة المنظورة، من كل الذين "يعترفون معنا بنفس الرب والمسيح"(15)، باعتناق عقيدة، وبحياة مثالية، وبالاشتراك في مراسم التعميد والعشاء الرباني "يرفض كالفن التسليم بالمراسم الأخرى".
وليس هناك خلاص (16) خارج نطاق هذه الكنيسة. والدولة والكنيسة مقدستان، وقد خلقهما الله، لكي يعملا في انسجام كالروح والجسد، لمجتمع مسيحي واحد: وعلى الكنيسة أن تضع القواعد، التي تنتظم كل التفاصيل الخاصة بالعقيدة والعبادة والأخلاق، وعلى الدولة أن تدعم هذه القواعد (17)، باعتبارها ذراع الكنيسة الطبيعي، ويجب على السلطات الزمنية أن تكون على بصر من أن "عبادة الأوثان"(وهي ترادف إلى حد كبير الكاثوليكية في العزف البروتستانتي) و "فضائح أخرى تمس الدين يجب
ألا تعرض وتنشر علناً بين الناس"، وأن كلمة الله الطاهرة هي الوحيدة التي يجب أن يتعلمها ويتلقاها الناس (18). والحكومة المثالية هي حكومة رجال الدين، ويجب أن نعترف بالكنيسة التي تؤمن بالإصلاح الديني، باعتبارها صوت الله.
وجدد كالفن جميع ادعاءات البابا بسيادة الكنيسة على الدولة، وطالب بها لكنيسته.
ومما يلفت النظر مدى ما بقي من تقاليد الرومان الكاثوليك وآرائهم في لاهوت كالفن، فهو مدين بعض الشيء لفلسفة الرواقيين، وبخاصة سينيكا، وبشيء لدراساته في القانون، ولكنه اعتمد بصفة خاصة على القدّيس أوغسطين، الذي استخلص القول بالجبر من القدّيس بولس، الذي لم يعرف المسيح. وتجاهل كالفن بشدة، مفهوم المسيح عن الرب بأنه أب محب رحيم، ومر في هدوء على عدد كبير من آيات الكتاب المقدس، التي افترضت حرية الإنسان في صياغة مصيره (2 إصحاح بطرس 3: 9، 1 إصحاح تيموثاوس 2: 4، 1 إصحاح يوحنا 2: 2، 4: 14 الخ).
ولك تكن عبقرية كالفن تكمن في أنه يأتي بأفكار جديدة، ولكن في تطوير آراء مَن سبقوه إلى نتائج منطقية هدامة، والتعبير عن هذه النتائج ببلاغة، تضارع بلاغة أوغسطين، وبصياغة تضميناته العملية بمنهج، يقوم على التشريع الكهنوتي. وأخذ من لوثر عقيدة التبرير أو الاختيار بالإيمان، ومن زونجلى التفسير الروحي للقربان المقدس، ومن بوسر الآراء المتناقضة عن مشيئة الله، باعتبارها سبباً لكل ما يحدث، والحاجة إلى ورع عملي قوي، باعتباره امتحاناً وشاهداً على الاختيار. ووصلت معظم تلك العقائد في صيغة أخف إلى التراث الكاثوليكي، وأضفى عليها كالفن أهمية شديدة، ولم يعبأ بالعناصر المعوضة المخففة في عقيدة القرون الوسطى.
كان أقرب إلى القرون الوسطى من أي مفكر بين أوغسطين ودانتي. ورفض رفضاً باتاً قبول انشغال علماء الإنسانيات بأفضلية الدنيا، وحول أفكار الناس من جديد إلى العالم الآخر، بصورة كئيبة أكثر من قبل، وأنكر الإصلاح الديني في مذهب كالفن من جديد "النهضة".
وليس من شك أن لاهوتاً غير جذاب مثل هذا، يحرز رضا مئات الملايين من الناس، في سويسرة وفرنسا وسكوتلندة وإنجلترا وأمريكا الشمالية، يبدو لأول نظرة سراً غامضاً، ثم يبدو نوعاً من التجلي. ترى لماذا حارب الكالفينيون والهوجنوت والمتطهرون (البيوريتان) بمثل هذه الجرأة دفاعاً عن عجزهم؟ ولماذا أسهمت هذه النظرية الخاصة بعجز البشر في تكوين بعض الشخصيات، التي تعد من أقوى الشخصيات في التاريخ؟ فهل حدث هذا لأن هؤلاء المؤمنين اكتسبوا، من الاعتقاد بأنهم الصفوة القليلة، قوة تفوق ما فقدوه منها، بالتسليم بأن سلوكهم ليس له نصيب في تحديد مصيرهم؟ وكان كالفن نفسه خجولاً وقوي العزم في الوقت نفسه، وكان واثقاً من أنه ينتمي إلى الصفوة، ووجد في هذا عزاء وسلوى، إلى الحد الذي دفعه إلى أن يجد "الحكم المروع" للجبر "أمراً يؤدي إلى أبهج فائدة" (19): وهل أسعد بعض مَن اصطفوا أنفسهم أن يتدبروا في أن فئة قليلة كتب لها الخلاص، وأن الكثرة الغالبة قدر عليها العذاب؟ وليس من شك في أن الاعتقاد بأن الله قد اصطفاهم منح كثيراً من الأرواح الشجاعة لمواجهة تقلبات الحياة، والضرب فيها على غير هدى، إلى غير ما هدف ظاهر، مثل ما مكنت عقيدة مماثلة الشعب اليهودي من صيانة نفسه، وسط محن كانت كفيلة لأن تهدم إرادة الحياة. حقاً أن فكرة كالفن هي اختيار الله لبعض الناس قد يكون مديناً بها للصيغة اليهودية في لعقيدة، كما تدين البروتستانتية بالكثير للعهد القديم بصفة عامة. ولابد أن الثقة في الاختيار الإلهي كانت درعاً يبث الشجاعة في قلوب الهوجنت، لتحمل
آلام الحرب والمذابح، وفي قلوب الحجاج وهم يجازفون بأنفسهم، بحثاً عن أوطان جديدة على شواطئ معادية.
وإذا استطاع خاطئ مقوم أن يتشبث بهذه الثقة، واستطاع أن يؤمن بأن تقويمه قد هيأه له الله، فإن في وسعه أن يقف راسخاً كالطود إلى النهاية. وقد رفع كالفن من قدر هذا الإحساس بالاعتزاز بالاختيار، بأن جعل الصفوة، سواء كانت معدمة أم لا، أرستقراطية وراثية: فأبناء الصفوة يصبحون بمشيئة الله (20) من الصفوة، بطريقة آلية. وهكذا استطاع المرء بعمل بسيط من أعمال الإيمان بالنفس، ولو كان هذا بالتصور، أن ينال الفردوس وأن ينفذ إليها. ولمثل هذه النعم الخالدة كان أي اعتراف بالعجز صفقة رابحة.
وكان أتباع كالفن في حاجة إلى مثل هذا العزاء، لأنه علمهم وجهة النظر السائدة في القرون الوسطى، والتي تذهب إلى أن الحياة الدنيا ليس إلا وادياً للبؤس والدموع، ورحب في اغتباط بـ "تصحيح رأيهم الذي اعتبر أن أعظم نعمة ألا يولد المرء، وأن أعظم نعمة بعدها أن يموت فوراً، كما أنه لم يكن هناك شيء يتنافى مع العقل في سلوك هؤلاء الذين كانوا ينوحون ويبكون عند ولادة أقربائهم، ويبتهجون في وقار عند تشييع جنازاتهم"، ولم يأسف إلا لأن هؤلاء المتشائمين العقلاء، وهم في الغالب الأعم وثنيون جهلة بالمسيح، قد حكم عليهم بالخلود في نار جهنم (21). وكان ثمة شيء واحد يجعل الحياة محتملة - الأمل في سعادة مطردة بعد الموت، وقال:"إذا كانت السماء بلدنا فما الأرض سوى منفى؟ وأليست الدنيا لحداً، إذا كان الرحيل عن هذا العالم معبراً إلى الحياة؟ "(22) وعلى النقيض من صورة كالفن الشعرية نجد أنه يقدم أبلغ ما سطر من صفحات، لا في وصف تخيلات الجحيم، ولكن في الحديث عن جمال السماء.
ولسوف تعاني الصفوة التقية، دون أن تجأر بالشكوى، كل ما في
الحياة من آلام وأشجان، "لأنهم سوف يضعون نصب أعينهم، ذلك اليوم الذي يستقبل فيه الرب عباده المخلصين في مملكته الوادعة، ويجفف كل دمعة تتساقط من عيونهم، ويكسوهم بثياب الفرح، ويزينهم بتيجان المجد، ويؤانسهم بمباهج، لا يمكن التعبير عنها، ويرفعهم إلى درجة الزمالة لجلالته، ويدعوهم إلى
…
المشاركة في سعادته" (23). ولعل هذا كان اعتقاداً لا غنى عنه للفقراء أو التعساء الذين ينتشرون في بقاع الأرض.
3 - جنيف وستراسبورج
1536 -
41
بينما كان كتاب "القوانين" في المطبعة (مارس 1536)، قام كالفن برحلة سريعة عبر جبال الألب إلى فرارا، وذلك متابعة لتقليد مرعى بصفة عامة، وإن لم ينعقد الإجماع على الخضوع له (24). ولعله ذهب إلى هناك ليطلب من الدوقة البروتستانتية رينيه، زوجة الدوق أركول الثاني، وابنة المرحوم لويس الثاني عشر، أن تمد يد العون إلى البروتستانت المضطهدين في فرنسا. وعينته مرشداً روحياً لها، مدفوعة بقوة معتقداته الدينية، وذلك عن طريق رسائل تفيض بالاحترام المتبادل، ظلت موصولة حتى وفاته. وعاد كالفن إلى بازيل في مايو، وجازف بالذهاب إلى نويون ليبيع شيئاً من أملاكه، ثم انطلق مع أخيه وأخته إلى ستراسبورج. وتوقفوا لبعض الوقت في جنيف، لأن الطريق كانت مغلقة بسبب الحرب (يوليو 1536).
وكانت عاصمة سويسرة الفرنسية اقدم من التاريخ نفسه
…
كانت في عصور ما قبل التاريخ مجموعة من مآوى البحيرات، شيدت فوق أكوام، لا يزال بعضها يرى حتى اليوم. وكانت في عهد يوليوس قيصر ملتقى لطرق التجارة عند الجسر، الذي يخرج عنده نهر الرون مندفعاً من بحيرة ليمان، ليضرب في فرنسا بحثاً عن البحر الأبيض المتوسط. وخضعت جنيف في العصور الوسطى لحكم أسقفها الروحي والدنيوي على السواء. وكان الأسقف
تختاره عادة إدارة الكاتدرائية، التي أصبحت لذلك السبب قوة لها وزنها في المدينة، وتلك كانت بالضرورة الحكومة التي أعدها كالفن فيما بعد، في الشكل الذي يساير المذهب البروتستانتي. وتحرر دوقات سافوي، التي كانت تقع خلف جبال الألب مباشرة، من سيطرة إدارة الكاتدرائية في القرن الخامس عشر، وقروا إلى منصب الأسقفية الرجال الذين أفادت منهم دوقية سافوي، وأسلموا أنفسهم إلى ملذات الحياة الدنيا خوفاً من ألا يكون هناك عالم آخر. وفسدت الحكومة الأسقفية، التي قدر لها أن تكون يوماً من أحسن الحكومات، كما انحدرت أخلاق رجال الدين، الذين يعملون تحت أمرتها. ووافق أحد القساوسة على تنفيذ أمر صدر له بطرد محظيته، بشرط أن يتجرد زملاؤه من رجال الدين مثله من نخوتهم، ورجحت كفة النخوة (25).
وفي نطاق هذا الحكم الكهنوتي الدوقي، كونت العائلات الكبرى بجنيف مجلساً من ستين عضواً، لإصدار القوانين البلدية، واختار المجلس أربعة من المأمورين لتنفيذ هذه القوانين، وكان المجلس يجتمع عادة في مقر الأسقف لكاتدرائية القدّيس بطرس، ولم يكن هناك خط فاصل بين الاختصاص الديني والاختصاص المدني، فبينما كان الأسقف يسك النقود ويقود الجيش، كان المجلس يضع الضوابط التي تحكم الأخلاق، ويصدر قرارات الحرمان، ويرخص للبغايا بالعمل. وكما جرى العرف في ترير وماينز وكولونيا، كان الأسقف أيضاً أميراً من أمراء الإمبراطوريّة الرومانية المقدسة، ومن الطبيعي أنه أخذ على عاتقه القيام بوظائف، يجد الأسقف نفسه في حل منها الآن. وسعى بعض الزعماء المدنيين، برئاسة فرانسوا دي بونيفار، إلى تحرير المدينة من نير السلطة الأسقفية والسلطة الدوقية معاً. وعقد هؤلاء الوطنيون حلفاً بين فرايبورج الكاثوليكية وبرن البروتستانتية لدعم هذه الحركة. وأطلق على المنضمين لهذا الحلف الإصلاح الألماني Eidgenossen أي رفقاء القسم وهو لفظ معناه المتحالفون، وحرفه
الفرنسيون إلى "هوجنت". ولما أن حل عام 1520 حتى أصبح زعماء مدينة جنيف من رجال الأعمال في الغالب الأعم، لأنها كانت على النقيض من فيتنبرج مدينة تجارية، تتوسط في التجارة بين سويسرة في الشمال وإيطاليا في الجنوب وفرنسا في الغرب. وألف الأوساط من أهالي مدينة جنيف مجلساً أكبر، يتكون من مائتي عضو، واختار هؤلاء مجلساً أصغر يتكون من خمسة وعشرين عضواً، وهو المجلس الذي أصبح الحاكم الحقيقي للبلدية، وكان يزدري سلطة الأسقف وسلطة الدوق على السواء. وأعلن الأسقف أن المدينة في حالة تمرد، واستدعى الفرق الدوقية لمساعدته، فما كان من هذه الفرق إلى أن استولت على بونيفار، وسجنته في قصر شيلون، وخف جيش مدينة برن إلى نجدة مدينة جنيف المحاصرة، وهزمت قوات الدوق، وتشتت شملها، وفر الأسقف إلى أنيسي، وتحرر بطل الشاعر بيرون من غياهب سجنه. وغضب المجلس الأكبر من مساعدة رجال الدين لدوقية سافوي، فأعلن عقيدة الإصلاح الديني، وتولى اختصاص رجال الدين وولاية السلطة المدنية في المدينة (1536)، قبل وصول كالفن بشهرين.
وكان البطل العقيدي لهذه الثورة هو وليام فاريل. وكان مثل لوثر، ورعاً جداً في شبابه. وأقبل إلى باريس متأثراً بجاك ليفيفر ديتابل، الذي أزعجت ترجمته للكتاب المقدس وتفسيره له تزمت فاريل، لأنه لم يجد أي أثر في نصوص الكتاب المقدس للبابوات والأساقفة وصكوك الغفران والمطهر والشعائر السبع والقداس والعزوبة المفروضة على رجال الكهنوت وعبادة مريم أو القديسين. وأنف من رسالة رجال الكهنوت، فانطلق يجول من مدينة إلى مدينة في فرنسا وسويسرة، بصفته واعظاً مستقلاً، وكان ضيئل القامة ضعيف البنية جهوري الصوت قوي الروح، له عينان متقدتان تبرقان في وجهه الشاحب، ولحية حمراء كاللهب، وندد بالبابا ووصفه بأنه خصم للمسيحية، كما ندد بالقداس، واعتبره انتهاكاً للحرمات المقدسة، وبأيقونات الكنيسة باعتبارها من الأوثان، التي يجب أن تحطم، وبدأ عام
1532 الوعظ في جنيف، وقبض عليه عملاء الأسقف، الذي رأى أن يلقى "الكلب اللوثري" في نهر الرون، فتوسط المأمورون وهرب فاريل، بعد أن أصيب ببضع سحجات في رأسه، وتلوثت سترته بشيء من البصاق. وكسب إلى صفه مجلس الخمسة والعشرين، وأثار بمساعدة فينر فيريه وأنطوان فرومان الناس، ونال الكثير من التأييد الشعبي، مما دفع كل رجال الدين الكثالكة تقريباً إلى الرحيل. وأصدر المجلس الصغير يوم 12 مايو عام 1536 مرسوماً بإلغاء القداس، وإزالة كل التماثيل ومخلفات القديسين من الكنائس، وحولت ممتلكات الكنيسة للوفاء باحتياجات البروتستانت الدينية، وإلى وجوه البر والتعليم، وجعل التعليم إجبارياً وبالمجان، وسيطر نظام أخلاقي صارم سيطرة القانون.
ودعي المواطنون لأن يقسموا على الولاء للإنجيل، أما الذين رفضوا حضور الصلوات طبقاً لمبادئ الإصلاح الديني فقد نفوا من البلاد. تلك هي جنيف التي أقبل إليها كالفن.
وكان فاريل وقتذاك في السابعة والأربعين من عمره، وعلى الرغم من أنه قدر عليه أن يعيش عاماً بعد كالفن، فإنه رأى في الشاب الصارم الفصيح، الذي يصغره بعشرين عاماً، الرجل الذي تشتد الحاجة إليه لدعم الإصلاح الديني ودفع عجلته إلى الأمام. وكان كالفن متردداً، إذ كان قد رسم لنفسه حياة، يقضيها في البحث العلمي والكتابة، وكان يحس بالطمأنينة مع الله أكثر مما يحس بها مع الناس، ولكن فاريل، بطلعته التي تشبه طلعة نبي راعد من أنبياء الإنجيل، هدد بأن يصب عليه لعنة الله، إذا آثر دراسته الخاصة على التبشير الصعب والخطير بالكلمة التي لم يتطرق إليها الوهن.
وأذعن كالفن، ووافق المجلس ومشيخية الكنيسة، وبدأ خدمته الدينية، دون التقيد بأي رسامة أخرى - بأن ألقى في كنيسة القدّيس بطرس
أول خطبه العديدة عن رسائل القدّيس بولس. وكان تأثير بولس في كل مكان، يدين بالروتيتانتية، اللهم إلا بين الطوائف المتطرفة من الناحية الاجتماعية، يحجب تأثير بطرس المؤسس الذائع الصيت لكرسي البابوية الروماني.
وفي أكتوبر سافر كالفن برفقة فاريل وفيريه إلى لوزان، واضطلع بدور صغير في الجدل الشهير الذي كسب المدينة إلى صف المعسكر البروتستانتي، ولدى العودة إلى جنيف شرع كهان أبرشية القدّيس بطرس، الكبار والصغار، في هداية أهالي جنيف لله. وتقبلوا بأخلاص الإنجيل، باعتباره تنزيلاً من لدن الله، وشعروا بأن عليهم التزاماً لا فكاك منه لدعم شريعته. وراعهم أن وجدوا أن كثيراً من الناس قد أسلموا أنفسهم للغناء والرقص وما أشبه من مظاهر الطرب، وفضلاً عن هذا فإن بعضهم كان يقامر أو يشرب إلى درجة السكر البين، أو يقارف الزنا.
وكان قسم بأكمله من المدينة تحتله بغايا، تحكمهن ملكة الماخور، وكان قبول هذا الموقف بالبشر من فاريل السريع الغضب، وكالفن الحي الضمير، بمثابة خيانة للرب.
وأصدر فاريل، "إقراراً بالعقيدة والنظام"، كما أصدر كالفن "عظة" سهلة الفهم، أقرها المجلس الكبير (نوفمبر سنة 1536)، لكي يستعيدا الأساس الديني لأخلاقيات مثمرة. وكان المواطنون الذين يصرون على مخالفة القانون الأخلاقي، يحرمون من الغفران، وينفون إلى خارج البلاد، وأصدر المجلس في يوليو عام 1537 أمراً لجميع المواطنين، بأن يذهبوا إلى كنيسة القدّيس بطرس، وأن يقسموا على الولاء لإقرار فاريل.
وكان أي مظهر ينم عن الكاثوليكية - مثل عمل مسبحة، أو الاعتزاز بإحدى المخلفات المقدسة، أو اعتبار عيد قديس يوماً مقدساً، يعرض مَن يبدر منه للعقاب. وسجنت النساء لارتدائهن قبعات غير لائقة. وكان بونيفار
جد سعيد، بما ينعم به من اباحية، ولكنه حذر بأن يمتنع عن ممارسة أساليبه الداعرة. وصفد المقامرون بالأغلال، وسيق مقترفوا الزنا في الشوارع إلى المنفى.
ولما كان أهالي جنيف قد تعودوا على الخضوع لحكم كنسي، كان يقوم على نظام أخلاقي، يتسم بالرفق، فرضته كاثوليكية خففت من شدتها الأقاليم الجنوبية، فإنهم قاوموا التحلل الجديد من الواجبات، ونظم الوطنيون، الذين حرروا المدينة من الأسقف والدوق، أنفسهم من جديد، لتحريرها من قساوستها المتزمتين، وانضمت طائفة أخرى تطالب بحرية الضمير والعبادة، ومن ثم أطلقت على نفسها اسم المتحررين أو الأحرار إلى الوطنيين والكاثوليك الذين يمارسون شعيرتهم في الخفاء، وحصل هذا الائتلاف في انتخابات 3 فبراير عام 1538 على أغلبية في المجلس الكبير. وأبلغ المجلس الجديد القساوسة أن عليهم أن يبتعدوا عن السياسة، فندد كالفن وفاريل بالمجلس، ورفضا أن يناولا العشاء الرباني حتى تتواءم المدينة الثائرة مع النظام المرتكز على القسم، فما كان من المجلس إلا أن خلع كاهني الأبرشية (23 أبريل)، وأمرهما بمغادرة المدينة في خلال ثلاثة أيام. واحتفل الناس بطردهما وسط مظاهر التهليل والابتهاج (27). ولبى فاريل دعوة إلى نوبشاتل، وهناك ظل يقدم عظاته إلى آخر يوم في حياته (1565)، وأقيم هناك نصب تذكاري تخليداً لذكراه.
وذهب كالفن إلى شتراسبورج، وكانت وقتذاك مدينة حرة لا تخضع إلى الإمبراطور، وتدير شئونها الدينية كنيسة الغرباء، وجماعة المصلين فيها بروتستانت، جاءوا من فرنسا بصفة خاصة. ولكي يدبر أموره بمبلغ الاثنين وخمسين جيلدر (1. 300 دولار)؟، الذي كانت تدفعه له كل عام، باع مكتبته، وقبل عنده نزلاء من الطلبة. ووجد أن العزوبة لا تلائمه في موقفه هذا، فطلب من فاريل وبوسر أن يبحثا له عن زوجة،
وقدم لهما بياناً بالصفات التي ينشدها، وقال:"لست من هؤلاء العشاق المخبولين، الذين يفتتنهم وجه جميل لامرأة يتجاوزون أيضاً عن أخطائها، وها هو الجمال الذي يغريني - أن تكون عفيفة كريمة غير متأنقة، اقتصادية صبوراً حريصة على صحتي"(28).
وبعد أن قام بمحاولتين فاشلتين تزوج (1540) من إيديليت دي بور، وهي أرملة فقيرة لها سبعة أطفال، فأنجبت منه ابناً واحداً مات في سن الطفولة. وعندما قضت نحبها (1549) كتب يرثيها برقة خاصة كانت تغلفها قسوة الظاهرة. وعاش وحيداً في بيته الخمسة عشر عاماً المتبقية من حياته.
وبينما كان يشقى في شتراسبورج، تحركت الأحداث في جنيف. وتشجع الأسقف المنفي عندما علم بطرد فاريل وكالفن، ووضع خطة لعودة مظفرة إلى كاتدرائيته، وقام بخطوة مبدئية، فأقنع أيا كوبو سادوليتو بأن يكتب "رسالة إلى أهالي جنيف"، "يحثهم فيها على أن يستأنفوا عباداتهم، طبقاً للعقيدة الكاثوليكية"(1539). وكان سادوليتو رجلاً مهذباً يتمتع بخلق قويم، لم يعهده الناس في كاردينال أو عالم بالإنسانيات، وكان قد أشار من قبل على البابوية أن تعالج انشقاق البروتستانت برفق، واستقبل في مدينة كاربنتراس فيما بعد هراطقة والدانيين فارين من المذبحة، وأسبغ عليهم حمايته (1545)، وكتب رسالة باللاتينية رفيعة، تعلمها من بمبو المعصوم، وجهها إلى اخوته الأعزاء المحبوبين، حكام جنيف وشيوخها والمواطنين فيها، وتتألف الرسالة من عشرين صفحة، تحفل بالمجاملات الدبلوماسية والترغيب اللاهوتي، ولاحظ انقسام البروتستانت إلى طوائف متحاربة يتزعمها، كما يدعي، رجال ماكرون، يتشوقون إلى السلطة، وقارن هذا بوحدة الكنيسة الرومانية، التي دامت قروناً طويلة، وتساءل هل من المحتمل أن يكون الحق مع تلك الأحزاب المتعارضة أكثر منه مع عقيدة كاثوليكية أثمرتها خبرة عصور واحتشاد ذكاء المجالس
الكنسية. وختم رسالته بأن عرض على مدينة جنيف، أنه على استعداد للقيام بأية خدمة في مقدوره.
وشكره المجلس على تحيته له، ووعده بالمزيد من الاستجابة لمطالبه، بيد أنه لم يكن في جنيف أحد، يأخذ على عاتقه، أن يرفع السيف في وجه عالم الإنسانيات المهذب، أو يجاريه في لاتينيته. وفي غضون ذلك طلب عدد منم المواطنين أن يتحللوا من قسمهم، على أن يؤيدوا إقرار العقيدة والنظام، وخيل للناس فترة ما أن المدينة سوف تعود إلى اعتناق الكاثوليكية، وكان كالفن مدركاً للموقف فخف للرد على الكاردينال، وحشد كل ما يملك من طاقة ذهنية، وشرع قلمه للدفاع عن الإصلاح الديني. وواجه الدماثة باللطف، والبلاغة بالبلاغة، ولكنه لم يتنازل قيد أنملة عن أي مبدأ من مبادئ لاهوته، واحتج ضد إقحامه في النزاع، بدعوى أنه إنما ثار مدفوعاً بطموح شخصي، فقد كان في وسعه أن ينعم بالمزيد من الطمأنينة، لو ظل محافظاً على العقيدة. وسلم بأن الكنيسة الكاثوليكية تستند إلى أساس إلهي، ولكنه هاجمها، وقال إن مثالب بابوات عصر النهضة قد أثبتت استيلاء المناهض للمسيحية على عرش البابوية. واعترض على حكمة المجالس الكنسية بحكمة الكتاب المقدس، التي كان سادوليتو قد تجاهلها أو كاد، وأسف لأن فساد الكنيسة أدى إلى الانشقاق والانقسام، ولكن القضاء على الشرور لا يتم إلا على هذا النحو. وإذا ما تعاون الكثالكة والبروتيتانت الآن، لتطهير العقيدة والشعيرة والعاملين بكل الكنائس المسيحية، فإن جزاءهم وحدة أبدية في السماء مع المسيح. وكان خطاباً قوياً ولعله أغفل الفضائل العارضة لبابوات عصر النهضة، إلا أن عباراته صيغت بأسلوب رصين، لا يخلو من المجاملة، وهو أمر نادر في مناظرات هذا العهد.
وعندما اطلع عليه لوثر في فيتنبرج، رحب به على أساس أنه سيقضي تماماً على الكاردينال، وهتف قائلاً: "لشد ما يطربني أن يهيئ الله أناساً
…
ينهون الحرب، التي بدأتها ضد المناهض للمسيحية" (29). وتأثر
مجلس جنيف إلى حد أنه أمر بطبع الخطابين على نفقة المدينة (1540)، وبدأ يتساءل ما إذا كان، بنفيه كالفن، قد فقد أقدر رجل في الإصلاح الديني السويسري.
وغذت الشك عوامل أخرى، فقد برهن كاهنا الأبرشية، اللذان حلا محل فاريل وكالفن، على أنهما لا يصلحان للوعظ، ويفتقران إلى النظام. وفقد الجمهور احترامه لهما، وعاد إلى الأخلاق المنحلة، التي كانت سائدة في الأيام السابقة للإصلاح الديني، وتفشت المقامرة والسكر، واشتدت الحلبة في الشوارع، وانتشر الزنا، وكان الناس يرفعون عقائرهم علناً بالأغاني الداعرة، وانطلق أشخاص في الشوارع، عراة كما ولدتهم أمهاتهم (30). ولقد حكم بالإعدام على واحد من المأمورين الأربعة، الذين تزعموا حركة طرد فاريل وكالفن، وذلك لارتكابه جريمة قتل، وعلى آخر لارتكابه جريمة تزوير، وعلى ثالث بتهمة الخيانة للوطن، أما الرابع فقد مات، وهو يحاول الفرار من الاعتقال. ولابد أن رجال الأعمال، الذين كانوا يسيطرون على المجلس، قد ساءهم هذا الإخلال بالنظام، باعتباره معوقاً للتجارة. ولم يكن المجلس نفسه ميالاً إلى أن يحل محله أسقف، يستعيد سلطانه، وربما يصدر قراراً بحرمانهم من غفران الكنيسة. وهكذا خطرت فكرة دعوة كالفن لغالبية الأعضاء شيئاً فشيئاً. وفي يوم أول مايو ألغى المجلس قرار النفي، وأعلن أن فاريل وكالفن رجلان جديران بالاحترام. وأرسل مندوب إثر مندوب إلى شتراسبورج، لاقناع كالفن باستئناف عمله في الأبرشية بجنيف. وغفر فاريل للمدينة لأنها لم ترسل له دعوة مماثلة، وفي كرم نبيل انضم إلى المندوبين لحث كالفن على الدعوة. ولكن كالفن كان قد عرف كثيراً من الأصدقاء في شتراسبورج، وشعر بأن عليه التزامات هناك، ورأى أنه لن يجد أمامه في جنيف إلا الخصام، وقال:"ليس في العالم مكان أخشاه أكثر منها". ووافق على القيام بزيارة للمدينة فحسب. وعندما وصل إليها (13 سبتمبر سنة 1541) قوبل
بكثير من مظاهر التكريم، وقدمت له عشرات الاعتذارات، وبذلت له الكثير من الوعود بالتعاون معه في توطيد النظام، والعمل بالإنجيل فلم يطاوعه قلبه على الرفض، وكتب في 16 سبتمبر إلى فاريل يقول:"لقد تحققت أمنيتك. أنا هنا راسخ كالطود. واسأل الله أن يمنحنا بركته"(31).
4 - مدينة الله
كان سلوك كالفن في السنوات الأولى من دعوته، يتسم بالاعتدال والتواضع فكسب إلى صفه الجميع، إلا أقلية ضئيلة، وعين ثمانية من مساعدي القسس للعمل تحت رئاسته لتقويم الخدمة الدينية في كنيسة القدّيس بطرس وغيرها من كنائس المدينة، وكان يعمل مدة تتراوح بين اثنتي عشرة ساعة وثماني عشرة ساعة كل يوم، واعظاً ومديراً وأستاذاً للاهوت، ومشرفاً على الكنائس والمدارس، ومستشاراً للمجالس البلدية، وضابطاً للأخلاق العامة، ومنظماً للطقوس الدينية في الكنيسة. وعكف في غضون ذلك على إضافة فصول لكتابه "القوانين"، وكتب تعليقات على الكتاب المقدس، وحافظ على كتابة رسائل تأتي من حيث القيمة بعد رسائل أرازموس، وإن كانت تفوقها تأثيراً
…
ولم يكن ينام إلا قليلاً، ويأكل قليلاً، ويصوم كثيراً. وعجب خلفه وكاتب سيرته، تيودور دي ميز، كيف استطاع ذلك الرجل الضئيل الجسم، أن يحمل مثل هذا العبء الثقيل المتنوع.
وكان أول عمل قام به هو إعادة تنظيم الكنيسة، التي تناولها الإصلاح، وعين المجلس الصغير، بناء على طلبه، وعقب عودته لفترة قصيرة، لجنة من خمسة من رجال الدين، وستة من أعضاء المجلس، يرأسهم كالفن، لصياغة قانون كنسي جديد. وفي اليوم الثاني من يناير عام 1542 أجاز المجلس القوانين الكنسية، التي لا تزال الكنائس التي تناولها الإصلاح والمشيخية في أوربا وأمريكا تقبل معالمها الجوهرية. وقسمت الخدمة الدينية على كهان أبرشيات ومعلمين وشيوخ كنيسة من العلمانيين وشمامسة.
وألف كهان الأبرشيات في جنيف "الجماعة المبجلة"، التي حكمت الكنيسة، ودربت المرشحين للخدمة الدينية. ولم يسمح كذلك لأحد بالوعظ في جنيف، دون أن يخول ذلك من الجماعة، وكان الأمر يتطلب أيضاً موافقة مجلس المدينة وجماعة المصلين، إلا أن الرسامات الأسقفية - وتنصيب الأساقفة - كانت محظورة.
وأصبح القساوسة الجدد، تحت رئاسة كالفن، أقوى منهم في أي نظام للقساوسة عرف منذ عهد إسرائيل القديمة، وذلك في الوقت الذي لم يدعوا فيه قط أنهم وهبوا القوى الخارقة للقساوسة الكاثوليك، وعلى الرغم من أنهم أصدروا على أنفسهم حكماً بأنهم لا يصلحون للوظيفة المدنية. وقال كالفن إن القانون الحقيقي لدولة مسيحية يجب أن يكون هو الكتاب المقدس، وأن القساوسة هم المفسرون الحقيقيون لذلك القانون، وأن الحكومات المدنية يجب أن تخضع لهذا القانون، وأن تدعمه كما يفسره رجال الدين. ولعل الرجال المتمرسين في المجالس قد راودتهم بعض الشكوك، في هذه النقاط، ولكن يبدو أنهم شعروا بأن النظام الاجتماعي أجدى للاقتصاد، ومن هنا فإن بعض الدعاوى الكنسية يحسن أن تترك مؤقتاً دون اعتراض، والظاهر أن حكومة رجال الدين ظلت تسيطر على حكومة أقلية من التجار ورجال الأعمال خلال ربع قرن عجيب.
ومارس رجل الدين سلطتهم على حياة أهالي جنيف من خلال مجمع للكرادلة أو مشيخية مكونة من خمسة من كهنة الأبرشية وأثنى عشر شيخاً للكنيسة من العلمانيين، والجميع يختارهم المجلس.
وبينما كان كهنة الأبرشية يتمسكون بحقهم في المنصب، من خلال خدمتهم الدينية، وشيوخ الكنيسة يظلون في مناصبهم عاماً واحداً فقط، فإن مجمع الكرادلة كان يحكمه أعضاؤه من رجال الدين في أمور لا تمس الأعمال بصورة جوهرية. وأعطى لنفسه الحق في تنظيم العبادة الدينية وفرض السلوك الأخلاقي على كل ساكن، وأرسل قسيساً وشيخاً للكنيسة، لكي
يزورا سنوياً كل بيت وكل أسرة. وكان له الحق في استدعاء أي شخص للمثول أمامه، لاختباره، وكان في وسعه زجر الآثمين، أو حرمانهم من الغفران علناً، وكان يستطيع أن يعتمد على المجلس في أن ينفى عن المدينة من أصدر عليهم مجمع الكرادلة قراراً بالحرمان من غفران الكنيسة. وكان كالفن يقبض على زمام السلطة، باعتباره رئيساً لهذا المجمع. وكان صوته أقوى الأصوات تأثيراً في جنيف، من عام 1541 حتى وفاته في عام 1564. ولم يكن حكمه المطلق يستند إلى القانون أو القوة، ولكنه كان يعتمد على الإرادة والخلق. ولقد أضفت عليه قوة إيمانه برسالته، وكمال إخلاصه لواجباته، قوة لم يستطع أحد أن ينجح في معاومتها ولو أن هيلدبراند بعث من قبره لطرب أيما طرب لهذا الانتصار الواضح للكنيسة على الدولة.
وهكذا خول رجال الدين سلطات، أتاحت لهم أن ينظموا أولاً العبادات. "على جميع أفراد الأسرة أن يحضروا العظات يوم الأحد، ما عدا مَن يتركون في البيت، لرعاية الأطفال أو الماشية. وإذا كان ثمة وعظ في أيام الأسبوع، فعلى كل مَن يستطيع الحضور أن يجيء""كان كالفن يلقي عظاته ثلاث أو أربع مرات كل أسبوع""وإذا جاء أحد بعد ابتداء العظة فلينذر، وإذا لم يقوم نفسه، فليدفع غرامة قدرها ثلاثة فلسات"(32). وليس لأحد أن يعفى من أداء الصلوات البروتستانتية، بحجة أنه يعتنق عقيدة دينية مخالفة، أو خاصة، وكان كالفن مدققاً، مثل أي بابا، في رفضه الفردية في العقيدة. ولقد رفض أعظم مشرع للبروتستانتية ذلك المبدأ الخاص بالحكم الفردي، الذي كان الدين الجديد قد بدأه. كان قد رأى انقسام الإصلاح الديني إلى مائة طائفة، وعرف مسبقاً أكثر من هذا، وقرر ألا يسمح بوجود طائفة منها في جنيف. إن هناك هيئة من رجال الدين العلماء، تصوغ عقيدة رسمية، وعلى الذين لا يقبلون اعتناقها من أهالي جنيف، أن يبحثوا لهم من مواطن أخرى. وكان التغيب في إصرار عن حضور الصلوات البروتستانتية، أو الاستمرار في رفض تناول القربان المقدس، من الجرائم
التي يعاقب عليها القانون. وأصبحت الهرطقة من جديد إهانة للرب، وخيانة للدولة، وكل مَن تثبت عليه يعاقب بالإعدام. كما أصبحت الكاثوليكية التي بشرت بهذا الحكم على الهرطقة بدورها هرطقة.
وبين عامي 1542 و 1564 نفذ حكم الإعدام في ثمانية وخمسين شخصاً، ونفي ستة وسبعون، بسبب مخالفتهم للقانون الجديد. وكان السحر هنا كما في أي مكان آخر جريمة يعاقب من يزاوله بالإعدام، ولقد أرسل إلى سارية الإحراق في عام واحد، وبناء على ما أشار به مجمع الكرادلة، أربع عشرة سيدة، قيل أنهن من الساحرات، بتهمة إغرائهن للشيطان، بأن يصيب جنيف بوباء الطاعون (33).
ولم يميز مجمع الكرادلة إلا قليلاً بين الدين والأخلاق
…
كان السلوك الأخلاقي، ومثله في ذلك مثل العقيدة الدينية، يجب أن يلتزم بعناية، ذلك لأن حسن السلوك هو الهدف من العقيدة الصحيحة. وكان كالفن، وهو رجل حازم قوي المراس، يحلم بمجتمع يدين بنظام صارم، إلى حد تبرهن فضائله على لاهوته، وتجلل بالعار الكاثوليكية، التي أثمرت حياة الترف والانحلال في روما، أو تسامحت فيهما. ولابد أن يكون النظام العمود الفقري للشخصية، وأن يمكنها من أن ترقى بنفسها، من وحدة الفطرة البشرية، إلى استقامة الإنسان الذي قهر شهوات نفسه. يجب أن يكون رجال الدين قوة لغيرهم، بسلوكهم وبإدراكهم الحسي. ولهم أن يتزوجوا وأن ينجبوا، وعليهم أن يمتنعوا عن الصيد والمقامرة واللهو والتجارة وضروب التسلية الزمنية، وأن يقبلوا أن يقوم رؤساؤهم من رجال الكنيسة بجولة تفتيشية سنوية، وأن يتقصوا عن أخلاقهم.
ولتنظيم سلوك الجماهير أقيم نظام يعتمد على الزيارات المنزلية، يتلخص في أن أحد شيوخ الكنيسة أو غيره، كان يزور سنوياً كل بيت عين له في الحي، ويسأل السكان عن مراحل حياتهم كلها. وانضم مجمع الكرادلة
والمجلس إلى إقرار تحريم المقامرة ولعب الورق والتجديف والسكر والتردد على الحانات والرقص (الذي كان وقتذاك يعنف بالقبلات والأحضان)، والأغاني الماجنة أو الخارجة عن الدين، والإفراط في اللهو، والبذخ في العيش، والتبذل في اللبس. وحدد القانون اللون المسموح به في الملابس ومقدارها، وعدد الأطباق المسموح بها في الوجبة الواحدة. وكانت الحلي والمخرمات تقابل بالتجهم. وسجنت امرأة، لأنها صففت شعرها إلى ارتفاع يتنافى مع الأدب (34). واقتصرت الحفلات المسرحية على التمثيليات الدينية ثم منعت هذه أيضاً. وكان الأطفال لا يسمون بأسماء القديسين - الواردة في التقويم الكاثوليكي، ولكن فضل أن يطلق عليهم أسماء شخصيات، ذكرت في العهد القديم، واشتغل والد عنيد أربعة أيام في السجن، لأنه أصر على تسمية ابنه كلود بدلاً من أبراهام (35). وفرضت الرقابة على المطبوعات، طبقاً لسوابق كاثوليكية وعلمانية، وتوسع فيها (1560): فقد حظر تداول كتب تتناول عقيدة دينية خاطئة، أولها نزعة تتنافى مع الخلق القويم، وقدر لمقالات مونتاتي وكتاب "أميل" لروسو أن تقع تحت طائلة هذا الحظر. وكان الحديث عن كالفن أو رجال الدين بازدراء يعد جريمة (36)، وأول مخالفة لهذه القوانين كانت تعاقب بالزجر، أما المخالفة التالية فكانت تعاقب بالغرامات، والإصرار على المخالفة بالسجن أو النفي. أما الفسق فكان مرتكبه يعاقب بالنفي أو بالموت غرقاً، ومَن يرتكب جريمة الزنا أو الكفر أو عبادة الأوثان يعاقب بالإعدام وفي مثل خارج على القياس قطعت رأس طفل، لأنه ضرب والديه (37). وفي عامي 1558 - 59 رفعت 414 دعوى بسبب جرائم أخلاقية، وبين عامي 1542 و 1556 أقصي عن البلاد ستة وسبعين شخصاً، ونفذ حكم الإعدام في ثمانية وخمسين، وكان التعداد الكلي لسكان مدينة جنيف وقتذاك حوالي 20. 000 نسمة (38). وكثيراً ما استخدم التعذيب وسيلة للحصول على اعترافات أو دليل، كما كان يحدث في كل مكان في القرن السادس عشر.
وامتد التنظيم إلى التعليم والمجتمع وإلى الحياة الاقتصادية، وأسس كالفن مدارس وأكاديمية، وبحث في أرجاء أوربا عن مدرسين للغات اللاتينية واليونانية والعبرية واللاهوت، ودرب قساوسة من الشبان حملوا إنجيله إلى فرنسا وهولندة وسكوتلندة وإنجلترا، بكل ما اتصف به المبشرون اليسوعسون من حمية وإخلاص في آسيا، وأرسلت مدينة جنيف في خلال أحد عشر عاماً (1555 - 66) 161 مبعوثاً من أمثال هؤلاء إلى فرنسا، أنشد الكثير منهم المزامير الهوجنوتية، وهم يتعرضون للاستشهاد، ورأى كالفن أن التقسيم الطبقي أمر طبيعي، وأسبغ تشريعه الحماية على الرتب والمنصب، بفرض نوع من اللباس، ووضع حدود لنشاط كل طبقة (39). كان على كل شخص أن يتقبل وضعه في المجتمع، وأن يؤدي واجباته، دون حسد لمن هم خير منه، أو شكوى من سوء حظه. وحظر التسول، واستبدل، بالإحسان دون أي تمييز، إدارة جماعية، تتسم بالعناية للمساعدات التي تقدم للتفريج عن الفقراء.
والتزم مذهب كالفن بالعمل الشاق والرصانة والاجتهاد والاعتدال في النفقة، وأصبح الاقتصاد قانوناً دينياً، يحلل بالغار رأس المعتصم به، ولعل ذلك هو الذي أسهم في تطوير ما فطر عليه رجل الأعمال البروتستانتي الحديث، من المثابرة على العمل، ولقد بولغ في تأكيد أهميته (40) هذه العلاقة، إذ كانت الرأسمالية قد نمت في فلورنسا والفلاندرز الكاثوليكيتين قبل الإصلاح الديني إلى درجة أكبر مما حدث في جنيف مدينة كالفن. ورفض كالفن المذهب الفردي في الاقتصاديات كما رفضه في الدين والأخلاق.
وكانت وحدة المجتمع، في رأيه ليست الفرد الحر (الذي بدأ به لوثر ثورته)، ولكن مجتمع دولة المدينة، التي ارتبط أعضاؤها بها بقانون حازم ونظام صارم. وكتب يقول، ليس لأحد من أعضاء الجماعة المسيحية أن يحتفظ بمواهبه لنفسه، وأن يقصرها على استعماله الخاص، بل
يجب أن يشرك فيها زملاءه من الأعضاء، وليس له أن يجني فائدة إلا من تلك الأشياء، التي تنشأ من النفع العام للهيئة، باعتبارها كلاً لا يتجزأ (41) "ولم يكن يظهر أي عطف نحو المضاربة لجمع المال أو تكديسه بصورة جائرة (42)، وسمح بتقاضي فائدة على القروض مثل بعض أصحاب النظريات الكاثوليكية في أواخر القرون الوسطى، ولكنه حدد الفائدة نظرياً بخمسة في المائة، وحث على منح قروض، دون تقاضي أية فائدة، إلى الأفراد المعوزين أو الدولة (43). وعاقب مجلس الكرادلة، بموافقته، المحتكرين والمستغلين والمقرضين الذين يتقاضون فوائد باهظة، وحدد المجمع أسعار الطعام والملابس وأجور العمليات الجراحية، وذم التجار الذين غشوا عملاءهم أو فرض عليهم غرامات، والبائعين المطففين الذين إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ينقصون، وبائعي الأقمشة الذين يختلسون من الأثواب (44). وكان النظام أحياناً يسير نحو اشتراكية الدولة. فقد أسست الجماعة الموقرة مصرفاً وأدارت بعض الصناعات (45).
وإذا وضعنا في أذهاننا هذه العوامل المقيدة، فإننا قد نسلم بوجود اتفاق ودي صامت ومتزايد بين مذهب كالفن والعمل والتجارة، وما كان في وسع كالفن أن يحتفظ طويلاً بزعامته، لو أنه عاق النمو التجاري في مدينة تعتمد في حياتها على التجارة. وهيأ نفسه للموقف، وسمح بتقاضي فائدة قدرها عشرة في المائة، وأوصى بمنح قروض للدولة، لتمويل صناعة خاصة، تدخل لأول مرة، أو للتوسع فيها، كما حدث في صناعة النسيج أو في إنتاج الحرير. ومالت المراكز التجارية، مثل أنتورب وأمرستردام ولندن تواً للدين الجديد، الذي تقبل الاقتصاد الحديث. وطوى مذهب كلفن في أحضانه الطبقات الوسطى ونما بنموها.
وماذا أسفر عنه حكم كالفن؟ لابد أن الصعوبات التي واجهت التنفيذ كانت هائلة، لأنه لم يحدث قط في التاريخ أن طولبت مدينة بمراعاة مثل هذه الفضيلة الصارمة، وعارض فريق كبير نظام الحكم إلى درجة إعلان
الثورة الصريحة. ولكن لابد أن عدداً لا يستهان به من المواطنين ذوي النفوذ قد أيدوه، ولو على أساس النظرية العامة للأخلاق، لأن آخرين كانوا في حاجة إليها. وليس من شك في أن تدفق الهوجنت الفرنسيين وغيرهم من البروتستانت قد أطلق يد كالفن، ثم أن قصر التجربة على مدينة جنيف وما وراءها قد رفع من فرص النجاح. ولا شد أن الخوف المتواتر من غزو الدول المعادية لها (سافوي وإيطاليا وفرنسا والإمبراطوريّة) وامتصاصها قد فرص الاستقرار السياسي والخضوع المدني، ورفع الخطر الخارجي من شأن النظام الداخلي، وعلى أي حال فإن لدينا وصفاً حماسياً للنتائج التي أسفر عنها هذا الحكم، بقلم شاهد عيان وهو برناردينو أوكينو، وهو إيطالي بروتستانتي، وجد ملجأ في مدينة جنيف.
"إن السب والتجديف وعدم التمسك بالعفة وتدنيس المقدسات والزنا والحياة غير الطاهرة، كما يشيع ويغلب ذلك في كثير من الأماكن التي عشت فيها، غير معروفة هنا. ليس هناك قوادون ومومسات. إن الناس لا يعرفون ما هو الأحمر، وكلهم يرتدون زياً واحداً، والألعاب التي تعتمد على الحظ ليست مألوفة. والخير جد وفير إلى حد أن الفقراء ليسوا في حاجة إلى التسول. والناس يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف بطريقة أخوية كما فرض المسيح.
والدعاوى اختفت من المدينة ولم يعد فيها أي اتجار بالمقدسات أو قتل أو روح حزينة، وعمها السلام وحب الخير، ومن جهة أخرى ليست هناك آلات أرغن ولا أجراس تدق ولا أغاني استعراضية ولا شموع تشعل أو مصابيح تضاء (في الكنيسة) وليس هناك مخلفات مقدسة أو صور أو تماثيل أو مظلات أو أثواب فاخرة أو هزليات أو احتفالات باردة. إن الكنائس خالية تماماً من عبادة الأوثان" (46).
ولا تتفق سجلات المجلس المستفيضة عن هذا العهد، مع هذا التقرير،
فهي تكشف عن نسبة مئوية عالية من الأطفال غير الشرعيين والأطفال المهجورين والزيجات التي تمت بالإكراه والأحكام الصادرة بالإعدام (47). ومن بين مَن أدينوا بالزنى صهر (48) كالفن وابنة زوجته. ولكننا نجد مرة أخرى حوالي عام 1610 فالينتين اندريا وهو قسيس لوثري من فيتنبرج يثني على مدينة جنيف ثناء لا يخلو من الحسد ويقول: "عندما كنت في جنيف لاحظت شيئاً عظيماً سوف أذكره وأتشوق إليه ما حييت. ففي تلك المدينة ليس هناك نظام كامل لجمهورية كاملة فحسب. ولكن هناك نظام أخلاقي يقوم باستقصاءات أسبوعية عن سلوك المواطنين بل وعن أقل عمل يتجاوزون به الحدود، وذلك كحلية خاصة
…
وكل السباب والتجديف والقمار والترف والشقاق والكراهية والغش محظورة، وفي الوقت نفسه لا يسمع أحد عن الكبائر. فأية صفة مجيدة يتحلى بها الدين المسيحي أعظم من مثل هذه الطهارة في الأخلاق. إننا يجب أن نبكي وننوح على أننا (الألمان) نفتقد هذه الصفات وأنها أهملت عندنا كلية.
5 - معارك كالفن
اتسقت شخصية كالفن مع لاهوته. وتصوره اللوحة الزيتية المحفوظة في مكتبه الجامعة بجنيف رجلاً صوفياً صارماً حزيناً ذا بشرة قاتمة هربت منها الدماء، ولحية سوداء قليلة الشعر، وجبهة عريضة وعينين قاسيتين نفاذتين. وكان قصير القامة نحيل الجسد ضعيف البنية لا يكاد يصلح لأن يحمل بين يديه. ولكن خلف الهيكل الضعيف يتوقد ذهن حاد فذ مخلص مدقق وإرادة حازمة لا تقهر ولعلها إرادة للقوة. وكان فكره قلعة للنظام جعل منه تقريباً أكويني اللاهوت البروتستانتي. وكانت ذاكرته تزخر بآلاف الموضوعات إلا أنها دقيقة وكان يسبق عصره في الشك في علم التنجيم ويواكبه في رفض الاعتراف بوكوبرنيكوس ويتخلف عنه قليلاً (مثل لوثر) في نسبة كثير من الحوادث الدنيوية إلى الشيطان. وكان
وجله يخفي شجاعته وخجله يحجب كبرياء في باطنه وذلته أمام الله أصبحت في بعض الأحيان عجرفة آمرة أمام الناس. وكان شديد الحساسية للنقد ولم يكن في وسعه أن يتحمل المعارضة بجلد امرئ يستطيع أن يدرك احتمال أنه قد يكون مخطئاً. وهده المرض وانحنى ظهره من كثرة العمل ولذا كان كثيراً ما كان يتميز غيظاً وينفجر في نوبات من الفصاحة الغاضبة، واعترف لبوسر بأنه وجد أن من الصعب عليه أن يروض "الوحش الكامن في غضبه"(50) ولم يكن من فضائله المرح الذي كان حرياً بأن يخفف من يقينياته ولا الإحساس بالجمال الذي كان كفيلاً بأن يستبقي الفن الكنسي. ومع ذلك فانه لم يكن مشاغباً لا تلين قناته، وأمر أتباعه بأن يكونوا منشرحين وأن يلعبوا ألعاباً لا ضرر منها مثل لعب الكرة ولعبة صيد الخنزير بحلقات الحبال وأن يستمتعوا بشرب النبيذ في اعتدال. وكان في وسعه أن يكون صديقاً حنوناً رقيق القلب وعدواً لا يتسامح، وكان قادراً على إصدار أحكام قاسية وعلى الانتقام بشدة. وكان الذين يخدمونه يخشونه (51)، أما الذين كانوا يحبونه فهم الذين عرفوه حق المعرفة. وكانت حياته الجنسية خالية من الزلات، وكان يعيش في بساطة ويأكل قليلاً، ويصوم دون أن يقصد التباهي، ولا ينام إلا ست ساعات في اليوم، ولم يحصل قط على إجازة، واستنفد قواه دون تحديد فيما ظن أنه عبادة الله. ورفض أن يمنح زيادة في مرتبه ولكنه سعى لكي يرفع الأموال المخصصة للبر للفقراء. وقال البابا بيوس الرابع:"إن قوة ذلك الهرطيق تكمن في هذا: إن المال لم يكن له أقل سحر عليه. وإذا كان لدي أتباع مثله فإن مملكتي سوف تمتد من البحر إلى البحر"(52).
ورجل له مثل هذا الطبع لابد أن يثير حقد كثير من الأعداء. وحاربهم بشدة وبلغة العصر الجدلية
…
ووصف خصومه بأنهم من الأوغاد وأنهم أغبياء وكلاب وحمير وخنازير وبهائم منتنة (53) - وهي نعوت أقل لياقة بالنسبة للاتينيته الرشيقة من أسلوب لوثر الذي يشبه أسلوب المجالدين، ولكنه واجه استفزازات. فقد حدث يوم أن قاطع جيروم بولسيك،
وهو راهب سابق من فرنسا، كالفن وهو يقدم عظته في كنيسة القدّيس بطرس وندد بالعقيدة التي تقول بالجبر باعتبارها إهانة للرب، فرد عليه كالفن بأن تلا آيات من الكتاب المقدس، واعتقلت الشرطة بولسيك واتهمه مجمع الكرادلة بالهرطقة. وكان المجلس ميالاً إلى الحكم عليه بالإعدام ولكن عندما استأنس بآراء علماء اللاهوت في زيورخ وبازيل وبرن دلت على أنها مبلبلة: فقد أوصت برن بالحرص في علاج المشكلات التي تدق على ادراك الإنسان - وهي نغمة جديدة في أدب العصر، وحذر بولينجر، كالفن، أن "الكثيرين مستاءون مما تقول في كتابك القوانين حول الجبر، ويستخلصون نفس النتائج مثل بولسيك"(54) وتراضى المجلس على النفي (1551) وعاد بولسيك إلى فرنسا وإلى الكاثوليكية.
وأهم من هذا في النتيجة مناظرة كالفن مع جواليم ويستفال، إذ ندد هذا القسيس اللوثري برأي زونجلى وكالفن القائل بأن المسيح لا يحضر في القربان المقدس إلا بروحه" وعد هذا "تشديداً من وحي الشيطان" ورأى أن المصلحين الدينيين السويسريين يجب ألا يرد عليهم بأقلام علماء اللاهوت، ولكن بعصا الحكام (1552) ورد عليه كالفن بألفاظ بلغت من القسوة حداً دفع زملاءه من المصلحين الدينيين في زيورخ وبازيل وبرن إلى رفض التوقيع على احتجاجه. ومع ذلك فإنه أصدره، وعاد ويسفال وآخرون من أنصار لوثر إلى الهجوم، فدمغهم كالفن بأنهم "قردة لوثر" وأبدى من الحجج القوية ما دفع عدة مناطق كانت وقتذاك تناصر لوثر مثل - براندنبرج والبلاتينات وأجزاء من هس وبرينين وآنهالت وبادن إلى الموافقة على وجهة نظر سويسرة والكنيسة التي خضعت للإصلاح الديني، ولم ينقذ باقي ألمانيا الشمالية من التحول عن العقيدة اللوثرية إلا صمت ميلانكتون "الذي كان يتفق في الرأي سراً مع كالفن". وصدى صواعق لوثر بعد الموت.
وتحول كالفن من هذه الهجمات على اليمين وواجه إلى اليسار جماعة من المتطرفين وصلوا حديثاً إلى سويسرة من إيطاليا المعارضة لها في الإصلاح
الديني. وكان كايليوس يسكوندوس كوريو يلقي تعاليمه في لوزان وبازيل وقد صدم كالفن عندما أعلن أن الناجين - وفيهم كثير من الوثنيين - سوف يفوقون عدد المعذبين في نار جهنم بكثير. أما لايليوس سوكينوس، وهو ابن أحد كبار فقهاء القانون الإيطاليين، واستقر في زيورخ فقد درس اليونانية والعربية والعبرية لكي يفهم الكتاب المقدس على أحسن وجه، وتعلم كثيراً جداً، وفقد إيمانه بالثالوث الأقدس والجبر والخطيئة الأصلية والتكفير.
وأعرب عن شكه لكالفن الذي رد عليه بقدر الإمكان. ووافق سوكينوس على أن يتجنب التعبير علناً عن شكوكه ولكنه تكلم فيما بعد معارضاً تنفيذ حكم الإعدام في سرفيتوس، وكان من بين القليلين الذين وقفوا يدافعون عن التسامح الديني في ذلك العصر المحموم.
وفي دولة يمتزج فيها الدين والحكومة في مزيج مسكر، كان من الطبيعي أن تكون أشد المعارك التي خاضها كالفن هي معاركه الوطنيين والمتحررين والذين أقصوه مرة عن البلاد والذين أسفوا الآن لعودته. فقد استاء الوطنيون من أصله الفرنسي ومن أنصاره وكرهوا لاهوته ولقبوه بقابيل، وأطلقوا على كلابهم اسم كالفن، وسبوه في الطرقات، ولعلهم هم الذين أطلقوا في إحدى الليالي خمسين طلقة نارية خارج بيته. وبشر المتحررون بعقيدة تقول بوحدة الوجود، وتخلوا عن ذكر الشياطين أو الملائكة أو جنة عدن أو التكفير أو الكتاب المقدس أو البابا. واستقبلتهم مارجريت ملكة نافار وأيدتهم في بلاطها بنيراك، ولامت كالفن على قسوته معهم.
وفي يوم 27 يونيه عام 1547 وجد كالفن إعلاناً كبيراً ملصوقاً على منبره وجاء فيه: منافق كبير إنك لن تجني أنت ورفقاؤك بآلامك إلا النذر اليسير وإذا لم تنجوا بحياتكم بالهرب فلم يحول أحد دون القضاء عليكم، ولسوف تلعن الساعة التي تركت فيها ديرك
…
إن الناس ينتقمون لأنفسهم بعد أن عانوا طويلاً
…
إحذر فلن تعامل مثل السيد فيرل (الذي كان قد قتل)
…
لم يكون لنا سادة كثيرون إلى هذا الحد (55)
…
وقبض على جاك جريه، وهو أحد كبار المتحررين، إذ اشتبه في أنه كتب الإعلان ولم يقدم أي دليل. وادعى بعضهم أنه قبل ذلك ببضعة أيام تفوه بتهديدات ضد كالفن، ووجد في حجرته أوراق قيل أنها بخط يده، يصف فيها كالفن بأنه منافق متعجرف وطموح ويسخر فيها من أن الكتب المقدسة وهي من عند الله ومن خلود الروح. وعذب مرتين كل يوم لمدة ثلاثين يوماً إلى أن اعترف - ولا ندري مدى ما في اعترافه عن صدق - بأنه كان قد ثبت الإعلان الكبير وتآمر مع العملاء الفرنسيين ضد كالفن ومدينة جنيف. وفي يوم 26 يوليو ربط إلى خازوق، وهو نصف ميت، وسمرت قدماه فيه وقطع رأسه (56).
وازدادت حدة التوتر إلى أن جاء الوطنيون والمتحررون يوم 16 ديسمبر عام 1547 وهم مسلحون وحضروا اجتماعاً للمجلس الكبير وطالبوا بوضع حد لسلطة مجمع الكرادلة على المواطنين، وفي ذروة هرج عنيف دخل كالفن إلى الحجرة وواجه الزعماء المعادين له وقال وهو يدق على صدره:"إذا كنتم تريدون سفك دمي فمازالت هنا بضع قطرات فهيا اضربوا" وسحبت السيوف ولكن أحداً لم يجسر على أن يكون القاتل الأول. وخاطب كالفن الجمع بحلم نادر وأخيراً أقنع كل الأطراف بعقد هدنة. ومع ذلك فقد اهتزت ثقته بنفسه.
وكتب يوم 17 ديسمبر إلى فيريه يقول: "إن أملي ضعيف في أن تستطيع الكنيسة أن تجد لها عضداً أكثر من هذا، على الأقل من رجالي الذين يقومون بالخدمة الدينية. صدقني إن سلطاني يتحطم، اللهم إلا إذا مد الله إلي يده". وكان المعارضة انقسمت شيعاً وأحزاباً وهدأت إلى أن أتاحت لها محكمة سرفيتوس فرصة أخرى.
6 - ميكائيل سرفيتوس
1511 -
53
ولد ميجيل سرفيتوس في فيلانوفا (وتقع على بعد حوالي ستين ميلاً من ساراقوسه) وهو ابن موثق عقود من أسرة كريمة. ونشأ في عهد كانت فيه كتابات أرازموس تتمتع بتسامح عابر في أسبانيا. وكان متأثراً إلى حد ما بأدب اليهود والمسلمين، إذ قرأ القرآن وشق طريقه في التأويلات التلمودية وتأثر بنقد الساميين للمسيحية (في صلواتها للثالوث ولمريم وللقديسين) باعتبارها شركاً. وأطلق عليه لوثر لقب "المراكشي".
وفي تولوز حيث درس القانون، رأى لأول مرة كتاباً مقدساً كاملاً وأقسم ليقرأنه "ألف مرة"، وتأثر تأثراً عميقاً بالرؤى في سفر الرؤيا. وفاز برعاية جوان دي كوينتانا كاهن الاعتراف الخاص لشارل الخامس، وأخذه جوان إلى بولونيا وأوجسبورج (1530)، واكتشف ميكائيل البروتستانتية وأحبها، وزار اويكو لامباديوس في بازيل، كما زار كابيتو وبوسر في شتراسبورج، وسرعان ما غدا هرطيقاً في رأيهم، ودعي لكي يرعى في حقول أخرى.
ونشر في عامي 1531 و 1532 أول وثاني طبعة من مؤلفه De Trinitatis erroribus، وكان فيه خلط كثير وكتب بلغة لاتينية غير مصقولة لابد أنها كانت تدفع كالفن إلى الابتسام لو اطلع عليها ولكنها كانت عملاً مذهلاً بالنسبة لفتى في العشرين من عمره بسبب ثرائها في سعة العلم بالكتاب المقدس. وكان يسوع في نظر سرفيتوس رجلاً نفخ فيه الرب، الأب كلمة الله، الحكمة الإلهية، وبهذا المعنى أصبح يسوع ابن الرب ولكنه لم يكن كفواً للأب أو سرمدياً مثله، يستطيع أن يوصل روح الحكمة نفسها إلى الآخرين من الناس "إن الابن أرسل من الأب بطريقة لا تختلف عن تلك التي أرسل بها واحد من الأنبياء"(57). وهذا قريب جداً من مفهوم
محمد عن المسيح. واستطرد سرفيدوس ليستشهد برأي الساميين في القول بالثالوث الأقدس: "وكل مَن يؤمن بثالوث أقدس بروح الله يقول بوجود ثلاثة أرباب". وأضاف قائلاً إنهم ملحدون حقاً باعتبارهم منكرين لوجود إله واحد (58). وكان هذا تطرفاً شديداً من شاب، ولكن سرفيتوس حاول أن يخفف من هرطقته بتأليف مقطوعات مهلهلة النسيج عن المسيح باعتباره نور العالم، ومهما يكن من أمر فإن معظم قرائه شعروا بأنه قد أطفأ النور. وكأنما كان يريد ألا يترك حجراً دون أن يقذف به أحداً فتلاقى مع اللامعمدانيين في أن التعميد يجب ألا تجرى مراسيمه إلا للبالغين. فأنكر عليه ذلك أويكو لامباديوس وبوسر، فقلب سرفيتوس دليل سفر كالفن وفر من سويسرة إلى فرنسا (1532).
وفي يوم 17 يوليو أصدرت محكمة التفتيش في تولوز أمراً بالقبض عليه. وفكر في السفر إلى أمريكا ولكنه وجد أن باريس أحسن منها. وهناك تنكر في شخصية ميشيل دي فيلينف (اسم العائلة) ودرس الرياضيات والجغرافيا وعلم الفلك والطب وغازل التنجيم. وكان فيزاليوس العظيم زميله في دراسة التشريح وأثنى أساتذتهما عليهما سوياً. وتشاجر مع عميد كلية الطب، ويبدو بوجه عام أنه أساء التصرف بتهوره وانفعاله واعتزازه بنفسه. وتحدى كالفن للدخول معه في مناظرة ولكنه لم يظهر في المكان والزمان المعينين (1534). وغادر سرفيتوس باريس مثل كالفن في الفترة التي اشتد فيها الغضب على خطاب كوب والإعلانات الكبيرة الهرطيقية.
وفي ليون أشرف على نشر طبعة جديرة بعالم من جغرافية بطليموس، وانتقل عام 1540 إلى فيين (على بعد ستة عشر ميلاً جنوبي ليون)، وهناك عاش حتى آخر سنة من حياته وهو يمارس الطب ويشتغل بالبحث. واختير من بين الكثيرين من الباحثين الذين أتيح للناشرين في ليون التعامل معهم لكي يشرف على نشر ترجمة لاتينية للكتاب المقدس قام بها سانتيس ياجنيني.
وقضى في هذا العمل ثلاث سنوات وآل إلى ست مجلدات. وفي آية عن إشعيا 7: 14 الذي كان جيروم قد جعلها "عذراء سوف تحمل"، شرح سرفيتوس أن الكلمة العبرية لا تعني عذراء بل امرأة شابة، ورأى أنها لا تشير إشارة تنبئية إلى مريم بل إلى زوجة حزقيال، وأوضح بنفس الروح أن بعض الفقرات الأخرى في العهد القديم التي تبدو تنبئية تشير فقط إلى شخصيات أو حوادث معاصرة. وقد ثبت أن هذا محير للبروتستانت والكاثوليك على السواء.
ولا ندري متى اكتشف سرفيتوس الدورة الدموية الرئوية - مرور الدم من الغرفة اليمنى للقلب على طول الشريان الرئوي إلى الرئتين وتدفقه خلالهما وتنقيته هناك بالتعريض للهواء، وعودته في الوريد الرئوي إلى الغرفة اليسرى من القلب، وبقدر ما هو معروف الآن فإنه لم ينشر اكتشافه حتى عام 1553 عندما أدرجه في مؤلفه الأخير "إعادة المسيحية".
وقد جاء بالنظرية في رسالة لاهوتية لأنه اعتقد أن الدم بمثابة الروح الجوهرية في الإنسان، ومن ثم يعد - ربما أكثر من القلب أو المخ - المقر الحقيقي للروح. وإذا أرجأنا فترة النظر في مشكلة أسبقية سرفيتوس في هذا الاكتشاف فحسبنا أن نلاحظ أنه من الواضح أنه أكمل رسالته "إعادة المسيحية" في سنة 1546 لأنه أرسل في ذلك العام المخطوطة إلى كالفن.
وكان العنوان نفسه تحدياً للرجل الذي كتب شريعة الدين المسيحي، بيد أن الكتاب إلى جانب ذلك رفض الفكرة القائلة بأن الله قدر على أرواح أن تعذب في نار جهنم بغض النظر عن حسناته أو سيئاتها، باعتبار أن هذه الفكرة كفر وتجديف. وقال سرفيتوس إن الله لا يحكم على أحد لا يدين نفسه. ولا بأس بالإيمان ولكن المحبة خير وأبقى، لأن الله نفسه محبة، وظن كالفن أنه يكفيه لكي يدحض هذا كله أن يرسل إلى سرفيتوس نسخة
من كتاب "القوانين"، فأعاده سرفيتوس إليه مع تعليقات مهينة (59)، وأعقب ذلك بإرسال سلسلة من الخطابات تحفل عباراتها بالإطراء الشديد إلى حد أن كالفن كتب إلى فاريل (13 فبراير سنة 1546):"لقد أرسل إلى سرفيتوس مجلداً مطولاً بأقواله الهارفة. وإذا وافقت فلن يتردد في الحضور هنا، ولكني لن أعطيه كلمة مني لأنه إذا جاء فإني لن أطيق أن أتركه يخرج حياً إذا كان هذا في سلطتي"(60)، وغضب سرفيتوس لرفض كالفن استمرار المراسلة بينهما فكتب إلى آبيل بوبان، وهو أحد قساوسة جنيف يقول:
"إن إنجيلكم بدون رب وبدون إيمان حق وبدون أعمال صالحات. فبدلاً من الرب عبدتم
(1)
سربيروس ذا الرؤوس الثلاثة (الثالوث المقدس) وبدل الإيمان اتخذتم حلماً حتمياً
…
والإنسان عندكم بدن هامد والرب خيال للإرادة المستعبدة
…
إنكم تغلقون أبواب مملكة السماء في وجوه الناس
…
الويل! الويل! الويل! هذا هو ثالث خطاب أكتبه لكم لأحذركم علكم تعرفون أحسن من هذا. ولن أحذركم مرة أخرى ففي معركة ميكائيل هذه أعلم أني سوف أموت لا محالة
…
بيد أني لن أتردد
…
أن المسيح آت ولا ريب. ولن يتمهل" (61).
ومن الواضح أن سرفيتوس كان أشد خبلاً من المتوسط في عصره. فقد أعلن أن نهاية العالم قد أوشكت وأن ميكائيل رئيس الملائكة سوف يشن حرباً مقدسة ضد المناهضين للمسيحية من البابويين وأهالي جنيف على السواء، وأنه وقد سمي باسم رئيس الملائكة سوف يقاتل ويموت في تلك الحرب (62). وكان كتاب "الإعادة Restitutio" دعوة إلى تلك الحرب. فلا عجب إذا كان قد وجد صعوبة في العثور على ناشر يقبله إذ أجفل منه الناشرون في بازيل، وأخيراً (3 يناير عام 1553) طبعه بالتازار
(1)
كائن خرافي.
أورنويبه وجيوم وجيروه في الخفاء بمدينة فيين. ولم تذكر أسماؤهم ولا مكان النشر ووقع المؤلف باسم م. س. ف. ودفع كل النفقات وصحح بنفسه التجارب ثم أتلف المخطوط. ووصل المجلد إلى 734 صفحة لأنه تضمن شكلاً منقحاً من كتاب " Detrinitatis erroribus" ورسائل سرفيتوس الثلاثين إلى كالفن، وأرسل إلى بائع كتب في جنيف جانب من الألف نسخة المطبوعة. وهناك وقعت نشرة في يدي جيوم ترى وهو صديق لكالفن. وقد أوضحت الخطابات الثلاثون بجلاء لكالفن أن م. س. ف. هي الحروف الأولى من اسم ميكائيل سرفيتوس الفيلانوفي. وكتب ترى في يوم 26 فبراير عام 1553 إلى ابن عم كاثوليكي في ليون يدعى أنطوان ارني أعرب له فيها عن دهشته من أن الكاردينال فرانسو دي تورنون قد سمح بنشر كتاب مثل هذا في دائرة أسقفيته. كيف عرف ترى مكان النشر؟ لقد عرف كالفن أن سرفيتوس كان يعيش في ليون أو فيين. وعرض آرني الأمر على ماتياس أورى عضو محكمة التفتيش في ليون فأبلك أورى بذلك الكاردينال، فأصدر أمراً إلى موجيرون نائب محافظ فيين للبحث والاستقصاء. وفي يوم 16 مارس استدعى سرفيتوس إلى بيت موجيرون. وقبل أن يخضع للأمر أتلف كل الأوراق التي تثبت ذنبه. وأنكر أنه ألف الكتاب. فأرسل أرني إلى ترى يطلب منه تقديم دليل آخر على أن سرفيتوس هو مؤلف الكتاب. وحصل ترى من كالفن على بعض الخطابات التي أرسلها له سرفيتوس. وبعث بها إلى ليون. وتبين إنها تطابق عدداً من الخطابات المنشورة في الكتاب. وقبض على سرفيتوس في اليوم الرابع من أبريل، وفر بعد ثلاثة أيام بالقفز فوق سور حديقة. وفي يوم 17 يونيه أدانته المحكمة المدنية في فيين وحكمت عليه بأن يحرق حياً على نار بطيئة إذا علا عليه. وأخذ سرفيتوس يضرب على غير هدى في أنحاء فرنسا لمدة ثلاثة شهور وقرر أن يلجأ إلى نابولي وأن يذهب عن طريق جنيف، وظل في جينيف
شهراً لأسباب غير معروف متخذ اسماً مستعاراً، وفي غضون ذلك أعد ترتيباته للانتقال إلى زيورخ، وفي اليوم الثالث عشر من أغسطس حضر الصلاة بالكنيسة، ولعله فعل هذا لكي يتجنب استقصاء السلطات عنه. وهناك عرف وأبلغ ذلك إلى كالفن فأمر بالقبض عليه. وشرح كالفن هذا العمل في خطاب (9 سبتمبر عام 1553)، قال:"إذا كان البابويون قساة غلاظ الأكباد ويظهرون منتهى العنف دفاعاً عن خزعبلاتهم إلى حد أنهم يثورون غضباً وتقسو قلوبهم فيسفكون الدم البريء ألا يخجل الحكام المسيحيون من أنفسهم عندما يبدون أمام الناس أقل غيرة في الدفاع عن الحق الذي لا ريب فيه؟ " وتأثر المجلس الصغير بزعامة كالفن وفاقه في القسوة والفظاظة، ولما كان سرفيتوس مجرد عابر سبيل ولم يكن مواطناً يخضع لقوانين مدينة جنيف فإن المجلس من الناحية القانونية كان لا يستطيع أن يفعل شيئاً أكثر من نفيه خارج المدينة.
واعتقل في قصر سابق لأحد الأساقفة تحول الآن إلى سجن. ولم يعذب إلا بالقمل الذي أغار على زنزانته. وسمح له بورق وحبر وبأي كتب يعن له شراؤها، وأعاره كالفن بضعة مجلدات بقلم الآباء الأوائل. وأديرت المحاكمة بعناية واستمرت ما ينوف على شهرين. ودبج كالفن قرار الاتهام في ثمان وثلاثين مادة عدمها بفقرات استشهد بها من كتابات سرفيتوس. ومن بين التهم أنه قبل وصف سترابو لليهودية بأنها بلد مجدب بينما وصفها الكتاب المقدس بأنها أرض يتدفق فيها اللبن والعسل (63). وكانت الاتهامات الرئيسية الموجهة إلى سرفيتوس هي أنه رفض التسليم بالثالوث وتعميد الأطفال، كما اتهم أيضاً بأنه "طعن في شخص السيد كالفن العقائد التي فرضها إنجيل كنيسة جنيف"(64)، وفي يومي 17 و 21 من أغسطس ظهر كالفن بشخصه في قاعة المحكمة ليوجه له الاتهام. ودافع سرفيتوس عن آرائه بشجاعة، ومنها القول بمذهب وحدة الوجود. وقام تعاون غير مألوف بين العقائد المعادية فطلب المجلس البروتستانتي في جنيف من القضاة الكاثوليك في فيين إبداء
آرائهم في فقرات خاصة من الاتهامات التي وجهت هناك ضد سرفيتوس. ومن بين التهم الجديدة الفجور الجنسي، فرد سرفيتوس بأن الفتق قد حوله منذ زمن بعيد إلى عنين ومنعه من الزواج (65). واتهم علاوة على هذا بأنه كان قد حضر القداس في فيين، فدافع عن نفسه وبرر أنه إنما أقدم على هذا خوفاً على حياته. وتحدى أن تكون لمحكمة مدنية ولاية في الفصل في قضايا الهرطقة، وأكد للمحكمة أنه لم يقم بإثارة شغب ولم يخالف قوانين مدينة جنيف وطالب بتعيين محام له يلم بهذه القوانين خيراً منه، وذلك ليعاونه في الدفاع عن نفسه، ورفضت كل هذه الحجج وأرسلت محكمة التفتيش الفرنسية وكيلاً عنها إلى مدينة جنيف للمطالبة بإعادة سرفيتوس إلى فرنسا لتنفيذ الحكم الذي صدر ضده. فتوسل سرفيتوس للمجلس والدموع تسيل من مآقيه أن يرفض هذا الطلب، فاستجاب له المجلس، ولكن لعل الطلب قد حفز المجلس على ألا يكون أقل قسوة من محكمة التفتيش.
وفي اليوم الأول من سبتمبر سمح لعدوين من أعداء كالفن - هما آمي بيران وفيلبرت برتلييه - بأن ينضما إلى القضاة الذين يتولون المحاكمة، فشغلا كالفن بمجادلات، لا طائل تحتها، ولكنهما أقنعا المجلس باستشارة الكنائس الأخرى في سويسرة البروتستانتية عن كيفية معاملة سرفيتوس، وفي اليوم الثاني من سبتمبر واجهت زعامة كالفن في المدينة تحدياً في المجلس على يد الوطنيين المتحررين، فواجه العاصفة حتى مرت بسلام، ولعل رغبة المعارضة الواضحة في إنقاذ سرفيتوس قد شددت من عزيمة كالفن على أن يلاحق الهرطيق حتى ينفذ فيه حكم الإعدام. ومهما يكن من أمر فإنه يجدر بنا أن ننوه بأن المدعي الرئيسي في المحاكمة كان كلود ريجوه Rigot وهو من المتحررين (66).
وفي اليوم الثالث من سبتمبر قدم سرفيتوس للمجلس رداً مكتوباً على الاتهامات الثمانية والثلاثين التي وجهها له كالفن. ودحض كل اتهام بحجة
ذكية وبفقرات استشهد بها من الكتاب المقدس أو أقوال رددها آباء الكنيسة. وتساءل عن حق كالفن في التدخل في المحاكمة ووصفه بأنه من مريدي سيمون ماجوس وهو مجرم وسفاك للدماء (67). فرد عليه كالفن في ثلاثة وعشرين صفحة، عرضت على سرفيتوس، الذي أعادها بدوره إلى المجلس بتعليقات هامشية "كذاب" و "دجال" و "منافق" و "تعس شقي"، ولعل ما عاناه سرفيتوس من نصب في السجن خلال شهر وما لاقاه من تعذيب عقلي قد حطم ضبط النفس. وتقارير كالفن ذاتها عن المحاكمة دبجت بأسلوب العصر، فنراه يكتب عن سرفيتوس فيقول:"مسح الكلب القذر أنفه" و "السافل الغادر"(68) يلوث كل صفحة و "تخريفات منافية للتقوى"(69). والتمس سرفيتوس من المجلس أن يتهم كالفن بأنه "يقمع حقيقة يسوع المسيح" وأن "يمحوه من الوجود" ويصادر أمواله، وذلك لتعويض سرفيتوس بهذه الإجراءات عن الإضرار التي لحقت به من جراء أعمال كالفن. ولم يقابل الاقتراح بالترحيب.
وفي اليوم الثامن عشر من أكتوبر وردت الردود من الكنائس السويسرية التي طلب منها إبداء المشورة، فرأت كلها إدانة سرفيتوس، ولم يطلب واحد منها إعدامه. وبذل بيران آخر مجهود لإنقاذه في اليوم الخامس والعشرين من أكتوبر بالمطالبة بإعادة المحاكمة أمام مجلس المائتين ولكنه غلب على أمره. وفي اليوم السادس والعشرين أصدر المجلس الصغير حكماً بالإعدام بإجماع الآراء، واستند في الحكم على دليلين يثبتان الهرطقة - مذهب التوحيد ورفض التسليم بتعميد الأطفال. ويقول كالفن، إن سرفيتوس عندما سمع النطق بالحكم "أنّ وتأوه كرجل فقد رشده و
…
دق صدره وزمجر قائلاً بالإسبانية Miserivordia! Misericordia!، وطلب أن يسمح له بالحديث مع كالفن وتوسل إليه طالباً الرحمة، بيد أن كالفن لم يعرض عليه أكثر من إجراءات المواساة الأخيرة للدين الحق إذا سحب هرطقاته، ولم يرض سرفيتوس، وطلب أن تقطع رأسه ولا يحرق، وكان كالفن يميل إلى دعم هذا
الطلب ولكن فاريل الطاعن في السن، الذي يقترب من حافة القبر زجره لما بدا منه من تسامح، وصوت المجلس على أن يحرق سرفيتوس حياً (70).
ونفذ الحكم في صباح اليوم التالي يوم 27 أكتوبر عام 1553 على تل تشامبل الذي يقع مباشرة جنوبي مدينة جنيف. وفي الطريق ألح فاريل على سرفيتوس أن ينال رحمة الله بالاعتراف بجريمة الهرطقة، فأجابه الرجل المحكوم عليه، طبقاً لما رواه فاريل:"أنا لست مذنباً ولم أكن أستحق الموت، وابتهل إلى الله أن يغفر لمن اتهموه"(71). وأوثق إلى سارية بسلاسل حديدية وربط إلى جانبه كتابه الأخير. وعندما بلغت ألسنة اللهب وجهه صرخ من الألم. ومات بعد حرقه بنصف ساعة.
7 - دعوة للتسامح
اتحد الكاثوليك والبروتستانت في الموافقة على الحكم. ولما أفلتت من محكمة تفتيش فيين فريستها فإنها قامت بإحراق تمثال لسرفيتوس
(1)
. وأعرب ميلانكتون في خطاب له إلى كالفن وبولينجر عن "حمده لابن الرب" لـ "معاقبة الرجل الكافر" ووصفه عملية الإحراق بأنها "مثال يدل على الورع لا ينسى لكل الأجيال القادمة"(73). وأعلن بوسر من فوق منبره في شتراسبورج أن سرفيتوس قد استحق أن تنزع أمعاؤه ويمزق إرباً (74). ووافق بولينجر، وهو بوجه عام خير رقيق العاطفة، على أن الحكام المدنيين يجب أن يعاقبوا بالموت مَن يثبت عليه الكفر (75).
ومع ذلك فقد ارتفعت بعض الأصوات تدافع عن سرفيتوس حتى في أيام كالفن، فقد نظم صقلي قصيدة طويلة بعنوان: De iniusto Serveti incendio، ونشر دافيد جوريس البازيلي، وهو لا معمداني، احتجاجاً ضد تنفيذ حكم الإعدام، بيد أنه وقع عليه باسم مستعار ولما اكتشفت
(1)
في سنة 1903 أقيم نصب تذكاري لسرفيتوس في تشامبل وكان في أول قائمة الذين شاركوا في نفقاته المجمع الديني لكنيسة جنيف التي أخذت بمبادئ الاصلاح الديني (72).
بعد وفاته أنه كاتب هذا الاحتجاج أخرجت جثته بعد الدفن وأحرقت علناً (1566). وبالطبع أدان خصوم كالفن السياسيون معاملته لسرفيتوس واستهجن بعض أصدقائه قسوة الحكم باعتباره مشجعاً للكاثوليك في فرنسا على تطبيق عقوبة الإعدام على الهوجنوت. ولابد أن هذا النقد قد انتشر انتشاراً واسعاً لأن كالفن أصدر في فبراير عام 1554 a Defensio orthodoxae fidei de sacra Trinitate contra Prodigiosos errores Michaelis Servetir دفاع محافظ على الشريعة عن القول بالثالوث المقدس ضد أخطاء ميكائيل سرفيتوس الفظيعة. وقال: إذا آمنا بأن الكتاب المقدس وحي من الله فإننا نعرف الحقيقة وكل مَن يعارضونه أعداء الله كافرون به. ولما كان ذنبهم أعظم بكثير من أي جريمة أخرى فإن على السلطة المدنية أن تعاقب الهراطقة باعتبارهم أسوأ من أي سفاحين، ذلك لأن القتل العمد يؤدي إلى هلاك الجسد فحسب بينما الهرطقة المقبولة تعرض الروح للعذاب الأبدي في نار جهنم (وكان هذا بالضبط موقف الكاثوليك) وفضلاً عن هذا فإن الرب نفسه قد علمنا بصورة قاطعة أن نقتل الهراطقة وأن نضرب بالسيف أي مدينة تتخلى عن عبادة الرب وفق العقيدة الخالصة التي كشفها لنا بنفسه. واستشهد كالفن بسنن سفر الثنية القاسية 13: 5 - 15 و17: 2 - 5 وسفر الخروج 22: 20 وسفر اللاويين 24: 16 وناقش بها ببلاغة ملتهبة حقاً: "كل مَن يتمسك بأن الهراطقة والكفار لحقهم ضرر بمعاقبتهم يورط نفسه بأن يكون شريكاً لهم في جريمتهم
…
ولا محل هنا للحديث عن سلطة الإنسان فالرب هو الذي يتكلم، ومن الواضح أي شريعة احتفظ بها في الكنيسة إلى يوم القيامة. فلماذا يطلب منها مثل هذه القسوة الشديدة إذا لم يكن هذا ليرينا إننا لا نوفيه حقه من التبجيل ما دمنا لا نضع عبادته تعالى فوق أي اعتبار إنساني بحيث لا نبقي على آصرة قربى أو صلة دم بيننا وبين أي إنسان وأن ننسى كل إنسانية عندما يكون الأمر متعلقاً بالقتال في سبيل مجده تعالى؟ (76).
وخفف كالفن من استنتاجاته بأن نصح بالرحمة بالذين لا تكون هرطقاتهم جوهرية أو الذين يتضح أن هرطقاتهم بسبب الجهل أو ضعف العقل. ولكن حيث أنه رضى بصفة عامة بالقديس بولس هادياً له ومرشداً فإنه رفض أن يلجأ للوسيلة البولسية (نسبة إلى بولس) التي تعلن أن القانون الجديد يحل محل القانون القديم. والحق أن حكومة رجال الدين التي كان من الواضح أنه كان يمكن أن تتحطم وتشيع فيها الفوضى إذا سمحت الخلافات في العقيدة بإبداء الرأي علناً.
وفي غضون ذلك ماذا آلت إليه الروح الأرازمية التي تدعو إلى التسامح؟ لقد كان أرازموس متسامحاً لأنه لم يكن على يقين تام، أما لوثر وميلانكتون فقد تخليا عن التسامح عندما تدرجا في اليقين، وأما كالفن فكاد يكون على يقين مذ بلغ عامه العشرين بتبكير قاتل في النضج. وليس من شك في أن قليلاً من علماء الإنسانيات الذين درسوا الفكر الكلاسي والذين لم يهابوا العودة إلى الحضيرة الرومانية بالاشمئزاز من الالتجاء إلى العنف في النزاع اللاهوتي ظلوا يرون على استحياء أن اليقين في الدين والفلسفة أمر لا يمكن الوصول إليه، ومن ثم فإن على المشتغلين باللاهوت والفلاسفة ألا يقتلوا أحداً.
وكان عالم الإنسانيات الذي تحدث بموضوع بعض الوقت عن التسامح وسط صدام اليقينيات واحداً من أقرب أصدقاء كالفن حيناً من الزمن. فسباسيان كاستيليو الذي ولد في جورا الفرنسية عام 1515 أصبح حاذقاً للغات اللاتينية واليونانية والعبرية ودرس اليونانية في ليون وعاش مع كالفن في شتراسبورج فعينه مديراً لمدرسة اللاتينية في جنيف (عام 1541) وهناك شرع في ترجمة الكتاب المقدس بأسره إلى لغة شيشرون اللاتينية. وقد أعجب بكالفن رجلاً ولكنه كره المذهب القائل بالجبر وأضنى قواه تحت وطأة النظام الجديد الذي خضع له الجسد والعقل. واتهم في عام 1544 القساوسة في جنيف بالتعصب والدنس والسكر. واشتكى كالفن إلى
المجلس، ووجد أن كاستليو مذنب بسبب الغيبة ونفي من المدينة (1544)، وعاش تسع سنوات في فاقة ومسبغة وهو يعول أسرة كبيرة، وكان يعمل أثناء الليل في إنهاء نسخته المترجمة من الكتاب المقدس. وانتهى منها عام 1551، ثم بدأ مرة أخرى في سفر التكوين 1: 1 وهو وحيد يسعى في هدوء إلى إتمام البحث، وترجم الكتاب المقدس إلى الفرنسية. وحصل أخيراً (1553) على منصب أستاذ لليونانية في جامعة بازيل. وأحس بالعطف على الموحدين وتمنى لو استطاع أن يساعد سرفيتوس، وراعه دفاع كالفن عن تنفيذ حكم الإعدام. ونشر هو وكامليوس كوريو بأسماء مستعارة (مارس 1554) أول كتاب حديث من الكلاسيات عن التسامح: "هل يجب أن يضطهد الهراطقة؟ De haereticis an Sint persequendi.
وكان الهيكل الرئيسي للمؤلف مختارات من الشعر جمعها كوريو من الابتهالات المسيحية من أجل التسامح، من لاكتانتيوس وجيروم إلى أرازموس ولوثر في بواكير حياته وكالفن نفسه. واشترك كاستيليو في الجدال بالمقدمة والخاتمة وأشار إلى أن الناس قد ناقشوا في مدة مائة عام الإرادة الحرة والجبر والسماء والجحيم والمسيح والثالوث وأموراً أخرى صعبة ولم يصلوا إلى أي اتفاق، ومَن يدري لعلهم لن يصلوا أبداً إلى اتفاق. وقال كاستيليو: لا داعي لأي اتفاق، فمثل هذه القضايا الجدلية لا تجعل الناس خيراً مما هم عليه، وكل ما نحن بحاجة إليه هو أن نتحلى بروح المسيح في حياتنا اليومية وأن نطعم الفقراء وأن نساعد المرضى ونحب أعدائنا. وبدا له أن من السخرية أن تزعم الطوائف الجديدة، شأنها في هذا شأن الكنيسة القديمة، إنها على حق مطلق، وأن تكره مَن لها عليهم السيطرة البدنية على اعتناق عقائدها ونتيجة هذا يكون الإنسان محافظاً على العقيدة في مدينة ويصبح هرطقياً عندما يدخل مدينة أخرى، وعليه أن يغير دينه كما يغير نقده عند كل حد من حدود البلاد. وهل يمكن أن تتصور أن المسيح يأمر بإحراق رجل حياً
لأنه يدافع عن تعميد البالغين؟ لقد حلت محل الشرائع الموسوية التي تدعوا إلى القضاء على الحياة كل هرطيق شريعة المسيح التي تدعو إلى الرحمة لا إلى التعسف والإرهاب وإذا أنكر إنسان وجود حياة بعد الموت ورفض الاعتراف بكل شريعة فإنه (كما قال كاستيليو) يمكن للحكام أن يسكتوه فحسب ولكن ينبغي ألا يقتل. وفضلاً عن هذا فإن اضطهاد العقائد (كما رأى) لا طائل تحته والاستشهاد في سبيل فكرة ينشر هذه الفكرة بسرعة أكبر مما كان في وسع الشهيد أن يفعل لو سمح له أن يعيش. وختم كلامه بقوله أية مأساة في أن نرى مَن حرروا أنفسهم أخيراً من محكمة التفتيش الرهيبة يقلدونها سريعاً في طغيانها، وأن يكرهوا الناس على أن يعودوا إلى الظلام السيمري بعد فجر واعد مثل هذا (77).
وعرف كالفن نزعات كاستيليو فتعرف على خطه في رسالته "الهراطقة"، وفوض مهمة الرد عليها لأذكى تلاميذه تيودور دي بيز أو بيز أو بيزا. وقد ولد تيودور في فيزيلاي من أسرة أرستقراطية، ودرس القانون في أورليانز وبورجس ومارسه بنجاح في باريس، وكتب شعراً باللاتينية وفتن بعض النساء بتوقد ذهنه وأكثر من هذا بنجاحه، وعاش حياة مرحة وتزوج وسقط صريع مرض خطير، وجرب وهو على فراش المرض تحولاً معكوساً نحو تعاليم لويولا، واعتنق البروتستانتية وفر إلى جنيف وقدم نفسه إلى كالفن وعين أستاذاً لليونانية في جامعة لوزان. ومما هو جدير بالملاحظة أن لاجئاً بروتستانتياً من فرنسا التي تضطهد الهوجنوت أخذ على عاتقه الدفاع عن الاضطهاد، وقد أدى هذا بمهارة محامي وإخلاص صديق؛ فأصدر في سبتمبر عام 1554 مؤلفاً بعنوان (كتاب صغير عن واجب الحكام المدنيين في عقاب الهراطقة) De haereticis a civili magistratu punindis libelus وأشار مرة أخرى إلى أن التسامح الديني مستحيل للإنسان قبل أن الكتب المقدسة وحي من لدن الله. ولكننا إذا رفضنا التسليم بأن الكتاب
المقدس كلمة الله، فعلى أي أساس نبني العقيدة الدينية التي يتضح بجلاء أنه لا غنى عنها - إذا أخذنا في الاعتبار ما فطر عليه الناس من شر - لكبح جماح الناس وللنظام الاجتماعي - والحضارة؟ وإذن لن يتبقى إلا شكوك مهوشة تعمل على تفكيك عرى المسيحية. ولا يمكن أن يكون لمؤمن مخلص بالكتاب المقدس غلا دين واحد، أما الديانات الأخرى فلابد أن تكون زائفة أو ناقصة. حقاً إن العهد الجديد يبشر بسنة المحبة ولكن هذا ليس عذراً لنا لكي لا نقتص من اللصوص والقتلة، فكيف يبيح لنا هذا أن نبقى على الهراطقة؟.
وعاد كاستيليو إلى الجدل في كراسة دينية بعنوان: Contra Libelum Calivini، ولكنها ظلت نصف قرن دون أن تنشر. وسبق ديكارت في مخطوط أخرى بعنوان De arte dubitnnd بأن جعل من "فن الشك" أول خطوة في البحث عن الحقيقة ودافع في رسالته "المحاورات الأربعة" عن الإرادة الحرة وعن احتمال خلاص عالمي. وفي عام 1562 نشر رسالته "نصيحة إلى فرنسا الحزينة"، توسل فيها عبثاً إلى الكاثوليك والبروتستانت بإنهاء الحروب الأهلية التي كانت تجتاح فرنسا وبأن يسمحوا لكل مؤمن بالمسيح "أن يصلي للرب وفق عقيدته هو وليس وفق عقيدة غيره من الناس"(78)، وكان من الصعب أن يسمع أحد صوتاً يشذ عن النغم السائد في العصر.
ومات كاستيليو فقيراً بالغاً من العمر ثمانية وأربعين عاماً (1563)، وقال كالفن إن وفاته المبكرة حكم عادل من إله عادل.
8 - كالفن إلى النهاية
1554 -
1564
ولعل كالفن قد عرف ميل كاستيليو الخفي إلى مذهب الموحدين - الإيمان بإله ليس ثلاثة في واحد، ومن ثم رفض التسليم بألوهية المسيح، ويمكن أن يغتفر له أنه كان يرى في هذا الشك الأساسي بداية النهاية للمسيحية. وخشي من هذه الهرطقة أكثر من أي شيء آخر لأنه وجدها متفشية في مدينة جنيف ذاتها، وفوق كل شيء بين اللاجئين البروتستانت الفارين من إيطاليا، ولم يرَ هؤلاء الناس أي معنى في أن يستبدلوا بتجسد لا يصدق قدراً محتوماً لا يصدق. وهاجمت ثورتهم الدعوة الأساسية للمسيحية وهي أن المسيح ابن الله. وكان لماتيو جريبالدي، وهو أستاذ في فقه القانون في بادو، بيت صيفي بالقرب من جنيف، وتكلم بصراحة أثناء محاكمة سرفيتوس ضد العقاب بسبب الآراء الدينية، ودافع عن حرية العبادة - بالنسبة للجميع، فدعي للمثول أمام المجلس، ونفي من المدينة إذ اشتبه في أنه يؤيد مذهب الموحدين (1559) وكفل لنفسه التعيين في وظيفة أستاذ للقانون في جامعة تيبنجن. وأرسل كالفن إلى الجامعة كلمة عن شكوك جريبالدي. فألزمته بأن يوقع اعترافاً يقر فيه بالتثليث، وبدلاً من أن يخضع فر إلى بيرن حيث مات متأثراً بداء الطاعون في عام 1564. واستدعى جيوروجيو بلاندراتا، وهو طبيب إيطالي يقيم في مدينة جنيف للمثول أمام المجلس بتهمة مناقشة ألوهية المسيح، ففر إلى بولندة حيث وجد شيئاً من التسامح بالنسبة إلى هرطقته.
وأعرب فالنتينو جنتيلي، من كالابريا، صراحة عن آرائه المؤيدة لمذهب الموحدين في مدينة جنيف، فألقى في غياهب السجن حكم عليه بالإعدام (عام 1557) فتراجع عن أقواله وأطلق سراحه وذهب إلى ليون فقبضت عليه السلطات الكاثوليكية، بيد أنه أطلق سراحه عندما أكد لهم أن مصلحته
الرئيسية تكمن في دحض مزاعم كالفن. وانضم إلى بلاندوراتا في بولندة، وعاد إلى سويسرة حيث اعتقله حكام بيرن وأدين بتهمة الحنث بقسمه والهرطقة وقطعت رأسه (1566).
ووسط هذه المعارك في سبيل الرب استمر كالفن يعيش في بساطة وقد حكم جنيف بقوة شخصية مسلحة بأوهام أتباعه. وتدعم مركزه بمرور السنين. وكان ضعفه الوحيد في جسده الواهن: كان يشكو من آلام في رأسه والربو وسوء الهضم والحصوة والنقرس، وهصرت الحمى جسده وأبرزت عظمه وشكلت وجهه فبدت تقاطيعه مشدودة تنم على القسوة والكدر. وأصيب بمرض في 1558 - 59 استمر طويلاً وتركه ضعيفاً واهناً مصاباً بنزيف متكرر من الرئتين. واضطر بعد ذلك إلى ملازمة الفراش معظم الوقت على الرغم من أنه مستمر في الدراسة والتوجيه والوعظ حتى عندما كان يحمل حملاً في مقعد إلى الهيكل المقدس. وحرر وصيته في يوم 25 أبريل عام 1564 وهو واثق تمام الثقة من اختياره للمجد الأبدي. وفي اليوم السادس والعشرين أقبل المأمورون وأعضاء المجلس وجلسوا بجانب فراشه، فطلب منهم المغفرة بسبب سورات غضبه، ورجاهم أن يتشبثوا بالعقيدة الطاهرة للكنيسة التي اتبعت الإصلاح وجاء فاريل وكان آنذاك قد بلغ العام الثمانين من عمره من نيوشاتل ليودعه الوداع الأخير. وبعد مرور بضعة أيام قضاها كالفن في الصلاة والعذاب وجد السلام (27 مايو عام 1564). وكان تأثيره أعظم من تأثير لوثر، ولكنه سار في طريق كان لوثر قد مهده، فقد أسبغ لوثر حمايته على الكنيسة الجديدة بإحياء القومية الألمانيّة لتأييدها وكانت الحركة ضرورية، ولكنها ربطت اللوثرية رباطاً وثيقاً بالأصول التيوتوية، ولقد أحب كالفن فرنسا وجاهد لكي يرفع من شأن قضية الهوجنوت ولكنه لم يكن وطنياً فقد كان الدين بلده، وعلى هذا فإن عقيدته، مهما لحقها من تعديل، استلهمت
البروتستانتية في سويسرة وفرنسا وسكوتلندة وأمريكا، واستولت على قطاعات كبيرة من البروتستانتية في هنغاريا وألمانيا وهولندة وإنجلترا. ولقد أضفى كالفن على البروتستانتية في كثير من البلاد تعظيماً وثقة واعتزازاً بالنفس مكنتها من أن تعيش وتصمد لألف محنة محتة.
وقبل وفاته بعام انضم تلميذه أوليفيانوس إلى أورسينوس تلميذ ميلانكتون في إعداد وعظ هيدلبرج الذي أصبح تعبيراً مقبولاً لعقيدة الإصلاح الديني في ألمانيا وهولندة. ووفق بيز وبولينجر بين مذهبي كالفن وزونجلى في الإقرار السويسري البروتستانتي الثاني (1566) الذي أصبح وثيقة رسمية للكنائس التي اتبعت الإصلاح الديني في سويسرة وفرنسا وتابع بيز باقتدار عمل كالفن في جنيف نفسها. بيد أنه ما أن مر عام حتى أخذ كبار رجال الأعمال الذين يسيطرون على المجالس في مقاومة محاولات مجمع الكرادلة والجمعية المبجلة بنجاح ازداد شيئاً فشيئاً ليستبدلوا بها الرادع الأخلاقي في العمليات الاقتصادية، وبعد وفاة بيز (1608) دعم أغنياء التجار نفوذهم (سيادتهم) وفقدت الكنيسة في جنيف مزاياه الإدارية - (التوجيهية) التي كان كالفن قد ظفر بها لها في الشئون غير الدينية. وفي القرن الثامن عشر خفف تأثير فولتير من التقليد الكالفيني، وقضى على سيطرة الأخلاق المتطهرة النزعة بين الناس. وكافحت الكاثوليكية في جلد وصبر لتسترد مكانها في المدينة، وعرضت مسيحية خافية من الكدر ونزعة أخلاقية خالية من الصرامة، وكان 42 في المائة من السكان في عام 1594 كاثوليك و 47 في المائة منهم بروتستانت (79).
ولكن أعظم بناء قام به الإنسان له أثر كبير في جنيف هو النصب التذكاري للإصلاح الديني "المبجل الذي يمتد في بهاء على طول سور بستان ويحتفل بانتصارات البروتستانتية وترتفع في وسطه تماثيل فاريل وكالفن وبيز ونوكس القوية.
وفي غضون ذلك كانت حكومة رجال الدين الصارمة التي أقامها كالفن تنبت براعم ديمقراطية، ثم إن جهود الزعماء الكالفينيين في سبيل توفير التعليم للجميع تفقيههم وغرسهم شخصية مهذبة قد ساعد أوساط الناس الأشداء في هولندة على إبعاد الحكم المطلق الإسباني الدخيل ودعم ثورة النبلاء ورجال الدين في سكوتلندة ضد ملكة فاتنة ولكنها مستبدة. وكان للنزعة الرواقية في عقيدة صارمة الفضل في خلق أرواح قوية للمعاهدين السكوتلنديين والمتطهرين الإنجليز والهولنديين والحجاج في نيوانجلاند، وثبتت قلب كرومويل واهتدى بها قلم ميلتون الكفيف وحطمت سلطان آل ستيوارد المستبدين. وشجعت الناس الباسلين والقساة على الظفر بقارة وعلى نشر أساس التعليم والحكم الذاتي إلى أن يستطيع كل الناس أن يصبحوا أحراراً.
وسرعان ما طالب الناس الذين اختاروا كهان أبرشياتهم بأن يكون لهم حق اختيار حكامهم وأصبحت جماعة المصلين التي تحكم نفسها بنفسها بلدية تحكم نفسها بنفسها، وهكذا أبرزت أسطورة الانتخاب الإلهي نفسها في صنع أمريكا.
وعندما تم أداء هذا العمل أهملت النظرية البروتستانتية التي تقول بالجبر، ولما عاد النظام الاجتماعي إلى أوربا بعد حرب الثلاثين عاماً وفي إنجلترا بعد ثورتي عام 1642 و 1689 وفي أمريكا بعد عام 1793 تغير الفخار بالانتخاب الإلهي إلى اعتزاز بالعمل وإنجازه وشعر الناس بأنهم أقوى وأكثر أمناً.
وقل الخوف وأسلمت القسوة المذعورة التي ولدت رب كالفن إلى رؤية أكثر رحمة ألزمت بإعادة النظر في مفهوم الألوهية. وعقداً بعد عقد نبذت الكنائس التي تسلمت زمام القيادة من كالفن عناصر عقيدته القاسية، وواتت الجرأة المشتغلين باللاهوت على أن يؤمنوا بأن كل من ماتوا في
الطفولة كتب لهم الخلاص، وأعلن قس مبجل دون أن يسبب أي اضطراب أن "عدد الضالين نهائياً
…
سيكون طفيفاً جداً" (80). ونحن نشعر بالشكر لهذا التأكيد العظيم.
ونوافق حتى على أن الخطأ يعيش لأنه يخدم حاجة حيوية ما. ولكننا سوف نجد دائماً من الصعب أن نحب الرجل الذي أظلم الروح البشرية بأكثر المفاهيم عن الله سخفاً وكفراً في تاريخ السخف الطويل المبجل بأسره.