الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكتاب الثالث
أوروبا الوسطى
1713 -
1756
الفصل الثاني عشر
ألمانية باخ
1715 - 1756
1 -
المشهد الألماني
لم يكن منتظراً من فولتير وهو يخترق ألمانيا أن يستطيع ترويض ذهنه الباريسي الهوائي على تقدير ما للألمان من أجسام وملامح وآداب وحديث، وعلى تذوق الأدب والموسيقى والفنون القوطية. وأغلب الظن أنه لم يكن قد سمع قط بيوهان سبستيان باخ، الذي مات في 18 يوليو 1750، وبعد وصول فولتير إلى برلين بثمانية عشر يوماً. ولعله لم يكن قد رأى تلك العبارة التي وصف بها هيوم ألمانيا 1748، وهي أنها "بلد بديع، زاخر بقوم أمناء مجدين، ولو قيضت له الوحدة لكان أعظم قوة
…
في الأرض" (1).
وكان من حسن طالع فرنسا وإنجلترا أن هذا الشعب القوي النشيط، البالغ عدده آنذاك زهاء عشرين مليونا من الأنفس، كان لا يزال منقسماً إلى نيف وثلاثمائة دويلة مستقلة من الناحية العملية، لكل منها أميرها المتمتع بالسيادة، وبلاطها، وسياستها، وجيشها، وعملتها، ومذهبها الديني، وزيها الخاص، وكلها في مختلف مراحل التطور الاقتصادي والثقافي، لا تجمعها غير رابطة اللغة، والموسيقى، والفن. وثلاث وستون من إماراتها-بما فيها كولونيا، وهلدسهايم، ومينز، وترير، وشييير، وفورتسبورج - يحكمها رؤساء أساقفة أو أساقفة، أو رؤساء ديورة. وكانت إحدى وخمسون مدينة - أهمها هامبورج، وبريمن،
ومجدبورج، وأوجربورج، وفورمبورج، وأولم، وفرانكفورت-على المين-مدناً "حرة"، بمعنى أنها، كالأمراء، تخضع لرأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة خضوعاً طليقاً من القيود الثقيلة.
وكان أكثر الأراضي الألمانية، باستثناء سكسونيا وبافاريا، يزرعه الأقنان أو رقيق الأرض المرتبطون بها، ويخضع لكل الفروض الإقطاعية القديمة تقريبا. وكان هناك 4. 500 قن من بين 8. 000 فلاح في أسقفية هلدسهايم حتى عام 1750 (2) وكانت الفوارق الطبقية حادة، ولكن طول العهد بها ثبتها تثبيتا جعل طبقة العامة تتقبلها في غير تذمر شديد، وقد خفف منها بقاء أطول واحترام أعظم لالتزامات السادة الإقطاعيين بحماية الفلاح في الكوارث، ورعايته في المرض والشيخوخة، والعناية بالأرامل واليتامى، وحفظ النظام والسلام (3)،
واشتهر الإقطاعيون "اليونكو" في بروسيا بإدارتهم أملاكهم بكفاية، وبتطبيقهم السريع للطرائق الزراعية المحسنة.
وأخذت الصناعة والتجارة تنتعشان بعد أن أنفقت ألمانيا سبعة وستين عاما في الأفاقة من حرب الثلاثين سنة. وكانت سوق ليبزج أحفل أسواق أوربا بروادها، ففاقت سوق فرانكفورت حتى بيع في الكتب. وبلغت فرانكفورت وهمبورج في هذا القرن في نشاطهما التجاري شأواً لم تبلغه سوى باريس، ومرسليا، ولندن، وجنوه، والبندقية، والآستانة. ولم يستعمل أمراء التجارة الهمبورجيون ثراءهم في الترف والمظاهر فحسب بل في الرعاية المتحمسة للأوبرا، والشعر والدراما، ففي همبورج حقق هاندل انتصاراته الأولى، ووجد كلوبستوك المأوى، وكتب لسنج مقالاته عن المسرح الهمبورجي. وكانت المدن الألمانية كشأنها اليوم، خير المدن إدارة في أوربا (4).
وبينما أفلح الملك في فرنسا وإنجلترا في إخضاع النبلاء للحكومة المركزي، نرى أن الناخبين أو الأمراء، أو الأدواق، أو الكونتات، أو الأساقفة، أو رؤساء الديورة والذين حكموا الدويلات الألمانية،
سلبوا الإمبراطور كل السلطان حقيقي على أملاكهم، وأتو بصغار النبلاء أتباعا في بلاط الأمير. وكانت هذه البلاطات ( Residenzen) ، فضلاً عن المدن الحرة، مراكز للحياة الثقافية كما كانت مراكز للحياة السياسية في ألمانيا. وانجذبت إليها ثروات ملاك الأراضي، وأنفقت على القصور الضخمة ومظاهر البذخ والثياب الفاخرة التي كانت في كثير الأحايين نصف الرجل ومعظم سلطانه. وهكذا نجد إيبرهارت لودفج، دوق فررتمبرج، يكل إلى ي. ف. نتى ودوناتو فريتسوني أن يشيدا له (1704 - 33) في لودفجزبورج (قرب شتوتجارت) قصرا بديلا بلغ في فخامته تصميمه وزخرفته، وفي كثرة ما حوى من أثاث أنيق وتحف فنية بديعة، مبلغاً لا بد قد كلف رعاياه الكثير من المال والعرق. وفي 1751 ألحق بالقلعة الكبرى ( Schloss) في هيدلبرج، التي بدء بناؤها في القرن الثالث عشر، راقود في كهف الخمور (وهو وعاء ضخم للتخمير) يتسع لتخمير 49،000 جالون من الجعة في المرة. وفي مانهايم اتفق الدوق شارل تيودور خلال حكمه الطويل ناخباً لليالاتين (1733 - 99)، 35 مليون فلورين على المؤسسات الفنية والعلمية، والمتاحف، والمكتبات، وعلى إعانة المعماريين، والمثالين، والمصورين والممثلين والموسيقيين. ولم تكن هانوفر بالبلد الفسيح ولا الفخم، ولكن كان يحوي داراً للأوبرا اجتذبت إليها هاندل. وكانت ألمانيا مجنونة بالموسيقى جنون إيطاليا الأم ذاتها.
وكانت كان لميونخ دار كبرى للأوبرا مولتها ضريبة فرضت على لعب الورق. غير أن بافاريا الناخبين أشهروا عاصمتهم بشيء آخر أيضاً هو العمارة. وكان مكسليان إيمانويل قد لجأ إلى باريس وفرساي حين اجتاح النمساويون في حرب الوراثة الإسبانية، فلما عاد إلى ميونخ (1714) جلب معه ولعا بالفن وطراز الركوك. وصحبه معماري فرنسي شاب يدعى فرنسوا دكوفلييه، شيد للناخب التالي، شارل ألبرت في حديقة نمفنبورج، آية من آيات الروكوك الألماني، هي قصر صغير يسمى امالينبورج (1734 - 39)، ظاهره بسيط،
وباطنه يعج
بالزخرف: فيه قاعة مرايا (شبيجلزال)، مقببة تبهر الأنظار، ذات زخارف من الجص بأشعار شعرية وعربية الطراز، وحجرة صفراء (جلبس تسيمر) تحير زخارفها الجصية المذهبة العين التي تحاول تتبع تصميمها المعقد. وبهذا الطراز الطاغي نفسه بدأ يوزف افنر، وأتم كوفلييه، الحجرات الإمبراطورية في قصر الدوق بميونخ. وكان كوفلييه قد غادر فرنسا في العشرين من عمره قبل أن يتعلم الخضوع الكامل للذوق الفرنسي. ومن عكف الفنانون الألمان، دون أن يلقوا منه معارضة، على تطوير الزخارف الجصية بتحرر الهواة وحماستهم، فحققوا الكمال في الجزيئات مع الإسراف في الكليات. وقد تحطمت الحجرات الإمبراطورية في الحرب العالمية الثانية.
ولم يكن فردريك أوغسطس الأول "القوي"، ناخب سكسونيا (حكم 1694 - 1733) ليرضى بان يبزه أي دوق ميونخي. ومع أنه انتقل إلى وارسو (1697) ملكاً على بولندة باسم أوغسطس الثاني، فقد وجد الوقت ليفرض على السكسونيين من الضرائب ما يكفي لجعل درسدن "فلورنسة نهر الألب". فتقدمت بذلك جميع المدن الألمانية في الإنفاق على الفن، كتبت الليدي ماري مونتاجير في 1716 تقول:"إن المدينة أكثر ما رأيت من مدن في ألمانيا نظافة وأناقة، وأكثر بيوتها حديثة البناء وقصر الناخب آية في الجمال"(6). وجمع
أوغسطس الصور في نهم كنهمه في جمع الخليلات، أما ابنه الماخب فردريك أوغسطس الثاني (حكم 1733 - 63) فقد أغدق المال على الخيل والصور، و "جلب فنون إلى ألمانيا"(7) كما قال ونكلمان. وفي 1743 أوفد أوغسطس الأصغر هذا لجاروتي إلى إيطاليا حاملاً الدوقاتيات لشراء الصور، ولم يلبث الناخب أن دفع 000و100 سيكوين (000و50 دولار؟) ثمناً لمجموعة الدوق فرانتشسكو الثالث أمير مودينا، وفي 1754 اشترى لوحة رفائيل "سستسني مادونا"(عذراء كنيسة السستين) بعشرين ألف دوقاتية، وهو ثمن لم يسبق له
نظير. وهكذا تكونت قاعة صور درسدن العظمى.
وقامت في درسدن دار جميلة للأوبرا في 1718، ولابد أن فرقتها
كانت متفوقة، لأن هاندل أغار عليها ليزود منها مشروعاته الإنجليزية الجريئة في 1719، وكان أوركستراها بقيادة يوهان هاستي من خيرة الأوركسترات في أوربا (8). وفي درسدن ولد الخزف الميسيني- ولكن يجب أن تنفرد لهذا قصة مستقلة. وأما في عمارة العاصمة السكسونية فإن ألمع الأسماء كان متاوس دانيل بوبلمان، الذي شاد لأغسطس القوى في 1711 - 22 قصر تسفنجر الشهير مركزاً لمهرجانات البلاط. وهو مجمع باروكي رائع من أعمدة وعقود ونوافذ
جميلة ذات عمد وشرفات وقبة تتوج هذا كله. وقد دمرت القنابل القصر في 1945، ولكن البوابة الفخمة أعيد بناؤها وفق التصميم الأصلي. ولهذا الناخب الذي لا يتعب ولا يكل أقام المعماري الروماني جيتانو كيافيري بطراز الباروك كنيسة البلاط (1738 - 51)، وهذه أيضاً دمرت إلى حد كبير ثم رممت بنجاح. إن التاريخ سباق بين الفن والحرب، والفن يلعب في هذا السباق دور سسيفوس (ملك كورنثة الذي قضي عليه بان يدحرج حجراً ثقيلا صاعداً الجبل، فلا يلبث الحجر أن يتدحرج إلى أسفل).
2 - الحياة الألمانية
كانت ألمانيا الآن تتصدر أوربا في ميدان التعليم الأولى. ففي 1717 جعل فردريك وليم الأول ملك بروسيا التعليم الابتدائي إلزامياً في مملكته، وأسس في العشرين سنة التالية 1700 مدرسة لتعليم الصغار وتلقينهم ما يريد. وكان يقوم بالتدريس عادة في هذه المدارس مدرسون علمانيون وأخذ دور الدين في التعليم يتضاءل. وتركز الاهتمام على تعويد التلاميذ الطاعة والاجتهاد، وكان الجلد عقاباً لا غنى عنه. وقد حسب معلم أنه خلال إحدى وخمسين سنة مارس فيها التعليم جلد تلاميذه 124. 000 جلدة بالسوط، وصفعهم بيده 136. 715 صفعة، وضربهم بالعصا 911. 527 ضربة، ولكمهم على آذانهم 1. 115. 800 لكمة. وفي 1747 أسس يوليوس هيكر، القسيس البروتستنتي في برلين أول "مدرسة واقعية Realschule، وقد سميت كذلك لأنها أضافت الرياضيات والدراسات
الصناعية إلى اللاتينية والألمانية والفرنسية، وسرعان ما أنشأت معظم المدن الألمانية معاهد على غرارها.
أما في الجامعات فإن دراسة اليونانية ارتفعت إلى مكان مرموق جديد فأرسلت بذلك الأسس لتفوق ألمانيا اللاحق في الدراسات اليونانية وقامت جامعات إضافية في جونتن (1737) وإرلانجن (1747). وإذا كان ناخب هانوفر (الذي أصبح ملكا على إنجلترا) يمول جامعة جوتنجن، فإنها حذت حذو جامعة هاللي في إطلاق يد الأساتذة في التعليم، والتوسع في تدريس العلوم الطبيعية والدراسات الاجتماعية، والقانون. وخلع الطلاب الآن الرداء الجامعي، وارتداء العباءة، وتقلدوا السيف والمهماز، والتحموا في المبارزات، وتلقوا الدروس من سيدات المدينة الأكثر تحللاً. وكانت الألمانية لغة التعليم إلا في الفلسفة واللاهوت.
على أن الألمانية كانت قد انحدرت سمعتها الآن، لأن الطبقة الأرستقراطية أخذت تستعمل الفرنسية. كتب فولتير من برلين (24 نوفمبر 1750) يقول "أنني أجد نفسي هنا في فرنسا، فما من إنسان يتكلم غير الفرنسية. أما الألمانية فللجند والخيل، ولا يحتاج إليها المرء إلا على الطرق"(9). وقدم المسرح الألماني الهزليات بالألمانية، والمآسي بالفرنسية - وكانت عادة تختار من ذخيرة المآسي الفرنسية. وكانت ألمانيا آنئذ أقل الدول الأوربية نزعة قومية، لأنها لم تكن بعد دولة.
وعانى الأدب الأماني من هذا الافتقار إلى الوعي القومي. وكان أكثر مؤلفي العصر الألمان أثرا، وهو يوهان كرستوف جوتشيد، الذي جمع من حوله لفيفا من الأدباء أحال ليبزج إلى "باريس صغرى"، يستعمل الألمانية في كتاباته، ولكنه استورد مبادئه من بوالو، وندد بالفن الباروكي لأنه ضرب من الفوضى البراقة، ودعا إلى الرجوع للقواعد الكلاسيكية في الكتابة والفن كما مارسها الفرنسيون على عهد لويس الرابع عشر. وهاجم ناقدان سويسران-هما بودمير وبريتنجر-إعجاب
جوتشيد بالنظام والقواعد، وأحسا أن الشعر يستمد قوته من قوى الوجدان والعاطفة الأعمق من العقل، وحتى في راسين يتفجر عالم من الانفعال والعنف خلال الشكل الكلاسيكي. وأكد بودمير أن "أفضل الكتابات ليس ثمرة القواعد
…
فالقواعد تشتق من الكتابات" (10).
أما كرستيان جيلليرت، الذي فاق جميع الكتاب الألمان شعبية، فقد وافق بودمير، وبويتنجر، ويسكال، على أن الوجدان هو لب الفكر وروح الشعر. وكان جديرا باسم المسيحي (كرستيان) إذ بلغ من احترام الناس له لنقاء حياته ورقة سلوكه أن الملوك والأمراء كانوا يختلفون إلى محاضراته في الفلسفة والأخلاق بجامعة ليبزج، وأن النساء كن يأتين ليلثمن يديه. وكان رجلا ذا عاطفة لا يخجل من الجهر بها، ناح على القتلى في معركة روسباخ بدلا من أن يحتفل بانتصار فردريك فيها، ومع ذلك فإن فردريك، أعظم رجل واقعي في ذلك العصر، وصفه بأنه "أكثر العلماء الألمان معقولية"(11). على أن فردريك آثر عليه في أغلب الظن إيفالد مرسيان فون كلايست، الشاعر الشاب الفحل الذي بذل حياته لأجله في معركة كونرسدورف (1759) وكان رأى الملك في الأدب الألماني قاسيا ولكنه مشوب بالأمل: "ليس لدينا كتاب مجيدون على الإطلاق، ولعلهم يظهرون حين أكون سائرا في فراديس النعيم
…
ستسخر مني لاهتمامي بتوصيل بعض المفاهيم عن الذوق وبعض "الملح" الكلاسيكي لأمة لم تعرف إلى لآن شيئا غير الطعام والشراب والقتال (12) وكان كانت، وكلويشتوك، وفيلاند، ولستج، وهردر، وشيلر، وجيته- كان هؤلاء جميعا قد ولدوا في هذه الأثناء.
وثمة ألماني من أهل ذلك العهد كسب تعاطف فردريك الفعال وهو كرستيان فون فولف، وكان ابن دباغ ارتقى إلى منصب الأستاذية في جامعة هاللي. وقد اتخذ المعركة كلها موضوعا لتخصصه، فحاول أن يصنفها على أساس فلسفة ليبنتس. ومع أن مدام دشاتليه وصفته بأنه "ثرثار كبير"، فإنه التزم بأن يسترشد بالعقل، وبطريقته المتعثرة بدأ التنوير
الألماني ( Aufklarung) وحطم السوابق بتدريس العلوم والفلسفة بالألمانية. ومجرد إيراد قائمة بكتبه السبعة والستين كفيل بأن يعطل مسيرنا. وقد بدأ برسالة من أربعة مجلدات عن "جميع العلوم الرياضية"(1710)، ثم ترجم هذه المجلدات إلى اللاتينية (1713) وأضاف إليها قاموسا رياضيا (1716) ييسر الانتقال إلى الألمانية. وواصل التأليف بسبعة كتب (1712 - 25) في المنطق، والميتافزيقيا، والأخلاق، والسياسة، والفيزياء، والغائية، والأحياء، وكل عنوان منها تتصدره في جرأة هاتان الكلمتان "أفكار معقولة" وكأنه يرفع راية العقل فوق صارية. وإذ كان يهفو إلى جمهور قراء أوربي، فإنه غطى هذه المنطقة كلها بثماني رسائل لاتينية، كان أكثرها تأثيرا "علم النفس التجريبي"(1732)، و"علم النفس العقلاني"(1734) و"اللاهوت الطبيعي"(1736). وبعد أن خرج حيا من كل هذه المآزق ارتاد فلسفة القانون (1740 - 49)، ولكي يتوج هذا الصرح كتب ترجمة لحياته.
وسير أسلوبه المدرسي المنتظم يجعل من الصعب قراءته في عصرنا المحموم. ولكنه كان بين الحين والحين يلمس مناطق حية. من ذلك أنه رفض ما ذهب إليه لوك من اشتقاق المعرفة كلها من الإحساس، وكانت نظرياته معبراً بين ليبنتس وكانت لأنه أصر على الدور النشيط الذي يؤديه العقل في تكوين الأفكار. فالجسم والعقل، والحركة والفكرة، عمليتان متوازيتان، لا تؤثر إحداهما في الآخرة. والعالم الخارجي يعمل آلياً، وهو يبدي دلائل كثيرة على الخطة ذات القصد، ولكن ليس فيه معجزات وحتى عمليات العقل خاضعة لحتمية العلة والمعلول. أما الأخلاق فينبغي أن تلتمس ناموساً خلقياً مستقلا عن العقيدة الدينية، وعليها ألا تعتمد على الله لتخويف البشر حتى يلتزموا الفضيلة. وأما وظيفة الدولة فليست السيطرة على الفرد بل توسيع الفرص لنموه (13). وهو يطري الأخلاق عند كونفوشيوس بوجه خاص، لأنها لم تقم الفضيلة على الوحي فوق الطبيعي بل على العقل البشري (14). "إن قدامى أباطرة الصين وملوكها كانوا قوما ذوي ميل فلسفي وبفضل عنايتهم أصبح نظام حكومتهم خير النظم جميعا"(15).
وذهب كثير من الأمان إلى فلسفة فولف مهرطقة إلى حد خطر، رغم اعترافاته الجادة بالعقيدة المسيحية. وأنذر أعضاء في هيئة التدريس فردريك وليام الأول بأنه لو قبلت حتمية فولف فلن يكون في الإمكان عقاب أي جندي هارب، وسينهار صرح الدولة كله (16). فأمر الملك المرتاع الفيلسوف بأن يغادر بروسيا خلال ثمان وأربعين ساعة وإلا "كان عقابه الموت الفوري" فهرب إلى مجدبورج وجامعتها، حيث رحب به الطلاب رسولا وشهيداً للعقل. وقد نشر أكثر من مائتي كتاب أو كتيب خلال ستة عشر عاما (1721 - 37) تهاجمه أو تدافع عنه. وكان من أول أعمال فردريك الأكبر الرسمية عقب اعتلاه العرش (1740) إنه وجه دعوة حارة للفيلسوف المنفي يطلب إليه الرجوع إلى بروسيا وهاللي. وجاء فولف وفي 1743 عين مديراً للجامعة. وازداد اتباعه للابن التقليدي مع الزمن، ومات (1754) في كل ورع المسيحي السني.
ولقد كان تأثيره أعظم كثيراً مما قد نحكم به من شهرته الضعيفة في العصر الحاضر، وجعلته فرنسا عضو شرف في أكاديمية علومها، وعينته أكاديمية سانت بطرسبورج الإمبراطورية أستاذاً فخريا بها، وترجم الإنجليز والإيطاليون مؤلفاته في مثابرة، وفرض ملك نابلي النسق الفولفي في جامعاته. وأطلق عليه الجبل الأصغر من الألمان لقب الحكيم، وشعر بأنه علم ألمانيا أن تفكر. واضمحلت طرائق التعليم المدرسية القديمة، وزادت الحرية الأكاديمية. ونقل مارتن كنوتسن الفلسفة الفولفية إلى جامعة كونجزبرج، حيث كان يدرس إيمانويل كانت.
وضعف تأثير الدين في الحياة الألمانية بسبب تطور العلم والفلسفة، ونتائج البحث في الكتاب المقدس التي أزالت الأوهام، فضلا عن قوى العلمنة الشديدة. وانتشرت بين الطبقات العليا الأفكار الربوبية التي وصلت من إنجلترا بفضل الترجمات واتصال إنجلترا بها نوفر، ولكن أثر هذه الأفكار كان تافها إذا قيس بنتيجة إخضاع الكنيسة-الكاثوليكية والبروتستنية على السواء-للدولة. لقد قوت حركة الإصلاح البروتستنتي العقيدة الدينية حينا، ثم جاءت حرب الثلاثين فأضرت بهذه العقيدة، والآن كان خضوع
الأكليروس للأمراء الحاكمين سبباً في زوال هالة التقى والورع التي خلعت القدسية من قبل سلطانهم. وأصبحت التعيينات في الوظائف الكنسية يمليها الأمير أو السيد الإقطاعي المحلي. أما النبلاء فتظاهروا بالدين، كما فعل نطراؤهم في إنجلترا، باعتباره مسألة منفعة سياسية وعرف اجتماعي. وفقد الأكليروس اللوثري والكلفني مقامهما، واستردت الكاثوليكية سلطانهم في بطئ. في هذه الفترة انتقلت ولايات سكسونيا، وفورتمبرج، وهسي، وكلها بروتستنتية، إلى حكام كاثوليك، واضطر فردريك اللاأدري إلى استرضاء سيليزيا الكاثوليكية.
ولم تزك غير حركة دينية واحدة في المناطق البروتستنتية وهي حركة الإخوان المتحدين، أو الإخوان الموارفيين. ففي عام 1722 هاجر نفر من أعضائها الذين اضطهدوا في مورافيا إلى سكسونيا، ووجد الملجأ في ضيعة الكونت نيكلاوس لودفج فون تستسندورف. وقد رأى هذا الكونت الشاب، الذي كان هو نفسه ابن العماد لفيليب ياكوب سبينر في هؤلاء اللاجئين فرصة لإحياء روح المذهب التقوى. فبنى لهم على أرضه قرية هرنهوت (أي جبل الرب)، وأنفق ثروته كلها تقريبا على طبع الأسفار المقدسة وكتب تعليم العقيدة المسيحية، وكتب التراتيل وغيرها من المؤلفات لينتفعوا بها. وقد أعانت رحلاته في أمريكا (1741 - 42) وإنجلترا (1750) وغيرهما على إنشاء مستعمرات لهؤلاء الإخوان في كل قارة، والواقع أن الإخوان الموارفييين هم الذين بدءوا نشاط البعوث الحديث في الكنائس البروتستنسية (17) فقد جلب بيتر بولر تأثيرا قويا للإخوان في الحركة المثودية حين التقى بجون وسلي في 1735. وفي أمريكا استقر بهم المقام قرب بيت لحم في بنسلفانيا، وفي سليم بكارولينا الشمالية. واحتفظوا يإيمانهم ونظامهم سليمين لم تكد تمسهما رياح العقيدة وأزياء اللباس، وربما كان الثمن شيئاً من قسوة الروح في علاقاتهم العائلية، ولكن لا مناص للشاك من أن يحترم قوة إيمانهم وإخلاصه، وانسجامه الغريب مع حباتهم الخلفية.
وكانت أخلاق العصر بصفة عامة أسلم وأصح في ألمانيا منها في فرنسا،
إلا حيث سرت بدعة محاكاة فرنسا من اللغة إلى الفسق. في الطبقات الوسطى خضعت الحياة العائلية لضبط أشرف على التعصّب والغلو، فقد درج الآباء على أن يسوطوا بناتهم، وزوجاتهم أحيانا (18)، وفرض فردريك وليم الأول على بلاط برلين نظاما تسوده الرهبة، ولكن ابنته وصفت البلاط السكسوني في درسدن بأنه بلغ في زناه بلغ بلاط لويس الخامس عشر. ويؤكد لنا مصدر غير ويق أنه كان لأوغسطس القوي 354 طفلا"طبيعيا"(أي غير شرعي) نسى بعضهم أبوتهم المشتركة في فراش سفاح المحارم. بل قيل إن أوغسطس نفسه اتخذ له خليلة من ابنته غير الشرعية الكونتيسة أوركتسيلسكا (19)، التي علمت فردريك الأكبر فيما بعد فنون الغرام. وقد أصدرت كلية الحقوق بجامعة هاللي في بواكير القرن الثامن عشر إعلاناً دافعت فيه عن التسري بين الملوك والأمراء (20).
وكانت الآداب السلوك صارمة، ولكنها لم تدع لنفسها ما تميت به الآداب الفرنسية من رشاقة الحركة أو سحر الحديث. وأدفأ النبلاء أنفسهم بالحلل والألقاب بعد أن انتزعت منهم السلطة السياسية. كتب اللورد تشسترفيلد في 1748 يقول:"أعلم أن الكثير من الخطابات رد دون أن يفتح لأنه أغفل كتابة لقب من بين عشرين في عنوانه"(21). وكان حكم أولفر جولدسمث قسوة المتعصب لوطنه إذ قال: " فلنوف الألمان حقهم، إنهم وإن كانوا أغبياء فليس هناك أمة حية تتكلف رزانة محمودة أكثر منهم، أو تفوقهم في فهم آداب الغباء"(22) وقد وافقه فردريك الأكبر (23) وظل الأكل وسيلة محببة لإنفاق اليوم. واقتبس الأثاث طرز النقش والتطعيم المزدهرة آنئذ في فرنسا، ولكن لم يكن في فرنسا ولا في إنجلترا شئ يداني في بهجته مواقد الطهو الملونة بألوان تشرح الصدر، والتي أثارت حسد الليدي ماري مونتاجيو (24). وكانت الحدائق الألمانية مطلينة، ولكن البيوت الألمانية، بما حوت من واجهات نصفها من الخشب، ونوافذ ذات أعمدة، وأفاريز واقية، خلعت على المدن الألمانية فتنة مشرقة تنم على حس جمالي مرهف وإن لم يكن قد تشكل.
والواقع أن الذي أرسى الاستعمال الحديث لفظ Aesthetic ( جمالي) في كتابه بهذا العنوان (1750)، وأذاع نظرية في الجمال والفن بوصفها قسما من أقسام الفلسفة مشكلة من مشاكلها، كان ألمانيا يدعى ألكسندر باومجارتن.
3 - الفن الألماني
كانت صناعة الخزف هنا فناً كبيراً، لأن الألمان علموا أوربا في هذه الفترة كيف تصنع الصيني، فلقد استأجر أوغسطس القوي يوهان فرديدرش بوتجر لتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وأخفق بوتجر، ولكنه انشأ بمساعدة صديق قديم لسبينوزا يدعى فلترفون تشير نهاوس مصنعاً للقاشاني في درسدن، وأجرى تجارب وفقت آخر الأمر في إنتاج أول خزف صيني صلب العجينة. وفي 1710 نقل هذه الصناعة إلى مايسين، على أربعة عشر ميلا من درسدن، وهناك واصل تحسين طرائقه وصقل منتجاته حتى وفاته (1719). وكان خزف مايسين يرسم بالأوان غنية على أرضية بيضاء برسوم رقيقة للزهر والطير ومشاهد الحياة اليومية والمناظر الطبيعية ومناظر البحر واللقطات الغربية من الثياب والحياة الشرقيتين. وزاد يوهان يواكيم كيندلر العملية تحسيناً، فأضيف النحت في الصيني إلى الرسم تحت السطح المصقول؛ وخلدت التماثيل الصغيرة الغربية وأشخاص الفولكلور والكوميديا الألمانيين، ودلت روائع خصبة الخيال مثل رائعة "خدمة البجع" لكيندلر واييرلاين على أن في استطاعة الفن أن ينافس ما حوته خزائن النساء المنوعة بهاء ونعومة. وسرعان ما راحت كل مجتمعات أوروبا الأرستقراطية، حتى في فرنسا، تزين حجراتها بتماثيل من صيني مايسين فيها تهكم مضحك. واحتفظت المدينة بتفوقها في الفن إلى سنة 1758، حين اجتاحها الجيش البروسي في حرب السنوات السبع.
ومن أوجزبورج، ونونمبرج، وبايرويت، وغيرها من المراكز، سكب الخزافون الألمان في البيوت الألمانية فيضاً باروكياً من المنتجات
الحرارية، من أبدع القاشاني والصيني إلى الأباريق البهيجة التي جعلت حتى فن شرب الجعة تجربة جمالية. وتزعمت ألمانيا أوروبا طوال أكثر من القرن الثامن عشر في صناعة الزجاج لا الصيني فحسب (25). كذلك لم يبز صناع الأشغال الحديدية الألمان أحد في هذا العصر، ففي أوجزبورج وإيبزاخ، وغيرهما صنعوا بوابات من الحديد المشغول تلك التي كان يقيمها جان لامور في نانسي. أما الصاغة الألمان فلم يفقهم غير أبرع زملاءهم في باريس. وحفر الحفارون الألمان (كنوبلزدورف، وجلومي، وروجنداس، وريدنجر، وجيورج كيليان، وجيورج شمت) أو نقشوا بالحرق سوماً بديعة في الأطباق النحاسية (26).
أما المصورون الألمان في هذه الفترة فلم يظفروا بالشهرة الدولية التي ما زال يجزى بها فاتوا، وبوشيه، ولاتور، وشاردان. وإنه لمن ضيق أفقنا الفكري- ذلك الضيق الذي لا مهرب منه-جهل غير الألمان بصور مصورين ألمان مثل كوزساس آرام، وبلتازار دينر، ويوهان فيدلر، ويوهان تيلي، ويوهان تسيزنيس، وجيورج دماريه، فحسبنا أن نتلو أسماءهم على الأقل ونحن اكثر إحاطة بمصور فرنسي استوطن ألمانيا يدعى أنطوان بين، وقد أصبح مصور البلاط لفردريك وليم الأول ثم لفردريك الأكبر. وتصور رائعته فردريك وهو بعد غلام برئ في الثالثة ومعه أخته فلهليني ذات الستة أعوام (27)، ولو أن هذه اللوحة رسمت في باريس لسمعت بها الدنيا كلها.
واكتسبت أسرة صيتاً زائغاً في ثلاثة ميادين-التصوير والنحت والعمارة. فقد رسم كوزماس دميان آزام، في كنيسة القديس إميرام بريجنزبورج، صعود القديس بندكت إلى الفردوس، وأعانه على ذلك بمنصة إطلاق. واشترك كوزماس مع أخيه إيجد في رسم داخل كنيسة القديس نيبوموك بميونخ-عمارة يغشاها النحت بأكثر ضروب الباروك إسرافاً. وحفر إيجد بالجص"صعود مريم" لكنيسة دير في رور ببافاريا. وبدت اليد الإيطالية الرقيقة في نافورة نبتون الرائعة التي أقامها لورنتسو
ماتيللي في درسدن، وكانت النافورة ن المعالم الشهيرة في بهاء العاصمة السكسونية. أما بلثازار برموزر فقد أفسد تمثاله "تمجيد الأمير أوجين (28) " بخليط مهوش من التماثيل الرمزية، وقد زين بمثل هذا الإسراف جناح قصر تسفنجر بدرسدن، ولكنه حقق درجة من الجلال والقوة تكاد تقربه من ميكل أنجيلو في تمثال "الرسل" المتجمعين حول منبر كنيسة البلاط بدرسدن، وتمثاله "القديس أمبروز" المصنوع من خشب الزيزفون في تلك الكنيسة يستشرف قمة النحت الأوربي في النصف الأول من القرن الثامن عشر. وقد تصور جيورج ايبنيست الجمال الألماني الممشوق في تمثاله البديع "باخوس واريادنى" الذي نحته لبستان سانسوني. وحفلت البساتين والحدائق الألمانية بالمنحوتات، وقدر خبير في الباروك أن "في ألمانيا من تماثيل الحدائق الجيدة نسبة تفوق كل ما في سائر أوربا من تماثيل مجتمعة (29) ".
على أن المعمار هو الميدان الذي لفت فيه الفنانون الألمان أنظار الفنانين الأوربيين في هذا العصر. فقد ترك يوهان بلتازار نويمان بصمته على أكثر من عشرة مبان. وكانت رائعته قصر أمير فورتسبورج الأسقف، وقد تعاون آخرون معه في التصميم والتنفيذ (1719 - 44)، ولكن يده كانت اليد الهادية. وقد تحطمت في الحرب العالمية الثانية القاعة الفينيتسية وقاعة المرايا، المتألقتان بزخارفها، ولكن بقيت أربع قاعات لتشهد بهاء الداخل، أما بيت السلم الفخم الذي اشتهر في دنيا الفن كلها بصورة سقفه الجصية التي رسمها تيبولو؛ فكان واحد من عدة مبان شبيهة به أعانت على دفع نويمان إلى مكان مرموق بين معماريي زمانه. وبيت السلم الذي بناه للقصر الأسقفي في بروشزال يختلف عن هذا كل الاختلاف، ولكنه يكاد يعدله روعة-وهو ضحية أخرى من ضحايا الانتحار القومي. وربما فاق كليهما جمالا بيت السلم المزدوج الذي بناه لأوجستوسبورج في برول بقرب كولونيا. وكان بناء بيوت السلم غرامة، فأغدق من فنه على بيت آخر في دير بمدينة ايبراخ. وزين مصاعده بالباروك المزخرف كنيسة
القديس بولس في تريير وكنيسة كرويتسبيرج قرب بون، وأضاف إلى كتدرائية فورتسبورج مصلى بلغ ظاهره أكمل ما يمكن أن يبلغه طراز الباروك.
وتخصصت العمارة الكنسية الآن في بناء الديورة الضخمة. فقام إنريكو تسوكاللي في 1781 بترميم "كلوستر أتال"، وهو دير بندكتي بناه الإمبراطور لويس البافاري عام 1330 في واد جميل على مقربة من أوبراميرجا وحدد بناؤه إنريكوتسوكاللي، وتوجه بقبة رشيقة. وقد دمرت النار كنيسة الدير في 1744، فأعاد بناءها يوزف شموتسر في 1752، وقد حلى داخلها تحلية دقيقة بطراز الروكوك المذهب الأبيض، بصور جصية بريشة يوهان تسايلر ومارتن كنوللر، وأضيف مذابح جانبية فاخرة في 1757، وأرغن اشتهر بغطائه الجميل. وأروع هذه الآثار التقوية هي الكلوستركرشي، أو كنيسة الدير البندكتي، الغنية غنى لا يصدق، والواقعة في اوتوبورين جنوب شرقي ميمنجن. هنا نظم يوهان ميكائيل فيشر المجموعة، وقام يوهان كريستيان بالنقوش المذهبة، وصنع مارتن هورمان مقاعد المرتلين-وهي مفخرة الحفر الألماني في الخشب في القرن. وقد عكف فيشر على هذا العمل في فترات متقطعة من 1737، حتى وفاته في 1766.
وكرهت الطبقات الحاكمة - كما كره الرهبان- أن تنتظر جنة بعد القبر. فشيدت بعض القاعات الفخمة للمدن، مثل قاعتي لونبورج وبامبرج ولكن أعظم جهود العمارة العلمانية خصص للقلاع والقصور. فكان في كل كارلزروهي قصر لحاكم بادن دورلاخ، هو قلعة فريدة في بابها، بنيت على شكل مروحة-تتشعب أضلاعها من حديقة لها شكل مقبض متجهة إلى شوارع المدينة. وقد دمر هذا القصر كما دمر كثير مما احتوته المدينة في الحرب العالمية الثانية، وحاقت هذه المأساة أيضاً بقصر برلين العظيم الذي شيده أندرياز شلوتر وخلفاؤه (1699 - 1720)، ثم ضحية أخرى هي قصر مونبيجو، القريب من بوابة شبانداو ببرلين، أما قلعة برول التي صممت لرئيس أساقفة كولونيا فقد دمر بعضها، وأما قلعة
بروشزال فقد دمرت برمتها. وفي ميونخ بنى يوزف افنر قصر برييزنج وفي تريير بنى يوهان زايتس لرئيس الأساقفة الحاكم "قصر الناخب"- وهو نموذج للجمال الوديع. وأما الأسقف ناخب مينز، فقد بنى له مكسمليان فون فيلش ويوهان دينتسينهوفر بقرب بومر زفيلدن قلعة كبرى ثانية، تدعى قلعة فيسنشتين، أقام فيها يوهان لوكاس فون هيلدبرانت بيت سلم مزدوجاً يستطيع كبار القوم أن يصعدوا ويهبطوا عليه دون أن يصدم بعضهم بعضاً.
وتوج فردريك الأكبر المعمار الألماني العلماني في القرن الثامن عشر بتكليفه جيورج فون كنوبلز دورف وآخرين بأن يبنوا في بوستدام (خارج برلين بستة عشر ميلا)، وفق تصميم صنعه الملك نفسه، ثلاثة قصور كانت في مجموعها ضريباً لفرساي: قصر الدولة "شتاتشلوس"، (1745 - 51)، والقصر الجديد "نويئس"(1755)، ومنتج فردريك الصيفي، لذي سماه شلوس"قلعة سانسوسي". فكان طريق مشجر من درج هين، يبدأ من نهر هافل، يفضى بعد خمس مراحل تخترق بستاناً مدرجاً إلى هذه "القلعة الخلية البال" التي اتخذت نوافذها ذات الأعمدة وقبتها الوسطى بعض وحيها من قصر تسفنجر بدرسدن. واحتوى جناح من أجنحتها على قاعة للفنون، وتحت القبة دائرة من الأعمدة الكورنثية الجميلة، مكتبة زينت بزخارف ملولبة روكوكية، وتألقت بالكتب التي احتوتها خزانات زجاجية، وأتاحت للملك ملاذاً من السياسة والقواد الحربيين. وفي سانسوسي على الأخص كان فولتير يلتقي بقرينه في الملك الفيلسوف الذي استطاع أن يحكم دولة، ويتحدى الكنيسة، ويصمم بناء، ويرسم لوحة شخصية، وينظم شعرا لا بأس به، ويكتب تاريخا ممتازا، وينتصر في حرب على نصف أوربا، ويلحن موسيقى، ويقود أوركسترا، ويعزف على الفلوت.
4 - الموسيقى الألمانية
احتلت الموسيقى الألمانية مكان الصدارة من مولد هاندل وباخ في 1685 حتى موت برامز 1897. ففي أي وقت من هذه السنين التي بلغت 212
كان أعظم الملحنين الأحياء، باستثناء الأوبرا (30). وقد بلغ شكلان موسيقيان، هما الأوراتوريو والفوجه، غاية تطورهما في إنتاج الألمان في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وقد يضيف البعض أن القداس الكاثوليكي الروماني تلقى تعبيره النهائي على يد بروتستنتي ألماني. لقد انتهى عصر القصور، وبدأ عصر الموسيقى.
كانت الموسيقى جزءا من الدين، كما كان الدين جزءا كبيرا جدا من الموسيقى في كل بيت ألماني. فما من أسرة، اللهم إلا في أفقر الطبقات إلا استطاعت أن تترنم بالترانيم المشتركة، وما من فرد إلا استطاع أن يعزف على آلة أو أكثر. ورتلت مئات من جماعات الهواة المسماة Liebhaber الكنتاتات التي يعتبرها المرتلون المحترفون اليوم عسيرة إلى حد مثبط (31). وظفرت كتيبات الموسيقى بشعبية الكتاب المقدس. ودرست الموسيقى مع القراءة والكتابة في المدارس العامة. وكان النقد الموسيقي أرقى من نظيرة في أي بلد باستثناء إيطاليا، وكان أعظم نقاد الموسيقى في ذلك القرن ألمانيا.
وأغلب الظن أن يوهان ماتيزون كان أشهر من أي موسيقى ألماني بين الموسيقيين الألمان وأقلهم ظفرا بحبهم. فقد حجب غروره جلائل أعماله. عرف اللغات الأدبية القديمة والحديثة، وألف في القانون والسياسة، وأجاد العزف على الأرغن والبيان القيثاري إجادة أتاحت له أن يرفض أكثر من عشر دعوات إلى شغل وظائف مرموقة، وكان راقصا رشيقا، ورجل دينا عريض الثقافة، وكان مثاقفاً خبيراً كاد يقتل هاندل في مبارزة معه. وغنى بنجاح في أوبرا همبورج، وألف الأوبرات، والكانتاتات، وتراتيل أسبوع الآلام، والموشحات الدينية، والسوناتات والسويتات. وطور شكل الكانتاتا قبل باخ. وظل تسع سنين قائد فرقة المرتلين للدوق هولستين، فلما أصيب بالصم قنع بأن يؤلف. وأصدر ثمانية وثمانين كتابا، ثمانية منها في الموسيقى، وأضاف إليها رسالة عن التبغ. وأنشأ واشرف على صحيفة "النقد الموسيقي"(1722 - 25)، وهي أقدم ما عرفنا من نقاش نقدي
للمؤلفات الموسيقية القديمة والجديدة، وصنف قاموس تراجم للموسيقيين المعاصرين، ومات في الثالثة والثمانين (1764)، بعد أن حفز عالم الموسيقى حفزا قويا.
أما الآلات الموسيقية فكانت في تطور وتغير دائمين، ولكن الأرغن ظل سيدها من غير مناع. وكان له عادة ثلاث لوحات مفاتيح أو أربع، مضافا إليها دواسة لجوابين ونصف، وضوابط مختلفة تستطيع محاكاة أي آلة أخرى تقريبا. ولم تصنع إلى الآن أي أرغن أبدع من تلك التي صنعها اندرياس زلبرمان الاستراسبورجي، وحوتفريد زلبرمان الفرايبرجي ولكن الآلات الوترية كانت تزداد رواجا فاستعملت "موترة المفاتيح" clarichord ( أي المفتاح والوتر) لوحة مفاتيح لتشغيل روافع مزودة بمماسات صغيرة من النحاس لتضرب الأوتار. وكان عمر هذه الآلة ثلاثة قرون وربما أكثر أما البيان القيثاري harpischord ( الذي سماه الفرنسيون clavecin والايطاليون clavi أو gravicembalo) فكانت أوتاره ينقرها لسان من ريشة أو جلد ملصق بروافع تحركها (عادة) لوحة مفاتيح مزدوجة، بمساعدة دواستين وثلاثة ضوابط أو أربعة. وكان لفظ clavier يستعمل للدلالة على أي آلة موسيقية لوحة مفاتيح-الموترة، أو اليان القيثاري، أو اليان- وعلى لوحات مفاتيح الأرغن. وكان البيان القيثاري في أساسه قيثاراً تنقر فيه الأصابع الأوتار بواسطة مفاتيح، الريشة وروافع، وكانت تنبعث منه أصوات لها رقيق، ولكن لما كانت الريشة وريش ترتد بمجرد ضربها الوتر، فإن هذه الآلة لم يتح لها أن تطيل نغمة أو تنوع حدتها. ولكي تعزف درجتين من درجات الصوت كان لا بد لها من اللجوء إلى لوحة مفاتيح مزدوجة -العليا للـ "بيانو"(خافته) والسفلى للـ "فورتي"(عالية) وقد انبعث "البيانو فورت" من الجهود التي بذلت للتغلب على هذه العيوب.
وفي عام 1709 أو قبله صنع بارتولوميو كريستوفوري في فلورنسة أربعة "بيانات قيثارية بالخافت والعالي". وفيها حلت محل الريشة مطرقة جلدية صغيرة كان في الإمكان إطالة اتصالها بالوتر بمواصلة خفض المفتاح،
في حين أمكن التحكم في علو النغمة بالقوة التي يضرب بها الأصبع المفتاح. وفي عام 1711 وصف سكبيوتى دي ما في الآلة الجديدة في مجلته "جورنالي ديي ليتراتي دياليا"، وفي عام 1725 ظهر هذا المقال بدرسدن في ترجمة ألمانية، وفي 1726 صنع جوتفريد زلبرمان، بوحي من التجمة (32)، بيانين على هدى من مبادئ كريستوفوري. وحوالي عرض نموذجا محسنا على يوهان سبستيان باخ، الذي صرح بأنه الضعف في القدرة الصوتية العليا، وأنه يتطلب لمسا شديدا. وسلم زلبرمان بهذه العيوب واجتهد في تلافيها. وبلغ من توفيقه في هذا أن فردريك في 1747، فأعجبه، ولكنه رأى أنه بلغ من الشيخوخة حدا لا يسمح الآلة الجديدة وظل في السنوات الثلاث الباقية في عمره يؤثر الأرغن والبيان القيثاري.
أما الأوركسترا فكان يستخدم أساسا في خدمة الأوبرا أو الكورس، وقل أن وضعت الموسيقى له وحده، ألا أن تكون مقدمات. وكانت الأوبرا والباصون أكثر عدداً منها في أوركسترا هذه الأيام، وطغت آلات النفخ على الآلات الوترية. أما الحفلات الموسيقية العامة فكانت إلى ذلك العهد نادرة في ألمانيا، وكادت الموسيقى تنحصر برمتها في الكنيسة، والأوبرا، والبيت، والشوارع. وأحييت حفلات لموسيقى الحجرة في ليبزج من 1743 في بيوت أغنياء التجار، ثم قبل بها جماعات أكبر فأكبر من المستمعين، وزيد العازفون إلى ستة عشر، وفي 1476 أعلن دليل صادر في ليبزج أنه "في أيام الخميس تحيا حفلة موسيقية بأشراف شركة التجار التقية، وأشخاص آخرين، من الساعة الخامسة إلى الثامنة في نزل البجعات الثلاث وأضاف الإعلان أن هذه الحفلات يرتادها أفراد المجتمع العصري وتلقى الإعجاب والاهتمام الشديد (33). ومن هذه الجماعة الموسيقية Collegium Musieum تطور في 1781 الكونشرتو الكبير في قاعة تجار الأجواخ. Gewandhaus بلييزج-وهو أقدم سلسلة موجودة من الكونشرتو.
ولم تخص الآلات وحدها إلا بأقل القليل من المؤلفات الموسيقية، ولكن بعض هذه المؤلفات شارك بنصيب في تطوير السمفونية. وفي مانهايم قامت
مدرسة من الملحنين والعازفين-كثير منهم من النمسا أو إيطاليا أو بوهيميا-بدور قيادي في هذا التطوير. فهناك جمع شارل تيودور أمير بالاتين الناخب (حكم 1733 - 99)، وراعى الفنون جميعا، أوكسترا اشتهر عموما بأنه خير الأوكسترات قاطبة في أوربا. وقد لحن يوهان شتاميتز، عازف الكمان الماهر، لهذا الأوركسترا سيمفونيات بالمعنى الصحيح، أي مؤلفات أوركسترالية مقسمة إلى ثلاث حركات أو أكثر، كانت أولاها تنهج نهج السوناتا-أعنى عرض مواضيع متقابلة، والتوسع فيها دون قيود، ثم تخليصها. وجريا على طريقة الملحنين النابوليين، اتخذ الشكل الجديد عادة تعاقب هذه الحركات: السريع، والبطئ، فالسريع (الألليجرو، والأندانتي، والألليجرو). وأضاف أحيانا من الرقص "منيوتا". وهكذا انتقل عصر الموسيقى البوليفونية (أي المتعددة الأصوات)، المبينة على فكرة رئيسية واحدة، والبالغة قمتها في ي. س. باخ، إلى عصر الموسيقى السيمفونية - عصر هايدن، وموتسارت، وبيتهوفن.
وظل الصوت البشري أعظم الآلات الموسيقية سحراً. فلحن كارل فليب إيمانويل باخ، وكارل هاينريش جراون وغيرهما قصائد الغرام المشبوب التي نظمها يوهان كرستيان جونثر، ووجد يوهان إرنست باخ الفيماري الوحي للعديد من الأغاني الألمانية (الليدر)، الجميلة في شعر كرستيان جلليرت. وازدهرت الأوبرا في ألمانيا الآن، ولكن غلب عليها الطابع الإيطالي، إذا استوردت ألحانها ومغنيها من إيطاليا. وكان لكل بلاط كبير قاعة أوبراه، التي لا تفتح عادة إلا للصفوة. أما همبورج التي هيمن عليها تجارها فكانت استثناء للقاعدة، فقدمت الأوبرا الألمانية، وأباحت حضور حفلاتها للجمهور الذي يدفع، وجندت مغنياتها من السوق. وفي همبورج تربع راينهارت كازر على عرش مسرح جينزيماركت (سوق الأوز) أربعين عاماً. وخلال حكمه هذا لحن 116 أوبرا، معظمها إيطالي نصاً وأسلوباً، ولكن بعضها ألماني. ذلك أن كتاب ماتيزون "الموسيقى الوصي"، المنشور في 1728 أشهر صيحة الحرب على الغزاة
الإيطاليين: "أخرجوا أيها البرابرة! [ Fouri barbari] ليمنع من الاشتغال بالأوبرا الأجانب الذين يحاصروننا من الشرق إلى الغرب! (34)، ولكن سحر الأصوات والألحان الإيطالية لم يكن سبيل إلى مقاومة. وحتى في همبورج خنق الولع بالأوبرات النابولية المؤلفات الوطنية. فاستسلم كايز وشد رحاله إلى كوبنهاجن، وأغلق مسرح همبورج أبوابه في 1739 بعد حياة امتدت ستين عاما، ولما أعيد افتتاحه في 1741 خصص صراحة للأوبرا الإيطالية. وحين أعاد فردريك الأبوبرا إلى برلين (1742)، اختار ملحنين ألماناً ومغنين إيطاليين. وقال في دهشة "مغن ألماني! أني لأوثر أن أسمع حصاني يصهل (35).
وأنجبت ألمانيا في هذا العصر مؤلفاً واحداً للأوبرا من الطراز الأول هو يوهان أدولف هاسي، ولكنه هو أيضاً خطب ود إيطاليا. فقد درس فيها عشر سنوات على أليساندرو سكارلاتي ونيكولو بوربورا، وتزوج المغنية الإيطالية فاوستينا بوردورني (1730)، ولحن الموسيقى لنصوص إيطالية وضعها أبوستولوزينو وميتاستاسيو، وغيرهما. واستقبلت أوبراته الأول في نابلي والبندقية استقبالا بلغ من حماسته أن إيطاليا لقبته " il caro Sassone" أي السكسوني المحبوب. فلما عاد إلى ألمانيا دافع بغيرة عن الأوبرا الإيطالية، ووافقه معظم الألمان، وكرموه أكثر من هاندل الغائب، وأكثر كثيراً من باخ المجهول، وشبهه بيرني، هو وجلوك، برفائيل وميكل أنجيلو الموسيقى في بلاد الألمانية (36). ولم يبلغ أحد حتى الإيطاليون، ما بلغته أوبراته المائة من غنى في الابتكار اللحني أو الدرامي. وفي 1731 تلقى هو وزوجته، أعظم مغنيات الأوبرا في ذلك العصر، دعوة إلى درسدن من أوغسطس القوي. وأسرت فاوستينا العاصمة بصوتها وسحرها هاسي بألحانه. وفي 1760، فقد أكثر ممتلكاته، ومن بينها مخطوطاته المجموعة، نتيجة قصف فردريك الأكبر لدرسدن بالقنابل. وكلفت المدينة المدمرة عن عرض أوبراته، فرحل هاسي وزوجته إلى فيينا حيث راح وهو في الرابعة والسبعين ينافس جلوك. وفي 1771، في زواج
الأرشيدوق فرديناند بميلان، تقاسم البرنامج الموسيقي مع الصبي موتسارت البالغ الرابعة عشر من عمره. ويروي أنه قال "إن هذا الصبي سوف يحجبنا كلنا (37)!. وعقب ذلك ذهب هو وفارستينا لينفقا ما بقى لهما من عمر في البندقية. وهناك مات كلاهما عام 1783، هو في الرابعة والثمانين، وهي في التسعين. وقد فاق تآلف حياتهما اتساق أغانيهما.
وبينما كانت لموسيقى الإيطالية تنتصر في دور الأوبرا الألمانية، ازدهرت الموسيقى الكنسية رغم سخرية فردريك منها لأنها "عتيقة"، و"منحطة"(38) وسنرى الموسيقى الكاثوليكية تزكو في فيينا، وفي الشمال ألهمت الحماسة البروتستنتية الباقية على قيد الحياة فيضاً من الكنتاتات، والكورالات، وترانيم أسبوع الآلام، وكأن مائة ملحن كانوا يمهدون لباخ الطريق ويعدون له الأشكال والصيغ الموسيقية. وغلبت موسيقى الأرغن، ولكن الكثير من الأوركسترات كان يحوي الكمان والفيولنتشيللو. ولم يقتصر ظهور تأثير الأوبرا على التوسع في الأوركسترات وفرق الترتيل الكنسية، بل كذلك في لطابع الدرامي المتزايد للألحان الكنسية.
أما أشهر مؤلفي الموسيقى الدينية في ألمانية باخ فكان جيورج فليب تيليمان الذي ولد قبل باخ بأربع سنوات (1681) ومات بعده بسبعة عشر عاماً (1767). وقد عده ماتيزون أعظم معاصريه الألمان قاطبة في التأليف الموسيقى، ولعل باخ كان يوافق على هذا الرأي باستثناء واحد لأنه نسخ كأنتاتات كاملة ألفها منافسه. وكان تيليمان طفلاً عبقرياً، تعلم اللاتينية واليونانية والكمان والفلوت في طفولته، وحين بلغ الحادية عشرة بدأ يلحن، وفي الثانية عشرة ألف أوبرا مثلت على المسرح وقام هو بالغناء في أحد أدوارها. كذلك لحن كنتاتا وهو الثانية عشرة، وقادها وهو واقف فوق مقعد ليستطيع العازفون رؤيته.
ثم شب تيوتونيا قوياً بشوشاً مرحاً وألحاناً. وفي 1701 بينما كان يمر بهاللي التقى بهاندل الذي كان في السادسة عشرة من عمره فأحبه من أول نظرة. ومضى إلى ليبزج ليدرس القانون، ولكنه ارتد
إلى الموسيقى وأصبح عازف أرغن الكنسية الجديدة (1704). وبعد عام قبل وظيفة الكنسية في زوراو، ثم مضى إلى أيزيتاخ، حيث التقى بباخ، وفي 1714 قام بدور العدَّاب لكارل فليب إيمانويل، ابن يوهان سبستيان. وفي 1711 قام ماتت زوجته الشابة وأخذت معها قلبه كما قال، ولكنه تزوج ثانية بعد ثلاث سنين. وفي 1721 مضى إلى همبورج، حيث كان عازفاً في ست كنائس، وأشرف على تعليم الموسيقى في الجمنازيوم، وإضطلع بشئون أوبرا همبورج، وحرر مجلة للموسيقى، ونظم سلسلة من الحفلات الموسيقية العامة استمرت إلى يومنا هذا. وقد حالف الحظ تيليمان في كل شئ، إلا في إيثار زوجته للضباط السويديين بحبها.
وكانت قدراته على الإنتاج تضارع أي رجل في ذلك عصر، عصر عمالقة الموسيقى. فقد لحن لجميع الآحاد والأعياد في سعة وثلاثين عاماً ألواناً من الموسيقى الدينية- تراتيل لأسبوع الآلام، وكنتاتات، واورتوريات، وأناشيد، وموتيتات، وأضاف إلى ذلك كله الأوبرات والأوبرات الفكاهية، والكونشرتات، والثلاثيات، والسرينادات، وقال هاندل إن في استطاعة تيليمان أن يلحن موتيتا ذا ثمانية أقسام بالسرعة التي يكتب بها المرء خطاباً (39). وقد أخذ أسلوبه عن فرنسا، كما أخذ هاسي أسلوبه عن إيطاليا، ولكنه أضاف إليه حيويته الخاصة. وفي 1765، حين كان في الرابعة والثمانين، فألف كنتاتا تسمى "إينو" عدها رومان رولان معادلة لنظائرها من تأليف هاندل، وجلوك، وبيتهوفن. ولكن تيليمان كان ضحية خصوبته. فقد لحن بأسرع مما يمكنه من الإتقان، ولم يكن له صبر على تنقيح الثمرات الناقصة لعبقريته أو شجاعة على تحطيمها. وقد اتهمه ناقد بـ"الإسراف الذي لا يصدق (40) واليوم يكون نسياً منسياً ولكنه بين الحين والحين يجيئنا روحاً متحررة من الجسد في الهواء، فنجد كل ألحانه المنبعثة من مراقدها رائعة الجمال (41).
ولم ينفرد فردريك بتفضيله كارل هاينريش جراون على تيليمان وباخ. وقد ذاع صيت كارل أول ما ذاع بفضل صوته السوبرانو، فلما قصر هذا الصوت تحول صاحبه إلى التلحين، فألف في الخامسة عشرة كنتاتا
كبيرة لأسبوع الآلام (1716) رتلت في كرويتسشولي بدرسدن. وبعد أن مضى فترة يعمل عازفاً للكنيسة في برنزويك استخدمه فردريك (1735) ليشرف على الموسيقى في راينزبرج. وظل يخدم البلاط البروسي طوال الأعوام الأربعة عشرة الباقية من عمره، لأن موسيقاه، حتى الدينية منها، كانت تبهج الملك الشاك. وظفر لحن الآلام المسمى "موت يسوع"، الذي رتل أولا في كتدرائية برلين سنة 1755، بشهرة في ألمانيا لم تضارعها غير شهرة "المسيا" في إنجلترا وإيرلندة، وظل يعاد سنوياً في أسبوع الآلام حتى يومنا هذا. وشاركت ألمانيا البروتستنتية كلها فردريك في الحزن على موت جراون قبل أوانه.
وخلال ذلك كان خمسون "باخاً" قد ألقوا البذرة وأعدوا المسرح لظهور أشهر وريث لهم. وقد رسم يوهان سبستيان باخ بنفسه شجرة أسرته في كتابه "أصل أسرة باخ الموسيقية" الذي وصل إلى المطبعة في 1917، وقد أفرد الناقد الموسيقي المدقق "شبيتا"180 صفحة لرسم ذلك النهر الأورفي. وانتشر في مدن ثوربنجيا أفراد من آل باخ يمكن رد نسبهم إلى عام 1509. وكان أقدم موسيقي من الأسرة بدأ به يوهان سبستيان قائمته هو جد جده المدعو فايت باخ (توفي 1619). ومنه انحدرت أربع بطون من الباخيين الذين برز العديد منهم في الموسيقى، وقد بلغوا من الكثرة مبلغاً جعلهم يؤلفون ضرباً من النقابة المهنية التي الفت أن تجتمع دورياً لتبادل الرأي. وتلقى أحدهم، وهو يوهان أمبروزيوس باخ عن أبيه فن عزف الكمان الذي ورَّثه لأبنائه. وفي 1671، قد تزوج اليزابيث خلف ابن عمه موسيقياً للبلاط في أيزيناخ. وكان في 1668، قد تزوج اليزابيث لاميرهيرت، ابنة تاجر فراء أصبح عضوا في مجلس المدينة. فأنجب مها بنتين وستة أبناء. وارتقى أكبر الأبناء، وهو يوهان كريستوف باخ، إلى وظيفة عازف الأرغن في أوردورف. والتحق أبن آخر؛ هو يوهان باكوب باخ، بالجيش السويدي عازفاً للأوبرا. وكان أصغر الأبناء هو يوهان سبستيان باخ.
5 - يوهان سبستيان باخ
1685 -
1750
أ - مراحل حياته
ولد في 21 مارس 1685 بأيزيناخ في دوقية ساكسيفايمار. وفي "الكوتهاوس" المشرف على ميدان لوثر كان المصلح الديني العظيم قد عاش صباه، وعلى تل مشرف على المدينة فارتبورج، القلعة التي اختبأ فيها من شارل الخامس (1521 وترجم العهد الجديد، إن أعمال باخ أشبه بالإصلاح البروتستنتي ملحناً.
واتت أمه وهو في التاسعة، ومات أبوه بعد ثمانية أشهر، وضم يوهان سبستيان وشقيقه يوهان باكوب إلى أسرة أخيهما يوهان كريستوف. وفي "الجمنازيوم" بأريزيناخ تلقى سبستيان الكثير من تعاليم المسيحية وبعض اللاتينية، وفي "الليسية" بمدينة أوردروف القريبة درس اللاتينية، واليونانية، والتاريخ، والموسيقى. وكان متقدماً في فرقته، فرقي بسرعة وكان أبوه قد علمه الكمان، وعلمه أخوه كريستوفر البيان القيثاري. وعكف بشغف على هذه الدراسات الموسيقية، وكأن الموسيقى تجرى في عروقه. ونسخ عدداً كبيراً من المؤلفات الموسيقية التي لم تكن ميسرة له بانتظام نسخاً كاملا، وهكذا بدأ الأذى الذي لحق ببصره فيما يظن البعض.
فلما ناهز سبستيان الخامسة عشرة انطلق ليكسب قوته تخفيفاً عن أسرة يوهان كريستوف المتزايدة. فوجد وظيفة مغن سوبرانو في مدرسة ديرر القديس ميخائيل بلونيبرج، فلما تغير صوته احتفظت به المدرسة عازفاً للكمان في الأوركسترا. ومن لونيبرج زار همبورج، التي تبعد عنها ثمانية وعشرين ميلا، ربما للذهاب إلى الأوبرا، ولكن بالتأكيد للاستماع إلى عزف يوهان ادم راينكن، عازف أرغن كنسية القديسة كاترين البالغ من العمر سبعة وسبعين عاماً. ولم تجتذبه الأوبرا، ولكن فن الأرغن استهوى روحه القوية النشيطة، ففن تلك الآلة الشامخة استشعر تحدياً
لكل طاقته ومهارته. فما وافت سنة 1703 حتى كان قد بلغ من البراعة في العزف عليها مبلغاً حمل الكنيسة الجديدة بآرنشتات (القريبة من أرفورت) على استخدامه ليعزف ثلاث مرات كل أسبوع على الأرغن الكبير الذي ركب في الكنيسة مؤخراً، والذي ظل مستعملا حتى 1863. أما وقد أطلق يده في استعمال هذه الآلة لدراساته. فإنه بدأ الآن تلحين أول أعماله الهامة.
وقد أبقاه الطموح دائم التحفيز للنهوض بفنه. ونمى إليه أن أشهر عازف على الأرغن في ألمانيا، ديترش بوكستيهودي، سيعزف في مدينة لوبيك على بعد خمسين ميلا منه، سلسلة من الألحان فيما بين عيد القديس مارتن وعيد الميلاد في كنيسة مريم. فطلب إلى مجلس كنيسته إجازة شهر، فمنح الإجازة، وأناب ابن عمه يوهان ارنست في أداء عمله وصرف راتبه ثم انطلق راجلا إلى لونيك (أكتوبر 1705). وقد رأينا هاندل وماتيزون يقومان بمثل رحلة الحج هذه. ولم يغر باخ بزواج ابنه بوكستيهودي لقاء وراثة وظيفة، إنما كان يريد أن يدرس أسلوب الأستاذ في العزف على الأرغن. ولا بد أن هذا أو شيئاً غيره قد استهواه، لأنه لم يعد إلى أرنشتات حتى منتصف فبراير. وفي 21 فبراير 1706 وبخه مجلس الكنيسة على مده إجازته، وعلى إدخال "تنويعات غريبة" في إستهلالات ترانيمه الجماعية. وفي 11 نوفمبر أنذر لتقصيره في تدريب فرقة الترتيل تدريباً كافياً، ولسماحه سراً "لعذراء غريبة بالتراتيل في الكنيسة"، (ولم يكن يسمح للنساء بعد بالترتيل في الكنيسة). أما الفتاة الغريبة فكانت ماريا برباره باخ، ابنة عمه. وقدم من الاعتذارات ما استطاع تقديمه، ولكنه استقال في يونيو 1707، وقبل وظيفة عازف الأرغن لكنيسة القديس بلازيوس بمولهاوزن. وتقرر أن يكون راتبه السنوي خمسة وثمانين جولدينا، وثلاثة عشر بوشلا من القمح، وكردين من الخشب، وست حزم من الحطب، وثلاثة أرطال من السمك-وهو راتب يعد حسناً جداً بالنسبة للزمان والمكان (42) وفي 17 أكتوبر تزوج ماريا برباره.
ولكن تين له أن مولها متعبة كأرنشتات. ذلك أن جزءاً من المدينة
كان قد احترق، ولم يكن أهلها المرهقون في حال يتقبلون معها هذه التنويعات الغريبة، وكان شعب الكنيسة ممزقاً بين اللوتريين السنيين المولعين بالترتيل، والتقويين الذين يعتقدون أن الموسيقى أقرب الأشياء إلى الكفر. وكانت فرقة المرتلين تشكو الفوضى، وباخ يستطيع إحالة الفوضى نظاماً في الأنغام لا في الرجال. فلما تلقى دعوة ليصبح عازف أرغن ومديراً للأوركسترا في بلاط فلهلم إرنست دوق ساكسيفيمار، توسل إلى رؤساءه أن يخلو سبيله (43). وفي يونيو 1708 انتقل إلى وظيفته الجديدة.
وكان يتلقى راتباً طيباً في فيمار -156 جولدينا في العام، رفعت إلى 225 في 1713، واستطاع الآن أن يطعم الأفراخ التي كانت ماريا برباره تفقسها. ولم يقنع بحاله تماماً، لأنه كان خاضعاً لرئيس المرتلين في الكنيسة يوهان دريزي، ولكنه أفاد من صداقة يوهان جوتفريد فالتر، عازف الأرغن في كنيسة المدينة، ومؤلف أول قاموس موسيقي ألماني (1732)، وملحن كورالات لا تقل جودة عن كورالات باخ. وبما اضطلع في دراسة الموسيقى الفرنسية والإيطالية باهتمام الآن بفضل فالتر المثقف. وقد أحب فريسكوبالدي وكوريللي، ولكنه افتتن جداً بكونشرتات الكمان التي وضعها فيفالدي، ونقل تسعة منها لآلات أخرى. وكان أحياناً يدخل شذرات مما نقل في ألحانه. ونستطيع أن نحس أثر فيفالدي في كونشرتات برندنبورج ولكنا نحس فيها أيضاً روحاً أعمق وفناً أغنى.
أما أهم واجباته في فيمار فعزف الأرغن في كنيسة القلعة (شلوسكيرشي). وهناك كان في متناوله أرغن صغير ولكنه مجهز تجهيزاً كاملا. وألف لهذه الآلة الكثير من أعظم قطعه الأرغنية: الباسا كاليا والفوجه في مقام C الصغير، وأفضل التوكاتات، ومعظم الاستهلالات والفوجات الكبيرة. وكتاب الأرغن الصغير (أورجلبوخلاين). وكانت شهرته إلى الآن عازف أرغن لا ملحناً. وقد تعجب المشاهدون، ومنهم ماتزون الناقد، لخفة حركته في استعمال المفاتيح، والدوسات، والضوابط، وصرح أحدهم بأن قدمي باخ "تطيران على لوحة الدواسة كأنما كان لهما جناحان"(44)
ودعي ليعزف في هاللي، وكاسل، وغيرهما من المدن. وفي كاسل (1714) أعجب به ملك السويد القادم فردريك الأول إعجاباً حمله على أن يخلع من أصبعه خاتماً ماسياً ويعطيه لباخ. وفي 1717، التقى باخ في درسدن بجان لوى مارشان الذي ذاع صيته في الأرض عازف أرغن للويس الخامس عشر. واقترح بعضهم مباراة بين العازفين، واتفقا على اللقاء في البيت الكونت فون فلمنج، وكان على كل منهما أن يعزف بمجرد النظر أي لحن أرغني يوضع أمامه. وحضر باخ في الساعة المحددة، ولكن مارشان رحل عن درسدن قبله لأسباب مجهولة الآن، فأتاح لباخ نصراً غيابياً لم يشرح صدره.
على أن القوم تخطوه في الترقية، رغم اجتهاده وشهرته المتزايدة، حين مات رئيس عازفي فيمار، وأعطيت الوظيفة لابن الميت. وكان باخ في حالة استعداد نفسي لتجربة بلاط جديد. وعرض عليه ليوبولد أمير أنهالتكوتن وظيفة رئيس عازفيه. ولكن دوق ساكسيفيمار الجديد، قلهلم أوغسطس، رفض أن يخلي سبيل عازف أرغنه. وألح باخ عليه، فسجنه (6 أبريل 1717)، وثابر باخ على اصراره، فأطلقه الدوق (2 ديسمبر)، وهرول باخ بأسرته إلى كوتن. ولما كان الأمير ليوبولد كلفنيا لا يوافق على موسيقى الكنيسة، فقد كانت وظيفة باخ أن يدير أوركسترا البلاط، الذي كان الأمير نفسه يعزف فيه الفيولا دا جامبا (فيولا الساق). وعليه ففي هذه الفترة (1717 - 23) ألف باخ الكثير من موسيقى الحجرة، بما فيها السويتات الإنجليزية والفرنسية. وفي 1721 أرسل إلى كرستيان لودفج حاكم براندنبورج الكونشرتات التي تحمل ذلك الاسم.
تلك كانت في أكثرها سنوات سعيدة، لأن الأمير ليوبولد أحبه، واصطحبه في رحلات شتى، وأظهر في فخر موهبة باخ، وظل صديقا له يوم فرق التاريخ بين طريقيهما. ولكن حدث في يوليو 1720 أن ماتت ماريا برباره بعد أن ولدت لباخ سبعة أطفال ظل أربعة منهم على قيد الحياة. وبكاها سبعة عشر شهراً، ثم اتخذ له زوجة ثانية تسمى أنا مجدلينا فولكن، ابنة نافخ بوق في أوركستراه. وكان الآن في السادسة والثلاثين، وهي
لا تتجاوز العشرين، مع ذلك قامت خير قيام بما ناطها به من واجب-وهو أن تكون أماً وفية لأطفاله. أضف إلى ذلك أنها كانت تعرف الموسيقى، فساعدته في تلحينه، ونسخت مخطوطاته، وغنت له بصوت وصفه بأنه "سوبرانو شديد الصفاء"(45). وقد أنجبت له ثلاثة عشر طفلا، مات سبعة منهم قبل أن يبلغوا الخامسة. لقد نزلت بتلك الأسرة العجيبة فواجع كثيرة. وقد أزعجت باخ مشكلة تعليم أطفاله بازياد عددهم. وكان لوثرياً متحمساً، كره الكلفنية الكئيبة التي تعلم العقيدة الكلفنية. ثم أن أميره المحبوب تزوج (1721) أميرة شابه قللت مطالبها من ليوبولد من اهتمامه بالموسيقى. ومرة أخرى رأى باخ أن قد آن أوان التغيير. لقد كان روحاً قلقة، ولكن القلق صنعه، ولو أنه ظل في كوتن لما سمعنا به قط.
وحدث في يونيو 1722 أن مات يوهان كوناو، بعد أن شغل عشرين عاماً وظيفة قائد فرقة الترتيل في مدرسة توماس بليبزج. وكانت مدرسة خاصة ذات سبعة صفوف وثمانية مدسين، تهتم بتدريس اللاتينية والموسيقى واللاهوت اللوثري. وكان على الطلاب والخريجين، بإشراف قائد فرقة الترتيل، أن يقدموا الموسيقى للكنائس المدنية. وكان القائد خاضعاً لمدير المدرسة والمجلس البلدي الذي يدفع الرواتب.
وطلب المجلس إلى تيليمان أن يشغل الوظيفة الشاغرة، لأنه حبذ الأسلوب الإيطالي الذي اتسمت به ألحان تيليمان، ولكنه رفض. فعرضها على كريستوفر جراوبنر قائد فرقة المرتلين في دارمشتات، ولكن رئيس جراوبنر أبى أن يحله من عقده. وفي 7 فبراير تقدم باخ للمجس طالباً الوظيفة، وارتضى شتى الاختبارات التي أجريت عليه للتأكد من كفايته. ولم يشك أحد في مهارته عازفاً للأرغن، ولكن بض أعضاء المجلس رأوا أن أسلوب ألحانه يتسم بروح محافظة شديدة (46). وكان اقتراح أحدهم رجلا متوسط الكفاية (47). واستخدم باخ (22 أبريل 1723) بشرط أن يقوم بتدريس اللاتينية فضلا عن الموسيقى
وأن يحيا حياة التواضع والهدوء، وأن يوقع بقبوله العقيدة اللوثرية، وأن يبدي للمجلس"كل الاحترام والطاعة الواجبين" وألا يغادر المدينة قط بغير إذن من العمدة. وفي 30 مايو أسكن هو وأسرته في جناح المدرسة السكني، وبدأ واجباته الرسمية. وظل يشغل هذه الوظيفة الثقيلة الأعباء حتى مماته.
وأخذ منذ الآن يلحن مؤلفاته الموسيقية، فيما عدا القداس بمقام "ب" الصغير، لاستخدامها في كنيستي ليبزج الرئيسيتين - كنيسة القديس توماس وكنيسة القديس نيقولا. وكانت خدمات الكنيسة يوم الأحد تبدأ في الساعة السابعة صباحاً بمقدمة على الأرغن، ثم يرتل القسيس الصلاة الافتتاحية، وترتل فرقة المرتلين كيريا (مطلع صلاة كيرياليسون-أي يا رب ارحمنا)، ويرتل القسيس والفرقة - وأحياناً المصلون- ترتيلة "جلوريا"(أي المجد لله في الأعالي) بالألمانية، ثم يرتل المصلون ترتيله. ويرتل القسيس الإنجيل وقانون الإيمان، ويعزف عازف الأرغن مقدمة، وترتل الفرقة كنتاتا، والمصلون ترتيلة "نؤمن كلنا بإله واحد"، ويلي ذلك عظة للقسيس تمتد ساعة، يعقبها الصلاة ثم البركة. وبعد ذلك يأتي تناول القربان المقدس، ثم ترنيمة أخرى. وتنهي هذه الخدمة في الساعة العاشرة شتاء والحادية عشرة صيفاً. وفي الحادية عشرة يتناول الطلاب والمدرسون الغداء في المدرسة. وفي الواحدة والربع بعد الظهر تعود الفرقة إلى الكنيسة لصلاة المساء، ومزيد من الصلوات، والترانيم، والعظة، وتسبحة "تعظم نفسي الرب Magnificat" في صيغتها الألمانية. وفي الجمعة الكبيرة ترتل الفرقة لحن الآم المسيح. ولكي يؤدى باخ الموسيقى لهذه الخدمات كلها درب فرقتين، كل منهما من نحو اثنى عشر عضواً، وأوركسترا يعزف على نحو ثماني عشرة آلة. وكان المغنون المنفردون جزءاً من الفرقة، يرتلون معها قبل ألحانهم ومقاطعهم الملحونة وبعدها.
ولقاء هذه الخدمات المعقدة التي أداها باخ في ليبزج كان يتقاضى راتباً في المتوسط سبعمائة طالر في السنة، يدخل فيه نصيبه من صروفات التلاميذ المدرسية، وأتعابه نظير تقديم الموسيقى في الأفراح والمآتم.
وكانت سنة 1729، التي جاءت ب" لحن آلام المسيح كما رواها القديس متي"، في حساب باخ سنة سيئة، لأن الجو اعتدل جداً حتى عز الموتى (48). وكان بين الحين والحين يكسب بعض المال الإضافي من قيادة الحفلات الموسيقية العامة للجماعة الموسيقية. وحاول أن يزيد من دخله بالمطالبة بالإشراف على الموسيقى في كنيسة القديس بولس الملحقة بجامعة ليبزج، وعارضه بعض منافسيه عليها، فظل سنتين في خلاف مع السلطات الجامعية وانتهى إلى حل وسط غير مرض لكل الأطراف المعنية.
ثم خاض معركة طويلة أخرى مع المجلس البلدي الذي يختار الطلبة لمدرسة توماس، ذلك أن أعضاء المجلس نزعوا إلى أن يرسلوا له طلاباً اختيروا بفضل نفوذ سياسي الكفاية موسيقية فيهم، فلم يستطيع باخ أن يصنع من هؤلاء الوافدين الجدد مرتلين لا للسوبراو ولا للمجهز، وفي 23 أغسطس 1730 أودع المجلس احتجاجاً رسمياً، وكان رد المجلس أن رماه بأنه معلم غير كفء وضابط للنظام ضعيف، وبأنه كان يفقد أعصابه وهو يوبخ التلاميذ، وبأن الفوضى تستشري في فرق الترتيل وفي مدرة. (49) وكتب باخ إلى صديق بلوينبرج يطلب إليه أن يساعده في العثور على وظيفة أخرى. فلما لم يفتح في وجهه باب التمس (27 يوليو 1733) من أوغسطس الثالث، ملك بولندة الجديد، أن يعطيه في بلاطه منصباً ولقباً يحميانه مما يلقاه من "إهانات لا يستحقها" وأبطأ أوغسطس في الاستجابة ثلاث سنوات، وأخيراً (19 نوفمبر 1836) خلع على باخ لقب "ملحن البلاط الملكي". وكان المدير الجديد لمدرسة توماس خلال ذلك ينازع باخ حقه في تعيين عرفاء لفرقة وتأديبهم وجلدهم. وطال النزاع شهوراً، وطرد باخ مرتين العريف الذي عينه إرنستي من منصبه الأرغن، وأخيراً ثبت الملك سلطة باخ.
لم تكن حياته قائداً للمرتلين في ليبزج إذن بالحياة السعيدة. فلقد سكب روحه وطاقته في ألحانه وفي أدائها، فلم يبق بعد ذلك شئ كثير لممارسة التربية أو الدبلوماسية. وقد وجد بعض العزاء في صيته الذائع ملحناً وعازف أرغن. وقبل الدعوات للعزف في فيمار، وكاسل، وناومبورج، ودرسدن، ونقد أجراً على هذه الحفلات العارضة وعلى اختباره للأراغن. وفي 1740
عين ابنة كارل فليب ايمانويل صناجاً في أوركسترا كنيسة فردريك الأكبر. وفي 1741 زار باخ برلين، وفي 1747 دعاه فردريك للحضور وتجربة البيانات التي اشتراها مؤخراً من جوتفريد زلبرمان. وأدهشت الملك ارتجالات "باخ العجوز"، وتحداه أن يرتجل فوجه في ستة أقسام، فأبهجته استجابة باخ. ولما عاد باخ إلى ليبزج لحن ثلاثية الفلوت، والكمان، والبيان القيثاري، وأرسلها هي وقطعاً أخرى "هدية موسيقية" للملك عازف الفلوت، بوصفه "ملكاً هو محط الإعجاب في الموسيقى كما في جميع فنون الحرب والسلام الأخرى"(50). وفيما خلا هذه الفواصل المثيرة، كرس باخ نفسه بإخلاص مضن لواجباته قائداً للمرتلين، ولحبه لزوجته وأبنائه، وللتعبير عن فنه وروحه في أعماله.
ب- مؤلفاته الموسيقية
(أ) -الآلية
كيف نعتذر لاجترائنا على هذا العرض لضخامة إنتاج باخ وتنوعه دون أن تتوفر لنا كفاية المحترفين للقيام بهذه المهمة؟ ليس في وسعنا أن نفعل شيئاً هنا، اللهم إلا أن نقدم للقراء قائمة تجملها المحبة لباخ.
فلنبدأ إذن بمؤلفاته للأرغن، فالأرغن ظل غرامه المقيم، لم يضارعه فيه أحد غير هاندل الذي فقد وراء البحار. كان باخ يحب أحياناً أن يفك كل ضوابطه لمجرد اختبار رئاته وجس قوته. وكان يلهو به لهوه بآلة دانت لسيطرته تماماً، وخضعت لكل شطحاته. ولكنه في استبداده هذا وضع حداً لأهواء العازفين بتحديده الأوتار التي يجب استعمالها بعلامات الجهير (الباص) المدونة، وذلك بأرقام في أسفلها، وهذا هو الجهير "المرقم" أو الكامل الذي يعين السلسلة المتصلة التي ينبغي أن يصاحب بها الأرغن أو البيان القيثاري الآلات الأخرى أو الصوت.
وخلال مقام باخ في فيمار أعد لابنه الأكبر ولغيره من الطلاب "كتيباً للأرغن" من خمسة وأربعين استهلالا كورالياً، وأهداه إلى "الإله العلي وحده
تمجيداً له، وإلى جارى لكي يعلم به نفسه". وكانت وظيفة الاستهلال الكورالي أن يكون مقدمة بالآلات لترنيمة جماعية، ليرسم موضوعها ويحدد طابعها. ورتبت هذه الاستهلالات لتؤلف متتاليات ملائمة لعيد الميلاد، وأسبوع الآلام، وعيد القيامة، وظلت وقائع السنة الكنيسية هذه إلى النهاية" Alle Menschen mussen sterben" ( كل البشر مصيرهم الموت)، تلتقي بموضوع من موضوعات باخ التي يعود إليها المرة بعد المرة، ويخفف منه على الدوام عزمه على مواجهة الموت بالإيمان بقيامة المسيح بشيراً بقيامتنا. وسنسمع هذه النغمة ذاتها بعد سنوات في لكورال الحزين" Komm، susser tod" ( تعال أيها الموت الحلو). ويرافق هذه التقوى الغامرة في هذه الاستهلالات، وفي ألحان باخ الآلية بوجه عام، مرح صحي، فتراه يطفر أحياناً فوق المفاتيح في فرحة تنويعات تذكرنا بشكاوى مجلس كنيسة أرنشتات منه.
وبلغت جملة ما خلفه باخ من المقدمات الكورالية 143، يعدها دارسو الموسيقى أول أعماله وأكملها منم الناحية التقنية. فهي قصائده الغنائية كما أن القداسات وألحان الآلام ملاحمه. وقد طوف بسلم الأشكال الموسيقية كلها، ولم يسقط منه غير الأوبرا لأنها غريبة على وظيفته ومزاجه، ومفهومه عن الموسيقى قرباناً لله قبل كل شئ. ولكي يفسح لفنه مجالا أرحب أضاف فوجة للمقدمة، فجعل فكرة الجهير تتابع نفس الفكرة الرئيسية في الندى، أو العكس، في لعبة متشابكة أبهجت نفسه الولوعة بالطباق الموسيقى. فترى لحن المقدمة والفوجة بمقام E الصغير يبدأ ببساطة مغرية، ثم يحلق في أجواء معقدة من الغنى والقوة تكاد تلقى الرعب في أذن السامع. أما لحن المقدمة والفوجة بمقام D الصغير فهو باخ على أروعه بناءاً، وصنعة فنية، وتطويراً للفكرة الرئيسية، وخصوبة تصورية، وقوة عارمة. وربما كان أروع من هذا إلباسا كاليا والفوجة بمقام C الصغير. وقد أطلق الأسبان اسم Pasacalle على اللحن الذي يعزفه موسيقى "عابر بالطريق"؛ وأصبح في إيطاليا لوناً من الرقص، أما في باخ فهو فيض جليل من النغم، يجمع بين البساطة والتأمل والعمق.
وألف باخ للأرغن أو موترة المفاتيح اثنتي عشرة توكاتات tocattas أي قطعاً تستطيع أن تمرن "لمس" العازف. وكانت تحتوي على ضربات سريعة على لوحة المفاتيح ونغمات عالية جريئة، وأخرى خافتة رقيقة، وفوجه من النغمات يدوس بعضها أعقاب بعض في دعابة وعبث. وقد ظفرت التوكاتا والفوجه في مقام D الصغير، في هذه المجموعة، بأكبر عدد من المستمعين، وبعض، الفضل في هذا راجع لألحان أوكسترالية مكيفة كانت أنسب من الأرغن للأذن العصرية غير الكنسية. ومن بين التوكاتات السبع الموضوعة لموترة المفاتيح أو البيان القيثاري، يتبدى باخ هنا أيضاً في التوكاتا بمقام C الصغير وقد ملك ناحية صنعته في ثقة كاملة - فهي فرحة من مزج الألحان تعقبها حركة بطيئة كلها عذوبة صافية مهيبة.
وليس من السهل نحن الذين حرمنا الأنامل الماهرة والآذان المرهفة أن نقدر اللذة التي استشعرها ياخ ومنحها سامعيه في مؤلفاته التي وضعها لموترة المفاتيح- التي كانت بالنسبة له تعنى البيان القيثاري عادة. فعلينا أولا أن نفهم مبادئ البناء التي اتبعها في تطوير بضع نغمات فكرة رئيسية إلى بناء مفصل معقد ولكنه منظم - أشبه بقطعة فنية من الطراز العربي في سجادة فارسية أو محراب جامع، تسرح بعيداً عن قاعدتها وكأنها تحررت من كل القيود، ولكنها تفعل دائماً في منطق يضيف الإشباع العقلي إلى لذة الشكل الحسية. ثم علينا أن نستعير سحر يدي باخ، لأنه ابتكر في العزف فناً يتطلب الاستخدام الكامل لأصابع اليدين كلها (بما فيها الإبهام)، في حين قل أن تطلب من سبقوه أكثر من الأصابع الثلاث الوسطى في مؤلفاتهم لموترة المفاتيح. ولقد أحدث ثورة حتى في وضع اليد. فقد نحا العازفون قبله إلى الاحتفاظ بيدهم مبسوطة أثناء ضربهم المفاتيح، ولكن باخ علم تلاميذه أن يحنوا اليد حتى تضرب جميع الأنامل المفاتيح في نفس المستوى. وبغير هذه الطريقة كان يستحيل ظهور عازف مثل ليست.
وأخيراً، حين اقتبس باخ نظاماً اقترحه أندرياس فركمايستر في 1691، طالب بضبط الأوتار في الآلات ضبطاً متوسطاً متكافاً، بحيث يقسم
"الجواب" إلى أثنى عشر نصف نغمة متساوية تماماً، فلا يحدث أي تنافر عند الانتقال من مقام إلى مقام. وكان في حالات كثيرة يصر على أن يضبط بنفسه البيان القيثاري الذي سيعزف عليه (51). لذلك وضع كتابه "البيان القيثاري الصحيح الضبط"(الجزء الأول، 1722 والجزء الثاني، 1744): ثمان وأربعون مقدمة وفوجة- اثنتان لكل مقام كبير وصغير - "لاستعمال وتمرين شباب الموسيقيين الراغبين في التعليم، ولمن حذقوا هذه الدراسة أيضاً على سبيل التسلية" كما نص عليه العنوان الأصلي للكتاب. والقطع ذات أهمية كبرى للموسيقين، ولكن الكثير منها أيضاً يستطيع أن يبعث فينا فرحة باخ أو شعوره المتأمل، وهكذا نرى جونو يقتبس المقدمة بمقام C الكبير، في شكل محور، لتكون لحناً مصاحباً على آلة منفردة (أويلجاتو) للحنه "السلام يا مريم". وقد وجدت بعض النفوس العميقة، مثل ألبرت شفايتسر، في هذه المقدمات والفوجات "عالماً من السلام" وسط ضجيج الصراع البشري (52).
ثم أصدر باخ، الذي لم يكن لخصوبته نهاية، في 1731 الجزء الأول من كتابه "كلافيروبونج"(أي تمرينات على موترة المفاتيح) وقد وصفه بهذه العبارة "تمرينات من مقدمات، وموسيقى للرقصات الألمانية (المائدة) والكورانت، والسراباند، والجيج، والمنويت، وغيرها من اللطائف، مؤلفة على سبيل الترويح الذهني عن محبي الفن". (53) وأضاف إلى هذين الجزأين أجزاء ثلاثة في سنوات لاحقة، حتى أصبح الكتاب في النهاية متضمناً لأشهر مؤلفاته:"مبتكرات" و "بارتيتات"، وسنفونية، و"ألحان جولدبرج المحورة" و"الكونشرتو الإيطالي"، وبعض المقدمات الكورالية الجديدة للأرغن. وذكر المخطوط أنه يقدم"المبتكرات مرشداً أميناً يهدي محبي إلى طريق واضح .. لا لاكتساب الأفكار الجيدة (المبتكرات) فحسب، بل لوضعها بأنفسهم
…
ولاكتساب أسلوب غنائي في العزف، و
…
ميل قوي إلى التلحين" (54). وبهذه الأمثلة كان في استطاعة الطالب أن يرى كيف يمكن تطوير الفكرة الرئيسية، متى وجدت بالمزج بين الألحان عادة، تطويراً منطقياً لتبلغ خاتمة موحدة. وقد لعب
باخ بفكراته كأنه حاو مرح، فهو يقذف بها في الهواء، ويقلبها بطناً لظهر، ويقلبها رأساً على عقب، ثم يقيمها على قدميها سالمة من غير سوء. إن الأنغام "والتيمات" لم تكن طعامه وشرابه والهواء الذي يتنفسه فحسب، بل كانت إلى ذلك تسليته وراحته.
وكانت البارتيتات تسليات شبيهة بما ذكرنا. وقد أطلق الإيطاليون لفظ "بارتيتا Partita على اللحن الراقص ذي الأقسام المختلفة. فالبارتيتات بمقام D الصغير و B الكبير اتخذت خمسة أشكال راقصة: "الألماند" أو الرقصة الألمانية، والكورانت الفرنسية، والسراباند، والمنويت، والجيج. ويظهر هنا تأثير العازفين الإيطاليين، الذي شمل حتى مصالبة اليدين، التي كانت حيلة محببة لدومنيكو سكارلاتى وهذه القطع تبدو لنا اليوم تافهة القيمة، ولكن يجب أن نتذكر أنها لم تؤلف للبيانو فورت الجبار، بل لموترة المفاتيح الهشة، وفي وسعها-إذا لم نشتط فيما تطلبه منها- أن تمنحنا بهجة فريدة في بابها.
وأعسر من هذه هضماً "ألحان جولدبرج المنوعة". ويوهان تيوفيلوس جولدبرج هذا كان عازف موترة مفاتيح للكونت هرمان كايزرلنج، السفير الروسي لدى بلاط درسدن. فلما زار الكونت ليبزج اصطحب معه جولدبرج ليهدئ أعصابه بالموسيقى التماساً للنوم. وفي هذه المناسبات تعرف جولدبرج إلى باخ وهو مشوق إلى تعلم طريقته الفنية في العزف على لوحة المفاتيح. وأعرب كليزرلنج عن رغبته في أن يؤلف باخ قطعاً للموترة من نوع "يدخل عليه شيئاً من البهجة في لياليه المؤرقة"(55). وتفضل باخ بتأليف "لحن ذي ثلاثين تنويعاً" أثبت أنه علاج للأرق. وكافأه كايزرلنج بقدح ذهني يحوي مائة جنيه من الذهب. ولعله هو الذي حصل لباخ على تعيينه ملحناً لبلاط الملك- النخب السكسوني.
على أن فن باخ لا قلبه هو الذي كان في هذه التنويعات. فتراه يهدي الموترة بشعور ولذة أعظم، سبعة توكاتات، وسوناتات كثيرة، و"ففتازيا وفجه ملونة" بمقام D الصغير، و"كنشرتو إيطالية" حاول فيها بحيوية وروح مذهلتين، أن ينقل إلى لوحة المفاتيح تأثيرات الأوركسترا الصغير.
وثمة شكل موسيقي وجد سبيله إلى جميع مؤلفاته الأوركسترالية تقريباً- وهو الفوجه. وقد وفدت كمعظم الأشكال الموسيقية من إيطاليا، ولاحقها الألمان في مطاردة مشبوبة طغت على موسيقاهم حتى مجيئ هايدن. وأجرى عليها باخ تجاربه في "فن الفوجة"، فأخذ فكرة واحدة وبنى منها أربع عشرة فوجة وأربعة اتباعات في متاهة فن مزج الألحان تبين كل ضرب من التقنية الفوجية. وقد خلف المخطوطة ناقصة عند موته، فنشرها ابنه كارل فليب إيمانويل (1752) ولم يبع منها غير ثلاثين نسخة. ولا عجب فعصر البوليفوني (تعدد النغمات)، والفوجة كان في طريقه إلى الزوال بزوال أعظم أساتذته، وأخذ فن مزج الألحان يخلى السبيل للهارمونى.
ولم يكن ولوعاً بالكمان ولعه بالأرغن وموترة المفاتيح. لقد بدأ حياته عازف كمان أحياناً يعزف على الفيولا في المجموعات الموسيقية التي يقودها في نفس الوقت، ولكن بما أن أحداً من معاصريه أو أبنائه لم يذكر شيئاً عن عزمه على الكمان، فلنا أن نفترض أنه لم يكن يتجلى في تلك الآلة. على أنه لا بد كان قديراً في العزف عليها، لأنه ألف للكمان وللفيولا موسيقى غاية في الصعوبة، يغلب على الظن أنه كان على استعداد لعزفها بنفسه. وتعرف دنيا الموسيقى الغربية كلها "الشاسون" التي اختتم بها بارتيتا بمقام D الصغير الكمان المفرد، فهي آية في الأسلوب الفني ألف كل عازف كمان أن يهفو إليها هدفاً أعظم له. وقد يرى فيها بعضنا استعراضاً كريهاً من الحواية والشعوذة- أشبه بحصان يعذب قطة على مراحل عديدة. أما عند باخ فقد كانت محاولة جريئة ليحقق على الكمان عمق الأرغن وقوته اليوليفونيين. فلما نقل بوزوني اللحن إلى البيانو، أصبحت اليوليفونية أكثر طبيعية، وكانت النتيجة باهرة. (وعلينا ألا نتعالى على هذه المنقولات وإلا وجب أن ندين باخ ذاته).
فإذا وصلنا إلى مؤلفات باخ التي أعدها لأوركستراه الرقيق، وجدت فيها حتى الأذن في المحترفة الكثير مما يشبه القصائد التي تتغنى للفرح والبهجة. ولا بد أن الهدية الموسيقية التي أهداها لفردريك الأكبر قد أبهجته بألحانها المتألقة وهزته بأنغامها المتألقة نصف الشرقية. وقد كتب باخ بالإضافة
إلى البارتيتات أو المتتابعات في "تمرينات الموترة" خمس عشرة متتابعة لرقصات. وسميت ستة منها بالمتتابعات الإنجليزية لأسباب نجهلها الآن، وستة بالمتتابعات الفرنسية، وهذه التسمية أوضح لأنها نسجت على منوال النماذج الفرنسية واستعملت ألفاظاً فرنسية بما فيها كلمة Suite ( أي المتتابعة) ذاتها. وفي بعضها تطغى مهارة الصنعة، فتسمع حتى الآلات الوترية تبعث أنغاماً يغلب عليها النفخ. ومع ذلك فأن أبسط الناس يستطيع أن يحس ذلك لجمال المهيب الذي يفيض به لحنه الشهير "أريوزو" أو "لحن لوتر المقام G" الذي يؤلف الحركة الثانية للمتابعة رقم 3. وقد نسيت هذه المؤلفات أو كادت بعد موت باخ، حتى عزف مندلسون أجزاء منها لجيته في 1830، وأقنع أوركسترا قاعة تجار الأجواخ بليبزج ببعثها سنة 1838.
واقتبس باخ شكل الكونشرتو كما مارسه فيفالدى، واستخدمه في شتى أنواع التشكيلات الآلية. والحركة البطيئة بطئاً مهيباً، عند موسيقى ولد بمزاج معتدل البطء، تجعل كنشرتو الكمان بمقام D الصغير مبهجاً جداً، كذلك فإن الحركة البطيئة في كنشرتو الكمان رقم 2 بمقام E هي التي تؤثر فينا بعمقها الحزين ورقتها المتألقة. وربما كان أعذب هذه القطع الموسيقية هو الكونشرتو بمقام D الصغير لكمانين، والنشيط vivace منهما تصوير خالص دون لون، كأنه شجرة دردار شتوية، ولكن الأريث Largo لقطة أثيرية من الجمال الصافي- الجمال المعتمد على ذاته، دون "برنامج" أو أي شائبة فكرية تشوبه.
ولكونشرتات براندبنودج تاريخها الخاص. ففي 23 مارس 1721 بعث بها باخ إلى أمير، نسيه الناس إلا في هذا الأمر، مشفوعة بهذه الرسالة بالفرنسية، التي صاغها كاتبها بأسلوب عصره. قال:
إلى صاحب السمو الملكي الأمير كرستيان لودفج، حاكم براندنبورج: مولاي:
بما أنني تشرفت بالعزف أمام سموكم قبل عامين، ولاحظت أنكم استشعرتم شيئاً من السرور بالموهبة المتواضعة التي حبتني بها السماء في الموسيقى، وحين انصرفتم سموكم الملكي شرفتموني بأمر لي بأن أبعث إليكم ببعض قطع
من تأليفي، فإني الآن عملاً بأوامركم الكريمة أبيح لنفسي أن أقدم لسموكم الملكي إحتراماتي المقرونة بالتواضع الشديد، مع الكونشرتات المرافقة
…
متوسلاً إليكم في تواضع ألا تحكموا على نقصها بدقة ذلك الذوق الموسيقي المرهف الرقيق الذي يعرف الجميع أنكم تملكونه، بل أن تتبينوا في كرم ولطف ذلك الاحترام العميق والطاعة الشديدة المتواضعة اللذين قصدت بهذه القطع أن تشهد عليهما. وفيما عدا ذلك يا مولاي، فإنني بكل تواضع أطلب إلى سموكم الملكي أن تجودوا بمواصلة أفضالكم علي، وبأن تثقوا بأنه ما من شئ أتوق إليه كرغبتي في استخدامي في شئون أجدر بكم وبخدمتكم، لأنني يا مولاي، بغيرة لا تعدلها غيرة، خادمكم المتواضع جداً
جان سبستيان باخ (56).
ولا علم لنا هل شكر الحاكم لباخ هديته أو أثابه عليها، ولعله فعل، لأنه كان شغوفاً بالموسيقى، يحتفظ بأوركسترا ممتاز. وعند موته (1734) أدرجت الكونشرتات الستة، بخط باخ الشديد العناية والتأنق ضمن 127 كونشرتو في قائمة جرد وجدها شبيتا في المحفوظات الملكية ببرلين. وفي هذه القائمة قدرت قيمة كل من هذه الكونشرتات بأربعة جروشينات (1. 60 دولار).
وتتبع كونشرات براندبنورج شكل الكونشرتو الكبير الإيطالي-ألحان في عدة حركات، تعزف على مجموعة صغيرة من آلات غالية (الكونشرتينو) يصاحبها أوركسترا وترى (الريبينو أو التوني). وقد استعمل هاندل والإيطاليون كمانين وفيولونتشيللو للكونشرتينو، أما باخ فقد نوع هذا بجرأته المعهودة، وقدم كماناً، وأوبوا، وبوقاً، وفلوتاً آلات مقصدرة في الكونشرتو الثاني، وكماناً وفلوتين في الكونشرتوا الرابع، وموترة مفاتيح، وكماناً، وفلوتاً في الخامس، وطور البنيان إلى تفاعل معقد بين الكونشرتينو والريبينو في حوار حي - من الانفصال والتعارض، والتداخل، والاتحاد - لا يفهم فنه ومنطقه ويستمتع بهما غير الراسخين في الموسيقى. أما من عداهم فقد يجدون بعض الفقرات مكررة تكراراً مملا، نذكرهم بأوركسترا ريفي يقيس الوقت لرقصة، ولكن حتى نحن نستطيع أن نحس بسحر
الحوار ورقته، وأن نجد في الحركات البطيئة سلاماً مهدئاً أنسب للقلوب المسنة والأرجل المتلكئة مما نجده في دوامة الحركات العجلاء، ومع ذلك فإن الكونشرتو الثاني يستهل بأعجل (الليجرو) خلاب، والرابع يضفي عليه البهجة فلوت لعوب، أما الخامس فهو باخ في أوجه.
(ب-) الصوتية
لم يستطع باخ وهو يلحن للصوت أن يلقي جانباً كل ما طوره من حيل وخفة يد على لوحة المفاتيح، ولا الجهود الجبارة المعذبة التي طالب بها أوركستراه، فقد كتب للأصوات كأنها آلات لا يكاد يكون لحذقها ومداها حدود، وكان ضنيناً في الاستجابة لرغبة المرتل أو المغني في أن يتنفس. ونهج نهج عصره في تمديد المقطع الواحد ليشمل ستة أنغام ("كيرييـ- يليـ- يـ- يـ- يـ- يـ- ييسون")، ومثل ذلك الاستكثار من الأنغام لم يعد أسلوب العصر، ولكن بفضل مؤلفاته للصوت حقق باخ شهرته الراهنة بوصفه أعظم ملحن في التاريخ.
وقد حياه إيمانه الوطيد بالعقيدة اللوثرية إلهاماً حاراً يعدل أي إلهام وجده باليسترينا في القداس الكاثوليكي. فكتب نحو أربع وعشرين ترنيمة وست موتيتات وفي الاستماع إلى إحدى هذه الست Singet dem Herrn ( رنمو للرب)"شعر موتسارت أول ما شعر بعمق باخ. وكتب لجماهير المصلين ولكورسه كورالات قوية كانت كفيلة بأن تبهج قلب لوثر الشبيه بقلبه": عند أنهار بابل" و "حين تشتد الحاجة"، و"تجملي أيتها النفس المباركة" وقد أثر هذا الكورال الأخير في مندلسون تأثيراً عميقاً حتى قال لشومان "لو أن الحياة سلبتني الرجاء والإيمان لردهما إليَّ هذا الكورال وحده" (57).
ولحن باخ لأعياد الميلاد، والقيامة، والصعود، أوراتوريات-كانت تراتيل ضخمة للكوارس، أو المرتلين المنفردين، أو الأرغن، أو الأوركسترا. وقد رتل أوراتوريو Weinachts Oratorium الميلاد، كما يسمى الأورتوريو الأول، في كنيسة توماس في ستة أقسام على ستة أيام بين عيد الميلاد وعيد
الظهور (الغطاس) 1734 - 45. وأخذ من أعماله المبكرة نحو سبعة عشر لحناً أو كورساً، مستعملاً حقه فيما يملك، ونسج منها قصة عن ميلاد المسيح استغرقت ساعتين. وكاد بعض ألحانه هذه التي سطا عليها لا ينسجم مع النص الجديد، ولكن كان في استطاعة السامع أن يغفر الكثير من الأخطاء في لحن يقدم، في مطلعه تقريباً، الكورس الذي يبدأ بهذه الكلمات "كيف ألقاك اللقاء الجدير بك؟ ".
كانت الأوراتوريات في صميمها تجميعات لكنتاتات. وكانت الكنتاتا ذاتها كورالا تتخلله الألحان. ولما كانت الخدمة اللوثرية كثيراً ما تطلب الكنتاتات، فقد ألف باخ ثلاثمائة منها، بقي منها إلى اليوم نحو مائتين. وقد حدت صلتها الوثيقة بالطقوس اللوثرية من عدد المستمعين لها في زماننا هذا، ولكن كثيراً من الألحان التي تضمنتها فيه جمال يسمو على أي لاهوت. وفي فيمار، في سنته السادسة والعشرين (1711) كتب باخ أول كنتاتاته الرائعة" Actus tragieus التي تبكي مأساة الموت ولكنها تفرح برجاء القيامة. وفي 1714 - 17 خلد تقسيمات السنة الكنسية بطائفة من أروع كنتاتاته: فالأحد الأول من الآحاد الأربعة السابقة للميلاد Advent كتب "تعال الآن، يا مخلص الوثنيين". ولعيد القيامة 1715 كتب "السموات تضحك، والأرض تبتهج" التي استعمل فيها ثلاثة أبواق، ونقارية، وثلاث أبواب وكمانين، وفيولنتشيللوين، وباصونا، وسلسلة أنغام على لوحة المفاتيح لتعين الكورس، وتحمل جمهور المصلين، على أن يهتزوا طرباً بانتصار المسيح؛ وكتب للأحد الرابع من الآحاد السابقة للميلاد في 1715، "القلب والفم والعقل والحياة" مع الكورال الجذل المألوف" و"أويلجاتو" الأوبرا، "يسوع، يا بهجة أشواق الإنسان". وكتب للأحد السادس عشر بعد عيد الثالوث الأقدس 1715، "تعالي يا ساعة الموت الحلوة". وفي ليبزج لحن تسبحة أخرى لقيامة المسيح "رقد المسيح في سجن الموت المظلم". وفي الذكرى المئوية الثانية لـ "إعلان العقيدة الأجزبورجي" لحن ترنيمة لوثر التي مطلعها "إلهنا حصن حصين" في صورة كنتاتا تعد
الترنيمة في قوتها، ولكن ربما كانت أعنف من أن تكون تعبيراً مناسباً عن الإيمان.
وكان في باخ إحساس صحي بمباهج الدنيا رغم تدينه وصلته الوثيقة بالتقوى بحكم واجباته، وكان في وسعه أن يضحك، كما يبكي، من كل قلبه. وتسللت عناصر علمانية إلى مؤلفاته الدينية، وقد اكتشف بعض أنغام من أوبرات عصره في القداس بمقام B الصغير (58). ولم يتردد في أن يغدق موارد فنه على كنتاتات علمانية خالصة، بقي منها الآن إحدى وعشرون. فألف "كنتاتا الصيد" و"كنتاتا القهوة"و "كنتاتا الزفاف" وسبع كنتاتات لاحتفالات مدينة. وفي 1725 كتب كنتاتا كاملة بمناسبة عيد ميلاد أوجست موللر الأستاذ بجامعة ليبزج "أيولوس المغتبط" احتفالا بتحرير الرياح، وربما بمجاز خبيث. وفي 1742 خلع موسيقاه على "كنتاتا الفلاحين الساخرة سخرية كاريكاتورية صريحة، بما فيها عن رقص القرويين الصاخب وشربهم وغزلهم. وبعد عام 1740 لم تعد الموسيقى الكنسية الغالية في ليبزج، وقدمت الحفلات الموسيقية العامة بازدياد ألحاناً علمانية ..
وقبل ن تدخل الموسيقى الدينية عصر اضمحلالها حلق بها باخ في أجواء لم تبلغها من قبل البلاد البروتستنتية. وكان من مخلفات القداس الكاثوليكي في الخدمة الكنسية اللوثرية ترتيل تسبحة "تعظم نفسي الرب" في عيد زيارة العذراء (2يوليو). وكان هذا إحياء لزيارة مريم لابنة خالتها أليصابات، حين فاهت العذراء كما ورد في إنجيل البشير لوقا (الإصحاح الأول 46 - 55) بترنيمة شكرها التي لا شبيه لها: Magnificat anima meadominam " تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى إتضاع أمته. فهو ذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبني. " ولحن باخ هذه السطور وما يليها مرتين، ولعله لحنها في صورتها لخدمة الميلاد بليبزج عام 1723. هنا يسمو الدين، والشعر، والموسيقى كلها إلى نفس الذروة في وحدة رائعة.
وبعد ست سنوات بلغ تلك الذرى غير مرة في "ألحان أسبوع الآلام
كما ورد في إنجيل متى". ولقد كان تلحين قصة آلام المسيح وموته القرون الطوال جزءاً من الطقس الكاثوليكي. واقتبس كثير من الملحنين البروتستنت صيغة الكنتاتا لهذا الغرض، واستخدم أثنان منهم قبل باخ إنجيل القديس متى نصاً لهما (59). وكتب باخ على الأقل ثلاثة من ألحان الآلام، متبعاً فيها على التوالي روايات يوحنا (1723)، ومتى (1729)، ومرقص (1731). ولم يتخلف من اللحن الثالث غير قطع متناثرة. ولحن الآلام على رواية يوحنا يشوبه تعاقب غير منطقي للمناظر وخلط بين الأحداث، ونزوع تيوتوني إلى الخطب الراعدة، ولكن الأجزاء الأخيرة منه تخف إلى رقة ورهافة في الشعور، وعمق حزين في التأمل، بلغ غاية ما تبلغه الموسيقى تأثيراً في النفس .. ولحن Es ist vollbracht ( قد أكمل) ترجمة عميقة لأخطر حدث في قصة المسيح، وما من امتحان للملحن أو المصور أعسر من هذا.
وفي عصر يوم الجمعة الكبيرة، 15 أبريل 1729، في كنيسة توماس بليبزج، أخرج باخ أعظم ألحانه قاطبة. وقد أتيح له في هذا اللحن "لحن الآلام على رواية متى، نص ألماني جيد، بنى على رواية متى الكاملة نسبياً، ورتبة أديب محلي يدعى كرستيان فردريك هنريكي، الملقب "بيكاندر". ويبدو أن باخ نفسه كتب النص لعدة كوارس وقد ظنها البعض قطعاً لا مبرر له لقصة الإنجيل، ولكنها كالكورس في المسرحية اليونانية تثري الدراما بالتعقيب والشرح، وإيقاعاتها الحزينة تعبر عن عواطفنا وتطهرها- وهما وظيفتان للفن الاسمي. وإذا كان الكثير جداً من موسيقى باخ إعلاناً للبراعة أو القوة، فإن لحن الآلام على رواية متى كله تقريباً هو صوت الأسى، أو العرفان، أو المحبة-في قرار الكورال المتكرر، الحزين، الرقيق، وفي رفاهة الألحان، وفي أنغام الفلوت الملازمة ترنم كأنها آتية من عالم آخر، وفي الضبط الوقور للأدوار المصاحبة التي تلتف حول الكلمات ووسط الأحداث كأنها زخارف مذهبة مفضضة في كتاب قداس من العصر الوسيط. هنا يفتح لنا باخ أعماقاً من الوجدان والمغزى لا تنكشف في مكان آخر إلا في الرواية الأصلية ذاتها، فهذه المأساة مازالت
بالنسبة لنا نحن أبناء الحضارة الغربية أشد المآسي تأثيراً في نفوسنا، لأنها لا تقتصر على تمثيل صلب شخص مثالي نبيل بأيدي أخوتنا من بني البشر، بل تجاوز هذا إلى الرمز لصلبه يومياً في العالم المسيحي، ولذلك الموت البطيء، في كثير منا، موت الإيمان الذي أحبه هذا الشخص إلهاً له.
وكاد باخ أن يوفق في أن يبلغ مرة أخرى، في القداس بمقام B الصغير، ذرى الانفعال والصنعة التي بلغها في لحن الآلام المذكور. ولكنه لم يستطيع أن يشعر بالانسجام الكامل مع مغامرته الجديدة كما شعر في لحنه ذاك. فلقد كان إنجيل الآلام أساس العقيدة البروتستنتية ومرتكزها، وكان باخ مستغرقاً في تلك القصيدة استغراقاً لا سبيل إلى رده عنه. على أن القداس على أي حال كان تطويراً كاثوليكياً، وقانون الإيمان ذاته يعبر عن التزام لا شك فيه بـ "كنيسة واحدة مقدسة، جامعة (كاثوليكية) catholicam، رسولية". ومع أن الشعائر اللوثرية احتفظت بالكثير من القداس الكاثوليكي، فإن هذا الكثير كان أثراً قلقاً تخلص فعلاً من لحن "يا حمل الله Agnus Dei" قبل باخ. وكان القداس في عصر باخ وفي الكنائس أيامه يغير قطعة قطعة بالكنتاتات. وبقاياه اللاتينية تقصى شيئاً فشيئاً عن الطقوس. وقد رتلت ألحاناً الآلام لباخ بالألمانية، وكان قد درس أربع ترانيم ألمانية بين الأبيات اللاتينية للحنه "تعظم نفسي الرب". ولكن القداس كان لاتينياً خالصاً بحكم التقاليد بحيث كانت أي اقحامات ألمانية فيه تغامر بأن يؤخذ عليها عيب التنافر. وكان قد غامر بهذا التحدي بكتابته أربعة قداسات جزئية بمثل هذه الملاحق الألمانية، ولم تكن النتيجة مرضية. فدرس بعناية تلك القداسات الكاثوليكية التي لحنها بالسترينا وغيره من الإيطاليين. وأرحت علاقته ببلاط درسدن أنه قد يسر الملك-الناخب الكاثوليكي إذا لحن قداساً كاثوليكياً. وحين بعث لأوغسطس الثالث (1733) ملتمساً بطلب وظيفة ولقب في البلاط أرفق معه لحني "كيرياليسون" و "المجد لله Gloria " أصبحا فيما بعد جزأين من القداس بمقام B الصغير. ويلوح أن الملك لم يهتم بهما. وأداهما باخ في كنائس ليبزج، فاستقبلا استقبالا طيباً، وواصل هو هذا العمل (1733 - 38) فأضاف إليهما أجزاء أخرى، قانون الإيمان Credo،
ولحن "قدوس قدوس قدوس Sanetus" ولحن "أوصنا Osanna، ولحن "مبارك الرب Benedictus" ولحن "يا حمل الله" ولحن "هبنا سلاماً" Dona nobis pacem. فلما اكتمل هذا كله أصبح قداساً في صورته الكاثوليكية. ولعل باخ قد راوده الأمل في أن يأمر أوغسطس الثالث بترتيله في بولندة، ولكن القدر لم يحقق أمنيته، لأنه لم يترتل قط في كنيسة كاثوليكية. وقد قدمه باخ قطعة قطعة في مناسبات شتى، في كنيسة توماس أو كنيسة نيقولا يليبزج.
والآن، هل نسوق التحفظات المترددة التي تخالط إعجابنا بهذا القداس الضخم بمقام B الصغير؟ أن قوة باخ تطغي مراراً على ذلك التواضع الذي ينبغي أن يشرب خطاب موجه إليه تعالى، وقد يبدو أحياناً أنه لا بد قد ظن أن الله أصم أذنيه، لأنه قد أمسك طويلاً عن الكلام في لغات كثيرة. فلحن "كيرياليسون" يجر ضخامته الراعدة المختلطة جراً طويلا مملا حتى لنصبح نحن أيضاً في النهاية "إليسون- أي ارحمنا! " أما لحن "المجد لله" فهو في أكثره متقن من حيث مصاحباته الأوركسترا، وهو ينتقل إلى لحن جميل، لحن "الجالس عن يمين الآب". ولكنه يبيت أجش خشنا بصوت الأبواق في لحن "لأنك وحدك قدوس" ثم يتناول لحن "مع روحك القدوس" برعد من المقاطع الموسيقية لا بد جعل الروح القدس يرتعد مخافة أن يقتحم هذا التيوتوني الجبار أبواب السماء عنوة. ومن عجب أن قانون لأيمان-بتفاصيله ودقائقه العقائدية التي أحدثت الانقسام في العالم المسيحي، والتي لا تلائم بطبيعتها الموسيقى-ينتج أسمى لحظات القداس بمقام B الصغير، إلا وهما لحن "وتجسد" ولحن "الصلب"، حيث يظفر باخ ثانية بذلك الجلال الهادئ الذي بلغه في لحن الآلام على رواية متى. ثم يأتي لحن "وقام من ببين الأموات" فيطلق كل الأنغام الصارخة، التي نفذ صبرها، أنغام الأبواق والطبول، لتصبح وترعد تهللاً بانتصار المسيح على الموت. ويهدئنا لحن "مبارك الرب" بنغمة الصادح (التينور) الرقيق وكمانه المنفرد السماوي. والمصاحبة الأوركسترالية للحن "يا حمل الله" جميلة
في عمق، ولكن لحن "هبنا سلاما" دليل على القوة لا على هبة السلام. تلك ردود فعل صريحة ليس لها كبير قيمة. ولن يتذوق القداس بمقام B الصغير تذوقاً كاملا غير أولئك الذين توافر لهم شئ آخر فضلا عن التربية المسيحية التي لم تفقد نغماتها التوافقية العاطفية، وهو القدرة الفنية على أن يميزوا ويستمتعوا بما في اللحن من بناء، ونغيمات، وصنعة، وبما استعمله الملحن فيه من موارد منوعة، وبما في تأليف الأوركسترالي من تعقيد، وبتكييف الأفكار الرئيسية في الموسيقى وفي أفكار النص.
وقد انتقد بعض الموسيقيين المحترفين باخ أثناء حياته. ففي 1737 نشر يواهان أدولف شايبي (الذي أصبح فيما بعد قائد الأوركسترا لملك الدنمرك) خطاباً غفلا من من التوقيع امتدح فيه باخ عازفاً على الأرغن، وأشار إلى أن "هذا الرجل العظيم يكون محط إعجاب الأمم كلها لو كان أسلس من هذا، ولو لم تكن ألحانه مفتعلة لما فيها من ضجيج واختلاط، ولو لم يحجب جمالها الاسراف في الصنعة (60). وبعد عام جدد شايبي هجومه فقال "إن ألحان باخ الكنسية تزداد افتعالا وبطئاً، وهي تقصر عن ألحان تليمان وجراون في الامتلاء بالاقتناع المؤثر أو التأمل الفكري (61). وكان شايبي قد حاول الحصول على منصب عازف الأرغن في ليبزج وعلق باخ على عزفه الذي أداه على سبيل الاختبار تعليقاً في غير مصلحته، وهجاه في إحدى كنتاتاته؛ ولعل نقد شايبي لم يخل من غل. ولكن شبيتا، أشد المعجبي بباخ حماسة، ينبئنا أن الكثيرين من معاصري شايبي شاطروه آراءه (62). وربما كان بعض نقاده يمثلون انتفاض الجيل الجديد في ألمانيا على الموسيقى الطباقية التي بلغت عند باخ من التفوق ما لم يترك بعده مجالا لشئ غير التقليد، وقد شهد القرن العشرين انتفاضاً كهذا على السمفونية.
ولعل شايبي كان مؤثراً هاندل على باخ، ولكن هاندل كان قد خسرته ألمانيا وكسبته إنجلترا، فشق على ألمانيا بالطبع أن تقارن بينه وبين باخ. فإذا عقدت هذه المقارنة كان هدفها دائماً تفضيل هاندل (63). وقد أعرب بيتهوفن عن الرأي الألماني حين قال، "إن هاندل أعظمنا جميعاً"(64).
ولكن هذا كان قبل أن يبعث باخ تماماً من زوايا النسيان. ومع الأسف أن هذين العملاقين - وهما أعظم مفاخر الموسيقى وألمانيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر-لم يلتقيا قط، ولو قد فعلا لأثر الواحد منهما في صاحبه تأثيراً طيباً. وقد انطلق كلا الرجلين من الأرغن، واعترف الناس لهما بأنهما أعظم عازفيه في زمانهما، ثم واصل باخ إيثاره تلك الآلة بحبه، في حين جعل هاندل الصدارة للصوت، وهو الذي راح يتنقل بين مغنيات الأوبرا وخصيان المغنين، وزواج هاندل بين الميلوديا الإيطالية والطباق الموسيقى الألماني، وفتح طريقاً إلى المستقبل، أما باخ فكان التمام والكمال للماضي البوليفوني، الفوجي، الطباقي. وأحس الناس، حتى أبناؤه، أنه لم يبق من سبيل للتحرك على ذلك الخط.
ومع ذلك كان في تلك الموسيقى القديمة شيئ صحي، سيستعيده في تشوف وحنين رجال مثل مندلسون؛ ذلك أنها كانت لا تزال مشربة بالإيمان الراسخ، الذي لم تزعزعه بعد تلك الشكوك التي ستنفذ إلى صميم العقيدة المعزية. ولقد كانت صوت حضارة مكتملة التشكل، بوصفها الملاك والذروة لفن ولتقليد موروث. ولقد عكست التنميق الزخرفي للبارك، ولأرستقراطية لم يعد يتصدى لها الآن متصد. ولم تكن ألمانيا قد ولجت بعد عصر تنويرها "الأوفكليرنج"، ولا سمعت صياح أي من ديوك الثورة. فليسنج مازال صغيراً، وكل ألماني تقريباً يؤمن بالعقيدة النيقوية قضية لا نقاش فيها، ولم يشذ بتفضيل فولتير غير الأمير فردريك البروسي. وعما قليل سيتزعزع صرح المعتقدات والطرائق الموروثة أفخم زعزعة تكاد تهدمه هدماً من جراء دعوات العقول المبتدعة، وستطوى صفحات ذلك السلام المنظم القديم، وذلك الاستقرار الطبقي، وذلك الإيمان العجيب الذي لا يساوره شك ولا تساؤل-كل هذا كتب موسيقى باخ، وستتغير كل الأشياء، حتى الموسيقى، باستثناء الإنسان دائماً.
جـ- ختام
لقد أتاحت عزلته وترويضه في ليبزج أن يرث الماضي دون غضاضة أو تمرد. وكان إيمانه الديني، بعد موسيقاه راحته وملاذه. كان يقتنى
في مكتبته ثلاث وثمانين مجلداً في اللاهوت، أو التفسير، أو الوعظ والإرشاد. وقد أضاف إلى عقيدته اللوثرية، المستقيمة، الرجولية، مسحة من الغيبة، ربما أخذها عن الحركة التقوية في زمانه-مع أنه عارض التقوية لعدائها لأي موسيقى كنسية غير التراتيل. وكان أكثر موسيقاه ضرباً من العبادة. وقد ألف أن يبدأ التلحين بصلاة يقول فيها "أعني يا يسوع" وكان يستهل كل مؤلفاته تقريباً ويختمها بإهدائها لجلال الله ومجده. وعرف الموسيقى بأنها "تناغم لطيف لمجد الله وبهجة الروح المباحة"(65).
وفي الصور التي خلفها لنا في أخريات عمره نرى فيه الرجل الألماني النموذجي، عريض المنكبين، بديناً، ممتلئ الوجه أحمره، عظيم الأنف، له إلى ذلك كله حاجبان مقوسان أضفيا عليه نظرة متسلطة يشوبها بعض الغيظ والتحدي. وكان طبعه حاداً وقد حارب ببأس شديد دفاعاً عن منصبه وآرائه، أما فيما عدا ذلك فقد كان أشبه بدب دمث لطيف يستطيع أن يطأطئ وقاره مازحاً إذا توقفت المعارضة. ولم يشارك بنصيب في حياة ليبزج الاجتماعية، ولكنه لم يكن ضنيناً باستضافة الأصدقاء، ومن بينهم منافسون كثيرون من أمثال هاسي وجراون. وكان متعلقاً بأسرته، يستغرقه عمله وبيته. وقد درب جميع أطفاله العشرة الأحياء على الموسيقى، وزودهم بالآلات، واحتوى بيته خمس موترات مفاتيح، وعوداً، وفيولا للساق، وعد كمانات، وفيولات، وفيولنتشلات. كتب إلى صديق في تاريخ مبكر (1730) يقول "أستطيع الآن أن أحي حفلة موسيقية، صوتية وآلية، من أفراد أسرتي"(67). وقد يتاح لنا في موضع لاحق أن نرى كيف واصل أبناؤه وفاقوه شهرة.
ثم وهن بصره في أخريات عمره. وفي 1749 ارتضى أن تجرى له جراحة على يد نفس الطبيب الذي عالج هاندل بنجاح في الظاهر، ولكن الجراحة أخفقت هذه المرة وتركته مكفوف البصر تماماً. وعاش بعدها في حجرة معتمة لأن النور الذي لم يستطيع رؤيته كان يؤذي عينيه. على أنه واصل التلحين رغم بلواه، شأنه في ذلك شأن بيتهوفن الأصم، وراح الآن
يملي صهيراً له الافتتاحية الكورالية "حين تشتد بنا الحاجة". وكان قد أعد نفسه للموت منذ أمد بعيد، ووطن نفسه على تقبله، إذا حان حينه، عطية من الآلهة؛ ومن ثم ألف لحنه المؤثر "تعال أيها الموت الحلو".
تعال أيها الموت الرحيم، أيها الراحة المباركة،
تعال لأن حياتي مقفرة،
وقد تعبت من الدنيا.
تعال لأنني في انتظارك،
تعال سريعاً وهدئ روحي،
وأسبل عيبني في رفق؛
تعال، أيها الراحة المباركة (68).
وفي 18 يوليو 1750 بدا أن بصره قد رد إليه بصورة معجزة، وتجمعت أسرته من حوله في فرح وابتهاج ولكن فجأة، في 28 يوليو، قضت عليه إصابة بالفالج و "رقد إلى الرب هادئاً مباركاً"(69) كما تقول لغة ذلك العهد المفعمة بالرجاء.
وكاد يصبح نسياً منسياً بعد موته. وبعض هذا النسيان مرجعة انزواء باخ في ليبزج، وبعضه عسر ألحانه الصوتية، وبعضه اضمحلال الميل إلى الموسيقى الدينية والأشكال الطباقية. وحاول يوهان هيللر، الذي شغل في 1789 وظيفة باخ قائداً لفرقة المرتلين في مدرسة توماس، أن "يبث في التلاميذ استهجان فجاجات باخ"(70). وكان اسم باخ في النصف الثاني من القرن الثامن عشر يعني كارل فليب إيمانويل، الذي كان يأسف على طابع موسيقى أبيه العتيق (71). وما حلت سنة 1800 حتى بدا أن كل ذكر ليوهان سبستيان باخ قد طوى.
ولم يذكر عمله غير أبنائه. وقد وصفه أثنان منهما ليوهان نيكولاوس فوركل، مدير الموسيقى بجامعة جوتنجن. ودرس فوركل العديد من ألحانه فتحمس له، ونشر في 1802 ترجمة لحياته في تسع وثمانين صفحة صرح فيها بأن:
"الأعمال التي خلفها لنا يوهان سبستيان باخ هي تراث قومي لا يقوم بثمن ولا يملكه أي شعب آخر
…
وتخليد ذكرى هذا الرجل العظيم ليس واجب الفن وحده بل واجب الأمة
…
فهذا الرجل، الذي هو أعظم من عاش ولعله أعظم من سيعيش من شعراء الموسيقى ومنظريها، كان ألمانياً
…
فته به فخراً يا وطني" (72).
وفتح هذا النداء المستنفر للوطنية قبر باخ. فاشترى كارل تسلتر، مدير أكاديمية الغناء ببرلين، مخطوطة لحن الآلام، واستطاع فيلكس مندلسون، تلميذ تسلتر، أن يقنعه بأن يسمح له بأن يقود في الأكاديمية أول أداء لهذا اللحن يؤدى في مكان غير الكنيسة (11 مارس 1829). ولاحظ صديق لمندلسون أن لحن الآلام هذا قد بعث إلى النور بعد تقديمه أول مرة بمائة عام تقريباً، وأن يهودياً في الحادية والعشرين من عمره هو صاحب الفضل في بعثة من مرقده (73). وأدى جميع المشاركين في اللحن أدوارهم دون أن يتقاضوا أجراً. وزاد مندلسون على هذا الإحياء بتضمين معزوفاته ألحاناً أخرى لباخ. وفي 1830 نزل فترة ضيفاً على جوته، فشغله جوته بطلبه عزف ألحان باخ.
ووافق هذا الأحياء ظهور الحركة الرومانسية، وتجديد الإيمان الديني بعد حروب نابليون، وزال سلطان الواقعية؛ فقد ارتبطت الثورة (الفرنسية) المجرمة، وبـ "ابن الثورة"، ذلك الرجل الرهيب الذي طالما أذل ألمانيا في ساحات القتال. وكانت ألمانيا الآن ظافرة، فشارك حتى هيجل في الإشادة بباخ بطلاً للأمة. وفي 1837 دعا روبرت شومان إلى نشر أعمال باخ نشراً كاملاً، وفي 1850 تألفت "جماعة باخ"، وجمعت مخطوطات باخ من كل مصدر، وفي 1851 صدر أول مجلد، وفي 1900 صدر المجلد السادس والأربعون والأخير. وقال برامز أن أعظم حدثين في التاريخ الألماني وقعا في عهده تأسيس الإمبراطورية الألمانية، ونشر ألحان باخ الكاملة (74). وهذه الألحان تؤدى اليوم أكثر من ألحان أي ملحن آخر، ويتقبل العالم الغربي كله تقدير باخ بأنه "أعظم شاعر موسيقي عاش إلى اليوم".
الفصل الثالث عشر
فردريك الأكبر وماريا تريزا
1 - استهلال إمبراطوري
1711 -
1740
يبدو أن فولتير كان أول من لقب فردريك بـ "الأكبر" منذ عام 1742 (1) Frederiv Le Grand وكانت العبارة جزءاً من ميثاق الإعجاب المتبادل دام عشرة سنين بعد ذلك التاريخ. ولكن إذا جاز التاريخ أن ينحو نحو الشاعر هويتمان في التهليل للمهزومين بنفخ الأبواق، حق له أيضاً أن يلقب ماريا تريزا بالكبرى، لأنها كانت واحدة من عدة ملكات فقن في العصور الحديثة معظم الملوك وأزرين بهم.
ولنبدأ حديثنا عنها من خلال خليفتها. فقبل أن تولد بست سنوات ارتقى أبوها الهابسبورجي (1711) عرش "الأمبراطورية الرومانية المقدسة" وتسمى شارل السادس. وكان رأي فولتير في هذه الدولة أنها لا تملك واحدة من هذه الصفات الثلاث، ولكنها لا تزال إمبراطورية، تكسوها مهابة تسعة قرون. وضمت هذه الدولة التي حكمت من فيينا حكماً واهناً النمسا، والمجر، وبوهيميا (تشكسلوفاكيا) واستراليا، وكارنثيا، وكارنيولا، والتيرول؛ وفي 1715 بسطت سلطانها على الأراضي المنبسطة الإسبانية السابقة، التي نعرفها الآن باسم بلجيكا، ولم تكن الدويلات الألمانية فيها خاضعة للإمبراطور إلا بالاسم، أما المدن الحرة الألمانية فقد اعترفت بسلطته في شئونها الخارجية، وكانت بوهيميا الآن في اضمحلال، فقد أشاع فيها الفوضى التعصب الديني واستغلال الملوك الغائبون عن أرضها وأكثرهم يتكلمون لغة أجنبية، أما المجر فكانت قد عانت من كونها أهم منطقة للصراع ين المسيحيين والعثمانيين، عبرها أكثر من عشرة جيوش واستهلكوها؛ وتقلص عدد سكانها، واستشرت الفوضى في حكومتها. ورفضت طبقة
من النبلاء كبيرة العدد حربية النزعة، لم تعد مجرية الجنس إلا في قسم منها، أن تدفع الضرائب الإمبراطورية، وكرهت الحكم النمساوي. ولم يكن يملك أرضاً في المجر سوى النبلاء والكنيسة، فقسماها ضياعاً شاسعة يفلحها الأقنان، وجنيا منها الدخول التي بنيا بها كبار الأديار والقلاع والقصور، ورعيا الموسيقى والفن. وكان بعض النبلاء يمتلك خمسين ألف فدان للواحد، وكانت أسرة استرهازي تملك سبعة ملاين فدان (2).
أما النمسا نفسها، اكبر المستفيدين في الإمبراطورية، فكانت تنعم بالرخاء. فبينما لم يزد سكان المجر على مليونين، بلغ سكان النمسا زهاء 6. 100. 000 في 1754 زادوا إلى 8. 500. 000 في 1800. وفيها هي أيضاً كانت الأرض ملكاً للنبلاء أو الأكليروس يفلحها الأقنان؛ وقد عمرت القنية في النمسا حتى 1848. وكان شأن الضياع فيها شأنها في إنجلترا يحتفظ بها ملوكها كاملة بحق البكورة، الذي يقضي بأن تورث الأرض كلها للابن البكر، أما الأبناء الأصغر منه فيعوضون بوظائف في الجيش، أو الكنيسة، أو الإدارة؛ وهكذا بلغت حاشية الإمبراطور شارل السادس أربعين ألفاً، ولم يكن في النمسا طبقة وسطى غنية تتحدى سلطان الأرستقراطية الطاغي أو تخفف من دمها الأزرق. وكانت الزيجات مسألة بروتوكول. وأبيحت الخليلات والعشاق بقانون غير مكتوب، على ألا يجاوز هذا نطاق الطبقة. وقد كتبت الليدي ماري مونتاجيو من فيينا في 1716، ربما بما يعهد في الرحالة من مبالغات، فقالت:
"من العادات الراسخة أن يكون لكل سيدة نبيلة زوجان، إحداهما حامل الإسم والآخر القائم بالواجبات، وهذه الارتباطات معروفة جداً حتى أن القوم يعدونها إهانة صريحة تشجب علناً أن تدعو امرأة من علية القوم إلى الغداء دون أن تدعو في الوقت ذاته تابعيها هذين
…
العشيق والزوج اللذين تجلس هي بينهما رسمياً في وقار شديد
…
والمرأة تتطلع إلى عشيق حالما تتزوج باعتباره جزءاً من حاشيتها (3).
وكانت الطبقة الأرستقراطية، في جميع أرجاء هذه الدولة التي كانت تتحول
الآن إلى إمبراطورية نمساوية-مجرية تعمل ويدها في يد الكنيسة. ولعل النبلاء تقبلوا اللاهوت الكاثوليكي في شئ من التحفظ والارتياب، وكان العديد منهم ماسونا (4). ولكنهم سخوا شاكرين على دين أعان بمثل هذه السماحة أقفانهم وبناتهم المجردات من المهور على الرضى بنصيبهم في هذه الدنيا تعللاً بالآخرة. وكان تنوع العقائد كفيلا بتشويش هذه العملية لو أبيح لأنه مفض إلى الجدل والشك، أما التسامح الديني فهو ولا ريب من خطل السياسة. وقد جعل فيرميان رئيس أساقفة سالزبورج الحياة في رئاسة أسقفيته عسيرة على البروتستنت عسراً حمل ثلاثين ألفاً منهم على الهجرة، فنزح معظمهم إلى بروسيا (1722 - 23)(5) حيث شدوا من أزر عدو النمسا الصاعد. كذلك أسهمت هجرات أو حركات طرد مماثلة من بوهيميا في الاضمحلال الاقتصادي لتلك الدويلة التي كانت يوماً ما تعتز باستقلالها، وعملت على تقدم ألمانيا البروتستنتية.
وشارك الأغنياء والفقراء في تمويل عمارة العصر الكنيسة. ففي براغ أكمل كيليان اجناز دينتسنهوفر أعظم المعمارين التشيكيين، في عمارة ضخمة فخمة، كنيسة القديس نيقولا التي بدأها كريستوف دينتسنهوفر. وترك يوهان برنارد فيشر فون إرلاخ، أعظم المعماريين النمساويين، بصمته على سالزبورج، وباغ، وروما، وشيد هو وابنه يوزف إيمانويل رائعة من الباروك في كنيسة القديس شارل بفينا. وأبرزت الأديار الفخمة مجد الله ورفاهيات العزوية. فكان هناك مثلاً الدير البندكتي في ملك على الدانوب حيث نشر ياكوب برانتاوير ومساعدوه (6) مجمعاً يشتمل على مبان، وأبراج، وقبة، وفي داخله القصور الفخمة والأعمدة الرائعة، والزخرفة الفاخرة. وهناك دير القساوسة الأوغسطينيين القديم في دورنشتين الذي أعاد بناءه (7) بالباروكة الأنيق يوزف مونجناشت؛ ويلاحظ أن أهم مفاخره -البوابة الرئيسية والبرج الغربي- من إنتاج متياس شتايندل، وهو مثال اتجه إلى العمارة وهو في الثامنة والسبعين. وهناك كنيسة الدير البندكي وكتبته في آلتنبورج (وبانيهما هو مونجناشت أيضاً) وهما مشهورتان بالزخارف المترفة. وهناك دير الرهبان البندكتين في تسفيتل،
وهو من آثار القرن الثاني عشر، وقد أقام فيه مونجناشت وشتايندل واجهة جديدة وبرجاً ومكتبة (9). أما الخورس الرائع فكان من صنع مايستريوهان في 1343 - 48؛ هنا أظهر الطراز القوطي القديم تفوقه على الباروك الجديد. ثم هناك دير ستامز في التيرول الذي أعاد بناءه (10) جيورج جومب، والذي تميزه المصبعات الحديدية والزخارف الجصية في بيت سلم "الأحبار"؛ وهنا كان يدفن أمراء الهايسبورج. وهناك كنيسة الدير في هوتسوجنبورج، وهي الرائعة التي أبدعها فرانتس بن يوزف مونجناشت، في حياته القصيرة (1724 - 48). وهناك كنيسة الدير في فيلليرنج، التي قيل فيها أنها "أبدع بناء بطراز الروكوك في النمسا"(11). ونلاحظ في مرورنا هنا الأرغن الرائعة في هذه الكنائس كالتي في هوتسوجنبورج وفيلليرنج، والمكتبات الجميلة؛ ومن نماذجها مكتبة الدير البندكتي في آدمونت، المحتوية على 94. 000 مجلد، 1. 100 مخطوطة في هيكل من الزخرف الباروكي. لقد كان رهبان النمسا في قمة مجدهم في عصر الإيمان المتداعي الذي نحن بصدده.
وقد جارهم النبلاء بنفس الخطو. ففي النمسا والمجر، كما في ألمانيا، كان كل أمير يتوق إلى ضريب لفرساي؛ ومع أنه عجز عن منافسة ذلك البهاء المفرط فإنه جمع من الأسلاب ما أتاح له بناء "قصر" palais ( كما كان يسميه) يعكس كل جانب ومظهر فيه سمو مكانته. فشاد أوجين أمير سافوي قصراً صيفياً على مستويين في ضيعته خارج فيينا "بلفدير واطئ"(وهو الآن متحف الباروك) و "بلفدير عالي" وضع تصميمهما الجميل يوهان لوكاس فون هلدبرانت. وصمم يوهان برنارد فيشر فون إرلاخ قصر الأمير الشتوي (وتشغله الآن وزارة المالية) كذلك وضع تصميمات لقصر شونبرون وحدائقه لينافس بهما فرساي، ولكن البناء الفعلي الذي بدأ في 1696 أغفل هذه التصميمات أو خفف منها أثناء تنفيذه. وصمم فيشرفون إرلاخ وابنه يوزف إيمانويل المكتبة الإمبراطورية-وهي المكتبة القومية الآن-التي يرى أخصائي في فن الباروك أن بها أبدع بناء داخلي لأي مكتبة في العالم (12). وفي 1726 فتح شارل السادس هذا الكنز للجمهور وفي 1737
اشترى لها مجموعة المخطوطات والكتب الهائلة التي كان يمتلكها أوجين أمير سافوي. لقد كانت فيينا، إلى حد كبير، أجمل مدينة في دولة الجرمان.
وقد جمل اكثر العمارة النمساوية بالنحت. ونذكر هنا بجهل خجول تمثال "المسيح المصلوب" الخشبي الذي صنعه أندريه تاماش في دير شتامز، وتمثال الإمبراطور فرانسيس الأول الرخامي الذي تحته بلقازا مول والمعروض في متحف الباروك بفيينا؛ وفي وسعنا أن نستشعر على البعد تفاني يوزف شتامل في فنه، إذ أنفق معظم حياته في تجميل دير آدمونت بالتماثيل. ولكن كيف يغتفر لنا كل هذا الإبطاء في التنويه بجيورج رافائيل دونير مثالا لا يفوقه بين مثالي العصر غير برنتيتي؟ فقد ولد في اسلنجن بمنخفضات النمسا (1693) وتلقى فنه على يد جولياني؛ وبفضل هذه الوصاية الإيطالية اكتسب الميل الكلاسيكي الذي أتاح له تنقية ما في الباروك النمساوي من إسراف. على أن تمثاله الرخامي "تمجيد شارل السادس"(13) ما زال يعاني من غرابة الباروك وشططه-ففيه يرى الإمبراطور وقد رفعه إلى السماء ملاك له ساقان خميلتان وثديان متألقان؛ ومع ذلك فنحن شاكرون للفن أن أعاد للصاروفيم (الملاك) شيئاً ملموساً-وهو الذي خالته الفلسفة مجرداً من الجسد. ومن آيات دونير الجديرة بعصر النهضة تمثاله "القديس مارتن والشحاذ" في كاتدرائية برسبورج (براتيسلافا)، ولمنحوتته الرخامية البارزة "هاجر في البرية" (14) جمال كلاسيكي ناعم. وقد بلغ أوجه في التماثيل التي صبها من الرصاص لنافورتين كبيرتين في فيينا: نافورة "العناية الإلهية" في السوق الجديدة، التي تمثل أنهار النمسا، ونافورة أندروميدا التي تنافس نافورة روما. وقبل أن يموت في 1741 بعام بالضبط صب لكاتدرائية جورك مجموعة تمثل بكاء مريم على جسد المسيح؛ وهي مجموعة كانت خليقة بأن تشيع البهجة في صدر رافائيل لأن دونير اتخذ اسمه.
ولم ينتج المصورون ولا الشعراء في هذا العصر في النمسا أو ممتلكاتها أي آثار تثير اهتمام العالم الخارجي، وربما يستثنى من هذه القاعدة الصور الجصية التي صورها دانيل جران داخل قبة المكتبة الكبرى في فيينا. أما في الموسيقى فقد كانت فيينا المركز المعترف به للعالم الغربي. وكان شارل
السادس يعشق الموسيقى عشقاً لا يعلو عليه سوى حبه لبناته وعرشه. وقد لحن هو نفسه أوبرا، وصاحب فارينيللي عازفاً على البيان القيثاري، وقاد البروفات. وجلب لفيينا خيرة المغنين، والعازفين، والممثلين، ورسامي المناظر المسرحية، دون أن يعبأ بالتكاليف. وفي إحدى المناسبات أنفق -فيما قدرت الليدي ماري- ثلاثين أف جنيه ليخرج أوبرا واحدة (15). وبلغ عدد المرتلين والعازفين في فرقة كنيسته 135. وأصبحت الموسيقى "إمبراطورية"، أو على الأقل أرستقراطية. وفي بعض الأوبرات كان جميع المشاركين-ساء العازفين المفردين، أو الكورس، أو الباليه، أو الأوركسترا-أفراداً من الطبقة الأرستقراطية. وفي إحدى هذه الحفلات كانت تقوم بالغناء في الدور الرئيسي الأرشيدوقة ماريا تريزا (16).
وقبل أعظم كتاب نصوص الأوبرا في ذلك العهد الدعوة إلى فيينا. فأقبل أبوستولو زينو من البندقية في 1718، وعمل شاعراً لبلاط شارل السادس، وفي 1730 اعتزل في لطف مخلياً مكانه لبيتروتراباسي، النابولي الذي كان قد تسمى من جديد، "ميتاستاسيو". وفي السنوات العشر التالية كتب ميتاستاسيو-بالإيطالية دائماً-مسرحيات شعرية بلغ من قدرتها على إثارة العواطف أن كبار ملحني أوربا الغربية أسعدهم أن يلحنوها. ولم يضارعه أحد في تكييف الشعر وفق مطالب الأوبرا - أي في ملاءمة موضع نصه، وحركته، ومشاعره، لمقتضيات المغنين المنفردين، والثنائيين، والمقاطع الملحونة، والكوارس، والباليهات، والمناظر المسرحية؛ ولكنه فرض لقاء ذلك على الملحنين التوافق الإيقاعي بين موسيقاهم ومسرحيته. وعظم نجاحه حتى خشي فولتير أن تطرد الأوبرا الدراما من المسرح، وقال "إن هذا الوحش الجميل يخنق مليومين (ربة التراجيديا) "(17).
وتربع شارل السادس على عرش كل هذه الموسيقى، والفن، والبلاط المتعدد اللغات، والإمبراطورية، بيد مبسوطة، وقلب رحيم، وحزن رجل الحرب. ذلك أن قواده لم يستطيعوا أن يتبعوا عصا قيادته، وحين طالبهم بأغاني الفرح لم يعطوه غير المآسي. لقد جرت ريح الحرب مع النمسا رخاء ما دام أوجين أمير سافوي محتفظاً بقوة ذهنه وسلطانه، وهو الذي
شارك ملبره صد جيوش لويس الرابع عشر؛ فانتزعت بلغراد من العثمانيين، وسردانيا من سافوى، وميلان ونابلي والأراضي المنخفضة الإسبانية من أسبانيا. ورقي أوجين لا قائداً عاماً لجميع الجيوش النمساوية فحسب، بل وزيراً أول ومديراً للدبلوماسية. والواقع أنه بسط سلطانه على كل شئ إلا الأوبرا، ولكنه- وقد أذعن للناموس الذي يبلي أجساد البشر-أصاب الوهن عقله لا جسمه فحسب. وفي حرب الوراثة البولندية (1733 - 35) انزلقت النمسا إلى صراع مع فرنسا، وإسبانيا، وسافوي (التي كانت تعرف آنئذ بمملكة سردانيا الصغيرة) وخسرت اللورين، ونابلي، وصقلية (1735 - 38)، وأسفر تحالفها مع روسيا عن حرب أخرى مع تركيا؛ وضاعت منها البوسنة، والصرب، والأفلاق، وعادت بلغراد تركية من جديد (1739). ولم يؤت الإمبراطور من المواهب ما يعوض به المواهب التي افتقدها معاونوه. وإليك رأى فردريك الأكبر فيه:
"أخذ شارل السادس من الطبيعة الصفات التي تصنع المواطن الصالح، ولكنه لم يأخذ صفة من تلك التي تصنع الرجل العظيم. كان سمحاً دون تمييز، له روح محدودة دون بصيرة ثاقبة؛ وكان قادراً على الانكباب على العمل، ولكن دون عبقرية، يجهد نفسه دون أن ينجز الكثير، ويجيد معرفة القانون الألماني، وعدة لغات، وقد نبغ في اللاتينية على الأخص. وكان أباً صالحاً وزوجاً صالحاً، ولكن شابه ما شاب جميع أمراء البيت المالك النمساوي من تعصب وميل للخرافة"(18).
وكان عزاءه وفخره في كبرى بناته ماريا تريزا، التي وطد العزم على توريثها عرشه: ولكن أباه ليوبولد الأول كان قد أبرم (1703)"ميثاقاً متبادلاً للوراثة" تقرر فيه أن يحكم الوراثة مبدأ حق الابن البكر؛ فإذا لم يوجد وريث ذكر انتقل التاج إلى بنات ابنه جوزيف (المولود في 1678) ثم إلى بنات ابنه شارل (المولود في 1685). وترك موت جوزيف الأول في 1711 دون وريث ذكر (ولكن بابنتين على قيد الحياة) التاج لشارل. وفي 17143 بمقتضى "أمر عال" أصدره شارل لمجلسه الخاص، أعلن مشيئته بأن ينتقل عرشه وأملاكه الشخصية بعد وفاته إلى أكبر أبنائه الحي،
فإذا لم يكن هناك ابن على قيد الحياة فإلى كبرى بناته. وقد ولد ابنه الوحيد ومات عام 1726. وبعد أن انتظر شارل عبثاً إنجاب آخر، ناشد الدولة الأوربية أن تتفادى نشوب حرب وراثة بقبولها وضمانها الجماعي لنظام الوراثة الذي وضعه. وفي الأعوام الثمانية التالية قبلت أمره العالي أسبانيا، وروسيا، وبروسيا، وإنجلترا، وهولندا، والدنمرك، وإسكندناوه وفرنسا.
ولكن مصاعب نشبت فصنعت كثيراً من التاريخ. ذلك أن سكسونيا وبافاريا كان على قيد عرشيهما أميران متزوجان من ابنتي جوزيف أخي شارل، فطالبا الآن بوراثة عرش الإمبراطورية عملا بميثاق ليوبولد الأول، أما فردريك وليم الأول ملك بروسيا فوافق على أساس تأييد شارل له في مطالبته بجزء من دوقيتي يولش وبيرج ويبدو أن شارل وافق على هذا الشرط ولكن سرعان ما بذل لمنافسي فردريك ليم وعوداً عكس هذا الوعد. وعليه انضم ملك بروسيا إلى أعداء الإمبراطور (19).
وفي 1736 تزوجت ماريا تريزا من فرانسس ستيفن، دوق اللورين، وغراندوق توسكانيا فيما بعد (1737)، وهي في الثامنة عشرة من عمرها. وفي 20 أكتوبر 1740 مات شارل السادس، مختتماً بموته فرع الذكور في بيت هابسبورج. واعتلت ماريا تريزا العرش بوصفها أرشيدوقة النمسا وملكة بوهيميا والمجر. وأصبح زوجها شريكاً لها في الحكم، وإذ لم يبد كبير اكتراث بشئون الدولة أو كفاءة تذكر للقيام عليها فقد وقع عبء الحكم كله على عاتق الملكة الشابة. وكانت في عام 1740 تملك كل مفاتن الأنوثة والملك؛ قسمات بديعة، وعيون زرق متألقة، وشعر أشقر غزير، ورقة في السلوك، وخفة في الحركة، ومتعة العافية، وحيوية الشباب (20). وكان ذكاؤها وخلقها يفوقان هذه المفاتن كلها قصراً عن التصدي للمشكلات التي أحدقت بها من كل جانب. وكانت الآن حاملاً في شهرها الرابع بالطفل الذي سوف يخلفها باسم جوزيف الثاني "المستبد المستنير". ونازعها حقها في العرش كل من شارل ألبرت ناخب بافاريا، وفردريك أوغسطس الثاني ناخب سكسونيا، وناصر حزب قوى في فيينا القضية البافارية، ولم يكن هناك تأكيد بأن المجر ستعترف بها ملكة عليها، ولم تتوج بهذا الوصف حتى 24
يونيو 1741. أما خزانة الإمبراطورية فخاوية إلا من 100. 000 فلورين، زعمت الإمبراطورة أرملة شارل السادس أنها ملك لها. وكان الجيش مختل النظام، وقواده تعوزهم الكفاية. وكان مجلس الدولة مؤلفاً من أعضاء مسنين فقدوا القدرة على التنظيم أو القيادة. وانتشرت الشائعات بأن العثمانيين سيزحفون مرة أخرى على فيينا بعد قليل (21). وطالب فليب الخامس ملك أسبانيا بالمجر وبوهيميا، وملك سرداينا بلمبارديا ثمناً لاعترافهما بها (22). أما فردريك الثاني الذي أصبح ملكاً على بروسيا قبل تولي ماريا تريز العرش بخمسة شهور فقط، فقد بعث إليها يعرض الاعترافات بها والدفاع عناه ودعم انتخاب زوجها إمبراطوراً، شريطة أن تنزل له عن الشطر الأكبر من سيليزيا، فرفضت العرض، ذاكرة ما كان أبوها يرجوه من بقاء المملكة سليمة لا تجزأ ولا يمسها سؤ. وفي 23 ديسمبر 1740 غزا فردريك سيليزيا، ووجدت المملكة ذات الثلاثة والعشرين ربيعاً نفسها تخوض حرباً مع أقوى دولة في ألمانيا، ومع الرجل الذي قدر له أن يكون أعظم قائد في عصره.
2 - استهلال بروسي
1713 -
1740
أ- فردريك وليم الأول
كانت أسرة هوهنتسلرن قد نجحت في رفع إمارة برندنبورج الناخبة إلى مملكة بروسيا في 1701، وأصبح أميرها الناخب ملكاً باسم فردريك الأول. وقد أوصى بأن يرث ملكه بعد موته ابنه فردريك وليم الأول (حكم 1713 - 40). وكان الملك الجديد، عن طريق زوجته صوفيا دورتيا، صهراً لجورج الأول الذي ارتقى عرش إنجلترا في 1714. وكانت أملاك بروسيا تشمل بروسيا الشرقية، وبومرانيا السفلى، وإقليم الحدود المسمى برندنبورج (والمحيط برلين) وإقليم كليفز في غربي ألمانيا، وكونتية مارك، ومدينة رافنزبيرج في وستفاليا: وكلها أخلاط مفككة من البلاد تمتد امتداداً متقطعاً من الفستولا إلى الألب، ولا تربط بينها غير قوات الملك. وبلغ سكان "بروسيا" هذه في 1740 نحو 3. 300. 000 زادوا إلى 5. 800. 000 في نهاية القرن، أما بنيانها الاجتماعي فكان إقطاعياً
في أساسه: فلاحون يدفعون الضرائب والفروض الإقطاعية، وطبقة وسطى ضعيفة، وطبقة نبلاء تطالب بإعفائها من الضرائب ثمناً لتزويد الملك بالعون الحزبي. وكانت رغبة فردريك وليم الأول في التحرر من الاعتماد على هؤلاء النبلاء بعض ما دعاه إلى تنظيم جيش دائم سيقرر التاريخ السياسي لأوربا الوسطى طوال نصف قرن.
كان فردريك وليم حاكماً شاذاً شذوذ ابنه الأشهر منه، الذي يرجع معظم الفضل في انتصاراته لجيش أبيه. ولم يوهب الوالد ولا الولد شخصية جذابة ساحرة، ولم يسترضي إحداهما العالم بجمال طلعته أو لطف ابتسامته، بل واجهه كلاهما بسحنة آمرة صارمة تسوس الجيوش: كان الأب قصيراً بديناً، له وجه متورد تحت قبعة مثلثة، وعينان تنفذان إلى صميم كل زيف وصوت يعلن عن إرادة صاحبه، وفكان على استعداد لطحن كل مقاومة. وإذ كان شهية طيبة دون أن يكون ذواق للطعام، فقد طرد طاهيه الفرنسي، واكل طعام الفلاحين؛ وكان يستهلك الكثير في وقت قصير دون احتفال يذكر لأنه كان في شغل عن هذا بعمله. ورأى نفسه سيد الدولة وخادمها، فعكف على تصريف شئون الحكم في أمانة وسخط، لأنه وجد فيها الكثير المعوج المنحرف، فأقسم أن يقومه بالقوة. واختصر إلى النصف عدد كبار الموظفين المغرورين الذين عطلت سلطاتهم المتضاربة عمل الحكومة، وباع ما ورثه من مجوهرات، وخيول، وأثاث فاخر، واختزل مظاهر بيت الملك إلى بساطة بيت المواطن من أهل المدن، وجمع الضرائب أينما أمكن تنميتها، وخلف لفردريك الثاني خزانة مملوءة إلى حد مغر.
وأراد من كل إنسان أن يكد ويكدح مثله، فأمر موظفي البلديات بأن يراقبوا أخلاق السكان، ويبشروا بالجد والاقتصاد، وأن يؤدبوا المتشردين بالأشغال الشاقة وبسط إشراف الدولة على التجارة والصناعة، ولكنهما وجدتا التشجيع في تحسن حال القنوات والطرق. وفي 1722 أصدر الملك اليقظ أمراً يقرر التعليم الإلزامي ففرض على كل أبرشية أن تمول مدرسة، فما وافت سنة 1750 حتى كانت بروسيا تتصدر أوربا كلها في التعليمين الابتدائي والثانوي (23). وألقيت البذرة لعصر كانت وجيته.
وحين تبين فردريك ويم أن الأتقياء من الناس يعملون بأثبت مما يعمل الشكاك، أيد الحركة التقوية. وتسامح مع الكاثوليك على مضض وأخبر الكلفنيين بأن يكفوا عن التبشير بكآبة مذهبهم الجبري، وأمر اللوثرين بأن يستعملوا الألمانية بدل اللاتينية في طقوسهم، وأن يقلعوا عن ارتداء المدرعات "والبطرشيلات" وعن رفع القربان أمام المصلين، باعتبار هذه كلها من مخلفات البابوية. ولما أكره رئيس أساقفة سالزبورج خمسة عشر ألف بروتستنتي على الهجرة، رحب بهم فردريك وليم وأقرضهم المال رحلتهم التي قطعوا فيها خمسمائة ميل، وأجر لهم الأراضي (ولم تكن من خيرة أرضه) إلى أن تؤتى أرضهم غلاتها. واستقدم خمسة عشر ألف مهاجر آخرين من سويسرا والدويلات الألمانية. وهكذا ردت بروسيا إلى الحياة الاقتصادية بعد أن دمرتها حرب الثلاثين.
كانت الرغبة العارمة التي دفعت الملك إلى هذا النشاط هي تأمين الأمة في عالم لا يكف عن الحرب. فحين تقلد فردريك وليم السلطة كانت الحرب الشالية الكبرى ما تزال مستقرة، تشتبك فيها السويد، وروسيا وبولندا، والدنمرك، وسكسونيا، وبعد قليل إنجلترا، وكانت العبرة الواضحة من هذه الحرب أنه لا غنى عن جيش قوي للسلم، وسط عالم يسوده السطو المؤمم. وكان ملك بروسيا تواقاً إلى الحصول على ستتن ثغراً لتجارة برلين، فاشتراها بمبلغ 400. 000 طالر من الدول التي انتزعها من شارل الثاني عشر. ولكن شارل رفض عقب عودته من تركيا أن يعترف بهذا البيع لبضاعة مسروقة، فعرض فردريك وليم أن يردها للسويد نظير الـ 400. 000 طالر التي دفعها، ولم يكن شارل يملك المال، ولكنه أصر على استرداد ستتن، فأعلنت بروسيا الحرب عليه (1715) وانضمت إلى أعوانه في حصار شترالزوند. وفر شارل إلى السويد ونصف العالم ضده، وأدركه الموت هناك. وعاد فردريك وليم إلى برلين وستتن في جيبه، وبريق الانتصار في عينيه.
بعد هذا أصبح الجيش شغله الإداري الشاغل. ولم يكن بالرجل العسكري النزعة تماماً، ولا كان مقاتلا قط، ولم يخض حرباً بعد ذلك بتاتاً، ولكنه
عقد العزم على ألا يخوض أحد حرباً ضده وهو في مأمن. فلقد كان هذا الرجل الذي بنى أشهر جيش في ذلك القرن "من أعظم الملوك حباً للسلام"(24) وهو القائل "أن مبدئي ألا أؤذي أحداً، على ألا أسمح بأن يستهين بي أحد"(25) ومن ثم راح يجمع الجند، ويطلب أطول من يجد منهم قامة في ولع شديد؛ وكان يكفي للظفر بمودته أن يرسل له إنسان رجلاً طوله ستة أقدام على الأقل وكان الملك يسخو في دافع ثمنهم ويبتهج قلبه لقوامهم الفارع. ولم يكن أكثر جنوناً بالجيوش من زملائه الملوك، إلا فيما يتصل بطول الجندي. فقد كان لفرنسا مثلاً في 1713 من الجند النظاميين 160. 000، ولروسيا 130. 000، وللنمسا 90. 000 (26). ولكي يرفع فردريك وليم عدة جيشه إلى 80. 000 في بلد لا يزيد سكانه على ثلاثة ملايين، جند الجند من الخارج وفرض التجنيد الإجباري في أرض الوطن، وقاوم الفلاحون وسكان المدن الإكراه على الخدمة العسكرية، فكانوا يؤخذون بالحيلة أو القوة؛ وحدث مرة أن اقتحم ضابط من فرق التجنيد كنيسة وساق أطول الرجال وأقواهم رغم توسلاتهم (27). (ولنذكر أننا نحن أيضاً نفرض التجنيد الإجباري) وكان الرجال إذا انخرطوا في سلك الجندية يجدون الرعاية الطيبة، ولكنهم أخضعوا لنظام قاس وتدريب شاق؛ وكان الجلد هو العقاب حتى لصغار الذنوب.
وطبق التجنيد الإجباري على النبلاء أيضاً، ففرض على كل نبيل سليم البدن أن يخدم في الجيش ضابطاً ما دام يطيق الخدمة العسكرية. وكان هؤلاء الضباط يدربون تدريباً خاصاً، ويخصهم الملك بالتكريم. فأصبحوا طبقة حاكمة يحتقرون التجار، والمعلمين، ورجال الدين، والطبقات الوسطى عامة، وينظرون إليهم نظرتهم إلى طبقات دنيا مستضعفة، وكثيراً ما كانوا يعاملونهم بوقاحة وتفاخر، أو بوحشية وضراوة. ولكنهم دربوا المشاة والمدفعية والفرسان في تشكيلات دقيقة وحركات طيبة لم يعرفها قط أي جيش حديث آخر في أغلب الظن. وشارك الملك ذاته في هذه المناورات العسكرية، وأشرف على تدريب جنوده في تدقيق وحب؛ فلما ولى فردريك الثاني العرش
وجد تحت إمرته قوة الرجال مهيأة للخدع الحربية والغنائم، متجاهلة في لحظة كل دروس السلام التي تعلمها الأمير من الفلسفة.
ب- فرتز الصغير
كان "جاويش تدريب الأمة البروسية العظيم"(كما وصف كارليل فردريك وليم الأول)(28)، أباً لعشرة أطفال أكبرهم فلهلمينا. والمذكرات التي خلفتها عند وفاتها (1758) هي أكثر مصادرنا مباشرة ووثوقاً عن تاريخ أخيها الباكر. وربما أسهبت بتركيز انتقائي في ذكر قسوة مربيتها، وأنانية أمها الجافية، ووحشية أبيها، وأوامره الاستبدادية في أمر زواجها، ومعاملته الصارمة للفتى فرتز الذي أحبته مفخرة وعزاء لحياتها (29). قالت "لم يوجد حب نظير حبنا الواحد للآخر لقد أحببت أخي حباً جماً وحاولت على الدوام أن أدخل السرور على قلبه"(30).
وكان فردريك، المولود في 24 يناير 1712، يصغرها بثلاثة أعوام. ولم يرضى عنه أبوه ولا أمه. قد جهدا ليصنعا منه قائداً وملكاً، أما هو فأبدى كل إمارة على أنه سيصبح شاعراً وموسيقياً. وبين أيدينا التعليمات التي أعطاها فردريك وليم لمعلمي ولده. قال:
"اغرسوا في ولدي ما يجب من محبة الله وخشيته باعتبارهما الأساس والركن الركين لخيرنا الزمني والأبدي. فلا تذكروا على مسمعه أبداً أي أديان زائفة أو مذاهب إلحادية، أو أريوسية، أو سوسينية، أو ما شاكل ذلك من أسماء لهذه السموم التي تستطيع إفساد العقل الحدث بسهولة كبيرة (وقد أصبح فردريك كل هؤلاء). ومن ناحية أخرى يجب أن يعلم ما يجب من استنكار للبابوية وبصر بما تفتقر إليه من أساس وما فيها من سخف
…
وليتعلم الأمير الفرنسية والألمانية
…
دون اللاتينية
…
وعلموه الحساب، والرياضة، والمدفعية، والاقتصاد، بتعمق
…
والتاريخ على الأخص
…
وكلما شب زيدوه علماً بالتحصينات، وتشكيل المعسكر، وغير ذلك من علوم الحرب، ولكي يدرب الأمير منذ صباه على أن يعمل ضابطاً وقائداً
…
اغرسوا في ولدي الحب الصادق لمهنة الجندي. وأقنعوه
بأنه لما كان السيف هو الشيء الوحيد الذي يكسب الأمير الشهرة والشرف، فإنه سيكون محتقراً من جميع الناس إذا لم يحبه ويلتمس فيه فخره الوحيد" (31).
ولو أفسح للأب في أجله بما يكفي لتاه فخراً بولده جندياً وقائداً، ولكن كل شئ بدا وكأنه يسير في طريق خطأ خلال سنوات التلمذة تلك. فقد كان الغلام ذكياً، ولكنه لم يهتم قط بالهجاء. احتقر اللغة الألمانية وأحب لغة فرنسا وأدبها موسيقاها وفنها. وأحب أن ينظم الشعر الفرنسي، وواصل هويته تلك إلى آخر عمره. وكان الملك الشيخ يستشيط غيظاً إذا رأى ولده وبيده كتب فرنسية، ويزداد غضبه حين يجده يعزف على الفلوت. وجاء يوهان كوانتش، عازف الفلوت في بلاط سكسونيا، إلى برلين ليعلم الصبي خفية بناء على طلب أمه. وكان كوانتش إذا سمع الملك يدنو يختبئ في خزانة، ويقلب فردريك روبه الفرنسي إلى سترة حربية، ولكن الأب كان يثور لمرأى الكتب الفرنسية ملقاة هنا وهناك، فأمر الخدم أن يرسلوها إلى بائع كتب، فبيعها خير من حرقها. ولكن الخدم لم يفعلوا هذا ولا ذاك، بل خبأوا الكتب، وبعد قليل أعادوها للأمير.
وبذل الشيخ قصارى جهده الذي اختلطت فيه محبة الأب بغضبه ليجعل الصبي مقاتلا. فاصطحبه في رحلات صيده، وخشنه بحياة الخلاء، وعوده الخطر والركوب والوعر، وألزمه العيش على الطعام الزهيد، والنوم القليل، ووكل إليه أمور فوج في جيشه، وعلمه أن يدرب جنده، وأن يرقى بطارية مدفعية، وأن يطلق المدافع. وتعلم فردريك هذا كله، وأبدى قدراً كافياً من الشجاعة، ولكن الأب تبين بغضب متزايد أن الفتى، الذي بلغ الآن السادسة عشرة راح يكون صداقة حميمة مريبة مع ضابطين شابين هما الكابتن فون كاتي والملازم كابت. وكان كاتي واسع الاطلاع كثير الرحلات، ورغم ما تركه الجدري على وجهه من ندوب، فإن "تهذيب عقله وسلوكه" كما قالت فلهلمينا "جعله رفيقاً لطيفاً جداً
…
وكان يفخر بأنه حر الفكر. وتأثير كاتي هو الذي دمر كل إيمان ديني في صدر أخي" (32).
ولم يستطيع فردريك وليم أن يستجيب لهذه التطورات المنحرفة في ابنه
البكر إلا بالغضب والعنف. وكان ديدنه استعمال العصا مع خدمه، فهدد باستعمالها لتأديب ولده. وكانت فلهلمينا خلال ذلك تقاوم خططه لتزويجها لحليف سياسي قوي؛ وبدا أن الولد والبنت أرسلهما القدر ليخيبا كل أماله. "لقد بلغت ثورة أبي على أخي وعليّ مبلغاً جعله يقصينا عن حضرته فيما عدا ساعات الطعام. وحدث ذات مرة أن الملك قذف رأس أخي بطبقه، وكان يمكن أن يصيبه لولا أنه حاد عنه، وفي مرة أخرى قذف الطبق علي وقد نجوت منه أنا أيضاً لحسن حظي، ثم انهال على بوابل من السب والشتم
…
وإذ مررت أنا وأخي على مقربة لتبرح الحجرة دفع نحونا عكازه ليضربنا. ولم يكن يرى أخي قط دون أن يهدده بعصاه. وكثيراً ما قال لي فرتز إنه قد يحتمل كل معاملة سيئة إلا أن يضرب، فإذا بلغ الأمر حد الضرب فإنه سيهرب (33).
وفي وسعنا أن نفهم بعض أسباب الغضب الذي استشعره الملك المسن. ذلك أنه كان قد تطلع إلى ترك ملكه هذا الذي أعاد تنظيمه لولد يواصل رعايته للجيش، ويقتصد في النفقات، ويبني الصناعات، ويصرف شئون الدولة بأمانة واجتهاد، ولم يكن ممكناً أن نتوقع منه التنبؤ بأن ابنه هذا سيفعل هذا كله وأكثر منه. فهو لم يجد في "فريدرش" غير فتى وقح مخنث، يجعد شعره كالفرنسيين بدلا من أن يقصه كالجنود البروسيين (34)، ويمقت الجنود والصيد، ويهزأ بالدين، وينظم الشعر الفرنسي، ويعزف على الفلوت. فأي مستقبل يمكن أن يكون لبروسيا إذا حكمها هذا الفتى الضعيف؟ وحتى التماساته للعفو بين الحين والحين يمكن أن يفسرها أبوه بأنها جبن منه. وذات مرة قال الملك لمن حوله بعد أن لكم أذني ولده إنه لو لقي هذه المعاملة من أبيه لضرب نفسه بالرصاص؛ ولكن فريدرش لا يملك الإحساس بالشرف وإنه على استعداد لاحتمال أي شئ (35).
وحاول الملك -إذا صدقنا الخبر الذي أنهاه فردريك إلى فلهلمينا- أن يقتله في بوتسدام في ربيع 1730. قال:
أرسل في طلبي ذات صباح. فما إن دخلت الحجرة حتى أمسك بناصيتي وطرحني أرضاً. وبعد أن ضربني بقبضته جرني إلى النافذة وربط حبل
الستارة حول عنقي- وأتيح لي لحسن الحظ وقت للنهوض والإمساك بيديه، ولكنه جذب الحبل بكل قوته حول عنقي فشعرت بأنني أختنق وصحت مستغيثاً. وجرى تابع ليسعفني، واضطر إلى استعمال القوة لينقذني (36).
وأسر فريدرش- الذي بلغ الثامنة عشرة- إلى فلهلمينا أنه ينوي الهروب إلى إنجلترا مع كاتي وكايت. فتوسلت إليه ألا يفعل، ولكنه أصر وكتمت سره في خوف، ولكن الملك الذي أحاط ولده بالجواسيس علم بأمر المؤامرة، وقبض على ابنه وابنته، وعلى كاتي وكايت (أغسطس 1730). وأطلق سراح فلهليمنا بعد حين وفر كايت إلى إنجلترا، ولكن فريدريش وكاتي حوكما أمام مجلس عسكري وحكم عليهما بالإعدام (30 أكتوبر). وأعدم كاتي في فناء قلعة كوسترين (وهي الآن كوسترزين في بولندا) وأكره فريدرش بأمر أبيه على أن يشهد منظر الإعدام من نوافذ زنزانته (6 نوفمبر). وفكر الملك في قطع رأس ولده، وفي جعل من يليه من أبنائه ولياً للعهد، ولكنه خشي الأصداء الدولية لهذه الفعلة، فراض نفسه على الإبقاء على حياة فريدرش.
ومن نوفمبر 1730 إلى فبراير 1732 ظل الأمير يلزم كوسترن، في سجن محكم أول الأمر، ثم في حدود المدينة لا يبرحها، تحت رقابة مشددة طوال الوقت، ولكن "برلين كلها أرسلت إليه المؤونة لا بل أفخر الطعام والشراب"(37). في رواية فلهليمينا. وفي 15 أغسطس 1731، بعد عام من الفراق، جاء الملك ليرى ابنه، وقرعه ما شاء له التقريع، وقال له إن مؤامرة الهروب لو نجحت "لألقيت إلى الأبد في مكان لا ترى فيه الشمس أو القمر ثانية (38). جثا فريدرش على ركبتيه والتمس الصفح من أبيه، وانهار الشيخ، وبكى، وعانقه؛ وقبل فريدرش قدمي أبيه (39). فأطلق سراحه، وبعث به في جولة بالأقاليم البروسية ليدرس اقتصادها وإدارتها. لقد غيرت سنوات صراعه مع أبيه تلك من خلقه وقسته.
أما فلهلمينا التي أبهجها أن تترك سقف أبويها فقد قبلت يد هنري ولي عهد بايرويت. وبعد أن تزوجا في برلين (30 نوفمبر 1731) ذهبت إلى الجنوب لتصبح (1734) أميرة بايرويت، ولتجعل بلاطها يزخر بالثقافة.
وفي فترة سلطانها هناك تحول المسكن الأميري، وهو قلعة إيريميتاج، إلى قصر ريفي (شاتو) من أجمل القصور الريفية في ألمانيا.
وكان على فريدرش هو أيضاً أن يتزوج، رضى أم كره. وقد ساءه هذا الإلزام، وهدد قائلا "لو أصر الملك على هذا فسأتزوج طاعة له، ثم أدفع بزوجتي إلى ركن من الأركان وأحيا كما أشتهي"(40). وعليه فقد قاد إلى مذبح الكنيسة (12 يونيو سنة 1733) إليزابث كرستينا "أميرة برنزويك- بيفرن الجليلة" وكان يومها في الحادية والعشرين وهي في الثامنة عشرة، "جميلة جداً" كما قالت أم فردريش لفلهلمينا ولكنها "بليدة كحزمة من القش-ولست أدرى كيف ينسجم أخوك مع هذه الإوزة"(41). ومع أن فردريك تعلم في سنوات لاحقة أن يقدرها تقديراً كبيراً، إلا أنه في هذه الفترة تركها أكثر الوقت وحيدة تلتمس لنفسها السلوى. وذهبا ليسكنا في راينزبرج، على أميال شمال برلين. هناك بنى الزوج الأعزب لنفسه حصناً يلوذ به، وأجرى التجارب في الفيزياء والكيمياء، وجمع العلماء، والأدباء، والموسيقيين، من حوله، وتبادل الرسائل مع فولف، وفونتنيل، وموبيرتيوي، وفولتير.
جـ - الأمير والفيلسوف
(1736 - 40)
ورسائله مع فولتير من أعظم وثائق ذلك العهد كشفاً وإنارة: فهي تعبير أدبي رائع لشخصيتين بارزتين يتضاءل فيه فن أكبرهما سناً أمام واقعية الفتى المتفتح. كان فولتير الآن في عامه الثاني والأربعين، وفردريك في الرابعة والعشرين. وكان فولتير زعيم الأدباء الفرنسيين غير منازع، ولكن كاد يدير رأسه أن يتسلم من ولي عهد سيرتقي العرش بعد حين الخطاب التالي الذي كتبه من برلين في أغسطس 1736 وأرسله مع رسول خاص إلى الشاعر في سيريه:
سيدي:
مع أنه لم يتح لي سرور التعرف إليك شخصياً فإن ذلك لا يقلل من معرفتي بك من خلال آثارك. فهي كنوز عقلية إذا جاز القول، وهي تكشف
للقارئ عن مواطن للجمال عند كل قراءة جديدة لها
…
ولو بعث الخلاف حول فضائل المحدثين والقدامى من جديد، لدان عظماء المحدثين لك، ولك وحدك، بالفضل في رجحان كفتهم
…
فلم يحدث قط أن نظم شاعر مسائل الميتافيزيقا في إيقاع منغم، وقد حفظ لك أنت شرف السبق في هذا المضمار. "
وواضح أن فردريك لم يكن قد قرأ لوكرتيوس بعد، ربما لضآلة إلمامه باللاتينية، ولكنه قرأ فولف، وأرسل إلى فولتير:
"صورة من اتهام ودفاع السيد فولف، أشهر فلاسفة زماننا، الذي يتهم اتهاماً قاسياً بالمروق عن الدين والإلحاد لأنه حمل النور إلى أحلك أركان الميتافيزيقا
…
وقد طلبت ترجمة لكتاب فولف" رسالة عن الله، والنفس، والعالم
…
وسأوافيك بها".
هذا وإن ما تقدمه من عطف ومعونة لجميع من يكرسون أنفسهم للآداب والعلوم يجعلني آمل أن تسلكني فيمن تراهم جديرين بإرشاداتك .... "
والظاهر أن فردريك كان قد سمع بعض ما شاع عن قصيدة فولتير "لابوسيل": (عذراء اللورين).
سيدي؛ لست أشتهي شيئاً لاقتناء جميع كتاباتك .... وإذا كان بين مخطوطاتك ما تود ستره عن أعين الجماهير فإني أتعهد بالاحتفاظ به سراً مكتوباً
…
إن الطبيعة إذا شاءت كونت نفساً عظيمة ذات قدرات تدفع الآداب والعلوم قدماً، وواجب الأمراء أن يكافئوا الجهد النبيل الذي يبذله صاحب هذه النفس وليت "المجد" يستخدمني لأكلل نجاحك ....
وإذا أبى حظي أن يسعدني بالقدرة على الاستيلاء عليك، فعساني على الأقل أرى يوماً ما ذلك الرجل الذي طالما أعجبت به من بعيد، وأؤكد لك، بلساني، أنني مع كل التقدير والاعتبار الواجبين للذين يكرسون جهودهم للجماهير مهتدين في ذلك بمشعل الحق- يا سيدي صديقك المخلص،
فردريك ولي عهد بروسيا
وفي وسعنا أن نتصور شعور الاغتباط الذي قرأ به فولتير هذا الخطاب،
وهو الذي لم يكبر قط على الغرور، فراح يرشف رحيقه أمام المركيزة الغيور. وبادر بعد تسلمه بالرد عليه في 26 أغسطس 1736:
مولاي:
لا بد أن يكون إنساناً مجرداً من كل عاطفة ذلك الذي لا يتأثر تأثراً بالغاً بالخطاب الذي شئتم سموكم الملكي تشريفي به. فمحبتي لذاتي تزهو به زهواً شديداً؛ ولكن محبتي للبشر، التي غذوتها دائماً في قلبي، والتي أجرؤ على القول بأنها أساس خلقي، منحتني سروراً أعظم نقاء وصفاء- لأنني أرى أن في الدنيا الآن أميراً يفكر كإنسان، أميراً فيلسوفاً، سوف يسعد الناس.
واسمح لي بأن أقول أنه ليس على وجه الأرض إنسان لا يدين لك بالشكر على العناية التي تبذلها لكي تهذب بالفلسفة السلمية نفساً ولدت لتأمر وتنهي. إذ لم يوجد بين الملوك صالح إلا أولئك الذين بدءوا بمحاولة تعليم أنفسهم، وبتبين خيار الناس من أشرارهم، وبحب ما هو حق، ويمقت الاضطهاد والخرافة. وإن أميراً يثابر على هذه الأفكار قد يعيد العصر الذهبي إلى بلده! ترى لم لا يسعى إلى هذا المجد إلا قلة قليلة من الأمراء؟ .... لأنهم يفكرون في ملكهم أكثر مما يفكرون في النوع الإنساني. أما حالك فنقيض هذا بالضبط؛ (وما لم يغير ضجيج العمل ولؤم البشر يوماً ما من هذا الخلق الإلهي)
(1)
فإن شعبك سيعبدك، والعالم كله سيحبك، والفلاسفة الجديرين بهذا الاسم سيؤمون دولتك، والمفكرين سيتزاحمون حول عرشك .... لقد تركت الملكة كرستينا الشهيرة ملكها طلباً للآداب والفنون، فاملك إذن يا مولاي، وستقبل الآداب والفنون ساعية إليك
…
ولست أجد من الشكر لسموكم المعاني ما يكفي على إهدائي ذلك الكتيب عن السيد فولف. وإنني أحترم الأفكار الميتافيزيقية، فهي أشعة من نور تتخلل الليل الدامس. وفي رأيي أننا يجب ألا ننتظر من الميتافيزيقيا أكثر من هذا. ولا يبدو أن من المحتمل الكشف إطلاقاً عن الأصول الأولى للأشياء. فالفئران التي فرض عليها البقاء في ثقوب صغيرة من بناء هائل لا تدري هل
(1)
العبارة المحصورة بين القوسين مضافة.
البناء خالد أم غير خالد، أو من بناه، أو لم بناه. وما أشبهنا بهذه الفئران. والبناء الإلهي الذي بنى الكون لم ينبئ أحداً منا قط يسره المكنون فيما أعلم ..
سأصدع بأمرك وأبعث إليك بتلك الكتابات التي لم تنشر. وستكون أنت يا مولاي جمهور قرائي، وسيكون نقدك مكافأتي، فهذا ثمن لا يقدر على دفعه من الملوك والأمراء إلا الأقلون. وأنا واثق من كتمانك سرها
…
وإني في حق أراها سعادة غالية أن آتى لأقدم احترامي لسموكم الملكي
…
لولا أن الصداقة التي تبقيني في هذه الخلوة لا تسمح لي بمغادرتها، ولا شك أنكم توافقون جوليان، ذلك الرجل العظيم المفترى عليه كثيراً، على قوله "ينبغي أن بفضل الأصدقاء دائماً على الملوك".
وثق يا مولاي أنه أياً كان ركن الأرض الذي سأختتم فيه حياتي، فإن تمنياتي ستكون دائماً لك-أي لسعادة شعب بأكمله. وسيعد قلبي نفسه واحداً من رعاياك، وسيكون مجدك دائماً عزيزاً علي. وسأتمنى أن تكون دائماً كما أنت، وأن يكون الملوك الآخرون مثلك-وإنني مع عميق الاحترام خادم سموكم الملكي المتواضع جداً.
فولتير (43)
واتصلت الرسائل بين أعظم ملوك زمانه وأعظم أدبائه طوال اثنين وأربعين عاماً، مع انقطاعات أليمة تخللتها. وتكاد كل كلمة في هذه الرسائل تجزى قراءتها، لأنه لا يتاح لنا كثيراً امتياز الاستماع إلى رجلين كهذين يتحدثان هذا الحديث لحميم المدروس. نحن نصد أنفسنا بصعوبة عن إغراء نقل ما في هذه الرسائل من الأحكام المنيرة، ومن آيات الذكاء؛ ولكن بعض فقراتها تعيننا على تصور هذين العملاقين المتنافسين، رب السيف ورب القلم
(1)
.
(1)
الاشارات التالية للترجمة الانجليزية للرسائل التي قام بها رتشرد أولدنجتن بعنوان: The Letters of Voltaire and Frederick The Great (New York 1927) رسائل ولتير وفردريك الأكبر (نيويورك؛ 1927) والتي نزكيها بقوة.
فهما بادئ ذي بدء يتفقان في إعجاب الواحد منهما بصاحبه. ففردريك يعرب عن دهشته لأن فرنسا لم تتبين "الكنز المخبوء في قلبها"، ولأنها تترك فولتير "يعيش وحيداً في صحاري شامبين
…
ومنذ الآن ستصبح سيريه (معبدي) دلفي، ورسائلك وحي المقدس" (44). "اترك وطنك الجاحد، وتعال إلى بلد يعبدك فيه أهله" (45). ويرد فولتير باقات الزهر بأجمل منها، فيقول "إنك تفكر كتراجان، وتكتب كبليني، وتستعمل الفرنسية كأحسن كتابنا
…
ستكون برلين بفضل رعايتك أثينة ألمانيا، بل ربما أوربا" (46). وهما متفقان على الربوبية، يؤكدان الإيمان بالله ويعترفان بأنهما لا يعرفان عنه تعالى قط وهما يمقتان رجال الدين الذين يقيمون سلطانهم على ما يزعمون من قرب الله (47). ولكن فردريك مادي صريح "الشيء المؤكد هو أنني، مادة، وأنني أفكر" (48) وجبري خالص؛ أما فولتير فليس مستعداً بعد للتخلي عن الفكرة حرية الإرادة (49). وينصح فردريك "بالصمت العميق إزاء القصص الخرافية المسيحية، التي قدسها قدمها وغرارة الناس السخفاء والتافهين" (50) ولا يترك فولتير فرصة يلقن فيها تلميذه الأمير حب الإنسانية وكراهية الخرافة، والتعصب، والحرب أما فردريك فلا يأخذ الإنسانية مأخذ الجد الشديد: "إن الطبيعة تنجب بطبيعتها اللصوص، والحساد، والمزورين، والقتلة؛ فهم يغطون وجه البسيطة، ولولا القوانين التي تقمع الرذيلة لاستسلم كل فرد لغرائزه الفطرية ولما فكر إلا في نفسه" (51)
…
والبشر بطبيعتهم ميالون إلى الشر، وهم ليسوا أخياراً إلا بقدر ما تهذب التربية والتجربة من عنفهم وطيشهم (52).
وقد تميزت السنوات الأخيرة في تلمذة فردريك بحدثين. ففي 1738 انضم إلى جماعة الماسون (53). وفي 1739، وهو في نشوة من تأثير فولتير فيما يبدو، ألف كتيباً سماه "الرد على كتاب الأمير لميكافللي" حاسب فيه الفيلسوف الإيطالي حساباً عسيراً على ما بدا في كتابه من تبرير لأي ذريعة يراها الحاكم ضرورية لصيانة دولته أو دعمها. وقال الأمير الجديد، لا، فالمبدأ الحق الوحيد للحكم هو ولاء الملك وعدله وشرفه. وقد أعرب الفيلسوف الأمير عن احتقاره للملوك الذين يؤثرون "مجد الفاتحين المهلك على المجد
الذي يكسب بالعطف والرحمة. "، وتساءل ما الذي يغري إنساناً بأن يطلب عظمته الشخصية باشفاء غيره من الناس وتدميرهم"(54). ومضى فردريك يقول:
إن مكيافللي لم يفهم طبيعة الملك الحقة
…
فهو ليس السيد المطلق المتصرف فيمن يدينون لحكمه، إنما هو أول خدامهم، وينبغي أن يكون الأداة لرفاهيتهم كما أنهم الأداة لمجده (55).
ثم أطرى فردريك الدستور الإنجليزية مقتدياً بفولتير على الأرجح:
يبدو لي أننا لو شئنا الإشادة بشكل من أشكال الحكم على أنه القدوة لجيلنا لكان هو الحكم الإنجليزي. فالبرلمان هناك هو القاضي الأعلى للشعب والملك على السواء، وللملك كامل القدرة على فعل الخير، ولا قدرة على فعل الشر (56).
ولسنا نجد في هذه الآراء أي علامة من علامات عدم الإخلاص، فهي تتكرر المرة بعد المرة في رسائل فردريك التي تنتمي لهذه الفترة. وقد بعث بمخطوطة كتابه إلى فولتير (يناير سنة 1740)، الذي طلب الإذن له بأن ينشرها. ووافق المؤلف الفخور على استحياء، وكتب فولتير مقدمة للكتاب، وأخذ المخطوطة إلى لاهالي، وأشرف على طبعها، وصحح تجاربها. وفي أواخر سبتمبر طلع الكتاب على الناس فجأة غفلا من اسم المؤلف بعنوان "المعارض لميكافللي". وسرعان ما كشف مؤلفه، وشارك القراء فولتير في الترحيب بمقدم ملك- فيلسوف.
أما فردريك وليم الأول فقد ظل إلى النهاية تقريباً على ما كان عليه طويلا، كأنه سنديانة كثيرة العقد، يوبخ، ويندد، ويشرع القانون بطريقته العجيبة. وبأنه يسالم العالم على مضض إلا حين أنبأه واعظ البلاط بدنو أجله، وبأنه يحب أن يغفر لأعدائه إن أراد أن يغفر الله له. وأرسل في لحظاته الأخيرة في طلب فردريك، وعانقه وبكى، فلعل هذا الفتى العنيد، رغم هذا كله، أن يحوي بين جنبيه مقومات ملك؟ وسأل القادة المحيطين بسريره "ألست محظوظاً لأن لي ولداً أستخلفه"؟ (57) ولعل
الابن فهم الآن أكثر من ذي قبل إحساس أبيه الشيخ بأن الملك يجب أن يكون له بعض الحديد في دمه.
وفي 31 مايو 1740 أسلم فردريك وليم الأول روحه وعرشه وقد أبلاه النضال ولما يجاوز الحادية والخمسين، وآل الملك لمعارض مكيافللي.
3 - مكيافللي الجديد
كان فردريك الثاني في الثانية عشرة منى عمره حين ولى العرش. وكان لا يزال- كما رسمه أنطوان بين قبل ذلك بعام- الموسيقى والفيلسوف رغم دروعه البراقة: قسمات حلوة رقيقة، وعينان واسعتان تختلط فيهما الزرقة بالشهية، وجبين عال؛ "له أسلوب في السلوك طبيعي جذاب، وصوت خافت سار"(58). على حد قول السفير الفرنسي. وكان إلى ذلك الحق تلميذه فولتير، وقد كتب له بعد ستة أيام من تقلده الحكم:
لقد تبدل حظي، وشهدت اللحظات الأخيرة لملك، ومعاناته، وموته. لم يكن بي حاجة وأنا أرتقي العرش إلى ذلك الدرس لكي أشمئز من خيلاء العظمة البشرية
…
وأرجو ألا ترى في إلا مواطناً غيوراً، وفيلسوفاً تغلب عليه نزعة الشك، وصديقاً صدوقاً. وإني أستحلفك بالله أن تكتب لي كتابتك لإنسان عادي، وأن تحتقر مثلي الألقاب والأسماء وكل مظاهر الزهو والغرور (59).
وعاد يكتب إلى فولتير بعد ثلاثة أسابيع:
"إن ضخامة العمل الذي ألقاه القدر على عاتقي لا يكاد يترك وقتاً لحزني الحقيقي. وإنني أشعر أنني بعد فقدي أبي مدين بجملتي لبلدي. وبهذا الهدف أعمل بكل طاقتي لاتخاذ أسرع التدابير وأصلحها للخير العام"(60).
وقد صدق. ففي غداة توليه العرش، حين حكم من برد الربيع بأن المحصول سيكون متأخراً وهزيلاً، أمر بأن تفتح مخازن الغلال العامة، وأن يباع القمح للفقراء بأسعار معقولة. وفي اليوم الثالث ألغى في جميع أرجاء بروسيا اللجوء إلى التعذيب في محاكمة المجرمين-قبل أن يصدر باكاريا
رسالته الخطرة بأربعة وعشرين عاماً، وينبغي أن نضيف أن التعذيب في المحاكمات وإن إجازة القانون إلا أنه من الناحية العملية تقادم في عهد فردريك وليم الأول، وأن فردريك انتكس لحظة إلى استعماله في حالة واحدة عام 1752 (61). وفي 1757 وكل إلى صموئيل فون كوكيي، كبير القضاة البروسيين، أن يشرف على إصلاح القانون البروسي إصلاحاً شاملا.
وظهر تأثير الفلسفة في أعمال أخرى قام بها هذا الشهر الأول. ففي 22 يونيو أصدر فردريك أمراً بسيطاً جاء فيه "يجب التسامح مع جميع الأديان، وعلى الحكومة أن تتحقق من أن أحداً منها لا يجوز على غيره، لأن على كل إنسان في هذا الوطن أن يصل إلى السماء بطريقته الخاصة"(62). ولم يصدر أمراً رسمياً عن حركة المطبوعات، ولكنه أباحها عملياً، فقال لوزرائه "إن الطباعة حرة" واحتمل في صمت ملؤه الاحتقار مئات الانتقادات العنيفة التي نشرت ضده (63). ومرة أخرى هجوماً ساخراً معلقاً في أحد الشوارع، فأمر بأن ينقل إلى مكان يسهل فراءته فيه. وقال "لقد انتهيت أنا وشعبي إلى اتفاق يرضينا جميعاً: يقولون ما يشتهون، وأفعل ما أشتهي" (64). ولكن هذه الحرية لم تكن كاملة قط؛ فكلما ارتقى فردريك الأكبر في مدارج العظمة حظر النقد العلني لتدابيره الحربية أو مراسيمه الضرائبية. وظل ملكاً مطلق السلطة وإن حاول أن يجعل تدابيره متسقة مع القوانين.
ولم يبذل أي محاولة لتغيير هيكل المجتمع أو الحكومة البروسيين. فظلت المجالس والهيئات كما كانت، إلا أن فردريك شدد الرقابة عليها وشارك بهمة أكبر في أعمالها؛ وقد أصبح عضواً في جهاره البيروقراطي. قال السفير الفرنسي "إنه يبدأ حكمه بطريقة مرضية جداً: فحيثما تلفت وجدت آثار بره برعيته وعطفه عليها" (65). ولكن هذا لم يمتد إلى التخفيف من وطأة القنية؛ فظل الفلاح البروسي أسوأ حالا من الفرنسي، واحتفظ النبلاء بامتيازاتهم.
وتضافر تأثير فولتير مع تقليد ليبنتس في إحياء أكاديمية برلين للعلوم إحياء قوياً. فبعد أن أسسها فردريك الأول (1701) أهملها فردريك وليم الأول. أما فردريك الثاني فقد جعلها الآن أبرز الأكاديميات في أوربا. وقد سلف القول بأنه رد فولف من منفاه. وأراد فولف أن يرأس الأكاديمية ولكنه كان طاعناً في السن، ضعيف الساقين، فيه شئ من الخضوع للعقائد التقليدية. أما فردريك فأراد فردريك رئيساً لها من أصحاب "العقول القوية"(أحرار الفكر)، رجلا مواكباً لآخر تطورات العلم، لا يعوقه معوق من اللاهوت. عملاً باقتراح من فولتير (أسف عليه فيما بعد) دعا (يونيو 1740) بيير لوى مورو دمويير توي، الذي كان الآن في منتصف عمره، عائداً لتوه من بعثة شهيرة إلى لايلاند لقياس درجة من درجات العرض. وحضر موبيرتوي وأغدق عليه فردريك العون والتأييد، فبنى مختبراً عظيماً وأجرى تجارب أحياناً في حضرة الملك والحاشية. وقد ذهب جولدسمث، الذي لا بد قد خبر جمعية لندن الملكية، إلى أن أكاديمية علوم برلين "تفوق أي أكاديمية غيرها في الوجود"(66).
وأبهج هذا كله فولتير. فلما أتيحت لفردريك فرصة زيارة كليفز دعا الفيلسوف للقائه. وكان فولتير يومها في بروكسل، فانتزع نفسه من مركيزته الفكدة، وسافر 150 ميلاً إلى "شلوس مويلاند". هناك رأى أفلاطون الجديد ديونيسيوسه أول مرة، وأنفق ثلاثة أيام (11 - 14 سبتمبر 1740) في نشوة غامرة لم يفسدها غير وجود ألجاروتي دموبيرتوي. وفي خطاب للسيدة سيدفيل كتبه في 18 أكتوبر أبدى رأيه في فردريك فقال:
في ذلك المكان رأيت رجلاً من ألطف الرجال في الدنيا، هو زينة المجتمع، ولو لم يكن ملكاً لسعى إليه الناس في كل بلد، فيلسوف مبرأ من التزمت، كله حلاوة، وكياسة، وسلوك كريم؛ ينسى أنه ملك حين يلقى أصدقاءه. لقد احتجت إلى جهد من ذاكرتي لأتذكر أن الجالس عند أسفل سريري ملك له جيش عدته 100. 000 مقاتل (67).
ولم يكن فردريك أقل إغتياظاً. فقد كتب إلى مساعده جوردان في 24 سبتمبر يقول:
رأيت فولتير الذي كن تواقاً إلى معرفته، ولكني رأيته وحمى الربع تهدني، وعقلي وجسدي متوتر الأعصاب
…
إن له فصاحة سيشرون، ولطف بيلي، وحكمة أجريبا، فهو باختصار يجمع خير ما يجني من الفضائل والمواهب من ثلاثة من أعظم القدماء. وعقله لايني عن التفكير، وكل قطرة مداد هي رحيق ذكاء يقطر من قلمه
…
إن لاشاتليه محظوظة بعيشة معها، فإن في وسع إنسان لم يؤت من المواهب غير ذاكرة قوية أن يؤلف كتاباً رائعاً من الأقوال الحكيمة التي ينثرها كيفما اتفق" (68).
فلما رجع فردريك إلى برلين لاحظ أن لديه جيشاً عدته 100. 000 مقاتل، وفي 20 أكتوبر مات شارل السادس وارتقت عرش إمبراطورية النمسا والمجر شابة لها جيش من الدرجة الثانية. في ذلك اليوم ذاته أرسل فرديك إلى فولتير خطاباً نذيراً بالشر، جاء فيه "أن موت الإمبراطور يغير كل أفكاري السليمة، وأظن أن الأمور ستنحو في شهر يونيو نحو المدافع والبارود، والجنود والخناق، بدلاً من الممثلات والمراقص والمسارح؛ بحيث أراني مضطراً إلى إلغاء الاتفاق الذي كنا على وشك إبرامه (69).
وأحس فولتير في قلبه وجعاً. أترى تلميذه هذا تاجر حرب كأي ملك آخر؟ وانتهز دعوة فردريك إياه لزيارته في برلين فقرر أن يرى ما هو مستطيع صنعه في سبيل السلام وقد يستطيع في الوقت ذاته أن يصلح ما فسد بينه وبين فرساي لأن الكردينال فلوري، الذي ظل قابضاً على دفة الحكم في فرنسا كان هو أيضاً ينشد السلام. وعليه ففي 2 نوفمبر كتب إلى الكردينال يعرض خدماته عميلا سرياً لفرنسا، في محاولة لرد فردريك إلى حظيرة الفلسفة. وقبل العنيفة على الدين "لقد كنت حدثاً، وربما طالت حداثتك بعض الشيء"(70). وفي خطاب آخر بنفس التاريخ (14 نوفمبر) كتب الكردينال اللطيف ينبئ بتسليمه كتاب "المعارض لميكافيلي من مدام دشاتليه وأطراه وهو يحدس بحكمة هوية مؤلفة:
أياً كان مؤلف هذا الكتاب، فهو جدير بأن يكون أميراً إن لم يكنه. والقليل الذي قرأته منه يفيض حكمة ومعقولية وفيه تعبير عن مبادئ جديرة
بالإعجاب الشديد، مما يؤهل مؤلفه لقيادة غيره من الناس، شريطة أن يؤتى من الشجاعة ما يجعله يطبق مبادئه. فإذا كان قد ولد أميراً فقد دخل في ميثاق جليل جداً مع الشعب؛ وما كان الإمبراطور أنطونيوس مكتسباً المجد الخالد الذي يحفظ به جيلا بعد جيل لو لم يعدم بعدالة حكمه تلك الفضيلة السامية التي بسطها لجميع الملوك في مثل هذه الدروس المنيرة
…
وسوف أتأثر تأثراً لا حد له إذا استطاع صاحب الجلالة البروسي أن يجد في مسلكي بعض التطابق مع مبادئه، ولكني أؤكد لك على الأقل أنني أعتبر مخططه مخططاً لأكمل وأمجد حكومة (71).
وبعد أن رتب فولتير أداء فردريك لجميع نفقات رحلته عبر ألمانيا لأول مرة، وأنفق زهاء أسبوعين مع الملك في رايننزبرج وبوتسدام وبرلين (20 نوفمبر إلى ديسمبر) وارتكب خطأ بإطلاعه فردريك على خطاب الكردينال عن كتابه "المعارض لميكافللي" وتبين فردريك فوراً أن فولتير يلعب دور الدبلوماسي، ففسر مديح فلوري الجميل على أنه دعوة للتعاون مع فرنسا، وضايقه أن يرى نفسه معوقاً بمقال كتبه في الفلسفة. وتبادل الشعر والأجوبة البارعة مع فولتير، ورفه عنه بعزفه على الفلوت، وصرفه دون شئ محدد أكثر من شكره على الكينين الذي لطف به الشاعر برداء الملك، وفي 28 نوفمبر كتب فردريك إلى جوردان وهو يعنى فولتير دون أن يذكر اسمه صراحة". إن صاحبك البخيل سيعب ما شاء ليروى ظمأه الذي لا يطفأ للغنى، فسيقبض ثلاثة آلاف طالر، وهو ثمن غال يدفع لمهرج؛ فما من مهرج بلاط نقد مثل هذا الأجر من قبل"(72). ويبدو أن هذا المبلغ شمل نفقات رحلة فولتير-التي تطوع فردريك على الأرجح بدفعها-وتكاليف نشر كتابه "المعارض لميكافيللي" التي كان فولتير قد قدمها من جيبه الخاص. وهكذا إذا دخل المال من الباب خرج الحب من الشباك، كما يقولون، إن فردريك لم يستطيب دفع نفقات عميل فرنسي ولا تكاليف كتاب كان يسره أن يرشو العالم ليناله.
وغلب تأثير فردريك وليم الآن تعاليم الفيلسوف. وكلما حلت فرص
السلطة وتبعات الحكم محل موسيقى صباه وشعره وهو بعد أمير، ازداد فردريك بروداً وقسوة، لا بل إن المعاملة السيئة التي كان أبوه يصبها عليه أغلظت جلده ومزاجه. وكان في كل يوم يرى أولئك العمالقة الـ 100. 000 الذين خلفهم له أبوه، وفي كل يوم كان عليه أن يطعمهم. فأي معنى لتركهم يصدأون ويبلون في السلم؟ أما من ظلم يستطيع هؤلاء العمالقة رفعه؛ أجل، هناك سيليزيا، التي تفصلها بوهيميا عن النمسا، والأقرب إلى برلين منها إلى فيينا؛ وكان نهر الأدور العظيم يجرى هابطاً من بروسيا إلى برزلا وعاصمة سليزيا التي لا تبعد عن برلين غير 183 ميلا إلى الجنوب الشرقي. فماذا يفعل النمساويون هناك؟ إن لبيت برندبنورج مطالب في سليزيا -في الإمارات السابقة- وهي بيجرندورف، وراتيبور، وأوبيلن، وليجنتس، ويرييج، وفولار؛ هذه كلها أخذتها النمسا أو تم التنازل لها عنها بمقتضى ترتيبات لم تكن قط مرضية لبروسيا. إذن فالآن، والوراثة النمساوية محل نزاع، وماريا تريزا صغيرة ضعيفة، وعلى العرش الروسي قيصر طفل هو إيقاع السادس-الآن هو الوقت الملائم للإلحاح على تلك المطالب القديمة، ولتصحيح تلك الأخطاء القديمة-ولإعطاء بروسيا وحدة وأساساً جغرافياً أعظم من ذي قبل.
وفي أول نوفمبر قال ليوديفيلز أحد مستشاريه: "حل لي هذه المسألة: إذا أتيحت لإنسان ميزة فهل ينتفع بها أو لا ينتفع؟ إنني مستعد بجيشي وبكل شئ آخر. فإذا لم أستعمله الآن كنت أملك في يدي أداة عديمة الجدوى رغم قوتها. وإذا استعملت جيشي قيل إنني أوتيت مهارة استغلال التفوق المتاح لي على جارتي". ورأى بوديفيلز أن هذا العمل سيعتبر عملاً غير أخلاقي. فرد فردريك: ومتى كانت الفضيلة معوقاً للملوك؟ (73) وهل في وسعه أن يمارس الوصايا العشر في عرين الذئاب ذاك الذي يسمى الدول العظمى؟ ولكن ألم يتعهد فردريك وليم بتأييد "الأمر العالي" الذي ضمن لماريا تريزا تلك الممتلكات التي خلفها لها أبوها؟ إن هذا التعهد على أية حال كان مشروطاً بتأييد الإمبراطور لمطالب بروسيا في يوليش وبيرج، وهذا التأييد لم يأت، بل على العكس بذل لمنافسي بروسياز فالآن يمكن الثأر لهذه الإهانة المؤلمة.
وعليه ففي ديسمبر أرسل فردريك مبعوثاً إلى ماريا تريزا يعرض عليها حمايته إذا أقرت مطالبه في شطر من سيليزيا. وإذ توقع رفضها لهذا الغرض، فإنه أمر شطراً من جيشه يبلغ ثلاثين ألف مقاتل بالزحف. فعبر الحدود إلى سيليزيا في 23 ديسمبر قبل وصول مبعوث فردريك إلى فيينا بيومين. وهكذا بدأت الحرب السيليزية الأولى (1740 - 42)، وهي أولى مراحل حرب الوراثة النمساوية.
4 - حرب الوراثة النمساوية
1740 -
1748
لن نتتبع فردريك في كل تحركاته العسكرية، لأن هذا الكتاب تاريخ للحضارة. ولكن يهمنا طبيعة الإنسان وسياسة الدول كما تكشف عنهما أقوال فردريك وأفعاله، والسياسات المتقلبة للدول. ولعل حقائق سياسة القوة لم تقر في أي حرب مدونة بأوضح مما تعرت في هذه الحرب.
اخترق الجيش البروسي سيليزيا دون أن يلقى مقاومة تذكر. فأما النصف البروتستنتي من السكان، وهم الذين عانوا بعض الاضطهاد في ظل الحكم النمساوي، فقد رحبوا بفردريك محرراً لهم؛ (74) وأما الكاثوليك فقد تعهد لهم-وأوفى بعهده-بكامل الحرية في ممارسة دينهم. وفي 3 يناير 1741 استولى على برزلاو في هدوء. وهو يؤكد لنا أنه "لم ينهب بيت، ولم يهن مواطن، وقد أشرق النظام البروسي بكل بهائه"(75)؛ وكان هذا أرق وأرفق استيلاء على مدينة. وأمرت ماريا تريزا المرشال نايبيرج بأن يجمع جيشاً في مورافيا ويعبر إلى سيليزيا؛ وفي 10 أبريل اشتبك هذا الجيش بقوة فردريك السيليزية الرئيسية في مولفتش، على عشرين ميلا جنوبي برزلاو. وكانت عدة جيش نايبيرج 8. 600 فارس، و 11. 400 راجل، و 18 مدفعاً، وعدة فردريك 4. 000 فارس و 16. 000 راجل، وستين مدفعاً، وقد قررت هذه الفروق مراحل المعركة ونتائجها. فغلب الفرسان النمساويون الفرسان البروسيين الذين لاذوا بالفرار. وأقنع المرشال شفرين فردريك بأن يفر مع الفارين مخافة أن يؤسر ولا يفرج عنه إلا بفدية مدمرة. ولكن بعد أن ذهب الملك وفرسانه، صمد المشاة البروسيون لجميع الهجمات
سواء من الفرسان أو المشاة، أما المدفعية البروسية فقد أعادت تعبئة مدافعها بمدكات حديدية وألحقت من الأذى البالغ بالنمساويين ما حمل نايبيرج على إصدار أمره بالتقهقر. فلما استدعى فردريك ثانية إلى ساحة القتال أبهجه وأخجله أن يجد أن جيشه كسب المعركة. وأحس أنه أذنب لا بالجبن فحسب بل بالاستراتيجية الناقصة؛ فلقد بعثر رجاله الثلاثين ألفاً في سيليزيا قبل أن يدعم غزوه، ولم ينقذ الموقف غير شجاعة مشاته وحسن تدريبهم. وجاء في مذكراته أنه "فكر كثيراً في الأخطاء التي ارتكبها، وحاول إصلاحها فيما تلا ذلك"(76). ولم يكن في بسالته قصور مرة أخرى بعد هذا، وندر أن أخطأ في التكتيك أو الاستراتيجية.
ونمى نبأ هزيمة الجيش النمساوي إلى ماريا تريزا وهي تستجم عقب ولادة طفلها. وبدا أن أملها الوحيد- في حالة الضعف الذي أصاب قوتها وماليتها- معقود على معونة من الخارج. فلجأت إلى الدول الكثيرة التي تعهدت من قبل بتأييدها للأمر العالي الخاص بحكمها. واستجابت إنجلترا بحذر؛ فهي في حاجة إلى نمسا قوية تثبت لفرنسا. ولكن جورج الثاني خاف على إمارته الهانوفرية إن خاض الحرب ضد جارته بروسيا. وأقر البرلمان البريطاني إعانة قدرها 300. 000 جنيه لماريا تريزا، ولكن المبعوثين البريطانيين حثوها على أن تتنزل عن سيليريا السفلى (الشمالية) لفردريك ثمناً للسلام. وكان فردريك راضياً بهذا الحل، ولكن الملكة رفضته. أما بولندا، وسافوي، والجمهورية الهولندية، فقد وعدت كلها بالمعونة، ولكنها أبطأت في إرسالها إبطاء أفقدها أثرها في النتيجة.
وكل ائتلاف يلد نقيضاً له. فما إن رأت فرنسا ذلك التقارب بين عدويها القديمين إنجلترا والنمسا حتى بادرت بالتحالف مع بافاريا، وبرويسا، وأسبانيا البوربورنية. وقد رأينا أن فرنسا كان لديها مكيافللها، وهو بيل - إيل، الذي اقترح هذه الآية من آيات اللصوصية السياسية. فعلى فرنسا التي تعهدت بتأييد الأمر العالي أن تسرع بالإفادة من مصيبة ماريا تريزا، وذلك بتأييد شارل ألبرت البافاري في مطالبته بالعرش الإمبراطوري عن طريق زوجته. وعلى فرنسا أن تقدم له المال والجند للمشاركة في الهجوم على النمسا،
فإذا أفلحت الخطة قصر حكم ماريا تريزا على المجر، والنمسا السفلى، والأراضي المنخفضة النمساوية، وأصبح شارل إمبراطوراً يحكم بافاريا، والنمسا العليا، والتيرول، وبوهيميا، وجزءاً من سوابيا؛ أما الابن الثاني لملك إسبانيا فيأخذ ميلان، عارض فلوري الخطة، وتغلب بيل-ايل، وأرسل ليظفر بتأييد فردريك للمؤامرة. ووقعت فرنسا وبافاريا على تحالفهما في نمنبورج في 18 مايو 1741. وأحجم فردريك عن الانضمام فلم يكن في وسعه أن يسمح لفرنسا بأن تقوى شوكتها إلى هذا الحد، ولم يفقد الأمل في الوصول إلى تفاهم مع ماريا تريزا، ولكن لما لم تعرض عليه سوى تنازلات تافهة، فقد وقع ببرزلاو في 5 يونيو حلفاً مع فرنسا، وبافاريا، وأسبانيا؛ وأراد أن يشارك في الغنيمة بنصيب إن قسمت المملكات النمساوية. وتعهد كل طرف من الأطراف الموقعة على الحلف بألا تعقد حكومته صلحاً منفرداً سرياً. وضمنت فرنسا استيلاء فردريك على برزلاو وسيليزيا السفلى، ووعدت بأن تحث السويد على تعليق روسيا في حرب تشغلها، ووافقت على إرسال جيش فرنسي لمنع قوات إنجلتاه الهانوفرية من المشاركة في اللعبة.
أما وقد تركت ماريا تريزا بغير حليف تقريباً، فإنها صممت على الاستنجاد بنبلاء المجر العسكريين. وكان هؤلاء النبلاء، أو أسلافهم، قد عانوا الأمرين من حكم النمسا؛ فقد حرمهم ليوبولد الأول دستورهم القديم وحقوقهم الموروثة، فلم يكن لديهم إذن كبير مبرر لإغاثة حفيدته. ولكن حين ظهرت أمامهم في مجلسهم النيابي (الديت) في برسبورج (11 سبتمبر 1741) أثر فيهم جمالها ودموعها. وخطبت فيهم باللاتينية، واعترفت بأن حلفاءها تخلوا عنها، وأعلنت أن شرفها وعرشها يعتمدان الآن على بسالة وشهامة الفرسان المجريين والأسلحة المجرية وما يروي من أن النبلاء هتفوا باللاتينية "لنمت فداء مليكنا"(فهكذا سموا الملكة) إنما هو قصة جميلة هبطت الآن إلى مرتبة الأسطورة (78). فقد ساوموا كثيراً، واستلوا منها العديد من التنازلات السياسية؛ ولكن حين جاءهم زوجها فرانسيس ستيفن في 21 سبتمبر ومعه مرضع ترفع لهم بين يديها الطفل جوزيف ذا الشهور الستة، استجابوا للنداء بشهامة، وهتف كثيرون منهم
بأن حياتهم ودماءهم فداء للملكة (76) وأقر المجلس التجنيد العفوي العام. ودعوة جميع الرجال للسلاح، وبعد تعطيل طويل ركبت قوة مجرية صوب الغرب للدفاع عن الملكة.
ولو أن شارل ألبرت واصل زحفه على فيينا لكان الوقت قد فات لتخليص هذه العاصمة. ولكن الذي حدث أثناء ذلك (19 سبتمبر) أن سكسونيا انضمت إلى الحلف المعادي للنمسا؛ فخشى شارل ألبرت أن يستولي أوغسطس الثالث على بوهيميا. ونصح فلوري الأمير البافاري بأن يستولي على بوهيميا قبل أن يستطيع السكسوني الوصول إليها. وحث فردريك شارل على مواصلة الزحف على فيينا. أما شارل الذي كانت فرنسا تموله فقد أطاع فرنسا. وخشي فرديك أن تصبح فرنسا بعد غلبة نفوذها في بافاريا وبوهيميا قوة خطرة على أمن بروسيا، فوقع هدنة سرية مع النمسا (9 أكتوبر 1741) وزلت له ماريا تريزا مؤقتاً عن سيليزيا السفلى لحرصها على إنقاذ بوهيميا.
وأحدقت ثلاثة جيوش الآن ببراغ: أحدها بقيادة ألبرت، والثاني جيش فرنسي بقيادة بيل-ايل، ثم عشرون ألف سكسوني. وسقطت العاصمة البوهيمية ذات الحامية الضعيفة بعد الهجمة الأولى (25 نوفمبر) ولكن النصر كان كارثة على شارل. ذلك أنه وقد استغرقته الحملة على بوهيميا ترك إمارته البافارية دون أن يدعمها بأسباب دفاع تذكر، ولم يدر بخلده قط أن تستطيع ماريا تريزا الهجوم عليها وهي مهددة بأخطار من هذه الجوانب الكثيرة، ولكن الملكة أبدت من مرونة الحركة وسهولة التكيف ما أوقع الفزع في قلوب أعدائها. فقد استدعت عشرة آلاف جندي نمساوي من إيطاليا، وأخذت الفرق المجرية تصل إلى فيينا، فأمرت على هذين الجيشين الكونت لودفج فون كيفنهولر، الذي تعلم فنون الحرب على يد أوجين أمير سافوي. أما وقد توفرت للجيشين القيادة القادرة، فقد فتحا بافاريا واجتاحاها دون مقاومة تذكر؛ وفي 12 فبراير 1742 استولى على ميونخ عاصمتها. وفي هذا اليوم نفسه في فرانكفورت-أم-مين،
توج شارل ألبرت إمبراطوراً على الإمبراطورية الرومانية المقدسة باسم شارل السابع.
أما فردريك، الذي كان يتحول مع كل ريح من رياح القوة، فقد دخل الحرب من جديد خلال ذلك. لقد جعل الهدنة مشروطة بكتمان أمرها، ولكن ماريا تريزا كشفت أمرها لفرنسا، ووصلت إلى آذان فردريك هذه الهمسات الدبلوماسية، فبادر بالانضمام إلى حلفائه من جديد (ديسمبر 1741). واتفق معهم على خطة يقود بمقتضاها جيشاً يخترق مورافيا إلى النمسا السفلى، وهناك تلتقي به القوات السكسونية والفرنسية البافارية، ويزحف الجميع معاً إلى فيينا. ولكنه كان يقود الآن عملياته وسط سكان معادين له عداء نشيطاً، وكان الفرسان المجريون يغيرون على خطوط مواصلاته مع سيليزيا. فارتد ثانية ودخل بوهيميا. هناك، على مقربة من شوتوستز، هجم على مؤخرته جيش نمساوي بقيادة الأمير اللوريني شارل الكسندر (17 مايو 1742). وكان هذا الأمير، زوج أخت ماريا تريزا، شاباً في الثلاثين وواحداً من ألمع وأشجع أمراء أسرته، ولكنه لم يكن قريعاً لفردريك في تكتيكات المعركة. وكان لكل منهما جيش عدته نحو ثمانية وعشرين ألف مقاتل. وعادت طلائع فردريك إلى ساحة القتال في الوقت المناسب تماماً، فوجه قوتها الكاملة ضد جناح مكشوف للنمساويين، فتراجعوا في تقهقر منتظم. ولحقت بالجيش خسائر فادحة، ولكن النتيجة أقنعت ماريا تريزا بأنه ليس في استطاعتها أن تقاتل كل أعدائها في وقت واحد. فقبلت نصيحة المبعوثين الإنجليز الذين أشاروا عليها بإبرام صلح واضح محدد مع فردريك، وفي هذه المرة، وبمقتضى معاهدة برلين (28 يونيو 1742) نزلت له عن سليزيا كلها تقريباً. وهكذا وضعت الحرب السليزية الأولى أوزارها.
أما الجيشان النمساويان اللذان يقودهما كيفنهولر والأمير شارل الكسندر فقد زحفا الآن داخل بوهيميا. وواجهت الحامية الفرنسية في براغ التطويق والتجويع. ورغبة في تحاشي "قياس الخلف" هذا لأحلام بيل-إيل، أمرت فرنسا المرشال مايبوا بأن يقود إلى بوهيميا ذلك الجيش الذي كان يشاغل
قوات جورج الثاني في هانوفر. وإذ تحررت إنجلترا على هذا النحو، فإنها دخلت الحرب بنشاط، وأقرضت ماريا تريزا 500،000 جنيه، وأرسلت ستة عشر ألف جندي إلى فلاندر النمساوية؛ ودفعت الأقاليم المتحدة 840. 000 فلورين مساهمة منها في نفقات الحرب. وأحالت الملكة المال جيوشاً. وسد أحد هذه الجيوش مايبوا في زحفه على بوهيميا. وتجمعت القوات النمساوية، التي ازداد عددها، غير مرة حول براغ. وفر بيل-إيل ومعظم جنوده إلى يجير بعد أن كلفهم هذا ثمناً عالياً. وأقبلت ماريا تريزا من فيينا إلى براغ، وهناك توجت أخيراً (12 مايو 1743) ملكة على بوهيميا.
وبدت الآن منتصرة في كل مكان. وفي شهر مايو هذا وافقت الأقاليم المتحدة على أن تعينها بعشرين ألف مقاتل. وبعد شهر هزم حلفاؤها الإنجليز أعداءها الفرنسيين في ديتنجن. وكان لسيطرة البحرية الإنجليزية على البحر المتوسط أثر في دعم قضيتها في إيطاليا، ففي 13 سبتمبر انضم ملك سردانيا شارل إيمانويل الأول إلى حلف من النمسا وإنجلترا، ونال شريحة من لمباردية من النمسا وتعهداً من إنجلترا بأن تدفع له 200. 000 جنيه كل عام نظير 45. 000 جندي؛ وهكذا اشترى الجند بالجملة، والملوك بالتجزئة. وداعبت الآن ماريا تريزا الأحلام، لا باسترداد سليزيا فحسب، بل بضم بافاريا، والإلزاس، واللورين، إلى إمبراطوريتها، إذ كانت عنيدة وقت الانتصار بقدر ما كانت باسلة وقت الشدة.
أما فردريك فقد داعب السلام برهة. ففتح دار أوبرا جديدة في برلين، وقرض الشعر، وعبثت أنامله بالفلوت. وجدد دعواته لفولتير، ورد فولتير بأنه ما زال وفياً لإميلي. ولكن حدث عند المنعطف أن الوزارة الفرنسية-التي راعها أن تجد فرنسا في حرب مع إنجلترا، والنمسا، والجمهورية الهولندية، وسافوي-سردانية-تذكرت أن عبقرية فردريك وعمالقته سيكونون عوناً مرحباً به؛ وأن انتهاكاته لمعاهداته التي أبرمها مع فرنسا يمكن اغتفارها إذا انتهك معاهدته مع النمسا؛ وأنه قد يمكن إقناعه بأن يرى في سطوة النمسا المنبعثة من جديد خطراً يتهدد سلطانه على سيليزيا
بل على بروسيا. فمن يستطيع أن يوضح له هذا على أحسن وجه؟ لم لا يجرب فولتير، الذي بيده الآن دعوة من فردريك، والذي يتوق دائماً لأن يلعب دوراً في السياسة؟
وهكذا عاد فولتير داعية السلام يخترق ألمانيا في مركبة يثب داخلها ويتأرجح، وأنفق هناك ستة أسابيع (من 30 أغسطس لى 12 أكتوبر 1743) وهو يحاول إقناع فردريك بخوض الحرب. ولم يستطع الملك أن يلتزم بوعد، فصرف الفيلسوف خاوي الوفاض إلا من التحيات. ولكن تقدم حملات عام 1744 أدخل في قلبه الخوف على سلامته وعلى دوام مكاسبه. ففي 15 أغسطس بدأ الحرب السيليزية الثانية.
وأراد أن يفتح بوهيميا. ولما كانت سكسونيا تقع بين برلين وبراغ، فقد سير جنوده مخترقاً درسدن، فأسخط بذلك أوغسطس الثالث الغائب عن وطنه. وما وافى الثاني من سبتمبر حتى كان رجاله الثمانون ألفاً يدقون أبواب براغ، وفي 16 سبتمبر استسلمت الحامية النمساوية. وبعد أن ترك فردريك خمسة آلاف جندي لاحتلال العاصمة البوهيمية، زحف جنوباً وهدد فيينا من جديد. وردت ماريا تريزا بتحدي هذا الخطر، فركبت على عجل إلى برسبورج وطلبت من الديت المجري تجريدة أخرى من الجند، فجمع لها 44،000، وبعد قليل زادهم 30،000 آخرين. وأمرت الأمير شارل بالكف عن مهاجمة الألزاس وقيادة الجيش النمساوي الرئيسي شرقاً لاعتراض زحف البروسيين. وتوقع فردريك أن الفرنسيين سيطاردون النمساويين، ولكنهم لم يفعلوا. فحاول أن يكره شارل على القتال، غير أن الأمير تجنبه، ولكنه دعم جهود المغيرين لقطع خطوط اتصال البروسيين بسليزيا وبرلين. وأعاد التاريخ نفسه؛ فقد وجد فردريك جيشه معزولا وسط سكان من الكاثوليك المتحمسين لمذهبهم المعادين له عداء فيه دهاء وبراعة. وكانت الجنود المجرية في طريقها للانضمام إلى الأمير شارل. ونمى إلى فردريك أن سكسونيا دخلت صراحة في صف النمسا. وخاف فردريك أن يعزل عن عاصمته وعن مصادر تموينه، وأمر الحامية البروسية بالتخلي عن براغ؛ وفي 13 ديسمبر قفل راجعاً إلى برلين، دون زهو الماضي، بعد أن تعلم أن الخادع قد يخدع.
وجرى تيار الحرب أشد ما يكون معاكسة له. ففي 8 يناير 1745 وقعت إنجلترا، والأقاليم المتحدة، وبولندا-سكسونيا، في وارسو ميثاقاً مع النمسا وعد جميع موقعيه بأن يرد لكل منهم كل ما كان يملكه في 1739 - ومعنى هذا أن تعاد سليزيا لماريا تريزا. ووعد أوغسطس الثالث بأن يقدم 30. 000 مقاتل نظير 150. 000 جنيه من إنجلتاه وهولندا، بواقع خمسة جنيهات لكل نفس. وفي 20 يناير مات شارل السابع بعد أن تقلد عرش الإمبراطورية برهة قصيرة جداً، وكان يبلغ الثامنة والأربعين، وقد أعب حين حضره المنية عن أسفه لما ألحقه بوطنه م خراب من جراء تطلعه لعرشي الإمبراطورية وبوهيميا، وطلب إلى مكسمليان جوزيف أن يقلد عن هذه الدعاوي ويسالم البيت المالك النمساوي، وامتثل الناخب الجديد للنصيحة رغم اعتراضات فرنسا؛ ففي 22 أبريل تخلى عن كل دعاوي في عرش الإمبراطورية، ووافق على تأييد الدوق فرنسيس ستيفن في مطالبته بالتاج الإمبراطوري. وسحبت الجنود النمساوية من بافاريا.
وفكرت الملكة الآن لا في استرداد سليزيا فحسب، بل في تقطيع أوصال بروسيا ضماناً لها من أطماع فردريك (80). وقد أقلقها مؤقتاً انتصار الفرنسيين على حلفائها الإنجليز في فومنتنوا (11 مايو 1745)، ولكنها في ذلك الشهر أرسلت جيشها الرئيسي إلى سيليزيا وأصدرت إليه الأمر بالدخول في المعركة. والتقى النمساويون الذين عززتهم فرقة سكسونية بفردريك في هوهنفريدبيرج (4 يونيو 1745). هنا أنقذته براعته التكتيكية، فقد نشر خيالته ليستولوا على تل استطاعت مدفعيته أن تقصف منه مشاة العدو. وبعد ساعات من التقتيل انسحب النمساويون والسكسون تاركين وراءهم أربعة آلاف أسير وكانت تلك المعركة الفاصلة في الحروب السليزية.
وعادت إنجلترا تطوع دبلوماسيتها لمقتضيات السلام. فقد أكرهتها غزوة 1745 الإستيوارتية على سحب خيرة جندها من فلاندر، واستولى المرشال دساكس على المدينة تلو المدينة لفرنسا، وحتى على القاعدة الإنجليزية الكبرى في أوستند، وخشى جورج الثاني أن يصل الفرنسيون
المنتصرون إلى إمارته المحبوبة هانوفر. أما البرلمان البريطاني الذي خلع ولبول لحبه السلام فقد مل الآن حرباً كلفت الملايين من الدنانير الغالية، فضلا عن آلاف الرجال الذين يمكن تعويضهم، وناشد المبعوثون الإنجليز ماريا تريزا أن تصل إلى تفاهم مع فردريك تمكيناً للقوات النمساوية والإنجليزية من التركيز على فرنسا التي نفخ فيها العافية قائد كادت انتصاراته تعدل غرامياته. ولكن الملكة أبت، فهددتها إنجلترا بسحب كل معونة وإنهاء كل دعم مالي، ولكنها أصرت على الرفض. فدعت إنجلترا فردريك إلى مؤتمر في هانوفر، وهناك وقعت مع ممثليه صلحاً منفرداً (26 أغسطس 1745)، وقبلت إنجلترا بمقتضى هذا الصلح شروط معاهدة برلين، التي أكدت ملكية بروسيا لسيليزيا، ووافق فردريك على تأييد انتخاب الدوق فرانسس ستيفن إمبراطوراً. وفي 4 أكتوبر، في فرانكفورت، توج فرانسس إمبراطور، وأصبحت ماريا تريزا إمبراطورة.
وأمرت قوادها بأن يواصلوا الحرب. فقاتلوا البروسيين في زور بيوهيميا (30 سبتمبر) وفي هينير زدورف (24 نوفمبر)، وهزم النمساويون مرتين رغم تفوقهم العددي. وتقدم خلال ذلك جيش بروسي يقوده ليوبولد أمير أنهالت-دساو في سكسونيا، وعند كيسلدورف (15 ديسمبر) سحق القوات التي تحمي درسدن. ودخل فردريك درسدن قادماً إليها بعد النصر. دون مقاومة وفي شهامة وسماحة؛ فحظر أعمال النهب والسلب، وطمأن أبناء أوغسطس الثالث الذين فروا إلى براغ. وعرض الانسحاب من سكسونيا إذا انضم الملك الناخب إلى إنجلترا في الاعتراف بتملك لسليزيا وكف عن مساعداته لماريا تريزا، ووافق أوغسطس. ووجدت ماريا تريزا نفسها وحيدة بعد أن تخلت عنها إنجلترا وسكسونيا، فأبرمت معاهدة درسدن (25 ديسمبر 1745) التي نزلت فيها عن سيليزيا ومقاطعة جلاتز لبروسيا. وهكذا وضعت الحرب السيليزية الثانية أوزارها.
وفقدت حرب الوراثة النمساوية الآن معناها، ولكنها استمرت؛ فحاربت فرنسا النمسا وإنجلترا على السلطة في فلاندر؛ وحاربت فرنسا
وأسبانيا والنمسا وسردينا على السلطة في إيطاليا. وكان لانتصارات النمساويين في إيطاليا ما يقابلها من انتصارات للفرنسيين في الأراضي المنخفضة. وأخيراً أكره الإعياء المالي، لا أي نفور من المذابح، المتخاصمين على الصلح. وانتهت حرب الوراثة النمساوية بنهاية مؤسفة بمقتضى معاهدة إكس لاشابل، بعد مفاوضات طالت من إبريل إلى نوفمبر 1748، وثبت بها استيلاء فردريك على سيليزيا، وكان هذا الكسب القيم الوحيد الذي استطاعت أي دولة من دول الظفر به لقاء ثمانية أعوام من التنافس في التدمير. فردت فرنسا الأراضي المنخفضة الجنوبية إلى النمسا رغم انتصارات ساكس؛ واعترفت بالأسرة الهانوفرية المالكة في انجلتره، ووافقت على طرد المطالب الشاب بالعرش من الأراضي الفرنسية.
واستراحت الدول ثمانية أعوام حتى يستطيع مخاض النساء أن يعوض النقص في الجيوش لجولة جديدة في لعبة الملوك.
5 - فردريك في أرض الوطن
1745 -
1750
قفل الملك الظافر الذي أدركه التعب إلى برلين (28 ديسمبر 1745) وأقسم أن "سيكون منذ اليوم سلام إلى آخر حياتي! "(81) ونددت به كل أوربا خارج بروسيا (ونددت به بعض الناس داخلها) لصاً غادراً، وأعجبت به لصاً ناجحاً. واستنكر فولير مذابحه ولقبه "الأكبر" (82) (أو العظيم). وكان فردريك قد رد في 1741 على احتجاجات الشاعر فقال:
تسألني كم من الزمن اتفق زملائي على أن يدمروا العالم فيه. وجوابي أنه ليس لي أدنى علم به، ولكن القتال أصبح فاشية هذا العصر، وفي ظني أن أمده سيطول. وقد أرسل لي الأبيه دسان-بيير، الذي يخصني بشرف مكاتبتي، كتاباً جميلا في طريقه رد السلام إلى ربوع أوربا والحفاظ عليه إلى الأبد ..
وكل ما ينقص الخطة لكي تنجح هو موافقة أوربا وبضعة توافه مماثلة (83).
وقد قدم لأوربا دفاعه في كتابه الذي نشر بعد موته باسم "تاريخ
جيلي"، واعتنق فيه مبدأ مكيافللي الذي غلب فيه مصلحة الدولة على مبادئ فضيلة الفرد.
ربما رأت الأجيال القادمة بدهشة في هذه المذكرات روايات عن معاهدات أبرمت ثم نقضت. ومع أن لهذه التصرفات سوابق كثيرة، فإنها ما كانت تشفع للمؤلف لو لم يكن لديه مبررات أفضل يعتذر بها عن سلوكه. إن مصلحة الدولة يجب أن تقوم قانوناً للملوك. ويجوز نقض المحالفات لأي من هذه الأسباب:
1 -
حين لا يوفى حليف ما بتعهداته؛ 2 - حين يبيت حليف خداعك، وحين لا يكون أمامك سبيل إلا أن تسبقه إلى خداعه؛ 3 - حين تفرض عليك قوة قاهرة تضطرك إلى نقض اتفاقاتك، 4 - حين تعوزك الوسائل لمواصلة الحرب .... ويبدو لي واضحاً جلياً أن الفرد الذي يتولى منصباً عاماً يجب عليه أن يوفي بوعده بكل أمانة
…
فإذا خدع استطاع أن يطلب حماية القوانين له .. ولكن إلى أي محكمة يلجأ الملك إذا انتهك ملك آخر المواثيق التي بذلها له؟ إن كلمة فرد ما تنطوي على كارثة لرجل واحد فقط، ولكن كلمة ملك قد تجر كارثة شاملة على أمم برمتها. وهذا كله يمكن اختزاله إلى سؤال واحد هو: هل من الخير أن يهلك الشعب أم أن يخرق الملك معاهدة؟؟ وأي أبله متردد في الجواب القاطع عن هذا السؤال؟ (84)
وقد وافق فردريك اللاهوت المسيحي على أن الإنسان بطبيعته شرير. فلما أعرب مفتش تعليم يدعى زولتسر عن الرأي بأن "ميل البشر الفطري يتجه إلى الخير أكثر من الشر" رد الملك عليه قائلا "أواه يا عزيزي زولتسر، إنك لا تعرف هذا النوع الإنساني اللعين"(85). ولم يقتصر فردريك على مجرد تقبل تحليل لاروشفوكو طبيعة البشر على أنها أنانية خالصة، بل آمن بأن الإنسان لن يقر بأن قيد على الجري وراء مصلحته إن لم يكبحه الخوف من الشرطة فما دامت الدولة هي الفرد مضروباً في أعداد كثيرة، وليس هناك شرطة دولية يردعها عن أنانيتها الجماعية، فلا سبيل إذن إلى كبح جماحها إلا أن تخاف سطوة غيرها من الدول. ومن ثم كان أول واجبات "خادم الدولة الأول"(كما سمى فردريك نفسه) أن ينظم قوة الأمة على الدفاع،
وهي تتضمن السبق بالهجوم - أي أن تفعل بالآخرين ما يبيتون أن يفعلوه بك. وهكذا كان الجيش في رأى فردريك، كما كان في رأى أبيه، أساس الدولة. لقد أرسى دعائم اقتصاد تشرف عليه الحكومة وتخططه بعناية، ورعى الصناعة والتجارة، وبعث عملاءه إلى جميع أرجاء أوربا ليجلبوا مهرة الصناع، والمخترعين، والصناعات، ولكنه أحس أن هذا كله لا غناء فيه آخر الأمر إن لم يصنع من جنوده أفضل جيوش أوربا تدريباً، وأضبطها نظاماً، وأجدرها بالثقة والاطمئنان.
أما وقد ملك هذا الجيش، ومعه بوليس حسن التنظيم، فإنه لم ير به حاجة إلى الدين معوناً على النظام الاجتماعي. فلما سأله وليم برنزويك ألا يرى أن الدين دعامة من أفضل دعائم سلطة الحاكم، أجاب "إنني أجد الكفاية في النظام والقوانين .... لقد كانت الدول تحكم حكماً جديراً بالإعجاب حين لم يكن لدينك وجود"(86) ولكنه قبل أي عون استطاع الدين بذله في غرس المشاعر الفاضلة التي تعين على "النظام". وحمى جميع الأديان في مملكته، ولكنه أصر على تعيين الأساقفة الكاثوليك لا سيما في سيليزيا. (كذلك أصر الملوك الكاثوليك على تعيين الأساقفة الكاثوليك، وعين الملوك الإنجليز الأساقفة الأنجليكان.) وقرر أن يكون لكل إنسان الحرية في أن يعبد كما يشاء، أو لا يعبد على الإطلاق. وشمل هذا الروم الكاثوليك، والمسلمين، والتوحيدين، والملحدين. على أنه كان هناك قيد واحد على هذه الحرية، فحين كان الجدل الديني ينقلب إلى السب أو العنف الشديدين، كان فردريك يخمده كما أي خطر يهدد السلام الداخلي. وفي سنواته الأخيرة كان أقل تسامحاً مع الهجمات على حكومته منه على الهجمات على الله.
فأي رجل كان، مرهب أوربا هذا ومعبود الفلاسفة؟ لم يزد طوله على خمسة أقدام وست بوصات، وليست هذه بالقامة الشامخة. وقد غلبت عليه السمنة في شبابه، ولكنه غدا الآن بعد عشر سنين من الحكم والحرب نحيلا، عصبياً، مشدوداً، وكأنه سلك من الحساسية والنشاط الكهربيين، له عينان حادتان فيهما ذكاء متشكك، وله قدرة على الفكاهة، ونكته الذكية لا تقل حدة عن نكت فولتير. كان في وسعه، كإنسان لا يعارضه
أحد، أن يكون غاية في اللطف، ولكنه كملكاً كان صارماً، وندر أن خفف العدل بالرحمة، فكان يستطيع أن يناقش الفلسفة مع مساعديه وهو يرقب في هدوء جنوده وهم يعانون الجلد وكان لكلبيه لسان لاذع يجرح أصدقاءه أحياناً. وهو شديد الشح عادة، كريم بين الحين والحين. وإذ ألف أن يطاع، فقد أصبح مستبد الطبع، لا يكاد يطيق اعتراضاً، وندر أن يلتمس النصيحة، ولا يعمل بها إطلاقاً. فيه وفاء لأخصائه، ولكنه يحتقر النوع الإنساني. نادر الحديث مع زوجته، يضيق عليها في النفقة، ومزق في وجهها الكشف الذي دونت فيه احتياجاتها في مسكنة (87). وكان عادة ودوداً لشقيقته فلهلمينا، ولكنها هي أيضاً وجدته أحياناً متحفظاً فاتر العاطفة (88). أما غيرهن من النساء، باستثناء الأميرات من زواره، فقد باعد ما بينهن وبينه؛ ولم يكن به ميل للطائف الأنثى ومفاتنها، سواء الجسدية أو الخلقية، وقد أبغض ثرثرة الصالونات. وآثر الفلاسفة والشبان ملاح الوجوه، وكثيراً ما صحب هؤلاء إلا مسكتنه بعد العشاء (89). وربما كان حبه للكلاب أكثر حتى من حبه لهؤلاء. وكان أحب رفاقه إليه في أخريات عمره كلابه السلوقية التي كانت تنام في فراشه؛ وقد أمر بإقامة أنصاب على قبورها، وبأن يدفن بجوارها (90). لقد وجد أن من العسير عليه أن يكون قائداً ناجحاً محبوباً في وقت واحد.
وفي 1747 أصيب بنوبة قلبية فالج وظل فاقد الوعي نصف ساعة (91). بعد هذا قاوم ضعف صحته بالعادات الثابتة والحمية، ينام على حشية رقيقة فوق سرير بسيط قابل للطي، ويستجلب النوم بالقراءة. وكان يقنع في منتصف عمره هذا بالنوم خمس ساعات أو ستاً في اليوم، فيستيقظ في الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة صيفاً، وبعد ذلك شتاء. لا يقوم على خدمته غير خادم واحد - أهم واجباته أن يوقد له ناره ويحلق له لحيته؛ وكان يحتقر الملوك الذين لا يستغنون عن مساعدين يلبسونهم. ولم يعرف عنه نظافة الشخص أو أناقة الملبس، فكان ينفق نصف يومه وهو في روبه، ونصفه وهو في سترة الحارس. يبدأ فطوره بعدة أكواب من الماء، ثم عدة أقداح من القهوة، ثم يتناول بعض الكعك، ثم كثيراً من الفاكهة. وبعد الفطور يعزف على الفلوت، متأملا شئون السياسة والفلسفة وهو ينفخ آليته.
وفي نحو الحادية عشرة من كل صباح يحضر تدريب جنده وعرضهم. وكانت وجبة الظهيرة الرئيسية تختلط عادة بالمداولات. ثم ينقلب بعد الظهر مؤلفاً، فينفق ساعة أو ساعتين في كتابة الشعر أو التاريخ؛ وسنجده مؤرخاً ممتازاً لأسرته ولجيله. فإذا فرغ ساعات للإدارة روح عن نفسه بالحديث مع العلماء، والفنانين، والشعراء، والموسيقيين. وفي السابعة مساء قد يشارك في حفلة موسيقية عازفاً على الفلوت. وفي الثامنة والنصف يحل موعد حفلات عشاءه المشهورة في سانسوسي عادة (بعد مايو 1747)، يدعو إليها أخص أخصائه، وكبار زواره، وأقطاب أكاديمية برلين. وكان يطلب إليهم أن يكونوا على سجيتهم، وينسوا أنه ملك، ويتحدثوا دون خوف، وهو ما فعلوه في كل موضوع إلا السياسة. وكان فردريك نفسه يتكلم في إسهاب، وعلم، وذكاء. يقول أمير لين "كان حديثه موسوعياً، فالفنون الجميلة، والحرب، والطب، والأدب، والدين، والفلسفة، والأخلاق، والتاريخ والتشريع، تعرض على بساط البحث كل في دوره"(92). ولم ينقص الحفل غير مفخرة واحد حتى يصبح مأدبة للفكر. وقد أقبل في 10 يوليو 1750.
6 - فولتير في ألمانيا
1750 -
1754
لقد رضى حتى هو عن استقباله. فقد اصطنع فردريك العادات الغالية في الترحيب به. كتب فولتير لريشليو يقول "تناول يدي ليقبلها، وقبلت أنا يده، وقلت إنني عبده"(93). وأفرد له مسكن أنيق في قصر سانسوسي، فوق الجناح الملكي مباشرة. ووضعت خيول الملكة ومركباته، وحوذيوه، ومطبخه، تحت تصرفه. وأحاط به أكثر من عشرة خدم يغالون في العناية به، وخطب وده عشرات الأمراء، والأميرات، والنبلاء، والملكة ذاتها. وقد عينه الملك كبيراً لأمنائه براتب قدره عشرون ألف فرنك في السنة، ولكن أهم واجباته كان تصحيح الفرنسية في شعر فردريك وكلامه. ولم يتقدمه في حفلات العشاء غير الملك. وذهب زائر ألماني إلى "أن مطارحاتها أطرف ألف مرة من أي كتاب"(94).
وقد قال فولتير بعد ذلك مستحضراً هذه الأحاديث "لم يحظ مكان آخر في الدنيا بحرية أكبر في الحديث عن خرافات الإنسان"(95).
وقد انتشى طرباً بهذا كله. فكتب إلى دارجنتال (سبتمبر 1750) يقول:
إنني أجد مرفأ ألجأ إليه بعد ثلاثين عاماً من العواصف. أجد حماية ملك، وحديث فيلسوف، وخلالا لطيفة لإنسان محبوب، كلها مجتمعة في رجل ظل ستة عشر عاماً يتوق إلى تعزيتي عن عثرات حظي وتأميني من أعدائي
…
هنا أطمئن إلى مصير هادئ إلى النهاية. وإذا جاز للإنسان أن يطمئن إلى أي شئ، فهو خلق ملك بروسيا (96).
وكتب إلى مدام دنيس يطلب إليها أن تحضر وتعيش معه في فردوسه. على أنها بحكمة آثرت باريس والعشاق الأصغر، فحذرته من إطالة المكث في بلين. وقالت في خطابها إن صحبة السلطان لا يؤمن جانبها، فهو يغير رأيه ويبدل محاسيبه، وعلى المرء أن يكون على حذر دائماً من أن يعارض مزاجه أو إرادته، وسيجد فولتير نفسه إن عاجلا أو آجلا خادماً وسجيناً أكثر منه صديقاً (97).
وأرسل الفيلسوف الأحمق الخطاب إلى فردريك فكتب له هذا الرد (23 أغسطس) وهو كاره أن يفقد الغنيمة التي تريد الظفر بها:
قرأت الخطاب الذي كتبه ابن أختك من باريس. وإني لأقدر لها الود الذي تكنه لك. ولو كنت مكان مدام دنيس لفكرت كما تفكر، أما وأنا ما أنا، فإني أفكر بطريقة أخرى. وإنه ليحزنني أن أكون سبباً في تعاسة عدو، فكيف إذن أبغي بلية رجل أقدره، وأحبه، يضحي من أجلي ببلده وكل ما هو عزيز على الإنسانية، لا يا عزيزي فولتير، لو أنني تبينت أن انتقال إلى هنا سيحلق بك أقل أذى لكنت أول من يثنيك عنه. وإني لأوثر سعادتك على سروري المفرط بتملكك. ولكنك فيلسوف، وكذلك أنا، فأي شئ إذن أكثر طبيعية، وبساطة، وتمشياً مع نظام الأشياء، من أن يمنح فلاسفة خلقوا ليعيشوا معاً، تربطهم دراسات واحدة، وميول واحدة،
وطريقة تفكير مشابهة، يمنح بعضهم بعضاً هذا الإشباع لرغباتهم؟
…
إنني موقن بأنك ستكون سعيداً جداً هنا، وأنك ستعد أباً للأدب ولأصحاب الذوق، وأنك واجد في كل التعزيات التي يمكن أن يتوقعها رجل له كفايتك من رجل يقدره. مساء الخير (98).
ولم يقتضي تدمير هذا الفردوس من أكبر الفيلسوفين سناً أكثر من أربعة أشهر. لقد كان فولتير مليونيرا، ولكنه، لم يطق أن يفوت عليه فرصة قد تضخم ثروته. ذلك أن بنك سكسونيا كان قد أصدر أوراقاً سميت "شهادات إيراد"، هبطت إلى نصف قيمتها الأصلية. وقد اشترط فردريك في معاهدة درسدن دفع ثمن الأوراق التي اشتراها البروسيون، عند استحقاقها بقيمتها الاسمية ذهباً، واشترى بعض البروسيين الخبثاء بعض هذه الأوراق بثمن بخس في هولندا ثم صرفوا ثمنها كاملا في بروسيا. وفي مايو 1748 حظر فردريك هذا الاستيراد إنصافاً لسكسونيا. وفي 23 نوفمبر 1748 استدعى فولتير في بوتسدام مصرفياً يهودياً يدعى أبراهام هيرشي. وفي رواية هيرش أن فولتير طلب إليه أن يذهب إلى درسدن ويبتاع له بمبلغ 18،430 أيكوسا أوراقاً بسعر خمسة وثلاثين في المائة من قيمتها الاسمية. وزعم هيرش أنه نبه فولتير إلى أن هذه الأوراق المالية لا يمكن جلبها قانوناً إلى بروسيا، وأن فولتير وعده بأن يحميه، وأعطاه خطابات تحويل على باريس وليبزج. وضماناً لهذه المبالغ أودع هيرش لدى فولتير ماسات من قبل بمبلغ 18،430 أيكوسا. ولكن فولتير ندم على هذه الاتفاقات بعد رحيل عميله، وقرر هيرش بعد وصوله إلى درسدن ألا يمضي في تنفيذ العملية. وأوقف فولتير الدفع على خطابات التحويل، وعاد المصرفي إلى برلين. ويقول هيرش إن فولتير حاول أن يرشوه ليسكت، بشراء ماسات قيمتها ثلاثة آلاف أيكوس. وتنازعا على تقدير القيمة وأمسك فولتير برقية هيرش وصرعه (99)؛ فلما لم يتلق ترضية أكثر من هذا جعل السلطات تقبض عليه، وعرض النزاع على المحكمة علناً (30 ديسمبر). وفضح هيرش خطة فولتير لشراء الأوراق السكسنية، فأنكرها فولتير زاعماً أنه أرسل هيرش إلى درسدن لشراء فراء، ولكن أحداً لم يصدقه.
فلما سمع فردريك بهذه الورطة بعث برسالة غاضبة من بوتسدام إلى فولتير في برلين (24 فبراير 1751):
لقد سرني أن أستقبلك في بيتي؛ وقدرت عبقريتك، ومواهبك، وعلمك، وكان لي ما يبرر اعتقادي بأن رجلا في مثل سنك أعياه النضال مع الكتاب والتعرض للعاطفة يجئ إلى هذا المكان ليحتمي به احتماءه بمرفأ آمن.
ولكنك حين وصلت انتزعت مني بصورة غريبة بعض الشيء أمراً بألا أكلف فريرون بكتابة الأنباء من باريس، وكان من الضعف
…
ما جعلني أمنحك سؤلك، مع أنه ليس من حقك أن تقرر أي الأشخاص يجب أن أستخدم. وقد شعرت بأن باكولار دارنو (شاعر فرنسي في بلاط فردريك) أساء إليك، والرجل الكريم السمح كان يعفو عنه، أما المنتقم فيطارد أولئك الذين يطيب له أن يبغضهم
…
ومع أن دارنو لم يسئ إلي بشئ، فإني طردته بسببك
…
ثم كانت لك مع يهودي خصومة هي أقذر الخصومات في الدنيا، وقد أثارت فضيحة رهيبة في طول المدينة وعرضها. ومسألة شهادات الإيراد تلك معروفة جيدا في سكسونيا حتى لقد شكوا لي شكاوي مرة.
وإنني من جهتي كنت محافظاً على الهدوء والسلام في بيتي حتى وصلت؛ وإني أنذرت بأنك إن كنت مولعاً بالدس والتآمر فقد أخطأت اختيار من يعينك عليه. فإني أحب الناس المسالمين الهادئين الذين لا يشيعون في سلوكهم انفعالات الدراما المأساوية. فإن اعتزمت العيش عيشة الفلاسفة، فسيسرني أن ألقاك، أما إن أسلمت نفسك لكل سورات غضبك وانفعالك ودخلت في مشاجرات مع كل الناس، فإنك لن تحسن إلي بمجيئك هنا، وخير لك أن تبق في برلين.
وحكمت المحكمة لصالح فولتير. وأرسل إلى الملك اعتذارات ذليلة وعفا عنه فردريك، ولكنه نصحه بأن "يكف عن الشجار، سواء مع العهد القديم أو الجديد"(100). وبعدها أنزل فولتير بيتاً ريفياً لطيفاً
يسمى "بيت المركيز" ويقع قرب سانسوسي. وأرسل له الملك تأكيدات باحترامه المجدد، ولكن حماقة فولتير لم تذهب به إلى حد الثقة بها. وبعث له الملك الشاعر قصائد يطلب إليه تهذيب فرنسيتها، وأضنى فولتير نفسه فيها كثيراً وأغضب كاتبها بإدخال تغيرات حادة عليها.
ونظم فولتير الآن قصيدته المسماة "في القانون الطبيعي"، وقد حاولت أن تجد الله في الطبيعة، مقتدية في ذلك بطريقة الكسندر بوب على الأخص. وأهم من هذه القصيدة مضموناً قصيدة "عصر لويس الرابع عشر" التي أكملها وصقلها خلال تلك الأشهر ثم نشرها في برلين (1751). وكان حريصاً على الفراغ من طبعها قبل أن يضطر لسبب ما إلى الرحيل عن ألمانيا لأنها لن تكون بمأمن من الرقابة على المطبوعات إلا في رعاية فردريك. كتب إلى ريشليو في 31 أغسطس" تعلم جيداً أنه ليس هناك (في باريس) رقيب صغير واحد للكتب لا يعتبر تشويه عملي أو مصادرته حسنة أو واجباً"(101). وحظر بيع الكتاب في فرنسا، وأصدر تجار الكتب في هولندا وإنجلترا طبعات مسروقة لم ينقذوا عليها شيئاً؛ فإذا عرفنا هذا فهمنا حبه للمال فهماً أفضل. لقد كان عليه أن يحارب "تجار الكتب الأوغاد"(102) لا رجال الدين والحكومات فحسب.
و"عصر لويس الرابع عشر" أكثر أعمال فولتير وأمانة في الإعداد فقد خطط له في 1732، وبدأت في 1734، ونحاه جانباً في 1738، ثم عاد إليه في 1750. وقد قرأ له مائتي مجلد، وتلالا من المذكرات غير المنشورة، واستشار عشرات الناس ممن بقوا على قيد الحياة بعد العصر العظيم، ودروس الأوراق الأصلية التي كتبها أبطال العصر أمثال لوفوا وكولبير، وحصل من الدوق دنواي على مخطوطات التي خلفها لويس الرابع عشر، ووجد وثائق هامة لم تستخدم إلى ذلك الحين في دار محفوظات اللوفر (103). ووازن بين الأدلة المتضاربة بحكمة وعناية، وحقق مرتبة عالية من الدقة. لقد حاول مع مادم دشاتليه أن يكون عالماً ففشل، والآن اتجه إلى كتابة التاريخ وكان نجاحه في ذلك ثورة.
وقد أعرب قبل ذلك بزمن طويل عن هدفه في خطاب تاريخه 18 يناير 1739: " أن هدفي الأهم ليس التاريخ السياسي والحربي، بل تاريخ الآداب والفنون، تاريخ التجارة، تاريخ الحضارة - وبعبارة موجزة، تاريخ العقل الإنساني. "وأعرب عنه إعراباً أفضل حتى من هذا خطاب كتبه لتييريو في 1736. يقول:
حين طلبت حكايات ونوادر عن عصر لويس الرابع عشر لم أكن أقصد الملك ذاته بقدر ما أقصد الآداب والفنون التي ازدهرت في عهده. وإني لأوثر تفاصيل عن راسين وبوالو، وكينو ولولى، وموليير، ولوبرون، وبوسويه، وبوسان، وديكارت، وغيرهم، لاعن معركة ستنكركي. لم يبق من أولئك الذين قادوا الجيوش والأساطيل إلا اسمهم، ولا ثمر بجنيه النوع الإنساني من مائة معركة كسبت، أما الرجال العظماء الذين ذكرتهم فقد جهزوا مباهج صافية باقية لأجيال لم تولد. فقناة تربط بين بحرين، أو لوحة بريشة بوسان، أو مأساة رائعة، أو حقيقة يماط عنها اللثام، هذه كلها أشياء أثمن ألف مرة من جميع حوليات البلاط، وكل قصص الحرب. وأنت تعلم أن العظماء من الرجال هم الأوائل في نظري، أما "الأبطال" فهم الأواخر. والعظماء عندي هم كل الذين بزوا غيرهم في النافع المبهج. أما الذين يخرجون الأقطار فليسوا أكثر من أبطال (104).
وربما رفع فولتير الأبطال العسكريين من مكانهم في المؤخرة إذا أنقذت انتصاراتهم الحضارة من الهمجية؛ ولكن كان من الطبيعي أن يجد الفيلسوف الذي لم يعرف سلاحاً غير الألفاظ متعة في رفع اضرابه إلى مكان مرموق، واسمه خير بيان لنظريته لأنه لم يزل بعد قرنين من الزمان أبرز الأسماء في ذكرنا لعصره. وكانت نيته في الأصل أن يخصص الكتاب برمته التاريخ الثقافي. ثم أشارت عليه مدام دشاتليه بكتابة "تاريخ عام" للأمم؛ وعليه فقد ألف فصولا في السياسة، والحرب، والبلاط، ليجعل المجلد تتمة متجانسة لكتاب أكبر عنوانه "مقال في التاريخ العام" كان يتخلف تحت قلمه. ولعل هذا هو السبب في أن التاريخ الثقافي غير مندمج في بقية المجلد، فالنصف الأول من الكتاب مخصص للتاريخ السياسي والحربي، ثم تأتى أقسام
عن العادات "خصائص ونوادر"، والحكومة، والتجارة، والعلوم، والأدب، والفن، والدين.
وتطلع الكاتب المطارد خلفه في إعجاب إلى العهد كان الملك فيه يكرم الشعراء (إذا لم يحيدوا عن الجادة)؛ وربما كان تشديده على دعم لويس الرابع عشر للآداب والفنون هجوماً جانبياً على عدم اكتراث لويس الخامس عشر بمثل هذه الرعاية. أما وقد برزت الآن عظمة العصر الماضي في هذه الذكرى المموهة "وأغفل ذكر استبداده وغارات خياليه على البيوت، فإن فولتير راح يضفي شيئاً من الكمال على الملك الشمس ويطرب لانتصارات القواد الفرنسيين - وإن وسم بالعار تدمير البلاتينات. ولكن النقد يخفي رأسه أمام هذه المحاولة الحديثة الأولى لكتابه التاريخ المتكامل. وقد أدرك المعاصرون الفطنون أن هذه بداية جديدة- فهي التاريخ يترجم للحضارة، التاريخ الذي حوله الفن والنظرة الصحيحة أدباً وفلسفة. فما انقضى عام على نشره حتى كتب إيرل تشسترفيلد لولده يقول:
لقد أرسل من فولتير إلى برلين كتابه "تاريخ عصر لويس الرابع عشر" وقد جاءني في أوانه، ذلك أن اللورد بولتبروك علمني مؤخراً كيف ينبغي أن يقرأ التاريخ. وها هو ذا فولتير يريني كيف أن يكتب
…
إنه تاريخ الفهم الإنساني، بقلم عبقري لينتفع به الأذكياء من الناس
…
وقد تحرر مؤلفه من الأهواء الدينية والفلسفية والسياسية والقومية أكثر من أي مؤرخ صادفته إطلاقاً، ومن ثم فهو يروي هذه الأمور كلها بصدق ونزاهة على قدر ما تسمح له بعض الاعتبارات التي لا مفر دائماً من مراعاتها (105).
وكان فولتير خلال جهوده الأدبية برما بوضعه القلق في بلاط فردريك. ذلك أن لامتري، الرجل المادي النزعة المرح الطبع الذي كان كثيراً ما يقرأ للملك، نقل في أغسطس 1751 إلى فولتير ملاحظة أبداها مضيفهما:"سأحتاج إليه (أي فولتير) سنة أخرى على الأكثر (مهذباً لفرنسية الملك)؛ إن الناس يعتصرون البرتقالة ثم يلقون قشرتها"(106). ويتشكك البعض في صحة نسبة هذه الملاحظة إلى فردريك، إذ لم يكن في طبعه أن يفضي بسره لأحد على هذا النحو، ولم يكن مستحيلاً على لامتري أن يتمنى إقصاء فولتير
عن حظوته. كتب فولتير إلى مدام دنيس في 2 سبتمبر يقول "بذلت قصارى جهدي لكيلا أصدق لامتري، ولكني ما زلت حائراً. " ثم كتب إليها في 29 أكتوبر يقول "مازلت أحلم بقشرة البرتقالة تلك
…
وما أشبهني بذلك الرجل الذي كان يسقط من برج فلما وجد نفسه مرتاحاً في الهواء قال لا بأس بهذا الوضع لو دام" (107).
وكان في ألمانيا رجل آخر شارك في المهزلة. وقال فردريك إنه لا بد من زوال واحد من رجلين فرنسيين في بلاط واحد (108) ذلك أن موبرتوي عميد أكاديمية برلين، كان لا يتقدم عليه مقاماً بين ضيوف الملك في سانسوسي غير فولتير؛ وكان كلا الرجلين ضيفاً بهذا الجوار؛ ولعل فولتير لم ينس أن مدام دشاتليه كانت يوماً ما مغرمة بموبرتوي. وفي أبريل 1751 أقام فولتير وليمة دعا إليها موبرتوي فلبى الدعوة. وقال له فولتير إن كتابك "عن السعادة" أمتعني كثيراً، باستثناء بضعة غوامض سنناقشها معاً ذات مساء. " وعبس موبرتوي وقال "غوامض"؟ قد يكون هناك غوامض بالنسبة لك يا سيدي. " ووضع فولتير يده على كتف العالم وقال "سيدي العميد، إنني أقدرك، فأنت رجل شجاع، تريد الحرب. فلتخوضها إذن، ولكن دعنا الآن نأكل شواء الملك"(109). وكتب إلى دارجنتال (4 مايو) يقول "لم يؤت موبرتوي من آداب السلوك ما يفتن كثيراً. إنه يقيس أبعادي بربعيته في خشونة؛ ويقولون أن معلوماته يخالطها الحسد
…
إنه رجل فيه بعض الفظاظة، وليس اجتماعياً جداً. " ثم كتب إلى ابنة أخته دنيس في 24 يوليو يقول"لقد أشاع موبرتوى بدهاء أنني وجدت "أعمال" الملك رديئة جداً، وأنني قلت لبعضهم وأنا أتسلم بعض أشعار الملك (ألا يتعب إرسال غسيله القذر إلى لأغسله"؟ (110) وليس من المؤكد أن موبرتوي حمل هذه الشائعة إلى فردريك، ولكن فولتير ظنه مؤكداً، فعقد النية على الحرب.
وكان من إسهامات موبرتوي في العلم "مبدأ الحركة الدنيا"_ أي أن كل التماثيل في عالم الحركة تنجز بأقل قوة تكفي لأحداث النتيجة. وقد تعثر صموئيل كوينيج، الذي دان لموبرتوي بعضويته في أكاديمية برلين، على
وثيقة قيل إنها نسخة من خطاب غير منشور كتبه ليبنتز، وسبق فيه إلى وضع هذا المبدأ. وكتب كوينيج مقالا عن هذا الكشف، ولكنه عرضه على موبرتوي قبل أن ينشره، وأبدى استعداده للعدول عن النشر إذا اعترض عليه العميد. غير أن موبرتوي وافق على نشره، ربما بعد أن اطلع عليه على عجل. وطبع مقال كوينيج في عدد مارس 1751 من مجلة "أكتا إيروديتورم" التي تصدر في ليبزج، فأثار نشره ضجة. وطلب موبرتوي إلى كوينيج أن يقدم خطاب ليبنتز إلى الأكاديمية، ورد كوينيج بأنه لم ير غير نسخة منه بين أوراق صديقه هنتسسي الذي شنق في 1749، وأنه نقل نسخة عن هذه النسخة، وهو مرسلها الآن إلى موبرتوي، ولكن هذاعاد فطالب بالأصل. واعترف كوينيج بأن الأصل لا يمكن العثور عليه الآن لأن أوراق هنتسي تبددت بعد موته. وعرض موبرتوي الأمر على الأكاديمية (7 أكتوبر 1751)، فأرسل سكرتيرها إلى كوينيج أمراً نهائياً أصل الخطاب، فلم يستطع. وعليه ففي 13 أبريل 1752 حكمت الأكاديمية بأن خطاب ليبنتز المزعوم مزيف. ولم يحضر موبرتوي هذه الجلسة لأنه شكا نزفاً سببته إصابة بالسل (111). وأرسل كوينيج استقالته من الأكاديمية، وأصدر "نداء إلى الشعب"(سبتمبر 1752).
وكان كوينيج قد أنفق مرة عامين في سيريه ضيفاً على فولتير ومدام دشاتليه. وقرر أن ييضرب ضربة دفاعاً عن صديقه القديم ضد عدوه الحالي. ففي عدد 18 سبتمبر من مجلة "المكتبة العقلانية" ظهر مقال بعنوان "رد عضو في أكاديمية برلين على عضو في أكاديمية باريس" دافع من جديد عن كوينيج وخلص إلى أن:
"السيد موبرتوي مذنب أمام الدوائر العلمية الأوربية لا بالانتحال والخطأ فحسب، بل باستغلال منصبه لمصادرة النقاش الحر، واضطهاد رجل شريف
…
وقد احتج عدة أعضاء من أكاديمتنا على هذا الإجراء الفاضح، ولولا خشيتهم من إغضاب الملك لتركوا الأكاديمية" (112).
وكان المقال غفلا من الإمضاء، ولكن فردريك عرف لمسة فولتير
الغادرة. وبدلا أن يقذفه بصاعقة ملكية، كتب رداً وصف فيه الرد المذكور بأنه "خبيث، جبان، دنئ" ووسم كاتبه بأنه "دجال لا يستحي"، "ولص قبيح" و "ملفق للطعون الغبية"(113). وكان هذا الرد أيضاً غفلا من التوقيع، ولكن صفحة الغلاف تحمل الأسلحة البروسية ومعها النسر، والصولجان، والتاج. وأحس فولتير أن كبرياءه قد جرحت، ولم يكن في طاقته قط أن يترك لعدو الكلمة الأخيرة، ولعله وطن النفس على أن يختصم الملك. وكتب لمدام دينس (18 أكتوبر 1752) يقول "لست أملك صولجاناً، ولكني أملك قلماً. " ثم استغل غاية الاستغلال نشر موبرتوي مؤخراً (درسدن، 1752) لسلسلة من "الرسائل" اقترح فيها حفر ثقب في الكرة الأرضية، إلى مركزها إن أمكن، لدراسة تركيبها، ونسف هرم من أهرام مصر للكشف عن أسرار هدفها وتصميمها، وبناء مدينة لا يتكلم الناس فيها غير اللاتينية حتى يقضي الطلاب فيها عاماً أو عامين ويتعلموا تلك اللغة كما تعلموا القومية، وألا ينقد الطبيب أجره إلا بعد شفاء المريض، وأن جرعة كافية من الأفيون قد تمكن متعاطيها من التنبؤ بالمستقبل، وأن العناية الصحيحة بالجسم قد تتيح لنا إطالة العمر إلى ما لا نهاية (114). وانقض فولتير على هذه الرسائل انقضاضه على فريسة سهلة، مغفلا بعناية أي فقرة فيها إدراك سليم أو أي لمحات من الفكاهة ثم قذف بالباقي في مرح على قرون دعابته الذكية. وهكذا كتب في نوفمبر 1752 "خطاب الدكتور أكاكيا، طبيب البابا المقيم. " وكامة Diatribe ( ومعناها الآن هجاء) كانت تعنى يومها خطاباً، أما akakia فكلمة يونانية معناها "غرارة أو غفلة". وقد بدأ الطبيب المزعوم في براءة ظاهرة بتشككه في أن يكون رجل عظيم كعميد أكاديمية برلين مؤلفاً لكتاب بهذا السخف. وعلى أي حال "ليس في عصرنا هذا ما هو أشيع وأعم من أن يزيف مؤلفون صغار جهل على العالم، تحت أسماء مشهورة، كتباً غير جديرة بالمؤلفين المزعومين. فلا بد أن هذه الرسائل هي من هذا الضرب من التزييف، لأنه مجال أن يكون العميد العلامة قد
كتب هذا الهراء. وخص الدكتور أكاكيا بالاحتجاج على ذلك الاقتراح بعدم نقد الطبيب أجره إلا بعد شفاء المريض- وهو اقتراح ربما كان يمس وتراً متعاطفاً في صدر فولتير الموجع، ولكن "أينكر الموكل على محاميه أتعابه التي يستحقها لأنه خسر قضيته؟ إن الطبيب يعد مريضه بأن يعينه لا بأن يشفه. وهو يبذل ما في وسعه وينقد أجره على هذا الأساس"، وكيف يكون شعور عضو الأكاديمية إذا اقتطع قدر معين من الدوقاتيات من راتبه السنوي نظير كل غلطة ارتكبها، أو كل قول سخيف فاه به، خلال العام؟ وراح الطبيب يفصل ما اعتبره فولتير أغلاطاً أو سخافات في أعمال موبرتوي (115).
ولم يكن هجاؤه هذا بالبراعة التي يخالها الناس عموماً، فكثير منه معاد وبعض ما فيه من نبش عن الأخطاء تافه غير كريم؛ ونحن نخفي حقدنا في أيامنا هذه بأدب أكثر. ولكن فولتير سر بتمثيليته هذه سروراً لم يستطع معه أن يقاوم بهجة رؤيتها مطبوعة. فأرسل مخطوطة منها إلى ناشر في لاهاي، وأرى الملك في الوقت نفسه مخطوطة أخرى. واستمتع فردريك بقراءة الهجاء (أو هكذا قيل) وكان بينه وبين نفسه يوافق على أن موبرتوي فيه أحياناً غرور لا يطاق، ولكنه نهى فولتير عن نشره، وواضح أنه وجد في لنشر مساساً بكرامة أكاديمية برلين وسمعتها. وسمح له فولتير بأن يحتفظ بالمخطوطة، ولكن الهجاء نشر رغم ذلك في هولندا. وسرعان ما انبثت ثلاثون ألف نسخة منه في أرجاء باريس، وبروكسل، ولاهاي، وبرلين. ووصلت نسخة منها ليد فردريك، فأعرب عن غضبه بعبارات جعلت فولتير يفر إلى مسكن خاص في العاصمة. وفي 24 ديسمبر 1752 رأى من نافذته جلاد الدولة الرسمي يحرق كتابه على الملأ. وفي أول يناير 1753 رد لفردريك مفتاحه الذهبي بوصفه أميناً للقصر، وصليب الاستحقاق الذي خلعه عليه.
وكان الآن مريضاً حقاً، تلهب الحمرة جبينه، وترهق الدوزنتاريا أمعاءه، وتبرى الحمى جسده. فلزم فراشه في 2 فبراير ولم يبرحه طوال
أسبوعين، وبدا عليه كما قال زائر عاده في مرضه "كل مظهر الهيكل العظمى"(116). ورق له قلب فردريك، فأوفد طبيبه الخاص ليرعى الشاعر. فلما تحسنت صحته كتب إلى الملك يستأذنه في زيارة بلومبيير، فلعل مياهها تشفى حمرته. وأمر فردريك سكرتيره بأن يرد عليه (16 مايو) "بأن في استطاعته أن يترك هذه الخدمة حين يشاء، وأنه لا حاجة به للاعتذار بمياه بلومبيير، ولكن عليه أن يتكرم قبل رحيله بأن يرد إلى
…
مجلد القصائد الذي عهدت به إليه" (117). وفي الثامن عشر من الشهر دعا الملك فولتير للعودة إلى مسكنه القديم في سانسوسي. وأتى فولتير، ومكث ثمانية أيام، وبدا أنه أصلح ما بينه وبين الملك- ولكنه احتفظ بقصائد الملك. وفي 26 مارس ودع فردريك، وتظاهر كلاهما بأن الفراق إلى حين. وقال الملك "اعتن بصحتك قبل كل شئ، ولا تنس أنني أنتظر عودتك بعد استشفائك بالمياه
…
رحلة طيبة! " (118) ولم يلتقيا بعدها قط.
وهكذا انتهت هذه الصداقة التاريخية، ولكن العداوات السخيفة استمرت. فقد انطلق فولتير مع سكرتيره ومتاعه يتأرجح في مركبته إلى الأمان في ليبزج السكسونية. هناك تلكأ ثلاثة أسابيع بحجة ضعف صحته، وأضاف مزيداً إلى "الخطاب". وفي 6 أبريل تلقى رسالة من موبرتوي يقول فيها:
تقول الجرائد إنك تخلفت في ليبزج لمرضك، ولكن معلوماتي الخاصة تؤكد لي أنك لا تمكث هناك إلا لطبع مزيد من القذف في .. إنني لم أسئ إليك قط، وما كتبت ضدك ولا قلت شيئاً قط. لقد كنت على الدوام أراه أمراً لا يليق بي أن أراد على السفاهات التي رحت تذيعها عني
…
ولكن إذا صح أن في نيتك العودة إلى مهاجمتي في مسائل شخصية،
…
فإنني أنذرك بأن في من العافية ما يمكنني من العثور عليك أنى كنت، وأصب جام غضبي وانتقامي عليك (119).
ورغم ذلك طبع فولتير "الخطاب" المنقح، وطبع معه رسالة موبوتوي. وأصبح الكتيب، الذي تضخم الآن حتى بلغ خمسين صفحة، حديث القصور والبلاطات في ألمانيا وفرنسا. وكتبت فلهلمينا من بايرويت إلى فردريك
(24 أبريل 1753) تعترف بأنها لم تملك نفسها من الضحك على الخطاب. أما موبرتوي فلم ينقذ تهديده، كذلك لم يمت غيظاً وكمداً كما ظن البعض؛ فلقد عمر ست سنوات بعد الدكتور أكاكيا، ومات بالسل في بازل عام 1759.
وفي 19 أبريل رحل فولتير إلى جوتا، ونزل فندقاً عاماً بها، ولكن سرعان ما أقنعه دوق ودوقة ساكس-جوتا بالنزول ضيفاً عليهما قصرهما. ولما كان بلاطهما الصغير يهتم بالثقافة، فقد جمعت الدوقة الأعيان والأدباء، وقرأ لهم فولتير شيئاً من أعماله، حتى من قصيدة "لا بوسيل المرحة". ثم مضى إلى فرنكفورت -أم على -مين، وهناك أدركته إلهة الانتقام.
ذلك أن فردريك حين تبين أن فولتير يواصل الحرب التي شنها على موبرتوي، خامرته الظنون في أن الشاعر المستهتر قد يذيع على الناس القصائد التي كتبها الملك، والتي لم تزل نسخة منها-طبعت سراً- في حوزة فولتير وهي قصائد في بعضها خروج عن اللياقة، وبعضها يتهكم بالمسيحية، وبعضها يتحدث عن الأحياء من الملوك حديثاً فيه من الدعاية أكثر مما فيه من الاحترام، فمن شأنها أن تنفر منه قوى نافعة. وعليه فقد أرسل إلى فربتاج، المقيم البروسي في فرانكفورت، يأمره بحبس فولتير حتى يسلم "ذلك الهيكل العظمى، الشيطاني" قصائد الملك وشتى الأوسمة التي خلعها عليه إبان "شهر العسل". وكانت فرانكفورت "مدينة حرة"، ولكنها تعتمد على رضى فردريك اعتماداً لم تجرؤ معه على التدخل في هذه الأوامر؛ أضف إلى ذلك أن فولتير كان من الناحية الرسمية لا يزال في خدمة ملك بروسيا وفي إجازة ممنوحة منه. ومن ثم قصد فربتاج في أول يونيو فندق الأسد الذهبي الذي وصل إليه فولتير البارحة، وطلب إليه في أدب أن يسلمه الأوسمة والقصائد. وسمح فولتير للمقيم بأن يفتش متاعه ويأخذ الأوسمة الملكية، أما قصائد الملك فقال إنها على الأرجح في صندوق أرسله إلى همبورج. وأمر فربتاج بوضعه تحت الحراسة حتى يعاد الصندوق من همبورج. وفي 9 يونيو تعزى الفيلسوف المغيظ بوصول مدام دنيس،
التي أعانته على التنفس عن غيظه. وقد راعها هزاله "كنت على يقين من أن هذا الرجل (فردريك) قاتلك! "وفي 18 يونيو وصل الصندوق، وعثر فيه على المجلد المحتوى على القصائد، وسلم للمقيم، ولكن في يوم ذاته وصل توجيه جديد من بوتسدام يأمر فربتاج بالاحتفاظ "بالوضع الراهن" لحين وصول أوامر أخرى. فحاول فولتير الهروب بعد أن عيل صبره، وفي 20 يونيو ترك حقائبه مع ابنة أخته وفر هو وسكرتيره خلسة من فرانكفورت.
ولكن فربتاج لحق بهما قبل أن يجتازا الحدود الإدارية للمدينة، وعاد بهما إليهما وأودعهما سجينين في فندق العنزة، لأن "صاحب فندق الأسد أبى أن يستبقي فولتير أطول مما بقي عنده بسبب شحه الذي لا يصدق"(120)(في رواية فربتاج). واستولى آسرو فولتير على نقوده كلها، وعلى ساعته، وبعض جواهره التي يتحلى بها، وصندوق نشوقه-الذي رد إليه سريعاً بناء على توسله لأنه قال إنه لا غنى لحياته عنه. وفي 21 يونيو وصل خطاب من فردريك يأمر بالإفراج عن فولتير، ولكن فربتاج رأى أن الأمانة في أداء الواجب تقتضيه أن ينبئ الملك بمحاولة فولتير الهروب، فهل يطلق سراحه رغم ذلك؟ وفي 5 يونيو وافق فردريك على الإفراج عنه، وأطلق سراحه بعد اعتقاله خمسة وثلاثين يوماً. وفي 7 يونيو غادر فرانكفورت إلى مينز، وعادت مدام دنيس إلى باريس، بأمل الحصول على إذن لفولتير بدخول فرنسا.
وكان نبأ اعتقاله قد ذاع، فاحتفل به القوم وأشادوا به حيثما ذهب، لأن فردريك لم يحبه أحد غير أخته فلهلمينا، أما فولتير فهو رغم شيطنته كلها كان أعظم الأحياء من الشعراء، والمسرحيين، والمؤرخين. وبعد أن قضى ثلاثة أسابيع في مينز رحل في بطانة كبطانات الأمراء إلى مانهايم وستراسبورج (15 أغسطس إلى 2 أكتوبر) حيث أمتع روحه بفكرة وجوده على أرض فرنسية. ثم مضى إلى كولمار (2 أكتوبر) حيث زارته فلهلمينا في طريقها إلى مونبليه وطيبت خاطره "بالأنعامات" واسترد من عافيته ما أوحى إليه ببعض رسائل ظريفة لمدام دنيس التي كانت تشكو ورماً في فخذيها:
بالله يا طفلتي العزيزة ما الذي تريد ساقاك وساقاي أن تقول؟ لو أنها كانت معاً لما شكت مرضاً
…
إن فخذيك لم يخلقا للألم. فهذان الفخذان اللذان سيقبلان بعد قليل يلقيان الآن معاملة مخزية (121).
وكتب في لهجة أكثر تواضعاً إلى مدام بمبادور يتوسل بنفوذها على لويس الخامس عشر ليسمح له بالعودة إلى باريس. ولكن ناشراً لصاً في لاهاي كان قد نشر طبعة مشوهة سماها "موجز التاريخ العام" اختصر منها كتاب "مقال التاريخ العام" أو "مقال في العزف" الذي لم يتمه فولتير، وقد احتوى نقداً جارحاً للمسيحية. وبيع الموجز بسرعة في باريس، قال لويس الخامس عشر لبومبادور "لست أريد أن يأتي فولتير إلى باريس"(122) وطالب اليسوعيون في كولمار بطرده من تلك المدينة، فحاول أن يسترضى أعداءه الكنسيين بتناوله القربان في عيد القيامة. وكانت النتيجة الوحيدة لهذا العمل أن انضم أصدقاؤه لليسوعيين في رميه بالنفاق. وكان تعقيب مونتسكيو "انظروا إلى فولتير الذي لا يعرف أين يضع رأسه" ثم أضاف "أن النفس الصالحة أغلى ثمناً من النفس الجميلة"(123).
وفكر الفيلسوف المشرد، بعد أن سدت في وجهه المسالك، في الرحيل عن أوربا والإقامة في فيلادلفيا. وكان معجباً بروح بن وجهود فرانكلن الذي وحد مؤخراً بين البرق والكهرباء "لولا أن البحر يسبب لي دواراً لا يطاق لقضيت بقية عمري بين كويكريي بنسلفانيا"(124). وفي 8 يونيو 1754 غادر كولمار ووجد ملجأ في دير سنون البندكتي بالورين. هناك علم أن دوم أوجستن كالميه رئيس للدير، وأن بمكتبة الدير اثنا عشر ألف مجلد؛ ووجد فولتير السلام وسط الرهبان ثلاثة أسابيع. وفي 2 يوليو رحل إلى بلومبيير، وشرب من مياهها في خاتمة المطاف. ولحقت به مدام دنيس هناك. وظلت منذ ذلك الحين سيدة ( Mistrest خليلة) بيته على الأقل. واستأنف تجواله، وعاد إلى كولمار، ولم يجد فيها راحته، فانطلق إلى ديجون ومكث فيها ليلة، ثم إلى ليون التي أقام فيها شهراً (11 نوفمبر إلى 10 ديسمبر). ونزل أسبوعاً ضيفاً على صديقه ومدينه القديم لدوق ريشليو، ثم انتقل إلى فندق الباليه رويال، ربما خوفاً من أن يؤذى سمعته. وذهب إلى أكاديمية
ليون وتلقى كل ما خلعته عليه من تكريم. وأخرجت بعض تمثيلياته على المسرح المحلي، ورفع تصفيق الاستحسان معنوياته. وفكر في الإقامة في ليون، ولكن رئيس الأساقفة تنسان اعترض، فرحل فولتير عنها. وأيقن أنه قد يقبض عليه في أية لحظة لو مكث في فرنسا.
وعليه ففي ختام عام 1754، أو مطلع عام 1755، عبر جبال الجورا وألقى عصا التسيار في سويسرا.
الفصل الرابع عشر
سويسرا وفولتير
1715 - 1758
1 -
فيللا المباهج (ليدليس)
على طريق لبون، خارج أبواب جنيف مباشرة ولكن في حدودها الإدارية، وجد فولتير في خاتمة المطاف مكاناً يستطيع أن يرقد فيه آمناً مطمئناً، هو فيلا فسيحة تسمى سان- جان، ذات حدائق مدرجة تهبط إلى نهر الرون. ولما كانت قوانين الجمهورية تحرم بيع الأرض إلا للبروتستنت السويسريين، فقد قدم 87. 000 فرنك لشراء الملك (فبراير 1755) بواسطة وكالة لابا دجرانكور وجان روبير ترونشان
(1)
هو الآن (1965) متحف للفن، يضم مخلفات صغيرة لفولتير. @ جان روبير، المصرفي والمدير العام لجنيف، (2) باكوب، عضو المجلس، (3) فراسوا، المؤلف والمصور (4) تيودور، الطبيب. و"ترونشان" هنا يقصد به تيودور، ما لم ينص على غير هذا. ما زال البيت موجودا (1965)، وقد نقصت مساحته كثيرا، ولكن مدينة جنيف تحتفظ به معهداً ومتحفاً لفولتير. @. وبكل حماسة أهل المدن اشترى دجاجات وبقرة، وزرع حديقة خضر، وغرس الأشجار. لقد أنفق من عمره ستين عاماً حتى تعلم أننا "يجب أن نزرع حديقتنا". وخطر له أن في وسعه الآن أن ينسى فردريك، ولويس الخامس عشر، وبرلمان باريس، والأساقفة، واليسوعيين، ولم يبق إلا مغصه ونوبات صداعه. وبلغ ابتهاجه بيته الجديد مبلغاً جعله يسميه "ليدليس" أي المباهج وكتب إلى تيريو يقول:"إن بي من السعادة ما يخجلني"(1). ولما كانت استثماراته الذكية تأتيه بدخل مترف، فإنه أشبع رغبته في العيش المترف. فاحتفظ بستة جياد وأربع مركبات، وسائق، وجودي يمتطي أحد جياد العربة، وتابعين، وخادم خاص، وطاه فرنسي، وسكرتير، ونسناس- كان يحب أن يقارن بينه وبين الإنسان. وتربعت على عرش المؤسسة مدام دنيس، التي وصفها مدام دينيه حين زارت البيت في 1757 بهذه العبارات:
(1)
كان هناك أفراد كثيرون باسم ترونشان، أهمهم: %=
"امرأة قصيرة سمينة، مدورة كالكرة، تناهز الخمسين،
…
قبيحة، طيبة، كذابة دون قصد ودون خبث، ليس فيها ذكاء ومع ذلك تبدو وكأن لها نصيباً منه
…
تكتب الشعر وتناقش في منطق وفي غير منطق
…
دون كثير ادعاء أو غرور، وأهم من ذلك كله دون أن تسئ إلى أحد .. تعبد خالها، بوصفه خالا وبوصفه إنساناً، وفولتير يحبها، ويضحك عليها، ويعبدها. إن هذا البيت، باختصار يجمع بين النقائض، ومشهد بمتع المتفرجين (2)(1).
ووصف زائر آخر هو الشاعر مارنتيل، المالك الجديد فقال "كان في فراشه حين وصلنا. فمد ذراعيه وعانقني وبكى فرحاً
…
ثم قال "هاأنت تجدني مشرفاً على الموت، فتعال وردني إلى الحياة، أو تلق آخر أنفاسي"
…
وبعد لحظة قال "سأنهض وأتناول الغداء معك"(3).
وكان في فيللا المباهج هذه عيب واحد- وهو برودتها في الشتاء، وفولتير يحتاج إلى الحرارة لشدة هزاله. وعليه فقد وجد لوزان خلوة صغيرة تدعى مونريون يقيها موقعها من ريح الشمال، فاشتراها، وأنفق فيها بعض شهور الشتاء خلال 1755 - 57. وفي لوزان ذاتها اشترى (يونيو 1757) على نهر جران شين "بيتاً لو كان في إيطاليا لسمى قصراً" له خمس عشرة نافذة تطل على البحيرة. "هناك ودون أي معارضة من رجال الدين أخرج تمثيليات أكثرها من تأليفه. وكتب يقول "إن الهدوء شئ جميل. ولكن الملل ينتمي أرد عني هذا القريب القبيح أقمت مسرحاً (4).
هكذا، في غدوه وراحه، بين جنيف ولوزان عرف سويسرا.
2 - المقاطعات السويسرية
(الكانتونات)
في 1742 تساءل صموئيل جونسن "بأي سياسة عجيبة، أو بأي توافق سعيد بين المصالح، أمكن تجنب الفتن العنيفة في دولة تتألف من شتى
المجتمعات ومختلف الأديان، رغم أن في أهلها من الولع بالحرب ما يجعل من تقرير جيش ومن حشده شيئاً واحداً؟ (5).
هذا المركب الغريب من ثلاثة شعوب، وأربع لغات، ومذهبين، ظل في سلام مع العالم الخارجي منذ 1515. فبمقتضى ضرب من الميثاق المبرم بين اللصوص أمسكت الدول عن مهاجمته، ولقد كان مطمعاً غاية في الصغر (بلغ 227 ميلا في أقصى طوله، و137 في أقصى عرضه) فقيراً جداً في موارده الطبيعية، شديد الوعورة في أرضه، اتصف أهله بشجاعة تثبط همة المعتدى. واستمر السيسرون ينجبون خيرة الجنود في أوربا، ولكن الاحتفاظ بهم كان غالي الكلفة، لذلك كانوا يؤجرون لشتى الحكومات بسعر للجندي. وفي 1748 كان هناك ستون ألفاً من هؤلاء الجنود "الجوالين" في خدمة الدول الأجنبية. وقد أصبحوا في بعضها جزءاً دائماً من المؤسسة العسكرية؛ وكانوا أحب الحرس للبابوات والملوك الفرنسيين وأحوزهم لثقتهم؛ والعالم كله يعرف كيف قضى الحرس السويسري لآخر رجل منهم دفاعاً عن لويس السادس عشر في 10 أغسطس 1792.
وفي 1715 كانت ثلاثة عشرة مقاطعة تؤلف الاتحاد السويسري: أبنتسيل، وبازل، وجلاروز، وشافهاوزن، وزيورخ-وكانت في أغلبها ألمانية وبروتستنتية؛ ثم لوسرن، وشفيتس، وزولوتورن، وأونترفالدن، وأورى، وبتسوج-كلها ألمانية وكاثوليكية، ثم برن، وكانت ألمانية وفرنسية، بروتستنتية وكاثوليكية؛ ثم فريبورج، وكانت فرنسية وكاثوليكية. وفي 1803 ضم الاتحاد إليه مقاطعات أراجاو، وسانت جالين، وتورجاو (ألمانية بروتستنتية)، وتيتشينو (إيطالية وكاثوليكية)، وفو (فرنسية وبروتستنتية). وفي 1815 أضيفت ثلاث مقاطعات جديدة هي جنيف (فرنسية وبروتستنتية تنقلب الآن كاثوليكية بسرعة)، وفاليه (فرنسية، وألمانية، وكاثوليكية) والأقاليم المعروف للفرنسيين باسم جزيزون وللألمان باسم جراوبوندن تغلب عليه البروتستنتية، ويتكلم الألمانية أو الرومانش، وهي لاتينية أثرية.
وكانت سويسرا جمهورية النظام، ولكنها لم تكن ديمقراطية بمعناها المعروف، ففي كل مقاطعة تنتخب أقلية من السكان الذكور البالغين، الذين ينتمون عادة للأسر العريقة، مجلساً صغيراً يتألف من أربعة وعشرين إلى أربعة وستين عضواً. وكان المجلس الصغير يعين مجلساً خاصاً أصغر منه وعمدته وهو أكبر موظفي المقاطعة. ولم يكن هناك فصل للسلطات، فالمجلس الصغير هو أيضاً المحكمة العليا. وقصرت المقاطعات الريفية (وهي أوري، وشفيتس، وأونتفالدن، وجلاروز، وتسوج وأبنتسيل) حق الانتخاب على الأسر الوطنية، أما غيرها من المقيمين بها، مهما طال مقامهم، فيحكمون بوصفهم طبقة تابعة (6). ومثل هذه الأولجركيات كانت شائعة في سويسرا. فلوسرن مثلا قصرت صلاحية التعيين في الوظائف الحكومية على تسع وعشرين أسرة، ولم تسمح لأسرة جديدة بدخول هذه الدائرة إلا إذا انقرضت إحدى الأسر القديمة (7). وفي برن كانت 243 أسرة صالحة للتعيين في الوظائف، ولكن نحو ثمان وستين منها فقط هي التي تقلدت المناصب بصفة دائمة. وفي 1789 لاحظ المؤرخ الروسي نيكولاي كارامزين أن مواطني زيورخ "يفخرون بلقبهم فخر ملك بتاجه" لأن "أحداً من الأجانب لم يحصل على حق المواطنة منذ نيف و150 سنة. "(8)(وعلينا أن نذكر أنفسنا بأن كل الديمقراطيات تقريباً أو الأولجركيات، لأن الأقليات يمكن تنظيمها للحركة والسلطة، أما الأغلبيات فلا).
وكان في حكومة المقاطعة نزوع إلى النظام الأبوي الذي يتطلب الطاعة لأولي الأمر. مثال ذلك أن المجالس في زيورخ أصدرت القوانين المنظمة للأكل، والشرب، والتدخين. وقيادة العربات، وحفلات الزفاف، واللباس، والتزين، وقص الشعر، وأجور العمل، ونوعية المنتجات، وأسعار الضروريات، وكانت هذه الأوامر من مخلفات القوانين البيئية أو النقابية القديمة، والواقع أن "معلمي" النقابات الحرفية الأثنى عشرة في زيورخ كانوا يكتسبون عضوية المجلس الصغير تلقائياً، بمعنى أن هذه المقاطعة كانت إلى حد كبير دولة نقابية. وقد كتب جوته في أخريات القرن
أن شواطئ بحيرة زيورخ تعطي "فكرة جذابة مثالية عن أروع وأسمى حضارة"(9).
أما "مدينة وجمهورية" برن فكانت أكبر وأقوى المقاطعات. فهي تضم ثلث سويسرا، وتتمتع بأغنى اقتصاد، وحكومتها محط الإعجاب عموماً لما تتميز به من تدبير وطفاية؛ وقد شبهها مونتسكيو بروما في أزهى عصور الجمهورية. أما وليم كوكس، وهو قسيس بريطاني ومؤرخ عالم، فقد وصف المدينة كما رآها في 16 سبتمبر 1779 بهذه العبارات:
حين دخلت برن أدهشني ما تميزت به من نظافة وجمال. شوارعها الرئيسية عريضة طويلة، ليست مستقيمة، بل منعطفة انعطافاً هينا، وتكاد بيوتها تكون متماثلة، وهي مبنية بحجر تغلب عليه الشهبة ومن تحتها البواكي. ويجري وسط الشوارع نهير نشيط، ماؤه شديد الصفاء، في مجرى صخري، وهناك نافورات عديدة تضفي على المدينة جمالا يعدل نفعها لأهلها. ويكاد نهر آر يحيط بالمدينة، إذ يلتف مجراه فوق قاع صخري أوطأ كثيراً من مستوى الشوارع .. والريف المجاور غني بالزرع، فيه تنويع لطيف من تلال ومروج وغابات ومياه
…
وترسم على الأفق البعيد سلسلة شديدة الانحدار من جبال الألب الوعرة المكللة بالثلوج (10) ".
أما الخطأ الفادح الذي ارتكبه نبلاء برن ففي معاملتهم لمقاطعة فو. فهذا الفردوس الأرضي كان يمتد بحذاء الضفة السويسرية لبحيرة جنيف من أرباض مدينة جنيف حتى لوزان (العاصمة) ويصل شمالا إلى بحيرة نيوشاتل. على هذه الضفاف الجميلة والتلال الزاخرة بالكروم استمتع فولتير وجيبون بحياة غاية في التحضر، وشب روسو وتعذب، واختار بيت جولي الفاضل (في كلارنس، قرب فيفي). وقد خضع الإقليم لسيادة برن في 1536، ففقد مواطنوه حقهم في تقلد المناصب الحكومية، واشتد تبرمهم بالحكم البعيد عنهم، وتكررت ثوراتهم دون جدوى.
وكانت المقاطعات شديدة الحرص على استقلالها الذاتي. كل منها تعتبر نفسها دولة ذات سيادة، لها الحرية في خوض الحرب أو إبرام الصلح
أو الدخول في أحلاف أجنبية، مثال ذلك أن المقاطعات الكاثوليكية ارتبطت بفرنسا طوال حكم لويس الخامس عشر. ورغبة في التخفيف من الصراع بين المقاطعات كانت كل منها ترسل مندوبين عنها إلى مجلس سويسري (ديت) ينعقد في زيورخ. ولكن هذا المجلس الاتحادي (الكونجرس) كانت سلطاته محدودة جداً، فهو لا يستطيع فرض قراراته على أي مقاطعة ترفضها. ويجب أن توافق جميع المقاطعات على هذه القرارات لكي تكون قانونية. وكانت حرية التجارة مقبولة من حيث المبدأ، ولكن حروب المكوس بين المقاطعات انتهكت هذا المبدأ. ولم تكن هناك عملة مشتركة، ولا إدارة مشتركة للطرق التي تربط المقاطعات.
على أن الحياة الاقتصادية زكت رغم العوائق الطبيعية والحواجز التشريعية. وكان رق الأرض قد زال في بضع مناطق على الحدود الألمانية أو النمساوية، فملك الفلاحون كلهم تقريباً الأرض التي يزرعونها. وكان الفلاحون فقراء في "مقاطعات الغابات"(وهي أوري، وشفايتس، وأونترفالدن، ولوسرن) وذلك لظروف جغرافية؛ أما حول زيورخ فازدهرت أحوالهم، وفي برن جمع العديد من الفلاحين ثروات بالفلاحة التي اتسمت بالعناية والمثابرة. وقد اضطر كثير من السويسريين إلى الجمع بين الزراعة والصناعة لطول الشتاء وصعوبة النقل؛ فالأسرة التي تغزل القطن أو تصنع الساعات تزرع الحدائق أو تغرس الكروم. واشتهرت فريبورج بجبها الجروبير (جرافيرا)، وزيورخ بدنتللتها، وسانت جالين بقطنها، وجنيف بالساعات، ونيوشاتل بالدنتيللا، وسويسرا كلها بالأنبذة. وكانت المالية السويسرية حتى في ذلك الحين مثار حسد أوربا، والتجار السويسريون نشيطين في كل بلد. وأثرت بازل من الاتجار مع فرنسا وألمانيا، وزيورخ من الاتجار مع ألمانيا والنمسا. ونافست بازل وجنيف ولوزان، أمستردام ولاهاي مراكز للنشر. وبعد أن أشاد هاللير وروسو بجمال البحيرات السويسرية المتألق وجبال الألب السويسرية المهيب، أمدت السياحة الاقتصاد الاتحادي بدعم متزايد.
أما مستوى الأخلاق فلعله كان في سويسرا أرقى منه في أي بلد آخر باستثناء إسكندناوة، حيث أنتجت الظروف المماثلة نتائج مماثلة. فكانت أسرة الفلاح مثالاً للجد، والعفة، والوحدة، والتدبير. وكان في المدن بعض الفساد في السياسة وبيع المناصب، ولكن حتى في هذه الأماكن أعانت الخشونة التي ولدها المناخ القاسي، والإقليم الجبلي، والآداب البروتستنتية، على الاستقرار الخلقي. وكان اللباس محتشما سواء عند الأغنياء أو الفقراء. وظلت قوانين الإنفاق صارمة مرعية الجانب في سويسرا (11).
أما الدين فكان نصف الحكم ونصف الصراع. فالحضور إلى الكنيسة إجباري، والمدن من الصغر بحيث يستحيل على الخوارج المتمردين أن يجدوا ملاذا في زحمة الجماهير. ويوم الأحد يوم تعبد لا هوادة فيه، ويروى إن الحانات في زيورخ كانت تهتز بالمزامير ترتل فيها في يوم الرب (12). ولكن المذهبين المتنافسين - الكلفني والكاثوليكي- ضربا أسوأ أمثلة السلوك، لأنهما أطلقا العنان للحقد والكراهية وقيدا العقل بالأغلال. وحظرت بعض المقاطعات الكاثوليكية كل عبارة إلا الكاثوليكية، وبعض المقاطعات البروتستنتية كل عبادة إلا البروتستنتية (13). وحرم القانون الخروج على الكنيسة الرسمية وتأليف مذاهب مستقلة. وفي لوسرن عذب ياكوب شمدلن في 1747 ثم شنق لمحاولته تنظيم حركة "تقوية" مستقلة عن الكنيسة. وكان حلف يمين الالتزام بالكلفنية شرطاً لشغل المناصب السياسية أو الكنسية أو التعليمية في لمقاطعات البروتستنتية (14). وفرضت الكنيسة والدولة رقابة شديدة على المطبوعات. وفي مقاطعات الغابات تضافر فقر الفلاحين، والعواصف، وإنزلاقات الأرض، وانهيارات الثلوج، وآفات الزرع، والفيضانات، والرهبة من الجبال المحيطة بالسكان- كلها اجتمعت تولد فيهم خوفاً خرافياً من الأرواح الشريرة الساكنة في القمم المحملة والرياح المدومة، ولكي يقهر الفلاحون المكروبون أعداءهم الخارقين للطبيعة كانوا يتوسلون إلى قساوستهم أن يخرجوا الأرواح النجسة ويمنحوا قطعانهم البركة في مراسم دينية. وقد انتهى حرق المتهمين بالسحر في جنيف عام 1652،
وفي برن عام 1680، وفي زيورخ عام 1701، وفي المقاطعات الكاثوليكية عام 1752، ولكن امرأة في جلاروز قطع رأسها عام 1782 وكانت تهمتها أنها سحرت طفلاً (15).
وانبثق لنور وسط هذه الظلمة بفضل المدارس الحكومية والمكتبات العامة. وكانت جامعة بازل تعاني اضمحلالا من جراء التعصب الديني، فلم تكد تقدر منجزات يوهان وياكوب ودانيل برنويللي، وأكرهت ليونارد أويلر على الهروب إلى قاعات أكثر سماحة لضيوفها. ولكن سويسرا رغم هذا أنجبت الأدباء والشعراء والعلماء في تناسب كامل مع عدد سكانها. وقد ذكرنا من قبل العالمين الزيورخيين يوهان ياكوب بودمير ويوهان ياكوب برايتنجر، وقد كان لهما أثر دائم على الأدب الألماني لأنهما عارضا إعجاب جوتشيد المفرط ببوالو والأشكال الكلاسيكية؛ ودافعا عن حقوق الوجدان، والعناصر الغيبية، بل اللامعقولة، في الأدب والحياة؛ وأشادوا بالشعر الإنجليزي وفضلا على الفرنسي، وقدما شكسبير وملتن لقراء الألمانية، وبعثا الأغاني القديمة (1751) وشعراء العصر الوسيط الغنائيين الألمان minnesungers وانتقل مذهبهم إلى ليسنج، وكلوبشتوك، وشيلر، والشاب جوته، وفتح الطريق للحركة الرومانسية في ألمانيا ولإحياء الاهتمام بالعصور الوسطى. وسار على هذا الدرب شاعر زيورخي يدعى سالومون جسنر، وأصدر قصائد"رعوية"(1756) فيها من فتنة الريف ما جعل أوربا بأسرها تترجمها، وشعراء مثل فيلاند وجوته يحجون إلى بيته.
وأنبه سويسريي القرن الثامن عشر ذكراً بعد جان جاك روسو هو البريشت فون هاللر البرني، أعظم الشعراء والعلماء في بلده وعصره. درس في برن، وتوبنجن، وليدن، ولندن، وباريس، وبازل، القانون والطب والفسيولوجيا والنبات والرياضة. فلما عاد إلى برن اكتشف جبال الألب. وأحس بجمالها وجلال خطوطها، فتدفق شعراً. وأصدر وهو بعد في الحادية والعشرين (1729) مجلداً من الشعر الغنائي سماه "الألب" ذهب كوكس المتحمس له إلى أنه شامخ خالد كالجبال التي يتغنى بها (16). وكان الكتاب
سبقاً لروسو في كل شئ تقريباً. دعا العالم للإعجاب بجبال الألب لما فيها من علو شاهق ملهم وشهادة بعظمة الله؛ وأزرى بالمدن لأنها أوكار للترف والكفر تقضي انحلال الجسم والخلق، وأشاد بالفلاحين وأهل الجبال لصلابة عودهم ومتانة أيمانهم واعتدال عاداتهم. وأهاب بالرجال والنساء والأطفال أن يتركوا المدن ليعيشوا في الخلاء عيشة أبسط وأعقل وأصح.
ولكن علم هاللر هو الذي أذاع شهرته في أوربا. ففي 1736 عرض عليه جورج الثاني أستاذية النبات والطب والجراحة في جامعة جوتنجن. وهناك ظل يدرس سبعة عشر عاماً، بكفاية حملت أكسفورد وهاللي على دعوته، وأراد فردريك الأكبر أن يخلف موبرتوي عميداً لأكاديمية برلين، وحاولت كاترين الثانية إغراءه بالذهاب إلى سانت بطرسبورج وأرادت جوتنجن أن تعينه عميداً لها. ولكنه بدلا من هذا كله قفل إلى برن واشتغل طبيباً، واقتصادياً، ورئيساً لمقاطعته، وعكف في مثابرة على رائعة من روائع القرن العلمية هو كتابه"الأصول الفسيولوجية لجسم الإنسان" الذي سنلتقي به ثانية في مكان لاحق.
وظل طوال هذه السنين، وطوال اشتغاله بهذه العلوم، محتفظاً بنقاء صادق في عقيدته الدينية ونزاهة صارمة في أخلاقه. فلما قدم فولتير ليعيش في سويسرا خيل لهاللر أن الشيطان رفع رايته فوق جنيف ولوزان. وقد زار كازانوفا كلا من هاللر وفولتير في 1760، وكان ينافس هاللر في تذوقه للجمال. فلنستمتع مرة أخرى برواية كازانوفا لمغامرته المزدوجة:
كان هاللر رجلا كبير الجسم والعقل، طوله ستة أقدام، عريضاً في أبعاده-فهو عملاق في الجسم والعقل. وقد هش للقائي كثيراً، وفتح لي عقله، وأجاب عن كل أسئلتي في دقة وتواضع .. فلما أخبرته أنني أتطلع إلى لقاء المسيو فولتير، قال إنني محق تماماً في تطلعي هذا، وأضاف دون مرارة "أن المسيو فولتير رجل يستحق أن يعرفه المرء، رغم أن كثيراً من الناس وجدوه أعظم عن بعد، وهذا يناقض قوانين الفيزياء".
وبعد بضعة أيام زار كازانوفا فولتير في فيلته المباهج": قلت له: مسيو فولتير، هذا اليوم مفخرة حياتي الكبرى. لقد كنت تلميذك طوال عشرين عاماً، وإن قلبي ليطرب لروية معلمي.
وسألني من أين جئت.
قلت "من روش. إنني لم أرد أن أبرح سويسرة دون أن أرى هاللر .. ولقد احتفظت بك كأنك النقل أختم به طعامي. "
"هل سررت من هاللر؟ "
"لقد أنفقت معه ثلاثة من أسعد أيام حياتي. "
"إني أهنئك"
"يسرني أنك تنصفه. ويؤسفني أنه لا ينصفك إنصافك إياه". "
"أها! ربما كان كلانا مخطئاً"(17).
وفي 1775، نشر هاللر آخر كتبه وكأنه يذيع على العالم كلمته الأخيرة، واسم الكتاب "وسائل تتناول عدة محاولات أخيرة للفكر الحر .. ضد الوحي"، وهو محاولة جادة لمعارضة كتاب فولتير "أسئلة في الموسوعة. " وكتب رسالة مؤثرة للزنديق الرهيب، دعاه (وهو في الحادية والثمانين) إلى أن يستعيد "تلك السكينة التي تهرب حين تدنو العبقرية"، ولكنها تقبل على الإيمان الواثق؛ " عندها سيكون أشهر رجل في أوربا أسعدهم كذلك"(18). على أن هاللر نفسه لم يظفر بهذه السكينة قط. فقد كان برما في المرض لفرط إحساسه بالألم "كان في سنواته الأخيرة يدمن تعاطي الأفيون الذي لم يكن له من أثر إلا زيادة ضجره الفطري لأنه لم يكن سوى ملطف وقتي لألمه"(19). وكان يعاني من خوف الجحيم، ويلوم نفسه على فرط ما بذل "لنباتاتي وغيرها من الحماقات"(20). وقد أدرك السكينة في 12 ديسمبر 1777.
3 - جنيف
لم تكن جنيف في هذا القرن مقاطعة داخلة في الاتحاد، بل جمهورية قائمة بذاتها- المدينة وما وراء البحيرة - تتكلم الفرنسية وتدين بالمذهب
الكلفني. وقد وصفها دالامبير في مقاله عنها في "الموسوعة" وصف معجب بها كما رآها في 1756:
من العجيب أن مدينة لا يزيد سكانها على 24. 000 نسمة وتشمل رقعتها أقل من ثلاثين قرية، قد حافظت على استقلالها، وهي من أكثر المجتمعات ازدهاراً في أوربا. وهي في غناها بحريتها وتجارتها ترى كل ما حولها يشعل دون أن يمسها من ذلك أذى. فالأزمات التي تضطرب بها أوربا ليست بالنسبة لها غير مشهد تتفرج عليه دون أن تشارك فيه. وهي مع ارتباطها بفرنسا برباط الحرية والتجارة، وبإنجلترا برباط التجارة والمذهب الديني، تبدي رأيها بإنصاف في الحروب التي تخوضها هاتان الأمتان الواحدة ضد الأخرى، ولكنها أحكم من أن تنحاز لإحداهما. وهي تصدر حكمها على جميع ملوك أوربا دون تملق، أو إساءة، أو خشية (21).
وكانت هجرة الهيجونوت من فرنسا نعمة على جنيف، لأنهم جلبوا إليها مدخراتهم ومهاراتهم، وجعلوا المدينة عاصمة صناعة الساعات في العالم بأسره. وقد قدرت مدام دبينيه عدد المشتغلين بتجارة المجوهرات بستة آلاف (22). فأصبح جاك نكير وزيراً لمالية لويس السادس عشر، وألبير جالاتان وزيراً لخزانة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جفرسن.
وكان الحكم في جنيف امتيازاً طبقياً شأنه في كل المقاطعات، فلا يقبل في الوظائف العامة غير السكان الذكور الذين ولدوا في جنيف لآبا وأجداد مواطنين. وتلي طبقة الأشراف هذه طبقة البورجوازية من أرباب الصناعات، والتجار، وأصحاب الحوانيت ومعلمي الحرف، وأعضاء المهن. وكان الأشراف والبورجوازيون، الذين قل أن جاوز عددهم ألفاً وخمسمائة (23)، يجتمعون كل سنة في كاتدرائية القديس بطرس لينتخبوا "مجلساً كبيراً" من مائتي عضو "ومجلساً صغيراً" من خمسة وعشرين عضواً. ويختار المجلسان أربعة مأمورين، كل منهم لعام واحد، رؤساء تنفيذيين للدولة. وهناك طبقة ثالثة مجردة من حق الانتخاب، هم "المستوطنون" المنحدرون من آباء أجانب، وطبقة رابعة هم "الأهالي" المولودون في جنيف لجنيفيين
غير وطنيين هؤلاء "الأهالي" الذين ألفوا ثلاثة أرباع السكان لم يكن لهم من الحقوق المدنية غير دفع الضرائب، فهم لا يستطيعون الاشتغال بالأعمال التجارية أو المهن ولا بوظائف الجيش أو برآسة حرفة في نقاب. ولقد دار التاريخ السياسي لهذه الجمهورية حول الصراع البورجوازيين للحصول على حق شغل وظائف الدولة، وصراع الطبقتين الدينيتين للحصول على حق التصويت. وفي 1737 امتشق مواطنو المدينة الحسام ليقاتلوا طبقة الأشراف، وأكرهوها على قبول دستور جديد يقضي لجميع الناخبين بالحق في أن ينتخبوا أعضاء في المجلس الكبير، ولهذا المجلس حق إصدار القرارات النهائية في مسائل الحرب والسلم، والأحلاف والضرائب، وإن كان التشريع لا يقدم إلا من المجلس الصغير، أما"الأهالي" فقد سمح لهم بالاشتغال ببعض المهن مع بقائهم محرومين من التصويت. وظلت الحكومة أوليجاركية، ولكنها كانت تدار بكفاية، ومحصنة نسبياً ضد الفساد.
وكان يلي طبقة الأشراف في النفوذ مجمع القساوسة الكلفينين. فقد نظم هذا المجمع شئون التعليم، والأخلاق، والزواج، ولم يسمح بأي تدخل في سلطته من السلطة العلمانية. ولم يكن هنا أساقفة ولا رهبان. وقد أشاد الفيلسوف دالامبير بفضائل الأكليروس الجنيفي ووصف المدينة بأنها أشبه بجزيرة من الأدب والعفة، رآها النقيض للفوضى الخلقية التي فشت بين فرنسي الطبقة العليا. أما مدام دبينيه فبعد أن مارست العديد من العلاقات الغرامية، امتدحت "العادات الصارمة
…
لشعب حر، هو عدو للترف (24).
ولكن رجال الدين زعموا أن شباب جنيف يفسد في لكباريهات، وأن الصلوات العائلية تتقلص، وأن الناس يثرثرون في الكنيسة، وأن بعض المصلين المتواجدين في المؤخرة يأخذون أنفاساً من "بيباتهم" ليستعينوا بها على ابتلاع العظة (25). وشكا الوعاظ من عجزهم عن توقيع العقوبات إلا الروحي منها، ومن إغفال تحذيراتهم وإنذاراتهم إغفالا متزايداً.
وقد أبهج فولتير أن يجد العديد من رجال الدين الجنيفيين متقدمين نوعاً ما في لاهوتهم. فقد أتوا ليستمعوا بضيافته في فيللا المباهج، واعترفوا له سراً
بأنهم لا يحتفظون من عقيدة كلفن القائمة إلا بالقليل. وقد أشار أحدهم، وهو جاك فيرن، في كتابه "التعليم المسيحي"(1754) بأن يبني الدين على العقل حين يخاطب الكبار، أما "عامة الناس
…
فمن المفيد أن تشرح لهم هذه الحقائق ببعض الطرق الشعبية ببراهين تصلح
…
لإحداث أثر أكبر في عقول الجماهير" (26). وكتب فولتير إلى سيدفيل (12 أبريل 1756) يقول: "لم تعد جنيف هي جنيف كلفن-بل على العكس، فهي بلد يحفل بالفلاسفة. و"المسيحية المعقولة" التي نادى منها لوك هي دين كل القساوسة تقريباً، وعبادة كائن أعلى عبادة مقترنة بنسق أخلاقي، هي دين كل القضاة الآتية: في "مقال الأعراف"(1756).
"يبدو أن ترضية تقدم اليوم لرماد سرفيتوس، فإن رعاة الكنائس البروتستنتية المثقفين. قد اعتنقوا آراءه (التوحيدية) "(28).
أما دالامبير، فبعد أن زار جنيف وبيت فولتير (1756)، وبعد أن تحدث إلى بعض القساوسة، وتبادل الرأي مع فولتير، كتب للمجلد السابع (1757) من الموسوعة مقالا عن جنيف أثنى فيه على تحرر إكليروسها فقال:
"إن العددين منهم لا يؤمنون بلاهوت المسيح الذي كان زعيمهم كلفن شديد الغيرة في الدفاع عنه والذي أمر بسببه بحرق سرفيتوس .. وجهنم التي هي أحد أركان إيماننا لم تعد كذلك عند الكثيرين من قساوسة جنيف. فهم يقولون أن من الإهانة لله أن نتصور أن هذا الكائن الذي يفيض طيبة وعدلا في طاقته أن يعاقب أخطاءنا بألوان من العذاب الأبدي
…
وهم يعتقدون أم هناك عقوبات في حياة أخرى، ولكنها مؤقتة. فالمظهر الذي كان من أهم أسباب انفصال البروتسنت عن كنيسة روما، هو اليوم العقاب الوحيد الذي يسلم به كثير منهم للخاطئ بعد موته، وهذه لمسة جديدة تضاف إلى تاريخ تناقضات البشر.
والخلاصة أن الكثير من رعاة جنيف لا يدينون بغير السوسنيانية الخالصة، ويرفضون كل ما يسمى أسراراً، ويتصورون أن أول مبدأ للدين الحق هو
ألا يطلب إلى الناس الإيمان بشيء يناقض العقل
…
وهكذا نرى من الناحية العلمية أن الدين اختزل إلى عبادة إله واحد، على الأقل بين جميع الذين لا ينتمون إلى طبقات العوام" (29).
فلما قرأ رجال الدين الجنيفيون هذا المقال انزعجوا كلهم- المحافظون منهم لوجود أمثال هؤلاء المهرطقين على المنابر الكلفنية، والمتحررون لفضح هرطقاتهم الخاصة على هذا النحو. وقامت لجنة بفحص الرعاة المشبوهين فأنكروا بشدة مزاعم دالامبير، وأصدرت اللجنة تأكيداً رسمياً جديداً للسنية الكلفنية (30).
على أن كلفن نفسه كان من بواعث هذه الاستنارة الشائعة التي أطراها دالامبير، لأن الأكاديمية التي أسسها أصبحت الآن من أروع المؤسسات التعليمية في أوربا. لقد علمت طلابها المذهب الكلفني، ولكنها لم تغل في تعليميه، وزودتهم بدراسات ممتازة في الأدب الكلاسيكي، وأعدت معلمين أكفاء لمدارس جنيف-وتحملت الدولة جميع النفقات. وأعارت مكتبة تضم 25. 000 مجلد الكتب للجماهير، وقد وجد دالامبير "الشعب أفضل تعليما منه في أي بلد آخر" (31).
وأدهش كوكس أن يسمع تجاراً يناقشون الأدب والسياسة بذكاء. وفي هذا القرن أسهمت جنيف في العلوم بمنجزات شارل بونيه في الفسيولوجيا وعلم النفس، ومنجزات أوراس دسوسير في الأرصاد الجوية والجيولوجيا. أما في الفن أعطت العالم فنانها جان إتين ليوتار، بكل ما في كلمة العطاء من معنى. ذهب إلى روما بعد أن درس في جنيف وباريس، فصور هناك البابا كلمنت الثاني عشر وكرادلة كثيرين، ثم إلى الآستانة حيث عاش وعمل خمس سنوات، ثم إلى فيينا، وباريس، وإنجلترا، وهولندا، حيث كسب قوته من صنع اللوحات الشخصية، والصور بالباستل، وبالمينا، وبالمحفورات والصور على الزجاج. وقد رسم صورة أمينة غاية الأمانة لنفسه في شيخوخته (32) ظهر فيها أقرب من فولتير إلى القردة العليا.
أما في ميدان الأدب فلم توفق جنيف توفيقاً يذكر. ذلك أن الرقابة اليقظة على المطبوعات فنقت الطموح والأصالة الأدبيين. فحظرت الدراما باعتبارها مباءة للفضائح. وحين أخرج فولتير مسرحيته "زائير" أول مرة في 1755 في قاعة الاستقبال بفيللا دليس، تذمر رجال الدين، ولكنهم تسامحوا ي الجريمة باعتبارها عيباً خاصاً في ضيف كبير. ولكن حين نظم فولتير فرقة من الممثلين من شباب جنيف، وعرض سلسلة من التمثليات، طالب المجمع الكنسي (31 يوليو 1752) المجلس الكبير بتطبيق مراسيم 1732و1739 التي تحظر كل عروض للمسرحيات عامة كانت أو خاصة، وأمر الرعاة بمنع رعاياهم من "تمثيل أدوار في المآسي ببيت السيد فولتير. " وأعلن فولتير توبته، ولكنه أخرج المسرحيات في بيته الشتوي بلوزان. ولعله هو الذي أوعز لدالامبير بأن يضمن المقال المذكور الذي كتبه عن جنيف نداء لرفع الحظر:
ليس السبب استهجان جنيف للمسرحيات في ذاتها، بل لأنها (كما يقولون) تخشى الميل إلى التبرج، والانحلال، والإباحية التي تنشرها الفرق المسرحية بين الشباب، ومع ذلك، أليس في الإمكان علاج هذه المساوئ بقوانين صارمة مرعية التنفيذ؟
…
إن الأدب في هذه الحالة ينهض دون أن يزيد الرذيلة وستجمع جنيف بين حكمة إسبرطة وثقافة أثينا.
ولم يستجيب المجمع الكنسي لهذا النداء، ولكن جان جاك روسو رد عليه (كما سنرى) في خطابه المشهور"خطاب إلى مسيو دالامبير عن المسرحيات"(1758). وبعد أن اشترى فولتير إقطاعية فيرنيه تخطى الحظر ببناء مسرح في شاتلين، على أرض فرنسية ولكن بجوار حدود جنيف. هناك أخرج التمثيليات، واستقدم لحفلة الافتتاح أكبر ممثلي باريس، هنري لوي لوكان. وحظر رعاة جنيف حضور التمثليات، ولكن الحفلات وجدت إقبالا شديداً من الجماهير حتى أن قاع المسرح كان يغص بالنظارة قبل بدء البرنامج بساعات في هذه المناسبات، حين يكون مقرراً أن يظهر لوكان على المسرح. وكسب المقاتل العجوز آخر الأمر معركته، ففي 1766 أنهى المجلس الكبير حظر جنيف لتمثيليات.
4 - التاريخ الجديد
وصف شاهد عيان أداء لوكان دوره في مسرحية فولتير "سميراميس" ظهور لمؤلف في المسرح فقال:
كان فولتير جزءاً لا يستهان به في العرض، وهو جالس في صدر بنوار أول، في مواجهة جميع النظارة، يصفق كمن به مس، مبدياً استحسانه تارة بعصاه وتارة بعبارات الإعجاب "ليس في الإمكان أبدع مما كان! آه، رباه، ما كان أروع تمثيل هذا الجزء! "
…
وبلغ من عجزه عن السيطرة على حماسته أنه ما أن ترك لوكان خشبة المسرح
…
حتى جرى خلفه
…
ولا يمكن تصور مفارقة أدعى للضحك من هذه، فقد أشبه فولتير واحداً من شيوخ الكوميديا-بجواربه المطوية على ركبتيه، والزي الذي يرتديه-زي "أيام زمان الحلوة" وهو لا يتماسك فوق ساقيه المرتعشتين إلا بالتوكؤ على عصاه، وكل أمارات الشيخوخة مرتسمة على محياه، فخداه غائران متغضنان، وأنفه مستطيل، وعيناه أوشكتا أن ينطفئ بريقهما" (33).
وبين المسرحيات والسياسة، والزوار، وفلاحة حديقته، وجد متسعاً من الوقت ليكمل في فيللته"دليس" عملين كبيرين وينشرهما. وقد ساءت سمعة الأول لما قيل عن خروجه عن للياقة، أما الثاني فقد فتح عهداً جديداً في كتابة التاريخ.
كان يحتفظ بقصيدته"لابوسيل"منذ 1730 باعتبارها ترفيهاً أدبياً: ويبدو أنه لم يكن في نيته أن ينشرها، لأنها لم تكتف بالتهكم بعذراء أورليان (جان دارك) البطلة، بل هاجمت عقيدة الكنيسة الكاثوليكية، وجرائمها، وشعائرها، وأخبارها. وأضاف الأصدقاء والأعداء إلى مخطوطاتها المتداولة ينهم نتفاً فيها من البذاءة والمرح ما كان حتى فولتير ليكتبه. والآن، في 1755، بعد أن وجد الهدوء والسلام في جنيف، ظهرت في بازل طبعة مسروقة من القصيدة. فحرمها البابا، وأحرقها برلمان باريس، وصادرتها شرطة جنيف، وزج بناشر باريسي في سفينة الأسرى والعبيد لأنه أعاد إصدارها في 1757. وقد أنكر فولتير أنه كاتبها، وأرسل إلى ريشليو، ومدام بومبادور، وبعض موظفي الحكومة، نسخاً من نص مهذب نسبياً، وفي 1762 نشر هذا النص،
فلم يناكده أحد بسببه. وحاول أن يكفر عن إساءته لجان دارك بتصويرها صورة أكثر إنصافاً وجداً في كتابه "مقال عن الأعراف"(34).
وقد قصد بهذا المقال أن يكون رائعته الكبرى، وكان أيضاً-بمعنى من المعاني-أثراً يخلد العشيقة التي استعاد ذكراها. ذلك أنه تقبل الاحتقار الذي صبته مدام دشاتليه على من عرفت من مؤرخين محدثين على أنه تحد له: قالت "ماذا يهمني، أنا المرأة الفرنسية التي تسكن ضيعتها هذه أن أعرف أن إيجل خلف هاكون على عرش السويد، وأن عثمان كان ابن أرطغرل؟ إنني قرأت بلذة تاريخ اليونان والرومان، ولقد قدموا لي صوراً رائعة اجتذبتني، ولكني لم أستطع إلى الآن أن أكمل قراءة أي تاريخ مطول لأممنا الحديثة. ولا أكاد أرى في هذه التواريخ شيئاً غير الخلط والتشويش: فهي حشد من الأحداث الصغيرة التي لا ترابط بينها ولا تسلسل، وألف معركة لم تحسم شيئاً. لقد زهدت في دراسة تغرق العقل دون أن تنيره (35).
ووافقها فولتير على هذا الرأي، ولنه كان يعرف أن هذا ليس إلا التاريخ "كما يكتب". ولقد أسف على مسخ الأهواء الحاضرة للماضي، ففي هذا المعنى "ليس التاريخ إلا مجموعة حيل ندخلها على الموتى
(1)
(36) ومع ذلك فإن إغفال التاريخ معناه أن تكرر إلي مالا نهاية أخطاءه، ومذابحه، وجرائمه. وهناك ثلاثة مسالك تفضي إلى هذا المنظور الفسيح السمح الذي يسمى الفلسفة: أولها دراسة البشر في الحياة عن طريق التجربة، الثاني دراسة الأشياء في المكان عن طريق العلم، الثالث دراسة الأحداث في الزمان عن طريق التاريخ. وحاول فولتير أن يسلك المسلك الثاني بدراسة نيوتن؛ ثم اتجه الآن إلى الثالث. ومنذ عام 1738 وضع هذا المبدأ الجديد "يجب أن يكتب المرء التاريخ مفلسفاً (38). وعليه فقد عرض على المركيزة ما يلي:
لو أنك تخيرت من بين هذا القدر الوافر من المادة الغفل التي لم تتشكل ما تبنين به صرحاً لاستعمالك الخاص، ولو أنك رغم إسقاطك كل تفاصيل الحروب
…
وكل المفاوضات التافهة التي لم تكن سوى ألوان من الخبث
(1)
الظاهر أن فنيلون، لا فولتير، هو القائل إن "التاريخ ليس إلا خرافة متفقا عليها"(37). ولكن الاتفاق ليس واضحاً.
واللؤم لا غناء فيها
…
ولو أنك رغم احتفاظك بتلك التفاصيل التي تصور العادات، استطعت أن تؤلفي من تلك الفوضى صورة عامة واضحة المعالم؛ ولو أنك اكتشفت في الأحداث "تاريخ العقل البشري" أفتعتقدين عندها أنك ضيعت وقتك هباء؟ " (39).
وظل عاكفاً على مشروعه هذا على مراحل متقطعة مدى عشرين عاماً يقرأ بنهم، ويسجل المراجع، ويجمع الملاحظات، حتى إذا جاء عام 1739، وضع لمدام شاتليه "مجملا للتاريخ العام"؛ وفي 1745 - 46 طبعت أجزاء منه في صحيفة "لامركير دفرانس". وفي 1750 أصدر "تاريخ الحروب الصليبية"؛ وفي 1753، في لاهاي، ظهر "المجمل" في مجلدين، وفي 1754 في ثلاثة، وأخيراً نشر النص الكامل بجنيف في 1756 في سبعة مجلدات بعنوان "مقال في التاريخ العام"، وكان يشمل "عصر لويس الرابع عشر" وبعض فصول تمهيدية عن الحضارات الشرقية. وفي 1762 أضاف "خلاصة لعصر لويس الرابع عشر" وثبتت طبعة 1796 العنوان النهائي للكتاب كالآتي:"مقال في أعراف الأمم وروحها منذ شرلمان حتى أيامنا هذه "وكلمة الأعراف moeurs لم تكن العادات والأخلاق فحسب، بل التقاليد والأفكار والمعتقدات والقوانين. ولم يغط فولتير دائماً كل هذه المواضيع، ولا دون تاريخ الثقافة، أو العلم، أو الفلسفة، أو الفن؛ ولكن كتابه كان مجموعة تناولا جزيئاً لتاريخ الحضارة من أقدم العصور حتى زمانه. والأجزاء التي عالجت تاريخ المشرق مقدمات موجزة، أما القصة الأكمل فتبدأ بشرلمان، حيث توقف كتاب بوسويه "حديث في التاريخ العالمي"(1679). كتب فولتير يقول "أريد أن أعرف ما هي الخطوات التي انتقل بها البشر من الهمجية إلى المدينة"-وهو يعنى الانتقال من العصور الوسطى إلى الأزمنة الحديثة" (40).
وقد أثنى على بوسويه لمحاولته كتابة "تاريخ عالمي". ولكنه اعترض على تصور هذا التاريخ تاريخاً لليهود والمسيحيين، ولليونان والرومان
في علاقاتهم بالمسيحية على الأخص. وهاجم إهمال الأسقف بوسويه للصين والهند، وفكرته عن العرب، أنهم مجرد زنادقة همج. وأقر بالجهد الفلسفي الذي بذله سلفه في البحث عن موضوع موحد أو عملية رابطة في التاريخ، ولكنه لم يستطيع موافقته على أن التاريخ يمكن تفسيره تدبيراً تسيره العناية الإلهية، أو برؤية يد الله في كل حدث كبير. فلقد رأى التاريخ -بدلا من هذا- المسيرة البطيئة المترددة التي خطا بها الإنسان، بفضل الأسباب الطبيعية والجهد البشري، من الجهل إلى المعرفة، ومن المعجزات إلى العلم، ومن الخرافة إلى العقل. ولم يستطيع رؤية أي خطة إلهية في دوامة الأحداث. وقد جعل من الدين المنظم شخصية "الشرير" في قصته، ربما انتفاضاً على بوسويه لأنه بدا له على العموم حليفاً للظلامية، ميالاً إلى الطغيان، مثيراً للحرب. وهكذا دفع فولتير حرصه على استنكار التعصب والاضطهاد إلى الغلو في تحميل قصته من جانب، غلو بوسويه في تحميلها من الجانب الآخر.
وفي منظوره العالمي الجديد الذي أتاحه له تقدم الجغرافيا بفضل تقارير الرواد، والمبعوثين الدينيين، والتجار، والرحالة، اتخذت أوربا مكاناً أكثر تواضعاً في لوحة التاريخ الواسعة. فقد أعجب فولتير بتلك "المجموعة من لمشاهدات الفلكية التي تجمعت خلال ألف وتسعمائة سنة متعاقبة في بابل، والتي نقلها الاسكندر إلى اليونان"(41) وخلص إلى أنه لا بد أن دجلة والفرات قد غنيا بحضارة راقية، لا تظفر عادة بأكثر من جملة أو جملتين في تواريخ كتاريخ بروسويه. وتأثر أكثر بعراقة الحضارة في الصين وانتشارها وتفوقها؛ ومع ذلك فإن هذه الأمة وأمة الهند، أقدم الدول الحية
…
اللتين اخترعتا كل الآداب والفنون تقريباً قبل أن نعرف واحداً منها، كان نصيبها الإغفال حتى يومنا هذا في تواريخنا التي نزعم أنها عالمية. " (42) وقد طاب لهذا المقاتل عدو المسيحية أن يجد ويقدم للقراء الكثير من الحضارات العظيمة التي سبقت المسيحية بزمن طويل، والتي لم يكن لها أي علم بالكتاب المقدس، ومع ذلك أنجبت الفنانين، والشعراء، والحكماء، والقديسين،
قبل مولد المسيح بأجيال كثيرة. وقد أبهج عدو السامية المرابي، الحانق، أن يختزل كثيراً ذلك الذي قامت به يهوذا في التاريخ.
على أنه بذل بعض الجهود لينصف المسيحيين. فليس كل البابوات في صفحاته أشراراً، ولا كل الرهبان طفيليين. ولم يضن على رجل كالبابا إسكندر الثالث بكلمة طيبة، فقد "ألغى العبودية الإقطاعية
…
ورد حقوق الشعب، وعاقب لؤم الرؤوس المتوجة" (43). وأعجب بالشجاعة الهائلة "التي اتصف بها بوليوس الثاني، وعظمة آرائه" (44) وتعاطف مع الجهود البابوية لإقامة سلطة أخلاقية تكبح حروب الدول ومظالم الملوك. واعترف بأن أساقفة الكنيسة، بعد سقوط الدول الرومانية الغربية، كانوا أكفأ الحكام في ذلك العصر الذي كان يضم أوصاله بعدما أصابها من تفكك. ثم:
"في تلك العصور الهمجية، والناس غية في البؤس، كان من التعزيات الكبرى أن يجد المرء في الديورة ملاذاً آمناً من الظلم والطغيان (45) .... ولا نكران في أن الدير كان يضم فضائل عظمى، فلم يكد يوجد دير لم يحو أفراداً جديرين بالإعجاب يشرفون الطبيعة البشرية. وقد طاب للكثيرين جداً من الكتاب أن ينبشوا عن المفاسد والرذائل التي لوثت أحياناً بيوت التقوى والصلاح هذه"(46).
ولكن فولتير، الذي تورط مع الموسوعيين المتحفزين للمعركة في حرب مع الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، أكد بوجه عام على أخطاء المسيحية في التاريخ، وهون من اضطهاد روما للمسيحيين، وسبق جيبون إلى اعتبار هذا الاضطهاد أقل تكراراً من اضطهاد الكنيسة للمهرطقين. ثم سبق جيبون أيضاً إلى القول بأن الدين الجديد أضعف الدولة الرومانية. وذهب إلى أن القساوسة اغتصبوا السلطان ببث التعاليم السخيفة بين الجهال والسذج، وباستعمال قوة الطقوس المنومة لإماتة العقل وتقوية هذه الأوهام. ورمى البابوات بأنهم بسطوا نفوذهم وجمعوا الثروات باستعمال وثائق مثل "هبة قسطنطين" التي يسلم الناس عموماً الآن بأنها زائفة وصرح بأن محكمة التفتيش الإسبانية، ومذبحة الأليجنس المهرطقين، هما أحط ما وعى التاريخ من أحداث.
وبدت له العصور الوسطى في العلم المسيحي فاصلا مقفراً بين جوليان ورابليه، ولكنه كان من أول من اعترفوا بدين الفكر الأوربي لعلم العرب وطبهم وفلسفتهم. وأشاد بلويس التاسع مثلا أعلى للملك المسيحي، ولكنه لم ير نبلاً في شرلمان، ولا فهماً في الفلسفة المدرسة (الكلامية)، ولا عظمة في الكاتدرائيات القوطية التي أنكرها لأنها "خليط غريب من الجلافة والتخريم" ولم يكن متوقعاً من روحه المطاردة أن تقدر دور العقيدة والكهانة المسيحيتين في تشكيل الخلق والفضائل وحفظ النظام والسلام في المجتمعات، وتشجيع كل الآداب والفنون تقريباً، وإلهام الموسيقى الرائعة، وتجميل حياة الفقراء بالمراسيم والأعياد والتراتيل والأمل. ولا عجب، فلقد كان إنساناً يخوض حرباً، ولا يستطيع إنسان أن يقاتل ما لم يتعلم الكراهية. والغالب وحده هو الذي يستطيع تقدير عدوه حق قدره.
أكان مصيباً في وقائعه؟ عموماً، ولكنه ارتكب أخطاء بالطبع، وقد نشر الأبيه نونوت مجلدين بعنوان "أغلاط فولتير"، وأضاف بعضاً من أغلاطه هو (47). ولكن روبرتسن، وهو مؤرخ كبير، أعجب بدقة فولتير عموماً في هذا الميدان الشاسع (48). ولما كان فولتير يغطي هذه المواضيع الكثيرة في هذه الأقطار الكثيرة خلال قرون كثيرة، فهو لم يدع أنه تقيد بالوثائق الأصلية أو المصادر المعاصرة، ولكنه استعمل مراجعه الثانوية بتمييز ووزن حكيم للشواهد. ورسم لنفسه قاعدة هي التشكك في أي شهادة تناقص "الحسن المشترك" أو الخبرة العامة للنوع الإنساني. ولا ريب في أنه كان معترفاً في أيامنا هذه بأن غرائب عصر ما قد تقبل في العصر الذي يليه على أنها أمور عادية، ولكنه وضع هذا المبدأ الهادئ، وهو "أن عدم التصديق هو الأساس لكل أنواع المعرفة"(49). وهكذا سبق بارتولد نيبور في رفضه الفصول الأولى لليفي لأنها من قبيل الأساطير، وسخر من قصة رومولوس، وريموس، والذئبة التي كانت لهما الأم الرؤم، وسخف مزاعم ليفي، واتهم تاسيتوس بالمبالغات الانتقامية في وصفه لرذائل طبباريوس، وكلوديوس، ونيرون، وكاليجولا؛ وارتاب في هيرودوت وسوتنيوس لأنهما مروجان للشائعات والأقاويل، وذهب إلى أن في بلوتارخ من الولع بالنوادر ما لا يجعله موضع الثقة الكاملة، ولكنه قبل تيوسبديدس، وزينوفون،
ويوليبيوس، مؤرخين جديرين بالثقة. وتشكك في الأخبار التي كتبها الرهبان، ولكنه أثنى على دوكانج ونللمون "المدقق" ومابيون "العميق" ورفض أن يواصل التقليد القديم، تقليد الخطب الخيالية، أو التقليد الحديث، تقليد "اللوحات"التاريخية. وأنزل مكان الفرد في المجرى العام للأفكار والأحداث، وكان الأبطال الوحيدون الذين عبدهم هم أبطال العقل.
وقد ألمع فولتير في "المقال" وفي غيره إلى فلسفته في التاريخ دون أن يصوغها. وكتب "فلسفة للتاريخ" وقدم بها لطبعة من "المقال" في 1765. وكان ينفر من "مذاهب" الفكر، ومن كل المحاولات لاختزال الكون في صيغة أو قانون، ويعرف أن الحقائق أقسمت أن تكون خصماً أبدياً للتعليمات. ولعله أحس أن أي فلسفة للتاريخ ينبغي أن تلي سرد الأحداث وتنبع منه، لا أن تسبقه وتقرره. على أن استنتاجات عريضة انبعثت من روايته للتاريخ: فالحضارة سبقت "آدم" و"الخليقة" بآلاف السنين؛ والطبقة البشرية في جوهرها واحد في كل زمان ومكان، ولكن شتى العادات والتقاليد عدلتها تعديلا منوعاً، وأن المناخ والحكومة، والذين، هي العوامل الأساسية التي تقرر هذه الاختلافات، وأن دولة العادات والتقاليد أوسع كثيراً من دولة الطبيعة" (50) والاتفاق والمصادفة (في نطاق السلطات الشامل للقوانين لطبيعة (يلعبان دوراً هاماً في توليد الأحداث، والتاريخ لا تصنعه عبقرية الأفراد بقدر ما تصنعه الأفعال الغريزية التي تؤثر بها الجماهير البشرية في بيئتها؛ وهكذا تنتج، جزءاً فجزءاً، العادات، والأخلاق، والاقتصاديات، والقوانين، والعلوم، والفنون والآداب التي تصغ حضارة وتبعث روح العصر. "إن هدفي الرئيسي هو دائماً ملاحظة روح العصر، لأنه هو الذي يوجه أحداث العالم الكبرى" (51).
والتاريخ في جملته، كما فولتير في "تلخيصه"، قصة مرة محزنة (كما يكتب عموماً).
"لقد اجتزت الآن المشهد الضخم للثورات التي عرفها العالم منذ عهد شارلمان؛ فإلام كان اتجاهها؟ إلى الخراب، وخسارة ملايين الأنفس! فكل حدث كبير كان نكبة كبرى. ولم يحفظ لنا التاريخ وصفاً لعصور السلم
والطمأنينة؛ فهو لا يروي غير الغارات المدمرة والكوارث
…
والتاريخ كله بإجاز، ليس إلا سلسلة طويلة من أعمال القسوة العقيمة
…
مجموعة من الجرائم، والحماقات، والنكبات، التقينا وسطها بين الحين والحين ببعض الفضائل، وبعض الأوقات السعيدة، أننا حين نرى أحياناً أكواخاً مبعثرة في صحراء مقفرة
…
وبما أن الطبيعة ألقت في قلب الإنسان الأنانية والكبرياء وجميع الأهواء، فلا عجب إذن
…
أن نلتقي بسلسلة من الجرائم والكوارث لا تكاد تنقطع" (52).
وهذه صورة مقبضة جداً وكأن صاحبها رسمها فيما بين أيامه النكدة في برلين، أو وسط ضروب الإهانة والقهر التي لقيها فرنكفورت. ولعل الصورة كانت تصبح أكثر إشراقاً لو أن فولتير أنفق صفحات أكثر على رواية تاريخ الأدب، والعلم، والفلسفة، والفن. أما والصورة قائمة إلى هذا الحد، فإنا نتساءل: ما باله قد جشم نفسه كل هذه المشقة ليرسمها بهذا الإسهاب الشديد؟ ولعله كان يجيب: لكي يصدم القارئ حتى يتنبه ضميره وفكره، ويهز الحكومات حتى تعيد صياغة التعليم والتشريع لتكون ناساً أفضل. صحيح أننا لا نستطيع أن نغير الطبيعة البشرية، ولكنا نستطيع أن نعدل تصرفاتها بتقاليد وعادات أصح وشرائع أحكم. وإذا كانت الأفكار قد غيرت العالم، فلم لا تصنع الأفكار الأفضل عالماً أفضل؟ وهكذا خفف فولتير في النهاية من تشاؤمه بالأمل في نشر التعقل عاملا صابراً من عوامل النهوض بالبشر.
وسرعان ما نقد الناقدون ما في "مقال الأعراف"؛ من عيوب. فلم يقتصر الأمر على نونوت، بل إن لارشير، وجينيه، وكثيرين غيرهم نددوا بأخطاء الحقائق التي وردت فيه، ولم يعسر على اليسوعيين كشف التحامل لذي شوهه. واتفق معهم مونتسكيو في الناحية فقال "إن فولتير يشبه الرهبان الذين لا يكتبون من أجل الموضوع الذي يعالجونه، بل لمجد طائفتهم؛ إنه يكتب من أجل ديره. "(53) ورد فولتير على نقاده بأنه أكد على أخطاء المسيحية لأن غيره ما زالوا يدافعون عنها؛ ثم استشهد
بأقوال مؤلفين معاصرين امتدحوا الحروب التي شنت على الالبيجنس، وإعدام هس، بل مذبحة القديس برتلميو، فالعالم يحتاج ولا ريب إلى التاريخ يدمغ هذه الأفعال بالإجرام ضد الإنسانية والفضيلة (54). -وربما أخطأ فولتير في فهم وظيفة المؤرخ رغم كل فكرته المنيرة عن الكيفية التي ينبغي أن يكتب بها التاريخ، فلقد جلس في مجلس القضاء يحاكم كل شخص وكل حادث، ويصدر الأحكام كأنه "لجنة أمن عام" التزمت بحماية الثورة الفكرية ودفعها قدماً. وقد حكم الناس لا بلغة زمانهم الفاسد ومعرفتهم المحدودة، بل في ضؤ المعرفة الأوسع التي توافرت منذ أن ماتوا. وقد ألف فولتير "المقال" في أوقات متفرقة على مدى عشرين عاماً، وسط الكثير من المغامرات والشدائد التي شتتت انتباهه، لذلك افتقر هذا الكتاب إلى اتصال الرواية ووحدة الشكل، ولم يدمج أجزاءه تماماً في كل متماسك.
ولكن محاسن الكتاب لا تحصى. فرقعة معرفته هائلة، وهي شهادة ما بذله فيه مؤلفه من البحث الجاد المثابر. وأسلوبه المشرق، الذي أثقلته الفلسفة وخففته الفكاهة، رفعه إلى مرتبة دونها مرتبة أكثر كتب التاريخ فيما بين كاسيتوس وجيبون. وقد لطفت روحه الهامة من تحيزه، وما زال الكتاب ينبض بمحبة الحرية، والتسامح، والعدالة، والعقل. في هذا أيضاً أصبحت كتابة التاريخ فناً، بعد الكثير جداً من كتب الأخبار التي اتسمت بالغفلة وافتقرت إلى الحياة. وفي جيل واحد أحال ثلاثة كتب تاريخ أخر أحداث الماضي أدباً وفلسفة:"تاريخ إنجلترا" لهيوم، و"تاريخ حكم الإمبراطور شارل الخامس" لروبرتسن، و "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" لجيبون-وكلها مدينة لروح فولتير، ومن بعض الوجوه للمثال الذي ضربه. وقد نوه ميشليه بالكتاب فقال في عرفان بالجميل أنه. "التاريخ" الذي صنع فن كتابة التاريخ كله، والذي أنجبنا كلنا، نقاداً ورواة على السواء (55). وليت شعري ما الذي نفعله نحن هنا إلا السير على درب فولتير؟
عندما وضعت حرب السنين السبع فرنسا في صف أعداء فردريك، انبعث حب فولتير الكامل لوطنه من جديد، ربما ممزوجاً بذكريات قديمة
فرانكفورت وارتياب جديد في جنيف. فبعد دالامبير، وتراجع أكليروس جنيف عن الآراء الجريئة التي ربطهم بها المقال، أحس فولتير بأن الخطر عليه في سويسرا لا يقل عنه في فرنسا. فمتى يستطيع العودة إلى وطنه؟
وحالفه الحظ هذه المرة. ذلك أن الدوق دشوازيل الذي أمتعته قراءة كتب هذا الطريد المنفي عن بلده تقلد وزارة الخارجية في 1758، وبلغت مدام دبومبادور ذروة نفوذها رغم اضمحلال جسدها، وكانت قد عفت عن حماقات فولتير؛ واستطاعت الحكومة الفرنسية الآن، والملك يلهو وسط حريمه، أن تغض عن عودة الزنديق الرهيب إلى فرنسا. ففي أكتوبر 1758، انتقل ثلاث أميال ونصفاً خارج سويسرة، وأصبح سيد فيرنيه. وكان في الرابعة والستين، لم يزل قريباً من الموت كما قال من قبل، ولكنه اختصم أقوى دوله في أوربا في أخطر صراعات القرن.
الكتاب الرابع
تقدم العلم
1751 -
79
الفصل الخامس عشر
الأدباء
1 - البيئة الفكرية
تعطل نمو المعرفة نتيجة للجمود، والخرافة، والاضطهاد، والرقابة، وهيمنة الكنيسة على التعليم. حقيقة أن هذه المعوقات ضعفت عن ذي قبل، ولكنها ظلت أقوى كثيراً منها في حضارة صناعية يضطر فيها الناس، بسبب تنافس الأفراد، والجماعات، والأمم، إلى البحث عن أفكار وأساليب جديدة، عن وسائط جديدة لغايات قديمة. وكان أكثر الناس في القرن الثامن عشر يتحركون في بيئة بطيئة التغيّر، تكفي الاستجابات والأفكار التقليدية عادة لسد حاجات الحياة فيها. فإذا لم تسمح المواقف والأحداث الجديدة بالتفسيرات الطبيعية دون عناء، عزتها عقول العوام لأسباب خارقة ثم أخلدت إلى الراحة.
وبقيت مئات الخرافات جنباً إلى جنب مع الاستنارة المطردة. مثال ذلك أن نساء الطبقة العليا كن يرتعن إذا كانت طوالعهن نحوساً؟، أو يؤمن بأن في الإمكان إحياء طفل غريق إذا أضاءت امرأة فقيرة شمعة وعومتها في فنجان لتشعل النار في كوبري على السين. وقد وعدت أميرة كونتي الأبيه لورو بجاشية فخمة إذا عثر لها على حجر القلاسفة. واحتفظت جولي دلبسيناس بإيمانها بالأيام السعيدة والمشئومة رغم أنها عاشرت العالم الشاك دالامبير عدة سنين.
وكان قارئوا البخت يعيشون على صيت شفافيتهم؛ من ذلك أن مدام دبومبادور، والابيه دبيرنيس، والدوق دشوازيل كانوا يستشيرون خفية مدام بونتان، التي تقرأ لهم البخت في تفل القهوة (1). ويقول مونتسكيو أن باريس تعج بالسحرة وغيرهم من الدجالين الذين يكفلون للناس التوفيق في دنياهم أو التمتع بشباب دائم. وقد أقنع الكونت سان جرمان لويس الخامس عشر أن في الإمكان إصلاح ماليات فرنسا التي فسدت بوسائل خفية لصنع الماس والذهب (2) وكان الدوق دريشليو يتسلى بالسحر والشعوذة-مستعيناً بالشيطان. أما أمير انهالت دساو العجوز، الذي كسب معارك كثيرة لبروسيا، وكفر بالله، فكان إذا التقى بثلاث عجائز في طريقة إلى الصيد قفل إلى بيته، لأن "اليوم نحس"(3). وكان آلاف الناس يحملون التمائم أو الطلاسم اتقاء الشرور. واستعملت مئات الوصفات السحرية علاجات طبية شعبية. واعتقد الناس أن في قدرة المخلفات الدينية أن تشفي كل عليل تقريباً، وكانوا يجدون مخلفات أو ذخائر القديسين في أي مكان-فقطعه من ثوبه في ترييه، وعباءته في تورين ولاون، ومسمار من مسامير الصليب الحقيقي في دير سان-دنيس. وقد تدعمت قضية المطالبين الإستيواريين بالعرش في إنجلترا بفضل فكرة آمن بها أكثر الناس، وهي أن في استطاعتهم شفاء الداء الخنازيري بلمسة منهم - وهي قوة حرم منها الملوك الهانوفريون لأنهم "غاصبون" لم يتباركوا بحق الملوك الإلهي. وكان أكثر الفلاحين على يقين من أنهم سعوا العفاريت أو الجنيات في الغابات. ومع أن الاعتقاد بوجود العفاريت كان في اضمحلال، فإن دوم أوجستن كالميه، البندكتي المثقف، كتب تاريخاً لمصاصي الدماء Vampires- وهي جثث تترك قبورها في الليل لتمتص دم الأحياء؛ وقد نشر هذا الكتاب بموافقة السوربون (4).
واختفت في هذا القرن شر الخرافات قاطبة، وهي الإيمان بالسحر، اللهم إلا بعض بقاياه المحلية. ففي 1736 اتخذ "أحبار الكنائس المسيحية المتحدة" الاسكتلندية قراراً يؤكد من جديد إيمانهم بالسحر (5)، وفي 1765 (وهو تاريخ متأخر) كتب أشهر الفقهاء الإنجليز، السر وليم
بلاكستون في "تعليقاته" يقول: "إن إنكار إمكان السحر والمعرفة، لا بل وجودهما الفعلي، إنما هو تكذيب صريح لكلمة الله، فالشيء وذاته حقيقة شهدتها كل أمة في العالم بدورها". ولكن القانون الإنجليزي الذي جعل من السحر جناية كبرى ألغى في 1736 رغم بلاكستون والكتاب المقدس. ولم يرد ذكر لأي حكم بالإعدام عقاباً على تهمة السحر لا في فرنسا بعد 1718، ولا في إسكتلندة بعد 1722؛ وحكم الإعدام الذي نفذ في سويسرا عام 1782 هو آخر ما ورد من أحكام إعدام في القارة الأوربية (6). وكان لازدياد الثروة، وتكاثر المدن، وانتشار التعليم، وتجارب العلماء، ونداءات الأدباء والفلاسفة - كان لهذا أثره في الحد شيئاً فشيئاً من دور الشياطين والعفاريت في حياة الناس وتفكيرهم، ورفض القضاة الاستماع إلى تهم العرافة، متحدين في ذلك التعصب الجماهيري. وبدأت أوربا تنسى أنها ضحت بمائة ألف رجل، وامرأة، وفتاة، على مذبح خرافة واحدة فقط من خرافاتها الكثيرة (7).
وظل اضطهاد الكنيسة والدولة، والكاثوليك والبروتستنت، للمنشقين والخوارج يرهب الناس بأهواله ليحجب عن عقولهم أي أفكار قد تمس لمعتقدات الراسخة أو تزعج السلطات المقررة. وقد زعمت الكنيسة الكاثوليكية أن مؤسسها هو ابن الله، فهي إذن مستودع الحق الإلهي، والمفسر لشرعي الوحيد له، ولها إذن حق قمع الهرطقة. وقد انتهت إلى أنه لا خلاص لإنسان من الهلاك الأبدي خارج الكنيسة. ألم يقل المسيح "من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن"؟ (8) ومن ثم فإن مجمع اللاتران المسكوني الرابع، المنعقد في 1215، جعل النص الآتي جزءاً من العقيدة النهائية التي يلزم بها كل كاثوليكي "هناك كنيسة جامعة واحدة للمؤمنين، لا خلاص خارجها لأحد على الإطلاق"
(1)
(1)
أكد البابا بيوس التاسع هذه العقيدة من جديد في منشوره الذي أصدره في 10 أغسطس 1863، "أن العقيدة الكاثوليكية معروفة جيدا، وهي أنه لا يستطيع أحد أن يخلص بعيدا عن الكنيسة الكاثوليكية (الموسوعة الكاثوليكية، 3 - 753 ب).
وقد قبل لويس الخامس عشر هذه العقيدة باعتبارها منطقياً مستقاة من نصوص الكتاب المقدس، نافعة في تشكيل عقل قومي موحد. وفي 1732 كانت ممارسة العبادة البروتستنتية علانية في فرنسا محرمة، وإلا كان التعذيب، أو التشغيل في مراكب الأسرى، أو الموت، عقاباً للمخالفين (9). على أن الأهالي الكاثوليك كانوا أكثر تسامحاً من قادتهم، فأنكروا هذه العقوبات الوحشية، واشتد التراخي في تطبيق المرسوم حتى جرؤ هيجونوت فرنسا في 1744 على عقد مجمع قومي لهم على أن السوربون، كلية اللاهوت في جامعة باريس، أكدت من جديد في 1767 الدعوى القديمة، "أن الملك تلقى السيف الزمني ليقمع به مذاهب المادية، والإلحاد، والربوبية، تمزق روابط المجتمع وتحرض على لجريمة؛ وليسحق أيضاً كل تعليم يهدد بزعزعة أسس الإيمان الكاثوليكي. "(10) وقد طبقت هذه السياسة بصرامة في أسبانيا والبرتغال؛ وفي إيطاليا طبقت تطبيقاً أكثر ليناً، وفي روسيا اشترطت الكنيسة الأرثوذكسية إجماعاً مماثلا.
ووافق الكثير من الدول البروتستنتية الكاثوليك على ضرورة الاضطهاد. ففي الدنمرك والسويد طالبت القوانين بالتزام المذهب اللوثري، ولكن غير اللوثريين من البروتستنت، بل الكاثوليك أيضاً، كانوا من الناحية العلمية في مأمن من الاضطهاد، وإن ظلوا محرومين من حق شغل مناصب الدولة. وفي سويسرا كانت كل مقاطعة حرة في اختيار مذهبها وفرضه على أهلها. وفي ألمانيا كانت القاعدة التي تقضي بأن يتبع الناس دين أميرهم تغفل باطراد.
وفي الأقاليم المتحدة رفض رجال الدين البروتستنت التسامح باعتباره محرضاً على اللامبالاة الدينية، ولكن العلمانيين رفضوا الاقتداء برجال الدين في هذا الأمر، فأصبحت هولندا بفضل تحريرها النسبي من الاضطهاد ملاذاً للأفكار والمطبوعات غير التقليدية. وفي إنجلترا سمحت القوانين بالانشقاق الديني، ولكنها تعقبت المنشقين بالقيود الاجتماعية والسياسية. وقد صرح صموئيل جونسن في 1763 بأن "التعليم الباطل ينبغي قمعه بمجرد ظهوره؛ وينبغي أن تتكالف السلطة المدنية مع الكنيسة في عقاب من يجرؤن على مهاجمة الدين المقرر"(11). وأحرقت الحكومة الإنجليزية ين الحين والحين الكتب، أو وضعت في المشهرة مؤلفيها الذين تشككوا في أسس الإيمان المسيحي؛ مثال ذلك أن وولستن غرم وحبس في 1730، وفي 1762 حكم على بيتر آرنت بوضعه في المشهرة، ثم بالسجن سنة مع الأشغال الشاقة، بسبب تهجمه على المسيحية. وكانت القوانين التي شرعت ضد الكاثوليك تطبق في إنجلترا تطبيقاً غير دقيق، ولكنها نفذت بصرامة في إيرلندة، إلى أن رفض اللورد تشسترفيلد تطبيقها حين تولى حكم الإقليم في 1745؛ وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ألغي بعض اللوائح الصارمة. ويمكن القول بصفة عامة أن نظرية الاضطهاد كان يؤمن بها رجال الدين الكاثوليك والبروتستنت حتى سنة 1789، إلا حيث كان الكاثوليك أو البروتستنت أقلية، ولكن ممارسة الاضطهاد تضاءلت بظهور رأى عام جديد مع تطور الارتياب الديني. وانتقلت غريزة الاضطهاد من الدين إلى السياسة بحلول الدولة محل الكنيسة حارساً على الإجماع والنظام وهدفاً للانشقاق المبتدع.
أما الرقابة على الكلام والمطبوعات فكانت في الدول البروتستنتية بصفة عامة منها في الدول الكاثوليكية، وكانت أهون ما تكون في هولندا وإنجلترا. وكانت صارمة في أكثر المقاطعات السويسرية. وقد أحرق آباء المدينة في جنيف بعض الكتب الخارجة على السنة، ولكن ندر أن اتخذوا إجراء ضد مؤلفيها. وفي ألمانيا تعطلت الرقابة لتعدد الولايات التي كان لكل منها عقيدته الرسمية الخاصة؛ وكان في استطاعة الكاتب أن ينتقل عبر الحدود
من بيئة معادية إلى بيئة صديقة أو محايدة. وفي بروسيا ألغي فردريك الأكبر الرقابة عملياً، ولكن خلفه أعادها في 1786. أما الدنمرك فإنها احتفظت بالرقابة على الكتب حتى عام 1749 باستثناء فاصل قصير في عهد شتروينزي. وأما السويد فقد حظرت نشر المواد التي انتقدت اللوثرية أو الحكومة، وفي 1764 أصدرت جامعة أوبسالا قائمة بالكتب المحرمة؛ ولكن في 1766 قررت السويد الحرية الكاملة للمطبوعات.
كانت الرقابة في فرنسا قد اتسعت من سابقة إلى سابقة منذ عهد فرنسوا الأول، ثم جددت بمسوم صدر في 1723 ينص على "ألا يطبع ناشرون أو غيرهم، أو يعيدوا طبع، أي كتب في أي مكان في المملكة، دون الحصول سلفاً على إذن بخطابات مختومة بالخاتم الكبير". وكان هناك ستة وسبعون رقيباً سمياً في 1741، بطلب إلى الرقيب منهم قبل أن يمنح الكتاب "إذن الملك وامتيازه" أن يشهد بأن الكتاب لا يحوي شيئاً ضد الدين، أو النظام العام، أو الخلق القويم. ويجوز لبرلمان باريس أو السوربون أن يشجبا الكتاب حتى بعد نشره بإذن الطبع الملكي. وفي النصف الأول من القرن الثامن عشر لم تطبق الرقابة الملكية إلا تطبيقاً هيناً، فظهرت آلاف الكتب دون إذن ودون أن يمسها سؤ، وفي كثير من الحالات لا سيما حين مالزبرب رئاسة الرقابة (1750 - 63) كان المؤلف يحصل على "إذن ضمني"- وهو تعهد غير رسمي بأن الكتاب المراد نشره يصرح بطبعه دون خوف من محاكمة. فإذا صدر كتاب لم تصرح الحكومة بنشره جاز أن يحرقه جلاد الدولة بينما يظل المؤلف حراً طليقاً، فإذا زج به في الباستيل لم يسجن غير سجن قصير كريم (12).
على أن هذه الحقبة من التسامح النسبي انتهت بمحاولة داميان اغتيال لويس الخامس عشر (5 يناير 1757). ففي أبريل قضي مرسوم وحشي بالموت على "جميع من يدانون بكتابة أو طبع أي مؤلفات قصد بها التهجم على الدين أو العدوان على السلطة الملكية أو تكدير نظام المملكة وهدوئها". وفي 1764 حرم مرسوم آخر نشر الكتب التي تتناول مالية الدولة. وأخضعت الكتب، والنشرات، وحتى مقدمات المسرحيات، لأكثر ضروب الفحص
والإشراف تفصيلاً. وفرضت أحكام تتفاوت بين الوضع في المشهرة والجلد، وبين التشغيل تسع سنين في سفن الأسرى والعبيد عقاباً على شراء أو بيع نسخ من قصيدة فولتير "لابوسيل" أو "قاموسه الفلسفي". وفي 1762 كتب دالامبير إلى فولتير يقول: "إنك لا تتصور مبلغ الهياج الذي بلغته محكمة التفتيش (في فرنسا). فإن مفتشي الفكر
…
يحذفون من جميع الكتب ألفاظاً مثل "الخرافة" و"التسامح" و "الاضطهاد"(13). واشتدت الكراهية في طرفي الصراع بين الدين والفلسفة؛ وما بدأ حملة على الخرافة تصاعد حتى أصبح حرباً على المسيحية. وقد نشبت الثورة في فرنسا، لا في إنجلترا القرن الثامن عشر، من بعض الوجوه لأن رقابة الدولة أو الكنيسة، التي كانت معتدلة في إنجلترا، اشتدت في فرنسا إلى حد استحال معه على العقل الحبيس أن ينطلق إلا بتحطيم أغلاله تحطيما عنيفاً.
واحتج "الفلاسفة"(وهو اصطلاح يراد به الفلاسفة الفرنسيون الذين شاركوا في الهجوم على المسيحية) على الرقابة لأنها تحكم على الفكر الفرنسي بالعقم. ولكنهم هم أنفسهم كانوا أحياناً يطلبون إلى الرقيب أن يكبح جماح خصومهم. مثال ذلك أن دالامبير رجا مالزيرب أن يصادر مجلة فريرون المسماة "عدو الفيلسوف"، و"العام الأدبي". ولكن مالزيرب أبى رغم ميله للفلاسفة (14). وطلب فولتير إلى الملكة أن تحظر تمثيل تقليد ساخر لمسرحيته "سميراميس"، فلم تشأ حظرها، ولكن بومبادور حظرتها (15).
واحتال الفلاسفة أثناء ذلك بشتى الطرق لتفادي الرقابة فأرسلوا مخطوطاتهم إلى الناشرين الأجانب، عادة إلى أمستردام، أو لاهاي، أو جنيف؛ ومن هناك كانت كتبهم بالفرنسية تستورد بالجملة إلى فرنسا، فتصل كل يوم تقريباً بالمراكب إلى بوردو أو غيرها من الموانئ على الساحل أو الحدود الفرنسية. وكان الباعة يطوفون بها من شاع إلى شارع، ومن بلد إلى بلد، متخفية وراء عناوين بريئة. وسمح بعض النبلاء الذين لم يكونوا شديدي الإخلاص للحكومة الممركزة ببيع هذه الكتب في أرضهم (16). ونجت رسائل فولتير، التي وحدت الحملة الفلسفية من كثير من الرقابة لأن صديقه داميلافيل شغل حيناً منصباً في إدارة المالية، فاستطاع أن يصدق بختم الرقيب العام على رسائل فولتير وشركائه وطرودهم (17). وقرأ
الكثير من موظفي الحكومة، وبعض رجال الدين، بلذة تلك الكتب التي شجبتها الحكومة أو الأكليروس. وندر أن وضع مؤلفو الكتب الفرنسيون المنشورة خارج فرنسا أسماءهم على الغلاف، فإذا اتهموا بتأليفها كذبوا بضمير جرئ، وكان هذا جزءاً من اللعبة باركته قوانين الحرب. ولم يكتف فولتير بإنكار تأليف العديد من كتبه، به أنه أحياناً نسب تأليفها إلى الموتى. وضلل الرقيب بنشره مقالات ينقد فيها كتبه أو يندد بها. واشتملت اللعبة على حيل في الصياغة أو التعبير أعانت على تشكيل ما في النثر الفرنسي من رقة ورهافة في تورياته، وحواراته، ورمزياته، وقصصه، ومفارقاته، ومبالغاته الشفافة، وفي ما يتسم به في مجموعة من ذكاء وظرف بلغا مبلغاً لم يضارعه فيها أدب قط. وقد عرف الأبيه جالياني البلاغة بأنها فن قول الشيء دون أن يزج بقائله في الباستيل.
وثمة عقبة أخرى في طريق التفكير الحر لم تفقها غير عقبة الرقابة، وهي هيمنة رجال الدين على التعليم. فقد كان القساوسة المحليون في فرنسا يعلمون أو يشرفون على التعليم في مدارس الأبرشيات. وكان التعليم الثانوي في قبضة اليسوعيين معلمين للغات والآداب الكلاسيكية، ولكنهم كانوا أقل عوناً في ميدان العلوم. وقد شحذ التعليم اليسوعي أذهان عدد كبير من "الفلاسفة". وكانت جامعة باريس تخضع لقساوسة أشد محافظة من اليسوعيين أما جامعة أورليان المشهورة بالقنون، وجامعة مونبليه المشهورة بالطب، فكانتا علمانيتين نسيباً. ومما له دلالة أنه لا مونتسكيو، ولا فولتير، ولا ديدورو، ولا موييرتوي، ولاهلفيتيوس، ولا بوفون، درسوا في جامعة فقد ازدهر العقل الفرنسي المناضل للتحرر من سلطان اللاهوتيين، لا في الجامعات، بل في الأكاديميات والصالونات.
وكانت الأكاديميات العلمية قد ظهرت في هذا القرن في برلين (1701) وأوبسالا (1710) وسانت بطرسبورج (1724) وكوبنهاجن (1743). وفي 1739 ألف لينيوس وخمسة أدباء سويديين آخرين "الكوليجيوم كوريوزم"، وفي 1741 تأسست من هذه الهيئة أكاديمية "كونجليجا زفنسكا فيتنسكابس"، التي أصبحت الأكاديمية الملكية السويدية. وكان في فرنسا
أكاديميات أقليمية في أورليان، وبوردو، وتولوز، وأوجزير، ومتز، وبيزانسون، وديجون، ولبون، وكان، وروان، ومونتوبان، وأنجير، ونانسي، وأكس-أن-بروفانس. وتجنبت الأكاديميات الهرطقة، ولكنها شجعت العلم والتجربة، وتسامحت في النقاش وشجعته، ومسابقات الجوائز التي قدمتها أكاديمية ديجون في 1749و1754 هي التي أطلقت روسو على الدرب إلى الثورة الفرنسية. وفي باريس أيقظ انتخاب دوكلو (1746) ودالامبير (1754) أكاديمية الخالدين المحتضرين الفرنسية من غفواتها الدجماطيقية؛ وكان ارتقاء دوكلو إلى منصب استراتيجي في الأكاديمية، هو منصب "السكرتير الدائم"(1755) إيذاناً بسيطرة الفلاسفة على الأكاديمية.
وأضافت المجلات العلمية مزيداً من الحفز للحركة الفكرية. وكان من خيرة هذه المجلات "مذكرات للانتفاع بها في تاريخ العلوم والفنون الجميلة" التي رأس تحريرها اليسوعيون من 1701 إلى 1762، وتعرف بمجلة "تريفو" نسبة إلى دار النشر في تريفو، قرب ليون، وكانت أكثر المطبوعات الدينية تفقهاً وتحرراً. وكان في باريس وحدها ثلاث وسبعون مجلة وعلى رأسها "المركيز دفرانس" و"مجلة العلماء". ورأس اثنان من أقوى خصوم فولتير وأشدهم لدوداً تحرير مجلتين واسعتي النفوذ: فأسس ديفونتين "أخبار الأدب" في 1721، ونشر فريرون "العام الأدبي" من 1754 إلى 1774. ونسجت ألمانيا على هذا المنوال، فأصدرت "رسائل في الأدب الجديد" التي كان ليسنج وموسى مندلسون من بين من زودوها بمقالاتهم الكثيرة. وفي إيطاليا تناولت "مجلة الأدباء" المواضيع العلمية والأدبية والفنية، أما مجلة "كافية" فكانت صحيفة رأى على طريقة "الاسبكتاتور الإنجليزية" وفي السويد جعل أولوف فون دالين من صحيفة "سفنسكا آرجوس" رسولاً للتنوير. ولما كانت كل هذه الدوريات تقريباً اللغات القومية ولا تخضع لإشراف كنسي، فقد كانت بمثابة خميرة طالعة في حركة عصرها المضطربة.
ومن سمات القرن الثامن عشر، كما أنه من سمات الحاضر، ذلك التشوف المنتشر إلى المعرفة - وهو بالضبط تلك الشهوة الفكرية التي أنكرتها العصور الوسطى باعتبارها خطيئة الغرور الأحمق. وقد استجاب الكتاب بحماسة ليجعلوا أوسع منالا وفهماً. فكثرت "الخلاصات"، وحاولت كتب مثل "الرياضة الميسرة" و"آراء بيل الأساسية" و "عقل مونتيني" و"عقل فونتيل" أن تضع العلم، والأدب، والفلسفة في متناول جميع الناس، وازداد باطراد عدد الأساتذة الذين يحاضرون باللغات الوطنية، ووصلت بذلك محاضراتهم إلى جماهير لا قبل لها بتعليم اللاتينية. وأخذت المكتبات والمتاحف تتسع وتفتح كنوزها للطلاب. ففي 1753 أوصى السير هانز سلون للأمة البريطانية بمجموعة البالغة خمسين ألف كتاب، وعدة آلاف من المخطوطات، وعدداً كبيراً من الصور، والعملات، والتحف الأثرية. وقرر البرلمان تعويض ورثته بعشرين ألف جنيه، وأصبحت المجموعة نواة للمتحف البريطاني، وأضيف إليها مجموعتا مخطوطات هارلي وكوطن، والمكتبات التي جمعها إنجلترا؛ وفي 1759 فتح المتحف العظيم للجمهور. وكان يقتني في 1928 نحو 3. 200. 000 مجلد مطبوع و 56. 000 مخطوط، تملأ أرففه البالغ طولها خمسة وخمسين ميلاً.
وأخيراً ظهرت الموسوعات لتجمع، وترتب، وتوصل للقراء ذخائر العلم الجديد لكل قادر على القراءة والتفكير. وقد عرفت العصور الوسطى موسوعات كتلك التي وضعها ايزيدور أسقف إشبيلية (حولي 600 - 626)، وفانسان البوفي (حوالي 1190 - 1264)؛ وفي القرن السابع عشر كان هناك موسوعة يوهان هنريش آلستيد (1630) و "القاموس التاريخي الكبير" لمورتيري (1674). وكان "القاموس النقدي" لبيل (1697) أقرب إلى تجميع لحقائق مقلقة، ونظريات موحية، منه إلى الموسوعة، ولكن تأثيره على فكر أوربا المثقفة فاق تأثير أي مؤلف مماثل آخر قبل ديدور. وفي لندن نشر أفرايم تشيمبرز عام 1728، في مجلدين "موسوعة أو قاموساً عاماً للآداب والعلوم". وقد أسقط منه التاريخ، والتراجم، والجغرفيا، ولكنه بفضل نظام الإحالات أو الاسنادات
الترافقية الذي ابتكره، وبغير ذلك من الوسائل، فتح الطريق الذي سلكته "موسوعة" ديدرو ودالامبير الخطيرة (1751 وما بعدها). وفي 1771 ظهرت في ثلاثة مجلدات الطبعة الأولى من "الموسوعة البريطانية"، أو قاموس الآداب والعلوم- من وضع بعض السادة في اسكتلندة، ومطبوعة في أدنبرة وبلغت طبعة ثانية منها (1778) عشرة مجلدات، وتقدمت على سابقتها باحتوائها التاريخ والتراجم. وهكذا اطرد نموها من طبعة لأخرى خلال مائتي عام. وما أكثر الذين تزودوا منا من هذا المحصول، وسطوا على تلك الذخيرة، غير مرة كل يوم".
وما وافى عام 1789 حتى كانت الطبقات الوسطى في أوربا الغربية لا تقل ثقافة عن طبقتي الأشراف والأكليروس. لقد شقت الطباعة طريقها، تلك كانت الثورة الأساسية رغم كل ما يقال.
2 - إلهام الدراسات الكلاسيكية
كانت الدراسات الكلاسيكية تهبط في رفق من مكان القمة الذي تربعت عليه أيام جوليوس وجوزف سكاليجر، وكازوبون، وسالماسيوس، وبنتلي؛ ولكن نيكولا فريري واصل ما نهجوا عليه من تفان جدير بالعلماء، وما حققوه من نتائج بعيدة المدى. فقد قبل عضواً في الأكاديمية) الفرنسية الملكية للمأثورات والآداب البحتة وهو في السادسة والعشرين، وقرأ لها في ذلك العام (1714) بحثاً "في أصل الفرنجة" قلب الأسطورة الفخور التي زعمت أن الفرنجة رجال "أحرار" قدموا من اليونان أو طروادة، فقال إن الأصح أنهم كانوا همجاً من ألمان الجنوبيين. وأبلغ عنه الأبية فرتو الحكومة لأنه قذف في الملكية. فزج بالعالم الشاب في الباستيل فترة قصيرة، وبعدها قصر أبحاثه على بلاد غير فرنسا. ورسم 1،375 خريطة توضح الجغرافيا القديمة. وجمع البيانات المثيرة عن تاريخ العلوم والآداب الكلاسيكية، وعن أصول الأساطير اليونانية. وقد صححت مجلداته الثمانية عن التأريخ القديم (الكرونولوجيا) كتاب جوزف يوسطس سكاليجر الخطير، وأرسى التاريخ الصيني على أسس مقبولة في يومنا هذا، فكان هذا
واحداً من مئات الوخزات العلمية التي أحدثت تقوياً في مفهوم الكتاب المقدس للتاريخ:
ووجهت ضربة مماثلة للخرافات الكلاسيكية حين قرأ بوبي على الأكاديمية (1722) بحثاً يتشكك في رواية ليفي للتاريخ الروماني القديم. وكان لورنتسو فاللا قد ألمع إلى هذه الشكوك عن هذه النقطة حوالي عام 1440، وقد طورها فيكو عام 1721، ولكن بحث بوبي المستفيض سخف بشكل قاطع قصص رومولوس وريموس، والهوراشين، والكورياتيين، باعتبارها مجرد أساطير؛ ومهد الطريق لعمل بارتولد نيبور في القرن التاسع عشر. ولا تدخل الكتب التالية تماماً في النطاق الزمني لهذا الفصل، مع انتمائها إلى القرن الثامن عشر، وهي كتاب "ملاحظات تمهيدية عن هومر"(1795) الذي فكك فيه فريدرش فولف الشاعر هومر إلى مدرسة وأسرة كاملة من المنشدين؛ وطبعات رتشارد بورسن المدققة لأسخيلوس ويوربيديس، وكتاب يوزف ايكيل "نظرية المسكوكات"(1792 - 98) الذي أسس علم المسكوكات والمعادن.
ولم يشعر عالم الدراسات الكلاسكية ثانية بنشوة إلهام كذلك الإلهام الذي جاءه من إنساني النهضة، إلا حين اكتشفت مدينة هركولانيوم. ففي 1738 كان عمال يضعون أساس بيت للصيد يبني لشارل الرابع ملك نابلي، فكشفوا بطريق الصدفة عن أطلال هركولانيوم، وفي 1748 أظهر فحص مبدئي بعض الأبنية المذهلة لمدينة يومبي التي طمرها هي أيضاً ثوران فيزوف في 79 م. وفي 1752 استنفذت المعابد الفخمة التي بناها المستعمرون اليونان في بيستوم في غياهب القرون المظلمة. وقد رسم الحفار الكبير بيرانيزي معابد بومبي وقصورها وتماثيلها التي أخرجتها الحفائر على محفورات وجدت النسخ المنقولة عنها إقبالاً من المشترين في كل أنحاء أوربا. وأسفرت هذه الكشوف عن إحياء حار لاهتمام القوم بالفن القديم، ودافع قوى للحركة الكلاسيكية الجديدة التي تزعمها فنكلمان، وإضافة هائلة للمعرفة الجديدة بأساليب الحياة القديمة.
ويجب أن نقف هنا هنيهة للإقرار بدين العلم للرهبان الذين استخدموا
مكتباتهم ومجموعات مخطوطاتهم للقيام بأبحاث وتصنيف سجلات كانت معينة جداً للفكر الحديث. من ذلك أن رهبان القديس مور البندكتيين واصلوا عكوفهم القديم على الدراسات التاريخية. وأنشأ دوم برنار دمونفوكون علم الباليوغرافيا (الكتابات القديمة) بكتابه "الباليوغرافيا اليونانية"(1708)، ووضح التاريخ القديم بالفن القديم في كتابه "العلم القديم مشروحاً وممثلا بالصور"(عشرة مجلدات، 1719 - 24) ووجه دراساته المدققة لوطنه في خمسة مجلدات من القطع الكبير "آثار المملكة الفرنسية"(1729 - 33). وبدأ دوم أنطوان ريفيه دلاجرانج في 1733 التاريخ البندكتي المسمى "التاريخ الأدبي لفرنسا" الذي أصبح السلف والمعين الذي استمدت منه جميع التواريخ اللاحقة للأدب الفرنسي القديم. وكان أعظم علماء القرن الثامن عشر البندكتيين هؤلاء هو دوم أوجستن كالميه، الذي التجأ فولتير إلى ديره نصية على جميع أسفار العهدين القديم والجديد" (1707 - 16)، بل سطا عليه أحياناً. ورغم ما في هذه المجلدات الأربعة والعشرين من مآخذ (18) فقد امتدحها القراء باعتبارها أثراً شامخاً للتفقه في العلم. وقد ألف كالميه عدة كتب أخرى في تفسير الكتاب المقدس، وحذا حذو بوسويه في تصنيف "تاريخ للعالم" (1735)، وأنفق كل ساعات يقظته تقريباً في الدرس والصلاة. ومرة سأل فولتير في جهل سعيد "من تكون مدام دبومبادور هذه؟ " (19) ورفض منصب الأسقفية، وكتب قبريته التي قال فيها باللاتينية "هنا يرقد إنسان قرأ كثيراً، وكتب كثيراً، وصلى كثيراً فلعله أحسن عملا! آمين" (20).
وشارك بعض العلمانيين الأجرياء في نقد الكتاب المقدس مثال ذلك الطبيب جان آستروك، الذي درس الأسفار الخمسة، التي افترض أن موسى كاتبها، في كتابه "استقراءات حول السجلات الأصلية التي يبدو أن موسى اقتنع بها في كتابة سفر التكوين"(1753)؛ هنا ذكر لأول مرة أن استعمال اسمين مختلفين لله، وهما يهوه وأيلوهيم، يشير إلى قصتين أصليتين للخليفة، ربط بينهما في سفر التكوين ربطاً واهياً متكرراً. وحاول آخرون من دارسي الكتاب المقدس أن يحبسوا تاريخ الخليفة من واقع
الأسفار الموسوية الخمسة، فخلصوا إلى مائتي نتيجة مختلفة. وأزعج المستشرقون المؤمنين المحافظين بذكرهم التأريخ المصري (الكرونولوجيا) الذي زعم أنه يرجع إلى ثلاث عشر ألف سنة، والحسابات الصينية التي قدرت الذين يعتقدون أن العالم عمر 326،669 عصرا، يحتوي كل منها على قرون كثيرة (21).
أما أجرأ وأخطر إسهام في دراسات الكتاب المقدس Biblcal Studies في القرن الثامن عشر فصاحبه أستاذا ألماني للغات الشرقية في أكاديمية هبورج، هو هرمان رايماروس. وقد ترك عند موته في 1768 مخطوطاً من أربعة آلاف صفحة عكف عليه عشرين عاماً، وعنوانه "دفاع عن عباد الله العقلانية". ولم يجرؤ أحد على نشره إلى أن نشر وعنوانه "دفاع عن عباد الله العقلانيين". ولم يجرؤ على نشره إلى أن نشر ليسنج (1774 - 78) سبع قطع مه وصفها بأنها "كسر من كتاب مجهول المؤلف وجد في فولفتبوتل"(حيث كان ليسنج أميناً للمكتبة). وهبت كل ألمانيا المثقفة تقريباً محتجة إلا فردريك الأكبر. لا بل أن يوهان زملر، العالم المتحرر، رمى ليسنج بالجنون لأنه احتضن مثل هذا النقد المدمر للمعتقدات السنية. ذلك أن رايماروس لم يكتف في الكسرة السابعة التي تناولت "هدف المسيح وتلاميذه" برفض معجزات المسيح وقيامته، بل صوره يهودياً شاباً، جاداً، لطيفاً مخدوعاً، ظل وفياً لليهودية إلى النهاية، وقبل معتقد بعض اليهود بأن العالم مشرف على الزوال، وأرسى مبادئه الأخلاقية على هذه المقدمة إعداداً للحدث. وذهب رايماروس إلى أن المسيح فسر عبارة "ملكوت السموات" بالمعنى المتعارف عليه بين قومه، وهو ملك آت لليهود المحررين من روما (22). وزعم أن صرخته اليائسة على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني" كانت اعترافاً بناسوته وبهزيمته. وبهذا المعنى لم يكن مفتتح المسيحية هو المسيح بل الرسل. ويقول ألبرت شقايتسر، المفسر العلامة لكتاب رايماروس، "ربما كان كتابه أروع إنجاز في كل مسار البحث التاريخي في حياة المسيح، لأنه أول
من أدرك أن حياة الفكر التي تحرك المسيح كانت في صميمها أخروية ( eschatatological)"- أي مبنية على نظرية نهاية وشيكة للعلم"(23).
ومن دراسة الآثار اليهودية انتقل العلماء في حذر إلى شعوب الشرق التي رفضت المسيح أو لم تسمح باسمه قط. فترجمة جالان الفرنسية لألف ليلة بورينيه "تاريخ الفلسفة الوثنية"(1724)، وكتاب بولانفلييه "حية محمد"(1730)، وترجمة سيل الإنجليزية للقرآن-هذه كلها أظهرت الإسلام، لا عالماً من الهمجية، بل ساحة لعقيدة منافسة قوية، ولنظام خلقي بدا موفقاً رغم تسامحه مع فطرة تعدد الزوجات في جنس الرجال. وفتح إبراهام هياسنت آنكتيل-دوبرون ميداناً ى خر بترجمته أسفار البرت المقدسة. وقد جذبته إليها قراءته مختارات من الزند أفستا في مكتبة بباريس، فعدل عن تحضيره للقسوسية، واعتزم أن يرتاد كتب الشرق المقدسة في أصولها. ولما كان أفقر من أن يدفع نفقات الرحلة، فقد انخرط وهو في الثالثة والعشرين (1754) في سلك الحملة الفرنسية إلى الهند. وما أن وصل إلى بوندتشيري حتى تعلم قراءة الفارسية الحديثة، وفي شاندرناجور درس السنسكريتية، وفي صورات أقنع كاهناً برتيا بأن يعلمه البهلوية والزندية. وفي 1762 عاد إلى باريس ومعه 180 مخطوطاً شرقياً عكف على ترجمتها؛ وكان خلال ذلك يعيش على الخبز والجبن والماء، ويتجنب الزواج لأنه ترف لا طاقة له به. وفي 1771 نشر ترجمته الفرنسية للزند-أفستا، وشذرات من كتب أخرى للبرت، وفي 1804 أصدر "الأوبانيشادات". وقد شارك الوعي بالديانات والنواميس الأخلاقية غير المسيحية، ببطئ، في تقويض دجماطيقية العقائد الأوربية.
وكان أبعد هذه الإلهامات العرقية أثراً إماطة المرسلين والرحالة والعلماء الأوربيين اللثام عن تاريخ الصين وفلسفتها. وكانت البداية هي عودة ماركو بولو إلى البندقية في 1295؛ وعززتها الترجمات الفرنسية والإنجليزية (1588) لكتاب الأب اليسوعي خوانذاليس دي مندوزا "تاريخ الصين"(لشبونة 1584)، وترجمة هاكلويت الإنجليزية، في كتابه
"رحلات"(1589 - 1600)، لمقال لاتيني "عن مملكة الصين"(مكاو، 1590). وظهر الأثر الجديد في مقال مونتيني" في التجربة (1591) حيث يقول "الصين، التي تفضل حكومتها وآدابها وفنونها نظائرها عندنا في كثير من مواطن التفوق، دون أي علم منها بنظمنا. " (24) وفي 1615 نشر الأب اليسوعي نيكولاس تريجوت وصفه للبعثة المسيحية إلى الصين، وسرعان ما ترجم إلى الفرنسية، وإلى الإنجليزية في "حجاج برتشاش" (1625). وقد امتدح تويجوت وغيره النظام الصيني الذي قضى باشتراط التعليم المتخصص المفصل لتولي المناصب العامة، وبالسماح لجميع الطبقات من السكان الذكور بالامتحان للوظائف، وبإخضاع كل الهيئات الحكومية للتفتيش الدوري. ونشر يسوعي آخر هو أثناسيوس كيرشر، العلامة المدهش المتعدد المعارف، في عام 1670، موسوعة بمعنى الكلمة اسماها "الصين المصورة" امتدح فيها الحكومة الصينية لأن على رأسها ملوكاً -فلاسفة (25).
وأثنى اليسوعيون ثناء مستطاباً على ديانة الصين وفلسفتها. فقال تريجوت إن الصينيين المتعلمين يتصورون الله روح العالم، والعالم جسده؛ وكان في وسع سبينوزا، الذي قال بمثل هذا الرأي، أن يقرأ هذه الفكرة في كتاب نشر بأمستردام في 1649، يقتنيه في مكتبته فرانز فان دن إندن، الأستاذ الذي علمه اللاتينية (26)؛ وفي 1622 نشر اليسوعيون ترجمة لاتينية لكونفوشيوس "حكمة الصين" وفي خلاصة أخرى سموها "الفيلسوف الصيني كونفوشيوس"(1687) وصفوا النظام الأخلاقي الكونفوشي بأنه "أرقى فضيلة علمت للناس، فضيلة يجوز القول بأنها منبثقة من مدرسة المسيح"(27). وقد كتب الأب اليسوعي لوي لكونت في "مذكراته عن الصين"(1696) أن الشعب الصيني "حفظ معرفة الإله الحق مدى ألفي عام" وأنه "مارس أنقى ناموس للفضيلة في الوقت الذي كانت فيه أوربا لا تزال متردية في حماة الخطيئة والفساد"(28) وقد شجبت السوربون هذا الكتاب. وفي 1697 نشر ليبنتز الحذر سياسياً، المتيقظ لكل هبة نسيم في جو الفكر، كتابه "آخر الأنباء من الصين". وقد قدم فيه أوربا على الصين في العلوم والفلسفة، ولكن:
"من كان يعتقد هناك شعباً يبزنا فيما يتبعه من مبادئ الحياة المدنية؟ فهذا الذي نراه في حالة الصينيين
…
في الخلاق والسياسة. فمحال أن نصف الجمال الذي وجهت به كل الأشياء في قوانين الصينيين لتحقيق الطمأنينة والسلام أكثر من توجيهها في قوانين الشعوب الأخرى
…
ويخيل إلى أن الوضع في شئوننا قد بلغ من السوء-بسبب انتشار الفساد بيننا بغير حدود-مبلغاً يكاد يكون فيه من الضروري أن يبعث إلينا مرسلون صينيون ليعلمونا فائدة الدين الطبيعي وممارسته، تماماً كما نبعث إليهم بالمرسلين ليعلموهم الدين السماوي. لذلك أعتقد أنه لو اختير حكيم ليصدر حكمه
…
في فوق الشعوب، لأعطى قصب السبق للشعب الصيني -اللهم إلا في تمايزنا عليه بشيء سام واحد ولكه فوق الطبيعة البشرية، وأعني به العطية إلهية التي وهبناها، وهي الدين المسيحي. " (29)
وحث ليبنتز أكديمات أوربا على جمع المعلومات عن الصين، وساعد في إقناع الحكومة الفرنسية بإرسال العلماء اليسوعيين الأكفاء للانضمام إلى البعثة في الصين وتقديم التقارير الواقعية. وفي 1732 لخص جان باتيست دوهالد هذه التقارير من المعلومات في كتابه "وصف
…
إمبراطورية الصين"، وبعد عام ترجم الكتاب إلى الإنجليزية، فكان له في فرنسا وإنجلترا تأثير بعيد المدى. وكان دوهالد أول من أذاع شهرة الفيلسوف الصيني مينسيوس في أوربا. وما انتصف القرن الثامن عشر حتى كان كتاب بوسويه في "تاريخ العالم" قد غص من قدرة ذلك الكشف عن حضارات قديمة، واسعة، مستنيرة، كاد تاريخه "العالمي" يغفلها تماماً، وأصبح الطريق ممهداً لمنظور فولتير الأوسع عن قصة الحضارة.
وظهرت نتائج هذه المبالغات الحماسية في التقاليد والفنون والعادات والآداب والفلسفة الأوربية. ففي 1739 نشر المركيز دارجنس سلسلة من "الرسائل الصينية" بقلم صيني وهمي، انتقد فيها النظم والعادات الأوربية، وفي 1757 أضحك هوراس ولبول إنجلترا بكتابه "رسالة من الفيلسوف الصيني كسوهو"، وفي 1760 لجأ جولدسمث إلى نفس الحيلة في كتابه "مواطن العالم". وحين كان الإمبراطور جوزيف الثاني يحرث بنفسه قطعة
أرض كان يقلد عادة اتبعها الأباطرة الصينيون (30). وحين كانت سيدات باريس الراقيات يفتحن شماسيهن اتقاء الشمس، كن يعرضن بدعة جميلة أدخلها اليسوعيون إلى فرنسا من الصين (31)، وفي أخريات القرن الثامن عشر تطورت الشمسية pavasol إلى المطرية umbrella. وكان الخزف الصيني والاكيه الياباني قد أصبح في القرن السابع عشر مقتنيات غالية من البيوت الأوربية، واستهوى خيال الإنجليز حوالي عام 1700 ورق الجدران الصيني الذي تؤلف وحداته الصغيرة الموضوعة في مكانها الصحيح رسماً كبيراً واحداً. ودخل الأثاث الصيني البيوت الإنجليزية حوالي عام 1750. وطوال القرن الثامن عشر كان الولع بالصينيات Chinoisees وهي الأدوات الصينية الصنع أو الطراز - يميز الزخرفة الإنجليزية والفرنسية، وسرى إلى إيطاليا وألمانيا، واختلط بحلية الروكوك، واستبدت بدعته بالناس استبداداً حمل الكثير من النقاد على أن يهبوا لتحدى طغيانه. وأصبح الحرير الصيني رمزاً لعلو المكانة الاجتماعية، وانتشرت الحدائق الصينية في غرب أوربا، وأحرقت الألعاب النارية الصينية أباهم الأوربيين (32). وكانت "توراندوت" التي ألفها جوزي "فنتازيا" صينية. وظهر نيف وعشر مسرحيات بخلفية صينية على المسرح الإنجليزي، وطور فولتير مسرحيته "يتيم صيني" من دراما صينية في المجلد الثالث من كتاب دوهالد (33).
وكان التأثير الصيني في الفكر الغربي على أشده في فرنسا، حيث تلقفه أحرار الفكر سلاحاً آخر يشهرونه على المسيحية. وأبهجهم أن يجدوا أن كونفوشوس كان رجلاً حر التفكير لا يسوعياً مرحل عن وطنه. وصرحوا بأن نظام كونفوشوس الخلقي أثبت أن الناموس الخلقي الذي لا يعتمد على دين سماوي شئ ممكن عملياً (34). لاحظ بيل (1685) أن إمبراطوراً صينياً كان يمنح المرسلين الكاثوليك حرية العمل في الوقت الذي يفرض فيه لويس الرابع عشر، بعد إلغائه مرسوم نانت المتسامح الذي أصدره هنري الرابع، الامتثال لمذهب الدولة، مستعينا على ذلك بالعنف الهمجي الذي استعملته خيالاته في احتلالها بيوت الهيجونوت. وقد أخطأ بيل في تفسير عقيدة الكونفوشوسين فحسبهم ملحدين، ومن ثم استشهد بهم لدحض الحجة المستمدة من الإجماع العالمي على وجود الله (35). أما مونتسكيو
فلم يستسلم للمد الشرقي، ووصف الأباطرة الصينيين بأنهم حكام مستبدون، وندد بالتجار الصينيين غير الأمناء، وفضح فقر الجماهير الصينية، وتنبأ بما سيسفر عنه تكاثر السكان في الصين من عواقب وخيمة (36). وحاول كزينيه الرد على مونتسكيو في كتابه "حكم الصين الاستبدادي"(1767)، فأثنى علة هذا الحكم لأنه "استبداد مستنير" واستشهد بنماذج صينية على إصلاحات لازمة في الاقتصاد والحكم الفرنسي. أما طرجو، المرتاب في مثالية الصين، فقد كلف كاهنين كاثوليكيين صينيين في فرنسا بأن يذهبا إلى الصين ويحاول الحصول على إجابات حقيقية عن اثنين وخمسين سؤالا، وقد شجع تقديرهما على تقييم أكثر واقعية لما في الحياة الصينية من خير وشر (37).
وقد قرأ فولتير عن الصين في إفاضة وشغف. وخص لحضارة الصينية بالفصول الثلاثة الأولى في "المقالة عن العرف"، ووصف الصين في قاموسه الفلسفي بأنها "أروع ممالك الأرض، وأقدمها، وأوسعها، وأحفلها بالسكان، وأحسنها تنظيما"(38).
وقد أسهم إعجابه بالحكومة الصينية في ميله إلى الاعتقاد بأن خير أمل في الإصلاح الاجتماعي معقود على "الاستبداد المستنير"، الذي عنى به الملكية المستنيرة. وكان كالعديد من الفرنسيين، وكالفيلسوف الألماني فولف، على استعداد لسلك كونفوشيوس في زمرة القديسيين، لأنه "علم الشعب مبادئ الفضيلة قبل تأسيس المسيحية بخمسمائة سنة"(39). وذهب فولتير، وهو الذي عرف عنه أدب السلوك، إلى أن ما تحلى به الصينيون من ذوق وضبط للنفس، ومسالمة هادئة، مثال ينبغي أن يقتدي به مواطنوه السريعوا الانفعال (40)، وربما أن يقتدي به هو نفسه. فلما ترجمت إلى الفرنسية قصيدتان من نظم تشين لونج (حكم 1736 - 96) إمبراطور الصين في تلك الفترة، استجاب فولتير لهما شعراً. فأهداه الإمبراطور زهرية من الخزف الصيني.
وكان علم الأوربيين بالأديان والأنظمة الأجنبية عاملا قوياً في إضعاف اللاهوت المسيحي. وأفضت الأنباء الواردة من فارس، والهند، ومصر، والصين، وأمريكا، إلى سلسلة لا آخر لها من الأسئلة المربكة. فتساءل
مونتسكيو مثلا كيف يتأتى للمرء أن يختار الدين الحق من بين ألفي دين مختلفة (41)؟ وتساءل عشرات غيره كيف أمكن خلق العالم سنة 4004 ق. م، في حين أن الصين كان لها حضارة راقية سنة 4000 ق. م؟ ولم تحتفظ الصين بسجل أو تقليد متوارث لطوفان نوح الذي تقول التوارة- إنه أغرق الأرض كلها؟ ولم خص الله بوحيه الكتابي أمة صغيرة في غرب آسيا إن كان قد قصد به البشرية كلها؟ وكيف يستطيع إنسان أن يصدق بأنه لا خلاص بعيداً عن الكنيسة؟ - فهل كل تلك الملايين التي عاشت في الهند، والصين، واليابان، تصلى الآن نار جهنم؟ وطافح اللاهوتيون للإجابة عن هذه الأسئلة وأشباهها بتلال شروخ يوماً بعد اليوم، في الغالب نتيجة لتقارير البعثات الدينية، ولاح أحياناً أن اليسوعيين في الصين قد اعتنقوا الكونفوشيوسية بدلا من أن يهدوا الصينيين إلى المسيح.
وألم يكن العلم الذي جاء به هؤلاء اليسوعيون المثقفون، لا اللاهوت الذي علموه، هو صاحب الفضل في كسبهم الكثير جداً من الأصدقاء من بين الصينيين؟
الفصل السادس عشر
التقدم العلمي
(1)
1750 - 1789
1 -
البحث المتسع
كان العلم أيضاً يزود الناس بإلهام جديد. ونمو العلم -نمو طلبه، وطرائقه، وكشوفه، وتنبؤاته، وثمراته الناجحة، وسلطانه، ومكانته-هذا النمو هو الجانب الإيجابي لذلك التطور الحديث الأساسي الذي كان جانبه السلبي هو اضمحلال الإيمان بالخوارق. ونشب الصراع بين كهانتين: الأولى كرست نفسها لتشكيل الخلق بطريق الدين، والثانية لتربية العقل بطريق العلم. والكهانة الأولى هي الغالبة في عصور الفقر أو الكوارث، حين يكون الناس شاكرين لفضل العزاء الروحي والنظام الخلقي، والثانية هي الغالبة في عصور الثروة المتصاعدة، حين يميل الناس إلى قصر آمالهم على هذه الدنيا.
ومن المألوف اعتبار القرن الثامن عشر دون السابع عشر في إنجازاته العلمية، لا شك أنه يخلو من الفحول الشوامخ أمثال جاليلو أو نيوتن، ومن المآثر التي يمكن أن تقاس باتساع العالم المعروف، أو الامتداد الكوني للجاذبية، أو صياغة حساب التفاضل والتكامل، أو كشف الدورة الدموية. ومع ذلك فأي كوكبة من النجوم يتألق بها المشهد العلمي في القرن الثامن عشر! -أويلر ولاجرانج في الرياضة، وهرشل ولابلاس في الفلك، ودالامبير وفرانكلن وجلفاني وفولتا في الفيزياء، وبريستلي ولافوازبيه في الكيمياء، ولنابيوس في النبات، وبوفون ولاماركفي الأحياء، وهالر في الفسيولوجيا، وجون هنتر في التشريح، وكوندياك في علم النفس، وجنر بوبرها في الطب-
(1)
هذا الفصل مدين بصفة خاصة أ. ولف A. Wolf: History of science Technology and Philosophy in the 18th Century ( تاريخ العلم والتكنولوجيا والفلسفة في القرن 18).
وقد خصصت الأكاديميات المتكاثرة المزيد من وقتها ومالها للبحث العلمي. وأدخلت الجامعات العلوم بازدياد في برامجها، فأنشأت كمبردج بين عامي 1702و1750 كراسي في التشريح، والفلك، والنبات، والكيمياء، والجيولوجيا، و"الفلسفة التجريبية"-أي الفيزياء. وأصبحت الطريقة العلمية تجريبية بصورة أدق .. وهبطت الخصومة الوطنية، التي لوثت دولية الفكر بالجدل المحتدم بين نيوتن وليبنتز، وتكاتفت الكهانة الجديدة عبر الحدود، والحقائد اللاهوتية، والحروب، لترتاد المجهول المتعاظم. وجاء طلاب البحث من كل طبقة، من بريستلي الرقيق الحال ودالامبير اللقيط، إلى بوفون حامل لقب الشرف ولافوزييه المليونير. ودخل الملوك والأمراء ساحة البحث: فاشتغل جورج الثالث بالنبات، وجون الخامس بالفلك، ولويس السادس عشر بالفيزياء. وعكف الهواة أمثال مونتسكيو وفولتير، والنساء أمثال مدام دشاتليه والممثلة الآنسة كليرون، على العمل بجد في المختبرات أو تلهوا بها، وحاول العلماء اليسوعيون امثال بوسكوفش الجمع بين الإيمانين القديم والجديد.
ولم يتمتع العلم بمثل هذه الشعبية وهذا التشريف حتى جاء عصرنا الحاضر المتفجر. فقد رفع دوي كشوف نيوتن في الرياضة والميكانيكا والفلك هامات العلماء في كل بلد في أوربا. صحيح إنهم لم يستطيعوا الارتقاء حتى يصل أحدهم -كما وصل نيوتن- إلى منصب مدير دار المسكوكات، ولكنهم في القارة، بعد عام 1750، وجدوا الترحيب في المجتمع المعطر وغشوا المحافل جنباً إلى جنب مع اللوردات والأدواق. وفي باريس غصت قاعات المحاضرات العلمية بالمستمعين من الجنسين ومن جميع المراتب. كتب جولدسمث الذي زار باريس في 1755 يقول:"رأيت في المحاضرات روويل في الكيمياء من نجوم الجمال المتألقة ما هو خليق بأن يزين بلاط الملك في فرساي. "(1) وكانت نساء المجتمع العصريات يحتفظن بكتب العلوم على خزانات زينتهن، وترسم لهن الصور-كما صورت مدام بومبادور-وعند أقدامهن، المربعات والتلسكوبات. وفقد الناس الاهتمام باللاهوت، ونفضوا عنهم العالم الآخر مع حرصهم على خرافاتهم. وغدا العلم الأسلوب والمزاج لعصر يتحرك في نهر معقد من التغير المحموم إلى نهايته الوبيلة.
2 - الرياضة
أ - أويلر
كان التغيير في الرياضة الآن أبطأ لأن الكثير جداً قد أنجز في ذلك الميدان طوال خمسة آلاف عام، بحيث بدا أن نيوتن لم يترك زيادة لمستزيد. وبعد موته (1727) حدث رد فعل، بعض الوقت، ضد فروض حساب التفاضل وابهاماته. فهاجمها الأسقف باركلي، في مقال نقدي قوي (المحلل، 1734)، لأنها تعادل تماماً غوامض الميتافيزيقا واللاهوت، ورمى أتباع العلم بـ"الخضوع للسلطان، وقبول الأشياء بالتسليم، والإيمان بنقاط لا يمكن تصورها" وهي بالضبط التهم التي اتهم بها من قبل أتباع الدين. وقد لقى الرياضيون وما زالوا يلقون من العنف في الرد في هذه النقطة ما يلقاه الماديون في تفنيد مثاليته.
على أن الرياضة بنت لها جسوراً، واستمر لبحث في الأرقام. فطور أبراهام ديموافر، ونيكولاس سوندرس، وبروك تيلر في إنجلترا، وكولن مكلورن في إسكتلندة، الشكل النيوتوني للتفاضل. ودفع ديموافر قدما رياضيات الصدفة ومعاشات مدى الحياة. وإذ كان فرنسي المولد، إنجليزي الموطن، فقد اختارته جمعية لندن الملكية (1712) حكماً في دعاوي نيوتن وليبنتز المتنافسة على أيهما سبق صاحبه إلى اختراع حساب التفاضل النهائي الصغر. أما سوندرس فقد كف بصره في عامه الأول، فتعلم حل المسائل الحسابية الطويلة العويصة عقلياً، وعين أستاذاً للرياضة في كمبردج في عامه الحادي والعشرين (1711)، وألف كتاباً في "الجبر" حاز الاستحسان الدولي. وسنرى كيف استهوت سيرته ديدرو. وترك تلور اسمه على النظريات الأساسية في حساب التفاضل، وأثبت مكلورين أن الكتلة السائلة التي تدور حول محورها تتخذ شكل القطع الناقص.
وفي بازل واصلت أسرة بونوللي إنجاب العلماء المبرزين طوال أجيال ثلاثة. وكانت هذه الأسرة البروتستنتية المذهب قد فرت من أنتورب (1583) اتقاء فظائع دوق ألفا. وينتمي اثنان من الرياضيين البرنولليين السبعة لعصر لويس الرابع عشر، وكان الثالث وهو يوهان الأول) 1667 -
1748 (مخضرماً أدرك حكم ملكين) لويس 14و15) وأصبح دانيال (1700 - 82) أستاذاً للرياضة في سانت بطرسبورج وهو في الخامسة والعشرين، ولكنه عاد بعد ثمانية أعوام ليدرس التشريح، والنبات والفيزياء، وأخيراً الفلسفة، في جامعة بازل وترك مؤلفات في حساب التفاضل والتكامل، والصوتيات، والفلك، وأسس الفيزياء الرياضية تقريباً. وعلم أخوه يوهان الثاني (1710 - 90) البلاغة والرياضة، وترك بصمته على نظرية الحرارة والضوء. وقد نال دانيل جوائز من أكاديمية العلوم عشر مرات، ويوهان ثلاث مرات. وأصبح أحد أبناء يوهان، وهو يوهان الثالث (1744 - 1807)، فلكي الملك في أكاديمية برلين، وعلم ياكوب الثاني (1758 - 89) الفيزياء في بازل، والرياضة في سانت بطرسبورج. لقد امتدت هذه الأسرة العجيبة عبر المنهج، والقرن، والقارة الأوربية.
ويتميز ليونارد أويلر، تلميذ يوهان بونللي الأول والمنافس الصديق لدانيال، إماماً لرياضي عصره من حيث تعدد القدرات وغزارة الإنتاج. ولد في بازل عام 1707 ومات في بطرسبورج عام 1783، وبرز في الرياضة، والميكانيكا، والبصريات، والسمعيات، والديناميكا المائية، والفلك، والكيمياء، والطب، وحفظ نصف الأنيادة عن ظهر قلب، فكان بهذا كله خير بيان لفوائد التنوع ومدى قدرات العقل البشري. وفي ثلاث رسائل كبرى في التفاضل والتكامل حرر هذا العلم الجديد من العقد الهندسية التي ولد بها، وأرسى أسسه بوضعه تفاضلا جبرياً-"تحليلا". وأضاف إلى هذه الرسائل الكبرى. مؤلفات في الجبر، والميكانيكا، والفلك، والموسيقى؛ على أن مقاله عن "نظرية جديدة في الموسيقى"(1719)" احتوى من الهندسة فوق يسيغه الموسيقيون، ومن الموسيقى فوق ما يسيغه الهندسيون. "(2) وقد احتفظ رغم تبحره في العلم بإيمانه الديني إلى النهاية.
وحين انتقل دانيال برنوللي إلى سانت بطرسبورج وعد ليونارد بأن يحصل له على وظيفة في أكاديميتها. وذهب الشاب إليها وهو في العشرين، ولما غادر دانيال روسيا (1733) خلفه أويلر رئيساً لقسم الرياضة. وأدهش زملاءه الأكاديمين بأن حسب في ثلاثة أيام جداول فلكية قدر أنها تحتاج إلى عدة شهور وعكف على هذا العمل وغيره عكوفاً شديداً ليل نهار
على ضوء ضعيف، حتى فقد بصر عينه اليمنى في 1735. ثم تزوج، وشرع على الفور يجمع ويضرب، بينما الموت يطرح، فقد مات ثمانية من أبنائه الثلاثة عشر أطفالا. ولم يأمن على حياته في عاصمة أنهكتها الدسائس والاغتيالات السياسية. وفي 1741 قبل دعوة من فردريك الأكبر للانضمام إلى أكاديمية برلين، وهناك، فيسنة 1759، خلف موبرتوي في الاضطلاع بالرياضة. وأحبته أم فردريك، ولكنها وجدته صموتاً بشكل غريب. وسألته "لم لا تتحدث إلي؟ " فأجاب "سيدتي، إنني قادم من بلد يشنق المرء فيه إن تكلم (3) ". على أن الروس كانوا قادرين على السلوك المهذب. فقد واصلوا صرف راتبه له بعد رحيله بزمن طويل، وحين نهب جيش روسي مزرعة أويلر أثناء غزوه برندنبورج سخا القائد الروسي في تعويضه عن خسارته، وأضافت الإمبراطورة إليزابث بتروفنا إلى التعويض مبلغاً من عندها.
وتاريخ العلم يكرم أويلر أولاً لما أنتجه في حساب التفاضل، لاسيما لتناوله النظامي لتفاضل التغيرات. وقد دفع الهندسة وحساب المثلثات إلى الأمام باعتبارهما فرعين من فروع التحليل. وكان أول من تصور في وضوح فكرة الوظيفة الرياضية التي هي الآن قلب الرياضة. وفي الميكانيكا صاغ المعادلات العامة التي ما زالت تحمل اسمه. وفي البصريات كان أول من طبق حساب التفاضل على ذبذبات الضوء وصاغ منحني التذبذبات باعتباره متوقفاً على المرونة والكثافة. واستنبط قوانين الانكسار تحليلياً وقام بدراسات في انتشار الضوء مهدت لصناعة العدسات الأكروماتية. وشارك في مشروع دولي هدفه إيجاد خط الطول في البحر برسم موقع الكواكب وأوجه القمر، وأعان حله التقريبي جون هاريسون على وضع جداول قمرية موفقه للبحرية البريطانية.
وفي 1766 طلبت كاترين الكبرى إلى أويلر أن يعود إلى سانت بطرسبورج. وقد عاد إليها، فاحتفظ به حفاوة بالغة. ولم يثبت بعد وصوله أن كف بصره تماماً، ولكن ذاكرته بلغت من الدقة، وسرعة حسابه بلغت من
العظمة مبلغاً أتاح له أن يواصل الإنتاج بنشاط يقرب من نشاطه السابق. وأملي الآن كتابه "مقدمة كاملة للجبر" على خياط شاب لم يكن حين بدأ عمله هذا يعرف شيئاً عن الرياضة أكثر من الحساب البسيط؛ وقد أضفى هذا الكتاب على الجبر الشكل الذي احتفظ به إلى يومنا هذا. وفي 1771 دمرت نار بيت أويلر، وأنقذ مواطن سويسري من بازل يدعى بيتر جريم الرياضي الأعمى من النيران إذ حمله على كتفيه بعيداً عن الخطر. ومات أويلر عام 1783 وقد بلغ السادسة والسبعين بنوبه فالج أصابته وهو يلعب مع أحد حفدته.
ب- لجرانج
ولم يفقه غير رجل واحد في قرنه وعلمه، وهو الفتى الذي بسط عليه رعايته-جوزف لوي لجرانج. وكان واحداً من أحد عشر طفلا ولدوا لزوجين فرنسيين يقيمان في تورين، ولم يتجاوز الطفولة من هؤلاء كلهم غيره. وقد تحول عن الدراسات الكلاسيكية إلى العلم عند قراءته مذكرة وجهها هالي إلى جمعية لندن الملكية، فكرس نفسه للتو لدراسة الرياضة، وسرعان ما برز في تبريزا أوصله في سن الثامنة عشرة إلى منصب أستاذ الهندسة في أكاديمية المدفعية بتورين. وقد ألف من تلاميذه، وكلهم تقريباً أكبر منه سناً، جماعة بحث نمت حتى غدت أكاديمية تورين للعلوم. وفي التاسعة عشرة أرسل إلى أويلر طريقة جديدة لتناول حساب تفاضل التغيرات. ورد أويلر بأن الطريقة تذلل صعوبات لم يستطع هو نفسه تذليلها. وأجل السويسري الكريم إذاعة النتائج التي وصل إليها، حتى لا أحرمك من أي قسط من المجد الذي تستحقه. "وأذاع لجرانج طريقته في المجلد الأول الذي أصدرته أكاديمية ورين (1759) وشهد أويلر في مذكرته عن حساب تفاضل التغيرات بكل الفضل للفتى. وفي ذلك العام (1759) انتخب بنفوذه عضواً أجنبياً بأكاديمية برلين وهو لا يعدو الثالثة والعشرين ولما غادر أولر بروسيا زكى لجرانج خلفاً له في الأكاديمية، وأيد دالامبير هذا الاقتراح بحرارة، وفي 1766 انتقل لجرانج إلى برلين. وقد حيا
فردريك الأكبر باعتباره "أعظم ملك في أوربا"، ورحب به فردريك "أعظم الرياضيين في أوربا"(5) وكان هذا سابقاً لأوانه، ولكنه صدق بعد قليل. والعلاقات الودية التي ربطت أئمة رياضي القرن الثامن عشر- أويلر، ولجرانج، وكليرو، ودالامبير، ولجاندر- تؤلف فصلا مبهجاً في تاريخ العلم.
وخلال العشرين السنة التي أقام فيها لجرانج ببرلين ألف تدريجياً أجزاء رائعته الكبرى "الميكانيكا التحليلية". وعلى هامش هذا المشروع الأساسي نقب في الفلك، وقدم نظرية عن توابع المشتري وتعليلاً لترجحات القمر، أي التغيرات في الأجزاء المنظورة منه. وفي 1786 مات فردريك الأكبر، وخلفه فردريك وليم الثاني، الذي لك يكن يعبأ كثيراً بالعلم. فقبل لجرانج دعوة من لويس السادس عشر للانضمام إلى أكاديمية العلوم الباريسية وأعطى سكناً مريحاً في اللوفر، وأصبح أثيراً لدى ماري أنطوانيت التي بذلت ما وسعها لتخفف عنه نوبات الاكتئاب التي كثيراً ما انتابته وجلب معه مخطوط "الميكانيكا التحليلية"، ولكنه لم يستطع العثور على ناشر يتصدى لمثل هذه المشكلة الطباعية العسيرة في مدينة تغلى مراجلها بالثورة. وأخيراً أقنع صديقاه أدريان لجاندر وألابيه ماري طابعاً بالاضطلاع بهذه المهمة، ولكنه لم يقتنع إلا بعد أن وعده ألابيه بأن يشتري جميع النسخ غير المباعة بعد تاريخ محدد. فلما وضع الكتاب الذي لخص جهد حياة لجرانج بين يديه (1788) لم يكترث بالنظر إليه، فقد كان في إحدى نوبات اكتئابه الدورية التي أفقدته كل اهتمام بالرياضة، بل بالحياة. وظل الكتاب مقفلا على مكتبه عامين كاملين.
وهناك إجماع على وضع "الميكانيكا التحليلية" في قمة رياضة القرن الثامن عشر. فهذا الكتاب الذي لم يفقه غير "الأصول" في الميدان الذي تناوله الكتابان، تقدم على كتاب نيوتن هذا باستعماله "التحليل"-التفاضل الجبري- بدلا من الهندسة في إيجاد الحلول وعرضها، وقد جاء في المقدمة "ليس في هذا الكتاب رسوم بيانية" وبهذه أن تستخلص منها معادلات نوعية
لكل مسألة بعينها، وما زالت هذه المعادلات العامة تسود الميكانيكا وتحمل اسمه. ووصفها إرنست ماخ بأنها من أعظم الإسهامات في الاقتصاد في الفكر (6) وقد رفعت ألفرد نورث هوايتهيد إلى ذرى النشوة الدينية فقال "إن في هذه المعادلات من الجمال، ومن البساطة التي تكاد تبلغ القداسة، ما يجعل هذه الصيغ جديرة بأن تضارع تلك الرموز الغامضة التي آمن الناس في القديم بأنها تدل مباشرة على الكائن الأعلى الذي يكمن وراء كل الأشياء (7).
فلما نشبت الثورة بسقوط الباستيل (14 يوليو 1789) نصح لجرانج، المقرب إلى الملكية، بأن يعود إلى برلين، ولكنه أبى. فلقد كان على الدوام متعاطفاً مع المظلومين، ولكنه لم يؤمن بقدرة الثورة على النجاة ن نتائج عدم المساواة الطبيعي بين البشر. وهالته مذابح سبتمبر 1792، وإعدام صديقه لافوازييه، ولكن صمته المكتئب أنقذ رأسه من الجيلوتين. فلما فتحت مدرسة المعلمين (1795) نيط لجرانج بقسم الرياضة فيها، وحين أقفلت وأسست مدرسة الفنون والصنائع (1797) كان أول أساتذتها، والأساس والاتجاه الرياضيات الفرنسي هما بعض تأثير لجرانج الطويل الأمد.
وفي 1791 عينت لجنة لوضع نظام جديد للموازين والمقاييس. وكان لجرانج، ولافوازييه، ولابلاس، من أوائل أعضائها. وبعد ثلاثة أشهر "طهر" ابثنان من هذا الثالوث، وأصبح لجرانج العقل القائد في وضع النظام المتري. واختارت اللجنة أساساً للطول ربع الكرة الأرضية- ربع الدائرة العظمى التي تمر حول الأرض على مستوى البحر بطريق القطبين، وأخذ جزء على عشرة ملايين منه وحدة جديدة للطول وسمى متراً. واختارت لجنة فرعية الجرام وحدة جديدة للموازين: وهو وزن الماء المقطر في درجة الصفر المئوية، ويشغل مكعباً كل ضلع فيه سنتمتر واحد-أي جزء على مائة من المتر. وبهذه الطريقة بنيت جميع الأطوال والأوزان على ثابت فيزيائي واحد، وعلى العدد عشرة. وظل هناك مدافعون عن النظام الأثنى عشري، الذي اتخذ العدد عشر أساساً له، كما هو متبع في إنجلترا، وبوجه عام في تقديرنا للزمن. ولكن لجرانج أصر على النظام العشري، وكان له ما أراد. فقررت الحكومة الفرنسية هذا النظام في 25 نوفمبر 1792،
وما زال، مع بعض التعديلات باقياً إلى يومنا هذا، ولعله أبقى نتائج الثورة الفرنسية.
وأضاءت تجربة رومانسية كهولة لجرانج. ذلك انه حين بلغ السادسة والخمسين أصرت فتاة في السابعة عشرة، كانت ابنة صديقه الفلكي لمونييه، على الزواج منه وتكريس نفسها للتخفيف من أوهامه ووساوسه. وأذعن لجرانج، وبلغ من عرفانه بصنيع حبها أنه يصحبها إلى المراقص والحفلات الموسيقية. وكان قد تعلم أن يحب الموسيقى-التي هي لعبة تحتال بها الرياضة على الأذن- لأنها "تعزلني. إنني أسمع الموازين الموسيقية الثلاثة الأولى، وفي الرابعة لا أعود أعي شيئاً، فأستسلم لأفكاري، ولا شيء يقطعها على، وبهذه الطريقة أحل من مسألة عويصة"(8).
فلما هبطت حمى الثورة، هنأت فرنسا لأنها أعفت إمام رياضي العصر من الجيلوتين. وفي 1796 أوفد تاليران إلى تورين ليزور بصفة رسمية والد لجرانج ويقول له "إن ابنك الذي تفخر بيدمونت بأنها أنجبته، وتفخر فرنسا بأنه مواطن فيها، وقد شرف البشر أجمعين بعبقريته"(9). وكان نابليون يحب فيما بين حملاته أن يتحدث إلى الرياضي الذي تحول إلى الفلسفة.
واستعاد الشيخ اهتمامه بالرياضة حين نفخ ووسع "الميكانيكا التحليلية"(1810 - 13) لإعداد طبعة ثانية من الكتاب. ولكنه أسرف في الجهد والسرعة كعادته؛ وأضعفته نوبات من الدوار، ومرة وجدته زوجته فاقد الوعي على أرض الحجرة، وقد نزف رأسه من قطع سببه سقوطه على حرف المائدة. وأدرك أن قواه البدنية آخذة في النضوب، ولكنه تقبل هذا التحلل البطيء على أنه طبيعي ومعقول. وقال لمونج ولغيره من عواده:
"كنت مريضاً جداً أمس أيها الأصدقاء، وأحسست أنني سأموت وأصاب الضعف بدني شيئاً فشيئاً، وانطفأت قواي العقلية والبدنية دون وعي مني. ولاحظت "متوالية" تناقض عافيتي، الحسنة التدرج، ووصلت إلى النهاية دون أسف، أو حسرات، وفي هبوط غاية في الرفق. يجب
ألا تخشى الموت، وحين يأتي دون ألم، فإنه يكون وظيفة أخيرة ليست بالكريهة
…
إن الموت هو الراحة الكبرى للجسد (10).
ومات في 10 أبريل 1813 وقد بلغ الخامسة والسبعين غير باك على شئ إلا اضطراره لترك زوجته الوفية عرضه لمخاطر ذلك العهد، حين بدا أن العالم كله قد امتشق الحسام لقتال فرنسا.
وحمل صديقاه جسبارمونج، وأدريان لجاندر، إلى القرن التاسع عشر تلك الأبحاث الرياضية التي كانت الأسس للتقدم الصناعي. وينتمي إنتاج لجاندر (1752 - 1833) إلى عصر ما بعد الثورة، وحسبنا أن نقرئه التحية في طريقنا. أما مونج فكان بابن بائع متجول وسنان سكاكين. ونحن نراجع فكرتنا عن الفقر الفرنسي حين نرى هذا العامل البسيط يوفر لثلاثة من أبنائه التعليم في الكلية. ونال جسبار كل ما أتيح من جوائز في المدرسة. وفي الرابعة عشرة صنع آلة لإطفاء الحريق، وفي السادسة عشرة رفض دعوة معلميه اليسوعيين إياه ينضم إلى طريقتهم، وبدلا من هذا أصبح أستاذ الفيزياء والرياضة في المدرسة الحرية بميزيير. وهناك صاغ أصول هندسته الوصفية- وهي طريقة لعرض شكل ثلاثي الأبعاد على مستوى وصفي واحد. وتبين عظم فائدة هذه الطريقة في تصميم الحصون وغيرها من المباني، حتى أن الجيش الفرنسي ظل خمسة عشر عاماً يحظر عليه البوح بسرها علناً، ثم سمح له (1794) بتدريسها في مدرسة المعلمين بباريس. وقد أخذ لجرانج العجب وهو يستمع إلى محاضراته فيها، شأن جوردان في مسرحية فولتير "قبل أن أستمع إلى مونج لم أعرف أنني أعرف الهندسة الوصفية"(11). وقد أبلى مونج بلاء حسناً في خدمة الجمهورية التي تعد نفسها للمعركة. وارتقى إلى منصب وزير البحرية. وعهد إليه نابليون بالكثير من المهام السرية. وبعد عودة البوربون إلى الملك عانى مونج من الفاقة والتعرض للخطر. فلما مات (1818) منع تلاميذه في مدرسة الفنون والصنائع من السير في مأتمه. وفي الغد ساروا إلى المدفن بيئتهم لكاملة، ووضعوا على قبره أكليلاً من الزهر.
3 - الفيزياء
أ - المادة والحركة والحرارة والضوء
نمت الرياضة لأنها كانت الأساس والإدارة التي لا غنى عنها للعلوم كلها، إذ اختزلت الخبرة والتجربة إلى قوانين كمية أتاحت التنبؤ الدقيق والضبط العملي. وكانت الخطوة الأولى هي تطبيقها على المادة عموماً: بكشف الإطرادات ووضع "القوانين" للطاقة، والحركة، والصوت، والضؤ، والمغنطيسية، والكهرباء، وهنا كمن ما يكفي من الأسرار التي تتطلب الكشف عن خوافيها.
وقد ضحى بيير لوي مورو دموبرتوي بمستقبله في الجيش الفرنسي ليكرس نفسه للعلم. وسبق فولتير في تعريف فرنسا بنيوتن، وفي تقدير مفاتن مدام دوشاتليه وتعليمها. وفي 1736، كما سنرى، رأس بعثة إلى لايلاند لقياس درجة طولية. وفي 1740 قبل دعوة لزيارة فردريك الثاني، وتبع فردريك إلى معركة مولفتز (1741)، وأسره النمساويون، ثم أطلقوا سراحه بعد قليل. وفي 1745 انضم إلى أكاديمية برلين للعلوم، وبعد عام أصبح عميداً لها. وشرح المبدأ الذي توصل إليه لأكاديمية باريس للعلوم في 1744، ولأكاديمية برلين في 1746، وهو المبدأ القائل بأقل حركة:"حين يحدث أي تغيير في الطبيعة فإن كمية الحركة المستخدمة لهذا التغيير هي دائماً أقل ما يمكن. "وذهب إلى أن هذا يثبت وجود نظام منطقي في الطبيعة، وإذن وجود اله منطقي (12). وطور أويلر ولجرانج هذا المبدأ، وفي زماننا هذا لعب دوراً في نظرية الكم. وفي "مقال في علم الكون" (1750) أحيا موبرتوي بدعة لا يمكن القضاء عليها: فهو مع تنبيه قصداً في الطبيعة، إلا أنه اعترف بأنه يرى فيها أيضاً علامات الغباء أو الشر، وكأن شيطاناً ينافس إليها خيراً في تعريف شئون الكون (13). ولعل موبرتوي كان يوافق خصمه اللدود فولتير على أن القديس أوغسطين كان ينبغي أن يظل مانوياً.
وقد سبقت الإشارة إلى مولد دالامبير، ثمرة غير مقصودة لصلة عابرة بين ضابط مدفعية وراهبة سابقة. عثرت عليه شرطة باريس على سلم كنيسة
سان جان لورون ولما تمض على مولده ساعات (1717)، فعمدوه باسم جان بانيست لورون، وأرسلوه إلى مرضع في الريف. وطالب به أبوه، الشفالييه ديتوش، وسماه دارامبير (لأسباب نجهلها)، ودفع أجراً لمدام روسو، وهي زوجة صانع زجاج، لتتبنى الطفل. وتبين أنها رابة مثالية، وأن جان غلام نابغة. فلما بلغ السابعة أراه أبوه في فخر لأمه، مدام دتانسان، ولكنها قررت أن مستقبلها خليلة وصاحبة صالون سيضار بقبول الطفل، ولم تسهم بشيء في إعالته على قدر علمنا، أما الشفالييه فقد ترك له قبل موته في 1726 معاشاً سنوياً قدره ألف ومائتا جنيه.
وتلقى جان تعليمه في الكوليج دكاتر ناسيون (كلية الأمم الأربع)، ثم في جامعة باريس، حيث نال درجة القانون. وهناك، حوالي عام 1738، غير اسمه من دارامبير إلى دالامبير. ثم اتجه إلى دراسة الطب بعد أن مل القانون، ولكن ميلاً عارضاً إلى الرياضة انقلب فيه غراماً مشبوباً. قال "كانت الرياضة لي أشبه بالخليلة للرجل"(14). وواصل السكنى مع مدام روسو حتى بلغ الثامنة والأربعين وهو يعتبرها في عرفانه بصنيعها أمه الوحيدة. وكان من رأيها أن مما يشين الرجل أن يسلم نفسه إلى حياة الدرس ولا يبدي أي شهوة للمال. فكانت تقول له في أسى "إنك لن تغدو أن تكون فيلسوفاً. وما الفيلسوف؟ مجنون يعذب نفسه طوال حياته ليتحدث الناس عنه بعد موته"(15).
ولعل دوافعه الملهمة لم تكن الرغبة في الشهرة بعد الموت، بل المنافسة الأبية مع العلماء الراسخين، وتلك الغريزة الشبيهة بغريزة القندس، التي تبتهج بالبناء، ويخلق النظام من فوضى المواد والأفكار. على أية حال فإنه في الثامنة والعشرين بدأ يقدم أبحاثاً لأكاديمية العلوم: أحدها في حساب التكامل (1739)، وآخر في انكسار الضوء (1741؛ وفي بحث الضوء هذا أقدم تعليل لانحناء أشعة الضوء وهي تنتقل من سائل إلى آخر أكبر كثافة، ومكافأة له على البحث قبلته الأكاديمية عضواً "ملحقاً"، وبعد عامين نشر أهم آثاره العلمية" رسالة في الديناميكا"، وقد حاول فيها أن يختزل كل مسائل المادة المتحركة إلى معادلات رياضية، وسبقت الرسالة رسالة
لجرانج الأفضل منها "الميكانيكا التحليلية" باثنين وأربعين سنة، وهي تحتفظ بأهميتها التاريخية لأنها صاغت النظرية الأساسية المعروفة الآن باسم "مبدأ دالامبير"، وهي أعسر تخصصاً مما يحتمله هضمنا العام، ولكنها عون كبير على الحسابات الميكانيكية. وقد طبقها في "رسالة في توازن السوائل وحركتها"(1744)، وظفرت من الأكاديمية بإعجاب حملها على مكافأتها بمعاش من خمسمائة جنيه، لا بد أنه هدأ من ثائرة مدام روسو.
ومن مبدئه هذا من ناحية، ومن معادلة مبتكرة في حساب التفاضل، توصل دالامبير إلى صيغة لحركة الرياح. وأهدى كتابه "تأملات في السبب العام للرياح"(1747) إلى فردريك الأكبر، الذي استجاب بدعوته للإقامة في برلين، ولكن دالامبير رفض، فأبدى بذلك من الحكمة وهو في الثلاثين أكثر مما سيبديه فولتير وهو في السادسة والخمسين. وفي "مقال عن نظرية جديدة في المقاومة السوائل" (1752): حاول أن يجد صيغاً ميكانيكية لمقاومة الماء لجسم يتحرك فوقه، فأخفق؛ ولكن في 1775، وبتكليف من طورجو، أجرى هو وكوندورسيه والابيه بوسو تجارب أعانت على تقرير قوانين مقاومة السوائل للأجسام المتحركة على سطوحها. وفي أخريات عمره درس حركة الأوتار المتذبذبة، وأصدر (1779)"مبادئ الموسيقى النظرية والعلمية" متبعاً ومعدلا طريقة رامو؛ وقد ظفر هذا الكتاب بثناء عالم الموسيقى الشهير تشارلز بيرني. ويمكن القول أن دالامبير أوتي في مجموعة عقلا من أذكى وأرهب العقول في هذا القرن.
وعرض فردريك الأكبر وظيفة عميد أكاديمية برلين على دالامبير حين استقال موبرتبوس. وكان الرياضي-الفيزيائي-الفلكي-الموسوعي رجلا رقيق الحال ولكنه رفض المنصب في أدب، ذلك أنه كان يعتز بحريته، وبأصدقائه، وبباريس. واحترم فردريك بواعثه، وأرسل إليه معاشاً متواضعاً من ألف ومائتي جنيه بعد استئذان لويس الخامس عشر. وفي 1762 دعته كاترين الكبرى إلى روسيا وأكاديمية سانت بطرسبورج، فرفض الدعوة، لأنه كان الآن عاشقاً. وأصرت كاترين، ربما بعد علمها بهذا وطلبت إليه أن يحضر "ومعك كل أصدقائك"، وعرضت عليه راتباً
من 100،000 فرنك في العام. وقبلت اعتذاراته في سماحة، وواصلت مراسلته، وناقشت معه أسلوب حكمها ومشاكله. وفي 1763 ناشده فردريك أن يزور بوتسدام على الأقل، فذهب دالامبير، وكان يتناول الطعام مع الملك شهرين. ورفض مرة أخرى عمادة أكاديمية برلين، وبدلا من ذلك اقتنع فردريك بأن يرفع راتب أويلر رب الأسرة الكبيرة (16). ونرجو أن نلتقي بدالامبير مرة أخرى.
وكان لآل برنوللي المدهشين مساهمات عارضة في الميكانيكا. فصاغ يوهان الأول (1717) مبدأ السرعات الافتراضية: "في كل توازن للقوى أياً كانت، وعلى أي صورة استخدمت، وفي أي اتجاهات يؤثر بعضها في بعض، بطريق مباشر أو غير مباشر، يكون مجموع الطاقات الموجبة معادلا لمجموع الطاقات السالبة إيجابياً". وأعلن يوهان وابنه دانيال (1735) أن مجموع "القوة الحية" في العالم ثابت دائماً؛ وقد أعيدت صياغة هذا المبدأ في القرن التاسع عشر باسم عدم فناء الطاقة. وطبق دانيال الفكرة تطبيقاً مثمراً في كتابة "الديناميكا المائية"(1738) وهو من عيوب الكتب الحديثة في ميدان بالغ الصعوبة. وفي ذلك المجلد أرسى أساس النظرية الحركية للغازات، فالغاز يتألف من ذرات ضئيلة تتحرك بسرعة كبيرة، وتحدث ضغطاً على الإناء بالصدمات المتكررة، والحرارة تزيد من سرعة الذرات، ومن ثم ضغط الغاز، ونقص الحجم (كما أثبت بويل من قبل) يزيد الضغط بنسبة النقص.
أما في فيزياء الحرارة فإن ألمع الأسماء في القرن الثامن عشر هو اسم جوزيف بلاك. ولد في بوردو لأب اسكتلندي مولود في بلفاست، ودرس الكيمياء في جامعة جلاسجو، وفي السادسة والعشرين (1754) أجرى تجارب فيما نسميه الآن التأكسد أو التآكل. وقد بينت هذه التجارب مفعول غاز ميزه عن الهواء العادي، وكشف عن هذا الغاز في الميزان، وسماه "الهواء الثابت"(ونسميه الآن ثاني أوكسيد الكربون)، وكان قد أوشك على الكشف عن الأوكسجين قبل ذلك. وفي 1756، حين كان محاضراً في الكيمياء، والتشريح، والطب في الجامعة، وبدأ ملاحظات هدته إلى نظريته
في "الحرارة الكامنة": فحين تكون مادة ما بسبيلها إلى التغير من الحالة الجامدة إلى حالة السيولة أو من السيولة إلى الغازية، فإن المادة المتغيرة تمتص من الهواء كمية من الحرارة لا يمكن ملاحظتها كتغيير في درجة الحرارة، وهذه الحرارة الكامنة ترد إلى الهواء حين يتحول غاز إلى سائل أو سائل إلى جامد. وقد طبق جيمس وات هذه النظرية في تحسينه للآلة البخارية. وكان رأي بلاك في الحرارة كرأي جميع أسلاف بريستلي، إنها مادة تزداد أو تتناقص دفئاً، وظلت هذه الفكرة سائدة حتى أثبت بنيامين طومسن، كونت رمفورد، في 1798، أن الحرارة ليست مادة بل شكلا من أشكال الحركة، يفهم الآن على أنه حركة مكتسبة للأجزاء المكونة للجسم.
وفي هذه الأثناء توصل يوهان كارل فيلكي الإستوكهولمي إلى نظرية مماثلة في الحرارة الكامنة (1772) مستقلا عن بلاك. وفي سلسلة من التجارب رواها هذا العالم السويدي في 1777 أدخل اصطلاح "الحرارة المشعة" -أي الحرارة غير المنظورة التي تنبعث من المواد الساخنة، وقد ميز بينها وبين الضوء، ووصف خطوط حركتها وانعكاسها وتركيزها بواسطة المرايا، ومهد للربط الذي ربطه فيما بعد بين الحرارة والضوء باعتبارهما شكلين متشابهين من أشكال الإشعاع. وحدد فيلكي، وبلاك، ولافوازييه، ولابلاس، وغيرهم من الباحثين، القيمة التقريبية للصفر المطلق (وهو أدنى درجة حرارة ممكنة من حيث المبدأ). أما البريطانيون فكانت وحدة الحرارة التي اتخذوها هي الكمية التي ترفع درجة حرارة رطل من الماء درجة فهرنهيتية، أما الفرنسيون، وشعوب القارة عموماً، فقد فضلوا استعمال كمية الحرارة التي ترفع درجة حرارة كيلو جرام من الماء درجة مئوية واحدة.
أما نظرية الضوء فإن ما أحرزه القرن الثامن عشر من تقدم فيها كان ضئيلا، لأن جميع الفيزيائيين تقريباً قبلوا "فرض الجسيمات" الذي قال به نيوتن-وهو أن الضوء انبعاث كريات من الجسم إلى العين. وكان أويلر يتزعم أقلية تدافع عن نظرية الموجات. فافترض-كما افترض هويجنز- أن الفضاء "الخالي" بين الأجرام السماوية. وبين الأجسام المنظورة الأخرى،
يملؤه "الأثير"، وهو مادة أرق من أن تدركها حواسنا أو آلاتنا، ولكن تلمع إليه الماعاً شديداً ظواهر الجاذبية، والمغنطيسية، والكهرباء. والضوء في رأى أويلر تموج في الأثير، كما أن الصوت تموج في الهواء. وقد ميز بين الألوان على أنها ترجع إلى فترات مختلفة من تذبذب في أمواج الضوء، وكان سباقاً إلى نظريتنا التي تنسب اللون الأزرق إلى أقصر فترة تذبذب، واللون الأحمر إلى أطوالها. وقد أثبت بيير بوجيه بالتجربة ما سبق أن توصل إليه كلير نظرياً، وهو أن شدة الضوء تتناسب تناسباً عكسياً مع مربع بعده عن مصدره. وتوصل يوهان لامبرت إلى طرق لقياس شدة الضوء، وقرر أن ضياء الشمس يبلغ 277،000 ضعف ضياء القمر، وأن علينا أن نتقبل هذا بالإيمان كما تقبلنا اللاهوت الذي ألقي إلينا في طفولتنا.
ب- الكهرباء
حققت فيزياء القرن الثامن عشر أروع تقدم لها في ميدان الكهرباء. لقد عرف الناس كهرباء الاحتكاك منذ زمن طويل. وكان طاليس المليطي (600 ق. م) على علم بما للعنبر (الكهرمان)، والكهرمان الأسود، وغيرهما من المواد إذا حكت من قدرة على جذب الأجسام الخفيفة كالريش أو القش. وقد سمى وليم جلبرت، طبيب الملكة إليزابث، هذه القوة الجاذبة "إلكترون"(من كلمة Electron اليونانية بمعنى الكهرمان) وباللاتينية vis electrica. وكانت الخطوة التالية هي إيجاد وسيلة لتوصيل هذه الكهرباء الساكنة واستخدامها. وقد بحث جويريكي وهاوكسي عن مثل هذه الوسيلة في القرن السابع عشر، وبقي أن يظل الكشف الحاسم عليها سراً حتى يتم على يد ستيفن جراي (1729).
وكان جراي رجلاً متقاعداً حاد الطبع، نزيل ملجأ من ملاجئ لندن. وحين "كهرب" أنبوبة زجاجية، مسدودة بفلينتين عند طرفيها، بدعكها وجد أن الفلينتين وكذلك الأنبوبة تجذب ريشة طائر. فأدخل أحد طرفي قضيب خشبي في إحدى الفلينتين، والطرف الآخر في كرة من العاج، فلما دعك الأنبوبة، جذبت الكرة الريشة كما جذبتها الأنبوبة والفلينتان، وهكذا أمكن توصيل الكهرباء على طول القضيب. واستطاع باستعمال
الدوبارة أو خيط القنب المتين بدلا من القضيب أن يوصل الكهرباء لمسافة 765 قدماً. فلما استخدم الشعر، أو الحرير، أو الراتنج، أو الزجاج، في الربط انعدام التوصيل؛ وهكذا لاحظ جراي الفرق بين الأجسام الموصلة وغير الموصلة، واكتشف أن الأجسام غير الموصلة يمكن استعمالها لحفظ الشحنات الكهربائية أو تخزينها. فلما علق 666 قدماً من الدوبارة الموصلة من سلسلة طويلة من الأعمدة المائلة، وأرسل "القوة أو الفضيلة" الكهربائية (كما سماها) خلال تلك المسافة، كان في الواقع سباقاً إلى ابتكار التلغراف.
وتبنت فرنسا البحث، فواصل جان ديزاجولييه (1736) تجارب جراي، وقسم المواد إلى موصلة وغير موصلة (سماها "كهربات قائمة بذاتها") ووجد أن هذه يمكن تغييرها إلى موصلات ببلها بالماء. وأجرى شارل روفيه أبحاثاً أنهاها إلى أكاديمية العلوم في 1733 - 37. وفي رسالة متواضعة إلى جمعية لندن الملكية (1734) صاغ أهم استنتاجاته على النحو الآتي:
"لقد ألقت الصدفة في طريقي بمبدأ آخر
…
وهو أن هناك كهربائين متميزين، تختلفان الواحدة عن الأخرى اختلافاً كبيراً، أسمى إحداهما "الكهرباء الزجاجية" والأخرى "الكهرباء الراتنجية" والأولى هي كهرباء الزجاج، والبلور الصخري، والأحجار الكريمة، وشعر الحيوان والصوف، وأجسام كثيرة أخرى. والثانية كهرباء العنبر، والكوبال، والجملكة، والحرير، والخيط، والورق، وعدد هائل من المواد الأخرى. وطبيعة هاتين الكهربائين هي أن جسما من نوع الكهرباء الزجاجية
…
يصد كل الأجسام التي من هذا النوع من الكهرباء، وبالعكس يجذب كل الأجسام التي من نوع الكهرباء الراتنجية (17).
إذن فإن جسمين مكهربين بالتماس مع نفس الجسم المكهرب يصد إحداهما الآخر وهو ما اكتشفه دوفيه، ويستطيع كل تلميذ أن يتذكر دهشته حين رأى كرتي بلسان معلقتين بواسطة مادتين غير موصلتين من نفس النقطة وموضوعتين بحيث تمس الواحدة منهما الأخرى، تنتقصان فجأة مبتعدتين الواحدة عن الأخرى حين يلمسها نفس القضيب الزجاجي المكهرب. وأظهرت تجارب لاحقة أن الأجسام "الزجاجية" قد تكتسب كهرباء راتنجية"، وأن الأجسام "الراتنجية" قد تكتسب كهرباء"زجاجية"
ومن ثم غير فرانكلن مصطلحات دوفيه إلى "موجبة وسالبة". وروح دوفيه عن معاصريه بتعليقه رجلا بحبال غير موصلة، وشحنه بالكهرباء بتلامسه مع جسم مكهرب، ثم بعث الشرر من جسم الرجل المعلق دون أن يصيبه أذى
(1)
.
وانتقل المشهد إلى ألمانيا. فسبق جورج بوزيه في ناحية فرانكلن بإلماعه إلى أن ظاهرة الفجر الكاذب مصدرها كهربائي. وفي 1744 أثبت كرستيان لودولف في أكاديمية برلين أن في استطاعة الشرارة كهربية أن تشعل سائلا قابلاً للالتهاب. وفجر بونيه البارود بهذه الطريقة، فأفتتح بذلك عصر استعمال الكهرباء في التفجير، وإطلاق المدفع، وعشرات الأغراض الأخرى. وفي نفس العام بدأ جوتليب كراتسنشتين استعمال الكهرباء في علاج الأمراض. وفي أكتوبر 1745 اكتشف قسيس بومراني يدعى أ. ج كلايست أن في الإمكان تخزين شحنة كهربية في أنبوبة زجاجية بملئها بسائل أدخل فيه مسماراً متصلا بآلة تحدث كهرباء احتكاكية، فلما قطعت الوصلة احتفظ السائل بشحنته عدة ساعات. وبعد بضعة شهور توصل إلى هذا الكشف ذاته أستاذ بجامعة ليدن بييتر فان موسشينيرويك، دون أن يعلم شيئاً عن تجارب كلايست، وتلقى من طاس مشحونة غير مفصولة صدمة بدا لحظة أنها قاضية عليه، ولم يفق منها إلا بعد يومين. وأثبت المزيد من التجارب في ليدن أن في الإمكان تخزين شحنة أثقل في قارورة فارغة إذا غلف سطحاها السفليان، الداخلي والخارجي، بورقة قصدير. وخطرت لدانيال جرالات فكرة ربط عدة "جرار ليدينية" معاً، ووجد أن إفراغ شحنتها الكهربية يقتل صغار الحيوان.
(1)
بدأ الآن قرن من الحيل الكهربية فدعا جيورج بوزيه، الأستاذ بجامعة ليبرج، عدة أصدقاء للغذاء ثم عزل المائدة خفية، ولكنه أوصل شتى الأجسام التي فوقها بآلة تحدث الكهرباء مخفاة في الحجرة المجاورة. فلما أقبل الضيوف على الطعام أشار لمساعد له بأن يدير الآلة، وتطاير الشرر من الأطباق، والأطعمة، والأزهار. ثم قدم للجماعة شابة جذابة عزلها حذاؤها عن أرض الحجرة، ولكن جسمها كان قد شحن كهرباء، ودعا الضيوف إلى تقبيلها. فأصيب المقبلون بصدمات كادت "تخلع أسنانهم" على حد قول الأستاذ.
وعرض لوى جيوم في باريس عام 1746، ووليم واطسن في لندن عام 1747، ما بدأ واطسن بتسمية "دائرة". فقد مد واطسن سلكاً طوله نحو ألف ومائتي قدم عبر كوبري وستمنستر، وعلى إحدى ضفتي التيمز أمسك رجل بطرف السلك ولمس الماء؛ وعلى الضفة الأخرى أمسك آخر بالسلك وبجرة من الجرار الليدينية، فلما لمس ثالث الجرة بيد وقبض بالأخرى على سلك امتد داخل الماء أقفلت "الدائرة" وأصيب الرجال الثلاثة بصدمة. خلال فراغ جزئي، فينشأ عن ذلك ضؤ غير قليل.
ويوصلنا هذا العام -عام 1747 إلى بنيامين فرانكلن، الذي بدأ آنئذ تجاربه الكهربية التي جعلت اسمه وصيته يتذبذبان بين العلم والسياسة. هنا ذهن وقلب من أعظم ما وعى التاريخ، اتسعت رقعة فضوله الخلاق وتفاوتت من مقترحات كالتوقيت الموفر لنور النهار، والكراسي الهزازة، والنظارات المزدوجة البؤرة إلى مانعات الصواعق ونظرية السائل الواحد الكهربية. وقد اعترف عالم من أئمة علماء قرننا هذا، هو السير جوزيف طومسن، بأنه "دهش للتشابه بين بعض الآراء التي تهدينا إليها نتائج أحدث الأبحاث، والآراء التي قال بها فرانكلن في طفولة الموضوع (19).
كان من أول كشوف فرانكلن تأثير الأجسام المدببة في "جذب وقذف النار الكهربية"(20). فقد وجد أن إبرة طويلة رفيعة تستطيع جذب تيار من الكهرباء من كرة مكهربة على بعد ست بوصات أو ثمان، في حين أن جسما غير حاد اقتضى إحداث هذا الأثر فيه تقريبه إلى مسافة بوصة من الكرة. وكان فرانكلن يتحدث عن الكهرباء باعتبارها ناراً، ولكنه ذهب إلى النار نتيجة خلل بين توازن السائلين الناريين "الموجب والسالب"، اللذين طن أنهما الكهرباء. فكل الأجسام عنده تحوي هذا السائل الكهربي: فالجسم "الزائد" المحتوي على أكثر من كميته العادية، يكهرب إيجابياً ويميل إلى إفراغ فائضه في جسم يحوي كمية عادية أو أقل من العادية؛ والجسم "الناقص" المحتوي على أقل من كميته العادية، يكهرب سلبياً، ويجتذب
الكهرباء من جسم يحوي كمية عادية أو أكثر. وعلى هذا الأساس طور فرانكلن بطارية مكونة من إحدى عشرة لوحة زجاجية كبيرة برقائق من الرصاص كهربت إلى درجة عالية؛ فلما قرب هذا الجهاز ليلمس أجساماً أخف شحنة، أطلق جانباً من شحنته بقوة عنها فرانكلن "أنها لا تعرف حدوداً "تفوق أحياناً" أشد ما نعرف من آثار البرق العادي"(21).
وكان العديد من الباحثين-وول، ونيوتن، وهوكسي، وجراي، وغيرهم- قد لاحظوا الشبه بين الشرر الكهربي والبرق؛ فأثبت فرنكلن أنهما واحد. وفي 1750 أرسل إلى جمعية لندن الملكية رسالة جاء فيها:
"ألا يجوز أن يفيدنا علمنا بقوة الأطراف المدببة هذه في وقاية البيوت والكنائس والسفن الخ. من الصواعق، وذلك بإرشادنا إلى أن نثبت فوق قمم المباني قضباناً مستقيمة من الحديد، يسن القضيب منها كالإبرة ويغشى بالذهب منعاً لصدئه، ومن أسفل هذه القضبان يمد سلك من خارج البناء هابطاً إلى الأرض، أو حول أحد حبال صاري المركب إلى جنبها حتى يصل إلى الماء؟ ألا يحتمل أن تجذب هذه القضبان المدببة النار الكهربائية في هدوء من السحابة قبل أن تقترب قرباً يتيح لها أن تصعق البناء، وبهذا نأمن ذلك الشر الفجائي المستطير؟ "(22):
ثم وصف تجربة يمكن ان تختبر بها هذه النظرية. أما الجمعية الملكية فقد رفضت الاقتراح لنه من قبيل الخيال، ورفضت أن تنشر رسالة فرانكلن. ولكن عالمين فرنسيين هما دلور وداليبار، وضعا نظرية فرانكلن موضع الاختبار، فأقاما في حديقة بماري (1752) قضيباً حديدياً مدبباً طوله خمسون قدماً، ونبها على حارس بأن يلمس القضيب بسلك نحاسي معزول إن مرت غيابهما سحب رعدية فوق رأسه. وجاءت السحب، ولمس الحارس القضيب لا بالسلك فقط بل بيده كذلك؟ وتطاير الشرر وطقطق، وصدم الحارس صدمة عنيفة. وأيد دلور وداليبار رواية الحارس بمزيد من الاختبارات، وأبلغا أكاديمية العلوم الباريسية أن "فكرة فرانكلن لم تعد حدساً بل حقيقة".
أما فرانكلن فلم يقنع بهذا، فقد أراد أن يوضح وحدة البرق والكهرباء في جلاء، وذلك بأن "يستخلص" البرق بشيء يرسل صعدا إلى السحابة
المبرقة ذاتها. ففي يونيو 1752 حين بدأت عاصفة رعدية، طير على خيط قنب متين طيارة من الحرير (لأنه أصلح من الورق لحمل الريح والرطوبة، دون أن يتمزق)؛ وبرز سلك شديد التدبب على نحو اثنتي عشرة بوصة من قمة الطيارة، وعلى طرف الخيط الذي ينتهي عند المشاهد ربط مفتاح بشريط حريري؛ وبين فرانكلن نتائج التجربة في رسالة إلى إنجلترا (19 أكتوبر) ضمنها توجيهات لتكرارها:
"إذا بلل المطر خيط الطيارة بحيث يستطيع توصيل النار الكهربية دون معوق، ستجد أنها تنطلق بوفرة من المفتاح بمجرد أن تدنى منه مفصل اصبعك، وبهذا المفتاح يمكن شحن قنينة (أو جرة ليدينية)، ومن النار الكهربية التي يحصل عليها بهذه الطريقة يمكن إشعال المواد الكحولية وإجراء جميع التجارب الكهربية الأخرى التي تجري عادة بالاستعانة بكرة أو أنبوبة زجاجية محكوكة، وهكذا يتضح تماماً أن المادة الكهربية هي البرق شئ واحد"(23).
وكررت التجربة في فرنسا (1753) بطيارة أكبر وحبل طوله 780 قدماً ملفوف حول سلك حديدي، ينتهي عند المشاهد بأنبوبة معدنية كانت في التجربة تبعث شراراً طوله ثماني بوصات. وقد قتلت الصدمة الكهربية ج. و. وتشمان الأستاذ بجامعة سانت بطرسبورج وهو يجري تجربة مماثلة. فلما أرسلت مؤلفات فرانكلن إلى إنجلترا في 1751 - 54 أكسبته الانتخاب عضواً في الجمعية الملكية، ومدالية كوبلي. وجاءته ترجمتها إلى الفرنسية بخطاب تهنئة من لويس الخامس عشر، وثناء حار من ديدرو، الذي وصفها بأنها نماذج في تحرير التقارير العلمية. وقد مهدت هذه الترجمات للاستقبال الودي الذي لقيه فرانكلن حين قدم إلى فرنسا ملتمساً العون للمستعمرات الأمريكية إبان ثورتها فلما نجحت الثورة بمعونة فرنسا لخص دالامبير (أوطورجو) إنجاز فرانكلن في بيت محكم خليق بقيرحل أو لوكريتيوس:
"نه خطف البرق من السماء، والصولجان من الطغاة".
وعجت أوربا كلها بالنظريات والتجارب الكهربية بعد عام 1750. ففتح جون كانتون (1753) وفيلكي العالم المتعدد القدرات (1757) الطريق لدراسة التوصيل الكهربي الاستاتيكي، الذي يتكهرب بواسطته موصل غير مشحون إذا وضع بقرب جسم مشحون. وبرهن فيلكي على أن في الإمكان شحن معظم المواد بالكهرباء الموجبة (أو السالبة) إذا حكت بجسم مشحون بشحنة أقل منها (أو أزيد). وأثبت أيبينوس (فرانتز أولريش هوخ) الذي كان يعمل مع فيلكي في برلين أن لوحتين معدنيتين لا يفصلهما إلا طبقة من الهواء تعملان عمل الجرة الليدينية. وحاول جوزف بريستلي قياس قوة الشحنة الكهربية وأقصى اتساع تمر عبره شرارة شحنه معينة. وقد قرر أنه حين عبرت شرارة فجوة لا تتجاوز حتى بوصتين بين قضيبين معدنيين في فراغ ظهر في الفجوة "ضؤ أزرق أو أرجواني خفيف". على أن أروع إسهام أسهم به بريستلي في النظرية الكهربية هو إلماعه إلى أن قوانين الكهرباء قد تكون شبيهة بقوانين الجاذبية ولأن القوة التي تؤثرها الواحدة على الأخرى بواسطة شحنات كهربية منفصلة تتناسب تناسباً عكسياً مع مربع المسافة بين مصدريهما. وقد جرب هنري كافندش (الذي يذكر كما يذكر بريستلي بفضل منجزاته في الكيمياء على الأخص) اقتراح بريستلي في سلسلة من التجارب الصابرة، وتوصل إلى تعديل طفيف ولكنه هام، زاده جيمس كلارك ماكسويل صقلا في 1878، والقانون يقبل اليوم بوضعه هذا. وبعد أن قام شارل أوجستن وكولومب بأعمال قيمة في ميدان توتر العوارض ومقاومة المعادن للالتواء، قدم لأكاديمية العلوم الباريسية تقارير عن تجارب (1785 - 86) استخدمت الميزان الالتوائي (إبرة تعتمد على شعرة رقيقة) في تقدير التأثيرات المغنطيسية والشحنات الكهربية، وفي كلتا الحالتين أثبت مادياً قانون المربعات العكسية.
وقد ترك إيطاليان، كما ترك كولومب، على اسميهما مصطلحات الكهرباء. فلم يقتصر لويجي جلفاني أستاذ التشريح في بولونيا على كشفه إمكان إحداث التقلصات العضلية في الحيوان الميت بالتماس الكهربي المباشر (وكان هذا معروفاً قبل ذلك بزمن طويل) بل زاد بأن هذه التقلصات تحدث إذا قربت ساق ضفدع ميت موصلة بالأرض من آلة تبعث شرارة كهربية. وأحدثت
تقلصات مماثلة في سيقان الضفادع-الموصلة كذلك بالأرض والمربوطة بأسلاك حديدية طويلة- حين ومض البرق في الحجرة. وأدهش جلفاني أن يكتشف أن في إمكانه أن يقلص ساق ضفدع دون أي استعمال أو وجود لجهاز كهربي بمجرد تقريب عصب الضفدع وعضلته ليمسا معدنين مختلفين. وخلص من ذلك إلى أن في جسم الحيوان كهرباء طبيعية.
وكرر هذه التجارب أليساندرو فولتا، أستاذ الفيزياء في بافيا، ووافق أول الأمر على نظرية مواطنه في الكهرباء الحيوانية، ولكن المزيد من أبحاثه عدل آراءه. فبعد أن أعاد فولتا تجربة رواها ي. ج. زولتسر حوالي عام 1750 وجد أنه إذا وضع قطعة من القصدير على طرف لسانه، وقطعة من الفضة على ظهر لسانه شعر بطعم شديد الحموضة كلما وصل المعدنين بسلك. فلما وصل جبينه وسقف حلقه بهذين المعدنين المختلفين حصل على إحساس بالضوء. وفي 1792 أذاع النتيجة التي خلص إليها، وهي أن المعدنين، لا النسيج الحيواني، أحدثا الكهرباء بمجرد تفاعل الواحد مع الآخر ولمسهما مادة رطبة يحسن أن تكون محلول ملح. وأثبت المزيد من التجارب أن تماس معدنين مختلفين يحدث بهما شحنة كهربية-الواحد إيجاباً والآخر سلباً-دون تدخل من أي مادة رطبة، حيوانية كانت أو غير حيوانية. ولكن هذا التماس المباشر يحدث تفاعلا في الشحنات فقط، لا تدفقاً في التيار. ولكي يحدث فولتا تياراً صنع" رصيفاً كهربائياً"(فولطياً) بوضع عدة طبقات بعضها فوق بعض، يتألف كل منها من صفيحتين موصولتين من معدن نختلف، وصفيحة من الورق أو الخشب المبلل. وهكذا كونت في آخر سنة في القرن لثامن عشر أول بطارية ذات تيار كهربي. وفتح الطريق أمام الكهرباء لتعيد صنع وجه الأرض وليلها.
4 - الكيمياء
أ - البحث عن الأوكسجين
كتب إدوارد جيبون في 1761 يقول "إن الفيزياء والرياضة تتربعان الآن على العرش، تريان أخواتهما ملقيات على الأرض أمامهما، مغلولات إلى عربتهما، أو على الأكثر يزين موكب انتصارهما. ولعل الزمن لن
يمهلهما كثيراً حتى يسقطها عن عرشهما" (24). وكانت تلك نبوءة مشئومة فالفيزياء الآن ملكة العلوم، والرياضة معينتها، ولكن ما من أحد يستطيع التنبؤ بما قد يسفر عنه اتحادهما.
ومع ذلك، ففي وسط جميع انتصارات رياضة القرن السابع عشر وفيزيائه وفلكه، كان علم صغير قد انبعث من أقمطة الكيمياء. وأوشك خطأ مؤسف أن يخنقه وهو بعد في المهد. ذلك أن جورج شتال أستاذ الطب والكيمياء في هاللي، عملا بنظرية اقترحها بوهان بيشر في 1669، علل الاختراق بأنه إطلاق "الفلوجستون"(اللاهوب) من المادة المحترقة إلى الهواء وكلمة Phlogiston هي المقابل اليوناني لكلمة inflammable أي قابل للاحتراق؛ وكلمة phlox هي المقابل اليوناني لكلمة flame أي اللهب، وتعني اليوم نباتاً تتلون أزهاره أحياناً باللون الأحمر المشتعل). وما وافى عام 1750 حتى قبل معظم الكيميائيين في غرب أوربا هذه النظرية التي تزعم أن الحرارة أو النار مادة منفصلة عن المادة المشتعلة. ولكن أحداً لم يستطع أن يفسر، إذا كان الأمر كذلك فما السر في أن المعادن تزن بعد احتراقها أكثر منها قبله.
وقد مهد لتعليلنا الراهن للاحتراق العمل الذي قام به هيلز، وبلاك، وشيليه في كيمياء الهواء. أما ستيفن هيلز فقد عبد الطريق باختراعه "الحوض الغازي" وهو وعاء هوائي يمكن أن تجمع فيه الغازات في إناء مقفل فوق الماء. وقرر أن الغازات (وقد سماها "الأهوية") تحتويها جوامد كثيرة، ووصف الهواء بأنه "سائل مطاط رقيق" له جزيئات ذات طبيعة مختلفة جداً تطفو فيه" (25).
وقد أنهى تحليل الهواء والماء إلى مواد منوعة الفكرة القديمة عن الهواء، والماء، والنار، والتراب، باعتبارها العناصر الرئيسية الأربعة. وفي الجيل التالي أثبتت تجارب جوزف بلاك (1756) أن من مكونات الهواء ما سماه اقتداء بهليز-"الهواء الثابت" أي الهواء المحتوي في المواد الجامدة أو السائلة والقابل للإزالة منها، ونحن نسميه الآن ثاني أوكسيد الكربون أو غاز حامض الكربونيك". وزاد بلاك بتمهيده الطريق للكشف عن الأوكسجين بإثباته
بالتجربة أن هذا الغاز يحتويه زفير الإنسان. ولكنه ظل يؤمن بالفلوجستون، وظل الأوكسجين والهيدروجين والأزوت (النتروجين) أسراراً غامضة.
وقد أسهمت السويد بعطاء سخي في كيمياء القرن الثامن عشر فتوربيرن أولوف بيرجمان، الذي سنلتقي به ثانية رائداً في الجغرافيا الطبيعية، كان أولاً وقبل كل شيء كيميائياً، عرفه الناس وأحبوه أستاذاً لذلك العلم في جامعة أوبسالا. وهو أول من حصل على النيكل في حالة نقاء، وأول من أثبت أهمية الكربون في تحديد الخواص الطبيعية للمركبات الكربونية الحديدية. وقد درس في حياته القصيرة نسبياً-والتي لم تتجاوز تسعة وأربعين عاماً- الائتلافات الكيميائية لتسع وخمسين مادة، بعد أن أجرى عليها نيفاً وثلاثين ألف تجربة، ونشر كشوفه في كتابه "الإجتذابات الانتخابية"(1775) ومات قبل أن يكمل هذا العمل، ولكنه كان خلال ذلك قد أورث شيليه تفانيه في البحوث الكيميائية.
ويسلم مؤرخو العلم الإنجليزي الآن في شهامة بأن كيميائياً سويدياً-هو كارل فلهلم شيليه سبق (1772) كشف بريستلي (1774) لما سماه لافوزييه (1779) لأول مرة بالأكسجين. وقد قضى شيليه أكثر عمره الذي لم يتجاوز الثلاثة والأربعين عاماً فقيراً معدماً. بدأ صبياً لصيدلي في جوتبورج، ولم يرق إلى أكثر من صيدلي في مدينة كوبنج المتواضعة. وقد حصل له معلمه توربيرن بيرجمان-على معاش صغير من أكاديمية أستوكهولم للعلوم، فكان شيليه ينفق ثمانين في المائة منه على التجارب الكيميائية، يجرى أكثرها ليلا بعد الفراغ من عمل نهاره مستعيناً بأبسط الأجهزة المعملية. ومن هنا موته المبكر. ومع ذلك فقد غطى ميدان هذا العلم الجديد كله تقريباً، وعرفه ببساطته المعهودة فقال"إن هدف الكيمياء ومهمتها الرئيسية هي أن تفصل المواد بمهارة، وتردها إلى مكوناتها، وأن تكشف خواصها، وأن تركبها بطرق مختلفة"(26).
وفي 1775 أرسل إلى لمطبعة مخطوطة عنوانها "رسالة كيميائية في الهواء والنار"؛ وتأخر نشرها حتى 1777، ولكن كل التجارب التي وصفتها تقريباً كانت قد أجريت قبل 1773. ومع أن شيليه ظل حتى مماته متمسكاً
بإيمانه باللاهوب، فإنه أرسى قضية أساسية هي أن الهواء غير الملوث يتألف من غازين، سمى أحدهما "هواء النار" وهو الأكسجين لأنه أهم عماد للنار وسمى الثاني "الهواء التالف" وهو الأزوت لأنه هواء فقد "هواء النار". وقد حضر الأكسجين بطرق عديدة، مزج في إحداهما حامض الكبريتيك المركز بالمنغنيز المطحون طحناً دقيقاً، وسخن المزيج في إنبيق، وجمع الغاز الناتج في كيس ضغط حتى خلا من الهواء تقريباً. ووجد أن الغاز الذي أنتج على هذا النحو إذا مرر على شمعة مشتعلة "بدأت تشتعل بلهيب أكبر، وبعثت نوراً ساطعاً يبهر العين"(27). وخلص إلى أن "هواء النار" هو الغاز الذي تعتمد عليه النار. ولا شك أنه استخرج هذا الغاز قبل أن يستخرجه بريستلي بسنتين (28).
ولم يكن هذا سوى قسط يسير من منجزات شيليه. ولعل سجله مكتشفاً لمواد جديدة لا ضريب له بين المكتشفين (29) فهو أول من عزل الكلورين، والباريوم، والمنغنيز، ومركبات جديدة مثل النشادر، والجلسرين، وأحماض الهيدروفلوريك، والتانيك، والبنزويك، والأوكساليك، والماليك، والطرطريك. وقد انتفع برتولليه في فرنسا، وجيمس وات في إنجلترا، انتفاعاً تجارياً بكشفه لتبييض الكلورين للثياب، والخضر، والزهر. وفي أبحاث أخرى اكتشف شيليه حمض البوليك بتحليل حصاة المثانة (1776). وفي 1777 حضر الهيدروجين المكبرت، وفي 1778 حمض المولبديك. وفي 1780 أثبت أن حموضة اللبن الحامض سببها حمض اللبنيك؛ وفي 1781 حصل على حمض التنجستيك من تنجستات الكلسيوم (ويعرف الآن بالشيلي). وفي 1783 اكتشف حمض البروسيك (الهيدروسيانيك) دون أن يدرك ما له من طبيعة سامة. كذلك استخراج غاز الأرسين (وهو مركب قتال من الزرنيخ (وصبغة الزرنيخ المعروفة الآن بأخضر شيليه (30). وقد أعان على تيسير التصوير الفوتوغرافي بإثباته أن ضؤ الشمس الأبيض لها تأثيرات على أملاح الفضة. وقد تبين أن الجهد الذي أنفق في هذا العمر القصير، وهو جهد مثمر إلى حد لا يصدق، ذو أهمية بالغة في التنميات الصناعية في القرن التاسع عشر.
ب- بريستلي
ظل الفضل في اكتشاف الأكسجين ينسب طويلا إلى جوزف بريستلي لا إلى شيليه، لأنه اكتشفه مستقلا عن شيليه، وأذاع اكتشافه هذا في 1775 قبل عامين من نشر شيليه المتأخر لكشفه. ومع ذلك فنحن نكرمه لأن أبحاثه أتاحت للافوازييه أن يضفي على الكيمياء شكلها الحديث، ولأنه كان من الرواد في الدراسة العلمية للكهرباء، ولأنه أسهم بشجاعة في الفكر البريطاني عن الدين والحكومة حتى أن جماعة متعصبة من الغوغاء أحرقت بيته في برمنجهام وحملته على الالتجاء إلى أمريكا. وقد لمس تاريخ الحضارة في نقط كثيرة، وهو واحد من أعظم شخصياته إلهاماً.
ولد في يوركشير في 1733، لمشاط من المنشقين على الكنيسة الرسمية. وأكب بنهم على دراسة العلم، والفلسفة، واللاهوت، واللغات؛ فتعلم اللاتينية، واليونانية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والعربية، وحتى طرفاً من السريانية والكلدية. واشتغل أول الأمر واعظاً منقشاً في سافوك، ولكن عقده في لسانه انتقصت من تأثير بلاغته في السامعين. فلما بلغ الخامسة والعشرين نظم مدرسة خاصة بعث الحياة في منهاجها بتجارب في الفيزياء والكيمياء. وفي الثامنة والعشرين أصبح معلماً في أكاديمية للمنشقين في وارنجتن، وهناك علم خمس لغات، ووجد رغم ذلك الوقت ليجري أبحاثاً أكسبته زمالة في الجمعية الملكية (1776). في تلك السنة التقى بفرانكلن في لندن فشجعته على تأليف كتابه "تاريخ الكهرباء ووضعها الراهن"(1776) وهو مسح جدير بإعجاب للموضوع بأسره حتى جيله. وفي 1767 عين راعياً لكنيسة مل هل بليدز. وقد تذكر في تاريخ لاحق من حياته، إنه "نتيجة لسكناي حيناً بقرب مصنع عمومي للجعة أغريت بإجراء تجارب على الهواء الثابت (31). لأن عجين مصنع الجعة انبعث منه غاز ثاني أكسيد الكربون. وقد أذابه في الماء، وأعجبته نكهته الفوارة؛ وكان هذا أول "ماء صودا".
وفي 1772 أعفى من هموم الرزق بتعيينه أمين مكتبة للورد شلبيرن. وفي البيت الذي جهز له بكولن أجرى التجارب التي أكسبته شهرة دولية.
وقد حسن "وعاء هيلز الغازي" بأن جمع فوق الزئبق، بدلا من الماء، الغازات التي ولدها بأنواع مختلفة من المزج. ففي 1772 عزل أكسيد النتريك، وأكسيد النتري (الغاز الضحاك) وكلوريد الهيدروجين؛ وفي 1773 النشادر (مستقلاً عن شيليه)؛ وفي 1774 ثاني أكسيد الكبريت؛ وفي 1776 بيروكسيد الأزوت. وفي 15 مارس 1775 أرسل إلى جمعية الملكية خطاباً أذاع فيه كشفه للأكسجين. وقد وصف طريقته في المجلد الثاني من كتابه تجارب ومشاهدات في مختلف أنواع الهواء (1775) فقال أنه باستعمال عدسة حارقة قوية: "شرعت
…
بالاستعانة بها في أن أفحص نوع الهواء الذي تطلقه أنواع كثيرة جداً من المواد) حين تسخن بهذه الطريقة (بوضعها في
…
أوان
…
مملوءة بالزئبق ومقلوبة في حوض الزئبق
…
وبهذا الجهاز
…
، في أول أغسطس 1774، حاولت استخراج الهواء من الزئبق المكلس وحده (أكسيد الزئبق) وسرعان ما وجدت أن الهواء يطرد منه بسرعة باستعمال هذه العدسة
…
والذي أدهشني دهشة لا يمكنني التعبير عنها أن شمعة اشتعلت في هذا الهواء بلهب قوى جداً (32).
فلما لاحظ-كما لاحظ شيليه- أن في استطاعة فأر أن يعيش أطول في هذا الهواء المنزوع اللاهوب أو الفلوجستون (كما سمى الأكسجين) مما يعيش في الهواء العادي، خطر له أن يجرب بنفسه الهواء الجديد.
"لن يعجب القارئ لأنني بعد أن أكد لي عظم صلاحية الهواء المنزوع اللاهوب من حياة الفئران فيه، وبغير ذلك من التجارب التي سبق ذكرها، تطلعت إلى تذوقه بنفسي. فأشبعت فضولي باستنشاقه وسحبه من زجاجة سيفون؛ وبهذه الطريقة أحلت أبريقاً كبيراً مملوءاً به إلى مستوى الهواء العادي. ولم يكن إحساس رئتي به يختلف اختلافاً محسوساً عن إحساسهما بالهواء العادي. ولكن خيل إلي أن صدري ظل بعض الوقت بعدها يحس بأنه خفيف إلى درجة غريبة. ومن يدري، فلعل هذا الهواء النقي سيصبح يوماً ما أداة عصرية من أدوات الترف؟ أما إلى اليوم فإن أحداً لم يستمتع باستنشاقه سواي أنا وفأرين (33)
…
وقد تنبأ ببعض صور هذا الترف المستقبل:
لنا أن نحزر-من قوة لهيب الشمعة المضاءة في هذا الهواء النقي وسطوعها الزائد-أنه قد يكون أصلح جداً للرئتين في حالات مرضية معينة، حين لا يكفي الهواء العادي إزالة الزفر الفلوجستي الفاسد (ثاني أكسيد الكربون) بالسرعة الكافية. ولكن ربما استنتجنا أيضاً من هذه التجارب أنه وإن كان الهواء المنزوع اللاهوب (الأكسجين) مفيداً جداً كدواء، فإنه قد لا يكون بمثل هذه الصلاحية لنا في حالة الصحة العادية للبدن، لأن الشمعة تشتعل في الهواء المنزوع اللاهوب بأسرع مما تشتعل في الهواء العادي، ومن ثم فقد نفني حياتنا بأسرع مما ينبغي وتستهلك فينا القوة الحيوانية على عجل في هذا النوع النقي من الهواء (34).
وقد تألفت تجارب بريستلي بالفروض المثمرة والإدراكات اليقظة، ولكن تفسيراته النظرية كان أكثرها تقليداً. فقد ظن كما ظن شتال وشيليه أنه في الاحتراق يخرج الجسم المشتعل مادة هي الفلوجستون (اللاهوب) وذهب إلى أن هذه المادة تتحد مع أحد مكونات الهواء ليكونا "الهواء التالف" أو "الهواء ذات اللاهوب"(وهو الأزوت) أما المكون الآخر فسماه"الهواء المنزوع اللاهوب" وهو ما سيطلق عليه لافوازييه اسم الأكسجين. وبينما كان لافوازييه يقول بأن الجسم في عملية الاحتراق يمتص الأكسجين من الهواء بدلا من أن يطرد الفلجستون فيه، ظل بريستلي إلى آخر حياته متمسكاً بالمفهوم القديم.
وفي 1774 سافر مع اللورد شلبيرن إلى القارة، وأخبره بتجارب الأكسجين. وفي 1780 أحاله شلبيرن إلى التقاعد بمعاش سنوي قدره 150 جنيهاً. واستقر بريستلي في برمجنهام قسيساً أصغر لجماعة كبيرة من المنشقين تدعى "المحفل الجديد". وانضم إلى جيمس وات، وجوسيا ودجوود، وارزمس داروين، وماثيوبولتن، وغيرهم في "جمعية قمرية" تناقش أحدث الأفكار في العلم، والتكنولوجيا، والفلسفة. وكان محبوباً من جميع الطبقات تقريباً وموضع الإعجاب لوجهه البشوش، وتواضعه، وسماحته، وطهارة حياته التي لا تشوبها شائبة (35). ولكن بعض جيرانه
ارتابوا في مسيحيته. وفي كتابه "مقالات في المادة والروح"(1777) رد كل الأشياء، حتى النفس، إلى المادة وأصر على أن هذا الرأي شئ لا غبار عليه.
"فمعلوم جيداً لأهل العلم
…
إن ما عناه القدماء بالكائن اللامادي إنما هو نوع مهذب مما ينبغي أن نسميه الآن مادة، شئ كالهواء أو النفس، زود الناس لأول مرة باسم للنفس
…
ومن ثم لم يستعبد القدماء من العقل خاصية "الامتداد" والضغط المحلي. فقد كان لهم في رأيهم بعض الخواص المشتركة بينه وبين المادة، وكان في استطاعته أن يتحد معها، وأن يؤثر فيها ويتأثر بها
…
وعليه فقد رؤي أن
…
قوة الحس أو التفكير
…
يمكن أن تنقل لأغلظ ضروب المادة
…
وأن "النفس""والجسم" لا بد أن يموتا معاً لأنهما في الواقع مادة واحدة (36).
وفي كتاب آخر نشره في نفس العام اسمه"شرح عقيدة الضرورية الفلسفية"، أنكر بريستلي بحماسه حرية الإرادة أسوة بهارتلي وهيوم. وفي كتابه "تاريخ تحريفات المسيحية"(1782) رفض المعجزات وسقوط آدم، وكفارة المسيح، وعقيد الثالوث. وذهب إلى أن هذه العقائد كلها تحريفات أدخلت أثناء تطور المسيحية؛ إذ لا وجود لها في تعاليم المسيح والرسل الأثنى عشر. ولم يبق من المسيحية في بريستلي غير الإيمان بالله المبني على شهادة للقصد الإلهي. ولم يكن راضياً تمام الرضى عن فكرة الخلود، فألمع إلى أن الله في يوم الحشر سيعيد خلق الأموات جميعاً. على أن رجاه الحقيقي لم يكن معقوداً على سماء في الآخرة بل على "بوتوبيا" تبنى على هذه الأرض بانتصار العلم على الخرافة والجهل. وندر أن عبر إنسان بحرارة كما عبر بريستلي عن دين القرن الثامن عشر، وعن التقدم، إذ يقول:
كل المعرفة ستقسم فروعاً وتوسع، ولما كانت المعرفة قوة كما لاحظ اللورد بيكون، فإن قوى البشر ستزداد في الواقع، فالطبيعة -مواردها وقوانينها- ستكون في متناول أكثر من ذي قبل، وسيجعل الناس وضعهم في هذا العالم أشد يسراً وراحة، وأغلب الظن أنهم سيطيلون وجودهم فوقه، وسيصبحون كل يوم أسعد حالاً، كل سعيد في ذاته، وأقدر
(وأكثر ميلاً في ظني) على توصيل السعادة لغيره. ومن ثم، فأياً كانت بداية هذا العالم، فإن نهايته ستكون أمجد وأسعد مما يستطيع خيالنا الآن أن يتصوره
…
(37) وطوبى للذين يسهمون في نشر النور النقي لهذا الإنجيل الخالد (38).
وفي رؤيا بريستلي أن بعض هذا التقدم المجيد سيكون سياسياً، وسيبنى على مبدأ إنساني بسيط "فتحقيق الخير والسعادة
…
لأغلبية الناس في أي دولة، هو المعيار الذي يجب أن يقرر به نهائياً كل شئ يمت إلى تلك الدولة (39). ويقول بنتام أنه وجد هنا مصدراً من مصادر فلسفة المنفعة التي بشر بها. وعند بريستلي أن الحكومة العادلة الوحيدة هي التي تستهدف إسعاد مواطنيها. ومما يتفق تماماً مع المسيحية أن يطيح الشعب بالحكومة التي يتضح له ظلمها. وقد أجاب عن تحذير القديس بولس الذي قال فيه "إن السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. " بقوله "للسبب نفسه ستكون سلاطين المستقبل مرتبة من الله أيضاً (40).
وكان طبيعياً أن يتعاطف ثائر كهذا مع المستعمرات في احتجاجها على فرض الضرائب عليها دون أن يكون لها ممثلون في البرلمان البريطاني. وقد صفق للثورة الفرنسية بحرارة أشد حتى من حرارة تعاطفه مع المستعمرات. ولما ندد بها بيرك دافع عنها بريستلي فدمغه بيرك في البرلمان بالهرطقة. وكان بعض أصدقاء بريستلي يشاركونه آراءه المتطرفة. وفي 14 يوليو 1791 اجتمعت "جمعية برمنجهام الدستورية" في الفندق الملكي للاحتفال بالذكرى السنوية لسقوط الباستيل. ولم يحضر بريستلي الاحتفال. واحتشد جمع أمام الفندق واستمعوا إلى اتهامات زعمائهم للمهرطقين والخونة، ثم قذفوا نوافذ الفندق بالحجارة، ففر أصحاب المأدبة. وانطلق الجمع إلى بيت بريستلي فأحرقوه مبتهجين وأتوا على مختبره وأدواته ومكتبته ومخطوطاته. ثم ظلوا ثلاثة أيام يجوبون أنحاء برمنجهام وهم يقسمون أن يقتلوا جميع "الفلاسفة"؛ وراح المواطنون المروعون يخطون على زجاج نوافذهم عبارة "لا يوجد هنا فلاسفة". وفر بريستلي إلى ددلي، ثم لى لندن. ومنها وجه رسالة في 19 يوليو إلى أهل برمنجهام قال فيها:
مواطني وجيراني الأسبقون.
بعد أن عشت معكم أحد عشر عاماً، خبرتم كلكم على السواء خلالها ذلك المسلك المسالم الذي كنت أسلكه في العكوف على الواجبات الهادئة لمهنتي وللفلسفة، لم أتوقع قط تلك الأضرار التي أوقعتموها مؤخراً بي وبأصدقائي
…
وعقول الإنجليز لحسن الحظ تستبشع "القتل"، ومن ثم لم تفكروا فيه (وهو ما أرجوه). ولكن ما قيمة الحياة إذا ارتكب كل شئ لجعلها شقية تعسة؟ ..
لقد دمرتم أثمن وانفع جهاز حقاً من الأجهزة الأدوات الفلسفية
…
لقد دمرتم مكتبة .... لا يمكن لمال أن يشتريها من جديد إلا بعد زمن طويل ولكن ما يحز في نفسي أكثر من هذا أنكم دمرتم مخطوطات هي ثمرة الدرس الكادح في سنوات كثيرة، ولن أستطع أبداً إعادة تأليفها من جديد؛ وقد فعلتم هذا بإنسان لم يؤذكم ولم يخطر له قط أن يؤذيكم.
وتخطئون إذا ظننتم أن مسلككم هذا قد يخدم قضيتكم أو يضر قضيتنا
…
فلو أنكم قضيتم على كما قضيتم على بيتي، ومكتبي، وأجهزتي، فإن عشرة أشخاص آخرين لهم من الجرأة والكفاية ما يعادل مالي أو يفوقه سيظهرون على الفور. ولو قضي على هؤلاء العشرة لظهر بدلهم مائة
…
نحن في هذا الأمر أشبه بالحملان وأنتم بالذئاب. وسنتمسك بخلقنا، ونرجو أن تغيروا خلقكم. وأياً كان الأمر، فإننا نرد على لعناتكم بالبركات، ونرجو أن تثوبوا سريعاً إلى ما امتاز به أهل برمنجهام فيما مضى من جد واجتهاد وعادات رزينة.
وإنني المتمني لخيركم، المخلص،
ج. بريستلي (41)
ولكنه قاضى المدينة مطالباً بتعويض، وقدر خسارته بمبلغ 4،500 جنيه. وأعان قضيته تشارلز جيمس فوكس، ومنحته برمنجهام 2،502 جنيهاً. فحاول أن يستقر في مواطن جديد في إنجلترا ولكن رجال الكنيسة، وأنصار الملكية، وزملاءه في الجمعية لملكية، تجنبوا صحبته (42).
وعرضت عليه الأكاديمية الفرنسية للعلوم عن طريق سكرتيرها كوندورسيه بيتاً ومختبراً في فرنسا. وفي 8 أبريل 1794 هاجر إلى أمريكا، وكان يومها في الحادية والستين، واختار بيته الجديد في مدينة نورثمبرلاند، في بنسلفانيا وطن فرانكلن، على ضفاف نهر سسكويهانا الجميل الذي سيحلم به بعد قليل كولردج وسوذي. ثم استأنف تجاربه واكتشف تركيب أول أكسيد الكربون. وقد احتفت به الجماعات العلمية وعرض عليه كرسي الكيمياء في جامعة بنسلفانيا. وفي 1796 ألقي على الجامعيين في فيلادلفيا سلسلة من الأحاديث عن "الشواهد على المسيحية" وكان من بين جمهور المستمعين جون آدمز نائب رئيس الجمهورية وكثيرون من أعضاء الكونجرس. ومن هذه الاجتماعات انبعثت جمعية للموحدين. وبعد عامين اقترح تيموثي بيكرنج، الوزير في حكومة الرئيس آدمز، ترحيل بريستلي بوصفه أجنبياً غير مرغوب فيه. ووضع انتخاب جفرسن (1800) نهاية لقلق بريستلي، فأتيحت له أربعة أعوام من السلام. وفي 1803 كتب آخر أبحاثه العلمية التي ظل يدافع فيها عن الفلوجستون ومات في نورتميرلاند في 6 فبراير 1804. وفي 1943 قررت الهيئة التشريعية البنسلفانية أن يكون بيته بيتاً تذكارياً قومياً.
وبينما اضطلع توماس بين بحملة بريستلي بوصفه مسيحياً متمرداً، واصل هنري كافندش أبحاثه في كيمياء الغازات. وكان كافندش ابن لورد، وابن أخي دوق، وقد ورث في الأربعين ثروة من أعظم الثروات في إنجلترا. كان خجولا متردداً في حديثه، مهملا في لباسه، فعاش عيشة النساك في مختبره بكلابهام كومن بلندن، ولم يسع إلى الشهرة. وتميزت أبحاثه بالتدقيق الشديد في قياس جميع الموارد ووزنها قبل التجربة وبعدها، وقد أعانت هذه المعايرات لافوازييه على أن يصوغ مبدأه القائل بأن كمية المادة تظل ثابتة في التغيرات الكيميائية.
وفي 1766 أنهى كافندش إلى الجمعية الملكية تجاربه على "الهواء الصناعي" أي الغاز المشتق من الجوامد. فقد توصل بإذابة الزنك أو القصدير في أحماض إلى استخراج ما سماه "الهواء القابل للاحتراق"؛ وقال أن هذا
والفلوجستون شئ واحد، ونحن نسميه الآن الهيدروجين. وكان كافندش أول من أدرك أنه عنصر متميز، وعين وزنه النوعي. وفي 1783، وجد-وهو يتابع تجربة أجراها بريستلي- أنه إذا مررت شرارة كهربية في مزيج من الهواء العادي "والهواء القابل للاحتراق" تكاثف جزء من لمزيج وتحول إلى ندى. واستنتج من هذا التحليل الكهربي أن الماء مركب من 2. 014 حجماً من "الهواء القابل للاحتراق" إلى حجم واحد من هواء برستلي المنزوع الفلوجستون، أو كما نقول الآن (يد 2 ا). وكان هذا أول برهان قاطع على أن الماء مركب لا عنصر (وقد ألمع جيمس وات، مستقلا، إلى نفس التركيب للماء في نفس السنة 1783). وبعد أن مرر كافندش ثانية شرارة كهربية في مزيج من الهيدروجين والهواء العادي حصل على حمض النتريك، واستنتج أن الهواء النقي مركب من الأوكسجين والنتروجين (الأزوت). (وكان دانيال رذرفورد الأدنبري قد اكتشف النتروجين بوصفه عنصراً متميزاً في 1772). واعترف كافندش بوجود بقية صغيرة لم يستطع تعليلها، ولكنه قدرها فبلغت 0،83 من لكمية الأصلية. وقد ظل هذا سراً غامضاً حتى 1894، حين عزل رايلي ورامزي هذا الجزء الذي نسميه الآن الأرجون، بوصفه عنصراً قائماً بذاته، ووجدا أن وزنه 0. 94 من الهواء العادي. وهكذا أثبتت دقة موازين كافندش.
جـ - لافوازييه
في هذه الأثناء أتاحت مجموعة من الباحثين المتحمسين، عبر القنال الإنجليزي، لفرنسا مكان الريادة في هذا العلم الجديد، وأعطت الكيمياء الشكل الذي تبدو عليه اليوم في جوهرها. وقام في مكان المنبع منهم جيوم روويل، الذي تميز بجهوده في كيمياء الأملاح، لكنه اشتهر بدورات محاضراته التي علم الكيمياء فيها للأغنياء والفقراء، ولذيدرو وروسو، ولأعظم كيميائي فهيم أجمعين.
وقد كان لأنطوان لافوازييه ميزة أو معوق، هي أنه ولد غنياً (1743). أتاح أبوه-وكان محامياً في برلمان باريس- للصبي كل ما توفر من تعليم
في ذلك الحين، وورثه 300. 000 جنيه وهو بعد في الثالثة والعشرين. وثروة كهذه كان يمكن أن تجهض مستقبلا في مهنة الأدب، ولكنها كانت عوناً لعلم تطلب أجهزة غالية وسنوات طويلة من الإعداد. وقد فر أنطوان من مدرسة الحقوق التي أرسل إليها، مؤثراً عليها دراسة الرياضة والفلك، وحضر محاضرات روويل في قاعة الجاردان دروا. ومع ذلك أتم دراساته القانونية، ثم رافق جان جتار في القيام برحلات ورسم خرائط تعدينية لفرنسا. وفي 1768 انتخب عضواً في أكاديمية العلوم، وكانت يومها تضم بوفون، وكزنيه، وطورجو، وكوندورسيه. وبعد عام انضم إلى هيئة الملتزمين العامة في عملية بغيضة هي جمع ضرائب الإنتاج لاستعاضة ما أنفقوه في إقراض الحكومة. فدفع 520. 000 جنيه ثمناً لثلث نصيب في أحد الأسهم الستين لهيئة الالتزام العامة، وفي 1770 رفعه إلى نصيب كامل. وفي 1771 تزوج ماري بولز، ابنة ملتزم عام غني، وأنفق الآن بعض وقته في رحلات للأقاليم، وفي تحصيل إيراداته، وجميع بيانات الضرائب، والعينات الجيولوجية. وقد مولت ثروته مختبراً عظيما وتجارب غالية التكاليف
(1)
، ولكنها قادته إلى الجيلوتين.
ثم شارك بدور إيجابي في الشئون العامة. فلما عين (1775) مأموراً للبارود، زاد إنتاج تلك المادة المتفجرة وحسن نوعها، فيسر بذلك تصديرها على نطاق واسع إلى المستعمرات الأمريكية، وانتصارات جيوش الثورة الفرنسية.
وقال لافوازييه "لقد أصبح البارود الفرنسي خير بارود في أوربا
…
ويجوز لنا أن نقول أن أمريكا الشمالية تدين له بحريتها. " (43) وقد خدم في مختلف المجالس الرسمية، وقومية وبلدية، وعالج بذكائه المتعدد النواحي شتى مشكلات نظام الضرائب، والعملة، والمصارف، والزراعة العلمية،
(1)
في إحدى تجاربه الأولى أحرق ماستين ليثبت أن الناتج الوحيد من احتراقهما هو ثاني أوكسيد الكربون وبما أن الغاز كان كذلك الناتج الوحيد للفحم النباتي التام الاحتراق، فقد برهن لافوازييه بهذه الطريقة على الوحدة الكيمياوية للفحم النباتي والماس بوصفها شكلين من أشكال الكربون الخالص.
وأعمال البر العام. وحين كان عضواً في الجمعية الإقليمية بأورليان (1787) جاهد في سبيل الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم. وخلال نقص الطعام الخطير في 1788 أقرض ماله لكثير من المدن لتشتري به قمحاً. لقد كان رجلاً أحب خير المجتمع، وثابر على جمع المال.
على أنه في هذه الأنشطة كلها لم يكف عن الاشتغال بالعلم. فغدا مختبره أعقد وأوسع المختبرات السابقة للقرن التاسع عشر: قوامه 250 آلة، وثلاثة عشر ألف مخبار، وآلاف المستحضرات الكيميائية، وثلاثة موازين دقيقة أعانت فيما بعد على تقدير الجرام وحدة الموازين في النظام المتري. وكان الوزن والمعايرة نصف السر في كشوف لافوازييه، وبفضلهما غير الكيمياء من نظرية كيفية إلى علم كمي. وبالوزن الدقيق برهن على أن "فلوجستون" شتال ليس إلا خرافة مربكة افترضت وجود مادة غامضة تترك الجسم المشتعل في عملية الاحتراق وتدخل الهواء. ففي أول نوفمبر 1772 قدم لافوازييه إلى أكاديمية العلوم مذكرة هذا نصبها:
قبل ثمانية أيام اكتشفت أن الكبريت في احتراقه لا يفقد الوزن بل يكسبه، أي أننا قد نحصل من رطل الكبريت على أكثر من رطل من الحمض الكبريتي، مع أخذ رطوبة الهواء في حسابنا. وهذا ما يحدث أيضاً في الفوسفور. وزيادة الوزن تأتي من كمية الهواء الكبيرة التي تثبت (أي تمتصها المادة المحترقة) أثناء الاحتراق وتتحد مع الأبخرة (الكبريتية). وقد أقنعني هذا الكشف، الذي أثبته بتجارب أراها حاسمة، أن ما يلاحظ في احتراق الكبريت والفوسفور قد يحدث في جميع الأجسام التي تكتسب وزناً عند الاحتراق أو التكلس (44). فالجسم المحترق لا يعطي الهواء شيئاً بل يأخذ منه شيئاً. فما هذا الشيء؟
في خريف 1774 نشر لافوازييه وصفاً لمزيد من التجارب. فقد وضع كمية موزونة من القصدير في قنينة موزونة تتسع لقدر كبير من الهواء. ثم ختم القنينة، وسخن الكل حتى تأكسد القصدير تأكسداً جيداً. وبعد أن أتاح للجهاز وقتاً ليبرد، وجد أن وزنه ظل دون تغيير. ولكنه حين كسر الختم
اندفع الهواء إلى القنينة، مما دل على أن فراغاً جزئياً قد حدث في القنينة .. فكيف حدث؟ لم يجد لافوازييه تعليلا إلا أن القصدير المحترق قد امتص جزءاً من هواء .. فما هذا الجزء؟
وفي أكتوبر 1774 التقى لافوازييه ببريستلي في لندن. وأخبره بريستلي بالتجارب التي أجراها في أغسطس، والتي ظل يفسرها بأنها دليل على أن الفلوجستون ينطلق من الجسم المحترق إلى الهواء. وفي 26 أبريل 1775 قرأ لافوازييه على الأكاديمية مذكرة روي فيها التجارب التي هدته إلى اعتبار الاحتراق امتصاص جسم محترق لعنصر غامض من الهواء، أطلق عليه مؤقتاً اسم "الهواء الشديد النقاء". لقد اكتشف الأكسجين كما اكتشفه بريستلي، ولكنه اختلف عنه لأنه نبذ خرافة الفلوجستون. ولم ينحت لفظ "الأكسجين" للدلالة على العنصر القابل للاشتعال في الهواء إلا عام 1779، وقد اشتقه من كلمتين يونانيتين معناهما "مولد الحمض" لأنه ظن خطأ أن الأكسجين مكون لا غنى عنه في جميع الأحماض.
ولاحظ لافوازييه كما لاحظ بريستلي أن نوع الهواء الذي تمتصه المعادن في الاحتراق هو نفس النوع الذي يدعم الحياة الحيوانية. ففي 3 مايو 1777 قدم للأكاديمية بحثاً في "تنفس الحيوان" قال فيه "إن خمسة أسداس الهواء الذي نستنشقه عاجزة عن دعم تنفس الحيوان، أو الاشتعال والاحتراق،
…
فخمس حجم الهواء فقط هو الصالح للتنفس". ثم أضاف "هناك شبه كبير بين الهواء الذي استعمل لدعم هذه الوظيفة الحيوية وقتاً ما، والهواء الذي تكلست (تأكسدت) فيه المعادن، والعلم بـ (عملية) واحدة يمكن بالطبع أن يطبق على الأخرى". وعليه فقد أسس لافوازييه التحليل العضوي، بوصف التنفس بأنه اتحاد الأكسجين بالمادة العضوية. وفي هذه العملية لاحظ انطلاق حرارة، كما تنطلق في الاحتراق؛ ثم زاد تأكيد الشبه بين التنفس والاحتراق، بإثباته أن ثاني أكسيد الكربون والماء ينطلقان (كما في التنفس) من احتراق مواد عضوية مثل السكر والزيت والشمع. وحدثت الآن ثورة في علم الفسيولوجا بفضل التفسير المتزايد للعمليات العضوية بلغة فيزيا-كيميائية.
واقتضى تكاثر التجارب، ونمو المعرفة الكيميائية، ونبذ نظرية الفلوجستون، صياغة جديدة، ووضع مصطلحات جديدة، لهذا العلم المتفتح. وعينت أكاديمية العلوم لافوازييه، وجيتون دمورفو، وفوركروا، وبرتولليه، لمحاولة إنجاز هذه المهمة. وفي 1787 نشروا "طريقة لوضع المصطلحات الكيميائية". فنبذت أسماء عتيقة مثل "مسحوق الألجاروت"، و"زبد الزرنيخ" و"أزهار الزنك"؛ وسمى الهواء المجرد من الفلوجستون "أوكسجينا" والهواء المحتوي على الفلوجستون "أزوتا"، ثم نتروجيناً، والغاز القابل للاشتعال هيدروجيناً، والهواء الثابت غاز حامض الكربون، والتكلس تأكسداً، واشتقت أسماء المركبات من مكوناتها. وعدد جدول للمواد البسيطة اثنين وثلاثين عنصراً معروفاً للافوازييه، ويعدد الكيميائيون اليوم من هذه العناصر ثمانية وتسعين. ومعظم الأسماء التي تقررت في كتاب "الطريقة" المذكور قياسية في علم المصطلحات الكيميائية في يومنا هذا. وقدم لافوازييه للمصطلحات الجديدة ولخص العلم الجديد، في "رسالة تمهيدية في الكيمياء" ظهرت عام 1789، وكانت علامة ثورة أخرى-هي نهاية فلوجستون شتال وعناصر أرسطو.
وكان لافوازييه نفسه ضحايا الثورة الفرنسية. فلقد شارك في الجهود المبذولة لتفاديها، وفي الشرور التي أفضت إليها. وفي العهد الذي هيأ للثورة عمل بهمة في لجان تدرس عيوب السجون والمستشفيات وتصلحها. وقدم إلى لوران دفيلدوي المراقب العام (1787) مذكرة عدد فيها تسعة عوامل مسئولة عن استغلال طبقة الفلاحين. وكان في كلامه ما يشرفه تشريفاً خاصاً، لأنه صادر من مالك أرض من أصحاب الملايين. قال:
"فليكن لنا من الشجاعة ما يحملنا على أن نقرر أنه
…
إلى أن ارتقى لويس السادس عشر العرش لم يكن للشعب أي وزن في فرنسا، ولم يكن هناك اعتبار لغير قوة الدولة، وسلطانها، وثرواتها، أما سعادة الشعب، وأما حرية الفرد ورفاهيته، فتلك الكلمات لم تقرع قط آذان حكامنا الأسبقين، الذين لم يدركوا أن الهدف الحقيقي من الحكومة يجب أن يكون الاستكثار من أسباب الاستمتاع، والسعادة، والرفاهية، لكل رعاياها. إن المزارع
المنكود الحظ يئن في كوخه، لا يمثله أحد ولا يدافع عنه أحد، ولا تعبأ بمصالحه أي إدارة من الإدارات الكبرى في الحكومة القومية (45) ".
وقد اختير لافوازييه لتمثيل الطبقة الثالثة العامة في المجلس الإقليمي الذي اجتمع بأورليان في 1787. وهناك تقدم بقانون لإلغاء السخرة ولصيانة الطرق، لا بتشغيل الفلاحين إلزامياً بل بضرائب تفرض على جميع الطبقات، ولكن النبلاء والأكليروس هزموا هذا الاقتراح. ثم أوصى بنظام للتأمين الاجتماعي يساهم فيه من يريد من الفرنسيين تأمين شيخوختهم، فهزم هذا أيضاً. وفي مذكرة وجهها إلى الحكومة عام 1785 وضع المبدأ القائل بأن مجلس طبقات الأمة القادم يجب أن يحول إلى سلطة تشريعية كاملة، فيكون الملك عامله المنفذ فقط، وأنه يجب دعوته للانعقاد بانتظام، وأن الضرائب يجب أن تفرض على الجميع، وأن تطلق حرية الصحافة والطباعة (46). لقد كان لافوازييه من أكثر أفراد البورجوازية الفرنسية استنارة ما في ذلك شك، ولعل اقتراحاته عبرت عن جزء من استراتيجيتها السياسية.
كذلك كان من كبار الأعضاء في هيئة الملتزمين العموميين، التي كانت هدفاً للسخط من الجميع تقريباً، وبين عامي 1786 و 1786 بلغ متوسط أرباحه من عملية الالتزام هذه 666. 667 جنيهاً في العام، وهو ما يساوي نسبة مئوية قدرها 8. 28% في السنة، وربما كان محقاً في اعتباره هذا العائد معقولا نظراً لما تتطلبه العملية من جهد ومخاطرات. وعملا باقتراح منه بنى كبير الوزراء كولون، في 1783 - 87، سوراً حول باريس لمنع المهربين الذين يتهربون من أداء المكوس، وقد كلف السور والجمارج والبوابات الجديدة ثلاثين مليوناً من الجنيهات، وأثار المشروع سخطاً عاماً، وصرح الدوق دنيفرنوا بأن صاحب فكرته يجب أن يشنق.
وأيد لافوازييه الثورة في 1789 وهي ما تزال تحت سيطرة الطبقات الوسطى. وبعد عام شعر بأنها تنزع إلى التطرف، والعنف، والحرب، فناشد القائمين بها الاعتدال وضبط النفس. وفي نوفمبر نشر بعض موظفي الالتزام العام نبذة اتهموا فيها الهيئة باختلاس صندوق معاشاتهم، وقالوا فيها
"ارتعدوا يا من مصصتم دم التعساء"(47). وفي 1791 بدأ مارا حملة شخصية ضد لافوازييه. فقد كان "صديق الشعب" قد نشر في 1780 "أبحاثاً فيزيائية في النار" زعم فيها أنه أظهر للعيان العنصر الخفي في النار، وأبى لافوازييه أن يأخذ هذا الزعم مأخذ الجد. ولم ينس مارا له فعلته هذه. ففي عدد 27 يناير 1791 من مجلته "صديق الشعب" اتهم مارا الكيميائي -المالي بأنه دجال ضخم الموارد، رجل "سنده الوحيد في المطالبة بتقدير الشعب له أنه حبس باريس بمنعه الهواء النقي عنها بسور كلف الفقراء 33 مليون جنيه. فليته شنق على عمود المصباح"(48). وفي 20 مارس 1791 ألغت الجمعية التأسيسية هيئة الالتزام العام.
وجاء دور الهجوم الآن على أكاديمية العلوم، لأن جميع المؤسسات التي تخلفت عن النظام القديم اشتبه في تعاطفها مع أعداء الثورة. ودافع لافوازيبه عن الأكاديمية، فأصبح الهدف الأكبر للهجوم. وفي 8 أغسطس صدر الأمر بأن تحل الأكاديمية نفسها. وفي اجتماع لها وقع جدول الورديات فيمن وقع لاجرانج، ولافوازييه، ولالاند، ولامارك، وبرتولليه، ومونج. وانصرف كل منهم إلى حال سبيله مؤملا ألا تعثر عليه الجيلوتين.
في هذا الشهر قدم لافوازييه إلى المؤتمر مشروع نظام قومي للمدارس أوحت به إليه أفكار كوندورسيه، ويقضي بأن يكون التعليم الابتدائي مجاناً للجنسين "لأن هذا واجب مفروض على المجتمع نحو الطفل. " أما التعليم الثانوي، المباح أيضاً للجنسين، فيوسع بتأسيس الكليات الصناعية في جميع أرجاء فرنسا. وبعد شهر فتش عمال الحكومة مسكنه، وكان بين الخطابات التي وجدت به من أصدقاء لافوازييه خطابات نددت بالثورة، وتحدثت في أمل عن الجيوش الأجنبية التي ستطيح بها سريعاً، وأظهرت خطابات أخرى أن لافوازييه وزوجته يخططان للهروب إلى إسكتلنده (49). وفي 24 نوفمبر 1793 قبض على اثنين وثلاثين من الملتزمين العموميين السابقين، ومن بينهم لافوازييه. وقد حركت زوجته كل نفوذ ليفرج عنه، ففشلت، ولكن سمح لها بزيارته. وفي السجن واصل عمله في شرحه للكيمياء الجديدة. واتهم الماليون بأنهم تقاضوا رباً فاحشاً وغشوا التبغ بالماء، وابتزوا 130 مليون جنيه في أرباح غير مشروعة.
وفي 5 مايو 1794 استدعوا للمثول أمام محكمة الثورة. وبرئ ثمانية منهم، وحكم على أربعة وعشرين بالإعدام، ومنهم لافوازييه. فلما طلب إلى القاضي الذي رأس المحكمة أن يخفف الحكم على أساس أن لافوازييه وبعض الآخرين علماء ذوو قيمة للدولة، كان رده فيما روى "ليس بالجمهورية حاجة إلى علماء" ولكن الرواية لا تستند إلى دليل مقنع (50). وأعدم لافوازييه بالجيلوتين في اليوم الذي صدر فيه الحكم، 8 مايو 1794، في المكان الذي يقوم فيه اليوم ميدان الكونكورد. ويقال أن لاجرانج علق على إعدامه بهذه العبارة "إن قطع رأسه لم يستغرق أكثر من لحظة، وقد لا تكفي مائة عام لنوهب رأساً نظيره"(51).
وصودرت كل أموال لافوازييه وأرملته لتساعد في الوفاء للجمهورية بمبلغ 130 مليوناً من الجنيهات ادعى أن الملتزمين العموميين مدينون به للدولة. أما مدام لافوازييه، المملقة، فقد عالها خادم قديم للأسرة. وفي 1795 استنكرت الحكومة الفرنسية إدانة لافوازييه، وردت إلى أرملته ثروتها، وقد عمرت حتى عام 1836. وفي أكتوبر 1795 أقامت ليسيه الآداب والفنون جنازاً لذكرى لافوازييه، وألقى فيه لاجرانج تأبيناً. وأزيح الستار عن تمثال نصفي يحمل هذه العبارة: "إن ضحية الطغيان، وصديق الآداب والفنون المبجل، لم يمت، ولم يزل يخدم الإنسانية بعبقريته (52).
5 - الفلك
أ - مقدمة في الأدوات الفلكية
إلى أي حد أثارت كشوف الرياضة والفيزياء والكيمياء قبة السماء؟ إن أجرأ ما اقتحم العلم من مغامرات محاولته أن يقذف بأدوات قياسية حول النجوم ويتجسس بالليل على أولئك الحسان المتألقات في كبد السماء، ويحلل مكوناتهن عبر بليون من الأميال، ويحدد حركاتهن بمنطق البشر وقوانينهم. إن العقل والسماوات هما قطبا دهشتنا ودراستنا، والعجب العجاب أن يشرع العقل القوانين للقبة الزرقاء.
كانت الأدوات المقربة للأبعاد قد اخترعت، والاكتشافات الكبرى قد تمت؛ فاضطلع القرن الثامن عشر بتحسين هذه الأدوات (جراهام، وهادلي، ودولاند)، وبالتوسع في تلك الكشوف (برادلي وهرشل)
وبتطبيق أحدث الرياضيات على النجوم (دالامبير وكليرو)، وبترتيب النتائج في نسق جديد من الديناميكا الكونية (لابلاس).
وقد حسن التلسكوب وزيد حجمه. وصنعت "التلسكوبات الاستوائية" التي تدور حول محورين-أحدهما مواز لمستوى محور الأرض، والآخر عمودي عليه، واختيار هذين العمودين مكن الراصد من أن يبقي الجرم السماوي تحت بصره زمناً يكفي للدراسة المفصلة والقياس المكرومتري. وقد ثنى نيوتن عن استعمال التلسكوب الإنكساري اعتقاده بأن الضوء إذ تكسره العدسات لا بد أن يتحلل ألواناً فيشوش الرصد، ويئس من مشكلة إيجاد انكسار خال من الألوان، واتجه إلى التلسكوب العاكس. وفي 1733 قام هاو يدعى السيد تشستر مور هول بحل المشكلة، إذ جمع عدسات ذات وسائط عاكسة مختلفة تبطل تنوع اللون. ولم ينشر كشفه، وكان على جون دوبلاند أن يتوصل بجهده الخاص إلى مبادئ التلسكوب الأكرماتي وتركيبه، وقد أعلن عن كشفه هذا في "الأعمال الفلسفية لجمعية لندن الملكية" في 1758.
وفي 1725 صنع جورج جراهام، الساعاتي الكويكري، لدموند هالي في مرصد جرينتش آلة ربع جدارية- هي عبارة عن ربع دائرة ميكانيكي مقسم إلى درجات ودقائق ومثبت على جدار ليلتقط مرور نجم عبر الزوال. وصنع جراهام لهالي، وجيمس برادلي، وبيير لمونيه، أدوات التسجيل هذا المرور تجمع بين التلسكوب، والمحور، والساعة، والكرونوجراف، لتسجيل هذا المرور بدقة أعظم من ذي قبل. وفي 1730، وصف توماس جودفري، عضو جماعة فرانكلن الفكرية في فيلادولفيا، لأصدقائه آلة لقياس الزوايا والارتفاعات بالانعكاس المزدوج خلال مرايا متقابلة ترى في تلسكوب، ولكنه لم ينشر عن هذه الآلة حتى عام 1734. وفي 1730 صنع جون هادلي آلة مشابهة لها، وهي آلة الثمن- أي قوس مدرج من ثمن دائرة. وفي 1757 وسعت إلى السدس. وقد أتاحت "آلة السدس" هذه التي صنعها قياساً أضبط للزاوية التي تفصل بين جسمين، لأنها مكنت الملاح من أن يرى في وقت واحد، في التلسكوب
العاكس، كلا من الأفق والشمس (أو النجم). ويفضل هذه الآلة، مضافاً إليها كرونومتر هاريسون البحري، أصبحت الملاحة علماً أقرب ما يكون إلى العلوم الدقيقة.
وكان على الملاح أن يحدد خط الطول والعرض إن أراد تحديد موقع سفينته في البحر. ولكي يعين خط الطول كان عليه أن يعين زمنه في المكان واللحظة بالرصد الفلكي، ويقارن بين هذا الزمن المحلي وبين ساعة ضبطت لتحتفظ بزمن قياسي (جرينيتش) أينما كانت الساعة. وكانت المشكلة هي صنع كرونومتر لا يتأثر بتغيرات درجة الحرارة أو حركات السفينة. وفي 1714 أعلنت الحكومة البريطانية عن جائزة قدرها عشرون ألف جنيه لمن يبتكر طريقة لإيجاد خط الطول في حدود نصف درجة. وعرض ساعاتي من يوركشير يدعى جون هاريسون على جورج جراهام (1728) تصميمات لكرونومتر بحري، وأقرضه جراهام المال لصنعه، وقد اكتمل صنعه في 1735، واستعمل ميزانين ضخمين متقابلين بدلا من البندول، وعادلت حركة السفينة أربعة زنبركات موازين، تتحرك ضد بعضها البعض؛ وأمكن إبطال مفعول التغيرات في درجة الحرارة بعدة قضبان مصنوعة من النحاس والصلب، تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وموصلة بالزنبركات. وأوفد "مجلس خطوط الطول" هاريسون بكرونومتره في رحلة إلى لشبونة لاختباره، وشجعت النتائج المجلس على توفير المال لتحسين ثان، وثالث، ورابع. وقد جرب هذا الكونومتر الرابع، الذي لم يزد عرضه على خمس بوصات، في رحلة إلى جزر الهند الغربية (1759)؛ ولم تؤخر الساعة في تلك الرحلة اكثر من خمس ثوان بالإضافة إلى تأخيرها العادي المحسوب سلفاً (حين تكون ثابتة على البر) ومقداره ثمانون ثانية في كل ثلاثين يوماُ. وبعد نزاعات حصل هاريسون على جائزة العشرين ألف جنيه كاملة. وبفضل هذه الآلة وغيرها من الآلات البحرية تهيأت البحرية البريطانية الآن (في ذروة حرب السنين السبع 1756 - 63) للسيطرة على البحار.
ب - النظرية الفلكية
تبارى البريطانيون والفرنسيون مباراة حامية في دراسة الفلك، ولم يكن
الفلك بالعلم البعيد أو "البحت" بالنسبة لهم، فقد دخل في الصراع على سيادة البحار، ومن ثم على كل عالم المستعمرات والتجارة. وأسهمت في المباراة ألمانيا وروسيا بفضل أويلر، وأيطاليا بفضل بوسكوفش دون أن تحظيا بنصيب في المغانم.
وأعان أويلر، وكليرو، ودالامبير، الملاحة بدراساتهم للقمر، وجدولوا تغيرات موقعه وأوجهه بالنسبة للشمس والأرض، وتأثيره على المد والجزر. ومن سجلات أويلر وضع يوهان طوبياس ماير في جامعة جوتنجن جداول قمرية أتته بمنحة من مجلس خطوط الطول البريطاني. وفي 1738 أعلنت أكاديمية باريس للعلوم عن جائزة لمن يتوصل إلى نظرية في المد والجزر. ومنحت جوائز لأربعة مؤلفين: دانيال برتوللي، وأويلر، وكولن ماكلورن، وأ. كافاللري. وقد بنوا جميعهم -إلا الأخير- تعليلاتهم على تعليل نيوتن، وأضافوا دوران الأرض إلى جاذبية الشمس والقمر عاملا في إحداث المد والجزر. ودعت الأكاديمية في مناسبات عديدة المؤلفين لتقديم مقالات عن حركات الكواكب-عن انحرافاتها الحقيقية ومقال أويلر في 1756.
وشرف روجييرو جوزيبي بوسكوفش طائفته اليسوعية بكشوف منيرة في الفلك والفيزياء. وقد ولد في راجوزا، وتتلمذ للرهبنة بروما وهو في الرابعة عشرة، وأدهش معلميه في "الكلية الرومانية" بنبوغه المبكر في العلم، وعين أستاذاً لكرسي الرياضة هناك في التاسعة والعشرين. ومن ذلك التاريخ أصدر ستة وستين مؤلفاً، وشارك في تحديد المدار العام للمذنبات وقدم أول حل هندسي لإيجاد مدار الكوكب واستوائه. وفي رسالة عن "انقسام المادة"(1748) شرح رأيه في المادة، وهو أنها مكونة من نقط أو مجالات قوة، كل منها مركز يتبادل عليه الصد والجذب- وهي نظرية تذكرنا بمونادات لينتز وتسبق إلى تصوير نظريات عصرنا الذرية. ونظم اليسوعي المتعدد المواهب مشروعات عملية-كمسح الولايات البابوية وعمل خرائط لها، وبناء سدود على البحيرات التي هددت بإغراق لوكا، ووضع
خطط لصرف المستنقعات البونتية، والمساعدة في تصميم مرصد بريرا في ميلان. وبفضل إلحاحه ألغي البابا بندكت الرابع عشر في 1757 الأمر الذي أصدرته لجنة الفهرس (للتحريمات) على النظام الكوبرنيقي. وقد أختير عضواً في أكاديمية باريس للعلوم وجمعية لندن الملكية. وفي 1761 - 62 استقبل بمظاهر التكريم في فرنسا، وإنجلترا، وبولندا، وتركيا. وفي 1772 قبل وظيفة مدير البصريات في البحرية الفرنسية التي عينه فيها لويس الخامس عشر. ثم عاد إلى إيطاليا في 1783، ومات بميلان في 1787 وهو في السادسة والسبعين، وخلف عدة مجلدات من الشعر.
أما ألمع نجم بين الفلكيين البريطانيين في النصف الأول من القرن الثامن عشر فهو جيمس برادلي. وكان خاله، جيمس باوند، القسيس بوانستد في إسكس، فلكياً هاوياً يمتلك مرصداً خاصاً، تعلم فيه الصبي أن للنجوم علماً كما أن لها فلسفة جمالية. وبعد أن نال بادلي درجة الأستاذية من أكسفورد عجل بالعودة إلى وانستد، وقام بأرصاد مبتكرة، وأبلغها إلى الجمعية الملكية، وانتخب عضواً بها وهو في السادسة والعشرين (1718). وبعد ثلاث سنوات أصبح أستاذاً "سافيليا" للفلك في أكسفورد. فلما مات هالي العظيم في 1742، عين برادلي خلفاً له في جرينتش فلكياً للملك. وظل يشغل هذه الوظيفة حتى مماته (1762).
وكان أول مشروعاته الكبرى تحديد "اختلاف المرأى" السنوي للنجم -أي الفرق في اتجاهه الظاهري كما يرى (1) من نقطة على سطح الأرض، (2) من نقطة وهمية في مركز الشمس. فإذا كانت الأرض تدور في فلكها حول الشمس كما افترض كوبرينق، فلابد من وجود هذا الفرق، ولكن أحداً لم يبرهن على وجود أي فرق، فلو أمكن البرهنة عليه لعزز ذلك نظرية كوبرينق. وكان روبرت هوك، المغامر في كل ميدان، قد حاول (1669) أن يببن هذا الاختلاف في مرأى النجم جما دراكونيس، ولكنه أخفق. وأستأنف المحاولة هاو ثري يدعى صموئيل مولينو عام 1725 في كيو، وانضم إليه برادلي هناك، وأسفرت النتائج التي تمخضت عنها محاولتهما عن تأييد جزئي فقط لنظرية كوبرنيق. وعاد برادلي إلى وانستد،
وكلف جورج جراهام بأن يصنع له تلسكوب "قطاع أوج" يمكنه من رصد مائتي نجم، لا نجم واحد، في عبورها الزوال. وبعد أن أنفق برادلي ثلاثة عشر شهراً في الرصد والحساب، تمكن من أن يبرهن على دورة سنوية من الانحرافات المتجهة بالتناوب للجنوب والشمال في المواقع الظاهري للنجم، وفسر هذا التناوب بأنه راجع إلى حركة الأرض في مدارها. وفسر كشف "انحراف الضوء"(1729) مئات من المشاهدين والانحرافات التي كانت محيرة إلى ذلك الحين، وقد فرقت تفريقاً ثورياً الموقع المرصود والموقع "الحقيقي" أو المحسوب لأي نجم، واتفقت اتفاقاً حسناً مع كوبرنيق، لأنها اعتمدت على دوران الأرض حول الشمس. وبلغ من تأثيرها المنير على الفلك أن فلكياً-مؤرخاً فرنسياً يدعى جوزف دلامبر، اقترح أن يسلك برادلي في صف كيلر، لا بل في صف هيبارخوس ذاته (53).
وانتقل برادلي إلى كشفه الكبير الثاني-وهو ميل mutation ومعناها الحرفي إيماء-محور دوران الأرض كتذبذب النحلة المحوري. فالنجوم التي وصفت حركاتها الظاهرية بأنها تقوم بدورة سنوية نظراً إلى دوران الأرض حول الشمس، لا تعود- في مشاهدات برادلي- بعد سنة إلى نفس الواقع الظاهرية السابقة. وخطر له أن الفرق ربما نشأ عن ميل محور الأرض بسبب تغيرات دورية في العلاقة بين مدار القمر حول الأرض ومدار الأرض حول الشمس. فدرس هذه التغيرات طوال تسعة عشر عاماً (1728 - 47)، وفي نهاية العام التاسع عشر وجد أن النجوم عادت بالضبط إلى نفس المواقع الظاهرية التي كانت لها عند بدء العام الأول "وتأكد الآن أن ميل محور الأرض ناشئ عن الحركة الفلكية للقمر، وتأثيره على الأجزاء الاستوائية من الأرض. وكان تقريره عن هذه الكشوف حدثاً مثيراً في أعمال الجمعية الملكية لعام 1748. أن للصبر -كما للحرب- أبطاله.
وخلال اشتعال برادلي فلكياً للملك، استسلمت بريطانيا لجراحة مؤلمة: فبعد 170 عاماً من المقاومة قبلت التقويم الجريجوري، ولكنها سمته في عناد التقويم المصلح وأمر قانون برلماني (1750)، بأن تحذف الأحد عشر
يوماً التالية لليوم التالي من سبتمبر 1752 من "نظام التقويم الجديد" وأن يسمى يوم 3 سبتمبر يوم 14 سبتمبر، وألا تبدأ السنة القضائية بعد ذلك في 25 مارس بل في أول يناير. وقد سبب هذا تعقيدات في المعاملات التجارية والعطلات الكنسية، وأثار هذا احتجاجات كثيرة، وتصايح البريطانيون الغاضبون قائلين "ردوا إلينا أيامنا الأحد عشر! "(54) -ولكن العلم انتصر في النهاية على مسك الدفاتر وعلى اللاهوت.
جـ- هرشل
بلغ الفلك الإنجليزي قمته حين أضاف وليم هرشل الكوكب أورانوس إلى قائمة الكواكب وهجر عمله موسيقياً. وكان أبوه
(1)
موسيقياً في الجيش الهانوفري، واتخذ الصبي المولود في 1738، والذي سمى فريدرش فلهلم، مهنة أبيه، وعمل موسيقياً في أول حملة في حرب السنين السبع، ولكن صحته كانت رقيقة فسرحه الجيش (ومع ذلك عمر إلى الرابعة والثمانين). وفي 1757 أرسل إلى إنجلترا ليلتمس رزقه في الموسيقى. وفي باث التي نافست آنذاك لندن مركزاً للمجتمع الراقي، ارتقى من عازف على الأوبرا، إلى قائد فرقة، إلى عازف على الأرغن في "الكنيسة المثمنة". وكان يؤلف الموسيقى، ويعلمها، ويعطي أحياناً خمسة وثلاثين درساً في الأسبوع. وفي الليل يروح عن نفسه بدراسة حساب التفاضل، ومنه انتقل إلى البصريات، وأخيراً إلى الفلك. واستقدم من ألمانيا أخاه ياكوب، وفي 1772 أخته كارولين، التي أدارت بيتهما، وتعلمت أن تمسك السجلات الفلكية، وأخيراً أصبحت فلكية بجهدها هي دون اعتماد على أحد.
(1)
أن اسم هرشل اسم يهودي نموذجي، وقد ظن أول مترجم للفلكي أ. س. هولدن، أن الأب، واسمه اسحاق، كان يهوديا. ولكن الدليل على هذا غير قاطع. وقد عمد الصبي في المسيحية في تاريخ مبكر. انظر The Jewish Encyclopedia VI 362 and Cecil Roth، The jewish Contribution to Civilization، 189.
وكان هرشل يضطرم شوقاً إلى وضع الخرائط للسماء، فصنع تلسكوبه الخاص بمعاونة أخيه. وشحذ العدسات وصقلها بنفسه، وذات مرة واصل هذه العملية بلا انقطاع ست عشرة ساعة، وكارولين تطعمه وهو يشتغل، أو تخفف من سأمه بأن تقرأ له من سرفانتس، أو فيلدنج، أو ستيرن. وكان هذا الأول في عدة تلسكوبات صنعها هرشل بيده أو تحت إشرافه. وفي 1774، حين بلغ السادسة والثلاثين، أجرى أول أرصاده، ولكنه ظل سنين كثيرة لا يستطيع أن يعطي الفلك من وقته إلا يسمح به عمله موسيقياً. وقد درس كل جزء من أجزاء السماء أربع مرات. وفي الجولة الثانية من هذه الجولات، في 14 مارس 1781، كشف كشفه الخطير الذي بخس قدره بخساً شديداً. قال:
رأيت وأنا أفحص النجوم الصغيرة القريبة من هـ. جمينورم أنجما ظهر بوضوح أنه أكبر من غيره. وإذ أدهشني مظهره غير العادي، فقد قارنت بينه وبين هـ جمينورم والنجم الصغير الذي في الزاوية القائمة بين أوريجا وجميني، وإذ وجدته أكبر كثيراً من كل منهما، فقد اشتبهت في كونه مذنباً" (55).
ولم يكن النجم مذنباً؛ وقد ظهر الفحص المتصل أنه يدور حول الشمس في فلك يكاد يكون دائرياً، يكبر تسع عشرة مرة عن فلك الأرض، ومرتين عن فلك زحل، لقد كان كوكباً جديداً، وأول الكواكب التي ميزت على هذا النحو في سجلات الفلك المدونة. وهلل العالم المثقف بأسره للكشف الذي ضاعف قطر المجموعة الشمسية عما عرف من قبل. وكافأت الجمعية الملكية هرشل بزمالتها وبمدالية كويلي، وأقنعه جورج الثالث بأن يترك عمله موسيقياً ويصبح فلكياً للملك. وأطلق هرشل على الكوكب الجديد اسم جورجيوم سيدس (نجم الجورجيين)، ولكن الفلكيين اتفقوا بعد ذلك على تسمية "أورانوس"، فأنتزعوه بذلك من الملوك الهانوفرين وأسلموه لآلهة الوثنيين كما فعلوا بكل أخوته تقريباً.
وفي 1781 انتقل وليم كارولين إلى سلاو، وهي مدينة لطيفة على الطريق من لندن إلى وندسور. ولم يكف راتبه المتواضع البالغ مائتي جنيه
في السنة حاجاته هو وأخته وأدواته، فأكمله بصنع التلسكوبات وبيعها. وزاد من حجم ما صنعه منها لنفسه، حتى بلغ طول أحدها الذي صنعه في 1785 أربعين قدماً، بمرآة قطرها أربعة أقدام وقد كتبت فني بيرني، ابنة الموسيقي المؤرخ التي نقلها عنها كثيراً، في يوميتها بتاريخ 30 ديسمبر 1786:
هذا الصباح حملني أبي (بمعنى أركبها عربته، فقد كانت إذ ذاك في السادسة والثلاثين) إلى الدكتور هرشل واستقبلنا هذا الرجل العظيم الغريب الأطوار جداً بحفاوة بالغة
…
وبدعوة من المستر هرشل قمت بجولة .. داخل تلسكوبه! وقد احتواني هذا التلسكوب مستقيمة العود دون أدنى مضايقة؛ وكذلك كان يحتويني لو كنت ألبس ريشتي وطوقي - فمحيطه كبير إلى هذا الحد (56).
وفي 1787 اكتشف هرشل قمرين لأورانوس سماهما أوبرون وتيتانيا؛ وفي 1789 وجد قمري زحل (ساتورن) السادس والسابع. وفي 1788 تزوج بأرملة غنية؛ فلم يعد هناك ما يقلقه من جهة المال، ولكنه واصل أبحاثه بحماسة لم تفتر، وألف أن يعمل طوال الليالي التي تطلع فيها النجوم ولا يحجب ضوءها قمر زاه. وكان يجري أكثر أرصاده في الهواء الطلق من رصيف يصل إليه بسلم متنقل ارتفاعه خمسون قدماً. وكان البرد يشتد أحياناً حتى يتجمد الحبر في الزجاجة التي تأخذها كارولين معها لتسجل كشوفه.
وبعد أن واصل هرشل بأسلوب أكثر نظاماً وتيلسكوبات أفضل صنعاً عمل شارل مسييه ونيكولا دلاساي في تحديد مواقع السدم وعناقيد النجوم وعمل قوائم لها، قدم إلى الجمعية الملكية (1782 - 1802) قوائم حوت 2. 500 سديم وعنقود، و848 نجماً مزدوجاً. ومن هذه النجوم الأخيرة كان هو نفسه قد اكتشف 227 نجماً. وألمع إلى أنها قد تكون ازدوجت في جذب ودوران متبادلين-وهذا تطبيق منير لنظرية نيوتن على العلاقات بين النجوم. وفي كثير من الحالات تبين أن ما بدا كأنه نجم واحد إنما هو في الحقيقة عنقود من نجوم منفردة، وتبين أن بعض هذه العناقيد- حين رؤيت في التلسكوبات الكبيرة-هي نجوم قائمة بذاتها على مسافات من
الأرض مختلفة أشد الاختلاف. وتحول "درب التبانه" في التكبير الجديد من سحابة من المادة المتأججة، إلى تجمع وتتابع هائلين من نجوم نيرة مفردة. وتبددت السماء الآن مكتظة بالنجوم قطرات الماء في المطر، بعد أن كانت تبيدو مرصعة بها فقط، وبينما لم تر العين المجردة غلا نجوماً من الدرجة الأولى إلى السادسة في كبر الحجم، كشفت تلسكوبات هرشل عن مزيد من النجوم أضعف ضوءاً 1،342 مرة من ألمعها. لقد بسط هرشل كما بسط جاليليو من قبل رقعة الكون المعروفة بسطاً هائلا. وإذا كان بسكال قد غشيته الرعدة أمام "لانهائية" السماوات المعروفة في زمانه، فماذا يكون شعوره أمام أعماق وراء أعماق لا آخر لها من نجوم لا تحصى، قدر هرشل بعد بعضها عن الأرض بنحو 11. 750. 000. 000. 000. 000. 000. 000 ميل؟ (75) وكان كثير من النجوم شموساً لها كواكب تدور حولها. أما شمسنا وما يدور حولها من كواكب وأقمار، فقد هبطت بجملتها إلى مقام الذرة في عالم من الضوء.
وكان من أذكى إلماعات هرشل ما اتصل بحركة مجموعتنا الشمسية في الفضاء، فقد دلت المشاهدات السابقة على أن بعض النجوم المتصلة قد زادت أو نقصت، في الزمن المدون، من تباعدها عن بعضها البعض. فتساءل هرشل: ألا يجوز أن يكون مرجع هذا الاختلاف تحرك المجموعة الشمسية بعيداً عن النجوم الملتقية - أو صوب النجوم المفترقة، كما يبدو مصباحان على جنبين متقابلين من الطريق ملتقيين أو مفترقين حين نبتعد أو تقترب منهما؟ وقد خلص إلى المجموعة الشمسية، بحملتها، تتحرك مبتعدة عن بعض النجوم، مقتربة من نجم في برج هرقول. ونشر فرضه هذا في 1783، ويعد شهور أذاع بيير بريفوست نظرية مشابهة. وكان فريقا الفلكيين الإنجليز والفرنسيين يعملان في تنافس غيور وتوافق وثيق.
وصف معاصر هرشل في عامه الثاني والثمانين فقال "شيخ جليل، بسيط، طيب، وبساطته، ولطفه، ونوادره، واستعداده لشرح مفاهيمه الرفيعة للكون، كلها جذابة إلى حد لا يوصف (58). وفي جهوده كلها شاركت كارولين في إخلاص رائع في أي رواية خيالية. فلم تكتف
بتسجيل أرصاده بدقة وإجراء الحسابات الرياضية المعقدة لترشده، بل اكتشفت بنفسها ثلاثة سدم وثمانية مذنبات. وبعد موت وليم (1822) عادت لتعيش مع أقربائها في هانوفر؛ وهناك واصلت دراساتها وأعدت مزيداً من القوائم بكشوف أخيها. وفي 1828 نالت الميدالية الذهبية للجمعية الفلكية، وفي 1846 نالت ميدالية من ملك بروسيا. وماتت عام 1848 وقد بلغت الثامنة والتسعين.
د - بعض الفلكيين الفرنسيين
تجمعت حول مرصد باريس (الذي اكتمل بناؤه عام 1671) كوكبه من الراصدين، ألفت فيهم أسرة كاسيني، خلال أجيال أربعة، برجاً من الأنجم التي يتلو بعضها بعضاً. فكان جوفاني دومنيكو كاسيني مديراً للمرصد من 1671 إلى 1712. وبعد موته خلفه في إدارة المرصد ابنه جاك، الذي خلفه (1756) ابنه سيزار فرنسوا كاسيني دتوري، الذي خلفه هو الآخر (1784) ابنه جاك دومنيك، الذي مات بلقب كونت كاسيني في 1845 بعد أن عمر إلى السابعة والثمانين. هنا أسرة جديرة بأن يقرن اسمها باسمي أسرتي برنوللي وباخ.
أما جان لورون دالامبير فكان بغير أسرة، لا قبل مولده ولا بعده، ولكنه جمع العلوم من حوله كما يجمع الإنسان أطفاله. وقد طبق رياضته على الفلك، فقنن نظرية نيوتن في "استقبال" الاعتدالين، وفرض برادلي في الميل المحوري للأرض: يقول لابلاس "إن اكتشاف هذه النتائج كان في زمن نيوتن ممتنعاً على التحليل والميكانيكا
…
وقد أرجئ شرف القيام بهذه المهمة دالامبير. فبعد عام ونصف من المؤلف الذي قدم فيه برادلي كشفه، قدم لدالامبير رسالته "أبحاث في استقبال الاعتدالين (1749)، وهي عمل رائع في تاريخ ميكانيكا ودنياميكا الأجرام السماوية، روعة عمل برادلي في حوليات الفلك (59) ".
وقد لوثت سجل دالامبير لطخة، هي أنه لم يغتبط بما أدركه منافسوه من نجاح-ومن منا قد سما به خلقه إلى الابتهاج المقدس؟ واشتدت
حماسته في نقد عمل ألكسيس كليرو. وألكسيس هذا عرف حساب التفاضل المتناهي الصغر. وهو بعد في العاشرة؛ وحين بلغ الثانية عشرة قدم أول أبحاثه لأكاديمية العلوم: وفي الثامنة عشرة نشر كتاباً حوى الإضافات الهامة للهندسة ما حمل الأكاديمية على اختياره عضواً ملحقاً بها (1731) في سن يصغر ست سنوات عما يبلغه دالامبير عند نيله هذا الشرف ذاته عام 1741. وكان كليرو واحداً من العلماء الذين اختيروا لمرافقة موبرتوي في البعثة الموفدة إلى لابلاند (1736) لقياس قوس من أقواس الزوال. فلما عاد قدم إلى الأكاديمية مذكرات في الهندسة، والجبر، والقطاعات المخروطية، وحساب التفاضل. وفي 1743 نشر نظرية في شكل الأرض حسبت بمقتضى "نظرية كليرو"، وبأدق مما حسب نيوتن وماكلورن، ذلك الشكل الذي يتخذه ميكانيكاً جسم دائر على محوره من الجاذبية الطبيعية لجرائه. وقد اتصل بمدام "دشاتليه بفضل اهتمامه بنيوتن، فأعانها على ترجمتها لأصول نيوتن، وشارك فولتير شرف تحويل العلماء الفرنسيين من دوامات ديكارت إلى جاذبية نيوتن.
وفي 1736 - 49 عكف أويلر، وكليرو، ودالامبير، مستقلين بعضهم عن بعض على إيجاد أوج القمر، أي أقصى حد في البعد بينه وبين الأرض بطرق التفاضل الجديدة-نشر أويلر وكليرو نفس النتائج تقريباً، وتلاهما دالامبير بحساب أدق حتى من حسابهما. وفاز كليرو بجائزة قدمتها أكاديمية سانت بطرسبورج لتصوير حركة القمر، وكان قد نشر النتائج التي خلص إليها في كتابه "نظرية القمر"(1752) ثم طبق رياضته على حركات الأرض الناشئة عن الزهرة والقمر؛ ومن هذه الاختلافات قدر أن كتلة الزهرة 66. 7% وكتلة القمر 1. 49% من كتلة الأرض، وتقديراتنا الحالية هي 81. 5% و1. 82%.
وفي 1757 بدأ فلكيو أوربا في ترقب عودة المذنب التي تنبأ بها هالي ولكي يرشد كليرو اضطلع بحساب التقلبات التي كانت تطرأ على المذنب في مروره بزحل والمشتري. فحسب أن هذه التقلبات وغيرها عطلته 618 يوماً، وأشار على أكاديمية العلوم بأن المذنب سيكون في الحضيض
(أقرب نقطة للشمس) حوالي 13 أبريل 1759. وتبينه راصد هاو في عيد الميلاد 1758، ومر بالحضيض في 12 مارس 1759، قبل الموعد الذي حسبه كليرو باثنين وثلاثين يوماً. ولكن حتى مع هذا الفارق فإن الحدث كان انتصاراً للعلم ولطمة عابرة للخرافة
(1)
وقدم كليرو دراسته عن موضوع في "نظرية حركة المذنبات"(1760) وقد جعلته انتصاراته وعظم جاذبيته الشخصية، مطمحاً تتنافس عليه الصالونات. وكان كثير الاختلافات إليها، ومات في الثانية والخمسين (1765)"ولم يستحق عالم فرنسي في هذا العهد صيتاً أبعد من صيته"(60).
وكان غير هؤلاء كثيرون ممن يجدر بالتاريخ أن يخلدهم، وإن كان سردهم جميعاً يفسد قصتنا. نذكر منهم جوزف دليل، الذي درس بقع الشمس وهالتها، وأنشأ مرصد سانت بطرسبورج؛
…
ونيكولا دوسيل، الذي ذهب إلى رأس الرجاء الصالح موفداً من أكاديمية العلوم، وأنفق عشر سنين (1750 - 60) يرسم الخرائط للأجواء الجنوبية، وقد مات في التاسعة والأربعين، وبيير لمونييه، الذي صاحب مويرتوي إلى لابلاند وهو في الحادية والعشرين، وأجرى دراسات على القمر طوال خمسين عاماً، وحلل حركات المشتري وزحل، ورصد وسجل أورانوس (1768 - 69) قبل أن يكشف هرشل أنه كوكب بسنين طويلة (1781)، وجوزف دلالاند، الذي مسح كتابه "رسالة في الفلك" كل فرع من فروع هذا العلم، والذي قام بتدريسه في الكوليج دفرانس ستة وأربعين عاماً، وأنشأ في 1802 جائزة لالاند، التي ما زالت تمنح سنوياً لأفضل بحث في الفلك، وجان باتيست دلامبر، الذي عين مدار أورانوس، وخلف لالاند في "الكوليج"، وأضاف عرض لالاند العالمي تاريخاً للفلك في ست مجلدات بذل فيها كل جهد وعناية (1817 - 27).
هـ - لابلاس
ولد (1749) باسم بيير سيمون لابلاس، لأسرة من الطبقة الوسطى في نورمانديا، ثم أصبح المركيز بيير سيمون دلابلاس، وحقق أول فوز له
(1)
ينتظر مذنب هالي مرة أخرى 1986.
بمقالاته اللاهوتية الورعة في المدرسة، وغدا أشد الملحدين إمعاناً في إلحادهم في فرنسا النابوليونية. أوفد إلى باريس في الثامنة عشرة من عمره ومعه خطاب تعريف إلى دلامبير. ورفض دالامبير لقاءه، فقد كان يلتقي الكثير من أمثال هذا الخطاب ولا يعبأ بما حوت من مديح، ولكن لابلاس الذي لم تفل عزيمته أرسل إليه خطاباً في المبادئ العامة للميكانيكا. ورد عليه دلامبير قائلا "سيدي، أنت ترى أنني لم أعبأ كثيراً بالتوصيات. ولكنه لا حاجة لك بتوصية. فقد عرفتني بنفسك تعريفاً أفضل، هذا يكفيني. ومن حقك أن أساعدك"(61). وما لبث لابلاس، بفضل نفوذ دالامبير، أن عين مدرساً للرياضة في المدرسة الحربية. وقد حلل حبه المشبوب للرياضة في خطاب وجهه بعد ذلك إلى دالامبير، قال:
"لقد عكفت على الرياضة مدفوعاً دائماً بميلي لا بالرغبة في شهرة باطلة. وأعظم تسلية لي أن أدرس موكب المخترعين، وأرى عبقريتهم تصارع العقبات التي صادفوها وذللوها. ثم أضع نفسي مكانهم وأسلها كيف كنت فاعلا للتغلب على هذه العقبات ذاتها؛ ومع أن هذا البدل كان في الكثير الأغلب من الحالات مذلا لأنانيتي، فإن لذة الابتهاج بنجاحهم عوضتني عوضاً وافراً عن هذا الإذلال القليل. وإذا أتيح لي من الحظ ما أضيف به شيئاً لأعماهم، فإنني أعزو الفضل لجهودهم الأولى"(62).
ونحن نلمس شيئاً من الكبرياء في هذا التواضع الواعي. على أية حال كان طموح لابلاس أبعد الأشياء عن التواضع، لأنه اضطلع باختزال الكون كله إلى نسق رياضي واحد، بتطبيق نظرية الجاذبية النيوتينية على جميع الأجرام والظواهر السماوية. لقد ترك نيوتن الكون في وضع قلق؛ فظن أنه عرضة لشذوذات تتصاعد أحياناً، بحيث يلزم أن يتدخل الله من حين إلى حين ليقومه من جديد. ولم يقتنع كثير من العلماء-مثل أويلر-بأن العالم جهاز آلي، ولكن لابلاس أراد أن يثبت هذا ميكانيكاً.
وبدأ (1773) بمقال بين أن الاختلافات في متوسط أبعاد كل كوكب من الشمس تخضع لصياغة رياضية مضبوطة، تقريباً، فهي إذن دورية
وميكانيكية، واختارته أكاديمية العلوم بفضل هذا المقال عضواً ملحقاً بها وهو بعد في الرابعة والعشرين. ومن ذلك التاريخ كرس لابلاس حياته، بوحدة وتوجيه وإصرار في الهدف، لاختزال عمليات الكون واحدة تلو الأخرى إلى معادلات رياضية. كتب يقول "إن كل تأثيرات الطبيعة ليست سوى نتائج رياضية لعدد قليل من القوانين الثابتة"(63).
ومع أن أعماله الكبرى لم تنشر إلا بعد الثورة، فإن إعداده لها بدأ قبل ذلك بكثير. وكان كتابه "عرض لنظام العالم". (1796) مقدمة مبسطة غير ميكانيكية لآرائه، تتسم بأسلوبها الصافي المتدفق، وتجسد نظريته الشهيرة (التي سبقه إليها كانت في 1755) عن أصل المجموعة الشمسية. وكان هدف لابلاس أن يفسر دوران الكواكب حول محاورها وحول الشمس، ودوران أقمارها، بافتراض وجود سديم أزلي من الغازات الحارة، أو غيرها من الذرات الدقيقة، يغلف الشمس ويمتد إلى آخر أطراف المجموعة الشمسية. وقد برد هذا السديم الدائر مع الشمس شيئاً فشيئاً، وانكمش مكوناً حلقات ربما كانت شبيهة بالحلقات التي ترى الآن حول زحل. فلما ازدادت البرودة والانكماش تكاثفت هذه الحلقات فكونت كواكب، وبمثل هذه الطريقة كونت الكواكب أقمارها؛ ولعل تكاثفاً شبيهاً بهذا السدم كون النجوم. وافترض لابلاس أن جميع الكواكب والأقمار تدور في نفس الاتجاه، وفي نفس المستوى عملياً، ولم يعرف وقتها أن أقمار أورانوس تتحرك في اتجاه مضاد. وهذه "النظرية السديمية" مرفوضة الآن كتفسير للمجموعة الشمسية، ولكنها مقبولة على نطاق واسع كتفسير لتكاثف النجوم من السدم. على أن لابلاس لم يعرضها إلا في كتابه الشعبي هذا، ولم يغل في أخذها مأخذ الجد:"هذه التكهنات حول تكون النجوم والمجموعة الشمسية .... أعرضها بكل التشكك الذي يجب أن توحي به جميع الأشياء التي ليست تنتجه للمشاهدة أو للحساب"(64).
وقد لخص لابلاس مشاهداته، ومعادلاته، ونظرياته-وتقريباً كل علم الفلك المعروف في زمانه-في الأسفار الخمسة الجليلة التي يتألف منها كتابه "ميكانيكا الأجرام السماوية (1799 - 1825)، والذي سماه جان باتيست
فورييه "مجسطي" الفلك الحديث. وقد ذكر هدفه فيه ببساطة رائعة فقال "بناء على أجرام المجموعة الشمسية الثمانية عشر المعروفة، وعلى مواقعها وحركاتها في أي وقت، أريد استنباط مواقعها وحركاتها في أي وقت آخر، من جاذبيها المتبادلة .... بالحساب الرياضي، والبرهنة على أن هذه تتفق مع تلك التي شوهدت فعلا. "وتحقيقاً لهذه الخطة كان على لابلاس أن يدرس التقلبات التي تحدثها التأثيرات المتعارضة لأعضاء المجموعة -الشمس، والكواكب، والأقمار- ويختزلها إلى انتظام دوري يمكن التنبؤ به. وقد آمن بأن هذه التقلبات كلها يمكن أن تفسر برياضيات الجاذبية. وفي هذه المحاولة لإثبات ما تتمتع به المجموعة الشمسية وسائر الكون من ثبات واكتفاء ذاتي، اتخذ لابلاس رأياً يدين بالميكانيكية البحتة، وعبر عن الفلسفة الحتمية تعبيراً مشهوراً فقال:
"ينبغي أن ننظر إلى حالة الكون الراهنة على أنها نتيجة لحالته الماضية، وسبب لحالته المستقبلة. وإن ذكاء يحيط بجميع القوى العاملة في الطبيعة في لحظة معلومة، كما يحيط بالموقع الوقتية لجميع الأشياء في الكون، في استطاعته أن يدرك في صيغة واحدة حركات أكبر الأجرام وأخف الذرات في الكون، شريطة أن يكون عقله من القوة بحيث يخضع جميع المعطيات للتحليل، فلا شئ يغم على فهمه، وسيبصر المستقبل كما يبصر الماضي، (قارن مفهوم الفلاسفة السكولاستيين عن الله). والكمال الذي استطاع العقل البشري أن يوصل إليه علم الفلك يعطينا صورة عامة ضعيفة لهذا الذكاء. وقد أتاحت كشوف الميكانيكا والهندسة، مشفوعة بكشوف الجاذبية الكونية، للعقل أن يدرك في نفس الصيغ التحليلية الحالة الماضية والمستقبلة لنظام الكون. وكل جهود العقل بحثاً عن الحقيقة تنحو إلى القرب من الذكاء الذي تصورناه، وإن بقي إلى الأبد بعيداً عن هذا الذكاء بعداً سحيقاً"(65).
حين سأل نابليون لابلاس لم يرد ذكر الله في كتابه "ميكانيكا الأجرام السماوية" قيل إنه أجاب "لم يكن بي حاجة إلى ذلك الفوضى"(66) على أن
لابلاس كانت له لحظاته المتواضعة. ففي كتابه "نظرية تحليلية للاحتمالات"، (1812) - وهي الأساس لكل ما جد بعد ذلك من عمل في هذا الميدان- جرد العلم من كل يقينيه فقال:
إذا توخينا الدقة في التعبير قلنا إن معرفتنا كلها تقريباً غير يقينية؛ وفي الأشياء التي نستطيع معرفتها يقيناً، حتى في العلوم الرياضية ذاتها، يقوم الاستنباط والقياس على الاحتمالات، وهما أهم السبل للكشف عن الحقية (67)
(1)
وكان للابلاس إسهامات نوعية، بالإضافة إلى صياغته الخطيرة الأثر للكشوف والفروض الفلكية المعروفة إلى وقته. فقد أنار كل فرع تقريباً من فروع الفيزياء بـ "معادلات لابلاس" عن "الجهد" التي يسرت التأكد من شدة الطاقة، أو سرعة الحركة، في أي نقطة في ميدان خطوط القوة. وحسب البيضية الديناميكية للأرض من تقلبات القمر التي كانت تعزي لشكل الكرة المفرطح، ووضع نظرية تحليلية للمد والجزر، واستنبط كتلة القمر من ظواهرهما. وابتكر طريقة محسنة لتحديد مدار المذنبات؛ واكتشف العلاقات العددية بين حركات أقمار المشتري. وحسب بدقته المعهودة السرعة "القرنية" المتوسطة حركة القمر. وأرست دراساته للقمر الأساس للجداول المحسنة لحركات القمر، التي وضعها تلميذه جان شارل بوركهارت عام 1812. وأخيراً ارتفع من العلم إلى الفلسفة- من المعرفة إلى الحكمة- في فيض من البلاغة جدير ببوفون:
"إن الفلك بحكم جلال موضوعه وكمال نظرياته، هو أبدع صرح من صروح الروح البشرية، وأنبل شهادة على الذكاء البشري. فالإنسان الذي أضلته أنانيته وأوهام حواسه ظل طويلا يعتبر نفسه المركز في حركات النجوم، وقد لقي غروره الكاذب عقاباً من الأهوال التي أوحت بها هذه النجوم.
(1)
إن برهان لابلاس، حتى في الميكانيكا القديمة (النيوتنية) عن ثبات المجموعة الشمسية، لم يعد حاسما
…
فهو لم يعط جوابا دقيقا. فلوريان كاجوري عن كتاب نيوتن. Mathematical Principles of Natural Philosophy،p،678.
ثم ألقى بنفسه فوق كوكب لا يكاد يدرك حجمه في المجموعة الشمسية، وامتداده الشاسع ليس إلا نقطة تافهة في اتساع الفضاء. والنتائج السامية التي قاده إليها هذا الكشف خليقة بأن تعزيه عن المرتبة التي وضعت فيها الأرض، لأنها تبصره بعظمته في كل ضآلة القاعدة التي يقيس منها النجوم. فعليه أن يصون بعناية نتائج هذه العلوم السامية التي هي بهجة للكائنات المفكرة، وأن يوسع رقعتها. وقد أدت تلك العلوم خدمات جلية للملاحة والجغرافيا، ولكن بركتها الكبرى هي تبديد المخاوف التي سببتها الظاهر الفلكية والقضاء على الأخطاء المنبعثة من الجهل بعلاقتنا الصحيحة بالطبيعة- وتلك أخطاء ومخاوف ستنبعث من جديد إذا قدر لمشعل العلم يوماً ما أن ينطفئ" (68).
وقد وجد لابلاس أن تكييف حياته وفق اضطرابات السياسة الفرنسية أيسر له من تكييف رياضياته لشذوذات النجوم. فلما أقبلت الثورة قوى عليها بكونه أعظم قيمة حياً منه ميتا، فاستخدمته مع لاجرانج لصنع ملح البارود للبارود، وحساب مسارات قذائف المدافع. وعين عضواً في لجنة الموازين والمقاييس التي وضعت النظام المتري. وفي 1785 كان قد امتحن وأجاز طالباً متقدماً لسلاح المدفعية، هو بونابرت الذي كان في السادسة عشرة من عمره؛ وفي 1798 أخذه الجنرال بونابرت إلى مصر ليدرس النجوم من الأهرام. وفي 1799 عينه القنصل الأول وزيراً للداخلية وبعد سبعة أسابيع عزله لأن "لابلاس يبحث عن الرقائق والدقائق في كل مكان .. وينقل إلى الإدارة روح اللانهائي الصغر"(69). ولكي يطيب بونابرت خاطره عينه في مجلس الشيوخ الجديد، وخلع عليه لقب الكونت. ورسم له ألان جاك أندريه نيجون صورة في ذهب رتبته الجديدة وزينتها:"وجه مليح شريف، وعينان محزونتان كأنهما شاعرتان بأن الموت يهزأ بكل عظمة وجلال، وبأن الفلك ما هو إلا تحسس في الظلام، وأن العلم ليس إلا نقطة ضؤ في بحر من الليل البهيم. وعندما حضرته المنية (1827) أما الذي نجهله فلا حدود له"(70).
6 - في الأرض
درست أربعة علوم الأرض: فعلم الظواهر الجوية (المتيورولوجيا) ارتاد غلافها الجوي، وعلم المساحة التطبيقية (الجيوديسيا) قدر حجمها، وشكلها، وكثافتها، والمسافات التي تشمل انحناء سطحها؛ والجيولجيا نقبت في تكوينها، وأعماقها، وتاريخها، والجغرافيا رسمت الخرائط ليابسها ومائها.
أ - الميتورولوجيا
استعمل علم الجو أربع آلات للقياس بالإضافة إلى المقياس البسيط للمطر: الترمومتر لدرجة الحرارة، والبارومتر للضغط الجوي، والأنيمومتر للرياح، والهيجرومتر لرطوبة الهواء.
في عام 1721 أو قبله، وفق جابرييل دانييل فارنهايت، وهو صانع آلات ألماني في أمستردام، في تطوير الترمومتر الذي كان جاليليو قد اخترعه في 1603، واستعمل فارنهايت الزئبق بدلا من الماء سائلا متمدداً منكمشاً، وقسم المقياس إلى درجات مبنية على نقطة تجمد الماء (32 () ودرجة حرارة الفم لجسم الإنسان العادي (98. 6°). وفي 1730 أنهى رينيه دريامور إلى أكاديمية العلوم "قواعد لبناء الترمومترات بتدرجات قابلة للمقارنة"، واتخذ درجة تجمد الماء صفراً، ودرجة غليانه 80 (، ودرج المقياس بحيث يجعل الدرجات تتفق والزيادات المعادلة في صعود أو هبوط السائل الترمومتري الذي استعمل له الكحول. وحوالي عام 1742 أدخل أنديرس ملسيوس الأوبسالي تحسينات على ترمومتر دريامور بالعودة إلى استعمال الزئبق وتقسيم المقياس إلى مائة درجة "سنتجرادية أي مئوية" بين نقطتي تجمد الماء وغليانه. واستطاع جان أندريه دلوك الجنيفي في 1772 أن يعطى الترمومترين المتنافسين شكلهما الحالي: الشكل الفهرنهايتي للشعوب الناطقة بالانجليزية، والشكل المئوي لغيرها من الشعوب.
أما البارومتر فكان قد اخترعه توريتشيللي في 1743، ولكن قراءاته للضغط الجوي كانت تتأثر دقتها بعوامل لم يحسب لها حساب، كنوعية الزئبق،
واتساع الأنبوبة، ودرجة حرارة الهواء. على أن شتى الأبحاث التي بلغت ذروتها في تجارب دلوك وحساباته (1717 - 1817) عالجت هذه العيوب) وأوصلت البارومتر الزئبقي إلى شكله الراهن.
وصنعت أنيمومترات بدائية متنوعة في القرن السابع عشر. من ذلك أن بيير أوويه أسقف أفرانش العالم، ترك عند موته في 1721 تصميما لانيمومتر (والكلمة من ابتكاره فيما يبدو) يقيس قوة الريح بتمريره في أنبوبة يرفع ضغطه فيها عموداً من الزئبق. ودخل على هذا الأنيمومتر تحسين بـ"مقياس الريح"(1775) الذي ابتكره الطبيب الاسكتلندي جيمس لند. وابتكر جون سميتن (حولي 1750) جهازاً لقياس سرعة الريح. وأفضل آلات قياس الرطوبة في القرن الثامن عشر هي هيجرومتر وراس دسوسير (1783) الجنيفي المتعدد القدرات، وقد بناه على تمدد وانكماش شعرة إنسان بفعل التغيرات في الرطوبة. وأرسى وليم كولن الأساس لنوع آخر من الهيجوومتر بملاحظة ما للسوائل من تأثير مبرد على البخر.
بهذه الأدوات وغيرها، كالإبرة المغنطيسية، حاول العلم أن يكشف عن الإنتظامات في تقلبات الجو. وكان أول ما يستلزمه هذا الكشف وجود السجلات الموثوق بها، وقد احتفظت ببعض هذه السجلات لفرنسا أكاديمية العلوم منذ 1788. ومن 1717 إلى 1727 احتفظ طبيب برزلاوي بسجلات يومية للتقارير الجوية التي كان يطلبها من أنحاء كثيرة في ألمانيا؛ وفي 1724 بدأت جمعية لندن الملكية في جمع التقارير المتيورولوجية، لا من بريطانيا وحدها بل من القارة الأوربية، والهند، وأمريكا الشمالية. ثم نظم ج. ج. هيمر في مانهايم، عام 1780، تنسيقاً أوسع وأنظم من هذا كله للتقارير اليومية تحت رعاية شارل تيودور أمير بالاتين الناخب، ولكنه توقف (1792) خلال حروب الثورة الفرنسية.
ومن الظواهر المتيورولوجية التي أطلقت الكثير من التكهنات ظاهرة الفجر الكاذب. وقد درس أدموند هالي بعناية تفجرات هذه "الأضواء الشمالية" في 16 - 17 مارس 1716، وعزاها إلى تأثيرات
مغنطيسية منبعثة من الأرض. وفي 1741 لاحظ هيورتر وغيره من المشاهدين السكندناويين أن اختلافات غير منتظمة في إبرة البوصلة تحدث في وقت ظهور الأضواء. وفي 1793 قرر جون دولتين الكيميائي أن ألسنة الضوء موازية لإبرة الانحراف المغنطيسي، وأن سمتها، أو نقطة التقائها، تقع في الزوال المغنطيسي. إذن فقد أدرك القرن الثامن عشر الطبعة الكهربية سببه التأين الناشئ عن جزيئات تطلق من الشمس.
وبدأت مؤلفات القرن الثامن عشر في المتيورولوجيا بكتاب كرستيان فولف في "مقاييس الجو الأساسية"(1709)، الذي لخص المعلومات المعروفة إلى عهده واقتراح أدوات جديدة. وقد حاول دالامبير وضع صيغة رياضية لحركات الرياح في كتابه "تأملات في السبب العام للرياح" الذي نال جائزة قدمتها أكاديمية برلين في 1747. أما أبرز بحث في هذه الفترة فهو كتاب ضخم يسمى "رسالة في المتيورولوجيا" (1774) بقلم لوى كوت، أحد قساوسة مونمورنسى. وقد جمع كوت نتائج مشاهداته وغيرها وجدولها، ووصف الآلات، وطبق كشوفه على الزراعة، وعين وقت الأزهار والنضج لمختلف المحاصيل، والتواريخ التي تفد فيها عصافير الجنة وترحل، ومتى يتوقع أن يشدو البلبل بغنائه، واعتبر الرياح أهم أسباب التغيرات في الجو، وأخيراً اقترح صيغاً اجتهادية للتنبؤات الجوية، أما كتاب جان دلوك "أبحاث في تغيرات الجو"(1772) فقد سع تجارب بسكال (1648) وهالي (1686) في العلاقات بين الارتفاع والضغط الجوي، ووضع صيغة القانون الذي ينص على أنه "في درجة حرارة معينة تعطى الفروق بين لوغاريتمات ارتفاعات الزئبق (في البارومتر) فوراً، في أجزاء من القامة - الفرق في ارتفاعات الأماكن التي رصد فيها البارومتر"(71). واستطاع دلوك بإلحاق ميزان ماء ببارومتره، أن يقدر بارومترياً ارتفاع مختلف الشواخص، فقدر أن "المون بلان" يعلو 14،346 قداً عن السطح البحر. أما أوراس دسوسير، فبعد أن ارتقى الجبل وسجل قراءات عند قمته (1787)، خلص من قياسه إلى أنه يعلو 15،700 قدم.
ب - الجيوديسيا
كان المعنى الحرفي للجيوديسيا هو "تقسيم الأرض". وللقيام بهذه المهمة بدقة كان من الضروري معرفة شكل الكرة الأرضية. وكان هناك اتفاق عام في 1700 على أن الأرض ليست تامة التكور بل لها شكل القطع الناقص -فهي مفرطحة بعض الشيء في نهايتيها. وذهب نيوتن إلى أنها مفرطحة عند القطبين، أما العلماء من آل كاسيني فذهبوا إلى أنها مفرطحة عند خط الاستواء. وللفصل في هذا الخلاف الدولي أوفدت أكاديمية علوم باريس بعثتين، ذهبت الأولى في 1735 وعلى رأسها شارل دلاكوندامين، وبييريوجيه، ولوى جودان، إلى ما كان بيرو يومها (وهو الآن أكوادور) لقياس درجة عرض فلكية على منحني من الزوال قرب الاستواء
(1)
. وقد وجدوا أن البعد بين درجة عرض فلكية والدرجة التي تليها، على الزوال المار فوق مكان رصدهما، هو 362،800 قدم. وفي 1736 أوفدت بعثة كهذه إلى لابلاند وعلى رأسها نوبرنياس وكليرو، لقياس درجة عرض فلكية على منحني من الزوال عند مكان أقرب ما أمكن للدائرة القطبية. وقد قررت أن طول الدرجة هناك 376. 100 قدم - أي أكثر قليلاً من تسعة وستين ميلاً. ودلت هذه الكشوف على أن طول درجة العرض الفلكية، يزداد زيادة طفيفة كلما تحرك الراصد من الاستواء إلى القطب؛ وقد فسرت الزيادة بأنها راجعة لتفرطح الأرض عند القطبين. وسلمت أكاديمية العلوم بأن نيوتن كان على حق. واتخذت المقاييس التي حصلت عليها البعثتان بعد ذلك أساساً لتحديد المتر، والنظام المتري، والزمن الفكي المضبوط لمختلف الأماكن على سطح الأرض.
وقد عزا بوجيه انحرافات ميزان الاستقامة التي لاحظها في أرصاد بعثة بيرو إلى القوة الجاذبية لجبل شيمبورازو القريب. وبقياس الانحراف قدر كثافة الجبل، وعلى هذا الأساس حاول حساب كثافة الأرض. وواصل
(1)
العرض الفلكي هو البعد الزاوي بين الاستواء واتجاه ميزان للجاذبية في مكان معين. وزاول المكان هو الدائرة الكبرى التي تمر فوقه رأسا من القطب إلى القطب.
هذا البحث نفيل ماسكلين، فلكي الملك وجورج الثالث (1774 - 78)، بإسقاطه ميزان الاستقامة تارة على جانب جبل جرانيتي في إسكتلندة وتارة على الجانب الآخر. وفي كلتا الحالتين انحرف الميزان نحو أثنتى عشرة ثانية زاوية نحو الجبل. واستنتج ماسكلين أن نسبة كثافة الأرض إلى كثافة الجبل هي نفس النسبة بين قوة جاذبية الأرض وانحراف الأثنتى عشرة ثانية، وعلى هذا الأساس قدر تشارلز هتن أن كثافة الأرض تقرب من 4،5 مرة من كثافة الماء - وهو رقم مقبول الآن عموماً، وقد توصل إليه نيوتن بما عهد فيه من حدس ذكي قبل قرن من الزمان.
جـ - الجيولوجيا
ظلت ضروب التحريم اللاهوتية تعرقل دراسة أصل الأرض، وعمرها، وتركيبها، والبحث في قشرتها وما دونها، وفي زلازلها، وبراكينها، وفوهاتها، وأحافيرها. وكانت الأحافير تفسر عموماً بأنها مخلفات كائنات بحرية تركتها على الأرض مياه انحسرت عقب طوفان نوح، الذي كان الاعتقاد أنه غطى الكرة الأرضية. وفي 1721 قرر أنطونيو فاللزنييري في كتابه عن الأجسام البحرية .... أن فيضاناً مؤقتاً لا يمكن أن يعلل راسباً من التكوينات البحرية بهذا الانتشار الواسع. ورأى أنطون مورو في كتابه "البندقية"، (1740) أن الأحافير قذفت بها ثورانات بركانية من البحر. فالأرض كانت في الأصل مغطاة بالماء، فدفعت النيران الباطنية اليابس الذي تحت الماء إلى فوق البحر الهابط، وكونت الجبال والقارات.
وقد خلف بنوا دماييه عند موته (1738) مخطوطة طبعت عام 1748 باسم "تياميد، أو لقاءات بين فيلسوف هندي ومراسل فرنسي" وقد ساق آراءه على لسان حكيم هندي، ولكن سرعان ما تبين أن "تياميد" ليس إلا "دمامية" مقلوباً، ولعل الزوبعة التي أثارها الكتاب قد صالحت بين مؤلفه وبين موته الذي أدركه في أوانه. ونظريته تزعم أن الأرض والجبال والأحافير لم تكونها الثورانات البركانية- بل الانحسار التدريجي للمياه التي غطت وجه الأرض فيما مضى من الزمان، وألمح ماييه إلى أن كل
النباتات والحيوانات تطورت من كائنات بحرية مقابلة، لا بل الرجال والنساء تطوروا من أناسى البحر وعرائسه الذين فقدوا ذيولهم كما فقد الضفدع ذيله. وقد نشأ انحسار الماء عن البخر الذي هبط بمستوى البحر نحو ثلاثين قدماً كل ألف عام. وأنذر ماييه بأن المحيطات ستجف تماماً في النهاية، وستصعد النيران الباطنية إلى السطح وتفنى كل شئ حي.
ولعد "تياميد" بعام أصدر جورج لوى دبوفون أول مجلديه الرئيسيين اللذين أسهم بهما في علم وليد لم يزل مقمطاً في تكهنات لا سبيل إلى التثبيت من صحتها. وقد ألف "نظرية الأرض"(1749) وهو في الثانية والأربعين، " وحقب الطبيعة"(1779) وهو في الحادية والسبعين. وبدأ باحتياط على طريقة ديكارت، فسلم بدفعة أولى دفع الله بها العالم، وبعدها قدمت "النظرية" تفسيراً طبيعياً خالصاً للأحداث الكونية. وقد استبق آخر نظريات تكوين العالم بقرنين، إذ ذهب إلى أن الكواكب نشأت كشظايا انفصلت عن الشمس إثر مذنب قوي أو بفعل جذبه، فكل الكواكب إذن كانت في البداية كتلا منصهرة كالشمس الآن، ولكنها بالتدريج بردت وأظلمت في برد الفضاء. أما "الأيام" التي استغرقتها الخليقة في سفر التكوين فلا بد من تفسيرها على أنها حقب، قد نتبين منها سبعاً:
1 -
اتخذت الأرض شكلها الكروي نتيجة لدورانها، ثم برد سطحها ببطئ (3. 000 سنة).
2 -
تجمدت الأرض فأصبحت جسما جامداً (32. 000 سنة).
3 -
تكاثفت الأبخرة التي غلفتها وكونت محيطاً عالمياً (25. 000 سنة).
4 -
هبطت مياه هذا المحيط باختفائها في شقوق في قشرة الأرض، تاركة نباتاً على السطح، وأحافير على ارتفاعات شتى على اليابس (10. 000 سنة).
5 -
ظهرت الحيوانات البرية (5. 000 سنة).
6 -
فصل هبوط المحيط نصف الكرة الغربي عن نصفها الشرقي، وجرينلند عن أوربا، ونيوفوندلند عن أسبانيا، وترك الكثير من الجزر تبدو كأنها طالعة من البحر (5. 000 سنة).
7 -
تطور الإنسان (000ر5 سنة)
ولاحظ بوفون بجمع هذه الحقب معاً أن حاصلها 58. 000 سنة. ولعله كان يعجب لخيال الجيولوجيين الفائق في يومنا هذا، فهم يمدون عمر الأرض إلى أربعة بلايين سنة.
وقد أسس بوفون علم الأحافير (البليونتولوجي) بدراسته العظام المتحفزة واستنباطه الحقب المتعاقبة للحياة العضوية منها. ويتبين منظوره وأسلوبه من الأسطر الأولى التي استهل بها "حقب الطبيعة" إذ يقول:
"كما أننا في التاريخ المدني نرجع إلى ألقاب الناس، وندرس العملات والمداليات، ونفك رموز الكتابات القديمة، لنحدد عصور الثورات الإنسانية وتواريخ الأحداث في تاريخ المجتمع، فكذلك يجب علينا في التاريخ الطبيعي أن ننقب في محفوظات الدنيا، ونخرج من أحشاء الأرض الأثار القديمة، ونجمع بقاياها، ونحشد في مجموعة من الأدلة كل الإشارات على التغيرات الفيزيائية التي تتيح لنا الرجوع إلى مختلف عصور الطبيعة. وهذا سبيلنا الأوحد إلى تحديد بعض النقط في الفضاء الشاسع، ووضع عدد من الشواخص على الطريق الأبدي للزمن. وما أشبه الماضي بالمسافات فبصرنا به كان يتناقص بل يتلاشى لولا أن التاريخ والترتيب وضعا المعالم والمشاعل في أشد نقطه ظلاماً"(72).
ثم لأنه لم يتوصل إلى علم الأحافير إلا في شيخوخته كتب يقول:
"إنني أترك أسفاً هذه الأشياء الخلابة، هذه الآثار الثمينة التي خلفتها لنا الطبيعة القديمة، والتي لا تمهلني شيخوختي لفحصها فحصاً يكفي لأن أستخلص منها النتائج التي أتصورها، والتي ينبغي ألا تجد لها مكاناً في الكتاب لأنها لا تقوم إلا على الافتراض، في حين أنني جريت فيه على سنة، هي ألا أعرض فيه غير الحقائق المبنية على الواقع. وسيأتي من بعدي آخرون (73).
وكتابه "حقب الطبيعة" كان من أهم كتب القرن الثامن عشر. وقد أغدق عليه بوفون كل ما يملك من صنعة في الأسلوب، حتى أنه كتب بعض أجزائه
من جديد سبع عشرة مرة (إذا صدقناه)(74). وسكب فيه كل قوة خياله حتى لقد بدا أنه يصف، عبر فجوة من ستين ألف عام، تصورات فكره وكأنها أحداث تنبسط أمام عينيه
(1)
. وقد أشاد جريم بالكتاب لأنه "من أروع القصائد التي جرؤت الفلسفة على أن توحي بها" وقال كوفييه في حكمه عليه إنه "أذيع أعمال بوفون قاطبة، مكتوب بأسلوب رفيع حقاً"(76).
وفي هذه الأثناء حاول نفر من الدارسين أكثر تواضعا أن يرسموا خرائط لتوزيع المعادن في التربة. وقد ظفر جان جتار بثناء أكاديمية باريس للعلوم على كتابه "مذكرة وخريطة في علم المعادن"(1746) وبينما كان يبذل هذه المحاولة الأولى للقيام بمسح جيولوجي، اكتشف براكين خامدة في فرنسا، وعلل الرواسب المحيطة بها بأنها حمم متجمدة، والينابيع الحارة بأنها آخر مراحل هذه القوى البركانية. وحفز زلزال لشبونه جون متشل إلى إعداد "مقال في أسباب الزلازل وظواهرها"(1760)، وقد ذهب إلى أنها راجعة إلى الالتحام الفجائي بين النار والماء الباطنيين، مما أحدث بخراً متمدداً، وقد وجد هذا البخر منفذاً خلال البراكين والفوهات، ولكن إذا تعذرت هذه المخارج أحدثت اهتزازات في سطح الأرض. وهذه الأمواج الأرضية يمكن في رأي متشل رسمها لإيجاد بؤرة الزلزال. وهكذا تمخض علم الجيولوجيا الذي كان حدثاً بعد عن علم الزلازل.
كذلك اصبح علم طبقات الأرض فرعاً متخصصاً. فقد حار الناس في أصل طبقات القشرة الأرضية وتركيبها وتعاقبها. وأتاحت مناجم الفحم مفتاحاً لهذه الدراسات؛ ومن ثم قدم جون ستراتشي للجمعية الملكية (1709)"وصفاً غريباً للطبقات الأرضية لوحظ في مناجم فحم منديب بسمرستشير. " وفي 1762 أصدر جيورج كرستيان فوشزل أول خريطة جيولوجية مفصلة، ووصف "التكوينات" التسعة في تربة تورنجيا، وأرسى مفهوم "التكوين" باعتباره تعاقباً لطبقات تمثل في مجموعها حقبة جيولوجية.
(1)
عبر سانت-بوف عن هذا أروع تعبير: "قال الله لأيوب أين كنت حين أرسلت أساسات الأرض؟ " وكأني بمسيو ديوفون يقول لنا في غير انفعال "كنت هناك"(75).
وتنازعت النظريات المتنافسة على أسباب هذه التكوينات. من ذلك أن أبراهام فرنر، الذي ظل اثنين وأربعين عاماً (1775 - 1817) يعلم في مدرسة المناجم بفرايبورج، جعل كرسي أستاذيته المقر الشعبي للرأي "النبتيوني"، وهو القائل بأن القارات، والجبال، والصخور، والطبقات قد نشأت كلها من فعل المياه، من هبوط محيط كان يوماً يغطي العالم-وهو هبوط بطئ أحياناً، مباغت أحياناً أخرى؛ فالصخور هي ترسب معادن تركها البحر جافة، والطبقات هي فترات هذا الانحسار ورواسبه.
وزاد هتن نار الجدل اشتعالا بتعليله تغيرات الأرض وتقلباتها. وقد أصبح هذا الرجل الذي ولد بأدنبرة في 1726، واحداً من ذلك الفريق الممتاز الذي ألف حركة التنوير الاسكتلندي-هيوم، وجون هوم، واللورد كيمس، وآدم سمت، وروبرتسن، وهتشسن، وماسكلين، ومكلورين، وجون بلايفير، وجوزف بلاك. تنقل من الطب إلى الكيمياء إلى الجيلوجيا، وما لبث أن تخلص إلى تاريخ كرتنا الأرضية استغرق أضعاف الآلاف الستة التي قال بها اللاهوتيون. ولاحظ أن الريح والمياه ينحران الجبال في بطئ ويرسبانها على السهول، وأن آلاف النهيرات تحمل إلى الأنهار، التي تحملها بعد ذلك إلى البحر، ولو استمرت هذه العملية إلى ما شاء الله لابتعلت المحيطات النهمة الثائرة قارات برمتها. ولعل جميع التكوينات الجيولوجيا نجمت عن هذه العمليات الطبيعية البطيئة كما نشهد اليوم في أي مزرعة تتعرى تربتها أو أي بحر يجور على اليابس، أو أي نهر قاعه في إصرار، تاركاً سجل مستوياته الهابطة على طبقات الصخور والتربة. وقد ذهب هتن إلى أن هذه التغيرات التدريجية هي الأسباب الأساسية لما يطرأ على أرضنا من تحول. وعنده أننا "في تفسيرنا للطبيعة، يجب ألا نستخدم قوي ليست من طبيعة الكرة الأرضية، وإلا نسلم بأي عمل إلا الأعمال التي نعرف مبدأها، وألا ندعى أي أحداث خارقة لنعلل بها ظاهرة شائعة"(77).
ولكن إذا سلمنا بأن هذا التحات ظل آلاف الآلاف من السنين، فلم لا تزال هناك على ظهر الأرض؛ ويرد هتن بأن السبب هو أن
المواد التي أزالها التحات وتجمعت في قاع البحر تتعرض للضغط والحرارة، فهي تنصهر، وتتجمع، وتتمدد وتتصاعد، وتطلع من المياه لتكون الجزر والجبال، والقارات. إما أن هناك حرارة باطنية فالدليل عليه ثوران البراكين. فالتاريخ الجيولوجي إذن عملية دائرة، انقباض وانبساط شاسعان لا يفتآن يصبان القارات في البحار ويرفعان القارات الجديدة في قلب تلك البحار. وقد أطلق الدارسون الذين جاءوا بعد هتن على نظريته اسم "الفلكانية"، (نسبة لفلكان إله النار) لقيامها على تأثيرات الحرارة، أو "البلوتونية" نسبة إلى بلوتو الإله القديم للعالم السفلي.
وقد تردد هتن نفسه في نشر آرائه لأنه عرف أنها ستلقي المعارضة لا من المؤمنين بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس فحسب، بل من "النبتيونيين" على نحو لا يقل حدة. وقد وجد هؤلاء مدافعاً متحمساً في روبرت جيمسن أستاذ الفلسفة الطبيعية في جامعة أدنبرة. وقد اقتصر هتن أول الأمر على شرح نظريته لنفر من أصدقائه، فلما ألحوا عليه قرأ بحثين في موضوعها على جمعية أدنبرة الملكية، الحديثة التشكيل، في 1785. وكان النقد الذي وجه إليها مهذباً حتى عام 1793، حين هاجمه عالم معادن دبلني بعبارات أثارت حنقه، فرد بنشره كتاباً من عيون الجيولوجيا عنوانه "نظرية الأرض" (1795). ومات بعد ذلك بسنتين. وبفضل كتاب جون بلايفير الواضح الأسلوب "إيضاحات لنظرية هتن"(1802)، انتقل مفهوم التغيرات العظمى الناجمة عن العمليات البطيئة إلى علوم أخرى غير الجيولوجيا، وأعد أوربا لتطبيق داروين لهذا المفهوم على أصل الأنواع وتسلسل الإنسان.
د - الجغرافيا
ولكن وجه الأرض أكثر استواء للدارسين من أحشائها. ولقد كان العرض المتصاعد لاختلافات البشر في العرق، والأنظمة، والأخلاق، والعقائد، عاملا قوياً في توسيع آفاق الذهن الحديث. ومضى ارتياد المجهولة برغبة في الاستطلاع وحب للتملك أكثر من أي عهد سبق،
لا حبا في سواد عيون العلم، بل سعياً إلى المواد الخام، والذهب، والفضة، والأحجار الكريمة، والطعام، والأسواق، والمستعمرات، وإلى رسم خرائط للبحار تضمن مزيداً من السلامة للملاحة في السلم والحرب. لا بل أن رحلة السفينة المتمردة "باونتي"(1789) كان هدفها الأصلي شتل شجرة فاكهة الخبز من بحار الجنوب إلى جزر الهند الغربية واشتد التنافس في هذه اللعبة بين الفرنسيين والهولنديين والإنجليز، وهم يعلمون أن السيادة على العالم رهن بنتيجة هذا التنافس.
وقد انبعثت من ذهن بطرس الأكبر رحلة من أجرأ رحلات الارتياد، إذ أنه قبل موته في 1725 كلف فينوس بيرنج، وكان قبطاناً دنمركياً في البحرية الروسية، بارتياد الساحل الشمالي لسيبيريا. وعينت أكاديمية سانت بطرسبورج فلكياً وطبيعياً ومؤرخاً لمرافقة البعثة وبعد أن سافر بيرنج إلى كمشاسكا براً، أبحر (1728) إلى خط عرض 67 (شمالا، واكتشف المضيق الذي يحمل اسمه، ثم عاد إلى سانت بطرسبورج. وفي رحلة ثانية بنى أسطولا في أوخوتسك وأبحر شرقاً حتى لمح أمريكا الشمالية (1741)؛ وهكذا اكتشف دنمركي تلك القارة من الغرب كما اكتشفها لايف إريكسن الإسكندنافي من الشرق. وفي رحلة العودة ضلت سفينة بيربج طريقها وسط ضباب كثيف، وأنفق الملاحون ستة أشهر على جزيرة لم يسبق أن سكنها أحد قرب كمشاسكا. وعلى هذه الجزيرة، التي تحمل هي أيضاً اسمه، مات الدنمركي العظيم من الأسقربوط (1741) وهو في الستين. واكتشف سفينته أخرى من سفن البعثة جزائر الوشيان. واستولت روسيا على ألسكا، وبعث المرسلون لتعريف الأسكيمو باللاهوت المسيحي ..
وحفز تقدم روسيا داخل أمريكا أمماً أخرى لارتياد المحيط الهادي فجردت إنجلترا في حربها مع أسبانيا (1740) أسطولا تحت إمرة جورج آنسن ليضيق الخناق على المستوطنات الإسبانية في أمريكا الجنوبية. وقد اهلك الأسقربوط أكثر ملاحيه، وحطمت الزوابع بعض مراكبه، ولكنه شق طريقه إلى المحيط الهادي الجنوبي، ووقف عند جزائر خوان فرنانديز،
ووجد الدليل على أن ألكسندر سكرك (وهو روبنسن كروزو في رواية ديفو) كان هناك من قبل (1704 - 9). ثم عبر المحيط الهادي واستولى على غليون أسباني قرب الفلبين، وأخذ كنز الذهب والفضة الذي يحمله (1. 500. 000 دولار) وعبر المحيط الهندي ودار حول رأس الرجاء الصالح، وافلت من الأسطولين الأسباني والفرنسي اللذين حاولا اعتراضه. ثم وصل إلى إنجلترا في 15 يونيو 1744 بعد رحلة ثلاثة سنوات وتسعة أشهر. ونقلت غنيمة السبائك من سبتهيد إلى لندن في اثنتين وثلاثين عربة تصاحبها الموسيقى العسكرية. وصفقت إنجلترا كلها لآنسن ونفدت أربع طبعات من قصته في سنة واحدة.
وفي 1763 أوفدت الحكومة الفرنسية بعثة مماثلة على رأسها لوي أنطوان دبوجانفيل، تحمل تعليمات بإقامة مستوطنة فرنسية في جزر فوكلند؛ وقد أتاح لها موقعها على ثلاثمائة ميل شرقي مضيق مجللان قيمة حربية، لأنها تشرف على المعبر من الأطلنطي إلى الهادي. وقد أنجز مهمته وعاد إلى فرنسا. وفي 1765 أبحر ثانية، وعبر المضيق إلى المحيط الهادي ووصل إلى تاهيتي (1768). التي كان صموئيل واليس قد اكتشفها قبل ذلك بسنة-واستولى عليها لفرنسا، واكتشف مجموعة جزر ساموا وهيريد الجديدة، ودار حول رأس الرجاء الصالح، ووصل إلى فرنسا في 1769، وجلب معه من أقاليم الباسفيك المدارية نبات البوجانفليا المتعرش (الجهنمية). وقد ركزت روايته لرحلته على مناخ تاهيتي اللطيف، وما يتمتع به الأهالي من صحة سابغة، وطبيعة خيرة، وخلق أنيس: وسنلتقي بديدرو معقباً في حسد على هذا التقرير في كتابه "ملحق لرحلة بوجانفيل".
وفي 1764 كلفت الحكومة البريطانية الكابتن جون بايرون أن يضع يده على أرض تفيدها في البحار الجنوبية. فرسا على فورت إجمونت في جزر فوكلند، واستولى على الجزر الإنجليزية وهو لا يدري أن الفرنسيين كانوا هناك فعلا. وادعت أسبانيا أن لها حقاً أسبق في تملك الجزر، فأذعنت لها فرنسا، ثم أذعنت إسبانيا لإنجلترا (1771) وتطالب بها الأرجنتين اليوم.
وواصل بايرون رحلته حول الكرة الأرضية، ولكنه لم يترك على التاريخ أكثر من هذه البصمة. وكان في رحلة سابقة، أثناء عمله ضابط صف تحت إمرة آنسن قد تحطمت فيه السفينة على ساحل شيلي (1741)، وقد استخدم حفيده اللورد بايرون روايته لهذا الحادث في قصيدته "دون جوان"
أما أبرز رائد في رواد القرن الثامن عشر في نظر الشعوب الناطقة بالإنجليزية فهو الكابتن جيمس كوك. كان ابن فلاح في مزرعة، ألحق وهو في الثانية عشر ببائع خردات، فلما لم يجد في بيع الملابس الداخلية ما يشبع شوقه للمغامرة التحق بالبحرية، وعمل "ملاحظا بحرياً" على طول سواحل نيوفوندلند، وذاعت شهرته رياضياً، وفلكياً، وملاحاً، وفي 1768، حين بلغ الخمسين، اختير لرآسة بعثة تسجل مرور كوكب الزهرة، وتقوم بأبحاث جغرافية في المحيط الهادي الجنوبي. فأبحر في 25 أغسطس على السفينة "إندفر" بصحبة عدة علماء، جهز أحدهم وهو السر جوزف بانكس السفينة من ماله الخاص
(1)
. وشوهد مرور الزهرة في تاهيتي في 3 يونيو 1769. ومنها أبحر كوك باحثاً عن قارة كبرى (تيرا أوستراليس) زعم بعض الجغرافيين أنها تختبئ في بحار الجنوب. فلم يجد شيئاً، ولكنه ارتاد جزر سوسايتي وسواحل نيوزيلندة، ورسم لها خرائط بعناية: ثم واصل رحلته إلى استراليا (التي عرفت يومها بهولندا الجديدة)، واستولى على ساحلها الشرقي لبريطانيا العظمى، وأبحر حول أفريقيا، ووصل إلى إنجلترا في 12 يونيو 1771.
وفي 13 يوليو 1772، ركب البحر من جديد، ومعه السفينتان رزوليوس وإندفر، بحثاً عن القارة الجنوبية المزعومة. وقد حرث البحر شرقاً وجنوباً بين رأس الرجاء الصالح ونيوزيلندة، وعبر الدائرة القطبية الجنوبية إلى خط الطافية على العودة، وزار جزيرة إيستر وكتب وصفاً
(1)
عمل رئيسا لجمعية لندن الملكية من 1778 إلى 1820، وأوصى بمكتبته ومجموعاته المتحف البريطاني.
لتماثيلها العملاقة. ورسم خرائط لجزر ماركيزا وتونجا، وسمى هذه "فرندلي" أي الجزيرة الصديقة لما خبر في أهلها من لطف ودماثة الخلق. واكتشف كلدونيا الجديدة، وجزيرة نورفوك، وجزيرة باينز (كوني). وعبر المحيط الهادي الجنوبي شرقاً إلى رأس هورن، وواصل الرحلة عبر الأطلنطي الجنوبي إلى رأس الرجاء الصالح، ثم أبحر شمالا إلى إنجلترا، فرسا على برها في 25 يوليو 1775 بعد رحلة قطع فيها نيفاً وستين ألف ميل و 1. 107 يوماً.
أما بعثته الثالثة فقد التمست طريقاً مائياً من ألسكا عبر أمريكا الشمالية إلى الأطلنطي. وقد أقلع من بليموث في 12 يوليو، ومعه السفينتان رزوايوشن وسكفري، وطاف حول رأس الرجاء الصالح، ووصل بر تاهيتي ثانية، ومضى شمالا بشرق، ووقع على أعظم كشوفه، هي جزر هاواي (فبراير 1778) التي كان الملاح الإسباني خوان جيتانو قد رآها في 1555، ولكن أوربا نسيتها أكثر من قرنين. وبعد أن واصل كوك الرحلة إلى الشمال الشرقي وصل إلى ما نسميه الآن بولاية أوريجون، ومسح ساحل أمريكا الشمالية إلى مضيق بيرنج ووراءه حتى الحدود الشمالية لألسكا. وعند عرض 70. 41 (شمالا عاق تقدمه جدار من الجليد يرتفع اثنى عشر قدماً فوق البحر ويمتد إلى آخر ما يصل إليه بصر الرقيب. وعاد كوك إلى هاواي بعد أن أخفق في بحثه عن ممر شمالي شرقي عبر أمريكا. وهناك لقي مصرعه حيث لقي من قبل ترحيباً ودياً. ذلك أن الأهالي كانوا لطفاء ولكنهم يميلون إلى السرقة، فسرقوا قارباً من قوارب السفينة "دسكفري"، وقاد كوك نفراً من رجاله ليسترده، فنجحوا في استرداد القارب، ولكن الأهالي الحانقين أحاطوا بكوك الذي أصر على أن يكون آخر من بيرج الساحل. فأوسعوه ضرباً حتى مات (14 فبراير 1779)، وكان في الحادية والخمسين من عمره. وتكرمه إنجلترا بوصفه أعظم روادها البحرين وأنبلهم، وباعتباره عالماً مهذباً، وقبطاناً شجاعاً محبوباً من جميع ملاحيه.
ولا تكاد تقل عن هذه البعثات بسالة تلك البعثة التي قادها جان فرانسوا دجالوب، وكونت لابيروز، الذي كلفته الحكومات الفرنسية بأن يتابع
كشف كوك. فأبحر في 1785 حول أمريكا الجنوبية ثم مصعدا إلى ألسكا وعبر إلى آسيا، وكان أول أوربي يمر بالمضيق (الذي كان يحمل اسمه على عهد قريب) الواقع بين سخالين الروسية وهوكايدو اليابانية. ثم اتجه إلى الجنوب وارتاد ساحل استراليا وبلغ جزر سانتا كروز. ويبدو أن سفينته تحطمت هناك (1788) لأن أحداً لم يسمع بخبره قط.
وكان ارتياد اليابس هو أيضاً تحدياً لشهوة المغامرة والكسب. ففي 1716 وصل مراسل يسوعي إلى لحاسا-مدينة التبت "المحرمة" وارتاد كاستن بيبور ووصف جزيرة العرب، وفلسطين، وسوريا، وآسيا الصغرى، وفارس (1761). وجاب جيمس بروس شرق أفريقيا واكتشف من جديد منبع النيل الأزرق (1768). وفي أمريكا الشمالية أسس الرواد الفرنسيون نيو أورليان (1718) وتحركوا شمالا على طول المسسبي إلى المسوري. وفي كندا كافحوا ليصلوا إلى المحيط الهادي، ولكن جبال روكي كانت عقبة كؤودا. وفي هذه الأثناء تقدم المستعمرون الإنجليز في الداخل إلى نهر أوهايو، وفتح الرهبان الأسبان الطريق لمن بعدهم من المكسيك عبر كاليفورينا الشمالية أن تصبح إحدى المغانم التي يصطرع عليها المقاتلون في حرب السنين السبع. وفي أمريكا الجنوبية قاد لاكوندامين من منابع الأمازون قرب كيتو إلى مصبه عند الأطلنطي، على بعد أربعة آلاف ميل بعد أن قاس درجة عرضية عند خط الاستواء.
وعجز رسامو الخرائط الجغرافية عن اللحاق بالرواد. فخلال نصف قرن (1744 - 93) أصدر سيزار فرنسوا كاسيني وابنه حاك دومنيك في 184 فرخ متوال خريطة لفرنسا طولها 36 قدماً وعرضها 36 قدماً، تبين في تفصيل لم يسبق له نظير، جميع الطرق، والأنهار، والأديار، والمزارع، والمصانع، وحتى ما وضع على جانب الطرق من صلبان ومشانق. وفي 1766 نشر توربيرن ألوف بيرجمان، الذي لم يقنع واحداً من أعظم كيميائي القرن الثامن عشر، "وصفاً للعالم" لخص فيه الميتورولوجيا، والجيولوجيا، والجغرافيا الطبيعية في عصره. وذهب إلى أن كثيراً من الجزر هي قمم
لسلاسل جبلية غمر أكثرها في الماء، فجزر الهند الغربية قد تكون مخلفات سلسلة ربطت يوماً ما فلوريدا بأمريكا الجنوبية. أما أوراس دسوسير، فبعد أن قضي أربعة وعشرين عاماً أستاذاً للفلسفة في جامعة جنيف، ارتقى جبل مور بلان (1787) وجبل كلاين ماترهورن (1792) ارتقائين مشهورين، وكتب دراسات ضخمة لجبال سويسرا من حيث أحوالها الجوية، وتكويناتها، وطبقاتها، وأحافيرها، ونباتاتها، فجمع بذلك جمعاً رائعاً بين الميتورولوجيا، والجيولوجيا، والجغرافيا، والنبات. لنتذكر حين يقال لنا أن التاريخ هو "تقويم نيوجيت"للأمم، أنه كذلك سجل لمئات من ضروب البطولة والشرف.
8 - النبات
أ- لينيوس
وهكذا نصل في قصتنا إلى الحياة! فبعد أن طور المكرسكوب المركب أصبح في الإمكان فحص تكوين النباتات فحصاً أدق، يصل إلى خفايا جنسها. وشب علم النبات عن الطوق فلم يعد تابعاً للطب، ورسم لينيوس عالم الحياة المكتظ بعناية راهب العلم وتفانيه.
وكان أبوه نيلز لينيه، راعياً لشعب لوثري في شتنبر وهولت بالسويد. ومن العسير جداً على قسيس أن يحتفظ بتقواه، ولكن كارل استطاع ذلك، ووجد في عالم النبات على الأخص أسباباً لا حصر لها تدعوه لشكر الخالق. والحق إن هناك لحظات تبدو فيها الحياة رائعة الجمال بحيث لا يمكن أن يكفر بالآلهة غير إنسان جحود.
وكان نيلز بستانياً متحمساً، أحب اقتناء الأشجار المنتقاة والأزهار النادرة وغرسها في التربة من حول مسكنه كأنها تسبيحة حية. وكانت هذه لعب كارل وأصفيائه في صباه، فشب (كما يروي لنا) وفي قلبه "حب للبنات لا يرتوي"(78). وما أكثر ما "زوغ" من المدرسة ليجمع عينات في الغابات والحقول. وكان أبوه تواقاً ولده قسيساً، لأن الصبي كان
آية في الطيبة، وقد تعلم بالقدوة خيراً مما يعلم بالعقيدة، ولكن كارل مال إلى الطب لأنه رأى فيه المهنة الوحيدة التي يستطيع فيها الجمع بين الاشتغال بالنبات وكسب قوته. وعليه ففي 1727، حين كان في العشرين من عمره، قيد طالب طب في جامعة لوند. وبعد عام أرسل إلى أوبسالا حاملاً توصيات حارة من معلميه. ولم يستطع أن يتلقى الكثير من العون المادي من أبويه لأنه كان واحداً من خمسة أبناء لهما. وإذ أعجزه الفقر عن ترقيع حذائه فقد فرشه بالورق ليغطي ثقوبه ويتقي بعض البرد. أما وقد تهيأت له حوافز الدرس فإنه تقدم حثيثاً في دراسة النبات والطب. وفي 1731 عين محاضراً مساعداً في النبات ومدرساً خاصاً في بيت الأستاذ رودبيك، الذي كان أباً لأربعة وعشرين طفلا، فكتب يقول "إنني الآن بفضل الله أملك دخلا"(79).
فلما قررت جمعية أوبسالا العلمية إيفاد بعثة لدراسة نباتات لابلاند، أختير لينيوس لرآستها. وبدأ هو ومساعدوه الشبان الرحلة في 12 مايو 1732. وقد وصف رحيلهم بأسلوبه الزاهي بطبيعته فقال:
كان الجو مشرقاً لطيفاً، وأضفى نسيم عليل هب من الغرب على الهواء برودة منعشة
…
وكانت براعم أشجار البتولا قد بدأت تتفتح، والأوراق على معظم الشجر متوافرة، ولم يبق عارياً غير الدردار والبلوط. وكانت القبرة تصدح في العلا. وبعد أن قطعنا ميلا أو نحوه جئنا إلى مدخل غابة، وهناك فارقتنا القبرة، ولكن على قمة شجرة الصنوبر راح الشحرور يتدفق بأغنية حبه" (80).
وهذا الوصف ينبئ بطبع لينيوس؛ فقد كان يقظاً أبداً بكل جوارحه لمشاهد الطبيعة، وأصواتها، وعبيرها؛ ولم يسلم قط بأي فرق بين علم النبات والشعر. وقد قاد جماعته فوق 1،440 ميلا من لابلاند، خلال عشرات المخاطر والمشاق، ثم عاد بهم سالمين إلى أوبسالا في 10 سبتمبر.
وإذ كان لا يزال رقيق الحال، فقد حاول أن يكسب قوته بالتدريس في الجامعة، ولكن غريماً له أفلح في حظر محاضراته بدعوى أن لينيوس لم يكمل بعد دراسته الطبية أو ينال درجته الجامعية. وكان كارل في هذه
الأثناء قد وقع في غرام "ليزا" -وهي سارة إليزابث مورايا، ابنة طبيب محلي. فقدمت له مدخراتها، وأضاف إليها مدخراته، وإذ تهيأ له المال على هذا النحو فقد انطلق ميمماً هولندا (1735). وفي جامعة هاردرفيك فاز في امتحاناته ونال درجته الطبية. وبعد عام التقى في لندن بيوبرهافي العظيم، وكاد ينسى ليزا. وأصدر لينيوس كتاباً من أمهات كتب النبات بإلهام وعون من ذلك النبيل العالم، وهو "نظام الطبيعة". وقد طبع أثنتى عشرة مرة في حياته، وكان يتألف في الطبعة الأولى من أربعة عشر فرخاً فقط من القطع الكبير، أما في الطبعة الثانية عشرة فقد أزداد إلى 2. 300 صفحة، في ثلاث مجلدات من قطع الثمن، وعلى مقربة من أمستردام تزود بما نقصه من مال بإعادة تنظيم المجموعة النباتية التي يملكها جورج كليفورت وعمل قوائم بها، وكان كليفورت هذا مديراً لشركة الهند الشرقية. فأخرج في 1736، بهمة قعساء، "مكتبة النبات". وفي 1737 "أجناس النبات". وفي 1738 قصد باريس ليدرس الجاردان دووا. وهناك، دون أن يقدم نفسه، انضم إلى مجموعة من الطلاب كان برنار دجوسيو يحاضرهم باللاتينية في نباتات دخيلة: وقد حير الأستاذ نبات منها، واجترأ لينيوس على إبداء رأى فقال أن لهذا النبات مظهراً أمريكياً: ونظر إليه دجوسيو، وقال وهو يحزر هويته "أنت لينيوس"؛ واعترف كارل، وبأخوه العلم الرائعة رحب به دجوسيو ترحيباً حاراً (81). وعرض على لينيوس منصب الأستاذية في باريس، ولندن، وجوتنجن، ولكنه رأى أن قد آن الأوان ليعود إلى ليزا (1739). ولم تكن مثل هذه الخطبات الطويلة بالأمر الشاذ في تلك الأيام ولعلها عاونت في كثير من الحالات على استقرار الخلق ونضج الشخصية. وتزوجا، واستقر كارل في أستوكهولم طبيباً.
وظل حيناً يترقب عبثاً مجيء المرضى كما يفعل أي طبيب ناشئ. وذات يوم سمع وهو في حانة شاباً يشكو من أن أحداً لم يستطع شفاءه من السيلان. وشفاه لينيوس، ومالبث غيره من الشبان اشتد بهم الشوق لإثبات رجولتهم أن جاءوه ملتمسين الشفاء. وامتدت خبرة الطبيب إلى أمراض الرئتين وتعرف إليه الكونت كارل جوستاف تسين، رئيس مجلس النبلاء
في الركزداج، وحصل له على وظيفة طبيب للبحرية (1739). في ذلك العام ساعد لينيوس في إنشاء أكاديمية العلوم الملكية، وأصبح أول عميد لها. وفي خريف 1741 اختير أستاذاً للتشريح في أوبسالا. وسرعان ما استبدل بكرسيه كرسي النبات، والمواد الطبية، والتاريخ الطبيعي (الجيولوجيا والأحياء)، وهكذا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب أخيراً. وقد بث في تلاميذه تحمسه للنبات، وكان يعمل معهم في صداقة لا تكلف فيها، وأسعد أوقاته حين يأخذهم في جولة من جولات التاريخ الطبيعي. يقول:
كنا نقوم برحلات كثيرة بحثاً عن النبات، والحشرات، والطيور، ففي الأربعاء والسبت من كل أسبوع نجمع الأعشاب من الفجر إلى العشية ثم يعود التلاميذ إلى الميدان واضعين الأزهار على قبعاتهم، ويصحبون أستاذهم إلى حديقته، يتقدمهم موسيقيون بسطاء. ذلك منتهى الروعة في علمنا اللذيذ" (82).
وقد أوفد بعض طلابه إلى شتى بقاع الأرض ليأتوه بالنباتات الغريبة، وحصل لهؤلاء الرواد الصغار (الذين ضحى بعضهم بحياته في بحثهم هذا) على الإعفاء من أجرة الرحلة على سفن شركة الهند الشرقية الهولندية. وحفزهم بالأمل في إضافة أسمائهم للنباتات في نظام التسمية الكبير الذي كان بصدد إعداده. وقد لاحظوا أنه أطلق اسم "كاميليا" على الشجيرة المزهرة التي عثر عليها اليسوعي جورج كاميل في الفلبين.
وقد أقام بجهده المتصل تصنيفه الضخم للنبات في كتبه "نظام الطبيعة" و"أجناس النبات" و"زيت النبات"(1738)، و"فلسفة النبات"(1751) و"أنواع النبات"(1753) وقد سبقه نفر من علماء النبات إلى هذه المهمة، نخص بالذكر منهم بوهن وتورنفور، وكان ريفينوس قد اقترح (1690) طريقة ثنائية لتسمية النباتات. ولكن رغم هذه الجهود وجد لينيوس مجموعات عصره في حالة من الخلل عطلت الدراسة العلمية للنباتات تعطيلاً خطراً. فقد اكتشفت مئات الأنواع الجديدة التي
أطلق عليها علماء النبات أسماء متضاربة. وأخذ لينيوس على عاتقه تصنيف جميع النباتات المعروفة أولا حسب طائفتها، وفي طائفتها حسب رتبتها، وفي رتبتها حسب جنسها، وفي جنسها حسب نوعها؛ وهكذا توصل إلى اسم لاتيني مقبول دولياً. واتخذ أساساً لتصنيفه وجود وطبيعة الأعضاء التناسلية الواضحة أو عدم وجودها، فقسم النباتات إلى "نباتات زهرية" وهي التي لها أعضاء تناسل ظاهرة (أزهارها) و"نباتات لا زهرية" ليس لها أزهار تخرج بروزاً وهياكلها التناسلية مخفاة أو غير واضحة (كما في الطحلب والسرخس).
وقد اعترضت بعض النفوس الخجولة على هذا التركيز على الجنس لأنه سيؤثر تأثيراً خطراً على خيال الشباب (83). ولكن نقاداً أصلب وأجرأ بينوا خلال الأعوام المائة التالية عيوباً أهم في تصنيف لينيوس، فقالوا إنه غلا في الاهتمام بإيجاد أركان وأسماء للنباتات غلواً جعله يحول علم النبات حيناً عن دراسة وظائف النباتات وأشكالها. ولما كان تغير الأنواع سيشوش النظام الذي وضعه، فضلا عن تناقضه مع سفر التكوين، لذلك وضع مبدأ مؤداه أن جميع الأنواع خلقها الله مباشرة وظلت دون تغيير طوال تاريخها. وقد عدل من هذا الموقف التقليدي في تاريخ لاحق (1762) بإلماعه إلى أن أنواعاً جديدة قد تظهر نتيجة لتهجين الأنواع المتقاربة. ومع أنه تناول الإنسان (الذي سماه في ثقة واطمئنان "هومو سابينز" أي الإنسان العاقل) بوصفه جزءاً من مملكة الحيوان، وصنفه نوعاً في رتبة الحيوانات العليا، جنباً إلى جنب مع القرد، فإن نظامه عطل نمو الأفكار التطورية.
وقد انتقد بوفون تصنيف لينيوس، على أساس أن الأجناس والأنواع ليست أشياء موضوعية، إنما هي مجرد أسماء لتقسيمات عقلية مريحة لواقع معقد، تذوب فيه جميع الرتب، عند أطرافها، بعضها في البعض، فلا شئ يوجد خارج الذهن، إلا الأفراد؛ هنا نجد جدل العصور الوسطى القديم بين الواقعية والاسمية. أما لينيوس فرد (مثبتاً أنه بشر) بأن بلاغة بوفون يجب ألا يسمح لها بأن تخدع العالم، ورفض أن يأكل في قاعة علقت فيها صورة بوفون مع صورته (85). على أنه سلم في لحظة أكثر سماحة أن
ترتيبه ناقص، وأن تصنيف النباتات حسب الجهاز التناسلي ترك أطرافاً كثيرة غير محكمة؛ وفي كتابه "فلسفة علم النبات" اقترح نظاماً طبيعياً مبنياً على شكل أعضاء النبات وتطورها. وقد تبين أن نظام التسمية الذي وضعه لا التصنيف، مريح جداً، سواء في علمي النبات والحيوان، وما زال سائداً مع تعديلات أدخلت عليه.
وكرمت أوربا كلها لينيوس في شيخوخته أميراً لعلماء النبات. ففي 1761 خلع عليه الملك لقب الفروسية، فأصبح اسمه كارل فون لينيه. وبعد عشر سنوات تلقى خطاب حب من ثاني أشهر مؤلف في القرن وهو جان جاك روسو، الذي ترجم "فلسفة علم النبات"، ووجد في الاشتغال بالنبات دواء للفلسفة. قال "تقبل أيها السيد الكريم ولاء تلميذ من تلاميذك، جاهل جداً، متحمس جداً، يدين ديناً كبيراً للتأمل في كتاباتك في السكينة التي ينعم بها
…
إنني أكرمك، وأحبك من كل قلبي (86).
ومات لينيوس، كروسو وفولتير، عام 1778. وباعت أرملته مكتبته ومجموعاته إلى جيمس إدوارد سمث، الذي اشترك مع آخرين (1788) في تأسيس "جمعية لينيوس اللندنية" للعناية بتراث لينيوس ومن ذلك المركز أذاعت سلسلة طويلة من المطبوعات جهود عالم النبات في جميع أرجاء أوربا وأمريكا وقد قرر جوته أن أعظم التأثيرات في حياته العقلية كان الفضل فيها لشكسبير، وسيينوزا ولينيوس (87).
ب - في الكرمة
واصل مئات من الدارسين المخلصين البحث في علم النبات. ففي فرنسا مثلا نجد أسرة من أسر الفحول التي يربط أعضاءها تكريس مشترك للحياة عبر القرون. وقد ارتقى رب هذه الأسرة، إنطوان دجوسيو، الذي وفد على باريس من ليون، ليصبح مدير للجاردان دوروا في 1708. وكان أخوه الأصغر برنار محاضراً و"معيداً" هناك؛ وقد رأيناه يرحب بلينيوس. وذهب أخ آخر يدعى جوزف إلى أمريكا الجنوبية في صحبة لاكوندامين، وأرسل نوعاً من عباد الشمس يسمى Heliotropium peruvianum
شتله في أوربا. وفي 1789 نشر ابن أخ له يدعى أنطوان لوران دي جوسيو كتاباً بدأ محل النظام وضعه لينيوس واسمه Genera plantarum secundum ordines naturales disposita وقد صنفت النباتات مورفولوجياً (أي حسب أشكالها) بناء على وجود أوراق البزار أو عدم وجودها، أو عددها؛ فما ليس له أوراق عديم الفلقة، وما له ورقة واحدة سماه "وحيد الفلقة" وما له ورقتان "ثنائي الفلقة". وواصل ابنه أدريان عملهم في القرن التاسع عشر. وفي 1824 وضع أوجستن وكاندول خطوط التصنيف الذي يتقبله علماء النبات اليوم بعد أن أقامه على جهود أسرة جوسيو.
وقد اكتشف نحميا جرو جنسانية النباتات عام 1682 أو قبل ذلك، وأيد كاميراريوس هذا الكشف في 1691. وأنهى كوطن ماذر من بوسطن إلى جمعية لندن الملكية (1716) تجربة تهجين بطريق التلقيح بالريح.
زرع جاري خطاً من الكومات في حقل ذرة، وكان لون الحب أحمر وأزرق، أما باقي الحقل فزرعه ذرة من اللون الأعم وهو الأصفر. فعدى هذا الصف في الجانب الذي يواجه الريح أكثر من غيره، أربعة من الصفوف المجاورة
…
ليلونها بلونيه (الأحمر والأزرق) اللذين ظهرا عليه. أما على الجانب المتجه مع الريح، فقد تلون بهذين اللونين مالا يقل عن سبعة خطوط أو ثمانية، وتأثرت الخطوط الأبعد تأثيراً أقل" (88).
وفي 1717 برهن رتشارد برادلي على ضرورة الإخصاب بتجربة أجراها على أزهار الطوليب (الحزامي). فقد نزع كل اللقاح من اثنتى عشرة زهرة منها "مكتملة الصحة"؛ فلم تحمل هذه أي برز طوال الصيف
…
في حين أن كل زهرة من الأربعمائة التي تركها وشأنها أخرجت برزاً" (89) وقد درس التلقيح المختلط وتنبأ بنتائج خلابة له "فقد نستطيع بهذه المعرفة أن نغير خاصية أي فاكهة بلقاح أخرى من نفس الرتبة ولكن من نوع مختلف". يضاف إلى هذا أنه في قدرة شخص محب للاستطلاع أن يستعين بهذه المعرفة على إنتاج أنواع نادرة من النبات لم يسمع
بها إلى الآن. وروى كيف أن توماس فيرتشايلد أنبت نوعاً جديداً "من حبة لقحت زهرة القرنفل الملتحي Sweet William وقد وجد أن هذه المجنات من الأنواع عقيمة، وشبهها بالبغال.
وفي 1721 روى فليب ملر أول وصف معروف لتلقيح النحل للنبات. فقد نزع "قمم" بعض الأزهار قبل أن تستطيع أن "تنفض غبارها"، ومع ذلك فإن برزة هذه الأزهار العنينة في الظاهر نضجت نضجاً سوياً. وقد تشكك الأصدقاء في روايته فكرر التجربة بمزيد من العناية، فحصل على النتيجة ذاتها. قال:
بعد يومين، وبينما كنت جالساً في حديقتي، شاهدت في حوض طوليب قريب مني بعض النحل تنشط نشاطاً شديداً وسط الأزهار؛ ورأيتها وأنا ألحظها تخرج وأرجلها وبطونها محملة بالغبار، وطار ذكر فيها إلى طوليبة كنت قد خصبتها، وعلى الفور تناولت مجهري وفحصت الطوليبة التي طار إليها، فوجدت أنه ترك من الغبار ما يكفي لتلقيح الطوليبة. فلما أخبرت أصدقائي بما حدث .... عادوا للاطمئنان إلى روايتي
…
فما لم يتخذ احتياط لمنع الحشرات من الدخول إلى النباتات، فإن هذه النباتات تقبل التلقيح من حشرات أصغر كثيراً من النحل" (90).
وقد أجرى كولرويتر، أستاذ التاريخ الطبيعي في كارلسروهي، دراسة خاصة (1760 وما بعدها) للاخصاب المختلط وفيزيوكيميائية التلقيح، كان لتجاربه الخمس والستين أثر هائل على الزراعة في عدة قارات. فقد انتهى إلى أن التهجين لا يثمر إلا في النباتات الوثيقة التقارب؛ ولكنه إذا نجح نمت المهجنات بسرعة أكبر، وأزهرت أسرع، وعاشت أطول، وأخرجت براعم صغيرة أوفر من الأنواع الأصلية، ولا يضعفها إنماء الحب. وأثبت كونراند شرنجل (1793) أن الإخصاب المختلط- بواسطة الحشرات عادة، وأقل من ذلك بواسطة الريح -يعم داخل النوع، وزعم في اقتناع غائي حار أن شكل الأجزاء في كثير من الأزهار وترتيب هذه الأجزاء مقصود به الإخصاب الذاتي. وفتح يوهان هدفج ميداناً جديداً للبحث
بدراسة عملية الإنسان في النباتات اللازهرية (1782) وفيما بين عامي 1788، 1791 أصدر يوزف جيرتز الأستاذ بجامعة فورتمبرج، على دفعتين، مسحه الموسوعي لفاكهة النباتات وبارها، وقد أصبح هذا المسح أساساً لعلم النبات في القرن التاسع عشر.
وفي 1759 أعلن كسبار فريدرش فولف في كتابه "نظرية الأجيال" نظرية في تطور النبات تعزى عادة إلى جوته.
"عندما أنظر إلى النبات بجملته، الذي نعجب لأجزائه لأنها تبدو لأول وهلة شديدة التنوع، لا أرى فيه وأميز نهائياً غير الأوراق والساق، لأن الجذر يمكن اعتباره ساقاً
…
وكا أجزاء النبات، باستثناء الساق، أوراق معدلة" (91).
وخلال ذلك ارتاد خفايا تغذية النبات أحد أساطين العلم في القرن الثامن عشر، وهو ستيفن هيلز. وكان واحداً من أولئك القساوسة الإنجليكان الكثيرين الذين لم يجدوا في لاهوتهم الطيع ما يعوقهم عن الاشتغال بالعلم أو الدراسات القديمة. ومع أنه تقبل عقيدة القصد الإلهي، فإنه لم يستخدمها في تحقيقاته العلمية وفي 1727 نشر النتائج التي خلص إليها في كتاب من أمهات كتب النبات "استاتيكا النبات .... نحو تاريخ طبيعي للنبات". وقد شرحت المقدمة هدفه:
"قبل عشرين عاماً أجريت عدة تجارب شريانية على الكلاب، وبعد ستة أعوام كررت التجارب ذاتها على الخيل وغيرها من الحيوانات لكي أجد قوة الدم في الشرايين (وهو ما نعرفه بضغط الدم الانقباضي (
…
وتمنيت وقتها لو استطعت إجراء تجارب لاكتشاف قوة العصارة في الخضراوات، ولكني يئست من إمكان إجرائها إطلاقاً، إلى أن وقعت عليها مصادفة قبل سبع سنوات بينما كنت أحاول بشتى الطرق أن أقف نزف ساق كرمة قديمة (92) ".
وكان كشف هارفي للدورة الدموية في الحيوان قد أدى بعلماء النبات إلى افتراض حركة مماثلة للسوائل في النبات. وقد نقض هيلز هذا الفرض
بتجارب بينت شجرة تمتص الماء في أطراف أغصانها ما تمتصه بجذورها؛ وقد تحرك الماء إلى الداخل من الأغصان إلى الجذع كما تحرك من الجذع إلى الأغصان؛ واستطاع قياس الامتصاص. على أن العصارة تحركت إلى أعلى من الجذور إلى الأوراق بفضل ضغط العصارة المنتشرة في الجذور. وامتصت الأوراق غذاءها من الهواء.
عند هذه النقطة أثار بريستلي الذكي المشكلة بكشف من ألمع كشوف القرن- هو تمثيل أكسيد الكربون الذي تخرجه الحيوانات في زفيرها، تمثيلا غذائياً، بواسطة كلورفيل النباتات في ضوء الشمس. وقد وصف هذا الشطر من عمله في المجلد الأول (1774) من كتابه "تجارب ومشاهدات" قال:
"أخذت كمية من الهواء فسدت فساداً تاماً نتيجة لتنفس الفئران وموتها فيها، وقسمتها قسمين، وضعت أحدهما في قنينة مغمورة في الماء، ووضعت في الآخر فرعاً من النعناع، وكان هذا القسم محتوى "في أبريق زجاجي قائم في الماء. كان هذا في بواكير أغسطس 1771، وبعد مضي ثمانية أيام أو تسعة وجدت أن فأراً يحيا في تمام الصحة في قسم الهواء الذي نما فيه فرع النعناع، ولكنه مات لحظة أن وضعته في القسم الآخر من نفس كمية الهواء الأصلية، والذي حفظته في نفس الوضع المكشوف ولكن دون أن ينمو فيه أي نبات".
وبعد عدة تجارب مشابهة خلص بريستلي إلى أن:
"الضرر الذي يلحق بالهواء باستمرار تنفس هذا العدد الكبير من الحيوانات، وتعفن هذه الكتل الكبيرة من المادة النباتية والحيوانية، تصلحه -جزئياً على الأقل- الكائنات النباتية. ورغم ضخامة كمية الهواء الذي يفسد يومياً من جراء الأسباب السالفة الذكر، فإننا إذا أخذنا في حسابنا المقدار الهائل من النباتات النامية على وجه الأرض .... لم يخامرنا شك في أنه هذا موازن كاف لذاك، وأن الدواء شاف من الداء"(93).
وفي 1764 تعرف بان إنجنهوز إلى بريستلي، وكان عالم أحياء هولندياً يسكن لندن. وقد أعجبته نظرية تنقية النباتات للهواء بتمثيلها ثاني أوكسيد الكربون الذي تخرجه الحيوانات وترعرعها عليه. ولكن إنجنهوز وجد أن النباتات لا تؤدى هذه الوظيفة في الظلام. وقد بين في كتابه "تجارب على النبات"(1779) أن النباتات كالحيوانات تخرج ثاني أكسيد الكربون، وأن أوراقها وبراعمها الخضر تمتص هذا الغاز، وتخرج الأكسجين في رائعة النهار فقط. ولهذا السبب تخرج الأزهار من غرف المستشفيات ليلاً.
"إن ضوء الشمس، لا الدفء، هو السبب الأهم، إن لم يكن السبب الأوحد، الذي يجعل النباتات تخرج هواءها المجرد من الفلوجستين (أي الأكسجين) .... فالنبات
…
الذي لا يستطيع
…
البحث عن طعامه يجب أن يجد داخل
…
الحيز الذي يشغله كل شئ يلزمه .... والأشجار تنشر في الهواء تلك المراوح الكثيرة وتوزعها
…
بطريقة تقلل قدر الإمكان من تزاحمها على أن تمتص من الهواء المحيط بها كل ما تستطيع امتصاصه وأن تقدم
…
هذه المادة
…
إلى أشعة الشمس المباشرة، لكي تنال الخير الذي يستطيع هذا النجم العظيم أن يهبها إياه" (94).
ولم يكن هذا بالطبع إلا صورة جزئية لتغذية النبات. وقد أوضح راعي كنيسة في جنيف يدعى جان سنيبيه (1800) أن الأجزاء الخضر فقط من النباتات هي التي تستطيع تحليل ثاني أكسيد الكربون الذي في الهواء إلى كربون وأكسجين. وفي 1804 درس نيكولا تيورور دسوسور، ابن الرائد الألبي، الدور الذي تسهم به التربة، والماء والأملاح، في تغذية النبات. وكان لهذه الدراسات جميعها نتائج حيوية في التطوير الخطير لخصوبة التربة والإنتاج الزراعي في القرنين التاسع عشر والعشرين. هنا أثرت بصيرة العلماء وصبرهم مائدة كل أسرة تقريباً في العالم المسيحي.
9 - علم الحيوان
أ- بوفون
ولد أعظم عالم طبيعي من علماء القرن الثامن عشر بمونبار في برجنديه (1707) لمستشار في برلمان ديجون. وكانت ديجون آنذاك مركزاً مستقلا
من مراكز الثقافة الفرنسية. والذي فتح منفذاً لثورة روسو على الحضارة وفولتير هو مسابقة اقترحتها أكاديمية ديجون. وقد درس جورج لوى لكليرك دبوفون في الكلية اليسوعية بديجون، وهناك تعلق بشاب إنجليزي يدعى اللورد كنجزتن، سافر معه عقب التخرج في رحلة إلى إيطاليا وإنجلترا. وفي 1832 ورث تركة كبيرة أتته بدخل سنوي قدره 300،000 جنيه، فأصبح الآن حراً في هجر القانون كان أبوه يعده للاشتغال به، وإشباع غرامه بالعلم، وبنى على تل في نهاية حديقته بمونبار، وعلى مائتي ياردة من منزله، حجرة للدارسة في برج قديم يسمى برج القديس بولس، هنا كان يعتكف من الساعة السادسة صباح كل يوم، وهنا ألف معظم كتبه. وقد انفعل بقصة أرخميدس الذي أحرق أسطول الأعداء في ميناء سيراكيوز بسلسلة من المرايا الحارقة، فأجرى ثماني تجارب، جمعت في النهاية 154 مرآة، أشعل بها النار في ألواح من الخشب على بعد 150 قدماً (95). وتردد حيناً بين التاريخ الطبيعي والفلك؛ وفي 1735 ترجم كتاب هيلز "استاتيكا النبات" وأسس نفسه في علم النبات؛ ولكن في 1740 ترجم كتاب نيوتن في "التدفقات" وأحس بإغراء الرياضة وانضم بذلك إقليدس إلى أرخميدس في مجمع أربابه.
وفي 1739 عين مديراً (ناظراً) للجاردان دورا، فانتقل إلى باريس. عندها فقط جعل علم الأحياء شغله الشاغل. فتحت إشرافه أغنت مئات النباتات الجديدة المجلوبة من كل أصقاع الدنيا هذه الحديقة النباتية الملكية. وسمح بوفون لجميع الدارسين المهتمين بالنبات بدخول الحديقة فجعل منها مدرسة للنبات. وبعد حين عاد إلى مونبار وبرج القديس لويس بعد أن ترك الحديقة في أيد أمينة، وشرع في تنظيم مشاهداته ليؤلف منها أشهر كتب القرن العلمية.
ونشرت المجلدات الثلاثة الأولى من كتابه هذا "التاريخ الطبيعي، العام والخاص" في 1749. وكانت باريس في مزاج يهيئها لدراسة العلم،
وإذ وجدت الآن الجيولوجيا واليولوجيا مقدمتين لها في نثر صاف رصين، موضحتين بلوحات مغرية، فقد أقبلت على هذه المجلدات إقبالا يقرب من إقبالها على كتاب مونتسكيو "روح القوانين" الذي صدر قبل ذلك بعام فقط. ومضى بوفون -وبمساعدة الأخوين أنطوان وبرنار دجوسيو له في النبات، ولوى دوينتون وجينو دمونبليار وغيرهما له في الحيوان، يضيف المجلد تلو المجلد إلى رائعته الكبرى، فصدر اثنا عشر مجلداً جديداً قبيل 1767، وتسعة مجلدات أخرى عن الطيور في 1770 - 83؛ وخمسة عن المعادن في 1783 - 88، وسبعة عن موضوعات أخرى في 1774 - 89. وبعد موته (1788) أشرف إتيين دلاسيبيد على نشر مخطوطاته التي لم تنشر وأصدرها في ثمانية مجلدات (1788 - 1804). وبلغت جملة المجلدات الصادرة من كتاب "التاريخ الطبيعي" في النهاية أربعة وأربعين مجلداً استهلك إعدادها أكثر من حياة، واستغرق نشرها أكثر من نصف قرن. ودأب بوفون على أن، يستيقظ مبكراً ويمضي إلى برجه، ويقترب من هدفه خطوة فخطوة. ويبدو أنه -بعد أن أجتاز بسلام بعض الفلتات الجنسية في شبابه أقصى النساء عن حياته حتى عام 1752 حين تزوج ماري دسان- بيلون وهو في الخامسة والأربعين. ورغم أنه لم يدع الوفاء لرباط الزوجية (96)؛ فقد تعلم أن يحب زوجته، كما يفعل الكثير من الفرنسيين بعد حياة الزنا، وقد أظلم موتها في 1769 سني عمره الباقية.
وقد أخذ "التاريخ الطبيعي" على عاتقه وصف السماوات، والأرض، وكل المعروف من عالم النبات والحيوان، بما فيه الإنسان. وحاول بوفون أن يرد كل هذه المتاهة من الحقائق إلى نظام وقانون عن طريق أفكار الاستمرارية شظايا تحطمت عن الشمس إثر اصطدامها بمذنب، ونظريته في "حقب الطبيعة" التي رآها مراحل في تطور الكرة الأرضية. أما في عالم النبات فقد رفض تصنيف لينيوس للنباتات حسب أعضائها الجنسية لأنه شديد التعسف والنقص والصلابة. وقد قبل طريقة لينيوس في المصطلحات على مضض، واشترط أن توضع الأسماء على جنب في أسفل البطاقات الملحقة
بالنباتات في حديقة الجاردان (97). وكان تصنيفه للحيوانات غير معقول، ولكنه اعترف بأنه مؤقت؛ فقد رتبها حسب نفعها للإنسان، ومن ثم بدأ بالحصان. وفي تاريخ لاحق، وبعد إلحاح من دوبنتون، وضع تصنيفاً جديداً لها حسب خصائصها المميزة. وضحك نقاده المتخصصون على تصنيفاته وتشككوا في تعميماته، ولكن قراءه طربوا لأوصافه الحية ولاتساع نظراته العظيم.
وقد ساعد على إرساء دعائم الأنثروبولوجيا (علم الجناس البشرية) بدراسة اختلافات النوع الإنساني تحت تأثير المناخ، والتربة، والأنظمة، والمعتقدات؛ ورأى أن هذه القوى قد نوعت لون الأجناس وملامحها، وولدت خلافاً في العادات، والأذواق، والأفكار. ومن أجرأ فروضه قوله بأنه ليس في الطبيعة أنواع ثابتة لا تقبل التغير، وأن النوع منها يذوب في النوع التالي، وأن في استطاعة العلم إذا نضج أن يصعد خطوة فخطوة من المعادن المفروض أنها ميتة، إلى الإنسان نفسه. ولم ير إلا فرقاً في الدرجة بين غير العضوي والعضوي.
وقد لاحظ أن صوراً جديدة من الحيوان تكونت بالانتخاب الطبيعي، وزعم أن في الإمكان إحداث نتائج مماثلة في الطبيعة بالهجرة والعزل الجغرافيين. وسبق ماثوس بملاحظته أن خصوبة أنواع النبات الحيوان التي لا رابط لها تلقي باستمرار عبئاً باهظاً على خصوبة التربة، مما قد يؤدى بالكثير من الأفراد والأنواع في الصراع على البقاء:
"لقد اختفت، أو ستختفي، أنواع أقل كما لا، وأضعف، وأثقل، وأقل نشاطاً، وأردأ تسليحاً (98).
…
وهذبت أنواع كثيرة، أو انحطت، نتيجة لتغيرات كبيرة في اليابس أو الماء، ولرضى أو سخطها عليها، وللطعام، ولتأثيرات المناخ الطويلة الأمد، والمعاكسة أو المواتية
…
فلم تعد اليوم كما كانت بالأمس" (99).
ومع أنه سلم بوجود نفس للإنسان، فقد تبين في جسم الإنسان أعضاء الحس والأعصاب، والعضلات، والعظام، ذاتها التي في الحيوانات العليا.
ومن ثم فقد رد "الحب الرومانسي" إلى ذات الأساس الفسيولوجي الذي في جاذبية الحيوان الجنسية. لا بل أنه احتفظ بشعر الحب لأوصافه البليغة لتزاوج الطيور ورعايتها لصغارها. وتساءل "لم يسعد الحب جميع الكائنات الأخرى ويشقى الإنسان هذا الشقاء الكثير؟ لأن الجزء البدني من هذه العاطفة هو وحده الحسن، أما العناصر الأخلاقية فيها فلا قيمة لها"(100). (وقد وبخته مدام دبومبادور على هذه الفقرة ولكن في لطف كثير)(101) وخلص بوفون إلى أن الإنسان حيوان في كل نقطة "مادية"(102).
"ومتى سلمنا بأن هناك عائلات من النبات والحيوان، أي أن الحمار قد ينتمي لعائلة الحصان، وأن الواحد منها لا يختلف عن الآخر إلا في تسلسله المنحط من نفس الجد
…
فقد نضطر إلى التسليم بأن القرد ينتمي لعائلة الإنسان، وأنه ليس إلا إنساناً منحطاً، وأنه هو والإنسان كان لهما جد واحد. وإذا تبين أنه كان بين الحيوانات والنباتات
…
ولو نوع واحد أنتج خلال التسلسل المباشر من نوع آخر
…
إذن فليس هناك حدود يمكن أن تقيد قوة الطبيعة، ولن نخطئ إن افترضنا أنه لو ترك لها الوقت الكافي لاستطاعت أن تطور جميع الأشكال العضوية الأخرى من نوع أصلي واحد".
ثم أضاف بوفون هذه العبارة بعد أن تذكر فجأة سفر التكوين وجامعة السوربون "ولكن لا. فالثابت من الوحي الإلهي أن جميع الحيوانات قد وهبت بالتساوي نعمة خلقها خلقاً مباشراً، وأن أول زوج من كل نوع خرج مكتمل الصورة من يدي الخالق"(103).
ولكن مدير السوربون، أو كلية اللاهوت في جامعة باريس، نبه بوفون رغم ذلك (15 يونيو 1751) إلى أن أجزاء من "تاريخه الطبيعي" تناقض تعاليم الدين، ويجب أن تسحب-لا سيما آرائه عن عمر الأرض الطويل، وانبعاث الكواكب من الشمس، وتأكيده بأن الحقيقة لا تستقى إلا من العلم. واعتذر المؤلف مبتسما:
"أقرر أنه لم يكن أي نية في مناقضة نص الكتاب المقدس، وإنني أومن أوطد الإيمان بكل ما حواه الكتاب خاصاً بالخليقة، سواء من حيث ترتيب الزمن أو الحقائق المتضمنة. وإني أعدل عن كل ما ورد في
كتابي عن تكوين الأرض، وبصفة عامة عن كل ما قد يناقض رواية موسى" (104).
ولعل بوفون، الرجل الأرستقراطي، أحس أن من سوء الأدب أن يختلف جهراً مع إيمان الشعب، وأن "سوربونا" لم تهدأ تأثراتها قد تفسد عليه خطته الكبرى؛ وعلى أية حال؛ فإن كتابه إذا اكتمل سيكون تعقيباً منيراً على اعتذاره. وقد تبينت الطبقات المتعلمة الابتسامة فيسحب آراءه، ولاحظت أن مجلدات الكتاب التالية واصلت هرطقاته. ولكن بوفون أبى أن ينضم إلى فولتير وديدور في هجومهما على المسيحية. وقد رفض دعوى لامترى وغيره من الماديين باختزال الحياة والفكر إلى مادة في حركة ميكانيكية. أن النظام، والحياة، والنفس، هي وجودنا الحقيقي الصحيح؛ وما المادة إلا غلاف غريب لا نعرف صلته بالنفس، ووجوده عقبة (105).
ومع ذلك رحب به "الفلاسفة" حليفاً قوياً. ولاحظوا أن حماسته ونداءاته موجهة إلى طبيعة لا شخصية، خلاقة، خصبة، لا إلى إله شخصي. فالله عند بوفون كما هو عند فولتير بذر بذور الحياة ثم ترك للأسباب الطبيعة القيام بالباقي كله. وقد رفض بوفون فكرة القصد في الطبيعة، ومال إلى وحدة وجود اسبينوزية ورأى الحقيقة الواقعة كما رآها تورجنيف، مختبراً كونياً شاسعاً تتناول فيه الطبيعة بالتجربة، على مدى دهور طويلة، الشكل أو العضو أو النوع، الواحد تلو الآخر، وفي هذه الرؤية انتهى إلى نتيجة تبدو متناقضة مع نقده للينيوس: فالفرد هو الذي بدا الآن غير حقيقي، والنوع هو الحقيقة الباقية نسبياً. ولكن التناقض يمكن حله: فالنوع والجنس والعائلة والرتبة، لم تزل أفكاراً لا غير، يركبها الذهن ليعطي نظاماً ميسراً لخبرتنا بالوفرة المحيرة في الكائنات العضوية، والأفراد هم الحقائق الحية الوحيدة، ولكن أجلهم قصير قصراً يجعل الفيلسوف لا يرى فيهم غير بصمات عابرة بتركها شكل أكبر وأطول بقاء. وبهذا المعنى كان أفلاطون محقاً: فالإنسان "حقيقي"، أما "الناس" فلحظات عابرة في خيال ظل الحياة.
واستمتع قراء بوفون بهذه الرؤى التي تدير الرؤس، ولكن نقاده
أخذوا عليه إنه ضيع نفسه بتهور شديد في التعميمات، مضحياً أحياناً بدقة التفاصيل. وضحك فولتير على تقبله فكرة التوالد الذاتي، واحتقر لينيوس مؤلفه في النباتات، ولم يحترم ريامور دراسته للنحل، واستخف علماء الحيوان بتصنيفه الحيوانات نفعها للإنسان. ولكن الناس جميعاً صفقوا لأسلوبه. ذلك أن بوفون ينتمي للأدب كما ينتمي للعلم، ولا يستطيع إنصافه إلا التاريخ المتكامل. فندر من العلماء من أفصح عن نفسه بمثل هذه البلاغة الرائعة. وقد قال فيه روسو، وهو أحد أساتذة الأساليب، "إنني لا أعرف له ضريباً في عالم الكتابة. فقلمه أول قلم في قرنه"(106). وفي هذا اتفق جريم الحكيم مع روسو رغم عدائه له. "يحق للمرء أن يدهش لقراءة أحاديث قد يبلغ الحديث منها مائة صفحة، كتبت دائماً من أول سطر إلى آخره، بأسلوب رفيع وحرارة مضطردة واحدة، وزينت بأروع تلون وأكثره طبيعية (107). لقد كتب بوفون كما يكتب رجل تحرر من أغلال العوز ووهب متسعاً من الوقت، فلم يكن في إنتاجه ما كتب على عجل كما نجد ذلك كثيراً في فولتير، وكان بألفاظه عنايته بعيناته. وغذ تبين في الأشياء قانون استمرارية لاينتسيا"، فقد أرسى نظرية في الأسلوب، فصقل كل الانتقالات، ورتب كل الأفكار في تسلسل جعل لغته تتدفق كأنها نهر عريض عميق. وبينما كل السر في أسلوب فولتير هو التعبير السريع الواضح عن الفكر الثاقب، كانت طريقة بوفون هي الترتيب المتأني لأفكار عريضة تنبض بالوجدان فلقد أحس بجلال الطبيعة وجعل من علمه أنشودة تسبيح.
وكان على وعي تام بنزعته الأدبية، يبهجه أن يقرأ لزواره فقرات عذبة من كتبه؛ وحين انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية لم يتخذ موضوعاً له يوم استقباله (25 أغسطس 1753) عجيبة من أعاجيب العلم، بل تحليلا للأسلوب. وحوى هذا الخطاب المشهور، كما قال كوفييه، "المبدأ والمثال جميعاً"(108)، لأنه هو نفسه كان درة من درر الأسلوب. وهو مخفي عن عين جميع الناس -إلا الفرنسيين- تحت أكداس مؤلفاته، ولم نكد نعرف منه غير حكمه الشهير، الجامع، الخفي المغزي، "الأسلوب هو الإنسان.
فلنبسطه هنا إذن، ونتأمله على مهل. والترجمة تذهب ببعض روائه، ولكنه مع ذلك، ورغم ما تضطرنا إليه العجلة القبيحة من بتر لبعضه، فإنه خليق بأن الصحائف أياً كانت". قال بعد أن قدم لخطابه بتحية لجمهور ضم الكثيرين من أصحاب الأساليب:
"إن الناس لم يتقنوا الكتابة والحديث إلا في العصور المستنيرة. فالبلاغة الصادقة
…
تختلف تماماً عن سهولة الحديث الطبيعية
…
التي وهبت لكل صاحب عاطفة قوية
…
وخيال سريع
…
أما القلة من الناس الذين وهبوا الفكر المتزن، والذوق الرفيع، والحس المرهف -والذين لا يعبأون كثيراً، شأنكم أيها السادة، بنبر الكلمات، وإيماءاتها، ورنينها الأجوف- هؤلاء يتطلبون المضمون، والفكر، والتمييز، يتطلبون فن تقديم كل أولئك وتحديدها، وترتيبها، فلا يكفي قرع الآذان واسترعاء العيون، فلا بد للمرء أن يؤثر في النفس ويلمس القلب وهو يتحدث إلى الذهن
…
وكلما ازدادت المادة والقوة اللتان نضفيهما على فكرنا بالتأمل، سهل بلوغهما في التعبير.
كل هذا ليس الأسلوب بعد، بل أساسه، أنه يدعم الأسلوب ويوجهه، وينظم حركته، ويخضعه للقوانين. فبدونه يضل خير الكتاب، ويتوه قلمه دون مرشد، ويقذف كيفما اتفق بالخطوط المبهمة والأشكال المتنافرة. ومهما كان بريق الألوان التي يستعملها، وأياً كانت المحسنات التي ينثرها في التفاضيل، فسيختنق بكثرة أفكاره، ولن يبعث فينا وجداناً، ولن يكون لكتابته هيكل أو بنيان
…
ومن ثم يسئ الكتابة من يكتبون كما يتحدثون، مهما أجادوا الحديث، والذين يستسلمون لأول الهام حار من خيالهم يتخذون نبرة لا يستطيعون الإبقاء عليها
…
ما السر في كمال أعمال الطبيعة؟ هو أن أي عمل من هذه الأعمال كل متكامل: لأن الطبيعة تعمل وفق خطة سرمدية لا تنساها أبداً، فهي تعد في صمت بذور إنتاجها، وترسم بخطة فرشاة واحدة الشكل البدائي لكل شئ حي، ثم تطوره وتصقله بحركة متصلة وفي زمن مقرر
…
وذهن الإنسان لا يستطيع أن يخلق شيئاً، أو ينتج شيئاً، إلا بعد أن تثريه التجربة
والتأمل، وتجاربه هي بذار منتجاته. ولكن لو أن الإنسان حاكي الطبيعة في طريقته وفي جهوده، ولو أنه ارتقى بالتأمل إلى أسمى الحقائق، ولو أنه وحد بينها من جديد وربط بينها في سلسلة، وألف منها كلا واحداً، ونسقاً محسوباً، لو أنه فعل هذا كله لأقام على أسس راسخة صروحاً خالدة على الزمن.
وبسبب افتقار الكاتب إلى مخطط، معدم تفكيره في هدفه تفكيراً كافياً، يجد نفسه حائراً -حتى إذا كان من رجال الفكر- لا يعرف من أين يبدأ الكتابة؛ فهو يرى في وقت واحد عدداً كبيراً من الأفكار، ولأنه لم يوازن بينها، ولم يرتبها منظماً، فما من شئ يدعوه لتفضيل بعضها على بعض، ومن ثم يظل في حيرته. أما إذا وضع له مخططاً، وإذا جمع ورتب جميع الأفكار الأساسية في موضوعه، فسيرى للتو، وفي يسر، في أي نقطة يجدر به أن يتناول قلمه، وسيحسن بأفكاره تنضج في ذهنه، وسيبادر إلى إخراجها للنور، وسيستشعر لذة في الكتابة، وستتلو أفكاره بعضها بعضاً في غير عناء، وسيكون أسلوبه طبيعياً وسهلا، وسينبعث من هذه اللذة ضرب من الدفء ينبسط على عمله، ويضفي الحرارة على عبارته؛ وسيزداد النبض في كتابته ويعلو النبر، وتتخذ الأشياء لها لوناً، ويزداد الشعور وينتشر بعد التحامه بالنور، وينتقل من ذلك الذي نقوله إلى ذلك الذي نوشك أن نقوله؛ وسيصبح ممتعاً مشرقاً
…
ولن تنحدر إلى الأجيال القادمة غير الأعمال التي أجيدت كتابتها. ولن يكون ما حوت من غزارة في المعرفة، أو غرابة في الوقائع، أو حتى طرافة في الكشوف، ضماناً أكيداً للخلود. فلو أن الأعمال التي تحوي هذا كله اهتمت بموضوعات تافهة، أو كتبت دون تمييز أو سمو
…
لكان مآلها إلى الزوال، ذلك أن المعرفة، والوقائع والكشوف، يسهل نقلها وسلبها، بل إنها تكون أوفر حظاً لو وضعت في أيد أقدر وأكفأ. فتلك الأشياء خارجة عن الإنسان، أما الأسلوب فهو الإنسان ذاته Le style est i'homme meme، إن الأسلوب لا يمكن سرقته، ولا حمله، ولا تغييره وتبديله، وإذا كان أسلوباً رفيعاً، نبيلا، سامياً، كان صاحبه موضع الإعجاب في جميع العصور على السواء؛ ذلك أن الحقيقة وحدها هي الباقية الخالدة" (109).
يقول فيلمان "أن هذا الخطاب الذي أثار الإعجاب الشديد في ذلك الحين يبدو أسمى من كل ما خطر على الأفكار قبله في هذا الموضوع، ونحن نستشهد به حتى في يومنا هذا بوصفه قاعدة عامة جامعة". وربما وجبت بعض الاستثناءات من هذا الحكم. فوصف بوفون هذا يصدق على النثر خيراً مما يصدق على الشعر، وهو ينصف الأسلوب"الكلاسيكي" اكثر مما ينصف الأسلوب "الرومانسي"، وهو يتبع تقليد بوالو، ويرفع بحق من شأن العقل؛ ولكنه لا يترك متسعاً يذكر لفحول النثر الفرنسي من أمثال روسو، وشاتوبريان، وهوجو، ولا لفوضى رابليه ومونتيني اللذيذة، ولا لبساطة العهد الجديد المؤثرة البريئة من التكلف. ومن العسير عليه أن يدلنا على السر في أن "اعترافات" روسو، الشديدة الفقر في الفكر، الوافرة الغني في الوجدان، ما زالت من أروع كتب القرن الثامن عشر. فالحقيقة قد تكون واقع وجدان كما تكون بنيان فكر أو كمال صورة.
ولقد كان أسلوب بوفون هو الرجل، رداءاً وقوراً لنفس أرستقراطية. فهو لم ينس أنه إقطاعي كما كان عالماً وكاتباً إلا في دراساته. ولم تغير خطوه أسباب التشريف المتكاثرة التي توجت شيخوخته. فقد خلع عليه لويس الخامس عشر لقب الكونت دبوفون في 1771 ودعاه إلى فونتنبلو. ومنحته أكاديميات أوربا وأمريكا العلمية عضويتها الشرفية. وقد تفرس في هدوء واطمئنان في التمثال الذي أقامه له ابنه في الجاردان دورا وغدا يرجه في مونبار أبان حياته قبلة يحج إليها الزائرون كما يحجون إلى بيت فولتير في فرنيه، وفد عليه روسو، وركع على عتبته، وقبل الأرض (111). وزاره هنري أمير بروسيا، ومع أن كاترين الكبرى لم تسطع زيارته، إلا أنها أرسلت له كلمة تقول إنها تضعه في أعلى المراتب بعد نيوتن.
ولقد كان مهيب المظهر مليح الصورة في شيخوخته -"له جسم رياضي" كما قال فولتير "روح حكيم"(112) وكان في رأي هيوم لا يبدو رجل أدب بل قائداً من قواد فرنسا الحربيين (113). أما أهل مونبار فكانوا يعبدونه. وكان بوفون على وعي تام بهذا كله، يفخر بلياقته البدنية وبمظهره، ويرجل له شعره ويبدر مرتين في اليوم (114). وقد نعم
بصحة سابغة حتى بلغ الثانية والسبعين. ثم بدأ يشكو الحصى، ولكنه واصل العمل، وأبى أن تجرى له جراحة. وأفسح له في الأجل تسع سنين أخر، ومات في 1788. ومشى في جنازته عشرون ألفاً. ولكن لم تكد تمضي سنة على موته حتى نبشت رفاته وذريت في الريح، وسوى تمثاله بالتراب، بأيدي الثوار الذين لم يستطيعوا أن يغفروا له أنه كان نبيلا، أما ابنه فقد أعدم بالجيلوتين (115).
ب- نحو التطور
بدأ علم الأحياء الذي تزعمه هذا الأستاذ الفذ في نظرته، وصبره، ونثره، في إغراء المزيد من الطلاب وتحويلهم عن الرياضة والفيزياء اللتين استأثرتا بمعظم العلماء في القرن السابع عشر. وقد أحسن ديدرو ببعض هذا التغير، وهو الذي تأثر بجميع تيارات عصره، فكتب في 1754 يقول "في هذه اللحظة نصل إلى ثورة كبرى في العلوم. وأنى إذ ألحظ الميل الذي تستشعره أفضل العقول لدراسة الفلسفة الأخلاقية، والأدب، والتاريخ الطبيعي، والفيزياء التجريبية، أجرؤ على التنبؤ بأنه قبل أن تنقضي مائة سنة أخرى لن يكون لدينا ثلاثة رياضيين كبار في أوربا"(116). وقد شهد عام 1759 ذروة البيولوجيا الحديثة.
وقد فت في عضد هذا العلم الجديد (الأحياء) معضلته الأولى -وهي أصل الحياة. وبذلت المحاولات الكثيرة لإثبات إمكان توليد الحياة ذاتياً من المادة غير الحية. ودبت الحياة من جديد في نظرية التولد الطبيعي أو الذاتي abiogenesis القديمة نظراً إلى كثرة ما وجد بالمجهر من كائنات دقيقة في قطرة ماء، وذلك برغم ما وضح من تفنيد ريدي لهذه النظرية في 1668. ففي 1748 أحيا النظرية جون نيدام، وكان قسيساً كاثوليكياً إنجليزياً يسكن القارة، بإعادته تجارب ريدي وحصوله على نتائج مختلفة عن نتائجه. فقد إلى بعض مرق الضأن في قوارير سدها فوراً بفلين وختم عليها. فلما فتح القوارير بعد أيام وجدها تعج بالكائنات الحية. ولما كان الغلي- في رأي نيدام- كفيلاً بقتل أي جراثيم حية في المرق، ولما كانت القوارير قد أحكم ختمها بالصمغ، فقد استنتج أن كائنات جديدة تولدت
تلقائياً في السائل. وأعجبت الحجة بوفون، ولكن في 1765 كرر أستاذ في جامعة مودينا يدعى سباللانزانى تجارب نيدام وخرج منها بنتيجة عكسية. فقد وجد أن غلي شراب دقيقتين لم يقضي على كل الجراثيم، أما غليه خمساً وخمسين دقيقة قد قضى عليها، وفي هذه الحالة لم تظهر أي كائنات حية. ومضى الجدل حتى بدا أن شفان وباستير قد أنهياه في القرن التاسع عشر.
كذلك أحاطت بعمليات التناسل أسرار لا تقل عن هذا السر إثارة للحيرة. فقد حار جيمس لوجان، وشارل بونيه، وكاسبار فولف، في دوري عنصري الذكر والأنثى في التناسل، وتساءلوا كيف يمكن أن يحتوي العنصران المتحدان في ذاتيهما -كما يبدو أنهما يفعلان- التحديد المحتوم لجميع الأجزاء والهياكل في الكائن الناضج. واقترح بونيه نظرية مغرقة في الخيال سماها emboitement ( التكييس)، فالأنثى تحوي جراثيم أطفالها جميعاً، وهذه الجراثيم تحوي جراثيم الحفدة، وهكذا دواليك حتى يتمرد الخيال. ولا عجب فالعلم هو أيضاً يستطيع الانحراف إلى الخرافة. أما فولف، الذي يزين اسمه الفنوات الفولفية، فقد دافع عن نظرية هارفي في التوالد الخارجي epigenesis: فكل جنين يخلق من جديد بواسطة العناصر الأبوية. وسبق فولف نظرية تكوين الأعضاء التي قال بها فون باير في واضع الجراثيم، بكتابة "في تكوين الأحشاء". (1768)، الذي وصفه فون بابر بأنه "أعظم ما نملك من روائع الملاحظة العملية"(117).
وهل تجدد النسيج نوع من التناسل؟ لقد أدهش العالم الجنيفي إبراهام ترميلي العلمي في 1744 بتجارب كشفت عن إصرار "كثير الأرجل Polyp" الذي يعيش في الماء العذب على التجدد، فقد قطع واحداً منها إلى شطائر طولية أربعة، نما كل منها إلى كائن سوى كامل. وتردد هل يسمى كثير الأرجل هذا نباتاً أم حيواناً؛ فقد بدا له جذوراً كالنبات، ولكنه ينهش الطعام ويهضمه كما يفعل الحيوان؛ وهلل المتكهنون له باعتباره همزة الوصل بين عالمي النبات والحيوان في "سلسلة الوجود العظمى"(118) أما ترمبلي فقد انتهى إلى أنه حيوان، وهو رأى البيولوجيين فيه اليوم. وقد أطلق عليه ريامور لفظ " Polyp" أو كثير الأرجل بسبب قرون
استشعاره المترعصة المتحسسة. ونحن نعرفه أيضاً باسم الهيدرا hydra نسبة إلى الوحش الخرافي (الافعوان) ذي الرؤوس التسعة (الذي كلما قطع هرقل رأساً منها نبت اثنان في مكانه. وقد استعمل "الهيدرا" في دنيا الأدب تشبيهاً له مائة ألف حياة.
ورينيه أنطوان دريامور هذا كان علما لا يبزه في بيولوجيا العصر الذي نحن بصدده غير بوفون، وكان يفوق بوفون كثيراً في دقة الملاحظة. هيأ لمهنة الطب، ولكنه هجرها حالما تحقق له الاستقلال المالي، وكرس نفسه للبحث العلمي. خبر إثنى عشر ميدان. ففي 1710 كلف بأن يمسح ويصف صناعات فرنسا وفنونها الصناعية، فقام بالمهمة بما عهد فيه من إتقان وقدم توصيات أفضت إلى إنشاء صناعات جديدة وإحياء أخرى أصابها الاضمحلال وابتكر طريقة لتصفيح الحديد ما زالت مستعملة. وبحث في الفروق الكيميائية بين الحديد والصلب. وأتته هذه الإسهامات وغيرها في علم المعادن بمعاش قدره اثنا عشر ألف جنيه من الحكومة، فأعطى المال لأكاديمية العلوم. وقد مر بنا بحثه في الترمومتر.
وفي غضون هذا راح يثري اليولوجيا. ففي 1712 أثبت أن في استطاعة جراد البحر (اللوبستر) أن يجدد طرفاً مبتوراً من أطرافه. وفي 1715 وصف الصدمة الكهربائية التي يحدثها السمك الرعاد-وصفاً صحيحاً. وفيما بين عامي 1734و1742 نشر رائعته "مذكرات ينتفع بها في تاريخ الحشرات" -وهي ستة مجلدات موضحة برسوم دقيقة، ومكتوبة بأسلوب ساحر ينبض بالحياة، جعل الحشرات قريبة في طرافتها من العشاق في روايات كريببون (الابن) الغرامية. ولقد استهواه كما استهوى قابر في أيامنا هذه:
"كل ما يمت إلى أخلاق الكثير من الحيوانات الصغيرة -إن جاز هذا التعبير- وعاداتها ومعيشتها. فلقد لاحظت طرق عيشتها المختلفة، وكيف تحصل على قوتها، والحيل التي يصطنعها بعضها للقبض على فريسته، وأسباب الحيطة التي يتخذها غيرها اتقاء للأعداء
…
-وانتقاء الأماكن التي تضع فيه بيضها حتى تجد صغارها حين تفقس طعاماً صالحاً لها لحظة خروجها للحياة" (119).
وقد وافق ريامور فولتير على أن في الإمكان تفسير سلوك الكائنات الحية وبنياتها دون افتراض قوة في الطبيعة، وكانت مجلداته ذخيرة استعان بها أولئك الذين قاوموا التيار الإلحاد الذي تدفق بعد حين في فرنسا. واحتقره ديدرو لإنفاقه الوقت الكثير على دراسة البق (120)، ولكن أمثال هذا العمل المدقق هي التي أرست الأسس الواقعية للبيولوجيا الحديثة.
ترى ماذا قال ديدرو بالضرورة حين سمع أن شارل بونيه، صديق ريامور، قد برهن على الولادة العذرية parthenogenesis في مملكة الحيوان؟ فلقد وجد بعزل من الأحاديث منّ حديث الولادة aphids ( وهو قمل الشجر الذي يعشق أشجار البرتقال) إن أنثى هذا النوع تستطيع إنسال ذرية مخصبة دون أن تضطر إلى تلقى العنصر الذكر المطلوب في الأخصاب عادة؟ إذن فهدف الجنس فيما يبدو ليس مجرد التناسل، بل إثراء الذرية بشتى الصفات التي يسهم بها أبوان مختلفا المواهب. وقد وصفت هذه التجارب التي أبلغت لأكاديمية العلوم في 1740 في كتاب بونيه "رسالة في علم الحشرات"(1745) وأشار بونيه في كتابة "أبحاث
…
في النباتات" (1754) إلى أن لبعض النباتات قوى للحس، بل للتمييز والانتقاء، وإذن فقدرة على الحكم- وهذا سر الذكاء.
وبونيه هذا - الذي ولد بجنيف-أول من طبق اصطلاح "التطور envalution على البيولوجيا فيما يبدو (121)، وعنى به سلسلة الكائنات من الذرات إلى الإنسان. وفكرة التطور، بمعنى النمو الطبيعي لأنواع جديدة من أخرى قديمة، ظهرت مراراً في علم القرن الثامن عشر وفلسفته. ومن ذلك أن بنوا دماييه ألمع في كتابة "تياميد" الذي صدر بعد موته (1748) إلى أن جميع الحيوانات البرية تطورت من كائنات بحرية قريبة منها بطريق تغير النوع بتغير البيئة؛ وهكذا تولدت الطيور من السمك الطائر، والسباع من سباع البحر، والإنسان من أناسي البحر. وبعد ثلاث سنوات لم يكتف كتاب موبرتوي "نظام الطبيعة"بتصنيف القردة مع البشر نوعين متقاربين (122)، بل سبق -في خطوط عريضة- نظرية داروين في تطور الأنواع
الجديدة بطريق الانتقاء البيئي لأشكال عارضة صالحة للبقاء. قال العالم المنكود الحظ الذي كتب عليه أن يقع بعد قليل فوق قلم فولتير السليط:
"أن كل جزئ من الجزيئات البدائية التي تؤلف الجنين مشتق من البيان الأبوي المقابل له، ويحتفظ بضرب من الذكرى لشكله الأسبق. ومن ثم نستطيع أن نعلل في غير عناء تكون الأنواع الجديدة
…
إذا افترضنا أن الجزيئات البدائية قد لا تحتفظ دائماً بالترتيب الذي تكون عليه في الأبوين، بل تولد بالصدفة فروقاً تسفر بتكاثرها وتراكمها عن الأنواع التي لا حصر لها، والتي نشهدها اليوم" (123).
وهكذا يستطيع نموذج أصلي واحد إذا ترك له الوقت الكافي، أن يولد جميع الأنواع الحية (في رأي موبرتوي) -وهي قضية قبلها بوفون من قبيل الاجتهاد، ولقيت الاستحسان الحار من ديدرو.
وعاد جان باتيست روبينيه، في كتابه "عن الطبيعة" (1761) إلى فكرة أقدم عن التطور تقول بأنه "سلم من الكائنات": فالطبيعة كلها سلسلة من المحاولات لإنتاج كائنات أكثر وأكثر رقياً، وكل الكائنات- طبقاً لقانون لايبنتس في الاستمرارية (الذي لم يعترف بأي انفصام بين أحط الكائنات وأرقاها)، حتى الأحجار، ما هي إلا تجارب تشق بها الطبيعة طريقها صعدا خلال المعادن، والنباتات، والحيوانات، إلى الإنسان. وما الإنسان إلا مرحلة في هذه المغامرة الكبرى، سوف تحل محله يوماً ما كائنات أرقى منه" (124).
أما القاضي الاسكتلندي جيمس بيرنت، لورد مونبودو، فقد كان داروينياً قبل داروين بزهاء قرن. ففي كتابة "أصل اللغة وتقدمها"(1773 - 92) صور إنسان ما قبل التاريخ كائناً بغير لغة وبغير نظام اجتماعي، لا يتميز إطلاقاً عن القردة من حيث مدركاته العقلية أو طرقه المعيشية. فالإنسان والأورانجوتان (كما قال إدوارد تايزن في 1699) ينتميان لجنس واحد، والأورانجوتان (يقصد به مونبوده الغوريلا أو الشمبانزي) إنسان فشل في أن يتطور. ولم يتطور إنسان ما قبل التاريخ ليصبح الإنسان البدائي
إلا بفضل اللغة والنظام الاجتماعي. فتاريخ البشر ليس هبوطاً من حالة الكمال الأصلية، كما جاء في سفر التكوين، بل صعود بطئ أليم (125) "
وقد لمس الشاعر جيته تاريخ العلم في نقاط عديدة. ففي 1786 اكتشف العظم البينفكي، وفي 1790 ألمع إلى أن الجمجمة مؤلفة من قفاز معدلة. وتوصل -دون اعتماد على كاسبار فولف- إلى النظرية القائلة بأن جميع أجزاء النبات تعديلات في الأوراق، وذهب إلى أن جميع النباتات انحدرت بالتطور العام من مثال أصلي واحد سماه Urpfanze.
وآخر العلماء في شجرة دارويني اقرن الثامن عشر هو جد داروين العظيم. وأرزمس داروين هذا شخصية طريفة طرافة تشارلز حفيده. ولد في 1731، وتلقى علومه في مكبردج وأدنبرة، وشرع في ممارسة الطب في توتنجهام، ثم في لتشفيلد، ثم في داربي، حيث توفي عام 1802. وكان يركب بانتظام من لتشفيلد إلى برمنجهام (خمسة عشر ميلا) ليحضر حفلات عشاء "الجمعية القمرية" التي كان روحها المحرك، التي أصبح بريستلي أشهر أعضائها. ومن الرسالة التالية التي بعث بها داروين الجد إلى ماثيو بولتن معتذراً عن غيابه عن اجتماع للجمعية تشرق شخصية ألمعية محببة للنفس. قال:
"يؤسفني أن منعتني الشياطين التي تصيب البشر بالأمراض
…
من مشاهدة جميع رجالكم العظام في سوهو (برمنجهام) اليوم. ليت شعري أي إبداعات، وأي ذكاء، وأي بلاغة- ميتافيزيقية، وميكانيكية، وصاروخية- ستحلق في جو اجتماعكم، يتقاذفها كالمكوك لفيف فلاسفتكم؟ - بينما يقضى على أنا المسكين، حبيس مركبة البريد، بأن تخضني هذه المركبة، وترجني، وتهزني، وترضني، على طريق الملك، لكي أخوض حرباً مع وجع في معدة إنسان، أو حمى في جسده (126) ".
ووسط هذه الحياة الحافلة بالشواغل كتب كتاباً قيما سماه زونوميا (فسيولوجيا الحيوان)(1794 - 96) مزج فيه الطب بالفلسفة، وعدة مجلدات من شعر العلم:"الحديقة النباتية"(1788)، و"غراميات
النباتات" (1788) و"هيكل الطبيعة" (1802). وقد أعرب هذا الكتاب الأخير عن أفكاره التطورية. فبدأ بتأكيده أن التوالد الذاتي هو أكثر النظريات احتمالا في أصل الحياة. قال شعراً:
"إذن بغير أبوين، وبالتوالد التلقائي، ظهرت أول ذرات الأرض النابضة بالحياة
…
وولدت الحياة العضوية تحت الأمواج الطاغية وعذبت في كهوف المحيط اللؤلؤية؛ أولا تتحرك كائنات دقيقة لا ترى بالمجهر على الوحل، أو تخترق اليم؛ وبعد أن تتفتح منها أجيال متعاقبة، تكتسب قدرات جديدة، وتتخذ لها أطرافاً أكبر، ومن ثم تظهر مجاميع لا حصر لها من النبات، وممالك حية تتنفس من ذوات الزعانف والأرجل والأجنحة (127) ".
وهكذا تطورت الحياة من الكائنات البحرية إلى البرمائية في الطين، ثم إلى الأنواع التي لا تحصى في البحر والبر والجو. ونقل الشاعر عن بوفون وهلفتيوس آراءهما في خصائص تشريح الإنسان دليلا على أن الإنسان مشى في الماضي على أربع، وأنه لم يكمل بعد تكيفه لوضعه المنتصب. وقد ارتقى نوع من القردة باستعماله قوائمه الأمامية أيادي، وتطويره الإبهام قوة موازنة مفيدة للأصابع. وفي كل مراحل التطور صراع بين الحيوانات على الطعام والأزواج، وبين النباتات على التربة، والرطوبة، والضوء، والهواء. وفي هذا الصراع (في رأى إرزمس داروين) حدث الارتقاء بتطور الأعضاء نتيجة محاولات لتلبية الحاجات الجديدة (لا بالانتقاء الطبيعي لتغيرات مصادفة تساعد على البقاء كما سيقول تشارلز داروين)؛ والنباتات تنمو بجهودها للحصول على الهواء والضياء. وقد سبق هذا الطبيب في كتابة "زونوميا" لامارك بقوله:"من أن كل الحيوانات تمر بتغييرات تحدث جزئياً بجهودها الخاصة، استجابة للذة والألم، وكثير من هذه الأشكال أو الميول المكتسبة تتحد إلى ذراريها (128) ". ولسان الماشية الخشن لشد أوراق العشب، ومنقار الطائر لالتقاط الحب. وأضاف الطبيب إلى هذا كله نظرية التلوين الوقائي:"هناك أعضاء طورت لأغراض وقائية، تغير شكل الجسم ولونه للاستخفاء أو القتال"(129). ثم اختتم كلامه بلمحة جليلة اشتملت دهوراً طويلة.
"فإذا تأملنا الحقب الصغيرة من الأزمنة التي حدث فيها الكثير من التغيرات سالفة الذكر، أيكون من الجرأة المسرفة أن نتصور-في الزمن السحيق الذي انقض منذ بدأت الأرض، ربما قبل بدء تاريخ الإنسان بملايين السنين- أن جميع الحيوانات ذوات الدم الحار نشأت من لقاح خبيط حي واحد، وهبته العلة العظمى الأولى ميزة الحيوانية، والقدرة على اكتساب أعضاء جديدة، تلازمها ميول جديدة، وتوجهها الانفعالات، والأحاسيس والإرادات، والارتباطات، فتملك بذلك قوة مواصلة التحسن بنشاطها الفطري الخاص، وتوريث تلك التحسينات لذراريها إلى آخر الدهر"(130)؟
كتب تشارلز داروين يقول "عجيب كيف سبق جدي
…
نظرات لامارك والأسس الخاطئة لآرائه، في كتابة زونوميا" (131). ولعل الجد لا يرضي بالتسليم بأنه كان سائراً على الطريق الخطأ. وهو على أية حال بسط نظرية لم تمت بعد، وبطريقته اللطيفة أسهم بضربة في الدفاع عن فكرة التطور.
جـ - علم النفس
ومضى البحث العلمي قدماً من المعادن إلى النباتات إلى الحيوانات إلى الإنسان. وراحت رابطة متزايدة من الدارسين تتفحص جسم الإنسان وقد تسلحت بالمجهر وحفزتها حاجات الأطباء، فوجدت أعضاءه ووظائفه شبيهة شبهاً لا خلاف عليه بأعضاء الحيوانات الراقية ووظائفها. ولكن بدا أنه لا يزال هناك انفصال في سلسلة الكائنات. وأجمع الناس كلهم تقريباً على أن ذهن الإنسان يختلف عن ذهن الحيوان في النوع وفي الدرجة معاً.
وفي 1749 اقتحم قسيس إنجليزي، تحول إلى احتراف الطب، يدعى ديفد هارتلي، هذه الفجوة بتأسيسه علم النفس الفسيولوجي. وكان يجمع النباتات طوال ستة عشر عاماً (1730 - 46) ثم نشر في 1749 كتابه "ملاحظات حول الإنسان": ولما كان يطمع في إيجاد مبدأ يحكم العلاقات بين الأفكار كما اقترح نيوتن مبدأ الأجسام، فقد طبق ترابط الأفكار على تفسير العاطفة، والعقل، والحركة، والحس الخلقي،
لا على تفسير الخيال والذاكرة فحسب كما فعل هوبز ولوك من قبل قصور الإحساس على أنه في بدايته تموج في جزيئات عصب يثيره جسم خارجي، ثم لى أنه انتقال هذا التموج على هذا العصب إلى المخ، على نحو "انتشار الأصوات الطليق على صفحة الماء"(132). وقال إن المخ كتلة من الخويطات العصبيه تموجاتها هي متلازمات الذكريات، يثير خويط أو أكثر منها تموج وافد مرتبط به في الخبرة الماضية؛ وهذا التموج هو الملازم الفسيولوجي للفكرة. فلكل حالة عقلية ملازم بدني، ولكل عملية بدنية مرافق عقلي أو عصبي؛ وترابط الأفكار هو الجانب العقلي لترابط التموجات العصبية الذي يحدثه تجاورها أو تعاقبها في خبرة ماضية. على أن الصورة الفسيولوجية التي رسمها هارتلي كانت بالطبع شديدة التبسيط، ولم تمس قط لغز الوعي، ولكنها شاركت في إقناع أقلية صغيرة من الإنجليز بفكرة فناء عقولهم.
تناول قسيس آخر يدعى إتيين بونو دكوندياك مشكلات الذهن من جانب سيكولوجي خاص. وقد ولد في جريوبل (1714)، وتعلم في مدرسة لاهوتية لليسوعيين بباريس، ورسم قسيساً. فلما سمح له بالاختلاف إلى صالوني مدام دتانسان ومدام حيوفران، التقى بروسو وديدرو، وفقد حماسته الدينية، وهجر كل وظائفه الكهنوتية، وكرس نفسه للعبة الأفكار. فدرس المذاهب التاريخية للفلسفة ورفضها في كتابه "رسالة في المذاهب"(1749) الذي نطق بروح "الفلاسفة" فقال إن كل هذه الصروح المتعالية من أنصاف الحقيقة إنما هي تفرعات كثيرة كلها أوهام انتشرت من معرفتنا المبتورة للكون؛ وفحص جزء من التجربة بالاستقراء خير من التدليل على الكل بالاستنباط.
وقد حذا كوندياك في كتابه "مقال في أصل المعارف البشرية"(1746) حذو لوك في تحليليه للعمليات العقلية، ولكنه في أنجح كتبه "مقال في الأحاسيس قبل رأياً أكثر تطرفاً-وهو أن "التأمل" الذي تبين فيه لوك مصدراً ثانياً للأفكار، هو مجموعة أحاسيس، هي المصدر الوحيد لكل الحالات العقلية. إن هناك عالماً خارجياً، لأن أهم حواسنا وهي اللمس تلقى مقاومة؛ ومع ذلك فإن كل ما تعرفه هو أحاسيسنا والأفكار التي تولدها.
وقد وضح كوندياك هذه الدعوى بمقارنة مشهورة ربما نقلها عن بوفون، ولكنه نسب الفضل فيها إلى "مصدر وحيه" المتوفاة، وهي الآنسة فيران التي أوصت له بميراث طوقت به عنقه. فصور لنا تمثالا من الرخام" نظم باطنه على غرارنا، لكن يحركه عقل تجرد من جميع الأفكار"(133). وهو لا يملك غير حاسة واحدة هي حاسة الشم، وفي استطاعته التمييز بين اللذة والألم. ثم عمد إلى أن يبين كيف يمكن أن تستقى جميع ألوان التفكير من أحاسيس هذا التمثال. فالحكم، والتأمل، والرغبات، والانفعالات، الخ ليست غير أحاسيس تغيرت على أشكاله مختلفة (134). فالانتباه يولد مع الإحساس الأول، ويأتي الحكم مع الثاني، مما يولد المقارنة مع الأول. والتذكر إحساس ماض أحياه إحساس حاضر أو تذكر آخر. والخيال ذكرى تتصور أو تربط. والرغبة في الشيء أو النفور منه هي التذكر النشيط لإحساس لذيذ أو كريه. والتأمل هو تناوب الذكريات والرغبات. والإرادة رغبة قوية يرافقها فرض بأن الهدف ممكن بلوغه. والشخصية، أو الأنا، أو التنفس، لا وجود لها أول الأمر؛ فهي تتخذ لها شكلا بوصفها جماع ذكريات الفرد ورغباته (135). وهكذا، من حاسة الشم وحدها-أو من أي حاسة أخرى غيرها- يمكن أن تستنبط جميع عمليات الذهن تقريباً. فإذا أضفنا أربع حواس أخرى، كون التمثال له ذهناً معقداً.
كل هذا كان جهداً ضخماً طريفاً، أثار ضجة كبرى بين رجال الفكر في باريس. ولكن النقاد لم يعسر عليهم أن يثبتوا أن طريقة كوندياك كان فيها من الاستنباط والفروض ما في غيرها من مذاهب الفلسفة، وأنه تجاهل مشكلة الوعي تجاهلا تاماً؛ وأنه لم يبين لنا كيف نشأت الحساسية الأصلية. فالتمثال الحساس وإن اقتصرت حواسه على الشم، ليس بتمثال، إلا أن يكون ذلك الوجيه الذي قال ترجنيف في وصفه إنه يقف في كبرياء كأنه أثر لذكراه أقيم بالاكتتاب العام.
وفي 1767 عين كوندياك مدرساً خاصاً للطفل الذي أصبح فيما بعد دوق بارما. فأنفق السنين التسع التالية في إيطاليا وألف لتلميذه سبعة عشر مجلداً نشرت في 1769 - 73 باسم "خطط دراسية". وهي رفيعة المستوى،
ولكن المجلدين اللذين تناولا التاريخ جديران بتحية خاصة لأنهما اشتملا على التاريخ الأفكار والعادات، والمذاهب الاقتصادية، والأخلاق، والفنون، والعلوم، والملاهي، والطرق-وهذا في مجموعة يؤلف سجلا للحضارة أو في مما سجله فولتير في كتابه "مقالة عن الأعراف". وفي 1780، بناء على طلب الأمير أجناسي بوتوكي، وضع كتاباً في "المنطق" لمدارس لتوانا. وكان هذا أيضاً كتاباً فذاً في بابه. وفي تلك السنة مات مؤلفه.
ودام تأثير كوندياك قرناً، فتجلى عام 1870 في كتاب تين "في الذكاء" وكانت سيكولوجية كوندياك أساساً في النظام التعليمي الذي وضعه المؤتمر الوطني الذي حكم فرنسا من 1792 إلى 1795. وقد اعترف له بفضل السبق مشرحون مثل فيك-دازير، وكيميائيون مثل لافوازييه، وفلكيون مثل لابلاس، وأحيائيون مثل لامارك، وأطباء عقليون مثل بينيل، وسيكولوجيون مثل بونيه وكاباني. وقد وصف بيير جان جورج كاباتي الدماغ في 1796 بأنه "عضو خاص وظيفته الهامة أن ينتج الفكر كما أن للمعدة وظيفة خاصة هي مواصلة عملية الهضم، والكبد وظيفته هي ترشيح الصفراء"(136). وقد تجاهل "الفلاسفة" الذين أحاطوا بكوندياك تصريحاته بالإيمان بالله، وحرية الإرادة، والروح الخالدة غير المادية، وزعموا أن فلسفة طبيعية، نصف مادية، مؤمنة بمذهب اللذة، كانت النتيجة لرده المعرفة كلها إلى الإحساس، والبواعث كلها إلى اللذة والألم. وقد خلص روسو وهلفتيوس إلى أنه ما دام ذهن الإنسان عند مولده عبارة عن قدرة على الاستقبال لا أكثر، إذن ففي استطاعته التعليم أن يصوغ الذكاء والخلق دون نظر إلى الفروق الوراثية في القدرة العقلية. هذا كان الأساس السيكولوجي لكثير من الفلسفات السياسية المتطرفة.
ولم يأت الانتفاض على السيكولوجية المادية في فرنسا إلا بعد أن قلم نابليون أظافر الثورة ووقع اتفاقية 1801 مع الكنيسة (الكونكوردا). وقد بكر هذا الانتفاض في ألمانيا، حيث كان التقليد المضاد للمذهب الحسي (وهو التقليد الموروث عن لايبنتس) لا يزال قوياً وهاجم رجال كيوهان نيكولاوس تيتنز الأستاذ بجامعة روستوك، مدرسة كوندياك زاعماً أن
اتباعها مجرد منظرين لا علماء. فكل هذا الحديث عن "التموجات" و"السائل العصبي" إنما هو محض افتراض؛ فهل رأى أحد هذه الأشياء؟ وزعم تيتنز أن السيكولوجية العلمية تستهدف الملاحظة المباشرة للعمليات الفعلية، وتجعل الاستنباط أداتها الرئيسية، فتبنى بذلك سيكولوجية على أساس استقرائي بحق. وستجد بعد قليل أن "قوانين الترابط" التي صاغها هوبز، ولوك، وهارتلي، لا تتفق وخبرتنا الفعلية؛ وأن الخيال كثيراً ما يحيى أو يربط الأفكار في ترتيب يختلف تمام الاختلاف عن الترتيب الذي أعطاه إياه الإحساس، وأن حلقات في سلسلة الترابط تسقط أحياناً على نحو غريب جداً. ويبدو أن الرغبة هي الحقيقة المحايثة (الباطنة) للكائن الحي، وأنها لا تتفق غالباً مع القوانين الميكانيكا. والذهن قوة نشيطة مشكلة، لا "صفحة بيضاء"، يخط الإحساس عليها إرادته.
وهكذا هيأ المسرح لإيمانويل كانت.
10 - تأثير العلم على الحضارة
إذا كان هذا الفصل قد طال أكثر من العادة رغم ما يشوبه من نقص فليس السبب أننا اعتبرنا العلماء وعلمهم منتمين إلى التاريخ فحسب، بل إن تطور الأفكار أيضاً هو موضع اهتمامنا الأساسي، وأن الأفكار لعبت دوراً في القرن الثامن عشر لا يفوقه أهمية غير طبيعة الإنسان نفسه. وإذا كانت منجزات العلم في تلك الحقبة الثورية لا تبلغ في إدهاشها مبلغ نظائرها في القرن الذي سبقها من جاليليو إلى ديكارت إلى نيوتن وليبنتس، فإنها تغلغلت تغللاً أقوى في كل منحى تقريباً من مناحي التاريخ الأوربي. فبفضل فولتير وعشرات المفسرين الأقل منه شأناً نشرت نتائج البحث في الطبقتين الوسطى والعليا، وشاركت العلوم الجديدة -علوم الكيمياء، والجيولوجيا، والحيوان- في التأثير البطيء، العميق رغم بطئه، الذي أثرت به المعرفة المتسعة على الذهن المثقف، وكانت النتائج بغير نهاية.
والعجيب أن التأثير العلم كان أقله، وآخره، على التكنولوجيا. ذلك أن طرائق البشر في الزرع والحصاد، وفي التعدين والصناعة، وفي البناء والنقل،
كلها تكونت خلال قرون من التجربة والخطأ، ولم تتقبل التقاليد والجمود التحسينات التي اقترحتها التجارب المعملية إلا على مضض. ولم يفلح العلم في التعجيل بالثورة الصناعية إلا في نهاية هذا العصر. وحتى مع هذا البطء فإن المراحل الأولى لتلك الثورة دانت ديناً كبيراً للأبحاث الكيميائية على الأصباغ؛ فقد أرسى برتولليه (1788) استعمال الكلورين في تبييض المنسوجات، وأدخل جيمس هتن ونيكولا ليلان تصنيع الصودا وملح النشادر. وشاركت دراسة بوبل وماريوت للغازات، ودراسة بلاك للحرارة، في تطوير الآلة البخارية-الذي كان أكبر الفضل فيه على أية حال للميكانيكيين المهتمين بالأمر آنئذ. وبتقدم القرن نمت علاقة أوثق بين الرجال العمليين الذين ينشدون الإنتاج، والعلماء الذين ينشدون الحقيقة. وأوفدت أكاديمية باريس للعلوم باحثين إلى الحقول، والمصانع، والورش، وأصدرت عشرين مجلداً في "أوصاف الفنون والصنائع"(1761 - 81). ولقاء هذا بدأت الصناعات الوليدة تلجأ إلى العلم طلباً للمعلومات والتجارب؛ وهكذا اختزل كولومب جهد العوارض إلى صيغ يعتمد عليها، وحفزت مشكلات الآلة البخارية العلم إلى أبحاث جديدة في العلاقة بين القوة والحرارة. وقد قدر لهذه العلاقات في القرن التاسع عشر أن تغير العالم الاقتصادي والفيزيائي.
أما الأثر الأكبر للعلم فكان بالطبع على الفلسفة، ذلك أن الفلسفة، وهي البحث عن الحكمة، لا بد أن تقوم على العلم، وهو البحث عن المعرفة. وقد بدا في كل خطوة أن العلم يزيد العالم تعقيداً واتساعاً، وكان لا بد من تكوين منظرات جديدة. ولم يكن بالتكيف اليسير ذلك الذي كان على العقل البشري أن يتكيفه بعد أن اكتشف أن الإنسان ليس مركز الكون، بل ذرة ولحظة في اتساعات الفضاء والزمان غير المحدودة والمحيرة؛ ولم يتم ذلك التكيف إلى الآن. وباستجابة متعالية، قديمة قدم كوبرنيف، كاد الإنسان يغلبه الغرور بعظمة كشفه عن ضآلته، وحجبت خيلاء العلم تواضع الفلسفة، وتخيل الناس عوالم مثالية جديدة بلغة العلم، وقدمت فكرة التقدم ديناً جديداً للنفس الحديثة.
وبدا أن تأثير العلم على الدين-أو على الأصح على المسيحية-مميت. إن الناس كانوا سيمضون ولا ريب في تكوين، أو تحبيذ، مفاهيم عن العالم تمنح الأمل والعزاء، والمغزى والكرامة، للنفوس المعذبة القصيرة الأجل؛ ولكن كيف تستطيع ملحمة المسيحية عن الخليقة، والخطيئة، والفداء الإلهي، أن تثبت في منظور اختزل هذه الأرض إلى ذرة وسط مليون من النجوم؟ وما هو الإنسان حتى يذكره إله كون كهذا ويعنى به؟ وكيف يستطيع شعر سفر التكوين أن يثبت لكشوف الجيولوجيا؟ وما الرأي في الأديان العشرة أو تزيد، التي تدين بها أقطار كشفت عنها الجغرافيا؟ -أهي منحطة انحطاطاً لا ريب فيه عن المسيحية من حيث عقائدها ونواميسها ونتائجها الأخلاقية؟ وكيف يمكن التوفيق بين معجزات المسيح، فضلاً عن المعجزات التي ينسبها الكثيرون للقديسين والشيطان، وبين ما يبدو من سيادة ناموس الكون؟ وكيف يمكن أن تكون نفس الإنسان، أو عقله، خالداً إذا كان معتمداً هذا الاعتماد على الأعصاب وغيرها من الأنسجة الواضح أن مصيرها الفناء؟ وما الذي لا مناص من حدوثه للين الذي يتحداه على هذا النحو علم ينمو يوماً بعد يوم في رقعته ومنجزاته ومكانته؟ وما الذي لا مناص من حدوثه لحضارة قائمة على ناموس أخلاقي قائم على ذلك الدين؟
الفصل السابع عشر
الطب
1715 - 1789
1 -
التشريح والفسيولوجيا
ثم هناك أثر العلم في لطب. فقد ارتبط فن التطبيب بتحسن الميكروسكوب والترمتز، وظهور الكيمياء والأحياء، وأهم من ذلك كله المعرفة المتقدمة بتشريح وفسيولوجيا الإنسان والحيوان. وكان معظم الأبحاث في التشريح والفسيولوجيا من عمل الأطباء أنفسهم.
وكان جوفاني باتيستا مورجاني أنموذجاً من الأطباء الكثيرين الذين جعلوا من الطب علما باحتفاظهم بسجلات أكلينية للحالات التي جاءتهم للعلاج. ففحص سبعمائة من هذه الحالات خلال الفترة التي عمل فيها بإخلاص ممارساً للطب وأستاذاً له في بادوا. وفي عامه الثمانين (1761) روى ملاحظاته في سبعين رسالة أرست أساس التشريح الباثولوجي: "في مواطن العلل وأسبابها كما بحثها التشريح" هنا ساق أوصافا عملية لانسداد القلب، والضمور الأصفر للكبد، وعمل الكلى، وربط بين العلامات الأكلينكية للالتهاب الرئوي وتصلب الرئتين، وأضاف إضافات هامة لمبحث القلب يقول السر وليم أوزلر "مازال الجزء الخاص بالتمدد الوعائي للأورطى من أفضل ما كتب في هذا الباب. ""وهل من وصف أدق من وصفه للذبحة الصدرية؟ "(1) وحصر موطن دواء الآن بوضوح أكثر من أي وقت مضى، في تغيرات مرضية تعرو أعضاء بعينها. وأعجبت المستشفيات بعمل مورجاني، فزودته ومعاونيه-دون معارضة من الكنيسة أو الدولة-بجثث الموتى من جميع طبقات المجتمع، حتى النبلاء ورجال الكنيسة؛ وأعرب أفراد كثيرون حباً في النهوض بالعلم، عن رغبتهم في أن يفحص مورجاني بعد موتهم (2). وقد أجرى التجارب على الحيوانات، دون أن يلقي هنا أيضاً أي احتجاج من الكنيسة.
وواصل التدريس حتى بلغ التسعين. وفي 1764، حين كان في الثانية والثمانين، روى أنه "ينعم بعافية ابن الخمسين، ولا يزال يعمل دون استعانة بنظارات. "(3) وقد لقبه طلابه في فخر برئيس المشرحين في أوربا كلها. وفي 1931 أقامت له بلدته "فورلى" نصبا تذكاريا في الميدان الذي يحمل اسمه.
وأصبح تلميذه أنطونيو سكاربا أستاذا للتشريح في مودينا وهو بعد في العشرين. فلما رقي لكرسي التشريح في بافيا حين بلغ السادسة والثلاثين (1783) شارك سباللانتسانى وفولتا في دفع تلك الجامعة إلى مكانة مرموقة بين جامعات أوربا. واكسبه الشهرة الدولية دراساته التشريحية على الأذن والأنف، والأقدام، والأعصاب، وظل كتابه "ملاحظات على أمراض العيون الرئيسية"(1801) عشرات السنين الكتاب الجامعي العمدة في الرمد.
أما فيلكس فيك دازير، الذي كان يصغر سكاريا بسنة واحدة فقط، فقد درس التشريح المقارن للطيور، وذوات الأربع، والإنسان. وأظهرت نتائجه تشابها غريبا مفصلا في بنية الأطراف في البشر والحيوانات، وأسهمت في وضع الإنسان في مكانه البيولوجي. وقد مات في السادسة والأربعين (1794) قبل أن يتم عملا أوصل تشريح الدماغ إلى ذروته في القرن الثامن عشر.
وفي بريطانيا العظمى أضفى الأخوان هنتر، والمولودان في إسكتلندة، مزيداً من البهاء على حركة التنوير الاسكتلندية بعملهما في التشريح والجراحة. فأحدثت محاضرات وليم ثورة في تدريس التشريح في لندن، حيث تعطلت هذه الدراسة طويلاً من جراء القيد المفروض على توافر الجثث. وقد ذاع صيته لكشفه الخطير (1758) للوظيفة الماصة للأوعية اللمفاوية، ولتأليفه كتابا من عيون يسمى "تشريح الرحم الحامل"(1774، ولطبعه الناري، الذي علله بأنه، وهو المشرح، قد ألف "خضوع الجثث له خضوعا سلبيا" (4) ومات في 1783 وقد بلغ الخامسة والستين إثر إعياء أصابه في إحدى محاضراته. وقد أوصى بمجموعته التشريحية الكبرى لجلاسجوا، حيث ما زال محتفظا بها في متحف هنتر.
أما أخوة جون هنتر فالقد ولد بعده بعشر سنوات، ومات بعده بعشر أيضا. وحين بلغ الحادية والعشرين (1749) كان قد حصل من العلم ما أهله للاضطلاع بصف وليم في التشريح العملي. وبينما كان يعمل مع أخيه، حل مشكلة سقوط الخصيتين عند الجنين، وتتبع دورة المشيمة وتشبعات الأعصاب الأنفية والشمية، واكتشف القنوات الدمعية، وقام بدور رائد في عض وظائف القناة اللمفاوية. وفي السابعة والعشرين دخل أكسفورد، فلما وجد اللاتينية واليونانية أشد مواتا من جثث الموتى، ترك لكلية والتحق بالجيش جراحا. وتعلم الكثير في أثناء الخدمة العاملة في الخارج عن جراحة البارود، فخلف بعد موته رسالة قيمة في الموضوع. وقد مارس الجراحة وعلمها عند رجوعه إلى إنجلترا، وواصل أبحاثه في التشريح والفسيلوجيا. وفي 1767 أصيب بحادث مزق له "أربطة أخيل"(التي تربط عضلات سمانة الساق بالعقب). ومن مشاهداته عن نفسه آنئذ، ومن تجاربه على الكلاب، توصل إلى جراحة ناجحة للأقدام المشوهة وغيرها من التشوهات التي تصيب الأربطة فيما تصيب. وحدث أنه حقن نفسه بالزهري عن غير قصد، فأرجا علاجه ريثما يدرس المرض من خبرته الشخصية (5)، على أنه أخطأ في اعتباره الزهري والسيلان مرضا واحدا. وأثبت بالتجربة أن الهضم لا يحدث في الأفاعي والسحالي أثناء اسباتها. وجمع لأبحاثه في بيته ببرمتن معرضا غريبا للوحوش، فيه الديوك البرية، والحجل، وضفادع البر، والسمك، والأوز، والقنافذ، وديدان القز، والنحل، والدبابير الكبيرة والصغيرة، ونسر، وفهدان، وعجل. وكاد يفقد حياته في صراعه مع العجل ومحاولته القبض على الفهدين الهاربين. وقد شرح نيفا وخمسمائة نوع من الحيوان. ودرس آثار مختلف السموم، واعترف في 1780 بأنه "سمم بضعة آلاف من الحيوان".
وفي 1785 جلس إلى زينولدز ليرسمه، ولكنه كان كثير الحركة والتململ أول الأمر. وأوشك السر جوشوا أن يعدل عن تصويره، حين أخذت هنتر سنة من أحلام اليقظة عميقة ساكنة مكنت المصور من تخطيط اللوحة المعروضة الآنفي كلية الجراحين الملكية. وكان جون كأخيه صاحب
طبع نزق عات. وقال حين وجد نفسه عرضة للذبحة الصدرية "أن حياتي في يد أي وغد يطيب له أن يضايقني ويغيضني"(6) وحدث أن أحد زملائه ناقضه، فاستشاط غضبا، ولم يلبث أن فارق الحياة بعد دقائق (1793)، ودفن في دير وستمنستر بجوار رفات بن جونسن. وقد حصل اتحاد الجراحين، بفضل منحة من الحكومة، على مجموعته المحتوية على ثلاثة عشر ألف عينة، وأصبحت المجموعة في 1836 متحف اللندني. و "الخطاب الهنتري" الذي يلقى في ذاكراه واقعة سنوية في عالم الطب الإنجليزي.
أما الفسيولوجيا فإن أعظم أعلامها في هذه الحقبة هو ألبرشت فون هاللر وقد التقيا به شاعراً في شبابه، وفي سنوات اللاحقة وضع نفسه على رأس علماء الفسيلوجيا بكتابه "أصول فسيولوجية جسم الإنسان" الذي صدر في ثمانية مجلدات بين عامي 1757و1766. ولم تقتصر هذه الأسفار على تسجيل ما توافر من علم بتشريح الإنسان وفسيولوجيته، بل شملت كذلك كشوفه عن دور الصفراء في هضم الدهنيات، وعن قابلية ألياف العضلات للتهيج أو التقلص مستقلة عن الأعصاب، لا بل عقب فصلها عن الجسد. وخلص ديدرو من هذه التجارب وأمثالها إلى أنه "إذا كانت الحياة باقية في أعضاء فصلت عن الجسد، فأين هي النفس إذن؟ وما الذي يحدث لوحدتها؟
…
ولعدم قابليتها للانقسام؟ " (7) وزعم بناء على هذه الشواهد أن جميع العمليات الفسيولوجية ميكانيكية. وخالفه هاللر، ففي رأيه أن قابلية النسيج العضوي للتهيج دليل مبدأ حيوي لا يوجد في المواد غير العضوية ولا يتفق والفلسفة الميكانيكية. وأظهر المزيد من دراسات هاللر أن "بنية عظام ذوات الأربع في جوهرها واحد هي وبنية الطيور" وأن "العظام في الإنسان لا تختلف في أي جزء من أجزاء بنيتها عن عظام ذوات الأربع" (8) وفي 1755 قام بأول ملاحظة مدونة لمرض التصلب السنبلي، أي تراكم الدهن في جدران الأوعية الدموية. يقول السر وليم فوستر "حين نفتح صفحات هاللر نشعر أننا انتقلنا إلى العصور الحديثة" (9).
وأيدت أبحاث أخرى الرأي الميكانيكي. فتبين رورت هويت (1751) أن الأفعال المنعكسة لا تحتاج لأن يشارك فيها غير قطاع صغير من الحبل الشوكي. وبدا أن عمل برستلي، ولا فوزييه، ولا بلاس، ولا جرانج، يختزل النفس إلى عمليات كيميائية شبيهة بالاحتراق. وأثبت تجارب ريامور (1752) أن الهضم ينشأ عن الفعل الكيميائي للعصارات المعدية، وأثبت سباللانتساني (1782) أن هذا الفعل - فعل العصارات الهضمية - على الطعام يمكن أن يستمر حتى خارج المعدة، واكتشف جون هنتر أن هذه العصارات تبدأ بعد الموت في هضم جدار المعدة ذاته.
وكان سباللانتساني من أساطين فسيولوجية القرن الثامن عشر وقد رأينا تجاربه على التولد "الذاتي أو التلقائي"، ولم يكن اهتمامه بعملية الهضم يعرف حدودا. فقد اكتشف الوظيفة الهضمية للعاب. وأجرى التجارب على نفسه بالقيء المصطنع، وبابتلاع الأكياس والأنابيب، التي استعادها بصبر من برازه. وكان أول من بين أن التقلص الانقباضي للقلب يرسل الدم في أصغر الشعيرات. وبين أن العرق ليس شبيها بالتنفس، ولكنه يستطيع إلى حد ما أن يحل محل الشهيق. وأصبح حجة في الإخصاب رغم أنه رئيس دير. وقد وجد أنه إذا غطيت أعضاء الذكورة في ضفدع بقماش مغموس في الشمع ظلت أنثاه دون إخصاب بعد الجماع ولكن حين جمع سائل الذكر من القماش ووضعه ملتحما ببيض الأنثى أصبحت مخصبة. وحصل الإخصاب الصناعي في الثدييات بحقنه مني كلب في رحم كلبة (10). وقد قدر القرن العشرون في نهاية المطاف مدى تجاربه التي لم يعترها كلل، وأدرك مغزاها، واعترف به كاهناً من الصفوة المختارة في كهنوت العلم.
2 - دهاء المرض
ولكن، هل هزم نمو المعرفة سعة حيلة المرض؟ كلا. لقد قدر فولتير متوسط عمر الإنسان في عصره باثنتين وعشرين سنة (11) وكان من
أثر الأحياء الفقيرة المزدحمة في المدن النامية ارتفاع نسبة الوفيات في الأطفال، حتى بلغت أحياناً خمسين في المائة (12). وفي لندن كان ثمانية وخمسون في المائة من جميع الأطفال يموتون قبل أن يبلغوا الخامسة (13) وشاعت على نطاق واسع عادة ترك الأطفال حديثي الولادة. وفي السنوات الثمان بين عامي 1771 و 1777 أدخل قرابة 32،000 طفل إلى المستشفى اللقطاء بباريس- بمعدل تسعة وثمانين يوميا، ومن هؤلاء الرضع مات 25،476 (أي ثمانون في المائة) قبل أن يتموا ربيعهم الأول. وأعان على زيارة وفيات الأطفال في القرن الثامن عشر انتشار الرضاعة الجافة- أي إحلال البزازة محل ثدي الأم أو المرضع وقد قدر السر هانز سلون نسبة الوفيات في الرضاعة الصناعية بثلاثة أضعاف نسبتها في أطفال الرضاعة الطبيعي. وراجت الطريقة الجديدة على الأخص بين طبقات الراقية في فرنسا، إلى ن أشاع كتاب روسو "أميل"(1762) موضة الرضاعة من الثدي. واستمر الإجهاض ومنع الحمل. واستعمل القراب من القماش- الذي أوصى به فالبيو في 1564 للوقاية من عدوى الأمراض التناسلية - في القرن الثامن عشر لمنع الحمل (14). وقد ورد في كتاب الدكتور جان استروك "في الأمراض التناسلية"(1736) ذكر الزناة الذين "استعملوا حينا أكياس من نسيج رقيق من قطعة واحدة على شكل قراب. تسمى بالإنجليزية Condum (15) " وأصدرت امرأة تدعى المسز فلبس في 1776 إعلانات يدوية في لندن أذاعت أن في حانوتها كمية وافرة من "أسباب الأمان التي تكفل صحة زبائنها"(16). ولكن الأمراض التناسلية اقتضت الضحايا من كل طبقة رغم هذه "الآلات" كما كانت تسمى
…
وقد كتب اللورد تشسترفلد إلى ولده محذرا منها "ففي الحب قد يضيع الرجل قلبه ويحتفظ بكرامته
…
أما إذا ضيع أنفه فإنه يضيع معه سمعته" (17).
ويصعب علينا-نحن الذين نعيش بعد جنر- أن نتصور أي لعنة ابتلى بها الجدري البشر قبل أن يهدي هذا الطبيب العالم الغربي إلى التطعيم ولقد حسب فولتير أن "من بين مائة شخص يولدون، يصاب ستون على الأقل بالجدري، ومن هؤلاء الستين يموت عشرون
…
وعشرون
آخرون يحتفظون بندوب كريهة لهذا المرض القاسي تلازمهم مدى الحياة" (18) وبين عامي 1712 و1715 مات بالجدري ثلاثة من ورثة العرش الفرنسي. وقد ذهب الأمير دلين إلى أن 200. 000 من نزلاء أديرة النساء والرجال لجئوا إليها هربا من ذل التشوه الذي أصابهم به الجدري (19). واستفحل المرض حتى بلغ درجة الوباء في باريس في 1719، وفي السويد في 1749 - 65، وفي فيينا في 1763 و 1767، وفي تسكانيا في 1764، وفي لندن في 1766 و 1770.
وكانت الأوبئة الآن، بصفة عامة، أخف وطأة منها في القرون السابقة، ولكنها ظلت أحد الأخطار التي تهدد الحياة. وكانت أشد هولا في الريف منها في المدن، رغم ما في هذه من أحياء فقيرة مزدحمة، لأن الفلاحين كانوا أعجز من أن يدفعوا ثمن الرعاية الطبية. وقد قتلت أوبئة التيفوس، وحمى التيفود، واجدري، ثمانين ألف شخص في برتني في سنة واحدة (سنة 1741)(21). وفي 1709 قضى الطاعون الدملي على 300. 000 شخص في بروسيا، وعاد ظهوره بشكل أخف في أوكرانيا في 1737، وفي موسكو في 1789 وكانت الحمى القرمزية، والملاريا ( mal aria أي الهواء الفاسد) والدوزنتاريا أمراضا شاسعة، لا سيما بين الطبقات الدنيا، حيث أعانها على الانتشار الافتقار إلى حفظ الصحة للعامة والصحة الشخصية. وأصيبت باريس، ودبلن، وأبردين، وتورجاو، وبرن، بأوبئة من حمى النفاس المعدية. أما الأنفلونزة، التي سماها الفرنسيون La grippe ( الالتصاق) فقد بلغت مرحلة الوباء في فترات مختلفة في إيطاليا، والسويد، وألمانيا. وكانت بين الحين والحين تقضي إلى شلل الأطفال، كما حدث للصبي الذي أصبح فيما بعد السر ولتر سكوت. وأشرف الالتهاب الرئوي، والدفتريا، والحمرة، أحياناً على مستوى الأوبئة. وكان السعال الديكي، الذي يبدو الآن قليل الشأن، واسع الانتشار وخطراً، لا سيما في شمالي أوربا، ففي السويد مات به أربعون ألف طفل بين عامي 1749و1764. ووفدت الحمى الصفراء من أمريكا، وانتشرت حتى أصبحت وباء في لشبونة عام 1723. وإلى هذه العلل وعشرات غيرها أضافت نساء الطبقات
العليا مرضا سموه " the vapors" وهو مزيج مضطرب من الإرهاق العصبي، والوهم، والأرق، والسأم، يتفاقم أحيانا حتى يبلغ درجة الهستريا.
ولمقاومة هذه الأعداء العامة اتخذت الحكومات بعض التدابير لحفظ الصحة. ولكن القمامة كانت لا تزال في أكثر الحالات تفرغ في الشوارع. وظهرت المراحيض في باريس في مطلع القرن، ولكن في بعض البيوت فقط، ولم تكن توجد إطلاقاً في غير باريس من أوربا. وكانت الحمامات ترفاً يختص به الأغنياء. ولعل الحمامات العامة كانت أقل عددا منها أيام النهضة الأوربية. وأحرز حفظ الصحة في الجيوش والبحريات تقدما أكثر منه في المدن. ونهض السر جون برنجل بالطب الحربي (1774)، وأحدث الاسكتلندي جيمس لند ثورة في حفظ الصحة البحرية (1757). وخلال بعثة آنسن سنة 1740 كان الأسقربوط أحيانا يعجز نحو خمسة وسبعين في المائة من الملاحين. وقرر لند في رسالة خطيرة عن هذا المرض (1754) أن عصير البرتقال أو الليمون تداوي به الهولنديون منه في 1565 واستعمله السر رتشارد هوكنز في 1593، وقد أدخل هذا الدواء الواقي بنفوذ لند إلى البحرية البريطانية (1757). ولم تكن في رحلة كوك الثانية التي امتدت أكثر من ثلاث سنين (1772 - 75)، إصابات مميتة بالأسقربوط غير إصابة واحدة. وفي 1795 تقرر استعمال العصير أو الفواكه الحمضية إجبارياً في البحرية البريطانية (ومن هنا إطلاق كلمة limey على الجندي أو البحار البريطاني)، وبعد هذا أختفى مرض الأسقربوط البحري.
وكان من معالم إنسانية القرن الثامن عشر البارزة، أن يضع فكتور ركيتي، مركيز مبرابوا، مبدأ (1756) مؤداه أن صحة الشعب مسئولية تقع على عاتق الدولة. وقد اقترح يوهان بيتر فرانك نظاماً كاملاً للخدمة الصحية العامة في كتابه "نظام كامل للرقابة الطبية العامة"(1777 - 78)، وكان قد بدأ حياته طفلاً فقيراً ملقى على عتبة بيت. وهذه المجلدات الأربعة -هذه"الذكرى النبيلة للولاء للإنسانية امتد طول العمر"(21) - وصفت
التدابير التي ينبغي لأي مجتمع مدني أن يتخذها للتخلص من النفايات، وللحفاظ على نقاء الماء والطعام، ولصيانة الصحة في المدارس والمصانع، ولحماية صحة النساء في الصناعة. وزاد الطبيب على هذا أن أوصى بفرض الضرائب على العزاب، وبذل النصيحة للأزواج لحفظ صحتهم، وطالب بتعليم الأطفال مبادئ الصحة. وكان نابليون أحد الذين قدروا أفكار فرانك، فرجاه أن يأتي ويخدم في باريس، ولكن فرانك بقي في فيينا.
وأما المستشفيات فقد تخلفت كثيراً عن واجب الاهتمام المنظم بالمرض. فقد ازداد عددها. ولكن جودتها هبطت. وضاعفت إنجلترا على الأخص من مستشفياتها في القرن الثامن عشر، ولكن كلها كان يعتمد على التبرعات الخاصة دون منحة من الدولة (22). وفي باريس تلقى أكبر مستشفياتها المسمى الأوتيل ديو 251،178 مريضاً في السنوات الإحدى عشرة بين 1737 و 1748، مات منهم 61. 091. وقد أفضى التهافت على "منزل الله" هذا-كما سموه- إلى حشد ثلاثة أشخاص أو أربعة أو خمسة أو حتى ستة في فراش واحد، "فكان المحتضرون والناقهون يرقدون جنبا إلى جنب
…
وكان الهواء ملوثاً بالإفرازات المنبعثة من هذا العدد العديد من الأجساد المريضة" (23). وكان من بين الأعمال الخيرة الكثيرة التي قام بها لويس السادس عشر في 1781 أمره بأن "يخصص سرير مستقل لكل من 2. 500 مريض، وأن ينام خمسمائة مريض على أسرة مزدوجة يفصلها حاجز"، وأن تخصص حجرات للناقهين (24). ومع ذلك لم يكن بالمستشفى بعد سبع سنوات من الأسرة المنفردة سوى 486، واحتوى 1. 220 سريراً أربعة مرضى أو أكثر، ورقد ثمانمائة مريض على القش (25). وفي فرانكفورت-على -المين وغيرها من المدن كان الهواء في المستشفيات من الوخم بحيث "رفض الأطباء الخدمة في المستشفيات باعتبارها معادلة لحكم بالإعدام"(26).
3 - العلاج
واجترأ بعض الأطباء على تقويض مواردهم بنشر المعرفة بالطب الوقائي. من ذلك أن الدكتور جون آربثنوت اللندني زعم في "مقال عن طبيعة الأمراض"، (1731) أن نظام التغذية يفعل كل ما في وسع الطب أن يفعله. وقد تنبأ بأمراض المستقبل في رسالة تسمى "ثمن صيانة الصحة"(1744). وتحسن تعليم طلاب الطب تحسينا بطيئاً، مع احتفاظ الجامعات الإيطالية (بادوا، وبولينا، وبافيا، وروما) بمكان الصدارة، وفيينا، وباريس، ومونبليه، بالمكان التالي؛ ولكن حتى في هذه الجامعات لم يكن هناك أكثر من أربعة أساتذة أو خمسة. وكان كل مدرس يجمع المصروفات الجامعية للمقرر الذي يدرسه، ويصدر تذاكر دخول، أحيانا على ظهر ورق اللعب (27) وبدأت بعض لمستشفيات الآن تعلم الطب الأكلينيكي. وكانت الممارسة القانونية للطب أو التوليد تتطلب دبلوما من معهد معتمد.
وكما أن نظرية جيورج شتال عن النار باعتبارها "فلوجستونا" تسلطت على الكيمياء في القرن السابق للافوازييه، فكذلك تسلطت فكرته عن "حيوية المادة animism" على الطب. فقد رفض نظرة ديكارت إلى الجسم على أنه جهاز ميكانيكي، وصور النفس على أنها أصل لا مادي للحياة يشكل الجسم بوصفه أداته. وبناء عليه، رأى أن الطبيعة، في صورة قوة الحياة هذه، هي العامل الأهم في شفاء العلل، وما المرض إلا جهد من "الروح الحية anima" لاسترداد الصحة، والفعالية، والانسجام الطبيعي للأعضاء المضطربة؛ وارتفاع درجة الحرارة وسرعة النبض وسلتان تلجأ إليهما الطبيعة للتغلب على المرض، والطبيب الحكيم من يعتمد أول ما يعتمد على عمليات التخلص الذاتي من السموم، ويكره استعمال العقاقير. ولكن شتال ترك سؤالا بغير جواب، وهو ما السبب في الاضطراب. ومن الأجوبة جواب قدمه ماركوس أنطونيوس بلينكتس، الذي بعث في 1762 رأى أثناسيوس كيرشر في أن المرض راجع إلى عدوى بكائن دقيق. فقال إن لكل مرض كائناً مغيراً خاصاً به، له فترة حضانة محدودة.
على أن هذه البصيرة الممتازة بنظرية الجراثيم لم تترك طابعاً على طب القرن الثامن عشر العلاجي، وكان لا بد من بعثها مرة ثانية في القرن التاسع عشر.
واقترحت بعض طرق التشخيص الجديدة، فدعا ستيفن هيلز إلى قياس ضغط الدم، وادخل ليوبولد أوينبروجر النقر على الصدر وسيلة لتبين السائل في القفص الصدري. وطور اسكتلنديان، هما جون مارتن وجيمس كري، استعمال الترومتر الأكلينيكي.
وتنافست العقاقير، والجراحة، والشعوذة، على مال المريض. وظل الفصد الدواء الذي يصلح لكل الأدواء، وقد قدر طبيب في 1754 أن أربعين ألف شخص يموتون كل عام في فرنسا من جراء الإفراط في الحجامة (28). وفي أخريات القرن تصاعدت الاحتجاجات على هذا الدواء ووجدت لها صوتا فعالا في كتاب ولشتين "تعليقات على الفصد" وتكاثرت العقاقير. وقد نبذت فارماكوبيا لندن الرسمية الصادرة في 1746 الوصفات المؤلفة من نسيج العنكبوت، وقرون الثور الوحشي، ولبن العذراء، ولكنها احتفظت بالترياق، وعيون السرطان، وقمل الصوف والأفاعي، واللآلئ، زعما منها أنها تؤلف مزائج شافية. وقد أعطت فارماكوبيا عام 1721 صفة رسمية لصبغ الأفيون الكافوري ( paregoric) وعرق الذهب المقيئ (الابيكاك)، ومقيئ الطرطير، وروح النشادر الطيار، وغيرها من العقاقير الجديدة؛ وأضافت طبعة 1746 الفالريانا، وروح النترات الطيب، و"البلسم"(صبغة الجاوي)؛ واعتمدت طبعة 1788 الاونيكا، والعشبة، والقشيرة، والمانزيا، وصبغة الأفيون
…
وبدأ استعمال زيت الخروع في أوربا الحديثة حوالي 1764، والزرنيخ حوالي 1786، وادخل اللحلاح (الكولشيوم) علاجا للنقرس في 1763 وتعلم غلام من شروبشير يدعى وليم وذرنج من جدة عجوز أن كف الثعلب (الديجيتال) مفيد للاستسقاء. وقد ظفر بمكان مرموق في تاريخ الطب باكتشافه فائدته في أمراض القلب (1783). وكان كثير من مشاهير الأطباء يصنعون عقاقيرهم ويبيعونها، ويتقاضون الأتعاب على تذاكرهم
الطبية لا على عيادتهم لمرضاهم. وأثرى أفراد من "الأدوية المملوكة لأصحابها"-المركبة من وصفات سرية مسجلة. وهكذا ابتلعت إنجلترا أطناناً من "إكسير ستوتن" و"زيوت بتن البريطانية" و"حبوب هوبر للنساء" و "أقراص الدود" لتشنج.
وكان دجاجلة الطب ومشعوذوه عنصرا محببا في المسرح الطبي. من ذلك أن "الكونت" اليساندرو دي كاليوسترو، واسمه الحقيقي جوزيبي بلساموا، كان يبيع إكسيرا يطيل العمر للحمقى الأغنياء في أقطار عديدة. وزعم الشفالييه تيلر، وهو مسلح بأبرة السد (الكتركته)، إنه يشفي أي مرض من العيون، وقد استمع إليه جيبون وهاندل والأمل يراودهما. وأقنعت جوانا ستيفنز البرلمان بأن يدفع لها خمسة آلاف جنيه لقاء الكشف عن سر علاجها الشافي من الحصى، فلما نشرت وصفتها (1739) اتضح أنها مركب من قشر البيض، والحلزونات، والحبوب، والصابون، وفي كل حالة من الحالات التي زعمت أنها شفتها وجد الحصى في المثانة بعد موت المريض.
وأما أشهر دجاجلة القرن الثامن عشر فهو فرانتز أنطون مزمير Mesmer وقد بعثت رسالته التي نال عليها درجة الدكتوراه من فيينا (1766) الدعوى القديمة القائلة بتأثيرات النجوم على الإنسان، ففسرها بأنها أمواج مغنطيسية وحاول حينا أن يشفي الأمراض بتمرير المغنطيس على الأعضاء المريضة، ثم أقلع عن هذا العلاج بعد أن قابل قسيسا بدا أنه يشفي بمجرد وضع يديه على المريض، ولكنه أعلن أن قوة سحرية تسكنه، وأن في إمكانه نقلها للغير بحفز من المال. وافتتح مكتبا في فيينا، حيث عالج المرضى بلمسهم- كما كان يفعل الملوك مع مرضى الداء الخنازيري، وكما يفعل دعاة الشفاء بالإيمان اليوم. وأعلن البوليس إنه مشعوذ، وأمره بأن يبرح فيينا في ظرف ثمان وأربعين ساعة. فرحل إلى باريس (1778) وبدأ من جديد بنشر "مذكرة عن كشف المغنطيسية الحيوانية"(1779)، وأقبل إليه المرضى لينومهم mesmerize فكان يلمسهم بعصاه السحرية، أو يحملق في عيونهم
حتى يخضعهم لإيحائه إخضاعاً أشبه بالتنويم؛ وكان قبح صورته معينا رهيبا في عملية التنويم هذه. وأقام أحواضاً مغنطيسية تحوي مزيجاً قوامه سلفيد الهيدروجين؛ ومزودة بنتوءات حديدية يمسها المرضى وأيديهم متشابكة؛ ولكي يجعل مزمير الشفاء مؤكدا كان يلمس كلا منهم بدوره. وكان بين مرضاه المركيز دلافماييت ودوقة بوربون، وأميرة لامبال، وغيرهم من الشخصيات البارزة في البلاط. وعرض عليه لويس السادس عشر عشرة آلاف فرنك أن كشف سره وأسس معهداً مغنطيسياً مباحاً للجميع، فرفض. وقد كسب خلال ستة أشهر 350. 000 فرنك (29) وفي 1784 عينت أكاديمية العلوم لجنة من أعضائها لافوازييه وفرانكلن لبحث طرق مزمير. وقد سلم تقريرها ببعض دعاواه وعلاجاته الشافية (لا سيما للأمراض العصبية الصغيرة)، ولكنه رفض نظرية المغنطيسية الحيوانية التي قال بها. ثم أدانته حكومة الثورة الفرنسية باعتباره نصاباً، وصادرت ثروته المغرية ونفته من فرنسا. وقد مات بسويسرا في 1815.
وفي لندن افتتح جيمس جراهام (1780)"معبد للصحة" على مبادئ مزمير مع تحسينات ادخلها عليه. فزوده بسرير عرس سحري للعروسين ضمن له كفالة النسل الجميل لهما؛ وكان يتقاضى مائة جنيه أجراً عنه لليلة (30). وكانت مساعدته "ربة الصحة" في إجراءاته هي إيما ليون، التي قدر لها حين أصبحت ليدي هاملتن أن تنوم اللورد نلسن ذاته.
واستغرق الجمهور ورجال الطب القرن الثامن عشر بطوله تقريباً لتقبل التطعيم الرقائفي لوناً مشروعا من ألوان الطب العلاجي بعد أن أختلط عليهم الأمر لكثرة أدعياء الطب وعلاجاته المعجزة. وكان قدماء الصينيين قد مارسوا نقل الفيروس الذي أضعفت قوته من إنسان مصاب بالجدري إلى آخر لتحصينه ضد الجدري (31). ولهذا الغرض نفسه كانت النسوة الشركسيات يخزن الجسم بأبر مست بسوائل الجدري. وفي 1714 وصفت رسالة من الدكتور ايمانويل تيموني، قرأت على جمعية لندن الملكية، "الحصول على الجدري بالحز أو التطعيم، كما مورس منذ زمن طويل
في الأستانة (32). كتبت ليدي ماري ورتلي مونتاجيو من الأستانة في أول أبريل 1717:
"أن الجدري، ذلك المرض الشديد الفتك والانتشار بيننا (نحن البريطانيين) قد جعله اختراع التطعيم سليم العاقبة تماما
…
وفي كل عام تجرى العملية لألوف الناس
…
وليس هناك حالة واحدة لشخص مات منها. وقد تصدق أنني مطمئنة جداً لسلامة التجربة إذا علمت أنني أنوي تطبيقها على ولدي الصغير الحبيب (33).
وقد طعم الصبي البالغ من العمر ست سنوات في مارس 1718 بيد الدكتور تشارلز ميتلاند، وهو طبيب إنجليزي كان يومها في تركيا.
وفي 1721 انتشر وباء جدري في لندن وفتك بأهلها لا سيما الأطفال. وكانت ليدي ماري قد عادت من تركيا، فكفلت الكتور ميتلاند، الذي عاد هو أيضا إلى وطنه، بأن يطعم أبنتها البالغة من العمر أربعة أعوام. ودعا ثلاثة من أبرز الأطباء ليروا أن الفتاة (التي أصبحت فيما بعد ليدي بيوت) لم تزعجها النتائج إزعاجا يذكر. فأعجبوا بما رأوا، وسمح أحدهم بتطعيم أبنه. ونشرت ليدي ماري الفكرة في البلاط. ووافقت الأميرة كارولين على تجربة التطعيم على ستة مجرمين حكم عليهم بالإعدام، فارتضوا على وعد بأن يفرج عنهم إن ظلوا أحياء؛ وعانى أحدهم من إصابة خفيفة بالمرض، أما الباقون فلم يبد عليهم أي أذى، وأفرج عن الستة جميعاً. وفي 1722 أمرت الأميرة بأجراء العملية على الأطفال الأيتام في أبرشية- سانت جيمس، فتكللت بالنجاح التام، وفي أبريل أمرت بأجرائها على اثنين من بناتها. وانتشر قبول التطعيم في الأوساط الأرستقراطية البريطانية، ولكن موت شخصين مطعمين في بيتهما عطل الحركة وقوى المعارضة لها. وشكا أحد النقاد من أن "تجربة لم تمارسها غير قلة من النساء الجاهلات
…
تسود فجأة، وبعد خبرة ضئيلة، على أمة من أكثر أمم الأرض أدبا وتهذيبا حتى وجدت طريقها إلى القصر الملكي (34). وأحست ليدي مارى بهذه الطعنة، فنشرت دون توقيع "بيانا واضحا عن التطعيم بالجدري بقلم تاجر تركي"وشجب معظم الأطباء الإنجليز التطعيم لما فيه من خطر،
ولكن في 1760 أدخل روبرت ودانيال ستن التطعيم بالثقب، وقررا أن لم يمت من بين 30. 000 مطعم غير 1. 200 - أي أربعة في المائة. وظل قسيس إنجليزي يدعى إدوارد ماسي حتى عام 1772 يعظ ضد "عادة التطعيم الخطرة المدنية"، ويدافع بقوة عن الرأي اللاهوت القديم، الذي يرى أن الأمراض ترسلها العناية الإلهية عقاباً على الخطيئة (35). وربما أمكن صياغة هذا القول من جديد ككثير من التعاليم الدينية القديمة صياغة علمانية، وهي أن المرض كثيراً ما يكون عقاباً على الجهل والإهمال).
وتبنت الفكرة دول أخرى. ففي أمريكا طعم الدكتور زابديل بويلستن أبنه (1721) خلال وباء الجدري السادس الذي تفشى في بوسطن، وأجرى 246 تطعيما آخر رغم معارضة هائجة هددت بشنقه. ودافع عنه أكثر بينامين فرانكلين وبنيامين رش تأييدهما الفعال لحركة التطعيم في فيلادلفيا. وفي فرنسا ضرب الوصي على العرش، فيليب أورليان، بشجاعته المعهودة، المثل لغيره بتطعيم ولديه. وعارضت كلية الطب بجامعة باريس التطعيم حتى 1763. ولكن فولتير امتدح حملة ليدي ماري في "رسائله حول الإنجليز"، ولاحظ انتشار التطعيم بين الشراكسة، وعزاه إلى القيمة المالية للجمال: "إن الشراكسة قوم فقراء، ولكن لهم بنات جميلات، هن إذن أهم سلعة في تجارتهم الخارجية، فهن اللاتي يزودن بالحسان حريم السلطان وصوفي فارس وغيرهم ممن يتيح لهم ثراؤهم شراء هذه السلع الثمينة والاحتفاظ بها. " (37) وأذاع طبيب إيطالي يدعى أنجيلو جاتي تجربة التطعيم في فرنسا وأذاعها تيودور ترونشان في سويسرا. وتطعمت كاترين الكبرى والغراندوق بولس الروسي بناء على إلحاح فولتير (1768)، وفي ذلك العام طعم بان انجهنوز ثلاثة أعضاء من الأسرة الإمبراطورية في فينيا.
كل هذه التجارب التي استعملت مصل الجدري من الإنسان، كان فيها الكثير مما يبعث على الشكوى، لأن نسبة الوفيات من التطعيم وإن
هبطت إلى أربعة في المائة كانت لا تزال مرتفعة ارتفاعا مؤذيا. ولاحظ جراح إنجليزي يدعى إدوارد جنر أن اللبانات اللاتي أصبن بجدري البقر (وهو مرض خفيف نسبيا) نادراً ما يصبن بالجدري الذي يفتك بالمرضى في غالب الأحيان. وحوالي 1778 خطرت له فكرة نقل المناعة ضد الجدري بالتطعيم بلقاح مصنوع من بقرة مصابة بالجدري ( vacca باللاتينية هي البقرة). وكان هذا التطعيم قد تم من قبل على يد مزارع من دورست يدعى بنيامين جستي، في 1774 - 89، دون أن يلفت اهتمام أهل الطب وفي مايو 1796 أجرى جنر عملية التطعيم بتلقيح جيمس فيلبس بصديد جدري البقر. وفي يوليو لقح الصبي ذاته بفيروس الجدري ولم يصب الصبي بالجدري، فاستنتج جنر أن لقح البقر يعطي حصانة ضد الجدري. وفي 1798 نشر كتابه الخطير "تحقيق في سبب ونتائج لقاح الفاريولا"، (والفاريولا كان الاسم الطبي للجدري)، الذي روى فيه قصة ثلاث وعشرين حالة كانت كلها ناجحة، وبلغ الاقتناع بالتجارب التي أعقبت هذا مبلغاً حمل البرلمان في 1802و1807 على منح جنر ثلاثين ألف جنيه ليوسع عمله ويحسن طريقته، وبعدها تناقصت سريعاً الإصابات بالجدري ذلك المرض الذي ظل قروناً سوطاً من أسواط العذاب الكبرى التي أشرعت على حياة البشر، حتى اقتصر حدوثه اليوم في أوربا وأمريكا في جميع الحالات تقريباً على عدوى الأشخاص الذين لم يطعموا من وفود الفيروس من أقطار لا يمارس فيها التطعيم.
4 - الأطباء المتخصصون
كان فن التطبيب يتعقد بنمو علم الطب تعقداً أنبت فروع الطب المتخصصة. ولم تكن أمراض النساء بعد ميداناً للدرس قائماً بذاته، أما التولد فكان الآن مهارة متميزة، وانتقل أكثر فأكثر إلى أيدي الرجال. وظل حياء النساء يؤثر المولدات المدربات أينما تيسرن، ولكن العديد من الأمهات في البيوت المالكة ضربن المثل في قبولهن الرجال مولدين لهن. وكان وليم سمبلي رائداً في إنجلترا بدراساته في نظام المخاض واستعمال الملقط-
وهي دراسات جمعها بعد خبرة ثلاثين عاماً في كتابه القيم"فن التولد"(1752).
وأحرز الرمد تقدماً ذا بال بجراحات السد (الكتركته) التي أجراها وليم تشسلدين (1728) وجاك دافييل، وقد أبتكر ثانيهما (1752) العلاج الحديث للسد بانتزاع العدسة. وفي 1760 صنعت أول نظارة ذات بعدين لبنيامين فرانكلن وبناء على اقتراحه فيما يبدو. وسنلقي بديدرو يدرس سيكولوجية المكفوفين ويقترح إمكان تعليمهم القراءة باللمس، ولعل روسو (على ما يقال) اقترح بالتفاهم معه الطباعة البارزة للمكفوفين (38).
وتقدم طب الآذان بفضل استعمال القسطرة لتنظيف قناة يوستاكيوس (1724). وبفضل أول جراحة ناجحة للالتهاب الحلمي (1736)، وكشف سائل مرن في متاهة الأذن (1742). وقد انقطع جياكومو رودريجر بيربرا الأسباني، الذي شغف حباً بفتاة صماء بكماء، لوضع لغة إشارات تستخدم يداً واحدة فقط، وحسن ألابيه شارل ميشيل دليبيه طريقة الكلام الصامت بأبجدية تستعمل كلتا اليدين، وكرس حياته لتعليم تلاميذه لإعاشتهم.
وأصبح علاج العقول أكثر إنسانية باضمحلال النظرة اللاهوتية القديمة التي دان بها بوسويه وويسلي-والتي زعمت أن الجنون مس شيطاني سمح به الله عقاباً على الخطيئة الموروثة أو المكتسبة. فقد كان نزلاء النار نثروم (برج الحمقى) بفيينا يعرضون على المتفرجين لقاء رسم دخول شأن الحيوانات في معرض الوحوش. وكان مستشفى بيت لحم للمجاذيب ( Bedlam) من أماكن الفرجة في لندن، يستطيع الجمهور فيه لقاء أجر أن يتفرس في المخبولين وهم موثقون بسلسلة وطوق حديدي إلى الحائط. وكان المجانين في الأوتيل ديو بباريس يعاملون بقسوة أو إهمال على أيدي خدم مبخوسي الأجر مرهقين بالعمل. وأسوأ من هذا كانت المستشفيات الخاصة لمرضى العقول، التي كان في الإمكان إقناعها بقبول حبس أشخاص يسلمهم إليها أقرباؤهم المعادون لهم (39). واستعملت شتى
العقاقير أو الحيل لعلاج الضحايا أو تهدئتهم -كالأفيون، أو الكافور، أو البلادونا (ست الحسن)، أو الفصد، أو الحقن الشرجية، أو لزقة الخردل على الرأس. وذهب بعض المتخصصين إلى أن "دوشا" فجائياً من الماء البارد يخفف من السوداء (المنخوليا)، وأوصى غيرهم بالزواج علاجاً للجنون. أما أول خطوة حديثة نحو علاج أرشد للجنون فقد اتخذها كويكريو بنسلفانيا الذين أسسوا مستشفيات يعالج فيها الجنون على أنه مرض. وفي عام 1774 أسس الغراندوق ليوبولد الأول أمير تسكانيا في فلورنسه الأوسبدالي بونيفاتسيو، حيث بدأ، باشراف فنتشنتسو كياروجي، تناول المشكلة تناولا علمياً. وفي 1788 عينت الحكومة الفرنسية لجنة لإصلاح رعاية المجانين، وكان رئيس اللجنة، فليب بينيل قد بدأ حياته تلميذاً للاهوت، ثم انتقل إلى الفلسفة، وتشرب المبادئ الإنسانية التي نادى بها فولتير، وديدور، وروسو. وفي 1791 نشر كتابه "رسالة طبية فلسفية في الغربة العقلية" وهو واحد من معالم الطب الحديث، وفي 1792 عين مديراً طبيا للبيسيتر، وكان من أكبر مستشفيات الأمراض العقلية في فرنسا. وبعد عامين رقي لمستشفى أكبر هو سالبتريير وبعد أن وجه النداءات الكثيرة لحكومة الثورة، سمح له بأن يحطم سلاسل مرضاه، وأن يطلقهم من زنزاناتهم ويعطيهم الهواء النقي وضؤ الشمس، والرياضة، والأعمال العقلية المتدرجة. وكان هذا واحداً من الانتصارات الكثيرة التي حققتها النزعة الإنسانية العلمانية في أشد القرون إمعاناً في اللا أدرية.
5 -
الجراحات
كانت الجراحة أهم تقدم أحرزه طب القرن الثامن عشر باستثناء تطور التطعيم إلى التلقيح. وقد عمرت الرابطة القديمة بين الجراحة وفن الحلاق الصحي حتى عام 1745 في إنجلترا، أما في فرنسا فقد أنهاها لويس الرابع عشر. (وما زال شعار هذا الحلاق-وهو العمود المخطط بالأحمر والأبيض رمزاً للضمادة الملوثة بالدم -يذكرنا بماضيه الجراحي).
وفي 1724 صدق لويس الخامس عشر على إنشاء خمسة كراسي للجراحة في كلية سان-كوم بباريس. واحتجت كلية الطب بجامعة باريس على رفع الجراحة إلى مثل هذا المقام الكريم، وزحف الأطباء-وهم يرفلون في أروابهم الجامعية الحمراء ويتقدمهم حامل صولجان ومناد-على سان كوم حيث كانت تلقى محاضرة في الجراحة، فلما وجدوا الباب مغلقا حاولوا فتحه عنوة وتصايحوا بالشتائم والسباب، ناعتين الجراحين بأنهم حلاقون محدثوا نعمة، ولكن الجمع الذي احتشد انقلب على الأطباء وطردهم من المكان. وفي 1731 حصل جورج اريشال وفرنسوا دلابيروني على براءة ملكية بتأسيس "أكاديمية الجراحة"، وفي 1743 أصدر الملك أمرا حرر جراحي فرنسا من ارتباطهم بطائفة الحلاقين، واشترط الحصول على درجة من الكلية لممارسة الجراحة. ومن يومها استطاع الجراح أن يواجه الطبيب في غير خجل ولا أحجام.
وحدث تطور مماثل لهذا في إنجلترا. ففي 1745 فصل الجراحين. رسميا عن الحلاقين، وتقرر اعتبار ممارسة الجراحة في لندن أو بقربها دون امتحان وإجازة تمنحها لجنة من كبار الجراحين جريمة يعاقب عليها القانون. على أن "كلية الجراحين الملكية" لم يصدر بها ترخيص رسمي إلا سنة 1800. أما في ألمانيا فقد كانت الجراحة عموما قبل فردريك الأكبر في أيدي الحلاقين والجلادين، والمتجولين من الممارسين غير المرخصين، الذين يجبرون العظام ويزيلون السد (الكتركته)، ويربطون الفتق، ويستأصلون الحصى. وكان الجراح في الجيش-وهو مفخرة بروسيا- يسمى"فيلدشيرر"، أي حلاق الميدان، لأن من وظائفه الحلاقة للضباط ولكن في 1724 فتحت في برلين كلية للطب والجراحة.
وكانت كثرة جراحي القرن الثامن عشر العظام من الفرنسيون. واخترع لوي بتي "المرقأة"(ضاعظة الشرايين) وأدخل تحسينات على عمليات البتر والعنق وقد أجرى ديدرو في كتابه "حلم دالامبير" على لسان الطبيب الشهير تيوفيل دبوردي دبور دي وصفا لجراحة على المخ يجريها لابيروني. وقد
أسس جان أندريه فثيل الجنفي جراحة العظام (1780). وفي إنجلترا طور وليم تشزلدن الجراحة الجانبية للحصى (1727) إلى مرتبة لم تكد تجاوزها بعده (40)، وفاخر بأنه أجرى جراحة لاستخراج حصاة في الربع وخمسين ثانية. وأصبحت الجراحة الانجليزية علما حين أرساها جون هنتر على أساس من التشريح وللفسيولوجيا السليمين. وقد أجرى تجارب على الحيوان ليجد بدائل لجراحات كثيرا ما تؤدى بحياة الإنسان. ففي 1786، بعد أن اكتشف وهو يجرب على وعل أن في استطاعة الأوعية الدموية الفرعية أن تواصل دورتها إذا أوقف المرور من وعاء دموي رئيسي، أنقذ حياة رجل يشكو وروما شريانيا في الساق بربط الشريان الذي يعلو الورم والاعتماد على أجزاء الجسم المحيطة به في امتصاص محتويات الورم. وقد أنقذت هذه الجراحة عددا لا حصر له من الأطراف والأنفس.
كذلك يحتل اسم جون هنتر مكانا مرموقا في تطوير طب الأسنان. فقد كان هذا الفن في إنجلترا في القرن السابع عشر متروكاً أكثره لخالعي الأسنان، الذين كانوا يصيحون معلنين عن قدومهم ويعرضون على الجمهور حبالا من الأسنان كأنها شعار النبالة. وفي 1728 أعلن بيير فوشار في كتابه "جراح الأسنان" أن طب الأسنان فرع من الجراحة. ولكن هنتر كان أول منطبق الطرق العلمية على دراسة الأسنان. وقد أدخل تصنيفها إلى أنياب، وضواحك، وطواحن، وقواطع، وابتكر آلات لتقويم انطباق الأسنان. وكان أول من أوصى بإزالة لب الضرس تماماً قبل حشوه. وقد لخص أراءه في كتابه "التاريخ الطبيعي لأسنان الإنسان"(1721).
وكان أكثر الجراحات الصغيرة يجري دون مخدر. وقد استعمل القدماء من قبل شتى الأشربة المنومة - مثل "السلوى"، والأفيون، وقاتل الدجاج، واللقاح، والشوكران، إلخ، وفي سفر التكوين أن الله ذاته أوقع على آدم "سباتاً" قبل أن يأخذ منه ضلعا. وقد وصف ديوسكوريدس في القرن الأول الميلادي نبيذ اللقاح في العمليات الجراحية (41). واستعملت الهند القنب الهندي cannabis indica ( الحشيش)، وذكر أوريجانوس في
القرن الثاني أشربه التنويم الجراحي، كما ذكرها القديس هيلاري-وموطنه بواتييه-في القرن الرابع. واستمر استعمال أكثر المنومات القديمة في العصور الوسطى، فكانت مدرسة سالرنو الشهيرة تحبذ استعمال "إسفنجة تخدير". أما في أوربا الحديثة، فإن المخدر المفضل كان السكر. ولم يكتشف السر همفري ديفي الخواص المخدرة لأول أكسيد النتروجين (الغاز المضحك) إلا في 1799. واكتشف الدكتور كروفورد لونج الطبيب بدانيالز فيل في جورجيا خواص الأثير المخدرة في 1839.
6 -
الأطباء
كان من أثر ازدياد الثروة، ونمو الطبقات الوسطى عدداً وثراء، وتقدم علم الطب والتعليم، أن ارتفع مقام الأطباء ودخلهم إلى درجة لم يعهدوها من قبل وقد أثلج هذا صدر لامتري، وكان هو نفسه طبيباً، فقال "إن كل شئ يخلي السبيل أمام الفن العظيم، فن الطبيب الشافي
…
فالطبيب هو الفيلسوف الوحيد الذي يستحق تقدير وطنه
…
فمجرد رؤيته تعيد إلينا هدوءنا
…
وتبعث الأمل الجديد" (42). أما فولتير فكان نقاداً للأدوية-"أن الحمية خير من الدواء" ومعظم الأطباء في رأيه مشعوذين "في كل مائة طبيب ثمانية وتسعون مشعوذين" ولكنه أضاف: "أن الرجال العاكفين على رد العافية لغيرهم من الناس بممارستهم المهارة والإنسانية معاً هم أولا عظماء هذه الأرض، لا بل أن نصيباً من صفات الله، لأن عملية المحافظة والتجديد تكاد تبلغ في سموها عملية الخلق" (43). وقد أثنى ديدرو على كلية الطب بجامعة باريس (44). الجامعة التي نغضت كلية لاهوتها عليه حياته، فقال: "ليس هناك كتب أطالعها بسرور كثر من كتب الطب، ولا رجال يمتعنا حديثهم من حديث الأطباء- ولكن حين أكون معافى "فقط"(45). وقد جعل الدكتور دبورديه الشخصية المحبوبة في قصة "حلم دالامبير" وسلط الهجاء على مهنة الطب كالعادة، كما ترى في مسرحياته جلدوني وصور شودوفيكي، وقصة سموليت "فرديناند كونت فاذوم". وكاريكانورات توماس رولاندسن اللذيذة.
وقد رفعت الأتعاب والدخول الأعلى من مقام الأطباء الاجتماعي. وكان أكثرهم في إنجلترا يتقاضى جنيها نظير الكشف على مريض. وبلغ إيراد بعضهم ستة آلاف جنيه في العام. وقد أصبح السر هانز سلون، أول من رقي للبابوية من الأطباء رئيساً للجمعية الملكية، وخلع جوزف الثاني إمبراطور النمسا على جوزف فون كوارين لقب البارون. ولقي الأطباء الترحيب في خيرة أندية لندن وصالونات باريس، وخلعوا عنهم الروب الأسود (السواتن) الكابي، وتزيوا بأحدث أزياء الطبقة الوسطى الراقية فكانوا في إنجلترا يبدون في سترة من الساتان أو الحرير المطرز الأحمر، وسراويل للركبة، وأحذية ذات مشابك، وعصا ذات مقبض ذهبي، وسيف أحياناً، أما في فرنسا فكانوا يضارعون كبار رجال الكنيسة في فخامة زيهم.
وبعض هؤلاء الأطباء يطالبنا بتنويه خاص. منهم سيمون أندرية تيسو الذي اشتهر في لوزان بتزعمه الدعوة للتطعيم، وبكونه حجة في الصراع وقد جاهد لا ليشفي المرضى فحسب، بل ليحفظ الصحة على الأصحاء، وطبع كتابه "نصيحة للشعب في الصحة"(1760) عشر طبعات في ست سنوات، وترجم إلى كل لغة كبرى في أوربا. ومنهم ليوبولد أونبروجر الذي كان قطبا بين عظام الأطباء الذين شرفت بهم فيينا في عهد ماريا تريزا، وكان محبوبا لتواضعه وأمانته، ومحبته للناس، "مثل سام لخير ما في الخلق الألماني القديم من صادق القيمة والجاذبية"(46). ولم يكن الدكتور جوزف إجناس جيوتان محبوبا إلى هذا الحد، وكان أحد نواب مجلس طبقات الأمة في 1789، وحبذ عقوبة الإعدام، واقترح استعمال آلة لقطع الرؤوس (الجيلوتين) لتفادي ضربات الجلادين الخاطئة.
أما تيودور ترونشان فكان أشهر الأطباء في سويسرا. وكان تلميذاً أثيرا لدى بويرهافي في ليدن، ومارس الطب عشرين سنة في أمستردام، وتزوج حفيدة جان دويت، وعاد إلى مسقط رأسه في جنيف، وأدخل فيها التطعيم (1749) بادئاً بنفسه وأطفاله. وفي 1756
دعاه دوق أورليان إلى باريس ليطعم ولده الدوق شارتر وابنته التي كانت يومها المدموازيل دمانبانسييه. وعجبت باريس لهذه الشجاعة، ولكن حين خرج المطعمان من هذه العملية دون أن ينالهم أذى، تقاطر صفوة الناس على مسكن ترونشان في البالية-رويال وكلهم شوق للتحصن من مرض ظل طويلا بنسبة عالية من الوفيات في فرنسا.
وقد أعطى نجاحه وزنا لآرائه في موضوعات أخرى. فسبق روسو في حض الأمهات على إرضاع أطفالهن. ونصح مرضاه بالإقلاع من الدواء والإكثار من الرياضة في الهواء الطلق، وبأكل الأطعمة البسيطة، والإكثار من السباحة، وبالإتسال في الماء البراد، وبخلع باروكاتهم، وطواقيهم، وستائر أسرتهم، وبالتبكير في النوم والاستيقاظ. وحفل البلاط في فرساي حين أمر تفتح نوافذ القصر- التي ظلت مقفلة دائماً-بعض ساعات النهار على الأقل، حتى في الشتاء. وأصبحت أفكاره من موضات العصر، فكانت النساء من علية القوم يتمشين في ساعات الصباح الباكرة، مرتديات الثياب القصار للتهوية، وسرعان ما سميت هذه الثياب "ترونشين"(47).
وحين استقر بفولتير المقام في جنيف وضع نفسه في رعاية ترونشانز يقول "إنه رجل طوله ستة أقدام، حكيم كأسكولابيوس، وسيم كأبوللو. "(48) ولم يبادله ترونشان هذا الثناء، ولكن ربما كان كلاهما مخطئا كما قال فولتير عن نفسه وعن هاللر. أما مدام ديبينيه التي قطعت الرحلة الطويلة من باريس إلى جنيف طلباً للعلاج من ترونشان فقد رسمت لنا صورة كلها المديح والإطراء" قالت:
سأنفق يومين أو ثلاثة في بيت فولتير مع السيد ترونشان. والحق أنني في كل يوم أكتشف في ترونشان صفات جديدة توحي باحترام وإجلال له لا حد لهما. فليس هناك ما يضارع حبه للخير، وتجرده من الأنانية، ومحبته لزوجته ورعايته لها. وأصارحك بعد أن عرفتها بأنها أشد نساء الأرض عبوساً وثقلاً (49).
ولكن من ذا الذي يصدق حديث امرأة عن أخرى؟
هذا ولم يكن القرن الذي نحن بصدده فلذا في تاريخ الطب، فلم يزل جو الطب يخيم عليه ظلمات السرية، والشعوذة، والنظريات التي كان ينبغي أن تتوارى خجلاً منذ زمن نتيجة للخبرة، إلا أن تقدم التشريح والفسيولوجيا أرسيا الطب فوق أساس أسلم من ذي قبل، وكان تعليم الطب أشمل وأيسر، ومزاولة المهنة دون ترخيص في طريقها إلى الزوال، والتخصصات تزيد المعرفة وتحسن رعاية المرضى؛ وقد أطلقت الجراحة من عقالها، وأخذت العلاجات المعجزة تفقد سمعتها، وانتصارات الطب تقوم بدورها الهادئ في ذلك الصراع الأساسي بين الدين والعقل، وهو صراع راح يحتل مكان الصدارة في حياة الذهن ..