المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الكتاب الخامس   ‌ ‌الهجوم على المسيحية 1730 - 1774 الفصل الثامن عشر   ‌ ‌الملحدون ‌ ‌1730 - 1751   1 - قصة الحضارة - جـ ٣٨

[ول ديورانت]

فهرس الكتاب

الكتاب الخامس

‌الهجوم على المسيحية

1730 -

1774

الفصل الثامن عشر

‌الملحدون

‌1730 - 1751

1 -

النشوة الفلسفية

لنبدأ بتحديد مصطلحاتنا. سوف نعني بلفظة فيلسوف. كل إنسان يحاول أن يصل إلى آراء مسببة مقنعة عقلانية في أي موضوع مهما يكن، إذا نظر إليه في أبعاده العريضة. وفي تحديد أكثر، سنطلق هذا المصطلح في الفصول التالية على أولئك الذين يسعون إلى نظرة عقلانية إلى أصل الكون وطبيعته ومغزاه ودلالته ومصيره، والحياة أو الإنسان. ويجدر ألا نفهم الفلسفة على أنها ضد الدين أو أنها تتعارض معه، وينبغي أن نفسح في النظرة الواسعة للحياة البشرية مجالاً للدين. ولكن لما كان كثير من فلاسفة فرنسا في القرن الثامن عشر معادين للمسيحية كما عرفوها، فإن لفظة الفيلسوف اتخذت مفهوماً معادياً للمسيحية

(1)

. وفي استعمالنا لهذا المصطلح الفرنسي فإنه سيتضمن هذا المفهوم عادة. وسينطلق على لامترى وفولتير وديدرو ودالمبيرث وجريم وهلفشيوس ودي هولباخ فلاسفة، ولكنا لن نعد روسو فيلسوفاً بهذا المعنى -على الرغم من أنه يجدر بنا أن نسميه فيلسوفاً، لأنه زودنا بحجة عقلانية دفاعاً عن الوجدان والإيمان. كما ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الفيلسوف قد يعارض الديانات القائمة من حوله، ومع ذلك، مثل فولتير،

(1)

ذكر جويوم فرنسوا برتييه، المحرر اليسوعي اللامع للجورنال دي تريفو، في عدد يولية 1759:"جرت العادة على أن نطلق لفظة فلاسفة على أولئك الذين يهاجمون العقيدة الدينية الموحى بها، ويطلقون لفظة مضطهد على من يناضلون دفاعاً عنها"(1)

ص: 1

يتمسك إلى النهاية بالإيمان بالله. إن الجدل الذي هاج مشاعر الطبقات المفكرة في نصف القرن الذي سبق الثورة الفرنسية لم يكن مجرد صراع بين الدين والفلسفة، بل كان بالدرجة الأولى بين الفلاسفة والمذهب الكاثوليكي المسيحي كما وجد في فرنسا آنذاك، إنه الغيظ المكظوم في قلوب الفرنسيين لقرون طويلة من جراء ما لطخت به الديانة سجلها من الوقوف في وجه التقدم والمعرفة والاضطهادات والمذابح. وبلغ رد الفعل أقصى مداه، ولكن كذلك كان الاسفاف في مذبحة سانت برثلميو (1572) ومقتل هنري الرابع (1610) واضطهاد الهيجونوت بعد ألغاء مرسوم نانت (1685).

ولم يكن ثمة مثل هذا العدد الكبير من الفلاسفة قط من قبل، وألمع هلفشيوس إلى "تذوق عصرنا للفلسفة وحبه لها" (2) وكتب دالمبير:

أطلق قرننا على نفسه قرن الفلسفة بغير منازع. فمن أصول العلوم الدنيوية الدنسة إلى أسس الوحي، ومن الميتافزيقا إلى مسائل الذوق، ومن الموسيقى إلى الأخلاق، ومن حقوق الأمراء والملوك إلى حقوق الشعوب. كل شئ كان موضع دراسة وتحليل ومثار نقاش وخلاف. وليس فينا من ينكر أن الفلسفة أحرزت بيننا تقدماً. إن العلوم الطبيعية تقدم لنا في كل يوم ذخراً جديداً

وأتخذت كل ميادين المعرفة تقريباً أشكالاً جديدة (3).

وكان الفلاسفة الفرنسيون نتاجاً جديداً. فكانوا قبل كل شي واضحين ولم يكونوا جماعة منعزلة عن العالم تكسوهم المهابة والقداسة، يتحدثون إلى أنفسهم أو إلى نظراتهم أحاديث غامضة لا يفهمها إلا فئة معينة من الناس. وكانوا أدباء عرفوا كيف تتألق الأفكار والآراء في الألفاظ. وولوا ظهورهم نحو الميتافيزيقا باعتبارها ضالة ميئوساً منها، ونحو طرائق الفلسفة باعتبارها غروراً كاذباً عريضاً. ولم يكتبوا أبحاثاً مطولة معقدة جهدوا فيها في استنباط العالم من فكرة واحدة، ولكنهم كتبوا نسبياً موضوعات قصيرة، ومحاورات مسلية وقصصاً متبلة ببعض الفحش، وهجاء قتالاً من فرط السخرية، أو حكمة معبرة بطريقة بارعة توهم بالتناقض في سطر يحطم تحطيماً. وساق هؤلاء الفلاسفة حديثهم متناغماً مع رجال الصالونات وسيداتها، وفي كثير من الأحوال وجهوا كتبهم ومؤلفاتهم إلى شهيرات النساء، وكان لزاماً أن

ص: 2

تكون مثل هذه الكتب واضحة جلية يسهل إدراك مراميها، وقد تضفي على الإلحاد سحراً وفتنة. ومن ثم أصبحت الفلسفة قوة اجتماعية انتقلت من المدارس إلى المجتمع والحكومة. وأسهمت في الصراع بين الدول، وكانت جزءاً من الأنباء. ولما كانت كل أوربا المتعلمة تتطلع إلى فرنسا لمعرفة النظرات والآراء، فإن مؤلفات الفلاسفة الفرنسيين وصلت إلى إنجلترا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وألمانيا والسويد وروسيا، وأصبحت أحداثاً في دنيا أوربا. وفاخر فردريك الأكبر وكترين قيصرة روسيا بأن يكونا من بين الفلاسفة، وربما لم يقلقهما تنبؤ الطبقة المحافظة الفرنسية بأن المفكرين الأحرار الفرنسيين كانوا يقوضون أساس أخلاق فرنسا ووحدتها وسلطانها وقوتها.

وكان لجوتنبرج أثره البارز: فإن الطباعة عملت على نشر العلوم والتاريخ ونقد الأسفار المقدسة وروائع الوثنيين، وأصبح الفلاسفة الآن أقدر على التحدث إلى جماهير أكبر عدداً وأكثر استعداداً من ذي قبل، ولم يستنكفوا أن يهبطوا من أبراجهم العاجية ليعملوا على تبسيط المعرفة. ولم يكن هذا لأنهم وثقوا كثيراً في "الرجل العادي" كما عرفوه في ذاك العصر، ولكنهم وثقوا في أن نشر "الحقيقة" قد يعمل على تحسين سلوك البشر وتوفير مزيد من السعادة لهم. وأعتبر دالمبير أن "فن تعليم الإنسان وتنويره أنبل مهمة وهبة في متناول البشر"(4)، وأصبح "التجاسر على المعرفة" شعاره الاستنارة الذي حققه عصر العقل وفاز به.

ذلك أن الإيمان الذي آذن بإنبلاج فجره فرنسيس بيكون قبل ذلك بقرن من الزمان أصبح أساس الفكر المتحرر وأداته -أي أن الفكر تحرر بهذا من أساطير الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة وبرز العقل متألقاً في عظمة وحي جديد، وطالب بالسيادة والسيطرة في كل مجال وميدان، وعرض إصلاح التعليم والدين والأخلاق والأدب والاقتصاد والحكومة بمفهومه المشرق. وأقر الفلاسفة بضعف العقل، مثله في ذلك مثل أي شئ بشري، وأدركوا أنه من الميسور تضليله بأي منطق فاسد أو تفسير خاطئ للخبرة. وما كان لهم أن ينتظروا شوبنهور لينبئهم بأن العقل عادة خادم للرغبة وأداة للإرادة. إن هيوم الذي هيمن على عصر العقل هذا في بريطانيا كان

ص: 3

أقوى ناقد واجهه العقل، وربما باستثناء كانت. وأعترف فولتير من أن لآخر بحدود العقل. وأتفق ديدرو مع روسو في أن الوجدان أساسي أكثر من العقل. وأعترف كل فلاسفة القرن الثامن عشر تقريباً بأن غالبية الناس حتى في أعظم الأمم حضارة ومدينة مرهقون بالحاجيات الاقتصادية والكدح في سبيل العيش إلى درجة لا يجدون معها فسحة من الوقت لتنمية العقل، وأن جماهير البشر تتحرك وتتأثر بالأهواء والعواطف والحزازات أكثر من تأثرها بالعقل، ومع هذا ظل الأمل معقوداً على انتشار العقل وإمكان تحريره من الأنانية الضيقة والتعاليم المغرضة.

وهكذا برغم فترات التشاؤم التي مر بها الفلاسفة فقد سادت بينهم روح التفاؤل، ولم يكن الناس قط من قبل واثقين بقدرتهم، أن لم يكن على إعادة بناء أنفسهم، فعلى الأقل على إعادة بناء المجتمع. وبرغم كوارث السنين السبع، وفقدان كندا والهند واستيلاء إنجلترا عليهما، فقد سيطرت على ذهن فرنسا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر حماسة وحيوية بدا أنهما ستعيدان إلى فرنسا العجوز المتوجعة قوتها وشبابها من جديد. ولم يحدث قط منذ أيام السفسطائيين الإغريق أن انتشرت مثل هذه الآراء والأفكار الكثيرة، أو أظهرت روح البحث والتحقيق والحوار والجدل المنعشة، فلا عجب أن يحس ديكلوس حوله "بشيء من اختمار العقل بميل إلى التطور والنمو في كل مكان"(5) وبما أن باريس كانت آنذاك عاصمة الفكر في أوربا، فإن حركة التنوير أصبحت حركة واسعة النطاق مثل حركة النهضة الأوربية وحركة الإصلاح الديني، والحق أن حركة التنوير هذه بدت وكأنها ذروة الحركات السابقة. وكانت النهضة قد ذهبت إلى ما وراء المسيحية لتكتشف الذهن الوثني، كما أن الإصلاح الديني كان قد كسر قيود السيادة المذهبية، وعلى الرغم منه تقريباً أطلق العنان لعمل العقل، وباتت مقدمتا العصر الحديث هاتين تكمل الواحدة الأخرى، وأصبح الآن في مقدور الإنسان في نهاية المطاف أن يحرر نفسه من معتقدات العصور الوسطى ومن أساطير الشرق. كما يقف على قدميه حراً طليقاً. حراً في أن يشك؛ وفي أن يحقق ويدقق. حراً في أن يفكر

ص: 4

ويجمع ألوان المعرفة وينشرها. حراً في أن يقيم ديناً جديداً حول مذبح العقل لخدمة البشر، وكان ثملاً كريماً شريفاً.

‌2 - خليفة الثورة

ولكن كيف حدث كل هذا؟ ولماذا أنقلب كل هؤلاء الفلاسفة وبخاصة في فرنسا على المسيحية التي كانت فوق كل شئ قد مزجت الأمل بأهوالها ورعبها، والصدقات بجرائمها، والجمال بآثامها وخطاياها؟

إن الثورة التي قام بها الربوبيون في إنجلترا استطاعت أن تعبر عن نفسها مع تسامح نسبي حتى من جانب الكنيسة الرسمية، وربما كان هذا هو السبب في خمود لهيبها وفضلاً عن ذلك كانت الكنيسة الإنجليزية خاضعة للدولة فلم تعد تزعم زعماً فعالاً أنها -أي الكنيسة- سلطة منافسة مستقلة. أما الكنيسة في فرنسا فكانت هيئة قوية تملك نصيباً كبيراً من الثروة الوطنية وأرض الوطن، وهي مع ذلك مرتبطة بولاء أسمى مكانة بسلطة أجنبية. ويبدو أنها كانت تستنزف مزيداً من الثروة من أيدي العلمانيين إلى أيدي رجال الكنيسة عن طريق الوصية والتوريث، كما رفضت أن تدفع أية ضرائب أكثر من "المنح أو الهبات الاختيارية" واحتفظت بآلاف الفلاحين في أراضيها في استرقاق فعلي، واحتفظت بالرهبان فيما بدا أنه خمول عقيم. وكم أفادت الكنيسة من الوثائق الزائفة والمعجزات الكاذبة. وسيطرت على كل المدارس والجامعات تقريباً، وعن طريقها أشربت أذهان الشباب بالسخافات المخدرة المنافية للعقل، وأستنكرت، على أنه هرطقة، كل تعليم يتعارض مع تعليمها واستغلت الدولة في فرض رقابتها على حركة الكلام والصحافة، وبذلت الكنيسة غاية الجهد في خنق التنمية الفكرية في فرنسا. وحرضت لويس الرابع عشر على اضطهاد الهيجونوت غير الإنساني. والتخريب الخالي من الرحمة لبورت رويال، وارتكبت الكنيسة إثماً في الحملات الوحشية التي شنتها ضد الألبيجنسيين وإقرار المذابح الوحشية مثل مذبحة سانت برثلميو، وأشعلت نار الحروب الدينية التي دمرت فرنسا تقريباً. وفي وسط كل هذه الجرائم ضد الروح الإنسانية ادعت الكنيسة، وحملت

ص: 5

الملايين من ذوي العقول الساذجة على الاعتقاد بأنها فوق العقل وفوق الريبة والمساءلة، وأنها ورثت وحياً إلهياً، وأنها ممثل الله على الأرض الملهم المعصوم من الخطأ. وأن جرائمها كانت، بإرادة الله مثل حسناتها.

وقدمت الكنيسة ردوداً كثيرة على هذه الاتهامات. ولسوف نعرض لها في الوقت المناسب. وفي الوقت نفسه أثارت هذه الاتهامات المتزايدة حفيظة آلاف الناس ودفعتهم إلى الأحتجاج، وأخيراً إلى العداوة المريرة. وتضاعف عدد المتشككين إلى حد أنهم لم يعودوا يخشون رجال الدين وأحرجوهم علناً بالأسئلة العويصة. وحين دعا الأب تورنمين غير المؤمنين حوالي 1730 إلى كلية "لويس الأكبر"، يقال "إن غرفته اكتظت بالمفكرين الأحرار والربوبيين وأنصار المذهب المادي، وما استطاع الأب الجليل أن يحول أحداً عن رأيه"(6). وجزع رجال الدين من كثرة عدد الفرنسيين والفرنسيات الذين فارقوا الحياة رافضين تناول الأسرار المقدسة للكنيسة. وهددت مدام دي بري بأن تأمر خدمها بإلتقاء راعي الكنيسة من النافذة حين ألح عليها في قبول مسحها بالزيت المقدس (7). وشكا أحد القساوسة من أنه "في اللحظة التي يظهرون فيها أمام الناس يجبرون على الدخول في مناقشة، فنحن مطلوب منا، وعلى سبيل المثال، أن نثبت فائدة الصلاة للإنسان الذي لا يؤمن بالله، وضرورة الصيام لإنسان أنكر طوال حياته خلود النفس، والمناقشة مزعجة إلى أقصى حد، على حين أن أولئك الذين يسخرون ويهزءون يقفون إلى جانبنا"(8).

وذكر باربييه في 1751 "قد نرى في هذه البلاد ثورة تؤيد البروتستانتية (9) وكان مخطئاً. فإن طرد الهيجونوت لم يترك طريقاً وسطاً بين الكاثوليكية وعدم الإيمان بصحة الكتب المقدسة. إن الفكر الفرنسي المتحرر تخطى الإصلاح الديني وقفز طفرة واحدة من عصر النهضة الأوربية إلى عصر الأستنارة، وهكذا في فرنسا فإن الذهن الفرنسي لم ينعطف بثورته نحو الجانسنيين إو إلى الفئة القليلة الباقية من البروتستانت، بل أنعطف إلى مونتاني وديكارث وجاسندي وبيل ومونتسكيو، ولما رجع المفكرون الأحرار الفرنسيون إلى ديكارت رفضوا كل آرائه تقريباً اللهم إلا "شكله المنهجي"

ص: 6

وتفسيره الآلي للعالم الموضوعي. وكان بيل موضع إجلال وتقدير باعتباره أدق العقلانيين المتأملين، فقد ولدت شكوكه مزيداً من آلاف الشكوك. وكان "قاموسه" معيناً لا ينضب من الدروع التي يتسلح بها أعداء الكنيسة ضدها.

وكان ما حدث في إنجلترا مثالاً حافزاً مشجعاً للمفكرين الأحرار في فرنسا. وبدا أولاً أن دعوة فرنسيس بيكون إلى العلم الإستقرائي تبشر بثمار أكثر بكثير مما يبشر استنباط ديكارت السحري لله والخلود من وجود ديكارت. ثم كانت مادية هوبز الفظة التي لم تكف قط عن إثارة ديدرو. وهناك أيضاً نيوتن الذي بدا أنه هبط بالإله إلى مجرد ضاغط زرار في آلة العالم، ولم يكن الفرنسيون قد عرفوا بعد أن نيوتن أكثر إنتاجاً في اللاهوت منه في العلوم. ولا ننس الربوبيين الإنجليز الذين أمدوا فولتير بالشجاعة والقوة الدافعة. وأخيراً جاء لوك، لأن المتشككين الفرنسيين رأوا أن صرح الدين ينهار أمام القول بأن كل الأفكار مستمدة من الإحساس. وإذا كان الإحساس نتاج قوى خارجية فإن الذهن نتاج الخبرة، وليس هبة خالدة من لدن اله لا يراه أحد. وإذا كانت الخبرة تخلق الشخصية، فإن الشخصية يمكن تغييرها بتغيير طرق التعليم ومادته، وإصلاح النظم الأجتماعية، ومن هاتين القضيتين خلص رجال مثل ديدرو وهلفشيوس ودي هولياخ إلى نتائج ثورية. وتساءل فولتير مستحضراً لوك في ذهنه "هل يمكن أن يكون ثمة شئ أعظم من أن نثير العالم بأسره سياسياً واجتماعياً ببضع حجج ومناظرات"(10). (مات فولتير قبل 1789).

واستمع مرة أخرى إلى ما كتبه المركيز دارجستون اليقظ في 1753.

"قد يكون من الخطأ أن نعزو ضياع الدين في فرنسا إلى الفلسفة الإنجليزية التي لم تكتسب أكثر من نحو مائة فيلسوف في باريس، بدلاً من إرجاعه إلى الكراهية التي أضمرها الفرنسيون لرجال الدين إلى أقصى الحدود".

ثم يضيف دارجنسون بعد التنبؤ بالثورة، مما أسلفنا ذكره:

ستكون الثورة شيئاً مختلفاً كل الاختلاف عن الإصلاح الديني- وهو

ص: 7

خليط مشوش من الخرافة والحرية جاءنا من ألمانيا في القرن السادس عشر. ولما كانت أمتنا وقرننا قد استنارا بطريقة متباينة كل التباين، فإنهما سيسيران إلى حيث ينبغي لهما أن يسيرا: سيطردان رجال الدين، ويلغيان مهنة القساوسة، ويتخلصان من كل الرحى وكل الأسرار الغامضة

فلا يتحدث المرء في مصلحة رجال الدين ولا يساندهم في دوائر المجتمع وإلا كان موضع سخرية واستهزاء، وأعتبر جاسوساً لمحاكم التفتيش. ويشير القساوسة إلى أنه في هذا العام نقص عدد أعضاء الجماعات الدينية بمقدار الثلث، وهجر الناس الكلية اليسوعية، وانسحب 120 راهباً من هؤلاء الرهبان الذين ساءت سمعتهم إلى حد كبير (11).

وكان ثمة تأثيرات فكرية أخرى أضعفت عقيدة العصور الوسطى الدينية. وأنضم الفلاسفة إلى أصحاب المذهب الحافظ (الأرثوذكسي) في رفض سبينوزا، لأن هذا اليهودي الكبير دمغ بأنه ملحد، وكان من الخطر التحدث عنه دون اتهامه، كما حرص هيوم وفولتير على أن يفعلا. ولكنهم كانوا يقرءون سبينوزا سراً، وكانت "رسالته اللاهوتية السياسية" تثير نقد الأسفار المقدسة. وشرح كونت بولانفيليير سبينوزا بحجة تفنيده. إن هيوم الذي تأثر بفرنسا هو نفسه، كان يؤثر فيها كذلك، وكان البناؤون الأحرار (الماسونيون) يؤسسون لهم مراكز في فرنسا، حيث كانوا يمارسون سراً هرطقتهم الربوبية. وكانت الكشوف الجغرافية والتاريخ والدراسة المقارنة للأديان تضيف ناراً إلى البوتقة التي يجرى فيها اختبار المسيحية بما لم يعهد له مثيل قط من قبل. وكان كل علم من العلوم في نموه وتقدمه يزيد من درجة احترام العقل، ومن الإيمان بقانون كوني، ومن عدم الإيمان بالمعجزات، وبالذات بأعظمها شيوعياً وانتشاراً، ألا وهي تحويل خمسين ألف كاهن يومياً الخبز والخمر إلى جسم المسيح ودمه.

وعملت القوى الاجتماعية على انحلال العقيدة. وكان كل ازدياد في الثروة يعجل في التسابق على اللذة والمتعة، كما كان يجعل القيود على الأخلاق المسيحية أكثر إزعاجاً يوماً بعد يوم، في باريس التي أحتفظ فيها أكثر الملوك مسيحية بمجموعة من الخليلات، والتي احتلت فيها مدام دي بمبادور مكان السيدة

ص: 8

مريم العذراء. بل أن الانحلال الخلقي في ذاك العصر تحول إلى اتهام للمسيحية، فكيف يتأتى، بعد سبعة عشر قرناً من سيطرة المسيحية، ألا تكون أخلاق أوربا أحسن حالاً من متوحشي أمريكا أو "الوثنيين في الصين؟ ".

وكانت كل طبقة، عدا الفلاحين، تضم أقلية متشككة، واستاءت البيروقراطية الحكومية من استقلال الكنيسة وإعفاءها من الضرائب. والرباط الوثيق القديم بين الكنيسة و"ساعدها" الدنيوي العلماني وهو الدولة" بدأت تنقصم عراه. وكان هناك مفكرون أحرار، مثل مالشرب في مصلحة الرقابة، وكان يحمي بكل قواه ديدرو ودائرة المعارف. وأوثق صلة بالملك كانت مدام دي بمبادور التي كانت تكره اليسوعيين، والتي اعتبرها فولتير (واحداً منا). ورأت الأرستقراطية في الكنيسة دعماً لمركز أسرة البوربون التي كانت قد أطاحت بحكم هذه الأرستقراطية، ومن ثم لم تكن هذه الطبقة تعارض إضعاف رجال الدين، بل لقد هلل كثير من النبلاء وسروا بامتهان فولتير وعدم توقيره للكنيسة والنيل منها، وأبدى أفراد الطبقة الوسطى العليا ارتياحهم ورضاهم عن المفكرين الذين كانوا يحاربون رجل الدين. لأن هذه الطبقة لم تغفر للكنيسة استنكار الفائدة (الربا) وإيثارها ملاك الأرض على رجال المال، فلو أن هؤلاء الأساقفة المتعجرفين أذيقوا المذلة والهوان لصعدت البرجوازية إلى مراقي الشهرة والقوة والسلطان ومن ثم فإن رجال المال، من أمثال بويلنيير وهلفشيوس ودي هولباخ فتحوا أبوابهم وخزائنهم، بل حتى في بعض الحالات قلوبهم، للحرب ضد الكنيسة. وكان المحامون منذ زمن غير قصير يحقدون على رجال الدين ويحسدونهم، وكم تطلعوا إلى اليوم الذي يحكمون فيه الدولة. كما كانوا بالفعل يحكمون البرلمانات. وذهب أحد تقارير الشرطة في 1747 إلى أنه لا يكاد يوجد موظف في برلمان باريس لا يحتفظ بكتاب أو مخطوط مناف للدين في بيته (12). وعجت مقاهي باريس بالالحاد. وكان هجاء رجال الدين والسخرية منهم متعة ظرفاء المدن الذين أشاروا إلى الله بأنه "السيد وجود" وانتشرت المطبوعات المعادية لرجال الدين انتشاراً واسعاً حتى في الأقاليم، ووزع بعض الباعة المتجولين لقاء ربح وفير، ومن باب إلى باب، منشورات عنوانها "أشهر الدجالين

ص: 9

الثلاثة" (1). ألم ينتقل إلى رجال الدين أنفسهم عدوى الشك الديني، بل هنا وهناك في كل مكان، عدوى الإلحاد الصريح غير المقنع؟ وإليك على سبيل المثال.

‌3 - جان مسلييه

1678 -

1733

كان جان راعي أبرشية أتربيني في شمبانيا. وكان في كل عام يمنح الفقراء كل ما تبقى بعد تسديد نفقات حياته المعتدلة البعيدة عن الإسراف والتبذير. وبعد ثلاثين عاماً من حياة هادئة مثالية في وظيفة الراعي، قضي نحبه وهو في الخامسة والخمسين، موصياً بكل ما يملك لأهالي الأبرشية، تاركاً نسخ من مخطوطة عنوانها "عهدي الجديد" وجهت إحداها إلى شعب الأبرشية، توسل فيها إليهم على المظروف الذي وضعت فيه المخطوطة، أن يغفروا له أنه خدم الخطيئة والأهواء طوال مقامه بينهم. وواضح أنه فقد الإيمان بالدين قبل أن يرسموه كاهناً" إنني لم أتقلد عملاً يتعارض مع مشاعري بشكل صريح طمعاً في المال، بل أني امتثلت في هذا لأبوي (13) ونشر فولتير أجزاء من "العهد الجديد" 1762 وأصدر ديدروا ودي هولباخ خلاصة له في 1772 تحت عنوان "رجاحة عقل الكاهن مسلييه" ولم يطبع النص الكامل حتى 1861 - 1864 ونفدت طبعته منذ عهد بعيد. ويندر الحصول عليه. وفي كل الحملة ضد المسيحية من بيل إلى الثورة، لم يعد هجوم متطرف قاس لا يرحم مثل هجوم كاهن القرية هذا. ويبدو أنه بدأ شكوكه بدراسة الكتاب المقدس. وأظهرت نتيجة هذه الدراسة أن الكنيسة كانت حكيمة إلى حد ما في إبعاد الكتاب المقدس عن العامة. وكان يجدر بها أن تحتفظ به بعيداً عن متناول رجال الدين أيضاً. ووجد الأب يوحنا صعوبات كثيرة في الكتاب المقدس. لماذا أختلف نسب السيد المسيح في إنجيل متى اختلافاً كبيراً في إنجيل لوقا. إذا كان كلاهما

(1) المخطوطة محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس (وهو بهذا يقصد الأنبياء، مما لا تقره عليه).

ص: 10

منزلا من عند الله؟ لماذا لم تنته سلسلتا النسب هاتان بيوسف إذا كان سيعفي سريعاً من إنجاب يسوع، لماذا يمتدح أبن الله بأنه أبن داود الذي كان زانياً بكل معنى الكلمة؟ وهل تنطبق نبوءات العهد القديم على المسيح، أم أن هذه التطبيقات مجرد للقوة اللاهوتية؟ وهل كانت معجزات العهد الجديد حيلاً أو خداعات ورعة، أم كانت عمليات طبيعية أسئ فهمها؟ وهل نصدق هذه لحكايات أم نتبع العقل؟ وصوت جان إلى جانب العقل وأيده:

"لن أضحي بعقلي، لأن عقلي وحده يمكنني من التمييز بين الخير والشر وبين الحق والضلال

لن أتخلى عن الخبرة لأنها مرشد وهاد أفضل بكثير من الخيال، أو من سلطان المرشدين الذين أرادوا أن يزودوني به. لن أرتاب في حواسي. ولست أتجاهل أنها يمكن أحياناً تؤدي إلى الخطأ. ولكني من جهة أخرى أدرك أنها لن تضللني دائماً

إن حواسي تكفي لتصحيح الأحكام والقرارات المتسرعة التي ملت إلى اتخاذها (14).

ولم يجد جان في العقل مسوغاً للإيمان بالإرادة الحرة أو خلود النفس، ورأى أنه "يجدر بنا أن نكون شاكرين أن تهيأ لنا جميعاً نوم أبدى بعد نصب وصخب الحياة الدنيا التي تسبب المشقة أكثر مما تسبب اللذة لغالبيتنا

عودوا جميعاً في سلام إلى المستقر العام الذي جئتم منه، ومروا دون ضجة أو تذمر مثل كل الكائنات التي حولكم" (15). وعلى أولئك الذين دافعوا عن فكرة الجنة، من قبيل العزاء، أجاب "بأن أقلية ضئيلة، على زعمها، حققت هذا الهدف، على حين كان مآل الأغلبية إلى الجحيم. فكيف إذن يمكن أن تكون فكرة الخلود عزاء؟ إن العقيدة التي تخلصني من المخاوف الرهيبة

تبدو مرغوباً فيها أكثر من الشك الذي تركني مؤمناً باله يتحكم في عطفه فلا يمنحه إلا لذوي الحظوة لديه، ويهيئ للآخرين السبيل ليكونوا جديرين بالعذاب الأبدي، فكيف يمكن لأي إنسان متحضر أن يؤمن باله يحكم على المخلوقات بالخلود في الجحيم؟ ".

ص: 11

هل هناك في الطبيعة إنسان بلغ من القسوة حداً يتعمد فيه تعذيب، لا أقول رفاقه من الكائنات، بل أي كائن واعٍ حساس أياً كان؟ فأقروا إذن يا رجال اللاهوت أن إلهكم طبقاً لمبادئكم، شرير أكثر بكثير من أي شرير من بني الإنسان. إن القساوسة ورجال الدين جعلوا من الإله كائناً خبيثاً ماكراً صارماً إلى حد أن فئة قليلة في هذه الدنيا هي التي لا تود أن يكون الإله موجوداً

وأية أخلاق نتحلى بها إذ كنا نقلد هذا الإله (16).

ورأى فولتير في هذا شيئاً من التطرف، وبذل أقصى الجهد عند نشره "العهد الجديد"(الذي ألفه جان) في أن يلطف من الحاد الكاهن بالربوبية، ولكن مسلييه كان عنيداً متشدداً. وأستطرد قائلاً أن اله المسيحية هو منشئ كل الشرور، لأنه حيث أنه قادر على كل شئ يتم دون رضاه وموافقه، فإذا وهبنا الحياة فإنه كذلك كتب علينا الموت، وإذا وهبنا الصحة والثروة، فإنه يعوض منهما بالفقر والقحط والمصائب والحروب (17). إن في العالم دلائل كثيرة على تصميم بارع، ولكن هلا توجد فيه علامات كثيرة بنفس القدر على أن العناية الإلهية، إن وجدت، قادرة على إيقاع أشد أذى شيطاني؟

إن كل الكتب زاخرة بأشد المديح والثناء رياء ونفاقاً على العناية الإلهية التي أفرطوا في الثناء على رقابتها اليقظة، ومهما يكن من أمر فإننا إذا تفحصنا كل أجزاء الكرة الأرضية لوجدنا أن الإنسان المتحضر وغير المتحضر على السواء في صراع دائم مع العناية الإلهية. فهو مضطر إلى أن يصد الضربات التي تنزلها به في صورة أعاصير وعواصف وصقيع وبرد وفيضانات وجدب وغيرها من مختلف النازلات التي تجعل كد الإنسان وجده غير ذي جدوى. وفي إيجاز أرى أن البشر جميعاً مشغولون باستمرار في حماية أنفسهم من الحيل الشريرة الخبيثة التي تدبرها العناية الإلهية التي يقال إنها ساهرة على توفير السعادة لهم (18).

وفوق كل شئ هل وجد إله أغرب وأبعد عن التصديق من هذا؟ أنه لآلاف السنين ظل مختفياً عن أعين البشر، وأستمع دون استجابة واضحة بريئة

ص: 12

لصلوات آلاف الملايين ودعواتهم وثنائهم عليه. والمفروض أنه حكيم بالغ الحكمة، ولكن ملكه يسوده الخلل والاضطراب والخراب. والمفروض أنه خير ولكنه يعاقب شيطان مجرد من الروح الإنسانية. والمفروض أنه عادل وهو يهيئ للأشرار سبل الرخاء والازدهار، على حين يتعذب القديسون حتى الموت. إنه منهمك دائماً في الخلق والتدمير (19).

وبدلاً من الاعتقاد مثل فولتير بأن الإيمان بالله أمر طبيعي عام، أكد مسلييه أن مثل هذا الإيمان أمر غير طبيعي، وأنه يجب أن يصب في أذهان المراهقين أن:

كل الأطفال ملحدون -ليس لديهم فكرة عن الإله

ويؤمن الناس بالله بناء على كلام أولئك الذين لا يعرفون عنه أكثر مما يعرف الأولون، إن مربياتنا هن أول معلمي اللاهوت. إنهن يتحدثن إليهم عن الإله كما يتحدث عن آدميين تحولوا إلى ذئاب

إن قلة قليلة من الناس كانت تتخذ إلهاً لولا ما يبذل من جهد في أن يجعلوا لهم إلهاً (20).

وعلى حين أعلن معظم الملحدين عن إعجابهم بيسوع، نرى مسلييه يشمل السيد المسيح نفسه في هدمه الغاضب الانفعالي للعقيدة الدينية. وقبل كل شئ، أي رجل عاقل يصدق أن الله، لكي يسترضى البشر ويستميلهم

يمكن أن يضحي بإبنه البريء الذي لم يرتكب إثماً؟ (21) أما عن يسوع نفسه فيقول: -

إننا نرى فيه

متعصباً مبغضاً للبشر، يعظ البائسين فينصحهم بأن يكونوا فقراء، ويكافحوا الطبيعة ويجمدوها، ويكرهوا اللذة ويلتمسوا الآلام والشقاء، ويحتقروا أنفسهم، ويطلب أن يتخلوا عن الأب والأم وكل أواصر الحياة ليتبعوه. أية أخلاق كريمة!

لا بد أن تكون سماوية لأنها غير عملية بالنسبة للإنسان (22).

وينتقل مسلييه إلى مادية كاملة. وليس من الضروري أن نذهب إلى ما وراء المادة لنسأل عمن خلقها. ويمكن أن يتخلف لغز المنشأ خطوة إلى الوراء ليفسح مجالاً للسؤال الطبيعي للطفل: "من الذي خلق الله؟ " وأنا

ص: 13

أقول لكم أن المادة تعمل من نفسها لنفسها

واتركوا لرجال اللاهوت علتهم الأولى وليس للطبيعة من حاجة بهذا لإحداث كل الآثار والنتائج التي تراها (23) وإذا كان لزاماً أن تعبدوا أحداً، فاعبدوا الشمس، كما تفعل شعوب كثيرة، فإن الشمس هي الخالق الحقيقي لحياتنا وللصحة والضوء والدفء والبهجة والسرور. ولكن واحسرتاه! ويأسف مسلييه، لو أن الدين كان واضحاً لكان أقل جاذبية وفتنة لدى الجهال

إن هؤلاء بحاجة إلى الغموض والأسرار والخرافات والمعجزات والأشياء التي لا يمكن تصديقها (24)

إن القساوسة والمشرعين، بابتداع الأديان واختلاف الأسرار

قد أرضوا أذواق الجهال، إنهم بهذه الطريقة يجتذبون المتحمسين والنساء والأميين (25).

وصفوة القول، في رأى مسلييه، أن الدين كان جزءاً من مؤامرة بين الكنيسة والدولة لإرهاب الناس إلى إذعان مريح للحكم المطلق (26). إن الكهنة "حرصوا كل الحرص على أن يجعلوا إلههم مرعباً متقلباً طاغية كثير النزوات والأهواء. وكان لزاماً يكون كذلك من أجلهم حتى يكون في خدمة مصالحهم المتنوعة"(27) وتقع تبعة هذه المؤامرة على رؤوس رجال الدين أكثر منها على الملوك، لأنهم يسيطرون على الأمير منذ طفولته، عن طريق كاهن الاعتراف، ويلقنونه الخرافات، ويشوهون عقله ويعوقون نموه ويقودونه إلى التعصب الديني والاضطهاد الوحشي (28) وبهذا:

زعزعت الخلافات الدينية أركان الإمبراطوريات وأدت إلى الثورات ودمرت الملوك وخربت أوربا بأسرها، ولم يكن من الميسور إخماد هذه النزعات الحقيرة حتى في أنهار من الدماء. إن الأنصار المتحمسين لدين يدعو إلى البر والإحسان والتآلف والسلام أثبتوا أنهم أشد ضراوة وقساوة من أكلة لحوم البشر أو المتوحشين، في كل مرة يستثيرهم فيها معلموهم إلى تحطيم اخوتهم، وليس ثمة جريمة لم يرتكبها الناس في سبيل إرضاء الرب أو تسكين سورة غضبه (29)

أو إقرار خداع الدجالين لحساب كائن لا يوجد إلا في خيالهم وحدهم (30).

ص: 14

إنهم يدافعون عن هذه المؤامرة الضخمة المستمرة بذاتها من جانب الكنيسة والدولة ضد الإنسان والعقل على أساس أن ديانة خارقة للطبيعة، بل قل ديانة إرهاب، أمر لا غنى عنه في مهمة بناء الفرد والأخلاق.

ولكن هل حقاً أن نظرية الجنة والنار تجعل الناس على جانب أكبر من الفضيلة، وهل الأمم التي يسودها هذا الزعم تشتهر بالسلوك الحميد والخلق القويم؟ (31) ويكفي لنتحرر من الوهم أن نفتح أعيننا على أخلاق أشد الناس تمسكاً بالدين ونفكر فيها ملياً، وسنرى طغاة متعجرفين، ورجال البلاط، ومغتصبين لا حصر لهم، وحكاماً لا ضمائر لهم، ودجالين وزانين وفاسقين وأباحيين فجرة، وعاهرات ولصوصاً، وأوغاداً من كل صنف، لم يشكوا لحظة في وجود إله محب للانتقام، أو لم يشكو في عذاب الجحيم أو الجنة النعيم (32).

كلا، إن الأفكار اللاهوتية، على الرغم من اعتراف كل الناس تقريباً بها، فإن تأثيرات على سلوكهم ضعيف، فالإله بعيد كل البعد ولكن الإغراء قريب "من ذا الذي ترهبه وتخيفه فكرة الإله؟ نفر قليل من الضعاف البائسين المتبرمين بالحياة، وبعض أفراد انطفأت فيهم بذرة العواطف والشهوات بحكم السن أو العجز والوهن أو تعثر الحظ (33). إن الدولة، لا الكنيسة، هي التي تخلق النظام وتعود المواطنين على طاعة القوانين" إن القيود والضوابط الاجتماعية أقوى من الدين في تقويم سلوك الناس (34) وأحسن العلاقات، مع تعاقب الأيام، هي تلك التي تؤسس على العقل والذكاء.

ولكي يتبين الناس مبادئ الأخلاق القويمة فإنهم ليسوا بحاجة إلى اللاهوت أو الوحي أو الآلهة. إنهم ليسوا بحاجة إلا إلى الفطرة السليمة وحسن الإدراك، إنهم ينبغي عليهم أن يتفكروا في أنفسهم ويتأملوا طبيعتهم. ويتدبروا مصالحهم الواضحة، ويأخذوا بعين الاعتبار هدف المجتمع وهدف كل عضو فيه، ومن ثم يدركون بسهولة أن الفضيلة نعمة وأن الرذيلة نقمة على رفاقهم من الكائنات. والناس أشقياء لمجرد أنهم جهلة، وهم جهلة لأن كل شئ يتآمر على

ص: 15

الحيلولة بينهم وبين الاستنارة. وهم أشرار لمجرد أن عقلهم لم ينم ولم يتطور بعد بدرجة كافية (35).

ويستطيع الفلاسفة أن يبنوا أخلاقاً طبيعية فعالة، لو لم يكرهوا على معتقد تقليدي زائف خشية الكهنة الأقوياء المتسلطين:

إن اللاهوت منذ أقدم العصور هو الذي حدد مسار الفلسفة وبم ساعدها اللاهوت؟ إنه حولها إلى رطانة غير مفهومة

ذات ألفاظ لا معنى لها، أكثر ملاءمة للتعمية منها للتنوير

كيف أضطر ديكارت وماليرانش وليبنتز وكثيرون غيرهم لإبتداع فرضيات ومراوغات ليوقفوا بين كشوفهم وبين الأفكار الخيالية والأخطاء الفاضحة التي أضفى عليها الدين صفة القداسة وأية احتياطات لم يلجأ إليها أعظم الفلاسفة لحماية أنفسهم. حتى إلى حد المغامرة بوصفهم بالطيش والحمق، وبأن كلامهم غير مفهوم إذا تعارضت أفكارهم مع مبادئ اللاهوت! وكان القساوسة اليقظون على أتم استعداد لهدم المبادئ والآراء التي يتعذر التوفيق بينها وبين مصالحهم. وكل ما استطاع الأفراد المستنيرون أن يفعلوه هو أن يتحدثوا ويكتبوا في معان خبيئة وغالباً مطاوعة موصومة بالجبن، حتى يوفقوا بين الباطل والحق توفيقاً مخزياً. كيف أمكن أن يدعى الفلاسفة والحديثون، تحت التهديد بأقسى الاضطهاد والتعذيب، إلى نبذ العقل والخضوع للعقيدة -أي لسيادة رجال الدين وسيطرتهم- وكيف يتأتى لأناس مكبلين بمثل هذه القيود والأغلال أن يطلقوا العنان لعبقريتهم ومواهبهم

أو يعجلوا بتقدم الإنسانية (36)؟

وكان لدى بعض الفلاسفة من الشجاعة ما استطاعوا معه أن يتقبلوا الخبرة والعقل هادياً ومرشداً لهم، ويحطموا أغلال الخرافة -لوسيبوس وديموقريطس وإبيقور وسترابو- ولكن مناهجهم كانت بسيطة معقولة مجردة من الأعاجيب والمعجزات من أجل عشاق الخيال حتى اضطرت إلى الاستسلام لاحداس أفلاطون وسقراط وزينون الخرافية. ومن بين الفلاسفة الحديثين أتبع هويز وسبينوزا وبيلا وغيرهم نهج أبيقور (37).

ورثى مسلييه لما منيت به البشرية من خسارة نتيجة لسيطرة اللاهوت

ص: 16

على الفلسفة. ودافع عن حرية الفكر حقاً أساسياً، يمكنه وحده أن يحقق للناس معنى الإنسانية وعظمة النفس (38).

إنهم باظهارهم الحقيقة وحدها يمكنهم أن يدركوا أفضل مصالحهم، والعوامل الحقيقية التي تؤدي بهم إلى السعادة. لقد طال العهد بمعلمي الناس وهم يركزون أبصارهم على السماء، فليرجعوا بأبصارهم ثانية إلى الأرض. لقد تعب الذهن البشري من اللاهوت المبهم والخرافات السخيفة، والأسرار العويصة والطقوس الصبيانية. فلينشغل هذا الذهن البشري بعد هذا الإرهاق بالأشياء الطبيعية والأهداف والأشياء الواضحة والحقائق المعقولة والمعرفة النافعة (39).

فليطلقوا حرية الكلام والفكر والصحافة والطباعة وليكن التعليم علمانيا غير مقيد. إذن لأسرع الناس الخطى يوماً بعد يوم إلى اليوتوبيا (المثالية). إن النظام الاجتماعي الراهن جائر، أنه يهيء لأقلية ضئيلة الثراء الخامل وينشر فيها الفساد نتيجة للترف وللبذخ، على حساب الإبقاء على الملايين في فقر مذل وجهل مخز. ونظام الملكية هو أس البلاء، فالتملك لصوصية، وقد كيفوا التعليم والدين والقانون لحماية هذه اللصوصية وإجازتها (40) وإن ثورة للقضاء على مؤامرة الأقلية ضد الأغلبية لها ما يبررها كل التبرير. وصاح مسلييه في غضبته الأخيرة "أين جاك كليمنت (قاتل هنري الثالث) ورافاياك (قاتل هنري الرابع) في فرنسا؟ هل بقي على قيد الحياة في أيامنا هذه رجال يطيحون برؤوس هؤلاء الجبابرة البشعين المنحرفين أعداء الجنس البشري، وبهذا يخلصون الناس من الطغيان (41)؟ فلنوزع الأمة الملكية توزيعاً عادلاً، وليشتغل كل إنسان بعمل مناسب، وليكن الإنتاج قسمة متساوية بينهم، وليتزوج الرجال والنساء وليفترقوا متى شاءوا، ولينشأ أطفالهم معاً في مدارس مشتركة، وعندئذ تكون ثمة نهاية للنزاع في الأسرة ونهاية لحرب الطبقات وللفقر. وهنا تكون المسيحية في النهاية حقيقية صادقة (42).

وبعد أن ذكر جان مسلييه كل ما أسلفنا، ختم إنجيله أو عهده الجديد بعبارة يتحدى فيها، كما أدرك هو، كل الذين يمقتونه ويصبون عليه اللعنات:

ص: 17

دعهم يفكروا أو يحكموا ويقولوا ويفعلوا ما يريدون

لن أعبأ بهم كثيراً

بل إني اليوم لم أعد أعبأ كثيراً بما يحدث في العالم. إن الأموات الذين أوشك أن ألحق بهم قريباً، لا يعانون الآن شيئاً ولم يعودوا يزعجون أنفسهم. ومن ثم فأنا أضع نهاية لكل هذا. أنا الآن أشبه شئ بالعدم، وبعد قليل سأصبح لا شئ حقاً (43).

هل وجد ثمة عهد أو ميثاق مثل هذا في تاريخ البشرية جمعاء؟ تصور الكاهن المنعزل مجرداً من كل عقيدة ومن كل أمل، وهو يعيش منسياً لا ذكر له في قرية قد ترتعد فيها كل النفوس رعباً ورهباً، إلا نفسه هو، لمجرد الإطلاع على أفكاره الخفية. ولهذا لم يتحدث بمثل هذه الحرية إلا لمخطوطته. وهناك، ودون اكتراث ودون معرفة واسعة بطبيعة الإنسان، صب كل غيظه واستيائه في صراحة بالغة معادية للدين غاية العداء مما لم يعهده حتى عصره نفسه. وهنا كانت حملة فولتير ضد "المنبوذين" وكل مادية لامتري وكل الحاد دي هولباخ، وكل خيال ديدرو الجامع المدمر، بل شيوعية بابيف أيضاً. وأصدر فولتير "عهد" جان مسلييه بعد تردد، ونشره دي هولباخ فرحاً مغتبطاً، ومن ثم أختمر في ذهن فرنسا وأسهم في التمهيد لسقوط النظام القديم. ونشوة الابتهاج بالثورة الفرنسية.

‌4 - هل الإنسان آلة؟

إن جوليان أجوفروي دي لامتري رد على هذا السؤال بالإيجاب. ولد في سان مالو 1709 لتاجر ميسور. وتلقى تعليماً واسعاً وأعتزم أن يكون شاعراً. وحبذ والده الوظيفة الكنسية باعتبارها أقل خطراً، فأرسله إلى إحدى الكليات في بليسيس حيث شب الولد جانسنيا متحمساً. ولكن طبيباً صديقاً للوالد رأى (هكذا يقول فردريك الأكبر) أن طبيباً عادياً يمكن أن يحصل من علاج المرضى على أكثر مما يحصل عليه القسيس الفاضل من عمليات الغفران (44). ومن ثم حول جوليان اهتمامه إلى التشريح والطب وحصل على درجة في الطب من ريمس، وتتلمذ على بورهاف في ليدن، وكتب عدة أبحاث طبية، وعمل جراحاً في الجيش الفرنسي، ورأى واحداً

ص: 18

في المائة من المجد والعظمة وتسعة وتسعين في المائة من حالات الإسهال (45) في ساحتي القتال في دتنجن وفونتنوي، ولزم هو نفسه الفراش أثر حمى شديدة، فلما شفي زعم أن صفاء ذهنه أو موضوع تفكيره كان يختلف باختلاف درجة الحمى. ومن ثم خلص إلى أن التفكير وظيفة المخ، ونشر هذا كله وما يرتبط به من آراء 1745 تحت عنوان "التاريخ الطبيعي للنفس".

وسار البحث على هذا المنوال: "نحن لا نعرف ما هي النفس. ولا نعرف ما هي المادة، ولكنا نعرف على أية حال أنه لا توجد نفس بلا جسد. ولدراسة النفس تجب دراسة الجسم، ولدراسة لجسم ينبغي أن نبحث في قوانين المادة. إن المادة ليست مجرد امتداد، إنها أيضاً قدرة على الحركة، وهي تشتمل على مصدر فعال يتخذ مزيداً من الأشكال في مختلف الأجسام، ولسنا نعرف أن للمادة في ذاتها قوة الإحساس، ولكنا نشهد دليلا على تلك القوة حتى في أحظ الحيوانات. وإنه لأكثر اتفاقاً مع المنطق أن نعتقد بأن هذه الحساسية تطور من إمكانية من أصل واحد في المادة، من أن تعزوها إلى نفس خفية صبت في الأجسام عن طريق قوة خارقة للطبيعة. وعلى هذا فإن المصدر الفعال "في المادة يتطور في النبات والحيوان حتى إذا كان في الإنسان مكنه من أن يدق قلبه، ومن أن تهضم معدته ومن أن يفكر معه. وهذا هو التاريخ الطبيعي للنفس".

وارتعدت فرائض القسيس في كتيبه لامتري فزعاً لهذه النتيجة، وصاح منذراً متوعداً، وفصل الطبيب الفيلسوف من وظيفة الجراح في الجيش، وكان يمكن أن يهب زملاؤه الأطباء لنجدته، لولا أنه كان قد كتب في نفس الوقت تقريباً كتاباً صغيراً تحت عنوان "سياسة الأطباء" يهجو فيه دسائسهم في تنافسهم على الوظائف التي تدر مالاً وفيراً. وانضموا إلى مهاجمته واستنكار آرائه. ورأى أن عمله في الطب قد أنهار كما انهارت شهرته، ففر إلى ليون، هناك شن هجوماً آخر على مهنة الطب وتحول إلى الفلسفة.

وهكذا أصدر لامتري في ليون كتاب (الإنسان الآلة) وهو يقصد بالآلة هنا جسماً ترجع كل أفعاله إلى أسباب وعمليات بدنية أو كيميائية. أما

ص: 19

جسم الحيوان آلة فيتضح له من مائة ظاهرة: فإن جسم الحيوان يظل ينبض ويرتجف، وأن أمعاءه تظل تتمعج (التمعج موجات متعاقبة من تقلص لا إرادي تحدث في جدران الأمعاء فتدفع محتوياتها إلى الأمام) لبعض الوقت بعد الموت. وتنبض العضلات التي تنفصل عن الجسم إذا نبهت وهكذا. فالحيوانات عندئذ آلات، وإذا كان الأمر كذلك، فلم لا يكون الإنسان، وعظامه وعضلاته وأوتاره وأعصابه قريبة الشبه إلى حد بعيد بالحيوانات العليا؟ وواضح أن الذهن يعتمد على العمليات الفيزيائية الكيميائية في الجسم والأفيون والقهوة والخمر ومختلف العقاقير لا تؤثر في الجسم وحده. بل إنها يمكن أن تغير مجرى التفكير وطبيعته، ومزاج الإرادة وقوتها. إنك إذا غيرت بعض الأنسجة في مخ فونتينيل لجعلت منه شخصاً أحمق أبله (46)، إن مرض الجسم يمكن أن يضعف الذهن. إن النفس تكتسب حيوية ونشاطاً بالجسم، وتكتسب حدة وذكاء كلما قوى الجسم (47)، والغذاء يؤثر في الخلق، وعلى هذا فإن "الإنجليز الذين يأكلون اللحم أحمر مشوياً بالدم، غير مطهو طهياً جيداً مثل لحومنا، يبدو أنهم يشتركون بشكل أو بآخر في الوحشية تبعاً لهذا اللون من الطعام (48) فهل ندهش إذن إذا وعي الفلاسفة دائماً في أذهانهم صحة الجسم حفاظاً على صحة النفس؟ " وأن "فيثاغورس وضع قواعد للتغذية كما حرص أفلاطون على تحريم الخمر؟ "(49) ويخلص لامتري إلى أنه:

حيث أن كل قدرات النفس تعتمد إلى مثل هذا الحد على التنظيم السليم للمخ وكل أجزاء الجسم

فمن الواضح أن هذه القدرات ليست إلا هذا التنظيم نفسه. وواضح أن النفس آلة مستنيرة

فالنفس لذلك لفظة جوفاء، ليس لدى أي إنسان فكرة عنها، يجدر أن يستخدمها الإنسان المستنير لتعنى فقط ذلك الجزء الذي يفكر فينا (50).

وفي كتاب "الإنسان نبات"(1748) توسع لامتري في "سلسلة الوجود" الكبيرة إلى نظرية للتطور. وفقد بعض ثقته حين حاول تخطي الهوة الواضحة بين اللاعضوية والعضوي، وفجأة نسي الآلية (المذهب الآلي) وأنزلق إلى

ص: 20

المذهب الحيوي: أفترض بذوراً معينة مكنت المادة من أن تسبب الحياة (51) ووجد من السهل عليه بعد ذلك أن يتبع لوكريتس "لا بد أن الأجيال الأولى كانت ناقصة غير تامة

وما كان يمكن أن يكون الكمال عمل يوم واحد في الطبيعة، ولا في الفن" (52). وليضيق الهوة بين الحيوان والإنسان يحاول لامتري، على النقيض من ديكارث، أن يبرهن على أن بعض الحيوانات تفكر: -

لننظر إلى القردة والسمور (حيوان ذو فراء ثمين) والفيل وغيرها في تصرفاتها. وواضح أن هذه الأنشطة لا يمكن تأديتها دون ذكاء، ولم ننكر الذكاء على أن هذه الحيوانات؟ وإذا وهبتم نفساً فقد ضيعت. ومن ذا الذي لا يرى أن الروح الحيوان يجب أن تكون فانية أو باقية، من أي النوعين نفس الإنسان؟ (53).

وليس ثمة فرق كبير بين أبسط إنسان وأذكى حيوان "فالبلهاء" أو المعتوهون

حيوانات لها وجوه بشرية. كما أن القرد الذكي إنسان صغير ذو شكل آخر (54) ويستطرد لامتري فيقول في دعابته المألوفة أن كل مملكة الإنسان ليست إلا مركبات من قردة مختلفة، ووضع البابا نيوتن على رأسها (55) ولم يعد الإنسان يكون قرداً إلا عندما أخترع أصواتاً معينة لتكون تعبيراً مناسباً عن أفكار بعينها. وأصبح إنساناً بفضل اللغة (56).

وهل أقر لامتري بوجود إله "محركاً أول" لآلة العالم؟ وكأن فولتير وديدرو قد دافعا عن هذه الحجة من الحاجة إلى وجود نظام للكون. ورفضها لامتري في احتقار:

إن كل تفكير يقوم على العلل أو الأسباب النهائية تفكير طائش. إن الطبيعة تمهد الطريق للسيد البرجوازي ليتحدث نثراً دون أن يعرفه. إن الطبيعة عمياء حين تهب الحياة، قدر ما هي بريئة حين تدمرها. وكما أنها دون نظر خلقت عينين تبصران، فإنها كذلك صنعت دون تفكير، آلة تفكر (57).

ولم يكن لامتري ملحداً صريحاً. إنه تظاهر بالميل إلى نبذ موضوع الإله

ص: 21

على أنه غير هام "فليس يهمنا من أجل راحة البال، إذا كانت المادة أبدية أو أنها خلقت، أو أنه يوجد أو لا يوجد إله"(58). ولكنه نقل ربما عن صديق وهمي "إن العالم لن يكون سعيداً مطلقاً إلا إذا كان ملحداً"، فعند ذاك لا تكون ثمة مزيد من خلافات لاهوتية ولا اضطهادات من جانب الكنيسة ولا مزيد من الحروب الدينية، ويمكن للإنسان أن يعبر عن غرائزه الطبيعية دون شعور بالإثم (59) وقنع لامتري بالنسبة لشخصه بالمادية (المذهب المادي) وأختتم كتابه "الإنسان آلة" بعبارة جريئة متحدية:"هذا هو منهجي -بل هو الحق، إلا إذا كنت ضللت كثيراً. إنه موجز بسيط. ناقشوه الآن إذا أردتم"(60). ويحتمل أنه من قبيل الدعابة أهدى لامتري بيانه "اللاأدري"(الغنوصي) إلى الشاعر المتدين الورع والعالم الفسيولوجي البرخت فون هوللر الذي رفض الإهداء فزعاً جزوعاً في خطاب إلى "صحيفة العلماء" عدد مايو 1749.

إن المؤلف المجهول لكتاب "الإنسان آلة" أهدى إلى كتابه الخطير بقدر ما هو شاذ غير مألوف، وإني لأشعر بأني مدين بالفضل لله وللدين ولنفسي، إذ أدلي بهذا التصريح

إني أعلن هنا أن الكتاب الذي نحن بصدده لا يلتئم مع مشاعري، وأعتبر أن في إهدائه إلى شخصي إساءة بالغة تفوق في قساوتها كل إساءة وجهها المؤلف المجهول إلى كثير من أفاضل الناس. وأرجو ان يتأكد الجمهور أني لا علاقة لي بهذا المؤلف

وأني لا أعرفه

وأنه يجدر بي أن اعتبر أي توافق بيننا في الآراء أعظم كارثة محققة يمكن أن تنزل بي (61).

وأستمر لامتري يطبع الإهداء في الطبعات اللاحقة من هذا الكتاب. وتناول الناس "الإنسان آلة" بالنقد والتمحيص على نطاق واسع، وأجمعوا على دحضه وتفنيده. وكان من اليسير نقد الأسلوب المضطرب في هذا المجلد الصغير وشجب الثقة بالنفس وتبيان مواضع مجانبة الحقيقة. ولم يكن واضحاً على الإطلاق أن النفس والجسم يغلبهما النعاس معاً (62) وبعض الكتاب أكثر إشراقاً في أحلامهم وأوهامهم منهم في كتاباتهم.

ص: 22

وقد

يستقر جسم مريض في جسم سليم مثل بوب وسكارون، ولن يسلم محبو اللحوم النادرة أنهم لا يزالون في مرحلة الصيد. إن لامتري نفسه الذي كان كثير المزاح نشر نقداً مزعوماً لكتابه، في رسالة غفل من أسم المؤلف تحت عنوان "الإنسان أكثر من آلة" -وربما كان هذا وسيلة لجذب الأنظار إلى كتابه الأول.

ومن ناحية أخرى ربما كان لامتري متأثراً حقاً بالحجج التي تساق ضد المذهب الآلي، ونحن نعلم أنه كان مهتماً بشرح ترمبلي (1744) للقوى التجديدية في الماء العذب لبعض الحيوانات المائية البسيطة، مما لم يتفق بسهولة مع النظرية الآلية. وكان جورج سقتال الذي اشتهر برأيه في وجود نارية في الأجسام، قد قلب في جرأة (1717) الفرضية الفسيولوجية، ذلك انه بدلاً من القول بأن الجسم هو الذي يحدد أفكار النفس واختياراتها، فإن النفس -وهي العنصر المتأصل النشط- هي التي تتحكم في نمو الأعضاء وعملها. وكان تيوفيل دي بوردو -طبيب دالمبير- يعتقد أن العمليات الفسيولوجية، حتى أبسط الهضم غير قابلة لتفسيرات آلية أو كيميائية بحتة (63) وعرض جان بابتست روبينيه لحيوية كونية وهبت كل المادة الحياة والحساسية. وكان واضحاً أن لامتري يود أن يرتضي هذا الحل لمشكلة المادة بازاء الحياة.

وفي الوقت عينه أنتقل لامتري ليستنتج مذهباً قائماً على اللذة من فلسفته المادية. وفي كتب ثلاثة مستقلة -بحث في السعادة، واللذة، وفن الاستمتاع- أعلن أن حب الذات هو أسمى الفضائل، وأن اللذة الحسية هي أعظم الخير، وكره تحقير اللاهوتيين لملذات الحياة، ونازع في سمو المتعة العقلية المزعومة ورأى أن كل الملذات حسية حقاً. ومن ثم فإن البسطاء من الناس الذين لا يهتمون بالحياة الفكرية أسعد حالا من الفلاسفة، ويقول لامتري: لا يندمن أي إنسان على انغماسه في الملذات الحسية ما دامت لا تنطوي على أي ضرر للغير، ولا يجوز أن يعتبر أي إنسان مسؤولاً مسؤولية خلقية عن جرائمه لأنها نتاج الوراثة والبيئة اللتين لا سلطان له عليهما، وينبغي ألا

ص: 23

يعالجوه بالعضات بل بالدواء، وبحزم يحمي المجتمع، بل وبشفقه تعترف بحتمية كونية. ومن المرغوب فيه أن نختار لمناصب القضاء أمهر الأطباء (64).

وكانت هذه الآراء من علائم انتصار أبيقور (وقد أسيء فهمه) على زينون في فرنسا القرن الثامن عشر: واستسلمت الفلسفة الرواقية في العهد الزاهر للويس الرابع عشر، لدفاع الأبيقورية عن مذهب اللذة في عصر الأستنارة، ولشمولية المادة واطراح الآلهة. فلا عجب أن يشتد الإقبال على كتب لاتري من جمهور تحرر من أوهام اللاهوت وأرهقته الشكليات التقليدية والقيود الخلقية. ومهما يكن من أمر فإن المجتمع المهذب نفر من لامتري باعتباره مفكراً خارجاً على جماعته كشف عن كثير من معتقدات الطبقة العليا، وهو عاجز عن ضبط النفس، وهاجمه رجال الدين مبعوثاً من عند الشيطان. وأستحث رجال اللاهوت في ليدن الحكومة الهولندية لإبعاده عن البلاد. وفي فبراير 1738 دعاه المفكر الحر فردريك الأكبر للحضور إلى بروسيا ومنحه راتباً، وضمه إلى أكاديمية العلوم في برلين، وأستأنف لامتري ممارسته مهنة الطب وكتب عن الربو وعن الدوزنتاريا أبحاثاً اعتبرها الملك أحسن ما كتب من نوعها. وبعد أن أصطدم فولتير بلامتري في حاشية فردريك، كتب إلى مدام دنيس في 6 نوفمبر 1750 يقول:

هنا رجل مرح جداً، هو لامتري، وأفكاره عبارة عن ألعاب نارية، على شكل صواريخ من السماء دائماً. وثرثرته مسلية لبضع دقائق، ولكنها مزعجة بعد ذلك إلى حد مؤلم. أنه ألف دون أن يدري كتاباً رديئاً، دأب فيه على تحريم الفضيلة والندم وامتداح الرذائل، وحرض فيه قراءه على الحياة المختلفة والمنافية للأخلاق والحشمة -دون قصد سيئ منه. وفي كتابه هذا ألف من اللمسات المشرقة، ولكن فيه نصف صفحة من العقل. إنها أشبه بومضات برق في الليل .. اللهم حل بيني وبين اتخاذه طبيباً لي، إنه قد يعطيني عقاراً مزعجاً بدلا من الراوند بكل براءة. ثم يشرع في الضحك والسخرية. وهذا الطبيب العجيب هو قارئ الملك.

ص: 24

وأحسن ما في الموضوع إنه يقرأ له كتاب "تاريخ الكنيسة" إنه يقرأ مئات من الصفحات من الكتاب، وهناك مواضيع يكاد يختنق فيها الملك والقارئ من الضحك (65).

وكان لامتري قد وصف الموت بأنه خاتمة مسرحية هزلية ساخرة تمثل. وفي 11 نوفمبر 1751، وهو في الثانية والأربعين قدم نفسه مثالاً لهذه المسرحية. ففي مأدبة عشاء أقامها له مريض عالجه من داء عضال، فأتخم بفطيرة من لحم الطير، فانتابته حمى شديدة وقضى نحبه. وهنا قتل المرض طبيبه (66). وكتب الملك بهذه لمناسبة رثاءً جميلاً. وتنفس فولتير الصعداء. وانتقلت أفكار الرجل المتوفى إلى ديدرو ودي هولباخ، ودخلت إلى روح العصر.

ص: 25

الفصل التاسع عشر

‌ديدرو والموسوعة

‌1713 - 1768

1 -

سنوات الضياع والكسل

1713 -

1748

ولد ديدرو في 5 أكتوبر 1713 في لانجرز في شمبانيا، على مسافة 38 ميلاً من ديجون. وكأن أبوه ديدييه ديدرو يشتغل بصنع الأدوات القاطعة وتخصص في صنع الآلات الجراحة وكانت الأسرة تشتغل بهذه الحرفة لمائتي سنة خلت. ولم يرث دنيس على أسلافه ثباتهم القانع على مهنتهم وعقيدتهم، ولكنه لم يكف يوماً عن إجلاله تقديره لأمانة أبيه بالبساطة وإقباله على أعمال البر والخير في هدوء. وينقل عنه دنيس قوله "أي بني، أن العقل وسادة ممتازة وثيرة ولكني أجد إثارة وراحة أكثر حين أسند رأسي إلى وسادة الدين والقوانين"(1) وهنا في جملة واحدة تردد الصوتان اللذان سمعا في فرنسا القرن الثامن عشر. وكان له أخ اصبح كاهناً وخصماً لدوداً لدنيس. وأخت دخلت الدير.

وكاد دنيس نفسه أن يكون كاهناً، ذلك أنه منذ الثامنة حتى الخامسة عشرة من عمره ألتحق بمدرسة يسوعية في لانجرز وفي الثانية عشرة حلق شعر رأسه وارتدى غفارة سوداء (لباس الكاهن في الكنيسة) وعاش حياة الزهد والتقشف، وعقد العزم على أن يكون يسوعياً. وفسر هو هذا فيما بعد، بأنه فيض من حماسته، وأنه كان قد أخطأ "الحافز الأول لحنين جنسي ينمو بين جنبيه فخاله صوت الله"(2). وأبتهج الوالد ديدييه لهذا النداء الباطني الجديد لدى أبنه. ورافقه مغتبطاً إلى باريس (1729) ليلحق، بكلية (لويس الأكبر) اليسوعية هناك ومنها حصل في 1732 على درجة الأستاذية. ولكن كما حدث في حالات كثيرة كان اليسوعيون يفقدون راهباً مبتدئاً بشحذ ذهنه وصقله. وأكتشف دنيس أن باريس عبارة عن

ص: 26

مواخير أكثر منها كنائس. فخلع غفارته وتخلى عن ورعه وتقواه، وأنصرف إلى التدريب عند أحد المحامين. وسرعان ما نبذ القانون، وقضى عشرة سنين يتنقل من مهنة إلى مهنة. وعانى آلام الفقر في حجرة فوق السطح، ونفذ صبر والده فمنع عنه النفقة، ولكن والدته كانت تمده ببعض المعونة خفية. وأقترض دنيس بعض النقود، وكان أحياناً يسدد ما أقترض. وأعطى دروساً خاصة في الرياضيات، ودبج العظات للقساوسة، وأشتغل كاتباً عند بائع كتب، وفي نفس الوقت تابع دراسته في الرياضيات واللاتينية واليونانية والإنجليزية، وألم الماماً جيداً بالإيطالية. وكان متمرداً على القانون ولكنه كان تواقاً شديد التوق إلى المعرفة والحياة. لم يتعلم النظام والانضباط قط، ولكنه تقريباً تعلم كل ما عدا ذلك.

وكان مفلساً خالي الوفاض، ولكنه ممتلئ حيوية وقوة، ووقع في شرك الغرام وأعتزم الزواج. وكانت أنطوانيت شامبيون تكبره بثلاث سنين وثمانية أشهر، ولكنها كانت سيدة. وعنفته على شبابه المفاجىء، ولكنه أكد لها أن هذه مقدمة لحياة زوجية أمينة، وأنه سيكون رفيق حياتها المخلص الأمين إلى الأبد. "أن خطابات غرامي الأخيرة موجهة لك، ولتعاقبني السماء باعتباري أشر الناس وأشدهم خيانة وغدراً إذا سطرت كتاب غرام إلى أحد غيرك"(3). ونقضت أرق خطاباته هذا العهد. واستسلمت والدة أنطوانيت لدموع أبنتها ولفصاحة الخطيب ولسانه الذرب، ووافقت على الزواج شريطة الحصول على موافقة أبيه. وجمع ديدرو ما يكفي من المال لسداد نفقات العربة إلى لانجرز على بعد 180 ميلاً.

ووصل إلى لانجرز، وهناك تأثر والده بتجارب طبع وصلت إلى أبنه لترجمته لتاريخ اليونان عن الإنجليزية. وعرض الوالد أن يقدم العون لأبنه في أي عمل. وكان على دنيس أن يختار، ولا بد أن يقع اختياره على شيء ما. فأعلن الشاب عن تلهفه على الزواج فعنفه أبوه بقسوة على أنه شاب عاق كسول سيء التدبير. ورد الابن رداً وقحاً، وأقسم أن يتزوج سواء وافق أبوه أم لم يوافق، ودون أي عون مادي منه. وسجنه أبوه في دير محلي،

ص: 27

وهرب دنيس وسار على قدميه تسعين ميلاً إلى تروي حتى أستقل عربة هناك. وعاد أدراجه إلى باريس.

ولكن مدام شامبيون كانت مصممة على ألا تتزوج أبنتها من رجل منفصل عن أبويه محروم من الميراث وكان ديدرو يقيم في حجرة حقيرة لا يكاد يملك من حطام الدنيا شيئاً، وأنتابه مرض شديد فلما علمت أنطوانيت بذلك أسرعت إليه مصطحبة أمها معها قسراً، وهناك انهارت معارضة الأم. وسهرت مدام شامبيون وأبنتها على العناية بالفيلسوف المريض، وفي 6 نوفمبر 1743 تزوجت "نانيت من نينو"(كما كان يسمي الواحد منهما الآخر) في منتصف الليل في كنيسة صغيرة أثرت بمثل هذه الزيجات السرية. وأبتهج الزوجان بانجاب طفلة بعد تسعة أشهر، ولكنها لم تعمر لأكثر من ستة أسابيع. وولد لهما ثلاث أطفال آخرين جاوز واحد منهم سن الطفولة. وأثبتت أنطوانيت أنها زوجة مخلصة ولكن رفيقة غير ملائمة عاجزة عن متابعة تحليقات أو شطحات زوجها الفكرية، غير راضية في شيء من المزاح، عن دخله الضئيل من الترجمة. وعاد إلى مقاهي الفساد يعيش على قهوة ويلعب الشطرنج. وفي 1746 كان قد أتخذ له عشيقة هي مدام بويسييه، ومن اجلها كتب "الأفكار الفلسفية""الحلي الزائفة" و"رسائل إلى العميان".

وكان منذ وقت طويل قد أستسلم لفتنة الفلسفة التي تجتذبنا دائماً، لأنها لا تجيب أبداً عن الأسئلة التي لا نكف مطلقاً عن إلقائها. ومثل بعض المفكرين الأحرار في هذا القرن، تأثر من هذه الناحية تأثراً عميقاً بقراءة مونتاني وبيل، ووجد في كل صفحة تقريباً في "المقال" وفي "القاموس" فكرة رائعة تلفت النظر. وأجتذبه كثرة مراجع مونتاني وإشاراته إلى الروائع الوثنية إلى الاستزادة من دراسة الفلاسفة اليونان والرومان وبخاصة ديموقريطس، وأبنيقوز ولوكريتس. وكان هو نفسه "الفيلسوف الساخر" في عصره، فيلسوفاً مادياً يتدفق حيوية ونشاطاً- ولم تتيسر له نفقات زيارة إنجلترا مثل فولتير ومونتسكيو، ولكنه تعلم أن يقرأ الإنجليزية في سهولة

ص: 28

ويسر. ولو ليستمتع بالشعراء والمسرحيين الإنجليز. ولسوف نراه يتجاوز مع عواطف طومسون ويدافع، مثل ليللو عن مأساة حياة الطبقة الوسطى. وتأثر بدعوة فرانسيس بيكون إلى قهر الطبيعة وطريق البحث العلمي المنظم، وأنتقل إلى تمجيد التجربة أداة عظيمة للعقل. وأستمع في سني تكوينه وتشكيله هذه، ومرة أخرى عند إعداد الموسوعة -إلى محاضرات في البيولوجيا والفسيولوجيا والطب. وشهد طيلة سنوات ثلاثة مؤتمرات رويل في الكيمياء ودوّن ملاحظات في 1258 ورقة من القطع الكبير. ودرس التشريح والفيزياء، وتمشى مع رياضيات زمانه، وتابع الأبحاث من بيكون إلى هوبز ولوك والربوبيين الإنجليز. وفي 1745 ترجم كتاباً شافتسبري "بحث في الفضيلة والجدارة" وأضاف تأملات من عنده، وأستمر طوال التقلبات يؤمن بأن الخير والحقيقة والجميل كلها مؤتلفة تقريباً، وأن قانوناً أخلاقياً مؤسساً على العقل، لا على الدين، يفيد النظام الاجتماعي بدرجة كافية.

وأصدر في 1746، مدفوعاً بكل هذه الحوافز وبخياله الواسع الخصيب، كتابه "أفكار فلسفية" دون أن يذكر أسم المؤلف. وكان متطرفاً إلى حد يمكن معه أن ينسب إلى لامتري، بلغياً إلى حد يمكن معه أن ينسب إلى فولتير. وربما كان لكليهما بعض الفضل فيه. وبدأ بدفاع عن "الانفعالات" وهنا حاول الفكر الجريء، متفقاً في ذلك مع صديقه روسو، أن يبرهن على أنه لا ضير من "أن تقول الفلسفة كلمة في صالح خصوم العقل، مذ كانت الانفعالات وحدها هي التي ترتفع بالنفس إلى الأشياء العظيمة، ولن يبلغ شيء ذروة السمو في الأخلاق أو الأعمال بدون الانفعالات، فقد ترجع الفنون القهقرى إلى طفولتها، وتتقلص الفضيلة إلى أتفه الأعمال بدونها (4). ولكن الانفعالات بدون نظام تكون مدمرة. ويجدر أن يكون هناك بعض التنسيق بينها، ولا بد من إيجاد طريقة ليكبح الواحد جماح الآخر. ومن هنا نحتاج إلى العقل، وينبغي أن يكون أعظم هاد ومرشد لنا، وهنا كانت محاولة مبكرة في عصر التنوير للتوفيق بين العقل والوجدان، بين فولتير وروسو.

ص: 29

وكان ديدرو، مثل فولتير، في أولى مراحل تطوره ونموه، ربوبياً. أن شواهد تصميم العالم وتكوينه ترغم على الإيمان برب ذكي بارع. ويمكن أن يفسر المذهب الآلي المادة والحركة، ولكنه لا يستطيع تفسير الحياة والفكر. أن ملحد المستقبل تحدى الملحدين أن يفسروا عجائب حياة الحشرات التي كشفت عنها حديثاً أبحاث ربومير وبونيه:

هل رأيتم في تفكير أي إنسان وأعماله، ذكاءاً ونظاماً وحكمة واتساقاً أكثر من تركيب الحشرة؟ أليست بصمات الإله واضحة في عين البعوضة الصغيرة وضوح موهبة التفكير في أعمال نيوتن العظيم؟

فكروا فقط في أني لم أبرز لكم إلا جناح الفراشة وعين البعوضة. على حين كان يمكن أن أسحقكم بثقل الكون (5).

ومهما يكن من أمر فأن ديدرو نبذ في ازدراء الإله الذي جاء به الكتاب المقدس حيث بدا له هذا الرب جباراً قاسياً غاية الجبروت والقسوة، واتهم الكنيسة التي نشرت هذا المفهوم بأنها منبع الجهل والتعصب والاضطهاد. وهل ثمة شيء أشد حمقاً وسخفاً من أن يجعل إلهاً يموت على الصليب ليهدئ من غضب الله على رجل وامرأة ماتا منذ أربعة آلاف سنة. ثم -كما يقول بعض رجال اللاهوت "إذا لعنت وعذبت ألف نفس مقابل خلاص نفس واحدة، أليس الشيطان هو الرابح في هذه القضية، دون أن يسلم الرب أبنه إلى الموت؟ ولم يعترف ديدرو بأي وحي إلهي سوى الطبيعة نفسها. وناشد قراءه أن يرتفعوا إلى مفهوم جديد بالكون الذي كشف عنه العلم. وطالب "بتكبير الإله وتحريره" (6).

وأمر برلمان باريس بإحراق الكتاب بمعرفة المدعي العام بتهمة "تقديمه إلى الأذهان القلقة المضطربة الجريئة أشد الأفكار سخفاً وأجراماً، والتي من شأنها إفساد الطبيعة البشرية، وبوضعه كل الأديان في مستوى واحد تقريباً، في ارتياب مصطنع، حتى ينتهي إلى عدم الاعتراف بها جميعاً (7) ولما كان إحراق الكتاب الصغير (7 يوليو 1746) بمثابة إعلان عنه، فوجد له عدداً غير متوقع من القراء، وترجم إلى

ص: 30

الألمانية والإيطالية، ولما تهامس الناس بأن ديدرو هو مؤلفه، أرتفع إلى مرتبة تداني فولتير. وتسلم من الناشر 50 جنيهاً ذهباً. أعطاها لعشيقته التي كانت في حاجة إلى ملابس جديدة.

ولما تزايدت مطالب مدام دي بويسيبه، ألف ديدرو كتاباً آخر (1747) سمع به كاهن الأبرشية، فتقدم بالرجاء إلى الشرطة لتحمي المسيحية من هجوم ثانٍ. ففاجأ رجال الشرطة المؤلف في داره وصادروا مخطوطة الكتاب، أو كما يروي بعضهم، قنعوا بوعد منه بعدم نشره. وعلى أية حال لم يظهر كتاب "نزهة الشكاك" حتى 1830 ولم يزد هذا الكتاب في شهرة المؤلف ولكن فيه تنفيس عن مشاعره. لجأ إلى حيلة الفيلسوف الأثيرة لديه في المراوغة، إلا وهي الحوار، فهيأ لربوبي وقائل بوحدة الوجود (الله والطبيعة شيء واحد، الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر للذات الإلهية) وملحد، بأن يشرحوا وجهات نظرهم في الألوهية. ويكرر الربوبي في حماسة الحجة المأخوذة من تصميم الكون، ولم يكن ديدرو مقتنعاً بعد بأن تكيف الوسائل مع الغايات في الكائنات هو تكييف رائع ممتاز يمكن تفسيره بعملية عمياء من تطور اتفاقي جاء مصادفة. أما الملحد فيصر على أن المادة والحركة والفيزياء والكيمياء تفسير للكون أفضل من إله لا يفعل إلا أن يؤجل مشكلة الأصل أو المنشأ. أما القائل بوحدة الوجود، وكانت له الكلمة الأخيرة والقول الفصل، فيعتقد أن الذهن والمادة أبديان معاً، وأنهما يؤلفان الكون، وأن هذه الوحدة الكونية هي الله. وربما كان ديدرو يقرأ سبينوزا.

وكان عام 1748 مثيراً ومجهداً. وكانت أنطوانيت قد وضعت طفلا وكانت مدام دي بويسييه تطالب بتعويض عن الزنى والفجور، ومن المحتمل أن ديدرو، رغبة في الحصول على المال بسرعة، كتب آنذاك قصة فاجرة "الحلى الزائفة" وبناء على ما أوردته أبنته (مدام دي فامديل مستقبلا في كتابها: مذكرات من تاريخ حياة وأعمال ديدرو) - ولا ينبغي الأخذ بما جاء به قبل التأكد من صحته -فأن ديدرو ذكر لعشيقته أن كتابة قصة مسألة سهلة نسبياً، ولكنها تحدته في ذلك فراهن على تأليف قصة ناجحة في

ص: 31

أسبوعين، وواضح أنه كان يقلد كربيون Crebillon الأصغر في "الأريكة" 1740 حيث أخذت أريكة تتذكر من جديد عدد العاشقين الذين كانت تئن تحتهم. وتخيل ديدرو خاتماً سحرياً عند أحد السلاطين إذا وجهه إلى الحلي الزائفة عند المرأة، وجعلها وعشيقها يعترفان بكل ما قاسى الأثنان وعانيا من الغرام. ووجه الخاتم السحري إلى ثلاثين سيدة، وما كاد يفتر عنصر التشويق والامتاع في المجلدين كليهما. وخلط المؤلف البذاءة بشيء من الملاحظات المثيرة عن الموسيقى والأدب والمسرح-وأضاف حلماً رأى فيه السلطان طفلا يسمى "التجربة" أخذ ينمو ويكبر ويقوى حتى دمر معبداً قديماً أسمه "الفريضة" وحقق الكتاب غرضه على الرغم من إقحام الفلسفة فيه، حيث أمكن أن يدر مالاً، ودفع الناشر لورنت دوراندا لديدرو مبلغ 1200 جنيه في المخطوطة وعلى الرغم من أن الكتاب لم يكن يباع إلا خلسة فقد عاد بربح وفير. وخرجت ست طبعات بالفرنسية في 1748 وظهرت عشر طبعات في فرنسا بين عامي 1920 - 1960 والواقع أن هذا أوسع كتب ديدرو انتشاراً وأكثر عدد طبعات (8).

وبدل ديدرو من طبعه وحالته النفسية حين كتب رسائل علمية. وقدر أحسن التقدير كتابه: مذكرات في موضوعات مختلفة في الرياضيات" (1748) الذي ضم أبحاثه علمية أصيلة في الصوت والجهد ومقاومة الهواء، "وتصميماً لأرغن جديد" يمكن أن يعزف عليه أي إنسان. وأثنت "مجلة الرجل المهذب" "وصحيفة العلماء" على بعض المقالات، بل إن صحيفة اليسوعيين "دي تريفو" امتدحتها، ودعت إلى مزيد من مثل هذه الأبحاث من رجل بارع قدير مثل مسيو ديدرو الذي نلاحظ أن أسلوبه رشيق واضح غير متكلف بقدر ما هو مبدع (9). وظل ديدرو طوال حياته ينطلق بشكل غير متواصل إلى العلوم الطبيعية. ولكن ازداد ميله إلى مسائل علم النفس والفلسفة. وكاد يكون في كل مجال تقريباً أكثر المفكرين أصالة في زمانه.

ص: 32

‌2 - الأعمى والأصم والأبكم

1749 -

1751

لفت نظر ديدرو بوجه خاص مسألة كان قد أثارها وليم مولينكس الأيرلندي 1692: هل يستطيع إنسان ولد أعمى كان قد تعلم التمييز بين مكعب وجسم كروي باللمس. أن يفرق في الحال إذا عاد إليه بصره، بين هذين الجسمين، أو هل يقتضي الأمر قبل هذا التفريق بعض الخبرة في العلاقات بين الأشكال ملموسة ونفس الأشكال مرئية؟ وجاء الجواب الثاني من مولينكس وصديقه لوك. وفي 1728 قام وليم شولدن بتجربة ناجحة على صبي في الرابعة عشرة من عمره، كان ضريراً عند الولادة، وكان لزاما أن يتدرب الصبي قبل أن يتمكن من التمييز بين الأشكال بالنظر وحده. ولاحظ ديدرو أيضاً بعناية مثيرة حياة نيقولا سوندرسن الذي فقد بصره في عامه الأول، ولم يسترده قط، ولكنه ابتدع لنفسه كتابة رياضية خاصة على طريقة بريل، ومن ثم أكتسب قدرة إلى درجة عين معها أستاذاً للرياضيات في كمبردج.

وفي أوائل 1749 دعا ريومور مجموعة مختارة من الناس ليشاهدوا ماذا يحدث عند إزالة الضمادات عن عيني امرأة أجريت لها عملية لعلاجها من عمى خلقي. وأستاء ديدرو وجرحت كبرياءه لأنه لم يدع هو والفلاسفة الآخرون إلى هذه المناسبة. وباستهتاره المعهود قال إن ريومور كان قد رتب أن ترفع الضمادات أمام "بعض عيون لا قيمة ولا شأن لها (10) " وطبقا لما روته ابنة ديدرو أساءت هذه العبارة إلى مدام دييري دي سانت مور التي كانت تفتخر بعينيها والتي كانت العشيقة الحالية لمدير المكتبة الحالي، أو كبير مراقبي المطبوعات الكونت دارجنسون (مارك ببير، الأخ الأصغر للمركيز رينيه لويس).

وفي 9 يونيو نشر دوراند كتاب ديدرو "رسالة عن العميان لخدمة المبصرين" وكانت على شكل رسالة موجهة إلى مدام بويسبيه. وبدأت بوصف زيارة قام بها ديدرو وبعض الأصدقاء لزارع كروم أعمى. وأذهلهم روح النظام عند الرجل المكفوف البصر إلى حد الذي تعتمد عليه فيه زوجته

ص: 33

بالليل في إعادة كل شيء إلى مكانه بعد فساد النظام أثناء النهار. وكانت حواسه الباقية أحد وأقوى من حواس الناس العاديين "وهناك بالنسبة له فروق بسيطة لا تكاد تذكر من نعومة الأجسام، وهي فروق لا تقل دقة عن الفروق بين أصداء الأصوات، ولا خوف من أن يحسب خطأ أن سيدة أخرى هي زوجته، إلا إذا كان في المبادلة كسباً له (11) ولم يكن يدرك كيف يعرف الإنسان الوجه دون أن يلمسه. وانحصرت روح الجمال عنده في الأشياء الملموسة وفي رخامة الصوت والمنفعة ولا يجد عاراً في العرى لأنه يجد أن في الثياب حماية من الجو لا اخفاء الجسم عن أعين الآخرين. وأعتبر السرقة جريمة كبرى لأنه يقف حيالها عاجزاً لا حول له ولا قوة.

وخلص ديدرو إلى أن أفكارنا عن الصواب والخطأ ليست مستمدة من الله، بل من خبرتنا الحسية. بل وحتى فكرتنا عن الله يجب تعليمها، وهي أيضاً مثل فكرتنا عن الأخلاق، نسبية متنوعة. ووجود الله مشكوك فيه لأن البرهان من أصل الوجود فقد كثيراً من قوته. حقاً هناك شواهد وبراهين على التصميم والتركيب في كثير من الكائنات والأعضاء مثلما هو في الذبابة والعين، ولكن ليس ثمة شواهد على التصميم في الكون باعتباره كلا، لأن بعض الأجزاء عوائق - إن لم تكن أعداء فتاكة- لأجزاء أخرى، وكل تركيب تقريباً محكوم عليه أن يلتهمه تركيب عضوي آخر وتبدو العين مثالاً رائعاً لتطابق الوسائل مع الغايات، ولكن فيها عيوب وشوائب جسيمة (كما يوضح هلمهولتز هذا تفصيلا فيما بعد) وثمة عفوية أو تلقائية خلاقة في الطبيعة، ولكنها نصف عمياء. وتؤدي إلى كثير من الخلل والاضطراب والتبديد والضياع. ورغم ديدرو أنه أقتبس من كتاب "حياة دكتور نيقولا سوندرسون وخلقه لمؤلفه وليم أنشليف (وواضح أنه لم يوجد قط)، فأجرى على لسان الأستاذ الأعمى قوله "لماذا تحدثني عن هذا المشهد الجميل الذي لم يصنع من أجلي قط؟

إذا أردت مني أن أومن بالله فينبغي أن تجعلني ألمسه (12) وفي سيرة الحياة الوهمية هذه رفض

ص: 34

سوندرسن الإيمان بالله

(1)

وعزا نظام الكون إلى انتقاء طبيعي للأعضاء والتركيبات العضوية عن طريق بقاء الأصلح.

كل تركيبات معيبة ناقصة من المادة اختفت. ولم يبق منها إلا ما انطوى تركيبه على تعارض غير ذي أهمية، والتي يمكن أن تستمر وتبقى بوسائلها ولكن النتاجات الضخمة الغريبة تظهر من حين إلى حين

ما هو العالم؟ إنه مركب خاضع لثورات تشير كل منها إلى نزعة ملحة إلى التدمير، تسلسل سريع للكائنات يعقب بعضها بعضاَ. ويدفع بعضها بعضاً ثم تختفي (13) ويختتم ديدرو بمذهب اللا أدرية: "واحسرتاه يا سيدتي، إننا إذ نضع المعرفة الإنسانية في ميزان مونتاني فلن نبعد عن شعاره، لماذا نكتسب المعرفة؟ إننا لا نعرف شيئاً عن طبيعة المادة، وعن طبيعة الذهن والفكر، لا نعرف إلا أقل من ذلك. بل لا نعرف شيئاً إطلاقاً (14).

وجملة القول إن رسالة العميان من أعظم وأروع ما كتب في عصر الاستنارة في فرنسا. إنه كتاب جميل ساحر من حيث السرد والقصص، كما أنه يتميز بدقة الملاحظة والتبصر البارع العطوف بوصفه بحثاً في علم النفس، كما يتميز بخيال مثير بوصفه بحثاً في الفلسفة، وهو مرهق قرب انتهاء صفحاته الستين ولكنه يضم بعض ما يجافي الحشمة مما لا يكاد يليق برسالة مفروض إنها موجهة إلى سيدة، ولكن ربما كانت مدام دي بويسييه متعودة على خلط ديدرو بين بذاءة السوقة وسعة الإطلاع والمعرفة. وشمل البحث، لحسن الحظ، اقتراحاً مفصلاً لما عرف فيما بعد باسم طريقة لويس بريل (15).

وأرسل فولتير الذي كان آنذاك في باريس (1749) إلى ديدرو وتقريظاً حماسياً للبحث، قال فيه: "قرأت في سرور بالغ كتابك الذي يذكر الشيء الكثير ويوحي بشيء أكثر. وكنت منذ أمد أقدرك أعظم التقدير، بقدر ما أحتقر أولئك الأغبياء الذين ينقصون من قدر ما لا يفهمون

(1)

مات سوندرسن، طبقاً لما رواه أصدقاءه، متمسكاً بدينه. واستاءت الجمعية بلندن من نسبة ديدرو الإلحاد إلى أحد أعضائها، ولم تسمح له قط بالانضمام إليها عضواً مراسلاً.

ص: 35

ولكني أعترف لك أني لست من رأى سندرسن الذي ينكر وجود إله، لأنه ولد أعمى. وربما كنت مخطئاً، ولكن لو أني في مكانه لاعترفت بوجود كائن أعظم بارع وهبني إضافات كثيرة تكمل البصر. أود من كل قلبي أن أتحدث إليك. وليس يهمني أن تعتقد أنك واحد من مخلوقاته، أو أنك جزء دقيق التنظيم من مادة أبدية ضرورية. وقبل مغادرتي لونفيل أرجو أن تشرفني بتناول عشاء فلسفي معي، في داري بصحبة بعض الحكماء.

ورد عليه ديدرو في 11 يونية:

سيدي الأستاذ العزيز: إن اللحظة التي تسلمت فيها خطابك من أسعد لحظات الحياة

إن رأى سوندرسن ليس رأيي ولا هو رأيك

إنا أومن بالله، ولكني أنسجم كثيراً مع الملحدين، ومن المهم جداً ألا نخلط بين الشوكران (نبات يستخرج منه شراب سام) والبقدونس. ولكن ليس يهمني مطلقاً أن تؤمن بالله أولاً تؤمن به. وقال مونتاني إن العالم كرة تخلى عنها الإله للفلاسفة ليهيموا على وجوههم مطوفين حولها

(16).

وقبل ظهور أية نتيجة لهذه المراسلات قبض على ديدرو. ذلك أن الحكومة ثار غضبها لنقد صلح إكس لاشابل المذل علناً. وأودعت السجن نفرا من النقاد، ورأت أن الوقت قد حان لكبح جماح ديدرو وإيقافه عند حده ولسنا ندري إذا كان الإلحاد في رسالة العميان هو الذي أثار احتجاج رجال الدين، أو أن مدام دبري دي سانت مور وقد ساءتها إشارة ديدرو إلى العيون التي لا قيمة لها قد حفزت عشيقها (كبير مراقبي المطبوعات) إلى اتخاذ إجراء. وعلى أية حال فإن الكونت دارجنسون أرسل أمراً مختوماً (23 يوليو 1749) إلى ماركيز دي شاتيليه محافظ قلعة فنسان "استقبلوا في القلعة المدعو ديدرو، وأودعوه في السجن لحين صدور أوامر أخرى مني"(71) وفي الصباح الباكر في اليوم التالي طرق رجال الشرطة باب ديدرو، وفتشوا مسكنه ووجدوا نسختين أو ثلاثا غير مجلدة من رسالة العميان، وعدة صناديق مملوءة بمادة الموسوعة الشهيرة التي كان يعدها

ص: 36

ديدرو، وحملوها إلى القلعة (في ضواحي باريس) حيث وضع وحيداً في زنزانة في القلعة الكئيبة، وسمح له بالاحتفاظ بكتاب كان في جيبه عند اعتقاله "الفردوس المفقود" وتهيأ له فسحة من الوقت لقراءته بعناية. وكتب عليه حواشي وتعليقات بغير الطريقة التقليدية. واستخدم صفحاته الخالية في تدوين بعض الأفكار وموضوعات أقل ورعاً وتديناً، وتوصل إلى صنع الحبر من كشط الأردواز من الجدران وطحنه وخلطه بالنبيذ، واستخدم عودا من الخلال قلماً. وفي نفس الوقت هرعت زوجته التي عاشت مكتئبة مع طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات إلى رئيس الشرطة برييه، وتوسلت إليه أن يطلق سراح زوجها، وأنكرت علمها بكتاباته "وكل ما أعرفه أن كتاباته شبيهة بسلوكه. أنه يعتز بالشرف أكثر ألف مرة مما يعتز بالحياة، وإن مؤلفاته لتعكس الفضائل التي يتمسك بها"(18). وإذا كانت أنطوانيت لا تعلم شيئاً عن مدام بوبسييه، فإن الشرطة كانت تعلم، وكان أشد فعالية وتأثيراً من ذلك الالتماس الذي تقدم به الرجال الذين عهدوا إلى ديدرو وتحرير الموسوعة، حيث أكدوا لكونت دارجنسون أن المشروع لا يمكن أن يخطو خطوة بدون السجين. وفي 31 يوليو استدعى برييه ديدرو وحقق معه وأنكر ديدرو أنه مؤلف "رسالة العميان" وكتاب "الأفكار" وكتاب "الحلى الزائفة" وأدرك رئيس الشرطة أنه يكذب، وأعاده إلى السجن.

وفي شهر أغسطس، كتبت مدام دي شاتيليه- قبل وفاتها بشهر واحد والمفروض أن هذا بإيعاز من فولتير، من لونفيل إلى قريبها محافظ فنسان، ترجوه على الأقل أن يخفف من الشدة التي يعامل بها ديدرو. وحوالي 10 أغسطس عرض بربيه أن يسمح للسجين بالتمتع بالحرية والتيسيرات في قاعة السجن الكبرى مع الترخيص له باستقبال الزوار وتلقي الكتب، إذا قدم اعترافاً صادقاً. وفي 13 أغسطس وجه الفيلسوف المعاقب إلى بربيه الوثيقة الآتية: -

ص: 37

أعترف لك بأن الكتب الثلاثة أن هي إلا نزوات غواية أملاها ذهن تملص مني، ولكني أستطيع

أن أعد تحت كلمة الشرف (وأنا فعلا رجل شريف) بأنها ستكون الأخيرة

وستكون الوحيدة

أما بالنسبة لهؤلاء الذين اشتركوا في نشر الكتب وطبعها، فلن أخفي عنكم شيئاً يتعلق بهم، وسأفضي إليك بأسماء الناشرين والطابعين (19).

وفي 20 أغسطس أطلق سراحه من الزنزانة. ووضعوه في غرفة مريحة، وسمح له باستقبال الزائرين والتنزه في حدائق القلعة، وفي يوم 21 وقع تعهداً بألا يغادر المبنى أو منطقته دون ترخيص رسمي. وجاءت إليه زوجته لتواسيه وتؤنبه وتلومه، وبعث من جديد حبه القديم لها. وزاره دالمبير ورسو ومدام دي بوبسييه وجاء إليه ملتزموا الموسوعة ببعض المخطوطات وأستأنف عمله في تحريرها. ومنذ علم أن أخاه أبلغ أباه بنبأ اعتقاله فأنه كتب إلى الوالد "السكاكيني" المتألم، وأدعى أن اعتقاله كان بناء على مكيدة إحدى السيدات، وطلب منه معونة مالية. وفي 3 سبتمبر أرسل الوالد رداً يكشف عن الجانب الإنساني في الصراع بين الدين والفلاسفة:

يا بني: تسلمت خطابيك اللذين بعثت بهما إلي مؤخراً، تنبئني بخبر اعتقالك وسببه، ولم أتمالك نفسي من القول بأنه لا بد بالتأكيد أن هناك أسباباً أخرى غير التي ذكرتها في أحد الخطابين

وحيث أنه لا يحدث شيء إلا بإذن الله، فإني لست أدري أيهما أفضل لتقويم خلقك: إخلاء سبيلك أو إطالة مدة بقائك في السجن لمدة شهور لتفكر جيداً وملياً في نفسك. ولا تنس أن الله إذا كان قد أنعم عليك بالمواهب، فإنه منحك إياها لا لتستخدمها في العمل على أضعاف مبادئ عقيدتنا المقدسة، لقد قدمت دليلاً كافياً على حبي لك. هيأت لك فرصة التعلم على أمل أن تفيد منه أعظم فائدة، لا أن تورثني أشد الهم والغم والكمد حين علمت بما لحق بك من خزي وعار

سامحني يا بني. ولسوف أصفح عنك. أنا أعلم أنه ليس ثمة إنسان بمنجاة عن الافتراء وتشويه السمعة، وأنهم قد ينسبون

ص: 38

إليك أعمالاً لم تشترك فيها

ولن يكون لك اعتبار أو قيمة في نظري إلا إذا صدقتني القول دون لبس أو مواربة، بأنك كما أبلغوني من باريس بأنك تزوجت وأن لك طفلين. فأن كان الزواج شرعياً وأن الأمر قد انتهى فأنا راضٍ، وآمل ألا تضن على شقيقتك بالشعور بالفرح لتنشئتهما، وعلي بالسعادة لرؤيتهما أمام عيني

إنك تسألني مالا. ماذا! إن رجلا مثلك يعمل في مشروعات ضخمة

هل يمكن أن يكون في حاجة إلى مال؟ ولقد قضيت شهراً في مكان لا تكلفك الإقامة فيه شيئاً؟

تذكر أمك المسكينة

إنها في تأنيبها لك، كم من مرة قالت إنك أعمى

قدم لي الدليل على عكس ذلك. ومرة أخرى، وقبل كل شيء، كن صادقاً ومخلصاً في الوفاء بوعودك

ستجد مرفقاً بهذا حوالة بمائة وخمسين جنيهاً

تنفقها كما تريد

وإني لأنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي تخفف فيه من آلامي وهمومي حين أعلم بنبأ إطلاق سراحك

وسأقدم الشكر لله حالما أعلم ذلك

مع الحب الذي أكنه لك

(والدك الحبيب ديدرو)(20)

ولسنا ندري ماذا كان رد دنيس. وربما وجد مشقة في مجاراة هذه الرسالة في نبلها. وفي 3 نوفمبر 1749 أفرج عنه بعد قضاء ثلاثة شهور ونصف شهر في السجن. وقصد داره سعيداً مبتهجاً بالعودة إلى زوجته وصغاره، ونسي مدام دي بويسييه لفترة من الوقت؛ ولكن في 30 يونية 1750 مات ابنه البالغ من العمر أربع سنوات، إثر حمى شديدة، وأنجب طفلا ثالثاً بعد ذلك مباشرة. ولكنه أوذى أذى بالغاً عند تعميده، حيث أوقعه أحد الخدم على الأرض في الكنيسة، وما لبث أن فارق الحياة قبل انقضاء عام واحد على مولده، وهكذا ولد له ثلاثة ومات ثلاثتهم (وعاد ديدرو إلى أمسياته في مقهى بروكوب. وحوالي 1750 قدمه روسو إلى فردريك مليخيور جريم، وهناك بدأ ثالوث من الصداقة كان له بعض الأهمية

ص: 39

في عالم الأدب. وتلك هي السنة التي غادر فيها فولتير فرنسا إلى برلين وكتب فيها روسو الذي نال به الجائزة عن (المدنية مرض) وأصدر ديدرو نشرة تمهيدية عن الموسوعة:

وبينما كان ديدرو يعمل في المجلد الأول من مشروع الموسوعة أستطرد إلى تحقيق في علم النفس نشر نتائجه (1751) في "رسالة عن الصم والبكم لخدمة أولئك الذين يسمعون ويتكلمون". ولم يكن ديدرو قد نسي قلعة فنسان بعد، ومن ثم تجنب الهرطقة، وتسلم من الرقيب (مالشرب الطيب الرحيم آنذاك)"إذناً ضمنياً" بنشر الكتاب في فرنسا دون ذكر اسمه، ودون خوف من المحاكمة أو المقاضاة. واقترح ديدرو أن يوجه أسئلة إلى أحد الصم والبكم، ويلاحظ الإيماءات التي يجيب بها الأصم الأبكم على هذه الأسئلة، وبذلك يلقي الضوء على منشأ اللغة عن طريق الإشارات والإيماءات. أن الممثل القدير (وكان ديدرو آنذاك منشغلا بوضع كتابه "تناقض الممثل" ينقل أحياناً عن طريق إيماءة أو تعبير بالوجه فكرة أو إحساس بشكل أعظم تأثيراً منه عن طريق الألفاظ. ومن الجائز أن الألفاظ الأولى (في اللغة) كانت عبارة عن إيماءات صوتية أو معبرة توضح فكرة في الذهن، وليس للفظة التي يختارها الشاعر دلالة أو معنى عقلي فحسب، ولكن لها كذلك مفهوماً رمزياً متضمناً وفارقاً دقيقاً لا يكاد يذكر، ولها تضمينات بصرية (قارن مثلا بين يرى ويتفرس أو يحدق النظر أو نغمات توافقية في الصوت، قارن بين يقول ويتذمر، Say، murmur ومن ثم فأن الشعر الحقيقي تتعذر ترجمته).

والحديث- كما هو معهود في ديدرو مضطرب يعوزه الترتيب والنظام ولكنه زاخر بالجوانب الموحية. "قد تكون فكرتي أن أحلل الإنسان إذا جاز التعبير، وأدرس ماذا يستمد من كل حاسة من حواسه". (بنى كوندياك مؤخراً في 1754، رسالته عن الأحاسيس حول هذه الفكرة) أو قارن مرة أخرى بين الشعر والرسم، أن الشاعر يستطيع أن يسرد

ص: 40

الأحداث على حين يبرز الرسام لحظة واحدة، وصورته عبارة عن إشارة تحاول أن تعبر في وقت واحد عن الماضي والحاضر والمستقبل. وهنا كانت بذرة في كتاب ليسنج "لاوكون"(1766).

ولكن في هذه الأثناء كان المجلد الأول من الموسوعة معداً للنشر.

‌3 - تاريخ كتاب

1746 -

1765

قال الناقد الكاثوليكي برونتيير "إن الموسوعة أعظم عمل في عصرها، والهدف الذي كان يصبو إليه كل شيء سبقها، ومصدر كل شيء جاء بعدها، ومن ثم فإنها المركز الحقيقي لأي تاريخ للأفكار في القرن الثامن عشر"(21). وقال ديدرو إن محاولة إخراج موسوعة إنما تنسب فقط إلى قرن فلسفي (22). إن عمل بيكون وديكارت وهويز ولوك وباركلي وسبينوزا وبيل وليبيتز في الفلسفة، والنهوض بالعلوم على أيدي كوبرنيكس وفيساليوس وكبلر وجاليليو وهوجينز ونيوتن، وارتياد الأرض بفضل الملاحين والبعثات التبشيرية والسياح، وإعادة الكشف عن الماضي على أيدي الباحثين والمؤرخين، كل هذه المعرفة المتراكمة انتظرت لتنسق في موسوعة تكون في متناول الجميع وخدمتهم.

وبدأ في أول الأمر أن "موسوعة تشامبرز" أو "القاموس العالمي للفنون والعلوم"(1728) قد يسد هذه الحاجة. وفي 1743 أقترح ناشر في باريس هو أندريه فرنسوا لي بريتون ترجمته إلى الفرنسية مع تعديلات وإضافات تفي بحاجة فرنسا. ونما المشروع ليظهر في عشر مجلدات ولمواجهة النفقات أشرك لي بريتون معه في هذه المهمة ثلاثة ناشرين آخرين هم برياسون ودافيد ودوران. واستخدموا الأب دي جوا دي مالف محرراً. وحصلوا على إذن ملكي بالطبع، وأصدروا في 1745 نشرة مؤقتة. ورأى الناشرين أو رأى المحرر دي جوا دي مالف الاستعانة بديدرو ودالمبير. وفي 1747 أنسحب دي جوا دي مالف. وفي 16 أكتوبر عين الناشرون ديدرو رئيساً

ص: 41

للتحرير مقابل راتب قدره 144 جنيهاً في الشهر. وطلبوا إلى دالمبير أن يكون مسئولا عن مقالات الرياضيات.

وكلما تقدم العمل ازداد ديدرو سخطاً على نص تشامبرز ويمكن أن تقدر هذا السخط والاستياء إذا عرفنا أن ديدرو خصص للتشريح 56 عموداً على حين أفرد له تشامبرز عموداً واحداً، وللزراعة 14 عموداً، على حين أوردها تشامبرز في ستة وثلاثين سطراً. وأخيراً أوصى بتنحية قاموس تشامبرز جانباً وإعداد موسوعة جديدة تماماً، (وربما أقترح مالف هذا فوراً). ووافق الناشرون وأستحث ديدرو (ولم يكن قد أتضح بعد أنه المؤلف الزنديق لرسالة العميان) المستشار الجاد المتدين دي أجسو حتى يشمل الترخيص الملكي المشروع الموسع (أبريل 1748).

ولكن كيف كان يمكن تمويل المشروع؟ قدر لي بريتون أنه قد يكلف مليون جنيه. والواقع أنه تكلف مليوناً وأربعمائة ألف-حتى ولو كان من المشكوك فيه كثيراً أن يكون عدد المشتركين كافياً إلى حد يدفعون معه بالموسوعة إلى المطبعة. وكان ديدرو وقد أعد بالفعل كثيراً من المقالات وحصل على عدد آخر منها من أجل المجلدات الأولى حين أوقف اعتقاله في فنسان سير العمل. وعندما أطلق سراحه تفرغ تفرغاً كاملاً للمضي في المشروع. وفي نوفمبر 1750 أخرج الناشرون ثمانية آلاف نسخة من نشرة تمهيدية دبجها يراع ديدرو. (وفي 1950 أعادت الحكومة الفرنسية طبع هذه النشرة تذكاراً وطنياً لهذا الحادث). وأعلنت هذه النشرة إن فريقاً من الأدباء والخبراء والمتخصصين أتجه رأيهم إلى جمع المادة الموجودة في العلوم والفنون في صعيد واحد مرتبة ترتيباً أبجدياً، مزودة بمراجع قد يسهل على العلماء والباحثين والطلاب استخدامها. وقالت النشرة إن لفظة الموسوعة أو دائرة المعارف تدل على العلاقات المتبادلة بين العلوم وهي تعني حرفياً التثقيف أو التعليم مجموعاً في صعيد واحد. وقال ديدرو إن المعرفة لم تنم على أوسع نطاق فحسب ولكن الحاجة إلى نشرها مهمة كذلك،

ص: 42

حيث لا جدوى منها إلا إذا أفاد منها الجميع. وجاء في النشرة أن هذا كله سوف تضمه ثمانية مجلدات للنصوص ومجلدات للوحات والرسوم، وحدد الاشتراك بمائتين وثمانين جنيهاً للمجموعة تدفع على تسعة أقساط. ويجب تسديد المبلغ كله على مدى عامين. وتبدو لنا الآن هذه النشرة وكأنها أحد الإعلانات بأن عصر العلم قد بدأ. وأن عقيدة جديدة قد ظهرت لخلاص الجنس البشري.

وكانت الاستجابة للنشرة مشجعة، وبخاصة لدى الطبقة الوسطى العليا. وتبين بعد وفاة مدام جيوفرين أنها وزوجها أسهما في نفقات الموسوعة بمبلغ 500 ألف جنيه (23).

وبهذه الموسوعة في فرنسا وقاموس جونسون في إنجلترا (1755) أعلن الأدب الأوربي استقلاله عن الأرستقراطيين والإهداءات الذليلة، واتجه إلى الجمهور العريض الذي عرض هذا الأدب أن يكون عينه التي تبصر وصوته الذي يعبر. وكانت الموسوعة أشهر تجربة لتبسيط المعرفة ونشرها (24).

وظهر المجلد الأول في 28 يونيه 1751 محتوياً على 914 صفحة من القطع الكبيرة من ذات النهرين. وكانت صورة الصفحة الأولى من رسم شارل كوشان، وكانت رمزاً صادقاً للقرن الثامن عشر، فقد أبرزت البشرية تتلمس طريقها إلى المعرفة تمثلها امرأة جميلة في ثوب رقيق شفاف. وكان العنوان مثيراً: الموسوعة أو قاموس موضوع بعد دراسة وترو لمختلف العلوم والفنون والمواد ألفه فريق من رجال الأدب رتبه وحرره ديدرو وتعهد قسم الرياضيات فيه دالمبير، ونشر بتصديق من الملك وترخيص منه وأهدى المجلد من باب الحكمة إلى السيد الكونت دارجنسون وزير الحربية. ولم يكن موسوعة بالمعنى الحالي عندنا، فإنها لم تر أن تشمل سير حياة أو تأريخاً. ولكن الغريب في الأمر أنها تضمنت بعض سير الحياة تحت عنوان محل الميلاد للشخص. ومن جهة أخرى كانت بشكل جزئي قاموساً عرض لتعريف بعض المصطلحات وإيراد المترادفات وبعض قواعد الأجرومية.

ص: 43

وأبرز ما في المجلد الأول وأجدره بالذكر هو "مقال تمهيدي" ووقع الاختيار على دالمبير لكتابته لأنه كان معروفاً بأنه من رجال العلم المرموقين وبأنه كذلك من البارعين الأفذاذ في النثر الفرنسي، وعلى الرغم من هذه المزايا كان دالمبير يحيا حياة رواقية بائسة فقيرة في باريس. وحين وصف فولتير المشهد الرائع من لي دليس أجاب دالمبير:"أنت تكتب إلى من مخدعك حيث تشرف على عشرة فراسخ من البحيرات وأنا أرد عليك من جحري الذي لا يشهد إلا رقعة من السماء لا تتجاوز ثلاث أذرع"(25). وكان لا أدرياً، ولكنه لم ينضم إلى نقد علني للكنيسة. وفي -مقالة التمهيدي حاول أن يفحص حجج معارضي الكنيسة:

"إن طبيعة الإنسان سر لا يمكن سبر أغواره إذا استنار الإنسان بالعقل وحده. ويمكن أن نقول مثل هذا عن وجودنا في الحاضر والمستقبل، وعن جوهر "الكائن" الذي ندين له بهذا الوجود، وعن نوع العبادة التي يتطلبها منا. ومن ثم فإننا أحوج ما نكون إلى ديانة منزلة تهدينا سواء السبيل في مختلف الموضوعات"(26).

وأعتذر لفولتير عن هذه الاحترامات: "أن مثل هذه العبارات هي أسلوب توثيقي، وما هي إلا طريق وصول أو جواز مرور إلى الحقائق التي ننشد تدعيمها

أن الزمن سيعلم الناس كيف يميزون بين ما فكرنا فيه وما قلناه (27).

ونهج المقال التمهيدي نهج اقتراح لفرانسيس بيكون، فصنفت المعارف وفق الموهبة العقلية التي تنتج عنها: فوضع التاريخ تحت بند "الذاكرة" والعلوم في باب "الفلسفة" واللاهوت تحت بند "العقل" والأدب والفن في باب "الخيال" وكان ديدرو ودالمبير فخورين كل الفخر بهذا التقسيم وجعلا منه ورقة مطوية وضعاها بعد المقال أو خريطة للمعرفة أثارت أشد الإعجاب. وكان أقوى أثر في الموسوعة بعد أثر بيكون هو أثر لوك. "أننا مدينون للأحاسيس بكل أفكارنا". هذا هو ما جاء في المقال. ومن

ص: 44

هذا البيان راود الأمل المحررين على مدى المجلدات الثمانية أن يستنتجوا فلسفة كاملة ديناً طبيعياً يهبط بالإله إلى مجرد دفعة ابتدائية أولى وإن يستنتجوا علم نفس طبيعياً يجعل الذهن وظيفة من وظائف الجسم، ومبادئ أخلاق طبيعية تحدد الفضيلة على أساس واجبات الإنسان نحو الإنسان لا نحو الله- وتضمن "المقال التمهيدي" هذا البرنامج في حرص وحذر.

ومن هذه المبادئ الأولى أنتقل دالمبير إلى استعراض تاريخ العلم والفلسفة وأمتدح الأقدمين، وأستنكر العصور الوسطى وأنتقص من قدرها، وهلل لعصر النهضة وأبتهج به:

لن نكون منصفين إذا لم نعترف بفضل إيطاليا علينا، فمنها تلقينا العلوم التي أنتجت فيما بعد ثماراً وفيرة في كل أوربا. ونحن مدينون لها فوق كل شيء بالفنون الجميلة والذوق الذي زودتنا منه بعدد كبير من نماذج لا تبارى أو تتعذر محاكاتها (28).

وجاء أبطال الفكر الحديث ليتوجوا بأكاليل الغار:

يجدر أن يوضع على رأس قائمة الشخصيات اللامعة مستشاراً إنجلترا الخالد فرانسيس بيكون الذي تستحق أعماله بحق أن ندرسها حتى أكثر من أن نمتدحها. أننا حين نتأمل وندرس آراء ونظرات هذا الرجل العظيم الحكيمة الواسعة الأفق، والموضوعات الكثيرة التي أستعرضها في ذهنه، وجرأة أسلوبه التي جمعت في كل موضوع بين أروع الصور والانطباعات الذهنية وبين أعظم الدقة والأحكام. فإننا نميل إلى اعتباره أعظم الفلاسفة وأفصحهم وأشملهم وأوسعهم بحثاً (29).

وأنتقل دالمبير ليبرز كيف أن عبقرية ديكارت العميقة الخصبة في الرياضيات قد عوقها في الفلسفة الاضطهاد الديني:

إن ديكارت على الأقل تجاسر فبين للأذهان اليقظة كيف تتحرر من نير السكولاسية والرأي والسيطرة- وصفوة القول من التحيز والتحامل

ص: 45

والوحشية. وبهذه الثورة التي نجني نحن ثمارها اليوم أدى ديكارت للفلسفة خدمة قد تكون أجل وأشق مما تدين به لخلفائه البارزين المشهورين. وقد نعتبره زعيم عصابة تعاهدت، وكان لها من الشجاعة ما قادت به ثورة ضد سلطة استبدادية. وأرسى بفضل تصميمه الأكيد المشجع الملهم أساس حكومة أعدل وأفضل ما كان يمكن أن يعيش ليراها قائمة، وإذ انتهى به التفكير إلى إيضاح كل شيء فإنه على الأقل بدأ بالشك في كل شيء. إن الأسلحة التي يجب استخدامها لمحاربته ليست على الرغم من ذلك أسلحته لأننا نصوبها إليه.

وبعد أن تحدث دالمبير عن نيوتن ولوك وليبنتز ختم حديثه بالإعراب عن إيمانه بالنتائج الطيبة للمعرفة التي تزكو وتنمو وتنتشر: "إن قرننا ليعتقد بأنه قد كتب عليه إن يغير القوانين في جميع المجالات (30). ونشجع دالمبير بحرارة هذا الأمل فجعل من مقاله التمهيدي هذا تحفة من روائع النثر الفرنسي في القرن الثامن عشر. وشارك بيفون وموتتسكيو في الثناء على مقدمة الموسوعة في لغتنا فلسفة ومنطقاً وإشراقاً وأحكاماً ودقة (31).

ولم يكن المجلد الأول ضد الدين بشكل سافر. وكانت المقالات عن العقيدة والطقوس المسيحية تقليدية تقريباً. وأبرزت عدة مقالات بعض الصعوبات، ولكنها أختتمت كلها عادة باحترام مهيب للكنيسة. وكثيراً ما وجدت هرطقات مغلفة وهجمات عارضة على الخرافة والتعصب، ولكنها مستترة في مقالات واضح أنها كانت تعالج موضوعات بريئة مثل "حمل سكيزيا" أو النسر. من ذلك أن ما كتب عن حمل سكيزيا توسعوا فيه حتى صار بحثاً عن شواهد تركت الإيمان بالمعجزات في حالة يرثى لها. كما أن مادة "النسر" بعد مناقشة سذاجة الناس وسرعة تصديقهم انتهت بتهكم صريح:

"سعيد هذا الشعب الذي تطالبه ديانته ألا يؤمن إلا بالأشياء الحقيقية

ص: 46

المقدسة السامية الرفيعة الشأن، وألا يقتدى إلا بصالح الأعمال. ومثل هذه الديانة هي ديانتنا وهي التي فيها لا يتبع الفيلسوف إلا عقله حتى يصل إلى مذبحنا (32) وفي شيء من المكر والدهاء كانوا يهاجمون الخرافات والأساطير هنا وهناك. وانبثقت روح من الإنسانية العقلانية.

وعلى الرغم من كل شيء أستقبل اليسوعيون هذا المجلد استقبالاً ودياً. وأعترض جويوم فرنسوا برتييه المحرر العالم المثقف لصحيفة تريفو في رقة وأدب على توكيد المقال التمهيدي على الفلاسفة المهرطقين، وأشار إلى بعض الأخطاء والانتحالات، وطالب بتشديد الرقابة على المجلدات التي ستصدر فيما بعد، ولكنه أثنى على الموسوعة مشروعاً عظيماً ضخماً جداً يمكن لمحرريه بحق بعد إنجازه أن يطبقوا على أنفسهم قول هوراس "لقد أقمت نصباً أبقى من النحاس".

ثم أضاف برتييه "ليس هناك من هو أكثر منا ميلا إلى تبين الخفايا الدقيقة في الموسوعة ولسوف نعرضها برفق في مقتطفاتنا القادمة (33).

وثمة كاهن آخر لم يكن مترفقاً متساهلاً إلى مثل هذا الحد، وهو جان فرنسوا بوير أسقف ميربوا سابقاً الذي شكا المحررين إلى الملك بأنهم خدعوا الرقباء، فأرسله الملك لويس إلى مالشرب الذي كان قد أصبح كبير مراقبي المطبوعات، فوعد مالشرب بفحص المجلدات التالية بشكل أدق، ولكنه أثناء توليه مناصب حكومية أستخدم كل نفوذه لحماية الفلاسفة. وكان من حسن حظ الثائرين أن هذا المسيحي جويو دي مالشرب الذي كان قد أصبح متشككاً حين قرأ كتابات بيل والذي كان قد ألف كتاب "حرية الصحافة" هو الذي كان رقيب المطبوعات من 1750 - 1763 وهي أحرج فترة في حياة فولتير وديدرو وهلفشيوس وروسو. وكتب مالشرب "في القرن كان يستطيع فيه كل مواطن أن يتحدث إلى الأمة عن طريق الكتاب فإن هؤلاء الذين أوتوا المقدرة على تعليم الناس وتثقيفهم أو موهبة التأثير فيهم-وفي إيجاز رجال الأدب- وسط شعب مشتت يقومون بالدور الذي

ص: 47

كان يقوم به خطباء رومه وأثينا في شعب ملتف حولهم". وشجع مالشرب الحركة الفكرية بمنح "تراخيص ضمنية" للمطبوعات التي لا يمكن أن تحصل في ظل النظام القائم على ترخيص ملكي أو تنال استحسان السلطات. ذلك أنه كان من رأيه أن الإنسان الذي لم يقرأ إلا الكتب التي صدرت بموافقة صريحة من الحكومة

يكون متخلفاً عن معاصريه بنحو قرن من الزمان تقريباً (35).

وانتهت هذه الفترة السعيدة في حياة الموسوعة بحادث من أغرب الحوادث في تاريخ عصر الاستنارة، ذلك أنه في 18 نوفمبر 1751 تقدم جان مارتن دي براد للحصول على درجة جامعية من السوربون، وعرض على رجال اللاهوت رسالة ظاهرها البراءة والخلو من أية شائبة "من ذا الذي نفخ الله في وجهه روح الحياة"؟ وبينما النعاس يغلب على أعضاء هيئة الامتحان عرض الراهب الشاب في لغة لاتينية ممتازة تضاربات زمنية في الكتاب المقدس، وهبط بمعجزات المسيح إلى مستوى معجزات أسكولابيوس، وإستبدل بالوحي لاهوتاً طبيعياً متحرراً. وقبلت جامعة السوربون الرسالة ومنحت دي براد الدرجة. وأتهم الجانسنيون الذين كانوا يسيطرون على برلمان باريس الجامعة، وراحت الشائعات بأن لديدرو بداً في الرسالة، وسحبت الجامعة الدرجة وأمرت بإلقاء القبض على الراهب. وهرب دي براد إلى بروسيا حيث آواه فولتير حتى خلف لامتري قارئاً لفردريك الأكبر.

وصعق الأمناء الحراس على الديانة التقليدية إذا رأوا أن دي براد هذا نفسه كان قد كتب مقالة "اليقين" في المجلد الثاني من الموسوعة الذي صدر في يناير 1752. وكان في هذه المقالة أيضاً لمحات من ديدرو، وتعالت الصيحات ضد الموسوعة حتى أن برتييه الذي أطرى هذا المجلد لما فيه من إسهامات كثيرة في المعرفة، وجه اللوم إلى المحررين على قطعة ذكر فيها أن معظم الناس ينظرون إلى الأدب بعين الإجلال والإكبار مثلما ينظرون إلى الدين "أي إلى شيء لا يستطيعون أن يعرفوه أو يمارسوه أو يحبوه".

ص: 48

وقال اليسوعيون أن مثل هذا الكلام يجب لفت نظر المؤلفين والمحررين إليه حتى لا يعودوا يثبتون شيئاً من هذا القبيل في الموسوعة مستقبلاً (36). وفي 31 يناير أتهم كريستوف دي بومونت مطران باريس الموسوعة بأنها هجوم ماكر على العقيدة الدينية. وفي 7 فبراير صدر قرار من مجلس الدولة يحظر بيع الموسوعة أو نشرها. وفي نفس اليوم كتب مركيز دارجنستون في صحيفته "صدر في هذا الصباح قرار من المجلس لم يكن متوقعاً يقضي بمنع تداول الموسوعة أو نشرها بسبب مزاعم مروعة: منها الكفر بالله والتمرد على سلطة الملك. وفساد الأخلاق

وقيل في هذا الصدد أن مؤلفي الموسوعة ينبغي إعدامهم في أقرب وقت (37).

ولم تصل الأمور إلى هذا الحد من السوء، فلم يعتقل ديدرو، ولكن الحكومة صادرت كل المادة التي كان قد جمعها، وكتب فولتير من بوتدام يستحث ديدرو على نقل المشروع إلى برلين حيث يمكن النهوض به تحت حماية فردريك، ولكن ديدرو وقف عاجزاً بدون المادة التي صودرت. أما لي بريتون فكان يأمل أن تعدل الحكومة من قرار الحظر بعد سكون العاصفة، وأيد مالشرب ومركيز دارجنسون ومدام دي بمبادور النداء الذي تقدم به لي بريتون إلى المجلس. وفي ربيع عام 1752 وافق المجلس على نشر المجلدات الأخرى "بترخيص ضمني" وأشارت دي بمبادور على دالمبير وديدرو باستئناف العمل "مع تحفظ ضروري فيما يتعلق بما يمس الدين والسلطة الحاكمة"(38). ورغبة في تهدئة خواطر رجال الدين وافق مالشرب على أن يراجع المجلدات التالية ثلاثة من رجال اللاهوت يختارهم الأسقف السابق بوير.

وصدر المجلدان الثالث والرابع فيما بين عامي 1753 - 1756، بعد خضوعهما لرقابة صارمة. وزاد الغضب من انتشار الموسوعة، كما أصبحت رمز الأفكار الحرة، وزاد عد المشتركين إلى 3100 في المجلد الثالث، و4200 في المجلد الرابع.

ص: 49

وأجتاز دالمبير المحنة وقد اهتزت أعصابه بعض الشيء ومن ثم فإنه ضماناً لسلامته الشخصية اشترط ألا يكون مسئولاً بعد الآن إلا عن مقالات الرياضيات، ومهما يكن من أمر فإن ديدرو ظل يناضل الرقابة. وفي 12 أكتوبر 1752 نشر ظاهرياً في برلين وباسم دي براد "مواصلة الدفاع عن الراهب دي براد"، وتحدث فيه غاضباً، مشيراً إلى أن أحد الأساقفة شجب مؤخراً رسالة السوربون:"لست أعلم شيئاً أكثر مجافاة للياقة وأشد خطراً على الدين من هذه الخطب الغامضة التي تهاجم العقل والتي يلقيها بعض رجال اللاهوت. وقد يقول المرء لدى سماعها أن الناس لا يستطيعون الدخول في المسيحية إلا كما يدخل قطيع من الحيوان إلى حظيرة، وأن على المرء أن يتخلى عن الإدراك السليم وحصافة الرأي ليعتنق ديننا أو يستمسك به. وأكرر القول بأن إقرار هذه المبادئ معناه الهبوط بالإنسان إلى مستوى الحيوان، ووضع الزيف والحقيقة على قدم المساواة"(39).

وتابع في المجلد الثالث هجماته غير المباشرة على المسيحية، وغلفه بالجهر بالإيمان بالعقيدة القويمة. وأبرزت مقالته "التوقيت الزمني المقدس" مرة أخرى تناقضات التوراة. وألقت ظلالاً من الشك في نصوص الأسفار المقدسة. وأكدت مقالته عن "الكلدانيين" على إنجازاتهم في الفلك، ولكنها رثت لخضوعهم للكهنة "أنه لمما يزري بالعقل ولا يشرفه تقييده في الأغلال كما فعل الكلدانيون. ولد الإنسان ليفكر لنفسه" وعددت مقالته عن "الفوضى" الاعتراضات على فكرة الخلق وأسهبت -زعماً أنها تدحض وتفند- القول في حجج أبدية المادة. واشتملت على بعض النقاط الخلافية التي تثير الجدل مقالاته الممتازة في التجارة والمنافسة وأسلوب التأليف والتركيب (في الرسم)"والكوميديين" أي الممثلين، وأوضح ديدرو أنه لم يكن رساماً ولا خبيراً باللوحات والرسوم ولكنه أضطر إلى الكتابة في الموضوع لأن "الهاوي المتبجح" الذي عهد إليه بالكتابة عن أسلوب التأليف في الرسم، كان قد قدم موضوعاً تافهاً غير جدير بالنشر. وعبرت مقالة ديدرو عن بعض

ص: 50

أفكار أبهجت فيما بعد "صالوناته" فكانت مقالته عن "الممثلين" استمرار لحملة فولتير دفاعاً عن حقوقهم المدنية.

وحظي المجلد الثالث بثناء كبير خفف منه نقد اليسوعين وليلى فرينون في مجلة "السنة الأدبية" ورفع المشتركون الجدد من قيمة العمل ومكانته: وبدأ ديكلوس ينهض بقسط من الجهد في إخراج المجلد الرابع، وفولتير وترجو يشاركان في المجلد الخامس. وفي أثناء السنوات الأربع الأولى من المشروع كان فولتير مشغولاً أو متورطاً في ألمانيا -أما الآن في عام 1755 فقد أستقر به المقام في جنيف وأرسل منها المقالات عن "الأناقة""و"الفصاحة" و"الذكاء" وكلها تفيض أناقة وفصاحة وذكاء وكتب ديدرو نفسه للمجلد السادس مقالاً تحت عنوان "الموسوعة" عده بعض العلماء والباحثين أحسن ما كتب في المجموعة كلها. وكانت بالفعل من أطول المقالات حيث بلغ عدد كلماتها 34 ألف كلمة، تحدث فيه عن الصعوبات التي واجهت العمل لا من حيث القوى التي كانت تهدف إلى هدم المشروع فحسب بل كذلك من حيث ضآلة الاعتمادات المالية غير الكافية لدفع أجور المؤلفين ونفقات الطبع، والعلل الطبيعية التي انتابت الكتاب حيث أقعدهم المرض أو ضيق الوقت. وأقر العيوب الكثيرة التي أصابت المجلدات الخمسة الأولى التي كانت قد أخرجت في عجلة وخوف، ووعد بالعمل على ملاقاتها، وفي شيء من الانفعال كتب قانون الإيمان الخاص به: إن الغاية القصوى من أية موسوعة هو جمع المعرفة المتناثرة هنا وهناك على الأرض، وشرحها للمعاصرين ونقلها إلى الأعقاب، والغرض من ذلك هو ألا تكون جهود القرون الماضية غير ذات نفع للأجيال القادمة وأن يكون خلفاؤها وقد أصبحوا أكثر ثقافة وأغزر علماً، في نفس الوقت أسعد وأكثر تمسكاً بالفضيلة، وألا نفارق الحياة دون أن نحظى بثناء الجنس البشري وتقديره.

ورأى ديدرو في الموسوعة لطمة للأعقاب، ووثق أنهم سيدافعون عنه ويبرئونه، وتصور ثورة عارمة عطلت مؤقتاً تقدم العلوم وعمل فنون

ص: 51

الصناعة، وغمرت من جديد بالظلام جزءاً من العالم. وراوده أكبر الأمل في "اتراف مثل هذا الجيل بفضل أولئك الرجال الذين أوجسو خيفة من هذا الخراب وتوقعوه فجمعوا شتات المعرفة التي تراكمت عبر القرون وحفظوها في حرز أمين" وقال "إن الأعقاب بالنسبة للفيلسوف هي بمثابة الدار الآخرة بالنسبة لرجل الدين (40).

وخلق المجلد السابع الذي ظهر في خريف 1757 أزمة أخرى أسوأ مما سبقها. وذلك أن كسنى وترجو كتباً أبحاثاً مستفيضة مشهورة في شرح سياسة عدم التدخل الحكومي في الشئون الاقتصادية، (مذهب الفيزيوقراطيين في حرية التجارة والصناعة -ظهر في فرنسا في القرن الثامن عشر) كما أن لويس دي جوكور، الذي كثيراً ما أسهم الآن في الكتابة في الموسوعة، كتب مقالة موجزة مهينة تحت عنوان "فرنسا" بلغت كلماتها تسعمائة كلمة ولم ترو معظمها شيئاً من تاريخ فرنسا، بل عددت شوائبها وأخطائها: الافراط الخطير في عدم المساواة في توزيع الثروة، فقر الفلاحين، وتضخم باريس وتناقص السكان في الأقاليم. وفي مقال عن "الحكومة" كتب جوكور "أن الخير كل الخير للشعب في حريته

وبدون الحرية تنتفى السعادة في الدول" وفي هذا المجلد كتب فولتير مقالة عن الفسوق والزنى، وتفاخر بأنها علمية، ولكن مقالة "المقاومة" -على الأقل المقالة التي أثارت أشد مقاومة- هي المقاتلة عن جنيف التي التقيا بها في محيطها السويسري. ونسي دالمبير ما أخذ به نفسه من حيطة وحذر وتصميمه على الاقتصار على الرياضيات وأثار على نفسه سخط جنيف وباريس كلتيهما حين صور رجال الدين الكلفنيين بأنهم يرفضون ألوهية المسيح.

ورأى جريم على الغدر أن هذه المقالة زلة فظيعة تعوزها اللباقة، وقال إنها تسبب اهتياجاً وبلبلة. وأستنكر أحد اليسوعيين المجلد في عظة ألقاها أمام الملك في فرساي. وكتب دالمبير إلى فولتير يقول "إنهم يجزمون بأني أمتدح قساوسة جنيف في أسلوب يضر بالكنيسة الكاثوليكية"(41). وفي 5 يناير

ص: 52

1757 بذلت محاولة لقتل الملك. فكان رد الملك عليها أنه أحيا قانوناً قديماً يعاقب بالإعدام مؤلفي وناشري وبائعي الكتب التي تهاجم الديانة أو تزعج الدولة، وزج بعدد من الكتاب في السجن، ولم يعدم أحد ولكن دالمبير المرهف الحس تولاه الفزع بشكل واضح، وقطع علاقته بالموسوعة نفوراً من الهياج والصخب (1 يناير 1758). وفقد بعض الوقت قدرته على رؤية الأشياء في أوضاعها الصحيحة، وأتهم مدام بمبادور بمحابات "أعداء الفلاسفة" وتأييدهم، وطلب إلى مالشرب أن يكبح جماح زعيمهم فريرون. وألح عليه فولتير في عدم الاستقالة، فأجاب دالمبير في 20 يناير "أنت لا تدرك الوضع الذي نحن عليه، وصورة غضب السلطات علينا

أنا أشك في مواصلة ديدرو العمل بدوني

فإذا فعل هذا فإنه يمهد السبيل لسلسلة من المحاكمات والبلايا لمدة عشر سنوات" (43) وكان رعبه قد ازداد في السبعة أو الثمانية أيام التالية "إذا كان الأعداء ينشرون مثل هذه الأشياء اليوم بإذن صريح من قبل هذه المراجع المسئولة، فلن يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هذا يعني إثارة الهياج ضد المجلد السابع، وإلقاءنا في أتون المحرقة بالنسبة للمجلد الثامن" (43) وأذعن فولتير لرأي دالمبير، ونصح ديدرو بالتخلي عن الموسوعة، حيث أنه إذا أستمر العمل فيها بأية حال، فستكون خاضعة لرقابة تقضي على قيمة العمل باعتباره أداة للحد من سيطرة الكنيسة على الأذهان في فرنسا (44) وأبى ترجو ومارمونتيل وديكلوس وموريللي أن يكتبوا أية مقالات أخرى، وفترت همة ديدرو نفسه لفترة من الزمن، وكتب يقول "لا يكاد يمر يوم إلا وتحدثني نفسي بالذهاب إلى مسقط رأسي في شمبانيا لأعيش منزوياً في هدوء" (45) ولكنه لن يلقي سلاحه ولن يستسلم. وفي فبراير 1758 كتب إلى فولتير "أن التخلي عن العمل معناه أن ننقض العهد ونتكص على أعقابنا ونفعل ما يريده منا هؤلاء الأوغاد الذين يضطهدوننا. آه لو علمت كم ابتهجوا وفرحوا عندما علموا باعتزال دالمبير العمل، وكم من مناورات قاموا بها للحيلولة دون رجوعه إليه!

ص: 53

وفي اجتماع أساقفة فرنسا 1758 قدموا إلى الملك منحة اختبارية كبيرة بشكل غير عادي، وتقدموا إليه برجاء إلغاء "الترخيص الضمني" الذي يجيز نشر الموسوعة في فرنسا. وفي 1768 شرع أبراهام دي شوميكس في إصدار سلسلة من النشرات تحت عنوان "أحكام شرعية ضد الموسوعة" وأثار نشر كتاب هلفشيوس "أسس الروح"(27 يوليو 1758) مزيداً من الاحتجاجات، وتورطت الموسوعة في هذه العاصفة حيث انتشرت الشائعات القوية بأن ديدرو تربطه بهلفشيوس علاقات وثيقة. وزاد الطين بلة أن روسو الذي كان يكتب للموسوعة مقالات في الموسيقى، رفض أن يسهم في التحرير الآن. وروجت رسالته إلى دالمبير عن العروض المسرحية نبأ انشقاقه على الفلاسفة. وبدأ أن معسكر الموسوعيين قد تمزق. وفي 23 يناير 1759 حذر وكيل الملك أمير دي فليري برلمان باريس من أن هناك مشروعاً أعد وجماعة تكونت لنشر المذهب المادي، والقضاء على الدين ونشر روح الاستقلال، والعمل على إفساد الأخلاق (46) وأخيراً في 8 مارس، صدر من مجلس الدولة أمر بتحريم الموسوعة تحريماً تاماً، فلا يطبع أي مجلد جديد، ويمنع بيع أو تداول المجلدات الموجودة. وأوضح القرار أن الفوائد التي تجنى من هذا العمل من حيث تقدم الفنون والعلوم لا يمكن بحال من الأحوال أن تعوض عن الأضرار البالغة المتعذر إصلاحها التي تنشأ بالنسبة للعقيدة الدينية والأخلاق (47).

ولم يتهدد هذا المرسوم سلامة أشخاص الفلاسفة فحسب، بل تهدد كذلك قدرة الناشرين على الوفاء بديونهم. وكان كثير من المشتركين قد دفعوا قيمة اشتراكهم في المجلدات التالية، فكيف يتيسر رد ما دفع مقدماً؟ فمعظم هذه الأموال أنفق على المجلدات السبعة الأولى، وعلى الإعداد لإخراج المجلد الثامن الذي كان معداً للتوزيع حيث صدر المرسوم الملكي. وحرض ديدرو الناشرين على ألا يستسلموا، لعل هذا المرسوم يجري أيضاً تعديله أو العدول عنه في الوقت المناسب، وإلا طبعت المجلدات الباقية في الخارج.

ص: 54

وبناء على طلب الناشرين لزم ديدرو داره وواصل العمل في المجلد التاسع. وفي الوقت نفسه بذل مالشرب وآخرون غيره أقصى الجهد في تسكين غضب الحكومة.

وهنا-في صيف 1759 ظهرت في باريس نشرة سرية غفل الاسم، تحت عنوان مذكرة إلى "فرانسوا شوميكس" وهي قطعة مملة عنيفة في موقف واحد، تهاجم في أقذع الإهانة والسباب، لا الحكومة والبرلمان واليسوعيين والجانسنيين وحدهم، بل هاجمت المسيح وأمه كذلك. وقال ديدرو "إن العمل منسوب إلينا بما يشبه الإجماع"(48). وقصد إلى مالشرب وإلى مدير الشرطة وإلى المحامي العام للبرلكان وأقسم أنه لا علاقة له بتفجير الإلحاد في الشوارع على هذا النحو، وصدقه أصدقاؤه، ولكنهم نصحوه بمغادرة باريس فأبى الهروب، محتجاً فإن في الهروب اعترافاً بالذنب. وحذره مالشرب من أن الشرطة ستهاجم منزله وتصادر أوراقه، ومن ثم ينبغي إخفاؤها. فتساءل الثائر الحائر المنزعج "ولكن أين أخفيها؟ " وكيف يتسنى له في ساعات قلائل أن يوفق إلى مكان يخفي فيه كل هذه المادة التي جمعها؟ فقال مالشرب "أرسلها إلي أنا، لن يأتي أحد ليفتش عنها هنا"(49). وفي الوقت نفسه عثر رجال الشرطة على طابعي النشرة المخزية، وانتهوا إلى أن ديدرو لم يكن له صلة بها، لم يصدر أمر بمصادرة أوراقه، وتنفس الصعداء ولكنه أشرف على الإصابة بانهيار عصبي، وصحبه صديقه الغني دي هولباخ لقضاء عطلة في بعض الأماكن القريبة من باريس. وكتب ديدرو "حملت معي إلى كل مكان قصدناه خطى مضطربة متعثرة ونفساً مكتئبة"(50).

وعاد ديدرو إلى باريس، ووقع مع الناشرين عقداً جديداً لإعداد تسعة مجلدات إضافية من الموسوعة لقاء مبلغ 25 ألف جنيه. وعرض دالمبير أن يستأنف مسئوليته عن مقالات الرياضيات، ووجه ديدرو إليه اللوم على تخليه عن العمل في وقت المحنة حين حمل عليه العدو، ولكنه قبل إسهامه

ص: 55

في الموسوعة، وكذلك انضم إليهم فولتير. وكان ديدرو يأمل أن يكمل المجلد السابع عشر والأخير في 1760. ولكنه في سبتمبر 1761. كتب يقول "انتهت المراجعة المزعجة، حيث قضيت فيها خمسة وعشرين يوماً متصلة بمعدل عشر ساعات في اليوم"(51) وظل لعشرة أيام أخر حبيساً في داره لمراجعة اللوحات والرسوم. وتم طبع المجلدات من الثامن إلى السابع عشر في تعاقب سريع في باريس، ولكنها موسومة بعلامة تشعر بأنها نشرت في نيوشاتل، وتغاضى سارتين مدير عام الشرطة الجديد عن هذه الخدعة أو التضليل (52) ومهد الطريق لهذا طرد اليسوعيين من باريس 1762

(1)

وفي سبتمبر 1762 عرضت كثرين قيصرة روسيا استكمال الموسوعة تحت حماية الحكومة في سان بطرسبرج، وجاء مثل هذا العرض من فردريك الأكبر عن طريق فولتير. وربما استحثت هذه الاقتراحات الرجال الرسميين في فرنسا على إجازة الطبع في باريس. وظهر المجلد الأخير من النصوص في 1765، وأضيف أحد عشر مجلداً للوحات والرسوم فيما بين عامي 1765و1772 وصدر ملحق من خمسة مجلدات، مجلدان لفهرس الموسوعة فيما بين عامي 1776 - 1780 وطلب إلى ديدرو تحريرها ولكنه كان منهوكاً مرهقاً فرفض، فإن أهم مشروع نشر في هذا القرن استنزف قواه، ولكنه خلد ذكره بالقدر الذي تسمح به تقلبات المدنية.

(1)

إن القصة الطريفة التي تقول بأن مدام بمبادور أقنعت لويس الخامس عشر بالتخلي عن معارضه في نشر المجلدات من الثامن إلى السابع عشر باطلاعه على مقالة "البارود" قصة مرفوضة الآن بصفة عامة على أنها من نسج خيال فولتير (53) والقصة مذكورة في المجلد الثامن والأربعين من طبعة بيشو لأعمال فولتير، وفي كتاب جونكور "مدانم دي بمبادور" ص147.

ص: 56

‌4 - الموسوعة نفسها

إن كل محتويات الموسوعة تقريباً نسختها الثورة الفكرية التي ساعدت على إذكاء نارها، ولكنها تسترعي انتباهنا لمجرد أنها أحداث في تاريخ الأفكار، وأسلحة أستخدمها الفلاسفة في صراعهم مع المسيحية الوحيدة التي عرفوها، وقل إن كان الهجوم مباشراً كما رأينا وكانت مقالتا "المسيح والمسيحية" وكلتاهما بقلم ديدرو، قويمتين تقليديتين في جوهرهما. وأمتدح المقالة الثانية أحد الرهبان الإيطاليين. وكتب نفر من الكهنة مقالات للموسوعة، ومن ذلك أن الراهب يفون كتب مقالة بعنوان "الملحدون" ولم تؤيد الموسوعة الإلحاد بل الربوبية. ومهما يكن من أمر فإن المراجع المفترضة كانت في بعض الأحيان مضللة، ملحقة بمقالة تقليدية رشيدة. وكثيراً ما أشارت إلى مقالات أخرى تثير الشكوك. من ذلك أن المقالة المثالية عن "الله" أشارت إلى مقالة "البرهان" التي أوردت قواعد للبرهنة فيها تشويه للمعجزات والأساطير. وفي بعض الأحيان شرحت أقل العناصر اعتدالاً ومعقولية في العقيدة المسيحية في قبول ظاهر، ولكن بطريقة تستدعي الارتياب والجدل. ورفضت المبادئ الصينية أو الإسلامية المماثلة للنظريات المسيحية باعتبارها غير عقلانية. وارتفعت الصيحات بأن مقالة "الكهنة" غير ودية، ويحتمل أن دي هولباخ هو الذي دبجها، لأن الفلاسفة كانوا يمقتون رجال الدين بوصفهم أعداء الفكر الحر ومشجعين على الاضطهاد وزعم المؤلف أنه إنما كان يكتب عن رجال الدين الوثنيين: "إن الخرافة ضاعفت من مراسم وطقوس الشيع المختلفة، ومن هنا شكل القائمون عليها طائفة مستقلة، وأعتقد الناس أن هؤلاء الأشخاص مخلصون للمعبود كل الإخلاص. ومن هنا كان للكهنة نصيب في إجلال الناس لله. وبدت المناصب العادية التي يشغلونها أدنى مستوى منهم، وأعتقد العامة أنهم مرغمون على أن يقدموا لهؤلاء الكهنة ما يعولهم

وكأنهم ودائع ينفذون وصية الله، ووسطاء بين الآلهة والناس.

وعمد الكهنة، لكي يثبتوا سلطانهم ويؤكدوا سيطرتهم، إلى تصوير الآلهة بأنهم قساة حقودون محبون للانتقام لا يستشعرون الرحمة. وأدخلوا

ص: 57

لمراسم والطقوس والشعائر والأسرار التي يمكن أن تبعث فظاعتها في نفوس الناس الاكتئاب الرهيب الملائم كل الملائمة لدنيا التعصب. ثم تدفق الدم البشري الغزير فوق المذابح. وظن الناس، وقد ملأهم الخوف بالجبن وأعمتهم الخرافة، أنه لن يكون أي ثمن يدفعونه غالياً في سبيل الحظوة برضا الأرباب. وأسلمت الأمهات أطفالهن الصغار دون أن يذرفن دمعة واحدة، إلى النيران الملتهبة، وسقط آلاف الضحايا تحت سكين القربان المقدس

وكان من الميسور على الرجال الذين كانوا موضع الإجلال والاحترام إلى هذا الحد، أن يبقوا طويلاً داخل حدود الخضوع الضروري للنظام الاجتماعي. فإن الكهنة الذين أسكرتهم السلطة كثيراً ما نازعوا الملوك حقوقهم. وأمسك التعصب والخرافة بالسيف مسلطاً على رؤوس الملوك واهتزت العروش حين رغب الملوك في كبح جماح أو معاقبة الرجال المقدسين الذين كانت مصالحهم متشابكة مع مصالح الآلهة

كان الحد من سلطانهم يعني تقويض أركان الديانة" (54).

وبصفة عامة اتخذت الحرب ضد العقيدة القديمة شكل الثناء على المعتقدات الجديدة في العلوم والفلسفة ومناهجهما. وكان الفلاسفة يحلمون بإحلال العلوم محل الدين والفلاسفة محل الكهنة على الأقل بين الطبقات المتعلمة، وحظيت العلوم بتفسيرات وشروح مسهبة، مثال ذلك أن ستة وخمسين عموداً خصصت "للتشريح"، وتحت بند "الجيولوجيا" كتبت مقالات مطولة عن المياه المعدنية والمعادن والطبقات وأنهار الجليد والاحافير والمناجم والزلازل والبراكين والأحجار الكريمة. وكان لزاماً أن توضع الفلسفة في النظرة الجديدة إليها على أساس من العلوم تماماً. وينبغي ألا تبنى "نظماً" ويجب أن تتجنب الميتافيزيقا ويجب ألا تتحدث بلغة الأساقفة عن منشأ العالم ومصيره، وشنت مقالة "المدرسة" هجوماً مباشراً على الفلاسفة السكولاسيين (المدرسيين) على اعتبار أنهم تخلوا عن البحث عن المعرفة، واستسلموا للاهوت. وضيعوا أنفسهم، وهم آمنون في المنطق الواهي مثل خيوط العنكبوت، وسط غيوم الميتافيزيقا.

ودبج ديدرو سلسلة من المقالات الممتازة في تاريخ الفلسفة، استندت

ص: 58

كثيراً على كتاب جوهان جاكوب بروكر "تاريخ النقد الفلسفي"(1742 - 1744) ولكنها كشفت عن بحث أصيل في الفكر الفرنسي، وشرحت المقالات التي كتبت عن مدرسة إلياو أبيقور المذهب المادي. وأفرطت بعض المقالات في إطراء برونو وهوبز. وباتت الفلسفة عند ديدرو ديانة. "والعقل للفيلسوف هو بمثابة البركة والنعمة الإلهية للمسيح"(55). وصاح "فلنسارع لنجعل الفلسفة شعبيه"(56). وفي مقالة "الموسوعة" كتب كما يكتب الرسل أو الحواريون "اليوم حين تتقدم الفلسفة إلى الأمام بخطى جبارة، وتخضع لسلطانها كل الأشياء التي تهمها، وحين يكون صوتها عالياً مدوياً، وتشرع في طرح نير السلطة والتقاليد وتتمسك بقوانين العقل

"وهنا كانت العقيدة الجريئة الجديدة مع ثقة فتية شابة قليلاً ما توجد ثانية. وربما كان يفكر في حاميته الإمبراطورية في روسيا، وأضاف مثل أفلاطون" وحدوا بين حاكم (كترين الثانية) وبين فيلسوف من هذا الطراز (ديدرو) ومن ثم تجدون ملكاً بلغ درجة الكمال (57).

وإذا حل مثل هذا الفيلسوف محل كاهن اعتراف مرشد وموجه للملك، فلا بد أن ينصحه أول ما ينصح بإطلاق الحرية، وبخاصة حرية الكلام والصحافة "إن أحداً لم يتلق من الطبيعة حق التحكم في الآخرين" (58) وفي هذا تعريض شديد بحقوق الملك الإلهية أما بالنسبة للثورة: "إن السلطة التي يتم الاستيلاء عليها عن طريق العنف ليست إلا اغتصاباً، لا تدوم إلا بقدر تفوق قوة من سيطر على قوة من أذعنوا له. فإذا توافر لهؤلاء الآخرين قسط كبير من القوة وتخلصوا من نير من تسلط عليهم من قبل فإنهم يفعلون بحكم الحق والعدل مثل ما فعل هذا الذي كان قد تحكم فيهم وفرض عليهم سلطانه من قبل. إن نفس القانون الذي فرض السيادة هو الذي يحطمها ويبطلها، وهو قانون الأقوى،

ومن ثم فإن السلطة الحقيقية الشرعية لها بالضرورة حدود وقيود

إن الأمير (الملك) يتلقى من رعاياه السيادة التي يمارسها عليهم. وهذه السيادة محدودة بقوانين الطبيعة وقوانين الدولة

إن الدولة لا تتبع الأمير، بل إن الأمير هو الذي يتبع الدولة وينتسب إليها (59).

ولم تكن الموسوعة اشتراكية ولا ديمقراطية، بل إنها قبلت الملكية،

ص: 59

ونبذت نظرية المساواة التي شرحها روسو بقوة 1755. ودافعت مقالة جوكور "المساواة الطبيعية" عن المساواة أمام القانون، ولكنها استطردت تقول "إني أدرك تمام الإدراك ضرورة تباين الأحوال والدرجات والمقامات والطبقات والامتيازات والتبعية التي يجب أن تسود في كل الحكومات" (60) وأعتبر ديدرو آنذاك أن الملكية الخاصة أساس لا غنى عنه للمدنية (61) على أن مقالة "الإنسان" على أية حال كانت لها وقفة مع الشيوعية: "إن الربح الصافي للمجتمع إذا وزع توزيعاً عادلاً بالتساوي قد يكون مفضلاً على ربح أكبر إذا لم يوزع على قدم المساواة، ومن ثم تكون نتيجته تقسيم الشعب إلى طبقات" وعند التحدث عن الملاجئ قيل "قد يكون السعي إلى منع الفقر والبؤس ذا قيمة أكبر من مضاعفة الملاجئ لإيواء البؤساء" (62).

إن الملك الفيلسوف قد يفحص من وقت لآخر شئون الإقطاع ويلغي الامتيازات الإقطاعية التي لم تعد تتكافأ مع خدمات السادة الإقطاعيين للفلاحين أو الدولة (63). وقد يجد بديلاً إنسانياً للعمل الإجباري، أي نظام السخرة، ويحرم تجارة الرقيق، ويضع حداً، كلما أتسع سلطانه، للحروب بين الأسرات المتنافسة والصراعات التي يمليها الجشع، ويسعى إلى تطهير المحاكم من الفساد، ويوقف بيع الوظائف، ويخفف من وطأة قانون العقوبات وعلى الأقل يضع حداً للتعذيب القضائي. وعليه، بدلاً من العمل على استدامة الخرافة وانتشارها، أن يبذل أقصى جهوده في أن يدفع إلى الأمام هذا العصر الذهبي الذي يمكن أن يتحالف فيه فن الحكم وسياسة الدولة مع العلم في حرب متصلة ضد الجهل والمرض والفقر.

وكانت الأفكار الاقتصادية في الموسوعة في جملتها هي أفكار الطبقة الوسطى التي ينتمي إليها معظم الفلاسفة. وهي على الأغلب آراء الفيزيوقراطيين التي سيطرت بزعامة كنى وميرابو الأب على النظرية الاقتصادية في فرنسا في أواسط القرن الثامن عشر. فقد ساد الاعتقاد بأن حرية العمل والمشروعات -ومن ثم التجارة الحرة والمنافسة الحرة- أمر حيوي بالنسبة للأحرار من الناس، ولذلك كانت النقابات وهي عوائق لهذه كلها، غير مرغوب فيها ولا يتقبلها أحد. وقدر لهذه الأفكار أن تبرز على مسرح التاريخ في وزارة

ص: 60

ترجو 1774 ونبهت الموسوعة الأذهان إلى التكنولوجيا الصناعية وأولتها عناية متحمسة، وهي التكنولوجيا التي بدأت تغير وجه الاقتصاد في إنجلترا وفرنسا. وأعتقد ديدرو أن الفنون الميكانيكية يجب إكبارها والرفع من شأنها باعتبارها تطبيقاً للعلوم، والتطبيق بالتأكيد ذو قيمة كبيرة مثل النظرية تماماً. "ما هذا الحمق في قدراتنا وتقديراتنا! إننا نخص الناس على أن يشغلوا أنفسهم بما يفيد وينفع، ثم نحتقر الرجال النافعين"(64). وكان يأمل في أن تكون الموسوعة مستودعاً جامعاً مانعاً للتكنولوجيا حتى إذا وقعت بالفنون الميكانيكية كارثة دمرتها أمكن بناء هذه الفنون من جديد بفضل مجموعة باقية من مجلدات الموسوعة. وكتب هو نفسه مقالات مطولة بذل فيها جهداً كبيراً عن الصلب والزراعة والإبر والبرونز وآلة النقب والقمصان والجوارب والأحذية والخبز. وأعجب بعبقرية المخترعين وبمهارة الحرفيين. وقصد بنفسه أو أرسل مساعديه إلى المزارع والحوانيت والمصانع لدراسة العمليات والمنتجات الجديدة، وأشرف على حفر الرسوم والنقوش التي قارب عددها ألفاً والتي جعلت من مجلدات اللوحات الأحد عشر إحدى العجائب من نوعها في ذلك العصر. وكانت الحكومة فخورة بأن يشمل هذه المجلدات الأحد عشر الإذن الملكي بطبعها ونشرها. وقد ضمت خمساً وخمسين لوحة عن صناعة النسيج وإحدى عشرة لوحة عن سك العملة وعشراً عن الصناعات الحربية، وخمساً عن البارود، وثلاثاً عن صناعة الدبابيس. وكانت هذه اللوحات الثلاث الأخيرة مصدراً لمقالة آدم سميث الشهيرة عن توزيع العمل إلى "18 عملية متميزة" في إنتاج الدبوس (65). قال ديدرو:"من أجل الحصول على هذه المعلومات كنا نقصد إلى أقدر الحرفيين في باريس وفي سائر أنحاء المملكة، وحرصنا على أن نوجه إليهم الأسئلة ونكتب ما يملون علينا. ونحصل منهم على المصطلحات المستخدمة في حرفهم. وفي مقابلات طويلة كثيرة مع مجموعة واحدة من العمال كنا نستكمل ما قد يكون الآخرون قد شرحوه بشكل ناقص أو غامض أو أحياناً غير دقيق. وأرسلنا إلى الحوانيت حفارين ورسامين رسموا الآلات والأدوات دون أن يحذفوا شيئاً يمكن أن يجعلها واضحة تمام الوضوح أمام الأعين"(66).

ص: 61

وفي 1773، عندما طلب سلطان تركيا إلى بارون دي توت أن يصنع المدافع لحصون الدردنيل أستخدم البارون مقالة "المدافع" في الموسوعة مرشداً دائماً يسترشد بما جاء فيها (67).

وبعد أن فرغ ديدرو من إعداد النص كاملاً، أصيب بنكسة زلزلت كيانه وحطمت روحه، ذلك أنه وهو يراجع إحدى المقالات أكتشف أجزاء كثيرة من أوراق التجارب التي كان قد صححها وأعتمدها حذفت أو سقطت عند الطبع. وأظهرت مراجعة بعض المقالات الأخرى أن حذفاً مماثلاً جرى في المجلدات من التاسع عشر، وجرى الحذف والتعديل عادة في أجزاء ربما أثارت مرة أخرى رجال الدين أو البرلمان. وجرى الحذف دون اعتبار للمنطق أو السياق في الجزء الباقي من المقالة. وأعترف لي بريتون بأنه عمد إلى هذه العملية الجراحية (الحذف) لينقذ الموسوعة مما قد تتعرض له من محن، وينقذ نفسه من الإفلاس. وروى جريم نتيجة هذا العمل "لقد جن جنون ديدرو عند اكتشاف هذا التصرف، ولن يغيب عن ذاكرتي مطلقاً هذا الذي حدث له وظل لعدة سنين يصرخ في وجه لي بريتون "لقد كنت تخدعني بشكل مخز ودنئ

وضيعت جهود عشرين من أفاضل الرجال، الذين خصصوا كل وقتهم وقدراتهم ومواهبهم ونشاطهم حباً في الحق وجرياً وراء الحقيقة، يحدوهم مجرد الأمل في وصول آرائهم إلى جمهور الناس، ولا يريدون منها إلا أيسر الجزاء بثمن غال

ولسوف يذكرونك منذ الآن رجلاً أقترف جريمة الخيانة، وتصرف تصرفاً وقحاً كريهاً، مما لا يقارن به أي شيء حدث في هذا العالم" (68). ولم يغفر ديدرو لبريتون هذه الزلة قط".

إننا لو ألقينا نظرة فاحصة إلى هذا العمل، سواء من حيث تاريخه أو محتوياته: لأدركنا أنه المشروع البارز الرائع في عصر الاستنارة في فرنسا، ومنذ كان ديدرو فيه رئيساً لا غنى عنه، كانت مكانته تجئ بعد فولتير وروسو في الصورة العامة الشاملة للحياة الفكرية في فرنسا في القرن الثامن عشر. وكانت مثابرته على تحرير الموسوعة عملية متشعبة الأطراف مضنية. إنه أثبت المراجع المتعارضة وصحح الأخطاء وقرأ تجارب الطبع، وطاف

ص: 62

بأرجاء باريس يبحث عن الكتاب ويستحثهم. ودبج بقلمه مئات المقالات في حالة عدم العثور على الكتاب أو عجزهم عن الكتابة. وكان المرجع الأخير إذا قصر الآخرون، ومن ثم نجده يكتب في الفلسفة والفن والمسيحية، والأصلة العاصرة (نوع من الحيات الضخمة الماحقة) والجمال وأوراق اللعب ومصانع الجعة والخبز المقدس. وسبقت مقالته عن "التعصب أو عدم التسامح" رسالة فولتير في نفس الموضوع، وربما أوحت ببعض الأفكار الواردة فيها. وزخر الكثير من مقالاته بالأخطاء، وكان بعضها عدائياً غير منصف بشكل مشوش، مثال ذلك مقالته عن اليسوعيين، ولكنه كان في عجلة من الأمر، على حذر يستعد للنضال، كما كانوا يطاردونه، وكان يحارب بكل سلاح في متناول يده.

أما وقد خفت حدة المعركة، ففي مقدورنا أن نتبين مواطن الضعف في الموسوعة. ففيها ألف خطأ في إيراد الحقائق، وفيها تكرارات طائشة غير مدروسة وحذف فاضح، وكان فيها انتحالات جوهرية، كما أوضح الباحثون اليسوعيون "وكانت بعض المقالات" لوحة من المسروقات أو الاقتباسات (69). وفي ثلاثة أعداد من صحيفة تريفو أورد برتييه، استناد إلى مراجع دقيقة ومقتبسات متطابقة أكثر من مائة من الانتحالات في المجلد الأول وكان معظم هذه المسروقات مختصراً غير ذي أهمية، ولكن بعضها امتد إلى ثلاثة أو أربعة أعمدة منقولة بالحرف الواحد.

وكان في الموسوعة شوائب فكرية خطيرة. ومن ذلك أنه كان لدى المؤلفين فكرة بالغة السذاجة عن الطبيعة البشرية، وتقدير متفائل إلى حد بعيد لأمانة العقل وإدراك غامض غاية الغموض لضعف هذا العقل وهشاشته أو سهولة إنقياده، ونظرة عامة متفائلة أكثر مما ينبغي إلى كيفية استخدام الناس للمعرفة التي يزودهم بها العلم. إن الفلاسفة بصفة عامة وديدرو بصفة خاصة، كانت تعوزهم الحاسة التاريخية. إنهم قليلاً ما توقفوا ليبحثوا كيف نشأت ونهضت تلك المعتقدات التي حاربوها، وأية حاجات بشرية، لا ابتداعات كهنوتية أنتجتها وهيأت لها الدوام. وعميت أبصارهم تماماً عن إسهام الديانة الضخم في النظام الاجتماعي وفي الأخلاق وفي الموسيقى والفنون، وفي

ص: 63

تخفيف الفقر والشقاء. إن تحاملهم على الدين شديداً إلى حد أنهم لا يستطيعون مطلقاً إدعاء النزاهة أو عدم التحيز الذي ينبغي أن نعتبره الآن عنصراً أساسياً في الموسوعة الجيدة. وعلى الرغم من أن بعض اليسوعيين مثل برتييه، كانوا في الغالب منصفين في نقدهم للموسوعة، فإن معظم نقادنا كانوا متحيزين مثل الفلاسفة.

وأحس ديدرو إحساساً قوياً بالأخطاء الحقيقية الفعلية في الموسوعة فكتب في 1755: إن الطبعة الأولى من الموسوعة لا يمكن إلا أن تكون جمعاً وتصنيفاً مشوهين ناقصين (70)، وتوقع أن تحل محلها وشيكاً طبعة أخرى مصححة. وحتى مع هذا شق هذا الإنتاج الضخم طريقه إلى الأوساط الفكرية في القارة. وأعيد طبع المجلدات الثمانية والعشرين ثلاث مرات في سويسرا، ومرتين في إيطاليا، ومرة في ألمانيا، ومرة في روسيا، وعادت الطبعات المنتحلة إلى فرنسا لتنشر تأثير الأفكار المهربة. وبلغ عدد الطبعات ثلاثاً وأربعين طبعة على مدى خمسة وعشرين عاماً -وهو رقم قياسي لمثل هذه المجموعة الغالية الثمن. وكان أفراد الأسرة يجتمعون في المساء ليقرءوا الموسوعة وتألفت مجموعات متلهفة على دراستها. وأشار توماس جفرسون على جيمس ماديون بشرائها.

والآن وقد ظهر إنجيل العقل ضد الأساطير، وإنجيل المعرفة ضد العقيدة والتعاليم الدينية، وإنجيل التقدم عن طريق التعليم ضد التأمل أو التفكير القديم في الموت، فكأنما هبت كلها على أوربا مثل ريح محملة بلقاح جديد، تبدد كل التقاليد وتنير الفكر وتوقظه، وتدعو آخر الأمر إلى الثورة.

إن الموسوعة كانت ثورة قبل "الثورة الفرنسية"

ص: 64

الفصل العشرون

‌ديدرو وبروتيه

‌1758 - 1773

1 -

القائل بوحدة الوجود

إننا نسميه بروتية Proteus لأنه مثل إله البحر عند هوميروس، حاول أن يفلت من أيدي صائديه بالتشكل في مختلف الأشكال (1). أما فولتير فقد أطلق على ديدرو أسم بانتوفيلس، لأنه أولع بكل فروع العلوم والأدب والفلسفة والفن. وكان له بكل هذه المجالات معرفة واسعة، وأسهم في كل واحد منها إسهاماً مثيراً موحياً. وكانت الأفكار هي كل زاده وعتاده. فجمعها وتذوقها وفحصها. ثم سكبها مشوشة تشويشاً مسرفاً حيثما وجد قرطاسياً خالياً أو آذاناً صاغية "إني أضع أفكاري على الورق ولتكن ما تكون"(2) وربما أصبحت أعداء. ولم ينسق قط بينها ولم يهتم قط بترابطها. ويمكن أن نقتبس عنه في أي أتجاه تقريباً، ولكن نزعته المركبة كانت جلية واضحة. وكان أكثر أصالة من فولتير، وربما كان السبب في هذا أنه لم يرتض قط المعايير التقليدية. وقد يطلق لنفسه العنان دون قيود مقبولة. وتتبع كل نظرية أنى قادته، أحياناً إلى أعماقها وأحياناً أخرى إلى حثالتها. وتعرف على كل وجهات النظر إلا وجهات نظر القسيس والقديس لأنه لم يكن لديه حقائق أو أشياء يقينية "أني لا أهتم بتشكيل السحب أكثر مني بتبديدها، وتعطيل القرار أو الحكم، لا بأتخاذه .. أنا لا أقرر، بلى أتساءل (3) أنا أترك ذهني يهيم إلى حد السرف، وأطلق العنان لمتابعة أية فكرة سليمة كانت أو طائشة، تأتي أو تقفز إلى ذهني أولاً، وأتعقبها كما يتعقب الشباب الداعر محظية بائسة وهي تبتسم، وتتلألأ عيناها وتنظر بأزدراء

إن أفكاري هي محظياتي (4).

ص: 65

وكان لديدرو خيال عقلاني، فتخيل الأفكار والفلسفات والشخصيات كما يتخيل الآخرون الأشكال والمشاهد. ومن غيره كان يستطيع في زمانه أن يتصور "أين أخي رامو" المخزي اللا أخلاقي الفاتن. إنه بعد أن يخلق أحد شخوصه يدعه ينمو ويتطور وكأنما يفعل ذلك طواعية وأختياراً. ثم يدع هذه الشخصية تقوده، وكأنما المؤلف هو الدمية المتحركة أو الألعوبة. إنه تخيل نفسه في مكان راهبة شابة كارهة ثم جعلها حقيقة إلى حد أن المتشككين الفرنسيين تولاهم الجزع لمحنتها. أنه جرب الأفكار تجريباً عقلياً، وتمسك بها بعض الوقت، وتخيل نتائجها منطقياً أو عملياً، ثم طرحها جانباً. وما كادت توجد فكرة في هذا العصر إلا دارت بخلده. أنه واقعياً لم يكن مجرد موسوعة متحركة، بل كان معملاً متنقلاً. سارت أفكاره معه أينما سار.

وهكذا فإن ديدرو في كتابه "بعض الأفكار في تفسير الطبيعة" الذي نشره في 1754 غفلاً من أسم المؤلف، بترخيص ضمني من الرقيب الكريم المحسن مالشرب -تلاعب عن الأحدية (القول بأن ثمة مبدأ غائباً واحداً، كالعقل أو المادة. القول بأن الحقيقة كل عضوي واحد). والمادية والآلية والحيوية (المذهب الحيوي الذي يقول بأن الحياة مستمدة من مبدأ حيوي وأنها لا تعتمد أعتماداً كلياً على العمليات الفيزيائية والكيميائية) والتطور. وكان لا يزال متأثراً ببيكون وأخذ عنه العنوان والصيغة الحكيمة ودعوة رجال العلم ليتكاتفوا في العمل على قهر الطبيعة عن طريق التجريب والعقل. وتأثر كذلك بكتاب موبرتيوس "منهج عام للطبيعة"(1751) وكتاب بيفون (التاريخ الطبيعي (1749). وأتفق مع موبرتيوس على أن كل مادة قد تكون حية، ومع بيفون في أن علم الحياة (البيولوجيا) مستعد الآن للتحدث إلى الفلسفة. ورحب عند المؤلفين كليهما بفرضية التطور الناشيءة.

وبدأ ديدرو بمخطط ضخم: (إنها الطبيعة هي التي أريد أن أصفها، إن الطبيعة هي الكتاب الوحيد أمام الفيلسوف (5) وتصور أن الطبيعة قوة

ص: 66

نصف عمياء ونصف ذكية، تؤثر في المادة وتبعث فيها الحياة، وتهيئ للحياة مليون شكل تجريبي، وتدخل التحسين على هذا العضو. وتنبذ ذاك العضو، تحي وتميت بشكل مبدع. وفي هذا المعمل الكوني ظهرت وأختفت آلاف الأنواع.

(أنه مثل ما هو حادث في مملكتي الحيوان والنبات، ينشأ فرد وينمو ويبقى ثم يهلك ويزول، فهلا يمكن أن تكون كل الأنواع على هذا المنوال؟ إذا لم تعلمنا العقيدة أن الحيوانات تأتي عن يدي الخالق كما نراها، وإذا كان هناك أدنى شك في بدايتها ونهايتها، فهلا يفترض الفيلسوف المستسلم لخواطره أن الحيوانية أخذت عن كل الأبدية كل العناصر الخاصة بها، ثم تبعثرت وأختلط بكتلة المادة، وحدث أن هذه العناصر أتحدت كلما أمكن حدوث هذا الأتحاد، وأن الجنين الذي تكون من هذه العناصر مر بتنظيمات وتطورات لا حد لها، أنه أكتسب على التوالي حركة وأفكاراً وتفكيراً وتأملاً ووعياً مشاعر وأنفعالات ورموزاً وإيماءات وأصواتاً واضحة ولغة وقانوناً وعلوماً وفنوناً، وأن ملايين من السنين أنقضت بين هذه التطورات، وأنه قد لا يزال أمام هذا الكانن تطورات أخرى يمر بها وأضافات أخرى يتلقاها، غير معروفة لنا الآن

وأنه قد يفقد هذه لمواهب والقدرات كما أكتسبها، وأنه قد يختفي إلى الأبد من الطبيعة، لا بل أنه قد يبقى على قيد الحياة في شكل آخر بمواهب وقدرات مختلفة كل الأختلاف عما نراه فيه في هذه اللحظة من الزمان؟ (6)

إن الطبيعة عند ديدرو هي كل شيء وهي إلهه. ولكننا لا نعرف عن جوهرها إلا وفرتها المضطربة والتغير الدائب الذي لا يهدأ فيها. والطبيعة هي المادة الحية. ولكن المادة تحتوي في نفسها على أندفاع الحياة وعلى إمكانية التفكير. وليس الإنسان آلة كما أنه ليس روحاً غير مادية، والجسم والنفس كائن واحد ويفنيان معاً (إن كل شيء يدمر نفسه ثم يهلك

ص: 67

ولا يبقى إلا العالم، ولا يثبت إلا الزمان (7) والطبيعة محايدة ولا تعمد إلى التفريق بين الخير والشر والكبير والصغير والآثم والقديس. وأنها تعني بالأنواع الفرد. فلينضج الفرد ويتكاثر ثم ليمت ولسوف يفنى كل نوع كذلك. أن الطبيعة حكيمة في عدد لا يحصى من التفاصيل البارعة التي يبدو أنها تكشف عن التخطيط إنها تمنح الكائنات غرائز تمكنها من الحياة ومن تهيئة الحياة لغيرها، ولكن الطبيعة أيضاً عمياء تدمر الفلاسفة والحمقى على حد سواء، بقذيفة واحدة من النار أو بضربة واحدة من يدها على أديم الأرض، ولن يكون في مقدورنا أن نفهم الطبيعة ولا أن نكشف النقاب عن أغراضها أو معناها إذا كان لها ثمة أغراض أو معنى، لأننا نحن أنفسنا طوال تاريخنا الدموي الجليل من بين ألعابها أو رياضاتها العابرة المتناهية في الصغر.

‌2 - حلم دالمبير

تابع ديدرو تأملاته في الطبيعة في واحد من أغرب المؤلفات في الأدب الفرنسي -حلم دالمبير (وأمتاز ديدرو بعرض أفكاره في صورة حلم، ودس "الحلم على صديقه بأن جعل أثنين من مشاهير المعاصرين -جولي دي لسبيناس ودكتور تيوفيل دي بوردو -متحدثين في الحوار. وقال ديدرو لخليلته "إني أضع أفكاري على لسان رجل يحلم. وغالباً ما يكون ضرورياً أن نضفي على الحكمة جواً من السخف والحمق حتى نهئ لها مدخلاً" (8) وتحت هذه الأقنعة أطلق العنان لخياله الفلسفي غير مبال بأي خطر شخصي أو أية نتائج أجتماعية، وكان مسروراً غاية السرور بالنتيجة. ووصفه صوفي فوللاند بأنه (أكثر ما كتب حمقاً وعمقاً، فيه خمس أو ست صفحات تجعل من شعر رأسك ينتصب" (9) على أنه أكد لها أنه لم يتضمن كلمة واحدة خاطئة (10). أنه كتبه في عام 1769 وقرأ أجزاء منه على أصدقائه، وفكر في طبعه، والمفروض في الخارج. فأحتجت الآنسة دي لسبيناس لأسباب سوف تتضح فيما بعد. وفي حركة بطولية ألقى بالمخطوطة في النار، وربما كان يعلم أن هناك نسخة أخرى. وعلى أية حال طبع الكتاب في 1830.

ص: 68

أنه عمل ثلاثي. وفي "المحادثة" الأولية بين ديدرو ودالمبير يعترض العالم الرياضي على مذهب صديقه المادي الحيوي بأنه ليس مقبولاً أكثر من قبول مفهوم الله عند رجال اللاهوت في القرون الوسطى. يقول ديدرو: "ليس بينك وبين الحيوان إلا فارق واحد في الكائن الحي (درجة التطور العضوي) وكذلك الحال بين الحيوان والنبات". ومن ثم فإن كل شيء في الإنسان يجب أن تكون له بذرته أو نظيره في النباتات". ويسأل دالمبير: وفي المادة أيضاً؟ فيرد ديدرو بالإيجاب، لأنك "كيف تعرف أن الوجدان لا يلتئم مع المادة -أنت الذي لا تعرف جوهر أي شيء لا المادة ولا الوجدان؟ وليس ثمة إلا جوهر واحد في الكون في الإنسان وفي الحيوان" (11).

وبيرز الجزء الثاني من هذه الثلاثية دكتور بوردو والآنسة دي لسبيناس إلى جوار سرير دالمبير وهو نائم بعد أمسية قضاها في الجدل والحوار مع ديدرو (وكانت الآنسة وقد أشتهرت فعلاً بصالونهاتقيم مع دالمبير في لون من الحياة الأفلاطونية). وتروى للطبيب أن صديقها رأى فيما يرى النائم حلماً مزعجاً وأنه تحدث في نومه حديثاً غريباً وأنها دونت بعض ملاحظات عن هذا الحديث، مثال ذلك إن دالمبير قال لديدرو "أنتظر قليلاً أيها الفيلسوف. أنا أستطيع أن أدرك بسهولة مجموعة

من الكائنات الصغيرة التي تحس، ولكن الحيوان؟ هل هو كل .. بوعي من وحدته الخاصة به؟ أنا لا أرى هذا (12) ويرى الحالم في منامه أن ديدرو يروغ إذ من السؤال يتخذ موقفاً عفوياً "عندما رأيت المادة الهامدة تصبح في حالة شعور فلا شيء يدهشني بعد ذلك" (13). ويتابع ديدرو:"إذا كانت كل الأنواع الموجودة ستزول فإنها أو أية أشكال أخرى من الحيوان ستنتج على إمتداد الزمن تخمر الأرض والهواء. ويشترك بوردو والآنسة في المناقشة، ولكن تقاطعهما صرخة مفاجئة من الرجل الذي يحلم والذي يتحدث الآن مثل ديدرو. "لماذا أكون أنا الآن كما أنا؟ لأنه لم يكن ثمة مفر من أن أكون كذلك. إذا كان كل شيء في تغير عام متواصل فما الذي لا يمكن إنتاجه هنا أو في أي مكان آخر

ص: 69

بمرور ملايين القرون وتقلباتها؟

ومن يدرينا أن الكائن المفكر الذي يحس ويشعر موجود على كوكب زحل؟

هل يمكن أن يكون للكائن المفكر الذي يحس ويشعر في زحل حواس أكثر منا؟ آه إذا كان الأمر كذلك لكان ساكن زحل سيء الحظ لأنه كلما أزدادت الحواس أزدادت الحاجات (14) ".

ويعلق بوردو على ذلك "أنه علىحق طبقاً لنظرية لا مارك في التطور العضوي، فإن الأعضاء تولد الحاجات وبالتبادل تولد الحاجات الأعضاء".

ويصحو دالمبير لحظة ويجد بوردو يقبل لسبيناس فيحتج. ويأمرانه بالعودة إلى النوم فيمتثل. وينسى الطبيب وصاحبته الصالون ويتتبعان الأفكار التي بدأت في الحلم ويشير بودرو إلى ولادة المخلوقات الإنسانية الغريبة ويتحدى المؤمنين بالتخطيط الألهي أن يفسروها. وتسنح للأنسة لمحة خاطفة بارعة "ربما كان الرجل مجرد صورة مشوهة من المرأة أو المرأة صورة مشوهة من الرجل (15). ويضيف الطبيب إلى هذا على طريقة ديدرو "الفرق الوحيد بينهما أن لأحداهما كيس يتدلى في الخارج وللأخر كيس مثبت في الداخل". ويستيقظ دالمبير ويحتج "أنت تتحدث بكلام بذئ إلى الأنسة لسبيناس" وينهض بودرو لأنه كان على موعد مع مريض آخر، ويتوسل إليه دالمبير أن يبقي ليفسر له: "كيف حدث أنه ظل كما هو بالنسبة لنفسه وللآخرين طوال التقلبات التي عاناها طوال سني حياته على حين أنه ربما لم يعد لديه شيء قط من الجزيئات التي كانت عند مولده"؟ قيجيب الطبيب "أنها الذاكرة و

بطء التغيرات". وتقدم الآنسة قياساً مثيراً "أن الدير يحتفظ بروحه لأنه يمتلئ بالرواد شيئاً فشيئاً وإذا قدم راهب جديد فأنه يجد مائة راهب قديم يقودونه إلى أن يفكر ويحس مثل ما يفعلون هم أنفسهم (16) ".

ويسيطر بوردو منذ الآن على المناقشة وهو يفرق بين النزعة الرومانتيكية والنزعة التقليدية القديمة حسبما تسيطر الحواس على الذهن الواعي أو يسيطر

ص: 70

الذهن الواعي عليها. ويرى أن لسبيناس مثال واضح على الحالة الأولى ويقول لها في رقة "إنك ستوزعين وقتك بين الضحك والدموع ولن تكوني أكثر من طفل" ويذكر تفسيراً فسيولوجياً للأحلام: "النوم حالة لا يعود يوجد فيها تنسيق بين الحواس عن طريق الوعي أو الهدف، ولا يعود يوجد أي عمل مدبر أو نظام وضبط والسيد (النفس الواعية) ستسلم لهوى أتباعه (الحواس)

هل الخيط (الأعصاب) مشدود؟ إذن يرى أصل الشبكة (المخ). وإذا أراد خيط السمع فإنه يسمع. والفعل ورد الفعل (الأحساس والأستجابة) هما الشيئان الوحيدان اللذان يبقيان بينهما. وهذا نتيجة طبيعية لقانون الأستمرار والعادة. إذا بدأ الفعل بالغاية الشهوانية التي قدرتها الطبيعة للذة الحب، وتكاثر النوع فإن أثره على أصل الحزمة (المجموعة) هو الكشف عن صورة المحبوب. ومن جهة أخرى إذا ظهرت هذه الصورة بادئ ذي بدء لأصل الحزمة فستكون شدة الرغبة الشهوانية وهياج السائل المنوي وتدفقه، هذه كلها ستكون نتيجة رد الفعل

وفي حالة اليقظة تذعن الشبكة للصور التي يطبعها في الذهن شيء خارجي. وفي حالة النائم، فإنه من ممارسته شعوره الخاص، ينبثق كل شيء في نفسه. وليس في الحلم شيء يصرف الأنتباه ومن ثم كانت حيويته ونشاطه" (17).

وربما أحس بودرو بأن المريض الذي كان قد قرر زيارته قد يشفى بالطبيعة أسرع منه بالدواء، ولذلك نسيه، وأنطلق يشرح الجبرية (الإيمان بالقضاء والقدر) ويصف "إحترام الذات، والخجل والندم" بأنها صبيانيات مبنية على جهل وغرور شخصي ينسب لنفسه مزايا ونقائض في لحظة لا مفر منها (18).

وأفتتن ديدرو بالطبيب بوردو ناطقاً بلسانه، حتى أنه في الجزء الثالث "مواصلة المحادثة" أغفل دالمبير. وإذ تحرر الطبيب فإنه أنكر العفة بأعتبارها أمراً غير طبيعي، ويقر الأستمناء متنفساً ضرورياً عن الحويصلات المكتظة أو المحتققة "أن الطبيعة لا تجيز شيئاً غير ذي فائدة. فهل أكون ملوماً في

ص: 71

مساعدتها إذا أهابت بي لمعونتها في أقل الأعراض شبهة وريبة؟ ويجدر بنا إلا نستفزها أبداً، بل نمد لها يد المعونة بين الحين والحين" (19). ويختتم الطبيب كلامه بتحبيذ التجارب في مجال الخلط المنتج بين مختلف الأنواع، حيث يمكن أن ينتج هذا الخلط نمطاً من الإنسان الحيوان الذي قد يقنع بخدمة الإنسان. وتستبق الآنسة لسبيناس أناتول فرانس والبطارقة، فتتساءل: وهل ينبغي تعميد أنصاف الرجال هؤلاء؟

بوردو (وهو يهم بالخروج): هل رأيت في حديقة الحيوان، في قفص من زجاج إنسان الغاب (ضرب من القردة العليا الشبيهة بالإنسان يقطن في بورنيو وسومطره) يبدو وكأنه سان جون يلقي المواعظ في الصحراء؟

الآنسة: نعم رأيته.

بوردو (وهو يغادر المكان): قال له الكاردينال دي بوليناك، "تكلم وأنا أعمدك (20).

وفي "مبادئ الفسيولوجيا"(1774) صاغ ديدرو نظريته في التطور، متأملاً في الحلقة المفقودة، فهو يقول "من الضروري أن نبدأ بتصنيف الكائنات، إبتداء من الجزئ الخامل غير الفعال (إذا وجد) إلى الجزيء النشيط الفعال، إلى الحيوانات الدقيقة التي لا ترى إلا بالمجهر

إلى النبات، وإلى الحيوان، وإلى الإنسان

يجدر ألا يصدق المرء أن سلسلة الكائنات قد عوقتها وأعتراض سبيلها تباين الأشكال وتنوعها، فالشكل مجرد قناع خداع. وربما وجدت الحلقة المفقودة في كائن غير معروف، لم يستطع علم التشريح المقارن بعد أن يحدد مكانه الحقيقي (21).

‌3 - ديدرو والمسيحية

كان ديدرو قد وعد صوفي فوللاند بأنه لن يتعرض للديانة في "حلم دالمبير" والواقع بطبيعة الحال أن "الثلاثي" أورد فلسفة أستغنت عن الألهة تماماً. وظل ديدرو في العلن ربوبياً متمسكاً بأن الله هو "المحرك الرئيسي" فقط،

ص: 72

منكراً العناية الألهيه والتخطيط والتدبير الألهي. وكان من الناحية النظرية "لا أدرياً" ينكر أي علم أو أهتمام بأي شيء فيما وراء دنيا الحواس ودنيا العلوم، وتحدث أحياناً بشكل غامض عن وعي كوني تعثر وتخبط عبر زمان لا حدود له، وقام بتجارب تنتج الآن أشخاصاً غريبة عقيمة أو يسبب أحداثاً سعيدة -لا يكاد يكون إلهاً يتقبل الصلوات والدعوات. ويمكن أن يصبح في أحدى نوبات الغضب خصيماً عنيفاً، وأنبأ عن مبغض البشر الذي بث فكرة الإله، إنتقاماً من الحياة، وأنتشرت الفكرة، وسرعان ما تشاجر الناس وكره بعضهم بعضاً، وقطع الواحد منهم رقبة الآخر. وكانوا يفعلون نفس الشيء منذ جرى هذا الإسم الكريه على الألسنة. وأضاف ديدرو في إبتهاج مقرون بالحذر "ربما ضحيت بحياتي في سبيل القضاء على فكرة الإله قضاء مبرماً"(22). ومع ذلك فإن نفس العبقرية المهوشة أحست بنظام الكون وعظمته المذهلتين، وكتب إلى الآنسة فوللاند:"أن الإلحاد أقرب ما يكون إلى الخرافة، وكلاهما صبياني طائش"، ثم أضاف "لقد جن جنوني لأني حائر متورط في فلسفة شيطانية لا أملك إلا أن يقرها ذهني وينبذها قلبي"(23) وأقر في سنيه الأخيرة بعد ذلك صعوبة أشتقاق العضوي من غير العضوي أو الفكر من الأحساس" (24).

ولكن ديدرو لم يهدأ قط في حملاته على المسيحية، وثمة فقرة مثيرة من رسالة خاصة تلخص موقفه منها، "من رأيي أن العقيدة المسيحية أسخف وأشنع ما تكون في تعاليمها ومبادئها، كما أنها مستعصية على الفهم، ميتافيزيقية مربكة غامضة إلى أبعد الحدود. ومن ثم كانت أكثر تعرضاً للأنقسامات والشيع والإنشقاقات والهرطقات، وأكثرها أيذاءً وأزعاجاً للهدوء العام، وخطراً على الملوك والحكام في تسلسل مراتبها الكهنوتية وأضطهاداتها ونظامها العام، وهي أشد العقائد فتوراً وكآبة وبعداً عن المدنية، وعبوساً في طقوسها، وأشد صبيانية وأنطوائية وبعداً عن الروح الأجتماعية في أخلاقياتها

وهي متعصبة لا تحتمل إلا أقصى (25) ".

ص: 73

وفي "نزهة المتشكك"(1747) كان ديدرو قد أعترف بخدمات الكنيسة في تقويم السلوك وتهذيب الأخلاق ولكنه بعد ذلك رأى أن المسيحية، على حين تنهي عن الجرائم البسيطة، تبعث على إقتراف الجرائم الكبيرة، "سياتي، آن عاجلاً أو آجلاً، الوقت الذي نرى فيه أن نفس العقيدة التي حالت بين الإنسان وبين سرقة شلن واحد، تكون سبباً في قتل 100 ألف شخص. تعويض رائع (26)! ومهما يكن من أمر، فإن لأفكارنا الدينية أقل الأثر في أخلاقنا (27)، والناس يرهبون القوانين الحالية أكثر مما يخشون نار جهنم الآجلة والإله الذي لا يرونه. أن القسيس نفسه قلما يعتمد على الدعاء والصلاة للآلهة، اللهم إلا إذا كان المرء لا يعنيه إلا قليلاً (28). وفي 1773 تنبأ ديدرو بأن الإيمان بالله والخضوع للملوك لن يعود لهما وجود في بحر سنوات قلائل في كل مكان (29) ويبدو أن النبوءة تحققت في فرنسا في 1792. ولكن ديدرو تنبأ أيضاً "بأن الإيمان بوجود الله سيبقى" (30).

ومثل معظم الذين فقدوا إيمانهم بالمذهب الكاثوليكي، فإن نفس ديدرو الذي ذهب إلى أن المراسم والطقوس الكاثوليكية كئيبة حزينة، ظل حساساً لجمال ووقار الشعائر الكاثوليكية، ودافع عنها ضد النقاد البروتستانت في صالونه 1765، فهو يقول:"أن هؤلاء المتشددين الحمقى لا يدركون مدى تأثير الطقوس المظهرية على الناس. أنهم لم يشهدوا قط توقير الصليب في يوم الجمعة الحزينة، وحماسة الجماهير في موكب عيد القربان، وهي حماسة كانت في بعض الأحيان تجرفني أنا نفسي. أني لم أر قط هذا الصف الطويل من القساوسة في ملابسهم الكهنوتية، ومساعديهم الصغار في ثيابهم البيضاء ينثرون الزهور أمام القربان المقدس، ولم أر هذه الجماهير الحاشدة التي تسبقهم وتعقبهم في صمت ديني رهيب، كما أن كثيراً من الناس ينبطحون على الأرض. ولم أسمع قط هذه التراتيل الوقورة التي ينشدها الكهنة وترددها في حب وإخلاص الجموع الخفيرة من الرجال والنساء والأطفال، إلا أهتز قلبي من الأعماق، وذرفت عيناي الدموع"(31).

ص: 74

ولكنه استأنف الهجوم بعد أن مسح عينيه. ففي "مناقشة فيلسوف مع المارشال دي

(1776) تخيل رجلاً متشككاً أسماه كروديلي (معناها بالأيطالية قاس) يتحدث مع أحدى سيدات المجتمع النبيلات، تعتقد أن من ينكر "التثليث المبارك" إنما هو متوحش مصيره إلى المشنقة. وتدهش السيدة إذ تجد أن كروديلي الذي هو ملحد، ليس أيضاً لصاً ومنغمساً في الشهوات يقول"أظن أنه إذا لم يكن لدي شيء أخشاه أو آمل فيه بعد الموت فأني سأستبيح لنفسي كثيراً من الملذات اليسيرة هنا". ويسأل كروديلي "وما هي هذه الأشياء"؟ "أني أعترف بها للكاهن فحسب

ولكن ما لذي يدفع غير المؤمن ليكون طيباً إلا إذا كان مجنوناً؟ " أنها تتراجع قليلاً أمام حججه ثم تتخذ خط دفاع آخر: "ينبغي أن يكن لدينا ما نرهب به الأعمال التي تفلت من قبضة القانون القاسية وفضلاً عن ذلك إذا قضيت على الديانة فماذا تضع محلها؟ ". فيجيب كروديلي "هبي أنه ليس هناك شيء يحل محل الدين، فلسوف يكون دائماً على أية حال ضرر وظلم أقل". إنه يصور المسلمين في ثورة يذبحون فيها المسيحيين، والنصارى يحرقون المسلمين واليهود.

الماريشال: هب أن كل ما أعتقدته باطلاً كان حقاً، وأنك هالك. إنه لشيء رهيب مزعج أن تكون هالكاً ملعوناً وأن تصلى النار إلى الأبد.

كروديلي: يقول لافونتين بأننا سننعم بالراحة، مثل السمك في الماء.

الماريشال: نعم، نعم، ولكن لافونتين أصبح وقوراً تقياً جداً آخر الأمر، وأتوقع أن تكون كذلك.

كروديلي: أنا لا أستطيع أن أجيب بشيء إذا ضعف مخي.

أن أشد الفلاسفة عداوة لرجال الدين كان يحس بمرارة بالغة نحو ما بدا له أنه ضياع لحيوية البشر وطاقاتهم في أديار الرهبان والراهبات. وفي إحدى

ص: 75

صفحاته الغامضة أنحى بأعنف اللوم على الآباء الذين حكموا على بناتهم بالعيش بين جدران الدير وهن كارهات. إن من أروع كتاباته من الناحية الفنية، بعثاً خالياً من جديد لحياة راهبة من هؤلاء. أنه كتب رسالة الراهبة في 1760 نتيجة مزحة كان يأمل جريم وديدرو من ورائها أن يعيدا إلى رفقتهما المركيز دي كرو اكسمير من كاين إلى باريس. وحوالي هذه الفترة أثار ديدرو نداء وجهته إلى برلمان باريس لأحلالها من القسم الذي أكرهها والداها عليه (كما تدعي). وتعطف المركز فكتب إلى البرلمان يناصر قضية الراهبة، ولكن دون جدوى.

إننا لا نعرف عن هذه الراهبة شيئاً أكثر من هذا، ولكن ديدرو أعاد كتابة تاريخها في تصوير واقعي يخلد ذكراها على مدى القرون. وأفترض أنها هربت من الدير، وأرسل إلى كرواكسمير عدة رسائل -وكأنها بقلمها- تصف فيها معاناتها في الدير، وتطلب أن يمد لها يد المساعدة لتبدأ حياة جديدة. وأجاب المركيز، ورد ديدرو، بأسمها، وأستمرت هذه المراسلات أربعة شهور في مائة وخمسين صحيفة.

وصور ديدرو سوزان تعاني من رئيسة الدير الغليظة القلب، فهي تضطهدها وتحبسها وتجردها من ملابسها وتعذبها وتحرمها من الطعام، فتشكو إلى أحد الكهنة الذي يهيئ لها سبيل الأنتقال إلى دير آخر. وهناك كانت رئيسة الدير الجديد مساحقة وشغفتها الراهبة حباً، وتوسلت إليها لمعاونتها. وربما بالغ ديدرو في وصف قساوة الأمهات رئيسات الأديار وشقاء الراهبات وحزنهن. ولكنه جعل كل الكهنة في قصته ودودين محبوبين مطبوعين على حب الخير، وعالج فكرة السحاق في رقة نادراً ما ظهرت في مؤلفاته. وتأثر المركيز وقدم إلى باريس. وتكشفت له الخدعة ولكنه تجاوز عنها وكانت هذه القصة الغريبة قد أدت إلى دراسة رائعة في علم النفس، كانت متأثرة بقصة ريتشاردسن "كلاريسا" ولم يتعمق أي متشكك قط بمثل هذه القوة في مشاعر القديس، وفاجأ أحد الزوار

ص: 76

الكاتب وهو يدون هذه الرسائل، فوجده كما يروى جريم "حزيناً غاية الحزن

ويذرف الدمع (32) وأعترف ديدرو بأنه كان يبكي لقصته هذه، فما أسرع ما كانت الدموع تجري في عينيه، مثل روسو. وكان فخوراً، بشكل يمكن الصفح عنه، بقصته الموضوعة على هيئة رسائل، وبأحتمال أن تكون صحيحة، وبالعاطفة الدافقة فيها، وبأسلوبها، وقد عنى بمراجعتها وتنقيحها، وأوصى بنشرها بعد موته، ورأت هذه القصة الثورة في 1796 في عهد الثورة وفي 1865 أحرقت قصة "الراهبة" علناً بناء على أمر من محكمة السين (33):

ومع قصة الراهبة، نشر في 1796، كما أحرق معها في 1865 "جاك المؤمن بالقضاء والقدر وسيده" الذي أعتبره ديدرو أعظم إنتاجه (34)، بداعي التقارب في الزمن. وربما كان الأمر كذلك، ولكنه أيضاً أسخف ما كتب. وأفتتن ديدرو بقصة "ترسترام شاندي" فإتخذ أسلوب ستيرن (قصصي إنجليزي في القرن الثامن عشر 1760 - 1768) في تأليف قصة قائمة إلى حد كبير على أعتراض السياق، فيقطعه من حين إلى آخر، في نزوة من نزواته، ليتحدث إلى القاريء عن شخوص القصة. وبدأ الكتاب وأختتمه بقطع وأحداث منقولة مباشرة من ستيرن (35). وفاق ستيرن في إزعاج القارئ بين الحين والحين بفحش القول. إن شخصي القصة يعكسان أسلوب سرفنتيز في التباين بين السيد وتابعه في المزاج والفلسفة. فالسيد يرفض فكرة القضاء والقدر على حين يؤمن جاك بها. إن كل شيء يحدث هنا على الأرض مسطور في كتاب هناك (36). إن جاك "يعتقد إن الأنسان يشق طريقه بالضرورة إلى المجد أو إلى الخزي والعار، كما تنطلق الكرة متتبعة إنحدار الجبل الذي تدحرجت عليه. إن رئيس جاك السابق كان قد ملأ رأسه بكل هذه الأفكار التي أستقاها من سبينوزا الذي حفظه عن ظهر قلب (37) وهو رئيس نادر المثال.

وفي أواسط القصة يتلكأ ديدرو ليروي في حماسة وبراعة قصة

ص: 77

المركيزة دي لابومراي عشيقة المركيز دي أرسيز. أنها أرتابت في أنه سئمها، فعزمت على أن تكتشف الأمر بالأشارة إلى علاقتها أصبحت عبئاً ثقيلاً، أنه أساء إليها أبلغ أساءة بتصريحه بأنه يود أن يفلت من عشيقة إلى صديقة، فتدبر المركيزة إنتقاماً فريداً في بابه. وتعثر على بغي جميلة، وتتحمل نفقات أبدال ملابسها وتعلمها الأجرومية وآداب السلوك وتلقنها مبادئ التقوى المثيرة للأعجاب، وتقدمها إلى المركيز على أنها سيدة من ذوات الحسب والنسب، ودربتها على أن تثير نزواته وترفض عرضه لأن تكون صديقته، وأرشدتها إلى الطريقة التي تنتزع بها منه إقتراحاً بالزواج. وبعد بضعة أشهر من الزواج تكشف مدام لابومراي للمركيز عن ماضي زوجته. ولكن يفسد على المركيزة أنتقامها تطور غريب. ذلك أن المرأة الآثمة التي أعيد تشكيلها وصلح حالها عرفت كيف تحب زوجها المركيز، وأعترفت له خجلة باكية بخدعتها وعرضت أن تختفي من حياته، وفي الوقت نفسه كانت هي زوجة مخلصة ووفية إلى حد أن المركيز أكتشف أن في الزواج سعادة أكبر مما هي في الفجور والزنى. فيغتفر لها تضليلها ويأبى أن تفارقه، ويعيش معها عيشة راضية ممتازة، ويتحطم قلب بومراي من مرارة الهزيمة.

أن هذا الفاصل على أية حال هو أكثر ما يأخذ بالألباب في "جاك المؤمن بالقضاء والقدر" فأنه يتميز بمتانة التركيب، واللمسات الرقيقة للواقعية النفسية (السيكولوجية)، والشعور العميق في تعبير هاديء. وهذه كلها تعوزها القصة على وجه الإجمال. وأعترف شيللر بأنها درة في فن الأدب. وترجمها إلى الألمانية في 1785.

‌4 - ابن أخي رامو

أن "ابن أخي رامو" لا "جاك المؤمن بالقضاء والقدر" هو أعظم كتب ديدرو وأسماه جوته "الكتاب الممتاز الذي ألفه رجل لامع (38)، كتبه في 1761 ومات قبل أن ينشر، لأنه كان أقبح كتبه وأكثرها خزياً، وفي

ص: 78

نفس الوقت أكثرها أصالة. وظاهر أنه رأى أنه غير مستساغ ليقدمه حتى لأصدقائه. وبعد موته تسربت نسخة منه إلى ألمانيا أحدثت هناك دوياً شديداً. وأرتاع له شيللر وثارت نفسه، وحمله إلى جوته، وكان آنذاك في قمة الشهرة (1805) فترجمه إلى الإلمانية. ودخلت هذه الترجمة إلى فرنسا وأعيدت ترجمة الكتاب إلى الفرنسية (1821) ونشرت طبعة أخرى 1823 ولكن هذه لم تصل إلى المطبعة إلا بعد أن كانت أبنة ديدرو قد هذبتها وحذفت منها ما لا يليق نشره. ولم تكتشف المخطوطة الأصلية إلا في عام 1891 في كشك للكتب على ضفة نهر السين وهي موجودة الآن في مكتبة بييربونت موجان في نيويورك.

وأختار ديدرو لساناً ناطقاً بأفكار غريبة شاذة إلى حد كان من العسير معه أن يعبر عنها ديدرو بضمير المتكلم. جان فرنسوا رامو هو أبن أخي الملحن المشهور جان فيليب رامو (الذي توفي 1764) والذي كان لا يزال على قيد الحياة حين كتب الحوار غير القابل للنشر. وعرف ديدرو الموسيقى معرفة جيدة، وتحدث بطلاقة ودون تكلف عن لوكاتللي، برجوليسي وجوميللي، وجالوبي، وليووفنسي، وتارتيني، وهاس، وتنبأ بحق أنه في العزف على الكمان سرعان ما سيحل العزف الشاق محل العزف الجميل ويزحزحه من مكانه (39).

وألف أبن الأخ موسيقى، وأصاب بعض النجاح معلماً للموسيقى. ولكن كان أسمه يقض مضجعه ويقلق باله. وكان يغار أشد الغيرة من عمه ويحقد عليه تفوقه. فتخلى عن المعركة، وأنغمس في اللهو وأطلق العنان لشهواته ورغباته بشكل ينافي الأخلاق، مما وصفه ديدرو في قصته. وأكدت التقارير المعاصرة (40) كثيراً من الصفات الأخرى التي نسبت إليه في الحوار، ولكن التاريخ لم يؤيد ما ذهب إليه ديدرو من أنه كان قواد يتجر بجمال زوجته في سوق الدعارة. وعندما فارقت هذه الزوجة الحياة فقد جان فرانسو كل أحترام للنفس وجعل منه لسانه البذئ غير العف، الشديد التهكم

ص: 79

والسخرية منبوذاً في المجتمع، وطرد من دار مسيو برتان الثري الذي كان لعدة سنوات قد إعتمد عليه في تناول العشاء عنده، وصار عليه أن يلتمس الزملأ في مقهى "لا ريجانس" وفي أماكن أخرى تزخر بالأفكار التقدمية التي لا تغنى ولا تسمن من جوع. يقول ديدرو (لاحظ كيف يعكس حياته في كتبه): "فليكن الطقس معتدلاً أو غائماً معتماً، إن من عادتي أن أقصد سيراً على الأقدام في الساعة الخامسة بعد الظهر إلى البالية رويال. وأنا الشخص الذي يمكن أن يقع بصرك عليه وحيداً دائماً، حالماً على مقعد دارجنسون، أبحث بيني وبين نفسي مشاكل السياسة والحب والذوق والفلسفة. وأطلق لذهني العنان .... وإذا أشتد البرد أو هطل المطر، آوى إلى مقهى لا ريجانس، أراقب لعب الشطرنج

وكنت ذات مساء هناك، أتلفت إلى ما حولي، أتكلم قليلاً، وأسمع قليلاً بقدر الإمكان. حين دنا مني شخص من أغرب الأشخاص على الأرض" (41).

وتجيء بعد ذلك شخصية رائعة: رجل أخنى عليه الدهر، وهو يتذكر الخمرة في مرارة وكان فيما مضى كثير المال ناعم البال مع أجمل زوجة في باريس، وأستقبل مرة في دار أنيقة (42)، كما كان متمشياً مع كل الوان الثقافة في فرنسا. ولكنه الآن يعاني الفقر والخزي والعار، يعيش على ما يقتات به من موائد الذين يستشعرون الأشفاق عليه، وعلى القروض المنسية، لا يرى في الحياة إلا الصراع والهزيمة، ينبذ كل الديانة بأعتبارها قرية جميلة ولكنها مرعبة، وينظر إلى الأخلاقيات على أنها جبن وخداع، ومع كل هذا يحتفظ بقدر كاف من ماضيه ليغلف تحرراً من الوهم فصاحة بارعة مهذبة، ويكسو هذا التحرير رداء عقلانياً. ودعابته حادة مريرة: من ذلك قوله "أت السيدة (كذا) وضعت توأماً، سيكون لكل والد واحد منهما" أو قوله عن أوبرا جديدة "أن فيها بعض قطع جميلة والمؤلم حقاً أن هذه القطع لم توضع لأول مرة"(43). أن مأساته الكبرى هي أنه لا يؤمن بشيء "وسمع بعض كلام روسو عن الطبيعة -كم هي أفضل من المدنية

ص: 80

وخير منها، ولكنه يلاحظ أن في الطبيعة يفتك كل نوع بالآخر؟ والخاتمة الرهيبة هي ألتهام كل كائن وهو يرى نفس الألتهام والفتك (أكل الكائنات بعضها البعض) في دنيا الأقتصاد، اللهم إلا أن فيها أناساً يستنزف بعضهم دم بعض عن طريق أجراء قانوني مقبول. وهو يرى أن الأخلاق مجرد خدعة يضلل بها ذوو الدهاء من الناس بسطاء العقول منهم، أو يخدع بها السذج من الناس أنفسهم. أنظر إلى نلك المرأة التقية الورعة التي تغادر الكنيسة (بعد الصلاة) "أنها أثناء الليل تتدرب في خيالها على مشاهد الفسق والخلاعة وعلى الأوضاع الشهوانية الداعرة عند أريتينو" (44) ويرى أبن الأخ (جان فرانسوا) أن الرجل العاقل لا بد أن يسخر من الوصايا العشر "ويتمتع بكل الخطايا والآثام في حكمة وتبصر". مرحى! بالحكمة والفلسفة! -حكمة سليمان: شرب أجور الخمور، ألتهام أطيب الأطعمة، مضاجعة أجمل النساء، النوم على الفراش الوثير، وكل ما عدا هذا تافه لا قيمة له (45)، ماذا بعد هذا يمكن أن يقول الفيلسوف الإلماني نيتشه أو الشاعر والكاتب الفرنسي بودليير وأمثالهما؟.

ويختتم ديدرو هذا العرض المفزع "للأفكار بأن ينعت أبن الأخ بأنه "بليد شره جبان، روح من الطين" ويجيب رامو على هذا بقوله "أعتقد أنك على حق (46) وتجول بخاطرنا فكرة خبيثة: كيف كان يتسنى لديدرو أن يصور هذه الشخصية بمثل هذه القوة والحيوية، إذا لم تكن تكمن بين جنبيه هو نفسه؟ أنه يحتج على هذه الفكرة، ولكنه يسلم بأنه ليس قديساً: "أنا لا أستنكر لذة الحواس، فإن لي أنا أيضاً ذوقاً يستسيغ أطباق الطعام الشهي والأنبذة الجيدة. كما أن لي قلباً وعينين أحب أن يقعا على سيدة جميلة، وأحب أن ألمس بيدي أن رقبتها مستديرة ثابتة، وأن تعتصر شفتاها شفتي، وأن أرشف اللذة والمتعة من عينيها، وأن ألفظ النفس الأخير بين ذراعيها. ولا يزعجني الأنغماس البسيط في الملذات في بعض الأحيان مع أصدقائي، حتى ولو كان صاخباً بعض الشيء. ولكن لا أخفي عليكم أنه

ص: 81

يبدو لي أنه يحلو لي أكثر إلى أبعد الحدود، أن أمد يد المساعدة إلى المنكوبين، أو أسدي نصيحة مفيدة، أو أقرأ كتاباً جيداً، أو أتنزه مشياً على الأقدام مع رجل أو أمرأة عزيزة لدي أو أقضي مع أولادي بضع ساعات أتولى فيها توجيههم وتثقيفهم، أو أكتب صفحة أو أؤدي واجبات عملي، أو أصب في أذن حبيبتي بضع كلمات حلوة حتى تحيط عنقي بذراعيها وتعانقني .. إن أحد معارفي رجل من ذوي الثراء في قرطاجنة، وكان الأبن الأصغر في بلد جرت العادة فيه أن تؤول كل الممتلكات إلى الأبن الأكبر، وترامت إليه الأنباء في كولمبيا أن أخاه الأكبر، وهو شخص متلاف، قد سلب أبويه اللذين دللاه وتساهلا معه كل ما كانا يملكان، وطردهما من قصرهما. وأن هذين الولدين الطيبين يعيشان الآن في مدينة صغيرة في الأقاليم يعانيان مرارة الفقر، فماذا فعل هذا الأبن الأصغر الذي أساء والده معاملته إلى حد إنه رحل إلى أقصى الأرض يلتمس الرزق؟ إنه أرسل إليهما معونة بتدبير أموره، ليعود ثرياً ميسوراً إلى أبيه وأمه، وأسترد لهما دارهما، وهيأ الصداق لأخواته ليتزوجن. آه يا عزيزي رامو، إن هذا الرجل يعتبر تلك الشهور أسعد أيام حياته. إنه حدثني عنها والدموع تغمر عينيه. أما أنا، وأنا أقص عليك هذه القصة، فإني أحس بأن قلبي قد أرهقه الفرح والغبطة والسرور الذي لا أجد كلمات للتعبير عنه (47).

‌5 - علم الأخلاق والسياسة

كان لديدرو مثلما لنا جميعاً، شخصيتان على الأقل: نفس باطنة تختزن فيها خفية كل دوافع الطبيعة البشرية، كما هو موجود في الحياة البدائية بل حتى حياة الحيوان، ثم نفس ظاهرة للعيان تتقبل على كره منها التعليم والأنضباط والأخلاق، ثمناً يجب أن يدفع مقابل الحماية التي يبسطها النظام الأجتماعي. ولا تزال له أنفس أو شخصيات أخرى: ديدرو الذي لم يكن قد نسي شبابه، وحرياته البوهيمية وحبيباته وخلوه من المسئوليات اللهم إلا

ص: 82

أمام الشرطة، ثم ديدرو رب أسرة، الذي لو تهيأت له سيدة قادرة على فهم كلامه وأفكاره، لأمكن أن يكون هو أيضاً. أحياناً، زوجأصالحأ وأباً شغوفاً بأبنائه، وحيواناً شبه مستأنس، ورجلاً يقدر بعض التقدير المالى والأخلاق والقانون.

إن هذه الشخصية المزدوجة، "دكتور جيكل ومستر هايد"، أنتجت فيما بين عامي 1770 - 1772. محاورتين توضحان تذبذب آرائه. ففي "حوار بين أب وأبنائه" يقدم صورة جميلة لأبيه وهو يشرح في رفق "خطر أولئك الذين يتعالون على القانون أو يضعون أنفسهم فوقه" ولكنه بعد ذلك بعامين كتب أكثر أعماله تطرفاً. وكان لويس أنطوان بوجينفيل قد نشر لتوه (1772) كتابه "رحلة حول العالم" عدد فيه خبراته وتجاربه في هايتي وغيرها من جزر المحيط الهادي الجنوبي ووقع بصر ديدرو على بعض أجزاء من هذا الكتاب تبين تفوق الحياة البدائية في بعض النواحي على المدنية. ورغبة من ديدرو في إبراز نواحي التفوق والسمو هذه، كتب في 1772 بما هو معهود فيه من حيوية وخيال وتميز وشغف، "ملحق لرحلة بوجينفيل"، وهو كتاب لم ير النور إلا في 1796. وأختار ديدرو رجلاً عجوزاً من أهالي تاهيتي أورد بوجنيفيل ذكره، وتخيل أنه يلقي خطاباً يودع فيه أمير البحر لدى الفرنسيين الراحلين عن الجزيرة: "وأنت يا زعيم عصابة اللصوص المطاع الذين يمتثلون لأوامرك، إغرب بسفينتك عن شواطئنا. فنحن أبرياء سعداء، وكل ما تستطيع أن تفعل لنا هو أن تفسد علينا سعادتنا. إننا ننهج نهج الفكرة النقية، ولكنك تسعى لمحو أساس هذه الفطرة من نفوسنا. وهنا كل الأشياء ملك لكل الناس، أما أنت فتبشر بتفريق غريب بين ما هو "ملك لك" وما هو "ملك لي" وكل بناتنا وزوجاتنا كانت لنا جميعاً على الشيوع، ولكنكم شاركتمونا هذه الميزة ودفعتم بهن إلى لوثات من الجنون، ولم يكن لهن بها عهد من قبل .. وتناحرتم وقتل بعضكم بعضاً من أجلهن، وعدن مضرجات بدمائكم

نحن أحرار، ولكن تأمل كيف أنكم نقشتم

ص: 83

على أرضنا عنوان عبوديتنا في المستقبل .. إنكم كتبتم على هذا النصل المعدني "هذا البلد بلدنا"

ولكن لماذا فعلتم هذا؟ هل لأنكم حططتم رحالكم هنا؟ وهل إذا رسا احد أبناء تاهيتي ذات يوم على شواطئكم، ونقش على حجر عندكم" هذا البلد تابع لأهل تاهيتي" فماذا عساكم ترون في مثل هذا العمل؟ .. إن هذا التاهيتي الذي تريدون أن تمسكو به وكأنه حيوان ليس أخاً لكم .. وأي حق لكم عليه ليس له حق مثله عليكم؟ إنكم جئتم إلينا، فهل سطونا عليكم؟ وهل أعملنا السلب والنهب في مراكبكم؟ .. كلا. لقد أحترمنا ذاتنا في شخصكم

اتركونا لنا عاداتنا واعرافنا، أنها أحكم وأشرف من عاداتكم وأعرافكم. وليست بنا من حاجة أو رغبة في مقايضة ما تسمونه جهلنا بالمعرفة القيمة لديكم" (48).

ويمضي حكيم تاهيتي فيذكر الأوربين بما قوبلوا به من ترحيب حار، وكيف أسكنوهم وأطعموهم وأحبوهم. ولم يكن في الجزيرة "وصية سادسة"(كما افترض ديدرو) كما لم يكن ثمة حقد ولا حسد. فلم يفهم نساء الجزيرة ما تحدث به قسيس السفينة عن الخطيئة والعار، وأحطن البحارة بكل الكرم والرعاية. وماذا كانت النتيجة؟ إن مرض الزهري الذي لم يعرفه سكان الجزيرة من قبل، ظهر الآن بين نسائها، ثم انتقل إلى رجالها. ويتوسل الرجل العجوز إلى الزائرين أن يرحلو إلى غير رجعة.

وأضاف ديدرو "وناقشة بين القسيس وأورو" وهو مواطن من تاهيتي كان قد تعلم الأسبانية، صدرت إليه الأوامر بأيواء القسيس في كوخه. ويعرض أورو على القسيس أن يختار لمشاركته فراشه بين زوجته وإحدى بناته، ويوضح القسيس أن قانونه الأخلاقي يحرم عليه قبول مثل هذا العرض الكريم. ولكن إحدى البنات تمسه بيدها فيصبح رجلاً. ويقضي القسيس الأيام الثلاثة التالية يشرح لأورو الأخلاق المسيحية والليالي الثلاث التالية مضاجعاً البنات واحدة تلو الاخرى، اما الليلة الرابعة، وكأنما أرتبط بكلمة الشرف، فأنه يخصمها لزوجة مضيفة (49) وأمدت محاولات القسيس لتحويل أورو إلى المسيحية ديدرو بصحيفة سارة بهيجة.

ص: 84

القسيس- ما هو الزواج عندكم؟

أورو- أتفاق على المشاركة في كوخ واحد، والمشاركة في سرير واحد كلما طاب لنا نفعل ذلك.

القسيس- وإذا رغبتم عن ذلك.

أورو- نفترق.

القسيس- وماذا يحدث للأبناء؟

فيقول أورو إن هذه ليست مشكلة: تعود السيدة بأبنائها إلى بيت أبيها، وسرعان ما يتزوجها رجل آخر يسعد بقبول أبنائها، لأن الأولاد في المجتمع الزراعي كسب أقتصادي عظيم.

القسيس- هل يستطيع الوالد أن يضاجع أبنته، والوالدة أبنها، والأخ اخته والزوج زوجة رجل آخر؟

أورو- ولم لا؟

القسيس- أظن أنه حتى هنا- مهما يكن من أمر، لايضاجع الأبن أمه غالباً.

أورو- لا. اللهم إلا إذا كان احترام هذا الأبن لأمه شديداً (50).

ويخرج القسيس من هذا وهو يكاد يحبذ كل التحبيذ طرق معيشة أهل تاهيتي، ويقر بأنه" اغرى بخلع ملابسه الكهنوتية في السفينة ليقضي بقية أيام حياته بين أبناء الطبيعة هؤلاء.

وينتهي ديدرو إلى مثل ما أنتهى إليه صديقه القديم روسو، الذي كان يناقش في كتابه "بحث في الفنون والعلوم"(1750) و"بحث في منشأ عدم المساواة"(1755) "هل تريدون لمحة موجزة عن كل تعاستنا وشقائنا تقريباً؟ هاكم هذه اللمحة. لقد وجد إنسان صناعي، ونشبت حرب أهلية أستمرة طيلة الحياة .. وكان الإنسان الطبيعي في بعض الأحيان هو الأقوى، كما حطمه في أحيان أخرى الإنسان

ص: 85

الصناعي الأخلاق. وفي كلتا الحالتين يعامل العملاق بقسوة ويضيق عليه الخناق ويعذب، ويسام الخسف .. إنه دائماً تعس منكوب" (51).

وكان ديدرو بطبيعة الحال لا يعرف إلا القليل عن أهل تاهيتي، وكان بوجينفيل قد وصفهم بأنهم متمسكون بالخرافات والمحرمات، يرهبون أرواحاً شريرة خيالية، يستسلمون للكهنة، ناهيك بالعديد من أنواع الحشرات والأمراض. إن ديدرو الذي كان يضيق ذرعاً بالزواج بواحدة، لم يكن في حاجة إلى أن يدرك لماذا وضعت ضرورات النظام الاجتماعي مثل هذه القيود الكثيرة على الغرائز الجنسية غير المشروعة لدى الجنس البشري، وكان نموذجاً آخر للفكر الفردي الذي يتصور نفسه أحكم وأعقل من عادات البشر وأعرافهم.

وثمة تناقض طريف بين الفلسفة الأخلاقية عند ديدرو الكاتب وديدرو الإنسان من الناحية النظرية، وفي بعض الأحيان أشرفت آرائه الأخلاقية على الفوضوية، ففي تلك الأوقات وصف الطبيعة البشرية بأنها خيرة في أساسها، وبناء على هذا الفرض أقترح "إن نتبع الطبيعة أي الغريزة، وأحس ديدرو أنه عن طريق الغرائز وحدها يمكن للإنسان أن يحرر نفسه من القيود التي يفرضها الدين والمجتمع بآلاف التقاليد والمحظورات والقوانين. وفي هذا المزاج وصف الأتصال الجنسي بأنه "أعلى مراتب السعادة" (52)، وعرف الجب بأنه "أحتكاك شهواني بين غشائين" و"فقدان شهواني لبضع قطرات من السائل" (53) وأكد لخليلته أن الزنى "خطأ يستحق لوماً أو توبيخاً أقل مما تستحق أتفه كذبة (54). وكان ديدرو فيلسوفاً يتوق إلى أن يحيا حياة الديك الذي يختال عجباً بين الدجاجات.

ولما عركه الدهر وزادت خبرته بالحياة نقض كل آرائه الأخلاقية. ونذ أنحرف عن روسو إلى فولتير، فإنه نظر إلى الإنسان نظرة تزداد كآبة وقتاً ما، على أنه شرير سئ بالطبيعة. أو بسبب تدهور النظام الأجتماعي على حد سواء. "وليس ثمة شيء يوضح أن الطبيعة البشرية كريهة بغيضة؛

ص: 86

مثل السهولة التي يتقبل بها الناس أسوأ الأعمال حين لا يكون (كما هو الحال في حشد منهم) .. هناك من هو مسئول شخصياً عن الشر الذي وقع (55) ويقول جاك المؤمن بالقضاء والقدر: "صدقني نحن لا نشفق على أحد إلا على أنفسنا"(56) ويلغى ديدرو الآن مبالغاته القديمة بمبالغات جديدة. فربما "لوى الإنسان الطبيعي عنق أبيه ليضاجع أمه، لولا تنمية عقله بفضل التعليم (57) ولما تضاءلت حاجيات ديدرو الجنسية، أتفق مع أبيقور على أن "ملذات أو مباهج النفس" مرضية بشكل أكثر أطراداً من الملذات الجنسية، أو المادية (58) وهو يتساءل "هل هناك متعة أو لذة مادية فحسب في إقتناء امرأة جميلة؟ وهل هناك ألم مادي فحسب في فقدان بسبب الموت أو التحول عنها؟ أليس التمييز بين المادي والمعنوي قائماً وطيداً مثل التمييز بين الحيوان الدقيق الذي لا يرى إلا بالميكرسكوب والذي يحس، وبين الحيوان الذي يفكر ويتأمل ويعقل (59).

وإذ وصل الآن ديدرو إلى مفهوم البيولوجي للفضيلة- صفة تعمل على البقاء، فقد تسنى له في شيء من الغموض أن يدرك أن أسمى الفضائل هي تلك التي تعمل على بقاء المجموعة، حيث أن التنظيم الأجتماعي هو الوسيلة الرئيسية لبقاء الفرد، وفي قصة "أين أخي رامو" تبين ديدرو ماذا يحدث لمن يحاول تحطيم القيود المفروضة على الفرد من أجل الأحتفاظ بالجماعة أو الإبقاء عليها. ومثل هذا الإنسان يصبح كما مهملاً ومنبوذاً بغير عقيدة أو طعام أو زوجة أو أمل. وبذلك يختتم ديدرو عن تاهيتي بشيء من الأعتدال في بطء:"إننا سوف نندد بالقوانين الوحشية حتى يتم إصلاحها ولكنا في نفس الوقت سنخضع لها. إن من يكون من سلطته أن تنتهك حرمة قانون سئ يعطي لكل إنسان غيره الحق في أنتهاك حرمة القانون الصالح إنه أقل إزعاجاً أن تكون مجنوناً بين المجانين من أن تكون عاقلاً بمفردك"(60).

وعندما أكتملت وبرزت مفاتن الأنوثة في أنجليك أبنة ديدرو، بدأ

ص: 87

يساوره القلق بشأن أخلاقها، وكان يقظاً حريصاً على عذريتها بأعتبارها ذخراً ثميناً وسلعة رائجة. ولما رأى أنه قد تم زواجها في أمان، حذرها من لزنى، قائلاً إن مجرد الأرتياب في خيانتها لزوجها سيقتل الزوج كمدا، وستقضى عليه بسبب الخزي والفضيحة (61). وفي نقده للفنون عاب على الفنان بوشيه فساده وفسقه، وأمتدح التواضع وغيره من الفضائل المسيحية كما صورها جريز وشاردان. وبشر ديدرو في رواياته بالفضائل القديمة مثل أي برجوازي راسخ الأركان مزدهر الأحوال. وتسلى ديدرو ببعض قطع من المرح الطائش مثل "ملحق رحلة بوجينفيل" وبعض المرح الصاخب وشطحات الخيال على مائدة العشاء عند دي هولباخ. حتى إذا عاد أدراجه إلى بيته أصر على الأستمساك بكل فضائل الطبقة الوسطى، وحاول أن يمارسها إذا أجيز له شيء من الزنى على نطاق ضيق فقط.

وكانت أفكاره السياسية مهوشة مثل آرائه في الأخلاق، وسلم هو بهذا في صراحته لمحبته. ولم يتفق مع فولتير في أن الملك المستنير هو أفضل أداة ممكنة للأصلاح. وأتهم فردريك الأكبر بأنه طاغية، وحاول أن يحول كاترين الكبرى إلى الأفكار الديمقراطية. ووافق على الملكية الدستورية ولكنه أقترح جمعية وطنية ينتخبها الملاك لأن لهم سنداً أو مصلحة في حكومة أقتصادية صالحة (62). (وعندما كتب هذا لم يكن من المتصور أن يكون بديلاً ممكناً للأرستقراطية في حكومة فرنسا إلا الطبقة المتوسطة من الملاك) وحلم ديدرو بمجتمع كريم تتحقق فيه للجميع الحرية والمساواة كلتاهما (وهما العدوان الطبيعيان) ولكنه أرتاب في جدوى أية أصلاحات، حتى يرفع أنتشار التعليم من مستوى تفكير الناس وعقولهم

(1)

.

(1)

الأبيات التي كثيراً ما أقتبست وشوهت هي: وقد تلوى يداه أحشاه الكاهن، لعدم وجود حبل لشنق الملوك "وضعها ديدرو عن سان أحد المتعصبين في رواية "المجانين بالحرية" ولا يمكن أن تؤخذ على أنها وجهة نظر ديدرو، لأنه أستنكر صراحة قتل الملك: "لا يجوز أن يرى الشعب الدم الملكي مسفوحا لأي سبب مهما يكن (64) ولا يمكن أن يكون لهذه الأبيات أي تأثير على مصير لويس السادس عشر، لأنها لم تنشر إلا في 1795.

ص: 88

وكانت آرائه الأقتصادية متطرفة من الناحية النظرية، معتدلة عند التطبيق، وحتى في سني الشيخوخة تعلق ديدرو بشيوعية فوضوية، مثلاً أعلى له:"إني مقتنع بأنه لن يتيسر للجنس البشري أية سعادة حقيقية ألا في دولة أشتراكية ليس فيها ملك ولا قاضي ولا قسيس ولا قوانين، ولا يكون فيها هذا لك، وهذا لي، وليس فيها حق تملك، وليس فيها رذائل أو فضائل (65) ولكنه أعترف بأن هذه النظرية "مثالية إلى حد شيطاني" (66) وتعجب أبن أخي رامو قائلاً "أي أقتصاد أجتماعي شيطاني عندنا! فهناك أناس يتوافر لديهم كل شيء إلى حد التخمة، على حين هناك آخرون يتضورون جوعاً ولا يجدون ما يبتلعون به" (67) وأدرك ديدرو في ساعات العسرة أن عدم المساواة في التملك سيبقى ببقاء عدم المساواة أو التكافؤ في القدرات، وطرح فكرة الأشتراكية لأنها غير عملية، حيث لم يوجد آنذاك إلا بروليتاريا صغيرة غير منظمة لا تكاد تكون واعية، ولكن راوده الأمل في أن يرتفع مستوى هؤلاء العمال ويتحسن وضعهم وشيكاً. ولما أنتهى الأمر إلى الأصلاحات العملية، أيد ديدرو الفيزيوقراطيين ووقف إلى جانب الرأسمالية الناشيءة. وأعلن أن حق التملك يجب أن يكون مقدساً مطلقاً، وأستنكر أي أعتداء على هذا الحق من جانب الدولة. وأنضم إلى كني وترجو وفولتير في الدعوة إلى تحرير الصناعة والتجارة من أية قيود حكومية (68).

وحبذ الإعانات الحكومية للزراعة بوصفها أكثر فروع الأقتصاد حيوية وأهمية، على حين أنها أيضاً أكثر الفروع وقوعاً تحت رحمة سائر الفروع (69). إن ديدرو مثلنا جميعاً أصبح أكثر محافظة (على القديم) كلما تقدمت به السن وزاد دخله.

ص: 89

‌6 - ديدرو والفن

أن هذا العلاج المتجول للاهوت والأخلاق والسياسة والأقتصاد لا يشكل إلا بعض جوانب يسيرة من ديدرو المتعدد الأهتمامات والأنشطة، فهناك غير هذا كثير. ومن كان يظن أن هذا الرجل الفظ الذي يزدحم رأسه بأفكار كثيرة سيصبح بين عشية وضحاها أعظم ناقد فني في عصره؟.

وفي 1759 كان صديقه جريم مشغولاً بشيءون الحرب وبمدام دي ابيناي، فطلب إلى ديدرو أن يقوم مقامه في تغطية أنباء معارض بينالي الرسم والنحت في اللوفر من أجل قراء "كورسبوندانس -الرسالة" التي كان يصدرها جريم. وذكر ديدرو أنباء المعارض فيما بين عامي 1759 - 1771، وعامي 1775 - 1781 وكان في بعض الأحيان يسهب في ذلك أيما أسهاب لأنه كان في هذه المذكرات يطلق لقلمه العنان ليعرض لكل مظاهر الحياة البشرية تقريباً. ولم يظهر في مجال النقد الفني شيء بمثل هذه القوة والصراحة وفي التصميم. وجاء بعض هذا النقد في صيغة محادثات مع الرسامين أنفسهم في المعرض أو على شكل رسالة شخصية إلى جريم. كما حدث في 1761: هاك يا صديقي الأفكار التي جالت بخاطري عندما شاهدت اللوحات والرسوم الموجودة في معرض هذا العام. ولقد دونتها دون أن أعني كثيراً بفحصها أو التدقيق فيها وإيضاحها .. وكل ما كان يدور بخلدي هو أن أوفر لك شيئاً من الوقت تستغله أستغلالاً أفضل (70).

وأقبل على مهمته الجديدة في أبتهاج متحمس، وشكر لجريم إرغامه أياه على أن ينظر إلى الفن المعروض لا نظرة الجمهور العابرة، أي نظرة سطحية زائفة، بل العزم الأكيد على دراسة كل رسم وكل تمثال، حتى شعر بحق بالبراعة الفنية في العمل المعروض وقيمته وأهميته. ولم يكن ديدرو معداً من الناحية الفنية ولكنه تحدث إلى الفنانين أنفسهم - شاردان لاتور، كوشان، فلكونيه

ودلارس طريقتهم في التأليف والعمل،

ص: 90

وشغل الفرشاة والتلوين: "فتحت قلبي للأثار التي ينتجها جهد الفنان، وأدركت سحر الضؤ والظل وعرفت اللون، وأكتسبت شعور الجسد (71).

وأصبح ديدرو آخر الأمر ناقداً للأسلوب الفني ولكنه أنكر أية معرفة تقنية أو فنية، فإنه عرض أن يقول ماذا يعني عنده كل عمل فني، فعمد بادئ ذي بدء إلى شرح الموضوع أو القصة في شيء من التفصيل، حيث أن بعض قراء جريم لم يكن يتيسر لهم قط رؤية القطع الفنية التي هي موضوع البحث، كما أن نفراً منهم أشتروا اللوحات على أية حال، بناء على تقريظ ديدرو لها. إنه غالباً ما تخيل ثم يعيد كتابة المسرحية الحية التي لم يمثل منها الفنان إلا اللحظة المعبرة المركزة. وحول في بعض الأحيان الفن إلى أدب، ثم تباهي آخر الأمر بقوله. "إن شاردان ولاجرينيه، وجريز وغيرهم

أكدوا لي أنني الأديب الوحيد الذي يمكن لصوره أن تمر على قطعة القماش المعدة للرسم مثلما تعاقبت في رأسك الواحدة بعد الأخرى تقريباً (72).

إن ديدرو أوضح ما يحب وما يكره أو ما يؤثره وما لا يعجبه بصراحة لا خجل فيها. إنه بعد أن أستنكر كل شيء تقريباً في المدنية الفرنسية المعاصرة عاد فدافع عن الرسامين الفرنسيين في حماسة مشربة بحب الوطن. ورمى هوجارت بالكذب والجهالة لأنه قال إن فرنسا ليس فيها رسامون برعوا في أستخدام الألوان، ورد على ذلك بقوله "ربما كان شاردان من أبرع من أستخدموا الألوان في كل عصور فن الرسم"(73) وكان قاسياً مع ناتييه وعاب على بوشيه لوحاته العارية ولكنه أستمتع بها. وبعد أن نقد العيوب في إحدى هذه اللوحات قال "كله يستوي عندي فلأحصل عليها كما هي، ولا أظن أني سأضيع الوقت في الشكوى من أن شعرها فاحم إلى حد بالغ. وأغضبته لوحة تمثل يوسف يرفض عروض زوجة بوتيفار "لا يمكن أن أتخيل ماذا كان يريد، وما كنت أنا أتطلب شيئاً خيراً من هذا،

ص: 91

وغالباً ما أرتضيت أقل منه (74) وأبدي عطفاً نحو الفنانين الذين يرسمون الصور العارية، وبصفة خاصة نحو المثالين الذين يصبونها. وفوق كل هذا "ماذا تفعل في التماثيل بالأزرار والنفثات (75) وأحب صور جريز التي تمثل براءة الفتيات وشارك جريز نزعته العاطفية وبصفة خاصة قدر لوحاته التي رسمها لزوجته التي كانت عشيقة ديدرو أيام شبابه. وأستساغ المناظر الطبيعية الموحشة في الفن الهولندي والفلمنكي، ووجد شعراً أكثر في شجرة بمفردها تعاني من كر السنين وتعاقب الفصول، منه في واجهة قصر منيف فلا بد أن يكون القصر أطلالاً حتى تثير الأهتمام وتكون اللوحة مشوقة (76) وأستهجن التوكيد القديم الكلاسيكي-التقليدي على العقلانية والنظام والتناسق، وأمتدح الخيال الخلاق وأثره على التفكير التحليلي. ودعا إلى "تآليف مرعبة أو حسية

تنقل الحب أو الرعب إلى أعماق القلب وتذيب الحواس وتطهر النفس، فثمة شيء في هذا الذي لا يمكن أن تحققه أية قواعد (77). وأحتقر فكرة "الفن للفن" فكان يرى أن للفن مهمة أخلاقية هي "تمجيد الفضيلة والتنديد بالرذيلة"(78).

وكان ديدرو واثقاً من ملاحظاته على معرض 1765 إلى حد أنه أضاف إليها مقالاً عن الرسم "ووجد مثل أفلاطون وأرسطو، إن جوهر الجمال يكمن في علاقته التناسق ين الأجزاء في كل واحد، ولكنه أرتأي أن يضاف إليها أيضاً تناسق ين الشيء وبيئته والغرض المقصود منه. ومن الوجهة المثالية عرف الجمال بأنه تكيف كامل مع الوظيفة فالإنسان الذكي الصحيح الجسم لا بد أن يبدو جميلاً، وينبغي على الفن أن يختار في منظر ما، المعالم والقسمات التي تحدد مغزاه، كما ينبغي أن يستبعد العناصر التي لا علاقة لها، وليس ثمة ما يدعو إلى أن يكون الفن تقليداً صاغراً حقيراً للهدف والواقع ومع ذلك يجدر بالفنان أن يدرس الشيء الطبيعي لا النماذج القديمة أو القواعد الشكلية فإن تنيير Teniers واحد خير من إثنى عشر واتو Watteau خياليين. وأحس ديدرو بشيء من التنافر بين الفن والعقل، وتين له أن

ص: 92

قواعد بوالو التقليدية الكلاسيكية قد عوقت الشعر الفرنسي أو أصابته بالشلل. وهنا خالف فولتير لينضم إلى روسو في أن الفن يجب أن يكون فوق كل شيء صوت الوجدان ونتاجه. لذلك رفع من شأن اللون على حين أن رينولدز في نفس العقد من السنن كان يطري التصميم. وسلم ديدرو بأن التصميم يعطي الكائنات شكلاً ولكن اللون يعطيها حياة (79). ووجد جوته في هذا المقاتل أشياء كثيرة بدا له أنها خطأ، ولكنه ترجم نبذاً منها ووصفها لشيلر "بأنها عمل رائع، أنها تتحدث بشكل أنفع حتى للشاعر منه للرسام، ولو أنها للرسام كذلك مشعل قوي الضوء يهديه على الطريق"(80).

‌7 - ديدرو والمسرح

كتب ديدرو يقول "ترددت عندما كنت شاباً، بين السوربون (الكهنوت) والمسرح (81). وفي 1774 كنت قد قضيت نحو ثلاثين عاماً أكتب الموسوعة على غير هوى مني، وكتبت روايتين أثنتين"(83) وأولى إهتمامه اكبر لرواياته منه لقصصه. ولما كان معظم قصصه لم ينشر إلا بعد وفاته فقد كان لرواياته أثر أكبر على شهرته وعلى حياته، كما أنها شكلت ما يقرب من الثورة في تاريخ المسرح الفرنسي.

وكان ديدرو قد قرأ في شغف زائد قصص ريتشاردسن. وفي 1761 كتب مقالة "في مدح ريتشاردسن سما فيها إلى التغني بالثناء على الرجل الإنجليزي، لأنه ينفخ في القارئ من روحه وبغرس الفضائل، كما أنه أوتي الشجاعة ليصور حياة الطبقة الوسطى الجديرة بفن جاد وفوق هذا كان ديدرو قد تأثر برواية جورج للو Lillo " تاجر لندن" (1731) التي كانت قد أبرزت بنجاح عواطف طبقة رجال الأعمال وبلاياهم على المسرح الإنجليزي. وقال أن الرواية "من مستوى رفيع" حتى لوقورنت بسوفوكليس. لماذا لا تكون القلوب الكسيرة جديرة بمسرحية "مأساوية على الرغم من أنها ليست من ذوات الحسب والنسب؟ وعندما لجأ ديدرو إلى تأليف الروايات في الأسلوب الجاد نراه قد أزعج ورع التقاليد الفرنسية باستخدامه لروايته

ص: 93

شخوصاً من الطبقة الوسطى وبالكتابة نثراً. وهكذا أرسل إلى المسرح والمطبعة في 1757 "الأبن الطبيعي أو المحرومون من الفضيلة ولم تلق نجاحاً على خشبة المسرح، ومثلت مرتين في الأقاليم (1757) ولم تمثل إلا 1771 في باريس، وواضح أنها مثلت مرة واحدة آنذاك ولكنها كانت حدثاً هاماً وحققت نجاحاً ورواجاً وهي مطبوعة في كتاب.

والقصة ممتعة إلى حد كبير فإن دورفال الأبن غير الشرعي المتمسك بالفضيلة الذي يعيش في بجبوحة، يجد فسه قد وقع في غرام روزالي المخطوبة لمضيفة كليرفيل، ويحس دورفال أن الفتاة تبادله حبه فيعتزم أن ينأى بنفسه حتى لا يحطم زواج صديقة. وعندما كان على وشك مغادرة المكان رأى رجالاً مسلحين يهاجمون كليرفيل، فأشتبك في قتال معهم وأنقذ حياة صديقه وعندما علم بأن والد روزالي التاجر فقد كل ثروته ولم يعد يستطيع أن يقدم لها صداقاً فأنه يعوض الخسارة خفية ومن ثم أصبح التاجر المفلس والد دورفال ووالد روزالي معاً، وتوطن النفس على أن تكون أختاله وتتزوج من كليرفيل، ويتزوج دورفال من أخت صديقه كنستانس وتختتم الرواية وقد غمرت الجميع دموع الفرح. وهذا كان أسهام ديدرو فيما كان النقاد قد أسموه بالفعل "مسرحية الدموع".

أن الذي هيأ للرواية مكاناً في التاريخ الفرنسي سلسلة من الحوادث نشرت معها، سميت فيما بعد "مناقشات حول الأبن الطبيعي" وجرت تقاليد المسرح الفرنسي على أن المسرحية الجادة (تمييزاً لها عن الهزلية) يجب أن تقتصر على أشخاص النبلاء ويجب أن تكتب شعراً. وأوضح ديدرو آنذاك فكرته في أن المسرحية الجادة ينبغي إلا تخشى إستخدام شخوص وأعمال رمهن برجوازية ومشاهد من حياة الأسرة وللبيت في شكل واقعي، مع كتابة الرواية نثراً. ورأى ديدرو أن يبين أن عبارة "سيد مهذب من الطبقة الوسطى" ليست التناقض الساخر الذي كان قد أرتاه موليير" ولكنه تطور المجتمع الجديد الذي تصاعدت فيه ثروة البرجوازية ومكانتها وسلطتها، واحتج بأنه

ص: 94

يجدر بالكاتب المسرحي إلا يعرض كثيراً من الدراسة للشخصية بل كثيراً من ظروف الحياة الواقعية في الأسرة، في الجيش، في السياسة، في المهن، بل حتى في الصناعة. وحيث كانت الطبقات الوسطى منبع الفضيلة في فرنسا فقد أصر ديدرو على أن يكون من وظائف المسرحية الجديدة أن تغرس في الناس حب الفضيلة ومقت الرذيلة "مدمغ الفن المقصود به مجرد الترفيه بأنه ترف الطبقة الخاملة" فلا بد أن يكون لكل فن وظيفة وفائدة أجتماعية. وأي هدف أن يسعى المسرح إلى تحقيقه أفضل من أن يكسو الفضيلة فتنة وسحراً وجلالا!

أن الرواية وما صاحبها من بيانات وتصريحات فرقت أهل الفكر في باريس إلى معسكرات متنابذة، وتناول باليسو وغيره من أعداء الفلاسفة آراء ديدرو بالتسفيه والتسخيف. أما فريرون فأنه لم ينقد الرواية بأنها تعليمية جافة كئيبة متبلة ببعض المشاعر والفضائل الزائفة فحسب، بل أنه كذلك أوضح في إعداد متوالية من "السنة الأدبية" التي كان يصدرها تشابهاً مريبابين النصف الأول من "الأبن الطبيعي" وبين كوميديا "التصديق الحق" التي كان جولدوني قد مثلها في البندقية 1750. وأعترف ديدرو بقوله: لقد إستحوذت عليها وكأنها خاص بي ولم يكن جولدوني أكثر تدقيقاً فأنه إستحوذ على رواية مولير "البخيل". وما كان يدور بخلد أحد أن هذا غير لائق. ولم يحلم أحد منا بأتهام موليير أو كورني بالسطو والأنتحال لأنه أقتبس ضمناً فكرة أحدى الروايات من مؤلف إيطالي أو مسرح أسباني (83).

وهذا يصدق بطبيعة الحال على رواية كورني "السيد Lecid " ورواية موليير "مأدبة الصخرة" Le Feslin de Pierre ( دون جوان).

وبتشجيع من الأصدقاء وتحدياً للأعداء، ووسط أشد ما يلاقي من عناء في الموسوعة، ألف ديدرو ونشر (1758) رواية أخرىة أسمها "رب الأسرة" وأضاف موضوعاً أثار الغضب: بحث في الشعر المسرحي، وهو عنوان يذكرنا بالعنوان الذي إستخدمه دريدن لبحث مماثل منذ تسعين

ص: 95

عاماً. وأخرجت الرواية في تولوز ومرسيليا في 1760، وعلى "المسرح الفرنسي" في باريس في فبراياً 1761، حيث مثلت سبع ليل مما أعتبر نجاحاً متواضعاً. ووافق فولتير على تأجيل عرض مسرحيته Tanerede من أجل رواية ديدرو هذه، وكتب إلى منافسة الجديد "أيها الأخ العزيز ديدرو، تخليت لك عن مكاني عن طيب خاطر وبودي أن أتوجك بأكليل الغار" فرد عليه ديدرو "شكراً لك يا أستاذي العزيز وأني لأعلم كم كنت ترغب في أن يلاقي تلميذك نجاحاً. وقد تأثرت لهذا كثيراً، لك حبي وأحترامي إلى أخر لحظة في حياتي"(84) وأعيد تمثيل الرواية من جديد بنجاح في 1769 على المسرح الفرنسي وأصبحت عنصراً هزيلاً في إنتصار الفلاسفة.

وموضوع الرواية يتصل إلى حد ما بالسيرة الذاتية، فالوالد تذكير جميل بديدييه ديدرو، اللهم إلا في أنه يعظ أكثر كثيراً مما قيل لنا عن الرجل الطيب ديدييه: أما الأبن سانت ألبان (وهو صورة قريبة جداً من دنيس ديدرو) فأنه يسعى في الحصول على موافقة أبويه على زواجه من صوفيا، وهي إحدى بنات الطبقة العاملة، ويوافق الولد على أن يراها ويحبها، ولكنه يرفض أن يتزوج إبنه بمثل هذه البنت الفقيرة. وبعد خمسة فصول وبحض الصدفة التي خدمت ألف مسرحية يتبين أن الشابة إبنة أسرة كريمة ويرق قلب الوالد ويجري كل شيء على ما يرام ويمكن أن يغتفر لفريرون قوله أن الرواية مثيرة ميكانيكية سخيفة. وأثار أحد النقاد إلى أن التغني بالفضيلة كان مقصوداً به جريم كان يشارك روسو إحدى البغايا، وكان الآن عشيق مدام أبيناي، وأن ديدرو أطلق على بطلة روايته إسم هذه العشيقة صوفي فوللان Vollad أما فولتير فإنه على حين إمتدح المؤلف على ما في الرواية من "أشياء رقيقة فاضلة" كتب إلى مدام ديفان ستساءل "هل قرأ لك أحد رواية رب الأسرة؟ أليست مضحكة تدعو إلى السخرية؟ أن قرننا، فيما يختص بالعقيدة والإيمان فقيرة إذا قورن بقرن لويس الرابع عشر"(85).

ص: 96

ومهما يكن من أمر فإن ديدرو أحس بأن مسرحية القرن السابع عشر في فرنسا كانت على شكل غير طبيعي تماماً في أسلوبها الخطابي الحماسي الطنان الرنان، وفي وحداتها المحكمة المتزمتة في العمل والمكان والزمان، وفي تقليدها الكئيب للروايات الكلاسيكية القديمة لا الواقع الحي، وكانت رواياته وهي عاطفية حسية دون موازنة أو خجل بشائر رد الفعل الرومانتيكي ضد المذهب العقلي والكبت العاطفي في العصر الكلاسيكي، وكان تأثير ديدرو محسوساً أيضاً في الواقعية المتزايدة في إعداد المسرح تبعاً لمختلف الفصول، وفي دقة ملابس الممثلين بالنسبة لعصور التاريخ وفي الحفاظ على الخصائص القومية في النطق. وأشترك ديدرو مع فولتير في الحملة التي شنها لأخلاء خشبة المسح من النظارة. وقال جوستاف لانسون إن كل تحسين طرأ على فن الإخراج في المائة والخمسين عاماً الماضية بع من ديدرو" (87) اللهم إلا أن الناظر الآن تميل إلى أن تكون تخيلية أكثر منها واقعية. وكذلك تجاوبت ألمانيا مع ديدرو الذي أطلق عليه سانت بيف أقرب الفرنسيين إلى الألمان. وترجم لسنج رب الأسرة والمقالات المسرحية، وصرح بأنه ليس ثمة ذهن أكثر ميلاً إلى الفلسفة وتأثراً بها إنشغل بالمسرح منذ عهد أرسطو إلا ديدرو (88).

الكوميدي كذلك كان لديدرو رأيه في فن التمثيل المسرحي، وفي مقال طابعه التحدي تحت عنوان "تناقض حول الممثل الكوميدي" 1778 أعترض على القول بأنه من أجل تحريك شعور جمهور المتفرجين والتأثر فيهم يجب على الممثل ألا يستسلم للعاطفة التي يعبر عنها يجب أن يكون هادئاً رابط الجأش، وهذا بالطبع تسفيه لرأي خوراس الذي نصح الشعراء بقوله "إذا أردتموني أن أبكي فلتجهشوا أولاً بالبكاء". ويرد عليه ديدرو: "يجدر بالممثل أن يضم بين جنبيه مشاهداً أو متفرجاً لا يتأثر وغير متحيز. ويجب أن يكون لديه حسن الإدراك والتمييز، لا الحساسية

وإذا كان الممثل مليئاً حقاً بالشعور والوجدان فكيف يمثل نفس الدور مرتين بنفس الروح ونفس النجاح؟ وإذا كان ممتلئاً حماسية ونشاطاً في العرض

ص: 97

الأول، فلا بد أن يهن ما أشتد من قوته أو يصبح جامداً كالصخر في العرض الثالث، أملأ المسرح بأناس يذرفون الدموع، ولكني لا أسمح لأحد منهم بأن يكون على خشبته (ممثلاً)(89). وتلك نصيحة قلما إتبعها ممثلو مسرحيات ديدرو. وكان ثمة تناقض في ديدرو نفسه، ذلك أنه في 1757 كتب يقول إن الشعراء والممثلين يحسون بقوة ولكنهم لا يعكسون إلا القليل من أحاسيسهم (90) ولكنه الآن يناقض نفسه، وربما كان هذا راجعاً إلى أنه شاهد في باريس فيما بين عامي 1763 slash1770 دافيد جوك Gorrick يثير إنفعالات وأحسيس متباينة في تعاقب سريع، متى أراد. أو أنه كان قد وجد المفارقة في هملت وهو يأمر الممثلين السنيور:"وسط السيل والعاصفة (كما يمكن أن أقول) ودوامة النفعال تذرعوا بشيء من الأعتدال الذي يضفي عليها شيئاً من الهدوء والرفق"(91) ورفض سير هنري أرفنج تحليل ديدرو ولكن ناقداً حديثاً يعتقد أنه "ظل حتى اليوم أهم محاولة لمعالجة مشكلة التمثيل"(92). ويمكن أن يكون الممثلون عاطفين في الحياة ولا يجوز أن يكونوا كذالك على خشبة المسرح. (وربما يؤدي ضبط النفس على المسرح إلى الأنطلاق والتحرر في الحياة، ومن ثم يجب أن يغتفر لهم خطايا كثيرة). وينبغي عليهم أن يدرسوا الأحساس المعين في أسبابه وعلله، ويعبروا عنه بأيماءاتهم وأشاراتهم وكلامهم. ولكن يجب "أن يتذكروا في هدوء وسكون" (93). وتوصل ديدرو إلى إيضاح الفرق في رسالة إلى الآنسة جودان:"أن الممثل الذي لا يتحلى إلا بحسن التقدير والتمييز فاتر بارد، أما هذا الذي يتميز بالحيوية والحساسية فهو مجنون"(94).

إننا إذا ألقينا بنظرة إلى الوراء في العرض غير المرتب الذي أوردناه لذهن ديدرو المشوش نغفر له إضطرابه وسط هذا العدد الوفير من الأفكار والآراء ومجالات إهتمامه. ولم يكن شيء من الإنسانيات غريباً عليه أو بعيداً عنه، اللهم إلا الدين، بل إنه حتى بالنسبة لهذا، فإن ديدرو لم يخل من الشعور الديني. وكان من خصائص ديدرو أن يبدأ بالرياضيات والفيزياء

ص: 98

وينتهي بالمسرحية والموسيقى. ولم يكن في مقدوره أن يكون من جهابذة العلوم، لأنه لم يكن يطيق صبراً على البحث والتجربة، ومن ثم قفز مبتهجاً إلى التعليمات. على أنها كانت كثيراً ما تنير العقل. وعرف من الموسيقى الشيء الكثير حتى أنه كتب عن طريقة إستعمال المفاتيح، ورسالة عن علم الإيقاع، وألف أعظم الروايات أثراً وأحسن القصص في عصره، ويتفرق في قصة القصيرة على كل معاصريه فيما عدا فولتير. ولكنه برز فولتير نفسه في أنه أضفى على القصة القصيرة من تركيز الفكر والعمل ما حدد لها شكلها حتى يومنا هذا. وحيث أدمن ديدرو على الحديث والنقاش وتدرب على إرتياد المنتديات (الصالونات) فأنه طور الحوار إلى درجة من الأشراق والحيوية، نادراً ما سمع بها قبله أو بعدة. وكتب في الفلسفة، ولكنه لم يكتب لغة غامضة للأبراج العاجية، وإنما كتب مناقشة حية في موضوعات حية بين أناس إندفعوا إلى معترك الحياة أة إلى خضم العالم راضين طائعين.

ص: 99

‌8 - ديدرو

وراء هذا الذهن المتغير الأشكال والألوان، كان ثمة إنسان تجمل بفضائل كثيرة، كما أنه يبرأ من كل الأخطاء تقريباً، مما لعب كل منها دوره على مسرح حياته، وعند ما رسم فانلو لوحة لديدرو، أحتج هذا على أن الوجه في الصورة لم يظهر من صاحبه إلا جزءاً سريع الزوال، فلم يبرز إلا مجرد تعبير واحد عن حالة نفسية واحدة أو مزاج واحد وقال: إن لي مائة من التعبيرات المتباينة في كل يوم، تبعاً لحالتي النفسية أو مزاجي في كل لحظة: كنت هادئاً حزيناً حالماً رقيقاً عنيفاً منفعلاً متلهفاً. أن العلامات الخارجية الظاهرة لحالات ذهني الكثيرة المتباينة كانت تلاحق بعضها بعضاً بسرعة على وجهي إلى حد أن عين المصور وقعت على شخص مختلف من لحظة إلى أخرى ولم تقع على الشخص الحقيقي قط" (95).

ومهما يكن من أمر فإن هذه الوجوه الكثيرة أندمجت شيئاً فشيئاً في قالب مركب، وتركت له التقاطيع والقسمات المجعدة التي نراها في اللوحة التي رسمها له جريز Greuze مثل قيصر أضناه الألتحام العنيف مع جيش من الأفكار والأعداء، كما أرهقته محاولاته التعبير بأدق عبارة وأجلى بيان عن قبوله أو رفضه أي عن قوله نعم أو لا. وكان له حاجبان عاليان يطلان على رأس نصف أصلع وأذنان كبيرتان وأنف كبير منحن، ولسان ناطق وذقن متجلد، وعينان سمراوان، ثقيلتان حزينتان، وكأنما تستذكران من الأخطاء ما لا يجوز تذكره، أو تتأكد من عدم قابلية الخرافة للتخريب، أو تلاحظان أرتفاع معدل السذاجة، وكان أمام الناس عادة يضع شعراً مستعاراً، وقد يخلعه إذا نسي نفسه في نشوة الحديث، وقد يلعب به أو يضعه على حجرة، وكان مستغرقاً في الحياة، ولم يكن لديه فسحة من الوقت للتظاهر.

ولم يذعن لأي إنسان في تقدير أخلاقه. وسلم "بأني قد يغلبني التأثر لحظة ولا ألبث إلا قليلاً حتى أعود سيرتي الأولى، الإنسان الصريح الوديع

ص: 100

امنصف المتسامح الأمين المحسن الذي يأسر الناس بحسن صنيعه. أستمر من فضلك في قصيدة المديح لأنها لم تكمل بعد. إني لم أذكر شيئاً بعد عن ذكائي". وساوره الشك في أن يوجد على ظهر البسيطة إنسان أكثر منه أمانة. وكان واثقاً من أنه حتى "أعمدة الكنيسة" تستطيع أن تعتمد على كلمته. وكتب إلى خليليته: " أية نفوس جميلة نفسك ونفسه" وهنا أدخل جريم في هذا الثالوث. وغمرته نشوة الفرح والأبتهاج وهو يتحدث عن مؤلفاته ورواياته واثقاً من خلودها. وأعتقد أن أخلاقه قويمة. والحق أنه أحتفظ بسيدة واحدة في وقت واحد. وتحدث عن نفسه على "أنه" الفيلسوف. "وسلم بوجود شبه بينه وبين سقراط وتساءل: "ماذا يهمني إذا كنت أدين بمناقبي ومآثري للطبيعة أو للخبرة ما دامت ثابتة وطيدة ولن يفسدها الغرور"(96)؟

والواقع أن ديدرو تحلى بعظم الفضائل التي نسبها لنفسه، لقد كان أميناً بمعنى صريح، ولو أنه أقترف كثيراً من الكذب في شبابه. ولم يكن يتكلف أو يتظاهر، وكان وديعاً رفيعاً، اللهم إلا في الحديث، حيث كثيراً ما كان متهوراً، وفي بعض الأحيان خشناً جافاً إلى حد كانت تضطر معه مدام جيوفرين إلى تنبيه إلى التزام النظام واللياقة. إنه يقيناً كان شجاعاً لأنه أستمر يناضل حين تخلى عنه الكثير من أصدقائه، بل حتى نصحه فولتير بأن يكف. وكان منصفاً اللهم إلا مع التقوى ومع روسو، وقد ندرك فيما بعد أنه لم يكن يستسيغ كثيراً حساسية جان جاك روسو. وكان كريماً بلا منازع مستعداً لمعونة من يلجأون إليه، أكثر ثناء وأطراء للناس منه لنفسه. وقضي أياماً كثيرة في القيام بأعمال جريم في صحيفة كورسبندانس، "وصياغة محاولات أصدقائه الأدبية في الشكل الملائم. وساعد نفراً كبيراً من الفقراء بمنح قدمها إليهم من دخله المتواضع. وإذا عرض عليه أحد الصحفيين المحتاجين قطعة هجاء في ديدرو نفسه طالباً إليه أن يراجعها معللاً ذلك بأنه إنما يسعى وراء القوت أجابه ديدرو إلى طلبه وراجعها ونقحها. بل اقترح

ص: 101

عليه إهداءها إلى دوق أورليان الحالي الذي يوليني شرف كراهيته لي" وهذا ما حدث فعلاً وأرسل الدوق للصحفي الناشيء خمسة وعشرين جنيهاً (97). وكان متساهلاً في نقده للكتب واللوحات والرسوم (فيما خلا رسوم بوشيه) قائلاً أنه يؤثر الأشارة إلى الأعمال الجيده على السخرية من الأعمال الرديئة"(98) وكان أكثر الفلاسفة أنساً ووداً. وأيد روسو حتى 1758، وجريم حتى النهاية تقديراً من ديدرو لخلقه هو نفسه. وقالت مدام أبيناي أنهم تحدثوا عنه "بأعظم الأجلال والأحترام" وأعجبوا بعبقريته، ولكن خلقه كان مثار حماسة خاصة بينهم. ويقول جريم إنه أكمل من عرف من البشر (99). وكانت أخطاؤه في نظر مثل الأصدقاء أخطاء طفل صريح إلى حد السذاجة. وأعتبروا أنه أعمق من فولتير.

ومن المحقق أنه كان أكثر ثراء في الأفكار من فولتير، لأنه لم يكن ثمة قيود ولا ضوابط في بنيانه، وكان أكثر خيالاً وأقل عقلانية. وكان أكثر تهوراً وطيشاً، ولم يكن ناضجاً قط. يقول فولتير "أن ديدرو أتون شديد الحرارة إلى درجة يحترق معها كل ما يخبز فيه"(100). ومع ذلك خرجت منه أشياء كثيرة لم يكتمل نضجها ولا خبزها، وكان شديد الحساسية مثل روسو رقيق العاطفة مثله، كما كان مثله مستعداً ليبكي على جمال الطبيعة ومآسي الحياة وأعلن رأيه في الدين وربما عبر هذا الرأي عن نفسه: أن في ذرف الدموع بالنسبة للنفس الحساسة الرقيقة لذة وبهجة (101). ورآه زواره أحياناً بذرف الدمع-أو في سورة غضب- على كتاب، وبما كانت صداقته مع روسو قائمة على التماثيل في المشاعر ونفس قوة الوجدان، ونفس حب الطبيعة ونفس المفهم الرومانتيكي للعبقرية على أنها غريزة وأنفعال وخيال، ونفس التحمس لقصص رتشاردسن. وتلهف على تحذير كلاريا من Loelace وعندما قرأ عن الملوك القساة كان من اليسير عليه أن يتخيل أنه يستخدم خنجراً في سهولة عجيبة (102) أن فولتير+ روسو= ديدرو. ولم يغفر أي من هذين الرجلين له أنه جمع بينهما كليهما، على حين بقي هو فريداً مع نفسه.

ص: 102

وعبرت عاداته عن تناقص صفاته، فأنه أحب الطعام إلى حد الشره والأصابة بالحصى. ولكنه كان يقظاً لكل النتاج الثقافي في زمانه. وكره الترحال ولم يحبذه (103) ولكنه عبر قارة أوربا ليقدم إلى كاترين الثانية قيصرة روسيا شكره وتقديره، وأنهمرت دموعه لشعر الجميل، وأنغمس في البذاءة الفاحشة، وأحتقر المال وتحدث عن الفقر صديقاً ملهماً للفلاسفة، ولكن عندما مات ولده قصد إلى لانجرز (1759)، وسر بحصوله على ثلث البركة. ومن ثم دخله في 1760 نحو أربعة الآف سنوياً. فقال عند ذاك "أنا في حاجة إلى مسكن مريح، إلى فراش وثير وإلى سيدة معطرة، ومن ثم أستطيع بسهولة أن أصبر على بلايا دولتنا المتمدنة. أو هنا كبح جماح فولتير في ديدرو، وجماح روسو فيه وسخر منه.

وشغلت زوجته بالأمومة المثبطة للمهمة وبأعمال البيت غير العطرة إلى حد لم يستطع معه أن تلقى أذناً صاغية إلى أفكار زوجها وآرائه المتكاثرة. وجأر مثل ملتون بطلب الطلاق على أساس عدم التكافؤ العقلي، ولما لم يجيزوا له الطلاق لجأ إلى ما لا يزال الفرنسيون يلجأون إليه ألا وهو إتخاذ خليله - وصفوة القول كانت هناك الآنسة بابوتي Babuti التي أصبحت فيما بعد جريز Greuze ثم مدام بوسييه Puisieux التي لازمته عشر سنين. وفي 1755 وجد ضالته المنشودة في سيدة شابة وفرت له لمدة عشر عاماً الحب والأخلاص وحسن التفاهم. وتلك هي لويز هنريت فوللان Volland، وعاد فأطلق عليها أسم صوفي Sophie ( لأنها بدت في عينيه روح الحكمة) وكانت عندما التقيا لأول مرة في الثامنة والثلاثين من عمرها غير متزوجة ريانة ممتلئة الجسم قصيرة البصر، ووصفها بأنها تضع منظاراً على وجه "جاف" تقريباً. وكثيراً ما عنفهابين لحين والحين لأنها كانت تنافسه في حب القراءة، لكنها جمعت الكتب بدلاً من العشاق. وقرأت كثيراً حتى في السياسة والفلسفة، ووجد ديدرو أن ساقيها غليظتان أكثر مما ينبغي، ولكنه كان

ص: 103

شاكراً لها حسن أصغائها إليه، مولعاً بعقلها وقلبها. وكتب يوماً إلى جريم يقول "آه يا عزيزتي جريم، أية سيدة هذه! كم هي لطيفة جميلة أمينة رقيقة حساسة. ولسنا نعرف أكثر مما تأتي به هي من عادات وأخلاقيات ومشاعر فيما لا يحصى من الأشياء العامة. أن لها حكمها على الأشياء، ووجهات نظرها وأراؤها وأفكارها وطريقة تفكيرها الخاصة بها، كل أولئك قائم على العقل والحق وحسن الأدراك. ولا يثنيها عن شيء من ذلك الرأي العام أو السلطات أو أي شيء آخر"(104) ولا يمكن أن يكون كل هذا هياماً وغراماً، أما جوهر الموضوع فإن دكتور ترونشين رأى فيها روح نسر تسكن بيتاً من السحاب (105) أي أنها أحبت الثياب الفاخرة والتحليق في سماء الفكر والعقل.

وكتب إليها ديدرو طيلة عشرين عاماً أرق رسائله التي ستظل من ذخائر القرن الثامن عشر الأدبية. وقد أستطاع أنيكتب إليها في كل شيء بصراحة ويرسل إليها قصصه الداعرة وآخر تأملاته وأفكاره. فكتب لها كما لو كان يحدث إليها "إذا كنت بجوارك وذراعي يطوق ظهر مقعدك"(106). وفي علاقته بها تحقق مما لم يتحقق من مثله قط من قبل: تحقق من الدور الذي يمكن أن يلعبه الوجدان والعاطفة في الحياة. وكاد أن يكون من العسير عليه إلا أن يؤمن بالجبرية (القضاء والقدر) وبدا بعيداً عن التصديق أن تبادلهما المزدوج للأخلاص والحب والأفكار نتيجة فيزيوكيميائية لسديم بدائي. وأستطاع وهو في مثل هذه الحالة النفسية أحياناً أن يتحدث حتى عن الله. وإنه ليروي لصوفيا كيف أنه بينما كان يسير في الريف يوماً مع جريم التقط سنبلة من القح وأستغرق في التفكير في سر فسأله جريم "ماذا تفعل"؟ فأجاب "استمع""ولكن من الذي يكلمك؟ " فرد عليه "الله"(107).

وبعد أثنى عشرة سنة من أتصاله بصوفيا فوللان فترحبه لها. وأصبحت رسائله إليها موجزة، كما أصبح توكيد الإخلاص أكثر تكلفاً. وفي 1769 وهو في السابعة والخمسين، خلف صديقه المتوفي داميلا عشيقاً لمدام دي مو، وكانت في الرابعة والخمسين، وبعد عام واحد أزاح ديدرو عن مكانه عاشق شاب، على أن دنيس (أي ديدرو) ظل في الوقت نفسه يؤكد لصوفي حبه الأبدي.

ص: 104

وفي كل شطحات قلبه وذهنه أحتملت زوجته أنطوانيت بكل الصدق والإخلاص، ولم تكف عن لومه وتوبيخه. وألتمست السلوى والعزاء في الدين ولعب الورق ولم ينقطع الشجار بينهما يومياً تقريباً، ولم يضيق الزمن الهوة بين الرجل الذي تدور برأسه ألف فكرة والمرأة التي تعبد رباً واحداً ولم يتوقف أصدقاؤه قط لتحيتها عندما كانوا يأتون لزيارته. ولما أكتشفت علاقته بصوفي ثارت ثائرتها التي بدت له فرصة غير ملائمة للأفتراق عنها تماماً. ولفترة من الوقت ظل يتناول طعامه في مكتببه، وكتب إلى جريم يقول "إنهال بدأت تحس بنتائج هذا الفرق البسيط. إن نفاد نقودها وهو ما أراه وشيكاً، وسيدي حتماً إلى الصلح وعودة الإمور إلى مجاريها (108). وإنتابها المرض فرق قلبه لها وتولى رعايتها متذمراً، وتجاوبت معه في رقة ظن منها أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. ومهما يكن من أمر فإنه في رسالة بعث بها إلى صوفي وصف مرض زوجته أنطوانيت مازحاً. وعندما فكر صديقه سوارد في الزواج نصحه ديدرو أن يلقي بنفسه في لجة اليم بدلاً من الزواج. (وكان زواج سوارد من أسعد الزيجات في عصر الشقاء هذا).

وكان من الجائز أن يولي ديدرو الفرار من داره لزلا أنه أحب وسائل الراحة في بيته، وشغف حباً بأبنته الجمسلة. وكانت أنطوانيت (173) في الثالثة والأربعين حين وضعت طفلها الرابع. وشبت ماري أنجليك وأكتملت لها كل مفاتن الأنوثة، فركز ديدرو كل إهتمامه عليها وتعلق بها، فشاركها في ألعابها. وأنا لنتصور الرجل الذي أثقلت الفلسفة رأسه يلعب فشاركها في ألعابها. وأنا لنتصور الرجل الذي أثقلت الفلسفة رأسه يلعب مع أبنته الصغيرة الغمضية والحجلة والطفل المعصوب العينين "كنت شغوفاً بأبنتي الصغيرة إلى حد الجنون. أية شخصية محبة هي: أو أية سيدة أستطيع أن أخلق منها إذا سمحت لي أمها بذلك". وعنى بتلقينها كل الفضائل المسيحية. ولما قاربت سن البلوغ زودها بتوجيهات لتصون نفسها من ذئاب باريس. وماذا كانت تعني عروضهم؟ "إنها تعني يا آنسة رضاء لي، هلا جللت نفسك بالفضيحة والعار، وفقدت مركزك الاجتماعي

ص: 105

وتواريت عن أنظار المجتمع، وحبست نفسك في أحد الأديار وجعلت أباك وأمك يموتان حزناً وجزعاً (109)؟

ومن ثم فإنه مثل أي أب فرنسي أدخر مالاً ليدفع لها الصداق، وأتصل بمختلف الأسرات ليجد لها زوجاً في الوقت المناسب، وأستقر رأيه على أختيار زوج أبنته ورفضته أمها أنطوانيت، ولكن وافقت عليه الآنسة ماري وزفت إليه (1772)، وبكى ديدرو لفراقها، ولكن أغرورقت عيناهأكثر بدموع الفرح عندما رأى سعادتها الزوجية، وعاون الزوجان الصغيرين بسخاء قائلاً "أليس من الأفضل أن أعاونهم في الوقت الشدة أكثر من أن أنتظر إلى الوقت الذي لا يعودان يحتاجان إلى فيه". وأصبح زوج الأبنة هذا من المحافظين الحذرين الحريصين.

ولما نضج في ديدرو الأحساس بالأبوة بدأ يحسن فهم أبيه، وينظر بين الأجلال والتقدير للقانون الأخلاقي الذي ساعد رجلاً على تنشيءة أسرة طيبة، ولكن قدراً كبيراً من البوهيمية ظل يلازمه. وعلى الرغم من أنه حب عرينه وملابسه وأخفائه القديمة، وأولع بتد أصابع قدميه أمام النار ويلزم البيت، فإنه كان يحرم نفسه من هذه المتعة بين الحين والحين، مثلما قضي مرة شهراً مع دي هولباخ في جراندفال Grandval وظل يرتاد المقاهي، وكان شخصية مألوفة في بعض الصالونات، وأحبته مدام حبوفرين على الرغم من خشونته في الحديث. وفي نوبات عطف الأمومة أرسلت إليه مكتباً جديداً وطاقماً من الكراسي المريحة المصنوعة من الجلد وساعة حائط ضخمة من الذهب والبرومنز ومبذلاً فاخراً-" روب دي شامبر" وقدم لها الشكر وتخلى عن أثاثه القديم وهو حزين ولكنه عبر عن عمق الأسف لردائه الذي نبذه! " لم لم أحتفظ به أنه قد صنع من أجلي، ولا يصلح إلا لي ولا أصلح إلا له، والتأم مع كل ثنية في جسمي دون أن يزعجني، وكان رداء جميلاً مليحاً على حين أن الرداء الجديد جامد يابس

ص: 106

وكأنه يجعل مني تكثالاً لعرض الأزياء (مانيكان). وكانت طبيعته الطيبة الودودة تسارع إلى تلبية كل نداء وتأدية كل خدمة، فإذا علا التراب أحد الكتب أمكن أستخدام أحد جوانب الرداء منفضة. وإذا كان الحبر على قلمي سميكاً لا يتدفق كان جانب الرداء على أهبة الأستعداد. وإنك لترى من خلال الخطوط السوداء الطويلة كم من الخدمات أدى هذا الرداء. إن هذه الخطوط والأشرطة السوداء هي التي أنبأت عن الأديب وعن الكاتب وعن المجد الكادح، أما الآن فيبدو على أني ثري خامل الذكر، لا يعرفني أحد وكنت صاحب السلطان المطلق على ردائي القديم أما الآن فقد أصبحت عبداً أسيراً للرداء الجديد" (110).

وأعتبر ديدرو أن صداقاته هي أكبر سلوى وأعظم إلهام له في حياته. وكان أرتباطه بجريم أوثق وأبقى من سائر محبيه. وفي 1772 بعد أن كان الواحد منهما قد عرف الآخر لمدة أثنتين وعشرين عاماً كتب إليه "عزيزي صديقي الوحيد، لقد كنت دائماً وستكون دائماً صديقي العزيز الوحيد (111) ومع ذلك أساء فتور جريم وتظاهره بعدم الأكتراث في بعض الأحيان إساءة بالغة إلى ديدرو. إن جريم الألماني أستغل طيبة قلب ديدرو وكثيراً ما أنابه عنه في تحرير صحيفته "كورسبندانس" وحل محله لا في كتابة أخبار المعارض فحسب؟، بل في عرض أحدث الكتب كذلك. وفي بعض الأحيان أشتغل أثناء الليل حتى آخر لحظة حددها جريم لإنجاز العمل (112) وعرض جريم على ديدرو أجراً فرفض أن يؤجر. ومن المؤسف أن نروي أنه في 1773 سمع ستانلاس بونياسكي ملك بولنده أن ديدرو كان يعد العدة لزيارة سانث بطرسبرج، وفكر في دعوته للتوقف لعدة أيام في وارسو، فما كان من جريم إلا أن نصح الملك بأنه لا غناء في التعرف على الفيلسوف "إن ديدرو بدلاً من أستغلال وقته في أقتسام مجد العبقرية مع فولتير يضيعه في كتابة شذرات لصحيفة كورسبنداس أو يضيعه سدى مع كل من يجد في نفسه الجرأة ليسأله. وأستطيع أن أؤكد لجلالتكم أنه سيموت مغموراً غير معروف" (113).

ص: 107

وربما كانت أسعد ساعات ديدرو (عدا الوقت الذي كان يقضيه مع أبنته أنجليك) هي تلك التي كان يقف فيها خطيباً في أمسيات دي هولباخ أو مدام جيوقرين للعشاء، وينطلق في الحديث بفصاحة في أي موضوع وهو لا يكون في أفضل حالاته في الأجتماعات التي يغلب عليها الأدب والتهذيب والتي يكون فيها الظرف هو المطلوب لا الأفكار. وكم أنزعجت مدام جيوفرين نفسها من تحمساته، وكانت نصائحها له بالأعتدال والتزام آداب اللياقة قدر شطحاته هو، ولكن على مائدة البارون التي أجتمع إليها كما أكدوا لهيوم، سبعة عشر ملحداً أطلق ديدرو لنفسه العنان ومن ثم (كما أجمع كلهم تقريباً) لا يكون في أحاديث باريس الممتعة ما هو أكثر أمتناعاً وسحراً من حديث ديدرو ويقول مارمونتل "إن الذي عرف ديدرو من كتاباته وحدها لا يعرفه إطلاقاً

لقد نعمت منه بمتعة فكرية أعظم (114) أما هنري مستر الذي كثيراً ما نسمعه فإنه يصفه في مقارنة ملائمة "إني عندما أسترجع ديدرو في ذاكرتي وأرى شدة تنوع أفكاره وغزارة علمه المذهلة وتحليقه وشطحاته السريعة وحرارته وأضطراب خياله المتهور وكل ما في حديثه من فتنة سحر وتشويش، أتجاسر فأشبه شخصية بالطبيعة نفسها تماماً، كما تعود أن يتصورها، غنية خصبة تكثر فيها الجراثيم من كل جنس، وديعة عنيفة بسيطة فخكة، قيمة مهيبة ولكن على غير مبدأ أو قاعدة، ودون سيد ذي سلطان ودون إله (115).

وأستمع إلى تقرير مباشر عن حديث ديدرو عن نفسه "بدأ أنى شاذ غريب عليهم، ملهم سماوي. إن جريم نفسه لم يتهيأ له من البصر ما يراني به ولا من السمع ما يستمع إلي به، ودهشوا جميعاً وأحسست أنا نفسي بين جنبي بشيء من الرضا لا أستطيع التعبير عنه، إنه كان أشبه بنار تضطرم في أعماقي تلفح صدري، أنتشرت بينهم وألهبتهم. كانت أمسية من الحماسة كنت أنا مضرمها"(116).

وكانت شهرته المعاصرة أعظم بين من عرفوه منها بين أولئك الذين

ص: 108

أوا فقط أعماله المنشورة، وأهمها دائرة المعارف ورواياته وأحسنها التمسك بالدين وجاك المؤمن بالقضاء والقدر، وحلم دالمبير وأبن أخي رامو، ولملا تكن قد طبعت عند وفاته. ومل أجل هذا السبب من ناحية ولتطرف آرائه وأفكاره في الدين والجنس أخفق ولم يحاول قط اللحاق بالأكاديمية ومهما يكن من أمر فإنه في نظر أصدقائه كان الفيلسوف زعيم زعيم جماعة الثائرين المتمردين. إن روسو حتى بعد أن كرهه بأعتباره عدواً خفياً كتب في أعترافاته "سيبدو ديدرو لعدة قرون قادمة فذاً أعجوبة، وينظر الناس من بعيد إلى هذا الرأس العالمي بمزيج من الأعجاب والدهشة كما ننظر نحن الآن إلى رأس أفلاطون وأرسطو (117).

وأفتتن جيته وشيللر ولسنج بكتابات ديدرو وشارك ستندال وبلزاك ودلا كروا في الأعجاب به وأعتبره كومت أسمى عبقرية في ذاك العصر المثير (118) وأسماه ميشيليه "برومثيوس الحقيقي (في الأساطير اليونانية هو الشيطان المعبود الذي سرق النار من السماء وعلمها لأهل الأرض). وقال إن المرء ليستطيع أن ينهل من كتابات ديدرو لمدة سنة ومع ذلك تتبقى ذخائر لا حصر لها (119) وهلا أستمعنا إلى مدام جيوفرين التي عرفته حق المعرفة، ولكنها لم تقرأ كتبه، أنها كتبت تقول "أنه رجل طيب ورجل أمين ولكنه عنيد متشبت برأيه (ولو كان خطأ) غير متزن إلى حد أنه يرى ويسمع الأشياء على ما هي عليه ومثله كمثل رجل يحلم ثم هو يؤمن بأنه أحلامه صادقة (120).

كان ديدرو طيباً وسيئاً، أميناً وخائناً، عنيداً ونزاعاً إلى الحق، قليل التوازان وخلاقاً مبدعاً بشكل بارع، كما كان حالماً ومناظلاً ومتنبئاً، يبدو أن مكانته في التاريخ تعلو وتسمو كلما أبتعد زمانه، حتى إن بعضهم اليوم ليعتقد أنه أعظم شخصية أمتاعاً وإثارة في فرنسا في القرن الثامن عشر (121) ولتقف الآن عند هذا الحد حتى نلتقي به مرة أخرى وجهاً وجهاً مع أمبراطورة ثم في لقاء الفلاسفة مع الموت.

ص: 109

الفصل الحادي والعشرين

‌اتساع نطاق الحملة

‌1758 - 1774

1 -

هلفشيوس

1715 -

1771

أ- تطوره

إنحدرت الأسرة من أصل سويسري ألماني سئل هؤلاء الأقوام الأشداء الممتلئين نشطاً الذين تزهو وتزدهر بهم اليوم برن وزيورخ. واتخذ أحد الأعضاء في نيوشاتل اسم Schweitzer ومعناه سويسري. وحمل آخر إنتقل إلى الأراضي الواطئة اسم Helvetius ومعناه أيضاً سويسري، وانتقل هذا الفرع الثاني إلى باريس حوالي 1680، وهنا أصبح جان كلود أدريان هلفشيوس طبيباً للملكة ماري لزكزنسكا. من أولاده العشرين يعنينا هنا كلود أدريان الذي ولد 26 يناير 1715 والذي نشأ وترعرع في كنف الطب الذي ترك بعض بصمات على فلسفته وبعد أن تلقى تعليمه على يد الجزويت في كلية لويس العظيم تتلمذ على يد جباة الضرائب. وسرعان ما أثرى. وفي سن الثالثة والعشرين بلغ دخوله نحو 360 ألف جنيه في السنة (1) وكان وسيماً وراقصاً ومبارزاً بارعاً كان محبوباً لدى رجل الحاشية ونسائها، وعين سديراً للشؤون الداخلية للملكة. ولم يكن مستعداً بأية حال ليكون فيلسوفاً، اللهم إلا أنه كان يحذق تأليف الكتب.

ولكنه في 1738 التقى بفولتير فروعه عقله وشهرته وراوده حلم الكتابة والتأليف. فهلا يكون امتيازاً غريباً أو غير مألوف أن يكون رأسمالياً وفيلسوفاً في وقت معاً؟ وقضى بعض الوقت بوردو ضيفاً على منتسكيو،

ص: 110

ثم في برجندي مع بيفون. وعمل تأثير هذين الرجلين على تشكيل هلفشيوس، وأصبح صديقاً وثيق الصلة بمليونير آخر هو البارون دي هولباخ الذي كان الزعيم المادي في هذا العصر. وفي أمسيات العشاء لدى البارون وفي صالون مدام دي جرافيني التقى بديدور وجريم وروسو وديكلوس وجالياني ومارمونتيل وترجو. ومن ثم تحولت إتجاهاته.

وفي 1751 اتخذ قرارين خطيرين، فتخلى عن منصبه الوفير الكسب وهو منصب الملتزم العام للضرائب، ولجأ إلى ضيعة إقطاعية في Vore-au Perche وتفرغ لتأليف كتاب يهز العالم وفي العام نفسه وهو في السادسة والثلاثين تزوج من آن كاترين دي أوتريكورت؛ وهي كونتيسة من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت آنذاك في الثانية والثلاثين من العمر وهي من أجمل السيدات وأكثرهن كياسة وعقلاً في فرنسا وأخذها على الفور إلى بلدته فوريه حتى لا تفسدها باريس على حد قول جريم. وهناك أو في باريس دخل فونتيل وكان يناهز مائة عام إلى حجرة ملابس الكونتسة الجميلة وهي تكاد تكون عارمة عارية تماماً، فصرخ وهو يرتد من من الحجرة فرحاً: آه يا سيدي لو أني كنت في سن الثمانين فقط (2).

واحتفظ الزوجان السعيدان كذلك بدار في باريس. وهنا جذب إليها كرم هلفشيوس ومفاتن زوجته كثيراً من قادة الفكر مثل ديدرو ودي هولباخ وفونتنيل وبيون ودالمبير وبيفوت وترجو وحالباني وموريلي وكوندرسيه وهبو. ويقول مارمونتيل: كم أصبحت هذه الدار ملائمة مريحة لرجال الأدب (3) وحاول هفشيوس في حفلات العشاء أن يوجه المناقشة إلى الموضوعات التي فكر في أن يكتب فيها، ويثير النقد لأفكاره وأبدى أنه يصغي كل الإصغاء لما يقال من نقد، وشكا موريليه من أن هلفشيوس يؤلف كتابه شركة بينهم (4).

وظل هلفشيوس يعمل في إعداد الكتاب سبع سنين دأباً، حتى خرج

ص: 111

الكتاب المرموق في 15 يوليو 1758 بعنوان "الذكاء" ولشد ما كانت دهشة الأصدقاء الذين رأوا المخطوطة حين ظهر الكتاب متمتعاً بالترخيص الملكي الثمين بالنشر. ذلك أن مالشرب كان قد عهد إلى جان بييرترسيية بمراجعة الكتاب تمهيداً لنشره (عمل الرقابة على المصنفات)، فقرر ترسييه "من رأيي أنه ليس في الكتاب ما يحول دون نشره (5) ولكن المحامي العام في برلمان باريس دفع الكتاب في 6 أغسطس بأنه محشو بالهرطقة والكفر، وألغى مجلس الدولة في 10 أغسطس الترخيص يالطبع، وسرعان ما عزل ترسييه عن مناصبه المربجة. ودفع يهاجم المسيحية قائلاً: بأي لون من الإلحاد والكفر يتهمونني؟ أنا أنكر في أي جزء من الكتاب التثليث أو ألوهية المسيح أو خلود الروح أو بعث الموتى أو أية ناحية أخرى من نواحي العقيدة البابوية، ومن ثم فإني لم أهاجم الديانة بأي شكل من الأشكال (6). وخشي فولتير أن يرسل هلفشيوس إلى الباستيل فنصحه بالرحيل، ولكن هلفشيوس كان مستريحاً في ذاك إلى حد لا يضحي معه من أجل الكتاب، فأصدر تراجعاً في في صيغة الرسالة إلى قسيس، فأعلنت الحكومة بأن هذا غير كافٍ فنشر هو اعتذار يقول جريم "أنه مذل إلى حد لا يدهش معه المرء أن يرى رجلاً يؤثر أن يلجأ إلى الهوتنتوت (قبائل السود في جنوب أفريقية) على أن يضع اسمه على مثل هذه الاعترافات (7)" وقصدت مدام هلفشيوس إلى فرساي لتشفع لزوجها ورضيت الحكومة بأن يأوي إلى ضيعة امدة عامين، وربما أصبحت العقوبة أشد من ذاك لولا أن الملك تذكر أن والد هلفشيوس أنقذ حياته ذات مرة حين كان طبيباً للملكة. وفي 3 يناير اتهم البابا كايمنت الثالث عشر الكتاب بأنه مخز فاسق لا يلتزم قواعد الدين، وفي فبراير أحرق علناً بأمر البرلمان. ولقد رأينا كيف أن هذه "الضجة حول مسألة تافهة كما سماها فولتير قد أسهمت مع مقالة دالمبير جنيف في تضييق الخناق على موسوعة ديدور. وبكل هذا الإعلان الواسع النطاق عن كتاب "الذكاء" تهافت الناس على قراءته أكثر مما أقبلوا على أي كتاب

ص: 112

لعب دوراً في الحملة على المسيحية، وظهرت منه عشرون طبعة بالفرنسية على مدى ستة أشهر. وسرعان ما ترجم إلى الإنجليزية والألمانية واليوم لا يعرف عنه شيئاً إلا القليل من العلماء والباحثين ويكاد يكون من المتعذر الحصول على نسخة منه.

ولم ينشر هلفشبوس شيئاً بعد ذلك، ولكنه استمر يكتب. وصرح ثانية وتوسع متروياً غاضباً في شرح وجهات نظره في رسالة "عن الإنسان" وهي التي هاجم فيها رجال الدين بوصفهم باعة متجولين يتجرون في الرجاء والخوف وينشرون الجهل ويقتلون الفكر. وفي هذين الكتابين نجد كل مثله العليا في هذا العصر الطموح، الحرية والمساواة والأخوة: حرية الكلام والصحافة والاجتماع والعبارة، والمساواة بين الجنسين كليهما، وبين كل الطبقات في فرص التعليم وأمام القانون، وتأييد يكاد يكون اشتراكياً لدولة الخير العام حماية وتعويضاً للفقراء السذج ضد الأغنياء الأذكياء". وكل هذه الآراء والمثل العليا يتوجها إيمان شبيه بالإيماء الديني الديني في إمكان بلوغ الجنس البشري مرتبة الكمال المطلق. وهنا أيضاً إذا أصغينا جيدا لسمعنا صوت الثورة.

ب - فلسفته

ومثل كل الفلاسفة تقريباً يبدأ هلفشيوس بلوك. فكل الأفكار مستمدة من الإحساس، ويلي ذلك من خبرة الفرد. فكل الحالات العقلية عبارة عن مجموعات متضامنة من الأحاسيس يشعر بها الإنسان حالياً أو تنبعث من جديد من الماضي عن طريق الذاكرة، أو يتصورها مستقبلاً عن طريق الخيال. أما إصدار الحكم أو اتخاذ القرار فهو الإحساس بالفوارق بين الأحاسيس. أما العقل فهو مجموعة من الأحكام أو القرارات.

وليس الذهن والنفس شيئاً واحداً هو تجمع أو تعاقب للحالات العقلية. أما النفس فهي حساسة الكائن الحي أي القدرة على استقبال

ص: 113

الأحاسيس وكل الإحساس مادي. وكل النفس قوة في المادة. أن كل ظواهر الطب والتاريخ الطبيعي تثبت بوضوح أن هذه القوة

تبدأ بتكوين أعضاء الجسم، وتبقى ما بقيت ثم تنقضي هذه النفس بانحلال هذه الأعضاء وفنائها (8). وللحيوانات أنفس. ويسموا الإنسان على الحيوان بفضل نموه واستواء قامته حيث تتحول قوائمه الأمامية تدريجياً إلى أيد قادرة على الإمساك بالأشياء ومعالجتها.

وحيث بدأ هلفشيوس بجون لوك فأنه يتابع المسيرة مع هويز. فكل عمل رغبة تستجيب لأحاسيس حالية أو مبتعثة. والرغبة هي تذكر اللذة التي اقترنت بأحاسيس معينة، والأفعال رغبة ملحة، وتختلف في شدتها تبعاً للألم أو اللذة المتذكرة والمتوقعة. والانفعالات تؤدي بنا غالباً إلى الخطأ، لأنها تركيز انتباهنا على ناحية معينة من شيء أو موقف بعينه ولا تهيئ لنا المجال لتدبيره من جميع جوانبه (9). والذكاء بهذا المعنى هو تأخر رد الفعل ليهيئ إدراكاً أوسع واستجابة أوفى. وعلى الرغم من ذلك فالانفعالات بالنسبة للخلق هي الحركة بالنسبة للمادة. وهي تزودنا بالدافع حتى الدافع إلى المعرفة. فالإنجاز العقل لأي شخص يختلف تبعاً لحدة انفعالاته فالإنسان العبقري إنسان ذو انفعالات قوية والإنسان الغبي مجرد منها (10). والانفعال الأساسي هو حب القوة والسيطرة، وهو أساسي لأنه يزيد في قدرتنا على تحقيق رغباتنا.

وعند هذا الحد استحق عمل هلفشيوس ما وصفه به فولتير من أنه "عجة بيض" أي خليط من الأفكار التي كانت سائدة منذ عهد طويل في دنيا الفلسفة، ولكنه انطلق الآن إلى أكثر آرائه ومسائله امتيازاً. فحيث أن كل الأفكار تنبع من خبرات الفرد وتجاربه فإن التباين بين أفكار الأفراد والأمم وخلقها يعتمد على الفوارق بين بيئة الفرد أو الأمة. ولدى كل الناس عند مولدهم استعداد متساوٍ للفهم والحكم وليس، وهناك تفوق فطري أو طبيعي في الذهن. لقد وهب الجميع قوة وقدرة على الانتباه كافيتين

ص: 114

للارتفاع بهم إلى مرتبة الرجال اللامعين المرموقين إذا كانت البيئة والتعليم والظروف ملائمة لهم. وعدم المساواة في القدرة والأهلية هو دائماً نتيجة الاختلاف في الموقف الذي تصادف أن وضعوا فيه (11).

"وفي اللحظة التي يخرج فيها الطفل من بطن أمه .... يدخل إلى الحياة دون أفكار ودون انفعالات. وكل ما يحس به هو الجوع. إننا في المهد (أي عن طريق الوراثة) لا نتلقى انفعالات الزهو والكبرياء والجشع والطمع والرغبة في حسن التقدير والمجد والعظمة. إن هذه الانفعالات المثيرة للشقاق والشغب التي تتولد بين البلدان والمدن تفترض مقدماً وجود تقاليد وقوانين قائمة بالفعل بين الناس

ومثل هذه الانفعالات لا تكون معروفة لدى من تحمله ساعة مولده عاصفة إلى صحراء مقفرة يغذيه ذئب مثل روميلوس. وحب المجد والعظمة شيء مكتسب، ومن ثم فهو نتيجة درس وتعليم (13) ".

وحتى العبقرية نفسها نتاج البيئة، أي الخبرة بالإضافة إلى الظروف ويضيف العبقري الخطوة الأخيرة إلى خطوات اكتشفت واتخذت قبله. وهذه الخطوة الأخيرة تكون تبعاً للظروف. وكل فكرة جديدة هي نعمة من نعم الصداقة، أي سلسة من النتائج والآثار لا ندرك لها سبب (13).

"ومن أين يأتي عدم المساواة التامة في الفهم والذكاء"؟ السبب في هذا هو أن أي إنسان لا يدرك على وجه الدقة نفس الأشياء، وليس على وجه الدقة في نفس الموقف، ولم يتلق نفس التعليم، كما أن الصدفة أو الحظ الذي يسمو على تعليمنا لا يؤدي بكل الناس إلى كنوز غنية بقدر سواء. وإننا من أجل هذا ننسب إلى التعليم-بكل ما في هذه الكلمة من معنى، مع أخذ فكرة المصادفة والحظ في اعتبارنا-ننسب عدم المساواة في الفهم والذكاء (14).

ومن الجائز أن هذا التحليل النفسي وهو سخي بصفة خاصة من أحد أصحاب الملايين، مشتق أو نابع من وضع سياسي. فالمحافظون يؤكدون

ص: 115

فوارق الوراثة وتأثيرها، والحاجة إلى الحرص والحذر في تغيير النظم المتأصلة في عدم المساواة الطبيعية والمحلية في القدرة والخلق. أما دعاة الإصلاح فيؤكدون على الفوارق البيئية وتأثيرها، مما يجعل عدم المساواة في القدرة والقوة الثروة يبدو راجعاً إلى المصادفة والحظ، إلى مفارقات المولد وميزات الظروف أكثر من إلى جدارة فطرية. ومن ثم يمكن خفض عدم المساواة بالمساواة في التعليم وتحسين البيئة. ويطبق هلفشيوس نظريته في المساواة الطبيعية على الأجناس والأفراد. فكان يمكن أن تصل كل الأجناس إلى نمو متساوٍ إذا تساوت الفرص البيئية لديها. وينتج عن هذا أن الغرور القومي أو الاعتزاز بالجنس مثل الغرور الفردي أو اعتزاز الفرد بنفسه، ليس له في الواقع أي مبرر. أن الحرية التي يفاخر بها الإنجليز

ليست جزاء لشجاعتهم بقدر ما هي نعمة الحظ-"أعنى القنال الإنجليزي والبحار التي تحميهم (الحرية الداخلية إذا تساوت الأشياء الأخرى تتفاوت عكسياً مثل الخطر الخارجي) ".

وواضح على هذه الأسس أن طريق التقدم يتبع تحسين التعليم والمجتمع والحكومة. "إن التعليم قادر على التأثير في كل شيء". ألا يدرب التعليم الدب على الرقص (15)؟ أن كل التقدم، حتى في الأخلاق يتوقف على انتشار المعرفة وتدريب الذكاء. اقضِ على الجهل وبذلك تقضي على كل بذور الشر (16) ومن أجل الاقتراب من هذا الهدف يجدر أن يعاد بنا نظام التعليم في فرنسا كما ينبغي أن يحرر من ربقة الكنيسة ويعهد به إلى الدولة، كما يجب أن يكون في متناول كل الأفراد من الجنسين كليهما وفي كل الأعمار. ويجدر أن يحل تدريس العلوم والتقنيات محل تعليم اللاتينية والإغريقية، ويجب أن يكون ثمة تركيز جديد على بناء الأجسام الصحيحة "والعقول السليمة المتمسكة بالفضيلة (17) ".

وعلى الرغم من أن هلفشيوس لم ينكر أية تعاليم مسيحية نراه هنا يدخل في دعوى مثيرة بقصد تقليص نفوذ الكنيسة في فرنسا. أنه يهاجم الكنيسة من

ص: 116

وجهة نظر اجتماعية لا لاهوتية، أنه يشجب وجهة النظر الكاثوليكية في تمجيد العزوبة والفقر، ولكنه يطرب ويبتهج لأن قلة ضئيلة من المسيحيين هم الذين ينظرون إلى هذه الأفكار بعين الجد. "أن ميلاً خفياً إلى الشك وعدم التصديق يقاوم هذه الأثر الخبيث المؤذي للمبادئ الدينية (18) أنه يتهم سيطرة الكاثوليك على التعليم لا بأنه تعوق النقد الفني والعلمي في الأمة بتجاهل العلوم والاستخفاف بها فحسب، بل بأنها كذلك تمكن رجال الدين من تشكيل ذهن الطفل لإخضاعه للسيطرة الكهنوتية (19).

"إن رغبة رجال الدين في كل العصور انصرفت إلى القوة والنفوذ والثراء. وبأية وسيلة يمكن إشباع هذه الرغبة؟ ببيع الرجاء (في التعليم) والخوف (من الجحيم). إن الكهنة وهم تجار جملة في هذه السلع كانوا يحسون ويدركون أن هذا البيع سيكون مؤكداً رابحاً (20) ..... وتتوقف قوة الكاهن وسلطانه على الخرافات، وعلى تصديق الناس في غباء وحمق لهم. وليس اتعليمهم قيمة لديه. وكلما قلت المعرفة عندهم ازدادوا امتثالاً لأوامره (21) .... إن أول هدف للكهنة في كل ديانة هو خنق حب الاستطلاع عن الناس، والحيلولة دون فحص أية تعاليم ومبادئ يكون سخفها ملموساً محسوساً إلى حد لا يمكن إخفاؤه (22)

لقد ولد الإنسان جاهلاً، ولكنه لم يولد مغفلاً أبله، وليس إلا بالجهد والمشقة ليكون كذلك، ولا بد لذلك وليكون قادراً على إطفاء هذا النور الطبيعي في داخله من استخدام كثير من الخدع والحيل والأساليب، ومن ثم يكدس التوجيه والتربية في ذهنه أخطاء فوق أخطاء (23) وليس ثمة شيء تعجزه قوة الكهنوت بمساعدة الخرافة عن تنفيذ، لأنها تسلب الحكام والقضاة سلطانهم وسيادتهم، والملوك سلطتهم الشرعية، وبذلك تخضع الناس وتحرز السيطرة عليهم. وغالباً ما تكون هذه أعلى من سيادة القوانين، ومن ثم تفسد في النهاية المبادئ الأخلاقية نفسها (24).

ص: 117

ويضيف هلفشيوس ثمانية فصول عن التسامح.

"أنه التعصب أم عدم التسامح الديني هو ربيب الطمع الكهنوتي وسرعة التصديق الغبي الأحمق (25)

وإذا أنا صدقت مربيتي أو معلمي! إن كل ديانة أخرى باطلة زائفة، وديانتي وحدها هي الصحيحة الحقة. ولكن هل يعترف العالم كله بهذا؟ لا، فإن الأرض لا تزال تئن تحت وطأة المعابد الكثيرة الموقوفة على الخطأ (26). وماذا يعلمنا تاريخ الأديان؟ أنها أضاءت في كل مكان مشعل التعصب وملأت السهول بالجثث وخضبت الحقول بالدماء وأحرقت المدن وأقامت إمبراطوريات مهلهلة (27). أليس الأتراك، ودينهم دين جهاد وحرب، أكثر تسامحاً منا؟ إننا نشهد الكنائس في القسطنطينية ولكنا لا نرى مساجد في باريس (28). إن التسامح يخضع الكاهن للأمير ولكن التعصب يخضع الكاهن للأمير ولكن التعصب يخضع الأمير للكاهن (29).

ويميل هلفشيوس إلى القول باستثناء واحد في جانب التعصب، حيث يقول: "هناك سبب واحد يمكن أن يكون فيه التعصب ضاراً بالشعب، حيث يكون التسامح مع عقيدة تتسم بالتعصب مثل الكاثوليكية. فإن مثل هذه العقيدة التي تصبح أقوى ما تكون في دولة ما سوف تسفك دائماً دماء حماتها الأغبياء. لا تسمحوا للكاثوليك المتملقين أن يستغلوا البروتستنت. إن القساوسة الذين يعتبرون التعصب في بروسيا أمراً بغيضاً وخرقاً للقانون الطبيعي والسماوي ينظرون إلى التسامح في فرنسا على أنه جريمة وهرطقة. وماذا يجعل الإنسان مختلفاً عن غيره في مختلف الأقطار؟ ليس إلا ضعفه في بروسيا وقوته في فرنسا. وإذا تأملنا في سلوك المسيحيين الكاثوليك، لوجدنا أنهم في البداية حين يكونون ضعافاً يبدون وكأنهم حملان وديعة حتى إذا أصبحوا أقوياء كانوا وحوشاً ضارية (30).

وأدلى هلفشيوس من حين إلى حين بكلمة طيبة عن المسيحية، وبخاصة عن البروتستنتية ولم يكن ملحداً ولكنه كره تصوير الأصفار المقدسة للإله

ص: 118

طاغية

يعاقب على الهنات الهينات بالعذاب المقيم (31). وراوده الأمل في ديانة عالمية تقيم تحت رقابة الدولة "أخلاقيات طبيعية" متحررة من الثواب والعقاب بعد الموت (32). ووضع العقل الإنساني فوق كل دعاوى الإنسان للوحي الإلهي. فإن الرجل الأمين سوف يمتثل دائماً لعقله مؤثراً إياه على الوحي. لأنه سيقول بينه وبين نفسه عن يقين بالغ بأن الله هو منشئ العقل البشري أكثر من أنه مؤلف كتاب بعينه (33).

ولكن أليست المعتقدات الخارقة والوازع الديني ضرورية لفاعلية القانون الأخلاقي؟ يقول هلفشيوس. كلا "ليس على الدين ولكن على التشريع أو القانون وحده تتوقف رذائل الناس وفضائلهم وقوتهم وهناءتهم

إن كل جريمة لا يعاقب عليها القانون تقترف كل يوم فأي دليل أقوى من هذا على عقم الدين وعدم جدواه؟

ومن أين ينشأ الأمن الحالي في باريس؟ هل ينشأ من تقوى أهلها وتبتلهم؟ كلا إنما ينشأ من نظام الشرطة ويقظتهم

وفي أية فترة أصبحت القسطنطينية وكر الرذائل؟ في نفس اللحظة التي قامت فيها المسيحية هناك

إن أشد الملوك تمسكاً بالمسيحية لم يكونوا أعظم الحكام. إن قليلاً منهم تحلوا بفضائل تيتس أوتراجان أو أنطونيوس وأي أمير تقي ورع يمكن أن يقارن بهؤلاء؟ (34).

ومن هنا بدا لهلفشيوس أن مهمة الفلسفة أن تبتكر وتنشر أخلاقيات مستقلة عن العقيدة الدينية. ومن وجهة النظر هذه كتب ما أسماه أحد الباحثين "أعظم اختبار على الأخلاق الاجتماعية خطه يراع أي فيلسوف (35) أنه عقد العزم على ألا ينتقص من قدر الطبيعة البشرية أو يجعلها بل يأخذها كما وجدها بكل ما فيها من أنانية، ويحاول أن يبني عليها أخلاقاً طبيعية. إن الإنسان ليس خيراً أو شراً بالطبيعة. إنه مخلوق حاول أن يحافظ على ذاته في عالم يحاول كل كائن آخر فيه أن يفتك به إن عاجلاً أو آجلاً (36). إن الصورة التي كان قد رسمها روسو حديثاً للمجتمع البدائي بدت لهلفشيوس خيالاً تافهاً

ص: 119

غير ذي قيمة. وكان هوبر أقرب إلى الحقيقة حين وصف "حالة الطبيعة" بأنها صراع كل فرد ضد المجتمع. إن لفظتي الخير والشر في تطبيقها على الناس ليس لهما معنى إلا في مجتمع، وكل الطيبة فضيلة اجتماعية وهي نتاج التدريب أو التعليم الاجتماعي على الغابات والأغراض الاجتماعية. "إن الأمير الذي يثق في استقامة الخلق الفري المتأصل في النفوس شقي تعس. إن روسو يفترض وجود هذه الاستقامة، ولكن الخبرة تنكر وجودها. وكل من يتأمل في هذا سينتهي إلى أن الطفل يقتل الذباب ويضرب كلبه ويخنق عصفوره أي أن غب الطفل كل رذائل الرجل. إن الرجل وهو في أوج سلطانه، (متحرراً من كل القيود والضوابط الاجتماعية) غالباً ما يكون جائراً ظالماً. والطفل القوي مثله تماماً: فإنه إذا لم يكبح جماحه وجود رفاقه مثل الرجل في أوج سلطانه يستحيل لنفسه حلوى رفيقه وأدوات لعبه ويستولي عليها (37).

ومن الواضح عندئذ أنه ليس هناك حاسة أخلاقية فطرية، فكل الأحكام على الخطأ والصواب تنمو عن طريق خبرة الفرد نتيجة لتعاليم أسرته وجماعته وحكومته وكنيسته، وفرضها عليه قسراً. فإذا تحر ر الفرد من هذا القسر. كما هو الحال في الحكم المطلق أو الحرب أو الزحام-فإنه يميل إلى العودة إلى مخالفة القانون والتمرد عليه، وإلى عدم التمسك بالمبادئ الأخلاقية. وهنا "لا تكون الأخلاق في معظم الأمم آنئذ إلا مجرد مجموعة من تعاليم وقواعد سلوكية يمليها ويفرضها الأقوياء ليضمنوا سيطرتهم وسيادتهم، مع الاستمرار في ظلمهم وطغيانهم، مع الإفلات من أي عقاب" ولكن الأخلاق بمعناها الصحيح هي "معرفة الوسائل التي يبتدعها الناس ليعيشوا معاً وجنباً إلى جنب في أسعد حال

وإذا كان من بيدهم الأمر والسلطة لا يعارضون تقدم المعرفة بهذه الوسائل فإنها تنهض وتتقدم كلما أكتسب الناس معرفة جديدة" (39).

وهلفشيوس يعتنق صراحة مذهب المتعة (اللذة أو السعادة). وهي الخير الرئيسي أو الأوحد في الحياة: فالسعادة هي هدف الحياة هنا على الأرض، والسعادة هي استمرار اللذة ودوامها، وكل اللذة حسية أو فسيولوجية

ص: 120

أساساً (40)"إن نشاط الذهن واكتساب المعرفة، هما أعظم اللذات إشباعاً على الدوام (41) ولكنهما ماديان أيضاً بصفة جوهرية. والزهد أو التقشف ضرب من الحمق. واللذة الجنسية مشروعة تماماً إذا لم تؤذ أحداً. وليست الفضيلة هي الامتثال لشرائع الله بل هي السلوك الذي يوفر أعظم اللذة لأكبر عدد من الناس. وهنا وبشكل واضح هلفشيوس الأخلاق النفعية التي جاء بها بالفعل هتشنسون (1725) والتي شرحها بنتام فيما بعد (1789). "ولكي تكون فاضلاً يجب أن تجمع بين نبل النفس والعقل المستنير. وهذا الذي يجمع بين هاتين النعمتين إنما يتجه إلى المنفعة العامة. وهذه المنفعة هي قاعدة كل الفضائل الإنسانية وأساس كل التشريع

وكل القوانين يجب أن تتبع مبدأ أو قاعدة واحدة وهي نفع الناس جميعاً أي أكبر عدد من الناس في ظل الحكومة نفسها

فهذا المبدأ يتضمن كل الأخلاقيات وكل التشريع (42).

وعلى الرغم من ذلك فإن كل الأفعال في رأي هلفشيوس مهما كانت أخلاقية وفاضلة أنانية. وقد لا تكون الأفعال بالضرورة أنانية، فكثير منها يتسم بالغيرة (حب الغير) بمعنى أنه مقصود به نفع الآخرين وفي بعض الأحيان تكلف فاعليها تمناً غالياً. ولكن حتى مثل هذه الأفعال أنانية بمعنى أن الدافع إليها هو إرضاء الذات. أننا غيريون (نحب الغير) إننا بالفطرة أو بالتعليم والمران يمكن أن نجد لذة كبيرة في إدخال السرور على الآخرين وإسعادهم. وهكذا قد تضحي الأم من أجل طفلها أو البطل من أجل وطنه. إننا إذ نفعل الخير لغيرنا فذلك يرجع إلى أننا عن قصد أو عن غير قصد نتذكر في لذة وسرور ما قوبلت به مثل هذه الأفعال في الماضي من حب أو تقدير اجتماعي. وبهذه الطريقة قد تصبح الأفعال الغيرية عادة لدينا، وقد نشعر بالإزعاج أو الخوف إذ لم نقم بها. وقد يبدو النسك أو التبتل الديني عملاً فاضلاً إلى درجة عالية، ولكنه "مجرد استثمار طويل الأجل في سندات السماء" أي مجرد محاولة طويلة الأمد لضمان حسن الجزاء في السماء

ص: 121

"فإذا فرض ناسك أو راهب على نفسه قانون الصمت وجلد نفسه بالسوط في كل ليلة وعاش على الحبوب والماء وافترش الأرض على القش فأنه يظن أنه بفضل النحول والهزال سيحظى بمنزلة رفيعة في الجنة (43). وإذا لم يحكم المجتمع المحلي على أي تصرف أو فعل وحشي قاس بالإدانة ويستنكره فإن هؤلاء الرجال المقدسين سيرتكبونه دون خجل أو لجوء إلى القانون، مثال ذلك إحراقهم المهرطقين (44). إن الصداقة نفسها ضرب من الأنانية: فهي تبادل خدمات حتى ولو كانت مجرد تأييد، وحيثما انقطع مثل هذا التبادل تقطعت أواصر هذه الصداقة، وليس ثمة شيء استثنائي أو غير مألوف أكثر من الصداقة التي لا تدوم طويلاً (45)، وجوهر الحقيقة إننا دائماً نحن الذين نحب أنفسنا في غيرنا (36).

وحين هبط لاروشفوكول بالمثل بمختلف الدوافع إلى حب الذات فأنه شعر بالأسى باعتبار أن حب الذات هذا رذيلة. ولكن هلفشيوس ارتضاه على اعتباره فضيلة، على أنه سهى للمحافظة على الذات. وعلى أية حال فتلك حقيقة عامة من حقائق الحياة "فالغضب أو الشعور بالضيق من الأفعال القائمة على حب الذات وهو مثل الشكوى من زخات المطر في الربيع أو من حر الصيف

أو صقيع الشتاء" (47). ومن منطلق عمومية حب الذات تماماً يقترح هلفشيوس إقامة أخلاقيات "علمية". فالتعليم والتشريع يمكن أن يشكلا الأخلاق والعادات إلى حد الإزعاج والشعور بالقلق والضيق بالأفعال أو التصرفات غير الاجتماعية، والشعور باللذة والسرور في الفضيلة-أي في الأفعال التي تفيد الجماعة وتسدي إليها خيراً. ويجدر بالفيلسوف أن يدرس السلوك الإنساني والحاجة الاجتماعية بقصد اكتشاف أي شكل من أشكال السلوك أكثر نفعاً وخيراً لأكبر عدد من الناس، ويحاول مع المعلمين والمشرعين التماس المغريات والمحاذير التي يمكن مع الاستعانة بحب الذات أن تشجع السلوك الاجتماعي، وأية فوائد تعود على الجنس البشري من مثل هذا الاتفاق بين

ص: 122

الفلاسفة والملوك؟ " إن فضائل الشعب وسعادته لا تنبع من قدسية عقيدتهم الدينية ونقاوتها بل من حكمة قوانينهم (48).

وهكذا تحول هلفشيوس في قمة فلسفته إلى دراسة التشريع والحكومة. أنه من الناحية السياسية أشد الفلاسفة تطرفاً. أنه لا يشارك فولتير إيمانه "بالحكم المطلق المستنير" فإن مثل هؤلاء الحكام قد ينزعون إلى إخماد أية آراء غير آرائهم هم أنفسهم، التي قد تكون خاطئة ضارة. ويقتبس قول فردريك الأكبر لأكاديمية برلين "ليس ثمة ما هو أفضل من حكومة استبدادية يرأسها أمير عادل إنساني عطوف متمسك بالفضيلة، وليس ثمة شيء أسوأ من حكم الملوك العاديين البسطاء"(49). والملكية المحددة السلطة أو الدستورية مثل إنجلترا صالحة طيبة، والأحسن منها اتحاد من جمهوريات ديمقراطية تعاهدت على العمل المشترك ضد أي ظالم (50). والأرستقراطية جائرة نظرياً حيث أن المقدرة العليا نتاج الصدفة، ولكن الديمقراطية الكاملة غير مرغوب فيها، ما دام الفقراء غير متعلمين لا يملكون شيئاً. ومن ثم فإن المشرع الحكيم يسعى إلى نشر التعليم وحسن توزيع الملكية.

إن هذا "المليونير" الخبير بشؤون المال يرثي لتركيز الثروة وتيسير هذا التركيز عن طريق الاقتصاد القائم على المال: "إن هذا الشقاء الذي يخيم على كل الناس والأمم تقريباً إنما ينشأ من قصور قوانينهم والتوزيع البعيد كل البعد عن المساواة لثرواتهم. وفي معظم الممالك توجد طبقتان فقط من المواطنين: واحدة في مسيس الحاجة إلى الضروريات والأخرى تبذر تبذيراً (51)

وإذا كان فساد السلطة في الشعب أبرز ما يكون في عصور الترف والبذخ فما ذاك إلا لأن ثروة الأمة في تلك العصور كانت مركزة في أيدي أقل نفر من الناس (52).

إن الاستعاضة بالمال أو النقود عن الأرض رمزاً للسلطة والقوة ونقطة ارتكاز لهما، ينشأ عنها سباق على الثروة، فيه تفويض للاستقرار الاجتماعي وتصعيد الصراع الطبقي، كما يؤدي إلى تضخم مدمر. "وفي الأمة التي

ص: 123

تزداد تدريجاً ثروتها ومالها-وبخاصة العملة الورقية-وترتفع أسعار الحاجيات وأجور العمال باستمرار .. وكلما أصبح العمل غالي التكلفة في أمة غنية فإنها لابد تستورد من الأمم الأخرى أكثر مما تصدر إليها. وإذا ظلت كل العوامل الأخرى على حالها

فإن أموال الأمة الغنية سوف تنتقل أو تتسرب دون أن يشعر بها أحد إلى الأمة الأفقر التي ستدمر نفسها بدورها وبنفس الطريقة إذا أصبحت غنية (53).

وهل ثمة مهرب من تركيز الثروة أو التزاحم على المال؟ "يجدر بالإنسان أن يضاعف عدد الملاك عن طريق توزيع جديد للأرض .. فإذا زادت أرض أحد الناس عن قدر معين من الأفدنة فيجب أن تفرض عليها ضرائب تفوق قيمة إيجارها. ومثل إعادة توزيع الأرض هذه قد تكون مستحيلة تقريباً في اقتصاد يقوم على المال، ولكن إذا أمكن تداركها بحكمة فمن المستطاع تنفيذها بتغيرات دائمة غير محسوسة (54).

فلنعمد إلى إنقاص ثروة الناس وزيادة آخرين ونهيئ للفقراء حالة من اليسر والرخاء حتى يتمكنوا بسبع أو ثمان ساعات من العمل في اليوم أن يوفروا لأنفسهم ولذويهم وسائل العيش ويسدوا حاجتهم، ومن ثم يصبح الشعب سعيداً بقدر ما تسمح به الطبيعة البشرية (55).

جـ - تأثير هلفشيوس

وهنا في كتابين لرجل واحد نجد كل الأفكار التي صنعت الثروة الفرنسية وكل الأفكار التي تعتلج في صدور الأمم وتحركها اليوم. فلا عجب أن وضعت الفئات الفرنسية المتعلمة المثقفة في الربع الثالث من القرن الثامن عشر هلفشيوس في منزلة سواء تقريباً مع فولتير وروسو وديدرو، ورحبت بكتابه الأول وهللت له مما كاد لا يحظى به كتاب غيره في ذاك العصر. وقال برونيتييز "إن أي كتاب غيره لم يحث مثل هذه الضجة في زمانه، ولم ينشر في الخارج أفكاراً أكثر أخذت تشق طريقها إلى العالم بأسره (56).

ص: 124

وذكر بريسو في 1775 "لقي منهج هلفشيوس وآراؤه أعظم رواج وشعبية". وشكا ترجو على حين كان يعارض هذا المنهج من أن الناس امتدحوا وأثنوا عليه في شيء من الشدة والعنف: وقال آخر "إن هذا الكتاب كان يوجد على كل منضدة (57) ". وأطرى كل النقاد وضوح أسلوبه وقوة حكمه وتصويراته البارعة والروح الإنسانية البارزة في رجل يدافع عن إعادة توزيع الثروة على حين أنه ثري أوتي كل شيء.

ومهما يكن من شيء فإن الفلاسفة أنفسهم انتقدوا "منهج هلفشيوس" باعتباره قائماً على مفاهيم خاطئة. ودافع فولتير عن دعاوى الوراثة. فكل الناس عند الميلاد ليسوا متساويين في التفوق الذهني والخلقي الكامن ورأى أن العقوبات مولودة لا مصنوعة (58). واتفق ديدرو مع فولتير فيما ذهب إليه. وفي تفنيد لكتاب هلفشيوس بعنوان "الإنسان"(كتب في 1775، ولكن لم ينشر إلا بعد مائة عام من تأليفه)، دفع ديدرو بأن الأحاسيس تنتقل بأشكال مختلفة الأفراد بغعل الفوارق الموروثة في تركيب المخ وينيته (59)"لا يولد الإنسان غفلاً أو خالياً من كل شيء، حقاً أنه حقاً أنه يولد بدون أفكار أو انفعالات موجهة، ولكنه منذ اللحظة الأولى يوهب استعداد أو ميلاً إلى التصوير والمقارنة والاحتفاظ ببعض الأفكار في تلذذ واستمتاع أكثر من غيرها. وميلاً ونزعات مسيطرة تنتج عنها فيما بعد الانفعالات الواقعية"(60).

وهنا نجد ديدرو، الذي كان قد بدأ بجون لوك بتحول إلى ليبنتز ويمد يده إلى كانت. أن تأثير البيئة والتعليم في نظر ديدرو، محدود دائماً بالوراثة "إننا لا نستطيع أن نعطي ما رفضته الطبيعة، وربما نقضي على ما تهبه الطبيعة .. إن التعليم يعمل على تحسين ما تهبه لنا"(61) واستاء من الهبوط بالمناهج الفكرية إلى لذة حسية، واشترك في الاحتجاج العام على فكرة هلفشيوس التي تقول بأن كل الغيرة (حب الغير) أنانية غير محسوسة أو محتجبة.

ص: 125

وكانت مدام دي ديفان واحدة من النفر القليل الذين اتفقوا مع هلفشيوس في هذه النقطة. وقالت "إن هذا الرجل كشف الغطاء عن سر كل إنسان"(62) أما آدم سميث الذي كان يتبع صديقه هيوم فإنه أصر على أن الغيرة مؤسسة على مشاعر عطف فطرية مثل الأنانية سواء بسواء، ولكنه في كتابه "ثروة الأمم" أسس نظريته الاقتصادية على شمولية حب الذات. وفي نشوة الثورة أثار هلفشيوس اشمئزاز مدام رولان. "لقد شعرت أني مدفوعة بكرم لم يعترف هو به قط .... وواجهت نظرياته بالأبطال العظام الذين خلدهم التاريخ (63).

ولا يمكن حل هذه المسائل بسهولة في فقرة من الفقرات، ويبدو واضحاً أن الاختلافات في التكوين الوراثي أو الخلقي تؤثر تأثيراً جوهريا في عمل البيئة والتعليم. وكيف إذن نفسر بأي شكل آخر الخلق والنمو المتبادلين كل التباين في الأخوة على الرغم من التشابه في النشأ والأصل والفرص؟ ومع ذلك فإن هلفشيوس كان على حق؟ في نطاق الحدود التي فرضتها البيئة، فيمكن أن تحدث تغييرات جسيمة في سلوك الأفراد والجماعات بفعل الاختلافات فب البيئة والتعليم والتشريع، إلا كيف نفسر انتقال الإنسان من الهمجية إلى المدنية؟ وربما يجدر بنا أن نسلم لهلفشيوس بأنه ليس ثمة إنسان يعمل واعياً بطريقة أشد إيلاماً من بديلتها. ولكن بعض الغرائز الاجتماعية-حب الأم، حب العيش مع أبناء جنسه، حب الاستحسان-على الرغم من أنها لا تقدر على منافسة غرائز النزعة الفردية في كمال القوة، فإنها أي الغرائز الاجتماعية قوية إلى حد تستطيع معه توليد أفعال اجتماعية قبل أي ترجيح واعٍ للذة أو الألم أو النتيجة. فكل منا ذات أو "أنا" ولكن بعض الذوات أو "الأنا" تتسع لتشمل أسرتنا أو جماعتنا أو وطنا أو الجنس البشري بأسره. وعلى هذا الأساس تكون أوسع "أنا" هي الأفضل.

وعلى أية حال فإن كثيراً من الناس تأثروا وتحركوا للتفكير والعمل بفضل أراء هلفشيوس. ومن الجائز أنه تحت تأثير هلفشيوس بدأ لاشالوتيه

ص: 126

حملته لإبدال مدارس كهنة القرى وكليات الجزويت بطرق تعليمية تشرف عليها الدولة. وترجع المدارس العامة في أمريكا إلى مقترحات كوندرسيه الذي سمى نفسه تلميذ هلفشيوس ومريده (64) وأكد بكاريا Beccaria إن كتابات هلفشيوس هي التي أوحت بكتابة دفاعه التاريخي عن إصلاح قانون العقوبات والسياسة. وصرح بنتام بأنه "مدين لكتاب هلفشيوس "الذكاء" بكثير من أفكاره"-بما في ذلك مبدأ المنفعة بالتماس أعظم السعادة لأكبر عدد من الناس في الأخلاق وفي التعليم (65). وشهد "الميثاق الوطني" في 1792 بتقدير تأثير هلفشيوس في الثروة، بأن منح بنات هلفشيوس لقب "بنات الأمة". وبنى وليم جودون Goduin بحثه في العدل السياسي (1793) على تعاليم هلفشيوس. أما زوجته ماري ولستونكرافت فقد وجهها إلى حد ما إلى تأليف كتابها المؤذن بعهد جديد "حقوق المرأة"، دعوى هلفشيوس بأن الفوارق بين الجنسين ترجع إلى حد كبير إلى التفاوت في التعليم وفي الفرص (66).

وقابل كثير من معاصري هلفشيوس بين نظريته في شمولية الأنانية وبين كرم خلقه وحياته الموسومة بالخير والإحسان. وكتبت عنه مارمونتيل: "ليس ثمة رجل أفضل منه، فهو متحرر كريم جواد دون تظاهر أو تصنع، محسن من صميم قلبه (67) ووصف جريم الذي نادراً ما كان مسرفاً في مدحه، هلفشيوس بأنه "رجل مهذب وديع حقاً، منصف متسامح، ليس سريع الغضب أبداً، زوج صالح ووالد عطوف، وصديق وفي وإنسان طيب (68). وكان يصدق على شخصه ذلك الذي جاء في مؤلفه "الذكاء" "من أجل أن نحب الناس يجدر أن نتوقع القليل منهم

إن كل إنسان مادامت أهواؤه وانفعالاته لا تغشى عقله سيكون أكثر تسامحاً كلما ازداد استنارة

فإذا كان الرجل العظيم هو دائماً أكثر تسامحاً

وإذا كان يقابل أخطاء الآخرين ببلسم الإشفاق الشافي ويتمهل في الكشف عن هذه الأخطاء، فما ذاك إلا لأن سمو عقله لا يجيز له أن

ص: 127

يطنب في رذائل أفراد بعينهم وحماقاتهم، بل يحوم حول رذائل وحماقات الجنس البشري بصفة عامة (69).

إنه في فوري وفي باريس عاش مع زوجته وأطفاله أنشودة الإخلاص والسعادة. وفي عام 1764 تجول في إنجلترا وألمانيا. وقابل هيوم وجيبون وفردريك الأكبر. وفي عام 1770 أسهم في تكاليف التمثال الذي أقامه بيجال لفولتير. وفي 1771 فارق الحياة على فراشه مع دي هولباخ وغيره من الأصدقاء. ووفاء لذكراه رفضت أرملته كل من طلب يدها للزاوج، بما فيهم بنيامين فرنكلين. وعمرت بعد وفاة زوجها تسعاً وعشرين سنة. ومرت بعهد الثورة في سلام وأمان وقضت نحبها في عام 1800، في سن الواحد والثمانين.

‌2 - فلاسفة مساعدون

في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر أنظم حشد كبير من الفلاسفة الأقل شأناً إلى الهجوم على المسيحية. وعملوا بكل الجد والحماسة اللتين تميز بهما المسيحيون الأوائل في نشر الإنجيل والدين الجديد، أو المسيحيون الأسبان في طرد العرب من بلادهم، ودبجوا فيضاً من المقالات والرسائل. ولما نضب معينهم عمدوا إلى ترجمة كل ما وصلت إليه أيديهم من الكتب المناهضة للدين، من لوكربشيس إلى هوبز وابتدعوا تقويماً جديداً للقديسين والشهداء، وضموا إلى قائمة القديسين جوليان المرتد وآلهوا بومبوناتزي وبرونو وكامبانللا وفانيني وبيل وغيرهم من ضحايا الاضطهاد وأدانوا بني إسرائيل لا لأنهم تقاضوا فوائد على القروض بل لأنهم أنجبوا المسيحية. وأنزلوا "يهوه" عن عرشه باعتباره أقوى رمز للقسوة والوحشية، وإلهاً للحرب، وأول من عمد إلى الإبادة الجماعية. وسخروا من الخطيئة الأولى ومن "الآب" الذي كان عليه أن ينزل إلى الأرض مثل ابنه ويضرب بالسياط ويصلب ليهدئ من غضبه وهو الآب "الذي أثارت امرأة

ص: 128

فضوله للفاكهة (التفاح) أو المعرفة. ودمغوا الحروب الصليبية بأنها حملة لاغتصاب الأرض واحتكار التجارة، واحتقروا العصور الوسطى باعتبارها عصوراً مظلمة، ونظروا بازدراء إلى الكاتدرائية القوطية على أنها وحشية بشعة. ولحظ عليه دالمبير "قدراً من التسامي بالأفكار وقلقاً واهتياجاً وفوراناً عاماً في الأذهان اكتسح منه بشيء من العنف كل ما وقف في طريقه"(70).

وكان هناك جاك أندريه نجيون Noigeon الذي وصفه سانت بيف بأنه "شماسي" متعصب للإلحاد (71) أنه عاش وعمل مع دي هولباخ مترجماً وقوراً، ونشر معاً على مدى عشر سنين ثلاثين كتاباً صغيراً أو كبيراً أصلاً أو مستورداً، وكلها ضد المسيحية. وقال ديدرو "إنها قنابل تتساقط كالمطر في بيت الرب (72). كمل كان هناك نيقولا بولانجيه، وهو أيضاً أحد أصدقاء دي هولباخ. واشترك في هذه الحملة على المسيحية حتى وفاته (1759) وخلف وراءه مخطوطة عنوانها "إماطة اللثام عن عهد قديم" احتفظ بها دي هولباخ حتى عام 1765 حين أصبح شوازيل على رأس الوزارة وكان صديقاً لجماعة الفلاسفة. وعندئذ دفع بها إلى المطبعة مع مقدمة مثيرة بقلم ديدرو. ويقول بولانجيه: "أن الديانة نشأت من خلال مخاوف الإنسان البدائي من الفيضانات وغيرها من الكوارث الواضح أنها خارقة للطبيعة ونظمها (أي الديانة)، أقامها قسيسون وملوك في مؤامرة لتبرير الطغيان في سبيل فرض جائر لعقيدة تقليدية، ولن يجد الجنس البشري مطلقاً مهرباً من هذه المؤامرة الشريرة إلا باتباع نور العقل تحدياً للقساوسة والملوك (73).

وأهم من هذا كان أندريه موريليه. وهو نتاج آخر لليسوعيين وراهب آخر تدرج في مراتب المتمردين. ولد في 1727 وعاش طويلاً حتى وصفته مدام نكر بأنه "دب" وعلى الرغم من ذلك أوتي من الصراحة والإخلاص والاستقامة بالإضافة إلى ألف من الصفات الحسنة وقدر كاف من الدين

ص: 129

ما يجعله يرتاب في وجود إله. ويصرح أحياناً بذلك إلى أصدقائه اعتماداً منه على حكمتهم في أنهم لن يفضحوا سذاجته وسرعة تصديقه (74). وكتب تحت إشراف ديدرو بعض المقالات لدائرة المعارف. وعلى مائدة العشاء لدى هولباخ كانت سخريته لاذعة حتى أن فولتير أسماه "الأب الموقر السيد عضهم انهشهم" ولكن قال عنه مارمونتيل "أنه كان لديه أفكار عميقة

وكان قويم الخلق كما كان ثابت الجنان" (75). وفي 1762 نشر "كتيباً عن أعضاء محاكم التفتيش" عبارة عن مختارات من "إدارة محاكم التفتيش" لنقولا أميريكو قد عمل في حماسة وغيرة محققاً وعضواً هاماً في محاكم التفتيش من 1356 إلى 1399. وكان الفرنسيون قد نسوا تقريباً محاكم التفتيش الأسبانية ولكن موريليه أعادها إلى ذاكرتهم بمجرد اقتباس إجراءات هذا النظام وعقوباته في أوج عظمته. ومنح مالشرب موريليه ترخيصاً حكومياً بطبع الكتاب قائلاً أن قانون العقوبات الفرنسي كان لا يزال من الوجهة العملية مطابقاً لقانون محاكم التفتيش (76). وكاد موريليه إلا يصدق هذا، ولكن في السنة التي رأى فيها الكتاب طريقه إلى المطبعة وجد برلمان تولوز يقضي على جان كالا Calas في آلة التعذيب.

وذكر جريم الرزين الرصين عادة عن راهب أخر هوجوبوم رينال Raynal في صحيفته "كورسبندانس" عن 1772 "منذ صدور كتاب مونتسكيو روح القوانين ربما يظهر في أدبنا كتاب أجدر بالانتقال إلى أبعد الأعقاب والأجيال القادمة أو الرفع من شأن تقدم الاستنارة لدينا من كتاب رينال "التاريخ الفلسفي والسياسي للمستعمرات والتجارة الأوربية في جزر الهند الشرقية والغربية (77) " وربما كان جريم يتخذ بصفة خاصة موقفاً ودياً من المؤلف لأن رينال هو الذي أفتتح في 1753 وأوصى في 1755 بصحيفة الكورسبدانس الأدبية لجريم، وعليها عاش جريم. وأكثر منهذا فإن ديدرو صديق جريم قد عاون في إعداد كتاب رينال الخالد الذي لا يفتح ولا يقرأ في أيامنا هذه أو يبدو أن رأى جريم أكده ما نال

ص: 130

الكتاب سالف الذكر "التاريخ الفلسفي والسياسي" على الفور من شعبية فبيعت منه أربعون طبعة قبل 1789 عدا طبعات لا تحصى مسروقة أو مترجمة وحظي الكتاب بتقدير فوانكلين وجيبون وروبرتسون. وأوحى هذه الكتاب إلى توسان لوفترتير Toussain L، Boaverturn بجملته المخلصة لتحرير العبيد (1791)، وذهب ناقد واسع الإطلاع إلى أنه كان لهذا الكتاب تأثير على الثورة الفرنسية أعظم حتى من تأثير كتاب روسو "العقد الاجتماعي (78) ".

ودخل رينال باريس قسيساً فقيراً. وتكشف أسطورة عن طبيعة المرح والأبتهاج عند المتمردين، فتنسب نجاته من الموت جوعاً إلى أن الراهب بريفوست كان قد تلقى عشرين سو (عملة فرنسية قديمة قيمتها خمسة سنتيمات) ليقيم قداساً على روح أحد الموتى، وأن بريفرست أعطى الراهب دي لا بورت 15 سو ليقيم القداس بدلاً منه، وأن هذا الراهب الأخير نفخ رينال ثمانية ليقيم القداس بدلاً منه (79). وابتهج رينال بالأكل على موائد هلفشيوس ودي هولباخ، وأثبت أنه جليس أنيس. ويبدو أنه حظي بمعونة كثير من المؤلفين فضلاً عن ديدرو في جميع مادة كتابه، بل حتى في تأليف بعض فصوله. أن روسو الذي تشاجر وتنازع مع كل الناس بلا استثناء وجد رينال مسالماً غير مشلكس، وقدم له الشكر في "اعترافاته" على وفائه بحق الصداقة وتقديره للمساعدة المالية (80).

ولابد أن رينال قد جمع مالاً بطريقة ما، حيث قيل إنه رشا الرقيب للحصول على ترخيص بإصدار كتابه (81). أنه قضى عشرين عاماً يعمل جاهداً في إعداده، وفصل القول تفصيلاً في جشع الأوربيين وخيانتهم وعنفهم في معاملة السكان الأصليين في جزر الهند الشرقية، واستنكر هذا كله وحذر الرجل الأبيض من الانتقام الرهيب الذي قد تعمد إليه الأجناس الملونة إذا عادت إليها السلطة (82). وكان الكتاب أول اتهام فرنسي للاستغلال الاستعماري، كما كان من أوائل الكتب التي أكدت على أهمية التجارة في تحديد التاريخ الحديث، وأسهم بطريقة عابرة في إضفاء المثالية على المواطنين

ص: 131

الهنود وإعجاب المتحررين الأوربيين بحضارة الصين. وزخرت المجلدات المسهبة بالموضوعات والأفكار الرئيسية في عصر الاستنارة: مقت الخرافة وحرفة الكهانة وبغض تسلط الدولة والكنيسة على الحياة والفكر. وأيد رينال فكرة أن الكثلكة كانت خداعاً أو دجلاً جمع في الحكام والكهنة قواهم ليدعم كل فريق منهم الأخر عن طريق الأساطير والخرافات والمعجزات والدعاية والظلم والمذابح. وأهاب بحكام أوربا أن يحلوا أنفسهم من أي ارتباط بالكنيسة، ويسمحوا بحرية الكلام والنشر، ويمهدوا الطريق للحكومة الديمقراطية. ولم تنج البروتستنتية منه، حيث قال أنها كذلك ارتكبت جريمة التعصب. ووصف تعصب البيوريتانيين في إنجلترا الجديدة واضطهاد السحرة في سالم Salem ( مدينة في ماساتشوست).

وعلى الرغم من الوقت الطويل الذي قضاه رينال في إعداد كتابه، فأنه قضى عليه بالأهمال في زوايا النسيان نتيجة لما ورد فيه من أخطاء. إنه لم يتحر الحقائق فأعتبر الأساطير تاريخاً، وأهمل تواريخ الأحداث، ولم يورد أسماء المراجع الموثوقة، وشوش المادة وأفسدها، واستخدم ديدرو (أو سمح لديدرو أن يشغل نفسه في كتابة الخطب المسرفة والنداءات العاطفية مما لا يكاد يليق بمؤلف في التاريخ ولكن هذه لم تكن عصور تجرد أو نزاهة، فالكتاب كان سلاحاً، ولا يجوز إضعاف قوته بعرض الجوانب المتعارضة فإن الحرب كانت حرباً وصراعاً. وهكذا قدرت الحكومة الفرنسية فأصدر برلمان باريس أمراً بإحراق الكتاب، كما صدر الأمر إلى رينال بمغادرة فرنسا، فهرب إلى الأراضي الواطئة، ولكنه رأى ضماناً للأمن والسلامة أن يعود في عام 1784 في عهد أكثر ملوك البوربون اعتدالاً.

وكان رينال من الفلاسفة للقلائل الذين شهدوا الثورة الفرنسية وعمروا بعدها، ورأى عنف الثورة واستخدامها لكل وسائل التعصب وعدم التسامح القديمة. وفي 31 مايو 1791 وهو سن الثامنة والسبعين وجه إلى الجمعية التأسيسية رسالة يحذرها من التطرف، فكتب يقول "لقد تجرأت لأمد طويل

ص: 132

على تنبيه الملوك إلى واجباتهم، فاسمحوا لي اليوم أن أنبه الشعب إلى أخطائه" فأشار إلى أن طغيان الأهالي قد يكون قاسياً وجائراً قدر طغيان الملوك وجورهم. ودافع عن حق رجال الدين في التبشير بعقيدتهم، مادام معارضوهم يتركون أحراراً في التعبير عن آرائهم. واحتج على القوانين التي تفرض دين دولة ما وعلى إعتداء الجماهير على القساوسة. وأغرى روبسبير بالسماح للرجل العجوز بتفادي المقصلة، ولكن الحكومة صادرت ممتلكات رينال ومات فقيراً معدماً (1769) وسط انتصارات الثورة وإرهابها.

‌3 - دي هولباخ

أ - الملحداللطيف

كان أحب جماعة الفلاسفة إلى باريس ألماني ولد (1733) في اديشيم في أمارة سبيير Speyer الأسقفية (في بافاريا) وعمد باسم بول هنريخ ديتريش غون هولباخ، ونشأ كاثوليكياً. وجمع جده ثروة من إدخال عرق الذهب من هولند إلى فرساي. وفي ليدن درس بول العلوم وتعلم اللغة الإنجليزية. وبعد صلح أكس لاشبيل (1748) استقر به المقام في باريس وأصبح من رعايا فرنسا وتزوج من أسرة من خبراء المال، وحصل على النبالة باستثماره 110. 000 جنيه بفائدة 5% في شركة سكرتيري الملك. وسماه المحيطون به "البارون" لأنه كان يمتلك في وستفاليا ضيعة تدر عليه ستين ألف جنيه سنوياً. وبلغت جملة دخله السني مائتي ألف جنيه. ويقول موريليه أنها ثروة لم يستغلها أحد استغلالاً أشرف ولا أنفع منه للعلم والفن (83) وكان يرعى موريفو وغيره من الكتاب أحسن رعاية (مثل دور ما سيناس بالنسبة لهم، وهو راعي هوراس وفرجيل في القرن الأول ق. م) وجمع مكتبة ضخمة ولوحات ورسومات وعينات ونماذج للتاريخ الطبيعي.

وأصبحت داره كما وصفها أحد الظرفاء "مقهى أوربا" وجعلت منه

ص: 133

ولائم العشاء عنده وصالونه في باريس أو في داره الريفية "جراند فال" على حد تعبير هوراس وولبول "قهرمان الفلسفة" وأعدت مدام دي هولباخ كل يوم خميس ويوم أحد المائدة لأثني عشر ضيفاً. ولم يكونوا هم أنفسهم دائماً في كل مرة، ولكنهم كانوا على الأغلب من قادة الحرب ضد المسيحية: ديدرو: هلفشيوس، دالمبير، بولانجيه، ومريليه، سانت لامبرت، مارمونتيل، وأحياناً بيفون، ترجو، وكني، كذلك جاء روسو ولكنه كان يرتاع للألحاد الذي يتدفق من حوله، وهناك كان ديدرو في ذروة الحماسة والعنف، أما الراهب جالباني فقد ابتعد عن الفلسفة حيث أفسد النظرية بالدعابة والسخرية. وكان عقد هذا الكنيس- كما كان البارون يسمى هذه الاجتماعات- يلتئم في الساعة القانية يتجاذبون أطراف الحديث ويأكلون ويتحدثون حتى الساعة السابعة أو الثامنة. وتلك كانت الأيام التي كانت فيها المناقشة أدباً غير مسطور وليس ثمة فوضى المقاطعة أو توافه الأمور. ولم يكن هناك موضوعات محظور الخوض فيها، أو كما قال موريليه "هذا هو المكان الذي تستمع فيه إلى أكثر المناقشة حرية وحيوية وتنويراً وتثقيفاً بالنسبة للفلسفة والدين والحكومة، ولم يكن للهزل أو المزاح الخفيف مجال هناك"

وهناك فوق كل شيء أنار ديدرو عقولنا وألهب نفوسنا (84) وذكر ديدرو نفسه للآنسة فوللان أنهم تحدثوا في الفن والشعر وفلسفة الحب وفكرة الخلود، كما تحدثوا عن الإنسان والآلهة والفضاء والزمن وعن الموت والحياة (85). وقال مارمونتيل "إذا كان الطقس جميلاً استبدلنا بولائم العشاء أحياناً نزهات فلسفية سيراً على الأقدام على ضفاف السين، وكانت وجبة الطعام آنذاك أكلة سمك ضخمة، وكنا نذهب كل منا بدوره إلى أشهر الأماكن بهذا السمك، وعاد إلى سان كلو، وكنا نقصد مبكرين في أحد القوارب لنستنشق نسيم النهر ونعود في المساء عن طريق غابة بولونيا (87).

وبلغ صالون دي هولباخ من الشهرة حداً استخدم معه بعض زوار

ص: 134

باريس من الأجانب نفوذهم للحصول على دعوة ليحضروا هذه اللقاءات. ومن ثم جاء في أوقات مختلفة هيوم وستيرن وجاريك وهوراس وولبول وفرانكلين وبريستلي وآدم سميث وبكاريا. زقد أزعجهم في بعض الأحيان وجود هذا العديد من الملحدين هناك. وكم من مرة سمعنا ديدرو يقول (لروميللي) أنه حين كان هيوم يشك في الوجود الفعلي للملحدين كان البارون يؤكد له "أنك تجلس إلى المائدة مع سبعة عشر (88). " وروى جيبون أن فلاسفة باريس "سخروا من تشكك هيوم الموسوم بالحذر، وبشروا بتعاليم ومعتقدات الملحدين مع نفس التعصب الأعمى لدى الدوجماتيين (الدوجماتية أي الجزمية) توكيد الرأي بغطرسة دون مبرر وتمحيص كافيين وصب اللعنات على المؤمنين في تسخيف وازدراء (89) ". كذلك روى بريستلي أن "كل الفلاسفة الذين تعرفت بهم في باريس كانوا لا يؤمنون بالمسيحية بل صرحوا بأنهم ملحدون (90) " ومهما يكن من أمر فإن موريليه لحظ "أن عدداً كبيراً منا كانوا ملحدين ولم يخجلوا من ذلك. ودافعنا بشدة عن أنفسنا ضد الملحدين، على الرغم من إننا أحببناهم لحسن رفقتهم وصحبتهم". (91) ورأى ووليول أن "وكر الفلاسفة" لدى دي هولباخ يؤذي ذوقه الإنجليزي. وما كان أشد امتعاضه حين رأى رينال يعرف عن تجارة إنجلترا ومستعمراتها أكثر مما يعرف هو إلى حد أنه ادعى الصمم. أما بيان هيوم فكان فيه مجاملة بالغة، أن رجال الأدب هنا (في باريس) مقبولون يرتاح المرء إلى معاشرتهم، وكلهم رجال ذوو شهرة واسعة يعيشون في انسجام تام (أو يكاد يكون تماماً) بينهم جميعاً، ولا تشوب أخلاقهم شائبة، وقد يكون مبعث أعظم الرضا عندك ألا يكون بينهم ربوبي واحد. (92) والأرجح أن هذا التصريح يدعو إلى الحيرة والارتباك.

ولكن اتفق رأي الجميع على أن البارون وقرينته كانا مضيفين مثاليين وشخصيتين محببتين إلى النفوس. وعلى حد تعبير جريم: عاشت مدام دي هولباخ لزوجها فقط، فكانت إذا فرغت من الترحيب بضيوف

ص: 135

زوجها وتقديم ما لذ وطاب لهم آوت إلى ركن منعزل وانصرفت إلى شغل الأبرة، دون أن تشترك في مناقشاتهم (93)، وماتت في عام 1754 في ريعان شبابها وظل دي هولباخ لبعض الوقت يعاني يأساً تاماً (94) وبعد عامين تزوج من أختها التي أثبتت أنها مخلصة قدر إخلاص أختها. وكان متواضعاً في سلوكه وعاداته وديعاً في مناقشته، لا تعلم شماله ما فعلت يمينه من بر وإحسان (95)، حتى لم يكد أحد يرتاب في أنه كتب مثل هذا الدفاع القوي عن الإلحاد في كتابه "نهج الطبيعة" فكتبت مدام جيوفرين منافسته في عقد الندوات وإقامة المآدب في صالونها:"لم أرَ قط رجلاً في غاية البساطة مثله"(96)، أما روسو الذي درج على كراهية كل جماعة الفلاسفة تقريباً فإنه احتفظ بإعجابه بشخصية دي هولباخ وخلقه إلى حد أنه اتخذه نموذجاً لفولمار الفاضل الذي يعتنق مذهب اللأدرية في رواية "هلواز الجديدية". وكتب جريم الذي حلل كل إنسان فيما عدا روسو في موضوعية رصينة:

"كان طبيعياً أن يؤمن البارون دي هولباخ بإمبراطورية العقل، فقد كان هواه، (ونحن دائماً نحكم على غيرنا بمقدار عواطفنا) أن يضع الفضيلة والمبادئ القويمة في المقام الأول وكان من العسير عليه أن يضمر الكراهية لأي من الناس، ومع ذلك كان لا يستطيع دون جهد جهيد أن يخفي مقته الصريح لرجال الدين

فكلما تحدث عنهم تخلى عنه خلقه الرضي بطبيعته" (97).

ومن هنا ساند دي هولباخ "دائرة المعارف" أكبر مساندة وأسهم فيها بماله ومقالاته. وطمأن ديدرو وشجعه حتى حين تخلى دالمبير وفولتير عن المشروع، وكانت مقالاته في معظمها عن العلوم الطبيعية، فإنه من من الجائز أن البارون كان في هذا الحقل أوسع الفلاسفة إطلاعاً. وكتب جريم في 1789. "لم ألتقِ قط برجل أكثر منه علماً وإطلاعاً، ولم أرَ قط، رجلاً أقل منه اهتماماً بالتظاهر بالعلم في أعين الناس" (98). وترجم عن الألمانية كثيراً من الرسائل العلمية بمساعدة نيجيون، ومن أجل هذا عين عضواً في أكاديميتي برلين وبطرسبورج، زلم يحاول قط أن يلتحق قط بالأكاديمية الفرنسية.

ص: 136

وافتتن دي هولباخ بالعلم وتوقع من ورائه نهوضاً سريعاً بحياة الإنسان، ومن ثم فإن البارون نظر نظرة عدائية بالغة العداء إلى الكنيسة التي بدا أن سيطرتها على التعليم تسد الطريق أمام المعرفة العلمية، فانتهز كل فرصة لمهاجمة رجال الدين فكتب مقالتي "آباء الكنيسة" و "الحكومة الدينية" لدائرة المعارف. فمنذ 1766 فصاعداً نظم مع نيجبون مصنعاً حقيقياً لإخراج الأدب المعادي للكنيسة. ثم ظهر في تعاقب سريع "قائمة القديسين"، "والوقفة المقدسة" و"آباء الكنيسة بغير قناع" و "القساوة الدينية وتحطيم الجحيم" وهنا جاء البشير بأنباء سارة- القضاء على الجحيم.

وفي 1761 صدر عن هذا الذي أطلق عليه بعضهم معمل الإلحاد كتاب عنوانه "المسيحية في خطر" كتبه أساساً دي هولباخ، ولكنه نسب في صحيفة العنوان إلى بولانجيه الراحل. وبسبب بيع هذا الكتاب اتهم ووصم بالعار أحد الباعة الجائلين وعوقب بالتجديف في السفن الشراعية لمدة خمس سنين. ولقي مثل هذا الجزاء لمدة تسع سنين غلام اشترى هذا الكتاب ليبيعه ثانية (99). وكان الكتاب هجوماً مباشراً على التحالف بين الكنيسة والدولة كما إنه استبق حقاً وصف ماركس للديانة بأنها "أفيون الشعوب".

"إن الديانة هي فن تخدير الناس بالحماسة (وفي القرن الثامن عشر كانت هذه اللفظة تعني الغيرة الدينية) لتحول بينهم وبين مناهضة المساوئ والمظالم التي يعانونها من حكامهم. ولم يعد فن الحكم إلا مجرد الإفادة من أخطاء وخمول الذهن والنفس، وهي ما غرقت فيه الأمم بفعل الخرافة

وبتهديد الناس بالقوى الخفية استطاعت الكنيسة والدولة أن تفرضا على الناس أن يعانوا ويحتملوا في صمت ما يلقون من عنت وشقاء من القوى المرئية، وفرض عليهم أن يأملوا في السعادة في الحياة الآخرة إذا وافقوا على أن يكونوا بائسين في هذه الحياة الدنيا" (100).

ورأى دي هولباخ في اتحاد الكنيسة والدولة السيئة الجوهرية أو الشر الأساسي في فرنسا. "أني بوصفي مواطناً أهاجم الديانة لأنها تبدو لي ضارة

ص: 137

بسعادة الدولة معادية للعقل البشري ومناقضة للفضيلة الحقة أو الخلق القويم" (101).

"إن المسيحي يلقن، بدلاً من الفضيلة والأخلاق القويمة، الخرافات الخارقة القائمة على المعجزات والمبادئ والتعاليم البعيدة عن التصديق لديانة تتنافى تماماً مع العقل السليم. إن هذا المسيحي منذ أول لحظة في دراسته يتعلم ألا يثق فيما تشهد به حواسه وأن يخضع عقله ..... ويعتمد اعتماداً أعمى على ما يقرره أستاذه. إن أولئك الذين حرروا أنفسهم من هذه الأفكار يجدون أنهم عاجزون لا حول لهم ولا قوة أمام الأخطاء التي رضعوها مع ألبان أمهاتهم"(102).

ودفع دي هولباخ بأن بناء الفضيلة والأخلاق على المعتقدات الدينية عمل فيه مجازفة ومخاطرة، لأن هذه المعتقدات عرضة للتغيير وقد يدمر انهيارها القانون الأخلاقي القائم على أساسها أو المتفق معها.

"إن كل من يكتشف ضعف أو زيف البيانات التي قامت عليها ديانته

لابد يميل إلى الاعتقاد بأن الفضيلة والأخلاق وهمية مثل الدين الذي قامت عليه. وهذا يوضح كيف أن لفضتي "كافر وخليع" أصبحتا مترادفتين، ولن يكون ثمة ضرر من تعليم أخلاق طبيعية بدلاً من أخلاق لاهوتية، وبدلاً من تحريم الزنى والجرائم والرذائل لأن الله والدين حرماها، يجدر بنا القول بأن كل إفراط يؤذي الإنسان ويحول دون صيانته والإبقاء عليه ويجعله جديراً بالازدراء في أعين المجتمع

وهو كذلك إفراط يحرمه العقل وتحرمه الطبيعة التي تريد للإنسان أن يعمل من أجل سعادته الدائمة" (103).

وأنه لمن العسير أن نفهم كيف أن رجلاً نعم بمثل هذا الثراء يجد فسحة من الوقت ليؤلف مثل هذا العدد الكبير من الكتب أو يحث على تأليفها. وفي 1767 أخرج "اللاهوت السهل الحمل Theologie Portative سخر فيه سخرية بالغة من المبادئ السخيفة، وأجمل كل اللاهوت في رغبة الكنيسة في التسلط والسيطرة. وفي 1768 نشر "العدوى المقدسة أو التاريخ

ص: 138

الطبيعي للخرافة" متظاهراً بترجمته عن "جان ترنشارد الإنجليزي". وفي نفس العام أصدر "رسائل إلى أوجيني" أو الصيانة صد الآراء المسبقة (دون تمحيص) والمزعوم أنه بقلم فيلسوف أبيقوري في سكو Sceaux. وفي 1769 صدر "بحث في الآراء المسبقة" من تأليف مسيو دي مارسي Marsais يوضح أن العلاج الوحيد لمساوئ الدين هو نشر التعليم والفلسفة. وفي 1770 نشر البارون النشيط تحفته الرائعة، وهو أقوى كتاب فذ صدر في الحملة ضد المسيحية.

ب - منهج الطبيعة

كان المزعوم أن كتاب منهج الطبيعة أو قانون العالم المادي والعالم المعنوي طبع في لندن. ولكنه طبع في الواقع في أمستردام في مجلدين كبيرين يحمل اسم مسيو ميرابو Mirabaud وكأنه المؤلف. وهذا الرجل الذي كان قد فارق الحياة منذ عشر سنوات كان سكرتير الأكاديمية الفرنسية. وجاء في المقدمة عرض لتاريخ حياته ومؤلفاته ولم يصدق أحد أن الرجل الطيب المثالي ميرايود ألف مثل هذا الكتاب المخزي.

وفي 1770 بعد أن قررت جمعية رجال الدين أن تجمع كل أربع سنوات منحة مالية للملك وأهابت به أن يمنع تداول المؤلفات المعادية للمسيحية، والتي انتشرت كثيراً في فرنسا. فأصدر لويس الخامس عشر أوامره إلى النائب العام أن يتخذ الإجراءات فوراً. وشجب برلمان باريس سبعة كتب من بينها كتاب دي هولباخ "فضح أسرار المسيحية ومنهج الطبيعة"، باعتبارها بعيدة عن التقوى، مليئة بالتخريف، محرضة على الفتنة، نزاعة إلى القضاء على كل فكرة عن الألوهية، وإلى إثارة الشعب للتمرد على ديانته وحكومته، والقضاء على كل مبادئ الأمن العام والأخلاق، وصرف الناس عن واجب الطاعة والإذعان لمليكهم. وكان ينبغي إحراق الكتب واعتقال مؤلفيها وعقابهم عقاباً صارماً. ويقول موريليه أن كثيراً

ص: 139

من الناس عرفوا أن دي هولباخ هو المؤلف وأنهم كتموا السر لمدة عشرين عاماً. وظلت الندوة تعقد الاجتماعات. وعدت مدام دي هولباخ إلى بعضها كانون برجييه الذي كان لتوه قد تلقى معاشاً من رجال الكنيسة لمقالاته الرائعة التي كتبها دفاعاً عن الكنيسة الكاثوليكية. وارتاب كثيراً من الناس في أن ديدرو كتب بعض أجزاء من الكتاب ولكنه في جملته كان حسن الترتيب وحسن الأسلوب مما يستبعد أن يكون بقلم ديدرو، ولكنه ربما أسهم فيه بالمناجاة المتألفة البليغة للطبيعة في آخر الكتاب. وعلى أية حال لم يشعر ديدرو بالأمن والطمأنينة في باريس ورأى من الحكمة أن يزور لانجرز.

ووصل كتاب "منهج الطبيعة" مهرباً من هولندا، وتهافت على شرائه جمهور كبير يشمل كما روى فولتير العلماء والباحثين والجهّال والسيدات (104). وسر به ديدرو فقال "إن ما أحب هو فلسفة واضحة محددة صريحة مثل تلك الموجودة في كتاب منهج الطبيعة، والمؤلف ليس ملحداً في أي من الصفحات، وهو ربوبي في بعضها، وفلسفته تجري على نسق واحد"(105). وهذا يختلف عن ديدرو كل الاختلاف. أن ما أحبه في الحقيقة هو أن دي هولباخ كان ملحداً في كل صفحات الكتاب. ومع ذلك فإن الكتاب كان مشرباً بروح تقارب التفاني الشديد أو الإخلاص الديني في سعادة المبشر. أن دي هولباخ رأى عالماً يسوده البؤس والشقاء. حيث يحكمه الملوك والقساوسة ومن ثم خلص إلى أن الناس سيكونون أسعد حالاً لو انهم ولوا ظهورهم لرجال الدين والملوك واتبعوا رجال العلم والفلسفة. وإن العبارات الأولى في الكتاب لتنبئ عن روحه وفكرته الرئيسية:

"إن مصدر شقاء الإنسان وبؤسه هو جهله بالطبيعة. إن إصراره على التمسك بالآراء الخاطئة العمياء التي تلقنها في طفولته

وما نتج عن ذلك من تحيز وهوى ظللا عقله وأفسدا ذهنه .. يبدو أنهما قضيا عليه بالاستمرار على الخطأ

أنه يستمد أسلوب تفكيره من الآخرين تحت مسئوليتهم،

ص: 140

ثقة منه بهم، وهم أنفسهم مخطئون، أو أن لهم مصلحة في تظليله وخداعه. ولإزالة هذه الغشاوة وإخراجه من هذه المتاهة فإن الأمر يتطلب يداً حانية وحباً شديداً

كما يقتضي أعظم الشجاعة التي لا يعتريها خوف ولا وجل وتصميماً أكيداً لا يكل ولا يمل .... ومن ثم يكون أهم واجب علينا أن نفتش عن الوسائل التي نقضي بها على الأوهام التي تظللنا وتخدعنا. وينبغي أن نفتش عن العلاج لهذه المساوئ في الطبيعة نفسها. ففي وفرة مواردها وحدها يمكن أن نتوقع في تعقل وجود الترياق الشافي من كل الشرور التي جلبتها علينا حماستنا الطاغية الموجهة أسوأ توجيه. لقد حان الوقت للبحث عن هذا العلاج ومواجهة هذه المساوئ بشجاعة وفحص أسسها وتدقيق النظر في مقوماتها. أن العقل بخبرته الهادئة المخلصة ينبغي أن يقتلع من الجذور هذه الأهواء التي كان الجنس البشري هو الفريسة الوحيدة لها لأمد طويل. ولنحاول أن نغرس في الإنسان الشجاعة واحترام عقله مع حب لا يفتر للحقيقة، بهدف أن يلتمس المشورة والرأي من خبرته، فلا يعود العوبة لخيال توجهه السلطات توجيهاً مظللاً. ويتعلم أن يبني أخلاقياته على الطبيعة وعلى حاجياته وعلى المنفعة الحقيقية للمجتمع، ويتجرأ على أن يحب ذاته، ويصبح كاهناً فاضلاً عقلانياً. وفي هذه الحالة لابد أن يكون سعيداً (106).

وبعد أن انتهى دي هولباخ من بيان برنامجه على هذه النحو تقدم في ترتيب ونظام ليفند كل الكائنات والاعتبارات والأفكار الخارقة للطبيعة. ويحبذ الطبيعة بكل ما فيها من جمال وقسوة وتقييد وإمكانات، وليختزل كل الحقيقة والواقع إلى مادة وحركة، ويبني على هذا الأساس المادي منهجاً للفضيلة والأخلاق يأمل أن يكون في مقدوره أن يحول المتوحشين إلى مواطنين، ويشكل الخلق الفردي والنظام الاجتماعي ويضفي سعادة معقولة على حياة مقرر لها الموت المحتوم.

إنه يبدأ ويختتم بالطبيعة، ولكنه ينكر أية محاولات لتشخيصها أو تجسيدها.

ص: 141

إنه يحددها ويعرفها بأنها الكل الأعظم الذي ينتج من اجتماع المادة في مجموعاتها المختلفة. وهذا هو الاسم المحبب لدى دي هولباخ للكون، فهو يعرف المادة في حرص وحذر بأنها بصفة عامة، كل ما يؤثر على حواسنا بأي شكل كان "كل شيء في الكون في حركة دائبة. وجوهر المادة هو أن تعمل، وإذا تأملناها في يقظة تامة لاكتشفنا أنه ليس ثمة جزء صغير فيها ينعم بسكون مطلق، وكل ما يبدو لنا أنه ساكن لا يبقى ولو للحظة واحدة على نفس الحالة، وكل الكائنات تتناسل وتتكاثر وتتناقص وتتفرق باستمرار

إن أشد الصخور صلابة تتصدع بدرجات متفاوتة أمام لمسات الهواء (107) ".

إن هذا الكل لا يقدم لمجال تأملنا وتفكيرنا "إلا مجرد تعاقب ضخم متصل غير متقطع لأسباب ونتائج"(108). وكلما ازدادت معرفتنا وجدنا أبلغ دليل على أن الكون يعمل من خلال الأسباب الطبيعية وحدها. وقد يكون من العسير أن ندرك كيف "أن المادة الجامدة يمكن أن تكون فيها حياة" ولكن يكون من الأصعب أن تصدق أن الحياة خلق أو نتاج خاص لوجود خفي خارج عن الكون المادي. ومن العسير معرفة كيف يمكن أن تحس المادة أو تشعر ولكن سائر خواص المادة مثل "الجاذبية والمغناطيسية والمرونة والكهربية، ليست، أقل صعوبة في إدراكها وفهمها من الشعور أو الإحساس"(109).

والإنسان كذلك "كائن مادي صرف خاضع لنفس القوانين التي تحكم سائر العالم. وكيف يتسنى لجسم مادي وذهن غير مادي أن يتفاعل كل منهما مع الآخر؟ أن "الروح" هي مجرد تنظيم الجسم ونشاطه ولا يمكن أن يكون له وجود مستقل. أن القول بأن الروح ستحس وتفكر وتنعم وتعاني بعد فناء الجسم مثل الزعم بأن الساعة التي تتهشم إلى ألف قطعة تستمر في دقاتها ساعة بعد ساعة!

وتبين مرور الوقت (110). إن مفهوم الذهن والجسم على أنهما وجودان غير ماديين عوق معالجتنا للأمراض

ص: 142

العقلية. وإذا اعتبرنا الذهن وظيفة من وظائف الجسم فإننا بذلك نمكن علم الطب من شفاء الكثير من الاضطرابات العقلية بالقضاء على أسبابها الجثمانية

(1)

.

ومن حيث أن الذهن وظيفة من وظائف الجسم فأنه أي الذهن خاضع للقاعدة الكونية، قاعدة الأسباب والنتائج الطبيعية. والفصل الحادي عشر من كتاب "منهج الطبيعة أفصح وأبلغ دفاعاً عن مذهب الحتمية (الإيمان بالقضاء والقدر) في مجال الفلسفة الفرنسية بأسرها.

"إن حياة الإنسان قضت عليه الطبيعة برسنه على سطح الأرض دون أن يكون لديه القدرة على الانحراف عنه قيد أنملة. أنه ولد دون رضاه. أن كيانه أو تنظيمه لا يتوقف البتة على نفسه. إن الأفكار التي تخالجه تأتي قسراً لا طوعاً، وعاداته واقفة تحت سيطرة الذين يحملونه على التخلي عنها. ويتعدل الإنسان ويتغير بلا انقطاع نتيجة أسباب وعلل مرئية أو خفية ليس له سلطان عليها ولا تحكم فيها، وهي بالضرورة تنظم أسلوب وجوده وتصبغ تفكيره بصبغة معينة، وتقرر طريقة تصرفه وأفعاله، فهو طيب أو رديء، سعيد أو تعس، عاقل أو أحمق، ومتعقل أو غير متعقل دون أن يكون لإرادته دخل في أي من هذه الحالات المختلفة (113) ".

ويبدو أن هذه الحتمية تنطوي على الجبرية وعلى النقيض من معظم الفلاسفة يرتضي دي هولباخ هذا التضمين

إن حالة الكون في أية لحظة تحددها حالته في اللحظة السابقة، وهذه حددتها سابقتها، وهكذا دواليك في الماضي،

(1)

يقول جون مورلي "إنها لحقيقة تاريخية أكيدة أن العلاج العقلاني للمجانين والنظرية العقلانية لنوع معين من الإجرام ترجعان إلى رجال مثل بينل Pinel الذي درج على تعاليم مدرسة المذهب المادي في القرن الثامن عشر. وكان من المتعذر بشكل واضح أن تتم الإصلاحات العظيمة الإنسانية في هذا المجال قبل اضمحلال اللاهوت بشكل حاسم (112).

ص: 143

ومن ثم فان أية لحظة في تاريخ الكون تعتبر محددة لأية لحظة في المستقبل. أن شئت أن الإخضاع الواضح للإنسان المتميز بكل العبقرية أو القديس بأي مفهوم أو بكل التضرع والصلوات - لغاز بدائي، لا يفت في عضد دي هولباخ فأنه يتقبل مصيره في كبرياء أبيقورية:

"إن الإنسان من عمل الطبيعة، وهو يوجد في الطبيعة، خاضع لقوانينها، ولا يملك تخليص نفسه من هذه القوانين، ولا يمكنه أن يخطو فيما ورائها خطوة واحدة حتى في فكره. ولذلك فأنه بدلاً من البحث خارج العالم

عن كائنات توفر له السعادة التي تنكرها عليه الطبيعة يحمل به أن يدرس هذه الطبيعة ويعرف قوانينها ويتأمل في قواها ويراعي القواعد الثابتة التي تعمل بمقتضاها. فليطبق الإنسان كل ما يتصل إليه على هناءته هو ويخضع في صمت لما تفرضه عليه من الحماية أو الوصاية التي ليس في مقدور أحد تبديلها أو تغييرها، ويرتضي مبتهجاً أن يتجاهل الأسباب والعلل التي يحول بينه وبينها حجاب كثيف لا يمكن اختراقه، ويستسلم دون تذمر لقوانين الضرورة الكونية التي يستحيل عليه إدراكها إطلاقاً. ولا تحرره أبداً من تلك القوانين التي فرضت عليه بحكم ماهيته أو جوهره (114) ".

وهل تبرر لنا هذه "الجبرية"(أي الأيمان بالقضاء والقدر) أن نخلص إلى أنه لا فائدة ترجى من وراء محاولتنا تفادي الشرور أو السيئات والأعمال المخزية أو المرض، وأن نكف عن بذل أي جهود، أو عن الطموح أو التطلع وأن ندع الأمور تجري في أعنتها؟ ويجيب دي هولباخ بأنه حتى هنا ليس لنا الخيرة من أمرنا، فإن الوراثة والبيئة هما اللتان قررتا بالفعل أن نستسلم للدعة وعدم المبالاة، أو أن نستجيب في جد ونشاط لمتطلبات الحياة وتحدياتها، ويسبق دي هولباخ إلى الاعتراض على أن هذه الجبرية - وهي تبدو كأنها تتغاضى عن الجريمة وتغتفرها - قد تزيد منها. أن الجبرية لا توحي بعدم معاقبة الجريمة بل إنها على النقيض من ذلك ستؤدي بالشرع والمعلم والرأي العام أن يصنعوا بمقتضى القوانين أو الأخلاق عوائق

ص: 144

أفضل في سبيل ارتكاب الجرائم، ويوفروا الدوافع والمغريات بالسلوك الاجتماعي القويم، وهذه العوائق والدوافع والمغريات ستنضم إلى العوامل البيئية التي تشكل سلوك الإنسان. ولكن الجبرية لا تسوغ لنا اعتبار الجرائم وكل السلوك غير الاجتماعي اختلال توازن عقلياً يرجع إلى الوراثة والظروف. ولذلك يجدر بنا أن نعالج مثل هذا السلوك كما نعالج المرض، وأن نتخلى عن التعذيب والعقوبات البالغة الصرامة لأنها تزيد الهوة بين الفرد والمجتمع، وتعود الناس على عنف والقسوة، أكثر مما تصرفهم عن ارتكاب الجرائم.

وليس في هذه الفلسفة بطبيعة الحال مكان للإله. إن مقت دي هولباخ الشديد لمذهب التوحيد (الإيمان بالله الواحد) وحده، بل لمذهب الربوبية ومذهب وحدة الوجود كذلك دعا معاصريه إلى أن يطلقوا عليه "العدو الشخصي لله سبحانه وتعالى (115). وإذا عدنا إلى الوراء إلى البداية فإننا نجد دائماً إن الجهل والخوف خلقا الآلهة وزينهم الخيال أو الحماسة أو الخداع أو شوهوهم وعيدهم الضعف، وأبقت عليهم السذاجة أحياء، وأجلهم واحترامهم العرف والعادة، وناصرهم الطغيان .... ليخدم أغراضه (116) ويثير ضدهم كل الحجج القديمة، ويتحمس بعنف كما فعل هلفشيوس ضد مفهوم الأسفار المقدسة عن الإله (117) ولا يوحي إليه النظام والتناسق الرائعان للكون بأي "عقل أسمى" فإن هذا النظام وهذا التناسق يرجعان إب أسباب طبيعية تعمل بطريقة ميكانيكية، ولا يتطلب المر أن نعزوها إلى أي إله يمكن أن يكون هو ادق على الفهم والتوضيح أكثر من العالم. والنظام والاختلال مثل الخير والشر والجمال والقبح كلها مفاهيم ذاتية (غير موضوعية) مستمدة من اللذة أو الألم الذي توفره لنا مدركاتنا الحسية. ولكن الإنسان ليس "مقياس كل شيء" وليس إشباع رغباته أو رضاؤه معياراً موضوعياً يمكن تطبيقه على الكون. إن الطبيعة تسير قدماً دون اعتبار لما نراه نحن من أصغر نقطة في الفضاء حسناً أو سيئاً، قبيحاً أو جميلاً. ومن وجهة نظر الكل

ص: 145

"ليس هناك ما يمكن أن يكون سيئاً حقاً، فإن الحشرة تأوي إلى ملجأ آمن في أطلال القصر الذي يسحق الناس عند سقوطه"(118) وينبغي أن نتعلم أن نعتبر الطبيعة في سموها وكوارثها محايدة بقدر سواء حياداً يتسم برباط الجأش:

"إن كل ما قيل في سياق هذا الكتاب يثبت بوضوح أم كل شيء قريب متناسب مع الطبيعة، حيث لا تعمل فيها كل الكائنات إلا أن نتبع القوانين التي فرضت عليها كل حسب درجته أو طبيعته. إن الطبيعة توزع بنفس اليد ما يسمى نظاماً وما يسمى اختلالاً، وما يسمى لذة وما يسمى ألماً، وقصارى القول أنها بمقتضى ضرورة تنشر الخير والشر .. ولذلك يجدر بالإنسان ألا ليمتدح سخاءها أو يصب عليها جام غضبه وحقده، أو يتصور أن صخبه وضجيجه أو تضرعاته وابتهالاته يمكن أن تغني عنه من شيء أو تكبح جماح قوة الطبيعة الهائلة أو سلطانها العظيم وهي تعمل دوماً وفق قوانين ثابتة

فإذا عانى الإنسان شيئاً فلا يجوز له أن يلتمس علاجاً في الأوهام التي يصدرها له خياله المستقيم، بل يستمد من مخازن الطبيعة العلاجات التي تقدمها للشرور والمساوئ التي تبتليه بها، ويفتش بين أحضانها عن المنتجات التي أنتجتها الطبيعة نفسها (119).

ويقترب هولباخ من تقديم الإله ثانية في شكل "الطبيعة"، وبعد أن يأخذ على نفسه ألا يشخصها أو يجسدها نراه يميل إلى تأليهها، ويتحدث عن قدرتها وإرادتها وخطتها وسخائها، ويرى فيها أفضل هاد ومرشد للإنسان، ويجيز لديدرو (؟) أن يكتب لها مناجاة عزيزة وكأنها الفقرة الختامية لكتاب ضخم "أيتها الطبيعة، يا سيدة كل الكائنات!! إن بناتك الفاتنات الجديرات بالتوقير والعبادة- الفضيلة والعقل والحقيقية- يبقين إلى الأبد معبوداتنا الوحيدات. إن إليك تتجه كل تسابيح الجنس البشري وينصب عليك ثناؤه، وإليك يقدم كل ولائه وإجلاله، وهكذا. ومثل هذه التقوى الموسومة بمذهب وحدة الوجود (القائل بأن الله والطبيعة شيء واحد وأن

ص: 146

الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر الذات الإلهية). هذه التقوى لا تكاد تتسق مع نظرة دي هولباخ إلى الطبيعة على أنها تنزل الخير والشر دون تحيز، "إن الرياح والعواصف والزوابع والبراكين والحروب والطاعون والمرض كلها ضرورية لمسيرتها الأبدية (وليس في كل مكان) مثل حرارة الشمس الصحية المفيدة (120) وهكذا يذكرنا بإله كلفن الضنين بالجنة المسرف في عذاب النار".

إن دي هولباخ في حالته النفسية المميزة ينكر لا مجرد فكرة الله، بل نفس لفضته إن لفضتي الإله ويخلق

ينبغي أن تختفيا من لغة أولئك الذين يريدون التحدث بلغة مفهومة. إن هاتين لفظتان مجردتان ابتدعهما الجهل، إنهما مبتدعتان لإرضاء من تعوزهم الخبرة، الخاملين والجبناء إلى الحد الذي لا يدرسون معه الطبيعة وأساليبها (121). وأنه ليرفض البروبية التي تنسجم مع الخرافة (122) وتصنع من الإلحاد ديناً حقيقياً.

"إن صديق الجنس البشري لا يمكن أن يكون صديقاً للإله الذي كان في كل الأوقات سوطاً مسلطاً على الأرض. إن رسول الطبيعة لن يكون أداة الأوهام المظللة التي تجعل الدنيا مقراً للخداع. إن من يقدس الحقيقة لن ينسجم مع الزيف والباطل. إنه يعلم أن سعادة الجنس البشري تقتضي بشكل لا رجعة فيه، تقويض صرح الخرافة المظلم المقلقل من أساسه، لكي يقيم على أطلاله معبداً للطبيعة ملائماً للسلام - هيكلاً مقدساً للفضيلة

فإذا ذهبت جهوده أدراج الرياح وإذا لم يستطع أن يبث الشجاعة في الكائنات التي اعتادت أن ترتعد فرائصها جبناً، فإن له على الأقل أن يفاخر بتجاسره على أن يقوم بالمحاولة. وعلى الرغم من ذلك فإنه يحكم على جهوده بأنها عقيمة إذا استطاع أن يجعل إنساناً واحداً سعيداً أو يهدئ من اضطرابات ذهن مستقيم واحد، وأقل ما يقال أنه سوف يفيد من تحرير ذهنه هو من إرهاب الخرافة المزعج

ومن أنه وطئ تحت قدميه الأوهام التي تقض مضاجع المنكودي الحظ وتعذبهم. وإذ نجا على هذا النحو من خطر العاصفة استطاع

ص: 147

أن يتأمل في هدوء من قمة صخرته في تلك الأعاصير المروعة التي أثارتها الخرافة، ويمد يد العون إلى أولئك الذين يتقبلونها (123).

جـ - الأخلاق والدولة

ولكن هل ينسجم الإلحاد مع الأخلاق الشعبية العامة؟ وهل يمكن ضبط الدوافع القوية الأنانية لدى عامة الناس بقانون أخلاقي مجرد من الإخلاص للدين ومن تأييده؟ أن دي هولباخ واجه هذه المشكلة في كتابه "منهج الطبيعة" ثم عاد إليها في 1776 في كتاب ذي ثلاث مجلدات "الأخلاق العامة" وأنه يرتاب بادئ ذي بدء في أن الديانة سعت إلى الفضيلة والأخلاق القويمة.

"على الرغم من الجحيم المروعة البغيضة حتى في مجرد وصفها، فأي حشد من المجرمين المتهتكين يملأ مدننا

وهل اللصوص أو القتلة المعاقبون ملحدون أو متشككون؟ إن هؤلاء البائسين يؤمنون بالله. وهل يتحدث أكثر الآباء تمسكاً بالدين وهو ينصح ابنه عن إله محب للانتقام؟ إن انهيار صحته من أثر الزنى وضياع ثروته في الميسر، وازدراء المجتمع له - هي الدوافع التي دعت الولد إلى النصح" (124).

وحتى مع افتراض أن الدين في بعض الأحيان يساعد الأخلاق، فهل يتوازن هذا مع الضرر الذي يلحقه الدين بالإنسان؟

في مقال إنسان جبان واحد تكبح فكرة الجحيم جماحه هناك آلاف من الناس لا تؤثر فيهم هذه الفكرة مطلقاً، وهناك ملايين منهم تجعلهم هذه الفكرة غير عقلانيين، يعوزهم التفكير السليم، وتحولهم إلى أدوات اضطهاد وتعذيب وحشيين، وتحولهم إلى خبثاء أشرار

ومتعصبين. كما أن هناك ملايين تفسد عقولهم وتصرفهم عن واجبهم نحو المجتمع (125).

ص: 148

وتأمل في النفاق الذي يفرضه الضبط الاجتماعي للدين على المتشككين.

أولئك الذين يريدون أن يكونوا فكرة عن القيود التي فرضها اللاهوت على عقول وتفكير الفلاسفة الذين ولدوا في ظل "الديانة المسيحية" فليقرؤوا الرومانسيات "القصص الخيالية" الميتافيزيقية التي كتبها ليبنتز وديكارت ومالبرانش وكودورث وغيرهم ويفحصوا في هدوء النظم والترتيبات البارعة ولكن الحماسية المسماة "التناسق المقرر مقدماً للأسباب العرضية (126) ".

وفوق ذلك فإن المسيحية بتركيزها فكر الإنسان على الخلاص الفردي في الدار الآخرة، أماتت الشعور الإنساني والاجتماعي في مثل هذا الفرد، وتكرت الناس غير شاعرين ببؤس رفاقهم، وبالجور والإجحاف اللذين يتعرضون لهما من قبل الجماعات والحكومات الظالمة.

ويرفض دي هولباخ الفكرة المسيحية الفولتيرية التي تقول بأن الإنسان يولد ولديه حلسة الصواب والخطأ. إن الضمير ليس صوت الله بل صوت رجل الشرطة، إنه رواسب وتراكم آلاف من التحذيرات والأوامر والتأنيبات تلقاها الفرد منذ نشأته "ويمكن تعريف الضمير بأنه معرفتنا بآثار أفعالنا على رفاقنا ثم إنعكاسها أو رد فعلها على أنفسنا (127). ويمكن لأن يكون هذا الضمير موجهاً أو مرشداً زائفاً، فلربما تشكل هذا الضمير نتيجة تعليم منحرف أو خبرة أسيء فهمها، أو تفكير خاطئ، أو رأي عام فاسد. وليس ثمة رذيلة أو جريمة لا يمكن إظهارها في ثوب الفضيلة عن طريق التعليم أو القدوة السيئة ومن ثم فإن الزنى مهما يكن من أس تحريم الدين له عمل يبعث على الفخر. والتملق الذليل مستساغ في البلاط واغتصاب النساء والسلب والنهب بين الجنود مكافآت مشروعة للمخاطرة بالحياة وتقطيع الأوصال. "أنا لنرى رجالاً أغنياء لا يعانون من وخز الضمير لما جمعوا من ثروة على حساب مواطنيهم" و "وطنيين متحمسين متعصبين لوطنهم أعمت ضمائرهم الأفكار الزائفة الباطلة فأغرتهم بإبادة من يحالفونهم في الرأي دون شعور بالندم أو تأنيب الضمير" وخير ما نأمل فيه ضمير تشكل عن طريق تعليم

ص: 149

أفضل، واكتساب عادة التطلع إلى آثار على غيرنا وعلى أنفسنا، وعن طريق رأي عام أسلم وأصح يتردد أي فرد عاقل في الإساءة إليه (128).

ويتفق دي هولباخ مع المسيحية في أن الإنسان بطبيعته نزاع إلى "الإثم" أي إلى السلوك الضار بالجماعة، ولكنه يرفض فكرة أن هذه الطبيعة النزاعة للإثم "موروثة خطيئة آبائنا الأولين، باعتبارها فكرة سخيفة. ويقبل الأنانية باعتبارها جوهرية في سلوك البشر، ويرى مثل هلفشيوس أن يبني عليها قانونه الأخلاقي، بأن يجعل السلوك الاجتماعي مفيداً للفرد.

"فالأخلاق تصبح علماً عقيماً إذا لم تثبت للإنسان بما لا يقبل الجدل أن مصلحته تكمن في تمسكه بالفضيلة (129) ويمكن أن يتحقق لنا شيء من تعليم يوضح اعتماد مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة. ويمكن بث درجة معقولة من الغيرية- حب الغيرة" باستثارة الرغبة الطبيعية في كسب الاستحسان الاجتماعي العام والتفوق والامتياز والمكافآت. وهكذا يصوغ دي هولباخ علم الأخلاق عنه قانوناً للطبيعة: "عش لنفسك ولرفيقك فإني (أي الطبيعة) أقر ملذاتك ما دامت لا تؤذيك ولا تؤذي الآخرين الذين جعلتهم ضروريين من أجل سعادتك .. وكن عادلاً لأن العدل يعزز الجنس البشري ويدعمه .. وكن طيباً لأن طيبتك ستجذب كل قلب إليك، وكن متسامحاً حيث أنك تعيش بين كائنات ضعيفة مثلك. وكن متواضعاً لأن كبرياءك تجرح حب الذات عند كل كم حولك. وأعف عن الإساءة والأذى وأحسن إلى من أساء إليك .. حتى تكسب صداقته. وكن معتدلاً مقتصداً في شهواتك عفيفاً فإن الانغماس في الشهوات والإسراف والإفراط سوف يدمرك ويقضي عليك ويجعلك مدعاة للاحتقار (130).

إن الحكومة إذا أولت عناية أكبر وأكثر جدية لصحة الشعب وحمايته وتعليمه فقد تخف معدلات الجريمة إلى حد كبير (131). وإذا كان الإنسان يخسر كثيراً في عدم الالتزام بالسلوك الاجتماعي السليم فإنه لن يكون على

ص: 150

استعداد للمغامرة بمثل هذه الخسارة في مثل هذا السبيل. وإذا تدرب التلاميذ على التأمل والتعقل بدلاً من غرس الخوف فيهم وإرهابهم بالمعتقدات غير العقلانية التي سرعان ما تفقد قوتها، فإن أخلاق الرجال لابد أن تتحسن بتزايد قدرتهم على تطبيق خبرتهم على أفعالهم وتصرفاتهم حيث يتنبأون على ضوء الماضي بما سيكون في المستقبل لأعمالهم الراهنة من نتائج.

وعلى المدى الطويل يكون العقل والذكاء أسمى فضيلة، ومثل هذه الفضيلة هي السبيل الأمثل للسعادة.

وفي "منهج الطبيعة" و "المنهج الاجتماعي"(3 مجلدات، 1772)، و "السياسة الطبيعية"(1772، مجلدان) و "روح الشعب"(1776) عالج المليونير الذي لا يكل ولا يمل مشاكل المجتمع والحكومة. وفي هذه الكتب تنتقل الهجمات من الكنيسة إلى الدولة. ويتفق دي هولباخ مع لوك وماركس في أن العمل هو مصدر الثروة ولكنه مثل لوك يبرر الملكية الخاصة على أنها حق للإنسان نتاجاً لعمله وحده. إنه نبيل وقد يتخلص من الأرستقراطية الوراثية.

وقد دعى نفر من الناس حقاً في الثروة ومراتب الشرف فحسب، ولو أن حق المولد واللقب لابد بالضرورة أن يوهن عزيمة الطبقات الأخرى من المواطنين أو يثبط همهم. إن الذين لا يملكون إلا عراقة الحسب والنسب أو كرم المحتد ليس لهم الحق في الثراء والشرف

ولا يمكن أن نعتبر النبالة إلا مجرد سوء استعمال أو تعسف مصطنع لا يصلح إلا ليداري خمول

وعجز طبقة بعينها على حساب الأضرار بالمجموع

(132) وهل أعمال النبلاء القدامى والوثائق القديمة المحفوظة في قصور العصور الوسطى تعطي لورثتها الحق في تولي أرفع المناصب في الكنيسة والدولة وفي دور القضاء أو في الجيش دون اعتبار لما ينبغي أن يتحلى به هؤلاء الورثة من قدرات ومواهب لازمة لحسن القيام بهذه المهام (133)؟

ص: 151

أما بالنسبة لرجال الدين فلنتركهم يدبرون أمورهم بأنفسهم، ويجدر أن تنفصل الكنيسة والدولة كل منهما عن الأخرى تمام الانفصال. ويجب أن تعامل الجماعات الدينية على أنها هيئات متطوعة تتمتع بالتسامح ولكن لا تحظى بأي دعم أو تأييد من الدولة. وينبغي على كل حكومة ملتزمة جانب الحكمة والعقل أن تسد الطريق أمام ديانة أو مذهب للجوء إلى التعصب أو الاضطهاد (134).

ودي هولباخ رجل دخل من الأرض وغير الأرض، وهو ينتقد أصحاب الدخول الخاملين من أفراد الطبقة الوسطى. وبوصفه باروناً فإنه يحتقر رجال الأعمال. "ليس ثمة مخلوق حي أشد خطراً من رجال الأعمال الذي يفتش عن فريسته (135). أن جشع التجارة يحل الآن محل طموح الأسرة سبباً للحروب:"إن الدول مستعدة لإفناء بعضها من أجل أكوام من الرجال. إن أمماً بأسرها أصبحت نسخاً طبق الأصل لرجال الأعمال الجشعين الذين يزينون لهم الأمل في الثروة التي يجنون هم أنفسهم ثمارها، ومن هنا يتناقض عدد سكان البلاد وتفرض عليهم أبهظ الضرائب ويعانون الفقر والعوز لإشباع فهم فئة قليلة. ويسدد طعنة عابرة إلى بريطانيا التي التهمت الهند وكندا. "هناك شعب يبدو أنه في نشوة جشعة أعد مشروعاً متطرفاً لاغتصاب تجارة العالم وتملك البحار- وهو مشروع جائز جنوني يؤدي تنفيذه إلى نوع من الخرافات يصيب الأمة التي تسير وراء هذا الخبل

وسيأتي اليوم الذي يقذف الهنود هؤلاء الأوربيين من شواطئهم حين يتعلمون منهم فن الحرب (136).

ويميل دي هولباخ إلى الأخذ بسياسة الفيزوقراطيين عدم التدخل (حرية التجارة والصناعة). "لا يجوز للحكومة أن تعمل للتأخر شيئاً إلا أن تتركه وشأنه، وليس ثمة تعليمات أو تنظيمات يمكن أن توجهه في مشروعات أفضل من مصلحته هو

وليس على الدولة إلا أن تحمي التجارة. إن الأمم التجارة التي تهيئ لرعاياها أكبر قدر من حرية التجارة لابد أن تثق

ص: 152

في أنها ستفوق غيرها من الأمم سريعاً (137).

ولكنه عندئذ كذلك ينصح الحكومات بالحيلولة دون تركيز خطير للثروة. ويقتبس عن طيب خاطر عبارة سانت جيروم الرشيقة اللاذعة "الرجل الغني إما وغد أو وريث أحد الأوغاد (138) ". في كل الأمم تقريباً لا يملك ثلاثة أرباع الرعايا شيئاً

وإذا استنزف نفر قليل من الناس الممتلكات والثروة في الدولة، لأصبحوا سادة هذه الدولة المتحكمين فيها. ويبدو أن الحكومات أهملت هذه الحقيقة إهمالاً تاماً (139)

وإذا توقف إرادة الشعب أو القانون عن حفظ التوازن حتى بين مختلف أعضاء المجتمع، فإن خمول بعض الناس مع الاستعانة بالقوة والخدع والإغراء ينجح (أي الخمرل) في الاستيلاء على ثمار جهود الآخرين وعملهم (140).

وفي رأي دي هولباخ أن كل الملوك يتحالفون مع الأقلية البارعة الذكية لاستغلال أغلبية الشعب- ويبدو أنه كان يفكر في لويس الخامس عشر. "إنا لا نرى على وجه هذه البسيطة إلا ملوكاً جائرين ظالمين، أوهنهم البذخ والترف وأفسدهم الرياء والملق، كما لوث الفجور والفسق أخلاقهم، ودفعهم الدنس والرجس إلى الشر والخبث، لا يتحلون بأية مواهب أو قدرات أو بمكارم الأخلاق، عاجزين عن بذل أي جهد لخير الدولة التي يحكمونها. ومن ثم فإنهم لا يهتمون إلا قليلاً بمصلحة شعوبهم، مستهترون بواجباتهم التي غالباً ما يجهلونها في الواقع. إنهم إنما تتملكهم الرغبة في تحقيق أطماعهم التي لا حد لها، ولذلك يشغلون أنفسهم بحروب عقيمة فيها فناء السكان، ولا يشغلون أذهانهم أبداً بهؤلاء الرعايا، وهم أهم من أجل سعادة أمتهم (141).

وواضح أن تفكير دي هولباخ اتجه إلى الحكومة الفرنسية، فأندفع ينتقد بشدة تكليف رجال المال بمهمة جمع الضرائب، أي تعيينهم ملتزمين عامين. ويهجو هؤلاء الملتزمين: "إن الحاكم المستبد الطاغية يلجأ إلى

ص: 153

طائفة من المواطنين الذين يهيئون له وسائل تحقيق جشعه في مقابل منحهم الحق في انتزاز أموال الآخرين دون عقاب

أنه بسبب غفلته وعماه لا يدرك أن الضرائب المفروضة على رعاياه تتضاعف وإن المبالغ التي تذهب إلى جيوب هؤلاء المبتزين وتزيد ثرائهم تضيع عليه هو نفسه، وأن جمهور العامة الذليل الخاضع قد يرتشي في غمار الحيرة ليشن حرباً على الأمة

إن هؤلاء اللصوص (الملتزمون العامون) إذ تزداد ثرواتهم يثيرون حقد النبلاء وحسد مواطنيهم

وتصبح الثروة هي الدافع الوحيد

والظمأ إلى الذهب يتملك كل القلوب (142).

"إن الأرستقراطي الرخي البال يتحدث أحياناً كما يتحدث أشد الشبان القلقين المغمورين غضباً"، هل ينبغي على الأمم أن تعمل دون كلل ولا ملل لإرضاء غرور حفنة من مصاصي الدماء، وتوفير أسباب البذخ والترف لهم وإشباع نهمهم (143) "؟. أنه في هذه الحالة النفسية يردد صدى كلمات صديقه السابق روسو في كتابه (العقد الاجتماعي):

"أن الإنسان شرير لا لأنه ولد كذلك بل لأنهم صيروه شريراً. أن العظماء وذوي السيطرة والقوة يستحقون الفقراء المعوزين والبؤساء دون عقاب. إن هؤلاء يغامرون بحياتهم في سبيل الثأر مما لحق بهم من أذى وشر. إنهم يهاجمون جهراً أو سراً البلد الذي هو بالنسبة لهم زوجة أب تعطي لبعض أبنائها كل شيء وتحريم الآخرين من أي شيء

والإنسان في كل مكان تقريباً عبد رقيق. ويتبع هذا بالضرورة أن يكون حقيراً أنانياً مرائياً منافقاً بلا شرف، وباختصار يتصف بكل رذائل الدولة التي هو فرد فيها. أن هذا الإنسان في كل مكان مخدوع مضلل يشجع على الجهل، محروم من استخدام عقله، فلابد أن يكون بطبيعة الحال في كل مكان غبياً غير متعقل شريراً، وهو في كل مكان يرى امتداح الرذيلة والجريمة وتكريمها. ويستخلص من هذا أن الرذيلة حسنة، وأن الفضيلة تضحية لا غناء

وإذا كانت الحكومات مستنيرة مشغولة جدياً بتربية الشعوب

ص: 154

وتعليمها ومصلحتها وإذا كانت القوانين عادلة، فلتن يكون من الضروري التماس أحلام وأوهام مالية في حياة أخرى يثبت دائماً أنها ناقصة غير وافية أمام انفعالات الإنسان الحانقة وحاجاته الحقيقية (144).

وكيف يتسنى إيقاف هذا الاستغلال؟ إن أول خطوة في هذا السبيل هي إلغاء الحكم الاستبدادي المطلق. "إن الحكم المطلق لابد أن يفسد بالضرورة قلب من يتولاه وعقله (145)

ويجب دائماً أن تخضع سلطة الملوك لممثلي الشعب، كما يجدر أن يعتمد هؤلاء الممثلون باستمرار على إرادة الملوك لممثلي الشعب، كما يجدر أن يعتمد هؤلاء الممثلون باستمرار على إرادة ناخبيهم (146)" وهنا مناداة بدعوة مجلس الطبقات المشئوم 1789. "ومن حيث أن أية حكومة تستمد سلطتها من رضا المحكومين" فإن أي مجتمع يمكنه في أي وقت أن يسحب هذه السلطات إذا لم تعد الحومة تمثل الإرادة العامة (147) ". وهنا يتمثل صوت روسو والثورة.

ولكن الثورة، بثمن غال أحياناً، تهدم الماضي وتقضي عليه لكي تقيمه من جديد تحت شعار آخر وبصيغة أخرى: "لا يمكن شفاء جراح الأمة عن طريق الاضطرابات العنيفة والصراعات وقتل الملوك والجرائم العقيمة. إن هذه العلاجات العنيفة هي دائماً أشد قسوة من المساوئ المقصود القضاء عليها أو التخلص منها .. أن صوت العقل ليس مثيراً للفتنة وليس متعطشاً للدماء. ويمكن أن تكون الإصلاحات التي يهدف إليها متأنية ولكنها لذلك تتوخى خير تخطيط (148).

إن الناس بعيدون عن الكمال وليس في مقدورهم أن يصنعوا دولاً بالغة حد الكمال. واليوتوبيا (المدينة الفاضلة) ضرب من الأوهام "تتعارض مع طبيعة الكائن" بآلته الواهنة المعرضة للخلل وخياله المتوقد الذي لا يصغي دائماً لهدى العقل

أن الوصول بالسياسة إلى مرتبة الكمال لن يكون إلا الثمرة البطيئة لخبرة قرون (149). وليس التقدم خطاً مستقيماً بل هو خط طويل ونحن نحتاج إلى أجيال كثيرة من التعليم والخبرة لتبيان أسباب العلل أو الأمراض الاجتماعية ووسائل البرء منها. والديمقراطية مثل أعلى

ص: 155

وهي ممكنة في الدول الصغيرة وحدها، مع ازدياد وعي الشعب وعقله وذكائه. وقد لا يكون من الحكمة إقامة ديمقراطية في فرنسا في عهد لويس السادس عشر. وقد يستخدم هذه الملك الجديد الطيب ذو المقاصد الحسنة أناساً ذوي قدرات ومواهب عظيمة لإصلاح الدولة. وهكذا يرتضي دي هولباخ، آخر الأمر ملكية دستورية ويهدي كتابه الأخير روح الشعب "إلى لويس" الملك العادل الإنساني العادل الإنساني المحب للخير أبي الشعب وحامي الفقراء (150) وتعليق الفيلسوف العجوز بهذا الأمل المستميت.

د- دي هولباخ ونقاده

إن "منهج الطبيعة" هو أشمل وأكمل وأصرح عرض للمادية والإلحاد في تاريخ الفلسفة بأسره. أن تردد فولتير وتناقضه ودقته التي لا نهاية لها، وحماسة ديدور الغامضة وكتاباته المتعارضة، ورفض روسو المشوش المربك لما يكتبه جان جاك روسو نفسه، كل أولئك حل محله هنا تماسك دقيق واتساق شديد بين الأفكار، وتعبير قوي في أسلوب عميق أحياناً، مشرق أحياناً، فصيح غالياً، ولكنه دائماً أسلوب مباشر واضح. ومع ذلك فقد أدرك أن سبعمائة صحيفة من هذا النوع قد لا يستوعبها عامة الفقراء. وتلهف دي هولباخ على أن يقبل على قراءة الكتاب أكبر عدد من الناس، ومن ثم فإنه شرح آراءه. ووجهات نظره مرة أخرى في شكل أبسط في حسن الإدراك، أو "أفكار في مواجهة الأفكار الخارقة للطبيعة"(1772). وقلما تميز كاتب بمثل هذه المثابرة والجد في نشر مثل هذه الآراء غير المألوفة التي يريد أن يقنع الناس بها.

وأنه لمما يدل على سعة انتشار آراء دي هولباخ رد فعل "منهج الطبيعة" على فردريك الأكبر، إن هذا الملك الذي كان يخطب ود الفلاسفة، والذي مجدوه وامتدحوه على أنه راعيهم ومثلهم الأعلى، أنقلب عليهم حين رأى أحد قادتهم يهاجم الملكية المطلقة والمسيحية بقدر سواء. لقد كان من

ص: 156

مصلحة أضعاف الوحدة الداخلية بين الدول الكاثوليكية نتيجة للحملة ضد الكنيسة، ولكن أثار استياءه وربما أثار مخاوفه أن يبلغ التمرد حداً يتجاسر معه الآن على تحقير الملوك والنيل من الإله. أن نفس القلم الذي دبج يوماً ضد المكيافيللية، يكتب الأن تفنيد منهج الطبيعة، أن هذا الرجل دي هولباخ قد ركب متن الشطط: يقول فردريك "إذا تحدث إنسان إلى عامة الناس علانية فيجدر به أن يأخذ في اعتباره رقة الآذان الخرافية، ويجد به ألا يصعق أحداً، وينبغي عليه أن يتريث حتى تبلغ الاستنارة حداً يسمح له بالجهر بأفكاره (151).

وواضح أنه بناء على إيحاء فردريك، ولكن من الجائز أكثر من ذلك أنه نتيجة الخوف من أن تؤدي شدة تطرف دي هولباخ إلى انفضاض الناس من حول الفلاسفة، اللهم إلا الملحدين والثوريين، نجد فولتير وكأنما هو قائد جيش يؤنب ضابطاً (ملازماً أول) وقحاً- خصص في مقاله "عن الله" في "قاموسه الفلسفي" عدة صفحات ينتقد فيها رائعة دي هولباخ، فهو يقول في بداية كلامه:

"أن المؤلف أفاد من أن الجميع يقبلون على آرائه: العلماء والجهلة والنساء على حد سواء. إن لأسلوبه مزايا نفتقدها عند سبينوزا. وهو في الغالب واضح وأحياناً فصيح، على الرغم من أنه مثل الباقين قد يؤخذ عليه التكرار والأسلوب الخطابي والتناقض الذاتي. أما من حيث عمق التفكير فالغالب أنه لا يوثق به الفيزياء وفي الأخلاق كليهما. وهنا تكمن مصلحة الجنس البشري ومن ثم يجدر أن نتبين هل نظريته صحيحة ومفيدة".

ولا يوافق فولتير على أن النظام الذي ننسبه إلى الكون، والخلل الذ نظن أننا قد نجده فيه، هما أفكار أو أهواء ذاتية. وحاول أن يبرهن على أن النظام بارز إلى أبعد الحدود وأن الخلل أحياناً واضح إلى حد مؤلم:

"ماذا! أليس الطفل الذي يولد أعمى أو بلا رجلين أو غير سوي بشع إلى حد بعيد يتعارض مع طبيعة الجنس البشري؟ أليس الإطراء المعتاد في

ص: 157

الطبيعة هو الذي يصنع النظام والشذوذ هو الذي يشكل الخلل؟ أليست فوضى صارخة وخللاً رهيباً أن تعمد الطبيعة إلى تجويع طفل وتخلق له مريئاً محدوداً؟ إن الإخراج بكل أنواعه ضروري، ولكن قنوات الإفراز كثيراً ما تكون بلا فتحات، مما يتطلب العلاج، ويبقى منشأ الخلل عرضة للكشف عنه ولكن الخلل حقيقة واقعة".

ومن حيث كون المادة لبها قوة توليد الحياة والذهن فإن فولتير على الرغم من أنه كان يوماً ميالاً إلى الأخذ بوجهة النظر هذه، آثر "لا أدرية" متواضعة على افتراضات دي هولباخ الواقعة:

"إن الخبرة (وهو هنا ينقل من كتاب منهج الطبيعة) تثبت أن المادة التي نعتبرها جامدة ميتة، تدعي الفعل والحياة والعقل إذا اتحدت وتجمعت بطريقة معينة" وتلك هي المشكلة بعينها، كيف تنشأ جرثومة حية؟ أن المؤلف والقارئ كليهما يجهلان هذا على حد سواء، ومن ثم ألا يكون منهج الطبيعة وكل المناهج الفلسفية في العالم بأسره مجرد أحلام؟ يقول دي هولباخ:"من الضروري أن نعرف المبدأ الحيوي الأساسي، وأحسب أن التعريف متعذر". أليس هذا التعريف ميسوراً جداً .... أليس تنظيم الحياة بالشعور؟ ولكن من المستحيل إثبات أن هاتين الخاصيتين تنشئان فقط من المادة وهي في حركة. وإذا كان من المستحيل إثبات هذا ففيم توكيده؟

أن كثيراً من القراء يشعرون بالسخط والاستياء لاتخاذها هذا الأسلوب الحاسم في الوقت الذي لم يتم فيه تفسير أي شيء

فإذا تجاسر على توكيد أنه لا يوجد إله أو أن المادة تعمل بنفسها بمقتضى ضرورة أبدية، فيجدر أن تشرح هذا وتقيم عليه الدليل، مثل قضية من قضايا إقليدس وإلا أقمت منهجك على "ربما" أي مجرد الاحتمال. وأي أساس هذا لمعتقد على أعظم جانب من الأهمية للجنس البشري.

وكان دي هولباخ قد أيد التوالد التلقائي بإشارته إلى تجارب اليسوعي الإنجليزي نيدهام (1748) الذي أعتقد بأنه كان قد أنتج كائنات جديدة

ص: 158

من مادة ليس فيها حياة. وكان فولتير يقظاً لآخر تطورات العلم، فأشار إلى تجارب سبللانزاني (1765) الذي أوضح خطأ إجراءات نيدهام وما انتهى إليه من نتائج. ولم يكن دي هولباخ قد رأى في الطبيعة أي تصحيح أو تخطيط، ولكن فولتير يرى الكثير، ويحاول أن يبرهن على أن نمو العقل وتطوره في الإنسان يدل على عقل في الكون أو فيما وراءه، ويعود آخر الأمر إلى قضيته المشهورة "إذا لم يوجد إله فمن الضروري أن نصطنعه، وأنه بدون إيمان بكائن أسمى في عقله وعدله، فإن الحياة بكل ما فيها من أسرار وبؤس وشقاء تكون غير محتملة، وينضم إلى دي هولباخ في ازدراء الخرافة، ولكنه يدافع عن الدين باعتباره مجرد عبادة بسيطة لإله. ويجتتم في رفق فيقول: "إنني ميال إلى القول بأنك وقعت في خطأ جسيم ولكني بنفس القدر مقتنع بأنك صادق أمين في انك مخدوع خداعاً ذاتياً. يمكن أن تجد أناساً فضلاء دون وجود إله. ولو أنك من سوء الحظ قلت "سرعان ما تجعله الرذيلة الإنسان سعيداً حتى يحب الرذيلة". وتلك قضية مزعجة كان يجدر بأصدقائك أن يقنعوك بمحوها. أنك في كل مكان أخر توحي بالاستقامة والأمانة. إن هذا الصراع الفلسفي سيكون فقط بينك وبين نفر قليل من الفلاسفة منتشرين في أوربا. ومن يسمع عنه سائر العالم شيئاً. إن الناس لا يقرئوننا

أنت مخطئ. ولكننا نقدر ونجل عبقريتك وفضائلك (152) ".

ولسنا ندري إذا كان فولتير راضياً كل الرضا عن هذا التنفيذ من كل قلبه. وأنا لنلاحظ ملاحظته البسيطة العابرة عندما سمع أن فردريك كان قد كتب كذلك ضد "منهج الطبيعة" "إن الله كان في صفه اثنان على الأقل من أبعد الناس عن التمسك بالخرافات في أوربا- مما لأيد أن يكون قد أثلج صدره كثيراً (153) وطلب إلى الدوق دي ريشيليو أن يحيط لويس الخامس عشر علماً بأن المغترب العنيد في فرني كان قد كتب رداً على الكتاب الجرئ المتهور الذي كان حديث الناس في باريس.

ص: 159

ونشر أصدقاء دي هولباخ نقد فولتير وسيلة للإعلان عن أفكار البارون وأتخذ شباب المتمردين المادية سمة للبسالة والشجاعة في الحرب ضد الكاثوليكية ودخلت فلسفة دي هولباخ إلى روح الثورة الفرنسية قبل روبسبيير وبعده- وكان يؤثر روسو. وإنا لنسمع أصداء كتاب "منهج الطبيعة" في كامي ديمولان وماراه ودانتون (154) قال فاجيه "إن دي هولباخ أكثر من فولتير وأكثر من ديدرو، هو أبو الفلسفة والهجوم العنيف على الدين في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر (155) وفي عهد حكومة الإدارة أرسل أحد الوزراء نسخاً من أحد كتب دي هولباخ إلى رؤساء المصالح والهيئات في محافظته للحيلولة دون بعث الكاثوليكية من جديد (156). وأنا لنحس تأثير دي هولباخ في إنجلترا في مادية بريستلي (1777) ونبع كتاب جودوين "بحث في العدالة السياسية" من دي هولباخ وهلفشيوس وروسو بهذا الترتيب في التأثر (157). وبدأ الإلحاد المتحمس عند شللي صهر جودوين، بقراءة "منهج الطبيعة" الذي شرع في ترجمته كوسيلة لإشراك أساتذة أكسفورد في الحملة ضد الدين (158). أما في ألمانيا فإن مادية دي هولباخ وتشكك هيوم هما اللذان أيقظا كانت من "سباته العقائدي" وربما ورث ماركس بطرق غير مباشر تعاليمه المادية عن دي هولباخ.

وقبل أن يكون أن يكتب البارون بزمن طويل كان بيركلي قد آذى المادية أكبر إيذاء. فالذهن هو الحقيقة الواقعة الوحيدة المعروفة مباشرة. والمادة (منذ عرفها دي هولباخ بأنها كل ما يؤثر في حاوسنا) معروفة بطريق مباشر، عن طريق الذهن. ويبدو أنه غير معقول أن نهبط بالمعروف مباشرة إلى ما هو معروف بطريق غير مباشر. وليست المادة واضحة لدينا كما تعودنا أن تكون. إن الذرة تحيرنا كما يحيرنا الذهن سواء بسواء. فكلاهما يحلل إلى أشكال من الطاقة لا يتيسر لنا فهمها، وأنه لمن العسير الأن، كما كان عسيراً في أيام لوك وفولتير، أن نتصور كيف يمكن أن يصبح المادة فكرة أقل وعياً بكثير. أن التفسير الميكانيكي للحياة أثبت أنه مجد في الفسيولوجيا،

ص: 160

ولكن يبقى الاحتمال قائماُ. وهو أن الأعضاء (المادة) يمكن أن تكون نتاجاً وأدوات للرغبة (الذهن) مثل عضلات اللاعب الرياضي. إن الميكانيكية (الآلية) والحتمية بل حتى القانون الطبيعي "قد تكون تيسيرات وإيضاحات عاجلة لا تقبل الجدل من الناحية المنطقية، لأنها أدوات اصطنعها الذهن لتناول الظاهرات والأحداث والأشياء تناولاً نلائماً، وأصبحت هذه الأدوات عناصر لا مفر منها في الفكر العلمي، ولكنها غير مرضية إذا طبقت على الذهن الذي شكلها. إننا لا نعرف أن العالم منطقي.

ص: 161

الفصل الثاني والعشرون

‌فولتير والمسيحية

‌1734 - 1778

1 -

فولتير والله

قد ندرس فيما بعد الأنشطة والآراء والاهتمامات غير الدينية في تلك النار المدمرة التي يقال لها فولتير، والتي تتأجج بين الحين والحين في فرني Ferne ونكتفي هنا في تلخيص آرائه في الدين وحربه ضد المسيحية. ولن نذكر هنا شيئاً لم يذكر مائة مرة من قبل. كما أنه لم يقل عن المسيحية شيئاً لم يسبق قوله. وكل ما في الأمر أنه تكلم انطلقت كلماته مثل اللهب سرى في أوربا، وأصبحت قوة شكلت عصره وعصرنا.

وكان طبيعياً أن يرتاب في العقيدة المسيحية، لأن الدين قصد به تهدئة الفكر لا إثارته. وكان فولتير هو الفكر مجسداً فهو قلق مضطرب يهدأ ولا يسكن. ورأيناه في سيرة حياته ينضم إلى ذوي العقول المتشككة في The Tempole يغذي شكوكه بين الربوبيين في إنجلترا ساعياً وراء العلم في سيري، متبادلاً رسائل الإلحاد مع فردريك في ألمانيا. ومع ذلك فإنه حتى بلغ السادسة بعد الخمسين احتفظ بإلحاده أو كفره مظهراً عارضاً أو لعبة أو تسلية خاصة. ولم يشن على الكنيسة الحرب علانية. بل على النقيض من ذلك دافع علناً وتكراراً عن أساسيات العقيدة المسيحية: إله عادل وإرادة حرة والخلود. وإذا لم نعده كذوباً (وغالباً ما كان طذلك) فإنه احتفظ حتى وفاته بإيمانه بالله وبقيمة الدين. ويمكن أن نقتبس عنه لأي غرض تقريباً، لأنه مثل أي حي، نما وتغير واضمحل. ومن هنا

ص: 162

احتفظ في سن الخمسين بما اعتنق من آراء في سن العشرين، أو في سن السبعين، بآرائه حين كان في الخمسين؟ إن فولتيرناقض نفسه إلى أبعد الحدود، لأنه عمر طويلاً وكتب كثيراً، فكانت آراؤه من فيض رؤيته كلما تقدمت به السنون (1).

وفي سيري حوالي 1734 حاول أن يصوغ أفكاره حول الأشياء الأولى والأخيرة في "رسالة في الميتافزيقا" وقبل أن يجعل بالي المقارنة مأوفة لدى اإنجليز بعدة سنين ذكر فولتير لأنه من المنطق التسلسم بذهن ذي عاقل في الكون مثلما هو منطقي افتراض أن الساعاتي قد صنع الساعة. ففي كلتا الحالتين رأى دليلاً على التصميم والتخطيط في تهيئة وسائل معينة لغايات بعينها. ولكن كما أن الساعة ولو أنها من تصميم العقل تعمل وفق قوانين ثابتة، فكذلك الكون. وليس ثمة معجزات. ولكنه إلى حد ما لم يستطع أن يطرح جانباً الشعور بأن الإرادة الإنسانية، بطريقة خفيفة ولدرجة بسيطة حرة. على الرغم من أنه عرف تماماً أن الاختيار الحر المطلق حين يتصرف في عالم ميكانيكي لابد أن يفسد آليته أو طبيعتة تريب أجزائه. والذهن شكل من أشكال المادة وظيفة من وظائفها. ويقول فولتير متبعاً في ذلك لوك. "ينبغي أن نقرر أنه من اليسير جداً على الله أن يضيف إلى المادة فكراً. (2) وقدرة المادة على التفكير ليست معجزة أكبر من إمكان تأثير الذهن غير المادي على الجس المادي. والنفس ليست إلا حياة الجسم وتفنى بفنائه، وليس ثمة وحي مقدس سوى الطبيعة نفسها، وهذا كافٍ، وهو معين لا ينضب. وقد يكون ثمة بعض النفع في الدين ولكن الرجال الأريب لا يحتاج إليه تعزيزاً لفضيلة. وغالباً ما استخدمه رجال على مدى التاريخ لإرباك أذهان الناس، على حين ابتز الملوك أموالهم. وينبغي تعريف الفضيلة على أساس الخير الاجتماعي لا على أساس طاعة الله، ويجب ألا تتوقف على الثواب والعقاب بعد الموت.

وقرأ فولتير في هذه الصفحات المس والسبعين على مدام ي شاتيليه

ص: 163

التي يبدو واضحاً إنها تشجعه على نشرها. ويبدو أنه أقرها على ذلك وطرح المخطوطة جانباً، فلم تنشر قط طيلة حياته. وفوق هذا اصبح مقتنعاً بأن أية يتافيزيقا وأية محاولة لتفسير أصل العالم والإنسان وطبيعتهما ومصيرهما عن طريق العقل ستكون إلى الأبد فوق اقة البشر. قرأ الفلاسفة ولكن لم ترقه مناهجهم، وذهب إلى أن "الأقدمين قالوا كل شيء في الميتا فيزيقا وفي الأخلاق، وأننا دائماً نعارضهم أو نكررهم. وكل الب الديثة من هذا النوع هي مجرد تكرار معاد (3) " ولابد أنه تأثر بمنهج سبينوزا لأنه أجهد نفسه في دحضه وتفنيده.

وعلى الرغم من تنصله وإنكاره لم يستطع أن يتغلب على ولعه بالخوض قي المسائل العيصة المستعصية. وبين الحين والحين فيما بين عامي 1734 - 1756 أخذ ينقب في الميتافيزيقا واللاهوت. وظل حتى آخر حياته يؤسس إيمانه بالله على حجة التخطيط أو التبير منذ البداية، ولو أنه عمد إلى تسفيه الترف في الغائية (الاعتقاد بأن كل شيء في الطبيعة مقصود به تحقيق غاية معينة). "قد لا أومن بأن الأنوف قد صنعت لتكون جسراً مريحاً للنظارات، ولكني مقتنع بأنها صنعت لنشم بها (4) ". "وأليس من أشبع السخف والحماقات أن نؤكد أن العي لم تصنع لتبصر والإذن لتسمع والمعدة لتهضم؟ (5) وعندما طرق مؤلف شاب الباب Les Delices (1757) وقدم نفسه إلى فولتير على أنه "لحد شاب مستعد لخدمته، أجاب فولتير لي الشرف أن أستخدم ربوبياً، وعلى الرغم من تعارض آرائنا سأقدم لك طعام العشاء الليلة، وأقدم لك العمل غداً، سأستفيد من ذراع وعضلاتك لا من رأسك وهنك. (6) أنه سمى نفسه ربوبياً ولكنه كان مؤمناً، أي أن إلهه لم يكن قوة غير مجسمة تماثل الطبيعةبشكل أو بآخر، ولكنه عقل واع يصمم العالم ويحكمه. وبعد 1750 بصفة عامة أطلق على نفسه أنه مؤمن بوجود إله. (7) وفي القاموس الفلسفي في مقال "الإيمان بوجود الله

ص: 164

"كتب على أساس يمكن أن يبرر وصف وندرسيه بأنه رجل شديد التمسك بالدين:

"إن المؤمن الموحد باللهرجل مقتنع كل الاقتناع بوجود كائن أسمى فاضل قوي معاً، خلق كل الموجودات يعاقب على الخطايا دون قسمة، ويثبت على صالح الأعمال في رفق وحنان. إن المؤمن لا يعرف كيف يعاقب الله وكيف يثبت، وكيف يعفو، ويغفر لأنه لم تبلغ به الجرأة حداً يخدع معه نفسه بأنه يدرك كيف يتصرف الله، ولكنه يعلم أن الله يفعل وإن الله عادل. إن العقباتب التي تواه العناية الإلهي لا تزعزع إيمانه لأنها مجرد عقبات ضخمة وليسلت اختبارات إنه يخضع نفسه لتلك العناية الإلهية، ولو لأنه لم يدرك منها إلا بعض آثارها وبعض المظاهر. إنه يحكم على الأشياء التي لا يراها بالأشياء التي يراها. ومن ثم فإنه يرى أن هذه العناي الإلهية تحيط بكل مكان وبكل زمان. وقد اتحد في هذا المبدأ مع سائر الكون. فإنه لا ينظم إلى أي من الشيع أوالطوائف التي تناقض نفسها. إن ديانته هي أقدم الديانات وأوسعها انتشاراً، لأن العبادة البسيطة لله سبقت كل الأساليب والطرق في العالم

أنه يؤمن بأن الديانة لا تقوم على آراء الميتا فيزيقا المبهمة التي يصعب سبر غورها، ولا على الزخارف العقيمة، بل تقوم على العبادة والتقديس والعدالة. إن عمل الخير عبادته والخضوع لله مذهبه

إنه يسخر من لوريتو ومكة ولكنه يغيث الملهوف ويدافع عن المظلوم (8).

فهل كان فولتير مخلصاً في هذه الاعترافات؟ إن بعض الباحثين ينسبها إلى الحيطة والحذر، أو إلى الرغب في التحول إلى الإلحاد طوة خطوة، (9) أو إلى أمل في أن يقلل غرس الإيمان الديني في خدمة من السرقة والاختلاس. وهناك في كتاب فولتير قطع يبدو أنها تبرر هذا التفسير (إذا كان لديك قرية واحدة لتحكمها، فينبغي أن يكون لها دين)(10). وإن امكثر الملاحظات اقتباساً عنه يبدو أنها تهبط بالديانة إلى مجرد منفعة عامة، ولكن سياق الكلام يلقىي على هذا البيت ضوء أكثر إشراقاً وإيضاحاً. أنه يوجد في

ص: 165

رسالة إلى مؤلف الدالين الثلاثة "إذا لم يكن الإله موجوداً فيجب أن نبتدعه، ولكن الطبيعة بأسرها تصبح فينا أنه موحود فعلاً. (11) " والقصيدة كلها دعوة إلى الإيمان. إن فولتير يعود إلى قضية الإيمان بوجود إله واحد المرة بعد المرة، وكأنما يرد شكوكه. وفي السنوات العشرة الأخيرة من حياته كتب ضد الإلحا قدر ما كب ضد التقليدية في نفس الوقت شن حرباً ضد المفهوم المألوف للرب بأنه إله الانتقام الذي قدر على معظم الناس الحلود في عذاب الجحيم:"سيكون الجنس البشري تعساً بائساً إلى أبعد حد إذا ألف ارتكاب الفظائع قدر ما يألف التصديق بها (12) وإذا كان الرب قد خلق الإنسان على صورته فقد جازيناه على ذلك خير الجزاء (13) بتصويره على صورتنا. ولا شيء يوضح مفهوم الإنسان عن نفسه أكثر من فكرته عن الله".

وحاول فولتير جاهداً أن يوفق بين إيمانه بإله واحد وبين وود الشر. وفي محاولاته لتبرير العدل الإلهي لوجود الشر اقترب ممن تفاؤل ليبنتز (الذي عمد إلى تسفيهه في كانديد) إن الشر من وجهة نظر الجزء قد يكون خيراً، وعلى الأقل ليس شراً في منظور الكل. إن هذا ليس أحسن عالم يمكن تصوره بل أكثر ما يتحمل وجوده. (14) وكتب فولتير إلى فردريك 1738 يقول "إذا حسب كل شيء وقدر أحسن تقدير فإن في هذه الحياة متع لا تعد ولا تصى أكثر ما فيها من مرارة. (15) " ولكن هذا كتبفي السنوات صحته وعافيته في اواسط عمره. ولم يؤمن بأن الإنسان شرير بالطبيعة بل على النقيض من ذلك اعتقد أن في الإنسان إحساساً فطرياً بالعدالة وشعوراً طيباً بالود نحو الآخرين (16) وهنا فوارق وتناقضات لا حصر لها في الأفكار الأخلاقية لدى الجنس البشري وفي عاداته. ولكن الشعوب تستنكر قتل الوالدين وقتل الإخوة والأخوات (17).

وفي بوتسدام 1752 نظم قصيدة "القانون الطبيعي"(نشرت في 1756) التي لخصت ديانته الطبيعية. "وحيث اتخذت القصيدة شكل رسالة إلى فردريك

ص: 166

الثاني المتشكك فإنه من الصعب أن تكون محاولة لإرضاء الأتقياء، ولكنها تقترب من التقوى العقيدة القومية أكثر من أي شيء آخر طبعه فولتير. إنها تئكد الإيمان بالله الخالق فحسب ولكنها كذلك تصف الإحساس الخلقي عن الإنسان بأنه من غرس الرب (18). إنه هما يتحدث كمل يتحدث روسو ويستبق حماسة كانت للسلطان المطلق للظمير. أنه يحدد ديانته في سطر واحد:"أعبد الله وكن عادلاً وأحب وطنك". (19) ويعرض تنوع العقيدة الدينية ويرثي للكراهية والتعصب ويدعو إلى تسامح متبادل بين مختلف المذاهب والشيع، ويختتم بدعاء كان يمكن أن يقره أي قديس. وفي 23 يناير 1759 أمر برلمان باريس بإحراق القصيدة علناً. ويحتمل أن يكون هذا بسبب أن بعض أبياتها استنكر الجاسنية.

وقد تخلص إلى القول بأنه حتى عام 1751 - إلى أن يبلغ فولتير السابعة والخمسين تورع عم أي هجوم مباشر صريح على المسيحية أو الكنيسة الكاثوليكية. فماذا أثاره حفزه لشن الحرب في نفس الوقت الذي جنح فيه معظم الثائرين إلى السلم؟ أنه كان وقت صدور دائرة المعارف، والتفسيرات الدينية التقليدية لزلزال لشبونة، والإعدام الوحشي لكل من جان كالا Calas وشيفالييه دي لابار De La Barre.

‌2 - فولتير ودائرة المعارف

كان فولتير في بوتسدام حين نشر المجلد الأول من دائرة المعارف (1751). ولابد أنه قرأ وهو مغتبط أشد الاغتباط السطور التي كتبها دالمبير تقديراً لفولتير وثناء عليه في "تشهير" حيث قال "قد اوفي هذه العبقرية الفذة حقها من الإجلال والمديح مما لقيه كثيراً من مواطنيه ومن الأجانب ومن أعدائه، ومما ستضيف إليه الأجيال المقبلة ثيراً حين يعود غير قادر على الاستمتاع بالإطراء والثناء". ورد فولتير على هذه التحية في رسالة مؤرخة 5 سبتمبر 1752 إلى دالمبير قال فيها "إنك وديدرو تقومان بعمل

ص: 167

سيكون فيه فخار فرنسا ومجدها، وعار وخزي لهؤلاء الذين سضطهدونكما أو يقفون في طريقكما. أنا لا أعترف من بين الفلاسفة البلغاء الأبك وبة" وعاهد نفس على مساندته تأييده، ولم يضيع أي فرصة لجذب الأنظار إلى الشروع باعتباره "عملاً ضخماً خالداً يتهم قصر الحياة الإنسانية ويبدد به (20) ".

ومهما يكن من أمر انشغال فولتير بأعمال الكبر-قرن لويس الرابع عشر، ورسالة في الاعتراف والعادات، وتورطه مع هرشك وموبرتوي وفردريك فإنه وجد فسحة من الوقت ليرسل إلى دالمبير (1753) بمقالات موجزة:"مجرد مادة يمكنك تبويبها كيف تشاء وضمها إلى الصرح الخالد الذي تقيمه. إني أمدك ببعض لبنات تضعها في أية زاوية في البناء"(21). وتوسل إلى الأصدقاء ذوي النفوذ أن يعملوا على حماية المحررين. وفي 1755 كتب إلى دالمبير "ما دام فيّ عرق ينبض بالحياة سأكون في خدمة مؤلفي الموسوعة اللامعين، وإني لاعتبره شرفاً كبيراً لي أن أسهم ولو بقدر ضئيل في أعظم وأجمل أثر باق للأمة للأدب"(22) وارفق بهذه الرسالة مقالات عن النار والقوة والفسوق والعبقرية الفرنسية والذوق الفرنسي. وأطلع على المجلدات الخمسة الأولى مدققاً فاحصاً، فوجد أجزاء كثيرة جديرة بالثناء، كما حز رثى لبعض الأجزاء الأخرى، وطلب إلى المحررين أن يطالبوا كل الكتاب بالوضوح والإيجاز، وحذر دالمبير (الذي ظنه خطأ رئيس التحرير) بقوله "إن معاويك ضعاف فهناك جنود غير صالحين في جيش القائد العظيم .. ويؤسفني أن أجد في مقال "الجيم" أن الكاتب يعلن أن الجحيم واردة في شريعة موسى، وأقسم لك الآن بكل الشياطين أن هذا غير صحيح (23).

وسرعان ما بعث بعدة مقالات صغيرة وببث ضخم في التاريخ. وحرص قسيساً عالماً من لوزان هو أنطوان نوى دي بولييه Noe de Polies على أن يكتب لدائرة المعارف مقالات عن "المايين والسحر والسحرة وعن المخلص

ص: 168

المنتظر"، وكلها تعج بالهرطقة في هدوء وقد رأينا كيف أن فولتير كان مسئولاً إلى حد ما عن مقال دالمبير عن نيف 1757، وخفف من هذه العاصفة التي ثارت بسبب هذه المقالات بدوة الكاهن المخدوع إلى العشاء. وحين أوشكت الكارثة أن تنزل بمشروع دائرة المعارف وتهدد بتوقفها عن الظهور، كتب إلى ديدرو:

"أي ديدرو الشجاع ودالمبير الجسور: امضيا في طريقكما .. هاجما الوغاد، واقضيا على تخرصاتهم الجوفاء وسفستهم الحقيرة وأكاذيبهم التاريخية تناقضاتهم وسخافاتهم التي لا حصر لها

لا تدعوا رجال الفر أرقاء مستعبدين لمن لا يتحلون بشيء من الفكر والذكاء. إن الجيل القادم سيكون مديناً لكما بالعقل والحرية" (24).

ولم يجب ديدرو على هذه الرسالة، وأصر دالمبير على الانسحاب من المشروع. أما فولتير فخانته شجاعته وساءه صمت يدرو، ومن ثم قرر أن ينفض يديه من العمل. وفي 6 أو 7 فبراير كتب ثانية إلى ديدرو يطلب إليه إعاد المقالات التي لم تنشر، فأجاب ديدرو بأن الخطوطات عند دالمبير ولكن إذا كرر فولتير طلب إعادتها إليه فأته لن ينسى هذه الإساءة. وفي 26 فبراير كتب فولتير إلى دارجننال يقول:"إني أحب ديدرو واحترمه ولكني غاضب". ولكنه كتب إليه مرة أخرى في 12 مارس: "إذا التقيت بهذا الرجل اليب ديدرو، فأبلغ هذا العبد المسكين أني أغفر له قدر ما أشفق عليه من كل قلبي"(25) وفي مايو أرسل دالمبير المقالات المطلوبة إلى فولتير. ولك دالمبير استأنف العمل في دائرة المعارف في شهر يونية، فأرسل فولتير المقالات إليه ثانية، ولكنه طلب عدم ذكر أسمه إذا نشرت. واقترح نقل المشروع إلى بلد آخر لا يتعرض فيه لعنت الرقابة فعلاً أو توجساً. ورأى ديدرو أن هذا الاقتراح غير عملي. وفقد فولتير ثقته في قيمة موسوعة ضخمة باهظة التكاليف وسيلة لنشر الفكر المتحرر. وفي 16 يونية 1758

ص: 169

أبلغ ديدرو أن مشاغله الأخرى قد تجعل من المتعذر عليه أن يسهم في الموسوعة فضلاً عن أن تأزم الأمور بين المحرري والحكومة والكنيسة "قد يضطر الإنسان إلى الكذب، وأنا لنلقيى الاضطهاد والتعذيب إذا لم نمضِ في الكذب"(26) إن الضجة التي أحدثها كتاب هلفشيوس "الذكاء"(في يوليه) أزعجت الثائر العجوز، فكتب رداً على ذلك الكتاب. وفي 16 نوفمبر أبلغ ديدرو أنه ابتاع داراً في فرني واعتزم أن يقيم هناك ويحيا حياة ريفية هادئة.

فهل كان يخدع نفسه، أو أنه كان يدبر استئناف القتال بوسائل أخرى؟

‌3 - لاهوت الزلازل

بينما كانت الموسوعة تكبو وتفيق وتختفي وتنبعث من جديد ارتعدت فرائص الفلسفة الوربية نتيجة لولوال لشبونة ففي الساعة التاسعة وأربعين دقيقة من صباح أول نوفمبر 1755يوم عيد كل القديسين-هزت الآض كتفيها في البرتغال وشمال أفريقية. وفي ست دقائق تهدمت ثلاثون كنيسة وألف منزل، ومات خمسة عشر ألف رجل، وأصيب مثلهم باصابات خطيرة، في واحدة من أجمل العواص في العالم. ولم يكن ثمة شيء جديد لم يسبق له ثيل في هذه المذبحة الرهيبة التي حدث فيها الموت بالجملة. ولكن كانت هناك بعض ملابسات وظروف محيطة حيرت رجال اللاهوت، وأقلقت بالهم. لماذا اختار هذا اللغز المحير مثل هذه المدينة الكاثوليكية، ومثل هذا الاحتفال المقدس، في مثل هذه الساعة التي اجتمع فيها كل المواطنين الاتقياء تقريباً لحضور القداس؟ ولماذا أبقى وسط هذا الدمار الشامل على دارسيا ستيو دي كارفالو ميللو مركيز بومبال فيما بعد-الوزير الآمر الناهي الذي كان ألد أعداء اليسوعيين في أوربا بأسرها؟

وأوضح مالاجريدا أحد اليسوعيين البرتغاليين أن الزلزال وما أعقبه من أمواج عاتية مدمرة كانا عقاباً من الله على الرذيلة التي استشرت في

ص: 170

لشبونة (27). ولكن هل كان الآثمون هم وحدهم الذين ذهبوا للصلاة في الكنائس في هذا الصباح الرهيب؟ ولماذا هلك كثير من القساوسة المتبتلين والراهبات المتفانيات في الإخلاص للدين في الزلزال والحريق؟ وربما هلل المسلمون للكارثة باعتبارها غنتقاماً إلهياً من محاكم التفتيش في البرتغال، ولكن الزلزال دمر المسجد الكبير الذي يحمل اسم المنصور في الرباط. وعزا بعض الكهنة البروتستنت في لندن هذه الكارثة لاستنكار السماء لجرائم الكاثوليك ضد الإنسانية. ولكن في 19 نوفمبر من نفس العام دمر الزلزال خمسة عشر ألف منزل في بوسطن مساشوست موطن الحجاج والبيوريتانيين. وأعلن وليم ووربرتون أن مذبحة لشبونة "أبرزت عظمة الله في أبهى صورها (28) وألقى جون ويزلي موعظة عن أسباب الزلازل علاجها قال فيها "إن الخطيئة هي السبب المعنوي للزلازل مهما كان سببها الطبيعي

إن الززل هي نتيجة اللعنة التي صبتها على الأرض خطيئة آدم وحواء الأولى (29) ".

واستشاط فولتير غضباً لهذه التفسيرات، ولكنه هو نفسه لم يجد شيئاً يوفق بين الحادث وبين إيمانه بإله عادل "أين الآن قول ليبنتز "أحسن العوالم الممكنة" أو قول بوب "كل ما هو موجود هو حسن"؟ (30) ونظم فولتير كرد فعل غاضب لتفائله السابق أعظم قصيدة له "كارثة لشبونة" اختيار للحقيقة المقررة "كل شيء حسن" وهنا نغتنم الفرصة لنقطتف نموذجاً من فكرة شعره:

"آه أيتها المخلوقات الفاتنة التعسة. أيها الأرض المخزنة، أيها الجمع الرهيب من البشر. أيها المستقر الخالد لل البلايا العقيمة الفاجعة، أيها الحكماء الحمقى الذين ينادون بأعلى صوت كل شيء حسن، تعالوا وتأملوا كل هذه الخرائب الأطلال الرهيبة. وهذا الحطام وأشلاء ورماد الجثث بني جنسكم، وأنظروا إلى النساء والأطفال الذين حصدهم الموت بالجملة، إلى الأعضاء المتناثرة تحت الأعمدة المحطمة. لقد التهمت الأرض مائة ألف حالفهم النحس، لقد سالت دماؤهم وتمزقت أوصالهم، واندفعوا وهم أحياء

ص: 171

تحت السقوف التي انهارت عليهم، فأنهوا دون أية مساعدة أيامهم التي تبعث على الأسى في عذاب كريه. هل تواجهون صيحاتهم الضعيفة التي تؤذن بالفناء، والدخان المتصاعد في هذا المنظر البشع بقولكم هذا رى وفق قوانين أبدية طبقاً لمشيئة الله المطلقة الخيرة؟ وهل تقولو نأما هذه الأكداس من الضحايا لقد انتقم الله منهم إن موتهم جزاء جرائمهم؟ ".

ولكن أية جريمة وأي خطأ ارتكب هؤلاء الأطفال الذين اغتالهم الزلزال وسالت دماؤهم وهم في أحضان امهتاتهم؟ وهل كانت رذائل لندن أو باريس أقل من رذائل لشبونة؟ ومع ذلك دمرت لشبونة وباريس ترقص؟ ألم يكن في مقدور الله العليم الخبير أن يصنع عالماً ليس فيه هذا الشقاء الذي لا معنى له؟ إني اجهل إلهي ولكني احب الجنس البشري.

إن الشاعر يتامل في عالم الحياة فيرى في كل مكان وعلى ألف صورة متباينة تنازعاً على البقاء يلقى فيه كل كائن حتفه إن عاجلاً أو آجلاً. إن هذه الخلاصة المريرة لعلم الحياة (للبيولوجيا) تتطلب أن نوردالنص:

"إن الصقر الضاري ينقض على فريسته المخلوعة الفؤاد ويتلذذ مبتهجاً بالتهام أوصالها الدامية، وكل شيء يبدو في نظره على مايرام، ولكن سرعان ما يأتي نسر كاسر يلتهم بمنقاره الحاد الصقر بدور، ثم يعاجل الإنسان هذا النسر المتكبر بطلقة تصيب منه مقتلاً. ويتوسد الإنسان التراب على أرض المعركة ينزف الدم وقد أثخنته الضربات سط كومة من الموتى. وهناك يكون غداء رهيباً للطيور النهمة. وهكذا تئن الدنيا بكل من فيها حيث ولدت كلها لتشقى وتعاني، ويكون مصيرها الوت الكتبادل. وفي هذه الفوضى القاتلة تبنى على تعاسة البعض سعادة المجموع، أية سعادة هذه؟ أيها المخلوق الفاني الضعيف البائس، أنك تصبح في نعمة حزينة "إن كل شيء حسن على ما يرام" إن الكون يقدم الكذبة، وقلبك يفند مائة مرة خطأ ذهنك. إن العناصر والحيوان والإنسان كلها في صراع. فلنعترف بأن الشر ملأ الأرض واستشرى فيها.

ص: 172

كيف يتفق هذا الصراع الكوني الشامل وهذا الموت المذل المؤلم مع الإيمان بإله خير طيب؟ إن الله موجود، ولكنه لغز محير. إنه يبعث بابنه ليخلص الجنس البشري، ولكن الأرض والإنسان بقيا على ماهما عليه على الرغم من تضحيته.

ماذا يمكن أن يقول أوسع العقول مدى في هذا؟ لا شيء فإن كتاب القدر محجوب عن أبصارنا. فالإنسان وهو الغريب الأجنبي بالنسبة لنفسه، مجهول لدي الإنسان. من أنا؟ وأين أكون؟ إلى أين أنا ذاهب؟ ومن أين أتيت؟ إن الذرات تتعذب على هذه الكومة من الطين، ويحصدها الموت ويلعب بها القدر. ومع ذلك فإنها الذرات المفكرة التي قاست اعينها ورصدت ما في السماوات بهدي من الفكر. إننا خترق بأذهاننا وعقولنا هذا الكون اللاهائي، ولكننا لا نستطيع للحظة واحدة أن نرى أونعرف أنفسنا".

وتلك بطبيعة الحال هي النغمة التي ضرب عليها بسكال قبل مائة عام في نثر أروع من شعر فولتير. وكان فولتير قد نبذ يوماً بسكال واستهجنه، ولكنه الآن يردد تشاؤمه. وعلى أساس هذا التشاؤم نفسه خلص بسكال إلى قوله: فلنركن إلى العقيدة المسيحية ونتعلق بالأمل. وختم فولتير قصيدته في الأصل بيتين كئيبين رواقيين: "اذا يجب علينا أن نفعل أيها الفانون؟ يجب علينا أن نقاسي ونخضع في صمت ونعبد ونموت". واحتج أصدقاؤه بأن هذه الخاتمة البائسة غير محتملة فغير السطر الأخير إلى أخضعوا واعبدوا وأملوا وموتوا ولم يشعر أحد بالرضا فاستسلم وأضاف 29 بيتاً، وأسلم نفسه للعنياية الإلهية ؤمناً بأن "الله وحده على حق".

وعلى الرغم من ذلك فإن القصيدة لم تذهل المتدينين فقط، بل أذهلت الفلاسفة كذلك. فإن مثل هذه النغمة الكئيبة الجوعة يبدو أنها أحرجت الفلاسفة وأرسل روسو إلى فولتير رسالة ويلة بليغة يوضح فيها إن كل ما تعاني الإنسانية من علل وشرور، إن هو إلا نتيجة لأخطاء البشر، وأن زلزال لشبونة هو عقاب عادل للإنسان لتخليه عن الحياة الطبيعية

ص: 173

وإقامته في المدن، ولو أن الناس التزموا الحياة البسيطة في القرى المتفرقة في دور متواضعة فلربما كانت الضحايا قليلة نسبياً، وينبغي أن نؤمن بأن الله طيب خير، هذا كما قال جان جاك هو البديل الوحيد للتشاؤم القاتل، وأن نستمر مع ليبنتز، على الإيمان بأنه حيث إن الله خلق هذا العالم، فلابد أن يكون كل شيء فيه على المدى الطويل وبالنظرة البعيدة حقاً وصدقاً. وحصل أحد أصحاب المطابع على هذه الرسالة، ونشرها فلقيت أكبر الترحيب على اوسع نطاق، رداً بارعاً على قصيدة فولتير، ولزم فولتير الصمت لمدة أطول مما كان مألوفاً. ولما عاد للخوض ثانية قي موضوع التفاؤل خرج الناس بأروع أعماله وهو كتاب ظل حديث العالم لمدة جيل، وهو الآن أعظم وأبقى أثر ورمز لفولتير.

‌4 - كانديد

نشر هذا الكتاب في اوائل عام 1759 تحت أسم Candide أو التفاؤل، مع الأيهام بأنه مترجم عن الألمانية عن كتاب دكتور رالف، مع اضافات وجدت في جيب الدكتور عند وفاته في ميندن Minden. وأمر المجلس الكبير بإحراق الكتاب فور صدوره تقريباً (5 مارس) وأنكر فولتير بطبيعة الحال أنه مؤلف. وكتب إلى قسيس صديق له في جنيف "لابد أن الناس فقدوا عقولهم لينسبوا إلى هذه المجموعة من الهراء. إن عندي ولله الحمد والشكر ما شغلني خيراً منه (31) ولكن فرنسا أجمعت على أنه ما كان في مقدور أحد غير فولتير أن يكتب "كانديد". فهنا كان النشر البسيط بشكل خداع الذي يتدفق برفق والذي يتميز بمرح خفيف وتهكم لاذع شيطاني مما يستطيع هو وحده أن يكتبه. وهنا وهناك في الكتاب قليل من الفحش والبذاءة وقليل من الأدب الداعر، وفي كل مكان عبارات هازلة غاضب مهلكة تنم على عدم التوقير. فإذا كان الأسلوب هو الرجل فلابد أن يكون هذا فولتير.

ص: 174

أنه يبدأ بريئاً، ولكنه سرعان ما ينم على العين النافذة البراقة:

"في إقليم وستفاليا في قصر أنبل البارونات ثندر-تن-ترونخ Thunder-ten-Tronckh، عاش شاب حبته الطبيعة أحلى مزاج وأكرم خلق

وكان سديد الرأي صائب الحكم، إلى جاب ما تحلى به من بساطة بعيدة عن التكلف كل البعد، ولهذا السبب فيما أعتقد سمى "كانديد". أن الخدام القدامى في القصر أرتابو فب أن يكون ابن أخت البارةن من رجل طيب شريف من الجيران رفضت تلك الآنسة أن تتو من لأنه لم يكن يستطيع أن يصل بنسبه إلى أكثر من واحد وسبعين شريفاً. وكان غير أهل للزواج، ولكنه واف بالمراد في الفراش، وكان يتولى تربي الولد الوسيم غير الشرعي وتعليمه الأستاذ بانجلوس Pangloss ( الكثير الكلام) الذي يستطيع أن يثبت إلى حد الإعجاب أنه ليس ثمة نتيجة دون علة أو سبب، وأنه في أحسن هذه العوالم الممكنة، فإن قصر البارون هو افخم القصور، وأن ميلادي أحسن بارونة يمكن وجودها (على الرغم من أنها تزن 350 رطلاً) وقال أنه يمكن إقامة الدليل على أنه لا يمكن أن تكون الأشياء على غير ما عليه لأن كا الأشياء خلقت لبعض الغيايات، فلابد أنها بالضرورة خلقت لأحسن الغايات. لاظ مثلاً أن الأنف شكلت للنظارة ولهذا نلبس النظارات، وواضح أن الأرجل صممت للجوارب ولهذا نلبس الجوارب

أن هؤلاء الذين يؤكدون أن كل شيء صحيح حق، يخطئون التعبير، وجدير بهم أن يقولوا أن كل شيء هو أفضل شيء".

أن كانديد "أنصت في أنتباه شديد وآمن ضمناً" لأن الآنسة كونيجوند ابنة البارون كان واضحاً أنها أحسن وأجمل مخلوقة يمكن وجودها. وتجذبه إلى حبها ويقع في شراك غرمها، ويوسعه البارون ضرباً ويطرده من القصر.

ويجوب كانديد الآفاق، ويأسره ضباط التجنيد، ويرغمونه على اللحاق بالجيش البلغاري (هنا يعود فولتير بذاكرته إلى اليش البروسي) "وهنا جعلوه ينعطف يميناً ويساراً وينزع بندقيته ثم يعيدها ويصوبها ويطلق

ص: 175

النار ويسير. وجلدوه ثلاثين ضربة بالعصا" أنه يشهد المعركة ثم يتخلى عنها، ويلتقي بالأستاذ بانجوس الذي كاد أن يفقد آخر جزء في انفه، وعما قريب سيفقد إحدى عينيه وإحدى اذنيه لافراطه من البغي الجميلة "باكت" التي اصابها داء عضال عن طريق العدوى من أحد الأخوة الفرنسيسكان العلماء كوردلييه، وكان قد انتقل إليه هذا المرض عن طريق العدوى من كونتيسة عجوز كانت قد أصيبت به من أحد قواد الفرسان الذي نقله عن مركيزة نسبته إلى أحد الغلمان كان ق أصيب به بالعدوى من أحد اليسوعين. وكان المرض قد انتقل إلى هذا الأخير من أحد رفاقكرستوفركولمبس (32).

وتحطمت سفينة كانديد وبانجلوس بالقرب من لشبونة، ووصلا إلى الشاطئ ساعة خدوث الزلزال، وكتب لهما البقاء على قيد الحياة، ولكن محكمة التفتيش تقبض عليهما بتهمة الهرطقة، ويعدم بانجلوس شنقاً. أما كانديد فيتمكن من الهرب بمعونة كونيجوند التي كان الجنود قد اختطفوها ثم بيعت لأحد اليهود، ثم بيعت مؤخراً لأحد رؤسات محكمة التفتيش. وتمكن كانديد وكونيجوند من الهرب بمساعدة سيدة عجوز أخرست شكاواهما بقولها أنها كانت على وش أن يلتهمها الأتراك الذين كانوا يتضورون جوعاً في حصار آزور. وكانت قد قعت أسيرة في أيديهم، ولكن برحمة من القدر نصف الأعمى بدأوا بقطع ردف كل امرأة يمكن العثور عليها. وانتهى الحصار قبل المضي فيا لتجربة. وتختتم السيدة العجوز كلامها بقولها "كفا الآن عن النوح والتوجع لبؤسكما وتعاستكما، وابتهجا لأنكما تستطيعان الجلوس على ردفيكما كلهما".

ويعبران المحيط الأطلني على أمل أن تكون الدنيا الجديدة أقل قساوة من القديمة. وفي بونس أيرس يستولي قائد الموقع على كونيجوند ويختص بها نفسه ويأمر بابعاد كانديد، فيدخل المستعمرة اليسوعية في باراجواي ويجد هناك شقيق كونيجوند الذي يهاجمه لمجرد تجاسره على التفكير بالزواج

ص: 176

منها، فيرديه كانديد قتيلاً، ويستأنف تجواله وحيداً بائساً، حتى يصل فجأة في وادٍ منعزل في بيرةو إلى "الدرادو" حيث يكثر الذهب إلى درجة لا يقدر فيها أحد قيمته. وهي أرض لا يوجد فيها مال ولا سجون ولا محامون ولا كهنة ولا أي صراع اقصادي. ويعمر أهلها السعداء لمائتي عام، وليس لهم ديانة إلا عبادة بسيطة لإله واحد. ويحمل كانديد بعض الذهب ويغادر المكان، ولا يزال قلبه يهفو إلى كونيجوند. ويبحر عائداً إلى أوربا ويصل إلى بور سموث ليجد من فوره أن أمير البحرين Byng قد أعدم رمياً بالرصاص لأنه خسر معركة. ويقول مارتن صديق كانديد الجديد أنهم يعتبرون من الحكمة في هذه البلاد أن يقتلوا أحد أمراء البحر بين الحين والحين ليستحثوا همم الآخرين ويشجعونهم (33). وعلم كانديد أن كوبيجوند في البندقية فيستقل السفينة إلأى إيطاليا ويكتئب ويحس بالضيق والحزن حين يسمع عما تعاني البغايا. ويستمع إلى غناء أصحاب الزوارق في فينيسيا ويخلص إلى أنه قد وجد بعض أناس سعداء. ولكن مارتن ينتهر بقوله "أنت لا تراهم في بيوتهمبين زوجاته اطفالهم. أن للأزواج ما يشغل بالهم ويحزنهم، لأصحاب الجندولات (الزوارق) ما يقلقهم كذلك. حقاً أن صاحب الزورق في الجملة أسعد حظاً من الدوج، ولكني أعتقد أن الفرق بينهما طفيف لا يستحق التفكير فيخه (34).

إن كونيجوند ليست في البندقية. إنها في الأستانة ويهرع إليها كانديد ليجد أنها باتت الآن أمة عوزاً شوهاء. ومع ذلك يحررها ويتزوجها. ويلحق بانجلوس الذي لم تقض عليه محكمة التفتيش تماماً بتلميذه، ويستأنف دفاعه عن التفاؤل، ويلتقون برجل سعيد تقريباً فيرحب بهم ويقدم لهم فاكهة وجوزاً من غرس البيت. ويسأله كانديد "لابد أن لك ضيعة كبيرة" فيجيب الرجل التركي ليس عندي إلا 20 فداناً أفلحها مع أولادي. وإن عملنا ليباعد بيننا وبين ثلاث مساوئ جسيمة: والسأم والرذيلة والحاجة (35). ويقرر كانديد أن يحذو حذو هذا الرجل التركي "ويعمد

ص: 177

هو وكويجوند وأصدقاؤهما إلى فلح قطعة من الأرض يزرعون فيها غذاءهم وتقوم المرأة ذات الردف الواحد وبغي صلح شأنها صديقها الأخ الراهب بمهام كثيرة. إنهم يجدون في العمل ويلقون في عملهم نصباً، ويأكلون، ويتولاهم بعض الضجر لكنهم إلى حد ما راضون قانعون. ويحاول بانجلوس أن يثبت أن هذا أفضل العوالم الممكنة، حيث أن معاناتهم أدت بهم إلى هذا الهدوء والسلام. فيجيب كانديد بأن هذا كلام جميل ولكن علينا أن نزرع جنتنا. وتنتهي القصة القصيرة.

وكان فولتير قد حاول تضمين صة المغامرة والحب شيئاً من الهجاء اللاذع لما إليه ليبنتز من تبرير العدالة الإلهية في وجود الشر، ولتفاؤل بوب، ومساوئ الدين، وحوادث العشق والغرام في الأدبار، والصراع الطبقي والفساد السياسي، والحيل الشرعية والرشاوى القضائية، ووحشية قلنون العقوبات، وجور الاسترقاق، وما تجره الرب من خراب ودمار. وكانت قصة كانديد قد ألفت حين كانت حرب السنين السبع دائرة سجالاً بين النصر والخراب والدمار والموت. وأطلق فلوبرت على تحفة فولتير خلاصة أعماله (36). ولم تخل كانديد من عيب معظم الهجاء وهو المبالغة السخيفة، ولكن فولتير كان يعلم تمام العلم أن قليلاً من الرجال يواجهون هذه السلسلة المريرة من الكوارث مثلما واجهها كانديد. ولابد أنه عرف كذلك أنه على الرغم من أنه حسن أن يزرع الإنسان حديقته وأن يتقن المرء عمله الفردي المباشر، فإنه من الخير كذلك ألا تقتصر أرباحه على ما يعود عليه من حقله. أنه أفلح حديقته في فرني على أحسن وج. ولكنه ملأ أوربا صراخاً واحتجاجاً على إعدام كالاس.

‌5 - ضمير أوربا

كان جان كالاس أحد أفراد جماعة صغيرة من الهيجونوت-البروتستانت الكلفنيين تركت في تولوز بعد قرن من الاضطهاد ومصادرة الأملاك والتحول الجبري إلى الكثلكة. ولم يستبعد القانون الفرنسي البروتستانت من الوظائف

ص: 178

العامة فحسب، بل أعلن كذلك أنه لا يسوغ لهم أن يشتغلوا محامين أو أطباء أو صيادلة أة قابلات أو باعة كتب أو صانعين أو بقالين. وإذا لم يكن قد سبق تعميدهم فليس لهم أية حقوق مدنية أياً كانت. وإذا لم يكن قد تم زواجهن على يد قسيس كاثوليكي كان زواجهم باظلاً، وكأنما يعيشون مع خليلات لا حليلات، وأعتبر ابناؤهم غير شرعيين (37) والخدمات والقداسات البروستانتية محظرة. وكان الرجال الذين يحضرونها يعاقبون بإرسالهم للتجديف مدى الحياة. أما النساء فكان عقابهن السجن مدى الحياة. وعقاب الكهنة الذين يقيمون مثل هذه القداسات الإعدام. ولم تكن هذه القوانين مطبقة تطبيقاً صارماً في باريس أو قريباً منها، وتفاوتت صرامة هذه التوانين تبعاً للبعد العاصمة.

وكانت الاحقاد الدينية حادة بصفة خاصة في جنوب فرنسا. وكان الصراع بين الكاثوليك والهيجونوت عنيفاً لا هوادة ولا رحمة فيه. وكانت الفضائع التي ارتبها الطرفان لا تزال حية في الأذهان. وكان الكاثوليك المنتصرون قد قتلوا في تولوز في 562 ثلاثة آلاف من الهيجونوت، كما حكم برلمان تولوز على مائتين آخرين بالتعذيب حتى الموت (38)، وأحيا كاثوليك تولوز في كل عام ذكرى هذه الذبحة في احتفالات شاكرة ومواكب دينية مهيبة. وطافت نقابات المهنيين ومختلف طبقات النبلاء ورجال الدين وجماعات "النادمين البيض والسود والرماديين" بشوارع المدينة في هيبة جلاء حاملين مخلفات رهيبة: جمجمة رئيس أساقفة تولوز الأول، قطعة من ثوب العذراء، وعظام أطفال قتلوا بمناسبة أسطورة هيرود "قتل الأبرياء". وكان من سوء حظ كالاس أن تكون السنة القادمة هي ذكرى مرور مائتي عام على أحدث 1562.

إن برلمان تولوز الذي كان قوياً مسيطراً في لنجدوك كما كان برلمان باريس في وسط فرنسا، كان يتحكم فيه الجانسنيون-أي أنه برلمان كاثوليكي مع نزعة قوية إلى صرامة الكلفنية وزمها وكآبتها. ولم يدخر وسعاً في إثبات أنه أشد تمسكاً بالكثلكة من اليسوعيين أنفسهم. وفي 2 مارس

ص: 179

1761 حكم بالإعدام على الراعي الهيجونوتي روشيت لإقامته قداساً بروتستانتياً، كما حكم بالإعدام على ثلاثة رجال من كومت دي فوا حاولوا تخليص روشيت ن أيدي الشرطة (39). وفي 22 مارس أمر بتعذيب وإعدام صاحب متجر بتهمة قتله إبناً له عرض أن يعتنق المذهب الكاثوليكي.

وإنصافاً للمتعصبين ينبغي القول بأن نظم العقيدة المسيحية عند الكلفنيين وضعت أساساً لاعتقادهم بأنه من المرخص للوالد أن يقتل الابن العاق. وفي الأوقات التي كان القانون لا يزال فيها ضعيفاً، والسرة فيها هي المصدر الرئيس أو الحيد تقريباً للنظام والانضباط، منحت معظم المجتمعات الآباء حق إعدام أبنائهم أو الابقاء عليهم. ولابد أن شيئاً ومن هذا القانون الأبوي كان يعتمل فذ ذهن كلفن حين كتب "إن الرب يأمر بقتل الأبناء العاقين لآبائهم (40). وأشار كلفن إلى سفر التثنية (الإصحاح 21: الآيات 17 - 21) وإلى إنجيل متي (الإصحاح 15: الآيات 4 - 6) إن هذه الآيات على أية حال تبيح للآباء أن يتهموا الابن المعاند أمام شيوخ مدينته، الذين يمكنهم حينئذ أن يحكمو بإعدامه (يرجمونه بالحجارة حتى يموت). ولكن الكاثوليك المهتاجين في جنوب فرنسا ارتابوا في قدرة الهيجونوت على اللجوء إلى شيوخ المدينة ومن ثم يأخذون تطبيق هذا القانون القديم على عاتقهم هم انفسهم.

ويجدر بنا أن ننظر من حلال هذه الخلفية الكئيبة القاتمة إلى قضية جان كالاس.

أنه كان تاجر ملابس كتانية. وكان له مخزن في الشارع الرئيسي في تولوز حيث أقام لمدة ألارعين عاماً. وكان له ولزوجته أربعة أبناء وبنتان واحتفظوا طيلة ثلاثين عاماً بمربية كاثوليكية لأولادهم، هي جين فنييز حتى بعد أن حولت أحد الأبناء وهو لويس إلى الكثلكة. وأقام لويس آنذاك في شارع آخر تلميذاً صناعياً يتقاضى من أبيه راتباً بانتظام. واشتغل الابن

ص: 180

الأصغر، دونات، تلميذاً صناعياً في نيم وعاش الابنان الآخران، بيير ومارك أنطوان مع والديهما. وكان مارك أنطوان، وهو أكبرهما سناً، قد درس القانون، ولكنه حين هيأ للاشتغال به وجد أن كل الأوباب موصدة إلا أمام الكاثوليك. وحاول أن يخفي مذهبه البروتستانتي، وأن يحصل على شهادة بأنه كاثوليكي ولكن كشف أمره. وما كان له إلا أن يختار بين أمرين أحلاهما مر: إما أن يتخلى عن ذهبه البروتستانتي أو يضيع دراسة القانون هباء. واستبد به التفكير وعراه الاكتئاب، وانغمس في لعب الميسر والشراب وكان يحب أن يعيد على مسامع الناس مناجاة هملت للانتحار (41).

وفي 13 أكتوبر 161 اجتمعت أسرة في دارها فوق المخزن، وكان جوبير لافاييس، وهو أحد أصدقاء مارك انطوان، قد حضر لتوه من بوردو وقبل دعوة الوالد لتناول العشاء. ونزل مارك انطوان إلى المتجر وتسائل بيير ولافايبس عن السبب في عدم عوته، فنزلا يستطلعان الأمر فوجداه متدلياً من قضيب كان قد وصعه بين عضادتي الباب، فأنزلاه وناديا على الوالد واستديا طبيباً وحاول الجميع إنقاذه ولكن الطبيب أكد وفاته.

وهنا أرتكب الواد أجسيم. لقد عرف إن هناك قانوناً نافذ المفعول يقضي بأن يجر المنتحر عارياً في الشوارع المدينة؟ وأن يرجمه الأهالي بالطين والحجارة ثم يشنق وتصادر أملاكه للدولة. وتوسل الوالد إلى أسرته وحاول إقناعها بالقول بأن الفاة طبيعية (42) في نفس الوقت كانت صيحات ببير واستدعاء الطبيب قد أدت إلى احتشاد جمع من الناس أمام باب الحانوت. وجاء الضابط واستمع إلى القصة التي رويت له، رأى الحبل وشاهد الأثر الذي تركه في عنق الرجل الميت. وأمر الأسرة ولافييس وجين فنيين بالشخوص إلى دار البلدية. وهناك احتجزوا في زنزانات مستقل. وفي اليوم التالي سئل كل منهم فأقروا جميعاً أن الوفاة غير طبيعية أكدوا أنه إنتحار، ولكن مدير الشرطة أبى أن يصدقهم، اتهمهم بقتل مار انطوان حتى

ص: 181

يحولوا بينه وبين الارتداء إلى الكثلكة. وأقر الاتهام الأهالي وكثير من أعضاء برلمان تولوز، وأعمت حمى الانتقام الناس.

قد يكون من الصعب الآن أن يصدق أحدنا أن يعهد والد إلى قتل ابنه ليحول دون تغيير مذهبه اليني، وقد يكون مرجع ذلك إلى أننا نفكر تفكيراً تغلب عليه النزعة الفردية. وبعد قرنين من الزمان تدهورت فيهما العقيدة الدينية. وفكر أهل تولز مجتمعين كجمهور، والجماهير قد تشعر ولكن لاتفكر، واشتدت صورة الغضب حمى الانتقام نتيجة احتفال أقامه "النادمون البيض" في كنيستهم، وعلقوا فوق نعيش خال هيكلاً عظيماً يحمل في إحدى يديه نقشاً يدل عل "تجنب الهرطقة" وفي الأخرى سعفاً يرمز إلى الاستشهاد، وتحت هذا الاسم "مارك" انطوان كالاس اقترضوا أن الشباب لم ينتحر فدفنوا الجثة باحتفال مهيب في كنيسة سان ستيفن. وعبثاً احتج بعض رجال الدين على أن هذا استباق للحكم في قضية القتل (43).

وجرت محاكمة آل كالاس أمام الاثني عشر قاضياً في محكمة تولوز البلدية. وصدرت مذكرة تحذير تتلى في ثلاثة أيام أحد متوالية في كل كنيسة تدعو للأدلاء بالشهادة كل من يعرف شيئاً عنظروف الوفاة. وتقدم للشهادة عدة أشخاص وشهد أحد الحلاقين بأنه سمع في تلك الليلة المشئومة صراحاً من بيت أسرة كالاس: آه يالهي أنهم شنقونني "وادعى آخرون أنهم سمعوا مثل هذه الصيحات. وفي 10 نوفمبر 1761 إدانت محكمة تولوز البلدية جان كالاس وزوجته وأبنه بيير، وأصدرت حكماً بإعدامهم شنقاً، وحكمت على لافاييس بالتجديف في المراكب الشرعية، كما حكمت على جين فنيير بالسجن لمدة خمسة أعوام. وكانت المربية الكاثوليكية قد اقسمت اليمين على براءة مخدوميها البروتسانت.

واستؤنف الحكم أمام برلمان تولوز الذي عين هيئة من ثلاثة عشر قاضياً استمعوا إلى ثلاثة وستين شاهداً آخرين. واستند كل الشهو إلى الشائعات واستمرت المحاكمة ثلاثة أشهر احتجزت فيها أسرة كالاس ولافايسس منفردين

ص: 182

وأدان الحكم النهائي الوالد فقط. ولم يستطع أحد أن يوضح كيف تسنى لرجل في الرابعة والستين أن يتغلب دون مساعدة على أبنه الناضج المكتمل النمو ويشنقه. وأملت المحكمة أن يعترف كالاس تحت ضغط التعذيب، ولكم من مرة نصحوه بالاعتراف، وكم من مرة أكد أن مارك أنطوان انتحر. وبعد راحة مدتها نصف ساعة خضع للتعذيب الشديد الاستثنائي حيت صبوا في حلقة نحو "جاولنين" من الماء ولكنه أصر على أنه بريء. ثم صبوا في حلقه عنوه جالونين آخرين حتى انتفخ جسمه إلى ضعف حجه الطبيعي، ولكنه ظل مصراً على براءته فسمح له بالتلص من الماء، فأخذه إلى ميدان عام أمام الكاتدرائية ووضع على صليب وبإحدى عشرة ضربة من قضيب حديدي هشم الجلاد أطرافه في موضعين وأعلن الرجل براءته، وهو يهيب بيسوع المسيحح لنجده، وبعد ساعتين من الآلام المبرحة شنق ثم شيدوا جثمانه إلى خازوق وأحرق (10 مارس 1762)(44).

واطلق سراح المسجونين الآخرين، ولكن الدولة صادرت ممتلكات كارس. وأسرعت الأرملة وبيير إلى مأوى في في مونتوبان وأرسلت البنتان إلى ديرين مختلفين. ولما رأى دونات أنه مهد بالخطر في نيم هرب إلى جنيف. وإذ سمع فولتير بالمأساة دعا دونات إلى ملاقاته في لي دليس في 22 مارس وكتب فولتير إلى داميلافيل "سألت ونات إذاً كان أبوه وأمه من ذوي الطبع الحاد، فأجاب أنهما لم يضربا أحد من أبنائهما قط، وأنه ليس ثمة آباء أشد منهما حناناً وتسامحاً (45). واستشار فولتير تارين من جنيف كانا قد أقاما مع كالاس في تولوز، فأكد صدق اقال دونات. وكتب إلى بعض الأصدقاء في لنجدوك فأجاب الكاثوليك والبروتستانت جميعهم بأن جريمة الأسرة كانت فوق أي شك معقول (46) وأتصل فولتير بالأرملة فبعثت إليه برد واضح فيه صدقها وإخلاصها كل الوضوح، إلى حد أنه حفزه إلى العمل والتصرف. فأهاب بالكردينال دي بريس، ودارجنتال ودوقة دي أنفيل ومركيزة دي يقولا والدوق دي فبللار والدوق دي ريشيليو ليتوسلوا

ص: 183

إلى وزيري الملك شوازيل وسانت فلورتين ليأمرا بإعداة النظر في المحاكمة. ةالحق دونات بأسرته وأحضر بيير كالاس إلى جنيف وأقنع مدام كالاس بالإقامة في باريس حتى يكون من الميسور سؤالها والرجوع إليها. واستخدم محامين ليشيروا عليه بما يجب إتخاذه من إجراءات فنية قانونية في القضية. ونشر كتيباً تحت عنوان "الوثائق الأصلية في وفاة السيد الاس (47)، واتبعه بنشرات أخرى. أهاب بسائر الكتاب أن يسخروا أقلامهم لإيقاظ ضمير أوربا وإثارة الشعور فيها. وكتب إلى داميلافيل "أحتج ودع الأخرين يحتجون على قضية أسرة كالاس، أرفعوا عقيرتكم بالاحتجاج على التعصب (48)" كما كتب إلى دالمبير "أرفع صوتك في كل مكان، استحلفك بالله من اجل آل كالاس ضد التعصب. إنهم فقدوا اعتبارهم نتيجة أتهامهم بهذا الجرم الشائن. وهذا هو سبب شقائهم وتعاستهم، وحث على التبرع بالأموال لسد نفقات هذه الحملة التي تحمل الجزء الأكبر منها حتى هذه اللحظة. وأنهالت عليه التبرعات من كل جانب، ومن ملكة إنجلترا إمبراطورة روسيا وملك بولندا. ووافق محام لامع ن باريس على إعداد القضية لرفعها إلى مجلس الدولة دون أن يتقاضى أجراً. وقصدت بنات كالاس إلى باريس للحاق بوالدتهن. وحصلت أحداهن على رسالة من راهبة كاثوليكية تستدر العطف على آل كالاس (50) وفي 7 مارس 1763 أستقبل وزراء الملك الأم وبناتها. واجتمع الرأي علىضرورة ظر القضية من جديد. وصدر الأمر بإحضار كل الوثائق والمستندات المتعلقة بالموضوع من تولوز.

ولكن قضاة تولوز لجأوا إلي مائة حيلة للأطباء في جميع الوقائع وإحالتها. وفي أثناء ذلك الصيف كتب فولتير ونشر بحثه الهام "رسالة عن التسامح" ورغبة منه في إدياد إقبال الناس عليها وأفتتانهم بها كتبها بأسلوب يتسم باعتدال يثير الدهشة والعجب. أنه أخفى أنه المؤلف، وتحدث حديث رجل مسيحي تقي متمسك بالدين مؤمن بالخلود، وامتدح أساقفة فرنسا على أنهم سادة مهذبون ويفكرون ويعملون بشكل نبيل يتناسب مع شرف محتدهم (51).

ص: 184

وزعم أو تظاهر بأنه يرتضي المبدأ الذي يقول بأنه "لا خلاص بغير الكنيسة"(52). ولم تكن الرسالة موجة إلى الفلاسفة بل إلى رجال الدين الكاثوليك أنفسهم، ومع ذلك لم تخلُ من الجرأة والتهور لأنه كثيراً ما نسي قراءه.

وبدأ فولتير رسالته بالحديث عن محاكمة كالاس وإعدامه وعرض تاريخ التسامح وبالغ في الكلام عنه في حالة اليونان ورومة. واستبق جيبون في محاولة إقامة الدليل على أن اضطهاد المسيحيين للهرطقة فاق بما لا يقاس اضطهاد الرومان للمسيحيين حيث كان الهراطقة "يشنقون أو يغرقون أو تحطم أجسامهم في عجلة التعذيب أو يحرقون بسبب حب الله (53) " ودافع عن الإصلاح الديني باعتباره ثورة لها ما يبررها ضد بيع البابوية لصكوك الغفران، وهي البابوية التي حط من قدرها حوادث غرام البابا الإسكندر السادس وحوادث القتل التي أرتكبها قيصر بورحيا ابن البابا. وأبدى دهشته وشدة استيائه عندما اطلع على محاولة حديثة لتبرير مذبحة سانت برثلميو

(1)

وسلم بأن البروتستنت كانوا كذلك غير متسامحين

(2)

وعلى الرغم من ذلك أوصى بإباحة العبادة البروتستنتية في فرنسا وعودة الهيجونوت المنفيين إليها.

: أنهم لا يطالبون إلا حماية القانون الطبيعي لهم، وإقرار صحة زواجهم، والأطمئنان على احوال أبنائهم وحقهم في الوراثة عن آبائهم، وتحرير

(1)

كان هذا في "اعتذار لويس الرابع عشر" 1762 بقلم القسيس كافيراك وقد لستنكر كثير من رجال الدين الكاثوليك هذا الكتاب (54)؟

(2)

وبما ان الوعاظ اللوثريون والكلفنيون قليلي الإتجاه إلى الشفقة والرحمة قساة القلوب غير متسامحين كذلك حين ينتقدون مخالفيهم بقسوة. إن القانون الوحشي الذي يخطر على أي كاثوليكي روماني الإقامة في بلاد معينة لأكثر من ثلاثة أيام لم يلغ بعد-رسالة عن التسامح المطلق في أعمال فولتير 21 أص 257 أنظر شجب فولتير لقانون اليجونوت المتعصب البعيد عن التسامح في مقالة "دواد" في القاموس الفلسفي.

ص: 185

أشخاصهم، ولا يطالبون بكنائس عامة ولا بأي حق في الوظائف البلدية ولا في المناصب الرفيعة (55).

وعلى الرغم من هذا التحديد البارع عرف فولتير التسامح بقوله:

"هلي إذن أن اقترح أن يكون كا إنسان حراً في اتباع ما يمليه عليه عقله هو، ويؤمن بما يوحى به إليه عقله المستنير أو المخدوع أيا كان؟ وحقاً شريطة ألا يعكر صفو النظام العام

وإذا كنت تصر على القول بأن عدم الإيمان باليانة السائدة ريمة فإنك بذلك تتهم المسيحيين الأولين أباءك الأقدين وتبرر عمل من تلومهم على أضطهادهم وتعذيبهم .... وغّا كان ينبغي أن يكون للحكومة الحق في معاقبة الناس عاى أخطائهم فمن الضروري أن تتخذ هذه الأخطاء شكل الجرائم. ولن تتذ الأخطاء شكل الجرائم إلا إذا ازعجت المجتمع وعكرت صفوه. وهي تقلق بال المجتمع إذا ولدت التعصب. ومن ثم يجدر بالناس أن يتفادوا التعصب ليكونوا جديرين بالتسامح" (56). أو المخدوعأو

وختم فولتير حديثه بالتوجه إلى الإله "أنك لم تخلق لنا القلوب ليكره بعضنا بعضاً، ولا الأبدي ليقتل الواحد من الآخر. فلنسلم بأن الواحد منا قد يعين الآخر على احتمال عبء الحياة المؤلمة الزائلة. نرجو الايستخدم الناس هذه الفروق الطفيفة في الملابس التي تستر أجسامنا الضعيفة، وفي الطرق التي نعبر بها عن أفكارنا وفي عاداتنا السخيفة وقوانيننا اقصرة

وباختصار هذه الاختلافات اليسيرة الموجودة بين الذرات المسماة بالناس

وتقول نرجو ألا يستخدمها الناس علامات على الكراهية والاضطهاد المتبادلين ونرجوا أن يتذكر الناس جميعاً أنهم أخوة (57).

ولسنا دري أي تعصب أسهم به هذا النداء في مرسوم التسامح الذي أصدره لويس الساس عشر في 1787. وهل وصل إلى أسماع وزراء لويس الخامس عشر وحرك مشاعرهم. وعلى أية حال وبعد معوقات جمة

ص: 186

امتحن الله بها قلوب آل كالاس أعلم مجلس الملك في 9 مارس 1765 أن اتهام جان كالاس باطل نطق ببراءته وحصل شوازيل من الملك على منحه قدرها ثلاثون ألفاً من الجنيهات تعويضاًللأرملة أبنائها عن فقد ممتلكاتهم. ولما وصلت أنباء هذا الحكم إلى فرني بى فولتير فرحاً.

وفي الوقت نفسه (19 مارس 1764) أمرت المحكمة البلدية Mazamet في جنوب وسط فرنسا بإعدام بييربول سيرفن Sirven زوجته بتهمة قتل أبنتهما للحيلولة بينها وبين التحول إلى الكاثوليكية. وقضى الحكم بأن تشهد البنتان الباقيتان على قيد الحياة إعدام الديهما (58) وكان ينبغي أن يتم هذا الإجراء بصورة رمزية لأن الأسرة كانت قد هربت إلى جنيف (1 إبريل) وكانت قد بلغت فولتير بقصتها.

وكان سيرف بروتستانتياً يقيم في كاستر Castre على بعد نحو أربعين ميلاً إلى الشرق من تولوز. وفي 6 مارس 1760 اختفت الأبنة الصغرى اليزابث وعبثاً حاول والداها البحث عنها. واستدعاهما أسقف كاستر وأبلغهما أنه كان قد أرسل الفتاة إلى أحد الأديار، بعد أن أفضت إليه برغبتها في أن تصبح كاثوليكية. وسمح القانون الفرنسي الذي سن في عهد لويس الرابع عشر للسلطات الكاثوليكية بانتزاع الولد فوق سن السابعة من بين أحضان والدية، ولو بالقوة عند الاقتضاء، إذا طلب التحول إلى المذهب الكاثوليكي. واستبدت الأوهام باليزابث في الدير وتحدثت إلى الملائكة ومزقت ملابسها عن جسمها وتوسلت أن تُضرب بالسياط. وباتت الراهبات في حيرة من أمر أليزابث، وكيف يتصرفن معها، فأبلغن الأسقف بخبرها، فأمر بإعادتها إلى والديها.

وفي يولية 1761 أنتلت الأسرة إلى سانت آبي St. Abby على بعد 50 ميلاً من كاستر. وهناك في إحدى ليالي ديسمبر غادرت اليزابث غرفتها-ولم تعد. وفي 3 يناير وجد جثمانها في بئر. ولم يكن أهالي سانت آبي ميالين إلى اتهام أسرة سيرفن بقتلها ومثل 45 شاهداً أمام المحكمة المحلية. فعبروا

ص: 187

جميعاً بلا استثناء عن رأيهم في أن الفتاة إنتحرت أو أنها سقطت في البثر بمحض الصدفة. فأرسل المدعي المحلي ترنكييه Trinquier مذكرة بالحادث إلى المدعي العام في تولوز فأصدر إليه تعليماته بمواصلة السير في القضية مع إفتراض أن سير فن مذنب: وبدا هذا غير جائز لأن سير فن كان متغيباً عن البلدة ليلة اختفاء اليزابث. كما كانت زوجته عجوزاً واهنة. وكانت إحدى البنات حبلى. وكاد يكون من غير المعقول أن تكون إحدى هاتيك السيدات قد دفعت بالبنت إلى البئر دون أن يسمع لها صراخ. ومع ذلك فإن ترنكييه أصدر في 20 يناير أمراً بالقبض على سيرفن.

وعلم سير فن أنه قبل ذلك بنحو شهرين كانت محكمة تولوز قد أصدرت حكماً بإعدام جان كالاس بتهمة مماثلة بناء على: أدلة مشتبه فيها غير قاطعة. وإذا استسلم للأعتقال والتحقيق والمحاكمة فإن قضيته ستعرض فب النهاية على برلمان تولوز، ولما لم يكن يثق في هذه المحاكم فأنه حمل زوجته وبناته في أواسط الشتاء عبر فرنسا وفوق جبال السفن Sevennes إلى نيف على أمل أن يهب المدافع عن كالاس لمعاونته.

وكان فولتير لا يزال منهمكاً في حملته من أجل كالاس فرأى من سداد الرأي ألا يشغل الذهن الفرنسي بقضيتين في وقت معاً. وأسهم في الأخذ بيد الأسرة التي كانت أملاكها قد صوردرت، ولكن عندما أقحمتها سلطات تولوز فقي الموضوع استجابة لطلب وثائق مستندات قضية كالاس، استأنف فولتير الهجوم بالبدء في شن حملة من أجل سير فن، وعاود الكرة في طلب المعونة والتبرعات التي جاءته من فردريك الثاني ملك بروسيا وكريستيان السابع ملك الدنمرك وكترين الثانية قيصرة روسيا وستاسلاس بونيا توسكي ملك بولندا. ورفضت محكمة مازامي طلب نسخة من أوراق التحقيق.

ويجدر بنا ألا نسهب في إيراد فاصيل الصراع في هذه القضية فقد ظلت منظورة حتى نقض برلمان تولوز آخر الأمر في 1771 حكم محكمة أول

ص: 188

درجة وقضى ببراءة أسرة سيرفن وأعاد إليها أملاكها. وقال فولتير:

"لقد استغرق صدور الحكم بإعدام هذا الرجل ساعتين واستغرق النطق ببراءته تسع سنوات (59).

وروع فولتير حين علم وسط هذا الجهد الكبير والشغل الشاغل أنه هو نفسه متورط في قضية برزت فجأة في آبفيل على شاطئ المانش. ذلك أنه في ليلة 8 - 9 أغسطس شوه صليب خشبي (تمثال يمثل المسيح مصلوباً) على جسر بونت نيف على نهر السوم كما لطخ صليب آخر في مقبرة سانت كاترين بالأوساخ والأقذار. وفزع رجال الدين والهالي حين ما اكتشفوا تدنيس المقدسات على هذا النحو وقصد أسقف أميان إلى آبفيل وقاد وهو حافي القدمين موكباً اشترك فيه كل السكان تقريباً يلتمسون المغفرة من الرب. وقرئ في كل الكنائس تحذير ينذر بتوقيع العقوبة الصارمة على كل من كان في مقدوره أن يلقي شيئاً من الضوء على هذا السر لم يتقدم للأدلاء بما يعلم. واتمع القاضي دوفال إلى 77 شاهداً وذكر بعضهم أنهم لاحظا ثلاثة شبان بموكب عيد الجسد دون أن يركعوا أو يخلعوا قبعاتهم. وزعم آخرون إن عصابة من شبان آبفيل، من بينهم ابن دوفال، درجوا على السخرية من المواكب والاحتفالات الدينية والتغني بأغان ماجنة (60). وفي 26 أغسطس صدرت مذكرات إلى جيار أتاللوند وشيفالييه جان فرنسوا ليفبردي لابار شاب في السابعة عشرة يعرفهالتاريخ باسم موازيل فقط. وهرب أتاللوند إلى بروسيا. وقبض على موازنل Moisnel ودي لابار. وحصل موازنل على عفو جزئي باعترافه بأنه هو والآخرون ارتكبوا هذه الأعمال المزعومة. واتهم دي لابار بأنه بصق على صور القديسين وبأنه أنشد ابتهالاً بذيئاً اسمه "لامادلين" وبأنه أعار القاموس الفلسفي "ورسالة إلى فراشه" لفولتير، وزعم أنه رأى أتاللوند يضرب الصليب فوق القنطرة ويلطخ الصليب بالأقذار في المقبرة.

ص: 189

وكان لابار حفيد قائد أخنى عليه الدهر واعترف بأنه مهرطق. وروى أحد الشهود أن لابار عندما سئل لماذا لم يخلع قبعته أمام موكب عيد القربان أجاب بأنه "اعتبر القربان قطعة من الشمع ول يستطع أن يفهم كيف يقدم أي إنسان على عبادة إله من العجين. وأقر لابار بأنه ربما قال شيئاً من هذا القبيل وأضاف إنه قد سمع شباناً آخرين يبدون شيئاً من مثل هذه المشاعر والآراء وإنه لا ضير عليه من مثلها. كذلك وفتشت مكتبته فوجد فيها قاموس فولتير وكتاب هلفشيوس "الذكاء" وكتب أخرى تهاجم الدين وفي أول الأمر نفى علمه بانتهاك أتاللوند للحرمات المقدس فلما علم باعتراف موازنل عاد فأكد صحته. وكانت الجريمة النهائية التي اتهم بها دي لابارهي التجديف على الله والقربان المقدس والعذراء المقدسة والدين والوصايا الإلهية وتعاليم الكنيسة والتغني بأغنيتين مملؤتين بالتجديف اللعين البغيض ووضع علامات التقديس والإجلال على بعض الكتب السيئة السمعة وانتهاك حرمة علامة الصليب وسر تقديس النبيذ والبركات التي تمنحها الكنيسة والتي يقرها المسيحيون (61).

وفي 28 فبراير 1866 أصدرت محكمة آبفيل حكمها. وهو يقضي بتعذيب لاباروتا للموند عند اعتقالهما حتى يبوحا بأسماء شركائهما. كما يقضي عليهما بالتفكير علناً أمام الكنيسة الرئيسية في المدينة ويقطع لسانيهما من الجذور ضرب عنقيهما ثم إحراق جثتيهما حتى رمادا. كما يجب إلقاء القاموس فولتير الفلسفي في نفس النار. واستؤنفت الحكم أمام برلمان باريس. وطالب بعض الأعضاء بتخفيفه. فرد العضو باسكييه بأن الأمر يحتاج إلى إنذار وعقوبة رادعة لاستئصال شأفه الكفر الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي والأخلاقي، وحاول التدليل على أن المجرم الحقيقي هو فولتير، ولكن حيث أنه لا سبيل أمام البرلمان للوصول إلى أس البلاء فيجب أن ينال تلميذه جزاءه بدلاً منه. وصوت عضوان على إبدال الحكم وتخفيفه وصوت خمسة عشر عضواً على تنفيذه برمته. وفي أول يولية 1766 نفذ

ص: 190

الحكم باستئناء قطع اللسان. ولقي لابار مصيره دون توريط أحد من أصدقائه. وفصل الجلاد الرأس عن الجسد بضربة مسددة تسديداً محكماً مما نال إعجاب الجمهور واستخدامه (62).

وصعق فونتير لصرامة العقوبة وأحس بأنها وحشية خليقة بمحكمة التفتيش الإسبانية في أسوأ أحوالها، وكتب أسقف أنسي Anncey إلى المحكمة الفرنسية يطلب تطبيق العقوبات الواردة في إلغاء مرسوم نانت على يد فولتير الذي كتب إلى دالمبير يقول إن هذا الأسقف الوغد لا يزال يقسم أنه سيراني أحرق غفي هذه الدار الدنيا أو في الدار الآخرة .... وتجنباً للاحتراق فاني أرقد في مقدار من الماء المقدس (63). وخشية إستدعائه للمثول أمام برلمان ديجون إنتهز الفرصة لتجربة المياه المعدنية في رول بسويسرا. ثم عاد إلى فرني ليستأنف جهوده من أجل سيرفن.

واقترح آنذاك على دالمبير وديدرو أن يبرحا هم وسائر الفلاسفة فرنسا تحت جنح الليل: ويقيموا في كليفر تحت حماي فردريك الأكبر. ولم يتحمسا كما لم يتحمس فردريك لهذه الخطة. وأقر الملك بأن عقوبة دي لابار كانت متطرفة في صرامتها أما هو فكان يرى من جانبه الحكم على الشاب بقراءة "خلاصة اللاهوت" لتوماس أكويناس، فهذا في نظره مصير أسوأ من الموت، ثم استطرد فردريك ليزود فولتيربشء من النصيحة:

"إن ما حدث في آبفيل مأساة ولكن ألم يخطئ أولئك الذين عوقبوا؟ هل لنا أن نهاج باشرة الحزازات والاحقاد التي غرسها الزمن في أذهان المم؟ وهل يجوز لنا إذا أردنا أن ننعم بحرية الفكر أن نتقر الديانة السائدة. أن الإنسان الذي لا يهدف إلى تعكير الصفو وأثاره القلق نادراً ما يضطه. وتذكر قول فونتنل "إذا كانت يدي مملؤة بالحقائق فينبغي عليّ أن أفكر لأكثر من مرة قبل أن أفتحها (64) ".

أما فيما يتعلق بمستعمرة الفلاسفة المقترحة في ليفز فإن فردريك عرض أن يبسط عليهم حمايته شريط أن يحافظوا على السلام ويحترموا عقيدة الشعب.

ص: 191

وأضاف "أن الرجل لا ينبغي له أن يتنور

وإذا كان الفلاسفة أن يشلوا حكوم فإن الناس بعد 150 عاماً سيصطنعون خرافات جديدة، فيصلون لأصنام صغيرة أة للأجداث التي دفنت رفات عظماء الرجال، أو يتضرعون إلى الشمس أو يعمدون إلى شيء من مثل هذا الهراء. إن الخرافة وطن ضعف في ذهن الإنسان وجزء لا يتجزأ منه ولا ينفصل عنه، إن هذا الضعف كان موجوداً وسيظل موجوداً دائماً (65).

وتابع فولتير حملته وأخرج "موجز عن الموت شيفاليه دي لابار. وأرسل إلى أصدقائه الملكيين يطلب إليهم التوسط لدى لويس الخامس عشر ليرد إلى الشاب الميت اعتباره بشكل أو بآخره. ولما أخفقت هذه المساعي أرسل إلى لويس السادس عشر (1775) رسالة عنوانها "صرخة الدم البرئ". ولم ينقض الحكم على لابار قط ولكن رضيت نفس فولتير حين رأى ترجو يعيد النظر في قانون العقوبات الذي أجاز إعدام شاب نتيجة أخطاء يبدو أنها تستحق عقوبة أقل من ضرب العنق. وتابع فولتير بنشاط يستحق التنويه به في مثل سنه، قيادة هذه الحملة الصليبية حتى آخر ياته ضد إفراط الكنيسة والدولة.

وفي 1764 ظفر بإطلاق سراح لود شومونت الذي كان قد حكم عليه بالجديف في السفن الشراعية لحضوره صلاة بروستانتية. ولما أطاحوا برأس كونت توملس دي لالي (1766 في باريس) القائد الفرنسي الذي هزم أمام الإنجليز في الهند بتهمة الخيانة والجبن فإن فولتير تلبية لنداء ابن لالي، كتب مجلداً من 300 صحيفة تح عنوان شذرات تاريخية عن الهند يبرئ فيه الكونت، واستحث مدام دي باري لتتوسط لدي لويس الخامس عشر وألغى الحكم 778 قبل وفاة فولتير بزمن قصير.

إن هذه الجود الشاقة أرهقت المناضل الذي بلغ الثمانين، ولكنها جعلت منه بطل فرنسا المتحررة. وأورد ديدور في كتابه (ابن أخي رامو) أن فولتير بلغ الذروة في كتابه محمد، ولكني كنت أفضل أن أدافع عن كالاس. (66)

ص: 192

وقال بوماريه وهو قسيس بروتستانتي في جنيف لفولتير-يبدو كأنك تهاجم المسيحية ولكنك تؤدي عمل الرحل المسيحي (67) وأسهم فردريك على-الرغم من كل حرصه وحذره في تقدير وإجلال الرجل الذي جعل من نفسه "ضمير أوربا"، حيث يقول كم هو جميل أن يسمع فيلسوف صوته لكل الناس من ميكنه. وأن يجبر الجنس البشري الذي يتكلم هذا الفيلسوف باسمه القضاة على إعادة النظر في الأحكام الائر وإذا لم يكن ثمة شيء آخر يتحدث بفضل فولتير، فإن هذا وحده كان ليحظى بمكان بين من أحسنوا إلى الجنس البشري وأدواله أجل الخدمات (68).

‌6 - اقضوا على الرجس

في غمرة هذا الصراع انقلبت مناهضة فولتير للمسيحية إلى بغض استمر عشر سنين من حياته (175 - 1769) وكان قد بدأ باحتقار شبابي للمعجزات والأسرار والأساطير التي واجهت الناس، ثم انتقل إلى تشكك ساخر في المبادئ المسيحية مثل التثليث وتجسي المسيح (اتحاد الألوهية والناسوتية فيه) وآلام المسيح وموته (تكفيراً عن خطايا البشر)، عما اعترف توماس أكويناس صراحة بأنه ليس في متناول العقل، أو أنه يشق على الفهم. ولكن الات التمرد والثورة هذه طبيعية في ذهن شيط يحس بالنمو في العروق وربما ر فولتير بهذه الحالات حتى أصبح رجلاً يتغاضى كما يتغاضى العالم تغاضياً عن المعتقدات العزيزة على جماهير الناس المفيدة بوصفها عاملاً مساعداً على النظام الاجتماعي والانضباط الخلقي. وفي النصف الأول من القرن الثامن عشر كان رجال الدين الفرنسيون متسامحين نسبياً، وأسهموا في تقديم الاستنارة ولكن اتساع نطاق الكفر والترحيب الذي قوبلت به دائرة المعارف أزعجا رجال الكنيسة وانتهزوا فرصة اداحل الملك من رعب بمحاولة داميين Damiens قتله (1757) ليخرجوا من الدولة بمرسوم (1759) ينص على أن مهاجمة الكنيسة جرينة عقوبتها الإعدام. ورأى الفلاسفة فذ هذا إعلاناً للحرب، وأحسوا بأنهم ليسو منذ الآن في حاجة إلى أن يدخروا أية مشاعر أو أية تقاليد في شن ما بدا لهم أنه حماقة

ص: 193

قاتلة. ورأوا خلف جمال الديانة وشعرها دعاية تسخر الفن وتصادره، وخلف مساندة المسيحية للفضيلة والآخلاق القويمة ألف مهرطق يحرقون وهم مشدودونإلى الخازوق، كما رأوا أهل مدينة ألبي Albi ( في جنوب فرنسا) يسحقون في حرب صليبية طاحنة، ورأو أسبانيا والبرتغال تجللهما الكآبة والقتال بسبب محاكم التفتيش، وفرنسا ممزقة منعزلة بما فيها من أساطير متنافسة، ورأوا متقبل الروح البشرية في لك مكان خاضعاً للتجديد أو البعث المتكرر للخرافة ولأساليب الكهنة والاضطهاد والتعذيب، وعليهم أن يكافحوا نكسة العصور الوسطى في أواخر سني ياتهم.

وثمة ثلاثة أحداث جعلت من عام 1762 نقطة تحول في هذا الصراع المتعذر كبح جماحه. فبدا إعدام كالاس في مارس وكأنه إعلان انتكاس فرنسا إلى العصور الوسطى ومحاكم التفتيش. إن السلطة المدنية هي التي تولت المحاكمة والتعذيب والقتل، ولكن وراء خلفية من التعصب شعبي عام ولدته التعاليم والطقوس والكراهية الدينية. وفي مايو زودكتاب روسو "إميل القرن الثامن عشر" بإعلان قسيس سافوي لعقيدة الإيمان، وهو ولو أن مؤلفه خصيم للفلاسفة جرد المسيحية من كل شيء تقريباً فيما عدا الإيمان بالله وبأخلاق المسيح. وبدا أن إحراق الكتاب في 11 يونية في باريس و19 يونية في جنيف وحد بي الكاثوليكية والكلفنية في مؤامرة ضد العقل البشري. وكان واضحاً أن استنكار برلمان باريس لليسوعيين في أغسطس نصر الفلاسفة، كما كان أيضاً نصراً للجانسنيين الذي سيروا على برلمانات باريس وتزلوز وروان، إن تصرفات البرلمانات في قضيتي كالاس ولا بار لتوضح أن الجانسنيين كانوا أعداء ألداء لحرية الفكر، قدر عداوة غيرهم في تاريخ فرنسا بأسره. وفي نفس الوقت نجد أن العداء بين البرلمانات والحاشية الملكية ونمو سلطان شوايل في الحكوم (1758 - 1770).؟ وهو من مشايعي فولتير-مهدا للفلاسفة الفرصة للمضي في النضال مع التعرض لخطر أقل مما هو مألوف من جانب رقباء الدولو والشرطة، ومن ثم أعدت الساحة لذروة الهجوم على المسيحية.

ص: 194

والآن يطلق فولتير النذير ويصيح بأعلى صوته غاضباً في "إقضوا على الرجس". وكان قد بدأ باستخدام هذه العبارة في 1759، واستخدامها منذ تلك اللظ مئة مرة في عدة صيغ مختلفة، كما استخدمها أحياناً بمثابة توقيع (69). لقد اكتسب فولتير ابن الثمانية والستين عاماً حيوية جديدة ونشاطاً جديداً حين شبه نفسه بكاتو سنكس القنصل حين ختم خطابه أمام مجلس السانتو الروماني بصيحته "حذار من قرطاجة" وكتب فولتير يقول "إني مصاب بالمغص، وأنا أعانب كثيراً، ولكن تخف آلامي حين أهاجم الخزي والعار"(70). وفي حماسة شابة وثقة بالغة المدى نصب نفسه ونفراً من المعاونين المترددين لشن الحملة على أقوى نظام في تاريخ البشرية.

وماذا كان يقصد بالرس؟ كان يريد القضاء على الخراف والتعصب والظلامية (النزعة إلى تعويق التقدم انتشار المعرفة) والاضطهاد؟ أو أنه أخذ على عاتقه هدم الكنيسة الكاثوليكية، أو كل مذاهب المسيحية، أو الدين أي دين؟ أغلب الظن ألا يكون هذا الأخير لأننا نراه مرة بعد أخرى وسط الحملة يعلن إيمانه بالتوحيد، وفي بعض الأحيان في لغة عامرة بتقوى فولتير. وفي القاموس الفلسفي عرف الديانة بطريق غير مباشرة بقوله "إن كل شيء تقريباً يتجاوز عبادة كائن أسمي وإخضاع القلب لأوامره الأبدية هو خرافة (71) وقد يبدو أن هذا يرفض كل أشكال السيحية فيما عدا مهب الموحدين إن فولتير نبذ تقريباً كل المبادئ المميزة في المسيحية التقليدية-الحطيئة الأولى، التثبيث التجسيد، تكفير المسيح عن خطايا البشر، والقربان، وسفه "التضحية" من الله لله على الصليب أمن الكاهن في القداس، ومن ثم نبذ معظم أشكال البروتستنتية أيضاً، وأعتبر الكلفنية عائقاً في سبيل التقدم ونشر المعرفة، مثل الكاثوليكية. وصعق كهنة جنيف حين قال بأن كلفن مراوغ فظيع ورأى أن في مقدوره أن يعيش راضياً قانعاً في ظل الكنيس الرسمية كما كان قد رآها في إنجلترا. وكتب إلى دالمبير: "آمل أن تقضي على الرجس، تلك هي النقطة الهامة. ويجدر أن نهبط بها

ص: 195

إلى ما هي عليه في إنجلترا. وستصل إلى هذه الغاية إذا أردت أو تلك هي أجل خدمة يمكن أن يديها للجنس البشري" (72) وقد نحلص من هذا إلى أنه قصد بالرجس الدين عامة، بل الدين الذي قصد به شر الخرافة والأساطير والتحكم في التعليم والسيطرة عليه، ومناهضة الانقاض على الرقابة، والأعتراض على الاضطهاد. وتلك هي المسيحية التي رآها فولتير في التاريخ وفي فرنسا.

وهكذا احرق كل الجسور من خلفه، ودعا كل أفراد صبته للحرب. "وكان المطلوب لدك الحصون خمسة أو ستة من الفلاسفة يفهم الواحد منهم الآخر

لقد غرس دالمبير وديدرو وآل بولينجاروك وهيوم وأمثالهم بذور الحقيقية" (73) ولكن بشكل مشتت تعوزه الخطة المتماسكة، وعليهم الآن أن يتحدوا، وسيكون هو على رأسهم، وتلك قضية يسلم هو بها، ويشير عليهم بخطة العمل فيقول: "أضرب أخف يدك

إني آمل أن يستطيع كل من الإخوة أن يسدد بعض السهام إلى هذا المسخ دون أن يعلم أيه يد صوبتها إليه (74) وإني لأرجو أن يتسلل الإخوان إلى الأكاديميات ومراكز النفوذ إلى الوزارة إذا أمكن، إنهم ليسوا في حاجة إلى تحويل الجماهير بل إلى تحويل الرجال ذوي السلطة الذين يمكنهم أن يأخذوا بزمام المبادرة. إن بطرس الأكبر غير روح روسيا ووجهها" وكذلك حاول فولتير إدخال فردريك في هذه الزمرة (5 يناير 1767) "مولاي إنك على حق تماماً أن المير القوي الشجاع يستطيع بالمال والجنود والقوانين أن يحكم الناس دون عون من الدين الذي ما أقيم إلا ليضللهم ويخدعهم. إن جلالتكم تؤدون إلى الجنس البشري أجل خدمة خالدة باقتلاع جذور الخرافة المخزية، ولا أقول من الرعاع غير الجديرين بالتنوير، الذين يتبعون أول ناعق، وهم أهل للخضوع لأي سلطان، ولكن أقول بين الناس المخلصين الأمناء، بين الذين يفكرون والذين يريدون أن يعملوا فكرهم ..

ص: 196

وعليك أن تختبر عقولهم .. ولست آسف على شيء حين تدهمني المنون إلا على أني لن أتمكن من معانتك في هذه المهمة النبيلة" (75).

وسخر فردريك من سذاجة هذا الشيخ الهرم، ولكن فولتير أصر وثابر، مما كان اه كما سنرى فيما بعد، بعض الأثر على وزراء فرنسا والبرتغال وأسبانيا.

ورحب باهون أقل شأناً وكتب نصائح رسولية إلى بورد في ليون، وسرفان في جرينوبل، وبيير روسو في بويون، وأودبير في مرسيليا، وريبوت في مونتوبان، ومركيز دار جنس في شارنت، وإلى الراهب أودرا في تولوز. وأطلق على هؤلاء جميعاً وغيرهم اسم "الإخوة"، وأرسل إليهم بالمادة والنداءات يستحثهم ويحفزهم حتى لا يغلب عليهم النعاس. "شنوا الحرب أيها الإخوة جميعاّ ببراعة على الرجس. إن كل ما يهمني هو نشر الإيمان والحقيقة والنهوض بالفلسفة، والقضاء على الخزي والعار. اشربوا معي نخب أفلاطون (ديدرو) وأمحوا الرجس. إني أعانقكم أيها الإخوة جميعاً .. إن صحتي تدعو إلى الإشفاق .. امحوا الرجس. إني احتضن أوتي في كنفوشيوس .. في لوكر يشس، في شيشرون، في سقراط، في ماركس أوربليوس، في جوليان، وفي شيوخنا الإجلاء جميعاً. إني أمنح بركتي للإخوة جميعاً. صلوا ارقبوا أيها الإخوة، اقضوا على الرجس"(76).

وباتت الكتب الآن أسلحة بات الأدب حرباً. ولم تقتصر الأمور على دخول ديدرو ودالمبير وهلفشيوس ورينال وموريلليه وكثير وغيرهم بأقلامهم في المعرهة. ولكن فولتير الذي كان يحتضر دائماً أصبح مستودعاً حقيقياً للقذائف ضد رجال الدين، وأخرج على مدى عشر سنين نحو ثلاثين كتيبا. ولم يكن يؤمن بفعالية المجلدات الضخمة فهو يقول: "أي أذي ينج عن كتاب (الموسوعة مثلاً) يكلف مائة كروان .. إن عشرين مجلداً من القطع الكبير لن يفجروا ثورة أبداً. إنها المجلدات الصغيرة السهلة الحمل القليلة

ص: 197

الثمن (من ذات الثلاثين سو) هي التي يخشى جانبها. ولو كان الإنجيل غالي الثمن (ثمنه 1200 سسترس عملة رومانية قديمة) لما قامت الديانة المسيحية (77).

ومن ثم لم يخرج مجرد تواريخ وروايات، بل نشرات وحكايات وعظات وتوجيهات وتعاليم دينية مفرغة في قالب أسئلة وأجوبة، وخطباً لاذعة ومحاورات ورسائل ونقداً موجزاً للكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة، مما يسهل تداوله وانتشاره ويصيب الرجس بجراح، وكان فردريك قد كتب إليه منذ زمن طويل:

"أني لأتصور أنه مكان ما في فرنسا نخبة منتقاة من ذوي العبقرية الرفيعة المتساوية، ممن يكتبون معاً وينشرون كتاباتهم تحت أسم فولتير

فإذا كان هذا الأفتراض صحيحاً فلسوف أصبح مؤمناً بالتثليث وابدأ في رؤية ضوء النهار في هذا السر الذي آمن به المسيحيون حتى الآن دون أن يفهموه (78).

ولكن فولتير لم يكن يكتب الآن تحت أسم فولتير، بل استخدم أكثر من مائة من مختلف الأسماء المستعارة، بل أحياناً، في مرح شيطاني، نسب هجماته العنيفة إلى رئيس أساقفة كنتربري، أو رئيس أساقفة باريس، أو إلى قسيس أو كاهن أو راهب، ورغبة في أبعاد كلاب السماء عن طريقهخص نفسه بإحدى قذائفه. وكان يعرف أصحاب مطابع باريس وأمستردام ولاهاي ولندن وبرلين، فاستخدمهم في حملته. وعن طريق داملافيل وغيره، وكان يزور باعة الكتب مجاناً بهذه النشرات، وكانوا يبيعونها بأثمان رخيصة. وهم بذلك يغامرون. وأشتد العود ونما الغرس.

ونشر آنذاك في 1762 "عظة الخمسين" التي كان قد ألفها قبل ذلك بعشر سنين على الأقل، وقرأها على فردريك الأكبر في بوتسدام، وكانت أول هجوم مبار على المسيحية. وبدأت بداية بريئة كل البراءة: "اجتمع كل يوم أحد في المدينة تجارية آهلة بالسكان، خمسون شخصاً متعلماً تقياً

ص: 198

متعقلاً (الكويكرز في لندن) فأدوا الصلاة ألقى أحدهم بحثاً "ثم تناولوا طعامهم، وأخذوا قدراً من للفقراء، وتناوب كل منهم الرياسة، وأم الصلوات" وألقى الموعظة وهذه أحدى الصلوات وإحدى العظات: "يا إلهنا، يا رب السموات ورب النجوم، احغظنا بمنأى عن الخرافة. وإذا أسأنا إليك بتضحيات لا تليق بك فامح اللهم هذه الأسرار المخزية، وإذا انتقضنا من قدرك بهذه الخرافات الحمقاء، فلتهلك الخرافات إلى الأبد

فليعش الناس ويموتوا في عبادة إله واحد، إله لم يكن ليولد أو ليفنى (79) ".

وحاولت العظ التدليل على أن الرب الذي ورد ذكره في التوراة رب فخور حقود غضوب قاس قاتل، لا يمكن لإنسان عاقل أن يعبده، وأن داود كان وغداً منغمساً في الشهوات سفاحاً. فكيف يتسنى لأحد أن يصدق بأن هذا الكتاب تنزيل من عند الله؟ وكيف تسنى أن يأتي من الأناجيل اللاهوت المسيحي الذي لا يصدق، والعمل الفذ السهل اليومي الذي يحول الرقاقة إلى جسد المسيح ودمه والبقايا التي لا تصى، وبيع الغفران والعداوات والبغضاء والحريق في الحروب الدينية؟

"لقد قيل لنا إن الناس بحاجة إلى الأسرار ومن الواجب خداعهم وتضليلهم. أيها الأخوة، هل يجرؤ أحد على العدوان على الإنسانية بهذا الشكل؟ ألم يخلص آباؤنا (المصلحون) الناس من إحالة الخبز والنبيذ إلى جسد المسيح ودمه، ومن الاعتراف المهموس به، ومن صكوك الغفران، ومن الرقي والتعاويذ ومن المعجزات الزائفة والتماثيل السخيفة؟ ألم يتعود الناس الآن الاستغناء عن هذه الخرافات؟ يجب أن تكون لدينا الشجاعة لنخطو بعض طوات أبعد من ذلك. فالناس ليسوا ضعاف العقول كما هو مظنون، أنهم يستطيعون في سهولة ويسر أن يقروا عبادة حكيمة بسيطة لإله واحد .... أننا لا نعمل على سلب رجال الدين ما فرلهم سخاء أتباعهم، بل أن كل ما نريده-حيث أن معظمهم يسخرون من الأباطيل التي يعلمونها-وهو أن ينضموا إلينا في التبشير بالحقيقة .... وأي خير عميم لا يحصى يمكن أن يتأتى بسبب هذا التغيير الميمون (80)!

ص: 199

أن هذا يرهقنا اليوم ل الإرهاق، ولكنه كان مادة ثورية في فرنسا القرن الثامن عشر. فلا عجب إذن أن يصدره فولتير على زعم أن لامتري كان فد دبجه من قبل، ولامتري في عداد الأموات الآمنين.

وفي سنة 1763 تحول المناضل إلى الدراما (المسرحيات)، قصة قصيرة تافهة تحت عنوان "أبيض وأسود"، وكتيب "أشئلة وأجوبة عن الرجل المين" يسر فيه "ديانته الطبيعية" ولكن عام 1764 كان عاماً بارزاً، فقد شغل فيه فولتير أصحاب المطابع "بأنجيل العقل" و"أخيار الديانة"(وهو طبيعة منقحة من كتاب جان مسلييه الملتهب)(العهد الجديد) ثم أحد أهم منشوراته وهو موجز القاموس الفلسفي (السهل الحمل) ولم يكن المجلد الضخم ذا الثمانمائة أربع وعشرين صفحة ذات نهرين الموجود الآن، أو الخمسة أو الثمانية مجلدات التي تملؤها "مجموعة أعماله" بل كان كتاباً صغيراً يسهل الامساك به أو إخفاؤه. إن إجاز مقالاته وبساطة أسلوبه ووضوحه، كل أولئك جعله في متناول مليون قارئ في كثير من البلاد.

وهذا إنتاج ضخم جدير بالتنويه لرجل واحد. وربما كان به ألف من الأخطاء، ولكن المادة التي معت فيه، والمعلومات التي تناولت كل فروع المعرفة تقريباً، جعلت الكتاب واحدة من العحزات في تاريخ الأدب. وأي جد ومثابرة وأي هذر وأي إصرار وعناد هذا الكتاب: أن فولتير منهمك في القيل والقال، أن لديه ما يقوله في كل شيء تقريباً، ولديه دائماً شيء لا يفقد أهميته وتشويقه أبداً تقريباً. وهنا ثير من العبث والتغاهة والسفاسف أو السطحية، وهناك بعض ملاحظات حمقاء (إن عقل أوربا أحرز تقدماً في المائة سنة الأخيرة أكثر مما أحرز العالم كله من قبل منذ أيام براهما وزرادشت)(81). ولكن لن يتسنى لأحد أن يلتزم جانب العقل والحكمة في ألف صحيفة، ولم يكن أي إنسان بارعاً متألقاً دائماً وهو يكتب هذا القدر الكبير من الصفحات. أنه أورد فيه دراسة أصول الألفاظ وتاريخها، لأن فولتير مثل كل قارئ محب للاستطلاع، وكانت تجذب

ص: 200

نظره المحن التي قاستها الألفاظ والكلمات في ترحالها عبر الزمان. وهنا في مقال "سوء استدام الكلمات" ثم في مقال "المعجزات" نجد قاعدة فولتير الشهيرة "حدد ألفاظك".

وقصد بالكتاب أساساً أن يكون مصنعاً لإخراج الحجج ضد المسيحية كما عرفها فولتير، وهنا نجد مرة أخرى الأشياء التي لا يمكن تصديقها في الكتاب المقدس وما فيه من سخافات وحماقات ومخازلاً في مقال "المتناقضات" وحده، بل في كل صحيغة تقريباً. من خول الكنيسة سلطة الحكم بأن أربعة فقط من الخمسين إنجيلاً التي دونت في القرن الذي تلا موت المسيح، هي وحدها-أي الأناجيل الأربعة-معتمدة موحى بها من عند الله؟ وأوى سهو فاضح أن أن نأن يتحدث الكتاب عن مولد المسيح من مريم العذراء ثم يتعقب نسبه إلى داود الوغد عن طريق يوسف المزعوم الخاكل. ولماذا نبذت المسيحية شريعة موسى على الرغم من تكرار توكيد المسيح عليها؟ وهل كان بولص الذي نبذ هذه الشريعة (من اجل قطعة من الجلد) سلطة أو مرجعاً أقوى من المسيح؟

ولم يرق القاموس الفلسفي للآباء الروحانيين في مدينة جنيف. وفي 24 سبتمبر 1763 أمر مجلس الخمسة والعشرين النائب العام بإحراق أية نسخة يجدها منه. وفي 1765 أصدر برلمان باريس أمراً شبيهاً بهذا، وقد رأينا مصير الكتاب في آبفيل (1766) وأكد فولتير لسلطات جنيف أن القاموس من عمل مجموعة من الكتاب مجهولة تماماً لديه. وفي الوقت نفسه أعد مقالات إضافية لتلحق بالطبعات الأربع الأخرى التي طبعت سراً قبل نهاية 1765 كما أدخل مادة جديدة إلى الطبعات الخمس الإضافية التي ظهرت قبل وفاته 1778. ورتب المور مع باعة كتب جنيف المتسترين ليمدهم مجاناً بأكبر عدد ممكن من النسخ يمكن توزيعه، ومع الباعة على أن يتركوا نسخاً من هذا القاموس في الدور الخاصة (82).

وتابع فولتير الرب بلا هوادة في 1765 - 1767. وفي 1764 كان

ص: 201

قد ترك نهائياً داره في لي دليس في مدينة جنيف التي باتت غير ملائمة لهرطقاته وضاقت بها ذرعاً، وكان لمدة نحو ثلاث سنوات لم يكد يبرح مكانه في فرني، وكان في كل شهر تقريباً يرسل إلى إحدى المطابع نشرة جديدة ضد "العار" وزعم كتيب Ouestions de Zopata ( مارس 1767) أنه مجموعة أسئلة طرحها أمام لجنة من اللاهوت في جامعة سالا منكا 1629. وأعلن زاباتا عن شكوكه في "نجم بيت لحم" وفي الإحصاء المزعوم "لكل الأرض" الذي أجراه أغسطس، وفي قتل الأبرياء "وإغراء الشيطان ليسوع فوق جبل يستطيع الإنسان منه أن يرى كل ممالك الأرض. وأين كان يقع هذا التل العجيب؟ ولم لم يف المسيح بوعده في الحضور على متن سحابة في قوة ومجد عيم، ليؤسس "مملكة الله" قبل أن ينقرض هذا الجيل؟ (83) ما الذي عوقه؟ هل كان الضباب كثيفاً إلى حد بير؟ (84) ماذا أفعل مع أولئك الذين يتجرأون على الشك؟ .. هل أجأ من أجل تنيرهم وتهذيبهم، تعذيبهم العذاب العادي وغير العادي؟ أو ألا يكون من الأفضل أن اتجنب هذه المتاهات، وأخص على الفضيلة بساطة فقط؟ (85) والخاتمة.

"حيث أن زاباتا لم يتلق جواباً، فإنه لجأ إلى التبشير بالله بكل بساطة وأعلن إلى الناس أنه "أي الرب" هو والد الجميع، وأنه هو الذي يثيب ويعاقب وهو الغفور. واستخلص الحقيقة من الأكاذيب، وفصل الديانة عن التعصب. وعلم الفضيلة ومارسها، وكان وديعاً عطوفاً متواضعاً وأحرق في بلد الوليد (في أسبانيا) في عام البركة 1631 (86) ".

وفي مايو 1767 عاد فولتير إلى الهجوم في نشاط أكبر في كتاب من مائة وخمسين صفحة "اختبار هام للورد بولنجيروك". وهنا وضع حججه على لسان الرجل الإنجليزي المتوفى. ولكنه كان من المحتمل أن يرتضي بولنجيروك هذا العبء الثقيل. وفي نفس العام نشر فولتير "الساذج"، وهي قصة لطيفة تقع في مائة صفحة عن أمريكي فاضل بشكل لا يصدق

ص: 202

احضروه إلى فرنسا من أمريكا، حيرته العادات الأوربية والاهوت المسيحي. وفي 1769 خرج كتيب "صيحة الأمم" وهو نداء إلى أوربا الكاثوليكية لتخلع نيران سلطان الباباوات المزعوم على الملوك والدول. وتابع الحملة نفس العام بكتاب جاد مدروس ولكنه مثير هو "تاريخ البرلمان" متهماً هذه الهيئة بأنها مؤامرة من جانب الجانسيين الرجعيين. وفي 1770 - 1772 أصدر تسعة مجلدات تحت عنوان أسئلة عن المووعة" وهي خليط من مقالات تشكل موسوعة رجل واحد. وهو أشد عداء للكاثوليكية وأقسى في هجومه عليها من موجز القاموس الذي أسلفنا ذكره.

إن فولتير أخفى منشوراته عادة تحت أسماء أو عنوانات خداعة مضللة: "محاضرات" في تفسير العهد القديم، رسالة إلى الرومان، عظات الأب الجليل جاك روست، محاضرات وعظات الكاهن بورن، نصائح لأرباب الأسر. وساورت جمهور فرنسا المتعلم الظنون بأن فولتير هو الملف، لأنه لم يكن يستطيع أن خفي أسلوبه، ولكن لم يثبت أحد ذلك، وباتت هذه اللعبة المثيرة ديث باريس وجنيف، وتردد صداها في لندن وأمستردام وبرلين، بل وفي فيينا، ولم يحدث في التاريخ أن لعب كاتب لعبة النمضية (أو الاخفاء) مع اعداء أقوياء مثل هؤلاء، وبمثل هذا النجاح. وحاول مائة من الخصوم أن يردوا عليه ولكنه قارعهم الحجة بالحجة جميعاً، وحارب في قسوة، وأحياناً في خشونة وغلظة، كما كا أحياناً مجحفاً غير منصف، وتلك هي الحرب. وكان مستمتعاً فرحاً بها، وحمى وطيس المعركة فنسي أن يموت.

والحق أن تفاؤلاً غريباً غلب على فولتير، الذي بدأ بعد "زلزال لسبونة" و"كانديد" وكأنه ينصح بالاستسلام لشرور الحياة التي لا سبيل لقهرها أو التغلب عليها، وراوده حلم فلسفة منتصرة على كنيسة متغلغلة في حاجيات الناس. وإذا كان اثنا عشر من صيادي السمك الأميين قد أقاموا السيحية، قلم يستطيع اثنا عشر فيلسوفاً أن يقضوا على تعاليمها وعلى محاكم

ص: 203

التفتيش فيها. وكتب إلى أحد الأخوة "عش سعيداً واقض على الرجس" وأكد أنهم سيقضون عليه (87). ألم يكن إلى جانب ملك وإمبراطورة وعشيقة ملكية. وكثير من الشخصيات اللامعة؟ أنه تملق الحاشية وتودد إليها علناً أو سراً بمهاجمة برلمان باريس، ونعم بعطب مدام دي بمبادور ومدام دي باري فيما بعد، بل إنه كان يأمل في إغضاء لويس الخامس عشر عنه. وكتب إلى دالمبير في 177 "فلنيارك هذه الثورة السعيدة التي نشأت في عقول كل المخلصين والأمناء من الرجال في الخمسة عشر أو العشرين عاماً الأخيرة، فإنها فاقت كل ما كنت أؤمل فيه) (88) ألم يتنبأ بها؟ ألم يكتب إلى هلفشيوس في 1760 (إن هذا القرن بدأ يشهد انتصار العقل)(89).

‌7 - الدين والعقل

إن فولتير لم يكن من السذاجة بحيث يتصور أن الدين اخترعه القساوسة والكهان، بل على النقيض من ذلك كتب في القاموس الفسفي: (إن فكرة الإله مستمدة من الشعور، وذاك المنطق الطبيعي الذي يتكشف بتقدم العمر، حتى في أغلظ البشر قلباً. وشوهدت أكثر آثار الطبيعة ادهاشاً-وفرة المحصول والجدب والأمحال والجو المعتدل والعواصف، المزايا والبلايا-كما كان الإحساس بيد سيد خارق للطبيعة

إن الملوك القدامى استخدموا في زمانهم هذه الأفكار ليدعموا سلطانهم (90). وأفردت كل جماعة إحدى القوى الخارقة لتكون إلهاً حارساً لها، وأضفت عليه حالة من التقديس وعبدته وقدمت له القوانين، على أمل أن يتولى حمايتها من سطو الجماعات الأخرى وآلهتها، وأوجدت هذه المعتقدات الكهنة، ولكن التفاسير والتأويلات والطقوس كانت من عمل الكهنة. وبمرور الزمن لعب الكهنة على الخوف الناس واستغلوه ليبسطو سلطانهم وقوتهم. واقترفوا كل ضروب الخداع واللؤم، حتى إلى حد إعدام (الهرطقين) وقتل جماعات بأسرها، والقضاء على الأمم تقريباً. وانتهى فولتير إلى القول: "لقد

ص: 204

كرهت الكهنة، وأنا الآن أبغضهم، وسأظل أبغضهم إلى يوم الحساب (91) ".

أن فولتير وجد كثيراً مما يمكن قبوله في الديانات غير المسيحية، وبخاصة في الكونفوشيه (وهي ليست ديانة)، ولكن لم يسره إلا النزر اليسير في اللاهوت السيحي. "أن لدي مائتي مجلد في هذا الموضوع، الأدهى من ذلك أني قرأتها وكأني أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية (92) ". ولم يضيف إلا القليل لما سبق أن ظهر من نقد للكتاب المقدس. وإنما كانت مهمته أن ينشر هذا النقد على نطاق واسع. ولا يزال أثر هذا علينا واضحاً. وفي جرأة وإندفاع أكثر ممن جاءوا بعده، أكد مراراً سخف طوفان نوح وعبور البحر الأحمر، وذبح الأبرياء وغير ذلك. ولم يكل ولم يمل قط من شجب قصة "الخطيئة الأولى" ونظرتها. وأقتبس في سخط وغضب قول سانت أوغسطين "أن المذهب الكاثوليكي يعلمنا أن كل الناس يولدون مذنبين إلى حد أن الأطفال أنفسهم ملعونون يالتأكيد إذا ماتوا دون أن ينفخ فيهم المسيح روحاً جديدة أفضل (93) ". (يقال إن مثل هؤلاء الأطفال يذهبون إلى مكان جميل بجوار الجحيم اسمه الأعراف)!!

أما بالنسبة للسيد المسيح فإن فولتير كان مذبذباً. وأنتقل من الورع الطبيعي في الطفولة إلى عدم التوقير الذي يغلب في الشباب، إلى حد قبول قصة ماري مع الجندي الروماني، وفكر في وقت ما أن يسوع متعصب مخدوع "أحمق". ولما نضج وتعلم كيف يبدي إعجابه بتعاليم يسوع الأخلاقية وقال:"سيكون خلاصنا بفضل ممارسة هذه المبادئ الأخلاقية، لا نتيجة إيماننا بأن المسيح هو الله". وسخر كثيراً من "التثليث" في كتابه الملحد والحكيم. ويسأل الملحد "هل تؤمن بأن للمسيح طبيعة واحدة وشخصاً واحدة وإرادة واحدة، أو أن له طبيعتين وشخصيتين إرادتين، أم أن له إرادة واحدة وطبيعة واحدة وشخصيتين، أو إرادتين وشخصيتين وطبيعة واحدة؟ " ولكن الحكيم يأمره أن ينسى هذه الألغاز ويكون مسيحياً طيباً (95). ويشير فولتير إلى أن المسيح، بخلاف القديس بولص والمسيحيين اللاحقين، ظل مخلصاً

ص: 205

لليهودية على الرغم من نقده للفرنسيين: "أن هذا الإله الخالد، بعد أن جعل نفسه يهودياً، يتمسك بالديانة اليهودية طيلة حياته ويؤدي شعائرها ويتردد على المعبد ليهودي ولا ينطق بشيء يخالف الشريعة اليهودية. وكل التلاميذ يهود يؤدون الشعائر اليهودية. يقينا إنه ليس هو الذي أسس الديانة المسيحية

أن يسوع المسيح لم يبشر بأية خصيصة واحدة من خصائص المسيحية (96) ".

أن يسوع في رأي فولتير، قبل معتقد كثير من اليهود الأتقياء قبله، بأن العالم كما عرفوا يسير إلى نهايته، وسرعان ما تحل محله "مملكة الرب" أي الحكم المباشر لله على الأرض. (والنقد الحديث يقبل وجهه النظر هذه).

وتجاوب فولتير في سنواته الأخيرة، أكثر فأكثر، مع قصة المسيح وبدأ يسمسه "أخي""مولاي (97) " وصور نفسه وكأنما أنتقل في حلم إلى صحراء مغطا بأكوام من العظام، فهنا أشلاء 300 ألف من اليهود المذبوحين، وهناك أربعة تلال من المسيحين شنقوا بسبب الخلافات الميتافيزيقية، وأكوام من ذهب وفضة تعلوها صولجانات وتيجان الأساقفة والملوك المنحلين، ثم حمله ملاكه المرشد إلى واد أخضر حيث أقام الحكماء العظام، وهناك رأي نوما ويمبليوس وفيثاغورس وزردشت وطاليس وسقراط

وأخيراً "تقدمت مع دليلي إلى أيكة أعلى من تلك التي أخلد فيها الحكماء القدامى إلى راحة بهيجة، ورأيت رجلاً يتسم بالبسطة وحسن المنظر، بدا لي أنه في الخامسة والثلاثين من العمر، كانت قدماه ويداه منتفختين داميتين، وكان مطعوناً في جنبه وكان لحمه ممزقاً بضربات من سقوط. ولم يكن ثمة للمقارنة بين آلام هذا الحكيم وآلام سقراط".

وسأله فولتير عن سبب موته، فأجابه يسوع "اللكهنة والقضاة". هل قصد أن يؤسس ديناً جديداً؟ كلا. هل كان مسؤلاً عن هذ الأداس من العظام وهذه المقادير الضخمة من الذهب الملكي أو الكهنوتي؟ كلا. لقد عشت وصحبي في أشد الفقر "إذن مم تتألف الديانة الحقة؟ " ألم أقل

ص: 206

لكم من قبل؟ أحب الله وأحب جيرانك كما تحب نفسك "فقال فولتير" إذا كان الأمر كذلك فأنت مولاي الوحيد، ورسم لي علامة نزلت على قلبي برداً وسلاماً. وأختفى الطيف وتركني وقد إرتاح ضميري وشاع في نفسي السلام والطمأنينية (98).

ولك نتلك كانت حالة نفسية لاحقة. فإن فولتير في سني حربه ضد المسيحية رأى في تاريخها شقاء بالغاً للجنس البشري. أن صوفية بوص وخرافات الأناجيل المعترف بها أو المشكوك في صحتها وأساطير الشهداء والمعجزات وبراعة الكهنة في التخطيط والتدبير، وتضافرت كلها مع السذاجة المتعلقة بأهداب الأمل عن الفقراء لخلق الكنيسة المسيحية، ثم أن آباء الكنيسة صاغوا العقيدة بفصاحة تكفل إرضاء عقول الطبقة الوسطى. وخبا شيئاً فشيئاً نور الثقافة الكلاسيكية بأنتشار الخيلة الصبيانية والاحتيالات والخدع الورعة، حتى يم الظلام لعدة قرون على عقل أوربا. وزحف المتأملون من الناس والخاملون منهم، كما زحف المتقاعدون عن مواجهة تحديات الحياة ومسؤلياتها، إلى الديار، وأصاب بعضهم بعضاً بعدوى أحلام المنساء والشياطين والآلهة. واجتمعت مجالس العلماء والمتفقهين لتنظر أي الحماقات والسخافات تصلح لتكون جزاء من العقيدة المعصومة. وباتت الكنيسة، بعد أن أسست قوتها وسلطانها على فكرة إشباع رغبة الناس في الأساطير والخرافات التي تبعث على السلوى والعزاء، نقول باتت الكنيسة بعد ذلك أقوى من الدولة التي تؤسس سلكانها على القوات النظامية. وأصبحت قوة السيف تعتمد على قوة الكلمة وثل الباباوات عروش الملوك، وأحلوا الأمم من واجب الولاء للملوك.

ومن رأى فولتير أن الإصلاح البروتتانتي كان مجرد خطوة متعثرة نحو العقل وامتدح الثورة ضد الرهبان الذين يعيشون على الصدقات في الأديار، وضد بائعي صكوك الغفران، وضد رجال الدين الساعين إلى جمع الثروة، الذين "استنزفوا في بعض الحالات دخل إقليم بأسره" وفي شمال أوربا

ص: 207

اختار الناس ديناً أرخص وأقل تكلفة (99)". ولكن أثاره توكيد اللوثريين والكلفنيين على القضاء والقدر (100). تخيل حاكماً أو ملكاً يحكم على ثلثي رعاياه بالخلود في النار! أو تأمل في مختلف التأويلات المسيحية للقربان المقدس، فالكاثوليك يصرحون بأنهم يأكلون الرب لا الخبز، وللوثريون يلتهمون الرب والحبز كليهما، والكفنيون يأكلون الخبز، لا الرب. وإذا روى لنا أحد شيئاً من مثل هذا الأسفاف والجنون بين الهوتنتوت والكفار لقلنا إنه يخدعنا ويلعب على عقولنا (101) ". لقد ولى تقدم العقل لمثل هذه الخلافات ظهره، وتركها بعيداً إلى الوراء "وإذا قدر للوتروكلفن أن يعود إلى الحياة الدنيا فلن يثيرا ضجة أكثر مما فعل أتباع جون دنز سكوتس وتومات أكوبناس (102) ".

وإذا أستمر البروتستانت على التبشير بمثل هذا اللاهوت فلسوف تتخلى عنهم الطبقات المتعلمة، على حين تؤثر الجماهير مذهب رومه المعطر النابض بالحياة. وبالفعل كان فولتير يظن "أن الكلفنية واللوثرية معرضان للخطر في ألمانيا، فإن تلك البلاد مملؤة بالأسقفيات العظيمة والأديان المسيطرة والشرائع والمذاهب الكثيرة، وكلها ملائمة لعمل أية ردة"(103).

إذن هل يجدر بالناس المتعلقين أن يتخلوا عن الدين تماماً؟ كلاً، فإن دينا يدعو إلى الله وإلى لفضيلة دون أية تعاليم أو مبادئ أخرى، لابد أن يكون ذا نفع حقيقي للجنس البشري

وفي سنيه الأولى كان فولتير يظن "أن أولئكالذين يحتاجون إلى مساعدة الدين ليكونوا طيبين صالحين، هم أحق بالرثاء والأشفاق" وأن أي مجتمع يمكن أن يعيش بالأخلاق الطبيعية غير معتمدة على المعتقدات الخارقة (104) ". ولكن لما اتسعت خبرته بالأهواء البشرية بدأ يسلم بأنه ليس ثمة قانون أخلاقي يمكن أن يقاوم بنجاح القوة البدائية في الغرائز الفردية، إلا إذا دعمه أيما شعبي عام بأن هذا القانون الخلاقي صادر عن إله بصير، إله يثبت ويعاقب، وهو الذي يتولى السهر عليه. وبعد أن اتفق مع لوك عن أنه ليست هناك أفكار فطرية، عاد فانحاز

ص: 208

إلى رأي ليبنتز في أن الحس الخلقي فطري، وعرفه بأنه شعور بالعدل أودعه الله فينا "أن القوانين تراقب الجرائم المعروفة ولكن الين يراقب الجرائم الخلقية (105) ". وفي كتاب "الملحد والحكيم" يقول الحكيم:

سأفرض (لا قدر الله) أن كل الإنجليز ملحدون، وأذهب إلى أن هناك بعض مواطنين مسالمين، هادئين بطبيعتهم أثرياء إلى حد يمكن أن يكونوا معه أمناء يالتزمون الشرف. ويراعون قواعد السلوك إلى حد أنهم يسعون جهدهم ليعيشوا معاً في المجتمع

ولكن الملحد الفقير المعوز سيكون غبياً إذا هو لم يقتل أو يسرق ليحصل على المال. فهل تنقصم إذن كل عرى المجنمع وروابطه وتطغى كل الجرائم الخفية على العالم وتنتشر مثل الجراد فوق الأرض، ولو أنها في اول الأمر تكون ضئيلة لا تدرك

من ذا الذي يكبح جماح الملوك العظام؟ أن الملك الملحد أشد خطراً من الكاهن المتعصب

وتفاقم الإلحاد في إيطاليا في القرن الخامس عشر. فماذا كانت النتيج؟ وكان من الأمور الشائعة أن تسمم إنساناً وكأنك تدعوه إلى العشاء. إذن يكون الإيمان بآله يثيب على صالح الأعمال ويعاقب على الشرور، ويغتفر مادون ذلك من الأخطاء اليسيرة، من أنفع الأشياء للإنسان (106) ".

واتجه فولتير آخر المر إلى أن يرى بعض المعنى في نظرية الجحيم:

"إلى أولئك الفلاسفة الذين ينكرون الجحيم في كتاباتهم أسوق الحديث: أيها السادة، أن لانقضي أيامنا مع شيشرون أتيكوس وماركوس أوريليوس أبيقور

ولامع الفاضل المبالغ في التدقيق والشك، سبينوزا الذي رد-رغم كدحه تحت وطأة الفقر والعوز-إلى أطفال المتقاعد الكبير دي ويت، راتباً قدره 300 فلورين، كان قد منحه أياه رجل الدولة العظيم، الذي قد يذكر أن الهولنيين قد حطموا قلبه. وصفوة القول، أيها السادة، أن الناس ليسوا جميعاً فلاسفة. أننا مضطرون إلى عقد الأتصالات والقيام بمختلف الأعمال، والاختلاط في غمار الحياة بالأوغاد الذين لا يفكرون إلا قليلاً، أو أنهم لا يفكرون أبداً، وبعدد لا يحصى من

ص: 209

الناس الذين لاهم لهم إلا الوحشية والسكر والسلب والنهب، ويمكنكم إذا أردتم أن تعظوهم بأن نفس الإنسان فانية. أما أن فسوف أصرخ في آذانهم بأنهم إذا سلبوني فسيكونون مذنبين لا محالة" (107).

ونختتم بأن في مقدور الشيطان أن يقتبس من فولتير ما يحقق أغراضه أي ما يؤيد الشيطان نفسه. وبعد المناداة بديانة متحررة من الخرافات (108)، وأنهى المتشكك الكبير أسوأ الخرافات، إنه قد طالب بديانة تقتصر على غرس الفضائل والأخلاق القويمة (109). أما الآن فهو يسلم بأن الناس العاديين لا يمكن أن يكونوا بمنأى عن ارتكاب الجرائم إلا عن طريق دين فيه جنة ونار أو نعيم وجحيم، وللكنيسة أن تقول إنه تاب وأناب.

وفي سن الثانية والسبعين أعاد فولتير صياغة معتقده تحت العنوان المهذب "الفيلسوف الاهل"(176) إنه في البداية يعترف بأنه لا يعرف ما هي المادة وما هو الذهن، ولا يعرف كيف يفكر ولا يعرف كيف يحرك فكره ذراعه (110)، إنه يسأل نفسه سؤالاً من الواضح أنه يدر بخلده من قبل: أمن الضرورة لي أن أعرف؟ ولكنه يضيف "أنا لا أستطيع أن أجرد نفسي من الرغبة في التعليم والمعرفة. أن حب الاستطلاع الذي يبعث على الحيرة والارتباك عندي، لا يشبع ولا يقف عند حد مطلفاً"(111) وهو الآن مقتنع بأن الإرادة غير حرة: "أن الجهول الذي يرى هذا لم يفكر دائماً هكذا، ولكنه في النهاية مضطر إلى الاستسلام"(112). هل يوجد هناك إله؟ نعم، وهو العقل وراء "النظام والفن المذهل والقوانين الميكانيكيةوالهندسيةالتي تكم الكون (113). ولكن هذا العقل الأسمي معروف لدينا فقط بوجوده لا بطبيعته. "أيها الإنسان الفاني البائس. إذا كنت لا أدرك عقلي، وإذا كنت لا أعرف ماذا ينفخ في الحياة، فكيف تكون لي أية دراي بهذا العقل الذي يجل عن الوصف والذي من الواضح أنه يتحكم في الكون؟

ولكنا من صنعه وتدبيره" (114).

ويميل فولتير إلى الاعتقاد بأنه لم يكن ثمة خلق في وقت معين، وأن الدنيا

ص: 210

قد وجدت دائما، "تنبعث دائماً من هذه العلة البدائية الأساسية، كما ينبعث الضوء عن الشمس" وأن الطبيعة كانت تنبعث فيها الحياة دائماً (115). ولا يزال يؤمن بأن هناك تدبيراً مقصوداً في لكون، أي "العناية الإلهية" التي توحيه الجميع، ولكنها تسمح للجزء-بما في ذلك كل إنسان بمفره-أن التدبير أمر نفسه (116). وينتهي إلى القول "إن قلت لي إني لم أعلمك شيئاً، فتذكر أني إبتدرتك بأني جاهل (117).

وبدأ الفيلسوف المتحير يحسد أولئك الذين لم يفكروا ق، ولكنهم آمنوا، وراودهم الأمل فحسب. ومع ذاك رجع إلى رأي سقرا وهو أن الحياة بدون تفكير غير جديرة بالإنسان

وعبر عن تردد بين هذه الآراء في الحياة في كتاب "تاريخ برهمي طيب"(1761):

(اتفق لي أن التقيت في رحلاتي ببرهمي عجوز، وكان الرجل ذا عقل راجح وعلم واسع وثراء عريض .. وقال لي الرجل ذات يوم: وددت لو أني لم أولد قط، فسألت: ولم هذا، فقال: لأني كنت أدرس طيلة تلك السنوات الأربعين، ووجدت أني قد ضيعت وقتاً طويلاً. وأني لا أعرف شيئاً على الرغم من أني أعلم الأخرين .. أنا موجود في الزمن دون أن أعرف ما هو الزمن، أنا موضوع، كما يقال حكماؤنا، في التخزم بين عالمين لا نهائيين، ومع ذلك ليس عندي أيه فكرة عن الأبدية أو الخلود. وأنا مكون من مادة فيما أظن، ولكني لم أستطع قط أن اقنع نفسي بهذا الذي ينتج التفكير

ولا أدري لماذا أنا موجود، ومع ذلك فأنا مكب كل يوم على حل اللغ، ويجب أن أراد جواباً، ولكني لا أستطيع أن أقول شيئاً مرضياً في هذا الموضوع. إني أتكلم كثيراً، وعندما انتهي من الكلام أظل متحيراً مرتبكاً شاعراً بالخجل مما قلت .. )

وأهمتني كثيراً الحالة التي رأيت عليها هذا الرجل حقاً.

وفي اليوم نفسه كان لي حديث مع سيدة عجوز هي جارته. وسألتها أكانت يوماً قد شعرت بعدم السعادة لأنها لم تعرف كيف صنعت نفسها.

ص: 211

ولم تفهم سؤالي. أنها لم تفكر ولو لبرهة في حياتها، وفي هذه الموضوعات التي عذب البرهمي الطيب نفسه بالتفكير فيها. وآمنت من أعماق قلبها بتحول إلهها فشنو Vishnu وكانت ترى أنها أسعد النساء شريطة أن يتاح لها الحصول على شيء من الماء المقدس من نهر الكنج لتغتسل به. وأثارتني سعادة هذه المخلوقات المسكينة، فعدت إلى فيلسوفي وابتدرته بقولي: ألا تخجل من بؤسك وتعاستك، على حين أنه على بعد 50 يارد من يوجد مخلوق آلي (أوتوماتيكي) لا يفر في شيء ويعيش هانئاً راضياً فرد عليّ بقوله "أنت على حق. لقد قلت في نفسي إني سأكون سعيداً لو أني كنت جاهلاً مثل جيراني العجائز. ومع ذلك فتلك سعادة لا أرعب فيها. وكان أثر رد البرهمي في نفسي أعظم من أي شيء مضى. وخلصت إلى أننا على الرغم من أننا قد نضفي على السعادة قيمة عظيمة، فإننا لا نزال نقدر قيمة أعظم.

ولكن بعد تأمل ناضج

لا أزال أرى هناك قدراً كبيراً من الجنون في إثار العقل على السعادة (118).

‌8 - فولتير متعصب

وفي حالة نفسية مماثلة لهذه كان بسكال قد اختار أن يخضع تفكيره الذي غلب عليه المنطق للكنيسة الكاثوليكية باعتبارها تنظيماً كان قد وجده بعد طول التجربة مزيجاً من التعليم والطقوس تساعد على الفضيلة والأخلاق القومية وتخفف من لوعة التساؤل والحزن. ولم يذهب فولتير في سن السبعينات بعيداً إلى هذا الحد، ولكنه سار مضطرباً لذهن في هذا الإتاه.

وبدأ بإن وطن النفس على قبول فكرة أن الدين، أي دين، أمر مرغوب فيه بصفة عامة. وحين سأله بزول (29 ديسمبر 1764) ألا ترى أن تكون هناك عبادة عامة؟ أجاب فولتير "نعم، من كل قلبي. فلنجتمع أربع

ص: 212

مرات في كل عام في معبد كبير، تصدح فيه الموسيقى، لنقدم الشكر لله على كل نعمائه. فهناك شمس واحدة، وهناك إله واحد. ولتكن لنا ديانة واحدة (ومن ثم يكون بنو البشر إخوة)(119). أن الشمس-كما يقولون مهدت له نصف الطريق إلى الله. وفي مايو ذ774 وهو في سن الثمانين، صحا من نومه قبل الفجر، وصعد مع أحد أصدقائه ليشهد مشرق الشمس من تل قريب. وربما كان يقرأ روسو. وبلغ القمة وقد نال منه التعب، وأربكه جلال الشمس المنتصرة وعظمتها، فركع وصاح: يا الله العلي العظيم، اني أؤمن! لكن ثابت نفس فولتير إليه فقال وهو ينض على قدميه أما بالنسبة للسيد الابن والسيدة أمه، فتلك مسألة أخرى (120).

وذهب شيئاً فشيئاً إلى أبعد من ذلك فارتضى وجود رجال دين يعلمون الناس الفضيلة ويقومون الصلوات لله (121). واعترف بأن الأساقفة في فرنسا وإنجلترا أسهموا في إقرار النظام الاجتماعي، ولكن الكاردينالات كانوا باهضي النفقة ويجب الاستغناء عنهم. وكان ينظر بعين الإجلال الإكبار إلى راعي الأبرشية البسيط الذي حفظ سجل القرية وساعد الفقراء وأصلح بين الأسرات المتنازعة، فهولاء الكهنة رعاة الأبرشيات يجب أن يكون احترامهم أكبر وأن تزاد مخصصاتهم، وألا يستغلهم رؤساء الكنيسة (122). وفي ساعات التجلي كان الائب العجوز يريد يادة الاجتماعات الدينية لتكون مرة في كل شهر، بل حتى في كل أسبوع (123). ويجب أن يكون هناك صلوات وتكبير لله، وعبادات ودروس في الأخلاق، ولكن لا قربان ولا ذبائح ولا توسلات، ولتكن العظات قصيرة. وإذا كان لابد من صور وثماثيل دينية فلتكن لتخليد ذكرى أبطال الإنسانية، لا ذكر القديسين المشكوك في أمرهم، مثل هنري الرابع (لا خليلاته). وينبغى ألا يكون هناك تعاليم خارقة ااطبيعة، اللهم إلا وجود إله عادل. ويجدر أن تخضع هيئة الكنيسة للدولة. وأن تتولى الحكومة تدريب رجال الدين ودفع أجورهم.

ص: 213

ويمكن أن تبقى الأديار والراهبات على أن تكون ملاجئ للعج والمرضى. ومثل كثير من المتشككين نظر فولتير بعين الإكبار والإجلال إلى الراهبات اللائي خرجن من اديارهن لمساعدة المرضى والفقراء منذ رأي "أخوات البر والإحسان" في مستشفيات باريس. وكان قد كتب في رسالة العادات والأعراف: ليس في العالم كله ما يضارع التضحية بالجمال والشباب وغالباً بكرم المحتد وعراقة الأصل، تلك التضحية التي يقدمها الجنس اللطيف عن طيب خاطر لتخفيف من ويلات الإنسانية في المستشفيات. إن الأمم التي انفصلت عن العقيدة الكاثوليكية قلدت بشكل منقوص، اعمال البر والإحسان الجليلة هذه. (124)

وكما يعرف العالم بأسره سيدفولتير بالقرب من قصره في فرني كنيسة صغيرة نقش على مدخلها باعتزاز عبارة "يارب إذكر عبدك فولتير" وادعى أنها الكنيسة الوحيدة المخصصة لله وحده على هذه الأرض. أما الكنائس الآخرى فهي مخصصة للقديسيين (125).

وطلب إلى روما أن تزوده ببعض المخالفات المقدسة ليضعها في كنيسته، فأرسل البابا ثوبا من وبر الجل للقديس فرانسيس أوف أسيس، ووضع فولتير على المذبح تمثالاً بالحجم الطبيعي من المعدن المذهب للمسيح لا وهو مصلوب بل باعتباره حكيماً. وهناك إبتداء من 1760 فصاعدا، ضر فولتير القداس في كل يوم أحد، وكان يقوم هو نفسه بعملية البخور باعتباره سيد القرية. وفي عيد الفصح 1768 تناول العشاء الرباني (126) وكان يرسل خدمه إلى الكنيسة بانتظام ودفع أجور تعليم أبنائهم قواعد الديانة (127).

وربما قصد بجزء كبير من هذه التقوى والورع أن يكون قدوة حسنة لأهل قريته، ويشجعهم على إيمان قد يحد من جرئمهم ويصون ممتلكاته. وكان واثقاً أن الحاشة الملكية في فرساي سوف يترامى إليها أنباء سلوكه المثالي، وربما راوده الأمل في أن قد ييسر مهمته في شن الحملات من أجل كالاس وآل سيرفن ودي لابار، ويشفع في عودته إلى باريس. والحق أن

ص: 214

الملك والملكة قد سرهما ما سمعا من أنباء إصلاحه. ووافق الكاهن دي لاباتري على أن يتناول فولتير الأسرار المقدسة، ولكنه عندما رأى هزال المبلغ أبدى ملاحظة فحواها أن فولتير نسي أن يدفن نفسه، فأجاب فولتير بأنحناء واحترام "بعدك يا سيدي". (128) وفي 31 مارس سنة 1769 استدعى موثقاً ووقع أما عدة شهود وثيقة تؤكد رغبته في الموت على العقيدة الكاثوليكية (129). وسخر منه الأخوة في باريس، وتقبل هو سخريتهم بصدر رحب.

وبعد 1768 اعتاد كما هو الحال في الأديار، أن تقرأ عليه بعض الكتب التعبدية أثناء تناول الطعام. وكان لهذا الغرض يؤثر "عظات ماسيون" لأنه استطاع أن يقدر قيمة الأدب حتى ولو بقلم كاهن. وكان قد أشترك في الحملة ضد اليسوعيين، ولكن في 1770 انظم إلى رابطة علمانية للأخوة الكبوشيين، وحصل من رئيس هذه الطائفة على لقب "الأب الدنيوي لطائفة الكبوشية في جكس"، وهي القرية التي كان فيها سيداً إقطاعياً. وكان فخوراً جداً بهذا التشريف، وكتب عنه عدة رسائل وقع على بعضها باسم "الأخ فولتير الكبوشي". وحياه فردريك قديساً جديداً في الكنيسة، ولكنه أبلغه أن السلطات الكنسية في رومة كانت قد أحرقت في نفس العام بعض أعمال الكبوشيين الحقيرة (130). وليس من اليسير أن نتبين أن تووده إلى الكنيسة كان مخلصاً أو أنه كان ترضيه لقصر فرساي، أو أنه كان بدافع الخوف من الحيلولة دون دفن رفاته في الأرض المخصصة لهذا الغرض، وهي شمل كل مقابر فرنسا. وربما لعبت هذه العوامل الثلاثة دوراً في الكوميديا المقدسة.

وفي تلك الأعوام الأخيرة 1770 - 1778 وقف قلمه على تفنيد الإلحاد لا مهاجمة المسيحية. وأضاف إلى مقال "الله" في القاموس الفلسفي فقرتين دحض فيهما "نظام الطبيعة" لدى هولباخ. وفي 1772 دبج مقالاً رائعاً تحت عنوان "يجب أن نؤيد" وفيه دافع عن "الله والتسامح". واعترف لمدام تكر والدوقة دي شوازيل، والأمير البروسي فردريك وليم، وبخوفه

ص: 215

على حركة التسامح الديني من أن يهزمها تأييد الإلحاد والدفاع عنه، وأسف لأن نقده لدى هولباخ قد تضامن "الأخوة" ولكنه أصر في عناد "لأشك عندي في أن المؤلف وثلاثة من مؤيدي هذا الكتاب سيكونون من الد أعدائيلأنهم تحدثوا بأفكاري. وقد أعلنت لهم أني سأتكلم طالما كان في عرق ينبض أو طالما ترددت أنفاسي دون أن أخشى المتعصبين للالحاد ولا المتعصبين للخرافة (31). ورد أنصار دي هولباخ على هذا بقولهم على هذا بقولهم ان السيد الثرى يشتغل بالسياسة مع فرساي ويستخدم الله ليحافظ على النظام بين خدمه وفلاحيه في فرنى.

وفي السنوات العشر الأحيرة من حياته، نظر إليه الرجال الذي هتف لهم يوما، وحفزهم وشجعهم على الانظمام إلى الحملة ضد "الرجس" بأعتبارهم أخوة، نظروا إليه وكأنه قائد مضيع. أن ديدرو ما أحبه قط، وما ألف تبادل الرسائل معه، وكره منه زعمه الواضح بأن دالمبير هو رأس الموسوعة المفكر وروحها المدبر. لقد استحسن دفاع فولتير عن آل كالوس. ولكن أفلتت منه عبارة تنم على الحقد يقول فيها " أن هذا الرجل لايعدو أن يكون الثاني في كل الاحوال (132) ". أن فولتير لم يشارك ديدرو سياسته الثورية ولاحبه لمسرحية البرجوازية العاطفية، أن البرجوازية حين تصبح ارستقراطية لاتسيغ قناعة البرجوازية. ولم يقم ديدرو ولادى هولباخ بحج الاخلاص والولاء إلى فرني. وعلق جييم في صرامة غير معهودة على نقد فولتير لهوبز وسبينوزا بقوله:" أن الفيلسوف الجاهل لمس بصعوبة سطح هذه الموضوعات ولم يتعمق في فهمها"(133). إن الملحدين في باريس، وقد زاد عددهم وإعتزازهم بأنفسهم، ولوا الآن ظهورهم لفولتير وانصرفوا عنه. وفي أوائل 1765، وحتى وسط المعركة ضد "الرجس" نبذه أحدهم في إحتقار قائلا "إنه منعصب إنه ربوبي (134) ".

وبدأ الشيخ الجليل الواهن حوالي 1770، بعد أن تخلى عنه الجانبان وقاوموه، بدأ يفقد ثقته في أمكانات الفوز، وأطلق على نفسه "المدمر

ص: 216

الكبير" الذي لم يبن شيئا. (135) وخشى من أن دينه الجديد - وهو دين "الله والتسامح" لن يتأتى إلا إذا قبل الحطام نصيحة القديس بطرس "أعملوا من أجل السلام الدائم" أي أنه لن يأتي أبداً. أنه أرتاب طويلا في وهن الفلسفة وانعدام الفتنة والجاذبية في العقل. إن أي فيلسوف لم يؤثر في عادات الناس حتى في الشارع الذي يقطنه، وأسلم الجماهير للخرافة أو الأساطير. وراوده الأمل في أن يحظى بنحو أربعين حكيما في فرنسا وبالفئات المتعلمة في الطبقة الوسطى، ولكن هذا الأمل نفسه بدأ يزوى ويذبل حين آدنت شمس حياته بمغيب. وكل الحلم الذي كان يراوده وهو يستعد في سن الرابعة والثمانين ليرى باريس قبل أن يموت، هو حلم "تنوير الشباب شيئاً فشيئاً". فربما يعود إليه في غمرة الترحيب الشديد به هناك، إيمانه بالإنسان وأمله فيه.

وهل كان فولتير فيلسوفاً؟ نعم. أنه كان كذلك على الرغم من أنه لم يصطنع مذهباً. وأنه تردد وتذبذب في كل شيء وغالباً مابقى فوق سطح الأشياء ولم يتعمق فيها. ولم يكن فيلسوفاً إذا كانت هذه الكلمة تعتى صانع مذهب قائم على فكر موحد متماسك عن العالم والإنسان، إنه انصرف عن المذاهب بأعتبارها هجمات وقحة على "المطلق غير المحدود" ولكنه كان فيلسوفاً إذا كان المقصود بالفلسفة انشغال الذهن بشكل جدي بالمشاكل الأساسية للطبيعة والاخلاق والحكومة والحياة والقضاء والقدر. ولم يعتبر فولتير عميقاً، وربما كان السبب في هذا أنه كان غير متأكد، وكان واضحاً وقل أن كانت أفكاره أصيلة. ولكن كل الأفكار الأصيلة تقريباً في الفلسفة سخيفة. وأنعدام الأصالة علامة الحكمة. يقيناً كان الشكل الذي صاغ فيه أفكاره أصيلاً. وفولتير بلانزاع ألمع كاتب ظهر، وهل كان الرجل الثاني، لا الرائد الأول، في كل مجال كما اتهمه ديدرو؟ كان الثاني في الفلسفة بعد ديدرو، نعم، وفي المسرحية بعد كورني وراسين ولكنه كان الأول والأفضل في زمانه في فهمه وكتابته للتاريخ وفي رقة شعره، وفي

ص: 217

سحر نثره وظرفه، وفي مدى تفكيره وتأثيره. ورفرفت روحه مثل اللهب فوق القارة وفوق القرن. كما أنها تثير وتهز مليون نفس في كل جيل.

وربما أسرف في كراهيته، ولكن علينا أن نتذكر الاستفزاز والإثارة، ونتصور أنفسنا عائدين إلى الوراء في عصر كان الناس يحرقون فيه على الخازوق، أو تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف بسبب الارتداد عن الديانة التقليدية. وقد نرى المسيحية الآن أفضل مما كانت عليه أو مما رآها هو آنذاك، لأنه ناضل وأصاب بعض النجاح للتخفيف من تعاليمها وحدتها. ويمكن أن نحس بقوة وروعة العهد القديم وجمال العهد الجديد وسموه، لأننا أحرار في أن نفكر فيهما بأعتبارهما من عمل وإيحاء رجال غير معصومين من الخطأ. ويمكن أن نكون شاكرين ومقدرين لاخلاق المسيح لأنه لم يعد يهددنا بالجحيم، أو يصب اللعنة على الناس والمدن التي لاتستمع إليه (137).

ويمكن أن نحس نبل القديس فرانسيس الأسيسى لأنه لم يعد يطلب منا أن نصدق أن القديس فرانسيس أكسافيير كان يسمع في عدة لغات على حين كان يتحدث بلغة واحدة، ويمكن أن نحس بشعر الطقوس الدينية وبالمسرحية في هذه الطقوس، حيث تركنا الأنتصار العابر للتسامح أحرارا في أن نتعبد أو نمتنع عن العبادة. ويمكن أن نتقبل مائة أسطورة بأعتبارها رموز عميقة أو مجازات منيرة موضحة، لأننا لم نعد يطلب منا أن نتقبل خفيقتها الحرفية. وتعلمنا أن نتعاطف مع ماكنا يوماً نحبه. وكان علينا أن نتخلى عنه، عندما نستعيد أجمل الذكريات لما كنا نحب في شبابنا. ولمن، أكثر من أي رجل واحد آخر، ندين بفضل هذا التحرر العزيز علينا والذي يعتبر فاتحة عصر جديد؟ أننا ندين بهذا الفضل لفولتير.

ص: 218

الفصل الثالث والعشرون

‌انتصار الفلاسفة

‌1715 - 1789

1 -

رجال الدين يصدون الهجوم

كان هناك الكثير مما يقال من أجل المسيحية. مما قاله المدافعون عنها في قوة وحيوية، أحياناً مع سوء تقدير أعمى للعصر، وأحياناً في رقة ووضوح توقعتهما فرنسا من اللاهوت. وهناك من رجال الكنيسة من ظل يصر على أن أي انحراف عن المذهب الكاثوليكي المحدد جيب أن تعاقب عليه الدولة، وأن مذبحة سانت برثلميو عملية مشروعة مثلها في ذلك مثل أية عملية جراحية (1). ولكن هناك من قبلوا التحدي ولأخذوه مأخذ الرجال الكرام الشرفاء للأعداء أن يختاروا السلاح، وهو العقل. وكانت لفتة كريمة، فأن الدين إذا ارتضى العقل كان في هذا بداية موته وفنائه.

ونشرت فرنسا فيما بين عامي 1705 و1789 نحو تسعمائة كتاب دفاعاً عن المسيحية، منها تسعون في سنة 1770 وحدها (2). أن كتاب ديدور "أفكار فلسفة" وكتاب هلفشيوس "الذكاء"، وكتاب روسو "أميل القرن الثامن عشر"، استلزم كل منها نشر عشرة كتب لتنفيذه والرد عليه. أن الراهب هوتفيل في كتابه "الديانة المسيحية كما تثبتها الأعمال"(1722) أكد (مثل رئيس الأساقفة ويتلي Whately بعد ذلك بقرن من الزمان) أن المعجزات التي تثبت قدسية المسيحية ثابتة بشكل موثوق قدر ثبوت الأحداث المقبولة في التاريخ العلماني. وفي مجلدين أثنين نشر الكاهن

ص: 219

جويون Guyonh كتابه "مهبط الوحي عند الفلاسفة الجدد"(1759 - 1760) وهو كتاب هجاء ونقد. ونشر الكاهن بلوش Pluche كتابه "مشهد الطبيعة" في ثمانية مجلدات (1739 - 1746). وظهرت منه ثماني عشرة طبعة غالية الثمن، عرض فيه عجائب العلم وأدلة التدبير المقصود في الطبيعة ليثبت وجود إله أسمى في العقل والقوة. وإذا وجد العقل البشري بعض الألغاز في المشهد الضخم، فيكن متواضعاً. ولا ينبغي لنا أن ننبذ الإله لأننا لا نستطيع فهمه وإدراكه، ولنقدم له في نفس الوقت الشكر على بديع صنعه. أما الأب جوشا Gauchat فأنه في 15 مجلداً بعنوان "رسائل نقدية"(1755 - 1763) هاجم فرضية التطور عند بيفون وديدرو وغيرهما ببرهان طائش "إذا كان الناس يوماً أسماكاً

فأن هذا استتبع واحداً من أثنين، فإما أنه ليس للإنسان نفس روحية خالدة، أو أن للأسماك مثل هذه النفس، وكلتاهما فرضية تنافي التقوى والدين" (3). ووافق الفلاسفة فرحين مهللين. وأكد الأب سيجورن Sigorgne في كتابه "الفلسفة المسيحية" على لزوم الدين دعامة للأخلاق، فأن القيود العلمانية الخالصة تؤدي إلى شحذ أذهان المجرمين الذين لا يعودون يؤمنون بالله البصير بكل شيء. وفي 1767 نشر الأب شاندن Mayeul Chandon القاموس المضاد للفلسفة، وقد ظهر منه سبع طبعات. أما الأب نونوت Nonotte وهو يسوعي سابق تحلى بسعة الإطلاع والثقافة مثل أعضاء طائفته (4)، فإنه أخرج في 1770 كتابه الضخم "أخطاء فولتير" وقد بيع من هذا الكتاب أربع طبعات في عامه الأول، وست طبعات في ثمانية أعوام. وفي 1857 عد فولتير هذا الكتاب من بين ما تقرأ إما بوفاري. ودافع الأب جويني Guenee عن الكتاب المقدس بروح وذوق وكياسة وتفقه في كتابه "رسائل بعض اليهود" (1776). وهي رسائل توهم بأنهم صادرة من بعض علماء اليهود. وسلم فولتير بأن نقد جويني "لاذع إلى حد بالغ (5) ". ووجه المدافعون الكاثوليك وابلاً من النيران في كل شهر

ص: 220

ضد الفلاسفة في نشرة "الدين المنتقم". وفي 1771 بدءوا يصدرون "موسوعة منهجية"، أوسع حتى من موسوعة ديدرو، تهاجم كل نقاط الضعف في قلعة الشك هذه.

وواجه الماديون (أنصار المذهب المادي) خصماً عنيداً في شخص نقلا سلفستر بيزانسون. أن كتابه "الربوبية تفند نفسها"(1765) كان "رد كاهن حقيقي على قسيس سافوي الذي ابتدعه خيال روسو (6) " ومن أجل كتابه "صدق براهين المسيحية"(1767) تلقى رسالة ومديح من البابا. وفي سن الواحدة والخمسين (1769) رفع إلى مرتبة كاهن في كاتدرائية نوتردام في باريس، وأصبح كاهن الاعتراف لبنات الملك لويس الخامس عشر. وفي نفس العام نشر كتاب "دفاع عن المسيحية ضد مؤلف فضح المسيحية"-وهو ضربة موجعة إلى دي هولباخ. وسرت جمعية رجال الدين بهذا الكتاب فقررت له في 1770 معاشاً سنوياً قدره ألفاً من الجنيهات ليتفرغ للدفاع عن العقيدة. وفي بحر سنة أخرج كتاباً في مجلدين تحت عنوان "اختبار المادية" وهو رد على كتاب دي هولباخ "منهج الطبيعة" وأوضح مرة أخرى أن الذهن هو الحقيقة الوحيدة المعروفة لنا بطريق مباشر، فلم نهبط به إلى شيء آخر معروف لدينا عن طريق الذهن فقط (7). واتهم دي هولباخ بعدة تناقضات: 1 - أعلن البارون أنه لا سبيل إلى معرفة الله، ولكنه طبق بعد ذلك على المادة كل صفات الاتناهي والأبدية 2 - أنه قبل مذهب الحتمية ومع ذلك حض الناس على إصلاح سلوكهم. 3 - نسب الديانة إلى:

(أ) إلى جهل الإنسان البدائي. (ب) وحيل الكهنة ومغالطتهم. (جـ) إلى مكر صانعي القانون وبراعتهم. -فلنتركه يقرر. وطرح الكاهن نقد العهد القديم جانباً بإيضاحه أن ناسخي كلام الله من البشر كانوا قد استخدموا المجازات والاستعارات الشرقية. ولذلك ينبغي ألا يؤخذ الكتاب المقدس دائماً بحروفه. والعهد الجديد هو جوهر المسيحية، وحياة المسيح

ص: 221

من المعجزات تثبت قداسة الدين. ومهما يكن من أمر فإن سلطة الكنيسة لا ترتكز على الكتاب المقدس وحده، بل على التسلسل أو التعاقب الرسولي لأساقفتها، وتقاليدهم التي وضعوها للدين. وفي كتاب اختبار الدين المسيحي (1771) أكد برجييه الحجة القائلة بأن الإلحاد، على الرغم من الشخصيات الفردية الاستثنائية التي أبرزها بيل، قد يدمر الفضيلة والأخلاق.

وأرق شخصية في المدافعين عن الكاثوليكية من رجال الدين في القرن الثامن عشر في فرنسا هو غليوم فرنسوا برتييه (8). في سنة 1714 وهو في سن الثانية عشر والتحق بالكلية اليسوعية في بورج، وهناك اشتهر بحدة ذهن لم تسيء إلى تقواه إساءة ظاهرة. وفي سن السابعة عشرة أبدى لوالديه رغبته في الانضمام إلى "جمعية يسوع" فطلبا إليه أن يفكر في الأمر لمدة عام. ففعل وأصر على رغبته. وفي الفترة التي سبقت تثبيته راهباً في باريس أكب على القراءة والدرس والصلاة حتى إنه نادراً ما خصص للنوم أكثر من خمس ساعات في اليوم. وتقدم ونما بسرعة حتى أنه عين في سن التاسعة عشرة لتدريس العلوم الإنسانية في كلية دي بولوا، وبعد سبع سنين قضاها هناك، وسنة أخرى في الرهبنة، أرسل إلى رن ثم إلى روان أستاذاً للفلسفة. وفي 1745 عينه اليسوعيون محرراً لصحيفتهم "جورنال دي تريفو" التي كانت تصدر في باريس آنذاك. وأصبحت هذه النشرة الدورية على عهده من أكثر الأصوات احتراماً في فرنسا المتعلمة.

وكتب برتييه معظم الصحفية بنفسه. وعاش في صومعة صغيرة لم تجر تدفئتها قط، واشتغل كل ساعات النهار، وكان بابه مفتوحاً أمام كل من قصده، وكان ذهنه مفتوحاً لكل موضوع، اللهم إلا العقيدة التي كانت تعمر بها حياته وتغمرها بالدفء. إن لإرهاب La Harpe أحد تلاميذ فولتير، وصف برتييه بأنه الرجل نال إعجاب والباحثين جميعاً، لغزارة علمه وسعة إطلاعه، كما نال إعجاب أوربا لفضائله الموسومة بالتواضع. (9) وامتاز بسحر الكياسة الفرنسية حتى عند الاختلاف في الرأي. فهاجم

ص: 222

الأفكار لا الشخصيات وامتدح مواهب خصومه أو معارضيه (10). ومع ذلك فإنه دافع عن عدم التسامح الديني. واعتقاداً منه بأن المسيح ابن الله هو الذي أسس الكنيسة الكاثوليكية، رأى أنه من واجب المسيحي أن يحول بكل الوسائل السلمية دون انتشار الخطأ الديني .. ويجب حظر الدعاية المعادية للمسيحية في أية أمة مسيحية، لأنها تغرى بالسلوك غير الأخلاقي، وتسيء إلى استقرارية الدولة. ورأى أنه من الخطأ أن نخلط بين التعصب للكاثوليكية وبين التحمس للاضطهاد (11)، ولكنه لم يعد بعدم مواصلة الاضطهاد. وفي سنة 1759 رد الاتهام بالتعصب وعدم التسامح إلى الفلاسفة فقال: أيها الكفار، وأنتم تتهمونها بالتعصب الذي لا أثر له لدينا، على حين أن ما تضمرون من كراهية لديننا يبعث فيكم تعصباً لا يمكن تخيل إفراطكم الواضح فيه (12).

ولم يسلم برتييه بالحقيقة المطلقة للعقل وحتى على الأسس الحسية عند لوك، لا يستطيع العقل أن يصل إلا إلى الحواس، أما فيما وراء هذه الحدود، فهناك حقائق واقعة ينبغي أن تظل إلى الأبد أسراراً خفية في الأذهان المحدودة، من ثم فإن الفيلسوف الحق يحد من بحثه حين لا يمكنه تخطي هذه الحدود بشكل معقول (13). أن السعي لإخضاع الكون أو معتقدات الناس التقليدية والعامة لاختبار عقل فردي، ضرب من الغرور العقلي. والرجل المتواضع يقبل عقيدة بني جلدته إذا لم يستطع فهمها. وذهب برييه في بعض الأحيان إلى أن الكفار ينبذون الدين يتدخل في ملذاتهم، وتنبأ بأنه إذا سادت مثل هذه الإباحية، فلابد أن ينهار القانون الأخلاقي، ويطلق العنان للأهواء، وتختفي المدينة في حمأة الأنانية والشهوة والخداع الجريمة. إذا لم توجد الإدارة الحرة، فلابد وجود للمسئولية الأخلاقية. وحيث أن الحتمية لا تسلم بأي قانون يلزم الضمير، فإن الشخص المذنب الوحيد هو الشخص الذي لا ينجح (14). ومن ثم الفضيلة أو الأخلاق القويمة حينئذ مجرد حساب المنفعة، ولن يكون إحساس بالعدالة ليكبح

ص: 223

جماح الأقلية الذكية الماهرة في سوء استغلال سذاجة الأغلبية، ولن يشعر أي حاكم بأي التزام نحو شعبه، اللهم إلا المباعدة بينهم وبين الثورة بسبب استغلاله لهم. (15)

أن برتييه كان كما رأينا قد رحب بالمجلد قد رحب بالمجلد الأول من الموسوعة وقرظة، وعرض ما فيه من أخطاء وانتحالات في دقة بالغة تنم على ثقافة واسعة، ومن ثم أظهر أن مقالة للأب ييفون Yvon التي شغلت ثلاثة أعمدة كاملة، أخذت بنصها كلمة من كتاب الأب بوفييه "بحث في الحقائق الأولية"(16). وامتدح مثال "الفلسفة العربية" ولكنه أبدى فزعاً حين وجد أن مقالة الإلحاد قد أوردت الحجيج التي تساند الإلحاد على نفس مستوى الإسهاب والقوة الذي أوردت به الحجج ضد الإلحاد، تاركة فكرة وجود الله في شك رهيب. وعندما أصبحت النزعة المعادية للمسيحية أكثر وضوحاً في المجلد الثاني هاجمها في قوة وبراعة. وأوضح إن الموسوعة استمدت سيادة الحكومة من رضا المحكومين، وفي هذا، وفي نظر برتييه، خطر على الملكية الوراثية. وربما كان له أثر في وقف الموسعة عن الظهور (17).

وفي عدد إبريل من تريفو عرض لكتاب فولتير "بحث في العادات" فقال: إنه ليحزننا أن نرى مؤلفاً حياً نقدر مواهبه ونعجب بها ولكنه يسيء استغلالها في أكبر الأمور الأساسية. لقد رأى في كتاب فولتير محاولة لهدم الكنسية والدين ليشيد على إطلالهما كياناً فلسفياً، أو معبداً لإباحة الفكر، نذره للاستقلال عن كل سلطة، والهبوط بالعبادة والأخلاق والفضيلة إلى مجرد فلسفة علمانية بحتة بشرية. واتهم فولتير بتحيز أخزى المؤرخ، حيث عمي عمى يكاد يكود تاماً عن فضائل المسيحية وخدماتها، وصمم طائشاً على أن يلتمس لها الأخطاء في منجزاتها وأعمالها، وقال: إن فولتير أدعى أنه يؤمن بالله، ولكن من آثار كتاباته دعم الإلحاد. وفي نفس العدد من الصحيفة تحول برتييه إلى كتاب فولتير "العذراء-جان دارك" فنفذ صبره. وصاح: إن

ص: 224

الجحيم لم يلفظ قط مثل هذا الطاعون الفتاك:

إن الشهوانية تعرض هنا بكل وقاحة أبشع الصور بذاءة ودعارة. إن الفحش والبذاءة تستعيران لغة السوقة

إنه أحط الهزل الماجن يلطف الكفر والبعد عن التقوى

إن الرائحة المنبعثة من هذه الأشعار كفيلة بإفساد ونقل العدوى إلى كل عصر وكل حالة في المجتمع (18).

ولم يسارع فولتير إلى الرد، إنه ما زال يحتفظ بذكريات طيبة لمعلميه اليسوعيين، ولا يزال على جدران مكتبه في فرني صورة الرجل الطيب العطوف المتدين آلاب بوري Poree (19) . ولكن عندما أوقفت الحكومة الفرنسية صدور الموسوعة استجاب لتحريض دالمبير وأنبرى لقتال برتييه. فأتهمه بمناهضة الموسوعة لأنها نافست قاموس تريفو الذي زعم أنه إنتاج يسوعي (كان كذلك بشكل جزئي وبصفة غير رسمية). ودعا مجتمع يسوع إلى فصل محرر تريفو. أي عمل هذا الذي يشتغل به كاهن

أنه يبيع في كل شهر من مخزن للكتب مقتطفات من آراء طائشة مفتراة. (20) فرد برتييه (يوليو 1759) بأن محرري صحيفة تريفو لا علاقة لهم بمحرري قاموس تريفو وأعترف بأن كونه محرراً ليس عملاً جميلاً ولا مناسباً. ولكنه تمسك بحق الكاهن في استخدام صحيفة دورية للإشادة بالكتب القيمة واستهجان المؤلفات الغثة. وأسف لأن فولتير أنزلق إلى المسائل الشخصية والاتهام بالفساد والرشوة وختم كلامه بالأمل في أن يعود هذا الرجل ذو المواهب العظيمة فيما تبقى له من عمر تفضلت به عليه العناية الإلهية، يعود إلى الديانة المقدسة لا الدين الطبيعي، بل إلى المسيحية الكاثوليكية التي ولد فيها (21). وفي نوفمبر أصدر فولتير (وكان لا شك يتذكر الدفن الوهمي لجون بارتريدج تأليف سويفت)، رسالة مهيبة تحت عنوان "العلاقة بين المرض والاعتراف والموت وشبح برتييه اليسوعي" ذاكراً كيف أن المحرر مات في نوبة من التثاؤب فوق صحيفة تريفو. واعتذر عن أسلوبه في الجدل في خطاب إلى مدام بيناي: لابد من تسفيه الرجس والمدافعين عنه (22).

ص: 225

وفي 1762 أمرت برلمانات فرنسا بقمع حركة اليسوعيين، وسر برتييه حين انتهى عمله في تحرير الصحيفة، وآوى إلى دير للترابستيين ليحيا حياة الصمت والتأمل، وطلب السماح له بالانضمام إلى هذه الطائفة (التي يقوم مذهبها على دوام الصمت والتقشف والزهد) ولكن رئيس اليسوعيين أبى عليه ذلك، وعينه لويس الخامس عشر معلماً لأبناء الأسرة المالكة. ولما وقع الملك مرسوم طرد اليسوعيين من كل أنحاء فرنسا (1764) هاجر برتييه إلى ألمانيا. وفي 1776 سمح له بالعودة، فاعتزل كل نشاط، وأقام مع أخيه في بورج. ومات هناك في سن الثامنة والسبعين (1782) وكان رجلاً طيباً.

‌2 - خصوم الفلاسفة

حمى وطيس الحرب نبذت أردية الكهنة ونبذت المجاملات، وركز الصحفيون أنظارهم على الفلاسفة، وسخر كل ذكاء باريس وكل مفردات لغتها للشد والجذب والطعان. ولقد رأينا كيف أن فولتير تعرض 1725 لبعض المتاعب لإنقاذ بيير ديفونتين من العقوبة القانونية للواط وهي الإعدام. ولم يغفر له ديفونتين هذا قط. وفي 1735 شرع في إصدار نشرة دورية تحت عنوان "ملاحظات على الكتابة الحديثة" استمرت حتى عام 1743 وعلى صفحاتها نصب نفسه مدافعاً عن البضائع وعن العفة بصفة خاصة. وهاجم، في زراية واحتقار، كل مظاهر انحلال الخلق أو الخروج على التقاليد السليمة، بلغة الأدب في ذاك العصر. ومات ألد أعداء فولتير. ولما مات في 1745 أوصى براية الجهاد لصديقه فريرون.

كان أيلي كاترين فريرون أقدر خصوم الفلاسفة وأشجعهم وأغزرهم علماً وثقافة. وكان عالماً بحاثة إلى حد أنه كتب "تاريخ ماري ستيوارت"(1742) وسبعة مجلدات في "تاريخ الإمبراطورية الألمانية"(1771). كما كان شاعراً إلى حد أنه نظم قصيدة "عن معركة فونتنوي"(1745) ولابد أن فولتير رأى فيها منافسه وقحة لقصيدته باعتباره المؤرخ الملكي. وفي 1745

ص: 226

أصدر نشرة دورية تحت عنوان: "رسائل عن بعض كتاب هذا العصر" وتناول فيها فولتير بالنقد والتجريح أكثر من مرة. وقضى فريرون سني فقره سائقاً لعربة تجرها أربعة جياد

وزج به في سجن الباستيل ذات مرة لمدة ستة أسابيع لنقده راهباً من ذوي النفوذ. ولكنه حارب لمدة ثلاثين عاماً معركته الجبارة من الماضي. واستاء استياءً واضحاً من فولتير لأنه نصح فردريك بالعدول عن استخدامه مراسلاً له في باريس (23). وفي 1754 أصدر مجلة جديدة تحت اسم "السنة الدبية" التي حررها وكتب معظمها، ونشرها مرة كل عشرة أيام حتى 1774.

وأعجب فريرون بتمسك بوسيه بالدين وبالطرق الفخمة والأسلوب الفخم في القرن التاسع عشر، وأحس بأن فهم الفلاسفة للتنظيم الاجتماعي ودعائم الفضيلة والأخلاق وركائز الإيمان فهم سطحي إلى حد معيب. "لم ينجب عصر مثل عصرنا هذا قط مثل هذا العدد الكبير من الكتاب المغوين مثيري الفتن الذي يركزون قواهم في التهجم على مقام إلا له، أنهم يسمون أنفسهم رسل الإنسانية، دون أن يدركوا أنه لا يلائم أي مواطن وأنه يسيء إلى الجنس البشري أبلغ إساءة أن يسلبوهم الآمال الوحيدة التي تهيئ لهم بعض التخفيف من متاعب الحياة. أنهم لا يدركون أنهم يقبلون النظام الاجتماعي، ويحرضون الفقراء على الأغنياء والضعفاء على الأقوياء، ويضعون الأسلحة في يد ملايين الناس الذين منعهم حتى الآن الوازع الأخلاقي والديني من اللجوء إلى العنف، وقدر ما يمنعهم القانون"(24).

وتنبأ فريرون بأن هذا الهجوم على الدين سوف يقوض أركان الدولة، واستبق بجيل واحد تحذيرات ادموندبيرك: "أليس للكفر وهدم الدين أشد سخفاً وخطراً من التعصب للخرافة؟ أبدأ بالتسامح مع عقيدة آبائك. أنكم لا تتحدثون إلا عن التسامح .. أنا لا أنتمي إلى عصبة الروح الجميلة، ولا أنتمي إلى حزب الدين والفضيلة والشرف (25).

ص: 227

وكان فريرون ناقداً لاذعاً، ولم يدخر وسعاً في تحطيم غرور الفلاسفة الحساس وجرح كبريائهم. وسخر من شدة تعنتهم وتعصبهم لآرائهم، ومن مزارع سيادة فولتير الإقطاعية باعتباره "كونت دي تورناي". ولما ردوا عليه فأسموه "وغداً متعصباً"، أنتقم هو منهم فقال إن ديدور منافق وإن جريم متملق الوجهاء الجانب، وأطلق على جماعة الكفار بأسرهم أسم عصبة "الأوغاد المحتالين والوضعاء الحمقى"(26). وأنهم الموسوعيين بسرقة الرسوم الإيضاحية من كتاب Reaumur عن "النمل". وأنكروا هم هذه التهمة وأيدت أكاديمية العلوم هذا الإنكار، ولكن الحقائق أيدت الاتهام قيما بعد (27). ولم يتصرف فريرون تصرفاً حسناً في "عودة إلى كالاس" إنه ذهب إلى أن الدولة أثبتت أن كالاس مذنب. وكتب أن فولتير لم يكن مدفوعاً في دغاعه عن كالاس بأي شعور إنساني قدر رغبته في لفت أنظار الرأي العام إلى وجوده هو-أي فولتير، وفي أن يجعل الناس يتحدثون عنه (28). وأحبت الآنسة كليرون، وهي كاتبة مسرحية كبيرة، فولتير وزارته، ودأب فريرون على امتداح منافستها، وأبدى بعض ملاحظات على الحياة الخاصة غير الأخلاقية لممثلة بعينها. واستاء الممثلون من مزاعمه باعتباره تدخلاً غير كريم في أمورهم الشخصية. وحوض دوق ريشليو، وهو الذي يغتفر الزنى، لويس الخامس عشر على إعادة فريرون إلى الباستيل ثانية ولكن الملكة حصلت على عفو عنه "من أجل تقواه وبلائه الحسن في مناهضة الفلاسفة (29) ". ولما قبض ترجو صديق الفلاسفة على زمام الأمور سحب رخصة مجلة السنة الأدبية (1774) وتعزى فريرون بتناول الطعام الجيد، ومات بسبب أكلة شهية، وطلبت أرملته إلى فولتير أن يتبنى أبنته، ولكن فولتير رأى أن هذا إسراف في الشهامة.

ويقدر ما أساءت مجلدات فريرون الثلاثون إلى الفلاسفة، أساءت لفظة واحدة هي اللفظة الأخيرة في عنوان كتاب هجاء جاكوب نقولا مور "مذكرات جديدة لإيضاح تاريخ الكاكوواك Cacouacs". ويقول مورو

ص: 228

إن هؤلاء "الكاكوواك" جنس يكاد يكون من الحيوانات البشرية تحمل تحت ألسنتها أكياساً من السم، فإذا تكلمت أمتزج السم بالكلمات ولوث كل الهواء المحيط بها. واقتبس المؤلف الحاذق مقتطفات من ديدرو، ودالمبير وفولتير وروسو، وحاول أن يبرهن على أن هؤلاء الرجال كانوا حقاً يسمون أنفس الحياة، وأتهمهم بأنهم يرتكبون السيئات والشرور "لمجرد حبه للشرر وفرحهم بارتكابه"(30) وسماهم ملحدين، فوضويي، لا خلاق لهم، أنانيين. ولكن لفظة الكاكوواك هي التي آلمتهم أشد الإيلام. إن هذا اللفظ أوحى بتنافر النغمات في صوت البط. وتهريج الثرثارين المجانين، وأحياناً (كما قصد بالكلمة) رائحة المراحيض. وكافح فولتير ليرد، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يفند الرائحة؟

وتشجع المحافظون وشددوا من ضرباتهم. وفي 1757 كسبوا جندياً جديداً طموحاً نشيطاً. فإن شارل باليسودي مونتيني كان قد زار فولتير في لي دليس (1754) مع تقديم من تييرو على أنه "تلميذ صنعته مؤلفاتك"(31) وبعد ذلك بعام واحد مثل في نانسي ملهاة (كوميديا) تنتقد روسو بشكل لطيف، وفي باريس رعى وشجع الأميرة الشابة الورعة Robecq التي على الأقل صديقة دي شوازيل. وكان ديدرو الخبير في سوء السلوك قد عاب عليها خلقها في مقدمة كتابه "الابن الطبيعي" وربما نشر باليسو (1757)، استرضاء لها، كتاب "رسائل صغيرة عن كبار الفلاسفة" انتقد فيه ديدرو بشدة، ولكنه امتدح فولتير. وفي 2 مايو 1760 قدم تحت رعاية الآنسة دي روبيك على المسرح الفرنسي الملهاة الرائعة في الموسم وأسمها "الفلاسفة". وكانت هذه بالنسبة لهلفشيوس وديدرو وروسو ما كانت مسرحية أرستوفان "السحب" بالنسبة لسقراط قبل ذلك بنحو 2183 عاماً. صور فيها الفيلسوف المتحذلق فالير Valere الذي يشرح حب الغير في الأنانية للسيدة المثقفة ذات الاهتمامات الأدبية والفكرية سيد اليز Cidalise. وعرف جمهور المتفرجين

ص: 229

لأول مرة أن هذه السيدة تمثيل مدام جيوفرين التي كان صالونها يتردد عليه الفلاسفة. وصور ديدرو وكأنه دورتيديوس. وفي الخادم كرسبين Crispin الذي كان يحبو على أربع عبر المسرح وهو يمضغ الخس، رأى الباريسيون صورة ساخرة (كاريكاتورية) لجان جاك روسو الذي كان في 1750 قد استنكر المدينة وأضفى مثالية على "حالة الطبيعة" ومجدها. وكان هجاء جافا غير مصقول، ولكنه مشروع. وأستمع به كل من مشاهده، اللهم إلا الضحايا الذين قصدت المسرحية السخرية منهم. وملأت الآنسة دي روبك المسرح بأصدقائهم وغيرهم من أتباعها، وعدة أفراد من مختلف الرتب الكنسية. وأصرت الأميرة على الرغم من السل الذي كان يهدد كيانها، على تشريف العرض الأول بجمالها المحموم. وفي نهاية المشهد الثاني دعي باليسو إلى مقصورتها، وعانقته على مرأى من الناس، ثم حملوها إلى دارها (32) لأنها كانت تسعل دماً. ومثلت مسرحية الفلاسفة أربع عشرة مرة في تسعة وعشرين يوماً.

وفي الوقت نفسه انضم إلى الحملة على الكفار شخصية كبرى. فإن جان جاك لي فرانك مركيز دي بومبينان، أحد حكام الأقاليم، كتب قصائد وروايات ممتازة إلى حد فاز معه في الانتخابات للأكاديمية الفرنسية. وفي الخطاب الذي ألقاه بمناسبة قبوله عضواً فيها، قال جان مستنكراً:"هذه الفلسفة المضللة الخداعة التي تقول عن نفسها إنها لسان حال الحق، وما هي إلا أداة للافتراء وتشويه السمعة، إنها تتبجح بالاعتدال والتواضع، ولكن تنتفخ أوداجها زهواً وكبرياء. أن أتباعها الذين يتجرءون ويتعالون ويتيهون عجباً بأقلامهم يرتعدون فرقاً في حطة حياتهم، وليس ثمة شيء يقيني في مبادئهم، وليس ثمة غناء في أخلاقهم، ولا قاعدة للحاضر ولا هدف للمستقبل"(33).

وامتدح لويس الخامس عشر هذا الخطاب. وسخر منه فولتير في نشرة من سبع صفحات لا تحمل اسم الكاتب، عنوانها "عندما" لأن كل فقرة

ص: 230

فيها بدأت بكلمة "عندما" وعلى سبيل المثال. "عندما يحظى إنسان بشرف الاستقبال في جمعية كريمة من رجال الأدب. فليس من الضروري أم يكون خطاب الاستقبال هجاء لرجال الأدب، لأن في هذا إساءة للجمعية وللجمهور. وعندما لا يكاد الإنسان يكون أدبياً إلا بشق النفس، ولا يكون على الأقل فيلسوفاً، فلا يجمل به أن يقول إن أدب أمتنا زائف وفلسفتها عقيمة

"

وهكذا في أسلوب غير رائع. ولكن موريليه أتبع هذه النشرة بنشرة أخرى كبيرة تكرر فيها لفظ "إذا" وسرعان ما صدرت بعد ذلك نشرة امتلأت بلفظة "لماذا" ثم أصدر فولتير نشرات متوالية زاخرة بالألفاظ: "من، الذي، نعم، لا لماذا"، وهرب بومبينان من هذه العاصفة إلى بلدته مونتويان، ولم يظهر قط في الأكاديمية ثانية. ولكنه عاد إلى الصراع في 1772 بكتاب اسمه "الدين يثأر من الشكوكية بالشكوكية نفسها" وبسط وجهة نظره في أن المذهب المادي (المادية) لم يترك أي وازع للأخلاق والفضيلة، وإذا لم يكن هناك شيء جائز أو مرخص به، وكل ما نحتاجه هو أن نتملص من الشرطة. وتساءل المركيز: إذا لم يكن هناك إله فكيف تقنع الناس بأن يرضوا بوضع التبعية والخضوع الذي وضعتهم الجمهورية فيه (34)؟

وقال الكاهن جالياني، الذي جاء من نابلي إلى باريس 1761، وتألق في الصالونات لمدة ثماني سنوات-الذين أحبوه-إن دعوة بعضهم إلى "إتباع الطبيعة" نصيحة مجنونة تهبط بالإنسان المتحضر إلى الوحشية والهمجية (35) وإن شواهد التدبير الإلهي المقصود في الكون بارزة جلية (36) وإن التشكك أدى إلى الفراغ العقلي واليأس الروحي:

"بسبب تنوير أنفسنا وجدنا فراغاً أكثر مما وجدنا امتلاء

وهذا الفراغ الذي ألح على أنفسنا وعلى خيالنا هو السبب الحقيقي في كآبتنا (37) .. وبعد كل مل قيل وما عمل فالتشكك هو أعظم محاولة تبذلها روح الإنسان

ص: 231

ضد غرائزه وفطرته وأذواقه

إن الناس في حاجة إلى التيقن

أن الغالبية من الناس وبخاصة النساء (وخيالهن ضعف خيالنا) لا يمكن أن يكونوا "لا إداريين"، وإن هؤلاء القادرين على اعتناق مذهب اللاإدارية (الذين يعتقدون أن وجود الله وطبيعته وأصل الكون أمور لا سبيل إلى معرفتها)، لا يستطيعون أن يبقوا على مذهبهم إلا بسمو شباب نفوسهم وقوتها، فإذا هرمت النفس وولى شبابها يعود بعض الإيمان إلى الظهور ثانية (38) .... إن اللاإدارية يأس له ما يبرره" (39).

وضد جالياني اللامع، وبرجييه العالم الفقيه وبرتييه الدمث، وفريرون المجد المكافح وبومبينان النبيل ذي اللقب، وياليسو المرهق، ومورو الثرثار، استخدم الفلاسفة ضد هؤلاء جميعاً كل أسلحة الحرب الفكرية، من العقل والسخرية إلى الرقابة والقدح والذم. وتخلى فولتير عن هدوئه وغامر بأمنه وطمأنينته ليرد في شيء من الدعاية أكثر منه بالمحاجة والجدل غالباً، على كل من يهاجم الفلاسفة والعقل، فكتب إلى ديدرو "أرسل إليّ أسماء هؤلاء الرفاق التعساء، وسأعاملهم بما يستحقون"(40).

وكان من الصعب التعرض لمورو لأنه كان أمين المكتبة، وكان مؤرخ الملكة. وكان من الممكن التشهير ببومينان بالتفاصيل الصغير، والنبل من بالبسو بالتورية والتلاعب بالألفاظ، وهكذا كتب مارمونتيل قطعة من المتعذر ترجمتها "هذا الرجل كان اسمه ذات يوم بالي، وفي البداية أسموه بالي الغبي، ثم بالي المنحط وبالي الأحمق، وبالي العقيم وبالي البارد. وتتويجاً لهذا التقريع المطول العنيف وختماً لهذه المقطوعة الهجائية، وجاءت الكلمة المناسبة على لفور. فأسموه بالي المغفل، وهبوطاً إلى مستواك يجب علينا، أنا واللفظة أن نمزح مرحاً صاخباً، تأمل وفكر إذا استطعت أن تستخدم تلك الآلة ولكن لا تكتب، بل اقرأ "أيها الأحمق".

وأجل ديدرو الانتقام حتى يسرد فجور باليسو وفسقه في كتابه "أين أخي رامر"(41) وكاد ألا يكون جديراً بفيلسوف، ولكنه تورع عن

ص: 232

نشرة، ولم يدفع به إلى المطبعة الفرنسية إلا بعد وفاة فريسته أو غريمه. على أن موريليه أخرج على الفور كتاباً لا يهزأ فيه من باليسو وحده بل كذلك من "حاميته" الآنسة دي روبيك-واستصدر أحد أصدقائها في البلاط الملكي أمر بإيداع موريليه سجن الباستيل (11 يونيه 1760) وحصل روسو على أمر بإطلاق سراحه، ولكنه قطع علاقته بالفلاسفة منذ ذلك الوقت. ولطخ باليسو انتصاره بالانغماس في اللهو والشراب. وفي 1778 انحاز إلى جانب أنصار فولتير، وانضم ثانية إلى الفلاسفة.

ووقعت أشد ضرباتهم على رأس فريرون. ووصفه ديدرو في ابن أخي رامو (42) بأنه "واحد من جماعة الأدباء المأجورين المبتذلين الذين عاشوا على مائدة الثرى (المليونير) برتان". وخصص فولتير إحدى مقطوعاته الساخرة لفريرون، حيث يقول "بالأمس القريب، في أحد الأدوية لدغ ثعبان جون فريرون، فماذا نظن قد حدث آنذاك؟ لقد مات الثعبان.

ومن أمثلة البذاءة التي أساءت إلى سمعة فولتير والقرن الثامن عشر وصفه لفريرون بأنه "الدودة التي خرجت من إست ديفونتين"(43). ولكن الهجوم الأكبر ورد في رواية فولتير "المرأة الإسكندرية" التي بدأ تمثيلها على المسرح الفرنسي في 26 يوليو 1760 حيث كانت محاكاة ساخرة لرواية باليسو "الفلاسفة" مع مبالغات واضحة في أنها نسبت إلى ضحاياه مسئولية هزائم الجيوش الفرنسية في الرحوب وانهيار مالية الدولة. وصور فريرون على أنه كاتب مأجور مبتذل تافه في شارع جرب Grup street ( شارع اشتهر بها الاسم سابقاً)، جاء بالرجس والعار في كل فقرة كتبها نظير بستول واحد (عملة أسبانية أوربية). ومن بين النعوت التي أطلقت عليه في رواية فولتير: وغد، ضفدع الطين (شخص تافه)، كلب، جاسوس، سحلية، ثعبان، موطن النجس والقذارة (44). واتبع فولتير نفس العادة المألوفة فملأ المسرح بأصدقائه أو "بالأخوة" ونافست

ص: 233

هذه الرواية رواية باليسو في شعبيتها وإقبال الجمهور على مشاهدتها، ومثلت ست عشرة مرة في خمسة أسابيع. وخرج فريرون من العاصفة سالماً بحضوره العرض الأول مع زوجته الجميلة، وواضح أنه كان أول المصفقين. وتبين فولتير مزاج غريمه. فإذا سأل زائر عمن يؤخذ رأيه في قيمة الكتب الجديدة أو مزاياها، أجاب فولتير بقوله "ارجعوا إلى هذا الوغد فريرون

إنه الرجل الوحيد الذي له ذوق. إني مضطر إلى الاعتراف بهذا على الرغم من أنني لا أحبه" (45).

‌3 - سقوط اليسوعيين

كشف الانهيار السريع "لجمعية يسوع" عن روح العصر ومزاجه، ولو أن هذا السقوط نتيجة لتصرف برلمان باريس أكثر منه نتيجة لعمل الفلاسفة. أن مؤسسها أطلق عليها اسم "عصبة (شركة) يسوع" وأقرها البابا بول الثالث 1540 تحت اسم مجتمع يسوع-أي هيئة دينية تتبع قاعدة محددة، تعيش على الصدقات. وقد أصبح هؤلاء "اليسوعيين" كما سماهم النقاد-على مدى قرن من الزمان أقوى جماعة من رجال الدين في كنيسة الكاثوليكية، وما وافى عام 1575 حتى كانوا قد أسسوا في فرنسا وحدها اثنتي عشر كلية، وسرعان ما سيطروا على تعليم الشباب في فرنسا. ولمدة مائتي عام اختار ملوك فرنسا كهنة اعترافهم من بينهم، وحذا سائر الحكام الكاثوليك حذوهم. وبهذه الوسيلة وغيرها من الوسائل بات لهؤلاء اليسوعيين أو "جماعة يسوع" أبلغ الأثر في تاريخ أوربا بأسرها.

ومنذ بداية عهد اليسوعيين في باريس تقريباً كان البرلمان والسوربون يقاومانهم. وفي 1594 اتهمهم برلمان باريس بأنهم كانوا وراء محاولة جان شاتيل الاعتداء على حياة هنري الرابع. وفي 1610 اتهمهم البرلمان بتحريض رافياك على قتل الملك، وأيد البرلمان هذه الاتهامات بالإشارة إلى بحث اليسوعي الأسباني ماريانا الذي دافع فيه عن مشروعية قتل الملوك في

ص: 234

ظروف معينة. ولكن جماعة يسوع ازدادت عدداً وقوة وسلطاناً وسيطرت على سياسات لويس الرابع عشر الدينية، وأدت به إلى مهاجمة الجانسنيين في بورت رويال، على أنهم كلفنيون تحت شعار أنهم كاثوليك. ولا تزال الأقلية المتعلمة تذكر "الرسائل الإقليمية" التي كتبها بسكال 1656، ومع ذلك فأنه في 1749 كانت جماعة يسوع تضم 3350 عضواً في فرنسا من بينهم 1763 كاهناً. وبرزوا بين رجال الدين في فرنسا بوصفهم أحسن العلماء والباحثين وأبرع اللاهوتيين وأفصح الوعاظ، واتقى المدافعين عن الكنيسة، وأنشطهم وأنجحهم، وأسهموا في كثير من العلوم، وأثروا في تطوير الفنون، وكانوا بإجماع الآراء أفضل المعلمين في أوربا. وكانوا يتميزون بصرامة أخلاقهم، ومع ذلك لجئوا إلى كل ألوان التحايل للتخفيف من متطلبات الأخلاق المسيحية عند الرجل العادي، وحتى مع هذا لم يتغاضوا قط عن فسق النبلاء والملوك وفجورهم، وبفضل إعدادهم أو تربيتهم الشاقة ومثابرتهم الصابرة، جعلوا من أنفسهم قوة تسيطر على سياسات الملوك وعقول الناس. وبدا في بعض الأحيان أن أوربا بأسرها قد تدعن لصلابة إرادتهم المتحدة المتميزة بالنظام والانضباط.

أن قوة اليسوعيين هي تقريباً التي قضت عليهم. وبدا واضحاً كل الوضوح لدى الملوك أن تأييد اليسوعيين لسلطة البابا المطلقة في مسائل الإيمان والأخلاق وغيرها، إذا لم يوضع له حد سيجعل من كل الحكام المدنيين أتباعاً للباباوات، ويعيد سلطان روما الإمبراطورية. أنهم ولو أنهم كانوا أقرب الجماعات إلى آذان الملوك، دافعوا عن حق الشعب في خلع الملك. أنهم ولو أنهم كانوا متحريين نسبياً في اللاهوت والأخلاق، وسعوا إلى التوفيق بين العلم والكنيسة، فأنهم شجعوا روع الناس بتأييدهم دعوى مرجريت ماري الاكوك بأن المسيح كشف لها عن "قلبه المقدس" الذي يتحرق حباً للبشر. إنهم أنشئوا وبنوا عقول ديكارت وموليير وفولتير

ص: 235

وديدرو، لمجرد أن يروا هؤلاء الرجال اللامعين ينقلبون عليهم وعلى نظام التعليم اليسوعي.

وأتهم منهج المدارس اليسوعية بتعلقه الشديد وحرصه البالغ على اللغة اللاتينية، إلى حد أنه عوق نمو المعرفة باستبعاد كل شيء اللهم إلا الأفكار التقليدية. إنهم اعتمدوا أكثر مما ينبغي على الذاكرة، وعلى الطاعة العمياء السلبية. ومن ثم فإن قيمة الدراسة فقدت كثيراً بسبب حاجة العصر إلى قدر أكبر من الاستفادة بالعلوم، وإلى نظرة أكثر واقعية إلى الحياة البشرية. وعلى ذلك فأن دالمبير في مقاله عن "الكلية" في الموسوعة رثى للسنوات الست التي قضاها الطلبة في المدارس اليسوعية في دراسة لغة ميتة، وأوصى بمزيد من الاهتمام باللغتين الإنجليزية والإيطالية والتاريخ والعلوم والفلسفة الحديثة. وأهاب بالحكومة أن تسيطر على التعليم، وتدخل منهجاً جديداً للدراسة في مدارس جديدة. وفي 1762 نشر روسو كتابة "إميل" أعلن فيه ثورة على التعليم.

ومهما يكن من أمر فأن الفلاسفة كانوا عاملاً أقل شأناً في سقوط اليسوعيين في فرنسا. إن نوعاً من الهدنة المتبادلة خيم على العداء المتبادل، ذلك أن الكفار احترموا علم اليسوعيين وخلقهم، وهؤلاء من جانبهم كانوا يأملون بالأناة والصبر في معالجة الأمور في أن يعيدوا هؤلاء المتشككين الخطائين إلى حظيرة الدين القويم. ووجد فولتير أنه من العسير عليه أن يشن الحرب على معلميه السابقين. وكان قد أرسل روايته "هنرياد" إلى الأب بوري راجياً أن يصحح ما قد يكون فيها من فقرات تسيء إلى الدين (46). وفي كتابه "معبد الذوق" كان قد امتدح في اليسوعيين تقديرهم لقيمة الأدب وكثرة استخدامهم للرياضيات في تعليم الشباب. وتجاوبت معه صحيفة تريفو بنشر تقريظ لرواية هنرياد، وكتابي "شارل الثاني" و "فلسفة نيوتن". وانتهى هذا الاتفاق شبه الودي حين لحق فولتير بفردريك في بوتسدام، فتخلى عنه زعماء اليسوعيين عند ذاك باعتباره نفساً ضائعة. ولكن

ص: 236

في أواخر 1757 حاول بعضهم التوفيق بين فولتير وجماعة يسوع (47). وفي فرني (في 1758 وما بعدها) احتفظ فولتير بعلاقات ودية مع اليسوعيين المحليين واستمتع نفر منهم بكرم وفادته. وكان في نفس الوقت قد هاجم الكنيسة في مائة صحيفة في كتابه "رسالة في العادات والأعراف". كما كان يكتب مقالاً ضد المسيحية للقاموس الفلسفي. وعندما سمع بنبأ مهاجمة رئيس الوزراء كارفالو لليسوعيين في البرتغال (1757) وإحراق مالاجريدا اليسوعي (1764) شجب اتهامات كارفالو بأنها غير عادلة وإعدامه بأنه قسوة غاشمة (48). ولكنه طوال تلك السنوات كان هو نفسه في حرب مع كنيسة، وكانت كتابات "إخوته" ديدرو ودالميير وموريليه تسهم في إضعاف اليسوعيين في فرنسا.

وربما أسهمت المحافل الماسونية، المخصصة بصفة عامة لمذهب اليبوبية في عملية تقويض أركان اليسوعيين وإضعافهم. ولكن أقوى التأثيرات في المأساة كانت شخصية متعلقة بصراعات طبقية. ولم تستطع مدام دي بمبادور أن تنسى أن اليسوعيين قاموا كل خطوة في سبيل تسنمها مراقي العظمة السلطان، وأنكروا الغفران للملك مادام يحتفظ بها، ورفضوا أن ينظروا بعين الجد إلى عودتهما المفاجئة إلى التقوى والتمسك بأهداب الدين. وأعلن الكاردينال برنيس وكان لأمد طويل ذا حظوة لدى المركيزة، أن قمع حركة اليسوعيين في فرنسا يرجع أساساً إلى امتناع كهنة الاعتراف اليسوعيين عن منح الغفران لمدام دي بمبادور على الرغم من توكيداتها بأن علاقاتها بلويس الخامس عشر لم تعد جسدية (49). وردد الملك صدى استيائها: لماذا كان هؤلاء الكهنة متساهلين مع الآخرين، قساة متشددين مع المرأة التي أضاءت جوانب حياته المرهقة الموحشة؟ لماذا كانت تزداد ثروتهم المشتركة على حين كان هو يكافح من أجل الحصول على الاعتمادات اللازمة لجيشه وبحريته في حرب مشئومة تنذر بكارثة، ومن أجل ملابس عشيقته وأجور تدريبها وإعدادها في "منتدى

ص: 237

الظباء". وكان داميين قد حاولوا قتل الملك، ولم يكن لليسوعيين علاقة ظاهرة بهذه المحلولة ولكن كان لداميين كاهن اعتراف يسوعي. ألم يدافع أحد اليسوعيين المتوفين عن فكرة قتل الملك؟ وبدأ الملك يصغي إلى شوازيل وإلى بعض شبه أنصار فولتير في وزارته، ممن قالوا بأن الوقت قد حان لتخليص الدولة من ربقة وصاية الكنيسة، وإقامة نظام اجتماعي أخلاقي مستقل عن رجل الدين النزاعيين إلى تعويق انتشار المعرفة، وعن لا هوت العصور الوسطى. وإذا كانت دولة البرتغال الصغيرة الغارقة في الخرافة قد تجاسرت على طرد اليسوعيين فلم لا تقدم فرنسا المستنيرة على مثل هذا؟

وتأثر اليسوعيين بهذه العداوات المختلفة وأشتد الارتياب في أنهم ربطوا بلين فرنسا والنمسا في حرب السنين السبع، ومن ثم فأنهم تعرضوا لكراهية مفاجئة بشكل غريب. وبعد هزيمة الفرنسيين على يد فردريك في روسباخ، وبعد أن وصلت أقدار فرنسا إلى الحضيض وأصبح منظر الجنود المقعدين المشلولين مألوفاً في باريس، بات اليسوعيين هدفاً للنكات والشائعات والافتراءات المشوهة للسمعة حتى إلى حد الاتهام باللواط (50). واتهموا بالانهماك في متاع الدنيا وبالهرطقة وبجمع الثروة وبأنهم عملاء لدولة أجنبية. وأنتقد كثير من رجال الدين غير المنتسبين إلى طوائف لاهوتهم بأنه متحرر مما ينبغي، وإفتاءهم في قضايا الضمير والسلوك والأخلاق بأنه مفسدة للأخلاق، وسياستهم بأنها تقوم على ارتماء فرنسا في أحضان روما. وفي 1759 كتب دالمبير إلى فولتير "إن الأخ برتييه والمتواطئين معه لا يجرؤن على الظهور في الشوارع في هذه الأيام خشية أن يلقى الشعب بالبرتقال البرتغالي على رؤوسهم"(51).

وكان برلمان باريس أعظم القوى التي انقلبت على اليسوعيين عداء، وكانت هذه الجماعة تتألف من محامين وقضاة يتدثرون في أردية كثيبة رهيبة مثل الملابس الكهنوتية، وينتمون إلى طبقة "نبلاء الرداء".

ص: 238

إن هذه الأرستقراطية الثانية المنظمة تنظيماً جيداً، الذرية اللسان كانت ترقى مدارج السلطة والسطوة بسرعة، وكانت متلهفة على تحدي سلطان رجال الدين. وفوق هذا كانت غالبية برلمان باريس من الجانسنيين. وعلى الرغم من كل القمع عاناه الجانسنيون فإن هذا المذهب المتشدد، وهو نتاج تشدد القديس بولص في مسيحية المسيح وهي أيسر وأخف، اجتذب قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى في فرنسا، وعلى الأخص تلك العقول القانونية التي أحست منطقه، ورأت فيه وقفة قوية ضد اليسوعيين. واتضح الآن بما لا يدع مجالاً للشك أن اليسوعيين هم الذين ألحوا على لويس الرابع عشر لتعقب الجانسنيين إلى حد تدمير بورت رويال تدميراً تاماً، وإكراههم الشديد على قبول المرسوم البابوي البغيض الذي جعل من الجانسنية هرطقة أنكى من الإلحاد. فهل تحين الفرصة للرد على هذا الإيذاء بمثله والانتقام لمثل هذا الاضطهاد!

مهيأ اليسوعيين لبرلمان باريس هذه الفرصة. إنهم لعدة أجيال مضت قد اشتغلوا بالتجارة والصناعة، وسيلة لتمويل معاهدهم اللاهوتية وكلياتهم وبعثاتهم التبشيرية وسياستهم. إنهم في روما احتكروا كثيراً من نواحي الإنتاج والحرف والصناعات. وفي آنجرز بفرنسا أسسوا مصنعاً لتكرير السكر (52)، واحتفظوا بمراكز تجارية في كثير من الأراضي الأجنبية مثل جوا. وكانوا من أغنى المقاولين في مستعمرات أسبانيا والبرتغال في أمريكا (53). وجأرت المشروعات الخاصة بالشكوى من هذه المنافسة. حتى أن الكاثوليك الأفاضل تعجبوا كيف أن طائفة نذرت نفسها للتقشف مثل اليسوعيين تجمع مثل هذه الثروة. وكان من أنشط رجال الأعمال عندهم الأب انطوان دي لا فالت Valette الرئيس الأعلى لليسوعيين في جزر الأنتيل الذي أدار باسم الجماعة مزارع واسعة في جزر الهند الغربية واستخدم آلافاً من مبالغ ضخمة من مصارف مرسليا، ولسداد هذا القرض

ص: 239

أرسل فرنسا سفناً محملة بالبضائع التي تقدر قيمتها بمليوني فرنك (5 ملايين من الدولارات)، ولكن البوارج الإنجليزية استولت عليها سنة 1755 في مقدمات حرب السنين السبع. وأملاً في تعويض هذه الخسائر اقترض فالت مبالغ أكبر، ولكنه أخفق وأعلن إفلاسه، وهو مدين بمبلغ 2. 400. 000 فرنك. وطالب الدائنون بالدفع، وطلبوا إلى جماعة اليسوعيين الاعتراف بمسئوليتها عن ديون لا فالت. ورفض زعماء اليسوعيين زاعمين أنه تصرف بصفة فردية، لا باسم الطائفة، وأقام أصحاب المصارف دعوى على الجماعة فنصحهم الأب فري Fery الخبير السياسي لها في فرنسا بعرض الأمر على البرلمان. وتم هذا في مارس 1761، وتعلق مصير الطائفة بأيدي أقوى أعدائها. وفي الوقت نفسه أرسل أحد اليسوعيين رسالة سرية إلى الملك يوصي فيها بطرد شوازيل من الوزارة بوصفه عدواً للجماعة والدين، ودافع شوازيل عن نفسه بنجاح.

وانتهز البرلمان الفرصة ليقوم بفحص دستور الجماعة وقوانينها ومستنداتها التي تكشف عن تنظيم الجماعة وأنشطتها. وفي 8 مايو أصدر حكماً في مصلحة الشاكين، وأمر الجاعة بتسوية كل ديون لا فالت. فشرع اليسوعيين في عمل بعض التسويات مع الدائنين الأصليين (55). ولكن في 8 يوليو قدم الراهب Terray إلى البرلمان تقريراً عن "المذهب الخلقي والعملي لجماعة اليسوعيين". وعلى أساس هذا التقرير أصدر البرلمان في 6 أغسطس قرارين قضى أحدهما بإحراق عدد كبير من مطبوعات اليسوعيين في القرنين السابقين لأنها تعلم مبادئ "بغيضة تدعو إلى سفك الدماء" وتهدد أمن المواطنين والملوك، كما حرم الانضمام إلى عضوية الجماعة بعد الآن في فرنسا. كما قضى بأنه حتى أول إبريل 1762، يجب إغلاق كل مدارس اليسوعيين، اللهم إلا تلك التي تحصل على ترخيص من البرلمان باستمرار الدارسة فيها. أما القرار الثاني فأباح تقديم الشكاوى ضد سوء استخدام السلطة في الجماعة أو بواسطتها. وفي 29 أغسطس أوقف الملك تنفيذ هذين القرارين، ووافق

ص: 240

البرلمان على تعطيلها مؤقتاً حتى أول إبريل. وحاول الملك المنزعج الوصول إلى تسوية وسط. وفي يناير 1762 أرسل إلى كليمنت الثالث عشر وإلى لورنزو رتشي رئيس اليسوعيين اقتراحاً بأن تفوض منذ الآن فصاعد كل سلطاته في فرنسا إلى خمسة من القساوسة الإقليميين يقسمون اليمين على طاعة القانون الفرنسي، ومواد قانون 1682 التي أحلت الكنيسة الفرنسية في الواقع من الخضوع للبابا. وفوق ذلك يجب أن تكون المدارس اليسوعية خاضعة لتفتيش البرلمانات. ولكن البابا وريتشي رفضا الاقتراح في شيء من التحدي "فليبق اليسوعيون كما هم أو لا يبقون مطلقاً"(56). ولمصلحة جماعة اليسوعيين أهاب كليمنت برجال الدين الفرنسيين مباشرة. وفي هذا خرق للقانون الفرنسي. ورفض رجال الدين الفرنسيون رسالة البابا وأحيلت إلى الملك الذي أعادها إلى البابا.

ودخلت البرلمانات الإقليمية الآن حلبة النزاع وأضافت بعض التقارير التي تلقتها مزيداً من الاتهامات الموجهة إلى اليسوعيين. وتأثر برلمان رن Rennes في بريتاتني بالتقرير الذي قدمه النائب العام لويس رينيه دي لاشالوتيه في 1761 - 1762 عن "نظام اليسوعيين" الذي اتهم فيه الجماعة بالهرطقة والوثنية والأعمال غير المشروعة والدعوة إلى قتل الملوك، وأكد أنه لزام على كل يسوعي أن يقسم يمين الطاعة المطلقة للبابا ورئيس الطائفة الذي كان يقيم في روما. وأنه بناء على ذلك تكون الجماعة بمقتضى دستورها خطراً يهدد فرنسا ومليكها، ومن ثم ألح التقرير على أن يكون تعليم الأطفال حقاً مطلقاً للدولة لا مراء فيه. وفي 15 فبراير 1762 أمر برلمان روان كل اليسوعيين في نورمندي بإخلاء دورهم وكلياتهم وعزل كل المديريين الأجانب، وقبول القانون الفرنسي. وصدرت قرارات مماثلة من البرلمانات في رن، اكس أن بروفانس، بو، بريبنان، تولوز، وبوردو. وفي أول إبريل أمر برلمان باريس بتنفيذ قراراته ونقل إدارة المدارس اليسوعية في دائرة اختصاصه إلى مديرين آخرين.

ص: 241

وحاول رجال الدين الذين لا ينتمون إلى طوائف على الرغم من أنهم من الناحية التقليدية يحقدون على اليسوعيين، نقول حاولوا إنقاذهم، ووجهت جمعية من الأساقفة الفرنسيين في أول مايو نداء إلى الملك من أجل هذه الطائفة: التي هي نظام مفيد للدولة

وهم جماعة من المتمسكين بالدين الجديرين بالثناء، لنزاهة أخلاقهم وشدة انضباطهم، واتساع نطاق نشاطهم وعملهم وسعة إطلاعهم وعملهم، والخدمات التي لا تحصى التي قدموها للكنيسة

إن كل شيء يا صاحب الجلالة يناشدك العطف على اليسوعيين.

إن الدين يرى فيهم المدافعين عنه، وترى فيهم الكنيسة خدامها، كما يرى فيهم المسيحيون حراساً على ضمائرهم، إن عدداً كبيراً ممن كانوا تلاميذهم يتشفعون لديك من أحل معلميهم القدامى. وإن كل شباب مملكتك يدعون ويصلون من أجل أولئك اليسوعيين الذين يشكلون عقولهم وقلوبهم. نرجو يا مولاي أن تعير أذناً صاغية إلى توسلاتنا التي أجمعنا على تقديمها إلى جلالتكم (57).

وأضافت الملكة وبناتها والدوفين وغيرهم من حزب المتدينين في الحاشية تضرعاتهم من أجل اليسوعيين. ولكن شوازيل وبمبادور نصحا الملك آنذاك قطعاً بالإذعان للبرلمان وإغلاق المدارس اليسوعية. وذكرا لويس بأن عليه أن يفرض ضرائب جديدة، وأن هذا يتطلب موافقة البرلمان. وعلى حين كان الملك متردداً بين هذه النصائح المتضاربة، اتخذ البرلمان خطوات حاسمة. وفي 6 أغسطس 1762 أعلن أن جماعة يسوع لا تلتئم مع قوانين فرنسا، وأن الأيمان التي أقسمها الأعضاء، طغت على ولائهم للملك، وأن خضوع الجماعة لسلطة أجنبية جعل منها هيئة أجنبية داخل دولة مفروض أنها ذات سيادة. وبناء على ذلك أصدر البرلمان أمراً بحل الجماعة في فرنسا، وبتخلي كل الجزويت في بحر ثمانية أيام عن كل ممتلكاتهم في فرنسا، فأعلن أنها صودرت لجانب الملك.

وأخر الملك تنفيذ هذا القرار تنفيذاً كاملاً لمدة ثمانية شهور. ورفض

ص: 242

برلماناً بيزانسون ودواي الامتثال لهذه القرارات، على حين أطال ثلاثة برلمانات ديجون وجرينوبل ومتز الجدل والمناقشة كسباً للوقت. ولكن برلمان باريس أصر. وأخيراً في نوفمبر 1764 أمر لويس بوقف نشاط جماعة اليسوعيين وقفاً تاماً في فرنسا. وبلغت قيمة الممتلكات المصادرة نحو 58 مليوناً من الفرنكات (58)، وربما ساعد هذا على موافقة الملك على حل هذه الطائفة. وخصص معاش ضئيل لليسوعيين السابقين، وسمح لهم بالبقاء في فرنسا لبعض الوقت. ولكن في 1767 قرر البرلمان وجوب مغادرة كل اليسوعيين السابقين أرض فرنسا. وتبرأ قليل منهم من الطائفة وبقوا في فرنسا.

وكان رحيلهم موافقاً للنبلاء والطبقة الوسطى والمثقفين ورجال الأدب والجانسنيين، ولكن لم يرقَ في أعين بقية الأهالي. واستنكر كريستوف دي بومونت رئيس أساقفة تصرفات البرلمان بشدة، وعبرت مجموعة رجال الدين الفرنسيين (1765) بالإجماع عن حزنها وأسفها لحل الجماعة ودعت إلى إعادتها. وأعلن البابا كليمنت الثالث عشر في مرسومه الرسولي براءة اليسوعيين، فأحرق المدعي العام المرسوم في شوارع عدة مدن، على أساس إن البابوات ليس لهم حق مشروع في التدخل في شؤون فرنسا (59). ورحب الفلاسفة في أول الأمر بطرد اليسوعيين باعتباره انتصاراً مشجعاً للفكر الحر. وأورد دالمبير في سرور تعليق جان أستروس العالم الباحث في الأسفار المقدسة، والذي قال فيه "إن الموسوعة، لا الجانسنيين، هي التي قضت على اليسوعيين (60). وزادت الآن بسرعة مطبوعات الفكر الحر. وفي عقد السنين التي تلت عملية الطرد، قارب دي هولباخ ومعاونيه حد الإلحاد.

وهما يكن من أمر فثمة تفكير ثانٍ، وهو أن الفلاسفة أدركوا أن الانتصار يرجع إليهم أقل مما يرجع إلى الجانسنيين والبرلمانات، وأن الفكر الحر ترك ليواجه عدواً أشد تعصباً من اليسوعيين بكثير (61). وعبر دالمبير في كتابه "تاريخ القضاء على اليسوعيين" عن ابتهاج يسير بمصيرهم:

ص: 243

يقيناً أن العدد الأكبر منهم، الذين لم يكن لهم صوت في إدارة الأمور كان يجدر ألا يتحملوا وزر أخطاء رؤسائهم، إذا كان هذا التفريق بين هؤلاء جائزاً من الوجهة العملية. وهناك آلاف من الأبرياء خلطنا مع الأسف بينهم وبين عشرين شخصاً مذنبين

إن القضاء على جماعة يسوع سيعود بأكبر النفع على العقل، شريطة ألا يرقى تعصب الجانسنيين إلى مستوى تعصب اليسوعيين.

وإذا كان لنا أن نختار بين هاتين الطائفتين، فإننا نؤثر جماعة يسوع التي هي اقل طغياناً وجوراً. فإن الجزويت الذين يخدمون الناس ويتكيفون معهم، شريطة ألا يعلن المرء عداءه لهم أجازوا للمرء أن يفكر كيفما يشاء. أما الجانسنيون فإنهم يفرضون على كل الناس أن يفكروا كما يفكرون هم. وإذا قدر لهم أن يسودوا لفرضوا على الناس تحكماً شديداً في الأذهان والكلام والأخلاق (62).

وكأنما أراد برلمان باريس الذي سيطر عليه الجانسنيون أن يضرب أمثلة توضح وجهة النظر هذه فأصدر في نفس عام 1762 الذي أمر فيه بحل جماعة يسوع أمراً بإحراق كتاب روسو "إميل القرن الثامن عشر"، وهو كتاب لا يتعارض مع الدين نسبياً. وفي تلك السنة أعدم برلمان تولوز الذي تحكم فيه كذلك، جان كالاس، وأحرق برلمان باريس في 1765 قاموس فولتير الفلسفي. وبعد ذلك بعام واحد ثبت حكم التعذيب والإعدام الصادر على الشاب شيفالييه دي لابار من محكمة آبفيل.

وفي 25 سبتمبر 1762 كان دالمبير قد كتب إلى فولتير: "هل تعلم ماذا سمعت عنك بالأمس؟ سمعت أنك بدأت ترثي لحال اليسوعيين، وأنك واقع تحت إغراء الكتابة في مصلحتهم"(63) لقد كان في قلب فولتير دائماً رصيد من شفقة والعطف، والآن وقد بدا أن المعركة ضد جماعة يسوع قد كسبت تماماً فإنه كان يسمع أصواتاً من اللوم والعتاب من معلميه الذين قضوا نحبهم. وأخذ إلى داره في فرني أحد اليسوعيين السابقين،

ص: 244

هو الأب آدم الذي تسلم صدقاته، وغلبه دائماً في الشطرنج. وأحذر فولتير شالوتيه بقوله "احترس حتى لا يوقع الجانسنيون يوماً من الضرر والأذى قدر ما أحدث اليسوعيون .... وماذا يفيدني أن أتخلص من الثعالب إذا أسلم ني للذئاب"(64). أنه خشي أن يعمد الجانسنيون مثل البيوريتانيين في القرن السابع عشر في إنجلترا إلى إغلاق المسارح، والمسرح كل هوى نفسه الأثير لديه تقريباً، ومن ثم كتب إلى دالمبير "كلن اليسوعيون ضروريين، وكانوا ضرباً من التسلية، وكنا نسخر منهم، أما الآن فسوف يسحقنا المتحذلقون"(65). وكان على استعداد للصفح عن اليسوعيين لمجرد أنهم أحبوا الآداب القديمة والمسرحية (66).

وشاركه صديقه وعدوه فردريك الأكبر في هذه المشاعر. وسأل الأمير دي لين 1764: "لماذا قضوا على مستودع نفائس أثينا وروما، معلمي الإنسانيات وربما الإنسانية الممتازين، وهم اليسوعيون؟ أن التعليم سيعاني من القضاء عليهم .... ولكن حيث أن الأخوة الملوك الأكثر كثلكة ومسيحية وإخلاصاً وإيماناً ورسولية قد طردوهم، فإني وأنا الأكثر هرطقة سأجمع أكبر عدد منهم وأحافظ عليهم"(67).

وعندما أنذر دالمبير بأنه سوف يأسف لهذا الود واللطف وذكره بأن اليسوعيين كانوا يعارضون غزوه لسيليزيا أنب الملك الفيلسوف بقوله:

"لا تنزعج من أجل سلامتي. أني ليس لدي ما أخشاه من اليسوعيين، إنهم يستطيعون تعليم شباب البلاد وهم أقدر على ذلك من غيرهم-حقاً إنهم كانوا يعارضونني أثناء الحرب، ولكنك بصفتك فيلسوفاً يجدر بك ألا تلوم أحداً لكونه عطوفاً رحيماً مشرباً بالروح الإنسانية تجاه أي فرد من الجنس البشري مهما كان من أمر دينه أو الجماعة التي ينتمي إليها. حاول أن تكون فيلسوفاً أكثر منك ميتافيزيقياً"(68).

وعندما حل البابا كليمنت الرابع عشر جماعة يسوع بأسرها 1773 أبى فردريك السماح بنشر المرسوم البابوي في مملكته. وظل اليسوعيون يحتفظون بممتلكاتهم وأعمالهم في بروسيا وسيليزيا.

ص: 245

ولم تعكر كاترين الثانية صفو اليسوعيين الذين وجدتهم في الجزء الذي استولت عليه من بولندا 1772، وبسطت حمايتها على اليسوعيين الذين دخلوا إلى روسيا فيما بعد. وثابروا وصبروا في جد متواصل حتى عودتهم (1814).

‌4 - التعليم والتقدم

ولكن من ذا الذي يتولى الآن تعليم شباب فرنسا بعد أن ذهب اليسوعيون؟ هنا حدثت فوضى، ولكن حدثت كذلك ثورة وانقلاب في عالم التربية والتعليم.

إن شالوتيه وهو بعد متحمس لاتهامه لليسوعيين، وانتهز الفرصة وقدم لفرنسا رسالة عن التعليم القومي (1763) هلل لها الفلاسفة مرحبين بها. والآن كانت دعواه تقوم على أساس أنه لا يجدر بالمدارس الفرنسية أن تنتقل من أخوة دينية (طائفة) إلى أخرى-على سبيل المثال من طائفة "الأخوة المسيحيين" إلى "طائفة الأوراتوريين". أنه لم يكن ملحداً، إنه على الأقل رحب بتدعيم الدين للفضيلة والأخلاق القويمة، إنه يود تلقينها وإحلالها المحل اللائق بها، ولكنه لا يرضى بسيطرة رجال الدين على التعليم. وسلم بأن كثيرين منهم كانوا معلمين ممتازين لا ينافسهم أحد في صبرهم وجلدهم وإخلاصهم، ولكنه احتج بأن تحكمهم في فصول الدراسة بغلق الأذهان أن عاجلاً أو آجلاً دون الفكر الأصيل، يغرس في نفوس التلاميذ والولاء لدولة أجنبية، ويجب أن تلقن مبادئ الأخلاق مستقلة عن أي مذهب ديني "يجب أن يكون لقوانين الأخلاق الأسبقية على كل القوانين سماوية كانت أو بشرية، وينبغي أن تستمر ولو لم تعلن هذه القوانين الأخيرة مطلقاً"(69). إن شالوتيه كذلك رغب في غرس المبادئ ولكن كذلك أراد تلقين المثل العليا الوطنية (70)"إني أطالب للأمة بتعليم يعتمد على الدولة وحدها (71) ". ويجب أن يكون المعلمون علمانيين، وإذا كانوا كهنة فيجدر ألا يكونوا من المنتمين لطائفة دينية. ويجب أن يكون الغرض من التعليم هو إعداد الفرد

ص: 246

لا السماء بل الحياة، ولا للطاعة العمياء بل للخدمة الممتازة في مجالات المهن والإدارة وفنون الصناعة، ويجب أن تكون الفرنسية لا اللاتينية لغة التعليم، ويجب أن يخصص للغة اللاتينية وقت أقل وللإنجليزية والألمانية زمن أكبر. ويجب أن يشتمل المنهج على قدر كبير من العلوم. ومن أدنى المراحل حتى الأطفال بين سن الخامسة والعاشرة يمكن استيعاب مبادئ الجغرافيا والفيزياء والتاريخ الطبيعي. كذلك التاريخ ينبغي أن يكون له مكان أكبر في التعليم المدرسي. "ولكن الذي يعوز في العادة من يكتبون التاريخ ومن يقرئون التاريخ على حد سواء هو الذهن الفلسفي"(72). وهنا قلد شالوتيه فولتير إكليل الغار وشهد له بالسبق في هذا المضمار. وفي المراحل المتأخرة يجب أن يكون ثمة تعليم الفن وتربية الذوق. ويجب توفير الوسائل لتعليم الإناث، ولكن ليس من الضروري تعليم الفقراء، فإن لبن الزراع لن يتعلم في المدرسة خيراً مما قد يتعلم في الحقل، وإن تعليمه شيئاً غير هذا سيجعله غير راضٍ عن طبقته.

وصعق هلفشيوس وترجو وكوندورسيه لهذا الرأي الأخير، ولكن فولتير استحسنه وكتب إلى شالوتيه "أشكرك على تحريم التعليم على العمال. وأنا الذي أزرع الأرض احتاج إلى عمال يدويين لا إلى رجال دين حليقي الرؤوس، أرسل إليّ أخوة جهلة حقاً ليقودوا مركباتي أو يهيئوها للاستخدام"(73). وكتب إلى داميلا فيل الذي كان قد اقترح التعليم للجميع "أشك في أن أولئك الذين يكسبون قوتهم باستخدام عضلاتهم يكون لديهم فسحة من الوقت ليتعلموا، وسيموتون جوعاً قبل أن يصبحوا فلاسفة

وليس العامل اليدوي هو الذي يجب أن نعلمه بل البرجوازي ساكن المدينة" (74). وفي مواضع أخرى تنازل فأيد تعليم الجميع التعليم الابتدائي، ولكنه كان يأمل في تقييد التعليم الثانوي إلى حد يسمح بترك فئة كبيرة من العمال اليدويين ليقوموا بالأعمال البدنية في المجتمع (75). إن أول مهمة للتعليم في رأي فولتير هي وضع حد للتعليم الكنسي الذي رأى أنه مسئول عن الخرافات التي امتلأت بها عقول الجماهير وعن تعصب الناس.

ص: 247

وبناء على طلب كاترين الثانية 1773 رسم ديدرو "خطة جامعة لحكومة روسيا". واستنكر مثل شالوتيه المنهج التقليدي في عبارات نسمعها نحن اليوم:

"لا يزال يدرس في كلية الآداب لغتان ميتتان لا يستخدمهما إلا نفر قليل من المواطنين، وهاتان اللغتان تدرسان لمدة ست أو سبع سنوات دون أن يحفظا. وتحت اسم البلاغة يدرس فن الكلام قبل فن التفكير، وتحت اسم المنطق يملأ الرأس بتفاصيل دقيقة من أرسطو

وتحت اسم الميتافيزيقيا تبحث نقاط تافهة معقدة تضع أساس التشكك والتعصب كليهما. وهناك تحت اسم الفيزياء نزاع لا حد له حول المادة ونظام العالم دون كلمة واحد عن التاريخ الطبيعي (الجيولوجيا والميبولوجيا). أو عن الكيمياء وعن حركات الأجسام وجاذبيتها. وهناك تجارب قليلة جداً. ولا تزال الدراسة التشريحية قليلة وليس هناك جغرافيا (76).

ونادى ديدرو بسيطرة الدولة على التعليم وبمعلمين مدنيين، ومزيد من العلوم. فينبغي لان يكون التعليم عملياً يخرج الزراعيين والفنيين المتخصصين والأفراد العلميين والمديرين. ويجب ألا تدرس اللغة اللاتينية إلا بعد سن السابعة عشرة، ويمكن حذفها كلية إذا لم يتطلع الطالب إلى استخدامها. ولكن لا يمكن أن يكون الإنسان أدبياً دون معرفة باليونانية واللاتينية (77). وحيث أن العبقرية قد تظهر في أية طبقة فينبغي أن تكون المدارس مفتوحة أمام الجميع دون أجر، ويجب أن يقدم الطعام للفقراء ويزودوا بالكتب بالمجان (78).

وإذ هوجمت الحكومة الفرنسية على هذا النحو فأنها جاهدت لتفادي توقف التعليم نتيجة كطرد اليسوعيين، وخصصت الممتلكات المصادرة من الطائفة إلى حد كبير لإعادة تنظيم المدارس الخمسمائة في فرنسا. وجعلت هذه المدارس جزء من جامعة باريس. وحولت كلية لويس الأكبر إلى مدرسة للمعلمين لتدريب المدرسين، وحددت الرواتب على أساس بدا معقولاً.

ص: 248

وأعفي المدرسون من الضرائب البلدية ووعدوهم بمعاش تقاعد عند انتهاء الخدمة. وقبل البنكتيون والأوراتوريون والأخوة المسيحيون الانخراط في سلك المعلمين، ولكن الفلاسفة شنوا حملة أحدثت أثراً يذكر. وظل المذهب الكاثوليكي جزءاً هاماً في المنهج ولكن العلوم والفلسفة الحديثة بدأت تحتل مكان أرسطو والاسكولاسيين (الفلاسفة المسيحيين في العصور الوسطى)، وحاول بعض المدرسين المدنيين أن ينقلوا أفكار الفلاسفة (79). وأنشئت المعامل في الكليات مع أساتذة للفيزياء التجريبية، وفتحت المدارس الفنية والحربية في باريس والأقاليم. وكانت ثمة تحذيرات كثيرة بأن خطة الدراسة الجديدة ستعمل على تحسين العقول لا الأخلاق. وقد تضعف الفضيلة والانضباط وتؤدى إلى الثورة (80).

ومهما يكن من أمر فإن الفلاسفة بنوا آمالهم للمستقبل على إصلاح التعليم. إنهم بصفة عامة اعتقدوا بأن الإنسان خير طيب بالطبيعة، وأن بعض انحرافات زائفة أو شريرة كهنوتية أو سياسية هي التي أفسدته، وكل ما ينبغي عليه أن يفعله هو أن يطهر نفسه من الخداع والبدع ويعود إلى "الطبيعة" التي لم يحددها أحد بعد تحديداً مرضياً. وهذا كما سنرى كان لب الموضوع عند روسو. وقد لحظنا إيمان هلفشيوس "بأن التعليم يمكن أن يغير كل شيء"(81). وحتى فولتير المتشكك نفسه ذهب في بعض الحالات إلى أننا جنس من القردة يمكن أن يتعلم ان يتصرف تصرفاً عقلانياً أو غير عقلاني (82). وأصبح الإيمان بإمكانات التقدم لا حدود لها عن طريق تحسين التعليم والتوسع فيه أحد التعاليم الهامة في الديانة الجديدة. إن السماء واليوتوبيا هما الدلوان المتنافسان اللذان يحومان حول بئر المصير والقدر فإذا هبط أحدهما صعد الآخر، والأمل يرفع الواحد منهما أو الآخر إلى أعلى كل بدوره. وربما إذا صعد كلا الدلوين خالياً وهنت المدنية وبدأت تفنى.

وفي 11 ديسمبر 1750 صاغ ترجو العقيدة الجديدة في محاضرة في السوربون بعنوان "الخطوات المتعاقبة إلى الأمام في الذهن البشري":

ص: 249

"إن الجنس البشري إذا تأملناه من القدم يبدو لعين الفيلسوف كلاً مترامي الأطراف، له مثل الكائن الفرد مرحلة طفولته وتقدمه

فتصبح آداب السلوك أكثر رقة وتهذيباً والذهن أكثر تنوراً، وتتقارب بعضها من بعض الأمم التي كانت آنذاك منعزلة، وتربط التجارة والعلاقات السياسية أركان الكرة الأرضية بعضها ببعض، ويستمر الجنس البشري بأسره فيما بين تقلبات الهدوء والعاصفة وتقلبات الأيام حلوها ومرها في مسيرته قدماً، ولو بخطى وئيدة نحو كمال يقرب منه دوماً (83). ووافق فولتير على هذا متردداً، فهو يقول:

"قد نؤمن بأن العقل والصناعة سوف تتقدمان أكثر فأكثر، وتتحسن الفنون الناقصة. وأنه من بين الشرور والمساوئ التي تنتاب بني الإنسان ستختفي شيئاً فشيئاً الحزازات بين من يحكمون الأمم، ولو أن تلك الحزازات ليست أقل الكوارث، وأن الفلسفة بانتشارها على أوسع نطاق سيكون فيها عزاء لأرواح البشر عن المصائب التي يتعرضون لها في كل العصور (84) ".

ورحب الفيلسوف المحتضر بتولي ترجو زمام السلطة في 1774 لأنه ليس لديه ثقة بالجماهير. وتعلقت لآماله باستنارة الملوك. إننا لا نستطيع تعليم الرعاع والغوغاء-كما كان يسمى عامة الناس-لأنهم منهوكون بالكد والكدح قبل أن يتعلموا التفكير. ولكن في مقدورنا أن نعلم قلة تقترب من الذروة فيعلمون الحاكم أو الملك. أن حلم "المستبدين المستنيرين" هذا باعتبارهم قادة مسيرة الجنس البشري، كان رسالة الملكية "المحفوفة بالمخاطر التي بنى عليها معظم الفلاسفة رؤيتهم للتقدم، وكان لديهم هواجس كثيرة تنذر بالثورة، ولكنهم أوجسوا منها خيفة أكثر مما رغبوا فيها. ووثقوا أن العقل قد يكسب الطبقة الحاكمة إلى جانبه، وأن الوزراء والحكام قد يستمعون إلى صوت الفلاسفة وينفذون الإصلاحات التي تحول دون الثورة، وتسير بالجنس البشري على طريق السعادة ومن ثم رحبوا بإصلاحات فردريك الثاني، واغتفروا آثام كاترين الثانية. ولو أنهم عاشوا لابتهجوا

ص: 250

بجوزيف الثاني في النمسا. وما ثقتنا في الحكومة إلا أنها ذاك الأمل ينبعث من جديد؟

‌5 - الأخلاقيات الجديدة

بقيت مشكلة معلقة مرهقة. يكتب البقاء لدولة دون ديانة تدعم النظام الاجتماعي بالآمال والمخاوف الخارقة للطبيعة (الجنة والنار)؟ هل يمكن الاحتفاظ بأخلاق شعبية عامة دون إيمان شعبي عام في أصل للقانون الأخلاقي، وإيمان باله بصير بكل شيء، إله يثيب ويعاقب؟ إن الفلاسفة (فيما خلا فولتير) زعموا أن هذه الدوافع ليست مطلوبة للأخلاق. ومع التسليم بأن هذا قد يصدق بالنسبة للقلة المثقفة، فهل يصدق بالنسبة للباقين؟ وهل كانت أخلاق القلة المثقفة صدى أخلاقياً للإيمان الذي فقدوه، وللتربية الدينية التي تلقوها؟

وقامر الفلاسفة بفعالية الأخلاق الطبيعية. وكانت الشكوك تخامر فولتير فيها، ولكن ديدرو ود المبير وهلفشيوش ودي هولباخ ومايلي، وترجو، وغيرهم دافعوا عن أخلاق يمكن أن تكوون مستقلة عن اللاهوت، أخلاق قوية إلى حد الصمود أمام تقلبات العقيدة أو الإيمان. وكان بيل قد مهد الطريق بمحاولة التدليل على أن الملحدين قد يكونون على خلق مثل المؤمنين تماماً، ولكنه كان قد عرف الأخلاق بأنها عادة الانسجام مع العقل، وافترض أن الإنسان حيوان عقلاني، كما أنه قد ترك العقل دون تعريف. وهل يكون المجتمع أو الفرد حكماً على ما هو معقول؟ وإذا اختلف المجتمع والفرد، فماذا غير القوة يكون لها القول الفصل بينهما؟ وهل يكون النظام الاجتماعي مجرد صراع بين تنفيذ القانون والتملص منه؟ وهل تحصى الفضيلة أو الأخلاق القويمة فرص الكشف فحسب؟ أن ف. ف توسان F. V. Toussin كان قد شرح الأخلاق الطبيعية في كتابه "العادات والأعراف"(1748)، وكان أيضاً قد عرف الفضيلة بأنها "الدقة والأمانة في الوفاء بالالتزامات التي يفرضها العقل"(85)، ولكن كم من الناس يستطيعون التفكير، أو كم من الناس فكر بالفعل إذا كان هذا في مقدرته؟ ألم يتشكل

ص: 251

الخلق (الذي يحدد الفعل) قبل أن بنمو العقل؟ ألم يكن العقل مطية أقوى الرغبات؟ تلك كانت بعض المشاكل التي واجهت الأخلاق الطبيعية.

وقبل معظم الفلاسفة شمولية حب الذات مصدراً أساسياً لكل الأفعال الإرادية أو الواعية، ولكنهم آمنوا بأن التعليم والتشريع والعقل قد تعمل كلها على تحويل حب الذات إلى تعاون متبادل ونظام اجتماعي. إن دالمبير بنى في ثقة الأخلاق الطبيعية على:

"حقيقة واحدة لا تقبل الجدل هي حاجة الناس بعضهم إلى بعض، والالتزامات المتبادلة التي تفرضها تلك الحاجة وإذ نسلم بهذا إلى حد كبير، فإن كل القوانين الأخلاقية تستتبعه في تسلل منتظم لا مناص منه ولا يمكن تفسيره. ولكل المشاكل المتعلقة بالأخلاق حل فوري في قلب كل منا، وهو حل قد تروغ منه أو تتحايل عليه أحياناً أهواؤنا وعواطفنا، ولكنها لا تقضي عليه مطلقاً. وحل كل مسألة بعينها يؤدي .... إلى جذر الأساسي وهذا بطبيعة الحال هو مصلحتنا الذاتية وهي المبدأ الأساسي في كل الالتزامات الأخلاقية (86).

وتبين لبعض الفلاسفة أن هذا يتطلب هيمنة العقل بصفة عامة في الناس عموماً-أي مصلحة ذاتية "مستنيرة" إلى حد كاف لترى اختيار النفس (الاختيار الذاتي) في صورة كبيرة إلى حد يسمح بالتوفيق بين أنانية الفرد وخير الجماعة. ولم يشارك فولتير في هذه الثقة في ذكاء الأنانية وبدا له التعقل عملية استثنائية، ولآثر أن يؤسس الأخلاق على وجود غيرية (حب الغير) مستقلة عن حب الذات، واستمد هذه الغيرية من شعور بالعدالة بثه الله في الناس. واتهمه الأخوة بأنه يسلم القضية للدين.

ومذ افترض الفلاسفة شمولية حب الذات فأنهم بصفة عامة خلصوا إلى أن السعادة هي الخير الأسمى، وأن كل اللذات مجازة مسموح بها إذا كانت لا تؤذي الجماعة أو الفرد نفسه.

وجرياً على أساليب الكنيسة دبج جريم ودي هولباخ ومابلي وسانت

ص: 252

لامبير كتيبات تفسر الأخلاقيات الجديدة. ووجه سانت لامبير كتيبه "التعاليم الشاملة" إلى الأطفال في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة:

س- ما هو الإنسان؟

ج- كائن له شعور وعقل.

س- إذا كان هذا الكائن على ما تصف، فماذا يجب عليه أن يفعل؟

ج- يسعى وراء اللذة ويتجنب الألم.

س- أليس هذا هو حب الذات؟

ج- أنه النتيجة اللازمة له.

س- هل يوجد حب الذات في كل الناس بقدر سواء؟

ج- نعم، لأن كل الناس يهدفون إلى حفظ الذات وإلى تحقيق السعادة.

س- ماذا تفهم من السعادة؟

ج- حالة مستمرة نجد فيها لذة أكثر مما نعاني ألماً.

س- ماذا يجب علينا أن نفعل لنبلغ هذه الغاية (الحالة)؟

ج- يجب أن نهذب عقولنا ونفعل ما يمليه علينا العقل.

س- ما هو العقل؟

ج- معرفة الحقائق التي تفضي إلى سعادتنا ورفاهيتنا.

س- إلا يقودنا حب الذات دائماً إلى كشف تلك الحقائق والعمل بمقتضاها؟

ج- كلا، فليس كل الناس يعرفون كيف يمارسون حب الذات.

س- ماذا تعني بهذا؟

ج- أعني أن بعض الناس يمارسون ممارسة حقة وبعضهم يمارسونه ممارسة خاطئة.

س- من هم هؤلاء الذين سيمارسون حب الذات ممارسة صائبة؟

ص: 253

ج- هم الذين يحاولون أن يعرف بعضهم بعضاً ولا يفصلون سعادتهم عن سعادة الآخرين (87).

وركز الفلاسفة في أخلاقهم العملية على ذكرياتهم عن الأخلاقيات المسيحية. فأحلوا محل عبادة الله مريم والقديسين-هي العباد التي عاونت بطريق غير مباشرة للجنس البشري. أن الراهب سان بيير اقترح لفظة جديدة لفضيلة قديمة-البر والإحسان التي نترجمها ترجمة ضعيفة-وقصد بها العون الجاد المتبادل والتعاون مع الآخرين في أعمال الخير والبر المشتركة. ومع هذا أكد الفلاسفة كذلك على الإنسانية، أي التحلي بالروح الإنسانية وحب الخير العام، ولهذه جذورها وأصولها في ثانية الوصايا التي أعلنها السيد المسيح. ولابد أن رينال حين دمغ قسوة الأوربيين مع السود والهنود (في الشرق والغرب) بأنها عمل غير إنساني، وعرف أن أسقفاً أسبانياً هو لاس كاساس قد سبقه إلى هذا الاتهام في عام 1539. وكلن التحمس الجديد لمساعدة الفقراء والمساكين والمرضى والمظلومين كان يرجع أساساً إلى الفلاسفة. وفوق كل شيء إلى فولتير. أن إصلاح القانون في فرنسا يرجع إلى حملاته المتواصلة. وأشتهر رجال الدين الفرنسيون بالصدقات ولكنهم آنذاك مارسوا رؤية الأخلاق العملية في المسيحية يبشر بها الفلاسفة ويدعون إليها بنجاح يذكر. ونمت الأخلاقيات أكثر استقلالاً وانفصالاً عن الدين، وفي مجالات الروح الإنسانية والعطف والتسامح وحب البشر والعمل على تعزيز السعادة الإنسانية والسلام انتقل الأمر من أساس لاهوتي إلى علماني أو دنيوي، وأثرت على المجتمع بشكل لم يعهد له مثيل من قبل.

وحين واجه الفلاسفة المشكلات الأخلاقية التي ولدتها الحرب، تحاشوا التهدئة على حين كانوا ينصحون بالسلام، وأقر فولتير الحروب الدفاعية ولكنه دلل على أن الحروب عملية سلب ونهب، وأنها تؤدي إلى ضعف وفقر المنتصر والمنهزم على حد سواء، وأنها تجلب الغنى والثراء إلى نفر قليل

ص: 254

من الأمراء ومقاولي الحرب والعشيقات الملكات، واحتج على غزو فردريك لسيليزيا، وربما كان يعيه في ذاكرته حين شرح في مقال غاضب عن "الحرب" في القاموس الفلسفي يرتضي كيف الضمير الملكي العدوان: "إن أحد علماء الأنساب يثبت لأحد الأمراء أنه ينحدر مباشرة من سلالة كونت عقد أبواه ميثاقاً عائلياً منذ ثلاثة أو أربعة قرون مع بيت لم تبق منه حتى الذكرى، وكان لهذا البيت بعض الحقوق المزعومة في الإقليم

إن الأمير ومجلسه يلمسون حقه على الفور. وهذا الإقليم الذي يبعد عنه لا بعدة مئات من الفراسخ، يحتج عبثاً بأنه لا يعرفه (أي الأمير) وأنه لا يرغب في أن يكون تحت حكمه وأنه لكي يسن القوانين لشعب هذا الإقليم يجب على الأقل الحصول علة موافقتهم ورضاهم. إن الأمير يحشد على الفور عدداً كبيراً من الرجال الذين لن يخسروا شيئاً، ويزودهم بالملابس الزرقاء الخشنة

ويأمرهم بالالتفاف يمنة ويسرة ويتقدم إلى ساحة المجد".

وعلى الرغم من ذلك نصح فولتاير كاترين الثانية بامتشاق الحسام لطرد الأتراك من أوربا، وكتب مرثية وطنية للضباط الذين ماتوا من أجل فرنسا في 1741، وبارك انتصار الجيش الفرنسي في فونتنوي.

ونبذ الفلاسفة القومية والوطنية على أساس أن هذه الأحاسيس والعواطف تعمل على تضييق مفهوم الإنسانية والالتزامات الخلقية، وأنها جعلت من السهل على الملوك أن يقودوا شعوبهم إلى الحرب. وشجبت مقالة "الوطنية" في القاموس الفلسفي "الوطنية" باعتبارها أنانية ضيقة الأفق. إن فولتير توسل إلى الفرنسيين أن يخففوا من بتفاخرهم بسمو اللغة والأدب والفن والحرب، وذكرهم بأخطائهم وجرائمهم ونقائصهم (88). وكان مونتسيكو وفولتير وديدرو وكالمبير في فرنسا كما كان لسنج وكانت وهردر وجيته وشيلر في ألمانيا، أوربيين طيبين ثم بعد ذلك فرنسيين أو ألمان. وكما أن ديانة واحدة ولغة واحدة كانتا قد أنشأتا "العالمية" في غرب أوربا في العصور الوسطى، فكذلك نمت العالمية في القارة نتيجة لانتشار اللغة والثقافة الفرنسيتين.

ص: 255

وتحدث روسو في 1755 عن تلك "الأذهان العالمية التي تهمل الحواجز التي أقيمت لتفصل بين الأمم بعضها عن بعض، والذين مثل الذات العلية التي خلقتهم يحتضنون الجنس البشري بأسره في نطاق النزعة إلى عمل البر والخير (89). وفي مكان آخر كتب في مبالغة ملحوظة "لم يعد هناك فرنسي ولا ألماني

هناك فقط أوربيون" (90) ولم يصدق هذا على النبلاء ورجال الفكر، ولكن في هذه الطبقات امتدت الروح العالمية من باريس إلى نابلي وبطرسبرج. وحتى في زمن الحرب اختلط الأدب بإضرابهم ممن هم في طبقتهم عبر الحدود، فقد رحب المجتمع الباريسي بهيوم وهوراس وولبول وجيبون وآدم سميث، بينما كانت فرنسا مشتبكة في جرب مع إنجلترا. وأحس الأمير دي ليلن أنه في وطنه وعشيرته في كل عاصمة أوربية تقريباً. والجنود أنفسهم كان لديهم شيء من هذه النزعة العالمية. قال فرديناند دوق بنزويك "أنه لمل يشرف كل ضابط ألماني أن يخدم تحت لواء فرنسا" (91) وكانت في الجيش الفرنسي كتيبة بأكملها "الكتيبة الملكية الألمانية" مكونة من الألمان. ووضعت الثورة الفرنسية حداً لهذه النزعة العالمية في التوافق الشديد في العادات والعقول، وتضاءلت هيمنة فرنسا، وازدادت الروح القومية.

وهكذا نجد الثورة الفكرية التي كانت إلى حد ما نتيجة رد فعل أخلاقي ضد قساوات الآلهة والكهنة قد انتقلت من نبذ اللاهوت القديم إلى أخلاق قائمة على أخوة عالمية اشتقت من أجمل جوانب العقيدة التي طرحت جانباً. ولكن المشكلة هي هل يمكن لقانون أخلاقي لا يسانده ويدعمه الدين أن يحتفظ بنظام اجتماعي؟ وهي مشكلة باقية دون حل، وهي لا تزال تواجهنا. أننا نعيش هذه التجربة الحرجة الدقيقة.

‌6 - تراجع الديانة

وفي الوقت نفسه، حتى الآن، بدا الفلاسفة وكأنهم كسبوا المعركة ضد المسيحية. أن المؤرخ النزيه إلى حد الإعجاب هنري مارتن وصف شعب فرنسا في 1762 بأنه جيل ليس لديه أي إيمان بالمسيحية" (92). وفي 1770 قال المحامي العام سيجويه Siguier في تقرير له:

ص: 256

"سعى الفلاسفة بإحدى اليدين أن يشلوا العرش، وباليد الأخرى أن يقلبوا المذابح (أن يهدموا الكنائس). وكان غرضهم أن يثيروا الرأي العام ضج النظم المدنية والدينية. وهذا الانقلاب على حد قولهم قد بدأ بالفعل. فإن التاريخ والشعر والقصص بل حتى القواميس قد تسربت إليها عدوى التسمم بالتشكك وعدم التصديق. ولا تكاد كتاباتهم تنشر قبل أن تطغى على الأقاليم مثل السيل الجارف، وامتدت العدوى إلى المصانع والأكواخ"(93).

وكأنما كان إيضاحا لهذا التقرير أن يجمع سليفان ماريشال في 1771 "قاموس الملحدين" الذي توسع فيه بتضمينه ابيلا وبوكاشيو والأسقف بيركلي (94). وفي 1775 أعلن رئيس أساقفة تولوز أن "الإلحاد الرهيب البشع أصبح الرأي السائد"(95). وذهبت مدام دي ديفان إلى أن الإيمان بالمعجزات المسيحية أصبح خامداً مثله في ذلك مثل التصديق بالأساطير اليونانية (96)، وبقي الشيطان ضرباً من لغو الكلام، والجحيم أضحوكة (97). وأزعج علم الفلك الجديد رب اللاهوت في الفضاء وكأنما يتراجع عن الفضاء مع ارتياد الكواكب في زماننا هذا. وفي 1756 تحدث توكفيل عن ضعف الثقة في الإيمان الديني الذي انتاب الناس في أواخر القرن الثامن عشر (98).

لقد بولغ في كل هذه التصريحات والبيانات، وربما قيلت وباريس والطبقات العليا والمثقفة مائلة في أذهان ناشريها. إن حكم لكي Leeky أكثر تميزاً وتحديداً حيث يقول: إن الكتب والنشرات المعادية للمسيحية عبرت عن الآراء وأثبتت المطالب عند جمهور الطبقات المتعلمة. وتغاضى كل موظفي الإدارة في مصالح الحكومة جميعاً عن انتشارها وتداولها، أو أقل أنهم رحبوا بهذا وذاك (99). وظل عامة الفرنسيين متعلقين بعقيدة العصور الوسطى سلوى وعزاء لحياتهم الكادحة المرهقة، فلم يقبلوا المعجزات القديمة فحسب بل الجديدة كذلك ووجد الباعة المتجولون سوقاً رائجة للتماثيل الصغيرة التي تمثل معجزات العذراء (100). وكانت التماثيل والمخلفات تحمل في المواكب بغية تفادي الكوارث العامة أو وضع حد لها وزوالها. وازدحمت الكنائس حتى

ص: 257

في باريس أيام الأعياد الكبرى في السنة الدينية، ودوت أجراس الكنائس بالترانيم في المدينة تدعو الناس إليها. وكانت "الأخوات" الدينية تضم أعضاء كثيرين وبخاصة في مدن الأقاليم. وأكد سيرفان لدى لمبير حين كتب إليه من جرينوبل (1767):"قد تدهش أيها الأخ لتقدم الفلسفة في هذه المناطق الهمجية غير المتمدينة". وفي ديجون كان هناك ستون مجموعة من الموسوعة، ولكن تلك كانت حالات استثنائية، وبقيت البرجوازية الإقليمية في جملتها مخلصة للكنيسة.

وفي باريس وصلت الحركة الجديدة إلى كل طبقة. وكان العمال يزداد عداؤهم للكنيسة، وكانت المقاهي قد طردت الرب منذ زمن بعيد.

وروى أحد النبلاء كيف أن حلاقه قال له وهو يصفف شعره "أنت ترى يا سيدي أنني شخص مسكين تافه، ولكني مع ذلك لم يعد لي دين مثل أي إنسان آخر"(101). وواصل نساء الطبقة الكادحة عبادتهن القديمة واستخدمن مسابحهن في شغف زائد. أما السيدات العصريات الأنيقات فقد اتبعن أسلوب الفلاسفة على أية حال، واستغنين عن الدين إلى حد كبير، وأرسلت كل منهن تقريباً في طلب القسيس حتى تأكدن من دنو الأجل. وكانت معظم الصالونات الكبرى تتبع الفلاسفة. واحتقرت مدام دي ديفان هؤلاء الرجال، ولكن مدام جيوفرين رحبت بهم في أمسياتها، حتى اكتظت بهم مائدتها. وتكاثروا حول الآنسة لسبيناس وتصدر جريم صالون مدام ابيناي، ووصف هوراس وولبول الجو الفكري للصالونات في 1765 فقال:

"هناك إله وهناك ملك يحب القضاء عليهما. والرجال والنساء جادون في تدميرهما. أنهم يظنونني دنساً لأن لدي بقية من إيمان (102)

والفلاسفة لا يطاقون، وهم سطحيون متغطرسون متعصبون، إنهم لا ينقطعون عن التبشير والدعوة، وهم يجهرون بالإلحاد، وقد لا تصدق مبلغ صراحتهم، فلا تعجب إذن إذا عدت أنا يسوعياً (103).

ص: 258

وعلى الرغم من ذلك اختارت الأكاديمية لعضويتها تسعة من الفلاسفة في الانتخابات الأربعة عشر التي جرت فيما بين عامي 1760 وفي 1772، وجعلت دالمبير سكرتيرها الدائم.

والتهم النبلاء في ابتهاج مشوب بالعداء للدين كل ما قدمته لهم العقول القوية. وقال لاموث لانجون "كان الإلحاد سائداً إلى حد بالغ في المجتمع الراقي، وكان الإيمان بالله دعوة إلى الحماقة والسخف وانتشر الكفر والبعد عن الدين بين الأرستقراطية بعد 1771 (105). وكانت دوقة دانفيل ودوقات دي شوازيل وجرامونت ومونتسيون وتسي ربوبيات. وارتبط رجال من ذوي المناصب الرفيعة في الحكومة-مثل شوازيل وروهان وموريباس وبوفو وشوفيلين بأواصر الود والصداقة مع دالمبير وترجو وكوندورسيه. وفي الوقت نفسه أوضح الفلاسفة لفرنسا أن النظام الإقطاعي جاوز عمر الفائدة المرجوة منه، وأن الامتيازات الوراثية جور متحجر طال عليه الزمن، وأن صانع الأحذية الطيب خير من لورد مبذر لا يصلح لأي عمل، وأن كل السلطة مستمدة من الشعب.

وسرت العدوى حتى إلى رجال الدين. وفي 1769 قاس تشامفورت درجة تزعزع الإيمان لدى رجال الدين تبعاً لتسلسل مراتبهم الكنيسة: "يجب أن يؤمن القسيس قليلاً، أما وكيل الكنيسة فيبتسم لأية قضية ثتار ضد الدين، ويسخر الأسقف دون تحفظ، ويضيف الكاردينال ملاحظة بارعة أو نكتة ساخرة من عنده (106). وعدد ديدرو ودي هولباخ مجموعة كهنة متشككين من بين أصدقائهم. وكان القسوسة تورني وفوشيه، وموري، ودي بولوني "من بين أكثر من يرددون آراء الفلاسفة" (107). وأنا لنسمع عن "جماعة القساوسة ذوي العقول الناضجة" وبعض هؤلاء الكهنة الأذكياء كانوا ربربيون، كما كان بعضهم ملحدين-وعاد مسلييه إلى الحياة. إن المركيز دي شاستللولكس أبلغ بريستلي حين كان يتناول العشاء مع ترجو 1774 "إن السيدين الجالسين أمامه هما أسقف أكس ورئيس أساقفة

ص: 259

تولوز، ولكنهما ليسا أكثر إيماناً منك ومني، وأكدت له أني مؤمن. وأبلغني مسيولي روى الفيلسوف أني أنا الوحيد المدرك الواعي الذي عرف أنه مسيحي" (108).

وكان الإلحاد بعض الأصدقاء حتى في الأديار. وتجنباً للفضيحة والعامة كان دوم كولينيون يسمح لعشيقتيه بأن تكونا معه على المائدة حين يكون الضيوف الآخرون من الأصدقاء الموثوق بهم. ولك يكن يسمح لطائفة الرسوليين أن تتدخل في ملذاته، ولكنه أعتبر الديانة نظاماً جديراً بالإعجاب للحفاظ على الأخلاق عند العامة (110). وتحدث ديدرو (1769) عن يوم قضاه مع راهبين: "قرأ أحدهما المسودة الأولى لرسالة حديثة قوية جداً عن الإلحاد، زاخر بالأفكار الجديدة الجريئة. وعلمت في شيء من الدهشة أن هذه هي النظرية السائدة في أديارهم. وبالنسبة للبقية كان هذان الراهبان نموذجاً فذاً للأديار. وكانا يتحليان بالتفكير والمرح والانبهاج وحسن النية والمعرفة (110).

ويروي لنا مؤرخ كاثوليكي غيور أنه في أواخر القرن الثامن عشر كان قد حل شعور بالاحتقار، مبالغ فيه، ولكنه عام شامل، في كل مكان، محل التبجيل الذي كانت الأديار الكبرى قد بثته في العالم الكاثوليكي (111).

إن ازدياد التسامح نتج أساساً من تدهور الإيمان الديني. فمن السهل أن نكون متسامحين إذا كنا غير مكترثين. إن نجاح فولتير في قضيتي كالاس وسيرفنس حرك عدداً من حكام الأقاليم إلى مطالبة الحكومة المركزية بتخفيف القوانين ضد البروتستانت، وتم هذا بالفعل ولم تلغ قوانين الهرطقة ولكنها كانت تطبق بشيء من الاعتدال. وترك الهيجونوت في سلام كما كان فولتير قد اقترح، وأبدى برلمان تولوز ندمه، بتطبيق مبدأ التسامح إلى حد أزعج الملك (112). وأصدر بعض الأساقفة-مثل فيتز جيمس أسقف سواسون 1757 - رسالة كهنوتية يدعو فيها كل المسيحيين إلى اعتبار الناس أخوة (113).

ص: 260

وأضفى فولتير على الفلاسفة شرف هذا الانتصار، فكتب إلى دالمبير 1764 "أن الفلاسفة وحدهم هم الذين إلى حد ما هذبوا سلوك الناس، وإنه لولاهم لشهدنا مذبحتين أو ثلاثاً من مثل مذبحة سانت برثلميو في كل قرن (114). وينبغي أن نلاحظ مرة أخرى أن الفلاسفة أنفسهم كانوا أحياناً متعصبين، أن دالمبير ومارمونتيل حرضا مالشرب على كبح جماح فريرون (1757) (115)، وطلب إليه دالمبير أن تقييم الدعوة القضائية على بعض نقاد الموسوعة (1757)، وحثته مدام هلفشيوس على إسكات صحيفة كانت قد عرضت بكتاب زوجها "الذكاء" 1768. وفي بعض المناسبات توسل فولتير إلى السلطات لإيقاف حملات التشهير بجماعة الفلاسفة والطعن فيهم والسخرية منهم (116). وبقدر ما كان التشهير حقيقياً-أي افتراء مؤذياً-فقد كان لتوسلاته ما يبررها.

وكان ثمة عوامل أخرى غير الفلسفة لنشر التسامح، فإن الإصلاح الديني على الرغم من أنه أقر التعصب، خلق فرقاً وشيعاً كثيرة. كان بعضها قوياً إلى حد الدفاع عن نفسه، إلى درجة أن التعصب نادراً ما تجاوز حد الكلام. وكان على هذه الشيع والفرق أن تتجادل وتقرع الحجة بالحجة، وقبلت اختبار العقل كارهة، ورفعت من شأنه. إن ذكرى الحروب "الدينية" في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وما تنج عنها من خسائر اقتصادية، حولت كثيراُ من الزعماء الاقتصاديين والقادة السياسيين إلى التسامح. ووجدت بعض مراكز التجارة مثل همبرج وأمستردام ولندن، أنه من الضروري أن تصبر على مختلف المذاهب والعقائد التي يعتنقها زبائنهم الذين يتعاملون معهم. إن ازدادا قوة الدولة القومية جعلها أكثر استقلالاً عن الوحدة الدينية باعتبارها وسيلة للاحتفاظ بالنظام الاجتماعي، وانتشار التعرف على مختلف المدنيات والثقافات أضعف ثقة كل عقيدة في احتكارها للإله، وفوق كل ذلك جعل تقدم العلوم من العسير على العقيدة الدينية أن تصل إلى القساة والهمجية مثل محاكمات محكمة التفتيش أو إعدام

ص: 261

السحرة. وتقبل الفلاسفة بسرور معظم هذه التأثيرات في دعايتهم من أجل التسامح واستدعوا بحق أن بعض الفضل في الانتصار، وكان مقياس نجاحهم أنه بينما في النصف الأول من القرن الثامن عشر كان دعاة الهيجونوت لا يزالون يعلقون على أعواد المشانق في فرنسا، حدث في 1776 أو 1778 أن دعا ملك كاثوليكي سويسرياً بروتستانتياً لإنقاذ الدولة.

‌7 - الخلاصة

هكذا انتهى كما بدأنا، إذ نرى أن الفلاسفة واللاهوتيين-لا المحاربين والدبلوماسيين-هم الذين كانوا يحاربون معركة القرن الثامن عشر الحاسمة. وأننا كنا على حق في تسمية هذه الحقبة "عصر فولتير". قال كوندورسيه "إن الفلاسفة من مختلف الأمم، إذ اعتنقوا في تأملاتهم المصلحة العامة لبني البشر كونوا كتيبة قوية متحدة ضد أي وصف للخطأ أو أي لون من الظلم والطغيان (117)، وكانت على أية حال كتيبة متحدة. وسنرى روسو يتخلى عن الحياة والسلطان، وكان يحاول التوفيق بين الفلسفة والدين. ولكنه كان حقاً صراعاً من أجل النفس الإنسانية. ونتائجه بارزة بيننا اليوم.

وفي هذا الوقت ترك فولتير فرني لانتصاره في باريس (1778). إن الحركة التي كان قد قادها أصبح لها الغلبة في السيطرة في مجال الفكر في أوربا ووصفها فريرون عدوها اللدود بأنها "مرض العصر وحماقته (118) ". وهرب اليسوعيون وولي الجانسينيون الأدبار، وتغيرت كل نغمة المجتمع الفرنسي. ونهج كل كاتب في فرنسا تقريباً نهج الفلاسفة، وسعى إلى كسب رضاهم. وباتت الفلسفة تحت مئات العنوانات وآلاف الشفاه، "إن عبارة مديح من فولتير أو ديدرو أو دالمبير كانت أثمن وأعظم قيمة من نيل الحظوة عند أي أمير ومن عطفه (119). ووقعت الصالونات والأكاديمية الفرنسية، بل حتى وزراء الملك نفسه، أحياناً، تحت تأثير الفلاسفة.

واحتال الزوار الأجانب على الدخول إلى الصالونات طمعاً في لقاء مشاهير الفلاسفة والاستماع إلى حديثهم، حتى إذا عادوا إلى بلادهم نشروا الأفكار الجديدة. وهاهو ذا هيوم، على الرغم من أنه استبق فولتير في كثير من

ص: 262

آرائه، نراه ينظر إليه على أنه استاذ معلم. وبعث روبرتسون إلى فرني بكتابه القيم "شارل الخامس" وكان تشسترفيلد وهوراس وولبول وجاريك من بين المراسلين الكثيرين لفولتير في إنجلترا. وأسهم سمولت وفرانكلين وغيرهما في إعداد ترجمة إنجليزية لمؤلفات فولتير في سبعة وثلاثين مجلداً لنشرها في إنجلترا (1762). وفي أمريكا تأثر مؤسسو الجمهورية الجديدة تأثراً عميقاً بكتابات الفلاسفة. أما في ألمانيا فيمكنك أن تستمع إلى ملاحظات جوته إلى اكرمان في 1820 و1831:

"ليس لديك فكرة عن مبلغ تأثير فولتير ومعاصريه عليّ في شبابي، وكيف تسلطوا على ذهن العالم المتحضر بأسره

إنه يبدو لي أنه شيء رائع عجيب حقاً أن ترى أي رجال هؤلاء الذين ظهروا في ميدان الأدب في فرنسا في القرن الأخير. وكم تتولاني الدهشة لمجرد النظر في هذا. إنها حركة التحول في أدب عمره قرن من الزمان، والذي كان آخذاً في النمو منذ عهد لويس الرابع عشر حتى أينع الآن وأثمر وآتى أكله. (120)

وشارك الملوك والملكات في التهليل والتصفيق لفولتير، وتاهوا عجباً بأنهم في عداد أتباعه. وكان فردريك الأكبر من أوائل من أدركوا أهميته. والآن في عام 1767 عبد ثلاثين عاما من التعرف عليه في كل معايب شخصيته وكل توقد ذهنه، هلل فردريك للانتصار في الحملة ضد الرجس والعار. وقوضت أركان صرح الخرافة من أساسها. "وستدون كل الأمم في حولياتها أن فولتير كان هو الذي أحدث هذا الانقلاب الجاري الآن في الروح الإنسانية في القرن الثامن عشر"(121). وشاركت كاترين الثانية قيصرة روسيا وجوستاف الثالث ملك السويد في هذا التملق. ومما لا نزاع فيه أن الإمبراطور جوزيف الثاني كان مديناً بفضل روح إصلاحاته للفلاسفة، ولو أنه يلعن عن نفسه بمثل هذه الصراحة. وتسلم المعجبون مقاليد السلطة في ميلان وبارما ونابلي ومدريد، وكلها بلدان كاثوليكية. وفي 1767 لخص جريم الموقف بقوله: (إني ليسرني أن أشهد جمهورية مترامية الأطراف

ص: 263

من ذوي العقول المثقفة تتكون في أوربا. إن الاستنارة تنتشر في كل مكان) (122).

إن فولتير نفسه وقد قهر في نفسه التشاؤم الذي يصاحب كبر السن، نراه يردد نغمة الانتصار:(إن العقول الراجحة المشكلة تشكيلاً حسناً كثيرة الآن، وهي تتصدر الأمم وتؤثر في سلوك الجماهير. وأن التعصب الذي طغى في الأرض لينحسر سنة بعد سنة جوره الكرية. وإذا لم تعد الديانة الآن تثير الحروب الأهلية فأننا مدينون بهذا للفلسفة وحدها. وبدأ الناس ينظرون إلى الصراعات الدينية وكأنها عرض في مسرح العرائس في السوق. إن العقل الذي يبسط سلطانه وحكمه، ينسف في كل لحظة أي جور بغيض مؤذ قائم على الخداع والاحتيال من جهة، وعلى الغباء من جهة أخرى (123).

ولنوف الرجل حقه. أننا قد بعد معرفتنا بتطرفات الثورة وإسرافها وبرد الفعل الذي تلاها، بأن الفلاسفة (باستثناء فولتير) كانت لديهم ثقة متفائلة في الطبيعة البشرية، وأنهم انتقضوا الآن من قوة الغرائز التي تولدت في آلاف السنين من عدم الشعور بالأمن ومن الوحشية والهمجية، وأنهم بالغوا في قوة التعليم لتنمية العقل ضابطاً متحكماً إلى حد كاف في هذا الغرائز، وأنهم عموا عن مطالب الخيال والعاطفة، وصمت آذانهم عن صيحات المقهورين التماساً لعزاء الإيمان، ولم يقيموا كبير وزن للتقاليد والنظم التي أنتجتها قرون من التجربة والخطأ، وأقاموا وزناً كبيراً للعقل الفردي الذي هو في أحسن الظروف نتاج لحياة قصيرة ضيقة محدودة. وإذا كانت هذه تقديرات خاطئة خطيرة فأنها لم تتأصل في مجرد زهو أو غرور فكري، ولكن تأصلت كذلك في طموح واسع الآفاق في إصلاح البشر وتحسن أحوالهم. إننا مدينون لفلاسفة القرن الثامن عشر-وربما للفلاسفة الأكثر عمقاً في القرن السابع عشر-بالحرية النسبية التي ننعم بها في الفكر والكلام والعقائد، كما أننا مدينون لهم بالفضل في تضاعف عدد المدارس والمكتبات

ص: 264

والجامعات، وفي مئات من الإصلاحات الإنسانية في القانون والحكومة، وفي معالجة الجريمة والعلل والأدواء والأمراض العقلية. ونحن مدينون لهم ولإتباع روسو بفضل الاستثارة العظيمة للذهن التي أنتجت أدب القرن التاسع عشر وعلومه وفلسفته، وفن الحكم وإدارة شؤون الدولة فيه. وبسببهم استطاعت دياناتنا أن تتحرر أكثر فأكثر من الخرافة البليدة الكئيبة واللاهوت الذي يبتهج بالتعذيب، كما يمكنها أن تولي ظهروها لمعوقات التقدم والاضطهاد، وتتبين الحاجة إلى عطف متبادل من مختلف نواحي جهلنا وآمالنا. وبسبب هؤلاء فإننا هنا الآن نستطيع أن نكتب دون خوف ولا وجل، ولو مع شيء من اللوم. إننا إذا توقفنا عن تمجيد فولتير وتكريمه سنكون غير جديرين بالحرية.

ص: 265

‌خاتمة في الفردوس

(شخصا الحوار البابا بندكت الرابع عشر وفولتير)

(المشهد: مكان في ذاكرة البشر الشاكرة)

بندكت: إني سعيد برؤيتك هنا يا سيدي، فعلى الرغم من أنك آذيت كثيراً الكنيسة التي قدر لي أن أكون على رأسها طيلة ثمانية عشر عاما، فقد أحسنت صنعاً بشن الحملة على آثام الكنيسة وأخطائها والمظالم التي أخزتنا جميعاً في عصرك.

فولتير: أنت الآن كما كنت في حياتك أرق الباباوات حاشية وأكثرهم صفحاً. وإذا كان كل خادم من خدم الله مثلك لتحققت من أن آثام الكنيسة هي خاصية طبيعية في الإنسان، ولبقيت أجل وأحترم هذا النظام العظيم. وإنك لتذكر أنني لمدة خمسين عاماً احترمت اليسوعيين.

بندكت: أذكر ذلك، ولكنك اشتركت في الهجوم عليهم في نفس الوقت الذي كانوا قد خفضوا فيه من دسائسهم السياسية، وكانوا يقفون فيه بشجاعة ضد فسق الملك ومجونه وإباحيته.

فولتير: كان جديراً بي أن أعرف أكثر من أن أقف إلى جانب الجانسنيين في تلك القضية.

بندكت: حسناً أنت ترى الآن أنك أيضاً قد تخطئ مثل البابا. والآن وقد وجدتك معتدل المزاج، دعني أحدثك لماذا بقيت أنا مخلصاً للكنيسة التي تخليت أنت عنها.

فولتير: أن هذا يشوقني كثيراً.

بندكت: أخشى أن أرهقك لأني سأطيل الحديث، ولكن تذكر كم ألفت أنت من مجلدات.

ص: 266

فولتير: كثيراً ما تاقت نفس لزيارة روما، وكم كان يسعدني أن تتحدث إليّ.

بندكت: وكثيراً ما رغبت في التحدث إليك. ويجدر بي أن اعترف بأني تمتعت بذكائك وبراعتك، ولكن تألق ذكائك هو الذي ضللك. من العسير أن تكون متألقاً بارعاً ومحافظاً، إنه لا يروق العقول النشيطة كثيراً أن تقف إلى جانب التقاليد والسلطة، وهناك ما يغريها بالنقد. حيث يمكن أن تشعر بلذة النزعة الفردية والإبداع والجدة، ولكن في الفلسفة يكاد يتعذر أن يكون الإنسان أصيلاً إلا إذا كان مخطئاً. وإني لأتحدث إليك، لا بصفتي كاهناً أو رجل لاهوت، ولكن بصفتي فيلسوفاً يتحدث إلى فيلسوف.

فولتير: أشكرك، لقد كان هناك كثير من الشك في كوني فيلسوفاً.

بندكت: لقد كنت حصيفاً، فلم تصطنع منهجاً جديداً. ولكنك ارتكبت خطأ فاحشاً أساسياً.

فولتير: ما هو؟

بندكت: ظننت أنه من الميسور لذهن واحد على مدى حياة واحدة أن يكتسب هذا القدر من المعرفة وعمق التفكير، مما يجعله صالحاً لينصب نفسه حكماً على حكمة الجنس البشري كله-على تقاليد ونظم شكلتها خبرة الناس وتجربتهم عبر القرون. فالتقاليد بالنسبة للجماعة هي بمثابة الذاكرة للفرد. وكما أن أي خلل في الذاكرة قد يؤدي إلى الجنون، فأن أية مخالفة مفاجئة للتقاليد قد تنزلق بالأمة بأسرها إلى هاوية الجنون، مثل فرنسا في الثورة.

فولتير: أن فرنسا لم تصب بالجنون، ولكنها ركزت في عقد من السنين على تراكم من استياء وغيظ أثناء قرون من الظلم الجور، فضلاً عن ذلك فأن "الجنس" الذي تتحدث عنه ليس "ذهناً"،

ص: 267

بل هو مجموعة وتسلسل لأفراد غير معصومين من الخطأ، وليست حكمة الجنس إلا مجموعة مركبة من أخطاء الأفراد وحسن تبصرهم، وماذا حدد أي العناصر من هذا الحطام من الأفكار سينتقل إلى الأعقاب والذراري ويسترعي انتباه الزمن؟

بندكت: إن نجاح الأفكار في تجارب الجماعات والأمم هو الذي حدد البقاء لبعض الأفكار وفناء الباقي.

فولتير: لست متأكداً، فربما كان التحيز متسربلاً ثياب السلطة هو الذي حدد في كثير من الحالات أي أفكار يجب الاحتفاظ به، وربما منعت الرقابة ألفاً من الأفكار الطيبة من الدخول إلى تقاليد الجنس البشري.

بندكت: أظن أن خلفائي فكروا في الرقابة وسيلة لمنع انتشار الأفكار التي قد تقوض الأساس الأخلاقي للنظام الاجتماعي، والمعتقدات المؤثرة التي تساعد الناس على احتمال أعباء الحياة وأني لأسلم بأن مراقبينا قد ارتكبوا أخطاء جسيمة مثل ما حدث مع جاليليو-ولو أني أرى أنا كنا أكثر اعتدالاً معه مما سول أتباعك لكثير من الناس أن يعتقدوا.

فولتير: قد تكون تقاليد إذن خاطئة ظالمة وتكون حجر عثرة في سبيل تقدم التفاهم. وكيف يتقدم الإنسان إذا حرم مناقشة التقاليد؟

بندكت: ربما كان علينا أن نناقش التقدم أيضاً. ولكن فلنطرح هذه المسألة جانباً الآن مؤقتاً. أعتقد أنه يجدر بنا أن نناقش التقاليد والنظم مع حرصنا على ألا نهدم أكثر مما نبني، ومع الحذر من أن الحجر الذي نزعزعه من مكانه لا يكون ضرورياً لتدعيم ما نريد الإبقاء عليه. على أن نعي دائماً حقيقة متواضعة، تلك هي أن خبرة الأجيال قد تكون أفضل وأحكم من العقل فرد عابر.

فولتير: ومع ذلك فالعقل أجل نعمة أنعم الله بها علينا.

ص: 268

بندكت: لا، الحب هو أكبر نعمة. أنا لا أريد الانتقاص من قيمة العقل ولكن يجب أن يكون خادم الحب لا خادم الغرور والزهو.

فولتير: أنا غالباً ما سلمت بهشاشة العقل وسهولة انقياده. أنا أعلم نزوعه إلى إثبات كل ما توحي به رغباتنا. أن صديقي البعيد ديدرو كتب في مكان ما أن حقائق الشعور أكثر ثباتاً من حقائق العرض المنطقي (1). إن المتشكك الحقيقي لابد أن يرتاب في العقل أيضاً. وربما بالغت أنا في العقل لأن ذلك الرجل المجنون روسو بالغ في الوجدان. وفي رأيي أن إخضاع العقل للوجدان أشد خطراً من إخضاع الوجدان للعقل.

بندكت: إن الإنسان، مل إنسان، محتاج إليهما كليهما في تفاعلهما. ولكني الآن أتساءل هل لك أن تصاحبني إلى خطوة أبعد؟ ألا تتفق معي في أن أنصع معرفة مباشرة هي معرفتنا أننا موجودون وأننا نفكر؟

فولتير: حسناً؟

بندكت: إذن نحن نعرف الفكر بطريق مباشر أكثر مما نعرف أي شيء آخر.

فولتير: عجيب! أعتقد أننا نعرف الأشياء قبل أن تتحول إلى أنفسنا ونتبين أنا نفكر.

بندكت: ولكن اعترف أ، ك حين تنظر إلى نفسك تدرك حقيقة مختلفة تمام الاختلاف عن المادة التي تميل أحياناً إلى أن تختزل إليها كل شيء.

فولتير: أنا أشك في هذا، ولكن استمر.

بندكت: واعترف أيضاً بأن ما تراه حين تنظره في داخل نفسك هو بعض من واقع الاختيار ومن حرية الإرادة.

فولتير: أنت تنطلق بسرعة. أيها الأب، لقد اعتقدت يوماً بأني نعمت

ص: 269

بدرجة معتدلة من الحرية، ولكن المنطق أرغمني على قبول القضاء والقدر.

بندكت: أي أنك أخضعت ما أدركت مباشرة لما انتهيت إليه مت عملية تفكير طويلة مزعزعة.

فولتير: أنا لم استطع أن أدحض آراء صانع العدسات الصغير العنيد سبينوا. هل قرأت له؟

بندكت: بالطبع قرأت. إن البابا ليس مقيداً بقائمة معينة من الكتب المهذبة.

فولتير: أنت تعرف أننا اعتبرناه ملحداً.

بندكت: يجدر بنا ألا نخلع النعوت والألقاب بعضنا على بعض. أنه كان محبباً إلى نفسي، ولكنه كان مكتئباً إلى حد لا يطاق. أنه رأى الله بطريقة شاملة إلى حد لم يترك مجالاً للشخصية الإنسانية. أنه كان متديناً مثل أوغسطين، وقديساً عظيماً مثله.

فولتير: إني أحبك يا بندكت. أنك أرحم به مني.

بندكت: فلنتابع حديثنا، أسألك أن توافق على أن الفكر والوعي والإحساس بالشخصية عي أعظم الحقائق المعروفة لنا بطريق مباشر.

فولتير: حسناً .. هذا مسلم به.

بندكت: وعلى هذا أشعر بأنني نحق في رفض المادية الإلحاد والجبرية. فكل منا روح والديانة تبنى على هذه الحقيقة.

فولتير: فلنسلم بكل هذا، فكيف نجيز تلك المجموعة الضخمة من السخافات التي أضيفت إلى مذهب الكنيسة قرناً بعد قرن؟

بندكت: أنا أعلم أن هناك سخافات كثيرة وأشياء كثيرة لا تصدق، ولكن الناس كانوا يتصايحون من أجلها، وفي كثير من الأحيان نجد الكنيسة في تقبلها لهذه الأعاجيب، كانت تخضع للمطلب العام

ص: 270

الواسع الانتشار، وإذا أنت انتزعت من الناس المعتقدات التي نجيز لهم اعتناقها، فأنهم سيعتنقون أساطير وخرافات لا ضابط ولا حصر لها. أن الديانة المنظمة لن تخترع خرافة، بل تحول دونها. اقضِ على أية ديانة منظمة فسيحل محلها هذه المتاهة من الخرافات المخلة التي تنشأ ضغثاً على أبالة في المسيحية وتزيد في جراحها. ومع ذلك ففي العلم أشياء لا تصدق أكثر منها في الديانة. أهناك شيء أبعد على التصديق من الاعتقاد بأن حالة بعض سديم بدائي هي التي حددت وفرضت كل سطر في رواياتك؟

فولتير: وما بالك بحكايات القديسين عير القابلين للاحتراق حين يلقى بهم في النار، وحكاية القديس الذي ضرب عنقه ومشى ورقبته في يده، وحكاية مريم التي رفعت إلى السماء-أنا لم أهضم هذه الحكايات كلها.

بندكت: أن معدتك كانت ضعيفة دائماً. إن الناس لا يجدون فيها شيئاً عسيراً لأن هذه الحكايات جزء من عقيدة تساند حياتهم ويجدون فيها بعض العزاء. وهذا هو السبب في أنهم لن يعيروك أذناً صاغية طويلاً، حيث أن أنفاس حياتهم لا تتوقف على الإصغاء إليك-وهكذا ففي الصراع بين الإيمان والكفر، فأن الإيمان يكسب المعركة دائماً. أنظر كيف تكسب الكثلكة غرب ألمانيا، وتستعيد فرنسا الكافرة، وتسود أمريكا اللاتينية، ويشتد عودها في أمريكا الشمالية، حتى في أرض الحجيج والبيوريتانيين.

فولتير: أنا أرى أحياناً، أيها الأب أن ديانتكم تستعيد مكانتها، لا عن طريق صدق عقيدتكم، ولا عن طريق الجاذبية في أساطيركم، ولا بفضل استخدامكم البارع للمسرحية والفن، ولكن

ص: 271

بفضل تشجيعكم الدقيق بشكل شيطاني للإخصاب بين الناس عندكم. وأعتقد أن معدل التكاثر هو العدو رقم 1 للفلسفة، نحن نتناسل في القاعدة ونموت في القمة. وخصوبة السذاجة تهزم حدة الذكاء.

بندكت: أنت تخطئ إذا اعتقدت أن معدل التكاثر هو سر نجاحنا. فإن شيئاً أعمق من هذا بكثير موجود ضمناً. هل أخبرك لماذا يعود كل الأذكياء في كل أنحاء العالم إلى حظيرة الدين؟

فولتير: لأنهم تعبوا من التفكير.

بندكت: لا، ليس هذا تماماً، إنهم اكتشفوا أن فلسفتكم ليس لها جواب إلا الجهل واليأس. ويدرك العقلاء أن كل المحاولات فيما أسماه أخوتكم "الأخلاق الطبيعية" أخفقت. وقد نتفق أنت وأنا على أن الإنسان ولد وفيه غرائز تميل إلى النزعة الفردية تكونت في آلاف السنين من الظروف والأحوال البدائية، وأن غرائزه الاجتماعية ضعيفة نسبياً، وأن شريعة قوية من الأخلاق والقوانين مطلوبة لترويض هذا الفوضوي بالطبيعة، وتحويله إلى مواطن عادي مسالم. إن علماء اللاهوت عندنا أسموا هذه الغرائز التي تتسم بالنزعة الفردية "الخطيئة الأصلية الأولى" الموروثة عن "آبائنا الأولين"، أي أولئك الناس المرهقين الذين لا يخضعون لقانون، المعرضين دائماً للخطر، الصيادين الذين كان لزاماً عليهم أنت يكونوا دائماً على أهبة الاستعداد للقتال والقتل من أجل الطعام أو الرفاق، وأن يكونوا مولعين بالاكتساب والمشاركة، وأن يكونوا قساة إلى حد العنف، لأن أي نظام اجتماعي ساد بينهم، كان لابد أن يظل ضعيفاً، ولكن عليهم أن يعتمدوا على أنفسهم في الأمن على حياتهم وممتلكاتهم.

ص: 272

فولتير: أنت لا تتحدث كما يتحدث البابا.؟

بندكت: قلت لك أنه ينبغي علينا أن نتحدث كما يتحدث الفلاسفة. فالبابا أيضاً يمكن أن يكون فيلسوفاً، ولكن عليه أن يعبر عن نتائج الفلسفة لا بلغة مفهومة للناس فحسب، بل بلغة خلقة بالتأثير على عواطفهم وسلوكهم. نحن مقتنعون-والعالم كله يعود إلينا لأنه يعلم-بأنه ليس ثمة قانون أخلاقي من وضع الإنسان بشكل صريح معترف به، يمكن أن يؤثر بدرجة كافية حتى يضبط ويتحكم في الدوافع غير الاجتماعية في الرجل الطبيعي. إن الناس عندنا محكومون في حياتهم الأخلاقية-ولو أن هذا لا يلتئم مع الجسد-بقانون أخلاق تعلموه وهم أطفال في طور التشكيل، باعتباره جزءاً من دينهم، واعتباره من عند الله لا من عنديات الإنسان. أنت تريد أن تحتفظ بالأخلاق وتنبذ اللاهوت، ولكن اللاهوت هو الذي جعل الأخلاقيات تستقر في أعناق النفس. ويجب أن نأخذ القانون الأخلاقي على أنه جزء لا يتجزأ من الإيمان الديني الذي هو أثمن ما يمتلك الإنسان، لأنه عن طريق هذا الإيمان وحده تكتسب الحياة معنى ومنزلة سامية تعزز وجودنا وتضفي علليه شرفاً ونبلاً.

فولتير: وعلى هذا ابتدع موسى أحاديثه مه الله.

بندكت: إن الذهن الناضج لا يوجه مثل هذا السؤال.

فولتير: أنت على حق تماماً.

بندكت: إني أغفر لك تهكمك الفطير غير الناضج. إن حمورابي وليكورغوس (مشرع إسبرطة في القرن التاسع ق. م) ونوما وبومبليوس كانوا بالتأكيد على حق في أن يضعوا للأخلاق أساساً دينياً حتى لا تنهار تحت الضربات المتواصلة من أقوى غرائزنا، وأنت نفسك قبلت هذا حين تحدثت عن إله يثيب ويعاقب؛ إنك

ص: 273

أردت أن يتمسك خدمك بالدين، ولكنك ظننت أن أصدقاءك يمكن أن يعيشوا بلا دين.

فولتير: ما زلت أرى أن الفلاسفة يمكن أن يستغنوا عن الدين.

بندكت: كم أنت ساذج! هل الأطفال أهل للفلسفة؟ هل يستطيع الأطفال أن يفكروا ويتأملوا؟ إن المجتمع مؤسس على الأخلاقيات، وهذه مؤسسة على الشخصية، والشخصية تتكون زمن الطفولة والشباب. قبل أن يكون العقل موجهاً ومرشداً بزمن طويل. وينبغي أن نغرس الفضيلة في الفرد حين يكون صغيراً مطواعاً غض الأهاب، حيث تكون الفضيلة والأخلاقيات قوية إلى حد يسمح بمقاومة نزازعه المشربة بروح الفردية. بل حتى تفكيره الفردي. أخشى أن تكون قد بدأت تفكر بسرعة. والعقل عمل فردي أساسي، وإذا لم تحكمه وتضبطه الأخلاق فإنه يمكن أن يمزق مجتمعاً إرباً.

فولتير: إن بعض أحسن الرجال في عصري وجدوا أن العقل فضيلة وأخلاقيات كافية.

بندكت: كان هذا قبل أن يتغلب العقل القائم على النزعة الفردية والزمن على آثار الديانة. إن نفراً قليلاً من الناس مثل سبينوزا وبيل ودي هولباخ وهلفشيوس قد يكونون قد عاشوا حياة طيبة بعد تخليهم عن دين آبائهم، ولكن من يدرينا أن فضائلهم لم تكن نتيجة تعليمهم الديني؟

فولتير: كان هناك المئات من الناس المعاصرين لي، ممن كانوا خليعين محتقرين على الرغم من تعليمهم الديني وعقيدتهم الكاثوليكية، مثل الكاردينال ديبوا ولويس الخامس عشر.

بندكت: الذين كتبت عنهم مديحاً يثير الاشمئزاز.

ص: 274

فولتير: وا حسرتاه! نعم، كنت مثل بعض رهبانكم، استخدمت بعض حيل وخدع تقية لأصل إلى ما شعرت بأنه غايات طيبة.

بندكت: مهما يكن من أمر، فليس ثمة شك في أن هناك آلافاً من الناس ممن يستمسكون بالعقيد القويمة، حتى وممن يواظبون على كل الطقوس، يمكن أن يكونوا آثمين خطائين ومجرمين عريقين في الإجرام. إن الدين ليس علاجاً معصوماً من الخطأ للجريمة، إنه ليس إلا مجرد عون في المهمة الشاقة، مهمة تمدين الإنسان. وأننا لنعتقد أن الناس بدون الدين يمكن أن يكونوا أسوأ بكثير مما هم.

فولتير: ولكن تلك الفكرة رهيبة، فكرة الجحيم، حولت الإله إلى غول بشع أشد قسوة من أي مستبد غاشم في التاريخ.

بندكت: أنت تمقت هذه الفكرة، ولكنك إذا عرفت الناس معرفة أكثر وأفضل، لأدركت أنه يجب إرهابهم بالمخاوف العقاب. إن رأس الحكمة مخافة الله. وعندما فقد أتباعك هذا الخوف بدءوا يتدهورون ويفسدون. إنك كنت محتشماً معتدلاً نسبياً في فسقك وفجورك، وكان ثمة شيء جميل في علاقاتك الطويلة بمدام دي شاتيليه، ولكن علاقاتك مع ابنة أختك كانت شائنة مخزية. ولم تجد شيئاً يستحق اللوم في سلوك صديقك الفاجر الداعر الدوق دي ريشيليو.

فولتير: وكيف كان يمكن أن ألومه؟ إذن لتعرضت قروضي للخطر.

بندكت: أنت لم يمتد بك زمنك لترى كيف أن الإلحاد قارب أن يجعل من الإنسان أحقر حيوان. هل قرأت المركيز دي ساد؟ أنه في نشو الثورة الفرنسية نشر ثلاث قصص (2) أوضح فيها أنه لو لم يكن

ص: 275

هناك إله لكان كل شيء مباحاً اللهم إذا كشف وكلاء القانون أمره. وأشار إلى أن الكثير من الأشرار الخبثاء تزدهر أحوالهم في الدنيا، وكثيراً من الطيبين الفضلاء يعانون ويشقون، وعلى ذلك فإنه إذا لم يكن هناك جنة أو نار، فليس ثمة معنى في أن نكون طيبين لنسئ إلى ملذاتنا. وانتهى إلى أنه إذا لم تكن تلك الإرادة حرة فليس هناك مسئولية أخلاقية، وليس هناك خير أو شر، بل هناك فقط ضعفاء وأقوياء والخير هو الضعف، والضعف هو الشر، حتى ولو كان لما يجد القوي-لذة في استغلال الضعيف ما يبررها. وحاول أن يثبت أن القسوة أمر طبيعي وأنها غالباً ما تكون سارة مرضية. وهكذا أقر كل ضروب اللذة، بما في ذلك أحط ألوان الانحراف وأبغضه، حتى بدا في آخر الأمر أن الخير الأعظم يكمن في إيقاع الألم وتلقيه، أسلوباً من أساليب اللذة الجنسية.

فولتير: كان لزاماً أن يضرب هذا الرجل بالسوط حتى يموت.

بندكت: نعم إذا استعطت الإمساك به. أما إذا لم تستطع؟ فكر في الجرائم التي لا تحصى والتي ترتكب في كل يوم، والتي لا تكتشف والتي تفلت دون عقاب مطلقاً، إنه من الضروري أن يكون هناك قانون أخلاقي يمنع الناس من الإجرام حتى لو أحسوا أنهم في مأمن من كشف أمرهم. فهل يكون عجباً أن "عصر فولتير" أبعد العصور عن الأخلاق وأكثرها فساداً في التاريخ .. ؟ أنا لن أذكر شيئاً عن "غادتك" ولكن فكر في الملك "ومنتدى غزلانه" وفي الأدب الداعر الفاجر الذي كان يطبع بكميات كبيرة ويتداول على أوسع نطاق، ويتلهف الناس حتى النساء على شرائه. إن هذا الزاد الطائش، والإثارة الجنسية تصبحان طوفاناً فاجراً في أزمان الكفر وأرضه.

ص: 276

فولتير: يجب أن تعلم يا صاحب القداسة أن الغريزة الجنسي قوية جداً حتى عند بعض الباباوات، وأنها لابد أن تجد متنفساً على الرغم من أي قانون.

بندكت: وبسبب قوة تلك الغريزة فإنها تحتاج إلى ضوابط وقيود خاصة، لا إلى تشجيع قطعاً. وهذا هو ما دعانا إلى محاولة حصرها في حدود الزواج المنظم، وعملنا كل ما في وسعنا لجعل الزواج المبكر حيز الإمكان. إنكم في مجتمعاتكم الحديثة تجعلون الزواج متعذراً للجميع اللهم إلا الطائشين المسرفين، أي ما بعد الوصول إلى مرحلة النضج الجنسي بزمن طويل. ومع ذلك تجعلون كبح جماح الغريزة الجنسية أمراً شاقاً عسيراً بالنسبة لهم بإثارة خيالهم الجنسي وشهوتهم الجنسية في كل لحظة بالأدب والمسرح، بدعوى حرية الصحافة والمسرح.

فولتير إن شبابنا لا يضارون كثيراُ بحريتهم.

بندكت: أظنك مخطئاً. إن الرجل الذي تعود على الاختلاط الجنسي غير المشروع قبل الزواج نادراً يكون زوجاً أميناً مخلصاً، والمرأة التي تفرط في عرضها قبل الزواج لن تكون زوجة أمينة إلا من قبيل الاستثناء، وهكذا نساق إلى إباحة الطلاق بشروط يسيرة. إننا نجعل من الزواج سراُ مقدساً رهيباً وعهداً بطول الصبر والأمانة-مدى الحياة، ولكنكم تجعلون منه عقد عمل يحق لأي من الطرفين أن يفسخه، أثر شجار عابر تطلعاً إلى رفيق أصغر سناً أو أكثر ثراء. إن كل بيت مفتحة الآن أبوابه كلها، الأمر الذي يدعو إلى الانفصال ويشجع عليه. ووقع نظام الزواج في حالة من فوضى التقارب المؤقت التجريبي، مما يشكل كارثة للنساء ويقوض أركان النظام الأخلاقي.

ص: 277

فولتير: ولكن الزواج بواحدة فقط أمر غير طبيعي وغير محتمل، أيها الأب العزيز.

بندكت: وإن أي كبت للغريزة أمر غير طبيعي، ومع ذلك يستحيل قيام المجتمع دون الكثير من هذه القيود، وأعتقد أن الرجل أو المرأة مع رفيق (زوج) واحد وعدة أطفال أسعد من رجل أو امرأة مع عدة رفاق وطفل واحد. وكيف ينعم رجل بالسعادة وقد طلق زوجته التي فقدت جمالها في الحمل وفي تربية أبنائه، حين أثاره وجه جديد وقوام رشيق؟

فولتير: ولكن بتحريمك الطلاق يجب أن تتسامح مع الزنى المنتشر انتشاراً واسعاً في الأقطار الكاثوليكية.

بندكت: نعم نحن ضعفاء مجرمون. نحن ضعفاء بسبب الفكر والتخلي عن الإيماني، وربما كان الزنى أفضل من الطلاق، لأنه يهيئ في الظاهر بيتاً متحداً آمناً للأبناء، وينطوي على ارتباك وتشويش أقل للأسرة. ولكني أشعر بالخجل لأننا لم نجد حلاً أفضل.

فولتير: أنت رجل مؤمن مخلص أيها الأب، إني لأتنازل عن كل ما أملك إذا قدر لي أن أشاركك إيمانك وطيبة نفسك.

بندكت: ومع ذلك فمن الصعب إقناعك. وإني ليتولاني اليأس أحياناً من كسب الرجال الأذكياء اللامعين أمثالك، من تحرك أقلامهم مليوناً من الأنفس وتوجهها نحو الشر أو الخير. ولكن بعض أتباعك يفتحون أعينهم على الحقيقة المرة الرهيبة. فإن فقاقيع التقدم انفجرت في قرن شهد مزيداً من قتل الرجال والنساء بالجملة. ومزيداً من اجتياح المدن وتخريبها، ومن تحجر القلوب وفسادها، أكثر من أي قرن آخر في التاريخ. إن التقدم في المعرفة والعلم ووسائل الراحة والقوة ليس تقدما في الوسائل،

ص: 278

وإذا لم يكن ثمة تحسين في الغايات والأغراض أو الرغبات فلن يكون التقدم إلا وهماً وخداعاً. إن العقل يعمل على تحسين الوسائل ولكن الغايات تحددها الغرائز التي تتشكل قبل المولد وتتكون قبل نمو العقل.

فولتير: أنا ما زلت اثق في ذكاء الإنسان، أننا سنحسن الغايات والوسائل معاً إذا صرنا أكثر اطمئناناً وأمناً على حياتنا.

بندكت: هل ستصبح أكثر أمناً اطمئناناً؟ هل ينخفض معدل الجريمة العنيفة؟ هل الحرب أقل فظاعة وبشاعة من ذي قبل؟ أنك تتعلق بأمل كاذب في أن قوة التدمير في أسلحتكم سوف تعوقكم وتعوق أعداءكم عن الحرب. ولكن هله التقدم المتكافئ من السهم إلى القنبلة سيعوق الأمو عن تحدي بعضها بعضاً حتى الموت؟

فولتير: إن تعليم الجنس البشري سيستغرق عدة قرون.

بندكت: في نفس الوقت أنظر إلى الخراب الروحي الذي نشرته دعايتكم. وربما كان هذا كارثة أفظع من أي خراب في المدن. أليس الإلحاد مقدمة لتشاؤم أعمق من أي تشاؤم عرفه المؤمنون؟ وأنت أيها الفتى الذائع الصيت، ألم تفكر كثيراً في الانتحار؟

فولتير: نعم، وحاولت أن أومن بالله، ولكني أعترف لك أن الله لم يعد شيئاً قي حياتي، وفي دخيلة نفسي شعرت أيضاً بفراغ في موضع إيمان طفولتي، ولكن يحتمل أن يكون هذا هو إحساس أفراد وأجيال في فترة انتقال فقط. ولكن حفدة هؤلاء المتشائمين سيمرحون ويسرحون في حرية حياتهم، وتتهيأ لهم سعادة أكثر من المسيحيين المساكين الذين أظلمت حياتهم بالخوف من الجحيم.

بندكت: إن هذا الخوف لم يلعب إلا دوراً صغيراً في الحياة الغالبية العظمى من المؤمنين. إن ما أثلج صدورهم هو إحساسهم بأن سكرات

ص: 279

الموت لم تكن عبثاً غير ذي معنى. بل مقدمة لحياة أكبر تصحح وتشقى فغيها كل المظالم والقساوات الدنيوية، وسيكونون متمتعين بالسعادة والسلام مع من كانوا يحبونهم ثم فقدوهم.

فولتير: نعم كان في هذا راحة تامة، مهما تكن خداعة. أنا لم أحس بها لأني أكاد لا أعرف والدتي، ولم أرَ والدي إلا نادراً، وليس لي أولاد معروفون.

بندكت: أنت لم تكن رجلاً كاملاً، ولم تكن فلسفتك كاملة. هل عرفت يوماً حياة الفقراء؟

فولتير: عرفتها من الخارج فقط، ولكني حاولت أن أكون منصفاً وعوناً للفقراء الذين عاشوا في ضياعي.

بندكت: لقد كنت سيداً فاضلاً، وفطنت إلى أن الإيمان والعقيدة التي اعتنقها هؤلاء الذين استخدمتهم في شبابك والتي لهم فيها عزاء وسلوى، يجب أن تتجدد عن طريق التعليم الديني والقيادة ولكن في نفس الوقت كان إنجيلك المدمر الذي لا أمل فيه فينما وراء القبر يسود فرنسا بأسرها. هل أجبت يوماً على سؤال دي موسيه (3)؟ بعد أن علمت أنت أ، أتباعك الفقراء أن الجنة الوحيد التي يمكنهم الوصول إليها يجب أن يخلقوها هم أنفسهم على الأرض أو في الدنيا. وبعد أن ذبحوا حكامهم، ويظهر حكام جدد، ويبقى الفقر بالإضافة إلى خلل وفساد وعدم استقرار أكبر من ذي قبل، فماذا إذن تستطيع أن تقدم من عزاء للفقراء المغلوبين على أمرهم؟

فولتير: أنا لم أحبذ قتل حكامهم، وارتبت في أن يكون الجدد أقرب شبهاً بالقدامى، ولكن أسوأ سلوكاً.

بندكت: لن أقول إن الثورة ليس لها ما يبررها مطلقاً، ولكنا تعلمنا من التجارب والخبرات التي تراكمت ونقلتها إلينا الأجيال، أنه

ص: 280

بعد كل انقلاب، سيكون هناك ثانية سادة وأناس، وأغنياء وفقراء نسبياً. نحن ولدنا جميعاً غير متساوين، وكل اختراع جديد وكل تعقيد جديد يضاف إلى الحياة أو الفكر يزيد في الهوة بين البسطاء والدهاة البارعين، وبين الضعفاء والأقوياء. إن أولئك الثوريين المؤمنين تحدثوا عن الحرية والمساواة والإخاء ولكن هذه الأقانيم لا تتمشى مع بعضها البعض. لأنك إذا أقررت الحرية سمحت للتفاوتات وعدم المساواة الطبيعية أن تتضاعف إلى تفاوتات وفوارق مصطنعة. فإذا حلت دون هذه التفتاوتات كان عليك أن تقيد الحرية، وهكذا تصبح مثلك العليا في الحرية ستاراً للاستبداد وفي غمرة هذا يصبح الإخاء مجرد كلمة.

فولتير: نعم هو كذلك.

بندكت: حسناً إذن، ومن منا يقدم عزاء أكبر للغالبية التي لا مفر من أن تكون مغلوبة على أمرها؟ هل تظن أنك تحسن صنعاً أو تؤدي خدمة للكادحين في فرنسا وإيطاليا إذا أقنعتهم بأن أضرحتهم القائمة على جانب الطريق وصلبانهم وصورهم الدينية وتقدماتهم التقية مجرد شعائر سخيفة لا معنى لها، وأن صلواتهم موجهة إلى سماء خالية، وهل يمكن أن تكون ثمة مأساة أشد من أنه يجب على الناس أن يؤمنوا بأنه ليس في الحياة شيء إلا تنازع البقاء وليس فيها شيء أكيد على وجه اليقين إلا الموت.؟

فولتير: أنا أشاركك شعورك أيها الأب. لقد أثر في نفسي وأزعجتني رسالة تلقيتها من مدام دي تلموند. أنا أذكرها جيداً، وجاء فيها "أرى يا سيدي ألا يكتب فيلسوف مطلقاً إلا ليحاول أن يجعل الجنس البشري اقل شراً وأقل شقاء مما هو عليه. وأنت الآن تعمل على النقيض من ذلك تماماً. أنت دائماً تكتب ضد الدين، وهو وحده القادر على كبح جماح البشر وتقديم السلوى والعزاء

ص: 281

إذا ألم الخطب (4)، ولكن لي إيماني كذلك بأن الحق سيكون على مدى الأيام نعمة حتى للفقراء.

بندكت: لن يكون الحق حقاً إلا إذا بقي صادقاً عبر الأجيال. إن الأجيال السابقة تكذبك والأجيال القادمة ستلومك، بل أن المنتصرين في صراع الحياة سيلومونك على انتزاعك الآمال من صدور المساكين وهي الآمال التي حملتهم على قبول المكانة المتواضعة في مجتمع منقسم إلى طبقات، وهو تقسيم لا مناص منه.

فولتير: أنا لا أستسلم لخداع الفقراء والمساكين خداعاً مزدوجاً على هذا النحو.

بندكت: نحن لا نخدعهم. أننا نعلمهم الإيمان والأمل والبر والإحسان، وتلك كلها نعم حقيقية في حياة البشر. أنكم سخرتم كثيراً من التثليث، ولكن هل كان لديكم يوماً أي فكرة عن الراحة النفسية التي أحس بها ملايين الملايين من الأنفس لمجرد التفكير في أن الله نفسه قد نزل إلى هذه الأرض ليشاركهم آلامهم ومعاناتهم، ويكفر عن خطاياهم؟ وسخرتم من ولادة العذراء، ولكن هل في كل الأدب شيء محبب أو مؤثر أكثر رمزاً لبساطة النساء واعتدالهن ورمزاً لحب الأم؟

فولتير: أنها قصة جميلة، ولو أنك كنت قرأت كل مجلداتي التسعة والتسعين لوجدت أنني أعترف بقيمة هذه الأساطير التي تبعث في النفوس السلوى والعزاء.

بندكت: نحن لا نسلم بأنها أساطير، أنها من بين أعمق الحقائق. إن آثارها من بين أكثر الحقائق يقيناً في التاريخ. أنا لن أتحدث عن الفن والموسيقى اللتين خلقتهما، وهما من أغنى تراث الإنسان

فولتير: كان الفن ممتازاً. ولكن أغنيتكم الجريجورية كانت عبئاً كريهاً كئيباً.

ص: 282

بندكت: لو أنك كنت أكثر عمقاً لقدرت قيمة طقوسنا وأسرارنا المقدسة. إن احتفالات تجمع بين المصلين في مسرحية حية وأخوة تشجع على الوحدة، وأسرارنا المقدسة هي حقاً اسم على مسمى من أمارات أو علامات ظاهرية على نعمة وبركة باطنة داخلية، وأنها لراحة نفسية للآباء أن يروا طفلهم في التعميد والتثبيت مقبولاً في جماعة العقيد العريقة وفي ميراثها. وهكذا توحد الأجيال في أسرة لا يحددها الزمان، ولا يعود الفرد فيها يحس أنه وحيد. وأنه لمن أجل النعم للمخطئ أن يعترف بخطاياه ويتلقى الغفران. وأنتم تقولون إن هذا لا يعدو أن يكون مجرد سماح له بارتكاب الذنب ثانية، ونحن نقول بأن هذا يشجعه على أن يبدأ حياة أفضل غير مثقلة بوزر الإثم. ألا يكافح أطباؤكم النفسيون من أحل إيجاد بديل عن الاعتراف للكاهن؟ ألا يخلقون مصابين بالأمراض العصبية قدر ما يعالجون ويشفون؟ أليس جميلاً إنه في سر القربان المقدس يقوى الإنسان الضعيف ويتأثر باتحاده مع الله؟ هل رأيت شيئاً أجمل من ذهاب الأطفال لأول عشاء رباني لهم؟

فولتير: لا يزال يزعجني ويضايقني فكرة أكل الله، أنها بقايا عادات وحشية.

بندكت: أنك تخلط مرة ثانية بين الإشارة الظاهرية الخارجية والبركة الباطنية. ليس ثمة شيء ضحل مثل التحريف، إنك تحكم على كل شيء من سطحه، وتظن أنه عميق. وقد ضلل هذا التحريف كل الحياة الحديثة. وفي الدين مر العقل الناضج بثلاث مراحل: الإيمان والكفر والفهم.

فولتير: قد تكون على حق. ولكن هذا لا يبرر نفاق أساقفتك الآثمين الخطائين، أو اضطهاد الفكر الصادق المستقيم.

ص: 283

بندكت: نعم. كنا مذنبين. إن العقيدة طيبة لا غبار عليها، ولكن القائمين عليها رجال ونساء عرضة للخطأ والإثم.

فولتير: ولكن إذا كان القائمون عليها عرضة للخطأ، فلماذا يزعمون أنهم معصومون منه؟

بندكت: إن الكنيسة تدعي العصمة فقط لأحكامها الرسمية الأساسية الموقرة جداً، ويجب الكف عن الجدل في موضع ما، إذا أريد للذهن أو المجتمع أن يعيش في هدوء وسلام.

فولتير: وهكذا نعود ثانية إلى الرقابة الخانقة والتعصب الوحشي الذميم اللذين كانا مصدر الأذى والهلاك في حياتي، ومبعث الخزي والعار في تاريخ الكنيسة. ويمكنني أن أرى أبواب محاكم التفتيش مفتوحة من جديد.

بندكت: أرجو ألا يكون الأمر كما تقول. إن هذا كان يسبب ضعف البابوية، إن محاكم التفتيش كانت قاسية. إن خلفائي كافحوا لوقفها.

فولتير: البابوات أيضاً مذنبين. أنهم نظروا برباطة جأش إلى قتل مئات اليهود أثناء الحروب الصليبية، وتآمروا مع دولة فرنسا على قتل الالبيجنسيين (طائفة دينية ازدهرت في جنوب فرنسا فيما بين 1020 - 1250م وأخيراً قضي عليها بتهمة الزندقة). لماذا نعود إلى عقيدة استطاعت على الرغم من كل سحرها وفتنتها أن تولد مثل هذه الوحشية ومازالت تتغاضى عنها؟

بندكت: أننا شاركنا في عادات عصرنا وسلوكه. ونحن نشارك الآن في تحسين الأخلاق. انظر إلى قساوستنا، أليسوا، مجموعة ممتازة من الناس في تعليمهم وتبتلهم وسلوكهم؟

فولتير: هكذا يقولون لي. ولكن ربما كان هذا بسبب المنافسة. ومن يدري ماذا سيكونون عليه، حين يهيئ لهم أنصارهم ذوو الأصل

ص: 284

العريق والتفوق السياسي؟ إن المسيحيين في القرون الثلاثة الأولى من حقبتنا اشتهروا بسمو الخلق لكنك تعلم كيف أصبحوا حين تسلموا مقاليد الأمور. إنهم قتلوا من أجل الخلاف الديني أناساً أكثر مائة مرة مما قتل أباطرة الرومان.

بندكت: إن قومنا كانوا آنذاك بادئين في التعليم، فلنأمل أن نفعل أفضل مما فعلوه في المستقبل.

فولتير: لقد أحسنت الكنيسة صنعاً في بعض الأحيان. ففي النهضة الإيطالية أظهر بعض خلفائك تسامحاً لطيفاً نحو الكفر. ولم يحاول غير المؤمنين أن يحرموا المساكين من عقيدتهم التي توفر لهم العزاء والسلوى. أنا من جانبي لا أريد أن أدمر عقيدة الفقراء المساكين، وأؤكد لك أن هؤلاء المساكين لا يطالعون كتبي.

بندكت: بارك الله في المساكين الفقراء.

فولتير: في نفس الوقت، ينبغي أن تغفر لي ولأمثالي إذا واصلنا مساعينا لتنوير أقلية كبيرة العدد إلى حدٍ كافٍ، مصممة على تحول دون تسلط الكنيسة مرة ثانية على أفكار المتعلمين. وسيكون التاريخ غير ذي قيمة لنا إذا لم يعلمنا أن نكون يقظين حذرين ضد التعصب الطبيعي في ديانة تقليدية تستغل القوة. إني أجلك وأقدرك أعظم تقدير، أيها الأب بندكت، ولكن يجب أن أبقى كما أنا فولتير.

بندكت: ليغفر الله لك.

فولتير: المغفرة دعاء الجميع.

ص: 285