المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الكتاب الثاني   ‌ ‌صراع العقائد على السلطة 1556 - 1648 الفصل التاسع   ‌ ‌إيطاليا الأم الخيرة ‌ ‌1564 - قصة الحضارة - جـ ٢٩

[ول ديورانت]

فهرس الكتاب

الكتاب الثاني

‌صراع العقائد على السلطة

1556 -

1648

الفصل التاسع

‌إيطاليا الأم الخيرة

‌1564 - 1648

1 -

الحذاء السحري

بعد أن هدأ عنف المعركة التي خاضتها إيطاليا في ميدان النهضة والاصلاح البروتستنتي، راحت تستكين إلى حكم الأسبان استكانة يزعجها الفقراء، ويواسيها الدين، ويضفي عليها السلام بريقا خداعا. كانت معاهدة كانو- كامبريزي (1959) قد خلعت دوقية سافوا على إيمانويل فيليبرت، أما جنوا ولوكا والبندقية وسان مارينو فقد مد في أجلها فبقيت جمهوريات مستقلة. وأما مانتوا فظلت خاضعة لأمراء جونزاجا، وفيرارا لأمراء استنزي، وبارما فارنيزي. وحكمت أسرة مديتشي توسكانيا- فلورنسة وبيزا وأريتزو وسيينا- ولكن موانيها كانت تحت سيطرة أسبانيا. وحكمت أسبانيا عن طريق نواب ملكها دوقية ميلان ومملكة نابلي التي كانت تضم صقلية وكل إيطاليا جنوب الدويلات البابوية. وحكم هذه الدويلات، التي اخترقت وسط شبه الجزيرة من البحر المتوسط إلى الأدرياني، بابوات تحدق بهم القوة الأسبانية.

على أن هذه القوة لم تكن عدوانية عسكريا، فهي لم تتدخل في الشئون الداخلية للدويلات، اللهم إلا ميلان ونابلي، ولكن عزوفها عن التجارة وخوفها من الفكر الحر ألقيا حجابا كثيفا على الحياة الإيطالية. وكان من أثر استيلاء أمم الأطلنطي على تجارة الشرق وأمريكا ان انتقلت إليها تلك الثروة التي كانت من قبل تتفق على حركة النهضة، فأصبحت الآن تغذي الازدهار الثقافي الذي بدأ في أسبانيا وإنجلترا والأراضي المنخفضة. وعانت إيطاليا فوق ذلك من اضمحلال الموارد البابوية نتيجة لحركة الاصلاح

ص: 1

البروتستنتي. وكان الفلاحون الصابرون يكدحون ويصلون، والرهبان اللذين يفوقون الحصر يتعبدون، أما التجار ففقدوا الجاه والثروة، وأما النبلاء فضيعوا الحياة جريا وراء الألقاب وتعلقا بمظاهر البذخ والترف.

ومع ذلك أنجبت إيطاليا وسط هذا الانهيار السياسي جاليليو أعظم العلماء في جيله، ووهبت العالم فلسفة برونو الجريئة البعيدة النظرة، وهبته برنيني أعظم مثالي العصر، ومونتيفردي أكثر مؤلفيه الموسيقيين أثرا، ووهبته أشجع مبعوثيه الدينيين، وواحدا من أعظم الشعراء الإيطاليين هو تاسو، كذلك وهبته- في بولونيا ونابلي وروما- مذاهب في التصوير لا ضريب لها إلا في الأراضي المنخفضة الوافرة الثراء. وهكذا ظل لواء الثقافة معقوداً لإيطاليا.

أ- في سفوح الألب

يطيب لنا ان نجوس من جديد خلال تلك الحديقة وقاعة الفن المسماة إيطاليا، ولو بالفكر والقلم، وأن نمر بها ولو مرور الكرام. فأما تورين فقد غدت عاصمة كبيرة تحت حكم كفء على رأسه ايمتنويل فيليبرت، وبفضل تشجيع زوجته مرجريت الأميرة الفرنسية السافواوية للأدب والفن. وأما ميلان فظلت محتفظة بأبهتها على الرغم من خضوعها لأسبانيا. قال ايفلين عام 1643 في وصفها:

"انها من افخم مدن اوربا، ففيها 100 كنيسة، و 71 ديرا، 40. 000 من السكان. فيها القصور الباذخة، وفيها الفنانون النادرون (1) " وبعد أن دمرت النار داخل باسيلقا سان لورنزو ماجيوري (1573) عهد كارلو بوروميو، مطران ميلان الورع، إلى مارتينو باسي ببناء داخلها وفق الطراز البيزنطي الرائع الذي بنيت به كنيسة سان فيتالي في رافنا. وبنى الكردينال فيديريجو بوروميو، وهو ابن أخي كارلو، قصر أمبروز (1609)، وشيد فيه مكتبة أمبروز الشهيرة. أما قصر بريرا، الذي بدئ تشييده عام 1615 ليضم كلية لليسوعيين، فقد أصبح منذ عام 1776 مقرا لأكاديمية الفنون الجميلة، ومنذ عام 1809

ص: 2

لقاعة بريرا الذائعة الصيت، التي أصابتها الحرب العالمية الثانية بأضرار بالغة، ولكنها رممت الآن ترميما جميلا، وفيها نجد الكثير من آثار أرتي بروكاتشيني وكرسبي، وهما الأسرتان اللتان غلب تأثيرهما على التصوير الميلاني في العصر الذي نتناوله.

وأما جنوه "الهادئة جداً"، فما زالت من تلالها المرصعة بالقصور تختال فوق بحر متوسط انتشرت فوق أمواجه المراكب الجنوية. حقاً لقد فقدت هذه الجمهورية التاجرة أملاكها الشرقية التي استولى عليها الترك، وانتقلت بعض تجارتها مع دول الشرق إلى دول الأطلنطي، ولكن التل الكبير الذي تقوم فوقه قيض لها ميناء ممتازا ظلت بفضله، ومازالت إلى اليوم، أهم الثغور الإيطالية، هنا أشاد أمراء التجارة أو ملوك المال طائفة من أعظم بيوت إيطاليا ترفا. وفي رأي ايفلين أن "الشارع الجديد" الذي صممه روبنز وازدان بقصور من الرخام المصقول "يزري باي نظير له في أوربا". وقد صمم جالياتزو وأليسي وتلاميذه الكثير من هذه القصور الفاخرة التي اشتهرت بما حوت من قاعات فن، وسلالم فخمة، وجدران زينت باللوحات او الرسوم الجصية، واثاث مترف- "موائد واسرة كاملة من الفضة الثقيلة"، ولا عجب فقد حذق أقطاب المال الجنويون تحويل عرق الشعب إلى ذهب. وفي عام 1587 بنى "جاكومو ديللا بورتا" باسليقا "البشارة المقدسة" التي كانت أعمدتها المحززة، ومنبرها البديع، وقوسها المزخرف، مفخرة الاتقياء من أهل جنوه. على أن هذه الكنيسة وكثيرا غبرها من كنائس نوه وقصورها لحقها دمار كثير في الحرب العالمية الثانية.

وأما فلورنسة فقد ظلت، حتى إلى عهد فازاري، تلقب بأثينة إيطاليا، إذ تميزت بخصوبتها سواء في الادب أو الدرس او العلم أو الفن. لقد زكا فيها كل شئ إلا العفة، ففي عهد الدوق الكبير فرانتشسكو الاول (1574 - 87) انحدرت اسرة مديتشي العظيمة إلى حمأة الفجور والدعارة. ثم تخلى الكردينال فرديناندو مديتشي عن وظيفته الكهنوتية

ص: 3

وأصبح "الدوق الكبي فرديناند الأول"، فأتاح بذلك لتوسكانيا طوال اثنين وعشرين عاما (1587 - 1609) عهدا من العدل والاستنارة، ووسع تجارتها إذ جعل ليفورنو (ليجهورن) ثغراَ حراً مفتوحاً لكل التجار من كل الأديان، وأصلح بالقدوة الفاضلة أخلاق شعبه. أما خلفاه كوزيمو الثاني وفرديناند الثاني لهما فضل إعالة جاليلو بالمال. ونقش بارتولوميو أماناتي نافورة نبتون الكبرى لميدان "السنيوريا"بفلورنسةن وصمم قصر دوكالي بلوكا. وفي عام 1583 اكمل جوفاني دابولونيا "اغتصاب السابين"، وهو التمثال القائم في "لوجا (قاعة) دي لانزي"، وصب تمثال هنري الرابع الذي اهداه كوزيمو الثاني إلى ماري مديتشي ليزين "اليون نوف" في باريس. وواصل اليساندو أللوري وابنه كريستوفانو التقليد الذي درج عليه التصوير الفلورنسي من خيال جامح في التلوين، في شئ من التخفيف، واشرف بيترو داكوتونا على الكمال في رسومه الجصية التي زين بها سقوف قصر بيتي ليصور مناقب الدوق كوزيمو الأول.

وأما بارما فقد كان يحطمها في هذه الفترة دوق مشهور يدعى اليساندرو فارنيزي، ولكن بلغ انشغاله بقيادة الجيوش الاسبانية في الاراضي المنخفضة حدا لم يتح له أن يتربع على عرشه قط. وفي عهد ابنه رانوتشو ذاع صيت جامعة بارما في أرجاء أوربا، وبنى أليوتي (1618) مسرح فارنيزي الذي اتسع لسبعة آلاف متفرج في مدرج نصف دائري لا يضارعه في إيطاليا سوى المسرح الاولمبي الذي بناه استاذه باللاديو.

واما مانتوا فقد دخلت عهدا من الرخاء اعاد إلى الأذهان ذكرى أيام ايزابللا ديستي المجيدة. فبفضل صناعة النسيج أقبل الناس على شراء القماش المانتوي، حتى في إنجلترا وفرنسا المنافستين. وظل ببيت جونزاجو الذي حكم هذه الدوقية منذ عام 1328 ينجب الأكفاء من الرجال. ففي الدوق فنشتزو الاول تمثلت من جديد فضائل امرأة النهضة: رجل حلو الصورة لطيف المعشر، يرعى روبنز المحظوظ وتاسو التعس على

ص: 4

السواء؛ يجمع الآثار القديمة، والتحف الصينية، والآلات الموسيقية، والنسيج المرسوم الفلمنكي، وأزهار الطوليب الهولندية، والنساء الجميلات؛ يهوى الشعر والقمار، مقاتل باسل ورجل دولة جرئ، ولكنه ينهك نفسه بالفجور والحرب، ويموت غير متجاوز الخمسين (عام 1612). ثم يخلفه ثلاثة أبناء على التوالي، وآخرهم وهو فنشنزو الثاني لم يعقب، وكان من ثر تنافس فرنسا والنمسا واسبانيا على تعيين خلف له والتحكم في هذا الحلف أن غدت الدوقية مسرحا عاجزا لحرب الوراثة المانتوية (1628 - 31) وكانت حربا ضروسا أوشكت أن تمحو مانتوا من سجل التاريخ.

واما يرونا فقد تكاسلت ثقافيا خلال هذه الحقبة واعتمدت على تراث النهضة. ففي فيتشنزا كانت واجهات باللاديو الكلاسيكية تحدد الطراز الذي اتبعه كرستوفر رن فيما بعد. وقد أكمل فنشنزو سكاموتزي مسرح باللاديو الأولمبي، ثم صمم قصر تريسينو- بارتون. وأصبح سكاموتزي همزة الوصل بين الكلاسيكية وفن الباروك بفضل ولعه بالزخرف، وهو ولع لم يستطع باللاديو كبحه في فنه.

ب- البندقية

كان اضمحلال ملكة الأدرياتي، كاضمحلال روما القديمة، طويلا بهيا. انها تفقد تجارتها البحرية مع الهند لتستولي عليها البرتغال، وعما قليل ستشعر بمنافسة الهولنديين لها. لقد تحملت وطأة توسع الاتراك بحرا، وكانت بحريتها وقوادها عاملين رئيسيين في الانتصار عليهم في ليبانتو (1571)، ولكنها تخلت عن قبرص بعدها بشهور، ومن ثم غدت تجارتها مع بحر المشرق مرهونة برضى الأتراك وشروطهم. ولقد كافحت ببسالة لتواجه تحدي الزمن المتغير، فاستطاعت باتصالها بالقوافل القادمة من وسط آسيا عند حلب ان تعوض بعض التعويض ما خسرته من تجارتها البحرية من الشرق. وظلت سفنها تسيطر على الأدرياتي، وشاركت في

ص: 5

أرباح تجارة الرقيق التي اصبحت الآن تسئ إلى سمعة البرتغال واسبانيا وإنجلترا، أما أملاكها في البر- وهي فنشنزا وفيرونا وتويسته وترنت واكويلا وبادوا- فقد أثرت وكثر سكانها، وأما صناعتها فقد واصلت تفوقها في الزجاج والحرير والمخرمات والطرف الفني المترفة. كذلك كان لمصرفها المسمى "بانكو دي ريالتو" والذي أنشأته عام 1587 بعد أن اخفق كثير من المصارف الخاصة، الفضل في دهم البنادقة بقوة الدولة، وكان المثال الذي احتذته بلاد أخرى في إنشاء مؤسسات مماثلة في نورمبرج وهمبورج وامستردام. وقد تعجب الرحالة من جمال عمارتها، وفتنة نسائها، ونظافة شوارعها، وثبات حكومتها في حزم وإصرار.

استهدفت سياستها الخارجية فقط حفظ توازن القوى بين فرنسا وأسبانيا مخافة ان تبتلع احداهما الجمهورية التي لم تعد قوية الباس كما كانت من قبل. ومن هنا مبادرتها إلى الاعتراف بهنري الرابع ملكا على فرنسا دعما لبلد مزقته الحرب. وفي عام 1616 اشترك الدوق اوزونا، نائبملك اسبانيا في نابلي، مع السفير الاسباني في البندقية، في مؤامرة للاطاحة بمجلس شيوخها واخضاع الجمهورية لحكم أسبانيا. وبارك فيليب الثالث المشروع، ولكنه جريا على اسلوب الحكومات المهذب، أمر أوزونا بالمضي فيه "دون أن تدع أحداً يعلم أنك تنفذه بعلمي، وتظاهر بأنك تتصرف دون أوامر مني (3) ". غير أن حكومة البندقية كانت تستخدم أبرع الجواسيس في أوربا، فكشفت المؤامرة، وقبض على المتآمرين المحليين، وذات صباح تعلم الناس درسا ينفعهم، إذ رأوهم يتدلون من المشانق في ميدان القديس مرقس، محدقين في الحمائم السعيدة بعيون انطفأ نورها.

هذه الاولجركية الهادئة الصارمة، التي اتجرت مع الناس من جميع العقائد، ومنحتهم الحرية الدينية، كان موقفها من البابوية مستقلاً على نحو ملحوظ. جبت الضرائب من رجال الدين، واخضعتهم للقانون المدني، وحظرت بغير موافقتها بناء أي معابد أو أديار جديدة ونقل ملكية الأراضي

ص: 6

للكنيسة، وراح حزب من ساسة البندقية يتزعمهم لوناردو دوناتو ونيكولو كونتاريني، يقاوم بصفة خاصة دعاوي البابوية بأن لها سلطانا على الأمور الدنيوية. وفي عام 1605 ارتقى كاميللو بورجيزي كرسي البابوية باسم بولس الخامس، وفي السنة التالية اختير دوناتو "دوجا" للبندقية، ووقف الرجلان اللذان كانا بالأمس صديقين، يوم كان دوناتو مبعوثا لدى روما، يواجه أحدهما الآخر في صراع بين الكنيسة والدولة ردد عبر قرون خمسة أصداء ذلك النضال الذي احتدم من قبل بين البابا جريجوري السابع والامبراطور هنري الرابع. وكانت صدمة للبابا بولس أن يعلم أن الزعيم الفكري للحزب المناهض للاكليروس في البندقية راهب سميّ له، ينتمي لجماعة "خدام العذراء" هو فرا باولو ساربي.

وساربي هذا كان في رأي مولمنتي "ألمع العقول التي أنجبتها البندقية قاطبة (4) ". كان أبوه تاجرا، والتحق الصبي بجماعة "الخدام" وهو في الثالثة عشرة، وتشرب العلم في شغف، وحين بلغ الثامنة عشرة دافع عن 318 قضية علمية في جدل علني بمانتوا، ووافق في دفاعه توفيقا حمل دوقها على تعيينه لاهوتيا لبلاطه. ثم رسم كاهنا في الثانية والعشرين، وأصبح أستاذا للفلسفة، وفي السابعة والعشرين انتخب ممثلا اقليميا لرهبنته لدى جمهورية البندقية. وواصل دراساته في الرياضيات، والفلك، والفيزياء، وشتى العلوم. واكتشف انقباض القرحية، وكتب مقالات علمية ضاعت، وشارك في الأبحاث والتجارب التي قام بها "فابريزو داكوابندنتي" و "جامباتيستا ديللا بورتا"، الذي قال أنه لم يصادف قط "رجلا أغزر علما ولا أكثر دقة في محيط المعرفة باسره (5) " وربما آذت هذه الدراسات الدنيوية عقيدة باولو، فقد رحب بصداقة بعض البروتستنت، وقدمت التهم ضده لمحكمة تفتيش البندقية- وهي نفس الهيئة التي لن تلبث أن تلقي القبض على جوردانو برونو. ورشحه مجلس الشيوخ اسقفا ثلاث مرات، وثلاث مرات رفض الفاتيكان الترشيح، وقوت ذكرى هذه الهزائم من عدائه لروما.

ص: 7

وفي عام 1605 قبض مجلس الشيوخ على كاهنين وأدنهما بجرائم خطيرة فطالب البابا بولس الخامس بإحالة الرجلين إلى القضاء الكنسي، وامر بالغاء القوانين الموجهة ضد الجديد من الكنائس والديورة والطرق الدينية. ورفضت حكومة البندقية في ادب ولباقة. فامهل البابا الدوج والحكومة ومجلس الشيوخ سبعة وعشرين يوما للامتثال لأوامره. وهنا استدعوا فرا باولو باعتباره مستشاراً في القانون الكنسي، وأشار ساربي بمقاومة البابا، وحجته في ذلك ان سلطاته لا يسري الا على الامور الروحية، واعتنق مجلس الشيوخ رأيه هذا. وفي مايو 1606 حرم البابا دوناتو والحكومة وأوقع حظراً على جميع الخدمات الدينية في اراضي البندقية. واصدر الدوج تعليماته للكهنة البنادقة بتجاهل الحظر ومواصلة اداء وظائفهم، ففعلوا إلا اليسوعيين والثياتين والكبوشيين. ورحل اليسوعيون بحملتهم عن البندقية، لأن قوانينهم تلزمهم بطاعة البابوات، وذلك برغم انذار الحكومة لهم بأنهم ان رحلوا فلن يسمح لهم بعدها بالعودة. ونشر ساربي خلال ذلك، ردا على الكردينال بللارميني، كراسات دعا فيها إلى تقييد سلطة البابا، وأعلن أن للمجامع العامة سلطانا يسمو على سلطان البابوات.

ولجأ بولس الخامس إلى أسبانيا وفرنسا، ولكن اسبانيا هذه طالما رفضت المراسم البابوية، أما هنري الرابع ملك فرنسا فكان مدينا للبندقية بصنيعها معه. على أنه أوفد إليها رجلا حكيما هو الكردينال دجوايوز، الذي ابتكر ما اقتضاه الموقف من صيغ تحفظ ماء الوجوه. فأفرج عن الكاهنين وسلما إلى السفير الفرنسي، الذي المهما بعد قليل الى روما، ورفض مجلس الشيوخ الغاء القوانين التي اعترض عليها البابا، ولمنه- أملا المعونة البابوية ضد الترك- وعد بان الجمهورية "ستسلك بما عهد فيها من ولاء". وأوقف البابا لومه، ورفع جوايوز الحرم عن المحرومين. يقول مؤرخ كاثوليكي "لقد غلت مزاعم البابا بولس الخامس في تشبهها بمزاعم القرون الوسطى غلوا جعل تحقيقها ضربا من المحال (6) " وكانت هذه آخر مرة اوقع فيها الحرم على دولة بأسرها.

ص: 8

وفي 5 أكتوبر 1607 هاجم بعض القتلة المستأجرين ساربي وتركوه وهم يحسبونه ميتا، لكنه افاق، وروى أنه علق على الهجوم بهذه الحكمة التي فيها من البراءة ما يجعل صدورها عنه لحظتها بعيد الاحتمال، "انى تبين اسلوب الادارة البابوية الدقيق (7) "

(1)

. ووجد القتلة الحماية والاستحسان في الدويلات البابوية (8). بعد هذا عاش ساربي معتكفا في صومعته يتلو القداس كل يوم، ولكن "مرقمه" لم يكن معطلا. ففي عام 1619 نشر تحت اسم مستعار وعن طريق دار نشر لندنية "تاريخ مجمع ترنت" وهو اتهام ضاف للمجمع، صور فيه حركة الاصلاح الديني تصويراً بروتستنتينياً خالصاً، وأدان المجمع لأنه باذعانه التام للبابوات حال دون رأب الصدع في الكنيسة. وتحمس العالم البروتستنتي للكتاب، واطلق ملتن على مؤلفه "ممزق القناع العظيم". أما اليسوعيون فعهدوا إلى فقيه منهم يدعى سفورتزا باللافتشيو بكتابة تاريخ معارض (1656 - 64) كشف تحيز ساربي وعدم دقته وباراه فيهما (9). وعلى الرغم من تحيز الكتابين فانهما سجلا تقدما في جمع الوثائق الاصلية واستخدامها، وفي رسالة ساربي المسهبة سحر البلاغة النارية، وهذا تشويق اضافي ذو خطر. لقد كان الرجل متقدما كثيرا على جيله في الدعوة إلى الفصل التام بين الكنيسة والدولة.

في ظل هذه الحكومة الابية، وفوق تلك القنوات المطمئنة العطرة، واصلت البندقية سعيها وراء المال والجمال تسترضي المسيح بالعمارة، والعذراء بالابتهالات، فلكل اسبوع عيد يتذرع للاحتفال به بقديس ما، وفي رسوم جواردي نرى امثلة من هذه الانتشاءآت الجماهيرية، وتلحظ في صور الأشخاص ذلك الترف الشرقي الحسي، ترف الثياب والحلي.

(1)

التورية هنا في كلمة Stilus و Style. والكلمة الأولى كانت في الأصل تعني حديدة مستدقة الطرف، ثم سنًا من حديد استعمل في الكتابة على ألواح من الشمع، ثم قلما، ثم طريقة في الكتابة، أي أسلوبا. والتصغير الايطالي Stiletto كان له مسميان: المرقم، والخنجر الصغير.

ص: 9

وكان في وسع المرء في أية أمسية أن يسمع صوت الموسيقى تعزف في الزوارق (الجوندولا). ولو وطئت قدماه زورقا من هذه الزوارق السحرية ولم يفه باي توجيه للملاح، لمضى به دون كلام كثير إلى بيت مومس شريكة له. وقد دهش مونتيني لكثرة بنات الهوى البندقيات، وغلوهن في التحرر، وما هو بالرجل المتحيز، وكن يدفعن ضريبة للدولة، لقاء سماحها لهن بأن يسكن حيث شئن، ويلبسن ما يشتهين، ولقاء دفاعها عنهن ضد الزبائن الذين يأكلون حقوقهن (10).

واكتسبت "القناة الكبرى" وأفرعها مزيدا من الحسن عاما بعد عام بفضل ما قام على ضفافها من كنائس فخمة أو قصور جديدة مشرقة أو جسور رشيقة. ففي عام 1631 عهد مجلس الشيوخ إلى بالداساري لو نجينا ببناء كنيسة رائعة للعذراء "سانتاماريا ديللا سالوتي" وفاء بنذر لأنها ردت إلى أهل المدينة عافيتهم عقب طاعون كبير. وفي 1588 - 92 أقام انطونيو دا بونتي بدلا من الجسر الخشبي العتيق "جسر ريالتو" الجديد الذي امتد عبر القناة الكبرى في قوس واحد من الرخام طوله تسعون قدما، وقامت المتاجر على جناحيه. وحوالي عام 1600 بنى "جسر التنهدات" (بونتي دي سوسبيري) عاليا فوق قناة تجري بين قصر الدوج وسجن القديس مرقس- "فقصر على طرف وسجن على الطرف الآخر" (11). واتم سكاموتزي كنيسة بالاديو و "سان جورجو" ومكتبة فيكيا التي بدأت انسوفينو. وبنى سكاموتزي ولونجينا "البروكوراتي نوفي" (1582 - 1640) الملاصق لميدان القديس مرقس ليستخدم مكاتب جديدة لحكومة البندقية. وقامت الآن قصور شهيرة على ضفاف القناة الكبرى: بالبي، وكونتاريني ديلي سكريني، وموتشينجو، حيث عاش بايرون في 1818. والذين لم يروا البندقية سوى ظاهرها لا يستطيعون ابدا تصور ما في باطنها من بذخ- يجله الذوق الرفيع سائغا:

تلك السقوف ذات الرسوم الجصية أو الزخارف الغائرة، والجدران المزدانة بالصور أو قطع النسيج المرسوم، والمقاعد المكسوة بالساتان،

ص: 10

والكراسي والموائد والصناديق المنقوشة، والدواليب المطعمة بالصدف والعاج، والسلالم العريضة الفخمة التي بنيت لتعيش القرون الطويلة. هنا نعمت أو لجركية غيور، قوامها عدة مئات من الاسر، بكل ثراء أقطاب التجارة، وبكل المعايير الفنية المرهفة التي اتيحت للأرستقراطيات العريقة.

ولا يبرز في هذه الفترة بين مثالي البندقية غير مثال واحد هو اليساندرو فيتوريا، ولكن فن التصوير البندقي أنجب اثنين من مصوري المرتبة الثانية. فقد اورث بالمافيكيو (مات 1528) فنه عبر الأجيال إلى حفيد لأخيه يدعى بالماجوفاني- أو ياكوبو بالما الأصغر- الذي مات بعد موت جده بمائة عام تماما. والرأي في فن جوفاني- إنه "منحط" لأن الرجل كان يرسم في عجلة يشوبها الإهمال، ولكن بعض صوره، كصورة "البابا اناكليتوس" في كنيسة الصلب، تدنو من العظمة، وفي هذه السطور التي خلفها مولمنتي يقفز هذا الفنان الأصغر المهمل إلى الحياة.

"لم يكن لبالما جوفاني من هدف

سوى فنه، الذي عجز اشد الأحزان عن أن يصرفه عنه. ففي فنه التمس العزاء عن موت ولديه، اللذين مات أحدهما في نابلي، قضى الآخر في حياة الفجور. وبيتما كانت زوجته تحمل إلى قبرها عكف على الرسم هروبا من الالم (12).

أما برناردو ستروتزي فقد حصر بين ساقيه قمة الحذاء السحري، إذ ولد في جنوه، ومات في البندقية (1644)، وخلف صورا لكل قاعة مفن تقريبا بين البلدين. انفق بعض عمره راهبا كبوشيا، ثم خلع رداء الرهبة، ولكنه لم يستطع قط ان يخلع كنيته "الكبوشي". وبعد أن بذل محاولات كثيرة، وجد التسامح والتوفيق في البندقية، وفيها انتج أفضل أعماله. ويكفي أن نذكر مثلا منها "هو صورة أخ دومنيكي" (برجامو): فـ "البيريه" العالية تزين الجبين العريض، والعينان عابستان

ص: 11

مركزتان، والأنف والفم ناطقان بقوة الشخصية، واليد تنشئ بعراقة الأصل؛ أن تتسيانو نفسه لم يكن في وسعه أن يبدع خيرا من هذا الفن. ولو ظهر هذان الوريثان للعمالقة من السلف في أي وطن آخر لحسبا من العمالقة.

حـ- من بادوا إلى بولونيا

انحصر فخر بادوا بجملته الآن في جامعتها. ففيها درس هارفي في هذه الحقبة. وفيها علم جاليلو. وفي إمارة فيرارا لم يبد الفونسو الثاني (حكم 1559 - 97) تقاعسا أو فتورا في همة آل ايستي الذين حكموا الامارة منذ 1208. وصورته التي يحتفظ المتحف البريطاني بنسخة منها غفل من التوقيع يطل منها رأس قوي. ولحية أمرة، وعينان تنبئان بعقل حازم مكتئب. كان في وسعه أن يكون قاسيا لا يرحم الذين يقاومونه، رفيقاً بغيرهم، صبوراً على غضبات تاسو، جريئاً في النزال، مشتطاً في فرض الضرائب. وقد واصل التقليد الذي جرت عليه أسرة ايستي في بسط رعايتها على الأدب والعلم والفن، وجمع ثمارها كلها في ثقافة بلاطه وبهائه ومرحه. أما الشعب فكان عليه ان يقنع بالكفاف- وان يستمد بثمار كده في شخص وكلائه. وقد اخفق الفونسو في أن يعقب ولدا برغم جبروته كله، وبرغم زواجه من ثلاث نساء عل التعاقب، وأصبحت فيرارا دويلة بابوية في 1598 بمقتضى اتفاق كان قد أبرم في 1536، بعد أن ظلت طويلاً أقطاعة بابوية- وهكذا انتهى تاريخها الثقافي.

أما بولونيا التي ضعت للحكم البابوي منذ 1506 فقد اتيحت لها في هذا العصر ازدهار ثان في مدرسة للتصوير سادت ايطاليا مدى قرنين ومدت نفوذها إلى أسبانيا وفرنسا وفلاندرا وانجلترا. عاد لودوفيتشو كاراتشي، وهو ابن جزار غني، إلى بولونيا بعد أن درس الفن في البندقية وفلورنسة وبارما ومانتوا. وكان تنتوريتو قد حذره بأنه لم يوهب عبقرية التصوير، ولكنه أحس أن الاجتهاد يمكن أن يقوم مقام العبقرية،

ص: 12

ثم أن العبقرية لا تعوزه. وبعث بحماسته الحمية في اثنين من أبناء عمومته هما أجوستينو وأنيبالي كاراتشي- وكان أحدهما صائغا والآخر خياطاً، فرحلا إلى البندقية وبارما ليدرسا فن تيشان (تتسيانو) وكوريدجو. فلما عادا انضما إلى لودوفيتشو وفتح الثلاثة أكاديمية "للبادئين عل الطريق (1589). وقد وفروا فيها تعليم اصول الفن وتاريخه وطرائقه، والدرس المدقق لأئمة الفن، ورفضوا التشديد على "اللازمات" أو الأغرابات التي التزمها أي من الفنانين، بل آثروا الجمع بين نعومة رفائيل الانثوية، وبلاغة كوريدجو الرقيقة، وفحولة ميكل أنجيلو، وتنويع ليوناردو الضوئي، وتلوين تيشان الدافئ- كلها من مذهل شامل واحد. هذه "المدرسة الانتقائية" اتاحت لبولونيا أن تنافس روما، عاصمة فنية لايطاليا.

والصور التي خلفها المصورون كاراتشي لا تحصى، وكثير منها محفوظ في أكاديمية بولونيا للفنون الجميلة، وبعضها في اللوفر، ولكنا نجدها في أماكن أخرى كثيرة. ونتاج لودفيتشو أقلها جاذبية، ولكنه يبلغ غايته في صورة "البشارة" المشرقة، وصورة"استشهاد القديسة أورسولا"، وكلتاهما في "قاعة صور الأكاديمية. أما اجوستينو ففنه يتجلى في لوحة "عشاء القديس جيروم" القوية- التي لم تمنعه من الاستجابة للطلب الكثير على نسخ من الصور الفاجرة. وأما أنيبالي فكان ألمع أفراد الأسر موهبة، وقد نقل عن كوريدجو في الخطوط والالوان ندر أن طاولها أبنا عمه. تأمل الاناقة الشهوانية في لوحته "الباخوسية" المحفوظة بقاعة الأوفتزي، وصورة الأنثى الكاملة في "الحورية والاساطير" المحفوظة بقصر بيتي، وصورة الذكر الكامل في "عبقرية الشهرة" المحفوظة بدرسدن؛ وقد أبدع في لوحته "المسيح والمرأة السامرية" (فينا) آية من آيات الفن في هذه الحقبة- صورا جديرة بريشة رفائيل، ومنظرا طبيعيا سبق به بوسان.

وفي عام 1600 قبل أنيبالي وأجوستينو دعوة الكردينال فارنيزي لهما ليذهبا إلى روما ويرسما صالة قصره فيها. فاختارا موضوعا مناسبا ورسما "انتصار باخوس" وهي مهرجان روبنزي من المفاتن الأنثوية.

ص: 13

ومن روما أنطلق اجوستينو إلى بارما حيث رسم لوحة جصية هائلة للكازينو، ومضى أنيبالي إلى نابلي حيث يرى في متحفها القومي إلى اليوم ذلك المزج الذي أختص به بين لوحة "العائلة المقدسة" ولوحة "فينوس ومارس". وقد ودع أبناء العم الثلاثة الحياة متفرقين، وهم الذين طالما جمع الفن بينهم. فمات أجوستينو في بارما (1602)، وأنيبالي في روما (1609)، ولودفيتشو في بولونيا التي ظل وفيا لها- فكان أول الوافدين عليها وآخر الراحلين عنها (1619).

لقد دربت المدرسة الجديدة نفرا من أشهر رسامي ذلك العهد. وكان لأحدهما- وهو جيدو ريني- من الأتباع أكثر مما كان لاي مصور في أوربا. فبعد تفتح مواهبه المبكر بفضل عناية المصورين كاراتشي، استسلم لإغراء روما (1602)، وانشغل فيها عاما- ث عاد إلى بولونيا ليرسم فيها صورا من حس التقوى، وجمال العاطفة، ما جعلها همزة وصل مرحبا بها بين سنية الايمان وهرطقات الجسد. أما جيدو نفسه فيبدو انه كان مخلصا في تدينه، واثر عنه احتفاظه بعذريته كاملة إلى النهاية. وصورته الذاتية المحفوظة بمتحف الكابيتوليني تظهره في شبابه، فتى وسيما كالصبايا، أشقر الشعر ابيض البشرة ازرق العينين. واروع صوره صورة "الفجر"، الجصية المرسومة على سقف قصر رويبليوزي بروما. وفيها ترى ربة افجر تحلق في الجو ومن خلفها جياد رشاق تجر فيبوس الأشعث في مركبته، تصحبه راقصات ملاح الوجوه حسان الأجساد، يمثلن ساعات اليوم، وكاروبيم مجنح كأنه خاتم المسيحية على هذه النشوة الوثنية. ورسم جيدو أساطير أخرى- مثل "اغتصاب هيلانة" في اللوفر، و "تفاحات الهسبريد" في نابلي، ولوحة "فينوس وكيوبد" الشهوانية في درسدن. وعن العهد القديم أخذ لوحته المشهورة "سوسنه الشيوخ"(الأوفتزي). ولكنه في أكثر رسومه قنع باعادة تصوير الموضوعات القديمة إلى قلوب الناس المحببة إلى الكنيسة، كقصة المسيح وأمه

ص: 14

وكلها ينضج بما ندد به قساة النقاد من اسراف "مجدلي"(5)

(1)

في العاطفة. على أنه أجاد في تصوير الرسل، كما تشهد بذلك لوحة "القديس متى" المحفوظة بالفاتيكان، وقد رسم رأسا رائعا للقديس يوسف (بريرا)، وفي لوحة "استشهاد القديس بطرس" بالفاتيكان جرب واقعية كارافادجو الصارمة. وجين عاد إلى العاطفة رسم لقاعات الفن لوحة "القديس سباستيان" المشهورة وفيها يبدو القديس وهو يتلقى السهام في جسده الكامل هادئا

رابط الجأش. وفي كل آثاره نلمح براعة الأسلوب المدرب خير تدريب، ولكنا حين نقارن هذه اللوحات المقدسة، المفرطة الحلاوة، بلوحة رفائيل "ستانتزي" او بسقف كنيسة السستين الذي رسمه ميكل أنجيلو، لا يحركنا في فن ريني غنى اللون ولا نعومة الخط، بل "الافتقار إلى الجرأة". كان يحلم حلما يغتفر له حين كتب له يقول:"أحب أن اخلع على الوجه الذي أرسمه جمالا كالجمال الكامن في الفردوس"(13)، ولكنه فضح نفسه فاخر بأن لديه "مائتي طريقة لجعل العيون تطلع إلى السماء"(14).

اتبع دومنيكينو (دومنكيو تزامبيري) سياسة جيدو في ارضاء الوثنيين والمتدينين جميعا، ولما كان هذان في كثير من الأحيان واحدا فان الخطة أثمرت. كان معقدا أكثر من جيدو، فيه تواضع وحياء، يحب الموسيقى ويعشق زوجته. وقد تعلم هو أيضا التصوير في بولونيا ثم أنطلق إلى روما سعيا إلى الفن والمال. وأثار نجاحه هناك حسد منافسيه فيها، فاتهموه بانتحال صور غيره، فقفل إلى بولونيا راجعا، ولكن جريجوري الخامس عشر استدعاه ليكون كبير معماريي الفاتيكان ومصوريه. فصمم فيلا الدوبرانديني بفراسكاتي، مستعيناً في فنه بشيء من تعدد البراعات الذي

(1)

لاحظ أن هذه الكلمة maulin تحريف لكلمة magdalen- التي مازالت تنطق " مودلن" في اسمى كلية مودلن باكسفورد، وكلية مودلن بكمبردج: أما مريم المجدلية ذاتها فلم تعفها ريشة جيدو الحسية من المطاردة المخلصة.

ص: 15

أثر على رجال النهضة. ولما انتقل إلى نابلي بدأ سلسلة من الصور الجصية في كاتدرائيتها. وكاد يتم مهمته برغم ما لقي من مشاق ضاعف منها مصورو نابلى، ولكنه مات (1641) في الستين من عمره وهو لا يزال في عنفوان فنه. وأعظم لوحاته "عشاء القديس جيروم" المحفوظة بالفاتيكان. واستنادا إلى هذه الرائعة لم يفضل بوسان عليه من المصورين سوى رفائيل (15)، ونحن نحترم هذا التحمس أكثر مما نحترم الحكم. اما رسكن ففي رأيه أن دومنيكينو "عاجز بصورة واضحة عن الإتيان بشيء حسن، أو عظيم، أو صواب، في أي ميدان، أو سبيل، أو فرع، كائناً ما كان (16) "، ونحن لا نعجب بالحكم ولا ببلاغة العبارة هنا.

أما آخر تلاميذ آل كاراتشي الثلاثة المشهورين فقد اشتهر بكنية مؤسفة هي جويرتشينو- "الأحوال"- ما أصاب عينه من تشويه أثر حادث وقع له في طفولته، ولكن أمه سمته جوفاني فرانشسكوباربيري. مارس التصوير فعلا، متأثراً بأسلوب كارافادجو القوي، قبل أن ياتي ليدرس على يد آل كراتشي، لذلك توسط في فنه بين بولونيا وروما. وظل أعزب مثل جيدو، وعاش عيشة التقشف، وأظهر خير فضائل حركة الاصلاح الكاثوليكي في حياته الهادئة الكريمة. وقد خلف لنا الكثير من الصور اللطيفة، منتشرة من روما إلى شيكاغو، وكان أضعف مصوري المدرسة البولونية وأحبهم إلى الناس.

إن النظرية الأساسية التي قامت عليها المدرسة الانتقائية- وهي أن في الاستطاعة تكوين الفنان العظيم بمحاولة الجمع بين مختلف المزايا التي تفرد بها سابقوه- هذه النظرية كانت خطأ بغير شك، ذلك لأن شيمة العبقرية كثيرا ما تكون التعبير عن شخصية وشق مسالك جديدة، بيد أن "أكاديمية البادئين على الطريق" أفادت في بث تقليد ربما اشتطت العبقرية لولاهما وأغربت.

والنجاح الذي أصابته المدرسة يعزى إلى تعاونها الحاضر مع

ص: 16

حاجات الكنيسة، فقد احتاجت البابوية بعد اصلاحها، كما احتاج اليسوعيون بعد اتساع منظمتهم، إلى ألوان جديدة من التعبير عن قصة المسيحية، ومن التحريض الحي على التقوى والإيمان. وقد مس المصورون البولونيون كل وتر عاطفي في العابدين، وانتشرت الصور التي رسموها للعذراء والمجدلية في العالم المسيحي الكاثوليكي قاصية ودانية. ومنذا الذي ينكر أن الناس أقروا بالفضل لهذه الإلهامات، أو أن الكنيسة حين وفرتها لهم اثبتت أنها أعظم السيكولوجيين في التاريخ فهما لطبائع البشر؟

د- نابلي

كانت الدويلات البابوية قد استوعبت منذ زمن فورلي ورافنا وريمني وأنكونا، ثم ضمت إليها أوربينو عام 1626، وبيزارو عام 1631. وإذا اتجهنا جنوبا، مارين بفودجا وباري وبرنديزي حتى كعب "الحذاء السحري"- ومارين بتارانتو وكروتوني وريدجو كالابريا حتى ابهامه؛ وعرضا من سيلا إلى كاربيديس مخترقين صقلية، وشمالا على طول الساحل الغربي إلى كابوا- وجدنا مملكة نابلي، التي أصبحت ولاية أسبانية منذ عام 1504. هنا كان ثلاثة ملايين من السكان المشبوبي العاطفة، يكدحون في ذل الفقر بين أرجاء هذه المملكة المنبسطة في غير نظام ليدبروا المال الذي تطلبه بهاء عاصمتها المتألقة. وقد رأى أيفلين نابلي عام 1645 وقال في وصفها: -

"إن كبار الحكام يفتنون في الاثراء من كد الشعب التعس لما فيهم من شره شديد المال. وعمارة المدينة إذا قيست بحجمها أفخم من أي نظير لها في أوربا: فالشوارع واسعة جدا، جيدة الرصف، كثيرة الأنفاق لصرف الأقذار، ومن ثم أصبحت غاية في الجمال والنظافة .. وتملك المدينة أكثر من 30. 000 كنيسة ودير، وهي خير ما في إيطاليا بناء وزخرفا. والقوم شديدو التظاهر بالوقار الأسباني في لباسهم، وهم يهوون الجياد الفارهة؛ والشوارع حافلة بالوجهاء المتأنقين يمتطون الخيل أو

ص: 17

يركبون المركبات أو المحفات. أما النساء فملاح الوجوه عموماً، ولكن فيهن شبق شديد) 17) ".

كان الكل يبدون مرحين، تفيض نفوسهم بالموسيقى والشعر والتقوى، ولكن تحت هذا السطح المرح، وتحت بمصر محكمة التفتيش، كانت النفوس تجيش بالهرطقة والثورة. ففي هذا العهد عاش الفيلسوف تيليزيو ومات (1588)، وفي نولا، القريبة من نابلي، ولد برونو (1548). وفي عام 1598 اشترك كامبانيللا في حركة تمرد استهدفت جعل كالابريا جمهورية مستقلة، ولكن المؤامرة فشلت، وقضى الشاعر الفيلسوف بعدها سبعة وعشرين عاما في غياهب السجن.

وفي عام 1647 انتاب نابلي ضرب من الهوس من جراء انتفاضة من هذه الانتفاضات المسرحية التي عطلت بين والحين الاستغلال الزراعي في إيطاليا. ذلك أن تومازو أنييللو، المشهور بمازانييلو، كان بائع سمك متجولا حكم على زوجته بغرامة كبيرة لتهريبها القمح. فلما فرض الحاكم الأسباني ضريبة على الفاكهة ليمول البحر، وأبى زراع الفاكهة وباعتها أداء الضريبة، دعا تومازو الناس إلى العصيان المسلح. فتبعه مائة ألف إيطالي حين زحف على قصر الحاكم مطالبا بسحب الضريبة. وروع الحاكم فأذعن للطلب، وأصبح تومازو- الذي كان يومها في الرابعة والعشرين- سيداً على نابلي، وحكمها عشرة أيام، أعدم خلالها ألفاً وخمسمائة من الخصوم في حمى الدكتاتورية، وسعر الخبز بثمن أقل، وكان عقاب خباز رفض الامتثال للتسعيرة ان يشوى حياً في فرنه (18) - ولكن أعداء تومازو هم الذين كتبوا التاريخ، وذكروا أن تومازو الذي ارتدى ثوباً من الذهب، أحال بيته المتواضع إلى قصر يرفل في مظاهر السلطان، وطاف حول الخليج في زورق فاخر. ولكن فتاكاً استأجرتهم اسبانيا اغتالوه في 17 يوليو. وأخذ أتباعه الجثة التي قطعت أوصالها فجمعوا الأشلاء وشيعوها في مشهد جليل. وماتت الحركة بعد أن فقدت قائدها.

ص: 18

استطاع ضرب من الفن الديني القاتم أن يحتفظ بالحياة برعاية المطارنة والحكام. ففي عام 1608 انفقت الكنيسة مليونا من الفلورينات لتشيد في كاتدرائية سان جينارو كنيسة صغيرة تسمى "كابيللا ديل تيزورو" لتكون ضريحا لأنائين يحتويان الدم المتخثر الذي تخلف عن القديس يانواريوس حامي نابلي. وقيل للشعب انه لابد أن يسيل الدم ويجري مرتين في العام لكي تزدهر نابلي وتأمن عائلة فيزوف.

أما التصوير في نابلي فقد ظل يهيمن عليه حينا ثلاثي من الفنانين الغيورين- كورينتزيو، وكارلتشلو، وريبيرا- الذين عقدوا العزم على أن يكون كل التصوير في نابلي وقفا عليهم أو على أصحابهم. وقد بلغ من تهديداتهم لانيبالي كاراتشي أنه اكره على الفرار إلى روما، حيث ادركه الموت بعد قليل من جراء رحلته المحمومة التي أضطر إليها تحت شمس حامية (19). وحين حضر جيدو ريني لزخرفة "كنيسة الكنز" تلقى انذارا بأن يرحل عن نابلي أو يموت، فرحل من فوره تقريبا وهو لم يكد يبدأ مهمته. واركب اثنان من مساعديه بقيا بعد رحيله سفينة كبيرة لتشغيل العبيد وانقطع خيرهم بعدها. ثم حضر دومنيكينو، وأتم أربع صور جصية في الكنيسة على الرغم من أن الصور محيت غير مرة، وأخيرا فر من تهديدات ريبيرا، ثم عاد بعد أن تعهد الحاكم بحمايته، ولكنه مات بعد قليل، ربما سموماً (20).

على أننا لا بد أن نشيد بذكر جوزي أو جوزيبي ريبيرا، برغم كل جرائمه، لأنه أعظم مصوري هذا العهد في إيطاليا. وتدعيه اسبانيا لنفسها استنادا إلى أنه ولد في زاتيفا قرب بلنسيه (1588)، وقد درس حينها على فرانشيسكو دي ريبالتا، ولكنه قصد روما في بواكير شبابه. هناك عاش في فقر مدقع، ينسخ الصور الجصية ولا يجمع غير الفتات، حتى قيض الله له واحدا من هؤلاء الكرادلة عشاق الفن كان لا يزال يشعر بوحي النهضة، فاستضافه في قصره ويسير الغذاء والفراش والألوان

ص: 19

والكساء. وراح جوزيبي ينسخ في جد ومثابرة لوحات رفائيل في الفاتيكان وصور آل كاراتشي في قصر فارنيزي. ثم فر "الأسباني الصغير" إلى بارما ومودينا ليدرس كوريدجو حين وجد أن الراحة اطفأت حماسته. وعاد إلى روما، وتشاجر مع دومنيكينو. ثم انتقل إلى نابلي. وفيها أو في روما وقع تحت تأثير كارافادجو، الذي زاده اسلوبه الوحشي رسوخا في المذهب الطبيعي القاتم، ولعله أخذه من قبل عن ريبالتا. واستلطفه تاجر صور غني فعرض عليه أن يتزوج ابنته الحسناء. وظن جوزيبي المملق أن الرجل يسخر منه؛ ولكن حين اعاد العرض قفز صاحبنا إلى حياة الزواج والثراء.

ورسم الآن لوحته المسماة "سلخ جسد القديس برتولميو"، وفيها من احتمال الحقيقة الدامي ما جعلها- حين عرضت- تجتذب حشدا ن المتفرجين استهواهم الدم أكثر من الفن. أما الحاكم الأسباني- وهو أوزونا الذي عرفناه متآمرا على البندقية- فقد أرسل في طلب اللوحة والمصور، وافتتن بها، ثم عهد إلى ريبيرا بكل أعمال الزخرفة في القصر. وأقصى الأسباني كل منافسيه، حتى عهد إلى جوفاني لانفرانكو صديقه برسم الصور الجصية لكنيسة الكنز، وقام هو نفسه بتنفيذ صور المذبح التي مثل فيها يانواريوس، القديس الذي لا تؤذيه النار، يخرج من أتون مشتعل دون ان يمسه لهيبه.

بعد هذا أصبح ريبيرا إمام فنه غير منازع في نابلي. وبدا أن في استطاعته إن شاء أن يضارع نعومة رفائيل وكوريدجو دون أن يقع في عاطفية جيدو ريني أو موريللو، وأن يرتفع بواقعية كارافادجو إلى مزيد من القوة بفضل حدة تصوره وعمق تلوينه. وحسبنا أن نستشهد بلوحتين فقط من لوحاته "بييتا" و "الرثاء"، في كنيسة سا مارتينو وديرها- "عمل إذا نظر إليه على أنه تجسيد لجلال الرهيب لهبطت كل التعبيرات المماثلة في ذلك القرن إلى درك المشاهد المسرحية (21)، أوخذ من الأساطير لوحته "أرخميدس". في متحف البرادو- فهو بالضبط ذلك

ص: 20

الصقلي العجوز المنغضن الذي قد يلتقي المرء باشباهه اليوم في سيراقيوز. وحين انتقل ريبيرا من الكتاب المقدس والتاريخ إلى الشارع، وجد التنويع لفنه في لقطات واقعية من صميم الحياة العامة، فكان في لوحة "الصبي الحافي" المثال الذي احتذاه فلاسكويز وموريللو

(1)

".

وعيوب ريبييرا تقفز إلى العين- غلو في العنف، وولع بالتجاعيد والضلوع، وظمأ للدم. وقد لاحظ بايرون أن "هذا الأسباني الصغير لوث ريشته بكل دماء القديسين (22) ". أن الوانه الكابية وتشديده على الجانب القاتم من الحياة يروع ويغم، ولكن هذا الأسلوب المظلم وجد تقبلا حاضراً في بلد كنابلي كابد حكم الأسبان وتقلبات مزاجهم. وتنافست عليه كل كنيسة أو دير جديد، كأن فيليب الرابع وحكام نابلي بعض زبائنه الشرهين. وانتشرت رسوم ريبيرا ومحفوراته في أسبانيا انتشارا أوسع من اعمل فيلاسكويز- الذي زاره مرتين في إيطاليا. أما بيته فكان من أفخم بيوت نابلي، وأما ابنتاه فآيتان في الفتنة السمراء، وقد شرفت إحداهما باغواء "دون خوان" آخر لها هو الابن غير الشرعي لفيليب الرابع، الذي هرب بها إلى صقلية، ولكنه سرعان ما ملها وهجرها، فاعتكفت في دير للراهبات ببالرمو. أما ريبيرا فأشرف على التلف كمدا وعارا، والتمس العزاء في صور للعذراء يخلع عليها الملامح التي لم ينسها، ملامح ابنته ماريا روزا التي فقدها، ولكنه مات بعد مأساتها بأربع سنوات (1652).

‌2 - روما والبابوات

أصبحت عاصمة الدويلات البابوية

(2)

وقصبة العالم الكاثوليكي الروماني

(1)

يجد رواد المتاحف من صور ريبيرا ثلاثا وستين في البرادو، وملء نصف قاعة في رواق الصالون كاريه باللوفر: وتحتفظ نيويورك بصورة "العائلة المقدسة" في متحف التروبوليتان للفنون، وبصورة للمجدلية في الجمعية الأسبانية.

(2)

أهمها هذه المدن وما يحيط بها: روما، واوسيتا، وفيتربو، وتيرني، وسبوليتو، وفوليفو، وأسيسي، وبيروجه، وجوبيو، وأوربينو، ولوريتو، وانكونا، وبيزارو، وريميي، وفورلي، ورافينا، وبولونيا، وفيرارا.

ص: 21

مدينة من مدن المرتبة الثانية، فيها من الأنفس 45. 000 عام 1558، زادوا إلى 100. 000 في عهد سيكستوس الخامس (1590). وحين وفد عليها مونتيني عام 1580 خيل غليه أنها أكثر من باريس اتساعا، ولكن بيوتها لا تعدو ثلث بيوت باريس؛ وبين السكان عدد غير قليل من المجرمين والبغايا (قبل سيكستوس الخامس)؛ وكان كثير من النبلاء يحتفظون بنفر دائم من الفتاك. أما الفقر فمنتشر ولكنه هين تكسر من حدته احسانات البابا، والاحتفالات الكنسية، والأحلام الدينية. وأما عشائر النبلاء العريقة-كأورسيني، وكولونا، وسافللي، وجيتاني، وكيجي-فقد تناقص دخلها وسلطانها وإن لم تفتر دعواها وكبرياؤها. وكانت الأسر الأحدث عهدا-كألدوبرانديني، وباربريني، وبورجيزي، وفارنيزي، وروسبليوزي-تتصدر غيرها ثراء ونفوذا، بفضل اتصالاتها بالبابوات عادة. وظفر اقرباء البابا بعهد جديد من المحاباة. فجني آل ألدوبرانديني المنافع من انتخاب كلمنت الثامن، وآل لودوفيزي من انتخاب جريجوريالخامس عشر، وآل باربريني من انتخاب أوربان الثامن، وآل بورجيزي من انتخاب بولس الخامس. ووضع الكردينال سكبيوني بورجيزي ابن أخي بولس خطة لبناء فيللا بورجيزي، وبنى الكازينو (1615)، إذا كان يتمتع بأكثر من دخل كنسي وبراتب قدره 150. 000 سكودي في العام، ثم انشأ للكازينو مجموعته الفنية الغنية، ونال قسطا لا بأس به من الخلود في الرخام على يد محسوبه برنيني. وقد استخدم كثير من الكرادلة مالهم في تشجيع الآداب والفنون.

وأعان كنيسة روما على البقاء سلسلة من البابوات الأقوياء الشكيمة برغم فقدها ألمانيا والأراضي المنخفضة واسكندناوة وبريطانيا-وكلها سلختها منها حركة الاصلاح البروتستنتي. وكان مجمع ترنت قد أكد سيادة البابوية على المجامع وزاد منها، كذلك جمعية يسوع (اليسوعيون) الفنية القوية تدين بالولاء للبابوية وتخلص لها الحب. وفي عام 1566 ارتقى أنطونيو جيسلييري- الأخ الدومنيكي والرئيس الأعلى لمحكمة التفتيش-

ص: 22

عرش البابوية باسم بيوس الخامس وهو في الثانية والستين

وخيل إليه أن قداسة حياته الشخصية تنسجم تمام الانسجام مع الصرامة التي تعقب بها البدع الدينية. فسحب من كاثوليك بوهيميا الحق الذي منحوه من قبل، حق تناول الأسرار بالخمر كما يتناولها بالخبز. وحرم اليزابث ملكة إنجلترا واحل الكاثوليك الانجليز من الولاء لها. وحث شارل التاسع ملك فرنسا وكاترين مديتشي على مواصلة الحرب على الهيجونوت حتى يبادوا بغير رحمة (23). وامتدح الأساليب الفظة التي اتبعها ألبا في الأراضي المنخفضة (24). وجاهد بقواه المحتضرة لتجهيز الأرمادا الذي هزم الترك في ليبانتو. وما خفف في حياته حكما كنسيا (25)، بل شجع محكمة التفتيش على تنفيذ قواعدها وعقوباتها بالقوة.

على أنه عنف مثل هذا العنف في فرض الاصلاح الكنسي. فالأساقفة الذين يغفلون الاقامة في اسقفياتهم يشلحون، وعلى الرهبان والراهبات أن يعتزلوا الناس اعتزالا تاما، وكل اخلال بالوظائف الكنسية يجب أن يكشف أمره ويعاقب. وحين شكا بعض من طردوا من رجال الحاشية الزائدين عن الحاجة من أنهم سيموتون جوعا، أجاب بيوس بأنه خير للإنسان أن يموت جوعا من أن يخسر نفسه (26). وكانت الكفاية، لا المحسوبية ولا محاباة الأقرباء، رائدة في التعيينات والترشيحات. أما هو فكان دءوبا على العمل، يجلس الساعات الطوال يقضي في الدعاوي، لا يكاد يصيب من النوم أكثر من خمس ساعات في اليوم، ويضرب المثل لرجال الاكليروس بما أخذ به حياته الخاصة من بساطة وتقشف. فهو كثير الأصوام، لا يزال يلبس قميص الرهبان الصوفي الخشن تحت عباءته البابوية. ولقد افنى نفسه بهذا النسك الصارم، فكان في الثامنة والستين يبدو اكثر من عمره بعشر سنين-شيخا نحيل الجسد، أعجف الوجه، غائر العينين، قد اشتعل رأسه شيبا. وأصر وهو لا يكاد يقوى على المشي على أن يحج إلى باسليقات روما السبع، راجلا أكثر الرحلة. ولم تمض

ص: 23

على ذلك الحج تسعة أيام حتى مات بعد شهر من العذاب، مرتديا ثوب القديس دومنيك. كتب مؤرخ بروتستنتي كبير يقول «قليل من البابوات من تدين لهم الكاثوليكية بفضل اكثر من دينها لبيوس الخامس، حقا لقد قسا في اضطهاد البدع، ولكن ادراكه لضرورة الاصلاح، وعزمه الوطيد على تنفيذه، ردا إلى الكنيسة كثيرا من الاحترام الذي فقدته (27). وقد أدخلت الكنيسة بيوس في عداد القديسين عام 1712.

وواصل جريجوري الثالث عشر (1572 - 85) اصلاح الكنيسة بروح أكثر اعتدالا. ونحن نذكر فيه الرجل الذي أعطانا تقويمنا واحتفل بمذبحة القديس برتولومبو بقداس شكر لإله رحيم. على أنه كان رجلاً فاضلاً، عيوفاً، رقيق الخلق. وكان له ولد غير شرعي قبل أن يدخل في زمرة الكهنوت، ولكن أمثال هذه الزلة كان يغتفرها أهل روما الشهوانيون. كان سخياً في العطاء، دموياً في الادارة. وقد أثنى البروتستنت على اختياره لمن يلون مناصب الكنيسة (28). ورأى فيه مونتيني عام 1580 «شيخاً وسيماً» ، ذا وجه يطفح هيبة، ولحية بيضاء طويلة، صحيح البدن موفور العافية مع أنه ينيف على الثامنة والسبعين

دمث الطبع قليل الارتباك بشئون الدنيا (29)».

بيد أن مشاريعه الجريئة-كتمويل المدارس اليسوعية، وقمع الهيجونوت، وخلع اليزابث-كانت تحتاج إلى المال. ولكي يجمعه أمر بتطبيق القانون بحذافيره على ملاك الضياع الكائنة في الأملاك البابوية وعلى عقود التمليك. وهكذا صادر البابا كثيرا من الأملاك التي كان مآلها عقود التمليك. وهكذا صادر البابا كثيرا من الأملاك التي كان مآلها إلى البابوية لانقطاع خط الوراثة المباشر، أو لعدم أداء الضرائب المفروضة على الاقطاعات البابوية. على أن ضحايا هذا الأمر البابوي، الحاليين منهم أو المنتظرين، سلحوا أتباعهم، وقاوموا نزع ملكياتهم، واتخذوا قطع الطريق سبيلا للانتقام. فتزعم رجال من أسر نبيلة، كألفونسو بيكولوميني وروبرتو مالاتستا، عصابات من طريدي العدالة واستولوا على

ص: 24

المدن وسيطروا على الطرق. فاستحال بعد ذلك جمع الضرائب، وسد الطريق على الذهب المتدفق على روما، وما لبثت الفوضى أن عمت الادارة البابوية. هنا أوقف جريجوري مصادراته، واصطلح مع بيكولوميني، ثم مات في ذل الهزيمة وهوانها.

يقولون ان الضرورات صانعة الرجال، وقد صنعت هذه الضرورة من فليتشي بيريتي (سيكستوس الخامس 1585 - 90) رجلا من أعظم البابوات وأجلهم قدرا. رأت عيناه النور أول مرة في جروتامارين قرب أنكونا، في كوخ كان سقفه مهلهلا حتى لقد نفذت منه اشعة الشمس، قال وهو كبير على سبيل المزاج أنه «ولد في بيت منير (30). تعلم في دير فرانسسكاني بمونتالتو، وحصل على دكتوراه اللاهوت بدراسته في بولونيا وفيرارا، ثم أرتقى سريعا بفضل بلاغته واعظا وكفايته إداريا. فلما اختير لكرسي البابوية وهو في الرابعة والستين، كان الدافع لهذا الاختيار أن مجمع الكرادلة تبين فيه الشخصية الصلبة التي تتطلبها سلامة الدويلات البابوية وكفايتها المالية.

بيد أن اقاربه تزاحموا من حوله يمدون إليه أكفهم فلم يقو على ردهم، وهكذا عادت محاباة الأقرباء ترفع عقيرتها، ولكنه في غير ما يتصل بأسرته كان رجلا صلبا لا تلين له قناة. كان في مظهره ذاته ما يستوقف النظر: رجل قصير القامة، عريض المنكبين، متين البنية، واسع الجبين، أبيض اللحية كثها، كبير الأنف والأذنين، ضخم الحاجبين، له عينان نفاذتان قادرتان على إسكات المعارضة دون كلمة. وكان وجهه المتورد ينسجم مع عنف طبعه، ورأسه الكبير يوحي بارادة لا تنثني. على أنه مع كل صرامته كان يملك معينا من روح الفكاهة ومن النكتة الذكية النفاذة أحياناً كثيرة. وقد تنبأ بأن هنري الرابع سيهزم مايين، لأن هنري ينفق في الفراش وقتا أقل مما ينفقه مابين على موائد الطعام (31). أما هو نفسه فكان قليل النوم شديد العكوف على العمل.

ص: 25

عقد العزم أولا على الضرب على أيدي قطاع الطرق المنتصرين. فبدأ بتنفيذ حظر مفروض على حمل الأسلحة الفتاكة ولكنه كان مهملا إلى حد كبير. وفي اليوم السابق لتتويجه قبض على أربعة شبان لانتهاكهم هذا الحظر، وأمر سيكستوس بشنقهم فوراً. التمس أقرباؤهم العفو عنهم أو تأجيل التنفيذ، فأجاب، فأجاب «ما دمت على قيد الحياة فلابد أن يموت كل مجرم أثيم» ؛ وما لبثت أن تدلت أجسادهم من مشنقة نصبت على مقربة من جسر سانتانجيلو، وسط احتفالات التتويج، فكان هذا بمثابة الخطاب الافتتاحي لسيكستوس والبيان لسياسته في أمر الجريمة.

وأمر البابا النبلاء بطرد فتاكم، ووعد كل قطع طريق يسلم إليه آخر حيا أو ميتا بالعفو عنه ومكافأته، أما المكافأة فتدفعها أسرة اللص الأسير أو موطنه. فذا أذاع لص منهم تحديه لأمر، أمر سيكستوس اسرته بأن يعثروا عليه ويأتوا به أو يلقوا الموت جزاء لهم. وقد ارضى دوق أوربينو البابا (32). بأن جمل بغالاً طعاماً مسموماً وأمر سائقيها بالمرور بمخبأ قاطع طريق منهم، وسرق اللصوص الحمل وأكلوا الطعام وماتوا. ولم يكن هناك أي اعتبار للمراتب الكهنوتية أو الاجتماعية، فالمذنبون من «الأسر الأولى» يعدمون دون راحة أو تأجيل، وكان بين المشنوقين قسيس خارج على القانون. وما لبث الريف أن انتشرت فوق ارجائه الجثث تتأرجح في الريح، وقال ظرفاء روما إن عدد الرءوس المقطوعة المعلقة على جسر سنتانجيلو يفوق عدد ثمار الشمام المعروضة في أكشاك السوق (33). ولغظ الناس بقسوة البابا الهمجية، ولكن السفراء أخبروه أنهم «أينما ساروا في دويلاته كانوا يجتازون بلدا رفرف عليه السلام والأمن (34)» وأمر الحبر الفخور بضرب عملة كتب عليها Noli me tangere« حذار أن تمسني» . وفي غضبة مضربة للفضيلة أمر يحرق قسيس وغلام جزاء ارتكابهما اللواط، وأكره شابة على أن تشهد شنق أمها التي باعتها للبغاء. أما كل جرائم الزنى التي يكشف أمرها فجزاؤها الموت الزؤام. وكان يقبض على الناس لجرائم

ص: 26

ترتد إلى تاريخ بعيد، حتى أن اعلانا جدارياً نقل عن القديس بطرس ارتعاده فرقا، مخافة أن يوجه سكستوس إليه التهمة لقطعه اذن مالخوس عند إلقاء القبض على المسيح.

على أنه في غمرة هذه المطاردة المجنونة وجد الوقت للحكم والاصلاح. فانهى حرب المصادرات التي خاضها جريجوري الثالث عشر مع الأشراف. ووفق بين عدوين قديمين هما آل أورسيني وآل كولونا غذ وحد بينهما بالزواج. ووزع الكرادلة على أحد عشر «جمهورا» جديدا من العابدين وأربعة من القدامى، وقسم بين هؤلاء وظائف الادارة البابوية. وأمر رجال الاكليروس باتباع جميع مراسيم الاصلاح الصادرة من مجمع ترنت، وطلب إلى الأساقفة نفقد الاديرة دوريا واصلاحها. وكانت عقوبة مضاجعة راهبة هي الموت للمذنبين جميعا. وقد نفخ الحياة في جامعة روما فنشطت بكامل قوتها. ورغبة في تدبير المكان الكافي للعدد المتعاظم من الكتب كلف دومنيكو فونتانا بتصميم بيت جديد فخم يضم مكتبة الفاتيكان. وأشرف بنفسه على طبعة منقحة من ترجمة جيروم اللاتينية للكتاب المقدس -وهي تضارع في روعتها الترجمة الانجليزية للكتاب في عهد الملك جيمس الأول.

بيد أنه لم يشارك اسلافه من بابوات النهضة شعور الاحترام لمخلفات الفن الوثني. فأتم هدم سبتزونيوم سيفيروس، ليوفر الأعمدة لكنيسة القديس بطرس. واقترح هدم مقبرة سسيليا ميتيللا. وهدد بهدم الكابيتول ذاته ان لم تنزع منه تماثيل جوبيتر تونانس، وأبوللو، ومنيرفا، ثم ابقى على منيرفا، ولكنه أطلق عليها اسما جديدا هو روما، واستبدل برمحها صليبا. وأخرج الشياطين مكن أعمدة تراجان وماركوس أوريليوس بان وضع فوق قمتها تماثيل للقديس بطرس أو القديس بولس واطلق اسميهما على الأعمدة. وامعانا في الرمز على خضوع الوثنية للمسيحية كلف دومنيكو فونتانا بأن ينقل إلى ميدان القديس بطرس المسلة التي جلبها كاليجولا

ص: 27

من هليوبوليس وأقامها نيرون في ملعب مكسيموس. وكانت هذه الكتلة الواحدة من الجرانيت الوردي تعلو ثلاثة وثمانين قدماً، وتزن أكثر من مليون رطل روماني. وكان أساطين المعمار، من أمثال أنطونيو دا سانجاللو وميكلانجلو، وقد افتوا بأن لا طاقة لمهندسي النهضة بنقلها. واستغرق انجاز هذه المهمة عاماً كاملا من دومنيكو وأخيه جوفاني (1585 - 86). وأنزلت الآلات الضخمة هذا الأثر ونقلته، وقام ثمانمائة من الرجال تشد أزرهم الاسرار المقدسة، و 140 حصانا، يجر أربعة واربعين حبلا سمك الواحد منها كذراع الرجل، ليقيموا المسلة فوق موقعها الجديد. وغدا دومنيكو بطل روما بعد نجاحه في المهمة، أما سيكستوس فصرب الميداليات التذكارية، وأعلن النبأ رسمياً للحكومات الأجنبية. واستعيض عن الكرة التي في قمة المسلة بصليب يحوي قطعه من «الصليب المقدس» الذي مات عليه المسيح. وأحس سيكستوس أن المسيحية استعادت سلطانها بعد أن عطلته النهضة حينا.

وجدد هذا البابا الذي لم يعرف الكلل عمارة روما غير الدينية خلال بابويته القصيرة التي لم تزد على خمس سنوات، فجلب لها كمية جديدة من الماء الصالح-تغذي سبعا وعشرين عيناً جديدة-وذلك بإعادة بناء أكوا السندريا، التي أطلق عليها اسمه «أكوا فيليتشي» . وطهر الهواء بتمويل تجفيف المستنقعات، وأمكنه تحقيق تقدم طيب في هذا الميدان واستصلح من الأراضي 9. 600 فدان، ولكن المشروع هجر بعد موته. وتنفيذاً لأمره شق دومنيكو فونتانا شوارع فسيحة جديدة ووفق النظام الكلاسيكي، نظام الخطوط المستقيمة، ومد طريق سيستينا وغير أسمه إلى طريق فيليتشي، وأصبحت كنيسة سانتا ماريا مادجوري الرائعة مركزاً يتسوط عدة شوارع تتفرع منه، وبدأت روما تتخذ شكلها الحديث. ولكي يمول سيكستوس مشاريعه وخزائنه التي كانت خالية الوفاض عند بتنفيذها فرض الضرائب حتى على ضروريات الحياة، ومذق العملة، وباع المناصب، وأصدر

ص: 28

تأمينا بدخل سنوي يدفع مدى الحياة لقاء ما يقدم للخزانة البابوية من عطايا، وقد أدر ماليته بكفاية وعناية، وخلف خمسة ملايين كراون في خزانته عند موته.

أما شغله فكان السياسة الخارجية. فهو لم يطلق الأمل قط من إعادة إنجلترا وألمانيا إلى حظيرة الكاثوليكية وتوحيد كلمة العالم المسيحي ضد الإسلام. أعجبته كفاية اليزابيث في السياسة والحكم، ولكنه مد يد المعونة للمؤامرات التي استهدفت خلعها. ووعد بالمساهمة في نفقات الأرمادا الأسبانية، ولكنه ارتاب في تباطؤ فيليب، واشترط في دهاء أن تكون معونته رهناً بنزول الجيوش الإسبانية افترض أنهم ابيدوا عام 1572 كانوا يزحفون على باريس بقيادة هنري نافار الذي لا تقل له عزيمة. وكان فيليب الثاني يمول الخلف لينفذ فرنسا من براثن البروتستنتية ويحفظها للكاثوليكية-ولأسبانيا. وكان على سيكستوس أن يختار بين أمرين: فإما أن يترك فرنسا تنحرف إلى البروتستنتينية، وإما أن يعين فيليب على تحويل فرنسا إلى ولاية اسبانية. ولكن توازن القوى بين فرنسا وأسبانيا يدا أمراً لا غنى عنه للبابوية أن أرادت التحرر من سلطان القوى لدنيوية. وفي عام 1589 وعد سيكستوس بالاشتراك في حرب ضد هنري، ولكنه انسحب من هذه الخطة حين تعهد هنري باعتناق الكاثوليكية. وهدد فيليب بسلخ أسبانيا من واجب الطاعة للبابا، وندد يسوعي أسباني بالبابا لأنه يحرض على الهرطقة، ولكن سيكستوس لم يهتر، فاستقبل سفير هنري بالترحيب، وتبين آخر الأمر أنه على حق في ثقته بهنري، فقد استنقذت الكنيسة فرنسا؛ واستمرت فرنسا ميزان قوة ضد أسبانيا.

وكان هذا آخر انتصاراته، ولعل الجهد الذي بذله فيه أضناه. ولم يحزن على موته (1590) لا الكرادلة ولا الأشراف ولا الشعب، أما الكرادلة فقد أجفلتهم صرامته، واما الأشراف فقد أكرهوا على طاعة

ص: 29

القانون برغم ما ألفوا من عادات تقدست كثيراً بحكم القدم، وأما الشعب الذي فرض عليه اقصى ما يمكن فرضه من ضرائب وأدب ليلزم سلاماً لم يألفه، فقد حاول تحطيم التمثال الذي أقيم لسيكستوس في الكابيتول، ولكن بعد أن فقد الضربات التي كلها لذعتها، استطاع الخلف أن يوازنوا بين انجازاته وبين قسوته وكبريائه وولعه بالسلطة. وفي رأي «ليكي» المؤرخ العقلاني أنه «وإن لم يكن أعظم الرجال اللذين ولوا عرش البابوية، فهو إلى حد كبير أعظم رجل دولة بين البابوات (35)» .

ومن خلفائه في هذه الحقبة تفرد بالذكر رجلان. أما اولهما وهو كلمنت الثامن (1592 - 1605) فكان أقرب ما يكون إلى روح المسيحية. يقول صلى الهيجونوتي «كان بين جميع البابوات اللذين تربعوا منذ تلك الوداعة وذلك الحنو اللذين أوصي بهما الإنجيل (36)» بيد أنه رفض الرأفة على بياتريشي تشنشي (1599)، واذن لمحكمة التفتيش بحرق جوردانو برونو (1600). وأما الثاني فهو اوربان الثامن (1623 - 44)، الذي قدم المعونة أول الأمر لاسبانيا والنمسا في حرب الثلاثين سنة، ولكنه خشي أن تطوقاه حين حاولنا ابتلاع مانتوا، فاتحه بمناوراته الدبلوماسية إلى التعاون مع رشليو في استخدام جيوش جوستاف أدولف البروتستنتية لإضعاف قوة الهابسبورج. وقد سرت إليه العدوى من روح العصر العسكرية، فأخضع الشئون الدينية لمقتضيات التوسع شأن الملوك، واستولى على أوربينو وفرض عليها الضرائب الثقيلة-كما فرضها على دويلاته الأخرى-ليمول جيشاً بابوياً يعده لمحاربة دوق بارما. ولكن الجيش كان عاجزاً لا خير فيه، وخف موته المملكة البابوية «في حال من الانحلال والاعياء» كما يقول سفير بندق «بحيث يستحيل أن تقوم لها قائمة بعد اليوم (37). على أن السفير كان مخطئاً في حكمه، فقد ظهرت عناصر الانتعاش في كل مكان في الكنيسة، وشقت طريقها صعداً إلى البابوية. فالشعب الإيطالي البسيط،

ص: 30

هذا الشعب الذي كان يتعزى عن شقائه الطويل بالتمسك بأهداب الدين وبالورع الخصب الخيال، ظل أفراده يقدسون مزاراتهم كما كانوا يفعلون من قبل، ويمشون خاشعين في المواكب الدينية، ويتجاذبون حديث المعجزات الجديدة، ويصعدون «السلم المقدس» على ركبهم في وجد صوفي أليم. لقد كشف قديسون كفليب نيري، وفرنسيس سيلز، وفانسان دبول، عن قدرة الكنيسة العريقة على أن تلهم أتباعها اعمق مشاعر التقوى والولاء، وهكذا نرى يسوعياً مثل الويسيوس جونزاجا يموت غير متجاوز الثالثة والعشرين وهو يخدم ضحايا الطاعون في روما (1591). لقد تقهقر الفساد والحرص اللذان ابتليت بهما الإدارة البابوية أمام هجمات المصلحين البروتستنت، وحض القديسين، والقدوة الملهمة التي أتاحها للناس أحبار كالقديس شارل بوروميو الميلاني. فنمت، ولو في شيء من التعثر، حركة الاصلاح الذاتي من بابا إلى آخر. ونفخ من جديد في الطوائف الدينية القديمة واستكثر من الطوائف الجديدة-الأوراتوريون (1564)، ومنذورو القديس أمبروز (1578)، وصغار الكهنة النظاميون (1588)، والعازريون (1624)، واخوات البر (1633)، وكثير غير هؤلاء. وأنشئت الكليات اللاهوتية في أرجاء العالم المسيحي لإعداد طبقة متعلمة من اكليروس غير منسب إلى رهبنة. وانطلق المبعوثون الكاثوليك إلى كل بد غير مسيحي، يقابلون المكاره الأخطار، ويعنون بالمرضى، ويعملون الصغار، ويبشرون بالدين. أما اليسوعيون المدهشون، الذين لا تقل لهم عزيمة، فقد تحركوا في كل مكان، يصارعون البروتستنتية في ألمانيا، ويدبرون المؤامرات السياسية في فرنسا، ويموتون في سيبل عقيدتهم في إنجلترا، ويحملون الإيمان إلى «الوثنيين» في قارات الدنيا الخمس.

ص: 31

‌3 - اليسوعيون

أ- في أوربا

بعد أن مات دييجو لاينتز (1565)، اختارت «جمعية يسوع» ، فرانتشسكو بورجا قائداً لها، وكان خلقه وسيرته علامة على جيله. فهذا الرجل الذي ولد غنياً، والذي كان حفيداً للبابا إسكندر السادس، وارتقى دوقا لجانديا ثم حاكماً لقتلونيا، والذي صاحب الملوك-هذا الرجل دخل الطائفة الجديدة عام 1546، ووهبها كل ثروته الشخصية، واكتسب مرتبة القديسين بما اتصفت به حياته من قداسة صارمة. أما خليفته ايفيرارد مركوريان فلم يترك أي أثر في التاريخ، ولكن كلوديو أكوافيفا قاد الجمعية بكثير من الحكمة والباقة خلا أربعة وثلاثين عاماً من المتاعب (1581 - 1615) حتى ليعده كثير من اليسوعيين زهاء خمسة آلاف، وحين مات كان عددهم ثلاثة عشر ألفاً.

وقد وضعت لجنة من فقهاء اليسوعيين تحت غدارته (1584 - 99) خطة للتعلم ظلت إلى عام 1836 تقرر نظام للدراسات في الكليات اليسوعية وطريقتها. فهذا النظام الدراسي الذي يتسلم الأولاد من سن الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة ويمتد ست سنوات، كان يتيح لهم ثلاث سنوات من دراسة اليونانية واللاتينية لغة وأدباً، أما السنوات الباقية فتخصص للفلسفة بأوسع معانيها، فتشمل العلوم الطبيعية والمنطق والميتافيزيقيا والأخلاق. وتجمع الشواهد على أن هذه المواد كلها كانت تدرس على نحو يدعو للإعجاب. صحيح أن الفلسفة كانت وسيطة (سكولاستيه) ولكن لم يكن عنها بديل مقبول بعد. أما الأحياء والتاريخ الدنيوي الحديث فقد أهملا إلى حد كبير كما كان الشأن في جميع مدارس العصر تقريباً، ربما لأن بساطة الإيمان الواثقة كانت تتأذى من بشاعة مشهد الصراع على البقاء بين الحيوان،

ص: 32

ومن موكب الحرب الذي لا يكاد ينقطع بين بني الإنسان. لقد كانت خطة الدراسة في جملتها توفيقاً ماهراً بين العصور الوسطى والنهضة. ففي قدرة بالغة على التكيف، رحب اليسوعيون بمولد الدراما من جديد، فترجموا والفوا ومثلوا المسرحيات، واكتشفوا في المسرحيات المدرسية وسيلة حية لتعليم الكلام والبلاغة، وتقدموا عصرهم في إدارة المسرح ومشاهده. واستعانوا بالمناظرات شحذا للذكاء وقوة الحجة، ولكنهم ثبطوا أصالة الفكر في المعلم والطالب على السواء. ولقد كان هدفهم فيما يبدو إعداد صفوة متعلمة ولكنها محافظة، قادرة على القيادة الذكية العملية ولكنها بنجوة من متاعب الشكوك العقائدية، راسخة في الإيمان الكاثوليكي لا تحدي عنه قيد أنملة.

وكانت المدارس اليسوعية في جميع الحالات تقريباً بإنشائها ومنح الهبات لها السلطات الزمنية أو زعماء الكنيسة أو الأفراد الميسورون، ولكن اليسوعيين احتفظوا بالهيمنة الكاملة عليها. ومع أن بعض كلياتهم أنشئ خصيصاً لأبناء الأشراف. فإن كلها تقريباً كان مفتوحاً، دون رسوم تعليم، لاي طالب مؤهل فقيراً كان أو غنياً (38). أما المدرسون الذين كانوا عادة من رجال الطائفة فأفضل إعداداً من نظرائهم البروتستنت؛ أوفياء لمهنتهم لا يتقاضون عنها أجراً، يتيح لهم ثوب الكهنوت وتأثيره سلطاناً محترماً مكنهم من حفظ النظام دون اللجوء إلى التخويف أو العقاب البدني. وقد أرسل كثيرون من البروتستنت أبناءهم إلى الكليات اليسوعية (39) لكي ييسروا لهم، فضلا عن الإلمام السليم بالدراسات الكلاسيكية، تدريباً رفيعاً على الفضيلة وآداب السلوك وقوة الخلق. يقول فرانسس بيكون «أما الجانب التربوي فاقصر قاعدة أن يقال لك استشر مدارس اليسوعيين، لأنه لم يجرب ما هو خير منها» (40). وفي عام 1615 كان لليسوعيين 372 كلية، وفي عام 1700 كان لهم 769، وأربع وعشرون جامعة منبثة في أرجاء العالم. وفي الدول الكاثوليكية كاد التعليم

ص: 33

الثانوي باسره يكون في قبضتهم، مما أتاح لهم نفوذاً هائلا في تشكيل الفكر القومي.

ثم التمسوا مسمع الملوك في طرف السلم الآخر. وقد حظر عليهم أكوافينا ان يصبحوا كهنة اعتراف للملوك، ونهاهم عن الاشتراك في السياسة. ومع ذلك فحتى في عهد أكوافينا قبل الأب كوتون دعوة هنري الرابع له ليكون مرشده الروحي، وبعد هذا وافق اليسوعيون على رأي ألمع تلاميذهم فولتير، وهو أن خير السبل لتشكيل الشعب هو تشكيل ملكه. وما أوفى عام 1700 حتى كانوا آباء الاعتراف لمئات من أبرز الشخصيات. وكان النساء على الاخص شديدات الشعور بحسن آدابهم ويتقبلهم السمح للدنيا، وبفضل تلقيهم اعترافات لنساء ذوات أهمية، استطاع الآباء الدهاة أن يصلوا إلى رجال ذو أهمية.

وإذ جهروا بنية الاختلاط بالناس بدلا من الاعتزال في الأديرة، فقد كيفوا مبادئهم الخلقية وفق طرق البشر العصية على الاصلاح. ففي رأيهم أن الأخلاق المسيحية الصارمة لم تكون ميسورة إلا للنساك والقديسين، فواقع الطبيعة البشرية يقتضي بعض التخفيف من قاعدة الكمال. ومثل هذه التوفيقات للقانون الخلقي وضعها أرسطو على نزعة أفلاطون الكمالية، ووضعها معلمو الناموس اليهود ليلائموا بين الشرائع العبرية القديمة والظروف الجديدة للحياة الحضرية. ومع أن اليسوعيين في مذهبهم - وفي تطبيقهم للمذهب عادة - يحتقرون الجسد، فأنهم فهموا الجسد، وأتاحوا له ملاذا خلقياً لكيلا يكره الخطاة على التمرد فتخسرهم الكنيسة. ورغبة في تخفيف التوتر بين ناموس المسيح وطبيعة البشر، طور اللاهوتيون من اليسوعيين وغيرهم فكرة الإفتاء - أي تطبيق التعاليم الخلقية على الحالات الخاصة. ولكن لنترك الآن هذا العلم العويص حتى نصل إلى أعدى أعدائه بليز باسكال.

ويمكن القول عموماً بأن اليسوعيين مالوا في لاهوتهم إلى الرأي السمح

ص: 34

والنظرة المتحررة. كان من رأي بعضهم، كالأب ليس والاب هامل في لوفان (1585)، إنه ليس من الضروري الإيمان بأن كل كلمة أو كل تعليم في الكتاب المقدس موصى به من الله (41). وقد أكد كل اليسوعيين تقريباً المعتقد السكولاسي القائل بأن الحكومات الزمنية تستقي سلطتها من الشعب، وقد بشر عدد غير قليل منهم - مثل ماريانا وبزنباوم - بحق الشعب عن طريق ممثليه الشرعيين في أن يعزل، بل أن يقتل، الملك «الفاسد» ولكن «الفاسد» في هذا المجال كان معناه المهرطق، وربما كان مبعث هذا التشديد الديمقراطي رغبة اليسوعيين، بحكم ولائه المطلق لسيادة روما، في الإعلاء من سلطة البابا التي تفردت بالقداسة والسمو. وعلى النقيض من لوثرن آمن اليسوعيون بفعالية الأعمال الصالحة في نيل الخلاص، واستنكروا على الخطية الأصلية، وقابلوا الجبرية القائمة التي قال بها بولس، وأوغسطين، ولوثر، وكلفن، ويانسن، بالتأكيد من جديد لحرية الإرادة. ولقد أثار لويز مولينا، وهو يسوعي أسباني، ضجة لاهوتية حين زعم أن الإنسان يستطيع تقرير مصيره الابدي بإرادته وأعماله، وان اختياره الحر يمكن إما أن يتعاون مع النعمة الإلهية أو يغلبها. وطالب اللاهوتيون والدومنيكان بإدانة مولينا بالهرطقة، ولكن اليسوعيون خفوا للدفاع عنه، وحمى وطيس الجدل إلى حد دعا كليمنت الثامن إلى أمر الفريقين بالكف عنه (1596).

وتضافرت أخلاقيات اليسوعيين، الرحيمة بالقياس إلى أخلاقيات غيرهم، مع أفكارهم الراديكالية، واتصالاتهم المحافظة، وسلطانهم المتسع، لتزهد فيهم الاكليروس الكاثوليكي غير المنتسب إلى الرهبان وتثير كراهية البروتستنت لهم. فرماهم القديس شارل بوروميو بالتساهل المخزي مع ذوي النفوذ من الخطاة (42). وقال ساربي لو أن القديس بطرس كان مرشده كاهن اعتراف يسوعياً لوصل به الأمر إلى إنكار المسيح دون أن يحسب ذلك عليه خطيئة (43). أما موتيو فيتيللسكي، قائد

ص: 35

اليسوعيين الذي خلف أكوافيفا، فقد نبه أفراد الطريقة إلى أن حرصهم على جمع المال يثير اللوم عليهم من جمع الناس (44). وأما القساوسة البروتستنت في إنجلترا، الملتزمون بعقيدة الحق الإلهي لملوكهم في الحكم، فقد صدمتهم آراء اليسوعيين في سيادة الشعب وقتل الملوك أحيانا. وندد روبرت فيلمر برأي الكردينال بللارميني القائل بأن «السلطة الزمنية أو المدنية .. كائنة في الشعب، إلا إذا خلعها على ملك» (45). أما البروتستنت الألمان فحاربوا اليسوعيين زاعمين أنهم «مخلوقات من الشيطان تقيأتهم جهنم» وطالب بعضهم بحرقهم كما تحرق الساحرات (46). وفي عام 1612 ظهر في بولندة كتاب «التعليمات السرية» ، وهو يوهم قارئه بأنه تعليمات سرية لليسوعيين في فن الظفر بالتركات والوصول إلى السلطات السياسية. وأعيد طبع الكتاب اثنتين وعشرين مرة قبل علم 1700. وكان يصدق إلى وقتنا هذا تقريبا، ولكن أغلب الرأي فيه الآن أنه أما هجاء ذكي أو تزوير وقح (47).

ب- في الأقطار غير المسيحية

كان الرأي عند الجماهير الكاثوليكية أن أخطاء اليسوعيين لها ما يرجحها كثيرا من فضائل في التعليم وجرأة في التبشير. صحيح أن طرقا دينية أخرى شاركت في هذه المغامرة التقية، مغامرة نشر الدين، ولكن أين هذا من جرأة اليسوعيين وإقدامهم واستشهادهم في الهند والصين واليابان والأمريكتين؟ ففي الهند مثلا دعا السلطان المغولي المستنير أكبر بعض اليسوعيين إلى بلاطه في فاتحبور سكري (1579)، واستمع إليهم في حب استطلاع وتعاطف، ولكنه أبى أن يطرد حريمه. وأنضم شريف إيطالي يدعى روبرتودي نوبيلي إلى جماعة اليسوعيين، وذهب إلى الهند مبشرا (1605)، وهناك درس العقائد والطقوس الهندية، واتخذ لباس البراهمة واتبع نظامهم، وألف الكتب بالسنسكريتية،

ص: 36

وحول البعض إلى المسيحية. ومارس يسوعيون آخرون اليوجا، وعملوا بين الطبقات الدنيا. وعبر المرسلون اليسوعيون الهملايا إلى التبت حوالي عام 1624 وزودوا أوربا بأول معلومات وثيقة-وآخرها حتى وقت طويل-عن ذلك العالم المحجوب.

أما اليابان فقد دخلها اليسوعيون في تاريخ مبكر (عام 1549)، وفي عام 1580 زعموا أنهم حولوا إلى المسيحية 100. 000، وفي عام 1587 امروا بالرحيل عم الجزر، وفي عام 1597 لقي اليسوعيون والفرنسسكان اضطهادا عنيفا صلب فيه القساوسة والرهبان وآلاف المسيحيين اليابانيين-وهي طريقة جديدة زعم قاتلوهم أنهم أخذوها عن الأناجيل. وحوالي عام 1616 دخلت فئة جديدة من اليسوعيين اليابان وكسبوا مسيحيين جددا لا يستهان بعددهم، ولكن التجار الهولنديين والانجليز حرضوا الحكومة على اضطهادهم من جديد ظنا منهم بأنهم يمهدون الطريق للتجارة البرتغالية أو الأسبانية (48)، فأعدم من اليسوعيين واحد وثلاثون، ولم تحل سنة 1645 حتى اختفت المسيحية من اليابان.

وأما الصين فكانت خطراً يتحدى اليسوعيين، إذ توعد الأباطرة أي مسيحي يجرؤ على دخول «المملكة الوسطى» بالموت. وقد رأينا في غير هذا الموضع من الكتاب كيف مات اليسوعي فرانسس زافير (1552) وهو قاب قوسين من الصين بعد أن عول على كسبها للمسيحية. وفي عام 1557 أنشأ التجار البرتغاليون مستعمرة في مكاو، على ساحل الصين الجنوبي الشرقي. هناك انقطع بعض اليسوعيين لتعلم لهجات الصين وعاداتها. وأخيراً دخل اثنان منهم، وهما ماثيو ريتشي وميكيلي رودجيري، ولاية كوانتونج مسلحين باللغات والفلك والرياضة والساعات كبيرها وصغيرها والكتب والخرائط والآلات. وافتتن حاكم الإقليم بهذه الطرف وكانا يتخذان أسماء صينية ولباسا صينيا، ويعيشان عيشة البساطة،

ص: 37

ويشتغلان بجد، ويسلكان مسلك التواضع الذي توقعه الصينيون من أبناء حضارة حديثة العمر قليلة النضج كحضارة أوربا، لذلك سمح لهما بالبقاء. واتخذ ريتشي سمته إلى كانتون حيث أثار إعجاب المندوبين (كبار الموظفين) بمعارفه العلمية والجغرافية. وهناك أقام المزاول، ورسم الخرائط المريحة الوثيقة، وأجرى الحسابات الفلكية العويصة. ثم دخل اصدقاءه الجدد إلى حظيرة المسيحية بكتابته خلاصة مفرغة في أسئلة وأجوبة شرحت العقائد الأساسية للمسيحية، ودعمت بمقتبسات من النصوص الشرقية القديمة. وشجعه التسامح الذي لقبه فانتقل إلى ضاحية من ضواحي بكين (1601) وأرسل ساعة كبيرة إلى الأمبراطور (كانج هسي) فلما تعطلت الساعة ولم يستطع أحد من العلماء الصينيين أن يديرها من جديد، أرسل «أبن السماء» في طلب مهديها. وحضر ريتشي، وضبط الساعة، وقدم إلى الحاكم الطلعة مزيدا من الأدوات العلمية، وما لبث ريتشي وآخرون من اليسوعيين أن ثبتوا في بلاط مينج. ولم يضع الامبراطور الطيب أي عقبه في سبيل اعتناق كثير من علية الصينيين للمسيحية. وبعد موت ريتشي (1610) واصل يسوعي آخر يدعى «يوهان آدم شال فون بل» عمل البعثة العلمي والتبشيري. فاصلح التقويم الصيني، وصنع المدافع الممتازة للجيوش الصينية، وغدا الصديق الحميم للإمبراطور وموضع إكرامه، ولبس الحرير المندري، وسكن قصرا، وقامر بالسياسة، ثم ألقى في أحد السجون، ومات بعد سنة من الافراج عنه.

وقد تكون بقية القصة، التي اتصلت إلى القرن الثامن عشر، باعث تسلية لمؤرخ فلسفي النزعة. ذلك ان اليسوعيين في الصين كانوا بفضل تبحرهم في العلم، قد نفضوا عنهم تزمت اللاهوت. فحين درسوا آداب الصين الكلاسيكية تأثروا بما كشفوه فيها من حكمة سامية. وبدت لهم عبادة الصينيين لأسلافهم كأنها دافع رائع على الاستقرار الخلفي والاجتماعي، وكان في كونفوشيوس الكثير مما يبرر تبجيله. ولكن مرسلين

ص: 38

آخرين شكوا إلى محكمة تفتيش روما (1645) من أن اليسوعيين يغضون من قدر الصليب وعقيدة الخلاص الإلهي لما قد يصدم الصينيين مهما إذ لا عهد لهم بفكرة البشر يقتلون إلها، ومن أن اليسوعيين يتلون القداس بالصينية دون اللاتينية، وأنهم أذنوا لمن نصروهم بأن يحتفظوا بكثير من شعائر دينهم القومي، وأن المبعوثين اليسوعيين يقتنون المال لأنهم يعملون أطباء وجراحيين وتجارا ومرابين ومشيرين للقواد والأباطرة. أما اليسوعيون فقد راعهم إصرار الدومنيكان والفرانسسكان على أن يقولوا للصينيين إن المسيحية هي الملاذ الوحيد من الهلاك الأبدي، وأن الأسلاف الذين يعبدونهم إنما يصلون نار جهنم. وأمر أنوسنت العاشر اليسوعيين بحظر قرابين اللحم والشراب التي تقدم لظلال الأجداد. وكان الآباء اليسوعيون خلال ذلك يرسلون إلى أوربا أوصافا لحياة الصين ودوينها وفكرها، وهي الأوصاف التي قدر لها أن تشارك في ازعاج السنية المسيحية في القرن الثامن عشر.

وأما في أمريكا الجنوبية فقد اكتسب المرسلون اليسوعيون احترام الوطنيين وثقتهم بفتحهم المدارس والمراكز الطبية، وبذلهم الجهود الشاقة للتخفيف من وحشية السادة الأسبان. وقد صنفوا المعاجم وكتب النحو، وارتادوا المجاهل الداخلية الخطرة، ودفعوا الجغرافية دفعة هائلة. وارسلوا إلى أوربا قشرة الشجرة البيروية التي أصبحت-في هيئة الكينين- العقار الثابت لعلاج الملاريا. وفي براجواي أنشئوا مجتمعا مثاليا شيوعيا.

هنالك في سهول الباميز والغابات التي تحف بنهر أوروجواي، وفوق الشلالات الخطرة التي ثبطت همة المستعمرين، نظموا مستوطناتهم الهندية. واذن لهم فيليب الثالث ملك أسبانيا في أن يحظروا الإقامة فيها على جميع البيض فيما خلا اليسوعيين المستعمرة. وقالوا إنهم وجدوا في الأهالي براءة ومودة- ومائتا ألف من الهنود صالحون من جميع

ص: 39

الوجوه لملكوت الله». (49) فتعلموا لغة الأهالي ولم يعلموهم الاسبانية ولا البرتغالية، وثبطوا كل اتصال بالمستعمرين. واستمالوا الناس إلى المسيحية بالمحبة والرحمة والموسيقى. وأنشئوا المدارس لتعليم الموسيقى، والفوا الفرق الموسيقية التي تعزف على جميع الآلات الأوربية الهامة وتؤدي كل ألوان الالحان تقريبا، حتى المختارات من الأوبرات الإيطالية. وسرعان ما تعلم الأهالي أن ينشدوا أضخم ألحان الكورال. وقيل على التحقيق إنه في فرقة من ألف صوت لم تسمع نغمة ناشزة واحدة. وكانت فرقة الموسيقى تتقدم الناس في غدوهم ورواحهم، وتصحب جهدهم في المتاجر والحقول. واحتفل القوم بالأعياد المسيحية بالغناء والرقص والالعاب الرياضية، وألف الآباء اليسوعيون المسرحيات الفكاهية ولموا الرعية كيف يؤدونها.

ولقد هيمنوا على الاقتصاد كما هيمنوا على شئون الحكم. وأبدى الأهالي استعدادا ملحوظاً لمحاكاة المنتجات الأوربية، حتى صناعة الساعات المعقدة، والمخزمات الهفافة، والآلات الموسيقية. وكان العمل إجبارياً، ولكن للشباب الحرية في اختيار حرفهم، ويباح الفراغ اللازم للترفيه والتثقيف. أما يوم العمل فثماني ساعات في المتوسط. وحدد اليسوعيون ساعات العمل والنوم والصلاة واللعب. وكان جزء من الارض يملكه الأفراد، ولكن أكثرها ملك مشاع، ونتاج العمل الجماعي يسلم للحكومة ويفرز جزء منه للبذر او لسنوات الجدب، وجزء يؤدي فرضة رءوس لملك أسبانيا، وأكثره يوزع على العشرين الف اسرة كل حسب حاجته، ومن المسلم به أن جزءاً كان يخصص ليعول، على مستوى متواضع (50)، اليسوعيون المائة والخمسين الذي يعملون مديرين وملاحظين وأطباء ومعلمين وقساوسة. وقد حرم عليهم بمقتضى مرسوم ملكي اقترحه اليسوعيون أن يشاركوا في أرباح الاقتصاد، وطلب إليهم أن يقدموا حساباً دورياً لرئيسهم الإقليمي. أما القانون فيطبقه قضاة وشرطة من الوطنيين، وأما العقوبات

ص: 40

فهي الجلد والسجن والنفي وليس فيها الإعدام. ولكل مستوطنة مستشفاها وكنيستها للتيسير على الشيوخ أو العجزة. لقد كانت شيوعية دينية، ينال فيها الوطنيون الرزق والأمن والسلام وقسطاً من الحياة الثقافية نظير قبولهم المسيحية والنظام.

من أين يا ترى استقى اليسوعيون فكرة هذا النظام العجيب؟ ربما بعضها من «يوتوبيا» مور (1516)، وبعضها من الأناجيل، وبعضها من دستور جماعتهم التي كانت هي ذاتها أشبه بجزيرة شيوعية وسط بحر يدين بالفردية. أياً كان الأمر، فقد أثبت النظام أنه محل حب الوطنيين لأنه أقيم على الإقناع دون ضغط، وحافظ على كيانه 130 عاماً (تقريباً 1620 - 1750)، وحين هوجم من الخارج دافع عن نفسه بحماسة أذهلت المهاجمين، وكان مثل الإعجاب حتى من شكاك حركة التنوير الفرنسية. يقول دالمبير «اقام اليسوعيون بالدين سلطة ملكية (؟) في برجواي، لا تستند إلا على ما أوتوا من قوة في الإقناع وترفق في الحكم. وإذا كانوا السادة المتصرفين في البلد فإنهم اسعدوا الشعب الذي حكموه.» أما فولتير فوصف هذه التجربة بأنها «انتصار للإنسانية» ) 51). وقد انتهى النظام بكارثة لأنه لم يستطع عزل نفسه عن العالم الخارجي فالتجار الأسبان نعوا على اليسوعيين اشتغالهم بالتجارة، والمستعمرون الأسبان كرهوا أن يحال بينهم وبين منطقة تغرى باستغلال الموارد والبشر (53). وراحت عصابات خطف الرقيق تهاجم المستوطنات اليسوعية المرة بعد المرة، وأخلى الآباء ورعاياهم الأقاليم الأكثر تعرضاً لغاراتهم. فلما أوغلت الغارات حصل اليسوعيون على إذن من ملك اسبانيا بتسليح الأهالي بأسلحة أوربية، وبعدها أمكن مقاومة الغارات بنجاح. على أن خطراً أكبر على المستعمرة كان يكمن في مجرى السياسة والفكر الأوربيين. ذلك أن الدسائس السياسية المستمرة التي تورط فيها اليسوعيون في فرنسا واسبانيا والبرتغال تضافرت مع نهضة الفكر الحر والعداء للاكليريكية لتفضي إلى طرد جماعة اليسوعيين

ص: 41

من جميع الأقطار تقريبا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ونشط المركيز بومبال-وهو وزير حاكم في البرتغال-نشاطاً ملحوظا في حركة العداء لليسوعيين. ففي عام 1750 رتب إبرام معاهدة بمقتضاها نزلت البرتغال لأسبانيا عن مستعمرة سكرمنتو، على مصب ريو دلا بلاتا، لقاء أراض أسبانية أبعد منها شمالا-شملت سبع مستوطنات يسوعية تضم ثلاثين ألف هندي. وراجت خلال ذلك شائعة تزعم أن بهذه الأراضي ذهبا وأن اليسوعيين يختزنوه. وأمرت السلطات البرتغالية الآباء والأهالي بالرحيل عن المستوطنات السبع خلال ثلاثين يوما. أما اليسوعيين فاشاروا بالتسليم (كما توقع الناس)، وأما الهنود فآثروا المقاومة، وردوا الهجمات البرتغالية طوال سنوات خمس. ولكن في عام 1755 جلب الجيش البرتغالي المدفعية، وذبح المئات من الهنود، أما الباقون ففروا إلى الغابات أو استسلموا، واصدر الرؤساء اليسوعيون في أوربا لمرءوسيهم الأمر بالعودة إلى أسبانيا. وهكذا اختتمت تجربة «المسيحية السعيدة» كما سماها موراتوري (53). أما قصة المبعوثين اليسوعيين في أمريكا الشمالية فهي أشهر، ويكفي أن نلم بها إلمامة سريعة لنحيط بمجال النشاط اليسوعي في هذه الحقبة. فقد دخلوا المكسيك عام 1572 وشاركوا في تحويل الوطنيين بسرعة إلى المسيحية، ولكن عبء هذه المغامرة الأكبر وقع على كاهل الدومنيكان والفرانسسكان. وترك الفرنسسكان قافلة من البعثات والهيئات اللطيفة للرهبان «المتسولين» على طول الطريق من المكسيك إلى المدينة الفاتنة التي تحمل أسم مؤسس طريقتهم. ولقي كثير من اليسوعيين العذاب وأبشع الميتات في محاولتهم ضم الهنود إلى حظيرة الكاثوليكية. من ذلك أن إسحاق يوجس شوه جسده واستبعد ثم قتل. أمان جان دبريبوف، وجابرييل لالمانت، وأنتوني دانيال، وغيرهم من اليسوعيين، فقد أحرقوا أو غلوا على النار خلال عامي 1648 - 49. قد نختلف مع هؤلاء الرجال على

ص: 42

اللاهوت الذي حاولوا بثه، ولكن يجب أن نحترم إنسانيتهم وإخلاصهم، ولو لمجرد كونهما النقيض المؤسف لقسوة المستعمرين والمسيحيين وجشعهم، هؤلاء الصيادين الجلابين للرقيق، الذين شكوا من أن نشاط المبشرين الإنساني يحول دون تحضير الهنود.

‌4 - أيام إيطاليا ولياليها

كتب مونتيني حين رأى أهل روما عام 1581 «إنهم يبدون أقل تديناً من أهل المدن الصالحة في فرنسا، ولكنهم أكثر ولعاً بالمراسم والطقوس (54)» وكانت احتفالات أسبوع الآلام تشمل مواكب من أفراد يجلدون انفسهم حتى تسيل دماؤهم، وإذاعة قرارات الحرم البابوي، وعرضاً للقناع الذي مسحت به فيرونيكا العرق من جبين المسيح. «رأيت في عشية القيامة بكنيسة القديس يوحنا لاتيران رأس القديسين بولس وبطرس، المعروضين هناك، والمحتفظين بلحمهما، وجلدهما، ولحيتهما، كأنهما حيان (55). وكان إخراج الأرواح النجسة يمارس بطقوس شديدة الوقع في النفوس، ربما كضرب من العلاج النفسي الجماعي. ولقد تجاهلت الكاثوليكية في إيطاليا عن عمد عقول الصفوة من الناس وقدمت لجماهير الشعب ناموساً خلقياً خيراً ولكن غير مرحب به، لف في الشعر والدراما والرمزية والتنفيس والرجاء.

وشهد مونتيني بتحسن عام في أخلاق الناس، ولكن ما زالت العلاقات بين الجنسين يشوبها كثير من التراخي القديم. فقد بلغ من خلاعة المسرح الإيطالي سواء في الحركة أو الحوار أن مجلس شيوخ البندقية طرد جميع الممثلين من أراضيه (1577)(56) مع أنه كان يغضي عن البغاء. وكان الأدب الفاجر يشترى في أي مدينة كبيرة كما هي الحال اليوم في أي مكان تقريباً من العالم المسيحي. وحين اعتبر البابا بيوس الخامس اللواط جريمة كبرى جزع للقرار شباب روما من النبلاء. وقد دخل ثمانية لواطيين

ص: 43

برتغاليين في زواج رسمي، فقبض عليهم وأحرقوا (57). كذلك أمر بيوس بطرد البغايا من الدويلات البابوية (1566). وشكا رجال الأعمال من أن المرسوم سيقفز المدينة، فأذن البابا لبعض المومسات بالبقاء في حي معزول، وقدم المعونة الكبيرة للنساء اللاتي حاولن الانتقال إلى مهنة أحدث عمراً. أما سيكستوس الخامس، ذلك الذي قهر قطاع الطرق، فلم يصب غير انتصارات باهظة الثمن على الغانيات، كما تشهد مراسيمه المتكررة في 1586 و 1588 و 1589.

وإذ كان الحب الرومانسي لا يزال نزوة خارج الرباط الزوجي، والزواج تزويج المال بالمال، والطلاق محظوراً بأمر الكنيسة، فقد انغمس الأزواج من أرباب الخيال في الزنى. وفكر بيوس الخامس في اعتبار الزنى جريمة كبرى. وقد ورد في تقرير بتاريخ 25 أغسطس 1568 «إن التهديد بتقرير الإعدام عقوبة على الزنى أمر متوقع، فإما أن يتمسك كل امرئ بالفضيلة أو يرحل عن المدينة.» على أن بيوس لان وقنع بعقوبات أخف: فصدر حكم على سيدة من أشراف روما بالسجن المؤبد، وجلد مصرفي بارز بالسوط علانية، ونفي الكثيرون من المذنبين غير هؤلاء.

وفي أواخر القرن السادس عشر دخلت عادة وصفاء الزوجات إلى إيطاليا من أسبانيا بطريق نابلي وميلان: فكان للزوج من علية القوم أن يأذن لصديق بان يكون وصيفا (تابعاً شريفاً) لزوجته، والظاهر أن هذه العادة نشأت في أسبانيا إبان الحروب المتكررة وطول غياب الزوج عن بيته. وكان الوصيف الفارس يخدم السيدة النبيلة منذ استيقاظها حتى نومها، ولكن العرف لم يكن قد أغضى بعد عن الزنى الذي كثيراً ما رافق هذه العادة في إيطالية القرن الثامن عشر.

أما الجريمة فقد أفرخت برغم المعوقات اللاهوتية. فكثر الفتاك في ببيوت النبلاء، ورجال العصابات في الطرق العامة، والقراصنة في البحر المتوسط، والاغتيالات السياسية والغرامية. من ذلك أن باولو جوردانوا

ص: 44

أورسيني خنق إيزابللا مديتشي في فراشها كما فعل عطيل بزوجته؛ وقتل بييرو مديتشي لشبهة الزنى، وقد رأينا كيف نقل جون وبستر عن قصة فيتوريا أكورامبوني الدامية روايته «الشيطان الأبيض» ، ومثل هذا سيفعله شلي مع بياتريتشي تشنشي، التي كان أبواها فرانشسكو تشنشي مضرب المثل في الرذيلة والتوحش. وفي عام 1594 حوكم بتهمة اللواط، ولكنه افلت بغرامة قدرها 105. 000 سكودي. وماتت زوجته الأولى بعد أن ولدت له اثني عشر طفلا. ثم تشاجر مع أبنائه، فغادر روما مع بياتريتشي وزوجته الثانية لوكريتسيا بتروني، وانتقل إلى قلعة منعزلة في الطرق إلى نابلي. هناك حبسهما في عليتين وعاملهما بمنتهى القسوة، ولو أننا لا نملك دليلا على وجود علاقة محرمة بينه وبين ابنته. ووجدت بياتريتشي وسيلة للدخول في علاقة غير شرعية بينها وبين حارس القلعة. وبتحريض بياتريتشي، وزوجة أبيها، وشقيقيها جاكومو وبرناردو، أو لقاء أجر دفعوه له، قتل الحارس الأب في فراشه (1598)، مستعيناً بأحد القتلة المحترفين. وقبض على المتآمرين وحكموا، فدفعوا بالاستفزاز الذي لا يحتمل، وتقدم مواطنون كثيرون بطلب الرأفة إلى كلمنت الثامن، ولكنه ابى. فقطع رأسا بياتريتشي ولوكريتسيا، وعذب جاكومو حتى الموت (58).

ومع ذلك أخذت الأخلاق تنصلح، وآداب السلوك ترق، وكان للمجتمع الإيطالي مفاتن ولطائف لا يباريه فيها غير الفرنسيين،. فاللباس عند الطبقات العليا بهاء ملون من المخمل والساتان والحرير. وحوالي هذه الفترة بدأت نساء النبلاء يؤطرون وجوههن، ويكللن رؤوسهن، ويطرحن على أكتافهن الحرير الأسود «المانتيليا» وكان زياً فاشياً في أسبانيا. وظل وجهاء القوم يلبسون الجوارب الطويلة. أما العوام والتجار الذين ألفوا الزي التركي فأخذوا يعتادون لبس السراويل. وهزأت المسرحيات الفكاهية الإيطالية بهذه العادة في شخص «بانتاليوني» الهزلي المألوف، الذي اشتق

ص: 45

منه لفظاً «بانتالونز» و «بانتز» (في الانجليزية).

أما الملاهي فكانت كثيرة كما هي الحال في معظم الأقطار اللاتينية. فكان لروما كرنفالها السنوي قبل الصوم الكبير، وكانت الشوارع كما شهدها إيفلين عام 1645 «تعج بالبغايا والمهرجين والغوغاء من كل شكل «لون» (59) وكانت هناك سباقات في الكورسو، ترى فيها الجياد المغربية الفارهة، لا يمتطيها فارس ولكن تدفعها مهامز تتدلى على جوانبها، وسباقات للحمير، والجواميس؛ والشيوخ؛ والرجال العرايا، والغلمان، وكانت المسرحيات تمثل على مسارح متنقلة في الهواء الطلق. وكانت فنون الرقص والحديث والغزل تزين البيوت والحدائق والشوارع. وهل كان هناك إيطالي يجهل الغناء؟.

‌5 - مولد الأوبرا

لقد شارك الدين، الحب، والرقص، والبلاط، بل حتى العمل، في مولد الموسيقى. ووجد إيفلين أهل الريف الإيطالي «غاية في المرح وإدمان الموسيقى، وحتى الزراع كانوا كلهم تقريباً يعزفون على القيثارة

ويمضون عادة إلى الحقل ومعهم كمانهم (60)» وكان لكل بلاط دوق فرقة مرتلين وقائد للعازفين في الكنيسة؛ وفي فيرارا أثار رباعي من النساء اشتهر باسم «فرقة موسيقى السيدات» الدموع في عيني ناسو وأطلق قلمه بالقوافي. ونسجت أغاني الحب الشعرية شكاواها المتعددة الأصوات، فجعلت التعبد للمرأة حتى زواجها موضع توقير يكاد يرقى إلى توقير الابتهالات الموجهة إلى والدة الإله. وانطلقت القداديس وصلوات المساء والألحان والترتيل يصدح بها ألف أرغن. وحوالي عام 1600 بدأت فرق من خصيان صغار تشنف آذان المصلين. ووصف زائر بروتستنتي موسيقى الكنيسة الكاثوليكية «التي يرتلها خصيان واصوات أخرى نادرة، تصحبهم الآلات الموسيقية، كالعود والبيان القيثاري والفيول؛ ترتيلا كاد

ص: 46

يذهب بألبابنا (61) ودرب الرهبان والراهبات في فرق ترتيل تبعث الإيمان القويم حتى في الصدور المتوحشة. واجتذب أندريا جبرييلي، وكلوديو ميرولو، وجوفاني جبرييلي (ابن أخي أندريا) على التوالي ألوف المستمعين إلى كنيسة القديس مرقس بالبندقية لينصتوا لعزفهم على الأرغن ولفرقتهم الموسيقية ولفرق المرتلين التي يقودونها. وحين عزف جيرولامو فرسكوبالدي على الأرغن الكبير في كنيسة القديس بطرس احتشد ما لا يقل عن ثلاثين ألفاً في الكنيسة أو من حولها ليستمعوا لعزفه. وقد أثرت ألحانه المنوعة، المعقدة بتجاربها العويصة، في دومنيكو سكارلاتي، ومهدت للتطويرات الهارمونية التي جاء بها يوهان سباستيان باخ.

وكانت الآلات الموسيقية متنوعة تنوعها اليوم تقريباً. وحوالي منتصف القرن السادس عشر بدأ الكمان، المتطور عن القيثارة، يحل محل الفيول. وكانت بريشيا مقر أول صانعين من صناع الكمان العظام، وهما جاسبارو داسالو وتلميذه جوفاني ماجيني. ويلوح أن أندريا أماني أخذ الفن عنهما وحمله إلى كريمونا؛ حيث اسلمه ابناؤه إلى آل جوارنيري وآل ستراديفاري. وقد لقيت الآلة الجديدة مقاومة من أولئك الذين آثروا أنغام القبول الأكثر نعومة ورقة. وقامت المنافسة بين الفيول والعود والكمان قرناً من الزمان. ولكن حين وجد آل أماتي الوسائل للتخفيف من حدة صوت الكمان ارتقت الآلة الجديدة إلى مقام الصدارة غير منازع، يعينها عليه ازدياد غلبة اصوات السوبرانو في الموسيقى الصوتية.

كانت الألحان لا تزال توضع للصوت أكثر منها للآلة. وإلى هذه الفترة تنتمي شخصية شاعرية هي شخصية كارلو جزوالدو، أمير فينوزا، الذي زين النبالة بالموسيقى؛ والقتل بالأغاني الشعرية. ولد في نابلي (حوالي 1560) وأصبح عازف عود ممتازاً، وتزوج سيدة عريقة المولد؛ ودبر قتلها هي وعشيقها لشبهة الزنى؛ ثم هرب إلى فيرارا، وتزوج دونا اليونورا ديستي؛ ونشر خمسة كتب من أغاني الغزل انتقلت أنغامها

ص: 47

الجريئة وانتقالات طبقاتها الحادة من قوالب النهضة إلى قوالب الأصوات المتعددة الحديثة. وفي فبراير 1600 أخرج ايميليو دي كافالييري؛ في مصلى القديس فيليب نيري بروما؛ قصة رمزية شبه مسرحية، الحركة فيها للرمز فقط؛ ولكن يصاحبها الأوركسترا والرقص والخورس والمغنون المنفردون هذه الموشحة الدينية «الأوراتوريو الأولى» ، سبقت أوبرا بيري المسماة «أوريديتشي» بثمانية شهور لا أكثر، وشابهتها من وجوه كثيرة. وبعد مرور جيل آخر ألف جاكومو كاريسيمي أوراتوريوات وكنتاتات أثرت تراتيلها الفردية في تطور الإلقاء الأوبري الملحون.

والتقت خطوط كثيرة أخرى من التطور الموسيقي لتخرج لنا الأوبرا، فبعض «التمثيليات المقدسة» التي خلفتها العصور الوسطى أضافت الموسيقى والغناء إلى الحركة. ففي هذه، وفي موسيقاها المعبرة عن آلام المسيح، كانت الكنيسة أما للأوبرا أو حاضنة لها كما كان شأنها في كثير من الفنون الأخرى. فقد كانت المقاطع الملحوظة المصحوبة بالموسيقى تسمع في القصور أواخر العصور الوسطى. وذكر علماء النهضة أن قطعاً من المآسي اليونانية كانت تغني أو ترتل بمصاحبة الموسيقى. وفي بلاط مانتوا، عام 1472؛ جمع إنجيليو بولتسيانو بين الموسيقى والدراما في مسرحيته القصيرة «فافولادي أورفينو أورفينو وبدأت هذه الأسطورة الحزينة تشق الآن طريقها الطويل إلى الأوبرا. كذلك شقت مسرحية الأقنعة «الماسك» التي اشتد الإقبال عليها في قصور القرن السادس عشر طريقاً آخر إلى الأوبرا؛ ولعل الباليه؛ والمشاهد المسرحية المترفة؛ والملابس الفخمة التي تراها في الأوبرا الحديثة، منحدرة من الرقص والمواكب والثياب الفاخرة التي غلبت على الحركة في مسرحيات الأقنعة أيام النهضة.

وفي أخريات القرن السادس عشر اقترح فريق من المتحمسين للموسيقى والأدب التقوا في بيت جوفاني باردي بفلورنسة أن يحيوا مسرحية اليونان الموسيقية بتحرير الأغنية من تعدد الأصوات الشديد ومن لغة القصائد الغزلية

ص: 48

المفرقة المكتومة، وردها إلى ما كانوا يعتقدونه اسلوب المأساة القديمة الفردي (المونودي). فقام أحدهم وهو فنشنزو جاليلي، أبو الفلكي، بتأليف موسيقى مونودية لأجزاء من جحيم دانتي. ووضع عضوان آخران من الجماعة، هما الشاعر أوتافيو رينوتشيني والمغني ياكوبو بيري، النص والموسيقى لما يمكن أن نعده أول أوبرا واسمها «دافني» ، وقد أخرجت في بيت ياكوبو كورسي في 1597) 63). وقوبل الأداء بالاستحسان الكبير حتى أن رينوتشيني دعى إلى وضع الكلمات للحن أهم، وبيري وجوليو كاتشيني إلى تأليف موسيقى اللحن، وذلك احتفالا بزفاف هنري الرابع وماريا دي مديتشي بفلورنسة (6أكتوبر 1600). و «الأوريديتشي» التي مثلت هناك هي أقدم الأوبرات الباقية على قيد الحياة. وقد اعتذر بيري عن عيوب هذا العمل المستعجل، راجيا «أن أكون قد فتحت الطريق لموهبة غيري من المؤلفين، ليتأثروا خطاي نحو هذا المجد الذي لم يتح إلى بلوغه (63)» .

هذا المجد بلغه أحد الفحول في تاريخ الموسيقى، وهو كلوديو مونتيفردي. حذق العزف على الكمان في مسقط رأسه كريمونا، حتى أنه عين عازفاً للكمان في قصر دوق مانتوا وهو لا يتجاوز الثانية والعشرين (1589)، وفي الخامسة والثلاثين أصبح قائد فرقة المرتلين في الكنيسة. وقد ندد النقاد تنديدا شديدا بكتبه الخمسة في الأغاني الشعرية (1587 - 1605) لما أخذوه عليها من تنافر شديد، و «نقلات شديدة التحرر» ، ومتواليات هارمونية «غير قانونية» ، وخروج على قواعد مزج الألحان (الكونتر بنط). كتب جوفاني ارتوزي في «مثالب الموسيقى الحديثة» (1600 - 3) يقول «هؤلاء الملحنون المحدثون يحلو لهم فيما يبدو أن يخرجوا أعظم ما يستطيعون من ضوضاء بالجمع بين عناصر لا رابط بينها اطلاقا ومجموعات متعاظمة من الأنغام المتنافرة (64)» .

ووجه مونتيفر دي محاولاته المتهورة إلى الشكل الجديد الذي سمعه في

ص: 49

فلورنسة، فأخرج في مانتوا أول اوبرا من تلحينه، وهي «أورفيو» أخرى (1607) يشارك في عزفها أوركسترا من ستة وثلاثين عازفا. وسجلت الموسيقى والحركة في هذه الأوبرا تقدما عظيما على أوبرا «أوريديتشي» لبيري. وفي الأوبرا الثانية التي لحنتها مونتيفردي، واسمها «أريانا» (1608) كانت الحركة أشد مسرحية والموسيقى أكثر استهواء للسامعين. وبدأت إيطاليا كلها تردد عويل أردياني التي هجرها حبيبها «دعوني أمت» ، وفي توسيع مونتيفردي للاوركسترا واعادة تنظيمه، وفي تمييزه المتكرر لكل شخصية بلحن خاص، وفي افتتاحياته 0سنفونياته) التي استهل بها اوبراته، وفي تجويده للموسيقى الصوتية والألحان، وفي جمعه الحميم، المعقد، بين الموسيقى والدراما، في هذا كله سجل من التقدم الحاسم في الأوبرا ما كان يفعله معاصره شكسبير في المسرح.

وانتقل مونتيفردي في 1612 إلى البندقية قائدا للمرتلين بكنيسة القديس مرقس. ولحن مزيدا من الأغاني الشعرية، ولكنه غير من هذا اللون الآخذ في الانحلال مسرفا في العنصر الالقائي اسرافا حدا بالنقاد إلى اتهامه بأنه يخضع الموسيقى للدراما (على نحو ما سيتهم به برنيني من اخضاع النحت للدراما)، ومما لا ريب فيه أن أوبرا مونتيفردي-ككل أوبرا تقريبا- ضرب «من الباروك» الموسيقى. وافتتحت البندقية أول دار عامة للأوبرا «تياترو دي سان كاسيانو» ، وفيها استمر عرض أوبرا مونتيفردي «أدوني» من عام 1639 إلى كرنفال 1640، بينما كان أوبرا أخرى له تسمى «أريانا» تشغل مسرحا آخر بين الحين والحين. فلما أخرج آخر أوبراته «تتويج البابا» (1642) اغتبطت إيطاليا لأنها رأت أنه ما زال في عنفوانه رغم بلوغه الخامسة والسبعين (شأن فردي الذي أخرج «عطيل» وهو في الرابعة والسبعين). وبعد عام مات تاركا دنيا الموسيقى بعد أن أن الهمتها وجددت شبابها ثورته الخلاقة.

ص: 50

‌6 - الآداب

يدهش المرء حين يرى إيطاليا جياشة بالعبقرية في كل ميدان، حتى في فترة الاضمحلال المزعوم هذه. لقد كان عصراً مثمراً في الأدب الإيطالي كما وتوقدا، ولا يحول بيننا وبين انصافه هنا سوى الافتقار إلى الوقت والحيز والمعرفة.

كان طبيعياً أن يضمحل العلم الإيطالي بعد ما لحق الهام النهضة من كلال؛ فما كان في الإمكان أن يمضي الناس في الكشف من جديد عن اليونان والرومان إلى ما شاء الله. لذلك ترك الاهتمام بالآداب إلى الأكاديميات الأدبية، التي كانت محافظة بحكم نظامها. وكان لكل مدينة تقريباً في إيطاليا معهد أو جماعة منقطعة لبث الآداب وتبادل الشعر في حماسة. وقد سبقت أكاديمية كروسكا (أي الهيثم) التي أنشأت بفلورنسة عام 1572، الأكاديمية الفرنسية إذ صنفت قاموساً للغة (1612 وما بعدها) وحاولت تنظيم الأسلوب والذوق الأدبيين.

أما المؤرخون الإيطاليون فكانوا خيرة مؤرخي العصر. وقد رأينا كتاب ساربي الناري «تاريخ مجمع ترنت» . كذلك أخرج الكردينال جويدو بنتيفوليو تاريخاً للثورة في الأراضي المنخفضة مشرباً بروح التعاطف الشديد. وكان من الجائز أن ينتج المزيد، لولا أنه مات في مجمع الكرادلة في اللحظة التي بدأ اختياره للبابوية قاب قوسين. وقد أفضى إلى موته، كما يقول نيكيوس اريتراوس، شخير كردينال في الحجرة المجاورة حرمه النوم إحدى عشرة ليلية متعاقبة (65). ومؤرخ آخر هو الكردينال شيزاري بارونيوس صنف تاريخاً ضخماً للكنيسة (الحوليات الكنسية 1588 - 1607) يقع في اثني عشر مجلداً من القطع الكبير زاده العلماء بعد ذلك إلى ثمانية عشر. وكان حكم رانكيه عليها أنها عاطلة من التشويق (66)، ولكن جيبون وجد فيها عونا له، وقد بذل الكردينال جهداً مشكوراً

ص: 51

ليكون منصفاً، فقال «سأشعر بالحب الصادق للرجل الذي يصحح أخطائي بكل صرامة وقسوة (67)» ، وتكفل إسحاق كازوبن بهذه المهمة، ولكنه اقلع عنها بعد أن كتب مقدمة ناقصة في ثمانمائة صفحة من القطع الكبير.

وأما المسرح فقد زكا، ولكن الدراما اضمحلت. فقل من التمثيليات الباقية الذكر ما ألف، ولكن كثر ما أخرج منها، وأخرج بسخاء في المناظر وبراعة في التمثيل جعلت اينيجو جونز يعجب ويتعلم. واشتد الطلب على الممثلين الإيطاليين في القارة طولا وعرضا. وبينما كانت أدوار النساء يقوم بها الغلمان في المسرح الإنجليزي، كانت النساء يؤدينها في إيطاليا. كان الناس يعبدون الممثلات؛ وقد كتب تاسو سونيتة لأيزابللا أندريني، التي لم تكن ممثلة جميلة فحسب، بل شاعرة لا بأس بها وزوجة فاضلة كذلك.

وتطالعنا في هذا العصر تمثيليتان ممتازتان؛ من جهة لأنهما أرستا لوناً جديداً على المسرح-وهو الدراما الرعوية. وقد أعطاها تاسو دفعة بتمثيليته «أمينتا» (1573)، أما جوفاني باتيستا جواريني فقد أخرج مثلها الكلاسيكي في درامته «الباستور فيدو» (الراعي الوفي)(1585). قال تاسو «إذا لم يكن قرأ أمينتا فهو لم يبزها (68)» وقد وبخه الكردينال بللارميني لما في التمثيلية من إباحية، وقال أنها ألحقت بالعالم المسيحي من الضرر فوق ما ألحقته كل هرطقات لوثر وكلفن؛ على أن البحث الدءوب لم يعثر على منظر أكثر وقاحة من منظر كورسيكا الجميلة وهي تقدم «تفاحتي» صدرها لسيلفيو الذي لا يقدرهما، وهو صياد «يفرح بحيوان واحد يصيده

أكثر من فرحته بكل حوريات البحر (69)» وإذا أستثنينا سيلفيو هذا وجدنا في المسرحية - ككل شعر هذه الفترة الإيطالي تقريباً - حرارة في الحس تصهر الحياة كلها في الحب. وتتجلى الحركة في ضرب من «الأركاديا» الرعوية، في ذلك «العصر الذهبي الجميل، حين كان اللين غذاء الناس الأوحد» ، فلا رذيلة، ولا حزن يلوث الإنسان، أما

ص: 52

الحب فخلو من كل لوم وقيد (70). وتضافرت «أمينتا» ودرامة «الراعي الوفي» هذه، وتمثيلية مونتيمايور «ديانا العاشقة» ، وتمثيلية سدني «أركاديا» وتمثيلية فلتشر «الراعية الوفية» لتطلق نصف جمهور القراء الأوربيين ليسرحوا في المراعي.

وقد عد كرستشمبيني من ناظمي السونيتة 661 في إيطاليا لم يعيهم العثور على قواف رنانة لقصائدهم المغايرة قليلا لسونيتات بترارك (71). ومن أروع سونيتات العصر ما كتبه كامبانللا وبرونو، وكأنه شرار نفثه نار فلسفتهما. وقد هجا الساندرو تاسوني كتاب السونيته وعشاق بترارك وماريني وتاسو في قصيدة من عيون الشعر الإيطالي تدعى «الدلو المسروق» . وأبى الناشرون أن ينشروها لأن ضحيتها كان نبيلا ذا سطوة، ولكن الطلب عليها اشتد حتى لقد أثرى النساخ بنسخها وبيعها بسعر ثمانية كراونات للمخطوطة، وأخيراً طبعت في فرنسا وهربت إلى إيطاليا. ولم يفتتن القراء الإيطاليون بما في تعليقاتها اللاذعة من ذكاء وحدة فحسب، بل بفواصل من الشعر المصفى تخللت ذلك المرح الصاخب - قصة غرام أنديميون مروية جنباً إلى جنب تقريباً مع صورة لعضو في مجلس الشيوخ يسافر إلى الجنة على كرسي مرحاض.

ولم يبز تاسوني فيما حظي به من استحسان في هذه الحقبة سوى شاعرين إيطاليين - هما تاسو وجوفانيباتيستا ماريني. أما جيوفاني فقد ولد في نابلي ونشئ ليكون محامياً، ولكنه هجر المرافعات إلى القوافي، واستمع حيناً بحياة التشرد. ثم منحه المركيز مانسو حجرة في قصره مغتفراً له إباحية شعره الغنائي، وهناك استطاع الفتى أن يشهد، على بعد خاشع، تاسو المحزون المشرف على الفناء. ثم القى به السجن لأنه ساعد صديقاً على خطف فتاة، ولما افرج عنه مضى إلى روما، حيث عينه الكردينال السمح بيتترو ألدوبر اندينو سكرتيراً خاصاً له. ثم اصطحبه الكردينال إلى تورين وهناك أخذه منه شارل ايمانويل دوق سافوا. وراح ماريني يرشف حيناً ما في حياة البلاط من خمر وخل.

ص: 53

وتهكم بشاعر منافس يدعى جسبارو مورتولا، كمن له في الطريق، وأطلق عليه النار، ولكنه أخطأ وأصاب خادماً من خدم الدوق. وحكم على مورتولا بالإعدام، ولكن ماريني حصل له على العفو، وناله أشد النكران من غريمه. وبعد أن سجن ماريني عقاباً على هجائيات موجهة ضد أصحابها توجيهاً مكشوفاً، قبل دعوة من ماري مديتشي ليكون زينة بلاطها في باريس (1615). ورحب به الإيطاليون في حاشيتها باعتباره الصوت المعبر عنهم فرنسا، وكان محل الإعجاب الشديد، وتلقى وظائف شرفية دسمة، واجزل له النبلاء والنبيلات المال ثمناً لنسخ من ملحمته «أدوني» قبل نشرها، ووجدت نسخة منها طريقها إلى الكردينال بنتيفوليو، فناشد ماريني أن ينقي القصيدة من فقراتها الفاجرة، ولا ندري إلى أي حد حاول المؤلف ذلك. ونشرت أدوني بباريس في 1623، وأدرجت في قائمة الكتب التي تحرمها الكنيسة، واصبحت البدعة الفاشية في إيطاليا والموضوع الذي تلوكه الالسن. وحين عاد ماريني إلى نابلي (1624)، رمى قطاع الطرق عربته بالورد، وخرج النبلاء لمرافقته، وهفت الحسان إليه من شرفاتهن. ولم يمض عليه عام حتى مات غير متجاوز الثانية والخمسين وقد بلغ ذرى الثروة والشهرة.

أما أدوني هذه فقصيدة من عيون الشعر حتى في بلد يكاد الشعر أن يكون فيه كالغناء سجية وطبعاً. وطولها يوقفنا - الف صفحة بها 45. 000 بيت. أما أسلوبها فمستغرق في كل الاعيب الكلام التي أطربت لايلي في إنجلتره، وجويفاره وجونجورا في إسبانيا، وبعض «متحذلقات» الأوتيل درامبيوييه في فرنسا؛ لقد كان التأنق اللفظي جزءاً من وباء أوربي. وكان لهذا الإيطالي الماهر غرام بالألفاظ يكاد يكون شهوانياً، فراح يقذف بها في مفارقات رنانة، وأخيلة غريبة، وإطنابات بارعة، بل في نكت وتوريات رشيقة. ولكن الجمهور الإيطالي في القرن السادس عشر بما طبع عليه من تدفق بالحديث الحار، لم يسوءه هذا الولع بحيل الألفاظ وألاعيبها.

ص: 54

وأي بأس بهذه الألاعيب اللفظية في عصر كان انشودة تسبيح للجنس في شتى صوره - العادي منه والوحشي، والشاذ، والحرام؟ هنا رويت اساطير هيلاس الغرامية في رقة وظرف، هنا يلهو مارس وفولكان مع أفروديت، وهنا زيوس يغوي جانيميد، ومفاتن جسم الرجل هي حديث القوم السائر. وحاسة اللمس يشاد بها لأنها المصدر المدهش لألذ مباهج الإنسان. وها تتغزل النساء والرجال والوحوش في أدونيس البطل الذي حبته الآلهة حسن الصبايا كله، وتتودد إليه فينوس بحيلها الناعمة، ويحاول زعيم عصابة أن يجعل منه محظيته، وينتهي أمر الفتى المحبوب حباً يوقفه موقف العاجز، بأن يجرح في أصل فخذه جرحاً مميتاً اصابه به خنزير بري مدفوعاً بأحر النيات الغرامية. ترى هل كان هذا التركيز المخنث على الجنس تفريجاً وملاذاً من الغلو في الدين والإفراط في تسلط الأسبان؟

‌7 - تاسو

توافر لتوركواتو تاسو الكثير من المغريات بالشعر. ولد في سورنتو (1544) حيث البحر ملحمة، والسماء أغنية، وكل ربوة من الأرض انشودة. وكان أبوه برناردو شاعراً، وموظفاً في البلاط، وإنساناً مرهف الحس مشبوب العاطفة، تآمر على الحكم الأسباني، ونفي في مملكة نابلي (1551)، وجاب الأرض من بلاط إلى بلاط تاركاً وراءه زوجته وولده في عوز وضنك. وتنتمي أمه بورنسيا دي روسي إلى اسرة توسكانية عريقة تجري الثقافة في عروقها. ودرس الصبي ثلاث سنوات في مدرسة لليسوعيين بنابلي، فشرب اللاتينية واليونانية في جرعات تحطم الأعصاب، ودرب على التقوى العميقة التي اثارت فيه الرجفة اللاهوتية تارة؛ ووهبته السلام الذي يجل عن الوصف تارة اخرى. وفي العاشرة لحق بأبيه في روما، وتركه موت أمه بعد عامين شديد التأثر طويل الحسرة. ثم رافق اباه إلى أوربينو والبندقية، وهناك نشر برناردو قصيدته «اماديجي» (1560) التي حكى فيها بالشعر قصة غرام من العصر الوسيط.

ص: 55

وكان توركواتو نفسه يجيش الآن بالشعر .. أرسل إلى بادوا ليدرس القانون، ولكن قدوة أبيه كانت أقوى من مبادئه، فأهمل الفتى درس الشرائع وراح ينظم القوافي، وكان منذ أمد بعيد قد وقع أسيراً لسحر فيرجل. فعزم الآن على أن يطبق الأسلوب المانتوي الرفيع الجاد على اساطير الفروسية التي عالجها أريوستو علاج المازح العابث. وهكذا فاجأ أباه برواية في اثني عشر قسما «رينالدو» . وكان شعور برناردو مزيجاً من الحزن والابتهاج، فقد تكشف له ما سيلقاه من صروف الأيام شاعر لا يملك غير عبقريته، ولكنه طرب لرؤية ولده الذي لم يجاوز الثامنة عشر ربيعاً ينافس أشعر شعراء العصر رقة وخيالا. ونشرت الملحمة الصغيرة بأمره (1562). واغتبطت نفسه بما لقيت من استحسان، فأذن لتوركواتو بأن يهجر دراسة القانون في بادوا ويستبدل بها الفلسفة والأدب في بولونيا. وهناك أثارت موهبة الفتى المتاعب، لأنه كتب «الأبجرامات» اللاذعة في مدرسيه، فهددوه برفع دعوى القذف ضده، وعاد من فوره إلى بادوا.

وأقنع برناردو الكردينال لويجي دستي، أخا الدوق الفونسو الثاني أمير فيرارا، بأن يستخدم توركواتو سكرتيراً له (1565 (. والتحق الشاعر مغتبطاً بهذا البلاط الذي كان يعد يومها أينع زهرة في بستان الثقافة الإيطالية. هناك القى مجتمعا يزخر بالموسيقى والرقص والأدب والفن والدسائس والحب. وافتتن تاسو بأختين للكردينال، لوكريتسيا المتغطرسة الجميلة بنت الواحدة والثلاثين، وليونورا، بنت التسعة والعشرين، المعلولة التقية التي جعلتها مشاجراتها مع الفونسو معبودة البلاط. وتروي الأساطير (كما نقرؤها في مسرحية جوته وفي قصيدة بايرون «عويل تاسو») عن الشاعر وقوعه في غرام ليونورا، وما من شك في أنه طارحها القصائد المشوبة كما اقتضى العرف، وفي أن السيدتين قبلتاه في صداقة طوقت بهالة النبالة، ولكن إحداهما كانت تكبره بأحد عشر عاماً، والاخرى بتسعة أعوام، ويبدو

ص: 56

أن واحدة منهما لم تمنحه شيئاً أدفأ من اذنيها. ولم يتزوج تاسو قط، إذا لم يكن في وسعه أن يعشق إلا الأميرات فلم يكن في وسعهن الزواج إلا من ذوي اليسار. ولعله خشي مطالب الزواج وقيوده، فقد جمع بين ضعف الثقة في قدرته، والتيه بشعره.

وفي عام 1569 مات أبوه وهو لا يملك شروى فقير، واضطر تاسو إلى الاستدانة ليدفنه. وبعد عام اصطحبه الكردينال دستي إلى باريس، فجزع حين وجد شارل التاسع يخالط زعماء الهيجونوت في لطف وود، وجاهر بنقد الحكومة على انسجامها مع المهرطقين. أما الكردينال الحريص على رضاء الملك فقد رد سكرتيره المتعب إلى إيطاليا. ولم يغتفر له تاسو هذه الفعلة قط.

وعزى ألفونسو الشاعر بأن ألحقه ببيته وأجري عليه معاشاً سنوياً دون أن يحمله من المسئوليات شيئاً غير أن يهدي الدوق الملحمة التي عرف أنه يكتبها عن الحرب الصليبية الأولى. تلك كانت سنوات سعيدة بالقياس إلى غيرها. ففي صيف عام 1573 أنجز في بلاط درامته الرعوية «أمينتا» ، وقد أثلج صدره ما لقيت من نجاح. فسادة فيرارا وسيداتها الذين كانوا يعيشون على استغلال الفلاحين انتشوا حين رأوا نعيم الريفيين-على المسرح. وأطربت كل وجهاء البلاط صورة العصر الذهبي الذي كانت فيه كل الأشياء السارة حلالا وخيراً:

لك الله أيها العصر الذهبي الجميل!

لست جميلاً لأن أنهارك كانت تفيض لبناً،

ولا لأن أشجارك كانت تقطر مناً،

بل لأن ذلك الألم الكاذب الذي خلقناه لانفسنا،

وصنم الخطيئة، ذلك المحتال المعبود،

وذلك الشرف-الذي سمته كذلك عقول العوام المرتاعة-،

لم يكن قد استيد بطبيعتنا بعد،

ص: 57

ليكن قد جاء ليكدر صفو الحظيرة الحلوة السعيدة،

حظيرة البشرية الوادعة،

ولا قيد ناموسه القاسي نفوساً ربيت على الحرية،

بل كان هناك قانون جميل،

قانون ذهبي سعيد،

خطته يد الطبيعة:

«كل لذيذ حلال» (73)

ولكن جرأة الروح غير المعهودة فيه فارقته حين وجد نفسه ينهي ملحمته «أورشليم المحررة» (1574). لقد كان هذا الجهد ذروة جهود حياته، ولو أن الكنيسة أدانته بالإباحية أو الهرطقة لودع السعادة إلى الابد وفي رهبة وخوف بعث بمخطوطته إلى سبعة نقاد مستفتياً في حبكة القصيدة وشخوصها ولغتها وآدابها. وقد بلغ نقدهم لها من الكثرة ما جعله يلقي القصيدة جانباً لأنه لم يعرف كيف يرضيهم جميعاً. فظلت محبوسة عن النشر خمس سنوات. إنه وهو عليم بأنه كتب رائعة اشتط في مطالبه من النقاد ومن الحياة. وقد اعترف بأنه «لم يطق العيش في مدينة لا يخلى نبلاؤها مكان الصدارة له، أو على الاقل يسوون بينه وبينهم مساواة مطلقة» . ولا ريب أنه كان يستحق هذه المساواة، ولكنه اضاف انه «كان يتوقع أن يعبده الأصدقاء، ويخدمه الخدم، ويعانقه أهل البيت، ويكرمه السادة، ويحتفل بذكره الشعراء، ويشير إليه الجميع بأصابعهم» (74) وكثرت في فيرارا فئة تنقد شعره، وخلقه، ودعاواه. فبدأ يحلم بمكان ألين في قصور ألطف وأرق.

كانت المنغصات البدنية والنفسية قد هزت أعصابه: حمى الملاريا، ونوبات الصداع المتكررة، والصدمات المتراكمة إثر نفي ابيه، وموت أمه، وإملاق أبيه وهو مشرف على الموت، يضاف إلى هذا كله أن الشكوك اللاهوتية التي ساورته - شكوك الجحيم والخلود، والوهية المسيح - ألقت على عقله ظلاً ثقيلاً من الإحساس بالإثم ودفعته إلى الاكثار من

ص: 58

الاعتراف وتناول الأسرار (75). وقد وقر في نفسه أنه مارس قوة السحر الاسود (أي الشيطاني)، وتراء له الرؤى المرعبة عن الدينونة الاخيرة، وشهد الله يسوق الهالكين إلى النار الابدية (76). وأنتابه أوهام الاضطهاد - فخامرته الظنون في افشاء الخدم لأسراره، واعتقد أن أمره أبلغ لمحكمة التفتيش، وتوقع كل يوم أن يدس له السم. لقد كان ضيفا عسير الارضاء (77).

ولكن الفونسو ترفق به؛ وذلك أن أروع قصائد العصر - برغم كل شيء أهديت إليه وافردت نصف قسم منها (السابع عشر) للإشادة بنسبه. فأعفى الشاعر من الحضور إلى البلاط، وأرسله إلى فيللا بلريجواردو اللطيفة ليعينه على التغيير والسكينة. ولكن صبره نفد حين وجد أن تاسو يتفاوض خفية مع فرانشسكو مديتشي - أقوى منافسي الفونسو واعدى أعدائه - ليقبله متقاعدا بمعاش في بلاط فلورنسة. وفي نوفمبر 1575 غادر الشاعر فيرارا زاعما أنه ذاهب إلى روما لينال غفران اليوبيل. ومضى إليها، ولكنه عرج على فلورنسة مرتين في الطريق. على أنه ل يقع من نفس الدوق الكبير موقعا حسنا، وكتب فرانشسكو إلى صديق له (4 فبراير 1576) يقول «لست أدري هل أدعوه إنسانا مجنونا أم ذكيا مسلياً» ؛ وبعد عام قرر أنه «ليس في حاجة إلى وجود رجل مجنون في بلاطه» (78) وقفل تاسو إلى فيرارا كسير الخاطر محزونا.

وطلب إلى الفونسو أن يعينه في وظيفة المؤرخ الرسمي للبلاط، فنال الوظيفة. وفي يناير 1577 مثل أمام محكمة التفتيش في بولونيا واعترف بأنه ارتاب آثما في العقيدة الكاثوليكية، وأعادته المحكمة بكلمات من المواساة والتشجيع. وفي يونيو من ذلك العام، بينما كان في مسكن لوكريتسيا دستي، شهر سكينه على خادم أثار شبهته، فأمر الفونسو بحبس الشاعر في حجرة بالقلعة، ولكنه أفرج عنه بعد قليل وأخذه إلى بلريجواردو. كتب تاسو يقول ان الدوق عامله «وكأنه أخ له لا أمير عليه» (79). وطلب

ص: 59

الشاعر أن يرسل إلى دير القديس فرنسيس، فأمر الفونسو بارساله إليه، وأوصى بأن يعطي مسهلا. وخضع تاسو، ولكن ثائرته ثارت في الدير، فاتهم الرهبان بأنهم يغشون نبيذه، وطلب الرهبان اعفاءهم من وجوده. فرد إلى قلعة الدوق ووضع تحت الحراسة. ولكنه هرب متخفيا في ثوب فلاح، وضرب في الأرض سيرا على قدميه وحيداً عبر الأبنين حتى بلغ بيت أخته كورنيليا في سورنتو. فاستقبله بحنان مشرب بالمحبة.

وكان ممكنا أن يظفر بشيء من صفاء الذهن والسعادة هناك لولا قلقه على مصير القصيدة العظيمة التي ما زالت محبوسة عن النشر والتي خلفها وراءه في فيرارا، ولعله بعد أن طال إلفه لحياة القصور افتقد أسباب الراحة التي صاحبت شدائده، فذهب إلى روما ورجا سفير فيرارا أن يتشفع له عند الفونسو. وأرسل الدوق مالا للعناية به ووافق على عودته شريطة أن يتعهد بالتزام الهدوء والحضور للعلاج الطبي. وحين وصل إلى فيرارا (1578) أعطي مسكنا خاصا خارج القصر، وزود بخادم، ووافوه بالطعام من مائدة الدوق. وقبل تاسو المسكنات والمسهلات طائعاً، وواصل كتابة الشعر الرائع. ولكنه كان يأمل في العودة إلى مكان الحظوة في البلاط، فوجد بدلا من هذا كل إنسان تقريبا يعامله كأنه مجنون. ولم يعد الدوق ولا الأميرتان يسمحون له بمجالستهم. أما شر الاهانات فأمر الفونسو بأن تؤخذ مخطوطات الشعر منه، ومن بينها «أورشليم» مخافة أن يتلفها.

وفي يونيو 1578 هرب تاسو مرة أخرى من فيرارا، وذهب إلى مانتوا وبادوا والبندقية وأوربينو وتورين. وهناك أكرم الدوق شارل ايمانويل مثواه، وبذل له كل اسباب الراحة التي عهدها في فيرارا. ولكن ما مضت ثلاثة أشهر حتى التمس الشاعر القلق من الفونسو أن يرده، ربما حرصا منه على استرداد مخطوطاته. ووافق الفونسو، وفي فبراير 1579 أسكن تاسو مرة أخرى قصر الدردينال لويجي دستي. ولكن الفونسو،

ص: 60

التواق إلى وريث كان يتزوج للمرة الثالثة، ولم يكن ليعير الشعراء أذنه، ولم يدع تاسو إلى الحفلات. وظل أسبوعين يحتمل هذا الإغفال مغيظاً محنقاً، وأخيراً غادر مسكن الكردينال (12 مارس 1579)، واقتحم قصر بونتيفولي وهو يصيح مهاجما الدوق، والدوقة الجديدة، وجميع الحاشية. وجرى إلى القلعة، مصرا على لقاء الدوقة واستعادة مخطوطاته. وأمر الدوق بايداعه مستشفى قريبا لمرضى العقول يدعى سانتانا، وهناك ظل حبيسا أكثر من سبع سنين.

لم يكن مجنونا جنوناً مطبقاً. فقد كانت له أويقات صفاء كتب فيها الشعر واستقبل الأصدقاء. وزعم مونتيني أنه زاره. ووفدت عليه سيدات من البلاط ليطيب خاطره، واصطحبته لوكريتسيا مرة لبيتها في بلفديري، ولكن عنفه روعها فرد إلى المستشفى بناء على طلبها. لقد كان العقل المحطم نهبا لرعب كتقطع تثيره هلوسات بأصوات أشباح يسمعها، وبأرواح علوية تغزو حجرته وتسطو على قصائده.

وأخيرا نشرت ملحمته. ذلك أن المحتفظين بمخطوطاتها أرسلوها للناشرين بعد أن علموا أن قراصنة الكتب نسخوها (1580). وظل النقاد يتسقطون الأخطاء فيها، ولكن إيطاليا استقبلتها استقبالا حماسيا، وأطرى رجال الكنيسة موضوعها وتقواها. وتتابعت طبعات القصيدة، وبيع منها في يوم واحد ألفا نسخة، ورددت البيوت والقصور أنغامها، واختلف الناس في أمر تاسو، أيضعونه في صف أريوستو أم في صنف بترارك. وفضل فولتير القصيدة على الالياذة وهو على ما نعلم من بعد عن التحيز للمسيحية (80). أما اليزابث ملكة إنجلترا فبعد أن استمعت إلى أجزاء منها مترجمة إلى اللاتينية حسدت دوق فيرارا على أنه عثر على هوميروس يخلد ذكره (81).

ونستطيع إذا همزنا حاستنا التاريخية أن نبدأ في فهم السبب في استجابة أوربا بهذه الحماسة لهذه القصة المثيرة- قصة الحرب الصليبية الأولى.

ص: 61

لقد رحبت بها باعتبارها ملحمة العالم المسيحي التي طال انتظارها ومست الحاجة إليه. ذلك أنه حين بدأ تاسو قصيدته كانت أوربا تحشد الأسطول الذي التحم بالأتراك في ليبانتو. ودارت رحى المعركة الهائلة بينما الشاعر ينظم ملحمته، وكسب الأوربيون المعركة، ولكن انتعاش الأتراك السريع كان يهدد أوربا، لا سيما إيطاليا، وتعرضت روما، معقل المسيحية، للخطر والقصيدة تكتمل. وساد الخوف من الاسلام أرجاء العالم المسيحي إذ ذاك، كخوف أوربا اليوم من شرق نفخت فيه الحياة من جديد. وفي هذا الجو قرأ الرجال والنساء في شعر يأخذ بالألباب قصة تشدد عزائمهم إذ تحكى كيف قاد جودفري أمير بويون في 1099 جيشاً مسيحياً ظافراً برغم ما لحقه من ضربات واستولى به على أورشليم.

وهكذا يبدأ تاسو قصيدته متفاخرا، ذاكرا عبارة فيرجل» Arma virumque cano« ومتحدياً إياها، «أني اتغنى بذكر الجيوش الصالحة والقائد الذي حرر قبر المسيح العظيم» . وهو يناشد ربة الشعر أن تلهب صدره بحماسة من السماء، ويهدي قصيدته إلى الفونسو، الأمير الهمام الذي أنقذه من زعزع الخطر وهيأ له مرفأ طيبا. ويرسل الله رئيس ملائكته جبريل ليأمر جودفري بأن يحزم أمره ويزحف قدما على أورشليم. وحين يدنو المسيحيون من المدينة يأمر حاكمها التركي علاء الدين رجاله بأن ينقلوا تمثالا للعذراء من كنيسة مسيحية إلى جامع للمسلمين، مؤمنا بأن التمثال سيجلب النصر لمالكه. على أن التمثال يسترد فيخفيه للمسيحيون، ويأمر علاء الدين بذبح كل من بقي بأورشليم من المسيحيين. وتقدم العذراء سوفرونيا نفسها قرباناً عن شعبها، وتخبر علاء الدين كذباً أنها سرقت التمثال وأحرقته، فيحكم بحرقها. على أن حبيبها الذي لا تبادله الحب، أوليندو، يحاول افتداءها ويزعم انه المذنب، فيحكم عليهما جميعاً بالموت، ولكن البطلة المسلمة كلوريندا تنقذهما. ويدعو بلوتو رب العالم السفلي مجمعاً من أتباعه للنظر في طرق هزيمة المسيحيين الذين يحاصرون المدينة،

ص: 62

فيقع اختيارهم على أرميدا الحسناء أداة لتنفيذ خطتهم، وهي عذراء دمشقية ذات قوة سحرية. ويقع رينالدو وغيره من الفرسان في فخ حديقتها المسحورة، ويرتاح رينالدو بين ذراعيها. أما تانكرد، الفارس المسيحي المثالي، الشهم الهمام، فيعجب بشجاعة كلوريندا ويقع في غرامها برغم حواجز العقيدة. وفي جزء من أجمل أجزاء القصيدة (12) تختفي كلوريندا وتقاتل تانكرد حتى تقتل، ثم تتوسل إليه وهي في النزع أن يدخلها في دينه. ويرسل جودفري الجند للعثور على رينالدو والفرسان المفقودين، فيكتشفون قلعة أرميدا، ويتجنبون «الحسان العرايا» اللاتي يسبحن في بركتها، ويحررون الأسرى. وتغضب أرميدا لهجر رينالدو لها، فتعرض نفسها مكافأة لمن يقتله. ويضطلع تسيفرنيس بالمهمة، ولكن رينالدو ينفذ رمحه فيه. وتنوي أرميدا الانتحار، لكن رينالدو يثنيها عنه بحب متجدد، فترتضي اعتناق المسيحية، وتستسلم له بعبارة مريم العذراء «هوذا أنا أمة الرب» . ويتسلق المسيحيون الأسوار، ويذبحون جيش المسلين، ويقدمون الشكر لله. ولكن القصة لا تسترسل إلى ذكر حرق اليهود.

كان أريستو يرمق قصة الفروسية بابتسامة ساخرة. أما تاسو فقد احياها بملء الجد، واضاف سحر العصر الوسيط ومعجزاته إلى الجهاز الكلاسيكي- جهاز الأرباب التي تتدخل في الأحداث. وكانت الحركة المعارضة للإصلاح البروتستنتي قد قمعت حيناً روح الفكاهة الإيطالي القوي. والافتقار إلى الفكاهة مهد لجنون تاسو، فالكون يجب ألا يؤخذ مأخذ الجد الخالص. ولكن تاسو في ملحمته هو الإيمان غير منازع، والعاطفة لا مخفف لها. وهو يزين القصيدة بأخيلة جعلت جاليلو يشبهها بمتحف من الغرائب (83)، ويكتب نقداً غاضباً على هامش نسخته (84). والتقليد في الملحمة واضح: تقليد هومو في مناظر القتال، وفيرجل في زيارة الجحيم، واريوستو في الغراميات، وفيرجل ودانتي وبترارك في الأفكار وفي أبيات بأسرها. أما السحر فصبياني، وأما الأمازونيات فغير معقولات. ولعل ملحمة «أورشليم»

ص: 63

ليست ضريباً في عظمتها للإلياذة، ولا آخذة بالألباب كالأوديسة، ولا رفيعة كالأنيادة، ولكنها تحتفظ بتشويق القارئ كأي ملحمة، وأسلوبها مرصع بانعطافات النغم وتدفقاته الموفقة، وشخوصها حية، وأحداثها مذابة بمهارة في موضوعها الرئيسي. وكثير من مشاهدها وأحداثها ألهم الفنانين لوحات شهيرة. وقد أعان شعرها وروحها سبنسر على تأليف ملحمته «ملكة الجان» . أما مقاطعها فحين لحنت كانت عزاء لملاحي الجندولا البنادقة عن رتابة عملهم المضني.

لم يجن تاسو في أوقات صفائه غير السرور القليل، والربح الأقل، من نجاح قصيدته. فلم ينل فلساً واحداً من الناشرين. وكانت أوقية من اللوم ترجح عنده رطلا من المديح كما هو الشأن مع أكثر المؤلفين. وقد جزع حين قرأ النقد القاسي الذي وجهه إليه نقاده، الذين زعموا أن قوافيه في أكثرها ليست إلا صلصلات، وأن مشاهد حية مسفة في الشهوانية، وأن مسلميه يثيرون الإعجاب الاعجاب فوق ما ينبغي، وأن بطلاته في الأغلب مسترجلات. ولكن باقي الإيطاليين هللوا له كأنه فرجيل ولد من جديد، وعلت الأصوات مطالبة بمعاملة أرفق للشاعر المنكوب. على أن زواره رأوا حاجته للملاحظة الدقيقة، وأن الفونسو يعالج الأمر بكل الرعاية التي تتوقع من رجل أسيء إليه كثيراً وشغلته تبعات الحكم.

وصلحت حال الشاعر. وفي يوليو 1586 حصل فنشننزو وجونزاجا، الوريث الشرعي لدوقية مانتوا، على الإفراج عنه بعد أن تعهد بالعناية به. وعاش تاسو في مانتوا شهرا ثم رحل عنها إلى برجامو، ومودينا، وبولونيا، ولوريتو، وروما، يبيع قصائده ومدائحه لمن يشتريها. ولقى حسن الاستقبال في روما، ولكنه سرعان ما بدأ الترحال من جديد، فمضى إلى سينا، ففلورنسة، ثم عاد إلى مانتوا، ثم لنابلي مرة أخرى، حيث صادقه المركيز مانسو، ثم عاد إلى روما حيث أنزله الكردينالان تشننزينو وألدوبر اندينو مسكنهما بالفاتيكان (1594). وأراد العودة إلى

ص: 64

فيرارا ليموت فيها، غير أن الفونسو رفض الاذن له. ورتب له البابا كلمنت الثامن معاشا وأعد العدة لتتويجه شاعراً. للبلاط البابوي. ولكن في أبريل 1595 لم يكن بد من نقل الشاعر الذي انهارت قواه وأدركته الشيخوخة والعجز وهو بعد في الحادية والخمسين، إلى دير سان أونوفريو بروما، ليجد رعاية أفضل. هناك، وبعد غضبة أخرى من غضباته، مات (25 أبريل) وهو يتمتم «في يديك يا رب أستودع روحي» ووضع على نعشه إكليل الغار الذي لم يعش ليلبسه. وحمل جثمانه في مشهد إلى كنيسة القديس القديس بطرس وخرج منها تشيعه حاشية البابا واشراف روما وعلماؤها، وروى التراب في كنيسة الدير وفوق مثواه قبرية بسيطة، «هنا يرقد توركواتوس تاسوس» وأصبحت الصومعة التي نزلها مزارا للحجاج كما هي اليوم.

‌8 - مجيء الباروك

1550 -

1648

كان الفن الكلاسيكي - كالبارثينون وأفريزه، ومنحوتات ميرون وبولسكليتوس، وساحة روما، ولايناد، وستانزا رفائيل بالفاتيكان، وصور كنيسة مديتشي لميكل أنجيلو - هذا الفن كان اختزال الفوضى إلى نظام، والتعدد إلى وحدة، والحركة إلى ثبات، والشعور إلى فكر، وغير المميز إلى مميز، والمعقد المبهم إلى البسيط الواضح؛ كان المادة مصوغة من الشكل. ولكن كل شيء حتى الكمال يزهده الناس حين يطول به العمر. فالتغيير ضروري للحياة، والحس، والفكر؛ والجديد المثير قد يبدو جميلا لهذه الحدة ذاتها، حتى يعود القديم المنسي على عجلة الزمن فيرحب به الناس على أنه فتى وجديد. وهكذا طردت النهضة الفن القوطي من إيطاليا باعتباره فنا همجيا، حتى إذا ضاق الفنانون ورعاة الفن بالنسب الجميلة والتناسق المقيَّد، وضحكوا كما ضحكت تماثيل الكاتدرائيات البشعة الوجوه على الأعمدة والاعتاب

ص: 65

والقواصر الكلاسيكية، أعادوا الروح القوطية ممثلة في شذوذات الباروك وتفصيلاته الزاخرة بالحيوية والمرح

(1)

.

كان الفن الكلاسيكي ينشد الافصاح عن الموضوعي، اللاذاتي، الكامل، أما الباروك فقد أتاح للفنان الفرد، حتى لنزوته العارضة، أن تجد التجسيد في عمل لا يمثل موضوعا يصور تصويرا واقعيا (كما فن التصوير الهولندي) بقدر ما يمثل انطباعا أو شعوراً موضعاً عن طريق أشكال متخيلة جزئيا. وهكذا نرى أن صور الجريكو النحيلة الطويلة ليست صور رجال أسبان بل صور ذكرياته أو بدواته هو؛ وصور العذراء التي رسمها موريللو وجويدو لم تكن صور الأمهات المرهقات اللاتي عرفاهن بل الورع المثالي الذي طلب إليهما التعبير عنه. يضاف إلى هذا أن بلدا كإيطاليا زلزلت إحساسه حركة الإصلاح البروتستنتي وشحذ عاطفته الدينية من جديد أفراد كلويولا، وتريزان وزافير، وشارل بوروميو - إيطالية ما بعد لوثر هذه ما كان في الامكان أن تستكين إلى سلام المثل الكلاسيكي، ذلك السلام الهادئ الفخور، لذلك راحت تؤكد عقيدتها من جديد، وتبدي رموزها في تحد، وتزين هياكلها، وسكب في الفن دفئا جديدا من اللون والاحساس، وتنوعاً جديداً وحرية في التركيب والحركة لا يمكن التنبؤ بها، انطلقت من عقال القواعد والضوابط والخطوط الكلاسيكية. لقد أصبح الفن تعبيرا عن الشعور بالحلية، لا ضغطاً للفكر لإحداث الشكل.

أما العمارة فلم تعد رياضيات يونانية أو هندسية رومانية، بل موسيقى، وأحيانا أوبرا، مثل دار الأوبرا في باريس. واتجه المصممون والبناءون من الثبات إلى السيولة والايقاع، فرفضوا التناسق الساكن مؤثرين عليه عدم التوازن وعدم الوحدة المتعمدين، وفصصوا

(1)

الباروك مشتقة من الكلمة البرتغالية barroco، وهي صدفة غير منتظمة الشكل كثيراً ما تستعمل حلية.

ص: 66

الأعمدة والأعتاب أو لووها عن قصد. وسئموا السطوح الساذجة والكتل الثقيلة، وقطعوا الكرانيش، وشطروا القواصر شطرين، وبعثروا النحت في كل اتجاه. أما المثالون فقد ضاقوا بأطراف الجسد الكاملة، والملامح الساكنة، والوقفة الأمامية الجامدة، فاتخذوا لاشكالهم أوضاعا غير متوقعة، داعين الناظر إلى اتخاذ نظرات منوعة، واستخدموا مؤثرات التصوير في صناعة التماثيل، فنحتوا الاضواء والظلال في الحجر، والحركة في الجسد، والفكر والشعور في الوجه. وأما المصورون فتركوا الخطوط النقية، والضوء الصافي، والسكينة البريئة - تركوا هذا كله لبيروجينو، وكوريدجو، ورفائيل، وغمروا الدنيا في اللون كما فعل روبنز، أو ظللوها بالغموض كما فعل رمبرانت، أو ايقظوها للحس مثل ريني، أو كدروها بالعذاب والوجد مثل الجريكو. وأما نقاشو الخشب فبعثروا الزخرف على الأثاث، وأما صانعو الأدوات المعدنية فقد حولوا مادتهم إلى أشكال غريبة أو مضحكة. وحين عهد اليسوعيون عام 1568 إلى فينولا برسم «كنيسة يسوع» في روما، اشترطوا أن تجمع كل الفنون في فيض من الأعمدة، والتماثيل والصور، والمعدن النفيس، تصمم لا التعبير عن الهندسة، بل لتلهم الإيمان وتشيعه في النفوس.

ولما كانت إيطاليا لا تزال في الفن قائدة أوربا، فإن الأسلوب الجديد في الزخرفة والعاطفة والتعبير ل ينتقل إلى أسبانيا وفلاندر وفرنسا الكاثوليكية فحسب، بل حتى إلى ألمانيا البروتستنتية حيث بلغ بعضاً من أكثر أشكاله مرحاً وبهجة. أما الأدب فأحس تأثير الباروك في لعب ماريني وجونجوزا ولايلي المسرف بالالفاظ، وفي لغة شكسبير الرنانة الطنانة، وفي مسرحية مارلو «الدكتور فاوستس» ومسرحية جوته «فاوست» . وأما الأوبرا فما هي إلا موسيقى باسلوب الباروك. على أن الاسلوب الجديد لم يحقق انتصاراً في كل مكان، فقد آثر الهولنديون الواقعية الهادئة على انفعالات

ص: 67

الباروك: وفيلاسكويز في افضل أعماله كلاسيكي أو واقعي، أما سرفانتس فبعد أن عاش حياة رومانسية ألف «دون كخوته» في اتزان وهدوء كلاسيكيين. ولكن هل كان الفنانون والأدباء الكلاسيك دائماً كلاسيكيين؟ وهل هناك أكثر باروكية من لاوكون المناضل، القبيح؟ إن التاريخ يبتسم سخرية من كل المحاولات التي تبذل لإكراه مياهه على أن تجري في قوالب نظرية أو أخاديد منطقية، وهو يعبث أشد العبث بتعميماتنا، ويحطم كل قواعدنا. إن التاريخ ضرب من الباروك.

على أن عاملاً قوياً واحداً ظل ثابتاً في الفن الإيطالي، فما زالت الكنيسة أنشط رعاته وأقدرهم على تشكيله. كان هناك بطبيعة الحال رعاة آخرون ومؤثرات أخرى. فقد شيدت اسر الأمراء والكرادلة المثقفون القصور الخاصة، وواصلوا في تزيينها ببعض الموضوعات الوثنية، مثال ذلك أن أودواردو فارينزي عهد إلى المصورين كاراتشي بأن يرسموا له «انتصار باخوس» و «حكم الغرام» . ولكن مجمع ترنت وحركة الإصلاح الكاثوليكي التالية له حددا للفن اتجاهاً أكثر صرامة، فتراجعت الأجساد العارية من الفن الإيطالي، ولم تعد الموضوعات الدينية تستخدم مطية للحس ولم يثن البابا كلمنت الثامن عن تغطية لوحة ميكل انجيلو «الدينونة الأخيرة» كلها، وسراويل دانييلي دا فولتيرا وما حولها، إلا توسلات فناني روما. وقد دافع المجمع عن الصور الدينية ضد هجمات الهيجونوت والبيوريتان، ولكنه أصر على أن توحي هذه الرموز بالخشوع لا أن تلهب الدم والعروق. وبينما استنكر المصلحون عبادة مريم والابتهالات إلى القديسين، روى مصورو إيطاليا ومثالوها في فترة معارضة الإصلاح البروتستنتي، من جديد، عذابات الشهداء، ورووها بواقعية قاسية أحياناً، وحكموا مرة أخرى قصة العذراء ام الإله، بعاطفة واعية. وتعاون حرص الكنيسة على تجريد الفن من الوثنية وبث العقيدة والتقوى

ص: 68

في النفوس، مع انتكاسات إيطاليا السياسية والاقتصادية، على جعل هذا العصر آخر صدى من أصداء النهضة.

‌9 - الفنون في روما

ظلت روما قصبة العالم الفنية. صحيح أن عصر التصوير الروماني العظيم قد انتهى، ولم يعد الآن إيطالي ينافس روبنز أو رمبرانت، ولكن العمارة الرومانية أزهرت، وظل برنيني أشهر فناني أوربا طوال جيل من الزمان. ومع أن بولونيا سطت على زعامة روما في التصوير، فإن نجوم هذه المدرسة كانوا يفدون على روما استكمالا لازدهارهم، وقد وصل فازاري عام 1572 ليرسم الصور الجصية للصالة الملكية في الفاتيكان. وأحتشد في «بوتيجي» روما الرسامون الذين ما زالوا محل التبجيل من أقليات مغرمة: ناديو وفديريجو زوكارو، وجيرولامو موتزيانو، وفرانشيسكو دي سالفياتي، وجوفاني لانفرانكو، وبرتولوميو مانفزيدي، ودومنيكوفيتي وأندريا ساكي. وأكثر هؤلاء يصنفون عادة تحت اسم «أصحاب اللازمات» -أي الفنانون المقلدون لطريقة فنان بعينه من أساطين الفن أيام عز النهضة. ويجوز ان نعتبر هذه «اللازمية» (1550 - 1600) مرحلة أولى للباروك.

أما فيديريجو زوكارو فقد نشر قلوعه فوق أمم أربع. ففي فلورنسة أكمل الصور الجصية التي بدأها فازاري في قبة الكتدرائية، وفي روما رسم «المصلى البولسي» في الفاتيكان، وفي فلاندر صمم سلسلة من الرسوم الهزلية، وفي إنجلترا رسم لوحات مشهورة للملكة اليزابث ولماري ستيوارت، وفي أسبانيا شارك في زخرفة الأسكوريال، وحين عاد إلى روما أنشأ أكاديمية القديس لوقا، التي أوحى نظامها لرينولدز بأكاديمية الفنون الملكية بإنجلترا. وكان الإقبال على فنه أعظم من جميع الرسامين الإيطاليين في ذلك الجيل، ولكن الخلف فضلوا عليه بييترو بيريتيتي

ص: 69

كاكورتونا. وبروح الكفايات المتعددة التي أثرت على فناني النهضة صمم بييترو قصري باربريني وبامفيلي بروما، ورسم في قصر بيتي بفلورنسة صوراً جصية تزخر بالأشكال الغريبة في كل غزارة الباروك وتدفقه.

أما القطب الحقيقي للتصوير الروماني في هذا العهد فهو ميكل أنجيلو مريزي دا كارافادجو. كان رجلا فيه روح تشلليني، وقد ولد لبناء بالحجر في لومبارديا، ودرس في ميلان، وانتقل إلى روما واستمتع بعدة مشاجرات، وقتل صديقاً في مبارزة، ثم هرب من السجن، وفر إلى مالطة وقطانيا وسيراقبوز، ومات بضربة شمس على أحد شواطئ صقليو وهو في الرابعة والأربعين (1609)، وفي الفترات التي تخللت هذه المغامرات أحدث ما يشبه الثورة في مزاج التصوير الإيطالي واسلوبه. وقد أحب التناقضات العنيفة بين الضوء والظل، واستخدم حيلا كإضاءة المنظر من مدفأة مخفاة، وشكل صوره بالضوء، وأخرجها من خلفية معتمة، وبدأ في إيطاليا عهد «الفن المعتم» الذي تزعمه جويرتشينو؛ وريبيرا، وسلفاتور روزا. وإذ احتقر عاطفية الرسامين البولونيين المثالية، فقد روع العصر بواقعيته التي أشرفت على الوحشية. كان إذا تناول موضوعاً دينياً يجعل الرسل والقديسين يبدون وكأنهم عمال ضخام غلاظ نقلهم من عمال أرصفة الموانئ. وقد أكسبته لوحة «لاعبي الورق» (المحفوظة بمجموعة روتشيلد بباريس) شهرة دولية. أما لوحة «الموسيقيين» - وهم ثلاثة من المغنيين وعواد جميل-فقد تراكم عليها التراب ثلاثة قرون قبل أن يعثر عليها في متجر للتحف القديمة بشمالي إنجلترا حوالي 1935، وبيعت لجراح بمبلغ مائة جنيه، ثم اشتراها متحف المتروبوليتان بنيويورك (1952) بخمسين ألف دولار. وقد درجت الكنيسة على رفض صور كارافادجو الدينية باعتبارها مسرفة في الابتذال مفتقرة إلى السمو، أما اليوم فهي مشتهى كل ذواقة الفن. وقد بلغ إعجاب روبنز بلوحة هذا الإيطالي المسماة «مادونا ديل روزاريو» مبلغاً حمله على جمع 1. 800 جولدن من فناني أنتورب ليشتريها

ص: 70

ويهديها إلى كنيسة القديس بولس (85)، ولوحة «عشاء عمواس» (بلندن) لا تبلغ في عمقها نظيرتها التي رسمها رمبرانت، ولكنها تصوير قوي لأشكال الفلاحين. أما «موت العذراء» (المحفوظة باللوفر) - وهي أيضاً صورة ريفية-فكانت إحدى الصور التي وطدت مدرسة «الطبيعيين» في إيطاليا والواقعيين في اسبانيا والأراضي المنخفضة. لقد أكثر كارافادجو من تأكيد ميلودراما العنف والخشونة، ولكن التاريخ كالخطابة قلما يقرر نقطة دون أن يبالغ فيها. وقد أقشعر لمرأى عمال الشحن مفتولي العضل هؤلاء جيل استنفد موضوعات العاطفة، ثم قبلهم على أنهم مدخل منشط دخل به إلى الفن رجال منسيون. والتقط ريبيرا فرشاة كارافادجو القائمة ولحق به، واقتفى رمبرانت أسلوب الإيطالي في توزيع الضوء والظل وجوّده، وحتى مصورو القرن التاسع عشر شعروا بهذا التأثير العاصف.

أما المعمار فقد شهد مجيء الباروك وذروته. وراح البابوات الواحد تلو الآخر يحيلون عرق المؤمنين الراضين ودراهمهم أمجاداً لروما. فأكمل بيوس الرابع البلفديري وقاعات أخرى في الفاتيكان. وبنى جريجوري الثالث عشر كلية روما وبدأ تشييد قصر الكويرينال-الذي اصبح مسكنا للملك عام 1870. أما دومنيكو فونتانا، الأثير بين المعماريين عند سيكستوس الخامس، فقد صمم قصر اللاتيران الجديد، ومصلى السيستين في كنيسة سانتا ماريا مادجوري، ومقبرة بيوس الخامس في هذا المصلى، وهي باروك مسرف. واضاف الكرادلة والنبلاء خلال ذلك إلى روما قصوراً جديدة (جوستنياني، ولاتشلوتي، وبورجيزي، وباربريني، وروسبليوري)، وفيللات جديدة (بامفيلي، وبورجيزي، ومديتشي). كذلك واصل الهدم أفاعليه، ففي هذه الفترة هدم بولس الخامس حمامات قسطنطين التي عمرت منذ عهد أول الأباطرة دون أن يمسها سوء تقريبا.

وكثر عدد المعماريين الأكفاء، ومنهم جاكوموديللا بورتا الذي أكمل بكفاية عدة معابد خلفها أساتذة فنيولا ناقصة، كواجهة كنيسة يسوع وقبة كنيسة القديس بطرس، وبهذه الضخامة صمم كابييلا جريجوريانا الفخمة،

ص: 71

ولمس قصر فارينزي لمساته الأخيرة، وكان ميكل أنجيلو قد بدأه؛ وهو صاحب الفضل في نافورتين رائعتين تضفيان على روما رواء شباب لا يشيخ.

وابدعهما نافورة السلاحف التي أقامها تاديو لونديني أمام قصر ماتي واشترك مارتينو لونجي الأب مع ديللا بورتا في تشييد قصر الكونسر فاتوري نقلا عن رسوم لميكل أنجيلو، وبدأ هو ذاته قصر بورجيزي، الذي أكمله فلامينو بونتزيو للبابا بولس الخامس. وأسهم دومنيكو فونتانا بنافورة «الفونتانوني» ديل أكوا فيليتشي، وفونتانا ديل أكوا باولينا، وشيد «قاعة البركة» الجميلة على الرواق المعمد الشمالي للاتيران القديس يوحنا. وخلفه أبن أخته كارلو ماديرنا معماريا لكنيسة القديس بطرس، فغير خطتها الأساسية من صليب ميكل أنجيلو اليوناني إلى الصليب اللاتيني، وصمم واجهة هذا الضريح العظيم، ووجد في حمامات كاراكاللا ودقلديانوس إلهاما بصحنها الهائل. وأعاد فرانشسكو بوروميني، تلميذ ماديرنا، بناء مدخل لاتيران القديس يوحنا بناء فاخرا، وبدأ رائعته-كنيسة سانت أجنيس-الفخمة الأنيقة التي تضارع «كنيسة يسوع» في بيانها للباروك الروماني. أما كنيسة يسوع فقد صممها (1568) جاكومودا فنيولا تحقيقا لرغبة اليسوعيين في معمار تروع فخامته العابدين وتلهمهم وتسمو بنفوسهم. وصمم المعماري وخلفاؤه صحنا فسيحا دون اجنحة، فيه الدعامات والسبندلات والتيجان والكرانيش المزخرفة، ثم مذبح مهيب، وقبة مضيئة، وحلية رائعة من الصور والتماثيل والرخام والفضة والذهب. وفي عام 1700 أضاف أندريا ديل بوتزو، وكان هو ذاته يسوعياً، مقبرة القديس اغناطيوس ومذبحه الرائعين. وقد اختلفت نظرة اليسوعيين للحياة عن نظرة غيرهم من رجال الكنيسة الكاثوليكية، وكانت النقيض التام لنظرة البيورتان، فالفن في رأيهم يجب أن يطهر من الحس الدنيوي، ولكن يجب أن يرحب به في تزيين الحياة والإيمان. على أنه لم يكن هناك «أسلوب يسوعي» بعينه. كانت كنيسة يسوع باروكا في الحجر، وكثير من

ص: 72

كنائس اليسوعيين لا سيما في ألمانيا كانت باروكا، ولكن كل كنيسة اتبعت الأشكال والأمزجة المحلية والفاشية.

وكان اكمال كنيسة القديس بطرس آخر منجزات الفن الروماني. فقد خلف ميكل أنجيلو نموذجا للقبة، ولكن «الطبلة» وحدها هي التي كانت ممدودة حين ارتقى سيكستوس الخامس كرسي البابوية. وكان قطرها 138 قدما. ولم يجرؤ على تغطية مساحة هائلة كهذه دون دعامات تتخللها سوى بروتولليسكي بفلورنسة. وأحجم المعماريون والمهندسون أمام العمل الذي اقترحه بووناروتي (ميكل أنجيلو)، وشكا رجال المال من أنه سيكلف مليون دوكاتية وجهد عشر سنين. ولكن سيكستوس أمر بالشروع في العمل آملاً أن يحي القداس تحت القبة الجديدة قبل أن يودع الحياة. وتكفل جاكومو ديللا بورتا بالمهمة يساعده فيها دومنيكو فونتانا. وراح ثمانمائة من الرجال يكدحون ليل نهار-فيما عدا الآحاد-من مارس 1589، إلى أن اعلنت روما في 21 مايو 1590، قبل موت الحبر الجريء بثلاثة أشهر، بإن «البابا المقدس سيكستوس الخامس» ، قد أتم عقد قبة كنيسة القديس بطرس، لمجده الدائم وخزي أسلافه» (86).

وقد انتقص من وقع منظر القبة، إلا على بعد، واجهة الباروك التي أقامها ماديرنا في 1607 - 14. اما الكنيسة نفسها فقد كرست نهائيا عام 1626، بعد 174 سنة من البدء بتخطيطها. وفي عام 1633 صب برنيني بالبرونز البلداكينو (أي المظللة) المزوقة فوق «مقبرة القديس بطرس» والمذبح المرتفع. وقد أنقذ النحات العظيم نفسه باحاطة المدخل إلى الضريح بصف اعمدة بيضي هائل (1655 - 67) أعان على جعل كنيسة القديس بطرس أفخم بناء على وجه الأرض، كما أن قبتها ذروة توجت كل ما بلغه الفن الحديث من انجازات.

‌10 - برنيني

جمع جوفاني لورينترو برنيني فن روما القرن السابع عشر في عمر

ص: 73

مسيطر واحد (1598 - 1680). اخذ النحت عن أبيه المثال الفلورنسي. ولعله أخذ عن أمه النابولية حدة العاطفة وحرارة الإيمان. وفي عام 1606 دعي الأب إلى روما للعمل في كنيسة سانتا ماريا مادجوري. هناك درج «جان» في جو من النحت الكلاسيكي والتقوى اليسوعية. وقد انتشى بتماثيل الفاتيكان «أنطنووس» و «ابوللو بلفديري» ولكنه كان أعمق تأثراً بكتاب القديس اغناطيوس في «الرياضيات الروحية» ، التي مارسها حتى أحس الرعب والتقوى اللذين شعر بهما رجل جرّب آلام الجحيم ومحبة المسيح. وكان يستمع إلى القداس يوميا، ويتناول الأسرار المقدسة مرتين في الأسبوع.

وجرب التصوير، حتى بلغت صورة المائة، وقد ظفرت إحداها، وهي لوحة «القديسين أندراوس وتوما» في مجموعة باربريني بأعظم الثناء، ولو أننا نفضل عليها صورته الذاتية المحفوظة بقاعة الأفتزي-فتى اسمر وسيم يجنح إلى التأمل الحزين. على أنه جّود أكثر من هذا فن العمارة. وقد أكمل قصر باريريني لمافيوباريريني، فلما ولى راعى فنه هذا كرسي البابوية باسم أوربان الثامن؛ عين برنيني كبير معماري كنيسة القديس بطرس وهو في الحادية والثلاثين. وهناك بنى-بالاضافة إلى صف الأعمدة والمظلة- في الجزء الثاني من البناء «كاتدرا بتري» المزخرفة لحفظ المقعد الخشبي الذي اعتقد المؤمنون أن الرسول بطرس كان يستعمله، ومن حوله جمع أربعة تماثيل قوية الشخصية لآباء الكنيسة، ومن فوق البناء العجيب كله نثر تماثيل الملائكة بحماسة رجل يملك في ذهنه معينا لا ينضب من الروائع. وعلى مقربة منه اختار مكاناً لمقبرة ضخمة لحبره المحبوب أوربان الثامن. وصمم الشرفات، وكثيراً من التماثيل التي تزين الركائز التي تسند القبة. وتحت القبة وضع تمثالا ضخما للقديس لونجينوس، وفي الجناح الأيمن أقام أثراً تذكارياً مترفاً لماتيلدا كونتيسة توسكانيا. وفي خارج الكنيسة أعاد تخطيط الصالة الملكية التي ترقى إلى قصر الفاتيكان مارة بأعمدة مهيبة، وذلك بأسلوب أكثر

ص: 74

نقاء، وفي فجوة في هذا السلم الملكي أقام تمثالاً لقسطنطين راكباً جواده وهو يطالع في السماء دعوته لاعتناق المسيحية؛ وأصبحت حرارة العاطفة في هذا التمثال قالبا احتذاه عصر الباروك وفي أخريات أيامه بنى في مصلى السر المقدس بكنيسة القديس بطرس مذبحا لم تبدله رخاماته الساطعة، وما توجه من ظلة وهيكل وقبة وملائكة مستغرقين في العبادة- لم يبد له هذا كله تجسيداً مسرفاً في البهاء لسر القربان الذي ينطوي عليه القداس. كل هذا الجهد في كنيسة القديس بطرس وما حولها يرى فيه الفنان العصري اسرافاً مسرحياً ومخاطبة خداعة للحواس، أما برنيني فقد رأى فيه الأداة الخصبة لإيمان حار يصل إلى قلوب العابدين.

كان يمزج بين العمارة والنحت في كل مكان، ويحلم بفن يجمع بين العمارة والنحت والتصوير في كل يستنهض الروح. وفي كنيسة سانتا ماريا ديللا فتوريا جميع قطع الرخام الثمين-الأخضر والأزرق والأحمر-وأطلق لخياله الزخرفي العنان ليبني مصلى الكورنارو، ذا الركائز المحززة والأعمدة الكورنثية الرشيقة، وقد أودعها أعظم تماثيله فتنة وحرارة، تمثال القديسة تريزا، منهكة القوى غائبة عن الوعي في نوبة من الوجد الصوفي، وملاك حلو يتأهب لشق قلبها بسهم ملتهب رمزا لاتحاد القديسة مع المسيح. ووجه تيريزا الذي يبدو كأن الحياة فارقته هو أحد انتصارات الباروك الإيطالي، والملاك الذي يريش سهمه ان هو إلا أغنية في الحجر.

كان لبرنيني منافسون، وقد أعجب مونتيني أيما إعجاب بتمثال العدالة الذي نحته جاكوموديللا بورتا على قبر بولس الثالث في كنيسة القديس بطرس. وصب توريجانو تمثالا نصفيا لسيكستوس الخامس، فيه قوة وواقعية، وهو الآن محفوظ بمتحف فكتوريا والبرت. ومزج بورومينو النحت بالعمارة مثل برنيني، وبلغ اليساندرو ألجاردي مستور برنيني في ثلاثة تماثيل نحتها لمقبرة ليو الحادي عشر بكنيسة القديس

ص: 75

بطرس، وفاقه في النقوش البارزة التي مثل بها «لقاء البابا ليو الأول وأتيلا» ، وهي ايضاً بكنيسة القديس بطرس. أما تمثال إنوسنت العاشر النصفي الذي نحته الجاردي في قصر دوريا بامفيلي، فأكثر ارضاء للناظر من التمثال الذي نحته برنيني، ويكاد يعدل في القوة لوحة فيلاسكويز. ولكن أحدا في هذا العصر لم يضارع برنيني في خصوبته الفنية وخياله ومجموع منجزاته.

ثم شرح صدر روما بالنافورات الغريبة: فونتانا ديل تريتوني، وفونتانا دي فيومي-حيث نقش مثالون أقل شأنا أربعة تماثيل للدانوب والنيل والجنج والبلانا. وقد اختار إنوسنت العاشر من بين تصميمات المتسابقين المقدمة لهذه النافورة تصميم برنيني قائلا «على المرء ألا ينظر إلى تصميماته ما لم يكن مستعدا لقبولها» (87) ولا بد أن ولع برنيني بالآثار القبرية الفخمة قد اوحي إلى رعاته بتقبل لذيذ لفكرة الموت. وقد عمر أوربان الثامن حتى رأى المقبرة التي أعدت لرفاقه في كنيسة القديس بطرس.

ونافس الكردينال سكبيوني بورجيزي البابا أوربان في منح برنيني المال وتكليفه بالمهام. فصنع له المثال تمثالا حيا سماه «اغتصاب بروزريين» هو حلم من عضلات الذكر وانعطافات جسد الأنثى، وتمثال ««داود» يضرب جالوت بمقلاعه، وتمثال «أبوللو ودافني» -وهو تعبير مسرف في الكمال عن شباب الرجل والمرأة. هذه التماثيل (وكلها في قاعة بورجيزي للفنون) جرت على برنيني تهمة «اللازمية» والمغالاة المسرحية. وقد صور الكردينال نفسه في تمثالين نصفيين، هما تجسيد للطبع اللطيف والشهية الطيبة، وأشد من هذين فتنة بطبيعة الحال التمثال النصفي لكونستانزا بووناريللي الجميلة، المحفوظ بمتحف فلورنسة الوطني، وكانت زوجة مساعد برنيني، ولكن برنيني-كما قال أبنه-نحتها في الحجر، بينما هو يعشق جسدها عشقاً مشبوباً (88).

ص: 76

ويعكس برنيني عيوب الباروك أكثر من أي فنان آخر. فخطابه للعاطفة مسرف في الوضوح، وقد حسب التكلف درامياً، واللطف جمالاً، والإفراط في العاطفة تعاطفاً، والضخامة جلالاً. وخلع على النحت تعبير الوجوه الحاد بينما هو ميزة اختص بها التصوير عادة. وقد أضعفت واقعية التفاصيل، المغالية في الدقة، من التأثير السيكولوجي لفنه أحيانا. وقل أن بلغ في تماثيله ذلك السكون الذي يضفي تفوقا خالدا على منحوتات أثينا في عهد بركليس. ولكن لم يجب أن يعبر التمثال دائما عن السكون؟ ولم لا تغزو الحركة والشعور وحرارة الحياة الرخام والبرونز وتبعث فيهما الحياة؟ أنها فضيلة في نحت الباروك وليست عيبا أنه جعل الحجر يحس ويتكلم. لقد اتبع برنيني المبدأ الهوراسي وأحس بما عبر عنه - بنعومة بشرة الفتاة، وحيوية الشباب الرشيقة، وهموم القادة ومتاعبهم، وورع القديسين ووجدهم.

ولقد تقبله الناس قرابة خمسين عاماً إماماً لمعماريي عصره. وفي عام 1665، حين فكر كولبير ولويس الرابع عشر في إعادة تخطيط اللوفر وتوسيعه، وجها الدعوة إلى برنيني ليحضر إلى باريس ويضطلع بهذه المهمة. فذهب إليها وصمم، لا بحكمة ب بغلو في البراعة - وجاوز في الفخامة الذوق والمال الفرنسيين. وفضلت على تصميمه واجهة بيرو الأكثر صرامة، وقفل برنيني إلى روما يجرر أذيال الخيبة. هنا (1667) رسم لنفسه تلك الصورة الطباشيرية الرائعة، المحفوظة الآن في قلعة ونزو - خصل بيضاء تتراجع فوق رأس قوى البأس، ووجه خلف عليه الجهد التجاعيد والعقد، أما العينان الوديعتان بالأمس فقد أصبحتا جامدتين خائفتين، كأنهما تريان إلى أين تفضي مدارج المجد. ولكنه لم ينهزم بعد، فقد ظل ثلاث عشرة سنة أخرى يبني وينحت في عنف، «حاداً في روحه، راسخاً في عمله، حاميا في غضبه (89)» وحين خبت جذوته (28 فبراير 1680) كان قد عمر إلى ما بعد النهضة الإيطالية.

ص: 77

حين زار ملتن إيطاليا عام 1638 ذكر ان العلماء الإيطاليين أنفسهم أحسوا ان مجد وطنهم قد زال بمجيء الحكم الأسباني والحركة المعارضة للاصلاح البروتستنتي. ولعل التسلط والرقابة ألحقتا الضرر بفكر إيطاليا وفنها - ولو أن سرفانتس وكالديرون وفيلاسكويز كانوا يزدهرون في ظل محكمة تفتيش أشد عتوا في أسبانيا. ولكن الذي أنهى النهضة الإيطالية لم يكن قائداً أسبانياً، ولا قائمة كتب حرمتها الكنيسة، بل ملاحا برتغاليا، هو فاسكودا جاما الذي عثر على طريق يمخر كله البحر إلى الهند، طويل حقاً ولكنه أرخص من طرق التجارة البندقية والجنوية التي أغنت إيطاليا. وأخذت التجارة البرتغالية والهولندية تحل محل التجارة الإيطالية، والمنسوجات الفلمنكية والانجليزية تنتزع الأسواق من الفلورنسيين. أما حركة الإصلاح البروتستنتي فكانت قد هبطت بالذهب المتدفق على روما من ألمانيا وإنجلترا إلى النصف.

وتألقت إيطاليا في اضمحلالها. حقاً لقد هبط الفن من علياء رفائيل وميكل أنجيلو، وفقد الفكر السياسي عمق مكيافيللي وشجاعته، ولكن لم هناك اضمحلال بل نهوض في السياسة والإدارة من ليو العاشر إلى سيكستوس الخامس، وفي العلم من ليوناردو إلى جاليليو، وفي الفلسفة من بومبوناتزي إلى برونو، وفي الدراما الموسيقية من بوليتيان إلى مونتيفردي، اللهم إلا اضمحلال في الشعر مختلف عليه من أريوستو إلى تاسو. وكانت إيطاليا خلال ذلك، كالأم الرءوم؛ تسكب فنها وموسيقاها، وعلمها وفلسفتها، وشعرها ونثرها، فوق الألب إلى فرنسا وفلاندر، وفوق المانش إلى إنجلترا، وفوق البحر إلى اسبانيا.

ص: 78

الفصل العاشر

‌فخامة أسبانيا وانحطاطها

‌1556 - 1665

1 -

الحياة الأسبانية

إن الذين ربوا منا على المؤرخين الإنجليز قد ينسون بسهولة أن أسبانيا كانت بعد هزيمة الأرمادا، كما كانت قبلها، أعظم الإمبراطوريات على وجه الأرض وأعتاها وأكثرها اتساعاً، وأنها اعتبرت نفسها - ولها العذر - أرقى من إنجلترا الإليزابيثية في الأدب، ومن إيطاليا المعاصرة في الفن. فحين ارتقى فيليب الثاني العرش (2556) كانت الملكية الإسبانية، وروسيون، وفرانش كونتيه، وسته، وأوران، والاراضي المنخفضة، ودوقية ميلان، ومملكة نابلي، وصقلية، وسردانيا، والفلبين، وجزر الهند الغربية، ومعظم أمريكا الجنوبية، وجزءاً من أمريكا الشمالية، وكل أمريكا الوسطى، يضاف إلى هذا (1580 - 1640) البرتغال والأملاك البرتغالية، في آسيا، وأفريقيا، والبرازيل، كذلك محمية في سافوي، وبارمان وتوسكانيا، وحلف مع الامبراطورية الرومانية المقدسة التي حكمها فرديناند الأول عم فيليب. وكانت اسبانيا تمتلك جيشاً عدته خمسون ألف مقاتل اشتهروا بالبسالة وحسن النظام، تحت امرة افضل قواد العصر، واسطولا من 140 سفينة، ودخلا سنوياً يبلغ عشرة أمثال دخل إنجلترا. وكان ذهب أمريكا وفضتها يتدفقان على الموانئ الأسبانية. أما البلاط الأسباني في هذا العصر كافخم بلاط في العالم، وأما الأرستقراطية الاسبانية فأشد الارستقراطيات كبرياء وعجباً. وكان

ص: 79

الملايين من الناس خارج أسبانيا يتكلمون الأسبانية، وفي كثير من الأقطار تعلمت الطبقات المثقفة اللغة الأسبانية كما تعلمت بعد ذلك اللغة الفرنسية في القرن الثامن عشر. كذلك زينت العمارة الأسبانية المدن في خمس قارات.

وبلغ عدد سكان أسبانيا الآن ثمانية ملايين. واضمحلت الزراعة بتحويل المزيد من الأرض إلى مزارع للأغنام لإنتاج الصوف. وقد بلغ عدد عمال النسيج في طليطلة وحدها خمسين ألفاً حوالي عام 1560، وحفزت مطالب المستعمرات الأسبانية صناعات اسبانيا، وأصبحت أشبيلية من أهم الثغور في أوربا، وأرسلت المستعمرات نظير ذلك الشحنات من الفضة والذهب. ورفع تدفق المعادن النفيسة الأسعار رفعاً جنونياً-فبلغت نسبة الغلاء في الأندلس 500 في المائة في القرن السادس عشر، وصعدت الأجور لتلحق بتكاليف المعيشة في سباق محموم اصبح في النهاية عديم الجدوى. وكان كثير من الصناعة يقوم على أكتاف المغاربة (المورسكو) - وهم المسلمون الذين اعتنقوا المسيحية ظاهرياً. اما الخدمة في البيوت فألقى أكثر عبئها على العبيد المأسورين في الغارات على أفريقيا أو في الحروب التي شنت على «الكفار» . لقد كان عامة الأسبان يحتقرون العمل ويقنعون بالقليل في تفلسف، فالنوم في كوخ، والاصطلاء في الشمس، ومداعبة القيثارة، والبكاء على شح الحسان-ذلك خير من الكدح والعرق شأن العبيد أو المسلمين. وقد ساهم طرد المغاربة عام 1609 مع غلاء المنتجات الأسبانية في اضمحلال الصناعة في أسبانيا.

وكان طرد اليهود عام 1492 قد ترك فراغاً في بناء اسبانيا التجاري والمالي. وأصبح الجنوبيون والهولنديون أهم النقلة لتجارة أسبانيا الخارجية. أما أسبانيا التي كان يحكمها نبلاء تمرسوا بالدبلوماسية والحرب أكثر مما تمرسوا بشئون الاقتصاد، فقد تركت ثروتها تعتمد على استيراد الذهب، وازداد ثراء الحكومة حيناً بينما ظل الشعب في فقره، ولكن كثيراً من هذا الذهب كان ينزح لاستخدامه في الحرب، أو يأخذه التجار الأجانب

ص: 80

الذين ينقلون تجارة أسبانيا، حتى كادت الحكومة تفتقر كالشعب. ورفضت أسبانيا الوفاء بديونها المرة بعد المرة (1557و 1575 و 1596 و 1607 و 1627 و 1647) أو حولتها بالاكراه إلى قروض جديدة، وهذه الأزمات المالية هي التي ألجأتها إلى انهاء حربها مع هنري الثاني عام 1559، ومع «الأقاليم المتحدة» عام 1609. ففي التاريخ علينا أن نفتش لا عن «المرأة» بل عن «المصرفي».

وفي أسبانيا علينا كذلك أن نفتش عن الكاهن. ذلك أن الدين لم يفرض مثل هذا السلطان على الشعب، ومن ثم على الحكومة، في أي بلد آخر من بلاد الله، ولم تكتف أسبانيا برفض حركة الاصلاح البروتستنتي فحسب، بل تجاوزتها إلى رفض النهضة أيضاً-اللهم إلا لحظة إرزمية عابرة. وظلت «وسيطة» في عالم حديث، قانعة بنصيبها هذا. وكان فقر الشعب يتهلل لثراء الكنيسة. كان الكل متدينين، من الملوك «الأشد كثلكة من البابا» (1) إلى قطاع الطرق الذين لم يروا قط إلا حاملي المداليات أو الشارات الكتفية الدينية. وفي عام 1615 سار نحو أربعين الف اسباني في مظاهرة مطالبين بأن يجعل البابا من «حمل العذراء غير المدنس» (أي خلوها من لوثة الخطيئة الأصلية) عقيدة في صلب الإيمان-أي اعتقاد الزامي على جميع الكاثوليك) 2). وفي كل مكان كنت تجد القساوسة والرهبان والأخوة، لا متسامحين أو راضين عن مباهج الحياة والحب كما في إيطاليا أو فرنسا، بل ملقين جوا من اكتئاب الجريكو على كل شئ الا مصارعات الثيران. واصبح في أسبانيا الآن 9. 088 ديرا، و 32. 000 أخ دومنيكي وفرنسسكاني (3)، وعدد متزايد من اليسوعيين. وكانت الكنائس معتمة، تزخر بالرفات الرهيبة، وتزدان بالمرعبات الواقعية في فنها. اما قصص القديسين ومعجزاتهم فهي الشعر الذي يعتز به الشعب. وحبب الناس في التصوف في أغاني القديس يوحنا الصليبي وكتابات القديسة تريزا، ووجدت الكنيسة لزاما عليها أن تحتج

ص: 81

على ما ادعاه «المهدئون» من صلة حميمة بالله ومن روى طوباوية، وفي عام 1640 وقعت في براثن محكمة التفتيش طائفة من الألومبرادو - «أي المستنيرين» - زعموا أن اتحادهم الصوفي بالاله يطهرهم من كل اثم حتى وهو في نشوات الجنس. علينا أذن ان نذكر هذا التدين الواسع الانتشار، الشديد التحمس، إن أردنا أن نفهم لم استطاع الشعب الأسباني أن يرقب في استحسان قوى حرق المهرطقين، وأن يجود بماله حتى الإفلاس والإعياء دفاعا عن العقيدة في ألمانيا والأراضي المنخفضة. لقد كان في هذا الجنون شئ من النبل، وكأن الأمة أحست بأنه ما لم يكن إيمانها صادقا فإن الحياة تصبح سخفا لا معنى له.

وهكذا مضت محكمة التفتيش في وحشيتها التي املاها عليها ضميرها، فحدت بالعقوبات «المعتدلة» - كجلد المذنب مائة جلدة - من بدع كتلك التي زعمت أن الزنى ليس خطيئة، أو أن الزواج مقدس كالتبتل الديري. أما المارانو «المرتدون» - وهم اليهود الذين اعتنقوا المسيحية من قبل ثم ارتدوا إلى اليهودية سرا- فكان التكفير المقرر عن جريمتهم هو الموت أو السجن المؤبد. وحين وصل فليب الثاني إلى اسبانيا (1559) استقبل في بلد الوليد بتنفيذ حكم للمحكمة شهد فيه 200. 000 شخص يرأسهم الملك عشرة من المهرطقين يشنقون واثنين يحرقان أحياء (4). والتمس أحد المحكوم عليهم الرأفة من فليب فرفض، واكتسب إعجاب الشعب بقوله «لو أن ابني كان شقيا مثلك لحملت بنفسي الحطب لأحرقه» (5) وقد قاوم فليب أحيانا جنوح محكمة التفتيش إلى توسيع سلطانها على حساب السلطة المدنية، ولكنه على العموم شجع هذه المؤسسة باعتبارها أداة تعين الحماسة والوحدة القوميتين. وقد أراحه بعض الشيء أنه استطاع استخدام المحكوم عليهم عبيدا على السفن (6). وأمه في سنة واحدة (1566) تسلم 200. 000 دوكاتية من الذهب هي نصيب الثلثين المستحق للحكومة من غرامات محكمة التفتيش ومصادراتها.

ص: 82

واعتزت محكمة التفتيش بصونها عقيدة العصر الوسيط نقية لا غش فيها، وبإنقاذها اسبانيا من الفرقة الدينية التي تتلوى فرنسا تحت قبضتها. وترك اهتمامها بالعقيدة دون السلوك حماية الفضيلة لرجال الاكليروس-وكانوا هم أنفسهم مشهورين بالتهاون في سلوكهم-ولموظفين المدنيين الذين حد من سلطانهم على الشعب خضوعهم لما تصدره محكمة التفتيش من أحكام بالسجن أو الغرامة. أما عفة النساء فلم يقم حارسا عليها الدين والقانون فحسب، بل «البونتو» ، أي حق الدفاع عن العرض، وهو مبدأ يلزم كل ذكر بأن يدافع أو يثأر بالسيف لعرض أية امرأة في اسرته هدد أو انتهك. وكانت المبارزة غير قانونية ولكنها محببة إلى الشعب. وكان كرام النساء يلزمن بيوتهن في احتجاب شبيه بما كان عند العرب، يأكلن بمعزل عن الرجال، وقلما يصحبنهم علانية، ويركبن المركبات المقفلة إذا انتقلن من بيوتهن. وكان طلاب يد الفتاة يتوددون بالموسيقى تعزف من الشارع للعذراء المحتجبة خلف نوافذ ذات قضبان، وقل أن يؤذن لهم بدخول البيت حتى يصل والدا الطرفين إلى اتفاق، ومع ذلك كثرت زيجات الغرام (7). وفي عهد فيليب الثاني احتفظ بمستوى الأخلاق عاليا على قدر ما سمحت به فتنة النساء أو خيال الرجال، وخفف من فساد الموظفين الطبيعي يقظة الملك، وإلى هزيمة الأرمادا كان يصون روح الشعب المعنوية اعتقادهم بأن أسبانيا تخوض حربا مقدسة ضد الإسلام، والأراضي المنخفضة، وإنجلترا، فلما تحطم الحلم انهارت أسبانيا جسداً وروحاً.

على أن الحياة الأسبانية كان لها بهاؤها وسحرها الملازمان لطبيعتها. فالاحسان واسع الانتشار، والسلوك المهذب يسود جميع الطبقات. ونصف الأمة يزعم لنفسه عراقة الأصل ويحاول الارتفاع بحياته إلى آداب الفروسية، ويصر على أن يرتدي لباس العشر الأعلى من السكان. وكان اللباس في عهد فيليب الثاني متوسط البساطة، فالرجال يلبسون أطواق الرقبة والصدرات

ص: 83

والجوارب الطويلة القاتمة الضيقة، والأحذية ذات المشابك، أما النبيلات (وكلهن نبيلات) فيغطين ما استدار من اجسامهن بالمشدات القاسية المستوية، ويحجبن عن الجنس الآخر كل وجوههن فيما عدا العيون (وهي في نساء الأسبان شديدة التوقد)، ويخفين اقدامهن في خفر بحيث كانت لمحة واحدة إليها أعظم المكافآت المثيرة التي تجزي بها توسلات العاشق الولهان (8). وأصبح لباس النساء أكثر بهاء إبان التراخي الخلقي الذي أعقب موت فيليب، فالمراوح ترف في مداعبة بلا كلام، والصباغ الأحمر يلمع على الوجوه والأكتاف والنحور والأيدي، والسيقان التي يلفها الغموض تخفي في تنانير من سعتها أن اصحاب المسارح كانوا يتقاضون أجر كرسيين من لكل امرأة تعاظم حجمها على هذا النحو.

وظلت مصارعة الثيران المفضلة. وقد أصدر البابا بيوس الخامس مرسوماً بحظرها عام 1567، ولكن فليب الثاني احتج بأن هذا الخطر سيطلق ثورة في اسبانيا، فأهمل المرسوم. واضافت المواكب الدينية شيئاً من الشعر الحزين إلى الأيام العادية الخالية من الاثارة. وسترت اقنعة الكرنفال كثرة من الخطايا. أما الموسيقى فغرام لا يفوقه غير الدين والعشق - وهو وثيق الصلة بهما. فالفويلا في شكلها بالقيثارة تعزف الحانا شجية تلازم العلاقات الرامية. وقد حظيت الأغاني الشعرية القصيرة بشعبية مؤقتة. ونافست اسبانيا إيطاليا في الموسيقى الكنيسة. وقد نشأ توماس لويس دي فكتوريا، وهو بمثابة فلاسكويز الموسيقى الأسبانية، في أفيلا (آبله)، بلد القديسة تريزا، ولعله وقع تحت تأثيرها. وكان يملك الصوت والوظيفة، ولعله رسم قسيسا عام 1564، ومن المؤكد أن فيليب أجرى عليه إعانة ليدرس الموسيقى في إيطاليا. ونحن نراه في سنة 1571 رئيسا لفرقة المرتلين في الكلية الجرمانية بروما. وفي عام 1572 أصدر كتابا من الألحان يحوي موسيقى» Ovos omnes« ( يا جميع الآلهة) الملهمة المرافقة لمراثي أرميا لأورشليم. ولما عاد إلى اسبانيا قدم لفليب الثاني

ص: 84

كتاب قداديس احتوى على لحن من أرفع ألحانه، وهو قداس» Oquam gioriosum« ( ما أمجدك). وكتب قداسا جنائزيا عميق التأثير لمأتم ماريا أخت فيليب، وأرملة الامبراطور مكسليان الثاني، وضعه مؤرخ نابه للموسيقى في صف «أروع الألحان المدونة قاطبة (9)» . وقد سماه أغنيته التم»، وبعد نشره (1603) تفرغ بكليته لواجباته الكهنوتية. وكان من ألمع النجوم في أشهر عهد من عهود الملكية الأسبانية.

‌2 - فيليب الثاني

1555 -

1598

هنا رجل من أغرب واقوى شخصيات التاريخ، متعصب، ذو ضمير حي، مكروه أشد الكره خارج اسبانيا، محبوب أحر الحب داخلها، يتحدى أي دارس يحاول جاهداً أن يكون موضوعيا. كان نسبه قدره المكتوب، فأبوه شارل الخامس، الذي خلف له ملكا والتزاما بالتعصب، وجدته لأبيه جوانا لا لوكا ابنة فرديناند الكاثوليكي المجنونة؛ فالصوفية والجنون إذن في عروقه، والعقيدة والاستبداد في ميراثه. وكان لأمه ايزابيللا البرتغالية ولدان آخران مات كلاهما بالصرع في طفولته، وماتت هي نفسها في السادسة والثلاثين حين كان فيليب في الثانية عشرة. ولد في بلد الوليد عام 1527 يوم كانت جيوش أبيه تنهب روما وتسجن البابا، وربى على يد قساوسة ونساء أغرقوه في التدين وأقنعوه بأن الكنيسة الكاثوليكية هي السند الذي لا غنى عنه للفضيلة والملكية. وعلى حين كان أبوه - الذي نشأ في فلاندر - قد شب رجل دنيا، أصبح فيليب - الذي عاش في أسبانيا معظم حياته - أسبانياً وجهاً وعقيدة، جسداً وعقلاً، برغم جلده الأبيض وشعره الأصفر الحريري.

لم يكد يستمتع بشباب، ففي الثالثة عشرة عين حاكماً على ميلان، وفي السادسة عشرة وصياً على عرش اسبانيا - وهي وصاية لم تكن مجرد اسم بلا مسمى. فقد رتب شارل مشيرين له، وشرح له طباعهم ببصيرة نافذة، وأمره ان يؤلب المشير على المشير، وحضه على أن يحتفظ لنفسه

ص: 85

بكل السلطة الحقيقية وكل القرارات النهائية - وهو ما فعله فيليب إلى آخر نسمة من حياته. وفي تلك السنة (1543) تزوج فيليب ابنة خاله الأميرة ماريا البرتغالية، ولكنها ماتت عام 1545، عقب أن أنجبت له ابنا «سيئ الطالع» هو الدون كارلوس، فعقد فيليب زواجا من احدى بنات الشعب هي إيزابيللا دي أوزوريو، التي انجبت له عدة أطفال. وألح عليه أبوه في فسخ هذا الزواج، وكان لزاما على كل أمير هابسبورجي أن يعين على تأليف نطاق من الحلفاء حول العدو القديم فرنسا. لذلك وجب على فيليب - لكي يؤمن قوة أسبانيا في الأراضي المنخفضة من تدخل إنجلترا - ان يبتلع حاسته الجمالية ويتزوج ماري تيودور ملكة إنجلترا الكاثوليكية. وينجب منها بنين يحتفظون بإنجلترا في حظيرة الكاثوليكية. وهكذا نراه في عام 1554 يعبر المانش، ويتزوج ماري الدميمة، العليلة، المؤملة في الحلف (وكانت تكبره بأحد عشر عاما)، ويبذل قصاراه لاخصابها، ولكنه يخفق، فيرحل (1555) ليصبح حاكما للأراضي المنخفضة.

وتمضي السنون وأعباؤه تثقل. ففي عام 1554 كان قد نصب حاكما لمملكة نابلي وصقلية المزدوجة. وفي عام 1556 تخلى له شارل عن تاج أسبانيا. وظل فيليب أربع سنوات يحكم أملاكه المبعثرة من بروكسل. وقد ناضل للتوفيق بين رزانته الاسبانية وبين المرح الفلمنكي والمالية الهولندية. لم يكن يستطيب الحرب، ولكن قواده كسبوا له في سانت كوينتين (1557) معركة حمل الفرنسيين على ابرام معاهدة كاتو - كامبريزي. ورغبة منه في إقامة بعض روابط الصداقة مع فرنسا تزوج فيليب من اليزابيث فالوا، ابنة هنري الثاني وكاترين مديتشي، وبعد أن خال الأمور قد استقرت ودع الأراضي المنخفضة وأبحر من غنت (أغسطس 1559) وحبس نفسه بقية حياته في أسبانيا.

ونقل العاصمة من طليطلة إلى مدريد (1560)، وما لبث ان حمله حبه للعزلة، وعدم ارتياحه إلى الوجود وسط الجماهير، على تكليف

ص: 86

خوان باوتستا وخوان دي هيرايرا بأن يشيدا له على سبعة وعشرين ميلاً شمال غرب مدريد مجمعاً من العمائر يحوي قصراً ملكياً، ومركزاً إدارياً، وكلية ومدرسة لاهوتية، وديراً، وكنيسة، وضريحاً - ولا غرو فقد أصبح فيليب الآن متديناً على قدر ما تسمح به مقتضيات السياسة. ففي معركة سانت كوينتين هدمت مدافعه مكرسة للقديس لورنس، وتكفيراً على هذا الانتهاك لمقدسات وعرفاناً بالجميل على انتصاره، كان نذر أن يقيم للقديس ضريحاً في أسبانيا. وهكذا سمى مجمع العمائر الشاسع هذا السيتيوريال دي سان لورينزو «- أي المقر الملكي للقديس لورنس، ولكن الزمن سماه الإسكوريال، نسبة لمدينة قريبة، اشتقت هي نفسها اسمها من لفظ «سكوريا» ومعناه خبث مناجم الحديد المحلية (10). وكان الاعتقاد أن القديس لورنس قد أحرق حتى الموت على مشواة من حديد، لذلك صمم خوان باوتستا خطة الارض على هيئة مشواة تقطعها الصالات من جنب إلى جنب، قاسمة الفراغ إلى ستة عشر فناء.

ويعجب المرء وهو يركب السيارة من مدريد إلى هذا المكان كيف استطاع فيليب، في عصر لم يتح له من وسائل الانتقال ما هو أسرع من ظهور الخيل، أن يحكم ملكه العالمي من مثل هذا الحرم الذي يتوه وسط تلال كئيبة؛ ولكن مدريد كانت أكثر منه بعدا عن العالم. وقد هجر هذا المجمع العظيم اليومٍ إلا من الرهبان وخدماتهم، ولكنه كان أيام عزه، بواجهته المبنية بطرز النهضة والبالغ طولها 744 قدما، وبقلاعه وأبراجه، وبقية كنيسته الضخمة، رمزا رهيبا للسطوة الأسبانية التي تبلت بالتقوى والفن. هنا كان يحكم نصف العالم المسيحي، ووحد الدين والحكومة في متاهة واحدة من السياسة والحجر، وهنا كان في استطاعة الملك أن يعيش كما يشتهي، لا بين حاشيته، بل بين القساوسة والرهبان والرفات المقدسة، ويسمع مرات كل يوم الأجراس المعلنة للقداس. هان كان البانتيون مزمعا أن يتلقى رفات ملوك أسبانيا وملكاتها، والمكتبة أن تصبح من أغنى المكتبات في أوربا، ومتحف الصور أن

ص: 87

يضم عما قليل روائع بريشة رفائيل، وتتسيانو، وتنتوريتو، وفيرونيزي، والجريكو، وفلاسكويز، هنا اقبل بلجرينو تيبالدي، وبارتولوميو كاردوتشي، وفدريجو زوكارو، من إيطاليا للانضمام إلى خوان فرنانديز نافاريتي، ولويزدي موراليس، ولويز دي كاربايال، وغيرهم من الفنانين الاسبان ليرسموا الصور الجصية على الجدران والبواكي التي لانهاية لها. أما القصر الملكي فتركه بسيطا كل البساطة، ولكن الكنيسة برغم بائها على الطراز الدوري الصارم، كان مذبحها يتلألأ بالرخام السماقي واليشب والذهب ومن خلفه رافدة ذات حلية معقدة. وكانت القاعة المخصصة لاستقبال كبار القوم شاسعة حافلة بالزخرف، أما حجرة فيليب فأفقر حجرات البناء، متواضعة كأنها صومعة عابد (11). كان البناء رمزاُ لسطوة فيليب، أما الحجرة فتعبير عن خلقه.

لقد جهد غاية الجهد ليكون قديساً، ولكنه لم ينس أنه ملك. كان يعلم أنه أقوى حاكم على ظهر البسيطة ويشعر بالتزام سياسي بالكبرياء، ولكنه كان في لباسه آية في البساطة حتى أن بعض الغرباء الذين صادفوه في الاسكوريال حسبوه تابعا، وسمحوا له أن يكون دليلهم (12). وكان خليقا بهم ان يتعرفوا عليه من ذقنه الهابسبورحية الناتئة، لأنها كانت تحديا بارزا للعالم. وفي عان 1559، قبل أن يقسيه الزمن والتجارب، وصفه سفير بندقي بأنه «يبدي دائما من الرقة والانسانية ما لا يبزه فيه أمير (13)» ، وقال عنه سفير انجليزي أنه «ذو خلق لطيف، وطبع لين، وميل إلى الهدوء (14)» . ولم يجد فيه أحد أي ميل للمزاح أمام الناس، وذكر أعداؤه القساة أنه لم يبتسم في حياته كلها غير مرة - وذلك حين سمع بمذبحة القديس برتلميو. على أنه في حياته الخاصة كان يستطيب الدعابة والنكتة ويضحك من كل قلبه (15). وكان يجمع الكتب بذوق ولذة، ولكنه آثر الفن على الأدب، فهو الراعي المرهف الذوق لتتسيانو، والناقد لإلجريكو، يحب الموسيقى ويعزف على القيثارة

ص: 88

حين لا يرقبه العالم، تحليه كل آداب السلوك الأسبانية، ولكنه يرتبك حياء ويجمد في المناسبات الرسمية، رشيق الجسم إلى أن أعجزه النقرس. لولعه بالفطير والحلوى. وكان منذ شبابه مستهدفا للمرض، وإذ كان قد أدرك السبعين كاملة فإنما الفضل في ذلك لتصميمه العنيد على اتمام واجباته. وقد اتخذ الحكم واجباً مقدساً، وراح يكد فيه يوماً بعد يوم طوال خمسين عاما. ويبدو أنه آمن حقاً بأن الله اختاره لوقف المد البروتستنتي، ومن هنا ما عرف عنه من عناد شديد وقسوة على مضض، «ولم يكن بطبيعته يؤثر الطرق العنيفة (16)» . ولم ينس قط صنيعاً (اللهم إلا حالة أجمونت). ولا نسي اساءة. كان المنتقم أحياناً، الشهم الصفوح غالباً. وزع الصدقات بسخاء يمليه الضمير (17). كان في عصر فاسد غير قابل للافساد، وما كان لرشوة أو هدية أن تثنيه عن الاضطهادات التي دفعه إليها تدينه.

أما في أخلاقيات السياسة فكان شبيها كل الشبه بمعاصريه - يكره الحرب، ولم يبدأ حربا قط، واحتمل من إهانات إنجلترا جيلاً كاملاً تقريباً قبل أن يجرد عليها الارمادا. كان قادراً، بل أقدر من معظم الحكام، على الخداع المتخفي وراء التقوى، والظاهر أنه شارك في مؤامرة لقتل اليزابث حي أعيته لانقاذ ماري ستيوارت (18). وكان حكمه لأسبانيا أوتوقراطيا ولكنه عادل، «يهتم الاهتمام الشديد برعاياه، ويصلح أي مظالم اجتماعية يجد الوقت لاكتشافها (19)» .

أما خلقه الشخصي فيفضل خلق أكثر ملوك القرن السادس عشر. كان في شبابه ببروكسل، إذا صدقنا اعداءه، «شديد الاباحية» و «لهوه المفضل أن يخرج ليلا متخفيا ليمارس شتى الشهوات المبتذلة في المواطن المألوفة للرذيلة (20)» ؛ وبعد سنوات اتهم وليم أورنج، وهو يقود ثورة الأراضي المنخفضة، ناسك السكوريال هذا بأنه قتل ابنه ودس السم لزوجته الثالثة (21)، ولكن رجلا ساخطا مثل وليم لا يعتمد

ص: 89

عليه في كتابة التاريخ. على أن مؤرخا لا يتطرق الشك إلى عظمته وجرأته، وهو ماريانا اليسوعي الاسباني، يصدر عليه حكما عدائيا كهذا، فبينما هو يشيد بـ «سماحة فيليب وعزيمته ويقظته وزهده في الطعام والشراب» يتهمه بـ «الشهوانية، والقسوة، والكبر والغدر، وعدة رذائل اخرى» (22) ولكننا نجد مؤرخا هولنديا محدثا يخلص إلى أن «فيليب الثاني لا يمكن اتهامه بالفجور و .. والخلاعة والفساد، فهو على قدر علمنا عاش بعد عودته إلى أسبانيا حياة فاضلة إلى حد الصرامة (23) زوجا وفيا شديد الاهتمام بأبنائه. وحين مرضت زوجته الثالثة اليزابيث قالوا بالجدري (وكان يومها فتاكا أغلب الأحيان) ظل ملازما لها لا يبرحها إلا نادرا مع أن وزراءه ألحوا عليه في ألا يعرض نفسه لخطر العدوى. وبعد موت اليزابث عقد فليب زواجا دبلوماسيا آخر (1570) بأميرة نمساوية من أميراتها العديدات المسميات «آن» ، وماتت آن هذه عام 1580 وبعدها كرس عواطفه العائلية الحميمة لبناته. ورسائله لهن رسائل إنسانية فيها دعاية ومحبة (24). واصبحت اليزابث كلارا رفيقه الحميم وعزاءه الكبير وسط هموم الشيخوخة وهزائمها. وقد وصفها في وصيته بأنها نور عينيه. أما ابناؤه فلم يجد فيهم أي عزاء.

وتضافرت الأسطورة والأدب

(1)

والشفقة الانسانية لتجعل من ابن فليب الأكبر رجلا أشهر من أبيه. كان كارلوس ضعيف البنية، مستهدفا للحمى المتقطعة؛ والاكتئاب، ونوبات الغضب والكبرياء. كان سخيا في إسراف، شجاعا في شراسة، كان يضحك جده، الذي كان بالأمس شارل الخامس العظيم بلومه إياه على أنه فر من موريس أمير سكسونيا في إنربروك (1552) - «لو كنت مكانك لما

(1)

اتخذ هؤلاء الكتاب الدون كاروس موضوعا لمسرحياتهم: شيلز، والفييري، وأوتواي، وماري جوزف دشيينه، وخوان بيريز دمونتالفين

الخ.

ص: 90

قررت قط!» (25) وفي المحادثات التمهيدية لمعاهدة كاتو-كاميريرزي كان هناك وعد بزواج كارلوس-وهو يومها في الرابعة عشرة- من اليزابث فالوا، ولكن في المعاهدة نفسها اتخذ فليب هذه الأميرة زوجة له بعد أن ترمل بموت ماري تيودور، وذلك ليحول الصداقة الفرنسية من انجلترا إلى أسبانيا، وبعد عام وصلت العروس إلى مدريد (1560). ولعل كارلوس حين رأى جمالها المتواري خلف قناع من الحشمة ساءه هذا التحوير لحق «السيد الاقطاعي» ، ولكن ليس هناك دليل على وجود اية علاقة غرام بينه وبين الملكة ذات الأربعة عشر ربيعا (26).

وكان من المسلم به رسميا أن كارلوس وريث للتاج برغم علته. وفي عام 1561 أرسل إلى جامعة ألكالا «القلعة» . وهناك سقط من درجات سلم خلال مطاردته فتاة يغازلها فكسرت جمجمته، وراح يهذي في غيبوبته. ونشر الجراح الكبير فيزاليوس عظم رأسه فأنقذ حياة الصبي، ولكن تحسن حالته عزاه الناس إلى رفات أخ فرنسسكاني تقي- مات قبل قرن-أخذت من تابوتها ووضعت على الفراش إلى جوار الأمير. وخلال نقاهة الفتى الطويلة مكث فليب في «القلعة» وأنفق الوقت الكثير إلى جانبه. وأعيد كارلوس إلى مدريد وهناك استرد من العافية ما سمح له بالانضمام إلى شباب النبلاء في حوادث العنف يرتكبونها في الشوارع ضد الرجال والنساء. وقوت اعتداءاته القاسية الصاخبة، الشبهة في أن سقطته قد ألحقت بمخه أذى لا شفاء له منه. ولم يكن مما يعنيه على كسب عطف فليب أنه أعرب عن تعطفه مع الثوار في الأراضي المنخفضة. ولما عين ألفا قائدا للجيش هناك احتج كارلوس بأن هذه المهمة كان يجب أن تعهد إليه، فنهى الفا عن الذهاب، وهاجم الدوق بخنجر شهره عليه حين أصر على الذهاب (27). ويبدو أن الأمير خطر له حينا أن يهرب إلى الأراضي المنخفضة ويضع نفسه على رأس الثورة (28). وكلف فليب بعض

ص: 91

وزرائه، الزاهدين في المهمة، بأن يراقبوه. ووضع كارلوس الخطط للهروب، وبعث بعملائه لجمع المال، وجمع 150. 000 دوكاتية، وأمر بأن يؤتى له بثمانية جياد لهروبه _يناير (1568). غير أنه اسر بخطته لدون جوان النمساوي، الذي أفضى بها إلى الملك. وخاف فليب أن تستعمل اليزابث ملكة انجلترا، أو وليم أورنج، ابنه-إذا سمح له بمغادرة أسبانيا-منافسا لأبيه تمهيدا لعزله، فأمر بتشديد الرقابة على الأمير، وهدد كارلوس بالانتحار، فجرد فليب من كل سلاح وحبسه في القصر الملكي بمدريد.

إلى هناك كان مسلك فليب يسمح بالدفاع عنه، ولكن التعصب بدأ يعمق المأساة. ذلك أن الملك حين اشتبه في هرطقة ابنه أمر بألا يسمح له بأي كتاب الا كتاب صلوات يومية وبعض كتب العبادة. ورفس كارلوس الكتب وأهمل كل الطقوس الدينية. وأنذره قسيس بأن مسلكه قد يحمل محكمة التفتيش على التحقيق في صحة مسيحيته، وحاول كارلوس أن يقتل نفسه، ولكن حيل بينه وبين ذلك، على أنه حقق هدفه بأن رفض كل طعام قدم إليه طوال أيام ثلاثة، ثم أتخم نفسه باللحم والماء المثلج، فأصيب بالدوسنتاريا، ورحب الأمير بالموت، وتناول القربان لآخر مرة، وسامح أباه، ثم مات غير متجاوز الثالثة والعشرين (24 يوليو 1568). واتهم انطونيو بيريز-عدو فليب المنفي-الملك بأنه دس السم لكارلوس، وصدقت معظم أوربا التهمة، ولكن البحث دحضها

(1)

. على أن صرامة سجن الفتى من النقط السوداء الكثيرة التي تلوث سجل الملك.

(1)

» في الحادث الأليم، حادث سجن الدون كارلوس وموته، سلك فليب مسلكا شريفا «-الموسوعة البريطانية، 17، 722. قارن مارتن هيوم في كتابه» أسبانيا «عظمتها وانحلالها «150،. تريفور ديفز» القرن الذهبي لأسبانيا «149.

ص: 92

وقد ألقى مسلكه من أخيه لأبيه، دون جوان النمساوي، ظلاً آخر على الصورة. فيبدو أن هذا الابن غير الشرعي لشارل الخامس وبربارا بلومبرج أثار في نفس فليب إعجاباً تشوبه الغيرة. ومع ذلك رفع جوان إلى مرتبة الأمراء، وعهد إليه بتنظيم حملة على قراصنة الجزائر. وابلى جوان فيها بلاء حسنا. وقلده فليب قيادة القوات البرية ضد مغاربة غرناطة، وأنفذ جوان مهمته دون أن يضيع وقتا أو يسرف في رأفة. فعينه فليب-وهو بعد في الرابعة والعشرين-أميرالاً أكبر للأساطيل الموحدة في «الحرب الصليبية الأخيرة» ، وهزم جوان الترك في ليبانتو، وغدا بطل العالم المسيحي. هنا شعر بأنه جدير بعرش مملكة، ولكن شق عليه أن يكتفي فيليب بتنصيبه حاكما عاما على الأراضي المنخفضة.

ثم لام الناس الملك الصموت، الذي كان على الدوام يأبى لكبريائه أن يفسر مسلكه أو يدافع عن نفسه على منبر الرأي العام، لاموه اشد اللوم على مأساة أخرى. ذلك أنه رقي إلى منصب المستشارية لديه رجلا من عامة الشعب ذكيا أنيقا يدعى أنطونيو بيريز، وكان الاعتقاد أنه الابن غير الشرعي لأخص أصدقاء فليب وأحوزهم لثقته، وهو روى جوميز أمير ابيولي. فلما مات جوميز (1573)، اصبح بيريز الصديق الحميم-وربما العشيق (29) -لآنا دي مندوزا، أميرة ايبولي-الأرملة المغرقة في الدس. وقيل أن فليب نفسه كان له علاقة بهذه الحسناء العوراء قبل أحد عشر عاما، ولكن لعل «التاريخ» هنا لفق هذه القصة (30). وترما بيريز معها بغية الافادة من اطلاعها على أسرار الدولة. فلما هددهما خوان دي اسكوبيدو بأن يفضح نشاطهما المريب، أقنع بيريز قليب بأن اسكوبيدو يتآمر على خيانته، واعطى فليب الأمر باغتيال خوان. واحتفظ بيريز بالأمر ستة اشهر، ثم نفذه (1578) مما أدهش فليب واربكه. وبعد عام اقنعت أوراق دون خوان النمساوي السرية فليب ببراءة اسكوبيدو، فقبض على بيريز، وحبس الأميرة

ص: 93

في قصرها. واعترف بيريز بجريمته تحت ضغط التعذيب، ووافق على أن يرد للخزانة 12. 000. 000 مارافيدي. ولكنه فر إلى اراجون بمساعدة زوجته، وهناك طاردته محكمة التفتيش بتحريض فليب باعتباره مهرطقا. ففر إلى فرنسا، وعزا اضطهاده إلى غرام فليب بلا ايبولي غراما لم يسله، وافشى مواطن ضعف أسبانيا الحربي والمال لحكومتي فرنسا وإنجلترا، وحرض ايسيكس على الاغارة على السفن والشواطئ الأسبانية. وأخيرا مات بباريس عام 1611 بعد أن حاول عبثا الحصول على عفو فليب الثالث وحمايته (31).

لقد وجد فليب مبررا كافيا لاتباع نصيحة أبيه بالا يثق بمساعديه ذلك أن اشراف الأسبان-كالنبلاء الفرنسيين-كانوا غيورين من سلطة الملكية لا يتورعون عن الكبد للملك. ولقد أبقى على خلافاتهم فيما بينهم، وضرب بعضهم ببعض، وتلقى تقارير ملخصة عن آرائهم المتعارضة، ثم اتخذ قراراته. ولما فقد الثقة في مرءوسيه، أكب بشخصه على دقائق الحكم والإدارة في كي ميدان-في السياسة البابوية، والأشغال العامة، والرذائل المحلية، والطرق والكباري، وتطهير الأنهار للملاحة، وانشاء المكتبات، واصلاح القانون الأسباني وجمعه وتنسيقه، والاشراف على مسح جغرافي وتاريخي واحصائي واسع لأسبانيا ما زالت مجلداته الخمسة عشر ذات القطع الكبير دون نشر (32) -. على أن اضطلاعه بأعباء ينوء بها كل كاهل افضى به إلى سياسة التسويف والتأجيل، فقد لاحظ أن كثيرا من المشكلات تفقد إلحاحها أو معناها إذا أجلت عمدا-ولكن مجرى الأحداث في عدة حالات-كحالة الأراضي المنخفضة- فصل فيها على عكس ما يشتهي بينما هو يزن ما للحلول وما عليها أو يضعها على الرف. وفي مهجعه الملكي كان يملي أو يكتب بيده التعليمات لموظفيه الذين عينهم في خمس قارات. وقد افترض أن السلطة الملكية يجب أن تكون مطلقة، واغفل أو طغى على «الكورتيز» أو المجالس الأقليمية

ص: 94

إلا في الأرجوان وأصدر المراسيم-حتى مراسيم الاعدام-دون محاكمة علنية، وهدأ أوتقراطيته باليقين بأن هذا سبيله الأوحد إلى حماية الفقراء من الأغنياء (33). وأنشأ تدريجا وبجهد، داخل حكمه المستبد، في قارة استشرى الفساد في كل ارجائها تقريبا، بيروقراطية وقضاء امتازا بالقياس إلى غيرهما بالكفاية والعدل (34).

كان يحترم الكنيسة باعتبارها الشكل التقليدي للفضيلة والحارس القديم للملوك، ولكنه أخضع الدين للدولة في اسبانيا كما فعل هنري الثامن أو اليزابث الأولى في إنجلترا. وعلق أهمية كبرى على الوحدة الدينية باعتبارها أداة للحكم، حتى أنه رأى «أنه حير للملك ألا يملك اطلاقا من أن يملك على مهرطقين» (35) فلما اقتنع بأن المغاربة في أسبانيا ما زالوا يمارسون شعائر الإسلام برغم تظاهرهم بالكثلكة، أصدر (1567) أمرا عاليا يحرم كل العادات الاسلامية ويحظر استخدام اللغة العربية واقتناء الكتب العربية. وتمرد المغاربة (1568)، واستولوا على اقاليم كبير جنوبي غرناطة، وذبحوا المسيحيين، وعذبوا الكهنة، وباعوا النساء والأطفال رقيقاً للبربر نظير البارود والبنادق. ولكن التمرد أخمد بعد سنتين من الفظائع التي تنافس الفريقان في ارتكابها. وطرد جميع المغاربة من اقليم غرناطة وشتتوا بين الجماعات المسيحية في قشتالة، وأودع أبناؤهم البيوت المسيحية، وجعل الحضور إلى المدارس اجبارياً على جميع الأطفال-وهو أول إلزام من نوعه في أوربا (36). واشتبه فليب في أن المغاربة الباقين في بلنسية وقتلونيا يتآمرون مع العدو، وكان في حرب مع الترك، ولكن كثرة أعبائه أكرهته على أن يترك آخر مراحل المشكلة لخلفه.

وكان أبوه قد خلف له مهمة الدفاع عن العالم المسيحي ضد الإسلام باعتبارها جانبا هاما من سياسة الهابسبورج. ففي عام 1570 انضم إلى البندقية والبابوية في حرب صليبية تنهي سيادة الترك على البحر المتوسط.

ص: 95

وسقطت قبرص في يد الترك بينما كان فليب يضع الخطط والحلفاء الثلاثة يحشدون اسطولهم. وما وافى عام 1571 حتى كانوا قد جمعوا في مسينا 208 سفينة شراعية كبيرة و 50. 000 بحار، و 29. 000 جندي، ورفع فوق مقدم كل سفينة صليب، ومنحت البركة للرايات، وارتفعت الصلوات جملة إلى عنان السماء، وأصدر الاميرال الشاب الملهم الصيحة الصليبية، «المسيح قائدكم، أنكم تخوضون معركة الصليب» . وفي 16 سبتمبر 1571 أقلع الأسطول وحقق انتصارا قضى على تفوق الترك في البحر المتوسط. وإذ كانت اسبانيا قد أسهمت بأكثر من نصيبها من السفن والرجال، فإن بهاء ليبانتو سطح على دون جوان والملك، وقارب فليب عندها ذروة مجده قبل انحداره. وواتته هذه الذروة حين ورث عرش البرتغال (1580) فضم هذا البلد الاستراتيجي إلى ملكه المتعاظم.

أما همه المقيم فكان ثورة الأراضي المنخفضة. فقد علم ساخطا أن كوليني، الزعيم البروتستنتي، كاد يقنع شارل التاسع بأن فرنسا يجدر بها أن تتحالف مع الثوار. فلما بلغ فليب نبأ مذبحة القديس برتولوميو التي أطلق شارل وحوشها على الهيجونوت طرب له وشدد النكير على الأراضي المنخفضة. فحرض على اغتيال وليم أورنج ودفع أجر الجريمة، وحاول شراء صداقة هنري نافار؛ ولكن هنري لم يكن ممن تشتري صداقتهم بالمال. ومن ثم اشترى فليب آل جيز والحلف الكاثوليكي؛ وحلم يجعل ابنته ملكة على فرنسا، وعندها تتحالف قوى اسبانيا وفرنسا فتخضعان الأراضي المنخفضة، وتنصبان ماري ستيوارت ملكة على انجلتره، وتقطعان دابر البروتستنتية من كل مكان. فلما أرسلت اليزابث المعونة لهولندة (1585)؛ وشيعت ماري إلى آخرتها (1587)، وبعد سنين صبر فيها فليب وصابر على الغارات التي شنها قراصنة اليزابث على سفن اسبانيا وشاطئها وكنوزها. جنح آخر الأمر إلى الحرب، فخرب مالية حكومته ليمول الأرمادا. وساندت أسبانيا كلها هذا الجهد وصلت من أجل النصر، شاعرة بأن مصير الأسطول سيفصل في تاريخ أوربا.

ص: 96

وتجلد فليب في ظاهر الأمر لذل الكارثة وعارها، وقال انه أرسل سفنه لتقاتل البشر لا الأنواء. ولكن الهزيمة حطمت روحه وكادت تحطم أسبانيا، هذا برغم أنه عاش بعدها وقاتل عشر سنوات أخرى، وأن أسبانيا استغرقت قرنا حتى سلمت بخرابها. إنه لم يستطع أن يصدق أن الله تخلى عنه بعد ثلاثين عاما من الكفاح في سبيل الإيمان، ولكن لا بد أن هذه الحقيقة الكئيبة طالعته في النهاية، وهي أنه بعد أن أفقر شعبه بالضرائب، أخفق في كل شئ إلا في اكتسابه البرتغال بمحض الصدفة، ورده الترك مؤقتا-وكانوا قد استولوا من جديد على تونس وأخذوا يستردون سطوتهم. لقد كان هنري الرابع يسير إلى النصر في فرنسا؛ والأراضي المنخفضة في ثورة لا سبيل إلى التصالح فيها؛ وأبى البابا أن يتحمل فلسا من نفقات الأرمادا؛ وقبضت البروتستنتية على ناصية الشمال الغني، واخذت تهيمن على البحار ومن ثم على أمريكا والشرق بعد قليل، أما تلك السليطة اليزابث، فهي متربعة على عرشها المنيع وسط المياه ظافرة بعد أن تفوقت على كل ملوك عصرها فطنة ودهاء.

واصطلح على الملك الثكل، والعزلة، والمرض-اصطلحت عليه كلها لتذله بعد عز وتوهن من اعتداده بنفسه. كانت زوجته الرابعة قد ماتت عام 1580، ولم يبق على قيد الحياة من الأطفال الثلاثة الذين أنجبتهم غير غلام قليل الكفاية لا بد أن يورث أول امبراطورية لا تغرب الشمس فوق رقعتها. ان الشعب ما زال يحمل لفليب الاجلال برغم أخطائه وهزائمه، فهو مقتنع بأنه ناضل من أجل قضية مقدسة، وأنه لعب لعبة القوة دون أن يفوق أعداءه تحللا من مبادئ الشرف، وهو صابر في غير لوم على الشقاء الذي أوقعته فيه سياساته الاقتصادية ونظام ضرائبه وهزائمه. وقد اصاب أطرافه بالآلام المبرحة في شيخوخته، وأعجزه بالشلل، ذلك النقرس الذي كان آخر تركة ورثها عن أبيه، وخيمت على احدى عينيه سحابة من السد، وشوهت جلده القرح المنفرة.

ص: 97

وفي يونيو 1598 حمل على محفة إلى الاسكوريال، إلى غرفته الأثيرة التي يستطيع خلال نافذتها أن يتطلع إلى مذبح الكنيسة المرتفع. وظل ثلاثة وخمسين يوما يبلى جسده في فراشه، محتملا كل شئ وهو واثق أنه امتحان الإله لإيمانه، محتفظاً بذلك الإيمان إلى النهاية الرهيبة، متشبثا بصليب لا يفتأ يلثمه مرددا الصلوات المرة بعد المرة. وأمر بالافراج عن السجناء ليكون ذلك آخر عمل من اعمال الرأفة. وأرسل في طلب ابنه، وأوصاه بالرأفة والانصاف ما دام حيا، وأمره بأن يعترف بالخاتمة المهينة التي تنتهي إليها القوة الدنيوية. ثم انتهى عذابه في 13 سبتمبر 1598.

لقد بذل قصاراه بعقل غلت التربية في تقييده، عقل أضيق من أن يسع امبراطوريته، وأصلب من أن يطوع نفسه لتبعاته المنوعة. وليس في مقدورنا أن نعرف هل كان إيمانه زائفا؛ وكل ما نشعر به أنه إيمان متعصب قاس ككل إيمان في عصره تقريباً، وأنه أظلم عقله وشعبه بينما واسى فقر هذا الشعب وسند كبرياء الملك. ولكن فليب لم يكن الغول الذي صورته أقلام خصومه المشبوبة. فقد كان- على قدر ما أوتى من بصيرة- لا يقل في عدله وسماحته عن أي حاكم في قرنه إلا هنري الرابع. وكان مهذباً في حياته الزوجية، محباً لأسرته محبوباً منها، صابراً على الاستفزاز، شجاعاً في الشدة، مخلصاً في الجهد. لقد دفع إلى التمام ثمن تركته الغنية المهلكة.

‌3 - فيليب الثالث

1598 -

1621

أما وريثه فكان فليباً آخر مختلف كل الاختلاف عن أبيه. لقد حزن أبوه حين رأى تراخي الفتى وقصر نظره قائلا «أن الله الذي رزقني هذا الملك العريض لم يرزقني ولدا يصلح لحكمه (37)» كان فليب الثالث، الذي بلغ العشرين الآن، أتقى حتى من أبيه، فترددت الشائعات في رميه بأي خطيئة ولو عارضة. ولما كان خجولاً وديعاً، شديد العجز عن القيادة، فقد أسلم كل سلطات الحكم ومتطلباته إلى فرانتشسكو جومز دي ساندوفال أي روجاس، دوق ليرما.

ص: 98

أما الدوق فكان فيه شئ من البر بالناس، لأنه رق كل أقاربه تقريبا في المناصب الدسمة، ولم يغفل ذاته في بره، ففي العشرين سنة التي رأس فيها الوزارة جمع ثروة طائلة قدرها الشعب المغيظ بمبلغ 44. 000. 000 دوكاتية (38)، وهو رقم يستحيل تصديقه. وقد وفر للخزانة من المال ما يكفي لتجهيز أسطولين ضخمين ضد إنجلترا (1599 - 1601)، ولكن كليهما حطمته الأنواء العالية. وكان لليرما من الحصافة ما جعله يرحب بعروض السلام التي قدمها جيمس الأول، وهكذا أبرمت أسبانيا وإنجلترا صلح لندن (1604) بعد تسعة عشر عاما من الحرب، أما الحرب في الأراضي المنخفضة فاستمرت. واستنزفت الذهب من اسبانيا بأسرع من وصوله إليها من أمريكا، ووجد ليرما أنه ليس في طاقته أن يشبع من موارد بلد مرهق حاجات قواده المعوقين، وجيبه الخاص. وإذا أدرك أنه لم يعد هناك جدوى من بذل مزيد من الجهود لرفض منح «الأقاليم المتحدة» استقلالها، فقد وقع معها هدنة تمتد اثني عشر عاما (1609).

ولكن مشروعه التالي كان لا يقل تكلفة عن الحرب. كان مسقط رأسه بلنسبة، حيث يعيش ثلاثون الفا من اسر المغاربة، وكان فيه من التقوى ما يكفي لتبغيضه في هؤلاء المزارعين والصناع الذين كان لجدهم واقتصادهم الفضل في احتفاظهم باليسر وسط فقر المسيحيين المستكبر العاجز. وكان يعلم أن هؤلاء المسلمين المتنصرين قد احتفظوا- بدافع من سخطهم لاضطهاد فليب الثاني لهم- باتصالات خائنة مع مسلمي أفريقيا وتركيا، ومع هنري الرابع ملك فرنسا، الذي أمل ان يفجر الثورات في أسبانيا في الوقت المناسب (39). ورأى أنه ليس من الوطنية في شئ أن يرف المغاربة الخمر ويزهدوا في أكل اللحم، فنتيجة هذا أن يقع عبء الضرائب المفروضة على هذه السلع، كله تقريبا. على كواهل المسيحيين من الأسبان. وأعرب سرفانتس عن الخوف من أن هؤلاء المغاربة الذين ارتفعت نسبة المواليد فيهم عنها في «المسيحيين القدامى» لندرة العزوبة عندهم، سيسودون

ص: 99

أسبانيا عما قليل (40). وقدم خوان دي ريبيرا رئيس أساقفة بلسنبة المذكرات إلى فيليب الثالث (1602) يحضه فيها على طرد جميع المغاربة الذين تزيد أعمارهم على السابعة، وقال في تفسيره للكوارث التي نزلت بأسبانيا، بما فيها تدمير الارمادا، إنها عقوبات أنزلها الإله لإيوائها الكفار، فهؤلاء المسيحيون المزيفون يجب ترحيلهم، أو ارسالهم لسفن العبيد، أو شحنهم بالمراكب إلى امريكا ليشتغلوا عبيدا في المناجم

(1)

(41). وبرغم تحذيرات البابا، وبرغم احتجاجات ملاك الأراضي الذين كانوا ينتفعون من مستأجريهم المغاربة، أصدر ليرما (1609) مرسوما أمر به جميع مسلمي اقليم بلنسبة - مع بعض الاستثناءات - بأن يستقلوا خلال ثلاثة أيام مراكب أعدت لهم لينقلوا إلى أفريقيا، غير حاملين معهم من المتاع أكثر مما تطيقه ظهورهم. وتكررت الآن المناظر التي رافقت طرد اليهود قبل 117 عاما. وأكرهت الأسر البائسة على بيع أملاكها بخسائر فادحة، وساروا إلى الموانئ يتعثرون في شقائهم، وسرق الكثيرون منهم، وقتل البعض، في طريقهم إلى السفن أو وهم على ظهورها. فلما وصلوا إلى افريقيا تهللوا لبلوغهم أرضاً مسلمة، ولكن ثلثيهم هلكوا جوعاً أو قتلوا باعتبارهم مسيحيين (42). وفي شتاء 1609 - 10 أجلت حركات طرد أخرى من بقى من المغاربة في غير بلسنبة، وهكذا نزعت أملاك 400. 000 من أكثر أهل أسبانيا انتاجا وأقصوا عن البلاد. وكان هذا في أعين الشعب أمجد منجزات الحكم، وتطلع الأسبان السذج إلى عهد أكثر رخاء، بعد أن استرضوا الإله بتخليص اسبانيا من الكفار. واغتبطت الحاشية بالحصيلة التي تجمعت من مصادرة أملاك المغاربة، فكان نصيب ليرما منها 250. 000 دوكاتية، ونصيب ابنه 100. 000، ونصيب ابنته وصهره 150. 000 (43).

(1)

أدخل خوان دي ريبيرا في زمرة القديسين عام 1960.

ص: 100

وما حلت سنة 1618 حتى كان جشع ليرما وإهماله، وإسراف الملك وحاشيته، وفساد الموظفين، وتمزق الاقتصاد بخروج المغاربة، قد هبط باسبانيا إلى درك نبه حتى هذا الملك الخامل إلى ضرورة التغيير. وفي فورة من فورات العزيمة طرد ليرما (1618)، ولكن ليقبل ابنه - الدوق أو سيداً - رئيساً لوزرائه. واعتزل ليرما في لباقة، وتقبل قبعة الكردينالية وعاش سبع سنين آخر رافلا في حلل لاتقوى والثراء. وفي عام 1621 أنذر مجلس قشتالة الملك بأن ملكه «في طريقه إلى الافلاس والدمار لفداحة الأعباء والضرائب والرسوم» (44)، وتوسل إليه أن يعتدل في نفقاته. فتقبل النصيحة ولكنه مضى يسلك مسلكاً ملكياً مترف الجهاز والصيانة. في هذه السنة بعينها مات مخلفاً لولده ملكاً عريضاً لا حول له ولا قوة، وحكومة فاسدة لا كفاية فيها، وشعباً هوى إلى درك الفاقة والتسول والسرقة، وطبقة استنكفت من أن تؤدي ضرائبها، وكنيسة خنقت فكر الشعب وحطمت ارادته وأحالت خرافاته أكداساً من الذهب.

‌4 - فيليب الرابع

1621 -

1665

خالف الولد أباه في كل شيء إلا الإسراف. ونحن نعرفه ظاهراً من الصور الكثيرة التي رسمها له فيلاسكويز، ففي متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك يطالعنا وهو بعد في التاسعة عشرة (1624)، فتى وسيماً أشقر الشعر متفتحاً للحياة، وفي متحف الصور الأهلي بلندن نراه مرحاً واثقاً بنفسه في السابعة والعشرين، ثم بديناً وقوراً في الخمسين، وفي البرادو نراه في خمس مراحل بين البهاء والانحلال، كذلك نرى صورة في فلورنسة وتورين، وفينا، وسنسناتي - لا بد أن هذا الرجل أنفق نصف حياته في مرسم فيلاسكويز. ولكن هذه اللوحات لا تكشف إلا عن ملامحه الرسمية، فهو لم يكن في حقيقته بهذه الرزانة والكبرياء، وقد تكون اكثر انصافاً في تصوره إذا تأملنا أطفاله في لوحات في لوحات فيلاسكويز، وأغلب الظن أن أحبهم حباً يفوق العقل كما نحب أطفالنا. كان في صميمه رجلاً

ص: 101

لطيفاً، كريماً مع الفنانين والمؤلفين والنساء؛ بل نصف قديس كأبيه؛ بل مستمتعاً بالطعام، والجنس؛ والتمثيليات، والصور؛ وحياة البلاط، والصيد، عازماً على أن ينهل من الحياة ما استطاع حتى في بلد محتضر كأسبانيا.

ولعل استطابته الخالصة للحياة هي صاحبة الفضل في ازدهار الشعر والدراما؛ والتصوير والنحت، في عهده ازدهارا لم تشهد اسبانيا له نظيرا من قبل ولا من بعد. كان إذا بدت لذاته مشتطة في فوضاها استكثر من الصلوات؛ واعتمد على نياته الطيبة في أن تعبد له الطريق إلى السماء. أنجب من الأطفال غير الشرعيين اثنين وثلاثين، أعترف منهم بثمانية (45). وإذا لم يكن في وقته متسع لشئون الحكم، فقد فوض بسلطاته وواجباته رجلاً من أبرز الشخصيات في دبلوماسية القرن السابع عشر.

هذا الرجل-الدوق جاسبار دي جوزمان، كونت أوليفاريس- جرت حياته موازية ومعارضة لحياة ريشليو. فقد لعب هذا الكونت العظيم مع الكردينال الداهية، طوال واحد وعشرين عاما (1621 - 42)، لعبة دامية من الذكاء والحرب للتسيد على أوربا. وقد أطلعنا فيلاسكويز على شخصية أوليفارس- رجل خلا من الخوف والملامة، فيه كل عدوان القوة، تلتف شواربه الكبيرة المشذبة كأنها سيف معقوف رهيب، وعباءات منصبه وأحزمته وسلاسله ومفاتيحه تنطق بالسلطة (46). أما العيوب التي شابت خلقه، وهي الغطرسة والنزق والعناد الشديد؛ وعكوفه الشديد على خدمة أسبانيا. وأمانته الصريحة في بيئة فاسدة، واحتقاره للذات الدنيا إلا ان تكون سبيلا لإرباك الملك، وقصده في الطعام وبساطة حياته الخاصة؛ ومساندته الحارة للآداب والفنون. وقد ناضل مخلصا للتخفيف من الرذائل، واوقف الرشوة، ولرد الأموال المختلسة إلى الخزانة؛ وللتقليل من نفقات بلاط الملك؛ ولفرض الاقتصاد والاعتدال

ص: 102

في اللباس والأثاث، وحتى للحد من قسوة محكمة التفتيش. اضطلع بكل أعباء الحكم، والسياسة، والدبلوماسية، والحرب، فكان يبدأ مهام يومه قبل طلوع الفجر ويواصلها حتى بعد أن يخر إعياء. وكانت اللعنة التي ابتلي بها ما عمد إليه ريشليو-بمثل هذا التفاني-من استنزاف لقوة الهايسبورج في النمسا وأسبانيا في بطئ، ودهاء وعناد. وقد اقتضى لقاء هذا التحدي الرهيب وجود الجيوش في قتلونيا والبرتغال وفرنسا ونابلي ومانتوا والممرات الفالتلينية والأراضي المنخفضة، وفي بالوعة حرب الثلاثين سنة الشاسعة الدامية. ولكن الجيوش تحتاج إلى المال، والمال يتطلب فرض الضرائب. لذلك رفع «القبالة» أي ضريبة البيوع إلى 14%، فاختفت التجارة؛ وكان الجباة يختلسون ثلثي الضرائب قبل أن يصل باقيها إلى الخزانة. وهكذا أوهن أوليفاريس، بعزيمة وطنية، اقتصاد أسبانيا لينقذ سطوتها السياسة.

وليس حتما أن نتتبع كل تحركات لعبة الشطرنج الدامية هذه، فهي لا تضيف شيئاً إلى معرفتنا او تقديرنا للبشرية. لقد كانت صراعاً بين القوة لا بين المبادئ، صراعا يغفل فيه كل طرف مذهبه في سبيل الانتصار العسكري، فنرى ريشليو يمول الجيش البروتستنتية في ألمانيا ضد النمسا الكاثوليكية: واوليفاريس يبعث 300. 000 دوكاتية كل سنة لدوق روهان ليطيل أمد ثورة الهيجونوت في فرنسا (47). وتحطمت اسبانيا في النهاية، فقضى الهولنديون على قوتها في البحر في معركة دوانز (1639). وقضى الفرنسيون على قوتها في البر في روسيون (1642) وروكروا (1643) وانتهزت البرتغال وقتالونيا فرصة ضعف أسبانيا فانتزعتا حريتهما (1640). وخاضت جمهورية قتالونيا الحرب ضد قشتالة مدى تسعة عشر عاما بمعونة فرنسا. وأخيرا طرد الملك اللطيف وزيره على كره بعد أن كان محل ثقته خلال عشرات الكوارث (1643). وفر اوليفارس من مدريد المناوئة إلى منفاه الاختياري في تورو البعيدة، وهناك مات مخبولا بعد سنتين.

ص: 103

واضطلع فليب بالمهمة شخصياً إلى حين. فخفض نفقاته وكرس نفسه مخلصا للحكم. غير أن أسباب اضمحلال أسبانيا كانت فوق ادراكه أو سيطرته. واستمرت الحرب، ولم تخفف الضرائب، وتناقص الانتاج، وتقلص السكان. وفي صلح وستفاليا (1648) كانت أسبانيا عاجزة، فاضطرت إلى النزول عن الاستقلال للأقاليم المتحدة، بعد حرب عقيمة امتدت قرابة قرن من الزمان. وختم صلح البرانس (1659) بخاتمة امتدت قرابة قرن من الزمان. وختم صلح البرانس (1659) بخاتمة مصدقا على السيادة الفرنسية في أوربا. وسط هذه النكبات ماتت ايزابيللا البوريونية زوجة فليب الوفية الصابرة (1644)، ولحق بها بعد عامين ولدها الوحيد الباقي على قيد الحياة، دون بالنازار كارلوس، الذي صوره فيلاسكويز، بأسلوب خلاب. ولم يبق للملك غير طفلة شرعية واحدة هي ماريا تريزا، التي زوجها للويس الرابع عشر. وإذ كان فليب تواقاً لوريث لملكه فقد تزوج (1649) وهو في الرابعة والأربعين أبنة أخ لا تتجاوز الرابعة عشر ربيعاً، هي ماريانا النمساوية التي كانت مخطوبة لبالتازار، فمنحته ولدين: فليب ابروسير الذي مات في الرابعة، وولدا آخر أصبح فيما بعد كارلوس سيجوندو (شارل الثاني). أما الملك المرهق، الذي هد قواه حصى المرارة، وأوهنه نزف البواسير، ولم يكف عن مطاردته الرهبان المتجرون بالسحر، فقد استسلم للموت (1665) تعزيه فكرة وجود وريث له، ولكنه اعفي من العلم بأن ولده نصف الأبله هذا سيوصى بملك أسبانيا كله لفرنسا.

‌5 - البرتغال

1557 -

1668

تميزت هذه السنوات بثلاثة أحداث في البرتغال. فقدت استقلالها، ثم استردته، وكتب كامؤنش» اللوسياد «.

لقد شاركت أسبانيا نشوة وشراسة العقيدة، ثم سبقتها إلى الاضمحلال. وكان من أثر سرعة تطورها الاستعماري أنها استنزفت وراء البحار أكثر ابنائها مغامرة، وأهملت الزراعة أو ترك أمرها للعبيد

ص: 104

الخائري الهمة، وفاحت في لشبونة رائحة المرتشين، والتجار الجشعين، والعمال المفلسفين، وكلهم يعيش في النهاية على الاستغلال الامبريالي أو التجارة الخارجية. واقترح الملك الشاب سباستيان، الذي ألهمه اليسوعيون الحماسة الدينية، على ابن عمته فليب الثاني الاشتراك في فتح المغرب وتنصيرها. ولكن فليب تردد لكثرة شواغله، فاقترح سباستيان أن يضطلع بالمغامرة منفردا، وحذره فيلب من قصور موارد البرتغال عن انقاذ هذه الحملة، فلما أصر سباستيان قال فليب لمجلسه، «لو كسب الحرب اصبح لنا صهرا مفلحا، ولو خسرها ىل الينا ملك حسن (48)» وغزا سباستيان المغرب فغلب على أمره وقتل (1578) في معركة القصر الكبير. ولم يعقب سباستيان وريثاً لأنه كان أعزب وفياً لعزوبته، فولى العرش عمه الأكبر الكردينال هنري، ولكن هنري نفسه مات دون عقب عام 1280، فانتهت بذلك أسرة أفيزي التي حكمت البرتغال منذ عام 1385.

هنا واتت فليب الفرصة التي ترقبها. وكان هو وفيليبرت ايمانويل أمير سافوا الوريثين المباشرين للعرش الخالي باعتبارهما حفيدي مانويل ملك البرتغال. واعترف مجلس لشبونة بفليب وريثا، وقاوم بعض المطالبين بالعرش من منافسيه بدخوله، ولكن ألفا الجبار انتصر عليهم، وفي عام 1581 دخل فليب الثاني لشبونة باسم فليب الأول ملك البرتغال. وحاول بالمجاملات والرشا ان يكسب صداقة الأمة. فنهي جيشه عن نهب الريف، وشنق الدوق ألفا من جنوده جزاء جرائم كهذه عددا كبيرا خشي معه نقصا في الحبال، ووعد فليب بابقاء الأملاك البرتغالية في يد حكام من البرتغال، وبعدم تعيين أي اسباني في منصب بالبرتغال، وبصون امتيازات الشعب وحرياته. وأوفت أسبانيا بهذه العهود مادام فليب حياً. وهكذا ورث فليب بسهولة مذهلة البحرية البرتغالية ومستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية. وزال خط الحدود القديم الذي وسمه

ص: 105

البابا ليفصل الممتلكات الاسبانية عن البرتغالية، واستعد أقوى ملوك أوربا، الذي ازداد الآن قوة على قوة لتدمير نفسه بغزو إنجلترا.

وبينما كانت إمبراطورية البرتغال تؤول إلى أسبانيا والهولنديين، كان اعظم شعرائها يتغنى بأمجاد فتوحها. هنا أيضا تقوم حواجز القومية واللغة سدا منيعا امام رغبتنا في الفهم. فأنى لقوم لم يربوا على التاريخ البرتغال،. ول أحسوا بمعنى الكلام البرتغالي وموسيقاه، أن ينصفوا لويز فاز دي كامؤيز- المعروف لنا باسم كامؤنش ويوفوه حقه من التقدير.

لقد عاش أغنيته قبل أن يكتبها، كان أحد أجداده جندياً شاعراً مثله، وجدته قريبة لفاسكودا جاما بطل اللوسياد، أما أبوه، القبطان الفقير، فقد تحطمت سفينته قرب جنوه ومات هناك عقب مولد لويز في لشبونة أو كويمبرا. والراجح أن الفتى درس في الجامعة، لأن قصيدته تصدح بأصداء كاتللوس وفيرجل وهوراس وأوفيد. وبدأت تجربته العاطفية في إحدى الكنائس، في لحظة تعبد، إذ تراءت له حسناء «لها وجه ناصع البياض كالثلج، وشعر في صفرة الذهب» ، فتحرك فيه هاتف الشعر. ولابد أن بعض شعره ساء القصر، إذ أنه نفي إلى قرية على أعلى نهر تاجه، وهناك حلم بملحمة «تزيد البرتغال فخراً، وتثير حسد أزمير مسقط رأس هومر» (49). ولكن الحكومة التي لم تقدر شعره أرسلته إلى المنفى، أو إلى الخدمة العسكرية في سيته، وهناك فقد احدى عينيه في معركة أو عراك، ولما عاد إلى لشبونة دافع عن بعض أصحابه في مشاجرة، وطعن رجلاً من الحاشية، فزجوه في السجن ثمانية أشهر، ثم أفرج عنه في أغلب الظن بعد تعهده بالانخراط في سلك الجندية خارج البرتغال. وفي 26 مارس 1553 أبحر إلى الهند جندياً عادياً على سفينة أمير الأسطول فرناو ألفاريس كابرال، وكان يومها في التاسعة والعشرين من عمره.

واحتمل ضجر الليالي الرطبة في الرحلة التي استغرقت نصف عام ينظم

ص: 106

القسمين الأولين من اللوسياد. وفي سبتمبر رست السفينة على جوا، وهي «سدوم» البرتغالية في الهند. واشترك في حملات كثيرة. على ساحل مليار وتجاه شواطئ جزيرة العرب، وفي ممبسة، وفي جزر الهند الشرقية، في مكاو، «سدوم» البرتغالية في الصين، وهو يصف نفسه ملوحاً بالسيف في يد، وبالقلم في الأخرى، ولقبه رفاقه بـ «ترنكافورتيس» -أي المتفاخر الطائش-ولعلهم احترموا سيفه أكثر من قلمه. وفي مكاو إلى اليوم غار يرى للزائرين على أنه المكان الذي كتب فيه كامؤنش بعض قصيدته. وتروي قصة غير مؤكدة أنه اعيد من مكاو في الأغلال بعد أن قبض عليه لأسباب لا نعرفها. وتذكر قصة أخرى (جردته من أغلاله) كيف تحطمت سفينته تجاه ساحل كمبوديا فسبح لويز إلى الشاطئ وملحمته بين أسنانه (50). على أنه فقد في غرق السفينة خليلته الصينية المحبوبة. وبعد أشهر من الشقاء وجد طريقه إلى جوا، ولكنه طرح في السجن هناك. وأفرج عنه، ثم ردّ إلى السجن بسبب الدين هذه المرة. وأطلق حاكم صديق سراحه، واستطاع الشاعر أن يستمتع برهة وجيزة بالحياة وبشتى الخليلات من كل لون. وفي عام 1567 اقترض بعض المال واستقل مركباً إلى البرتغال، ونفذت نقوده في موزمبيق، فتسكع في الفاقة عامين. ودفع بعض الأصدقاء العابرين ديونه واجرة سفره وعادوا به لشبونة آخر المطاف (1670)، وهو لا يملك من حطام الدنيا غير قصيدته. وأجري عليه الملك سباستيان معاشاً متواضعاً. وأخيراً وصلت القصيدة إلى المطبعة (1572)، واتيح لكامؤنش أن يعيش في الفقر مع السلامة ثماني سنوات. ومات في لشبونة عام 1580، ودفن مع غيره من ضحايا الطاعون في مقبرة مشتركة. وتحتفل البرتغال بذكراه في 10 يونيو، وهو يوم عطلة تذكارية، وتعتز بقصيدته «أوس لوسيادس» ملحمة قومية، وعنوانها معناه «البرتغاليون» وقد اخذ كامؤنش لفظ لوسيا من الاسم الروماني القديم للجزء الغربي من اسبانيا وهو لوزيتانيا.

ص: 107

أما القصة الكبيرة التلافيف فتدور حول رحلة فاسكو داجاما التاريخية (1497 - 99) من البرتغال إلى الهند دورانا حول راس الرجاء الصالح. وقد استهلها الشاعر بدعاء للملك سباستيان و «حوريات نهر تاجه» . ثم تمضي الفضة مع أسطول داجاما صعدا على الشاطئ الشرقي لأفريقيا. ويرى الشاعر لزاماً عليه أن يقلد هومر وفيرجل، فترا، يصور اجتماعاً للأرباب يتناقشون فيه حول البعث، وهل يسمحون لها بالوصول إلى الهند، أما باخوس فيقولا لا، ويؤلب مسلمي موزمبيق ليهاجموا البرتغال، الذين يرسون على البر بحتاً عن الماء. وأما فينوس فتتشفع للملاحين عند جوبيتر. ويرد المغاربة على اعقابهم، ويأمر جوبيتر داجاما بالمضي قدماً. ويرسو الأسطول على شاطئ كينيا فيستقبله الأهالي بالترحاب. ويسلك الملك الوطني وفق خطة الشاعر، فيطلب إلى فاسكو أن يقص عليه تاريخ البرتغال. وبعد لأي يستجيب أمير الحبر للطلب، قيروي ماساة اينيس دي كاسترو، ويصف معركة الجبروتة الحاسمة (1385)، حيث انتزع البرتغال أولا حريتهم من اسبانيا، ويختم بإقلاع بعثته هو من لشبونة. وبينما يعبر هؤلاء المغامرون الجدد المحيط الهندي يبتليهم باخوس ونبتون بعاصفة هوجاء، وهنا يرى الشاعر الذي جاز يمثل هذه العاصفة، متجلياً في وصف مثير. ولكن فينوس تهدئ ثائرة الأمواج، ويصل الأسطول ظافراً إلى كاليكوت.

وفي رحلة العودة تعد فينوس وابنها كيوبيد وليمة للبحارة الذين نال منهم التعب، فتخرج بأمرها «ناريدات» حسان من البحر، يكدسن موائد القصر بأطايب الطعام والزهر، ويذهبن تعب البحارة بالطعام والشراب والحب:

«أي قُبَل جائعة تلك التي بودلت في الغاية! وأي صوت رقيق علا بالشكوى الحنون! أي عناق لذيذ وكم من طبع حين غضوب تحول، تحولا لطيفاً بفضل هذا اللهو المرح! لقد ظلوا من مطلع الفجر حتى

ص: 108

الظهيرة ينهلون من هذه المتع التي أحجبت فينوس فيها، والتي يؤثر الرجال أرتشافها على ذمها، بل يؤثرون ذم الذين لا يستطيعون تذوقها (51)».

ومخافة أن يشكو بعض البرتغاليين من أن في هذه الأبيات إهانة لمبدأ الزواج بامرأة واحدة أكد لنا كامؤنش أن هذا الغرام ليس إلا رمزاً، وأن الحوريات «لسن إلا جوائز

ترفع بها الحياة وتهذب» (53) أيا كان الأمر، فإن البحارة يتعثرون رمزيا عائدين إلى سفنهم، ويجد الأسطول طريقه عوداً إلى لشبونة. وتختم القصيدة يتوسل إلى الملك أن يحسن جزاء الكفايات أينما كانت، وليس اقلها جدارة بالمكافأة هذه الأغنية الوطنية.

ويستطيع القارئ الاجنبي، ولو خلال ضباب الترجمة، أن يشعر بما في هذه القصيدة الرائعة من موسيقى رقراقة ونشوات غنائية، ويحس بالدم الدافئ الذي يجري في عروق جندي شاعر ينقل لنا صلابة البرتغاليين وتاريخهم الحافل بالمغامرات في أيام التوسع تلك. ويروى أن تاسو قال إن كامؤنش هو الشاعر المعاصر الوحيد الذي لا يقيس نفسه به قياس بالمطمئن الواثق؛ وقد فضل لوبي دي فيجا القصيدة على الإلياذة والأنيادة، يوم لم يكن بين الأسبانية والبرتغالية ما بينهما الآن من بون شاسع (53). واليوم تعد القصيدة رباط وحدة، وراية فخر ورجاء، أينما نطق الناطقون بلغة كامؤنش-في لشبونة الجميلة، وفي جوا ومكاو المنحطتين، وفي البرازيل النشيطة، المتفتحة، الرخية.

وروى أن كامؤنش قال حين نمى إليه استيلاء فليب على البرتغال، وكانت هذه آخر كلماته قبل أن يلفظ انفاسه الأخيرة «لقد أحببت وطني حبا يجعلني أموت معه (54). لقد سارت أمور هذا الوطن الأسير سيراً لا بأس به في حياة فليب، ولكن خلفاءه حنثوا بعهوده. واقترح

ص: 109

أوليفارس توحيد الأمتين واللغتين، واستولت أسبانيا على معظم المكاسب. التي غلتها مستعمرات البرتغال وتجارتها، أما الإنجليز والهولنديون، الذين كانوا في حرب مع أسبانيا، فقد اسروا البرتغاليين، كما أسروا الأسبان، أو نهبوا ممتلكاتهم وأسواقهم وأساطيلهم. وملأ الأسبان المناصب البرتغالية، وملأ الأسبان الكراسي الدينية البرتغالية، وألقت محكمة التفتيش حجاباً كثيفاً على الأدب والفكر البرتغاليين.

وكان سخط الشعب يزداد كلما هبط الدخل القومي، حتى انتهى الأمر بأن قاد الأشراف والأكليروس الأمة المحنقة إلى الثورة. وأعلن الوطنيون بتشجيع من إنجلترا وريشليو، يوحنا دوق براجانزا ملكاً على البرتغال (1640). وارسلت فرنسا والهولنديون أساطيل إلى نهر تاجه لتحمي البرتغال. وكانت الحرب الخارجية قد أرهقت أسبانيا إلى حد أعجزها عن تدبير المال أو الرجال لقمع انتفاضة جارتها، ولكن حين خفت الضغوط الأخرى عليها، جردت على الحكومة الجديدة جيشين عدتهم35. 000 مقاتل (1661). ولم يكن في طاقة البرتغال أن تحشد أكثر من 13. 000 جندي، ولكن تشارلز الثاني ملك إنجلترا أرسل إلى البرتغال قوة يقودها القائد الألمعي فريدريك شومبيرج، وذلك لقاء عروس هي كاترين أميرة براجانزا، ولقاء مهر أجمل من العروس، ومعاهدة رابحة تبيح التجارة الحرة مع الموانئ البرتغالية في جميع القارات. وهزم الغزاة الأسبان في أيفورا (1663) ومونتس كارلوس (1665)، وفي عام 1668 اعترفت أسبانيا المنهوكة القوى باستقلال البرتغالز

ص: 110

الفصل الحادي عشر

‌العصر الذهبي للأدب الأسباني

‌1556 - 1665

1 -

السيجلودي أورو (القرن الذهبي)

كتب سرفانتس عام 1584 يقول «ما أكثر العباقرة الملهمين الذين يعيشون اليوم في وطننا اسبانيا (1) وأغلب الظن أنه هو، دون سواه الذي عرف أنه أعظمهم، ولم يكن بعد قد ألف «دون كخوته» (1604) فحين وافى هذا التاريخ فيما بعد كان «القرن الذهبي» (1560 - 1660) قد بلغ شأوه وتألق بكل سنائه ومجده.

ترى ما الذي أطلق هذا التفجر الثقافي، هذا الحشد الرائع من نجوم الأدب والفن؟ لعله انتصارات أسبانيا في ميادين السياسة والاقتصاد والدين-فتح الأمريكتين واستغلالهما، وقوة أسبانيا ومكاسبها في إيطاليا، والأراضي المنخفضة، والبرتغال، والهند، والنصر على المسلمين في أسبانيا والترك في ليبانتو. ونحن لا نستطيع اليوم، لما بيننا وبين أزمات الروح الأسبانية من بعد الشقة، أن نفهم كيف أججت مخاطر هذه السنوات المثيرة وانتصاراتها حماسة الإيمان الكاثوليكي وجعلت أكثر الأسبان يفخرون بدينهم فخرهم. بأنسابهم؛ أما رقابة المطبوعات ومحكمة التفتيش اللتان قد نحسبهما خائفتين للحريات، فقد تقبلتهما الأمة على أنهما من الاجراءات الحربية الضرورية للوحدة القومية في الحرب الصليبية ضد الإسلام. وهكذا راح العقل الأسباني، الذي حظر عليه أن يشت بعيداً عن العقيدة المقدسة، يحلق داخل حدوده المقيدة، وسط عالم رفيع من القصص والشعر والدراما والعمارة والنحت والتصوير.

ص: 111

ولكنه كان إلى ذلك العصر العلماء الأمناء والمؤرخين الأجرياء، عصر المؤلفات البارزة في اللاهوت والحكم والقانون والاقتصاد والجغرافيا والدراسات الكلاسيكية والشرقية. وفي رأي العلامة الام أن «العلم كان في عهد فليب الثاني أكثر تقدما منه في عصر اليزابيث (2)» . ولا ريب في أن التعليم كان أوفر وأعم. فقد وجد الفقراء والأغنياء على السواء طريقهم إلى الجامعات الكثيرة، وأضيف إلى هذه الفترة عشرون جامعة جديدة إلى الجامعات المشهورة، وكانت جامعة سالامانكا وحدها تضم 5856 طالبا عام 1551 (3). «لا يستطيع انسان أن يزعم «أنه كابالليرو (جنتلمان) ما لم يكن كذلك أديباً» . (4) وفتح الملوك والوزراء والنبلاء والأحبار خزائنهم للعلماء والشعراء والفنانين والموسيقيين. على أنه كان هناك بعض النشاز في هذا التصعيد؛ ذلك أن الكنيسة شهرت سوطاً فوق رءوس المعلمين، وحرم فليب الثاني على الشباب، حرصاً منه على الاحتفاظ للجامعات الأسبانية بملئها من الطلاب وجعل العقول الأسبانية نقية من الناحية اللاهوتية، حرم عليهم أن يدرسوا في أي جامعات أجنبية الا كواميرا وبولونيا وروما. ولعل هذا التزاوج الفكري المحصور لعب دورا في عقم أسبانيا الثقافي بعد العصر الذهبي.

وهناك رجلان بارزان من اليسوعيين يدخلان الصورة هنا. أما أولهما، بالتزار جراثيان، مدير كلية اليسوعيين في تاراجونا، فقد وجد الوقت ليكتب (1650 - 53) رواية من ثلاثة مجلدات تدعى «الكريتيكون» وصف فيها تحطيم سفينة لسيد أسباني على جزيرة القديسة هيلانة، وتعليمه للرجل المتوحش الوحيد الذي وجده هناك (أهذا مصدر لروبنسن كروزو؟)، ثم أسفارهما معا في أرجاء العالم، ونقدهما النفاذ للحضارة الأوربية. وقد أطرب تشاؤمهما وكرههما للنساء شوبنهاور، فوصف الكتاب بأنه «من خيرة الكتب في العالم (5)» ونفح أحد الأصدقاء

ص: 112

جرائيان بعض العملة الدولية إذ أختار من كتبه ثلاثمائة فقرة نشرها تحت هذا العنوان «الوحي لميسر، وفن الحكمة الدنيوية» . وقد قام شوبنهاور بترجمة من ترجماتها الكثيرة. وإلى القارئ عينات من هذه:

"حذار من أن يكسف ضوءك ضوء السيد

لقد

كان التفوق دائما مكروها، وكلما عظم اشتد الكره له.

وشيء من الحذر كفيل بتغطية فضائلك العادية كما تخفي

حسنك باللباس المهمل (6).

إن التوسط في الكفاية يحرز بالاجتهاد تقدما أكثر مما يحرزه

التفوق بدونه (7).

للحظ قواعد، فالعقلاء لا يرون الأشياء كلها وليدة

الصدفة (8).

ليس الكما في الكم بل في الكيف

بعض الناس يحكمون على قيمة الكتب بركبهم، وكأنها كتبت لتمرين

الأذرع (9).

فكر كالقلة، وتكلم كالكثرة

إن الحقيقة للقلة

ليعتصم الحكيم بالصمت، فإذا سمح لنفسه أحيانا

بالكلام فليكن في حمى القليلين والفاهمين (10).

تعلم كيف تكون لا

لا يكن الرفض قاطعا، فالحقيقة

تتجلى تدريجيا

عليك بالمجاملة لتملأ به فراغ الرفض (11).

قد نتبين نضج أمرىء من البطىء الذي يصدق به ما يسمع (12)

هناك دائما متسع من الوقت تضيف فيه كلمة، ولا وقت

لسحب كلمة (13) ".

كان المؤرخون الأسبان في هذه الفترة خير المؤرخين في أوربا. وجمع فليب في دار المحفوظات بسيمانكاس مجموعة هائلة من الأوراق الرسمية وغيرها من الوثائق، لأن «الاخباريين والمؤرخين قاصرو العلم بشئون

ص: 113

الدولة، ورغبة في تفادي هذا العيب كان من المرغوب فيه جمع ما أمكن من مواد قد تكون ذات فائدة» (14). على حد قوله. وأصبحت هذه المحفوظات ذخرا للمؤرخين منذ ذلك الحين. وقد رجع جيرونيمو دي روريتا إلى آلاف الوثائق الاصلية في إعداد كتابه «حوليات مملكة أراجون» (1562 - 80)، واشتهر في أوربا بأسرها بـ «أعظم الكتاب تدقيقا» .

أما أعظم المؤرخين الأسبان قاطبة، وهو خوان دي مايانا، فقد بدأ حياته ابنا غير شرعي لكاهن في طلبيرة. وإذ ترك في صباه ليدير شئونه بنفسه، فقد شحذ ذكاءه على حجر الضرورة القاسية والفقر الطاحن. وزوده اليسوعيون بتعليم صارم بفضل ما عهد فيهم دائما من سرعة في تبيين الموهبة. فلما بلغ الرابعة والعشرين أرسلوه للتدريس في كليتهم بروما، ثم إلى صقلية، ثم إلى باريس، حيث اجتذبت محاضراته عن توما الأكويني جماهير المستمعين المتحمسين. على ان صحته انهارت، فسمح له وهو في السابعة والثلاثين (1574) بالاعتكاف في بيت الطائفة اليسوعية في طليطلة، فلزمه لا يبرحه إلا نادراً طوال سنيه التسعة والأربعين الباقية من عمره. وهناك كتب رسائل هامة أثارت إحداها ضجة دولية (كما سنرى)، ورسالة أخرى «في عملة المملكة» كانت هجوما جريئا على غش ليرما للعملة، وثالثة تركها دون نشر شرحت «الأخطاء في حكومة جمعية يسوع» . وقد أفرغ أكثر جهده في الأربعين سنة الأخيرة من حياته في تأليف «كتاب في تاريخ اسبانيا» (1592) - الذي كتبه باللاتينية ليتيح لكل الأوربيين المثقفين أن يعرفوا كيف ارتقت اسبانيا إلى مقام الزعامة والقوة. وقد ترجم أكثر الكتاب إلى أنقى اللهجات القشتالية يخص من الكردينال بمبو تحت عنوان «تاريخ أسبانيا» (1601)، وهو أجل المنجزات في تأليف التاريخ الرسمي الاسباني، نابض بالحياة في سرده، بديع في اسلوبه، متمكن في رسمه

ص: 114

للأشخاص، جريء في أمانته - «أروع ما شهده العالم من جمع بين العرض الزمني المثير، والتاريخ الرصين (15)» .

وكما أن كتب الأخبار المعروضة حسب تسلسلها الزمني، تدرجت (كما نرى في مؤلفات كالتي ذكرنا) إلى كتب التاريخ بوصفه ضربا من الأدب والفلسفة، كذلك نرى القصص الأسباني في هذا العصر ينتقل من رواية الفروسية والقصة الرعوية ليبلغ في قفزة واحدة أرفع القمم في تاريخ القصة. لقد ظلت روايات الفروسية كثيرة يقبل عليها في نهم كل أسباني من القديسة تريزا إلى سرفانتس، وربما كانت عند بعض القراء تفريجاً من حدة الدين الأسباني المتسامية، لأن عقيدة هذه الروايات كانت الغرام، وولاء الفرسان لم يكن للعذراء مريم بل لمن اختاروا أو هووا من النساء؛ وفي سبيل الدفاع عنهن أو تملكهن تراهم على استعداد لتكسير النصال الكثيرة وتحطيم عدد غير قليل من نواميس الله والبشر. ولكن التهافت على مثل هذه القصص كان يتناقص حين كتب سرفانتس، وكان مونتيتي وخوان لويز فيفز قد سخرا منها، وكان مجلس قشتالة شكا منذ سنين طويلة (1438) من أن «كثيرا من الأذى يلحق بالرجال والفتيان والفتيات وغيرهم» بسبب هذه الروايات، وان الكثيرين «قد اضلتهم هذه القصص عن التعليم المسيحي الصحيح (16)» .

وبلغت الأمور الذروة بفضل تطور آخر، ففي عام 1553 كان كاتب مجهول الهوية قد كتب في «لاثاريللو» دي تورمس» أول قصة بأسلوب البيكارسك (أي التشرد) الذي جعل من أحد الوضعاء الظرفاء بطلا يكفر عن فقره بالتمرد على القانون، وعن تمرده على القانون بالفكاهة الذكية، وفي عام 1569 نشر ماتيو أليمان قصة مرحة سماها «حياة المتشرد جوثمان دي الفاراتشي» . وبعد خمس سنوات تناول سرفانتس هذين المزاجين-حلم الفارس الشهم الآخذ في الزوال، وحكمة رجل الشارع الممزوجة بالفكاهة، وجمع بينهما جنبا إلى جنب في أشهر القصص قاطبة وأروعها إطلاقاً.

ص: 115

‌2 - سرفانتس

1547 -

1666

في 9 أكتوبر 1547، وجريا على العادة الأسبانية بتسمية كل طفل باسم القديس الذي يحتفل بذكراه في يوم ميلاده، عمد خالق دون كخوتة وسانشو بانزا باسم «ميجل دي سرفانتس» في «القلعة» . وقد اضاف-وربما اضاف أبوه أيضا- اسم سافيدرا، من الأسرة القشتالية التي تزاوج فيها أسلافه الغاليسيون في القرن الخامس عشر. وكان الأب طبيبا غير مرخص، ثقيل السمع قليل المال، ينتقل من بلد إلى بلد ليجبر العظام ويطبب الاصابات الخفيفة، ويبدو أن الصغير ميجل صحبه إلى بلد الوليد، ومدريد، واشبيلية. أما تعليم الصبي فلا نعرف عنه شيئا، فيلوح انه لم يحظ بتعليم عال برغم مولده في مدينة جامعية، ومن ثم لم تطهره الدراسات الكلاسيكية ولا زحمته، واضطر إلى التقاط معرفته بالحياة من العيش فيها.

وأول ما نملك من الحقائق عنه بعد سجل عماده أن معلما من مدريد نشر عام 1569 مجلدا احتوى ست قصائد بقلم «تلميذنا العزيز المحبوب» سرفانتس. وفي سبتمبر من تلك السنة قبض على المدعو ميجل دي سربانتس بتهمة الاشتراك في مبارزة، ونفي من أسبانيا عشر سنوات يعاقب دونها بقطع يده اليمنى. وفي ديسمبر نجد فنانا ميجل يخدم في بيت كبير من رجال الكنيسة في روما. وفي 16 سبتمبر 1571 نرى ميجل هذا، ربما مدفوعا (مثل كامؤنش) بتفضيل الخدمة العسكرية فرارا من السجن، مبحرا من مسينا على السفينة «ماركيزا» في أسطول دون جوان النمساوي. وحين التحم الأسطول بالترك في ليبانتو كان سرفانتس مريضا بالحمى في عنبر سفينته، ولكنه وضع على رأس اثني عشر رجلا في زورق إلى جوار السفينة لأنه أصر على لعب دوره، وأصيب بثلاثة جروح من طلقات نارية، جرحين في صدره والثالث أعجز يسراه عجزا مستديما- «لنصرة الحق» على حد قوله. وأعيد إلى المستشفى بمسينا ودفعت له الحكومة

ص: 116

الأسبانية اثنتين وثمانين دوكاتية. ثم شارك في معارك حربية أخرى- في نافارينو، وتونس، وجوليتا (لاجوليت). وأخيرا سمح له بالعودة إلى أسبانيا، ولكن قرصان البربر أسروه هو وأخاه رودريجو في رحلة العودة إلى الوطن (26 سبتمبر 1575) وباعوهما في سوق الرقيق بالجزائر. واقنعت الرسائل التي حملها من دون جوان وغيره آسريه بأنه رجل ذو حيثية، فطلبوا عنه فدية كبيرة. وظل ميجل أسرا خمس سنوات مع ان أخاه أطلق سراحه في عام 1577. وحاول الهروب غير مرة. ولكنه لم يجن من محاولاته غير تشديد النكير عليه. وصرح الداي وهو الحاكم المحلي، بأنه «إذا استطاع أن يؤمن حراسة ذلك الأسباني المعطوب الذراع فقد أمن عاصمته وعبيده وسفنه

(1)

(17)» وكافحت أمه لتجمع الخمسمائة كراون التي طولب بها للافراج عنه، وضحت أخواته بمهورهن في هذا السبيل، وأخيرا (في 19 سبتمبر 1580) أفرج عنه، وبعد رحلة مضنية لحق بأسرة أمه في مدريد.

كان مملقاً عاجزاً، لذلك لم يكن أمامه من سبيل الرزق غير العودة إلى الانخراط في الجيش. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أنه مارس الخدمة العسكرية في البرتغال والأزوره. ووقع في غرام سيدة نبيلة تصغره بثمانية عشر عاما ولا تملك غير أسمائها الكثيرة: كاتالينا دي بالاكيو سالازار إي فوزميديانو الإسكيفية. وتحت الحاح الحب والفاقة كتب سرفانتس رواية رعوية تسمى «غلاطية» باعها بمبلغ 1. 336 ريالا (668 دولارا؟). وتزوجته السدة الآن (1584)، فقدم إليها ابنة غير شرعية وأقنعها بأن تربيها كأنها ابنتها، وكانت قد ولدتها له حسناء عابرة قبل سنة (18). أما كاتالينا نفسها فلم تنجب. وكانت تعنفه بانتظام على فقره، ولكنها ظلت وفية له فيما يبدو، وعمرت بعده، وحين ماتت طلبت ان تدفن إلى جواره.

(1)

أن قصة الأسير في «دون كخوتة» (الجزء الأول، الكتاب الرابع، الفصول 12 - 14) ترجمة ذاتية إلى حد كبير.

ص: 117

ولم تأت غلاطية بمزيد من الريالات؛ كان رعاتها مسرفين في بلاغتهم. إلا حين ينطقون بالشعر، ومع أن سرفانتس كان ينوي كتابة بقية لها، ومع أنه ظل إلى النهاية يعتبرها اروع ما كتب، فإنه لم يجد قط الوقت أو الحافز لاتمامه. ثم جرب كتابة التمثيليات طوال خمسة وعشرين عاما، فألف نحو ثلاثين منها، وكان رأيه أنها ممتازة، وهو يؤكد لنا أنها «مثلت كلها دون ان يعرض عليه أي جزاء (19)» ولكن واحدة منها لم تستهو الجماهير أو تلمس عرقا من ذهب. لذلك ارتضى وظيفة متواضعة في إدارة تموين الجيش والبحرية (1587)، وسافر بصفته هذه إلى عشرات المدن تاركا زوجته في البيت. وقد ساعد في تموين الأرمادا الجبار. وفي عام 1594 عين جابياً لغرناطة. وسجن في أشبيلية لمخالفات في حساباته، وأفرج عنه بعد شهور ثلاثة، ولكنه طرد من خدمة الحكومية. ومكث عدة سنين في فقر مدقع بأشبيلية وهو يحاول الارتزاق من قلمه. ثم قبض عليه مرة أخرى في أرجا ماريللا وهو يجوب أسبانيا. وتقول الرواية أنه في سجنه وفي بؤسه واصل تأليف كتاب من أكثر الكتب مرحا في العالم. فلما عاد إلى مدريد باع لفرانسسكو دي روبلز مخطوطة «حياة ومغامرات دون كخوته دي لامانشا الأشهر» فنشرت عام 1605. وهكذا، وبعد ثمانية وخمسين عاما من الكفاح، بلغ سرفانتس شاطئ التوفيق.

ورحب كل الناس- عدا النقاد- بالكتاب مهرجانا من الفكاهة والفلسفة. وتقول رواية قديمة ان فيلب الثالث «لاحظ وهو واقف يوما بشرفة قصره في مدريد طالبا بيده كتاب على ضفة مانزاناريس المقابلة. وكان الطالب يقرأ، ولكنه بين الحين والحين كان يقطع قراءته ويلطم جبينه لطمات عنيفة تصحبها حركات لا حصر لها من النشوة والطرب. وقال الملك «إن الطالب إما ان يكون مجنوناً وإما إنه يقرأ

دون كخوته (20)».

إن في هذه الصفحات الثمانمائة مآخذ كما في كل رائعة- فحبكة

ص: 118

الرواية ليست غاية في البراعة- سلسلة من الأحداث المترابطة. تكشفها حكايات مقحمة غير متصلة بالموضوع، خلو من الخطة خلو الفارس الذي «يواصل سفره على ظهر جواده مرخيا له العنان ليمضي حيث شاء» . وبعض خيوط الحبكة متروك عند أطراف مفكوكة أو شديدة التعقيد، مثل ضياع حمار سانشو، وظهوره ثانية دون تعليل. ويصبح السرد بين الحين والحين مملا، والنحو غير دقيق، واللغة مفتقرة إلى الصقل. ويقول الجغرافيون إن جغرافية الرواية مستحيلة. ولكن ما اهمية هذا كله؟ فكلما مضينا في القراءة مشدودين بجذب لطيف خلال المعقول وغير المعقول، ازداد عجبنا من أن سرفانتيس استطاع وسط كل شدائده أن يجمع معا مثل هذا المشهد العريض من المثالية والظرف وأن يقرب قطبي الخلق الإنساني المتباعدين في مثل هذا التراكب المنير. أما الأسلوب فهو ما ينبغي أن يكون عليه أسلوب قصة طويلة-لا سيل مرهق من البلاغة، ولكن جدول صاف جار، يتألق هنا وهناك بعبارة حلوة، كقوله «كان له وجه كالبركة (21)» وأما القدرة على اختراع الأحداث فتمضي إلى النهاية، واما معين أمثال سانشو فلا ينضب، وآخر قطعة من الفكاهة او التفجع لا تقل جمالاً عن أولها. هنا، في هذا «التاريخ الجاد أعظم الجد، المجلجل، الدقيق، الناعم، الفكه» على حد قول سرفانتيس، نلتقي بحياة أسبانيا وشعبها، موصوفين بحب يبقى بعد أن ينقضي عدم التحيز، وبمئات التفاصيل الصغيرة التي تخلق هذا الكل الملهم، وتفعمه بالحياة.

ويلجأ سرفانتس إلى حيلة قديمة فيزعم لنا أن «تاريخه» مأخوذ عن مخطوطة لمؤلف عربي سماه السيد حامد بن أنجلي. وتفصح المقدمة عن هدفه، وهو أن يصف في «هجو للفروسية الجوابة

سقوط ودمار ذلك الكوم البشع من روايات الفروسية

التي افتتن به أكثر الناس على نحو عجيب». وقد فعل تشوسر مثل هذا في حكايات كنتربري («شعر السر توباس»)، ورايليه في «جرجانتوا» ، وبولتشي في «المورجانتي

ص: 119

مادجوري»، وهزأ تيوفيلو فولنجو وغيره من شعراء التخليط بين اللاتينية واللغة القومية بالفرسان، وسخر أريوستو في أورلندو فوريوزو» من أبطاله الرجال والنساء. على أن سرفانتس لا يرفض روايات الفروسية جملة، فهو ينقذ من النار بعضها، ومثل «روايته «غلاطية» ن وهو يدخل في قصته بعض مغامرات الفروسية. ونرى في نهاية القصة أن هذا الدون الفارس، بعد عشرات الهزائم والضربات المخزية، وهو بطل القصة الخفي.

وبصوره سرفانتس سيدا ريفيا خصب الخيال، أذهلته القصص التي جمعها في مكتبته، فدجج نفسه بالسلاح من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وارتدى سترة الفارس وخرج على فرسه روزاننتي ليذود عن حياض المظلومين ويصلح الفساد ويحمي العذارى والأطفال. أنه يمقت الظلم ويحلم بماض ذهبي يوم لم يكن هناك ذهب، «يوم كانت هاتان الكلمتان القتالتان «مالي» فوارق مجهولة، كل الأشياء كانت مشتركة في ذلك العصر المقدس

كله كان تآلفا واتحادا، كله كان حبا وصدقة في الدنيا» (22). وجريا على قواعد الفروسية ثراء يكرس سلاحه، لا بل حياته، لسيدة نبيلة تدعى دولتسينيا ديل توبوزو. ومع أن عينه لم تقع عليها قط، فقد كان في وسعه ان يتصورها تجسيداً كاملاً للطهارة المحتشمة والجمال الرقيق. «نحرها مرمر، وثدياها رخام، ويداها عاج. والثلج ينكسف بياضه إذا دنا من صدرها» (23) أما وقد ملأه هذا الرخام صلابة، وبعث فيه هذا الثلج دفئا، فهو ينطلق ليهاجم عالما حفل بالشرور. وهو في هذه المعركة غير المتكافئة لا يشعر بأن أعداءه أعز منه نفرا «فأنا وحدي أعدل مائة منهم» وبينما يلازم سرفانتس ذلك «الفارس ذا الوجه البائس» متنقلا بين الفنادق الصغيرة وطواحين الهواء، بين المصارف والقذرة والخنازير المذعورة، تنتهي به الصحبة إلى حبه قديساً كما يحبه مجنوناً، وفي كل هذه المغامرات الفاشلة والكبوات الأليمة يظل الدون المثال الحي للأدب

ص: 120

والعطف والسماحة. وأخيرا يتغير المجذوب على يد خالقه، فيصبح فيلسوفا يتحدث-حتى وهو يتردى في الوحل-حديثا عاقلا سويا، ويغفر الإساءات للدنيا التي عجز عن فهمها، ثم يغيظنا من سرفانتس أنه يواصل خبطه وتحطيمه التزاما بخطته المرسومة. ثم نعطف على الفارس الذي ينقشع الوهم عن عينيه حين يؤكد له سانشو إن الدولتسنيا ديل توبوزو الوحيدة التي تعرفها بلدتها ليست سوى «خادمة متمنطقة» ، هي صبية بدينة، مفتولة العضل، مسترجلة، من أصل متواضع. ويجيب الفارس بحكمة ذهبية، فيقول لسانشو، «إن الأصل يشرف بالفضيلة، إنما أصل الفتى ما قد حصل» (25).

والشيء الذي يفتقر إليه الدون هو روح الفكاهة، وهو خير جوانب الفلسفة. ومن ثم يعطيه سرفانتس تابعا مرافقا أصله عامل من عمال المدينة الأقوياء، وابن من أبناء الريف، هو سانشوبانزا، ويؤمن الفارس خدماته بأن يعده بالطعام والشراب، ويحكم ولاية في الممالك التي يزمعان فتحها. فأما سانشو فرجل ذو إدراك بسيط وشهية طيبة، يظل محتفظا بسمنته إلى آخر صفحة في القصة برغم إشرافه دائما على الموت جوعا، إنسان كريم النفس يحب بغلته كأنها «نفسه الثانية» ويقدر «عشرتها الحلوة» ، أن ليس الفلاح الأسباني النموذجي، فهو سخي في النكتة زاهد في الوقار، إنما هو-كأي اسباني تحرر من سعار اللاهوت-طيب القلب محب للخير، حكيم دون ثقافة او تعليم، وفيّ لسيده في دنيا العذاب هذه وسرعان ما ينتهي إلى أن الدون رجل مجنون، ولكنه هو أيضاً ينتهي إلى أن يحبه، يقول في ختام القصة «لقد لازمت مولاي الطيب وصاحبته هذه الشهور الطوال، والآن اصبحنا نحن الاثنين واحداً» (26)، وهذا حق، لأنهما ليسا سوى جانبين لإنسانية واحدة. أما الفارس فينتهي هو أيضاً إلى احترام حكمة تابعة لأنها اعمق جذورا إن لم تكن نبيلة كحكمته. ويعبر سانشو عن فلسفته بأمثال يقفو بعضها بعضا حتى لتكاد تخنق تفكيره: «إن الدجاجة

ص: 121

والمرأة تضيعان إذا سرحتا، «بين قول المرأة نعم وقولها لا، لا أوافق على أن اضع سن دبوس، فالواحد منهما قريب جداً من الآخر» ، إن الطبيب يبذل نصيحته بجسه نبض جيبك»، «كل إنسان كما صنعه الله، وكثيرا ما يكون أسوأ» (27) ولعل سرفانتس استعمل مجموعة مختارة من هذه الأمثال التي عرفها بأنها «عبارات قصيرة صيغت من خبرة طويلة» (28) ويعتذر سانشو عن هذا «الاسهال» في الحكم بأن هذه المأثورات تسد حلقه ولا بد أن تنطلق، بترتيب ورودها على خاطره. ويستسلم الدون لهذا الفيض الدافق فيقول «حقا، يبدو انك لست أعقل مني

أشهد انك انسان مختلط العقل، إنني اصفح عنك، وقد فعلت» (29).

كان للتوفيق الذي أصابته «دون كيخوته» الفضل في ظفر سرفانتس براعيين لأدبه، الكونت ليموس وكردينال طليطلة، أجريا عليه معاشا صغيرا يسر له أن يعول زوجته، وابنته غير الشرعية، وأخته الأرملة، وابنة أخته. وبعد شهور من نشر كتابه قبض عليه هو وكل أفراد أسرته لشبهة اشتراكهم في مقتل جاسباردي ازبليتا على باب بيت سرفانتس. وأرجفت الشائعات بأن جاسبار كان يعشق ابنته، ولكن التحقيق لم يسفر عن شئ، فأفرج عنهم جميعا.

ومضى سرفانتس يكتب الجزء الثاني من «دون كخوته» في غير عجلة. وفي عام 1613 قطع هذا الجهد المحبب بنشر اثنتي عشرة قصة «مثالية جديدة» جاء في مقدمتها «لقد وصفت هذه القصص بأنها مثالية، ولو تأملها القارئ لما وجد فيها قصة لا تعطيه مثالا نافعا» (30). وأولهما قصة عصابة من اللصوص تعمل في انسجام مثالي مع رئيس شرطة اشبيلية، وقصة أخرى اسمها «ندوة الكلاب» تصف سلوك تلك المدينة واخلاقها. وفي التمهيد للمجموعة صور سرفانتس نفسه بهذه العبارات:

إن الرجل الذي ترونه هنا بمحياه النسري، وشعره الكستنائي، وجبينه الهادئ الطلق، وعينيه اللامعتين، وأنفه المعقوف المتناسب، ولحيته

ص: 122

الفضية التي كانت ذهبية منذ أقل من عشرين عاما، وشاربه الكبير

واسنانه التي لا تستحق الاحصاء، وقامته الريعة؛ وكتفيه طفيفي الانحناء، وبنيته الثقيلة بعض الشىء

أجيز لنفسي أن أقول لكم إنه مؤلف «غلاطية» و «دون كخوته دلا مانشا» ) 31).

ولكنه فوجئ عام 1614 بظهور الجزء الثاني من «دون كخوته» ، لا بقلمه، بل بقلم سارق مجهول انتحل اسم «أفيللانيدا» . وقد هزأت المقدمة من جراح سرفانتس، وطربت للحيلة المتقنة التي ستقضي على جزء سرفانتس الثاني. وعجل الكاتب المنزعج بانجاز كتابه ونشره عام 1615، وابتهج القراء الأسبان حين وجدوا هذه التتمة ترقي إلى مستوى الجزء الأول خيالا وقوة ومرحا، ففي كل هذه الصفحات الخمسمائة الجديدة احتفظ الكاتب بتشويقه للقارئ حتى النهائية، وهي نهاية حزينة ان لم تكن أليمة، وبدا للبعض أن حظ الدون وتابعه العاثر في بلاط الدوق، وملك شانسو على ولايته، والقصة المؤلمة التي روى فيها كيف ضرب عجزه- كل هذا من شأنه أن يجعل الجزء الثاني هو النصف الأفضل. فحين يولي سانشو حاكما على باراتاريا يتوقع الكل منه أن يتجاوز كل ما اثر عن الحكام من حماقات. ولكنا نجد على النقيض من ذلك أن طيبته وفطنته، وأن نظمه واصلاحاته البسيطة العادلة؛ وأن قراره الحكيم في دعوى هتك العرض (32) -كل هذا يخجل واقع الحكم المعاصر له. ولكن قوي البشر الذي لا يعرف رحمة ولا هوادة تطغى عليه؛ وأخيرا ترهقه ارهاقاً يكرهه على التخلي عن منصبه والعودة مرتاحاً إلى حياته تابعا للدون.

ولا يبقى بعد ذلك إلا أن يهرب الفارس مثل هذا الهرب من دنيا الأحلام إلى دنيا الواقع. إنه يخرج في طلب المغامرات الجديدة، ولكنه يهزم هزيمة عارمة؛ ينتزع المنتصر فيها تعهدا منه بأن يمضي إلى داره ويعيش سنة في هدوء لا شأن به بالفروسية. ويوافق المحارب المتعب، ولكن تبدد أوهامه يجفف ينابيع حياته. فيرسل في طلب أصدقائه إلى جواره، ويوزع

ص: 123

الهدايا عليهم؛ ويكتب وصيته، وينبذ الفروسية الطوافة الباحثة عن المغامرات، ويدع روحه تنحسر انحسارا شديدا. ويعود سانشو إلى اسرته؛ ويفلح حديقته قانعا قناعة رجل خير من الدنيا ما يكفي ليجعله عارفا بقدر بيته. وفي النهاية يلوح أن هذه الواقعية الطيبة تنتصر على مثالية مولاء المغرقة في الأوهام برغم سماحتها. ولكن الأمر في حقيقته غير هذا. فروح الفارس هي صاحبة الكلمة الأخيرة في القبرية التي أوصى بأن تكتب له. «إذا كنت لم أحقق جلائل الأعمال فإنني مت في سبيلها» . وهكذا يتبين أن الواقعي يعيش إلى أن يدركه الموت؛ ولكن المثالي يبدأ عندها الحياة.

ونشر سرفانتس في السنة التي بقيت له في أجله ثماني تمثيليات، ولم يؤيد الزمن تقديره لها، ولكنه قدر تقديرا عظيما «لانومانسيا» ن وهي قصيدة تمثيلية فيها قوة وفيها جمال، تحي ذكرى مقاومة تلك المدينة الأسبانية للحصار الروماني (133 ق. م). وكان له كفارسه وهمه الذي يسنده؛ فظن أن الأجيال القادمة ستكرمه أولاً لتمثيلياته، وتكلم في غيرة لا تليق به وإن غفرناها له عن لوبي دي فيجا الذي وفق توفيقاً هائلاً، ثم كتب وهو يحتضر تقريباً، قصة أخرى من قصصه بعد أن هزأ بأكثر الروايات الغرامية «برسيليس وسجموندا». وقبل أن يموت بأربعة أيام أهداها إلى كونت ليمور قائلا:

«مسحت بالأمس المسحة المقدسة الأخيرة، واليوم أخط هذا الإهداء، ليس في الوقت متسع، وعذابي يزيد، والآمال تتضاءل

فوداعاً للمزاح إذن، وداعاً فكاهاتي البهيجة، وداعاً أصدقائي المرحين، لأنني أشعر بأنني أموت، ولا أمنية لي إلا أن أراكم سعداء في الحياة الأخرى (33).

ومات في 23 ابريل 1616

(1)

.

(1)

في الظاهر في نفس اليوم الذي مات فيه شكسبير. وكانت إنجلترا لا تزال تستعمل التقويم اليوناني، أما حسب التقويم الجريجوري الذي أخذت به اسبانيا قبل ذلك بموت شكسبير وقع في 3 مايو 1616.

ص: 124

كان قد تنبأ على طريقته» المميزة أن كتابه «دون كخوته» سيباع منه ثلاثون مليون نسخة. وابتسم العالم لسذاجته، ثم اشترى ثلاثين مليونا. لقد ترجمت القصة العظيمة إلى لغات أكثر من أي كتاب باستثناء الكتاب المقدس. وفي أسبانيا يعرف أبسط القرويين من هو دون كخوته، وهو عموما، خارج الكتاب المقدس أيضاً، «أكثر شخوص الأدب كله حياة وفتنة وشهرة (34)» ، وأكثر واقعية من ألف علم من أعلام التاريخ المستكبرين. وقد استطاع سرفانتس، بجعل قصته هذه صورة لآداب السلوك، أن يرسى أساس الرواية الحديثة، ويفتح الطريق لقصاصين مثل لوساج، وفيلدنج، وسموليت، وستيرن، ورفع هذا اللون الجديد إلى مقام الفلسفة إذ جعله يكشف عن طبائع البشر ويلقي الضوء على ما خفي من أخلاقهم.

‌3 - الشعراء

إن رنين اللغة القشتالية الفحل، مثله مثل جمال الإيطالية التسكانية الرخيم، أسلم نفسه مختاراً للموسيقى والقافية، واستجابت روح الشعب للشعر بطبعها أكثر من استجابتها للنثر. وكثر الشعراء كثرة القساوسة. وفي قصيدته غار أبوللو (1630) وصف لوبي دي فيجا مهرجانا للشعر وتنافسا عليه اقتتل فيه، في خياله. شعراء أسبانيا المعاصرة الثلاثمائة على اكليل الغار. وكاد إقبال الشعب على هذه المباريات الشعرية يعدل إقباله على حرق المهرطقين. كانت هناك قصائد تعليمية منومة، وعظات دينية بالشعر، وروايات غرامية منظومة، وشعر رعوي، وشعر ساخر من البطولة، وقصائد قصصية، وشعر غنائي، وملاحم. ولم يؤت كل المؤلفين شجاعة فرانسسكو دي فيجوبروا، الذي حكم على أشعاره بالحرق لما فيها من هرطقات.

أما أروع الملاحم فملحمة» لاأروكانا «(1569 - 89)، التي تصف

ص: 125

ثورة قبيلة هندية في امريكا الجنوبية، كتبها الونسو دي ارسيللا إي زونيجا الذي أبلى بلاءً حسناً في تلك الحرب وهو جندي أسباني. وربما كان أبدع الشعراء الغنائئين راهباً أوغسطينياً اسمه لويس بونسي دي لوين، لم يمنعه بعض الدم اليهودي الذي اختلط بدم اسلافه من تصوير أرق جوانب التقوى المسيحية، وأعجب منذ لك جمعه بين الشاعر واللاهوتي، ففي سنته الرابعة والثلاثين عين أستاذا للإلاهيات في جامعة سلامانكا، وما برح طوال حياته متعلقاً بهذه الجامعة، ومع ذلك لم تمنعه جهوده الدراسية وحياة النسك من التحليق في أجواء الشعر الغنائي. ودعته محكمة التفتيش لتحاكمه (1572) على ترجمة نشيد الإنشاد إلى شكل من اشكال الحوار الرعوي. واحتمل عذاب السجن خمس سنين، فلما أفرج عنه استأنف محاضراته في الجامعة بهذه الكلمات الساخرة «لاحظنا في آخر لقاء لنا

(35)» وقد وافق رؤساءه على أن قرض الشعر لا يليق برجل اللاهوت، فترك قصائده دون نشر، ولم تصل إلى المطبعة إلا بعد موته بأربعين سنة. وهي بالاجماع أقرب إنتاج اللغة القشتالية إلى الكمال.

وكان لويس دي جونجرا وفرانسسكو جومز دي كويفيدو أي فيلليجاس لا يزالان يفوقانه شهرة لأنهما أثارا الضجيج بالجدل كما أثاراه بالشعر، وخلفا بعدهما مردستين متفائلتين هما الجونجورية والكونسبتية، باعتبارهما فلسفتين من فلسفات الأسلوب. وقال سرفانتس-الذي لم يبخل بكلمة ثناء على كل منافسيه فيما عدا لوبي وأفيللانيدا- في وصف جونجورا إنه «عبقري نادر، مثير، لا ثاني له (36)» وفي هذا المقطع من قصيدة الشاعر القصصية «إلى الأرمادا» نلتقط صدى بعيدا لصيحة الكراهية والحقد: -

«إيه أيتها الجزيرة!

كنت يوماً وفية للكثلكة، قوية البأس،

حصناً للإيمان انقلب هيكلا بغيضا للهرطقة،

كنت معسكراً للحرب المدربة، ومدرسة للحكمة المقدسة،

ص: 126

أتى عليك زمن كان فيه هذا الجلال جلالك

وتغنى الشعراء أول ما تغنوا ببيرق تاجك،

أما الآن فالأعشاب الكئيبة التي تبنت عند بركة الجحيم

تصلح أكليلاً لك. يا وطن الكمأة

من كل أرثر، وإدور، وهنري! أين هم اليوم منك؟

أين أمهم التي سعدت يوماً ببأسهم

وثبتت في قوة الإيمان؟ إيه يا جزيرة المرأة

التي تحكمك الآن، لقد قضى عليك بالعار الأبدي

أيتها الملكة البغيضة يا قاسية القلب عابسة الجبين

أيتها الفاجرة الصارمة الشرسة الداعرة،

يا امرأة تربعت على العرش، يا لعنة الفضيلة الصادقة

يا شبيهة الذئبة في كل طباعها،

لتمطر السماء على ضفائرك الكاذبة لهيبها العادل (37)

هنا قلم جدير بالتودد له. لا عجب إذن أن جعل فليب الرابع هذا الشاعر الناري (الذي أصبح الآن قسيسا) كاهنه الملكي الخاص، فربط مواهبه بالعرش. وجهد جونجورا ليكتسب نعومة الأسلوب ودقة العبارة. وأعلن الحرب على الكتابات المتعجلة ككتابة لوبي دي فيجا، وأصر على وجوب تهذيب كل بيت من الشعر وتصفيته وصقله ليكون حجرا كريما. ولكنه في تحمسه غالي فجعل من الفن صنعة وتكلفا، واثقل أبياته بالكثير المسرف من الاستعارات، والنعوت، والتقديمات والتأخيرات، والطباقات، حتى بز لايلي في تأنقه وفاق ماريني في تكلفه. أنظر إليه يقول في مفاتن صبية يخلب حسنها الالباب:

عيناها التوأمان اللامعتان كالشمس

تحيلان صقيع النرويج صيفا،

وتلك العجيبة البيضاء، يدها الناصعة كالثلج،

ص: 127

تجعل الحبشي يبيض دهشة وذهولا،

وأنقسم شعراء الاسبان الآن معسكرات ثلاثة، ففريق اتبع الجونجورية (أو الكولتيه)، وفريق اعتنق مذهب كويفيدو (الكونسبتية)، وفريق ثالث قاوم الوبائين كما فعل لوبي ذي فيجا.

أما كويفيدو فقد نال في «القلعة» مراتب الشرف في القانون، واللاهوت، اللاتينية، واليونانية، والفرنسية، والعربية، والعبرية، والمبارزة. وكان برغم قصر بصره وتشوه قدميه رهيباً بسيفه وقلمه على السواء، وكانت هجائياته بتارة كحسامه. وقد فر إلى صقلية ونابلي بعد أن قتل عدداً من غرائمه. وحين بلغ الخامسة والثلاثين تقلد هناك وزارة المالية. وشارك في مؤامرة أوزونا على البندقية (16189، فلما فشلت أودع السجن ثلاث سنين. وعاد بعدها إلى مدريد، فلم تسكته وظيفة شرفية هي وظيفة السكرتير لفليب الرابع، وراح يسلق بشعره الحاد الملك والبابا وأوليفاريس والنساء والرهبان. وفي كتيبه المدقع «الكلب والحمى» (1615) نبح كل شيء، وأطلق على الكل عاصفة من الأمثال أكثف من أمثال سانشو بانزا وأشد لذعاً، وكانت نصيحته التي لم يعمل بها قط أن يقف المرء بعيدا عن المعركة و «يدع القاذورات تمر» (38). ولما أعوزه الخصوم والأهداف، هاجم «كوليتة» الجونجوريين، وعارضها بـ «الكونسبيتيه» ، وقال إن الشاعر، بدلا من تصيد العبارات والألفاظ الخيالية، أن يبحث عن الافكار - لا الافكار العامة الظاهرة التي أبالها الزمن أو لوثها الإبتذال، بل المفاهيم الدقيقة، الحليلة، النبيلة، العميقة.

وقد اتهم ظلما بكتابة تنبه الملك إلى ضرورة الكف عن التبذير، وطرد وزرائه العاجزين. فأودع زنزانة رطبة خمس سنين، ولما أفرج عنه كان رجلا محطما، فلم يعش بعدها غير ثلاث سنين (1645). إنه لم يعش

ص: 128

حياة أدبية هادئة مطمئنة، بل حياة كان فيها المداد دما، والشعر جريا، وإذ شارف نهايته أنذر بلاده بأنها هي ايضا في طريقها إلى الموت:

رأيت أسوار وطني

تتداعى بعد منعتها،

لقد أوهن من قواها اسلوب هذا الجيل الجديد

الذي ابلى كل جليل وأفسده،

مضيت إلى الحقول حيث رأيت

الشمس تلتهم مياه الثلوج الذائبة،

وفوق التلال تنبش الماشية النائحة الأرض،

لقد سلبني شقاؤها ضياء النهار،

ومضيت إلى بيتي فرأيت كيف افسدت

الاشياء القذرة البالية هذا البيت القديم،

لقد تقوس عكازي الذاوي الذي أتوكأ عليه

واحسست أن الشيخوخة انتصرت، رأيت سيفي صدئاً

ولا شيء تقع عليه العين

غلا ذكرني بالنهاية. (39)

‌4 - لوبي دي فيجا

1562 -

1635

كثر كتاب المسرحية في ذلك العصر النشيط كثر الشعراء. كان المسرح هنا، شأنه في إنجلترا المعاصرة، بدعة مرتجلة إلى ذلك الحين، فالممثلون الجوابون يسرحون بفنهم على المدن مفلسين، ومحكمة التفتيش تصدر حظرا على جميع التمثيليات (1520) في كفاحها للهيمنة على جلافة تمثيلياتهم الفكاهية فلما أصبحت مدريد مقرا للملك (1516)، استأذنت فرقتان تمثيليان الملك في الاستقرار فيها، فأذن، ورفع الحظر الكنسي (1572)، وبنى مسرحان، تياترو دلاكروز (مسرح الصليب) وتياترو دلبرنسيبي (مسرح الملك) -

ص: 129

يعبر الاسمان عن أهم ولاءات اسبانيا وأقواها. وما وافى عام 1602 حتى قامت المسارح أيضا بلنسية، واشبيلية، وبرشلونة، وغرناطة، وطليطلة، وبلد الوليد، وفي عام 1632 كان في مدريد ألف ممثل، وفي قشتالة ستة وسبعون من الكتاب المسرحيين، وكن الخياطون والباعة والرعاة يكتبون التمثيليات. ولم تحل سنة 1800 حتى كانت أسبانيا قد استمعت إلى ثلاثين ألفا من مختلف التمثيليات. ولا يذكر التاريخ بلدا آخر، حتى إنجلترا الاليزبيثية، انتشى بمثل هذه النشوة المسرحية.

وتطور شكل المسرح من الأفنية - المحاطة بالبيوت والمواقف المؤقتة - التي كانت تمثل فيها المسرحيات الأولى؛ وصممت المسارح الدائمة صفوفا من المقاعد وألواحاً تحيط بمكان مسيج، وكانت الملابس أسبانية أياً كان مكان التمثيلية أو زمانها، ولا نظارة خليطاً من جميع الطبقات، والنساء يختلفن إلى المسرح ولكنهن يجلسن في قسم خاص بهن ويلبسن الاقنعة الثقيلة. وكان الممثلون يعيشون عيشة قلقة هبطت بمعنوياتهم، بين المجاعات والولائم، يتعزون عن الفاقة والتشرد بالفوضى وحلو الاماني. ونال بعض «النجوم» الذكور من الثراء والشهرة ما أدار رؤوسهم، فراحوا يختالون في أهم شوارع مدريد وهم يصلحون سيوفهم ويفتلون شواربهم، ونامت بعض كبريات المغنيات مع الملوك في مضاجعهم.

أما ملك المسرح الاسباني فهو لوبي فيلكس دي فيجر كاربيو. ففي عام 1647 اضطرت محكمة التفتيش إلى حظر «قانون إيمان» منشور مطلعه «أؤمن بلوبي دي فيجا ضابط الكل، شاعر السماوات والأرض» (40) ولعل كاتبا آخر في التاريخ لم يحظ بمثل هذه الشهرة في جيله. ولم يقتصر معظم هذه الشهرة على أسبانيا دون غيرها من الاقطار إلا لصعوبة ترجمة الشعر المقفى، ولكن حتى مع هذا القيد كانت مسرحياته تمثل بالاسبانية في نابلي وروما وميلان، وانتحل اسمه في فرنسا وإيطاليا لمسرحيات لم يكتبها، وذلك اغراء للجماهير بحضورها.

ص: 130

ولد في مدريد قبل مولد شكسبير بعامين لأسرة فقيرة ولكنها - كما يؤكدون - عريقة. فلما ناهز الرابعة عشرة هرب من البيت والمدرسة وتطوع في الجيش وشهد بعض المعارك الدامية في الازورة. ثم أحب، ولكنه أنقذ نفسه دون ان يصاب بجراح طفيفة، وكتب «ابجرامات» سافلة في حق السيدة النبيلة، فقبض عليه بتهمة القذف، ونفي من مدريد. ولكنه تسلل إلى المدينة، وفر مع ايزابيل دي أوربينا، وتزوجها، فطورد، والتحق بالارمادا تهربا من القانون. وقد شارك في هزيمة الاسطول، ومات أخوه القتيل في المعركة بين ذراعيه. وتركه موت زوجته حرا ولكنه تورط في مشاكل أخرى. فقد انجب طفلين من الممثلة ميكالا دي لوخان (41)، وتزوج ثانية، واصبح موظفا في محكمة التفتيش (1609)، ثم فقد زوجته الثانية، ورسم قسيسا (1614؟) ووقع في أكثر من غرام (42).

أما أسبانيا فقد اغتفرت له خليلاته لقاء مسرحياته. فقد كتب منها زهاء ألف وثمانمائة، بالإضافة إلى أربعمائة «فصول مقدسة» قصيرة تمثل في الاحتفالات الدينية. وذاع عنه أنه ألف عشر تمثيليات في أسبوع واحد، وتمثيلية قبل الفطور، وتقهقر سرفانتس يائسا امام هذا السيل الجارف، وسمى منافسه «وحش الطبيعة» . كان لوبي «كوميديا فنية» في ذاته؛ فهو يؤلف المسرحية وهو يرتجلها. وإذا كان ينجب بمثل هذه الخصوبة المستهترة، فأنه لم يزعم لنفسه تفوقا في الفن أو الفلسفة. وقد اعترف بلطف في كتابه «الفن الجديد في كتابة المسرحيات» انه إنما يكتب ليرتزق، ومن ثم فهو يزود الجمهور بما يروقه (43). وما كان ليطبع تمثيلياته لولا قراصنة الناشرين الذين درجوا على ايفاد رجال ذوي ذاكرة معجزة إلى حفلاته، وكان في استطاعة هؤلاء الرجال بعد الاستماع إلى المسرحية ثلاث مرات أن يتلوها عن ظهر قلب ويقدموا نصا محرفا للناشرين الذين لا يدفعون للمؤلف فلسا واحدا. وذات مرة أبت فرقة لوبي أن تمضي في تمثيل المسرحية ما لم يطرد

ص: 131

عجيبة من عجائب الذاكرة هؤلاء خارج القاعة (44) - فنشرها قد يهبط بعدد روادها. على أن لوبي نشر في عناية وحب رواياته الشعرية - اركاديا» وسان ايسيدرو، واورشليم المفتوحة، ولاهور موسورا دي أنجليكا، ولا دوروتيا، وكلها مشجية متوسطة الجودة.

والحبكة في مسرحياته هي كل شيء، أما الشخوص فقلما تحظى من مؤلفها بدراسة وثيقة، ويخيل للمرء أنه يصدق على هذه المسرحيات ما قاله ثورو في الصحف - وهو أنك لو غيرت أسماءها وتواريخها لا أكثر، لوجدت المحتوى دائماً هو هو. فالقصة تدور في كل الحالات تقريباً حول عاملين: الدفاع عن العرض، ثم من يضاجع السيدة. أما جمهور النظارة فلم يكن يمل قط من معالجة الموضوع الثاني في صور متنوعة، لأنه حرم ممارسة أي من صوره هو. وكان خلال ذلك يستمتع بالفكاهة العارضة، والحوار لذكي، والشعر العاطفي الذي يتدفق سريعا رشيقا من أفواه النساء الحسان والرجال البواسل. وهكذا اتخذت روح الرومانسيات، التي لم تنقرض قط، حياة جديدة على المسرح الأسباني.

وأشهر مسرحيات لوبي هي «نجمة إشبيلية» . ففي هذه المسرحية يفد سانشو الشجاع ملك قشتالة على إشبيلية، فيطري بهاء شوارعها، ولكنه يطلب إلى مستشاره أرياس أن يزيده حديثا عن نسائها بنوع خاص:

«الملك: ثم نساؤها ذوات الحسن السماوي، لم لا تحدثني عنهن؟

قل لي، ألا تلتهب عواطفك ببهاء مفاتنهن؟

أرياس: أن الدونا ليونور دي بييرا بدت لي كأنها السماء المنيرة ذاتها، ففي وجهها أشق ضياء شمس الربيع.

الملك: إن في وجهها شحوباً كثيراً

أريد شمساً تحرق ولا تجمد.

أرياس: إن المرأة التي ألقت إليك الورود هي الدونا منثيا كورونيل.

الملك: سيدة جميلة، ولكني رأيت أجمل منها

واحدة منهن

ص: 132

تفيض حسنا ولم تذكرها

فمن تلك التي لفتت نظري من شرفتها، فخلعت لها قبعتي؟ من هي التي أرسلت عيناها البرق كصواعق جوبيتر وراشت سهامها الفتاكة في قلبي؟

أرياس: اسمها الدونا ستيللا تابيرا، وتسميها اشبيلية نجمتها إطراء لها.

الملك: وقد يخلق بها أن تسميها شمسها

لقد قادني نجمي الهادي إلى اشبيلية

فكيف السبيل إلى رؤيتها والتحدث إليها ايها الدون أرياس؟

يا له من حلم تضطرم له أعماق نفسي!» (45)

على أن ستيللا تشق الدون سانتشو أورتيث، وهي تفرض في غضب ما عرضه عليها أرياس من السماح للملك بالتمتع بـ «حق السيد» . ولكن أرياس يرشو الخادمة لتدخل الملك إلى مخدع مولاتها، ويدخل بوستوس شقيق ستيللا الوفي في اللحظة التي يجب فيها الدفاع عن العرض، فيكف الملك، ويكاد يقتله، ولكنه إجلالاً لمنصبه يخلي سبيله، مزدري ولكن دون أن يمسه سوء. وبعد ساعة يشهد الملك جسد الخادمة التي قبلت الرشوة مشنوقا فوق سور قصره. ويرسل في طلب أورتيث، ويسأله هل ولاءه لمليكه لا يعرف الحدود، فيلتقي جواباً فخوراً مرضيا، ومن ثم يأمر بقتل بوستوس. ويلتقي أورتيث بوستوس ويتسلم منه رسالة من ستيللا تقول إنها تبادله الحب وتقبل تودده، فيشكره، ثم يقتله، ويكاد يختلط عقله، ويخشى الملك ثورة الشعب، فيخفي عنه أن اغتيال بوستوس كان بأمر منه. ويقبض على أورتيث ويكاد يعدم لولا أن ستيللا تجد الوسيلة لإطلاقه. ولكن القصة لا تنتهي نهاية سعيدة، فقد اتفق العاشقان على أن القتل قد سمم غرامهما إلى الأبد.

لقد أصبح لوبي معبود مدريد بعد أن أخرج ألف مسرحية من هذا النوع. وأغدق عليه الخاصة والعامة الاعجاب، وبعث إليه البابا بصليب مالطة ودرجة الدكتوراه في اللاهوت. وكان إذا خرج إلى الشوارع تزاحمت حوله الجماهير التواقة للقائه، وقبلت النساء والأطفال يديه طالبين منه

ص: 133

البركة. وأطلق اسمه على كل شيء تميز في بابه: فهناك خيل لوبي، وشمام لوبي، وسيجار لوبي (46). اما الناقد الذي يجد فيه عيبا فيعيش كل يوم في خوف الموت على يد أنصار الشاعر الأوفياء.

على أنه لم يكن سعيدا برغم هذا كله. كان ينقد أجرا لا باس به عن مسرحياته، ولكنه ينفق أو يهب ماله بمجرد كسبه، وبعد أن أصاب هذا التوفيق الكثير أدركه الفقر واضطر إلى التماس المعونة من فليب الرابع-الذي أرسل له مهرا سخيا برغم إفلاسه. ولكن أحزانه كانت أفتك به من فقره. فقد دخلت ابنته مارثيلا الدير، والتحق ابنه لوبي بالبحرية وغرق، وهربت ابنته انطونيا مع كريستوبال تونوريو آخذة معها عددا كبيرا من تحف أبيها القيمة. وتبرأ منها لوبي، وهجرها كريستوبال. ووقر في نفس لوبي أن هذه المحن ليست سوى عقاب من السماء على آثامه، فحبس نفسه في حجرة وأضعف جسده بفرط الصيام حتى تلوثت الجدران بدمه. وفي 23 أغسطس 1635 نظم آخر قصائده «السجلو دي أورو» (القرن الذهبي) ومات بعد أربعة ايام وقد بلغ الثالثة والسبعين. ومشت تصف مدريد في مشهده الذي عرج على الدير ليمكن ابنته من أن تقرئه تحية الوداع من نافذة صومعتها. وهكذا مُثَّل تمجيد الناس له على هذا المسرح الشعبي الكبير.

إننا لا نستطيع أن نعتبره ضريباً لشكسبير كما فعل فولتير. ولكننا تقول فيه إنه بعبقريته العامة، وشعره الجياش، وشخصيته المحببة المشرقة خلال ألف مسرحية، أرتفع إلى ذروة العصر الذهبي الأدبية التي لم يطاوله فيها سوى سرفانتس وكالديرون.

‌5 - كالديرون

1600 -

1681

كان هناك كتاب آخرون تحدوا تفوق لوبي فترة وجيزة. ومن هؤلاء جوبللين دب كاسترو (1591) الذي ألف مسرحية «شباب السيد» ،

ص: 134

وقد فضلها بعضهم على مسرحية كورنبي «السيَّد» الأكثر شهرة. ثم لويس فيليز دي جويفارا الذي انقطع عن ممارسة القانون فترة أتاحت له تأليف أربعمائة تمثيلية، ومنها «الديابلو كوخوليو» وهي المصدر الذي استقى منه لساج مسرحيته «الشيطان الأعرج» . كذلك عرض تيرسو دي مولينا في برشلونة (1630) مسرحية «ساحر اشبيلية والضيف الحجري، التي ثبتت شخصية دون خوان مجدفاً شهوانياً، وزودت مولبير بحبكة مسرحيته «الوليمة الحجرية» وموتسرت بحبكة أوبراه «دون جوفاني» وأوحت إلى بيرون ملحمته «دون جوان» ففي هذه السطور القليلة لمحات عن التأثير الهائل الذي كان للمسرحية الأسبانية في الخارج. وفي عام 1803 فاجأ أوجست فلهلم فون شليجل ألمانيا بإعلانه أنه ليس بين كتاب المسرحية الحديثة من يعلو على بيذور كالديرون دي لاباركا سوى شيكسبير.

اختتم كالديرون العصر الذهبي وعمر بعده كما فعل موريللو. كان أبوه وزيرا للمالية على عهد فليب الثاني والثالث، وتلقى في سلامنكا كل ما استطاع اليسوعيون أن يعطوا ويسمحوا به من تعليم، وقد كان للاهتمام الشديد بالدين في تربيته أثر قوي في تلوين عمله وحياته. درس القانون في سلامنكا، ولكنه هجره حين اكتشف أن في قدرته الكتابة للمسرح بنجاح. وقد احتوت تمثيلياته على إشارة شديدة الوضوح إلى الحشو الجونجوري الذي شاب عظات واعظ ذي نفوذ، لذلك أودع كالديرون السجن حينا، ولكن اسمه ذاع بين الناس. ونشر مجلد بمسرحياته ومنها «لافيدا ايس سوينو» (الحياة حلم) عام 1636 فكفل له من فوره مكان الصدارة في المسرح الأسباني. وعينه فليب في ذلك العام ليخلف لوبي دي فيجا مسرحيا للبلاط. وفي عام 1640 انضم إلى فرق من الفرسان المدرعين واكتسب شهرة بفضل بسالته وشهامته في ترجونا. وكثيرا ما استطاع الأديب في أسبانيا-كما استطاع في البلاد الاسلامية-

ص: 135

أن يحقق حلما يضمره، وهو أن يكون رجل أعمال لا أقوال فحسب. على أن صحة كالديرون تداعت بعد اشتغاله بالحرب سنتين، فتقاعد بمعاش حربي. ووجهه الحزن على فقد الأقرباء وجهة الدين، فأصبح عضوا علمانيا في طائفة الفرانسسكان، ثم رسم قسيساً (1651)، وظل عشر سنوات يخدم ابرشية في طليطلة وهو يواصل الكتابة للمسرح بين الحين والحين. وبعد أن نال كل ما تمنحه هذه لدنيا من مظاهر التشريف، مات في الحادية والثمانين وهو وطيد الأمل في أن ينال المئوية على تأليفه مئات «الفصول المقدسة» واكتفائه بخليلة واحدة دون سواها.

ومسرحياته الدينية أجمل ما كتب في بابها، ففيها وجدت قدرته العاطفية سندا من تقواه الصادقة. وقد حظيت مسرحياته الدنيوية زمنا طويلا بشهرة دولية أوسع من مسرحيات لوبي، لأنها تضارعها شعرا وتفوقها فكرا. وكان يعوزه بعض ما وهب لوبي من حيوية وتنويع هائلين، ولكنه هو أيضا كتب هذا اللون من مسرحيات «العباءة والسيف» بحيوية ومهارة. ولا يستطيع ايفاءه حقه الكامل من التقدير سوى خبير باللسان القشتالي، ولكننا نسجل هنا أن شاعرين من شعراء الإنجليز شعراً بعبقريته وناضلاً لابتعاثها من بوتقتها اللغوية. وأولهما شلي الذي ترجم بتصرف اجزاء من «الساحر الرهيب» ، وكان متفقاً مع شليجل في رأيه في كالديرون، والثاني ادوارد فتزجير الذي حاول في كتابه «ست مسرحيات لكالديرون» (1853) أن يفعل للمسرحي الأسباني-دون أن يوافق-ما فعله بعد ست سنوات لعمر الخيام بتوفيق كبير.

و «الساحر الرهيب» صورة محورة لاسطورة فاوست. هنا نرى فقيها شهيرا من فقهاء انطاكية يدعى كبريان يقطع مبارزة بين اثنين من تلاميذه يشتهي كلاهما خوستينا، ويحملهما على أن يغمدا سيفيهما بعد أن يوافق على الذهاب إليها للتحقق من أيهما تختار. ويمضي إليهما، ولكنه يقع في غرامها لأول نظرة. أما هي فتطرده في ازدراء، ثم تحن إليه، وأما

ص: 136

الطالبان اللذان صدتهما أيضا فتعزيان باختها ليفيا، ولكن كبريان لا يقوى على تخليص ذاكرته من فتنة خوستينا.

رائعة الجمال هي-

وأنا نهب بين حبي وغيرتي؛

يعتصرني الأمل والخوف؛

مهما بدا هذا شأننا-

ما أمر الحياة التي أحيا،

فأنصتي الآن يا جهنم!

إنني لأبذل لروحك البغيضة

نفسي ترثينها إلى الأبد،

وأحتمل العذاب والسقم،

نظير أن أملك هذه المرأة (47)

ويقول الشيطان «قبلت» ، ولكن خوستينا تستعصي عليه. وأخيراً يأتي بها إلى كبريان، ولكن حين يحاول العالم ضمها إلى صدره ينكشف قناعها فلا يبدي غير جمجمة. ويعترف لوسيفر (ابليس) أن قوة المسيح وحدها هي التي استطاعت أن تجيز عليه هذه الحيلة. وأخيرا، وبينما يساق كبريان وخوستينا إلى الاستشهاد المسيحي، تعترف بحبها له.

ومن التمثيليات التي ترجمها فتزجيرالد ظفرت «عمدة سلاميا» بالاطراء الشديد لتفوقها التقني. ولكن لمسرحية «الحياة حلم» مسحات باطنة أكثر عمقا. فهي تنحي موضوعات الشرف والحب القديمة جانبا، وتعرض على المسرح في جرأة مشكلة تكاد تكون شرقية: فالى أي حد تكون صروف الدهر وانتصارات الحياة دائمة وحقيقية؟ ألعلها ليست سوى أوهام، وخدع، وجزء من القناع الذي يحجب ما خلفه من حقيقة جوهرية خالدة؟ هنا نرى باسليوس ملك بولندة يسجن ابنه الحديث الولادة، الذي تنبأ الطوالع بتمرده على أبيه، ويربي سجسموند في الأغلال وسط حيوات

ص: 137

الغاية، ويشب أشد توحشا من أي وحش طليق. على أن الملك يلين في شيخوخته، فيدعو ولده للحضور ومشاركته العرش، ولكن سجسموند الذي لم يدرب على الحكم يقاتل بضراوة وفي عنف أخرق يكره أباه على تخديره حتى يخضع. فإذا افاق وجد نفسه قد عاد إلى كهفه واغلاله في الغابة. ويقال له إن سلطانه الأخير لم يكن غير أضعاف احلام، فيصدق، ويتكلم كما تكلم رتشرد الثاني المهزوم في مسرحية شكسبير:

لا ريب في أن الحياة في وميض

هذه الدنيا ليست سوى حلم!

يحلم النائم بما هو عليه ولا يفيق إلا

حين يفاجئه الموت بصحبه الحافل بالأسرار

فالملك يحلم بأنه ملك

وعلى هذا النحو الخداع

يعيش ويحلم بسطوة الملوك،

ولكن كل الهتافات التي تجلجل من حوله

تتخذ لها أجنحة وتطير في الهواء

لأنها وليدة الهواء

ثم يذيب الموت كبرياءه وأبهته

فيحيلها - وا أسفاه-رمادا في رماد

فمنذا الذي يشتهي التاج

وهو يرى أنه لا محالة مفيق

من حلمه وراء باب الموت؟

قصارى القول أن الناس في كل الأرض

يحلمون أيا كان مولدهم

فما الحياة؟ خيال يتراءى،

سراب يترقرق كاذبا،

ص: 138

فرحة زائفة، راحة خداعة،

فالحياة على أحسن الفروض حلم،

وحتى الأحلام ذاتها ليست غير أحلام (48)

ثم يلقي سجسموند عنه وحشيته، بانقلاب آخر علله المؤلف تعليلا شديد القصور، ويغدو انساناً عاقلاً، فإذا أجلسته الثورة على العرش أصبح ملكاً صالحاً، واعياً في تواضع بأن هذا الارتقاء هو أيضاً حلم، فقاعة تافهة في زبد الحياة.

والخطب في المسرحية طويلة طولاً مؤلماً، وتزويق العبارات «الجونجوري» يفسد خمر الشعر، ولكنها مسرحية قوية برغم هذا العيب، تمزج الحركة بالفكر وتحتفظ بالتشويق الدرامي إلى النهاية. وأغلب الظن أننا لو كان لنا وطن وتعليم غير وطننا وتعليمنا، ولو أتيح لنا الفهم الجيد للغة القشتالية، لاعتبرنا هذه التمثيلية من أعظم التمثيليات في العالم.

ويستحيل علينا الآن أن نستعين بالخيال لنقتلع أنفسنا من سجن زماننا ومكاننا، وندرك قوة الدور الذي لعبته الدراما في اسبانية القرن السابع عشر، ومدى النفوذ الذي حظيت به. ففي ايطاليا كادت تطرد المأساة الإيطالية من خشبة المسرح. وفي فرنسا زودت بالحبكات كتابا كآردي وكورني وموليير وكثيرين غيرهم، وقد صاغت شكل المأساة الفرنسية قبل راسين، إذ شددت على الشرف واسقطت البلاغة فإذا ذكرنا إلى ذلك كله تأثير سرفانتس وغيره من الروائيين الأسبان على لوساج وديفو وفيلدنج وسموليت، ومن خلال هؤلاء على دكنز وتاكري، وإذا قارنا فن إنجلترا الاليزابيثية، أو حتى فن فرنسا المعاصرة، بعمارة أسبانيا ونحتها وتصويرها في اوجها ذاك-إذا فعلنا هذا كله بدأنا هذا ندرك لم تغلو شعوب العالم الناطقة بالأسبانية في الفخر بميراثها والاعتزاز بنسبها.

ص: 139

الفصل الثاني عشر

‌العصر الذهبي للفن الأسباني

(1)

‌1556 - 1682

1 -

الفن واحد، وألوانه ألف

ترى كيف تفسر هذه الظاهرة، وهي أن اسبانيا استطاعت في هذه الحقبة- بعد أن انتزعت منها إنجلترا السيادة على البحر وفرنسا السيادة على البر، وبعد أن بدأ أن كل مشروعاتها المادية قد أصابها الفشل والافلاس- أن تبني كاتدرائية سيجوفيا (سقوبية) وتوجه نحت هونانديث زمزنتانيس، وتلهم تصوير الجريكو، وثورباران، وفيلاسكويز، وموريللو؟ الآن الكنيسة الأسبانية ما زالت غنية، والبلاط الأسباني ما زال مسرفا، والذهب الأمريكي ما زال يدخل اشبيلية، والفنانين الأسبان الذين يغذيهم الإيمان والمال ما زالوا يحسون وهج مجد لم ينطفئ كله بعد؟

كان اقل البهاء في العمارة، ففيها اشبعت انتصارات الماضي كل حاجات الاتقياء. وفي أشبيلية أعلنت الكنيسة نصرها على المغاربة بتتويجها مئذنة جامع للمسلمين ببرج مسيحي أكمل بناء الجيرالدا (1567)، وبعد سنة توج بارتولومي موريل البناء كله بتمثال "الإيمان" الذي يزن طنا، ومع ذلك ففي توازنه من الخفة ما يتيح له الحركة مع كل هبة ريح ليشرف على ملكه المبجل. وفي بلد الوليد بدأ خوان دي هيريرا، معماري الاسكوريال،

(1)

كل الأسبانية الواردة في هذا الفصل معروضة في "البرادو" ما لم ينص على غير هذا.

ص: 140

عام 1585 بناء كاتدرائية "الصعود" الصارمة، على نطاق مفرط في السعة حتى انها ما زالت بغير أثاث. وفوق تل يشرف على سيجوفيا بدأ قرنان من المعماريين والحرفيين عام 1522 الكاتدرائية الضخمة التي ترمز في كبرياء إلى ورع أسبانيا العارم الذي لا يتزعزع، وفي سلامنكا صمم خوان جوميت دي مورا، "السيميناريو كونثيليار" الضخم لليسوعيين بالطراز الدوري البالاديوي مضافا إليه القبة.

ولكن حتى أسبانيا كانت تتجه إلى فن دنيوي، وكانت القصور كما كانت الكنائس تتطلب الفن. ففي أرانخويث بني فليب الثاني (1575) مصيفاً يلوذ بحدائقه اللطيفة الجو من قيظ الاسكوريال ووقاره. وأضاف فليب الثالث قصر الباردو منتجعاً له ولأصحابه، وبهو السفراء المحلى بالزخارف في هذا القصر مشهور بما حوى من ثريات. أما فليب الرابع وأوليفاريس فكادا يسبقان فرساي ببناء حديقة لهو عند بوابة مدريد الشرقية تدعى "بوين ريتيرو"(المنتجع الطيب)(1631 - 33). وفي مسرحها الملكي مثلت مسرحيات كثيرة للوبي وكالديرون. وشيدت في هذه الفترة قاعات مدن فخمة بليون واستورجا، وصمم الجريكو قاعة منها بطليطلة.

أما النحت فكاد يكون كله كنسيا في الشكل والمزاج. لقد عدل الطراز القوطي بفعل التأثير الإيطالي والزخرف الباروكي. ولكن التمثال النصفي الذي لقي اقبالا شديدا في إيطاليا أعرض عنه الناس في أسبانيا بتحريم يرقب من تحريم المسلمين للتماثيل. وساهم المصورون- حتى أساطينهم من أمثال ثورباران وموريللو- بفنهم ليجعلوا النحت يقر في نفوس العابدين الواقعية التي صوروها في تماثيل المسيح المصلوب والقديسين المستشهدين. وكانت كل التماثيل تقريبا من الخشب المتعدد الألوان. وفي راي السير وليم ستيرلنج- ماكسويل، العلامة الاسكتلندي الذي ولع بالفن الأسباني وأرخ له بحولياته، أن خوان دي خوني "افضل المثالين الأسبان"(1)

ص: 141

وقد أذاع اسم خوان مذبح اقامه في كنيسة "سيدتنا عذراء أنتيجوا" في بلد الوليد، وتمثال في كنيسة أخرى هناك سماه "الأم المتألمة" اعتز به الناس اعتزازاً حدا بهم في عمق إيمانهم الحزين إلى التماس السماح لهم بإلباس التماثيل ثياباً غالية. وهناك مثل آخر تضعه أسبانيا في صف يعلو حتى عن مقام خوان، وهو جريجوريو هرنانديث، هذا أيضاً نحت تمثالا آخر للأم المتألمة، وفي واقعية اختص بها رسم على ثوبها بقع دم ووضع دموعاً من زجاج في وجهها، ولعل تمثال هذه الأم الحزينة، والمسيح الميت مسجى على حجرها، هو أسمى ما بلغه فن النحت الأسباني في هذا العهد.

واعظم هؤلاء المثالين خوان مارتينيث مونتانيس. ولم يكن يجاوز الثامنة عشرة يوم وفد هو وزوجته (1582) على دير "دولتي نومبري دي خيسوس" في إشبيلية، وأهداه تمثالا للعذراء، وعرفانا بصنيعه كوفئ بسكن مجاني مدى الحياة. وقد سر اليسوعيين بتماثيل نحتها لأغناطيوس وزافير، وأبهج الرهبان الهيرونيمين بتمثال للقديس جيروم. وما زالت كاتدرائية أشبيلية تعرض تمثاله للمسيح المصلوب، الذي قال فيه أحد المؤرخين أنه ربما كان أسمى تشخيص للضحية الإلهية (2)"وحين فرض البابا بولس على جميع الكاثوليك الإيمان بعقيدة "الحمل غير المدنس"، سعدت إسبانيا جداً بهذا القرار لأنها- كفرنسا- كانت تركز تقواها على العذراء. وارتفع مونتانيس إلى متطلبات الموقف، فنحت رائعته (المحفوظة بكاتدرائية اشبيلية) - وهي تمثل "الأم الإله" الفتية تتأمل سر خلوها من الخطيئة الأصلية؛ هذا التمثال أيضاً عد من آيات النحت العالمي (3)، ولكن العذراء الأندلسية تبدو شديدة الهدوء والرضى، وأن أثقلتها كثرة الملابس.

ولو توخينا الإنصاف برغم الإيجاز، لقلنا أن صورة الفن الأسباني لا بد ان تعدد مفاخره الصغيرة وتحتفل بها: هذه المشبكات والأستار

ص: 142

والبوابات من الحديد أو البرونز، والمحفورات الخشبية على كثير من حواجز المذبح في الكنائس، ومقاعد المرتلين كتلك التي نقشها بيدرو دي مينا لكاتدرائية ملقا، والمصابيح، والصلبان والكئوس، والعلب، والمظال المشغولة بالفضة أو الذهب، كصناديق خوان دي أرفي العالمية الشهرة،؛ ثم التماثيل الصغيرة من الخشب أو العاج او المرمر أو البرونز، والمطرزات والموشيات التي إزدانت بها مذابح الكنائس وتجملت بها النساء، وزجاج برشلونة المغشى بالمينا، وآنية تلافيرا (طلبيرة) من الصفيح المزجج.

كادت الكنيسة قبل مجيء فيلاسكويز أن تكون الراعي والحكم الأوحد في التصوير. وكان من آثار الأحاسيس القاتمة التي اصطبغ بها اللاهوت والورع الأسبانيان، والتي ربما كانت إنعكاساً لصخور الإقليم الكئيبة وقيظه المحرق، انها لم تسمح إلا بالقليل من الفكاهة أو الخفة أو التأنق في علاج الموضوعات، وأنها حرمت تصوير العرايا، وأعرضت عن تصوير الأشخاص ومناظر الطبيعة، وشجعت ضرباً من الواقعية الجافية التي اتكأت على جوانب الإيمان المخيفة أكثر من جوانبه المعزية، فعلى الصور أن تقر العقيدة وتؤججها في النفس بالخيال الملتهب والصرامة الديرية. وانتهى الأمر بأن المصورين أنفسهم رأوا الرؤى وادعوا الوحي الإلهي. وقد نافس فليب الثاني الكنيسة في رعاية المصورين، ولكن موضوعات التصوير ظلت دينية. وحين كلفهم النبلاء برسم صور كانوا عادة يتبعون القاعدة نفسها، ولم يبدأ توجيه التصوير وجهة دنيوية إلا بفيلاسكويز وفليب الرابع. ودخلت بعض المؤثرات الأجنبية لتعدل من هذا التأثير الكنسي. مثال ذلك أن كاردوتشي وتسوكارو ونحو ثمانية عشر فنانا إيطاليا آخرين طمعوا الفن الأسباني بطابع أرق، وقدم انطونيس مور من فلاندر عام 1572 وتأثر الرسامون الأسبان الذين زاروا الأراضي المنخفضة بروح فانديك، كذلك ناشد روبنز، الممتلئ حيوية ومرحاً، الفنانين الأسبان حين اكتسح مدريد عام 1603، أن ينظروا إلى الحياة لا إلى الموت.

ص: 143

وفضلا عن أئمة الفنانين الأربعة الذين هيمنوا على التصوير الأسباني في هذا العصر كان هناك كثير غيرهم أقل نبوغاً، كألونسو سانتشيت كوثيللو الذي رسم بالأسلوب الفلمنكي لوحات لابن فليب الثاني الصغير دون كارلوس وابنته إيزابل، وتلميذ كوئيللو خوان بانتوخا دلا كروث، الذي ترك لنا صورة قاتمة لفليب الثاني (4)، وأخرى قوية للقديس أوغسطين، وفرانسسكودي ريبالتا الذي يظهر أسلوبه "القاتم" أسلوب الضوء تحيط به الظلمة، وفي لوحة "القديس فرنسيس يعزيه ملاك"، وفرانسسكو باتشيكو الذي علم فيلاسكويز، وزوجه إبنته، وشرح مبادئ التصوير الأسباني في كتابه "فن التصوير"(1549)، كتب يقول "إن أكبر هدف للفن أن يعزي الناس بالتقوى ويعطف قلوبهم نحو الله (5) " لأنها "تخطيطات تحضيرية (6) " فلننظر الآن في هذا الحكم.

‌2 - إلجريكو

1548؟ - 1614

كان في كريت مسقط رأسه يسمي نفسه كرياكوس ثيوتوكوبولس- أي الابن الإلهي للرب، وفي إيطاليا سمي دومنيكو تيوكوبولو؛ وفي أسبانيا دومنجو تيوتوكوبولي، وكان يوقع بالحروف اليونانية دومنيكوس تيوتوكوبولس، واختزل الزمن اسمه إلى الجريكو، وهو الكنية التي اشتهر بها في اسبانيا. ولا نعرف شيئاً عن حياته في كريت. ولعل أجداده هاجروا إليها من القسطنطينية بعد ان فتح المسلمون هذه المدينة اليونانية (1453)؛ على أية حال كان يستطيع في كريت، كما استطاع في البندقية بعد ذلك، أن يشعر بتأثير الفسيفساء البيزنطية الصارم. وكانت كريت في حياته ملكاً للبندقية، لا عجب إذن أن يستقل الفنان الصغير السفينة إلى مدينة البحيرات، تجيش في صدره الآمال بعد ما سمع عن بلوغ التصوير أوجه فيها، وأغلب الظن أنه انضم إلى الجالية اليونانية الكبيرة في تلك العاصمة العالمية.

ص: 144

ودرس على يد تتسيانو عامين أو اكثر، وأعجب بفن تنتوريتو في جمعه الوجوه في صور مزحومة، وربما سرى إليه فيرونيزي بالثياب الفاخرة البهية. وقد نسخ الصور الشهيرة بتواضع صابر في البندقية وريدجواميليا، وبارما، وفلورنسة، ووصل إلى روما عقب وفاة ميكل أنجيلو (1564).

وأول ذكر محدد لدينا عنه ورد في خطاب كتبه جوليو كلوفيو إلى الكردينال أليساندرو فارنيزي في 16 نوفمبر 1570 يقول فيه:

"وفد على روما شاب من كانديا، تلميذ لتتسيانو، ومصور ذو موهبة نادرة في ظني

وقد رسم لنفسه صورة أطرها كل المصورين في روما. وبودي لو شملتموه سيادتكم بالرعاية، دون أي اسهام في رزقه سوى اعطاءه حجرة في قصر فارنيزي" (7).

وقبل الكردينال، وكافأ إلجريكو كلوفيو بلوحة رائعة (8). وحين كثر اللغط حول العرايا في لوحة ميكل أنجلو "الدينونة الأخيرة" عرض دومنيكو أن يرسم بدلا منها- إذا رفعت- لوحة أخرى لا تقل عنها إتقانا وتمتاز بتغطية الأجسام على نحو أفضل (9)، فسقط في أعين فناني روما. وأخبره بعض الأحبار الأسبان في روما أن فليب الثاني يبحث عن مصورين لتزيين الاسكوريال. فرحل إلى أسبانيا عام 1572 بعد ان نفض عن قدميه غبار روما، ولكنه استبقى على فرشاته بعض انحرافات "اللازمية" الإيطالية.

وليس لدينا بعد ذلك عنه ذكر حتى عام 1575، حين نجده يصمم ويزين كنيسة "سانتو دومنجو الأنتيجيو" في طليطلة، العاصمة الدينية لأسبانيا. فرسم لمذبحها لوحة "صعود العذراء" الفخمة التي تحتل اليوم مكانا بارزاً في معهد الفن بشيكاغو- وهي تحذو في نواح منها حذو لوحة تتسيانو "الصعود" بالفراري في البندقية، وتلتزم الأجساد الفتية المفعمة شباباً والرؤوس الهرمة الجليلة التي درج عليها الأسلوب الإيطالي في

ص: 145

التصوير. وفي عام 1577 رسم لكاتدرائية طليطلة لوح مشهورة سماها "تقسيم أثواب المسيح" وأخذت لجنة شكلت للحكم على الصورة عليها أن سترة يسوع فاقعة الحمرة، وإن النساء اللاتي يرين في أسفل اليسار- المريمات الثلاثة- لا محل لهن هناك، لأن الأناجيل ذكرت أنهن كن ينظرن من بعيد، ومع ذلك أعلن القضاة حكمهم المتنبئ بأن الصورة "لا تقدر بثمن وأنها عظيمة القيمة (10) " وكانت احدى المريمات منقولة عن خليلة المصور، واسمها الدونا خيرونيما دلاس كيفاس، التي يظهر وجهها الحزين اللطيف في معظم عذارى إلجريكو. وهو لم يتزوجها قط برغم وفائه لها وولائه للكنيسة، ولم تكن هذه عادة أسبانية قديمة بل عادة تقدست طويلاً في مراسم الفنانين.

ووصف كاتب من الجيل التالي، يدعى خوزيه مارتينيث، دومنيكو بأنه أصبح الآن على ثقة من الخلود، قال:

"لقد استقر

في طليطلة، وأدخل أسلوباً شديد الإسراف بحيث لم ير إلا اليوم له نظير، ومحاولة البحث فيه تشوش أسلم العقول

وقد صرح بأن فنه لا يعلو عليه فن

وكان في طبيعته من الغلو مثل ما في فنه

كان يقول إنه ما من ثمن يمكن أن يوفي رسومه حقها، لذلك كان يرتهنها عند أصحابها، الذين يقرضونه عنها ما شاء عن طيب خاطر. وكان معماريا ذائع الصيت، عظيم البلاغة في أحاديثه، أما تلاميذه فقلائل، لأن أحدا لم يشأ ان يأخذ بأسلوبه المسرف المتقلب الذي لا يصلح إلا له" (11).

وحوالي عام 1580 أرسل فليب الثاني في طلب إلجريكو ووكل إليه رسم لوحة "القديس موريس والفيلق الطيبي" وبعد جهد سنوات أربع قدم الفنان ثمرة تعبه للملك. غير أن فليب وجد تجميع الأشخاص شديد الاختلاط، فدفع ثمن اللوحة ولكنه لم يقبلها، وعاد إلجريكو محزوناً إلى طليطية، ولم يبرحها بعد ذلك قط فيما نعلم .. وكان ذلك خيراً له، لأنه أصبح حراً في أن يعود إلى طبيعته الصوفية.

ص: 146

ثم رسم لكنيسة القديس توما (1586) أشهر صوره إطلاقاً، وكأنه كان بذلك يثأر لنفسه، وهي إحدى ذرى فن التصوير، وقد اشترط العقد أن يبدي فيها الكهنة يحيون تقليداً يزعم أن القديسين هبطوا من السماء ليدفنوا الدوق جونزالو رويز، كونت أورجاز، وأن يمثل القديسان اسطفانوس وأوغسطين (في أثواب الأساقفة) وهما ينزلان الجثمان إلى قبره وسط جمع جليل من وجوه القوم، وفوق هذه الوجوه تبدي السماء المفتوحة ابن الله في مجده وبهائه. كل هذا فعله بحذافيره وأكثر منه، فكل رأس تقريباً لوحة كاملة الصقل، والأرواب معجزة من الذهب والخضرة والبياض، والدرع الدمشقي الحلية الذي يلبسه الكونت يتلألأ ضياء، رد على ذلك أن الجريكو نفسه يرى من خلف القديس اسطيفانوس. أما آية هذه الآية فرأس أوغسطين بقلنسوه ولحيته، أم لعلنا نؤثر عليه الجثمان الجميل؟ أم وجه القديس اسطيفانوس الحلو؟ أم الكاهن الأصلع يتلو صلاة الدفن؟ أم خورجي مانويل، بن الجريكو ذا الثمانية الأعوام ممسكاً في فخر مشعلاً ومبرزاً من جيبه منديلاً ليظهر توقيع الجريكو؟ وفي كتاب فرانسسكو دي بيزا "تاريخ طليطلة" (1612) نقرأ ما كان ينبغي أن نحرزه:"إن لوحة (دفن الكونت أورجنز) هذه من أبدع الصور في إسبانيا بأسرها. والناس يؤمونها من كل بلد غريب ليعجبوا بها إعجاباً خاصاً، وأهل طليطلة لا يملونها، بل يجدون فيها على الدوام جديداً يتطلعون إليه. وفيها يرى الكثير من مشاهير الرجال في عصرنا مصورين تصويراً واقعياً (12). " ومع ذلك كله راح مجلس الأبرشية يساوم على أتعابها، فرفع اليوناني الحاكي الطبع الأمر إلى القضاء، وكسب دعواه، وتسلم ألفي كراون.

إنه الآن لا يشكو قلة الطلب على رسومه، فلقد وجد نفسه، ولم يعد يفكر في تتسيانو ولا تنتوريو، وقد استطاع أن يجري تجاربه في إطالة الأشكال، لا لأنه يعاني من قصور في البصر، بل لأنه

ص: 147

في أغلب الظن شعر بأنه بهذه الطريقة قد يرمز إلى التسامي الروحي لأشكاله- أجسام تمددها نفوس تشرأب إلى السماء. وفي لوحتي القديس أندراوس والقديس فرانسيس المحفوظتين بالبرادو يبدو هذا النحول غير مفهوم ما لم نأخذ هذه الرمزية في الاعتبار. ونتذكر التماثيل القوطية التي ترفق مراعاة للقيود المعمارية. على أن هذا كله يغتفر للفنان حين نصل إلى لوحته "القديس اليفونسو" التي رسمها لمستشفى الكاريداد باليسكاس، فهنا، في الروح الوقور الذي خلعه على رئيس الأساقفة الوسيط، وفي عقله المستغرق، ووجهه المتقشف، وشعره الأبيض الناحل، ويديه الرقيقتين- هنا تصور من أعمق تصورات الجريكو. "هذه الصورة وحدها تكفي جزاء وعوضاً عن الرحلة إلى إسبانيا"(13).

ولا يدلنا القليل الذي نعلمه عن حياة الجريكو على أنه كان متديناً على الطريقة الأسبانية، ويبدو أنه كان يميل إلى اللذة لا إلى الورع. فحين رسم لوحة "العائلة المقدسة" لمستشفى تافيرا خلع على العذراء جمال الجسد لا وفاء الأم. أما لوحة "الصلب" ففيها علم واسع بالتشريح، ولكنها باردة في العاطفة، وقد أحس جرونيفالد بمأساة الصلب تلك احساساً أعمق بكثير. ففي صوره الدينية لا يتجلى الجريكو إلا في اللوحات العارضة- كما نرى صورته هو بلحيته البيضاء ورأسه الاصلع في "يوم الخمسين". ولم يجد مشقة، في بلد يعج برجال الدين، في العثور على شخصيات قوية يصورها، كصديقه بارافيثينو الثالوثي (بوسطن) بوجهه نصف العالم ونصف عضو محكمة التفتيش، أو رئيس المحكمة نفسه، الكردينال نينودي جيفارا (نيويورك) - وصورته لا ترقى إلى صورة فيلاسكويز التي رسمها لإنوسنت العاشر. وقد تجاوزها الجريكو ذاته في لوحة "كردينال تافيرا" الذي نرى في وجه المضني- وكله عظام وعيون حزينة - تعبيراً آخر عن تصور الفنان لتكريس الكاهن نفسه لخدمة الدين. ولكن خير اللوحات كلها لوحات الأخوين كوفاروبيا: فواحد- وهو انطونيو- علماني،

ص: 148

أشيب، متحرر من الوهم، مرهق، صفوح، والآخر- دييجو - في ثوب الكاهن، ولكنه يبدو أشد إقبالاً على الدنيا، وأكثر مرحاً، وحسن التكيف مع محيطه. ولا يفوق هذه الدراسات العميقة سوى بعض لوحات رمبرانت وتتسيانو، ولوحة رفائيل "يوليوس الثاني".

وهي بعض الذخائر التي يضمها متحف كازا ديلجريكو في طليطلة. وفيه أيضاً "تصميم مدينة طليطلة"، وهو يشرف هنا على المدينة كلها وعلى التلال التي تكتنفها وكأنه يطل عليها من سحابة. وقد صورها مرة أخرى في أخريات عمره في لوحة "منظر طليطلة" ومن فوقها سماء عاصفة (نيويورك) - صورة تأثرية تزدري الدقة الواقعية كل الازدراء. وحين أقبل عام 1600، كان "اليوناني" قد أصبح من أشهر مواطني المدينة، يعرفه الجميع بروحه المتقلبة المتكبرة، صوفيا يستطيب بالمال، ويشغل أربعاً وعشرين حجرة في قصر عتيق، يستأجر الموسيقيين ليعزفوا له خلال تناوله الطعام، ويجمع من خوله مثقفي طليطلة، ويكرمه الناس بوصفه "فيلسوفا كبيرا". (14) وحوالي عام 1605 رسم صورة يفترض أنها صورته الذاتية (نيويورك) - أصلع، أشيب، يكاد يكون أعجف. وفي عام 1611 وجده باتشيكو في حال من الهزال أعجزته عن المشي. ولم يستطيع دفع ديونه وإن احتفظ بغرفه الأربع والعشرين، وقرر له مجلس المدينة مبالغ كبيرة غير مرة. ومات عام 1614 وهو في الثالثة والسبعين.

أما مقامه في دنيا الفن فمغامرة تالية لموته. كتب عنه جونجورا سونيتة مديح، وأقر فيلاسكويز بعبقريته، ولكن فنه الغريب لم يوح بأي محاكاة له ولم يؤسس أي مدرسة. ولم تأت سنة 1650 حتى تاه أمام بهاء شهرة فيلاسكويز، وطواه النسيان تقريبا مدى قرنين، ثم اكتشفه دلا كروا من جديد، واحتذى ديجا ومانيه وسيزان طريقته في التعبير عن الحالات النفسية، ورأى فان جوخ وجوجان فيه سلفاً لهما. وفي عام 1907 رفعت "الرحلة الاسبانية" التي كتبها "يوليوس

ص: 149

مايير جريقي" الجريكو فوق فيلاسكويز إلى أعلى ذرى التصوير الأسباني. على أن هذه الذبذبات في الشهرة قلقة لا ثبات لها لأنها عرضة لـ "تقلبات الذوق الجامحة" (15). ولكن الجريكو سيظل قروناً طوالاً المثال الحافز للفنان الذي جاوز الأشياء إلى الأفكار والمشاعر؛ وجاوز الأجساد إلى الأرواح.

‌3 - ثورباران

1598 -

1664

وبعد الجريكو ظل فن التصوير الاسباني جيلاً لا يتحرك ولا يظهر فيه غير رجال أقل كفاية بذلوا ما وسعهم من جهد ثم اختفوا. وإذا فنانان يظهران في آن واحد تقريبا، هما فرانسسكو دي ثورباران وديجوفيلاسكويز، ويفيضان فنهما العظيم على أسبانيا. وقد ظلا ثلاثين عاماً يكمل الواحد منهما صاحبه. فثورباران يرسم كأنه راهب يدفعه الخوف إلى العبادة، ويقترب بصلاته من الله، وفيلاسكويز يلقى النجاح في الدنيا ويلصق بمليكه. أما ثورباران فقد عمد في فوينتي دي كانتوس، بجنوبي أسبانيا الغربي، في 7 نوفمبر 1598، ابناً لصاحب حانوت أتيح له من النجاح ما مكنه من إرسال ولده لينمي موهبته في إشبيلية. وبعد عامين من الدرس وقع أول صورة المؤرخة (1616)، وهي صورة للحمل غير المدنس. كان خليقاً بها أن تقضي على مستقبله. وبعد سنة انتقل إلى ليريما، على خمسة عشر ميلا من مسقط رأسه. وكانت المنطقة آهلة بالأديرة والكنائس والصوامع، ومنها تلقى فرانسسكو مهامه المتواضعة وإلهاماته. وهناك تزوج ماريا بيريز، وكانت تكبره بتسع سنين، لكي يضفي الشرعية على ولده منها، وقد ماتت بعد أن أنجبت له طفلين آخرين. وفي عام 1625 تزوج أرملة تكبره بعشر سنين، ولكن لها صداقاً مغرياً، فولدت له ستة، مات خمسة منهم في طفولتهم. وبعد موتها تزوج بأرملة غنية، فأنجبت له ستة، مات منهم خمسة في طفولتهم. وهكذا جاهد الحب لكي يتقدم الموت بخطوة.

ص: 150

أما في الفن فقد بدأت فترته الخلاقة بعقد كلف فيه بأن يرسم في ستة اشهر إحدى وعشرين صورة لدير دومنيكي باشبيلية يدعى سان بابلو الريال (1626). وبعد أن أنجز ثورباران هذه المهمة زار مدريد فيما يبدو، وأحس بتأثير فيلاسكويز. وكانت صوره حتى ذلك الحين تعكس أسلوب كارافادجو الضخم، وربما أسلوب رييرا أيضاً، فأضاف الآن إلى طبيعته الخشنة نعومة جديدة في الظلال ورهافة في الصقل. وبعد قليل نلقاه في إشبيلية يرسم اثنتين وعشرين لوحة قماشية هائلة للرهبان «المرسيداريين» - (أي رهبان سيدتنا الرحيمة) خصصت لافتداء المسيحيين الأسرى. والصور الأربعة الباقية من هذه المجموعة ليست من الروائع، ولكن في واحدة منها وجهاً صبيانياً تعيه الذاكرة لعله وجه خوان ابن الفنان. ولا بد أن إشبيلية أحبت هذه الصور، لأنها طلبت إلى فرانسسكو رسمياً عام 1629 أن يجعل فيها مقامه- «إن إشبيلية تشرف

لأن التصوير من أهم ما تزدان به الدولة (16)». وقبل ثورباران العرض.

وفي عام 1930 رسم لكنيسة سان بونافنتورا الفرنسيسكانية طائفة من أروع صوره. ومنها صورة «القديس بونافنتورا يشير للقديس توما الأكويني على الصليب» ، ترى فيها اللاهوتي العظيم-ممثلاً على هيئة راهب دومنيكي لسوء الحظ-ينبهه القديس في رفق إلى أن الدين ليس قوامه النظرية الفلسفية بل تأمل المسيح. وهذه الصورة-وهي الموضوع الذي يتردد في ثورباران-سرقها المارشال صولت من أسبانيا (1810) ووجدت طريقها إلى متحف القيصر فردريك في برلين، ثم أتت عليها الحرب العالمية الثانية. وصورة أخرى في هذه المجموعة، «القديس بونافنتورا على نعشه» ، أخذها صولت ايضاً، بيعت للوفر عام 1858 وما زالت هناك؛ والوجوه الأربعة التي إلى يسارها رائعة. وأروع من هذه «تمجيد القديس توما الأكويني» التي رسمها ثورباران لكلية دومنيكية باشبيلية؛ والفكر ينتقل في دهشة من وجه عميق إلى وجه آخر-

ص: 151

أمبروز، وجريجوري، وجيروم، واوغسطين، وشارل الخامس. ولكن خيرونيمو فيلاسكويز كان ينقد على الإطار وحده ستة أمثال ما ينقده ثورباران على الصورة.

وحين انتقل المصور المشغول إلى كنيسة القديس البرتو الكرملية، رسم القديس فرانسيس مستغرقاً في صلاته بخشوع، والقديس بطرس توما، راهباً كثير التجاعيد أضناه طول إنتظار الفردوس. ولما عاد إلى دير المرسيداريين (1631) صور بعضاً من أجل رهبانه، ومن هذه الصور صورة «فراي بيدرو ماتشادو» وتكاثر عليه الطلب خلال سنة 1633: اثنا عشر رسولاً لكنيسة في لشبونة، وثلاث صور للكارثوسيين بأشبيلية، وعشر لمصلى القديس بطرس في الكاتدرائية الكبرى، وإحداها-القديس بطرس نادماً-الموجودة إلى اليوم في مكانها الأصلي، تجربة مدهشة في الواقعية: ربما رسمها وهو يذكر ريبييرا.

وتعاظم الطلب على ثورباران الآن حتى وكل معاونيه بالكثير من أعماله. رسم لدير جوادالوبي في استريمادورا صورة «إغراء القديس جيروم» ، ورأس القديس ويداه في هذه الصورة من أعاجيب التقنية، أما السيدات الرقيقات عازفات الموسيقى فليس من الانصاف أن يقاوم اغراؤهن. وطلبت صور الفنان حتى من بيرو وجواتيمالا، وذهبت سلسلة من صور الرسل إلى ليما، وأخرى إلى أنتيجوا، وأرسلت إلى المكسيك لوحة «المسيح في عمواس» ، التي تصور المسيح المقام فلاحاً سليم الجسم سعيد النفس بتناول طعامه. وبعض هذه اللوحات القماشية أدى في عجلة أو قام به معاونوه، وقد اضطر ثورباران لمقاضاة ليما حتى يحصل على أتعابه.

ومنذ عام 1645 بدأ الفنان الشاب موريللو يتحدى مكانته الرفيعة في إشبيلية، فزود الكنائس والأديار بصور تمثل قصة المسيحية بلغ من رقتها أنها هوت بالطلب على واقعية ثورباران المقلقة. وحاول المصور المكتهل

ص: 152

أن يلطف من مرعباته، وكافح حيناً ليباري موريللو في عاطفته العائلية الورعة، كما نرى في لوحته «العذراء والطفل مع القديس يوحنا» (المحفوظة بسان دييجو في كاليفورنيا)، ولكن هذا الأسلوب الجديد كان غريباً على فنه ومزاجه. وعلى ذلك شد رحاله إلى مدريد عسى ان يستقيم له الأمر، ولكن فليب الرابع، المفلس، لم يجد ما يكلفه به خيراً من زخرفة كوخ صيده. وكان فيلاسكويز كريما معه، ولكنه مات فجأة. وعمر ثورباران بعد موت صديقه وزوال شهرته.

ولم يكد صيته يجاوز جبال البرانس، حتى استلطف قواد نابليون صور رهبانه الضخام وقديسيه العابثين فخطفوا بعضها وأتوا بها إلى فرنسا. ولما اتبعت الأديرة الأسبانية للدولة عام 1635 جلب المزيد من صوره إلى باريس، وفي عام 1838 افتتح الملك لوي فليب في متحف اللوفر قاعة أسبانية تضم أربعمائة لوحة نسبت ثمانون منها لثورباران. والذوق الفني في أيامنا هذه يجد رقعته شديدة الضيق مغرقة في الديرية، ويجد روحه مغالية في الكآبة والتفكير. ونحن نفتقد فيه صعاليك موريللو وفلاسفة فيلاسكويز وأميراته الجميلات. ومع ذلك ففي فنه إخلاص مكين، وتفان عميق، وقوة في اللون والشكل ترفعه فوق دنيا الميول العابرة وتكفل له مكانة في ذاكرة البشر.

‌4 - فيلاسكويز

1599 -

1660

كان جده لأبيه نبيلاً برتغالياً رحل عن أوبورتو إلى إشبيلية بعد أن فقد كل ثروته. وولد الفنان لخوان دي سيلفا والدونا خيرونيما فيلاسكويز، في السنة التي ولد فيها فان ديك، وبعد موت ثورباران وبرنيني بعام، وقبل مولد موريللو بثمانية عشر عاماً. وسمي دييجو رودريجيز دي سيلفا أي فيلاسكويز، وقد ألف أن يسمي نفسه بأسم أمه، وهي عادة شائعة في جنوبي أسبانيا، وحظي بتعليم جيد، وتعلم شيئا من اللاتينية والفلسفة، وجرب دراسة العلوم حيناً. ثم أتجه إلى التصوير، فدرس فترة وجيزة

ص: 153

على خوان دي هيريرا وفترة أطول على باتشيكو. يقول باتشيكو "زوّجْته لابنتي بعد أن أغراني شبابه ونزاهته وخصاله الحميدة وما يرجى لنبوغه الطبيعي العظيم من مستقبل مرموق (17) ".

واقام فيلاسكويز مرسمه الخاص، وسرعان ما لفت النظر بايثاره للمواضيع الدنيوية. وقد اختلط بالدهماء، وكان يغتبط بنقل أفكارهم وترجمة حياتهم إلى وجوههم. ورسم وهو بعد فتى في العشرين لوحة رائعة سماها "سقاء إشبيلية"(18). هنا، في ثوب رث وفي صبر جميل، صورة للفقر مع الأمانة وفي عامه الثالث والعشرين صور الشاعر جونجورا (بوسطن) ببصيرة اكتمل نضجها- فالعينان والأنف نافذة إلى صميم الحياة.

وأكبر الظن أن هذا العمل قام به فيلاسكويز خلال زيارته الأولى لمدريد (1622). لقد كانت إشبيلية وكهانها أضيق من أن يتسعا لبوغه، وساقته فورة من الطموح إلى العاصمة فانطلق إليها يتأبط "سقاءه". هناك حاول التقرب من البلاط ولكنه لم يفلح. ذلك أن فليب الرابع وأوليفارس كانا مشغولين بالسياسة والزيجات والحروب، وكان هناك أكثر من عشرة فنانين يتسلقون نفس السلم. وقفل دييجو إلى إشبيلية. وانقضى عام، ثم وفد الأمير تشارلز ستيوارت على مدريد، وتردد إلى إحدى بنات الملك، وأبدى تذوقاً للفن، فارسل أوليفارس في طلب فيلاسكويز. وركب الفتى الأسود العينين والشعر إلى العاصمة مرة أخرى، فعين مصوراً للبلاط، واستهوى الملك إذ صوره خيالاً باسلاً يمتطي فرساً يطفر، ولم يقنع فليب بالجلوس أمام فيلاسكويز ليصوره مراراً وتكراراً، ولكنه شجع الأسرة المالكة (الأخوة والأخوات والأطفال) ورجال البلاط (الوزراء والقواد والشعراء والمضحكين والأقزام) أن يجلس كل بدوره أمام هذه الريشة المخلدة. وأعطى دييجو مرسماً في القصر الملكي، وفيه، أو على مقربة منه، أنفق أكثر السنين السبعة والثلاثين الباقية من عمره. لقد كانت فرصة رائعة، وكانت سجناً مضيقاً للأفق.

ص: 154

على أن مؤثرين كبيرين وسعا من أفقه. ذلك روبنز، أشهر الفنانين في العالم يومئذ، زار مدريد مرة اخرى عام 1628 - وكان أمام الضوء والظل، والمصور المستهتر للأرباب الوثنية والأجساد العارية الشهوانية. وتأثر فيلاسكويز بفن روبنز، ونصحه هذا بأن يذهب إلى إيطاليا، وإلى البندقية خاصة، ويدرس أعمال نوابغ التلوين. والتمس دييجو الاذن من فليب، فمنحه إجازة وأربعمائة دوكاتيه ثمينة لنفقات الرحلة. وقد نحيط بمثال من سرعة الانتقال بالبحر في ذلك العصر إذا عرفنا أن فيلاسكويز غادر برشلونة في 10 أغسطس 1629، ووصل جنوة في 20 أغسطس. ثم عبر إيطاليا إلى البندقية وجلس أياماً يتأمل اللوحات القماشية العظيمة التي رسمها تنتوريتو وفيرونيزي، وصور الأشخاص والأساطير التي رسمها نتسيانو. ثم انتقل إلى فيرارا وروما، ونسخ صور التماثيل الرخامية القديمة في ساحة روما العامة، وحسد ميكل أنجيلو على رسمه الصور الجصية على سقف كنيسة السيستين الصغيرة. وقد أعانت هذه الصور الفخمة فيلاسكويز على الانتقال من ظلال كارفادجو القائمة إلى تصوير أكثر حدة للأشكال في الضوء الواضح. ثم رحل إلى نابلي ليزور ريبيرا، ومنها قفل راجعاً إلى أسبانيا (يناير 1631).

ترى أهو الغرور- ذلك الظل المساند لكل نفس- الذي دفع فليب ليجلس المرة بعد المرة إلى فنان أوتي مثل هذه النظرة الثاقبة والصدق المدقق، أم كان الدافع له أن يهدي صورته لمن يطلبونها من اصحابه؟ ولكنه تحول مؤسف ذلك الذي نلحظه على هيئته، فصورة الشاب الفارع الطول الرشيق القوام الذي يبدو في اللوحات الأولى تستحيل في النهاية إلى صور رجل غاض اللون من وجهه وصبغ به شعره، وأوتقراطية قاتمة تتشبث بالبقاء- على الرغم من الزمن والهزائم- في العيون الزرقاء الباردة والذقن الهابسبورجي الملتف. وإذا كانت السطحية عيب هذه الصور الملكية، فلعل السبب انه لم يكن هناك شئ تحت السطح الظاهر. فإذا

ص: 155

كان هناك شئ ما، كما في صور جونجورا وأوليفارس، فإنه ينبعث على القماش.

وتخللت صور الملك صور للملكة ايزابيللا، ثم للملكة ماريانا، ثم للملكة ماريا المجرية أخت فليب، وكلهن جلسن إلى المصور دون أن تحقق صورهن نتائج باهرة. واتخذ أخو فيلب الأصغر، الكردينال الأمير فرديناند، يرى الصياد يرافقه كلب كله عضلات وأعصاب ووفاء يقظ. أما أوليفارس فقد امتطى فرساً أدهم ليصور صورته المحفوظة بالبر دو، وجواداً أبيض بنفس الوضع بصورته المحفوظة بمتحف المتروبوليتان للفن في نيويورك. غير تارك مجالاً للشك في هوية من يملك الزمام في أسبانيا. والطف صور الحاشية هذه صور الدون بلتازار كارلوس الصغير، الذي كان مناط آمال الأسرة المالكة. وقد رسم فيلاسكويز هذا الطفل الجميل المرة بعد المرة في اغتباط واضح، مرة في 1631 ومعه قزم تابع (19)، ومرة في 1632 بعد أن أصبح فتنة البلاط (20)، ومرة في 1634 وهو يلوح بعصا المرشالية، ممتطياً في كبرياء جواداً ضخماً (وهو بعد في الخامسة)، ثم صياداً يمسك بندقيته بعناية، ولكن واضح أنه أرق من أن يقتل أو يحكم؛ وفي هذا الوجه البرىء خير رد على أولئك الذين رأوا أن فيلاسكويز لم يرسم غير السطوح. وهكذا جاءت صور السلسلة تترى، من سنة كارلوس الثانية إلى سنته السادسة عشرة، حين أصابت الحمى الأمير المحبوب وقضت عليه.

أمل القزم الذي يرى في إحدى هذه الصور فكان من عدة أقزام أعطوا الفاشلين في بلاط فليب شعوراً معزياً بالتفوق والعظمة. كانت عادة منحدرة من روما الإمبراطورية ومن الشرق الأقدم منها. وحتى البلاط البابوي كان فيه أقزام، وقد جمع الكردينال فيتيللي منهم أربعة وأربعين ليخدموا ضيوفه. وأهدى دوق بكنجهام الملكة هنريتا ماريا فطيرة احتوت قزما طوله ثماني عشرة بوصة (21). وكان أقزام فليب الرابع يلبسون الثياب

ص: 156

الفاخرة التي تتألق بالجواهر والذهب وإرضاءً لهم وتسلية للناس. أما فيلاسكويز فقد صورهم بروح العطف والمرح، فواحد منهم، اسمه انطونيو الانجليزي، يبدي في كبرياء طوله عن كلبه وإن كان دونه جمالاً؛ وآخر اسمه سباستيان دي مورا يعبس في لحيته الضخمة ويزم قبضتيه سخطاً على قدره. كذلك كان في البلاط مهرجون، ورسم فيلاسكويز منهم خمسة، واحداً منهم، صورته تسمى "الجغرافي (22) " لأنه يشير إلى الكرة الأرضية، يبدو أكثر تفكيراً من أوليفارس، وثانياً يسمى بارياروسا يستل سيفاً رهيباً، وثالثاً إرتدى زي دون جوان النمسوي، ورابعاً يحاول حمل كتاب ضخم، وخامساً تسمى صورته "الأبله" يبدو عليه جنون لا يؤذي، بل يكاد يكون لطيفاً.

وجد فيلاسكويز تفريحاً من البروتوكول- برغم كونه دائماً رجل بلاط وجنتلماناً لا تخطئه العين- في دراسة حياة العامة الإجلاء الذين لا يزالون زينة المشهد الأسباني. ففي بواكير إشتغاله بالتصوير (1629) أقنع شابين جميلين وستة من الفلاحين بأن يجلسوا إلى صورة "السكارى". وفيها ياخوس عار تقريبا، جالس فوق برميل، يتوج بالكروم شخصاً راكعاً، بينما تجمع حولهما عشاق للكرمة أجلاف، أضنى بعضهم الكد، وأشاب بعضهم الزمن؛ ولعل هذه هي الخمرية الخالدة الوحيدة في الفن الأسباني خلال القرن الذهبي. وأعجب حتى من هؤلاء السكارى لوحتان سمي فيلاسكويز الأولى "ايزوب"، وهي صورة مؤلف حزين عجوز، مملق نصف أعمى، يحمل قصصه الخرافية عبر السنين، والثانية "منيبوس" وهي صورة فيلسوف كلبي من فلاسفة القرن الثالث ق. م.، هذان وجهان يعلقان بالذاكرة. ولا يقل عن هذا كله ما تركه لنا فيلاسكويز من صور الحيوان؛ جياد تبدو لنا اليوم ثقيلة الحركة لضخامتها، ولكن يعوض عن عيبها رؤوس تختال وعيون تلمع، ورأس غزال عليه سيماء الفلسفة، وقد استسلم لوحشية البشر، وكلاب متحفزة للجري والوثب، أو يقظانة نائمة.

ص: 157

تلك كانت الأعمال الجانبية التي تسلت بها ريشة فيلاسكويز، ربما تخففاً من مخاطر تصويره لكبار الحاشية دون أن ينال منهم المدح والثناء، وقد يزيد تقديرنا لأسبان القرن السابع عشر حين نرى هؤلاء النبلاء يرتدون الأثواب المتواضعة، ومع ذلك يواجهون بإيمان فخور عالماً بدا فيه وطنهم الحبيب عاجزاً مشلول الحركة لما أصابه من انحلال. فالدون دييجو ديل كورال أي أريللانو، والكردينال جاسبار دي يورخا أي فيلاسكويز (23)، والنحات القوي البدن مونتانيس، وفارس سنتياجو الشامخ (24)، وفرانسسكو دستي الثاني، الحلو الحي، والدون خوان فرنسسكو بيمنتال الفخم المهيب- تلك صور تنفذ إلى صميم النفس. وإذا كانت "صورة رجل" المحفوظة في قاعة كابيتوليتي بروما هي حقيقة صورة فيلاسكويز نفسه، كان مستحيلاً على الناظر إلا أن يحبه- بشعره المجعد في إهمال، وثوبه المتواضع، وعينيه الرقيقتين المفكرتين.

ويعجب المرء كيف زحم رجال الحاشية في صور فيلاسكويز الكنيسة والموضوعات الدينية المقدسة ليحلوا محلها. لم يكن في استطاعته أن ينافس الجريكو أو ثورباران في رسم الشيوخ الرسل والقديسين بتجاعيدهم الكثيرة، ولم تنبعث قدراته كلها إلا في صورة "تتويج العذراء" دون سائر صوره الدينية. فلقد كان اغتباط أعظم بالمناظر الدنيوية وفي صورته "لاس لانثاس"، والمشهورة باسم "استسلام بريدا" بسط نفسه على اللوحة بسخاء، فجعلها من أوسع اللوحات في تاريخ الفن (120 بوصة ×144)، ولكنها أيضاً من أغناها تفاصيل. وبيان ذلك أن أمبروزيو دي سبينولا كان قد استرد لأسبانيا خلال الحرب الطويلة التي خاضتها ضد ثوار الأراضي المنخفضة مدينة بريد الاستراتيجية في برابانت الشمالية. والتقى فيلاسكويز بسبينولا عام 1629 أثناء رحلته عائداً من إيطاليا، ووقع من نفسه موقعاً جميلاً ذلك النبيل الفروسي الذي اتسم به القائد الكبير، فسجل هذا كله في رائعة بدا فيها الرماحون الأسبان المنتصرون يرفعون حرابهم عالياً، والمدينة

ص: 158

تحترق، والقائد المهزوم المستسلم جوستين الناساوي يقدم مفاتيح المدينة إلا سبينولا، والفاتح الشهم يهنئ الرجل المغلوب على بسالة دفاعه. ولقد حقق فيلاسكويز في مفارقات اللون العجيبة وفي تمييز كل فرد من الأتباع، نصراً أسعد فليب الرابع أن يعرضه في قصر بوين ريتيرو.

وفي عام 1649 دفع فليب نفقات زيارة فيلاسكويز الثانية لإيطاليا مكافأة له على جهد ستة وعشرين عاما، وكلف الفنان بالحصول على مصبوبات من التماثيل الكلاسيكية وبشراء لوحات بريشة أئمة الفن الايطاليين. ووجد فيلاسكويز أن الأسعار قد شطت، وكاد يستحيل شراء أي أثر كبير للفنانين البنادقة العظام بأي ثمن، واضطر أن يدفع 12. 000 كراون (150. 000 دولار؟) ثمنا لخمس صور. فهل كان اصحاب الملايين وغيرهم قد أخذوا يستغلون الفن وقاء من التضخم المالي؟

أما خير صورة رسمت في إيطاليا في ذلك العام (1650) صورة فيلاسكويز لإنوسنت العاشر. وحين ارتضى البابا أن يجلس إلى الفنان ليصوره، وشعر هاذ بقصور في التمرين، نشط يده وعينيه برسم صورة لعبده الخلاسي، خوان دي باريخا

(1)

(26) ولقيت الصورة الاستحسان العام من فناني روما، الذين بادروا بانتخاب فيلاسكويز عضواً في أكاديمية للقديس لوقا. ولم يتح له البابا غير بضع جلسات، وقام فيلاسكويز بدراسات مبدئية للرأس، وتكاد واحدة منها- محفوظة بالقاعة الأهلية بواشنطون- لا تفرق العين بينهما وبين اللوحة النهائية التي توارثتها أسرة دوريا التي انتمى

(1)

بعد أن أنفق باريخا سنوات في تحضير فرش فيلاسكويز والوانه ولوحاته، وملاحظة عقله وعمله، راح يستعمل هذه المواد بنفسه سراً، وأخيراً أجاد التصوير إجادة حملت فليب الرابع على عتقه بعد أن حسب إحدى لوحات باريخا من عمل فيلاسكويز ومع ذلك بقى خوان تلميذاً وخادماً في أسرة المصور حتى مات (27).

ص: 159

إليها البابا؛ وقد احتفظ بها في قصر دوريا بامفيلي، حيث حكم رينولزجين رآها بأنها "أبدع صورة في روما"(28). وحين يتطلع المرء إليها اليوم يشعر بأن فيها قوة، سواء في الشخصية أو في الفن، تضعها مع لوحة "يوليوس الثالث" لتتسيانو، في مصاف أروع الصور في جميع العصور. وكان إنوسنت العاشر في السادسة والسبعين حين جلس إلى صورته تلك، وقد مات بعدها بخمس سنين. وقد يخطئه الناظر فيحسبه أحد كبار قطاع الطرق الذين كدروا صفو كثير من البابوات، لولا ثوب البابوية وخاتمها، ولكنا حين ندرس تلك الملامح القاسية الحازمة ندرك أن إنوسنت كان ما يجب أن يكون - حاكماً يحكم دولة من الإيطاليين المتمردين، وحبر يقود كنيسة من المسيحيين غير المتحذلقين بخلق المسيحية، المنتشرين من روما إلى الفلبين، ومن روما إلى براجواي، ولقد كان عليه أن يضع حديداً في دمه، وفولاذاً في عينيه، وجبروتاً في طلعته، وقد رآها كلها فيلاسكويز ثم سجلها على لوحته. وحين رأى البابا الصورة علق عليها تعليقاً ساخراً واحداً:"إنها صادقة جداً! "(29) واعترف فنانو روما بتكوينها المتماسك، والانسجام العجيب بين ألوانها الحمراء والبيضاء والذهبية، والنظرة الشكاكة الفاحصة الجانبية تنبعث من عينين رماديتين زرقاوين، وحتى اليدين المنبئتين بقوة الشخصية. وحين رحل فيلاسكويز عن إيطاليا (يونيو 1651)، لم يعد طالباً يلتمس أئمة الفن القدامىـ، بل إمام فن العصر غير منازع. ذلك ان روبنز كان قد طواه الموت، وما كان لأحد أن يحلم بأن هولندياً مغموراً، أثقلت كاهله الديون وازمع على الاعتكاف بعد قليل في مغارة بامستردام، سيبعث من قبره بعد قرون لينازعه تلك السيادة.

فلما عاد فيلاسكويز إلى مدريد اقترف أفدح خطأ في حياته، ذلك أنه التمس ونال وظيفة "مدير للقصر الملكي"، ولعله سئم التصوير، أو لعله أحس أنه بلغ غاية إمكاناته في ذلك الميدان. ولم تكن الوظيفة تشريفاً، فقد تطلبت منه الإشراف الشخصي على القصر، على أثاثه

ص: 160

وزينته، وعلى تدفئته وصيانته الصحية. يضاف إلى هذا ترتيب ما يقام في القصر من مسرحيات ومراقص ومباريات، وتوفير الاقامة للحاشية خلال أسفار الملك. وكان عليه أن يرافق الملك في جميع رحلاته الكبيرة، سواء للهو أو السياسة أو الحرب. أهناك شئ أسخف من هذا لرجل صور أنوسنت العاشر؟ أن زهو المنصب عند فيلاسكويز طغى على شعوره بالعبقرية.

ولم يهب التصوير في السنوات التسع الباقية له من الأجل غير الوقت الذي اقتطعه من مهامه الرسمية الثقيلة. فأستأنف تصوير الأسرة المالكة، وكبار رجال البلاط، والملك نفسه. ورسم ثلاث صور جميلة للأميرة مارجاريتا، وصورها مرة أخرى مركزاً لاحدى روائعه المسماة "وصيفات الشرف"، فالخادمات والقزم والكلب من حول الأميرة، ومن خلفهم فيلاسكويز ذاته برسمهم على لوحته. ثم صورها مرة أخرى في تنورتها الزرقاء الواسعة التي جعلت ساقيها بعد ذلك سراً مقدساً يكتنفه الغموض (30)، وقبيل موته رسمها معجزة من البراءة في ثوب مخرم، وفي عام 1657 زاغ من البلاط ليرسم "نساجي القماش المرسوم"- وجوهاً رائعة اقتنصها بين ضجيج العمل ووقاره. وفي السنة ذاتها تحدى محكمة التفتيش، وصدم احتشام أسبانيا، وأبهجها برسمه ظهر "فينوس روكي" وأردافها الجميلة، وقد أطلق اسم روكي على الصورة لطول ما مكثت في بيت أسرة إنجليزية اشترتها بمبلغ 500 جنيه ثم باعتها لقاعة الفن الأهلية بلندن بمبلغ 45. 000 جنيه. وقد شقت احدى المطالبات بمنح المرأة حق الاقتراع ذلك الظهر الوردي بالسلاح في ستة مواضع حين أحفظها هذا الفضح لأسرار المهنة، ولكنه أصلح ثانية إصلاحاً بديعاً.

في لوحة "وصيفات الشرف" نرى فيلاسكويز كما رأى نفسه في سنيه الأخيرة- شعراً غزيراً، وشارباً فخوراً وعينين فيهما أثر من الإكتئاب، أما الفم فيبدو شهوانياً، ومع ذلك لا نسمع في سجله شيئاً من تلك

ص: 161

الانحرافات الجنسية والصراعات الشخصية التي تفني الكثير في كثير من الفنانين، كان يحظى بمقام رفيع في القصر بفضل آدابه العالية، وروحه المرحة، وحياته الأسرية المهذبة. وقد خلف لنا صوراً لزوجته خوانا وابنته فرانسسكا (31)، ولعل النموذج الذي نقل عنه لوحته "السيدة ذات المروحة"(32)" هو أيضاً فرانسسكا. وقد رسم زوجها خوان باوتستا ديل ماتو لوحة سماها "أسرة الفنان" (33) يبدو فيها فيلاسكويز وفي خلفيته مرسم، ومعه خمسة أطفال أعانوا على وحدة الأسرة.

وكان موته نتيجة لوظيفته. ففي ربيع عام 1660 رتب المراسم والاحتفالات المعقدة التي تقرر أن تصاحب توقيع معاهدة البرانس على جزيرة في نهر بداسوا الواقع على الحدود، وخطبة الأميرة ماريا تريزا للويس الرابع عشر. وكان على فيلاسكويز أن يدبر نقل الحاشية إلى منتصف الطريق عبر أسبانيا إلى سان سباستيان، ويجهز أربعة آلاف من بغال النقل لحمل الإناث والصور وقطع النسيج المرسوم وغير ذلك من زينات، وعاد المصور، الذي تاه الآن في الموظف، إلى العاصمة "وقد أضناه سفر الليل وكد النهار" كما ذكر لصديق. وفي 31 يوليو لزم الفراش مصاباً بحمى ثلثية، وفي 6 أغسطس، أو بعبارة أول مترجم لحياته "في عيد تجلي المسيح

أسلم روحه الله، الذي خلقها لتكون أعجوبة من أعاجيب الدنيا (34) ". وما مضت ثمانية أيام حتى ووريت زوجته الثرى إلى جواره.

والذين لا علم لهم منا بتقنية التصوير لا يستطيعون إلا الاستمتاع بآثار فيلاسكويز- لا حاكمين على جودتها، بل تاركينها لترينا عصراً، وبلاطاً، وملكاً خاملاً، وزوجاً جمعت بين الكبرياء والرقة. وحتى نحن في هذا الوضع قد نتذوق ما في هذه الصور من صفاء وبساطة ووقار وصدق كلاسيكي، ونستطيع أن نحزر ما وراء انتصاراتها من جهد ومهارة، وما اقتضته من محاولات اجتهادية، وتوزيع تجريبي للأشكال، وتراكب وعمق وشفافية في الألوان، وحركة مشكلة للأضواء والظلال. أما النقاد

ص: 162

الذين تعبوا من المديح المتكرر فقد أشاروا إلى عيوب الفنان الأسباني الكبيرة: أخطاء صغيرة كالأغطية البلهاء التي ألبسها رؤوس أميراته الصغار، وبطون جياده الغليظة، والوجه عديم التناسب، المعكوس في المرآة، في صورة "فينوس روكي"، ثم عيوب كبيرة، كافتقاره إلى العاطفة، والخيال، والمثالية ورقة الاحساس، وفنائه في الشخصيات لا في الأفكار فناء يكاد يكون نسائياً، وعماه الواضح عن كل شئ لا تراه عيناه (35). وحتى في أيام فيلاسكويز، اتهمه أحد منافسيه المدعو فنتسنزو كاردوتشي بطبيعية قصيرة النظر تحسب أن التشخيص المدقق للواقع الخارجي هو أسمى وظائف التصوير.

فمن يجيب عن فيلاسكويز (الذي ما كان ليجيب قط) بأنه غير مسئول عن أغطية الرؤوس ولا عن بطون الخيل تلك، وبأن العاطفة المضبوطة أوقع في النفس من العاطفة المعلنة، وبأن صور بالتازار كارلوس والأميرات، وصور وصيفات الشرف، وصورة استسلام بريدا- كلها تبدي احساساً رقيقاً مرهفاً، وان "أيسوبس" و "منيبوس" دراستان في الفلسفة، وان صور جونجورا، وأوليفاريس، وإنوسنت العاشر، ليست محاكاة للظاهر بل إنبعاثاً للروح؟ وليس في فن فيلاسكويز سعي سافر وراء الجمال، بل بحث عن النوع الكاشف منه، اناث قليلات يرقق الحسن منهن، ولكن رجال كثيرون خطتهم الحياة وميزتهم.

ومع أن فيلاسكويز كان على الدوام موضع الاجلال في أسبانيا بوصفه مصورها الأعظم، فان شهرته لم تكد تعبر البرانس، ربما لأن الكثير جداً من فنه كان في البرادو- حتى قدمه رفائل منجز لألمانيا عام 1761، وكشفت عنه حروب نابليون الأسبانية لإنجلترا وفرنسا، ونادى به مانيه والتأثريون رائداً لهم في دراسة الضوء والجو والتعبير عنهما، ووضع فيلاسكويز طوال نصف قرن في مصاف أعظم المصورين، وسماه وسلر "مصور المصورين" لأنه استاذهم جميعا، وصرح رسكن بقوة الرجل

ص: 163

الحجة بأن "كل ما يفعله فيلاسكويز يمكن اعتباره صحيحاً على الاطلاق". ثم ذهب مايير- جريفي إلى اسبانيا ملتمساً فيلاسكويز في البرادو، ولكنه عثر على الجريكو في طليطلة"، و "أنه ظل دائما في حجرة انتظار الفن" (36). وفجأة اعتقد نصف العالم أن فيلاسكويز من مصوري المرتبة الثانية.

والشهرة زي من الأزياء المتقلبة، فنحن نمل تحميل أقلامنا عبارات الإعجاب القديمة، ونجد البهجة والانتعاش في أن ننبذ الأصنام البالية من خيالنا، وأن ننزل الجبابرة الذين ماتوا عن عروشهم، ونرفع آيات الحمد والثناء للآلهة جديدة نفخت فيها أصالتنا أو بعثها من رقادها صيت جديد. ولا ندري أي مكان من العظمة سيحظى به فيلاسكوزي حين يدور الزمن دورته ويغير الذوق اتجاهه من جديد.

‌5 - موريللو

1617 -

1682

أتى على الناس حين، أيام شبابنا المؤمن، كانت في صورة موريللو "حمل العذراء غير المدنس" تتمتع بصيت ذائع كصورة رفائيل "سيستيني مادونا"؛ أما اليوم فما من إنسان مهما قل شأنه يؤدي لها حقها من الاحترام. ذلك أن اضمحلال الإيمان المسيحي في أوربا وأمريكا قد اقتطع نصف الجمال من صور حسبنا الجمال ملازماً لها. وموريللو ضحية من ضحايا هذه التعرية.

ولكن لنبدأ بتحية لألونسو. رجل عجيب- قسيس، ومبارز، ومصور، ونحات، ومعماري، ولد في غرناطة، وهاجر إلى إشبيلية ودرس التصوير (جنباً إلى جنب مع فيلاسكويز) على باتشيكو، والنحت على مونتانيس. صمم وحفر ورسم روافد للمذبح لكلية سان البرتو وكنيسة سانتا باولا، حيث نافس ثورباران بنجاح. وحفر لكنيسة لبريخا تماثيل دينية جذبت الطلاب من خارج البلاد ليعجبوا بها ويحاكوها. وقد اشتبك في مبارزة، وجرح غريمه جرحاً خطيراً، فهرب إلى مدريد، ونال حماية أوليفارس حين تشفع له عند فيلاسكويز، وبفضل رسومه في العاصمة

ص: 164

وقربها حصل على وظيفة بالبلاط. وفي عام 1644 وجدت زوجته قتيلة في فراشها، فاتهم خادمه، ولكن تهمة القتل وجهت إليه هو. ففر مرة أخرى من النجاح، واختبأ في دير قصي، ولكن مخبأه عرف، فقبض عليه وعذب، واحتمل كل الآلام دون أن يعترف بأنه المذنب، فأفرج عنه، وبدأ من جديد. وفي عام 1651، حين بلغ الخمسين، عاد إلى غرناطة، حيث أصبح قسيساً وكاهناً من كهان الكاتدرائية، وصنع لها تماثيل وصوراً ومقارئ وأبواباً بلغت كلها من الروعة ما يغتفر له معها غروره. ولما كلفه مراجع الحسابات الملكية في غرناطة بصنع تمثال للقديس أنطوني البادوي، أنجزه على نحو أرضى هذا الموظف، ولكنه مع ذلك ساومه على ثمنه. وطلب كانو مئة دوبلون (3. 200 دولار؟). فسأله الموظف "كم يوماً استغرق منك صنعه" أجاب:"خمسة وعشرين" قال المحاسب، "فأنت تقدر جهدك إذن بأربعة دبلونات لليوم؟ " أجاب "أنك لا تحسن الحساب"، فقد أنفقت خمسين سنة لأصنع تمثالا كهذا في خمسة وعشرين يوماً". قال "وأنا انفقت شبابي وميراثي في دراستي الجامعية، والآن أصبحت محاسب غرناطة، وهي مهنة أشرف بكثير من مهنتك، لا أكسب في اليوم غير دوبلون واحد" وصاح به المثال "تقول مهنتك أشرف من مهنتي! فأعلم أذن أن في قدرة الملك أن يصنع محاسبين من تراب الأرض، ولكن الله يحتفظ لنفسه بخلق فنان كألونسو كانو. "، ثم هشم التمثال لفوره في سورة غضبه (37). وظن الناس حيناً أن محكمة التفتيش ستسجنه، ولكن فليب الرابع بسط عليه حمايته، ومضى كانو في رسم صور وحفر تماثيل- جلها ديني- حملت عشاق عبقريته المتعددة الجوانب على أن يلقبوه ميكل أنجيلو أسبانيا. وكان ينفق مكاسبه بالسرعة التي يحصل بها عليها، على وجوه البر عادة، وتقدمت به الأيام وهو في فقر اضطر هيئة الكاتدرائية لاعتماد معونة مالية له. وقد رفض وهو على فراش موته صليبا يمثل المسيح مصلوبا قدم إليه، لأنه سيئ الحفر.

ص: 165

أما برتولومي استيبان موريللو فرجل مختلف تماما- متواضع، دمث الخلق، تقي، معبود تلاميذه، ومحبوب منافسيه، ومعين للبر بالناس شهدت إشبيلية مولده عام 1617 وهي يومها قصبة الفن الأسباني، وكان آخر أربعة عشر طفلاً. ودرس التصوير على خوان دي كاستيللو، ولكن موت أبويه فقيرين وهو بعد في الرابعة عشرة اضطر الصبي اليتيم إلى كسب قوته برسم صور فجة سريعة لسوق أسبوعية. وإذ سمع أن فليب الرابع عطوف على الفنانين اتخذ سمته الى مدريد (؟) حيث صادقه فيلاسكويز- في رواية غير مؤكدة (38) وأسكنه منزله، وحصل له على إذن بدخول قاعات الفن الملكية، وشجعه على دراسة أعمال ريبيرا، وفان ديك، وفيلاسكويز.

على أننا نلقاه في إشبيلية ثانية عام 1645. ذلك أن دير فرانسيسكانيا بها عرض أجراً غير مغر نظير رسم سبع صور كبيرة، واحتقر الفنانون الراسخون هذا الأجر، ولكن موريللو رضى به، وأنتج أول روائعه "مطبخ الملائكة" (39)، وفيها يبدو الملائكة قادمين من السماء يحملون الطعام ويطهونه ويمدون الموائد ويطعمون الصالحين في مجاعة، ومع أن موريللو حاول أن يتأثر بالاسلوب الفحل الذي جرى عليه ريبيرا وثورباران، إلا انه روى القصة متأثراً بميله للعاطفة الرقيقة. هذه الصورة، هي وصورة "موت القديسة كلارا (40) " صنعتا شهرة الفنان، وأقبل نصف مثقفي إشبيلية ليعجبوا، ثم تكاثر عليه الطلب. وكان أكثر ما طلب إليه صوراً كنيسة، فتدفقت من ريشته صور العذراء، والعائلة المقدسة، والقديسين في وفرة موفقة، وأغنت الأساطير المسيحية بالجميل من النساء، والوسيم من الرجال، والظريف من الأطفال، وبالألوان الوردية والجو الصوفي حتى انعطفت نحوه أوربا لأنه أحب العارضين لأحب العقائد إلى نفوس الناس.

وإذ وجد موريللو رزقه على هذا النحو، فإنه غامر بالزواج وهو في

ص: 166

الثلاثين، وملأ بيته بضجيج تسعة أطفال وشجارهم وبهجتهم، وشقي من أجلهم راضياً حتى موته. ونقدته هيئة الكاتدراية عشرة آلاف ريال عن لوحته "القديس أنطوني البارودي" التي ما زالت معلقة هناك. وتؤكد لنا قصة يشتبه أنها صدى لأسطورة رويت عن زيوكس (41)، ولكنها طبعت قبل موت موريللو بأحد عشر عاماً، تقول إن الطيور التي طارت داخل الكاتدرائية حاولت أن تحط على الزنابق المرسومة في الصورة، وراحت تنقر الفاكهة (42).

ومع أن مواضيعه كانت جلها دينية، فإنه جعلها إنسانية أكثر منها كنسية. وإذا كانت أوربا الكاثوليكية الرومانية كلها قد أحبت النسخ الكثيرة التي أذاعها نقلاً عن لوحته "حمل العذراء غير المدنس"(43)" فما كان ذلك لمجرد أنها احتفلت بموضوع محبب جداً لأسبانيا ولذلك الجيل، بل لأنها توجت الأنوثة في سحابة من المثالية والقداسة. وقد استوحى الفنان نساء الأندلس الفاتنات ذوات الحس الجنسي المتواضع ليرسم صورة عذراء الصلوات (44 (والعذراء الغجرية، وصورة "العائلة المقدسة والطائر" ذات الجمال الأسمر (45).

ومن رسم الأطفال خيراً منه؟ ان صورة "البشارة" المحفوظة بالبرادو تطالعنا فيها صبية دخلت سن المراهقة، فيها خفر ورقة، آية الحياة ذاتها. وقد وجد موريللو نماذج للأشكال الكثيرة التي صور بها المسيح طفلاً في الأطفال الحسان الوجوه الذين أحاطوا به في بيته وشارعه، ولعله استمتع بهم هم أكثر من استمتاعه بالموضوع المقرر، ورسمهم في صورة لا تقل فتنة عن أي صور للأطفال رسمت أيام النهضة الإيطالية. وكان إذا عجز عن حشر الأطفال في لوحاته الدينية يرسمهم فرادي. وفي "بيت الفن" بميونيح حائط حافل بهم: صبيان يرمون النرد، وغلمان يأكلون الشمام لأنه طريقة محتملة لغسل وجوههم، وصبي يمضغ الخبز بينما تفلي أمه شعره. وصورة "الصبي المطل من نافذة (47) " تبين بوضوح

ص: 167

أن المال والسعادة تشاجرا وافترقا، فليكن إذن "الصبي ذا الكلب (48) " والعالم سبيله إلى الرزق. وفي صورة "الغلام المتسول" المحفوظة باللوفر يستأذن الفنان المثالي القوى العليا، وينظر إلى الحياة على الأرض، ويجدها جميلة حتى ولو لبست أسمالاً بالية. ان موريللو في واقعيته يحتفظ بمثاليته.

وعاش- كما رسم- دون مأساة، إلا في ختام عمره. ذلك أنه تسلق سقالة لينجز صورة في كنيسة بقادس، فزلت قدمه وسقط فانكسر كسراً خطيراً أصاب دمه بالتسمم، وما لبث ابن الأندلس جميعها، الأثير لديها، أن مات (1682)، وكان موته مفاجئاً حتى أنه لم يستطع إتمام وصيته وخط فوق قبره ما أوصى به، وهو اسمه، وهيكل عظمي، وكلمتان "فيفي موريتوروس"- أي عش كأنك تموت وشيكاً.

وظلت مكانته طوال قرنين عالية عند أولئك الذين تهمهم ما تقوله الصورة أكثر مما تهمهم الكيفية التي تقولها به. وقد أذاع قواد نابليون صيته بسرقتهم صوره وبيعها غنيمة حلالاً. وأكثر النساخ غير الأكفاء من نقل لوحاته فشككوا النقد في فنه. كان على علم بتقنية صناعته، ولكن ضيق من رقعته كثيراً ذلك التوفيق الذي أصابه مع الكنيسة؛ وقد غالى في الاستسلام لجانب الحياة الأنثوي العاطفي، فما بدأ جميلاً أصبح بالتكرار الثابت مجرد شئ لطيف على نحو لا يؤثر في نفس الناظر. وكان قديسوه يتطلعون إلى السماء في إصرار كثير أنسى أوربا هذا الفنان حين انصرفت عن السماء. ولهذا السبب نفسه أغفلت النظر إلى التصوير الأسباني عامة بعد سنة 1680. وبينما كانت أوربا تتجادل حول المسيحية، ظلت إسبانيا متشبئة بتراثها الوسيط، فلم يلفت فنها أنظار العالم ثانية إلا عند مجىء جويا.

وإبان حياة موريللة قضت على القرن الذهبي للفن عشرات العوامل الفتاكة. وكان الذهب ذاته، والبحث عنه في الأقطار الأجنبية، بعض هذه العوامل: ذلك أن شباب إسبانيا وعنفوانها تحررا من سجن شبه الجزيرة ليكشفا الأمريكيتين ويستغلاهما، والذهب الذي أرسلاه إليها أفسد

ص: 168

الحياة الأسبانية، وشجع التكاسل، ورفع الأسعار، أو وقع غنيمة للسفن الهولندية أو الجنوية التي تحمل التجارة الأسبانية. واختزنت الحكومة المعادن النفيسة، وغشت العملة، وطردت المغاربة المنتجين، واستكثرت من الوظائف وباعتها، وفرضت الضرائب على كل شئ إلى حد اللامبالاة الاقتصادية، وبعثرت الثورة في الحملات الحربية ومظاهر البذخ في البلاط بينما الصناعة تذبل، والبطالة تنتشر، والتجارة تذوي، والسكان يتقلصون، والمدن تخرب. وفقدت الحكومة ذات الطابع الارستقراطي الضيق كل كرامة، فوضعت صناديق التبرعات في الشوارع، والتمست المال من بيت إلى بيت لتمول عجزها في الداخل وهزائمها في الخارج (49). أما الجيوش الأسبانية المرابطة في صقلية ونابلي وميلان، الشافة طريقها في غابات العالم الجديد وبراريه، المضنية نفسها في حرب الثلاثين، الخائضة حرباً خاسرة لقهر عناد ثوار الأراضي المنخفضة وإصرارهم الذي لا يصدق- هذه الجيوش استنزفت الموارد البشرية والمادية لدولة صغيرة جبلية نصف صحراوية، تحبسها حدودها في بحر يسيطر عليه منافسوها التجاريون وأعداؤها البحريون. ولم يبق غير الأديرة والكنائس، متشبثة بأملاكها الشاسعة، اللاصقة بها، المعفاة من الضرائب، مستكثرة من الرهبان في حياة عاطلة غالية الثمن. وبينما كان الدين يسترضي الفقر بصكوك على الجنة، ويخنق الفكر، ويدعو إسبانيا للعيش على ماضيها، أجزلت فرنسا وإنجلترا مكافأة الصناعة، واستولتا على التجارة، ودخلنا رحاب المستقبل. أن التلاؤم مع البيئة المتغيرة هو لب الحياة، وهو أيضاً ثمنها.

ص: 169

الفصل الثالث عشر

‌الصراع على فرنسا

‌1559 - 74

1 -

القوى المتنافسة

الإنسان حيوان منافس مادام يخشى الخطر أو يذكر افتقاره إلى الأمن. كذلك حال الجماعات والطبقات والأمم والأجناس التي تفتقد شعور الأمن. فهي تتنافس بذات الحرص الذي يتنافس به الأفراد المؤلفة منهم، وبعنف أشد، لأنها أقل تقيداً بالقانون، وتمتعا بالحماية، ان الطبيعة تدعو جميع الكائنات الحية إلى العراك. وفي حمى الصراع الأوربي بين حركة الاصلاح البروتستنتي (1517) وصلح وستفاليا (1648) استخدم هذا التنافس الجماعي الدين ستاراً وسلاحاً لتحقيق الأهداف الاقتصادية أو المآرب السياسية. فلما ألقى المحاربون سلاحهم بعد قرن من النضال، احتفظت المسيحية ببقائها وسط الخرائب بشق الأنفس.

كانت فرنسا أول من عانى وأول من أفاق، فقد كانت «حروبها التي خاضتها من 1562 إلى 1594 بالنسبة لها ما ستكونه حرب الثلاثين (1618 - 48) بالنسبة لألمانيا، والحروب الأهلية (1642 - 48) بالنسبة لإنجلترا. ذلك أنه عند موت هنري الثاني في صراع مؤسف (1559) وارتقاء ابنه البالغ من العمر خمسة عشر ربيعاً العرش باسم فرنسيس الثاني، كانت الأمة على شفا الإفلاس من جراء النزاع الطويل بين آل هابسبورج وملوك فالوا. كان مجموع ايراد الدولة السنوي أنئذ 12. 000. 000 جنيه وبلغ الدين الأهلي43. 000. 000. وتخلفت رواتب كثير من الحكام المحليين أربع سنوات، واستحال اقناع الشعب الفرنسي بدفع الضرائب (1). وترددت ليون في الفوضى الاقتصادية عام 1559 إثر انهيار مالي مفاجئ. وكان من أثر تدفق فضة أمريكا وذهبها إلى فرنسا بطريق أسبانيا والبرتغال

ص: 170

أن هبطت قيمة العملة، وتضخمت الاسعار، وانطلق سباق شرس بين الأجور والأسعار لم يفد منع غير الرأسماليين العليمين ببواطن الأمور والمنشغلين بالمضاربات. وحاولت الحكومة عام 1567 وعام 1577 أن تسن القوانين لتحديد أقصى الأسعار والأجور، ولكن التزاحم الاقتصادي طغى على القوانين (2)، واستشرى التضخم، ربما باعتباره طريقة غير دينية لدفع نفقات الحروب الدينية. أما المنظمة الغنية الوحيدة في الدولة فكانت الكنيسة الكاثوليكية التي انضوى تحت لوائها 94. 000 من رجال الدين (في عام 1600)، و 80. 000 راهبة، و 70. 000 راهب أو أخ، و 2. 500 يسوعي، وملكت الكاتدرائيات المهيبة، والأسقفيات الفخمة، والأراضي الشاسعة المثمرة، لقد كان ثلث ثروة فرنسا-وقيل ثلثاها- ملكاً للكنيسة (3). وتوارت خلف الحروب الدينية تلك الرغبة في الاحتفاظ بهذه الثروة الكنسية أو الحصول عليها،

وواتى الحظ الكنيسة بارتقاء شارل دجيز منصب كبير وزراء فرنسيس الثاني، وكان قد نصب كردينالا للورين وهو لا يتجاوز الخامسة والثلاثين. وقد أخذ الأموال من آل جيز لقبهم هذا من قلعتهم القريبة من لاون، ولكن مقرهم الرئيسي كان في اللورين، التي لم تندمج في فرنسا إلا مؤخراً. أما الكردينال فكان رجلاً وسيم الطلعة، حاضر الذكاء، مهذب المسلك، إدارياً قديراً، يملك ناصية البلاغة في اللاتينية والفرنسية والإيطالية، ولكن شغفه بالمال والسلطان، ونفاقه المصقول، وتحفزه لاضطهاد الخوارج والانتقام من المعارضين، وخفضه الجريء نفقات الحكومة-كل هذا خلق له أعداء في كل طبقة تقريبا. وكان أخوه الكبر، فرنسيس دوق جيز، قد اكتسب سمعة في الاستراتيجية وميادين القتال، وأصبح الآن وزيراً للحربية، ولكن إفلاس البلاد كان يتطلب السلام، لذلك كان على فرنسيس أن يشبع أطماعه في تبطر مثير، فعشق مظاهر العظمة، والثياب الفاخرة، والعرض الفروسي، ولكن آدابه الملوكية وكياسته ومسلكه

ص: 171

الشخصي-كلها جعلت منه معبود فرنسا الكاثوليكية. ولم يكن يطيق الهرطقة، فرأى استئصال شأفتها بالقوة (4) -وكان هو وأخوه على يقين من أن الكنيسة ستشرف لا محالة على الفناء إذا اعتنقت فرنسا البروتستنتية كما اعتنقتها ألمانيا وإنجلترا، وان فرنسا ستفقد تلك الحماسة الدينية التي دعمت من قبل نظامها الاجتماعي ووحدتها القومية. وفي سبيل الدفاع عن ايمانها وسلطانهما تحدى الأخوان جيز الكثير من المخاطر، ولقيا حتفهما قبل الأوان، وشاركا تبعة إيذاء فرنسا وتعذيبها.

لم يعد الهيجونوت أقلية ضئيلة عاجزة من الفرنسيين البروتستنت يقودهم ويلهمهم كالفن من جنيف، بل ثورة عقائدية واجتماعية واسعة الانتشار على الكنيسة. وقد قدرهم كالفن بعشر الشعب الفرنسي عام 1559 (5). وقدر ميشليه إن عددهم تضاعف عام 1572 (6). كان لهم مراكز في كل إقليم من دوفيني إلى بريتني، ولا سيما في الجنوب الغربي من فرنسا، حيث استؤصلت في الظاهر هرطقة الألبيجنس قبل ثلاثة قرون. فعقدوا اجتماعاتهم للصلاة برغم قوانين الخطر التي أصدرها فرنسيس الأول وهنري الثاني، وعاشوا على العظات الجادة التي تبشر بالجبرية، وأصدروا الكتيبات النارية حول مفاسد الكنيسة وعسف الأخوين جيز، وعقدوا مجمعاً عاماً في باريس (26 مايو 1559) تحت سمع الملك وبصره. لقد أعلنوا ولاءهم للملكية الفرنسية، ولكنهم نظموا الأقاليم التي سادوها وفق الأساليب الجمهورية. وصاغوا لهم ما تصوغه أية أقلية مضطهدة من ايدلوجية مؤقتة للحرية، ولكنهم وافقوا الكاثوليك على أن من واجب الدولة أن تفرض «الدين الحق» على فرنسا كلها. وكانت نظريتهم الخلقية أكثر صرامة من ناموس خصومهم الذي تراخى مع الزمن، فاجتنبوا الرقص، والثياب البهية، والمسرح، ونددوا ساخطين بأخلاق القصر، حيث «الرجال لا يغرون النساء» بل النساء يغرون الرجال (7) كما قالت جان دالبير لابنها.

ص: 172

أما الملكة الأم، كاترين دي ميدتشي، فرأت أن الدين عند الفريقين «إن هو إلا ستار لا نفع له إلا إخفاء الأحقاد والضغائن، ومع ذلك فقلوبهم لا تنطوي على شئ أضأل من الدين (8). ولعلها قست في حكمها هذا، ولكن ما من شك في أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية كانت تكمن خلف الصراع الديني؛ وثبت الفلاحين على الكثلكة، ولم يكن لهم مصلحة في هذا النزاع، ولم يجدوا جبرية صارمة كالبروتستنتية بديلاً يعوضهم عن الأساطير المعزية وملطفات الأعياد التي أتاحتها لهم عقيدتهم القديمة. أما البرولتاريا، الصغيرة عدداً الكبيرة بروح الثورة، فقد نددت برؤسائها واستمعت في تعاطف إلى صوت «الإصلاح» لأنه يعد ببعض التغيير، وكما حدث في إنجلترا اللورد والبيورتان وألمانية حرب الفلاحين، كذلك أصبح الإنجيل هنا كتاب الثورة (9). كذلك استمعت الطبقات الوسطى إلى الوعاظ الأجرياء الذين دربتهم جنيف وبعثتهم إلى فرنسا. وأما رجال الأعمال الذين التقوا في الأسواق الكبيرة بالأثرياء من الألمان والانجليز والسويسريين فقد لاحظوا الحلف الناجح بين هؤلاء التجار وبين الحكام البروتستنت والأفكار البروتستنتية. لقد طالما كابدوا الإهانات تحت سلطان الأساقفة والبارونات الذين احتقروا التجارة وارتبطوا بعادات الاقطاع. وسرهم وأثار حسدهم ما علموه من عطف كالفن على دنيا المال والأعمال، ومن إشراكه العلمانيين في رقابة الأخلاق والأشراف على الكنيسة. وقد كرهوا ثراء الكنيسة وعشورها، وغاظتهم المكوس الاقطاعية المفروضة على التجارة. ولم يستطيعوا ان يغتفروا للملكية اخضاعها الكومونات البلدية للحكومة المركزية بعد أن ظلت قروناً حكراً سياسياً لهم (10). وحتى أصحاب المصارف رضوا عن الهيجونوت الذين لم يحتقروا تقاضي الفائدة على المال، وهو الأمر الذي استنكرته الكنيسة منذ زمن سحيق، وأن اغضت عنه مؤخراً بعين لاهوتية وقور.

وكان كثيرون من النبلاء يعتنقون قضية الثوار، لأنهم هم ايضاً لم يرتضوا

ص: 173

مركزة السلطة في دولة موحدة. ولا بد أنهم سمعوا بأمراء الاقاليم الألمان الذين استطاعوا بتحالفهم مع البروتستنتية أن يتحدوا الأباطرة والبابوات، والذين أثروا من غنائم الكنيسة، إذن فما الذي يحول دون استخدام هؤلاء الهيجونوت البواسل أداة جاء أوانها لتهذيب الملك واخضاعه؟ لقد كان النبلاء يهيمنون على حقول فرنسا ومحاصيلها وفلاحيها، وينظمون فرقها العسكرية ويقودونها، ويسيطرون على حصونها، ويحكمون أقاليمها، فلو أن حركة الاصلاح كسبت طبقة النبلاء لدعمت ظهرها بقوة منتشرة في الأمة كلها. وقد نبه كردينال اللورين هنري الثاني عام 1553 إلى أن النبلاء ينحازون إلى صف الهيجونوت. فلم يحل عام 1559 حتى كان النبلاء في نورمانديا، وبريتني، وبواتو، وأنجو، ومين، وسانتونج، يتزعمون ثورة الهيجونوت علانية.

لم تغتفر أسر البوريون المعتزة بنفسها لأسرة فالوا الحاكمة أنها دفعت شارل دوق بوربون إلى الخيانة والموت قبل الأوان (1527)، ولا استطابوا إقصاءهم عن الحكم على يد آل جيز المتعصبين لقومهم، والذين اعتبروهم أغراباً أصلهم من اللورين الذي كان ألمانياً أكثر منه فرنسياً. لقد كان لويس الأول البوربوني، أمير كونديه، سليلا للملك لويس التاسع، يجري في عروقه الدم الملكي، وتسمو مرتبته فوق مرتبة الأخوين جيز، وقد انضم إلى الهيجونوت، ومات في محاولته الوصول إلى السلطة على جناح عقيدتهم. أما أخوه انطوان البوربوني، ملك نافار لقبا-والذي لا يحكم فعلاً غير إقليم بيارن في جنوب فرنسا الغربي-فقد انحاز حيناً إلى صف الهيجونوت، متأثراً إلى حد كبير برأي زوجته جان دالبير. وكانت جان الابنة المناضلة لأم رقيقة هي مارجريت النافارية، التي احتفظت في الظاهر بكثلكتها إحتراماً لأخيها فرنسيس الأول، ولكنها بسطت حمايتها على كثيرين من المهرطقين والهيجونوت

وكما أن الأم مثلت النهضة في حبها للحياة والشعر، فكذلك مثلت جان دور النساء في الإصلاح البروتستنتي الفرنسي

ص: 174

وخلقهن-غيورات في دينهن إلى حد التعصب، يربين أطفالهن ويكرسنهم ليواصلوا الحرب المقدسة حتى الموت أو النصر. وقد أنشأت ولدها الشهير الذي عرف فيما بعد بهنري الرابع، على كل فضيلة إسبرطية وبيوريتانية، ولم يفسح لها في الأجل حتى تراه يرتد إلى مرح النهضة المنحل. ولا بد أنها لأعجبت أشد الإعجاب بجاسبار دكوليني، فقد جمع في شخصه كل مثلها الأعلى: إنسان شريف لقباً وخلقاً، وزعيم حصيف وفيّ لقضية الهيجونوت، وجندي ورجل دولة صارم أخزت مناقبه خيانات البلاط المتوارية خلف طلاء زائف.

كان كالفن قد حذر أتباعه الهيجونوت من المقاومة العنيفة للحكومة (11). ولكن صبرهم عيل تحت وطأة الاضطهاد. ذلك أن هنري الثاني كان قد أمر جميع القضاة بأن يحكموا بالإعدام على كل البروتستنت المتشبثين بعقيدتهم (يونيو 1559). ثم جدد فرنسيس الثاني هذا الأمر بتحريض من الأخوين جيز، وأضاف إليه أمراً بهدم جميع المباني التي تعقد فيها اجتماعات دعاة الإصلاح البروتستنتي، وأمراً بإعدام الأشخاص، وحتى الأقرباء، الذين يؤوون مهرطقاً محكوماً عليه، أو يقصرون في إبلاغ الحكام عنه. وفي الشهور الخمسة الأخيرة من عام 1559 أحرق ثمانية عشر شخصاً أحياء لتماديهم في الهرطقة، أو لرفضهم حضور القداس أو تناول القربان الكاثوليكي. وفر مئات من الهيجونوت الفرنسيين إلى جنيف حيث آواهم كالفن. أما الذين بقوا في فرنسا فقد بدأوا ينظمون أنفسهم لخوض الحرب الأهلية.

وفي 23 ديسمبر 1559 أحرقت آن دبور لأنها اجترأت في «برلمان» باريس على إدانة الاضطهاد بسبب الهرطقة. وبعد هذا بقليل خنق جاسبار وهو في قصر فانسين الريفي بأمر الأخوين جيز، وتآمر زوج أخته، جودفروا دباري، سيد إقليم رنودي، مع الأشراف وغيرهم على اعتقال الأخوين جيز وعزلهما بهجوم مباغت يقومون به في أمبواز، واكتشف

ص: 175

كردينال اللورين المؤامرة، فجرد جنده وقهر المتآمرين وقبض عليهم، ثم شنق بعضاً، وقطع رؤوس بعض، ووضع بعضاً في زكائب وقذف بهم في اللوار. جاء في سجل أخبار معاصر «لا شئ غير شنق الناس أو إغراقهم طوال شهر بأكمله، حتى غطت الجثث نهر اللوار» (مارس 1560)(12). ودعي كونديه للمثول أمام المحكمة الملكية ليجيب عن تهم الاشتراك في المؤامرة، فذهب وأنكر التهم، وتحدى كل من يتهمه بالإحكام إلى السيف، ولم يقدم أي دليل ضده، فأخلى سبيله.

وأزعجت كاترين «فتنة أمبواز» هذه، وعلو مكانة المتآمرين، ووحشية قمع الحركة، وحمى الثأر التي أججت سخط الهيجونوت والنبلاء، فأقنعت الملك الضعيف والأخوين جيز، الكارهين لرأيها هذا، باتاحة الفرصة لتجربة التسامح. ودعت ميشيل دلوبيتال ليتقلد منصب المستشار (مايو 1560) وطلبت إليه ان يهدئ من هياج فرنسا. وكان ميشليه قد تعلم خلال طلبه العلم في إيطاليا أن يكون إنسانياً لا دجماطياً، وقد عامل الكاثوليك والبروتستنت خلال توليه القضاء الإقليمي في فرنسا معاملة المساواة في الشفقة والاعتبار. لذلك اقترح الآن على البرلمان نفس الآراء التي أفضت إلى حرق دي بور: «كل إنسان صنع ديناً لنفسه، ولكن بعض الناس

يودون أن يقبل دينهم هم ويطارد دين غيرهم

فعلينا أن نترفق بعضنا ببعض، وأن نخترع طريقة للعيش معاً (13) وعملاً بنصيحته دعت كاترين مجلساً للأعيان يتألف من الكاثوليك والبروتستنت، انعقد في فونتنبلو في 21 أغسطس 1560. وقدم كوليني في المجلس إلتماساً للملك مرفوعاً من الهيجونوت أكدوا فيه ولاءهم له، ولكنهم طلبوا حرية العبادة كاملة ودعا بعض الأساقفة إلى الإعتدال من الطرفين، وحضوا الاكليروس على أن يصلحوا من أخلاقهم. وقرر المجلس أن المشاكل التي ينطوي عليها بحثه تقتضي دعوة مندوبين من كل الطوائف والطبقات في فرنسا. فأمر الملك بعقد مجلس الطبقات هذا في 10 ديسمبر، وحظر أثناء ذلك أي

ص: 176

محاكمات على تهمة الهرطقة حتى يفصل المجلس الجديد في أسباب الخلاف الأساسية التي تحدث الانقسام والفرقة في البلاد.

أما البوريون الهيجونونت فقد رفضوا حضور مجلس الأعيان مخافة أن يقبض عليهم، وإذا تشكك أمير كونديه وانطوان دبوربون في إمكان التوفيق، فإنهما تآمرا لجمع جيش وإقامة دولة مستقلة تتخذ ليون عاصمة لها. ولكن الحكومة اعترضت طريق أحد سعاة كونديه، وفضحت أوراقه المؤامرة، فقبض على كونديه، وحوكم، وحكم عليه بالاعدام في 10 ديسمبر. واستعاد الأخوان جيز سلطتهما الدكتاتورية.

وإذا الموقف يتغير فجأة يموت فرنسيس الثاني (5 ديسمبر) وهو بعد في السادسة عشرة، فخلفه أخوه شارل التاسع في تقلد سلطته رسمياً، ولكن لما كان لا يتجاوز العاشرة، فقد قبل وصاية أمه، التي انضمت الآن إلى اليزابيث ملكة إنجلترا، وفليب الثاني ملك أسبانيا، في توجيه الفوضى الأوربية نحو تحقيق مأربهم المتضاربة.

‌2 - كاترين دي مديتشي

ما زالت هذه المرأة لغزاً برغم انقضاء أربعة قرون من التفسيرات المتعارضة. كانت سليلة لورنزو الفاخر، وحفيدة البابا ليو العاشر، فهي إذن المديتشية النموذجية، في ميراثها الحكم، وفي دمها الدهاء، ولدت في فلورنسة (1519) لأبوين ماتا بالزهري قبل أن تتم الشهر، فظلت قطة الشطرنج عاجزة تحركها دبلوماسية أقربائها المتحفزين للعراك، حتى زوّجها عمها البابا كليمنت السابع وهي بعد في الرابعة عشرة لهنري الثاني ملك فرنسا المقبل. وظلت عشر سنوات عاقراً بينما كرس زوجها المكتئب نفسه لخليلته ديان دبواتييه. ثم انبعث الاطفال من بطنها كل سنة تقريباً حتى بلغوا العشرة عداً. وكانت تؤمل وتخطط لتنال لهم العرش. ومات ثلاثة منهم أطفالاً، وارتقى ثلاثة عرش فرنسا، وأصبحت اثنتان منهم ملكات. وذاقوا كلهم تقريباً مرارة المأساة، ولكنها كانت أكثرهم

ص: 177

فجيعة، لأنها عمرت بعد موت زوجها وثلاثة من أبنائها الملوك واحداً بعد الآخر وسواء كانت ملكة أو ملكة أماً؛ فقد احتملت صروف عهود ملكة أربعة وسلختها بفضل ما أوتيت من حصافة وضبط للنفس ونفاق لا يتقيد بمبادئ الشرف.

وصفها معاصر بأنها «امرأة جميلة حين يتوارى وجهها خلف القناع» (14) أي أن لها قواماً جميلا، ويؤكد لنا برانتوم أن صدرها «أبيض ممتلئ» وأن «فخذاها غاية في الجمال» وأن يديها وأناملها بديعة (15). ولكن قسماتها كانت خشنة، وعينيها أكبر وشفتيها أغلظ وفمها أوسع مما ينبغي. فإذا كانت قد أغوت الرجال فإنما عن طريق غيرها من النساء. وقد أرجفت الشائعات بأنها احتفظت من حولها بـ «سرب طائر» من الحسان اللاتي يغرين الرجال بتحقيق مآربها (16)، ولكن يبدو أن هذه التهمة باطلة (17)، فقد جرح كرامتها تسلط ديان في السياسة والحي معا، ومن ثم وجدت بعد موت هنري ثأرها بأن جعلت نفسها القوة الكامنة وراء العرش مدى ثلاثين عاماً، وكان لزاماً ان يعوض دهاؤها عن عجز أبنائها، لقد كرهوا تدخلها، ولكن اخفاقهم في الملك فرض هذا التدخل. وإذ ألقيت في دوامة الثورة الدينية، وأحاط بها الأشراف المغامرون واكتنفها الدجماطيات المتعصبة، فقد حاربت بالأسلحة الوحيدة التي تملكها -وهي المال المديتشي والفطنة الإيطالية، والدبلوماسية المكيافللية. لقد أهدى مكيافللي كتابه «الأمير» لأبيها من قبل، ولم تكن كاترين في حاجة لتعليمه، لأنها رأت مبادئه مطبقة في كل مكان من إيطاليا وفرنسا. وقد بزت جميع رجال الدولة الملتفين حولها كما فعلت اليزابث ملكة إنجلترا، وفاقتهم في الكذب، و «كان لديها من الخدع أكثر مما لدى جميع مستشاري الملك (18)» . وقد صرفت شئون الدولة بهمة وكفاية. قال مراقب إيطالي «لم يكن ليتم شئ دون علمها، وقل أن وجدت متسعاً لتناول طعامها (19)» -مع أنها بطريقة ما أصبحت بدينة. أما أخلاقياتها الشخصية فقد سمت فوق جيلها، إذ

ص: 178

يبدو أنها كانت مخلصة لزوجها غير المخلص، وفية لذكراه، لبست الحداد عليه حتى نهاية حياتها. وقد ترفق في الحكم عليها أعظم خلفائها هنري الرابع فقال: -

«أسألكم ماذا كان في استطاعة امرأة أن تفعل بعد أن تركها موت زوجها بخمسة أطفال صغار على ذراعيها، وأسرتين في فرنسا تفكران في انتزاع التاج-أسرتا (البوربون) وأسرة جيز؟ ألم تكن مكرهة على أن تلعب أدوارا غريبة، لتخدع الواحد أولا ثم تثني الآخر، حتى تحمي أبناءها كما حمتهم، وتيسر لهم أن يملكوا الواحد بعد الآخر بفضل السياسة الحكيمة التي اتبعتها هذه الأم الداهية؟ أنه ليدهشني إنها لم تتصرف قط على نحو أسوأ مما فعلت (20)» .

ولعلنا نرتضي هذا الحكم تقديراً منصفاً لمسلك كاترين قبل عام 1570. فقد ضربت هذه الأسر والقوى المنافسة التي أحاطت بها بعض ببعض. وكتبت تقول: «أنني بمشيئة الله لن اسمح لنفسي بأن يتحكم فيها هذا الفريق أو ذاك، لأنني أيقنت للأسف أنهم جميعاً يحبون الله، والملك، وأياي، أقل مما يحبون مكاسبهم

وإشباع أطماعهم (21)». كان فيها من خلق إيطالي النهضة ما زهدها في صرامة الهيجونت الجبرية، ثم إنها كانت تطلب قرضاً من الكنيسة لتحول دون إفلاس الدولة (22). ومع ذلك ففي سبيل فرنسا كانت على استعداد لتزوج ابنتها مارجريت لهنري نافار الهيجونوتي، وابنها هنري لاليزابث المحرومة من الكنيسة. ونظرت إلى الموقف في صورته الأسرية والسياسية لا الدينية أو الاقتصادية. وكان عليها أن تحمي وطنها المقسم من تحالف أسبانيا والنمسا الهابسبورجي. وكانت معاهدة كاتو-كامبريزي قد تركت القوة الأسبانية متفوقة في فلاندر، ومتعدية تعدياً خطيراً على شمال فرنسا الشرقي. وقد تشتعل الحرب القديمة بين أسرتي فالوا وهابسبورج من جديد في أية لحظة، وعندها تحتاج فرنسا

ص: 179

إلى دماء وسلاح الهيجونوت والكاثوليك على السواء-فالخطر من الخارج يتطلب السلام في الداخل.

بهذا المزاج استعدت هي ومستشارها لوبيتال للاجتماع بمجلس طبقات الأمة في أورليان. ولم تكن «أقاليم» بل كانت «طبقات» : النبلاء، والأكليروس، وبقية فرنسا ممثلة في الطبقة الثالثة-وهي أساس البورجوازية أو الطبقات الوسطى ساكنة المدن الكبيرة والصغيرة، ولكنها تضم أيضاً في تمثيل متواضع الفلاحين والبرولتاريا الناشئة. ولم يكن للمندوبين نظرياً أي سلطة تشريعي لأنهم انتخبوا بالقوى المحلية والطبقية لا بأي اقتراع واسع، وكل ما كان لهم ن حقوق هو حق إسداء النصيحة للملك، على أن حاجته للمال عززت هذه النصيحة بعض التعزيز.

وافتتح لوبيتال الدورة (13 ديسمبر 1560) بدعوة مثالية للتسامح من الفريقين. وقال مناشداً إن وظيفة الحكومة هي حفظ السلام والنظام والعدالة بين جمع المواطنين دون تحيز ودون نظر لآرائهم الدينية، ومن المرغوب فيه أن يكون الفرنسيون جميعاً على دين واحد، لآن هذا من شأنه أن يعين على الوحدة والقوة القوميتين، ولكن إذا لم يكن في الاستطاعة بلوغ هذا الاتفاق العام بالوسائل السلمية، فالتسامح إذن خير وأبقى. فمنذا الذي يعرف ما الهرطقة وما الحق؟ «أنت تقول إن دينك أفضل الدينين، وأنا اقول كذلك عن ديني، فهل اعتناق رأيك معقول أكثر من اعتناقك رأي؟

فلننه إذن هذه الأسماء الشيطانية، وهذه البطاقات الحزبية والشيع والتحريضات على الفتنة-اللوثريين، والهيجونوت، والكاثوليك؛ دعونا نغير أسماءنا إلى مسيحيين (23)»

ولكن الاستجابة لم تكن حارة. وطالب فقيه من لاهوتي السوربون-وهي يومئذ كلية اللاهوت في جامعة باريس-بالموت جزاء لكل المهرطقين، ونصح مندوب البابا كاترين بأن تبدأ بحرق جميع المندوبين الهيجونوت، ثم تثني بجميع الهيجونوت في أورليان (24). أما المندوبون الهيجونوت

ص: 180

فاقترح على الملكة الأم شتى الاصلاحات: أن يختار الشعب جميع رعاته الدينيين؛ وأن يختار الرعاة وأشراف الأسقفيات أساقفتهم؛ وأن يخصص ثلث الإيرادات الكنسية لإعانة الفقراء، وثلث آخر لبناء الكنائس والمستشفيات والمدارس؛ وأن تقتصر تعاليم الكنيسة على الأسفار المقدسة (25) وكان في هذا من التقدمية أكثر قليلاً مما تطيقه كاترين، مع حاجتها الماسة لأموال الكنيسة. فهدأت ثائرة الهيجونوت بالإفراج عن كونديه السجين وحض البابا بيوس الرابع على السماح بإزالة الصور والتماثيل الدينية من الكنائس ومناولة الأسرار المقدسة بالخمر كما تناول بالخبز (29). وفي 28 يناير 1561 أفرجت عن جميع الأشخاص الذين اعتقلوا لـ «جرائم» دينية، وأمرت بإنهاء كل الاضطهادات بسبب الدين حتى إخطار آخر. وفي الحادي والثلاثين من يناير أجلت اجتماع مجلس الطبقات إلى مايو حين ينعقد ويسد حاجتها للمال.

واغتبط الهيجونوت وتمددوا في دفء هذه القرارات. ففي 2 مارس عقدوا في بواتييه مجمعهم القومي الثاني. وراح القساوسة البروتستنت يعظون دون تحرج في مساكن كونديه وكوليني بلاط فونتنبلو. وفي كاستر بجنوبي فرنسا خصت الانتخابات البلدية (1 يناير 1561) البروتستنت بجميع الوظائف، وما لبث أن صدر الأمر لجميع المواطنين بحضور الخدمات الدينية البروتستنتية (27)، وحظراً الخدمات الكاثوليكية، وحكم على الصور والتماثيل الدينية رسمياً بالإتلاف والتحطيم (28). وفي آجن ومونتوين استولى الهيجونوت على الكنائس الكاثوليكية غير المستعملة. فشكل حاكم القلعة الهرم آن دمونمورنسي هو ودوق جيز ومارشال دسانت أندريه «حكومة ثلاثية» لحماية المصالح الكاثوليكية (6أبريل 1561). وتفجر الشغب في باريس، وروان، وبوفيه، وغيرها. وأصدرت الملكة «مرسوم يوليو» (1561) الذي حظر العنف وخدمات الهيجونوت الدينية العلنية وتجاهل الهيجونوت المرسوم، وهاجموا المواكب الكاثوليكية في

ص: 181

مختلف المدن، ودخلوا الكنائس الكاثوليكية وأحرقوا الآثار والرفات المقدسة وحطموا التماثيل (29). وفي مونبلييه، في خريف عام 1561، نهبت الكنائس والديورة والستون كلها، وقتل كثير من القساوسة، وفي مونتوين أحرق دير «كلير الفقيرة» وشتت الراهبات ونصحن بأن يجدن لأنفسهن أزواجاً (30). وفي نيم طرد الهيجونوت جميع القساوسة، واستولوا على كل الكنائس الكاثوليكية أو دمروها، وأحرقوا الكاتدرائية، وداسوا القربان المكرس بأقدامهم (فبراير 1562)(32). أما في لانجدوك وجيين فكان الهيجونوت عادة إذا ملكوا زمام الأمر يستولون على الكنائس والأملاك الكاثوليكية ويطردون الكهنة الكاثوليك. ولم يكن القساوسة الهيجونوت أقل تعصباً من نظرائهم الكاثوليك وإن امتازوا في فضائلهم الشخصية (34)، فقد حرموا الهيجونوت الذين عقدوا زواجهم على يد القساوسة الكاثوليك أو سمحوا لأبنائهم بالزواج من الكاثوليك (35). وهكذا لم ير أحد الطرفين أي معنى للتسامح.

وأستأنف مجلس الطبقات جلساته في أول أغسطس 1561 متخذاً بونتواز مقراً له هذه المرة. وقد المال للحكومة مشترطاً ضرورة موافقته بعد ذلك على أي فرض للضرائب الجديدة أو إعلان للحرب. أما الطبقة الثالثة، التي أصبحت الآن المورد الأكبر للمال، فقد أضافت طلباً جريئاً-هو تأميم جميع أملاك الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، وأن تدفع الدولة رواتب الأكليروس، وأن تخصص 42. 000. 000 جنيه من الفائض الحاصل بهذه الطريقة وقدره 72. 000. 000 جنيه لاستهلاك الدين الأهلي. وسارع رجال الدين الكاثوليك المروعين إلى مصالحة كاترين بأن عرضوا عليها 16. 600. 000 جنيه تدفع لها في حذر على عشرة أقساط سنوياً. فقبلت، وحل مجلس الطبقات.

في هذه الأثناء كان لوبيتال- بموافقة كاترين وبرغم احتجاج البابا- قد دعا رجال الدين الكاثوليك والبروتستنت للاجتماع وإيجاد صيغة لتهدئة

ص: 182

الخواطر. واجتمع في بوامبي، على أحد عشر ميلاً غربي باريس، ستة كرادلة، وأربعون أسقفاً، وإثنا عشر لاهوتيا من السوربون، وإثنا عشر من كهنة الكاتدرائيات، وعشرة قساوسة بروتستنت من فرنسا، وواحد من إنجلترا، وتيودور دبيز من جنيف، وعشرون علمانياً بروتستنتياً، في «ندوة بواسي» المشهورة (9 سبتمبر 1561). حضر الندوة الملك، والملكة الأم، وأمراء البيت المالك، ومجلس الدولة، بكل مظاهر الجلال والكرامة. واستقبل بيز، ممثل كالفن الشيخ، بحفاوة تقرب من حفاوة الملوك، وقام بخدمة دينية بروتستنتية ووعظ في قصر كاترين. بدأ عظته معتدلاً، وسحر السامعين جميعاً بفرنسيته الرائعة، ولكنه حين قال إن «جسد المسيح في القربان بعيد عن الخبز المكرس بعد السماء عن الأراضي» ، صاح المندوبون الكاثوليك احتجاجاً، وتلا ذلك هياج كبير، والح الأساقفة في نفي كل الوعاظ الذين يتشككون في «الوجود الحقيقي» (36)، وارتضت الندوة والصراع على العقائد أشد مرارة وأبعد ما يكون عن الهدوء.

كان الهيجونوت يطربون حين يعقدون اجتماعاتهم في ميدان عام مواجه لكنيسة ويشوشون على القداس بترتيل صاخب لمزاميرهم، أما الكاثوليك فكانوا يدقون جرس الكنيسة ليغرقوا صوت الترتيل. وفي باريس استحال استمرار اجتماع بروتستنتي تجاه كنيسة سان ميدار بسبب قرع عنيف صادر من برج الأجراس، وقتل بروتستنتي داخل الكنيسة للاحتجاج، فثارت ثائرة البروتستنت ونهبوا المبنى وحطوا التماثيل والصليب. وجرح ثمانون من المصلين في المعركة التي تلت ذلك (27 ديسمبر 1561).

ورأت كاترين أن تهدئ خواطر الكاثوليك بإصدار «مرسوم يناير» (1562)، الذي ألزم الهيجونت بتسليم جميع المباني الكنسية لأصحابها السابقين وبعقد اجتماعاتهم خارج أسوار المدن فقط. ووافق زعماء الكاثوليك

ص: 183

بيز على أن هذا مرسوم تسامح في حقيقته، اعترف بالبروتستنتية دينا شرعيا في فرنسا؛ وقال زعماء البرلمان لكاترين صراحة إنهم يؤثرون الموت على تسجيل هذا المرسوم. فلما أدان مونمورنسي وسانت أندريه سياستها. طردتهما من البلاط؛ ولما انفجر غضب الكردينال دتورنون عليها ألزمته عقر أسقفية. ورماها الوعاظ الكاثوليك بالفسق (مثل ايزابيل امرأة آخاب) - وهو نفس النعت الذي كان يستعمله نوكس البرتستنتي تنديداً بملكة اسكتلندة الكاثوليكية.

وفي يوم الأحد أول مارس 1562، بينما كان فرنسيس دوق جيز ماراً بقرية فاسي التي تقع نحو أربعين ميلاً شمال غربي ديجون، ومعه فرقة من مائتي تابع مسلحين، وقف بكنيسة هناك ليستمع إلى القداس. ولكن الصلاة شوش عليها ترتيل الهيجونوت لمزاميرهم في اجتماع لهم بجرن قريب. فأرسل إليهم رسولا يطلب إليهم أرجاء تراتيلهم خمس عشرة دقيقة حتى ينتهي القداس. ولكنهم وجدوا في هذا الطلب مضايقة شديدة. وبينما كان جيز يواصل صلاته تراشق بعض أتباعه بعبارات التحية المتعصبة مع الهيجونوت، وجرد الأتباع سيوفهم، وقذفهم الهيجونوت بالحجارة؛ وأصاب حجر منها جيز وهو خارج الكنيسة فأسال دمه النبيل، وما هي إلا أن اندفع أتباعه هاجمين على اجتماع الهيجونوت الذي ضم خمسمائة بين رجل وامرأة وطفل-فقتلوا منهم ثلاثة وعشرين، وحرروا مائة (37). وأثارت «مذبحة فاسي» هذه حمى القتال في البروتستنت الفرنسيين؛ أما الكاثوليك، لاسيما في باريس، فرحبوا بها أداة تهذيب جاءت في أوانها لتؤدب هذه الأقلية المكدرة لصفو البلاد. وأمرت كاترين جيز بأن يحضر إليها في فونتنبلو، فرفض ومضى إلى باريس، وانضم إليه مورنمورنسي وسانت أندريه في الطريق ومعهم ألفا رجل. وأمر كونديه قواته البروتستنت بأن تتجمع بسلاحها في مو. وزحف الثلاثي الكاثوليكي بالجند على فونتنبلو، فاعتقلوا الملكة الأم والأسرة المالكة، واكرهوهم على البقاء في ميلون على سبعة

ص: 184

وعشرين ميلاً من باريس، ثم شكلوا «مجلساً خاصاً» جديداً ألف أكثر أعضائه من رجال جيز، وأقصى عنه لوبيتال. أما كونديه فقاد محاربيه البالغين 1. 600 إلى أورليفي وناشد كل الجماعات البروتستنتية أن تمده بالجنود. وهكذا بدأت أولى «الحروب الدينية» (ابريل 1562).

‌3 - حكم الدم

1562 -

1570

طلب الفريقان المعونة من الخارج وحصلا عليها، الكاثوليك من أسبانيا، والبروتستنت من إنجلترا وألمانيا، فأرسلت اليزابث 6. 000 رجل إذ أغراها وعد البروتستنت بإعطائها كالية، واستولى 2. 000 منهم على روان، ولكن جيز انتزع المدينة ونهبها (26 أكتوبر 1562)، ونهب جنده المتعطشون للغنيمة السكان الكاثوليك والبروتستنت وذبحوهم دون تحيز لأي فريق، وفي هذه الاشتباكات جرح أنطوان دبوربون جرحاً مميتاً، وكان قد اعتنق المذهب الكاثوليكي وانضم إلى القوات الكاثوليكية. وسيطر الهيجونوت على معظم المدن جنوبي فرنسا، ناهبين الكنائس محطمين التماثيل بحماسة دينية. وزحفت أهم قواتهم وعدتها 17. 000 رجل يقودهم كونديه وكوليني على نورمانديا لينضموا إلى التعزيزات الإنجليزية. فقط عليهم الزحف عند درو جيش كاثوليكي قوامه 17. 000 يقوده الحلف الثلاثي، وفي 19 ديسمبر خاض الفريقان معركة حامية حلفت 6. 000 صرعى في الميدان، وقتل سانت أندريه، وجرح مونمورنسي وأسّره الهيجونوت، وجرح كونديه وأسّره الكاثوليك. وتغلبت روح المجاملة الفرنسية حيناً، فعومل مورنمورنسي معاملة الأبطال، وهو الذي دأب على القتال جنباً إلى جنب مع جنوده وجرح في سبع معارك مع أنه القائد الأعلى لجيوش الملك، أما الدوق دجيز فقد أحتفى بكونديه ضيفاً مكرماً، وتناول معه الطعام، وشاركه الفراش الوحيد الموجود في المعسكر (38). وعقد النصر غير الحاسم للكاثوليك، ولكن باريس والأسرة المالكة اعتقدا حيناً أن الهيجونوت هم الغالبون. واستقبلت كاترين النبأ في هدوء قائلة:«حسنا إذن، سنصلي لله بالفرنسية» (39).

ص: 185

أما جيز فقد لقي منيته عقب الانتصار. فبينما كان ينشر قواته لحصار أورليان رماه فتى هيجونوتي في التاسعة عشرة يدعى جان بولترو دميريه (18 فبراير 1563) بطلق ناري من كمين. ومات الدوق بعد ستة أيام من الألم، وأكد بولترو حين أحضر أمام كاترين أن كوليني استأجره على قتل جيز بمبلغ كبير من المال، وأن بيز وعده بالجنة إن وفق. وكتبت كاترين لكوليني تطلب جوابه عن التهمة، فأنكر أي مشاركة في خطة الاغتيال، وقال إنه طالما حذر الدوق من القتلة، واعترف بأنه سمع بولترو يجهر بنيته، وأنه لم يفعل شيئاً لمنعه، وأنه نفحه بمائة كراون، ولكن لأغراض أخرى، وهو على أي حال غير آسف لنجاح المؤامرة، «لأنه ليس في استطاعة» القدر أن يضرب ضربة خيراً من هذه لصالح المملكة وكنيسة الله، ولا سيما وأنها لصالحي وصالح ديني (40)». ومزقت الخيل أوصال بولترو في 18 مارس، وقد أعاد اتهامه لكوليني وهو يعاني سكرات الموت (41). وأقسم هنري أن يثأر لموت أبيه، بعد أن أصبح الآن ثالث أدواق جيز.

وواصلت كاترين سعيها للسلام، وقد وضح لها أنه لو أتيح النصر الحاسم لأحد الفريقين لنحاها وربما عزل ولدها. فأعادت لوبيتال لمنصبه مستشاراً لها، ورتبت لقاء بين مونمورنسي وكونديه، وأقنعتهما بتوقيع مرسوم أمبواز الذي أنهى الحرب الدينية الأولى (19 مارس 1563). أما الشروط فكانت نصراً للنبلاء الهيجونوت وحدهم: فقد منحت حرية الضمير وممارسة الدين «المسمى مصلحاً» «لجميع البارونات والسادة الاقطاعيين رؤساء القضاء في بيوتهم، هم وعائلاتهم وأتباعهم» و «للأشراف المالكين لاقطاعات بدون أتباع والعائشين على أراضي الملك، ولكن لهم ولأسرهم شخصياً» . أما عبادة الهيجونوت فيسمح بها حيث مارسوها قبل 8 مارس 1563، وألا تقصر على أطراف مدينة واحدة في أي وكالة اقطاعية أو منطقة نفوذ الشريف. أما في باريس فهي محظورة

ص: 186

إطلاقاً. واتهم كوليني بأنه ضحى بجماهير الهيجونوت ليحمي طبقته.

وفي 16 سبتمبر أعلن بلوغ شارل التاسع رشده وهو لم يبلغ الرابعة عشرة، ونزلت كاترين عن وصيتها، ولكنها لم تنزل عن قيادتها. ففي مارس 1564 قادت الملك وحاشيته في رحلة تخترق فرنسا، من جهة لترى الأمة مليكها الجديد، ومن جهة أخرى لتدعم السلام الهش. وأصدرت في روستون مرسوماً بالتسامح الجزئي، داعية كلاً من الفريقين إلى احترام حرية الآخر. وبعد أربعة عشر شهراً من الرحلة الملكية وصلت الجماعة إلى بايون (3 يونيو 1565)، حيث رحبت كاترين في ابتهاج بابنتها اليزابث التي أصبحت ملكة على أسبانيا، واجتمعت مع الدوق ألفا في مفاوضات سرية أزعجت الهيجونوت. فقد خامرتهم الظنون-بحق في أن ألفا أشار باتخاذ الإجراءات ضدهم، ولكن خطاباته المتخلفة لفليب تبين أن كاترين رفضت اقتراحاته، وأبت أن تطرد لوبيتال، وتشبثت بسياستها السلمية (42). وعقب عودتها إلى باريس (ديسمبر 1565) استخدمت كل نفوذها لتصلح بين كوليني، ومورنمورنسي، وكونديه، ودوقي جيز.

وفي عام 1564 دخل اليسوعيون فرنسا، وأثارت عظاتهم حماسة الكاثوليك، وحولوا في باريس خاصة نفراً من الهيجونوت لمذهبهم. أما في الأقاليم فقد ألغي رد الفعل الكاثوليكي كثيراً من المكاسب البروتستنتية. وانتهكت مراسيم التسامح المرة بعد المرة، وأفرخت الهمجية في ظل المذهبين. ولم يكن من غير المألوف أن يشنق حكام الأقاليم المواطنين لا لجريمة سوى أنهم هيجونوت (43). وفي نيم ذبح البروتستنت ثمانين كاثوليكياً (1567)(44). وبين عامي 1561 و 1572 اقترفت ثماني عشرة مذبحة للبروتستنت، وخمس للكاثوليك، وأكثر من ثلاثين اغتيالاً (45). واستقدمت كاترين الجنود المرتزقة من سويسرة ولم تعط كونديه جواباً

ص: 187

شافياً حين سألها عن قصدها من استقدامهم، واعتقد كونديه وكوليني أن حياتهما في خطر، فحاولا مع أتباعهما المسلحين أن يقتلوا الملك والملكة الأم في مو (سبتمبر 1567) ولكن مونمورنسي أحبط المحاولة. وأصبحت كاترين تخشى كوليني خشيتها جيز من قبل.

وأحس كوليني وكونديه أن الحاجة ماسة لحرب ثانية ترد للهيجونوت ولو حقوقهم المحدودة. فاستقدما هما أيضاً المرتزقة لا سيما من ألمانيا تعزيزاً لقواتهما المستنزفة، واستوليا على أورليان ولاروشل وزحفا على باريس وطلبت كاترين التعزيزات من ألفا، فوافاها بها فوراً، وفي سان دنيس، خارج العاصمة مباشرة، قاد مونمورنسي ستة عشر ألف رجل ضد جيش كونديه في معركة من أبشع هذه الحروب وأقلها حسماُ. ومات مونمورنسي من جراحه. وراحت فرنسا مرة أخرى تتساءل أي دين هذا الذي يدفع الناس إلى مذابح كهذه، واغتنم لوبيتال الفرصة ليرتب صلح لونجومو (33 مارس 1568)، الذي رد التسامح المتواضع الذي منحه مرسوم امبواز.

وندد الكاثوليك بالمعاهدة ورفضوا تنفيذ شروطها. واحتج كوليني لدى كاترين، فدافعت عن نفسها بضعفها. وفي مايو 1468 أبلغ خوان دي ثونيجال، سفير أسبانيا في روما، أنه سمع من البابا بيوس الخامس أن الحكومة الفرنسية تنظر في اغتيال كوليني وكونديه (46). ولعل مثل هذا النبأ قد نمى إلى الزعيمين البروتستنتيين، فهربا إلى لاروشيل، حيث انضمت إليهما جان دالبير وابنها، الذي بلغ الآن خمسة عشر عاماً وكان يتحرق للعمل. وتكون جيش هيجونوتي جديد، وحشد أسطول، وعززت الأسوار، وصدت كل محاولات بذلتها قوات الحكومة لدخول المدينة. وقبلت المراكب الخاصة الإنجليزية تفويض كونديه، ورفعت رايته، وانقضت على كل ثروة كاثوليكية تقع في يدها (42). وأصبح كونديه السيد المتصرف جنوبي اللوار.

ص: 188

أما كاترين فقد اعتبرت هذه الحرب الدينية الثالثة ثورة، ومحاولة لقسم فرنسا إلى أمتين واحدة كاثوليكية والأخرى بروتستنتية. ولامت لوبيتال على فشل سياسات التوفيق التي أخذ بها، فاستقال، وأحلت مكانه في منصب المستشار مشايعاً متعصباً لآل جيز. وفي 28 سبتمبر 1568 ألغت الحكومة مراسيم التسامح وحظرت البروتستنتية في فرنسا.

وأخذت القوات المتنافسة تتجهز لحرب فاصلة طوال ذلك الشتاء. وفي 3 مارس 1569، التحمت في جارناك قرب أنجوليم. فهزم الهيجونوت، واستسلم كونديه بعد أن أعيته إصاباته، ولكنه ضرب بالنار من المؤخرة ومات. فتسلم كوليني القيادة وأعاد تنظيم الجيش لتقهقر منظم. وفي موكونتور هزم الهيجونوت ثانية، ولكن كوليتي استعاد ببراعة التخطيط ما خسره في المعركة، وزحف الهيجونوت الذين لا تفل لهم عزيمة، برغم افتقارهم إلى الانتصارات، وبلا طعام تقريباً، حتى لم يبق بينهم وبين باريس غير مسيرة ساعات (1570). وعلى الرغم من الاعانات المالية التي أرسلتها روما وأسبانيا، وجدت الحكومة مشقة في تمويل جيوشها وحمل النبلاء الكاثوليك على البقاء في ساحة القتال أكثر من شهر أو شهرين كل مرة. واجتاحت جحافل المرتزقة خلال ذلك البلاد تنهب الكاثوليك والبروتستنت على السواء وتقتل كل من يجرؤ على المقاومة.

وعرضت كاترين على كوليني تجديد معاهدة لونجومو، فرفضها لأنها لا تفي بالغرض، وواصل زحفه. هنا أكد الملك الفتي شارل التاسع سلطته فجأة وأبرم في سان جرمان (8 أغسطس 1570) صلحاً أعطى الهيجونوت الذين هربوا مرارا من قبل أكثر مما كسبوا في أي وقت مضى، أعطاهم حرية العبادة إلا في باريس أو على مقربة من البلاط، وحقهم الكامل في تقلد المناصب العامة، وحق الاحتفاظ بأربع مدن تحت حكمهم المستقل مدى عامين ضماناً لاحترام تنفيذ هذه الشروط. واستشاط الكاثوليك غضباً وتساءلوا، فيم الاستسلام بعد كل هذه الانتصارات؟ واحتج

ص: 189

فليب والبابا. وصرفتهما كاترين بتأكيدها أنها إنما تترقب الفرصة المواتية

(1)

).

ومع ذلك راحت تدعم الصلح الجديد بعرضها تزويج ابنتها مارجريت فالوا من هنري ملك نافار، الذي أصبح بعد موت ونديه الزعيم الرسمي للهيجونوت. وكانت هذه آخر ضرباتها وأجرئها. لا يهم كونها هي وجان دالبير خصمين لدودين، ولا أن هنري قتل في الحرب من قتل من الكاثوليك. إنما المهم أنه صغير السن مطواع، فلربما استطاع سحر أميرة جميلة مرحة أن يحتذيه بعيداً عن هرطقاته. إذن ستشهد باريس زفافاً باهراً، وسيدعى إليه الرجال والنساء من المذهبين؛ وستبعث من جديد روح النهضة المرحة وسط مرارة الاصلاح البروتستنتي؛ وسيكون هناك تعطيل لنشاط اللاهوت، والحرب، والقتل.

‌4 - المذبحة

ولكن، أترضي بذلك أم هنري؟ لقد كانت جان دالبير هيجونوتية دماً ولحماً. وحين جاءت إلى البلاط عام 1561 أعلنت أنها "لن تحضر القداس ولو قتلوها قتلاً، وأنها تؤثر أن تلقى بابنها وملكه في البحر عن أن تستسلم (48) "، بل إنها دعت قسيسها الهيجونوتي ليعظها والأبواب مفتوحة على مصاريعها، وتجاهلت في تحد الاتهامات التي رمتها بها الجماهير الباريسية. وحين اعتنق زوجها الكاثوليكية تركته هو والبلاط (1562) وعادت إلى بيارن وجمعت المال والجيش لكونديه. وبعد موت زوجها فرضت البروتستنتية على إقليم بيارن (وكان يضم مدن بو، ونيراك، وتارب، وأورتيه، ولورد)؛ وطردت الكهنة الكاثوليك وأحلت محلهم القساوسة الهيجونوت (49). ولم يسمع بعدها قداس في بيارن طوال

(1)

دافع اللورد أكتون، المؤرخ الكاثوليكي بكفاية في كتابه» تاريخ الحرية «(لندن 1907) ص 101 - 49، عن الرأي القائل بأنها ظلت عامين قبل ذلك تنظر في إمكان التخلص من زعماء الهيجونوت باغتيالهم.

ص: 190

خمسين عاماً (50). وحرمها البابا بيوس الرابع وأراد أن يعزلها، ولكن كاترين ثنته (51)، ولعل جان ذكرت هذا حين قبلت عرضها بربط أسرتي فالوا وبوريون برباط الزواج، وذكرت كفاح كاترين الطويل في سبيل السلام. ثم أن أبناء كاترين معلولون. أفليس من المحتمل أن يموتوا كلهم ويتركوا عرش فرنسا لهنري نافار؟ أو لم يتنبأ العراف نوسترا داموسي بأن أسرة فالوا ستنقرض عما قليل؟

أما أكثر أبناء كاترين سقاماً، وهو شارل التاسع، فربما كان فتى محبباً لولا نوبات طارئة من القسوة والغضب تشتعل أحياناً فتستحيل سورة تشرف على الجنون. وفيما بين هذه الغضبات كان قصبة تحركها الريح، وإمعة لا رأى له. ولعله أضعف نفسه بالانهماك في اللذات. كان زوجاً لاليزابيث ابنة الإمبراطور مكسمليان الثاني، ولكن حبه الحرام الثابت كان لخليلته الهيجونوتية ماري توشيه. وكان حساساً للفن والشعر والموسيقى، يحب أن يتلو غنائيات رونزار، وقد كتب في تكريم رونزار أبياتاً جميلة جمال شعر رونزار:

كلانا يلبس تاجاً،

أما أنا فتلقيته ملكاً، وأما أنت فتهبه شاعراً،

أن قيثارتك التي تسحر بأنغامها الحلوة،

تخضع لك الأرواح، التي لا أملك غير أجسادها،

إنها ترقق القلوب، وتسترق الجمال،

في قدرتي أن أعطي الموت، أما أنت فتعطي الخلود.

فلما انضم كوليني إلى البلاط في بلوا (سبتمبر 1571) رحب به شارل كما يرحب الضعف بالقوة. هنا رجل مختلف كل الاختلاف عن الكثيرين الذين يتراقصون حول العرش: جنتلمان، وأرستقراطي، ولكنه هادئ رزين، يحمل نصف فرنسا في قوة كلمته. وكان الملك الشاب يخاطب القائد المكتهل بـ "أبي "، وعينه قائداً للأسطول، ومنحه من جيب

ص: 191

الملك الخاص 100.000 جنيه تعويضاً عن خسائره في الحروب. وانضم كوليني إلى مجلس الملك ورأسه في غيابه (52). وكان شارل دائم الغيرة والخوف من فيلب الثاني، كارهاً تبعية فرنسا الكاثوليكية لأسبانيا. واقترح عليه كوليني الرأي في حرب مع أسبانيا تعطي فرنسا قضية توحد صفوف الفرنسيين، وتصحح ذلك الحد الشمالي الشرقي الذي تتعدى عليه أسبانيا، ولقد آن اوانها لأن وليم أورنج يقود ثورة قامت بها الأراضي المنخفضة على سيدها الأسباني، فما هي إلا دفعة قوية حتى تصبح فلاندر فرنسية. واستمع إليه شارل في تعاطف. وفي 27 أبريل كتب إلى الكونت لوي تاسو الذي تزعم التمرد البروتستنتي في إينو يقول "إنه مصمم

على استخدام القوى التي أودعها الله في يده لتخليص الأراضي المنخفضة من الظلم الذي ترزح تحته (53) ". وعرض لوي وأخوه وليم أورنج تسليم فلاندو وأرتوا لفرنسا لقاء تقديمها المعونة الحاسمة ضد أسبانيا (54). وفي خريف تلك السنة تفاوض شارل مع أوغسطين ناخب سكسونيا لتأليف حلف دفاعي بين فرنسا وألمانيا البروتستنتية (55).

أما كاترين فقد حكمت على اقتراحات كوليني بأنها غير عملية إلى حد الحماقة. فمن الخرق أن تعود بهذه السرعة إلى إطلاق شياطين الحرب بعد أن ظفرت بالسلام الذي تفتقر إليه فرنسا أشد افتقار. صحيح أن أسبانيا مفلسة إفلاس فرنسا، ولكنها ما زالت أقوى دولة في العالم المسيحي، ولقد كللت نفسها مؤخراً بالغار حين هزمت الترك في ليبانتو، وإذن فستكسب تأييد كل أوربا الكاثوليكية، ومعظم فرنسا الكاثوليكية- لو دخلت فرنسا حلفاً بروتستنتياً. وفي حرب كهذه سيكون كوليتي القائد الأعلى، وبفضل نفوذه على شارل الطيع سيكون هو الملك الفعلي، وستنحي كاترين إلى شينونسو إن لم يكن إلى إيطاليا. وعلم هنري جيز وهنري أنجو- أخو الملك- في فزع أن شارل سمح لكوليني بتجريد جيش للانضمام إلى لوي ناسو؛ وقهر ألفا هذا الجيش بعد أن نبهه إليه أصدقاؤه في البلاط الفرنسي (10 يوليو 1572). واستمع اجتماع كامل

ص: 192

لمجلس الملك إلى كوليني يدفع عن مقترحاته للحرب مع أسبانيا (6 - 9 أغسطس 1572)، ورفضت كلها بالاجماع؛ ولكن كوليني أصر عليها قائلا "لقد وعدت على مسئوليتي بمساعدة أمير أورنج، فأرجو ألا يسوء الملك أن أوفي بوعدي عن طريق أصدقائي، وربما بشخصي. " ثم قال للملكة "سيدتي، إن الملك يتجنب اليوم حرباً تعده بمنافع عظيمة، وقانا الله نشوب حرب أخرى لا يقوى على تجنبها (56) ". وانفض المجلس في غيظ شديد لما بدا كأنه تهديد بحرب أهلية ثانية. وقال المارشال دتافان "لتحذر الملكة من مشورات ابنها الملك وخططه وأحاديثه السرية، أن الهيجونوت ظافرون به إن لم تأخذ حذرها (57) ". وأخذت كاترين شارل جانباً ولامته على أنه أسلم عقله لكوليني، فإن أصر على شن الحرب على أسبانيا فستستأذنه في الانسحاب مع إبنها الآخر إلى فلورنسة. وطلب اليها الصفح ووعدها بطاعة الابن لأمه، ولكنه ظل الصديق الوفي لكوليني.

في هذا الجو قدمت جان دالبير إلى بلوا لعقد الزواج الذي كان مزمعاً أن يوحد فرنسا الكاثوليكية والبروتستنتية. وأصرت على أن يقوم الكردينال دبوربون بالمراسيم لا بصفة الكاهن بل الأمير، لا داخل كنيسة ولا خارجاً، وألا يصحب هنري زوجته إلى الكنيسة ليستمع إلى القداس. ووافقت كاترين، وان أفضى هذا إلى مزيد من النزاع مع البابا، الذي رفض الحل لمارجريت بالزواج من الابن البروتستنتي لبروتسنتي محروم. ثم ذهبت جان إلى باريس تتسوق، فمرضت بذات الجنب، وماتت (9 يونيو 1572) ، وخامرت الهيجونوت الظنون بأنها ماتت مسمومة، ولكن هذا الفرض لم يعد له محل (85)، وحضر هنري نافار إلى باريس من بلوا في أغسطس على الرغم من شكوكه وحزنه، مصحوباً بكوليني وثمانمائة من الهيجونوت. ولحق بهم أربعة آلاف هيجونوتي في العاصمة (59). من جهة ليشهدوا الاحتفالات، ومن جهة أخرى ليحموا ملكهم الشاب. وأثار هذا السيل المتدفق وما رافقه من عشرات العظات

ص: 193

النارية حفيظة باريس الكاثوليكية (60)، فنددت بالزواج لأنه استسلم من الحكومة للقوة البروتستنتية. ومع ذلك تم الاحتفال (18 أغسطس) دون حل من البابا، وأتخذت كاترين تدابيرها لتمنع البريد من الاتيان بحظر بايري. وقاد هنري زوجته حتى باب نوتردام، ولكنه لم يدخل معها. إن باريس لم تكن في نظره تستأهل بعد أن يحضر قداساً من أجلها. ونزل مع مارجريت قصر اللوفر مؤقتاً.

ولم تجش باريس بمثل هذا الانفعال من قبل إلا فيما ندر. واعتقد الناس أن كوليني يتأهب للذهاب إلى جبهة القتال لأنه ما زال مصراً على المعونة العلنية تبذلها فرنسا للأراضي المنخفضة الثائرة. وأنذر بعض الكاثوليك كاترين بأن الهيجونوت يخططون مرة أخرى لمحاولة خطفها هي والملك (61). وكشف طرق السندانات في أرجاء المدينة عن صنع السلاح على عجل. وفي هذه الفترة الحاسمة وافقت كاترين، فيما زعم ابنها هنري، على قتل الأميرال (62).

ففي 22 أغسطس، بينما كان كوليني يسير من اللوفر إلى بيته، قطع عياران أطلقا من نافذة سبابة يسراه ومزق ذراعه حتى الكوع. واندفع رفاقه إلى المبنى، ولكنهم لم يجدوا سوى قربينة مدخنة، فقد هرب المعتدي من الخلف. وحمل كوليني إلى مسكنه. وحين نمى الخبر إلى الملك صاح غاضباً "ألا يتاح لي الهدوء أبداً؟ " وأرسل طبيبه الخاص، أمبروازياو الهيجونتي، ليعالج جراح كوليني، وعين حراساً ملكيين على بيته، وأمر الكاثوليك بأن يخلوا المساكن المجاورة وسمح للهيجونوت بشغلها (63). وحضرت الملكة والملك وأخوه هنري لمواساة الجريح، وأقسم شارل بـ "اغلظ اليمان " لينتقمن لكوليني من هذا العدوان. وعاود كوليني حث شارل على دخول الحرب للحصول على فلاندر (64). وانتحى به جانباً وأسر أليه شيئا. وبينما الأسرة المالكة في طريقها إلى اللوفر، أصرت كاترين على أن يبوح الملك بالسر. فأجاب "حسنا إذن، قسماً بموت

ص: 194

الإله، ما دمت تصرين على أن تعرفي، فهاك ما قاله لي الأميرال: أن السلطة كلها تحطمت في يديك، وأن النهاية ستكون وبالاً عليّ ". وفي سورة غضبه حبس الملك نفسه في غرفته الخاصة. وراحت كاترين تجتر همومها في غيظ وخوف (65).

وذهب هنري نافار إلى كوليني وناقش معه إجراءات الدفاع. وأراد بعض حاشية الأميرال أن يمضوا لتوهم ويغتالوا الزعماء من آل جيز، ولكنه نهاهم. وقال الهيجونوت "إذا لم تجر العدالة مجراها كاملاً فهم لا بد مجروها بأنفسهم (66) ". وراح الهيجونوت يحومون حول اللوفر طوال ذلك اليوم، وقال أحدهم للمكلة إنهم سيقتصون من الجاني بأيديهم إن لم يأخذ العدل مجراها سريعاً (67). ومرت عصابات من الهيجونوت المسلحين المرة بعد المرة بأوتيل اللورين الذي يقيم فيه آل جيز وصاحت تهدد بالموت (68). ولجأ آل جيز إلى الملك طالبين الحماية وتحصنوا في بيتهم. أما شارل فقد اشتبه في أنهم استأجروا القاتل وقبض على نفر من خدمهم وهدد دوق جيز. وأستأذن هنري جيز وأخوه دوق أومال في أن يغادروا باريس، فأذن لهما، ومضيا حتى بوابة سانت أنطوان، ثم انقلبا عائدين واتخذا طريقهما خفية إلى أوتيل اللورين.

وفي 23 اغسطس اجتمع مجلس الملك للتحقيق في الجريمة. وتبين للمجلس أن البيت الذي أطلق منه العياران تملكه (وإن لم تشغله) دوقة جيز الأرملة، التي أقسمت من قبل على أن تثأر لمقتل زوجها فرنسيس، وأن القاتل هرب ممتطياً جواداً من مرابط أسرة جيز، وأن السلاح كان مُلْكاً لأحد حرس الدوق أنجو. ولم يقبض على القاتل قط. وفي رواية لأنجو بعد ذلك أنه هو وهنري جيز قررا الآن أنه لا بد من قتل كوليني وبعض الهيجونوت الآخرين. وبينما كانت كاترين وبعض أعضاء المجلس مجتمعين في التويلري، اندفع إلى الاجتماع عميل لأنجو يسمي بوشافان معلناً أن الهيجونوت في بيت كوليني يخططون لفتنة عنيفة يقومون بها على الأرجح

ص: 195

في المساء (69). وأضيف الآن عامل جديد إلى كراهية كاترين للأميرال، وغضبها مما لاح لها أنه أغواء منه للملك ليحرمه من إرشادها، واقتناعها بأن سياسة الحرب مع أسبانيا ستكون وبالاً على فرنسا وعلى أسرتها- ذلك هو الخوف على حياتها من خطر داهم، وخشيتها ان تنتقل كل السلطة سريعا إلى ايدي كوليني وأصحابه. فوافقت على قتل زعماء الهيجونوت (70)، ولكن موافقة الملك كانت أمراً مرغوباً فيه، إن لم يكن ضرورياً، وكان لا يزال يطالب بمحاكمة جميع من لهم علاقة بالهجوم على كوليني. وحوالي الساعة العاشرة من مساء ذلك اليوم (23 أغسطس) أرسلت الملكة الأم الكونت رتز ليحذر شارل من الفتنة المزعومة، وسرعان ما أحاطت كاترين ومستشارها بالحاكم الشاب الذي شارف الآن على الجنون لفرط انفعاله. وأكدت له كاترين أن ثلاثين ألفاً من الهيجونوت يخططون لاعتقاله في الغد وخطفه إلى قلعة بروتستنتية حيث يظل أسيراً لا حول له ولا قوة، أو لم يحاولوا من قبلاً أن يضربوا هذه الضربة مرتين؟ فإذا تم لهم النصر قتلوها للشبهة في إصدارها الأمر بالاعتداء على الأميرال أو السماح بهذا الاعتداء. وقيل للفتى ذي الثلاثة والعشرين ربيعاً أن يختار بين حياة أمه أو حياة ستة من الهيجونوت. فلو أنه رفض الموافقة وتغلبت باريس الكاثوليكية على الثورة، لتنحى جانباً لأنه جبان أحمق. ولكنه قاوم هذه الحجج، وسأل، لم لا يكفي أن يقبض على زعماء الهيجونوت ويحاكموا قانونياً، وأجاب المستشارون أن الوقت فات لتفادي الثورة بمثل هذا الإجراء. وهددته كاترين بأنها ستنسحب إلى إيطاليا وتتركه لمصيره. وأخيراً، بعد أن قارب الليل أن ينتصف، وفي نوبة من الانهيار العصبي والغضب، صاح شارل، "قسماً بموت الإله "، ما دمتم تريدون قتل الأميرال، فأنا موافق، ولكن يجب أن تقتلوا جميع الهيجونوت في فرنسا، حتى لا يبقى منهم أحد ليلومني

اقتلوهم جميعاً! اقتلوهم جميعاً! " وبعد ان لعن وجدف، هرب من مستشاريه وحبس نفسه في حجرته.

ص: 196

وإذا كان المتآمرون قد دبروا قتل نفر من الهيجونوت، فإنهم اغتنموا الآن فرصة هذا الأمر المجنون الذي نطق به الملك ليستأصلوا شافة الهيجونوت ما أمكنهم ذلك. وأصرت كاترين على حماية هنري نافار، واستشنى أمير كونديه الشاب- هنري الأول- وآل مونمورنسي لأنهم أنبل أصلاً من أن يسمح بقتلهم، وأنقذ الملك الجراح أمبرواز باريه، ولكن الأمر أبلغ لقواد أحياء باريس بأن يسلحوا رجالهم ويستعدوا للعمل بمجرد سماعهم أجراس الكنائس تدق في الثالثة من صباح 24 أغسطس، وهو عيد القديس بارتولوميو. وأعطى دوقا جيز تفويضاً مطلقاً بانقاذ ثأرهما من الأميرال بعد أن طال إرجاؤه. وأرسل هنري جيز كلمة إلى ضباط المليشيا بأن على رجالهم حالما يسمعون ناقوس الخطر يقرع أن يذبحوا كل هيجونوتي يعثرون عليه؛ أما أبواب المدينة فتقفل لتمنع الهاربين من الهروب.

وبينما كان الظلام لا يزال مخيماً قاد جيز نفسه ثلاثمائة جندي إلى المبنى الذي ينام فيه كوليني. وكان على مقربة منه باريه طبيبه، وميرلان سكرتيره، ونيقولا خادمه. وأيقظهم وقع أقدام جند مقبلين، ثم سمعوا طلقات وصياح- كان حرس كوليني يقتلون. واندفع صديق إلى الحجرة وهو يصيح "لقد قضي علينا! " وأجاب الأميرال، "إنني اعددت نفسي للموت منذ زمن طويل، فأنقذوا أنفسكم، لا أريد أن يلومني أحباؤكم على موتكم. أستودع روحي لرحمة الله ". وهربوا واقتحم جند جيز الباب فوجدوا كوليني راكعاً يصلي، وطعنه جندي بسيفه وشق وجهه، وطعنه آخرون، ثم قذف من النافذة وهو حي بعد فسقط على الرصيف أسفلها عند قدمي جيز. وبعد أن تأكد الدوق من موت كوليني أمر رجاله بأن ينتشروا في باريس ويذيعوا هذه العبارة "اقتلوا! اقتلوا! هذا أمر الملك " وفصل رأس الأميرال عن جسده وأرسل إلى اللوفر- وقيل إلى روما (71)، أما الجسد فسلم للجماهير التي مثلت به تمثيلاً وحشياً

ص: 197

فقطعت الأيدي والأعضاء التناسلية لتعرضها للبيع، وعلقت بقيته من عرقوبيه (72).

وأرسلت الملكة خلال ذلك الأوامر لدوق جيز بوقف المذبحة لشعورها بشيء من الندم أو الخوف. وكان الجواب أن الأوان فات، أما وقد مات كوليني. فلا بد من قتل الهيجوت وإلا فهم لا محالة ثائرون. وخضعت كاترين وأمرت بقرع ناقوس الخطر. وتلت ذلك مذبحة ندر أن عرفتها المدن حتى في جنون الحرب، واغتبطت الجماهير باطلاق دوافعها المكبوتة لتضرب وتوجع وتقتل. فاقتنصت وذبحت من الهيجونوت وغيرهم عدداً يتفاوت بين الألفين وخمسة الآلاف، واستطاع من بيتوا نية القتل من قبل أن يقتلوا الآن خصومهم وهم آمنون من العقاب؛ واغتنم الأزواج المعذبون أو الطامعون والزوجات الفرصة ليتخلصوا من زوجاتهم وأزواجهن غير المرغوب فيهم، وذبح التجار منافسيهم، ودل الورثة المنتظرون على أقربائهم الذين طال ترقبهم لموتهم واتهموهم بأنهم هيجونوت (73). وقتل راموس الفيلسوف بتحريض أستاذ حسود. واقتحم كل بيت اشتبه في إيوائه الهيجونوت وفتش. وجر الهيجونوت وأبناؤهم إلى الشوارع وذبحوا ذبح الأنعام وانتزعت الأجنة من بطون أمهاتهم القتيلات وهشموا (74). وما لبثت الجثث أن تناثرت على أرصفة الشوارع، وأخذ الصبية يلعبون ألعابهم فوقها. ودخل حرس الملك السويسريون المعمعة وراحوا يذبحون في غير تمييز للذة الذبح الخالصة. وقتل رجال مقنعون الدوق دلاروشفوكو الذي لعب التنس مع الملك بالأمس، وقد حسبهم جاءوا يدعونه إلى حفلة ملكية. ودعي النبلاء والضباط الهيجونوت الذين انزلوا قصر اللوفر باعتبارهم حاشية ملك نافار إلى الفناء وضربوا بالنار واحداً بعد الآخر عند وصولهم. أما هنري فكان قد خرج ليلعب التنس بعد أن استيقظ في الفجر. وأرسل شارل في طلبه هو وكونديه وخيرهما بين "القداس او الموت " واختار كونديه الموت ولكن الملكة أنقذته. أما نافار فوعد بالامتثال فأبقى عليه. وأما عروسه

ص: 198

مارجريت النائمة نوماً مضطرباً فقد أيقظها هيجونوتي جريح اندفع إلى حجرتها وفراشها، فأقنعت مطارديه بألا يقتلوه. ذكر السفير الأسباني في تقريره "إنهم يقتلونهم جميعاً وأنا أكتب هذا، إنهم يعرونهم .. ولا يعفون أحداً حتى الأطفال. تبارك الله! (75) " أما وقد أصبح القانون ذاته خارجاً على القانون، فقد انطلق السلب والنهب في غير قيد، وأبلغ الملك أن بعض حاشيته شاركوا في نهب العاصمة. والتمس منه بعض المواطنين المروعين عندما اقتربت الظهيرة أن يأمر بوقف المذبحة، وعرضت جماعة من شرطة المدينة أن تعاون على استتباب الأمن. فأصدر الأوامر بوقف المذبحة، وأمر الشرطة بأن يحبسوا البروتستنت حماية لهم؛ ثم أنقذ بعض هؤلاء، وأغرق غيرهم بأمره في السين. وهدأت المذبحة هنيهة. ولكن حدث في يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، أن شجيرات الشوك البري أزهرت في غير أوانها في مقبرة الأطفال؛ وهلل الكهنة للأمر حاسبينه معجزة، وقرعت أجراس الكنائس في باريس احتفالاً به، وظنت الجماهير أن هذا القرع دعوة إلى تجديد المذبحة، فأستؤنف القتل من جديد.

وفي يوم السادس والعشرين ذهب الملك في موكب رسمي هو وحاشيته إلى قصر العدالة مخترقاً الشوارع التي ما زالت الجثث مبعثرة فيها، وشهد لبرلمان باريس في فخر بأنه أمر بالمذبحة. وأجاب رئيس البرلمان بخطاب تهنئة طويلة. وقرر البرلمان بأن ورثة كوليني يجب حرمانهم من حماية القانون، وأن بيته في شاتيون يجب أن يهدم، وأن ما بقي من أملاكه يجب أن يصادره الدوق أنجو. وفي اليوم الثامن والعشرين زار الملك والملكة الأم والحاشية عدة كنائس في احتفال ديني للشكر على تخليص فرنسا من الهرطقة ونجاة الأسرة المالكة من الموت.

وحذت الأقاليم حذو باريس باسلوب الهواة، فارتكبت المذابح الجنونية بوحي الأنباء الواردة من العاصمة ليون، وديجون، وأورليان، وبلوى، وتور، وتروا، ومو، وبورج، وانجيه، وروان، وتولوز

ص: 199

(24 - 26 أغسطس). وحسب جاك دتو 800 ضحية في ليون، 1. 000 ضحية في أورليان. أما الملك فقد شجع هذه الإبادة، ثم نهى عنها، ففي السادس والعشرين من الشهر أرسل تعليمات شفوية لحكام الأقاليم بأن يقتلوا كل زعماء الهيجونوت (76)، وفي السابع والعشرين أرسل اليهم أوامر مكتوبة بأن يحموا البروتستنت المسالمين الممتثلين للقانون. وفي الوقت ذاته كتب لممثله في بروكسل أن يلتمس تعاون الدوق ألفا:

"إن في يد الدوق كثيراً من رعاياي المتمردين، وفي قدرته أن يستولي على مونز ويعاقب (المحاصرين) فيها. فإن أجابك بأن المفهوم من هذا ضمناً قتل هؤلاء السجناء وتقطيع المحاصرين في مونز، فقل لأن هذا يجب أن يفعله (77) ".

ورفض ألفا الدعوة. ولما استولى على مونز سمح للمحامية الفرنسية أن تغادرها دون أن يصيبها أذى. وكان بينه وبين نفسه يحتقر مذبحة القديس بارتلوميو لأنها وسيلة خسيسة للحرب، ولكنه أمام الناس أمر بالاحتفال بالمذبحة انتصاراً للدين المسيحي الحق دون غيره (78).

واستطاع بعض حكام الأقاليم أن يفرضوا على جماهيرهم ضبطاً جديراً بالمتحضرين. فبم يكن هناك مذابح في شمبانيا؛ ولا في بيكاردي، ولا في بريتني، وكان قليل منها في أوفرن، ولانجدوك، وبرجنديا، ودوفيني. وفي ليون ندد كثير من الكاثوليك بالمذبحة، وأبى الجنود أن يشاركوا فيها، وفي فيين بسط الأسقف حمايته على البروتستنت، وخبأت الأسر الكاثوليكية الهيجونوت المهددين بالخطر (79). أما في تروا وأورليان فقد أرخى الأساقفة العنان للمذبحة (80)، وفي بوردو أعلن يسوعي أن الملاك ميخائيل قد أمر بالمذبحة، وندد ببطىء الحكام في إصدار أوامر القتل. وأغلب الظن أن الاقاليم ساهمت بخمسة آلاف ضحية، وباريس بنحو ألفين، ولكن بعضهم يقدر جملة الضحايا بعدد يتفاوت من خمسة آلاف (81) إلى ثلاثين ألفاً (82).

ص: 200

وأغضى الكاثوليك عموماً عن المذبحة باعتبارها انفجاراً للغيظ والثأر بعد سنين من اضطهاد الهيجونوت للكاثوليك (83). أما فليب الثاني فقد ضحك على غير عبوسه وجهامته المألوفة حين سمع النبأ، وحسب أنه لن يكون هناك خطر من تدخل فرنسا في الأراضي المنخفضة. أما الممثل البابوي في باريس فكتب إلى روما يقول:"أهنئ قداسة البابا من أعماق قلبي على أن يد الله جل جلاله شاء في مستهل بابويته أن يوجه شئون هذه المملكة توجيهاً غاية في التوفيق والنبل، وأن يبسط حمايته على الملك والملكة الأم حتى يستأصلا شأفة هذا الوباء بكثير من الحكمة، وفي اللحظة المناسبة حين كان كل المتمردين محبوسين في القفص (84). " وحين وصل النبأ إلى روما نفح كردينال اللورين حامله بألف كراون وهو يهتز طرباً. وسرعان ما أضيئت روما كلها، وأطلقت المدفعية من قلعة سانت أنجلو، وقرعت الأجراس في ابتهاج، وحضر جريجوري الثالث وكرادلته قداساً مهيباً لشكر الله على "هذا الرضى الرائع الذي أبداه للشعب المسيحي "، والذي أنقذ فرنسا والكرسي البابوي المقدس من خطر عظيم. وأمر البابا بضرب مدالية خاصة تذكاراً لهزيمة الهيجونوت أو ذبحهم (85) - وعهد إلى فازاري بأن يرسم في الصالة الملكية بالفاتيكان صورة للمذبحة تحمل هذه العبارة- "البابا يوافق على قتل كوليني

(1)

(86).

أما أوربا البروتستنتية فقد دمغت المذبحة بأنها همجية كلها جبن ونذالة. وأخبر وليم أورنج المبعوث الفرنسي أن شارل التاسع لن يستطيع أبداً أن يغسل يديه من دم الجريمة. وفي إنجلترا أحدق المطالبون بالثأر باليزابيث،

(1)

يحاول المؤرخ الكاثوليكي باستور- برغم عدم اعتذاره عن المذبحة- أن يعلل فرحة البابا بأنها شعور الارتياح بعد الخوف من أن يقضي انتصار كوليني على الكاثوليكية في فرنسا، وأن يؤدي إلى اتحاد فرنسا مع إنجلترا وهولندة واسكندناوة وشمال المانيا- وكلها بلاد بروتستنتية- في حرب إبادة الكاثوليكية في كل مكان (كتلك التي دعا إليها لوثر (87)).

ص: 201

ونصحها الأساقفة بأن السبيل الوحيد لتهدئة غضب الشعب أن تعدم على الفور كل الكاثوليك الذين أودعوا السجون لرفضهم حلف يمين الولاء؛ أو على الاقل يجب إعدام ملكة اسكتلندة فوراً (88). على أن اليزابيث احتفظت بهدوئها. وارتدت ثياب الحداد الثقيل لتستقبل السفير الفرنسي، وقابلت توكيداته بأن المذبحة فرضتها مؤامرة الهيجونوت الوشيكة بعدم التصديق الواضح. ولكنها واصلت ضرب إسبانيا بفرنسا، ومماطلة النسون في الاستجابة لطلب يدها، وفي نوفمبر وافقت على أن تكون عرابة لابنة شارل التاسع.

أما كاترين فقد خرجت من المقتلة مبتهجة منتعشة؛ لقد خضع لها الملك الآن من جديد، وبدا ان مشكلة الهيجونوت حلت. ولكنها أخطأت التقدير، إذ تبين أن ارتداد الكثيرين من البروتستنت الفرنسيين الذين ارتضوا اعتناق الكاثوليكية بديلا عن الموت لم يكن غير ارتداد مؤقت. فما مضى شهران على المذبحة حتى افتتح الهيجونوت الحرب الدينية الرابعة. وأغلقت لاروشيل وعدة مدن أخرى أبوابها في وجه جيش الملك وأفلحت في مقاومة الحصار. وفي 6 يوليو 1573 وقع شارل صلح لاروشيل الذي منح الهيجونوت حريتهم الدينية. إذن فالمذبحة لم تحقق من الناحية السياسية شيئاً.

وانصرف رجال الفكر من الهيجونوت عن شارل التاسع في اشمئزاز شديد، وهم الذين أعلنوا من قبل ولاءهم له، وراحوا يشككون لا في حق الملوك الإلهي فحسب بل في نظام الملكية ذاته. ونشر فقيه هيجونوتي يدعى فرانسوا أوتمان بعد سنة من فراره إلى سويسرة عقب المذبحة كتاباً فيه هجوم عنيف على شارل سماه "الضجة الغالية "، وقال فيه إن جرائم ذلك الملك أحلت شعبه من يمين الولاء له، وأنه مجرم لا بد

ص: 202

من عزله. وقبل أن ينصرم العام أصدر أوتمان من جنيف كتابه "غالة الفرنسية " وهو أول محاولة حديثة في كتابة التاريخ الدستوري، وحجته أن الملكية الغالية- الفرنسية قامت على الانتخاب، فالملك- إلى عهد لويس الحادي عشر- كان خاضعاً لمجلس شعبي من نوع ما، والبقايا الهزيلة التي تخلفت من هذه السلطة الانتخابية هي هذه "البرلمانات " الذليلة، ومجلس الطبقات الذي طال إغفاله؛ وهذه السلطة منحت لتلك الهيئات بتفويض من الشعب. "فالشعب وحده صاحب الحق في انتخابات الملوك وعزلهم (89) ". ثم طالب باجتماع مجلس الطبقات دورياً، فهذه الهيئة دون سواها هي التي يجب أن يكون لها سلطة إصدار القوانين، وتقرير الحرب أو السلم، والتعيين في المناصب الكبرى، وتنظيم ولاية العرش، وعزل الملوك الفاسدين. فها هنا بداية هزيم الرعود التي انطلقت عام 1789.

على أن الحياة ذاتها هي التي أنزلت شارل التاسع من عرشه بعد قليل. ذلك أن الخير والشر قد اصطرعا داخله حتى تحطم جسده السقيم بفطرته تحت وطأة الصراع. كان حيناً يشعر بالارتياح الخبيث لجرأة جريمته وعنفها، وحيناً ينحى على نفسه باللوم لأنه وافق على المذبحة؛ وظلت صرخات القتلى من الهيجونوت ترن أذنيه وتطرد النوم عن اجفانه. وبدأ يؤنب أمه ويقول له "من غيرك تسبب في هذا كله؟ قسماً بدم الإله إنك أنت السبب في كل ما حدث ". أما هي فكانت تشكو من أن ولدها مجنون (90). ورانت عليه الكآبة والحزن، وبات نحيل الجسد شاحب الوجه. وكان فيه استعداد قديم للسل، فلما ضعفت مقاومته هدّه المرض، وما أن أقبل عام 1574 حتى كان يبصق الدم. وفي الربيع اشتد نزيفه وعاودته رؤى ضحاياه، وصاح بممرضته "أي سفك للدماء "، أي قتل! يا لها من مشورة شريرة تلك التي اتبعتها! غفرانك ربي!

ص: 203

إنني هالك! (91) ". وأرسل يوم وفاته- 30 مايو 1574 في طلب هنري نافار. فعانقه في حب وقال له يا أخي أنك فاقد صديقاً وفياً. فلو أنني استمعت إلى كل ما قيل لي لما كنت الآن على قيد الحياة. ولكنني أحببتك دائما

وفيك وحدك أضع ثقتي بأن ترعى زوجتي وابنتي صلي إلى الله من أجلي. وداعاً " ثم مات بعدها بقليل قبل أن يبلغ الرابعة والعشرين.

ص: 204

الفصل الرابع عشر

‌هنري الرابع

‌1553 - 1610

1 -

الحب والزواج

كانت أم هنري في العماد مارجريت أنجوليم، أميرة فالوا ونافار، والأخت التقية الحساسة، المحبوبة، لفرانسيس الأول، الجريء، الأنيق، عاشق النساء. أما أمه فجان دالبير المهرطقة، العنيدة، المتمردة، وأما أبوه أنطوان بوربون حفيد القديس لويس فكان وسيماً، شجاعاً، كيساً، مغروراً، ميالاً إلى التذبذب من مذهب إلى مذهب. ولا بد أن هنري حمل بين جنبيه-وهو يخرج إلى النور (14 ديسمبر 1553) في مدينة بو بإقليم بيارن-كل صفات أسلافه إلا التقوى. وقد أقنع جده السعيد أمه جان وهي في المخاض بأن، ترتل للعذراء ترتيلة، لثقته بأنها ستكون فألا حسناً، ثم دعك شفتي الوليد بالثوم وسقاه النبيذ على سبيل العماد في بيارن. أما البطل فقد استنفد لبن ثماني مرضعات.

لم يستطب التعليم، فقد كره الكتابة، وهرب من النحو، ولكنه تعلم كيف يكتب بأسلوب ساحر. وقرأ بلوتارخ كأنه إنجيل البطولة. وربى أكثر وقته في الخلاء، وبرز في الجري والوثب والمصارعة والركوب والملاكمة، وأكل الخبز الأسود والجبن والبصل، واستمتع بالصيف والشتاء بلذة سخرت من التشاؤم. نشئ هيجونوتيا، ولكنه لم يسمح قط للدين بأن يعطل الحياة. وحين دعي في التاسعة للعيش في البلاط وتعلم آدابه وأخلاقه، اعتنق الكاثوليكية في غير تردد، ولما عاد إلى بيارن في الثالثة عشرة استأنف العقيدة الهيجونوتية كأنه يغير ملابسه وفقاً لتغير المناخ.

ص: 205

وكان ينتقل بيسر أعظم من غرام إلى غرام-فأحب تجنوتفبيل الصغيرة، والآنسة مونتاجو، وأرنودين، ولاجارس (البغي)، وكترين دلوك، وآن دكاميفور. لقد كان يطرح العقائد والخليلات دون أن يعذب ضميره أو يغير هدفه.

فأما هدفه فهو أن يتربع على عرش فرنسا. فلما ناهز التاسعة عشرة، أصبح ملكاً على نافار بعد أن مات ابوه، ولكن هذا لم يكن سوى لقمة أثارت شهيته للملكية دون أن تشبعها، وذهب إلى باريس ليزف إلى مارجريت فالوا، فاستقبل استقبال وريث العرش لا يسبقه في خط الوراثة غير دوق أنجو ودوق النسون. وعندما وقعت المذبحة عقب زواجه، تمالك جأشه وأنقذ رأسه بالارتداد المؤقت عن مذهبه.

وأما عروسه «مارجو» فكانت أعظم نساء فرنسا فتنة وألينهن عريكة. فجمالها لا يرقى إليه شك، وقد تغنى به رونسار، ورتل برونتوم قصائد الغزل المشبوب في بشرتها الطرية الناعمة، وشعرها المتموج أو باروكاتها المتنوعة، وعينيها اللتين ترشقان المرح أو الغضب أو الشيطنة، وقوامها الممشوق كقوام محظية من محظيات القصور، المهيب كقوام ملكة، وقدميها الرشيقتين تقودان رقصات البلاط، وفيض حيويتها في جيل كله صراع وكآبة، كل هذه المفاتن اجتذبت العدد الوفير من العشاق إلى مخدعها، واتهمتها الشائعات بالاستسلام اللبق للغرام بل ولعشق المحارم (1) ولم يكن في وسع هنري أن يشكو وهو ذو العين الزائغة بين الحسان، ولكن حين استأنفت مارجو ذبذباتها-وكانت تزوجته على غير إرادتها-بعد انحناءة قصيرة منه لزواج المرأة الوحيدة، بدأ يتساءل من ترى سيكون أباً لأطفاله. واتخذ له خليلة، ثم مرض، فلم تدخر جهداً في تمريضه، وإن عزت علته إلى «إفراطه مع النساء» ولكن سرعان ما باعدت بينهما الشكوك المتبادلة حتى لقد كتبت تقول «لم نعد ننام معاً، ولا يكلم أحدنا الآخر (2)» .

ص: 206

وظل في البلاط ثلاث سنوات على كره منه. وذات ليلة (1575) بينما كان يصيد، رمح بجواده خارج الحدود، ثم هرب متنكراً عبر فرنسا، وشق طريقه وسط الأخطار إلى نيراك، وحكم بيارن وجبيين حكماً تميز بالعدل والذكاء. وهجر الكثلكة، ورد للبروتستنت سلطانهم في بيارن، وحماهم في جيين. وبعد ثلاث سنوات لحقت به مارجو، وأعانها الملك الشاب-في أوقات فراغه من الصيد أو قتال الكاثوليك- على جعل مباهج بلاطها الصغير تغطي على خياناتهما. وفي عام 1582 وبعد أن تعبت من تقديم العون لخليلاته في مخاضهن، عادت إلى باريس، ولكن مغامراتها هناك كانت صارخة بحيث أمرها هنري الثالث بأن تعجل بالعودة إلى زوجها. وبعد أن قضت عامين آخرين في بيارن اعتكفت في آجن. ووافق الملكان- «الهنريان» الآن-على أن تعيش اشبه بالحبيسة في قصر أوسون الريفي، وقررا لها معاشاً طيباً (1587 - 1605). وحولت سجنها صالوناً، واستقبلت فيه الشعراء والفنانين والعلماء والعشاق، وألفت مذكراتها الحافلة بالقيل والقال. وقد أطرى ريشليو أسلوبها، وأهداها مونتيني بعض مقالاته، وأثنى الوعاظ على برها بالفقراء. وبعد اغراءات لا يستهان بها وافقت على فسخ زواجها، وسمح لها بالعودة إلى باريس والبلاط (1601). فاستأنفت هناك غرامياتها وصالونها، ثم غدت بدينة، وتابت، واتخذت فانسان ديول قسيساً لها، وبنت ديراً، ثم ماتت في سلام وتقوى (1615) بالغة من العمر اثنين وستين عاماً. وهكذا اختتمت حياتها، كما قال معاصر لها، «مرجريت، البقية الباقية من سلالة فالوا، أميرة كلها

نيات طيبة

لم تؤذ أحداً إلا نفسها (3)».

‌2 - هنري الثالث

1574 -

1589

بعد أن تربع الدوق أنجو فترة قصيرة على عرش بولندة عاد في الرابعة والعشرين ليعتلي عرش فرنسا باسم هنري الثالث، آخر ملوك فالو الفرنسيين. وهو يطالعنا في صورة له باللوفر لا يعرف مصورها، فتى

ص: 207

طويلاً، نحيلاً، شاحباً، حزيناً، رجلاً ذا نية طيبة، شوشت عليه حياته الوراثة السيئة. كان ضعيف البنية، قلق العاطفة، سريع الإعياء، وكان عليه أن يجتنب الركوب والصيد، ويلزم فراشه أياماً إثر دقائق من الغرام النشيط. وقد شكا حكة في جلده لا سبيل إلى برئها، وصداعاً في رأسه ووجعاً في معدته ونزفاً في أذنه. أبيض شعره وسقطت أسنانه قبل ان يبلغ السادسة والثلاثين. أما غطرسته البادية فلم تكن في حقيقتها سوى جبن، وأما قسوته فخوف، فإذا أرسل نفسه على سجيتها كان لطيفاً حذراً. ولكنه لسوء الحظ كان شديد الولع بارتداء ثياب النساء. ظهر في حفلة رقص مرتدياً ثوباً انخفضت فتحة عنقه وأحاطت برقبته عقد من اللآلئ، وكان يلبس الجواهر في أذنيه والأساور في ذراعيه. وجمع من حوله اثني عشر «غندورا» ، شباب جعدوا شعورهم الطويلة وصبغوا وجوههم، وازدانوا بالثياب البهية، وضمخوا أنفسهم بالعطور التي نشرت أريجها حولهم. ومع أشباه الرجال هؤلاء ألف أحياناً-وهو متنكر في ثوب امرأة-أن يعربد في الشوارع ليلاً ويلعب ألاعيبه على المواطنين. وقد أفرغ خزانة بلده المشرف على الإفلاس والفوضى على أحبائه الذكور، فأنفق أحد عشر مليوناً من الفرنكات على زفاف أحدهم، وضاعف ثمن المناصب القضائية ليشتري هدية زواج لآخر. على أنه أنفق بعض مال شعبه في أغراض نافعة-فبني البون نوف وحسَّن اللوفر، وانتشل بعض أجزاء باريس من قذارتها إلى حسن العمارة والنظافة. وأعان الأدب والمسرح. وبذل جهوداً متقطعة للنهوض بالادارة. وتكفيراً عن كل سيئاته حج مرات راجلاً إلى شارتر وكليري، وفي باريس مشى من كنيسة إلى كنيسة-وهو يعبث بمسبحات كبيرة، وجمع في حماسة الكثير من الصلوات الربانية والسلامات المريمية، وسار في مواكب «التائبين الزرق» الليلية الرهيبة وجسده في غرارة بها ثقوب لقدميه وعينيه. ولم يعقب. أما أمه التي حملت إليه بذور الانحلال من أبوين مريضين فكانت تتطلع في أسى إلى تدهور سلالتها وانقراضها الوشيك.

ص: 208

كان في الموقف السياسي من الاضطراب ما لا يرقي إليه إدراك هنري، فهو لم يخلق للحرب. وكانت كاترين تتوق إلى السلام وقد تقدم بها العمر، ولكن الهيجونوت ما زالوا ثائرين، فهم يائسون ولكنهم لم يذلوا. وكان أخوه الدوق ألينسون يتودد إلى ملكة بروتستنتية تجلس على عرش إنجلترا، وإلى ثوار بروتستنت في الأراضي المنخفضة، وإلى هنري نافار في بيارن. وكانت أقلية من زعماء الكاثوليك، ساهم نقادهم بـ «السياسيين» ، تعتنق أفكار لوبيتال (الذي مات حزيناً عام 1573)، فاقترحوا التسامح المتبادل بين المذهبين المقتتلين، ودافعوا عن فكرة مكروهة في المعسكرين، وهي أن في استطاعة الأمة أن تحيا دون وحدة في العقيدة الدينية. وقالوا إن على فرنسا إذا حظر البابوات مثل هذا التوفيق بين الفريقين أن تقطع روابطها الدينية مع روما. فلما خاف هنري التعاون بين هؤلاء السياسيين والهيجونوت، وخشي غارات الجنود الألمان القادمين لتعزيز قوة البروتستنتية، أنهى عام 1576 الحرب الدينية الخامسة بتوقيعه «صلح الموسيو» في يوليو، واصداره مرسوم تهدئة-وهو مرسوم يوليو-الذي منح الهيجونوت حرية العبادة في كل مكان بفرنسا، وحق اختبارهم لجميع المناصب، وسمح لهم بثماني مدن يكون لهم فيها كامل السلطة السياسية والعسكرية.

وصدمت هذه التنازلات الممنوحة لفريق ظن الناس أنه تحطم وانتهى معظم الكاثوليك الفرنسيين، لا سيما جماهير باريس الشديدة التمسك بعقيدتها. وكان كردينال اللورين قد اقترح عام 1562 «حلفاً مقدساً» يقسم أعضاؤه على الدفاع عن الكنيسة بكل وسيلة أياُ كانت، وبأي ثمن كائنا ما كان. ونظم هنري جيز مثل هذا الحلف في شميانيا عام 1568. ومن ثم ألفت الآن جماعات كهذه في كثير من الأقاليم. وفي عام 1576 أعلن الدوق جهاراً تأليف «الحلف المقدس» واستعد لنزال يسحق به الهيجونوت سحقاً.

ولا حاجة بنا لتتبع سير الحروب الدينية السادسة والسابعة والثامنة إلا

ص: 209

في تأثيرها على مجرى الأفكار في فرنسا. هنا دخلت الفلسفة ساحة الوغى مرة أخرى. ففي عام 1579 أصدر مؤلف غير معروف الاسم- ربما كان فليب دوبليسي- مورنيه- أحد مستشاري نافار-من بازل بياناً مثيراً سماه «دفاع (عن حقوق الشعب) ضد الطغاة» . كتبه باللاتينية، ولكن سرعان ما ترجم إلى اللغات القومية. وقد دام أثره قرناً كاملاً واستخدمه الهيجونوت في فرنسا، والهولنديون ضد فيلب، والبيورتان ضد تشارلز الأول، والوجز تبريرا لعزلهم جيمس الثاني. واتخذت النظرية القديمة، نظرية «العقد الاجتماعي» الضمني المبرم بين الشعب وحاكمه، شكلاً محدداً في هذا الكتاب، وسنشهدها مرة أخرى في هوبز، ولوك، وروسو. فالحكومة أولاً هي ميثاق بين الله، والشعب، والملك، لدعم «الدين الحق» والامتثال له-وهو البروتستنتية في هذه الحالة، وأي ملك يقصر في هذا يحل عزله-والحكومة ثانياً هي ميثاق بين الملك والشعب، الأول ليحكم بالعدل، والثاني ليطيع مسالماً. والملك والشعب على السواء خاضعان للقانون الطبيعي. أي قانون العقل والعدالة الطبيعية، الذي يمثل القانون الأدبي الإلهي، ويعلو على كل قانون «وضعي» (أي من صنع الإنسان). أما وظيفة الملك فصيانة القانون الوضعي والطبيعي والإلهي، فهو اداة القانون لا سيده. «والرعايا

بوصفهم هيئة، يجب اعتبارهم سادة المملكة وأصحابها المطلقين» ولكن من الذي يقرر أن الملك طاغية؟ لا الشعب في جمهوره، «ذلك الوحش الكثير الرؤوس» ، بل ليقرر ذلك القضتة، أو مجلس كمجلس الطبقات الفرنسي مثلا. ولا يصح أن يتبع كل فرد خاص ضميره، فقد يحسب هواته ضميره، وهنا تأتي الفوضى، ولكن إذا دعاه القاضي للعصيان المسلح فعليه أن يلبي الدعوة. على أنه يحل قتل الطاغية بيد أي إنسان إذا كان مغتصباً (4).

واشتد صراع القوى والأفكار بعد أن مات دوق ألينسون (1584)

ص: 210

واعترف هنري الثالث بهنري نافار وريثاً افتراضياً للعرش. وكف الهيجونوت بين عشية وضحاها عن حديث الطغيان والعزل وأصبحوا المؤيدين المتحمسين للشرعية لما توقعوا من قرب انهيار ملك فالوا المتهافت وتسليمه فرنسا لرجلهم البروتستنتي البوريوني. وإذا القوم يعرضون عن كتاب «الدفاع» الذي كان بالأمس القريب بياناً هيجونوتياً، بل إن أوتمان ذاته صرح بأن مقاومة هنري نافار خطيئة (5). ولكن أكثر فرنسا كان يقشعر فرقاً من فكرة ملك هيجونوتي يتربع على عرشها. فكيف يمكن أن تمسح الكنيسة بالزيت المقدس بروتستنتياً في مدينة رامس؟ وهل يستطيع أحد يغير هذه المسحة أن يكون ملكاً شرعياً لفرنسا؟ أما رجال الاكليروس السنيون، يتزعمهم اليسوعيون المتحمسون، فقد نددوا بالوراثة وأهابوا بجميع الكاثوليك أن ينضموا إلى الحلف. وانضم إليه هنري الثالث بعد أن جرفه هذا التيار، وأمر جميع الهيجونوت بأن يعتنقوا الكثلكة أو يرحلوا عن فرنسا. وناشد هنري نافار أوربا أن تعترف بعدالة قضيته، ولكن البابا سيكستوس الخامس حرمه، وصرح بأنه لا يمكن أن يرث العرش لأنه زنديق سادر في زندقته. وهنا أعلن شارل، كردينال بوربون، نفسه وريثاً افتراضياً للعرش. وعاودت كاترين محاولتها في سبيل السلام، فعرضت أن تؤيد نافار إذا تخلى عن بروتستنتيته، ولكنه أبى، وامتشق الحسام على رأس جيش بعضه كاثوليكي، واستولى على ست مدن في ستة شهور، وهزم جيشاً للحلف يبلغ ضعف جيشه عند كوترا (1587).

وسيطر الهيجونوت الآن وهم لا يتجاوزون جزءاً على اثني عشر من السكان (6) على نصف مدن فرنسا الكبرى (7). ولكن باريس كانت قلب فرنسا وهي مع الحلف قلباً وقالباً. ولم يرض الحلف بالتأييد الفاتر الذي لقبه من هنري الثالث، فأقام في العاصمة حكومة ثورية تتألف من ممثلين للأحياء الستة عشر؛ وتفاوضت حكومة «الستة عشر» ، مع أسبانيا لتغزو إنجلترا وفرنسا، وبيتت اعتقال الملك. وأرسل هنري في طلب حرس سويسري،

ص: 211

ودعت حكومة الستة عشر دوق جيز إلى تقلد السلطة في باريس، نعته الملك، ولكن الدوق وصل، وهتفت له الجماهير زعيماً لقضية الكثلكة في فرنسا. وفر هنري الثالث إلى شارتر وقد شعر بالهوان وتوعد بالانتقام. ثم فقد أعصابه مرة أخرى؛ فتبرأ من هنري نافار، وعين هنري جيز قائداً أعلى للجيوش الملكية، ودعا مجلس الطبقات للاجتماع في بلوا.

فلما اجتمع المندوبون لاحظ الملك في سخط مظاهر التكريم التي حظي بها جيز والتي تقرب مما يحظى به الملوك. وفي يوم تصميم مسعور أقنع بعض أعوانه بقتل الدوق. ودعا إلى لقاء خاص، وبينما النبيل الشاب يقترب من حجرة الملك طعنه تسعة من المهاجمين طعنات أودت بحياته، وفتح الملك الباب وتطلع في رضى يشوبه الانفعال إلى هدفه الذي تحقق (24 ديسمبر 1588). ثم أمر بسجن زعماء الحلف وقتل الكردينال جيز أخي الدوق. وفي فخر ورعب أنهى إلى أمه بطولاته التي ناب فيها عنه غيره، فعصرت يديها في يأس وقالت له «إنك خربت المملكة» .

ولم يمض اثنا عشر يوماً حتى ماتت في التاسعة والستين وقد أضنتها المسئوليات والهموم والدسائس، وربما تبكيت الضمير أيضاً. ولم يكن أحد من الناس يتوقف ليحزن على موتها. ودفنت في مقبرة عامة ببلوا، لأن حكومة الستة عشر أعلنت أنها ستلقى جثثها في السين إذا جئ بها إلى باريس. واتهم نصف فرنسا هنري الثالث بالقتل، وجاب الطلاب الشوارع مطالبين بعزله، اما لاهوتيو السوربون يؤيدهم البابا فقد أحلوا الشعب من ولائه للملك، ودعا القساوسة إلى المقاومة المسلحة له في كل مكان. وقبض على مؤيدي الملك، واحتشد الرجال والنساء داخل الكنائس مخافة أن يحسبوا من أنصار الملك. واعتنق مؤلفو كراريس الحلف الايديولوجية السياسية للهيجونوت، فأعلنوا أن الشعب صاحب السيادة، وله الحق في خلع الطاغية عن طريق البرلمان أو القضاة، وأي ملك في المستقبل ينبغي

ص: 212

أن يخضع للقيود الدستورية، وأن يكون واجبه الأول فرض الدين الحق- وهو الكاثوليكية في هذه الحالة (8).

أما هنري الثالث، الموجود الآن في تور مع بعض النبلاء والجنود، فقد وجد نفسه بين نارين. فجيش الحلف يزحف عليه من الشمال بقيادة دوق مايين، وجيش نافار يزحف من الجنوب فاتحاً المدينة تلو المدينة، إذن فإحدى القوتين قابضة عليه لا محالة. واغتنم هنري الهيجونوتي فرصته، فأوفد دوبليس- مورني ليعرض على الملك محالفته وحمايته وتأييده. والتقى الهنريان عند بليسي- لي- تور وتعاهدا بوفاء كل منهما لصاحبه (30 ابريل 1589). وهزم جيشاهما المتضافران مايين وزحفا على باريس.

وفي العاصمة المسعورة استمع راهب دومنيكي يدعى جاك كليمان في حماسة إلى ما تردد من اتهام لهنري الثالث بالاغتيال. وقد أكدوا له أن القيام بعمل عظيم في سبيل قضية مقدسة سيمحو كل تبعة عن أوزاره، وأثار ثائرته حزن كاترين دوقه مونبنسييه، شقيقة الأخوين القتيلين جيز، وحركة جمالها. فاشترى خنجراً، وتسلل إلى معسكر الملك، وطعنه في بطنه، فقتله الحراس، ومات واثقاً من ثواب الجنة. أما هنري فالوا فقد مات غداة طعنة (2 أغسطس 1589) وهو يتوسل إلى اتباعه أن يلزموا هنري نافار. وانتشرت الفوضى في جيش المحاصرين، وتبدد أكثره، وأجل الهجوم المقترح على باريس. أما في داخل الكنيسة فقد بلغت فرحة الحلف وتابعيه حد الهذيان. ووضعت بعض الكنائس صورة الراهب فوق مذبحها (9)، وهلل الأتقياء لاغتيال الملك باعتباره أنبل عمل في سبيل الله تم منذ تجسد المسيح (10). وأستدعيت أم كليمان من الريف، فوعظت في الكنائس، واحتفل القوم بها بترتيل ترنيمة مقدسة:«طوبى للبطن الذي حملك، وللثدي التي أرضعتك» (11).

‌3 - الطريق إلى باريس

(1589 - 1594)

بلغ هنري نافار الآن نقطة الحسم في حياته. لقد وجد نفسه فجأة،

ص: 213

يحكم القانون والتقاليد، ملك فرنسا. ولكن نصف جنده تركوه بمثل هذه السرعة الفجائية تقريباً. أما النبلاء الموالون لهنري الثالث فقد انطلقوا إلى ضياعهم؛ واختفى معظم الكاثوليك الذين كانوا يحاربون في جيشه. ورفض ثلثا فرنسا فكرة الملك البروتستنتي رفضاً باتاً. أما جماعة «السياسيين» فقد أسكنهم الاغتيالان برهة؛ واعترف برلمان باريس بالكردينال بوربون ملكاً على فرنسا؛ ووعد فليب ملك أسبانيا الحف بذهب الأمريكتين ليحتفظ بفرنسا في حظيرة الكاثوليكية. وكان التفسخ الذي أصاب إنتاج فرنسا وتجارتها قد جلب على البلاد من الدمار ما لم يبق لها معه إلا نشوة الحقد والكراهية القاتلة. وهو أمر لم يحزن فليب كثيراً.

كان محالاً على نافار أن يهاجم مدينة كباريس تكن له العداء الشديد، بجيش انفرط عقده وتقلص عدده. ومن ثم فقد عمله في كفاية قيادية، عطلتها خليلاته أكثر مما عطلها العدو، إلى سحب قواته إلى الشمال ليتلقى المعونة من إنجلترا، وتبعه مايين مما أتاحت له بدانته من سرعة. والتقى الجيشان عند آرك جنوبي دبيب مباشرة، وعدة جيش هنري 7. 000، وجيش مايين 23. 000 (21 سبتمبر 1589). ونستطيع أن نفهم نتيجة المعركة من رسالة هنري إلى رفيقه في السلاح كريون، «أشنق نفسك أيها الشجاع كريون، لقد خضنا المعركة عند آرك، ولم تكن أنت هناك» وشدد الانتصار من عزيمة أعوان هنري السريين في كل مكان. ففتحت عدة مدن أبوابها له مغتبطة، واعترفت به جمهورية البندقية ملكاً؛ أما اليزابث التواقة كالبندقية إلى الحيلولة دون سيطرة أسبانيا على فرنسا، فقد أرسلت له 4000 جندي، و 22. 000 جنيه ذهبي، و 70. 000 رطل من البارود، وشحنات من الأحذية، والطعام، والنبيذ، والجعة. ورد فليب على هذا بارساله تجريدة من فلاندر إلى مايين. والتقى الجيشان المعززان عند إفري على نهر أور في 14 مارس 1590. ورشق هنري في خوذته ريشة شرف كبيرة بيضاء- لا يكاد المرء يسميها ريشة طائر

ص: 214

بيضاء- وقال لجنده «إذا فرقكم وطيس المعركة لحظة فتجمعوا تحت أشجار الكمثري تلك التي ترونها على يميني، وإذا فقدتم أعلامكم فلا تغفلوا عن ريشتي البيضاء- ستجدونها دائما في طريق الشرف، وفي طريق النصر أيضاً كما أرجو» . وقاتل في المقدمة كما كان شأنه دائماً. وورم ذراعه الأيمن وتشوه سيفه من كثرة مقارعة العدو. وقد خدمه اشتهاره بالرأفة، إذ استسلم له الآلاف من الجنود السويسريين الذين كانوا في جيش مايين والذين لم تدفع لهم رواتبهم. وخلف انتصار هنري الحلف بغير جيش، فزحف على باريس دون مقاومة تقريباً ليحاصرها.

ومن مايو إلى سبتمبر 1590 عسكر جنده الجائعون المفلسون حول العاصمة وهم يتحرقون شوقاً لمهاجمتها ونهبها، ولكن صدهم عن هذا رفض هنري الموافقة على مذبحة ربما كانت شراً من مذبحة القديس برتليمو. وبعد شهر من الحصار كان الباريسيون يأكلون لحم الخيل والقطط والكلاب، ويغتذون بالعشب. ورق لهم قلب هنري فسمح للأقوات بأن تدخل المدينة. وجاء دوق بارما، والى فليب على الأراضي المنخفضة، لنجدة باريس بجيش حسن التجهيز من صناديد الاسبان، وتقهقر هنري إلى روان بعد أن غلبته مناورات العدو، وتبعه بارما في صراع الاستراتيجية ولكن المرض أعجز الدوق، وعاد جيش هنري يحاصر العاصمة من جديد.

وواجه الآن هذا السؤال الفاصل: أيستطيع، وهو البروتستنتي، أن يظفر بعرش بلد 90% منه كاثوليك، وأن يحتفظ بهذا العرش؟ لقد كان الكاثوليك كثيرة غالبة حتى في جيشه. ولا ريب في أنه لم يكن من همومه الصغيرة تناقص موارده المالية وعجزه عن دفع رواتب جنده بعد ذلك. ومن ثم دعا معاونيه واعترف لهم بأنه يفكر في اعتناق الكاثوليكية، فوافق بعضهم على الخطة لأنها السبيل الوحيد إلى السلام، وندد آخرون بها باعتبارها تخلياً قاسياً شائناً عن الهيجونوت الذي أعطوه الدم والمال

ص: 215

أملاً في أن يكون لهم ملك بروتستنتي. هؤلاء أجابهم هنري بقوله: «لو اتبعت نصيحتكم لما بقى في فرنسا بعد قليل ملك ولا ملكة. أريد أن أمنح السلام لرعاياي والراحة لنفسي. فتشاوروا فيما بينكم ماذا تريدون ضماناً لأمنكم. وأنا على الدوام مستعد لإرضائكم (12)» . ثم قال «ربما لم تكن شقة الخلاف بين المذهبين واسعة إلا لما بين المبشرين بهما من حقد وعداء. وسأعمل يوماً باستعمال سلطتي على أن يستقيم هذا الأمر كله (13). ثم حدد صلب عقيدته بقوله «إن الذين يتبعون ضميرهم دون عوج على ديني، وأنا على دين كل إنسان شجاع طيب (14)» . وهجر دوبليسي- مورنيه، واجريبا دوبنيه، وكثير من زعماء البروتستنت الآخرين الملك، ولكن الدوق صلى، أصدق مستشاري هنري، الذي ظل بروتستانتيا وفيا، وافق على قرار مولاه «أن باريس تستأهل قداساً (15)»

(1)

.

ففي 18 مايو 1593 أرسل هنري إلى البابا وأكليروس من باريس يبدي رغبته في أن يدرس العقيدة الكاثوليكية. وكان جريجوري الرابع عشر قد جدد حرمه. ولكن الأكليروس الفرنسي الذي لم يذل أبداً لروما تأهب لإعداد التائب الجديد لأن يكون ملكاً تقياً. على أنه لم يكن بالتلميذ السهل القيد. فهو يرفض أي تعهد بأن يشن حرباً على الهرطقة، وهو يأبى أن يوقع أو يؤمن بـ «هراء هو واثق كل الثقة من أن أغلبهم لا يؤمنون به (16)» ، ولكنه وافق في سماحة على عقيدة المطهر لأنها «أعظم مصادر دخلكم (17)» . وفي 25 يوليو كتب لخليلته آنذاك «سأقفز القفزة الخطرة» ثم ذهب إلى كنيسة دير سان دنيس، واعترف، ونال الغفران، واستمع إلى القداس.

ورماه الآلاف في المعسكرين بالنفاق. وأنكر اليسوعيون كثلكته وواصل زعماء الحلف مقاومتهم. ولكن موت دوق بارما والكردينال بوربون كان قد أوهن قوة الحلف، وفقدت حكومة الستة عشر منزلها في أعين الوطنيين الفرنسيين لتأييدها خطة فليب الرامية إلى جعل ابنته ملكة

(1)

Paris vaut ben une messe

ص: 216

على فرنسا. ومال كثير من النبلاء إلى هنري بوصفه القائد الحربي الكفيل بكبح جماح فليب، والحاكم الرحيم الذي يستطيع أن يرد العافية إلى وطن استشرت فيه الفوضى حتى كادت تمزق أوصاله. وأعربت مجلة ذكية تدعى «سانتير منيبيه» (1593 - 94) عن عواطف جماعة «السياسيين» والبورجوازيين، وسخرت في ظرف وتهكم اليسوعيين والحلف، وأعلنت أنه «ما من سلام بلغ من الظلم ما يجعله لا يرجح أكثر الحروب عدلاً (18)» . وطلب الجميع السلام في شوق، حتى باريس المتعصبة. واستمرت الاشتباكات الصغيرة ثمانية شهور أخرى، ولكن في 22 مارس 1594، زحف هنري إلى باريس ودخلها ولم يكد أحد يعترضه، وعظم ترحيب الجماهير به حتى أنه أراد أن يدخل نوتردام لم يكن بد من رفعه فوق الرؤوس. وثبت ملكاً في ذلك اللوفر ذاته، الذي كان فيه قبل اثنين وعشرين عاماً سجيناً قاب قوسين من الموت، واستسلم للبهجة والفرح، فأصدر بطريقته المرحة، عفواً عاماً شمل حتى آل جيز وحكومة الستة عشر. وأكتسب بعض أعدائه بالغفران عنهم دون تردد وبالمجاملة السمحة الكيسة ورشا البعض بمال اقترضه.

على أنه لم يكسب الجميع إلى صفه. ففي ليون اشترى بيير باريير مدية وشحذها ثم شد رحاله إلى باريس معلناً نية اغتيال الملك. فقبض عليه في ميلون وشنق دون إبطاء. وقال هنري «وا أسفاه، لو علمت بالأمر لعفوت عنه.» وأرسل البابا كلمنت الثامن للملك حل الكنيسة، ولكن اليسوعيين واصلوا مهاجمته في مواعظهم. وفي 27 ديسمبر هجم فتى في التاسعة عشرة يدعى جان شاتيل على الملك بخنجر ولكن لم يصبه بأسوأ من قطع في شفته وكسر في سنه. ومرة أخرى رأى هنري العفو عن هذا المتعصب، ولكن رجال السلطة أوقعوا بشاتيل كل أنواع التعذيب التي نص عليها القانون ضد قتلة الملوك. وقد اعترف الرجل في كبرياء برغبته في قتل الملك لأنه زنديق خطر، وأعلن استعداده لبذل محاولة أخرى في

ص: 217

سبيل خلاص نفسه. وقال في اعترافه إنه تلميذ لليسوعيين، ولكنه أبى أن يورطهم بأكثر من هذا في مغامرته. وقد رويت عن اليسوعي الأسباني خوان داريانا (الذي سنلتقي به ثانية) عبارات وافق فيها على اغتيال الملوك الفاسدين، لا سيما هنري الثالث، وتبين أن اليسوعي الفرنسي جان جينار كتب يقول إنه كان من الواجب قتل هنري الرابع في مذبحة القديس برتلميو، وإنه يجب التخلص منه الآن «بأي ثمن وبأية طريقة (19)» . وفي بواكير عام 1595 أمر برلمان باريس اليسوعيين بالرحيل عن فرنسا بناء على التماس من الاكليروس العلماني في السوربون.

‌4 - الملك الخلاق

1594 -

1600

تبين هنري أن مهمة التعمير أشق من قهر القوة المسلحة. ذلك أن اثنين وثلاثين عاماً من «الحروب» الدينية خلفت في فرنسا من الخراب والفوضى ما خلفته حرب المائة عام في القرن السابق. فبحرية فرنسا التجارية كادت تختفي من البحار، وقد بلغ عدد البيوت التي دمرت ثلاثمائة ألف، وأعلن الحقد تعطيله للفضيلة، وسمم فرنسا بشهوة الانتقام. وأغار الجنود المسرحون على الطرق والقرى سرقة وتقتيلاً وتآمر النبلاء ليفرضوا استرداد سيادتهم الاقطاعية ثمناً لولائهم للملك، وكانت الأقاليم التي طال تركها معتمدة على مواردها تقسم فرنسا إلى دويلات مستقلة ذاتياً، وكان الهيجونوت يطالبون بالاستقلال السياسي والحرية الدينية، والحلف لا يزال يحتفظ بجيش في الميدان؛ واشترى هنري قائده مايين بالمال فارتضى الهدنة ثم الصلح في النهاية (يناير 1596). وبعد أن وقعت الشروط، اصطحب هنري الدوق البدين في مسيرة طويلة جعلته يلهث إعياء، ثم أكد له أن هذا هو انتقامه الوحيد منه (20). ولما تزعم أحد قواده المدعو شارل جونتو، دوق بيرون، مؤامرة ضده، عرض عليه هنري العفو إذا اعترف، ولكنه أبى، فأمر بمحاكمته، وأدين بالجريمة وقطع رأسه

ص: 218

(1602)

. وأدركت فرنسا الآن أن نافار ملك. وسمح له شعب فرنسا الذي أرهقته الفوضى-بل توسلت إليه طبقات رجال الأعمال-أن يجعل ملكية البوربون الجديدة مطلقة السلطان. لقد كانت الاستبدادية الملكية نتيجة للحرب الأهلية في فرنسا بينما كانت في إنجلترا سبباً لها.

وجبى هنري الضرائب لأن حاجة الحكومة الأولى كانت المال. أما مجلس المالية الموجود فقد انبعث منه من نتن الرشوة والفساد قدر أكثر من المألوف. وولى هنري صلى الجريء رئاسة المالية، وأطلق يده في تنقية الهواء واخلاء الطريق بين ما يدفعه الشعب من الضرائب وما يصل منها إلى الخزانة. كان مكسمليان بتون، بارون روزني، دوق صلى، صديق هنري الوفي مدى ربع قرن. قد قاتل جنباً إلى جنب مع هنري خلال أربعة عشر عاماً؛ وهاجم الآن-وهو بعد في السابعة والثلاثين-الموظفين المختلسين عديمي الكفاية بهمة لا تعرف الكلل، حتى أصبح أعظم أعضاء مجلس الملك قيمة وأقلهم شعبية. وصورته التي رسمها له دمونستبيه معروضة في اللوفر، يطالعنا فيها رأس كبير وجبين عريض وعينان مرتبتان حادتان. ها هنا العبقرية العملية التي لا غنى عنها لكبح الروح الرومانسية لملك شغله لعب دور كازانوفا عن لعب دور شارلمان كاملاً. وجعل صلى من نفسه الحارس الرقيب على الإدارة الحكومية. وإذ كان مديراً للمالية والطرق والمواصلات والمباني العامة والتحصينات والمدفعية، ومأموراً للباستيل، ومشرفاً عاماً على باريس، فقد وجد في كل مكان، وأشرف على كل شيء، وأصر على الكفاية والاقتصاد والنزاهة، وقد عكف على العمل خلال كل ساعات يقظته. وعاش عيشة التقشف في حجرة بسيطة على جدرانها صور لوثر وكالفن. ثم رعى مصالح إخوانه الهيجونوت. وثبت العملة، وأعاد تنظيم البيروقراطية وهذبها، وأكره لصوص الموظفين على أن يتقيئوا ما سرقوه. وقد استرد للدولة كل الأملاك والموارد التي تملكها الأفراد خلال الحروب، وألزم 40. 000 من المتهربين من الضرائب بدفع

ص: 219

ضرائبهم. وجد خزانة الدولة مدينة بمبلغ 296. 000. 000 جنيه، فسدد هذه الديون، ووازن الميزانية، وجمع فائضاً بلغ 13000. 000 جنيه. وحمى وشجع كل نواحي الحياة الاقتصادية، وبنى الطرق والكباري، وخطط للقنوات الكبرى التي أزمعت أن تربط الأطلنطي بالبحر المتوسط، والسين باللوار (21). وأعلن أن جميع الأنهار الصالحة للملاحة جزء من الأملاك الملكية، وحظر وجود العوائق فيها، وأعاد من جديد تدفق السلع داخل البلاد.

واستطاع هنري أن يخلق فرنسا من جديد بمعونة وزراء أحسنَ اختيارهم كوزيره صلى. فرد للمحاكم و «البرلمانات» وظائفها وسلطتها الشرعية، وإذا كان قد سمح للموظفين البيروقراطيين بتوريث مناصبهم لأبنائهم لقاء ثمن يؤدونه فإن الدافع له لم يكن مجرد جمع المال، بل كفالة استقرار الإدارة والنهوض بالطبقات الوسطى- ولا سيما رجال القضاء «نبالة الرداء» - ليكونوا مقابلاً وموازناً للارستقراطية المعادية. وقد درس هذا الملك، الذي كان فيه من الحرص على الحياة والعمل ما لا يسمح له بقراءة كتاب أوليفييه دسير المسمى «مسارح الزراعة» (1600) - درس هذا الكتاب بعناية، وفيه اقتراحات لأساليب زراعية أكثر علمية، وأرسى هذه التحسينات في أراضي التاج لتكون نماذج وحوافز للفلاحين الخاملين. وكان يقول إنه يتوق لرؤية «دجاجة في كل قدر يوم الأحد» (21). وحظر على النبلاء أن يركبوا خيلهم فوق الكروم أو حقول الغلال وهو منطلقون إلى صيدهم، ومنع غارات الجند على أراضي الفلاحين. وألغى عشرين مليون جنيه من متأخرات الضرائب المستحقة على الفلاحين (ربما لأنه عرف أنه لن يستطيع جمعها أبداً). وسبق كوليير بحمايته الصناعات الموجودة بالرسوم الكمركية، وادخال الصناعات الجديدة كصناعة الخزف المصقول والزجاج وتربية دودة القز، وزرع أشجار التوت في حدائق التويلري وفونتنبلو، وأمر بأن

ص: 220

يزرع منها عشرة آلاف في كل أسقفية، وأعان ووسع مصانع السجاد المرسوم التي يملكها آل جوبلان. ورغبة في تفادي السياسات المقيدة التي فرضها معلمو الحرف على نقاباتهم، أعاد تنظيم الصناعة الفرنسية على أساس تعاوني-فأصحاب العمل والعمال متحدون في كل حرفة، خاضعون للتنظيم الذي تفرضه الدولة. ولكن الفقر لم يبرح مخيماً على البلاد، من جهة بسبب الحرب والطاعون والضرائب. ومن جهة لأن عدم التكافؤ الطبيعي في القدرات، وسط تساوي الجميع في الجشع، كفيل في كل جيل بأن تستوعب قلة من الناس أكثر السلع. أما الملك فتوخى القصد في عيشه، إلا أن يسرف مع خليلاته. ورغبة في شغل المتعطلين وتنقية الريف من قدامى المحاربين العاطلين النهمين، مول عدداً كبيراً من الأشغال العامة المختلفة: فوسعت الشوارع ورصفت، وشقت القنوات، وغرست الأشجار على الطرق العامة، وفتحت المتنزهات والميادين-كالبلاس رويال (وهو اليوم بلاس دي فوج) والبلاس دوفين-لتتيح لباريس متنفساً. وأنشأ الملك مستشفى الميرة للعجزة. ولم يكتمل نضج هذه الاصلاحات كلها قبل موته المفاجئ، ولكن حينما ختم حكمه كانت البلاد تتمتع برخاء لم تشهده منذ أيام فرنسيس الأول. وأهم من ذلك كله أن هنري أنهى الحروب الدينية، وعلم الكاثوليك والبروتستنت أن يعيشوا بسلام. لا في مودة وصداقة، لأن أحداً من غلاة الكاثوليك لم يكن ليسلم بحق هيجونوتي في الوجود، ولا كان أي هيجونوتي حار الإيمان لينظر إلى العبادة الكاثوليكية إلا على أنها عبادة أصنام. وقد وضع هنري حياته على كفه وأصدر (13 ابريل 1598) مرسوم نانت التاريخي، الذي أباح الممارسة الكاملة للعقيدة البروتستنتية، ومنح الصحافة البروتستنتية حريتها، في جميع مدن فرنسا الثمانمائة إلا سبع عشرة مدينة كانت فيها الكاثوليكية المذهب الغالب (كما في باريس). وثبت مبدأ صلاحية الهيجونوت للمناصب العامة، وكان منهم في مجلس الدولة

ص: 221

اثنان فعلا، وتقرر تعيين تورين الهيجونتي مارشالاً لفرنسا. كذلك تقرر أن تدفع الحكومة رواتب القساوسة البروتستنت ونظار المدارس البروتستنتية وأن يقبل الأطفال البروتستنت في جميع المدارس والكليات والجامعات والمستشفيات كالأطفال الكاثوليك سواء بسواء. أما المدن التي كان يسيطر عليها الهيجونوت مثل لاروشيل، ومونبلييه، ومونتوبان-فتظل على حالها وتنفق الدولة على جامعاتها وحصونها على أن الحرية الدينية التي منحت على هذا النحو كانت لا تزال ناقصة، فهي لم تشكل غير الكاثوليك والبروتستنت، ولكنها كانت أكثر ألوان التسامح الديني تقدماً في أوربا. لقد اقتضى تحويل «جلالة الملك المسيحي جداً» إلى مسيحي حقاً، رجلاً ذا عقيدة مشكوك في سلامتها.

وتصايح الكاثوليك في طوال فرنسا وعرضها بالسخط على المرسوم زاعمين أن فيه حنثاً بما توعد به هنري من تأييد لعقيدتهم. وندد به البابا كلمنت الثامن «كألعن ما يمكن تصوره، منحت به حرية الضمير للجميع، وهذا أسوأ شئ في الوجود (23).» وأعلن الكتاب الكاثوليك من جديد بأنه يحل خلع الملك الزنديق أو قتله، أما المؤلفون البروتستنت أمثال أوتمان، الذين دافعوا عن سيادة الشعب إبان حكم هنري الثالث، فقد أطروا فضائل الاستبدادية -في ملك بروتستنتي (24). وأبى برلمان باريس طويلاً أن يختم المرسوم بخاتم التسجيل الرسمي الذي اقتضاه العرف حتى يصبح أي مرسوم ملكي قانوناً مقبولاً. ودعا هنري الأعضاء، وبين لهم أن ما فعله لم يكن عنه غنى للسلام ولتعمير فرنسا. فأذعن البرلمان، وقبل ستة من الهيجونوت بين أعضائه.

وسمح هنري لليسوعيين بأن يعودوا إلى فرنسا (1603) ربما ليسكت المعارضة الكاثوليكية ويسترضي البابا. وعارض صلى بقوة هذه الخطوة، وقال إن اليسوعيين «رجال نابغون، ولكنهم شديدوا الخبث والدهاء» ، وإنهم ملتزمون بقضية الهابسبورج، ومن ثم بقضية خصمي فرنسا- أي

ص: 222

أسبانيا والنمسا، وانهم متعهدون بالطاعة العمياء للبابا وميالون إليها، وهو ليس إلا سجيناً جغرافياً للهابسبورج وتابعاً مالياً لهم، فهم لا محالة مملون على هنري سياساته إن عاجلاً أو آجلاً فإن أخفقوا فسيقنعون أحد المتعصبين «بأن يقضي عليك بالسم أو بغيره» وأجاب هنري بأن مساندة اليسوعيين سيكون له عوناً كبيرًا على توحيد فرنسا، وأن استمرار نفيهم وعدائهم أشد خطراً على حياته وسياساته من عودتهم إلى فرنسا

(1)

وقبل اليسوعي بيير كوتون كاهن اعتراف له، ووجده إنساناً لطيفاً وفياً، ثم فرغ بعد ذلك لحكم فرنسا ولزعازع الحب العاتية.

‌5 - زير النساء

في متحف كونديه بشانتي لوحة شائقة رسمها فرانس بوربي الابن، يبدو فيها هنري في عنفوان قوته وعزته. رشيق البنية، بسيط الملبس في سراويل منفوخة وصدرة وجوارب سوداء، ذراعه اليسرى على خاصرته، وتحت لحيته الشيباء طوق مكشكش، ثم أنف أشم، وفم حازم، وعينان فيهما تيقظ وتشكك ورحمة. ولقد خلعت عليه سنو الحملات الطوال مشية الجندي وخلقه وريحه: فهو قوي نشيط لا يكل، له من شواغله ما يمنعه من الإسراف في النظافة أو من تغيير ملابسه حين يجب تغييرها؛ قال صديق إنه كان أحياناً «تفوح من جسده رائحة خبيثة كأنه الجيفة (25)» كان بعد يوم من السير أو القتال يفاجئ معاونيه بتنظيم رحلة صيد. إنه مضرب المثل في بسالته، ولكن أمعاءه تجنح إلى الاسهال إذا دنت المعركة (26)، وقد عانى في السنين السبع الأخيرة من حياته من الدوزنتاريا وعسر البول والنقرس. أما ذهنه ففي نشاط جسده ومرونته. وهو سريع في تبين الزيف والهراء، يلتقط لب الأمور للتو والساعة، ويكتب الرسائل التي لا تزال تنبض بالحياة، ويشرح بطرفه صدر فرنسا

(1)

مذكرات صلى، 10 - 11. ولا سبيل إلى التحقق من صحة رواية هذا الحديث الخاص.

ص: 223

والتاريخ. حين عين لافيوفيل في أحد المناصب قال الرجل متمثلاً بعبارة وردت في الأنجيل «مولاي، لست مستحقاً» أجاب هنري «أعلم ذلك جيداً، ولكن ابن أخي طلب إلي أن أعينك» (27). وذات يوم اعترضه صاحب حاجة وهو في طريقه إلى الغداء وبدأ يقول في لغة طنانة «مولاي الملك، أن أجبيسيلا، ملك لاكيديمون-» وقال هنري وهو يثن «ويحك! لقد بلغني نبوءه، ولكنه كان قد تغدى، أما أنا فلم أفعل» (28). يقول مؤرخ فرنسي «لقد كان أذكى ملك أنجبته فرنسا» .

ثم كان أحبهم إلى الناس. لم يكن بعد أكثرهم شعبية، لأن نصف فرنسا مازال يقبله على مضض، ولكن الذين عرفوه معرفة حميمة كانوا لا يترددون في أن يساقوا إلى الموت حرقاً من أجله، وبعضهم يفعل وهو آخذ كل شئ في اعتباره، فهو أقرب الحكام مثال، لا إدعاء فيه ولا غرور، يرسل نفسه على سجيتها، طيب القلب، بطئ الغضب، سريع العفو دائماً. شكت حاشيته من كرهه للظهور في أبهة الملوك، وسمح للشعراء وكتاب المسرحيات بالسخرية منه، وإن أعجبه أكثر أن يمثله ماليرب رباً للفضيلة والحسن. وكان يذهب للتفرج على الهزليات التي تهجوه، ويوهن من شرتها بضحكه. ولم ينتقم ممن عارضوه بالقول أو الفعل «لو أنني شنقت كل من كتبوا أو وعظوا ضدي لما وجدت في كل غابات مملكتي ما يكفيهم من المشانق (30)» . كان له حساسية الشاعر، فهو يحس فقر الشعب برهافة إحساسه بجمال النساء. لم يكن رواقياً، فالتحكم في عواطفه ليس من شيمه؛ كانت له عيوبه الكثيرة، فقد يكون وقحاً دون قصد، أو جلفا في مرح وابتهاج. وكانت تسكنه روح رابليه، فهو يستمتع بالقصص المكشوفة ويرويها بطريقة لا تباري. يسرف في لعب الورق، ويخسر المبالغ الكبيرة، ويغش أحياناً كثيرة، ولكن يرد مكاسبه الحرام دائماً (31). وكان يهمل مطاردة عدو متقهقر ليطارد امرأة متقهقرة.

ص: 224

ولا حاجة بنا لأن نعدد غرامياته كلها. على أن ثلاث نساء على الأخص كن معالم طريقه إلى العرش. إنه يكتب الرسائل الغرامية الملتهبة إلى «كوريساند الجميلة» ويقول في إحداها «إني ألتهم يديك

وأقبل قدميك مليون مرة

أنها لبقعة مقفرة حقاً تلك التي نمل فيها وجودنا معاً (32)». ولكن لم يأت عام 1589 حتى كان قد ملها، واكتشف استر امبير دبو الامبير. وبعد عام، حين كان في السابعة والثلاثين، ودون أن يعوقه مرض السيلان (33)، وقع في غرام جابرييل دستريه، وكانت يومها فتاة في السابعة عشرة، خلع عليها أحد الشعراء «الشعر الذهبي، وعيون النجوم، ونحر الزنبق، واصابع اللؤلؤ، وثدي المرمر (34)» . وصف حبيبها بلجارد في لحظة طيش مفاتنها للملك فعدا هنري بفرسه اثني عشر ميلا وهو متنكر يشق أرض العدو ليراها. وضحكت على أنفه الطويل، ووقع على قدميها، وانسحب بلجارد. واستسلمت هي لسحر المال والملك، وولدت لهنري ثلاثة أطفال. وكان يأخذها لبلاطه وفي رحلات صيده، ويعانقها علناً، ويفكر في الزواج منها إذا ارتضت مارجو طلاقه. وتظافر الوعاظ الهيجونوت والكاثوليك في التنديد به زانياً، ضالاً، ووبخه صلى الشجاع على تبديده أموال الدولة على محظياته. فطلب المغفرة معتذراً بأنه وقد جاهد هذا الجهاد في الحرب وأحكم، وأخفق هذا الاخفاق في الزواج، فإن له ما لكل جندي من الحق في شيء من الترفيه (35)، وأقام على حب جابرييل ثماني سنين غدت بدينة حريصة على الاقتناء. وراحت تدس لصلى، وتدعوه «التابع» ، وقال لها هنري في غيظه إن وزيراً مثله أثمن في نظره من عشر محظيات مثلها. ثم لان وعاد إلى حديث الزواج منها، ولكنها ماتت في 10 أبريل 1599 وهي تلد طفلاً ميتا. وبكاها بكاءً مريراً وكتب يقول:«لقد ماتت نبتة الحب التي في باطني (36)» .

ص: 225

ولكن النبتة انتعشت بعد شهرين حين التقى بهنرييت دنتراج، ابنة ماري توشيه ذاتها التي كانت خليلة شارل التاسع. ونها أبوها وأمها وأخوها لأبيها أن تستسلم إلا لخاتم الزواج، فكتب لها هنري تعهداً بالزواج مشرطاً بأن تنجب له ولداً، ولكن صلى مزقه أمامه، فكتب هنري تعهداً آخر وسلمه لها معه عشرين ألف كراون. وبرئ ضمير السيدة وأصبحت محظية الملك. ورأى بعض دبلوماسييه أنه قد آن له أن يستقر. فأقنعوا مارجو بقبول الطلاق شريطة ألا يتزوج هنري من خليلته. ووافق البابا كليمان الثاني على منح الطلاق بنفس الشروط، واقترح ماريا مديتشي ابنة دوق توسكانيا الكبير عروساً لهنري؛ واقترح المصرفيون والفلورنسيون إلغاء دين فرنسا الضخم لهم إذا جعل هنري ماريا مليكته (37). واحتفل بالزواج غياباً في فلورنسة (5 اكتوبر 1600). وانتزع هنري نفسه من ساحة قتال ليذهب إلى ليون ليحيي زوجته، ووجدها طويلة بدينة متعجرفة وبذل كل مجاملة ملكية، وأنجب منها لويس الثالث عشر ثم عاد إلى الآنسة دنتراج على أنه كان يقوم بواجباته الزوجية بين الحين والحين. وأنجبت له ماري دمديسي (كما كانت تسميها فرنسا) سبعة أطفال في عشر سنين. ورباهم هنري، مع أبنائه من جابرييل وهنرييت، في سان- جرمان- أن- لي.

وقدمت هنرييت إلى الملكة، وأسكنت قصراً بقرب اللوفر، ولكنها بعد أن ولدت الملك أصرت على أنها هي، لا ماري، الملكة الشرعية. وتآمر أبوها وأخوها لأبيها لخطفها هي وابنها إلى أسبانيا ويجعلا فليب الثاني يعترف بالغلام «الدوفين» الشرعي لفرنسا (1604). واكتشفت المغامرة وقبض على الأخ، وأفرج عن الأب حين رد تعهد هنري بالزواج. وواصل هنري مطاردته لهنرييت كأنه الزير الجائع. وكانت تقابل ملاطفاته بالاشمئزاز والكراهية، وتقبل الرشا من فليب الثالث ثمناً لتجسسها لحساب اسبانيا (38).

ص: 226

‌6 - مصرعه

وسط هذه السخافات التي لا تصدق خطط الملك لكسر الحصار الذي طوق آل هابسبورج فرنسا به-ذلك النطاق الحديدي المؤلف من الأراضي المنخفضة ولكسمبورج، واللورين، وفرانش كونتيه، والنمسا، والممرات الفالتيليه، وسافوي، وإيطاليا، واسبانيا. وزعم صلى في مذكراته أنه أقترح على هنري وجيمس الأول ملك إنجلترا «خطة عظمى» تتحد بمقتضاها فرنسا، وإنجلتره، واسكتلنده، والدنمرك، والسويد، والأقاليم المتحدة (هولنده)، وألمانيا البروتستنتية، والبندقية، ضد الهابوسبرج، وتنتزع أمريكا من أسبانيا، وتحرر ألمانيا من ريقة الإمبراطور، وتطرد الاسبان من الاراضي المنخفضة، ثم يقسم المنتصرون كل أوربا - فيما عدا الروسيا وتركيا وإيطاليا واسبانيا - إلى «جمهورية مسيحية» فدرالية من خمس عشر دولة مستقلة ذاتيا، يتجر بعضها مع البعض دون رسوم جمركية وترفع سياساتها الخارجية إلى مجلس فدرالي مسلح بقوة عسكرية عليا (39). أما هنري فيبدو أن الفكرة الضخمة لم تخطر بباله قط؛ ولعل قصارى ما حلم به أن يمد فرنسا إلى «حدود طبيعية» عند الرين، وجبال الألب، والبرانس، والبحر، وأن يحررها من الخوف من أسبانيا والنمسا. وفي سبيل هذه الأهداف كان يلجأ إلى أي وسيلة متاحة له: فسعى إلى عقد الأحلاف مع الدول البروتستنتية، وساعد الهولنديين في ثورتهم على أسبانيا، ودبر تأييد ثورة يقوم بها المسلمون في بلنسيه، وشجع الترك على مهاجمة النمسا (40).

وأتاح نزاع تافه إشعال شرارة هذا العداء البوربوني-الهابوسبورجي ليصبح حرباً أوربية. ذلك أن الدوق جون وليمن حاكم إمارة ييليش - كليفس-بيرج الثلاثية الصغيرة القريبة من كولونيا، مات في 25 مارس 1609 دون أن يعقب. وأدعى الامبراطور رودلف، بوصفه السيد الاقطاعي الأعلى للإمارة، أن له الحق في تعيين كاثوليكي لهذا العرش

ص: 227

الصغير. واحتج هنري بأن المزيد من اخضاع الدوقية للهابوسبورج سيعرض حدود فرنسا الشرقية للخطر. وانضم إلى براندبورج والبالاتينات والأقاليم المتحدة في تصميمها على تعيين خلف بروتستنتي لجون وليم، فلما احتل الارشيدوق ليوبولد النمسوي ييليش بالجيوش الإمبراطورية اتخذ هنري أهبته للحرب.

وتوافق غرامه الأخير توافقاً مثيراً مع الدعوة إلى هذه المعركة الفاصلة الكبرى. ذلك أنه برغم بلوغه السادسة والخمسين وما بدا عليه من اكتمال أحس تدريجا في 1609 بحنين طاغ لشارلوت مورمونسي ذات الستة عشر ربيعاً. وتابت عليه، ولكنها قبلت أمره بأن تتزوج أمير كونديه الجديد. وروى بأن خليلته هنرييت وبخته ساخرة بقولها «ألست شريراً جدا لأنك تريد أن تضاجع زوجة ابنك؟ فأنت عليم بأنك أخبرتني بأنه (أي الامير) ولدك.» وهرب كونديه بعروسه إلى بروكسل، وتحرق هنري شوقاً إلى مطاردتها، ونظم ماليرب هذا التحرق شعراً. والتمس فيلروا وزير خارجية هنري من الأرشيدوق ألبرت حاكم الأراضي المنخفضة أن يعيد الأميرة إلى باريس، ولكن الأرشيدوق رفض بتشجيع من فليب الثالث ملك أسبانيا. وهدد فيلروا بحرب «قد تشعل ناراً في أربع أركان العالم المسيحي (42)». وبدا لهنري أن من توفيق العناية أن تقع بروكسل في الطريق إلى ييليش: فهو إذن قاهر هذه السيدة - والأراضي المنخفضة الأسبانية - تمهيداً لتحطيم الإمبراطور وإذلال أسبانيا. واستأجر المرتزقة السويسريين واستعد لجمع جيش عدته ثلاثون ألف مقاتل. ووعده جيمس الأول ملك إنجلترا باربعة آلاف آخرين.

وروعت فرنسا الكاثوليكية، فقد أسرفت في تصديق الشائعات التي تواترت بأن مفاتن الأميرة هي سبب الحرب الحقيقي، وأفزعها أن يكون حلفاء الملك وقواده أكثرهم من البروتستنت، وتساءلت ماذا عساه يكون مصير الكاثوليكية والبابوية في أوربا إذا انهزم جنوبها الكاثوليكي

ص: 228

على يد شمالها البروتستنتي، وعلى يد ذلك الملك الذي كان بالأمس القريب هيجونوتياً. وهبطت الضرائب المفروضة لتمويل هذه الحرب المرهوبة بشعبية هنري، وهي أبداً قلقة لا ثبات لها؛ وحتى بلاطه تحول عنه لأنه رأى فيه رجلاً أعماه الحمق عن أن يدرك أنه لم يعد في طاقته أن يجمع بين لوثاريو والاسكندر في شخصه. وأرجفت التنبؤات بأنه مقتول عما قريب - وربما كانت تحريضات مشجعة لمن يتأثرون بها.

وسمع فرانسوا رافاياك بهذه التنبؤات، وكان موطنه انجوليم. وقد اطال التأمل في سجنه الذي أودعه لجريمة لم يقترفها، ورأى الرؤى، ودرس اللاهوت، وقرأ الكتيبات التي تدافع عن قتل الطغاة. وإذ كان قوي الذراع، ضعيف العقل، فقد راح يداعب هذه الفكرة، وهي أن الله اختاره لتحقيق التنبؤات ولإنقاذ فرنسا من مصيرها البروتستنتي. فلما أفرج عنه انطلق إلى باريس (1609)، ونزل عند مدام دسكومان، وهي صديقة لهنرييت دنتراج، وأعترف لها بأنه يفكر في قتل الملك. وأرسل تحذير لهنري، ولكنه كان قد ألف مثل هذه الإنذارات إلفاً جعله لا يعبأ بالتحذير. وبينما كان يخترق الشوارع حاول رافاباك أن يقترب منه، وأوقفه الجند، فقال إنه يريد أن يسأل الملك أصحيح أنه يدبر الحرب على البابا، وأن الهيجونوت يستعدون لذبح الكاثوليك. ثم حاول أن يدخل ديراً وينضم إلى اليسوعيين، ولكن طلبه رفض. فعاد إلى أنجوليم ليقوم بواجبه في الفصح، وتناول القربان، وتسلم من أحد الرهبان حقيبة صغيرة قيل إنها تحتوي على شظية من الصليب الذي مات عليه المسيح. واشترى مدية، ثم عاد إلى باريس. وأرسلت مدام دسكومان تحذيراً إلى صلى فأبلغ الملك به.

وكان هنري يتأهب للحاق بجيشه في شالون. ففي 13 مايو 1610 عين الملكة وصية خلال غيابه. وفي اليوم الرابع عشر رجاه ابنه غير الشرعي، دوق فاندوم، ألا يبرح بيته لأن التنبؤات بمقتله حددت هذا

ص: 229

اليوم نهاية لحياته. وفي العصر قرر أن يخرج في نزهة بعربته، وأن يزور صلى المريض، ويستمتع بـ «نسمة هواء» . وتفادياً لانتباه الناس صرف حرسه، ولكن كان يرافقه سبعة من الحاشية. واقتفى رافاياك أثر العربة وكان يراقب اللوفر. وعند نقطة في شارع فيرونيري وقفت العربة لتشابك في المرور. وهنا قفز رافاياك على سلمها وطعن الملك طعنة نجلاء من عنفها أن السلاح اخترق قلبه. فمات هنري للتو تقريباً.

وتحمل رافاياك وزر جريمته كاملاً حين عذب، وأنكر أن له محرضين أو شركاء، وأسف على عنف فعلته، ولكنه صرح بثقته بأن الله غافرها كما يغفر للمذنبين في سبيل قضية مقدسة. ومزقت أربعة جياد أوصاله، وأحرق جذعه في ميدان عام. واتهم الكثير من اليسوعيين بأنهم ألهبوا عقل القاتل، وقيل إن كتاب ماريانا عن الملكية «دي ريجي» «الذي يبرر قتل الطغاة» كان يباع علناً في حوانيت باريس. ورد اليسوعيون بأن هذا الكتاب شجبة صراحة مجمع اليسوعيين عقد بباريس عام 1606. وحكمت السوربون على اليسوعيين بأنهم مسئولون عن التعاليم الخطرة وأحرقت كتاب ماريانا رسمياً (42). أما ماري مديسي فقد حمت اليسوعيين من الأذى بصفتها وصية، وقبلت ارشادهم في الإيمان والسياسة.

وأصاب فرنسا الاضطراب والفرقة لمشروع هنري الأخير وموته المفاجئ. وارتضت قلة هذا الاغتيال على أنه عمل إلهي في سبيل الدفاع عن الكنيسة. ولكن الكثرة العظمى، من الكاثوليك والبروتستنت على السواء، ناجت على ملك رجحت جهوده من أجل شعبه أخطاءه وحماقته وذنوبه رجحاناً كبيراً. ولم يكن قد غاب من ذاكرة الفرنسيين كل ما أورثه مع العرش من فقر وخراب، ومن اضطراب ديني، ومن فساد وعجز حكوميين؛ لقد رأوا الآن أمة نظيفة منظمة، غنية برغم الضرائب المرتفعة، لها من القوة ما يتيح لها أن تتحدى السيادة الأسبانية الطويلة. وذكروا في حنين ما طبع هنري من بساطة في الملبس والمسلك والحديث،

ص: 230

وذكروا روحه المرحة وطبيعته الرقيقة، وبسالته المبتهجة في الحرب، وكياسته في الصداقة والدبلوماسية، واغضى تراخيهم الخلقي عن تلك المغامرات التي لم يبد فيها إلا رجلاً على هواهم. لقد وصف نفسه بحق بأنه «ملك وفي، أمين، صادق (44)» ، ولكنه كان إلى ذلك أعظم ملوك فرنسا إنسانية ورحمة، ثم إنه كان منقذ فرنسا. ربما بدت خطته في الوصول بفرنسا إلى حدودها الطبيعية أمراً غير عملي، ولكن ريشليو أتبعها بعد عشرين عاماً، ثم حققها لويس الرابع عشر بعد ذلك. ولم يمض طويل زمن على موته حتى أجمعت أوربا على تلقيبه بهنري الأكبر. وفي الثورة الفرنسية أدين جميع الملوك الفرنسيين من خلفائه، إلا هنري الرابع، فقد ظل يتربع المكان الأول في قلب الشعب.

ص: 231

الفصل الخامس عشر

‌ريشليو

‌1585 - 1642

1 -

بين ملكين

1610 -

1624

خلف موت هنري الرابع المفاجئ فرنسا في فوضى متجددة، تأصلت جذورها الكثيرة في صراع النبلاء مع الملكية، والطبقات الوسطى مع الاستقراطية، والكاثوليك مع الهيجونوت، والاكليروس مع الدولة، والملك الصغير لويس الثالث عشر مع أمه، وفرنسا مع النمسا وأسبانيا، أما ذلك العبقري الساحر، الجبار، الذي أحال كل هذه الفوضى نظاماً، وهزم الرجعية الاقطاعية، وهدأ ثورة الهيجونوت، وأخضع الكنيسة للدولة، وأنقذ ألمانيا البروتستنتية من الانهيار، وكسر شوكة الهابسبورج المحدقين بفرنسا، ورفع الملكية الفرنسية إلى سلطانها المطلق في الداخل وإلى أسمى مقام في أوربا- هذا الرجل كان قسيساً كاثوليكياً، وكان أعظم السياسيين في تاريخ فرنسا، وأشدهم دهاء، وأقساهم قلباً.

إن بعض مأساة هنري أن وريثه لويس الثالث عشر كان عند موته غلاماً في الثامنة لا حول له ولا قوة. وأن الأرملة التي ترك لها الوصاية عليه كانت امرأة فاقت شجاعتها ذكاءها، على استعداد لتسليم الحكم لمحاسبيها الايطاليين ما دامت تستمتع بلذائذ الحياة في وفرة عامرة، تخلت عن خطة هنري في حرب تشن على الهابسبورج حتى الموت، بل إنها على العكس ألفت بين فرنسا وأسبانيا بتزويج أبنائها من أبناء فليب الثالث- فزوجت ابنها لويس لآن النمسوية، وابنتها اليزابيث للفتى الذي أصبح فيما بعد فليب الرابع- على أن إرادة ريشليو ستكون أقوى من هذا الدم المخلط.

ص: 232

ترك هنري وصلى 41. 345. 000 جنيه في خزانة الدولة- والتف كونشينو كونشيني، وزوجته ليونورا جاليجالي، ودوق ابيرنون، وغيرهم من أفراد الحاشية المتعطشين للمال، التفوا حول هذا الكنز واستعدوا للإجهاز عليه. وعارض صلى ولكنه غلب على أمره، فاستقال ساخطاً، واعتكف في ضياعه يكتب المذكرات عن مليكه المحبوب.

ورأى النبلاء في عجز الحكومة المركزية وفسادها الفرصة لاسترداد سيادتهم الاقطاعية القديمة. فطالبوا بدعوة مجلس الطبقات ظناً بأنه سيكون كما كان من قبل صوتهم وسلاحهم ضد الملكية، وأجيب الطلب. ولكن حين إلتم شمل المجلس بباريس في أكتوبر 1614، أقلقتهم قوة الطبقة الثالثة ومقترحاتهم- هذه الكتلة الشعبية المجردة من النبالة والكهانة، الممثلة يومها كما هي ممثلة اليوم في المحامين، والمعبرة عن قوة الطبقة الوسطى ورغباتها. أما النبلاء والأكليروس الذين وضعوا عراقة الأصل ومسحة الكهانة فوق الثروة والقانون، فقد تحدوا نظام توريث المناصب القضائية الحديث، وهو نظام آذن بخلق نبالة قضائية منافسة. وردت الطبقة الثالثة بطلب التحقيق في المنح والمعاشات العريضة التي تلقاها النبلاء مؤخراً من الحكومة، وطالبت بإصلاح ما فسد في الكنيسة، وعارضت في أن تطبق في فرنسا الأوامر الصارمة التي أصدرها مجمع ترنت، وطالبت بأن يخضع رجال الدين للقوانين والمحاكم التي يخضع لها العلمانيون، وبأن تفرض القيود على اقتناء الكنيسة المعفاة من الضرائب مزيداً من العقارات، وبألا يتقاضى القساوسة أجراً على قيامهم بشعائر العماد والزواج والدفن، وأخيراً دافعت عن سلطة الملك وحقه الإلهي ضد دعاوى النبلاء في حق الهيمنة عليه والبابوات في حق خلعه. كانت تلك ثورة غير متوقعة. فهدئ المندوبون المشاغبون بالوعود وحل المجلس (مارس 1615). ثم نسي أكثر هذه الوعود، واستؤنف الاختلاس وسوء الادارة. ولم يدع مجلس الطبقات مرة أخرى إلا حين انهارت الملكية وطبقتا النبلاء والأكليروس على السواء عام 1789.

ص: 233

على أن الأكليروس من الكاثوليكي الفرنسي اكتسب شرافا باصلاح ذاته اصلاحا مخلصا فعالا. ولم يكن المسئول دائماً عن المفاسد التي أشاعت الفوضى في الكنيسة، لأن كثيراً من المفاسد نجم عن أن الأساقفة ورؤساء الديورة كان يعينهم الملاك أو النبلاء الذين يحيون حياة أشبه بحياة الوثنيين، وأحياناً تساورهم شكوك العقيدة (1). مثال ذلك أن هنري الرابع منح صلى الهيجونوتي أربعة ديورة ليرتزق من دخلها، وعين خليلته "كوريزاند " رئيسة لدير شاتيون- سير- سين. وخلع السادة النبلاء الأسقفيات ورياسات ديورة الرهبان والراهبات على أبنائهم الصغار، وأبنائهم غير الشرعيين، وجنودهم البواسل، ونسائهم الأثيرات. وإذا كانت قرارات الاصلاح الصادرة من مجمع ترنت لم تقبل بعد في فرنسا، فإن عدد الكليات اللاهوتية التي تعد القساوسة كان قليلاً؛ فكل شاب منذور يقرأ نص القداس اللاتيني ويتعلم مبادئ الطقوس يصلح لاختياره للكهنة، وكثير من الأساقفة الذين كانوا رجال دنيا يعيشون على هواهم قبل أن يكافئوا بمنصب الأسقفية عينوا لرعاية الشعب رجالاً حظهم من التعليم قليل ومن التقوى أقل. قال قسيس "لقد أصبح اسم القسيس مرادفا للجهل والفجور (2) ". وقال سان فانسان دبول "أن أعدى أعداء الكنيسة هم كهنتها غير الجديرين بالكهانة "(3).

وقد حاول الأب بوردواز علاج الجانب الخلقي للمشكلة بإنشائه "مجتمع القساوسة "(1610) وهو نظام تطلب من جميع قساوسة الأبرشية أن يعيشوا معاً عيشة البساطة والوفاء بنذورهم. وفي عام 1611 أسس الأب. برول "جماعة المصلى " على غرار مؤسسة شبيهة أقامها القديس فليب نيري في إيطاليا، وقد أصبحت مدرسة لاهوتية لتدريب شباب القساوسة على تعليم وتكريس أفضل وفي عام 1641 نظم الأب جان جاك أولييه الطريقة السلبيسية لاعداد الرجال للكهانة، وفي عام 1646 افتتح مدرسة القديس سلبيس اللاهوتية وكنيستها في باريس وفي عام 1643 ألف الأب جان (القديس يوحنا) أود "جماعة يسوع ومريم " لتأهيل الرجال

ص: 234

للكهانة والبعثات التبشيرية. وهكذا أعد أعلام من رجال الأجيال التالية كبوسويه، وبوردالو، ومالبرانش، وأرسى أساس قوة الكنيسة وبهائها في عصر لويس الرابع عشر.

وكشفت طوائف دينية جديدة عن تقوى الشعب ونفخت فيها حياة جديدة. فدخلت الراهبات الأورسوليات فرنسا حوالي عام 1600 واضطلعن بتعليم البنات، ولم ينقض قرن على دخولهن حتى كان لهن 1. 000 بيت و 350 جمهوراً من العابدين. ورحبت ماري مديسي بدخول طائفة "أخوة الرحمة " إلى فرنسا، وهي التي أسسها (1540) القديس يوحنا الإلهي في أسبانيا، وسرعان ما أعدت ثلاثين مستشفى. وفي عام 1610 أنشأت بارونة شانتال (القديسة شانتال)، بمساعدة فرانسوا سال، "طائفة السيدة العذراء للافتقاد " لرعاية المرضى والفقراء، وما وافت سنة 1640 حتى كان لها مائة دير، وفي عام 1700 كان لفرع واحد منها أربعمائة دير للنساء. وبلغت جملة الراهبات في فرنسا عام 1600 حوالي ثمانين ألفاً (4).

وهناك رجلان يحتلان مكاناً بارزاً في هذا الإحياء الكاثوليكي الذي حدث في القرن السابع عشر. وأولهما فرانسوا سال الذي اتخذ جزءاً من اسمه من مسقط رأسه القريب من آنسى في سافوا. درس القانون في بادوا وأصبح موظفاً في مجلس شيوخ سافوا. ولكن الدين كان يجري في عروقه، فرسم قسيسا، واضطلع (1594) بمهمة شاقة، هي أن يرد إلى حظيرة الكاثوليكية إقليم شابليه الواقع جنوبي بحيرة جنيف، وكان قد اتبع مذهب كلفن منذ عام 1535. ولم تمض خمس سنوات حتى تمت المهمة، وساعد على ذلك نفي من لم يهتدوا، ولكن أكثر الفضل في إتمامها كان لما أوتي فرانسوا من تقوى وصبر وكياسة مقنعة. فلما رقي أسقفاً كرس نفسه لتعليم الأطفال والكبار وحين زار باريس أحبته نساء الطبقة العليا محبة

ص: 235

الإكبار والتبجيل، وأصبحت التقوى هي الزي الفاشي في المجتمع حيناً من الزمن.

أما حياة ثاني الرجلين، وهو فانسان دبول، فقد سلكت مسالك أقل اتباعاً للتقاليد. ذلك أنه بدأ راعي خنازير، ولكنه بطريقة ما وجد سبيله إلى كلية فرانسيسكا بغسقونيا، وإذ كان أبوه- ككل أب كاثوليكي- تواقاً للظفر بثواب الآخرة لأسرته بتكريس أحد ابنائه للكنيسة، فقد باع زوجاً من الثيران ليرسل ولده إلى جامعة تولزو ليدرس اللاهوت، وهناك رسم فانسان قساً (1600). وفي رحلة على بحر المتوسط أسره القراصنة وباعوه عبداً في تونس. ولكن هرب، وذهب إلى باريس، وأصبح قسيساً خاصاً لمارجو طليقة هنري الرابع، ثم أصبح المرشد الروحي لمدام جوندى. وبفضل المال الذي أعانته به هذه السيدة نظم البعثات التبشيرية بين الفلاحين، وبعد كل بعثة تقريباً أسس "ميرة " لإغاثة فقراء الناحية، ورغبة في استمرار هذه المؤسسات نظم "جماعة قساوسة البعث "- ويطلق عليهم أحياناً كثيرة اسم "اللعازريين " نسبة إلى دير القديس لعازر الذي استخدموه مقراً رئيسيا لهم في باريس. ولما كان المسيو جوندي قومتدانا لسفن تشغيل المجرمين الفرنسية فقد اضطلع فانسان بالتبشير للمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة في هذه السفن. وإذ روعته شدائدهم وأمراضهم، فتح لهم المستشفيات في باريس ومرسيليا، وأيقظ ضمير فرنسا لتعامل المسجونين معاملة أفضل. ثم أقنع النساء الميسورات بأن يقمن بالخدمة في المستشفيات بين الحين والحين، وجمع المبالغ الطائلة لتوزيعها على شئون البر؛ ورغبة في التصرف في هذه الأموال، وفي إعانة جماعة "سيدات البر " التي أنشأها، نظم عام 1633 جماعة "أخوات البر "(وكان يفضل أن يدعوهن بنات البر) اللائي يخدمن الآن الانسانية وكنيستهن في أصقاع كثيرة من العالم.

ص: 236

وقد كسب "مسيو فانسان " قلوب كل من عرفوه تقريباً برغم ما افتقر إليه من جاذبية الجسد، وما ارتداه من رث الثياب، وما في طلعته من شبه بمعلم ناموس يهودي ملتح مغضن الوجه، وذلك بفضل جهاده في سبيل الفقراء والمرضى والمجرمين. وقد جمع الأموال الكثيرة، وأنشأ المستشفيات، والملاجئ، والمدارس اللاهوتية، وبيوت الشيوخ، ومعتكفات العلمانيين والقساوسة؛ وقد تضخم حجم الحسابات التي تسجل خيراته. وخلال حرب الفروند التي نشبت بين عامي 1648 و 1653، وأثناء حصار باريس، أشرف على إطعام خمسة عشر الفاً من المعدمين؛ على أن التشبث بالعقيدة هنا غلب نوازع الخير، فقد تطلب اعتراف الشخص بالعقيدة الكاثوليكية شرطاً لنيله الطعام (5). وانضم إلى الحملة على بور- رويال، ولكنه حاول التخفيف من اضطهاد راهباتها (6). فلما مات ناح عليه نصف باريس، وكان شعور الارتياح شاملاً حين سلكته الكنيسة في عداد قديسيها (1737).

وبفضل هذا الرجل، وبفضل فرانسوا سال، وبفضل اليسوعيين الذين لا يتطرق اليأس إلى نفوسهم، وبفضل الخدمة الصادقة التي قدمتها نساء لا حصر لهن، ولدت الكاثوليكية الفرنسية في عهد لويس الرابع عشر ميلاداً جديداً يتميز بالقوة والروع. فعادت الطرق الديرية إلى نظمها، وأصلحت أديار الراهبات نفسها؛ وبدأ الآن بور- رويال وقديسوه الجانسنيون. ووجد التصوف نفراً جديداً من الداعين والممارسين للاستغراق في التأمل المباشر لله. أما الملك الشاب الذي انتقلت إليه حماسة العصر فقد وضع فرنسا في إجلال تحت حماية مريم العذراء، "حتى يكون الفردوس ثواب جميع رعاياه المخلصين

لأن هذه مشيئته الطيبة ومسرة نفسه (7) " على حد قول المرسوم الملكي. واستمر الحراس يوقظون الباريسيين كل صباح كما ألفت فرنسا أيام العصور الوسطى بنداء للصلاة من أجل الموتى الراحلين:

ص: 237

"استيقظوا أيها النائمون

وصلوا لله من أجل الراحلين"

ولكن صراع العقائد واصل طريقه في مرارة. والتزمت ماري مديسي بمرسوم نانت بأمانة على الرغم من تمسكها بعقيدتها، ولكن لا الكاثوليك ولا الهيجونوت كانوا يميلون للتسامح. وندد البابا وسفيره والأكليروس الكاثوليكي بالحكومة لتساهلها مع الهرطقة. وحيث كانت الغلبة للكاثوليك راحوا يشوشون على الخدمات البروتستنتية ويدمرون كنائس البروتستنت وبيوتهم وأحياناً حياتهم (9)، وأخذوا الأطفال عنوة من آبائهم الهيجونوت بحجة أنهم يحولون بينهم وبين تحقيق رغبتهم في اعتناق الكاثوليكية (10). وحيث كان البروتستنت أصحاب الكلمة العليا ردوا على هذا بمثله. فحظروا ترتيل القداس في نحو 250 مدينة خاضعة لهم (11)، وطالبوا بأن تحرم الحكومة المواكب الكاثوليكية في البلاد البروتستنتية، وكانوا يسخرون من هذه المواكب ويشوشون عليها أحياناً يهاجمونها، ومنعوا البروتستنت من حضور شعائر العماد أو الزواج أو المآتم الكاثوليكية، وأعلن رعاتهم أنهم سيمنعون الآباء الذين يتزوج أبناؤهم من الكاثوليك من تناول القربان (12). قال مفكر حر مشهور "بينما كان الكاثوليك نظرياً أكثر تعصباً من البروتستنت، أصبح البروتستنت أكثر تعصباً من الكاثوليك (13) "، ونافس الوعاظ البروتستنت الكهنة الكاثوليك في قمع الهرطقة وتكميم النقد؛ فحرموا جريمي فيرييه (ولكنهم لم يحرقوه) و "أسلموه للشيطان " لأنه هزأ بالمجتمعات الكنسية، وهاجمت كتاباتهم المذهب الكاثوليكي في "كتب قل أن يكون لها نظير في مرارة الشعور، ويستحيل بالتأكيد أن تبزها كتب أخرى (14) " وخشي الهيجونوت إلغاء مرسوم نانت، وساءهم الحلف بين فرنسا وأسبانيا فناضلوا لكي يجعلوا نصيبهم من فرنسا مستقلاً سياسياً، آمناً حربياً، له جيشه وقوانينه الخاصة.

ص: 238

وحين زار لويس الثالث عشر (1620) صدمة ألا يجد كنيسة كاثوليكية واحدة يصلي فيها (15). ونظر الملك الشاب في استياء وفزع إلى مذهب لم يهدد بأن يقسم روح فرنسا فحسب بل جسدها أيضاً. وفتش في لهفة بين حاشيته عن رجل في دمه من الحديد ما يكفل تحويل هذه الفوضى -فوضى العقائد والقوى المفرقة- إلى أمة موحدة.

‌2 - لويس الثالث عشر

لقد أيقن أنه هو ذاته يفتقر إلى صحة البدن وقوة الذهن التي تتطلبها هذه التحديات. ولد في السنة الثامنة والأربعين لأب ربما أوهن من قواه الافراط الجنسي، لذلك كان يشكو السل، والتهاب الأمعاء، وتعثراً مربكاً في منطقه. وكان في فترات طويلة أضعف من أن يمارس الرياضة، إنه يعزف الموسيقى ويؤلفها، ويزرع البازلاء للسوق، ويسيج أرض الصيد، ويساعد في المطبخ. لم تبق له الوراثة والمرض على أي جمال في القوام أو الوجه، فهو نحيل نحولاً خطراً، ضخم الرأس والأنف، تركت شفته السفلى المتدلية فمه مفتوحاً دائما بعض الانفتاح؛ ينسجم وجهه الطويل الشاحب مع ردائه الكابي عن عمد. ولم تكن معاناته من الطبيعة بأشد من معاناته من أطبائه، فقد فصدوه في سنة واحدة سبعاً وأربعين مرة، وأعطوه 215 حقنة شرجية، وألقموه 212 دواء (16). على أنه احتفظ بالحياة بفضل ممارسته الرياضة حين يستطيع، والصيد، والانضمام إلى جيشه، والنوم في الهواء الطلق، وتناول طعام الجنود البسيط.

كان مدرسوه يضربونه مراراً، لذلك اشتد بغضه للتعلم، ويلوح أنه لم يقرأ قط كتاباً إلا للصلاة. واعتاد أن يتلو صلوات العبادة السبع كل يوم، وقبل في غير تشكك ذلك الايمان الذي لقنه في صباه، وكان ينضم دائماً إلى أي موكب يحمل القربان المقدس ويصاحبه إلى النهاية. وقد أفسدت مزاجه الرقيق بطبعه نزعة مريضة إلى القسوة تنتابه بين الحين والحين.

ص: 239

كان خجولاً، كتمة، مكتئباً، لا يستشعر الحب الشديد لحياة لم تحبه. واعتبرته أمه إنساناً ضعيف العقل، فأهملته، وفضلت عليه في صراحة أخاه الأصغر جاستون، واستجاب لذلك بكرهه إياه وعبادة ذكرى أبيه. ثم اكتسب تدريجاً بغض النساء، وبعد أن تأمل على استحياء جمال الآنسة أو تفور منح الشبان حبه. تزوج من آن النمسوية زواجاً سياسياً، فكان يساق إلى فراشها سوقاً. وحين أسقطت جنينها لم يمسها ثلاثة عشر عاماً. ونصحته بطانته بأن يتخذ له محظية، ولكن كان له ميول أخرى. ثم حاول ثانية وهو في السابعة والثلاثين، مذعناً لمطالبة فرنسا كلها بولي للعهد، وأعطت آن الشاكرة العالم لويس الرابع عشر (01638). وبعد عامين ولدت فليب أورليان الأولى، الذي واصل تقدير أبيه لمفاتن الذكور.

على أن لويس كان له بعض شيم الملوك. من ذلك أنه وهو بعد غلام في السادة عشرة، وقد سئم وقاحة كونشيني واختلاساته المالية، أصدر فجأة أوامره السرية باغتياله (1617)، وحين احتجت الملكة الأم على هذا الختام لحياة محسوبها نفاها إلى بلوا واختار شارل دالبير وزيراً أول له، وكان هو الذي اقترح عليه هذه الضربة، ورقي الآن دوقاً على لون. وتحت إلحاح الدوق والبابا بولس الخامس، أمر لويس الهيجونوت برد كل الأملاك التي أخذوها من الكنيسة. فلما تجاهل إقليم بيارن المرسوم زحف عليه وفرض عليه الطاعة ووضع بيارن ونافار-مملكة أبيه الشخصية فيما مضى-تحت حكم الملك المباشر. ولم يقاوم الهيجونوت من فورهم، ولكن جمعيتهم العامة المجتمعة في لاروشيل أقوى مدنهم، طالبت برد الأملاك المستعادة لأنها ملك للشعب لا للكنيسة؛ ثم قسمت فرنسا ثماني «دوائر» وعينت لكل منها مديراً عاماً ومجلساً لجمع الضرائب والجند. وأعلن لويس أن فرنسا لا يمكن أن تسمح بدولة داخل الدولة. وفي أبريل 1621 قاد جيشاً، وزحف قواده الآخرون بثلاثة جيوش، وجهت كلها ضد القلاع البروتستنتية، فسقط عدد منها، ولكن مونتوبان التي دافع عنها

ص: 240

هنري دوق روهان ثبتت للهجوم. وترك القواد غير الأكفاء الحرب تتعثر عاماً ونصف. ومنعت معاهدة الصلح المعقودة في 9 أكتوبر 1622 التجمعات البروتستنتية، ولكنها تركت مونتوبان ولاروشيل في أيدي الهيجونوت وفي خلال هذه الحملات مات لون (1621)، وارتقى ريشليو إلى مركز القوة.

‌3 - الكردينال والهيجونوت

كيف يشق إنسان طريقه إلى القمة؟ في تلك الأيام كانت تعينه على ذلك عراقة أصله. وكانت أم أرمان جان دبليس دريشليو ابنة محام في برلمان باريس، أما أبوه فهو السنيور دريشليو، المدبر الأكبر لبيت الملك في عهد هنري الرابع وورثت أسرة بواتو العريقة الحق في أن توصي الملك باختيار من ترشح لأسقفية لوسون. وقد عين هنري أرمان بهذه الطريقة (1606) وكان يومها في الحادية والعشرين. وإذ كان أصغر من السن المشترطة للأسقفية بسنتين، فإنه سارع إلى روما، وكذب في أمر سنه، وألقى أمام بولس الخامس خطاباً لاتينياً جميلا حمل البابا على أن يسلم له الأسقفية أما وقد تحقق له «الأمر الواقع» ، فقد اعترف ريشليو بكذبته، وطلب المغفرة. وامتثل البابا وهو يقول «إن هذا الفتى سيكون محتالاً كبيراً» (17).

وصف الأسقف الشاب أسقفيته بأنها «أفقر وأقذر» الأسقفيات في فرنسا، ولكن كانت الأسرة تملك بعض المال، فما لبث أن امتلك المركبة والآنية الفضية ولم يتخذ وظيفته منصباً شرفياً عاطلاً، بل فرغ لأداء واجباته في اجتهاد ومثابرة، ولكنه وجد الوقت لتملق كل صاحب ذو نفوذ ويسخر كل صاحب قوة. فلما اختار كهنة بواتو مندوباً لمجلس الطبقات (1614) كان أرمان رجلهم، وأعجب كل من كان بالمجلس، لا سيما ماري مديسي، بوجهه الرزين، وقوامه الفارع الممشوق، وقدرته القانونية

ص: 241

تقريباً على تفهم الموضوعات تفهماً واضحاً وعرضها عرضاً مقنعاً. وعين سكرتيراً للدولة بنفوذها ونفوذ كونشيني (1616). وبعد عام قتل كونشيني وفقد ريشليو وظيفته. وبعد أن خدم الملكة الأم المنفية في بلوا فترة قصيرة عاد إلى لوسون. وبيتت ماري الهروب؛ واشتبه في اشتراك ريشيليو في المؤامرة، فنفي إلى أفنيون (1618)، وبدا أن مجرى حياته السياسية قد انتهى. ولكن الجميع-حتى خصومه-اعترفوا بقدراته، ولما تدلت ماري ليلاً من إحدى نوافذ قلعتها في بلوا وانضمت إلى قوة من النبلاء المتمردين، استدعى لون الأسقف الشاب وعهد إليه أن يرد الملكة إلى رشدها ويصلح بينها وبين الملك. فأفلح في مهمته، وحصل له لويس على قلنسوة الكردينالية، وعينه في مجلس الدولة. وسرعان ما وضح للعيان تفوق ريشليو عقلاً وإرادة، فأصبح رئيساً للوزراء في أغسطس 1624 وهو في التاسعة والثلاثين.

وقد وجد الملك فيه بالضبط تلك الصفات التي افتقدها في نفسه: الذكاء الموضوعي، والهدف الواضح، وصلابة الغايات، ومرونة الوسائط، وكان للويس من الحصافة ما جعله يتقبل ارشاد الكردينال في المهمة الثلاثية -مهمة اخضاع الهيجونوت، والنبلاء، وأسبانيا، قال ريشليو في مذكراته مقدراً له هذه الخلة «إن قدرة الملك العظيم على أن يسمح بأن يخدم (أي بأن يفوض غيره بالسلطة) ليست من أقل صفات الملك العظيم شأناً (18)» . لم يكن لويس متفقاً مع وزيره في جميع الحالات، وكان أحياناً يوبخه، وكان دائماً يغار منه، وقد فكر بين الحين والحين في طرده. ولكن أبى له أن يرفض رجلاً مطلق السلطة في فرنسا وصاحب الكلمة العليا في أوربا، ويحصل له من الضرائب أكثر حتى مما كان صلى يجمعه؟

وتجلت روح الكردينال أول ما تجلت في موقفه من الدين. فلقد قبل في غير نقاش عقائد الكنيسة، وأضاف إليها بعض الخرافات التي يعجب المرء لأن عقلاً أوتي مثل هذه القوة آمن بها. ولكنه رفض ما ذهب

ص: 242

إليه حزب «مؤيدي سيادة البابا المطلقة» من أن للبابوات كامل السيادة على الملوك، وحافظ على «الحريات الغاليَّة» للكنيسة الفرنسية ضد روما، وأخضع الكنيسة للدولة في الأمور الزمنية بنفس المضاء الذي أخضعها به أي إنجليزي، ونفي الأب كوسان، الذي تدخل في السياسة بوصفه كاهن الاعتراف الملكي، ففي رأيه أن أي دين من الأديان يجب ألا يختلط بشئون الدولة. أما التحالفات التي أدخل فيها فرنسا فكانت مع الدول البروتستنتية والكاثوليكية على السواء.

وقد طبق مبادئه في حزم على الهيجونوت المشتغلين بالسياسة، ذلك انهم برغم صلح 1622 جعلوا لاروشيل مدينة صاحبة سيادة من الناحية الفعلية، يشرف عليها تجارها ووزراؤها وقوادها. ومن هذا الميناء الاستراتيجي أرسل التجار تجارتهم مع العالم، وأقلع القراصنة ليقتنصوا أية غنيمة أو مركب، حتى المراكب الفرنسية، وكان في استطاعة أي عدو لفرنسا أن يدخل البلاد من هذا الميناء إذا أذن له الهيجونوت. كذلك انتهك لويس ذاته المعاهدة، فقد وعد بهدم «حصن لويس» الذي كان خطراً دائماً على المدينة، ولكنه بدلاً من أن يهدمه زاده تحصيناً، وحشد أسطولاً صغيراً في ثغر لابلافيه القريب. فأسر بنيامين روهان (أخو هنري)، سيد سوبيز، الذي قاد أسطولاً هيجونوتياً، هذا الأسطول الملكي وقطره ظافراً إلى لاروشيل 01025) لذلك بنى روشيليو أسطولاً آخر، ونظم جيشاً، ورافق الملك في حصاره للقلعة الهيجونوتية.

وأقنع سوبيز دوق بكنجهام بأن يرسل أسطولاً ضخماً قوامه 120 سفينة لحماية المدينة. فحصر الأسطول، ولكنه عانى الويل من مدفعية الحصون الملكية القائمة على جزيرة ري. فاضطر إلى التسلل عوداً إلى إنجلترا وهو يجر أذيال الخزي والعار (1627). وكان ريشليو خلال ذلك قد استولى على جميع الطرق البرية المؤدية إلى لاروشيل (بوصفه قائداً لملكه المريض). ولم يبق إلا حصارها من البحر. فأمر مهندسيه

ص: 243

وجنده أن يقيموا تلاً من الحجر طوله 1700 ياردة بعرض مدخل الميناء، تاركين فتحة لحركة المد والجزر. وقد بلغ عنف هذه الحركة، التي ارتفعت فيها المياه وهبطت اثني عشر قدماً، مبلغاً جعل تنفيذ المشروع يبدو مستحيلاً، ففي كل يوم كان الماء يكتسح نصف الأحجار المبنية يومها. وملّ الملك هذه الحرب التي لم تسفك فيها دماء وانطلق إلى باريس، وتوقع كثير من رجال الحاشية أنه طارد ريشليو لعجزه عن أخذ المدينة عنوة. ولكن التل اكتمل بناؤه أخيراً وبدأ مهمته المرسومة. ومات نصف سكان لاروشيل جوعاً. ولم يستطع الحصول على القليل من اللحم غير أغنياء القوم، فكانوا يدفعون خمسة وأربعين جنيهاً ثمناً للقط، وألفي جنيه ثمناً للبقرة. أما جان جيتون عمدة المدينة فقد توعد كل من يجري على لسانه حديث الاستسلام بالقتل بخنجره. ولكن المدينة استسلمت في يأسها بعد ثلاثة عشر شهراً من المجاعة والمرض (30 أكتوبر 1628). ودخلها ريشليو ممتطياً جواده من خلفه الجند يوزعون الخبز رحمة بالناس.

وتصايح نصف فرنسا مطالباً باستئصال شأفة الهيجونوت. ولم يكن في وسعهم-بعد أن أضنتهم الحرب-إلا أن يتوسلوا. ولكن ريشليو فاجأهم بشروط صلح رأى فيها الكاثوليك تساهلاً شائناً. صحيح أن لاروشيل فقدت استقلال بلدتها، وحصونها، وأسوارها، ولكن أشخاص سكانها وأملاكهم لم تمس، وسمح لمن بقي من الجنود الهيجونوت بالرحيل بأسلحتهم، ومنحت حرية العبادة في المدينة للبروتستنت والكاثوليك على السواء، وتلقت مدن هيجونوتية أخرى مثل هذه الشروط بعد استسلامها. ووجب رد الأملاك الكاثوليكية التي انتزعها البروتستنت، ولكن القساوسة الهيجونوت الذين فقدوا مأواهم مؤقتاً عرضوا باعانة من الدولة بلغت 200. 000 جنيه، واعفوا من فرضة الرؤوس (آلتاي) شأن الأكليروس الكاثوليك (19). ومنح عفو عام لجميع من شاركوا في التمرد. وثبت مرسوم نانت الذي أصدره هنري الرابع في كل نصوصه الجوهرية،

ص: 244

بمرسوم ريشليو المسمى «مرسوم العفو» (28 يونيو 1629) وفتحت وظائف الجيش والبحرية والحكومة أمام الجميع دون نظر للعقيدة. وأذهل أوربا أن ترى الكاثوليك الفرنسيين يتبعون ويبجلون قواداً من البروتستنت كتورين وشومبير وهنري روهان. قال ريشليو «منذ ذلك الحين لم تمنعني قط خلافات الدين عن أداء كل أنواع الخدمات للهيجونوت (20)» . وقد تبين الكردينال العظيم، في حكمة افتقدها لويس الرابع عشر فيما بعد افتقاداً مؤسفاً، قيمة الهيجونوت الاقتصادية الهائلة لفرنسا-كما سيتبينها كولبير. ومن ثم فقد أقلعوا عن الثورة، وانصرفوا في هدوء إلى التجارة والصناعة، وأصابوا من التوفيق والفلاح ما لم يصيبوه في أي وقت مضى.

4 -

الكردينال والأشراف

بمثل هذا المضاء، وبتساهل أقل، تناول ريشليو النبلاء الذين ما زالوا يرون في فرنسا التعدد لا الوحدة. لم تكن الاقطاعية قد ماتت قط، فلقد حاربت من قبل في الحروب الدينية لتهيمن على الحكومة المركزية. وكان كبار النبلاء يحتفظون بقلاعهم المنيعة، وقواتهم المسلحة، وحروبهم الخاصة، وبطاناتهم، وموظفيهم القانونيين، وبفلاحيهم تحت رحمتهم، ويتقاضون الرسوم المعوقة على التجارة التي تخترق أملاكهم. إن فرنسا لم تكن بعد أمة لأن الاقطاع والدين قطعا أوصالها، بل كانت مجموعة مضطربة قلقة من البارونات المغرورين، أشباه المستقلين، القادرين في أية لحظة على تكدير السلام وتمزيق اقتصاد الدولة. وكان أكثر الأقاليم يحكمه الأدواق أو الكونتات الذين يدعون لأنفسهم حق حكمها مدى الحياة ويورثونها أبناءهم.

ولاح لريشليو أن البديل العملي الوحيد لهذه الفوضى المضعفة هو تركيز النفوذ والسلطة في الملك. ويخيل إلينا أنه ربما أمكنه أن يجاهد ليوازن هذا التركيز برد قسط من الاستقلال للبلديات. ولكنه لم يستطع رد كومون العصر الوسيط الذي اعتمد على نقابات التجار والصناع والاقتصاد المحلي

ص: 245

المحمي؛ ذلك أن الانتقال من سوق المدينة إلى سوق الأمة قوض هذه النقابات والكومونات، وتطلب التشريع المركزي لا المحلي

(1)

. ولعل العقول التي تجمدت في الأوضاع الحاضرة لا ترى في السلطة الملكية المطلقة التي نشرها ريشليو غير استبدادية رجعية؛ أما في رأي التاريخ، وفي رأي الكثرة الغالبة من الفرنسيين في القرن السابع عشر. فإنها كانت تقدماً حرر البلاد من الطغيان الاقطاعي إلى الحكم الموحد. لم تكن فرنسا قد نضجت بعد للديمقراطية، فأكثر سكانها مفتقرون إلى الغذاء الطيب والكساء الجيد، أميون، رانت على عقولهم الخرافة وتوحشت نفوسهم بفعل التعصب للعقيدة. وكانت المدن يهيمن عليها رجال الأعمال الذين لا يستطيعون التفكير إلا في كسبهم او خسارتهم، ولم يكن هؤلاء الرجال، الذين عرقلت الامتيازات الاقطاعية كل خطوة من خطواتهم، ميالين إلى الاتحاد مع صغار النبلاء كما حدث في إنجلترا لإقامة برلمان يقف في وجه السلطة الملكية. ولم تكن «البرلمانات» الفرنسية برلمانات تمثيلية تشريعية، إنما كانت محاكم عليا غذتها السوابق ورسختها، ولم تكن منتخبة من الشعب، وقد غدت قلاعاً للمحافظة. وحبذت الطبقات الوسطى، ومهرة الصناع، والفلاحون، سلطة الملك المطلقة بوصفها الحماية الوحيدة التي يرونها ضد سلطة النبلاء المطلقة.

في عام 1626 أصدر ريشليو باسم الملك مرسوماً طعن في الصميم، فقد أمر بهدم جميع القلاع إلا ما كان منها على الحدود، وحظر تحصين المساكن الخاصة في المستقبل. وفي نفس العام (بعد أن مات أخوه الأكبر منه سناً في مبارزة) اعتبر المبارزة جريمة كبرى، فلما تبارز مونمورنسي بوتفيل والكونت دي شابيل برغم هذا الأمر أعدمهما. وقد اعترف بأنه «يحس كدراً شديداً في روحه» لهذا الاجراء، ولكنه قال لمولاه

(1)

مثل هذا التطور أضعف «حقوق الولايات» في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن العشرين.

ص: 246

» إن الأمر خيار بين القضاء على المبارزات أو على أوامر جلالتكم (21) «. وأقسم النبلاء أن ينتقموا من الوزير، وراحوا يتآمرون على اسقاطه.

وقد وجدوا في الملكة الأم حليفاً مشوقاً إلى الانتقام منه. فهذه الأم التي كانت يوماً ما حامية ريشليو باتت تبغضه حين رأته يعارض سياستها، ولما مرض لويس مرضاً خطيراً (يوليو 1630) مرضته هي والملكة حتى استعاد بعض صحته، ثم طلبا إليه رأس الكردينال مكافأة لهما. وكررت ماري مديسي المطلب بالحاح شديد وهي في قصرها-قصر للكسمبورج-ظانة أن ريشليو بعيد جداً، ثم اقترحت ميشيل دمارياك، حامل الأختام، بديلاً راغباً في الحلول محله. ولكن ريشليو الذي أتى بطريق ممر سري، دخل الحجرة في غير إذن وواجه الملكة الأم، واعترفت بأنها أخبرت الملك بأن عليه أن يختار بين أن تذهب هي أو هو-أي ريشليو. وانسحب الملك المرهق، وانطلق راكبا إلى كوخ صيده في فرساي. وتقاطرت الحاشية حول ماري في اغتباط بفوزها المنتظر. ولكن لويس أرسل في طلب ريشليو، وثبته رئيساً للوزارة، وأكد له مساندة الملك له، ووقع أمراً بالقبض على مارياك. وأشاع «يوم المغفلين» هذا في (10نوفمبر 1630) الفوضى والحنق في صفوف النبلاء المتآمرين. وسمح لمارياك بالبقاء حياً، ولكن أخاه الذي كان مرشالاً لفرنسا اتهم بعد ذلك بالاختلاس وأعدم في شيء من العجلة (1632) وأمر لويس أمه أن تعتكف في قصرها الريفي بمولان وأن تنفض يدها من السياسة. ولكنها هربت إلى فلاندر بدلاً من ذلك (1631)، وجمعت لها حاشية في منفاها ببروكسل، وراحت تعمل لاسقاط ريشليو. ولم تقع عيناه قط على الملك بعد ذلك.

أما ولدها الثاني، «مسيو» جاستون، دوق أورليان، فقد حشد جيشاً في اللورين وقاده في تمرد صريح على أخيه (1622). وانضم إليه نبلاء، ومنهم أرفع شريف في فرنسا-هنري، دوق مونمورنسي،

ص: 247

وحاكم لانجدوك. وانضوى الآلاف من الطبقة الارستقراطية تحت لواء الثورة. وعلى مقربة من كاستلونداري (أول سبتمبر) اشتبك مونمورنسي، البالغ من العمر سبعة وثلاثين ربيعاً، مع القوات التي جردها عليه ريشليو. وقاتل حتى أسقطه سبعة عشر جريحاً، وتحطم جيشه هو وجاستون تحت وطأة الهجوم، وكان جيشاً غنياً في الألقاب فقيراً في النظام، وأسر مونمورنسي. واستسلم جاستون، ودل على شركائه ثمناً للعفو عنه. وأمر لويس برلمان تولوز بأن يحاكم مونمورنسي بتهمة الخيانة؛ وكان الحكم هو الاعدام. وهكذا مات آخر أدواق مونمورنسي دون خوف أو تذمر وهو يقول «أنني أعد هذا الأمر الذي أصدره قضاء الملك أمراً أصدرته رحمة لله (22)» . وأدان معظم فرنسا الكردينال والملك لهذه الصرامة المجردة من الشعور، وأجاب. لويس «ما أنا بملك لو كان لي شعور الأشخاص العاديين» . أما ريشليو فدافع عن الإعدام بأنه إنذار ضروري للنبلاء بأنهم هم أيضاً خاضعون للقوانين قائلاً «لا شيء يدعم القوانين كعقاب الأشخاص الذين تعظم رتبتهم عظم جريمتهم» (23).

بقيت عقبتان أخريان في طريق سياسة ريشليو، ولاة الأقاليم والبرلمانات. لقد ساء الكردينال فقدان إيراد الأقاليم بسبب ما شاب سلوك الولاة النبلاء والقضاة من البورجوازيين أو صغار النبلاء عن فساد ونقص في الكفاية، لذلك أوفد الكردينال لكل قسم «محافظين» للإشراف على إدارة المالية والقضاء وتنفيذ القوانين. واتخذ هؤلاء الموظفون الملكيون مكاناً أعلى من الموظفين المحليين كائنة ما كانت رتبتهم، واضمحل استقلال الأقاليم الذاتي، وانتعشت الكفاية وزادت حصيلة الضرائب. ونظام المحافظين هذا الذي استبق هنري رابع إليه بقدر ما، والذي عطله النبلاء في الفروند، والذي دعمه لويس الرابع عشر، ثم اقتبسه نابليون-هذا النظام أصبح من الملامح البارزة للبيروقراطية المحكومة مركزياً والتي أدارت منذ الآن قوانين فرنسا.

ص: 248

أما برلمان باريس فقد خيل إليه أن الفرصة في ظل ملكية ضعيفة مواتية لتوسيع وظائفه من تسجيل القوانين وتفسيرها إلى دور المجلس الاستشاري للملك. ولكن ريشليو ما كان ليطبق مثل هذه المنافسة لمجلس دولته، فدعا لويس زعماء البرلمان، على الأرجح بتحريض منه، مستعملاً مباراته الحادة، وقال لهم «لقد عينتم لا لشيء إلا لتقضوا بين زيد وعمرو من الناس، فإذا تماديتم أنتم فيه فاني مقلم أظافركم تقليماً حاداً تأسفون له (24)» . وأذعن برلمان باريس، وحذت برلمان الأقاليم حذوه، واختزلت وظائفهم حتى التقليدي منها، فأقام ريشليو «لجاناً فوق العادة» لتنظر في الدعاوى الخاصة. وأصبحت فرنسا دولة بوليسية، وانتشر جواسيس الكردينال في كل مكان حتى في الصالونات، وغدت «الأوامر المختومة» أداة مألوفة في الحكم. وهكذا أصبح ريشليو الآن في حقيقة الأمر وواقعه ملك فرنسا.

‌5 - الكردينال صاحب الكلمة العليا

أما وقد ملكت يداه هذه السلطة المركزة، فقد فعل كل شيء من أجل فرنسا، ولم يفعل إلا القليل من أجل الشعب. كان يرى فرنسا دولة لا مجموعة من الأفراد الأحياء، أنه لم ينظر إلى الرجل العادي نظرة مثالية، ولعله رأى «العذوبة واللياقة» في أن يموت أمثال هؤلاء الرجال في سبيل وطنهم، فهو راغب في التضحية بهم ليؤمن وطنه المستقل من تطويق الهابسبورج له. وكان يشقى ساعات الليل الطويلة في تصريف شئون الدولة، ولكن همه كان أكثر الوقت سياستها الخارجية. لم تكن لديه متسع من الوقت لتحسين الاقتصاد، إلا أن يكون لتصيد المتهربين من الضرائب وجلب الدخل و «الأنباء» لباريس بقدر أقل من التسرب وهي في الطريق. وفي عام 1627 نظم البريد العام.

وكانت الضرائب ما زال يجمعها رجال المال الذين «أقطعوا» هذه الضرائب، وكانوا يقتضون المثلين، وأحياناً ثلاثة أمثال المبلغ الذي يؤدونه

ص: 249

للحكومة. وقد أعفى النبلاء ورجال الدين من الضرائب الهامة، ووجد مهرة رجال الأعمال وثروات الموظفين المختزنة السبيل للتهرب من الجباة أو استرضائهم، أما المدن فكانت تدفع مبلغاً صغيراً لتنجو من فرصة الرؤوس، ووقعت وطأة الضرائب على طبقة الفلاحين التي قصدها ريشليو وحتى الفاقة ليجعل من فرنسا أقوى دوراً في العالم المسيحي. وكان كهنري الرابع يؤثر أن يقهر أعداءه بالمال لا بالدم، وكثير من المعاهدات التي خاض بها الحرب تضمن إعانات مالية للحلفاء ورشا للأعداء المحتملين. وكان أحياناً يقرض الخزانة من جيبه الخاص إذ أعوزه تدبير المال، ومرة أستأجر أحد المشتغلين بالكيمياء القديمة ليصنع الذهب (25). وتضافر نظام الضرائب، والسحرة الحكومية على الطرق، مع الجفاف والمجاعة والطاعون وغارات الجنود، لتدفع الفلاحين إلى حال من اليأس تقرب من الانتحار، حتى لقد قتل عدد منهم أسرهم وأنفسهم، وقتلت الأمهات الجائعات أطفالهن وأكلتهم (1639)(26). وفي عام 1634، في رواية ربما بولغ فيها، كان ربع سكان باريس يتسولون (27). وكان الفقراء ينتفضون في فترات دورية وأوقات متفرقة انتفاضات قمعت في غير رحمة.

واستخدم ريشليو الضرائب لبناء الجيوش والأسطول؛ ذلك أن الحق في رأيه لا يجد إذناً صاغية إلا إذا تكلم بالمدفع. ولما اشترى منصب الأميرال لاكير، قام بواجباته بعزيمة ماضية. فأصلح الموانئ وحصنها، وأنشأ الترسانات ومخازن الذخيرة في الثغور، وبنى خمساً وثمانين سفينة، وأسس مدارس لمرشدي السفن. ودرب أفواج الجنود البحريين. وجند مائة فوج من المشاة، وثلاثمائة جندي من الخيالة؛ ورد النظام إلى الجيش. ولم يخفق غلا في جهوده لاقصاء مومسات الجيش. وبفضل هذه القوات الحربية التي بث فيها الحياة من جديد تصدى لفوضى العلاقات الخارجية التي خلفتها وصاية ماري مديسي، وعاد إلى سياسة هنري الرابع، ووجه كل قواته لهدف واحد-هو تحرير فرنسا من نطاق القوة الهابسبورجية

ص: 250

في الأراضي المنخفضة والنمسا وإيطاليا وأسبانيا.

كانت ماري قد ألفت بين فرنسا وأسبانيا-أي أنها في رأي ريشليو خضعت للعدو، وأقصت أولئك اللذين اعتمد هنري الرابع على صداقتهم وهم الإنجليز، والهولنديون، وبروتستنت ألمانيا. ورأى ريشليو بعين القائد الاستراتيجية اللماحة أن الممرات الفاتيلية التي تربط النمسا بإيطاليا الأسباينة هي المفتاح لقوة أسبانيا والإمبراطورية الموحدة في تبادل المؤن والجنود. وكافح اثني عشر عاماً لظفر بهذه الممرات، وقد صرفته عن هذا الهدف وهزمته حروبه مع الهيجونوت والنبلاء، ولكنه استرد بالدبلوماسية أكثر كثيراً مما خسر في الحرب. ذلك أنه اكتسب «فرانسوا اوكليرك دوترمبليه» خادماً أميناً، وكان قد اتخذ اسم جوزف حين أصبح راهباً كبوشياً. وأوفد «الأب جوزف» في كل مكان في بعثات دبلوماسية شائكة فأداها بمهارة، وبدأت فرنسا تزاوج بين الراهب الرمادي العباءة الذي لقبته «صاحب القداسة الرمادي» ، وبين ريشليو ذي العباءة الحمراء الذي لقبته «صاحب القداسة الأحمر» . أما وقد ظفر الكردينال بهذا المعين، فإنه أقسم أنه «مثبت للعالم أن عصر أسبانيا في سبيل الزوال» ، وأن عصر فرنسا قد أقبل (28).

في عام 1629 بدا أن الصراع الطويل في ألمانيا أوشك ان ينتهي بنصر الإمبراطور الهابسبورجي الكاثوليكي نصراً مؤزراً على الأمراء البروتستنت. ولكن ريشليو قلب الأوضاع قلباً كاملاً بالمال. ذلك أنه أبرم مع جوستاف أدولف (1631) معاهدة نصت على أن يغزو ملك السويد المغوار ألمانيا وينقذ الدويلات البروتستنتية، يعينه على ذلك مليون من الجنيهات تدفعها له فرنسا كل عام. وندد أنصار السلطة البابوية المطلقة في فرنسا بالوزير خائناً لدينه، أما هو فكان رده أن الحياد خيانة لفرنسا. فلما مات جوستاف وهو ظافر في لتزن (1632) واستسلم معظم الأمراء الألمان

ص: 251

للإمبراطور، دخل ريشليو الحرب فعلاً. وزاد الجيوش الفرنسية من 12. 000 في عام 1621 إلى 150. 000 في عام 1638. وأعان الثورة التي قام بها القتلونيون في أسبانيا، وبفضل دبلوماسيته سيطر على كوبلنتز، وكولمار، ومانهايم، وبازل، واستولى جنوده على اللورين وشقوا طريقهم عنوة مخترقين سافوا إلى ميلان قلب القوة الأسبانية في شمال إيطاليا.

ثم دار الحظ دورته وبدا أن كل هذه الانتصارات لا معنى لها. ففي يوليو أغسطس 1636 عبرت قوة كبيرة من الجيوش الأسبانية والامبراطورية الأراضي المنخفضة ودخلت فرنسا، واستولت على أكس-لا-شابل (آخن) وكوربي، وزحفت على أميان واجتاحت أودية السوم والواز الخضراء. وكانت جيوش ريشيلو بعيدة جداً، وأصبح الطريق إلى باريس مفتوحاً عديم الدفاع أمام العدو. واغتبطت الملكة الأم في بروكسل، والملكة سان جرمان، وحزبها الموالي لأسبانيا في فرنسا، وراحوا يعدون الايام لسقوط الكردينال المنتظر. وازدحمت الجماهير الغاضبة في باريس في الشوارع منادية بموته - ولكن حين طلع عليهم بادئ الهدوء فوق جواده المهيب لم يجرؤ أحد منهم على أن يمسه، وابتهل الكثيرون لله أن يمنحه القوة لانقاذ فرنسا. وهنا لم تتضح شجاعته فحسب، بل بعد نظره واجتهاده؛ ذلك انه كان قد نظم منذ أمد بعيد مواطني باريس في ميليشيا احتياطية، واختزن السلاح والمؤونة لهم، ومن ثم فقد نفخ الآن فيهم روح الحماسة فاستجابوا لندائه، وأقر برلمان باريس والمجالس البلدية والنقابات الحرفية المال اللازم، ولم تمض أيام حتى كان جيش جديد في طريقه إلى القتال، فحاصر كوربي. وتلكأ جاستون أورليان المتولي قيادة الجيش، فحضر ريشيلو، وتولى القيادة، وأمر بالهجوم. وفي 14 نوفمبر سقطت كوربي، وتقهقرت الجيوش الهابوسبورجية إلى الأراضي المنخفضة.

وفي عام 1638 استولى برنان أمير ساكسي-فيمار الذي قاد جيشاً ألمانياً يموله ريشيلو، على ألزاس، فلما مات بعد سنة أوصى بها

ص: 252

لفرنسا، وأصبحت الرأس ولوثرينجن الالزاس واللورين، وبدأت تتحول فرنسية. وفي عام 1640 سقطت أراس. وفي عام 1642 استولت قوة يقودها الملك والكردينال على بربنيان، واقتطع إقليم روسيون المحيط بها من أسبانيا. وهكذا بدا ريشيلو الآن في كل مكان المنظم للنصر.

على أن النبلاء الذين ظلوا على خصومتهم، والحزب الأسباني في البلاط، والنساء النبيلات المغرقات في الدس، كل أولئك بذلوا آخر محاولة لإسقاط الوزير عن كرسيه. ففي سنة 1632 مات المركيز إفيا بعد أن خدم الكردينال طويلاً في الدبلوماسية والحرب تاركاً أرملة وغلاماً وسيماً في الثانية عشرة من عمره يدعى هنري كوافييه دروزيه، مركيز سانك- مارس. وبسط ريشيلو حمايته على الصبي وقدمه للملك، ولعله رأى بهذه اللعبة أن يصرف لويس عن الآنسة أوتفور التي كانت واحدة من «الدساسات» . وهذا ما حدث فقد افتتن الملك بحسن الغلام وظرفه ووقاحته، وعينه مشرفا على خيول الملك ورجاه أن يشارك الملك في فراشه (29). ولكن سانك-مارس، الذي نضج الآن إذ بلغ الحادية والعشرين، آثر المحظية الحسناء ماريون ديلورم، وماري دجونزاج المتعالية، ملكة بولندة المستقبلة، التي كانت الآن من أجمل خصوم الكردينال. ولعل الشاب ألح على لويس أن يدخله عضواً في مجلس الملك ويجعله قائداً في الجيش بإيعاز منها وإثارة من خلواتها الاستراتيجية. فلما لم يرض ريشيلو عن هذه المقترحات التمس سانك - مارس من الملك أن يطرد وزيره. ورفض الملك، فانضم الفتى إلى جاستون أورليان ودوق بويون وغيرهما في مؤامرة لتسليم سيدان إلى الجيش الأسباني، واتفق على أن يدخل المتآمرون باريس وهذا الجيش من خلفهم ويعتقلوا الملك، وتعهد جاستون بأن يدبر اغتيال الكردينال في طريقه إلى بربنيان. والتمس جاك أوجست دتو، صديق سانك - مارس، تعاون الملكة. ولكن آن النمسوية التي توقعت موت لويس القريب ووصولها إلى السلطة بوصفها

ص: 253

وصية أرسلت إلى ريشيلة إشارة خفية بالمؤامرة. وتظاهر هذا بأن لديه نسخة من الاتفاق مع أسبانيا، فصدقه جاستون واعترف، ثم دل على شركائه كما هي العادة. وقبض على سانك - مارس، ودتو، وبويون. وأيد بويون اعتراف جاستون ثمناً للعفو عنه. وحوكم الشابان أمام محكمة في ليون، فدينا بالإجماع، وشرفا خيانتهما بموت رابط الجأش. وهرع الملك إلى باريس ليحمي قوته. أما ريشيلو، المريض مرضاً مميتاً، فقد حمل على محفة مخترقاً بلداً يموت من الانتصارات ويصرخ طلباً للسلام.

‌6 - رثاء

أي رجل كان هذا الكردينال الذي لم يكد يكون مسيحياً، هذا الرجل. العظيم الذي شعر أنه ليس في وسعه أن يكون إنساناً طيبا ً؟ لقد أسلمه فليب دشامبان إلى الأجيال التالية في لوحة من أشهر لوحات اللوفر. قوام فارع تنقذه أثوابه من مظهر السخف، تخلع عليه السلطة عباءة وقبعة حمراوين، يقف كأنه في مرافعة قانونية، يعلن عن نبالته بقسماته الواضحة المحددة ويديه الرقيقتين، ويتحدى أعداءه بعينيه الحادتين، ولكنه شاحب بفعل السنين المضنية، محزون بوعيه بالزمن الذي لا يرحم. هنا دنيوية السلطان يعارضها نسك التكريس.

كان عليه أن يكون قوياً ليمنع عيوبه من أن تهزم مراميه. بدأ سيرته في البلاط بتواضع متملق، انتقم له بعد حين بكبرياء لا تعترف بغير سيد واحد دون غيره. فبينما كانت الملكة تزوره ذات مرة ظل جالساً - وهو خروج عن الأدب لا يؤذن به إلا للملك. كان (كأكثرنا) مغروراً بمظهره، شرهاً للألقاب، كارهاً للنقد، تواقاً إلى الشعبية. كان يغار من كوريني، فاشتهى أن يشتهر

ص: 254

هو أيضاً كاتباً مسرحياً وشاعراً، وقد كتب فعلاً النثر الرائع كما تشهد بذلك مذكراته. وقد وفق في غير تردد - كما وفق ولزي - بين أتباع المسيح، والاهتمام بشيطان المال. رفض الرشا ولم يتقاض راتباً، ولكنه استولى على دخل الكثير من الرتب الكنسية، زاعماً أنه في حاجة إلى تمويل سياساته. وشيد لنفسه كما فعل ولزي قصراً بلغ من فخامته أنه رأى من الحكمة قبل موته أن يهديه إلى ولي العهد؛ ولنا أن نفترض أنه مبنى للموظفين الإداريين وللمظهر الدبلوماسي أكثر من الترف الشخصي. لم يكن بخيلاً، وقد أثرى أقرباءه، وكان في وسعه أن يسخو بمال الدولة. وأوصى بنصف ثروته للملك، ونصحه بأن يستعمله «في الظروف التي لا تحتمل بطئ الإجراءات المالية (30)» .

أما ما يبدو لنا قسوة شديدة فيه فكان في رأيه ضرورة من ضرورات الحكم، فمن القضايا المسلمة بها عنده أن الناس - والدول بالتأكيد - لا يمكن أن يساسوا باللطف، بل لا بد من تخويفهم بالصرامة. إنه أحب فرنسا، ولكن الفرنسيين لم يبعثوا فيه حرارة الحب. وقد وافق كوزيمو دي مديتشي على أن الدولة لا يمكن حكمها بالصلوات الربانية، ووافق مكيافللي على أن أخلاقيات المسيح لا يمكن اتباعها بأمان في حكم الأمة أو صيانتها. كتب يقول «إن المسيح لا يسعه الإبطاء في العفو عن الإساءة، ولكن الحاكم لا يسعه الإبطاء في عقابها إذا كانت جريمة ضد الدولة

ولا بقاء للدول بغير هذه الفضيلة (فضيلة الصرامة) التي تصبح شفقة بقدر ما يمنع عقاب مجرم واحد ألف مجرم من نسيانه (31)». وريشليو هو الذي روج عبارة «مبرر الدولة» ، أي أن القانون الأخلاقي يجب أن يخضع لمبررات الدولة (32). ويبدو أنه لم يخامره قط شك في أن سياساته هي واحتياجات فرنسا شيء واحد، ومن ثم اضطهد أعداءه الشخصيين بنفس الحزم الذي عاقب به أعداء الملك.

على أنه كان داخل قلعته وجبهته الدبلوماسية إنساناً، يهفو إلى الصداقة،

ص: 255

ويحس عزلة العظماء ووحشتهم. ويريدنا كتاب تالمان «أقاصيص» المملوء بالقيل والقال أن نصدق أن ريشليو حاول أن يجعل من ماري مديسي خليلة له، وكانت تكبره بعشرين عاما (33)، ولكن هذا بعيد الاحتمال. وهناك أساطير أخرى عن علاقات الكردينال الغرامية السرية، حتى مع نينول دلا نكلو، وما كان لينتهك عرف العصر أن يعزى رجل السياسة المرهق نفسه ببعض الانحرافات. بيد أن كل ما نعرفه عن عواطفه معرفة واضحة هو أنه كان شديد التعلق بابنة أخته ماري-مادلين دكومباليه. فقد أرادت أن تدخل ديراً بعد أن ترملت عقب زواجها، ولكن ريشليو أقنع البابا بمنع هذا، وأبقاها قريبة منه لتدير بيته، واستجابت بالإخلاص له إخلاصاً أشد حرارة من أكثر العلاقات الغرامية. كانت تلبس لباس الراهبة وتخفي شعرها. وسلك ريشليو منها مسلك اللياقة الواجبة كله، ولكن الملكتين رفضتا تبرئتها لفقدان الأدلة الكافية على إدانتها، وسقتا غيرهما إلى حديث الشائعات الذي أضاف وخزة عديدة لقصة الكردينال. إنه لم يحب «رجلاً، ولا امرأة أيضاً» وقد ثأر كلاهما منه.

أما ما كان يملكه فوق كل شيء فهو الارادة. وقليل من الناس في التاريخ كله من اجتمعت لهم هذه الوحدة في الهدف، وهذا المضاء والثبات في السعي إليه، وما كان لقوانين الحركة أن تكون أكثر ثباتاً. ولا بد أن نعجب باخلاصه لواجباته، وافنانه نفسه فيها طوال سنين من الجهد وليالي حرم فيها النوم. وقد كرس هذه الجهود لأولئك الذين يسر لهم النوم دون مخاوف مستظلين برعايته الساهرة. ولا بد أن نعترف له بالشجاعة الفائقة التي تصدت للنبلاء الأقوياء والنساء الدساسات، وقاومتهم وصدتهم، وقضت عليهم في غير خوف ولا رهبة وسط المؤامرات المتكررة على حياته. وقد غامر برأسه المرة بعد المرة بسبب نتائج سياساته.

وقلما كان يشعر بالعافية. فقد عرضته الحمى التي أبتلته بها مستنقعات بواتو لصداع متكرر كان أحياناً يلازمه أياماً بطولها. ولعل جهازه العصبي

ص: 256

كان ضعيفاً بالوراثة. أو مضروراً بالخلقة، فقد كانت إحدى شقيقاته ضعيفة العقل، وأحد إخوته مجنوناً بعض الوقت، وأرجفت شائعات القصر أن الكردينال ذاته تعتريه نوبات من الصرع وهلوسات جنونية (34). وكان يعاني من البواسير، والبثور، ومرض المثانة، وكانت أزماته السياسية تزداد تعقداً أحيانا بحصر البول كما كان الشأن مع نابليون (35). وقد حملته علته على التفكير غير مرة في الاعتزال، ولكنه وهو حبيس إرادته كان يأخذ الزمام ثانية ويواصل النضال.

ولسنا نستطيع أن ننصفه إلا إذا نظرنا إليه في مجموعة، بما فيه من ملامح تتخذ شكلها ونحن ماضون في الرؤية. لقد كان رائداً للتسامح الديني، رجلاً واسع الثقافة حساسها، ذواقة للموسيقى، وجماعاً خبيراً للفنون، وعاشقاً للدراما والشعر، وصديقاً معيناً لرجال الأدب، ومؤسساً للأكاديمية الفرنسية. ولكن التاريخ يذكر فيه بحق أولاً وقبل كل شيء الرجل الذي حرر فرنسا من تلك السيطرة الأسبانية التي نجمت عن الحروب الدينية والتي جعلت من فرنسا، بمقتضى الحلف، دولة تتلقى من أسبانيا معاشاً، بل تكاد تكون تابعة لها. أنه حقق ما كان فرنسيس الأول وهنري الرابع يصبوان طويلاً إليه وما أخفقا في تحقيقه، فقد كسر «النطاق الخانق» الذي طوقت به دولتا الهابسبورج فرنسا. ولا بد أن تفصل الصفحات التالية تلك الاستراتيجية البعيدة النظر التي حسم بها حرب الثلاثين سنة، وأنقذ البروتستنتية الألمانية باعتبارها حليف فرنسا الكاثوليكية، ويسر لمازران أن يصوغ صلح وستفاليا البناء. أما لفرنسا ذاتها فقد خلق وحدة وقوة على حساب دكتاتورية واستبدادية ملكية ولدت الثورة حين حان وقتها. وإذا كان أول واجبات رجل الدولة أن يجعل شعبه سعيداً حراً، فإن ريشليو كان شديد القصور في تحقيق هذا الهدف. وقد أدانه الكردينال ريتز-وهو قاض ذكي ولكنه لم يتجرد من التحامل-لأنه «أرسى أشنع وأخطر طغيان استرق دولة ربما في التاريخ كله (36)» . ولو

ص: 257

سئل ريشليو في هذا لربما أجاب بأن على رجل الدولة أن يأخذ في الاعتبار سعادة وحرية الأجيال القادمة لا جيله فحسب، وأن عليه أن يقوي وطنه ليحميه من الغزو أو السيطرة الأجنبية، وأن له في سبيل هذا الهدف أن يضحي بحق جيلاً حاضراً من أجل أمن الأجيال التالية. وبهذا المعنى رأي فيه أوليفارس، غريم ريشليو الأسباني، «أقدر وزير في العالم المسيحي في الألف السنة الأخيرة (37)» . ورأى فيه تشسترفيلد «أكفأ رجل دولة في عصره وربما في أي عصر آخر (38)» .

وكانت عودته من نصره النهائي في روسيون موكب الجنازة لرجل ما زال على قيد الحياة استقل زورقاً من تاراسكزن إلى ليون على الرون، ومكث في ليون حتى حوكم سانك-مارس ودوتو وأعدما، ثم اضطر لضعفه من ألم تسبب عن ناسور شرجي أن يذهب إلى باريس على محفة حملها أربعة وعشرون من حراسه، واتسعت لسرير الرجل المحتضر، ومائدة، وكرسي، وسكرتير يملي أوامر للجيش ورسائل دبلوماسية. واستغرقت مسيرة الموت هذه ستة اسابيع، وعلى طول الطريق احتشد الناس ليلقوا نظرة خاطفة على الرجل الذي لم يكن في قدرتهم أن يعطوه الحب، بل الخوف، والاحترام، والتبجيل، بوصفه التجسيد المهيب للكنيسة والدولة جميعاً، ونائب الله والملك. فلما بلغ باريس نقل إلى قصره دون أن يبرح محفته. وأرسل استقالته لمولاه الذي رفض قبولها. وحضر لويس إلى فراشه، ومرضه، وأطعمه، وتساءل ماذا عساه أن يفعل إذا توقفت هذه الإرادة المتجسدة عن الحياة. أما كاهن اعتراف الكردينال فقد سأله بعد أن ناوله القربان الأخير هل غفر لأعدائه، فأجاب بأنه لم يكن له قط أعداء إلا أعداء فرنسا. وبعد يوم من الغيبوبة مات في 4 ديسمبر 1642، وهو في السابعة والخمسين. وأمر الملك بأسبوع كامل من مراسم الحداد، ومرت صفوف المشاهدين بجثمانه طوال يوم ونصف. ولكن الناس في كثير من الأقاليم أشعلوا نيران الفرح شكراً لله على موت الكردينال الحديدي (39).

ص: 258

واستمر يحكم فرنسا حيناً. وذلك أنه أوصى بجوليو مازاريني خلفاً له في الوزارة، ووافق لويس. وقد ترك عشرة مجلدات من المذكرات، مسجلاً فيها أعمال الدولة كأنها ليست أعماله بل أعمال الملك. وكان في سنواته الأخيرة قد أهدى لويس «ميثاقاً سياسياً» «ويصلح بعد موتي لإدارة مملكتك وسياستها» . هنا وسط بعض الملاحظات التافهة نجد قواعد دقيقة بليغة للحكم، صيغت في أسلوب زمانه. إنه ينصح الملك بأن يجتنب الحرب، باعتبارها شيئاً لا يصلح له جلالته بطبعه. «إن مصالحة عشرة أعداء أجدى وأدعى للفخر من القضاء على عدو واحد (40)» ثم أسر إليه أن الفرنسيين قوم لم يخلقوا للحرب، ففي بدايتها يكونون الشجاعة كلها والحماسة كلها، ولكن يعوزهم الصبر ورباطة الجأش انتظاراً للحظة المواتية، ويمضي الوقت «يفقدون الاهتمام، ويغدون أضعف حتى من النساء (41)» . ويجب أن يكون الملك، كالقائد شجاعة الرجال القادرة على مقاومة الميول العاطفية؛ وعليه ألا يعطي النساء كلمة في الحكومة، لأنهن يتبعن نزواتهم وأهواءهن أكثر مما يستمعن لصوت العقل (42). على أن «الفكر» في المرأة لا يناسبها «لأني لم أر في حياتي امرأة عالمة لم يفسدها علمها (43)» . والنساء لا يستطعن كتمان السر، «والكتمان روح السياسة (44)» ، ورجل الدولة الحصيف قليل الكلام كثير الإصغاء (45)». وهو يحذر أن يسيء بكلمة غافلة؛ وهو لا يتكلم بشر عن أحد إلا إذا اقتضى ذلك صالح الدولة (46). ومن واجب الملك أن يكون لديه معلومات عامة عن تاريخ جميع الدول ونظامها، لا سيما دولته (47)». ثم يرجو المؤلف شيئاً من التفهم لوزارته وخلقه «إن عظماء الرجال الذين يعينون لحكم الدولة أشبه بالمحكوم عليهم بالتعذيب، مع فارق واحد، هو أن هؤلاء يتلقون العقاب على سيئاتهم، أما أولئك فعلى حسناتهم (48).

وعاش الملك خمسة أشهر بعد موته، وقد ذكر الناس حكم لويس

ص: 259

القصير شاكرين، لأنه أطلق السجناء السياسيين، وسمح بعودة المنفيين، وأتاح لفرنسا أن تتنفس. وكان يشكو من أن الكردينال لم يدعه يتصرف كما يشاء. كانت أمه قد ماتت قبل ريشليو ببضعة شهور، فأمر بجلب جثمانها من كولونيا واحتفل بدفنها رسمياً، وفي لحظاته الأخيرة توسل أن يغفر الله والناس له الخشونة التي عاملها بها.

ورأى نفسه يتهاوى، ولكنه اغتبط بما كان عليه ولده البالغ من العمر أربعة سنين من عافية ووسامة. سأله معابثاً «ما اسمك؟» فأجاب الصبي «لويس الرابع عشر» فقال الملك مبتسماً «ليس بعد يا بني، ليس بعد» . وأمر بطانته بقبول وصاية الملكة حتى يبلغ ابنه سن الرشد، ولما أخبروه أن قد حانت ميتته قال «إذن فأنا راضٍ من كل قلبي يا إلهي (49)» ومات في 14 مايو 1643 وقد بلغ الحادية والأربعين. قال تالمان «ذهب الناس إلى مأتمه كأنهم يذهبون إلى حفل زفاف، وظهروا أمام الملكة كأنهم في مباراة رياضية (50)» وكان الكردينال الرهيب قد أعد كل شيء لمجيء الملك العظيم و «القرن العظيم» .

ص: 260

الفصل السادس عشر

‌فرنسا إبان الحروب

‌1559 - 1643

1 -

الأخلاق

بدأ الدين، الذي اتخذت ألوانه ذرائع كاذبة لحروب كثيرة، يعاني من تسخيره في السياسة؛ وازداد المتشككون في قداسة عقائد تحاج بالمباراة في سفك الدماء؛ وبدأت في الطبقات العليا الشكوك حول الآداب المسيحية تختلط بالتشكك في العقيدة. وكان من علامات الزمن أن يبين قسيس تقي مثل بيير شارون جدارة الغريزة الجنسية وجهازها المضحك بالاحترام (1). أما الفلاحون فقد احتفظوا بإيمانهم، وقدسوا الناموس المسيحي حتى وهم ينتهكونه؛ فقد يقتلون بعضهم بعضاً في غضبة عابرة، وقد ينحرفون عن سنة الزواج بواحدة إذا واتتهم الفرصة ونامت أعين الرقباء، ولكنهم فيما عدا ذلك يحيون حياة مهذبة إلى حد محتمل. ويستمعون إلى القداس بانتظام، ويتناولون جسد المسيح ودمه مرة في العام على الأقل. وأما الطبقات الوسطى-سواء من الكاثوليك أو الهيجونوت-فقد ضربت خير مثال للفضيلة المسيحية. كان أفرادها يحتشمون بأعمالهم وأطفالهم، ويختلفون إلى الكنيسة، ويعطون الدولة كهنتها وأطباءها ومحاميها وقضائها واستقرارها. وكان هناك نساء مثاليات حتى في الطبقة الارستقراطية، وقد وصف شارل التاسع امرأته اليزابث النمسوية بأنها أكثر نساء العالم فضيلة؛ ولكن يمكن القول عموماً إن العلاقات الغرامية في الطبقات ذات الفراغ في العاصمة، وفي الصناع المهرة في المدن، أخذ زمامها يفلت. كان عصر حوافز

ص: 261

جسدية لا خفاء فيها. وقد بقي أثر من الحب الأفلاطوني، الذي تسلى به بيميو وكاستليوني في يوليا ومرجريت نافار في فرنسا، في ندوة مدام درامبوييه (وهي ذاتها إيطالية)، ولكنه كان في أكثره حيلة نسائية، ومقاومة في العمق لإضفاء المجد على القلعة.

كانت كاترين مديشي-على قدر علمنا-زوجة مخلصة وأماً شديدة الاهتمام بأبنائها، ولكن الشائعات اتهمتها بتدريب النساء الجميلات على إغراء أعدائها حتى يخضعوا (2)، وقد وصفت جان دلبيير (وفيها بعض خلق المحتشمات) بلاط كاترين بأنه «أفسد المجتمعات قاطبة وألعنها (3)» . وكان برانتوم مروجاً للفضائح، ولكن شهادته يجب أن تدخل الصورة: «أما نساؤنا الفرنسيات الجميلات

فقد تعلمن في السنين الخمسين الأخيرة قدراً كبيراً من اللطف والرقة، وكثيراً من الجاذبية والفتنة في ملبسهن، وفي نظراتهن الجميلة وأساليبهن الفاجرة

بحيث لا يستطيع أحد الآن أن ينكر تفوقهن على جميع النساء من كل وجه

ثم إن لغة الحب اللعوب هي في فرنسا أشد خلاعة وأكثر إثارة وأحلى منطقاً مما هي في اللغات الأخرى. وفوق هذا كله، فإن هذه الحرية الماكرة التي أتيحت لنا في فرنسا

تجعل نساءنا مرغوبات، ساحرات، لينات، طيعات أكثر من جميع النساء يضاف إلى هذا أن الزنى لا يلقي عموماً من العقاب ما يلقاه في أقطار أخرى

وباختصار فإن ممارسة العشق في فرنسا شيء لطيف (4)».

وقد ضرب الملوك المثل في الخلق الفاشي في المجتمع. فقد مات فرنسيس الثاني قبل أوانه بسبب شهواته. وكان لشارل التاسع محظيته ماري توشيه. وانتقل هنري الثالث من الغانيات إلى المرد. أما هنري الرابع فثبت على عشق المرأة. ويبدو أنه لا هو ولا خليلته جابرييل دستريه اعترضا على تصويرها عارية حتى خصرها (5). ولما تزوجت ابنته هنريتا ماريا الفرنسية البالغة سبعة عشر ربيعاً، من تشارلز الأول، بلغت اتصالاتها الغرامية من

ص: 262

الكثرة مبلغاً حمل كاهن اعترافها على أن ينصحها بأن تتخذ المجدلية مثالاً لها، وإنجلترا كفارة عن ذنوبها (6).

ولكن حتى مع هذه الأوضاع كان لطف النساء ولين جانبهن متخلفاً عن نهم الرجال، وجهدت المومسات لإشباع الطلب المتزايد عليهن. وقد عرفت باريس منهن ثلاثة أنواع:«العنزة المصففة الشعر» للبلاط، و «الطير الصداح» للبورجوازية، و «الحجرية» التي تسد مطلب الفقراء وتسكن بدروماً من الحجر. كان هناك غانيات متعلمات لرجال الطبقة الارستقراطية، مثل ماريون ديلورم، التي اعترفت عشر مرات وهي تحتضر، لأنها بعد كل حل ذكرت نفسها بخطايا لا حصر لها (7). وقد أصدر شارل التاسع وهنري الثالث مراسيم بحظر المواخير، ونص أمر أصدره لويس الثالث عشر (1635) على أن كل بغي تضبط يجب أن «تضرب بالسوط ويجز شعرها وتنفى» وأن كل الرجال المشتركين في هذه التجارة يجب أن يرسلوا إلى سفن تشغيل المجرمين مدى الحياة (8). واحتج عدة رجال، ومنهم مونتيني وقسيس هيجونتي، على مثل هذه الإجراءات وطالبوا بإجازة المواخير صيانة للأخلاق العامة (9). وظلت هذه القوانين في السجلات القانونية حتى أواخر القرن الثامن عشر، ولكنها لم تكن تطبق إلا نادراً. وحاولت قوانين أخرى عبثاً أن تقضي على انحرافات الطبيعة ونزواتها ويروي مونتيني قصة فتاة تحولت رجلاً في الثانية والعشرين (10). ووجد الأدب الفاحش سوقاً رائجة، وعرضت نوافذ حوانيت المطابع صوراً فاجرة دون أن تلقى أي تدخل مما نعرفه اليوم.

وعانت الفضيلة الاجتماعية والسياسية من الحروب. وتوسع في بيع الوظائف العامة حتى أوشك أن يكون رشوة شاملة. وكانت الإدارة المالية قبل أن يطهرها صلى فاسدة إلى حد الفوضى (11). ولم تكن الحرب تدمر تدميراً أعمى كما أصبحت بعد قليل في عهد لويس الرابع عشر، ومع ذلك نسمع بجيوش، من الهيجونوت والكاثوليك على السواء تشتبك في جرائم بالجملة من قتل ونهب واغتصاب وتعليق المواطنين من أباهمهم أو إشعال

ص: 263

النار تحت أقدامهم لانتزاع الذهب الذي يخفونه. وزاد انتشار المبارزة في القرن السادس عشر، ربما لأن السيف أصبح جزءاً مألوفاً من ملبس الرجال. وقد حرمها شارل التاسع بحض ميشيل لوبيتال، ولكنها كادت تصبح وباءً متفشياً في عهد هنري الثالث، وكان ينتظر أن يشتبك الشاهدان كما يشتبك الخصمان الرئيسيان، يقول مونتيني إن المبارزات غدت الآن معارك. واختلف مرسوم ريشليو الذي حرم المبارزة عما سبقه في أنه نفذ تنفيذاً صارماً لا تحيز فيه. ولكن العادة انتعشت بعد موته.

وكانت الجريمة مألوفة. وكان أكثر باريس لا يضاء ليلاً، وأفرخت السرقة والقتل، وأشاعت المشاجرات العنيفة الفوضى في الشوارع، وكان السفر في الريف خطراً يهدد الحياة والأوصال. أما العقوبات فوحشية، ولسنا على ثقة من أنها كانت معوقات ناجعة للجريمة، ولكن لعل الجريمة كانت بدونها تستشري. وأما السجن فكان لطيفاً للسادة، ففي استطاعة النبلاء نزلاء الباستيل أن يدفعوا ثمناً لمساكن مريحة تفرش بأثاثهم وتنزلها نساؤهم. أما عامة المجرمين فقد يزج بهم في زنزانات خانقة أو يرحلون إلى المستعمرات أو يحكم بتشغيلهم في سفن العبيد والمجرمين. وترجع آثار هذه العقوبة إلى عام 1532، ولكن أول تشريع لها في القانون الفرنسي يرجع إلى عام 1561. وكان يحكم على نزلاء هذه السفن عادة بعشر سنين، وتدمغ ظهورهم بالحروف الثلاثة الأولى لمجرمي السفن «جال». وكانوا في الشتاء يمكثون في سفنهم حبيسين أو يحشرون كالأنعام في السجون لاسيما في طولون أو مارسيليا. وفي أثناء الحروب الدينية حكم على كثير من الوحشية ما يحلو أمامه الموت. وتفجرت أوبئة الانتحار في تلك السنين المرة، وعلى الأخص بين نساء ليون ومارسيليا.

‌2 - آداب السلوك

تحسنت آداب السلوك بينما تحطمت الأخلاق. فقد جلبت كاترين دي

ص: 264

مديتشي معها الأدب الإيطالي، واحساساً بالجمال، وولعاً بالأناقة، ورهافة في الأثاث والملبس. وكان من رأي برنتوم أن بلاطها أروع بلاط وجد، «فردوس أرضي حقيقي» يتألق بثلاثمائة سيدة وآنسة على الأقل» (12) مرتديات أغلى الثياب وأفخرها. وأزاحت مراسم البلاط الفرنسي التي أرساها فرنسيس الأول لمراسيم الإيطالية من مكان الصدارة والقدوة لأوربا. وأنشأ هنري الثالث منصب المدير الأكبر للمراسم الفرنسية، وأصدر مرسوماً يفصل مراسم السلوك في البلاط وبرتوكوله، ويحدد الأشخاص الذين يسمح بمثولهم بين يدي الملك، وطريقة مخاطبته، وخدمته في يقظته وزينته، وطعامه، ونومه، ومن يرافقه في نزهته أو صيده، ومن يحضر مراقص البلاط. وقد أصر هنري الثالث، الخجول النيِّق، على هذه القواعد، وانتهكها هنري الرابع في غير تحرج، وتجاهلها لويس الثالث عشر، وتوسع فيها لويس الرابع عشر حتى أصبحت طقوساً تنافس القداس المطول.

أما ملابس القصر فقد ازدادت غلاء وزخرفاً. فقد ارتدى المرشال باسومبيير سترة قماشها من الذهب أثقلتها لآليء تزن خمسين رطلاً وثمنها أربعة عشر الف إيكو (13) ولبست ماري مديسي في حفل عماد ولدها عباءة مرصعة بثلاثة آلاف ماسة واثنين وثلاثين ألف حجر كريم آخر (14). وكان الرجل من رجال البلاط يعد نفسه فقيراً ما لم يملك خمساً وعشرين سترة من مختلف الطرز. وتعددت القوانين المقيدة للانفاق على الطعام والكساء ولكنها سرعان ما كانت تهمل. فحظر قانون منها أصدره هنري الرابع «على جميع سكان هذه المملكة أن يلبسوا الذهب أو الفضة على ثيابهم، إلا البغايا واللصوص (15)» . ولكن حتى هذا الربط الذكي كان عديم الجدوى. وشكا الوعاظ من المجازفة المبيتة التي أقدمت عليها السيدات حين لم يسترن ما استدار من أعضائهن إلا بمقدار. ويزعم مونتيني، الذي لم يكن كثير الوقوع في خطيئة خداع النفس بالأوهام، «أن سيداتنا

ص: 265

(وأن كن أنيقات رقيقات) يرين مراراً مكشوفات الصدر حتى السرة (16)» ورغبة في تأكيد بياض البشرة أو حمرة الخدود، بدأت النساء في القرن السابع عشر تزيينها ببقع أو رقع سماها أصحاب الأمزجة غير الشعرية «الموش» أو الذباب. وقسين مشداتهن بعظم الحوت وفردن تنانيرهن المطوقة بالسلك. ورفعن شعورهن في العديد من الأشكال المغرية. أما الرجال فأطلقوا شعورهم المجعدة طويلة مرسلة، وتوجوا رؤوسهم بقبعات عريضة يزينها ريش مرح. وأفشى لويس الثالث عشر بدعة الشعر المستعار لما أصابه من صلع مبكر. وهكذا تبارى الجنسان في غرور المظهر وخيلائه.

ولم تمنعهم آدابهم من تناول الطعام بأصابعهم. ولم تحل الشوك محل الأصابع، حتى بين النبلاء، إلا عام 1600، وليس قبل عام 1700 تقريبا في غيرهم من الطبقات. وقد حقق مطعم عصري يدعو لاتور دراجن الشهرة بتقديمه الشوك لزبائنه، وكان هنري الثالث يتغذى فيه وهو عائد من صيده، وكان الفرنسيون يأكلون الضفادع والقواقع في القرن السابع عشر. أما شرابهم المفضل فهو النبيذ. وقد بدأوا يستعملون القهوة ولكنها لم تكن بعد شراباً لا غنى عنه. وكان الكاكاو قد دخل فرنسا من المكسيك بطريق أسبانيا، وذمه بعض الأطباء زاعمين أنه ملين في وقت غير مناسب، ووصفه غيرهم دواء للأمراض التناسلية، وروت مدام دسفيتي أن سيدة حاملاً اسرفت في شربه إسرافاً جعلها تلد «ولداً صغيراً أسود كالشيطان» (17).

وانعكس التحسن في آداب السلوك على وسائل الانتقال والترفيه. فشاع الآن استخدام المركبات العامة في غرب أوربا، وبدأ الميسورون من الفرنسيين يسافرون في عربات فخمة مجهزة بالستائر والزجاج. وفشت لعبة التنس، وأولعت كل الطبقات بالرقص. ودخلت رقصة البافان من إسبانيا، وقد اشتقت اسمها من كلمة «بافو» الأسبانية ومعناها الطاووس،

ص: 266

وأضفت عليها حركاتها الرشيقة المتعالية نزعة أرستقراطية، وأعان التقبيل الذي كان جزءاً منها على إثارة الدم في العروق، وفي عهد كاترين مديتشي أصبح الباليه قمة أسباب الترفيه في البلاط، إذ جمع بين الموسيقى والرقص ليقص قصة بالشعر أو الإيماء (البانتوميم)، وشاركت فيه أجمل نسائها، في ملابس ومشاهد صممت تصميماً فنياً، وقد أقيم حفل من حفلات الباليه هذه في التويلري غداة مذبحة القديس برتلميو.

وكان الموسيقيون أبطال الساعة العابرة. افتتن بهم الفرنسيون فتنة كبرى، حتى أن رجلا من الحاشية كان يحضر حفلة موسيقية عام 1581 ضرب سيفه بيده وأقسم أنه متحد رجل يقابله للمبارزة، وهنا قاد قائد الفرقة فرقته في لحن رقيق هدأ من هياجه (18). وظل العود الآلة كمان شهير في التاريخ، جلب فرقة من عازفي الكمان إلى بلاط كاترين وأشاع موسيقى الكمان. وفي عام 1600 تبع أوتافيو رينوتشيني ماري مديسي إلى فرنسا، وأدخل فيها فكرة الأوبرا. وكان الغناء لا يزال الموسيقى المفضلة، وقد رأى الأب مرسين يحق أنه ليس في الطبيعة صوت يضارع جمال صوت المرأة (19).

واجتمعت الآن الموسيقى، والأدب، والسلوك المهذب، والحديث المثقف-لتؤلف كلها إضافة من أهم الاضافات التي أغنت بها فرنسا الحضارة-وهي الصالون. وكانت إيطاليا، الأم الراعية للفنون الحديثة، قد مهدت له باللقاءات المهذبة، كتلك المنسوبة لأوربينو في كتاب كاستليوني «رجل البلاط» ، ومن إيطاليا انتقل الصالون إلى فرنسا-كما انتقل إليها الكمان، والقصر الريفي (الشاتو)، والباليه، والأوبرا، والزهري. وقد ولدت مؤسسة الصالون بفرنسا في روما (1588) لجان دفيفون، السفير الفرنسي لدى البابا، وجوليا سافيللي إحدى وريثات أورسيني. وتلقت كاترين دفيفون تعليما لم تألفه الفتيات في القرن السادس

ص: 267

عشر. وحين بلغت الثانية عشرة تزوجت من شارل دانجين، وكان يشغل في عهد هنري الرابع ولويس الثالث عشر منصباً كبيراً يلقب بالمركيز رامبوييه. وشكت المركيزة الشابة من قصور لغة الحديث وآداب السلوك في فرنسا عنها في إيطاليا سلامة وتهذيباً، ولاحظت في استنكار ذلك الفصل بين الطبقات المفكرة-من شعراء وأدباء وعلماء-وبين النبلاء. وفي عام 1618 صممت لأسرتها «الأوتيل درامبوييه» في شارع سان-توما-دلوفر بباريس. وفي غرفة منه علقت لوحات من المخمل الأزرق حواشيها من الفضة والذهب. في هذا «الصالون الأزرق» الفسيح استقبلت المركيزة ضيوفها في ما أصبح أشهر صالون في التاريخ. وقد حرصت على أن تدعو إليه رجالا ونساء ذوي آداب متجانسة وميول متنوعة: نبلاء مثل كونديه الكبير ولاروشفوكو، وكنسين مثل ريشليو واوريه، وقواداً مثل مونتوسييه وباسومبيير، وسيدات من ذوي النسب العريق كالأميرة كونتي ودوقتي لونجفيل وروهان، وأديبات مثل مثل مدام دلافاييت ومدام دسفني والآنسة دسكوديري، شعراء مثل ماليرب وشابلان وجي دبالزاك، وعلماء مثل كونرار وفوجلا، وظرفاء مثل فواتور وسكارون. هنا وعظ بوسويه عظة وهو في الثانية عشرة، وقرأ كورني تمثيلياته. هنا تعلم النبلاء أن يهتموا باللغة والعلم والدرس والشعر والموسيقى والفن، وتعلم الرجال من النساء آداب المجاملة، وتعلم المؤلفون أن يخفوا غرورهم، والفقهاء أن يهذبوا فقههم، والتقى الظرفاء بذوي النسب، وناقش القوم الكلام الصحيح واكتسبوه، وأصبح الحديث فناً من الفنون.

وتناولت المركيزة هذه الأسد والنمر بلباقة قلمت مخالبها دون أن توجعها. ومع أنها ولدت سبعة أطفال، إلا أنها احتفظت بجمالها فترة كفت لإلهام فولتير وماليرب العاطفة المشبوبة، فكان الشاعران يلتهبان لكل ابتسامة ولكنها برغم ضعف صحتها ضربت لضيوفها المثل في البشاشة والذكاء المفعم بالحيوية، وبرغم فقدانها ولدين اختطفهما الموت وثلاث بنات

ص: 268

اختطفهن الدين أسكتت حزنها حتى كتبت قبريتها. وفي جل من الإباحية الجنسية والحديث الجامح أشاعت من حولها جواً من الأدب واللياقة. وأصبحت «سلامة الذوق» جواز الدخول لصالونها. وكان القواد والشعراء يتركون سيوفهم ورماحهم في البهو، وخفف الأدب من حدة الخلافات، وازدهر النقاش وأقصى الجدل العنيف.

وأخيراً أسرف القوم في هذا التهذيب. لقد رسمت المركيزة قانوناً يتوخى الدقة في القول والفعل، ولكن الذين طبقوه في تزمت سموا «المتحذلقين» و «المتحذلقات» ، وفي عام 1659 حين كانت المركيزة قد اعتزلت وأصبحت وحيدة، انقض فولتير على هذه الرواسب الغربية المتخلفة من فنها وقضى عليها بسخريته القضاء المبرم. ولكن حتى الإسراف كان له نفعه، فهؤلاء «المتحذلقات» ساعدن على جلاء معنى الألفاظ والعبارات ومدلولها، وتنقية اللغة من الإقليمية، والنحو الرديء والتقعر، هنا بذرة الأكاديمية الفرنسية. وفي الأوتيل درامبوييه طور ماليرب وكونرار وفوجلا قواعد الذوق الأدبي التي أفضت إلى بوالو والعصر الكلاسيكي. وقد ساهمت «المتحذلقات» في ذلك التحليل للعواطف الذي أطال الروايات الغرامية وفتن به ديكارت وسبينوزا، وساعدن على توشية علاقات الجنسين باستراتيجية الانسحاب والتمنع، وما يتبعها من تصور الكنز الرواغ تصوراً مثالياً مما أفضى إلى الحب الرومانسي. وبفضل هذا الصالون وما جاء بعده من صالونات أصبح التاريخ الفرنسي أكثر منه في أي وقت مضى ثنائي الجنس. وارتفع مقام النساء، وازداد أثرهن في الأدب واللغة والسياسة والفن. وعظم احترام المعرفة والفكر. وانتشر الاحساس بالجمال.

ولكن أكانت الصالونات والأكاديمية جاعلة رابليه مستحيلاً؟ أكانت موصدة العقل الفرنسي أمام فسيولوجية مونتيني المرحة، وأخلاقياته السمحة، وحذلقته المتزايدة؟ أم كانت موجهة هذين العبقريين قسراً ورافعة إياهما إلى فن أكثر رهافة وعلواً؟.

ص: 269

ولكننا سرنا شوطاً أبعد مما يجب. فحين فتحت مدام درامبوييه صالونها كان قد مضى على موت مونتيني ستة وعشرون عاماً. فلنرجع في مسيرتنا ونستمع ساعة إلى أعظم كاتب ومفكر فرنسي في هذا الجيل.

‌3 - ميشيل دي مونتيني

1533 -

1593

أ- تعليمه

وصف جوزف سكا: ليجر مونتيني بأنه بائع رنجة. ولكن هذا العالم الكبير قفز جيلاً ذلك أن الجد، وأسمه جريمون إيكيم، هو الذي كان يصدر الأنبذة والأسماك المجففة من بوردو. وقد وردت هذه التجارة من جد ميشيل الأكبر ريمون إيكيم، الذي جمع المال للأسرة بهذه الطريقة، ثم اشترى (1447) القصر والضيعة المعروفين باسم مونتيني على تل خارج المدينة. ووسع جريمون ميراثه بزواج حكيم. أما ابنه بيير غيكيم فقد فضل الحرب على الرنجة، وانخرط في الجيش الفرنسي، وقاتل في إيطاليا مع فرنسيس الأول، وعاد بندوب وبآثار من النهضة، وارتقى إلى منصب عمدة بوردو. وفي عام 1528 تزوج انطوانيت، أبنة تاجر غني من تولوز يهودي المولد، مسيحي العماد، إسباني الثقافة. وولد ميشيل إبكيم، الذي أصبح السيد الإقطاعي على مونتيني، لبيير وانطوانيت، وقد اختلط في رأسه الدم الغسقوني واليهودي. ثم زاد أفقه اتساعاً أن أباه كان كاثوليكيا تقياً، وأمه على الأرجح بروتستنتية، وأخته وأخاه كالفنيين.

وكان لبيير آراء في التعليم يقول عنه ميشيل "إن هذا الأب الطيب أرسلني حتى وأنا بعد في المهد لأنشأ في قرية فقيرة يمتلكها، وأبقاني فيها طوال الرضاع وبعده بقليل، لأتربى أفقر وأبسط تربية شائعة (20) ". وبينما كان الصبي في الحضانة عين له تابع ألماني لم يكلمه بغير اللاتينية. "ناهزت السادسة وأنا لا أفهم من الفرنسية أكثر مما أفهم من العربية (21) ".

ص: 270

فلما دخل كلية جيين كان أساتذته (فيما عدا جورج بوكاتان) يكرهون التحدث إليه باللاتينية، لأنه يتكلمها بطلاقة. وقد برز فيها إلى هذا الحد "دون كث " أو قواعد، أو نحو، أو ضرب بالسياط، أو أنين ونواح ".

ولعل الأب كان قد قرأ ما قاله رابليه في التعليم. فحاول أن ينشئ ولده على لمبادئ التحررية، مؤثراً الحب على القسر. واستطاب مونتيني هذا النظام وأوصى به في خطاب طويل عن التعليم (22)، وصرح أنه كتب إلى الليدي ديان دفورا، ولكنه أنكره في مقال متأخر وأوصى بالعصا معيناً مقنعاً للمنطق (23). كذلك لم يحذ حذو أبيه في تفضيله اللاتينية أو الدراسات الكلاسيكية. ومع أن ذاكرته كانت فياضة بالشواهد والمثل الكلاسيكية، إلا أنه أستنكر الاقتصار على التعليم الكلاسيكي، واحتقر التعليم من الكتب والمكبين على الكتب، وآثر على هذا كله الاهتمام بتدريب الجسد لنيل الحكمة والفضيلة. "لسنا في حاجة إلا لقليل من التعليم لكي تكون لنا عقول سليمة (24) ". وقد نتعلم من مباراة في التنس أكثر مما نتعلم من خطاب لاذع ضد كاتلين. وينبغي أن يربى البدن على أن يكون جلداً شجاعاً، قادراً على تحمل الحر والبرد دون تذمر، وعلى إساغة مخاطر الحياة التي لا مفر منها. كان مونتيني يستشهد بالكتاب الأثينيين، ولكنه آثر طرق الأسبرطين في العيش، مثله الأعلى فضيلة رجولية، تقريباً بالمعنى الروماني الذي جعل هذه العبارة نافلة- وأضاف إليه المثل الأعلى الإغريقي "لا إفراط "- الاعتدال في كل شيء، حتى في الاعتدال، فعلى المرء أن يشرب الخمر في اعتدال، على أن يكون قادراً إن دعته المناسبة على الشرب الكثير دون أن يغيب عن وعيه.

وقد يكون السفر جزءاً هاماً من التعليم إذا تركنا أهوائنا وراءنا. "قيل لسقراط إن فلاناً لم يفده السفر مثقال ذرة، فأجاب: أجل، لأنه حمل نفسه معه في سفره "(25). فإذا استطعنا أن نفتح عقولنا وعيوننا وجدنا الدنيا خير كتاب نقرأه، لأن "الكثير جداً من الأمزجة الغريبة

ص: 271

والملل المتعددة

والآراء المتنوعة، والقوانين المختلفة، والعادات الظريفة، تعلمنا أن نصدر الحكم السليم على نظائرها عندنا (26) ". ثم بعد السفر يأتي التاريخ يحيط بأفضل العقول في خير العصور

فأي فائدة لا تجنيها

بقراءة "تراجم " بلوتارخ؟ (27)" وأخيراً يجدر بالطالب أن يتلقى بعض الفلسفة- لا "جدليات المنطق الشائكة " بل الفلسفة التي تعلمنا كيف نعيش

وما يجب معرفته وما لا يجب، وما الشجاعة، والاعتدال، والعدل، وأي فرق بين الطموح والجشع، والرق والحرية، وما العلامات التي يتبين الرجل بها القناعة الصادقة الكاملة؛ وإلى أي حد يجب أن يخاف

الموت أو الألم أو العار .... إن الطفل القادم من الحضانة أقدر على تلقي (هذه الدروس) من تعلم القراءة والكتابة (28) ".

وبعد أن أنفق مونتيني سبع سنين في كلية جيبن دخل الجامعة ليدرس القانون. وما من شيء كان أقل من هذه الدراسة تجانساً مع عقله المستطرد وحديثه الواضح. فهو لا يمل من إطراء العادة وذم القانون. وقد لاحظ في ابتهاج أن فرديناند الثاني ملك اسبانيا لم يبعث محامين إلى أمريكا الأسبانية مخافة أن يضاعفوا أسباب النزاع بين الهنود، وتمنى لو أنه منع الأطباء أيضاً مخافة أن يخلقوا بعقاقيرهم أمراضاً جديدة (19). وعنده أن شر البلاد ما استكثر من القوانين، وقدر أن بفرنسا منها "أكثر مما لدى بقية العالم ". ولم ير أي تقدم في نزعة القانون الإنسانية، وتساءل هل بين الهمج وحشية كتلك التي يمارسها القضاة ذوو العباءات، ورجال الكنيسة الحليقو الرؤوس، في غرف التعذيب بالدول الأوربية (30). وافتخر بأنه "حتى اليوم (1578؟) أنا بريء من جميع الدعاوى القانونية (31) ".

ب- صداقته وزواجه

ومع ذلك نجده عام 1557 مستشاراً في محكمة الاعانات في بيريجو، وعام 1561 عضواً في برلمان بوردو- وهو المحكمة البلدية. وهناك لقى

ص: 272

وأحب إتيين دلابويتي. وقد رأينا في موضع آخر من هذا الكتاب أن هذا الأرستقراطي الشاب كتب وهو بعد في الثامنة عشر، مقالاً مشبوب العاطفة ولكنه لم ينشره، واسمه "مقال عن الرق الاختياري "، وقد اشتهر باسم "كونتران "- أي ضد حكم الرجل الواحد؟ وقد دعا الشعب فيه بكل البلاغة التي أوتيها دانتون فيما بعد، إلى الثورة على الحكم المطلق. ولعل مونتيني نفسه شعر ببعض الحماسة الجمهورية في شبابه. على أي حال جذبه هذا المتمرد النبيل، الذي بدا له- وكان يكبره بثلاث سنوات- آية في الحكمة والنزاهة:

"لقد فتش الواحد منا عن صاحبه قبل أن يراه، ومن الأخبار التي سمعها عنه

أظن أننا بأمر سري من السماوات تعانقنا باسمينا. وعند أول لقاء لنا، وكان بالصدفة في وليمة كبيرة واجتماع مهيب لمدينة بأسرها، وجدنا نفسينا مندهشين، متعارفين،

مرتبطين، بحيث أن شيئاً من الأشياء لم يقترب منا بعد ذلك اقتراب كل منا من صاحبه (22).

ما السر في هذه الصداقة العميقة؟ يجيب مونتيني "لأنه كان هو، ولأنني كنت أنا (23) "- لأنهما كانا مختلفين اختلافاً جعلهما يكمل الواحد منهما صاحبه. ذلك أن لابويتي كان المثالية كلها، والاخلاص الحار، والرقة والحنان، أما مونتيني فكان فيه من الثقافة والحصافة وعدم التحيز ما يمنعه من التفاني إلى هذا الحد، وقد وصفه هذا الصديق ذاته بأنه "يميل إلى الرذائل والفضائل البارزة على السواء (34) ". وربما كانت أعمق تجربة مر بها مونتيني في حياته هي مشاهدته صديقه يحتضر. ففي عام 1563، وخلال طاعون تفشى في بوردو، مرض لابويتي فجأة بالحمى والدوسنتاريا. وقد احتمل موته البطيء بجلد رواقي وصبر مسيحي لم يغب قط عن ذاكرة صديقه الذي ظل ملازماً لفراشه في تلك الايام الأخيرة. وورث مونتيني مخطوطة المقال الخطر وخبأها ثلاثة عشر عاماً، ثم نشرت منه نسخة في طبعة مسروقة (1576) وهنا نشر الأصل، وأوضح أنه تدريب في البلاغة لصبي "في السادسة عشرة ".

ص: 273

وجعلت هذه الصداقة كل علاقة إنسانية بعدها تبدو لمونتيني تافهة غثة. وقد اكتسب المرة بعد المرة أن نصفه مات مع لابويتي "لقد ألفت أن أكون دائما أثنين، ولم اعتد أن أكون وحدي قط، حتى ليخيل إلي أنني لست إلا نصف نفسي (35) ". وفي حرارة هذه الذكرى رفع الصداقة فوق الحب بين الوالد والولد، والفتاة والفتى، والزوج والزوجة، ويبدو أنه لم يكن يشعر بأي عاطفة رومانسية نحو أي امرأة. "في شبابي عارضت الأفكار الشائعة عن الحب، والتي أحسست أنها تغلبني على أمري، وجاهدت لأقلل من متعة مخافة أن

يسترقني في النهاية ويضعني تحت رحمته (36)". ولا يعني هذا أنه لم تكن له أويقات غرام، فهو على العكس يعترف بعلاقات واسعة متعددة قبل زواجه (37). وقد وصف الحب الجنسي بأنه "ليس إلا لذة تدغدغ الجسم نتيجة إفراغ الأوعية المنوية، أشبه باللذة التي تعطينا إياها الطبيعة في إفراغ الأعضاء الأخرى. وروى أنه من المضحك أن الطبيعة "خلطت لذاتنا وأوساخنا معا (38) ".

وقد وافق الفلاسفة، على أن حافز الجماع ليس مبرراً للزواج. "لست أرى زيجات أسرع فشلاً وأكثر كدراً كتلك التي تعقد من أجل الجمال، أو تتم في عجلة إستجابة لرغبات الغرام (39) ". فالزواج يجب أن يرتبه "طرف ثالث "، وينبغي أن يرفض صحبة الحب (الجنسي) وشروطه "وأن يحاول شروط الصداقة "، ويجب أن يصبح الزواج صداقة إن أريد له البقاء. وكان يميل إلى رأي المفكرين اليونان القاتل بأن على الرجل ألا يتزوج قبل الثلاثين. وقد اجتنب هذا الرباط أطول ما استطاع. وإذ كان لا يزال أعزب وهو في الثامنة والعشرين، فإنه سافر إلى باريس، وافتتن بها (40)، واستمتع بحياة البلاط حيناً (1562)، ورأى الهنود الأمريكيين في روان، وتردد بين مفاتن الحضارة والهمجية المتنافسة، ثم عاد إلى بوردو، وتزوج فرانسواز دشاسين (1565).

ويلوح أنه تزوج لأسباب منطقية تماماً: هي أن يكون له بيت وأسرة،

ص: 274

وأن يورث الأسرة ضيعته واسمه. وفي صفحاته الخمسمائة والألف لا يكاد يذكر شيئا عن زوجته- ولكن لعل هذا من قبيل حسن الأدب، وهو يزعم أنه كان وفياً لها، "مع أن الناس يذيعون عني أنني إباحي، إلا أنني (بنية صادقة) تقيدت بقوانين الزواج بدقة أكثر مما وعدت أو أملت (41) ". وكانت تغتفر استغراقات العبقرية في ذاتها، وتعني بكفاية بالبيت والأرض وحتى بالحسابات، لأنه لم يكن يميل إلى الأشغال التجارية. أما هو فقد أعطاها الاحترام كله، وأمارة حب أو كلمته بين الحين والحين- كاستجابة الشاكرة لمساعدتها السريعة له بعد سقوطه من ظهر جواده، وكاهدائه إياها طبعته للترجمة التي قام بها لابويتي لخطاب بلوتارخ "خطاب عزاء ". وكان زواجاً موفقاً، وعلينا ألا نأخذ مأخذ الجد الشديد تلك السخريات الموجهة ضد النساء في "مقالات مونتيني "، فقد كانت بدعة فاشية بين الفلاسفة. وولدت له فرانسواز ستة أطفال، كلهم بنات، متن جميعا في طفولتهن إلا واحدة، يتكلم عنها في حنان (43). وحين بلغ الرابعة والخمسين تبنى في أسرته فتاة في العشرين اسمها ماري دجورنيه "أحببتها حباً صادقاً يفوق حب الأب لابنته واعتبرتها جزءاً من خير أجزاء كياني، وهبت لي في بيتي وعزلتي (43) ". إنه لم يكن فوق مشاعر الانسانية المشتركة بين البشر.

جـ- مقالاته

في عام 1568 مات أبوه، فورث ميشيل الضيعة بوصفه الابن الأكبر. وبعد ثلاث سنوات أو أربع استقال من برلمان بوردو، واعتزل ضوضاء المدينة إلى ملل الريف. ولكن حتى في الريف كان السلام قلقاً، لأن الحرب الدينية كانت تقسم فرنسا ومدنها وأسرها، فالجنود يغيرون على القرى، ويدخلون البيوت ويسرقون، وينتهكون الأعراض، ويقتلون. "ذهبت إلى فراشي ألف مرة

وأنا أتخيل أنه قد يخونني

ص: 275

من ائتمنت أو قد أذبح في فراشي (44) ". ورغبة في ثني القوم عن العنف كان يترك أبوابه غير موصدة ويأمر بأن يستقبل المغيرون إن أتوا دون مقاومة. على أنهم لم يأتوا، وترك مونتيني حراً ليعيش في ركنه الفلسفي بين صراع العقائد وصليل السيوف، وبينما كانت باريس وغيرها من الأقاليم تقتل البروتستنتية في مذبحة القديس برتلميو، كتب مونتيني أجل أثر في النثر الفرنسي.

وكان أحب الخلوات إليه مكتبته الكائنة بالطابق الثالث من البرج الذي يرتفع في واجهة قصره الريفي (دمرت النار القصر عام 1885 ولكن البرج باق). وقد أحب مكتبته كنفسه. فكانت ذاته الثانية.

"شكلها مستدير، وليس فيها جانب مستو إلا ما يصلح لمكتبتي ومقعدي، وهو وضع

يتيح لي بنظرة واحدة أن أشتمل ببصري كل كتبي

هناك كرسي؛ هناك عرشي. وأنا احاول أن أجعل حكمي فيها مطلقاً؛ وأن أخص بذلك المركز الوحيد دون صحبة زوجتي، وأطفالي، ومعارفي (45) ".

وقل بين الرجال من استطاب مثله العزلة وهي أخوف ما نخاف:

"على المرء أن يفصل ويسترد نفسه من نفسه

علينا أن نحتفظ بمعين لأنفسنا

خاص بنا دون غيرنا

نختزن فيه حريتنا ونرسيها. إن أعظم شيء للإنسان في العالم أن يعرف كيف يكون نفسه (46).

في مكتبته كان لديه ألف كتاب، أكثرها مجلد مزخرف، وكان يسميها "مواطن لذتي "، فيها استطاع أن يختار صحبته ويعيش مع أحكمهم وأخيرهم. ففي بلوتارخ وحده "لأنه يتكلم الفرنسية " (في ترجمة لآميو " استطاع أن يجد مائة عظيم يحضرون ويتحدثون إليه،

ص: 276

وفي "رسائل " سنيكا استطاع أن يتذوق رواقية لطيفة صيغت في عبارات رخيمة؛ هذان (ربما فيهما كتاب بلوتارخ "موراليا ") كانا أحب المؤلفين اليه، "منهما أستقي مائي كما فعلت الدنايديات، وأملأ دون توقف حالما يفرغ الماء (47)

والألفة التي تمت بيني وبينهما، والعون الذي يمدانني به في شيخوختي، وكتابي الذي لم أصغه إلا مما غنت منهما، كل أولئك يلزمني صيانة شرفهما (48).

وهو لا يستشهد بالكتاب المقدس أبداً (ربما لأنه مشهور جداً)، وإن اقتبس مراراً من القديس أوغسطين. وهو في الاغلب يؤثر القدامى على المحدثين، والفلاسفة على الآباء المسيحيين. كان "إنساني " الفلسفة بقدر ما أحب آداب اليونان والرومان وتاريخهم، ولكنه لم يكن عابداً أعمى للكلاسيكيات والمخطوطات والمحفوظات، ورأيه في أرسطو أنه سطحي، وفي شيشرون أنه ثرثار دعي. ولم يكن مطلعاً كل الاطلاع على آثار اليونان، ولكنه استشهد بالشعراء اللاتين في تبحر طواف ألم حتى بواحد من أخص ابجرامات مارشال. وقد أعجب بفيرجل، ولكنه فضل عليه لوكريتيوس. وقرأ "الأقوال المأثورة " لأرزم في نهم. وكان في مقالاته الأولى متحذلقاً، يرصع كلامه بالعبارات الكلاسيكية المعادة. ومثل هذه الاقتباسات كانت تتفق وأسلوب العصر، وقد استطاب القراء ممن لم تسعفهم قدراتهم على قراءة الأصول هذه النماذج باعتبارها نوافذ صغيرة يلمحون منها العالم القديم، وشكا بعضهم من أنه لم يستكثر منها (49). ولكن من كل سرقاته الصغيرة خرج مونتيني هو هو على نحو فذ، ضاحكاً من الحذلقة، محدداً فكره وكلامه. فهو في ظاهره أشبه بالمقص واللصوق، ولكن مذاقه طيب كطعام الآلهة.

وهكذا، على مهل صفحة فصفحة، ويوماً بعد يوم، كتب

ص: 277

"المقالات"، بعد عام 570

(1)

. والأسلوب هو الرجل، طبيعياً، حميماً، وثيقاً، وإنها لراحة أن يتحدث إلينا أحد أئمة الفكر بهذه الألفة. أفتح أي صفحة في مقالاته، تجده يمسك بذراعك ويسوقك معه دون أن تعرف، وقلما يهمك، إلى أين يمضي بك. كان يكتب جزءاً فجزءاً، في أي موضوع يخطر بباله أو يوافق مزاجه؛ ويستطرد في فوضى بعيداً عن الموضوع الاصلي أثناء تجواله، فترى مقاله "عن المركبات " مثلا ينطلق مخترقاً روما القديمة وأمريكا الجديدة. وفي المجلدات الثلاثة ثلاثة تتألف من استطرادات. لقد كان مونتيني كسولاً، وما من شيء أشق من خلق النظام وحفظه من الأفكار أو الرجال. وقد أعترف بأنه "متموج متنوع " ولم يقدس الثبات على الآراء؛ فكان يغير آراءه كلما تقدم به العمر، وإنما الصورة المركبة النهائية هي مونتيني.

ووسط تدفق أفكاره المضطرب تجد أسلوباً واضحاً كأنه البساطة بعينها. ومع ذلك تراه يتألق باستعارات عجيبة كاستعارات شكسبير، وبنوادر منيرة تحول المجرد فور الواقع. ويختطف فضوله الفاحص هذه الأمثلة أينما وجدها دون اكتراث لأي معوق خلقي. وهو يسلمنا في عناية ملاحظة

(1)

اشتملت الطبعة الأولى، 1580، على الكتابين الأول والثاني، ووسعت الثانية الكتابين، 1588، وزادت كتاباًً ثالثاً، أما الطبعة الثالثة المحتوية على تنقيحه النهائي والتي نشرتها الآنسة دجورنيه فقد ظهرت عام 1595 بعد موته، وظهور تسع طبعات بين عامي 1580 و 1518 شاهد على شعبيتها.

ص: 278

تلك المرأة التولوزية التي شكرت الله بعد أن غشيها عدة جنود "لأنني مرة في حياتي ملأت بطني دون أن آثم (52).

د- الفيلسوف

إنه يزعم أن لديه موضوعاً واحداً- هو نفسه. "إني أنظر داخل نفسي، ليس لي شأن إلا مع نفسي، فأنا لا أكف عن النظر في أمر نفسي

وتذوقها (53) ". وهو يعمد إلى دراسة الطبيعة البشرية مباشرة، عن طريق دوافعه، وعاداته، ومحابه، ومكارهه، وأسقامه، ومشاعره، وأهوائه، ومخاوفه، وأفكاره. إنه لا يقدم لنا ترجمة ذاتية، فهو لا يكاد يذكر في المقالات شيئاً عن اشتغاله مستشاراً أو عمدة، ولا عن أسفاره في زياراته للبلاط، وهو لا يكشف عن دينه أو مذهبه السياسي، بل يعطينا شيئا أثمن- ذلك التحليل الصريح النفاذ لجسمه وعقله وخلقه. وهو يبسط أخطاءه ورذائله واسهاب. وتحقيقاً لهدفه يستأذن في أن يتكلم بحرية، فهو عامد إلى انتهاك أصول الذوق السليم ليعرض علينا إنساناً عاري الجسد والروح. تراه يتحدث في صراحة صاخبة عن وظائفه الطبيعية، ويستشهد بالقديس أوغسطين وفيف في موضوع التطبل اللحني (امتلاء البطن بالغازات)، ويطيل التأمل في الجماع:

"كل منا يجتنب رؤية إنسان يولد، ولكن الجميع يهرعون لرؤيته يموت. فلهدمه نلتمس مكاناً ونوراً قوياً، ولكنّا لبنائه نختبئ في ركن مظلم ونعمل في تكتم ما استطعنا (54) ".

وحتى مع هذه الصراحة يزعم أنه مارس شيئا من التحفظ. "إني أقول الحق، لا كما أشتهي، بل على قدر ما أجرؤ (55) ".

وهو يقول لنا الكثير عن نفسه الجسدية، ويرعى صحته من صفحة إلى صفحة. فالصحة هي الخير الاعظم "والشهرة والمجد يشتريهما رجل في مثل مزاجي بثمن غال، باسم الله (56) "، وهو يسجل تقلبات أمعائه في

ص: 279

تفصيل المحب لها. لقد بحث عن حجر الفلاسفة ووجده مستكناً في مثانته. وكان يأمل أن ينزل هذا الحصى في نشوة من الحب، ولكنه بدلا من ذلك وجد أنه "يخونه إلى حد غريب (57) " ويهدده بالعجز في غير أوانه. وقد عزى نفسه بقدرة يفخر بها، هي "أن أقبض مائي عشر ساعات كاملة (58) وأن يظل على سرجه دون أن يناله الاعياء الشديد. كان بدينا قوياً، يأكل بنهم حتى كاد يعض أصابعه في شرهه. وقد أحب نفسه في لذة لا يعتريها الملل.

كان مغروراً بنسبه، وبشعار نبالته (59)، وبثيابه الفاخرة، وبما نال من تشريف حين أصبح أحد فرسان القديس ميخائيل- وكتب مقالاً "في الغرور ". وهو ينسب لنفسه أكثر الرذائل، ويؤكد لنا إن كان فيه فضيلة فإنها تسللت إليه خلسة. ومع ذلك فإن لديه الكثير من هذه الفضائل: الأمانة، والطيبة، وروح الفكاهة، والاتزان، والرحمة، والاعتدال، والتسامح. وكان يقذف بالأفكار المتفجرة في الهواء، ثم يلقفها ويطفئها قبل أن تسقط. وفي عصر المذابح العقائدية توسل إلى إخوانه في الإنسانية أن يعتدلوا في تعصبهم هذا الجانب من المقتلة، وأعطى العالم العصري مثالاً من أول أمثلته في العقل المتسامح. ونحن نغتفر له عيوبه لأننا نشاركه فيها، ونجد تحليله لنفسه ساحراً لأننا نعلم أننا نحن الذين يروي هذه القصة عنهم.

ولكي يحسن فهم نفسه درس الفلاسفة. وقد أحبهم على الرغم من دعاواهم المغرورة بأنهم يحللون الكون ويرسمون مصير الانسان وراء القبر. ونقل عن شيشرون قوله "ما من شيء سخيف قيل إلا سبق أن قاله أحد الفلاسفة (60). وقد امتدح سقراط لأنه "أنزل الحكم البشرية من السماء حيث طال ضياعها، ليردها إلى الإنسان من جديد (61)". وردد نصيحة سقراط بدرس أقل العلوم الطبيعية، وأكثر للسلوك الإنساني. لم يكن له "مذهب " بعينه يدين به، فلقد كانت أفكاره في تطور دائم الحركة بحيث استحال على أي تسمية أن تقيد تحليقه الفلسفي.

ص: 280

ففي بواكير تفكيره الجريئة اعتنق الواقية. إن المسيحية التي تفرقت شيعاً يقتل فيها الناس أخوتهم، ولطخت نفسها بدم الحرب والمذابح، قد اخفقت بجلاء في أن تعطي الإنسان قانوناً خلقياً قادراً على ضبط غرائزه، لذلك اتجه مونتيني إلى الفلسفة ملتمساً مبدأ خلقياً طبيعياً، وفضيلة لا ترتبط بقيام العقائد الدينية وسقوطها. وبد له أن الرواقية قريبة من هذا المثل الأعلى، فهي على الأقل شكلت بعضاً من أعظم الرجال في العصور القديمة. وجعلها مونتيني مثله الأعلى حيناً، فهو مدرب إرادته على التحكم في نفسه، وهو صادف عن كل العواطف التي تكدر سلامة سلوكه أو هدوء عقله، وهو مواجه صروف الدهر بجأش رابط، متقبل الموت ذاته على أنه نهاية طبيعية مغتفرة.

وبقي في عرق رواقي إلى النهاية، ولكن روحه الجياشة وجدت بعد قليل فلسفة أخرى تبرر ذاتها. لقد تمرد على رواقية تبشر باتباع "الطبيعة " وتحاول مع ذلك قمع الطبيعة في الإنسان، وقد فسر "الطبيعة " من خلال طبيعته هو، وقرر أن يتبع رغباته الطبيعية، ما دامت لاتحدث أذى محسوساً. وسرّه أن يجد أبيقور مدافعاً عاقلاً عن المتع السليمة، لا شهوانياً رخيصاً، وأدهشه أن يكتشف قدراً كبيراً من الحكمة والعظة في لوكريتيوس. فأعلن الآن في حماسة شرعية اللذة. أما الخطيئة الوحيدة التي تبنيها فهي الإفراط. " ان الإفراط هو الطاعون الذي يفتك باللذة، والاعتدال ليس سوط اللذة، بل الملطف لها (62) ".

ومن تذبذب آرائه، ومن انحطاط المسيحية المعاصرة في فرنسا، انتهى إلى الشكوكية التي اصطبغ بها أكثر فلسفته بعد ذلك. وكان أبوه قد ثأر بكتاب "اللاهوت الطبيعي " الذي ألفه اللاهوتي التولوزي ريمون سبوند (مات 1437؟) والذي واصل جهد السكولستيين النبيل في البرهنة على معقولية المسيحية. وطلب الأب إلى ابنه أن يترجم البحث، نفعل، ونشر الترجمة (1569). واستنار به السنيون الفرنسيون، ولكن بعض

ص: 281

النقاد اعترضوا على حجج ريمون. وفي عام 1580 أدخل مونتيني في "الكتاب " الثاني من "مقالاته " فصلاً مائتي صفحة فيه "دفاع عن ريمون سبوند " عمد فيه إلى الرد على الاعتراضات. ولكنه لم يفعل هذا إلا بالتخلي على هدف ريمون، محتجاً بأن العقل أداة محدودة لا يوثق بها، وأنه خير لنا أن نرسي الدين على الأيمان بالكتب المقدسة وبالكنيسة الأم المقدسة؛ وهكذا هدم مونتيني ريمون في واقع الأمر حين يفهم منه ظاهرياً أنه يؤيده. وقد رأى بعضهم، مثل سانت بوف، أن هذا "الدفاع " ليس إلا حجة ساخرة لتأييد عدم الإيمان (63). أياً كان الأمر، فهو أشد ما كتبه مونتيني هدماً، وربما كان أكمل عرض للشكوكية في الأدب الحديث.

ويؤكد لنا مونتيني، قبل لوك بزمن طويل، أن "المعرفة كلها توجه إلينا بواسطة الحواس (64) ". وأن العقل يعتمد على الحواس ولكن الحواس خداعة في تقاريرها محدودة جداً في رقعتها، ومن ثم كان العقل لا يعتمد عليه. "أن باطن الانسان وظاهره مملوءان ضعفاً وكذباً "(65). (وهنا، في بداية عصر العقل، وقيل بيكون وديكارت بجيل، يسأل مونتيني ذلك السؤال الذي لايقفان ليسألاه، والذي سيسأله بسكال بعد ثمانين عاماً، والذي لا يتصدى له الفلاسفة حتى مجيء هيوم وكانط، لم يجب أن نثق بالعقل؟) بل إن الغريزة مرشد أسلم من العقل. فأنظر كيف يحيا الحيوان بالغريزة حياة ناجحة- أحيانا على نحو أحكم من الانسان. هناك فرق بين بشر وبشر أكثر كثيراً من الفرق بين البشر والحيوان (66)". وليس الانسان مركزاً للحياة كما أن الأرض ليست مركزاً للكون. ومن التبجح أن يظن الانسان أن الله يشبهه، أو إن شئون البشر هي مركز اهتمام الله، أو أن العالم وجد ليخدم الإنسان. ومن السخف أن نظن أن في إستطاعة عقل الانسان أن يسير طبيعة الله. "أيها الانسان الأحمق، يا من تعجز عن خلق دودة، ولكنك تريد أن تخلق أرباباً بالعشرات! " (67).

ص: 282

ويصل مونتيني إلى الشكوكية بطريق آخر- وهو التأمل في تنوع وتذبذب الإيمان بالقوانين والأخلاق، وبالعلم والفلسفة والدين، فأي هذه الحقائق هو الحق؟ وهو بفضل الفلك الكوبرنيقي على الفلك البطلمي، ولكن "من يدري، فلعل رأياً ثالثاً يأتي بعد ألف سنة قد يقلب هذين الرأيين " و "أليس أكثر احتمالاً أن الجرم الضخم الذي نسميه الدنيا شيء آخر غير ما نحكم به عليه؟ (68) " و "ليس هناك علم "، إنما هي فروض دعية لعقول مغرورة (69). وخير الفلسفات قاطبة فلسفة برو- وخلاصتها أننا لا نعرف شيئاً. "أن أكبر مقدار فيما نعرفه هو أقل مقدار فيما نجهله (70) ""وما من شيء يؤمن الناس به إيماناً أرسخ من إيمانهم بما يعرفونه أقل معرفة " و "إن الاقتناع باليقينية شاهد واضح على الحمق (71) ". وبعبارة موجزة، ليس هناك وجود ثابت، لا لكياننا ولا للأشياء. ونحن، وحكمنا وكل الأشياء الفانية الأخرى، لا تكف عن الدوران، والتحول، ثم الزوال، فلا شيء يمكن إثباته على التحقيق. وليس بيننا وبين الوجود اتصال (72). إذن فشفاء لكل الجراح يختم مونتيني باعادة تأكيده لإيمانه المسيحي، والإشادة بالإله الذي لا يمكن استكناهه (73).

بعدها طبق شكوكيته على كل شيء، دائماً مع انحناءة احترام للكنيسة. وأصبح شعاره "ماذا أعرف "، محفوراً على خاتمه ومكتوباً على سقف مكتبته. وزينت شعارات أخرى عوارض السقف المماثلة "الحجج المؤيدة والمعارضة كلاهما ممكن "، "يجوز لا يجوز "، "لا أقرر شيئا، لا أفهم الأشياء؛ أعلق حكمي؛ أمتحن (74). "وبعض هذا الموقف آخذه عن شعار سقراط "لا أعرف شيئاً "، وبعضه عن برو، وبعضه عن كورنيليوس أجريبا، وكثير منه عن سيكستوس أمبيريكوس، قال، منذ الآن "سأقيد نفسي بما أرى وأمسك به، ولا أذهب بعيداً عن الشاطئ "(75).

ورأى الآن النسبية في كل مكان، والمطلقات في غير مكان، وأقلها

ص: 283

في مقاييس الجمال، ويجد فيلسوفنا الشهواني متعة بالغة في ملاحظة مختلف الآراء بين مختلف الشعوب عن مقومات الجمال في ثدي المرأة (76). وهو يعتقد أن كثيراً من الحيوان يفوقنا جمالاً، ويرى أننا كنا حكماء حين اكتسينا بالثياب، وهو يدرك إن دين الإنسان وأفكاره الخلقية تقررها بيئته عادة. "إن طعم الخير أو الشر يتوقف إلى حد كبير على رأينا فيها "، وهو ما سيقوله شكسبير، و "إن الناس تعذبهم آراؤهم عن الأشياء لا الأشياء ذاتها "(77)، وقوانين الضمير لا تنبعث من الله بل من العادة. وما الضمير إلا القلق الذي نحسه حين ننتهك عرف قبيلتنا (78).

وكان لمونتيني من الفطنة ما منعه من الرأي بأن الأخلاق يصح إغفالها ما دامت نسبية. فهو على العكس منذ لك آخر من يمس ثباتها واستقرارها. وهو يتكلم بجرأة عن الجنس، ويطالب بكثير من الحرية- للرجال، ولكنك إذا دققت النظر فيه وجدته فجأة سيئاً. فهو يوصي بالعفة للشباب، وحجته أن الطاقة التي تبذل في الجنس مصدرها مستودع القوة المشترك في البدن، وهو يلاحظ أن الرياضيين الذين كانوا يتدربون للألعاب الأولمبية "أمسكوا عن جميع الأفعال الجنسية وامتنعوا عن ملامسة النساء "(79).

وكان بعض من يمد شكوكيته إلى الحضارة ذاتها، وأن يسبق في ذلك روسو وشاتوبريان. أوحى إليه الهنود الذين رآهم في روان بأن يقرأ تقارير الرحالة؛ ومن هذه الروايات كتب مقالة "عن أكلة لحوم البشر " وعنده أن أكل الموتى أقل همجية من تعذيب الأحياء. "لست أجد في هذه الأمة (أمريكا الهندية) شيئاً همجياً ولا وحشياً، إلا إذا سمي الناس ما لم يألفوه همجية "(80). وقد تخيل هؤلاء الوطنيين أصحاء لا يمرضون إلا نادراً، سعداء دائماً تقريباً، عائشين في سلام وطمأنينة دون قوانين (81) وامتدح فن الأراتكة وطرق الأنكا. وأجري على لسان هنود روان تنديداً بثراء أوربا وفقرها. "لقد أدركوا أن بيننا رجالاً اتخموا بكل أنواع السلع في حين يتضور غيرهم جوعاً، وعجبوا كيف تحمل الفقراء هذا

ص: 284

الظلم ولم يأخذوا بتلابيب الآخرين " (82). وقارن بين أخلاق الهنود وأخلاق فاتحي بلادهم، واتهم هؤلاء إن المسيحيين المزعومين

جلبوا عدوى الرذيلة لنفوس بريئة تواقة للعلم، طيبة بطبيعتها (83) ". ونسي مونتيني لطفه لحظة فتفجر في غضبة مضرية للحق:

"ما أكثر المدن العامرة التي نهبت وسويت بالتراب، وما أكثر الأمم التي دمرت أو أقفرت من أهلها. وكم من ملايين لا تحصى من الناس الأبرياء من الجنسين، ومن جميع المراكز، والأعمار، قتلوا ونهبوا وأعمل فيهم السيوف؛ وأغنى بقاع الأرض وأجملها وأفصلها قلبت ظهراً على عقب وخربت وشوهت من أجل تجارة اللؤلؤ والفلفل! إيه أيتها الانتصارات الآلية، ويا أيها الغزو الوضيع! (84) ".

أكان احترامه للدين مخلصاً؟ واضح أن تنقيبه في الكلاسيكيات قد قطعه منذ زمن طويل من تعاليم الكنيسة. لقد احتفظ بإيمان غامض بالله الذي تمثله آنا في الطبيعة، وآنا في روح الكون، ذلك العقل غير المفهوم للعالم. وهو أحياناً يحس إحساس لير في مسرحية شكسبير، "إن الآلهة تلعب بنا الكرة فتقذفنا علواً وسفلاً (85) ". ولكنه يتهكم بالألحاد لأنه "شيء غير طبيعي وبشع (86) "، ويرفض اللاأدرية باعتبارها نوعاً آخر من الجماطية، فأبى لنا أن نعرف أننا لن نعرف أبداً؟ (87). وهو ينحي جانباً كل محاولات بذلت لتعريف النفس أو تفسير علاقتها بالجسد باعتبارها محاولات باطلة كلها غرور (88). وهو راغب في قبول خلود النفس بالإيمان، ولكنه لا يجد دليلاً عليه في التجربة أو العقل (89)؛ ثم أن فكرة الوجود الأبدي تروعه (90). "لولا الإيمان لما صدقت المعجزات (91) "، وهو يسبق حجة هيوم المشهورة؛ "كم أجده أكثر طبيعية واحتمالا أن يكذب رجلان، عن أن تحمل الريح رجلاً في اثنتي عشرة ساعة من الشرق إلى الغرب (92) "(ولعله كان باحثاً عن مثل آخر اليوم). وهو يسبق فولتير إذ يحكى قصة الحاج الذي حكم بأن المسيحية لا بد دين

ص: 285

إلهي لأنها حافظت على نفسها هذا الزمن الطويل برغم فساد مديريها (93) وهو يلاحظ أنه مسيحي بمحض الصدفة الجغرافية، ولولا ذلك "لآثرت أن أكون أحد عباد الشمس (94) ". وهو لا يتكلم على المسيح غير مرة واحدة، على قدر ما يذكر أحد قرانه (95). ولم تستهو تلك القصة الجميلة، قصة أم المسيح، روحه غير العاطفية إلا بمقدار، ومع ذلك نراه يعبر إيطاليا ليضع أربعة تماثيل نذرية أمام مزارها في لوريتو. وكان يفتقر إلى ملامح الروح الدينية- وهي التواضع، والاحساس بالذنب وتبكيت الضمير والتكفير، والشوق إلى الغفران الإلهي والنعمة الفادية. لقد كان رجلاً حر الفكر، فيه حساسية ضد الاستشهاد.

على أنه ظل كاثوليكياً بعد أن كف طويلاً عن أن يكون مسيحياً (96). وكما كان أي مسيحي فطن من المسيحيون الأوائل ينحني لأحد الأوثان انحناءة عابرة، كذلك فإن مونتيني، أكثر المسيحيين وثنية، يتحول بين الحين والحين عن إثرائه اليونان والرومان ليقدم الاحترام لصليب المسيح أو حتى ليلثم قدم أحد البابوات. فهو لم ينتقل كما انتقل باسكال من الشك إلى الإيمان، بل من الشك إلى الطاعة. ولم يكن هذا بدافع الحذر فحسب، فلعله أدرك أن فلسفته التي شلت حركتها تررداته وتناقضاته وتشككه قد تصلح ترفاً لعقول هيئت من قبل للحضارة (بالدين؟)، وان فرنسا، حتى وإن أغرقت عقائدها في الدم، إلا أنها لن ترضى بديلاً عنها متاهة فكرية ليس فيها شيء يقيني غير الموت. ورأى أن الفلسفة الحكيمة تصالح الدين:

"إن اصحاب العقول البسيطة، الأقل فضولاً، والأقل حظاً من التعليم، يجعلون مسيحيين طيبين، وهم بالتبجيل والطاعة يحتفظون بإيمانهم البسيط ويلتزمون بالقوانين. والعقول متوسطة القوة والكفاية هي التي يتولد فيها خطأ الآراء

أما خير العقول وأكثرها استقراراً وأصفاها نظراً فتخلق نوعاً آخر من خيار المؤمنين، الذين ينفذون بالبحث الطويل والتمحيص الديني إلى معنى أعمق وأعوص في الأسفار المقدسة ويكتشفون

ص: 286

الأسرار الخفية الإلهية للنظام الكنسي

أن الفلاحين البسطاء قوم أمناء، وكذلك الفلاسفة (97).

وهكذا، بعد كل لذعاته للمسيحية، ولأن جميع الأديان على السواء إنما هي أستار تغطي جهلنا المرتعد، ينصحنا بأن نقبل دين زماننا ومكاننا. أما هو، ففي وفائه لجغرافيته، عاد إلى شعائر أبائه، فأحب الدين الطقسي العطر الحسي، لذلك فضل الكاثوليكية على البروتستنتية. ونفره من الكلفنية إصرارها على الجبرية (98)، وإذا كان إرزمي الأرومة فقد مال إلى كرادلة روما العالميين اللطفاء دون لويولا جنيف (كالفن) أو أسد فنبرج (لوثر). وأشد ما أسف له أن العقائد الجديدة كانت تقلد القديمة في تعصبها. ومع أنه سخر من المهرطقين لأنهم حمقى يثيرون ضجة حول ميثولوجيات متنافسة، إلا أنه لم يرى معنى لحرق هؤلاء الخوارج. "على أي حال إنه تقدير عال لآرائنا أن نشوي الناس أحياء بسببها (99) " أو أن نسمح للناس بأن يشوونا.

كذلك نراه في ميدان السياسة يختتم مسيرته محافظاً مطمئناً إذ لا جدوى من تغيير أشكال الحكومة؛ فستكون الحكومة الجديدة سيئة كالقديمة لأنها ستدار بأيدي البشر. فالمجتمع "إطار شاسع جداً "، وجهاز شديد التعقيد من الغريزة والعرف والأسطورة والقانون، يتشكل في بطئ بحكمة الزمن الحاصلة من التجربة والخطأ، بحيث يستحيل على أي عقل مفرد مهما أوتي من قوة وذكاء أن يفصصه ثم يعيد تركيبه دون فوضى وعذاب لا حصر لهما (100). وخير للناس أن يخضعوا لحكامهم الحاليين مع ما فيهم من سوء، إلا إذا حاولوا أن يغلوا الفكر ذاته، عندها قد يستجمع مونتيني شجاعته وينصح بالثورة، لأن "عقلي لم يشكل لينحني أو يذل، أما ركبتاي فنعم (101) "، والعاقل من ابتعد عن المنصب وإن احترمه، "أن أعظم وظيفة هي إنقاذ الدولة ونفع الكثيرين "، "أما أنا فمنصرف عنها (102) "، ومع ذلك فقد خدم الدولة في فترتي منصبه.

ص: 287

وقد أحزنه أنه عاش نصف حياته خلال تدمير فرنسا (103)، "في جيل شديد الفساد وزمان مغرق في الجهل ""اقرأ كل القصص القديمة، ما لم تكن من الفواجع، فلن تجد ما يعدل تلك التي نراها تمارس كل يوم (104) ". إنه لم يتخذ موقف الحياد في الصراع الدائر حول فرنسا، ولكن "ميلي لم ينسى لا صفات خصومنا المحمودة، ولا الصفات المعيبة التي وصمت من أؤيدهم (105) ". وهو يأبى أن يحمل بندقية، ولكن يجرد قلمه لمناصرة جماعة "السياسيين "، هؤلاء الكاثوليك المؤثرين للسلام والذين نادوا بقدر من التوفيق مع الهيجونوت. وقد امتدح ميشيل دلوبيتال لاعتداله الإنساني البعيد النظر، واغتبط حين تقدم صديقه هنري نافار إلى النصر على مبادئ لوبيتال. لقد كان مونتيني أعظم الفرنسيين تحضراً في ذلك العصر الهمجي.

هـ- الحجر الدوار

لقد ضايقه حصى المثانة أكثر من حروب فرنسا. ففي يونيو 1580، عقب نشر أول طبعة من "مقالاته "، خرج في رحلة طويلة في أوربا الغربية، من جهة ليرى الدنيا، ومن جهة ليزور ينابيع المياه الطيبة أملاً في تلطيف "المغص "(كما سماه) الذي كان يعطله بالألم المرة بعد المرة. وترك زوجته لتعنى بشؤون الضيعة، ولكنه اصطحب معه أخاً أصغر، وزوج أخت يسمى البارون استيساك وسكرتيراً أملاه شطراً من يوميته في الرحلة، فإذا أضفنا بطانة من الخدم وسائقي البغال، لم نعد نعجب لفقر هذه المذكرات الفكري. لقد قصد بها الذكرى أكثر مما قصد بها النشر، فأخفاها مونتيني في صندوق بعد رجوعه، حيث اكتشفت بعد أن انقضى على موته 178 عاما.

وقصدت الجماعة أولاً باريس، حيث قدم المؤلف الفخور نسخة من مقالاته لهنري الثالث، ثم انطلقت على مراحل مريحة إلى بلومبيير حيث أخذ مونتيني نفسه يشرب نصف جالون من المياه الطيبة كل يوم طوال

ص: 288

تسعة أيام، وأفلح في التخلص من بعض الحصى الصغير بألم شديد (106). ثم اتخذ سمته إلى سويسرة بطريق اللورين. جاء في يوميته التي تحكي ذكرياته عن شخص غائب "لقد وجد لذة لا تعد لها لذة في مشاهدة حرية هذه الأمة وحكومتها الصالحة (107) ". ثم استشفى بمياه بادن- بادن وواصل رحلته في ألمانيا. وحضر الخدمات الدينية عند الكلفنيين واللوثريين كما حضرها عند الكاثوليك، وناقش اللاهوت مع رجال الدين البروتستنت. وهو يروي حديث قسيس لوثري أقسم أنه يؤثر أن يستمع إلى ألف قداس عن أن يشارك في تناول القربان على مذهب كالفن (108) - لأن الكلفنيين أنكروا الوجود الجسدي للمسيح في سر القربان. وفي التيرول شعر بجلال الألب قبل روسو بزمن طويل. ومن إنزبورك صعدت الجماعة إلى ممر بريتر، وتخلص مونتيني في الطريق من "حصاة متوسطة الحجم "، ثم من ترنت إلى فيرونا وفنشنزا وبادوا والبندقية، حيث أضاف إلى القناة العظمى "حصاتين كبيرتين ". ورأى أن المدينة ليست بالروعة التي توقعها ولا مومساتها بالجمال الذي انتظره. ومضى إلى فيرارا، حيث زار تاسو المختلط العقل (كما ذكرت المقالات لا اليومية)، ثم إلى بولونيا وفلورنسة حيث تلقى نهر ارنو "حصاتين وكمية من الرمل (109) "، ومن سبينا إلى روما حيث "أنزل حصاة كبيرة كبزرة الصنوبر (110 (" ولعل هذه الإضافات المفرزة التي سجل أخبارها كانت في مجموعها تبني هرماً لا بأس بحجمه.

وفي روما زار مجمعاً يهودياً، وشهد ختاناً، وناقش مع معلمي الناموس شعائر دينهم. وتبادل الفلسفات مع محظيات روما. ولم يكن (كما خيل لستندال) عديم الإحساس بالفن في روما (111). فقد راح يطوف اليوم تلو اليوم بين الآثار القديمة وعجبه لا ينتهي من بهائها. ولكن الحدث الكبير كان زيارته لجريجوري الثالث عشر. وكأي ابن للكنيسة ركع مونتيني ليلثم حذاء البابا، فتعطف البابا برفع حذائه تيسيراً للمهمة (112). ووجد موظفو الجمرك خلال ذلك نسخة من "المقالات"

ص: 289

سلموها لمحكمة التفتيش، ودعي مونتيني إلى الهيئة المقدسة ونبه في رفق إلى أن فقرات في مقالاته تشم منها رائحة الهرطقة، أفلا يرى تغييرها أو حذفها في الطبعات المقبلة؟ فوعد "خيل إليّ أنني تركتهم راضين فيها كل الرضا، وهذا حق، بل لقد دعوه للحضور إلى روما والعيش فيها (ولكنه لم يبال بالوفاء بوعده، وفي عام 1676 أدرج كتابه في قائمة الكتب المحظورة من الكنيسة). ثم سافر عبر إيطاليا قاصداً مزار العذراء في لوريتو وأهداها لوحة نذرية، ربما ليطمئنهم ويطمئن نفسه. ثم عاد إلى عبور الابنين للاستشفاء بمياه لوكا.

وهناك (في 7 سبتمبر 1581) تلقى رسالة تقول أنه اختير عمدة على بوردو. فطلب إعفاءه، ولكن هنري الثالث أمره أن يقبل، ولم يستطع أن يتجاهل تقليد خدمة الدولة الذي خلفه له أبوه. على أنه لم يتعجل العودة إلى فرنسا، فلم ير قصره الريفي إلا في 30 نوفمبر، بعد سبعة عشرة شهراً من بدء جولته. وكانت واجبات العمدة خفيفة، ومكافأته التشريف دون الأجر. وقد أدى واجبات وظيفته على وجه مرضي، لأن انتخابه أعيد (أغسطس 1583) عامين آخرين. وفي ديسمبر 1584 زاره هنري نافار ومعه خليلة وأربعون تابعاً، ونام ملك فرنسا المقبل في فراش الفيلسوف. وقرب ختام فترة عمديته الثانية تفشى الطاعون في بوردو، فغادر مونتيني المدينة إلى الريف كما غادرها كل موظفي الدولة تقريباً. وفي 30 يوليو 1585 حول شارات منصبه لخلفه واعتزل في بيته.

لم يكن قد جاوز الثانية والخمسين، ولكن الحصى كان يعجزه في فترات دورية، وأحياناً يحصر بوله أياماً (113). وفي أوائل عام 1588 بقي فيه من القوة ما يكفي للقيام برحلة ثالثة إلى باريس. وهناك قبض عليه بأمر من الحلف الذي كان آنئذ يسيطر على العاصمة لاتهامه بالولاء لهنري الثالث، وأودع الباستيل (10 يوليو 1588)، ثم أفرج عنه في الليلة ذاتها بشفاعة كاترين دي مديتشي. وفي اكتوبر حضر اجتماع مجلس الطبقات

ص: 290

في بلوا ولكنه عاد إلى بوردو في الوقت المناسب للنجاة من التورط في تقلبات هنري الثالث عقب اغتيال الدوق جيز.

وفي آخر مقالاته وأروعها "في الغجرية " أورد وصفاً لانحلال جسده. فأسنانه مثلاً وصلت فيما يبدو إلى "النهاية الطبيعية لبقائها (114) ". وهو يحتمل "انطلاقه " دون مرارة، فلقد عاش حياته كما رسمها، واستطاع أن يكتب في فخر: "راجع العالم القديم كله، مجد ومشقة في اختيار اثني عشر رجلاً وجهوا حياتهم في مجرى واحد

مستقر، أكيد، وهو أجمل توجيهات الملكة (115) ". فلما أنبيء بقرب منيته، جمع أهل بيته وورثته من حوله، وأعطاهم بشخصه المبالغ أو الأشياء التي أوصى لهم بها في وصيته. ثم تناول أسرار الكنيسة في تقوى رجل لم يكتب قط كلمة شك أو ارتياب. ومات في 13 سبتمبر 1592 بالغاً من العمر تسعة وخمسين عاماً.

وانتشر تأثيره طوال قرون ثلاثة وعمّ قارات أربعاً. وقد قبل ريشليو في ابتهاج إهداء الآنسة جورنيه إياه طبعة "المقالات " الأخيرة. وفي تاريخ مبكر (1603)، نسقها صديقه وتلميذه شارون في فلسفة شكلية منتظمة وجعلها فلوريو من عيون الأدب الانجليزي (1603)، ولكنه غشى بساطة المؤلف وإيجازه بالاطناب المفرط في التفقه. ولعل شكسبير رأى تلك الترجمة فأعانته على تشكيل شكوكية مآسيه الكبرى وصوغ عباراتها، وقد شعر بيكون بذلك التأثير، ولعل ديكارت وجد في "المقالات " الحافز لشكه العام الأول. أما بسكال فقد أشرف على الجنون وهو يحاول انقاذ ايمانه من تشكيكات مونتيني. ومن مونتيني انبثق بيل. وفوفنارج، وروسو، وديدرو، وفولتير- أما روسو فمن اعترافات مونتيني ومقالاته "في التعليم " و "في أكلة لحوم البشر "، وأما فولتير فمن باقي أعماله كلها.

لقد كان مونتيني جدّ حركة التنوير كما كان بيل أباها. وقالت مدام

ص: 291

دو ديفان، أقل نساء جيلها اللامع أوهاماً. أن يودّها أن "تلقي في النار جميع مؤلفات الفلاسفة الضخمة إلا مونتيني، الذي هو أبوهم كلهم (117) ". وبفضل مونتيني دخل تحليل العقل والخلق النفسي إلى الأدب الفرنسي، من كورني وموليير، ولارشفوكو ولابرويير، إلى أناطول فرانس. أما ثورو فقد نهل الكثير من هذا المورد، كذلك استحم فيه إمرسون قبل أن يكتب "مقالاته ". ويمكن أن نقول في مونتيني مالا يصدق إلا على قلة من المؤلفين قبل القرن الثامن عشر، وهو أنه مقروء اليوم كأنه كتب بالأمس.

وتبين العالم عيوبه واغتفرها له منذ زمن طويل. وقد اعترف بالكثير جداً منها حتى لقد استنفد أسلحة نقاده. كان عليماً بأنه ثرثار مغرور. وقد يصيبنا الإعياء حيناً بعد حين من شواهده الكلاسيكية، وتقع لحظة في ذلك الحكم الظالم الذي أصدره مالبرانش على "المقالات " إذ زعم أنها "ليست إلا نسيجاً من النوادر التاريخية، والقصص الصغيرة، والكلمات الطريفة، والأشعار، والأقوال المأثورة .... التي لا تدل على شيء (118). وما من شك في أن مونتيني يخلط بضاعته في فوضى وكل خلطا يقلل من تأثيرها ومغزاها. وهو يناقض نفسه في مائة موضوع، فهو لابد إذن مصيب، لأنه يقول كل شيء ونقيضه. وفي الشكوكية الشاملة شيء يبتلي المرء بالشلل. فهي تحفظنا من قتل الناس باللاهوت، ولكنها تثبطنا بما تسبقنا إليه من حجة وتستنزف جلدنا. ونحن نتأثر بمحاولة بسكال البائسة أن ينقذ إيمانه من مونتيني، تأثراً أعمق من تأثرنا برغبة مونتيني في ألا يكون له إيمان على الإطلاق.

بيد أننا لا نستطيع أن نضع قلوبنا في نقد كهذا، فهو لا يقطع إلا مؤقتاً تلك البهجة التي نجدها في الثقافة الضاحكة، والفكر المرح المنبعث من هذا الثرثار الذي لا يمكن إسكاته وفي تفكيره السريع. فأين نجد مرة أخرى مثل هذا الموكب المفعم بالحياة، مركب الحكمة والفكاهة؟ إن بين هاتين

ص: 292

الصفتين شبهاً دقيقاً، فكلتاهما منبثقة من رؤية الأشياء في أوضاعها الصحيحة، وهما في مونتيني تصنعان رجلاً واحداً. أما ثرثرته فتعوضها طرافته ووضوحه؛ وليس هنا عبارات ناصلة اللون، ولا سخف طنان رنان. ثم إننا ملكنا اللغة التي يستعملها أصحابها لاخفاء الفكر أو إخفاء انعدامه، بحيث نستطيع أن نغتفر الأنانية في هذه الكشوف عن النفس. ويدهشنا من هذا المحدث اللطيف معرفته الحميمة بقلوبنا، ويسري عنا أن نجد حكيما مثله يشاطرنا أخطاءنا، ثم يغتفرها لنا في غير تردد. ومن بواعث العزاء أن نرى أنه هو أيضاً يتردد ولا يعلم علم اليقين، ويبهجنا أن يقال لنا أن جهلنا - إذا أدركناه- يصبح فلسفة. ثم ياله من تفريج أن نصادف، بعد مذبحة القديس برتلميو، رجلاً لم تبلغ به الثقة بالعقيدة حداً يكفي لحمله على القتل!

وأخيراً، وبرغم هجومه على العقل، ندرك أن مونتيني يبدأ في فرنسا عصر العقل كما بدأه بيكون في إنجلترا. إن مونتيني، ناقد العقل، لم يكن شيئاً إن لم يكن هو العقل ذاته. وبرغم كل إنحناءاته للكنيسة، فإن هذا اللاعقلاني كان عقلانياً. ولم يرتض الطاعة إلا بعد أن بذر بذور العقل في فكر فرنسا. وإذا كان قد حاول كبيكون أن يفعل هذا دون أن يقلق إيمان الفقراء المعزى، فيجب ألا تأخذ حيطته أو ترفقه حجة عليه. إنه لم يخلق ليحرق. فلقد علم أنه هو أيضاً قد يكون مخطئاً، ولقد كان رسول الاعتدال كما كان رسول العقل، وكان فيه من النبل الكثير ما منعه من أن يشعل النار في بيت جاره قبل أن يوفر له ملجأ آخر. لقد كان أعمق من فولتير، لأنه تعاطف مع ما هدم.

وفي تقدير جيبون أنه "في أيام التعصب تلك لم يكن سوى رجلين متحررين (يدينان بأفكار حرة سمحة) في فرنسا: هنري الرابع ومونتيني (119) ". أما سانت- بوف، فبعد أن نظر إلى مونتيني نظرة غير

ص: 293

متعاطفة خلال عيني بسكال (120)، ختم حديثه بأن حكم، في نوبة نادرة من الحماسة، بأنه أحسن من عاش من الفرنسيين قاطبة (121).

‌4 - خالدون يوماً واحداً

بعد مونتيني اعتمد الأدب الفرنسي على مجذافيه جيلاً بأكمله. لقد أفلح تقريباً في النجاة من الحروب الدينية، فأخفى نفسه في نفسه حتى جاوزته الحروب. ولكن في غير مونتيني ابتلى الأدب في فرنسا بالحمى الحربية اللاهوتية، وبين مونتيني وكورني تخلفت فرنسا عن إنجلترا وإسبانيا في الأدب، تماماً كما تخلفت إنجلترا عن فرنسا بعد الحرب الأهلية. وعبرت سماء الأدب سلسلة من الشهب الغازية التي لم تخلف وراءها نجوماً ثابتة. وقد حاول ريشليو أن يغذو النبوغ بالرواتب، ولكنه عطله بالرقابة وأغراه بمديحه. فلما مات ألغى لويس الثالث عشر هذه الرواتب بجرة قلم، «لن يزعجنا هذا الأمر بعد اليوم» ، وكان أكثر حفزاً للأدب تلك السهرات الأدبية في الأوتيل درامبوييه، وإنشاء ريشليو للأكاديمية الفرنسية.

بدأت الأكاديمية باجتماعات للأدباء المؤلفين في بيت خاص- هو بيت فالنتان كونرارا، وكان سكرتيراً للملك 01627)، وعرض ريشليو، وهو اليقظ للأدب يقظته للحرب، الغيور من أكاديميات إيطاليا وأدب اسبانيا، أن يؤسس الجماعة بوصفها هيئة عامة تعترف بها الدولة وعرض بعض الأعضاء الخطة باعتبارها رشوة للسنية، ولكن الشاعر شابلان (الذي كان يتمتع بمعاش من الكردينال) ذكرهم بأن «عليهم أن يتعاملوا مع رجل يمضي فيما يريد دون تردد (122)» . وانتصرت حيطة شابلان، وقررت الجماعة بالاجماع أن «تستجيب لمسرة نيافته» ، وانشئت (1635) باسم «الأكاديمية الفرنسية» وقد أعلنت قوانينها ما يأتي:

«يبدو أنه لم يبقى لاكتمال سعادة المملكة إلا أن تحذف هذه اللغة التي تتكلمها من قائمة اللغات الهمجية

حتى يتسنى لها، وهي اليوم أكمل

ص: 294

من أي لغة حية، أن تخلف أخيراً اللاتينية كما خلفت اللاتينية اليونانية لو أتيح لها من العناية أكثر مما تلقى إلى اليوم؛ وإن وظيفة أعضاء الأكاديمية ينبغي أن تكون تنقية اللغة من الشوائب التي شابتها سواء في أفواه الناس أو في حشود المحاكم

أو بفعل عادات رجال الحاشية الجهلة» (123).

وعهد إلى أحد الأعضاء الثلاثين الأول، ويدعى كلود فوجلا، بتصنيف قاموس، وكان لابد أن ينقضي ستة وخمسون عاماً قبل أن ينشر لأول مرة (1694). ورفعت الأكاديمية أثناء ذلك مكانة الأدباء بشكل ملحوظ، فأصبح انتماء إنسان إلى «الخالدين» الأربعين (عددهم عام 1637) شرفاً يضارع شرف المناصب الحكومية العليا؛ ولم تكرم أمة الأدب كما كرمته فرنسا. صحيح أن الأكاديمية، واكثر أعضائها شيوخ، كثيراً ما كانت كابحاً محافظاً يعطل التطورات الأدبية أو النمو الدنيوي. وكانت بين الحين والحين توصد أبوابها في وجه العبقرية (موليير وروسو)؛ ولكنها رفعت رأسها فوق الأحزاب، وعلمت أعضائها أن يتسامحوا بأدب مع مختلف الأفكار؛ وقد كافأتها فرنسا باستقرار ثبت لصدمات التغير في الوقت الذي تهاوي فيه الكثير.

بعد أن جمع ريشليو الشعراء والأدباء وسيج من حولهم، نظر بعينه اليقظة إلى الصحفيين. ففي مايو 1631 بدأ تيوفراست رينودو، بمعونة من الكردينال، نشر أول صحيفة فرنسية سميت فيما بعد «غازيتة فرنسا» . وكانت تظهر أسبوعياً في هيئة فرخ يطوي ثماني صفحات، وتنشر من الأنباء الرسمية ما يسمح به ريشليو أو يمدها به، وأضافت بعض صفحات من «الأخبار العادية» . وكان لويس الثالث عشر من كتابها المألوفين. ورد فيها على ناقدي الحكومة ودافع عن نفيه أمه، وكان أحياناً يأخذ الفقرات التي يكتبها بشخصه ليشرف على صف حروفها، ولا عجب فالمرء -حتى إذا كان ملكاً-يستهويه أن يجد كلامه مطبوعاً. وكانت الصحافة الفرنسية منذ بدايتها أداة دعاية- وفي هذه الحالة وسيلة لشرح سياسات

ص: 295

الدولة للقلة القارئة. وسرعان ما فقد الناس ثقتهم في الغازيتة وفضلوا أن يشتروا الورقات البذيئة التي يبيعها في الطرق أجراء أعداء الكردينال.

أما أروج نتاج العصر الأدبي فقصة رومانسية. كانت روايات الفروسية آخذة في الزوال، لا لمجرد تهكم سرفانتس وغيره من الكتاب عليها، بل لأن الاقطاع الذي خضع الآن للملكية، كان يفقد المزيد من امتيازاته ومكانته. وحل محل قصص الفروسية أيام ازدهارها روايات رومانسية أليمة عن الرغبة المعوقة. وهكذا قرأ كل من ألم بالقراءة وملك الفراغ في عهد لويس الثالث عشر رواية «آستريه» (1610 - 19) التي ألفها أونوريه دورفيه. أما عبقرية المؤلف فانبعثت من جرح أصاب حبه. ذلك ان زوجته، التي سميت ديانا بحق، آثرت عشرة الصيد على عشرة الزواج، فكانت تؤكل كلابها على مائدتها وتشاركها فراشها. وكانت تجهض كل سنة (124). وأعتكف أونوريه في ضيعته وأخفى سيرته الحزينة وراء رواية رومانسية رعوية. وقد وجد دواء الكلام هذا ناجعاً، فزاد روايته إلى 5. 500 صفحة في خمسة مجلدات صدرت على فترات من 1610 إلى 1627. وفي قصة غرام الراعي كيلادون بالراعية آستريه نسمع صدى لا نهاية له لقصة مونتماريو «ديانا العاشقة» وقصتي سانازارو وسدني «أركاديا» ، ولكن الصدى كان هنا شجياً، وكان للرعاة والراعيات كل جمال البلاط الفرنسي وزينته، وحققت اللغة كل مطالب ندوة الأوتيل درامبوبيه، ونافست تجارب العشق المتنوعة تجارب هنري الرابع، وأبهجت عبادة المرأة ربات الصالون اللائي جعلن الكتاب دستور سلوك الحب الأفلاطوني. هنا ذلك الينبوع الفوار الذي جرت منه الرومانسيات العاطفية التي كتبتها الآنسة سكودري، والأبيه بريفوست (انطوان بريفوست دجسيل)، وصموئيل رتشاردسون، وجان جاك روسو-الذي صرح بأنه كان يقرأ الكتاب مرة كل عام طوال أكثر حياته. وظل سادة القصور الفرنسية

ص: 296

والألمانية والبولندية وسيداتها، قرابة قرن من الزمان، يتخذون أسماء «لاستريه» ويلعبون أدوارها، وكرس نصف النثر المكتوب في فرنسا نفسه للرومانس.

أما النصف الآخر فاشتمل على بعض النثر الجدير بالذكر. فكانت «رسائل» جان لوي جي دبالزاك (1614 وما بعدها) في حقيقتها مقالات، قصد بها أن تعجب «المتحذلقات» ، وشاركت فوجيلا وماليرب في تنقية اللغة، وساعدت على إعطاء النثر الفرنسي شكل العصر الكلاسيكي ومنطقه

أما بيير دبوردبي دبرانتوم، الذي عاش حياة مرحة في الجيش والبلاط، فقد ترك عند موته (1614) حزمة من المذكرات تفصل في ذوق غراميات النساء الفرنسيات، وفضائل كاترين مديتشي، وجمال ماري ستيورات، وظرف مارجريت فالوا، ومن المؤسف أن أروع قصصه لا يمكن التحقق من صحة نسبتها إليه. وكان يرى «أنه لا يحسن بالمرء أن يشيخ وهو في ذات الجحر، وما من إنسان شجاع فعل هذا قط، وعلى المرء أن يغامر بجرأة في جميع النواحي، في الحب كما في الحرب» . وفي لحظة أكثر حكمة اعترف بأن «أعظم ما ينعم الله به علينا في زواجنا هو الذرية الصالحة لا التسري»

وأما جاك أوجست دتو، القاضي ومستشار الدولة أيام صديقه هنري الرابع فقد ساعد في صياغة مرسوم نانت والمفاوضة على إصداره، وكرس نصف حياته لكتابة «تاريخ عصره» (1604 - 8)، وهو كتاب يتميز بعمق الدرس، وبالحياد والشجاعة في دمغ مذبحة القديس برتلميو لأنها «تفجر للجنون لا نظير له في تاريخ أي أمة»

وألف الدوق صلى، في شيخوخته وبمساعدة سكرتيره، كتابه المشهور «مذكرات عن الاقتصاديات الداخلية والسياسية والحربية، الحكيمة، الملكية، لهنري الأكبر، الذي أهداه «إلى فرنسا» ، وإلى جميع الجنود الطيبين، وإلى جميع الشعب الفرنسي». وفي آخر سني لويس الثالث عشر بدأت جماعة من اليسوعيين الفلمنكيين يتزعمهم جان دبولان نشر كتاب «اكتا سانكتورم»

ص: 297

(أعمال القديسين) الذي أورد في نقد حذر سير القديسين حسب الترتيب الذي تخلهم به الكنيسة الكاثوليكية. وتابعت الجماعة هذا الجهد في حماسة على الرغم مما اعترى جمعية اليسوعيين من غير، حتى بلغت مجلدات الكتاب خمسة وستين عام 1910. وأحتج عليه بعض مروجي الأساطير، ولكن الكتاب مفخرة لعلم أعظم الطوائف الدينية تفقها. وأخيراً يجب أن ندرج في هذه القائمة للمرة الثانية ذلك الرجل المدهش كلي الوجود، ريشيلو، الذي غمس قلمه في كل ينبوع أدبي وترك لنا «مذكراته» - وفيها شيء من التحيز للكردينال، ولكن مكانها رفيع في ذلك الرتل الرائع من المذكرات الفرنسية التي لا ضريب لها في أي لغة اخرى.

ولم يكثر صغار الشعراء مثل هذه الكثرة من قبل. فما زال الفرنسيون الأوفياء يقرءون، ولو في المدارس، تيوفيل دفيو، وفنسان فواتور، وأونورا دبويل، مركيز راكان. وقد جعلت غراميات تيوفيل الإباحية وشكوكه الفاضحة منه «فيون» عصره، وقد حكم عليه بالحرق ثم خفف الحكم إلى النفي. أما ذكاء فواتور المرح فقد جعله أكبر ظرفاء الأوتيل درامبوييه (وقد أوشكنا أن نقول أكبر ساخريه). وحين وعظ بوسويه وهو بعد في الثانية عشرة من عمره ذلك الصالون في منتصف الليل، قال فواتور أنه لم يسمع في حياته عظة تلقى مبكرة متأخرة كهذه.

وشرف هذه العهود الملكية شاعران كبيران. أما فرانسوا ماليرب فقد شرح المبدأ القائل بأن واجب كل عصر أن يرفض الماضي ويعكسه لكي يستمتع بنفسه. وكان رونزار العظيم لا يزال يغني في شباب ماليرب، وكان هو وجماعة البليارد قد هذبوا الشعر الفرنسي بتوجيهه صوب المثل والموضوعات الكلاسيكية، ولكن خلفاءهما كانوا الآن يهدهدون فرنسا وخليلاتهم بسونيتات حافلة بالألفاظ الأثرية، والعبارات الخيالية، والشحطات الإيطالية، والتقديمات والتأخيرات السقيمة، والتلميحات الغامضة، والأساطير العويصة. واستقر رأي ماليرب على أن الشعر الفرنسي قد أتخم بهذا كله.

ص: 298

وقد درس هذا الشاعر، الذي ولد في كان (1555)، في بازل وهايدلبرج، وأنفق سنوات في الأسفار، وكان قد بلغ الخمسين حين وصل إلى البلاط الفرنسي. وقد شق طريقه اليه برغم وقاحاته وكفرياته، وأصبح الشاعر الأثير لدى هنري الاكبر، ولكن هذا على أي حال اعطاه «من التحيات أكثر مما أعطاه من المال (125)» . وعاش يبيع شعره لمن يدفع أغلى الاثمان، وروج لبضاعته بالإطاحة بمن سبقوه. فقد أعلن الحرب - كما أعلنتها متحذلقات صالون رامبوييه - على الألفاظ التي تشتم منها الحلافة الريفية أو عمليات البدن الأقل شاعرية، فحرم التقديمات والتأخيرات، والألفاظ الغامضة، والتعبيرات العامية، والكلمات الريفية والغسقونية (شق على هذا الملك) والحشو، وتنافر النغمات، واللحن، والدخيل واللاتيني والفني من الالفاظ، والجواز الشعري، والقوافي الناقصة. وقال إنه يجب أن يكون منذ الآن جلال في الافكار، وبساطة ووضوح في التعبير، وتوافق في الايقاع، واتساق في الاستعارات، وترتيب في العرض، ومنطق في العبارة، والكتابة الجيدة يجب تنشر عبيرها وأن ترتاح لها الأذن، والتقاء الحرفين الصوتيين جريمة سمعية، ومرض تنفسي. وكان ماليرب يجرب أشعاره على آذان خادمه (126).

فلنستنشق عبير إحدى قصائده - وهي «تعزية» ، وجهها لصديق فجع بموت ابنته:

«ولكنها كانت ربيبة هذه الدنيا، حيث تنتهي أجمل الاشياء أتعس نهاية. وردة عاشت كما تعيش الورود، إشراقة صبح

إن للموت أحكاماً لا شبيه لها، وعبثاً نتوسل إليه، فهذا القاسي يصم أذنيه ويتركنا نصرخ. يخضع لناموسنا الفقير في كوخه الحقير، ولا يقف الحارس الساهر على أبواب اللوفر سداً بينه وبين ملوكنا (127)».

على أن تطبيق ماليرب كان أقل فاعلية من مبادئه؛ وعانت أشعاره برودة الصقيع من قواعده ولم يرجى دبالزاك في شعر ماليرب إلا نثرا

ص: 299

جيداً، وكان يحاول في ذلك الوقت إصلاح النثر. ولكن الأوتيل دارمبوييه احتضنه، واعتنقت الأكاديمية مبادئه. وورثها بوالو أساساً للأسلوب الكلاسيكي، وقد أصبحت مدى قرنين قميصاً مقدساً صارماً من شعر وزرد يلبسه شعراء فرنسا الغنائيون. وانتفخ ماليرب في شيخوخته حتى أصبح إماماً حقيقياً للشعر، وحجة يستفتى في مسائل اللغة والاسلوب؛ وحياه بعض المعجبين بوصفه «أبلغ إنسان في جميع العصور» . وقد وافق على أن «ما يكتبه ماليرب سيخلد إلى الابد (128)» . وحين كان على فراش الموت (1628) أيقظ نفسه من غيبوبته الاخيرة ليوبخ ممرضته على استعمالها فرنسية غير سليمة (129).

أما ماتوران رينييه فقد رأى فيه شاعراً مملاً، وتجاهل قواعده، وأطلق الشعر كما أطلقه فيون بخارا مندفعاً من حر المواخير. هذا الرجل الذي نذر للقسوسية ضيع نفسه في فينوسبرج حتى شاخ، وشاب قرناه وهو بعد في شرخ شبابه. ففي الحادية والثلاثين عجزه النقرس والزهري. وكان لا يزال يجد «كل امرأة تروقني» ، ولكنهن كن أكثر منه تأنقاً في الاختيار. وقد كتب بعضاً من أقوى الشعر في اللغة، فيه حديث مستهتر عن الجنس، وهجو وحشي، ومباراة مع هوراس في الشكل ومع دوفينال في المرارة، وحركة تزخر بالأشخاص أو الأماكن بما يحس أو يرى. وقد هزأ بصفائية «المتحذلقات» اللغوية وصرامة ماليرب الكلاسيكية، وبدا له أن الحرارة المشبوبة من شعلة باطنة أهم للشعر من التمسك بأصول النحو والبلاغة والعروض. هنا في فجر العصر الكلاسيكي نشطت الرومانسية. حتى العلم والفلسفة نالا منه ما يستحقان من قصاص وتوبيخ على تبجحاتهما:

«أيها الفلاسفة الحالمون، تكلموا في استعلاء، وحلقوا في النجوم وأنتم لا تتحركون من الارض، واجعلوا السماوات كلها ترقص على لحنكم، وزنوا أحاديثكم في ميزانها

واحملوا مصباحاً في زوايا الطبيعة

واعرفوا من يعطي الزهور هذا اللون البديع

وحلوا ألغاز الأرض

ص: 300

والسماء، إن عقلكم يخدعكم كما تخدعكم عيونكم (130)».

وفي عام 1609 أصبح شاعر البلاط لهنري الرابع. وبعد أربع سنوات مات وقد أضناه فسقه المشجي، بعد أن كتب قبريته. «لقد عشت دون ما تفكير، تاركاً نفسي أسير في رفق ووفق قانون الطبيعة الطيب، ولا أدري لم يفكر الموت فيّ، وأنا الذي لم أتنازل إلى التفكير فيه (131)» .

‌5 - بيير كورنبي

1606 -

1684

كان بيير كورنبي نجم الادب في سماء ريشيلو، ففي صحبته أصبحت التمثيلية الفرنسية أدباً، وأصبح الأدب الفرنسي قرناً من الزمان تمثيلية في أكثره.

وقد مهدت له الطريق تجارب كثيرة. ففي عام 1552 أخرج إتيين جوديل أول مأساة فرنسية. وتلتها تمثيليات مشابهة تقلد سنيكا، وتقوم كلها على طريقته في قصص العنف، والدراسات النفسية، وتدفقات البلاغة، وقد جردت من الجورس الكلاسيكي ولكنها حشرت في وحدات أرسطو المزعومة، وحدة الحركة المعروضة على أنها تحدث في مكان واحد وزمان يوم واحد. ولكن ارسطو (كما رأينا في غضون نقاشنا للتمثيلية الأليزابيثية) كان قد اشترط وحدة الحركة أو الحبكة، ولم يطلب وحدة المكان، ولم يصر على وحدة الزمان. غير إن كتاب العالم جوليوس سيزار سكاليجر Poetices librispetem« الكتب الشعرية السبعة» (1561) طالب جميع الكتاب المسرحيين باتباع القوالب اليونانية واللاتينية، وكرر جان شابلان هذا الطلب عام 1630. هذه الحجج التي تهاوت في إنجلترا أما عبقرية رجل علمه باللاتينية قليل وباليونانية أقل، انتصرت انتصاراً كاملاً في فرنسا وريثة اللغة والثقافة اللاتينيتين، وبعد عام 1640 سيطر القالب السنيكي ذو الوحدات الثلاث على مسرح المأساة الفرنسية خلال كورنبي وراسين، وخلال فولتير والقرن الثامن عشر، وخلال الثورة،

ص: 301

والإمبراطورية، وعودة الملكية، إلى أن كسبت الدراما الرومانتيكية في مسرحية هيجو «ايرناني» (1839) نصرها التاريخي المتأخر.

لم يكن للمسرحية الفرنسية وطن ثابت في القرن السادس عشر، فكان عليها أن تربي نفسها في الكليات وتطوف من بلاط إلى بلاط، ومن صالة الى صالة. وفي عام 1598 أنشئ أول مسرح فرنسي دائم في الأوتيل دبورجون بشارع مونوكسي. وفي عام 1600 افتتح «التياتر دي ماريه» في ما هو اليوم شارع «التاميل «القديم. وفي المسرحين كان الشكل قاعة طويلة في الوسط، حيث كانت الطبقات الأقل يسراً تقف، وتأكل، وتشرب، وتقامر، وتتشاجر، وتشاهد التمثيل وتحرس جيوبها، بينما صف على الجدران صفان من الألواح يجلس فيها السادة الميسورون. وقبل عهد ريشيلو لم يكن يحضر المسرحيات من النساء غير من لا يملكن شيئاً يخشين على فقده. أما المسرح الذي كان مرفوعاً عند أحد طرفي المستطيل فقد بعد عن نصف المشاهدين بعداً جعل تمثيل الفكر او الشعور بتعبيرات الوجه أمراً عديم الجدوى تقريباً للممثلين، لذلك شجعوا الخطابة التي تستطيع الوصول إلى أبعد الآذان. وكانت الحفلات تقام بعد الظهر، من الخامسة إلى السابعة عادة، واشترط القانون أن تنتهي قبل حلول الظلام، لأن المسرحين كانا يقعان في أحياء خطرة من المدينة. أما الممثلون فكانوا قبل موليير يستقدمون عادة من إيطاليا وأسبانيا. وكان النساء يؤدين أدوار المرأة. وفرضت الحاجة إلى تدخل الاتكاء الجريء على الجنس في التمثيليات الفكاهية. وحاولت الكنيسة والبرلمان عبثاً تنقية المسرح الفكاهي أو حظره. ونهض بالمستوى الخلقي للدراما الفرنسية ببسط حمايته وإشرافه على بعض كتابها، وبحضور الحفلات التمثيلية بشخصه، وبالتعاون مع روترو، وسكارون، وغيرهما في تأليف التمثيليات. وهكذا، وتحت بصره الشامل، مهد أسلاف كوريني - وهم جارنييه وآردي وروترو - الطريق للنجاح الحقيقي الذي حققته مسرحية «السيد» .

ص: 302

لقي كورنبي ما يلقاه كل مكافح في طريقه إلى التفوق من تقلبات. ولد في روان (1606)؛ وعوقته نشأته في عاصمة إقليمية بمنأى عن حوافز باريس وفرصها الادبية، ولكن أباه كان قاضياً نابهاً استطاع أن يوفر لبيير أفضل ما أتيح من تعليم في كلية اليسوعيين المحلية. وقد استخدم هؤلاء المربون الغيورون المسرحية أداة للتعليم. وعلموا الطلاب أن يمثلوا باللاتينية مسرحيات كلاسيكية وغيرها، وقد أثر هذا التقليد اليسوعي في المسرحية الفرنسية موضوعاً وتقنيةً وأسلوباً. وبالطبع لم يقصد أحد ببيير أن يكون كاتباً مسرحياً، فقد نشئ في القانون ومارسه فترة، ولعل فن الفصاحة القانونية واعتياده عليها شاركا في صوغ البيان الذي يجلجل في مآسيه.

وحين ناهز الحادية والعشرين وقع في غرام المرأة والشعر في وقت معاً تقريباً، ولكن السيدة صدته، فوجد ملاذه في القوافي. وقد خلف الجرح فيه اكتئاباً وإحجاماً دائمين، فمثل بالمداد المسرحيات التي حرمت على دمه. وانقضت إحدى عشرة سنة قبل ان يجد له زوجة (1640) - ولم يجدها إلا بمساعدة من ريشيلو، ولكنه خلال ذلك تصور العدد الكبير من مآسي أو مهازل فيها تودد المحبين أو شهامة الأبطال. وفي عام 1629 حمل إلى باريس أولى تمثيلياته «مليت» ، فمثلت في الأوتيل دبورجون، وكانت رباعية سخيفة من الحب والدسيسة ولكن حوارها المفعم بالحياة أعانها على النجاح، واصطلى كرونبي في دفء الشهرة. وكلفه ريشيلو هو وأربعة غيره بكتابة تمثيليات في موضوعات وبطرق اقترحها الكردينال. غير أن كورنبي أدخل على هذه الخطة الموضوعة له تعديلات في استقلال كثير. وعبس «صاحب النيافة الأحمر» ، فانسحب كوريني غاضباً إلى روان، ولكنه ظل يتسلم من ريشيلو معاشاً قدره خمسمائة كراون في العام.

وحركه وجرح كبراءه نجاح مأساة «سوفونيسب» التي كتبها ميريه فهجر التمثيلية الفكاهية، ودرس سنيكا، وحمل إلى باريس عام 1635

ص: 303

تمثيلية «ميديه» . هنا ظهرت صفاته الجوهرية لأول مرة-وهي قوة الفكر وسمو الحديث. وراح منذ الآن، مع بعض الاستثناءات، يملأ مسرحه برجال ونساء رفيعي المقام، ويضفي عليهم العواطف الرفيعة التي يعرب عنها في لغة جزلة وحجة قوية. وحين استمع وولر، الشاعر الإنجليزي المعاصر، إلى «ميديه» نادى به إماماً جديداً، «فغيره ينظم الشعر، ولكن كورني هو الوحيد الذي يستطيع أن يفكر (132)» . -وأسمى ضروب الفن ما اشرّب بالفلسفة. ومن مسرحية الرومان واليونان الملحمية، ومن معلميه اليسوعيين، ومن تأملاته الحزينة الموحشة-هذه الأبيات الجليلة، السداسية التفاعيل، تزحف الجيش في أحلامه-بلغ كورني مستوى من الفكر والأسلوب لم يعهد قط في التمثيليات الفرنسية من قبل وندر أن عرف بعده.

يضاف إلى هذا أدب درامي آخر اجتذبه وشكله. إنه لم يستطع أن يستقي من المسرح الأليزابيثي غير القليل، لأن هذا المسرح أغفل القواعد الكلاسيكية إغفالَا لا يناسب قالباً كلاسيكياً. ولكن أسبانيا كانت في هذا العصر مجنونة بالمسرح، تغدق التكريم على لوبي دي فيجا وتيرسو دي مولينا كالديرون دي لاباركا كأنهم الورثة الأكفاء الوحيدون لسوفوكليس وبوربيديس، وتيرينس وسينكا. وفي المسرحية الأسبانية وجد كوريني موضوعاً درامياً بطبيعته-قانون الشرف أو العرض، الذي فرض الموت جزاء لكل إهانة أو إغواء. فتعلم الأسبانية، وقرأ «مغارمات السيد» بجيين دي كاسترو (1599؟)، واستعار الحبكة دون اعتذار أكثر من اعتذارات شكسبير، وكتب أشهر تمثيلية في الأدب الفرنسي

(1)

.

(1)

السيد وهي كلمة «السيد» العربية كان اللقب الذي لقب به المسلمون السيد رودريجو دباز البطل الأسطوري الذي اشترك (حوالي عام 1085) في استرداد أسبانيا للمسيح.

ص: 304

ومثلت السيد عام 1636. وشعر النظارة أنه لم يظهر على خشبة المسرح الغالي بعد شيء بهذه القوة. قال معاصر «جميل جداً أنها ألهمت بالحب حتى أكثر السيدات بروداً، فتفجرت عاطفتهن أحياناً في المسرح العام. وشوهد في الألواح ناس قل أن بارحوا قاعاتهم المذهبة ومقاعدهم المكسوة بالزنبق شعار الملكية (133)» . ولم يعرف الكثيرون أن فكرة المسرحية مستعارة مع أن كوريني اعترف بهذا صراحة، وتعجب الجميع من لطافتها المتشابكة. فشيمين الفتاة العريقة المولد، ورودريج النبيل، عاشقان متيمان. ولكن أبا شيمين. وهو الدون جوميز، يتشاجر مع والد رودريج ويسبه وهو شيخ عليل؛ ويتحدى رودريج جوميز للمبارزة ويقتله. وتشعر شيمين، وهي مبقية على حب رودريج، بأن داعى الشرف يدعوها لرجاء الملك فرديناند أن يقطع رأسه أو ينفيه، وهذا الصراع الذي يعتمل فيها بين «واجب الشرف» ودعاء الحب يفضي على القصة عواطفها المتشابكة قوة وحدة فائقتين. أما رودريج فيقدم سيفه لشيمين ويدعوها لقتله، ولكنها لا تستطيع الانتهاء إلى قرار. فينطلق إلى محاربة المسلمين، ويعود إلى إشبيلية وفي موكبه الملوك والأسرى وهالات المجد، وتتغنى باسمه إشبيلية كلها، ولكن شيمين لا تزال تطالب بموته. وحين يرفض فرديناند، تعد بأن تتزوج أي رجل يتحدى حبيبها ويقتله. ويضطلع سانشو بالمهمة. ويقترح رودريج أن يدع سانشو يقتله. ولكن شيمين تندم على انتقامها، وتتوسل إليه أن يدافع عن نفسه. فيهزم سانشو، ولكنه يبقى عليه، وأخيراً يتم استرضاء قانون الشرف، وتقبل شيمين حبيبها، وينتهي كل شيء نهاية سعيدة.

واحتفلت باريس طوال نصف موسم بجمال شيمين وناقشت سلامة عقلها. وسمعت نغمات سياسية صاحبت النقاش. ذلك أن ريشليو حرم المبارزات، ولكنها تبدو في التمثيلية جزءاً من القانون الأعلى. أما النبلاء الكارهون لريشليو فقد تهللوا لتمثيل أرستقراطية ما زالت تتولى العقاب

ص: 305

بنفسها. كذلك لم يسر الكردينال كثيراً لنجاح رجل توقف عن تلقي توجيهاته الدبية، فطلب إلى اكاديميته الوليدة أن تصدر نقداً منصفاً للتمثيلية، ولم يكد يخفي أمله في أن يكون الحكم ضدها. وأطالت الأكاديمية مناقشاتها حتى تهدأ الأعصاب؛ وأخيراً وبعد خمسة شهور، نشرت رأيها، وكان حكمها في جملته معتدلاً منصفاً. فقد اعترضت على الإشادة الواضحة بالحب الرومانسي، ورأت أن حل عقدة التمثيلية لا يحتمل التصديق، ووجدت في كلمات شيمين الخيرة لرودريجو وهو ماضٍ إلى قتال سانشو بعض الجلافة والغرور السخيف «عد ظافراً من قتال جائزته شيمين». على أن هذا النقد لطفته الفقرة الختامية في حكم الأكاديمية تلطيفاً جميلاً:

«يجب أن يغتفر الناس، حتى العلماء منهم، بعض الاغتفار شوائب عمل ما كان يحظى بابتهاج المجتمع إلا هذا الحد لولا ما فيه من مواطن جمال غير عادية

وأن طبيعة عواطفه وعنفها، وقوة الكثير من أفكاره ورقتها، والسحر الفائق الوصف الذي يمتزج بكل عيوبه-كل أولئك قد كسب له مكاناً عالياً بين القصائد الفرنسية التي من هذا النوع (134).

ولم تتخذ الأكاديمية صفة القاضي الأدبي بعد ذلك إطلاقاً. أما كوريني فقد لطف من الموقف باهدائه تمثيلية «السيد» عند نشرها إلى ابنة أخت الكردينال المحبوبة، ورائعته التالية «أوراس» (1640) للكردينال نفسه، وكان ليفي قد روى هذه الأسطورة في «تاريخه» . ففي اليوم ذاته ولدت أختان توأمان، في مدينتين مختلفين، كل منهما ثلاثة توائم ذكور-أبو الأولين هورانيوس في روما، وأبو الآخرين كورياتوس في ألبا لونجا. وبعد جيل ارتبطت الأسرتان برباط أوثق، وذلك بزواج سلبينا ابنة كورياتوس، بأوراس وهو ابن هوراتيوس، وبحب كاميللا ابنة هوراتيوس لأحد توائم كورياتوس. ولكن المدينتين تنزلقان إلى الحرب، ويلتقي جيشاهما وجها لوجه. أما سابينا وكاميللا فترتعدان في المعسكر الروماني، وتحدد سابينا الموضوع النسائي الذي تردده التمثيلية.

ص: 306

«أنني وا اسفاه رومانية ما دام أوراس رومانياً، فقد اتخذت لقبه حين قبلت يده، ولكن هذا الرباط سيسترقني لو حجب عن ناظري مسقط رأسي-ألبا، حين بدأت أتنفس الحياة، ألبا، وطني العزيز وحبي الأول، أنني حين أرى الحرب تنشب بيننا وبينك أخاف النصر خوفي من الهزيمة. فإذا شكوت يا روما من أن هذا خيانة لك، فاصنعي لنفسك أعداء أستطيع أن أكرههم. فانىّ لي وأنا اشهد من أسوارك جيشهم وجيشنا، وأرى أشقائي الثلاثة في جيش وزوجي في الآخر، أن أصوغ صلواتي وألح على السماء في أن تسعدك دون أن يكون في هذا خروج على الولاء (136)» .

وهكذا لا يعرض كوريني موضوعا هو مجرد معركة سلاح ورجال، إنما هو صراع الولاءات المشبوبة، ومأساة الحق يصارع الحق، فإذا تلقى قلمه هذا الإلهام. انطلقت منه عبارات محكمة القوة؛ وأبيات تسير بخطى عسكرية وأنغام مجلجلة.

أما قائد ألبا فيذكر الرومان بأنهم هو وأهل ألبا أبناء دم واحد ووطن واحد (أكان في ذهن كوريني الكاثوليك والهيجونوت؟)، وأن من الاجرام تقطيع أوصال إيطاليا (فرنسا؟) بالحرب الأهلية، ويقترح انهاء الحرب بنزال ثلاثة من أهل ألبا مع ثلاثة من أهل روما. ويقبل الاقتراح، وتتاح للنساء ساعة من السعادة المرتجفة. ولكن قائد ألبا يختار توائم كورياتوس الثلاثة، ويختار القائد الروماني توائم هوراتيوس. وتبكي النساء، ويرق الأبطال لحظة لدموعهن؛ لكن هوراتيوس الأب يوبخهم وهو يعلن الفكرة الرجولية، لأنهم يضيعون الوقت مع النساء بينما يدعوهم داعي الشرف:

"أدوا واجبكم، واتركوا الباقي للآلهة (137) ".

ولكن الآلهة تخطيء. فيقتل توائم كورياتوس، ولا يبقى على قيد الحياة من توائم هوراتيوس سوى أوراس. وتعنفه شقيقته كاميلا لقتله

ص: 307

خطيبها، وتندد بروما وبناموس شرفها وحربها. فيقتلها وهو بعد سكران بنشوة المعركة لأنها ليست جديرة بأن تكون رومانية. وتوبخه زوجته سابينا على قسوته، وتبكي أشقاءها القتلى، وتدعو أوراس ليقتلها هي أيضاً. أما هو فيحاول اقناعها بأن الوطنية أسمى من الحب.

وفكرة التمثيلية بالطبع لا تصدق، ولكنها في هذا لا تزيد عما في شيكسبير. إن الدرامي بحكم تعريفه شاذ؛ والمسرحية مقضى عليها، هي وصفت الواقع في غير تحيز. وهي ترتفع إلى مقام الفن إذا استطاعت بتجاهلها ما ليس متصلاً بموضوعها واختيارها للمهم أن تزيدنا عمقاً بفهم أكمل للحياة. لقد ورث كوريني تمجيد النهضة لروما القديمة، وأيد المفهوم الصارم للواجب أمام انحلالات الحب التي سيطرت على المسرح الفرنسي قبله، فصمم ألا يكون أبطاله عشاقاً أولا، بل وطنيين أو قديسيين.

وقد اختار من التقويم الكاثوليكي قديساً يسيطر على تمثيلية أقوى حتى من هذه. يقول سانت-بوف: «كل الناس يعرفون «بوليوكت» ، ويعرفونها عن ظهر قلب (138)». والبناء في هذه التمثيلية كلاسيكي على نحو صارم، إذ يتقبل الوحدات كلها، ولكنه يبني داخلها مأساة معقدة ذات قوة مركزة. ولا يصلنا اليوم سوى فصاحة التمثيلية في مكاتبنا، ولكن يجب أن نسمعها منطلقة من افواه الممثلين الفرنسيين يتحركون في جلال على خشبة المسرح، أو تحت النجوم في فناء الانفاليد أو اللوفر، وحتى مع توافر هذه الشروط يجب أن نملك ناصية الفرنسية وتكون لنا أرواح فرنسية. ويجب أن نكسو أنفسنا من جديد بإيماننا الشاب. أما الحبكة فتدور حول تصميم بوليوكت، الروماني المثقف، المعتز بنفسه، حديث العهد باعتناق المسيحية، على تحطيم مذبح الآلهة الوثنية. أما زمن التمثيلية فهو الاضطهاد الديني (249 - 51م)، وأما مكانها فمليتين، وهي مخفر أمامي روماني في أرمينيا، ومشهد الدراما كلها قصر فيلكس الوالي الروماني. وقد دعي المسيحيون جميعاً، منذرين بالموت عقابا للمخالفين،

ص: 308

أن يشتركوا في صلاة تنتظم الإمبراطورية بأسرها وقربان للآلهة القديمة طلبا لتأييدها للجيوش الرومانية ضد الهمج المغيرين المحدقين بها. ويشتعل بوليوكت بغيرة المؤمن المهتدي، فيبغي بعمل مثير أن يشجع المسيحيين على مقاومة الأمر الإمبراطوري. ويعوقه عن هذا حبه لزوجته بوليني، ابنة الوالي، ولكنه يضحي بالحب في سبيل الواجب كما يفعل أبطال موريني الصادقون. وفي حضرة فيلكس ذاته يقطع وهو صديق له الطقوس الوثنية، ثم يناشدان العابدين أن ينصرفوا عن جوبيتر الفاجر إلى إله المسيحيين، «الملك الواحد القهار للأرض والسماء» ، ولكي يفضحا «المسوخ العاجزة» التي يتألف منها مجمع الآلهة الروماني يرتقيان المذبح ويحطمان آنية الشعائر وتمثال جوبيتر، ويأمر فيلكس بالقبض على منتهكي هذه المقدسات. وتتوسل بولين إلى بوليوكت أن يتوب عن تدنيسه المعبد، ولكنه يدعوها بدلاً من ذلك إلى اعتناق دينه الجديد. وتناشد بولين أباها أن يعفو عنه فيأبى، وتجهر هي باعتناقها المسيحية وتستعد لمرافقة زوجها إلى الموت. ويتأثر فيلكس تأثراً يحمله على اعتزال منصبه واعتناق المسيحية. ثم ينتهي الاضطهاد فجأة، ويرد فيلكس إلى منصبه، ولكن بوليوكت قاسى أثناء ذلك عذاب الاستشهاد.

وكل ما في التمثيلية تحلية للتاريخ من قلم كوريني، فيما عدا الاستشهاد وتدنيس المذبح، كذلك هو خالق وقاحة القديس المتعالية وعنف الفعل، وحين قرأ المؤلف التمثيلية في الأوتيل درامبوييه، أدان عدد من السامعين، ومنهم أحد الأساقفة، بوليوكت لخشونته وتطرفه في غير ضرورة. وفكر كوريني حيناً في وقف التمثيلية، ولكن نجاحها على المسرح رفعه إلى أوج حياته الأدبية (1643). وبقى له في أجله آنذاك واحد وأربعون عاماً سنرى أنه أنفقها في منافسة مع راسين، ولكنه لم يؤت العلم بأنه قد كتب أعظم أعماله في هذه المسرحيات الثلاث-بل يرى البعض أنها افضل المسرحيات في تاريخ المسرح الفرنسي كله. وهي تختلف عن الدراما

ص: 309

«الرومانسية» ، التي شاعت في إنجلترا الأليزابيثية أو فرنسة القرن التاسع عشر اختلافاً يقتضينا إعانة التاريخ بالخيال لتعليل سلطانها على زمانها وعلى مسرح اليوم. إن في كوريني روحاً رومانسية أيضاً بقدر ما في شكسبير، وعواطف مدروسة بأكثر من عناية ديكارت ورهافته، ولكن أتباع مثل العصر الكلاسيكية اقتضى اخضاع العواطف-على ما فيها من تعبير قوي- «للعقل» -أو للحجة. والإسراف في الحجج هو ثقل الموازنة لهذه التمثيليات. بحيث قل أن تحلق التحليقات التي تكثر جداً في راسبين. أما الحركة فتبعد عن خشبة المسرح، فليس عليها سوى السرد، والحضّ، والفصاحة، وكل شخوص كوريني محاجون بارعون. أما الفرنسيون فتتلاشى في نظرهم هذه العيوب في بهاء الأسلوب وجلال الموضوعات. فإذا عن لنا في أي عمل فني أن نلتمس السمو، أو نبحث عن فكرة أو شعور يرفعنا فوق ذواتنا وزماننا. وجدنا هذا مردداً في كوريني. لقد كتب وكأنه يكتب للساسة والفلاسفة. ونظم أبياته وكأنه يلحن موسيقى، وتحت عبارات ما زالت ملازمة لذاكرة فرنسا. وامتزجت الآن الروح الكلاسيكية والأرستقراطية-روح العقل يكبح العاطفة، والشكل يسيطر على المضمون-بضبط النفس الرواقي، وبالشرف الأسباني، وبالذكاء الفرنسي، ليخرج من هذا كله مسرح بعيد عن المسرح الأليزابيثي بعد السماء عن الأرض، وهو مع ذلك، بفضل رسبين وموليير أيضاً، بعدله قيمة وتألقاً في تراث البشرية.

‌6 - العمارة

أكان انتصار المزاج الكلاسيكي ملحوظاً في الفن كما في الأدب. إنه يطالعنا في كل واجهة بناء فرنسي تقريباً في ذلك العصر. لقد رممت بعض الكنائس القومية ترميماً قوطياً، مثل كاتدرائية أورليان، ولكننا نجد في الأكثر كنائس قديمة- ككنائس سان جرفيز-إتيين-دومون-

ص: 310

زينت من جديد بواجهات من طراز النهضة. وقد نلحظ في الكنائس الجديدة طرازاً إيطالياً جديداً يعملها كلها؛ وهكذا صمم جاك لوميرسييه كنيسة السوربون على غرار كاتدرائية القديس بطرس - أعمدة، وقواصر، وقبة. ففي العمارة، كما في الأخلاق، والأدب، والفلسفة، أضفى الإحياء الوثني على المسيحية وجهاً جديداً جريئاً.

وطوى تيار النهضة الكل حتى اليسوعيين، وكانوا أسرع استجابة له لأنهم وهم طائفة دينية لم تقيدهم جذور من العصر الوسيط. ففي أجيالهم الأولى حين تزعمهم لويولا ولينيز، كانوا مبشرين صارمين لا يخشون أحداً، ومنافحين مخلصين عن المعتقد السليم والبابوات، ولكنهم استبقوا قدراً من النزعة الكلاسيكية في مجمع ترنت، وكما جعلوا الدراسات الكلاسيكية لب برامج التعليم في كلياتهم، كذلك اختاروا في العمارة الواجهات الشبيهة بالكلاسيكية لأهم معابدهم. ومن كنيستهم الرائعة في روما، «كنيسة يسوع» ، حملوا طراز الزخرف الفاخر عبر الألب وفوق البرانس. على أنهم لم يكونوا ملتزمين بدرجة متماثلة بالزخرفة الفياضة. من ذلك أن أشهر معماريهم - الذي شيد واجهة جناح كاتدرائية أورليان - صمم كنائس وكليات متوخياً البساطة الشديدة التي تناسب خلقه وما تحت يده من مال. ولكن حين أثرت الطائفة بنت في وفرة بهيجة. ففي عام 1627 بدأت بناء الكنيسة الجميلة التي تعرفها باريس عادة بإسم «الجزويت» - وواجهتها رومانية، وداخلها مزين زينة أنيقة بالتيجان والأقواس والكرانيش، وأقبية الخورس تلتقي في انسجام لتدعيم قبة مضيئة؛ وقد وصف جول افلين الذي كان يجوب باريس عام 1644 هذه الكنيسة بأنها «من أكمل قطع العمارة في أوربا (139)» . إنها لم تكن باروكا على نحو منفر، ولم تحتو على أي شيء مشوه أو غريب. فالباروك في فرنسا رصّنه الذوق الأرستقراطي-تماماً كما هذّب زونزار وماليرب قباحات رابليه.

ص: 311

وتخلفت العمارة الدينية خلال الحروب الدينية، وفي فترات السلام التي تخللتها نمت العمارة المدنية، فارتفعت قاعات المدن في لاروشيل، وليون، وتروا، ورانس. وفي باريس أرادت كاترين دي مديتشي أن تخلي قصر اللوفر لشارل التاسع ومليكته، فاستأجرت فيليبير ديلورم ليبني لها ولمساعديها قصر التويلري 01564) -الذي اشتق اسمه من مصانع القرميد (التويل) الفخاري القريبة. وارتفع القصر الجديد، الذي قامت في واجهته العمد الكورنثية وفق طراز النهضة، غربي اللوفر عند ميدان كاروسل الحالي، وامتد 807 قدما بطول السين. وقد أحرق في فتنة الكومون عام 1871، ولم يبق منه سوى الحدائق-حدائق التويلري اللذيذة.

واستعادت العمارة المدنية نشاطها سريعاً في عهد هنري الرابع. وأصبح البون نوف، الذي افتتح للمرور عام 1604، أحب الجسور التي تمتد فوق السين. أما الأوتيل دفيل الذي أنجز في السنة التي مات فيها هنري، فقد ظل إلى عام 1871 مفخرة للشعب تنافس النوتردام واللوفر. وكما فعل فرنسيس الأول ولويس الرابع عشر، أظل هنري الفنانين برعايته، وفهمهم ونسق عملهم. فوسعوا له اللوفر بإضافة البافيون دفلور ووصلوا بينه وبين التويلري بالرواق الكبير. وفي فونتبلو بنوا المصلى، ورواق الوعول، والفناء والصالون البيضي، والبورت دوفين، ورواق ديان. ولقد كانت فونتبلو في عهد هنري الأكبر ذروة النهضة الفرنسية.

أما أرملته ماري دمديسي، فقبل أن تصطدم بريشليو، كلفت سالومون دبروس أن يصمم لها قصر لكسمبورج، في شارع فوجيرار جنوبي السين (1613 - 20). ولما تحرر لويس الثالث عشر وريشليو من نفوذها عهدا إلى لومرسييه أن يوسع اللوفر مرة أخرى بوصفه مقر الحكومة، فأنجز الآن البافيون دلورلوج، ووسع الجناحان الكبيران، واتخذ البناء الفخم شكله الحالي في أساسه ومن تصميمات لومرسييه بنى ريشليو في باريس «الباليه كردينال» الأنيق حيث جمع مجموعاته في التصوير

ص: 312

والنحت وغيرهما من الفنون، هنا كانت أعمال مانتينا، ودافنشي، وفيرونيزي، و «عبيد» ميكل أنجيلو. وقد انتقل أكثر هذا الكنز إلى لويس الثالث عشر والرابع عشر، ثم إلى اللوفر، ثم إلينا.

أما في عمارة البيوت فقد أعاد فرانسوا مانزار تشكيل أفق باريس بتطويره «سقف مانزار» -وهو سقف ذو منحدرين، أسفلهما أحد من أعلاهما، مما يتيح تصريف الثلج والمطر بسرعة، ويفسح فراغاً أكبر في الطابق العلوي، وكم من طالب أو فنان باريسي سكن هذا «المانزار» أو العلية. وصمم مانزار عدة كنائس في باريس، وعدة قصور ريفية في فرنسا-وأنجحها في حي يعرف اليوم بميزون لافيت، وهو ضاحية من ضواحي العاصمة. وفي عام 1635 عهد إليه «مسيو» جاستون دورليان أن يعيد بناء قصر الأسرة في بلوا؛ ولم ينجز مانزار سوى الجناح الشمالي الغربي، وما زالت واجهته المبنية بطراز النهضة وسلمه الفاخر رائعة «أبرع معماري أنجبته فرنسا في تاريخها» (140).

‌7 - فنون كثيرة

وبهذا المزاج نفسه، مزاج التقاليد الكلاسيكية التي يرقق منها الصقل الشعور الفرنسيان، زين النحاتون الكنائس، والقصور، والحدائق، ومقابر العظماء. وقد ورث جرمان بيلون رشاقة النهضة التي اتسم بها تشلليني، وبريماتيكيو، وجان جوجون، ولكنه لم ينس المزيج القوطي من الرقة والقوة. أما روائعه فثلاث مقابر، إحداها-وهي المقامة في كنيسة دير القديس دني-جمعت في الموت بين كاترين دي مديتشي وهنري الثاني، زوجها لفترة ما-وقد أضفى الفنان على الملكة جمالاً مثالياً كان خليقاً بأن يدفئ قلبها الموحش. والثانية، الموجودة الآن في اللوفر، كرمت رينيه دبيراج، مستشار فرنسيس الثاني وشارل التاسع-وهي صور للكبرياء الخاضعة للتقوى، ومعجزة من الثياب الطبيعية التقطها المثال في البرونز. وإلى

ص: 313

جوارها مقبرة زوجة رينيه، فالنتين بالبياني، وفي أعلاها ترى السيدة في شرخ شبابها وقد خلعت عليها الجلال أرواب تعلوها الوجوه، وفي أسفلها هذا الجمال ذاته منحوتا بغير رحمة في هيئة جثة لها وجه وأيد عجاف وصدر متغضن وثديان فارغان غائران، إنها صيحة غضب قوية على الدهر وانتهاكه الساخر للجمال. وهذه المقابر وحدها كانت تكفي لرفع بيلون إلى مقام أعلى من مقام أي نحات في عصره، ولكنه أضاف إليها العدد الوفير من التماثيل، وكلها ذات محاسن أخاذة، وأكثرها جمع في اللوفر، خزانة فرنسا التي لا ينضب لها معين. وهناك ايضاً، وعلى بضع خطوات، نستطيع أن نرى أعمالا لحلفاء بيلون: تمثالاً بالحجم الطبيعي لهنري الرابع من صنع بارتلمي تريمبليه، وعلى فمه ابتسامة غامضة كابتسامة مونا ليزا، ومقبرة آن دمونمورنسي التي نحتها بارتلمي بريور، وتمثالاً حيا يسمى «الشهرة» لبيربريار-هو امرأة عارية تنفخ أنفاسها من خدين منتفخين وتكتب في الهواء كأنها تضيف تحسينا إلى كلمات كيتس «هنا يرقد إنسان كتب اسمه في الريح» . وفي مصلى شانتي أثر يذكر للكردينال دبيرول صنعه جاك سارازان. وقد درس بعض هؤلاء النحاتين في روما وجلبوا معهم من برنيني ميلا باروكيا للزخرف والحركة والعاطفة المسرفة، ولكن هذا الاسراف سرعان ما تلاشى تحت نظرات ؤيشليو الباردة وذوق لويس الرابع عشر الكلاسيكي. ويبدأ ظهور ذلك الكمال الناعم الذي طبع «القرن العظيم» في ميداليات جان فاران، الذي وفد من لييج ليعيش في فرنسا، والذي بلغ فنه في الصور الصغيرة التي رسمها لريشليو ومازران وآن النمسوية براعة لم يبزه فيها أي رسام مداليات جاء بعده.

ص: 314

ولو لم تخلف لنا فرنسا أي نحت أو عمارة أو تصوير لحق لها برغم هذا أن تحوز احترامنا وحبنا لما أنجزته في ميدان الفنون الصغيرة. فحتى في هذه الفترة المضطربة بين حكم فرنسيس الأول وحكم لويس الرابع عشر، نافست فرنسا-بل فاقت في رأي البعض- إنتاج معاصريها من فلاندر إلى إيطاليا، سواء في الرسوم، أو المحفورات، أو أشغال المينا، أو الصياغة، أو قطع الأحجار الكريمة، أو مشغولات الحديد أو الخشب، أو المنسوجات، أو السجاد المرسوم، أو تصميم الحدائق. فرسوم جاك كاللو للغجر، والشحاذين، والمتشردين، تحمل معها ريح الحياة ذاته؛ أما سلسلة كلشيهات «آلام الحرب» فقد سبقت جوبا بقرنين. وحسبنا حكماً على براعة أشغال الحديد في ذلك العصر حاجز القضبان المؤدي إلى قاعة أبوللو في اللوفر. أما السجاد المرسوم فكان صنعه فنا لا يقل أهمية عن النحت أو التصوير. كان جان جوبلان قد افتتح مصانع للصباغة بباريس في القرن الخامس عشر؛ وفي القرن السادس عشر اضافت المؤسسة مصنعاً للسجاد المرسوم، وأنشأ فرنسيس الأول مصنعا آخر في فونتنبلو، وهنري الثاني مصنعاً ثالثاً في العاصمة. وحين ذهبت كاترين دي مديتشي للقاء المبعوثين السبان في بايون أخذت معها اثنتين وعشرين سجادة نسجت لفرنسيس الأول لتعرض ثراء فرنسا وفنها. ثم اضمحلت هذه الصناعة التي جمعت بين الحرفة والفن في عهد هنري الثاني، ولكن هنري الرابع أصلح من شأنها بجلب جيل جديد من الرسامين والصباغين والنساجين الفلمنكيين لمصنع جوبلان في باريس. وهناك خمسة نماذج ممتازة ترجع إلى عهده-موضوعها صيد ديانا-تزين مكتبة مورجان بنيويورك.

وأحست الزخرفة الداخلية تأثير البارك يتسرب إليها من إيطاليا. فتفشت الكراسي، والموائد، والصناديق، والبوفيهات، والدواليب، ومناضد الزينة، والسرر-ونقشت في بذخ، ورصعت في كثير من الحالات بالأبنوس او اللازورد أو اليشب أو العقيق، أو زينت بالتماثيل

ص: 315

الصغيرة. وفي عهد لويس الثالث عشر نجد الكثير من المقاعد بالمخمل، أو أشغال الابرة، أو النسيج المرسوم. وقد تنقش الجدران والكرانيش والأسقف أو ترسم بمهرجان من صور النبات والحيوان. وفقدت المدافئ بعض صرامة العصر الوسيط، وحليت أحياناً بنقوش عربية في ألوان متعددة.

أما في الزخرف فكان العصر قمة فن رجلين عجوزين: ليونار ليموزان، الذي استمر حتى عام 1574 ينتج أشغال المينا أذاعت شهرته أيام فرنسيس الأول

(1)

، ثم برنار باليسي الذي ولد عام 1510 وعمر حتى عام 1589. وكان باليسي مجنوناً بالخزف، فيه فضول قوي ينتظم ميادين الزراعة والكيمياء والدين، وله ولع بكل شئ من تكون الأحجار إلى طبيعة الإله. درس كيمياء أنواع التربة المختلفة ليحصل على أفضل الطفل لقمينته، وأجرى تجاربه سنين عديدة لينتج مينا بيضاء تتقبل الألوان الرقيقة وتحتفظ بها. وأحرق نصف متاعه وقوداً لفرن حرارياته، وقد روى القصة وكأنه يتحدى تشلليني. وكان يقوم بالعمل كله بنفسه لأن فقره أعجزه عن أن يستأجر من يساعده، وكثيراً ما كانت يداه تمتلئان بالقطوع حتى قال «كنت أضطر لأكل حسائي ويداي مربوطتان بأسمال» . وبعد أن مضيت في مثل هذا عشر سنوات نحل جسمي حتى لم يبد على ذراعي وساقي أي عضلات، وبلغ النحول بساقي مبلغاً استحال معه علي رباط جواربي أن يثبت فوقها

فإذا مشيت سقطت جواربي على حذائي البالي (141)». واتهمه جيرانه بأنه يمارس السحر ويهمل أسرته. وأخيراً، وحوالي عام 1550، وجد المزيج الذي ينشده، وصنع مينا من طلاء متقزح اللون، واستعملها في تشكيل الآنية والتماثيل الصغيرة المزينة تزييناً بديعاً بالسمك، والسلاحف، والأفاعي، والحشرات، والطيور، والأحجار-كل غنى الطبيعة الوافر. وأبهج كاترين دي مديتشي أن تضع هذه المتحفرات الصناعية في حديقتها وأحواض أزهارها، ووهبت الخزاف

(1)

لاحظ النماذج البديعة المحفوظة في مجموعة والاس بلندن ومجموعة فريك بنيويورك.

ص: 316

العجوز مصنعاً في التويلري، فأضاف في بيئته الجديدة الحوريات المختلفة لزخارفه. ومع أنه كان هيجونوتياً غيوراً، إلا أنه اعفي من مذبحة القديس بارتلميو، لأن كاترين وحاشيتها بهرتهم زهرياته وكئوسه وأطباقه وشمعداناته وأفكاره الطريفة. ولكن في عام 1588 أمر الحلف الكاثوليكي بمحاكمة البروتستنت من جديد، فأودع باليسي سجن الباستيل. قال أحد كتاب اليوميات في عام 1590:

«في هذا العام (عام 1589 في واقع الأمر) مات في حجرات سجن الباستيل الأستاذ برنار باليسي، السجين بسبب دينه، بالغاً من العمر ثمانين عاماً، وقد خرّ تحت وطأة الألم، وسوء المعاملة، والحاجة. وحين ذهبت عمة هذا الرجل الطيب لتسأل عنه

قال لها السجان إنها إن أرادت رؤيته فستجده جثة مع الكلاب على الأسوار، حيث أمر بإلقائه كما يلقى كلب مثله (142)».

‌8 - بوسان والمصورون

كان التصوير الفرنسي لا يزال أسيراً لفلاندر وإيطاليا. فسيطر رسامو السجاد الفلمنكيون على فنهم في باريس، وزكا المصورون الفلمنيكيون في باريس، وليون، وتولوز، ومونبلييه، وبوردو. وكانت أفضل لوحات هذه الفترة من صنع الفلمنيكيين في فرنسا، كصورة إليزابث النمسوية البديعة (الموجودة باللوفر) بريشة فرانسوا كلويه، وصورة هنري الرابع المعتز بنفسه (في شانتي) بريشة فرانز بوربي الابن، وأهم من ذلك كله صورة ريشليو التي رسمها فليب دشامبين.

ولكن التأثير المسيطر على التصوير الفرنسي في هذه الحقبة كان إيطاليا، كان طلاب الفن يذهبون إلى روما، على نفقة الحكومة الفرنسية أحيانا، ويعودون مترددين بين مثالية فناني القرن السادس عشر الفلورنسيين، وواقعية فناني القرن السابع عشر البولونيين والنابوليين القاتمة. وقد وفق أحد الفنانين الفرنسيين واسمه سيمون فوييه، وهو بعد في الرابعة عشرة

ص: 317

(1604)

، إلى إذاعة اسمه بين المصورين حتى تنافست عليه ثلاث دول. وحاول تشارلز الأول أن يحتفظ به في لندن، ولكن بارون سانسي أخذه في بعثة إلى القسطنطينية، حيث رسم سيمون صورة رائعة للسلطان أحمد الأول، بعد أن درس ملامحه خفية خلال ساعة مثل فيها السفير بين يديه. وفي عودته مخترقاً إيطاليا، وقع فوييه في حب البندقية وفيرونيزي، ثم أحب كارافادجو في روما، حيث بسط عليه أدواقها وكرادلتها من الرعاية ما أغراه بالبقاء في إيطاليا خمسة عشر عاماً. وفي عام 1627 دعاه لويس الثالث عشر ليكون مصور البلاط، وكان يجري عليه معاشاً سنوياً قدره أربعة آلاف جنيه، ثم أعطاه سكناً في اللوفر. وسرعان ما تهافتت فرنسا كلها عليه. فزين مصلى قصر ريشيلو الريفي، ورسم لوحة مذبح لكنيسة سانت أوستاش، وصمم رسوماً للسجاد الملكي، وصور لوحات للحاشية. وإذا اغرقته هذه المهام كلها فقد جمع حوله معاونيه في مدرسة نمت حتى أصبحت الاكاديمية الملكية للتصوير والنحت، وهناك درب واستخدم لوسويور، ومينار، وبوردون، ولوبرن. ولا تكاد أعماله الباقية تبرر هذه الشهرة، ولكن له في تاريخ فرنسا مكاناً خطيراً هو مكان إعداد مصوري عصر القمة.

اما الأخوة الثلاثة، أنطوان، ولويس، وماتيولونان، فقد أدخلوا تنويعاً على لوحات عصرهم بتصوير حياة الفلاحين تصويراً تشيع فيه الشفقة المعتمة، إذ وجدوا فيهم ذلك الفقر الصامت والقوة الشرسة التي اتسمت بها فرنسا في القرن السابع عشر. كذلك وهب جورج دلاتور فرشاته للمساكين (وقد نبش عنه مؤخرا تقريظ النقاد)، وصورتاه المقابلتان «فلاح» و «فلاحة» اقرب إلى قمة التصوير في العهود الملكية التي نحن بصددها؛ ونستطيع أن نحكم على شهرته السائرة من مبلغ الـ 500. 000 دولار أو أكثر التي دفعها متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك ثمناً لصورته «العرافة» (1960). وقريب من هذا التحول من القصر إلى الكوخ،

ص: 318

ذلك الانجاز الخاص الذي حققه التصوير الفرنسي في هذا العصر - وهو تطوير المنظر الطبيعي بوصفه عنصراً كبيراً في فن التصوير.

أما نيكولا بوسان فكان أبوه جندياً في جيش هنري الرابع. وبعد أن أسكن منزل نيكولا دليزمان عقب معركة إفرى، تزوج ابنة نيكولا - وهي فلاحة لاتعرف كيف تكتب اسمها - وفلح مزرعة بقرب ليزاندليس في نورمانديا. وتعلم ابنهما حب الحقول والغابات، واقتناص لحظات يسجلها فيها بالقلم الرصاص أو الحبر. ثم وفد كنتا فاران على ليزاندليس ليزين كنيسة بها، وراقبه الفني نيكولا في شغف وانتزع منه بالملاطفة دروساً في الرسم والتصوير. فلما رحل فاران، هرب نيكولا إلى باريس ليدرس الفن (1612) وكان يومها في الثامنة عشرة. وهناك توجت الشهور التي كاد يتضور فيها جوعاً بعثوره على محفورات ريموندي لأعمال رفائيل. هنا تكشف لنيكولا أمران أولهما أن الخط لا اللون أداة للفن، وثانيهما أن روما عاصمة الفن. وظل ثمانية أعوام يكافح للوصول إلى تلك القلعة. ومرة وصل في رحلته حتى فلورنسة، ولكن الفقر واليأس والعلة ردته إلى باريس. ثم حاول ثانية، ولكن دائناً عطله في ليون، فزحف راجعاً ليدفع ديونه ويكسب قوته بأشغال تصوير صغيرة في قصر اللكسمبورج. وفي عام 1622 استخدمه الشاعر الإيطالي جوفاني باتيتستا مارينين الذي وفد وقتها على باريس، ليرسم له رسوماً لقصيدته «ادوني» ، وظفرت رسوم بوسان باستحسان ماريني وببعض التكليفات. ورسم نيكولا صوراً للأشخاص على مضض واقتصد فرنكاته في حرص، وأخيراً اكتحلت عيناه برؤية روما في عام 1624.

وأوصى به ماريني الكردينال فرانشسكو باربريني: «ستجد هنا شاباً فيه عنف شيطاني» - شاب «مجنون بالتصوير» (خلافاً لتحليل ايروشيج لنفسه). ولكن مجنوناً إيطالياً أيضاً، غير أنه لم يجن بصور أئمة فناني النهضة بقدر جنونه بكمال القطع المتخلفة في الساحة الرومانية (الفورم)، ولا جنّ

ص: 319

بالصور الجصية المتخلفة في العصور القديمة بقدر جنونه بروما نفسها - بآفاقها، وحقولها، واشجارها، وتلالها، وتربها ذاتها. ولا بد له أن تساءل كما تساءل بعض المتحمسن لها ممن أتوا بعده. لا لم يكتب الله له أن يولد في إيطاليا؟

وامتحنه الكردينال باربريني بتكليفه رسم لوحة «موت جرمانيكوس» ، فسرته النتيجة، وسرعان ما اشتد الطلب على فن بوسان حتى جاهد لكي يلبيه. كان رعاته - سواء العلمانيون أو الكنسيون - يتوقون للصور العارية، فاسترضاهم فترة بعروض لجسم امرأة كتلك التي نجدها في «انتصار ربة الزهر

(1)

» التي رسمها للكردينال أوموديو، وفي «منظر باخوسي» لريشيلو. واتخذ مقامه في روما، وتزوج فتاة في السابعة عشرة وهو يناهز السادسة والثلاثين، وأنفق عشر سنوات سعيدة معها ومع ألوانه. ثم دعاه ريشيلو ولويس الثالث عشر إلى باريس (1640). فقال بوسان «سأذهب كإنسان حكم عليه بنشر جسده نصفين (143)» ولقى هناك التكريم العظيم وتلقى معاشاً من ألف كراون، ولكنه لم يرتح لمنافسة الفنانين الباريسيين المفعمة بالحقد، فأسرع بالعودة إلى إيطاليا (1643) مضحياً بمستقبل عريض. واشترى بيتاً على التل البنسي بجوار بيت كلود لوران، وهناك عاش حتى مات، هادئاً، مهتماً بأسرته، مستغرقاً في فنه، قانعاً بحظه.

كانت حياته كصورة مزيجاً كلاسيكياً، نموذجاً للنظام، والاعتدال، وضبط النفس. ولم يكن له من أمارات الفنان غير القليل. اللهم إلا أدواته. فلا هو بالعاشق النهم كرفائيل، ولا برجل الدنيا كتيشان، ولا بالعبقري الشيطاني كميكل أنجيلو (برغم رأي ماريني فيه)، إنما هو رجل بورجوازي يعني بأسرته ويدفع ديونه. وحين رأى الكردينال ماسيمو بيته المتواضع قال له:«كم أرثي لك لأنه ليس لديك خادم!» فأجاب بوسان «وكم أرثي

(1)

جميع صور بوسان المذكورة هنا محفوظة باللوفر إلا إذا نص على غير ذلك.

ص: 320

لك لأن لديك الكثير منهم (144)». وفي كل صباح يتمشى على تلة، ثم يرسم سحابة نهاره، معتمداً على الجهد لا على الوحي. قال في فترة لاحقة من حياته رداً على سائل سأله عن السر في امتلاكه ناصية الفن «لم أهمل شيئاً (145)» .

وإذا أخذنا في الاعتبار طرقه الكثيرة الجهد، التي لم يستعن فيها بأحد، وجدنا إنتاجه ضخماً. فلا بد أنه رسم أربعمائة صورة، لأننا نعرف أن بعضها فقد، وبقي منها 342، أضف إلى هذا الفاً وثلاثمائة رسم تعتز قلعة وندرز بمائة منها لما به من دقة ونقاء في الخطوط. ولم يتفوق في تنويع صوره. وكثيراً ما تكون صوره العارية تماثيل عديمة الحياة، ولو كان فيها شهوانية أكثر لأسغناها. لقد كان نحاتاً يستعمل فرشاة، ينحو إلى النظر للنساء على أنهن أشكال تصلح للنحت - ولو أنه أحياناً كان يرى فيهن الأصول الإلهية للفن. قال «إن الفتيات الجميلات اللائي نراهن في شوارع نيم يبهجن عيوننا ونفوسنا بهجة لا تقل عن أعمدة «الميزون كاريه» البديعة، لأن هذه ليست إلا نسخاً قديمة من تلك (146)». كذلك لم ينطلق على سجيته في موضوعات الكتاب المقدس. وقد أجاد تصوير بعضها - مثل «الفلسطيني صريعاً عند الابواب» و «عميان أريحا» ، وما أجمل النساء، وأجلهن في الوقت نفسه، في «اليعازر ورفقة» ! كان تفوقه يتجلى في الأساطير الكلاسيكية، مصورة وسط الخرائب الكلاسيكية ومن خلفها منظر طبيعي ذو هدوء كلاسيكي. ولم يكن يرسم من نماذج حية، بل من خيال أشرب يحب العالم القديم وتوهمه - العالم الذي كان فيه كل الرجال أقوياء وكل النساء جميلات. تأمل ذلك الكمال الذي نراه في الأنثى الوحيدة في لوحته «رعاة أركاديا» التي رسمها بوسان للويس الرابع عشر تلبية لطلب كولبير. ولاحظ في مرورك الكتابة المنقوشة على قبر الراعي:«أنا أيضاً كنت مرة في أركاديا» ، أهذا بوسان يحلم بأنه هو أيضاً عاش في اليونان القديمة مع أورفيوس والأرباب؟

ص: 321

و «مأتم فوكيون» أقوى لوحات بوسان الاسطورية، ولكن «أورفيوس ويوريديسي» أشدها وقعاً في النفس، ربما لاننا نتذكر الحان جلوك اليائسة. ومما يزعج الروح الرومانسية أن تجد القصة تائهة في المنظر الطبيعي على هذا النحو. فالحقيقة إن بوسان لم يحب الرجل، ولا حتى المرأة، بل المشهد المهذب للنفس، مشهد الحقول والغابات والسماء المنبسطة - كل ذلك المنظر العريض المحيط باللوحة، حيث يكون التغيير متمهلاً، أو خجلاً أما الدوام والاستمرار، وحيث تذوب أوصال البشر في منظورات المكان والزمان. لذلك كانت أعظم صوره هي مشاهد الطبيعة، التي يكون الإنسان فيها عرضا ضئيلا، شأنه في التصوير الصيني أو البيولوجيا الحديثة.

هذه المشاهد جليلة، ولكنها رتيبة. ولولا أن بوسان أضاف هنا وهناك أشكالاً مميزة او عنواناً خطه في إهمال لشق علينا أن نفرق بين الواحد منها والآخر. لقد أحب الخط في حكمة ولكنه أسرف في حبه، وأهمل سلم اللون، مستغلاً اللون البني فوق ما ينبغي؛ لا عجب أن أراد الفنانون الذين أتوا بعده على هذه «الصلصلة البنية» المتساقطة من أشجاره. ومع ذلك فأن هذه الآفاق الخافتة الاضواء، الخافتة الالوان، التي لم يرض عنها رجل مثل رسكن افتتن بوهج تيرنر، هي تفريج لنا بعد ما أصاب التصوير في أيامنا من اهتياج وقلق أيديولوجي، فهنا المفهوم الكلاسيكي للجمال بوصفه اتساق الأجزاء في كل، لا الفكرة الحديثة عن الفن بوصفه «تعبيراً» - قد يكون صورة طفل لم يتقن رسمها أو صيحة بائع متجول. وفي وسط اللازمية والباروك، وفي معارضة لقوة التصوير الإيطالي في القرن السابع عشر وعاطفيته، تشبث بوسان بالمثل الكلاسيكي الأعلى، الذي لا يغلو في شيء، فلا ألوان صارخة، ولا دموع، ولا إغرابات، ولا مقابلات مسرحية بين الضوء والظل، بل فن ذكوري أشبه بكوريني منه براسين وبباخ منه ببيتهوفن.

ص: 322

والصورة التي رسمها لنفسه عام 1650 تطالعنا منها عينان فيهما كلال، ربما من الرسم أو القراءة على ضوء ضليل. كان يقرأ كثيراً، محاولاً الإلمام بحياة اليونان والرومان في تفصيل مثابر، ولم يصب فنان مثل هذا العلم منذ ليوناردو. فلما أقبل على شيخوخته وجد عينيه تضعفان ويده تهتز، وقطع موت زوجته في الحادية والخمسين (1664) رباطاً حياً؛ فلم يعمر بعدها سوى سنة واحدة كتب صديق يقول «مات ابيلليس» . وعلى المقبرة أو قربها في كنيسة أبرشية سان لورينزو، أقام شاتوبريان (1829) نصباً من الرخام كتب عليه كما يكتب أحد الخالدين من البشر الفنانين لآخر:

ف. أ. دشاتوبريان

إلى

نيكولا بوسان

لمجد الفنون وشرف فرنسا

وكان أكبر منافسيه في تصوير مناظر الطبيعة جاره، وصديقه، كلود جيلليه، الملقب لوران نسبة إلى مسقط رأسه. وقد شعر هو أيضاً بدافع يدفعه نحو إيطاليا، وقبل أي وظيفة مهما حقرت ليصل إليها ويعيش فيها. حين تكشف كل لفتة للعين الباحثة عن أثر ما للفن المسيحي أو قطعة ملهمة من الفن القديم. وفي روما تتلمذ لأجوستينو تاسي، ومزج له الألوان، وطهي له طعامه، وتعلم على يديه. وقد رسم على سبيل التجربة ألف رسم، وحفر كلشيهات يقدرها اليوم الخبراء العارفون. وكان يشتغل ببطىء وتدقيق، وقد يستغرق أسبوعين في تفصيل واحد. وأخيراً أصبح هو أيضاً مصوراً، يرتزق من الطلب على صورة من الكرادلة والملوك الذين يقدرون فنه. وبعد قليل كان له بيته فوق التل البنسي، وشارك بوسان في اشباع الطلب الجديد للمناظر الطبيعية.

وكان يستجيب لهذا الطلب عن طيب خاطر، لأنه أحب أرض روما وسماءها حباً دفعه أحياناً إلى الاستيقاظ قبل طلوع الفجر ليشهد بزوغ النور

ص: 323

كل صبح، ويقتنص تغيرات الضوء والظل التي تحدثها كل بوصة طالعة من الشمس. لم يكن الضوء عند كلود مجرد عنصر في الصورة، إنما كان موضوعه الأهم، ومع أنه لم يحب-كما أحب تيريز-أن ينظر في عين الشمس ذاتها، فإنه كان أول من درس ونقل غلاف الضوء المنتشر. وقد التقط حركة الهواء غير الملموسة على الحقول، وورق الشجر، والماء، والغمام، كانت كل لحظة من السماء جديدة، وبدا أنه عقد نيته على جعل كل لحظة سائلة تسكَّن نفسها في فنه. وقد أحب ارتعاش القلوع وهي تقابل الريح، وجلال السفن وهي تمخر البحر. وأحس فتنة المسافات، ومنطق المنظور وسحره والحنين إلى رؤية لانهائية الفضاء وراء المرئي.

كانت المناظر الطبيعية لذته الوحيدة. ثم أدخل التراكيب الكلاسيكية في صوره عملاً بنصيحة بوسان-كالمعابد، والخرائب، وقواعد الأعمدة- ربما ليضفي وقار الشيخوخة على المشهد العابر. وافق على إضافة بعض الوجوه البشرية إلى مشهد الطبيعة العريض، ولكن قلبه لم يكن في هذه الزوائد. فهذه الوجوه، «أضيفت دون مقابل» ، فكان «يبيع مناظره الطبيعية، ويهب وجوهه (148)» . وكانت العناوين والقصص التي توحي بها هذه الوجوه تنازلات منه للعقول التي لم تستطع الإحساس بمعجزة الضوء وسر الفضاء دون جمال الأسطورة المسيحي أو بغير بطاقة من القصص الكلاسيكية. أما الواقع فهو أن كلود كان له موضوع واحد لا سواه- عالم الصباح، والظهر، والمساء. وقد وهب متاحف أوربا تنويعات حبيبة من الصور، لا تعنى أسماؤها شيئا، ولكن في وحدة وجودها تزاوج صوفي بين الشعر والفلسفة.

وقد نسلم لرسكن (149) بأن كلود وبوسان يرياننا الطبيعة على نحو خداع وهي في حالاتها الأرقّ، غافلين عن جلالها، مغفلين نوبات تدميرها الرهيب. ولكن بفضل جهودها أرسى تقليد عظيم في رسم المشهد

ص: 324

الطبيعي. وسنرى أنه سينافس صور الأجسام والوجوه، والمناظر الكتابية والأسطورية. لقد فتح الطريق لموكب الطبيعة من يعقوب وسليمان رويزدال إلى كورو.

وهكذا نجد أن ريشليو والوحدة القومية، وكورني والأكاديمية، ومونتيني وماليرب، ودبروس ومانزار، وبوسان ولوران-كل هذا لم يكن حصيلة تافهة أنتجها بلد مشتبك في الحروب. وها هو لويس الرابع عشر يتأهب للوقوف فوق ذلك التراث الصاعد والتسيد على فرنسا في أعظم عصورها.

ص: 325