الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة المؤلف
إن الغرض الذي أبتغيه من تأليف هذا الكتاب هو أن أجيل الفكر في أصل الحضارة اليونانية ونشأتها وترعرعها واضمحلالها من أقدم العهود التي تدل عليها آثار كريت وطروادة إلى أن فتحت رومة تلك البلاد، وأن أدون ما أهتدى إليه من بحوث في هذا الميدان. وإنى لشديد الرغبة في أن أرى هذه الحضارة المعقدة وأن أحس بها، على ألا يكون إحساسي بها وروايتها مقصورين على البحث في نهضتها وسقوطها بحثا نظرياً مجرداً، بل أريد به بحثاً يتغلغل على البحث في نهضتها وسقوطها بحثاً نظرياً مجرداً، بل أريد به بحثا يتغلغل فيما تشتمل عليه من عناصر حية كثيرة التباين، متعددة الأنواع، منها طريقة أهلها في انتزاع الرزق من الأرض، وفي تنظيم التجارة والصناعة، وما قاموا به من تجارب في الحكم الملكي المطلق، والأرستقراطي والدمقراطى والدكتاتورى، ومن ثورات على حكامهم ونظمهم؛ ومنها عاداتهم وأخلاقهم وطقوسهم الدينية ومعتقداتهم، وتربية أبنائهم وشؤون أسرهم وتنظيم علاقاتهم الجنسية؛ وبيوتهم ومعابدهم وأسواقهم ومسارحهم وميادين ألعابهم؛ وأشعارهم ومسرحياتهم وتصويرهم ونحتهم وعمارتهم ومسيقاهم؛ وعلومهم ومخترعاتهم وخرافاتهم وفلسفاتهم؛ أريد أن أرى هذه العناصر وأن أحس بها لا في عزلتها النظرية العلمية، بل في تفاعلها الحي وأثر كل عنصر منها في سائر العناصر، وأن أبحثها من حيث هي حركة عامة شاملة يقوم بها كائن حي ثقافي عظيم، له مائة عضو ومائة ألف ألف خلية ولكن له جسما واحداً وروحاً واحداً.
ولم هذا العناء كله؟ لأننا لا نكاد نجد شيئاً في ثقافتنا الدنيوية- اللهم إلا آلاتنا لسنا- لسنا مدينين به لليونان فالألفاظ الإنجليزية الدالة على المدارس والملاعب، والحساب والهندسة، والتاريخ، والبلاغة وعلوم الطبيعة
والأحياء والتشريح والصحة والأقراباذين، وفن التجميل والشعر والموسيقى، والمآسى والمسالى، والفلسفة، والدين، واللاأدرية، والتشكك، والرواقية والأبيقورية، وعلم الأخلاق، والسياسة، والمثالية، وحب الإنسانية، والكلبية، والاستبداد والبلوتوقراطية والدمقراطية، كل هذه ألفاظ يونانية لصور من الثقافة لم ننشئها نحن إنشاءً بل إنها قد نضجت وترعرعت- خيراً كان ذلك أو شراً- بفضل نشاط اليونان العظيم. والمشاكل التي تقض مضاجعنا في هذه الأيام- كتقطيع الغابات واستئصال أشجارها وما ينشأ عن ذلك من تعرية الأرض وإزالة تربتها، وتحرير المرأة وتحديد عدد أفراد الأسرة، والمحافظة على القديم المستعز، وإجراء التجارب على الجديد في الأخلاق والموسيقى ونظم الحكم، وفساد السياسة والاعوجاج الخلقى، والنزاع بين الدين والعلم، وضعف المعنوية التي تستمدها الأخلاق من خوارق الطبيعة، وحروب الطبقات والأمم والغارات، وثورات الفقراء على الأغنياء الأقوياء من الناحية الاقتصادية، وثورات الاغنياء على الفقراء الأقوياء من الناحية السياسية. والنزاع بين الدمقراطية والدكتاتورية، وبين الفردية والشيوعية، وبين الشرق والغرب، كل هذه الأمور قد اضطربت بها حياة بلاد اليونان الباهرة المتألقة، وكأنها قد اضطربت بها لنتعلم منها نحن ونفيد منها في حياتنا. وقصارى القول أنه ليس في الحضارة اليونانية شيء لا ينير لنا سبل حياتنا.
وسنحاول في هذا الكتاب أن ندرس حياة بلاد اليونان من حيث تفاعل عناصرها الثقافية ومن حيث هي مسرحية كبرى ذات فصول خمسة تبدأ بنهضتها وتختتم بسقوطها. سنبدأ بكريت وحضارتها التي أنيط عنها اللثام من وقت قريب لأن من كريت، كما يبدو لنا ومن بلاد آسية جاءت ثقافة ميسيني mycenae وتيرنز Tiryns التي نشأت فيها قبل الأزمنة التاريخية، فحولت على مهل المهاجرين الآخيين Achaeans والغزاة
الدوريين Dor ans إلى متحضرين، وستخصص بعض الوقت لدراسة عالم المحاربين والمحبين، والقراصنة والمغنين، الذي انتقل إلينا في أشعار هومر القوية الجارفة، وسنرقب نشأ اسبارطة وأثينة في عهد ليكورج lycurgus وصولون solon ونتتبع انتشار الاستعمار اليوناني في جميع جزائر بحر إيجه، وشواطئ آسية الغربية، والبحر الأسود، وأفريقية وإيطاليا وصقلية، وفرنسا وأسبانيا، وسنرى الدمقراطية تدافع عن حياتها في مراثون Marathon ثم تبعث في نشوة الظفر قوة على قوتها، فتنظم نفسا في عهد بركليز pericles وتزدهر وتثمر أغنى حضارة عرفها التاريخ وسنطيل النظر مسرورين مغتبطين إلى العقل البشرى وهو يتحرر من الخرافات والأوهام، فينشئ علوما جديدة، وينزل الطب على حكم العقل، وينزل بالتاريخ من خوارق الطبيعة ومن الأجرام السماوية إلى العالم الأرضى، ويبلغ الغاية التي لم يصل إليها عقل شعب آخر من قبل في الشعر، والتمثيل، والفلسفة، والخطابة والتاريخ، والفن، وسوف نسجل في هذا الكتاب ونحن آسفون محزونون، ما اختتم به العصر الذهبي في الحروب البلوبونيزية من خاتمة قضت فيها المدن اليونانية بعضها على بعض. وسنشاهد ذلك المجهود الجبار المنطوى على البسالة والشهامة والذي بذلته أثينة المضطربة المحتلة النظام لتستعيد قوتها بعد هزيمتها وسنراها عظيمة حتى في اضمحلالها تنجب أفلاطون وأرسطاطاليس وأبليز Apilles وبركستليز Praxiteles وفيليب ودمستين وديجين، والإسكندر؛ وسنرى في أعقاب قواد الإسكندر الحضارة اليونانية، أعظم وأقوى من أن تحتويها شبه الجزيرة، فتخترق حدودها الضيقة وتفيض من جديد على آسية، وأفريقية، وإيطاليا؛ وتعلم الشرق المستغرق في تصوفه وباطنيته جلال الجسم والعقل، وتعيد مجد مصر في إسكندرية البطالمة وتغني رودس بالتجارة والفن وتنهض بالهندسة على يد إقليدس في الإسكندرية وأخميديس في سرقوسة، وتضع على أيدي زينون وأبيقور أبقى الفلسفات في التاريخ؛
وتنحت تماثيل أفرديتي Aphrodite في ميلوس melos واللاؤكؤون laocoon وانتصار سمثريس samothracac ومذبح برجاموم pergamum، وتحاول عبثاً أن تعيد تنظيم سياستها وتبث فيها روح الشرف والوحدة والسلم، ثم تهوى إلى أعماق الفوضى بسبب الحروب الداخلية وحروب الطبقات، وتنضب مواردها ويقل عامرها، وتفقد روحها المعنوية؛ وتستسلم للأتوقراطية والخمول وتصوف الشرق، وتكاد في آخر الأمر أن ترحب بالرومان الفاتحين، فتورث بلاد اليونان الميتة على أيديهم أوروبا علومها، وفلسفاتها، وآدابها وفنونها فتكون هي الأساس الثقافي الحي لعالمنا الحديث.
الكتاب الأول
تمهيد
في حضارة بحر إيجه
من 3500 إلى 1000 ق. م.
الباب الأول
كريت
الفصل الأول
البحر المتوسط
إذا ما دخلنا أجمل البحار كلها وتركنا من خلفنا المحيط الأطلنطي ومضيق جبل طارق، انتقلنا من فورنا إلى حلبة التاريخ اليوناني. ويقول أفلاطون عن بني وطنه الذين استقروا في هذا الميدان:"لقد نزلنا في شواطئ هذا البحر كما تنزل الضفادع حول بركة الماء". على هذه الشواطئ النائية، أنشأ اليونان قبل ميلاد المسيح بقرون كثيرة، مستعمرات مزعزعة غير وطيدة الأساس يحيط بها البرابرة من جميع الجهات: في همرسكوييوم Hemeroscopium وأمبورياس Ampurias في اسبانيا، ومرسيليا ونيس في فرنسا، وفي كل مكان تقريباً بإيطاليا وصقلية. وأنشأ المستعمرون اليونان مدناً زاهرة في قوريني Cyrene بشمال أفريقيا وفي نقراطس بدال النيل؛ وبعثت مغامراتهم النشيطة الحركة والحياة في جزائر بحر إيجة وشواطئ آسيا الصغرى في ذلك الوقت البعيد، كما تبعثهما فيها هذه الأيام؛ وشادوا مدناً كبيرة وصغيرة لتكون محاطاً لتجارتهم الواسعة على شواطئ الدردنيل وبحر مرمرة والبحر الأسود، ولم تكن أرض اليونان الأصلية إلا جزءاً صغيراً من العالم اليوناني القديم.
ترى لماذا نشأت مجموعة الحضارات الثانية على شواطئ البحر الأبيض كما نشأت المجموعة الأولى قبل ذلك على ضفاف الأنهار في مصر وأرض الجزيرة
والهند، وكما ازدهرت الثالثة بعدها على شواطئ المحيط الأطلنطي، وكما يحتمل أن تنشأ الرابعة على شواطئ المحيط الهادي؟ هل كان السبب في نشأتها هو اعتدال مناخ البلاد المطلة على هذا البحر؟ لقد كانت الأمطار السنوية تروي الأرض وتخصبها في الزمن القديم كما ترويها وتخصبها في هذه الأيام، وكان البرد المعتدل يبعث في أهل البلاد النشاط؛ وكان في وسع الأهلين أن يعيشوا في الهواء الطلق طول العام تقريباً، تدفئهم الشمس ولكنها لا توهن أجسامهم. ومع هذا فإن سطح الأرض حول خذا البحر وفي جزائره لا يبلغ من الخصب في مكان ما مبلغ أرض الأدوية الغرينية في أحواض الكنج أو السند أو دجلة أو الفرات أو النيل. وقد يبدأ جفاف الصيف مبكراً عن عادته، أو قد يطول أكثر مما يستحب، وتجد في كل مكان فيه الأرض الحجرية لا تبعد إلا قليلاً عن القشرة الغرينية المتربة الرقيقة. وتقع إلى شمال هذه الأراضي التاريخية بلاد معتدلة المناخ وإلى جنوبها أرض مدارية؛ وكلها أخصب منها تربة. ولما أضنى الجهد الفلاحين سكان شواطئ البحر الأبيض وجزائره، ووجدوا أالتربة لا تجود عليهم بما يعوض عنهم جهودهم، أخذوا يتخلون عن فلحها شيئاً فشيئاً؛ ويستبدلون بذلك زراعة الزيتون والكروم. وكانت تلك البلاد تتعرض من حين إلى حين إلى أخطار الزلازل، فتنشق الأرض تحت أقدام السكان على طول بعض العيوب الأرضية التي تعد بالمئتين، فترهبهم وتدفعهم إلى نوبات من التقى والإيمان. ولم يكن المناخ هو الذي جاء بالحضارة إلى بلاد اليونان، وأكبر الظن أن المناخ لم يكن سبب قيام الحضارة في قطر من الأقطار.
أما السبب الذي جذب الناس إلى بحر إيجة فهو جزائره. فلقد كانت هذه الجزائر جميلة؛ ولا ريب في أن الملاح المتعب كان ينشرح صدره حين يرى اختلاف ألوان التلال المظللة التي تقوم كالهياكل فوق مياه البحر وتنعكس عليها. وقلما يجد الإنسان في هذه الأيام مناظر أجمل من منظر هذه التلال
أو أكثر منها إثارة لحاسة الجمال. وإذا ما طاف الإنسان ببحر إيجة أدرك لساعته لم أحب سكان هذه الشواطئ والجزائر بلادهم حبهم للحياة أو أكثر منها، ولم كانوا يرون كما يرى سقراط أن النفي أشد ألماً من الموت. يضاف إلى هذا الجزائر منثورة كاللآلئ في جميع الجهات، وكان يراها متقاربة فلا تكاد سفينة تبعد عن الأرض أكثر من أربعين ميلاً، سواء أكان مسافراً من الغرب إلى الشرق أم من الشمال إلى الجنوب. وإذا كانت هذه الجزائر البارزة فوق سطح الماء هي قلل سلاسل جبلية قديمة، متصلة بعضها ببعض، كسلاسل الجبال في بلاد اليونان القارية، طغى عليها البحر على توالي الأيام، فإن عين الملاح المرتقب كانت تقع على الدوام على قلة من هذه القلائل المحببة كأنها تحييه وترحب بمقدمه؛ وكانت أشبه بمنارات تهتدي بها السفن في وقت لم تكن تهتدي فيها بالبوصلة البحرية. وفوق هذا كله فإن حركات الريح والماء كانت تعين الملاح على الوصول إلى هدفه. فقد كان تيار مائي قوي أوسط يسير من البحر الأسود إلى بحر إيجة، وكانت تيارات أخرى مضادة له تسير نحو الشمال محاذية لشواطئ البحر، وكانت الرياح الشمالية الشرقية تهب بانتظام في فصل الصيف فتساعد السفن التي خرجت من موانيها لتأتي بالحب والسمك والفراء من البحر اليكسيني Euxine
(1)
على العودة إلى موانيها في
(1)
كان اليونان يسمون البحر المتوسط Ho Ponttos أي الممر أو الطريق، وكانوا يسمون البحر الأسودتسمية يراعون فيها التجميل في اللفظ Pontos Euxienos البحر المحب للأضياف- وربما كان سبب هذه التسمية أنه يقابل السفن المقبلة من الجنوب برياح وتيارات معاكسة لها. وكانت الأنهار الواسعة التي تصب ماءها فيه، والضباب الكثير الذي يقلل من سرعة البحر يجعلان مستوى الماء في البحر الأسود أعلى من مستواه في البحر المتوسط؛ ومن أجل هذا كان تيار مائي قوي يندفع خلال مضيق البسفور (مخاضة الثور) الضيق ومضيق الدردنيل إلى بحر إيجه، وكانوا يسمون بحر مرمرة البروبنتيس Propontis أي ما قبل البحر.
الشمال. وكان الضباب نادراً في البحر الأبيض، كما أن أشعة الشمس التي لا تكاد تحتجب عنه ينشأ منها بالليل وبالنهار نسيم البر والبحر، حتى ليستطيع الإنسان من بدء الربيع إلى آخر الخريف أن يستعين في أي ثغر من ثغوره- إلا القليل النادر منها - بنسيم الصباح في خروجه منه وبنسيم المساء في عودته إليه.
في هذه البحار الصالحة للتجوال نمى الفينيقيون الكسابون واليونان القوازب فن الملاحة وعلمها، فبثوا فيها سفناً معظمها أكبر وأسرع من جميع السفن التي كانت تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط قبلهم ولكنها كانت أيسر منها حركة، وأضحت الطرق البحرية بين أوربا وأفريقيا من جهة آسيا من جهة أخرى مارة بقبرص وصيدا وصور أو ببحر إيجه والبحر السود وأضحت على الرغم من قراصنة البحر وما يتهددها من أخطار، أقل نفقة من الطرق البرية الطويلة الشاقة المعرضة للأخطار والتي كان ينقل عليها في الأيام الخالية الكثير من تجارة مصر والشرق الأدنى. وبذلك اتجهت التجارة وجهات جديدة، وضاعفت عدد السكان الجدد وأوجدت ثروات جديدة، فاضمحل شأن مصر، وأعقب ذلك اضمحلال شأن أرض الجزيرة وفارس، وأقامت فينيقية إمبراطورية من المدائن على ساحل أفريقيا وفي صقلية وإسبانيا، وازدهرت بلاد اليونان ازدهار الوردة المرتوية.
الفصل الثاني
كشف كريت الثاني
"في وسط البحر القاتم كلون النبيذ أرض تسمى كريت، وهي أرض جميلة غنية يحيط بها الماء، وفيها خلق كثيرون يخطئهم العد، كما أن بها تسعين مدينة". لما أنشد هومر هذه الأبيات، ولعل ذلك في القرن التاسع قبل الميلاد
(1)
، كانت بلاد اليونان قد نسيت أو كادت تنسى، وإن لم ينسى الشاعر، أن الجزيرة التي بدت له عظيمة حتى في ذلك الوقت، كانت في وقت من الأوقات أعظم مما هي وقتئذ ثروة، وأنها كانت تسيطر بأسطولها القوى على معظم نواحي بحر إيجة وعلى جزء من أرض اليونان الأصيلة، وأنها قد أنشأت قبل حصار طروادة بألف عام حضارة من أعظم الحضارات الفنية في تاريخ العالم. ولعل هذه الحضارة الإيجية التي كانت قديمة بالنسبة له بقدر ما هو نفسه قديم بالنسبة لنا، هي التي عادت إلى ذاكرة هومر وهو يتحدث عن عصر ذهبي كان الناس فيه أكثر حضارة وأرق حاشية منهم في أيامه المضطربة.
ولقد كان كشف هذه الحضارة المفقودة مرة ثانية عملاً من أجل الأعمال في تاريخ علم الآثار الحديث. فها هي ذي جزيرة تبلغ مساحتها قدر مساحة أكبر جزائر السكلديز عشرين مرة، جوها جميل، تنتج حقولها غلات مختلفة، وتلالها كانت في وقت من الأوقات كثيرة الأشجار، وموقعها من اصلح المواقع للتجارة والحرب، فهي في منتصف الطريق بين فينيقية وإيطاليا، وبين مصر وبلاد اليونان. ولقد أشار أرسطاطاليس إلى هذا
(1)
كل التواريخ الواردة في هذا المجلد قبل الميلاد إلا إذا نص على غير ذلك أو كانت واضحة الدلالة على أنها بعد الميلاد.
الموقع الحسن وذكر أنه "هو الذي مكن مينوس Minos من إقامة إمبراطورية لها في بحر إيجة". ولكن قصة مينوس، التي يسلم بصحتها كل الكتاب الأقدمين، قد رفضها الكتاب المحدثون وعدوها خرافة من الخرافات. وقد كان من عادة المؤرخين قبل أيامنا هذه بستين عاماً لا أكثر أن يقولوا كما قال جروت Grote إن تاريخ الحضارة في بحر إيجة يبدأ بغزو الدوريين أو بعصر الألعاب الأولمبية؛ ثم حدث في عام 1878 م أن عثر تاجر كريتي يسمى مينوس كلكيرنوس Minos Kalikairinios- وهو اسم من أليق الأسماء للكشف الذي وفق إليه- عثر هذا التاجر على آثار قديمة في سفح أحد التلال القائمة في جنوب قندية. وزار شليمان Schliemann العظيم هذا الموقع في عام 1886، بعد أن لم يمض على كشفه عن ميسيني Mycenae وطروادة إلا زمن قليل، وأعلن عن اعتقاده بأن تحت ثراه آثار مدينة كنوسس القديمة، وأخذ يفاوض مالك في أن يسمح له ببدء أعمال الحفر على الفور، ولكن المالك أخذ يساوم ويماحك وحاول أن يمكر به؛ وكان شليمان تاجراً قبل أن يكون عالم آثار، فتركه مغضباً، وأضاع بذلك فرصة ذهبية لو اغتنمها لأضاف هو حضارة جديدة إلى حضارات التاريخ، ومات بعد عام واحد من ذلك الوقت.
وفي عام 1893 ابتاع دكتور آرثر إيفنز Arthur Evans عالم الآثار البريطاني من امرأة في أثينة عدداً من الحجارة البيضاء كانت تمائم، وقد أدهشه ما كان محفوراً عليها من كتابة أثرية لم يكن في وسع عالم من العلماء أن يقرأها. ومازال يتقصى مصدر هذه الحجارة حتى عرف أنها من كريت، فحصل على إذن بالسفر إليها، وأخذ يطوف في أنحاء الجزيرة ويجمع منها ما يعتقد أنه نماذج للكتابة الكريتية القديمة. وفي عام 1895 ابتاع جزءاً من الموقع الذي كان شليمان والمدرسة الفرنسية يعتقدان أنه موقع كنوسس وبعد أن قضى
تسعة أسابيع من ربيع ذلك العام يحفر فيه مستخدماً في ذلك خمسين رجلاً أماط اللثام عن أعظم ما أسفرت عنه البحوث التاريخية الحديثة من كنوز، نقصد بذلك قصر مينوس. وليس فيما كشف من الصروح القديمة صرح يعادل هذا الصرح المعقد في اتساعه، وأكبر الظن أنه هو قصر التيه الذي لا نهاية له، والذي اشتهر فيما يروي من القصص اليونانية القديمة عن مينوس، وديدلس Deadalus، وثيسيوس Theseus، وأدرياني Adriane والمينوتور وكأنما شاءت الأقدار أن تؤيد ما أوحت به قريحة إيفنز إليه، فعثر في هذه الخربات وفي غيرها على آلاف من الأختام وألواح الصلصال، عليها رموز تشبه الرموز التي إلى كريت يتعقبها، وكانت النيران التي دمرت قصور كنوسس قد حفظت هذه الألواح، ولا يزال ما عليها من الكتابة التصويرية ومن الحروف الهجائية غامضاً يخفي قصة بحر إيجة القديمة
(1)
.
ولما ذاع نبأ هذا الكشف هرع العلماء إلى كريت من كثير من الأقطار. وبينما كان إيفنر يعمل في كنوسس كشف جماعة من الإيطاليين ذوي الجلد والعزيمة- هلبهير Halbherr، وبرنيير Pernier، وسفنيوني Savignoni وبربيني Paribeni- في حاجيا تريادا Hagia Triada) الثالوث المقدس (- تابوتاً عليه صور من الحياة الكريتية واضحة الدلالة، كما كشفوا في فستس Phaestus فن قصر لا يفوقه في سعته إلا قصر ملوك كنوسس. وفي هذه الأثناء كان إثنان من الأمريكيين هما سيجر Seager ومستر هوس Hawes يقومان بأعمال الكشف في حفائر فاسلكي Vasiliki، ومكلوس Mochlos، وجورنيا Gournia؛ وكان البريطانيون- هوجارث Hogarth، وبوسنكوت Bosaquet، ودوكنز Dawkins، وميرز
(1)
وظل إيفنز يعمل بجهد ومهارة في كنوسس سنين طوالاً، ومنح لقب فارس Knight مكافأة له على جهوده، وأتم في عام 1936 تقريره الرائع المسمى "قصر مينوس" في أربعة مجلدات.
Myres ينقبون في بليكسترو Palaikastro وبسيكرو Psychro وزكرو Zakro وأهتم أهل كريت أنفسهم بأعمال الحفر والتنقيب في ديارهم، فأخذ زنثو ديديز Xanthoudidis وهتزيداكس Hatzidakis يحفران في مواقع المساكن والمغارات والمقابر القديمة في أركلوكوري Arkalochori، وتيليس Tylissus، وكومازا Koumasa، وشميزي Shamaizi، وانضوت نصف الأمم الأوربية تحت لواء العلم في الوقت الذي كان فيه ساستها يستعدون للحرب.
ترى كيف تصنف هذه المادة الكثيرة- هذه القصور، والرسوم، والتمثيل والأختام، والمزهريات والمعادن، والألواح، والنقوش؟ - وإلى أي عصر من العصور الغابرة تضم؟ وقد أرخ إيفنزما كشف من الآثار حسب عمق الطبقات الأرضية التي وجدت فيها، وما طرأ على أنماط الخزف من تطور تدريجي، وما بين الآثار التي كشف في كريت وما كشف في غيرها من البلاد من تشابه في الشكل أو في الغرض الذي صنعت من أجله، والموازنة بين الطبقات التي كشفت فيها والطبقات التي يعرف تاريخها على وجه التقريب في غير كريت. وما من شك في أن هذه الطريقة لا تسلم من الخطأ، ولكن البحوث التي أجريت فيما بعد، وما حصل عليه العلماء من معلومات جديدة، تؤيدها تأييداً يتزايد على مر الأيام. وظل إيفنز يواصل أعمال الحفر تحت كنوسس حتى قابلته على بعد ثلاث وأربعين قدماً من سطح الأرض الصخور الصماء، وكان النصف الأسفل من الأرض التي حفرها تشغله بقايا عليها طابع العصر الحجري الحديث- من أشكال بدائية لفخار مصنوع باليد، محلى برسوم مكونة من خطوط بسيطة، ومن لوالب مغازل تستخدم في الغزل والنسيج، ومن إلهات ذوات أعجاز ضخمة من الحجر الصابوني أو الصلصال، وأسلحة وحجارة مصقولة؛ ولم يكن من تلك البقايا أدوات من النحاس أو البرنز. وصنف إيفنز الفخار ووازنه بما وجد منه في مصر القديمة وبلاد النهرين، وعلى أساس هذا التصنيف
قسم ثقافة كريت فيما بعد العصر الحجري الحديث وفي عصر ما قبل التاريخ ثلاثة عصور: العصر المينوي المبكر، والمينوي الأوسط، والمينوي المتأخر. ثم قسم كل عصور من هذه العصور إلى ثلاثة أطوار.
ويمثل أول ظهور النحاس- أي أبعد الطبقات التي ظهر فيها عن سطح الأرض- قيام حضارة جديدة قياماً بطيئاً من مرحلة العصر الحجري الحديث. وقبل أن يحل العصر المينوي المبكر كان الكريتيون قد عرفوا كيف يخلطون النحاس بالقصدير، وبدأ بذلك عصر البرنز، وفي الطور الأول من العصر المينوي الأوسط تظهر أقدم القصور: فيقيم أمراء كنوسس، وفستوس، وماليا Malia لأنفسهم مساكن مترفة كثيرة الحجرات، ومخازن واسعة، وحوانيت متخصصة، ومذابح وهياكل، ومجاري تبهر المتكبر الغربي المتعجرف، وتجعله يغض الطرف منها استحياء
(1)
. ونرى الفخار ذا ألوان كثيرة براقة، والجدران تزينها مقرنصات ساحرة جميلة، ونرى نوعاً من الكتابة الحرفية قد تطور من الكتابة التصويرية التي كانت في العصر السابق.
وفي نهاية الطور الثاني من العصر المينوي الأوسط حلت بالبلاد كارثة عجيبة تركت ما يدل عليها في الطبقات الأرضية. فقد تهدم قصر كنوسس كأن الأرض قد انشقت فحطمته، أو لعل ذلك كان على أثر غارة قامت
(1)
لما كان من المستطاع تحديد تاريخ أقدم الطبقات المحتوية على أدوات نحاسية في كنوسس بعام 3400 ق. م. أي منذ 5300 سنة من وقتنا هذا، وذلك بمقابلتها بآثار الحضارات المجاورة لها؛ وإذا كانت الطبقات المحتوية على أدوات من العصر الحجري الحديث في كنوسس تشغل نحو خمسين في المائة من سمك مجموع عمق الأرض من سطحها إلى الطبقات الصخرية، فقد قدر إيفنز أن العصر الحجري الحديث في كريت بقي 4500 عام على الأقل قبل معرفة المعادن، أو من عام 8000 إلى 3400 ق. م. تقريباً. ولا حاجة إلى القول بأن تقدير الزمن بناء على عمق الطبقات الأرضية تقدير يختلف فيه العلماء كل الاختلاف، لأن معدل الرسوب قد يختلف في العصور المختلفة. وقد أدخل إيفنز في حسابه بطء هذا المعدل بعد أن ترك موقع كنوسس، ولم يعد موضعاً لمدينة عامرة في القرن الرابع قبل الميلاد. ولم توجد في كريت أدوات من العصر الحجري القديم.
بها فستوس التي ظل قصرها باقيا بعد ذلك فترة من الزمان. ثم أصاب فستوس ومكلوس، وجورنيا وبليكسترو، ومدناً أخرى كثيرة في الجزيرة، ما أصاب كنوسس من تخريب، فترى الفخار قد غطاء الرماد، والجرار الكبيرة في المخازن ملآى بالأنقاض. أما الطور الثالث من العصر المينوي الأوسط فطور ركود نسبي، وقد يكون هو الطور الذي اضطربت فيه أحوال البلاد الواقعة في جنوب البحر الأبيض المتوسط على أثر فتح الهكسوس مصر، ودام اضطرابها زمنا طويلاً
(1)
.
وفي العصر المينوي المتأخر يبدأ كل شيء من جديد، فتتجدد آمال الإنسانية التي تصبر على كل بلوى، وتسري فيها روح الشجاعة، وتبدأ الحياة مرة أخرى، فتقوم قصور جديدة أجمل من القصور السابقة في كنوسس، وفستوس، وتليسوس، وحاجيا تريادا، وجورنيا، فتعمها الفخامة، وتكثر المباني ذوات الأطباق الخمسة، والنقوش البديعة، وتوحي المباني الفخمة بأن أحوال البلاد قد بلغت من الثراء ما لم تعرفه بلاد اليونان حتى عصر بركليز.
هنالك ترى دور التمثيل قد شيدت في أفنية القصور، وترى النساء والرجال يجالدون الوحوش لتسلية الرجال والسيدات؛ وهؤلاء لا تزال وجوههم الأرستقراطية اليقظة الهادئة حية في المظلمات البراقة الباقية على الجدران الجديدة. وتتضاعف حاجات الأهلين، وترق أذواقهم، وتزدهر الآداب، وتنشأ مئات من الصناعات، فيستطيع الفقراء أن يستمتعوا بالرخاء وهم يعملون ليمدوا الأغنياء بأسباب الراحة والنعيم. وترى أبهاء الملوك تدوي فيها أصوات الكتبة وهو يحصون السلع التي يوزعونها أو يتسلمونها، وأصوات الفنانين وهو ينحتون التماثيل، أو يرسمون الصور، أو يصنعون
(1)
إذا أراد القارئ أن يعرف كم من سنين دام كل طور من هذه الأطوار فليرجع إلى ثبت الحوادث المسلسلة في أول هذا الباب.
الفخار، أو ينقشون النقوش؛ وأصوات كبار الموظفين يعقدون المؤتمرات، ويستمعون إلى القضايا المستأنفة أحكامها إليهم، أو يبعثون بالأوراق مبصومة بأختامهم الجميلة الدقيقة الصنع؛ بينما ترى الأمراء ذوي الخصر النحيل والأميرات المحلات بالجواهر، المغريات، العاريات النحور، يجتمعون في وليمة ملكية يقدم لهم فيها الطعام على موائد تتلألأ عليها صحاف البرنز والذهب. لقد كان القرنان السادس عشر والخامس عشر قبل الميلاد هما العهد الذي بلغت فيها الحضارة الإيجية ذروة مجدها وهما عصر كريت الذهبي القديم.
الفصل الثالث
حضارة تستعاد من بقاياها
إذا شئنا أن نستعيد هذه الحضارة المدفونة مما بقي من آثارها- أي أن نفعل بآثار كريت المتفرقة ما فعله كوفييه Cuvier بالعظام البشرية المشتتة- وجب علينا أن نذكر أننا نقدم بهذا العمل على مغامرة تاريخية لا تؤمن مغبتها، وللخيال فيها شأن كبير، لأنه هو المصدر الذي نستمد منه الصلات الحية التي تسد الثغرات وتربط المادة العلمية الضئيلة المشتته التي يحركها المؤرخون حركة اصطناعية، بعد أن ماتت من زمن طويل. وسيظل ما تنطوي عليه جزيرة كريت من معلومات مجهولاً خافياً على العالم حتى يقيض للأسرار المخبوءة في ألواحها عالم مثل شمبليون.
1 - الرجال والنساء
بين الكريتيين، كما يتصورهم فنانوهم، وبين البلطة المزدوجة التي تظهر كثيراً في رموزهم الدينية شبه غريب فالرجال منهم والنساء لهم أجسام تدق من أعلاها ومن أسفلها حتى تنتهي في الوسط بدائرة شديدة الضيق كطراز هذه الأيام، ولكنه مبالغ فيه. وكلهم تقريباً قصار القامة نحاف، لدن، رشيقو الحركة، ذوو أناقة رياضية. وهم بيض البشرة وقت مولدهم؛ فأما نساؤهم اللائي يلازمن الظل فلهن وجوه بيض، جرى عرفهم بأن تمثل في صورهن ضاربة إلى الصفرة؛ وأما الرجال الذين يسعون في مناكب الأرض طلباً للرزق، فقد لوحت الشمس وجوههم فاحمرت، ولذلك كان اليونان يسمونهم) كما كانوا يسمون الفينيقيين (الفوينيقيين أي الأرجواني اللون، ورؤوسهم أقرب إلى الطول منها إلى العرض، ومعارفهم حادة دقيقة، وشعورهم وعيونهم سوداء
براقة كشعور الإيطاليين وعيونهم في وقتنا الحاضر. ولا جدال في أن هؤلاء الكريتيين فرع من جنس "البحر الأبيض المتوسط"
(1)
؛ والرجال منهم والنساء يرسلون شعرهم، بعضه معقوص فوق رؤوسهم وأعناقهم، وبعضه في حلقات فوق جباههم، وبعضه الآخر في غدائر تنوس على أكتافهم أو صدورهم. ويضيف النساء إلى ذلك أشرطة في غدائرهن، أما الرجال فكانوا يصطحبون معهم حتى في قبورهم طائفة من شفرات الحلاقة ليحتفظوا بوجوههم حليقة نظيفة حتى في القبور.
وليست ملابسهم بأقل غرابة من أجسامهم، فقد كان الرجال يضعون على رؤوسهم- إذا وضعوا شيئاً عليها لأنهم كانوا في أغلب الأحيان يتركونها عارية- عمائم أو قبعات عراضاً، وكان النساء يلبسن قبعات فخمة من طراز القبعات التي كانت منتشرة في بداية القرن العشرين. وكانوا في العادة حفاة الأقدام، عدا أفراد الطبقات العليا، فقد كانوا أحياناً ينتعلون أحذية بيضاء من الجلد، كانت عند النساء مزركشة جميلة في أطرافها، مزينة سيورها بالخرز. ولم يكن الرجال في العادة يلبسون شيئاً على أجسامهم فوق وسطهم، أما في أوساطهم فكانوا يلبسون تنورات قصيرة، أو مناطق تكون أحياناً منتفخة من الأمام تأدباً وأحتشاماً. وقد تكون "التنورة" مفتوحة من الجانبين عند العمال، أما عند العظماء وفي الحفلات فكانت تطول حتى تصل إلى الأرض عند الرجال والنساء على السواء. وكان الرجال يلبسون السراويل أحياناً، وكانوا في الشتاء يلبسون رداء خارجياً طويلاً يتخذ من الصوف أو الجلد. وكانت الملابس تربط ربطاً محكماً في وسط
(1)
يقسم علماء تاريخ الإنسان الطبيعي الأوربيين بعد العصر الحجري الحديث إلى الأقسام الثلاثة الآتية التي كانت لها على الترتيب الكثرة الغالبة في شمال أوروبا ووسطها وجنوبها، وهي:(1)"الجنس النوردي" أي الشمالي وأفراده طوال الرؤوس، طوال القامة، بيض البشرة شقر الشعر ملح العيون. (2)"الجنس الألبي" وأفراده عراض الرؤوس، متوسطو القامة، عيونهم عسلية وبشرتهم ضاربة في السمرة. (3)"جنس البحر الأبيض المتوسط" وأفراده طوال الرؤوس قصار القامة سمر البشرة. وجدير بنا أن نعرف أنه لا يوجد من هذه الأجناس جنس خالص نقي.
الجسم، لأن الرجال والنساء جميعاً كانوا يحرصون على أن يكونوا- أو أن يبدوا- رفيعي الوسط كأن أجسامهم تتركب من مثلثين. وأرادت النساء في العصور المتأخرة أن ينافسن الرجال في ضيق أوساطهن فعمدن إلى المشدات القوية تجمع تنوراتهم حول أعجازهن، وترفع أثداءهن العارية إلى ضوء الشمس. وكان من عادات الكريتيات الظريفة أن تبقى صدورهن عارية، أو تكشفها قمصان شفافة، ولم يكن أحد يتحرج من هذا أو يرى فيه غضاضة. وكان المجول ربط تحت الصدر، ثم ينفتح فتحة دائرية غير دقيقة، ثم يعود فينطبق إنطباقاً جميلاً حول العنق أشبه بالطوق المديشي الطراز. وكانت الأكمام قصيرة منتفخة في بعض الأحيان؛ وكانت التنورات تزدان بالثنايا والألوان الزاهية، وتتسع كثيراً عندالعجز، وتقوَّى في أغلب الظن بأعواد من المعدن أو بأطواق أفقية الوضع. وإنا لنرى في ترتيب ملابس الكريتيات وأشكالها تناسقاً في الألوان، وجمالاً في الأشكال، ورقة في الذوق، تنم عن حضارة غنية راقية ازدهرت فيها الفنون وارتقت أساليب الحياة. ولم يتأثر اليونان بالكريتيين في هذه المسائل ولم تتغلب أزياؤهم على غيرها من الأزياء إلا في العواصم الحديثة؛ بل إن علماء الآثار أنفسهم يطلقون اسم "الباريسية" على صورة المرأة الكريتية ذات الصدر المرتفع البراق، والعنق الجميل، والفم المغري، والأنف البارز، والجمال القوي المثير. إن هذه المرأة لتجلس أمامنا اليوم في غير حياء مصورة في طنف منقوش، يطل فيه جماعة من العظماء على منظر لن يسمح لنا الزمان برؤيته ما حيينا.
وواضح في هذه الرسوم أن رجال كريت كانوا يحمدون لنسائها ما يخلعنه على الحياة من لطف ومغامرات، لأنهم لا يبخلون عليهم بما يحتجن من مال يزدن به جمالهم وفتنتهن. فقد كشف في الآثار عن حلى كثيرة مختلفة الأنواع من دبابيس للشعر نحاسية وذهبية، ودبابيس ومشابك منقوشة عليها بالذهب حيوانات أو أزهار، أو رؤوس من البلور أو المرمر، وأقراط
مزركشة بخيوط من الذهب تختلط بالشعر، وعصائب أو حلى من المعادن النفسية تربطه، وأقراط أو قلادات مدلاة من الآذان، ومشابك وخرز وعقود على الصدر، وأساور في الأذرع، وخواتم في الأصابع من فضة، وعقيق، وجزع، وجمشت، وذهب. وكان الرجال يتحلون أيضاً ببعض هذه الحلي، فإذا كانوا فقراء لبسوا عقوداً وأساور من حجارة عادية، وإذا أمكنتهم مواردهم أزينوا بخواتم كبيرة نقشت عليها صور الحرب أو الصيد. ونرى الساقي في الصورة الذائعة الصيت يلبس في عضده الأيسر إسورة عريضة من معدن نفيس، وفي معصمه إسورة مطعمة بالعقيق. ونرى الرجل في الحياة الكريتية أيا كان موضعه يعرض أنبل عواطفه وأشد ما يفتخر به من هذه العواطف وهي حرصه على التجمل.
وتكاد النساء أن يكن صاحبات السلطان الأعلى في الحياة الكريتية ذلك أن المرأة المينوية لم تكن ترضى بحياة العزلة التي كانت تسود بلاد الشرق، ولم تكن تطيق الحجاب أو البقاء في الدور، وليس ثمة دليل على أنه كان للنساء أجنحة خاصة في المنازل. لقد كانت المرأة تشتغل في البيت بلا ريب كما تفعل بعض النساء حتى في وقتنا هذا، تنسج الأقمشة وتضفر السلال، وتطحن الحب وتخبز العيش؛ ولكنها كانت فوق ذلك تعمل مع الرجل في الحقل وتصنع معه الفخار، وتختلط بالرجال في الأسواق، وكان النساء يجلسن في المقاعد الأمامية في دور التمثيل وفي حلبات الألعاب، وينتقلن في المجتمعات الكريتية وعليهم سيماء العظمة والملل من التعظيم والتمجيد. ولما أن صاغت الأمة أربابها كان هؤلاء الأرباب في أكثر الأحيان أشبه بالنساء منهم بالرجال. وإن العلماء المبجلين المشغفين على غير علم منهم- شغف لا غضاضة عليهم فيه- بصورة الأم المنقوشة على صفحات قلوبهم ليطأطئون رؤوسهم إجلالاً أمام آثار المرأة في هذه الحضارة، ويقفون مذهولين أمام سلطانها العظيم (14).
2 - المجتمع
وسوف نفترض أن كريت في عهدها القديم كانت تقسمها جبالها أقساماً تسكنها عشائر قليلة العدد متحاسدة متباغضة، تقيم في قرى منفصلة مستقلة، يحكمها زعماؤها، وتتقاتل كما يتقاتل سائر الناس بفطرتهم. ثم يظهر من بين هؤلاء الزعماء زعيم قدير يضم عدداً من هذه العشائر تحت سلطانه، ويؤلف منها مملكة، ويشيد قصره الحصين في كنوسس أو فستوس أو تلنيسوس أو غيرها من المدن، ثم تصبح الحروب أقل عدداً وأكثر أتساعاً وأشد تقتيلا. ثم تنضم المدن كلها وتحارب دفاعاً عن الجزيرة بأجمعها وتنتصر كنوسس؛ وتنشئ المدينة المنتصرة أسطولا بحرياً تسيطر به على بحر إيجة، وتقضي على القراصنة، وتفرض الخراج على غيرها من الجزائر، وتناصر الفنون كما فعل بركليز فيما بعد. وهكذا تقوم الحضارة في إثر القرصنة، والحق أن من الصعب قيام حضارة من غير سرقة كما أن من الصعب أن تبقى بغير عبيد
(1)
.
ويستند سلطان الملك، كما يستدل من الآثار، على القوة والبطش، وعلى الدين والقانون. وهو يغوي الآلهة ويستخدمها لمعونته ليجعل طاعة الناس إياه أيسر عليهم وأقل كلفة، ويلقن كهنته الناس أنه من نسل فلكانوس Volchanos، وأنه تلقى من هذا الإله القوانين التي يصدرها، وإذا ما كان الملك قديراً أو سخياً فإن هؤلاء الكهنة يخلعون عليه من جديد السلطة الإلهية، ويتخذ الملك البلطة المزدوجة وزهرة الزنبق رمزاً لسلطانه كما فعلت رومة وفرنسا فيما بعد. وهو يستخدم في تصريف شؤون الدولة) كما تشير بذلك أكداس الألواح (طائفة من الوزراء وموظفي الدواوين والكتبة.
(1)
يقول توكيديد، الحذر الدقبق، إن أول شخص معروف تزعم الرواية التاريخية أنه بنى أسطولاً هو مينوس، وسيطر به على البحر المعروف باسم البحر الهيليني وحكم جزائر مكلديس
…
وقد بذل غاية جهده ليقضي على القرصنة في ذلك البحر، وكانت هذه خطوة لا بد منمها لضمان الخراج الذي يستخدمه في مصالحه.
وهو يجبي الضرائب عيناً، ويختزن في جرار ضخمة موارده من حب وزيت وخمر، ومن هذه الموارد يؤدي رواتب رجاله عيناً. وهو يقضي وهو جالس على عرشه في القصر أو من مجلسه في بيته الملكي الصغير فيما يرفع إليه من القضايا التي مرت بمحاكمه. وقد بلغ من شهرته في أحكامه أنه يصبح في الدار الآخرة بعد موته قاضي الموتى الذين لا مفر من عرض قضاياهم عليه، كما يؤكد لنا هومر. ونحن نسميه في كتابنا مينوس ولكننا لا نعرف حقيقة اسمه. ولعل هذا لقب لا اسم شبيه بلفظ فرعون أو قيصر يطلق على عدد كبير من الملوك.
وتدل هذه الحضارة في ذروة مجدها على أنها حضارة مدن لا حضارة ريف. وتحدثنا الإلياذة عن "مدائن" كريت "التسعين"، ويعجب اليونان الذين يقتحمونها من كثرة سكانها. بل إن الدارس ليقف اليوم مرتاعاً أمام شوارعها المحطمة المرصوفة ذات المجاري، وأمام أزقتها المتقاطعة، وحوانيتها التي يخطئها الحصر؛ وميادينها المتجمعة حول مركز من مراكز التجارة أو الحكم، حيث نرى الرجال محتشدين يتحدثون وهم ساكتون وادعون. وليست كنوسس وحدها هي المدينة العظيمة ذات القصور الواسعة التي تغري الخيال على أن يبالغ في عظمة المدينة التي كانت بلا ريب أكبر مصدر لثروة هذه القصور وأول ما يستفيد من ثروتها. ويقابل كنوسس على شاطيء الجزيرة الجنوبي مدينة فستوس، ومن مينائها "تحمل قوة الريح والأمواج إلى أرض مصر السفن ذات المقدمات القاتمة، كما يقول هومر". وفي هذه المدينة تتجمع تجارة كريت المينوية الذاهبة إلى الجنوب، مضافاً إليها السلع التي يأتي بها تجار الشمال الذين ينقلون بضائعهم إليها بطريق البر ليتجنبوا أخطار الطريق البحري الطويل. وتصبح فستوس بعدئذ لكريت كما كانت بيريوس لليونان، تحب التجارة أكثر من حبها الفن؛ ومع هذا فإن قصر أميرها صرح فخم، يرقي إليه بطائفة من الدرج يبلغ اتساعها
خمساً وأربعين قدماً، ولا تقل أبهاؤه وأفنيته عن مثيلاتها في كنوسس؛ ففناؤه الأوسط مربع مرصوف يبلغ اتساعه عشرة آلاف قدم مربعة، وحجرة الاستقبال فيه تبلغ مساحتها ثلاثة آلاف، اي أكبر من الردهة العظيمة، ردهة البلطة المزدوجة، في العاصمة الشمالية.
وعلى بعد ميلين من فستوس في اتجاه الشمال الغربي منها تقع حاجيا تريادا؛ وإلى بيتها الملكي الصغير (كما يسميه علماء الآثار) يلجأ أمير فستوس ليتقي حر الصيف. وكان طرف الجزيرة الشرقي في الأيام المينوية غنياً بالبلدان الصغيرة: سواء أكانت ثغوراً مثل زكرو ومكلوس، أو قرى مثل بريسوس Preasus، وبسيرا pseira، أو أحياء لسكنى العظماء مثل بليكسترو، أو مراكز صناعية مثل جورنيا. والشارع الرئيسي في بليكسترو حسن الرصف كثير المجاري، تقوم على جانبيه بيوت رحبة؛ منها بيت يحتوي على ثلاث وعشرين حجرة في الطابق الذي بقي منه حتى الآن. ولجورنيا أن تفخر بما كان فيها من شوارع واسعة مرصوفة بالجبس وبيوت مشيدة بالحجارة من غير ملاط، وحانوت حداد لا يزال كيره باقياً إلى الآن، وحانوت نجار وجد فيه صندوق يحتوي على عدد، ومصانع تعج بصناع المعادن؛ وصناع الأحذية والمزهريات، وتكرير الزيت، والنسيج، وإن العمال الذين يكشفون عن تلك الآثار في هذه الأيام ويجمعون ما فيها من مناضد ذات ثلاثة قوائم، وجرار، وفخار، وأفران، ومصابيح، ومدى، و"هاونات"، وأدوات للصقل. وخطاطيف، ودبابيس، وخناجر، وسيوف، نقول إن العمال الذين يكشفون الآن عن تلك الآثار ويجمعونها لتعتريهم الدهشة من كثرة ما كانت تخرجه مصانعها من أدوات مختلفة الأنواع ويطلقون عليها أسم "مدينة الآلات". وإذا قيست شوارع المدينة إلى شوارعنا في هذه الأيام بدت لنا ضيقة، فهي لا تزيد على أزقة من طراز أزقة المدن الشرقية الواقعة قرب المدارين، والتي تخشى حر الشمس اللافح، أما بيوتها المستطيلة الشكل المشيدة من الخشب أو الآجر أو الحجر، فلا ترتفع في الغالب
إلى أكثر من طابق واحد. غير أن ما وجد في كنوسس من النقوش الباقية من العصر المينوي الأوسط يصور بيوتاً من طابقين أو ثلاثة، بل ومن خمسة أحياناً، في أعلاها حجرة مفردة أو برج صغير في بعض المواضع؛ وفي الأطباق العليا وإلى سطح المنزل حيث ينام الكريتيون في الليالي الشديدة الحرارة. أما إذا قضوا الليل في داخل البيوت فإنهم يضيئون بيوتهم بمصابيح زيتية تصنع من الصلصال أو حجر الصابون، أو الجبس أو الرخام، أو البرنز حسب ثروة أصحابها.
ولسنا نعلم عن ألعاب الكريتي إلا شيئاً واحداً أو شيئين لا أهمية لهما؛ فإذا كان داخل الدار فإنه يحب لعبة شبيهة بلعبة الشطرنج، فقد خلف لنا في خرائب قصر كنوسس لوحة لعب فخمة ذات إطار من العاج وعليها مربعات من الفضة والذهب، واثنتين وسبعين قطعة من المعادن النفيسة والأحجار الكريمة. فإذا كان الكريتي في الحقول فإنه يعمد إلى الصيد بجرأة وحماسة ومعه قطط نصف برية، وكلاب صيد أصيلة ضامرة. وإذا كان من سكان الحواضر شجع الملاكمين، وتراه يصور على مزهرياته وفي نقوشه البارزة أنواعاً مختلفة من المباريات، يتلاكم فيها ذوو الأوزان الخفيفة بأيديهم العارية وأقدامهم، وذوو الأوزان المتوسطة يتلاكمون بقوة، وعلى رؤوسهم خوذ مزدانة بالريش، وذوو الأوزان الثقيلة يدلِّون بخوذهم وأقنعة خدودهم وقفازاتهم الطويلة المبطنة، ويواصلون الملاكمة حتى يسقط أحدهم على الأرض من فرط الإعياء، ويقف الثاني فوقه يتباهى بما أحرزه من نصر.
ولكن أكثر ما يثير حماسة الكريتي أن يشق طريقه بين الجموع التي تملأ المدرج في يوم من أيام الأعياد ليرى الرجال والنساء يواجهون الموت أمام
هجمات الثيران الهائجة. وكثيراً ما يصور مراحل هذا الصراع الوحشي الشديد، يصور الصائد الجريء يقتنص الثور بأن يقفز فوق عنقه وينزل ساقيه على جانبيه وهو يشرب الماء من إحدى البرك؛ ويصور المروض المحترف وهو يلوي رأس الثور حتى يتعلم شيئاً من الخضوع لحيل المدرب البغيضة؛ ثم المجتلد الماهر النحيل الجسم الخفيف الحركة وهو يلتقي بالثور في الحلبة، ويمسك بقرنيه، ويقفز في الهواء، ينقلب فوق ظهر الحيوان، ثم ينزل برجليه على الأرض بين ذراعي فتاة تضفي على المنظر من جمالها ورشاقتها. ولقد اصبح هذا الصراع حتى في كريت المينوية من الألعاب القديمة التي طال بها العهد؛ فقد عثر في كيدوشيا على أسطوانة من الصلصال يعزى تاريخها إلى عام 2400 ق. م، وتمثل صراع ثور لا يقل في شدته أو خطورته عما هو مصور في المظلمات السالفة الذكر. وإذا ما قلبنا الفكر في هذه اللعبة الدالة على شجاعة الإنسان وتعطشه لسفك الدماء، والتي لا تزال منتشرة في هذه الأيام، وعرفنا أنها قديمة قدم الحضارة نفسها، وإذا ما فعلنا ذلك أدركت عقولنا المولعة بتبسيط الأمور والاستهانة بها- وإن كان هذا الإدراك لا يدوم إلا لحظات- ما في الطبيعة البشرية من تناقض وتعقيد.
3 - الدين
بما كان الكريتي وحشياً قاسياً، ولكنه كان بلا شك متدنياً يتركب من مزيج بشري كامل من الفيتشية والخرافة من جهة والمثالية وتعظيم الأرباب من جهة أخرى؛ فهو يعبد الجبال والمغارات، والعدد 3، والأشجار، والأعمدة، والشمس والقمر، والمعز والأفاعي، واليمام والثيران، وقلما يسلم شيء من عبادته. والهواء في اعتقاده مملوء بالأرواح الطيب منها والخبيث، وتنتقل منه إلى بلاد اليونان طائفة شفافة من جن الحراج منها الذكور ومنها الإناث.
وهو لا يعبد عضو التذكير عبادة مباشرة؛ ولكنه يعظم في رهبة وخشوع ما في الثور والأفعى من قوة حيوية منتجة. وإذا كان معدل الوفيات بين الكريتيين كبيراً فإنه يعظم الإخصاب، وحين يسمو به تفكيره إلى إيجاد إله بشري يصور لنفسه إلهته أماً ذات ثديين كريمين وجسم فارع الطول، وأفاع تلتف حول ذراعيها وثدييها، وتتلوى في شعرها أو تتدلى في أنفة وكبرياء من رأسها. وهو يرى في هذه الإلهة الأم الحقيقة الأساسية من حقائق الطبيعة وهي أن الموت عدو الإنسان الألد تغلبه قدرة الأم الخفية العجيبة على التناسل والتكاثر، وهو لذلك يؤله هذه القدرة. فالإلهة الأم تمثل له مصدر الحياة بأجمعها في النبات والحيوان والإنسان. وإذا ما أحاط صورتها بالحيوان والنبات فما ذلك إلا لأن الحيوان والنبات يوجدان من خصوبتها الخلاقة، وهما لذلك يرمزان لها ولما ينبعث منها. وهي تظهر في بعض الأحيان تضم بين ذراعيها طفلاً قدسياً هو فلكانوس ولدته في مغارة جبلية. وإذا ما تأملنا هذه الصورة القديمة رأينا من خلالها إيزيس وحورس، وإشتار وتموز، وسيبيل وأتيس، وأفرديتي وأدنيس، وأحسسنا بوحدة ثقافات ما قبل التاريخ؛ واتصال الآراء والرموز الدينية في عالم البحر الأبيض المتوسط بعضها ببعض.
وزيوس الكريتيين، وهو الاسم الذي يطلقه اليونان على فلكانوس، أقل منزلة من أمه في حب الكريتيين، ولكنه يزداد أهمية على مر الأيام. ففيه يتمثل المطر المخصب، والرطوبة التي يرى هذا الدين كما يرى طاليس أنه أساس كل شيء. وهو يموت ثم يشاهد الناس ضريحه جيلاً بعد جيل على جبل يوكتاس Jouktas، ولا تزال صفحة وجهه الفخمة الجليلة تظهر للسائح القوي الخيال؛ ثم يقوم من قبره ليكون رمزاً للنبات المجدد للحياة، ويحتفل القسيسون ببعثه المجيد بالرقص والضرب بالدروع، وهو بوصفه إلها للخصب يتصور أحياناً كأنه حل في جسم الثور المقدس؛ وهو بهذه الصفة
يضاجع باسفيا زوجة مينوس في الخرافات الكريتية فتلد له يور مينوس المهول أو المينوتور.
ويعمد الكريتي لاسترضاء هذه الآلهة إلى طقوس لا حصر لها من الصلوات والتضحيات، والرموز، والاحتفالات، يقيمها في العادة كاهنات من النساء، ويقيمها في بعض الأحيان موظفون من رجال الدولة. وهو يطرد الشياطين ويتقى أذاها بحرق البخور، ويستثير الإله الغافل بالنفخ في صدفة بحر مزدوجة؛ وبالقيثارة أو الناي، ينشد الأناشيد الجماعية تعبداً وخشوعاً. ويعمل على إنماء البساتين والحقول بإرواء أشجارها ونباتها بمراسم دينية، وترى كاهنات البلاد وهن عاريات هائجات يهززن الأشجار التي نضجت ثمارها لتسقط حملها، أو نساءها يسرن في مواكب يحملن الفاكهة والأزهار يقدمنها للآلهة التي يحملنها في هودج ويومئن بها إليها. والظاهر أن الكريتي لم يبن له معبداً ولكنه كان يقيم مذبح القربان في بهو القصر أو في اليك أو المغارات المقدسة أو على قلل الجبال. وهو يزين هذه الأماكن المقدسة بأن يضع فيها مناضد يصب عليها السوائل قرباناً للأرباب، وأصناماً مختلفة الأشكال و"قروناً قدسية" لعلها ترمز إلى الثور المقدس.
والرموز المقدسة عند الكريتي لا حصر لها، ويلوح أنه يعبد هذه الرموز كما يعبد الآلهة التي تدل عليها. ومن هذه الرموز الدرع ولعله كان يراه رمزاً للآلهة في صورتها الحربية، ثم الصليب- في صورتيه اليونانية والرومانية- يحفره على جبهة ثور أو على فخذ إلهة أو ينقشه على خواتم، أو يقيمه من الرخام في قصر الملك. وأهم هذه الرموز كلها البلطة المزدوجة بوصفها آلة التضحية، وقد أضحت لها قوة سحرية عظيمة اكتسبتها من فضيلة الدم الذي تسفكه، أو سلاحاً مقدساً يهديه الإله فلا يخطئ قط، أو رمزاً لزيوس الذي يرسل الرعد ويشق السماء بصواعقه (31).
وهو إلى هذا كله يعني بعض العناية بموتاه، ويعبدهم عبادة لا تسمو إلى عبادة الآلهة السالفة الذكر. فهو يدفنهم في توابيت من الصلصال أو في جرار ضخمة، لأنهم إذا لم يدفنوا على هذا النحو قد يعودون إلى الحياة الدنيا. وهو يعمل على أن يظلوا راضين قانعين تحت الأرض بأن يضع معهم قدراً غير كثير من الطعام، وأدوات الزينة، ودمى صغيرة من الصلصال في صورة نساء يقمن على خدمتهم أو يواسينهم إلى أبد الدهر. وهو يعمد أحياناً إلى الخداع مدفوعاً برغبته في الاقتصاد الذي يطيقه تشككه البدائي، فيستبدل بالطعام الحقيقي حيوانات من الصلصال يضعها في القبر إلى جانب موتاه. وإذا دفن ملكاً أو نبيلاً أو تاجراً مثرياً وضع مع جثته بعض الصحاف الثمينة أو الحلي التي كانت ملكاً لصاحب هذه الجثة، ويضع أدوات الشطرنج مع اللاعب الماهر، ومجموعة من الآلات الموسيقية مع الموسيقى، وقارباً مع من كان مولعاً بركوب البحار. ألا ما أكثر مايدل عليه هذا العمل من عطف على الأموات! وهو يأتي إلى القبر في مواسم معينة ليقدم للموتى قرباناً من الطعام يحفظ عليهم حياتهم، وهو يرجو أن يستقبل ردمنثس Rhademanthus الإله العادل ابن زيوس فلكانوس الروح الذي تطهر ليهبه السعادة والسلام اللذين لا بقاء لهما على ظهر هذه الأرض.
4 - الثقافة
وأصعب ما يواجهنا في حضارة الكريتيين هو لغتهم. فالكريتي حين يستخدم الحروف الهجائية اليونانية بعد غزو الدوريين بلاده، إنما يستخدمها ليدون بها كلاماً يختلف كل الاختلاف عن الكلام اليوناني المعروف وأقرب منه شبهاً بلغات الشرق الأدنى المصرية والقبرصية والحبشية والأناضولية. وقد اقتصر في أقدم العصور على الرموز التصويرية، ثم بدأ حوالي 1800 ق. م
يختصر هذه الرموز إلى نحو تسعين علامة مقطعية، وبعد مائتي عام من ذلك الوقت استنبط نوعاً آخر من الكتابة تشبه علاماته الحروف الهجائية الفينيقية. ولعل الفينيقيين قد جمعوا منه ومن المصرين والساميين تلك الحروف التي نشروها فيما بعد في جميع البلاد المطلة على البحر الأبيض المتوسط، والتي أصبحت الأداة الفعالة في الحضارة الغربية. والكريتي العامي نفسه ينطق بما توحي به إليه شاعريته، وينقش أشعاره على جدران حاجياتريادا، مثله في ذلك مثل الأخصاء من ساسة تلك الأيام. وإنا لنجد في فستوس نوعاً من الكتابة باقياً من أزمنة ما قبل التاريخ. فقد كشف في تلك المدينة قرص كبير من الطور الثالث من أطوار الحضارة المينوية الوسطى، طبعت على صلصاله وهو لين رموز تصويرية لأصنام لكل رمز منها خاتم؛ ولكن الذي يزيد من حيرتنا في أمر هذه الرموز أنها ليست كريتية بل أجنبية، وربما كان هذا القرص قد نقل إلى كريت من أحد البلاد الشرقية.
وربما كشفت الألواح الطينية، التي كان الكريتي يكتب عليها، في يوم من الأيام ما كان عنده من العلوم. أما الآن فكل ما نستطيع أن نقوله إنه كان على علم بشيء من الفلك لأنه اشتهر بأنه ملاح ماهر؛ وتقول الرواية إن الدوريين الذين استوطنوا كريت فيما بعد قد أخذوا التقويم عن المينويين. ويعترف المصريون بأنهم مدينون للكريتيين ببعض الوصفات الطبية، وقد أخذ عنهم اليونان بعض الأعشاب العطرية والطبية كالنعناع (mintha) ، والشيخ الرومي (Aspithon) ، وعقاراً آخر مفيداً كل الفائدة يقال إنه يشفي البدانة من غير حاجة إلى الاقتصاد في الطعام كما تدل على ذلك أسماء هذه الأعشاب وهذا العقار. ولكن من واجبنا ألا نضع الحدس والتخمين في مكان التاريخ الصحيح.
وفي وسعنا أن نتأمل خرائب دور التمثيل الكريتية وإن كانت آدابهم
لا تزال كتاباً مغلقاً محتفظاً بجميع أسراره. فقد بنى الكريتيون في فستوس حوالي عام 2000 ق. م عشرة صفوف من المقاعد الحجرية تمتد نحو ثمانين قدماً بجوار جدار يطل على فناء ترفرف عليه أعلام، كما أقاموا في كنوسس ثمانية عشر صفاً من المقاعد الحجرية أيضاً طولها ثلاث وثلاثون قدماً. وهذه الدور التي تتسع لعدد من النظارة يتراوح بين أربعمائة وخمسمائة من أقدم ما تعرفه دور التمثيل- فهي أقدم من ملهى ديو نيسيوس بألف وخمسمائة عام. ولسنا نعرف ماذا كان يحدث على مسارح هذه الدور، فالمظلمات تصور النظارة يشاهدون منظراً ما، ولكننا لا نعرف ماهية هذا المنظر الذي يشاهدونه، وأكبر الظن أنه خليط من الموسيقى والرقص. وقد احتفظت لنا صورة وجدت في كنوسس بطائفة من سيدات الطبقة الراقية، ومن حولهن جماعة من الرجال المعجبين بهن يشاهدون رقصاً تقوم به بعض الفتيات المرحات، ذوات "النُّقَب" في أيكة من شجر الزيتون، وتمثل صورة أخرى راقصة تنوس غدائرها وتمد ذراعيها؛ وهناك صور تمثل رقصات ريفية شعبية؛ أو رقصات الكهنة والكاهنات والمتعبدين القوية أمام ضم أو شجرة مقدسة.
ويصف هومر المرقص الذي أنشأه ديدلوس يوماً من الأيام في كنوسس العريضة لأدريادني ذات الشعر الجميل، وفيه يرقص ثلاثة شبان وثلاث عذارى فاتنات مغريات يتماسكون بالأيدي .... على صوت القيثارة وتقاسيم شاعر من رجال الدين". وترى القيثارة ذات السبعة الأوتار التي يعزو اليونان اختراعها إلى عبقرية تريندر مصورة على تابوت في حاجياتريادا قبل أن يولد تربندر Terpander، بألف عام. وهناك أيضاً الناي المزمار ذو الأنبوبتين والثمانية خروق والأربع عشرة نغمة بالصورة التي نجدها عند اليونان الأقدمين. ونرى على إحدى الحلي نقشاً يمثل امرأة تنفخ في بوق مصنوع من صدفة ضخمة كما نرى على زهرية جلاجل تضبط الوقت لأقدام أم الراقصات.
وروح النضارة والمرح والخفة التي تبعث البهجة في رقص الكريتي ولعبة هي نفسها التي تبعث الحياة في أعماله الفنية. ولم يخلف لنا الكريتي من مبانيه شيئاً من الأعمال ذات الأبهة والفخامة، أو ذات الطراز الراقي العظيم؛ بل نراه يفعل ما يفعله الياباني في عصر السموراي؛ فيجد اللذة والبهجة فيما تمتاز به الفنون الصغيرة من دقة، وفي تزيين الأدوات التي يستخدمها في حياته اليومية، وفي إحكام صنع الأشياء الصغيرة والوصول بها إلى درجة الكمال. وهو يقبل ما يمليه عليه العرف في الشكل وفي الموضوع شأن كل الحضارات الأرستقراطية، ويتحاشى البدع المفرطة في الجدة، ويتعلم الحرية داخل قيود الذوق والمحافظة على القديم. وقد برع الكريتي في صناعة الفخار، وفي قطع الجواهر، وفي حفر مواضع الفصوص في الخواتم، وفي النقوش البارزة حيث تتاح له الفرصة لإظهار ما طبع عليه من مهارة ودقة. وهو لا يجد صعوبة في صياغة الذهب والفضة، وتركيب الأحجار الكريمة، وصنع أنواع كثيرة من المجوهرات. وهو يحفر على الأختام التي يصنعها ليوقع بها الوثائق الرسمية والبطاقات التجارية والصكوك المالية، يحفر على هذه الأختام كثيراً من مظاهر الحياة العادية مفصلة دقيقة، وكثيراً من مناظر كريت الطبيعية، تكفي وحدها لأن نتصور منها ما كانت عليه الحضارة الكريتية. وهو يصنع من البرنز طاسات، وأباريق، وخناجر، وسيوفاً مزدانة بصور النبات والحيوان ومرصعة بالذهب والفضة والعام والحجارة النادرة. وقد خلف لنا في جورنيا Gournia، رغم عبث اللصوص مدى ثلاثة آلاف عام؛ كأساً من الفضة مصقولة صقلاً فنياً جميلاً، كما خلف في أماكن متفرقة من الجزيرة، قروناً للشراب تبرز من رؤوس الآدميين أو الحيوان يكاد الإنسان حتى في هذه الأيام يحس فيها أنفاس الحياة.
ولم يترك شكلاً من أشكال الفخار إلا صنعه وبرز في هذه الأشكال كلها تقريباً، فقد صنع المزهريات، والصحاف، والفناجين، وأقداح الشراب،
والمصابيح والجرار والحيوانات والآلهة. وقد كان في بادئ الأمر، في العهد المينوي الأول، يقنع تشكيل هذه الآنية بيده، حسب الأنماط التي ورثها عن العصر الحجري الحديث. وكان يطليها بطبقة زجاجية سمراء أو سوداء ويترك النار تلونها بما تشاء من الظلال. ثم عرف في العهد المينوي الأوسط استخدام عجلة الفخراني ليبلغ بها الذروة في المهارة، وهو يطليها في ذلك العهد بطبقة زجاجية تماثل في تناسقها ورقتها طلاء الخزف، وينشر عليها في غير نظام الألوان السوداء والسمراء، والبيضاء، والحمراء، والبرتقالية، والصفراء، والقرمزية، والحمراء القانية، ويمزجها فيخرج منها ظلالاً جديدة؛ وهو يرقق الصلصال ترقيقاً وصل إلى حد الكمال في الآنية الجميلة الزاهية الألوان الرقيقة الجدران التي وجدت في كهف كمارس kamares على جبل ايدا Ida، والتي لا يزيد سمك جدرانها على ملليمتر واحد، وقد أفرغ على هذه الآنية كل ما وهب من خصب الخيال. وبلغت صناعة الفخار في كريت ذروة مجدها بين عامي 2100 و 1950 ق. م وترى الصانع يوقع باسمه على ما يصنع، ويحرص أهل بلاد البحر الأبيض المتوسط على اقتناء مصنوعاته، وفي العهد المينوي المتأخر يطبق أصول الفن إلى أقصى حد على صناعة الغخار الرقيق، فيصنع من عجينة الفخار ألواحاً ومزهريات زرقاء فيروزجية وآلهات متعددة الألوان، ونقوشاً لحيوانات بحرية تكاد أن تكون هي والحيوانات الحقيقية سواء بسواء. وهل هناك أدل على هذا من أن إيفنز رأى سرطاناً بحرياً من الميناء فظنه سرطاناً متحجراً. وفي ذلك العهد ترى الفنان يعشق الطبيعة ويسره أن يمثل على آنيته أنشط الحيوانات حركة، وأزهى الأسماك لوناً، وأرق الأزهار أوراقاً، وأجمل النباتات شكلاً. وهو يخرج روائع الفن الخالدة في الطور الأول من أطوار العصر المينوي المتأخر أمثال مزهرية الملاكمين ومزهرية الحصادين؛ ففي الأولى يصور القسوة بجميع أشكالها ومواقفها في ألعاب الملاكمة، ويضيف إليها صوراً من حياة مصارعي الثيران، وفي
الثانية يتتبع بمنتهى الدقة والإخلاص موكباً لعله موكب الفلاحين يمشون يغنون في عيد، ثم تضعف تقاليد الفخار الكريتي ويضمحل فنه؛ وينسى الصناع تحفظهم وذوقهم، فتغطى الزخارف المزهريات من أولها إلى آخرها في غير نظام، ويعجز الصناع عن التفكير البطيء والتنفيذ في صبر وأناة، ويحل الإهمال والتراخي اللذان ينتحلان اسم الحرية محل الدقة والصقل اللذين عهدناهما في عصر كمارس. وليس من حقنا أن نلوم الكريتيين على هذا الاضمحلال فهو الموت الذي لا مفر منه والذي لابد أن يلاقيه الفن إذا بلغ سن الشيخوخة وخارت قواه، فيستغرق في سبات مدى ألف عام، ثم يولد من جديد، ويبلغ منتهى الكمال في المزهريات الأتكية.
وفن النحت من الفنون الصغرى في كريت، وقلما يرقى إلى أكثر من صنع التماثيل الصغيرة إلا في النقوش المنخفضة وفي قصة ديدلوس. وكثير من هذه التماثيل الصغرى فجة لا تخرج عن نمط واحد جرى به العرف وثبت عليه؛ ويبدو أنها كانت تصنع من غير مثال تحتذيه. ومن هذه تمثال من العاج يمثل لاعباً رياضياً ساعة أن يقفز في الهواء؛ ومنها رأس جميل ضاع جسمه في أثناء انتقاله إلينا خلال القرون الطوال. وخير هذه التماثيل يفوق في دقة التشريح وفي وضوح الحركات كل ما عرفناه من تماثيل اليونان قبل أيام ميرون وأغربها كلها إلهة الأفاعي المحفوظة في متحف بُسطن - وهي تمثال قوي من العاج والذهب نصفها أنثى ونصفها أفعى؛ وفي هذا يعالج المثال آخر الأمر الجسم الآدمي بشي من سعة الإدراك والنجاح. ولكنه حين يريد أن يمثل الضخامة يعمد في الغالب إلى تمثيل الحيوانات ويقتصر على النقوش البارزة الملونة، كما نرى ذلك في رأس الثور المحفوظ في متحف هركيولانيوم؛ وفي هذا الأثر المدهش نرى العينين الوحشيتين، والمنخارين الناخرين، والفم اللاهث، واللسان
المرتجف، وكل هذه قد بلغت من القوة درجة لن تفوقها بلاد اليونان نفسها في أي عهد من عهودها.
وأكثر ما يستلفت النظر في كريت القديمة هو تصويرها. ذلك أن النحت معقل لا يؤبه له، وما عثر عليه من الفخار قليل معظمه قطع متفرقة، وعمارتها كلها أطلال دراسة؛ ولكن أجمل الفنون كلها، وهو الذي يقع فريسة سهلة لعوادي الزمان الذي لا يرحم، قد أبقى لنا روائع نستطيع أن ندرسها وتستثير إعجابنا من عصر بلغ من القدم حداً سقط من ذاكرة اليونان الأقدمين، وهم الذين لم يبق من تصويرهم على حداثة عهده بالقياس إلى تصوير الكريتيين صورة واحدة أصيلة. وقد أبقت الزلازل والحروب التي دكت القصور في كريت على مظلم في جدار هنا وآخر في جدار هناك. وإذا ما جلنا في هذه القصور المخربة، وتخطينا أربعين قرناً من الزمان، والتقينا بالرجال الذين زينوا حجرات الملوك المينويين رأيناهم في عام 2500 قبل الميلاد يضعون على الجدران طبقة من الجير النقي، ويهديهم تفكيرهم إلى التصوير على السطح المبلل، فيحركون الفرشاة حركات سريعة ينفذ بها اللون إلى الطلاء قبل أن يجف سطحه. وقد استطاعوا بحذقهم أن ينقلوا إلى أبهاء القصور المظلمة جمال الحقول المكشوفة الوضاء، فيستنبتون الجص زنبقاً، وسوسناً، ونرجساً، وبردقوشا. وما من أحد شاهد هذه المناظر ثم قال مع القائلين إن روس قد أزاح الستار عن الطبيعة. ونرى في متحف هركيولانيوم جامع الزعفران حريصاً على قطف زهره كما صوره مصوره في العصر المينوي الأوسط؛ ونرى وسطه رفيعاً إلى حد ينفر منه الذوق، كما يبدو جسمه طويلاً لا يتناسب مع ساقيه، ولكننا نرى رأسه متقن التصوير خالياً من العيوب، ونرى الألوان هادئة والأزهار نضرة كما كانت منذ أربعة آلاف عام. وفي حاجيا تريادا يزين الرسام تابوتاً برسوم لخلائق غريبة نكاد نقول إنها نوبية منهمكة في طقوس دينية؛ وخير من هذا كله ما زين به أحد الجدران من أشجار متماوجة يدس بينها- وإن
لم يخفها عن العين بل يتركها واضحة جلية- قطة متحفزة، تستعد للهجوم دون أن يراها أحد على طائر مدل بنفسه ينشنش ريشه في الشمس. ويصل الرسام الكريتي في العصر المينوي المتأخر إلى ذروة مجده، فكل جدار يغريه وكل ثريٍّ يستدعيه، وهو لا ينقش مساكن الملوك وحدها، بل ينقش بيوت النبلاء وأثرياء البلاد، ويزينها بما لا يقل عن زينة بيوت بمبي. على أن نجاحه هذا وكثرة ما ينهال عليه من الطلبات لا يلبثان حتى يفسدا عليه أمره، وسرعان ما يؤدي حرصه على أن ينتهي مما بين يديه إلى قصوره عن الارتقاء إلى ما يقرب من الكمال فيما يصنع، فيفضل الكم على الكيف، ويكرر رسوم الأزهار حتى يمل الناظر إليها من التكرار، ويصور الرجال بصور لا وجود لها في الحياة الواقعية، ويقنع برسم الخطوط الخارجية، وينحط بفنه إلى المستوى الذي يدرك فيه أن هذا الفن قد جاوز مجده الأعلى وأنه قد آن أوان موته. ولكن من حقه علينا أن نقول إن التصوير لم يمثل الطبيعة بمثل النضارة التي مثلها بها التصوير الكريتي، مع جواز استثناء مصر القديمة وحدها من هذا التعميم.
وتتضافر الفنون كلها على بناء القصور الكريتية، فالقوة السياسية، والسيادة التجارية، والثراء، والترف، وما تجمع في البلاد من رقة وسمو في الذوق، كل هذا يحتم على المهندس، والباني، والصانع، والمثال، وصانع الفخار والمعادن، والنجار، والمصور، يحتم على هؤلاء كلهم أن يجمعوا ما وهبهم الله من حذق ليشيدوا به طائفة من حجرات ملكية، ومكاتب إدارية، وملاه، وحلبات ألعاب لتكون محور الحياة الكريتية ومشاهد رقيها ووعظمتها. يبنون في القرن الحادي والعشرين ثم يتهدم بنيانهم في القرن العشرين، فإذا جاء القرن السابع عشر لا يكتفون فيه ببناء قصر مينوس بل يشيدون كثيراً غيره من الصروح الفخمة في نوس وفي نحو خمسين مدينة أخرى في الجزيرة المثرية الرخية. ولقد كان عصر الحضارة الكريتية من أزهى العصور في تاريخ العمارة.
وجدير بنا أن نذكر أن الذين شادوا قصر كنوسس كانت تنقصهم وفرة مواد البناء والرجال؛ فالمعادن قليلة في كريت والرخام لا وجود له فيها على الإطلاق، ومن أجل هذا تراهم يبنون بحجر الجير والجبس، ويستخدمون الخشب في إنشاء الأروقة المقامة على العمد والسقف وجميع الأعمدة التي فوق الطابق الأرضي. وهم يقطعون الكتل الحجرية قطعاً محدداً دقيقاً يستطيعون به أن يضعوها في أماكنها من غير ملاط. وبهذه الأدوات شادوا حول فناء أوسط سعته عشرون ألف قدم مربعة ثلاثة أطباق من البناء أو أربعة يرقى إليها بدرجات حجرية واسعة، وتحتوي على ما لا حصر له من الحجرات - مراكز للحراسة، وحوانيت، ومعاصر للخمر، ومخازن، ومكاتب لتصريف شؤون الدولة، ومساكن للخدم، وحجرات للانتظار، وأخرى للاستقبال، ومخادع، ومعبد، وجب، وحجرة عرش، "وبهو للبلطة المزدوجة"، وبالقرب من هذه كلها دار للتمثيل، وقصر صغير ذو حديقة، ومقبرة. وفي الطابق الأسفل من القصر أقاموا عمداً مربعة ضخمة من الحجارة، وأما في الأطباق العليا فقد أقاموها من خشب السرو. والغريب في هذه العمد أنها رفيعة من أسفلها ثم تتدرج في السمك إلى أعاليها، لتحمل السقف على تيجان ملساء مستديرة أو لتلقي بظلالها على جانبيها. وفي داخل هذا القصر وضع بناؤوه مقعداً حجرياً، مستنداً في مكان أمين إلى جدار جميل النقش، وهذا المقعد الحجري منحوت نحتاً بسيطاً ولكنه يشهد بمهارة من نحته وحذقه؛ ويسمى الحفارون المستكشفون هذا المقعد الحجري عرش مينوس، وفي وسع كل سائح جوال أن يجلس عليه في تواضع واحتشام ويتصور نفسه برهة من الزمان مسيطراً على هذا المقعد الذي يزيد على بضعة أشبار. وأكبر الظن أن هذا القصر الفسيح هو قصر التيه الشهير) لابيرنث (أو هيكل البلطة المزدوجة (لبريس Labryth) الذي يغزوه الأقدمون إلى
ديدلوس والذي خلع اسمه فيما بعد على كل شيء كثير التعاريج سواء كان
(1)
حجرات أو ألفاظاً أو آذانا.
وكأن الذين شادوا مدينة كنوسس قد أرادوا أن يدخلوا السرور على النفعيين أهل هذه الأيام الذين يهتمون بأنابيب المياه أكثر من اهتمامهم بالشعر، فجهزوا القصر بنظام لصرف مائه وفضلاته أرقى من كل نظام مماثل له في التاريخ القديم. فقد كانوا يجمعون في قنوات حجرية الماء الذي يسيل على سفوح التلال أو ينزل من السماء ويسيرونه في أسطوانات مجوفة إلى حمامات
(2)
ومراحيض، ثم ينقلون الفضلات في أنابيب من الصلصال المحروق مصنوعة على أحسن طراز - كل قسم منها طول قطره ست بوصات، وطوله ثلاثون بوصة، مزود بشرك لحجز الرواسب، ومنته بطرف رفيع يدخل به في القسم الذي يليه، ويرتبط به ربطاً محكماً برباط من الأسمنت. وربما كان فيها جهاز يمد القصر الملكي بالماء الساخن
(3)
.
وقد زين الفنانون في كنوسس داخل القصر على سعته بأرق وسائل التزين. فجعلوا بعض الحجرات بالزهريات والتماثيل الصغيرة، وبعضها الآخر بالصور الملونة أو النقوش البارزة، وبعضها بالقوارير الحجرية أو الآنية
(1)
ليس قولنا حجرات إلا افتراضاً محضاً بطبيعة الحال. وجدير بنا أن نضيف إلى هذا أن ما استخرج من نقوش القصر قد نقل كله إلى متحف هركيولانيوم أو غيره من المتاحف، وأن كثيراً مما بقي منه في موضعه قد رمم ترميماً مجرداً من الذوق
(2)
لم يعد المؤرخون الآن متفقين على أن الفجوات المربعة التي عثروا عليها في أرض بعض الحجرات كانت حمامات، وحجتهم في هذا أنها لا منفذ لها وأنها مصنوعة من الجبس وهو ما يذيبه الماء شيئاً فشيئاً.
(3)
عثر مسو Mosso على أنابيب للصرف شبيهة بهذه في البيت الخلوي المقام في حاجياتريادا، وقد وصفها بقوله: "لقد أدهشني أن أرى في يوم من الأيام سقط فيه المطر مدراراً أن كل وسائل الصرف المياه تعمل عملها بمنتهى الدقة والإتقان، ولقد رأيت المياه في البالوعات التي يستطيع الرجل أن يسير فيها واقفاً على قدميه. وإني لأشك في أن نظاماً آخر للصرف غير هذا النظام قد بقي يؤدي عمله بعد أربعة آلاف عام من إنشائه.
الضخمة، وبعضها بتحف من العاج أو الخزف أو البرنز، وأقاموا حول أحد الجدران طنفاً من حجر الجير عليه ألواح ذات ثلاثة حزوز متساوية الأبعاد، وأنصاف ورود، ونقشوا حول جدار عدداً من اللوالب على سطح طلي ليمثل الرخام؛ وحول جدار ثالث نقشوا صراعاً بين رجل وثور، تجلت فيه جميع دقائق الصراع بغاية الوضوح، ونشر المصور المينوي في جميع الأبهاء والحجرات كل ما احتواه فنه المبهج من أمجاد، فصور لنا في إحدى حجرات الاستقبال سيدات في ثياب زرقاء فاجأهن وهن يثرثرن، وأبرز معارفهن، وأذرعهن الجميلة، وصدورهن، وأثداءهن الدفينة؛ وصور على جدار غيره حقولاً من الأزورد والنيلوفر وغصون الزيتون، وعلى جدار آخر سيدات في دار التمثيل، ودلافين تسبح من غير حركة في ماء البحر. وخير من هذه الرسوم الصورة الذائعة الصيت، صورة الساقي المنتصب القامة، والقوي البنية، يحمل دهاناً ثميناً في وعاء أزرق رفيع، وقد جَّملت وجهه تربيته ويد الفنان، وتدلى شعره في غديرة سميكة على كتفيه الأسمرين وتلألأت الحلي في أذنيه، وحول عنقه وذراعيه ومنطقته، وزين ثوبه الغالي بصور جميلة لبعض الأزهار. وما من شك في أن هذا الساقي ليس من الرقيق، بل هو شاب من أبناء الأشراف يفخر بما نال من رشف خدمة الملك. وجملة القول أن ليس في مقدور حضارة ما أن تتطلب أو تخلق مثل هذا الترف وهذه الزينة إلا إذا كان قد طال عهدها بالنظام، والثراء، والفراغ، وسلامة الذوق.
الفصل الرابع
سقوط كنوسس
إذا ما رجعنا إلى ما قبل هذه الحضارة الباهرة نبحث عن اصلها، وجدنا أنفسنا تتقلب بين آسيا ومصر. فالكريتيون يبدون من جهة شديدي الصلة بالشعوب الهندوربية التي تسكن آسيا الصغرى؛ ففي هذه البلاد كما في كريت تستخدم ألواح الصلصال للكتابة، وكان فيها الشاقل وحدة الموازين. وفي كاريا من أعمالها كان يعبد زيوس لبرنديوس Zeus Labrandeus أي زيوس ذو البلطة المزدوجة Labrys، وفيها كان الناس يعبدون الأعمدة والثور واليمامة، وفي فريجيا كانت سيبيل العظيمة الشبيهة كل الشبه بالأم الإلهة في كريت حتى لقد أطلق اليونان على هذه الأم اسم ريا سيبيل Rhea Cybele وعدوا الأثنتين إلهة واحدة!.
ومع هذا كله فإن الشواهد الدالة على أثر مصر في كريت كثيرة في كل عصر من عصور تاريخها. وقد بلغ تشابه الثقافتين في أول عهديهما حداً جعل بعض العلماء يظنون أن موجة من الهجرة قد حدثت من مصر إلى كريت أيام الاضطراب الذي وقع في عهد مينا. فالآنية الحجرية التي كشفت في مكلوس والأسلحة النحاسية الباقية من الطور الأول من العصر المينوي القديم، تشبه ما وجد من نوعها في مقابر الأسر المصرية الأولى شبهاً يثير العجب، والبلطة المزدوجة تظهر على شكل تميمة في مصر بل يظهر فيها كذلك "كاهن البلطة المزدوجة". والموازين والمكاييل الكريتية مصرية في شكلها وإن كانت آسيوية في قيمتها؛ والأساليب المستخدمة في النقش على الحجارة
الكريمة، وفي فن الخزف والتصوير تتشابه في البلدين تشابهاً جعل اسينجلر يعتقد أن الحضارة الكريتية ليست إلا فرعاً من الحضارة المصرية.
ولكننا لن ننهج اسينجلر لأننا لا يجوز لنا أن نتغاضى عن فردية الأجزاء في كلتا الحضارتين، فالصفة الكريتية واضحة في حضارتها كل الوضوح مميزة أشد التمييز، ولسنا نجد في العالم القديم شيئاً آخر امتاز بالرقة في دقائق الفن وبالرشاقة المركزة في الحياة والفن. ولنسلم جدلاً بأن الثقافة الكريتية آسيوية في نشأتها العنصرية، مصرية في كثير من فنونها، غير أنها في جوهرها وفي كليتها تبقى حضارة فذة، وربما كانت تنتمي إلى خليط معقد من الحضارات شأن جميع البلاد الواقعة في شرق البحرالمتوسط، حيث ورثت كل أمة فنوناً وعقائد وأساليب متماثلة متقاربة نشأت من ثقافة تنتمي إلى العصر الحجري الحديث كانت واسعة الانتشار في تلك البلاد وقامت عليها حضارتها.
ومن هذه الحضارة المشتركة أخذت كريت في شبابها وأمدتها بقسط بعد نضجها. وبفضل حكمها ساد النظام في الجزائر المجاورة لها ودخل تجارها في كل ثغر من ثغورها، ثم استقرت مصنوعاتها وفنونها في جزائر سكلديس وعمت قبرص، ووصلت إلى كاريا وفلسطين، ثم سارت شمالاً إلى آسيا الصغرى والجزائر المجاورة لها حتى بلغت طروادة واجتازت في ناحية الغرب إيطاليا وصقلية إلى أسبانيا، وعمت بلاد اليونان حتى تساليا، وبقيت في تراث اليونان عن طريق ميسينس وتيرنز، وبذلك كانت كريت في تاريخ الحضارة الحلقة الأولى في سلسلة الحضارة الأوربية.
ولسنا نعرف أي طرق الاضمحلال الكثيرة هي الطريق التي سلكتها كريت في اضمحلالها، أو لعلها سلكت هذه الطرق الكثيرة كلها، فقد اختفى ما كانت تشتهر به من غابات السرو والأرز، وأضحى ثلثا الجزيرة اليوم صخوراً
حجرية صماء لا تستطيع الاحتفاظ بمياه الأمطار الشتوية. ولعل أهلها هي أيضاً قد أسرفوا في تحديد النسل كما تسرف سائر الحضارات في عصور اضمحلالها، وتركوا الإكثار للعجزة والضعفاء. ولعل ازدياد الثروة والترف وما أعقبه من انهماك في الملذات الجسمية قد أضعف ما في السكان من حيوية، وأضعف إرادتهم في أن يعيشوا ويدافعوا عن أنفسهم، ذلك أن الأمم تولد رواقية وتموت أبيقورية. ولعل انهيار مصر بعد موت إخناتون قد أحدث اضطراباً في التجارة التي كانت قائمة بين مصر وكريت، وقلل من ثراء الملوك المينويين؛ وغير خاف أن كريت ليس فيها موارد داخلية واسعة، وأن رخاءها إنما يعتمد على التجارة وعلى الأسواق الخارجية لتصريف مصنوعاتها، ولذلك أصبحت كإنجلترا في الوقت الحاضر تعتمد اعتماداً شديد الخطورة على سيطرتها البحرية. وربما كانت الحروب الخارجية قد قضت على الكثيرين من شبانها الأقوياء، وتركت الجزيرة منقسمة مفككة لا تستطيع صد الغزاة الأجانب. وربما كانت الزلازل قد دكت قصورها، أو أن أهلها قد انتقموا لأنفسهم في ثورة عنيفة مما قاسوه من ظلم واستبداد قروناً طوالا.
ذلك ما لا نعلمه علم اليقين، وأما الذي لاشك فيه أن قصر فستوس قد دمر مرة أخرى في عام 1450، وأن قصر حاجيا تريادا قد التهمته النيران، وأن بيوت الأثرياء في توليسوس قد اختفت من الوجود. ويلوح أن كنوسس كانت في الخمسين سنة التي تلت ذلك العهد تستمتع بأعظم ما وصلت إليه من ثراء، ومن سلطان لا ينازعها فيه منازع في جميع أنحاء بحر إيجة. وفي عام 1451 التهمت النيران قصر كنوسس نفسه، فقد عثر إيفنر في كب مكان فيه على شواهد دالة على اندلاع اللهب الذي لم يقو الأهلون على حصره- من كتل خشبية وأعمدة محترقة، وأسوار مسودة، وألواح طينية قد جمدتها حرارة النار حتى استعصت على أنياب الزمان ولقد كان الدمار شاملاً، وكان اختفاء المعادن حتى من الحجرات التي غطتها الأنقاض وحمتها من النيران كاملاً،
مما جعل كثيرين من العلماء يظنون أن هذا الدمار
(1)
من فعل الغزاة لا من فعل الزلازل. ومهما يكن سبب هذه الكارثة فإن الجزيرة قد أخذت بها على غرة، ذلك أن بأماكن الفنانين وحوانيت الصناع شواهد كثيرة على أن أصحابها كانوا منهمكين في أعمالهم حين حل الموت بهم؛ وفي هذا الوقت عينه دكت قواعد جورنيا، وبسيراً، وزكرو، وبليكسترو.
وليس لنا أن نظن أن الحضارة الكريتية قد انمحت في يوم وليلة، فقد أعيد بناء القصور، ولكنها بنيت متواضعة، وظلت لمنتجات كريت الفنية الغلبة على الفن الإيجي جيلاً أو جيلين من الزمان. وفي منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد نجد آخر الأمر شخصية كريتية بارزة- هي شخصية الملك مينوس التي تقص الرواية اليونانية عنها كثيراً من القصص المرعبة. من ذلك قولها إن عرائس الملك قد ضايقتهن كثرة الأفاعي والعقارب في نطفته، ولكن زوجته بسفائية Pasiphae تخلصت منها بطريقة خفية عجيبة، وأفلحت في أن تلد له كثيراً من الأبناء، منهم فيدرا Phaedra) زوجة تسيوس وحبيبه هبوليتوس (وأريدني Ariadne ذات الشعر الأشقر. ولما أغضب مينوس بوسيدن Poseidon سلط هذا الإله على بسفائية هياما جنونياً بثور مقدس، وأشفق عليها ديدلوس، وبفضل صلته حملت في مينا ثور الرهيب؛ وسجن مينوس ذلك الحيوان في التيه الذي شاده ديدلوس إطاعة لأمره، ولكنه كان يسترضيه بالضحايا البشرية من حين إلى حين.
ولعل أظرف من هذه القصة قصة ديدلوس الخرافية رغم خاتمتها المخزية، لأنها تفتتح ملحمة من أعظم الملاحم وأشدها افتخاراً في التاريخ. فقد مثلته
(1)
إذا سمحت التواريخ التي يحددها رجال الآثار بتأخير هذا الحريق الكبير إلى 1250 أو نحوها، أصبح من السهل تفسير هذه الكارثة بأنها من حوادث فتح الآخيين لجزائر بحر إيجه، ذلك الفتح الذي كان مقدمة لحصار طروادة.
الأقاصيص اليونانية في قصة أمير أثيني حسد ابن أخيه لمهارته، فقتله في ساعة من ساعات غضبه، ونفي القاتل نفياً أبدياً من بلاد اليونان عقاباً له على قتله. فلجأ ديدلوس الطريد إلى قصر مينوس، وأدهش الملك بمهارته في اختراع الآلات وغيرها مما لا عهد له به فقر به وجعله كبير فنانيه ومهندسيه. وكان ديدلوس مثالاً حاذقاً، وقد استخدمت الأقاصيص اسمه فجعلته رمزاً على انتقال فن النحت من الأشكال الجامدة الميتة، إلى صور الأناس الأحياء. ويحدثنا القصاصون بأن التماثيل التي صنعها كانت شديدة الشبه بالأحياء، حتى لقد كانت تقف على أقدامها وتمشي إذا لم تشد إلى قواعدها. ولكن مينوس غضب على ديدلوس حين علم بما كان له من يد في عشق باسيفائية، فحبسه هو وابنه إيكاروس Icarus في تبة اللابرنث، فما كان من ديدلوس إلا أن صنع له ولابنه إيكاروس أجنحة استطاعا بها أن يقفزا من فوق الجدران ويطيرا فوق البحر المتوسط، غير أن إيكاروس لم يأبه بنصيحة أبيه فاقترب من الشمس أكثر مما ينبغي، وأذابت أشعتها الحارة ما على جناحيه من الشمع فغرق في البحر، وتلك خاتمة تزدان بها القصة وتكسبها مغزى أخلاقياً. وأصبح فؤاد ديدلوس فارغاً بعد موت ولده، فنزل في صقلية، وبعث في هذه الجزيرة حضارة عظيمة بعد أن نقل إليها ثقتفة كريت الصناعية
(1)
والفنية.
وأشد من هذه القصة إثارة للشجن قصة تسيوس وأدريدني. وخلاصتها أن مينوس بعد أن انتصر في حرب على أثينة الناشئة الفتية، فرض على هذه
(1)
يعزو بوسنياس Pausanias أول من وضع أدلة السياح، إلى ديدلوس كثيراً من التماثيل معظمها من الخشب، كما يعزو إليه نقشاً على الرخام يمثل أدريدني وهي ترقص، ويقول إنها كلها كانت موجودة في القرن الثاني بعد الميلاد، ولم يشك اليونان يوماً من الأيام في أن ديدلوس شخص حقيقي؛ وإن تجارب شليمان لتجعلنا نتشكك. وليس سهلاً على العلماء في جيل من الأجيال من أن يرفضوا الروايات القديمة، ثم يأتي من بعدهم جيل آخر فيؤيدها أقوى تأييد.
المدينة أن ترسل إليه كل تسع سنين جزية من سبع بنات وسبعة شبان، يلتهمها الميناتور، فلما حل الموعد الثالث للوفاء بهذه الجزية المذلة عمل تسيوس الوسيم على أن يكون هو من بين السبعة الشبان، ورضي أبوه الملك إيجبيوس بذلك على كره منه شديد؛ وكان نسيوس قد صمم على قتل الميناتور والقضاء بذلك على هذه التضحية المتكررة. وأشفقت أدريدني على الأمير الأثيني، وأحبته، فأعطته سيفاً مسحوراً وعلمته حيلة بسيطة هي أن يفك خيطاً مطوياً على ذراعه حين يدخل التيه. وقتل تسيوس الميناتور وسار متتبعاً الخيط حتى جاء أدريدني وأخذها معه حين هرب من كريت. فلما وصلا إلى جزيرة نكسوس Nexon تزوجها وفاء بوعده، ولكنه غدر بها فأقلع هو ورفاقه، من الجزيرة في أثناء نومها.
وبعد أدريدني ومينوس تختفي كريت من التاريخ وتظل مختفية حتى يأتي ليكرجو Lycurgus إلى الجزيرة، ولعل ذلك كان في القرن السابع قبل الميلاد. وثمة شواهد على أن الآخيين قد وصلوا إليها في أثناء غارتهم الطويلة على بلاد اليونان في القرنين الرابع عشر والثالث عشر؛ ولقد استوطنها الغزاة الدوريون في أواخر الألف السنة الثانية قبل الميلاد.
ويقول كثيرون من الكريتيين وبعض اليونان إن ليكرجوس وجد فيها أمثلة يحتذيها في قوانينه، كما وجد صولون أمثلة لقوانينه هو أيضاً وإن لم تبلغ من الكثرة مبلغ ما وجده ليكرجوس. وكانت الطبقات الحاكمة في كريت بعد أن سيطر الدوريون على الجزيرة، تحيا حياة البساطة والتقشف في الظاهر إن لم تكن في الواقع، شأنها في ذلك شأن إسبارطة. وكان الشبان يربون تربية عسكرية، وكان الكبار من الرجال يأكلون مجتمعين في بهاء كبرى معدة لهذا الغرض
(1)
.
(1)
يعد الأثينيون هذا كله تاريخاً، وقد ظلوا عدة قرون يحتفظون بالسفينة التي سافر فيها ثسيوس من كريت ويرممونها كلما أصيبت بأذى، ويتخذونها سفينة مقدسة يرسلون فيها الرسل في كل عام للاحتفال بعيد أبلو في ديلوس.
وكانت البلاد يحكمها مجلس من شيوخ المدينة ويصرف أمورها عشرة مؤمرون Kosmci يشبهون الإفورين Ephor في أسبارطة والأركونين Arckons في أثينة. وليس من السهل علينا أن نحكم هل أخذت إسبارطة ذلك النظام عن كريت أو أخذته عن إسبارطة؛ وربما كان النظام في المدينتين نتيجة محتومة لظروف متشابهة- هي الحياة المزعزعة التي كانت تحياها طبقة عسكرية أرستقراطية من غير أهل البلاد بين أهلها الأفنان المعادين لها. ويلوح أن قوانين جورتيانا Gortyana المستنيرة نسبياً، والتي وجدت على جدران تلك المدينة الكريتية، قد وضعت في بداية القرن الخامس؛ وليس ببعيد أن تكون هذه القوانين، في صورة لها أقدم منها، قد أثرت في المشترعين اليونان. وكان ثاليتاس Thaleyas الكريتي يعلم الموسيقى في إسبارطة في القرن السادس قبل الميلاد، كما كان ديبونس Dipoenus وسكليس المثالان الكريتيان يعلمان فناني أرجوس Argos وشيسيون Sicyon وملاك القول أن الحضارة القديمة.
الباب الثاني
قبل آجممنون
الفصل الأول
شليمان
في عام 1822 ولد في ألمانيا صبي قدر له أن يكتب بمعوله صفحة من أروع الصفحات على الآثار في القرن التاسع عشر. وكان والده مولعاً بالتاريخ القديم، وقد نشأه على حب قصص هومر عن حصان طروادة، وتجوال أوديسيوس، "ولشد ما كان يحزنني أن أسمع منه أن طروادة قد دمرت عن آخرها تدميراً تاماً، وأنها محيت من الوجود دون أن تخلف وراءها أثراً يدل عليها"(2). ولما بلغ هنريخ شليمان الثامنة من عمره وفكر في الأمر تفكيراً أوفى من تفكيره الأول، أعلن أنه سيهب حياته للكشف عن المدينة المفقودة؛ وفي العاشرة من عمره عرض على أبيه قصة لاتينية عن حرب طروادة. وفي عام 1836 غادر المدرسة بعد أن حصّل فيها علماً أرقى مما تطيقه موارده، واشتغل صبياً عند بدال، وفي عام 1841 خرج من همبرج خادماً على ظهر سفينة تجارية مسافرة إلى أمريكا الجنوبية، وبعد اثني عشر يوماً من مغادرة السفينة الميناء غرقت، وظل بحارتها تسع ساعات في قارب صغير تتقاذفهم الأمواج حتى ألقت بهم على سواحل هولندة. واشتغل هنريخ كاتباً، وكان يكسب من عمله مائة وخمسين ريالاً أمريكياً في العام، ينفق نصفها في شراء الكتب ويعيش على نصفها الآخر وعلى أحلامه،
وأثمر ذكاؤه وجده ثمرتهما الطبيعية؛ فلما أن بلغ الخامسة والعشرين كان تاجراً له مصالح مالية في ثلاث قارات؛ ولما بلغ السادسة والثلاثين أحس بأنه قد حصل من المال كفايته فاعتزل التجارة ووهب وقته كله لعلم الآثار. "لقد كنت وأنا في غمرة الأعمال التجارية دائم التفكير في طروادة أو فيما قطعته لوالدي من عهد على أن أكشف عن آثارها"
(1)
.
وقد اعتاد في أثناء اشتغاله بالتجارة أن يتعلم لغة كل بلد يتجر معه، وأن يكتب بهذه اللغة ما يتصل بأعماله في مفكرته اليومية (4). وبهذه الطريقة تعلم اللغات الإنجليزية، والفرنسية، والهولندية، والأسبانية، والبرتغالية، والإيطالية، والروسية، والسويدية، والبولندية، والعربية. ثم ذهب إلى بلاد اليونان ودرس فيها لغة الكلام الحية، وسرعان ما أصبح في مقدوره أن يقرأ اليونانية القديمة والحديثة بنفس السهولة التي يقرأ بها الألمانية؛ فلما تم له ذلك أعلن:"إني لا أستطيع أن أعيش بعد الآن في غير أرض اليونان القديمة"(6). ولما أبت زوجته الروسية أن تغادر روسيا أعلن في الصحف رغبته في الزواج بيونانية، ووصف بغاية الدقة كل ما يطلبه في هذه الزوجة، ثم اختار في السابعة والأربعين من عمره عروساً في التاسعة عشرة من بين الصور الشمسية التي أرسلت إليه. ولم يكد
(1)
وقد كتب شليمان يقول: "ولكي أستطيع تعلم المفردات اليونانية بسرعة حصلت على ترجمة يونانية حديثة لبول وفرجيني، وقرأتها من أولها إلى آخرها، وقابلت كل كلمة بأختها في النص الفرنسي. فلما فرغت من هذا العمل عرفت على الأقل نصف ما يحتويه الكتاب من المفردات اليونانية، وبعد أن كررت هذه العملية نفسها مرة أخرى عرفتها كلها، أو كدت، من غير أن أضيع دقيقة واحدة في البحث عن هذه المفردات في معاجم اللغة. أما النحو اليوناني فلم أتعلم منه إلا علامات الإعراب والأفعال، ولم أضيع وقتي الثمين في تعلم قواعده لأني رأيت أن التلاميذ بعد أن يلاقوا العذاب ثماني سنين أو أكثر منها يكدحون في تعلم قواعد النحو اليوناني، يخرجون من المدرسة وليس منهم من يستطيع أن يكتب خطاباً باللغة اليونانية القديمة دون أن يرتكب فيه مائة من أشنع الأغلاط. ولهذا أيقنت أن الطريقة التي يتبعها المدرسون في تعليم اللغة خاطئة من أولها إلى آخرها
…
أما أنا فقد تعلمت اللغة اليونانية القديمة كما لو كنت أتعلم لغة من اللغات الحية".
يرى صاحبة الصورة حتى تزوجها من فوره، وتزوجها بطريقة الشراء القديمة دون أن يعني بمعرفة حقيقة أمرها، وطلب إليه أبواها ثمناً يتناسب مع ما يعرفان من ثرائه. ولما ولدت له زوجته طفلين، لم يرض بأن يعمدهما إلا مكرهاً، ولكنه كان في أثناء الاحتفال يضع نسخة من الإلياذة فوق رأسيهما ويقرأ منها مائة بيت بصوت عال. وسمى هؤلاء الأبناء أندروماك، وأجممنون. وسمي خادميه تلامون Telamon، وبلوبس Pelops، وأطلق على بيته في أثينة اسم بلروفون Bellerophon (7) . لقد كان شليمان شيخاً افتتن بهومر إلى حد الجنون.
وفي عام 1870 ذهب إلى الأرض المحيطة بطروادة - وهي الطرف الشمالي الغربي من آسيا الصغرى - وأصر رغم جميع العلماء في ذلك الوقت على أن طروادة بريام مدفونة تحت التل المسمى حصار لك. واستطاع بعد مفاوضات دامت عاماً كاملاً أن يحصل من الحكومة العثمانية على إذن بالحفر في هذا الموقع، واستأجر ثمانين عاملاً وبدأ العمل. وكانت زوجته، التي تحبه لما يتصف به من شذوذ ونزوات، تشترك معه في كدحه في الأرض من مطلع الشمس إلى مغيبها. وظلت العواصف الثلجية تهب من الشمال طوال الشتاء وتقذف الثرى في وجهيهما، وكانت الرياح تندفع بقوة من ثغرات كوخهما الضعيف فلا يستطيعان أن يحتفظا فيه بمصباح مضيء أثناء الليل. "ولم يكن لدينا ما يدفئنا إلا تحمسنا لعملنا العظيم ألا وهو كشف طروادة"(8).
ومر عام دون أن تثمر جهودهما ثمرة ما. ثم أخذت فأس أحد العمال تكشف ضربة في إثر ضربة عن وعاء نحاسي كبير، ولما فتح هذا الوعاء تكشف عن كنز مدهش ثمين مكون من تسعة آلاف تحفة مختلفة من الفضة والذهب. وكان شليمان ماكراً فأخفى الكنز في لفاعة زوجته، وصرف العمال على غير انتظار منهم لكي يستريحوا، وأسرع إلى كوخه، وأغلق
عليه الباب، وبسط الكنز الثمين أمامه على المنضدة، ووصل ما بين كل قطعة منه وبين فقرة في شعر هومر، وحلى رأس زوجته بجوهرة قديمة، وأرسل إلى أصدقائه في أوربا يبلغهم أنه كشف عن "كنز بريام"(9). لكن أحداً منهم لم يصدقه، واتهمه بعض النقاد بأنه وضع بنفسه الأشياء التي كشفها في المكان الذي استخرجها منه، ورفع الباب العالي في الوقت نفسه قضية عليه يتهمه بالاستيلاء على الذهب من أرض تركية. لكن بعض العلماء أمثال فرشاو Virchow، ودوربفلد Dorpfeld وبرنوف Burnouf هرعوا إلى موضع الحفر، وحققوا أقوال شليمان، وواصلوا العمل معه حتى كشفوا عن طروادة مدفونة بعد طروادة؛ ولم تبق المشكلة القائمة بعدئذ هل كانت هناك طروادة أو لم تكن، بل أصبحت محصورة في أي الطروادات التسع التي كشفت هي التي تطلق عليها الإلياذة اسم إليوس.
وفي عام 1876 اعتزم شليمان أن يحقق ملحمة هومر من ناحية أخرى - وهي أن يثبت أن أجممنون كان هو أيضاً شخصاً حقيقياً. واسترشد في عمله بوصف بوسيناس القديم لبلاد اليونان
(1)
، فاحتفر أربعاً وثلاثين فجوة في ميسيني الواقعة في شرقي البلوبونيز. وقطع عليه الموظفون الأتراك عمله بأن طالبوه بنصف الكنوز التي كشفها في طروادة؛ ولم يشأ هو أن يترك "كنز بريام" في تركيا مختفياً عن الأنظار، فأرسله سراً إلى متحف الدولة في برلين، وأدى للباب العالي خمسة أمثال ما طلبه إليه من تعويض، وواصل أعمال الحفر في ميسيني. وكان النجاح في هذه المرة أيضاً حليفه، ولما أن أبصر عماله يحملون إليه هياكل بشرية، وفخاراً، وجواهر، وأقنعة ذهبية، أبرق إلى ملك اليونان يقول إنه كشف قبري أتريوس وأجمنون (10). وفي عام 1884 انتقل إلى تيرينز Tiryns واسترشد في عمله هنالك
(1)
لقد طاف بوسنياس ببلاد اليونان في عام 160 م ووصفها في كتابه المسمى Periegosis أي الرحلة.
أيضاً ببوسنياس، وكشف عن القصر العظيم وعن الأسوار الضخمة التي وصفها هومر (11).
ولسنا مبالغين إذا قلنا إنه قلما خدم أحد علم الآثار كما خدمه شليمان. لقد كان هذا الرجل متصفاً بعيوب فضائله، ذلك أن حماسته كانت تدفعه إلى العجلة والتهور في عمله، فأدى ذلك به إلى إتلاف كثير من الأشياء التي عثر عليها أو خلطها بعضها ببعض لكي يحقق بسرعة الهدف الذي كان يعمل لتحقيقه. يضاف إلى هذا أن الملحمتين اللتين كانتا تهديانه في عمله قد أضلتاه، فحسب أنه كشف عن كنز بريام في طروادة، وعن قبر أجممنون في ميسيني. وارتاب العلماء في أنحاء العالم في تقاريره وظلت متاحف إنجلترا، وروسيا، وفرنسا زمناً طويلاً لا تصدق أن ما كشفه آثار قديمة بحق. وكان في هذه الأثناء يعزي نفسه بما ناله من مكانة عظمى في عينه هو، ويواصل الحفر بشجاعة حتى أقعده المرض. وتحير في آخر أيامه هل يصلي إلى إله المسيحيين أو إلى زيوس إله اليونان الأقدمين؛ وكتب إلى ابنه يقول:"إلى أجممنون شليمان أحب الأبناء أرسل تحياتي، وإني ليسرني أنك ستدرس بلوتارخ، وأنك فرغت من زنوفون .... وإني لأدعو أبانا زيوس وبلاس أثينة أن يجزياك من الصحة والسعادة ما يعادل جهودك مائة مرة"(12). وتوفي عام 1890 بعد أن أنهكه الكدح في الحر والبرد، وقاسى ما قاسى من عداوة العلماء، ومن حمى أحلامه التي لم تفارقه في يوم من الأيام.
لقد كشف شليمان - كما كشف كولمبس - عن عالم أشد غرابة من العالم الذي كان يبحث عنه، فلقد كانت هذه الجواهر أقدم بمئات السنين من بريام وهكيبا Hecuba: ولم تكن تلك القبور قبور أتريدا، بل كانت أطلال حضارة إيجبة قامت في أرض اليونان الأصلية، قديمة قدم العصر المينوي في كريت. ولقد حقق شليمان، دون أن يعرف، بيت هوراس
الذائع الصيت "لقد عاش قبل أجممنون كثيرون من الرجال البواسل"
(1)
. وكلما توسع دوريفلد، وملر Muller، وتسونتاس Tsountas، واستماتاكس Stamatakis، وولدشتين Waldstein، وويس Wace في أعمال الحفر في أرض البلويونيز، وواصل غيرهم الحفر في أتكا وفي جزائر عوبيه Euboea، وبؤوتيا Boeotia، وفوسيس Phocis، وفي تساليا، تكشفت أرض اليونان عن بقايا ثقافة قامت فيها في أزمنة ما قبل التاريخ. وفي هذه الثقافة ارتقى الناس أيضاً من الهمجية إلى الحضارة بانتقالهم من حياة الصيد البدوية إلى حياة الاستقرار والأعمال الزراعية، وباستبدال النحاس والبرنز بالحجارة، وبما يسرته لهم الكتابة والتجارة من وسائل التقدم. إن الحضارة على الدوام أقدم مما نتصور، وتحت كل شبر من الأرض نطأه بأقدامنا عظام رجال ونساء عملوا وأحبوا كما نعمل نحن ونحب، وكتبوا الأغاني وصنعوا الجميل من الأشياء؛ ولكن أسماءهم وحياتهم نفسها قد ضاعت على مر الزمان الذي لا يحفل قط بالرجال والنساء.
(1)
وكاد دوريفلد وفرشاو يقنعانه في أواخر أيامه بأنه لم يكشف عن بقايا أجممنون بل كشف عن جيل من الناس أقدم منه كثيراً. وبعد أن أظهر شليمان الشيء الكثير من الألم المبرح تقبل قولهما قبولاً حسناً وصاح قائلاً: "ماذا تقولان؟ إذن فليس هذا جسم أجممنون، وليست هذه حليه؟ فليكن، ولنسمه إذن شلز Schulz"؛ وظلوا من ذلك الحين يتحدثون باسم "شلز".
الفصل الثاني
قصور الملوك
على تل منخفض طويل، على بعد ميل واحد في شمال البحر، كان يقوم في القرن الرابع عشر قبل الميلاد قصر تيرينز الحصين. ويستطيع الإنسان أن يصل إلى خرائب هذا القصر بعد رحلة ممتعة من أرجوس أو نوبليا Nsuplia، ومشهد هذه الخرائب تكاد تضيع معالمها بين حقول القمح والذرة الهادئة الساكنة. فإذا صعد السائح قليلاً فوق درجات حجرية باقية من أزمنة ما قبل التاريخ، وقف أمام الجدران الضخمة السيكلوبية التي بنيت كما تقول الرواية اليونانية للأمير الأرجوسي بروتوس Proetus قبل حرب طروادة بمائتي عام
(1)
. ولقد كانت المدينة حتى في ذلك الزمن البعيد قديمة العهد فقد شادها كما تقول الرواية القديمة المأثورة البطل تيرينز بن أرجس Argus ذو المائة عين، والعالم لا يزال في طفولته (14). ةتضيف القصة إلى ذلك أن بروتيوس أهدى القصر إلى برسيوس الذي حكم تيرينز مع الملكة أندرمدا Andromeda الحمراء.
وكان ارتفاع الأسوار التي تحمي المدينة بين عشرين وخمسين قدماً، وقد بلغ من سمكها أن كانت تحتوي في بعض المواضع على معارض واسعة ذات قباب وعقود فيها قطع حجرية ضخمة مركبة بعضها فوق بعض في وضع أفقي.
(1)
كان اليونانيون يصفون الصروح بأنها سيكلوبية إذا كانت حسب ما يتصوره خيالهم المولع بالأساطير لا يستطيع بناءها إلا المردة الجبابرة أمثال سيكلوبس (أي صاحب العين المستديرة) الأعور الذي كان يكدح بكيرهباستوس Hephaestus في براكين البحر الأبيض المتوسط. ثم أصبح هذا الاسم يطلق في هندسة البناء على الأحجار التي تشاد بلا ملاط والتي تنحت نحتاً غير متقن. ويملأ ما بينها بالحصى المخلوط بالطين. تضيف الرواية إلى هذا أن بوولوس قد جاء بالبنائين المشهورين المسمين سيكلوبس من لوسيا Lycia.
ولا تزال بعض هذه الحجارة في أماكنها حتى الآن، والكثير منها يبلغ طوله ست أقدام وعرضه ثلاثاً وسمكه مثلها، أما أصغرها فيقول بوسنياس "إنه يصعب على زوج من البغال أن يحركها من أماكنها"(15). وكان في داخل الأسوار، وراء مدخل شيد على نمط كثير من مداخل الحصون فناء واسع مرصوف، حوله طائفة من الأعمدة، ومن حول هذه الأعمدة عدد كبير من الحجرات شبيهة بحجرات نوسس، تجتمع حول بهو فخم سعته ألفا وثلاثمائة قدم مربعة، أرضه مرصوفة بالأسمنت المطلي وسقفه مقام على أربعة عمد بينها موقد. وهنا وجد مبدأ جرت عليه العمائر اليونانية يختلف عما كان متبعاً في كريت - وهو فصل الجناح الذي تقيم فيه النساء عن حجرات الرجال. فقد كانت حجرة الملك وحجرة الملكة متجاورتين ولكنهما - على قدر ما نستطيع أن نستدل عليه من آثارهما - منفصلتان إحداهما عن الأخرى كل الانفصال ولا صلة بينهما من داخلهما. ولم يعثر شليمان من هذا القصر الحصين إلا على أساس الطابق الأرضي، وقواعد الأعمدة، وأجزاء من الجدران. وفي أسفل التل وجدت بقايا البيوت المقامة من الحجارة أو الآجر، والقناطر، وقطع من الفخار القديم. وفي هذا الموضع كانت مدينة تيرينز يف عهد ما قبل التاريخ تتقارب بيوتها لتحمي نفسها تحت أسوار القصر. ذلك أنه لا مفر لنا من أن نتصور بلاد اليونان في عصر البرنز تحيا حياة غير آمنة حول هذه القلاع الإقطاعية وفي داخلها.
وعلى بعد عشرة أميال شمالي هذه المدينة شاد برسيوس (إذا أردنا أن نصدق قول بوسنياس)(16) مدينة ميسيني - أعظم عواصم اليونان قبل التاريخ. وهنا أيضاً نشأت حول قلعة منيعة مدينة من عدة قرى، تضم عدداً من السكان النشيطين زراع، وتجار، وصناع، ورقيق، كانوا سعداء لأنهم ليس لهم تاريخ.
وبعد ستمائة عام من ذلك الوقت وصف هومر ميسيني بأنها "مدينة حسنة البناء واسعة الطرقات، موفورة الذهب"(17). ولقد أبقى الزمان
على أجزاء من هذه الجدران الضخمة رغم ما مر بها من مئات الأجيال التي تكفي لتخريب أقوى الصروح؛ وإن ما بقي منها ليشهد برخص الأيدي العاملة وعدم اطمئنان الملوك على أنفسهم في تلك الأيام. وفي ركن من أركان السور يوجد باب الأسد الشهير، وهناك فوق أسكفة ضخمة نحت على حجر مثلث الشكل أسدان كبيران أبلاهما الزمان وحطم رأسيهما، وأبقى على جسميهما ليحرسا وهما صامتان ذلك المجد العتيد الزائل. وعلى الرابية القريبة من هذا الباب ترى أطلال القصر. وفي وسعنا أن نفعل هنا ما فعلناه في تيرينز فنتبين فيها حجرة العرش، وحجرات المخازن، وحجرة النوم، وحجرات الاستقبال. وهنا كانت في غابر الأيام أرضيات منقوشة، ومداخل ذات عمد، وجدران ذات مظلمات، وسلالم فخمة.
وقد كشف عمال شليمان، بالقرب من باب الأسد في بقعة ضيقة تحيط بها دائرة من القطع الحجرية المسطحة، عن تسعة عشر هيكلاً عظيماً، وعن عاديات قيمة ثمينة لا يسع من يراها إلا أن يغفر لهذا الهاوي العظيم ظنه أن هذه الحفر هي الحجرات التي دفن فيها أبناء أتريوس. كيف لا وقد وصف بوسنياس القبور الملكية بأنها "في أطلال ميسيني؟ "(18)، لقد كان من بين هذه الهياكل العظيمة جماجم رجال عليها تيجان من الذهب، وعلى عظام وجوهها أقنعة ذهبية؛ وكان من بينها هياكل سيدات لهن تيجان من الذهب كن يلبسنها على رؤوسهن التي لم يبق لها وجود. ومن بين ما وجد في هذه المقابر آنية عليها رسوم جميلة، وجفان من البرنز، وكأس من فضة، ورؤوس وسيوف مزخرفة، ولوحة للعب شبيهة بالتي وجدت في نوسس، وكل ما يستطيع أن يتصوره الإنسان من الأدوات مصنوعة من الذهب الخالص - أختام وخواتم، ودبابيس، ومشابك، وأقداح، وخرز وأساور، ودروع، وآنية للزينة، وأثواب مزركشة بصفائح رفيعة من الذهب (19)، وليس ثمة شك في أن هذه الجواهر جواهر ملوك، وأن هذه العظام عظام ملوك.
وقد كشف شليمان وغيره من العلماء في سفح التل المقابل للسفح الذي شيد عليه هذا الحصن، تسعة قبور تختلف كل الاختلاف عن "القبور البئرية". فإذا ما خرج الإنسان عن الطريق النازل من القلعة دخل عن يمينه دهليزاً على جانبيه جدران من الحجارة الكبيرة الجيدة القطع، وفي آخر الدهليز مدخل بسيط كان يزدان فيما مضى بعمودين أسطوانيين رفيعين من الرخام الأخضر محفوظين في المتحف البريطاني الآن، ومن فوق العمودين أسكفة بسيطة من حجرين طول أحدهما ثلاثون قدماً ووزنه 113 طناً. فإذا اجتاز السائح هذا المدخل ألفى نفسه تحت قبة ارتفاعها خمسون قدماً وقطرها خمسون، وجدرانها من الحجارة المنشورة، مقواة بصفائح من البرنز نقش عليها الورد، وتركب كل طبقة من الحجارة على ما تحتها حتى تسد أعلى الطبقات قمة القبة. وقد اعتقد شليمان أن هذا الصرح العجيب هو قبر أجممنون، ولم يتردد في أن يصف قبة أخرى أصغر من هذه وجدت إلى جوارها وكشفتها زوجته بأنها قبر كليتمنسترا Clytaemnestra. وكانت كل القبور التي وجدت في ميسيني والتي تشبه خلية النحل في كثرتها خالية، لأن اللصوص سبقوا علماء الآثار إليها بعدة قرون.
وهذه الآثار الدارسة شواهد باقية على حضارة كانت قديمة في أيام بركليز قدم شليمان إلينا نحن. ويرجع المؤرخون المحدثون تاريخ المقابر البئرية إلى عام 1600 ق. م (أي قبل التاريخ الذي يحددونه لأجممنون بأربعمائة عام)، أما المقابر التي في الجهة الأخرى من التل فيرجع تاريخها في زعمهم إلى حوالي عام 1450، ولكن تأريخ ما قبل التاريخ عملية بعيدة كل البعد عن الدقة. ولسنا نعرف كيف بدأت هذه الحضارة، كما لا نعرف من هم أولئك الأقوام الذين شادوا مدائن في موضعي ميسيني وتيرينز، بل وفي مواضع إسبارطة، وأمكلي Amyclae وإيجينا Aegina، وإليوزيس Eleusis، وقيروينا Chaeronia، وأرثومينوس Orthomenos ودلفي. وأكبر الظن أن هؤلاء الأقوام كانوا كغيرهم من الأمم قد أصبحوا خليطاً
من سلالات مختلفة، ورثوا ثقافات متعددة؛ فلقد كانت بلاد اليونان مختلطة دماء أهلها قبل غزو الدورين (1100 ق. م) اختلاط دماء سكان إنجلترا قبل فتح النورمان. ومبلغ ما نستطيع أن نهتدي إليه بظننا أن الميسينيين كانوا يمتون بصلة القرابة العنصرية للفريجيين والكاريين سكان آسيا الصغرى، وللمينويين سكان كريت (20 أ). وللأسدين اللذين وجدا في ميسيني وجهان شبيهان بآساد أرض النهرين. ولعل هذه الفكرة القديمة قد انتقلت إلى هذه البلاد عن طريق أشور وفريجيا (20 ب).
وتسمى الراوية التاريخية الميسينيين باسم "بلاسجى" Pelasgi (وربما كان معناه أهل البحر - بلاجوس Pelagos) ، وكانوا يصورونهم كأنهم آتون من تراقية وتساليا إلى أتكا والبلويونيز في زمن يبلغ من القدم حداً جعل اليونان يطلقون عليهم اسم السكان الأصليين، أوتوكتنوي Autochthonoi. وقد صدق هيرودوت هذه القصة وقال إن الآلهة الأولمبية من أصل بلاسجي، ولكنه "لا يستطيع أن يقول وهو واثق ماذا كانت لغة البلاسجي"(21)، ولسنا نحن أكثر منه علماً بها.
وما من شك في أن أولئك الأوتوكتنويين قد قدموا في عصر متأخر إلى أرض كانت تزرع من أيام العصر الحجري الحديث؛ ذلك أنه لا يوجد في بلد من بلاد العالم سكان أصليون. وقد غلبهم على مر الزمان أقوام آخرون، وشاهد ذلك أننا نجد في العصور المتأخرة من تاريخ الميسينيين حوالي عام 1600 ق. م دلائل كثيرة على غزوة تجارية ثقافية، إن لم تكن سياسية عسكرية، لأرض البلويونيز، من حاصلات كريت أو من مهاجريها (22). وحجتنا في هذا القول أن قصور تيرينز وميسيني قد خططت وزينت على غرار القصور المينوية إذا استثنينا أقسام النساء في الأولى وهي التي لا نظير لها
في الثانية. يضاف إلى هذا أن الآنية والأنماط الفنية الكريتية وصلت إلى إيجينيا وكلسيس Chalcis وطيبة، وأن سيدات ميسيني وإلهاتها قد قلدن الطراز الكريتي الساحر في الملبس والزينة، وأن الفن الذي كشف عنه في القبور البئرية المتأخرة مينوي بلا ريب (23). وجلي أن اتصال الميسنيين بحضارة أرقى من حضارتهم كان له فيهم أثر حافز قوي، وأنه هو الذي رفع ميسيني إلى أرقى من حضارتهم كان له فيهم أثر حافز قوي، وأنه هو الذي رفع ميسيني إلى أرقى ما وصلت إليه حضارتها.
الفصل الثالث
الحضارة الميسينية
إن ما لدينا من آثار هذه الحضارة أقل من أن يمكننا من أن نصورها في صورة واضحة وضوح الحضارات التي تتكشف عنها خربات كريت أو أشعار هومر. ولكننا نستطيع أن نقول عنها إن الحياة في أرض اليونان القارية كانت أقرب إلى مرحلة الصيد من الحياة في كريت، وإن ما نجده بين بقايا الآثار الميسينية من عظام الظباء، والخنازير البرية، والمعز، والضأن، والأرانب، والثيران، والخنازير - بل عظام السمك والأصداف البحرية - ليدل على أن شهوة الطعام بين أولئك القوم قد وصلت إلى المرحلة التي يصفها لنا هومر، والتي لا تلائم خصر الكريتيين النحيل. وتكشف الآثار في أماكن متفرقة عما بين أساليب الحياة "القديمة" و "الحديثة" من تشابه عجيب، فقد نجد سهاماً من الحجر الزجاجي إلى جانب مثقب برنزي أجوف كان يستعمل في عمل ثقوب في الحجارة للأوتاد (24).
أما الصناعة، فلم تكن متقدمة تقدمها في كريت، فلسنا نجد في أرض اليونان القارية مراكز صناعية مثل جورنيا، كذلك كان نمو التجارة بطيئاً، لأن البحار كانت عرضة لغارات القراصنة، ومنهم الميسينيون أنفسهم. وكان ملوك ميسيني وتيرينز يستخدمون فنانين كريتيين ليحفروا على الأواني والخواتم، ما كانوا يقومون به من أعمال القرصنة التي يفخرون بها (25). وكانوا يبنون مدنهم في داخل البلاد ليدفعوا عن أنفسهم شر غيرهم من القراصنة، بعيدة عن البحر بعداً يمكنهم من أن يتقوا الغارات المفاجئة،
وقريبة منه قرباً يمكنهم من الإسراع إلى سفنهم. وكان موقع مدينتي تيرينز وميسيني على الطريق الممتد من خليج أرجولي إلى برزح كورنث يمكنهما من فرض إتاوات باهظة على التجار ومن القيام بغارات قرصنة عليهم من حين إلى حين. ولما رأت ميسيني أن كريت قد أثرت من اشتغالها بالتجارة المشروعة، أدركت أن القرصنة، كالضريبة الجمركية وليدتها المتحضرة، قد تخنق التجارة خنقاً وتنشر الفاقة في أوسع نطاق؛ ولذلك أصلحت أمرها وقبلت أن تتطور القرصنة فتصير تجارة. وما وافى عام 1400 حتى بلغ أسطولها التجاري من القوة درجة استطاع بها أن ينازع كريت سلطانها البحري؛ فرفضت أن تنقل بضائع ميسيني الذاهبة إلى أفريقيا عن طريق الجزيرة وأرسلتها إلى مصر مباشرة؛ وقد يكون هذا العمل سبباً أو نتيجة لحرب انتهت بتدمير القلاع الكريتية.
ولم تكن الثروة التي أفادتها البلاد من هذه التجارة مصحوبة بثقافة تتناسب معها، ونستطيع أن نتبينها فيما بقي من الآثار. وتعزو الروايات اليونانية إلى البلاسجيين فضل تعلم الحروف الهجائية من التجار الفينقيين، وقد وجدت في تيرينز وطيبة جرار عليها رموز لم تحل بعد، ولكن لم تكشف قط ألواح من الصلصال، أو نقوض، أو وثائق؛ وأكبر الظن أن ميسيني حين أرادت أن يتعلم أهلها الكتابة استخدمت فيها مواد سريعة العطب، كما فعل الكريتيون في المرحلة الأخيرة من تاريخهم، ولذلك لم يبق شيء من هذه المواد. ونهج الميسينييون في الفن نهج الكريتيين، وقلدوهم فيه بأمانة جعلت علماء الآثار يظنون أنهم كانوا يأتون بكبار الفنانين من كريت، ولكن يرد على هذا بأنه بعد أن اضمحل الفن الكريتي ازدهر فن التصوير أيما ازدهار في أرض اليونان، فترى النقوش التي تزدان بها أطراف الجدران وحلياتها ترقي إلى المرتبة الأولى في الفن وتبقى إلى عصر ازدهار الحضارة اليونانية؛ وكذلك يدل ما بقي من المظلمات على
إحساس قوي بالحياة والنشاط. وترى "النساء اللاتي في المقاصير" من كبريات السيدات اللائي تزدان بأمثالهن دور التمثيل في هذه الأيام، وقد صففن شعرهن وارتدين من الملابس ما يتفق مع أحسن طراز في الوقت الحاضر؛ وهن أقرب إلى الحياة الحقة من "السيدات الراكبات في العربة" اللائي خرجن للتنزه في الحقول آخر النهار وتكلفن الجمود في ركبتهن. وخير من سيدات المقاصير منظر "صيد الخنازير البرية"، وهو نقش من نقوش تيرينز. إن الخنزير والأزهار قد تحكم في تصويرهما العرف إلى حد لا يصدقه العقل، واللون القرنفلي الغير المعقول قد شوهته بقع أرجوانية وسوداء وزرقاء تتفق مع النمط المألوف وقتئذ، والنصف الخلفي من الخنزير المندفع في جريه يدق تدريجاً حتى يشبه عذراء عالية الحذاءين تسقط من عريشة في قصرها. ولكن المطاردة رغم هذا مطاردة حقيقية، والخنزير قد أعياه الطراد حتى وصل إلى درجة اليأس، والكلاب تقفز بأقصى سرعتها في الهواء؛ والرجل، وهو أقوى الوحوش المفترسة عاطفة وأشدها قسوة، واقف متأهب برمحه القاتل الفتاك (26). ومن حق الإنسان أن يستدل من هذه النماذج على ما كان يستمتع به الميسينيون من حياة نشطة ومن أجسام قوية، وما كان لنسائهم من جمال وما كان في قصورهم من زينة واضحة جميلة.
وأرقى فنون ميسيني كلها ما كان منها على المعادن، ففيها بلغت بلاد اليونان ما بلغته كريت، وبلغ من جرأتها في هذه الناحية أن اتبعت فيها أشكالها الخاصة وزينتها. وإذا لم يكن شليمان قد عثر بحق على عظام أجممنون، فقد عثر على ما يعادل وزنها فضة وذهباً. عثر على حلي كثيرة الأنواع، وبكميات تدل على الإسراف الشديد، وعلى أزرار ذات رؤوس خليقة بأن تكون في ملابس الملوك؛ وحجارة كريمة حفرت عليها مناظر صيد أو حرب أو قرصنة؛ ورأس بقرة من الفضة البراقة لها قرنان وجبهة من الفضة نقشت عليها ورود، يتوقع الناظر إليها في أية لحظة من اللحظات أن تخور خواراً
محزناً، قد يفسره شليمان، وهو الذي لا يعدم وسيلة لتفسير كل ما يراه، بأنه اسم ميسيني (27). وأجمل ما وجد في تبرينز وميسيني من آثار معدنية خنجران من البرنز مرصعان بمزيج من الذهب والفضة، ومصفحان بالذهب المجلو المصقول، وعليهما نقوش تمثل قططاً برية تطارد بطاً، وأساداً تطارد فهاداً أو تحارب أناسي (29). وأغرب من هذه كلها الأقنعة الذهبية التي كانت على ما يظهر تغطي بها وجوه الموتى من الملوك. ويشبه أحد هذه الأقنعة وجه قطة؛ وقد دفعت شليمان شهامته إلى أن يعزو هذا القناع لأجممنون لا لكليتمنسترا.
ولكن أروع روائع الفن الميسيني بلا جدال لم يعثر عليها في تيرينز ولا في ميسيني، بل عثر عليها في قبرص ففيو Vaphio بالقرب من إسبارطة، حيث كان أحد صغار الأمراء ينافس ملوك الشمال في التفاخر والعظمة. وقد عثر في ذلك المكان، بين كنز آخر من الحلي، على قدحين من الذهب المطروق بسيطين في شكلهما ولكنهما بذل في صنعهما كل ما يستطيع الفنان المحب لفنه العظيم أن يبذله فيه من الصبر والإتقان. وتشبه صناعة هذين القدحين أحسن الصناعة المينوية، وقد أغرى ذلك بعض العلماء على أن يعزوهما إلى فنان كريتي عظيم بلغ من المنزلة في كريت ما بلغه سليني عند الإيطاليين. ولكننا يحزننا أن تحرم الثقافة الميسينية أحسن ما خلفت من آثار. نعم إن موضوع النقوش التي على القدحين - وهو اقتناص ثور وترويضه - يبدو من الموضوعات التي اختصت بها كريت؛ ولكن كثرة هذا المنظر وأمثاله محفورة على الخواتم والأختام الميسينية، أو مصورة على جدران القصور، تشهد بأن مصارعة الثيران كانت منتشرة في أرض اليونان انتشارها في الجزيرة. وقد نقش على أحد القدحين منظر القور وقد صيد في شبكة من الحبال السميكة، وفتح فاه ومنخريه وهو لا يكاد يستطيع التنفس من شدة
الغضب وفرط التعب، وكلما حاول التخلص من الشرك ضاقت عليه حلقاته؛ وعلى الجانب الآخر ثور ثان يقفز قفزة الرعب والهلع، وثالث يهاجم غلاماً من الرعاة أمسكه بشجاعة نادرة من قرنيه. وعلى القدح الثاني يساق الثور المصيد؛ فإذا أدرنا القدح رأيناه قد رضي بقيود الحضارة، وانهمك على حد قول إيفنز في "حديث غرامي" مع بقرة (31). وقد مضت قرون كثيرة بعد ذلك العهد قبل أن يظهر مثل هذا الصنع البديع في بلاد اليونان.
ويوجد الميسيني نفسه، كما توجد معظم مخلفات فنه، في قبوره، ذلك أنه كان يطوي موتاه ويدفنهم في جرار غير مريحة، وقلما كان يحرق جثثهم كما كان يُفعل بها في عصر الأبطال.
ويستدل من مخلفاته على أنه كان يؤمن بحياة من نوع ما في الدار الآخرة، لأن أدوات ذات قيمة ونفع قد وجدت في قبوره. وفيما عدا هذا فإن الدين الميسيني، على قدر ما تكشف لنا من مقوماته، قوي الدلالة على أنه نشأ من الدين الكريتي أو كان قوي الصلة به، ففيه - كما في كريت - نجد البلطة المزدوجة، والعمود المقدس، واليمامة الإلهية، وعبادة أم إلهة ممثلة في إله غلام لعله ولدها؛ وهنا أيضاً نجد أرباباً صغاراً في صور أفاع. وقد بقيت الأم الإلهة في بلاد اليونان خلال كل ما حدث في دينها من تطور وتغيير، فقد جاءت بعد ريا Rhea الكريتية دمتر Demeter أم اليونان الحزينة، وبعد دمتر جاءت العذراء أم الإله. وإذا ما وقف الإنسان اليوم على أطلال ميسيني رأى في القرية الصغيرة القائمة أسفلها كنيسة مسيحية متواضعة، لقد ولى عصر الأبهة والفخامة ولم تبق إلا البساطة والسلوى.
وازدهرت ميسيني بعد سقوط نوسس كما لم تزدهر من قبل، واستخدمت الثروة الطائلة المتزايدة التي كانت "لأسرة القبور البئرية" في تشييد القصور
الفخمة على تلال ميسيني وتيرينز، واتخذ الفن الميسيني لنفسه طابعاً خاصاً، واستولى على أسواق بحر إيجة، ووصلت تجارة أمراء البلاد شرقاً إلى قبرص وسورية، وجنوباً إلى مصر مارة بجزائر سكلديس، وغرباً إلى أسبانيا مارة بإيطاليا، وشمالاً إلى نهر الدانوب مخترقة يؤوتيا وتساليا، ولم تقف في سبيلها إلا طروادة. وكما أن رومة قد استحوذت على حضارة اليونان ونشرتها في أنحاء العالم، كذلك فعلت ميسيني فاستحوذت على ثقافة كريت المختصرة، ونشرت الطور الميسيني من أطوار تلك الحضارة في عالم البحر الأبيض المتوسط كله.
الفصل الرابع
طروادة
بين كريت وأرض اليونان 220 جزيرة منثورة في بحر إيجة في دائرة حول ديلوس، ومن أجل ذلك سميت السكليديس. ومعظم هذه الجزائر صخري قحل وهي بقايا قمم جبال كانت تمتد في أرض غرق بعضها تحت ماء البحر، ولكن بعضها كان غنياً بالرخام أو المعادن إلى حد جعل أهله يعملون في استخراجها، وأنشئوا فيه حضارة على مر القرون القديمة قبل أن يطل علينا التاريخ اليوناني. وقد قامت المدرسة البريطانية في أثينة عام 1896 بأعمال الحفر في أرض ميلوس Melos عند فيلا كوبي Phylakopi، وعثرت على أدوات وأسلحة وفخار مشابهة شبهاً يثير الدهشة لآثار العصور التي مرت بها الحضارة المينوية عصراً عصراً؛ واستطاع الباحثون بفضل البحوث التي أجريت في غيرها من الجزائر أن يرسموا صورة لجزائر السكلديس في عصر ما قبل التاريخ تتفق في زمنها وصفاتها مع الصورة المستعادة التي رسمها المنقبون لكريت، وكانت جزائر السكلديس ضيقة الرقعة لا تزيد مساحة أرضها كلها على ألف ميل مربع، فكانت من هذه الناحية شبيهة ببلاد اليونان عاجزة عن الاجتماع في قوة سياسية موحدة؛ ولم يكد يحل القرن السابع قبل الميلاد حتى خضعت هذه الجزائر الصغيرة في حكمها وفنونها، بل خضع بعضها في لغته وكتابته لسيطرة الكريتيين؛ ولما أن حل الطور الأخير من أطوار الحضارة الكريتية (1400 - 1200) انقطع ما تستورده تلك الجزائر من كريت، وولت وجهها شطر ميسيني تستورد منها فخارها وأساليبها.
وإذا اتجهنا نحو الشرق إلى أسبوردايس Sporades (أي المتفرقة) ألفينا في جزيرة رودس ثقافة أخرى في عصر ما قبل التاريخ من نوع الثقافات
الإبجية البسيطة، أما في قبرص فإن رواسب النحاس الغنية التي استق منها اسم الجزيرة قد أفاءت عليها قدراً من الثراء دام حتى عصر البرنز (3400 - 1200) ولكن مصنوعاتها
(1)
ظلت مع ذلك خشنة غير مهذبة لا تمتاز في شيء إلى ما قبل السيطرة الكريتية. وكان أهلها الذين يغلب عليهم العنصر الآسيوي يستخدمون كتابة مقطعية شديدة الصلة بالكتابة المينوية، ويعبدون إلهات تنحدر من عشتار السامية، وهي التي قدر لها أن تصبح أفروديتي إلهة اليونان (32). ثم نمت صناعة المعادن في الجزيرة نمواً سريعاً بعد عام 1600؛ وأخذت المناجم التي تمتلكها الحكومة الملكية تصدر النحاس إلى مصر، وكريت، وبلاد اليونان؛ وكان المصنع المقام في إنكومي Enkomi يصنع الخناجر الذائعة الصيت، وكان الفخرانيون يبيعون آنيتهم المستديرة في جميع البلاد الممتدة من مصر إلى طروادة. واستخرجت الأخشاب من الغابات، وأخذ سرو قبرص ينافس أرز لبنان. وفي القرن الثالث عشر أنشأ المستعمرون الميسينيون المستعمرات التي أضحت فيما بعد مدناً يونانية وهي Pathos باثوس مدينة أفروديتي المقدسة، وسيتيوم Citium، مسقط رأس الفيلسوف زينون، وسلاميس القبرصية التي حط فيها صولون رحاله في أثناء تجواله ليُحل القانون محل الفوضى.
وعبرت التجارة الميسينية كما عبر النفوذ الميسيني البحر من قبرص إلى سوريا وكاريا، ومنهما انتقلا عن طريق الشواطئ والجزائر الآسيوية حتى وصلا إلى طروادة. وهناك كشف شليمان ودوربفلد على تل تفصله عن البحر ثلاثة أميال عن تسع مدن كل واحدة فوق الأخرى كأنما كان لطروادة تسع حيوات:
1 -
فكان في الطبقة الدنيا بقايا قرية من العصر الحجري الحديث يصل تاريخها إلى عام 3000 ق. م، وقد وجدت فيها جدران من الحجارة غير
(1)
ثابر على جمعها القائد دي سنسولا di Cesonla، وهي الآن محفوظة في المتحف الفني بنيويورك.
المنحوتة بينها طبقات من الطين، كما وجدت قواقع حلزونية، وقطع من العاج المشغول، وأدوات من الحجر الزجاجي، وقطع من الفخار المصقول باليد.
2 -
ووجدت فوق هذه الآثار أنقاض المدينة الثانية التي اعتقد شليمان أنها طروادة هومر. وكانت أسوارها المحيطة بها مقامة من حجارة ضخمة كأسوار تيرينز وميسيني، وكان في أماكن متفرقة منها حصون وفي أركانها أبواب ضخمة مزدوجة لا يزال اثنان منها باقيين حتى الآن. وهناك أيضاً بيوت باقية تعلو نحو أربع أقدام، وقد بنيت من الآجر والخشب فوق أساس من الحجارة. ويستدل مما عثر عليه فيها من فخار مطلي بطلاء أحمر، مصنوع على العجلة ولكنه خشن فج، على أن هذه المدينة كانت قائمة في الفترة المحصورة بين 2400، 1900 على وجه التقريب. وقد حل البرونز فيها محل الحجر في صنع الأدوات والأسلحة، وكثرت فيها الحلي، ولكن التماثيل الصغيرة قبيحة المنظر بدائية الصنع. ويتضح من مخلفات هذه المدينة الثانية على أن النار قد دمرتها، فآثار النار كثيرة فيها كثرة اقتنع معها شليمان بأن هذا كان من عمل يونانيي أجممنون.
(3 - 5) ووجدت من فوق "المدينة المحروقة" بقايا ثلاث دساكر متتالية صغيرة وفقيرة، لا قيمة لها من الناحية الأثرية.
6 -
وقامت حوالي 1600 ق. م مدينة أخرى على هذا التل التاريخي. وقد دفعت السرعة والحماسة شليمان إلى أن يخلط عاديات هذه الطبقة بعاديات الطبقة الثانية، وأن يصف المدينة السادسة بأنها "مستقر ليدي"(33) لا خطر له، ولكن دوريفلد واصل الحفر بعد موت شليمان مستعيناً إلى وقت ما بمال شليمان نفسه (34)، حتى كشف عن مدينة أكبر كثيراً من المدينة الثانية مزدانة بالمباني الكبيرة مقامة من حجارة مسواة، يحيط بها سور يرتفع فوق الأرض ثلاثين قدماً بقيت له ثلاثة من أبوابه. ووجدت في أنقاض
المدينة مزهريات ذات لون واحد أدق صنعاً من المزهريات التي وصفناها من قبل، كما وجدت فيها آنية كآنية أوركمنوس Orchomenos المينية Minyan، وقطع من الفخار شبيهة بما وجد في ميسيني إلى حد اعتقد معه دوريفلد أنها مستوردة من هذه المدينة الثانية وأنها لذلك معاصرة لأسرة القبور البئرية (1400 - 1200 ق. م). ويرى معظم العلماء أن هذه المدينة السادسة هي طروادة هومر، مستندين إلى هذه الآثار، وإلى عوامل أخرى أقل منها ثباتاً واستقراراً
(1)
. ويخصون بها "كنز بريام" الذي ظن شليمان أنه عثر عليه في المدينة الثانية، والمكون من ستة أساور، وطاسين، وتاجين، وعصابتين للرأس، وستين قرطاً و 7800 قطعة أخرى كلها من الذهب (36). ويؤكد لنا المؤرخون أن المدينة الثانية قد دمرتها النار أيضاً حوالي عام 1200 ق. م، ويحدد المؤرخون اليونان حصار طروادة بالفترة الواقعة بين: 1194، 1184 ق. م
(2)
.
وبعد، فمن هم الطرواديون؟ تذكر إحدى البرديات المصرية اسم الدردنيويين Dardenui بين أحلاف الحثيين في واقعة قادش (1287)؛ ويحتمل أن يكون هؤلاء هم أسلاف الدردنويين Dardenoi وهم في لغة هومر الطرواديون أنفسهم (37). والراجح أن هؤلاء الأقوام ينتمون إلى أصل
(1)
يعتقد الدكتور كارل بلجن Dr. Carl Belgen مدير أعمال الحفر التي تقوم بها بعثة جامعة سنساتي في طروادة (1931 وما بعدها) على أن مدينة طروادة السادسة قد دمرت حوالي عام 1300 ويرجح أن ذلك كان بفعل زلزال، كما يعتقد أن المدينة السابعة قامت فوق أنقاض هذه المدينة. وهو يسمى هذه المدينة السابعة طروادة بريام. أما دوربفلد فيسمي هذه المدينة طروادة رقم 6 ب، انظر ما جاء بصحيفة الدراسات اليونانية Journal of Hellenic Studies العدد السادس والخمسين ص 156.
(2)
كانت طروادة السابعة مستقراً صغيراً غير محصن قامت في ذلك المكان، حتى أنشأ (8) الإسكندر الأكبر في عام 334 طروادة الثامنة تخليداً لذكرى هومر. (9) وشاد الرومان في بداية التاريخ المسيحي اليوم أو طروادة الجديدة Novum Ilium التي بقيت إلى القرن الخامس بعد الميلاد.
بلقاني، وأنهم عبروا مضيق الهلسينت في القرن السادس عشر مع أبناء عمومتهم الفريجيين، واستقروا في وادي نهر اسكمندر Scamander الأدنى (38). أما هيرودوت فيوحد بين الطرواديين والتيكريين Teucrians وهؤلاء في رأي اسطرابون أقوام من كريت استقروا في الصقع الذي بنيت فيه طروادة فيما بعد
(1)
، ولعل استقرارهم في ذلك المكان كان بعد سقوط نوسس (40). ولقد كان لكريت وطروادة جميعاً جبل مقدس يسمى جبل أيدا "جبل أيدا ذا الفوارات الكثيرة" الذي يذكره هومر وتنيسن Tennyson. ولقد تعرض هذا الإقليم في أوقات مختلفة إلى مؤثرات سياسية وجنسية من أرض الحثيين الواقعة خلفه. وتدل أعمال الحفر في جملتها على وجود حضارة بعضها مينوي، وبعضها ميسيني، وبعضها آسيوي، وبعضها دانوبي Danubian.
ويصف هومر الطرواديين بأنهم كانوا يتكلمون لغة اليونان ويعبدون آلهتهم، ولكن اليونان المتأخرين عن عصر هومر كانوا يقولون إن طروادة مدينة آسيوية، وإن حصارها الذائع الصيت هو أول الأحداث المعروفة في النزاع القائم بين الساميين والآريين، وبين الشرق والغرب (41).
وأهم من مظهر أهلها وجنسهم موقع المدينة المنيع قرب مدخل الهلسبنت والأراضي الغنية المحيطة بالبحر الأسود. لقد كان هذا الممر الضيق في التاريخ كله ميدان القتال بين الإمبراطوريات، وكان حصار طروادة هو معركة غليبولي
(1)
ترجع الرواية اليونانية اسم طرواده إلى البطل الإبونيمي تروس Tros والد إيلس Ilus والد لؤمدون Leomedon والد بريام (39). وهذا منشأ الأسماء المختلفة التي تطلق على المدينة ترواس Troas إليوس Ilios إليون Ilion إليوم Ilium. والبطل الأبونيمي أو الإبونيم شخص خرافي في أغلب الظن، تعزو إليه جماعة سياسية أو اجتماعية أصلها واسمها. فالدردانيون مثلاً يعتقدون أو يدعون أنهم من دردانوس بن زيوس؛ ويعزو الدوريون أصلهم إلى دورس Dorus والأيونيون إلى أيون وهلم جرا.
الحديثة نشبت في عام 1194 ق. م. وكان السهل القائمة عليه على درجة لا بأس بها من الخصب، وكانت الأرض المجاورة له من الشرق غنية بالمعادن الثمينة؛ ولكن هذه الثروة وحدها لا يمكن أن تكون سبب ثراء طروادة أو هجمات اليونان عليها. إن أهم من هذا في رأينا أن موقع المدينة كان يمكنها من فرض المكوس على السفن المارة بالهلسبنت، وكانت هي في القوت عينه بعيدة عن البحر بعداً يجعلها في مأمن من الهجمات البحرية (42). وربما كان هذا السبب لا وجه هلن helen الجميل هو الذي جردت من أجله ألف سفينة للهجوم على إليوم. وثمة رأي آخر يفسر ثراء طروادة- وربما كان أرجح من الرأي الأول- وهو أن التيارات المائية والرياح الجنوبية في مضيق الهلسبنت قد جعلت التجار يفرغون بضائعهم في طروادة وينقلونها براً إلى داخل البلاد، وأن طروادة قد حصلت من المكوس التي تتقاضاها نظير قيامها بهذا العمل على ما تجمع لها من قوة (43). ومهما يكن سبب هذا الثراء فإن تجارة المدينة نمت نمواً سريعاً كما يستدل على ذلك من اختلاف المصادر التي تنتمي إليها آثارها. فقد كان يأتي إليها من الجزء الجنوبي من بحر إيجة النحاس، وزيت الزيتون، والخمر، والفخار؛ ومن بلاد الدانوب وتراقية: الفخار، والكهرمان، والخيل، والسيوف؛ ومن بلاد الصين النائية أشياء نادرة كحجر اليشب (44). وكانت طروادة تستورد من داخل البلاد المحيطة بها خشباً، وفضة، وذهباً، وحمراً برية، وتصدرها إلى الخارج.
وكان أهل طروادة "مروضو الخيول" المقيمون في زهو وخيلاء داخل أسوارهم، يسيطرون على ما حولهم من البلاد ويفرضون المكوس على تجارتها البرية والبحرية.
والصورة التي تطالعنا في الإلياذة عن بريام وبيته هي صورة العظمة والعطف الأبوي التي تطالعنا في أسفار التوراة. فالملك كثير الزوجات، ولم يكن منشأ هذه الكثرة حب المتعة بل كان منشؤها ما يشعر به من تبعه تفرض
عليه أن يستمر في إنجاب الأبناء وزيادة عددهم. أما أبناء الملك فيقتصرون على زوجة واحدة، وكلهم حسنو الأخلاق مستقيمون- إذا استثنينا بطبيعة الحال باريس المرح الذي كان بعيداً عن حسن الخلق بعد السبيديس. وإن هكتور Hector، وهلنوس helenus، وترويلوس Troilus لأجدر بالحب من أجممنون المتقلب، وأديسيوس Odysseus الغدار، وأكليز المشاكس. وأندروماك Andromache وبلكسينا Polyxena لا تقلان سحراً وفتنه عن هيلين وإفجينيا Iphigenia؛ وهكيبا أحسن قليلاً من كليتمنسترا. والطرواديون في جملتهم كما يصورهم أعداؤهم يبدون في نظرنا أقل خداعاً، وأكثر وفاء، وأحسن تهذيباً، من اليونان الذين غلبوهم على أمرهم. ولقد أحسن الفاتحون أنفسهم بهذا التفوق في أواخر أيامهم؛ ولم يبخل هومر على أهل طروادة بكلمة طيبة؛ ولم يترك سافو Sapho ولا يوريديز شكاً في الناحية التي يرون أنها خليقة بعطفهم وإعجابهم.
ولقد كان من دواعي الأسف أن يعترض هذا الشعب طريق بلاد اليونان المتوسعة التي جاءت، رغم عيوبها الكثيرة، إلى هذا الإقليم وإلى غيره من أقاليم البحر الأبيض المتوسط في آخر الأمر بحضارة أرقى من كل الحضارات التي عرفها من قبل.
الباب الثالث
عصر الأبطال
الفصل الأول
الآخيون
عثر المنقبون في بوغاز كوي Keui Boghaz على ألواح حثية قليلة يرجع عهدها إلى حوالي عام 1323 ق. م تصف الأهجافا Ahhijava بأنهم شعب لا يقل في قوته عن الحثيين أنفسهم. وورد في سجل مصري يرجع إلى حوالي عام 1221 ق. م أن الأكيواشا Akaiwasha انضموا إلى غيرهم من "شعوب البحر" في غارة لوبية على مصر، ويصفهم بأنهم عصابات رحل "يقاتلون ليشبعوا بطونهم
…
(1) ".
والآخيون كما يصفهم هومر في شعره شعب يتكلم اللغة اليونانية يسكن جنوبي تساليا (2)، وإذا كان هذا الشعب قد أصبح أقوى القبائل اليونانية فإن هومر يطلق اسمه على جميع اليونان الذين حاربوا طروادة. ويصف المؤرخون والشعراء اليونان الذين عاشوا في أيام مجد البلاد الأدبي الآخيين، كما يصفون البلاسجيين، بأنهم أهل البلاد الأصليين، وأنهم كانوا يعيشون فيها من أقدم الأزمنة التي تعيها الذاكرة؛ وافترضوا من غير ما تردد أن الثقافة الآخية التي يصفها هومر كانت هي والتي سميناها في هذا الكتاب بالثقافة الميسينية ثقافة واحدة. وأخذ شليمان بهذا الرأي، وظل العلماء يأخذون به فترة قصيرة من الزمان.
ثم حدث في عام 1901 أن جاء رجل إنجليزي عنيد هو سير وليم ردجواي Sir William Ridgeway (3) ، وزعزع هذه الثقة العزيزة على نفوس العلماء بقوله إن الحضارة الآخية، وإن اتفقت هي والميسينية في نواح كثيرة، تختلف عنها في تفاصيل هامة:(1) فالحديد لا يكاد يعرف في الحضارة الميسينية أما الآخيون فهم على علم به. (2) ويذكر هومر أن موتى الآخيين يحرقون؛ أما في تيرينز وميسيني فهم يدفنون، وهذا يدل على اختلاف هؤلاء وأولئك في عقيدتهم عن الحياة الآخرة. (3) والآلهة الآخية هي الآلهة الأولمبية، وهذه لا أثر لها قط في ثقافة ميسيني. (4) إن الآخيين يستعملون سيوفاً طويلة، وتروساً مستديرة ودبابيس للصدور مأمونة؛ ولم يعثر قط بين الآثار الميسينية على أدوات مشابهة لها في الشكل. (5) وبين الشعبين اختلافات كثيرة في ملابسهم وفي تصفيف شعرهم. واستنتج ردجواي من هذا أن الميسينيين بلاسجيون، وأنهم كانوا يتكلمون اللغة اليونانية، وأن الآخيين "كِلْت" شقر أو من شعوب أوربا الوسطى نزحوا إلى تلك البلاد مخترقين إبيروس وتساليا ابتداء من عام 2000 ق. م، وجاءوا معهم بعبادة زيوس، ثم غزوا البلوبونيز حوالي عام 1400، واتخذوا اليونانية لغة لهم، واتبعوا أساليب الحياة اليونانية، وأقاموا من أنفسهم زعماء إقطاعيين يحكمون من قصورهم الحصينة البلاسجيين الخاضعين لسلطانهم.
وتلك نظرية تلقي بلا شك كثيراً من الضوء على أصل أولئك القوم حتى لو اضطر العلماء إلى إدخال تعديلات جوهرية عليها. ومما يؤخذ عليها أن الآداب اليونانية لا تذكر قط شيئاً عن غارة آخية على بلاد اليونان؛ وأن ليس من الحكمة أن ترفض نظرة أجمع عليها العلماء بسبب زيادة تدريجية في استعمال الحديد، أو تبدل في أساليب الدفن أو تصفيف الشعر، وفي إطالة
السيوف أو استدارة التروس أو التزين بدبابيس مأمونة. وأرجح من هذا الرأي أن نفترض، كما كان يفترض كتاب اليونان الأقدمون، أن الآخيين قبيلة يونانية انتشرت على أثر الزيادة الطبيعة في عددها من تساليا إلى البلوبونيز في خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر، وامتزجت دماؤهم بدماء البلسجيين - الميسينيين الذين كانوا في تلك البلاد - وأنهم أصبحوا حوالي عام 1250 ق. م الطبقة الحاكمة فيها (4). وأغلب الظن أنهم هم الذين أخذ عنهم البلاسجيون اللغة اليونانية، ولم يأخذوها هم عن البلاسجين. وقد تكون ألفاظ كورنثة، وتيرينز، وبارنسس Parnassus، وأولمبيا
(1)
وأمثالها من أسماء الأماكن، قد تكون هذه أصداء للغة كريتية - بلاسجية - ميسينية (5). وبهذه الطريقة عينها، فيما يبدو لنا، فرض الآخيون آلهتهم الجبلية والسماوية على الآلهة تحت الأرضية التي كان يعبدها مَن قبلهم من الأهلين. أما فيما عدا هذا فليس ثمة فارق واضح بين الثقافة الميسينية وذلك الطور الأخير منها، وهو الآخية، الذي نجده في أشعار هومر. ويلوح أن أساليب الحياة عند هؤلاء وأولئك قد امتزجت وانصهرت حتى أمست أساليب واحدة. ثم انمحت الحضارة الإيجية ببطء بعد أن جرى هذا الامتزاج في مجراه، وقضي عليها القضاء الأخير في هزيمة طروادة؛ ومن ذلك الوقت بدأت الحضارة اليونانية.
(1)
وألفاظ يونانية أخرى مثل sesamon سمسم، kyparissos (السرو)، hyssopos (الثغام)، oinos (الخمر)، sandalon (الصندل)، chalkos (النحاس) thalassa (البحر)، molybdos (الرصاص)، zephyros (النسيم)، tkybernao (يوجه السفينة)، sphongos (الإسفنج)، laos (الناس)، labyrinthis (التيه)، dithyrambos، kitharis (الزيثار وهي آلة موسيقية شبيهة بالقيثارة)، syrinx (الناي)، Paian (تهليل).
الفصل الثاني
خرافات الأبطال
توحي إلينا خرافات عصر الأبطال بأصل الآخيين وبما آل إليه أمرهم. وليس من حقنا أن نغفل هذه القصص، فهي وإن سادها خيال القتل وإراقة الدماء قد يكون فيها من الحقائق التاريخية أكثر مما نظن، وهي ممتزجة بالشعر والمسرح والفن اليوناني امتزاجاً يجعل فهمها مستحيلاً بغير هذه القصص
(1)
.
وتذكر النقوش الحثية اسم ملك يدعى أتارسياس Atarissyas تقول إنه ملك الأهيجافا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد؛ وأكبر الظن أنه هو أتريوس ملك الآخيين (6). وتقول الأساطير اليونانية إن زيوس أعقب تنتالوس Tantalus ملك فريجيا
(2)
، وإن هذا أعقب بلبس Pelops، وأعقب بلبس أجممنون. ولما ُنفي بلبس من وطنه جاء إلى إليس في غرب
(1)
برسيوس
…
هرقليس
…
مينوس، نسيوس، جيسن
…
إن من المألوف في هذه الأيام أن نعد هؤلاء وغيرهم من أبطال ذلك العصر
…
من خلق الأساطير وحدها. أما اليونان المتأخرون فقد كانوا في نقدهم لتواريخ أيامهم الماضية لا يشكون في أن هؤلاء أشخاص حقيقيون حكموا بالفعل في أرجوس وغيرها من الممالك؛ وقد أخذ كثيرون من النقاد المحدثين، بعد أن ظلوا يشكون في آراء النقاد اليونان زمناً طويلاً، أخذ كثيرون من هؤلاء النقاد يعودون إلى رأي اليونان ويرون أنه هو الرأي الذي يفسر ما لدينا من الشواهد تفسيراً مقبولاً
…
إن أبطال القصص "أبطال حقيقيون، شأنهم في هذا شأن المواضع الجغرافية التي كانوا يتحركون فيها". تاريخ كيمبردج القديم، المجلد الثاني، ص 478. وسنفترض في هذا الكتاب أن الخرافات الكبيرة حقيقية في جوهرها وهمية في تفاصيلها.
(2)
وأغضب تنتالوس الآلهة بأن أفشى أسرارها، وسرق شرابها وطعامها، وقدم لها بدلاً منهما ابنه بلبس بعد أن قطعه إرباً وغلاه. وأعاد زيوس جسم بلبس كما كان وجازى تنتالوس في الجحيم بأن سلط عليه ظمأ شديداً، فوضعه وسط بحيرة ينحسر ماؤها كلما هم بشربه، وعلق فوق رأسه أغصاناً مثقلة بالفاكهة، تبتعد عنه كلما حاول الوصول إليها، كما علق فوقه صخرة تهدده في كل وقت بأن تسقط عليه وتهشمه.
البلوبونيز حوالي 1283 وصمم على أن يتزوج هبودوميا Hippodomia ابنة أونوماؤس Onomaus ملك إليس. ولا تزال القوصرة الشرقية فوق الهيكل العظيم المقام لزيوس في أولمبيا تقص علينا قصة خطبتهما. وقد كانت عادة الملك أن يختبر من يتقدمون لخطبة ابنته بأن يتبارى وإياهم في سباق المركبات، فإذا سبقه الخطيب تزوج هبودوميا؛ أما إذا لم يسبقه فإنه يقتل. وحاول كثير من الخاطئين أن يفوزوا بها، ولكنهم خسروا السباق وخسروا حياتهم جميعاً؛ وأراد بلبس أن يقلل ما يتعرض له من الأخطار بأن أرشى مريتلوس Myrtilus سائق عربة الملك ليزيل المسامير التي تربط عجلات العربة بقطبها، ووعده بأن يقتسم معه المملكة إذا أفلحت خطتهما. وحدث في أثناء المباراة أن انكسرت عربة الملك وقتل، وتزوج بلبس هبوداميا وحكم إيليس، ولكنه لم يقتسم مملكته مع مرتيلوس بل ألقاه في البحر؛ وصب مرتيلوس وهو يغرق لعنة على بلبس وعلى جميع نسله.
وتزوجت ابنة بلبس سثنلوس Sthenelus بن برسيوس ملك أرجوس؛ وورث الملك من بعده ابنهما يوريسثيوس Eurystheus، ولما مات خلفه عمه أتريوس. وتزوج أجممنون ومنلوس Menelaus ابنا أتريوس، كليتمنسترا وهلن ابنتي تنداريوس Tyndareus ملك لاسيديمون Lacedoemon، ولما مات أتريوس وتنداريوس اقتسم أجممنون ومنلوس فيما بينهما بلاد البلوبونيز الشرقية بأجمعها، وحكماها من عاصمتيهما ميسيني وإسبارطة، وسميت تلك البلاد بلوبونيز أو جزيرة بلوبس نسبة إلى جدهما، بعد أن نسي أحفاده لعنة مرتيلوس.
وكانت بقية بلاد اليونان في ذلك الوقت تجد في إنجاب الأبطال، وكانوا يعملون في الغالب في تشييد المدن. وتقول الرواية اليونانية إن زيوس غضب على الجنس البشري لما كان يقترفه من مظالم، فسلط عليه طوفاناً جائحاً لم ينج منه إلا رجل واحد هو ديوكاليون Deucalion وزوجته بيرها Pyrrha في فلك
أو صندوق استقر على جبل بارنسس. وتناسلت من هِلِّن Hellen بن ديوكاليون جميع القبائل اليونانية، واشتق من اسمه هلين Hellenes اسم هذه القبائل مجتمعة. وكان هِلِّن جد أخيوس Acheus وأيون Ion اللذين تناسلت منهما القبائل الآخية والأيونية، واستقرتا بعد تجوال طويل أولاهما في البلوبونيز والثانية في أتكا. وأنشأ سكربس أحد أبناء أيون بمعونة الإلهة أثينة في موضع كان البلسجيون قد استقروا من قبل على رابية فيه المدينة التي سميت فيما بعد باسمها وهي مدينة أثينة (8). وتقول القصة: إنه هو الذي نشر الحضارة في أتكا، وسن شريعة الزواج، وحرم التضحية بالأحياء، وعلم رعاياه عبادة الآلهة الأولمبية، وخاصة زيوس وأثينة.
وحكم أبناء سكربس وأحفاده أثينة وكانوا ملوكاً عليها. وكان رابع من حكمها من نسله إركثيوس Erechtheus الذي ألهته المدنية وأقامت له فيما بعد هيكلاً من أجمل هياكلها. وجمع حفيده ثسيوس حوالي 1250 ق. م قرى أتكا الاثنتي عشرة في وحدة سياسية سُمّي سكانها فيما بعد أينما كانوا بالأثينيين. ولعل السبب في أن اسم أثينة اليوناني ينطق به بصيغة الجمع كما ينطق أيضاً باسم طيبة وميسيني هو أنها نشأت في بداية أمرها من اجتماع سكان عدة قرى متجاورة. وكان ثسيوس هو الذي وهب أثينة النظام والقوة، وقضى على عادة التضحية بأبنائها قرباناً لمتيوس، وأمن أهلها في ترحالهم بقتل قاطع الطريق بركرستيس Procrustes الذي كان يجب أن يمد سيقان أسراه أو يقطعها حتى تكون في طول سريره. وعبدت أثينة ثسيوس بعد وفاته واتخذته هو أيضاً إلهاً لها. وجاءت المدينة في عام 476 ق. م أي في عصر التشكك أيام بركليز، جاءت بعظام ثسيوس من اسكيروس Scyros وأودعتها آثاراً مقدسة في هيكل ثسيوس.
وقامت في شمال أثينة في بؤوتية Boeotia حاضرة أخرى تنافسها، وكان لها مثلها تاريخ مثير للمشاعر، قدر له أن يكون محور المسرحيات اليونانية في عصر البلاد الأدبي. فقد أنشأ الفينيقيون أو الكريتيون، أو كادموس Cadmus أحد أمراء المصريين في أواخر القرن الرابع عشر مدينة طيبة، عند ملتقى الطرق التي تعبر بلاد اليونان من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وعلم منشئوها أهلها الحروف الهجائية، وقتلوا التنين (ولعل هذا رمز قديم لوباء معد أو فتاك) الذي كان يمنع الأهلين من الانتفاع بماء العين الأرية Areian. وخرج من أسنان التنين التي غمرها كدموس في الأرض رجال مسلحون، أخذوا يقتتلون كما يقتتل اليونان في عصورهم التاريخية حتى لم يبق منهم إلا خمسة؛ وهؤلاء الخمسة هم الذين أنشئوا المدينة المالكة، على حد قول طيبة نفسها. وكان مركز حكومة المدينة حصناً يدعى كدمية Cadmeia أقيم على ربوة عثر فيها في هذه الأيام على "قصر كدموس"
(1)
، وحكم بعد كدموس من هذا الحصن نفسه ابنه بوليدوروس Polydorus، ثم حفيده ليدكوس Labdacus، ثم ابن حفيده لايوس Laius، وهو الذي قتله ابنه أوديبوس (أوديب) Oedipus كما يعرف العالم كله وتزوج أمه. ولما مات أوديب تنازع الملك أبناؤه كما يتنازع الأمراء على الدوام، وطرد إيتوكليز Eteocles أخاه بولينيسيز، فذهب هذا إلى أدراستوس Adrastus ملك أرجوس وأقنعه بالعمل على تنصيبه ملكاً. وحاول أدراستوس أن يقوم بهذه المهمة (حوالي 1213 ق. م) وشن على أثينة حرب (الأحلاف) السبعة، ثم عاد إلى حربها مرة أخرى بعد ستة عشر عاماً من ذلك الوقت في حرب الإبجوني Epigoni أو الأبناء السبعة. وفي هذه الحرب قتل إتيوكليز وبولينيسيز وحرقت طيبة عن آخرها.
(1)
يرجع المؤرخون تاريخ هذا العصر إلى ما بين 1400، 1200 ق. م. وقد عثروا فيه على كتابة قليلة بحروف لم تحل رموزها بعد، ولعلها متفرعة من أصل كريتي.
وكان بين أشراف طيبة رجل يسمى أمفتريون Amphitryon متزوج من امرأة فاتنة تدعى ألكمين Alcmene. وزارها زيوس وأمفتريون غائب في حرب من الحروب واستولدها هرقليز (هرقل) Heracles أو هرقول
(1)
Hercules. ولم تكن هيرا Hera تحب أن ينزل الآلهة في عبثهم إلى هذا الحد فأرسلت حَيَّتين لإهلاك الوليد في مهده؛ ولكن الطفل أمسك كل واحدة منهما بإحدى يديه وخنقهما جميعاً، ومن أجل ذلك سمى هرقليز لأنه ورث المجد عن هيرا. وحاول لينوس Linus، أقدم الأسماء في تاريخ الموسيقى، أن يعلم الطفل العزف والغناء، ولكن هرقليز لم يعبأ بالموسيقى، وقتل لينوس بقيثارته. ولما شب الطفل، وأصبح جباراً، شقياً، سمجاً، سكيراً، نهماً، تعهد أن يقتل أسداً كان يفتك بقطعان أمفتريون وثسيبوس. وقدم ثسيبوس ملك ثسيبا Thespiae بيته وبناته الخمسين إلى هرقليز. وقام البطل بما تعهد به على أحسن وجه (10)، فقتل الأسد واتخذ جلده لباساً له، وتزوج مجارة Megara ابنة كريون Creon الطيبي وحاول أن يحيا حياة مستقرة هادئة، ولكن هيرا سلطت عليه نوبة من الجنون، فقتل أبناءه على غير علم منه. وجاء إلى مهبط الوحي في دلفي يستنصحه، فأُشير عليه بأن يذهب إلى تيرينز، ويعيش فيها ويخدم يورثيوس ملك أرجوس مدى اثني عشر عاماً، يصبح بعدها إلهاً مخلداً. فصدع بالأمر وقام ليورثسيوس بالاثني عشر عملاً
(2)
الذائعة الصيت. ولما أطلقه الملك عاد إلى طيبة، حيث قام
(1)
ويقول ديودور إن "زيوس ضاعف طول تلك الليلة ثلاثة أضعاف طولها الأصلي؛ وإنه تنبأ للطفل بقوته غير العادية بسبب طول الوقت الذي قضاه في إنجابه".
(2)
وخنق الأسد الذي كان يفترس قطعان نيميا Nemea، وقتل الأفعى هيدرا الكثيرة الرؤوس التي أهلكت لرنا Lerna، وقبض على ظبي سريع العدو وجاء به إلى يورسثيوس Eurystheus، واقتنص خنزيراً برياً من جبل يوريمنثوس Eurymanthus وجاء به إلى يورسثيوس؛ وطهر في يوم واحد اسطبلات أوجياس، وكان فيها ثلاثة آلاف ثور، وذلك بأن حول مجرى نهري ألفيوس Alpheus وينيوس Peneus إلى مزاود الثيران، وانتظر في إليس حتى أقام الألعاب الأولمبية؛ ثم أهلك الطيور الأستمفالية Stymphalian الفتاكة التي كانت في أركاديا، وقبض على الثور الهائج الذي كان يعبث في كريت فساداً، =
بأعمال كثيرة شاقة، وانضم إلى ركاب السفينة أرجوس، ونهب طروادة فيمن نهبوها، وأعان الآلهة على أن تنتصر على المردة الجبابرة، وفك قيود بروميثيوس Prometheus، وأعاد الحياة إلى ألسستيس Alcestis، وقتل أصدقاءه في أوقات مختلفة بطريق الصدفة. واتخذه الناس بعد موته بطلاً وإلهاً وعبدوه. وإذا كان قد أحب فتيات يخطئهن الحصر فقد ادعت كثير من القبائل أنها من نسله
(1)
.
واستقر أبناؤه في تراكيس Trackis في تساليا، ولكن يوريسثيوس خشي أن يخلعوه عن عرشه انتقاماً منه لما عاناه أبوهم على يديه من نصب لا ضرورة له، فأمر ملك تراكيس أن يخرجهم من بلاد اليونان. ولجأ أبناء هرقل إلى أثينة، وسيَّر يوريسثيوس إليهم جيشاً ليقاتلهم، ولكنهم هزموا الجيش وقتلوه. ولما جاءهم أتريوس على رأس قوة أخرى، عرض هيلوس Hyllus أحد أبناء هرقل أن يبارز أحد رجال أتريوس مشترطاً أنه إذا غلب خصمه استولى الهرقليون على مملكة ميسيني، وإذا هزم خرج الهرقليون فلا يعودون قبل
=وحمله فوق ظهره إلى يورسثيوس؛ وقبض على خيل ديومديس Diomedes آكلة الآدميين وروضها؛ وقتل الأمزونيات عن آخرهن؛ وأنشأ عند مدخل البحر الأبيض المتوسط نتوءين بارزين متقابلين هما "عمود هرقول". وقبض على ثوري جريون Geryon، واخترق بلاد غالة وجبال الألب وإيطاليا، ثم عبر بهما البحر إلى يورسثيوس، ووجد تفاحتي هسيريدس، ثم أمسك بالأرض زمناً ما بدل أطلس؛ ثم نزل إلى هيديس (الحجيم)، وأنجى من العذاب فيها ثسيوس وأسكلفوس Ascalophus. وكانت هيرا قد عهدت إلى بنات أطلس بالتفاحات الذهبية التي أهدتها إليها جائياً Gaea (الأرض) حين تزوجت زيوس. وكان تنين جبار يحرس التفاحتين، اللتين تهبان من يأكلهما صفات شبيهة بصفات الإلهة.
(1)
يظن ديودور أن هذا "البطل الثقافي" العجيب كان مهندساً بدائياً في عصر ما قبل التاريخ شبيها بإمبدقليز. ويفهم من الخرافات التي تروى عنه أنه طهر العيون المائية، وشق الطرق في الجبال، وحول مجاري الأنهار وأصلح الأراضي البور، وطهر الغابات من الوحوش المفترسة، وجعل أرض اليونان صالحة للسكنى. وقد تفسر قصة هرقل على أنه كان ابن الله المحبوب الذي يرضى بالعذاب حباً في الخلق، ويحيي الموتى وينزل إلى الجحيم ثم يصعد إلى السماء.
مضي خمسين عاماً يمتلك أبناءهم بعدها ميسيني (12). فلما هزم خرج هو وأتباعه من البلاد، وبعد خمسين عاماً عاد إليها جيل جديد من الهرقليين. وكانوا هم، لا الدوريون، الذين رفضت مطالبهم، ففتحوا البلوبونيز، كما تقول الرواية اليونانية، وانتهى بهذا الفتح عصر الأبطال.
وإذا كانت قصة بلبس وأبنائه توحي بأن آسيا الصغرى هي أصل الآخيين، فإنا نستطيع أن نتتبع ما آل إليه أمرهم في قصة ركاب السفينة أرجوس، وهذه القصة ككثير غيرها من الخرافات التي تجمع بين الرواية التاريخية والقصص الشعبية عند اليونان تعد من أحسن القصص القديمة، لأن فيها جميع عناصر المغامرة، والارتياد، والحرب، والحب، والغموض، والموت، اندمجت كلها بعضها ببعض، وتكون منها نسيج غني خصب صاغ منه أبولونيوس الرودسي في أيام الحضارة المتأغرقة ملحمة جديدة متوسطة القيمة، بعد أن كاد الكتاب المسرحيون الأثينيون يبلونه بما صاغوه منه من مسرحيات. وتبدأ هذه الملحمة بقصة أوركمنوس البيؤوتي Boeotian وبالتضحية الآدمية، كما تبدأ مأساة أجممنون. ذلك أن الملك أثاماس Athamas، لما وجد أن بلاده قد حل بها القحط، عرض أن يقرب ابنه فركسوس Phrixus قرباناً للآلهة. وبلغ الخبر مسامع فركسوس ففر من أركمنوس بصحبة أخته هِليِ Helle بأن طار معها في الجو على ظهر كبش ذي جزة من الذهب. ولكن الكبش لم يكن ثابتاً في طيرانه فسقطت هلي من فوق ظهره وغرقت في المضيق الذي سمي فيما بعد الهلسبنت. أما فركسوس فوصل سالماً إلى البر واتخذ طريقه إلى كلكيز Colchis عند الطرف الشرقي من البحر الأسود، وهناك ضحى بالكبش وعلق جزته قرباناً لآريس Ares إله الحرب. وأقام أيتيس Aietes ملك كلكيز تنيناً لا تغمض له عين ليحرس الجزة، لأن نبوءة قد أوحت إليه أنه سيموت إذا استولى عليها رجل من غير أهل البلاد؛ وأراد أن يزيد اطمئناناً على نفسه فأمر أن يقتل
كل من يأتي إلى كلكيز من الغرباء. وكانت ابنته ميديا Medea تحب الغرباء والأساليب الغريبة؛ وتشفق على أبناء السبيل وتساعدهم على الخروج من بلاد أبيها سالمين، فأمر أبوها بأن تمنع من الاتصال بالناس، ولكنها فرت إلى مكان مقدس بجوار البحر وعاشت هناك مكتئبة حزينة دائمة التفكير في أمرها حتى عثر عليها جيسن Jason في أثناء تجواله على شاطئ البحر.
وقبل عشرين عاماً من ذلك الوقت (والمؤرخون اليونان يقولون إن ذلك كان حوالي 1245) اغتصب بلياس Pelias بن بوسيدن Poseidon عرش إيسن Aeson ملك يولكوس Jolcus من أعمال تساليا. وأخفي أصدقاء الملك المخلوع ابنه الطفل جيسن، وشب هذا الطفل في الغابات حتى أصبح شاباً قوياً شجاعاً. وظهر يوماً من الأيام في السوق يرتدي جلد فهد ويحمل من السلاح رمحين، وطالب بمُلك أبيه. ولكنه كان يبلغ من السذاجة مبلغه من القوة. وأقنعه بلياس أن يقوم بعمل شاق يكون ثمناً لعرشه - وكان هذا العمل الشاق هو استعادة الجزة الذهبية. فصنع جيسن السفينة العظيمة أرجو (أي السريعة)، ودعا إلى صحبته في مغامرته أشجع شجعان اليونان، فلبّى الدعوة هرقل ومعه هيلاس Hylas رفيقه المحبوب؛ وجاء معهما بليوس Peleus والد أكليز، وثسيوس، ومليجر Meleager، وأرفيوس Orpheus والعذراء أتلنتا السريعة العَدْو. ولما دخلت السفينة الهلسبنت اضطرت إلى الوقوف، ولعلها قد وقفت في وجهها قوة من طروادة لأن هرقل ترك الحملة لينهب المدينة ويقتل ملكها لؤمدون Laomedon وأبناءه كلهم عدا بريام.
ولما وصل ركاب السفينة أرجو إلى مقصدهم بعد أن لاقوا ألواناً من العذاب حذرتهم ميديا من الموت الذي ينتظر كل من جاء كلكيز من الغرباء؛ ولكن جيسن أصر على عزمه، ورضيت ميديا أن تساعده في الحصول على الجزة، إذا وعدها بأن يأخذها معه إلى تساليا، ويحتفظ بها زوجة له حتى مماته.
وعاهدها على ذلك واستولى بمعونتها على الجزة، وفر بها إلى سفينته ومعه ميديا ورجاله. وجرح الكثيرون منهم ولكن ميديا عالجتهم بالأعشاب والجذور. ولما وصل جيسن إلى بولكوس طالب بمملكته مرة أخرى، وتلكأ بلياس في إجابة طلبه، فما كان من ميديا إلا أن استعانت بفنون السحر فخدعت بنات يلياس وحملتهن على أن يغلين أباهن حتى يموت. وارتاع الناس من قواها السحرية فأخرجوها هي وجيسن من بولكوس وحرموه من العرش إلى أبد الدهر (13). ونترك بقية القصة إلى يوربديز.
إن الأسطورة في الكثير الغالب قطعة من الحكم الشعبية يخلق منها الشعر أشخاصاً. وكثيرا ما تكون الأسطورة قطعة من التاريخ تضخمت بفضل ما اتصل بها من قصص جديدة على مرّ السنين. وأكبر الظن أن اليونان قد حاولوا في الجيل السابق على حصار طروادة التاريخي أن يشقوا طريقهم في الهلسبنت ويفتحوا بلاد البحر الأسود للاستعمار والتجارة؛ وقد تكون قصة رجال السفينة أرجو ذكريات قديمة لهذا الارتياد التجاري صيغت في قالب المسرحيات؛ وقد تكون قصة "الجزة الذهبية" إشارة إلى الجلود الصوفية أو الأقمشة التي كانت تستخدم قديماً في شمالي آسية الصغرى للحصول على ما تحمله المجاري المائية من قطع ذهبية صغيرة (14).
ولقد استقر اليونان فعلاً حوالي ذلك الوقت في جزيرة لمنوس Lemnos التي لا تبعد كثيراً عن الهلسبنت. لكن البحر الأسود لم يكن من البحار الصالحة للتجارة والاستعمار رغم اسمه المغري، وقامت طروادة الحصينة مرة أخرى بعد أن انتهبها هرقل تعترض سبيل من يخاطرون باجتياز المضيق؛ ولكن اليونان لم ينسوا ما فعلوه من قبل وعادوا من جديد يحاولون اجتيازه بمائة سفينة بدل سفينة واحدة، وأهلك الآخيون أنفسهم في سهل إليون ليحرروا الهلسبنت.
الفصل الثالث
الحضارة الهومرية
ترى كيف نستطيع أن نعيد تصوير حياة بلاد اليونان الآخية (1300 - 1100 ق. م) بالاستناد إلى أقاصيصها؟ أن أكثر ما نعتمد عليه من المصادر في رسم هذه الصورة هو أشعار هومر، وهو إنسان قد لا يكون له وجود، وقد قيلت ملاحمه بعد عصر الآخيين بثلاثة قرون على أقل تقدير. نعم إن علم الآثار قد أدهش الأثريين بأن أثبت أن طروادة، وميسيني، وتيرينز، ونوسس وغيرها من المدائن التي وضعتها الإلياذة كلها مدن حقيقية، كما أدهشتهم بالكشف عن حضارة ميسينية تشبه شبهاً عجيباً تلك الحضارة التي تتشكل من تلقاء نفسها بين أشعار هومر؛ ومن أجل هذا ينزع العلماء في هذه الأيام إلى أن يعدوا بعض الأشخاص المهمين الذين ورد ذكرهم في هذه القصص الخلابة أشخاصاً حقيقيين. لكننا مع هذا لا نستطيع أن نقول إلى أي حد تعكس قصائد هومر حال العصر الذي كان يعيش فيه الشاعر لا العصر الذي يكتب عنه. إذن فكل الذي في وسعنا أن نسأل عنه هو: ما هي الصورة التي كانت تتخيلها الرواية اليونانية كما جمعها هومر في أشعاره عن العصر الهومري؟ ومهما تكن هذه الصورة فإنا سنحصل منها على صورة من بلاد اليونان في طور الانتقال الظريف من الثقافة الإيجية إلى حضارة اليونان في العصور التاريخية.
1 - العمال
إن الصورة التي تنطبع في أذهاننا عن الآخيين (أي عن اليونان في عصر الأبطال) هي أنهم كانوا أقل حضارة من الميسينيين الذين سبقوهم،
وأرقى حضارة من الدوريين الذين خلفوهم. وأهم ما نلاحظ فيهم أنهم كانوا أحسن أجساماً من هؤلاء وأولئك، فرجالهم طوال القامة أقوياء البنية، ونساؤهم ذوات جمال بارع فتان يسلب العقول بكل ما في هذا التعبير من معان. والآخيون ينظرون، كما ينظر الرومان الذين عاشوا من بعدهم بألف عام، إلى الثقافة الأدبية على أنها تدهور وتخنث. وهم لا يستخدمون الكتابة إلا مضطرين، ولا يعرفون من الأدب إلا الأغاني الحربية وأناشيد الشعراء الجوالين غير المكتوبة. وإذا جاز لنا أن نصدق هومر حق علينا أن نقول إن زيوس قد حقق في المجتمع الآخي آمال الشاعر الأمريكي الذي كتب يقول إنه لو كان إلهاً لجعل الرجال كلهم أقوياء، والنساء كلهن حساناً، ثم جعل نفسه بعد ذلك رجلاً. لقد كانت بلاد اليونان الهومرية جنة من الحور العين (15). وحتى رجالها كانوا على جانب كبير من الجمال، كان لهم شعر مرسل طويل، ولحى كبيرة؛ وكانت أعظم هدية يستطيع الرجل أن يهديها أن يقص شعر رأسه ويقربه قرباناً أمام كومة الحطب التي تحرق عليها جثة صديقه (16)؛ ولم يكن العري قد أصبح بعد عادة في البلاد، فكان النساء والرجال يغطون أجسامهم برداء مربع يطوونه فوق الكتفين، ويشبكونه بدبوس، ويصل إلى قرب الركبتين، وتضيف النساء إلى هذا نقاباً أو حزاماً، ويضيف الرجال غطاء للحقوين - قدر له أن يتطور على مر الزمن وازدياد الاحتشام والكرامة حتى أصبح هو اللباس ثم السروال (البنطلون). وكان الأغنياء يرتدون أثواباً غالية الثمن كالثوب الذي تقدم به بريام في ذلك إلى أكليز ليفتدي به ولده (17). وكان الرجال حفاة الأقدام والنساء عاريات الأذرع، إلا في خارج الدور فكانوا يحتذون جميعاً صنادل. أما في داخلها فكانوا في العادة حفاة. وكانوا رجالاً ونساء يتحلون بالجواهر، وقد أدهنت النساء وأدهن باريس "بالزيت الذي له رائحة الورد (18) ".
ترى كيف كان يعيش أولئك الرجال والنساء؟ يصفهم هومر بأنهم
كانوا يحرثون الأرض، ويشمُون وهم فرحون الأرض السوداء بعد تقليبها، ويتتبعون بأعينهم في فخر وخيلاء الخطوط المستقيمة التي خطتها المحاريث، ويبذرون القمح ويروون الأرض، ويقيمون الجسور ليتقوا بها فيضان الأنهار في الشتاء (19). ويشعرنا هومر بيأس الفلاح الذي قضى الشهور الطوال في كدح مستمر، ثم يأتي "التيار الجارف السريع فيهدم الحواجز والجسور، ولا تستطيع سلسلة الأكوام الطويلة أن تكبح جماحه، أو أسوار البساتين المثمرة حين يفاجئها أن تقف في سبيله (20). وليست أرض البلاد مما يسهل فلحها لأن الكثير منها جبال أو مناقع، أو تلال كثيفة الأشجار؛ وكانت الحيوانات البرية تهاجم القرى، فكان الصيد ضرورة قبل أن يصبح رياضة وهواية. وكان الأغنياء يعنون بتربية قطعان كبيرة من الماشية، والضأن، والخنازير، والمعز، والخيل؛ ويُروى أن رجلاً منهم يسمى إركثونيوس Erichthonius كان له ثلاثة آلاف فرس ولود مع أمهارها (21). وكان الفقراء يأكلون لحم السمك، والبقول، والخضر أحياناً، أما المحاربون والأغنياء فكان جل اعتمادهم على اللحم المشوي الكثير، وكان فطورهم اللحم والنبيذ. وقد تغذى أديسيوس مع راعي خنازيره بخنزير صغير مشوي، وتعشيا بثلث خنزير عمره خمس سنوات". وكانوا يستعملون عسل النحل بدل السكر، ودهن الحيوان بدل الزبد، والكعك المصنوع من الحب بدل الخبز، فكانوا يجعلونه رقائق ثم يخبزونه على لوح من الحديد أو على حجر محمي. ولم يكن الآكلون يضطجعون في أثناء تناول الطعام كما كان الأثينيون يفعلون فيما بعد، بل كانوا يجلسون على كراسي ممتدة على طول الجدار لا مصفوفة حول مائدة وسطى. ولم يكونوا يستعملون الأشواك أو الملاعق أو الفوط إلا ما عسى أن يكون مع الضيوف من مدي؛ وكانوا يأكلون بأيديهم وأصابعهم (23)؛ وكان شرابهم الرئيسي حتى الفقراء والأطفال هو النبيذ المخفف.
وكانت الأرض ملكاً للأسرة أو العشيرة لا للفرد؛ وكان الأب هو الذي
يشرف عليها ويصرف شؤونها، ولكنه لم يكن من حقه أن يبيعها (24)، وتقول الإلياذة إن مساحات واسعة كانت من أملاك الملك المشاعة (الدومين)، وكانت في واقع الأمر ملكاً للمجتمع يستطيع أي إنسان أن يرعى فيها ماشيته؛ ونرى في الأوديسة أن هذه الأرض المشاعة قد قسمت وبيعت - أو أصبحت ملكاً للأفراد الأثرياء أو الأقوياء؛ وهكذا اختفت الأرض المشاعة في بلاد اليونان القديمة بنفس الطريقة التي اختفت بها في إنجلترا الحديثة (25).
وكان في مقدور الأرض أن تخرج المعادن كما تخرج الطعام، ولكن الآخيين أهملوا استخراج المعادن واكتفوا باستيراد النحاس، والقصدير، والفضة والذهب، ومادة أخرى جديدة عجيبة من أسباب الترف، وهي الحديد. فنرى كتلة غير مشكلة من الحديد تقدم هدية ثمينة في الألعاب التي أقيمت تكريماً لبتروكلوس Patroclus (26) ، ويقول عنها أكليز (أخيل) إنه سوف يُصنع منها كثير من الأدوات الزراعية. وهو لا يذكر في هذا المقام شيئاً عن الأسلحة، وكانت لا تزال تصنع من البرنز (27)، وتصف الأوديسة سقي الحديد
(1)
، ولكن هذه الملحمة قد وصلت إلينا في أكبر الظن من عصر متأخر عن عصر الإلياذة.
وكان الحداد أمام كوره، والفخراني أمام عجلته، يعملان في حانوتيهما، وكان غيرهم من الصناع الذين ورد ذكرهم في أشعار هومر - كصناع السروج، والبنائين، والنجارين، وصناع الأثاث - كان هؤلاء يعملون في منازل من يكلفونهم بعمل لهم؛ ولم يكونوا يعملون للأسواق، أو للبيع، أو للكسب؛ وكانوا يداومون العمل ساعات طوالاً، لكنهم كانوا يعملون على مهل وليس وراءهم دافع من المنافسة الظاهرة (29). وكانت الأسرة نفسها تقوم بصنع أكثر حاجياتها، فكان كل فرد يعمل بيديه، وكان
(1)
"وحين يسقي الحداد بلطة عظيمة أو مقشراً في الماء البارد، كان يخرج منها أو منه، حسيس هو الذي يكسب الحديد صلابته".
رب الأسرة، بل كان الملك المحلى نفسه مثل أديسيوس، يصنع ما يحتاجه بيته من سرر وكراسي، وما يلزمه هو من أحذية وسروج، وكان - على عكس اليونان المتأخرين - يفخر بمهارته في الأشغال اليدوية. ولقد كانت بنبي، وهلين، وأندروماك وخادماتهن لا ينقطعن عن الاشتغال بالغزل والنسج والتطريز، والأعمال المنزلية. وتبدو هلين وهي تعرض تطريزها على تلماك (30)، أجمل منها وهي تتبختر فوق أسوار طروادة.
وكان الصناع من الأحرار، ولم يكونوا قط من الرقيق كما كانوا عند اليونان الأقدمين؛ وكان من المستطاع عند الحاجة تجنيد الفلاحين للعمل في خدمة الملك، ولكننا لا نسمع قط بالأقنان اللاصقين بالأرض المرتبطين بها؛ ولم يكن الأرقاء كثيرين، ولم تكن منزلتهم منحطة، وكان معظم الرقيق من الجواري خادمات المنازل، وكانت منزلتهن في الواقع لا تقل عن منزلة خادمات المنازل في هذه الأيام، إذا استثنينا أنهن كن يُشترين أو يبعن لآجال طوال، لا للقيام بأعمال قصيرة غير ثابتة كحالهن في هذه الأيام. وكن في بعض الأحيان يعاملن بقسوة وحشية؛ لكنهم في العادة كن كأعضاء في الأسرة التي يعملن لها، يُعنى بهن في مرضهن أو عجزهن أو شيخوختهن؛ وكن يرتبطن في بعض الأحيان بعلائق الود والمحبة مع رب الأسرة أو ربتها. فقد كانت نوسكا Nausica تساعد جواريها في غسل الملابس في النهر، وتلعب الكرة معهن، وتعاملهن في جميع الأحوال معاملة الرفيقات (31). وإذا ولدت الجارية ولداً من سيدها كان هذا الولد في العادة من الأحرار (32)، غير أنه كان ككل إنسان معرضاً لأن يكون رقيقاً إذا وقع أسيراً في الحرب أو في غارة القراصنة. وكان هذا أسوأ ما في الحياة الآخية.
والمجتمع الهومري مجتمع ريفي، وحتى "مدنه" لا تعدو أن تكون قرى تشرف عليها قلاع قائمة فوق التلال المجاورة لها. وكانت الرسائل تنقل على أيدي السُعاة أو الرُسل، وإذا كانت المسافة طويلة نقلت الرسالة بإشارات
النار تبعث من إحدى قلل الجبال إلى قلة أخرى (33). وكان النقل البري تعوقه الجبال الخالية من الطرق، كما تعوقه المستنقعات، والمجاري الخالية من القناطر. وكان النجارون يصنعون عربات ذات أربع عجلات لها تروس وأطر من الخشب، ولكن معظم البضائع كانت رغم وجود هذه العربات تنقل على ظهور البغال أو الرجال؛ وكانت التجارة البحرية أقل مشقة من التجارة البرية رغم القراصنة والعواصف، فقد كانت الموانئ الطبيعية كثيرة، ولم تكن السفن تنقطع عن رؤية الأرض إلا في أثناء الرحلة الخطرة التي تدوم أربعة أيام من كريت إلى مصر. وكانت السفن عادة ترسو إلى البر في الليل، وينام البحارة والمسافرون في مكان أمين على الأرض. وكان الفينيقيون في العصر الذي نتحدث عنه لا يزالون أفضل من اليونان في التجارة والملاحة، وكان اليونان يثأرون لأنفسهم من هذا النقص باحتقار التجارة وإيثار القرصنة.
ولم يكن عند اليونان الهومريين نقود، فكانوا يستخدمون بدل النقود المضروبة سبائك من الحديد، والبرنز، والذهب؛ وكان الثور والبقرة يتخذان واسطة للتبادل. وكانت السبيكة الذهبية التي تزن سبعة وخمسين رطلاً تسمى تالنت (من تالنتون أي وزنه (34)). وكانت المقايضة كثيرة رغم ما كان عندهم من وسائط متعددة للتبادل، وكانت ثروة الشخص تقدر بما عنده من بضائع وخاصة بما عنده من ماشية، لا بما يملك من قطع من المعدن أو الورق، قد تفقد قيمتها أو يعتريها التغيير والتبديل في أي وقت من الأوقات، إذا ما بدل الناس عقائدهم الاقتصادية. وفي أشعار هومر كما في الحياة الواقعية أغنياء وفقراء؛ ذلك بأن المجتمع أشبه ما يكون بعربة تجعجع
(1)
في طريق لا مستو ولا معبد، ومهما أتقن صنع العربة وتركيبها فإن بعض ما تحمله من متاع سوف يرسب في قاعها ويطفو بعضه الآخر
(1)
الجعجعة صوت الرحى، وهو أقرب الأصوات إلى صوت العربات على الطريق الغير المعبد. (المترجم)
إلى أعلى سطحها. ولم يصنع الفخراني آنيته كلها من طينة واحدة، كما لم يصنعها كلها بنفس القوة والهشاشة؛ ومن أجل هذا لا يكاد يستهل عصر الكتاب الثاني من كتب الإلياذة حتى تستمع إلى حرب الطبقات، وحين يستشيط ثرسيتس Theresites غضباً ويطبق لسانه في أجممنون، ندرك من فورنا أن هذا عرض قديم من أعراض ذلك الداء المزمن الوبيل (35).
2 - الأخلاق
إنا ليخيل إلينا ونحن نقرأ أشعار هومر أننا نعيش في مجتمع أكثر بدائية وأقل خضوعاً للقوانين من المجتمع الذي شهدناه في نوسس أو ميسيني. فلقد رجعت الثقافة الآخية خطوة إلى الوراء، وكانت مرحلة انتقال بين الحضارة الإيجية الزاهرة والعصر المظلم الذي سوف يعقب الفتح الدوري. فالحياة الهومرية فقيرة في الفنون، غنية في النشاط والعمل؛ وهي ثقافة ينقصها التفكير والتأمل، خفية سطحية، سريعة. وهي أصغر سناً وأصلب عوداً من أن تهتم بالأخلاق أو الفلسفة. أو لعلنا نخطئ في حكمنا عليها لأننا نراها في الأزمنة الحادة أو الفوضى التي أعقبت الحرب.
ولسنا ننكر أننا نشهد في هذه الثقافة كثيراً من الصفات والمناظر الرقيقة الرحيمة، وإنك لترى المحاربين أنفسهم كرماء، يعطف بعضهم على بعض، كما ترى بين الأب والابن حباً به من العمق قدر ما به من السكون والصمت. فهاهو ذا أديسيوس يقبل رؤوس أفراد أسرته وأكتافهم حينما يعرفونه بعد غيابه الطويل، وهاهم أولاء يقبلونه كما يقبلهم (36). وحين يعلم منلوس وتعلم هلن أن تلمكس الطفل النبيل ابن أديسيوس المفقود الذي حارب من أجلهم حرب الأبطال يبكيان ويتحسران (37). وحتى أجممنون نفسه لا يستعصي عليه البكاء فيذرف من الدموع ما يذكر هومر بمجرى ماء يتدفق فوق الصخور (38). والصداقة بين الأبطال قوية متينة، وإن كنا نظن أنه قد يكون في العلاقة القوية أو قل العلاقة الغرامية التي بين أكليز وبتركلوس، وخاصة بتركلوس الميت
شيء من الصلات الجنسية الشاذة. وهم شديدو السخاء على الأضياف لأن "الغرباء والمتسولين أبناء زيوس (39) " والعذارى يغسلن قدمي الضيف أو جسمه ويدهنه بالأدهان، وربما قدمن له ثياباً غير ثيابه؛ وهو يجد الطعام والمأوى إذا كان في حاجة إليهما، وقد يتلقى الهدايا أيضاً (40). ومن أقوال هلن ذات الخد الأسيل، وهي تضع بين يدي تلمكس ثوباً غالي الثمن:"هاأنذا أقدم لك أيها الطفل العزيز هذه الهدية، لتذكر بها يدي هلن في يوم زواجك المرتقب من زمن بعيد ولتلبسها زوجتك (41) ". تلك صورة تكشف لنا عن الحنو الإنساني والشعور الرقيق اللذين يختفيان حتماً في الإلياذة بين نقع الحرب وقعقعة السلاح.
والحرب نفسها لا تحول بين اليونان وبين حبهم القوي للألعاب. فالصغار والكبار على السواء يتبارون مباريات على جانب عظيم من الخطورة والمهارة، تسودها العدالة والفكاهة. ويلعب خُطّاب بنلبي الداما ويتقاذفون الأقراص والحراب، ويلعب ضيوف أديسيوس الفاكهون لعبة القرص وألعاباً غريبة هي مزيج من ألعاب الكرة والرقص
(1)
. ولما أحرقت جثة بتركلوس بعد وفاته أقيمت بهذه المناسبة حسب العادات الآخية ألعاب كانت هي المثل الذي اُحتذي في الألعاب الأولمبية، وكانت تشمل العَدْو، وقذف القرص والحربة، والرمي بالسهام، والمصارعة، وسباق المركبات، والمبارزة بالسلاح؛ وكانت كلها تسودها الروح الرياضية الطيبة، إذا استثنينا أنها كانت محرمة إلا على الطبقات الحاكمة، وأن الآلهة وحدها هي التي كان يسمح لها بالغش والخداع (42).
(1)
ثم أمر ألسنوس Alcinous هلياس Halias ولأودماس Laodmas أن يرقصا منفردين، لأن أحداً من قبل لم يجرؤ على أن يراقصهما. وأخذ كل منهما في يده الكرة الجميلة، المصبوغة باللون الأرجواني
…
وأخذا يلعبان. فكان أولهما يثني جسمه كله إلى الوراء، ثم يقذف الكرة نحو الجماهير التي لا يراها، فيقفز الآخر في الهواء ويلتقطها بخفة ورشاقة قبل أن تلمس قدماه الأرض. وبعد أن يمارسا لعبة قذف الكرة إلى أعلى، يشرعان في قذفهما فيما بينهما، وهما في أثناء ذلك كله يرقصان فوق الأرض المثمرة.
أما الجانب الآخر من الصورة فكان أقل من هذا مدعاة للسرور. فنحن نرى أكليز يقدم "امرأة تحذق الأشغال اليدوية الجميلة" جائزة للفائز في سباق العربات. ونرى الخيل، والكلاب، والثيران، والضأن، والآدميين يُضحى بها على كومة إحراق بتركلوس حتى يكون له بعد موته ما يبتغيه من حسن الخدمة ومن الطعام (44). ويحسن أكليز معاملة بريام، ولكنه لا يفعل ذلك إلا بعد أن يجر جسم هكتور المشوه جراً مهيناً حول كومة الحريق. وكانت الحياة في نظر الرجل الآخي قليلة القيمة، لا يعد سلبها من الأمور الخطيرة، وكانت لحظة من السرور كفيلة بردها إلى من قضي عليه بفقدها. وإذا ما غلبت مدينة على أمرها قتل رجالها أو بيعوا بيع الرقيق، واتخذت النساء خليلات إن كن حساناً، أو رقيقات إن لم تكن كذلك. وكانت القرصنة لا تزال من المهن المحترمة، وكان الملوك أنفسهم ينظمون حملات مغيرة، تنهب المدن والقرى وتتخذ أهلها عبيداً، ويقول ثوسيديدس في هذا:"والحق أن هذا العمل أصبح أهم مورد من موارد الرزق لليونان الأولين، ولم تكن هذه المهنة حتى ذلك الوقت مما يجلل صاحبها العار (45) "، بل كانت تكسبه المجد. وكان في مقدور الأمم العظيمة أن تهاجم الشعوب الضعيفة المحرومة من وسائل الدفاع وتخضعها لسلطانها دون أن يعد ذلك منها مخالفاً للعدل أو الكرامة، شأنها في هذا شأن الأمم القوية في هذه الأيام. وحين يسأل أديسيوس هل هو تاجر يهتم بالمكاسب التي يسد بها مطامعه (46)، يرى في هذا القول إهانة له؛ ولكنه يتحدث في زهو وخيلاء عما فعله وهو عائد من طروادة إذ قل ما كان لديه من المؤن، فنهب مدينة إسمروس Ismarus وملأ منها سفينة بالطعام؛ وكيف صعد في نهر إيجبتس Aegyptus (يقصد نيل مصر) لينهب الحقول النضرة ويسوق أمامه النساء والأطفال الصغار، ويقتل الرجال" (47). وملاك القول أنه
لم تكن ثمة مدينة من المدن آمنة من هجوم القراصنة المفاجئ عليها، دون أن تعمل من جانبها ما يستفزهم أو يبرر هجومهم.
ويتصف الآخيون فضلاً عن حبهم للنهب والقتل دون أن يخشوا في ذلك تأنيب الضمير، يتصفون فضلاً عن هذا بالكذب والخداع دون حياء، فأديسيوس لا يكاد ينطق بقول دون أن يكذب فيه، أو يعمل عملاً دون أن يشوبه الغدر. من ذلك أنه لما قبض على دولون Dolon الجاسوس الطروادي وعده هو وديوميد Diomed أن يبقيا على حياته إذا أدلى إليهما بما يطلبانه من المعلومات، فلما فعل قتلاه (48). ولسنا ننكر أن غير أديسيوس من الآخيين لا يضارعونه في الغدر والخيانة، ولكنهم لا يمتنعون عن ذلك لأنهم لا يريدون أن يغدروا أو يخونوا، بل هم يحسدون أديسيوس ويعجبون به، ويرونه أنموذجاً للخلق الطيب؛ والشاعر الذي يصوره يعده بطلاً من كل الوجوه، وحتى الإلهة أثينة نفسها تثني عليه لكذبه، وتضيف هذه الصفة إلى محاسنه الخاصة التي تحببه إليها، وتقول له وهي تبتسم وتربت عليه بيدها:"إن الذي يفوقك في حيلك المختلفة الأنواع لا بد أن يكون ماكراً خبيثاً، ولو كان الذي يلقاك إلهاً من الآلهة. إنك رجل ماكر فيما تسديه من نصح، لا يقف خداعك وغدرك عند حد؛ ويلوح أنك لا تمتنع في بلدك نفسه عن الاحتيال وعن القصص الكاذبة الخادعة التي تحبها من أعماق قلبك"(49).
والحق أننا نحن أنفسنا نشعر بميل نحو هذا البطل الذي يشبه في التاريخ القديم البطل منشهوزن الخرافي Munchausen، فنحن نتبين فيه وفي الشعب المجد المحتال الذي ينتمي إليه من الصفات ما يستثير الحب؛ فهو أب لطيف رقيق القلب، وهو في بلده حاكم عادل "لم يسيء لأحد في أرضه لا بالقول ولا بالفعل". ويقول فيه راعي خنازيره: "إنني لن أجد بعد اليوم سيداً يضارعه في شفقته مهما بعدت البلاد التي أذهب إليها، حتى لو عدت إلى
بيت أبي وأمي! " (50). ونحن نغبط أديسيوس على "شكله الشبيه بأشكال الآلهة المخلدين" وعلى جسمه الرياضي، الذي يمكنه وهو في نحو الخمسين من عمره أن يقذف القرص أبعد مما يقذفه أي شاب من شبان الفيشيان Phaeacian؛ ونعجب "بثبات جنانه" و "بحكمته الشبيهة بحكمة جوف" (51). ولا ينقطع عطفنا عليه وهو يتمنى الموت بعد أن يئس من قدرته على أن يرى مرة أخرى "الدخان ينبعث من أرض وطنه"، أو حين يقوي قلبه وسط ما يحيط به من أخطار وآلام بالألفاظ التي كان سقراط يحب أن يرددها: "اصبري الآن يا نفسي، لقد قاسيت من قبل ما هو شر من هذا" (52). وهو في جسمه وعقله رجل من حديد، ولكن كل قطعة فيه مهما صغرت قطعة من إنسان، ولهذا فإنا نعفو عنه ونتجاوز عن سيئاته.
والحق أن المعايير الخلقية عند الآخيين تختلف عن معاييرنا اختلاف فضائل الحرب عن فضائل السلم. فالرجل الآخي يعيش في عالم مضطرب، كَدِر، جوعان، على كل إنسان فيه أن يعني بحراسة نفسه، وأن يكون على الدوام ممسكاً بقوسه ورمحه قادراً على أن ينظر في هدوء إلى الدم المراق. وفي ذلك يقول أديسيوس: "إن المعدة الجائعة لا يستطيع أحد أن يخفيها
…
ومن أجلها صنعت السفن المعوجة وأعدت لتحمل الويل إلى الأعداء فوق البحر الهائج المضطرب" (53). وإذا كان الآخي لا يجد إلا القليل من الأمن والسلامة في بلاده، فإنه لا يرعى شيئاً منهما في خارجها؛ ويرى أن من حقه أن يفترس كل ضعيف. وأسمى الفضائل في رأيه فضيلة الذكاء المقرون بالشجاعة والقسوة، ولفظ الفضيلة في لغته مشتق من لفظ الرجولة ومن صفة Ares أو المريخ
(1)
. وليس الرجل الصالح عنده هو الرجل اللطيف المتسامح،
(1)
Virtus = الرجولة؛ Arete صفة أريس أو المريخ.
الأمين الرزين، المجد الشريف؛ بل هو الرجل الذي يحارب ببسالة وكفاية. وليس الرجل الطالح هو الذي يدمن الشراب، ويكذب، ويقتل ويغدر، بل هو الجبان الغبي أو الضعيف. لقد كان ثمة نِتْشيون قبل نتشه، وقبل ثرازمكس Thrasymachus بزمن طويل، في فجاجة العالم الأوربي وصلابته.
3 - الرجال والنساء
كان المجتمع الآخي مجتمعاً أبوياً استبدادياً، يمتزج به جمال المرأة وغضبها بحنان الأبوة وحبها القويين
(1)
. وكان الأب من الوجهة النظرية صاحب السلطان الأعلى، وكان له أن يتخذ من السراري ما يشاء
(2)
، وأن يقدمهن لضيوفه، وأن يضع أطفاله على قمم الجبال ليموتوا أو يذبحهم قرباناً للآلهة الغضاب. وهذه السلطة الأبوية المطلقة لا تستلزم حتماً أن يكون المجتمع الذي تسوده مجتمعاً وحشياً، بل كان ما تعنيه أن هذا المجتمع لم يبلغ نظام الدولة فيه مبلغاً يكفي لحفظ النظام الاجتماعي، وأن الأسرة فيه تحتاج في خلق هذا النظام الاجتماعي إلى القوى التي آلت فيما بعد إلى الدولة حين أممت حق القتل. وكلما تقدم التنظيم الاجتماعي وارتقى نقص سلطان الأب، وتفككت وحدة الأسرة، ونمت الحرية والفردية. ولقد كان الرجل الآخي في الحياة العملية رجلاً معقولاً في أغلب الأحوال، يصغي في صبر وأناة إلى فصاحة أهل منزله ويخلص إلى أبنائه.
وكان مركز المرأة في نطاق هذا الإطار الأبوي أرقى في بلاد اليونان
(1)
لدينا آثار تدل على وجود مجتمع قبل ذلك العهد كانت السيادة فيه للأم. من ذلك ما تقوله الرواية الأثينية من أن "الأطفال" قبل سكربس Cecrops لم يكونوا يعرفون آباءهم؛ ولنا أن نستنتج من هذا أن الأطفال كانوا ينتسبون إلى أمهم. بل إننا نرى في الأيام الهومرية نفسها أن الآلهة التي كانت تعبدها المدن اليونانية بصفة خاصة كانت نساء: هيرا في أرجوس، وأثينة في مدينة أثينة، ودمتر وبرسفوني في إليوسيس Ilausis. ولسنا نرى هذه الإلهات تخضع لإله ذكر.
(2)
لقد كان لثسيوس زوجات بلغن من الكثرة درجة لم يحاول معها مؤرخ أن يترك لنا إحصاء لهم موثوقاً به.
الهومرية منه في أيام بركليز. فهي تضطلع بدور رئيسي في القصص والملاحم من خطبة بلبس لهبوداميا Hippodameia إلى رقة إفجينيا وحقد إلكترا. فلا الحجاب ولا البيت بمانع لها من الخروج، بل نراها تسير حرة بين الرجال والنساء على السواء، وتشترك أحياناً في مناقشات الرجال الجدية كاشتراك هلن مع منلوس وتلمكس. ولم يكن الزعماء الآخيون إذا أرادوا أن يستثيروا غضب الشعب على طروادة يلجئون إلى المبادئ السياسية أو العنصرية أو الدينية، بل كانوا يستثيرونه بجمال النساء؛ ومن أجل ذلك كان وجه هلن الجميل هو الحجة التي تذرعوا بها لإثارة حرب تهدف إلى امتلاك الأرض وإلى التجارة؛ ولولا المرأة لكان بطل هومر جلفاً فظاً ليس له هدف يعيش من أجله، فهي تعلمه شيئاً من الأدب والمثالية ودماثة الأخلاق.
وكان الشراء طريقة الزواج، وكان الثمن عادة أثواراً أو ما يساويها يؤديه الخطيب إلى والد الفتاة. ويحدثنا الشاعر عن "العذراء حالبة الماشية"(56). ولم يكن الخطيب وحده هو الذي يؤدي ثمن العروس، بل كان والدها يؤدي لها أحياناً بائنة قيمة. وكانت حفلة الزفاف عائلية واجتماعية معاً، وكان من مظاهرها كثرة الطعام، والرقص والمرح الذي تنطلق فيه الألسنة. "وكانوا يسيرون بالعروسين في وهج المشاعل من حجراتهما ويخترقون بهما المدينة وسط أغاني العرس العالية. وكان الشبان يرقصون وهم يدورون، وتعلو بينهم نغمات الناي والقيثارة (57) " - ألا ما أشبه الليلة بالبارحة. ومتى تزوجت المرأة أصبحت من فورها ربة بيتها ونالت من التكريم بقدر ما تنجب من الأبناء. وكان الحب بمعناه الحقيقي - أي بوصفه حناناً وشوقاً - يأتي إلى اليونان كما يأتي إلى الفرنسيين بعد الزواج لا قبله، فلم يكن هو الشرارة التي تنطلق باتصال جسمين أو تقاربهما، بل كان ثمرة الاشتراك الطويل في العناية بالبيت وشؤونه. وفي الزوجة الهومرية من الوفاء بقدر ما في زوجها
من عدمه. وليس في أشعار هومر إلا ثلاث زانيات - هن كليتمنسترا، وهلن، وأفرديتي؛ ولكن الصورة التي يرسمها لهن لا تنطبق على المرأة العادية، وإن انطبقت على الإلهات في تلك الأيام.
وكانت الأسرة الهومرية التي أثرت فيها هذه العوامل (إذا صرفنا النظر عن مغالاة الأقاصيص التي لا وجود لها في أشعار هومر) نظاماً سليماً يستريح له الإنسان ويسر منه، أكثر نسائها مهذبات رقيقات وأكثر أطفالها مخلصون أوفياء. ولم يكن عمل الأمهات مقصوراً على إنجاب الأبناء، بل كن يقمن فيها بكثير من الأعمال: فكن يطحنّ الحب، ويمشطن الصوف، ويغزلن، وينسجن، ويطرزن. ولم يكن يخطن كثيراً لأن معظم الملابس لم تكن بحاجة إلى الخياطة، كما كان الطبخ في العادة من أعمال الرجال. وكن فضلاً عن هذه الأعمال يلدن الأطفال ويربينهم، ويعالجهن ما يصيبهم من أذى، ويسوين ما يقوم بينهم من خصام، ويعلمنهم عادات القبيلة وأخلاقها وتقاليدها الموروثة. ولم تكن عندهم كتب؛ فكانت الأسرة والحالة هذه أحسن نظام يرتضيه الصبيان. وكانت البنات يتعلمن الفنون المنزلية على حين يتعلم الأولاد الصيد والحرب؛ فكان الولد يدرب على صيد السمك وعلى السباحة، وحرث الأرض، ونصب الشراك وترويض الحيوانات، وتصويب السهام والحراب، وأن يعنى بنفسه في كل ما يعترضه من الأحداث في حياته التي لم يكن للقوانين فيها السلطان الكامل على الأهلين. وإذا شب أكبر أبناء الأسرة من الذكور وبلغ سن الرجولة أصبح في غيبة أبيه رب الأسرة المسئول عنها؛ فإذا تزوج جاء بزوجته إلى بيت أبيه. وهكذا تتجدد الأجيال جيلاً بعد جيل، يتغير في خلالها أفراد الأسرة على مر الأيام وتبقى الأسرة محتفظة بكيانها ووحدتها، وقد تظل محتفظة بهما عدة قرون، تضع في بوتقة البيت التي ينصهر فيها الأفراد قواعد النظام والأخلاق التي لا بد منها لقيام الحكومات على اختلاف أنواعها.
4 - الفنون
وترك الآخيون إلى التجار والكتبة من أهل الطبقة الدنيا فن الكتابة الذي تلقوه في أغلب الظن من بلاد اليونان الميسنية، ذلك أنهم كانوا يفضلون الدم عن المداد واللحم عن الطين، ولسنا نجد في أشعار هومر كلها إلا إشارة واحدة للكتابة (58). ونجدها في سياق فذ واضح الدلالة، وهو أن لوحة مطوية تعطى لرسول ويؤمر فيها من سوف يتلقاها بأن يقتل حاملها. وإذا ما وجد الآخيون وقتاً يقضونه في ممارسة الأدب فإن ذلك لم يكن إلا حين يجدون بين الحروب والغارات فترة من الوقت يركنون فيها إلى السلم؛ ووقتئذ يجمع الملك أو الأمير أتباعه حوله، يولم لهم وليمة ويدعو شاعراً أو مغنياً جوالاً ينشدهم على قيثارته شعراً ساذجاً يقص أعمال الأبطال من أسلافهم الأولين. وكان ذلك شعر الآخيين وتاريخهم. ولعل هومر قد أراد كما أراد فيدياس أن ينقش صورته على ملاحمه فأخذ يقص علينا كيف طلب ألسينوس ملك القباشانيين أن يحيي أديسيوس بشيء من هذه الأغاني:"ادع إلينا المنشد الإلهي دمدوكس Demodocus، لأن الله قد اختصه دون غيره بالمهارة في الغناء .... ثم اقترب الرسول يقود المنشد القدير الذي تحبه إلهة الشعر أكثر من سائر الناس، فوهبته من نعمتها وسلطت عليه من نقمتها، فحرمته قوة البصر ولكنها وهبته نعمة الصوت الجميل"(59).
والفن الوحيد الذي يعنى به هومر غير فنه طرق الحديد وتشكيله. فهو لا يذكر شيئاً عن التصوير ولا النحت ولكنه يستجمع كل ما أوتي من إلهام ليصف المناظر المصورة بالجواهر أو المزركشة على ترس أكليز، أو المنقوشة نقشاً بارزاً على دبوس أديسيوس الذي يحلي به صدره. وإذا تحدث عن العمارة كان حديثه قصيراً، ولكنه يلقي على هذا الفن كثيراً من الضوء. ففي وسعنا أن نستدل من حديثه على أن المساكن العادية في
عصره كانت تشاد من اللبن على أساس من الحجارة، وأرضها من الطين المطروق بالأقدام، والذي كان ينظف بحكه بأداة خشنة؛ وكان السقف يتخذ من الغاب تعلوه طبقة من الطين لا تميل إلا بالقدر الذي يمكن الأمطار من النزول. وكانت الأبواب مفردة أو مزدوجة، وقد تكون لها مزالج أو مفاتيح (60). أما المساكن التي هي أعلى من هذه درجة فكانت جدرانها تطلى بالجبس الملون، وتزين حافاتها أو تنقش، وتعلق عليها الأسلحة والتروس والنسيج المنقوش. ولم يكن في الدار مطبخ، ولا مدخنة، ولا نوافذ، وكان في سقف بهوها الأوسط فتحة يخرج منها بعض الدخان المنبعث من الموقد، وتخرج بقيته من باب الدار، أو تستقر صناجاً على الجدران. وكانت الحمامات من المرافق التي تحتويها بيوت الأغنياء، أما غيرهم فكانوا يقنعون بوعاء من الخشب بدل الحمام. وكانوا يتخذون أثاثهم من الخشب الثقيل، وكثيراً ما كان يصقل وتحفر فيه أشكال فنية جميلة. وقد صنع إكماليوس لينلي كرسياً ذا متكأ مطعماً بالعاج والمعادن النفيسة، وكذلك صنع أديسيوس له ولزوجته سريراً ضخماً متيناً قَدَّر له أن يبقى مائة عام.
ومن خصائص هذا العصر أن أهله يُغفلون الهياكل ويوجهون كل عنايتهم إلى تشييد القصور، بعكس عصر بركليز فإن أهله كانوا يهملون القصور ويصرفون جهودهم في بناء الهياكل. فنحن نسمع عن "بيت باريس الفخم" الذي شاده ذلك الأمير بمعونة أمهر المهندسين في طروادة (61)، وبقصر الملك ألسنوس الفاخر الذي كانت جدرانه من البرنز، وطنفه من عجين الزجاج الأزرق، وأبوابه من الفضة والذهب، إلى غير ذلك من الأوصاف التي تَصْدُق على الشعر أكثر مما تصدق على فن العمارة. ونسمع كذلك الشيء القليل عن بيت أجممنون الملكي في ميسيني كما نسمع الشيء الكثير عن قصر أديسيوس في أتكا. وقد كان لهذا القصر دهليز أمامي مرصوف بعضه بالحجارة، ويحيط به سور مجصص، ويزدان بالأشجار ومذاود الخيل، وكومة من الروث الساخن ينام عليها أرجوس كلب أديسيوس في
ضوء الشمس
(1)
. ويؤدي إلى داخل القصر مدخل ذو عمد ينام فيه العبيد والزائرون في كثير من الأحيان، أما داخل القصر نفسه فكان يحتوي على حجرة للانتظار تؤدي إلى بهو أوسط يستند إلى عمد يصل إليه الضوء من قمته في السقف، وفي بعض الأحيان من فتحة أخرى بين طنف البناء وعوارضه التي فوق الأعمدة. وكانت مجامر نحاسية مستقرة على قواعد عالية تضيء البيت إضاءة مضطربة غير مستقرة. وكان في وسط البهو مدفأة الدار تجتمع الأسرة حول نارها المقدسة أثناء الليل للدفء والطرب، وللتحدث عن أخبار الجيران، وعناد الأطفال، وتقلبات الأيام.
5 - الدولة
ترى كيف كان هؤلاء الآخيون الأشداء السريعو الانفعال يُحكمون؟ لقد كانوا في السلم تحكمهم الأسرة وفي الأزمات تحكمهم العشيرة. والعشيرة جماعة من الناس ينتسبون إلى أصل واحد ويدينون بالطاعة إلى رئيس واحد، وحصن هذا الرئيس هو منشأ المدينة ومركزها، حتى إذا ما أصبح سلطانه سنة متبعة وشريعة معترفاً بها، تجمعت حول هذا الحصن عشيرة بعد عشيرة حتى يتكون من مجموعها مجتمع سياسي من ذوي القربى. وإذا تطلب الرئيس عملاً إجماعياً من عشيرته أو مدينته دعا أحرارها الذكور إلى اجتماع عام وعرض عليهم اقتراحاً قد يقبلونه وقد يرفضونه، ولكن أعظم الأعضاء شأناً هم الذين يستطيعون أن يقترحوا تغييره. ولقد كانت هذه الجمعية القروية العنصر الديمقراطي الوحيد في هذا المجتمع الأرستقراطي الإقطاعي، وكان أعظم أعضائها فائدة للدولة أفصحهم لساناً وأقدرهم على التأثير في عامة الشعب. وإنا لنشهد منذ ذلك الوقت البعيد في الشيخ نسطور الذي "يسيل صوته من لسانه أحلى من الشهد (62) "، وفي أوديسيوس المخاتل الذي تقع
(1)
يموت أرجوس من فرط الطرب حين يرى سيده بعد أن غاب عنه عشرين عام.
كلماته "على الناس وقع هشائش الثلج (63) "، نشهد فيهما بداية ذلك السيل من الفصاحة الذي قُدّر له أن يبلغ في بلاد اليونان مستوى أرفع مما بلغه في أية حضارة أخرى، والذي قضى في آخر الأمر على هذه الحضارة القضاء الأخير.
وإذا تطلب الأمر أن تعمل العشائر مجتمعة فإن رؤساءها يطيعون أوامر أقواهم سلطاناً، ويتخذونه ملكاً عليهم، ويدينون له بالطاعة هم وجيوشهم من الأحرار وأتباعهم من العبيد. وكان أقرب الرؤساء إلى الملك مسكناً، وأكبرهم مقاماً عنده، يسمون "صحابة الملك"، وهذا هو الاسم الذي أطلق عليهم أيضاً في مقدونية أيام فليب وفي معسكر الإسكندر. وكان هؤلاء الأعيان يستمتعون في البول boule أو المجلس بحرية القول ويخاطبونه حين يوجهون له القول على أنه "الأول بين الأنداد". ومن هذه الهيئات المختلفة - الجمعية العامة، ومجلس الأعيان، والملك - نشأت دساتير العالم الغربي الحديث كله على كثرتها واختلاف أنواعها وأسمائها.
وكان للملك سلطان عظيم ولكنه ضيق الحدود. فهو ضيق في الرقعة التي يظلها لأن مملكته صغيرة، وهو ضيق في زمانه لأن الملك معرض لأن يخلعه المجلس أو أن يخلع استناداً إلى حق سرعان ما اعترف به الآخيون وهو حق من عساه أن يكون أقوى من الملك سلطاناً. وفيما عدا هذا فقد كان حكم الملك وراثياً وكانت حدود سلطانه غير واضحة المعالم. وهو قبل كل شيء زعيم عسكري شديد العناية بجيشه لأنه إذا عدمه تبينت للناس أخطاؤه. وهو يحرص على أن يكون هذا الجيش حسن العدة، والطعام، والتدريب، لديه ذخيرة من السهام المسمومة (64)، والحراب، والخوذ، والجراميق، والرماح، والتروس، والدروع، والعربات الحربية. وهو الحكومة بأجمعها طالما كان الجيش يحميه، يجمع في يديه التشريع والتنفيذ والقضاء، وهو كاهن الدين الأكبر الذي يقرب القرابين باسم الشعب، أوامره هي القانون، وأحكامه نهائية لا معقب لها، ولم يكن لفظ القانون قد وجد بعد (65). ومن
تحته المجلس الذي يجتمع أحياناً ليفصل في المنازعات الخطيرة؛ وكأنما كان هذا المجلس يضع التقاليد التي تسير عليها جميع المحاكم فيما بعد، فكان يبحث عن السوابق ويحكم على غرارها. وكان للسوابق الغلبة على القانون لأن السابقة مستمدة من العادة، والعادة هي الأخت الكبرى للقانون تنازعه سلطانه. على أن المحاكمات على أنواعها نادرة في المجتمع الهومري، وقلما نسمع فيه عن هيئات عامة للقضاء، بل كان على كل أسرة أن تدفع الأذى عن نفسها وتثأر لنفسها، وكانت أعمال العنف كثيرة تسود المجتمع.
ولم يكن من عادة الملك أن يجني الضرائب ليقيم بها دعائم ملكه، بل كان يتلقى من حين إلى حين "هدايا" من رعاياه؛ ولو أنه كان يعتمد على هذه الهدايا وحدها لكان ملكاً فقيراً بحق؛ أما مورده الأكبر فكان في أغلب الظن مستمداً من الرسوم التي يفرضها على ما ينتزعه جنوده وسفنه من الأسلاب في البر والبحر. ولعل هذا هو السبب الذي من أجله وُجد الآخيون في عصر متأخر كالقرن الثالث عشر قبل الميلاد في مصر وفي كريت. فكانوا في مصر قراصنة غير ناجحين وفي كريت فاتحين عابرين. ثم نسمع عنهم فجأة وهم يستثيرون غضب الشعب بقصة عن السبي المذل، ويجمعون بذلك قوى القبائل جميعها، ويجندون مائة ألف محارب، ويبحرون بأسطول ضخم منقطع النظير مكون من نحو ألف سفينة ليجربوا حظهم ضد حراب آسيا على سهول طروادة وتلها.
الفصل الرابع
حصار طروادة
تُرَى هل حوصرت طروادة بحق؟ لسنا نعلم أكثر من أن كل مؤرخ يوناني وكل شاعر يوناني، وأن كل سجل في معبد يوناني إلا القليل الذي لا يستحق الذكر، وكل قصة يونانية - من أن هذه كلها تسلم بلا جدال بأن طروادة حوصرت؛ وأن علم الآثار قد كشف لنا عن المدينة المخربة مضاعفة عدة مرار؛ وأن القصة وأبطالها لا تزال في هذه الأيام كما كانت في آخر القرن الماضي تعد في جوهرها قصة صحيحة (66). وقد جاء في نقش مصري خلفه رمسيس الثالث أن "الجزائر كانت قلقة مضطربة" حوالي 1196 ق. م (67)، وفي بلني إشارة إلى رمسيس "الذي سقطت طروادة في أيامه"(68). ويرجع إرتشثنيز Eratosthenes العالم الإسكندري العظيم تاريخ هذا الحصار إلى عام 1194 ق. م مستنداً في ذلك إلى الأنساب المتواترة التي نسقها المؤرخ - الجغرافي هِكتِيُوس Hecataeus في أواخر القرن السادس قبل الميلاد.
ويتفق الفرس الأقدمون والفينيقيون مع اليونان في قولهم إن تلك الحرب العظمى قد استعرت نارها لأن أربعة من النساء الحسان قد اختطفن من بلادهن. فالمصريون على حد قولهم اختطفوا أيو Io من أرجوس، واليونان اختطفوا أوربا Europa من فينيقية، وميديا من كلكيز Colchis؛ أليس من الإنصاف والحالة هذه أن يختطف باريسُ
(1)
هلن؟ (69) ويأبى استسيكورس
(1)
لا حاجة بنا إلى القول بأن هلن كانت ابنة زيوس، فقد اتخذ صورة بجعة وأغوى ليدا زوجة تنداريوس Tyndareus ملك إسبارطة.
في سنيه الأخيرة بعد أن تاب وأناب، كما يأبى هيرودوت ويوربديز من بعده، أن يعترفوا بأن هلن قد غادرت بلادها إلى طروادة؛ وكل ما في الأمر أنها ذهبت إلى مصر مكرهة وأقامت فيها اثنتي عشرة سنة حتى جاءها منلوس. ويتساءل هيرودوت قائلاً: هل من الناس من يصدق أن الطرواديين يحاربون عشر سنين من أجل امرأة واحدة؟ ويعزو يوربديز إرسال الحملة إلى ازدياد السكان في بلاد اليونان أكثر مما تتحمله مواردها، واضطرار أهلها بسبب هذه الزيادة إلى الهجرة والتوسع (70). ألا ما أقدم الأسباب الحديثة التي تبرر بها الرغبة في القوة والسلطان.
على أنه لا يبعد أن تكون قصة شبيهة بهذه القصة قد استعين بها على جعل هذه المغامرة مستساغة لدى اليوناني العادي، وذلك بأن الناس في حاجة إلى الألفاظ الطنانة إذا أريد منهم أن يضحوا بحياتهم. ومهما تكن أسباب الحرب الظاهرة، فإن الذي لا شك فيه أن حقيقة أمرها وجوهرها لم تكن إلا نزاعاً بين طائفتين تتنازعان السيطرة على مضيق الهسبنت والأراضي الغنية المحيطة بالبحر الأسود، وكانت بلاد اليونان بأجمعها وغرب آسيا على بكرة أبيها ترى أنها نزاع حاسم؛ واحتشدت أمم اليونان الصغيرة لمساعدة أجممنون، كما أرسلت شعوب آسيا الصغرى العون بعد العون لطروادة. وكانت الحرب في حقيقة أمرها بداية الكفاح الذي تجدد في مراثون وسلاميس، وعند إسوس وأربيلا، وعند تور وغرناطة، وعند ليبنتو وفينا ....
وليس في وسعنا أن نذكر من أحداث الحرب وما بعدها غير ما يقصه علينا الشعراء اليونان ومؤلفو المسرحيات منهم، ونحن نقبل ما يقولون على أنه أدب أكثر مما هو تاريخ، وهذا في حد ذاته مبرر قوي لاعتباره جزءاً من قصة الحضارة. فنحن نعلم أن الحرب بشعة وأن الإلياذة جميلة، وأن الفن (إذا عكسنا قول أرسطاطاليس) قد يجعل الرعب - ويطهره تبعاً لذلك-
بما يخلعه عليه من معنى وشكل ظريف. ولسنا نقصد بقولنا هذا أن الإلياذة قد وصلت إلى حد الكمال في شكلها، إذ الحقيقة أن تركيبها مهلهل غير رصين، وأن القصص فيها متناقض تارة وغامض تارة أخرى، وأن خاتمتها ليست خاتمة بالمعنى الصحيح. غير أن كمال كل جزء على حدته يعوض ما في مجموعها الكلي من اضطراب، والقصة رغم عيوبها الصغرى لا تقل في مستواها عن مسرحيات التاريخ العظمى، ولعلها لا تقل عن مستوى التاريخ نفسه.
(1)
%=@تشير الأعداد المحصورة بين قوسين إلى كتب الإلياذة. @ نرى اليونان في مستهل القصيدة وقد قضوا في حصار طروادة تسع سنين دون أن يظفروا بها: وقد غلبهم اليأس والحنين إلى الوطن، وفتك بهم المرض. وقد وقفوا طويلاً عند أوليس Oulis لأن المرض وسكون الريح في البحر قد حالا بينهم وبين مواصلة السير، وأثار أجممنون غضب كلتمنسترا، وهيأ السبيل لسوء مصيره بأن ضحى بابنتهما إفجينيا لكي تهب الريح. وكان اليونان قد وقفوا في أماكن متفرقة في طريقهم ليأخذوا حاجتهم من الطعام والسراري، فأخذ أجممنون الحسناء كريسيس Chryseis وأخذ أكليز بريسيس البارعة الجمال؛ ثم يقول عراف إن أبلو يمنع النصر عن اليونان لأن أجممنون قد اعتدى على عفاف ابنة كاهنه كريسز Chryses. فيرد أجممنون كريسيس لأبيها ولكنه يواسي نفسه ويخلق في القصة موقفاً مثيراً بأن يرغم بريسيس على أن تفارق أكليز وتحل محل كريسيس في الخيمة الملكية. ويدعو أكليز الجمعية العامة إلى الانعقاد، ويشكو إليها أجممنون وهو غاضب ثائر، وينطبق بأول كلمة في الإلياذة ويثير الموضوع الذي يتردد فيها مراراً وتكراراً، ويقسم أنه لن يمد هو أو جنوده يداً لمساعدة اليونان. (2) ثم ننتقل بعدئذ إلى استعراض سفن الجيوش المتجمعة وقبائلهم، ثم (3) نشاهد منلوس المتعجرف يبارز باريس
مبارزة يراد بها وضع حد للقتال؛ ويتهادن الجيشان مهادنة المتحفزين، ويشترك بريام مع أجممنون في تقديم القربان إلى الآلهة. ويظفر منلوس بباريس ولكن أفرديتي تنقذه وتختطفه في سحابة ثم تلقيه على فراش زوجته بعد أن تعطره وتمسحه بالمساحيق الربانية. وتأمره هلن أن يعود إلى القتال ولكنه يعرض عليها بدلا من هذا أن "يصرفا الوقت في الفراش". وتتغلب على هلن شهوتها فتجيبه إلى طلبه (4)، ويعلن أجممنون انتصار منلوس، ويلوح أن الحرب قد وضعت أوزارها، ولكن الآلهة تعقد مجلساً على جبل أولمبس للتشاور في الأمر كما يتشاور البشر، وتقرر أنها في حاجة إلى أن يسفك فوق ما سفك من الدماء. ويقترع زيوس لمصلحة السلم ولكنه يسحب صوته وينقلب مرتاعاً حين توجه زوجته هيرا خطابها إليه، وتقترح أن تسمح لزيوس بأن يدّك ميسيني وأرجوس وإسبارطة دكاً إذا وافق على تدمير طروادة. ويبدأ القتال من جديد ويهلك عدد كثير من الرجال تمزق أجسامهم السهام أو الحراب أو السيوف "ويخيم الظلام على أعينهم".
(5)
وتشترك الآلهة في هذه اللعبة المرحة لعبة التقتيل والتقطيع، فتنفذ حربة ديوميد في جسم أريس إله الحرب الرهيب، ويصيح صيحة كأنها صادرة من تسعة آلاف رجل"، ويسرع إلى زيوس ليبثه شكواه.
(6)
وتعقب ذلك فترة يودع فيها هكتر البطل الطروادي زوجته أندرمكا وداعاً حاراً قبل عودته إلى القتال. وتخاطبه بصوت رقيق قائلة: "حبيبي، إن بسالتك ستؤدي إلى هلاكك؛ إنك لا ترحم طفلك ولا ترحمني، أنا التي سأكون عما قريب أرملة، لقد قتل أبي وأمي وإخوتي جميعاً، ولكنك أنت يا هكتر أبي وأمي، وأنت زوج شبابي، فأشفق عليَّ إذن وأقم هنا في البرج". فيرد عليها بقوله: "إني أعلم حق العلم أن مآل طروادة هو السقوط، وأرى بعين الخيال أحزان إخواني وأحزان الملك؛ غير أني لا أحزن من أجلهم؛ أما الذي يكاد يزلزل كياني فهو أن أراك أسيرة رقيقة في أرجوس؛ ولكني مع هذا لن أحجم
عن القتال (71) " ويصرخ ابنه الطفل أستياناكس Astyanax، الذي قدر له أن يلقيه اليونان المنتصرون من فوق أسوار المدينة بعد قليل فيسقط على الأرض جثة هامدة، يصرخ مرتاعاً حين يبصر الريش يتماوج في خوذة أبيه. فيرفع البطل خوذته حتى يستطيع أن يضحك، ويبكي ويصلي للطفل الحائر المندهش. ثم يتخذ طريقه إلى المعركة. (7) ويبارز أجاكس Ajax ملك سلاميس. ويستميت البطلان في القتال ثم يفترقان في المساء بعد أن يتبادلا الثناء والهدايا. يالها من زهرة مجاملة تسبح في بحر من الدماء. (8) وبعد أن يقضي الطرواديون يوماً كاملاً ينتقلون فيه من نصر إلى نصر يأمر هكتر المحاربين بالكف عن القتال ليستريحوا.
هكذا خطب فيهم هكتر؛ وحياه الطرواديون بأعلى أصواتهم وصفقوا له بأكفهم. ثم رفعوا النير عن جيادهم الحربية والعرق يتصبب من أجسامها وعقل كل منهم جواديه بالسيور بجوار عربته، وجاء من المدينة بالثيران والضأن السمين؛ وقدم هكتر لهم النبيذ وهو يخاطبهم بأعذب الألفاظ وأرقها .... وجاءهم بالحب من البيوت، وجمع الرجال وقود النار، وحمل الهواء الرائحة الذكية من السهل إلى السماء، وسهر من كانوا على جانبي الميدان الليل الطويل يملأ الأمل صدورهم، وأوقدوا نار المراقبة، وعلا لهب النيران الكثيرة التي أوقدها الطرواديون مروضو الخيول بجوار إلْيوم بين السفن السود ونهر زنثوس Thanathus، وتلألأت تلألؤ النجوم حول آية الليل، فكان منظراً من أعجب المناظر، وسكنت الريح، ولاحت قمم الجبال والرؤوس، وظهرت الخلوات التي بين الجبال، وبدت السماء الواسعة ذات الجلال، وتلألأت نجومها التي يخطئها الحصر على قلب الراعي الذي أضناه النصب. وفي هذه الأثناء كانت خيل القتال المتعبة تلوك القمح والشعير الأبيض بالقرب من مركباتها تنتظر مقدم الفجر فوق عرشه الجميل (74).
(9)
ويشير نسطور ملك ببلوس الإيلية على أجممنون أن يرد بريسيس
إلى أكليز، ويجيبه أجممنون إلى طلبه، ويعد أكليز بأن يعطيه نصف بلاد اليونان إذا انضم مرة أخرى إلى المحاصرين، ولكن أكليز يظل غاضباً. (10) ويفاجئ أديسيوس وديوميد معسكر الطرواديين بهجمة في أثناء الليل يقتلان فيها اثني عشر من رؤساء العشائر. (11) ويقود أجممنون جنده ويستبسل في القتال ويُجرح ثم ينسحب من الميدان. (12) ويلتف الأعداء حول أوديسيوس فيقاتلهم قتال الأسود، ويشق له أجاكس ومنلوس الطريق وينجيانه ليقاسي فيما بعد حياة مريرة (12 - 13) ويتقدم الطرواديون إلى الأسوار التي أقامها اليونان حول معسكرهم. (14) فتنزعج هيرا وتصمم على إنقاذ اليونان، فتدهن بالزيت وتتعطر وتلبس أفخر الثياب، وتتمنطق بمنطقة أفرديتي المقوية؛ وتغوي زيوس فيضاجعها، ويعمد بوسيدن في هذه الأثناء إلى مساعدة اليونان علىطرد الطرواديين (15). وتظل الحرب سجالاً فيصل الطرواديون إلى سفن اليونان، وهنا تصل حماسة الشاعر ذروتها وهو يقص علينا كيف كان اليونان يحاربون مستيئسين وهم يتراجعون تراجعاً سيؤدي بهم إلى الهلاك.
(16)
ويقنع بتركلوس حبيب أكليز هذا البطل فيسمح له بأن يقود جنوده لمحاربة طروادة، ويقتله هكتر بيده. (17) ويحارب أجاكس حرباً شديدة فوق جثة الشاب القتيل. (18) ويسمع أكليز بموت بتركلوس فيصمم آخر الأمر على القتال، وتقنع أمه الإلهة ثيتيس الحداد الإلهي هفستوس Hephaestus بأن يصنع له أسلحة جديدة ودرعاً سابغة ضخمة. (19) ويتصالح أكليز مع أجممنون، (20) ويقاتل إينياس ويوشك أن يقتله لولا أن بوسيدن ينقذه ليتخذ منه فرجيل موضوعاً لشعره. (21) ويقتل أكليز عدداً كبيراً من الطرواديين ويقذف بهم إلى الجحيم مودعين بخطب يتحدث فيها عن نسبهم. وتواصل الآلهة القتال: فتقذف أثينة أريس بحجر يطرحه أرضاً وتحاول أفرديتي وهي في زي جندي أن تنقذه، فتضربها أثينة ضربة على
صدرها الجميل تلقيها على الأرض. وتصفع هيرا أرتميس على أذنيها، أما بوسيدين وأبلو فيكتفيان بحرب الألفاظ. (22) ويوليّ الطرواديون الأدبار من أكليز عدا هكتر وحده؛ ويشير بريام وهكيبا على هكتر أن يبقى وراء أسوار المدينة ولكنه يرفض مشورتهما، حتى إذا تقدم أكليز نحوه ولي الأدبار فجأة؛ ويطارده أكليز حول أسوار طروادة ويطوف بها ثلاث مرات؛ ثم يقف هكتر ليلاقي عدوه فيخر صريعاً.
(23)
وفي ختام هذه المسرحية تحرق جثة بتركلوس بالمراسم الفخمة؛ ويضحي أكليز من أجله بعدد كبير من الماشية، وباثني عشر من أسرى الطرواديين وبشعره هو الطويل. ويقيم اليونان الألعاب تكريماً له و (24) يجر أكليز جثة هكتر خلف مركبته ثلاث مرات حول كومة الحريق. ويقبل بريام بموكبه وحزنه يرجو أن يسمح له بجثة ولده، ويرق قلب أكليز له، ويرضى بعقد هدنة تدوم اثنى عشر يوماً، ويسمح للملك الشيخ بأن يأخذ جثة ولده بعد تطهيرها ودهنها بالزيت، ويعود بها إلى طروادة.
الفصل الخامس
العودة إلى الوطن
وهنا تختتم القصيدة العظيمة خاتمة فجائية، كأن الشاعر قد قام بنصيبه من القصة العامة ورأى من واجبه أن يترك ما بقي منها ينشده شاعر غيره. وتقص الآداب بعدئذ كيف رمي باريس أكليز وهو واقف إلى جانب المعركة بسهم اخترق مؤخرة قدمه، وهو الجزء الوحيد من جسمه الذي تؤثر فيها السهام، فأرداه قتيلاً، وكيف سقطت طروادة آخر الأمر نتيجة لخدعة الحصان الخشبي.
وكان النصر الذي أحرزه المنتصرون سبباً في هزيمتهم، فعادوا منهمكين محزونين إلى أوطانهم بعد حنين إليها طويل. وتحطمت كثير من السفن التي أقلتهم، وارتطم بعضها بشواطئ البلاد الأجنبية وأنشأ من فيها مستعمرات يونانية في آسيا وجزائر بحر إيجة وإيطاليا (73). ولما أقبلت هلن "الإلهة بين النساء" على منلوس بجلال جمالها الهادئ عاد حبها إلى قلبه، وكان قد أقسم أن يقتلها حين يظفر بها، وسره أن يعود بها إلى إسبارطة لتكون ملكته فيها. ولما عاد أجممنون إلى ميسيني "عانق أرض بلاده وقبلها وذرفت عينه الدمع السخين"(74)، ولكن كلتمنسترا تزوجت في غيبته ابن عمه إجيسثس وأجلسته على العرش، فلما أن دخل أجممنون القصر قتلاه.
وأدعى إلى الأسى من هذا عودة أديسيوس، وأكبر ظننا أن شاعراً آخر غير هومر قد قص قصته في ملحمة أقل قوة وبطولة من الإلياذة
(1)
،
(1)
وأكبر الظن أن أساس القصة التي ترويها الأديسية أقل انطباقاً على الحقائق التاريخية من الإلياذة. ذلك أن أسطورة الملاح أو المحارب الجوال الذي لا تعرفه زوجته حين عودته أقدم يقيناً من قصة طروادة، ولا يكاد يخلو منها أدب من آداب الأمم كلها (75)، فأديسيوس اليونان هو بعينه سِنوحي Sinuhe وسندباد، وربنسن كروزو، وإنك أردن Enoch Arden. أما الأماكن الواردة في القصيدة فهي من الأسرار المحيرة للعقول التي لا يجد أصحابها ما يقضون فيه أوقات فراغهم.
ولكنها أسلس منها وأرق وأجمل، وتقول الأديسة إن أديسيوس تحطمت سفينته على ساحل جزيرة أجيجيا Ogygia، وهي جزيرة مسحورة شبيهة بجزيرة تهيتي Tahiti، تحكمها ملكة إلهة تدعى كلبسو Calypso، شغفها حباً فاستبقته عندها ثماني سنين يحن فيها أشد الحنين إلى زوجته بلني وابنه تلمكس اللذين ينتظرانه في أتكا على أحر من الجمر.
وتقنع أثينة زيوس بأن يأمر كلبسو بإطلاق سراح أديسيوس، وتطير الإلهة إلى تلمكس وتستمع إلى قصته الساذجة وتعطف عليه، فتعرف كيف أقبل أمراء أتكا والجزائر الخاضعة لها على بنلبي يتوددون لها ويسعون إلى زواجها ليظفروا بعد ذلك الزواج بعرش أتكا، وكيف يعيشون في قصف ومرح في قصر أديسيوس ويستمتعون بخيراته (2) ويأمر تلمكس الخُطَّاب بأن يعودوا إلى ديارهم، ولكنهم يسخرون من شبابه، فيخرج سراً على ظهر سفينة يبحث عن أبيه؛ وتحزن بنلبي لبعد زوجها وابنها، وتستمهل خاطبيها بأن تعدهم أنها ستتزوج واحداً منهم بعد أن تتم نسيج غزلها، ولكنها تنقض منه في الليل ما تعمله بالنهار (3) ويزور تلمكس نسطور في بيلس و (4) منلوس في إسبارطة ولكن أحداً منهما لا يستطيع أن يدله على مكان أبيه. ويرسم الشاعر صورة جذابة لهلن وقد استقرت في بيتها خاضعة، ولكنها لا تزال تستمتع بجمالها الرباني، وقد غفر لها زوجها خطاياها من زمن بعيد، وتقول إنها حين سقطت طروادة كانت قد سئمت المقام في المدينة
(1)
.
(1)
وتقول الرواية اليونانية إن مواطنيها قد اتخذوها بعد موتها إلهة لهم وعبدوها، وكان من العقائد الشائعة في بلاد اليونان أن الآلهة تعاقب من يستطيلون في عرضها. بل إنهم قد أشاروا إلى أن هومر نفسه إنما أصيب بالعمي لأنه تغنى بالفرية القائلة بأن هلن فرت إلى طروادة بدل أن يقول إنها اختطفت وحملت إلى مصر رغم إرادتها.
(5)
وهنا يدخل أديسيوس القصة لأول مرة. فقد كان "يجلس على ساحل جزيرة كلبسو"، وقد جف الدمع من عينيه وغاض ماء حياته الحلوة من شدة حزنه وحنينه إلى وطنه. نعم إنه كان يقضي ليله في الكهوف الجوفاء مضطجعاً على الرغم منه بجوار كلبسو، ينام وهو كاره بجوار الحورية المشتاقة، ولكنه كان يقضي النهار جالساً على الصخور والرمال، يبكي ويتوجع وينظر إلى البحر المضطرب" (78) وتستبقيه كلبسو ليلة أخرى تأمره بعدها أن يصنع رمثاً ويبحر فيه منفرداً.
(6)
ويكافح أديسيوس البحر كفاحاً طويلاً ثم ينزل في أرض فيشيا الخرافية (ولعلها كرسيرا - كورفو Corcyra-Corfu) حيث تعثر عليه العذراء نوسكا Nausica وتأخذه إلى قصر أبيها الملك ألسنوس، وتعشق الفتاة البطل الجريء المفتول العضلات، وتفضي بسرها إلى أترابها فتقول لهن:"استمعن إليَّ أيتها العذارى ذوات الأذرع الجميلة البيضاء .... لقد كان هذا الرجل يبدو لي منذ قليل غير وسيم، أما الآن فهو في نظري كالآلهة التي تستقر في السماء الواسعة. ألا ليت رجلاً كهذا يصبح لي زوجاً، يقيم هنا، ألا ليته يرضي أن يقيم هنا معي"(79). (7 - 8) ويعجب ألسنوس بأديسيوس أشد الإعجاب فيعرض عليه أن يزوجه نوسكا، ويعتذر أديسيوس ولكنه يسره أن يقص عليه قصة عودته من طروادة.
(11)
فيقول للملك: إن سفنه قد دفعتها الرياح عن طريقها إلى أرض أكلة (اللوطس)، وإن هؤلاء قدموا لرجاله فاكهة اللوطس الحلوة فنسي الكثيرون منهم أوطانهم وحنينهم إليها، حتى لم يجد أديسيوس بداً من أن يرغمهم على العودة إلى سفنهم. وساروا من هنا إلى أرض السيكلوبين الجبابرة العور، الذين لا يقومون بعمل ولا يخضعون لقانون، ويعيشون في جزيرة تكثر فيها الحبوب والفاكهة البرية. ووقعوا في كهف السيكلوب
بليفيمس Polyphemus فأكل عدداً منهم، وأنقذ أديسيوس من بقي بأن أنام الوحش الجبار بعد أن أسكره، ثم حرق بالنار عينه الوحيدة. (10) ثم ركب الجوالون البحر مرة أخرى وأوغلوا فيه حتى وصلوا إلى أرض اللستريجونيين Laestrygonians، وكان هؤلاء أيضاً من أكلة اللحوم البشرية فلم تنج منهم إلا سفينة أديسيوس. ووصل هو ومن كان معه في السفينة إلى جزيرة إينيا Aenea حيث أغوت سرس Circe الإلهة الجميلة الغدارة معظم رفاقه بغنائها الجميل فدخلوا كهفها، ثم خدرتهم ومسختهم فصاروا خنازير. وأوشك أديسيوس أن يذبحها، ولكنه غير رأيه ورضي بحبها، ثم عاد هو ورفاقه إلى صورتهم البشرية وأقاموا مع سرس سنة كاملة. (11) أبحروا بعدها مرة أخرى ووصلوا إلى أرض يغشاها الظلام السرمدي تبين لهم أنها مدخل الجحيم (هيدس Hades) ، وفيها تحدث أديسيوس إلى أطياف أجممنون وأكليز ووالدته. (12) ثم واصلوا سيرهم ومروا بجزيرة السيرينات Sirens، وهناك أنجى أديسيوس رجاله من أغانيهن المغوية بأن وضع شمعاً في آذانهم. ثم تحطمت سفينته في مضيق سلا Scylla وكربديس Charybdis (مسينا؟) ولم ينج ممن كانوا فيها إلا هو وحده، وقد نجا ليعيش تسع سنين أخرى في جزيرة كلبسو.
(13)
ويتأثر ألسنوس بقصة أديسيوس وتدفعه شفقته عليه فيأمر رجاله أن ينقلوه بحراً إلى أتكا، على أن يعصبوا عينيه لئلا يعرف مكان أرضهم الهنيئة ويدل الناس عليها. وفي أتكا تقود الإلهة أثينة السائح الجوال إلى كوخ يوميوس Eumaeus راعي خنازيره. (14) ويستقبله الراعي ويكرمه إكراماً حاتمياً، وإن كان لا يعرفه. (15) وتقود أثينة تلمكس إلى هذا الكوخ نفسه (16) ويكشف أديسيوس عن نفسه لولده. (17) ويبكيان كلاهما "وينتحبان بحرقة وبأعلى صوتيهما"، ويفضي الوالد لولده بخدعة يقتل بها جميع الذين تقدموا لخطبة زوجته.
(17 - 18) ويدخل القصر في زي متسول، ويرى الخاطبين يأكلون ويتمتعون بماله، وتغلي مراجل الغضب في صدره حين يعلم أنهم يضاجعون خادماته بالليل وإن كانوا يغازلون بنلبي بالنهار. (19 - 20) ويحتقره الخاطبون ويهينونه ولكنه يرد أذاهم بقوته وصبره. (21) وكان الخاطبون وقتئذ قد كشفوا حيلة النسيج التي خدعتهم بها بنلبي، وأرغموها على أن تفرغ منه، وتوافق على أن تتزوج من يستطيع منهم أن يشد وتر قوس أديسيوس المعلق على أحد جدران القصر، ويرمي منه بسهم يمر من فتحات اثنتي عشرة بلطة مصفوفة في صف واحد. ويحاولون جميعاً أن يفعلوا هذا ولكنهم لا يفلحون، ويطلب أديسيوس أن تتاح له الفرصة ليجرب حظه ويفلح فيما أخفقوا فيه. (22) ثم يلقي عن نفسه القناع ويكشف عن حقيقة أمره وهو غضبان آسف، ويصوب سهامه إلى صدور الخاطفين ويقتلهم جميعاً بمعونة تلمكس، ويوميس، وأثينة. (23) ويلقي صعوبة شديدة في إقناع بنلبي أنه هو أديسيوس، ذلك أن من أصعب الأمور أن تتخلى امرأة عن عشرين خاطباً من أجل زوج واحد. (24) ويواجه هجمات أبناء الخاطبين، ويستل سخائم صدورهم ويستعيد ملكه.
وفي هذه الأثناء كانت أشد المآسي في القصص اليوناني تجري في مجراها. ذلك أن أرستيز Arestes بن أجممنون كان وقتئذ قد بلغ رشده، وأثارت أخته إلكترا ثائرته فأخذ بثأر أبيهما وقتلا أمهما وعشيقها. وقضي أرستيز بعدئذ سنين كثيرة يضرب في الأرض وهو ذاهب العقل حتى جلس آخر الأمر على عرش أرجوس - ميسيني (حوالي عام 1167 ق. م)، وضم بعدئذ إسبارطة إلى ملكه
(1)
. ولكن بيت بلوبس Pelops أخذ بعد اعتلائه العرش في الاضمحلال،
(1)
عثر السير آرثر إيفنز في قبر ميسيني في بؤوتيا على نقوش محفورة تمثل كهلاً يهاجم تمثالاً لأبي الهول وشاباً يهاجم رجلاً أكبر منه سناً وامرأة. ويرى أن هذه النقوش تشير إلى أديسيوس وأرستيز. وإذا كان يعزو هذه النقوش إلى حوالي عام 1450 ق. م فإنه يرجع تاريخ أديسيوس وأرستيز بناء على هذا إلى عصر يسبق بمائتي عام العصر الذي حددناه في المتن إلى هاتين الشخصيتين تحديداً لا نجزم بصحته.
ولعل هذا الاضمحلال قد بدأ من أيام أجممنون نفسه، وكان هذا الزعيم قد اتخذ الحرب وسيلة لضم شتات ملك كان وقتئذ ينفرط عقده. غير أن انتصاره كان الضربة القاضية عليه لأن من كان معه من الزعماء لم يعد منهم إلا القليل، وشقت كثير من الممالك عصا الطاعة وخرجت على كثيرين ممن لم يصحبوه من الزعماء. ولم يكد ينتهي العهد الذي بدأ بحصار طروادة حتى كانت قوة الآخيين قد أنهكت ونضب معين الحياة من جسم أبناء بلوبس، وأخذ الشعب يترقب في صبر وأناة ظهور أسرة جديدة.
الفصل السادس
فتح الدوريين
اجتاحت بلاد اليونان حوالي عام 1104 موجة جديدة من الهجرة أو الغزو متدفقة من الشمال القلق المضطرب النازع إلى التوسع؛ فقد انزلق، أو سار إلى البلوبونيز، أو تدفق عليها، شعب ذو روح حربية، طويل القامات، مستدير الرؤوس، معدوم الصلة بالأدب، بعد أن اخترق إليريا وتساليا وعبر خليج كورنثة عند نوبكتوس Naupactus، ومضيق كورنثة عند كورنثة نفسها، واستولى على البلاد وقضى على الحضارة الميسينية قضاء يكاد يكون تاماً. وكل ما نقوله عن أصلهم وعن الطريق الذي سلكوه لا يرقى إلى أكثر من الحدس والتخمين. أما أخلاقهم وأثرهم في البلاد التي فتحوها فإن علمنا عنهما يرقى إلى مرتبة اليقين. لقد كانوا لا يزالون في مرحلة الرعي والصيد؛ وكانوا من حين إلى حين يستقرون لفلح الأرض، ولكن جل اعتمادهم كان على ماشيتهم، وكانت حاجة هذه الماشية إلى المرعى الجديد سبباً في كثرة تنقلهم وعدم استقرارهم. وكان الشيء الوحيد الموفور عندهم وفرة لم يسمع بها عند غيرهم هو الحديد؛ ومن أجل ذلك كانوا هم رسل الثقافة الهلستانية
(1)
إلى بلاد اليونان؛ وكانت صلابة أسلافهم وشدة بأسهم سبباً في تفوقهم على الآخيين والكريتيين، وفي قسوة قلوبهم وبطشهم الشديد، وكان الآخيون والكريتيون وقتئذ يستخدمون أسلحة من البرونز. والراجح أنهم تدفقوا من الغرب والشرق، من إليس ومجارا، على ممالك البلوبونيز المتفرقة الصغيرة وذبحوا بسيوفهم طبقاتها الحاكمة، واتخذوا من بقي
(1)
مدينة في النمسا أطلق اسمها على الفترة الأولى من الحديد في أوربا لكثرة ما كشف فيها من الآثار المصنوعة منه.
من الميسينيين أرقاء. ودمرت النيان وتيرينز وأضحت أرجوس عاصمة جزيرة بلوبس وظلت كذلك مائتين من السنين. واستولى الغزاة في برزخ كورنثة على أكروكورنثوس Acrocorinthus وهي قمة عالية تشرف على ما حولها وتسيطر عليه، وشادوا حولها مدينة كورنثة الدورية (80)، وفر أمامهم من بقي حياً من الدوريين، فلجأ بعضهم إلى جبال البلوبونيز الشمالية، وبعضهم إلى أتكا، وعبر بعضهم البحر إلى الجزائر وإلى سواحل آسية. واقتفى الفاتحون أثرهم إلى أتكا ولكنهم صدوا عنها؛ وجاءوا في أثرهم إلى كريت (81)، ودمروا ما بقي من نوسس تدميراً تاماً؛ واستولوا على ميلوس وثيرا Thera، وكوس Cos، ونيدس Nidus ورودس. وكان الخراف أشمل وأتم في جميع أنحاء البلوبونيز وكريت حيث ازدهرت الثقافة الميسينية أكثر من ازدهارها في غيرها الأصقاع.
وهذه الكارثة الختامية التي وقعت في العصر السابق للحضارة الإيجية هي المعروفة لدى المؤرخين المحدثين باسم الفتح الدوري، والتي تسميها الرواية اليونانية "عودة الهرقليين". ذلك أن الظافرين لم يقنعوا بأن يسموا انتصارهم هذا غلبة أقوام همج على شعب متحضر، بل قالوا إن ما حدث في واقع الأمر هو أن أبناء هرقل، ومن تناسلوا من أبنائه، حيل بينهم وبين حقهم المشروع في العودة إلى البلوبونيز، فانتزعوا هذا الحق بقوة سواعدهم وبطولتهم. ولسنا نعرف ما في هذا القول من الحقائق التاريخية، وما فيه من الأساطير الدبلوماسية التي يقصد بها تصوير هذا الفتح الدموي في صورة حق مقدس. وإنا ليصعب علينا أن نعتقد أن الدوريين قد برعوا في الكذب هذه البراعة كلها في شباب العالم. وقد تكون القصتان كلتاهما صحيحتين وهو ما لم يسلم به المحاجون: فقد يكون الدوريون غزاة فاتحين من الشمال يقودهم أبناء هرقل وحفدته.
ومهما يكن مظهر هذا الفتح فإن ما ترتب عليه من الأثر هو أنه عاق تقدم بلاد اليونان ونماءها زمناً طويلاً، وأصابها بمحنة شديدة. فقد ظلت أحوالها السياسية مضطربة قرنين كاملين، فقد كان كل رجل فيها يحمل السلاح لأنه بات غير مطمئن على حياته؛ وزادت أعمال العنف زيادة مطردة فعطلت أعمال الزراعة والتجارة البرية والبحرية، واشتعلت نيران الحرب وعلا سعيرها، وازداد الفقر شدة وانتشاراً؛ وأصبحت الحياة قلقة مضطربة لأن الأسر أخذت تنتقل من إقليم إلى إقليم طلباً للأمن والسلم (82). ويسمى هزيود Hesiod هذا العصر عصر الحديد، ويأسف على فساده وانحطاطه عن العصور الجميلة التي سبقته، وكان كثير من اليونان يعتقدون أن "كشف الحديد قد أضر بالإنسان"(83)؛ واضمحلت الفنون وأهمل التصوير، وقنع المثالون بنحت التماثيل الصغيرة الملونة؛ وانحطت صناعة الفخار لأن الصناع غفوا عما كان يمتاز به فن ميسيني وكريت من نزعة طبيعية حيوية، فاتبعوا "طرازاً هندسياً" لا حياة فيه، ظل يسيطر على فن الخزف اليوناني جملة قرون.
ولكن الخسارة لم تحل بكل شيء، فقد امتزج العنصر الجديد بالقديم امتزاجاً سريعاً في خارج لكونيا Laconia وامتزاجاً بطيئا في داخلها، على الرغم من تصميم الغزاة الدوريين على أن يحتفظوا بدمائهم نقية طاهرة من دماء الأهلين المغلوبين، وعلى الرغم من الكراهية العنصرية بين الدوريين والأيونيين، وهي الكراهية التي اصطبغت بها بلاد اليونان على بكرة أبيها. ولعل امتزاج دم الآخيين والدوريين القوي النشيط بدم الشعوب التي هي أقدم من هذين الشعبين وأرق، والتي كانت تقيم في جنوبي اليونان، لعل هذا كان ذا أثر حافز منشط. ومهما يكن لهذا الامتزاج من أثر فإن النتيجة النهائية التي أسفر عنها بعد قرنين من الزمان هي نشأة شعب جديد مختلفة عن الشعوب التي كانت تعيش من قبل في تلك البلاد، امتزجت فيها دماء عناصر "البحر الأبيض المتوسط" و "الألبي" و "الشمالي
(النوردي) " والعناصر الآسيوية امتزاجا أدى إلى كثير من القلق والاضطراب.
كذلك لم تمح الحضارة الميسينية من الوجود. فقد بقيت الحياة كامنة طوال قرون العنف والفوضى في بعض عناصر التراث الإيجي-كطرائق الحكم والنظام الإجتماعي، وعناصر الصناعات اليدوية والفنية، وأساليب التجارة وطرقها، وأشكال العبادة وأدواتها (84)، والمهارة في صنع الخزف والنقش، وفن طلاء المظلمات، وأساليب الزينة وطرز العمارة. ويعتقد اليونان أن النظم الكريتية قد انتقلت إلى إسبارطة (85)، وقد ظلت الجمعية الآخية عنصراً أساسياً في بلاد اليونان الديمقراطية. وأكبر الظن أن تصميم الهياكل الدورية قد أخذ عن الميسينيين (86)، بعد أن خلعت عليه الروح الدورية حرية وتناسقاً وقوة. وانتعشت التقاليد الفنية انتعاشاً بطيئاً، فرفعت كورنثة وطيبة وسكيون Sicyon وأرجوس إلى نهضة فنية مبكرة شبيهة بالنهضة الأوربية التي أعقبت العصور الوسطى، وجعلت الفن والغناء يبتسمان في إسبارطة العنيدة نفسها، حيناً من الدهر، وظلت هذه التقاليد تبعث الحياة في الشعر الغنائي طوال هذا العصر المظلم الذي لا تاريخ له، وحملها معهم البلاسجيون والآخيون، والأيونيون، والميناويون المنفيون في هجرتهم إلى جزائر بحر إيجة وإلى آسية هرباً من الغزاة الفاتحين، وأعانت المدن التي أقامها المستعمرون على أن تفوق أمهاتها في الآداب والفنون. ولما جاء المنفيون إلى الجزائر وإلى أيونيا وجدوا بقايا الحضارة الإيجية فاستولوا عليها واستعانوا بها. فقد احتفظ عصر البرونز بشيء من المهارة والنضارة القديمتين في المدن القديمة بهذه الجزائر، لأنها كانت أقل اضطراباً من مدن القارة الأوربية، وهناك في هذه الأرض الآسيوية بدأت بعدئذ يقظة اليونان الجديدة.
وبعث هذا الاتصال بين خمس ثقافات- الكريتية والميسينية والآخية، والدورية والشرقية- الشباب من جديد في حضارة بدا يدب فيها دبيب
الفناء، حضارة فقدت رقتها في أرض القارة بفعل الحرب والنهب، وأصبحت حضارة منحلة مخنثة في كريت لما ركنت إليه عبقرية أهلها من ترف. وقد اجتاح امتزاج السلالات والأساليب قروناً عدة حتى استقر بعض الاستقرار، ولكنه أعان على خلق ما في التفكير اليوناني والحضارة اليونانية من تنوع، ومرونة، ودقة منقطعة النظير. وليس من حقنا أن ننظر إلى الثقافة اليونانية على أنها وميض لاح فجأة، وبطريقة غير عادية، في بحر مظلم من الهمجية، بل إن علينا أن ننظر إليها على أنها عملية بطيئة كدرة أدت إلى خلق شعب غني غنىً يكاد أن يكون مفرطاً في تنوع مائه وفي ذكرياته، تحيط به وتتحداه، وتعلمه، جموع همجية، وإمبراطوريات قوية وحضارات قديمة.
الكتاب الثاني
نهضة بلاد اليونان
من 1000 إلى 480 ق. م
الباب الرابع
إسبارطة
الفصل الأول
البيئة المحيطة ببلاد اليونان
لننظر إلى خريطة للعالم القديم ونطّلع فيها على جيران بلاد اليونان القديمة، ونعني ببلاد اليونان أو هلاس جميع البلاد التي كان يسكنها في الزمن القديم شعوب تتكلم اللغة اليونانية.
ولنبدأ بالنظر إلى الأصقاع التي دخل منها إلى تلك البلاد كثير من الغزاة - فوق تلال إبيروس وعلى طول وديانها. وما من شك في أن أسلاف اليونان قد أقاموا في تلك الأماكن كثيراً من السنين، لأنهم أنشأوا في ددونا dodona مزاراً لزيوس إله السماء المرعد. ولقد ظل اليونان حتى القرن الخامس يتلقون الوحي في هذا المكان ويقرأون ما تريده الآلهة في غليان المراجل أو حفيف أوراق البلوطة المقدسة (1). ويخترق نهر أكرون الجزء الجنوبي من إبيروس وسط أخاديد بلغت من الظلمة والعمق درجة جعلت شعراء اليونان يصفونها بأنها مدخل الجحيم أو أنها هي الجحيم نفسها. وكان معظم أهل إبيروس في أيام هومر يتكلمون اللغة اليونانية ويتبعون الأساليب اليونانية، ثم طغت عليهم موجات جديدة من الهمج أهل الشمال وحالت بينهم وبين المدينة.
وإلى شمال إبيروس على ساحل البحر الأدرياوي تقع إليريا Illyria، وكانت في الوقت الذي نتحدث عنه بلاداً قليلة السكان أهلها من الرعاة يبيعون الماشية والعبيد بملح الطعام (2). وعلى هذا الساحل عند إبدمنوس Epidamnus (وهي ديركيوم Dyrrachium الرومانية ودرزو الحالية) أنزل قيصر جنوده وهو يطارد بمبي. وعلى الجانب الآخر من البحر الأدرياوي اغتصب اليونان السواحل الجنوبية من القبائل المستوطنة هناك، وأدخلوا الحضارة في إيطاليا، (وقد عادت تلك القبائل في آخر الأمر فاكتسحتهم، وابتلعت معهم بلادهم الأصلية وضمت بلادهم إلى إمبراطورية لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم). وكان من وراء جبال الألب الغاليون، الذي أخلصوا الود فيما بعد لمساليا (مرسيليا)؛ وفي الطرف الغربي من البحر الأبيض تقع أسبانيا، وكانت قد تمدنت إلى حد ما على يد الفينيقيين والقرطاجيين حين أنشأ اليونان في عام 550 مستعمرتهم الوجلة في إمبريوم (أمبورياس Ampurias) . وكانت قرطاجنة الإمبراطورية تقع على ساحل إفريقية أمام صقلية تتسلط عليها وتهددها، وقد اختط هذه المدينة ديدو Dido والفينيقيون، وتقول الرواية إن ذلك كان في عام 813. ولم تكن وقت إنشائها قرية صغيرة بل كانت مدينة عامرة يبلغ سكانها 700. 000 نسمة، تحتكر تجارة البحر الأبيض المتوسط الغربي وتسيطر على يتكا، وهبو Hippo وثلاثمائة بلدة أخرى في إفريقية، ومناجم غنية، ومستعمرات في صقلية، وسردينية، وأسبانيا. وقد قدر لهذه الحاضرة ذات الثروة الطائلة أن تقود الكفاح ضد اليونان من ناحية الغرب، كما قدر لبلاد الفرس أن تقوده من ناحية الشرق.
وإلى شرق هذه المدينة على ساحل إفريقية كانت تقع مدينة قورينة اليونانية، وفي مؤخرتها بلاد اللوبيين المجهولة، وإلى شرقها مصر. وكان معظم اليونان يعتقدون أن عناصر كثيرة من حضارتهم قد جاءتهم من مصر. وتعزو قصصهم نشأة كثير من المدن اليونانية إلى رجال من أمثال كدموس
Cadmus ودانوس Danaus جاءوا من مصر أو نقلوا الحضارة المصرية إلى بلاد اليونان عن طريق فينيقية وكريت (3). وقد انتعشت التجارة المصرية وبعث الفن المصري من جديد في عهد الملوك الساويين (663 - 525)، وفتحت الثغور الواقعة على نهر النيل لتستقبل التجارة اليونانية لأول مرة في التاريخ. وزار مصر كثيرون من عظماء اليونان المشهورين - أمثال طاليس، وفيثاغورس، وصولون، وأفلاطون، ودمقريطس، فأعجبوا أشد إعجاب بعظم حضارتها وقدمها؛ ولم يجدوا فيها برابرة همجاً كالذين كانوا يجدونهم في الأقطار الأخرى، بل وجدوا فيها أقواماً كانت لهم حضارة ناضجة، وفنون راقية، قبل سقوط طروادة بألفي عام. وكان مما قاله أحد الكهنة المصريين لصولون: "إنكم أيها اليونان لا تزالون أطفالاً، ثرثارين، مغرورين لا تعرفون شيئاً عن الماضي. ولما أخذ هكتيوس الميليتي يزدهي على الكهنة المصريين ويقول لهم إن في وسعه أن يذكر لهم سلسلة نسبه التي تنتهي بعد خمسة عشر جيلاً إلى أحد الآلهة، أطلعوه في هياكلهم على 345 تمثالاً لكبار الكهنة كل منهم ابن الذي قبله ويتكون من مجموعهم 345 جيلاً تبدأ من العهد الذي كان فيه الآلهة يحكمون الأرض (5). وكان علماء اليونان أمثال هيرودوت وبلوتارخ يرون أن العقيدة الأرفية القائلة بأن الخلق يحاسبون بعد موتهم على ما قدموا من خير وشر في حياتهم، وأن الاحتفالات التي كانت تقام لبعث دمترو وبرسفوني في إليوسيس، مأخوذة كلها عن عبادة إيزيس وأوزريس المصريين. وأكبر الظن أن طاليس الميليتي تعلم الهندسة النظرية في مصر، وأن روكوس Rhoecus وثيودورس الساموسيين قد عرفا فيها فن صب الآنية المجوفة البرونزية، وفي مصر ازداد مهارة في صناعة الفخار والنسيج وطرق المعادن والحفر على العاج (7). وعن المصريين والآشوريين والفينيقيين والحثيين أخذ المثالون اليونان طراز تماثيلهم الأولى - وجوهها المستوية، وعيونها
المائلة، وأيديها المقبوضة، وأطرافها المعتدلة المتصلبة
(1)
. وقد وجد مهندسو اليونان بعض إلهامهم الفني، الذي أوحى إليهم بالعمد المحززة وبالطراز الدوري، في عمد سقارة، وبني حسن، كما وجدوا بعضه الآخر في بقايا ميسيني اليونانية (8). وكما أن بلاد اليونان قد تعلمت في شبابها من مصر واعترفت لها بالفضل، فإنها حين خارت قواها ماتت في أحضان مصر إذا جاز هذا التعبير، فقد مزجت في الإسكندرية فلسفتها، وطقوسها الدينية، وآلهتها بنظائرها في مصر وبلاد اليهود حتى تبعث وتحيا حياة جديدة في رومة وفي المسيحية.
وكان أثر فينيقية في اليونان لا يزيد عليه إلا أثر مصر نفسها. فقد كان تجار صور وصيدا المغامرون وسيلة طوافة لنقل الثقافة، ونشروا في جميع أقاليم البحر الأبيض المتوسط علوم مصر والشرق الأدنى، وصناعاتهما، وفنونهما، وطقوسهما الدينية. ولقد بز الفينيقيون اليونان في صنع السفن ولعل اليونان قد أخذوا هذه الصناعة عنهم؛ وعلموهم كذلك أساليب في طرق المعادن، والنسيج والصباغة خيراً من أساليبهم (9)، وقد اشتركوا مع كريت وآسية الصغرى في نقل الصورة السامية للحروف الهجائية إلى بلاد اليونان بعد نمائها وتطورها في مصر واليونان وسوريا. وأخذت بلاد اليونان عن بابل نظام موازينها ومكاييلها (10)، وساعتها المائية ومزولتها (11)، ووحدات العملة المتداولة فيها، وهي الأبول Obol، والمينا Mina، والتالنت (الوزنة)(12)، وقواعد علم الفلك، وآلاته، وسجلاته، وحسابه، ونظامها الستيني الذي يقضي بتقسيم السنة والدائرة والزوايا الأربع القائمة التي تتقابل في مركزها إلى 360 جزءاً، وتقسيم كل درجة إلى 60 دقيقة وكل دقيقة من هذه الستين إلى 60 ثانية؛ ولعل معرفة طاليس بعلم الفلك عند المصريين
(1)
انظر تمثال كاريز Chares الجالس الذي عثر عليه في ميليتس والمحفوظ في المتحف البريطاني، أو رأس كليوبس Cleobis الذي صنعه بليميدس Polymedes والمحفوظ في متحف دلفي.
والبابليين هي التي أمكنته أن يتنبأ بكسوف الشمس (13)، ولعل هزيود قد أخذ عن بابل فكرته القائلة إن الفوضى والعماء أصل الأشياء جميعها؛ وإن قصة إشتار وتموز لتشبه قصتي أفرديتي وأدنيس ودمتر وبرسفوني شبهاً يدعو إلى الظن بأن الأولى هي الأصل الذي أخذت عنه القصتان الأخريان.
وكان بالقرب من الطرف الشرقي للمحيط التجاري الذي يضم أجزاء العالم القديم كله آخر أعداء اليونان ونعني بهم الفرس. ولقد كانت حضارة بلادهم من بعض نواحيها - وإن كانت نواحي قليلة - أرقى من حضارة بلاد اليونان المعاصرة لها. فلقد أخرجت إلى العالم طرازاً من الرجل المهذب أرق وأظرف من الرجل اليوناني في كل ناحية من النواحي عدا حدة الذهن والتعليم، كما أنشأت نظاماً للإدارة الإمبراطورية يفوق بلا جدال ذلك النظام الذي كانت تتزعمه أثينة وإسبارطة، ولم يكن ينقصه إلا حرص اليونان على الحرية. ولقد أخذ اليونان الأيونيون عن أشور قدراً من المهارة في صنع تماثيل الحيوان، كما أخذوا عنهم في صناعة النحت المبكرة ميلهم إلى ضخامة التماثيل واستواء ما عليها من الملبس، وأساليب الزينة الطنف والقوالب، وفي طراز النقش البارز في بعض الأحيان، كما نشاهد ذلك في لوحة أرستيون الجميلة (14). وكانت لليديا علاقات وثيقة بأيونيا، وكانت سرديس عاصمتها الزاهرة بمثابة البيت التجاري الذي تصفى به المتاجر والأفكار المتبادلة بين بلاد النهرين والمدن اليونانية المنتشرة على الساحل. وقد اقتضت الأعمال التجارية الواسعة قيام المصارف، واضطرت الحكومة الليدية إلى إصدار عملة مضمونة من الدولة في عام 680. وسرعان ما حاكى اليونان هذا العمل الجليل ذا الفائدة العظمى للتجارة، وأدخلوا عليه ضروب الإصلاح والتحسين، وكان له من الآثار التي لا تقل في خطرها وسعتها من استخدام الحروف الهجائية. وكان أثر فريجيا في بلاد اليونان أقدم من هذه الآثار السابقة وأدل على حذق الفريجيين. فقد دخلت سيبيلي أمها
الإلهة من أول الأمر إلى دين اليونان، وأضحت موسيقى الناي وما يصحبها من تهتك هي "الطراز الفريجي" الشائع بين عامة الشعب، والذي أقلق بال رجال الأخلاق اليونان. وعبر هذه الموسيقى العنيفة مضيق الهلسبنت من فريجيا إلى تراقية، واستخدمت في طقوس ديونيسس. وكان إله الخمر أهم ما أهدته تراقية إلى بلاد اليونان، ولكن مدينة تراقية هي أبدرا المتأغرقة أرادت ان تعوض بلاد اليونان عما أصابها بهذه الهدية فأهدت إليها ثلاثة من فلاسفتها هم ليوسبس Luecippus ودمقريطس Democritus، وبروتجراس Protagoras. وتراقية هي التي انتقلت منها طقوس ربات الشعر إلى بلاد اليونان، ولقد كان واضعو فن الموسيقى اليونانية نصف الخرافيين - أرفيوس، وموسايوس Mausaeus وثاميرس Thamyris- مغنين وشعراء تراقيين.
وننتقل بعدئذ من تراقية نحو الجنوب إلى مقدونية، وبذلك نكون قد أتممنا دراسة كل ما يحيط ببلاد اليونان من حضارات. ومقدونية بلاد جميلة المناظر الطبيعية، كانت أرضها في الزمن القديم غنية بالمعادن، وسهولها الخصبة تنتج الفاكهة والحب، وجبالها تنشئ أقواماً صلاباً قدر لهم فيما بعد أن يفتحوا بلاد اليونان، وكان سكان الجبال والفلاحون من أهلها من عناصر مختلفة، أهمها الإليريون والتراقيون، وربما كانت لهم صلات في الدم بالدوريين الذي فتحوا البلوبونيز. وكان حكامها الأشراف يدعون أنهم من نسل اليونان (ومن أبناء هرقل نفسه)، وكانوا يتكلمون لهجة يونانية. وكانت عاصمتهم الأولى إدسا Edessa تقع فوق هضبة واسعة بين السهول الممتدة إلى إبيروس وسلاسل الجبال التي تصل إلى بحر إيجة. وكان إلى الشرق منها مدينة بلا Pella التي أضحت فيما بعد عاصمة فليب والإسكندر؛ وبالقرب من البحر مدينة بدنا، التي هزم فيها الرومان المقدونيين الفاتحين وكسبوا بعد هذه الهزيمة حق نقل حضارة اليونان إلى العالم الغربي.
تلك إذن هي البيئة التي كانت تحيط ببلاد اليونان: حضارات كحضارة مصر وكريت وبلاد النهرين أهدت إليها العناصر الفنية في الصناعة، والعلوم، والفن، فاستحالت على أيدي اليونان إلى أزهى صورة في التاريخ؛ وإمبراطوريات كبلاد فارس وقرطاجنة تؤثر فيها منافسة التجارة اليونانية، وينضم بعضها إلى بعض لمحاربة اليونان وجعلها ولاية خاضعة لسلطانها غير قادرة على أذاها؛ وإلى الشمال جموع حربية النزعة، تتكاثر دون تفكير في العواقب، وتتنقل في قلق واضطراب، وتعبر بعد زمن قد يقصر وقد يطول الحواجز الجبلية القائمة بينها وبين بلاد اليونان، وتفعل بها ما فعله الدوريون من قبل فتمزق ما سماه شيشرون الإطار اليوناني الموشى به الثوب الهمجي (15)، وتدمر حضارة لا تفقه لها معنى. وقلما كانت هذه الأمم المحيطة ببلاد اليونان تعنى بما كان يعده اليونان جوهر الحياة وأغلى ما فيها، ألا وهو الحرية - حرية الحياة والتفكير، والقول والعمل. وكان كل شعب من هذه الشعوب، عدا الفينيقيين، يرزح تحت حكم الطغاة المستبدين، ويسلم أرواح بنيه إلى الخرافات والأوهام، ولا يعرف إلا القليل من بواعث الحرية أو الحياة العقلية. وهذا هو السبب الذي حدا باليونان إلى أن يطلقوا عليهم بلا تمييز بينهم اسم البَرْبَرُوي barbaroi أي الهمج؛ فالهمجي في اعتقادهم هو الذي يرضى بالاعتقاد دون تفكير، والذي يعيش مسلوب الحرية. ثم تتنازع الفكرتان - صوفية الشرق وعقلية الغرب - آخر الأمر جسم بلاد اليونان وروحها، فتنتصر العقلية في عهد بركليز، كما انتصرت في عهد قيصر، وليو العاشر، وفردريك؛ ولكن الصوفية كانت تعود على الدوام. وتبادل النصر بين هاتين الفلسفتين المكملة كلتاهما للأخرى هو الذي تتكون منه أهم المراحل في قصة الحضارة الغربية.
الفصل الثاني
أرجوس
وأخذت بلاد اليونان الصغيرة تمد رقعتها داخل هذه الدائرة من الأمم المحيطة بها حتى لم يكد يبقى جزء من شاطئ البحر الأبيض المتوسط لم يعمره أبناؤها. ذلك أن اليد الهزيلة التي مدت أصابعها الرفيعة إلى البحر نحو الجنوب لم تكن إلا جزءاً صغيراً من بلاد اليونان التي يعنينا تاريخها في هذا الكتاب؛ فقد انتشر اليونان، الذي لا تصدهم عن غرضهم عقبات مهما قويت في أثناء تطورهم ونمائهم، في كل جزيرة من جزائر بحر إيجة، وإلى كريت وقبرص، وإلى مصر وفلسطين، وسوريا، وما بين النهرين، وآسية الصغرى، وإلى بحر مرمرة والبحر الأسود، وإلى شواطئ بحر إيجة وشبه الجزيرة الممتدة منه، وإلى إيطاليا، وغالة، وصقلية، وإلى شمال إفريقية. وقد أنشأوا في هذه الأقاليم جميعها دول مدن مستقلة متفرقة ولكنها يونانية، تتكلم اللغة اليونانية وتعبد الآلهة اليونانية، وتكتب الآداب اليونانية وتقرؤها، وتقوم بنصيبها في تقدم العلوم والفلسفة اليونانية، وتمارس الدمقراطية على الطريقة اليونانية الأرستقراطية. وهم حين هاجروا من بلاد اليونان لم يتركوا موطنهم الأصلي وراءهم، بل حملوه معهم، حتى أرضه نفسها، إينما ذهبوا. وقد جعلوا حوض البحر الأبيض المتوسط بحيرة يونانية ومركزاً للعالم، ودام على هذا الوضع قرابة ألف عام.
وأصعب ما يواجهه مؤرخ الحضارة اليونانية القديمة ويثبط همته هو أن يؤلف من هذه الأعضاء المتفرقة في جسم بلاد اليونان وحدة منسجمةد
وقصة متصلة الأجزاء
(1)
. وسنحاول أن نفعل هذا بتلك الطريقة الشيقة طريقة الطواف في رحلة بهذه الأجزاء. وسنضع أمامنا في خلال هذه الرحلة خريطة، لا تكلفنا غير قليل من الخيال، وسننتقل من مدينة إلى مدينة في العالم اليوناني، وندرس في كل مركز من هذه المراكز حياة الأهلين قبل الحرب الفارسية - أساليبهم الاقتصادية والحكومية، ونشاط علمائهم وفلاسفتهم، وما أنشدوا من الشعر وما أنتجوه من الفنون
(2)
. ولسنا ننكر أن في هذه الطريقة عيوباً كثيرة: فالتتابع الجغرافي لن يتفق كل الاتفاق مع السياق التاريخي، وسنضطر في هذه الرحلة إلى أن نقفز من قرن إلى قرن ومن جزيرة إلى جزيرة، وسنجد أنفسنا نتحدث إلى طاليس وأنكسمندر قبل أن نصغي إلى هومر وهزيود. ولكننا لا يضيرنا قط أن نرى الإلياذة وما فيها من فحش في ضوء التشكك الأيوني، أو أن نستمع إلى شكاية هزيود الشديدة بعد أن زار المستعمرات الأيونية التي جاء منها والده المنهوك. وسنحيط بعض الإحاطة حين نصل في آخر رحلتنا إلى أثينة بالنواحي الكثيرة الاختلاف لتلك الحضارة التي ورثتها والتي حافظت عليها ببسالة في مرثون.
وإذا بدأنا رحلتنا من أرجوس حيث أقام الدوريون المنتصرون حكمهم، وجدنا أنفسنا في إقليم يوناني خالص: في سهل غير مسرف في خصبه، ومدينة صغيرة مهوشة النظام، ذات بيوت صغيرة من الآجر والجص، وهيكل
(1)
"إن كتابة تاريخ بلاد اليونان في كل عصر من عصوره إلا القليل النادر منها من غير أن يتشتت اهتمامنا عمل من أصعب الأعمال
…
ذلك أنه لا توجد وحدة دائمة متصلة أو مركز ثابت نستطيع أن نخضع له أعمال الدول اليونانية المتعددة وأهدافها" بيوري Bury من كتاب "المؤرخون اليونان الأقدمون".
(2)
سنقص التاريخ المعماري للمدن اليونانية الصغرى في هذه الفصول (الكتاب الثاني) حتى وفاة الإسكندر (323)، وذلك لكي نتحاشى العودة مراراً كثيرة إلى المكان الواحد.
على تلها، وملهى في الهواء الطلق على سفح ذلك التل، وقصور متواضعة في أماكن منها متفرقة، وأزقة ضيقة، وشوارع غير مرصوفة، وعلى بعد منها البحر الجميل الجذاب المضطرب الأمواج. ذلك أن بلاد اليونان إنما تتكون من جبال وبحار؛ والمناظر الجميلة الفخمة عادية فيها مألوفة إلى حد يجعل اليونان لا يعنون بذكر ذلك الجمال في كتبهم، وإن كان يستحوذ على قلوبهم ويوحي إلى عقولهم. وشتاء البلاد بارد ممطر، وصيفها حار جاف، وأهلها يزرعون في الخريف ويحصدون في الربيع؛ والمطر فيها نعمة وبركة، وزيوس مرسل المطر إله الآلهة. وأنهارها قصيرة ضحلة، تتحول إلى سيول جارفة في فصل الشتاء، وتجف حتى تظهر الحصباء في قيعانها في حر الصيف. ولقد كان على طول الشاطئ اليوناني مائة مدينة في حجم أرجوس وشبيهة بها؛ وألف مدينة أخرى تشبهها ولكنها أقل حجماً منها، وكلها ذات سيادة تغار على سيادتها، يفصل كل واحدة عن الأخرى ما بينها من خصام شديد أو مياه خطرة، أو تلال عديمة المسالك.
ويعزو أهل أرجوس منشأ مدينتهم إلى أرجس البلاسجي، البطل ذي المائة عين، كما يعزون ازدهارها الأول إلى رجل مصري يدعى دانوس Danaus قدم إليها على رأس جماعة من "الدنائيين"، وعلم الأهلين طريقة إرواء حقولهم من الآبار. وليس من حقنا أن نسخر من هذه الأسماء الخيالية، فقد كان اليونان يفضلون أن تنتهي بالأساطير تلك التواريخ الطويلة التي تنتهي عندنا نحن إلى الجهل والغموض. وقد أصبحت أرجوس، تحت حكم تمنوس أحد الهرقليين الذين عادوا إليها، أقوى المدن اليونانية بأجمعها، وأخضعت لسلطانها تيرينز، وميسيني وجميع الأراضي المحيطة بها. واستولى على زمام الحكم فيها حوالي عام 680 أحد أولئك الطغاة tyrranoi، الذي أصبح حكمهم الطراز المألوف في كبريات المدن اليونانية طوال القرنين اللذين أعقبا ذلك العهد. ولعل هذا الطاغية المسمى فيدون Pheidon قد استولى على الحكم،
كما استولى عليه أمثاله من الطغاة، بأن تزعم طبقة التجار الآخذة قوتها في الازدياد بعد أن ضموا إليهم العامة مؤقتاً ليسهل عليهم الوصول إلى غرضهم - وهو مقاومة سلطان الأشراف ملاك الأراضي. ولما هددت إبدروس وأثينة مدينة إيجينة زحف فيدون لمساعدتها واستولى عليها لنفسه. واستعمل فيدون طريقة الموازين والمكاييل البابلية - ولعله أخذها عن الفينيقيين - كما استخدم نظام النقد الليدي الذي تضمنه الدولة. وأنشأ دار الضرب في إيجينة وأضحت "السلاحف"(أي قطع النقط المنقوش عليها رمز الجزيرة) أول عملة رسمية في بلاد اليونان القارية (16).
وكان حكم فيدون الاستبدادي المستنير بداية عصر من الرخاء جاء إلى أرجوس وما حولها بكثير من الفنون، حتى كان موسيقيو أرجوس أشهر الموسيقيين في بلاد اليونان كلها في القرن السادس قبل الميلاد (17)، ومن هؤلاء لاسوس Lasus الهرميوني (Hermione) الذي اشتهر بين الشعراء الغنائيين في عصره، والذي أخذ عنه بندار Pindar مهارته في هذا الضرب من الشعر. وفي أيامه وضع أساس مدرسة النحت الأرجوسية التي أهدت إلى بلاد اليونان بليكليتس، كما أهدت إليها قواعدها الفنية؛ ووجد التمثيل موطناً له في تلك المدينة حيث أنشئت له دار تحتوي على عشرين ألف مقعد؛ وشاد المهندسون فيها هيكلاً لهيرا، التي كانت تحبها أرجوس، وتخصها بعبادتها، وتعدها العروس الإلهة التي تتجدد بكارتها في كل عام (18). لكن ما أصاب خلفاء فيدون من ضعف وفساد - هما نقمة الملكية - بالإضافة إلى الحروب المتعاقبة الطوال مع إسبارطة، أوهن أرجوس، واضطرها إلى أن تتخلى عن زعامة البلوبونيز إلى اللسديمونيين Lacedaemonians. وهي اليوم بلدة هادئة تختفي معالمها بين ما يحيط بها من حقول، ولا تذكر إلا قليلاً عن مجدها الغابر، وتفخر بأن أهلها لم يهجروها قط في أثناء تاريخها الحافل الطويل.
الفصل الثالث
لكونيا
في جنوب أرجوس، وعلى مسافة بعيدة من البحر يشاهد السائح قلل سلاسل جبال البرنون parnon، وهي قلل جميلة المنظر ولكن أجمل منها في العين نهر يوروتاس Eurotas الذي يجري بينها وبين سلسلة تيجتوس في الغرب، وهي أكثر منها ارتفاعاً وأشد قتاماً، وتكلل أعلاها الثلوج. وفي الوادي المعرض لفعل الزلازل يمتد "تجويف لسديمون"، وهو سهل منبسط تحميه التلال من جميع جوانبه بحيث لا تحتاج حاضرته إسبارطة إلى أسوار تحميها. وكانت إسبارطة "المبعثرة" في ذروة مجدها تتكون من خمس قرى منضمة بعضها إلى بعض يعمرها حوالي سبعين ألف نسمة. أما اليوم فهي قرية صغيرة لا يزيد سكانها على أربعة آلاف، ولا يكاد يبقى شيء، حتى في متحفها الصغير، من تلك المدينة التي حكمت فيما مضى بلاد اليونان وكانت سبباً في خرابها.
1 - توسيع إسبارطة
ولقد سيطر الدوريون من هذا الحصن الطبيعي المنيع على جنوبي البلوبونيز واستعبدوه. وكان هؤلاء الشماليون ذوو الشعر المرسل الطويل، الذين قوّت حياة الجبال أجسامهم وضرستهم الحروب، كان هؤلاء الأقوام يرون أن الحياة إما فتح أو استرقاق ولا ثالث لهما. وكانت الحرب عملهم المألوف يحصلون بها على رزقهم الشريف في ظنهم، كما كان غير الدوريين من أهل البلاد الذين أضعفهم اشتغالهم بالزراعة وطول عهدهم بالسلم في حاجة ملحة إلى سادة يتولون أمورهم ويسيطرون عليهم. وكان أول ما فعله ملوك إسبارطة، الذين
يدعون أنهم من سلالة الهرقليين الذين وفدوا إلى البلاد منذ عام 1104، أن أخضعوا سكان لكونيا الأصليين ثم هاجموا ميسينيا Messinia. وكانت تلك الأراضي الممتدة في الطرف الجنوبي الغربي من البلوبونيز مستوية وخصبة إذا قيست إلى سائر أجزاء شبه الجزيرة، وتقوم بحرثها قبائل هادئة مسالمة. ويقص علينا بوسنياس كيف ذهب أرستوديموس Aristodemus ملك ميسينيا إلى مهبط الوحي في دلفي ليستشيره في الوسائل التي يستطيع بها أن يهزم الإسبارطيين، وكيف أمره أبلو أن يضحي بعذراء يجري في عروقها دمه الملكي، وكيف قتل ابنته هو وخسر الحرب (19)(وربما كان سبب خسرانه أنه كان مخطئاً في اعتقاده أنه قتل ابنته)، وكيف قاد أرستمينس Aristomenes الشجاع الميسينيين بعد جيلين من ذلك الوقت في ثورة جامعة على حكامهم الفاتحين، وكيف ظلت مدنهم تسع سنين صابرة على الهجوم والحصار ولكن الإسبارطيين ظفروا بهم آخر الأمر، فأخضعوا الميسينيين وفرضوا عليهم جزية سنوية تعادل نصف محصولاتهم، وساقوا نصف عددهم وضموهم إلى أقنان هيلوت Helot.
والصورة التي ترتسم في مخيلتنا للمجتمع اللكوني قبل ليكرجوس تتكون، كما تتكون بعض الصور الملونة القديمة، من ثلاث طبقات، العليا منها السادة الدوريين، ويعيش معظمهم في إسبارطة على منتجات الحقول التي يمتلكونها في الريف والتي يحرثها لهم الهيلوتيون (الأرقاء). وكان بين هاتين الطبقتين من الوجهة الاجتماعية، ويحيط بهما من الوجهة الجغرافية، طبقة البريئيسيين Perioeci (الساكنين حولهم)، وهم قوم أحرار يسكنون في مائة قرية أو على تخوم لكونيا، أو يشتغلون بالتجارة أو الصناعة في المدن، يؤدون الضرائب ويخدمون في الجيش ولكنهم لا نصيب لهم في حكم البلاد، وليس لهم حق الزواج من الطبقة الحاكمة. وكانت أحط الطبقات وأكثرها عدداً طبقة الهيلوتيين، وقد سموا بهذا الاسم-
على حد قول استرابون- نسبة إلى هيلوس، وكان أهلها من أول من استعبدهم الإسبارطيون (20). وقد استطاعت إسبارطة بالغزو السافر لسكان لكونيا من غير الدوريين أو باستيراد أسرى الحرب أن تجعل لكونيا بلاداً يعمرها نحو 000 ر 224 من الهيلوتيين، 000 ر 120 من البريئيسيين، 000 ر 32 رجل وامرأة وطفل من طبقة المواطنين
(1)
.
وكان الهيلوتيون يستمتعون بجميع الحريات التي يستمتع بها أقنان الإقطاع في العصور الوسطى، فكان للواحد منهم أن يتزوج كيف شاء، وأن يكون له أبناء لا يهتم بعددهم أو ما سوف يؤول إليه أمرهم، ويستغل الأرض بطريقته هو، ويعيش في قريته مع جيرته، لا يقلقه مالك أرضه الغائب عنها، ما دام يؤدي إلى هذا المالك بانتظام إيجارها الذي حددته لها الحكومة. وكان هذا القن مرتبطُاً بالأرض ولكن مالكها لم يكن في مقدوره أن يبيعه أو يبيعها. وكان في بعض الحالات يؤدي خدمات منزلية في المدينة؛ وكان ينتظر منه أن يقوم على خدمة سيده في الحرب، وأن يحارب دفاعاً عن الدولة إذا ما طلب إليه أن يحارب من أجلها، فإذا أبلى في الحرب بلاء حسناً فقد ينال حريته. ولم تكن حاله الاقتصادية في الظروف العادية أسوأ من حال المزارعين القرويين في سائر أجزاء اليونان الخارجة عن أتكا، أو الفعلة غير المهرة في مدينة من المدن الحديثة. وكان مما يخفف عنه عبء الحياة مسكنه الذي يملكه، وعمله المنوع، وما حوله من حقول وأشجار هادئة تؤنسه وتعينه على عيشه؛ ولكنه كان من الناحية الأخرى معرضاً على الدوام لأن تطبق عليه القوانين العسكرية، وأن تفرض عليه رقابة الشرطة السرية، تقتله في أية لحظة من غير سبب أو محاكمة.
وكان الساذج في لكونيا كما كان في غيرها من بلاد العالم يؤدي الجزية إلى الشاطر الماكر. وتلك عادة لها ماض قديم مبجل ومستقبل مبشر بطول البقاء.
(1)
هذه الأرقام بطبيعة الحال غنية كلها، تستند إلى إشارات قليلة وفروض كثيرة.
وسبب ذلك أن طيبات الحياة في أكثر الحضارات تأتي بها وتنظم تصريفها عملية البيع والشراء الهادئة السوية: فالشاطر الماكر يحملنا على أن ندفع في الكماليات التي لا يتيسر مضاعفتها وفي الخدمات التي يؤديها لنا أكثر مما يستطيع الساذج أن يحصل عليه في نظير ما ينتجه من الضرورات التي يسهل إنتاجها وتعويض ما يستهلك منها. أما في لكونيا فقد توصل بعضهم إلى تركيز الثروة في أيديهم بوسائل بادية للعين منفرة، ملأت قلوب الهيلوتيين غيظاً بلغ من الشدة حداً جعل إسبارطة في كل عام تقريباً مهددة بالثورات التي تعرض كيان الدولة لأشد الأخطار.
2 - عصر إسبارطة الذهبي
كانت إسبارطة في هذا الماضي الغامض قبل أن يأتيها ليكرجوس مدينة كسائر المدن اليونانية ازدهر فيها الفن والأغاني كما لم يزدهرا قط بعد أيامه. وكانت الموسيقى أكثر الفنون انتشاراً فيها، وهي قديمة فيها قدم السكان أنفسهم، ذلك أننا مهما أوغلنا في القدم نجد اليونان يغنون. وإذ كان تاريخ إسبارطة لا تنقطع منه الحروب فإن موسيقاها قد اصطبغت بالصبغة العسكرية- وكان أسلوبها هو "الأسلوب الدوري" البسيط القوي. أما غيره من الأساليب الموسيقية فلم يكن يثبط فحسب، بل كان كل خروج عن هذا النمط الدوري يعاقب عليه القانون؛ وحتى تربندر نفسه Terpander، وهو الذي أخمد بأغانيه فتنة قامت في المدينة، وقد حكم عليه الإفوريون
(1)
بغرامة وسمرت قيثارته في جدار لأنه جرؤ على أن يزيد على أوتارها وتراً جديداً لتنسجم مع صوته؛ ولم يسمح لتيموثيوس Timotheus في عهد آخر من عهودها بأن يشترك في المباريات
(1)
طبقة الحكام الإسبارطيين.
الإسبارطية إلا بعد أن نزع بأمر الإفوريين ما أضافه من الأوتار الشائنة المرذولة على قيثارة تربندر، وكان قد زاد هذه الأوتار من سبعة إلى أحد عشر (23).
وقد وجد في إسبارطة، كما وجد في إنجلترا، مؤلفون عظام في الموسيقى، حين كانت تستورد هؤلاء المؤلفين من خارجها؛ فقد استدعت حوالي عام 670 تربندر من لسبس بأمر الوحي في دلفي، حسب زعمهم، ليعد مباراة في الغناء الجماعي في الاحتفال بعيد كرنيا Carneia. وكذلك استدعى ثاليتاس Thaletas، وألكمان Alcman، وبلمنستوس Polymnestus. وقد وجه هؤلاء معظم جهودهم لوضع ألحان وطنية وتدريب الفرق على إنشادها. وقلما كانت الموسيقى تعلم للأفراد من الإسبارطيين (24)، فقد بلغت الروح الشيوعية فيها، كما بلغت في روسيا الثورية، من القوة درجة جعلت الموسيقى تنزع فيها نزعة جماعية، وكانت الجماعات فيها تتبارى في إقامة حفلات الغناء والرقص الفخمة. وأتاحت هذه الأغاني الجماعية للإسبارطيين فرصة أخرى للتدريب ولتنظيم الجماهير، لأن كل صوت في الغناء كان خاضعاً للرئيس. ولم يشذ الملوك أنفسهم عن هذا الخضوع، فقد حدث في احتفال الهياكنثيا Hyacinthia أن غنى الملك أجسلوس في الزمان والمكان اللذين عينهما له رئيس الفرقة. وكان الإسبارطيون على بكرة أبيهم، كبيرهم وصغيرهم، رجالهم ونساؤهم، يشتركون أثناء الاحتفال بعيد الجمنوبيديا Gymnopedia في تمارين رياضية جماعية ورقص متناسق وغناء. وما من شك في أن هذه المناسبات كانت باعثاً قوياً للشعور الوطني، ومصرفاً ينصرف فيه ما تتأجج في الصدور من هذا الشعور.
وكان تربندر (أي "مطرب الناس") أحد أولئك الشعراء الموسيقيين النابهين الذين بدأ بهم عصر ليسيوس المجيد في الجيل الذي سبق سافو. وتعزو إليه الرواية المأثورة اختراع أناشيد الشراب المعروفة باسم اسكوليا scolia
وزيادة أوتار القيثارة من أربعة إلى سبعة؛ ولكن القيثارة ذات السبعة الأوتار كانت، كما سبق القول، قديمة قدم ميتوس، وأكبر الظن أن الناس كانوا يتغنون بفضائل الخمر في شباب العالم الذي جر عليه النسيان ذيله. والذي لا شك فيه أن تربندر قد ذاع صيته في لسبوس وعرف فيها بأنه مؤلف المقطوعات الغنائية الموسيقية ومغنيها. ولما أن قتل رجلاً في مشاجرة، نفي من هذه المدينة ورأى من مصلحته أن يقبل دعوة جاءته من إسبارطة بالذهاب إليها. ويلوح أنه أقام فيها بقية أيام حياته يعلم الموسيقى ويدرب الفرق الغنائية. ويقال لنا إنه قضي نحبه في مجلس شراب: فبينما هو يغني- ولعله كان يغني النغمة التي أضافها في أعلى السلم الموسيقي- قذفه أحد السامعين بتينة، فدخلت في فمه، وفي قصبته الرئوية، فسدت مسالك التنفس، وقضت عليه وهو في نشوة الغناء (25).
وواصل ترتيوس عمل تربندر في إسبارطة في أثناء الحرب الميسينية الثانية؛ وقد جاءها من أفدنا Aphidna- وقد تكون في لسيدمون، وقد تكون وهو الأرجح في أتكا. والذي لا شك فيه أن الأثينيين كانوا يروون فكاهة قديمة عن الإسبارطيين، وهي أنهم حين كانت الدائرة تدور عليهم في الحرب الثانية أنجاهم من الهزيمة الماحقة معلم أتِكِي أعرج أيقظت أغانيه الإسبارطيين الخاملين وبعثت في قلوبهم الشجاعة فانتصروا بذلك على أعدائهم (26). وجلي أنه كان ينشد أغانيه في المجتمعات العامة بمصاحبة الناي، وهو يعمل لتبديل الموت الحربي بالمجد الذي يحسد عليه. وقد جاء في إحدى القطع الباقية من أغانيه: "ما أجمل أن يموت الرجل الشجاع في الصف الأول من المجاهدين في سبيل أوطانهم؛ ألا فليثبت كل إنسان في مكانه واقفاً على قدميه لا يتزحزح عن موقفه، وليعض على نواجذه
…
وليضم كل إنسان قدم زميله، ولتتلاحق الدروع، ولتختلط الرياش المتماوجة، والخوذ المتلاطمة، وليتقدم المقاتلون متلاصقون كالبنيان المرصوص، تتلاقى في معمعان القتال نصال السيوف وأسنة رماحهم" (27). ويقول
ليونيداس ملك إسبارطة إن ترتيوس "كان رجلاً بارعاً في إثارة حمية الشباب"(28).
وغنى ألكمان لأهل ذلك الجيل نفسه، وكان صديقاً لترتيوس ومنافساً له، ولكن غناءه كان أكثر تنوعاً من غناء صديقه وأقرب منه إلى مطالب هذه الحياة الدنيا. وكان موطنه الأصلي ليديا البعيدة. ويقول بعضهم إنه كان عبداً ولكن اللسديمونيين رحبوا به لأنهم لم يكونوا قد تعلموا كراهية الأجنبي التي أصبحت فيما بعد جزءاً من قانون ليكرجوس. ولو أنه قد عاصر الإسبارطيين المتأخرين لرأوا في مدائحه في الحب والطعام وتعداده لأصناف الخمور اللكونية مسبة لهم. وتصفه الرواية التاريخية بأنه أشد الأقدمين شرهاً وشغفاً بالنساء. وهو يقول في إحدى أغانيه إنه كان سعيد الحظ لأنه لم يبق في سرايس، وإلا لجبت خصيتاه وأصبح من كهنة سيبيل، بل جاء إلى إسبارطة حيث يستطيع أن يحب بكامل حريته مجالستراتا Megalostrata ذات الشعر الذهبي (29). وبه تبدأ أسرة الشعراء العشاق التي تنتهي بأنكريون، وهو حامل لواء "التسعة شعراء الغنائيين" الذين اختارهم النقاد الإسكندريون ووصفوهم بأنهم أحسن شعراء بلاد اليونان القديمة
(1)
. ولقد كان في وسعه أن يكتب ترانيم وتهاليل، وخمريات وغزلا؛ وكان أحب شيء إلى الإسبارطيين ما وصفه في هذه الأغاني من حين إلى حين قطعاً تكتشف لنا عن قوة الشعور الخيالي التي هي جوهر الشعر وأساسه.
"لقد استغرقت في النوم قلل الجبال ومسايلها، وشعابها، وخوانقها، والزواحف التي تخرج من الأرض السوداء، والوحوش التي تتربص على
(1)
ألكمان، ألسيوس Alcaeus، سفو، استسيكورس، إليكس، أنكريون، سمنيدس، بندار، بكليدس.
سفوح التلال، وثول النحل، والحيوانات المهولة في قاع البحر الأرجواني، استغرقت كلها في النوم، ومعها أسراب الطيور المجنحة
(1)
.
ولنا أن نستنتج من وجود هؤلاء الشعراء أن الإسبارطيين لم يكونوا إسبارطيين على الدوام، وأنهم لم يكونوا في القرن السابق لليكرجوس أقل شغفاً بالشعر والفنون الجميلة من سائر اليونان؛ ولقد أضحت الأغاني الجماعية من الخواص الوثيقة الصلة بهم، ولما أن أراد كتاب المسرحيات الأثينيون أن يكتبوا أغاني جماعية لمسرحياتهم لم يروا بداً من أن يكتبوها باللهجة الدورية، مع أنهم كتبوا الحوار باللهجة الأتيكية. وليس من السهل علينا أن نقول أي الفنون الأخرى قد ازدهرت في لسديمون في تلك الأيام، أيام الهدوء والاطمئنان، لأن الإسبارطيين أنفسهم قد غفلوا عن تاريخ تلك الأيام والاحتفاظ بتاريخها إن كانوا قد سجلوه؛ ولكنا نستطيع أن نقول إن الفخار والبرنز اللكونيين قد اشتهرا في القرن السابع، وإن الفنون الصغرى قد أخرجت كثيراً من الكماليات التي تستمتع بها الأقلية المحظوظة. لكن هذه النهضة القصيرة الأجل قضت عليها الحروب الميسينية. فقد وزعت الأراضي المفتوحة على الإسبارطيين، وكاد عدد الأقنان أن يتضاعف نتيجة لهذا التوزيع. وكيف يستطيع ألفاً من المواطنين أن يخضعوا على الدوام أربعة أمثالهم من البرئيسيين وسبعة أمثالهم من الهيلوتيين؟ إنهم
(1)
ما أشبه هذه الأغنية "بأغنية الجائل الليلي" لجيته. كأن إحساساً واحداً قد جمع بين شاعرين بين أحدهما والآخر خمسة وعشرون قرناً من الزمان: فوق قلل التلال كلها. ساد السكون الآن. وفي أعالي الأشجار جميعها. لا تكاد تستمع. إلى نفس يهب. إن الطيور نائمة بين الأغصان، على رسلك، إنك أنت الآخر. لن تلبث حتى تستريح مثلها
لا يستطيعون ذلك إلا إذا نفضوا أيديهم من ممارسة الفنون ومناصرتها، وجعلوا من كل إسبارطي جندياً شاكي السلاح مستعداً على الدوام لقمع الثورات أو السير إلى ميدان القتال. ولقد بلغوا هذه الغاية بفضل دستور ليكرجوس، ولكن هذا الدستور نفسه قد أخرج إسبارطة من تاريخ الحضارة بكافة معانيها اللهم إلا معناها السياسي وحده.
3 - ليقورغ
يعتقد المؤرخون اليونان اعتقاداً لا يقبل الجدل أن ليقورغ هو واضع شرائع إسبارطة، كما يعتقدون أن حصار طروادة وقتل أجممنون من الحقائق التاريخية المسلم بصحتها. وكما أن العلماء المحدثين قد ظلوا مائة عام كاملة ينكرون وجود طروادة وأجممنون، فإنهم اليوم يترددون في الاعتراف بأن ليقورغ شخص واقعي كان له وجود في التاريخ. وتختلف التواريخ التي يحددها له من يؤمن بوجوده منهم ما بين 900، 600 ق. م؛ وكيف يستطيع رجل واحد أن يبتدع أعجب وأبغض طائفة من الشرائع في التاريخ كله، ثم لا يفرضها في سنين قليلة على شعب خاضع مغلوب فحسب، بل يفرضها كذلك على الطبقة الحاكمة ذات النزعة العسكرية صاحبة الإدارة القوية؟ (33) ولكننا رغم هذا إذا رفضنا رواية يأخذ بها جميع المؤرخين اليونان اعتماداً منا على هذه الأسباب، نكون متجنين على الحقيقة والتاريخ. لقد كان القرن السابع قبل الميلاد عصر المؤرخين الأفراد- زلوكس Zaleucus في لكريس الإيطالية (حوالي 660)، ودريكو Draco في أثينة (620)، وكرنداس Charondas في كتابنا بصقلية (حوالي 610) - دع عنك كشف يوشع لشرائع موسى في هيكل أورشليم (حوالي 621). ولعل الحق في الحالات السالفة الذكر أن هذه الشرائع لم تكن من وضع رجل بعينه بل كانت طائفة من العادات
ليقورغ
نسقت وصيغت- حتى صارت قوانين معينة محددة، سميت من قبيل التيسير باسم الرجل الذي جمعها وقننها وأبرزها في معظم الأحيان في صورة شرائع مكتوبة
(1)
. وسوف نسجل في هذا الكتاب الرواية المتواترة كما وصلت إلينا على أن نذكر مع ذلك أنها في أغلب الظن تجسيد وتصوير لعملية طويلة تطورت فيها العادات حتى صارت قوانين على يد عدد كبير من المؤلفين دأبوا على العمل كثيراً من السنين.
ويقول هيرودوت (34) إن ليقورغ، عم الملك كاريلوس Charilaus ملك إسبارطة ووليه، تلقى من الوحي في دلفي بعض مراسيم، يصفها البعض بأنها قوانين ليقورغ نفسها، ويصفها البعض الآخر بأنها تصديق رباني على القوانين التي اقترحها هو. ويبدو أن المشترعين قد أحسوا أن آمن طريقة لتغيير بعض العادات القائمة أو إدخال عادات جديدة هي أن يعرضوا ما يريدونه في كلتا الحالتين على أنه أوامر من عند الله؛ ولم تكن هذه أول مرة أقامت الدولة قواعدها في السماء. وتضيف الرواية إلى هذا أن ليقورغ سافر إلى كريت، وأعجب بنظمها، واعتزم أن يُدْخِل بعضها في لكونيا (35). وقبل الملوك ومعظم النبلاء إصلاحاته على مضض، لأنهم رأوا أن لا بد لهم منها إذا أرادوا أن يضمنوا لأنفسهم السلامة والطمأنينة؛ ولكن أحد الشبان الأشراف، واسمه الكمندر، قاوم هذا الإصلاح مقاومة شديدة عنيفة وفقأ إحدى عيني المشترع نفسه. ويقص بلوتارخ هذه القصة بأسلوبه السلس الساحر.
ولم يثبط هذا العمل عزيمة ليقورغ أو يضعف همته، بل سكت وكشف لمواطنيه عن وجهه المشوه وعينه المفقوءة. واستولى عليهم الخجل والهلع من هذا المنظر فجاءوه بألكمندر ليعاقبه على فعلته .. فشكر لهم ليقورغ ما فعلوا، وصرفهم عن آخرهم، ولم يستبق منهم إلا الكمندر، ثم أخذه معه
(1)
ويقال إن ليقورغ قد نهى الناس عن كتابة قوانينه.
ليقورغ
إلى منزله، ولم يقل له كلمة نابية أو يوقع عليه أي عقاب، بل
…
أمره أن يقف في خدمته وقت الطعام. وكان الشاب ذا خلق كريم فقام بكل ما كان يؤمر أن يقوم به دون أن يتذمر أو يتململ؛ وبذلك أتيحت له الفرصة لأن يعيش مع ليقورغ فيلاحظ فيه فضلاً عن رقته وهدوء طبعه استقامة لا عهد له بها، وجداً وصبراً على العمل، وأصبح الشاب من أشد الناس إعجاباً به وقد كان من قبل من ألد أعدائه، وقال لأصدقائه وأقاربه إن ليقورغ لم يكن ذلك الرجل النكد السيئ الطباع كما كانوا يظنون، بل إنه دون غيره الرجل الظريف الرقيق الحاشية في العالم كله.
ولما أتم ليقورغ قوانينه، أخذ على الأهلين عهداً (ولعل هذه زيادة خرافية زيدت على قصته) ألا يبدلوا في القانون شيئاً قبل أن يعود إليهم. ثم سافر إلى دلفي، واعتزل العالم، وحرم على نفسه الطعام حتى مات "ظناً منه أن الواجب يقضي على السياسي أن يجعل موته إذا استطاع عملاً يخدم به الدولة"(37).
4 - دستور لسديمونيا
وإذا أردنا أن نحدد بالضبط إصلاحات ليكرجوس؟، وجدنا الروايات التاريخية مضطربة متناقضة، حتى ليصعب علينا أن نقول أي عناصر القوانين الإسبارطية سبقت ليكرجوس، وأيها من وضعه هو أو من وضع الجيل الذي كان يعيش فيه، وأيها أضيفت إليها بعد أيامه. فأما بلوتارخ ويليبيوس (38) فيؤكدان لنا أن ليكرجوس أعاد تقسيم أراضي لكونيا ثلاثين ألف قسم متساوية، ووزعها على المواطنين؛ وأما ثوسيديدس (39) فَيُفْهَم من أقواله أن تقسيماً من هذا النوع لم يحدث قط، ولعل الذي حدث فعلاً أن الأملاك القديمة لم تُمَسّ وإنما وزعت الأراضي التي استولوا عليها حديثاً توزيعاً متساوياً. وألغي ليكرجوس (أو واضعوا الدستور المنسوب إليه)،
كما فعل كليسثنيز السكيوني وكليسثنيز الأثيني، نظام المجتمع اللكوني القائم على صلة القرابة، واستبدل به أقساماً جغرافية، وبهذا تحطم سلطان الأسر القديمة، وأنشئ نظام أرستقراطي واسع النطاق. وأراد ليكرجوس أن يمنع هذه الألجركية مالكة الأرض من أن تقضي عليها طبقات التجار ونحوها، التي كانت تسير سيراً حثيثاً نحو مركز الزعامة في أرجوس، وسكيون، وكورنثة، ومجارا، وأثينة، فحرّم على المواطنين أن يشتغلوا بالصناعة، أو التجارة، ومنع استيراد الذهب والفضة، وأمر ألا يستخدم في سك العملة غير الذهب وحده. ذلك بأنه قد وطد العزم على أن يتفرغ الإسبارطيون (المواطنون ملاك الأرض) إلى شؤون الحكم والحرب.
وكان مما يفخر به المحافظون الأقدمون (40) أن دستور ليكرجوس قد دام طويلاً لأن أنظمة الحكم الثلاثة: الملكية، والأرستقراطية، والدمقراطية قد اجتمعت كلها فيه، واجتمعت بنسب تمنع طغيان أي عنصر منها على العنصرين الباقيين. من ذلك أن الملكية الإسبارطية كانت في الواقع ملكية ثنائية، فقد كان فيها ملكان يحكمان معاً وينحدران من الهرقليين الغزاة. ولعل هذا النظام الغريب كان تراضياً بين أسرتين متنافستين لأنهما تنتميان إلى أصل واحد، أو لعله كان وسيلة للاستفادة مما للملكية من مزايا نفسانية في المحافظة على النظام الاجتماعي والعزة القومية مع تجنب استبدادها وطغيانها. وكانت سلطة الملكين سلطة محددة غير مطلقة: فكانا يقومان بتقريب القرابين التي يتطلبها دين الدولة، ويرأسان الهيئة القضائية، ويقودان الجيش في الحرب. وكانا في جميع أعمالهما خاضعين لمجلس الشيوخ، وأخذا بعد معركة بلاتية يفقدان سلطانهما شيئاً فشيئاً ويتولاها الإفورون.
أما العناصر الأرستقراطية ذات السلطان الأكبر في الدولة فكان مقرها في مجلس الشيوخ أو الجروسيا. وكانت الجروسيا بمعناها الحرفي
وحقيقة أمرها جماعة من الرجال كبار السن؛ وكان الذين تقل أعمارهم عن ستين عاماً يعدون في العادة غير ناضجين لمناقشة شؤون الدولة في هذا المجلس. ويحدد بلوتارخ عدد أعضاء المجلس بثمانية وعشرين عضواً ويروي عن طريقة انتخابهم رواية لا يصدقها العقل، فيقول إنه إذا خلا مكان في المجلس كان يطلب إلى من يتقدمون لملئه أن يمروا صامتين واحداً بعد واحد أمام الجمعية، فمن حيته منهم بأعلى الأصوات وأطولها أعلن انتخابه (41). وربما كانت هذه الطريقة في رأيهم طريقة واقعية مختصرة للإجراءات الدمقراطية الطويلة الكاملة، ولسنا نعرف أي المواطنين كانوا هم الصالحين لهذا الانتخاب، وأكبر الظن أن الذين يصلحون كانوا هم "الهمويْوي" أي الأنداد، الذين يمتلكون أرض لكونيا وخدموا في الجيش وجاءوا بنصيبهم من الطعام إلى المائدة العامة (42). وكان مجلس الشيوخ هو الذي يقترح القوانين، وكان هو المحكمة العليا التي تفصل في الجرائم الكبرى، وهو الذي يضع أسس السياسة العامة للدولة.
وكانت الجمعية الأبلا Apella هي العنصر الدمقراطي الذي ارتضته إسبارطة في حكومتها. ويلوح أن جميع المواطنين الذكور كانوا يقبلون فيها متى بلغوا سن الثلاثين، وكان عدد من يمكن اختيارهم أعضاء فيها 8000 من بين سكان إسبارطة البالغ عددهم 000 ر 376. وكانت تجتمع في كل يوم من الأيام التي يكون فيها القمر بدراً، وتعرض عليها جميع المسائل العامة ذات الأهمية الكبرى، ولا يسن قانون إلا إذا وافقت عليه. على أن الذي حدث بالفعل أن القوانين التي أضيفت إلى دستور ليكرجوس كانت قلة لا تستحق الذكر، وهكذا لم يكن للجمعية إلا أن تقبلها أو ترفضها دون أن يكون لها حق تعديلها. فهي في جوهرها الاجتماع الهومري العام القديم تستمع في رهبة إلى آراء الزعماء والكبار أو إلى الملكين قائدي الجيش. وكانت الأبلا من الوجهة النظرية مصدر السلطات وصاحبة السيادة، ولكن تعديلا أدخل على
الدستور بعد ليكرجوس جعل لمجلس الشيوخ حق تغيير قرار الجمعية إذا رأى أنها اتخذت قراراً "معوجاً"(43). ولما أن طلب مفكر سباق لعصره إلى ليكرجوس أن ينشئ دولة دمقراطية أجابه المشترع بقوله: "ابدأ أيها الصديق بإنشائها في أسرتك"(44).
وكان شيشرون يشبه الإفورين (المشرفين) الخمسة بالتربيونين في رومة لأن الجمعية هي التي كانت تختارهم في كل عام، ولكنهم في الواقع كانوا أكثر شبهاً بالقناصل الرومان لأنهم كانت لهم سلطة إدارية لا يقف في سبيلها إلا معارضة مجلس الشيوخ. وكانت وظيفة الإيفور قائمة قبل ليكرجوس، ولكنها مع ذلك لم يرد لها ذكر فيما وصل إلينا من أنباء عن شرائعه. ولم يكد يمضي من القرن السادس إلا نصفه حتى أضحت سلطة الإفورين مساوية لسلطة الملكين؛ ثم أصبحوا في واقع الأمر أصحاب السلطة العليا بعد الحرب الفارسية. فكانوا يستقبلون السفراء، ويفصلون في المنازعات القضائية، ويقودون الجيوش، ويوجهون أعمال الملوك، ويعاقبون الملوك أنفسهم أو يبرئونهم من التهم التي توجه إليهم.
أما تنفيذ أوامر الحكومة فكان يتولاه الجيش أو الشرطة. وقد جرت عادة الإفورين بأن يسلحو ابعض الشبان الإسبارطيين، ويتخذونهم شرطة سرية (كربتيا krypteia) ليتجسسوا على الناس، وكان لهم حق قتل الهيلوتيين بمحض إرادتهم (45). وكانت هذه الهيئة تستخدم في أوقات لم يكن ينتظر أن تستخدم فيها، بل إنها كانت تستخدم للتخلص من الهيلوتيين إذا كان سادتهم يرونهم رجالاً قادرين يُخشى بأسهم، وإن كانوا قد دافعوا عن الدولة في الحرب دفاع الأبطال. ويقول عنهم ثوسيديدس النزيه بعد ثمان سنين من حرب البلوبونيز:
صدر إعلان يدعو الهليوتيين لأن يختاروا من بينهم من يقولون إنهم
قد أظهروا تفوقهم في قتال الأعداء لكي ينالوا حريتهم؛ وكان الغرض الحقيقي من هذه الدعوة هو اختبارهم، لأن أول من يتقدمون للمطالبة بحريتهم كانوا في رأي الداعين أعزهم نفساً وأكثرهم استعداداً للعصيان. واختير بهذه الطريقة ألفان منهم وضعت على رؤوسهم التيجان، وطافوا بالهياكل مغتبطين بحريتهم الجديدة ولكن الإسبارطيين ما لبثوا أن تخلصوا منهم جميعاً، ولم يعرف أحد قط كيف هلك كل فرد من أفرادهم (46).
وكان الجيش عماد السلطة في إسبارطة ومناط فخرها، لأنها وجدت في شجاعته، ونظامه، ومهارته، أمنها ومثلها الأعلى. وكان كل مواطن يدرب تدريباً حربياً، وكان عرضة لأن يُدعى إلى الخدمة العسكرية فيما بين العشرين والستين من عمره. وبفضل هذا التدريب القاسي نشأت الهبليت hoplites الإسبارطية، وهي فرق المشاة المتراصة الثقيلة قاذفات الحراب، والمكونة من المواطنين، التي كانت تقذف الرعب في قلوب الأثينيين أنفسهم، ولم يكد يقهرها عدو حتى انتصر عليها إباميننداس Epaminondas في لكترا Leuctra. وكان هذا الجيش هو المحور الذي صاغت إسبارطة حوله قانونها الأخلاقي. فالطيبة في إسبارطة هي أن تكون قوياً شجاعاً؛ والموت في ميدان القتال هو أعظم الشرف ومنتهى السعادة؛ والحياة بعد الهزيمة هي العار الذي لا يمحى والذي لا تغتفره الأم نفسها لابنها الجندي. وكانت الأم تودع ابنها الجندي الذاهب إلى حومة الوغى بقولها:"عد بدرعك أو محمولاً عليه". وكان الفرار بالدرع الثقيل أمراً مستحيلاً.
5 - القانون الإسبارطي
إن تدريب الناس على مثل أعلى متعب للجسم، وخاصة إذا كان كالذي يدرب عليه الإسبارطيون، يحتم أخذهم من أيام مولدهم وتعويدهم أشد النظم
وأعظمها صرامة.
وكانت الخطوة الأولى هي تقوية النسل بأقصى الطرق. فلم يكن كل ما يفرض على الطفل هو أن يواجه ما لأبيه من حق قتله، بل كان يؤتى به فضلاً عن ذلك أمام مجلس من مجالس الدولة مكون من مفتشين، فإذا ظهر أن الطفل مشوه ألقي به من فوق جرف في جبل تيجيتس ليلقى حتفه على الصخور القائمة في أسفله (47). وكان ثمة وسيلة أخرى للتخلص من ضعاف الأطفال نشأت من العادة التي جرى عليها الإسبارطيون، وهي تعويد أطفالهم تحمل المشاق والتعريض لمختلف الأجواء (48). وكان يطلب إلى الرجال والنساء أن يهتموا بصحة من يريدون أن يتزوجوهم وبأخلاقهم؛ وحتى الملك أركداموس Archidamus نفسه قد فرضت عليه غرامة لأنه تزوج بامرأة ضئيلة الجسم (49). وكان الأزواج يشجعون على أن يعيروا زوجاتهم إلى رجال ذوي قوة ممتازة غير عادية حتى يكثر بذلك الأطفال الأقوياء؛ وكان ينتظر من الأزواج الذين أنهكهم المرض أو أعجزتهم الشيخوخة أن يدعوا الشبان ليعينوهم على تكوين أسر قوية. ويقول بلوتارخ إن ليكرجوس كان يسخر من الغيرة ومن احتكار الأزواج، ويقول إن من أسخف الأشياء أن يعنى الناس بكلابهم وخيلهم، فيبذلوا جهدهم ومالهم ليحصلوا منها على سلالات جيدة، ثم تراهم مع ذلك يبقون زوجاتهم في معزل ليختصوا بهن في إنجاب الأبناء، وقد يكونون ناقصي العقل أو ضعفاء أو مرضى". والأقدمون كلهم مجمعون على أن الذكور من الإسبارطيين كانوا أقوى أجساماً وأجمل وجوهاً من سائر رجال اليونان، وأن نساءهم كن أصح وأجمل من سائر نساء تلك البلاد (50).
وأغلب الظن أن هذه النتيجة يرجع أكثرها إلى التدريب لا إلى العناية بالنسل. وفي ذلك يقول ثوسيديدس على لسان الملك أركداموس: "قلما يكون ثمة فرق"(يعني وقت المولد على ما نظن)"بين الرجل والرجل، ولكن الذي يتفوق في آخر الأمر هو الذي ينشأ في أقصى مدرسة"(51). وكان الولد الإسبارطي يؤخذ من أسرته في السابعة من عمره
لتتكفل الدولة بتربيته؛ فكان يسلك في فرقة عسكرية هي في الوقت نفسه فصل مدرسي تحت إشراف بيدونوموس Paidonomos أو قيم على الأولاد. وكان أقدر الأولاد وأشجعهم في كل فصل ينصب عريفاً عليهم؛ ويطلب إلى سائر الأولاد أن يطيعوه، وان يخضعوا لما عساه أن يفرضه عليه من عقاب، وأن يحاولا أن يجاروه أو أن يتفوقوا عليه في الأعمال الشاقة وفي حسن النظام. ولم يكن هدفهم من هذه التربية هو الجسم الرياضي والمهارة في الألعاب كما كان هدف الأثينيين، بل كان هذا الهدف هو الشجاعة الحربية والقيمة العسكرية. وكانوا يقومون بالالعاب وهم عراة على أعين الكبار والعشاق من الرجال والنساء. وكان هَمّ الكبار من الرجال أن يثيروا الشحناء بين الأولاد فرادي وجماعات، ليختبروا بهذا ما لديهم من قوة وجلد ويدربوهم عليهما؛ فإذا ما جبنوا لحظة جللهم العار أياماً طوالاً. وكان يطلب إلى الإسبارطيين جميعاً أن يتحملوا الألم ويقاسوا الصعاب، وأن يصبروا على المصائب وهم صامتون لا يتذمرون. وكان عدد من الشبان يختارون كل عام أمام مذبح أرتميس أرثيا Artemis Ortha وتلهب أجسامهم بالسياط حتى تخضب دماؤهم الحجارة (52). وإذا بلغ الولد الثانية عشرة من عمره منعت عنه ملابسه السفلى، ولم يسمح له إلا بثوب واحد طوال أيام السنة. ولم يكن يستحم كثيراً كغلمان الأثينيين، لأن الماء والأدهان تجعل الجسم ليناً رخواً، أما الهواء البارد والتراب النظيف فيجعلانه صلباً شديد المقاومة. وكان ينام في العراء صيفاً وشتاءً، على فراش من الأسل يقطع من شاطئ يوروتاس. وكان يعيش حتى الثلاثين من عمره في الثكنات مع فرقته، ولا يعرف وسائل الراحة المنزلية.
وكان يتعلم القراءة والكتابة، ولكنه لا يكاد يتعلم منهما ما يكفي لأن يخرجه من سلك الأميين، وقلما كانت الكتب تجد في إسبارطة من يشتريها (53)، وكان الناشرون قلة كالمشترين. ويقول بلوتارخ إن ليكرجوس كان يرغب ألا يتعلم الأطفال قوانينه بطريق الكتابة، بل يجب أن يتلقوها مشافهة وبطريق
المران عليها في شبابهم بعناية من يرشدهم ويضرب لهم المثل بنفسه. وكان يرى أن تقويم الأخلاق بتعويدهم إياه دون أن يحسوا هم بذلك خير من الاعتماد على الإقناع بالحجج النظرية؛ وأن التعليم الصحيح هو خير أساليب الحكم، على أن يكون هذا التعليم خلقياً أكثر منه عقلياً، لأن الخلق أعظم خطراً من العقل. وكان الشاب الإسبارطي يدرب على الاعتدال في الشراب، وكانوا يرغمون بعض الهيلوتيين على الإفراط فيه حتى يرى الشبان ما قد يتردى فيه المخمور من حماقات (54). وكان يعلم أن يستعد للحرب بأن ينطلق في الحقول يجد طعامه بنفسه أو يموت جوعاً إذا لم يجده، وكانوا يجيزون له السرقة في هذه الأحوال، فإذا قبض عليه وهو يسرق عوقب بالجلد (55). وإذا كان حسن السلوك سمح له أن يحضر اجتماع المواطنين العام، وكان ينتظر منه أن يعنى بالاستماع إلى ما يقال فيه حتى يلم بمشاكل الدولة ويتعلم فن الحديث الظريف. فإذا تخطى صعاب الشباب بشرف وبلغ سن الثلاثين منح كل ما للمواطن من حقوق، وألقيت عليه جميع ما يلقى على المواطن من تبعات، وأجيز له أن يجلس لتناول الطعام مع من هم أكبر منه.
وكانت البنت أيضاً خاضعة لقيود تفرضها عليها الدولة، وإن كانت تتركها لتربى في منزل أبويها. فكان يطلب إليها أن تقوم ببعض الألعاب العنيفة- الجري، والمصارعة، ورمي القرص، وإطلاق السهام من القوس- لكي تصبح قوية البنية، صحيحة الجسم، صالحة في يسر للأمومة الكاملة. وكان عليها أن تسير عارية في أثناء الرقصات والمواكب العامة، ولو كانت في حضرة الشبان، لكي يحفزها ذلك إلى أن تعنى بجسمها العناية الواجبة، ولكي تنكشف للناس عيوبها فيعملوا على إزالتها. وفي ذلك يقول بلوتارخ، وهو الرجل الشديد الحرص على الأخلاق: "ولم يكن ثمة شيء يُستحى منه في عري الفتيات، فقد مكان الوقار شعارهن، وكان الفجور أبعد الصفات عنهن. وكن وهن يرقصن يغنين الأغاني
في مدح من أظهروا الشجاعة في الحرب، ويصببن اللعنات على من يجبن. ولم يكن الإسبارطيون يضيعون جهودهم ووقتهم في تربية البنات تربية عقلية.
أما الحب فكان يسمح للشاب أن ينغمس فيه، وأن يحب الذكور والإناث دون ما تحرج، فقد كان لكل صبي تقريباً حبيب بين من هم أكبر منه من الرجال، وكان ينتظر من هذا الحبيب أن يواصل تعليمه، وأن يجزيه الصبي عن هذا حباً وطاعة. وكثيراً ما استحال هذا النفع المتبادل صداقة عاطفية قوية تبعث في نفس الفتى والرجل ضروب البسالة في الحرب (56). وكان يسمح للشبان بالكثير من الحرية قبل الزواج، ولذلك كانت الدعارة الرسمية نادرة الوجود، وكان التسري لا يلقى تشجيعاً (57). ولم نسمع عن وجود هياكل لأفرديتي في لسديمون كلها، اللهم إلا هيكلاً واحداً، وحتى في هذا الهيكل قد مثلت الآلهة وعليها نقاب وفي يدها سيف، وفي قدميها أغلال، كأنها تشير بذلك إلى ما في زواج الحب من سخف وطيش، وإلى خضوع الحب للحرب، وإلى إشراف الدولة إشرافاً قوياً على الزواج.
وحددت الدولة أنسب سن للزواج سن الثلاثين للرجال والعشرين للنساء. وكانت العزوبة في إسبارطة جريمة، وكان العزاب يحرمون حق الانتخاب وحق مشاهدة المواكب العامة التي يرقص فيها الفتيان والفتيات عرايا؛ ويقول بلوتارخ إن العزاب أنفسهم كانوا يرغمون على أن يمشوا بين الجماهير عرايا صيفاً وشتاءً ينشدون نشيداً فحواه إنهم يقاسون هذا العقاب العادل جزاء لهم على مخالفة قوانين البلاد. وكان الذين يصرون على عدم الزواج عرضة لأن تهاجمهم في أي وقت من الأوقات جماعات من النساء يؤذينهم أشد الأذى. ولم يكن العار الذي يلحق بمن يتزوجون ولا يلدون ليقل كثيراً عن العار الذي يلحق العزاب؛ وكان المفهوم أن من لا أبناء لهم من الرجال غير خليقين بذلك الإجلال الديني الذي يقدمه الشبان الإسبارطيون لمن هم أكبر منهم سناً (58).
وكان الوالدان هما اللذان ينظمان زواج أبنائهما، دون أن يكون للبيع والشراء أثر في هذا التنظيم؛ فإذا ما اتفقا على الزواج كان ينتظر من العريس أن ينتزع عروسه من بيت أبيها قوة واقتداراً، كما كان ينتظر منها أن تقاوم هذا الانتزاع، وكان اللفظ الذي يعبر به عن الزواج هو لفظ هربدزين harpadzein أي الاغتصاب (59). فإذا ترك هذا التنظيم بعض الكبار بلا زواج، جاز حشر عدد من الرجال في حجرة مظلمة ومعهم عدد مساو لهم من البنات، ثم يترك هؤلاء وأولئك ليختار كل رجل شريكة حياته في الظلام (60)؛ ذلك أن الإسبارطيين كانوا يعتقدون أن هذا الاختيار لم يكن فيه من العمى أكثر مما في الحب. وقد كان من المألوف أن تبقى العروس مع أبويها وقتاً ما، وأن يبقى العريس في ثكناته لا يزور زوجته إلا خلسة. ويقول بلوتارخ إنهما كانا يعيشان على هذا النحو زمناً طويلاً حتى لقد كان بعضهم ينجب من زوجته أطفالاً قبل أن يرى وجهها في ضوء النهار". فإذا ما أوشكا أن يكونا أبوين سمح لهما بأن ينشئا بيتاً. وكان الحب ينشأ بعد الزواج لا قبله، ويلوح أن الحب بين الزوج وزوجته لم يكن في إسبارطة أقل منه في سائر الحضارات (61). وكان الإسبارطيون يفخرون بأن الزنا لا وجود له بينهم، وقد يكونون على حق في هذا الفخر، لأنهم كانوا يتمتعون قبل الزواج بقسط كبير من الحرية، وكان الكثيرون من الأزواج يقبلون أن يشترك معهم غيرهم وخاصة إخوتهم في زوجاتهم (62). وكان الطلاق نادراً، وقد عوقب ليسندر Lysander القائد الإسبارطي لأنه هجر زوجته وأراد أن يتزوج أخرى أجمل منها (63).
وكان مركز المرأة بصفة عامة في إسبارطة خيراً منه في أي مجتمع يوناني آخر، فقد احتفظت فيها أكثر من سائر المدن اليونانية بمكانتها الهومرية العالية وبالمزايا التي بقيت لها من أيام المجتمع القديم الذي كان الأبناء فيه ينسبون إلى أمهاتهم .. وفي ذلك يقول بلوتارخ إن النساء الإسبارطيات كن
يمتزن "بالجرأة والرجولة، وبالتشامخ على أزواجهن .. وكن يتحدثن بصراحة حتى في أهم الأمور"؛ وكان من حقهن أن يرثن ويورثن، وقد آلت لهن على مر الوقت نصف الأملاك الثابتة في إسبارطة بفضل ما كان لهن من سيطرة قوية على الرجال (65). وكن يعشن في بيوتهن عيشة الترف والحرية، على حين كان الرجال يقاسون أهوال الحروب الكثيرة، أو يطعمن الطعام البسيط مع سائر الرفاق.
ذلك أن الدستور الإسبارطي كان يفرض على كل رجل من سن الثلاثين إلى الستين أن يتناول وجبته اليومية الرئيسية في مطعم عام كبير، وكان الطعام فيه بسيطاً في نوعه وأقل قليلاً في كميته مما يلزم للشخص العادي. وكانت هذه القلة في الطعام متعمدة يقصد بها المشترع- كما يقول بلوتارخ- أن يعودهم الصبر على ما يلاقونه في الحرب من حرمان، وأن يحول بينهم وبين ما ينشأ في عهود السلم من تدهور وانحطاط؛ فكان يحرم عليهم "أن يقضوا حياتهم في البيوت، ينامون على الفراش الوثير ويطعمون الطعام الشهي، يسلمون أنفسهم إلى أيدي التجار والطهاة، يتخمونهم في أركان الدور كما يتخمون الحيوانات الشرهة، فلا يفسدون بذلك عقولهم فحسب بل يفسدون أجسامهم كذلك، فإذا ما انحطت قواهم بسبب ذينك الانهماك والإفراط، أصبحوا في حاجة إلى النوم الطويل والاستحمام بالماء الساخن والتحرر من العمل؛ وجملة القول أنهم يصبحون لا يعنون بعمل شيء ولا يشرفون على شيء كأنهم مصابون بعلة دائمة لا يبرءون منها"(66). وكانوا يحصلون على المواد اللازمة لهذه الوجبة العامة بأن يطلب إلى كل شخص أن يقدم في فترات معينة إلى النادي الذي يطعم فيه كميات محددة من الحبوب وغيرها من الطعام؛ فإذا لم يقدمها حرم من حقوق المواطنين.
وكانت هذه البساطة في المأكل والمشرب، وكان هذا التقشف في المعيشة اللذان يدرب عليهما الشاب الإسبارطي يمتدان في القرون الأولى بعد وضع القانون إلى ما بعد سن الشباب. ولذلك كانت البدانة نادرة في لسديمون؛ نعم
إنهم كانوا يسنوا قانوناً يحدد حجم المعدة، ولكن إذا كبر بطن الرجل كبراً معيباً، كان عرضة لأن تؤنبه الحكومة علناً على هذا الكبر أو أن تنفيه من لكونيا (67). ولم يكن في إسبارطة إلا القليل من السُكْر واللهو المنتشرين في أثينة؛ وكان ثمة فروق حقيقية في الثروات، ولكنها كانت فروقاً خفية؛ فقد كان الأغنياء والفقراء يلبسون الثياب البسيطة نفسها- وهي قميص من الصوف يتدلى من الكتفين من غير تظاهر بجمال أو اختيار شكل معين له؛ وكان الإكثار من الثروة المنقولة من أصعب الأمور، وكان ادخار نقود حديدية تبلغ قيمتها نحو مائة ريال أمريكي يتطلب صندوقاً كبيراً، ولم يكن نقل هذا القدر من المال يحتاج إلى أقل من ثورين (68)، ذلك أنه كان من المستطاع شراء الإفورين، وأعضاء مجلس الشيوخ، والرسل، وقواد الجيش، والملوك بأثمان تتفق مع مكانتهم (69). ولما أن عرض سفير من جزيرة ساموس صحافة الذهبية في إسبارطة حتم الملك كليومنيس الأول استدعاءه منها لئلا يفسد مواطنوه بهذا المثل الأجنبي (70).
وكان نظام الحكم الإسبارطي، لخوف الأهلين من هذه العدوى، غير كريم في معاملة الأجانب إلى حد لم يسبق له مثيل. فقلما كان الأجانب يرحب بهم في البلاد، وكانوا يفهمون عادة أن زياراتهم يجب ألا تطول، فإذا طالت فوق ما يجب صحبهم رجال الشرطة إلى حدود البلاد. وكان يحرم على الإسبارطيين أنفسهم أن يخرجوا من بلادهم إلا بإذن من الحكومة؛ كما كان يقلل من تشوفهم بتعويدهم العزلة المتعجرفة التي لا يحلمون معها أن في وسع غيرهم من الأمم أن تعلمهم شيئاً (71)؛ وكان لا بد لهذا النظام أن يكون غير كريم إلى هذا الحد ليحمي بذلك نفسه؛ لأن ريحاً تهب من هذا العالم المحرم عليه، عالم الحرية، والترف، والآداب، والفنون، قد تدك هذا النظام المصطنع العجيب الذي كان ثلثا الشعب فيه من الأقنان وكل السادة فيه من الرقيق.
6 - ما لإسبارطة وما عليها
ترى أي طراز من الرجال وأي نوع من الحضارة أنتجهما هذا القانون؟ فأما الرجال فكانوا أقوياء الأجسام ألفوا المشاق والحرمان. وقد قال عنهم أحد السيباريين Sybarites المترفين إن الإسبارطيين "لا يمدحون على استعدادهم للموت في ميدان القتال لأن موتهم هذا ينجيهم من كثير من العمل الشاق ومن الحياة البائسة"(72). وكانت صحة الجسم من الفضائل الرئيسية في إسبارطة، كما كان المرض جريمة فيها؛ وما من شك في أن أفلاطون قد سره أن يجد بلاداً خالية من الدواء ومن الدمقراطية. وكان الإسبارطي شجاعاً؛ وما من أحد من الناس غير الرومان يضارعه في ثبات جنانه وفي انتصاره في الحروب؛ وليس أدل على ذلك من أن بلاد اليونان كلها لم تكد تصدق أن الإسبارطيين قد استسلموا لأعدائهم في اسفكتيريا Sphacteria؛ ذلك أنه لم يسمع عنهم من قبل أنهم لم يحاربوا إلى آخر رجل فيهم، وحتى الجندي الإسبارطي العادي كان يفضل الانتحار على الحياة بعد الهزيمة (73). ولما وصلت إلى آذان الإفورين أنباء هزيمة الإسبارطيين المنكرة في لوكتر Leuctra- وكانت هزيمة ماحقة اختتم بها في واقع الأمر تاريخ إسبارطة- وكانوا وقتئذ على رأس الألعاب الجمنوبودية، لم ينطقوا بكلمة واحدة. وكل ما فعلوه أن أضافوا إلى سجل الموتى المقدسين الذين نالوا شرف الموت في الألعاب أسماء القتلى الجدد. وكان من الصفات العادية التي يتصف بها كل مواطن إسبارطي، والتي كان يكتب عنها الأثينيون ولكنهم قلما كانوا يتحلون بها، كان من هذه الصفات ضبط النفس، والاعتدال والهدوء، والثبات في السراء والضراء.
وإذا كانت إطاعة القانون فضيلة فقد كان الإسبارطي يفوق في هذه الفضيلة سائر الناس. وفي ذلك يقول الطبيب دمراتوس Demaratus
لخشيارشاي: "إن اللسديمونيين، وإن كانوا أحراراً، ليسوا أحراراً في كل شيء، لأن القانون سيدهم الأعلى، يخافونه أكثر مما يخافك شعبك"(74). وقل أن تجد شعباً غيرهم- مع جواز استثناء الرومان واليهود في العصور الوسطى- كان احترامه لقوانينه سبباً في قوته. وقد ظلت إسبارطة مائتي عام على الأقل تزداد قوة على قوة تحت حكم دستور ليكرجوس، وهي وإن عجزت عن فتح أرجوس وأركاديا، قد أقنعت جميع البلوبونيزيين أن يقبلوا زعامتها لحلف البلوبونيز الذي ساد بفضله السلام في جزيرة بلوبس ما يقرب من قرنين كاملين (560 - 380 ق. م). وكانت بلاد اليونان على بكرة أبيها تعجب بجيش إسبارطة وحكومتها، وتتطلع إلى معونتها في ثل عروش الطغاة الظالمين. ويحدثنا زنوفون عن "الدهشة التي عرتني حين لاحظت أول مرة موقع إسبارطة الفذ بين دول اليونان، وعدد سكانها القليلين بالنسبة لغيرها من الدول، وقوة شعبها ومنزلته العالية بالرغم من هذه القلة. وقد حيرني تعليل قوة هذا الشعب ومنزلة هذه الدولة. ولم تزل هذه الحيرة إلا حين فكرت في أنظمة الإسبارطيين العجيبة"(75). ولم يكن زنوفون يمل من الثناء على أساليب الإسبارطيين، كما لم يكن أفلاطون وبلوتارخ يملان من الثناء عليهم. ولا حاجة إلى القول بأن إسبارطة هي التي وجد فيها أفلاطون الخطوط الرئيسية لمدينته الفاضلة، التي طمس معالمها بعض الشيء إغفاله العجيب للمثل العليا. ولقد كان كثيرون من المفكرين اليونان يعمدون إلى تمجيد نظام إسبارطة وشرائعها بعد أن ملوا ما في الدمقراطية من انحطاط وفوضى وأوجسوا في أنفسهم خيفة منهما.
والحق أنهم كانوا يستطيعون الثناء على إسبارطة لأنهم لم يضطروا إلى المعيشة فيها، ولم يروا عن كثب ما في أخلاق الإسبارطيين من أنانية، وبرود، وقسوة، ولم يتبينوا ممن يرونهم من الصفوة التي التقوا بها منهم، أو من الأبطال الذين يمجدونهم عن بعد، أن الشرائع الإسبارطية كانت تخرج
جنوداً بواسل ولا شيء غير الجنود، وأنها جعلت قوة الجسم وحشية مرذولة لأنها أماتت الكفايات العقلية كلها تقريباً. ذلك أنه لما أصبح لهذا القانون المقام الأول في البلاد أصاب الموت فجأة جميع الفنون التي ازدهرت قبل سيادته، فلم نعد نسمع بعدئذ عن شعراء أو مثالين، أو بنائين في إسبارطة بعد عام 550 ق. م
(1)
، ولم يبق فيها إلا الرقص الجماعي والموسيقى، لأن فيهما يمكن أن يتجلى النظام الإسبارطي وأن يختفي الفرد ويضيع في المجموع. ولقد كان من أثر حرمان الإسبارطيين أن يتجروا مع العالم، ومنعهم من الأسفار، وجهلهم بعلوم بلاد اليونان وآدابها وفلسفتها الآخذة في الظهور والنماء، أن أصبحوا أمة من الجنود المشاة المدرعين الثقال، لا ترقى عقليتهم فوق مستوى الذين قضوا في هذه الجندية حياتهم كلها. ولقد كان الرحالة اليونان يعجبون من هذه الحياة البسيطة الخالية من الرونق والبهاء، ومن هذا القدر الضئيل المقيد من الحرية، وهذه المحافظة الشديدة على كل عادة وكل خرافة، وهذه الشجاعة التي كانت موضع الإجلال، وذلك النظام الصارم، وهذا الخلق النبيل، وذلك الغرض الدنيء الذي لا يؤدي إلى غاية. وعلى بعد لا يزيد على مسيرة يوم واحد على ظهور الجياد كان الأثينيون يشيدون من آلاف المظالم والأخطاء صرح حضارة واسعة المدى، قوية في أعمالها، تتقبل كل فكرة جديدة، حريصة على الاتصال بالعالم، متسامحة متنوعة، معقدة، مترفة، مبتدعة، متشككة، واسعة الخيال، شعرية، مشاغبة، حرة. لقد كان ما بين أثينة وإسبارطة من التناقض هو الذي صبغ التاريخ اليوناني بصبغته المعروفة ورسم خطوطه الرئيسية.
(1)
لقد زين جتياداس Gitiadas هيكل أثينة بصفائح البرنز البديعة الصنع، وشاد باثكليز Bathycles المجنيزي عرشاً فخماً لأبلوا في أمكلي Amyclae، كما شاد ثيوجورس الساموسي بهواً كبيراً لمدينة إسبارطة؛ وبعد هذا لا نكاد نسمع شيئاً عن الفن الإسبارطي حتى على يد فنانين من خارجها.
ولقد قضى ضيق أفق إسبارطة في آخر الأمر على مالها من قوة نفسية، ذلك أن نفسيتها قد انحطت حتى صارت ترتضي كل وسيلة تؤدي إلى غرض إسبارطي، وبلغ من ذلتها في آخر الأمر للغزاة أن باعت للفرس تلك الحريات التي كسبتها بلاد اليونان في مراثون. لقد استحوذت عليها النزعة العسكرية وجعلتها سوط عذاب لجيرانها بعد أن كانت في مكان الشرف منها، ولما أن سقطت، عجبت الأمم كلها من سقوطها، ولكن ما من أمة حزنت لها. ولا نكاد اليوم نجد بين الأنقاض القليلة الباقية من هذه العاصمة القديمة نقشاً واحداً أو عموداً ملقى على الأرض يعلن للعالم أن اليونان كانوا في يوم من الأيام يسكنون في هذا المكان.
الفصل الرابع
الدول المنسية
يمتد وادي نهر يوروتس Eurotas في شمال إسبارطة إلى جبال أركاديا المتجمعة بعد أن يجتاز حدود لكونيا. ولو أن هذه الجبال كانت أقل مما هي خطورة لكانت أكثر مما هي جمالاً. ويلوح أنها لم ترحب بالطرق الضيقة التي نحتت في منحدراتها الصخرية، وأنها تهدد بقتامها كل من يحاول الاعتداء على هذه الملاجئ الأركادية المنعزلة؛ فلا غرابة والحالة هذه إذا ضل فيها الفاتحون الدوريون والإسبارطيون وتركوا أركادية كما تركوا إليس وآخيا للسلالات الآخية والبلاسجية. ويعثر السائح في أماكن متفرقة من هذا الإقليم على سهل أو هضبة، كما يجد فيه مدناً جديدة زاهرة كمدينة تريبوليس Tripolis، أو بقايا مدن قديمة كمدائن أركمنوس Orchomenos، ومجالو بوليس Megalopolis، وتيجيا Tegea، ومنتينيا Mantinea حيث انتصر أباميننداس ولاقى حتفه. ولكنها في معظم أجزائها أرض يسمنها فلاحون ورعاة متفرقون يعتمدون على موارد مزعزعة غير ثابتة، ويعيشون هم وماشيتهم على هذه التلال الضنينة؛ ومع أن هذه المدائن قد استيقظت بعد مرثون لتستقبل الحضارة والفن، فإن من الصعب أن نسلكها في قصة الحضارة قبل الحرب الفارسية. وفي هذه الغابات ذات الأشجار العمودية كان يجول الإله بان في وقت من الأوقات.
ويلتقي نهر يوروتس في أركاديا الجنوبية بنهر آخر أوسع منه شهرة وهو نهر ألفيوس Alpheus. وهذا النهر يشق طريقه شقاً سريعاً خلال سلاسل الجبال البرهازية Parhasian، ثم يتثنى ببطء حتى يدخل سهول إليس،
ويرشد السائح إلى أولمبيا. ويحدثنا بوزنياس بأن الإليانيين (76) كانوا من أصل إيولي أو بلاسجي جاءوا إلى إيتوليا بعد أن عبروا الخليج. وكان أول ملوكهم إيثليوس Aethlius والد إندميون Endymion الذي أغوى جماله القمر
(1)
فأغمضت عينيه وأرسلت عليه نعاساً سرمدياً، وما زالت تضاجعه على مهل حتى ولدت منه مائة بنت. وفي هذا المكان الذي يلتقي فيه نهر ألفيوس بنهر كلاديوس Cladeus المقبل من الشمال كانت المدينة المقدسة للعالم اليوناني كله؛ وقد بلغ من قدسيتها أن الحرب قلما أزعجتها، ومن أجل ذلك نَعِمَ الإيليون Elians بتاريخ استبدلوا فيه الألعاب بالحروب. وفي الزاوية المحصورة بين النهرين كانت الألتيس Altis أو التخوم المباركة لمقر زيوس الأولمبي. وكانت موجات الغزاة المتتابعة تحط رحالها في هذا المكان لتعبده، كما كان مندوبون عن هؤلاء الغزاة يعودون إليه فيما بعد في مواسم معينة ليسألوه العون ويغنوا مزاره بالنذور. وظلت ثروة هيكلي زيوس وهيرا وشهرتهما تزدادان جيلاً بعد جيل حتى انتصر اليونان على الفرس فحشد أكابر المهندسين والمثالين اليونان ليعيدوا بناء الهيكلين ويزينوهما وينفقوا في سبيل ذلك الأموال الطائلة اعترافاً بما كان لهما من فضل في هذا النصر. ويرجع تاريخ هيكل هيرا إلى عام 1000 ق. م، وآثاره أقدم ما بقي من آثار الهياكل في بلاد اليونان جميعها. وقد بقي من هذه الآثار أجزاء من ستة وثلاثين عموداً وعشرين تاجاً دورياً تشهد بأن هذه العمد قد أقيمت المرة بعد المرة، وأنها كانت تقام بأشكال مختلفة. ولا جدال في أنها صنعت في أول الأمر من الخشب. وكان جذع من أحدها وهو من شجر البلوط لا يزال قائماً حين أقبل بوزنياس على ذلك المكان، وبيده كراسته، في أيام الأنطونيين.
وإذا ما غادر الإنسان أولمبيا مر بموضع إيليس العاصمة القديمة ودخل
(1)
القمر في القصة مؤنت وقد احتفظنا به كذلك حتى يستقيم المعنى.
آخيا التي فر إليها بعض الآخيين بعد أن استولى الدوريون على أرجوس وميسيني، وهي شبيهة بأركاديا في أنها بلاد جبلية يرعى على منحدراتها الرعاة الصابرون قطعان الماشية، ويصعدون إلى أعلاها أو ينزلون إلى أسفلها في فصول السنة المختلفة. ولا يزال ثغر بتراس القديم قائماً مزدهراً حتى الآن على الساحل الغربي؛ وهذا الثغر هو الذي قال بوزنياس عن نسائه إنهن "ضعفا عدد الرجال، وإنهن وفيات لأفروديتي إن كان في النساء وفاء"(77). وكانت هناك عدة مدن أخرى محتشدة في غير نظام على طول خليج كورنثة- إيجيوم Aegium، وهليس Helice، وإيجيرا Aegira، وبليني Pellene، وقد كادت كلها تصبح نسياً منسياً، ولكنها كانت في غابر الأزمان تعج بالرجال والنساء والأطفال، وما من أحد منهم إلا كان مركز العالم.
الفصل الخامس
كورنثة
وبعد أن يخترق السائح عدداً آخر قليلاً من الجبال يعود إلى سكيون مُستقر الدوريين. وفي هذه المدينة علم رجل يدعى أرثجراس Orthagoras العالم في سنة 676 حيلة ظل يلجأ إليها فيما بعد ذلك من القرون. فقد قال للفلاحين إنهم من نسل البلاسجيين أو الآخيين، على حين أن الأشراف المالكين للأرض والذين يستغلونهم من نسل الغزاة الدوريين؛ ثم أخذ يستثير نعرة غير المالكين العنصرية، وتزعمهم في ثورة موفقة، ونصب نفسه حاكماً بأمره عليهم، ووضع السلطة في أيدي طبقتي الصناع والتجار
(1)
. وأصبحت سكيون في عهد خليفتيه العظيمين ميرون Myron وكليسثنيز مدينة يشتغل نصف أهلها بالصناعة، واشتهرت بأحذيتها وفخارها، وإن كانت لا تزال تسمى باسم ما ينمو فيها من الخيار.
وإلى شرقها تقوم المدينة التي كان موقعها الجغرافي والاقتصادي خليقاً بأن يجعلها أغنى بلاد اليونان وأرقاها ثقافة. تلك هي مدينة كورنثة. وكان موقعها على الخليج المسمى باسمها مما تحسدها عليه سائر المدن اليونانية؛ فقد كان في مقدورها أن تغلق باب الطريق البري الموصل إلى البلوبونيز، وفي وسعها أن تيسر أسباب التجارة البرية بين شمالي بلاد اليونان وجنوبيها، أو أن تفرض عليها ما تشاء من الإتاوات. وكان لها موان وسفن على خليجي ساروس وكورنثة. وقد أنشأت بين هذين البحرين "مزلقاً للسفن"
(1)
وهكذا فعل كامي ده مولن Camille Desmoulins في عام 1789 فقد حرض الغاليين من فوق دكته في المقهى على طرد الأشراف الألمان.
(ديولكوس Diolcos) - أي طريقاً خشبياً تجر عليه السفن نحو أربعة أميال فوق الأرض على اسطوانات، وربحت من وراء ذلك كثيراً من الأموال
(1)
. وكان لها قلعة منيعة تدعى أكروكورنثس Acrocorinthus وهي قلة من قلل الجبال يبلغ ارتفاعها ألفي قدم، ويغذيها بالماء نبع لا ينضب معينه أبداً. وقد وصف لنا استرابون المنظر الذي تقع عليه عين من يشرف على هذا المكان من القلعة، والمدينة مبسوطة على سطحين مدرجين من تحتها، والملهى المقام في الهواء الطلق والحمامات العامة العظيمة، والسوق ذات العمد، والهياكل البراقة، والأسوار التي تصد عنها الأعداء والتي تمتد إلى ميناء لكيوم Lechaeum على الخليج الشمالي. وكان على قمة الجبل نفسها هيكل لأفرديتي وكأنما أقيم ليرمز إلى صناعة من أهم صناعات المدينة (80).
وكان لكورنثة تاريخ يرجع في قدمه إلى الأيام الميسينية، واشتهرت المدينة في أيام هومر نفسه بثروتها الطائلة (81). وكان يحكمها بعد الفتح الدوري ملوك، ثم تولى حكمها الأشراف تسيطر عليهم أسرة البكيادي Bachiadae؛ ثم حدث فيها ما حدث في أرجوس، وسكيون، ومجارا، وأثينة، ولسيوس، وميليتس، وساموس، وصقلية، وفي كل مكان راجت فيه التجارة اليونانية، وهو استيلاء طبقة التجار ورجال الأعمال على السلطة السياسية بالثورة أو الدسائس. وهذا هو المعنى الحقيقي الذي يجب أن يفهم من قيام حكومات "الطغيان" أو الدكتاتوريات في بلاد اليونان في القرن السابع قبل الميلاد. ففي عام 655 استولى سيسيلوس على مقاليد الحكم. وكان قد نذر أن يخص زيوس بثروة كورنثة كلها إذا ما وصل إلى غرضه، فلما تم له الأمر فرض
(1)
وكان هذا المزلق طريقاً يرحب به التجار ويفضلونه على المياه الصاخبة القريبة من رأس ماليا Malea التي تعترض الطريق الذاهب إلى الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط. وكان الطريق الخشبي يقوى على حمل السفن التجارية المألوفة في أيام اليونان. ولقد نقل أغسطس أسطوله على هذا الطريق وهو يطارد أنطونيوس وكليوباترة، بعد معركة أكتيوم، ونقل أسطول يوناني بهذه الطريقة نفسها في عام 883 (78) م. وقد وضع بريندر في أيامه مشروعاً لحفر القناة التي تصل الخليجين ولكن مهندسيه رأوا هذا العمل فوق طاقتهم.
على جميع أملاك المدينة ضريبة سنوية قدرها عشرة في المائة من قيمتها، ووهب ما تجمع منها للهيكل، فلم تمض إلا عشر سنين حتى كان قد وفى بنذره وأبقى ثروة المدينة كما كانت من قبل (82). وقد وضع بحكمه المحبب المستنير الذي دام ثلاثين عاماً أساس رخاء كورنثة (83).
وكان حكم ولده القاسي بريندر أطول حكم للطغاة في تاريخ اليونان (625 - 585). وقد أقر فيه الأمن والنظام، ومنع استغلال الناس بعضهم بعضاً، وشجع الأعمال التجارية والصناعية، وناصر الآداب والفنون، وجعل كورنثة زمناً ما أولى المدائن اليونانية، ونشط التجارة بسك عملة رسمية (84)، كما نشط الصناعة بخفض الضرائب المفروضة عليها؛ وحل مشكلة التعطل بإقامة طائفة من المباني العامة وإنشاء المستعمرات في خارج البلاد؛ وحمى صغار رجال الأعمال من منافسة الشركات الكبرى بتحديد عدد الأرقاء الذي يجوز للرجل الواحد أن يستخدمهم في أعماله، وحرم استيرادهم بعد هذا التحديد (85)، وأنجى الأغنياء مما عندهم من الذهب الزائد على حاجتهم بأن أرغمهم على الاشتراك بذهبهم في صنع تمثال ذهبي لتزدان به المدينة؛ ثم دعا النساء ذوات المال في كورنثة إلى حفلة كبرى، جردهن فيها من أثوابهن الغالية وحليهم الثمينة، ثم أمرهن بالعودة إلى بيوتهن بعد أن أمم جمالهن. وقد خلقت له أعماله هذه أعداء كثيرين أقوياء، فلم يكن يجرؤ على الخروج دون حرس كبير، وكان لخوفه وعزلته نكداً قاسياً. وأراد أن يحمي نفسه من الثورات فعمل بالنصيحة الخفية التي أشار بها عليه زميله الطاغية ثراسيبولس الميليتي، وهي أن يقطع "الفينة بعد الفينة أطول ما في الحقل (86) من سنابل"
(1)
. وأخذت سراريه يوجهن التهم إلى زوجته، حتى أثرن غضبه عليها، فألقاها في نوبة من نوبات هذا الغضب من فوق سلم القصر؛ وكانت حاملاً فماتت من شدة الصدمة، فما كان منه إلا أن
(1)
يريد بذلك أنه كان يعدم أقوى رجال الدولة (المترجم). قارن ذلك بأعمال "التطهير" التي تحدث من آن الى آن في روسيا الشيوعية 1035 - 1038.
حرق السراري ونفى ابنه ليكفرون Lycophron إلى كرسير Corcyra لأنه حزن على أمه حزناً لم يطق معه أن يتحدث إلى أبيه. ولما أن قتل الكرسيريون ليكفرون قبض بريندر على ثلاثمائة شاب من أشراف الأسر وأرسلهم إلى أليتس Alyattes ملك ليديا ليتخذهم خصياناً، ولكن السفينة التي أقلتهم مرت بساموس، فما كان من أهلها ألا أن أطلقوا سراح الشبان متحدين بعملهم هذا بريندر غير عابئين بغضبه. وعمر هذا الطاغية طويلاً، وعده البعض بعد موته من السبعة الحكماء في بلاد اليونان القديمة (87).
وثل الإسبارطيون بعد جيل من وفاته عرش الطغاة في كورنثة، وأقاموا مكانهم حكم الأشراف- ولم يكن ذلك لأن إسبارطة تعشق الحرية، بل لأنها كانت تفضل طبعة الملاك على طبقات رجال الأعمال. بيد أن ثروة كورنثة كانت تقوم على التجارة يعينها من حين إلى حين أتباع أفرديتي والألعاب الهيلينية العامة التي كانت تقام في برزخ كورنثة. وكانت العاهرات كثيرات في المدينة إلى حد جعل اليونان يطلقون اسم كورنثيازوماي Corinthiazomai على العهر نفسه (88). وكان من العادات المتبعة في كورنثة أن تخصص إلى هيكل أفرديتي نساء يحترفن فيه الدعارة ويأتين بأجورهن إلى الكهنة. وقد وصل إلى علمنا أن رجلاً يدعى زنوفون (وهو غير زنوفون قائد العشرة آلاف) وعد الإلهة خمسين محظية إذا أعانته على النصر في الألعاب الأولمبية. ويشير بندار الشاعر التقي إلى هذا النذر وهو يشيد بهذا النصر دون حياء أو اشمئزاز (89). ويقول استرابون إن "هيكل أفرديتي قد بلغ من الثروة أن كان له أكثر من ألف عبد من عبيد الهياكل، ومحاظ وهبهن الرجال والنساء للهيكل؛ وبفضل أولئك النسوة ازدحمت المدينة بالناس وعظمت ثروتها؛ من ذلك أن قادة السفن كانوا ينفقون أموالهم في المدينة بلا حساب". وكانت المدينة تشكر لهن حسن صنيعهن وتنظر إلى "أولئك السيدات الكريمات" نظرتها إلى المحسنين للشعب.
وفي ذلك يقول
مؤلف قديم نقل عنه أثينيوس Athenaeus: " من العادات القديمة في كورنثة، كلما أرادت المدينة أن توجه دعاء إلى أفرديتي
…
، أن تستعين بأكبر عدد مستطاع من المحاظي ليشتركن في هذا الدعاء". وكان لهؤلاء المحاظي عيد ديني خاص بهن هو عيد الأفرديزيا Aphrodisia يحتفلن به احتفالاً فخماً محوطاً بضروب التقي والصلاح (92). وقد ندد القديس بولس في رسالته الأولى إلى الكورنثيين (93) بأولئك النسوة اللائي ظللن يمارسن حرفتهن في المدينة إلى أيامه.
وكان يسكن كورنثة في عام 480 ق. م خمسون ألفاً من المواطنين وثلاثون ألفاً من الأرقاء، وهذه النسبة بين الأحرار والعبيد عالية علواً غير مألوف في المدن اليونانية (94). وكان اقتناص اللذة والذهب هَمّ جميع الطبقات، يستنفد كل جهودهم فلا يبقى منها ما ينفقونه في الأدب والفنون إلا القليل. نعم إننا نسمع في القرن الثامن عشر عن شاعر يدعى يوملوس Eumelus ولكن الأدب اليوناني قلما يزدان بأسماء كورنثية. وكان بريندر يرحب بالشعراء في بلاطه، واستقدم أريون Arion من لسيوس لينظم شئون الموسيقى في كورنثة. واشتهر فخار المدينة وبرنزها في القرن الثامن؛ وكان من يعملون في طلاء مزهرياتها في القرن السادس أرقى أهل هذا الفن في بلاد اليونان كلها. ويحدثنا بوزنياس عن صندوق عظيم من خشب الأرز اختفى فيه سبسيلوس Cypselus من البكياديين، وحفر فيه الفنانون نقوشاً ظريفة ورصعوه بالعاج والذهب (95). والراجح أن عصر بريندر هو الذي أقامت فيه كورنثة لأبلو هيكلاً دورياً اشتهر بأعمدته السبعة المنحوت كل واحد منها من حجر واحد. ولا تزال خمسة من هذه الأعمدة قائمة إلى يومنا هذا توحي بأن كورنثة قد تكون أحبت الجمال في أكثر من صورة واحدة. ولربما كان الدهر والمصادفات قد ظلما هذه المدينة فلم يوفياها حقها من الشكر لأن تاريخها دونه رجال لا يدينون لها بولاء ولا يعترفون لها بفضل؛ ولو أتيح للماضي أن يطلع على ما كتب عنه في صحف المؤرخين لعجب مما يرى أشد العجب.
الفصل السادس
مجارا
لم تكن مجارا أقل حباً للذهب من كورنثة، وكانت التجارة عماد ثروة الأولى كما كانت عماد ثروة الثانية؛ لكنها تختلف عنها في أنها كان لها شاعر عظيم تحيا تلك المدينة القديمة في شعره، كأن ما قام فيها من الثورات هي بعينها الثورات التي قامت في بلادنا. وكانت المدينة تقع عند مدخل البلوبونيز نفسه، وكان لها مرفأ على كلا الخليجين، ومن أجل هذا كان موقعها يمكّنها من أن تساوم الجيوش المغيرة على تلك البلاد، وتفرض المكوس على التجارة؛ وقد أضافت إلى هذه التجارة صناعة للنسيج مزدهرة يشتغل بها رجال ونساء كانوا يسمون بلغة تلك الأيام الصادقة عبيداً. وقد بلغت المدينة أوج ازدهارها في القرنين السابع والسادس حين كانت تنازع كورنثة تجارة البرزخ؛ وهذا هو العهد الذي أنشأت فيه مستعمرات لها كانت بمثابة محطات تجارية انتشرت ما بين بيزنطية على البسفور حتى مجارا هبليا Megara Hyblaea في صقلية. وازدادت الثروة في المدينة زيادة مطردة؛ ولكنها تجمعت في أيدي طائفة قليلة برعت في جمعها، وبقيت جمهرة الشعب مكونة من أقنان معدمين بين أقلية موفورة الثراء (96)، يستمعون إلى الدعاة الذين يمنونهم يعيش أرخى وحياة أنعم من عيشهم وحياتهم. وفي عام 630 قرر ثياجينز Theagenes أن يصبح طاغية فيها، فأخذ يتملق الفقراء ويندد بالأغنياء، ثم قاد جماهير الغوغاء الجياع إلى مراعي الأغنياء أصحاب الأنغام، وأفلح في حمل العامة على أن يؤلفوا له حرساً خاصاً، فلما تألف ضاعف عدده، واستعان به على إسقاط الحكومة القائمة (97). وحكم ثياجينز مجارا
نحو ثلاثين عاماً حرر في أثنائها الأقنان، وأذل الأقوياء؛ وناصر الفنون، ولكن أغنياء المدينة أنزلوه عن العرش حوالي عام 600؛ ثم قامت ثورة ثالثة أعادت الدمقراطية الشعبية، وصادرت أملاك زعماء طبقة الأشراف، واستولت على بيوت الأغنياء، وألغت الديون، وأصدرت قراراً يحتم على أصحاب الأموال أن يردوا إلى المدينين ما استولوا عليه من فوائد عن قروضهم (98).
وكان يثوجنيز Theognis حياً خلال هذه الثورات كلها، وقد وصفها في قصائد مليئة حقداً تصلح لأن تكون وصفاً لحرب الطبقات عندنا في هذه الأيام. ويقول عن نفسه (وهو مرجعنا الوحيد في هذا الموضوع) إنه من أبناء أسرة قديمة شريفة. وما من شك في أنه قد نشأ نشأة منعمة راضية، لأنه كان مرشداً، وفيلسوفاً، وعاشقاً لشاب يدعى سيرنس Cyrnus أصبح فيما بعد زعيم حزب الأشراف؛ وهو يسدي سيرنس هذا كثيراً من النصح، ولا يطلب إليه في نظير هذا إلا أن يحبه. وهو يشكو الصد كما يشكو سائر المحبين، وأجمل ما بقي من قصائد قصيدة ذكر فيها سيرنس بأنه لن يخلد اسمه إلا شعر ثيوجنيز.
هاأنذا قد جعلت لك جناحين تطير بهما
فوق البحر والأرض اللذين لا آخر لهما؛
وسيتردد اسمك على ألسنة الكثيرين،
وستكون رفيقاً لهم في مآدبهم وفي مرحهم.
وسيأمرك الشبان الذين يحبونك أن
تطربهم بالناي الفضي ذي الصوت الشجي؛
وإذا ما ذهبت إلى أطباق الثرى المظلمة،
إلى مستقر الموتى الذي يبعث الأسى في القلوب،
فلن ينقطع اتصالك بالمجد والشرف
بل سوف تجول في الآفاق اسماً مخلداً.
سيرنس، يتردد في بحار بلاد اليونان وسواحلها،
يعبر البحر المجدب من جزيرة إلى جزيرة
ولن تكون في حاجة إلى الخيل، بل سوف تنطلق بخفة
تحملك ربات الشعر ذوات التاج البنفسجي
وسيولع بذكرك كل من يولع بالغناء،
أجل، لقد جعلت لك جناحين، ولم أنل منك
في نظير هذا إلا السخرية التي تتلظى كالنار بين أضلعي.
وهو ينذر سيرنس بأن مظالم الأشراف قد توقد نيران الثورة فيقول:
إن الليالي حبالى، وستلد عما قريب
من ينتقمون لهذا الفساد الطويل الأمد.
إن العامة ليظهرون حتى الآن بمظهر الاعتدال،
ولكن سادتهم فاسدون عمى العيون.
وحكم النفوس النبيلة، الباسلة العالية،
لم تعرض السلام والانسجام للخطر في يوم من الأيام.
أما التشامخ والغطرسة والادعاء الكاذب
واغتصاب العدالة والحق والقانون،
والعبث بها بالحيلة والطمع والكبرياء،
أما هذا كله فهو الطريق الذي سيؤدي بنا إلى الخراب.
وحذار أن تحلم ياسيرنس
(وإن بدت لك الدولة هادئة غير مضطربة)
أن ستكون الدولة في مستقبلها متمتعة بالسلام والأمن؛
بل سيعقب هذا الهدوء الظاهر،
عاجلاً كان ذاك أو آجلاً، الدم المراق والنزاع
(1)
.
وشبت نار الثورة فعلاً؛ وكان ثيوجنيز من بين من نفتهم الدمقراطية المنتصرة من البلاد، وصودرت أملاكه. فترك زوجته وأطفاله في رعاية بعض أصدقائه، وأخذ ينتقل من دولة إلى دولة - من عوبية، إلى طيبة، إلى إسبارطة، إلى صقلية؛ وكان يجد فيها بادئ الأمر الطعام والحفاوة جزاء له على شعره، ثم حل به بعدئذ ما لم يتعوده من ضنك شديد. وأنطقه غيظه بتلك الأسئلة يوجهها إلى زيوس، وما أشبهها بالأسئلة التي يوجهها أيوب إلى يهوه:
طوبى لك يا جوف يا ذا الحول والطول! إني أنظر إلى العالم وأنا مندهش غاية الدهشة، متحير من أساليبك فيه .. يا عجباً كيف ينطبق فعلك فيه على إدراكك للحق والباطل إذا كنت توزع نعمك على الصالح والطالح على حدٍ سواء؟ وإذن فكيف يعرف الناس كنه شرائعك أو يدركون معناها؟ (101).
ويصب جام غضبه على زعماء الدمقراطية، ويرجو زيوس الإله الذي تخفى على الناس طرائقه أن ينعم عليه بشرب دمائهم (102). وهو يشبه مجارا بسفينة استبدل بقائدها ملاحون عاجزون لا يعرفون قيمة النظام في العمل (103). وتلك على ما نعلم هي أول مرة يستخدم فيها هذا التشبيه. ويقول إن بعض الناس أقدر من غيرهم بفطرتهم، وإن الأرستقراطية في صورة نظام لا بد منه؛ وهكذا نرى أن الناس في ذلك العهد القديم قد تبينوا أن الأغلبية لا تحكم قط. وهو يستخدم لفظ الأخيار hoi agathoi بمعنى الأشراف، ولفظ الأشرار أو الأراذل أو المنحطين hoi kokoi بمعنى السوقة. ويقول إن هذه الفروق المتأصلة لا يمكن
(1)
إن نسبة هذه القصائد والقصائد التي سيرد ذكرها فيما بعد إلى فترات معينة في حياة ثيوجنيز ظني محض.
استئصالها؛ "وإن الرجل الشرير لا يمكن أن يصبح صالحاً مهما علّمته"(105) - وقد يكون كل الذي يعنيه بقوله هذا أنه ما من تعليم يستطيع أن يجعل السوقي أرستقراطياً؛ وهو ككل المحافظين الخلَّص يحرص أشد الحرص على نقاء النسل، ويقول "إن ما في العالم من شرور ليس ناشئاً من شره الأخيار بل من سوء اختيارهم لأزواجهم ومن ضعف خصبهم"(106).
وهو يدبر مع سيرنس ثورة جديدة مقاومة للثورة السابقة؛ ومن رأيه أن الإنسان، وإن أقسم يمين الولاء للحكومة الجديدة، يجوز له أن يغتال الحاكم المستبد الظالم؛ ويتعهد بأن يعمل مع رفاقه حتى ينتقموا لأنفسهم من أعدائهم أشد انتقام. لكنه بعد أن قضى في النفي والعزلة كثيراً من السنين يرشو موظفاً من الموظفين ليمكنه من العودة إلى مجارا (107). ثم يشمئز نفسه من نفاقه هذا وينشد أبياتاً من الشعر يعبر فيها عن يأسه، وهي أبيات يكررها مئات من اليونان.
ليس في العالم نعمة
أحسن من ألا يولد الإنسان أو لا يرى الشمس!
ويليها أن يدركه الموت عاجلاً
ويدفن تحت أطباق الثرى.
وتراه في آخر حياته في مجارا رجلاً طاعناً في السن مهشماً، وقد أخذ على نفسه ألا يكتب شيئاً في السياسة ليضمن بذلك سلامته. ويجد سلواه في الخمر وفي زوجة صالحة (109)، ويحاول جهده أن يتعلم أخيراً أن كل شيء طبيعي يمكن أن يغتفر.
تعلم، يا سيرنس، تعلم أن تكون هادئ العقل؛
ووفق بين مزاجك وبين الجنس البشري والطبيعة البشرية،
وخذ تلك الطبيعة كما تجدها،
فهي مزيج من العناصر فيه الطيب وفيه الخبيث -
هكذا خلقنا كلنا، وليس في الإمكان أبدع مما كان.
فخير الناس لا يخلون من النقص، ومن بقي منهم
حين يراد الانتفاع بهم لا يقلون عن خيارهم.
ولو أن الأمر كان على عكس هذا
لما أمكن أن تسير شئون العالم!.
الفصل السابع
إيجينا وإبدورس
لقد رفعت الزلازل أو خلفت وراءها في عرض الخليج الممتد من مجارا إلى كورنثة جزيرة من أقدم الجزائر المنافسة لهاتين البلدتين في الصناعة والتجارة، وهي جزيرة إيجينا حيث نشأت في أيام ميسين مدينة عامرة كشفت في مقابرها كميات كبيرة من الذهب (111). وقد وجد القائمون الدوريون أرض الجزيرة جدباء مستعصية على الزراعة ولكنها جد صالحة للتجارة. ولما غزا الفرس بلاد اليونان لم تكن في الجزيرة إلا أرستقراطية من التجار الحريصين على أن يبيعوا المزهريات الرائعة والآنية البرونزية التي يصنعونها في حوانيتهم، ليشتروا بها العبيد الذين كانوا يستوردون منهم عدداً كبيراً ليعملوا في المصانع، أو ليبيعوها للمدن اليونانية. وقد قدر أرسطو حوالي عام 350 ق. م سكان إيجينا بنصف مليون منهم 000 ر 470 من العبيد (112). وفي هذه المدينة سكت أول عملة يونانية، وبقيت الموازين والمكاييل الإيجينية هي الموازين والمكاييل الرسمية في بلاد اليونان إلى أيام الفتح الروماني.
ولقد عرف أن هذه البيئة التجارية يمكن أن تتحول من الاهتمام بالثراء إلى الاهتمام بالفن حين كشف أحد الرحالة في عام 1911 في كومة من المخلفات التماثيل الجميلة القوية التي كانت تزدان بها في وقت من الأوقات قوصرة هيكل أفئيا Aphaea. أما الهيكل نفسه فقد بقي منه اثنان وعشرون من الأعمدة الدورية تحمل فوقها عوارضها. وأكبر الظن أن أهل إيجينا قد
شادوا هذا المعبد قبيل الحرب الفارسية، وذلك لأن في التماثيل شواهد كثيرة من الطراز نصف الشرقي العتيق وإن كانت هندسة البناء من الطراز اليوناني. غير أننا لا نستطيع أن نجزم بهذا، فربما كان الهيكل قد شيد بعد سلاميس لأن التماثيل التي تصور الإيجينيين يهزمون الطرواديين قد تكون مجرد رمز للنزاع الدائم بين بلاد اليونان والشرق، وإلى النصر الذي أحرزه الأسطول اليوناني من عهد قريب على مرأى من إيجينا في سلاميس، وقد أمدت الجزيرة الصغيرة ذلك الأسطول بثلاثين سفينة منح اليونان إحداها بعد النصر الجائزة الأولى من جوائز الشجاعة.
ويستطيع السائح بعد رحلة بحرية ممتعة أن ينتقل من إيجينا إلى إبدورس، وهي الآن قرية لا يزيد سكانها على خمسمائة نسمة، ولكنها كانت في وقت من الأوقات من أشهر المدن في بلاد اليونان؛ فقد كان فيها، أو على الأصح على بعد عشرة أميال منها، في أخدود ضيق بين أعلى الجبال وبين شبه جزيرة أرجوس، الموطن الرئيسي لأسكلبيوس Asclepius إله الشفاء وبطله. وقد خاطبه أبلو نفسه على لسان الوحي في دلفي بقوله:"أي إسكلبيوس يا من ولدت لتكون مصدر السرور للخلق أجمعين، يا وليد الحب يا من أنجبتك لي كورونيس الجميلة عند إبدورس الصخرية"(113). ولقد بلغ من شفاهم إسكلبيوس من الكثرة حداً جعل بلوتو إله الحجيم يشكو إلى زيوس - وخاصة بعد أن أحيا رجلاً من الموت - أنه لا يكاد أحد يموت. وتحير زيوس في أمره، ولم يدر ما يفعل بالجنس البشري إذا لم يكن مآلهم الموت، فأرسل على إسكلبيوس صاعقة أهلكته (114). لكن الناس اتخذوه إلهاً منقذاً وعبدوه في تساليا أولا ثم في بلاد اليونان بعدئذ، وشادوا له في إبدورس أعظم تماثيله، وهناك أنشأ الكهنة الأطباء، الذي سُمّوا على اسمه بالأسكلبياويين، مصحة اشتهرت في بلاد اليونان جميعاً بنجاحها في علاج الأمراض. وأصبحت إبدورس فيما بعد لورديس Lourdes اليونان، يحج
إليها الناس من جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط، ينشدون فيها نعمة الصحة التي يعدها اليونان أعظم النعم جميعاً. وكانوا ينامون في الهيكل، ويتبعون بدقة النظام الذي يفرض عليهم، ويسجلون شفاءهم الذي يعتقدون أنه من المعجزات الإلهية على ألواح من الحجر لا تزال باقية في أماكن متفرقة بين خربات الأيكة المقدسة. ومن الأجور والهدايا التي كانت تجمع من هؤلاء المرضى شادت إبدورس دار تمثيلها وملعبها، ولا تزال مقاعدها ومراميها باقية إلى اليوم بالقرب من التلال المجاورة لها؛ وقبابها المرفوعة على العمد والتي تعد بقاياها المحفوظة في متحف المدينة الصغير، من أروع قطع الرخام المنقوش في بلاد اليونان. ويذهب اليوم أمثال هؤلاء المرضى إلى تنوس Tenos في السكلديس حيث يعالجهم قساوسة الكنيسة اليونانية (115) كما كان قساوسة أسكلبيوس يعالجون أسلافهم منذ ألفي عام وخمسمائة. أما القُلَّة القائمة التي كان أهل إبدورس يقربون عليها القرابين إلى زيوس وهيرا فقد أضحت الآن جبل سانت إلياس St. Elias المقدس. إن الآلهة تموت ولكن التقى والصلاح مخلدان.
وليس أعظم ما يحرص العلماء على مشاهدته في إبدورس هو خرائب أسكلبيوم التي سوبت بالأرض. فالمكان كثير الأشجار وليس في وسع السائح أن يرى الملهى الكامل الذي جاء لمشاهدته حتى يصل إلى منعطف في الطريق يبسطه أمامه عند سفح الجبل على هيئة مروحة ضخمة من الحجارة. ولقد شاده بوليكليتوس الأصغر في القرن الرابع قبل الميلاد، ولكنه لا يزال باقياً إلى اليوم، ويكاد يكون كاملاً لم ينقص منه شيء. وإذا وقف السائح في وسط المرقص (الأركسترا Orchestra) وهو مكان رحب مستدير مرصوف بالحجارة، وأبصر أمامه أربعة آلاف مقعد في صفوف متراصة يعلو بعضها وراء بعض، وقد نظمت تنظيماً رائعاً بحيث يكون كل مقعد منها مواجهاً له، وإذا ما تتبع بنظراته الممرات المتشعبة التي ترتفع ارتفاعاً
سريعاً في خطوط مستقيمة من المسرح إلى سفح الجبل من ورائه، وتحدث بصوت خافت إلى أصدقائه الجالسين على أبعد المقاعد وأعلاها على مسافة مائتي قدم منه، وأيقن أن كل كلمة نطق بها قد سمعها هؤلاء الأصدقاء وفهموها، إذا ما فعل هذا تمثلت له إبدورس في أيام عزها ورخائها، وصور له خياله الجموع الهائلة مقبلة حرة مرحة من كل مدينة ومزار لتستمع إلى يوربديز، وسرى في نفسه إحساس، أقوى من أن يعبر عنه بلسانه، بحياة الهواء الطلق البهجة التي كان يستمتع بها اليونان الأقدمون.
الباب الخامس
أثينة
الفصل الأوّل
بؤوتية هزيود
يتفرع الطريق في شرق مجارا- فيتجه جنوباً إلى أثينة وشمالاً إلى طيبة. والطريق الشمالي جبلي وعر يؤدي بالمسافر إلى مرتفعات جبل سيثرون Cithacron، وإذا نظر المسافر نحو الغرب رأى من بعيد جبل برنسس Parnassus ومن وراء هذا الجبل تقوم مرتفعات أقل منه، ومن بعدها ينبسط سهل بؤوتية الخصيب. وعند سفح التل تقوم بلاتية حيث أفنى مائة ألف من اليونان ثلاثمائة ألف من الفرس. وإلى غربها قليلاً نجد لوكترا Leuctra حيث كسب أباميننداس أول نصر عظيم له على الإسبارطيين. وإلى غرب لوكترا بقليل يرتفع جبل هليكون Mt. Helicon موطن ربات الشعر "وهبكرين الحيية" التي تغنى بها كيتس Keats، وهي الينبوع الذائع الصيت، ينبوع الجواد الذي تؤكد لنا الأساطير أنه نبع منه الماء حين ضرب بجسوس Pagasus الجواد المجنح الأرض بقدمهِ وهو يصعد إلى السماء. وإلى شمال هذا النبع مباشرة تقوم مدينة ثسبيا التي لا ينقطع النزاع بينها وبين طيبة وبالقرب منها يوجد النبع الذي أبصر فيه نارسس خياله- أو خيال أخته الميتة التي كان يحبها على ما جاء في قصة أخرى.
وفي بلدة أسكرا Ascra الصغيرة بالقرب من ثسبيا كان يعيش ويكدح الشاعر هزيود الذي لا يعلو عنه في حب اليونان الأقدمين إلا هومر وحده.
وتقول الرواية المتواترة إن هذا الشاعر ولد في عام 846 وتوفي في عام 777، ولكن بعض العلماء المحدثين يؤرخون تاريخه إلى حوالي 650، وأكبر ظننا أنه عاش قبل التاريخ الأخير بمائة عام. وكان مولده في سيمي Cyme من أعمال إيوليا في آسية الصغرى، ولكن والده حاقت بهِ الفاقة فيها فهاجر إلى أسكرا التي يصفها هزيود بأنها "بائسة في الشتاء، لا تطاق في الصيف، وليس فيها خير في وقت من الأوقات"- كمعظم الأماكن التي يعيش فيها الناس. وبينما كان هزيود الغلام الراعي والعامل في المزرعة يسير وراء قطعانه على سفوح جبال هليكون صاعداً تارة ونازلاً تارة أخرى خيل إليه أن ربات الشعر قد نفثت في جسمهِ روح الشعر فأخذ يكتبه ويغنيه ويكسب الجوائز في المباريات الموسيقية، ويقول البعض إنه فاز على هومر نفسه.
وإذ كان ككل شاب يوناني مولعاً بعجائب الأساطير، فقد كتب
(1)
أنساباً للآلهة عندنا منها ألف بيت غث تسرد أسر الأرباب وملوكهم، وهي أنساب لا غنى عنها في الدين كما أن أنساب الملوك لا غنى عنها في التاريخ. وقد تغنى في بادئ الأمر بربات الشعر نفسها لأنها كانت جاراته على تل هليكون إذا جاز القول بأن الآلهة يجاورون الآدميين، وقد صور له خيال الشباب أنه يكاد يراها "ترقص بأقدامها الدقيقة" على سفح الجبل، و "وتغسل جلدها الرقيق" في الهبكرين. ثم وصف بعدئذ مولد العالم- لا خلقه- فأخذ يقص علينا كيف ولد إله من إله حتى ضاق أولمبس بالآلهة. ويقول إنه في بادئ الأمر عماء ثم "كانت بعدئذ الأرض العريضة الصدر المقر الثابت الأمين لجميع الآلهة المخلدين"؛ وكان الآلهة في الدين اليوناني يعيشون إما على ظهر الأرض أو في باطنها، وهم على الدوام قريبون من الناس،
(1)
هذا ما كان يعتقده جميع الكتاب الأقدمين ما عدا بعض الأدباء البؤوتيين ممن عاشوا في القرن الثاني بعد الميلاد، وهؤلاء يرتابون في أن هزيود هو مؤلف هذه الأنساب.
ثم جاء بعدئذ طرطروس Tartarus إله العالم السفلي ثم جاء بعده إروس Eros أو الحب " أجمل الآلهة " كلهم. وولد للعماء Chaos الظلمة والليل وولِد لهذين الأثير Ether والنهار وولدت الأرض الجبال والسماء وولد من اقتران السماء والأرض الأقيانوس Oceanus أي البحر. والمؤلفون الإنجليز يبدءون هذهِ الأسماء بالحروف الكبيرة Capitals ولكن هذهِ الحروف لم يكن لها وجود في اللغة اليونانية أيام هزيود، ومبلغ علمنا أنه لم يكن يقصد بهذا كله أكثر من أن العالم في بادئ الأمر كان عماء، ثم نشأت الأرض وما في باطنها، والليل والنهار والبحار؛ وأن الشهوة هي التي أوجدت كل شيء ولعل هزيود كان فيلسوفاً ألهِم الشعر فأخذ يجسد المعاني المجردة وينشئ منها شعراً؛ وقد لجأ إمبدقليز إلى تلك الأساليب نفسها بعد مائة عام أو مائتين في صقلية. وليس بين هذا القصص الديني وبين فلسفة الأيونيين الطبيعية إلا خطوة واحدة.
ويكثر في أساطير هزيود الهولات والدماء وهو لا يتحرج من أن يعزو إلى الآلهة أفحش الصلات الجنسية. وقد نشأ من تزاوج السماء) أورانوس (والأرض) جي أوجيا (جنس من الجبابرة (Titans) لبعضهم خمسون رأساً ومائة يد. ولم يكن أورانوس يحبهم فقذف بهم إلى طرطروس المظلمة. ولكن الأرض ساءها هذا فعرضت عليهم أن يقتلوا أباهم. وقام كرونس أحد الجبابرة بهذهِ المهنة. فابتهجت "جي الضخمة بهذا العمل وأخفته في كمين؛ ووضعت في يدهِ منجلاً، مثلم الأسنان، وأوحت إليه بالخطة التي يسير عليها. ثم جاء السماء الواسع وأحضر معه الليل (Erebus) ، وكان السماء محباً وإلهاً فاحتضن الأرض وامتد حولها في جميع الجهات". فلما رأى كرونس ذلك بتر قضيب أبيه وألقى باللحم المقطوع في اليم، ونشأت من نقط الماء التي سقطت على الأرض آلهة الانتقام (Furias) ؛ ومن الزبد الذي
تكون حول اللحم وهو طافٍ فوق الماء نشأت أفرديتي
(1)
. واستولى الجبابرة على أولمبس، وأنزلوا أورانوس) السماء (عن عرشهِ ورفعوا عليه كرونس. وتزوج كرونس بأختهِ ريا Rhae، ولكن أبويه الأرض والسماء كانا قد تنبأ بأن أحد أبنائه سيقتله، فابتلعهم كرنس جميعاً ما عدا زيوس، الذي ولدته ريا سراً في كريت. فلما شب زيوس خلع كرونس وأرغمه على أن يُخرج أولاده من بطنهِ. وأعاد الجبابرة إلى باطن الأرض قوة وأقتداراً.
هذهِ هي الطريقة التي ولدت بها الآلهة وهذهِ هي أساليبهم كما جاء في أقوال هزيود. وهنا يجد قصة بروميثيوس البعيد النظر، جالب النار؛ ونجد كذلك فجور الآلهة الكثير الممل، وهو الفجور الذي استطاع به كثير من اليونان أن يصلوا بأنسابهم إلى هؤلاء الآلهة- ولم يكن الإنسان ليظن أن الشعر الذي يروي هذا الفجور سيكون شعراً مملاً خالياً من الروعة إلى هذا الحد. ولسنا نعرف كم من هذهِ الأساطير كانت هي القصص الشعبي الذي نشأ في ثقافة بدائية تكاد أن تكون همجية، وكم منها من تأليف هزيود نفسه، ولسنا نجد في صحف هومر الطيبة إلا القليل من هذهِ الأساطير. ولربما كان بعض الفساد الذي غمرت فيهِ هذهِ القصص آلهة جبل أولمبس في أيام النقد الفلسفي والتطور الأخلاقي ربما كان هذا البعض من خيال شاعر أسكرا القاتم النكد.
وينزل هزيود في القصيدة الوحيدة التي لا يجادل أحد في أنها من شعرهِ من قلل أولمبس إلى السهول فيكتب شعراً زراعياً قوياً في وصف حياة الفلاح. وتلك هي قصيدة الأعمال والأيام وهي عتاب طويل ونصيحة إلى أخيهِ برسيوس، وقد صوره فيها بصورة غريبة تحمل على الظن بأن هذا الأخ لا يعدو أن يكون تجسيداً أدبياً لمعنى تخيله الشاعر. وهو يقول في مطلع
(1)
واللفظ مشتق من أفروس Aphros الزبد. أما المقطع الأخير في الكلمة يهفث فلا يعرف أصله على وجه التحقيق.
القصيدة: "والآن سأتحدث إليك أيها الأخ الأبله برسيوس ولا أبغي من حديثي إلا الخير لكَ". ويقول لنا هزيود إن برسيوس هذا قد خدعه واغتصب منه ميراثه؛ ثم يحدثنا بعد هذا الاغتصاب حديثاً هو أول موعظة معروفة في التاريخ تصف فضيلة الجد وكرامته، وتقول إن الشرف والكدح أوفر كرامة وأدل على الحكمة من الرذيلة والترف والخمول:"إن من أيسر الأمور لكَ أن تختار الرذيلة وأن تختار منها أكداساً مكدسة لأن الطريق إليها معبد ومقامها جد قريب. ولكن الآلهة المخلدين قد أقاموا في سبيل الفضيلة عرق الكدح وجعلوا الطريق المؤدي إليها طويلاً وعراً شاقاً في بداية الأمر ولكنك إذا وصلت إلى أعلاه وجدته سهلاً بحق رغم ما لقيت فيه من المشقة قبل". ثم يضع الشاعر قواعد لأعمال الزراعة الجدية ويحدد خير أيام الحرث والغرس والحصاد، ويصوغ أقواله في أمثال فجة صقلها فرجيل فيما بعد في شعر بلغ حد الكمال. وهو يحذر برسيوس من عاقبة الإفراط في الشراب صيفاً ومن تخفيف الملابس شتاءّ. ويصور شتاء بؤوتية القاسي فيقول عنه إن ريحه زمهرير تسلخ جلد الجؤذر والبحار والأنهار تضطرب مياهها بفعل ريح الشمال والغابات تنوح وأشجار الصنوبر تتساقط، والحيوانات "ترهب الثلج الأبيض"، وتأوي خائفة إلى حظائرها ومذاودها، وما أدفأ الكوخ الحسن البناء في ذلك الوقت، فهو الجزاء الأخير للكدح بشجاعة وفطنة! ففيه لا تنقطع الأعمال المنزلية مهما اشتدت العواصف، وفيه تكون الزوجة نعم العون حقاً، فهي خير عوض للرجل مما سببته له من متاعب كثيرة.
ولا يستطيع هزيود أن يقطع برأي في الزوجات، وما من شك في أنه كان أعزب أو أرمل، لأن مَن كانت له زوجة حية لا يتحدث عن المرأة بهذا الغل الشديد. نعم إن الشاعر يبدأ في آخر القطعة الباقية من قصيدتهِ ثبتاً بأسماء النساء كله شهامة ومروءة، ويعيد على مسمعنا قصص تلك الأيام التي كان عدد البطلات فيها لا يقل عن عدد الأبطال وحين كانت كثرة الأرباب
من النساء. ولكنه يذكر في كتابيهِ الكبيرين في اغتباط الحاقد الشامت أن معظم الشرور التي في العالم من فعل بندورا الحسناء، وأن زيوس لما غضب على بروميثيوس Prometheus حين سرق النار من السماء أمر الآلهة أن تخلق المرأة لتكون هدية يونانية إلى الرجل: "فأمر هفستوس Hephaestus أن يمزج من فورهِ التراب بالماء وأن يهب المزيج صوت الرجل وقوته، وأن يجعل وجه الفتاة الحسناء جميلاً كوجه الآلهات والمخلدات. ثم أمر أثينا أن تعلمها كيف تنسج القماش المتين، وأمر أفرديتي الذهبية أن تنشر حول رأسها الرشاقة، والشهوة الملحة، والقلق الذي يتلف الأعضاء، ولكنه أمر الرسول هرمس أن يمنحها عقلاً كعقل الكلاب وأخلاقاً كلها ختل ودهاء. وأطاعوا كلهم زيوس
…
ووضع رسول الآلهة في جوفها صوتاً جذاباً؛ وسمى هذهِ المرأة بندورا لأن كل الساكنين في البيوت الأولمبية قد أهدوا إليها هدية لتؤذي بها الرجال المبدعين".
ثم يقدم زيوس بندورا إلى إميثيوس Epimstheus؛ وقد حذره أخوه بروميثيوس من قبول هدايا الآلهة، ولكنه رغم هذا التحذير يشعر بأنه لا حرج عليه من أن يخضع للجمال هذهِ المرة. وكان بروميثيوس قد ترك مع إيميثيوس صندوقاً خفياً عجيباً وأوصاه ألا يفتحه بحال من الأحوال. وغلب على بندورا حب الاستطلاع ففتحت الصندوق فطار منه عشرة آلاف شر أخذت تنغص على الناس حياتهم، ولم يبقَ فيه إلا الأمل وحده. ومن بندورا، كما يقول هزيود، نشأ جنس النساء الرقيقات، ومنها نشأت سلالة مؤذية، وتسكن طوائف النساء الشديدات الأذى مع الرجال وهنَّ لا يعنهم على الفقر المدقع بل يعنّهم على التخمة؛ وبهذهِ الطريقة وهب زيوس الرجال نساء ليكنَّ مصدر الشر والأذى".
ثم يقول الشاعر المذبذب بعدئذ في حسرة ولوعة إن العزوبة لا تقل شراً عن الزواج لأن الشيخوخة مع العزلة شقاء أيما شقاء، ولأن أملاك من لا ولد له تعود بعد موتهِ إلى عشيرتهِ، ولهذا فإن من مصلحة الرجل أن
يتزوج- وإن كان عليهِ ألا يتزوج قبل سن الثلاثين، ومن مصلحتهِ أن يكون له أولاد- وإن كان من الواجب ألا يكون له أكثر من ولد واحد، حتى لا تنقسم ثروته بعد موته.
"إذا ما توج النضج فخر رجولتك، فخذ بيدك إلى بيتك زوجة راضية؛ وخير سن الزواج هي سن الثلاثين، فلا تنقص منها كثيراً ولا تزد عليها كثيراً؛ .. واخترها عذراء حتى تطبع الأخلاق الطاهرة صدرها بطابع الحب القائم على الحكمة والعقل. ولتكن الهدية التي تهدى إليك فتاة من جيرتك معروفة لك؛ ولتكن حذراً غاية الحذر لئلا تُسئ الاختيار فتكون أضحوكة لجميع مَن يسكنون حولك. وخير ما تهبه الحكمة الإلهية للإنسان امرأة جميلة فاضلة وشر ما يصيب الإنسان زوجة صغيرة تقضي كل وقتها في الطعام والشراب. إن هذهِ المرأة لتحرق بغير نار متقدة جسمك الذي أنهكته المتاعب، وتشعل النار في عظامك القوية التي في داخل جسمك وتسبب لك الشيخوخة وأنت لا تزال في عنفوان الشباب".
ويقول هزيود إن الجنس البشري عاش على وجه الأرض قبل سقوط الإنسان على هذا النحو مئات من السنين يرسل في حلل السعادة. ذلك بأن الآلهة قد خلقت أولاً في أيام كرونس) ستورينا في شعر فرجيل (جيلاً ذهبياً كانوا كالآلهة يعيشون بلا كدح ولا قلق، تنتج لهم الأرض من نفسها الطعام، وتغذي بكلئها قطعانهم الكثيرة، ويقضون كثيراً من الأيام فرحين مسرورين لا تدركهم الشيخوخة، حتى إذا أقبل عليهم الموت آخر الأمر كان كأنه نوم خال من الآلام والأحلام. ثم خلق الآلهة في نزوة من نزواتهم القدسية جيلاً فضياً أحط منزلة من الجيل الأول، يحتاج أفراده في نموهم إلى مائة عام، فإذا كمل هذا النمو عاشوا معذبين زمناً قليلاً يدركهم بعده الموت. ثم خلق زيوس جيلاً نحاسياً، رجالاً أعضاؤهم وأسلحتهم وبيوتهم من النحاس، شن بعضهم على بعض كثيراً من الحروب
حتى "سلط عليهم الموت الأسود فغادروا ضياء الشمس اللامعة". ثم عاود زيوس التجربة وخلق جيل الأبطال الذين حاربوا في طيبة وطروادة؛ ولما مات أولئك الرجال "سكنوا بأرواحهم الخالية من الهم في جزائر الأبرار"، وجاء من بعدهم شر الناس كلهم، الجبل الحديدي، وهم خلق أدنياء فاسدون فقراء لا يعرفون النظام، يكدحون بالنهار ويقاسون الشدائد والأهوال بالليل؛ لا يوقر أبناؤهم آباءهم، يعصون الآلهة ويبخلون عليهم، كسالى مشاغبون، يحارب بعضهم بعضاً، يرشون ويرتشون، لا يثق بعضهم ببعض، ويفتري بعضهم على بعض، ويطأون بأقدمهم وجوه الفقراء منهم. ويقول هزيود في حسرة:"ألا ليتني لم أولد في هذا العهد بل ولدت قبله أو بعده! " وهو يتمنى أن يعجل زيوس بدفن هذا الجيل الحديدي في باطن الأرض.
هذا هو اللاهوت التاريخي الذي يفسر بهِ هزيود ما في زمانه من فقر وظلم. وقد كان يرى هذهِ الشرور بعينيهِ ويلمسها بيديه؛ ولكن الشاعر لم يكن يشك في أن الماضي الذي ملأه أبطالاً وآلهة كان أنبل وأجمل من هذا الجيل؛ ولسنا نرتاب في أن الناس لم يكونوا على الدوام فقراء معذبين أذلاء كما كان الزراع الذين عرفهم في بؤوتية. وهولا يعرف أن أخطاء الطبقة التي ينتمي إليها قد أثرت في نظرتهِ، وأن آراءه في الحياة والعمل والنساء والرجال آراء ضيقة، أرضية، تكاد أن تكون تجارية. وما أبعد هذهِ الصورة من صورة أعمال الناس التي تطالعنا في شعر هومر، وهي صورة إن كان فيها الإجرام والفزع فإن فيها أيضاً العظمة والنبل! لقد كان هومر شاعراً، يعرف أن ومضة من الجمال تمحو آلافاً من الخطايا؛ أما هزيود فكان فلاحاً يصعب عليه ما تتكلفه الزوجة، ويغضب من وقاحة النساء اللائي يجلسن حول المائدة مع أزواجهن. ويكشف لنا هزيود في صراحة فظة عما كان في المجتمع اليوناني القديم من انحطاط قبيح - عن الفقر المدقع الذي كان يعانيه رقيق الأرض وصغار الزراع الذين يقوم على سواعدهم مجد
الأشراف والملوك وعبث الحروب. وكان هومر يتغنى بالأبطال والأمراء للأشراف من الرجال والنساء؛ أما هزيود فلم يكن يعرف أمراء، بل كان يتغنى في قصائدهِ بالسوقة من الرجال ويوائم بين نغماته وبين موضوعه. فنحن نستمع في شعرهِ إلى قعقعة ثورات الفلاحين التي أنتجت في أتكا من بعد إصلاحات صولون وطغيان بيسستراتس
(1)
.
لقد كانت الأرض في بؤوتية، كما كانت في البلوبونيز، في حوزة نبلاء غائبين عنها يقيمون في المدن أو بالقرب منها. وقد شُيدت أكثر المدن رخاءً وازدهاراً نحو بحيرة كبسيس Capsais، وهي الآن جافة ولكنها كانت فيما مضى تمد بالماء شبكة معقدة من قنوات الري وأنفاقه. وقد غزت هذا الإقليم المُغري الجذاب في أواخر عصر هومر شعوب اشتُق اسمهم من جبل بيئون Boeon في إبيروس الذي أقاموا بيوتهم بالقرب منه. وقد استولوا على قيرونيا Chaeronia) وبقربها قضى فليب على حرية اليونان (، وطيبة عاصمتهم في مستقبل الأيام، ثم استولوا أخيراً على أركمنوس العاصمة المينياوية القديمة. وقد انضوت هذهِ المدن وغيرها في أيام اليونان الأقدمين تحت لواء طيبة في اتحاد بؤوتي يصرف شئونه العامة رجال من أهل هذا الحلف يُختارون في كل عام، ويحتفل أهله مجتمعين في كورونية Coronea بعيد الجامعة البؤوتية.
وكان من عادة الأثينيين أن يسخروا من البؤوتيين ويتهموهم بأنهم أغبياء ويعزوا بلادة ذهنهم إلى إفراطهم في الأكل وإلى جو بلادهم الكثير الضباب والأمطار- كما كان الفرنسيون يعيرون الإنجليز سواء بسواء. وقد
(1)
ولا يذكر التاريخ شيئاً عن موت هزيود، ولكن الأقاصيص تقول إنه وهو في سن الثلاثين أغوى العذراء كليميني Clymene؛ وإن أخاها قتله وألقى بجثته في البحر؛ وإن كليميني حملت من بابنه الشاعر الغنائي استسيكوروس Stesiehorus وهو الشاعر الذي ولد مع ذلك في صقلية".
يكون في هذا الوصف والتعليل بعض الصدق، لأن البؤوتيين يضطلعون في تاريخ اليونان بدور لا ترتاح له النفوس. من ذلك أن طيبة مثلاً قد ساعدت الغزاة الفرس، وظلت شوكة في جانب أثينة مئات السنين. ولكننا نضع في الكفة الأخرى- كفة الحسنات- أبطال بلاتية الشجعان الأوفياء، ونضع هزيود الكادح المثابر، وبندار الذي بلغ السماكين، وأباميننداس الأبي الشريف النفس، وفلوطرخس الحبيب إلى النفوس. ومن واجبنا أن نكون على حذر فلا نرى منافسي أثينة بأعين الأثينيين.
الفصل الثاني
دلفي
بعد أن يغادر الإنسان قيرونيا مدينة أفلوطرخس يصعد وهو يعرض حياته للخطر فوق اثني عشر ميلاً يلتقي عند آخرها بفوقيس Phocis، ثم يصل عند سفح جبل بارنسس نفسه إلى دلفي مدينة اليونان المقدسة. وعلى بعد ألف قدم من تحتها ينبسط سهل كريسيا Crisaea الذي تتلألأ فيه بأوراقها الفضية عشرة آلاف شجرة زيتونة؛ وعلى بعد خمسمائة قدم أخرى تحت هذا السهل يمتد في الأرض جون صغير من خليج كورنثة، تمر فيه السفن وهي مقبلة من بعيد، تتهادى في بطء وصمت فوق المياه الساكنة الخداعة. ومن وراء الجون سلاسل أخرى من الجبال تكسوها عند مغيب الشمس حلة أرجوانية. وعند منعطف في الطريق يلتقي السائح بنبع كستاليا Castalia في خانق بين الصخور العمودية. وتروي القصص أن أهل دلفي ألقوا إيسوب Aesop من فوق هذهِ الصخور المرتفعة) وأضافوا بقولهم هذا خرافة أخرى إلى خرافاتهِ (؛ كما يروي التاريخ أن فلوميلوس Philomelus الفوقي Phocian طارد اللكريين المنهزمين من فوق هذهِ الصخور في الحرب المقدسة
(1)
الثانية. ومن فوقها قمتا برنسس التوأمتان حيث سكنت ربات الشعر بعد أن ملت المقام في جبل هِلِكُن. ولم يكن اليونان الذين يتسلقون مئات
(1)
لقد أوقد اليونان نار حربين مقدستين بسبب مطالب هيكل أبلو أولاهما من 595 إلى 585 وفيها قضى اليونان الجنوبيون على ما كان يفرضه أهل سرا Cirrha المجاورة للهيكل من إتاوات باهظة على الحجاج المارين بثغرهم في طريقهم إلى دلفي؛ وكانت الحرب الثانية بين عامي 356، 346. فيها هزم جيش حلف يوناني بقيادة فليب المقدوني الفوقيين الذين استولوا على دلفي ونهبوا أموال الهيكل. وأدت الحرب الأولى إلى إعلان حياد دلفي وإلى إقامة الألعاب البيثية Pythian، أما الثانية فكانت عاقبتها أن فتحت مقدونية بلاد اليونان.
الأميال فوق الصخور الوعرة ليقفوا على قمة الجبل- متزنين على لسان بارز من الصخر بين المرتفعات التي يكسوها الضباب من جهة والبحر الذي تسطع عليه الشمس من جهة أخرى، ويحيط بهم من جميع الجهات جمال الطبيعة وأهوالها- لم يكن هؤلاء اليونان يشكُّون في أن من تحت هذهِ الصخور إله رهيب. وكثيراً ما زلزلت الأرض في هذا المكان وقذفت الرعب في قلوب الفرس النهابين، ومن بعدهم بمائة عام في قلوب الفوقيين النهابين، وبعد مائة عام أخرى في قلوب الغالبين النهابين؛ وكانت الزلازل في اعتقاد اليونان من فعل الإله يحمي بها قراره. وكان العباد المتدينون يؤمون هذا المكان من أقدم الأزمنة التي تتحدث عنها التواريخ اليونانية ليجدوا في الرياح التي تهب بين الأخاديد، أو الغازات التي تنبعث من باطن الأرض، صوت إلههم وإرادته. وكانت الصخرة العظيمة، التي تكاد تسد الفتحة التي تنبعث منها الغازات وسط بلاد اليونان كلها في اعتقاد الأهلين، ومن ثم كانت هي سرة العالم أو أمفالوسه Omphalos كما كانوا هم يسمونها.
وقد شادوا فوق هذهِ السرة مذابحهم لجي أمهم الأرض في الأيام القديمة، ثم لأبلو مالكها الأزهر فيما بعد. وكانت تحرس الأخدود في الزمن القديم أفعى رهيبة فتصد عنه الرجال؛ حتى قتلها فيبوس Phoebus بسهم وأصبح هو أبلو البيثيين الذي يُعبد في هذا الضريح. ولما أن دمرت النيران في عام 48 هيكلاً قديماً أعاد بناءه الأشراف الألكميونيون المنفيون من أثينة بأموال اكتتبت بها بلاد اليونان كلها وبأموالهم هم، وجعلوا له واجهة من الرخام. وأحاطوه برواق دوري الطراز، وأقاموه من الداخل على أعمدة أيونية. وقلما رأت بلاد اليونان ضريحاً مثله من قبل. وكان طريق مقدس ملتف حول الجبل يؤدي إلى المزار، ويزدان في كل خطوة بالتماثيل والأروقة والخزانات أي الهياكل الصغيرة التي أقامها عند تخومه المقدسة) في أولمبيا، ودلفي، وديلوس المدن اليونانية (لتودع فيها أموالها أو لتكون
هبات منها إلى الإله. وقد أقامت كورنثة وسكسيون خزائن من هذا النوع في دلفي وأقامت مثلها فيما بعد أثينة، وطيبة، وسيريني، وأقامت أحسن منها نيدوس Cnidos وسفنوس Siphnos وفي وسطها كلها شُيد ملهى مواجه لجبل برنسس ليذكر الناس أن التمثيل كان في اليونان أصلاً من الأصول الدينية. وكان يعلو فوق هذهِ كلها ملعب يمارس فيه اليونان أحب الشعائر إليهم وهي عبادة الصحة، والشجاعة، والجمال، والشباب.
وفي وسعنا أن نتخيل منظر هذا المكان في عيد أبلو، فنصور لأنفسنا الحجاج المتحمسين يزحمون الطريق الموصل إلى المدينة المقدسة، وتغص بهم وبصخبهم وضجيجهم النزل والخيام التي أقيمت على عجل لتأويهم، وهم يمرون في حذر وارتياب بين الحوانيت التي يعرض فيها التجار الماكرون بضاعتهم، ثم يصعدون في مواكب دينية أو حاجين إلى هيكل أبلو يطلبون إليه الرضوان، ويقربون إليه القرابين أو الضحايا، ويرتلون الأناشيد؛ أو يتلون الأدعية والصلوات، ويجلسون خاشعين في الملهى، ثم يصعدون في خطى ثقيلة متعبة تبلغ الخمسمائة عداً ليشهدوا الألعاب البيثية أو ليتطلعوا في دهشة إلى البحر والجبال. لقد كانت الحياة يوماً من الأيام تسير على هذا النهج المليء بالحمية والحماسة.
الفصل الثالث
الدول الصغرى
كان الأهلون في الجزء الغربي من أرض اليونان الأصلية يعيشون قانعين بحياتهم الريفية الهادئة طوال تاريخ اليونان القديم ولا يزالون كذلك حتى اليوم. لقد كان الناس في لكريس Locris، وإيتوليا Aetolia، وأكرنانيا Acarnania، واينيانيا Aeniania، لشدة قربهم من الحقائق البدائية الواقعية، وبعدهم عن تيار الحركة والتجارة الجارف، لا يجدون متسعاً من الوقت، وليست لهم المهارة الكافية، للاشتغال بالأدب أو الفلسفة أو الفن؛ إن الملعب والملهى العزيزين على أتكا لم يجدا لهما مواطناً في هذا المكان، وكانت الهياكل نفسها أضرحة قروية لا يجملها الفن ولا تثير العاطفة القومية. وكانت تقوم في فترات طويلة مدائن متواضعة مثل أمفسا Amphissa في لكريس، أو نوبكتوس Naupactus الإيتولية، أو كليدون Clydon الصغيرة حيث صاد مليجر Meleager في يوم من الأيام الخنزير البري مع أطلنطا Atalanta
(1)
وعلى الساحل الغربي بالقرب من كليدون تقوم مسولنجيون Messolongion أو مسولنجي Messolongi حيث
(1)
دمر خنزير بري حقول كليدون فانبرى له مليجو ابن مليكها إنيوس. ودبر أمر سيده مستعيناً بشيوس، وكاستر، وبلكس، ونسطور، وجيسن، وأطلنطا ذات الوجه الجميل والخطو السريع. وقتل الخنزير عدداً من الأبطال ولكن أطلنطا صادته ومليجر قتله. وتزاحم الخاطبون على أطلنطا في بيتها في أركاديا، فوافقت على أن تتزوج من يسبقها منهم واشترطت أن تقتل كل من لا يستطيع أن يسبقها. واستطاع هبومينيس Hippomenes أن يسبقها بأن ألقى في طريقها وهو بعد التفاحات الثلاث التي أعطتها إياه أفرديتي من الهسبرديز Hesperides، فوقفت أطلنطا لتأخذها وخسرت الرهان. وفي وسع القارئ أن يطلع على حب مليجر الخفي لأطلنطا وموته المفجع في قصيدة سونبيرن Swinburne المسماة "أطلنطا في كليدون Atalanta in Clydon".
حارب ماركو بوزارس Marco Bozzaris وقُتل بيرن Byron ويجري بين أكرانيا وإتوليا أعظم نهر في بلاد اليونان- نهر أكلوس الذ أتخذه اليونان ذوو الخيال الخصب إلهاً لهم وعبدوه واسترضوه بالصلاة والضحايا. وبالقرب من منابعه في إبيروس Epiros ينبع نهر أسبركيوس Spercheus وبالقرب من شاطئيه في دولة إبنيانيا Aeniania الصغيرة كان يعيش الآخيون في العصر السابق لعصر هومر، هم وقبيلة صغيرة تسمى هلينز وهو الاسم الذي سمى به اليونان كلهم أنفسهم طوعاً لحكم العادة التي لا تخضع لغير الهوى. وفي اتجاه الشرق يقع ممر ترموبيل المعروف باسم "الأبواب الحارة
…
" بسبب عيونه الكبريتية الساخنة وممره الضيق المنبع الممتدة من الشمال إلى الجنوب بين الجبال والخليج المالي Malic Gulf؛ وبعد أن يصعد الإنسان جبل أثريس Othrys ويخترق آخيا ثيوتيس Achaea Ththiotis ينحدر إلى سهول تساليا العظيمة.
وفيها عند فرسالس Pharsalus أبادت جنود قيصر المتعبة قوات بمبي؛ وليس في بلاد اليونان كلها إقليم آخر من تساليا زرعاً، أو أقوى منها خيولاً، أو أفقر فنوناً. وتجري فيها الأنهار من جميع الجهات، ويصب كلها في نهر بنيوس فتكون فيها تربة غرينية خصبة تمتد من حدود الإقليم الجنوبية إلى سفوح السلاسل الشمالية. ويشق نهر ينيوس طريقه خلال الجبال مخترقاً تساليا بحر تراقية، وينحت بين قمم أسا Assa وأولمبس وادي التمبي) القطع (حيث يحيط بالنهر الغَضوب من جميع الجهات صخور وعرة تمتد على شاطئيه مدى أربعة أميال، وتعلو عن ماء النهر نحو ألف من الأقدام. وقد قلمت على طول النهر في الزمن القديم مدن كثيرة - فيرى، وكرانون، وفركا، ولاريسا، وجيرتون، وإلاتيا
(1)
، كان يحكمها أمراء إقطاعيون
(1)
Elates، Gyrton، Larisa، Frica، Crannon، Pherae
يعيشون من كدح رقيق الأرض. وهنا في أقصى الشمال يعلو جبل أولمبس أعلى قلل البلاد ومواطن الآلهة الأولمبية. وعلى سفوحه الشمالية والشرقية تقوم بيريا Pieria التي كانت موطن ربات الشعر قبل انتقالهن إلى هليكون
(1)
. وإلى الجنوب، على طول الخليج، تمتد مجنيزيا حيث تتجمع الجبال من أسَّا Assa إلى بليون Pelion.
وتمتد جزيرة عوبية Euboea مقابلة لسواحل اليونان القارية بين الخلجان الداخلية ومياه بحر إيجة الخارجية، مبتدئة في عرض المضيق على بعد أميال قليلة من مجنيزيا، وترتكز على شبه جزيرة في كليس تكاد تصلها ببؤتية. والعمود الفقري للجزيرة سلسلة جبلية هي امتداد لأولمبس، وبليون، وأثريس وتنتهي بجزائر سكلديس. وقد بلغت سهولها الساحلية درجة من الخصب والثراء أغرت بها الأيونيين القادمين من أتكا في أيام غزو الدوريين، وأدت إلى فتحها على يد الأثينيين في عام 506 ق. م، وكانت حجة أثينة التي تذرعت بها لهذا الفتح أنها إذا حوصرت عند ببريوس ماتت جوعاً إن لم تصلها حبوب عوبية. وكانت رواسب النحاس والحديد وأجراف الأصداف مصدر ثراء كلسيس والأصل الذي اشتق منه اسمها. وقد ظلت وقتاً ما أهم مراكز الصناعات المعدنية في بلاد اليونان، واشتهرت بسيوفها التي لا تضارعها قط سيوف أخرى، وبمزهرياتها البرونزية التي بلغت أعلى درجة من الإتقان. ومما ساعد على انتعاش تجارة الجزيرة أن استخدمت فيها نقود من أقدم النقود اليونانية، وكانت تخرج من كلسيس فكانت مصدر ثراء أهلها وحافزاً لهم إلى إنشاء مستعمرات تجارية في تراقية وإيطالية وصقلية. وكاد نظام الموازين والمكاييل العوبي أن يعم بلاد اليونان كلها، كما أضحت حروف كلسيس الهجائية التي أخذتها رومة من كومي الإيطالية مستعمرة
(1)
وهي التي وردت في نصيحة ألكسندر بوب الحكيمة التي يتضمنها البيتان الآتيان: إن العلم القليل يعرض للأخطار، فإما أن ترتوي منه وإما ألا تمس النبع البيري
عوبية، كما أضحت هذه الحروف في صورتها اللاتينية هي الحروف الهجائية لأوربا الحديثة. وعلى بعد أميال قليلة من جنوب كلسيس كانت مدينة إرثريا منافستها القديمة حيث أنشأ منديموس Meredemus أحد تلاميذ أفلاطون مدرسة للفلسفة؛ وفيما عدا هذا فإن إرتريا وكلسيس Chalcis كلتيهما لا يظهر أسماهما واضحين في تاريخ الفكر أو الفن اليونانيين.
ومن كلسيس يعبر المسافر على جسر قائم مكان المعبر الخشبي الذي أنشئ في عام 411 ق. م مضيق يوربوس Euripus عائداً إلى بؤوتية. وعلى بعد بضعة أميال إلى الجنوب على الساحل البؤوتي تقع بلدة أويس الصغيرة حيث ضحى أجممنون بابنته للآلهة. وكانت تعيش في هذا الإقليم في يوم من الأيام قبيلة خاملة الذكر هي قبيلة الجرايس التي أرسلت مع العوبيين جماعة من أهلها أنشئوا مستعمرة كومي بالقرب من نابلي، واشتق الرومان من اسم هذه القبيلة الاسم الذي أطلقوه على من قابلهم من الهيلنيين فسموهم الجراكي) الإغريق (
(1)
. ومن أجل هذا أطلق العالم كله على هلاس Hallas اسماً لم يسمِ أهلها بلادهم بهِ في يوم من الأيام. وإلى جنوب أويس تقوم تنجارا Tangara التي كسبت شاعرتها كورنا Corinna الجائزة من بندار حوالي عام 500 ق. م. والتي صنع خزافوها في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد أشهر التماثيل الصغيرة في التاريخ. وبعد خمسة أميال أخرى إلى الجنوب يدخل السائح أتكا وفي وسعنا إذا وقفنا على قلل جبال بارنيس أن نبصر تلال أثينة.
(1)
وقد فعل العرب بهم ما يشبه هذا فاشتقوا من اسم الأيونيين اسماً أطلقوه على جميع الهلينيين فسموهم اليونان أو اليونانيين. (المترجم)
الفصل الرّابع
أتيكا
1 - ما حول أثينة
إن الجو نفسه في هذا الإقليم يختلف عنه في الإقليم السابق- فهو هنا نظيف، بارد، مضيء؛ وكل سنة هنا تحتوي على ثلاثمائة يوم ذات شمس ساطعة. وإذا قدم الإنسان إليه تذكر من فوره وصف شيشرون "هواء أثينة الصافي الذي يقال إنه كان له أكبر الأثر في حدة عقول أهل أتكا". ويسقط المطر في أتكا في الخريف والشتاء، وقلما يسقط في الصيف والضباب نادر فيها، ويسقط الثلج في أثينة مرة واحدة في العام تقريباً، ويسقط أربع مرات أو خمساً كل عام على قمم الجبال المحيطة بها. والصيف هنا حار ولكنه جاف يطاق؛ وكانت الأراضي المنخفضة في الزمن القديم ذات مناقع تنتشر فيها الملاريا فتقلل من ملائمة الهواء للصحة. وتربة أتكا فقيرة، والصخور الصلبة قريبة من سطح الأرض في كل مكان تقريباً، وهذا القرب يجعل الزراعة كفاحاً شاقاً للحصول على أبسط ضرورات الحياة
(1)
؛ ولولا التجارة التي تتطلب كثيراً من المغامرة، وزراعة الزيتون والكرم التي تتطلب كثيراً من الصبر، لما أمكن قيام الحضارة في أتكا.
وأكثر ما يدهش له الإنسان أن تقوم مدن كثيرة في هذه الشبه الجزيرة القاحلة؛ فهي تطالع الإنسان في كل مرفأ على الساحل، وفي كل وادٍ
(1)
يقول توكيديدس إن "أتكا نجت لفقر تربتها منذ أقدم الأزمان من الانقسامات الداخلية (؟) والغزو الأجنبي".
بين التلال، فقد استقر في أتكا شعب نشيط مغامر إبان العصر الحجري الحديث أو قبله، وأكرم وفادة القادمين عليه من الأيونيين- وهم مزيج من البلاسجيين الميسينيين والآخيين- الفارين من بؤوتية والبلوبونيز أمام المهاجرين والغزاة الشماليين، وتزوج منهم وتزوجوا منه. ولم يكن هؤلاء القادمون فاتحين من الأجانب، يستغلون أهل البلاد الأولين، بل كانوا سلالة مختلطة من شعوب البحر المتوسط، متوسطي القامة، سمر البشرة، ورثوا من طريق مباشر دم الحضارة الهيلينية وثقافتها، وكانوا يعتزون بنشأتها وصفاتها الأصلية، ويصدون عن قدسها القومي، الأكربوليس، الدوريين نصف الهمج الحديثي العهد بالثقافة اليونانية.
وكان نظامهم الاجتماعي مستمداً من صلة الدم هذه؛ فكانت كل أسرة تنتمي إلى قبيلة من القبائل يدعى أفرادها أنهم من نسل بطل مقدس واحد، ويعبدون إلهاً واحداً، ويشتركون في حفلات دينية واحدة، ولهم أركون) حاكم (واحد وخازن على المال واحد، ويملكون مجتمعين بعض الأراضي العامة، ويستمتعون بحق التزاوج والتوارث، ويقبلون ما تفرضه عليهم واجبات التعاون، والثأر، والدفاع، ويوارون التراب آخر الأمر في مدافن القبيلة. وكانت كل قبيلة من قبائل أتكا الأربع تتألف من ثلاثة بطون، وكل بطن من ثلاث أفخاذ وكل فخذ من ثلاثين من آباء الأسر أو نحوهم. وكان تقسيم المجتمع الأتيكي هذا التقسيم القائم على صلة القربة مما يسر تنظيمه الحربي وتعبئته العسكرية، كما أنه ساعد على قيام طبقة أرستقراطية من الأسر القديمة اضطر كليسثنيز بسبب وجودها إلى إعادة توزيع القبائل قبل أن يستطيع إقامة نظام ديمقراطي في البلاد.
ويغلب على الظن أن كل بلدة أو قرية كانت في الأصل مواطن بطن من البطون وكانت تسمى أحياناً باسم هذا البطن أو باسم الإله أو البطل الذي
تعبده، وكانت هذه هي الحال في أثينة نفسها. وإذا أقبل السائح على أتكا من بؤوتة الشرقية التقى أولاً بأوروبوس Oropus وانطبعت في ذهنه صورة غير جميلة لهذا الإقليم، لأن أوروبوس كانت بلدة قائمة عند تخومه يرتاع لها السائح ارتياعه من أية بلدة مثلها في هذه الأيام. ويصفها ديكي آركوس Dicaearchus حوالي عام 300 ق. م بقولهِ إن "أوروبوس معشش للبائعين المحتالين. وموظفو الجمارك في هذه البلد شرهون شرهاً لا يدانيه شره سواه، وخستهم متأصلة في لحمهم وعظامهم. ومعظم أهلها غلاظ شرسو الطباع، لأنهم أطاحوا برؤوس المؤدبين الظرفاء من الأهلين". وإذا اتجه السائح من أوروبوس نحو الجنوب التقى في الزمن القديم بسلسلة من البلدان المتقاربة؛ رامنوس Rhamnus، أفدنا Aphidna، دسليا Deceleia،) وهي مكان ذو موقع حربي حصين اشتهر في حرب البلوبونيز (، وأكارني Acharnae) موطن ديسبوبوليس Dicaepolis داعية السلام الشرس في مسرحيات أرستفنيز (، ومراثون، وبرورونيا Brauronia. وفي الهيكل العظيم الذي كان قائماً في هذه المدينة الأخيرة نصب تمثال أرتميس الذي جاء بهِ أرستيز وإفيجينيا من كرسنيز Chersonese في طوروس Taurus، وكان يحج إليهِ كل أربعة أعوام كل من يستطيع الحج إليها من أهل أتكا ليشتركوا في حفلات التقى والدعارة المعروفة باسم برورونيا أو عيد أرتميس. وبعد هذا يلتقي السائح ببراسية Prasiae وثوركوس Thoricus، ثم يدخل إقليم لوريوم Laurium الذي تُستخرج الفضة من مناجمهِ، والذي كان عظيم الشأن في تاريخ أثينة الاقتصادي والحربي؛ ثم يلتقي في طرف شبه الجزيرة بسونيوم Sunium التي شيد على أطرافها هيكل جميل يهتدي به الملاحون ويوفون فيه بنذورهم إلى بوسيدن. وعلى الساحل الغربي) لأن نصف أرض أتكا سواحل، واسمها نفسه مشتق من أكتيكي Aktike أي أرض
السواح (، يمر المسافر بأنافلستوس Anaphlystus ويصل إلى جزيرة سلاميس Salamis
(1)
موطن إجاكس ويوربديز، ومن بعدها إلى إلوسيس المدينة المقدسة لدمتر وطقوسها الخفية، ثم يعود آخر الأمر إلى بيريس) بيرية (Piraeus. وإلى هذا المرفأ، الأمين الذي ظل مهملاً حتى كشف ثمستكليز فائدته العظيمة، صارت السفن فيما بعد تنقل جميعها غلات عالم البحر المتوسط لتستخدمها أثينة فيما بعد عليها بالمنفعة أو اللذة. وكان جدب تربة أتكا، وقرب أجزائها كلها من شاطئ البحر، ووفرة الموانئ الصالحة، كان هذا كله حافزاً لأهل أتكا للاشتغال بالتجارة؛ وقد كسبوا بفضل شجاعتهم وقوة ابتكارهم أسواق بحر إيجة؛ ومن هذه الإمبراطورية التجارية العظيمة نشأت ثروة أثينة، وقوتها، وثقافتها، في عصر بركليز.
2 - أثينة في عهدها الألجركي
لم تكن هذه البلدان محيطة بأثينة فحسب، بل كانت أجزاء منها كذلك. وقد سبق القول كيف جمع ثيسوس، كما يعتقد اليونان، الأهلين في نظام سياسي واحد وجعل لهم عاصمة واحدة
(2)
. ونشأت أثينة ثم نمت على بعد خمسة أميال من بيريس بين معشش من التلال، همتوس Hymettus وبنتلكوس Pentalicus وبارنس Oarnes، حول الحصن الميسيني القديم. وكان جميع ملاك الأراضي في أتكا من مواطنيها. وكانت أقدم الأسر، وأكثرها أملاكاً هي التي تحفظ التوازن بين ذوي السلطان في البلاد؛ فقد رضوا بقيام الملكية حين كان اضطراب الأمن يهدد
(1)
وأكبر الظن أن الفينيقيين هم الذين أطلقوا عليها هذا الاسم المشتق من شالام أي السم؛ ومنه أيضاً سالم إلخ.
(2)
تحدد الرواية زمن هذه الحادثة بالقرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولكن اتحاد أتكا كلها تحت سلطان أثينة لا يمكن أن يكون قد تم قبل عام 700، وذلك لأن نشيد دمتر "الهومري" الذي وضع حوالي ذلك الوقت حين يتحدث عن إليةسيس يقول إنها كانت لا تزال تحت حكم ملك خاص بها.
البلاد، ولما أن عاد إليها الهدوء والاستقرار وعادوا هم أيضاً إلى الاستمساك بسيطرتهم الإقطاعية وبالحكومة المركزية؛ ولما مات الملك كادروس Cadrus ميتة الأبطال مضحياً بنفسه لصد الدوريين الغزاة
(1)
أعلنوا (كما تروي القصة المتواترة) أن أحداً من الناس لا يصلح خليفة له، واستبدلوا بالملك أركونا (حاكماً) يختار ليتولى السلطة مدى الحياة. وفي عام 752 حددوا مدة الأركونية بعشر سنين ثم أنقصوها إلى سنة واحدة في عام 683. وفي هذه السنة الأخيرة قسموا سلطة صاحب هذا المنصب بين تسعة أركونيين، أركون سميت السنة باسمه ليستطيعوا بذلك تأريخ الحوادث، وأركون يسمى ملكاً ولكنه لم يكن إلا رئيس دين الدولة؛ وأركون يتولى قيادة الجند وستة مشترعين. وحدث هنا ما حدث في إسبارطة ورومة، فلم يكن القضاء على الملكية نصراً عاماً أو خطوة مقصودة نحو الدمقراطية، بل كان يمثل عودة الإقطاعيين إلى السيادة، ويكرر ما كان يحدث في التاريخ كله من قيام السلطة المركزية تارة وغير المركزية تارة أخرى. وبفضل هذه الثورة المجزأة جرد منصب الملك من كل ما كان له من سلطان، واقتصر عمل من يتولاه على الكهانة دون غيرها من الأعمال. ولقد بقيت لفظة ملك في الدستور الأثيني حتى آخر تاريخ المدينة القديم، ولكن حقيقة الملكية لم تعد إليها قط. إن الدساتير قد تبدل أو يقضى عليها من ذوي السلطة العليا دون أن ينالهم من جراء ذلك عقاب ما إذا تركت أسماؤها دون تغيير.
وظل "الحاكمون الشريفو المحتد"(Eupatrid Oligarchs) يحكمون أتكا زمناً يكاد يبلغ خمسة قرون. وكان أهل البلاد أيام حكمهم مقسمين خمس طبقات سياسية: طبقة الفرسان (Rippes) الذين يملكون الخيل
(2)
(1)
والراجح أنها حادثة خرافية ترجعها الرواية التاريخية إلى عام 1068 ق. م.
(2)
وكانت هذه وقتئذ ميزة الرجل الشريف المهذب كما كانت الحال عند الفرسان الرومان Equites والفرنسيين Chevailiers والإنجليز Cavalers.
والذين يستطيعون أن يكونوا فرقة الفرسان في الجيش، وذوي الثيران (Zeugitai) الذين يملك كل منهم ثورين والذين يستطيعون أن يسلحوا أنفسهم ليكونوا من فرق المشاة الثقيلة، وطبقة العمال المأجورين Chetes الذين كانوا يؤلفون فرق المشاة الخفيفة. وكانت الطائفتان الأوليان وحدها هما اللتين تحسبان في عداد المواطنين؛ والفرسان وحدهم هم الذين يمكن اختيارهم أركونين أو قضاة أو كهنة. وكان الأركونون بعد أن يتموا مدة توليهم منصبهم، إذا لم يرتكبوا فضائح تلوث سمعتهم، بحكم منصبهم القديم أعضاء في البول Boule أو تل أريس Ares، ويختارون الأركونين، ويحكمون الدولة. وقد حدد مجلس شيوخ الأريوباجوستي في عهد الملكية نفسها سلطان الملوك؛ فلما قامت الحكومة الألجركية كان له مثل ما لنظيره في رومة من سعة النفوذ وعظيم السلطان.
وكان السكان ينقسمون من الوجهة الاقتصادية ثلاثة أقسام كذلك. فكان على رأسهم الأشراف كريمو المحتد Eupatrids الذين كانوا يعيشون عيشة مترفة بالنسبة إلى غيرهم من الجماعات، ويقيمون في المدن بينما يقوم العبيد والعمال المأجورون بزراعة أملاكهم في الريف، أو التجار باستغلال الأموال التي اقترضوها منهم وأداء جزء غير يسير من الأرباح إليهم. ويلي هؤلاء في الثروة العمال العموميون (Demiugoi) أي أرباب المهن، والصناع، والتجار، والعمال الأحرار. ولما فتح الاستعمار أسواقاً جديدة للتجارة، وتحررت هذه التجارة بعد سك العملة، كان سلطان هذه الطبقة المتزايد هو القوة الفعالة التي أنالتها في عهد صولون وبيستراتس نصيباً من الحكم، ورفعتها في عهد كليسثنيز وبركليز إلى ذروة السلطان. وكان معظم العمال أحراراً لأن العبيد كانوا في ذلك العهد لا يزالون أقلية حتى بين الطبقات الدنيا. وكان أفقر الأهلين عمال الأرض (Georgoi) ، وهم
الزراع الصغار الذين ينتزعون القوت من التربة الضنينة ومن شره المرابين والأشراف، وليس لهم من عزاء إلا التباهي بأنهم يملكون قطعة من الأرض.
وكان بعض هؤلاء الزراع يملكون في أيامهم الخالية أراضي واسعة، ولكن زوجاتهم كن أكثر خصوبة من أرضهم، فتقسمت هذه الأرض ثم تقسمت بين أبنائهم وأحفادهم على مر الأجيال. وكان امتلاك العشائر أو الأسر الأبوية للأرض يزول زوالاً سريعاً، كما كانت الأسوار والخنادق والحواجز تُشير إلى الأملاك الفردية وما يصحبها من غيرة وتحاسد. وكلما صغرت مساحة الأراضي التي يملكها الأفراد وأضحت الحياة الريفية مزعزعة غير مأمونة باع كثيرون من الفلاحين أرضهم- رغم ما كان يوقع على الذين يبيعونها من عقاب وما يحرمون بسببهِ من حقوق- ونزحوا إلى أثينة أو غيرها من المدن الصغرى ليشتغلوا فيها تجاراً أو صناعاً أو فعلة. وأصبح غيرهم، ممن عجزوا عن تحمل التزامات الملكية، مستأجرين لضياع الأشراف Hectemoroi، أو عاملين فيها لقاء نصيب من غلتها. وظل غيرهم في أرضهم يكافحون، يقترضون المال بربا فاحش ويرهنون أرضهم ضماناً لما اقترضوه، ولكنهم عجزوا عن الوفاء بديونهم وألفوا أنفسهم لاصقين بالأرض يلزمهم بذلك دائنوهم ويعملون فيها عمل الرقيق الإقطاعيين. وكان الدائن المرهونة إليهِ الأرض يعد مالك الأرض الحقيقي حتى يسترد ما لهُ من دين، وكان يضع عليها لوحاً من الحجر يُعلن فيهِ هذه الملكية. وتضاءلت الملكيات الصغيرة على توالي الأيام، وقل عدد الملاك، واتسعت الأملاك الكبيرة. ويقول أرسطاطاليس في هذا:"وأصبحت كل الأراضي ملكاً لعدد قليل من الناس، وتعرض الزراع هم وأزواجهم وأبناؤهم لأن يباعوا بيع الرقيق" لا في داخل البلاد فحسب بل في خارجها أيضاً، "إذا عجزوا عن أداء إيجار الأرض" أو الوفاء بما عليهم من ديون. وألحقت التجارة الخارجية واستبدال النقود بالمقايضة ضرراً آخر بالأهلين، لأن منافسة مواد الطعام المستوردة من خارج
البلاد أبقت أثمان محصولاتهم منخفضة، على حين أن ما كان عليهم أن يؤدوه ثمناً للسلع المصنوعة التي كانوا مضطرين إلى شرائها كانت تحدده عوامل لا سلطان لهم عليها؛ وظلت هذه الأثمان تزداد على توالي السنين. وإذا ما أجدبت البلاد عاماً حل الخراب بكثيرين من الزراع وهلك بعضهم جوعاً. وبلغ الضنك في أتكا درجة رحب معها الأهلون بالحرب وعدوها نعمة وبركة، فقد تؤدي إلى كسب أرض جديدة، وستؤدي حتماً إلى قلة الأفواه التي تتطلب الطعام.
وفي هذه الأثناء كانت الطبقات الوسطى من أهل المدن التي لا يقف في وجهها القانون تُنزل بالعمال الأحرار الفقر والضنك، وتستبدل بهم الرقيق شيئاً فشيئاً. وبلغ الجهد العضلي من الرخص حداً أصبح معه كل القادرين على ابتياعه يترفعون عن العمل بأيديهم. وصار العمل اليدوي غلاً وعبودية، ومهنة غير جديرة بالأحرار، وأخذ ملاك الأرض، لغيرتهم من ثراء التجار المتزايد، يبيعون في خارج البلاد الحبوب التي يحتاجها مستأجروا أرضهم طعاماً لهم، وانتهوا آخر الأمر ببيع الأثينيين أنفسهم تطبيقاً لقانون الديون.
وأمل الناس وقتاً ما أن تعالج تشريعات داركون Dracon هذه الشرور. فقد كلف هذا المشترع ثسموثيتي Thesmothete حوالي عام 620 بأن يسن القوانين الكفيلة بإعادة النظام إلى أتكا، وأن يسجلها كتابة لأول مرة في تاريخ اليونان. ومبلغ علمنا أن أهم ما نجده من تقدم في قوانينهِ هو أنه وسع إلى حد ما دائرة من لهم الحق في أن يُختاروا أركونيين حتى شملت كثيرين من الأغنياء المحدثين، وأحل القانون محل الغصب والانتقام، وأصبح مجلس الشيوخ الأريوباجوستي بعدئذ صاحب الحق في النظر في جميع جرائم القتل. وكان هذا التشريع الأخير إصلاحاً أساسياً تقدمياً؛ ولكنه لما أراد أن ينفذه، بل لما أراد أن يقنع ذوي الثراء بقبولهِ وبأنه أقسى من كل ما يستطيعون فرضه من ثأر وانتقام، لما أراد هذا وذاك
اضطر أن يضمن قوانينه صنوفاً من العقاب القاسي الشديد. ولما أن حلت شرائع صولون محل معظم قوانينه هو، كان كل ما يذكره الناس بهِ هو ضروب القسوة والعقاب لا قوانينه نفسها. والحقيقة أن داركون قد جمع في شرائعه ما كان في نظام الإقطاع من عادات قاسية مهوشة خالية من النظام، ولكنه لم يفعل شيئاً لإنقاذ المدينين من الاسترقاق، أو يقلل من استغلال الأقوياء للضعفاء؛ ومع أنه قد وسع دائرة من لهم حقوق سياسية بعض التوسيع، فإنه ترك لطبقة كرام المحتد) اليوبترد (السيطرة التامة على دور القضاء، كما ترك لهم الحق في أن يفسروا كما يرون كل ما يمس مصالحهم من القوانين ونقط الخلاف. وقد ضمنت شرائعه لأصحاب الأملاك حماية أكثر مما كان لهم من قبل؛ فكانت السرقات صغيرة، بل التراخي في العمل، يعاقب عليهما بحرمان المواطنين من حقوقهم السياسية، ويعاقب عليهما غير المواطنين
(1)
بالإعدام.
وبنما كان القرن السابع عشر قبل الميلاد يقترب من نهايته، كان حقد الفقراء المعدمين عديمي النصير على الأغنياء المتمتعين بحماية القانون قد أوشك أن يقذف بأثينة في أتون الثورة. ذلك أن المساواة ليست نظاماً طبيعياً، وحيث تُطلق الحرية للكفاية والدهاء فلابد من أن تنشأ الفوارق وتبقى حتى تقضي على نفسها في الفقر الشامل الذي تؤدي إليهِ الحرب الاجتماعية والذي لا يميز بين من كان في الأصل غنياً ومن كان فقيراً؛ وقصارى القول أن الحرية والمساواة ليستا رفيقين متلازمين بل عدوين متباغضين. وتجمع الثروة يبدأ بأن يكون نظاماً محتوماً، ثم ينتهي بأن يكون نظاماً مهلكاً مبيداً. وفي ذلك يقول أفلوطرخس: "إن التفاوت في الثراء بين الأغنياء والفقراء قد بلغ غايته، حتى بدا أن المدينة قد أضحت في حال تُخشى مغبتها، وأن ليس ثمة وسيلة تنجيها من الاضطراب
…
إلا سلطة استبدادية". ورأى الفقراء أن حالهم تزداد سوءاً عاماً بعد عام،
(1)
"كان الذي يسرق كرنبة يجازى بما يجازى به من يقتل أمه أو ينتهك حرمة الدين" صولون لأفلوطرخس.
فزمام الحكم والجيش في أيدي سادتهم، والمحاكم الفاسدة المرتشية تقضي في كل نزاع في غير مصلحتهم- فأخذوا يتحدثون عن الثورة العنيفة، وعن توزيع الثروة توزيعاً يخالف ما هو قائم وقتئذ مخالفة تامة. فلما عجز الأغنياء عن تحصيل ما لهم من ديون قانونية، وأغضبهم تحدي الفقراء لهم وتهديدهم بالاعتداء على أموالهم المدخرة وأملاكهم، لجأوا إلى القوانين القديمة واستعدوا لحماية أنفسهم بالقوة من الغوغاء، بعد أن بدا لهم أن هؤلاء لايهددون أموالهم فحسب، بل يهددون فوق ذلك النظام القائم كله، والدَّين، والحضارة بقضها وقضيضها.
3 - الثورة الصولونية
قد يبدو عجيباً بعيداً عن المعقول أن يقوم في هذا الدرك الذي تدهورت إليه شؤون أثينة والذي يتكرر كثيراً في تاريخ الأمم، نقول قد يبدو عجيباً أن يقوم رجل يستطيع بغير عنف أو خطب قاسية مريرة أن يقنع الأغنياء والفقراء على السواء بأن يسووا أمورهم فيما بينهم تسوية لم تحل دون الفوضى الاجتماعية فحسب بل أقامه فوق ذلك نظاماً سياسياً واقتصادياً جديداً خيراً من النظام السابق، بقي ما بقيت أثينة مدينة مستقلة ألا إن ثورة صولون السلمية لمن المعجزات التاريخية التي تبعث الشجاعة والأمل في النفوس!
كان والد صولون من الأشراف الكرام المحتد، ومن أرفعهم بيتاً، وأنقاهم دماً، ينتهي نسبه إلى الملك كدروس، بل إنه كان يتبع نسبه إلى بوسيدن نفسه. وكانت أمه ابنة عم بيسستراتس الطاغية الذي خرق دستور صولون في أول الأمر ثم عاد بعدئذ فثبت دعائمه. وقد انغمس صولون في شبابه فيما كان ينغمس فيه أهل زمانه: فكان يقرض الشعر ويتغنى بملاذ "الصداقة اليونانية"، وفعل ما فعله ترتاروس Tyrtaetus فأثار حماسة
الناس بشعره ودفعهم إلى فتح سلاميس. ثم صلحت أخلاقه في سن الكهولة صلاحاً يتناسب تناسباً عكسياً مع شعره، فأصبحت أشعاره فاترة ونصائحه جيدة. انظر مثلاً إلى قوله في أشعاره:"إن الكثيرين من الناس أغنياء، ولكنهم لا يستحقون هذا الغنى، على حين أن من هم خير منهم يقاسون آلام الفاقة. ولكنا لن نستبدل حال هؤلاء الأغنياء بحالنا، لأن ميزتنا باقية دائمة، أما ميزتهم فإنها تنتقل من إنسان إلى إنسان"، وثروة الغني "ليست أعظم من ثروة من لا يملك إلا معدته ورئتيه وقدميه، وهي الأعضاء التي تأتيه بالسرور ولا تأتيه بالألم؛ وليست خيراً من محاسن الفتى أو الفتاة أو نضرة شبابه أو شبابها، أو من وجود ينسجم مع صروف الأيام". ولما حدث في أثينة شقاق وانقسام بقي هو على الحياد، وكان ذلك لحسن الحظ قبل أن تقرر الشرائع المعزوة له أن هذهِ الحيطة جريمة، ولكنه لم يتردد قط في التشهير بالوسائل التي سلكها الأغنياء لإذلال الفقراء، ودفعِهم إلى أحضان الفاقة. وإذا كان لنا أن نأخذ بأقوال أفلوطرخس فإن والد صولون قد "بدد ثروته في التصدق على الناس والإحسان إليهم". واشتغل صولون بالتجارة وأصبح من التجار الناجحين ذا مصالح كثيرة في أقطار بعيدة، أكسبته خبرة واسعة وأمكنته من الأسفار والتنقل في بلاد بعيدة، وكان يسير في عمله على المبادئ التي يدعو إليها في قوله، واشتهر بين جميع طبقات الناس بالاستقامة. وكان لا يزال صغير السن نسبياً- في الرابعة والأربعين أو الخامسة والأربعين- حين أقبل عليه في عام 594 ممثلو الطبقات الوسطى يدعونه إلى قبول ترشيحهم إياه ليكون أركوناً بالاسم Teponymos، على أن يُمنح سلطة مطلقة لإخماد نار حرب الطبقات، ووضع دستور جديد للبلاد، وإعادة الاستقرار إلى الدولة. ووافقت الطبقات العليا على هذا
الاختيار وهي كارهة، وكان الباعث لها على الموافقة ثقتها بأن رجلاً مثله من أصحاب المال لا بد أن يكون رجلاً محافظاً.
وكانت أعماله الأولى أعمالاً بسيطة ولكنها كانت من قبيل الإصلاحات الاقتصادية الشاملة؛ وقد خيب آمال المتطرفين بإحجامه عن إعادة تقسيم الأراضي. ولو أنه فعل هذا لأدى ذلك إلى الحرب الأهلية وإلى الفوضى التي تدوم جيلاً كاملاً، وإلى عودة الفوارق مسرعة، ولكن صولون استطاع بفضل قانونه الشهير قانون السيسكثيا Seisachtheia أو "رفع الأعباء" أن يلغي كما يقول أرسطاطاليس "جميع الديون القائمة سواء أكانت للأفراد أم للدولة"، وهكذا حرر أراضي أتكا من جميع الرهون بجرة قلم؛ هذا إلى أنه أطلق سراح جميع مَن استرقوا أو التصقوا بالأرض، وكل مَن بيعوا رقيقاً في خارج البلاد وطلب إليهم أن يعودوا إلى مواطنهم، وحرم مثل هذا الاسترقاق في المستقبل. وخليق بنا أن نذكر من خصائص الخلق في هذا المقام أن بعض أصدقاء صولون قد عرفوا ما يعتزمه من إلغاء الديون فاشتروا أراضي واسعة مرتهنة ثم احتفظوا بها فيما بعد من غير أن يؤدوا ما عليها من رهون ويحدثنا أرسطاطاليس بأسلوب تهكمي بأن هذا كان منشأ ثروات طائلة كثيرة العدد "ظن الناس" فيما بعد "أنها ترجع إلى أزمنة لا يذكرها الناس لقدم عهدها". وقال بعض الناس إن صولون قد تغاضى عن هذا العمل وإنه استفاد منه حتى تبين بعدئذ أنه وهو الدائن الكبير قد خسر بقانونه الشيء الكثير. واحتج الأغنياء بأن هذا التشريع كان في حقيقة الأمر مصادرة لأموالهم، ولكنه أصم أذنيه عن سماع احتجاجهم؛ ولم تمضِِ عشرة أعوام على صدوره حتى أجمع الناس؛ أو كادوا يجمعون، على أنه أنجى أتكا من الثورة.
وثمة إصلاح آخر من إصلاحات صولون لا نستطيع أن نتحدث عنه حديثاً يقينياً واضحاً. وفيه يقول أرسطاطاليس إن صولون قد "استبدل
بالنقود الفيدونية " Phedonian"- أي النقود الأجنبية التي كانت مستعملة في أتكا حتى ذلك الوقت- "نظام عوبية النقدي على نطاق واسع وجعل قيمة المينا Mina
(1)
مائة درخمة بعد أن كانت من قبل سبعين". ويقول أفلوطرخس في بيانه عن هذا الإصلاح، وهو أوفى من بيان أرسطاطاليس، "إن صولون جعل المينا تصرف بمائة درخمة بعد أن كانت ثلاثاً وسبعين، وبهذا أصبحت قيمة القطع التي تدفع أقل مما كانت قبل وإن كان عددها واحداً، وكان في هذا نفع كبير للذين يريدون أن يوفوا بديونهم، ولم يكن فيه خسارة على الدائنين". إن أفلوطرخس الظريف الكريم وحده هو الذي استطاع أن يجد طريقة لتضخم العملة ينقذ بها المدينين دون أن يلحق الضرر بالدائنين- إلا هذا الضرر الوحيد وهو أن نصف العمى في بعض الحالات خير بلا ريب من العمى كله
(2)
.
وكان أبقى من هذهِ الإصلاحات الاقتصادية تلك القرارات التاريخية التي أنشئ بمقتضاها دستور صولون. وقد قدم لها صولون بعفو عام أطلق به سراح كل من سجن، وأعاد إلى البلاد كل من نفي منها لجرائم سياسية إذا لم تكن هذهِ الجرائم هي محاولة اغتصاب مقاليد الحكم في البلاد. ثم واصل عمله بأن ألغى إلغاءً صريحاً أو ضمنياً معظم شرائع دراكون؛ إلا أنه أبقى منها على القانون الخاص بعقاب القتلة وقد طبقت قوانين صولون
(1)
أنظر قيمة العملة الأثينية في الفصل الثالث من الباب الثاني عشر من هذا الكتاب.
(2)
فسر جروت Grote وغيره قول أفلوطرخس إن صولون قد خفض العملة بمقدار 27% من قيمتها فتيسر الأمر للملاك الذين كانوا هم أنفسهم مدينين وحرموا من فوائد الرهون التي كانوا يعتمدون عليها للوفاء بما عليهم من التزامات. غير أن هذا التضخم لو أنه قد حصل لكان ضربة ثانية شديدة الوقع على الملاك الذين أقرضوا التجار أمولاً؛ وإذا كان قد أفاد طائفة ما فهي طائفة التجار لا طائفة الملاك أو الفلاحين الذين ألغى من قبل ما على أملاكهم من رهون. ولعل صولون لم يفكر قط في تخفيض قيمة العملة، بل كان ما فعله هو أنه أراد أن يستبدل بالمعيار النقدي الذي وجد أنه ييسر التجارة مع بلاد البلوبونيز معياراً إخر ييسر الأعمال التجارية مع أسواق أيونيا الغنية المطردة الاتساع والتي كان معيار النقد العوبي مستعملاً فيها.
على جميع السكان الأحرار بلا تمييز بينهم؛ فأصبح الأغنياء والفقراء على السواء مقيدين بقيود واحدة تفرض عليهم عقوبات واحدة. وإذ كان صولون قد عرف أنه لم يستطع تنفيذ إصلاحاته إلا بمعونة طبقتي التجار والصناع، ورغبة منه في أن يجعل لهم حظاً في حكومة البلاد، فقد قسم سكان أتكا أربع مجموعات على أساس ثروتهم: الأولى أصحاب الخمسمائة بشل Bushel
(1)
وهو الذين يصل دخلهم السنوي إلى خمسمائة مكيال من الحاصلات أو ما يعادلها Pentacosiomedemni
(2)
، والثانية هم الهبي الذين يتراوح دخلهم بين ثلاثمائة وخمسمائة بشل. والثالثة جماعة الزوجتاي Zeugitai الذين يتراوح دخلهم بين مائتين وثلاثمائة، والرابعة جماعة الثيتي Thetes وتشمل غير هؤلاء كلهم من الأحرار. وكانت مظاهر الشرف والتكريم تتناسب مع ما يؤدى من الضرائب فلا يستمتع إنسان بالأولى دون أن يتحمل عبء الثانية؛ يضاف إلى هذا أن الضرائب التي تؤديها الطبقة الأولى كانت تُفرض على ما يعادل دخلها السنوي اثني عشر مرة؛ والطبقة الثانية على ما يعادل دخلها عشر مرات، والثالثة على ما يعادل دخلها خمس مرات فقط؛ أي أن ضريبة الأملاك كانت في واقع الأمر ضريبة دخل تصاعدية. أما الطبقة الرابعة فكانت معفاة من الضرائب المقررة) المباشرة (. وكانت الطبقة الأولى وحدها هي التي يمكن اختيار رجالها إلى الأركونية وإلى قيادة الجيش؛ أما الطبقة الثانية فكان من حقها أن يُختار أفرادها إلى المناصب وإلى فرق الفرسان في الجيش، وكانت الطبقة الثالثة تختص بالعمل في فرق المشاة الثقيلة؛ وأما الرابعة فكان يُطلب إليها أن تمد الدولة بالجنود العاديين. وقد أضعف هذا التقسيم الفذ نظام
(1)
البشل مكيال إنجليزي يعادل ثمانية جالونات.
(2)
كان المدمنس Medimnus- المعادل لبشل ونصف تقريباً- يعد مساوياً في قيمته النقدية للدرخمة.
القرابة الذي كانت تعتمد عليهِ قوة الألجركية؛ وأحل محله مبدأ جديداً هو مبدأ "التمقراسيه Timocracy"، أي حكم ذوي الشرف أو المنزلة، ويحدد صراحة ما لهم من ثروة تُفرض عليها الضرائب. وكان حكم "بلوتوقراطي) يتولاه المثرون (" شبيه بهذا الحكم منتشراً خلال القرن السادس كله وبعض القرن الخامس في معظم المستعمرات اليونانية.
وقد أبقى دستور صولون على رأس الدولة مجلس الشيوخ القديم مجلس الأريوبجوس، بعد أن جرده من بعض ما كان له من سلطان وما كان يمتاز به من عزلة، وبعد أن أصبح مفتوح الأبواب لجميع أفراد الطبقة الأولى، ولكنه ظل مع ذلك صاحب السلطة العليا المهيمن على سلوك الناس وعلى موظفي الدولة. ثم أنشأ بولا Boule أو مجلساً جديداً مؤلفاً من أربعمائة عضو يلي مجلس الشيوخ في السلطة تختار له كل طبقة من الطبقات الأربع مائة عضو. وكان هذا المجلس يختار جميع الأعمال التي تُعرض على الجمعية ويبحثها ويعدها. ووضع صولون في منزلة أدنى من هذا النظام الألجركي الأعلى الذي استرضى به الأقوياء، أنظمة ديمقراطية في أساسها، ولعله كان مدفوعاً إلى ذلك بحسن النية ورغبة العمل على خير الطبقات الدنيا. فقد أعاد إلى الحياة الإكليزيا Iklesia) الجمعية (القديمة التي كانت قائمة في أيام هومر ودعا كل المواطنين إلى الاشتراك في مناقشاتها. وكانت هذه الجمعية تختار كل عام من بين ذوي الخمسمائة بشل الأركونين الذين كانوا حتى ذلك الوقت يعينون من قبل مجلس الأريوبجوس؛ وكان من حقها أن تستجوب هؤلاء الموظفين في أي وقت، وتتهمهم، وتعاقبهم؛ وإذا ما انقضت مدة توليهم مناصبهم، كانت تبحث في مسلكهم في السنة التي تولوا العمل فيها، وكان لها إذا شاءت أن تحرمهم حقهم في أن يكونوا أعضاء في مجلس الشيوخ. وأهم من هذا الحق، وإن لم يبدُ وقتئذ كذلك، مساواة الطبقات الدنيا للطبقات العليا في حق الاختيار بالقرعة إلى الهيليائيا Heliaea، وهي هيئة من خمسة آلاف
من المحلفين تتألف منهم أنواع المحاكم التي تنظر في جميع القضايا عدا قضايا القتل والخيانة، والتي يصح أن ترفع إليها الشكاوى من أعمال الحكام على اختلاف أنواعها. ويقول أرسطوطاليس في هذا:"يظن البعض أن صولون قد تعمد إدخال الغموض على قوانينهِ ليمكن العامة من استخدام سلطتهم القضائية لتقوية نفوذهم السياسي"؛ ذلك أنه "لما كان الخلاف بينهم وبين الحكام لا يمكن تسويته بتطبيق حرفية القانون، فقد كان عليهم أن يعرضوا جميع منازعاتهم على القضاة، وكان هؤلاء إلى حد ما سادة القوانين" كما يقول أفلوطرخس نفسه. وقد كان حق الاستئناف إلى المحاكم الشعبية الإسفين الذي وسع نطاق الدمقراطية الأثينية، كما كان حصنها الحصين في مستقبل الأيام.
وأضاف صولون إلى هذا التشريع الأساسي، وهو أهم ما في تاريخ أثينة من تشريعات، طائفة أخرى من الشرائع المختلفة يقصد بها معالجة مشاكل الوقت التي لم تكن لها مثل ما للمسائل الأساسية السابقة من خطر. وكان أول ما فعله أن جعل الثروة الفردية التي قررتها العادات قبل معترفاً بها قانونياً. وإذ كان للرجل أولاد كان عليه أن يقسم ثروته بينهم قبل وفاته، فإذا لم يكن له أولاد كان له أن يوصي لأي إنسان بأملاكه التي كانت تؤول حتى ذلك الوقت ومن تلقاء نفسها لقبيلته. فبقوانين صولون بدأ حق الوصية وقانونها. وإذ كان هو من رجال الأعمال فقد أراد أن يشجع التجارة والصناعة بمنح حق المواطنية لجميع الأجانب الذين يحذقون حرفة ما والذين يأتون مع أسرهم ليقيموا بصفة دائمة في أثينة. وحرم تصدير الغلات الزراعية عدا زيت الزيتون، وكان يرجو بهذا أن يحول الناس من إنتاج المحصولات الزراعية الزائدة على الحاجة إلى الاشتغال بالصناعة. وسن قانوناً يقضي بأن الولد غير ملزم بمساعدة أبيه إذا كان هذا الأب لم يعلمه حرفة خاصة. ويرجع الفضل فيما نالته الصناعات من تشريف
عظيم ومكانة سامية إلى صولون- لا إلى من جاء بعده من الأثينيين.
ولم يحجم صولون عن التشريع في ذلك الميدان الخطر. ميدان الأخلاق والآداب العامة. فقد كان يعد الإصرار على البطالة جريمة، ولم يكن يسمح للرجل الذي يعيش عيشة الدعارة والفجور أن يتقدم إلى الجمعية بطلب، وجعل البغاء قانونياً وفرض على البغاة ضريبة، وأنشأ مواخير عامة، مرخصة من قبل الدولة وخاضعة لرقابتها. وشاد هيكلاً لأفرديتي بندموس من إيراد هذه المواخير. وقد تغنى بمدحه رجل من معاصريه يدين بما يدين به لكي Lecky المؤرخ الأيرلندي المعروف فقال:"مرحباً بك يا صولون! لقد ابتعت المومسات لخير المدنية، ولوقاية أخلاق المدينة الغاصة بالشبان الأشداء، ولولا تشريعكَ الحكيم، لضايق هؤلاء الشبان فضليات النساء ونشروا في المدينة الفساد والاضطراب". وفرض غرامة قدرها مائة درخمة على من يعتدي على عرض امرأة حرة، وهي عقوبة أقل كثيراً مما في قوانين داركون، ولكنه أباح لمن يمسك برجل زانٍ متلبس بجريمته أن يقتله لساعتهِ. وحدد بائنات العرائس ومهورهن لرغبته في أن يكون الباعث على الزواج هو الحب المتبادل بين الزوجين والرغبة في النسل وتربية الأولاد، ونهى النساء عن أن يكون لهن من الملابس أكثر من ثلاث حلل، وكان في ثقته بقدرته على تنفيذ قانونه شبيهاً بالأطفال في ثقتهم بقدرتهم على تنفيذ أوامرهم ونواهيهم. ولقد طُلب إليه أن يسن قانوناً يضيق بهِ على العزاب، ولكنه لم يجب هذا الطلب وقال في تبرير عدم إجابته إن "الزوجة عبء ثقيل الحمل". وقد جعل اغتياب الموتى جريمة، وكذلك كان اغتياب الأحياء في الهياكل والمحاكم، ومكاتب الموظفين العموميين، وفي ساحات الألعاب؛ ولكنه حتى هو نفسه لم يستطع أن يمسك ألسنة الناس في أثينة حيث كانت الغيبة والنميمة تبدوان كما تبدوان عندنا الآن من مستلزمات الدمقراطية
وقد قرر أن الذين يبقون على الحياد في أوقات الفتن يفقدون حقهم بوصف كونهم مواطنين، وذلك لأنه كان يرى أن عدم اهتمام الجمهور بالشؤون العامة يؤدي إلى خراب الدولة. وحرم الاحتفالات الفخمة، والقرابين الكثيرة النفقة، والندب الطويل في الجنائز؛ وحدد مقدار ما يدفن مع الأموات من متاع، وسن ذلك القانون العادل الذي ظل مصدراً لبسالة الأثينيين أجيالاً طويلة وهو القانون الذي فرض على الحكومة تربية أبناء مَن يُقتلون في الحرب وتعليمهم على نفقتها.
وأضاف صولون إلى كل شريعة من شرائعه عقوبات كانت أخف من عقوبات دراكون ولكنها مع ذلك صارمة، وجعل من حق كل مواطن أن يقاضي أي شخص يرى أنه ارتكب جريمة ما. وأراد أن يعرف الناس قوانينهم حق المعرفة وأن يطيعوها ويلتزموا العمل بها فكتبها في ساحة الأركون الديني) أركون باسليوس (على ملفات أو منشورات خشبية تدار وتُقرأ. ولم يدَّعِ كما ادعى ليقورغ ومينوس، وحمورابي، ونحوما، أن إلهاً ما قد أنزل عليه هذه الشرائع؛ وهذا العمل في حد ذاته مما يكشف عن مزاج ذلك العصر ومزاج المدينة ومزاج صولون نفسه. ولما طُلبَ إليه أن يجعل نفسه حاكماً بأمره مدى الحياة أبى وقال إن الدكتاتورية "مُقام جميل حقاً ولكن ليس ثمةَ طريق للنزول منه". وكان المتطرفون ينتقدونه لأنه لم يسوِ بين الناس في الملك وفي السلطان، والمحافظون ينددون بهِ لأنه منح العامة الحقوق السياسية وأجلسهم فوق منصة القضاء؛ بل إن صديقه أنكرسيس Anachrsis، الحكيم السكوذي صاحب الأطوار الشاذة، قد سخر من دستوره الجديد وقال في ذلك إن الحكماء قد أصبحوا يترافعون، والحمقى يحكمون، وأضاف إلى ذلك قوله إنه لا يمكن أن تقوم بين الناس عدالة دائمة لأن في وسع الأقوياء والمهرة أن يحوروا أي قانون يسن لكي يتفق مع مصلحتهم الخاصة؛ ولأن القانون أشبه ببيت العنكبوت يقتنص الذباب الصغير ويفلت منه البق الكبير. وكان صولون
يتقبل كل هذا النقد بقبول حسن، ويعترف بما في شرائعه من نقص ولما سئل هل سن للأثينيين أحسن الشرائع أجاب "لا، بل" سننت لهم "خير ما يستطيعون أن يُعطَوه"- أي خير ما يمكن إقناع الجماعات والمصالح المتضاربة في أثينة بأن تقبله كلها في ذلك الوقت بالذات. وقد اتبع الطريق الأوسط وأبقى بذلك على الدولة؛ وكان تلميذاً ناجحاً من تلاميذ أرسطاطاليس قبل أن يولد هذا الفيلسوف الاستجيري Stagirite وتعزو إليه الرواية الشعار الذي نقش على هيكل أبلو في دلفي وهو Medenagen أي لا إفراط في شيء، وقد أجمع اليونان على وضعه بين السبعة الحكماء.
وخير شاهد على حكمته هو ما كان لتشريعه من أثر خالد، فقد استطاع شيشرون، على الرغم مما حدث في أثينة من آلاف التغيرات والتطورات، وبالرغم مما قام فيها من دكتاتوريات وانقلابات سطحية، استطاع على الرغم من هذا أن يقول بعد خمسة قرون من عهد صولون إن شرائعه كانت لا تزال نافذة في أثينة. ولقد كان عمله من الوجهة القضائية الحد الفاصل بين حكم المراسيم المتغيرة التي لا عداد لها وبين بداية حكم الشرائع المدونة الدائمة. ولما سأله سائل متى تكون الدولة حسنة النظام ثابتة البنيان أجاب بقوله:"حين يطيع المحكومون الحكام، ويطيع الحكام القوانين". وبفضل قوانينه تحرر زراع أتكا من الاسترقاق الإقطاعي، وقامت فيها طبقة من الزراع الملاك، كان إمتلاكهم الأرض هو الذي جعل الجيوش الأثينية الصغيرة قادرة على الإحتفاظ بحرية المدينة أجيالاً طويلة، ولما اقترح في نهاية حرب البلوبونيز قصر الحقوق السياسية على الملاك الأحرار لم يوجد من الأحرار الراشدين في أتكا كلها مَن لا ينطبق على هذا الشرط إلا خمسة آلاف لا أكثر. هذا إلى أن التجارة والصناعة فد تحررتا في الوقت نفسه من القيودالسياسية كانت مفروضة عليهما، ومن العوائق المالية، وبذلك بدأ فيهما ذلك التطور القوي النشيط
الذي أصبحت أثينة بفضله الزعيمة التجارية في بلاد البحر المتوسط. وكانت أرستقراطية الثراء الجديدة ترفع من شأن الذكاء لا من شأن المولد، وتشجع العلم والتعليم، وتمهيد السبيل مادياً وعقلياً للأعمال الثقافية العظيمة التي تمت في العصر الذهبي.
ولم بلغ صولون في عام 572 سن السادسة والستين آثر الحياة الخاصة، فاعتزل منصبه بعد أن ظل أركوناً خمسة وعشرين عاماً، وبعد أن أخذ العهد على أثينة، بأيمان أقسمها موظفوها، أن تطيع قوانينه بلا تغيير فيها ولا تبديل مدة عشر سنين؛ وسافر بعدئذ ليطلع على حضارة مصر والشرق، ويلوح أن ذلك الوقت هو الذي قال فيه قالته الذائعة الصيت- "إني لتكبر سني وما فتئت أتعلم". ويقول أفلوطرخس إنه درس التاريخ في عين شمس) هليوبوليس (على الكهنة، ويقال إنه سمع منهم عن أطلنطيس القارة الغارقة، التي قص قصتها في ملحمة لم يتمها، افتتن بها أفلاطون الواسع الخيال بعد مائتي عام من عصره. وسافر من مصر إلى قبرص ووضع القوانين لتلك المدينة التي غيرت اسمها من قبرص إلى Soli تكريماً له
(1)
. ويصف هيرودوت أفلوطرخس حديثه مع كروسس ملك ليديا في سرديس- وما أقوى ذاكرتهما التي أمكنتهما من أن يقصا هذا الحديث- فيرويا كيف خرج هذا الرجل صاحب الثروة المنقطعة النظير مزداناً بكل ما عنده، وسأل صولون ألا يرى أنه، كروسس، رجل سعيد، وكيف أجابه صولون بصفاقته اليونانية قائلاً:
"إن الآلهة أيها الملك قد وهبت اليونان كل ما وهبتهم من النعم بقسط معتدل؛ وكذلك حكمتنا فهي حكمة معتدلة، لا حكمة نبيلة ملكية؛ وإذا ما قلبنا النظر في البلايا الكثيرة التي تكتنف الناس في جميع الظروف فإن هذا الاعتدال
(1)
يقص ديوجينيز ليرتيس هذه القصة عن صول في قلقيلية- وهي البلدة التي كان احتفاظها باللغة اليونانية القديمة إلى أيام الاسكندر سبباً في وجود لفظ Solecism معناه الخطأ في الكلام أو خرق حرمة الآداب.
ينأى بنا عن أن نصطنع الصغار فيما نتمتع بهِ في وقتنا الحاضر، أو أن نعجب بما يتقلب فيه أي إنسان من سعادة، قد نتبدل إلى نقيضها على مرالأيام. ذلك أن المستقبل المجهول قد يأتي بما لا يحصى من مختلف الحظوظ؛ ونحن لا نسمي إنساناً سعيداً إلا إذا وهبته الآلهة السعادة إلى آخر أيامه. وإن في وصف الرجل الذي لا يزال في منتصف حياته وأخطارها بأنه سعيد من الخطأ والمخاطرة مثل ما في تتويج المصارع بتاج النصر وإعلان فوزه وهو لا يزال في حلبة الصراع.
وهذا العرض الشائق لما يطلق عليه كتاب المسرحيات اليونان اسم هبريس Hybris- أي الرخاء الوقح- لينم عن حكمة أفلوطرخس الشاملة. وكل ما نستطيع أن نقوله فيها إنها قد صيغت في ألفاظ أجمل من الألفاظ التي صاغها فيها هيرودوت، وإن كلا النصين في أغلب الظن من نسج الخيال. وما من شك في أن الطريقة التي مات بها صولون وكروسس تبرر ما في هذه العظة من تشكك. فقد خلع قورش كروسس في عام 546، وعرف الرجل) إذا صح لنا أن نعيد صياغة عظة هيرودوت في ألفاظ دانتي (وهو في بؤسه مرارة تذكر أيام مجده السعيدة وما كان في تحذير الحكيم اليوناني من صرامة. أما صولون فإنه بعد أن عاد إلى أثينة ليلقى فيها الموت شهد في آخر أيامه القضاء على دستوره وإقامة حكم دكتاتوري على أنقاضه، وإخفاق كل ما بذله من جهود وإن كان إخفاقاً في ظاهر الأمر فحسب.
4 - دكتاتورية بيسستراتس
لما غادر صولون أثينة- عادت الجماعات المتنازعة التي سيطر عليها مدى جيل كامل إلى ما كانت عليه من دسائس ومشاحنات سياسية متأصلة في طبيعتها. وكان فيها، كما كان في أيام الانفعالات الشديدة في الثورة الفرنسية، ثلاثة أحزاب تسعى جاهدة ليكون منها صاحب السلطان الأقوى:"الشاطئ" ويتزعمه تجار الثغور الذين يميلون إلى صولون؛ و "السهل"
ويتزعمه ملاك الأراضي الذين يكرهون صولون؛ و "الجبل" ويتألف من خليط من الفلاحين وعمال المدن، وكانوا لا يزالون يطالبون بإعادة توزيع الأراضي. ورضي بيسستراتس، كما رضي بركليز بعد مائة عام من ذلك الوقت، أن يتزعم حزب العامة، وإن كان هو من الأشراف مولداً، وثروة، وأخلاقاً، وميولاً. وكشف في إحدى جلسات الجمعية عن جرح قال إنه أصابه به أعداء الشعب، وطلب أن يعين له حرس خاص؛ واحتج صولون على هذا الطلب، لأنه كان يعرف ما عليهِ قريبه من دهاء، وظن أن الجرح قد أحدثه هو في جسمه، وأن الحرس الخاص سيمهد السبيل إلى الدكتاتورية، وقال محذراً الأثينيين:"يا رجال أثينة! إني أكثر من بعضكم حكمة، وأكثر من البعض الأخر شجاعة: أكثر حكمة ممن لا يدركون غدر بيسستراتس، وأكثر شجاعة ممن يدركونها ولكنهم لخوفهم يسكتون عنها". ولكن الجمعية رغم هذا التحذير وافقت على أن يكون له حرس مؤلف من خمسين رجلاً، غير أن بيسستراتس لم يكتف بخمسين- بل جمع أربعمائة، واستولى على الأكروبول، وأعلن نفسه حلكماً بأمره. ونشر صولون على الأثينيين رأيه فيهم فقال إن "كل واحد منكم يمشي وهو منفرد بخطى الثعلب فإذا اجتمعتم كنتم إوزاً"، ثم وضع أسلحته ودرعه في باب بيته إشارة إلى أنه لم يعد يهتم بالسياسة، وخص أيامه الباقية بقرض الشعر.
واتحدت قوات أصحاب المال من حزبي الشاطئ والسهل زمناً ما، وطردت الطاغية من البلاد، ولكن بيسستراتس اصطلح مع حزب الشاطئ سراً، وعاد إلى أثينة في ظروف يلوح أنها تؤيد رأي صولون في عقلية الجماعة. وأكبر الظن أن حزب الشاطئ قد غض الطرف عن هذه العودة. وأقبلت امرأة طويلة حسناء مدرعة بدرع أثينا إلهة المدينة وعليها ثيابها، تجلس في مركبة جلسة العظماء والكبرياء، وتقود جيش بيسستراتس إلى المدينة، بينما كان المبشرون ينادون أن ربة المدينة وحاميتها أخذت تعيد
إليه بنفسها سلطته. ويقول هيرودوت في هذا: "ولم يكن لدى أهل المدينة أقل شك في أن هذه المرأة هي الإلهة نفسها، فخروا سجداً أمامها، ورضوا بعودة بيسستراتس". وانقلب زعماء الشاطئ عليه مرة أخرى، وأخرجوه من المدينة مرة ثانية (549)، ولكنه عاد إليها من جديد في عام 546، وهزم الجنود الذين سُيروا لقتاله وبقي في هذه المرة حاكماً بأمره تسعة عشر عاماً، كادت سياسته وخططه الحكيمة في خلالها أن تكفر عن الأساليب الروائية غير الشريفة التي استولى بها على أزمة الحكم.
وكانت أخلاق بيسستراتس مزيجاً نادراً من الثقافة، وقوة العقل، ومن الكفاية الإدارية، والجاذبية الشخصية. وكان في وسعه أن يقاتل دون أن تأخذه بأعدائه رحمة، وأن يعفو عنهم دون ما تردد؛ وكان في مقدوره أن يعيش في أكثر التيارات الفكرية تقدماً في أيامه، وأن يحكم دون أن يتأثر بما يتأثر به الرجل المفكر من تردد في الهدف وإحجام عن البت في الأمور. وكان دمث الأخلاق، رحيماً في أحكامه، كريماً في معاملته جميع الناس. ويقول فيه أرسطاطاليس:"وكان حكمه معتدلاً وسار فيه سيرة السياسي لا سيرة الرجل الظالم الشديد". ولم ينتقم إلا من عدد قليل من أعدائهِ الجدد؛ ولكنه نفى من البلاد من لم يستطيع استرضاءهم من معارضيه، وقسم ضياعهم على الفقراء. وأصلح الجيش، وأنشأ الأسطول، ليصد بهما الأعتداء من خارج البلاد؛ وجعل أثينة بمنجاة من الحرب، ونشر في المدينة التي لم تخرج من غمار المنازعات الطائفية إلا من عهد قريب لواء الأمن والنظام والرضى والطمأنينة، حتى أصبح من الأقوال التي تألف الأذن سماعها أنه أعاد إليها عصر كرونوس الذهبي.
وأدهش الناس كلهم باحتفاظه بدستور صولون وعدم إدخاله شيئاً على تفاصيله إلا القليل الذي لا يستحق الذكر. ذلك أنه كان يعرف، كما عرف أغسطس من بعده، كيف يزين الدكتاتورية ويؤيدها بالمنح والأشكال
الدمقراطية. لقد ظل الأركونون يُختارون كما كانوا يُختارون من قبل، وظلت الجمعية، والمحاكم الشعبية، ومجلس الأربعمائة، ومجلس شيوخ الأريوبجوس يجتمع وتقوم بواجباتها كما كانت تفعل قبل أيامه، وكل ما جد أن اقتراحات بيسستراس كانت تلقى فيها كلها أذناً واعية. ولما أن اتهمه أحد المواطنين بالقتل مَثل أمام مجلس الشيوخ وعرض عليه أن يتقدم للمحاكمة، فما كان من الشاكي إلا أن قرر أنه لا يستمسك بالتهمة. ورضي الناس بحكمهِ على مر السنين، وكان أكثرهم رضاً أقلهم ثراءً، وما لبثوا أن تفاخروا بهِ، وفي آخر الأمر أحبوه وأولعوا بهِ، وأكبر الظن أن أثينة كانت بعد صولون في حاجة إلى رجل مثل بيسستراتس أوتي من الشدة ما يستطيع بهِ أن يستبدل بما كان في الحياة الأثينية من اضطراب نظاماً واستقراراً، وأن يعود الناس بالإكراه في بادئ الأمر عادات النظام وطاعة القانون، وهما للمجتمع البشري كالهيكل العظمي للحيوان يكسبانه الشكل والقوة وإن لم يكسباه الحياة المبدعة الخلاقة. ولما زالت الدكتاتورية بعد جيل من ذلك الوقت، بقيت عادات النظام، وبقي معها الإطار الخارجي لدستور صولون، لترثهما الدمقراطية. فكأن بيسستراتس لم يأتِ ليمحو القانون بل ليوطد أركانه، وربما كان قد فعل ذلك على غير علم منه.
أما خططه الاقتصادية فقد واصل بها تحرير الشعب، وهو التحرير الذي بدأه صولون. وقد حل المشكلة الزراعية بأن وزع على الفقراء ما كانت تمتلكه الدولة من الأراضي، وما كان يمتلكه منها الأشراف الذين نفوا من البلاد، وهكذا استقر في الأرض الزراعية آلاف من الأثينيين الذين كانت بطالتهم خطراً على البلاد، وظلت أتكا بعدئذ قروناً طوالاً لا نسمع فيها عن تذمر بين الزراع. وأوجد عملاً للمحتاجين فيما شرع فيه من منشآت متسعة النطاق، فقد أنشأ سلسلة من المجاري لنقل ماء الشرب إلى المدينة، ومن الطرق المعبدة، وشاد هياكل عظيمة للآلهة، وشجع استخراج الفضة من مناجم لوريوم Laurium، وسك
للبلاد عملة جديدة خاصة بها. وجاء بالمال اللازم لهذهِ الأعمال بأن فرض ضريبة قدرها عشرة في المائة على جميع المحصولات الزراعية، ويبدو أنه خفض هذهِ الضريبة فيما بعد إلى خمسة في المائة. ووضع مشروعاً لإقامة مستعمرات في النقط الحربية الهامة على الدردنيل، وعقد معاهدات تجارية مع كثير من الدول. وراجت التجارة في أيامه رواجاً عظيماً، وازدادت الثروة، ولم تكن زيادتها بين عدد قليل من الناس بل شملت الأهلين بوجه عام؛ فقد أصبح الفقراء أقل فقراً؛ ولم يعد الأغنياء أقل غنى؛ عما كانوا؛ وامتنع تركيز الثروة الذي كاد يقذف بالمدينة في أتون الحرب الأهلية؛ وانتشر الرخاء وسنحت له الفرص فوضعت بذلك الأسس الاقتصادية للدمقراطية الأثينية.
وتبدلت أحوال أثينة جسماً وعقلاً في أيام بيسستراتس وولده فقد كانت إلى ما قبل أيامهما بلدة في المرتبة الثانية بين بلاد العالم اليوناني، تسبقها ميليتس وإفسوس، ومتليني، وسرقوسة، في الثروة والثقافة، والحيوية والنتاج العقلي. أما في أيامهما فقد قامت فيها أبنية من الحجر والرخام شاهدة
بما كانت فيه وقتئذ من بهجة ونعيم، وزين معبد أثينة القديم القائم على الأكروبول بأن ضم إليه
رواق دوري الطراز، وبُدئ العمل في هيكل زيوس الأولمبي الذي تزين أعمدته الكورنثية الفخمة، حتى وهي محطمة، الطريق الممتد بين أثينة ومرفئها. وأقام الألعاب الأثينية الجامعة، وخلع عليها الصبغة اليونانية العامة، فأولى المدينة بذلك شرفاً عظيماً، فضلاً عما بعثه فيها من النشاط رؤيتها وجوهاً أجنبية، ومباريات وأساليب غير أساليبها، وفي أيامه أصبح عيد أثينة الجامع عيداً قومياً عاماً للشعب اليوناني كله، ولا يزال موكبه العظيم يتحرك أمامنا على إفريز البارثنون. وقد أقبل على بلاطهِ، بفضل منشآته العامة وحياته الخاصة، المثالون، والمهندسون، والشعراء، وجمع في قصرهِ مكتبة من أولى المكتبات التي أنشئت في بلاد اليونان. وقد عين لجنة أعطت للإلياذة والأوديسة الصورتين اللتين
نعرفهما بهما الآن. وبفضل إدارته الرشيدة وتشجيعه العظيم ارتقى تسبيس وغيره من الكتاب بالتمثيل من تقليد هزلي ساخر إلى عمل فني قابل لأن يصل إلى ذروة الكمال في العهد الثلاثي العظيم من عهود المسرح الأثيني.
ولم يكن "استبداد" بيسستراتس إلا جزءاً من حركة عامة في المدن التجارية النشيطة التي كانت قائمة في بلاد اليونان في القرن السادس، والتي كانت تسعى لكي تستبدل بالحكم الإقطاعي على أيدي الملاك الأشراف السلطان السياسي للطبقة الوسطى المتحالفة مؤقتاً مع الطبقات الفقيرة
(1)
. وكانت أهم الظروف التي مهدت لهذهِ الدكتاتوريات هي تركيز الثروة في أيدٍ قليلة تركيزاً وخيم العاقبة، وعجز الأغنياء عن الاتفاق على وسيلة للتوفيق بينهم وبين غيرهم من الطبقات. وإذ لم يكن للفقراء بد من أن يختاروا بين المال والحرية السياسية، فإنهم كالأغنياء سواء بسواء يؤثرون المال على الحرية، والحرية السياسية التي تستطيع البقاء وهي التي تشذب بحيث تمنع الأغنياء أن يستخدموا ما عندهم من مقدرة أو دهاء في تجريد الفقراء مما عندهم، وتمنع الفقراء أن ينهبوا الأغنياء بعنفهم أو بأصواتهم. ومن ثم كانت السبيل إلى السلطة في المدن التجارية اليونانية ممهدة سهلة: فما على من يريدها إلا أن يهاجم الأشراف، ويدافع عن الفقراء، ويتفاهم مع الطبقات الوسطى. فإذا وصل الطاغية إلى ما يرجوه من سلطان ألغى الديون، أو صادر الضياع الواسعة، وفرض الضرائب على الأغنياء ليمول بحصيلتها ما ينشئه من الأشغال العامة، أو أعاد توزيع الثروة المركزة في أيدٍ قليلة بوسيلة أخرى غير هذه الوسيلة. وفي الوقت الذي يضم فيه الجماهير إلى جانبه
(1)
والكلمة الإنجليزية Tyrant أي المستبد أو الطاغية كلمة ليدية، ولعلها مشتقة من اسم ترها Tyrrha المدينة الليدية. ومعنى هذا اللفظ هو قلعة، ولعله ذو صلة بعيدة بلفظ Towc الإنجليزي (ولفظ بتريس اليوناني). ويبدو أن أول من وصف به هو جيجيس Gyges ملك ليديا.
بهذه الوسائل وأشباهها، يحصل على معونة رجال الأعمال بتشجيع التجارة عن طريق العملة الرسمية وعقد المعاهدات التجارية الأجنبية، ورفع المنزلة الاجتماعية للطبقات الوسطى. وإذ كان الحاكم بأمره مضطراً إلى الاعتماد على حب الشعب له لا على حقه الموروث في السلطان، فإن الدكتاتوريات كانت في الأغلب الأعم تتجنب الحروب وتناصر الدين، وتحفظ النظام، وتحث على الأخلاق الفاضلة، وترفع منزلة النساء في المجتمع، وتشجع الفنون، وتنفق المال بسخاء في تجميل مدائنها. والطغاة يفعلون هذا كله في كثير من الأحيان وهم محتفظون بصورة الحكومة الشعبية وأساليبها في العمل، ومن ثم كان الناس حتى في عهود
الاستبداد يتعلمون طرائق الحرية. وبعد أن تنتهي الدكتاتورية من تحطيم الأرستقراطية كان الشعب يحطم الدكتاتورية، ولم يكن يحتاج إلى تغييرات كثيرة ليجعل ديمقراطية الأحرار قائمة شكلاً وعملاً.
5 - قيام الدمقراطية
لما توفي بيسستراتس في عام 527 ورث أبناؤه السلطة من بعدهِ، وكانت حكمته قد اجتازت بنجاح كل اختبار إلا اختباراً واحداً، فقد أخفق في كسب حب أبنائه له. وقد وعد هبياس أن يكون عادلاً عاقلاً في حكمهِ، وظل ثلاثة عشر عاماً يسير على نهج أبيه. وكان أخوه الأصغر مولعاً بالحب والشعر؛ ولم يكن في هذا من الضرر أكثر من تبديد المال في هاتين الهوايتين؛ وكان هو الذي استقدم أنكريون Anacreon وسمنيدس Simonides إلى أثينة. غير أن الأثينيين لم يكونوا راضين كل الرضا عن أن يروا أزمة الحكم تنتقل بغير رضاهم إلى ابني بيسستراتس، وأخذوا يدركون أن الدكتاتورية قد مكنت لهم في كل شيء إلا حافز الحرية. على أن أثينة رغم هذا كانت تتمتع بالرفاهية ورغد العيش، ولولا أن الحب اليوناني الحقيقي يسير في طريق وعر شائك لاستطال
حكم هبياس الهادئ حتى يصل إلى خاتمته السلمية الطبيعية. وكان أرستوجيتون Aristogeiton وهو رجل كهل قد كسب حب الفتى هرمديوس Harmodius وهو وقتئذ "في ريعان الشباب ونضارته" كما يقول توكيديدس، ولكن هباركس، وهو أيضاً ممن لا يستحون أن يحبوا الغلمان، كان يسعى هو الآخر ليتحبب إلى هذا الشاب؛ فلما سمع أرستوجيتون بهذا اعتزم أن يقتل هباركس ويعمل في الوقت ذاته على حماية نفسه بقلب الحكومة الاستبدادية، وانضم إليه في هذه المؤامرة هرموديوس وغيره من الأثينيين واغتالوا هباركس وهو يعد العدة لموكب الألعاب الأثينية الجامعة؛ ولكن هبياس أفلت منهم ودبر قتلهم. ومما زاد الأمور تعقيداً أن ليينا Leaena عشيقة هرمديوس ماتت ميتة الشجعان أثناء تعذيبهم إياها، لأنها أبت أن تغدر بالباقين من المتآمرين؛ وإذا كان لنا أن نصدق الرواية اليونانية فإنها قطعت طرف لسانها وبصقته في وجه معذبيها لتؤكد لهم أنها لن تجيب عن أسئلتهم.
وارتاع هبياس لهذهِ الثورة، وإن كان الأهلون لم يؤيدوها تأييداً ظاهراً، ودفعه هذا الروع إلى أن يستبدل بحكمهِ الرحيم حكماً طابعه القمع، والتجسس والإرهاب. وكان في مقدور الأثينيين، بعد أن نعموا بالرخاء جيلاً كاملاً، أن يطلبوا الآن ترف الحرية، وزادت صرخة المطالبة بها دوياً كلما زاد الطغيان قسوة؛ واستحال هرمديوس وأرستجيتون في حيال الشعب شهيدين من شهداء الحرية بعد أن لم يكونا إلا متآمرين يحيكان مؤامرة مبعثها الحب والهيام لا الدمقراطية
(1)
.
ورأى الألكميونيون في دلفي الذين نفاهم بيسستراتس من البلاد الفرصة سانحة لهم، فجمعوا جيشاً، وزحفوا به على أثينة،
(1)
ليس من حق الإنسان أن يعجب من أنهما يمثلان طبقة الأشراف الغاصبة، كما كان بروتس وكاسيس يمثلان هذه الطبقة في رومة. وقد صار بروتس أيضاً بطل ثورة، بعد أن طمس تاريخه مدى ثمانية عشر قرناً.
وأعلنوا أنهم لا يقصدون إلا خلع هبياس. ورشوا في الوقت نفسه الناطق بلسان الوحي في بيثيا لكي يعلن لكل من يستشيره من الإسبارطيين أن من واجب إسبارطة أن تقضي على حكومة الطغيان في أثينة. وقاوم هبياس قوى الألكميونيين مقاومة عنيفة موفقة، حتى انضم إليهم جيش لسديموني، فانسحب من الميدان واعتصم بالأريوبجوس. وأراد أن يؤمن أبناءه على حياتهم إذا ما قُتل هو، فأخرجهم سراً من أثينة؛ ولكن الغزاة ألقوا القبض عليهم، وافتداهم هبياس بأن قبل النزول عن الحكم والنفي. ودخل الألكميونيون وعلى رأسهم كليسثنيز الباسل
(1)
، أثينة ظافرين، وفي أعقابهم الأشراف المنفيون يستعدون للاحتفال باسترجاع أملاكهم وسلطانهم.
واختبر إسجوراس Isagoras في الانتخابات التي أعقبت هذه الحوادث ليكون كبير الأركونين، ولكن كليسثنيز أحد المرشحين المنهزمين حرض الشعب على العصيان، وأسقط إسجوراس، وأقام دكتاتورية شعبية. وغزا الإسبارطيون أثينة مرة أخرى، يريدون إعادة إسجوراس إلى منصبه، ولكن الأثينيين قاوموا الغزو مقاومة عنيفة اضطرت الإسبارطيين إلى الارتداد، فلما تم ذلك شرع كلسثنيز، الشريف الألكيموني، ينشئ حكومة دمقراطية.
وكان أول إصلاح له بمثابة معول دك به قواعد الأرستقراطية الأتيكية- ونعني بها القبائل الأربع والبطون الثلاثمائة والستين التي كانت تتولى زعامتها، جرياً على التقاليد التي دامت مئات السنين، أقدمُ الأسر وأوفرها ثراء: فقد ألغى كليسثنيز هذا التقسيم القائم على صلات القرابة واستبدل به تقسيماً آخر إقليمياً جعل الأهلين بمقتضاه عشر قبائل تتألف كل
(1)
وهو حفيد كليسثنيز طاغية سكيون.
منها من عدد من المراكز يختلف باختلاف القبائل. وأراد أن يمنع التكتلات الجغرافية أو المهنية الشبيهة بأحزاب الجبل، والشاطئ، والسهل، فألف كل قبيلة من عدد متساوٍ من أقسام المدينة وسواحل البحر وداخلية البلاد. وعوض كل الأقسام الجديدة عن القداسة التي كان يخلعها على الأقسام القديمة فأوجد لكل قسم أو قبيلة حفلات دينية واختار أحد الأبطال القدماء وجعله إلهاً أو قديساً راعياً للقسم أو القبيلة. وأصبح الأحرار الذين ولدوا من أصل أجنبي مواطنين من تلقاء أنفسهم في القسم الذي يقيمون فيه، وقلما كان هؤلاء يتمتعون بحق الانتخاب في العهود الأرستقراطية التي كان حق المواطن فيها يعتمد على حسبه ونسبه، وبهذا العمل وحده تضاعف عدد الناخبين، وأصبحوا عوناً جديداً للدمقراطية التي أضحت من ذلك الوقت أقوى أساساً من ذي قبل.
وخولت كل قبيلة جديدة حق ترشيح أحد الأستراتيجوى) القواد (العشرة الذين اشتركوا من ذلك الوقت مع القائد الأعلى في قيادة الجيش، كما خولت أيضاً حق اختيار خمسين عضواً من أعضاء المجلس الجديد المؤلف من خمسمائة عضو وعضو والذي حل الآن مجلس صولون المؤلف من أربعمائة، وجعلت له السلطات الهامة التي كانت لمجلس الأريوبجوس. وكان هؤلاء الأعضاء يختارون مدة عام واحد بالقرعة لا بالانتخاب، من قوائم تحوي أسماء جميع المواطنين الذين بلغوا سن الثلاثين، والذين لم يكونوا قد قضوا في المجلس القديم دورتين. وفي هذا النوع الجديد العجيب من أنواع النظام النيابي استبدل بالمبدأ الارستقراطي القائم على شرف المحتد، وبالمبدأ البلوتقراطي القائم على الثراء، مبدأ الانتخاب بالقرعة، فأتيحت لكل مواطن فرص متكافئة للاقتراع، ولشغل منصب في أهم فرع من فروع الحكومة وأعظمها سلطاناً. ذلك أن المجلس الذي كان يختار بهذه الطريقة كان يعين جميع المسائل والاقتراحات التي تعرض على الجمعية لإقرارها أو رفضها،
كما كان يحتفظ لنفسه ببعض السلطات القضائية المختلفة الأنواع، ويصرف كثيراً من الشؤون الإدارية، ويشرف على جميع موظفي الدولة.
وزيد عدد أعضاء الجمعية ممن دخلها من المواطنين الجدد، وبهذا كانت جلستها التي يحضرها الأعضاء جميعاً تضم ما يقرب من ثلاثين ألف رجل، وكان من حق هؤلاء جميعاً أن يُختاروا للعمل في البليا أو المحاكم، أما الطبقة الرابعة أو الثيتيس فقد بقيت كما كانت في عهد صولون لا يُختار منها أحد للمناصب التي يشغلها فرد واحد. وزادت سلطات الجمعية بإنشاء نظام "الحرمان" من عضوية الهيئة الاجتماعية والطرد من البلاد، وهو الحق الذي أضافه كليسثنيز إلى حقوقها على ما يبدو ليحمي به الجمهورية الناشئة. وبمقتضى هذا الحق الجديد كان في استطاعة الجمعية، بناء على اقتراح تقدمه أغلبية أعضائها مكتوب بطريقة سرية على قطع من الفخار، كان في استطاعة الجمعية إذا حضرها العدد القانوني وهو ستة آلاف من أعضائها أن تنفي من البلاد مدة عشر سنين أي إنسان ترى هي أنه أصبح خطراً على الدولة. وبهذهِ الطريقة كان الزعماء الطموحون يضطرون إلى أن يسلكوا مسلك الحذر والاعتدال، وكان في استطاعة الجمعية أن تتخلص ممن تظنهم يتآمرون عليها من غير الإبطاء الذي تستلزمه الإجراءات وكان كل ما يتطلبه هذا العمل من إجراءات أن يسأل أعضاء الجمعية:"هل من بينكم رجل تظنونه شديد الخطر على الدولة؟ وإذا كان فمن هذا الرجل؟ " وكان في وسع الجمعية حينئذ أن تقترع على نفي أي مواطن دون أن يُستثنى من ذلك صاحب السؤال نفسه
(1)
. ولم يكن هذا النفي يتضمن مصادرة الملك كما أن المنفي لم يكن يلحقه من جرائه عار؛ ولم يكن إلا الطريقة التي تلجأ إليها الدمقراطية لقطع "أطول السنابل". ولم تسيء الجمعية استخدام سلطانها هذا، ذلك أنها
(1)
وقد أنشئ نظام كهذا في أرجوس، ومجارا، وسرقوسة.
لم تستخدم حقها طوال التسعين عاماً التي مضت بين تقريره وبين إبطال العمل به في أثينة إلا في إخراج عشرة أشخاص من أتكا.
ويقال إن كليسثنيز نفسه كان بين هؤلاء العشرة؛ ولكننا في واقع الأمر لا نعرف تاريخة في آخر أيامه، فقد اختفى وضاع في لألاء أعماله. بدأ عمله بثورة تتعارض كل المعارضة مع الأصول الدستورية، ولكنه وضع بها رغم معارضة أقوى الأسر الأثينية دستوراً دمقراطياً ظل نافذاً، مع بعض تغييرات قليلة، إلى آخر عهود الحرية الأثينية. على أن الدمقراطية لم تكن كاملة، لأنها لم تكن تُطبق إلا على الأحرار، وظلت تضع قيداً خفيفاً من المِلْكية على حق الانتخاب للمناصب الفردية
(1)
. غير أنها أعطت جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى جمعية وإلى محكمة تتكونان من المواطنين، وإلى حكام كبار تعينهم الجمعية ويكونون مسئولين أمامها، وإلى مجلس يختار أعضاؤه بأصوات كل من يريد الاقتراع من المواطنين، ويشترك بالفعل في ممارسة سلطانه الأعلى ثلثهم مدة سنة من حياتهم على الأقل. إن العالم لم يرَ قط في تاريخه كله قبل ذلك العهد نظاماً انتخابياً أكثر من هذا النظام حرية، ولا سلطة سياسية شعبية أوسع من هذه السلطة.
واغتبط الأثينيون أنفسهم أشد الاغتباط بهذه المغامرة التي تستهدف سيادة الشعب. لقد أدركوا أنهم كانوا مقدمين على مغامرة شاقة خطيرة، ولكنهم أقدموا عليها بشجاعة وأنفة، وباعتدال وضبط للنفس داما بعض الوقت. ولقد عرفوا من ذلك الوقت لذة الحرية في العمل والقول والتفكير، وبدأوا يتزعمون بلاد اليونان كلها في الآداب والفنون، بل في السياسة والحرب أيضاً، وتعلموا أن يطيعوا من جديد قانوناً يعبر عن إرادتهم
(1)
اشترط قدر من الملك لممارسة حق الانتخاب في المراحل الأولى من الدمقراطية الأمريكية والفرنسية.
هم أنفسهم، وأن يحبوا حباً لا يعادله حب من قبله الدولة التي كانت تمثل وحدتهم وسلطانهم، والتي تعمل لإكمال هذه الوحدة وهذا السلطان ولما همت أعظم إمبراطورية في ذلك العهد أن تدمر هذه المد المتفرقة المسماة ببلاد اليونان، وأن تفرض عليها الجزية تؤديها عن يد إلى الملك العظيم، نسيت أنها سيقاومها في أتكا رجال يمتلكون الأرض التي يفلحونها، ويسيطرون على الدولة التي تحكمهم. وكان من حسن حظ بلاد اليونان ومن حسن حظ أوربا أن كليسثنيز قد أتم عمله وعمل صولون قبل مرثون باثني عشر عاماً.
الباب السادس
الهجرة الكبرى
الفصل الأول
أسبابها ووسائلها
لقد ضحينا في سبيل استكمال قصة إسبارطة وأثينة إلى قبيل واقعة مرثون بوحدة الزمان من أجل وحدة المكان. نعم إن مدن بلاد اليونان الأصلية كانت أقدم من المستعمرات اليونانية في بحر إيجة وفي جزائر أيونيان، وإن هذه هي التي أنشأت في كثير من الحالات المستعمرات التي سنصف حياتها هذه في هذه الفصول، ولكن عدداً من هذه المستعمرات أضحى بما حدث من انقلاب مربك في سياق الحوادث السوي أعظم شأناً من المدن التي أنشأتها وسبقتها في ثروتها وفنونها، وبذلك لم يكن الذين أوجدوا الثقافة اليونانية بحق هم اليونان أهل البلاد التي نسميها الآن بلاد اليونان، بل كانوا هم الذين فروا أمام الدوريين الفاتحين وحاربوا حرب المستيئسين ليُثبتوا أقدامهم على السواحل الأجنبية، وأنشأوا بفضل ذكرياتهم الميسينية وجهودهم العجيبة العلوم والفنون، والفلسفة والشعر، التي جعلت لهم قبل مرثون بزمن طويل المقام الأول في العالم الغربي؛ ثم أورثت المستعمرات أمهاتها من المدائن الأصلية الحضارة اليونانية.
وليس شيء في تاريخ اليونان أدل على حيويتهم من انتشارهم السريع
في جميع بلاد البحر المتوسط
(1)
. لقد كانوا قبل أيام هومر شعباً بدوياً متنقلاً، وكانت شبه جزيرة البلقان كلها تضطرب بحركاتهم، ولكن أهم العوامل التي أثارت الموجات اليونانية المتتابعة التي طغت على جزائر بحر إيجة وعلى السواحل الغربية للقارة الآسيوية كانت غزوات الدوريين. فقد خرج الناس على أثرها من جميع أنحاء هيلاس يبحثون عن الموطن وينشدون الحرية بعيدين عن قبضة الفاتحين المستعبدين؛ وكان من العوامل الأخرى التي بعثت على هذه الهجرة ما في الدول القديمة من انقسامات سياسية ومنازعات بين الأسر؛ فكان المغلوبون يختارون النفي من البلاد أحياناً، وكان الغالبون يشجعونهم على الخروج منها أعظم تشجيع؛ يضاف إلى هذا أن بعض من بقي على قيد الحياة من اليونان الذين اشتركوا في حرب طروادة فضلوا البقاء في آسية؛ واستقر غيرهم في جزائر بحر إيجة حباً في المغامرات أو عجزاً عن العودة إلى وطنهم بعد أن تحطمت بهم السفن التي كانت تقلهم، ووجد غيرهم حين عادوا إلى أوطانهم بعد أسفارهم الطويلة التي تعرضوا فيها لأشد الأخطار، أن عروشهم قد ثُلّت وأن زوجاتهم قد احتضنهن غيرهم، فعادوا إلى سفنهم ليُنشئوا لهم أوطاناً جديدة ويجمعوا ثروات جديدة في خارج بلادهم (2). وعاد الاستعمار على بلاد اليونان الأصلية، كما عاد صنوه على أوربا الحديثة، بمزايا عظيمة من عدة وجوه. فلقد كان منفذاً للزائدين على طاقة الأرض من السكان وللمغامرين منهم، وكان بمثابة صمام الأمان من التذمر الزراعي، وبفضله نشأت أسواق أجنبية لغلات البلاد الأصلية، ومستودعات حصينة في مراكز منيعة للواردات من الطعام والمعادن. وأوجد الاستعمار في آخر الأمر إمبراطورية تجارية كان ما فيها من تبادل السلع،
(1)
قارن هذا بقول بيتر Pater: " لعل أروع حوادث التاريخ اليوناني كله وأشدها إثارة للنفس هو استعمارهم في بداية أمره! ".
والفنون، وأساليب الحياة، والأفكار؛ من أقوى العوامل في نشأة حضارة اليونان المعقدة.
وسارت الهجرات في خمسة خطوط رئيسية - إيوليّة، أيونيّة، دورية، يكسينية Euxine، إيطالية .. وبدأت أقدمها في الدويلات الشمالية من أرض اليونان الأصيلة، وهي التي لاقت أولى الغزوات من الشمال والغرب. فقد سارت على مهل جحافل من المهاجرين من تساليا، وثيوتس، وبؤوتية، وإيتوليا، لم تنقطع طوال القرنين الثاني عشر والحادي عشر، مخترقة بحر إيجة، وزحفت على الأصقاع المحيطة بطروادة، وأنشأت فيها المدائن الاثنتي عشرة التي تألف منها الحلف الإيولي. ويبدأ الخط الثاني من خطوط الهجرة في البلوبونيز حيث فرَّ آلاف من الميسينيين والآخيين على أثر "عودة الهرقليين"، واستقر بعضهم في أتكا والبعض الآخر في عوبية، وخرج الكثيرون منهم إلى جزائر سكلديس، وجازفوا باختراق بحر إيجة، وأسسوا في غربي آسية الصغرى المدائن الاثنتي عشرة التي تألف منها الحلف الأيوني الاثنى عشري Ionian Dadecapolis. وسار في الخط الثالث من خطوط الهجرة الدوريين الذين فاضت بهم أرض البلوبونيز، فاستقروا في جزائر سكلديس، وفتحوا كريت وسيريني، وأنشأوا حلفاً من ست مدن دُورية Dorian Hexapolis حول جزيرة رودس. وبدأ الخط الرابع في مكان ما من بلاد اليونان واستقر من ساروا فيه على سواحل تراقية، وأنشأوا مائة مدينة على شواطئ الدردنيل، والبروبنتس (بحر مرمرة) والبحر اليكسيني (البحر الأسود). واتجه الخط الخامس نحو الغرب إلى الجزائر التي أسماها اليونان الجزائر الأيونية، ثم اخترق إيطاليا وصقلية حتى بلغ آخر الأمر غالة وأسبانيا.
وليس في وسع إنسان ما أن يتصور ما قام من العقبات في سبيل هذه الهجرة الطويلة المدى التي دامت مائة عام، أو كيف ذللت، إلا إذا كان عطوفاً واسع الخيال أو كان قوي الذاكرة لم ينسَ ما لقيناه نحن الأمريكيين
في تاريخنا الاستعماري. لقد كان في مغادرة الأرض التي خلعت عليها شعائر القداسة قبور الآباء والأجداد، والتي يحرسها الأرباب القدامى، والخروج إلى أصقاع غريبة لا تحميها في أكبر الظن آلهة بلاد اليونان، لقد كان في هذا وذاك مغامرة خطيرة الشأن، ومن أجل هذا أخذ المستعمرون معهم حفنات التراب من بلادهم الأصيلة لينثروها فوق أرض الأقاليم الأجنبية، وحملوا في جد ووقار قبساً من النار من المذابح العامة في مدافنهم الأولى ليشعلوا به النار في مواقد المدن التي أنشأوها في مستعمراتهم الجديدة. وكانوا يختارون مواضع هذه المدن على شاطئ البحر أو قريبة منه، حيث يمكن أن تكون السفن - وهي الموطن الثاني لنصف اليونان - ملجأ يعصمهم من هجمات الأعداء براً؛ وكان خيراً من هذا الوضع عندهم أن تقام فوق سهل ساحلي تحميها الجبال التي تصد المغيرين من ورائها، أو على تل يكون حصيناً منيعاً في داخل المدينة نفسها، أو أن تكون ذات ميناء في البحر يحميه لسان بارز منه؛ وخير من هذا وذاك أن يكون هذا الميناء الأمين على طريق تجاري، أو قريباً من مصب نهر تصل إليه السفن حاملة الغلات من داخل البلاد لتُصدر أو يُستبدل بها غيرها من الغلات، فتنتعش ويعمها الرخاء عاجلاً كان ذلك أو آجلاً. وكانوا لا يكادون يجدون موقعاً صالحاً إلا احتلوه، واستولوا عليه بالحيلة إن أفلحت، فإن لم تفلح سلكوا إليه سبيل القوة. ولم يكن اليونان في هذه الظروف يرعون مبادئ أخلاقية أرقى مما نرعاه نحن الآن
(1)
، فكان الفاتحون في بعض الأحيان يستعبدون السكان الأولين بنفس الدعاوى المضحكة الباطلة التي ادعاها الحجاج المهاجرون طلباً للحرية. وكان أكثر من هذا حدوثاً أن يتودد المهاجرون الجدد إلى السكان الأولين بما يحملونه إليهم من الهدايا، ويخلبوا لبهم بثقافتهم الراقية، ومغازلة نسائهم، وعبادة آلهتهم. ولم يكن اليونان المستعمرون يعنون بنقاء الدم (3). وكان في وسعهم على الدوام أن يجدوا في مجتمع آلهتهم الكثيرة
(1)
يريد الأمريكيين.
إلهاً شبيهاً بإله الموطن الجديد شبهاً ييسر لهم التوفيق بين الإلهين. وأهم من هذا كله أن المستعمرين كانوا يعرضون ما صنعته أيديهم من سلع يونانية على السكان الأصليين، ويستبدلون بها الحبوب والماشية أو المعادن، ويصدرون هذه الغلات إلى بلاد البحر المتوسط، ويفضلون من هذه البلاد أمهم التي هاجروا منها، والتي لا تنفك قلوبهم تنطوي لها مدى القرون على حب وولاء يبلغ حد التقديس.
وأخذت هذه المستعمرات واحدة بعد أخرى تتشكل وتتخذ صورة المدائن اليونانية حتى لم تعد بلاد اليونان مقصورة على شبه الجزيرة الضيقة التي كان يُطلق عليها هذا الاسم في أيام هومر، بل أضحت طائفة من المدن المستقلة مرتبطة بعضها مع بعض برباط غير متين، ومنتشرة من أفريقية إلى تراقية، ومن جبل طارق إلى الطرف الشرقي من البحر الأسود. وكان هذا العهد من أهم العهود في تاريخ نساء اليونان، فلسنا نجدهن على الدوام أكثر استعداداً مما كن في ذلك الوقت لإنجاب الأبناء. وبفضل هذه المراكز التي تفيض جِدّاً وحيوية وذكاء نشر اليونان في جميع أنحاء أوربا الجنوبية بذور ذلك الترف المزعزع الدال على الحذق والدهاء الذي يُطلق علية اسم الحضارة، والذي لولاه لما كان للحياة جمال ولا للتاريخ معنى.
الفصل الثاني
السيكلديس الأيونية
إذا سار السائح بحراً من بيريس (بيرية)، متجهاً نحو الجنوب، مصاحباً ساحل أتكا، ثم انحرف نحو الشرق وحول لسان سنيوم ذي الهيكل، وصل إلى جزيرة كيوس Ceos الصغيرة حيث "كان في يوم من الأيام قانون يحتم على من بلغوا الستين من عمرهم أن يشربوا عصير الشيكران السام حتى يكفي الطعام من يبقى حياً من الناس"(4)، إذا قبلنا ما لا يقبله العقل اعتماداَ على قول استرابون وبلوتارخ.
وربما كان هذا هو الذي جعل شاعرها العظيم ينفي نفسه مختاراً من كيوس بعد أن جاوز سن الكهولة؛ ولعله قد وجد أن من العسير عليه أن يبلغ في موطنه الأصلي السابعة والثمانين من العمر التي تقول الرواية اليونانية المتواترة إنه قد بلغها. وقد كان جميع العالم اليوناني يعرف سمنيدس وهو في سن الثلاثين، ولما مات في عام 469 أجمع الناس كلهم على أنه أنبه كُتاب زمانه ذكراً. كانت شهرته في الشعر والغناء هي التي جعلت هباركس Hipparchus، وهو ثاني اثنين من الحاكمين بأمرهما معاً في أثينة، يدعوا إليها، وقد استطاع في بلاطها أن يعد أواصر الصداقة مع شاعر آخر. وبقي حياً بعد الحروب الفارسية واختير عدة مرار ليكتب قبريات الأنصاب التي تقام على قبور المكرمين من الأموات. وعاش في شيخوخته في بلاط هيرون Hieron الأول طاغية سرقوسة، وبلغ من الشهرة وقتئذ حداً أمكنه به أن يعقد الصلح في ميدان القتال عام 475 بين هيرون وثيرون Theron طاغية أكرجاس، وكان القتال قد أوشك أن ينشب بينهما (5). ويحدثنا بلوتارخ في مقاله الشديد الصلة بهذا الموضوع نفسه وعنوانه "هل يجب أن يحكم الناس الشيوخ"، أن سمنيدس ظل يكسب جائزة
الشعر الغنائي والغناء الجماعي حتى بلغ سن الشيخوخة. ولما رضي آخر الأمر أن يموت دفن في أكرجاس بمظاهر التكريم الخليقة بالملوك.
ولم يكن سمنيدس شاعراً فحسب، بل كان فوق ذلك رجلاً ذا شخصية عجيبة، وكان اليونان ينددون به ويحبونه لرذائله وشذوذه. وكان مغرماً بالمال فإذا غاب عنه الذهب لم يلهم الشعر؛ وكان أول من كتب الشعر ليؤجر عليه، وحجته في هذا أن من حق الشاعر أن يأكل كما يأكل سائر الناس؛ ولكن هذه العادة كانت جديدة في بلاد اليونان، وكان أرستفنيز يردد غضب الشعب منها، ويقول إن سمنيدس "لا يستنكف أن يذهب إلى البحر في محفة ليكسب فيه فلساً"(6). وكان يفخر بأنه اخترع طريقة لمساعدة الذاكرة على الاستظهار، أخذها عنه شيشرون واعترف بفضله عليه (7). والمبدأ الجوهري الذي تقوم عليه هذه الطريقة وهو ترتيب الأشياء التي يريد أن يتذكرها متتابعة في ترتيب منطقي من نوع ما بحيث يؤدي كل قسم منها بطبيعته إلى القسم الذي يليه. وكان رجلاً فكهاً، انتشرت أجوبته الفكهة المسكتة في جميع مدن اليونان وتداولها الناس فيما بينهم تداول النقود، ولكنه قال في شيخوخته إنه كثيراً ما ندم على الكلام وإن لم يندم قط على السكوت (8).
وإنا ليدهشنا أن نجد في القليل الباقي لدينا من أقوال هذا الشاعر الذي نال كثيراً من الثناء والعطاء تلك الكآبة التي كانت طابع الكثير من أدب اليونان بعد هومر-ونقول بعد هومر لأن الناس في أيامه كانوا أنشط من أن يكتئبوا، وكانوا أعنف من أن يتضايقوا ويملوا:
"ألا ما أقل أيام الحياة وما أكثر ما فيها من شرور، ولكن نومنا تحت أطباق الثرى سيكون نوماً سرمدياً
…
وما أضعف الإنسان وما أقوى أغلاطه؛ إن الأحزان تأتي في أعقاب الأحزان طوال حياته القصيرة ثم يدركه آخر الأمر الموت الذي لا ينجو منه إنسان، والذي يرد حوضه الأخيار والأشرار على
السواء
…
ما من أحد من الناس وما من شيء من صنعهم خالد؛ وما أصدق قول شاعر طشيوز Chjos إن حياة الإنسان كحياة ورقة الشجرة الخضراء. لكن الذين يسمعون هذا لا يكاد يذكره منهم أحد، لأن الأمل قوي في صدور الشبان؛ فإذا كان الإنسان في نضرة الشباب، وكان فارغ القلب من المتاعب، امتلأ عقله بالأفكار الباطلة وظن أنه لن تدركه الشيخوخة، ولا الموت؛ وهو لا يفكر في المرض إذا كان صحيح الجسم .. ألا ما أشد حمق من يفكرون هذا التفكير ومن لا يعرفون أن أيام شبابنا وأيام حياتنا قصيرة" (9).
ولم يكن يجيش في صدر سمنيدس أمل في جزيرة مباركة تخفف عنه آلامه؛ كما أن أرباب أولمبس قد أصبحت كأرباب المسيحية في بعض الشعر الحديث أدوات لقرض الشعر لا وسائل لتخفيف أحزان النفوس. ولما تحداه هيرون وطلب إليه أن يحدد طبيعة الله وصفاته، استمهله يوماً واحداً يعد فيه جوابه، وفي اليوم الثاني استمهله يومين آخرين، وكان في كل مرة يضاعف المهلة التي يطلبها ليعد فيها الجواب. ولما طلب إليه هيرون أن يوضح له معنى مسلكه هذا، أجابه أن هذا الأمر يزداد غموضاً كلما طال تفكيره فيه (10).
ولم تنجب كيوس سمنيدس وحده بل أنجبت أيضاً بكليدس Bacchylides ابن أخيه وخليفته في الشعر الغنائي، وأنجبت في أيام الإسكندر الأكبر إراستراتس Erasistratus العالم الكبير في تشريح الأجسام. وليس في مقدورنا أن نقول هذا القول نفسه عن جزائر سريفوس Siriphos، أو أندروس Andros أو تينوس Tenos أو ميكونوس Myconos أو سيكنوس Sicinos أو إيوس Ios. وفي سيروس Syros عاش فرسيديز Pherecydes (حوالي 550)، وقد اشتهر بأنه علم فيثاغورس، وبأنه أول من كتب من الفلاسفة نثراً. أما ديلوس فكانت مسقط رأس أبلو نفسه، على حد قول القصة اليونانية. ولقد بلغ من تقديس الناس لهذه الجزيرة، لأن فيها مزاره، أن حرموا الموت والولادة داخل
حدودها. فكانت كل امرأة مقبلة على الوضع تُنقل منها، وكان كل إنسان دنت منيته يُبعد عنها، إلى غيرها من البلاد، وأخرجت أجسام من كان فيها قبل مولد أبلو من قبورها المعروفة حتى تصبح الجزيرة طاهرة نقية (11). وفي هذه الجزيرة احتفظت أثينة هي وحليفاتها من المدن الأيونية بكنوز حلف ديلوس بعد هزيمة الفرس؛ وفيها كان الأيونيون يجتمعون كل أربع سنين اجتماعاً يختلط فيه التقى بالمرح للاحتفال بعيد الإله الجميل. وتصف إحدى ترانيم القرن السابع قبل الميلاد "النساء ذوات المناطق الجميلة"(12)، والتجار الحريصين الدائبين على العمل في حوانيتهم؛ والجماهير المصطفة على جوانب الطرق ترقب الموكب المقدس، وما يقام في المعبد من شعائر وطقوس مهيبة، وما يقرب فيه من قربان مقدس؛ وتصف كذلك الرقص المرح والترانيم الجماعية التي تنشدها عذارى من ديلوس وأثينة اختاروهن لجمالهن وحسن أصواتهن؛ والمباريات الرياضية والموسيقية، والمسرحيات التي كانت ُتمثل في الملاهي في الهواء الطلق. وكان الأثينيون يرسلون في كل عام بعثة إلى ديلوس تحتفل فيها بمولد أبلو، فإذا سافرت إليها لا يعدم مجرم في أثينة حتى تعود. وهذا هو سبب الفترة الطويلة التي انقضت بين الحكم على سقراط وبين إعدامه، والتي أفاد منها الأدب والفلسفة أعظم فائدة.
ونكسوس Naxos أكبر جوائز السكلديس، كما أن ديلوس تكاد تكون أصغرها. واشتهرت في الزمن القديم بخمرها ورخامها، وأثرت في القرن السادس ثراء أمكنها أن تبني لها أسطولاً خاصاً بها، وأن تكون لها مدرسة خاصة للنحت. وإلى الجنوب الشرقي من نكسوس جزيرة أمرجوس Amorgos موطن سمنيدس Semonides البغيض الذي هجا النساء
هجاءً لاذعاً، حرص التاريخ الذي كتبه الرجال على الاحتفاظ به إلى هذه الأيام
(1)
. وإلى الغرب منها تقع جزيرة باروس وتكاد كلها أن تكون من الرخام، وأهلها يشيدون منه بيوتهم، وقد وجد فيها بركستليز الحجر النصف الشفاف الذي نحته وصقله وصور فيه الجسم الآدمي صورة يكاد يعتقد الناظر إليها أنها من لحم ودم. وفي هذه الجزيرة ولد في أواخر القرن الثامن أركلوكوس Archilochus من جارية مشتراة بالمال، ولكنه كان أعظم الشعراء المغنين، ولد في بلاد اليونان. وقد قاده حظ الجنود شمالاً إلى ثاسيوس Thasos حيث اشتبك في حرب مع أهلها، ولكنه في أثناء المعركة ألقى بدرعه وأطلق ساقيه للريح لأنه وجدهما أعود عليه بالفائدة من الدروع، وعاش ليسخر من هذه الحرب فيما بعد سخريات كثيرة. ولما عاد إلى باروس أحب فيها نيوبولي Neobule ابنة الثري ليكمبيز Lycambes. وهو يصفها بأنها فتاة متواضعة، لها ضفيرتان تنوسان على كتفيها، ويتحسر كما يتحسر أمثاله في كل الأزمان ويقول إن "كل ما يتمناه أن يلمس يدها"(14). ولكن لكمبيز كان يُعجب بشعر الشاعر أكثر من إعجابه بماله فقضى على آماله؛ فما كان من أركلوكس إلا أن حمل عليه وعلى نيوبولي وأختها حملة من الهجاء شعواء آثر معها ثلاثتهم كما تقول القصة أن يشنقوا أنفسهم. وامتلأ قلب أركلوكس حقداً على باروس فترك "تينها وسمكها" وأصبح مرة أخرى جندياً يبحث عن حظه في ميادين القتال. ولما أن عجزت ساقاه في آخر الأمر عن أن تسعفاه في الهرب قتل وهو يحارب النكسيين
(2)
.
وتدلنا قصائده على أنه كان يُغلظ في القول لأعدائه وأصدقائه على السواء، وأنه كان شديد الولع بالزنا، يدفعه إلى هذا خيبة آماله في الحب (15).
(1)
يشبه سمنيدس النساء في أيامه بالثعالب والحمير والخنازير، والبحر المنقلب، ويقسم أن زوجاً من الأزواج لا يمر عليه يوم واحد في حياته دون أن توجه إليه زوجته كلمة تأنيب.
(2)
أهل جزيرة نكسوس Naxos.
والصورة التي ترتسم له في مخيلتنا هي صورة القرصان الملهم والبحار الرخيم الصوت، ذي اللفظ الخشن في نثره المصقول في شعره، يعمد إلى البحر العمبقي
(1)
من بحور الشعر، وهو الذي كانت تصاغ فيه الأغاني الشعبية وقتئذ، فيؤلف به أبياتاً قصيرة لاذعة من ثلاثة أوتاد. وهذا البحر العمبقي ذو الثلاثة أوتاد هو الذي كتبت به المآسي اليونانية الشهيرة. لكنه لم يقتصر على هذا الوزن، بل أخذ يجرب بحوراً أخرى كالبحر الدقتيلي
(2)
السداسي الأوتاد، والتروقي
(3)
الرباعي الأوتاد، وبحوراً أخرى تجاوز العشرة عداً
(4)
. وهو الذي أدخل في الشعر اليوناني الأوزان التي احتفظ بها إلى آخر الأيام. ولم يبقَ من قصائده إلا بضعة أسطر قليلة غير كاملة، ولسنا نجد بداً من قبول الأقدمين إنه كان أحب الشعراء اليونان إلى بني وطنه بعد هومر. وكان هوراس يحب أن يقلد أوزانه المتغيرة، ولما سُئل أرستفنيز البيزنطي الناقد المتأغرق العظيم أي قصائد أركلوكوس أحبها إليه، أجاب عن ذلك السؤال بكلمتين اثنتين عبر بهما عن شعور بلاد اليونان كلها فقال:"أطول القصائد"(16).
وعلى مسيرة باكورة اليوم بالسفينة من باروس تقع جزيرة سفنوس Siphnos الشهيرة بمناجم الفضة والذهب. وكان الشعب يمتلك هذه المناجم عن طريق حكومته. وكان نتاجها عظيماً استطاعت الجزيرة به أن تعتمد
(1)
البحر العمبقي Iambic وهو المؤلف من فاصلة قصيرة تليها فاصلة طويلة؛ أو من مقطع لا نبرة صوتية عليه يليه مقطع ذو نبرة صوتية. (المترجم)
(2)
البحر الدقتيلي هو الذي يتألف من كل وتد من أوتاده من ثلاثة مقاطع أولها قصير ويليه مقطعان طويلان. (المترجم)
(3)
والتروقي يتألف كل وتد من أوتاده من مقطعين أولهما طويل والآخر قصير. (المترجم)
(4)
إذا شاء القارئ لهذه البحور فإنه يجدها في قصيدتي Evangeline و Hiawtha للنج فلو Lengfellow، وفي مقطوعة Blwo blow، thou winter wrind لشكسبير؛ فالأولى من البحر الدقتيلي السداسي الأوتاد، والثانية من التروقي الرباعي الأوتاد، والثالثة من العمبقي الثلاثي الأوتاد.
عليه في إقامة الخزانة السَّفنية في دلفي، وما فيها من تماثيل النسوة اللائي يحملن على رؤوسهن مواد البناء وهن هادئات مطمئنات، وأن تقيم آثاراً غيرها كثيرة، وأن توزع مع ذلك مقداراً كبيراً من المعدنين النفيسين على الأهلين في آخر كل عام (17). وفي عام 524 جاء جماعة من اللصوص من ساموس ونزلوا في هذه الجزيرة وفرضوا عليها جزية تبلغ مائة وزنة - أي ما يساوي 000 ر 600 ريال أمريكي من النقود هذه الأيام. وقبلت بلاد اليونان الأخرى هذه السرقة الجريئة بالاطمئنان والجلد اللذين يقبل بهما الناس في العادة مصائب أصدقائهم.
الفصل الثالث
الفيض الدوري
واستعمر الدوريون أيضاً جزائر سكلديس، وروضوا طباعهم العسكرية بتدريج جوانب الجبال وتسويتها على مهل، حتى تمسك الأمطار الشحيحة فتروي نباتهم وكرومهم. وفي ميلوس ورثوا عن أسلافهم من أهل العصر البرنزي استخراج الحجر الزجاجي الطبيعي، وبفضلهم أثرت الجزيرة ثراء جعل الأثينيين يبذلون قصارى جهدهم لكسب معونتها في كفاحهم مع إسبارطة. وسنرى هذا في الفصول التالية من هذا الكتاب. وفي هذه الجزيرة عثر المنقبون على "أفرديتي ميلوس"
(1)
وهو الآن أشهر تمثال في العالم الغربي كله.
واتجه الدوريون شرقاً ثم جنوباً وفتحوا ثيرا Thera وكريت؛ ومن ثيرا أرسلوا جالية منهم استعمرت سيريني. واستقر عدد قليل منهم في قبرص، وكان فيها منذ القرن الحادي عشر جالية قليلة العدد من اليونان الأركاديين تنازع الأسر الفينيقية القديمة السيادة على الجزيرة. وكان من هؤلاء الملوك الصغار بجمليون الذي تروى عنه القصص أنه أعجب بتمثال من العاج لأفرديتي نحته هو بنفسه فشغفه حباً ورجا الآلهة أن تهبه الحياة، فلما أجابت رجاءه تزوج الفتاة التي صنعها بيده (18). والراجح أن كشف الحديد قد قلل طلب الناس لنحاس قبرص، فتخلفت الجزيرة عن ركب التقدم الاقتصادي اليوناني. وكان من أثر تقطيع الأهلين الأشجار ليصهروا بها فلذ النحاس، وتقطيع الفينيقيين إياها لصنع سفنهم، وتقطيع اليونان الكثير منها لإعداد الأرض للزراعة، كان من أثر هذا التقطيع أن استحالت الجزيرة
(1)
أو فينوس (زهرة) ميلوكا، يعرفها الغربيون باسمها المشتق من اسم الإلهة الروماني واسم الجزيرة الإيطالي.
شيئاً فشيئاً إلى تلك الأرض المهجورة نصف المجدبة كما نراها اليوم. وكان فن الجزيرة، كما كان أهلها، في العصر اليوناني خليطاً من آثار الفن المصري والفينيقي واليوناني، ولم يكن له في يوم من الأيام طابع واحد خاص به
(1)
.
ولم يكن الدوريين إلا أقلية من سكان قبرص اليونان؛ أما في رودس، وجزائر اسبرديس Sporades الجنوبية وما جاورها من أرض القارة الأوربية فقد أصبحوا هم الطبقة الحاكمة. وازدهرت رودس وعمها الرخاء في القرون التي بين هومر ومرثون، وإن لم يبلغ هذا الازدهار ذروته إلا في العصر الذي اصطبغت فيه تلك البلاد بالصبغة اليونانية. وأنشأ المستعمرون الدوريون على لسان في البحر بارز من قارة آسية مدينة نيدوس Cnidus؛ وبفضل موقعها هذا أضحت ثغراً صالحاً للتجارة الساحلية. وفي هذه المدينة ولد في مستقبل الأيام يودكسس Eudoxus الفلكي، وتسياس Ctesias المؤرخ (أو كاتب الخرافات)، وسستراتس Sostratus الذي بنى في مستقبل الأيام منارة الإسكندرية. وهنا أيضاً وجد بين أنقاض المعابد القديمة تمثال دمتر، الأم الحزينة المحفوظ في المتحف البريطاني.
وتقع أمام نيدوس جزيرة كوس موطن أبقراط، وقد كان مركزاً لعلم الطب اليوناني ينافس فيه نيدوس. وفيها ولد أبليز Apelles الرسام وثيكريتوس Theocritus الشاعر. وكان على بعد قليل منها وعلى الساحل نفسه مدينة هليكرنسس Halicarnassus مسقط رأس هيرودوت. وقد كانت في أيام انتشار الحضارة اليونانية مقر حكم موسولوس Mausolus الملك الكاري وحبيبته أرتميزيا. وقد تكون من هذه المدينة ومن كوس ونيدوس ومن مدائن رودس الشهيرة (لندس، وكمبرس، وبليس) المدائن الست الدُورية في آسية الصغرى، وهي التي قامت تنافس إلى حين مدائن أيونيا الاثنتي عشرة منافسة ضعيفة.
(1)
انظر الصندوق رقم 13 من مجموعة العاديات القبرصية لسنولا Cesuola في المتحف الفني في نيويورك. وقد كشف علماء الآثار الإنجليز في عام 1868 لوحة عليها كتابة بلغتين استطاعوا بفضلها أن يحلوا رموز الكتابة القبرصية، وتبين لهم وللعالم أنها لهجة من اللهجات اليونانية تُكتب برموز مقطعية. ولكن نتيجة هذا الكشف لم تضف شيئاً ذا قيمة لتاريخ العالم.
الفصل الرّابع
الاثنتا عشرة مدينة الأيونية
1 - ميليتس والموطن الأول للفلسفة اليونانية
كان يمتد إلى الشمال الغربي من كاريا مسافة تسعين ميلاً شريط ساحلي جبلي يختلف عرضه بين عشرين وثلاثين ميلاً، وهو المعروف في الزمن القديم باسم أيونيا. ويصفه هيرودوت بقوله "إن هواءه ومناخه أجمل هواء ومناخ في العالم كله"(19). وكانت كثرة مدائنه عند مصاب الأنهار أو عند منتهى الطرق، وكانت هذه الأنهار والطرق تنقل البضائع مما ورائها من الإقليم إلى شاطئ البحر المتوسط، ومنه تُنقل على ظهور السفن إلى كافة الأنحاء.
وكانت ميليتس، وهي أبعد المدن الاثنتي عشرة الأيونية جهة الجنوب، أغنى مدائن العالم اليوناني كله في القرن السادس قبل الميلاد. وقد قامت هذه المدينة في موضع كان يسكنه الكاريون من العهد المينوي، فلما أقبل الأيونيون من أتكا على هذا المكان حوالي 1000 ق. م. وجدوا فيه الثقافة الإيجية وإن كانت في صورة مضمحلة، تنتظرهم ليتخذوها بداية متقدمة لحضارتهم. ولم يأتوا معهم بنساء إلى ميليتس فاكتفوا بأن قتلوا الذكران من أهلها وتزوجوا الأرامل (20). وبدأ امتزاج الثقافتين بامتزاج دماء الأهلين والوافدين. وخضعت ميليتس، كما خضعت كثرة المدن الأيونية، في أول الأمر لحكم الملوك الذين يقودون جيوشهم في الحرب، ثم خضعت بعدئذ لحكم الأشراف الذين يملكون الأرض، ثم لحكم "المستبدين" الذين يمثلون الطبقة الوسطى. ووصلت الصناعة والتجارة إلى ذروتيهما في عهد الطاغية ثراسيبولوس Thrasybulus في بداية القرن
السادس قبل الميلاد، وأثمر رخاؤها المطرد أدباً وفلسفة وفناً. وكان الصوف يُحمل إليها من أرض الكلأ الغنية في الداخل وينسج ملابس في مصانع النسيج القائمة في المدينة. وتعلم التجار الأيونيون عن الفينيقيين إقامة المستعمرات لتكون مراكز تجارية، فأنشأوا العدد الكبير منها في مصر وإيطاليا، على شواطئ بحر البروبنتس واليوكسين، ثم تفوقوا شيئاً فشيئاً على معلميهم في هذا المجال، فكان لميليتس وحدها ثمانون مستعمرة من هذه المستعمرات التجارية، ستون منها في الشمال. وكانت ميليتس تستورد من أبيدوس وسيزيكوس Cyzicus وسينوب وألبيا Olbai وترابيزوس Trapezus وديوسكورياس Dioscurias الكتان والخشب والفاكهة والمعدن، وتصدر إليها بدلاً منها مصنوعاتها اليدوية. وأصبح ثراء المدينة وترفها ُتضرب بهما الأمثال وتعير بهما المدينة في بلاد اليونان بأجمعها. وفاضت خزائن تجارها بالأموال فأخذوا يمولون المشروعات في طول البلاد وعرضها وفي المدينة نفسها، فكانوا هم آل ميديتشي في عصر النهضة الأيونية.
وفي هذه البيئة المنعشة الباعثة على النشاط الذهني أثمرت بلاد اليونان الثمرتين الأوليين من الثمار التي امتازت بها على غيرها، وأهدتهما إلى العالم كله- نقصد العلوم الطبيعية والفلسفة؛ ذلك أنه حيث تتلاقى الطرق تتلاقى كذلك الآراء والعادات والعقائد المتباينة؛ وينشأ من اختلافها احتكاك، فتنازع، فمفاضلة، فتفكير؛ فتمحو الخرافات بعضها بعضاً، ويبدأ التفكير المنطقي السليم. وقد تلاقى في ميليتس كما تلاقى في أثينة رجال جاءوا من مائة دولة متفرقة، ذوو نشاط عقلي بعثه فيهم التنافس التجاري، وقد تحرروا من أسر التقاليد لطول غيابهم عن أوطانهم، وهياكلهم، ومذابح آلهتهم. وكان أهل ميليتس أنفسهم يسافرون إلى المدن البعيدة حيث تفتحت عيونهم على حضارة ليديا، وبابل، وفينيقية، ومصر. وبهذه الطريقة وغيرها من الطرق دخل علم الهندسة المصرية
وعلم الفلك البابلي العقل اليوناني، ونمت التجارة الداخلية، والعلوم الرياضية، والتجارة الخارجية، وعلوم الجغرافية، والملاحة، والفلك، كلها في وقت واحد. وكان الثراء في هذه الأثناء قد أوجد للناس الفراغ؛ ونشأت في البلدة أرستقراطية ثقافية امتازت بالتسامح الفكري لأن من يستطيعون القراءة كانوا أقلية صغيرة في المدينة. ولم يكن يضيق على عقول الناس وتفكيرهم قيود يفرضها رجال دين أقوياء، ولا نصوص قديمة منزلة موحى بها، وحتى القصائد الهومرية التي أمست فيما بعد كتاب اليونان المقدس إلى حد ما لم تكن قد اتخذت بعد شكلها النهائي المحدد المعروف، ولمّا اتخذته كان ما فيها من أساطير دينية مطبوعاً بطابع التشكك الأيوني والمرح المُجُوني. ومن ثم أصبح التفكير في هذه المدينة لأول مرة تفكيراً دنيوياً غير ديني يسعى وراء الأجوبة العقلية المنسقة غير المتنافرة لما يحير العقول من مسائل العالم والناس
(1)
.
على أن الغرس الجديد، وإن كان قد حل محل الغرس القديم، كانت له أصوله وكان له آباءه وأجداده، فقد امتزجت بالفلسفة الواقعية الطيبة التي كانت من خصائص التجار الفينيقيين واليونان حكمة الكهنة المصريين والمجوس الفرس الأقدمين، بل لعلها قد امتزجت بها أيضاً حكمة المتنبئين الهنود وعلم الكهنة الكلدان وبداية الخليقة المجسدة التي صاغها هزيود شعراً. وقد مهد الدين نفسه السبيل إلى هذا المزج حين تحدث عن مويرا Moira أو القدر، وقال إنه هو المتحكم في الآلهة والبشر. وكان هذا بداية فكرة القانون الذي يعلو على الإرادة الشخصية مهما عظمت، وهي الفكرة التي تدل على الفرق الجوهري بين العلم والأساطير؛ وبين الاستبداد والديمقراطية. ولقد تحرر الإنسان من يوم أن اعترف أنه خاضع لحكم القانون، وأكبر الأسباب التي جعلت اليونان ذوي خطر في
(1)
وقد ظهرت حركات شبيهة بهذه الحركة في الهند والصين في هذا القرن السادس قبل الميلاد.
التاريخ ورفعتهم فيه إلى أعلى مكانة، هي أنهم، على قدر ما وصل إليه علمنا، كانوا أول من اعترف بخضوع الإنسان لحكم القانون وبحقه في البحث الفلسفي وفي اختيار الحكم الذي يرتضيه.
وإذا كانت الحياة تتطور متأثرة بعاملين هما الوراثة والتجديد، أي بتثبيت العادات وإقرارها والتجديد التجريبي، فقد كان من المنتظر أن تكون الأصول الدينية للفلسفة هي التي تغذيها، وأن يبقى فيها إلى آخر أيامها عنصر ديني قوي. وقد كان في الفلسفة اليونانية تياران يجريان جنباً إلى جنب: أحدهما تيار طبيعي النزعة ظاهر، والثاني تيار صوفي غامض. وقد نشأ الأول في عهد فيثاغورس، وشمل برمنديدس وهرقليطس وأفلاطون وكلنثيس Cleanthes، وانتهى ببلنتينوس Blontinus والقديس بولس؛ وأما الثاني فقد كان أول رجاله العالميين طاليس، وشمل أنكسمندر وكزنوفانيس Xenophanes وبروتجراس وهبقراطس ودمقريطس، وانتهى بأبيقور ولكرتيوس Lucretius. وكان يحدث من حين إلى حين أن يقوم رجل عظيم- كسقراط وأرسطاطاليس، وماركس أورليوس- فيمزج التيارين في مجرى واحد يحاول به أن يوضح نظم الحياة المعقدة التي لا تنطبق على قانون. على أن النغمة الغالبة في هؤلاء الرجال أنفسهم كانت هي حب أتباع العقل، وهي النغمة التي يمتاز بها التفكير اليوناني.
ولد طاليس حوالي 640 ق. م وأكبر الظن أنه ولد في ميليتس، وكان الدائر على ألسنة الناس أنه من أبوين فينيقيين (21)، وتلقى معظم تعليمه في مصر والشرق الأدنى. وفيه يتمثل انتقال الثقافة من الشرق إلى الغرب. ويبدو أنه لم يشتغل بالأعمال التجارية والمالية إلا بالقدر الذي أمكنه أن يحصل به على طيبات الحياة العادية. وليس من يجهل قصة مضارباته في معاصر الزيت
(1)
ثم صرف باقي
(1)
وهاهي ذي القصة على لسان أرسطو نفسه؛ يقولون إن طاليس أدرك بمهارته في علم النجوم (الفلك) أن محصول الزيتون سيكون موفوراً في ذلك العام، فاستأجر في الشتاء قبل أن يحين موعد جنيه جميع معاصر الزيت في ميليتس وطشيوز بإيجار منخفض، لأنه لم يجد وقتئذ أحداً ينافسه. ولما حل موعد عصر الزيت وتقدم الكثيرون من الناس يطلبون هذه المعاصر أجرها لهم بالشروط التي يرتضيها، وجمع بهذه الطريقة أموالاً طائلة، وأثبت لهم أن من اليسير على الفلاسفة أن يغتنوا إذا شاءوا.
وقته في الدرس وأنهمك فيه انهماكاً توحي به قصة سقوطه في حفرة وهو يرقب النجوم. وكان رغم عزلته يهتم بشؤون المدنية، يعرف الطاغية ثراسيبولوس، ويدعو إلى تكوين حلف من الدول الأيونية للدفاع عن نفسها ضد ليديا وفارس (23).
وتعزو إليه الروايات المتواترة كلها إدخال العلوم الرياضية والفلكية إلى بلاد اليونان. وتروي إحدى القصص القديمة أنه وهو في مصر قدّر ارتفاع الأهرام بقياس ظلها التي يكون فيها ظل الإنسان مساوياً لطول قامته. ولما عاد إلى أيونيا واصل دراسة الهندسة النظرية التي خلبت لبه بمنطقها السليم، وما فيها من استدلال علمي، وشرح كثير من النظريات التي جمعها إقليدس فيما بعد
(1)
. وكما أن هذه النظريات كانت الأساس الذي قام عليه علم الهندسة النظرية اليونانية، كذلك كانت دراسته لعلم الفلك الأساس الذي قام عليه هذا العلم في الحضارة الغربية، بعد أن خلصه من التنجيم الذي أدخله فيه الشرقيون. وكانت له بعض الأرصاد الصغرى، وقد دهشت بلاد أيونيا بأجمعها حين أفلح بالتنبؤ بخسوف الشمس في الثامن والعشرين من شهر مايو 535 ق. م (25)، والراجح أنه قد بنى هذا التنبؤ على أساس السجلات المصرية وعلى حساب البابليين. أما فيما عدا هذا فإن نظريته في نظام الكون لا ترقى كثيراً على ما كان
(1)
وهي: أن قطر الدائرة يقسمها قسمين متساويين، وأن الزاويتين المجاورتين لقاعدة المثلث المتساوي الساقين متشابهتان (متساويتين)، وأن الزاوية المقابلة لربع الدائرة زاوية قائمة؛ وأن الزاويتين المتقابلتين بالرأس الناشئتين من تقاطع خطين مستقيمين متساويتان؛ وأن المثلثين يتساويان إذا تساوت في أحدهما زاويتان وضلع بنظائرها في المثلث الثاني.
شائعاً عن هذا النظام عند المصريين واليهود، فقد ظن أن العالم يتكون من نصف كرة يرتكز على منبسط من الماء لا نهاية له، وأن الأرض قرص مستوي طافٍ على السطح المستوي في داخل هذا الجسم النصف الكري. ويذكرنا هذا بقول جيته Goethe إن الإنسان يشترك في رذائله (أو أخطائه) مع أهل زمانه، أما فضائله (أو فراسته) فإنه ينفرد بها دون سائر الناس.
وكما أن بعض الأساطير اليونانية قد جعلت أقيانوس Oceanus والد الخلائق بأجمعها، فكذلك جعل طاليس الماء المبدأ الأول لجميع الأشياء، وشكلها الأصلي ومصيرها النهائي. ويقول أرسطو إنه ربما جاء بهذا الرأي بعد أن شاهد "أن غذاء كل شيء رطب وأن
…
بذور كل شيء ذات طبيعة رطبة؛ .. وأن ما يتولد منه كل شيء هو دائماً مبدؤها الأساسي" (27). أو لعله كان يعتقد أن الماء هو الصورة الأولى أو الأساسية من صور المادة الثلاث- الغازية والسائلة والصلبة- التي يمكن أن تتحول إليها المواد كلها من الوجهة النظرية؛ وليس أهم ما في آرائه قوله إن الماء أصل كل شيء، بل أهمها إرجاعه الأشياء جميعها إلى أصل واحد؛ ولقد كان ذلك أول قول بوحدة المادة في التاريخ المدون كله. ويصف أرسطو آراء طاليس بأنها مادية؛ ولكن طاليس يضيف إلى أقواله السابقة أن كل جزء في العالم حي، وأن المادة والحياة وحدة لا ينفصل أحد جزأيها عن الآخر، وأن في النباتات والمعادن "نفساً" خالدة كما في الحيوان والإنسان، وأن القوة الحيوية تتغير صورتها ولكنها لا تموت أبداً (28). وكان من عادة طاليس أن يقول إنه لا يوجد فرق جوهري بين الأحياء والأموات. ولما أراد بعض الناس أن يضايقه بسؤال إياه لمَ إذاً يؤثر الحياة على الموت أجابه بقوله: "ذلك لأنه لا فرق بينهما" (29).
ولما بلغ سن الشيخوخة أجمع مواطنوه على تلقيبه بلقب الحكيم Sophos، ولما اعتزمت بلاد اليونان أن تخلد أسماء حكمائها السبعة، وضعت اسم طاليس
على رأسهم، وسُئل طاليس عن أصعب الأشياء فأجاب بقوله الذي جرى مجرى الأمثال:"أن تعرف نفسك"، ولما سُئل عن أسهل الأشياء قال:"أن تسدي النصح"، وسُئل ما هو الله؟ فأجاب "هو ما ليس له بداية ولا نهاية"، وسُئل كيف يستطيع الناس أن يعيشوا عيشة الفضيلة والعدالة فأجاب:"ألا نفعل نحن ما نلوم غيرنا على فعله"(30). ويقول ديوجينيز ليرتيوس Diogenes Laertius (31) : إنه مات "وهو يشاهد مباراة في الألعاب الرياضية، بعد أن أضناه الحر والظمأ والتعب لأنه بلغ سن الشيخوخة".
ويقول استرابون (32). إن طاليس كان أول من كتب في الفيزيولوجيا أي علم الطبيعة (Physics) ، أو مبدأ وجود الأشياء وتطورها. وقد تقدم علمه تقدماً عظيماً على يد تلميذه أنكسمندر؛ وقد عاش بين عامي 611، 549 ق. م. ولكنه نشر على الناس فلسفة تشبه شبهاً عجيباً الفلسفة التي نشرها هربرت اسبنسر Herbert Spencer في عام 1860 م، وهو يهتز طرباً من قوة ابتكاره الفطين. ويقول أنكسمندر إن المبدأ الأول كان لا نهائية غير محددة واسعة الأرجاء (Apeiron) ، أي كتلة غير محددة ليست لها صفات خاصة، ولكنها تنمو وتتطور بما فيها من قوى ذاتية، حتى نشأت منها جميع حقائق الكون المختلفة
(1)
. وهذه اللانهائية الحية السرمدية التي لا صلة لها بالشخصية ولا بالأخلاق، هي الإله الذي لا إله غيره في نظام أنكسمندر؛ هي الواحد السرمدي الذي لا يحول، والذي يختلف كل الاختلاف عن الكثرة الفانية المتغيرة التي في عالم الأشياء. وهنا تلتقي هذه الفلسفة بآراء المدرسة الإليتية Eletic فيما وراء الطبيعة- وهي أن الواحد السرمدي دون غيره هو الحقيقة. ومن هذه اللانهائية التي لا خواص لها تولد العوالم الجديدة في تتابع لا ينقطع أبداً، وإليها تعود هذه العوالم في تتابع
(1)
قارن هذا بما عرّف به اسبنسر التطور، إذ قال "إنه قبل كل شيء تحول من التجانس غير المترابط غير المحدد، إلى التباين المترابط المحدد".
لا ينقطع أبداً، بعد أن تتطور وتموت. وتحتوي اللانهائية الأزلية على جميع الأضداد- الحر والبرد، والرطوبة والجفاف، والسيولة والصلابة والغازية
…
، وهذه الصفات الإمكانية تصبح في حالة التطور حقائق واقعية، وتنشأ منها أشياء محددة مختلفة؛ وفي حالة الانحلال تعود الصفات المتضادة مرة ثانية إلى اللانهائية (ومن هذه الآراء استمد هرقليطس واسبنسر آراءهما). وفي قيام العوالم وسقوطها على هذا النحو تصطرع العناصر المختلفة بعضها مع بعض، ويعتدي بعضها على بعض اصطراع الأضداد المتعادية، ويكون جزاؤها على هذا التضاد هو الانحلال؛ "فتفنى الأشياء في الأشياء التي ولدت منها".
ولا يسلم أنكسمندر هو الآخر من الأوهام الفلكية التي يمكن أن تغتفر في عصر لا توجد فيه آلات، ولكنه تفوق على طاليس بقوله إن الأرض اسطوانة معلقة بغير شيء في وسط الكون لا يمسكها غير وجودها على أبعاد متساوية من جميع الأشياء (34). وهو يرى أن الشمس والقمر والنجوم تتحرك في دوائر حول الأرض. وأراد أنكسمندر أن يوضح هذا كله فصنع في إسبارطة مزولة (Gnomon) - وأكبر الظن أنه قلد فيها نماذج بابلية- أظهر فيها حركة الكواكب، وميل الفلك
(1)
وتعاقب الانقلابين والاعتدالين والفصول (35). وقد استطاع بمعاونة زميله ومواطنه هكاتيوس Hecataeus أن يجعل الجغرافية علماً، وذلك برسمه أول خريطة معروفة للعالم المعمور
(2)
.
ويقول أنكسمندر إن الدنيا في أول صورة لها كانت في حالة الميوعة، ولكن الحرارة الخارجية جففت بعضها فكان أرضاً، وبخرت بعضها فكان سحاباً؛
(1)
ودائرة فلك البروج هي الدائرة الكبرى التي تدور فيها الشمس في حركتها الظاهرية السنوية في السماء. وإذ كان مستوى الفلك هو أيضاً مستوى مدار الأرض، فإن ميل دائرة البروج هو زاوية الميل (23 ْ) بين مستوى دائرة خط الاستواء الأرضي ومستوى مدارها حول الشمس.
(2)
لقد رسم المصريون قبله خرائط، ولكنها كانت خرائط لأقاليم قليلة محدودة.
وإن اختلاف الحرارة في جَوّها الذي تكوّن بهذه الطريقة قد نشأت عنه حركة الرياح. ونشأت الكائنات الحية بمراحل تدريجية من الرطوبة الأولى؛ وكانت الحيوانات الأرضية في بادئ الأمر سمكاً، ولم تتشكل بأشكالها الحالية إلا بعد أن جفت الأرض. وقد كان الإنسان هو الآخر سمكة، ولا يمكن أن يكون من أول ما ظهر على الأرض قد ولد بالصورة التي هو عليها الآن، وإلا لكان عاجزاً عن الحصول على طعامه، ولهلك (36).
وكان أنكسمينيز Anaximenes تلميذ أنكسمندر أقل منه شأناً، والمبدأ الأول عنده هو الهواء. ومن الهواء تنشأ جميع العناصر الأخرى بالتلطيف (تقليل الكثافة) وبه تحدث النار، وبالتكثيف وبه تحدث على التوالي الرياح والسحب والماء والأرض والحجارة. وكما أن الروح وهي هواء، تمسك أجسامنا فكذلك يكون هواء العالم (النوما Pneuma) هو روحه السارية فيه كله أو نفسه أو الإله (37)، وتلك فكرة لا تنال منها جميع أعاصير الفلسفة اليونانية، وتجد لها عاصماً في الرواقية والمسيحية.
ولم تنتج هذه الأيام مجد ميليتس وعزتها أقدم ما أنتجته الفلسفة اليونانية فحسب، بل أنتجت أيضاً أقدم النثر وأقدم التاريخ المدون في بلاد اليونان كلها
(1)
. ويبدو أن قول الشعر أمر طبيعي في شباب الأمة، حين يكون الخيال فيها أعظم من المعرفة وحين يجسد الإيمان القوي قوى الطبيعة في الحقل، والغابة، والبحر، والجو. وإن من أصعب الأشياء على الشعر تجنب تجسيد القوى ومنحها روحاً، كما أن أصعب الأشياء على هذا التجسيد وذاك المنح أن يتجنبا الشعر. أما النثر فهو صورة المعرفة التي تخلصت من الخيال ومن الإيمان، وهو لغة الشؤون العادية الدنيوية غير الدينية، وهو رمز نضوج الأمة والشاهد على انقضاء عهد
(1)
على القارئ الحكيم أن يضع لفظ المعروف بعد كلمتي أقدم وأول وأمثالها.
شبابها. وقد ظل الأدب اليوناني كله تقريباً إلى العصر الذي نتحدث عنه (600 ق. م)، وصقل التعليم أخلاق اليونان شعراً لا نثراً، بل إن الفلاسفة الأولين أمثال زنوفانيز، وبرميدس، وأنبدقليز قد ألبسوا نظامهم الفلسفي ثوباً شعرياً؛ وكما أن العلم كان في بداية الأمر صورة من صور الفلسفة تكافح لتكرر نفسها من الصور العامة النظرية غير القابلة للتحقيق، كذلك كانت الفلسفة في أول عهدها من صور الشعر، تحاول أن تتحرر من الأساطير، وتجسيد القوى ومنحها روحاً، ومن التشابه والاستعارات
(1)
.
ولذلك كان من الحوادث المهمة في تاريخ العلم أن يشرح فرسيدس Pherecydes وانكسمندر آراءهما نثراً. وقد بدأ رجال غيرهما في ذلك العصر نفسه يسميهم اليونان لوجوجرافوي أي الكُتَّاب العقليين أو كُتَّاب النثر، بدءوا يسجلون بهذه الوسيلة الجديدة تواريخ دولهم، فكتب كدموس Cadmus (550) تاريخاً لميليتس، وكتب يوجايون Eugaeon تاريخاً لساموس، وكتب زانثوس Xanthus تاريخاً لليديا. وفي أواخر ذلك القرن ارتقى هكتيوس Hecataeus الميليتي بالتاريخ والجغرافية رقياً عظيماً في كتابين يعدان فتحاً جديداً في هذين العلمين هما الهسترياي Historiai أو البحوث والجس بريودوس Ges Periodos أو دورة الأرض. وقد قسم الكتاب الثاني الكوكب الأرضي قارتين هما أوربا وآسية وضم مصر إلى آسية. وإذا كانت الأجزاء الباقية من هذا الكتاب حقيقية؛ فإن فيها معلومات قيمة عن مصر سطا هيرودوت على الكثير منها دون أن يعترف بهذا. وقد بدأ كتاب البحوث بهذه العبارة القوية الدالة على تشككه:"إني أكتب ما أرى أنه حق؛ لأن روايات اليونان في نظري كثيرة وسخيفة". وكان هكتيوس يعد أقوال هومر تاريخاً، وأخذ منها
(1)
للكاتب الإنجليزي لورد مكولي بحث طريف في هذا الموضوع تضمنه مقاله من ماتن وقد ترجمنا هذا المقال إلى العربية. (المترجم)
عدة قصص وهو مغمض العينين، على أنه قد حاول محاولة شريفة أن يميز الحقائق من الأساطير، وأن يتعقب الأنساب الحقة، وأن يحاول الوصول إلى تاريخ لليونان يمكن الركون إليه. وجملة القول أن كتابة التاريخ اليوناني كانت قديمة العهد حين ولد "أبو التاريخ".
وكان هكتيوس وغيره من الكتاب العقليين الذين ظهروا في هذا العصر في معظم مدن اليونان ومستعمراتهم يفهمون من كلمة هستوريا
(1)
بحث الحقائق المتصلة بأية مادة من الموارد العلمية، سواء كانت متصلة بالعلوم الطبيعية أو الفلسفة أو بكتابة التاريخ بمعناه الحديث. وكان لهذا اللفظ في أيونيا معنى يثير الريبة في نفوس أهلها؛ فقد كانوا يفهمون منه أنه يراد به أن يستبدل بقصص المعجزات الخاصة بالآلهة وبالأبطال أنصاف الآلهة، سجلات للحوادث الدنيوية وتفاسير عقلية لِعِلَلْ هذه الحوادث ونتائجها. وقد بدأت هذه العملية بهكتيوس، وتقدمت على يد هيرودوت، وبلغت غايتها على يد توكيديدس.
ويرتبط فقر النثر اليوناني قبل هيرودوت بهزيمة ميليتس وتغلب المغيرين عليها وفقرها في العصر الذي بدأ فيه النثر. ذلك أن الاضمحلال الداخلي قد مهد السبيل للفاتحين كما جرت العادة في مختلف العصور، وقد كان ازدياد الثراء وانتشار الترف سبباً في انغماس الناس في الملاذ، وبدت الرواقية والوطنية في نظر الناس من المبادئ العتيقة السخيفة؛ وجرت على ألسنة اليونان تلك العبارة التي يسخرون بها من أهل ميليتس:"لقد كان الميلينيون شجعاناً في يوم من الأيام"(38). واشتدت المنافسة بين الأهلين للحصول على طيبات الحياة، حين فقد الإيمان القديم قدرته على تخفيف النزاع بين الطبقات، ببث مبادئ الرحمة والعدالة في
(1)
وهي مشتقة من histor أو istor ومعناها عارف، وهي تيسير في النطق لكلمة id-tor المأخوذة من id في eidenaei بمعنى يعرف. قارن هذا أيضاً بكلمة wit الإنجليزية في wisdom. وكلمة Story اختصار لكلمة hitory.
نفوس الأقوياء، والسلوى في نفوس الضعفاء؛ وأصبح الأغنياء وهم عماد الدكتاتورية الألجركية حزباً متحداً يقف في وجه الفقراء المطالبين بالديمقراطية؛ ولكن الفقراء استولوا على زمام الحكم، وطردوا الأغنياء من البلاد، وجمعوا من بقي من أبناء الأغنياء في أماكن الدراس، وأطلقوا عليهم الثيران فداستهم بأقدامها وقضت عليهم جميعاً. ثم عاد الأغنياء وقبضوا على أزمة الحكم وطلوا جلود زعماء الديمقراطية بالقار وأحرقوهم أحياء (39). وستقال عنا هذه القصة في مستقبل الأيام. ولما شرع كروسس في عام 560 يخضع إلى حكم ليديا ساحل آسية الصغرى اليوناني، الممتد من نيدس إلى الهلسبنت (الدردنيل)، حافظت ميليتس على استقلالها بامتناعها عن مساعدة أخواتها من الدول اليونانية. ولكن قورش فتح ليديا في عام 546، ولم يجد صعوبة كبيرة في الاستيلاء على مدن أيونيا التي مزقتها الانقسامات الداخلية، وضمها إلى الدول الفارسية، وانقضى بذلك عصر ميليتس المجيد. إن العلم والفلسفة في تاريخ الدول يصلان إلى غايتهما بعد أن يبدأ فيهما الانحلال، ذلك أن الحكمة نذير الموت.
2 - بوليكراتيز الساموسي
على شاطئ الخليج في مقابل ميليتس، بالقرب من منافذ نهر الميندر Maender كانت تقوم بلدة ميوس المتواضعة أشهر مدائن البرييني Priene، وكان يسكنها في القرن السادس بياس Bias أحد الحكماء السبعة، ونقول سبعة وإن كان هرمبوس Hermippus يقول إنهم سبعة عشر، لأن اليونان اختلفوا في أسمائهم فوضع كل منهم أسماء غير التي وضعها الآخر. ولكن معظمهم متفقون على طاليس، وصولون؛ وبياس، وبتكوس Pittacus الميليتي، وبريندر الكورنثي، وشيلون Chilon الإسبارطي، وكليوبولوس Cleobolus اللندي (Lindus) من أعمال رودس. وكانت بلاد اليونان تعظّم الحكمة كما
تعظّم الهند الدين، وكما عظّمت إيطاليا في عهد النهضة العبقرية الفنية، وكما تعظم أمريكا الناشئة بطبيعة الحال المشروعات الاقتصادية. فأبطال اليونان لم يكونوا قديسين أو فنانين أو من أصحاب الملايين، بل كانوا حكماء، ولم يكن أجل حكمائهم هم أصحاب النظريات العلمية، بل كانوا رجالاً جعلوا لحكمتهم عملاً جدياً نشيطاً في العالم. وأصبحت أقوال هؤلاء الرجال حكماً وأمثالاً يتناقلها اليونان، وكانت في بعض الأحيان تنقش على جدران معبد أبلو في دلفي. فقد كان الناس مثلاً مولعين بترديد قول بياس، إن أبأس الناس من لم يعرف كيف يصبر على البؤس، وإن على الناس أن ينظموا حياتهم كما لو كانوا قد قدر عليهم أن يعيشوا طويلاً أو قصيراً، وإن "الحكمة يجب أن يُعتز بها وأن تكون وسيلة للانتقال من الشباب إلى الشيخوخة، لأنها أبقى من كل ما عداها مما يملكه الإنسان"(40).
وإلى غرب بريني تقوم جزيرة ساموس ثانية جزائر أيونيا في الاتساع. وكانت حضارتها تقوم على ساحلها الجنوبي الشرقي؛ وكان الإنسان إذا ما دخل موفأها الأمين، بالسفن الحمراء الذائعة الصيت التي يتألف منها أسطول الجزيرة، شاهد المدينة أمامه كأنها مشيدة من القرميد على سفح التل. وكان أول ما شاهده الأرصفة والحوانيت، ثم يرى بعدئذ البيوت؛ ثم حصنها القائم على ربوة، ثم هيكل هيرا العظيم، ومنهن وراء هذه كلها سلاسل متتابعة من الجبال والقلل تعلو إلى خمسة آلاف قدم. لقد كان ذلك بلا ريب منظراً يثير الحماسة الوطنية في قلب كل ساموسي.
ووصلت ساموس إلى أوج عظمتها في الربع الثالث من القرن السادس تحت حكم بوليكراتيز Polycrates. وقد استطاع هذا الطاغية بفضل المال الذي تدره عليه رسوم الميناء أن يقضي فترة من البطالة كانت تنذر الجزيرة بأوخم العواقب، فوضع خطة لإقامة منشآت عامة أثارت إعجاب هيرودوت. وكان أعظم مشروعاته نفق في جبل ينقل الماء إلى المدينة مسافة 4500 قدم. وفي
وسعنا أن نستدل بعض الاستدلال على مهارة اليونان الرياضية والهندسة، إذا عرفنا أن الثقبين الذين بدءا من اتجاهين متضادين التقيا في وسط النفق، وأن الخطأ في تقديرهم عند التقائهما لم يزد على ثماني عشرة قدماً في الاتجاه وعلى تسع أقدام في الارتفاع
(1)
.
وكانت ساموس مركزاً من مراكز الثقافة قبل بوليكراتيز بزمن طويل. ففيها عاش إيسوب صاحب الخرافات المشهورة، وكان عبداً فريجياً للادمون Lodmon اليوناني. وتقول إحدى الروايات التي لم تؤيد بعدُ إن لادمون أعتقه وإن إيسوب سافر كثيراً والتقى بصولون، وعاش في بلاط كروسس، واستولى على الأموال التي كلفه كروسس بتوزيعها في دلفي، وإنه لقي حتفه على يد الدلفيين الذين اغتصبوا مالهم (42). وكانت خرافاته التي أخذ معظمها من مصادر شرقية منتشرة بين الأثينيين في عصر بلادهم الأدبي. ويقول بلوتارخ إن سقراط قد نظمها شعراً (43)، وإن ما فيها من فلسفة، فلسفةٌ يونانية خالصة، وإن كانت الخرافات نفسها مصوغة في قالب شرقي:"ما أحلى جمال الطبيعة؛ والأرض والبحر، والنجوم وقرص الشمس والقمر، وأما ما عدا هذه فخوف وألم"(44) وخاصة إذا اغتصب الإنسان مال غيره! ولا نزال حتى الآن نلتقي به في الفاتيكان حيث نراه على كوب من عصر بركليز ذي رأس أصاب الصلع نصفه ولحية كلحية فانديك Vandyke، يستمع إلى ثعلب مرح يروي له قصة ذات فائدة له (45).
وفي ساموس ولد فيثاغورس العظيم، ولكنه غادرها في عام 529 ليعيش في كروثونا بإيطاليا. وجاء أنكريوس من تيوس Teos إلى ساموس ليتغنى بمحاسن بوليكراتيز ويربي له ابنه؛ وكانت أعظم شخصية في بلاد بوليكراتيز هي شخصية الفنان ثيودوس Theodorus ليوناردو ساموس، الذي يعرف
(1)
ولا يزيد الخطأ عند التقاء الثقبين في هذه الأيام على بضع بوصات، وقد لا يكون ثمة خطأ على الإطلاق.
طرفاً من كل شيء ويجيد معظم ما يعرف. ويعزو إليه اليونان - ولعلهم فعلوا هذا بعد بحث وتنقيب -اختراع ميزان الماء، وزاوية النجار، والمخرطة (46). وكان ماهراً في الحفر على الجواهر، كما كان يحترف صنع الأدوات المعدنية والحجرية والخشبية؛ وكان مثالاً ومهندساً معمارياً، اشترك في تصميم المعبد الثاني لأرتميس في إفسوس، وشاد قبة عظيمة للجمعيات العامة في إسبارطة، وساعد على إدخال التماثيل والنماذج الطينية إلى بلاد اليونان، وشارك ريكوس Rhoecus شرف إدخال صناعة صب البرونز المجوف من مصر أو من أشور إلى ساموس (47). وكان اليونان قبل ثيودورس يصنعون تماثيل برونزية غير متقنة بتثبيت ألواح من المعدن على "قنطرة" من الخشب (48)، أما في أيامه فقد استطاعوا أن يخرجوا من روائع الصناعة البرونزية أمثال راكب العربة في دلفي وقاذف القرص في ميرون. واشتهرت ساموس فضلاً عن هذا بفخارها؛ ويثني بلني على هذا الفخار بقوله إن كهنة سيبيل لم يكونوا يستخدمون غير شقافة ساموس في حرمان أنفسهم من رجولتهم (49).
3 - هرقليطس الإفسوسي
وعلى الجانب الثاني المقابل لساموس من خليج كايسترا كانت تقوم إفسوس أشهر مدائن أيونيا، وقد أنشأها حوالي عام 1000 ق. م مستعمرون من أثينة. وكان اجتماع تجارة نهري كايشتر وميندر سبباً في رخاء المدينة. وكان في أصلها، وفي دينها، وفنها، عنصر شرقي واضح. وكانت أرتميز التي تُعبد فيها من بداية أمرها إلى نهايته إلهة شرقية للأمومة والخصوبة. وقد حدثت في هيكلها العظيم وفيات كثيرة وعاد فيه إلى الحياة خلق لا يقلون في عددهم عمن ماتوا فيه. وقد شُيد هيكلها الأول حوالي عام 6000 ق. م. في موضع كان فيه من قبل هيكل قديم، وأعيد بناؤه مرتين ودمر مرتين، ولعله كان أول صرح
عظيم شُيد على الطراز الأيوني. وشُيد الهيكل الثاني حوالي عام 540 وقدم كروسس جزءاً كبيراً من المال الذي أنفق في تشييده، واشترك في تصميمه بيونيوس الإفسوسي وثيودورس الساموسي، ودمتريوس أحد كهنة الضريح. وكان أكبر هيكل يوناني أقيم حتى ذلك الوقت، وكان بعد بلا نزاع من بين عجائب الدنيا السبع
(1)
. ولم تشتهر المدينة بهياكلها وحدها، بل اشتهرت أيضاً بشعائرها، وفلاسفتها، وبنسائها ذوات الجلابيب الغالية (51). وعاش فيها في ذلك الزمن البعيد أي حوالي 690 ق. م كلنوس Callinus أول من نعرف من شعراء المرائي في بلاد اليونان. وكان أعظم منه قدراً وأقبح منه منظراً هبوناكس Hipponax الذي ألف عام 550 قصائد قبيحة في موضوعها، غامضة في ألفاظها، لاذعة في فكاهتها، دقيقة في وزنها الشعري، جعلت بلاد اليونان كلها تتحدث عنه، وإفسوس كلها تحقد عليه. وكان قصير القامة نحيل الجسم، أعرج، مشوهاً، غاية في قبح المنظر. ويقول في بعض ما بقي من إحدى قصائده إن المرأة تسبب السعادة للرجل في يومين - "أحدهما يوم يتزوجها، والثانية يوم يدفنها"(52). وكان هجّاءً قاسياً، هجا كل عظيم في إفسوس من أحقر المجرمين إلى أعظم كهنة الهيكل، ولما عرض المثالان بوبالوس Bupalus وأثنيس Athenis رسماً له مضحكاً لطيفاً، هجاهما في شعره هجواً لاذعاً بلغ من القذارة حداً جعله أبقى على الدهر من حجارتهم وأحد من أسنان الزمان.
وكان أعظم أبناء إفسوس كلهم هو هرقليطس الغامض Heracleitus The Obscure
(1)
وكانت العجائب الست الأخرى هي حدائق بابل المعلقة، ومنارة الإسكندرية، وتمثال رودس الضخم، وزيوس فيدياس في أولمبيا، وقبر موسولس في هليكرنسس، وأهرام مصر. ويصف بلني الهيكل الثاني بقوله إنه يبلغ 415 قدماً في الطول، و 225 قدماً في العرض، وإن به 127 عموداً يبلغ ارتفاعها 60 قدماً - وكان بعضها مزداناً أو مشوهاً بالنقوش (50). وقد تم بناء هذا الهيكل في عام 520 ق. م بعد كدح دام قرناً كاملاً، ثم احترق وتهدم في عام 356 ق. م.
وقد ولد في عام 530 من أسرة نبيلة، ولذلك كان يرى أن الديمقراطية نظام خاطئ. ومن أقواله في هذا المعنى:
(1)
"إن الفاسدين كثيرون والصالحين قلائل" و "عندي أن رجلاً واحداً خير من عشرة آلاف إذا كان هو أحسنهم"(113). ولكن الأشراف أنفسهم لم يعجبوه، كما لم يعجبه العلماء والنساء. وقد كتب في هذا المعنى خاصة بعبارة طريفة هي:"إن العلم الكثير لا يُكوِّن العقل، ولو كان يُكوِّنه لأفاد هزيود، وفيثاغورس، وزنوفانيز، وهكاتيوس". (16)"لأن الحكمة الحقة الوحيدة هي معرفة الفكرة التي تسيطر بنفسها على كل شيء في جميع الأحوال"(19). ثم خرج، كما كان يخرج حكماء الصين، ليعيش في شعاب الجبال، ويجيل العقل في الفكرة الوحيدة التي يستطيع بها أن يفسر كل شيء. وترفع عن شرح ما هداه إليه تفكيره في ألفاظ يفهمها عامة الناس، وأخذ يطلب في غموض الحياة وغموض الأقوال ملجأ يعصمه من متابعة الأحزاب والعامة الذين يقتلون الفردية، ولذلك أخذ يعبر عن آرائه في أمثال جامعة غامضة في الطبيعة، أودعها هيكل أرتميز لتحير عقول الخلف.
وقد صُوَّر هرقليطس في الأدب الحديث بأنه يقيم فلسفته حول فكرة التغير، ولكن من الصعب علينا أن نجد القليل الباقي من هذه الفلسفة، ما يؤيد هذا التفسير. وقد كان يتوق كما يتوق معظم الفلاسفة للكشف عن الواحد المستتر وراء الكثرة، وعن وحدة تثبت العقول، ونظام بين ما في العالم من زحام وفوضى وكثرة. وقد قال في هذا المعنى قولاً لا يقل قوة وحماساً عن قول برمنيدز Parmenidez (1) إن الأشياء كلها وحدة؛ والمشكلة التي تواجهها الفلسفة هي أن تعرف ما هي هذه الوحدة. وقد أجاب هرقليطس عن هذا السؤال بأنها
(1)
تشير الأعداد التي بين الأقواس إلى الباقي من أقوال هرقليطس كما رقمها باي ووتر Bywater.
هي النار. ولعله كان في هذا الجواب متأثراً بعبادة الفرس للنار. وأكبر الظن أنه كان يستعمل هذا اللفظ استعمالاً رمزياً وحرفياً معاً، ويقصد به الطاقة كما يقصد به النار نفسها، كما نستدل على هذا من جمعه بين النار والنفس والله في معنى واحد. على أننا ليس في وسعنا أن نقطع برأي في هذا بالاستناد إلى القليل الباقي من فلسفته. انظر مثلاً إلى قوله: "إن هذا العالم
…
لم يصنعه إله ولا إنسان، ولكنه كان منذ الأزل، وهو كائن، وسيكون، ناراً حية أزلية، توقد بقدر، وتنطفئ بقدر" (20)، وكل شيء صورة من صور النار، فهو إما في "طريق" النار "إلى أسفل" في تكثفها المتتابع إلى رطوبة، فماء، فأرض؛ أو إلى "طريقها إلى أعلى" من الأرض، إلى الماء، إلى الرطوبة
(1)
، إلى النار (54).
ومما يضايق هرقليطس في النار الخالدة أنها تتبدل تبدلاً لا يقف عند حد، وإن كان يجد فيها ثباتاً يخفف عنه ما يسببه هذا التبدل من ضيق؛ والمحور الثاني الذي يدور حوله تفكيره هو أبدية "هذا التبدل ووجوده في كل شيء، فهو لا يجد قط شيئاً جامداً في الكون أو في العقل أو في النفس؛ فلا شيء كائن بل
(1)
وربما كان في عقل هرقليطس شيء يشبه نظرية السديم، على النحو الآتي: يبدأ العالم ناراً، (أو حرارة أو طاقة)، ثم تستحيل غازاً أو أبخرة، تتكثف وتسقط ماءً، وتتكون من رواسبها الكيميائية بعد أن تتبخر المواد الصلبة التي في الأرض (55)، والماء والأرض (أي السوائل والأجسام الصلبة) مرحلتان من عملية واحدة وصورتان من حقيقة واحدة (25). "الأشياء جميعها تتحول إلى نار، والنار تتحول إلى جميع الأشياء"(22). وكل التغيرات "طريق إلى أسفل أو أعلى"، أي انتقال من إحدى صور الطاقة أو النار إلى صورة أخرى منها، تارة أكثر منها تكثفاً وطوراً أقل - والطريق إلى أعلى أو إلى أسفل واحد لا يتغير (69). والتلطيف والتكثيف حركتان في دورة دائبة من التغير؛ والأشياء كلها تتكون في طريق الحقيقة إلى أسفل، وهو طريق التكثف، أو طريقها إلى أعلى وهو طريق التلطيف من النار، ثم تعود مرة أخرى إلى النار، والأشكال جميعها صور من طاقة واحدة كامنة وراءها. وقد عبر اسبنوزا عن هذا بقوله: إن النار أو الطاقة هي المادة الخالدة الموجودة في كل مكان أو هي المبدأ الأساسي. والتكثيف والتلطيف (الطريق إلى أسفل أو إلى أعلى) هما خاصتان. وصورها الخاصة أو أساليبها هي الأشياء الظاهرة في العالم.
كل شيء صائر، وليس ثمة حالة تبقى على حالها دون أن تتغير، حتى في أقصر اللحظات؛ فكل شيء دائب على الخروج عن حاله التي هو عليها، صائر إلى ما سيكون عليه. وتلك حال جديدة من حالات الفلسفة تلقى من هرقليطس عناية وتوكيداً، وهو لا يقتصر (كما يقتصر طاليس) على السؤال عن ماهية الأشياء في حاضرها، ولكنه يسأل كما يسأل أنكسمندر، ولكريشيوس، واسبنسر عن الطريقة التي أدت بها إلى ما هي عليه. وهو يشير، كما يشير أرسطو، إلى أن دراسة الحالة الثانية هي خير طريقة تعرف بها الأولى. ولسنا نجد فيما بقي لدينا من أمثاله المثل القائل:"كل شيء يسير، ولا شيء يسكن"(Panta rei،ouden menei)، ولكن الأقدمين على بكرة أبيهم يعزون هذا المثل إلى هرقليطس (56):"إنك لا تستطيع أن تخطو خطوتين في نهر واحد، لأن مياهاً أخرى لا تنفك تجري إليك"(41). "نحن كائنون ونحن غير كائنون"(81)؛ والكون عنده كما هو عند هيجل صيرورة كبرى. والتضاعف، والاختلاف، والتغير حقائق لا تقل في ذلك عن الوحدة، والذاتية، والكينونة؛ والتعدد، حقيقة لا تقل في ذلك عن الوحدة (57). فالكثرة هي الوحدة؛ وكل تغير ما هو إلا انتقال الأشياء نحو حالة النار أو منها، إن الوحدة هي الكثرة، وفي قلب النار نفسها يخفق التغير الذي لا يستقر أبداً
(1)
.
ومن هنا ينتقل هرقليطس إلى العنصر الثالث من عناصر فلسفته - وهو وحدة الأضداد، واعتماد المتناقضات بعضها على بعض، وائتلاف النزاع. "الله هو الليل والنهار، والشتاء والصيف، والحرب والسلم، والتخمة والجوع"(36). "والخيّر والشرير واحد، وكذلك الخير والشر"(57 - 58)"والحياة والموت شيء واحد، كذلك اليقظة والنوم، والشباب والشيخوخة"(78) لأن هذه
(1)
على القارئ أن يذكر على الدوام أن هرقليطس هو الفيلسوف الغامض!
الأضداد كلها مراحل في حركة متقلبة، ولحظات في النار الدائمة التغير؛ وكل فرد في الزوجين المتضادين لا غنى عنه لمعنى الآخر ووجوده، والحقيقة هي توتر الأضداد وتفاعلها وتبادلها وتغيرها ووحدتها وانسجامها. "وهم لا يفهمون كيف يتفق مع نفسه ما يختلف مع نفسه. وهنا يكون تتطابق التوترات المتضادة، كتطابق قوس الرامي ووتر القيثارة"(45)، فكما أن وتر الآلة الموسيقية إذا أرخيته أو شددته أحدث التآلف في الذبذبة الذي نسميه موسيقى أو نغمة، فكذلك تبادل الأضداد وتنازعها يخلق جوهر تآلف الحياة والتغير ومعناهما. وفي النزاع القائم بين كائن حي وكائن حي، وبين رجل ورجل، وبين رجل وامرأة، وبين جيل وجيل، وبين طبقة وطبقة، وبين أمة وأمة، وبين فكرة وفكرة، وبين عقيدة وعقيدة، تكون الأضداد المحتربة هي اللحمة والسدى على نول الحياة، تعمل كل منها لغاية تناقض التي تعمل لها الأخرى، لتنتج وحدة الكل غير المنظورة واتفاقه المخبوء. وأجمل التطابق ما كان بين الأشياء التي تختلف (46)؛ وليس هذا المعنى بخافٍ على كل عاشق.
وهذه المبادئ الثلاثة جميعها - النار والتغير ووحدة التوتر في الأضداد - تدخل كلها في فكرة هرقليطس عن الروح والله. وهو يسخر من الذين "يسعون عبثاً ليطهروا أنفسهم من خفايا الدم بتدنيس أنفسهم بالدم"(130)، ومن الذين يُصَلّون إلى التماثيل القائمة هنا - ولا فرق بين من يفعل هذا وبين من يخاطب البيوت؛ إن هؤلاء الناس لا يعرفون قط شيئاً عن طبيعة الآلهة الحقة (126). وهو لا يوافق فكرة الخلود الشخصية، ويقول إن الإنسان أيضاً، ككل شيء آخر، لهب كثير التغير كثير التقلب، "يشتعل ثم ينطفئ كالضوء في الليل"(77). والإنسان في هذه الحالة نفسها، نار؛ والنفس، أو المبدأ الحيوي في الإنسان، جزء من الطاقة الخالدة في الأشياء جميعها؛ وهي بهذا الوصف لا تموت أبداً، والموت والميلاد نقطتان حددهما العقل البشري المحلل
للأشياء تحديداً تعسفياً؛ ولكنهما من وجهة نظر الكون النزيهة الخالية من التحيزات لا تعدوان أن تكونا صورتين من صور تغير الأشكال التي لا تقف عند حد؛ ففي كل لحظة من اللحظات يموت جزء منا، ويعيش الكل، وفي كل ثانية يموت واحد منا وتبقى الحياة. والموت بداية كما هو نهاية؛ والمولد نهاية كما هو بداية. وألفاظنا، وأفكارنا، وحتى أخلاقنا نفسها، نزعات وأهواء، وتمثيل لمصالحنا مجزأة أو مجتمعة؛ ومن واجب الفلسفة أن تنظر إلى الأشياء الفردية في ضوء المجموع. "والأشياء كلها عند الله جميلة طيبة، حقة؛ ولكن الناس يرون بعض الأشياء خطأ ويرون بعضها صواباً"(61).
وكما أن الروح لسان عابر من لهب الحياة المتغير إلى أبد الدهر، فكذلك الله هو النار الخالدة الأبدية، وهو طاقة العالم التي لا تفنى أبداً. وهو الوحدة التي تربط جميع الأضداد، وهو الانسجام الكائن بين جميع التفاعلات، وهو جماع المعاني في كل المشاحنات. وهذه النار المقدسة كالحياة (لأن كلتيهما توجد في كل مكان، وهما شيء واحد) تغير شكلها على الدوام، ولا تنفك تنقل إلى أعلى أو أسفل على سلم التغير، ولا تفتأ تبيد الأشياء وتعيد صنعها؛ والحق أنه سيأتي يوم بعيد "تحكم فيه النار على جميع الأشياء وتدينها"(26)، تهلكها وتمهد السبيل لأشكال جديدة، في يوم الحساب الأخير، أو يوم الكارثة الكونية. بيد أن أعمال النار الخالدة ليست خالية من المعنى أو مجردة من النظام؛ ولو أننا استطعنا أن نفهم العالم مجتمعاً، لرأينا فيه حكمة عظيمة غير شخصية، علماً أو عقلاً أو كلمة (65)؛ ومن واجبنا أن نحاول تشكيل حياتنا بحيث تتفق مع هذه السُّنة من سنن الطبيعة، وهذا القانون العالمي، هذه الحكمة أو الطاقة المنظمة التي هي الله (91). "إن من الحكمة ألا تستمعوا إليَّ، بل إلى الكلمة"(1)، وأن تبحثوا عن العقل اللانهائي للكل وتتبعوه.
وحين يطبق هرقليطس على الأخلاق هذه القواعد الأربع الأساسية من أفكاره - الطاقة، والتغير، ووحدة الأضداد - وعقل الكل - ينير بعمله هذا سبيل الحياة كلها والسلوك كله. فالطاقة إذا سيطر عليها العقل، واقترنت بالنظام، نشأ عنها أعظم الخير. وليس التغير شراً بل هو خير وبركة؛ "وفي التغير يجد الإنسان الراحة؛ والإنسان يمل الكدح الدائم في الأشياء نفسها والبدء دائماً من جديد"(72 - 73). وحاجة الأضداد بعضها إلى بعض تجعل نزاع الحياة وآلامها شيئاً معقولاً لا يمكن فهمه وغفرانه. "ليس حصول الناس على كل ما يرغبون فيه هو أحسن الأشياء؛ فالمرض هو الذي يجعل الصحة سارة حلوة؛ والشر هو الذي يفهم به الإنسان الخير، والجوع هو الذي يُفهم به الشبع، والكدح هو الذي يُفهم به الراحة"(104). وهو يلوم الذين يرغبون في القضاء على ما في العالم من نزاع (43)؛ فبغير تَشَادّ الأضداد لا يكون هناك تآلف، ولا ينسج نسيج حي ولا يحدث تطور. وليس الانسجام هو القضاء على النزاع وإنما هو تَشَادّ لا ينتهي بانتصار عنصر على عنصر، بل يعمل فيه العنصران دون أن يستغني كلاهما عن الأخر (كتطرف الشباب وتحفظ المشيب)، وتنازع البقاء ضروري لكي ينفصل الأطيب عن الأخبث، وينشأ الأعلى. والنزاع والد كل شيء ومَلِك كل شيء، وقد اختار البعض ليكون لآلهة، والبعض ليكونوا رحالاً؛ وجعل البعض عبيداً، والبعض أحراراً (44). وفي النهاية يكون التنازع هو "العدالة"(62). وتنافس الأفراد، والجماعات، والأنواع، والأنظمة، والإمبراطوريات يكوَّن محكمة الطبيعة العليا، التي لا ُيستأنف حكمها ولا يُنقض.
وفلسفة هرقليطس في جملتها، كما تجمعها لنا الآن مائة وثلاثون جذاذة متفرقة، تعد من أعظم نتاج العقل اليوناني. وقد انتقلت نظرية النار المقدسة منها إلى الرواقية؛
كما انتقلت منها فكرة النار الأخيرة إلى المسيحية بطريق الرواقية، وكما صارت الكلمة أو عقل الطبيعة في اللاهوت المسيحي هي الكلمة الإلهية، أو الحكمة المجسدة التي يخلق الله بها الأشياء كلها ويحكمها. وقد مهدت هذه الفلسفة إلى حد ما لفكرة القانون الطبيعي في الفلسفة الحديثة؛ وأصبحت الفضيلة بوصفها إطاعة الطبيعة شعار الرواقية؛ وانتعشت وحدة الأضداد انتعاشاً قوياً في فلسفة هيجل، واستردت فكرة التغير في فلسفة برجسن Bergson ما كان لها من قوة، وعادت إلى الظهور فكرة التنازع والكفاح المحددة لجميع الأشياء، في فلسفة دارون، واسبنسر، ونتشه - وقد واصل آخرهم حرب هرقليطس ضد الديمقراطية بعد أربعة وعشرين قرناً.
ولا نكاد نعرف شيئاً عن حياة هرقليطس؛ ولا نعرف عن موته إلا قصة لا سند لها، رواها إديوجنيس ليرتس توضح لنا ما قد تنتهي إليه حياة النوابغ الأفذاذ. ذلك أنه أصبح أخيراً شديد الكره للإنسانية، فكان يقضي وقته يضرب في الجبال يقتات بالعشب والنبات، فأصابه بسبب هذا داء الاستسقاء، وعاد إلى المدينة يسأل الأطباء ويحاورهم هل يستطيعون أن يحدثوا الجفاف بعد الجو الرطب؟ ولما لم يفهموه حبس نفسه في حظيرة ثيران، وغطى نفسه بروث البقر، لعل الرطوبة تتبخر منه بما يحدثه هذا الروث من دفء، ولكن عمله هذا لم يفده شيئاً، ومات بعد أن عاش من العمر سبعين عاماً (58).
4 - أنكريون التئوسي
تقوم كلوفون Colophon على مسيرة بضعة أيام من إفسوس، ولعل اسمها مأخوذ من اسم التل الذي تقوم على جانبه
(1)
وقد ولد فيها حوالي 576 ق. م.
(1)
من لفظ Kolophon اليوناني ومعناه تل ويقابل باللاتينية Collis وبالإنجليزية Hill ولما كان فرسان المدينة قد اشتهروا بإجهازهم على قوى العدو المنهزم، فقد أصبحت كلمة Kolophon في اللغة اليونانية مرادفة لعبارة الضربة القاضية؛ ولما انتقلت إلى اللغة الإنجليزية أضحت رمزاً للناشرين كانوا يضعونها أولاً في نهاية الكتاب.
زنوفانيز الذي كان يبغض الكهنة، وقد وصف مواطنيه بأنهم "يلبسون الثياب الأرجوانية الفاخرة، ويُعجبون بشعورهم المصففة المضمخة بالزيوت العطرة الغالية"؛ إن للزهو بلا شك تاريخاً طويلاً (60). وكان الشاعر ممنرموس Mimnermus (610) يغني في هذه المدينة. ولعله كان يغني أيضاً في أزمير، لأقوام سرى فيهم تشاؤم الشرق الواهن بأغانيه الحزينة عن الشباب والحب القصيري الأجل. وشُغف حباً بنانو Nanno الفتاة التي كانت تُوقع أغانيه على نغمات الناي الحزينة، ولما لم تستجب إلى حبه (ولعل سبب امتناعها اعتقادها أن الشاعر إذا تزوج مات) خلّد اسمها في قصيدة من الشعر الرثائي العذب الرقيق.
"نحنُ نزهر كأوراق الربيع، حين تبدأ الشمس تتوهج وتلتهب، وفي مسرات الشباب القصيرة الأجل لا نعرف من الآلهة خيراً ولا شراً، ولكن الأرواح السوداء تقف دائماً عند الهدف، تمسك في يدها عمراً واحداً محزناً وموتاً واحداً"(61).
وبعد مائة عام من ذلك الوقت كان شاعر آخر أعظم شهرة من ممنرموس يعيش في مدينة تئوس القريبة من كلوفون، ذلك هو أنكريون. وكان هذا الشاعر كثير الأسفار ولكنه ولد في أنكريون (563) وتُفي فيها (478). وقد دعاه كثير من الملوك ليعيش في بلاطهم لأنه لم يكن ينافسه في بُعدْ الصيت أحد من معاصريه إلا سمنيدس وحده. ونشهده منضماً إلى جماعة من المهاجرين إلى أبدرا Abdera في تراقية، وينخرط في سلك الجندية، ويحارب في سلسلة أو سلسلتين من المعارك، ثم يترك درعه في الميدان كما كان يفعل الشعراء في زمانه، ولا يستل بعدئذ إلا قلمه، ثم يقضي بضع سنين في بلاط بوليكراتيس في ساموس؛ وجيء به من هناك في موكب رسمي فخم، ليزدان به قصر هيباركس في أثينة، ثم عاد آخر
الأمر إلى تئوس بعد الحرب الفارسية ليخفف عن نفسه العناء في شيخوخته وضعفه بالغناء والشراب. وكان جزاؤه على إفراطه في ملذاته أن عمر طويلاً حتى بلغ الخامسة والثمانين من عمره؛ وكان سبب موته على ما نقل إلينا الرواة أن وقفت بذرة عنبة في حلقه (62).
وقد عرفت الإسكندرية خمسة من كتي أنكريون ولكن لم يبقَ من أشعاره إلا بضعة أبيات مزدوجة. وكانت موضوعات شعره هي الخمر، والنساء، والغلمان، وكان يلجأ فيه إلى المزاح اللطيف يصوغه في البحر العمبقي (Iambic) الخفيف. وأياً كان الموضوع الذي يطرقه فإنه لا يبدو للقارئ بذيئاً أو غليظاً لأنه يصوغه في ألفاظ عفة وشعر رقيق. ولم يكن أنكريون مثل هبوناكس ذا ألفاظ بذيئة حادة، أو مثل سافو في شدتها، بل كان شاعر بلاط يعرض ثرثرته المهذبة الرقيقة على من يشتريها، ويمتدح كل ملك يعجبه ويبتاع له الخمر. ويظن أثنيوس أن أغانيه الخمرية، وتقلبه في عشقه، كانت كلها تصنعاً (63)؛ ولعل أنكريون كان يخفي وفاءه لكي يحظى بإعجاب النساء به، كما كان يخفي اعتداله في الشراب ليزيد بذلك شهرته. وثمة قصة لطيفة تروي كيف صدمت قدمه وهو ثمل طفلاً صغيراً فانهال عليه سباً بأقذع الألفاظ، ثم أحب في شيخوخته هذا الغلام نفسه وكفر عن ذنبه بأن أخذ يكيل له المدح (64). وكان لا يفرق في عشقه بين الذكور والإناث، بل يحب الجنسين على السواء، ولكنه لما كبر دفعته شهامته إلى تفضيل الإناث على الذكور. وقد جاء في بعض ما بقي لنا من شعره:"أنظر الآن، إن الحب ذا الشَّعر الذهبي يضربني بكرته الأرجوانية، ويدعوني لكي ألعب مع فتاة ذات حذائين متعددي الألوان، ولكنها تسكن لسبوس الشامخة، ولا يعجبها شعري الأبيض وتذهب لتبحث لها عن ضحية أخرى"(65). وقد كتب أحد الكتاب الفكهين الذي عاش بعد عصره قبرية تكشف عن حقيقة أمره قال فيها:
"الشجرة الساحرة يا ربيبة الخمر، يا كرمة، أينعي وطولي فوق قبر أنكريون حتى يستطيع الصاحب الثمل صديق الشراب الصافي، الذي كان يقضي الليل الطويل يقصف ويطرب ويُنشد على نغمات العود أغاني حب الغلمان، حتى يستطيع ذلك الصاحب الثمل أن يعبث بما فوق رأسه المدفون من عناقيد غصن مليء مثقل، وحتى لا ينفك يبتل برضاب الندى الذي لم يكن شذاه الذكي إلا أنفاساً تخرج من فمه الرقيق حين كبر"(66).
5 - طشيوز، أزمير، فوسيا
تمتد أرض اليونان الأصلية من تئوس نحو الغرب في خلجان ونتوءات أرضية متتالية، حتى إذا قطع المسافر في البحر عشرة أميال وصل إلى طشيوز Chios
(1)
. وليس ببعيد أن يكون هومر قد قضى شبابه في هذه الجزيرة بين غياض التين والزيتون والكروم الأنكرونية. وكان عصر الخمر من الصناعات الكبرى في طشيوز، وكان يشتغل به عدد كبير من الرقيق؛ فقد كانت الجزيرة في عام 431 تضم 000 ر 30 من الأحرار و 000 ر 100 من الأرقاء (67)، وأصبحت على مر الزمن سوقاً كبرى للنخاسة، فكان النخاسون يبتاعون من الدائنين أبناء مَن عجزوا عن الوفاء بديونهم، ويبتاعون الغلمان ليجعلوهم خصياناً يخدمون في قصور ليديا وفارس (68).
وفي القرن السادس ثار الأرقاء بزعامة زميلهم درمكوس Drimachus وهزموا جميع الجيوش التي أرسلت للقضاء عليهم، واعتصم قائدهم بمكان منيع في الجبال وفرض الإتاوات على الأغنياء من أهل الجزيرة، ونهب أموال من يرى أن أموالهم خليقة بأن تُنهب، وعرض عليهم "حمايته" نظير جعل معين كما يحدث
(1)
هذا هو الاسم التركي لهذه الجزيرة ولا تزال تُعرف به الآن. (المترجم)
عندنا (1) في هذه الأيام، وأرغمهم بجبروته على أن يعاملوا عبيدهم معاملة أقرب إلى العدل من معاملتهم السابقة، وقُطع رأسه باختياره وأوصى بأن يُعطى لجماعة من أصدقائه حتى يحق لهم أن يطالبوا بالمكافأة التي وعِد بها مَن يأتي به، وظل مئات من السنين بعد موته يُعد نصير الأرقاء والإله الحامي لهم (69)؛ وتلك حياة ما أجدرها أن تكون ملحمة طيبة يتغنى بها كاتب ثوري مثل حياة اسبارتكوس. وازدهرت الآداب والفنون بين أحضان الثروة والرق في طشيوز. وكانت الجزيرة مركز الهومريين، وهم رابطة من الشعراء المتتابعين، وفيها ولد أيون Ion الكاتب المسرحي، وتيوبوموس Theopomous المؤرخ. وهنا كشف جلوكوس Glaucus (كما تقول الرواية المتواترة) حوالي 560 صناعة طرق الحديد المحمي، وهنا صنع أركرموس Archermus وولداه بوبالوس وأثنيس أجمل ما صُنع من التماثيل في القرن السادس في بلاد اليونان.
وإذا عاد المسافر بعدئذ إلى أرض اليونان الأصلية مر بمواقع إريثرا Erythra وكلازوميني Clazomenae- مسقط رأس أنكسجراس Anaxagoras معلم بركليز وصديقه. وبعدها من جهة الشرق على خليج صغير أمين تقع مدينة أزمير التي استقر فيها الإيوليون من زمن بعيد يرجع إلى عام 1015 ق. م (70)، ثم استحالت بالهجرة والفتح مدينة أيونية. وكانت مدينة واسعة الشهرة في أيام أخيل، وقد نهبها ألياتس Alyattes الليدي حوالي عام 600 ق. م، ودُمرت بعد ذلك مراراً، كان آخرها في عام 1924 م على أيدي اليونان أنفسهم. وتنافس أزمير دمشق في قدم عهدها وطول حياتها، وقد ذاقت صروف الزمان بحلوها ومرها على السواء
(2)
. ويدل ما بقي من مباني المدينة القديمة على ثرائها
(1) يريد في أمريكا.
(2)
إن اسم المدينة القديم أزميرنا Smyrna واسمها الحديث أزمير، يرتبطان في أغلب الظن بتجارة المُّرّ. وهي ثاني مدينة في تركيا من حيث تعداد السكان، وأكبر مدينة في آسية الصغرى.
وتنوع الحياة فيها، فقد كُشف في أرضها عن ملعب رياضي، وحصن، ومضمار للركض، ودار للتمثيل. وكانت طرقاتها واسعة جيدة الرصف تزينها الهياكل والقصور، وكان شارعها الرئيسي، المعروف بالذهبي، مشهوراً ذائع الصيت في بلاد اليونان بأجمعها.
وكانت أبعد المدن اليونانية شمالاً مدينة فوقية Phocaea، ولا تزال قائمة إلى اليوم يُطلق عليها اسم فوقية Fokia؛ وكان نهر هرمس يكاد يصلها بسرديس نفسها فأكسبها هذا الاتصال مزية عظيمة في تجارة اليونان مع ليديا، وكان التجار الفوقيون يسافرون أسفاراً بعيدة بحثاً عن الأسواق، وهم الذين حملوا الثقافة اليونانية إلى قورسقة Corsica وأسسوا مرسيليا.
تلك هي مدائن أيونيا الاثنتا عشرة ألقينا عليها نظرة عاجلة كأنا نطوف بها في رحلة جوية خلال الزمان والفضاء. لقد كان ما بين هذه المدائن من تنافس وتحاسد مانعاً لها من أن تكون فيما بينها وحدة تعينها على الدفاع المشترك، ولكن أهلها مع ذلك كانوا يعترفون بما بينهم من تضامن واتفاق في المصالح، وكانوا يجتمعون في مراسم معينة في ميكالي Mycale، الأكمة الممتدة في البحر عند برين Prien، في عيد جميع الأيونيين Paniomium العظيم. وقد طلب إليهم طاليس أن يؤلفوا منهم جامعة يكون فيها كل ذكر رشيد مواطناً في مدينته وفي الاتحاد الأيوني، ولكن التنافس التجاري كان أقوى من أن يسمح بقيام هذه الجامعة، بل إنه بدل أن يؤدي إلى الوحدة السياسية أدى إلى التقاتل والتطاحن، ولما أن أقبل الفرس غازين فاتحين (546 - 545)، واتحدت تلك المدائن اتحاداً مرتجلاً للدفاع عن نفسها، كان هذا الاتحاد ضعيفاً واهي الأساس، فلم تلبث المدن الأيونية أن دانت لسلطان الملك العظيم. على أن ما كانت تنطوي عليه قلوب
الأهلين من نزعة الاستقلال والتطاحن قد بعث في نفوس الجماعات الأيونية حب التنافس والحرص الشديد على الحرية.
وتلك هي الظروف التي نمت فيها في أيونيا العلوم، والفلسفة، والتاريخ، ونشأت فيها العاصمة الأيونية، ووجد فيها في الوقت نفسه الشعراء الكثيرو العدد الذين جعلوا القرن السادس في هيلاس يبدو خصيباً كالقرن الخامس. ولما أن سقطت أيونية خلفت وراءها ثقافتها، فورثتها أثينة التي حاربت في الدفاع عنها، كما انتقلت إليها الزعامة العقلية لبلاد اليونان جميعها.
الفصل الخامس
سافو اللسبوسية
وفي أعلى المدن الأيونية الاثنتي عشرة تقوم المدن الإيولية الاثنتا عشرة في الأرض القارية، التي يسكنها الإيوليون والآخيون الذين وفدوا من شمالي بلاد اليونان، بعد أن افتتحت آسية الصغرى للمهاجرين اليونان عقب سقوط طروادة. وكانت كثرة هذه المدن الصغيرة، وكان شأنها في التاريخ صغيراً كذلك. غير أن جزيرة لسبوس كانت تنافس المراكز الأيونية في الثروة، والرقي، والعبقرية الأدبية. وكانت تربة أرضها البركانية قد جعلتها جنة حقة من البساتين والكروم؛ وكانت متليني أكبر مدائنها الخمس، وكانت تجارتها سبباً في ثرائها العظيم الذي لا يكاد يقل عن ثراء ميليتس، وساموس، وإفسوس. وتحالفت طبقات التجار فيها مع مواطنيها الفقراء في أواخر القرن السابع، وانتزعوا الحكم من طبقة الملاك الأشراف وعينوا بتاكوس Bitacus الشجاع الفظ حاكماً بأمره مدة عشرة سنين، ووضعوا في يديه من القوة مثل ما كان في يدي صديقه وزميله الحكيم صولون. وأخذ الأشراف يأتمرون ليستعيدوا سلطانهم، ولكن بتاكوس رد كيدهم في نحرهم، ونفى زعمائهم، ومنهم ألكيوس Alcaeus وسافو، فأخرجهم أولاً من متليني ثم من لسبوس نفسها آخر الأمر.
وكان ألفيوس ثائراً صخاباً، خلط السياسة بالشعر، فكانت كل قصيدة من قصائده مثاراً للفتنة والثورة. وكان شريف المحتد، وهاجم بتاكوس بكل ما في اللغة من بذاءة استحق عليها النفي من البلاد. وقد اصطنع هو بحوره الشعرية التي أسماها من جاءوا بعده "ألفيوس"؛ ويقال لنا إن كل مقطوعة في شعره كانت لها نغمتها الجميلة وسحرها. وقد غنى بعض الوقت في الحرب،
ووُصِف بيته بأنه مزدان بالغنائم الحربية والدروع العسكرية، غير أنه لما سنحت له الفرصة التي كان يستطيع أن يُظهر فيها بطولته، ألقى بدرعه، وفر كما فر أركلوكس من قبله، وأخذ يمتدح نفسه لحصافته الباسلة، وقد غنى أحياناً في الحب، ولكن أحب الموضوعات التي كتب فيها إلى نفسه كان موضوع الخمر، التي اشتهرت بها لسبوس شهرتها في الشعر، وهو ينصحنا بأن نعب الخمر عباً، وأن ننقع بها غليلنا في الصيف، وأن نستقبل بها الموت بلا رهبة في الخريف، وأن ندفئ بها دماءنا في الشتاء، ونحتفل بها ببعث الطبيعة في الربيع:
ينزل مطر زيوس، وفي السماوات العلا تثور العاصفة،
ويمسك البَرْد بقبضته الثلجية مجاري المياه.
إذن فقم! وتغلب على الشتاء، وأشعل النار عالية، عالية؛
وامزج الخمر الكثيرة حلوة كشهد النحل؛
ثم اشربها ولفاعة الصوف المريحة قد لفت حول صدغيك.
إن علينا ألا نستسلم للأحزان أو نضني أجسامنا بكثرة
المشاغل التي تذهب بقوانا؛
لأن الحزن يا صاح لا يعود علينا بأقل نفع،
ولا يصلح حالنا بأي حال؛
أما خير دواء لنا
فهو الخمر نطرد به الأفكار
(1)
ولقد كان من سوء حظه - وإن كان قد تحمل هذه الكارثة بصدر رحب ولم يلق بالاً إليها - أن كان بين معاصريه امرأة هي أشهر نساء اليونان أجمعين، ونعني بها سافو. وكانت بلاد اليونان بأجمعها تعظمها قبل أن
(1)
ما أشبه هذه الأقوال بأقوال عمر الخيام. (المترجم)
تموت، ومن أقوال استبايوس Stobaeus فيها:"وحدث مرة في مجلس شراب أن أخذ إجزستيديس Execestidez ابن أخي صولون يغني أغنية من أغاني سافو، أعجب بها عمه إعجاباً لم يسعه معه إلا أن يأمر الغلام أن يعلمه إياها، ولما سأله أحد الحاضرين: "لم يطلب هذا الطلب؟ " أجاب بقوله: "إني أريد أن أتعلمها ثم أموت! " (73). وكان سقراط -ولعله كان يرجو مثلما يرجوه صولون لنفسه - يسميها "الجميلة"، وكتب فيها أفلاطون مقطوعة شعرية حماسية قال فيها:
يقولون إن ربات الشعر تسع، ألا ما أكثر غباءهم
فليعلموا أن سافو اللسبوسية هي العاشرة!.
ويقول استرابون: "كانت سافو امرأة فذة عجيبة؛ لأني لا أعرف أن قد وجدت في جميع العصور التي وصل إلينا علمها امرأة أوتيت معشار ما أوتيت سافو من النبوغ في قرض الشعر"(75). وكما أن الأقدمين إذا ذكروا لفظ "الشاعر" فإنما يعنون بهذا اللفظ هومر، كذلك كان العالم اليوناني كله إذا نطق أمامهم أحد بلفظ "الشاعرة" فهموا من فورهم من يعنون بهذا الاسم.
وقد ولدت بسافا Psappha كما كانت تسمي نفسها بلهجتها الإيولية الرقيقة، في إرسوس Eresus من أعمال لسبوس حوالي 612 ق. م. ولكن أسرتها انتقلت إلى متليني وهي لا تزال في المهد. وكانت في عام 593 بين الأشراف الذين ائتمرا ببثاكوس والذين نفاهم إلى مدينة بيرا Pyrrha؛ ولما بلغت التاسعة عشرة كانت ذات شأن في الحياة العامة لاشتغالها بالسياسة، وبقول الشعر. ولم تشتهر بجمالها، فقد كانت صغيرة الجسم، ضعيفة البنية، وكان شَعرها وعيناها، وبشرتها أسود مما يحبه اليونان (76)، ولكنها كانت تسحر الناس برشاقتها، ورقتها، ودماثة أخلاقها، وحصافة عقلها الذي لم يبلغ من "السفسطة" درجة تخفي رقتها وحنانها. ومما قالته هي عن نفسها:"إن قلبي كقلب الطفل"(77)، ويستدل من شِعرها
على أنها كانت ذات عواطف جياشة، وأن ألفاظها كما يقول بلوتارخ "كانت تمتزج باللهب"(78)؛ وكانت مرهفة الحس إلى حد ما، وكان هذا سبباً في الحد من حماسة عقلها. وقد وصفها أثيس تلميذها المقرب إليها بأنها كانت ترتدي الثياب الزعفرانية اللون والأرجوانية، وتتوج رأسها بالزهر؛ وما من شك في أن قوامها النحيل قد أكسبها ملاحة وجاذبية، وشاهد ذلك أن لفيوس الذي نُفي معها إلى بيرا أرسل إليها مُسرعاً رسالة عشق وهيام، قال فيها:"أي سافو! يا ذات التاج القرنفلي، يا طاهرة، يا ذات الابتسامة الحلوة، أريد أن أحدثك في أمر ولكن الحياء يمنعني أن أنطق به". وكان جوابها أقل غموضاً من اقتراحه: "لو كانت رغباتك طيبة نبيلة، ولو كنت تريد ألا تنطق لسانك بما هو دنيء، لما أسدل الحياء على عينيك غشاوة، ولأفصحت عن رغباتك الطيبة العادة"(79). وأخذ الشاعر يتغنى بمدحها في قصائده وأناشيده، ولكننا لا نعرف أن صلة غير هذه الصلة قد عقدت أواصرها بينهما، ولعلهما قد افترقا حين نفيت سافو للمرة الثانية، وكان سبب نفيها أن بتاكوس قد خشي قلمها بعد نضوجه فنفاها في هذه المرة إلى صقلية، وكان ذلك في أغلب الظن عام 591، وهي في سن يكاد الإنسان يظنها فيها فتاة لا تستطيع أن تؤذي إنساناً. وقد تزوجت حوالي ذلك الوقت بتاجر ثري من أندروس Anodros وكتبت بعد بضع سنين من ذلك الوقت تقول:"لي ابنة صغيرة شبيهة بالزهرة الذهبية، هي كليس Cleis قرة عيني، التي لا أفرط فيها ولو أعطيت ليديا كلها أو لسبوس الحبيبة"(80). وما من شك في أنها كان في وسعها أن ترفض ما في ليديا من ثروة لأنها ورثت ثروة زوجها بعد وفاته المبكرة، وعادت إلى لسبوس بعد أن أقامت في منفاها خمس سنين، وأضحت زعيمة الحياة الاجتماعية والعقلية في الجزيرة. وإنا لنلمح بهرج الترف في إحدى القطع الباقية من شعرها حيث تقول:"أما أنا فليكن في علمكم أني أحب الحياة اللينة، وأرى أن النور والجمال مما تشتهيه الشمس"(81). وأضحت وثيقة
الصلة بأخيها الأصغر كركسوس Charaxus، شديدة التعلق به، وغضبت أشد الغضب حين شغف في إحدى سفراته التجارية إلى مصر بحب محظية تدعى دريكا Doricha ثم تزوجها، ضارباً بتوسلات أخته عرض الحائط (82).
وفي هذا الوقت نفسه أحست سافو بنار الحب تشتعل في قلبها. ذلك أن نفسها تاقت إلى الحياة النشيطة، فأنشأت مدرسة للفتيات، تُعلمهن فيها الشعر والموسيقى والرقص، كانت هي أولى "مدارس صقل" الفتيات في التاريخ كله. ولم تكن تسمي الطالبات فيها تلميذات بل كانت تسميهن الرفيقات (Hetairai)، ولم تكن هذه الكلمة قد أصبح لها بعد معنى الاختلاط الجنسي الشاذ. وأحبت سافو - وكانت وقتئذ أرملة - هاته الفتيات واحدة بعد واحدة. وقد قالت في إحدى القطع الباقية من أشعارها:"لقد هز الحب قلبي كما تهز الريح القوية أشجار البلوط"(83). وتقول في إحدى القطع الأخرى: "لقد أحببتكِ يا أثيس من زمن بعيد، حين كانت أنوثتي كلها أزهاراً، وقد حسبتكِ وقتئذ طفلة صغيرة سمجة". فلما أن تقبلت أثيس حب شاب من متليني، عبرت سافو عن غيرتها بألفاظ تبدو فيها قوة العاطفة في قصيدة احتفظ بها إلينا لنجينس وترجمها ترجمة عرجاء جون أدنجتن سمندس في شعر من البحر السافي:
إنه ليبدو لي هو والآلهة سواء، ذلك الرجل السعيد الذي يجلس ويراكِ بعينيه أمامه. فهو يجلس بالقرب منكِ ويستمع إليكِ وهو معقود اللسان تتحدثين حديثكِ الفضي وتضحكين ضحك الحبيب في غير صوت عالٍ. إن هذا، هذا وحده، ليكفي لأن يثير قلبي المكلوم في صدري ويبعثه على الاضطراب! لأني إذا رأيتكِ لحظة قصيرة خشع صوتي من فوري، وانعقد لساني؛ وسرت في ضلوعي نار تلظى يسمع من حولي حسيسها، ولا تبصر عيناي منها شيئاً وتطن في أذني أمواج من الصوت عالية، ويتصبب جسمي عرقاً فيجري أنهاراً، وترتجف جميع أعضائي، ويصبح لوني أكثر اصفراراً من لون الكلأ في الخريف، وتنتابني
آلام الموت المترصد لي فأضطرب وأظل في سكرات
(1)
الحب (84).
وأخرج والدا أثيس ابنتهما من المدرسة، ولدينا رسالة تعزى إلى سافو نفسها تصف فيها ساعة فراقهما:
بكت (أثيس؟) بكاءً مراً لفراقنا وقالت: "واحسرتاه ما أتعس حظنا؛ وأقسم لك ياسافا أن فراقي إياكِ كان على الرغم مني"، فأجابتها:"سيري في طريقكِ منشرحة الصدر؛ ولكن اذكريني لأنكِ تعرفين هيامي بكِ. فإذا لم تذكريني، فإني سأذكركِ بما تنسين؛ ألا ما أعز وأجمل الأيام التي قضيناها معاً! لقد كنتِ تزينين غدائرك المتماوجة بتيجان القرنفل والورد الجميل وأنتِ إلى جانبي، وتزينين جيدكِ الرقيق بعقود مجدولة من مئات الأزهار، وبالأدهان الكثيرة الغالية الخليقة بالملوك دهنتِ إهابكِ الأبيض النضر وأنتِ بين ذراعي. ولم يكن في المكان كله تل، أو موضع مقدس؛ أو غدير ماء لم تذهب إليه؛ ولم تملأ الأصوات الكثيرة في بواكير الربيع غابة من الغابات بسجع العندليب إلا ذهبتِ إليه معي"(85).
وتأتي بعد هذه الأغنية في نفس المخطوط تلك الصيحة المريرة: "لن أرى أثيس بعد اليوم ولا فرق عندي بين هذا وبين الموت"، إن هذا بلا ريب هو صوت الحب الصادق، الذي يعلو ذروة الوفاء والجمال ويسمو فوق الخير والشر!
وقد ثار الجدل بين من جاء بعد ذلك العصر من علماء التاريخ القديم واختلفوا هل هذه القصائد تعبر حقاً عن "الحب اللسبوسي" أو أنها لم تكن إلا تدريباً للخيال الشعري ولتجسيد المعاني المجردة. ولكنا لا شأن لنا بهذا
(1)
ولقد ترك لنا سونبيرن مثلاً من هذا البحر خيراً مما تركه جون أدنجتن سمندس ووصف حب سافو في قصيدة رائعة سماها "السافيات" في كتابه Poems and Ballads مطلعها: لم يطرق جفوني الكرى طول الليل.
الجدل، وحسبنا أن هذه القصائد شعر من الطراز الأول جياش بالعاطفة، قوي الخيال، يبلغ حد الكمال في لفظه ومبناه. وفي قطعة باقية منه حديث عن "وقع أقدام الربيع المزهر"؛ وفي قطعة أخرى حديث عن "الحب الذي يفكك الأعضاء، والعذاب المر - الحلو" وتُشبِّه قطعة ثالثة الحبيب البعيد المنال "بالتفاحة الحلوة التي تحمر على طرف الغصن، على الطرف الأعلى للغصن، والتي سها عنها الجاني، لا لم ينسها بل إنه لم يستطع لعلوها أن يصل إليها"(86). وكتبت سافو عن موضوعات أخرى غير الحب، واستخدمت فيها بحوراً من الشعر بلغ عدد ما بقي لنا منها خمسين بحراً. وقد لحنت هي بنفسها أغانيها ووقعتها على العود. وجُمع أشهرها في خمسة دواوين تحتوي نحو ألف بيت ومائتين، بقي منها ستمائة يندر أن تكون متتالية. وحدث في عام 1073 بعد الميلاد أن أمر رؤساء الكنيسة في القسطنطينية ورومة بإحراق جميع أشعار سافو وألفينوس علناً (87)، وفي عام 1897 كشف جرنفل Grenfel وهنت Hunt في أكسرنكوس Oxyrhynchus بمديرية الفيوم توابيت مصنوعة من طبقات من الورق استخدمت في صناعتها قطع من كتب قديمة؛ وجدت عليها بعض قصائد سافو (88).
وقد ثأر ذكور الأجيال التالية لأنفسهم منها بأن نقلوا عنها، أو اخترعوا من عندهم، قصة تروي كيف ماتت قتيلة هيامها برجل لم يبادلها الحب. وثمة فقرة في معجم سويداس Suidas (89) تروي كيف قفزت "العاهرة سافو" - وهو الوصف الذي توصف به الشاعرة عادة - من فوق صخرة في جزيرة لوكاس Leucas قفزة قضت بها على نفسها، لأن البحار قاؤون لم يستجب لحبها. ويشير مناندر، واسترابون، وغيرهما من الكتاب إلى هذه القصة، ويرويها أوفد في تفاصيل جميلة (90) ولكنا نجد فيها حوادث كثيرة من نسج الخيال، وخليق بنا أن نتركها من غير تمحيص حائرة بين الحقيقة والخيال. وتقول الروايات المتواترة إن سافو عادت فتعلمت حب الرجال. ونجد في القطع الصغيرة التي
كشفت أشعارها في مصر جواباً لها مؤثراً ردت به على اقتراح عرضه عليها بعضهم بأن تتزوجه فقالت "لو أن ثديي قد بقيا قادرين على إرضاع الأطفال، ولو أن رحمي قد بقي قادراً على حملهم لجئِتُ إلى فراش الزوجية بقدمي ترتجفان، ولكن الزمان قد خط على جسدي خطوطاً كثيرة، والحب لا يسرع إلي بما يحمله من هدايا الآلام"، ثم تشير إلى خطيبها بأن يبحث له عن زوجة أصغر منها سناً (91). وفي الحق أننا لا نعلم متى ماتت وكيف قضت نحبها، وكل الذي نعرفه أنها خلفت وراءها ذكريات واضحة من العاطفة القوية، والشعر الرائع، واللطف والدعة، وأنها بزت ألفيوس نفسه فكانت أشجى أهل زمانها صوتاً. وتراها في أخر قطعة لها تلوم في غير عنف مَن لا يقرون بأن غناءها قد انتهى فتقول:
"إنكم يا أطفالي تجللون بالعار هبات ربات الشعر القيمة حين تقولون: "سنتوجك ياسافو الحبيبة، ياخير من يعزف على القيثارة أوضح الأغاني وأشجاها"، ألا تعرفون أن إهابي كله قد تجعد من طول العمر، وأن شَعري قد استحال من أسود إلى أبيض؟ .. وكما أن الليل ذا النجوم يخلف حتماً الفجر ذا الذراع الوردية وينشر الظلام في طول الأرض وعرضها، كذلك يقتفي الموت آثار كل حي ويمسك بتلابيبه آخر الأمر"(92).
الفصل السّادس
الإمبراطورية الشمالية
في شمال لسبوس تقع تندوس Tenedos الصغيرة التي يقول بعض الرحالة الأقدمين إن نساءها أجمل النساء في بلاد اليونان جميعها (93)، ومنها يسير الإنسان في أثر اليونان المغامرين إلى جزائر اسبرديس الشمالية؛ إلى إمبروس، ولمنوس، وسمثريس. وأنشأ الميليزيون حوالي عام 560 في سعيهم للإشراف على الهلسبنت (الدردنيل) بلدة أبيدوس Abydos على شاطئه الجنوبي، ولا تزال هذه البلدة قائمة حتى الآن
(1)
. ومن هذا المكان قطع ليندر Leander وبيرن Byron المضيق سباحة، ومنه عبر جيش خشيارشاي البحر إلى أوربا على جسر من القوارب، وإلى شرق هذه البلدة استعمر الفوقيون لمباكوس Lampacus مسقط رأس أبيقور. وفي داخل البروبنتس مجموعتان من الجزائر، أولاهما مجموعة الفقونيسوس Phoconnesus، وهي غنية بالرخام الذي أكسب البروبنتس اسمه المعروف به في هذه الأيام (بحر مرمرة- أي بحر الرخام) وثانيتهما مجموعة الأركتنيسوس Arctonnesus. وفي أقصى طرفها الجنوبي أنشأ الميليزيون في عام 757 ثغر سيزكوس Cyzicus العظيم. وقامت على طول الساحل مدينة في إثر مدينة: بنورموس Panormus ودسيليوم Dascylium وأباميا Apameia وكيوس Cius وأستكوس Astacus وخلقدون Chalcedon. وتقدم اليونان مجتازين مضيق البسفور، طلباً للمعادن والحبوب والتجارة، وأنشأوا كرسبوليس
(1)
كل المدن المذكورة في هذا الباب تقريباً لا تزال قائمة حتى اليوم، وإن سميت بأسماء غير أسمائها القديمة.
Chrysopolis (اشقودار الحالية) ونتقوبوليس Ncopolis، " مدينة النصر"، ثم شقوا طريقهم على طول الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود، وأقاموا مدائن في هرقلية، وبنتيكا Pontica، وتتوم Tieum، وسينوب Sinope- التي يصفها استرابون بأنها مدينة مزدانة أفخم زينة (94)، بها ملعب رياضي عظيم، وساحة كبرى، وأروقة مظللة ذات عمد؛ وكانت خليقة بأن يولد فيها ديوجين الكلبي Diogenes The Cynic؛ ثم تليها أميسس Amisus، وإينوي Oenoe، وتربوليس Tripolis، وترابيزوس Trapezus (تربزند أو طربزون)، والتي صاح فيها رجال زنوفون العشرة آلاف من فرط السرور حين أبصروا البحر الذي طالما تاقت نفوسهم لرؤيته. وقد كان افتتاح هذا الإقليم للاستعمار، على يد جيسن في أكبر الظن، ثم على أيدي الأيونيين فيما بعد، مصرفاً ينزح إليه من تفيض بهم المدائن الأصلية من السكان، وتنصرف إليه تجارتها، كما جعلها هذا الفتح مورداً للطعام والفضة والذهب، شأنها في ذلك شأن أمريكا بالنسبة لبلاد أوربا في بداية العصر الحديث (95). واتجه اليونان نحو الشمال إزاء الساحل الشرقي لبحر اليوكسين حين وصلوا إلى كلكيز Colchis الميدية وأسسوا فاسيس Phasis، وديوسكورياس Dioscurias، وثيودوسيا Theodosia، وبنتيكبيوم Panticapaeum في شبه جزيرة القرم. وأنشئوا عند مصبي نهري البوج Bug والدنيبر مدينة ألبيا Olbia (نيقولايف الحالية) وعند مصب الدنيستر أسسوا مدينة تيراس Tyras، وأقاموا على نهر الدانوب مدينة ترسميس Troesmis. ثم اتجهوا جنوباً على طول الشاطئ الغربي، وشادوا مدائن إستروس Istrus (قنسطنطة أو قسطج)، وتومي Tomi (التي مات فيها أوفد)؛ وأدِسُّوس (وارنة)، وأبولونيا Apollonia (برجاس). وإن الرحالة الذي يدرك طول العصور التاريخية ليذهله قدم هذه المدائن التي لا تزال باقية حتى الآن،
ولكن سكانها الحاليين المنهمكين في أعمالهم الحاضرة لا يشغلون أنفسهم بالقرون الطوال المستقرة في بطون الثرى تحت أقدامهم.
وأنشأ المجاريون أيضاً على البسفور حوالي عام 660 مدينة بيزنطيوم (بيزنطية Byzantium)
(1)
التي كانت إلى عهد قريب تسمى القسطنطينية، والتي تسمى الآن اسطنبول. وقد كان هذا الثغر ذو الموقع الحربي المنيع حتى قبل أيام بركليز مفتاح أوربا كما سماه نابليون في معاهدة تلزت Tilsit. وقد وصف بولبيوس في القرن الثالث قبل الميلاد موقعه البحري بأنه "من حيث السلامة والرخاء خير من موقع أية مدينة أخرى في العالم المعروف لنا"(97). وازدادت ثروة بيزنطية بما كانت تفرضه من المكوس على السفن المارة بها، وبما كانت تصدره إلى العالم اليوناني من حبوب روسيا الجنوبية ("سكوذيا" Scythia) والبلقان، وبما كان يُصاد بلا أدنى عناء من السمك الذي يتجمع في المضايق الضيقة. وقد كان التواؤها، وما تفيضه عليها صناعة الصيد من ثرائهما الذين خلعا على المدينة اسم "القرن الذهبي"، وكانت أثينة في عصر بركليز هي المسيطرة على سياسة بيزنطية، وكانت تفرض المكوس على السفن المارة لتملأ بها خزائنها في أوقات الشدائد، وتعامل إصدار الحبوب من موانئ البحر الأسود معاملة مهربات الحرب (98).
وأنشأ اليونان على الشاطئ الشمالي أو التراقي للبروبنتس مدائن عند سلمبريا Selymbria. وبرنثوس Perinthus (أرجلي Eregli الحديثة) وبيزنثي Bisanthe، وكليبويس Callipolis (غاليبولي)، وسستوس Sestus. ثم أقاموا فيما بعد مدناً أخرى على ساحل تراقية الجنوبي الغربي عند أفروديسياس Aphrodisias، وإينوس Oenus، وأبدرا Abdera- حيث قام ليوسبوس
(1)
ونرجح أن اسمها مشتق من لفظ بيزاس Byzas أي الملك الوطني.
Leucippus ودمقرايطوس Democritus بعد ذلك العصر بنشر الفلسفة المادية الذرية
(1)
وأمام ساحل تراقية في البحر تقع جزيرة ثاسوس Thasos، " الجرداء القبيحة المنظر كأنها ظهر حمار في البحر" كما وصفها أركلوكوس (99)، ولكنها كانت غنية بمناجم الذهب غنى جعل منتجاتها منه تفي بنفقات الأداة الحكومية كلها. وأنشأ الباحثون عن الذهب من اليونان وخاصة الأثينيون على ساحل مقدونية الشرقي أو بالقرب منه مدينتي نيبوليس Neapolis وأمفبوليس Amphipolis- وكان استيلاء فليب على هاتين المدينتين سبباً في اشتعال نار الحرب التي خسرت فيها أثينة حريتها. واستولى يونان آخرون معظمهم من كلسيس وإرتيريا على شبه جزيرة كلسديس Chalcidice ذات الأصابع الثلاث وسموها بهذا الاسم. وما وافى عام 700 ق. م حتى كانوا قد أنشأوا فيها ثلاثين بلدة قدر للكثير منها أن تكون ذات شأن عظيم في تاريخ اليونان: استاجيروس Stageirus (مسقط رأس أرسطاطاليس) وسيوني Scione، ومندي Mende، وبوتيديا، وأكنثوس Acanthus، وكليوني Cleonae، وتوروني Torone، وأولنثوس Olynthus التي استولى عليها فليب في عام 348 والتي تشتهر عندنا لصلتها بخطب دمستين. وقد كشفت أعمال الحفر الحديثة في أولنثوس عن مدينة واسعة الرقعة ذات بيوت كثيرة من طابقين يحتوي بعضها خمساً وعشرين حجرة. ويبدو أن هذه المدينة كان يسكنها في أيام فليب نحو ستين ألف نسمة. وفي وسعنا أن نستدل من هذا العدد الكبير الذي كان يقيم في مدينة صغيرة، على سرعة تناسل اليونان قبل عصر بركليز ونشاطهم وسرعة انتشارهم.
وآخر ما نذكره عن انتشار اليونان أن المهاجرين الأيونيين استقروا في الجزائر العوبية الواقعة بين كلسديس وجزيرة عوبية الكبيرة، وهي جيرونتيا Gerontia،
(1)
هي الفلسفة القائلة بأن العالم يتكون من ذرات ترتب نفسها فيه في صور مختلفة. (المترجم)
وبوليجوس Polyaegos، وإيكوس Icos، وبيارثوس Peparethos، واسكانديل Scandile، واسكيروس Scyros؛ وهكذا انطبق محيط الإمبراطورية في الشرق والشمال انطباقاً تاماً والتقى طرفاه. وبفضل نشاط اليونان ومغامراتهم استحالت جزائر بحر إيجة وسواحل آسية الصغرى، وشواطئ الهلسبنت، والبحر الأسود، وسواحل مقدونية وتراقية معششاً من المدائن المصطبغة بالصبغة اليونانية، تفيض بالأعمال الزراعية، والصناعية، والتجارية، وبالنشاط السياسي، والأدبي، والديني، والفلسفي، والعلمي، والفني، وبالبلاغة، والسفسطة، والمماحكة. ولم يبقَ أمام اليونان في ذلك الوقت إلا أن يفتحوا بلاداً يونانية أخرى في غرب بلادهم، ويقيموا قنطرة بين هيلاس القديمة والعالم الحديث.
الباب السابع
اليونان في الغرب
الفصِل الأوّل
السيباريون
بعد أن تمر سفينتنا الخيالية بسنيوم Sunium وتتجه نحو الغرب تصل إلى سثرا Cythera مقر أفرديتي الجَزَري، والتي كانت من أجل هذا مقصد وتو Watteau
(1)
. وفيها شاهد بوزنياس في عام 160 م "أقدس وأقدم ما شاده اليونان من الهياكل لأفرديتي"(1)، وفيها كشف شليمان في عام 1887 م عن أنقاض هذا الهيكل (2). وكانت في أقصى الجنوب من الجزائر الأيونية التي تجاور ساحل بلاد اليونان الغربي، وقد سميت أيونية لأن مهاجرين أيونيين استقروا فيها، وبقية هذه الجزائر هي زاسنثوس Zacynthos، وكيفالينيا Ceplhalenia، وإثكا Ithaca، ولوكاس Leucas، وباكوس Paxos، وكورسيرا Corcyra. وحسب شليمان أن إثكا هي جزيرة أديسيوس، وحاول عبثاً أن يجد تحت ثراها ما يؤيد قصة هومر (3). غير أن دوربفلد Dorpfeld كان يعتقد أن موطن أديسيوس هو جزيرة لوكاس الصخرية. ويقول استرابون إن أهل هذه الجزيرة القدامى كانوا يلقون من فوق صخورها ضحية بشرية يقدمونها في كل عام قرباناً لأبلو؛
(1)
كانت صورة Embarkation for Cythera (السفر إلى سثرا) التي صورها وتو تمثل روح الطبقات العليا في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، بعد أن تخلت عن الدين بالقدر الذي يسمح لها بأن تكون أبيقورية.
ولكن هؤلاء السكان لم يكونوا رجال دين فحسب بل كانوا فوق ذلك بشراً، ولهذا كانوا يربطون في الضحية طيوراً قوية شفقة بها ورحمة، حتى تخفف أجنحتها من شدة الصدمة عند سقوط الضحية على الأرض (4). والراجح أن قفزة سافو نفسها ذات اتصال بذكريات هذه العادة الدينية. واحتل كرسيرا (كورفو Corfu) مستعمرون كورنثة حوالي 734 ق. م. ولم يلبثوا أن أصبح لهم من القوة ما أمكنهم بها أن يهزموا أسطول كورنثة ويقرروا استقلالهم. وسافر بعض المغامرين اليونان من كرسيرا في البحر الأدرياوي متجهين نحو الشمال حتى وصلوا إلى البندقية؛ واستقر بعضهم في مستعمرات صغيرة على ساحل دلماشيا، وفي وادي نهر البو Po (5) وعبَرَ بعضهم آخر الأمر مياه البحر الهائجة وقطعوا فيها خمسين ميلاً حتى استقروا في كعب إيطاليا. ووجدوا في ذلك المكان شاطئاً جميلاً ينحني فتتكون من انحنائه مرافئ طبيعية آمنة، ورائه أرض خصبة أهملها السكان الأصليون إهمالاً يكاد أن يكون تاماً (6). واستولى الغزاة اليونان على هذا الإقليم الساحلي بمقتضى قانون التوسع الاستعماري الذي لا يعرف للرحمة معنى، وهو القانون القائل إن الموارد الطبيعية التي لا يستغلها أهل الإقليم تجذب، بنوع من الجاذبية الكيميائية، وغيرهم من الناس ليستغلوها ويدفعوا بها إلى تجارة العالم ومنفعته. واخترق الوافدون الجدد -وأكثرهم من الدوريين - كعب شبه الجزيرة مبتدئين من برنتيزيوم (برنديزي)، وأنشئوا مدينة كبيرة في تاراس taras- تارنتم الرومانية (تارنتو الحديثة)
(1)
، وفيها غرسوا أشجار الزيتون وربوا الخيول، وصنعوا الفخار، وبنوا السفن، وصادوا
(1)
ذكرنا في جدول الحوادث التاريخية المسلسلة التواريخ المتواترة لإنشاء هذه المدن في غرب بلاد اليونان. وقد أخذ ثوكيديدس هذه التواريخ عن المؤرخ القديم أنثيكوس السرقوسي Antjochus of Syracuse. ومظنة الخطأ فيها كبيرة، ويعتقد مهفي Mahaffy أن المدن التي أنشئت في صقلية قد أنشئت في عهود متأخرة عن العهد الذي أنشئت فيه المدن الإيطالية. غير أن تواريخ ثوكيديدس لا يزال يؤيدها كثيرون من المؤرخين.
السمك بالشباك، وجمعوا بعض القواقع البحرية ليستخرجوا منها الصبغة الأرجوانية التي كانت أغلى قيمة من نظيرتها الفينيقية (8). وبدأت الحكومة كما بدأت معظم المستعمرات اليونانية بأن كانت ألجاركية يتولاها ملاك الأرض، ثم انتقلت إلى أيدي طغاة تمدهم بالمال الطبقة الوسطى، واستمتعت بفترات من الحكم الديمقراطي القوي المضطرب. وفي هذا المكان نزل بِرَس صاحب الشخصية الروائية في عام 281، وأراد أن يقوم في الغرب بالدور الذي قام به الإسكندر في الشرق.
وأسست موجة أخرى من المهاجرين معظمهم من الآخيين مدينتي سيبارس وكروتونا على الجانب الآخر من خليج تارنتم. وتدل الغيرة القاتلة التي نشاهدها بين هذه الدول، وكلها من أصل واحد، على ما كان يتصف به اليونان من نشاط قوي مبدع، وعواطف جياشة مدمرة. وكان للتجارة بين بلاد اليونان وإيطاليا الغربية طريقان أحدهما بحري والثاني بري في بعض أجزائه. وكانت السفن تسير في الطريق البحري تمر بكروتونا وتبادل فيها بالكثير من بضائعها، وتمر بعدها برجيوم Rhgium وتؤدي فيها المكوس، ثم تجتاز في حذر بحاراً موبوءة بالقراصنة، ومضيق مسينا الكثير الدوامات، حتى تقبل إلى إلياوكومي، أقصى المستعمرات اليونانية في إيطاليا شمالاً. وكان التجار الذين يختارون الطريق الآخر يفرغون بضائعهم في سيبارس ليفروا من هذه المكوس والأخطار، وليوفروا على أنفسهم عناء السير بحراً بالمجاذيف والشراع، ثم ينقلونها بطريق البر نحو ثلاثين ميلاً إلى ساحل لوس Laus الغربي، ثم يحملونها مرة أخرى على ظهور السفن إلى بوسيدونيا، ومنها تنتقل إلى الأسواق في داخل إيطاليا.
وكانت سيبارس ذات موقع حسن على الطريق التجاري، فأثرت وعمها الرخاء حتى بلغ عامروها (إذا جاز لنا أن نصدق أقوال ديودور الصقلي (9))
ثلاثمائة ألف نسمة، وأثرت ثراء لا يضارعها فيه إلا القليل من مدن اليونان، وحيث أضحت سيباري مرادفة لكلمة أبيقوري. وكان العمل الجثماني كله يقوم به العبيد ورقيق الأرض، أما المواطنون الأحرار فكانوا يرتدون الثياب الغالية، ويسكنون بيوتاً مترفة مريحة، ويطعمون الأطعمة الشهية الواردة من خارج البلاد
(1)
. وكان يُحرم على من يشتغلون بأعمال ذات جلبة أن يمارسوا صناعتهم في داخل حدود المدينة. وكانت بعض الطرقات في الأحياء الغنية من المدينة تغطيها خيام ومظلات لتقي الناس شر الحر والمطر (11). ويقول أرسطو إنه كان لألسسثنيز السيباري ثوب من نسيج بلغ من عظيم قيمته أن باعه ديونيسيوس الأول السرقوسي فيما بعد بمائة وعشرين وزنة (000 ر 720 ريال أمريكي (12)). ولما جاء اسمندريدز Smyndyrides السيباري في زيارة لسكيون ليخطب ابنة كليسثنيز، كان معه ألف خادم (13).
وسارت الأمور على أذلالها في سيبارس حتى انزلقت إلى الحرب مع كروتونا المجاورة لها (510). وتقول إحدى الروايات غير الموثوق بصحتها إن السيباريين ساروا إلى الحرب بجيش تبلغ عدته ثلاثمائة ألف (15). وتؤكد لنا هذه الرواية نفسها أن الكروتيين أحدثوا الاضطراب في صفوف هذا الجيش بأن عزفوا النغمات التي علم السيباريون خيولهم أن يرقصوا عليها (16). فلما سمعتها الخيل رقصت، وأعمل الأعداء فيهم القتل، ونهبوا مدينتهم، وخربوها، وأشعلوا فيها النيران، حتى اختفت من التاريخ في يوم واحد. ولما أن قام هيرودوت وغيره من الأثينيين بعد خمس وستين سنة من ذلك الوقت بالقرب من موقعها مستعمرة تورلي Thurli الجديدة، لم يكادوا يجدون في هذا الموضع أثراً لهذه الجالية التي كانت في يوم من الأيام أكثر الجاليات اليونانية زهواً.
(1)
ويقول أثنيوس إن الطهاة أو صانعي الحلوى الذين كانوا يبتدعون أصنافاً جديدة كان يُسمح لهم بأن يسجلوها باسمهم ويحتكروها مدى عام (10). وربما كان أثينيوس يخلط في هذا القول بين الهزل والتاريخ.
الفصل الثاني
فيثاغورس الكروتوني
كان عمر كروتونا أطول من عمر سيبارس؛ فقد أنشئت في عام 710 ق. م. ولا تزال حتى الآن تعج بالصناعة والتجارة بعد أن تغير اسمها إلى كروتون. وقد كان مرفؤها المرفأ الطبيعي الوحيد بين تاراس وصقلية، ولم تكن تعفو عن السفن التي تفرغ بضائعها في سيبارس. وقد بقي فيها من التجارة ما يكفي لكي يعيش أهلها عيشة هنيئة لينة، كما أن هزيمتهم الموفقة في الحرب، وكساد تجارتهم زمناً طويلاً، وجو بلادهم المنعش، ومزاجهم الدوري المتزمت بعض الشيء، كل هذه الظروف مجتمعة قد جعلتهم يحتفظون بنشاطهم وقوتهم رغم ثرائهم العظيم. وفي هذه المدينة نشأ الرياضيون المشهورون أمثال ميلو Milo، كما نشأت أعظم مدرسة طبية في بلاد اليونان الكبرى (Magna Greca)
(1)
.
ولعل اشتهار كروتونا بأنها ملجأ صحي حبب إلى فيثاغورس المجيء إليها. ومعنى فيثاغورس هو "الناطق الفيثي" بلسان مهبط الوحي في دلفي، وكان كثيرون من أتباعه يرون أنه هو أبلو نفسه، ويدعي بعضهم أنه أبصر وميض فخذه الذهبية (17). وتقول الروايات المتواترة إنه ولد في ساموس حوالي عام 580، وتتحدث عن جده في صباه. وتعزو إليه أنه صرف ثلاثين عاماً في الأسفار. ويقول عنه هرقليطس، وهو الرجل الشديد الاقتصاد في مدحه إن "فيثاغورس كان أكثر الباحثين مثابرة"(18). ويروى عنه أنه زار بلاد العرب، وسوريا، وفينيقية، وكلديا، والهند، وغالة، وعاد يلقي على الرحالة حكمة غالية جديرة بالإعجاب هي قوله: إذا كنت مسافراً في خارج بلادك فلا
(1)
هذا هو الاسم الذي كان الرومان يطلقونه على المدن اليونانية في جنوب إيطاليا. (المترجم)
تلتفت وراءك إلى حدودها" (19)، ويجب أن تكبح جماح نزواتك عند كل ثغر تدخل فيه. وما من شك في أنه زار مصر حيث درس مع الكهنة، وتعلم الكثير من علم الفلك والهندسة النظرية، وربما تعلم أيضاً قليلاً من السخف (20). ولما عاد إلى ساموس ووجد أن طغيان بوليكراتيز يحد من طغيانه هو هجرها إلى كروتونا وكان قد جاوز الخمسين من العمر (21).
وهنا اشتغل بالتدريس، وكانت هيبته، وغزارة علمه، واستعداده لقبول النساء والرجال في مدرسته، سبباً في إقبال الناس عليها حتى بلغ عدد من فيها بضع مئات في زمن قصير. وقد قال بمبدأ تكافؤ الفرص للذكور والإناث على السواء قبل أن ينادي بذلك أفلاطون بمائتي عام، ولم ينادِ بهِ فحسب بل نفذه عملياً. على أنه مع ذلك لم يكن ينكر أن بين الجنسين فوارق طبيعية من حيث وظائف كل منهما. وكان يُعلم تلميذاته الشيء الكثير من الفلسفة والآداب، ولكنه كان يعلمهن أيضاً فن الأمومة والتدبير المنزلي، ومن أجل ذلك اشتهرت النساء الفيثاغوريات في الزمن القديم بأنهن "أعلى نموذج في الأنوثة أخرجته بلاد اليونان في جميع العصور".
وقد وضع فيثاغورس لطلابه بصفة عامة قواعد تكاد تحول مدرسته إلى دير للراهبات. فقد كان من يدخلونها يقسمون يمين الولاء للأستاذ ولبعضهم بعضاً. وتجمع الروايات المأثورة على أنهم كانوا يشتركون على قدم المساواة في جميع طيبات الحياة ما داموا يعيشون في هذه الجماعة الفيثاغورية (23). وكان اللحم والسمك والفول محرمة عليهم، أما الخمر فلم تكن محرمة؛ ولكنه كان يوصيهم بشرب الماء، وتلك وصية شديدة الخطورة في جنوبي إيطاليا في هذه الأيام. وربما كان تحريم اللحم لسبب ديني ذي صلة بعقيدة تقمص الأرواح، فإن على الناس أن يحذروا أن يأكلوا أجدادهم. والراجح أنه كان يباح للطلاب أن يخرجوا على حرفية هذه القواعد من حين إلى حين. ويرى المؤرخون الإنجليز
بنوع خاص أن من غير المعقول أن يصبح المصارع ميلو الفيثاغوري أقوى رجل في بلاد اليونان كلها دون أن يأكل لحم العجول (24)، وإن كان العجل الذي أصبح بين ذراعيه ثوراً
(1)
قد شب على أكل الكلأ. وكان يحرم على أفراد هذه الجماعة أن يقتلوا أي حيوان لا يؤذي الإنسان أو أن يتلفوا شجرة مزروعة. وكان يطلب إليهم أن يلبسوا الثياب البسيطة وأن يطرحوا الكبرياء، وألا "يندفعوا في الضحك، وألا يكونوا مع ذلك عابسين". ولم يكن يباح لهم أن يقسموا بالآلهة لأن "من الواجب على كل إنسان أن يعيش عيشة تجعله خليقاً بأن يصدقه الناس دون أن يلجأ إلى القسم". وكان محرماً عليهم أن يقدموا الضحايا قرباناً، وكان في وسعهم أن يتعبدوا أمام المذابح التي لم تلوثها الدماء. وكان عليهم أن يسألوا أنفسهم في آخر كل يوم عما ارتكبوه من الذنوب، وعما أهملوه من الواجبات، وعما فعلوه من الخير (25).
وقد أخذ فيثاغورس نفسه بهذه القواعد ورعاها أشد مما رعاها أي تلميذ من تلاميذه اللهم إلا إن كان هو ممثلاً من أبرع الممثلين. وما من شك في أن أسلوب حياته قد أكسبه من احترام طلابه وسلطانه عليهم ما جعلهم يتحملون طغيانه بلا تذمر، وما جعل الكلمة الفاصلة في كل جدال أو نظرية هي: لقد قالها هو نفسه " Autos epha-ipsi dixit". وقد نقل إلينا في عبارة تنم عن التعظيم وتستثير الإعجاب أن المعلم نفسه لم يشرب الخمر بالنهار أبداً، وأنه كان يعيش معظم أيامه على الخبز والعسل، وأن حلواه كانت هي الخضر، وأن ثوبه كان على الدوام ناصع البياض؛ وأنه لم يُعرف عنه قط أنه أفرط في الأكل، أو عشق، وأنه لم يغرق في الضحك، أو المزاح، أو القصص، ولم يعاقب إنساناً مطلقاً ولو كان عبداً (26). وكان تيمن الأثيني يظنه "مشعوذاً يخادع بقول الجد، ويعمل على اصطياد الناس"(27)، وينقض هذا القول أن زوجته ثيانو Theano وابنته
(1)
انظر الفصل الرابع من الباب التاسع من هذا الكتاب.
دامو Damo كانتا من أشد أتباعه إخلاصاً له، وقد كان في وسعهما أن توازنا بين فلسفته وحياته. ويقول ديوجنيز ليرتس إنه "عهد بتعليقاته إلى دامو وأمرها ألا تذيعها لأي إنسان في خارج البيت، وإنها لم تفرط قط في أحاديثه مع أنه كان في وسعها أن تبيعها بالمال الكثير، لأنها كانت ترى أن طاعة أوامر والدها أثمن من الذهب، ويزيد في فضلها أنها امرأة"(28).
وكان الانضمام إلى المجتمع الفيثاغوري يتطلب، فضلاً عن تطهير الجسم بالعفة وكبح الشهوات، تطهير العقل بدراسة العلم. وكان ينتظر من الطالب الجديد أن يلتزم "الصمت الفيثاغوري" مدى خمس سنين - ولعل المقصود بالصمت الفيثاغوري أن يتقبل الأوامر من غير سؤال أو مناقشة - قبل أن يُعترف به عضواً كاملاً في الجماعة، وقبل أن يُسمح له بأن "يرى" فيثاغورس (29) أي أن يدرس عليه. وتنفيذاً لهذا النظام كان التلاميذ يقسمون إلى طلاب خارجيين وطلاب داخليين، وكان الداخليون هم الذين يحق لهم أن يعرفوا الحكمة السرية للمعلم نفسه. وكان منهج الدراسة يتألف من أربعة موضوعات: الهندسة النظرية، والحساب، والفلك، والموسيقى. وكان يبدأ بالرياضيات
(1)
؛ ولكنها لم تكن العلم العملي الذي استحالت إليه على أيدي المصريين القدامى، بل كانت علماً مجرداً نظرياً يبحث في الكميات، ومثلاً أعلى في التدريب المنطقي يجعل التفكير منظماً واضحاً بعرضه على محك الاستدلال الصارم والبرهان الواضح الملموس. وأضحت الهندسة النظرية من ذلك الوقت مجموعة من البديهيات، والنظريات، والبراهين. وكانت كل خطوة في القضايا المنطقية المتتالية ترفع الطالب إلى مستوى أعلى من مستواه السابق - على حد قول الفيثاغوريين - يستطيع منه أن يطلع أكثر من ذي قبل على بناء العالم (31). وتقول الرواية اليونانية المتواترة إن
(1)
ويلوح أن الفيثاغوريين كانوا أول من استعمل كلمة ماتماطيقا Mathematike بمعنى الرياضيات، فقد كانت قبل أيامهم تُستحدم للدلالة على تعلم أي شيء (30) مهما يكن نوعه.
فيثاغورس نفسه كشف كثيراً من النظريات الهندسية: وأهمها كلها أن مجموع الزوايا الداخلية في أي مثلث يساوي قائمتين، وأن المربع المقام على الضلع المقابل للزاوية القائمة في المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع المربعين المقامين على الضلعين الآخرين. ويقول أبلودورس Appollodorus إنه لما كشف المعلم هذه النظرية ضحى بمائة ذبيحة شكراً على هذا الكشف العظيم (32). فإن كان قد فعل ذلك حقاً فقد ناقض المبادئ الفيثاغورية مناقضة يندى لها الجبين. وانتقل فيثاغورس من الهندسة إلى الحساب - على عكس النظام المتبع في هذه الأيام. ولم يكن يقصد بالحساب وقتئذ أن يكون فناً عملياً للتعداد والإحصاء، بل كان نظرية مجردة للأعداد. ويلوح أن المدرسة الفيثاغورية هي أول من قسم الأعداد إلى فردية وزوجية، وإلى أعداد صماء وأخرى قابلة للقسمة (33)، وقد صاغت نظرية النسبة، واستطاعت بها و "بتطبيق المساحات" أن توجد الجبر الهندسي (34). ولعل دراسة النسبة هي التي أمكنت الفيثاغوريين من أن يحولوا الموسيقى إلى أعداد. ويُروى أن فيثاغورس كان في يوم من الأيام ماراً بحانوت حداد، فاسترعت سمعه الفترات الصوتية الخارجة من ضربات السندان، والتي بدت كأنها فترات موسيقية منتظمة. ولما عرف أن المطارق ذات أوزان مختلفة استنتج من ذلك أن النغمات تتوقف على نسب عددية. وتقول إحدى التجارب القلائل التي سمعنا بها في علوم القدماء إنه أتى بوترين متساويين في السمك وفي التوتر، وتبين له أنه إذا كان طول أحدهما ضعفي طول الآخر أخرجا إذا جذبهما نغمة من الدرجة الأولى؛ وإذا كان أحدهما قدر الآخر مرة ونصف مرة أخرجا خُمساً (دو - صول)؛ وإذا كان أحدهما قدر آخر مرة وثلث مرة، أخرجا رُبعاً (دو - فا (35))؛ وبهذه الطريقة يمكن أن تقدر كل نغمة موسيقية تقديراً رياضياً، وأن يعبر عنها تعبيراً رياضياً كذلك. وإذ كانت كل الأجسام التي تتحرك في الفضاء تحرج أصواتاً، تتوقف درجة ارتفاعها على حجم الجسم وسرعة
حركته، فإن كل كوكب في فلكه حول الأرض (كما يقول فيثاغورس) يحدث صوتاً يتناسب مع سرعة انتقاله، وهذا الصوت يعلو أيضاً كلما بعُد الكوكب عن الأرض؛ ويتكون من هذه النغمات المختلفة ائتلاف في الأصوات أو "موسيقى الأفلاك"، وهي موسيقى لا نسمعها قط لأننا نسمعها على الدوام (36).
ويقول فيثاغورس إن العالم جرم كري حيٌّ مركزه الأرض، وإن الأرض هي الأخرى جرم كري تدور، كما تدور الكواكب، من الغرب إلى الشرق. وقد قسم الأرض، والعالم كله في الحقيقة، خمس مناطق - المنطقة الباردة الشمالية، والباردة الجنوبية، ومنطقة الصيف، ومنطقة الشتاء، والمنطقة الاستوائية، وقال إن الجزء الذي نراه من القمر يكبر حجمه أو يصغر تبعاً للزاوية التي يواجه بها الأرضَ نصفُه المتجه نحو الشمس، وإن خسوف القمر ينشأ من وجود الأرض أو أي جرم آخر بينه وبين الشمس (37). ويقول ديوجنيز ليرتس إن فيثاغورس كان أول مَن قال إن الأرض مستديرة، وأول من سمى العالم كوناً Kosmos (38) .
وقد عمل فيثاغورس بفضل بحوثه في الرياضيات والفلك أكثر مما عمله أي عالم آخر لوضع أسس العلوم الطبيعية في أوربا. ولما أن تم له ذلك انتقل إلى الفلسفة، ويبدو أن لفظ الفلسفة نفسه من وضعه هو. وقد رفض أن يستخدم كلمة سوفيا Sophia أي الحكمة لأنها ادعاء عريض لا يرضاه، ووصف سعيه لإدراك الحقائق بأنها فلسفة Philosophia أي محبة الحكمة (39). وقد صارت كلمتا فيلسوف وفيثاغورس في القرن السادس كلمتين مترادفتين (40). وبينما كان طاليس وغيره من الميليتيين يبحثون عن أصل الأشياء جميعها في المادة، كان فيثاغورس يبحث عنه في الشكل، وبعد أن كشف ما في الموسيقى من علاقات ونتائج متتالية عددية منتظمة، وبعد أن افترض وجود هذه العلاقات والنتائج المتتالية في الكواكب نفسها، قفز قفزة الفلاسفة نحو الوحدة، وأعلن أن هذه العلاقات والنتائج المتتالية العددية المنتظمة توجد في كل مكان، وأن العامل الجوهري
الأساسي في كل شيء هو العدد. وكما أن اسبنوزا قد قال فيما بعد
(1)
إن ثمة عالمين - أحدهما عالَم الأشياء أو عالَم الناس الذي يدركونه بالحواس والآخر عالم الفلسفة، أو عالم القوانين والثوابت الذي يدركه العقل - وإن العالم الثاني وحده هو العالم الحقيقي الدائم، كذلك شعر فيثاغورس أن النواحي الأساسية الخالدة لأي شيء هي ما بين أجزائه من علاقة عددية
(2)
، ولعله كان يرى أيضاً أن الصحة نفسها علاقة رياضية أو نسبة صالحة بين أجزاء الجسم أو عناصره؛ أو أن النفس كانت هي الأخرى عدداً. وعند هذه النقطة انطلقت صوفية فيثاغورس التي استقاها من مصر وبلاد الشرق الأدنى حرة لا تلوي على شيء. فقال إن النفس تنقسم أقساماً ثلاثة: الشعور واللقانة والعقل؛ فالشعور مركزه القلب، واللقانة والعقل مركزهما المخ؛ وإن الشعور واللقانة من صفات الحيوان والإنسان على السواء
(3)
، أما العقل فيختص به الإنسان وحده، وهو خالد لا يفنى (42). وتمر النفس بعد الموت بفترة من التطهير في الجحيم Hades، تعود بعدها إلى الأرض وتدخل في جسم جديد، ثم في جسم آخر، وتمر في سلسلة من التناسخ لا ينتهي إلا إذا كان صاحبها قد حَيي حياة فاضلة منزهة عن الرذائل بأجمعها.
وكان فيثاغورس يدخل السرور على أتباعه، أو لعله كان يقوي عقيدتهم، بقوله لهم إن روحه قد تقمصت مرة جسم عاهر، ومرة أخرى جسم البطل يوفوربوس
(1)
في مقاله عن "تحسين العقل".
(2)
يحاول العلم أن يرجع الظواهر كلها إلى تقديرات كمية رياضية قابلة للتحقيق. والكيمياء تتحدث عن الأشياء بلغة الرموز والأرقام وترتب العناصر ترتيباً رياضياً في قوانين دورية، وترجعها إلى حساب ذري داخلي من الكهارب؛ وعلم الفلك رياضيات سماوية، وعلماء الطبيعة يجدون في البحث عن قانون رياضي ينطبق على الكهرباء، والمغناطيسية، والجاذبية؛ ولقد حاول بعض مفكري هذه الأيام أن يعبروا عن الفلسفة نفسها في صورة رياضية.
(3)
ومن واجبنا أن نلاحظ في هذه المقام أن فيثاغورس قد سبق باستير بعض السبق في إنكاره التوالد التلقائي، وقال إن الحيوانات كلها تولد من حيوانات أخرى عن طريق "البذور" أو "الأصول".
Euphorbus؛ وإنه يذكر بوضوح مغامراته في حصار طروادة، وإنه قد تعرف في هيكلها في أرجوس على الدرع الذي كان يلبسه في تلك الحياة القديمة (43). وسمع مرة عواء كلب مضروب فقام من فورهِ لإنقاذه، وقال إنه قد عرف في عوائه صوت صديق له ميت (44). وفي وسعنا أن نتبين شيئاً من الصلات الفكرية التي كانت تربط بلاد اليونان وإفريقية وآسية في القرن السادس، إذا ذكرنا أن فكرة التناسخ هذه كانت مستحوذة في وقت واحد على خيال الهنود وعلى طقوس أورفيوس في بلاد اليونان وعلى إحدى الطوائف الفلسفية في إيطاليا.
ونحن نستشف نزعة التشاؤم الهندية تمتزج في فلسفة فيثاغورس الأخلاقية بروح أفلاطون النيرة الصافية. والقصد من الحياة في النظام الفيثاغوري أن تخلص من التقمص، والسبيل إلى ذلك هي الفضيلة، والفضيلة هي ائتلاف الروح مع نفسها ومع الله. ومن المستطاع كسب هذا التآلف بطريقة اصطناعية. وكان الفيثاغوريون يستخدمون الموسيقى كما كان يستخدمها كهنة اليونان وأطباؤهم لشفاء الاضطرابات العصبية. وكانوا يعتقدون أن أكثر ما تحصل به النفس على التآلف هو الحكمة، وهي فهم الحقائق التي يقوم عليها هذا التآلف فهماً هادئاً؛ وذلك لأن هذه الحكمة تعلم الإنسان التواضع والاعتدال، والطريقة الوسطى الذهبية. أما الطريقة المضادة لهذه - أي طريقة التنازع والتطرف، والخطيئة - فتؤدي حتماً إلى المآسي والعقاب والعدالة "عدد مربع"، وكل خطأ "سيربع" إن عاجلاً أو آجلاً بالعقوبة المكافئة له (45). هذا هو جوهر فلسفة أفلاطون وأرسطو الأخلاقية.
أما سياسة فيثاغورس فهي فلسفة أفلاطون حققها من قبل أن يدركها. ولقد كانت مدرسة فيثاغورس، حسب ما نفهمه من الروايات القديمة المتواترة، أرستقراطية شيوعية: تطلب إلى الرجال والنساء أن يجمعوا كل ما لديهم من الطيبات، وأن يتعلموا مجتمعين، وأن يُدربوا على الفضيلة والتفكير الراقي بطريق
العلوم الرياضية والموسيقى، والفلسفة، وأن يتقدموا من تلقاء أنفسهم ليكونوا حكام الدولة الحارسين لها. والحق أن الجهد الذي كان يبذله فيثاغورس ليجعل مجتمعه هو نفسه حكومة مدينته العقلية، هو الذي أهلكه وأهلك أتباعه. فقد اندفع المبتدئون من أتباعه في تيار السياسة. وانحازوا إلى جانب الأشراف انحيازاً أثار عليهم حزب الشعب في كروتونا، فاندفع أفراده في ثورات غضبهم، وأحرقوا البيت الذي كان الفيثاغوريين مجتمعين منه. وقتلوا طائفة منهم، وأخرجوا الباقين من المدينة. وتقول إحدى الروايات إن فيثاغورس نفسه قد قُبض عليه وقُتل حين أبى في فراره أن يطأ بقدمه حقلاً من الفول؛ وتقول رواية أخرى إنه فر إلى متابنتم Metapontum حيث امتنع عن الطعام أربعين يوماً - ولعله كان يحس أنه يجب أن يكتفي من العمر بثمانين عاماً - وأمات نفسه جوعاً (46).
أما أثره فهو أثر خالد على مدى الأيام، ولا يزال اسمه حتى اليوم طناناً رناناً؛ كما عاش مجتمعه ثلاثمائة عام في صورة جماعات منتشرة في بلاد اليونان، يخرج منها علماء طبيعيون أمثال فيلولوس Philolaus الطيبي، وحكام أمثال أركيتاس Archytas طاغية تاتاس Tatas وصديق أفلاطون. ولقد كان وردسورث Wordsworth في أشهر قصائده كلها فيثاغورياً من غير أن يشعر. وكان أفلاطون نفسه يهيم بصورة فيثاغورس الغامضة؛ وهو يأخذ عنه في جميع نواحي نشاطه الذهني - في سخريته من الدمقراطية، وفي تلهفه على وجود أرستقراطية شيوعية من الحكام الفلاسفة، وفي اعتقاده أن الفضيلة تآلف، وفي نظرياته عن الطبيعة والنفس، وفي شغفه بالهندسة، وفي إيمانه بقوة الأعداد الخفية. وقصارى القول أن فيثاغورس - على قدر ما وصل إليه علمنا- هو واضع أساس العلوم الطبيعية والفلسفة في أوربا؛ وذلك عمل يكفي لتخليد اسم أي إنسان.
الفصل الثالث
زنوفانيز الإيلائي
في غرب كروتونا مكانُ لُكري Locri القديمة، ويقول أرسطو إن هذه المستعمرة قد أسسها العبيد والزانون واللصوص الفارون من بلدة لكري في أرض اليونان القارية؛ ولكن لعل الذي أنطق أرسطو بهذا القول هو احتقار العالم القديم للجديد. وساد بين المستعمرين الاضطراب الناشئ من أصلهم الأول، فلجأوا إلى مهبط الوحي في دلفي يطلبون النصيحة فقيل لهم إن عليهم أن يسنوا لأنفسهم قوانين. وربما كان زلوكوس هو الذي أنطق الوحي بما نطق به، لأنه وضع لِلُكري في عام 664 قوانين قال إن أثينة أمْلَتها عليه في المنام. وكانت هذه أول قوانين مكتوبة في بلاد اليونان كلها، وإن لم تكن أولى القوانين التي هبطت من عند الآلهة. وبلغ من حب اللكريين إياها أن حكموا على كل من يريد أن يقترح قانوناً جديداً أن يتكلم وفي جيده حبل، حتى إذا رُفض اقتراحه شنق بأقل كلفة من الأموال العامة
(1)
.
وبعد أن يطوف المسافر حول إصبع قدم إيطاليا ويتجه نحو الشمال، يصل إلى رجيو Reggio، وكانت مدينة مزدهرة أسسها أهل مسينا حوالي عام 730 ق. م وسموها رجيون Rhegion وعرفها الرومان باسم رجيوم Rhegiom، فإذا اجتاز مضيق مسينا - ولعله هو الذي سمته الأوديسة "سلا وكربديس" Scylla and Charybdis - وصل إلى المكان الذي وقف فيه لوس Laus.
(1)
كان اليونان مولعين بهذه الخرافة ولعاً حملهم على أن يذكروها أيضاً عن قوانين كتانا Catana وثورياي Thurü، وشغف ميشيل ده منتائي Michel De Montaigne بهذه الخطة، ولعلها لم تبقَ بعد أن استنفذت غرضها.
ثم جاء بعدئذ إلى هيلي (48) Hyele القديمة وهي فليا Velia الرومانية، المعروفة في التاريخ باسم إليا Elea لأن أفلاطون كتبها بهذه الصورة، ولأن فلاسفتها وحدهم هم الذين بقي ذكرهم. وهنا جاء زنوفانيز الكلوفوني حوالي 510 وأنشأ المدرسة الإليائية.
وكان ذا شخصية فذة لا تقل في ذلك عن عدوه فيثاغورس المحبوب من أهل بلده. ذلك أنه كان جم النشاط لا يكل من العمل، مبتكراً لا يهاب الابتداع، ظل ستة وسبعين عاماً - على حد قوله هو نفسه - يطوف "في أرض هيلاس من أقصاها إلى أقصاها" يجمع منها مشاهداته ويخلق لنفسه فيها أعداء أينما حل. وكان يكتب قصائد فلسفية ويتلوها على الناس، ويندد بهومر ويعيد عليه سفاهته وعدم تقواه، ويسخر من الخرافات؛ وقد أنشأ ميناء في إليا وأتم من العمر قرناً كاملاً قبل أن يموت (49). ومن أقواله أن هومر وهزيود "يعزوان إلى الآلهة كل الأعمال التي تحط من قدر الآدميين ويجللهم بالعار- كالتلصص، والزنا والغش"(50). ولكنه هو لم يبلغ شأواً بعيداً في التقى والصلاح كما يدل على ذلك قوله:
"لم يوجد في العالم كله، ولن يوجد فيه، رجل ذو علم أكيد عن الآلهة
…
فالآدميون يتصورون أن الآلهة يولدون، ويلبسون الثياب، وأن لهم أصواتاً وصوراً كأصوات الآدميين وصورهم. ولو كان للثيران والآساد أيدٍ مثلنا، وكان في وسعها أن ترسم وتصنع صوراً كما يفعل الآدميون، لرسمت لآلهتها صوراً وصنعت لها تماثيل على صورتها هي؛ ولو استطاعت الخيل لصورت آلهتها في صورتها، ولصورت الثيران آلهتها في صورة الثيران. والأحباش يصورون آلهتهم سوداً فطس الأنوف؛ والتراقيون يصورون آلهتهم زرق العيون حمر الشعر
…
ألا إن ثمة إلهاً واحداً يعلو على الآلهة والبشر؛ لا يشبه الآدميين في صورته ولا في عقله.
فهو كله يرى، وكله يفكر، وكله يسمع. وهو يسيطر من نصب على الأشياء كلها بقوة عقله (51).
ويقول ديوجنيز ليرتس (52) إن زنوفانيز قد وحد بين هذا الإله والكون. وكان هذا الفيلسوف يعلم الناس أن الأشياء كلها، بل والناس أيضاً، مخلوقون من الطين والماء حسب قوانين طبيعية (53)، وإن الماء كان في يوم من الأيام يغطي الأرض بأجمعها لأنا نرى في الحفريات البحرية في الأرض بعيدة عن شواطئ البحار وعلى رؤوس الجبال، وأكبر الظن أن الماء سيغطي الأرض كلها يوماً ما في المستقبل (54). بيد أن كل ما يحدث في التاريخ من تغير، وكل ما يحدث في الأشياء من فرقة وانقسام، ليس إلا ظواهر سطحية، وأن من تحت هذا الرخام ومن وراء ذلك الاختلاف في الصور والأشكال وحدة لا تتبدل أبداً هي حقيقة العلم الباطنة الداخلية.
ومن هذه البداية سار برمنيدس الإليائي تلميذ زنوفانيز إلى الفلسفة المثالية التي كان لها أكبر الأثر في تشكيل تفكير أفلاطون والأفلاطونيين طوال العصر القديم، وتفكير أوربا الذي دام إلى يومنا هذا.
الفصل الرابع
من إيطاليا إلى أسبانيا
على بعد عشرين ميلاً إلى شمال إليا كانت تقوم مدينة بسدونيا - بستم Paestum الرومانية - التي أنشأها مستعمرون من سيباريس لتكون آخر محطة برية إيطالية لتجارة ميليتس. وفي وسع الإنسان أن يصل إليها اليوم بعد سفرة لطيفة من نابلي مخترقاً سالرنو Salerno، وتظهر أمامه على حين غفلة، على جانب الطريق، وسط حقل مهجور، ثلاثة تماثيل، عظيمة حتى في عزلتها. فلقد سد النهر في هذا المكان مصبه بما يحمله من الغرين طوال القرون الماضية، فاستحال هذا الوادي الذي كان من قبل وادياً صحياً طيباً مناقع ضارة بالصحة؛ وحتى الأقوام الذين يحرثون سفوح جبل فيزوف، والذين لا يبالون بما يصيبهم في سبيل ذلك من أذى، حتى هؤلاء قد فروا يائسين من هذه السهول الموبوءة بالملاريا. وقد أبقى الزمان على أجزاء من الجدران القديمة، وأبقى كذلك بحالة أجود من حالة هذه الجدران - وكأن العزلة كانت من أسباب هذا البقاء - على الأضرحة التي شادها اليونان من حجر الجير المتوسط الصلابة، ولكنها كاملة لم تكد تنال منها يد الزمان شيئاً. وقد أقام اليونان هذه الأضرحة لآلهة الحب والبحر - وأغلب الظن أن أقدم هذه المباني، وهو البناء الذي سُمي فيما بعد "الباسلكا Basilika "، كان هيكلاً لبوسيدن. وقد شاده له الأقوام الذين يعتمدون في طعامهم على فاكهة البحر المتوسط وتجارته حوالي منتصف هذا القرن السادس العجيب، الذي خلق كل عظيم في الفن والأدب والفلسفة بين إيطاليا وشانتنج Shantung. وقد بقيت من هذا الهيكل أعمدته الداخلية والخارجية شاهدة على شغف اليونان بإقامة العمد. وأقام الجيل الذي تلاه
هيكلاً أصغر من هذا الهيكل شبيهاً به في بساطته وقوته الدوريتين. ونحن نسميه "هيكل سيريز Ceres" ولكنا لا نعرف أي الآلهة كان يشم رائحة قرابينه. وشاد جيل بعد هذا الجيل أيضاً؛ قبيل الحرب الفارسية أو بعدها (55)؛ أعظم الهياكل الثلاثة وأحسنها تناسباً؛ وأكبر الظن أنه شيد لبوسيدن أيضاً - وهو من أجدر الهياكل بهذا الإله لأن في وسع الإنسان أن يطل من أروقته على صفحة البحر الغدار الذي يغري المطل عليه بركوبه. وأينما ولى الإنسان وجهه في هذا الهيكل رأى عمداً: ففي الخارج رواق دوري قوي كامل البناء، وفي الداخل رواق من العمد ذو طابقين كان يحمل أعلاها فيما مضى سقفاً. وذلك منظر من أعظم المناظر الإيطالية تأثيراً في النفس؛ ولا يكاد الإنسان يصدق أن هذا الهيكل الذي احتفظ بكيانه أحسن مما احتفظ به أي هيكل شاده الرومان، كان من عمل اليونان قبل ميلاد المسيح بخمسة قرون لا تكاد تنقص شيئاً. وفي وسعنا أن نستدل منه على ما كان للأقوام الذين شادوا أمثال هذا المركز لحياتهم الدينية من حيوية وولع بالجمال، وما كانوا يستمتعون به من موارد ثراء ومن حسن ذوق. وفي وسعنا أن نتصور من بعد هذا صورة واضحة جلية لما كانت عليه المدن الكبرى مثل ميليتس، وساموس، وإفسوس، وكروتونا، وسيباريس وسرقوسة من أبهة وثراء.
وعلى مسافة قليلة من الموضع الذي تقوم عليه نابلي الحديثة، وإلى شماليها، أقام بعض المغامرين من كلوسيس، وإرتريا، وكيمي Cyme العوبية، وجرايا Graia، حوالى عام 750 ثغر كومية أقدم المدائن اليونانية في غرب بلادهم، وسرعان ما أثرت كومية من استيرادها غلات بلاد اليونان الشرقية وبيعها في أواسط إيطاليا، وأعانها ذلك على استعمار جيوم والسيطرة عليها، كما سيطرت على مضيق مسينا وحرمت عبوره على سفن المدائن التي لم تعقد معها حلفاً تجارياً أو سمحت لها بالمرور بعد أداء رسوم باهظة فرضتها عليها (56). وانتشر الكوميون
جنوباً وأسسوا دسيآركيا Dicaearchia - وهي التي أصبحت فيما بعد ثغر بتيولي Puteoli (بتسيولي Pozzuoli) الروماني - ونيبوليس Neapolis أو المدينة الجديدة وهي مدينة نابلي الحالية. ومن هذه المستعمرات انتقلت الأفكار اليونانية كما انتقلت المتاجر اليونانية إلى مدينة رومة الناشئة التي لم يكن لها وقتئذ شأن كبير بين المدن، كما انتقلت شمالاً إلى إتروريا. واختار الرومان من كومية عدداً من الآلهة اليونانية - وبخاصة أبلو، وهرقليز، وابتاعوا الملفات التي تنبأت فيها سيبيل الكومية - كاهنة أبلو العجوز - بمستقبل رومة بأكثر مما تستحقه من الثمن.
وقبل أوائل القرن السادس بقليل نزل فوقِيُّو أيونيا على سواحل فرنسا الجنوبية وأسسوا مساليا (مرسيليا)، ونقلوا غلات بلاد اليونان في نهر الرون وروافده حتى أرليس Arles ونميز Nimes. واتخذوا من الأهلين أصدقاءً وأزواجاً، وأدخلوا زراعة الزيتون والكروم هدية منهم إلى فرنسا، كما أدخلوا الحضارة اليونانية إلى غالة الجنوبية، ونشروها بين ربوعنا إلى حد يسر لرومة فيما بعد أن تنشر فيها هي الأخرى في أيام قيصر حضارتها الوثيقة الصلة بالحضارة اليونانية. وأسس الفوقيون في اتجاه الشرق على طول الساحل مدن أنتبوليس Antipolis (أنثيب Antipes الحديثة)، ونيسية Nicaea (نيس الحالية) ومنوكوس Monoecus (موناكو). أما في الغرب فقد وصلوا إلى أسبانيا وأسسوا مدينة رودية Rhodae (ورساس Rosas) وإمبوريوم (أمبورياس) وهمروسكوبيوم Hemoroscopium وميناكا Maenaca بالقرب من مالقة Malaga؛ وأثرى اليونان في أسبانيا وقتاً ما باستغلالهم مناجم الفضة في تارتسوس Tartessus؛ ولكن القرطاجيين والإتروريين تألبوا عليهم في عام 535 ودمروا الأسطول الفوقي، ومن ذلك الوقت أخذت قوة اليونان في غرب البحر المتوسط تتضاءل ولم تقم لهم فيه بعدئذ قائمة.
الفصل الخامس
صقَلِّيَة
لقد تركنا إلى آخر المطاف، أو على الأصح إلى قبيل أخره، أغنى الأصقاع التي استعمرها اليونان. ونقول أغناها لأن الطبيعة وهبت صقلية ما حرمت منه بلاد اليونان في القارة الأوربية - ونعني بذلك تربتها التي لا يكاد ينفذ خصبها بفضل أمطارها وحمم بركانها - ولذلك كانت تنتج من القمح والحبوب الأخرى ما جعل أهلها يعتقدون أنها إن لم تكن مسقط رأس دمتر نفسها فلا أقل من أن تكون ملجأها المفضل المحبوب. لقد كان فيها بساتين وكروم، وآجام من أشجار الزيتون مثقلة كلها بالثمار؛ وكان فيها شهد لا يقل حلاوة ولذة عن جني همتوس Hymettus، وأزهار تتفتح طائفة بعد طائفة من بداية العام إلى نهايته. كان فيها سهول كلئة ترعى فيها الماشية والضأن، وتنمو على منحدرات تلالها أشجار لا يحصها عد، وسمك البحار المحيطة بها يتوالد وينمو أسرع مما يستطيع أهل صقلية أن يأكلوه.
وازدهرت في هذه الجزيرة ثقافة من ثقافات العصر الحجري الجديد في الألف الثالث من السنين التي قبل ميلاد المسيح، وأخرى من ثقافات العصر البرونزي في الألف الثاني منها؛ وحتى في الأيام المينوية كانت التجارة الخارجية تربط الجزيرة بكريت وبلاد اليونان (57). وفي أواخر الألف الثاني من السنين تكسرت ثلاث أمواج من الهجرة على سواحل صقلية: وهي موجة السكانيين Sicans من أسبانيا، وموجة الإليميين Elymi من آسية الصغرى، وموجة الصقليين Sicels من إيطاليا (58). واستقر الفينيقيون حوالي عام 800 ق. م في متيا Motya وبنورموس Panormus (بالرمو) في غربي الجزيرة. ثم تدفق
اليونان عليها من سنة 735 وما بعدها
(1)
، وسرعان ما أسسوا ناكسوس، وسرقوسة، وليونتيني Leontini، ومسانا (مسينا)، وقطانا Catana، وجيلا، وهميرا Himera، وسلينس، وأكروجاس. وكان أهل الجزيرة الأصليون في جميع هذه الهجرات يُطردون من السواحل نحو الداخل بقوة السلاح. وقد انسحبت كثرتهم إلى الأصقاع الجبلية الداخلية تفلحها وتستغلها، ومنهم أقلية أصبحت عبيداً للغزاة. وتزاوج عدد منهم مع الفاتحين بلغ من الكثرة حداً أصبح معه للدم والعادات والأخلاق اليونانية في صقلية الغلبة على طباع الأهلين، فاتصفوا بما كان يتصف به اليونان من ثورة عاطفية وانهماك في العلاقات الجنسية (59). ولم يفتتح اليونان الجزيرة في وقت من الأوقات بالمعنى الصحيح للفظ الفتح، بل بقي الفينيقيون والقرطاجنيون أصحاب السلطة العليا على ساحلها الغربي، ودامت الحرب بينهم وبين اليونان خمسمائة عام، رمزاً للكفاح بين اليونان والساميين، وبين أوربا وإفريقية، للاستيلاء على صقلية وبدأ هذا النزاع من جديد في العصور الوسطى بين أهل الشمال (النورمان) والعرب بعد أن ظلت رومة مسيطرة على الجزيرة ثلاثة عشر قرناً من الزمان.
وامتازت قطانا بشرائعها، كما اشتهرت جزائر ليباري Lipari بشيوعيتها، وميرا بشاعرها سيجستا Segesta سلينس وأكروجاس بهياكلهما، وسرقوسة بقوتها وثرائها. وأضحت الشرائع التي سنها كارنداس Charondas لقطانا قبل صولون بجيل كامل أنموذجاً تحتذيه كثير من المدن في صقلية وإيطاليا، وكانت عاملاً قوياً في استتباب النظام العام وكبح الشهوات الجنسية في مجتمعات لا تحميها التقاليد القديمة ولا السوابق المقدسة المرعية. ومن أقوال كارنداس في هذا المعنى أن في وسع الرجل أن يطلق زوجته، كما أن في مقدور الزوجة أن تطلق زوجها، ولكن ينبغي للرجل ألا يتزوج أصغر من مطلقته كما أن عليها هي الأخرى
(1)
أو لعل ذلك كان بعد جيل من ذلك الوقت.
ألا تتزوج برجل أصغر ممن طلقها (60) وتروي قصية يونانية الطابع نصادفها كثيراً في القصص اليوناني أن كرنداس حرَّم على المواطنين أن يدخلوا الجمعية مسلحين. على أنه حدث في يوم من الأيام أن جاء هو إلى اجتماع عام يحمل سيفه سهواً منه، ولما أن لامه أحد الناخبين على مخالفته لشريعته أجابه بقوله:"سأؤيد هذا القانون" ثم قتل نفسه (61).
وإذا شئنا أن نتصور ما كان يكتنف الحياة من صعاب في هذه المستعمرات التي نشأت عن طريق الفتح العنيف، فما علينا إلا أن نستعرض النزعة الشيوعية العجيبة التي كانت تسود جزائر ليبازي (أي المجيدة) الواقعة إلى الشمال من شرق صقلية. فقد أقام فيها حوالي عام 580 ق. م جماعة من المغامرين جاءوا من نيدس Cnidus جنة القراصنة. وكان هؤلاء يهاجم المتاجر المارة حول المضيق، ويأتون بغنائمهم إلى أوكارهم في الجزيرة ويقتسمونها فيما بينهم قسمات تعد مضرب المثل في العدالة. وكانت الأرض ملكاً للأهلين مجتمعين، يخصصون عدداً منهم لفلحها، ويوزعون غلتها على المواطنين توزيعاً عادلاً خالياً من الظلم والإجحاف. بيد أن النزعة الفردية عادت إلى الظهور على مدى الأيام، فقسمت الأرض أقساماً امتلكها الأفراد، وعادت تجري في مجراها المألوف خالية من المساواة، مليئة بالتنافس والتطاحن.
وعلى ساحل صقلية الشمالي كانت تقوم مدينة هيمارا، وقد شاءت الأقدار أن تجعل منها بلاتية في الغرب، وفيها صاغ استسيكورس Stecichorus " صانع الأناشيد الجماعية" خرافات بني جنسه في صورة أغانٍ جماعية في الوقت الذي أخذ فيهِ اليونان يملون الملاحم الطوال؛ وحتى هلن وأخيل نفسهما لم ينجوا من هذا التجديد القصير الأجل بل اكتسيا على يدهما بهذا "الثواب الجديد". وكأنما أراد استسيكورس أن يسد الثغرة بين الملحمة الميتة، والرواية القصصية المقبلة، فألف قصصاً شعرية؛ روى في إحداها كيف ماتت فتاة طاهرة لأن من أحبته لم
يستجب لحبها، وكان الأسلوب الذي روي به هذه القصة شبيهاً بأسلوب أغاني الحب البروفنسالية Provencal في فرنسا أو قصص العصر الفكتوري في إنجلترا. هذا إلى أنه قد مهد في الوقت نفسه الطرق أمام ثيوقريطس Theocritus بأن كتب قصيدة في حياة الرعاة روى فيها موت الراعي دفنيس Daphnis الذي كان حبه لكلو Chloe موضوع الروايات اليونانية في العصر الروماني. وقد كتب استسيكوروس نفسه رواية غرامية كانت بطلتها هلن نفسها. ولما فقد استسيكوروس بصره اعتقد أن هذه الكارثة لم تحل به إلا لأنه نقل إلى الخلق قصة خيانة هلن؛ وأراد أن يكفر لها عن ذنبه (لأنها أصبحت وقتئذ إلهة) فألف قصيدة أخرى أنكر فيها ما قاله في أغنيته الأولى، وأكد للعالم أن هلن اختطفت من بيتها قوة واقتداراً، وأنها لم تسلم نفسها قط لباريس؛ ولم تذهب إلى طروادة، بل بقيت سالمة في مصر حتى جاء منلوس لينقذها من محنتها. وقد حظر الشاعر في شيخوخته هيمرا من سلطة فلارس Phalaris الأكرجاسي المطلقة
(1)
، فلما أصم فلارس أذنيه عن سماع نصحه انتقل إلى قطانا، حيث كان قبره الأثري من المناظر الرائعة في صقلية في العصر الروماني.
وإلى غرب هيمرا كانت سيجستا Segesta، التي لم يبقَ منها إلا رواق ذو عمد دورية ناقصة تقوم الآن وسط ما يحيط بها من الأعشاب البرية. وإذا شئنا أن نتبين طراز فن العمارة الصقلية في أحسن صوره، كان علينا أن نخترق الجزيرة إلى الجنوب حيث كانت المدينتان العظيمتان سلينس وأكروجاس. فأما سلينس فقد شادت للآلهة الصامتة، في أثناء حياتها المحزنة منذ تأسيسها في
(1)
وقد صاغ هذا التحذير في قالب خرافة، فقال إن حصاناً قد ضايقه اقتحام وعل مرعاه، فطلب إلى رجل أن يعينه على عقاب المعتدي ووعده الرجل أن يجيب طلبه إذا سمح له أن يركبه وحربته في يده. فوافق الحصان على ذلك، وهرب الوعل من المرعى خائفاً مذعوراً، ولكن الحصان وجد أنه قد أصبح عبداً للرجل.
عام 651 إلى أن دمرها القرطاجنيون عام 409، سبعة هياكل دورية الطراز، ضخمة ولكنها تعوزها الدقة وحسن الصناعة، يغطيها الجص المزين بالرسوم وعليها نقوس بارزة فجة. وقد دمر شيطان الزلازل هذه الهياكل في وقت غير معروف، ولم يبقَ منها سوى أعمدة محطمة وتيجان ملقاة على الأرض.
وأما أكروجاس - أجرجنتم الرومانية - فقد كانت في القرن السادس أكبر مدائن صقلية وأعظمها ثروة. وفي وسعنا أن نتخيلها ممتدة من أرصفتها الشديدة الحركة، إلى سوقها الصاخبة، وإلى بيوتها القائمة على جانب التل، ثم إلى قلعتها الحصينة الفخمة التي تكاد أضرحتها لعلوها الشاهق أن ترفع المتعبدين فيها إلى السماء. وفي هذه المدينة رضي الأشراف ملاك الأراضي أن يسلموا زمام الحكم إلى دكتاتورية تمثل الطبقة الوسطى بنوع خاص، شأنها في هذا شأن معظم المدن اليونانية. وفي عام 570 اغتصب فلارس زمام الحكم، وخلد اسمه على مر الأزمان بأن شوى أعداءه في داخل ثور من النحاس الأصفر؛ ولقد سره بنوع خاص أن استطاع صانعوا هذا الثور أن يستحدثوا فيه طريقة تجعل عويل الضحايا يخرج من طائفة من الأنابيب كأنه خوار الثور نفسه (62). لكنه رغم هذا كان هو وطاغية آخر من بعده يدعى ثيرون Theron الرجلين الذين تمتعت المدينة في عهدهما في النظام السياسي والاستقرار، وبفضلهما قطعت شوطاً بعيداً في سبيل تقدمها الاقتصادي، حتى أصبح تجار أكروجاس كما أصبح تجار سلينس، وكرتونا، وسيبارس أصحاب الملايين في تلك الأيام، وكان ذوو المال الأقل منهم شأناً في بلاد اليونان القديمة، يحسدونهم شراً على ثرائهم العظيم، وينتقمون لأنفسهم منهم بازدرائهم، ويقولون إن الأثرياء الجدد مولعون بالضخامة والمظهر، ولكنهم يعوزهم الذوق وجمال الفن. وما من شك في أن هيكل زيوس في أكروجاس كان يمتاز بضخامته، فقد وصفه بولبيوس بأنه "لا يعلو عليه هيكل آخر في حجمه أو تصميمه"(63)؛ وليس في مقدورنا أن نقدر ما كان عليه من
جمال، لأن الحروب والزلازل دمرته تدميراً، ثم سادت أكروجاس بعد جيل من ذلك الوقت؛ أي في عصر بركليز، هياكل أخرى أقل من هذا حجماً. وقد بقي أحدها وهو هيكل الوفاق Concord بكامل أجزائه تقريباً، كما بقي من هيكل هيرا طائفة من العمد تؤثر في النفس بروعتها. ويكفي ما بقي من المعبدين للدلالة على أن الذوق اليوناني لم يكن مقصوراً على أثينة وحدها، وعلى أن الغرب التجاري نفسه قد أدرك أن "الرقي ليس في الضخامة". وفي أكروجاس ولد إمبدقليز العظيم، ولا يبعد أن يكون قد مات فيها أيضاً لا في فوهة بركان إتنا Etna.
وبدأت سرقوسة بالصورة التي هي عليها اليوم- قرية محتشدة على لسان ارتجيا Ortygia الجبلي الممتد في البحر. وكانت كورنثة قد أرسلت في القرن الثامن جماعة من المستعمرين مسلحين بأخلاق قوية وأسلحة متفوقة للاستيلاء على شبه الجزيرة الصغيرة. ولعلها كانت وقتئذ جزيرة، فبنوا أو وسعوا الطريق الذي يصلها بأرض صقلية، وطردوا معظم الصقليين إلى داخل الجزيرة. وازداد أبناؤهم كما يزداد أبناء الشعب القوي في الأرض الكثيرة الموارد، حتى أصبحت مدينتهم على مر الأيام أكبر المدن في بلاد اليونان كلها، فكان طول محيطها أربعة عشر ميلاً، وسكانها نصف مليون. وقام العامة من سكانها الذين لم يكن لهم ما لسائر الأهلين من حقوق سياسية، ومعهم الصقليون المسترقون، بثورة على الأشراف ملاك الأراضي واستولوا منهم على أزمة الحكم في عام 495. ولكن الدمقراطية الجديدة- إذا جاز لنا أن نصدق أرسطاطاليس (64). عجزت عن أن تقيم مجتمعاً منظماً، وما زالت كذلك حتى قام جيلون الجيلي Gelon of Gela في عام 485 واستبدل بها دكتاتورية مستعيناً على ذلك بخطة من الغدر المستنير. وكان كالكثيرين من أمثاله حاكماً قديراً لا يرعى عهداً ولا ذمة، يسخر من جميع المبادئ الأخلاقية والقيود السياسية، وجعل من أرتيجيا حصناً منيعاً لحكومته، وفتح نكسوس،
وليونتيني، ومسانا؛ وفرض الضرائب على شرقي صقلية كله ليستعين بها على جعل سرقوسة أجمل العواصم اليونانية. ويقول عنه هيرودوت متحسراً: "وبهذه الطريقة أصبح جيلون ملكاً
(1)
عظيماً".
ثم صلح حاله وصار بابليون صقلية المعبود، حين بعث خشيارشاي أسطوله ليهاجم أثينة، فسير القرطاجنيون عمارة بحرية يكاد عدد سفنها يساوي عدد مراكب الأسطول الفارسي؛ لتنتزع جنة الجزائر كلها من أيدي اليونان. وكان مصير الجزيرة هو نفس المصير الذي لاقته بلاد اليونان حين واجه جيلون هملكار في هيمرا في نفس الشهر- أو في نفس اليوم كما تقول الرواية المتواترة- الذي واجه فيه ثمستكليز خشيارشاي في سلاميس.
(1)
ويقول لوشيان Lucian: " لقد كان جيلون السرقوسي أبخر، ولكنه لم يعرف ذلك عن نفسه إلا بعد زمن طويل، لأن أحداً من الناس لم يجرؤ على أن يُطلع الطاغية المستبد على هذه الحقيقة، حتى جرأت امرأة أجنبية كانت ذات صلة به على أن تطلعه عليها، فما كان منه إلا أن ذهب إلى زوجتهِ وأنبها على سكوتها عن ذلك رغم ما لديها من الفرص الكثيرة التي كانت تمكنها من الإفضاء إليه بهذا السر، وكان دفاعها أنها كانت تظن أن الرجال كلهم على شاكلتهِ لأنها لم تعرف الرجال عن قرب طوال حياتها ولم تقترب منهم قط"، وبذلك لم يجد لنفسه حيلة معها.
الفصل السّادس
اليونان في إفريقية
وكان من حق القرطاجنيين أن يوجسوا في أنفسهم خيفة، لأن اليونان شيدوا مدناً عامرة على ساحل إفريقية الشمالي نفسه وأخذوا يستولون على تجارته. فقد أرسل الدوريون أهل ثيرا منذ عام 630 جالية كبيرة إلى قورين في منتصف الطريق بين قرطاجنة ومصر. ووجدوا فيها على حافة الصحراء تربة خصبة ومطراً بلغ من غزارته أن قال عنه أهل البلاد إن في السماء من فوقهم فرجة تنصب منها الأمطار. واستخدم اليونان بعض الأرض للرعي، وأصدروا منا إلى الخارج الأصواف والجلود، واستنبتوا من نبات الأنجدان تابلاً كانت بلاد اليونان بأجمعها تحرص على شرائه؛ وكانوا يبيعون غلات بلادهم إلى إفريقية، وارتقوا بحرفهم اليدوية إلى حد جعل المزهريات القورينية من أحسن مزهريات العالم.
وانتفعت المدينة بثروتها على خير وجه وأحكمه، وازدانت بالحدائق الغناء، وبأعظم الهياكل والتماثيل وحلبات الألعاب. وفيها ولد ارستبوس Aristippus أول فيلسوف أبيقوري ذائع الصيت، وإليها عاد بعد تجوال طويل ليؤسس المدرسة القورينية.
وحط اليونان رحالهم في مصر نفسها وهي المعروفة بكراهيتها لاستيطان الأجانب بها
(1)
؛ وأنشئوا لهم فيها آخر الأمر إمبراطورية. فقد أنشأ الميليتيون حوالي عام 650 محطة تجارية عند نقراطيس على فرع النيل الكانوبي. وسمح
(1)
هذا ما يؤيد التاريخ نقيضه فقد كانت مصر على الدوام كريمة مضيافة لنزلائها الأجانب الصالحين ينعمون بخيراتها كما ينعم بها أبناؤها. (المترجم)
لهم أبسماتيك الأول فرعون مصر بإنشائها لأنهم يصلحون لأن يكونوا جنوداً مرتزقين، ولأن تجارتهم كانت غنية طيبة له يحصل منها جباتُه على ضرائب جمركية عالية (67). ووهبهم أحمس الثاني قسطاً كبيراً من الحكم الذاتي؛ وأصبحت نقراطيس مدينة صناعية أو كادت، تنتج الفخار، والقرميد، والخزف الرقيق؛ وأهم من هذا أنها أصبحت مستودعاً تجارياً عظيماً، يأتي إليها زيت بلاد اليونان وخمرها، وترسل قمح مصر وتيلها وصوفها، وعاج إفريقية وعطورها وذهبها. وانتقلت مع هذه المتاجر معارف مصر، وطقوسها الدينية، وعمارتها، ونحتها، وعلومها الطبيعية إلى بلاد اليونان، كما دخلت مصر مع غلات اليونان ألفاظهم وأساليبهم في الحياة، فمهدت السبيل إلى سيطرة اليونان على مصر في العصر الإسكندري.
وإذا تصورنا مركباً يونانياً يسير من نقراطيس إلى أثينة؛ أتممنا بذلك طوافنا حول العالم اليوناني. ولقد كان واجباً علينا أن نطوف هذا الطواف الطويل لكي ندرك مدى الحضارة الهيلينية ونشعر باختلاف مظاهرها. ولقد قص علينا أرسطاطاليس تاريخ النظام الدستوري في 158 دولة من دول المدن اليونانية، ولكنه أغفل تاريخ ألف مدينة غيرها. لقد كانت كل واحدة منها تضطلع بنصيبها في تجارة البلاد التي نطلق عليها اسم بلاد اليونان، وصناعتها، وتفكيرها. وفي المستعمرات لا في أرض اليونان الأصلية ولد فنا الشعر والنثر اليونانيان، ونشأت علوم الرياضة وعلوم ما وراء الطبيعة، والخطابة والتاريخ، اليونانية. ولولا هذه المستعمرات وعشرات المئات من اللوامس الماصة التي بثتها في العالم القديم تمتص بها ما فيه من علم وفن وثقافة، ولولا هذه وتلك لما وجدت الحضارة اليونانية وهي أثمن نتاج التاريخ بأجمعه، وعن طريق هذه المستعمرات واللوامس انتقلت حضارة مصر والشرق إلى بلاد اليونان، وانتشرت الثقافة اليونانية انتشاراً بطيئاً في آسية وإفريقية وأوربا.
الباب الثامن
آلهة اليونان
الفصل الأوّل
أصل الشرك
إذا بحثنا عن العناصر الموحّدة في حضارة هذه المدائن المتفرقة وجدنا منها خمسة عناصر جوهرية: لغة مشتركة ذات لهجات محلية؛ وحياة ذهنية مشتركة لا يعرف من رجالها في الأدب والفلسفة والعلوم خارج حدود بلادهم السياسية إلا كبارهم، وشغف مشترك بالألعاب الرياضية ينفسون به في المباريات التي تقام بين الأفراد في المدن نفسها أو بين الدول بعضها وبعض، وحب للجمال تعبر عنه المدن بأشكال من الفن عامة بين الجماعات اليونانية كلها، وطقوس وعقائد دينية موحدة بعض التوحيد.
وكان الدين عاملاً في التفرقة بين اليونان بقدر ما كان في وحدتهم. فقد كان من وراء عبادة آلهة الأولمبس العامة البعيدة، وهي العبادة التي كان فيها قسط كبير من الأدب والمجاملة، عبادة أقوى منها للآلهة وللقوى التي تدين بالطاعة لزيوس. وكانت النزعة الانفصالية القبلية والسياسية تغذي الشرك وتجعل التوحيد مستحيلاً. فقد كان لكل أسرة في أيام اليونان القديمة إلههاً الخاص، توقد له في البيت النار التي لا تنطفئ أبداً، وتقرب له القربان من الطعام والخمر قبل كل وجبة. وكان هذا الاقتسام المقدس للطعام بين الآدميين والآلهة أول الأعمال الدينية الأساسية التي تعمل في البيت. وكان المولد والزواج والموت تُخلع عليها هالة
من القداسة بالطقوس القديمة أمام النار المقدسة، وبهذه الطريقة كان الدين عاملاً في خلق الشعر الصوفي وفي إكساب الحوادث الرئيسية في الحياة البشرية مسحة من الوقار أعانت على استقرارها وثباتها. وكذلك كان لكل جماعة بطناً كانت أو عشيرة أو قبيلة أو مدينة إلهها الخاص، بها فكانت مدينة أثينة تعبد الإلهة أثينا؛ وإلوسيس تعبد دمتر، وساموس تعبد هيرا، وإفسوس تعبد أرتميز، وبوسيدونيا تعبد بوسيدون. وكان وسط المدينة وأعلى مكان فيها ضريح إلهها، وكان الاشتراك في عبادة إلهها رمز مواطنيها وميزتهم والواجب المفروض عليهم. وإذا ما خرجت المدينة للحرب حملت معها في مقدمة جيوشها صورة إلهها وشعاره، ولم تكن تخطو خطوة خطيرة إلا بعد استشارته بسؤاله عما يخبئه الغيب لها. وكان لها عليه في نظير هذا أن يحارب في صفها، وكان يبدو لأهلها أحياناً أنه قد يتجلى لهم في مقدمة الجيش أو فوق رماح الجنود. ولم يكن النصر مقصوراً على غلبة مدينة لمدينة بل كان يشمل فوق ذلك غلبة إله لإله. وكانت المدينة، كما كانت الأسرة وكما كانت القبيلة، تحتفظ على الدوام بنار مقدسة موقدة عند مذبح عام في بهو المدينة، ترمز لحياة منشئتها وأبطالها القوية الخالدة؛ وكان مواطنوها يجتمعون في مواسم معينة ليطعموا جميعاً أما هذه النار. وكما كان أب الأسرة هو أيضاً كاهنها، كذلك كان حاكم المدينة الأكبر أو أركونها كبير كهنة قي دين الدولة، وكان الإله يخلع على سلطانه وأعماله كلها ثوباً من القداسة. وهكذا استحال الإنسان بفضل تجنيد الآلهة على هذا النحو من صياد جوال إلى مواطن مستقر.
وحرر الاستقلال المحلي خيال اليونان الديني من القيود فأخرج للعالم أساطير دينية موفورة ومجموعة كبيرة من الآلهة. فكان كل شيء وكل قوة في الأرض أو السماء، وكل نعمة أو نقمة، وكل صفة- ولو كانت رذيلة- من صفات الإنسان، تمثل إلهاً في صورة بشرية عادة. وليس ثمة دين يقرب آلهته من
الآدميين قرب آلهة اليونان. وكان لكل حرفة، ولكل مهنة، ولكل فن، إله خاص أو راع حارس؛ بلغة هذه الأيام. وكان عند اليونان فضلاً عن هذا شياطين، ونساء مجنحة، وآلهة انتقام، وجن، وأرباب بشعة المنظر، وإلاهات ذوات صوت شجي يسلب العقول، وحور عين في البحار والغاب لا يقل عددهن عن سكان الأرض من الآدميين. وفي هذه البلاد بنوع خاص لا تبقى حاجة للسؤال القديم "هل الدين من وضع الكهنة؟ ". ذلك أن من غير المعقول أن أية مؤامرة يدبرها رجال الدين الأولون تستطيع أن تخرج هذه الكثرة من الآلهة. وما من شك في أن من أكبر النعم التي ينعم بها هؤلاء الأقوام أن يكون لهم كل أولئك الآلهة، وكل هالة القصص الفتانة الساحرة، وكل هذه الأضرحة المقدسة والحفلات المهيبة المرحة. لقد فُطر الإنسان على أن يعبد آلهة متعددة كما فُطر على الزواج من نساء متعددات، ولا يقل عمر فطرته الأولى عن فطرته الثانية، لأنها توائم كل المواءمة ما في العالم من تيارات متعارضة. وإن مسيحية البحر المتوسط في هذه الأيام لا يعبد فيها الله بقدر ما يعبد فيها الأولياء والقديسون. ذلك أن الشرك هو الذي يوحي إلى حياة السذج بالأساطير وما فيها من خيال وسلوى؛ ويهب النفس الذليلة المعونة والراحة واللتين لا تجرؤ على انتظارهما من كائن أعلى رهيب بعيد لا تستطيع الوصول إليهِ
(1)
.
وكان لكل إله من الآلهة أسطورة (Mythos) أي قصة، متصلة به تشرح سبب وجوده في حياة المدينة، أو تفسر الطقوس التي تقام تكريماً له.
(1)
لا نوافق المؤلف على قوله إن الشرك فطرة فطر الناس عليها إلا إذا كان يقصد بالفطرة صفة الإنسان الجاهل الساذج صاخب العقل غير المستنير. ودليلنا على هذا نزعة الإنسان إلى الإيمان بوحدانية الله واقترابه من هذه الوحدانية بقدر استنارة عقله. كذلك لا تر ما يراه من أن النفس البشرية لا تجد المعونة والراحة إلا في الأساطير وفي الشرك، بل معتقد أن في وسعها أن تجدهما في رعاية الله الرحمن الرحيم القريب من عباده المجيب لدعوة الداعي إذا دعاه. (المترجم)
وقد أصبحت هذهِ الأساطير التي نشأت نشأة تلقائية مما في المكان ومما لدى الناس من معارف، أو كانت من وضع الشعراء الدواوين وزخرفهم، أصبحت هذهِ الأساطير عقيدة اليونان الأولين، وفلسفتهم، وآدابهم، وتاريخهم، جميعاً. فمنها استمدوا الموضوعات التي زينوا بها مزهرياتهم، وهي التي أوحت إلى الفنانين ما لا يحصى من الرسوم، والتماثيل، والنقوش. وقد ظل الناس إلى آخر أيام الحضارة الهيلينية يخلقون الأساطير، بل يخلقون الآلهة أنفسها، رغم ما أنتجته بحوثهم الفلسفية، ورغم محاولات عدد قليل منهم دعوة الناس إلى التوحيد. لقد كان في وسع رجال من أمثال هرقليس أن يعدوا أمثال هذهِ الأساطير مجرد مجازات وتشابيه، وفي وسع آخرين أمثال أفلاطون أن يعدلوها ويوفقوا بينها وبين ما تقبله العقول، وفي مقدور رجال من أمثال زنوفانيز أن ينددوا بها وينبذوها؛ غير أن بوزنياس، حين طاف ببلاد اليونان بعد خمسة قرون من عهد أفلاطون، وجد الخرافات والأساطير التي كانت تثير الحمية في قلوب الأهلين في عصر هومر لا تزال حية قوية. ذلك أن عملية تشعير الأساطير، وتشعير
(1)
الدين عملية طبيعية، تحدث في هذهِ الأيام كما كانت تحدث على الدوام في العصور الخالية؛ وثمة نسبة للوفيات ونسبة للمواليد بين الآلهة. فالألوهية كالطاقة تبقى كميتها مهما تغيرت صورتها لا تكاد تنقص أو تزيد خلال الأجيال المتعاقبة
(2)
.
(1)
صياغتها شعراً. (المترجم)
(2)
للآراء التي يعرضها المؤلف في هذا الفصل مؤيدون ومعارضون. وقد أثرنا أن نضعها أمام القراء ونترك لهم معارضتها أو تأييدها. (المترجم)
الفصل الثاني
سجل الآلهة
1 - الآلهة الصغرى
في وسعنا أن نلقى شيئاً من الترتيب والوضوح على هذا الحشد الكبير من الآلهة إذا نحن قسمناه تقسيماً مصطنعاً إلى سبع مجموعات: آلهة السماء، وآلهة الأرض، وآلهة الخصب، والآلهة الحيوانية، وآلهة ما تحت الأرض وآلهة الأسلاف أو الأبطال، والآلهة الأولمبية. وأما "أسمائها جميعاً فمما يشق على الإنسان ذكرها" كما يقول هزيود.
(1)
وكان إله الغزاة اليونان في بادئ الأمر، على ما تستطيع أن تتبينه من الأساطير، هو إله السماء العظيم المختلف الصور. ويشبه اليونان في هذا الهنود الفديين. ثم تطور هذا الإله شيئاً فشيئاً حتى أصبح هو أورانوس أو السماء نفسها، ثم أضحى "مرسل السحاب"، مسقط المطر، جامع الرعد، زيوس. وإذ كانت تلك البلاد تنال فوق كفايتها من ضوء الشمس، ولكنها ظمآى للمطر، فإن إله الشمس هليوس لم يكن له فيها شأن كبير ولذلك كان من الآلهة الصغرى. وقد صلى له أجممنون ودعاه لمعونته، وكان الإسبارطيون يضحون له بالخيل لتجر عربته الملتهبة في قبة السماء
(1)
، وكان أهل رودس حين اصطبغت بلادهم بالصبغة اليونانية يعظمون هليوس، ويعدونه كبير آلهتهم، ويلقون في البحر كل عام أربعة جياد وعربة ليستخدمها في تجواله، وأقاموا الهيكل الضخم الذائع
(1)
وطلب فيتون Fhaeton (المتلألئ) ابن هليوس أن يسوق عربة الشمس في عرض السماء. ولكنه اندفع يسوقها بتهور، وكاد يشعل النار في العالم كله فصفعه البرق، وسقط في البحر. ولعل اليونان ساقوا هذه القصة، كما ساقوا قصة إكاروس Icarus، ليعظوا بها الشباب.
الصيت، وكاد أنكسجرس يفقد حياته في أثينة بركليز نفسها، لأنه قال إن الشمس ليست إلهاً وإنما هي كرة من النار لا أكثر. ثم زالت عبادة الشمس شيئاً فشيئاً حتى لم يكد يبقى لها أثر في تاريخ اليونان القديم، وكان القمر أقل من الشمس شأناً، والكواكب والنجوم أقل منه ومنها.
(2)
وكانت الأرض، لا السماء، موطن معظم الآلهة اليونانية. فكانت الأرض نفسها في بادئ الأمر هي الإلهة جي Ge أو جيا Gaea الأم الصابرة السمحة الجزيلة العطاء، التي حملت حين عانقها أورانوس- السماء- فنول المطر. وكان يسكن الأرض نحو ألف إله آخر أقل من جي شأناً، في مائها وفي الهواء المحيط بها: منها أرواح الأشجار المقدسة، وخاصة شجرة البلوط، ومنها النريدات Nereids، والنيادات Naiads، والأوقيانوسيات في الأنهار والبحيرات والبحار، وكانت الآلهة تَتَفَجر من الأرض عيوناً، أو تجري جداول عظيمة مثل الميندر أو الاسبركيوس، وكان للريح آلهة مثل بورياس Boreas، وزفر Zephyr، ونوتس Notus، ويوروس Eurus، وسيدها إيوس؛ وكان من آلهة الأرض بان العظيم، ذوالقرنين، المشقوق القدمين، الشبق، المغذي، البسام، إله الرعاة والقطعان، والغابات والحياة البرية، الكامن فيها، والذي تُسمع صفارته في كل جدول ووادٍ، والذي تبعث صيحته الفزع، في كل قطيع لا يعنى به، والذي يقوم على خدمته جنيات الغاب والحراج، وتلك الجنيات المعروفة بالسليني Sileni وهي مخلوقات نصف جسمها معز ونصفه بشر. وكان في كل مكان في الطبيعة آلهة، وكان الهواء غاصاً بالأرواح الطيبة أو الخبيثة لا تكاد "تجد فيه شقاً فارغاً تستطيع أن تدفع فيه طرف ورقة نبات" كما قال شاعر غير معروف.
(3)
وإذ كانت أعجب قوى الطبيعة وأقواها هي قوة التكاثر، فقد كان
طبيعياً أن يعبد اليونان، كما كان يعبد غيرهم من القدامى، رمزي الإخصاب الرئيسيين في الرجل والمرأة إلى جانب عبادتهم خصب التربة. لهذا كان قضيب الرجل وهو رمز الإنتاج يظهر في طقوس دمتر، وديونيسس، وهرمس، وحتى في طقوس أرتميس الطاهرة. ويتكرر ظهور هذا الرمز في النحت والتصوير في أهم عصر من عصورهما تكراراً فاضحاً، بل إن عيد ديونيشيا العظيم، وهو الاحتفال الديني الذي كانت تمثل فيه المسرحيات اليونانية، كان يفتتح بموكب تحمل فيه رموز قضبان الرجال ترسل الكثير منها المستعمرات الأثينية شاهداً على صلاحها وتقواها. وما من شك في أن هذه الحفلات كانت تثير الكثير من الفكاهات الجنسية البذيئة، كما تدلنا على ذلك كتابات أرستفنيز؛ ولكن كثرتها كانت خالية من هذه البذائة، ولعلها كانت تثير الشهوة الجنسية في الرجال والنساء وتساعد على كثر النسل.
وكانت أحط ناحية من نواحي مراسم الإخصاب تظهر في العهود التي انتشرت فيها الحضارة اليونانية الصبغة والحضارة اليونانية، والتي كان يُعبد فيها بريابوس Priapus الذي ولد نتيجة لاتصال ديونيسس وأفرديتي، والذي كان الفنانون يزينون بصورته المزهريات وجدران المباني في بمبي Pobpeii. وكان أظرف من هذه المراسم وأعف في موضوع التناسل نفسه إجلال الإلهات التي ترمز إلى الأمومة. فقد كانت أركاديا، وأرجوس، وإلوسيس، وأثينة، وإفسوس، وغيرها من الأماكن تجل أعظم الإجلال إلهات معظمهن لا أزواج لهن، كنَّ في أغلب الظن أثراً من آثار عصر ينسب الأبناء فيه إلى الأمهات قبل أن يحل عصر الزواج؛ ولقد كان الاعتراف بسلطان زيوس الإله الأب على سائر الآلهة رمزاً لانتصار مبدأ سيطرة الآباء على الأمهات
(1)
. ولعل سبق النساء على
(1)
على القارئ أن يلاحظ عدم وجود إلهات أمهات في المجتمعات ذات الصبغة الأبوية القوية كالمجتمعات اليهودية والإسلامية والمسيحية والبروتستنتية (المؤلف). يصعب علينا أن نفهم ما يرمي إليه المؤلف بقوله عدم وجود إلهات في الإسلام وهو دين التوحيد الذي لا يعترف بالإلوهية إلا لله وحده. (المترجم)
الاشتغال بالزراعة، وهو السبق الذي يرجحه الكثيرون، وقد ساعد على إيجاد أعظم إلهة من هاته الإلهات الأمهات، وهي دمتر إلهة الحنطة أو الأرض المنزرعة. ومن أجمل الأساطير اليونانية التي تقصها في أحسن عبارة ترنيمة دمتر وهي الترنيمة التي كانت تعزى في وقت من الأوقات إلى هومر نفسه، نقول إن من أجمل هذه الأساطير أسطورة تصف كيف اختطف بلوتو Pluto إله العالم السفلي برسفوني أبنة دمتر ونزل بها إلى الجحيم، وكيف أخذت أمها الحزينة تبحث عنها في كل مكان حتى عثرت عليها وأقنعت بلوتو أن يسمح لابنتها بأن تعيش على ظهر الأرض تسعة أشهر في كل عام- وذلك رمز ظريف لموات التربة السنوي وتجددها. وإذ كان أهل إلوسيس قد عطفوا على دمتر المتنكرة وهي "جالسة في الطريق في أشد حالات الحزن والكرب"، فقد علمتهم هم وأهل أتكا سِرَّ الزراعة، وأرسلت تربتولموس Triptolemus ابن ملك إلوسيس لينشر هذا الفن بين بني الإنسان. وهذه الأسطورة تتفق في جوهرها وأسطورة إيزيس Isis وأوزيريس Osiris في مصر، وأسطورة تموز وعشتار في بابل، وأسطورة عشتروت وأدنيس في سوريا، وسيبيل وأتيس في فريجيا. وقد بقيت طقوس الأمومة طوال عصر اليونان العظيم، ثم عادت إلى الحياة من جديد في صورة تقديس مريم أم الإله.
(4)
وكانت بعض الحيوانات في تاريخ اليونان المبكر تعظَّم وتتخذ أنصاف آلهة- إذا جاز هذا التعبير. وكان السبب في أنها لم ترقَ إلى مرتبة الآلهة الكاملة أن الدين اليوناني كان في العصر الذي ازدهر فيه فن النحت ديناً آدمياً إلى حد لا يسمح بوجود آلهة حيوانية كثيرة بالصورة التي نجدها في مصر والهند؛ ولكن أثراً من آثار ما قبل هذا العصر الزاهر يبدو لنا في كثرة الجمع بين الحيوان والإله في بعض التماثيل. ولقد كان الثور حيواناً مقدساً لقوتهِ وقدرته، وكثيراً
ما كان يوصف بأنه رفيق لزيوس وديونيسس، أو صورة لهما تنكرا فيها، أو رمزاً لهما، وربما كان إلهاً قبلهما، ولعل "هيرا ذات العين البقرية"، كانت هي أيضاً بقرة مقدسة. وكان الخنزير أيضاً مقدساً لكثرة تناسله، وكان يجمع بينه وبين دمتر الظريفة. وكان القربان الظاهر الذي يقدم لها هي في أحد أعيادها المعروف بعيد الثسموفوريا Thesmophorio خنزيراً، أو لعل القربان كان يقدم إلى الخنزير نفسه.
وفي عيد الديازيا Diasia كان هذا القربان يقرب لزيوس في الظاهر، ولكنه في الحقيقة كان يقرب إلى أفعى تسكن في باطن الأرض تسمى وقتئذ باسمه تكريماً لها. وسواء أكان تقديس الأفعى لأنها في ظنهم لا تموت، أم لأنها ترمز إلى القدرة على التناسل والإنتاج، فإنا نراها تنتقل في صورة إلهة من أفعى كريت إلى أثينة القرن الخامس؛ فقد كانت أفعى مقدسة تقيم في هيكل أثينة على الأكروبوليس، وكان يقدم إليها في كل شهر كعكة مقدسة زلفى إليها واستدراراً لعطفها. وكثيراً ما تُرى الأفعى في الفن اليوناني حول تماثيل هرمس، وأبلو، وأسكلبيوس؛ وقد صَوَّر فدياس أفعى ضخمة محاطة بإكليل من الزهر في درع "أثيني برثنوس"، وتغطي الأفاعي الجزء الأكبر من تمثال أثينا الفرنيزية. وكثيراً ما كانت الأفعى تتخذ رمزاً للإله الحارس للهياكل والمنازل أو صورة لهذا الإله، وربما كانت كثرة وجودها حول المقابر سبباً في اعتقاد الناس أنها روح الموتى. ويعتقد بعظهم أن الألعاب الدلفية قد احتفل بها في بادئ الأمر تكريماً لأفعى دلفي الميتة.
(5)
وكانت أكثر الآلهة رهبة تحت الأرض. ففي المغارات والشقوق وأمثالها من الفتحات السفلى، كانت تعيش تلك الآلهة الأرضية التي لم يكن اليونان يعبدونها بالنهار عبادة تنطوي على الحب والإجلال، بل كانوا يعبدونها ليلاً عبادة مصحوبة بأناشيد وطقوس تنم عن التوبة والهلع. وكانت هذه القوى غير البشرية هي المعبودات الحقيقية الأولى لبلاد اليونان، وكانت أقدم من
معبودات الهيلينيين، بل لعلها أقدم من معبودات الميسينيين الذين نقلوها في أغلب الظن إلى بلاد اليونان نفسها. ولو أننا استطعنا أن نتتبعها إلى أصلها الأول لكان في وسعنا أن نصل إلى أنها كانت في بدايتها الأرواح المنتقمة للحيوانات التي طردها الإنسان إلى الغابات أو إلى ما تحت الأرض في أثناء تقدمهم وتكاثرهم. وكان أعظم هذهِ الآلهة الأرضية هو زيوس الأرضي؛ وزيوس هنا اسم نكرة لا يعني أكثر من إله. وكان يسمى أحياناً زيوس ميلكيوس Milichios أي زيوس الخَيّر؛ ولكن الوصف هنا أيضاً وصف خادع يقصد به استرضاء هذا الإله الذي كان مصور بصورة أفعى رهيبة. وكان هاديز Hades ربُّ ما تحت الأرض أخاً لزيوس وعند أخذ اسمه. وأراد اليونان أن يسكنوا غضبه فسموه بلوتو أي واهب الوفرة، لأنه كان في مقدوره أن يبارك أو يبيد جذور كل ما ينبت على سطح الأرض
(1)
. وكان أشد من بلوتو روعة ورهبة الإلهة هكتي Hecate، وهي روح خبيثة تخرج من العالم السفلي وتسبب البؤس والشقاء بعينها الحاسدة الشريرة لكل مَن تزوره من الخلائق. وكان القليلو العلم من اليونان يقربون لها الجراء ليبعدوها عنهم.
(6)
وكان الموتى قبل عصر اليونان المجيد يعدون أرواحاً قادرة على أن تفعل للناس الخير والشر، وتسترضى بالقرابين والصلاة. ولم تكن هذه الأرواح آلهة بالمعنى الصحيح، ولكن الأسرة اليونانية البدائية كانت تعظم موتاها تعظيماً يفوق تعظيمها أي إله من الآلهة، شأنها في هذا شأن الأسرة الصينية. وكان اليونان في عصرهم الزاهر يرهبون هذه الأشباح الغامضة أكثر مما يحبونها، وكانوا يسترضونها بطقوس ومراسم يقصد بها إبعادها واتقاء شرها، كما كانوا يفعلون
(1)
وكان بلوتس Plutus إله الثروة صورة من بلوتو. وكانت الثروة عند اليونان الأولين تتخذ في أكثر الأحيان صورة الحبوب منزرعة في الأرض أو مخزونة في جرار، وكانت في كلتا الحالين تحت حماية باوتو.
في عيد أنثستريا Anthesteria. وكانت عبادة الأبطال امتداداً لعبادة الموتى؛ فكان في وسع الآلهة أن تهب العظيم أو الشريف، أو الرجل الجميل أو المرأة الجميلة؛ الحياة الخالدة فتجعله أو تجعلها من بين الآلهة الصغرى. وكذلك كان سكان أولمبيا يقربون القرابين في كل عام إلى هبوداميا Hippodameia؛ وكانت كسندرا Cassandra تعبد في لوكترا Leuctra اللكونية Laconian، وهلن في إسبارطة، وأوديب في كولونوس Colonus، وكان يحدث أحياناً أن ينزل الإله ويتقمص جسم إنسان، فيستحيل هذا الإنسان إلهاً، وقد يتصل الإله جنسياً مع امرأة من الآدميين فتلد بطلاً- إلهاً كما فعل زيوس مع أكمينا فولدت هرقل. وكان كثير من المدن والجماعات، وأبناء الحرف أنفسهم، يصلون أنسابهم ببطل من أبناء الآلهة؛ فكان أطباء اليونان مثلاً يصلون نسبهم إلى أسكلبيوس. وكان الإله في أول الأمر من الأسلاف أو الأبطال الموتى، كما كان المعبد في الأصل قبراً، ولا تزال الكنيسة حتى الآن في معظم البلاد مكاناً تحفظ فيه آثار الموتى القديسين.
ويمكن القول بوجه عام أن اليونان لم يكونوا يفرقون بين الآدميين والآلهة بقدر ما نفرق نحن بينهم؛ فقد كان كثير من آلهتهم لا يقلون في آدميتهم عن القديسين عندنا، اللهم إلا في مولدهم، وكانوا قريبين إلى عبادهم قرب القديسين إلينا؛ وكان بعضهم مثل ديونيسس يموتون وإن سموا بالخالدين.
2 - الآلهة الأولمبية
كانت هذه الآلهة كلها في المرتبة الثانية من الشهرة بين آلهة اليونان وإن لم تكن حتماً في المرتبة الثانية من التعظيم. ترى لأي سبب لا نسمع في شعر هومر عن هذه الآلهة إلا القليل، ولأي سبب نسمع عن الآلهة الأولمبية الشيء الكثير؟ أكبر الظن أن مرد هذا إلى أن آلهة ألمبس قد جاءت إلى البلاد مع الآخيين
والدوريين وزلزلت عروش الآلهة اليسينية والأرضية، وغلبتها كما غلبت من كانوا يعبدونها. وفي وسعنا أن نشاهد ما حدث للآلهة الأولى في دودونا Dodona ودلفي حيث حل زيوس في المدينة الأولى محل جيا وحل أبلو محلها في الحالة الثانية. على أن الآلهة المغلوبة لم تُمح من الوجود محواً تاماً بل بقيت خاضعة للآلهة الجديدة تأتمر بأمرها إذا صح أن نتحدث عن شؤون الآلهة بمثل هذا الحديث، فانزوت ذليلة تحت الأرض ولكنها ظلت موضع التبجيل من عامة الشعب؛ بينما كانت الآلهة الأولمبية المنتصرة تتقبل وهي مستوية على عروشها في أعلى الجبل صلوات عبادها الأشراف. وهذا هو السبب في أن هومر الذي كان يكتب للصفوة المختارة لا يكاد يحدثنا بشيء عن آلهة الأرض. وهكذا أعن هومر وهزيود والمثالون الفاتحين أصحاب السلطة السياسية العليا على نشر عبادة الآلهة الأولمبية. وقد حدث في بعض الحالات أن اتحدت الآلهة الصغرى أو امتزجت بالكبرى، وأصبحت من حاشيتها أو أتباعها، كما كانت الدول الصغرى تنضم من حين إلى حين إلى الدول الأكبر منها أو تخضع لحكمها. وهكذا خضعت جنيات الآجام صغارها وكبارها لديونيس، وخضعت حور البحار لبوسيدن كما خضعت الأرواح التي تقطن الغابات لأرتميس، واختفت الطقوس والأساطير الهمجية شيئاً فشيئاً على مر الأيام؛ وحلت محل الأساطير المضطربة التي كانت تصور الأرض ملآى بالشياطين حكومة للآلهة على شيء من النظام كانت في واقع أمرها مرآة ينعكس عليها ما طرأ على العالم اليوناني من استقرار سياسي آخذ بالنماء.
وكان على رأس هذا النظام الإلهي الجديد رب الأرباب زيوس العظيم؛ ولم يكن زيوس أول من وجد من الآلهة، فقد سبقه كما رأينا من قبل أورانوس وكرونوس، ولكنهما هما والجبابرة Titans قد ثُلت عروشهم كما ثُلت عروش جيش الشيطان Lucifer
(1)
. وقسم زيوس وإخوته العالم ووزعوه فيما بينهم بطريق
(1)
لقد أصبح النزاع الذي قام بين زيوس وأعوانه من جهة وبين الجبابرة من جهة أخرى في نظر اليونان رمزاً لتغلب الحضارة والعقل على الهمجية والقوة الوحشية، وقد استمد الفن من كثيراً من موضوعاته.
القرعة؛ فكانت السماء من نصيب زيوس، وكسب بوسيدن البحار، وكسب هيديز باطن الأرض. وليس في أساطير اليونان ذكر لخلق العالم؛ فقد وجدت الأرض قبل أن توجد الآلهة ولم تخلق الآلهة الإنسان من حمأ بل خلقته من تزاوج الذكور منها بالإناث، أو بتزاوجها بأبنائها غير الخالدين؛ والله في دين اليونان ليس إلا ولداً، كما أن الآلهة الأولمبية ليست قادرة على كل شيء عارفة بكل شيء، بل إن كل واحد منها يحدد سلطان الآخر ويعارضه أحياناً، وكلها بما فيها زيوس نفسه يمكن أن يُخدع؛ غير أنها على بكرة أبيها تقر له بالسيادة عليها، وتحشد في بلاطه كما يحتشد الأتباع في ساحة أمير إقطاعي؛ وهو وإن استشارها في بعض الشؤون، وعمل برأيها في بعضها وإن خالفت رأيه، كثيراً ما يزجرها ويلزمها أن تعرف قدر نفسها. وهو يبدأ بأن يكون إلهاً للسماء والجبال، ومنزل المطر الذي لا غنى للناس عنه
(1)
، وهو في بعض صوره الأولى إله حرب كيهوه، يجادل نفسه هل ينهي حصار طروادة أو "يجعل الحرب أكثر مما كانت وحشية وإراقة للدماء" ويأخذ بالرأي الثاني. ثم يصبح بالتدريج حاكم الآلهة والبشر الهادئ القوي الجالس فوق أولمبس، الملتحي الوقور، رأس النظام الأخلاقي ومصدره في العالم كله، يعاقب غير البررة من الأبناء، ويحمي أملاك الأسرة، ويوثق الأيمان، يعاقب الخائنين، ويحفظ الحدود، والمساكن، والمتضرعين، والأضياف، وهو أخيراً المصدر الأعلى للأحكام الذي نحت فدياس تمثاله لأولمبيا.
(1)
أكبر الظن أن لفظ زيوس ذو صلة بكلمة dies اللاتينية التي اشتقت منها كلمة day الإنجليزية، وقد تكون مأخوذة من أصل هند- أوربي هو id ومعناه يلتمع. وجوبتر عند الرومان هو زيو- باتر Zeu- pater أي زيوس الأب، ومنه اشتقت كلمة dios. وفي هذه الأيام سميت الأماكن وقمم الجبال التي كان يأوي إليها زيوس أو كانت حرماً مقدساً له باسم القديس إلياس من قديسي الكنيسة اليونانية ومنزل المطر للبلاد، أو أصبحت حرماً مقدساً لهذا التقديس.
وعيبه الوحيد هو ما يدفعه إليه نزق الشباب من استسلام سريع للحب، وإذ لم يكن هو خالق النساء فإنه يعجب بهن ويراهن كائنات عجيبة تجد الآلهة نفسها فيهن موهبة الجمال والحنان، وهما صفتان تسموان عن كل تقدير؛ ويجد نفسه عاجزاً عن مقاومة إغرائهن. ويذكر هزيود ثبتاً طويلاً بمحبوبات الإله، وبما أنجبن منه من أبناء عظام. وكانت حبيبته الأولى ديوني Dione، ولكنه يغادرها في أبيروس حين يهاجر إلى أولمبس في تساليا، وفيها تكون زوجته الأولى هي متيس Metis إلهة الكيل، والعقل، والحكمة؛ ويترامى إليه أن أبناءها سينزلونه عن عرشه، فيبتلعها، ويأخذ منها صفاتها، ويصبح هو نفسه إله الحكمة؛ وتلد متيس أثينا في جوفه، وإذن فلابد من قطع رأسه حتى تخرج إلى العالم، ويحس هو بالوحدة والحادة إلى المؤنس الجميل فيتزوج ثميس Themis وتلد له الساعات الأثنتي عشرة؛ ثم يتزوج يورينوم وتلد له إلاهات اللطف الثلاث؛ ثم يتزرج نموسيني Mnemosyne وتلد له ربات الشعر التسع؛ ثم ليتو وينجب منها ولديه أبلو وأرتميس؛ ثم أخته دمتر وينجب منها برسفوني: فإذا ما صرف شبابه في الملاذ على هذا النحو تزوج آخر الأمر أخته هيرا وأجلسها ملكة على أولمبس فتلد له هيبي Hebe، وأريس Ares، وهفستوف Hephaestus، وأيليثيا Eileithyia، ولكن الشقاق يقع بينه وبينها، لأنها لا تق عنه سناً؛ وهي تلقى أكثر مما يلقى من التكريم في كثير من الدول اليونانية، وهي رعاية الزواج والأمومة، وحامية الروابط الزوجية؛ وهي ظريفة أنيقة، وقورة، فاضلة، لا يعجبها عبثه ومداعباته؛ وهي إلى هذا كله سليطة إلى أبعد حد. ويهم بأن يضربها، ولكنه يرى أن أيسر من ضربها عنده أن يفرج عن كربه بزيجات جديدة. وكانت نيوبي أولى زوجاته من الآدميين، وكانت آخرهن ألكمينا وهي من نسل نيوبي في الجيل السادس
عشر%=@من واجبنا أن نضيف إلى هذا، إنصافاً للموتى، أن معظم هذه المغامرات كانت في أغلب الظن من اختراع الشعراء أو القبائل التي كانت تحرص على أن تصل أنسابها بأعظم الآلهة كلها. @، وهو يسير على سنة اليونان في عدم التفرق بين الذكور والإناث، فيحب جنميد الوسيم، ويختطفه لكي يجعله ساقيه فوق أولمبس.
وكان من الطبيعي أن يكون من بين أبناء هذا الأب المخصب بعض النجباء الممتازين. من ذلك أن أثينا حين ولدت كاملة النمو والسلاح من رأس زيوس، أمدت أدب العالم بإحدى استعاراته التي مازالت تتكرر حتى ملها الناس. وكانت أجدر الآلهات بأن تكون إلهة مدينة أثينة، تفخر بأنها عذراء وتتخذ من هذا سبباً لمواساة فتياتها العذارى، وتبعث في نفوس رجالها الحماسة الحربية، وتمثل لبركليز الحكمة التي هي خليقة بها لأنها ابنة متيس وزيوس. ولما حاول الجبار بلاس Pallas أن يغازلها قتلته وأضافت اسمه إلى اسمها ليكون ذلك نذيراً لغيره من خطّابها. وقد خصتها مدينة أثينة بأجمل هياكلها وأفخم أعيادها.
وكانت عبادة أبلو الوسيم أوسع انتشاراً من عبادة أخته أثينا، وكان أبلو إله الشمس المتلألئ، راعي الموسيقى والشعر والفن، منشئ المدن، مشرع القوانين، إله الشفاء ووالد أسكلبيوس، إله الحرب الرامي بالنبال إلى أبعد مدى، الذي خلف جيا وفوبي Phoebe
(1)
. في دلفي، وكان أقدس من ينزل الوحي في بلاد اليونان، وكان إله المحاصيل النامية، وبهذه الصفة كان يتلقى العشور في أيام الحصاد، وكان في نظير هذا يبعث بدفئه وضوئه الذهبيين من ديلوس ودلفي ليخصب التربة ويغنيها. وكان في كل مكان يقترن بالنظام والاعتدال والجمال؛ وبينما كانت عبادة غيره من الآلهة ومراسمها تتضمن كثيراً من عناصر الخوف والخرافات الغريبة، كانت النغمة السائدة في عبادة أبلو وفي أعياده العظيمة في
(1)
ومن فوبي اشتق اسم فيبوس أي "الملهم".
دلفي وديلوس هي التعبير عن ابتهاج الشعب المستنير بإله الصحة والحكمة والعقل والغناء، وكانت أخته أرتميس) ديانا (، سعيدة مثله. وكانت أرتميس إلهة الصيد العذراء، المنهمكة في شؤون الحيوانات، وفي ملذات الغابات، انهماكاً لا يترك لها وقتاً لحب الرجال، وكانت إلهة الطبيعة البرية، والمراعي والغابات والتلال، والغصن المقدس. وكما كان أبلو المثل الأعلى للشباب اليوناني، كذلك كانت أرتميس المثل الأعلى للفتيات اليونانيات- كانت قوية الجسم، رياضية رشيقة عفيفة، وهذا فقد كانت راعية النساء في الولادة، وكن يدعونها لتخفف عنهن آلام الوضع. وكانت تحتفظ في إفسوس بطبيعتها الآسيوية، فكانت إلهة الأمومة والإخصاب؛ وبهذه الطريقة اختلطت فكرتا العذراء والأم في عبادتها، وقد وجدت الكنيسة المسيحية في القرن الخامس بعد الميلاد أن من الحكمة أن تضيف ما بقي من هذه الطقوس الدينية إلى مريم، وأن تحول عيد الحصاد الذي كان يقام لأرتميس في منتصف أغسطس إلى عيد انتقال العذراء إلى السماء. وبهذه الطريقة وأمثالها يحتفظ الجديد بالقديم ويتبدل كل شيء عدا الجوهر ذلك أن التاريخ كالحياة يجب أن يستمر أو يموت؛ فقد تتبدل الأخلاق والأنظمة ولكنها تتبدل ببطء؛ وإذا حال حائل قوي بينها وبين نماءها وتطورها نسيت الأمم نفسها وجن جنونها.
وكان من بين تلك الآلهة إله أشبه ما يكون بالآدميين، هو الصانع الأولمبي الماهر هفستس الأعرج المعروف عند الرومان باسم فلكان Vulcan. ويبدو أن هذا الإله المهين المظلوم، إله السماء الأول كان إلهاً سخيفاً خليقاً بالرثاء، ولكنه في آخر الأمر يستدر عطفنا أكثر مما تستدره الآلهة الماكرة التي لا ضمير لها، والتي تسيء معاملته، ولعله كان في أيامه الأولى، قبل أن يصير قريب الشبه بالأناس، روح النار والكير. وهو في قصص هومر الديني ابن زيوس وهيرا، ولكن أساطير غير أساطير هومر تؤكد لنا أن هيرا حسدت زيوس على مولده
لأثينا بلا معونة، فولدت هي الأخرى هفستس من غير حاجة إلى ذكر. ولما رأته قبيح المنظر ضعيف الجسم، ألقت به من فوق أولمبس، ولكنه عرف طريق العودة إلى موطنه، وشاد للآلهة القصور الكثيرة التي كانوا يسكنون فيها. وكان يكن لأمه كل شفقة وإجلال رغم ما لقيه على يديها من سوء المعاملة، وقد دافع عنها دفاعاً مجيداً في نزاعها مع زيوس، فما كان من إله أولمبس العظيم إلا أن أمسك بساقه وقذف بهِ إلى الأرض. واستغرق هفستس في نزوله يوماً كاملاً، حتى استقر آخر الأمر على جزيرة لمنوس، وجرح عقبه، ويؤكد العارفون أنه أصبح من ذلك الحين شديد العرج يتألم كلما مشى) وإن كان هومر يقول إنه كان أعرج قبل هذه الحادثة (. وعاد مرة أخرى إلى أولمبس، وصنع في حانوته الكثير الضوضاء سنداناً ضخماً وضع فيه عشرين منفاخاً كبيراً، وعمل دروع أخيل، وتماثيل تتحرك من نفسها، وعجائب أخرى كثيرة. وكان اليونان يعبدونه بوصفه إله جميع الصناعات المعدنية، ثم أصبح عندهم إله جميع الصنائع اليدوية، وكانوا يعتقدون أن البراكين هي مداخن حوانيته التي تحت الأرض. وكان من سوء حظه أن تزوج أفرديتي ووجد أن من أصعب الأمور أن تجتمع الفضيلة والجمال في شخص واحد. ولما عرف هفستس بما كان بينها وبين أريس، صنع للمحبين شركاً وقع عليهما في أثناء اجتماعهما. وهكذا أنتم الإله الأعرج لعرجه بأن عرض على زملائه الآلهة إلهي الحب والحرب مكبلين في الأغلال، وكان منظراً أثار ضحك الآلهة. وقال هرمس لأبلو- كما يحدثنا هومر:
"أي هرمس يا بن زيوس
…
هل يرضيك حقيقة أن تنام على فراش واحد بجانب الإلهة أفرديتي، ولو كنت مكبلاً بالأغلال الثقال؟ " فأجابه الرسول
(1)
يقول: "أيها الإله أبلو؛ ليت هذا يكون، وليتني أكبل بثلاثة أمثال هذه الأغلال التي لا أجد منها خلاصاً، وأن تشاهدوني أنتم أيها الآلهة- نعم
(1)
يقصد هرمس لأنه رسول الآلهة. (المترجم).
والإلهات كلها أيضا- إن استطعت أن أنام إلى جوار أفرديتي الذهبية".
حسبنا هذا عن هفستس؛ أما إزيس) المريخ (فلم يكن يمتاز بالذكاء أو الدهاء؛ وكانت صناعته الحرب، وحتى سحر أفرديتي ومفاتنها لم تكن تثير فيه النشوة التي يثيرها التقبيل الذي كان شهوة وغريزة فيه. ويسميه هومر "نقمة صبت على البشر"، ويصف لنا وهو مغتبط كيف ألقته أثينا على الأرض بضربة حجر، ويقول إنه "وهو نائم قد غطى سبعة أفدنة". هذا أريس أما هرمس) ميركري أو عطارد (فأكثر منه طرافة. فقد كان في بادئ أمره حجراً، وعبادته مستمدة من عبادة الحجارة المقدسة؛ ولا تزال المراحل التي مر بها ظاهرة واضحة، فقد صار في المرحلة الثانية الحجر الطويل الذي يوضع فوق المقابر، أو الروح) الديمون (الكامنة في هذا الحجر؛ ثم صار بعدئذ حجر الحدود أو إلهها، يحدد الحقول ويحرسها، وإذا كان عمله فيها فضلاً عن تجديدها وحراستها هو توفير الخصب لها، فقد صار قضيب الرجل رمزاً من رموزه. ثم أصبح فيما بعد العمود- ذا الرأس المنحوت، والجسم غير المنحوت، وعضو التذكير البارز- الذي كان يوضع أما بيت كل أسرة ذات شأن في أثينة. وسنرى كيف كان بتر هذه الأعمدة عشية الحملة على سرقوسة السبب المباشر لهلاك ألقبيادس وخراب أثينة. وهو إلى هذا كله إله المسافرين، وحامي المنادين، وعصيهم من أحب شعائره إليه. وقد أصبح بوصفه إله المسافرين إله الحظ، والتجارة، والدهاء، والكسب، ومن ثم أصيح مخترع المكاييل والموازين، وحارسها، كما أصبح الملاك الراعي للحانثين والمختلسين واللصوص. وهو نفسه بشير ونذير يحمل الرسائل والأوامر بين الآلهة الأولمبية أو بينها وبين البشر، وهو يسير على خفيف مجتمعين بسرعة الريح الغاضبة العاصفة، وتكسبه هرولته ليناً ورشاقة، وتهيئه لأن يتخذ الصورة التي يظهر بها في تمثال بكستليز. وهو بوصفه شاباً سريع العدو قوي الجسم، راعي الرياضيين ونصيرهم، ونجد صورته التي تظهر
فيها رجولته كاملة مكاناً لها في كل مكان للتدريب العضلي. وإذ كان هو المنذر والمبشر فقد كان إله الفصاحة، وإذ كان الشارح السماوي فقد أصبح رأس عدد كبير من الشرّاح والمفسرين. وتصف إحدى الترانيم "الهومرية" كيف مد أوتاراً على صدفة سلحفاة واخترع بذلك قيثارة. ثم يحين الوقت الذي يسترضي فيه أفرديتي فيستولدها، كما يخبرنا القصاصون، خنثى (هرمفرديتي Hermaphrodite) ناعم الجسم يرث منها مفاتنها ويشتق اسمه من اسميهما.
ومن الخصائص التي امتازت بها بلاد اليونان أن كان لها فضلاً عن إلهه العفة والبكورة والأمومة، إلهة للجمال والحب، وما من شك في أن أفرديتي كانت في مواطنها الأولى بالشرق الأدنى، وفي قبرص موطنها نصف الشرقي، كانت في هذه المواطن أول الأمر إلهة أمَّاً؛ ولقد ظلت طوال عهدها ذات صلة وثيقة بالتوالد والإخصاب في الممالك النباتية والحيوانية والبشرية بأجمعها، فلما أن تقدمت الحضارة وازداد الأمن ولم تعد للناس حاجة بكثرة المواليد، تركت حاسة الجمال حرة طليقة تجد في النساء قيماً غير قيم التناسل الكثير، ومن ثم لا تقتصر أفرديتي على أن تكون المثل الأعلى للجمال بل تصبح إلهة اللذائذ الجنسية بجميع أنواعها. وعبدها اليونان في صور مختلفة: فهي في صورة أفرديتي أورينا- السماوية- ربة الحب العذري أو المقدس، وفي صورة أفرديتي بندموس Pandemos- الشعبية- إلهة الحب الدنس بكافة أنواعه، وفي صورة أفرديتي كليبيجوس Kallipygos فينوس ذات الردفين الجميلين. وقد أقامت المومسات في أثينة وكورنثة هياكل لها، واتخذنها راعية لهن ونصيرة. وكانت بعض المدن في بلاد اليونان تحتفل بالأفرديسيا عيدها العظيم في أول شهر إبريل، وفيه كانت تطلق حرية الاختلاط الجنسي لكل من شاء. وكانت هي إلهة الحب لأهل الجنوب ذوي الشهوات الجنسية والعواطف الثائرة، وهي المنافسة القديمة لأرتميس إلهة الحب عند أهل الشمال الباردين الصيادين، وقد جعلتها الأساطير-
التي لا تكاد تقل سخريتها عن سخرية التاريخ- زوجة هفستوس المعقد، ولكنها تروح عن نفسها بالاتصال بأريس، وهرمس، وبوسيدن، وديونيسس وبكثيرين من الآدميين مثل أنكيسيز وأدنيس
(1)
. وقد أهدى إليها باريس في مباراة بينها وبين هيرا التفاحة الذهبية جائزة الجمال، ولكن لعلها لم تكن جميلة بحق إلا بعد أن أعاد بركستليز تصويرها، وخلع عليها ذلك الجمال الذي جعل بلاد اليونان تغفر لها جميع خطاياها.
ومن واجبنا أن نضيف ألى كبار الآلهة الأولمبية من أبناء زيوس الشرعيين منهم وغير الشرعيين أخته هيرا إلهة البيت، وأخاه بوسيدن المشاكس. وكان هذا الإله يماثل عند اليونان نبتون عند الرومان يرى وهو آمن على نفسه في مملكته المائية أنه ند زيوس وقرينه؛ وحتى الأمم التي تعيش في داخل القارة بعيدة عن البحر كانت تعبده لأنه لم يكن الحاكم المسيطر على البحر فحسب، بل كان المسيطر أيضاً على الأنهار والعيون، وكان هو الذي يهدي المجاري العجيبة التي تسير تحت الأرض إلى طرقها، والذي يحدث الزلازل بأمواج المد. وكان الملاحون اليونان يقيمون له الصلوات ويشيدون الهياكل على ألسنة الأرض الخطرة الممتدة في البحر ليتقوا بها غضبه.
ويشيدون هناك آلهة أقل من هذه شأناً حتى على جبل أولمبس، لأنه تجسيد المعاني المجردة لم يكن يقف عند حد. فمن هذه هستيا) وهي فستا عند الرومان (إلهة
(1)
ليست أسطورة أدنيس إلا صورة أخرى من موضوع الإنبات الكثير الصور، ونقصد بالإنبات موت التربة وبعثها كل عام. وقد شغفت بهذا الشاب الوسيم كل من أفرديتي وبرسفوني إلهتي الحب والموت. وحسد أريس أرتيس على حظوته لدى أفرديتي فتنكر في صورة خنزير بري وقتله. وولدت من دم أدنبي شقائق النعمان، ومن أحزان أفرديتي أنهار من الشعر؛ وأقنع زيوس الإلهتين أن تقسما بينهما وقت أدنيس واتفاته، فيبقى نصف العام مع برسفوني في هاديز (الجحيم)، ثم يعيد إليه في النصف الثاني حياته الأرضية وحبه الدنيوي. وكان الفينيقيون والقبرصيون والأثينيون يحتفلون بموت أدنيس فيقيمون له عيد الأدونيا، فكانت النساء يحملن صورة الرب؛ (لأن هذا هو معنى لفظ أدنيس). ويندبن موته بأعلى أصواتهن ثم يحتفلن احتفال النصر ببعثه.
الموقد وناره المقدسة، ومنها إيريس Iris) قوس قزح (ورسول زيوس في بعض الأحيان، ومنها هيبي Hebe إلهة الشباب؛ وإيليثيا التي تعين النساء على الوضع، ومنها ديكي Dike أو العدالة، ومنها تيكي Tyche الفرصة؛ وإيروس Eros الحب الذي جعله هزيود خالق العالم والذي سمته سافو "مذيب الأضلاع، الحلو- المر الوحش الضاري العنيد". وكان هيمنيوس Hymeneus، نشيد الزواج؛ وهبنوس Hypnos النوم؛ وأنيروس Oneiros الأحلام؛ وجيراس Geras الشيخوخة؛ وليثي Lethe النسيان؛ وثناتوس Thanatos الموت وغيرها مما يخطئه الحصر. وكانت لهم تسع إلهات للفن تلهم الفنانين والشعراء: كليو Clio للتاريخ، ويوتربي Euterpe للشعر الغنائي الذي يوقع على المزمار؛ وثاليا Thalia للمسرحيات الهزلية وشعر الرعاة، وملبوميني Melpomene للمآسي؛ وتربنسكوري Terpsichore للرقص المصحوب بالغناء وللغناء نفسه، وإراتو Erato للشعر الغزلي والهزلي؛ وبولمنيا Polymnia للترانيم؛ وأورانيا Urania للفلك، وكليوبي Colliope للملاحم الشعرية. وكانت لهم ثلاث إلهات للرحمة لها اثنا عشر تابعاً هي الساعات. وكان من هذه الآلهة الصغار نمسيس الذي يوزع الخير والشر على الناس، ويرسل الدمار إلى كل من يرتكب جريمة الهبريس Hybris- الزهو في أيام الرخاء. وكان منها الإرينيات Erinnyes إلهات الغضب الرهيبة التي لا تترك ظلماً إلا انتقمت له. وكان اليونان يطلقون عليها اسم اليومنيدات Eumenides أي مريدات الخير تجملاً منهم لها ودرءاً لشرها. وآخر ما نذكر من آلهتهم المويراي Moirai أي ربات الأقدار والحظوظ اللاتي كن ينظمن شؤون الحياة تنظيماً لا مرد لحكمهن فيه، ويتصرفن على حد قول البعض في حظوظ الآلهة والآدميين على السواء. وعند هذا الحد من التفكير يقف الدين اليوناني ثم ينتقل بعده إلى العلم الطبيعي وإلى القانون.
ولقد أبقينا إلى آخر هذا السجل أكثر الآلهة اليونانية إثارة للتعب،
وأحبها إلى الشعب، وهو إله يصعب علينا كل الصعوبة أن نحدد مكانه بين هاته الآلهة. ذلك هو ديونيسس الذي لم يقبل بين آلهة أولمبس إلا في أخريات أيامه. ذلك أنه كان في أول الأمر من آلهة تراقية، قبل أن تهبه تلك البلاد اليونان. وكان في موطنه الأصلي إله الشراب المعصور من الشعير، وكان اسمه سبزيوس Sabazius، فلما جاء بلاد اليونان أصبح إله الخمر، ومغذي الكروم وحارسها. وكان في بادئ الأمر إلهاً للخصب، ثم أصبح إله السُّكْر، وانتهى أمره بأن صار ابن الله الذي مات لينجي البشر. واختلطت عدة صور وأقاصيص بعضها ببعض لتكون منها أسطورته، فكان اليونان يتخيلونه في صورة زجريوس Zagreus أي "الطفل المقرن"، الذي ولد لزيوس من أخته برسفوني. وكان أحب أبناء زيوس إليه، ويجلس إلى جواره على عرشهِ في السماء. ولما حسدته هيرا على منزلتهِ وأغرت الجبابرة بقتلهِ، بدله زيوس بماعز ثم بثور ليخفيه عن الأنظار. ولكن الجبابرة قبضوا عليه وهو في هذه الصورة الثانية، وقطعوا جسمه إرباً، سلقوها في قدر. وفعلت به أثينا فعل ترلوني Traliwnay، فأنقذت قلبه وحملته إلى زيوس؛ وأعطاه زيوس ألى سميلي Smele فحملت به وولدت الإله مرة أخرى وسمي بعد مولده ديونيسس
(1)
.
وكان الحزن على موت ديونيسس والاحتفال والسرور ببعثهِ أساس طقوس دينية واسعة الانتشار بين اليونان. فقد كانت النساء اليونانيات يصعدن التلال
(1)
وقد فسر ديودور الصقلي من زمن بعيد يرجع إلى عام 50 ق. م هذه القصة على أنها أسطورة من أساطير الإنبات، فقال إن زجريوس، الكرم، هو ابن دمتر، الأرض، بعد أن لقحها زيوس، المطر. ويقطع، أي يشذب، الكرم كما يقطع الإله ليحيا حياة جديدة، ويغلي عصير العنب ليكون نبيذاً. ويولد الكرم مولداً جديداً في كل عام، بعد أن يستمد غذاء من المطر. وقد وجد هيرودوت بين أسطورتي ديونيسس وأزيريس من أوجه الشبه الكثيرة ما جعله يجمع بين الإلهين في مقاله الذي يعد من أول ما كتب من المقالات في مقارنة الأديان.
في فصل الربيع حين تزهر الكروم ليقابلن الإله حين يولد من جديد. وكن يقضين يومين كاملين يحتسين فيهما الخمر بلا حساب وكن يرين كما يرى السكيرون غير المتدينين في هذه الأيام أن قليلة العقل من لا تفقد عقلها من الشراب، وكن يسرن في موكب عجاج تقودهن ميندات Maends أو نساء ذاهلات العقل مشغوفات بديونيسس؛ وكن يرهفن آذانهن لسماع قصته التي يعرفنها حق المعرفة، وما لقيه إلههن من عذاب وموت وبعث؛ وكن في أثناء احتسائهن الخمر ورقصهن يهتجن اهتياجاً يتحللن فيه من جميع القيود. وكان محور هذا الاحتفال وأهم ما فيه أن يمسك النساء بماعز أو ثور أو رجل في بعض الأحيان) يرين أن الإله قد تقمصه (ويمزقنه إرباً وهو على قيد الحياة، إحياء لذكرى تمزيق ديونيسس؛ ثم يشربن دمه، ويأكلن لحمه يتخذنه عشاءً ربانياً مقدساً، معتقدات أن الإله سيدخل بهذه الطريقة إلى أجسامهن ويستحوذ على أرواحهن. وكن في هذه الحماسة القدسية
(1)
يؤمن بأنهن سيصبحن هن والإله شيئاً واحداً، وأنهن سيظفرن بالامتزاج معه امتزاجاً صوفياً. ولهذا كن يتسمن باسمه فيطلقن على أنفسهن اسم البكوي Bacchoi ويعتقدن أنهن لن يمتن بعدئذ أبداً، أو كن يسمين الحالة التي هن فيها الإكستسيز ecstases) النشوة (أي خروجهن من أرواحهن ليلاقين ديونيسس ويتحدثن معه. وبهذا كن يشعرن بأنهن قد تحررن من أجسامهن؛ وحصلن على قوة اختراق حجب الغيب فأصبحن قادرات على التنبؤ، وصرن في واقع الأمر إلهات. تلك هي الطقوس الانفعالية التي انتقلت من تراقية إلى بلاد اليونان كأنها وباء ديني شبيه بأوبئة العصور الوسطى، ينتزع إقليماً في أثر إقليم من آلهة أولمبس الباردة الواضحة معبودات الدولة الرسمية ليُحِل محلها ديناً وطقوساً تشبع الاهتياج والتحرر من القيود، والحنين إلى التحمس
(1)
ولفظ الحماسة الإنجليزي euthusiasm مشتق من إنثيوس Entheos " إله في الداخل" وكان هذا اللفظ يعني في أول الأمر إله جسم إنسان.
والاستحواذ والتصوف والغموض. وقد حاولت دلفي أن تبعد عنها هذه الطقوس الدينية، وحاول ذلك حكام أثينة أيضاً، ولكن دلفي عجزت عن إبعادها عجز حكام أثينة. وكل ما كان في مقدورها ومقدورهم هو إدخال ديونيسس في زمرة أرباب أولمبس، وصبغه بالصبغة اليونانية والإنسانية، والاحتفال بعيده احتفالاً رسمياً، وتبديل مرح عباده من نشوة الخمر الجنونية بين التلال إلى المواكب الفخمة والأغاني القوية والمسرحية ذات الروعة والجلال التي تمثل في عيد يونيزيا العظيم. وقد ضموا ديونيسس وقتاً ما إلى أبلو، ولكن أبلو استسلم آخر الأمر لوارث ديونيسس وغالبه ألا وهو المسيح.
الفصل الثالِث
أسرار خافية
لقد كان في دين اليونان ثلاثة عناصر وثلاث مراحل رئيسية: عنصر أرضي ومرحلة أرضية، وعنصر أولمبي ومرحلة أولمبية، وعنصر صوفي ومرحلة صوفية. وأكب الظن أن أول العناصر وأولى المراحل من أصل بلاسجي- ميسيني، وأن ثانيهما وثانيتهما من أصل أخي- دوري، وثالثهما وثالثتهما من أصل مصري- أسيوي. وكانوا يعبدون في المرحلة الأولى آلهة تحت الأرض وفي الثانية آلهة سماوية وفي الثالثة آلهة بعثت بعد الموت. وكانت العبادة الأولى أكثر انتشاراً بين الفقراء، والثانية بين الأغنياء، والثالثة بين الطبقة المتوسطة- الدنيا. وسادت العبادة الأولى قبل العصر الهومري والثانية في أثنائه والثالثة بعده. ولم يكد يحل عصر الاستنارة في أيام بركليز حتى كان التخفي أقوى العناصر في الدين اليوناني. والتخفي عند اليونان احتفال سري يُكشف فيه عن رموز مقدسة، وتُقام فيه طقوس رمزية، لا يتعبد بها إلا المطلهون على أسرارها. وكانت هذه الطقوس في العادة تمثل تعذب إله من الآلهة وموته وبعثه، أو تحيي ذكرى هذا العذاب والبعث والموت بطريقةشبه مسرحية، وتسير إلى موضوعات زراعية قديمة وإلى ضروب من السحر، وتعِدُ أولئك المطلعين حياة أبدية خالدة.
وكانت أماكن كثيرة في بلاد اليونان تمارس هذه الطقوس الخفية، ولكن ما من مكان كان يضارع إلوسيس من هذه الناحية. وكان ما فيها من الطقوس موروثاً من عهد ما قبل الآخيين، ويبدو أنها كانت في الأصل احتفالاً في الخريف بالحرث والزرع. فقد كانت ثمة أسطورة تقول إن دمتر أرادت أن تكافئ أهل أتكا لعطفهم عليها في تجوالها فأقامت في إلوسيس أعظم هيكل من
هياكلها، ثم هُدم هذا الهيكل وأعيد بناءوه مراراً كثيرة خلال تاريخ اليونان. ودخيل عيد دمتر في أيام أثينة صولون وبيسستراتس وبركليز، وازداد فيها عظمة وفخامة، وكان طلاب الأسرار الصغرى التي تقام في فصل الربيع بالقرب من أثينة يتطهرون أولاً بأن يغمروا أنفسهم في ماء إليسس Illisus، فقد كان الطلاب وغيرهم من الناس تحجون سيراً على الأقدام في وقار وجزل مدى أربعة عشر ميلاً في الطريق المقدس إلى إلوسيس يحملون فوق رؤوسهم صورة الإله الأرضي ياكوس Iacchus حتى إذا ما وصل الموكب إلى إلوسيس في ضوء المشاعل ووضع صورة الإله في الهيكل وسط مراسم التعظيم والإجلال، قضوا ما بقي من اليوم في الرقص والغناء المقدسين.
تلك هي الأسرار الصغرى، أما الأسرار الكبرى فكانت تدوم أربعة أيام أخرى، وتبدأ بإدخال من تطهروا في الأسرار الصغرى بالاستحمام والصوم، أما الذين مارسوا هذه الطقوس في مثل ذلك الموعد من العام الماضي فكانوا يؤخذون إلى بهو الاندماج في الجماعة السرية، حيث يكون الاحتفال السري. وهناك يفطر المبتدئون الصائمون بأن يتناولوا عشاء ربانياً مقدساً إحياء لذكرى دمتر، ويشربوا مزيجاً مقدساً من دقيق الحنطة والماء، ويأكلوا كعكاً مقدساً. ولسنا نعلم أي طقوس خفية كانت تحدث في ذلك المكان، فذلك شر ظل خافياً خلال التاريخ القديم كله، وكان محرماً على أي إنسان أن يبوح به وإلا تعرض للقتل. ولقد نجا إسكلس التقى نفسه من حكم الإعدام بأعجوبة لأنه كتب بضعة أسطر ظُن أنها قد تكشف السر. وكل ما نستطيع أن نقوله أن الاحتفال كان عبارة عن مسرحية رمزية لها أثر في إحياء مسرحية ديونيسس، وأكبر الظن أن موضوعها كان اختطاف بلوتو لبرسفوني، وتجوال دمتر الحزينة وعودة الفتاة العذراء إلى الأرض، والكشف لأتكا عن أسرار الزراعة. وكانت خلاصة الاحتفال هي زواج خفي بين كاهن يمثل زيوس وكاهنة تمثل دمتر،
وكان هذا الزواج الرمزي يثمر ثمرته بسرعة سحرية عجيبة، فقد كان يعقبه بعد قليل- على ما ينقله لنا المؤرخون- إعلان صريح بأن "سيدتنا قد وضعت غلاماً مقدساً"؛ ثم تُعرض على الناس سنبلة من الحب ترمز إلى الثمرة التي تمخضت عنها دمتر- نتاج الحقول، ثم يُخذ العابدون في ضوء المشاعل الشاحب إلى كهوف مظلمة تحت الأرض تمثل الجحيم، يُرفعون بعدها إلى حجرة عليا تتلألأ فيها الأنوار وتمثل، على ما يظهر، مسكن الصالحين؛ وفيها تعرض عليهم وسط مظاهر التعظيم والتكريم الآثار أو الصور والتماثيل المقدسة التي ظلت إلى تلك الساعة مخفية عنهم، ويؤكد العارفون أن هؤلاء المبتدئين كانوا وهم في نشوة هذا الإلهام المقدس يحسون بوحدتهم هم والإله ووحدة الإله والروح، وأنهم قد انتشلوا من أوهام الفردية، وأدركوا طمأنينة الاندماج في الألوهية.
وفي عصر بيسستراتس دخلت أسرار ديونيسس في الطقوس الإلوسينية عن طريق عدوى دينية إذا صح هذا التعبير، وذلك أن الإله ياكوس قد وحد هو وديونيسس، وقيل أنه هو ابن برسفوني، وطغت خرافة ديونيسس زجريوس على أسطورة دمتر. ولكن الفكرة الرئيسية في هذه الطقوس نفسها، وجوهر هذه الفكرة هو أن الموتى يمكن أن تتجدد حياتهم كما أن البذرة تولد مرة ثانية، ولم يكن يقصد بحياتهم هذه حياة الأشباح النكدة في الجحيم، بل يقصد بها حياة ملؤها السعادة والطمأنينة. ولما زال كل ما عدا هذه الفكرة من الدين اليوناني، ظل هذا الأمل يعمر القلوب وامتزج في الإسكندرية بعقيدة الخلود المصرية التي هي أصل العقيدة اليونانية، فكان هو السلاح الذي غزت به المسيحية العالم الغربي.
وجاءت إلى بلاد اليونان في القرن السابع طقوس دينية صوفية أخرى من مصر وتراقية، وتساليا، وكانت هذه الطقوس أجلُ خطراً في تاريخ اليونان من طقوس إلوسيس الخفية نفسها. ونجد في بداية هذه الطقوس في عصر ركاب
السفينة أرجوس شخصاً غامضاً ولكنه مع ذلك جذاب فتان، ذلك هو أرفيوس التراقي الذي يصفه ديودور بأنه لم يكن يدانيه أحد ممن نعرف أسمائهم من الرجال في الثقافة والموسيقى والشعر، ونرجح كثيراً أن أرفسوس هذا كان شخصاً حقيقياً، وإن كان كل ما نعرفه عنه يمت بسبب إلى الأساطير. فهم يصورونه لنا بصورة الرجل الظريف، الشفيق، المفكر، العطوف، وهو تارة موسيقي، وتارة كاهن زاهد من كهنة ديونيسس. وكان بارعاً في العزف على القيثارة وفي الغناء عليها براعة افتتن بها سامعوه حتى كادوا أن يتخذوه إلهاً يعبدونه.
وكانت الوحوش إذا سمعت صوته خرجت عن طبيعتها واستأنست، بل إن الأشجار والصخور كانت تغادر مواضعها لتستمع إلى نغمات قيثارته. وتزوج أرفيوس من يريديس الحسناء، وكاد يُجن حين قضت نحبها. فما كان منه إلا أن قفز إلى الجحيم وسحر برسفوني بقيثارته، وسُمح له أن يُعيد يريديس إلى الحياة على شريطة أن لا ينظر إليها حتى يصلا إلى سطح الأرض. لكنه لم يطق صبراً على هذا وخشي ألا تكون من ورائهِ، فنظر إلى الوراء عند آخر حاجز بينه وبين سطح الأرض، فرآها تُختطف مرة أخرى ويُقذف بها إلى العالم السفلي. وحقدت عليه نساء تراقية لأنه أبى أن يسلي نفسه معهن فمزقنه إرباً في نشوة من نشواتهن الديونيسية. وكفر زيوس عن ذنبهن بأن جعل قيثارة أرفيوس كوكبة من نجوم السماء
(1)
. ودفن رأسه وهو لا يزال يغني في لسبوس في شق صار فيما بعد مهبط وحي. ويقولون إن البلابل في هذا المكان كانت أرق وأحلى صوتاً منها في أي مكان آخر.
وقيل في العصور المتأخرة إنه خلف وراءه كثيراً من الأغاني الدينية؛ وليس ببعيد أن يكون هذا صحيحاً، وتقول الرواية اليونانية المتواترة إن عالماً يُدعى أونومكريتوس Onomacritus نشر هذه الأغاني في عام 520، كما نُشرت
(1)
هي المعروفة في الفلك بكوكبة النسر الواقع. (المترجم)
القصائد الهومرية قبل ذلك بجيل من الزمان؛ وفي القرن السادس أو قبله كانت هذه الأغاني قد أصبحت ذات طابع مقدس، وقيل إنها قد أوحيت إلى صاحبها كما أضحت أساساً لطقوس دينية صوفية ذات صلة بطقوس ديونيسس، ولكنها تعلو عليها كثيراً فيما تنطوي عليه من عقائد دينية وفي طقوسها وأثرها الخلقي. فأما العقائد الدينية فقد كانت في جوهرها توكيداً لعذاب ديونيسس زجريوس الابن المقدس وموته وبعثه، كما كانت تؤكد أيضاً أن الناس جميعاً سوف يُبعثون في حياة مستقبلة يُثابون فيها على أعمالهم أو يعاقبون عليها. وإذا كان الاعتقاد السائد أن الجبابرة الذين قتلوا ديونيسس هم الذين تناسل منهم الآدميون، فقد كانت البشرية كلها ملوثة بشيء من الخطيئة الأولى، وكان عقابها على هذه الخطيئة أن الروح تُسجن في الجسم كأنها في سجن أو قبر، ولكن في وسع بني الإنسان أن يعزوا أنفسهم بأن يعرفوا أن الجيابرة قد أكلوا ديونيسس، وأن كل إنسان ينطوي لهذا السبب في روحه على جزء من الألوهية الخالدة، وكان عباد أرفيوس يتناولون في عشاء رباني جماعي لحم ثور نيئاً، يمثل في اعتقادهم ديونيسس، إحياء لذكرى قتل الإله وأكل لحمه وامتصاصاً للجوهر المقدس من جديد.
ويقول علم اللاهوت الأرفي إن الروح تذهب بعد الموت إلى الجحيم حيث يحاسبها آلهة العالم السفلي على أعمالها، وكانت الترانيم والطقوس الأرفية ترشد المؤمنين إلى ما يجب أن يتبعوه من هذا الحساب النهائي الشامل، شأنها في هذا شأن كتاب الموتى عند قدماء المصريين. فإذا حُكم على الميت بأنه مذنب عوقب عقاباً شديداً. فمن قول إن هذا العقاب أبدي وهو الذي أخذت منه فكرة النار فيما بعد؛ وهناك فكرة أخرى تقول بالتناسخ أي أن الروح تولد مرة بعد مرة لتحيا حياة أسعد من حياتها الأولى أو أشقى منها حسب طهارتها الأولى أو عدم طهارتها، ويتكرر هذا المولد مرة بعد مرة حتى تتطهر الروح من ذنوبها تطهراً تاماً فيُسمح لها بالدخول في جزائر المنعمين (50). وهناك قول
ثالث يبعث الأمل في قلوب الموتى وخلاصته أن العقاب الذي يلقاه الميت في الجحيم قد ينتهي إذا كفّر الإنسان عن ذنبه قبل موته أو كفّر عنه أصدقاؤه بعد موتهِ، وبهذه الطريقة نشأت عقيد التطهير وصكوك الغفران؛ ويصف أفلاطون وهو مغضب غضباً لا يكاد يقل عن غضب لوثر Luther بيع هذه الصكوك في أثينة في القرن الرابع قبل الميلاد فيقول:
"يقرع المتنبئون المتسولون أبواب الأغنياء ويدخلون في روعهم أنهم قد وهبوا القدرة على أن يكفّروا لهم خطاياهم أو خطايا آبائهم بضروب من التضحية والرُّقَي
…
ثم يُخرجون من حقائبهم مجموعة ضخمة من الكتب بخط موسيوس Musaeus أو أرفيوس
…
يمارسون منها طقوسهم، ويقنعون الأفراد ومدناً بأكملها أن التوبة من الذنوب والتكفير عنها يتمان بتقريب القرابين والقيام بضروب التسلية) الاحتفالات (التي يشغلون بها ساعات الفراغ والتي يتقدمون بها إلى الأحياء وإلى الموتى على السواء، وهم يسمون العمل الأخير) الاحتفالات (طقوساً خفية، ويدعون إنها تُنجينا من عذاب النار، فإذا أغفلناها فلا يعلم أحد ماذا يصيبنا من عذاب".
على أن الأرفية كان فيها بالرغم من هذا اتجاهات مثالية هي التي أدت إلى الفلسفة الأخلاقية والرهبنة في المسيحية. ذلك أن ما كان يُعزى إلى آلهة أولمبس من انحلال خلقي واستهتار قد حل محله قانون صارم للسلوك؛ وثُلَ عرش زيوس الجبار شيئاً فشيئاً وحلت محله شخصية أرفيوس الظريفة بنفس الطريقة التي ثُلَ بها عرش يهوه ليحل محله المسيح فيما بعد. ودخلت في التفكير اليوناني فكرة الخطيئة والضمير والنظرة الثنائية إلى الجسم والروح، التي تقول إن الجسم خبيث وإن الروح مقدس، وصار إخضاع الجسم أهم أغراض الدين كما صار شرطاً لخلاص الروح. ولم يكن لطائفة الإخوان الأرفيين نظام ديني أو حياة خاصة بمعزل عن حياة الناس، وكل ما كان يميزهم عن غيرهم ثيابهم البيضاء وامتناعهم عن أكل
اللحم، وتقشفهم إلى درجة لم تكن مما يتفق عادة مع الحياة اليونانية، وملاك القول أنهم كانوا يمثلون في اليونان إصلاحاً كإصلاح المتطهرين من عدة وجوه.
وكان لهذه الطائفة أثر بعيد طويل؛ ولعل الفيثاغوريين قد أخذوا منها طعامهم ولباسهم ونظريتهم في تقمص الأرواح. ومما هو جدير بالذكر أن أقدم ما لدينا من الوثائق الأرفية قد وجدت في جنوبي إيطاليا. وكان أفلاطون يعتقد بنظريتها في تعارض الجسم والروح، وبنزعتها التزمتية، وبأملها في الخلود، وفي وسعنا أن نرجع بعض ما في الرواقية من زهد ومن وحدة الله والكون إلى أصل أرفي، وقد كان في حوزة رجال الأفلاطونية الجديدة بالإسكندرية مجموعة كبيرة من الكتابات الأرفية اتخذوها أساساً للاهوتهم وطقوسهم وتصوفهم. كذلك أثرت فكرة النار والمطهر والجنة، وتعارض الجسم والروح، والابن المقدس الذي قتل ثم ولد من جديد، والعشاء الرباني وهو أكل جسم الإله ودمه وقدسيته، أثرت هذه كلها من قرب أو من بعد في المسيحية التي كانت هي نفسها ديناً ذا طقوس ومراسم خفية، فيها الكفّارة والأمل والوحدة التصوفية وتحرر الروح، ولا تزال الأفكار والعبادات التي تشتمل عليها الديانة الأرفية منتشرة بيننا في هذه الأيام.
الفصل الرّابع
العبادات
لم تكن الطقوس الدينية اليونانية أقل تنوعاً واختلافاً من الآلهة التي كانت تحتفل بها وتعظمها: فقد كان للآلهة الأرضية تقوس حزينة يُسَكَّن بها غضبها ويُتَّقى شرها، وكان للآلهة الأولمبية طقوس سارة كلها ترحيب بها وثناء عليها. ولم تكن هذه أو تلك تحتاج إلى كهنة يقومون بها. فقد كان الأب يقوم مكان الكاهن في الأسرة، وكان الحاكم الأكبر يقوم مقامه في الدولة. بيد أن الحياة في بلاد اليونان لم تكن حياة دنيوية كما يصفها المؤرخون، بل كان للدين فيها شأن كبير في كل مكان، وكانت كل حكومة ترعى الطقوس الدينية الرسمية وترى أنها لا بد منها للنظام الاجتماعي والاستقرار السياسي. على أنه بينما كان الكهنة في مصر وبلاد الشرق الأدنى يسيطرون على الدولة، كانت الدولة في بلاد اليونان هي التي تسيطر على الكهنة، وكان لها الزعامة في الشؤون الدينية، ولم يكن الكهنة سوى موظفين صغار في الهياكل. كذلك كانت أملاك الكهنة، عقاراً كانت أو نقوداً أو عبيداً، يراجعها ويدير شؤونها موظفون من قبل الدولة. ولم تكن هناك معاهد لتخريج الكهنة بل كان في استطاعة أي إنسان أن يختار أو يعين كاهناً بلا جلبة أو مشقة إذا كان يعرف المراسم الدينية التي تتطلبها الآلهة، وكان هذا المنصب في كثير من الأحيان يتولاه من يؤدي له أكبر الأثمان. ولم تكن هناك طبقة كهان خاصة، أو هيئه لهم جامعة، ولم يكن بين كهنة أحد المعابد أو إحدى الدول وزملائهم في معبد آخر أو دولة أخرى رابطة ما؛ ولم يكن للدولة دين رسمي، يستمسك به جميع أفرادها أو عقائد
ثابتة مقررة؛ ولم يكن قوام الدين هو الإقرار بعقائد معينة؛ بل كان قوامه الاشتراك في الطقوس الرسمية، وكان في وسع أي إنسان أن يؤمن بما يشاء من العقائد على شريطة ألا يكفر بآلهة المدينة أو يسبها، وملاك القول أن الدين والدولة كانا شيئاً واحداً في بلاد اليونان.
أما مكان العبادة فيمكن أن يكون هو موقد الدار، أو موقد البلدية القائم في قاعة المدينة العامة، ويمكن أن يكون شقاً في الأرض يسكنه إله أرضي أو هيكلاً لإله أولمبي. وكان حرم الهيكل مكاناً مقدساً، لا يُعتدى عليه، يجتمع فيه العابدون، ويجد فيه اللاجئون مكاناً أميناً يحتمون فيه ولو كانوا ممن ارتكبوا أشنع الجرائم. ولم يكن الهيكل مكاناً لاجتماع المصلين بل كان بيت الإله، ينُصب فيه تمثاله، ويوُقد أمامه ضوء لا ينطفئ أبداً وكثيراً ما كان الناس يعتقدون أن الإله هو التمثال نفسه ولذلك كانوا يُعنون بغسله، وكسوته، وإحاطته بكثير من ضروب الرعاية، وكانوا أحياناً يؤنبونه إذا أهمل أمرهم، وكانوا يَقصُّون على من يستمع إليهم كيف تصبب التمثال عرقاً في بعض الأحايين أو كيف بكى أو أغمض عينيه. وكان يُحفظ في سجلات الهيكل تاريخ أعياد الآله والحوادث الهامة في حياة المدينة أو الجماعة التي تعبد الإله صاحب الهيكل، وكان هذا التاريخ أو التواريخ اليونانية والمنبع الذي استمدت منه أولى أشكال الكتابات التاريخية.
وكان الاحتفال يتألف من موكب، وأناشيد، وقربان؛ وأدعية، يُضاف إليها في بعض الأحيان وجبة مقدسة؛ وقد يشمل الموكب سحراً، ومقنعات، وجماهير من الممثلين يعملون مجتمعين، ومسرحية تمثيلية. وكان أهم أجزاء الطقوس في معظم الأحيان تحددها العادات المألوفة؛ وكانت كل حركة فيها، وكل كلمة في الترانيم أو الصلوات، مدونة في كتاب محفوظ عند الأسرة أو الدولة مقدس لديها، لا يكاد يتغير فيه لفظ، أو جزء من لفظ، أو نغمة من النغمات
خشية ألا يحب الإله هذه البدعة أو ألا يفهمها. فقد تتغير اللهجات الحية ولكن لغة الطقوس تظل على حالها، وقد لا يستطيع المتعبدون على مر الزمان أن يفهموا الألفاظ التي ينطقون بها ولكن النشوة التي يبعثها فيهم قدم العهد كانت تُغنيهم عن الفهم. وكثيراً ما كان الاحتفال يبقى بعد أن ينمحي من ذاكرة المحتفلين كل شيء عنه، ولا يبقى فيها حتى سبب هذا الاحتفال أو الباعث عليه. فإذا حدث هذا اخترعت أساطير جديدة تفسر قيامه فتتغير الأسطورة أو العقيدة وتبقى المراسم والطقوس، وكانت الموسيقى عنصراً أساسياً لا غنى عنه في الاحتفال كله لأن الدين يشق على النفس من غير الموسيقى، والموسيقى تنتج الدين كما ينتج الدين الموسيقى. ومن الهيكل وأناشيد الاحتفالات؛ نشأ الشعر، ونشأت القصائد التي ازدانت بها في الأيام الأخيرة عقائد أركلوكس القوية البذيئة، وعواطف سافو الثائرة المستهترة، وأشعار أنكريون الرقيقة الفاجرة.
وإذا ما وصل العابدون إلى المذبح- وكان موضعه عادة أمام الهيكل- عملوا على اتقاء غضب الله أو كسب معونته بالتضحيات والصلوات. وكان في وسعهم أفراداً أن يقربوا إليه كل ما له قيمة لا يكاد يستثنى من ذلك شيء قط: تماثيل، أو نقوشاً، أو أثاثاً، أو أسلحة، أو آنية، أو مناضد، أو ثياباً، أو فخاراً؛ فإذا لم يستطع الإله أن يستخدم هذه القرابين استخدمها الكهنة.
أما الجيوش فقد كان في وسعها أن تهب الإله جزءاً من غنائمها، كما فعل جنود أكسنوفون العشرة الآلاف في أثناء ارتدادهم. وكان في مقدور الجماعات أن تهبه ثمار الحقول أو الكروم أو الأشجار؛ أو حيواناً يشتهي الإله طعمه وهو الكثير الحدوث؛ وعند مسيس الحاجة كان يضحى بالآدميين أنفسهم، فقد ضحى أجمنون مثلاً بإفجينيا كي تهب الريح؛ وذبح أخيل اثني عشر من شباب طروادة على كومة حريق بتركلوس. وكان الضحايا الآدمية يُقذف بهم من فوق صخور قبرص ولوكاس استرضاءً لأبلو، وآخرون يهدون إلى ديونيسس في
طشيوز وتندوس؛ ويقال أن ثمستكليز ضحى ببعض أسرى الفرس يوم سلاميس؛ وكان الإسبارطيون يحتفلون بعيد أرتميس أورثيا Artemis Orthia بجلد بعض الشبان عند مذبحها جلداً كان يدوم في بعض الأحيان حتى يُقضى على المجلودين. وظل زيوس في أركاديا يتقبل الضحايا البشرية حتى القرن الثاني بعد الميلاد. وكان إذا انتشر الوباء في مساليا جيء بمواطن فقير وأطعم من بيت المال، وألبس الثياب الكهنوتية، وزُين بالأغصان المقدسة، وألقي من فوق صخرة ومن حوله يدعون أن يكفر بعقابه هذا عن سيئات مواطنيه. وكان من عادة أهل أثينة إذا داهمهم القحط، أو الطاعون، أو غيرهما من الأزمات أن يقدموا للإله، إما حقيقي وإما تمثيلاً، ضحية بشرية واحدة أو أكثر من واحدة تطهيراً للمدينة؛ وكان يحدث مثل هذا في كل عام في عيد الثارجليا
(1)
Thargelia. وقد خففت هذه التضحيات البشرية على مر الزمن بأن قُصر الضحايا على المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام؛ وكانوا فوق هذا يخدرون بالخمور، ثم اُستعيض عنهم آخر الأمر بالحيوانات. ولما أن رأى بلبيداس Belopidas القائد البؤوتي في الليلة السابقة لمعركة لوكترا) 371 ق. م (حلماً ظن على أثره أنه يُطلب إليهِ تضحية بشرية على المذبح تكون ثمناً للنصر، نصحه بعض مشيريهِ أن يلبي الطلب، وعارضه البعض الآخر وقالوا له:"إن هذا العمل الهمجي المجرد من كل معاني التُقى والصلاح لا يمكن أن ترضى بهِ الكائنات العليا أياً كانت؛ وإن الجبابرة والمردة ليسوا هم حكام الأرض، بل حاكمها هو أبو الآلهة والخلق عامة، وإن من السخف أن يتصور الإنسان أرباباً وقوى عليا يسرها التقتيل والتضحية بالآدميين".
(1)
وكان هؤلاء الضحايا يسمون فارمكوي Pharmakoi في أثينا، وكان معنى هذا اللفظ في أول الأمر "السحرة". ومعنى فارمكون Pharmakon رقية سحرية، ثم أصبح معناها عقاراً شافياً. والعلماء مختلفون هل كان الفارمكوى يقتلون في الواقع أو لا يقتلون، غير أنا لا نكاد نشك في أن القتل في أول الأمر كان يحدث فعلاً.
وإذن فقد كانت التضحية بالحيوان خطوة كبرى في تطور الحضارة وكانت الحيوانات التي سبقت غيرها في هذا التطور في بلاد اليونان هي الثيران والضأن والخنازير؛ فكانت الجيوش المتحاربة تقدم قبل المعركة من الضحايا ما يتناسب مع رغبتها في النصر؛ وكان مكان انعقاد أية جمعية يُطهر قبل انعقادها بالتضحية بخنزير. غير أن تقوى الناس لم تكن تقوى على طبيعتهم إذا حز بهم أمر خطير، ولم يكن يصل من التضحية إلى الإله إلا عظامها وقليل من لحمها ملفوف بالدهن، أم ما بقي منها فكان يُترك للكهنة وللعابدين. وكان اليونان يبررون عملهم وهذا بقولهم إن بروميثيوس Prometheus في عصر الجبابرة قد لف ما يصلح للأكل من جسم الضحية في جلدها، ولف عظامها بالدهن وطلب إلى زيوس أن يختار ما يفضله منها، وإن زيوس اختار الدهن "بكلتا يديه". نعم إن زيوس قد استشاط غضباً حين رأى أنه قد خُدع؛ ولكنه كان قد أتم الاختيار وكان عليه أن يرضى به ويصبر عليه إلى أبد الدهر. ولم تكن الضحية تُقدم كلها لحمها وشحمها إلا للآلهة الأرضية، وكان الحيوان كله في هذه الحال يُحرق في محرقة عامة حتى يصير رماداً؛ ذلك أن آلهة الأرض السفلى كان يُخشى بأسها أكثر مما يُخشى بأس الآلهة الأولمبية. ولم تكن وجبة عامة تعقب التضحية للإله الأرضي، لأن هذا قد يغري الإله بالخروج والاشتراك في الوليمة. أما بعد التضحية للآلهة الأولمبية فقد كان العباد يأتون على الضحية كلها، ولم يكونوا يفعلون هذا خوفاً من الإله وتكفيراً عن ذنوبهم، بل كانوا يفعلونه لأن من دواعي سرورهم أن يشتركوا في الطعام مع الإله، ويرجون أن تكون الصيغ السحرية التي ينطقون بها وقت الطعام قد نفثت في الضحية حياة الإله وقوته، وأن هاتين الحياة والقوة ستنتقلان بطريقة خفية إلى الآكلين معه.
وكذلك كان الخمر يُصب فوق الضحية، ويُصب بعدئذ في كؤوس العابدين، فكأنهم بهذا كانوا يشربون مع الآلهة (. وكانت فكرة الاشتراك المقدس
في الوجبة الدينية هي الرابطة التي تربط هيئات الإخوان التي كان كثير من أصحاب الحرف والهيئات الاجتماعية يؤلفونها في أثينة.
ولقد ظلت التضحية بالحيوانات منتشرة في جميع أنحاء بلاد اليونان حتى قضت عليها المسيحية، واستُبدلت بها عن حكمة التضحية الروحية والرمزية المعروفة بالقداس. وأصبحت الصلاة أيضاً إلى حد ما بديلاً من التضحية حتى في العصور الوثنية. وكان استبدال تسبيحات الحمد بالقرابين الدموية إصلاحاً يشهد بالحذق لفاعليه، فبهذه الوسيلة الهينة الرحيمة كان في استطاعة الإنسان وهو المحوط بالمصادفات والمآسي في كل خطواته أن يتآسى ويتقوى باستعانته بما في العالم من قوى خفية.
الفصل الخامِس
الخرافات
وكان بين قطبي الدين اليوناني العلوي والسفلي، الأولمبي والأرضي، بحر يزخر بالسحر والخرافات، والأباطيل؛ وكان من وراء العباقرة الذين سنشيد بذكرهم فيما يلي من صحائف هذا الكتاب، كما كان من ورائهم، جمهرة الشعب من الفقراء والسذج الذين لم يكن الدين في نظرهم إلا شراكاً من الخوف لا سلماً للآمال؛ ولم يكن اليوناني العادي يكتفي بتصديق القصص التي تروي المعجزات كصعود منسيوس من بين الموتى ليحارب في مرثون، أو تحويل الماء إلى خمر على يد ديونيسس، ذلك أن أمثال هاتين القصتين تظهر عند جميع الشعوب، وهي جزء من الشعر المباح الذي ينير به الخيال دياجير الحياة العادية. بل إن في وسع الإنسان أن يذهب إلى أبعد من هذا فيتغاضى عن حرص أثينة على أن تأوي فيها عظام ثسيوس، وحرص إسبارطة على أن تسترد من تيجيا Tegeo عظام أرستيز Orestes، فقد يكون ما يعزوه الحكام لهذه الآثار من قدرة على فعل المعجزات جزءاً من فن الحكم وأساليبه. أما الذي كان ينيخ بكلكله على اليوناني الصالح فهو الأرواح المحتشدة من حوله التي يُعتقد أنها متأهبة على الدوام لأن تعرف مخبآتها، وأن تتدخل في شؤونه وتلحق به الأذى، وأن في مقدورها أن تفعل به هذا كله. وكانت هذه الشياطين لا تنفك تعمل لأن تتقمصه، وكان عليه أن يحذرها ويتقي أذاها على الدوام، وأن يقيم الاحتفالات السحرية ليطردها بها.
وأوشكت هذه الخرافات أن تكون علماً من العلوم الطبيعية، وكانت إلى حد ما سوابق لنظرية الجراثيم التي نعرفها اليوم. فقد كان معنى الأمراض جميعها عند اليوناني أن المريض قد حل فيه روح غريب، وأن من يلمس الشخص
المريض يعدى بقذارته أو "يلبسه ذلك الروح الغريب نفسه". وليست المكروبات والبكتريا إلا صوراً جديدة شائعة لما كان اليونان يسمونه كريس Keres أو الجن الصغيرة. ومن ثم كان الميت "نجساً" لأن الجني قد استحوذ عليه كل الاستحواذ؛ وكان اليوناني إذا خرج من بيت فيه ميت رش نفسه بالماء من إناء يوضع لهذا الغرض عند باب البيت، وذلك لكي يطرد من جسمه الروح الذي غلب الميت على أمره. وقد امتدت هذه الفكرة عند اليونان إلى ميادين كثيرة لم يمتد إليها علمنا الحديث رغم ما ينتابنا من رهبة البكتريا وجزعنا منها. وكان الجماع من أسباب النجاسة، كولادة الطفل أو القتل) ولو كان غير متعمد (، وكان الطفل المولود نفسه نجساً. ولم يكن الجنون إلا حلول روح غريب في جسم المصاب بهِ، وكان يقال إن الجنون قد "خرج عن نفسه"، وكان لا بد في هذه الحالات من القيام باحتفال يطهر فيه الشخص النجس. وكانت المنازل، والهياكل، والمدن بأجمعها في بعض الأحيان؛ تُطهر بالماء أو الدخان كما نطهرها نحن الآن، وكان وعاء به ماء نظيف يوضع عند مدخل كل هيكل، حتى يُطهر به نفسه كل قادم للتعبد، أو لعل هذا الوعاء كان رمزاً يوحي إلى الناس بضرورة التطهر. وكان الكاهن نفسه خبيراً بأصول التطهير، وكان في مقدوره أن يطرد الأرواح الشريرة من الأجسام بالضرب على إناء من البرونز، أو بقراءة العزائم، أو بالسحر أو الصلاة؛ وحتى قاتل النفس عمداً كان يمكن تطهيره إذا أجريت له الطقوس والمراسم الملائمة. ولم تكن التوبة ضرورة محتومة في مثل هذه الأحوال، بل كل ما كان يحتاجه المتطهر هو أن يتخلص من الشيطان الشرير الذي تقمصه؛ وذلك لأن الدين لم يكن أمر أخلاق بقدر ما كان فناً لمعالجة أمور الأرواح. غير أن كثرة المحرمات ومراسم التطهير قد أكسبت اليوناني المتدين مزاجاً عقلياً يشبه شبهاً عجيباً الشعور بالخطيئة عند طائفة المتطهرين المتزمتين) البيورتان (من الإنجليز. وإن القول بأن اليونان
كانوا مجردين من فكرتي الضمير والخطيئة لا يكاد يبقى له أثر عند من يقرأ كتب بندارا وإسكلس وقد نشأت من اعتقاد اليونان بأنهم يعيشون في جو من الأرواح مئات من الخرافات لخصها ثيوفراستوس خليفة أرسو في جزء من كتابه الأخلاق فقال:
يبدو أن الإيمان بالخرافات ضرب من الجبن وخور العزيمة أمام القوة الإلهية
…
إن الرجل المخرف لا يعرف من داره أول النهار إلا بعد أن يغسل يديه ويرش نفسه بالماء من العيون التسع، ويضع في فمه قطعة من ورقة شجرة في معبد، فإذا ما اعترضت طريقه قطة لم يواصل السير حتى يمر به إنسان آخر، أو يقذف بثلاثة أحجار في الشارع. وإذا أبصر أفعى في بيته وكانت من النوع الأحمر استنجد بديونيسس، أما إذا كانت أفعى مقدسة فإنه يقيم لها ضريحاً من فوره في البقعة التي أبصرها فيها؛ وإذا مر بأحد الحجارة الملساء المقامة في مفترق الطرق صب عليه الزيت من قنينة ولم يواصل السير في طريقه إلا بعد أن ركع له ويتعبد، وإذا قرض فأر جعبة طعامه، توجه إلى الساحر وسأله ماذا يفعل، فإذا أشار عليه بأن "يرسل الجعبة إلى الإسكافي ليرقعها"، عمل بهذه النصيحة، وتخلص من النذير المشئوم بطقوس تمنع عنه الشر المرتقب. وإذا وقعت عينه على رجل مصاب بالجنون أو بالصرع، ارتجف وبصق على صدرهِ.
وكان اليونان السذج يؤمنون، ويعلمون أطفالهم أن يؤمنوا، بأنواع لا حصر لها من العفاريت. وكانت مدن بأكملها تروع بين الفينة والفينة بما تنذر به أحداث غريبة كمولد حيوانات مشوهة أو أناس مشوهين. وكان الاعتقاد بوجود أيام مشئومة منتشراً إلى درجة تجعل من المؤمنين بهذه العقيدة لا يقدمون في هذه الأيام على زواج ولا يعقدون فيها جمعية. ولا تجتمع فيها محكمة، ولا يبدءون فيها مشروعاً خطيراً. وكانت عطسة، أو عثرة قدم، تكفي في بعض الأحيان لحمل العاطس أو العاثر على العدول عن سفره أو عمل هام، وكان خسوف جزئي يكفي
لوقف زحف الجيوش أو ردها على أعقابها، وقد يؤدي إلى ختام الحرب بكارثة مدلهمة. يضاف إلى هذا الاعتقاد بأن بعض الناس قد وهبوا قدرة عجيبة على إنزال النقمة ممن يشاءون، فالأب إذا أغضب قد يصب على من أغضبه، والسائل إذا أهمل قد يُصب على مَن أهمله، لعنة لا تقوم لها بعدها قائمة. وكان بعض الناس مهرة في فنون السحر، فكان في وسعهم أن يمزجوا شراباً للعشق أو دواء مقوياً للباه، وكان في وسعهم أن يضعفوا ببعض العقاقير السرية قدرة الرجل على الجماع أو يعقموا المرأة فلا تحمل أبداً. وقد رأى أفلاطون أن شرائعه لا تكمل إلا إذا تضمنت تشريعاً يعاقب من يؤذي الناس أو يقتلهم بسحرهِ. فليست الساحرات إذن من اختراع العصور الوسطى، فها هي ذي ميديا في روايات يوربديز، وسميثا Simactha في روايات ثيوكريتس وهما ساحرتان. وقصارى القول أن الخرافات من أقوى الظواهر الاجتماعية، وأنها بقيت في خلال أحقاب المدنية لا تكاد تتغير في قواعدها وأصولها ولا في صورها وأشكالها.
الفصل السّادس
المتنبئون والمتنبآت
ولقد خيل إلى أهل ذلك الوقت الذين كانوا يعيشون في عالم مليء بالقوى العليا غير الطبيعية أن حوادث الحياة رهينة بإرادة الشياطين والآلهة، ولم يكن أمام اليونان الذين يريدون معرفة هذه الإرادة إلا أن يلجئوا إلى العرافين والمتنبئين يستشيرونهم في أمرهم، وكان هؤلاء ينبئون بالمستقبل بالنظر في النجوم: وتأويل الأحلام، وبحث أحشاء الحيوان، وزجر الطيور، وكان العرافون المحترفون يؤجرون أنفسهم للأسر والجيوش والدول من ذلك أن نسياس Nicias استخدم قبل أن يسير حملته على صقلية طائفة كبيرة من مقربي القرابين وزاجري الطيور وقارئي الغيب. ولسنا نقول إن القواد لم يبلغوا كلهم من التقى ما بلغه هذا القائد مالك العبيد؛ ولكنهم كلهم تقريباً لم يكونوا يقلون عنه إيماناً بالخرافات. وكان يظهر في البلاد في أوقات مختلفة رجال ونساء يدعون أنهم ممن يوحى إليهم أو ممن كشف الغطاء عن أبصارهم، وكان في أيونيا بنوع خاص نساء سبييلات) أي إرادة الله (يذعن نبوءات يصدقها ملايين اليونان، ويقال إن واحدة من أولئك السييلات Sibyls تدعى هرفيلا Herophila طافت ببلاد اليونان مبتدئة من إريثرا Erythra ثم استقرت في كومي بإيطاليا حيث أصبحت أشهر سيبيلات زمانها، وعاشت كما تقول الرواية المتواترة ألف عام، وكان في أثينة، كما كان في رومة، عدد كبير من المتنبئين والمتنبآت، وكانت الحكومة تحتفظ في بهو البلدية الأكبر برجال يحذقون تأويل أقوالهم.
وكان في كثير من الهياكل المنتشرة في جميع أنحاء اليونان متنبئون عموميون، ولكن أشهرهم وأجلهم قدراً في الأيام القديمة متنبئي زيوس في دودونا Dodone
كما كان أشهرهم في العصور التاريخية متنبئي أبلو في دلفي. وكان اليونان و "البرابرة" يستشيرون هذا المتنبئ، وحتى رومة نفسها كانت ترسل الرسل ليعرفوا إرادة الإله أو يوحوا إليه بهذه الإرادة. وكانوا يظنون أن النساء أكثر استعداداً لتلقي الوحي من الرجال، ولذلك كانت ثلاث كاهنات لا تقل سن كل منهن عن نصف قرن يدربن على تعرف لإرادة أبلو وهن في غيبوبة، وكان غاز عجيب يخرج من فتحة في الأرض تحت الهيكل ويعزوه الناس إلى تحلل الأفعى التي قتلها أبلو في ذلك المكان. وكانت الكاهنة التي ستتلقى الوحي تجلس على نضد عالٍ ذي ثلاث قوائم موضوع فوق الشق، وتستنشق الرائحة الكريهة المقدسة، وتمضغ أوراقاً من تاج من أوراق الشجر المخدر، فتغيب عن وعيها ويتقلص جسمها، ثم ينزل عليها الوحي وهي في هذا الحال، فتنطق بألفاظ متقطعة يترجمها الكهنة للشعب المستمع وكثيراً ما كان الجواب النهائي يحتمل تأويلات مختلفة بل متناقضة، وبذلك تكون المتنبئة صادقة على الدوام مهما وقع من الحوادث. ولعل الكهنة هم والمتنبئة كانوا جميعاً ألعوبة في أيدي غيرهم، وكانوا في بعض الأحيان يقبلون الرشا لينطقوا بما يحب الراشون أن ينطقوهم بهِ، وكان صوت المتنبئة يتفق في أكثر الحالات مع صاحب النفوذ الأكبر في بلاد اليونان. أما إذا لم تكن هناك سلطة خارجية ترغم الكهنة على أن ينطقوا بما ترغب فيهِ، فإنهم كانوا يلقون على اليونان دروساً قيمة في الاعتدال والحكمة السياسية؛ فقد أعانوا على استقرار القانون وتثبيت دعائمه، وكان لهم أثر كبير في تحرير الرقيق، وقد اشتروا عدداً كبيراً من الأرقاء لكي يحرروهم من الرق؛ وإن كنا لا ننكر أنهم تغاضوا عن التضحيات البشرية بعد أن أخذ ضمير اليونان ينفر منها، ولم يرفعوا صوتهم بالاحتجاج على ما كان يحدث فوق جبل أولمبس من فساد خلفي. ذلك بأنهم لم يكونوا متقدمين على التفكير اليوناني، ولكنهم مع ذلك لم يقفوا في سبيل هذا
التفكير ويعطلوه بالتعصب لمبادئ وآراء خاصة. وكانوا يخلعون على السياسة اليونانية التي تمليها على الحكام والضرورات الملحة ستاراً من رضاء القوى الإلهية، وخلقوا شيئاً من الضمير الدولي والوحدة الأخلاقية بين مدن اليونان المبعثرة.
وبفضل هذا الأثر الموحَّد نشأ أقدم حلف بين الدويلات اليونانية، وكانت جامعة المندوبين اليونان- الجامعة الأمفكتيونية Amphictyonic- أول أمرها حلفاً دينياً مؤلفاً من "المقيمين حول" هيكل دمتر القريب من ممر ترموبيلي. وكانت أهم الدول التي تتألف منها هذه الجامعة تساليا، ومجنيزيا، وفثيوتس، ودوريس، وفوسيس، وبؤوتية، وعوبية، وآخية. وكان مندوبوها يجتمعون مرة كل ستة أشهر، في الربيع في دلفي، وفي الخريف في ترموبيلي، وقد تعهدوا بألا يخرب بعضهم مدن بعض، وألا يسمحوا بأن يقطع الماء عن أية واحدة منها، وألا ينهبوا كنوز أبلو في دلفي أو يسمحوا نهبها، وأن يقاتلوا أية أمة لا تحترم هذه المواثيق. تلك مبادئ لعصبة أمم حال دون قيامها تغلب الثراء والسلطان بين الدول، وما طبع عليه الأفراد والجماعات من تنافس وتحاسد، فقد كونت تساليا جبهة من الدول الخاضعة لسلطانها، وفرضت على هذه العصبة سيطرتها الدائمة. ونشأت عصبة أخرى غيرها، فكانت أثينة مثلاً عضواً في عصبة كلوريا Calauria وكانت كل واحدة من هذه العصب المتنافسة تعمل لنشر السلام بين أعضائها. ولكنها أضحت على مر الزمن أداة لتدبير الدسائس وإثارة الحروب على غيرها من العصب.
الفصل السّابع
الأعياد
إن لم يكن في مقدور الدين اليوناني أن يقضي على الحروب، فإنه قد أفلح في تخفيف متاعب الحياة الاقتصادية الرتيبة بما كان يقيمه من الأعياد الكثيرة قال فيها أرستوفانيز: "ألا ما أكثر ما يقدم إلى الآلهة من ضحايا؛ وما أكثر ما يقام لها من هياكل وتماثيل
…
ومواكب مقدسة! إنا لنشهد في كل ساعة من ساعات العام أعياداً دينية وضحايا عليها أكاليل من الزهر تقرب للآلهة". وكانت نفقات هذه الأعياد يقوم بها الأغنياء، أما الدولة فكانت تقدم الأموال المقدسة Theorika، ومنها تؤدي للشعب رسوم الدخول لمشاهدة الألعاب أو المسرحيات التي كانت تمتاز بها هذه الأيام المقدسة.
وكان التقويم الأثيني تقويماً دينياً في جوهره، وكانت شهور كثيرة تسمى بأسماء ما يقام فيها من أعياد دينية، ففي الشهر الأول شهر هكتمبيون Hecatombaion) يوليه- أغسطس (يقام عيد الكرونيا) المقابل لعيد الساتورناليا الروماني (، وفيه يجتمع السادة والعبيد في وليمة بهجة طربة. وكان يقام في هذا الشهر نفسه كل أربعة أعوام عيد الجامعة الأثينية، وتعقد فيه مباريات، وتقوم فيه ألعاب مختلفة الأنواع، تدوم أربعة أيام، يسير الأهلون جميعاً بعدها في موكب عام وقور، يحملون إلى كاهنة أثينة الثوب الفخم الموشى الذي كان يوضع فوق تمثال إلهة المدينة؛ والعالم كله يعرف أن هذا هو الموضوع الذي اختاره فدياس ليزين به طنف البارثنون. وفي الشهر الثاني المتاجيتنيون Metageitnion كان يقام المتاجيتنيا وهو عيد صغير يقام تكريماً لأبلو. وفي الشهر الثالث شهر بؤدرميون Boedromion كان سكان أثينة يخرجون إلى إلوسيس لإقامة الطقوس
الكبرى الخفية. وفي الشهر الرابع شهر البيانبسيون Pyanepsion كان يحتفل بأعياد البيانبسيا والأسكوفوريا Oscophoria والثسموفوريا Thesmophoria وكانت نساء أثينة في هذا الشهر يعظمن دمتر ثسموروس) المشرعة (بإقامة طقوس أرضية عجيبة يعرضن فيها رموزاً لقضيب الرجل ويتبادلن فحش القول، ويمثلن الذهاب إلى الجحيم والعودة منها، ويبدو أن هذه الحفلات كانت رمزاً للإخصاب في الأرض وفي الآدميين. وكان شهر ميمكترون Maimakterion هو الشهر الوحيد الخالي من الأعياد.
وفي شهر بوسيديون Poseideon كانت أثينة تقيم عيد الإتالوا عيد بواكير الفاكهة، وفي شهر جمليون Gamelion تحتفل بعيد اللينيا Lenaea تكريماً لديونيسس. وفي شهر أنثسترن Anthesterion كانت تقام ثلاثة احتفالات هامة، الطقوس الخفية الصغرى أو التمهيدية، والديازيا أو التضحية لزيوس ملكيوس، والأنثستريا أو عيد الزهور، وهم أهم الأعياد الثلاثة. وفي هذا العيد الربيعي الذي يقام تكريماً لديونيسس ويدوم ثلاثة أيام كاملة كانت الخمر تجري كالأنهار، ولم تكن ترى إلا سكارى على درجات متفاوتة من السكر؛ وكان الناس يتنافسون أيهم يفوق غيره في كثرة الشراب، والشوارع تعج بالحياة والمرح. وكانت زوجة كبير الأركونيين تركب عربة بجوار تمثال ديونيسس وتتزوج به في الهيكل رمزاً إلى اتحاد الإله بأثينا. وكان يسري في هذه الطقوس المرحة قليل من الرهبة والعمل على استرضاء الموتى وكف أذاهم؛ وكان الأحياء يتناولون في وقار وهدوء وجبة من الطعام إحياء لذكرى آبائهم، ويتركون لهم آنية ملآى بالطعام والشراب، فإذا انقضى العيد أخذ الناس يطردون أرواح الموتى من الدور بصيغة يتلونها ويقولون فيها:"أخرجي من الباب أيتها الأرواح! لقد انتهى عيد أنثستريا"- وقد اصبحت هذه الألفاظ مثلاً يقال عندما يراد التخلص
من المتسولين الكثيري الإلحاح
(1)
.
وفي الشهر التاسع شهر إلافيبوليون Elaphebolion يقع عيد ديونيزيا الكبير الذي أوجده بيستراتس في عام 34. وفي ذلك العام جعل ثسبيس المسرحية في أثينة جزءاً من هذا الاحتفال. وكان ذلك في أواخر شهر مايو والربيع مقبل والبحر هادئ صالح للملاحة، فأقبل التجار والزائرون حتى ازدحمت بهم المدينة وتضاعف عدد من يشاهدون الحفلات والمسرحيات. وأوقفت جميع الأعمال، وأغلقت دور القضاء، وأطلق سراح المسجونين ليستطيعوا الاشتراك في الحفلات. وخرج الأثينيون على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم في أزهى الملابس ليشتركوا في الركب الذي جاء بتمثال ديونيسس من إليوثيزا لوضعه في مقره. فركب الأغنياء العربات، وسار الفقراء راجلين، ومن ورائهم قافلة طويلة من الحيوانات لتهدي إلى الآلهة واشتركت في هذا الموكب فرق من المغنين أقبلت من مدن أتكا تتبارى في الغناء والرقص. وفي الشهر العاشر شهر منيكيون Munychion كانت أثينة تحتفل بعيد المنيكيا، وكانت تحتفل كل خمسة سنين بعيد البرورونيا Brauronia تكريماً لأرتميس. وفي شهر ثراجليون يقع الثراجليا أي عيد حصاد الحب. وفي الشهر الثاني عشر شهر سكروفريون Skirophorion كان يحتفل بأعياد اسكروفوريا، وأرتوفوريا Arretophoria، ودبوليا Dipolia وبوفنيا Bouphonia ولم تكن هذه الأعياد كلها أعياداً سنوية، ولكنها، حتى ما لم يكن يحتفل به منها إلا كل أربع سنين، كانت تخفف كثيراً من كدح الحياة اليومية.
وكان لغير أثينة أيام مقدسة شبيهة بهذه الأيام؛ وكان كل موسم من مواسم الزرع أو الحصاد في الريف يستقبل بمظاهرة البهجة والمرح. وكان أعظم من هذه الأعياد كلها أعياد الجامعة الهيلينية، والحفلات العامة الجامعة Panegyreis،
(1)
لا يزال الناس في أنحاء كثيرة من أوربا يعتقدون أن الأرواح تعود إلى الأرض كل عام، وأن عليهم أن يولموا لها وليمة في "عيد جميع الأرواح".
ومن هذه الأعياد عيد الجامعة الأيونية Panionia في ميكالي Mycale وعيد أبلو ديلوس؛ والعيد البيثي Phthian في دلفي، وعيد البرزح Isthmiu في كورنثة، والعيد النميئي Nemean في أرجوس، والعيد الأولمبي في إليس. وكانت تقام في هذه الأعياد مباريات رياضية بين الدول المختلفة، ولكنها كانت في أساسها أياماً مقدسة. فقد كان من حسن حظ بلاد اليونان أن كان دينها من العناصر البشرية- وأن كان فيها في آخر أيامها من العناصر الإنسانية الرحيمة- ما يكفي لاقترانه بالفن، والشعر، والموسيقى، والألعاب، واقترانه آخر الأمر بالأخلاق اقتراناً جعله مصدر السرور والإبداع.
الفصل الثامِن
الدين والأخلاق
يبدو لأول وهلة أن الدين اليوناني لم يكن ذا أثر كبير في الأخلاق، فقد كان في أصله طائفة من قواعد السحر لا من قواعد الأخلاق القويمة، وبقي إلى حد كبير على هذا النحو إلى آخر أيام اليونان. وكان لصحة المراسم والطقوس في هذا الدين شأن أكبر مما للسلوك القويم، ولم تكن الآلهة نفسها، الأولمبية منها والأرضية، مثلاً طيباً في الأمانة والعفاف ودماثة الأخلاق. وحتى الشعائر الإلوسينية الخفية، كانت تجعل التطهير بالمراسم والطقوس لا طهارة النفس وكرم الأخلاق هو العامل الأكبر في النجاة من العذاب وإن كنا لا ننكر أنها كانت تبعث في النفوس آمالاً كباراً. وفي ذلك يقول ديوجين الساخر:"سيكون اللص بتيكيون Pataikion بعد موته أسعد حالاً من أجسلوس Agesilaus أو أباميننداس لأن بتيكيون قد كرس في إلوسيس".
لكن الدين اليوناني، رغم هذا، كان عوناً خفياً للشعب وللدولة في أكثر الشؤون الأخلاقية حيوية. من ذلك أن مراسم التطهير وإن كانت كلها مظاهر خارجية كانت ترمز إلى الأخلاق القويمة. كذلك كانت الآلهة تعين على الفضيلة وإن كانت هذه المعونة عامة غير دقيقة، وغامضة، وغير مطردة. ذلك أنها كانت تغضب على الشرير وتنتقم من المتكبر، وتحمي الغريب، وتستجيب لمن يتوسل إليها، وتحمي بجبروتها قدسية الأيمان. فهم يقولون لنا إن ديكي Dike كانت تعاقب على كل ظلم، وإن يومنيدس Eumenides الرهيب كان يقتفي
أثر القاتل، كما يفعل أرستيز، حتى يجن أو يموت. وكان الدين يخلع القدسية والكرامة على أهم أجداث الحياة الإنسانية وأنظمها- كالمولد، والزواج، والأسرة، والعشيرة، والدولة-، وينتشلها من فوضى الشهوات العاجلة. وكانت عبادة الموتى وتكريمهم يربطان الأجيال المتعاقبة برباط من الواجبات المستقرة المتصلة. وبفضلها لا تقتصر الأسرة على أن تكون زوجاً وزوجة معهما أطفال، أو مجموعة أبوية من الآباء والأطفال والأحفاد، بل تصبح فضلاً عن هذا اتحاداً مقدساً وتتابعاً مستمراً للدم والنار، ترجع أصولها إلى الماضي السحيق وتمتد أغصانها إلى المستقبل البعيد، وتربط الموتى والأحياء ومن لم يخرجوا بعد إلى هذا العالم برباط مقدس أقوى من رباط الدولة مهما قويت. وكان إنجاب الأطفال واجباً مقدساً موتي يفرضه الدين على الأحياء، ثم لا يكتفي بهذا بل يشجع على النسل بأن يدخل في روع من لا أبناء له أنه قد لا يجد من يواري جسمه التراب أو يعني بقبرهِ بعد وفاته. وقد ظل اليونان بكثرة خيارهم وشرارهم على السواء طالما كان للدين أثر في حياتهم، وكان من نتيجة هذه الكثرة مضافاً إليها الانتخاب الطبيعي الصارم أن احتفظ اليونان بقوتهم ومميزاتهم. وكان الدين والوطنية تربطهما مئات من الطقوس الرهيبة المؤثرة، فكإن أكثر الآلهة والإلهات احتراماً في الاحتفالات العامة بطل المدينة المؤله أو بطلتها المؤلهة؛ وكان كل قانون وكل اجتماع للجمعية أو لدور القضاء، وكل عمل خطير يقدم الجيش أو الحكومة، وكل مدرسة وجامعة، وكل هيئة اقتصادية أو سياسية، كانت هذه كلها تحيط بها الاحتفالات والتضرعات الدينية. وبهذه الوسائل كلها كان الدين اليوناني يستخدم لحماية المجتمع والشعب من أنانية الفرد الغريزية. وقوت الفنون والآداب والفلسفة هذا الأثر الديني في بادئ الأمر، ثم عملت بعدئذ
على إضعافه؛ فقد أخذ بندار، وإسكلس، وسفكليز ينفثون حماستهم الأخلاقية أو فطنتهم في العقائد الأولمبية؛ ورفع فدياس من مقام الآلهة بما خلعه عليها من جمال وجلال؛ وجمع فيثاغورس وأفلاطون بين الفلسفة والدين، وأيدا عقيدة الخلود ليجعلا منها باعثاً قوياً على حسن الخلق. لكن بروتجراس كان يشك في الآلهة، وسقراط يتجاهلها ولا يأبه بها، ودمقريطس يجحدها، ويوربديز يسخر منها، وانتهى الأمر بأن دكت الفلسفة اليونانية، عن غير قصد منها، قواعد الدين الذي صاغ الحياة الأخلاقية في بلاد اليونان في القالب الذي وجدت فيهِ.
الباب التاسع
الثقافة المشتركة لبلاد اليونان
في عهدها المبكر
الفصل الأول
فردية الدولة
بلغت الثقافة الأوربية قمة مجدها في بلدين: اليونان القديمة وإيطاليا في عهد النهضة. ولم تكن تعتمد في كلا العهدين على نظام سياسي أكبر من دويلات المدن. ويغلب على الظن أن الأحوال الجغرافية قد أعانت بلاد اليونان على أن تصل إلى هذه النتيجة. ذلك أن الجبال ومجاري المياه تعترض السائل فيها أينما ذهب؛ وكانت القناطر فيها قليلة والطرق وعرة وغير معبدة. نعم إن البحر كان طريقاً عاماً مفتح الأبواب، ولكنه كان يربط المدينة بأخواتها من المدن التجارية لا بما يجاورها من المدن. على أن الأحوال الجغرافية لا تفسر وحدها قيام دول المدن، فقد كان هناك من أسباب الانفصال بين طيبة وبلاتية القائمتين على نفس السهل البؤوتي بقدر ما كان بين طيبة وإسبارطة؛ وكان بين سيباريس وكروتونا القائمتين على نفس الساحل الإيطالي من دواعي الانفصال أكثر مما كان بين سيباريس وسرقوسة. إن علينا أن نضم إلى العوامل الجغرافية عوامل أخرى كثيرة، فاختلاف المصالح الاقتصادية والسياسية باعد بين المدن وجعلها يحارب بعضها بعضاً
للحصول على الأسواق أو الحبوب، أو تكون أحلافاً متنافسة للسيطرة على المسالك البحرية. ومن العوامل الأخرى التي ساعدت على هذا الانفصال اختلاف أصول السكان. نعم إن اليونان كانوا يرون أنهم كلهم من عنصر واحد، ولكنهم كانوا شديدي الإحساس باختلاف القبائل التي كانوا ينتمون إليها - الإيولية، والأيونية، والآخية، والدُّورية - ومن أجل ذلك كانت أثينة وإسبارطة تحقد كلتاهما على الأخرى حقداً لا يقل عن حقد العناصر المختلفة في هذه الأيام. وقوى اختلاف الأديان الانقسامات السياسية، كما زادت هذه الانقسامات ما بين الأديان من اختلاف، فقد نشأ من الطقوس الدينية التي اختصت بها بعض الأماكن أو بعض القبائل أعياد خاصة، وتقاويم خاصة، وعادات، وشرائع، ومحاكم تختلف باختلاف المدن، بل إن هذه الطقوس قد أقامت في بعض الأحيان حدوداً بين المدن؛ وذلك لأن أحجار التخوم كانت فاصلاً بين ممالك الإله، كما كانت فاصلاً بين المجتمعات البشرية، لأن من الواجب المحتوم أن يكون دين الإقليم هو دين حاكمه cujus regio، ejus religio. وكانت هذه العوامل مجتمعة هي وعوامل أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هي التي أوجدت دول المدن اليونانية.
ولم يكن هذا طرازاً جديداً من النظم الإدارية، فلقد رأينا أنه كانت في بلاد سومر، وبابل، وفينيقية، وكريت، دول مدن قبل هومر وبركليز بمئات السنين أو آلافها، وكانت دولة المدينة من وجهة النظر التاريخية هي بعينها مجتمع القرية في مرحلة من الامتزاج أو التطور أعلى من مرحلته القروية - كان لها سوقها المشتركة، ومكان اجتماعها، ومجلس قضائها للفصل في منازعات الأهلين الذين يحرثون ما يجاورها من أرض زراعية؛ وكان أهلها من أصل واحد يعبدون إلهاً واحداً.
أما من الناحية السياسية فقد كانت دولة المدينة عند اليونان خير ما يستطيعون
الوصول إليه من وسائل التوفيق بين العنصرين المتناقضين اللذين يتألف منهما المجتمع الإنساني، واللذين يتناوبان الغلبة عليه، ونقصد بهما عنصر النظام، وعنصر الحرية، فالمجتمع الصغير لا يأمن على نفسه من الاعتداء، والمجتمع الكبير يصبح مجتمعاً استبدادياً. وكانت أكبر أمنية للفلاسفة أن تتكون بلاد اليونان من دول - مدن مستقلة ذات سيادة تتعاون كلها داخل نظام فيثاغوري مؤتلف منسجم. وكانت فكرة أرسطو عن الدولة أنها جماعة من الأحرار يخضعون لحكومة واحدة، ويستطيعون الالتقاء في جمعية واحدة، وكان يرى أن الدولة إذا زاد عدد مواطنيها على عشرة آلاف تعجز على إدارة شئونها. ومن أجل هذا كان لفظ واحد - بوليس Polis- يطلق على المدينة والدولة في بلاد اليونان.
وما من أحد يجهل أن هذا التفتت السياسي قد جر على بلاد اليونان كثيراً من المآسي بسبب ما قام بين أهلها وهم إخوة من نزاع. فقد خضعت أيونيا لسيطرة الفرس لأنها عجزت عن أن تتحد للدفاع عن نفسها؛ وضاعت في آخر الأمر تلك الحرية التي كان اليونان يعتزون بها ويقدسونها، لأن بلاد اليونان لم تستطع الثبات متحدة في وجه أعدائها رغم ما أقامته من أحلاف وعصب. ولكننا نعود فنقول أنه لولا دول - المدن لما كانت بلاد اليونان، ولولا شعور اليونان بالفردية المدنية، واعتزازهم الشديد باستقلالهم، ولولا ما كان بين أنظمتهم وعاداتهم وفنونهم، وآلهتهم من تباين، لما كان ما بينهم من تسابق وتنافس حافزاً لهم على أن يحيوا حياة إنسانية كاملة فيها من الحماسة والإبداع ما لا نظير له في أي مجتمع آخر. وهل في وقتنا الحاضر نفسه رغم ما فيه من حيوية وتنوع، وما يمتاز به من آلات ضخمة وقوى جبارة، مجتمع في حجم المجتمعات اليونانية أو في عدد سكانها يستطيع أن يهب المدينة من النعم قدر ما وهبتها حرية اليونان المضطربة التي كانت هي والفوضى سواء؟
الفصل الثاني
الكتابة والقراءة
على أنه كان في حياة هذه الدول، ذات النزعة الانفصالية القوية، عدة عوامل مشتركة، منها أننا نجد في شبه جزيرة اليونان كلها منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد لغة واحدة تنتمي إلى مجموعة اللغات "الهند- أوربية" التي تشمل الفارسية والسنكسريتية، والسلافونية، واللاتينية، والألمانية، والإنجليزية. وإنا لنجد لآلاف الكلمات التي تعبر عن العلاقات الأولية في حياة الناس، أو عن الأدوات التي كانوا يستخدمونها، أصولاً مشتركة في هذه اللغات جميعها، وهي لا تدل فقط على قدم مسميات هذه الكلمات وانتشارها في البلاد التي تنطق بهذه اللغات، بل تدل كذلك على ما بين الشعوب التي كانت تستخدم هذه المسميات في فجر التاريخ من قرابة أو رابطة
(1)
. نعم إن اللغة اليونانية قد تشعبت لهجات مختلفة- الإيولية، والدورية، والأيونية، والأتكية؛ ولكن الناطقين بهذه اللهجات المختلفة كان يفهم بعضهم بعضاً، ثم خضعت كلها في القرنين الخامس والرابع إلى لهجة مشتركة koine dialektos انبعث معظمها من أثينة، وكانت تنطق بها الطبقات المتعلمة كلها تقريباً في العالم اليوناني بأجمعه. وكانت اللغة اليونانية الأتكية لغة جزلة، قوية مرنة، حلوة النغم، فيها من الشذوذ مثل ما في أية لغة حية، ولكنها تقبل في يسر كل التراكيب التي تجعلها صالحة للتعبير عن أغراضها، وفيها التدرج والاختلاف الدقيق في المعاني، وفيها المدركات الفلسفية الدقيقة،
(1)
قارن في هذه اللغات المختلفة الألفاظ الآتية: damas (منزل) في السنسكريتية، و domos في اليونانية و domus في اللاتينية، و tim-ber الإنجليزية؛ و davaras، thyra، fores؛ و venas، (f) oinos، vinum، urine: و naus، navis، nave؛ و akshas، axon، axis، axle؛ iugam، zygon، iugum، yoke الخ.
وفيها جميع أنواع التعبيرات الأدبية السامية الرفيعة من شعر هومر الطنان الرنان إلى نثر أفلاطون الهادئ الواضح السلس
(1)
.
وتعزو الرواية اليونانية المتواترة إدخال الكتابة في بلاد اليونان إلى الفينيقيين في خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وليس لدينا ما ينقض هذه الرواية، بل إن بين الكتابات اليونانية التي ترجع إلى القرنين الثامن والسابع وبين الحروف المنقوشة على حجر مؤاب في القرن التاسع تشابهاً كبيراً (3). من ذلك أن النقوش اليونانية كتبت على الطريقة السامية من اليمين إلى اليسار؛ وفي القرن السادس كانت (كالنقش الذي وجد في جورتينا Gortyna) تنقش من اليمين إلى اليسار في أحد السطور ثم من اليسار إلى اليمين على الدوام، واستلزم هذا قلب وضع الحروف فصار حرفاً B، E يكتبان هكذا B، E. كذلك سميت الحروف بأسمائها السامية مع تعديلات طفيفة
(2)
، ولكن اليونان أدخلوا على هذه الأسماء تغيرات أساسية، أهمها أنهم أضافوا إليها حروفاً للحركة لا نجدها عند الساميين، فاستخدموا بعض الحروف السامية الساكنة، وحروف التنفس لتمثيل الحركات التي تدل عليها u،o،i،e،a وأضاف الأيونيون فيما بعد حروف المد إيتا eta (e الممدوة)، أومجا o-mega (لتمثل o الممدوة أو o المزدوجة). وأخذت عشر أبجديات يونانية مختلفة ينازع بعضها بعضاً، فكان هذا النزاع
(1)
لسنا نعرف كيف كان نطق الألفاظ اليونانية القديمة (2). وقلما كان اليونان في عصرهم الزاهر يعنون بالنبرات التي تضايقنا كثيراً في هذه الأيام، ولكنها قد دخلت في النصوص القديمة على يد أرسفنيز البيزنطي في القرن الثالث قبل الميلاد. ولهذا يجب أن نغفل هذه النبرات حين نقرأ الشعر اليوناني.
(2)
قارن مثلاً الحرف اليوناني ألفا والفينيقي ألف (الثور)؛ وبيتا اليونانية وبت (خيمة) الفينيقية؛ وغما اليونانية وجمل (جمل) الفينيقية؛ ودلتا ودالت (باب)؛ إ- بسلون، وهي he (نافذة)، وزيتا وزين (حربة)، وهيتا وخث (سياج)، وأيوتا ويد (يد) وهكذا.
جزءاً من الحروب القائمة بين دول- المدن؛ وتغلبت الحروف الهجائية الأيونية في بلاد اليونان ثم انتقلت منها إلى أوربا الشرقية وبقيت فيها إلى اليوم، أما رومة فقد اتخذت الحروف الكلسيدية Chalcidian من كومي وهي التي أصبحت الحروف اللاتينية والحروف الإنجليزية. وكانت الأبجدية الكلسيدية ينقصها حرف الـ e والـ o الممدودان، ولكنها فعلت ما لم تفعله الأبجدية الأيونية فاستبقت vau الفينيقية حرفاً ساكناً (وهي الـ v التي يقرب نطقها من نطق حرف w) ؛ ومن أجل هذا كان الأثينيون يسمون النبيذ oinos والكلسيديون يسمونه voinos والرومان يسمونه vinum والإنجليزية يسمونه wine. كذلك استبقى الكلسيديون حرف koppa أو q وانتقل منهم إلى رومة ثم إلى اللغة الإنجليزية؛ أما أيونيا فقد أهملته واكتفت بحرف k وكتبت أيونيا حرف l بهذه الصورة A، أما كلسيز فقد كتبته l؛ وعدلت رومة هذه الصورة الثانية فجعلتها معتدلة، وانتقلت منها على هذا النحو إلى أوربا؛ وكتب الأيونيون حرف R كما نكتب نحن حرف P؛ أما إيطاليا اليونانية فقد أضافت إلى P فأصبحت R.
والراجح أن أولى الأغراض التي استخدمت فيها الكتابة في بلاد اليونان كانت هي الأغراض التجارية أو الدينية، ويبدو أن الرقى والتعاويذ التي كان يتلوها القساوسة هي مبدأ الشعر، وأن ما يكتب في أوراق شحن السفن كان بداية النثر. ثم انقسمت الكتابة نوعين مختلفين أحدهما دقيق منتظم للنقوش وما إليها، والثاني هي الكتابة الدارجة التي تستخدم في الأغراض اليومية العادية. ولم يكن في كلا النوعين نبرات، ولم يكن يترك بين الكلمات فراغ، ولم تكن فيها علامات ترقيم (5)؛ فإذا أريد الانتقال من موضوع إلى موضوع دلوا على ذلك بشرطة فاصلة أفقية يسمونها برجرافون Paragraphon أي علامة "تكتب إلى ناحية"، وكانت المواد التي تكتب عليها متنوعة
فكانت في بادئ الأمر، إذا جاز لنا أن نأخذ بقول بلني، أوراق الأشجار أو لحاءها (6)؛ فإذا أرادوا النقش استخدموا الحجارة أو البرونز أو الرصاص. وكانوا يستخدمون للكتابة العادية ألواح الطين كما كان يفعل أهل ما بين النهرين
(1)
، ثم استخدموا ألواحاً من الخشب تغطيها طبقة من الشمع، وكانت هذه شائعة بين التلاميذ قبل أيامهم (7)؛ فإذا أرادوا أن يكتبوا شيئاً يبقى أمداً طويلاً استخدموا أوراقاً من البردى كان الفينيقيون يأتون بها من مصر؛ وفي العهد الذي انتشرت فيه حضارة اليونان في خارج بلادهم، وفي العهد الروماني، استخدم الرق المصنوع من جلود المعز والضأن أو أغشيتها الرقيقة، وكانوا يكتبون على ألواح الشمع بقلم معدني، وعلى ورق البردى والرق بقلم من الغاب يغمس في الحبر، وكانت الكتابة على الشمع تمحى بنهاية القلم المعدني السميكة، أما الحبر فكان يمحى بقطعة من الإسفنج؛ ولذلك أرسل الشاعر ماريتال إلى صديق له قطعة من الإسفنج مع قصائده لكي يمحوها "بضربة واحدة (8) ". وإن كثيراً من النقاد في هذه الأيام ليحزنهم أن هذا الأدب الجم لم يبق له الآن وجود.
وليس ثمة ميدان وصلتنا من الألفاظ القديمة بالكثرة التي وصلتنا من ميدان الكتابة. فكلمة ورق بالإنجليزية paper مأخوذة من اسم نبات البردى papyrus، وقد أعادت دورة الفلك الطراز القديم لصنع هذه المادة من النبات المضغوط. وكان السطر من الكتابة يسمى باليونانية stichos أى صفا، وكان اللاتين يسمونه versus أي عودة إلى الوراء، ومنها اشتقت كلمة verse الإنجليزية. وكانوا يكتبون ما يريدون في صورة أعمدة على قطعة من ورق البردى أو الرق طولها من عشرين قدما إلى ثلاثين تلف حول عصا. وكانوا يسمون هذا الملف
(2)
ببلوس biblos، وقد أخذوا هذا الاسم من المدينة الفينيقية المعروفة بهذا الاسم والتي
(1)
وكانت كلمة Graphein التي نترجمها الآن بكلمة الكتابة تعني أولاً الحفر.
(2)
وكان اللاتين يسمون الملف volumen- أي الملفوف.
كانت تمد بلاد اليونان بالورق المصنوع من نبات البردى. أما الملف الصغير فكان يسمى ببليون biblion. وكان الكتاب المقدس (bible) يسمى في أول الأمر biblia أي الملفات. فإذا كان الملف جزءاً من كتاب أكبر منه سمي tomos أي مقطعاً. وكان الجزء الأول من الملف يسمى بروتوكولون protocollon: أي الشريحة الأولى الملتفة بالعصا. وكان طرفا العصا يصقلان بحجر الخفاف ويلونان أحياناً؛ وكان الملف يوضع أحياناً في غشاء يسميه اليونان diphthera ويسميه اللاتين
(1)
vellum، إذا استطاع مؤلفه أداء ما يلزم ذلك من النفقات، أو كان ما كتب فيه ذا بال. وإذ كان من غير الميسور تداول الملف الكبير أو استخدامه في المراجعة، فقد كانت المؤلفات الأدبية تقسم عادة إلى عدة ملفات، وكانت كلمة biblos تطلق على كل ملف أو جزء من كتاب كبير. وقلما كان المؤلف نفسه هو الذي يقسم كتابه هذا التقسيم. فقد كان الناشرون المتأخرون هم الذين قسموا تواريخ هيرودوت إلى تسعة كتب، وكتاب توسيديدس في حرب البلوبونيز إلى ثمانية، وجمهورية أفلاطون إلى عشرة، والألياذة والأوذيسة إلى أربعة وعشرين جزءاً. وإذ كان نبات البردى غالي الثمن، وكانت كل نسخة من الكتاب تكتب باليد، فقد كان عدد الكتب قليلاً عند اليونان والرومان الأقدمين
(2)
. وكان التعلم في تلك الأيام الخالية أيسر منه في هذه الأيام، وإن يكن كسب الذكاء في الزمن القديم لا يقل صعوبة عن كسبه اليوم. ولم تكن معرفة القراءة ميزة عامة عند الأقدمين، ولذلك كان معظم العلم يؤخذ بالتلقين من جيل إلى جيل أو من صانع إلى صانع،
(1)
واسمها باللاتينية frontes ومنها جاءت frontisepiece الإنجليزية ومعناها الصورة التي في أول الكتاب.
(2)
لقد استطاع العرب رغم هذه الظروف نفسها أن يكتبوا آلاف الكتب التي امتلأت بها المكتبات في العواصم الإسلامية المختلفة، والتي لم يفرغ العالم العربي والأوربي حتى الآن من طبعها، وإن كان علينا ألا نغفل في هذه المفاضلة فرق الزمن واتساع رقعة العالم الإسلامي (المعرب).
وكان معظم الأدب يتلوه بصوت جهوري قراء مدربون على أشخاص يتعلمونه بالسماع
(1)
. ولم يكن في بلاد اليونان قبل القرن السابع جمهور كبير من القارئين، ولم تكن في البلاد دور كتب قبل أن يجمع بوليكراتس Polycrates وبيسستراتس مكتبتيهما في القرن السادس (9). فلما كان القرن الخامس بدأنا نسمع عن وجود مكتبة خاصة ليوربديز وأخرى للأركون يوكليدز Eucleides؛ ثم سمعنا في القرن الرابع عن مكتبة أرسطاطليس. ولم نسمع عن وجود مكتبة عامة قبل مكتبة الإسكندرية، كما لم نسمع بوجود مكتبة في أثينة قبل أيام هدريان (10). ولعل عظمة اليونان في أيام بركليز كان مرجعها إلى أن اليونان لم يكونوا يقرؤون كتباً كثيرة أو يقرؤون أي كتاب طويل.
(1)
لا يزال الهدف المقصود من "الأسلوب" في الكتابة ومن علامات الترقيم هو تيسير التنفس للقارئ وحسن وقع الصوت على الأذن، وإن كنا قد أصبحنا نتلقى ثقافتنا وغذائنا العقلي بعد انتشار الطباعة عن طريق العين، وإن كانت الكتابة قلما تقرأ جهرة. وأكبر الظن أن الأجيال القادمة ستعود إلى ما كان عليه الأقدمون فتتلقى غذاءها العقلي مرة أخرى عن طريق الأذن.
الفصل الثالث
الأدب
لقد كان الأدب من أسباب فرقة بلاد اليونان كما كان من أسباب وحدتها، شأنه في هذا شأن الدين سواء بسواء. ذلك أن الشعراء كانوا يغنون بلهجاتهم المحلية، وكثيراً ما كانوا يصفون مناظر أقاليمهم، ولكن هلاس كلها كانت تستمع إلى أكثر الأصوات فصاحة. وكانت من حين إلى حين تستحثهم على أن يطرقوا موضوعات أعم وأوسع من تلك الموضوعات المحلية الضيقة. ولقد عدا الدهر كما عدت الأهواء الضيقة على هذا الشعر المبكر فأبادت أكثره حتى لم يعد في وسعنا أن نحس بما فيه من ثراء، وبما كان يطرقه من موضوعات، وبما يعزى إليه من جزالة اللفظ وجمال الشكل؛ ولكننا حين نطوف بجزائر اليونان ومدنهم في القرن السادس قبل الميلاد لا يسعنا إلا أن نعجب بوفرة ما تطالعنا به هذه الجزائر والمدن من الأدب اليوناني قبل عصر بركليز، وبجودة هذا الأدب. وإن الشعر الغنائي في ذلك القرن لتنعكس فيه صورة مجتمع أرستقراطي كانت فيه المشاعر والأفكار والأخلاق حرة مادامت تراعى واجبات الأدب وحسن التربية. وقد أخذ هذا الأسلوب من الشعر الحضري المصقول يختفي شيئاً فشيئاً في عهد الديمقراطية. وكان مختلف المبنى متعدد الأوزان، ولكنه قلما كان يقيد نفسه عن إحساسه وخياله في لغة موزونة
(1)
.
وبينما كان أصحاب الشعر الغنائي يتغنون بالحب والحرب، كان الشعراء الجوالون ينشدون في مجالس العظماء الملاحم في وصف ما قام به اليونان من
(1)
كان الشعر المقفى مقصوراً في الغالب على أقوال المتنبئين وعلى النبوءات الدينية.
جلائل الأعمال. ولقد أنشأت جماعات المغنين على توالي الأجيال طائفة من القصائد الغنائية تدور كلها حول حصار طيبة وطروادة وعودة المحاربين إلى أوطانهم. وكانت الأغاني شائعة مشتركة بين هؤلاء الشعراء، وكان كل واحد منهم يؤلف قصته من قطع متفرقة أقدم منها عهداً، ولم يكن منهم من يدعى أنه هو الذي ألف سلسلة متتابعة من هذه القصص. وقد وجدت في طشيوز جماعة من أولئك الشعراء أطلقوا على أنفسهم اسم الهومريدي Homeridae، وادعوا أنهم من نسل شاعر يدعى هومر، وهو في زعمهم مؤلف الملاحم التي كانوا ينشدونها في شرقي بلاد اليونان بأجمعه (11). وقد يكون هذا الشاعر الضرير لا وجود له في الحقيقة بل كان أباً خيالياً لقبيلة أو طائفة من الناس، شأنه في هذا شأن هلن، ودورس وأبون (12). ولم يكن اليونان في القرن السادس يعزون إلى هومر الإلياذة والأوذيسة فحسب، بل كانوا يعزون إليه كذلك كل الملاحم المعروفة وقتئذ. والقصائد الهومرية أقدم الملاحم المعروفة في التاريخ، ولكن جودتها في حد ذاتها وما فيها من إشارات كثيرة إلى شعراء سابقين، لتوحيان إلينا بأن هذه الملاحم الباقية هي الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة بدأت بالقصائد البسيطة القصيرة ثم تطورت حتى وصلت إلى هذه الأغاني الطويلة "المحيطة" بعضها في بعض. وألف في أثينة في القرن السادس قبل الميلاد لجنة حكومية - قد تكون في عهد صولون (13)، وقد تكون وهو الأرجح في عهد بيستراتس- فانتقت الإلياذة والأوذيسة من بين الملاحم الأدبية الباقية من القرن الذي قبله، أو لعلها جمعتها بعد مقابلة النسخ الموجودة منها وقتئذ بعضها على بعض، ثم عزتهما إلى هومر، ثم نشرتهما- أو لعلها صاغتهما- في صورة هي في جوهرها صورتهما الحاضرة (14).
ومن المعجزات الأدبية أن تصل قصيدتان مستمدتان من أصول متعددة مختلفة إلى هذه الدرجة الفنية العالية. ولسنا ننكر أن الألياذة تقصر دون الغاية
في مبناها وفي لغتها، وأن الصور الإيولية والأيونية تختلط فيها اختلاطاً لا يقدر عليه إلا رجل من أهل أزمير يتكلم عدة لغات، وأن أوزان شعرها مأخوذة من هذه اللهجة تارة ومن تلك اللهجة تارة أخرى، وأن حبكتها قد أفسدها كثرة ما فيها من تناقض، وتغيير في الخطة، وتوكيد أهمية حادثة ما في بعض المواضع ثم الاستخفاف بشأنها في البعض الآخر، وتعارض في أخلاق أشخاصها، وأن أبطالها يقتلون هم أنفسهم مرتين أو ثلاث مرات قبل نهاية القصة، وأن موضوعها الأصلي- وهو غضب أكليز ونتائجه- يقطعه ويطغى عليه عشرات القصص والحوادث المأخوذة على ما يظهر من قصائد أخرى أدمجت في الملحمة في أجزاء مختلفة منها؛ لسنا ننكر شيئاً من هذا ولكن القصة في مناحيها الكبرى قصيدة واحدة، ولغتها جزلة قوية حية، والقصيدة في جملتها "أعظم ما افترت عنه شفه بني الإنسان (15) " ولم يكن مستطاعاً أن تبدأ هذه الملحمة إلا في شباب اليونان الناضر النشيط، أو أن تختتم إلا في إبان نضوجهم الفني. وأشخاص الملحمة يكادون أن يكونوا كلهم من المحاربين أو من نساء المحاربين، وحتى الفلاسفة منهم أمثال نسطور يقاتلون بشجاعة يحسدون عليها. وكل شخصية من هذه الشخصيات كانت موضع تفكير وعطف من مصورها. ولعل أجمل ما في الأدب اليوناني كله هو نزاهته التي تجعلنا نعطف على هكتور تارة وعلى أكليز تارة أخرى. فأكليز في خيمته شخص قد تجرد من صفات البطولة، غير محبب إلى النفوس، يشكو إلى أمه أن حظه لا يتفق مع مقامه نصف الإلهي، وأن أجممنون قد سرق منه بريسيز البائسة وهي أعز ما يمتلك، ثم يترك اليونان يحصدهم الموت زمراً وهو غاضب في سفينته أو خيمته يأكل وينام، ويرسل بتركلوس ليلقى منيته دون أن يجد منه عوناً، ثم يملأ الجو عويلاً ونحيباً لا يليق بالرجال. وحين يذهب إلى المعركة آخر الأمر، لا يذهب إليها مدفوعاً بوطنيته بل لأن حزنه على فقد صديقه قد سلبه عقله، وينسيه غضبه جميع الصفات
الإنسانية فينحدر إلى الدرك الأسفل من القسوة الوحشية في معاملة ليكاءون Lycaon وهكتور؛ فهو في حقيقته ذو عقل ناقص غير ناضج، غير مستقر ولا متزن، ولا سلطان له على نفسه، تنغص عليه حياته نبوءات الموت. انظر إلى ما يقوله لليكاءون بعد أن سقط على الأرض وأخذ يسترحمه:"لا يا صديقي، مت كما مات غيرك! ماذا يجديك بكاؤك الذي لا يرجى منه خير؟ لقد مات بتركلوس وهو خير منك. انظر إليَّ ألستُ وسيماً طويل القامة أنجبني أب كريم، وكانت أمي التي ولدتني إلهة؟ ولكن الموت رغم هذا يحوم حولي وتوشك المنية أن تنشب مخالبها فيَّ. ففي فجر يوم من الأيام أو ظهره أو مسائه تختطفني من بين الأحياء يد لا أعرفها"(16). ثم يطعن ليكاءون في عنقه دون أن يهم هذا بمقاومته، ويقذف بجسمه إلى النهر ثم يلقي خطبة من تلك الخطب الرنانة التي تزدان بها مذابح الإلياذة، ويضع بها أساس البلاغة الخطابة عند اليونان. وقد ظل نصف بلاد اليونان يعبد أكليز ويتخذه إلهاً (17)، أما نحن فنقبله على أنه طفل ونعفو عن ذنوبه بهذا الوصف، ومهما يكن ما يقال فيه فإنه أروع الصور التي أبدعها خيال الشعراء.
وليس الذي يحملنا على أن نواصل قراءة الإلياذة، حين لا نضطر إلى دراستها أو ترجمتها، مقصوراً على تلك الخصائص المتباينة التي يخطئها الحصر، وليس هو أيضاً مقصوراً على تسلسل القصة وصخبها وعجيجها، بل هو جلال شعرها وتدفقه. ولسنا ننكر أن هومر يكرر أقواله ويشير إليها، وأن من خطته أن يعيد بعض الصفات وبعض الأبيات كما يفعل المغنون، فتراه يكرر قوله الحبيب إلى نفسه:"حين بدت بنت الصباح، الفجر ذات الأصابع الوردية"(18). فإذا كانت هذه عيوباً فإنها تختفي وسط جمال اللغة ووفرة ما تحتويه من الاستعارات والتشبيهات التي تصف جمال الحقول الهادئة فتبعث بذلك في نفوسنا الطمأنينة والهدوء وسط ما يحيط بنا من عجيج الحرب وصخبها. انظر إلى هذه العبارة التي
تصف تجمع الجيوش اليونانية: "واحتشد اليونان ذوو الشعر الطويل فوق السهل كما تحتشد أسراب الذباب في مذاود الرعاة زمن الربيع حين يملأ اللبن الجديد الدلاء"، أو إلى العبارة الآتية:
"كما تشق النار العظيمة طريقها في الأودية العميقة بين الجبال الجرداء، فتحترق أمامها الأشجار الضخمة السميكة، ويتمايل اللهب يمنة ويسرة حين تهب عليه الرياح من هذه الناحية أو تلك - هكذا كان ينتقل أكليز وهو غاضب ثائر من جانب إلى جانب في ميدان القتال، ويدرك ضحاياه أينما كانوا فلا يفلتون منه، ويخضب الأرض بدمائهم"(20).
وتختلف الأوذيسة عن هذا كله أشد الاختلاف حتى ليظن الإنسان لأول وهلة أن مؤلفها غير مؤلف الإلياذة؛ وقد قال بهذا بعض علماء الإسكندرية أنفسهم، ولم يكم أفواه المتجادلين إلا أرستاركوس Aristarchus وما له من سلطان قوي بين الناقدين (21). وتتفق الأوذيسة مع الإلياذة في بعض العبارات القياسية "أثينة ذات العين الشبيهة بعين البومة""اليونان الطوال الشعر""قائم كلون النبيذ""الفجر ذات الاصابع الوردية" - وهي ألفاظ يبدو أنها لم تستعمل إلا بعد جمع الإلياذة أو تأليفها (22). ففي الملحمة الثانية يتكرر ذكر الحديد على حين أن الأولى تتحدث عن البرونز، كذلك نسمع فيها عن الكتابة، وعن الملكية الخاصة للأرض، وعن العبيد المحررين وتحرير العبيد، وهذه كلها لا يذكر منها شيء في الإلياذة؛ بل إن الآلهة وأعمالهم ليختلفون في إحداهما عنهم في الأخرى (23). ووزن القصيدتين واحد وهو الوزن السداسي الأوتاد المكون كل وتد فيه من ثلاثة مقاطع وهو المتبع في جميع الملاحم اليونانية؛ ولكن أسلوب الملحمة وروحها ومادتها تختلف كلها عن نظائرها في الإلياذة اختلافاً لا يتسر معه لشاعر واحد على أن ينشئ الملحمتين إلا إذا بلغ الذروة في التعقيد، وكان صاحب السلطان الأعلى على جميع الأمزجة والحالات النفسية المتباينة. وما من شك في أن كاتب القصيدة
الثانية أكثر تضلعاً في الأدب والفلسفة، وأقل عنفاً ونزعة حربية من كاتب الأولى؛ وهو أكثر منه تفكيراً وإدراكاً لذاتيته، وأملك منه لوقته وأكثر منه حضارة؛ وقد بلغ من رقته أن ظن بنتلي Bentley أن الأوذيسة إنما كتبت لفائدة النساء خاصة (24).
ترى هل الأوذيسة من قول شاعر واحد أو عدة شعراء؟ إن الجواب عن هذا السؤال أصعب في حالة الأوذيسة منه في حالة الإلياذة. إن فيها هي الأخرى شواهد على الإضافة والتلفيق، ولكن هذه الإضافات كانت من عمل كتاب أعظم حذقاً من كتاب الملحمة القديمة؛ فحبكتها، وإن كانت كثيرة اللف والدوران، متناسقة تناسقاً عجيباً، خالية من التناقض، لا يستحي أن يكتبها كاتب قصصي حديث، يلمح الإنسان من بدايتها خاتمتها، وكل حادثة من حوادثها تقرب القارئ من هذه الخاتمة، وهي تربط كتبها الأربعة فتؤلف منها وحدة كاملة. وأكبر الظن أن الملحمة قد بنيت على قصائد كانت معروفة من قبلها شأنها في هذا شأن الإلياذة، ولكن عملية التوحيد فيها أتم وأقوى منها في الإلياذة. وفي وسعنا أن نحكم بشيء كثير من التردد والإحجام أن الأوذيسة أحدث من الإلياذة بقرن من الزمان، وأن الجزء الأكبر منها من وضع رجل واحد.
أما شخصياتها فأقل قوة وأقل وضوحاً من شخصيات الإلياذة، فبنلبي شبح غير واضح، ولا تبرز واضحة من خلف نسجها إلا في آخر الملحمة، حين تطوف بعقلها لحظة من لحظات الشك، أو لعلها من لحظات الندم، بعد عودة سيدها. أما هلن بطلة الإلياذة فأشد منها وضوحاً، وهي امرأة فذة منقطعة النظير؛ فهذه المرأة التي من أجلها أقلعت ألف سفينة ولاقى الموت في سبيلها عشرة آلاف من الرجال لا تزال "إلهة بين النساء"، ناضجة الجمال في سن الكهولة، أرق أخلاقاً وأهدأ طباعاً مما كانت من قبل، ولكنها لم تفقد شيئاً من كبريائها وزهوها، وتتقبل في لطف ورقة كل مظاهر الترحاب والتبجيل التي تحيط بربات التاج
وتعدها حقاً لها تنعم بها دون سائر النساء (25). وإن تصوير نسكا ليعد مقالة بديعة تنطق بمقدرة الذكور على فهم الإناث؛ والحق أننا لم نكن نتوقع أن يرسم يوناني هذه الشخصية الرقيقة الروائية. ولم يصور تلمكس تصويراً قوياً واضحاً، فهو مصاب بداء التردد كأن به مساً من هملت. أما صورة أوديسيس فهي أكمل صور الشعر اليوناني وأكثرها تعقيداً. وقصارى القول أن الأوذيسة رواية بديعة ساحرة في قالب شعري، مليئة بالعواطف الرقيقة والمغامرات المفاجئة، تستمتع بها النفس المسالمة التي في سن الكهولة أكثر مما تستمتع بالإلياذة الفخمة التي يراق فيها الكثير من الدماء.
وقد أضحت هاتان القصيدتان- وهما كل ما بقي من سلسلة طويلة من الملاحم- أثمن العناصر في تراث اليونان الأدبي كله. وبفضلهما صارت دراسة "هومر" العنصر الأساسي في نظام التعليم اليوناني، ومستودع الأساطير اليونانية، ومنبع ألف من المسرحيات، وأساس التدريب الخلقي؛ وأعجب من هذا كله أنه صار الكتاب المقدس الذي يستمد منه اليونان دينهم الصحيح.
وفي ذلك يقول هيرودوت- وأكبر الظن أن في قوله بعض المبالغة- إن هومر وهزيود هما اللذان خلعا على الآلهة الأولمبية صورة الأناسي، واللذان أدخلا النظام في مملكة السماء الكهنوتية (26). وإنا لنجد في آلهة هومر كثيراً من أسباب العظمة والفخامة، ونحن نحبها لما نتبين فيها من نقائض، ولكن العلماء قد تبينوا من زمن طويل في الشعراء الذي صوروها تشككاً ومرحاً لا يليق وصفه في كتاب يعد بحق كتاب اليونان القومي المقدس. فتلك الآلهة تتنازع كما يتنازع الأقارب، وتفسق كما تفسق البراغيث، وتشترك مع بني الإنسان فيما خيل إلى الإسكندر أنه وصمة البشرية- ونعني بذلك حاجتها إلى الحب وإلى الندم؛ ويجوز عليها كل ما يجوز على الآدميين إلا الجوع والموت. وليس فيها
كلها من يضارع أوديسيس في ذكائه، أو هكتور في بطولته، أو أندرمكا في رقتها وحنانها، أو نسطور في مهابته. ولم يكن في وسع إنسان أن يهزل بالآلهة هذا الهزل إلا شاعر في القرن السادس قبل الميلاد ملم كل الإلمام بتشكك الأيونيين (27). ومن مضحكات التاريخ أن هاتين الملحمتين اللتين تخصان الآلهة الأولمبية بدور الهازلين، وتجعلان هذا الدور أهم أدوارها، إن من مضحكات التاريخ أن هاتين الملحمتين كانتا موضع الإجلال في بلاد اليونان كلها، وكانتا تعدان دعامة الخلق القويم والعقيدة المحترمة. ولكن هذا التناقض اتضح للناس آخر الأمر، وقضى ما فيها من هزل على ما توحيان به من عقيدة، وثارت أخلاق الناس بعد تطورها على أخلاق الآلهة وحلت محلها.
الفصل الرابع
الألعاب
إذا كان الدين قد عجز عن توحيد بلاد اليونان، فإن الألعاب الرياضية الموسمية قد أفلحت في توحيدها. ذلك أن الناس لم يكونوا يذهبون إلى أولمبيا، ودلفي، وكورنثة، ونميا ليعظموا الآلهة - لأن الآلهة يمكن تعظيمها في أي مكان - بقدر ما كانوا يذهبون ليشاهدوا مباريات البطولة بين الرياضيين المختارين، والاجتماع العام لطوائف اليونان المختلفين. ومن الشواهد الدالة على أثر هذه المراكز في تاريخ اليونان أن الإسكندر - وهو الذي كان في وسعه أن يشاهد بلاد اليونان من خارجها - كان يعد أولمبيا عاصمة العالم اليوناني.
في هذه الأماكن نجد دين اليونان الحقيقي تسيطر عليه قواعد الألعاب الرياضية وتعاليمها، وهذا الدين هو عبادة الصحة والجمال، والقوة. وفي ذلك يقول سمنيدس:"إن أحسن ما يستطيع الإنسان أن يتمتع به هو الصحة الجيدة، ويأتي بعد الصحة جمال الشكل وحسن الطبع، ثم تلي ذلك الثروة ينالها الإنسان من غير غش أو خداع، ويأتي في المرتبة الرابعة أن يكون الإنسان في نضرة الشباب بين الأصدقاء والخلان"(27 أ). وتقول الأوذيسة (28): "ليس ثمة مجد يستطيع الإنسان أن يناله طوال حياته أعظم مما يناله بيديه وقدميه". ولعله كان من أوجب الواجبات على شعب أرستقراطي يعيش بين جماعات من الرقيق أكثر منه عدداً، ويطلب إليه المرة بعد المرة أن يرد عن حماه المغيرين من أمم أكثر منه، نقول لعله كان من أوجب الواجبات على هذا الشعب أن يحافظ على قوته الجسمية، ذلك أن الحرب في الزمن القديم كانت تعتمد على القوة والمهارة، ولقد كانت القوة والمهارة الغرض الأول من المباريات التي طبقت
شهرتها الآفاق في جميع هيلاس. وإن من الخطأ أن نفكر في الرجل اليوناني العادي على أنه طالب مولع بإسكلس أو أفلاطون؛ ذلك أن هذا اليوناني العادي كان كالبريطاني أو الأمريكي العادي مولعاً بالألعاب، وكان أبطالها المحبوبون هم آلهته على هذه الأرض.
وكانت الألعاب اليونانية أنواعاً مختلفة - منها ألعاب خاصة، وألعاب محلية، وألعاب بلدية، وألعاب يونانية جامعة. وإن الآثار القديمة حتى المحطم منها لتكشف عن ثبت طويل ممتع من الألعاب الرياضية. ففي متحف أثينة حجر على أحد وجهيه نقش يصور مباراة في المصارعة، وعلى الوجه الآخر مباراة لعبة الهكي Hockey (29) . أما السباحة، وركوب الخيل العارية الظهر، ورمى القذائف واتقاؤها أثناء الركوب، فكانت كلها من مستلزمات اليوناني المهذب أكثر منها ألعاباً ومباريات. كذلك أصبح الصيد من ضروب الرياضة بعد أن لم يعد من وسائل العيش الضرورية. ولم تكن ألعاب الكرة أقل تنوعاً أو انتشاراً مما هي في هذه الأيام. وكانت كلمتا شاب ولاعب كرة مترادفتين في إسبارطة. وكانت تبنى في ساحات التمرين حجرات خاصة بألعاب الكرة يسمونها اسفيرستيريا sphairisteria، وكان معلموها يسمون اسفيرستاي Sphairistai. ونشاهد على نقش آخر رجالاً ترتد إليهم الكرة من أرض الحجرة أو جدارها، ثم يردونها هم براحة اليد (30)، ولسنا نعرف هل كان اللاعبون يفعلون ذلك بالتناوب كما نفعل نحن بكرة اليد في هذه الأيام. وكان من بين ألعاب الكرة لعبة تشبه لعبة اللاكرس Lacrosse الكندية وهي ضرب من لعبة الهكي تلعب بالمضارب ويصفها بولكس Pollecx، وهو كاتب من كتاب القرن الثاني بعد الميلاد، بعبارات كأنها من عبارات هذه الأيام فيقول:
"يجتمع بعض الشبان ويقسمون أنفسهم جماعتين متساويتين في العدد ويتركون في أرض منبسطة - أعدوها من قبل وقاسوها - كرة مصنوعة من
الجلد، تقرب من حجم التفاحة؛ ثم يهجمون عليها، كأنها جائزة وضعت بينهم؛ من نقط الابتداء المحددة لهم، وفي يمين كل منهم مضرب rhabdon
…
ينتهي بانحناء مستو وسطه نسيج من خيوط مأخوذة من أمعاء الحيوان .. مجدولة كالشبكة. وتحاول كلتا الطائفتين أن تدفع الكرة من جزء الساحة المخصص لها إلى طرف الجزء المقابل لها (31) ".
ويصف هذا المؤلف نفسه لعبة أخرى تحاول فيها فرقة من اللاعبين أن تقذف بالكرة من فوق رؤوس الفرقة المضادة لها أو من بين لاعبيها، وتستمر في هذا "حتى يرد أحد الطرفين الطرف الآخر إلى ما وراء خط مرماه". ويصف أنتفانيز في جذاذة ناقصة من القرن الرابع قبل الميلاد أحد مهرة اللاعبين الممتازين فيقول:"ولما أخذ الكرة سره أن يعطيها إلى أحد اللاعبين، ثم تفادى لاعباً آخر؛ ثم استولى عليها من لاعب وضربها واستحث لاعباً آخر بأصواته العالية. وهاهي ذي خارج الملعب، ثم رمية طويلة، ثم تمر به من فوق رأسه، ورمية قصيرة .. "(32).
ومن هذه الألعاب الخاصة نشأت ألعاب محلية، وأخرى في مناسبات معينة كما يحدث عقب وفاة بطل من الأبطال مثل بتركلوس أو نجاح مشروع عظيم كزحف رجال زنوفون العشرة آلاف إلى البحر. ثم نشأت بعدئذ ألعاب البلديات التي يمثل فيها المتبارون أماكن أو طوائف مختلفة في داخل إحدى دول المدن. أما ألعاب الجامعة الأثينية التي كانت تقام كل أربع سنين فهي أقرب ما تكون إلى الألعاب الدولية وإن لم ينطبق عليها هذا الوصف كل الانطباق. وقد أنشأها بيسستراتس في عام 566؛ وكانت كثرة المشتركين فيها من أتكا، ولكن غير الأتكيين كان يرحب باشتراكهم فيها. وكانت تشمل، فضلاً عن الألعاب الرياضية المألوفة، سباق العربات، وسباق المشاعل، وسباق التجديف، ومباريات موسيقية في الغناء والعزف على القيثارة والمزمار والناي، والرقص،
وإلقاء أكثر ما يكون من شعر هومر. وكان يمثل كل قسم من أقسام أتكا العشرة أربعة وعشرون رجلاً يختارون من بين أصح السكان أجساماً وأقواهم بنية وأجملهم منظراً، وكانوا يعطون جائزة للأربعة والعشرين الذي يكون لهم في النظارة أعظم الأثر، وتسمى جائزة "الرجولة الباهرة"(33).
وإذ كانت الرياضة ضرورية للحرب، ولكنها تنعدم إذا لم تعقد لها مباريات، فقد أنشأت المدن اليونانية الألعاب اليونانية الجامعة لتكون أكبر حافز لليونان أجمعين على إتقان هذه الألعاب. وكانت أولى هذه المباريات الجامعة هي التي تقام بانتظام مرة كل أربع سنين في أولمبيا؛ وقد أقيمت للمرة الأولى في عام 776 ق. م وهو أول تاريخ محدد في حياة اليونان بأجمعها. وكانت هذه الألعاب في أول أمرها مقصورة على الإيليين Eleans، وقبل أن يمضي قرن على بدايتها كان يشترك فيها لاعبون من جميع بلاد اليونان؛ ولم يحل عام 476 حتى كان ثبت الظافرين فيها يشمل لاعبين من جميع البقاع الممتدة من سينوب إلى مرسيلية؛ وأصبح عيد زيوس على مر الزمان يوماً مقدساً دولياً، وكان الشهر الذي يقع فيه هذا العيد شهراً حراماً يتهادن فيه المحاربون في جميع بلاد اليونان، ويفرض فيه الإيليون غرامات على كل دولة يونانية يلحق في أرضها أذى بأي قادم إلى هذه الألعاب. وقد أدى فليب المقدوني هذه الغرامة عن يد وهو صاغر لأن بعض جنوده سرقوا مال أثيني وهو في طريقه إلى أولمبيا.
وفي وسعنا أن نتصور الحجاج واللاعبين يبدءون رحلتهم من المدن النائية قبل بدء المباريات بشهر كامل، فإذا ما حان الموعد المحدد اجتمعوا كلهم في صعيد واحد؛ وكانت أيام المباريات سوقاً عامة وعيداً في وقت واحد، وكانت الخيام تنصب في السهل لتقي الزائرين حر شمس يوليه اللافح، وإلى جانبها المظلات يستظل بها البائعون ويعرضون تحتها بضاعتهم على اختلاف ألوانها، من خمر وفاكهة وخيل وتماثيل؛ وترى اللاعبين على الحبال والمشعوذين يعرضون
ألاعيبهم على الجماهير. فمنهم من يقذف بالكرة في الهواء ومنهم من يلعب ألعاباً تشهد بالخفة والمهارة، ومنهم من يأكل النار أو يبتلع السيوف. ذلك أن ضروب التسلية، كأنواع الخرافات، قديمة العهد يخلع عليها هذا القدم ثوباً من التقديس والإجلال. وكان أشهر الخطباء أمثال جورجياس، وأشهر الخطباء أمثال هبياس، وربما كان أشهر الكتاب أمثال هيرودوت، كان هؤلاء جميعاً يلقون خطبهم أو يتلون أقوالهم من أروقة هيكل زيوس. وكانت هذه الأيام أعياداً مقدسة للرجال خاصة لأن النساء المتزوجات لم يكن يسمح لهن بالحضور في هذه الساحة، بل كانت لهن ألعاب خاصة تقوم في عيد هيرا. وقد لخص منندر منظر هذه الألعاب في خمس كلمات جامعة فقال:"زحام، وسوق، ولاعبون، وتسلية، ولصوص"(34).
ولم يكن يسمح لغير اليونان الأحرار بالاشتراك في مباريات الألعاب الأولمبية؛ وكان المتبارون (Athletes المشتقة من Athlos بمعنى مباراة) يختارون بعد اختبارات محلية وبلدية يستبعد بها غير اللائقين، ثم يدربون بعدئذ عشرة شهور كاملة تدريبا صارماً على أيدي مدربين محترفين يسمون بيدترباي paidotribai (ومعناها اللغوي مدلكو الشبان) ورياضيين يدعون gymnastai (أي العراة).
فإذا جاءوا إلى أولمبيا اختبرهم موظفون مختصون وأقسموا أن يراعوا جميع قوانين الألعاب. ولم يكن يحدث في الألعاب غش أو خروج على السنن الصحيحة إلا القليل النادر؛ منها ما قيل من أن يوبوليس Euopolis قد رشا الملاكمين حتى ينهزموا له (35)؛ ولكن ما كان يفرض على هؤلاء المخادعين من عقاب، وما كان يلحقهم من مهانة، كان كبيراً إلى حد يحول بينهم وبين الإقدام على مثل هذا العمل؛ فإذا ما تم استعداد اللاعبين أخذوا إلى ميدان الألعاب؛ فإذا دخلوه نادى منادٍ أسماءهم وأسماء المدن التي بعثت بهم. وكان المتبارون جميعاً، أياً كانت سنهم ومنزلتهم، يجردون من الثياب إلا من منطقة تحيط بالحقوين
في بعض الأحيان (36). ولم يبق من هذا الملعب نفسه إلا الألواح الحجرية التي كانت توضع بين أصابع أرجل المتسابقين في بداية السباق. وكان النظارة البالغ عددهم 45. 000 يحتفظون بأماكنهم في الملعب طوال النهار يقاسون الأمرين من الحشرات والحر والظمأ؛ ولم يكن يسمح لهم بلبس قبعاتهم، وكان الماء الذي يسقون منه رديئاً غير صالح للشرب، كما كان الذباب والبعوض يملأ جو المكان كما يملأ أمثاله في هذه الايام. وكانت القرابين تقرب مراراً وتكراراً إلى زيوس طارد الذباب (37).
وكانت أهم المباريات في هذه الألعاب هي التي يطلقون عليها اسم المباريات الخمس
(1)
(pentathlon) . وأراد اليونان أن يكون اللاعبون متمكنين في هذه الألعاب جميعاً، فكانوا يحكمون على من يتقدم للمباراة في واحدة منها أن ينازل غيره فيها جميعاً، ولا يعد اللاعب منتصراً إلا إذا فاز في ثلاث لعبات من خمس. وكانت أولاها هي القفز الواسع، فكان اللاعب يمسك بيديه ثقلين شبيهين بكتل الحديد المستديرة ويقفز بهما من موضع معين، ويؤكد لنا الكتاب الأقدمون أن بعض القافزين كانوا يقفزون إلى مسافة خمسين قدما (38)، ولكنا غير ملزمين بأن نصدق كل ما نقرأ. واللعبة الثانية هي قذف القرص وهو لوحة مستديرة من المعدن أو الحجر تزن نحو اثني عشر رطلاً، ويقال إن أكبر القاذفات كانت تصل إلى مسافة مائة قدم (39). وكانت اللعبة الثالثة هي قذف الحربة أو الرمح بالاستعانة بِشَرعة من الجلد متصلة بوسط السهم. وكانت المباراة الرابعة هي الجري مسافة قصيرة بأقصى سرعة في الملعب نفسه، وكانت هذه المسافة تبلغ نحو مائتي ميل في الغالب. وكانت المباراة الخامسة هي المصارعة، وهي من المباريات المحببة كثيراً إلى اليونان، ومنها اشتق لفظ Palaistra نفسه، وما أكثر ما يروى من القصص عن الأبطال المصارعين.
(1)
وتشمل هذه المباريات المصارعة، وقذف القرص، وقذف الرمح، والقفز، والجري.
وكانت الملاكمة من الألعاب القديمة، ونكاد نوقن أنها مأخوذة عن كريت المينوية وبلاد اليونان الميسينية. وكان المتبارون ينازل بعضهم بعضاً بكرات للكم معلقة بمحاذاة الرأس ومحشوة ببذور التين أو الدقيق أو الرمل. وفي عصر اليونان الزاهر (أي في القرنين الخامس والرابع) كان الملاكمون يلبسون "قفازات لينة" من جلد الثيران، معالجة بالدهن، وتكاد تصل إلى المرافق، وكانت الضربات مقصورة على الرأس ولكنهم لم تكن لديهم قواعد تحرم ضرب اللاعب إذا وقع على الأرض. ولم تكن هناك أشواط أو فترات للراحة، بل كان الملاكمان يواصلان اللعب حتى يستسلم أحدهما أو يعجز عن الملاكمة. ولم يكونوا يقسمون حسب أوزانهم، بل كان في مقدور أي إنسان مهما يكن وزنه أن يشترك في المباريات. ومن ثم كان ثقل الجسم ذا نفع كبير لصاحبه، وانحطت الملاكمة لهذا السبب في بلاد اليونان وتحولت من مباراة في المهارة إلى منازلة بالقوة العضلية.
وازدادت وحشية اللاعبين على مر الزمن فجمعوا المصارعة والملاكمة في مباراة جديدة سموها لعبة القوى مجتمعة (pankration) . وكان يسمح في هذه اللعبة بكل شيء عدا العض وفقأ العين، وحتى الركل في البطن كان مسموحاً به أيضاً (40). وقد وصلت إلينا أسماء ثلاثة من أبطال هذه المباراة هزموا من نازلوهم لأنهم كسروا أصابعهم (41)، وكال أحدهم لغريمه ضربات وحشية بأصابعه الممدودة وأظافره الطويلة القوية التي اخترق بها جلده وانتزع بها أمعاءه من بطنه (42). لكن ميلو الكروتوني كان ملاكماً أظرف من هؤلاء وأحب إلى النفوس، ويروى عنه أنه نمى قوة جسمه بحمل عجل صغير في كل يوم من حياته حتى كبر هذا العجل وأصبح ثوراً كامل النمو. وكان الناس يحبونه لحيله ودهائه، فقد كان يمسك في يده الرمانة ويقبض عليها بقوة لا يستطيع معها أي إنسان أن ينتزعها منه، ومع ذلك كانت الرمانة تبقى سليمة لا ينالها أذى؛ وكان يقف على قرص من الحديد مدهون بالزيت ويقاوم كل ما يبذل من الجهد لزحزحته عن مكانه؛
ويربط حبلاً حول جبهته ثم يقطع الحبل بوقف نَفَسُه ودفع الدم إلى رأسه. وقضت عليه مواهبه هذه آخر الأمر "ذلك أنه التقى مصادفة بشجرة ذابلة كما يقول بوزنياس "دقت فيها أوتاد لتفصل خشبها بعضه عن بعض، فخيل إليه أن يفصل هذا الخشب بيديه، ولكن الأوتاد انخلعت من الشجرة وانطبق خشبها عليه، وافترسته الذئاب" (43).
وكانت الألعاب تشمل فضلاً عن السباق السريع القصير المدى مسابقات أخرى في العدو، منها مسابقة طولها أربعون ياردة، وأخرى طولها أربعة وعشرون شوطاً
(1)
أو ميلان وثلثا ميل، ومنها سباق مسلح يحمل كل عداء فيه ترساً، وليس لدينا ما نستدل منه على الأرقام القياسية في هذه المسابقات. وكان الشوط يختلف باختلاف المدن، ولم يكن لدى اليونان آلات يقيسون بها أجزاء الزمن الصغيرة. وتحدثنا الأقاصيص عن عداء يوناني كان يسبق الأرنب، وعن آخر سابق جواداً من كرونيا إلى طيبة (حوالي عشرين ميلاً) وسبقه، وعن فيدبديس Pheidippides الذي جرى من أثينة إلى إسبارطة - 150 ميلاً - في يومين (44)، ونقل إلى أثينة بشرى النصر في مرثون التي تبعد عنها أربعة وعشرين ميلاً، ثم مات متأثراً بما عاناه من التعب. ولكن بلاد اليونان لم تكن فيها "مسابقات مرثونية".
وقد أنشأت أولمبيا في السهل الواقع في أسفل الملعب مضماراً لسباق الخيل خاصة. وكان للنساء والرجال على السواء أن يتقدموا بخيولهم إلى هذا السباق، وكانت الجائزة في ذلك الوقت تعطى لصاحب الجواد - كما هي الحال في وقتنا هذا - لا لراكبه، وإن كان الجواد في بعض الأحيان يجازى بأن يقام له تمثال (45)، وكانت آخر المباريات هي مباراة المركبات، وكان يجر كل مركبة
(1)
الشوط مقياس يوناني طوله عادة 600 قدم يونانية أو 582 قدماً إنجليزية ولكنه كان يختلف باختلاف المدن (المترجم).
جوادان أو أربعة جياد تسير جنباً إلى جنب. وكثيراً ما كان يشترك في المباراة الواحدة عشر مركبات في كل منها أربعة جياد، وكان على كل مركبة أن تدور حول الأنصاب المقامة في الحلبة ثلاثاً وعشرين دورة في آخر السباق، ولذلك فإن حوادث خطيرة كانت تحدث وقتئذ، وكانت هذه الحوادث أهم ما يثير المشاعر في الألعاب. وقد حدث في سباق منها بدأ بأربعين مركبة أن لم تتمه إلا مركبة واحدة. وفي وسعنا أن نتصور اهتياج النظارة وجدلهم حول من يناصرون، وأسفهم وهم منفعلون حينما يطوف الظافرون آخر طواف لهم حول الأنصاب.
فإذا انتهت هذه المباريات المجهدة بعد خمسة أيام كاملة، نالوا جوائزهم، ولف كل منهم عصابة من الصوف حول رأسه، ثم وضع المحكمون على هذه العصارة إكليلاً من أوراق الزيتون البري وأغصانه، ونادى مناد أسماء الظافرين وأسماء مدنهم. وكان هذا الإكليل النباتي هو الجائزة الوحيدة التي تعطى في الألعاب الأولمبية، ولكنه مع ذلك كان الشرف الذي يبذل المتبارون في بلاد اليونان أقصى جهودهم ليظفروا به. وقد بلغ من أهمية هذه الألعاب وحرص اليونان عليها أن الغزو الفارسي نفسه لم يحل بينهم وبين إقامتها، فبينما كانت حفنة من اليونان تقف في وجه خشيارشاي في ترموبيلي كانت آلاف مؤلفة منهم تشهد كعادتها ثيجنيس Theagenese الثاسوسي، في اليوم الذي دارت فيه المعركة، يظفر بإكليل ألعاب القوى المجتمعة. وصاح جندي فارسي في وجه قائده يقول:"رباه! أي صنف من البشر أولئك الأقوام الذي أتيت بنا لنقاتلهم؟ - إنهم رجال لا يقاتل بعضهم بعضاً من أجل المال بل من أجل الشرف! (46) ". وما من شك في أن هذا الجندي الفارسي، أو اليوناني الذي اخترع القصة، قد جاوز الحد في الثناء على اليونان بقوله هذا، وليس ذلك لأنه كان من واجبهم أن يكونوا في ذلك اليوم في ترموبيلي بدل أن يكونوا في أولمبيا فحسب، بل لهذا السبب ولغيره من الأسباب؛ ذلك أن الظافرين كانوا يحصلون على جوائز أخرى كبيرة من طريق غير مباشر
وإن كانت الجائزة المباشرة التي ينالونها في الألعاب نفسها كانت قليلة لا تسمن ولا تعني من جوع. لقد كانت مدن كثيرة تمنح الظافرين جوائز مالية كبيرة بعد أن يعودوا من الألعاب الأولمبية، وكان بعضها يعينهم قواداً لجيوشه، وكانت الجماهير تقدسهم تقديساً يحسدهم عليه الفلاسفة ويشكون منه (47). وكان بعض الظافرين أو أنصارهم يستأجرون شعراء مثل سمنيدس أو بندار لينشئوا القصائد في مدحهم وتكريمهم، وكانت هذه الأشعار تغنيها جماعات من الغلمان في الموكب الذي يخرج لاستقبالهم، وكانت الأموال تدفع للمثالين ليخلدوا ذكراهم بالتماثيل البرونزية أو الحجرية، وكانوا في بعض الأحيان يطعمون بلا ثمن في ردهة المدينة. وفي وسعنا أن نقدر ما يتكلفه هذا الطعام إذا عرفنا - من مصدر مشكوك في دقته - أن ميلو أكل عجلة بنت أربع سنوات، وأن ثيجنيس أكل ثوراً، في يوم واحد (48).
وكان القرن السادس هو العهد الذي بلغت فيه الألعاب الرياضية أعظم روعتها وتغلغل حبها في قلوب الشعب إلى أبعد حد. ففي عام 582 أنشأ الحلف الاثنا عشري الألعاب الفيثية في دلفي تكريماً لأبلو. وفي تلك السنة نفسها أنشئت ألعاب البرزخ في كورنثة تكريماً لبوسيدن، وبعد ست سنوات من ذلك الوقت أنشئت الألعاب النيمية تكريماً لزيوس النيمي، وأضحت هذه المواسم كلها أعياداً يحتفل بها اليونان على بكرة أبيهم. وقد نشأت منها ومن الألعاب الأولمبية دورة (Periodos) ، وكان أعظم ما يطمع فيه اليوناني الرياضي أن ينال أكاليل فيها جميعاً. وقد أضيفت مباريات في الموسيقى والشعر إلى المباريات الجسمية في الألعاب الفيثية، والحق أن هذه المباريات الموسيقية كانت تقام في دلفي قبل إنشاء الألعاب الرياضية فيها بزمن طويل. وكان موضوع المباريات في بادئ الأمر أنشودة يخلد بها انتصار أبلو على الأفعى الدلفية؛ ثم أضيفت إليها في عام 582 مباريات في الغناء وفي العزف على القيثارة والنفخ في الناي. وكانت مباريات
موسيقية مثلها تقام في كورنثة، ونيميا، وديلوس، وغيرها من المدن؛ وذلك لأن اليونان كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون بهذه المباريات العامة أن ينموا مقدرة العازفين وذوق الجماهير في وقت واحد. وكانوا يسيرون على هذا المبدأ نفسه في كل فن من الفنون تقريباً - كصناعة الخزف، والشعر، والنحت، والتصوير، والغناء الجماعي، والخطابة، والتمثيل (49). وبهذه الطريقة وغيرها من الطرق أصبح للألعاب أكبر الأثر في الفنون، والآداب، بل كان لها أيضاً أعمق الأثر في كتابة التاريخ نفسه؛ وذلك لأن أهم طريقة لحساب السنين في كتب التاريخ المتأخرة كانت هي التاريخ بالفترات الأولمبية، وكانت كل فترة تميز باسم الظافر في سباق الجري شوطاً واحداً. وكان الكمال الجسمي الذي بلغه الرياضيون البارعون في الألعاب جميعها في القرن السادس قبل الميلاد هو الذي أوحى إلى اليونان بالمثل الأعلى في نحت التماثيل، وهو المثل الذي بلغ غايته على يدي ميرون Meiron وبليكليتوس. وقد أتاحت ألعاب العراة في مضامير الألعاب وفي أثناء الأعياد للمثال فرصاً لدراسة جسم الإنسان في جميع أشكاله وأوضاعه، فأضحت الأمة هي نفسها نماذج لفنانيها على غير علم منها، وتعاونت الألعاب الرياضية اليونانية مع الدين اليوناني على إيجاد الفن اليوناني.
الفصل الخامس
الفنون
لقد وصلنا الآن إلى أكمل نتاج الحضارة اليونانية، ولكننا مع الأسف الشديد لا نجد من بقايا هذا النتاج العظيم إلا النزر اليسير. ذلك أن التدمير الذي عاناه الأدب اليوناني من جراء عدوان الزمان وتحكم ذوي العقول الضيقة الجاهلة، وتغير الأنماط والأهواء العقلية، لا يعد شيئاً مذكوراً إذا قيس إلى ما وقع على الفن اليوناني من تدمير. ولقد بقي لدينا من عصر الفنون الزاهر قطعة برونزية واحدة هي راكب العربة في دلفي، وتمثال واحد من الرخام هو تمثال هرمس من صنع المثال بركستيليز، أما الهياكل فلم يصل إلينا منها هيكل واحد - ولا هيكل الثسيوم نفسه - بالشكل أو باللون الذي كان عليه في بلاد اليونان القديمة. كذلك لم يكد يبقى لدينا شيء من النقوش اليونانية على المنسوجات، أو الخشب، أو العاج، أو الفضة، أو الذهب، ذلك أن هذه المواد كانت أضعف أو أثمن من أن تنجو من أيدي الناهبين أو عبث الأيام. لذلك كان علينا أن نعيد تصوير هذه الفنون مستعينين على ذلك بما بقي لدينا من آثارها المحطمة القليلة.
وكانت الأسباب التي أدت إلى نشأة الفن اليوناني هي الرغبة في تصوير الأجسام وتزيينها، والنزعة البشرية في الديانة اليونانية، والروح الرياضية، والمثل العليا للرياضيين. ولما ارتقى اليوناني البدائي عن المرحلة التي اعتاد أن يضحي بها بالآدميين لكي يصبحوا الموتى ويقوموا على خدمتهم، استبدل بهم التماثيل المنحوتة أو الصور كما فعل غيره من البدائيين. ووضع بعد ذلك صوراً لآبائه في بيته، أو وضع في المعابد صوراً وتماثيل شبيهة به أو بمن يجب، اعتقاداً منه أن هذه الصور والتماثيل ستتمكن بقوة سحرية من بسط حماية الإله ورعايته على
من تمثله. لقد كان الدين المينوي، والدين الميسيني، وكانت طقوس اليونان الأرضية نفسها، عبارات غامضة مبهمة غير شخصية، وكان فيها أحياناً من الرهبة والسخف ما ينأى بها عن جمال التصوير؛ ولكن الخصائص البشرية الصريحة التي كان يتصف بها آلهة أولمبس، وحاجتها إلى مواطن وهياكل تقيم فيها على سطح الأرض، كل هذه قد فتحت أمام اليونان آفاقاً واسعة للنحت والعمارة ولعشرات العشرات من الفنون المتصلة بهما. ولسنا نجد ديناً غير هذا الدين - مع جواز استثناء الديانة المسيحية الكاثوليكية - شجع الآداب والفنون، وأثر فيهما، كما شجعهما وأثر فيهما الدين اليوناني. ولا نكاد نجد فيما لدينا من آثار اليونان الأقدمين كتاباً، أو مسرحية، أو تمثالاً، أو بناء، أو مزهرية لا يمت إلى الدين بصلة في موضوعه، أو غرضه، أو الإلهام به.
ولكن الإلهام وحده لم يكن ليرفع من شأن الفن اليوناني إلى الدرجة التي ارتفع إليها، فقد كان يحتاج إلى البراعة الفنية العالية التي تنشأ من الصلات الثقافية، وإلى تطور الصناعات اليدوية وانتقالها من طور إلى طور. والحق أن الفن لم يكن عند الرجل اليوناني إلا نوعاً من الصناعة اليدوية، وارتقى الفنان من الصانع الماهر ارتقاءً طبيعياً تدريجياً حتى لم يكن اليونان يميزون أحدهما من الآخر تمييزاً دقيقاً. لقد كان الفنانون في حاجة إلى العلم بجسم الإنسان لأن نموه الصحي السليم هو الذي يكسبه تناسباً وتناسقاً وجمالاً؛ وكانوا في حاجة إلى حب للجمال عاطفي قوي جنسي يهون معه كل صعب إذا ما أدى إلى تخليد لحظة من لحظاته الحية، وصورها في صورة تبقى على مر الزمان. وكانت نساء إسبارطة يضعن في حجرات نومهن صوراً لأبلو، ونارسس، وهياسنثس، أو أي إله آخر وسيم حتى يلدن بذلك أطفالاً جمالاً (50). وأقام سبسلوس Cypselus مباراة في الجمال بين النساء من زمن بعيد يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد، ويقول أثينيوس إن هذه المباراة الدورية استمرت إلى العهد المسيحي (51). ومن أقوال ثيوفراستوس
Theophrastus في هذا المعنى "إن مباريات تقام" في بعض الأماكن "بين النساء في الخفر، وحسن التدبير .. كما تقام مباريات في الجمال، كالمباريات التي تقام .. في تندوس ولسبوس"(52).
1 - المزهريات
من الأقاصيص الظريفة الشائعة في بلاد اليونان أن أول قدح للشراب قد شكل فوق ثدي هلن (53)، فإذا كان هذا صحيحاً فإن القالب الذي صنع على هذا الطراز قد ضاع عقب الغزو الدوري، لأن ما وصل إلينا من الآنية الفخارية من العهود اليونانية القديمة لا يذكرنا قط بهلن؛ وما من شك في أن هذا الغزو قد أثر أسوأ الأثر في تطور هذا الفن، وأفقر الصناع، وشتت المدارس، وقضى إلى حين على انتقال أصوله؛ ذلك بأن المزهريات اليونانية تبدأ من بعد هذا الغزو بسيطة بدائية فجة، كأن كريت لم تسم بصناعة الفخار فتجعلها فناً جميلاً.
ويغلب على الظن أن مزاج الفاتحين الدوريين الذي كانت تغلب عليه الخشونة هو الذي أخرج مما بقي من قواعد الفن المينوي الميسيني ذلك الطراز الهندسي الذي كانت له السيطرة على أقدم الفخار اليوناني بعد العصر الهومري. لقد محى من هذا الفخار ما كانت تزدان به الآنية الكريتية من رسوم الأزهار والمناظر الطبيعية، والنباتات؛ وكانت النزعة الصارمة التي أقامت مجد الهياكل الدورية هي التي قضت على صناعة الفخار اليونانية. وليس في الجرار الضخمة التي يمتاز بها هذا العصر ما يمت بصلة إلى الجمال، فقد كان الغرض من صنعها حفظ الخمر أو الزيت أو الحبوب، ولم يكن يقصد بها أن تكون متعة للفنان الخبير بصناعة الخزف. ويكاد نقشها كله أن يكون وحدات من مثلثات أو دوائر أو سلاسل، أو خطوط متقاطعة، ومعينات، وصلبان، أو خطوط أفقية متوازية بسيطة تتكرر مرة بعد مرة. وحتى الرسوم الآدمية التي تتخلل هذه الأشكال
كانت رسوماً هندسية، فجذع التمثال العلوي كان مثلث الشكل، وفخذاه وساقاه كانت مخروطية. وانتشر هذا الطراز الهين من الزينة في جميع بلاد اليونان، وكان هو الذي حدد صورة المزهريات الدبيلونية
(1)
Dipylon في أثينة. ولكن الآنية الضخمة (التي كانت تصنع في العادة لتوضع فيها جثث الموتى) كانت ترسم عليها بين خطوط الأشكال الهندسية صور جانبية لوجوه النائحين، وعربات، وحيوانات غاية في السماجة. فلما آذن القرن الثامن بالانتهاء رسمت على الفخار اليوناني صور حية أكثر من الصور السابقة، واستعمل لونان لأرضية الصور، واستبدلت الدوائر بالخطوط المستقيمة، وظهر على الصلصال سعف النخل، والأزورد، والجياد القافزة، والآساد المصيدة، وحلت الزخارف الشرقية محل الطراز الهندسي الساذج.
وأعقب ذلك العصر عصر مليء بالتجارب غمرت فيه ميليتس السوق بمزهرياتها الحمراء، وساموس بمصنوعاتها المرمرية، ولسبوس بآنيتها السوداء، ورودس بآنيتها الحمراء، وكلزميني Clezomenae بآنيتها الرمادية اللون، وأصدرت فيه نقراطس الخزف الدقيق الملون والزجاج نصف الشفاف. واشتهرت إرثيرا Erythra برقة مزهرياتها، وكلسيس Chalcis ببريقها وحسن صقلها، وسكيون Siycon وكورنثة بقوارير الرائحة الدقيقة الصنع، والأباريق ذات الرسوم المتقنة الأنيقة الشبيهة بمزهريات شيجي Chigi في رومة. وقامت بين صناع الخزف في المدن المختلفة منافسة قوية، وكانت هذه المدينة أو تلك تجد مشترين لخزفها في كل ثغر من ثغور البحر الأبيض المتوسط، وفي الروسيا، وإيطاليا، وبلاد غالة. وخيل إلى مدينة كورنثة في القرن السابع أنها فازت على منافساتها في هذه الحرب الخزفية، فقد كانت مصنوعاتها في كل مكان وفي يد كل إنسان، وكان صناع الفخار فيها قد كشفوا طرقاً جديدة للحفر والتلوين، وابتكروا كثيراً من الأشكال الجديدة؛
(1)
سميت كذلك لأن الجزء الأكبر منها عثر عليه قرب باب المدينة المزدوج.
لكن سادة حي الخزافين في خارج أثينة برزوا إلى الأمام حوالي عام 550 ق. م وألقوا عن كاهلهم عبء النفوذ الشرقي، واستولوا بمصنوعاتهم ذات الرسوم السوداء على أسواق البحر الأسود، وقبرص، ومصر، وإتروريا، وأسبانيا. وأخذ النابغون من صناع الخزف من ذلك الحين يهاجرون إلى أثينة إن لم يكونوا قد ولدوا فيها؛ ونشأت فيها مدرسة عظيمة وتقاليد ثابتة لأن الأبناء أخذوا يرثون فن الآباء، وأصبحت صناعة الخزف الجميل إحدى الصناعات الكبرى في المدينة ثم أمست إحدى الصناعات التي تحتكرها أتكا وتقر لها غيرها من الأقاليم بهذا الاحتكار.
وتحمل المزهريات نفسها من حين إلى حين صوراً لحوانيت الخزافين، ويرى فيها الصانع يعمل مع صبيانه أو يراقبهم وهم يقومون بالعمليات المختلفة: يخلطون الألوان والطين، ويشكلون العجينة، ويلونون الأرضية، ويحفرون الصور، ويحرقون الآنية، ويحسون بالسعادة التي يحس بها من يرون صور الجمال تظهر على أيديهم. ونحن نعرف أكثر من مائة من هؤلاء الخزافين أهل أتكا، ولكن الدهر قد عدا على آياتهم الفنية فحطمها ولم يبق لنا إلا أسماء مبدعيها. ونحن نقرأ الآن على كأس الشراب قول الصانع مفتخراً بصنعه Nikosthenes me poiesen " صنعني نكسثنيز"(53 أ) وكان أجزسياس Execias أعظم من نكسثنيز هذا وأجل قدراً. وفي متحف الفاتيكان قارورة فخمة ذات مقبضين من صنعه، وكان واحداُ من طائفة كبيرة من الفنانين يشجعهم أنصار الفن في عهد بيسستراتس وأبنائه وينعمون بعهد السلم الذي ساد البلاد وقتئذ. ومن أيدي كلتياس Clitias وإرجتموس Erogotimus خرجت مزهرية فرنسوا الذائعة الصيت التي عثر عليها في إتروريا عام 560 فرنسي يحمل هذا الاسم، وهي الآن ضمن كنوز متحف الآثار بفلورنس - وهي إناء كبير عليه صفوف من الأشكال والمناظر مستمدة من الأساطير اليونانية يعلو بعضها بعضاً (54). وكان هذان
الصانعان أشهر صناع طراز الرسوم السوداء في أتكا في القرن السادس. ولا حاجة بنا إلى المبالغة في جودة صنع الإناء، فهو لا يضارع في فكرته ولا في إخراجها خير الأواني الباقية من عهد أسرة تانج أو سونج الصينيتين؛ غير أن الفنان الصيني كان له غرض يختلف عن غرض الفنان الشرقي، فلم يكن همه الأول هو الألوان بل الخطوط، ولا النقش بل الشكل. ولذلك كانت الرسوم التي على الآنية اليونانية رسوماً صورها العرف، وثبت طرازها فجعلها ضخمة ضخامة غير عادية في الكتفين دقيقة في الساقين. وإذا كان هذا الطراز قد ظل سائداً طوال عهد اليونان الزاهر فمن واجبنا أن نفترض أن الخزاف اليوناني لم يكن يفكر قط في الدقة الواقعية، فكأنه في فنه هذا يقرض الشعر لا يكتب النثر، ويخاطب الخيال لا العين، ولهذا السبب عينه لم يتوسع فيما يستخدمه من المواد أو الألوان. فقد استخدم صلصال السرمكوس Ceramicus الأحمر اللطيف، وهدأ لونه باللون الأصفر، وصغر الرسوم بعناية، وملأ ما بين الخطوط باللون الأسود الزجاجي البراق، فاستحالت الأرض على يديه آنية موفورة العدد تقترن فيها المنفعة بالجمال، منها أباريق ماء، وقوارير ذات مقبضين، ودنان خمر وأقداح، وآنية خلط، وقنينات عطر. وكان هو الذي فكر في التجارب، وابتكر الموضوعات، وابتدع الأعمال الفنية التي أخذها عنه صانعو البرونز، والمثالون، والرسامون. وهو الذي قام بالتجارب الأولى في رسم المناظر فنياً كما تبدو بحجمها الطبيعي للعين، وفي فن المنظور، وتوزيع الظلال، وعمل النماذج (55). وقد مهد السبيل لنحت التماثيل بأن صنع من الطين المحروق صوراً لما لا يحصى من الموضوعات والأشكال، وحرر فنه من الرسوم الهندسية الدورية ومن المغالاة الشرقية، وجعل صور الآدميين مصدر حياته ومحورها الذي تدور عليه. ومل الخزاف الأثيني قبيل الربع الأخير من القرن السادس الرسوم السوداء على الأرضية الحمراء، فعكس الوضع وابتدع طراز الرسوم الحمراء الذي
ظلت له السيادة في إقليم البحر الأبيض المتوسط مائتي عام. وكانت الصور لا تزال جامدة ذات زوايا، والأجسام مصورة من جانبها، والعين في مواجهة الناظر تماماً، ولكنه كان يستمتع في نطاق هذه الحدود بحرية جديدة ومجال أوسع في التفكير والتنفيذ، وكان يخدش الخطوط الخارجية للصورة خدشاً خفيفاً بسن رفيع، ويرسم تفاصيلها بعدئذ بالقلم، ويملأ خلفيتها باللون الأسود، ثم يضيف إليها لمساتها الصغرى بمادة زجاجية ملونة. وفي هذا المجال أيضاً خلد بعض كبار الفنانين أسماءهم؛ من ذلك أن قارورة ذات أذنين قد كتب عليها:"رسم صورها يوثيميدس Euthymides بن بلياس Pallias رسماً لم يستطعه يفرنيوس Euphronius (56) ". وكان هذا تحدياً ليفرنيوس ودعوة له أن يصنع مثلها. لكن يفرنيوس هذا ظل يوصف بأنه أعظم الخزافين في عصره. ويظن بعضهم أنه هو صاحب الخابية التي صور فيها هرقل يصارع أنتيوس. وتعزى إلى معاصرة سسياس Sosias مزهرية من أشهر المزهريات اليونانية صور عليها أكليز يضمد جرحاً في ذراع بتركلوس. وقد أبرز في هذه الصورة جميع دقائقها، وأفاض عليها الكثير من حبه وعطفه، ولم تستطع القرون الطوال أن تنال من منظر الألم الصامت وهو يبدو على ملامح الفتى المحارب. ونحن مدينون إلى أولئك الرجال وغيرهم ممن لا نعرف أسماءهم الآن بكثير من الروائع الفنية أمثال الكأس التي نرى في داخلها صورة إلهة الفجر تندب ولدها المتوفي، وإبريق الماء المحفوظ في متحف الفن بنيويورك والذي رسم عليه جندي يوناني، قد يكون أكليزي يطعن بالحربة امرأة من المحاربات جميلة ذات ثديين، وكان إناء من أمثال هذه الأواني هو الذي وقف أمامه جون كيتس John Keats في يوم من الأيام صامتاً مذهولاً حتى أطلقت خياله تلك "النشوة الجامحة" و "الدفعة الهائجة" فأنطقتا لسانه بقصيدة أعظم شأناً من أية قارورة يونانية.
2 - النحت
كان من أثر استيطان اليونان غرب آسية وفتح مصر للتجارة اليونانية حوالي عام 660 ق. م أن دخلت أشكال الشرق الأدنى ومصر وأساليبهما إلى أيونيا وبلاد اليونان الأوربية. ذلك أن مثالين كريتين هما دبوئينوس Dippoenus وسيلوس Scyllus استدعيا حوالي عام 580 إلى سكيون وأرجوس ليقوما فيهما بمهمة فنية. ولما أن غادراهما لم يتركا فيهما تماثيل فحسب بل تركا فيهما تلاميذ أيضاً. ونشأت من ذلك الحين مدرسة للنحت قوية في بلاد البلوبونيز. وكان لهذا الفن أهداف كثيرة؛ فكان أولاً يخلد الموتى بالأعمدة البسيطة، ثم برؤوس تماثيل قائمة على قواعد، ثم بتماثيل كاملة أو لوحات جنائزية منقوشة. وكانت التماثيل تصنع للفائزين في الألعاب الرياضية؛ فكانوا أولاً ينحتون نماذج لتماثيل هؤلاء الفائزين. وكان خيال اليونان الحي الخصيب من أسباب تشجيع هذا الفن، فقد جعلهم يصنعون للآلهة تماثيل يخطئها الحصر.
وكان الخشب هو المادة التي تصنع منها أكثر التحف حتى القرن السادس قبل الميلاد، وشاهد ذلك ما نسمعه كثيراً عن صندوق سبسيلوس طاغية كورنثة؛ ويقول بوزنياس إنه صنع من خشب الأرز المطعم بالعاج والذهب، وزين بالنقوش المعقدة المحفورة. ولما زاد الثراء كانت التماثيل الخشبية تغطى كلها أو بعضها بالمواد الثمينة. وبهذه الطريقة صنع فيدياس تماثيله الذهبية والعاجية لأثينة بارثنوس ولزيوس الأولمبي. وظل البرونز ينافس الحجر في صنع التماثيل إلى آخر عصر اليونان الزاهر.
وقد صهر العدو الأكبر من هذه التماثيل البرونزية ولم يبق منها إلا القليل، ولكن في وسعنا أن نستدل من تمثال سائق العربة الخاضع الذليل المحفوظ في
متحف دلفي (حوالي 490 ق. م) على ما بلغته صناعة التماثيل المجوفة من الإتقان الذي يقرب من الكمال مذ أدخلها ريكوس Rhoecus وثيودورس الساموسيان في بلاد اليونان. وقد صبت مجموعة التماثيل الأثينية للطاغيتين (هرموديوس Harmodius وأرستوجيتون Aristogeiton) ، وهي المجموعة الذائعة الصيت، من البرونز على يد أنتنور Antenor في أثينة بعد قليل من طرد هبياس. وكان مثالو أثينة يستخدمون أنواعاً كثيرة من الحجارة اللينة قبل أن يعمد مثالو اليونان إلى تشكيل الحجارة الصلبة المختلفة الأنواع باستخدام المطرقة والإزميل، فلما أن عرفوا كيف يستخدون هاتين الأداتين كادوا يأتون علىكل ما في نكسوس وباروس من رخام. وكثيراً ما كانت التماثيل في العهد القديم (1100 - 490) تطلى بالألوان، ولكنهم وجدوا في آخر سني ذلك العهد أن ترك الرخام المصقول من غير طلاء اصطناعي أوقع في النفس وأدنى إلى تمثيل بشرة النساء الرقيقة.
وكان يونان أيونيا أول من عرفوا فوائد جعل الثياب عنصراً من عناصر صناعة النحت. ذلك أن الفنانين في مصر والشرق الأدنى كانوا يجعلون الأثواب جامدة ملتصقة بالجسم، ولم تكن تزيد على مئزر حجري كبير يخفي الجسم الحي، ولكن المثالين اليونان في القرن السادس أدخلوا الثنايا في الأقمشة، واستخدموا الثياب للكشف عن مصدر الجمال الأول وطرازه وهو الجسم البشري الصحيح السليم. غير أن أثر المصريين والآسيويين في الفن اليوناني ظل له من القوة ما جعل التماثيل في كثير من آثار النحت اليونانية العتيقة ثقيلة جامدة خالية من الرشاقة، وجعل الساقين مشدودتين حتى في حالة الراحة، والذراعين مسترخيتين متدليتين على الجانبين، والعينين لوزيّتي الشكل مائلتين أحياناً كعيون معظم الشرقيين، والوجه ذا شكل ثابت لا يتغير في جميع التماثيل خالياً من الحركة والعاطفة، وكانت التماثيل اليونانية في ذلك العهد تتبع القاعدة التي جرى عليها المصريون في صنع تماثيلهم، وهي أن يصنعوها على الدوام متجهة بوجوهها نحو
الناظر إليها، ومتناسبة الجانبين أدق التناسب، حتى لو أنك رسمت خطاً عمودياً في وسطها لمر هذا الخط في منتصف الأنف، والفم والسرة، وأعضاء التناسل لا يحيد عن ذلك قيد شعرة إلى اليمين أو اليسار، ولا يتأثر موضعه بحركة الجسم أو سكونه. ولعل العرف هو سبب هذا الجمود المقبض الممل؛ فقد كان قانون الألعاب اليونانية يحرم على الفائز فيها أن يصنع له تمثال أو ترسم له صورة إلا إذا كان قد فاز في جميع المباريات ذات الألعاب الخمس، ويقولون إن الفائز فيها جميعاً هو وحده الذي يستمتع بالنمو الجثماني المتناسق الخليق بأن يكون أنموذجاً للجسم البشري السليم (57).
وهذا السبب مضافاً إليه في أغلب الظن أن العرف الديني قبل القرن الخامس كان هو المسيطر على تمثيل الآلهة في اليونان، كما كان مسيطراً عليه في مصر، هو الذي جعل المثال اليوناني يقتصر على عدد قليل من الأوضاع والأنماط ويصرف كل جهوده ومواهبه في إتقانها.
وكان أهم ما صرف فيه جهوده وأتقن دراسته نمطان من التصوير هما تصوير الشاب العاري إلا من القليل الذي يستحق الذكر من الملابس، ذي اليدين المقبوضتين والوجه الهادئ الصارم؛ وتصوير العذراء المصففة الشعر ذات الوقفة والثبات المتواضعة، تمسك ثوبها بإحدى يديها، وتقرب القربان للآلهة باليد الأخرى. وقد ظل المؤرخون إلى عهد قريب يسمون التماثيل الأولى "أبلو"؛ ولكنها كانت في أغلب الظن تماثيل للرياضيين أو تماثيل جنائزية. وأشهر هذا النوع هو أبلو تينيه Tenea، وأكبرها حجماً تمثال أبلو سونيوم Sunium، وأدلها على التفاخر عرض أبلو في أمكلي Amyclae قرب إسبارطة، ومن أجملها كلها تمثال أبلو استرانج فورد Strangford المحفوظ في المتحف البريطاني. وأجمل منه أبلو شوازول جوفييه Choiseul Gouffier، وهو صورة رومانية مأخوذة عن التمثال الأصلي الذي صنع في القرن الخامس (58). وتماثيل العذارى أوقع في عين الذكور
على الأقل من تماثيل الرجال: فأجسامهن رشيقة هيفاء، ووجوههن تعلوها ابتسامة ظريفة أشبه بابتسامة صورة موناليزا Mona Lisa، وثيابهن قد بدأت تتحرر من الجمود العرفي. وبعض التماثيل كالتماثيل المعروضة في متحف أثينة خليق بأن يعد من روائع الفن في أي قطر آخر من أقطار العالم (59). ومنها تمثال نستطيع أن نسميه عذراء طشيوز
(1)
، وهو يعد آية فنية في بلاد اليونان نفسها. وإن ما في هذه التماثيل من مسّة أيونية شهوانية لينفي عنها بعض ما بها من جمود مصري وصرامة دورية كالتي نشاهدها في تماثيل "أبلو". وقد ابتدع أركرموس Archermus الطشيوزي طرازاً آخر من التماثيل، أو لعله أعاد إلى الوجود طرازاً منسياً منها، في تمثال النصر المقام في ديلوس. ومن هذا الطراز نشأ فيما بعد طراز تماثيل النصر الجميلة التي صنعها بينيوس Poeonius في أولمبيا، وتماثيل النصر المجنحة المقامة في سمثريس Samothrace، وصور الملائكة المجنحة في الفن المسيحي (60). وقد نحت مثالون مجهولون بالقرب من ميليتس طائفة من تماثيل النساء المكسوة الجالسة لتوضع في هيكل البرنشيدي Branchidae، وهي تماثيل قوية لكنها فجة، مهيبة لكنها ثقيلة، عميقة لكنها ميتة
(2)
.
وقد بلغت صناعة الحفر درجة من القدم يسرت لإحدى القصص الظريفة أن تصف منشأها. وتقول هذه القصة أن فتاة من كورنثة رسمت على جدار الخطوط الخارجية ظل رأس حبيبها الذي يلقيه ضوء مصباح على جدار. ثم جاء أبوها بوتاديس Butades وهو فخراني فملأ ما بين هذه الخطوط بالصلصال، وضغطه حتى جمد، ثم رفعه، وحرقه؛ ويؤكد لنا بلنى أن هذه هي الطريقة التي نشأ بها النقش القليل البروز (61). وأصبح هذا الفن أكثر أهمية من صناعة التماثيل في
(1)
سميت كذلك لأن الجزء الأكبر منها عثر عليه قرب باب المدينة المزدوج.
(2)
وهو الآن في المتحف البريطاني، وتوجد نماذج منه في المتحف الفني بنيويورك والبرنشيدي هم كهنة الهيكل الذي يتوارثون مناصبهم فيه.
تزيين الهياكل والقبور، وقد صنع أرسطاطاليس نقشاً جنائزياً لأرستيون في عام 520 ق. م وهو تحفة من التحف الثمينة الكثيرة المحفوظة في متحف أثينة.
وإذ كانت هذه النقوش البارزة تلون على الدوام تقريباً، فقد كانت فنون النحت والنقش والتصوير وثيقة الاتصال بعضها ببعض، وكانت كلها تستخدم في العمارة، وكان معظم الفنانين مهرة في هذه الفنون جميعها، وكانت بروز الهياكل وأطنافها، وما بين هذه الأطناف، وما وراء القواصر- كانت هذه كلها تطلى عادة بالألوان، على حين إن البناء الرئيسي كان يترك عادة بلون الحجارة الطبيعي. أما الرسم الملون بوصفه فناً مستقلاً فليس لدينا من آثاره في البلاد اليونانية إلا القليل الذي لا يستحق الذكر؛ ولكننا نعرف من بعض أقوال الشعراء أن التصوير على الخشب بالألوان الممزوجة في الشمع السائح كان من الفنون التي مارسها اليونان من عهد أنكريون (62). وكان هذا الفن آخر ما ازدهر من الفنون في بلاد اليونان وآخر ما اندثر منها.
وجملة القول أن القرن السادس لم يبلغ فيه أي فن من فنون اليونان، إذا استثنينا فن العمارة، ما بلغته الفلسفة اليونانية والشعر اليوناني في هذا القرن نفسه من جرأة في التفكير وكمال في التصوير. ولعل مناصرة الفنون كانت بطيئة النشأة بين أرستقراطية كانت لا تزال ريفية فقيرة، أو بين طبقة رجال الأعمال التي كانت لا تزال ناشئة لم يخلق فيها الثراء حاسة الذوق. ومع هذا فقد كان عهد الطغاة فترة تحفز وتحسين في كل فن من الفنون اليونانية - وبخاصة في عهد ببسستراتس وهبياس في أثينة. وفي أواخر هذا العهد بدأ الجمود القديم الذي كان يلازم فن النحت يزول شيئاً فشيئاً، وقضي على القاعدة القديمة قاعدة نحت التماثيل مواجهة لناظرها، وأخذت الساقان تتحركان، والذراعان تبتعدان عن الجانبين، واليدان تنفتحان، والوجه ينم عن الإحساس والأخلاق، والجسم ينثني ويتخذ أوضاعاً مختلفة تكشف عن دراسات جديدة في التشريح والحركة. وكان هذا
الانقلاب العظيم في فن النحت، وما بعثه في الحجارة من حياة حادثاً خطيراً في تاريخ اليونان؛ كما كان التحرر من المواجهة في التماثيل من أجل أعمال اليونان الفنية. ومن ذلك الحين نبذ الفن اليوناني تأثير المصريين والشرقيين، وأصبح فناً يونانياً خالصاً.
3 - العمارة
استعاد فن البناء على مهل ما خسره بسبب الغزو الدوري، ورفع اسم الدوريين إلى أكثر مما يستحق. وانتقلت أسس العمارة الميسينية إلى بلاد اليونان خلال العصور المظلمة القديمة الممتدة من عهد أجممنون إلى تربندر، فاحتفظت روائع الفن اليوناني بطراز البناء المستطيل القائم الزوايا، وباستخدام العمد في داخل البناء وخارجه، وبجسم العمود المستدير وتاجه المربع البسيط، وبالأروقة المعمدة، والوجهات ذات الحزوز. غير أن العمارة الميسينية كانت عمارة مدنية غير دينية، منصرفة كلها إلى تشييد القصور والدور؛ أما العمارة اليونانية في عصر اليونان الزاهر فتكاد أن تكون كلها دينية، فقد استحال القصر الملكي معبداً مدنياً بعد أن اضمحلت الملكية، وعمل الدين والديمقراطية على توجيه عواطف اليونان إلى تعظيم المدينة في شخص إلهها.
وشيدت أقدم الهياكل اليونانية من الخشب أو اللبن، وهما أنسب المادتين إلى العصر المظلم الفقير؛ ولما أن صار الحجر المادة الأصلية في تشييد الهياكل، بقيت المظاهر المعمارية كما كانت في عهد البناء بالخشب؛ وظل جسم المعبد الأصلي المستطيل، والعمد المستديرة، (والعارضة الرئيسية) المركبة على العمد، والحزوز الثلاثية في طرف العارضة، والسقف ذو (الجملون) بقيت هذه كلها شاهدة على الأصل الخشبي الذي استمدت منه شكلها الأول. بل إن الشكل اللولبي الأيوني كان كما يبدو من صورته رسوماً لنباتات وأزهار على كتلة من الخشب (63). وكثر استعمال الحجارة بازدياد ثراء اليونان وكثرة أسفارهم، وكان الانتقال أسرع
ما يكون بعد أن فتحت مصر أبوابها للتجارة اليونانية حوالي عام 660 ق. م، وكان حجر الجير المادة الشائعة الاستعمال في أنماط البناء الجديدة قبل القرن السادس، ثم بدأ استعمال الرخام حوالي عام 580، وكان يستخدم أول الأمر في الأجزاء التي يزين بها الهيكل، ثم استخدم بعدئذ في تشييد واجهته، واستخدم آخر الأمر في بناء الهيكل كله من قاعدته إلى سقفه.
وفي بلاد اليونان نشأت (مراتب) العمارة الدورية، والأيونية، ثم الكورنثية في القرن الرابع قبل الميلاد. وإذ كان داخل الهيكل مخصصاً للإله والكهنة القائمين على خدمته، وكانت العبادات كلها تؤدى في خارجه، فقد استخدمت (المراتب) الثلاث كلها في تجميل الهيكل من خارجه وجعله ذا روعة ومهابة. وكان ذلك التجميل يبدأ من الأرض نفسها، وهي عادة مكان مرتفع، فيبنى الأساس من طبقتين أو ثلاث طبقات من الحجارة كل منها أقل مساحة من التي تحتها، وفوق الطبقة العليا مباشرة يقوم العمود الدوري دون أن تكون له قاعدة خاصة- ويزدان بحزوز ضحلة، محدودة الجوانب، ثم يتسع العمود اتساعاً ظاهراً في وسطه ويتكون منه ما يسميه اليونان (إمتداداً) له. ثم تقل سعة العمود الدوري بعض الشيء كلما قرب من قمته، فيكون أشبه بالشجرة ومناقضاً للطراز المينوي- الميسيني (وجسم العمود الذي لا تنقص سعته- وأسوأ منه الذي يضيق كلما اتجه إلى أسفل- يبدو ثقيلاً في أعلاه غير جميل في منظره، على حين أن القاعدة المتسعة، تزيد شعور الإنسان باستقرار العمود، وهو الشعور الذي يجب أن تبعثه في النفس جميع العمائر. على أن العمود الدوري قد يكون مفرطاً في الثقل، مفرطاً في سمكه بالنسبة إلى ارتفاعه مغرقاً في الصلابة والقوة إغراقاً يدل على البلاهة)، وفي أعلى العمود الدوري يقوم تاجه البسيط القوي ويتكون من (عنق) أو رباط مستدير، وبروز دائري محدب كأنه
وسادة يرتكز عليها التاج وفي أعلاه التاج المربع نفسه وقد اتسع ليقوى العمود على تحمل العارضة.
وبينما كان هذا الطراز من البناء ينمو ويتطور على أيدي الدوريين ويتكيف في أغلب الظن بأبهاء العمد التي في الدير البحري وبني حسن المتقدمة على العصر الدوري كان اليونان الأيونيون يبدلون هذا الشكل الأساسي نفسه بتأثير الطرز الآسيوية ونشأ من هذا التطور طراز أيوني يقوم فيه عمود رفيع على قاعدة لها خاصة ويبدأ من أسفلها كما ينتهي في أعلاه بطوق ضيق وكان في العادة أكثر ارتفاعاً وأصغر قطراً من جسم العمود الدوري وكان ما فيه من نقص في سمكه من أسفل إلى أعلى قليلاً لا تكاد العين تدركه. أما الحزوز فكانت غائرة، نصف دائرية تفصلها بعضها عن بعض أطراف منبسطة، وكان رأس تاج العمود الأيوني يتكون من وسادة محدبة ضيقة، ويعلوها تاج أضيق منها، وبينهما تبرز تلفيفة لولبية مزدوجة تكاد تخفيهما عن العين كأنها ملف مطبوق نحو الداخل. وذلك عنصر مأخوذ عن الأشكال الحثية، والآشورية، وغيرهما من الأشكال الشرقية (64). وهذه الخواص إذا أضيفت إليها النقوش البديعة المحكمة التي في الأروقة لا يستبين منها الرائي طرازاً في العمارة فحسب، بل يستبين منها كذلك خواص صنف من الناس: فهل تمثل في الحجارة ما يمتاز بها الأيونيون من وضوح، ودماثة، وقوة عاطفة، ورشاقة، وولع بالتفاصيل الرقيقة؛ كما أن الطراز الدوري يعبر عن تحفظ الدوريين وكبريائهم، وضخامتهم وقوتهم، وبساطتهم الصارمة؛ ولقد كانت تماثيل الجماعات اليونانية المتنافسة، وآدابها وموسيقاها، وأخلاقها، وثيابها، تختلف لتنسجم مع أنماط عمارتها؛ فالعمارة الدورية رياضة، والعمارة الأيونية شعر، وكلتاهما تنشد الخلود في الحجارة؛ والأولى " نوردية " أما الثانية فشرقية، وهما معا تكونان الذكورة والأنوثة في صورة متناسقة منسجمة في جوهرها.
وتمتاز العمارة اليونانية بأنها قد تطور فيها العمود حتى صار من عناصر الجمال كما صار دعامة يستند إليها البناء، وكان العمل الأساسي للعمد هو حمل طنف السقف وإزاحة جدران المعبد الداخلي من قوة دفع السقف ذي " الجمالون " إلى الخارج. وفوق العمد يقوم الرواق أي الطابق العلوي من البناء. وفيه أيضاً، كما في الأجزاء الساندة، كان فن العمارة اليوناني يحرص على إظهار الصلات الواضحة بينها. فقد كانت العارضة أي الحجر الكبير الذي يصل تيجان الأعمدة بعضها ببعض في الطراز الدوري بسيطة أو كانت تحمل فوقها طنفاً بسيطاً ملوناً، أما في الطراز الأيوني فكانت تتكون من ثلاث طبقات تبرز كل منها تحت ما فوقها، وكان في أعلاها حلية من الرخام مقسمة فلقا بينها نقوش كبيرة مختلفة الأنواع. وإذا كانت الكتل المائلة التي يتكون منها إطار السقف في الطراز الدوري تنحدر إلى أسفل، وكان ما يمسكها الكتل الأفقية التي عند الطنف، فإن أطراف الثلاث كتل مجتمعة كان يتكون منها- في الخشب أولاً ثم في الحجر المقلد للخشب بعدئذ- سطح مقسم ثلاثة أقسام، وقد ترك بين كل قسم والذي يليه فراغ تتكون منه نافذة مفتوحة إذا كان السقف من الخشب أو من قطع القرميد المحروق؛ فإذا ما استعملت فيه قطع مسطحة من الرخام فإن هذه "النوافذ" ونقوش الطنف- يستخدمان في البناء الواحد في القرن الخامس قبل الميلاد، كما نشاهد في بناء البارثنون. وقد وجد المثال في القواصر- وهي المثلثات المكونة من السقف ذي "الجمالون" من الأمام ومن الخلف- أحسن الفرص لإظهار فنها. وكان في وسعه أن ينقش فيها الصور نقشاً كبير البروز، وتكبر بحيث يستطيع
أن يراها من يقف في أسفل البناء؛ وكانت الأركان المتجمعة- أو الطبول- عند المعماريين- وسيلة تختبر بها مهارة الفنان العظيمة. وكان في الاستطاعة أن يجعل السقف نفسه تحفة فنية تجملها قطع القرميد الزاهية الألوان والمثقفات التي تستخدم لتصريف مياه الأمطار، وتتخذ الوقت نفسه قواعد للتماثيل العليا ترتفع من زوايا القواصر. وقصارى القول أنها كانت في الهيكل اليوناني، وبين العمد، وعلى الجدران، وفي داخل البناء نفسه، ما يزيد على الحاجة من التماثيل والنقوش. وكانت للرسام أيضاً يد في زينتها: فقد كان الهيكل يطل كله أو بعضه بما فيه من تماثيل وبروز ونقوش. ولعلنا في هذه الأيام نغالي في الإكبار من شأن اليونان بعد أن محت الأيام الطلاء عن معابدهم وآلهتهم، وخلفت أكاسيد الحديد على الرخام ألواناً طبيعية لا يحصى عددها تظهر بريق الحجارة تحت سماء اليونان الصافية. ومن حقنا أن نتوقع أن يصبح الفن الحديث نفسه وبالطريقة عينها جميلاً في يوم من الأيام.
وازدهر الطرازان المتنافسان ازدهاراً عظيماً في القرن السادس وبلغ ذروة الكمال في القرن الخامس. وقد قسما بلاد اليونان من الناحية الجغرافية قسمة ضيزى. فكان للفن الأيوني السيادة في بلاد آسية اليونانية وفي بحر إيجة، وكان للفن الدوري السيادة في أرض اليونان نفسها وفي غربها. وكان أعظم ما أبدعه الفن الأيوني في القرن السادس هو معبد أرتميس في إفسوس، ومعبد هيرا في ساموس، وتماثيل البرنشيدي بالقرب من ميليتس. ولكن جميع العمائر الأيونية التي أنشئت قبل مارثون قد عدا عليها الزمان فلم يبق منها إلا أنقاضها. وأجمل المباني الباقية من القرن السادس معابد بستوم Paestum وصقلية القديمة وكلها من الطراز الدوري. وقد بقي من الهيكل العظيم الذي شيد في دلفي بين عامي 512، 548 تصميم قاعدة نعرفها من رسوم المهندس اسبنثاروس Spintharus الكورنثي، أما الهيكل نفسه فقد دمره زلزال وقع في عام 373، ثم أعيد بناؤه بالنظام
عينه؛ وكان لا يزال قائماً بهذه الصورة حينما طاف بوزنياس ببلاد اليونان، وتكاد العمارة الأثينية في هذه الفترة أن تكون كلها دورية الطراز. وبه بدأ بيسستراتس حوالي عام 530 معبد زيوس الأولمبي الضخم في السهل القائم عند أسفل الأكربوليس. وهاجر مئات من الفنانين الأيونيين إلى أتكا بعد أن فتح الفرس أيونيا في عام 546، وأدخلوا في أثينة طراز العمارة الأيونية أو عملوا على إنمائه. وقبل أن ينصرم هذا القرن كان المهندسون الأثينيون يستخدمون الطرازين وكانوا قد وضعوا جميع الأسس الفنية لعصر بركليز.
4 - الموسيقى والرقص
كان معنى لفظ Mousike عند اليونان أول الأمر هو الولاء لأية إلهة من إلهات الفن Muse. وكان مجمع أفلاطون العلمي Museion أي متحف Museum، ومعناه مكان مخصص لربات الفن Muses وأوجه النشاط الثقافي الكثيرة التي تناصرها. وكان متحف الإسكندرية جامعة تجري فيها ضروب النشاط الأدبي والعلمي ولم تكن مكاناً تجمع فيها التحف. وكانت الموسيقى بمعناها الضيق الحديث منتشرة بين اليونان بقدر انتشارها بيننا في هذه الأيام إن لم تكن أكثر انتشاراً. وكان الأحرار جميعاً في أركاديا يواصلون دراسة الموسيقى إلى أن يبلغوا الثلاثين من عمرهم، وكان كل واحد منهم يعرف استعمال آلة من الآلات، وكان العجز عن الغناء يجلل العاجز العار (65). وقد سمي الشعر الغنائي بهذا الاسم في بلاد اليونان لأنه كان يقرض ليتغنى به على القيثارة اليونانية والصنج والناي؛ وكان الشاعر عادة يقول الشعر ويلحنه ويغني أشعاره؛ ولهذا كان قرض الشعر الغنائي في بلاد اليونان أصعب كثيراً من قرض الشعر لقراءته قراءة صامتة في عزلة كما يحدث في هذه الأيام. وقلما كان هناك أدب يوناني قبل القرن السادس الميلادي غير متصل بالموسيقى، فقد كان التعليم والأدب
والدين، والحرب، وثيقة الاتصال بالموسيقى؛ وكان للنغمات الحربية شأن عظيم في التدريب العسكري، وكان كل ما يحفظ أو جُلّه يلقن شعراً. وقبل أن يحل القرن الثامن قبل الميلاد كانت الموسيقى اليونانية قد أصبحت من الفنون القديمة وأصبح لها مئات الأنواع والأشكال.
أما آلاتها فكانت بسيطة، وكانت الأسس التي تقوم عليها هي بعينها الأسس التي تقوم عليها في هذه الأيام: القرع، والنفح، والأوتار. فأما القرع فلم تكن آلاتها واسعة الانتشار. وقد ظل الناي شائع الاستعمال في أثينة حتى سخر السبيديس من خدي معلمه المنفوخين وأبى أن يستخدم هذه الآلة السمجة، وتزعم حركة مقاومتها بين شباب اليونان. (هذا إلى أن البؤوتيين، كما يزعم الأثينيون كانوا أبرع منهم في استخدام الناي، ولهذا كانوا يعدون هذا الفن من الفنون المرذولة (66). وكان الناي البسيط قصبة من الغاب، أو الخشب المثقوب، ذات مبسم منفصل عنها، ومثقوبة بثقوب لأصابع يتراوح عددها بين اثنين وسبعة، يمكن أن توضع فيها غمازات تعدل درجة الصوت. وكان بعض الموسيقيين يستخدمون الناي المزدوج- ويتكون من ناي (ذكر) أو غليظ النغمة في اليد اليمنى وناي (أنثى) أو رفيع النغمة في اليسرى، يرتبط كلاهما بالفم برباط حول الخدين، وينفخ فيهما معا في توافق بسيط. ثم أوصل اليونان الناي بكيس قابل للتمدد فأوجدوا بذلك موسيقى القرب؛ وجمعوا عدداً منها وكونوا منها ما يعرف بأنبوبة بان؛ ثم أطالوا طرف الناي وسدوا ثقوب الأصابع فكان البوق (67). ويقول بوزنياس إن موسيقى الناي كانت في العادة مقبضة، وكانت تستخدم على الدوام في ترانيم الدفن والمراثي؛ ولكننا لا نظن أن الأولترداي Auletredai او الفتيات اليونانيات السامرات النافخات في الناي كن مبعث الكآبة والانقباض. أما الآلات الوترية فكان العزف عليها مقصوراً على شد الأوتار بالأصابع أو المنقر ولم يكن العازف ينحني
في أثناء العزف. وكان ثمة أنواع مختلفة من القيثارات صغيرة وكبيرة ولكنها كانت في جوهرها شيئاً واحداً فكانت كلها تتكون من أربعة أوتار أو خمسة مصنوعة من أمعاء الضأن ومشدودة على قنطرة فوق جسم رنان من المعدن أو صدفة سلحفاة وكانت القيثارة صنجاً (كنجاً) صغيراً يستخدم أثناء غناء الشعر القصصي، وكانت القيثارة اليونانية الصغيرة تستخدم مع الشعر الغنائي والأغاني بوجه عام.
ويروي اليونان قصصاً عجيبة عن كيفية إختراع الإلهة هرمس، وأبلو، وأثينة، لهذه الآلات، وكيف تحدى أبلو بقيثارته أبواق مارسياس (وهو كاهن الإلهة الفريجية سيبيل) ونايه وغلبه- بطريقة غير شريفة في ظن مارسياس- بأن أضاف صوته إلى صوت الآلة، وختم المباراة بأن أمر بسلخ جلد مارسياس حياً؛ وعلى هذا النحو تمثل الأساطير غلبة القيثارة على الناي. وثمة قصص أظرف من هذه القصة تحدث عن الموسيقيين الأقدمين الذين أوجدوا فن الموسيقى أو عملوا على تقدمه: عن أولمبس تلميذ مارسياس الذي اخترع السلم ذا المسافات القصيرة
(1)
حوالي عام 730 ق. م، وعن لينوس Linus معلم هرقل الذي اخترع العلامات الموسيقية اليونانية وأوجد بعض (الدرجات (70)، وتحدثنا عن أرفيوس التراقي كاهن ديونيسس، وعن تلميذه موسيوس Mausaeus الذي قال إن (الغناء من أحلى الأشياء للآدميين (71). وتوحي هذه القصص بأن الموسيقى اليونانية استمدت أشكالها في أغلب الظن من ليديا، وفريجيا (72)، وتراقية
(2)
.
(1)
وهو سلم يحتوي على أربع نغمات هي: مي ميَ فا لا سي سيَ دو مي، والشرطة التي فوق العلامة تدل على أنها ربع نغمة.
(2)
لقد كان لموسيقى هيلاس سلالم مختلفة أكثر عدداً وأشد تعقيداً من موسيقانا ذلك أن سلمنا الموسيقي لا يحتوي على أصغر من نصف نغمة، ويكون اثنا عشر نصفاً من أنصاف النغمات السلمية عندنا؛ أما لليونان فقد كان لديهم أربع نغمات، وكان لهم خمسة وأربعون سلماً، في كل منها ثمان عشرة نغمة (73). وكان يتألف من هذه السلالم ثلاث مجموعات: مجموعة السلالم المتصلة النغمات وأساسها الأربعة الأصوات: مي، ري، دو، سي؛ وقد نشأت الكنيسة في العصور الوسطى من السلالم اليونانية بتبسيطها، ومن هذه السلالم الكنيسة نشأت السلالم الموسيقية الحالية. وقد وجدت في داخل السلم المتصل النغمات ذي الأربعة الأصوات سبع درجات، وذلك بتعديل الأوتار لتغير موضع أنصاف النغمات في الحلقة السلمية، وأهم هذه الدرجات هي الدرجات الدورية: مي ري دو سي لا صول فا مي، وهي النغمات الحربية الرصينة وإن كانت من طبقة صغرى، والليدية (دو سي لا صول فا مي ري دو) الرقيقة المحزنة وإن كانت من طبقة صغرى كذلك، والفريجية (ري دو سي لا صول فا مي ري) وهي من طبقة وصخابة انفعالية قوية (74)؛ ومن الطريف الممتع أن يقرأ الإنسان ما دار من الجدل العنيف حول ما يعزوه اليونان- وخاصة فلاسفتهم- لأنصاف النغمات من أثر النافع الضار في الموسيقى والأخلاق والطب. فهم يقولون لنا أن الموسيقى تبعث في الرجال الشجاعة والمهابة، وإن الليدية تجعلهم عاطفيين ضعافاً، والفريجية سريعي التهيج معاندين. أما أفلاطون فيرى أن معظم الموسيقى تبعث على الترف المخنث والفساد الخلقي الطليق، ويحب أن يخرج جميع الموسيقى الآلية من دولته المثالية (75). غير أن ثيوفر استوس لا يعدم كلمة طيبة يقولها عن جميع أنواع الموسيقى حتى الموسيقى الفريجية؛ فهو يقول مثلاً إن الأمراض المستعصية تزول آلامها بعزف نغمة فريجية بالقرب من الجزء العليل. ولم تكن العلامات الموسيقية اليونانية دوائر وذيولاً تكتب على مجموعة من السطور، بل كانت هي الحروف الهجائية اليونانية مقلوبة أو مستعرضة أو مزيدة عليها نقط أو شرط لتجعل منها أربعاً وستين علامة توضع فوق ألفاظ الأغنية. ولقد وصلت إلينا قطع صغيرة من هذه العلامات نتعزى بها عن الكثير الذي فقدناه منها؛ وهي تنبئ عن أنغام أقرب إلى الموسيقى الشرقية منها إلى الأوربية، تطيقها آذان الهنود أو الصينيين، أو اليابانيين أكثر مما تطيقها آذان الغربيين البليدة التي لم تتعود أرباع النغمات.
وكانت الموسيقى من مستلزمات الحياة اليونانية لا تكاد تخلو منها ناحية من نواحيها، فكانت لديهم ابتهالات لديونيسس وتهاليل لأبلو، وترانيم لكل إله من آلهتهم. وكانت لديهم مدائح للأغنياء وأغاني نصر لأبطال الرياضة وأناشيد تغنى على الطعام والشراب، وللحب، والزواج، والحزن، والدفن. وكان للرعاة، والحاصدين، وعاصري الخمور والغزالين، والنساجين، هم أيضاً أغانيهم، وأكبر الظن أن الرجل في السوق أو في النادي، وأن السيدة في بيتها والمرأة في الطرقات، كل هؤلاء كانوا يغنون أغاني لم يكن حظها
من العلم كحظ أغاني سمنيدس؛ وما من شك في أن الأغاني الخليعة والأغاني الراقية قد جاءت كلتاهما إلينا من أقدم العصور.
وكانت أرقى أنواع الموسيقى في اعتقاد اليونان وفي حياتهم العملية الغناء الجماعي؛ وقد أكسبوا هذا النوع من الغناء عمق الفلسفة وتعقيد التركيب، وهما الصفتان اللتان أخذتا تجدان لهما مكاناً في السمفونية والمقطوعات الموسيقية، وكان في كل احتفال- سواء أكان احتفالاً بحصاد، أم بنصر، أم بزواج، أم بيوم مقدس، مكان لجوقة غنائية؛ وكانت المدن والجماعات المختلفة تقيم من حين إلى حين مباريات في الغناء الجماعي تعد له العدة في معظم الأحيان قبل موعده بزمن طويل، فيعين مؤلف لكتابة الألفاظ والموسيقى، ويطلب إلى رجل مثرٍ أن يتكفل بالنفقات، ويستأجر المغنون المحترفون، ويعنى كل العناية بتدريب الجوقة. وكان المغنون كلهم يغنون نغمة واحدة، كما نشاهد الآن في موسيقى الكنيسة اليونانية، ولم يكن هناك (صوت منفرد) في الفرقة سوى ما حدث في القرون المتأخرة من ارتفاع صوت المصاحب خُمساً فوق الصوت أو انخفاض عنه بهذا القدر، أو من معارضته. ويبدو أن هذا هو أقرب ما وصل إليه اليونان في التوافق والألحان التوافقية البسيطة (78).
أما الرقص في أرقى صوره فقد مزج بالغناء الجماعي حتى صار فناً واحداً، كما أن كثيراً من أنواع الموسيقى الحديثة ومصطلحاتها كانت فيما مضى متصلة بالرقص
(1)
، ولم يكن الرقص يقل في قدمه وانتشاره عن الموسيقى عند اليونان. ولما عجز لوسيان عن تتبع نشأته على سطح الأرض حاول أن يجدها في حركة النجوم المنتظمة (80). ولا يكتفي هومر بأن يحدثنا عن المرقص الذي صنعه ديدلوس
(1)
من ذلك أن الكلمة الإنجليزية toot المقابلة للوتد في الشعر مأخوذة في الأصل من الرقص المصاحب للموسيقى (79)؛ وكان اليونان يفهمون من لفظ أركسترا طواراً للرقص على هيئة مسرح في العادة.
Daedalus لأدرياني Adriane، بل يحدثنا أيضاً عن راقص ماهر بين المحاربين اليونان أمام طروادة يدعى مريونيس Meriones، كان يرقص وهو يحارب فكانت الحراب لهذا السبب تعجز عن إصابته (81). ويصف أفلاطون الرقص (Orchesis (بأنه (الرغبة الفطرية في شرح الألفاظ بحركات الجسم كله) - وهو ما تفسره به بعض اللغات الحديثة. وخير من هذا ما وصفه به أرسطاطاليس إذ قال إن الرقص "تقليد الأعمال، والأخلاق، والعواطف، بطريق أوضاع الجسم والحركات إلايقاعية"(82). وكان سقراط نفسه يرقص، وهو يمتدح هذا الفن لأنه يهب الصحة لكل جزء من أجزاء الجسم (83)، وهو يقصد الرقص اليوناني بطبيعة الحال.
ذلك أن هذا الرقص كان يختلف عن الرقص عندنا، فهو، وإن كان في بعض أشكاله يثير الغريزة الجنسية، قلما كان يجعل الرجال يلتصقون بالنساء، بل كان رياضة فنية، لا عناقاً في أثناء المشي، كان كالرقص الشرقي تستخدم فيه الذراعان واليدان، كما تستخدم الساقان والقدمان وكانت أنماطه لا تقل اختلافاً عن أنماط الشعر والغناء، وقد ذكر الثقاة الأقدمون مائتين من هذه الأنماط، من بينها رقصات دينية كالتي كان يقوم بها عباد ديونيسس، ورقصات رياضية كرقصات الإسبارطيين في احتفال الشباب العرايا، ورقصات حربية كالرقص البيري يتعلمه الأطفال فيما يتعلمون من التدريب العسكري؛ ومنها الهيبرشيما Hyporchema الفخمة أي الترنيم أو اللعب الذي يقوم به اثنان من المغنين أحدهما يغني ثم يرقص وثانيهما يرقص ثم يغني، ثم يتناوب الاثنان بعد هذا الرقص والغناء؛ ومنها الرقصات الشعبية التي ترقص عند كل حادثة هامة من حوادث الحياة وكل فصل أو عيد من فصول السنة أو أعيادها. وكانت لديهم مباريات في الرقص، كما كانت لديهم مباريات في كل شيء سواه، تشمل في العادة أغاني جماعية. وكانت هذه الفنون كلها- الشعر الغنائي، والأغاني، والموسيقى الآلية،
والرقص- وثيقة الصلة بعضها ببعض عند اليونان الأولين، وكانت تؤلف في كثير من مظاهرها فناً واحداً ثم دخل فيها التفرع والتخصص المهني على توالي الزمن وبدأ ذلك في القرن السابع، فترك الشعراء الجوالون للأغاني واستبدلوا بها التلاوة، وفضلوا الشعر القصصي عن الموسيقى (86). وكان أرشلوقوس Archilochus يغني أشعاره دون أن يستعين بآلات موسيقية (87)؛ وبدأ ذلك التدهور الطويل الأمد الذي نزل بالشعر آخر الأمر فجعله أشبه بملك صامت حبيس سقط من السماء. ثم تفرع الرقص ذو الغناء الجماعي فكان منه غناء من غير رقص، ورقص من غير غناء، لأن (الحركات العنيفة تسبب قصر النفس، ولذلك أثر سيئ في الغناء) كما يقول لوسيان (88). وظهر بهذه الطريقة عينها موسيقيون لا يغنون، نالوا إعجاب مستمعيهم بمحافظتهم الدقيقة على أرباع النغمات (89). وقد غالى بعض مشهوري الموسيقيين وقتئذ، كما يغالي أمثالهم الآن في أجورهم. من ذلك أن أميبوس Amoebeus المغني والعازف على القيثارة كان يتقاضى وزنة (تالنتا) أي نحو 6000 ريال أمريكي عن كل حفلة (90). وما من شك في أن الموسيقي العادي لم يكن ينال من الأجر إلا ما يسد به رمقه، وذلك لأن الموسيقي، كغيره من الفنانين، ينتمي إلى مهنة كان لها شرف القضاء على أهلها جوعاً في كل جيل من الأجيال.
وأما الذين نالوا أوسع الشهرة فهم أمثال تربندر، وأريون، والكمان، وأستسيكورس، الذين برعوا في جميع أنواع الموسيقى، والذين مزجوا الغناء الجماعي، والموسيقى الآلية، والرقص، فجعلوا منها فناً واحداً معقداً متوافقاً، لعله كان أجمل واجلب للسرور من التمثيلات الغنائية والفرق الموسيقية في هذه الأيام. وكان أريون أشهر أولئك الأساتذة كلهم. ويروي عنه اليونان أنه كان يقوم برحلة من تاراس Taras إلى كورنثة، فسرق منه الملاحون نقوده، ثم خيروه بين القتل طعناً أو غرقاً. فما كان منه إلا أن غنى أغنية أخيرة
ثم ألقى بنفسه في البحر، فحمله دولفين على ظهره (ولعل الذي حمله هو عوده) وأوصله إلى البر. وهو الذي جعل من أناشيد المغنين السكارى، الذين كانوا يرتجلون الأغاني الخمرية الديونيسية، أغاني جماعية مدربة غير مخمورة، تتألف من خمسين صوتاً، تغنى على أحد جانبي المسرح وترد عليها فرقة أخرى على الجانب الآخر. وكان موضوع الأغنية في العادة ما لاقاه ديونيسس من العذاب والموت، وكان المغنون يتنكرون في زي جن الحراج القريبة الشبه بشكل المعز تكريماً لخدم الإله كما تصورهم القصص المتواترة. ومن هذه الأغاني والحفلات نشأت المآسي اليونانية باسمها ومعناها.
5 - نشأة التمثيل
امتاز القرن السادس بما ازدهر فيه من أسباب العظمة المتعددة التي انتشرت في كثير من البلاد. وكان تاج مميزاته كلها أن وضع فيه أساس التمثيل. لقد كان هذا القرن من فترات الإبداع الخلاقة في التاريخ. ومبلغ علمنا أن الناس قبله لم ينتقلوا من المسرحية الصامتة التي تعتمد على الإشارة، أو من الطقوس الدينية، إلى المسرحية الناطقة الدنيوية.
ويقول أرسطاطاليس أن الملهاة قد "تطورت من أولئك الذين كانوا يقودون موكب عضو التذكير". ذلك أن جماعة من الناس يحملون عضو تذكير مقدس وينشدون أناشيد لديونيسس أو لغيره من آلهة الزرع، كان يطلق عليهم في اللغة اليونانية اسم كوموس أو الطرب. وكان رمز الصلات الجنسية من مستلزمات هذا الموكب لأنه كان ينتهي بزواج رمزي يهدف إلى تشجيع الإنبات بوسائل سحرية (92). ومن ثم كان الزواج والتناسل المرتقب هو الخاتمة الطبيعية للملهاة اليونانية القديمة، كما هو خاتمة معظم الملاهي والروايات القصصية الحديثة. وقد ظلت الملاهي اليونانية في آخر أيام منندر Menander بذيئة فاحشة لأن نشأتها
كانت الصلات الجنسية الصريحة، ولأنها كانت في بدايتها احتفالاً مرحاً يقوى التناسل، فكان القائمون بها يتحللون من كثير من القيود الأخلاقية في المسائل الجنسية، وكانت قواعد الآداب وقوانينها يقف العمل بها في يوم الاحتفال، فتباح حرية الكلام بأفحش الألفاظ Parrhasia (93) . وكان كثير من المحتفلين يتزينون بزي جنيات الحراج الديونيسية، ويضعون في ثيابهم ذيل ماعز وعضو تذكير اصطناعي طويل من الجلد الأحمر. ثم أصبح هذا هو اللباس التقليدي على المسارح التي تمثل الملاهي؛ وكان في عهد ارستفنير عادة دينية لا يمكن التحلل منها. والحق أن عضو التذكير ظل رمزاً ملازماً للمهرج في الملهاة حتى القرن الخامس في أوربا الغربية، وحتى آخر أيام الإمبراطورية البيزنطية في أوربا الشرقية (94). وكان يصحب عضو التذكير في الملهاة القديمة ذلك الرقص الفاحش الخليع المعروف برقص الكرداكس (95) Kordax.
ومن أغرب الأشياء أن تحوُّل مرح الإنبات الريفي إلى الملهاة التمثيلية قد حدث أولاً في صقلية. ذلك أن رجلا يدعى سوزريون Susarion من أهل مجارا هبليا Megara Hyblaea القريبة من سرقوسة هو الذي حول موكب الفن الجديد من صقلية إلى البلوبونيز ومنها إلى أتكا. وكان الممثلون المتنقلون، أو الهواة المحليون، يمثلون الملاهي في القرى. ومر قرن كامل قبل أن يعنى ولاة الأمور- على حد قول أرسطاطاليس (97) - بالملهاة عناية جدية فيبيحوا تمثيلها في الأعياد الرسمية (465 ق. م).
ونشأت المأساة- Tragoidia- أو أغنية الماعز- بالطريقة عينها من محاكاة المحتفلين رقصاً وغناءً بعيد ديونيسس، المتشبهين بجنيات الغابات، والمرتدين جلود المعز (98). وقد ظلت هذه المحاكاة جزءاً أساسياً من المسرحيات الديونيسية إلى أيام يوربديز، فكان ينتظر من كل مؤلف لمأساة من ثلاثة فصول أن يراعى
العادة القديمة فيضيف إليها فصلاً رابعاً هو عبارة عن مسرحية قصيرة تعرض فيها جنيات الغاب تكريماً لديونيسس. وفي هذا يقول أرسطاطاليس (99): "وإذ كانت المأساة قد تطورت عن مسرحية جن الغابات فإنها لم ترتفع من الحبكات القصيرة، والعبارات المضحكة، إلى مكانتها الرفيعة الكاملة إلا في زمن متأخر جداً". وما من شك في أن عوامل أخرى كان لها شأن في نشأة المأساة، وأن هذه العوامل قد قويت وظهر أثرها في ذلك الوقت؛ لعلها قد استمدت شيئاً من عبادة الموتى واسترضائهم (100)، ولكن أهم ما استمدت منها منذ نشأتها هو الحفلات الدينية الرمزية كتمثيل مولد زيوس في كريت أو أرجوس أو ساموس، وكزواجه الرمزي بهيرا؛ أو حفلات دمتر وبرسفوني في إليوسيس وغيرها؛ وأهم من هذا كله ما كان يحدث في البلوبونيز وأتكا من حزن ومرح لموت ديونيسس وبعثه، وكان يطلق على هذه المحاكاة اسم Dromena- أي أشياء تعمل، ولفظ دراما Drama ذو صلة بهذا الاسم ومعناه- أو ما يجب أن يكون معناه- "العمل". وقد ظلت فرق الغناء في سكيون حتى أيام الطاغية كليسثنيز تحيي ذكرى "عذاب أدراستوس Adrastus" ملكها القديم. وفي إيكاريا Icaria التي شب فيها ثسبيس كان يضحي بعنز لديونيسس؛ ولعل "أغنية العنز" الذي اشتق منها اسم المأساة اليوناني كانت أغنية تغني حين تقطيع هذا الرمز أو هذا التجسيد للإله الثمل (101). وقصارى القول أن المسرحية اليونانية كالمسرحية الإنجليزية استمدت أصلها من الطقوس الدينية.
ويُرى من هذا أن المسرحية الأثينية، مأساة كانت أو ملهاة، كانت تمثل على أنها جزء من حفلات ديونيسس بإشراف الكهنة في دار التمثيل تسمى باسمه، وعلى يد الممثلين يسمون "الفنانين الديونيسيين". وكان يؤتى بتمثال ديونيسس إلى مكان التمثيل، ويوضع أمام المسرح لكي يستمتع بمشاهدة التمثيل؛ وقبل البدء به يضحى بحيوان للإله. وكان لدار التمثيل ما للمعبد من قداسة. فإذا
ارتكبت فيها جريمة عوقب مقترفها لأنه ارتكب خطيئة دينية أكثر مما ارتكب جريمة مدنية. وكما أن الملهاة كان لها مقام الشرف على مسرح مدينة ديونيسيا، كذلك كان للملهاة المكانة الأولى في الاحتفال بعيد لينيا، ولكن هذا الاحتفال نفسه كان احتفالا ديونيسيا في صبغته. ولعل موضوع التمثيل كان في بادئ الأمر كالعشاء الرباني عند المسيحية، أي عذاب الإله وموته؛ ثم أُذِن للشعراء على توالي الأيام أن يستبدلوا بعذاب الإله عذاب بطل من أبطال الأساطير اليونانية. وربما كانت المأساة في صورتها الأولى مراسم سحرية تهدف إلى الوقاية من المآسي التي تمثلها أو إلى تطهير المستمعين من الشرور تطهيراً أكثر مما يفهم من هذا اللفظ عند أرسطاطاليس؛ وذلك بتمثيل هذه الشرور كأنها قد نشأت وانتهت على المسرح (102). ولقد كانت هذه النشأة الدينية للمأساة اليونانية من الأسباب التي وضعتها في مستوى أرقى من مستوى المأساة الإنجليزية في عصر الملكة إلزبث.
وأضحت فرقة المغنين والراقصين، التي جعلها أريون فرقة من المقلدين والمحاكين، أساس الحركات التمثيلية، وظلت جزءاً أساسياً من المأساة اليونانية حتى آخر مسرحيات يوربديز. وكان الممثلون الأولون يسمون بالراقصين لأنهم جعلوا مسرحياتهم رقصاً جماعياً قبل كل شيء؛ وكانوا في واقع الأمر معلمي رقص (103). ولم يكن هذا التمثيل الرقصي والغنائي الجماعي ليحتاج لأكثر من شيء واحد ليصبح مسرحية بالمعنى الصحيح، ذلك هو وجود ممثل يقابل هذه الجماعة، ويقوم أمامها بأعمال، أو يتحدث إليها بأحاديث. وقد خطرت هذه الفكرة لواحد من معلمي الرقص ومدربي المغنين هو ثسبيس Thespis الإيكارياوي- من أيكاريا Icaria وهي بلدة قريبة من مجارا في البلوبونيز حيث كانت تمثل في كل عام طقوس دمتر، وبرسفوني، وديونيسس زجريزس. وقد انفصل ثسبيس هذا من فرقة الراقصين والمغنين، مدفوعاً إلى هذا من غير شك بتأثير
الأنانية التي تحرك العالم وتعمل على تقدمه، ووضع لنفسه عبارات يقولها بمفرده، وأوجد الفكرة المقابلة والنزاع مع سائر الفرقة، وقدم للتاريخ المسرحية بمعناها الدقيق، وقام بأدوار مختلفة من هذا القبيل أصابه التوفيق فيها تارة والإخفاق تارة أخرى؛ ولما أن مثَّلت فرقته في أثينة غضب صولون أشد الغضب على ما ظنه خداعاً للجمهور، وندد بهذه البدعة الفنية، وسماها فساداً خلقياً (104) - وتلك تهمة طالما اتهم بها التمثيل في كل جيل. وكان بيسستراتس أوسع من صولون خيالاً، وشجع المباريات التمثيلية في عيد ديونيسس، وقد فاز ثسبيس في إحدى هذه المباريات. وتطورت المسرحية في شكلها الجديد تطوراً سريعاً استطاع معه كوريلوس Choerilus بعد جيل واحد أن يمثل مائة وستين مسرحية. ولما أن عاد إسكيلوس، وعادت أثينة، ظافرين من معركة سلاميس بعد خمسين سنة من حياة ثسبيس كان المسرح قد تهيأ لاستقبال العصر المجدي في تاريخ المسرحية اليونانية.
الفصل السادس
نظرة إلى الماضي
إذا عدنا بتفكيرنا إلى الحضارة المتعددة النواحي التي صورنا بعض قممها في الصفحات الماضية، بدأنا ندرك ما كان اليونان يدافعون عنه في مرثون. ذلك أن بحر إيجة يبدو كثول من النخل اليوناني العامل، المتنازع، اليقظ، المبتدع، يستقر معانداً في كل ثغر، وينتقل باقتصاده من الحرث والزرع إلى الصناعة ثم إلى التجارة، ويبتدع كل ذي روعة من الأدب والفلسفة والفن. ومما يثير الدهشة والإعجاب أن تنضج هذه الثقافة الجديدة بهذه السرعة وتنتشر هذا الانتشار الواسع، وأن تضع في القرن السادس جميع الأسس التي قامت عليها أعمال القرن الخامس المجيدة. ولقد كانت هذه الحضارة من بعض نواحيها أجمل وأرق من حضارة عصر بركليز- فقد كانت أرقى منها في شعر الملاحم والشعر الغنائي، ينعشها ويزينها ما كان للنساء من حرية أوسع ونشاط ذهني أعمق مما كان لهن في عصر بركليز. ولقد كان هذا العصر المتقدم أحسن حكماً من بعض الوجوه من العصر المتأخر الذي كان أكثر منه دمقراطية، بل إن أسس الدمقراطية نفسها قد وضعت في ذلك القرن؛ ذلك أنه قبل أن ينتهي كان حكم الطغاة قد علم اليونان من النظام ما يكفي لجعل الحرية اليونانية مستطاعة الوجود.
وكان تحقيق الحكم الذاتي حدثاً جديداً في العالم، لأن الحياة من غير الملوك لم يكن قد جرؤ عليها مجتمع كبير في العالم قبل ذلك الوقت. ونشأ من هذا المعنى الجليل، معنى الاستقلال الفردي والجماعي، حافز قوي لجميع مغامرات اليونان. وكانت حريتهم هي التي ألهمتهم ما أبدعوه في الفنون والآداب،
والعلوم والفلسفة، من روائع لا يكاد يصدقها العقل. ولسنا ننكر أن جزءاً كبيراً من عامة الشعب كان يؤمن بالخرافات، والأوهام، والمعتقدات الخفية الغامضة، والأساطير، ويتعشقها كما يؤمن بها الناس ويتعشقونها على الدوام. ولكن الحياة اليونانية قد أضحت على الرغم من هذا حياة دنيوية إلى حد لم يسبق له مثيل في التاريخ، وانفصلت السياسة، والشرائع، والآداب، والبحوث، واحدة بعد واحدة من السلطة الدينية، وتحررت من سلطانها، وبدأت الفلسفة تفسر العالم والإنسان، جسمه وروحه، تفسيراً مستنداً إلى أسس طبيعية؛ ووضع العلم، الذي يكد يكون له من قبل
(1)
وجود. وقوانينه الأولى الجريئة، فوضعت قواعد الهندسة الإقليدية، وأضحى وضوح التفكير وتنظيمه، وصدقه، المثل الأعلى الذي تنشده أقلية من الرجال هي التي أخرجت العالم من ظلمات الجهل إلى نور العلم. وبذلت جهود جسمية وروحية جبارة للمحافظة على هذه المثل وما تبعثه من آمال، وإنقاذها من أيدي الاستبداد الأجنبي المميت، ومن الضياع في دياجير الغموض والتصوف القديم، فكسبت للحضارة الأوربية ما تستمتع به من ميزة الحرية التي كلفتها الشيء الكثير.
(1)
لعل المؤلف قد نسى ما قاله من قبل عن علوم الأمم القديمة كالمصريين والبابليين أو لعل في قوله "لم يكد" إشارة إلى هذه العلوم. (المترجم).
الباب العاشر
الكفاح في سبيل الحرية
الفصل الأول
مرثون
يقول هيرودوت: "في أثناء حكم دارا وخشيارشاي وأرتخشر لاقت بلاد اليونان من الأهوال ما لم تلقه في العشرين جيلاً السابقة على هذا العهد"(1) وكان لا بد أن يلقى أهلها جزاء نمائهم وتقدمهم. ذلك أن انتشارهم في كل مكان لا بد أن يؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى قيام النزاع بينهم وبين إحدى الدول العظمى. وإذ كان اليونان يتخذون البحر مطية لهم، فقد أنشأوا فيه طريقاً تجارياً يمتد من شاطئ أسبانيا الشرقي غرباً إلى أقصى ثغور البحر الأسود شرقاً. وأخذ الطريق المائي الأوربي - الذي يخترق بلاد اليونان وإيطاليا وصقلية - ينافس الطريق الشرقي البري والبحري - الذي يخترق الهند وفارس وفينيقية - ويفوقه في الأهمية على مر الأيام، ونشأ من هذه المنافسة نزاع شديد لم يخمد أواره قط كان لا بد أن يؤدي إلى ما أدى إليه كل نزاع سابق في تاريخ البشر، ألا وهو الحرب السافرة التي لم تكن معارك لادى Lade، ومرثون، وبلاتية، وهيميرا Hymera، وميكالي Mycale، ويوريمدون Eurymedon، وغرانيقوس، وإسوس، وأربيلا، وكاني، وزاما إلا حادثات منها صغيرة. وانتصر الأوربيون على الشرقيون في هذا الصراع لأسباب عدة، منها أن النقل البحري أقل نفقة من النقل البري،
ومنها أن من القوانين التي تكاد تتحكم في التاريخ أن الشمال الخشن ذا النزعة الحربية، ينتصر دائماً على الجنوب اللين السهل مبدع الفنون.
في عام 512 قبل الميلاد عبر دارا الأول ملك الفرس مضيق البسفور وغزا سكوذيا، ثم زحف غرباً وفتح تراقية ومقدونية، ولم يعد إلى عواصم ملكه إلا بعد أن وسع رقعة إمبراطوريته حتى شملت فارس، وبلاد الأفغان، وشمالي الهند، والتركستان، وأرض الجزيرة، وشمالي بلاد العرب، ومصر، وقبرص، وفلسطين، وسوريا، وآسية الصغرى، وشرقي بحر إيجة وتراقية، ومقدونية. وكانت نتيجة هذه الفتوح أن أعظم الإمبراطوريات التي شهدها العالم حتى ذلك الوقت قد وسعت رقعتها أكثر مما يجب عليها أن توسعها، حتى ضمت إليها فاتحيها في المستقبل وأيقظتهم من سباتهم، ولم يبق من الأمم الكبرى في خارج هذا النظام الشامل من نظم الحكم والتجارة إلا أمة واحدة هي أمة اليونان، التي لم يكد دارا يسمع شيئاً عنها خارج أيونيا قبل عام 510 ق. م؛ وقد سأل مرة عن "الأثينيين - من هم (2)؟ ". وحدث في عام 605 أن قامت ثورة في أثينة انتهت بخلع الطاغية هيباس، ففر إلى المرزبان الفارسي في سرديس وتوسل إليه أن يعينه على استرداد سلطانه، وعرض عليه إذا استرده أن يتولى حكم أتكا من قبل الفرس.
وكان ذلك إغراءً قوياً زاده قوة تحرش مؤقت. ذلك أن المدن اليونانية التي ظلت خاضعة لسلطان الفرس نحو خمسين عاماً ثارت فجأة على ولاتها من قبل الفرس، وطردتهم منها وأعلنت استقلالها. وذهب أرستجراس الميليتي إلى إسبارطة يستمد منها العون، ولكنه لم يفلح في بغيته، فجاء إلى أثينة، وهي المدينة الأصلية التي نشأ منها كثير من المدن الأيونية، ومازال يلح عليها حتى أقنعها بأن ترسل عمارة بحرية مؤلفة من عشرين سفينة لمساعدة الثوار. وكان الأيونيون في هذه الأثناء يعملون بعنف وبغير نظام هما من خصائص اليونان
في كل زمان ومكان، فكانت كل مدينة ثائرة تجيش جيوشها ولكنها تستبقيا تحت قيادة مستقلة. وزحف الجيش الميليتي، ولدى قيادته من الشجاعة أكثر مما لديها من الحكمة، حتى وصل إلى سرديس، وأحرق المدينة العظيمة ودكها دكاً. ونظم الحلف الأيوني أسطولاً متحداً، ولكن سفن ساموس عقدت صلحاً سرياً منفرداً مع المرزبان الفارسي، فلما أن التقت العمارة البحرية الفارسية بالعمارة الأيونية عند لادى في عام 494، ودارت بينهما معركة من أشد المعارك البحرية في التاريخ، انسحبت سفن ساموس الخمسون دون أن تشترك في القتال، وحذت حذوها كثير من أقسام الأسطول الأيوني (3). وهزم الأيونيون هزيمة منكرة، ولم تفق الحضارة الأيونية بعدئذ إفاقة كاملة من هذه الكارثة المادية والروحية. وحاصر الفرس ميليتس، واستولوا عليها، وقتلوا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها، وأعملوا فيها السلب والنهب حتى صارت منذ ذلك اليوم بلدة قليلة الشأن. وبسطو سلطانهم مرة أخرى على أيونيا، وغضب دارا لتدخل أثينة في شئون ملكه، فصمم على فتح بلاد اليونان، وألفت أثينة الصغيرة نفسها، جزاء لها على مساعدتها الكريمة لبناتها من المدن الأيونية، وجهاً لوجه أمام إمبراطورية أكبر مائة مرة من أتكا.
وفي عام 491 خاض أسطول فارسي قوامه ستمائة سفينة بقيادة داتيس Datis عباب بحر إيجة من جزيرة ساموس، ووقف في طريقه ليخضع جزائر سكلديس، ووصل إلى ساحل عوبية يحمل مائتي ألف محارب. واستسلمت عوبية بعد مقاومة قصيرة عبر الفرس بعدها الخليج الذي يفصلها عن أتكا، وعسكر هؤلاء الجنود عند مرثون لأن هبياس قد نصحهم بأن في وسعهم أن يستخدموا في هذا السهل فرسانهم، وهم من هذه الناحية يفوقون اليونان كثيراً (4).
واضطربت بلاد اليونان أشد الاضطراب لهذه الأنباء، ذلك أن الجيوش الفارسية لم تكن قد غلبت قط قبل هذا الغزو، ولم تكن أمة من الأمم قد
استطاعت أن تصد زحف جيوش الإمبراطورية. فهل في مقدور أمة ضعيفة مشتتة، لم تألف من قبل الاتحاد لغرض عام، أن تقف في وجه تيار الغزو الجارف؟ وترددت دول اليونان الشمالية في الوقوف في وجه هذه الجيوش الجرارة، واستعدت إسبارطة استعداداً يشوبه كثير من التردد، وأجازت للخرافات أن تؤخر التعبئة العامة؛ أما بلاتية الصغيرة فلم تتوان عن العمل السريع وبعثت بقسم كبير من أهلها يستحثون السير إلى مرثون. وحرر ملتيادس العبيد في أثينة وضمهم إلى الجيش مع الأحرار، وزحف بهم إلى ميدان القتال من فوق الجبال. ولما التقى الأعداء كان عدد الجيش اليوناني حوالي عشرين ألف مقاتل، أما جيوش الفرس فكانت عدتها في أغلب الظن حوالي مائة ألف (5). ولم يكن الفرس تعوزهم الشجاعة، ولكنهم كانوا يألفون أن يحاربوا فرادي، ولم يكونوا مدربين على أساليب اليونان في الدفاع والهجوم الجماعيين بصفوفهم المتراصة. وجمع اليونان بين النظام والشجاعة. وقد نجوا من الهزيمة الماحقة بالمثل الذي ضربه لهم أرستيديس Aristides إذ نزل عن القيادة لملتيادس، وإن كانوا قد ارتكبوا ذلك الخطأ الشنيع الدال على الحمق وهو توزيع القيادة العليا بين عشرة قواد يتولاها كل واحد يوماً (6). واستطاعت القوة اليونانية الصغيرة بفضل حنكة هذا الجندي القوي الخشن الطباع أن توقع بالجحافل الفارسية الجرارة هزيمة منكرة. ولم تكن هذه المعركة من معارك التاريخ الفاصلة فحسب، بل كانت فوق ذلك من أعظم الانتصارات التي لا يصدقها العقل. وإذا جاز لنا أن نأخذ بأقوال اليونان عنها، فإن الفرس قد خسروا في مرثون 6. 400 من رجالهم، ولم يخسر اليونان إلا 192. ووصل الإسبارطيون إلى الميدان بعد انتهاء المعركة، وندموا على تباطؤهم، وأثنوا على الفائزين.
الفصل الثاني
أرستيديز وثمستكليز
إن سيرة ملتيادس وأرستيديز بعد معركة مرثون لتوضح ما في أخلاق اليونان وما في تاريخهم من مزيج عجيب يجمع بين النبل والقسوة، والمثالية والانحطاط. ولنتحدث أولا عن ملتيادس فنقول إنه قد غره ثناء بلاد اليونان كلها عليه فطلب إلى الأثينيين أن يعدوا أسطولاً من سبعين سفينة يتولى قيادتها هو وحده لا ينازعه في ذلك منازع. ولما أن أعدت السفن سار بها إلى باروس وطلب إلى أهلها مائة وزنة (نحو 600000 ريال أمريكي) وإلا أفناهم عن آخرهم. ولكن الأثينيين استدعوه وفرضوا عليه غرامة قدرها خمسون وزنة، ولما مات بعد استدعائه بقليل أدى الغرامة ابنه سيمون Cimon الذي صار فيما بعد منافس بركليز (8).
وعاش الرجل الذي تخلى لملتيادس عن مكانه في مرثون ونجا من المزالق التي توجد عادة في طريق الظافرين. ذلك أن أرستيديز كان في حياته وأخلاقه إسبارطياً يعيش في أثينة. وقد استحق بخلقه الهادئ الرزين، وبساطته، وتواضعه، وأمانته التي لا تنال منها الأحداث، استحق بهذه الصفات لقب العادل، ولما أن تليت على المسرح العبارة الآتية أثناء تمثيل إحدى مسرحيات إيسكلوس:
"فهو لا يتظاهر بالعدالة ولكن العدالة طبيعة فيه، وهي هدفه في أعماله؛ ومن عقله تتفجر ينابيع الحكمة والفطنة".
لما أن تليت هذه العبارة التفت المستمعون كلهم ناحية أرستيديز، لأنهم رأوا فيه الأنموذج الحي لهذه الصفات (9). ولما أن استولى اليونان على معسكر الفرس في مرثون، ووجدوا في خيامهم ثروة طائلة، عهدوا إلى أرستيديز المحافظة
عليها "فلم يأخذ منها شيئاً لنفسه، ولم يسمح لأحد بأن يغتال منها شيئاً"(10). ولما أن طلب إلى حلفاء أثينة بعد الحرب أن يسهموا في أداء جزية سنوية إلى خزانة الحلف في ديلوس ليستعان بها في الدفاع عن بلاد اليونان عامة، اختير أرستيديز ليقرر ما تؤديه كل مدينة، ولم يعترض أحد على قراراته. لكن إعجاب الناس به كان رغم هذا كله أكثر من حبهم إياه. وكان صديقاً حميماً لكليسثنيز الذي وسع نطاق الدمقراطية إلى حد بعيد، ولكنه كان يرى أنها ذهبت إلى أبعد حد مأمون، وأنه إذا ما زيدت سلطة الجمعية إلى أكثر مما كان لها، أدى ذلك إلى فساد الإدارة وإلى اضطراب النظام. وكان يندد بالفساد أينما وجده، وخلق بذلك لنفسه كثيراً من الأعداء. واتخذ الحزب الدمقراطي الذي يرأسه ثمستكليز نظام نفي عدم المخلصين للحكومة، وكان قد تقرر حديثاً، للتخلص من أرستيديز؛ وفي عام 482 نفي الرجل الوحيد في تاريخ أثينة كله الذي جمع بين الشهرة والأمانة، وكان نفيه في أوج مجده. والعالم كله يعرف القصة التي تقول - وقد تكون هي الأخرى خرافة لا ظل لها من الحقيقة - إن أرستيديز نقش اسمه على اللوحة التي يكتب عليها اسم من يراد نفيه (الأستراكون) حين طلب إليه ذلك رجل أمي لا يعرفه ولكنه لم يعد يطيق سماع لقب العادل يطلق عليه، فحقد عليه لهذا السبب كما يحقد أوساط الناس عادة على العظماء. ولما أن عرف أرستيديز أن الجمعية قررت نفيه قال إنه يرجو ألا يأتي اليوم الذي تذكره (11) فيه أثينة
(1)
.
ولا يسع المؤرخ إلا أن يعترف أن المتصرفين في الشئون العامة في أثينة كانوا يتصفون بما يتصف به رجال الحكم أحياناً من موت الضمير. لقد كان ثمستكليز
(1)
ولعله كان يقول مع الشاعر العربي: سيذكرني قومي إذا جد جدهم، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر (المترجم)
شعلة من الذكاء والمقدرة لا يقل في ذلك عن ألسبيديز الذي عاش في عصر متأخر عنه. ويقول فيه ثوسيديدس (12) وهو المعروف دائماً باعتداله: "إنه خليق بأن نعجب به إعجاباً خارقاً للعادة منقطع النظير". وقد أنقذ أثينة كما أنقذها ملتيادس، ولكنه لم يستطع إنقاذ نفسه؛ وكان في مقدوره أن يقهر إمبراطورية عظيمة، ولكنه لم يكن في وسعه أن يقهر ما في نفسه من شهوة السلطان، "وكان يتلقى بمضض وعدم عناية"، كما يقول بلوتارخ، ما يسدى إليه من النصح لتقويم المعوج من أخلاقه وسلوكه، ولا يقبل أن يعلمه أحد شيئاً من الرقة والمجاملة للناس؛ ولكنه حتى بعد أن تقدمت به السن كان يعني بكل ما يقال له إذا كان يهدف إلى إصلاح عقله، أو يزيد من قدرته على تصريف شئون الدولة، وهو واثق من قدرته الطبيعية في هذه الأمور" (13). وكان من سوء حظ أثينة أن ثمستكليز وأرستيديز قد أحبا معاً فتاة واحدة هي استسلوس الكيوسية Stesilaus of Ceos، وأن ما ولده هذا الحب من حقد كل منهما على الآخر لم يزُل بعد أن زال الجمال الذي أشعل النار في قلبيهما (14). بيد أن ثمستكليز كان هو الذي أعد العدة للنصر في سلاميس وأحرز هذا النصر بما أوتي من همة وفراسة. وكانت موقعة سلاميس أهم الوقائع الحاسمة في تاريخ اليونان كله. ذلك أنه قد أعد منذ عام 493 مشروع إنشاء مرفأ جديد لأثينة في بيريه، وشرع في إنشائه بالفعل. وفي عام 483 أقنع الأثينيين بأن ينزلوا عن نصيبهم في مال كان سيوزع عليهم من محصول مناجم الفضة في لوريوم Laurium، وأن يخصصوا المال لإنشاء مائة سفينة حربية من ذوات الثلاثة صفوف من المجاديف. ولو لم ينشئ الأثينيون هذه السفن لما استطاعوا مقاومة خشيارشاي.
الفصل الثالث
خشيارشاي أو أخشويرش
(1)
توفي دارا الأول في عام 485 وخلفه خشيارشاي الأول. وكان الوالد والولد رجلين يمتازان بالمقدرة العالية والثقافة الرفيعة، ولهذا يخطئ من يظن أن الحرب اليونانية الفارسية كانت نزاعاً بين الحضارة والهمجية. وحسبنا دليلاً على هذا تلك الحادثة التي وقعت حين أرسل دارا رسله إلى أثينة وإسبارطة قبل أن يغزو بلاد اليونان، يطلب إليهما أن ترسلا إليه التراب والماء رمزاً لخضوعهما لسلطانه، فما كان من المدينتين كلتيهما إلا أن قتلتا الرسل. وتوالت نذر الشؤم على إسبارطة فخشيت عاقبة فعلتها، وندمت على خرقها التقاليد الدولية المرعية، وطلبت إلى أهلها أن يتقدم منهم اثنان يذهبان إلى فارس وأن يقبلا أي عقاب يفرضه عليهما الملك العظيم ليكفرا به عن غدر مواطنيهما. وتطوع اسبرثياس Sperthias، وبوليس Bulis من أبناء الأسر الغنية القديمة في المدينة، للقيام بهذه المهمة، وسارا إلى خيمة خشيارشاي "أجابهما جواب الشهم الكريم وقال أنه لا يفعل ما فعله اللسدمونيون، حين قتلوا رسله واعتدوا بعملهم هذا القوانين التي يشترك الناس كلهم في التقيد بها. وإذا كان قد لامهم على فعلهم هذا فإنه لا يفعل مثل ما فعلوه ولا يرتكب من الإثم ما ارتكبوه".
وأخذ خشيارشاي يستعد لهجومه الثاني على اليونان استعداداً كاملاً بطيئاً فقضى أربع سنين يحشد الجند ويجمع العتاد والزاد من جميع الولايات الخاضعة لسلطانه؛ ولما أن بدأ الزحف أخيراً في عام 481 كان جيشه في أغلب الظن
(1)
أوزركسز كما يسميه اليونان.
أكبر جيش حشد في التاريخ كله قبل هذا القرن الذي نعيش فيه. ويقدره هيرودوت تقديراً بعيداً عن الاعتدال فيقول أنه كان مؤلفاً من 2. 641. 000 مقاتل، ومثلهم من المهندسين والأرقاء، والتجار، ورجال التموين والعاهرات. ويقول - ولعله هو نفسه لم يكن مؤمناً بقوله - إن جيش خشيارشاي كان إذا ورد الماء ليشرب جفت أنهار برمتها (16). وكان هذا الجيش بطبيعة الحال خليطاً من أمم مختلفة الأجناس والمشارب، وكان تأليفه على هذا النحو شديد الخطورة عليه. كان فيه فرس، وميديون، وبابليون، وأفغان، وهنود، وبكتريون، وسيجديون، وساكيون، وأشوريون، وأرمن، وكلشيون، وسكوذيون، وبيونيون، وميسيون، وبفلجونيون، وفريجيون، وتراقيون، وتساليون، ولكريون، وبؤوتيون، وإبوليون، وأيونيون، وليديون، وكاريون، وكليكيون، وقيصريون، وفينيقيون، وسوريون، وعرب، ومصريون، وأحباش، وليبيون وأجناس أخرى كثيرة. وكان منهم المشاة، والفرسان، وراكبو العربات، والفيلة، ومعهم أسطول من سفن النقل والسفن الحربية يبلغ عددها حسب رواية هيرودوت ألفا ومائتي سفينة وسبع سفن. ولما قبض الفرس في معسكرهم على جواسيس يونان، وأمر القائد بقتلهم، نقض خشيارشاي أمره وعفا عن الجواسيس، وأمر أن يحرسوا أثناء مرورهم بين قواته، ثم أطلق سراحهم معتقداً أنهم إذا نقلوا إلى أثينة وإسبارطة مدى استعداده، فإن ما بقي من بلاد اليونان سوف يستسلم له (17).
ووصل هذا الجيش العظيم إلى الهلسبنت (الدردنيل) في عام 480 وكان مهندسوه المصريون والفينيقيون قد أقاموا عليه جسراً يعد من أعظم أعمال القدماء الهندسية، وأكثرها إثارة للإعجاب، وإذا جاز لنا مرة أخرى أن نصدق هيرودوت قلنا إن 674 سفينة من ذوات الصفوف الثلاثة من المجاديف، أو من ذوات الخمسين مجدافاً، قد صفت صفين في عرض المضيق، ووجهت كل سفينة عكس التيار، وثبتت في مكانها بهلب ثقيل. ثم مد الصناع حبالاً من الكتان
أو نبات البردي فوق كل صف من السفن من أحد الشاطئين إلى الشاطئ الذي يقابله، وربطوا هذه الحبال في كل سفينة من السفن، وشدوها إلى روافع على البر. وقطعت أشجاراً ونشرت ألواحاً وضعت فوق الحبال وبعكس اتجاهها، وربطت بهذه الحبال كما ربط بعضها ببعض. وغطيت الألواح بالحسك، ثم غطى الحسك بالتراب، ثم عُبَّد هذا كله حتى يكون شبيهاً بالطريق الممهد، وأقيم حاجز على كلا الجانبين يبلغ من الارتفاع حداً يمنع الحيوانات من أن يداخلها الخوف إذا أبصرت البحر (18). لكن كثيراً من الحيوانات والآدميين كان لا بد من ضربها بالسياط قبل أن تجرؤ على اجتيازه. واحتملها الجسر أحسن احتمال، ولم تمض إلا سبع ليال وسبعة أيام حتى كان الجيش كله قد مر عليه بسلام. ورأى أحد الأهلين هذا المنظر العجيب فأيقن أن خشيارشاي هو زيوس بعينه، وسأل كيف يكلف رب الآلهة والبشر نفسه عناء فتح بلاد اليونان الصغيرة، وهو الذي يستطيع أن يدمر هذه الأمة المتعاظمة بصاعقة واحدة (19).
وزحف الجيش سراً مجتازاً تراقية ثم نزل إلى مقدونية وتساليا بينما كان الأسطول الفارسي يلازم الساحل ويتجنب عواصف بحر إيجة بالسير جنوباً مجتازاً قناة حفرها رجال مسخرون، ثم قطع من برزخ جبل أثوس مسافة يبلغ طولها ميلاً وربع ميل. ومن القصص المتواترة أنه كلما أكل الجيش وجبتين حل الخراب التام بالمدينة التي تطعمه. وأنفقت ثاسوس أربعمائة وزنة من الفضة (أي نحو مليون ريال أمريكي) لإطعام جيش خشيارشاي يوماً واحداً (20). واستسلمت مدن اليونان الشمالية الممتدة إلى حدود أتكا إما خوفاً من الغزاة وإما طمعاً في الرشا الضخمة التي كانوا يوزعونها على الأعداء، وانضمت جيوشها إلى جحافل خشيارشاي، ولم تستعد للقتال من مدن الشمال إلا بلاتيا وثسبيا.
الفصل الرابع
سلاميس
كيف نستطيع أن نتصور في هذه الأيام ما استولى على اليونان في الجنوب من هول وفزع حينما اقترب منهم هذا السيل الجارف المتبلبل الألسنة الذي لا يبقي ولا يذر؟ لقد بدا لهم أن مقاومته حمق وجنون، لأن الدول التي ظلت موالية للقضية اليونانية لم يكن في وسعها أن تحشد معشار قوة خشيارشاي؛ وعملت أثينة وإسبارطة للمرة الأولى معاً وتعاونتا معاونة صادقة، وأرسلتا الوفود مسرعة إلى كل مدينة في البلوبونيز تتلمس العتاد والرجال، وأجابتها معظم الدول إلى ما طلبت؛ ولكن أرجوس رفضت الرجاء ورضت بما أصابها من مذلة. وجهزت أثينة أسطولاً اتجه إلى المشال للقاء العمارة الفارسية الضخمة، وأرسلت إسبارطة قوة صغيرة بقيادة الملك ليونداس لتعطل تقدم خشيارشاي عند ترموبيلي. والتقى الأسطولان عند أرتمزيوم Artimisium بالقرب من ساحل عوبية الشمالي. ولما رأى قواد الأسطول اليوناني ضخامة الأسطول الفارسي فكروا في الانسحاب، ولكن العوبيين خشوا أن ينزل الفرس في بلادهم، فأرسلوا إلى ثمستكليز قائد القسم الأثيني رشوة قدرها ثلاثون وزنة (نحو 18. 000 ريال أمريكي) على شريطة أن يقنع قواد اليونان بقتال الأعداء. ونجح ثمستكليز في إقناعهم بعد أن اقتسم المال معهم (21). ثم هداه ما يمتاز به من دهاء إلى وسيلة أخرى ظن فيها فائدة، فأرسل بعض البحارة لينقشوا على الصخور رسائل إلى اليونان المنضمين إلى الأسطول الفارسي يرجونهم فيها أن يفروا من هذا الأسطول، فإن كبر عليهم هذا فلا أقل من أن يمتنعوا عن قتال أهلهم وبلادهم. وكان يأمل أن يتأثر الأيونيون بهذه الرسائل إذا رأوها، وألا يجرؤ خشيارشاي إذا قرأها وأدرك معناها على استخدام
الهيلينيين في المعركة. ودار القتال بين الأسطولين المتعاديين طوال النهار، فلما جن الليل وقف القتال قبل أن يعقد لواء النصر لأحد الفريقين، وارتد اليونان إلى أرتمزيوم والفرس إلى أفيتي Aphetae. وإذا ما ذكرنا اختلاف القوتين في عدد السفن رأينا أن اليونان كانوا على حق حسبوا نتيجة المعركة نصراً لهم على أعدائهم. ولما جاءتهم الأنباء بكارثة ترموبيلي أبحر الجزء الباقي من الأسطول اليوناني نحو الجنوب إلى سلاميس ليصعد الغزاة عن أثينة.
وكان في هذه الأثناء قد غلب على أمره عند "الأبواب الحارة" رغم ما أبداه من المقاومة الشديدة التي تعد أروع مقاومة في التاريخ كله. ولم ينتصر عليه أعداؤه بفضل شجاعتهم، بل انتصروا عليه بخيانة اليونان أنفسهم. ذلك أن بعض اليونان من أهل تراكيس Trachis لم يكتفوا بأن يدلوا خشيارشاي على طريق ملتو طويل فوق الجبال، بل فعلوا ما هو أدهى من ذلك وأمر، إذ قادوا الجيش الفارسي من هذا الطريق ليهاجموا الإسبارطيين من الخلف. وقتل في المعركة التي نشبت وقتئذ ليوندارس والثلاثمائة الكبار الذين كانوا معه إلا رجلين؛ ونقول الكبار لأنه لم يختر معه إلا من كان لهم أبناء حتى لا يكون موتهم سبباً في انقراض أية أسرة إسبارطية. أما الرجلان اللذان لم يقتلا فقد سقط أحدهما في معركة بلاتية، وشنق الثاني نفسه اعتقادا منه أن نجاته تجلله العار (22). ويؤكد المؤرخون اليونان أن الفرس خسروا في المعركة عشرين ألفاً، وأن خسارة اليونان لم تزد على ثلاثمائة (23). وكتب على قبر أولئك الأبطال تلك القبرية الذائعة الصيت:"اذهب أيها الغريب ونبئ السدمونيين أنا نحيا هنا إطاعة لشرائعهم (24) ".
ولما عرف الأثينيون أنه لم يبق بين الفرس ما يصدهم عن أثينة أعلنوا في المدينة أن من واجب كل أثيني أن يعمل على نجاة أسرته بخير وسيلة يراها. فمنهم من فر إلى إيجينا، ومنهم من فر إلى سلاميس، ومنهم من خرج إلى تروزين Troezen،
وانضم بعض الرجال إلى بحارة الأسطول العائد من أرتمزيوم. ويصور لنا بلوتارخ (25) صورة رائعة مؤثرة للحيوانات المستأنسة في المدينة وهي تسير خلف أصحابها إلى شاطئ البحر، حتى إذا ما امتلأت السفن بالرجال ولم يبق فيها مكان للحيوانات ملأت الجو بأصواتها. وكان من بينها كلب يملكه زانثبوس Xanthippus والد بركليز، قفز إلى البحر وأخذ يسبح إلى جانب السفينة حتى إذا ما وصل إلى سلاميس مات من فرط الإعياء (26). وفي وسعنا أن ندرك ما كان يسود تلك الأيام من اهتياج وانفعال، حين نذكر أن رجلاً من الأثينيين وقف في الجمعية الوطنية يشير بالاستسلام، فما كان من مواطنيه إلا أن قتلوه في التو والساعة، وأن جماعة من النساء ذهبن إلى بيته ورجمن زوجته وأطفاله بالحجارة حتى هلكوا (27). ولما أقبل خشيارشاي على المدينة ألفاها خاوية على عروشها أو تكاد، فأعمل فيها السلب والنهب وأشعل فيها النار.
وبعد قليل دخل الأسطول الفارسي المؤلف من اثنتي عشرة سفينة خليج سلاميس، واستعدت للقائه ثلاثمائة سفينة يونانية من ذات الصفوف الثلاثة من المجدفين، وكانت لا تزال ألويتها معقودة لقواد مختلفين، وكانت كثرة هؤلاء القواد تعارض في المخاطرة بالاشتباك مع الأسطول الفارسي في معركة فاصلة. وأراد ثمستكليز أن يضطر اليونان إلى القتال اضطراراً، فلجأ إلى حيلة لو أنها انتهت بفوز الفرس لكان جزاؤه الموت لا محالة. ذلك أنه أرسل إلى خشيارشاي عبداً يتق به يقول له إن اليونان يعتزمون الفرار في أثناء الليل، وأن الفرس لا يستطيعون منع هذا الفرار إلا إذا أحاطوا بالأسطول اليوناني؛ وعمل خشيارشاي بالنصيحة. ووجد اليونان في صباح اليوم الثاني أن المسالك كلها قد سدت في وجوههم، فلم يروا بداً من القتال. وجلس خشيارشاي في أبهة وجلال يرقب سير القتال، ويدون أسماء من يبدون من رجاله شجاعة ممتازة. وانتهت
الواقعة بفوز اليونان بفضل براعتهم في أساليب الكر والفر في ركوب البحار وبسبب ما أحدثه في صفوفهم من الخلل والاضطراب اختلاف اللغات والعقول، وكثرة ما لديهم من السفن التي عاقتهم عن سرعة الحركة. ويقول ديودور إن الغزاة خسروا مائتي سفينة مقابل أربعين خسرها المدافعون، ولكننا لا نعرف ما يقوله الفرس أنفسهم عن النتيجة. ولم يقتل من اليونان إلا عدد قليل حتى من رجال السفن التي خسروها؛ فقد كانوا كلهم بارعين في السباحة، ولذلك خاضوا الماء حتى وصلوا إلى البر حينما غرقت سفائنهم (28). وفرت المراكب الباقية من الأسطول الفارسي إلى مضيق الهلسبنت (الدردنيل)، وأرسل الداهية ثمستكليز عبده مرة أخرى إلى خشيارشاي ليقول له أنه قد أقنع اليونان بعدم اقتفاء أثر الأسطول الفارسي. وترك خشيارشاي ثلاثمائة ألف من رجاله بقيادة مردنيوس، وعاد مع بقية الجيش ذليلاً كسير القلب إلى سرديس، فوصلها بعد أن مات في الطريق جزء كبير من قوته بالأوبئة والزخار.
وفي العام الذي انتصر فيه اليونان في سلاميس، نشب القتال بين يونان صقلية والقرطاجيين في هيميرا Himera- وقد يكون ذلك في نفس اليوم الذي دارت فيه رحى القتال في سلاميس (23 سبتمبر سنة 480 ق. م) إذا صدقنا ما يقوله اليونان أنفسهم. ولسنا نعرف هل كان فينيقيو إفريقية يعملون بالاتفاق مع من كانوا يؤيدون منهم خشيارشاي ومن أمدوا سفنه بكثير من الرجال؛ وربما كان من المصادفات المحضة أن يجد اليونان أنفسهم يهاجمهم أعداؤهم من الشرق ومن الغرب في وقت واحد (29). وتقول الرواية المتواترة أن هملكار قائد العمارة القرطاجية وصل إلى بنورموس Panormus على رأس ثلاثة آلاف سفينة وثلاثمائة جندي، ومنها سار لمحاصرة هيميرا، وهناك قابله جيلون Gelon السرقوسي ومعه خمسة وخمسون ألف مقاتل. ووقف هملكار بعيداً عن مكان المعركة كعادة قواد الفينيقيين، وأخذ يحرق القرابين للآلهة ورحى الحرب دائرة،
ولما تبين أنه مهزوم لا محالة، ألقى بنفسه في النار. وأقيم له قبر في تلك البقعة نفسها، وفيها قتل حفيده هملكون Himilcon بعد سبعين عاماً من ذلك الوقت ثلاثة آلاف يوناني انتقاماً منهم لجده (30).
وبعد عام واحد (أغسطس سنة 479) تم تحرير بلاد اليونان على أثر معركتين إحداهما بحرية والأخرى برية حدثتا في وقت واحد تقريباً. ذلك أن جيش مردنيوس- وكان يعيش مطمئناً من خيرات البلاد- كان قد ضرب خيامه قرب بلاتيه في سهول بؤوتية. وهناك اشتبكت معه قوة يونانية قوامها 000 ر 110 رجل بقيادة بوزنياس ملك إسبارطة، بعد أن ظلت أسبوعين في انتظار فأل طيب يبشر بالنصر. ودارت بينهما معركة كانت أعظم المعارك البرية في هذه الحرب. ولم يكن الجنود الأجانب في جيش الفرس متحمسين للقتال، وما كادوا يرون الفرقة الفارسية التي تلقت الضربة الأولى من ضربات المهاجمين تتزلزل أقدامها، حتى ولوا الأدبار. وانتصر اليونان على الفرس انتصاراً مؤزراً لم يخسروا فيه (حسب أقوال مؤرخيهم) سوى 159 رجلاً، بينما كان عدد القتلى من الجيش الفارسي 000 ر 260
(1)
. وفي اليوم نفسه- كما يؤكد اليونان- التقت عمارة بحرية يونانية بقسم من الأسطول الفارسي أمام شاطئ ميكالي وسط الجزائر الأيونية كلها وملتقى مسالكها، ونشبت بين الأسطولين معركة تحطم فيها الأسطول الفارسي، وتحررت المدن الأيونية من نير الفرس، واستعاد اليونان سيطرتهم على الهلسبنت والبسفور، كما استعادوا هذه السيطرة من طروادة قبل ذلك الوقت بسبعمائة عام.
(1)
لا حاجة إلى القول بأن هذه الأرقام التي يذكرها هيرودوت إنما أملتها عليه فورة من فورات الخيال الوطني. وحاول بلوتارخ أن يكون نزيهاً في إيراده للحوادث فرفع خسارة اليونان إلى 1360، ونزل ديودور الصقلي- وهو الرجل الكريم على الدوام فيما يذكر من الأرقام- بخسارة الفرس إلى 000 ر 100. ولكن بلوتارخ وديودور نفسهما كانا من اليونان.
لقد كانت الحرب اليونانية الفارسية أهم حوادث الصراع في تاريخ أوربا، ولولاها لما قامت لأوربا قائمة. فهي التي أتاحت للحضارة الأوربية الفرصة التي أمكنتها من أن تثبت قواعد حياتها الاقتصادية لا تبهظ كاهلها جزية أو ضرائب أجنبية، وأن تنمي نظمها السياسية، محررة من سيطرة ملوك الشرق. وبفضلها شقت بلاد اليونان لنفسها الطريق لأولى التجارب العظيمة في الحرية، وحفظت العقل اليوناني ثلاثمائة عام كاملة من تصوف الشرق الموهن ومذاهبه الباطنية، وضمنت للمغامرات اليونانية حرية البحار. ونهض الأسطول الأثنيني أو جزؤه الذي بقى بعد معركة سلاميس ففتح جميع مرافئ البحر الأبيض المتوسط للتجارة اليونانية؛ وهذا التوسع التجاري الذي أصبح بهذه الطريقة ميسراً مأموناً، أمد أثينة بالثروة التي أمكنتها من أن تتفرغ لنشاطها الثقافي في عصر بركليز. يضاف إلى هذا أن انتصار هيلاس الصغيرة على جيوش الفرس الجرارة قد بعث العزة في نفس أهلها وسما بروحهم المعنوية، فأحسوا بأن الداعي يدعوهم للقيام بجلائل الأعمال اعترافاً منهم بالنعمة التي أنعم عليهم بها. وهكذا دخلت اليونان بعد مئات السنين من الاستعداد والتضحية في عصرها الذهبي المجيد.