الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث:
قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول:
قواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني المبحث الثاني:
قواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير المبحث الثالث:
قواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب
المبحث الأول:
قواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني وفيه ثمانية عشر مطلبا:
المطلب الأول: قاعدة: كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو ردّ على قائله.
المطلب الثاني: قاعدة: ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه.
المطلب الثالث: قاعدة: يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر.
المطلب الرابع: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة.
المطلب الخامس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية.
المطلب السادس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالي - قدمت العرفية.
المطلب السابع: قاعدة: القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار.
المطلب الثامن: قاعدة: القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير.
المطلب التاسع: قاعدة: لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح.
المطلب العاشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى.
المطلب الحادي عشر: قاعدة: حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف.
المطلب الثاني عشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى.
المطلب الثالث عشر: قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا، فإنه يحمل على إفراده.
المطلب الرابع عشر: قاعدة: القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية.
المطلب الخامس عشر: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص.
المطلب السادس عشر: قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
المطلب السابع عشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه.
المطلب الثامن عشر: قاعدة: الأصل في الأوامر أنها للوجوب. وفي النواهي أنها للتحريم.
المطلب الأول:
قاعدة: كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو رد على قائله
*
صورة القاعدة:
كل تفسير خرج بمعاني كتاب الله عما تدل عليه ألفاظه وسياقه، ولم يدل اللفظ على هذا المعنى بأيّ نوع من أنواع الدلالة: مطابقة، أو تضمنا، أو التزاما، أو مفهوما موافقا، أو مفهوما مخالفا، فهو مردود على قائله؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة كان ضربا من التخرص، والقرمطة، والتلاعب بكتاب الله - تعالى -، لا تقره لغة، ولا يرضاه دين، ولا عقل، وليس من تفسير كلام الله في شيء.
فبالألفاظ يكون التخاطب والإفصاح عن المراد، والألفاظ قوالب المعاني، فإلغاء دلالاتها إبطال للغة التخاطب وفائدته.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
قولي: «دلالة ألفاظ الآية» .
دلالة اللفظ هي: ما ينصرف إليه هذا اللفظ في الذهن من معنى مدرك أو محسوس، والتلازم بين الكلمة ودلالتها أمر لا بد منه في اللغة ليتم التفاهم بين الناس
(1)
، وإنما جعلت الألفاظ أدلّة يستدل بها على مراد المتكلم
(2)
.
قولي: «دلالة» حتى لا يقصر التفسير المقبول على التفسير بالمطابق، فيدخل بهذا، التفسير باللازم، سواء قيل دلالة اللازم لفظية أو عقلية، فمعنى اللازم ليس من
(1)
الترادف في اللغة لحاكم لعيبي ص 13.
(2)
أعلام الموقعين (1/ 218)، وانظر الخصائص (3/ 100)، والموافقات (2/ 87).
الألفاظ، وإنما هو أمر خارج عن اللفظ دلّ عليه اللفظ
(1)
، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدّر عدم هذا الانتقال الذهني لما كان ذلك اللازم مفهوما
(2)
.
وقولي: «ألفاظ» أدخل الدلالة اللفظية الوضعية، وهي: كون اللفظ إذا أطلق فهم من إطلاقه ما وضع له
(3)
، فشمل دلالات المطابقة والتضمن، ودلالة الالتزام، ومفهوم الموافقة على الصحيح
(4)
.
وأخرج الدلالات غير اللفظية، وهي: الدلالة الوضعية كدلالة السبب على المسبب، والدلالة العقلية كدلالة الأثر على المؤثر
(5)
.
وقولي: «وسياقها» قيد هام في إدخال مفهوم المخالفة، فإنه لا يفهم من اللفظ المفرد، بل يفهم من النظم والتركيب.
ومثله على الصحيح دلالة مفهوم الموافقة لفظية فهمت من السياق والقرائن المفيدة للدلالة على المعنى الحقيقي لا المانعة من إرادته
(6)
(،**).
(1)
شرح الكوكب (3/ 474).
(2)
الإحكام للآمدي (1/ 36).
(3)
شرح الكوكب (1/ 126).
(4)
انظر شرح الكوكب (3/ 483).
(5)
شرح الكوكب (1/ 125).
(6)
شرح الكوكب (3/ 484).
(**)) قد اهتم الأصوليون، واللغويون ببيان طرق دلالة اللفظ على المعنى، فعقد ابن جني في خصائصه (3/ 98) بابا قال فيه:«باب في الدلالة اللفظية، والصناعية، والمعنوية» وشرع في بيان هذه الدلالات وأمثلتها من العربية، وكذا اعتنى بها الأصوليون عناية فائقة، وسبب ذلك أن بحثهم فيها كان لاستنباط المعاني والأحكام من النصوص الشرعية، وخلاصة ما قالوا: إن دلالة اللفظ على الحكم تنقسم إلى قسمين: دلالة منطوق، ودلالة مفهوم.
فدلالة المنطوق هي: ما دل عليه لفظ في محل نطق.
وتنقسم إلى مطابقة، وتضمن، والتزام فدلالة المطابقة هي: فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى. -
قولي: «فهو ردّ على قائله» هذا حكم التفسير الموصوف سابقا.
وردّه يقتضي حصر الصواب فيما سواه.
وهذا الحكم أخرج الترجيح بتقديم الأولى، والترجيح بتضعيف بعض الأقوال؛ لأنه لا يوجب ردّها، واطراح حكمها.
***
*
أدلة القاعدة:
1 -
منها أن الله - تعالى - هدد وتوعد الذين يلحدون في آياته - تعالى - بأنه عالم محيط بهم، وأنه سيجزيهم على ذلك العقوبة والنكال، فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ} [فصلت: 40] والإلحاد في آيات الله: أن يوضع الكلام على غير موضعه، قاله ابن عباس
(1)
رضي الله عنهما.
(**)) - ودلالة التضمن هي: فهم السامع من كلام المتكلم جزء المسمى.
ودلالة الالتزام هي: فهم السامع من كلام المتكلم لازم المسمى البيّن، وهو اللازم له في الذهن.
وأمّا دلالة المفهوم فهي: ما دل عليه لفظ لا في محل نطق.
وهي تنقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
فمفهوم الموافقة هو: ما كان حكم المسكوت عنه موافقا لحكم المنطوق.
ومفهوم المخالفة هو: ما كان حكم المسكوت عنه مخالفا لحكم المنطوق.
وفي بعض هذه المفاهيم خلاف بين العلماء، وللحنفية تقسيم آخر، وليس هذا مجال بسط الخلاف في هذه الدلالات، وهي مبسوطة في مظانها من كتب الأصول، انظر العدة لأبي يعلى (1/ 152)، و (4/ 1333)، والبرهان للجويني (1/ 312)، والمحصول (1/ 299/1)، و (1/ 318/1)، وروضة الناظر (1/ 50)، و (2/ 197)، والإحكام للآمدي (1/ 36) و (3/ 71) وشرح تنقيح الفصول ص 23 - 24، وص 270، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي (1/ 171)، وشرح الكوكب (1/ 125)، (3/ 473) ومذكرة الشنقيطي ص 282، وتفسير النصوص (1/ 591) وغيرها من كتب الأصول.
(1)
أخرجه عنه الطبري في جامع البيان (24/ 123)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (7/ 330) إلى ابن أبي حاتم، وذكره عن مجاهد وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن هذا القرآن كلام الله عز وجل فضعوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم. اه
(1)
، فتفسير الآية بغير ما تدل عليه ألفاظها وضع للكلام في غير موضعه، وتحريف له عن مواضعه؛ فهو من الإلحاد في آيات الله - تعالى -.
قال السيوطي - بعد أن ذكر تفسير ابن عباس السابق -: ففيه الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ، كما يفعله الباطنية، والاتحادية
(2)
، والملاحدة
(3)
، وغلاة المتصوفة. اه
(4)
.
2 -
ومنها ذم الله - تعالى - لليهود الذين وصفهم بتحريف الكلم عن مواضعه فقال تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ} [النساء: 46]، وقال تعالى:{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] وقال تعالى: {سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ} [المائدة: 41].
قال الحافظ ابن كثير - في قوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ} -: أي:
فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل. اه
(5)
.
(1)
أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص 46، وذكره السيوطي في الدر المنثور (7/ 330) وعزاه له.
(2)
الاتحادية: من غلاة فرق الصوفية القائلين بوحدة الوجود، أي: أن الله - تعالى وتقدس - اتحد بخلقه فكان الخالق هو عين المخلوق، وأول من فتح باب القول بوحدة الوجود الحلاج، وتبعه ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وغيرهم، وكفر هؤلاء أعظم من كفر النصارى.
انظر الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد للشوكاني، والمعجم الفلسفي ص 2.
(3)
الملاحدة: جمع ملحد، والإلحاد هو: الميل عن الحق، ويطلق على كل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وينكر مسلّمات العقائد، أو من لا يؤمن بأي إله، فهم ينكرون جميع الأديان.
انظر الكليات ص 490، والمعجم الفلسفي ص 192.
(4)
الإكليل في استنباط التنزيل ص 229، وانظر محاسن التأويل (14/ 5211).
(5)
تفسير القرآن العظيم (3/ 62)، وانظر (3/ 105) منه.
وقال - أيضا -: أي: يتأولون على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل قصدا منهم وافتراء. اه
(1)
.
فمن أعرض عن تفسير كتاب الله بما تدل عليه ألفاظه وسياقاته فهو بهذا الذم أولى، وبذلك الوصف أحرى.
3 -
ومنها خبر الله عن كتابه بأنه عربي فقال: {إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا}
[يوسف: 2] وقال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (195)[الشعراء: 193 - 195] وقال تعالى: {وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها} [الشورى: 7]، ونحوها من الآيات.
قال الإمام الشافعي - بعد أن ساق الآيات السابقة ونظائرها -: فأقام حجّته بأن كتابه عربيّ، في كل آية ذكرناها، ثم أكّد ذلك بأن نفى عنه - جل ثناؤه - كلّ لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه: فقال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (103)[النحل: 103] وقال: {وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44]
(2)
.
إذا تقرر هذا فسبيل معرفة معانيه هو هذا اللسان الذي به نزل، فمن أراد فهم القرآن وتفسيره فمن هذه الجهة؛ إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية، كما قرر ذلك أئمة الإسلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس كل معنى صحيح يفسر به اللفظ لمجرد مناسبة، كالمناسبة التي بين الرؤيا والتعبير، وإن كانت خارجة عن وجوه دلالة اللفظ، كما تفعله القرامطة والباطنية؛ إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية، فلا بد أن يكون اللفظ مستعملا في ذلك المعنى بحيث قد دل على المعنى به، لا يكتفي في ذلك بمجرد أن
(1)
تفسير القرآن العظيم (2/ 284).
(2)
الرسالة ص 47.
يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى؛ إذا الألفاظ التي يصلح وضعها للمعاني ولم توضع لها لا يحصي عددها إلا الله. اه
(1)
.
وقال الإمام الشاطبي: كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل. اه
(2)
.
وقال في موضع آخر: فمن أراد تفهم القرآن فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة. اه
(3)
.
فيجب أن لا يحمل القرآن إلا على المعاني التي تدل عليها الألفاظ المفردة، والأساليب المركبة بأيّ نوع من أنواع الدلالة - على تفاوت في تقديم بعضها على بعض - سواء أكانت قطعية أم ظنية، وعلى هذا كافة تفاسير السلف الصالح، وأهل العلم والإيمان من هذه الأمة، كلّها جارية على ما تقضي به العربية في مدلولات ألفاظها، وما تدل عليه أدلة الشريعة، على عكس التفسير الباطني فكل ذلك مفقود فيه.
قال الإمام الشاطبي: وما نقل من فهم السلف الصالح في القرآن، فإنه كله جار على ما تقضي به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية. اه
(4)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد المسلّمة عند أهل العلم من سلف هذه الأمة، ومن تبعهم بإحسان، إذ جميع تفاسيرهم جارية وفق دلالات ألفاظ القرآن، ولم يخرج منها شيء عن ذلك.
(1)
مجموع الفتاوى (2/ 27).
(2)
الموافقات (3/ 391).
(3)
الموافقات (2/ 64)، وانظر (3/ 394) منها.
(4)
الموافقات (3/ 404).
فهم جميعا بهذا معتمدون لهذه القاعدة، وأقوالهم في إبطال تفاسير الباطنية التي أخرجت الألفاظ عن مدلولاتها كثيرة - سيأتي بعضها في الأمثلة إن شاء الله - تعالى -. ولم يعرض عن هذه القاعدة إلا الباطنية - قبحهم الله -؛ فلذلك سأكتفي هنا بذكر مقالتين لإمامين جليلين من أئمة الإسلام، اختصارا، واستغناء بما ظهر واشتهر من اعتماد مضمون هذه القاعدة.
أحدهما: شيخ الإسلام ابن تيمية.
فقد قعّد هذه القاعدة، وقررها أتم تقرير، وأصاب المحز في بيان وجه مخالفة المخالفين لها.
فقال رحمه الله: وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف، وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين - حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان
- «إحداهما» قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، و «الثانية» قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزلة عليه، والمخاطب به.
ف «الأولون» راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان
وهم «صنفان» تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول
…
-[وهؤلاء]- عمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم
ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم:{تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] هما أبو بكر وعمر، و {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] أي: بين أبي بكر وعلي في الخلافة
وأعجب من ذلك قول بعضهم: {وَالتِّينِ} أبو بكر {وَالزَّيْتُونِ} (1) عمر {وَطُورِ سِينِينَ} (2) عثمان {وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (3) علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص. اه
(1)
.
والآخر أبو حيان الأندلسي: قال - في مقدمة تفسيره - وربما ألممت بشيء من كلام الصوفية مما فيه بعض مناسبة لمدلول اللفظ، وتجنبت كثيرا، من أقاويلهم، ومعانيهم التي يحمّلونها الألفاظ، وتركت أقوال الملحدين الباطنية المخرجين الألفاظ القريبة عن مدلولاتها في اللغة إلى هذيان افتروه على الله - تعالى -، وعلى عليّ - كرم الله وجهه - وعلى ذريته، ويسمونه علم التأويل، وقد وقفت على تفسير لبعض رؤوسهم، وهو تفسير عجيب يذكر فيه أقاويل السلف مزدريا عليهم وذاكرا أنه ما جهل مقالاتهم، ثم يفسر هو الآية على شيء لا يكاد يخطر في ذهن عاقل، ويزعم أن ذلك هو المراد من هذه الآية وهذه الطائفة لا يلتفت إليها، وقد رد أئمة المسلمين عليهم أقاويلهم وذلك مقرر في علم أصول الدين، نسأل الله السلامة في عقولنا وأدياننا وأبداننا. اه
(2)
.
***
(1)
مجموع الفتاوى (13/ 355 - 360) مختصرا. وانظر تطبيقه للقاعدة في الترجيح على سبيل المثال في درء تعارض العقل والنقل (1/ 316)، ومجموع الفتاوى (5/ 550).
(2)
البحر المحيط (1/ 13)، وانظر مثلا تطبيقه هذه القاعدة (1/ 34، 48، 49، 53)، و (10/ 415) منه.
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد العظيمة التي ترد كل قول لم تدل عليه ألفاظ الآية الكريمة منطوقا أو مفهوما.
ومن التفاسير التي تعمل فيها هذه القاعدة:
أولا: تأويلات الباطنية قاطبة.
ثانيا: تأويلات دعاة التجديد، والشطط في التفسير العلمي التجريبي.
أولا: التفسير الباطني:
1 - التفسير الباطني عند الرافضة:
من أمثله ذلك قول مفسرهم في تفسير قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] قال: الغسل عند لقاء كل إمام. اه
(1)
.
ومنها - أيضا - قول مفسرهم عند قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (3)[التين: 1 - 3].
قال: {وَالتِّينِ} رسول الله صلى الله عليه وسلم، و {وَالزَّيْتُونِ} (1) أمير المؤمنين عليه السلام، و {وَطُورِ سِينِينَ} (2) الحسن والحسين، و {وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (3) الأئمة عليهم السلام
(2)
. اه وكتبهم مليئة بمثل هذه الخرافات والبهتان على كتاب الله
(3)
، فما علاقة هذه الألفاظ بتلك المعاني المدّعاة؟!! منكر من القول وزور.
(1)
تفسير الميزان (8/ 95).
(2)
تفسير نور الثقلين (5/ 606).
(3)
كتفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار للكازراني، وتفسير الحسن العسكري، والصافي في تفسير القرآن لمحسن الكاشي، وتفسير العياشي، وتفسير فرات الكوفي، ونور الثقلين للحويزي، وتفسير الميزان للطباطبائي وغيرها كثير، وقد اعتمدت في نقولي عنهم على الأخيرين.
وقد نقل بعض أهل السنة بعض أقوالهم وردّوها عليهم، انظر على سبيل المثال الموافقات للشاطبي (3/ 394) وما بعدها، ومجموع فتاوى ابن تيمية (5/ 550) و (13/ 237 - 240 - 357 - 361) وانظر المحرر الوجيز (10/ 184 - 208)، وغيرها كثير
2 - التفسير الباطني عند الصوفية:
من أمثلته ما جاء عنهم في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (126)[البقرة: 126].
قال مفسرهم: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا} الصدر الذي هو حرم القلب {بَلَداً آمِناً} من استيلاء صفات النفس، واغتيال العدو للعين، وتخطّف جن القوى البدنية، أهله {وَارْزُقْ أَهْلَهُ} من ثمرات معارف الروح، أو حكمه وأنواره {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} من وحّد الله منهم وعلم المعاد، {قالَ وَمَنْ كَفَرَ}
أي: ومن احتجب أيضا من الذين سكنوا الصدر، ولا يجاوزون حدّه بالترقي إلى مقام العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر، {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} من المعاني العقلية، والمعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح على قدر ما تعيشوا به. اه
(1)
.
وقال آخر في تفسير قوله تعالى: {وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36].
قال:
…
وأما باطنها فالجار ذو القربى هو القلب، والجار الجنب هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو الجوارح المطيعة لله، هذا باطن الآية. اه
(2)
.
قال الإمام الشاطبي: - معلقا على كلام التستري
(3)
السابق -: وهو من المواضع المشكلة في كلامه، ولغيره مثل ذلك أيضا؛ وذلك أن الجاري على مفهوم كلام العرب في هذا الخطاب ما هو الظاهر، من أن المراد بالجار ذي القربي وما ذكر معه ما يفهم
(1)
تفسير القرآن لابن عربي (1/ 84).
(2)
من كلام سهل بن عبد الله التستري في تفسيره ص 30.
(3)
هو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري أبو محمد الصوفي الزاهد، روى عنه أبو نعيم قوله: أصولنا ستة، التمسك بالقرآن، الاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكفّ الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق، له كتاب في التفسير، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين. سير أعلام النبلاء (13/ 330).
منه ابتداء، وغير ذلك لا يعرفه العرب، لا من آمن، ولا من كفر، والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثله، أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفا لنقل؛ لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، ولا أيضا ثمّ دليل يدل على صحة هذا التفسير، لا من مساق الآية - فإنه ينافيه -، ولا من خارج.
إذ لا دليل عليه كذلك، بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن من كلام الباطنية، ومن أشبههم
…
وهذا كله إن صح نقله، خارج عن ما تفهمه العرب، ودعوى ما لا دليل عليه في مراد الله بكلامه
(1)
.
وهكذا كل تفسير باطني فهو مردود بهذه القاعدة، فلا يقبل تفسير لا تدل عليه ألفاظ القرآن الكريم بدلالاتها؛ فالألفاظ قوالب المعاني، فهي التي تدل على المعنى، ومتى حاول المفسر للقرآن إلغاء ألفاظه ومدلولاتها، وفسّره بما هو خارج عن ألفاظه، وعما تدل عليه، ألغي تفسيره وردّ عليه.
واقتصرت على ذكر هؤلاء من الباطنية وهم كثر؛ لأنهم هم الذين أفردوا التفسير بالتأليف - على قصور علمي -، وأما غيرهم فحرفوا آيات معينة ولا يوجد لهم تفسير للقرآن كامل، وقد سبق في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه» شيء من تأويلاتهم
(2)
.
والله المستعان هو حسبي ونعم الوكيل.
(1)
الموافقات (3/ 402 - 403).
(2)
وأمثلة هذا كثير جدا، فقد ألفوا كتبا على طرائقهم في فهم نصوص القرآن سواء أكانت من باب الإشارات الاعتبارية، أم من باب قرمطة الباطنية، ومن كتبهم «حقائق التفسير» لأبي عبد الرحمن السلمي، و «تفسير القرآن العظيم» لسهل التستري و «تفسير القرآن» المنسوب لابن عربي، و «لطائف الإشارات» للقشيري وغيرها.
وانظر مزيدا من الأمثلة في تفسير التستري ص 11، 16، 17، 27، 70، 74. -
ثانيا: تأويلات دعاة التجديد، والشطط في التفسير العلمي التجريبي:
من أمثله ذلك ما قاله صاحب «الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن»
(1)
عند تفسير قوله تعالى: {وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها} [الأنبياء: 79 - 81]، «يسبحن» يعبر عما تظهره الجبال من المعادن التي كان يسخرها داود في صناعته الحربية، «الطير» يطلق على ذي الجناح، وكل سريع السير من الخيل والقطارات البخارية، والطيارات الهوائية، «تجري بأمره» الآن تجري بأمر الدول الأوربية وإشارتها في التلغرافات، والتليفونات الهوائية. اه
(2)
.
قال الدكتور محمد حسين الذهبي - بعد أن نقل القول السابق -: وهذا بلا شك خروج صريح عن مدلولات النصوص القرآنية، وإلحاد في آيات الله - سبحانه - اه
(3)
.
= وتفسير القشيري (1/ 73، 113) و (3/ 693، 694، 707).
وتفسير ابن عربي (1/ 59، 117، 303، 611، 631).
وقد نقل بعض أئمة التفسير بعض أقوالهم وردوا عليها، انظر على سبيل المثال المحرر الوجيز (6/ 2، 3، 65) و (10/ 34، 35)، و (9/ 301)، و (16/ 239)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 401) و (10/ 105) و (13/ 11)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (13/ 237، 240، 357، 361)، والموافقات للشاطبي (3/ 397) وما بعدها.
(1)
للهالك محمد أبو زيد، وحين طبع هذا الكتاب أحدث ضجة في الأوساط العلمية والمجتمع المسلم، وقد تولت مشيخة الأزهر وغيرهم الرد عليه، وحكم على صاحبه بالزيغ والضلال والكفر، وصودر كتابه من الأسواق، وقد وقفت على نسخة منه بحوزة د. فهد الرومي واطلعت على بعض ما فيه، وانظر منهج هذا الرجل في تفسيره في «التفسير والمفسرون» (2/ 532) و «اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر» (3/ 1076) وما بعدها.
(2)
الهداية والعرفان ص 257.
(3)
الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم ص 106، وتفسير الجواهر مليء بمثل هذه الخرفات، انظر على سبيل المثال (1/ 84 - 85).
المطلب الثاني:
قاعدة: ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه
*
صورة القاعدة:
هذه القاعدة تضبط التفسير اللغوي، وتقيده بقبول السياق له، وأنه لا ينظر في التفسير اللغوي إلى ثبوته في اللغة فحسب بل لا بد مع ذلك من مراعاة السياق القرآني؛ لذلك خطئ قول من أهمل جانب السياق القرآني، وأسباب النزول، والقرائن التي حفت بالخطاب حال التنزيل، واعتمد على مجرد اللغة فحسب؛ لأن في ذلك إهمالا لغرض المتكلم به - سبحانه - من كلامه، ولكل كلمة معنى في سياق قد لا يصلح في سياق آخر.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي عليها عامة المفسرين، وصنيعهم في تفسير الآيات يدل على هذا، حيث نجدهم يضعّفون أقوالا ويردون أخرى على الرغم من ثبوت هذا المعنى للكلمة المفسّرة في اللغة، وهذه القضية من الظهور بمكان، وأشهر من أن يستدل لها، وفي أمثلة هذا البحث الشيء الكثير من ذلك.
1 -
فمن هؤلاء الأئمة الإمام الطبري: وسيأتي في الأمثلة التطبيقية بعض النقول عنه في تقريره مضمون هذه القاعدة.
2 -
ومنهم الزمخشري: فنجده أحيانا يردّ بعض الأوجه في التفسير، ويطلق عليها أنها من بدع التفاسير، مع أن لها وجها في العربية غير أن السياق لا يقبلها فمن هذه المواضع قوله في تفسير قوله تعالى:{إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (89)[الشعراء: 89]:
ومن بدع التفاسير تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله. اه
(1)
.
والعرب تطلق لفظ السليم على اللديغ تفاؤلا بالسلامة، والسّلم: لدغ الحية
(2)
.
3 -
ومنهم ابن عطية: ذكر في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ} (10)[الرعد: 10] القول بأن معنى {مُسْتَخْفٍ:} الظاهر، من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته.
قال ابن عطية: وهذا القول - وإن كان تعلقه باللغة بينا - فضعيف؛ لأن اقتران الليل بالمستخفي، والنهار بالسارب يرد على هذا القول. اه
(3)
.
4 -
ومنهم الإمام القرطبي: قال: فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربية كثر غلطة ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، والنقل والسماع لا بدّ له منه في ظاهر التفسير أوّلا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. اه
(4)
.
5 -
وقد أشار إلى مضمون هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية حين ذكر الخلاف الذي مستنده الاستدلال لا النقل، وذكر الجهات التي يكثر فيها الخطأ، وحصرها في جهتين.
قال: الجهة الثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به
…
فهؤلاء راعوا اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام
(5)
. اه.
(1)
الكشاف (3/ 118).
(2)
انظر مادة «سلم» في تهذيب اللغة (12/ 450)، ومعجم مقاييس اللغة (3/ 91)، ولسان العرب (12/ 292).
(3)
المحرر الوجيز (10/ 20).
(4)
الجامع لأحكام القرآن (1/ 34).
(5)
مجموع الفتاوى (13/ 355 - 356) مختصرا، وانظر (15/ 94) منه.
6 -
ومنهم الحافظ ابن كثير: فقد راعى هذه القاعدة في اختياره وترجيحه، ففي معرض ردّه لقول الطبري في تفسير قوله تعالى:{ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى} (7)[النجم: 6 - 7] إن المعنى: استوى هذا الشديد القوي ذو المرة هو ومحمد صلى الله عليهما وسلم بالأفق الأعلى أي: استويا جميعا بالأفق وذلك ليلة الإسراء
(1)
.
قال ابن كثير: وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه؛ ولكن لا يساعده المعنى على ذلك
(2)
اه.
7 -
وذكر مضمون هذه القاعدة الزركشي، قال في البرهان: اعلم أن القرآن قسمان:
أحدهما: ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره، وقسم لم يرد، - إلى أن قال:
الثاني: ما لم يرد فيه نقل عن المفسرين، وهو قليل، وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها، واستعمالها بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب «المفردات» فيذكر قيدا زائدا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق. اه
(3)
.
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
أمثلة هذه القاعدة كثيرة، متمثلة في المنهج الذي انتهجه أبو عبيدة معمر بن المثنى
(4)
في «مجاز القرآن» حيث جعل القرآن نصا عربيا مجردا، ولم يراع في
(1)
انظر جامع البيان (27/ 43).
(2)
تفسير القرآن العظيم (7/ 420).
(3)
البرهان (2/ 172).
(4)
التيميّ البصري اللغوي أخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو حاتم في آخرين، كان يميل إلى مذهب الخوارج، له تصانيف كثيرة، توفي سنة تسع ومائتين، وقيل غير ذلك إنباه الرواة (3/ 276)، وطبقات المفسرين (2/ 326).
تفسيره سياق الآيات ولا أسباب النزول ولا المعاني الشرعية التي تدل عليها ألفاظ القرآن، ولا ما أثر من التفسير عن الصحابة والتابعين ولا عادات المخاطبين بهذا القرآن، جرّد تفسيره للآيات من هذا كله، ونزّله على المعاني العربية دون أن يحتكم إلى غير استعمال العرب للألفاظ والتراكيب - وقد أنكر عليه هذا المنهج جماعة من تلاميذه ومعاصريه ومن بعدهم
(1)
.
فمن أمثلة اعتماده للعربية فقط دون نظر لسياق أو أسباب نزول أو مأثور التفسير عن الصحب الكرام وأئمة التابعين في التفسير قوله في تفسير قوله تعالى: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ} [آل عمران: 39]: بكلمة من الله أي بكتاب من الله، تقول العرب للرجل: أنشدني كلمة كذا وكذا أي قصيدة فلان وإن طالت. اه
(2)
.
قال الطبري: وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن معنى قوله: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ} بكتاب من الله، من قول العرب: أنشدني فلان كلمة كذا، يراد به قصيدة كذا جهلا منه بتأويل الكلمة، واجتراء على ترجمة القرآن برأيه
(3)
اه.
ومن أمثلة ذلك - أيضا - قوله في تفسير قوله تعالى: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} (49)[يوسف: 49]:
أي به ينجون، وهو من العصر، وهي العصرة - أيضا - وهي المنجاة، قال:
ولقد كان عصرة المنجود
(4)
(1)
انظر مثلا جامع البيان (1/ 58) و (12/ 233)، وإنباه الرواه (3/ 278)، والنحو وكتب التفسير لإبراهيم رفيدة (1/ 154).
(2)
المجاز (1/ 91).
(3)
جامع البيان (3/ 253 - 254)، والذي ذهب إليه أهل التفسير في تفسير هذه الآية أن معنى مصدقا بكلمة من الله، أي بعيسى بن مريم، وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن والسدي والربيع بن أنس وغيرهم.
(4)
هذا عجز بيت صدره «صاديا يستغيث غير مغاث» لأبي زبيد الطائي، والبيت في جامع البيان (12/ 233)، ولسان العرب مادة «عصر» (4/ 578).
أي: المقهور المغلوب
…
اه
(1)
.
قال الطبري - معلقا على هذا القول: وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب يوجّه معنى قوله: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} (49) - ثم ذكر قول أبي عبيدة ثم قال: وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين اهـ
(2)
.
ويدخل تحت أمثلة هذه القاعدة بعض أقوال المفسرين واللغويين في تفسير القرآن على وجه تحتمله العربية غير أن سياق الآيات لا يحتمله، وإن لم يكن ذلك منهجا لقائله.
وقد سبق ذكر بعض ذلك عند الحديث عن اعتماد العلماء لهذه القاعدة.
***
(1)
المجاز (1/ 313 - 314).
(2)
جامع البيان (12/ 233 - 234)، والذي قاله الصحابة والتابعون في معنى وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) قولان:
الأول: يعصرون العنب والسمسم وما أشبه ذلك.
والآخر: يعصرون أي: يحلبون.
وسياق الآيات يدل على هذين المعنيين دون معنى ينجون.
* ومن نظائر هذا:
1 -
قوله في تفسير قول الله تعالى: وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11)[الأنفال: 11]، انظره في المجاز (1/ 242)، وجامع البيان (9/ 197).
2 -
وقوله في تفسير قوله تعالى: وَأَقْرَبَ رُحْماً (81)[الكهف: 81]، انظره في المجاز (1/ 412)، وجامع البيان (16/ 4).
3 -
وقوله في تفسير قوله تعالى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)[الواقعة: 29]، انظره في المجاز (2/ 250)، وجامع البيان (27/ 181).
4 -
وقوله في تفسير قوله تعالى: وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (25)[القلم: 25]، انظره في المجاز (2/ 265)، وجامع البيان (29/ 33).
المطلب الثالث:
قاعدة: يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر
*
صورة القاعدة:
يجب أن يفسر القرآن ويحمل على أحسن المحامل، وأفصح الوجوه، فلا يحمل على معنى ركيك، ولا لفظ ضعيف، وإنما يحمل على المعروف عند العرب من الأوجه المطردة دون الشاذّة والضعيفة، ويحمل على الأكثر استعمالا دون القليل والنادر، ويحمل على المعاني والعادات والعرف الذي نزل به القرآن والسنة، دون ما حدث واستجد بعد التنزيل؛ وذلك لأن القرآن أفصح الكلام، ونزل على أفصح اللغات وأشهرها، فلا يعدل به عن ذلك كله وله فيها وجه صحيح.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
المراد ب «المعروف من كلام العرب» أي: المستعمل في كلامهم، سواء أكان ذلك الاستعمال مطردا وهو: الذي لا يتخلف البتة، ولا تعرف العرب غيره
(1)
، أم غالبا وهو: أكثر الاستعمال عليه؛ لكنه يتخلف أحيانا قليلة
(2)
.
وعلى كثرة الاستعمال مدار الفصاحة، فما كثر استعماله في ألسنة العرب الموثوق بعربيتهم فهو الفصيح، فإن تعارض قوة القياس وكثرة الاستعمال، فكثرة الاستعمال
(1)
انظر الخصائص (1/ 96)، والمزهر (1/ 226)، والأشباه والنظائر في النحو (1/ 260)، والكليات ص 529. قال ابن جني: أصل مواضع «ط ر د» في كلامهم التتابع والاستمرار.
(2)
انظر الكليات ص 529.
هي المقدمة، وقد نص على ذلك كله غير واحد من أئمة العربية
(1)
.
والمراد ب «الشاذ والضعيف والمنكر» يجمعها جميعا قلة الاستعمال فالشاذ: هو الذي يكون وجوده قليلا؛ لكن لا يجيء على القياس
(2)
، والشذوذ يلحق القياس والاستعمال
(3)
.
والضعيف: ما انحط عن درجة الفصيح، ويكون في ثبوته كلام
(4)
.
والمنكر: هو أضعف من الضعيف، وأقل استعمالا بحيث أنكره بعض أئمة اللغة ولم يعرفه
(5)
.
ومثلها القليل، ومثلها النادر: وهو ما قلّ وجوده وإن لم يكن بخلاف القياس، وهو أقل من القليل
(6)
.
ويدخل تحت هذه القاعدة دخولا أوّليا، ما لم تستعمله العرب البتة ولم يرد في لسانها وقت نزول القرآن، وذلك كالاصطلاحات والمعاني الحادثة المستجدة والتي حدثت بعد عصر التنزيل؛ لأن الله - تعالى - خاطب العرب باللغة، والعادة، والعرف التي كانت موجودة وقت نزول القرآن لا بما حدث بعد ذلك، ومن فسر القرآن بتلك المعاني الحادثة فقد زعم أن الله خاطب العرب بما لم يعرفوا من لغتهم، وهو في زعمه مبطل.
فيجب أن يفسر القرآن وتفهم نصوصه بحسب مدلولاتها الشرعية والعرفية واللغوية في عصر نزول القرآن.
(1)
انظر الخصائص (1/ 124 - 125)، والإصباح في شرح الاقتراح ص 391، والمزهر (1/ 187).
(2)
الكليات ص 528.
(3)
انظر الخصائص (1/ 96)، والمزهر (1/ 226 - 227)، والأشباه والنظائر في النحو (1/ 260).
(4)
المزهر (1/ 214)، والأشباه والنظائر في النحو (1/ 263)، والكليات ص 529 وص 575.
(5)
المزهر (1/ 214)، والكليات ص 575.
(6)
المزهر (1/ 234)، والكليات ص 529.
*
أدلة القاعدة:
دلالة القرآن على هذه القاعدة واضحة جلية، وذلك من وجوه أذكر منها ما يلي
(1)
:
1 -
أن الله - تعالى - حض عباده على تدبر القرآن وتعقله فقال تعالى: {كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ} (29)[ص: 29]، وقال تعالى:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} (24)[محمد: 24] وأخبر - سبحانه - عن تيسيره للقرآن في تلاوته وحفظه، وفي فهمه وتدبره بقوله تعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (17)[القمر: 17].
وتدبره لا يكون إلا بفهم معانيه، ومن تيسير الله - تعالى - له أن تفهمه الأمة ثم تعمل به، وفهمه والعمل به لا بد لهما من العلم بمعانيه التي يحمل عليها، وهذا خطاب عام للأمة جميعا، ولا يكون لجمهور الأمة تدبر وتفهم لمعانيه إلا إذا كانت تلك المعاني هي المعروفة والمشهورة من لسان العرب، لا ما قل استعماله وندر، وإنّ حمله على المعاني الغريبة، أو النادرة، أو قليلة الاستعمال ينافي التيسير الذي امتنّ الله به على هذه الأمة في فهم كتابه والادكار به، فليس كل مخاطب بهذه الآيات يعلم ما قلّ وندر في استعمال العرب، فضلا عن كون العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون هذا المعنى؛ «لأن الله - جل ثناؤه - إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهاهم معنى ما خاطبهم به»
(2)
.
قال الإمام الشاطبي: إنما يصح - في مسلك الأفهام والفهم - ما يكون عاما لجميع العرب، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني؛ فإن الناس - في الفهم وتأتي التكليف فيه - ليسوا على وزان واحد ولا متقارب، إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهورية وما والاها،
…
فيلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة، بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف،
(1)
أفدت في بعض هذه الوجوه من كتاب «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد» (2/ 457).
(2)
جامع البيان (12/ 40).
واشتركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهمه
فالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأميين كما يسع غيرهم اهـ
(1)
.
2 -
ومنها أن الله - تعالى - أخبر أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين فقال سبحانه:
(195)
[الشعراء: 192 - 195] فهو نزل على أفصح اللغات وأكملها وأظهرها وأبينها، فحمله على خلاف ذلك مخالفة للسانه الذي نزل به، وخروج به عن حكمة الله - تعالى - في إنزاله على هذه الفصاحة.
3 -
ومنها أن الله - تعالى - وصف هذا القرآن بالبيان والهدى والرحمة، فقال سبحانه:{وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ} (89)[النحل: 89] مما يدل على أنه بيّن واضح في ألفاظه ومعانيه، فيه الهدى والرحمة للمسلمين جميعا، فلا يحتاج في إدراك معانيه تكلف وعناء، ومطاردة شواذ وغرائب المعاني وهذا لا يكون إلا بحمله على أفصح الوجوه وأشهرها، وأغلبها في استعمال المخاطبين.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
نص على هذه القاعدة، ورجح بها كثير من العلماء:
1 -
منهم الإمام الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة: إنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل اهـ
(2)
.
(1)
الموافقات (2/ 85 - 87).
(2)
جامع البيان (7/ 509) تحقيق: شاكر.
وقال في موضع آخر: إن الكلام إذا تنوزع في تأويله، فحمله على الأغلب والأشهر من معناه أحق وأولى من غيره ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها اهـ
(1)
.
وقال في موضع آخر: وغير جائز حمل كتاب الله - تعالى - ووحيه - جل ذكره - على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود اه
(2)
.
وهذه القاعدة من القواعد التي ذكرها الطبري ورجح بها في مواضع كثيرة جدا - وستأتي الإحالة إلى بعضها في الأمثلة التطبيقية.
2 -
ومنهم أبو جعفر النحاس: قال: والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله عز وجل على الظاهر والمعروف من المعاني إلا أن يقع دليل على غير ذلك اهـ
(3)
.
3 -
ومنهم مكي بن أبي طالب: ففي معرض ردّه على من جعل «إلا» في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} [النجم: 32] بمعنى الواو أي: واللمم، قال: وكون «إلا» بمعنى الواو بعيد شاذ، ولو جعلت «إلا» بمعنى «لكن» لكان أقرب وأجود اهـ
(4)
.
4 -
ومنهم الزمخشري: ففي تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً}
[الزخرف: 15] قال: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء لغة اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول اهـ
(5)
.
5 -
ومنهم القاضي ابن عطية: فقد اعتمد هذه القاعدة في معرض ردّه لقول ابن
(1)
جامع البيان (7/ 221).
(2)
جامع البيان (2/ 468).
(3)
إعراب القرآن (5/ 132).
(4)
بواسطة نقل السيوطي في الأشباه والنظائر في النحو (4/ 286).
(5)
الكشاف (3/ 481).
زيد في تفسير السّنة في قوله تعالى: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} [البقرة: 255] قال ابن زيد:
الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل.
قال أبو محمد: وهذا فيه نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب اهـ
(1)
.
6 -
ومنهم العز بن عبد السلام: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة -: وعلى الجملة فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني، وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك اهـ
(2)
.
7 -
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة رادّا على من خالفها بحمل ألفاظ الكتاب والسنة على معان حادثة -: الواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله، لا بما حدث بعد ذلك. اه
(3)
. واستعمل هذه القاعدة في الترجيح ونبّه عليها في مواضع
(4)
.
8 -
ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد قرر هذه القاعدة تقريرا يشفي الغليل قال فيه:
للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي.
فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير
(1)
المحرر الوجيز (2/ 275)، وانظر نحو هذا الترجيح فيه (8/ 246).
(2)
الإشارة إلى الإيجاز ص 220.
(3)
الإيمان ص 101.
(4)
انظر درء تعارض العقل والنقل (1/ 316).
من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم - تعالى - بكلامه، وسنزيد هذا إن شاء الله - تعالى - بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير، فهذا أصل من أصوله، بل هو أهم أصوله اهـ
(1)
.
وقال في موضع آخر في معرض ذكره لأنواع التأويل الباطل قال فيه:
الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب، وإن ألف في الاصطلاح الحادث، وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس، وضلت فيه أفهامهم، حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين، وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل اهـ
(2)
.
وطبق هذه القاعدة في تحقيقه وترجيحه لبعض الأقوال في التفسير
(3)
.
9 -
ومنهم الإمام الشاطبي: قال مقررا هذه القاعدة: إنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين - وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم - فإن كان العرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه.
وهذا جار في المعاني، والألفاظ والأساليب
…
وإذا كان كذلك، فلا يستقيم للمتكلم في كتاب الله أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب اه
(4)
.
10 -
ومنهم العلاّمة ابن الوزير: ففي معرض بيانه للتفسير باللغة قال: وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف المشهور على الشاذ
…
اه
(5)
.
(1)
بدائع الفوائد (3/ 27 - 28).
(2)
الصواعق المرسلة (1/ 189).
(3)
انظر على سبيل المثال بدائع الفوائد (3/ 27 - 28 - 30)، وتحفة المودود ص 20.
(4)
الموافقات (2/ 82 - 85).
(5)
إيثار الحق ص 154.
وغير هؤلاء كثير، تركت بعض أقوالهم خوف الإطالة
(1)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
هذه القاعدة تعمل في التفاسير التالية وما شابهها:
أولا: تأويلات أهل الكلام والفلسفة.
ثانيا التفسير الباطني.
ثالثا: تأويلات دعاة التجديد العصريّ.
رابعا: بعض أقوال المفسرين التي ليست مما سبق وخالفت القاعدة.
أولا: تأويلات أهل الكلام والفلسفة:
إن من أهم الأسباب التي دفعت بعض المفسرين للعدول في تفسير القرآن عن الفصيح إلى الركيك أو إلى ما لا يعرف من لسان العرب الذي نزل به القرآن هي تلك المذاهب التي اعتقدوها فأرادوا تصحيح مذاهبهم بحمل الآيات عليها، «فإذا حمل حامل آية من كتاب الله، أو لفظا من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمثال هذه المحامل، وأزال الظاهر الممكن إجراء لمذهب اعتقده، فهذا لا يقبل»
(2)
، ويرد على قائله.
فمن أمثلة هذا تفسير طائفة من الجهمية والمعتزلة «الأفول» في قول الله تعالى:
{فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (76)[الأنعام: 76] بالحركة والانتقال
(3)
.
وقد تولى شيخ الإسلام ابن تيمية - وغيره - الرد عليهم في هذا من عدة وجوه، أحدها مضمون هذه القاعدة فقال رحمه الله:
(1)
انظر بعضها في العدة لأبي يعلى (3/ 1035)، والبرهان للجويني (1/ 356 - 358)، وروضة الناظر مع شرحها (2/ 39)، البرهان للزركشي (2/ 160)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (1/ 226)، و (4/ 286)، وشرح الكوكب (4/ 661)، وروح المعاني (1/ 343)، و (29/ 110)، وأضواء البيان (3/ 60 - 62)، و (5/ 25)، و (7/ 215 - 289)، والمدخل الفقهي العام (2/ 877)، وبدع التفاسير ص 12.
(2)
البرهان في أصول الفقه للجويني (1/ 356).
(3)
انظر الكشاف (2/ 31)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 310)، والصواعق المرسلة (1/ 190).
الوجه الرابع: أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل التفسير، ولا من أهل اللغة، بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام
…
ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يسمون كل مخلوق موجود آفلا، ولا كل موجود بغيره آفلا، ولا كل موجود يجب وجوده بغيره لا بنفسه آفلا، ولا ما كان من هذه المعاني التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان، بل هذا أعظم افتراء على القرآن واللغة من تسمية كل متحرك آفلا، ولو كان الخليل أراد بقوله:{لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}
(76)
هذا المعنى، لم ينتظر مغيب الكوكب والشمس والقمر اهـ
(1)
.
وقال العلامة ابن القيم: ولا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة البتة في موضع واحد اهـ
(2)
.
ثانيا التفسير الباطني:
هذه القاعدة ترد كل تأويلات الباطنية، وإشارات الصوفية، فكل ذلك تفسير بما لا تعرف العرب من لسانها، فضلا عن أن يكون مستعملا على سبيل القلّة أو الندرة، فإذا كان يجب حمل القرآن على الأكثر استعمالا، والابتعاد به عن الأقل والنادر والشاذ ونحوها، فما بالك بما لا يعرف من لغتها وقت التنزيل مطلقا؟! فردّه بهذه القاعدة أولى وأحرى - كما سبق ذلك في بيان ألفاظ القاعدة.
وقد سبق في بعض القواعد ذكر أمثلة لتفاسير الباطنية، فلا أطنب هنا بذكر أمثلة كثيرة، فمنهج القوم واحد، وأكتفي من ذلك بمثالين من تفسير القرآن العظيم لسهل التستري مع ذكر ردّ الإمام الشاطبي لهما بما تقتضيه هذه القاعدة.
(1)
درء تعارض العقل والنقل (1/ 314 - 315).
(2)
الصواعق المرسلة (1/ 190).
* ومن نظائر هذا المثال: تأويل الأحد: في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1) بأنه الذي لا يتميز منه شيء عن شيء ومنه تأويل: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] بأن المعنى: أقبل على خلق العرش، انظر الصواعق المرسلة (1/ 190 - 191)، ومختصر الصواعق المرسلة (2/ 320) وما بعدها.
المثال الأول: قال سهل التستري في قول الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً} [آل عمران: 96]: باطنها الرسول، يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد من الناس اهـ
(1)
.
قال الإمام الشاطبي: وهذا التفسير يحتاج إلى بيان، فإن هذا المعنى لا تعرفه العرب، ولا فيه من جهتها وضع مجازي مناسب ولا يلائمة مساق بحال اهـ
(2)
.
المثال الثاني: قال التستري في قول الله تعالى: {وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36]: وأمّا باطنها فالجار ذو القربي هو:
القلب، والجار الجنب: هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو: العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو: الجوارح المطيعة لله اهـ
(3)
.
وقال الإمام الشاطبي: - بعد أن ذكر معنى الآية: وغير ذلك لا تعرفه العرب، لا من آمن ولا من كفر
[إلى أن قال بعد أن ساق بعض تفاسير الصوفية للآية]: وهذا كله خارج عما تفهمه العرب، ودعوي ما لا دليل عليه في مراد الله اهـ
(4)
.
ثالثا: تأويلات دعاة التجديد العصري:
حاولت مدرسة التجديد التوفيق بين العلوم العصرية ونصوص القرآن الكريم، وإن كلفهم ذلك تحميل الآيات ما لا تحتمل، أو حمل القرآن على ما لا يعرف في لسان العرب الذي نزل القرآن به، أو حمل القرآن على معان ونظريات علمية، بغض النظر عن كون هذه المعاني تحتملها الألفاظ أو لا؟ وتعرفها العرب من لسانها أو لا؟
- ومن ذلك تجويز محمد عبده وأتباعه تأويل «الطير الأبابيل» التي رمت أصحاب
(1)
تفسير القرآن العظيم له ص 27.
(2)
الموافقات (3/ 401).
(3)
تفسير القرآن العظيم له ص 30.
(4)
الموافقات (3/ 402 - 403).
الفيل بحجارة من سجيل - كما في سورة الفيل - بأن تكون من جنس الذباب أو البعوض أو الميكروبات، والحجارة: هي الجراثيم التي تنقل الأمراض الفتاكة.
قال محمد عبده: فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وأن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر وأن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالمكروب لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها اهـ
(1)
.
فهل تعرف العرب من لسانها - وقت نزول القرآن بالإخبار عن هذه الحادثة - هذه الميكروبات والجراثيم - التي اكتشفها العلم الحديث - فيفسر القرآن بها ويحمل عليها؟!
قال د. محمد حسين الذهبي بعد أن ساق كلام محمد عبده المذكور آنفا: وهذا ما لا نقره عليه؛ لأن هذه الجراثيم التي اكتشفها الطب الحديث لم يكن للعرب علم بها وقت نزول القرآن، والعربي إذا سمع لفظ الحجارة في هذه السورة لا ينصرف ذهنه إلى تلك الجراثيم بحال من الأحوال، وقد جاء القرآن بلغة العرب خاطبهم بما يعهدون ويألفون
…
اه
(2)
.
وقال الشيخ محمد الصادق عرجون: وهل في عرف اللغة العربية واستعمالاتها إطلاق لفظ «الطير» على الحيوان المسمى بالمكروب، فهل كان القوم المخاطبون في وقت المواجهة بالخطاب التعجيبي الذي افتتحت به السورة يعلمون شيئا عن هذا الحيوان
(1)
تفسير جزء عم له ص 156، وكذا قال المراغي في تفسيره (30/ 243)، ومحمد فريد وجدي في المصحف المفسر ص 822.
(2)
التفسير والمفسرون (2/ 569).
المسمى (بالمكروب)
…
أليس هذا تحميلا لآيات القرآن فوق طاقة أساليب العربية وفوق طاقة أفهام من نزل القرآن لتعجيبهم من شأن هذه الحادثة المبدعة إرهاصا لمقدم بعثة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم
…
وهذا ضرب من التعسف في التأويل المتملق لنظريات العلم المستحدثة وهو مذهب لكثير من المجددين في تفسير القرآن
…
اه
(1)
.
وقال د. فهد الرومي: بل إن الآية صرحت بإرسال الطير {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ} (3) وبين المخاطبين كثير ممن عاصر الحادث بل ممن شاهده وفيهم كثير من أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم فالسورة مكية ولو أنهم لم يروا هذا الطير الأبابيل رأي العين لبادروا إلى تكذيب القرآن وإنكارهم لرمي الطير لجيش أبرهة ولا يقبل أن يقال أنهم رأوا المكروب أو الجراثيم لأنهم لا يستطيعون رؤيتها ولا يقال أنهم رأوا الذباب أو البعوض لأنهم لا يرون الحجارة التي تحملها فكان لا بد أن يكونوا رأوا طيرا ورأوا الحجارة التي تحملها ورأوا الرمي ولا يهم بعد ذلك أن يكون هلاك الجيش بمجرد وقوع الحجر أو أن تكون هذه الحجارة قد أصابته بمرض من الأمراض فالقرآن لم يصرح بذلك بل ذكر هلاكهم بهذا العقاب الشديد اهـ
(2)
.
رابعا: بعض أقوال المفسرين التي ليست مما سبق وخالفت القاعدة:
الأصل في هذا النوع أن يكون ذلك الوجه الذي تضعّفه القاعدة وتخالفه، هو ما كان ضعيفا، أو نادرا، أو قليل الاستعمال في لغة العرب.
وأمثلة هذا النوع كثيرة جدا:
1 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ} (27)[آل عمران: 27].
اختلف المفسرون في المراد بقوله: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} .
(1)
نحو منهج لتفسير القرآن ص 34 - 36.
(2)
منهج المدرسة العقلية في التفسير (2/ 726).
فقال بعضهم: أنه يخرج الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحي.
وقال آخرون: أنه يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والسنبل من الحب، والحب من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض.
وقال آخرون: أنه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
قال الطبري - بعد أن ذكر هذه الأقوال، ورواها عن قائليها -:
وأولى التأويلات التي ذكرناها في هذه الآية بالصواب تأويل من قال: يخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياء من النطف الميتة، وذلك إخراج الحيّ من الميت، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياء، وذلك إخراج الميت من الحيّ، وذلك أن كل حيّ فارقه شيء من جسده، فذلك الذي فارقه منه ميت، فالنطفة ميتة لمفارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشئ الله منها إنسانا حيا وبهائم وأنعاما أحياء، وكذلك حكم كل شيء حيّ زايله شيء منه، فالذي زايله منه ميت، وذلك هو نظير قوله:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (28)[البقرة: 28].
وأما تأويل من تأوّله بمعنى الحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والبيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم، فليس ذلك الأغلب الظاهر في استعمال الناس في الكلام، وتوجيه معاني كتاب الله عز وجل إلى الظاهر المستعمل في الناس، أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال اهـ
(1)
.
2 -
ومن أمثلة هذا النوع - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: {حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ} [هود: 40].
اختلف المفسرون في معني {وَفارَ التَّنُّورُ:}
فقال بعضهم: انبجس الماء من وجه الأرض، وفار التنور، وهو وجه الأرض.
(1)
جامع البيان (3/ 226).
وقال آخرون: هو تنوير الصبح من قولهم: نوّر الصبح تنويرا.
وقال آخرون: معنى ذلك: وفار على الأرض وأشرف مكان فيها بالماء، وقال التنور: أشرف الأرض.
وقال آخرون: هو التنور الذي يختبز فيه.
قال الإمام الطبري - بعد أن ساق هذه الأقوال مسندة إلى من قال بها -:
وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: {التَّنُّورُ} قول من قال: هو التنور الذي يخبز فيه؛ لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها، وذلك أنه - جل ثناؤه - إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى ما خاطبهم به. اه
(1)
.
(1)
جامع البيان (12/ 40).
* ونظائر هذين المثالين كثيرة جدا:
انظر بعضها في جامع البيان (1/ 172)، و (2/ 14، 468)، و (3/ 277)، و (4/ 42)، و (7/ 221)، و (8/ 127)، و (9/ 8، 171)، و (10/ 28، 75، 127، 128، 146، 204)، و (11/ 155)، و (12/ 40، 205)، و (4/ 98)، و (15/ 46، 57، 87، 127)، و (16/ 6، 105، 153)، و (17/ 35، 178)، و (18/ 14، 34، 170)، و (21/ 102)، و (23/ 178)، و (24/ 93، 103، 108)، و (26/ 3)، و (27/ 19، 26، 204، 231)، و (30/ 13، 67، 107، 145، 177، 180، 198، 240، 299).
والمدخل لعلم تفسير كتاب الله لأبي النصر السمرقندي ص 98 وما بعدها، وأحكام القرآن لابن العربي (1/ 82)، (4/ 414).
والمحرر الوجيز (1/ 96، 206، 288)، و (2/ 275)، و (5/ 246)، و (15/ 68)، و (16/ 159).
والجامع لأحكام القرآن (1/ 425).
والتفسير القيم ص 220، 272، 300، 341، 425، ومغنى اللبيب (2/ 509، 510)، وتفسير ابن كثير (1/ 167)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (4/ 286)، وأضواء البيان (1/ 214، 375)، و (1/ 214، 375)، و (3/ 60، 62)، و (5/ 24)، و (6/ 300)، و (7/ 215، 289).
ويدخل تحت هذه القاعدة، القواعد التالية:
القاعدة الأولى:
إذا دار الكلام بين الإضمار والزيادة، فالإضمار أولى.
*صورتها:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يقول بالإضمار في الآية، ومنهم من يقول بالزيادة فيها، والكلام محتمل لذلك، فقول القائل بالإضمار أولى؛ لأنه في كلام العرب أكثر من الزيادة
(1)
.
القاعدة الثانية:
إذا دار الأمر بين الاشتراك والمجاز، قدم المجاز.
*صورتها:
إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولى؛ لأنه أكثر استعمالا من المشترك بالاستقراء - عند القائلين به -، والحمل على الأكثر أولى
(2)
.
القاعدة الثالثة:
إذا دار الأمر بين المجاز والإضمار، قدم المجاز.
وسبب تقديمه أنه أكثر في اللسان، والإضمار أقل منه، والكثرة تدل على الرجحان
(3)
.
القاعدة الرابعة:
إذا دار الأمر بين الاختلاف والتقدير كان التقدير أولى.
(1)
ذكر هذه القاعدة بعض الأصوليين انظر التمهيد للأسنوي ص 206، وشرح الكوكب (1/ 196)، وانظر اعتمادها في الترجيح في معاني القرآن للأخفش (2/ 497)، وجامع البيان (24/ 36) والتفسير القيم ص 424 - 425، وانظر - أيضا - جامع البيان (8/ 130)، وتفسير ابن كثير (3/ 387).
(2)
البحر المحيط للزركشي (2/ 244)، وانظر المحصول (1/ 492/1)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (2/ 133).
(3)
انظر شرح تنقيح الفصول ص 121 - 122 - 124، والبحر المحيط للزركشي (2/ 245) وشرح الكوكب (4/ 666)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (2/ 160).
*صورتها:
إذا دار الأمر بين اختلاف الجمل في العطف، بأن تعطف جملة اسمية على فعلية، وتقدير فعل، بحيث تعطف جملة فعلية على جملة فعلية، فالتقدير أولى، وذلك لكثرة التقدير في كلام العرب، وقلة الاختلاف في تعاطف الجمل، والحمل على الأكثر أولى
(1)
.
***
(1)
انظر الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (1/ 228)، وأوضح المسالك (2/ 168)، وشرح ابن عقيل على الألفية (1/ 446)، والإتقان (2/ 322)، ومعترك الأقران (3/ 497).
المطلب الرابع:
قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة
*
صورة القاعدة:
الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة، ولا يجوز العدول به عنها وله فيها محمل صحيح. فيجب حمل نصوص الوحي وتفسيرها على حقائقها.
فإذا تنازع المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يحمل ألفاظها على حقائقها، ومنهم من يدعي عليها المجاز ويحملها على معان مخالفة لما تدل عليه حقائقها.
فقول من حملها على حقائقها هو الصواب، والذي يجب أن يعتمد ويصار إليه.
ومن ادعى صرف شيء من ألفاظها عن حقيقته إلى مجازه لم يتم له ذلك إلا بعد أربع مقدمات:
أحدها: بيان امتناع إرادة الحقيقة، وصحة ذلك.
الثاني: بيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى الذي عينه وإلا كان مفتريا على اللغة.
الثالث: الجواب عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة.
الرابع: أن تكون القرينة تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها
(1)
.
*
بيان ألفاظ القاعدة:
الحقيقة في اللغة مأخوذة من قولهم: حق الشيء إذا وجب.
واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المحكم، تقول ثوب محقق النّسج: أي
(1)
انظر نقض تأسيس الجهمية (1/ 41)، وبدائع الفوائد (4/ 205)، والموافقات (3/ 99).
محكمة
(1)
.
وفي اصطلاح الأصوليين هي: كل لفظ بقي على موضعه ولم ينقل إلى غيره
(2)
.
وهذه هي الحقيقة اللغوية.
وقسيمها المجاز - عند القائلين به - وهو: استعمال الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة بينهما مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي
(3)
.
***
*
موقف العلماء من المجاز في اللغة والقرآن:
اختلف العلماء في وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن - والخلاف في ذلك مشهور معروف،، أقتصر منه على ذكر الخلاف دون حجج المانعين، والمجيزين، وجواب كل فريق؛ لأنه ليس مقصودي من ذكر هذه القاعدة -.
فذهب بعض العلماء إلى منع وجود المجاز في اللغة، ورجح هذا القول وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية، وألف رسالة في الحقيقة والمجاز
(4)
، وردّ القول به، وهدم حدّه الذي حدّ به
(5)
. وتبعه تلميذه العلاّمة ابن القيم، وعقد له فصلا في الصواعق المرسلة قال فيه: كسر الطاغوت الثالث وهو المجاز من خمسين وجها
(6)
.
وذهب كثير من العلماء إلى القول بالمجاز في اللغة.
(1)
الصاحبي ص 321، وانظر معجم مقاييس اللغة (2/ 15)، وتهذيب اللغة (3/ 374)، ولسان العرب (10/ 52) مادة «حقق» .
(2)
شرح اللمع (1/ 119)، وانظر العدة لأبي يعلى (1/ 172)، والتمهيد لأبي الخطاب (2/ 247)، وأصول السرخسي (1/ 170)، وشرح الكوكب (1/ 149).
(3)
مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي ص 210.
(4)
انظرها ضمن مجموع الفتاوى (20/ 400).
(5)
انظر مجموع الفتاوى (7/ 96 - 109)، والإيمان ص 83.
(6)
انظرها في مختصر الصواعق المرسلة (2/ 241).
ثم اختلف هؤلاء في جواز إطلاقه في القرآن، فمنهم من أجازه
(1)
، ومنهم من منعه
(2)
.
وقد ألف العلاّمة الشنقيطي رسالة في منعه سمّاها «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز» تكلم فيها عن المسألة، وأدلة كل فريق، وأجاب عن الآيات التي ادعي فيها المجاز، وحرر رأيه بقوله: والذي ندين الله به ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقا على كلا القولين، أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلا وهو الحق، فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن اهـ
(3)
.
وعلى قول من أجاز وقوع المجاز في القرآن فالذي يجب الجزم به واعتقاده ولا تجوز مخالفته أن آيات الصفات، ومسائل الغيب كالجنة والنار والميزان والصراط ونحوها، وأخبار الأمم البائدة لا يدخلها المجاز البتة، وكل من ادعى فيها المجاز فهو في دعواه مبطل.
*
أدلة القاعدة:
1 -
منها: قول الله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (17)[القمر: 17] فأخبر - تعالى - أنه يسر كتابه للذكر، وتيسيره يتضمن أنواعا من التيسير:
إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ.
الثاني: تيسير معانيه للفهم.
الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.
(1)
وهذا هو مذهب جمهور أهل اللغة والأصول، انظر المحصول (1/ 447/1)، وشرح مختصر ابن الحاجب (1/ 232)، والمسودة ص 564، وشرح الكوكب (1/ 191)، والمزهر (1/ 211).
(2)
انظر المسودة ص 564، وشرح الكوكب (1/ 192).
(3)
منع جواز المجاز ص 7 - 8.
وإن الانصراف في تفسيره وفهم معانيه عن الحقيقة التي تدل عليها ألفاظه إلى أنواع الاستعارات وضروب المجازات مناف لهذا التيسير الذي أخبر الله به عن كتابه.
فلو كان فهم ألفاظه على حقائقها غير مراد، والمراد فهم ما يدل على خلاف حقائقها فأيّ تيسير يكون في ذلك؟! وأيّ تعقيد وتعسير يكون أعظم منه؟
(1)
.
إذا تقرر هذا فإن كمال التيسير وأحسن التفسير في حمل ألفاظه على حقائقها وظاهرها.
2 -
ومنها: أن الله - تعالى - أخبر في كتابه عن كمال علمه - تعالى -، وعن علم نبيه صلى الله عليه وسلم به - تعالى -، وبكتابه، وأخبر - تعالى - أنه بيّن كتابه بأحسن بيان كما قال تعالى:{وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} (33)[الفرقان: 33]، فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب، والتفسير الأحسن: هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه
(2)
.
وأخبر - سبحانه - أنه أنزل الكتاب على رسوله ليبينه لهم كما قال تعالى:
{وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وقال تعالى:
{وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، فكمال علم الله - تعالى - الذي تكلم بهذا القرآن، وكمال بيانه - تعالى - لكتابه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وكمال نصحه للناس يقتضي ذلك كله أن يفهم القرآن، وتفسر ألفاظه على حقائقها وتحمل على ظاهرها.
«وإن حمل نصوص الوحي على خلاف ظاهرها، وخلاف حقائقها يقدح في علم المتكلم بها، وفي بيانه، وفي نصحه وفي فصاحتها، وتقرير ذلك أن يقال: إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في تأويلات المتأولين لها على خلاف حقائقها أو لا يعلم.
(1)
انظر الصواعق المرسلة (1/ 331) وما بعدها.
(2)
الصواعق المرسلة (1/ 330).
فإن لم يعلم ذلك والحق فيها كان ذلك قدحا في علمه، وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو:
إما أن يكون قادرا على التعبير بعبارتهم واستعاراتهم المجازية التي صرفوا بها النصوص عن حقائقها.
أو لا يكون قادرا على تلك العبارات.
فإن لم يكن قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحة كلامه وكان أولئك المحرفين لنصوص الوحي أقدر على تأدية المعاني منه، وأفصح كلاما، وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة.
وإن كان قادرا على ذلك، ولم يتكلم به، وتكلم دائما بخلافه وما يناقضه كان ذلك قدحا في نصحه»
(1)
فبطل بهذا أن يكون الهدى والبيان في حمل نصوص الوحي على خلاف حقائقها، واتضح أن الحق والهدى والبيان في حملها على حقائقها، خاصة نصوص صفات الباري - سبحانه - ومسائل الغيب.
3 -
ومنها: أنه قد حكى غير واحد الإجماع على أن المجاز خلاف الأصل، والأصل هو الحقيقة، ولم يخالف في ذلك أحد، حتى الذين استعملوا المجاز لتحريف بعض نصوص الوحي التي تخالف معتقدهم يقررون أن الأصل في الكلام الحقيقة ولا يجوز صرف الكلام عنها إلا عند تعذر حمله عليها، وإن خالفوا هذا عند التطبيق.
قال الرازي: وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة اهـ
(2)
.
وقرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: ومن قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز متفقون على أن الأصل في الكلام هو الحقيقة اهـ
(3)
.
(1)
الصواعق المرسلة (1/ 324) باختصار يسير.
(2)
مفاتيح الغيب (30/ 94)،
(3)
مجموع الفتاوى (20/ 473).
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد المشهورة عند العلماء، وهم يكادون يتفقون على أصلها وهو أن الأصل في الكلام الحقيقة - كما سيأتي تصريحهم بهذا - فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
الإمام الطبري: وإن كنت لم أقف على نص له يصرح فيه بهذه القاعدة، إلا أنه رجح في أمثلتها وفق ما ترجح القاعدة
(1)
.
2 -
ومنهم الإمام ابن عبد البر: قال مقررا هذه القاعدة: وحمل كلام الله - تعالى - وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم على الحقيقة أولى بذوي الدين والحق؛ لأنه يقص الحق، وقوله الحق، تبارك وتعالى علوا كبيرا - اه
(2)
.
3 -
ومنهم أبو بكر بن العربي: قال في تفسير قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} (1): قيل: هو حقيقة، وقيل: عبّر به عن دمشق، أو جبالها، أو مسجدها، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل اهـ
(3)
.
4 -
ومنهم القاضي أبو محمد بن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (8)[الأعراف: 8] وذكر الخلاف في معنى الوزن والموازين إلى أن قال - معقبا على القول بأن الميزان حقيقي له عمود وكفتان:
قال القاضي أبو محمد:
وهذا القول أصح من الأول من جهات:
أولها: أن ظواهر كتاب الله عز وجل تقتضيه، وحديث الرسول عليه السلام ينطق به، من ذلك قوله لبعض الصحابة وقد قال له: يا رسول الله أين أجدك يوم
(1)
انظر على سبيل المثال جامع البيان (1/ 365)، و (8/ 96).
(2)
التمهيد (5/ 16)، وانظر (7/ 145) منه.
(3)
أحكام القرآن (4/ 414).
القيامة؟ فقال: «اطلبني عند الحوض فإن لم تجدني فعند الميزان»
(1)
ولو لم يكن الميزان مرئيا محسوسا لما أحاله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطلب عنده.
وجهة أخرى: أن النظر في الميزان والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فلم نخرج من حقيقة اللفظ إلى مجازه دون علة؟
وجهة ثالثة: وهي أن القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سمعا، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن الميزان، والصراط، والجنة، والنار والحشر، ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر.
قال القاضي أبو محمد: فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على حقائقها اهـ
(2)
.
5 -
ومنهم الرازي: فهو ممن يقرر هذه القاعدة بل حكى الإجماع عليها - كما سبق في أدلة القاعدة - واستعملها في الترجيح بين الأقوال في غير آيات الصفات
(3)
، أمّا إذا جاءت آيات الصفات فإنه يهرع إلى المجاز، ويخالف القاعدة مدعيا أنه لا يمكن حملها على الحقيقة لما فيها من التشبيه، وقد أعمل في كل ذلك العقل، وأفسد معاني النصوص وحملها على غير محاملها؛ لأجل ما اعتقد من اعتقاد باطل.
6 -
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: فموقفه من تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز مشهور، وهو ينكر المجاز في اللغة وفي القرآن
(4)
؛ ولكني أذكر هنا حكايته اتفاق القائلين بالمجاز على أن الأصل في الكلام الحقيقة، بما يؤيد هذه القاعدة.
(1)
أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في شأن الصراط (4/ 536)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي حديث رقم (1981).
(2)
المحرر الوجيز (7/ 13).
(3)
انظر مثلا مفاتيح الغيب (2/ 130)، (10/ 21)، و (21/ 209).
(4)
انظر مجموع الفتاوى (20/ 400) وما بعدها.
قال رحمه الله: ومن قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز متفقون على أن الأصل في الكلام هو الحقيقة، وهذا يراد به شيئان: يراد به أنه إذا عرف معنى اللفظ. وقيل:
هذا الاستعمال مجاز قيل: بل الأصل الحقيقة وإذا عرف أن للفظ مدلولين: حقيقي ومجازي فالأصل أن يحمل على معناه الحقيقي: فيستدل تارة بالمعنى المعروف على دلالة اللفظ عليه، وتارة باللفظ المعروف دلالته على المعنى المدلول عليه اهـ
(1)
.
7 -
ومنهم أبو حيان: ففي تفسير قوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى} [البقرة: 189] قال في معرض ترجيحه لأحد الأقوال بهذه القاعدة: وهذه الأسباب -[يعني أسباب النزول]- تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة، وأن الإتيان هو المجيء إليها، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز. اه
(2)
.
8 -
ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد أطنب في إبطال دعوى جواز حمل نصوص الوحي على خلاف ظاهرها وحقيقتها، وأن ذلك ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى، وينافي كمال علم المتكلم وفصاحته ونصحه، وينافي تيسير القرآن للذكر، ولو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب، لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل يما يدل على نقيض مراده
(3)
.
9 -
ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة ضمن وجوه الترجيح التي ذكرها في مقدمة تفسيره قال فيها: الثامن: تقديم الحقيقة على المجاز، فإن الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين اهـ
(4)
.
10 -
ومنهم السيوطي: فقد ذكرها في القواعد الفقهية، قال: قاعدة: الأصل في
(1)
مجموع الفتاوى (20/ 473).
(2)
البحر المحيط (2/ 237).
(3)
انظر الصواعق المرسلة (1/ 310 - 341).
(4)
التسهيل (1/ 9).
الكلام الحقيقة اهـ
(1)
وفرع عليها فروعا فقهية، وهي من القواعد الأصولية المقررة عند علماء الأصول
(2)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقوله تعالى: {وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ} [المائدة: 64].
وقد سبق ذكر هذا المثال في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن
…
» ونبهت هناك على وجه تأييد قاعدة «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة» لتلك القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، ووعدت هناك ببسط الحديث عنها هنا، وهذا أوان الوفاء بالوعد.
وسوف أقتصر هنا على ما يتعلق بهذه القاعدة فقط إتماما لما سبق الحديث عنه في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن
…
».
فذهب المعتزلة وطائفة من الأشاعرة
(3)
إلى أن المراد باليدين: النعمتين، وذهبت طائفة إلى أن المراد باليدين ها هنا: القدرة
(4)
.
(1)
الأشباه والنظائر ص 63.
(2)
انظر المحصول (1/ 576/1)، والروضة مع شرحها لبدران (2/ 21)، وشرح تنقيح الفصول ص 112، ونهاية السول (2/ 170)، وكشف الأسرار (2/ 152 - 170)، والبحر المحيط للزركشي (2/ 191)، و (6/ 166)، وشرح الكوكب (1/ 294).
(3)
هم اتباع أبي الحسن الأشعري وإليه ينتسبون مذهبهم في الصفات إثبات سبع صفات فقط لدلالة العقل عليها وهي: السمع والبصر والعلم والقدرة والكلام والحياة والإرادة، ولهم مقالات أخرى خالفوا بها أهل السنة في أبواب مختلفة في الكلام وفي الإيمان والكسب وغيرها، وقد رجع أبو الحسن عن مذهبه هذا ولم يرجع أتباعه، انظر الملل والنحل (1/ 106).
(4)
انظر بعض أقوالهم والإحالة إليها في الأمثلة التطبيقية على قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن
…
».
وذهب أهل السنة إلى إثبات صفتين ذاتيتين هما اليدان، وهذا هو الحق الذي نطق به القرآن والسنة، والدلائل على إثبات صحته، وإبطال غيره كثيرة.
* منها: هذه القاعدة «حيث إن القرآن نزل بلغة العرب، واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف، لها خصائص فيما يقصد به، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا، ولهذا يقولون: لفلان عندي يد، فيراد بذلك ما يصل من الإحسان بواسطة اليد، وإنما فهم ذلك بإضافة اليد إلى قوله «عندي» والتعبير باليد عن القدرة إنما يثبت ذلك بقرينة، وهو أن يقول: لفلان عليّ يد، فقوله «عليّ» قرينة تدل على أن المراد باليد القدرة»
(1)
.
ولا قرينة هنا فوجب حملها على الحقيقة.
* ومنها: أنه لا شك أن الرجوع في الكلام الوارد عن الحقيقة والظاهر المعهود إلى المجاز إنما يكون بأحد ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعترض على الحقيقة مانع يمنع من إجرائها على ظاهر الخطاب.
الثاني: أن تكون القرينة لها تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها.
والثالث: أن يكون المحل الذي أضيفت إليه الحقيقة لا يصلح لها فينتقل عنها إلى مجازها.
فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقة التي هي صفة لله - تعالى - ممتنع لعارض يمنع.
فليس بصحيح، من جهة أن الباري - تعالى - ذات قابلة للصفات المساوية لها
(1)
ملخصا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض تأسيس الجهمية (1/ 40).
في الإثبات، فإن الباري - سبحانه - في نفسه ذات لا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، امتنع عنه المثل، فالنفار من قولنا «يد» مع هذه الحال، كالنفار من قولنا «ذات» ولا فرق بينهما في الإثبات، فإذا أقروا بالذات لزمهم الإقرار باليد التي هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها.
وإن قالوا: من جهة أنه اقترن بها قرينة تدل على صلاحية نقلها عن حقيقتها إلى مجازها، فذلك محال من جهات:
إحداها: أن إضافة الفعل - «الخلق» - إلى اليد على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقة، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة.
والثانية: أن القرائن قد ذكرناها، وهو أنه إذا أريد باليد النعمة قال: لفلان عندي يد، فعندي قرينة تدل على النعمة، وإذا أريد بها القدرة قال لفلان عليّ يد ف «عليّ» هي القرينة الدالة على القدرة، وكلاهما معدومان ههنا.
والثالثة: أن الخصم يدعي أن الداعي إلى ذلك ما يقتضيه الشاهد من إثبات العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية الداخل على جميع ذلك فحصل مثل وشبيه، وقد بينا أن ذلك محال في حقه؛ لأن نسبة اليد إليه - تعالى - كنسبة الذات إليه، على ما تقرر، فإذا ارتفع هذا بطل السبب المعارض للحقيقة النافي لإثباتها الموجب لإبدالها بالمجاز.
وإن قالوا: إن المحل الذي أضيفت إليه اليد - وهو ذات الباري - لا يصلح لإثبات اليد الحقيقة، فهذا محال، من جهة أنا قد اتفقنا على أن ذات الباري تقبل إضافة الصفات الذاتية على سبيل الحقيقة كالوجود والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من صفات الإثبات على ما قدمناه
(1)
.
(1)
نقض تأسيس الجهمية (1/ 41 - 43) مختصرا، وانظر الصواعق المرسلة (1/ 269). -
ويدخل تحت هذه القاعدة:
قاعدة:
إذا احتمل اللفظ التخصيص والمجاز، حمل على التخصيص
(1)
، وذلك؛ لأن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز.
كما في قول الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] فإنه يحتمل التخصيص؛ لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليل مخصص لعموم المشركين.
ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنه مجاز مرسل، أطلق فيه الكل وأراد به البعض،
(1)
-* ومن نظائر هذا المثال:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: 158].
انظر جامع البيان (8/ 96)، وتفسير ابن كثير (3/ 366)، وانظر النكت والعيون (2/ 190)، والكشاف (2/ 63)، والمحرر الوجيز (6/ 186)، وزاد المسير (3/ 156)، مفاتيح الغيب (14/ 8)، والجامع لأحكام القرآن (7/ 144)، وتفسير البيضاوي (1/ 328)، وتفسير النسفي (1/ 497)، والدر المصون (5/ 231، 232)، والتحرير والتنوير (8/ 185).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)[ق: 30] انظر تأويل مشكل القرآن ص 108، والنكت والعيون (5/ 353)، والمحرر الوجيز (15/ 183)، والجامع لأحكام القرآن (7/ 18)، وفتح القدير (5/ 77)، وروح المعاني (26/ 187)، ومحاسن التأويل (15/ 5511).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ [البقرة: 74] انظر جامع البيان (1/ 364 - 365)، والمحرر الوجيز (1/ 266)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 465)، ومذاهب التفسير الإسلامي ص 118.
وانظر جملة منها في المحرر الوجيز (1/ 108، 335)، و (3/ 293)، و (6/ 487)، و (15/ 96).
وفي مفاتيح الغيب (9/ 122)، (14/ 8)، (11/ 7)، و (29/ 281)، و (30/ 94).
وفي تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي ص 13، 27، 58، 59، 80، 88، 123، 158، 240، 279، 281، 289.
وفي أضواء البيان (6/ 245)، (8/ 395، 618).
(1)
انظر المحصول (1/ 501/1)، والبحر المحيط للزركشي (2/ 245)، وشرح الكواكب (4/ 665)، ونشر البنود (1/ 126)، وأضواء البيان (4/ 338)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (2/ 151، 155).
فيقدم التخصيص لأمرين:
أحدهما: أن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز.
الثاني: أن اللفظ يبقى مستصحبا في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى قرينة
(1)
.
***
(1)
بلفظه من كلام الشنقيطي في أضواء البيان (4/ 338).
المطلب الخامس:
قاعدة إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية
*
صورة القاعدة:
إذا دار كلام الشارع بين مسمى شرعي، ومسمى لغوي ولا دليل يعين أحدهما، فيجب حمله على المسمى الشرعي؛ لأنه عرفه، ويجب أن يحمل كلام كل أحد على عرفه الخاص به، ولما سيأتي من أدلة على ذلك، فإن قام دليل على تعيين أحدهما فلا ترجيح إذا بهذه القاعدة، كقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103]، فلفظة «صلّ» مختلف فيها المعنى الشرعي والمعنى اللغوي، إلا أنه لم يرجّح المعنى الشرعي فيها لقيام الدليل على إرادة المعنى اللغوي، لحديث عبد الله بن أبي أوفى
(1)
(2)
(،3).
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
تنقسم الحقيقة إلى لغوية وعرفية وشرعية، لأن الوضع المعتبر فيه: إما وضع اللغة، وهي اللغوية، وهي: استعمال اللفظ في موضعه الأصلى، كالأسد للحيوان
(1)
واسمه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي مختلف في كنيته، له ولأبيه صحبة من أهل بيعة الرضوان، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، توفي سنة ست وثمانين، وقيل غير ذلك، سير أعلام النبلاء (3/ 428)، والإصابة (4/ 38).
(2)
متفق عليه، البخاري، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، انظر الصحيح مع الفتح (3/ 423)، ومسلم، كتاب الزكاة، حديث رقم (176).
(3)
انظر أصول في التفسير للعثيمين ص 29.
المفترس أولا.
وأما وضع الشارع وهي الشرعية، والمراد بها ما عرفت فيه التسمية الخاصة من قبل الشرع، كالصلاة للأركان وقد كانت في اللغة للدعاء أولا، وأمّا عرف الاستعمال، وهي العرفية
(1)
، وسيأتي الحديث عنها في القاعدة التالية - إن شاء الله تعالى.
***
*
أدلة القاعدة:
أولا: أن القرآن أساس الشريعة، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا من جهته، لا لتعريف ما هو معروف لأهل اللغة فوجب حمل اللفظ عليه لما فيه من موافقة مقصود البعثة
(2)
.
ثانيا: أننا لو حملنا اللفظ على تعريف المعنى اللغوي كانت فائدة لفظ الشارع التأكيد، بتعريف ما هو معروف لنا، ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي كانت فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا، وفائدة التأسيس أصل، وفائدة التأكيد تبع، فكان حمله على التأسيس أولى
(3)
، وسيأتي الكلام عنها في قاعدة مستقلة.
ثالثا: أن الأحكام تتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي
(4)
، فوجب حمله عليه.
رابعا: أن المعنى الشرعي كالناسخ المتأخّر - أي متأخر عن المعني اللغوي - فيجب حمله عليه
(5)
.
خامسا: أن حمل خطاب الله - تعالى - على المسميات الشرعية يفيد تقرير معنى
(1)
ينظر روضة الناظر مع شرحها (2/ 8) وما بعدها، وشرح مختصر الروضة (1/ 486)، والبحر المحيط للزركشي (2/ 154) وما بعدها، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي ص 209 - 210.
(2)
الأحكام للآمدي (3/ 36)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص 114، وشرح مختصر ابن الحاجب (2/ 379)، والبحر المحيط للزركشي (2/ 168 - 169)، و (3/ 473)، وشرح الكوكب (3/ 433 - 434).
(3)
الإحكام للآمدي (3/ 26)، وشرح الكوكب (3/ 433).
(4)
التمهيد لابن عبد البر (4/ 141).
(5)
شرح الكوكب (3/ 434)، وانظر التمهيد لأبي الخطاب (2/ 263).
شرعي أو حكم شرعي، ولا تتحقق هذه القاعدة عند حمله على المسميات اللغوية، وإذا دار أمر الخطاب بين حمله على معنى يؤدي فائدة شرعية وبين حمله على معنى خال عن هذه الفائدة، كان حمله على المعنى الذي يحققها أولى من حمله على غيره؛ لأن حمله على غيره إهمال لتلك الفائدة، ولا شك أن إعمال الكلام أولى من إهماله
(1)
.
سادسا: القاعدة: أن من له عرف وعادة في لفظ إنما يحمل لفظه على عرفه، فإن كان المتكلم هو الشرع حملنا لفظه على عرفه
(2)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة جمهور العلماء من المفسرين، والفقهاء، والأصوليين، وغيرهم.
1 -
فمن هؤلاء أبو الحسن الماوردي: قال - مقررا هذه القاعدة في معرض كلامه على القسم الثالث من أقسام التفسير وهو ما يرجع إلى اجتهاد العلماء -:
والقسم الثالث: ما يرجع فيه إلى اجتهاد العلماء، وهو تأويل المتشابه، واستنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، والمجتهدون من علماء الشرع أخص بتفسيره من غيرهم حملا لمعاني الألفاظ على الأصول الشرعية، حتى لا يتنافي الجمع بين معانيها وأصول الشرع، فيعتبر فيه حال اللفظ، فإنه ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون مشتملا على معنى واحد لا يتعداه، ومقصورا عليه ولا يحتمل ما سواه، فيكون من المعاني الجلية والنصوص الظاهرة، التي يعلم مراد الله - تعالى -
(1)
انظر «القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله» لمصطفى عبود ص 325، رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود، على الآلة الكاتبة.
(2)
هذا كلام القرافي في شرح تنقيح الفصول ص 211، وانظر شرح الكوكب (1/ 299)، والمدخل الفقهي العام (2/ 852).
بها قطعا من صريح كلامه، وهذا قسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله.
والقسم الثاني: أن يكون اللفظ محتملا لمعنيين أو أكثر، وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون أحد المعنيين ظاهرا جليا، والآخر باطنا خفيّا فيكون محمولا على الظاهر الجلي دون الباطن الخفي، إلا أن يقوم الدليل على أن الجليّ غير مراد، فيحمل على الخفي.
والضرب الثاني: أن يكون المعنيان جليّين، واللفظ مستعملا فيهما حقيقة، وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يختلف أصل الحقيقة فيهما، فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في اللغة، والآخر مستعملا في الشرع، فيكون حمله على المعنى الشرعيّ أولى من حمله على المعني اللّغويّ، لأن الشرع ناقل اهـ
(1)
.
2 -
ومنهم الفخر الرازي: فقد قرر هذه القاعدة في محصوله - كما سيأتي الإحالة إليه - وطبّقها في تفسيره
(2)
.
3 -
ومنهم الزركشي: فقد قرر هذه القاعدة، ونقل مضمون كلام الماوردي السابق، إلى أن قال: أن يكونا - أي المعنيين - جليين، والاستعمال فيهما حقيقة.
وهذا على ضربين:
أحدهما: أن تختلف أصل الحقيقة فيهما، فيدور اللفظ بين معنيين هو في أحدهما حقيقة لغوية، وفي الآخر حقيقة شرعية، فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينة على إرادة اللغوية نحو قوله تعالى:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]
…
ولو دار بين الشرعية والعرفية فالشرعية أولى؛ لأن الشرع
(1)
النكت والعيون (1/ 38 - 39).
(2)
انظر مفاتيح الغيب (2/ 231)، (6/ 86).
ألزم
(1)
اه
(2)
.
4 -
ومنهم العلاّمة ابن الوزير: ففي معرض كلامه على مراتب التفسير فيما يرجع منه إلى الدراية، قال إنه يرجع إلى سبعة أنواع، وفي النوع الخامس منها قرر هذه القاعدة فقال: وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف على الشاذ وتقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية اهـ
(3)
.
5 -
ومنهم العلاّمة الألوسي: فقد رجح بها
(4)
، كما سيأتي في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله - تعالى -.
6 -
ومنهم العلاّمة الشنقيطي: يقول - مقررا هذه القاعدة -: والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية، وهو التحقيق خلافا لأبي حنيفة في تقديم اللغوية ولمن قال يصير اللفظ مجملا لاحتمال هذا وذاك اهـ
(5)
.
7 -
وقال الشيخ محمد العثيمين في أصول التفسير: وإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي أخذ بما يقتضيه الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذ به اهـ
(6)
.
(1)
لم أذكر لاختلاف الحقيقة الشرعية والعرفية قاعدة للترجيح؛ لأنه لا عبرة بالعرف المعارض للشرع، فالشرع حاكم على العرف فما أقره فهو الثابت، وما نفاه وأبطله فهو الباطل، وإنما يحصل تعارضمها إذا كان الخطاب صادرا من غير الشارع، وقد اهتم الفقهاء ببيان تعارضمها في ذلك، انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص 93، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 105.
(2)
البرهان (2/ 167).
(3)
إيثار الحق ص 154.
(4)
انظر روح المعاني (24/ 98 - 99).
(5)
أضواء البيان (3/ 100)، وانظر مذكرة في أصول الفقه ص 209 - 210.
(6)
أصول في التفسير ص 31.
8 -
وهي قاعدة أصولية قررها علماء الأصول في مصنفاتهم
(1)
، فقد قرروا أن خطاب الشارع إذا ورد بلفظ له حقيقة في اللغة، وحقيقة في الشرع كالوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها، فإنه يجب حمل ذلك على عرف الشرع، على أرجح المذاهب في المسألة
(2)
.
***
*
المخالفون للقاعدة والجواب على قولهم:
نازع في هذه القاعدة الإمام أبو حنيفة، وبعض الأصوليين فذهب الإمام أبو حنيفة إلى تقديم الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية، وحجته في هذا أن المعنى الشرعي مجاز، والكلام لحقيقته، إلا أن يدل دليل على المجاز، بناء على أن اللفظ في الأصل موضوع لمعناه اللغوي، فإذا نقل إلى المعنى الشرعي صار مجازا
(3)
.
وذهب بعض الأصوليين إلى أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية، فإنه يصير مجملا
(4)
، وذلك لتردده بينهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يناطق العرب بلغتهم، كما يناطقهم بعرف شرعه، إلا أن ترد قرينة ترجح إحداهما
(5)
.
(1)
انظرها في شرح اللمع (1/ 131)، والتمهيد لأبي الخطاب (2/ 262 - 263)، والمحصول (1/ 577/1)، و (2/ 574/2)، وروضة الناظر مع شرحها (2/ 14)، والإحكام للآمدي (3/ 25)، وشرح تنقيح الفصول ص 112 - 114، وبيان المختصر «شرح مختصر ابن الحاجب» (2/ 379)، والتمهيد للأسنوي ص 228، والبحر المحيط للزركشي (3/ 473 - 475)، وشرح الكوكب (1/ 299)، و (3/ 434)، وإرشاد الفحول ص 290 - 463)، ونشر البنود (1/ 129).
(2)
شرح الكوكب (3/ 434) بتصرف يسير.
(3)
شرح الكوكب المنير (3/ 435)، وانظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي (2/ 76)، وقواعد في علوم الحديث ص 297، والتعارض والترجيح للبرزنجي (2/ 118).
(4)
المجمل في اصطلاح الأصوليين هو: ما لا ينبئ عن المراد بنفسه، ويحتاج إلى قرينة تفسره، قاله القاضي أبو يعلى في العدة (1/ 142)، وقال الفتوحي هو: ما تردّد بين محتملين فأكثر على السواء، شرح الكوكب (3/ 414).
(5)
هذا القول هو ظاهر كلام الإمام أحمد، واختاره القاضي أبو يعلى في العدة (1/ 143)، وانظر المسودة ص 177، وشرح الكوكب (3/ 435).
ويجاب عما استدل به الحنفية، بأن اللفظ لما نقل من العرف اللغوي إلى عرف الشرع ترك المعنى اللغوي، وصار حقيقة شرعية؛ لأن المتبادر عند إطلاقه هو المعنى الشرعي، والمتبادر من إطلاقه الحقيقة
(1)
، فهو بالنسبة إلى الشرع حقيقة وإلى اللغة مجاز
(2)
.
وأما القول بالإجمال إلا بقرينة، فيجاب عنه بأن أقوى قرينة ترجح إرادة الحقيقة الشرعية هي كون النبي صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات ولم يبعث لبيان الحقائق اللغوية
(3)
.
وأدلة هذه القاعدة توضح بجلاء تام صحتها وضعف قول المخالفين لها.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ} (7)[فصلت: 6 - 7].
اختلف المفسرون في المراد بقوله: {لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ} .
فقال بعضهم معناه: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم، وتزكي أبدانهم ولا يوحدونه.
ويروى هذا القول عن ابن عباس وعكرمة غيرهما.
وقال آخرون: بل معناه: الذين لا يقرون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها، ولا يعطونها أهلها. ويروى هذا القول عن قتادة والحسن وغيرهما
(4)
.
وهذا القول هو الذي ترجحه هذه القاعدة، وذلك أن من حمل معنى الزكاة على تزكية وتطهير أنفسهم بفعل الطاعة حملها على أصل المعنى اللغوي لها، وهو النماء
(1)
التعارض والترجيح للبرزنجي (2/ 118).
(2)
شرح الكوكب (3/ 435).
(3)
انظر رسالة ماجستير بعنوان «القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله» لمحمد مصطفى عبود ص 325 في جامعة الإمام محمد بن سعود، على الآلة الكاتبة.
(4)
انظر جامع البيان (24/ 92 - 93)، ومعالم التنزيل (7/ 164)، وغيرها من كتب التفسير.
والزيادة والطهارة والصلاح
(1)
.
وأما من حملها على زكاة المال يعني صدقة المال، ففسرها بالمعنى الشرعي لها، والحقيقة الشرعية مقدمة في تفسير كلام الشارع كما تقرر هذه القاعدة - ما لم يرد دليل يمنع من أرادتها، ولا دليل هنا.
وهذا القول الذي ترجحه هذه القاعدة، قد رجحه جماعة من المفسرين.
قال الطبري - بعد أن ذكر القولين -:
والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدّون زكاة أموالهم، وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن قوله في:{وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ} (7) دليل على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله:{الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ} مرادا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ} (7) معنى؛ لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله:{وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ} (7) قوله: {الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ}
ما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معنى بها زكاة الأموال اهـ
(2)
.
وقال ابن كثير: وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين اهـ
(3)
.
وهو اختيار ابن جزيّ
(4)
، والألوسي
(5)
، وعليه اقتصر آخرون كالفراء
(6)
، والزجاج
(7)
،
(1)
انظر معجم مقاييس اللغة مادة «زكى» (3/ 17)، وفي لسان العرب (14/ 358)، والمفردات للراغب ص 380 - 381.
(2)
جامع البيان (24/ 93).
(3)
تفسير القرآن العظيم (7/ 153).
(4)
التسهيل (4/ 11).
(5)
روح المعاني (24/ 98 - 99).
(6)
انظر معاني القرآن (3/ 12).
(7)
انظر معاني القرآن وإعرابه (4/ 380).
والرازي
(1)
، وغيرهم.
وأمّا الذين اختاروا القول الأول كابن عطية
(2)
، وغيره فاحتجوا على ذلك أن سورة فصلت نزلت بمكة قبل الهجرة، وزكاة المال المفروضة إنما فرضت بالمدينة بعد الهجرة بسنتين، فدلّ ذلك على أن المراد بالزكاة تزكية النفس بالتوحيد والطاعة لله رب العالمين.
والجواب عن ذلك أنه غير ممتنع أن تكون السورة والآية مكيّة والمراد بها زكاة المال، بأن فرض أصل الزكاة في مكة وفصّلت المقادير وبقية الأحكام في المدينة فيكون المراد أصل الصدقة كما هو في قوله تعالى:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ}
[الأنعام: 141]
(3)
.
(1)
انظر مفاتيح الغيب (27/ 100).
(2)
انظر المحرر الوجيز (14/ 164).
(3)
انظر التسهيل (4/ 11)، وتفسير ابن كثير (7/ 153)، وروح المعاني (24/ 99).
* ونظائر هذا المثال كثيرة منها:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: 34].
انظر مفاتيح الغيب (2/ 231)، الجامع لأحكام القرآن (1/ 293)، والبحر المحيط لأبي حيان (1/ 247)، وفتح القدير (1/ 66).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125]، انظر المحرر الوجيز (1/ 353).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة: 226]، انظر مفاتيح الغيب (6/ 86)، وانظر مفردات الراغب ص 84.
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: 230]، انظر التعارض والترجيح للبرزنجي (2/ 118).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: 22]، انظر أحكام القرآن للجصاص (3/ 51)، وأحكام القرآن للكيا (2/ 383)، ومفاتيح الغيب (10/ 18 - 19)، والمغني لابن قدامة (9/ 339 - 526 - 527)، والمجموع شرح المهذب (17/ 324)، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 77، ومجمل أسباب اختلاف الفقهاء لعبد الله التركي ص 139، رسالة -
*
تنبيه:
«القرآنيون
(1)
وموقفهم من الحقائق الشرعية»:
مما يحسن التنبية عليه في هذا المقام - بمناسبة الكلام على ترجيح الحقائق الشرعية على الحقائق اللغوية في تفسير القرآن عند اختلافها - ذلك المنهج الخطير الذي سلكته هذه الفرقة في تفسير القرآن، وهو اعتمادهم على اللغة العربية كليا في شرح مفردات القرآن، ومعانيه، وأحكامه، وجعل ذلك أصلا من أصول التفسير عندهم
(2)
، ويريدون من هذا التفسير بهذا الشكل إبطال الحقائق الشرعية، واجتثاثها من أصولها، لهدم شريعة الإسلام، فهم يفسرون الألفاظ والحقائق الشرعية وفق معانيها في أصل اللغة، ولا يعترفون لها بمعان وحقائق شرعية، حتى لو كانت مما أصبح علما على أمر معين من الأمور الشرعية كالصلاة والزكاة والطواف وغيرها
واعتمادا على هذا المسلك الخطير نفى أكثر القرآنيين جلّ الحقائق الشرعية المستفادة من الألفاظ التي خصها الشارع لها، ومن أمثلة ذلك قولهم في تفسير الطواف: ليس معنى الطواف أن ندور حول البيت، بل معناه أن نتردد بين الحين والآخر، وهو المقصود لقوله عز وجل:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ}
= ماجستير - المعهد العالي للقضاء.
6 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد: 15]، انظر أضواء البيان (3/ 100).
(1)
هي فرقة ضالة معاصرة، نشأت في الهند عام (1902 م) على يد رجل يدعى عبد الله جكر الوي، ووضع أسسها وبني أفكارها الهدامة المتلخصة في الرد الكامل للسنة الشريفة، والاعتماد على القرآن وحده، وألف في ذلك الرسائل، وعندهم من الانحراف العقديّ، والانحراف في تفسير القرآن، وبيان الحقائق الشرعية الشيء العظيم، انظر كتاب «القرآنيون وشبهاتهم حول السنة» فقد أفاض في الكلام عن تاريخهم، وعرض أرائهم والرد عليها.
(2)
انظر كتاب «القرآنيون وشبهاتهم حول السنة» ص 264 وص 275 - 277.
(1)
بواسطة نقل د. خادم حسين إلهي في كتابه «القرآنيون وشبهاتهم حول السنة» ص 276، نقلا عن فريضة حج ص 61 إدارة بلاغ القرآن، مطبعة بنجاب لاهور، ومجلة بلاغ القرآن عدد يناير 1975 م.
المطلب السادس:
قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت العرفية
*
صورة القاعدة:
إذا لم يمكن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، لدليل صارف عنها، أو لكونه لا معنى شرعيا له، ثم كان هذا اللفظ دائرا بين الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، ولا دليل يوجب حمل اللفظ على إحداهما، فالحمل على العرفية أرجح.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
«الحقيقة العرفية» .
سبق بيان معنى الحقيقة.
والعرف في اللغة: ضد النّكر، يقال أولاه عرفا أي معروفا، والمعروف، والعارفة خلاف النّكر، وهو كلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه
(1)
.
وفي الاصطلاح الفقهي: هو عادة جمهور قوم في قول أو عمل
(2)
.
وأمّا إثبات الاسم من جهة عرف الاستعمال فهو: أن يكون اللفظ في اللغة موضوعا لمعنى إلا أن الناس استعاروه في غيره، واستعملوه فيه، وكثر استعمالهم له حتى غلب على ما وضع له اللفظ في اللغة
(3)
.
(1)
لسان العرب مادة «عرف» (9/ 239).
(2)
المدخل الفقهي العام (1/ 131)، وانظر التعارض والترجيح للحفناوي ص 113.
(3)
شرح اللمع في أصول الفقه (1/ 130)، وانظر روضة الناظر مع شرحها (2/ 9) والبحر المحيط للزركشي (2/ 156).
وقد قسم الإمام الشاطبي العادات إلى قسمين:
الأول: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا أو نهى عنها كراهة أو تحريما أو أذن فعلا وتركا.
والآخر: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه أو إثباته دليل، فأما الأول فثابت كسائر الأمور الشرعية
(1)
، فالمنظور فيه هو الدليل الشرعي الذي حكم عليها، ولا يدخل هذا تحت العرف والعادة المرادة هنا، ولذلك لن أورد في شروطه شرط عدم مخالفته لنصوص شرعية اكتفاء بإخراجه هنا.
وأما الآخر فهو المراد وسواء أكانت هذه العادة أو العرف قولا أم عملا، فإن كلامي في هذا الجانب يقتصر على ما كان متعلقا بخطاب الشارع، لا بأقوال وأعمال المكلفين؛ لأنه تفسير لكلام الله كما هو معلوم، أمّا أقوال وأعمال المكلفين فقد تكلم الفقهاء عنها، والفقه وقواعده مجال بحثها.
ولهذا لن أذكر في شروط العرف الآتية - إلا ما كان له تعلق بموضوعنا هذا.
- شروط العرف الذي يقدم على اللغة:
1 -
«أن يكون هذا العرف قائما في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو موجودا قبله، فأما عرف حدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واصطلح الناس على استعمال اللفظ فيما بينهم فيه، فإنه لا يجوز حمل خطاب الله عز وجل عليه وخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنما قلنا ذلك؛ لأنا نريد أن نعرف مراد الله عز وجل ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطابهما، ولا يمكن معرفة مرادهما بالكلام إلاّ من عرف كان قائما موجودا عند ورود الخطاب، فنعلم أنه قصد بإطلاق الكلام ما يقتضيه ذلك العرف، فأما عرف حدث بعده فإنه لا يجوز أن يتعرف منه مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن موجودا في زمانه»
(2)
.
(1)
انظر الموافقات (2/ 283).
(2)
بلفظه من شرح اللمع للشيرازي (1/ 131)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص 211، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 96، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 110، والمدخل الفقهي العام (2/ 878).
2 -
أن يكون هذا العرف مطّردا أو غالبا، فإن كان مضطربا فلا يقدم، ويرجع إلى اللغة
(1)
.
3 -
أن لا يوجد للّفظ محمل شرعي، أو وجد دليل صارف عن إرادته، وهذا من اقتضاء تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية والعرفية.
***
*
أدلة القاعدة:
من أدلة هذه القاعدة:
1 -
أن المعنى العرفي أظهر في الخطاب من المعنى اللغوي؛ لأنه هو المتبادر إلى الفهم، وما وضع الكلام، إلا للإفهام؛ فلذلك يقدم المعنى العرفي
(2)
.
2 -
أن المعنى العرفي ناسخ للّغة، والناسخ يقدم على المنسوخ
(3)
.
3 -
أن التكلم بالمعتاد عرفا أغلب من المراد عند أهل اللغة
(4)
.
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة مبنية على أصول المذاهب الفقهية؛ ولذلك سوف أعرض في هذه الفقرة أقوال العلماء باقتضاب؛ لأنه معلوم أن المفسرين يتبعون تلك الأصول غالبا، وكذلك من ألف في أصول الفقه أو القواعد الفقهية، فالكلام في الجميع متكرر، فمن المفسرين الذين ذكروها:
الماوردي: ففي معرض كلامه عن أقسام التفسير، تكلم عن القسم الذي يرجع إلى اجتهاد العلماء، وقرر أنه أقسام، فمن تلك الأقسام ما إذا كان اللفظ محتملا
(1)
انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص 92 - 95، والمدخل الفقهي العام (2/ 873).
(2)
انظر أصول السرخسي (1/ 190)، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي (2/ 178)، وشرح الكوكب (3/ 435).
(3)
انظر شرح تنقيح الفصول ص 211، والفروق للقرافي (1/ 173).
(4)
التمهيد للأسنوي ص 228.
لمعنيين أو أكثر، وهذا أيضا أقسام بالنسبة إلى تلك المعاني المحتملة في اللفظ فمنها القسم الثاني قال فيه: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في اللغة والآخر مستعملا في العرف، فيكون حمله على المعنى العرفي أولى من حمله على معنى اللّغة لأنه أقرب معهود اهـ
(1)
.
ومنهم الزركشي: قال: إذا دار اللفظ بين اللغوية والعرفية، فالعرفية أولى لطريانها على اللغة اهـ
(2)
.
وذكرها وقررها الشنقيطي على طريقة الأصوليين وطبّقها في تفسيره
(3)
.
وهذه القاعدة مذهب جماهير العلماء من الأصوليين والفقهاء خلافا لأبي حنيفة، فهي مذهب المالكية
(4)
والشافعية
(5)
، والحنابلة
(6)
، وهو قول أبي يوسف
(7)
، ومحمد بن الحسن
(8)
من الحنفية
(9)
.
***
(1)
النكت والعيون (1/ 39).
(2)
البرهان (2/ 167).
(3)
انظر أضواء البيان (6/ 522)، و (7/ 268 - 274).
(4)
انظر شرح تنقيح الفصول ص 211، والفروق (1/ 173) كلاهما للقرافي.
(5)
انظر شرح اللمع للشيرازي (1/ 131)، والتمهيد للأسنوي ص 228.
(6)
انظر شرح الكوكب للفتوحي (3/ 435).
(7)
هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري القاضي، صاحب أبي حنيفة، وعنه أخذ الفقه، وثقة أحمد وابن معين وابن المديني، توفى سنة اثنتين وثمانين ومائة، الجواهر المضية (3/ 611)، وسير أعلام النبلاء (8/ 535).
(8)
هو: محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني أبو عبد الله، الإمام، صحب أبا حنيفة وأخذ عنه الفقه، وسمع الموطأ من مالك، له «السّير الكبير» توفي سنة تسع وثمانين ومائة، الجواهر المضية (3/ 122)، وسير أعلام النبلاء (9/ 134).
(9)
انظر أصول السرخسي (1/ 176)، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي (2/ 106).
*
المخالفون للقاعدة:
المخالفون لهذه القاعدة، هم المخالفون للقاعدة السابقة، وذلك؛ لأن الأصول واحدة، فعند أبي حنيفة تقديم الحقيقة اللغوية على الشرعية والعرفية
(1)
، والذين قالوا بالإجمال كذلك قالوا به هنا لأجل تردده بين الاحتمالين، فيحتاج إلى بيان المقصود
(2)
.
وقد سبق في القاعدة السابقة حكاية مذاهبهم والجواب عنهم فلا داعي لتكراره هنا، وأدلة هذه القاعدة، والقاعدة السابقة تردّ على من ذهب إلى خلافهما.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {* إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60].
في المراد ب «سبيل الله» أقوال
(3)
.
منها: أن المراد الغزاة في سبيل الله الذين لا ديوان لهم، وبهذا قال جماهير العلماء.
ومنها: أن المراد الحجيج، ويروى هذا عن ابن عمر، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وإسحاق، وهو رواية عن الإمام أحمد.
ومنها: أن المراد طلبة العلم.
ومنها: أن المراد جميع القرب فيدخل فيه كل سعي في طاعة الله، وسبل الخير.
وأولى هذه الأقوال بتفسير الآية القول الأول، وهو أن المراد الغزاة في سبيل الله،
(1)
انظر أصول السرخسي (1/ 176)، ونشر البنود (1/ 128)، وأضواء البيان (7/ 268).
(2)
انظر أضواء البيان (6/ 522)، و (7/ 268).
(3)
انظر أحكام القرآن للجصاص (4/ 429)، ومعالم التنزيل (4/ 65)، وأحكام القرآن لابن عربي (2/ 533)، وتفسير ابن كثير (4/ 109)، وروح المعاني (10/ 123).
ويكاد يكون مجمعا عليه وذلك أن العلماء الذين قالوا بغيره أدخلوه معه
(1)
، واقتصر عليه آخرون فلم يذكروا غيره
(2)
.
وإنّ إطلاق لفظ «في سبيل الله» على الغزو والجهاد كان شائعا في الاستعمال عند نزول القرآن، فكان عرفا.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال ابن الجوزي
(3)
: إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد
…
وقال ابن دقيق العيد
(4)
: «في سبيل الله» العرف الأكثر فيه استعماله في الجهاد
…
اه
(5)
.
فكان هذا القول أولى الأقوال بتفسير الآية تقديما للعرف المقارن للخطاب على العرف المتأخر عنه، وعلى الاستعمال اللغوي.
فإطلاق في «سبيل الله» على كل طاعة قصد بها وجه الله، والحكم بإرادة ذلك في الآية غير صحيح يأباه سياق الآية وفحواها؛ لأنها في سياق حصر الأصناف التي تصرف لهم الزكاة، فإن جعل صنف «في سبيل الله» في طاعة الله ووجوه الخير، لا يكون لذلك الحصر كبير فائدة؛ لأنه يدخل فيه كل ما ذكر في الآية دون تقييد بغنى أو فقر، وفعل الطاعة ووجوه الخير لا تحصر لا في الأغنياء ولا في الفقراء.
وأما القول إن المراد طلبة العلم، فالكلام على ذلك من وجهين:
(1)
انظر تفسير المنار (10/ 499).
(2)
منهم الإمام الطبري في جامع البيان (10/ 165).
(3)
هو: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي الحنبلي، صاحب التصانيف، حامل لواء الوعظ، وعلاّمة السير والتاريخ، وبحر التفسير، غير أنه ممن خاض في التأويل توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة، سير أعلام النبلاء (21/ 265).
(4)
هو: محمد بن علي بن وهب القشيري، أبو الفتح، تتلمذ على العز بن عبد السلام، وولى قضاء مصر ثماني سنين، برع في علوم كثيرة، وله مصنفات كثيرة، توفي سنة اثنتين وسبعمائه، الدرر الكامنة (4/ 210)، وشذرات الذهب (6/ 5).
(5)
فتح الباري (6/ 56)، وإحكام الأحكام لابن دقيق (2/ 247).
أحدهما: أن يكون طلبة العلم داخلين في عموم القول السابق الذي أجيب عنه.
الآخر: أن يكون عرفا للفظ «سبيل الله» فإن كان هذا عرفا، فهو طارئ بعد نزول القرآن، وليس مقارنا له، فلا يجوز حمل الآية عليه - كما سبق في شروط اعتبار العرف - والترجيح به، «وإن النص التشريعي يظل محمولا على معناه العرفي الأول عند صدوره، ومعمولا به في حدود ذلك المعنى؛ لأنه هو مراد الشارع، ولا عبرة للمعاني العرفية أو الاصطلاحية الحادثة بعد ورود النص»
(1)
.
وأما القول إن المراد الحجيج، فإنه وإن ورد في الحديث «الحج والعمرة من سبيل الله»
(2)
فلا تظهر إرادته في هذه الآية - والله أعلم - وذلك؛ لأنه قال: «من سبيل الله» على عموم ذلك المعنى، وقد سبق الجواب عنه.
وجاء هذا مقترنا بالحج والعمرة مبينا لهما؛ لكن الكلام على إطلاق لفظ «في سبيل الله» دون أن يقيّد بعمل معين.
قال أبو بكر ابن العربي: والذي يصح عندي من قولهما -[يعني أحمد وإسحاق]- أن الحج من جملة السّبّل مع الغزو؛ لأنه طريق برّ، فأعطي منه باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة، وينثر سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر اهـ
(3)
.
(1)
المدخل الفقهي العام (2/ 878).
(2)
أخرجه أحمد (6/ 405 - 406)، والحاكم في المستدرك (1/ 482) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني بدون لفظ «العمرة» في الإرواء حديث رقم (869).
(3)
أحكام القرآن (2/ 533).
* ومن نظائر هذا المثال:
- ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: 55]، انظر أضواء البيان (7/ 268) وما بعدها.
- ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [الأحزاب: 4]، انظر أضواء البيان (6/ 522).
المطلب السابع:
قاعدة: القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار
ويلى هذه القاعدة ثلاث قواعد في الحذف والتقدير:
الأولى: تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير.
الثانية: التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره.
الثالثة: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى.
*
صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يرى افتقار الكلام إلى التقدير، ومنهم من يرى استقلال الكلام وعدم احتياجه إلى ذلك التقدير، والمعنى مستقيم بدونه، فحمل الآية على الاستقلال مقدم؛ لأجل موافقة الأصل.
*
بيان ألفاظ القاعدة:
أولا: الاستقلال:
أصل مادة «قلّ» يدل على نزارة الشيء، يقال: قلّ الشيء يقلّ قلّة فهو قليل، ويقال: استقلّ القوم إذا مضوا لمسيرهم
(1)
، «ويقال: استقلّ الطائر في طيرانه: أي نهض للطيران وارتفع في الهواء، والاستقلال بمعنى الارتفاع والاستبداد»
(2)
.
«وتأتي استقلّ» لازمة، ومتعدية بالباء فتدل على الانفراد، يقال: استقل فلان:
أي انفرد بتدبير أمره، واستقل بالشيء: انفرد به، وبهذا المعنى يعرّف الاستقلال هنا بأنه: إفادة المعنى المراد بالكلام الملفوظ به منفردا دون حاجة إلى تقدير»
(3)
،
(1)
معجم مقاييس اللغة (5/ 3) مادة «قل» .
(2)
لسان العرب مادة «قلل» (11/ 566).
(3)
من كلام شيخنا الشيخ مناع القطان رحمه الله.
فالاستقلال هو عدم التقدير
(1)
.
ثانيا: الإضمار:
يستعمل «الإضمار» في اللغة في معان عديدة، الذي يعنينا منها هو ما يتعلق بموضوع القاعدة، وهو الإسقاط والإخفاء، وقد ذكر ابن فارس أن مادة «ضمر» لها أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على غيبة وتستّر - وهو الذي يهمنا في هذه القاعدة - ثم شرع في بيانه فقال: الضّمار هو المال الغائب الذي لا يرجى، وكلّ شيء غاب عنك فلا تكون منه على ثقة فهو ضمار اهـ
(2)
.
فيدور هذا المعنى اللغوي على الغيبة والتستر والخفاء، فالإضمار في الجملة هو كذلك.
والإضمار في الاصطلاح هو: أن يخفي المتكلم في نفسه معنى ويريد من المخاطب أن يفهمه
(3)
، وذلك يكون بإسقاط بعض الكلام لفظا لغرض ما، مع قيام قرينة على ذلك لئلا يلتبس المعنى، قال الكفوي: الإضمار ما ترك ذكره من اللفظ وهو مراد بالنية اهـ
(4)
.
والحذف هو: إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل
(5)
.
فالمحذوف وإن سقط لفظه فإن معناه باق وينتظمه المقدر
(6)
.
ومن العلماء من يفرق بين الحذف والإضمار، ويرى أن الحذف إسقاط الشيء لفظا ومعنى، أما الإضمار فهو إسقاط الشيء لفظا لا معنى.
لكنه لا بد فيهما من مقدر، قال الكفوي: وشرط الحذف والإضمار هو أن يكون
(1)
شرح الكوكب (1/ 295).
(2)
انظر معجم مقاييس اللغة (3/ 371)، وانظر مادة «ضمر» في تهذيب اللغة (12/ 37) والصحاح (2/ 722)، واللسان (4/ 492)، والكليات ص 135.
(3)
الصواعق المرسلة (2/ 714).
(4)
الكليات ص 384.
(5)
كذا عرّفه الزركشي في البرهان (3/ 102).
(6)
الكليات ص 870.
ثمّة مقدّر اهـ
(1)
.
واشترط بعضهم في مقدر المضمر، بقاء أثره في اللفظ
(2)
، وأيّا كان الأمر فالذي يهمنا هنا هو وجود هذا المقدر، فإذا دار الكلام بين الإضمار والاستقلال حمل على الاستقلال، أو بعبارة أخرى إذا دار الكلام بين التقدير وعدمه، حمل على عدم التقدير؛ لذلك فإني في هذه القاعدة لن أعتمد فروقا بين هذه المصطلحات، لعدم أثرها الواضح في القاعدة، وسوف أعبر عن هذه القضية أعني التقدير في الكلام بالإضمار أو الحذف أو التقدير ولن ألتزم أحدها.
***
*
الحذف والإضمار في كلام العرب والقرآن، وفي هذه القاعدة:
الإضمار والحذف والتقدير خلاف الأصل
(3)
، فيجب التقليل من مخالفة الأصل مهما أمكن، والعرب لا تحذف من الكلام شيئا إلا وتركت عليه دليلا، بل من عادتها الحسنة أنهم يحذفون من الكلام ما يكون المذكور دليلا عليه اختصارا، ودلالة الكلام على المحذوف قد تحصل من صريحه تارة، ومن سياقه، ومن قرائنه المتصلة به تارة أخرى
(4)
.
وهذا وارد في فصيح كلامها، وهو كثير في القرآن الكريم
(5)
، كقوله تعالى:
{أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63] فمعلوم أن المراد فضرب فانفلق؛
(1)
الكليات ص 384.
(2)
البرهان (3/ 102).
(3)
انظر مغني اللبيب (2/ 599 - 615)، والبرهان في علوم القرآن (3/ 104)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (1/ 101)، وشرح الكوكب (1/ 295)، وأضواء البيان (2/ 87).
(4)
الصواعق المرسلة (2/ 713)، وانظر أدلة الحذف وشرائطه في تأويل مختلف الحديث ص 245، والإشارة إلى الإيجاز ص 3 - 8، ومغني اللبيب (2/ 603) والبرهان في علوم القرآن (3/ 108 - 111)، والإتقان (3/ 174)، والكليات ص 385.
(5)
انظر على سبيل المثال معاني القرآن للفراء (2/ 247)، وتأويل مشكل القرآن ص 210 - 226، وجامع البيان (1/ 61 - 265)، و (10/ 23)، و (12/ 160)، و (23/ 60)، والصاحبي ص 337، -
لكن لم يحتج إلى ذكر ذلك في اللفظ إذ كان قوله: فقلنا اضرب، فانفلق: دليلا على أنه ضرب فانفلق
(1)
.
قال الطاهر بن عاشور: إنك تجد في كثير من تراكيب القرآن حذفا، ولكنك لا تعثر على حذف يخلو الكلام من دليل عليه من لفظ أو سياق اهـ
(2)
.
فمثل هذا الإضمار والتقدير غير داخل تحت هذه القاعدة التي نحن بصدد عرضها - وستأتي قواعد تتعلق بهذا النوع - إن شاء الله - تعالي - لأنه في حكم الملفوظ به وإن حذف اختصارا لدلالة الكلام عليه، وهذه الدلالة تسمى عند الأصوليين «دلالة الاقتضاء» وهي: أن يكون الكلام المذكور لا يصح ضرورة إلا بتقدير محذوف، وهذا المحذوف هو «المقتضى»
(3)
، هذا المحذوف الذي دلّ الدليل عليه قد يكون جملة بأسرها أو أحد أركانها.
أما الفضلة فلا يشترط ذكرها بحيث إذا لم تذكر قيل عنها إنها محذوفة؛ ولكن إذا تعلق الغرض بمجرد إيقاع الفاعل للفعل فيقتصر عليها، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى:{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258]
…
إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة
(4)
…
فلا يقال فيه إنه حذف بغير دليل
(5)
.
= 386، والمحرر الوجيز (5/ 84)، وفتح القدير (3/ 84)، و (4/ 168)، وأضواء البيان (3/ 356 - 600 - 610)، (4/ 434 - 436 - 855)، و (6/ 249 - 296)، و (7/ 105 - 159).
(1)
مجموع فتاوى ابن تيمية (20/ 466).
(2)
التحرير والتنوير (1/ 122).
(3)
انظر الواضح في أصول الفقه للدكتور محمد الأشقر ص 221، وانظر دلالة الاقتضاء في المحصول (1/ 318/1)، وأصول السرخسي (1/ 248) وشرح تنقيح الفصول ص 53، 55 والبحر المحيط (3/ 160)، وشرح الكوكب (3/ 475).
(4)
انظر مغنى اللبيب (2/ 603 - 612).
(5)
البرهان في علوم القرآن (3/ 102).
وأمّا الذي يعنينا في هذه القاعدة فهو ما سوى ذلك - أعني سوى ما دلّ الدليل على حذفه - فإذا لم يقم دليل على الحذف، فلا تصح دعواه، لما فيه من مخالفة الأصل دون دليل، ومثل هذا لا يرد في كلام العرب، ولا يحسن فيه، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب معرفته
(1)
.
قال العز بن عبد السلام:
…
والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا وصلة إليه؛ لأن حذف ما لا دلالة عليه مناف لغرض وضع الكلام من الإفادة والإفهام
اه
(2)
.
وهو - أيضا - لا يرد في كلام من يريد البيان والهدى، فإن الإضمار إذا سلط على الكلام أفسد التخاطب وأبطل التكاليف، ولم يفهم أحد مراد أحد، إذ يمكنه أن يضمر كلمة تغيّر المعنى، ولا يدل المخاطب عليها، وباب الإضمار لا ضابط له فكل من أراد إبطال كلام متكلم ادعى فيه إضمارا يخرجه عن ظاهره، وبمثل هذا حرفت كثير من النصوص من قبل المبتدعة والباطنية والزنادقة، فمثل هذا الإضمار باطل، يعلم انتفاؤه قطعا
(3)
.
ومنه - أعني مما يعنينا في القاعدة - إذا احتمل الكلام الإضمار وعدمه، فحمله على عدم الإضمار أولى، لموافقته الأصل، وظاهر الخطاب؛ ولأنه هو الموافق لقصد البيان والهدى.
قال العلاّمة ابن القيم: النوع الثالث -[أي من أنواع الإضمار]- كلام يحتمل الإضمار ويحتمل عدمه فهذا إذا قام الدليل على أن المتكلم به عالم ناصح مرشد، قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل طريق، وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ، وأن هذا هو المعروف المألوف من خطابه وأنه اللائق بحكمته لم يشك السامع
(1)
الخصائص (2/ 360).
(2)
الإشارة إلي الإيجاز ص 2.
(3)
انظر الصواعق المرسلة (2/ 711) بتصرف.
في أن مراده ما دلّ عليه ظاهر كلامه، دون ما يحتمله باطنه من إضمار ما لم يجعل للسامع عليه دليلا، ولا له إلى معرفته سبيلا
…
اه
(1)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها المفسرون والأصوليون، وهي قاعدة لغوية معروفة قد نبّه علماء العربية عليها، واستعملها أئمة التفسير في الترجيح بين الأقوال المختلفة في التفسير فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
الإمام الطبري: ففي معرض ردّه على من ادعى التقدير في قوله تعالى:
{وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} [البقرة: 244] أي: وقال لهم، قال: وذلك إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر، فأمّا في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها اهـ
(2)
.
2 -
ومنهم الفخر الرازي: فقد ذكر هذه القاعدة، ورجح بها، فصحح أقوالا وضعّف أخرى، ونص على أن الإضمار خلاف الأصل
(3)
.
3 -
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - في معرض ردّه على من ادعى إضمار استفهام في قوله تعالى: {وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] أي:
أفمن نفسك؟ -: قلت: وإضمار الاستفهام - إذا دل عليه الكلام - لا يقتضي جواز إضماره في الخير المخصوص من غير دلالة، فإن هذا يناقض المقصود، ويستلزم أن كل من أراد أن ينفي ما أخبر الله به يقدر أن ينفيه، بأن يقدر في خبره استفهاما، ويجعله استفهام إنكار اهـ
(4)
.
(1)
الصواعق المرسلة (2/ 713 - 714).
(2)
جامع البيان (2/ 592) وانظر نحو هذا التقرير في (17/ 79) منه.
(3)
انظر مفاتيح الغيب (2/ 130)، (29/ 259).
(4)
مجموع الفتاوى (14/ 422).
4 -
ومنهم أبو حيان: قال: متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار، كان أولى أن يسلك به الإضمار والافتقار، وهكذا تكون عادتنا في إعراب القرآن، لا نسلك فيه إلى الحمل على أحسن الوجوه، وأبعدها من التكلف، وأسوغها في لسان العرب اهـ
(1)
.
5 -
ومنهم ابن القيم: وقد مرّ في الفقرة السابقة نقل بعض أقواله في تقرير القاعدة واعتمادها.
6 -
ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد اعتمد هذه القاعدة وجها من أوجه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره، قال فيه: الحادي عشر: تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار اهـ
(2)
.
7 -
ومنهم ابن كثير: ففي معرض ردّه على من قال في تفسير القاف في أول سورة «ق» : قضي الأمر والله، قال: وفي هذا التفسير نظر؛ لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ الدليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف اهـ
(3)
.
8 -
ومنهم الزركشي: قال: والحذف خلاف الأصل، وعليه ينبني فرعان: أحدهما:
إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى؛ لأن الأصل عدم التغيير اه
(4)
.
9 -
ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة -:
…
اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذوف اهـ
(5)
.
(1)
البحر المحيط (1/ 61).
(2)
التسهيل (1/ 9).
(3)
تفسير القرآن العظيم (07/ 373).
(4)
البرهان (3/ 104).
(5)
أضواء البيان (2/ 78)، وانظر نحو هذا التقرير (3/ 355) منه.
وقال - في موضع آخر مرجحا بهذه القاعدة -: والقول الأول أظهر عندي؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير إلا بحجة يجب الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر اهـ
(1)
.
وذكر الأصوليون هذه القاعدة: من أوجه الترجيح التي ذكروها بين الألفاظ المتعارضة من الكتاب والسنة، قال القاضي أبو يعلى: وأمّا الترجيح الذي يعود إلى متنه فمن وجوه:
…
التاسع: أن يكون أحد التأويلين موافقا لفظه من غير إضمار
…
اه
(2)
.
وقالوا في الترجيح بين مقتضيات الألفاظ إن اللفظ إذا دار بين أن يكون مضمرا أو مستقلا فإنه يحمل على استقلاله وهو عدم التقدير
(3)
.
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
هذه القاعدة تعمل في ثلاثة أنواع من الخلاف:
الأول: مخالفة المؤولة المبتدعة لمذهب السلف بناء على ما اعتقدوه، سالكين سبيل الإضمار في نصوص الوحي.
الثاني: خلاف المفسرين الذي ليس مما سبق.
الثالث: خلاف المعربين في إعراب بعض الآيات.
***
النوع الأول: مخالفة المؤولة المبتدعة لمذهب السلف بناء على ما اعتقدوه، سالكين سبيل الإضمار في نصوص الوحي:
1 -
فمن أمثلة ذلك: ما جاء في تفسير قول الله تعالى: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (22)[الفجر: 22].
(1)
أضواء البيان (4/ 137).
(2)
العدة لأبي يعلى (3/ 1035)، وانظر البحر المحيط للزركشي (6/ 167).
(3)
شرح الكوكب المنير (1/ 295)، وانظر المحصول (2/ 574/2)، وشرح تنقيح الفصول ص 112، وإرشاد الفحول ص 463.
فذهب أهل السنة في تفسير هذه الآية إلى إثبات صفة المجيء لله - تعالى -، صفة تليق به - سبحانه -، وأن الآية مستقلة لا تقدير فيها، وليس في ألفاظها ولا سياقها ولا في دلالة شرعية تدل على إضمار شيء فيها وبإثبات هذه الصفة فسرها مفسرو أهل السنة كالطبري، وابن كثير، وغيرهما.
قال الطبري: يقول - تعالى - ذكره: وإذا جاء ربك يا محمد وأملاكه صفوفا صفا بعد صف اهـ
(1)
وساق آثارا في إثبات الصفة عن ابن عباس، والضحاك، وأعقبها بحديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن كثير: «وجاء ربك» يعنى لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم
…
اه
(2)
.
ودلائل القرآن والسنة متظاهرة مشهورة في إثبات صفة المجيء لله - تعالى -، وهو مذهب السلف.
وأما الخلف فذهبوا في تفسير هذه الآية إلى تقدير مضاف محذوف أي: جاء أمر ربك، أو جاء قضاؤه، ونحوها.
قال ابن عطية: في تفسير هذه الآية: معناه: وجاء قدره وسلطانه وقضاؤه اه
(3)
.
وقال القرطبي: {وَجاءَ رَبُّكَ} أي أمره وقضاؤه، قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف اهـ
(4)
.
وبمثل هذا قال جماعة
(5)
.
(1)
جامع البيان (30/ 185).
(2)
تفسير القرآن العظيم (8/ 421)، وانظر فتح البيان (15/ 230).
(3)
المحرر الوجيز (16/ 299).
(4)
الجامع لأحكام القرآن (20/ 55).
(5)
انظر مثلا معالم التنزيل (8/ 422)، ومدارك التنزيل للنسفي (3/ 1963)، وإرشاد العقل السليم (9/ 157)، وفتح القدير (5/ 440)، والتحرير والتنوير (30/ 336).
ولا شك في صحة مذهب السلف في هذا، غير أني ذكرت هذا الخلاف في تفسير الآية؛ لأنه مذكور في جلّ كتب التفسير، خاصة المتأخرة منها، وحتى أبين دور القاعدة - التي نحن بصدد عرضها - في الترجيح في مثل هذا الخلاف، وإن كانت دلائل الكتاب، والسنة وأقوال الصحابة، والتابعين تغني عنها - وذلك أن دعوى الحذف والإضمار في هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات باطل؛ لأنه لا دليل عليه من ألفاظ الآية وسياقها ولا من دلائل الكتاب والسنة، والذين ذهبوا إلى تقدير محذوف فيها، إنما ذهبوا إلى هذا لأجل ما اعتقدوه من نفي هذه الصفة وغيرها من صفات الأفعال عن الله - تعالى -، ومستندهم في ذلك العقل، فإنه يحيل عندهم اتصاف الباري - سبحانه - بهذه الصفة قال الرازي في تفسير هذه الآية: واعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله - تعالى - محال؛ لأن كل ما كان كذلك كان جسما والجسم يستحيل أن يكون أزليا فلا بد من التأويل، وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه اهـ
(1)
.
فأنت ترى السبب الذي جعله يقول بأن هذه الآية من باب حذف المضاف، وكذلك جعلها العز بن عبد السلام
(2)
، والزركشي
(3)
- وغيرهم من أهل التأويل - ودليلهم جميعا على الحذف هو دلالة العقل على استحالة اتصاف الله بهذه الصفة، وهو دليل ظاهر البطلان، فلا تعارض نصوص الكتاب والسنة بالعقل الفاسد، وأمّا العقل الصحيح الذي استنار بنور الكتاب والسنة فلا يجد تعارضا مع الكتاب والسنة، ويتّبع في اعتقاده الكتاب والسنة.
وأمّا الذين يتبعون الكتاب والسنة لما اعتقدوه فهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويلوون النصوص بالإضمار والتقدير وغيرها حتى توافق ما اعتقدوه وما رأوه حسنا.
(1)
مفاتيح الغيب (31/ 174).
(2)
انظر الإشارة إلى الإيجاز ص 4.
(3)
انظر البرهان (3/ 109).
وبالجملة فباب الصفات مبناه على التسليم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم أثبتناه كما أثبته، وما نفاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نفيناه كما نفاه.
فآيات الصفات كلها مستقلة لا إضمار ولا تقدير فيها كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، والحمد لله رب العالمين
(1)
.
2 -
ومن أمثلته - أيضا -: إضمار الرافضة في نصوص القرآن بناء على ما اعتقدوه دون نظر إلى دليل أو قرينة أو سياق يدل على المقدر، وإنما هي أهواء.
فمنه ما قاله مفسرهم في تفسير قوله تعالى: {فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ} (41)[الزخرف: 41] قال: فإما نذهبنّ بك يا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فإنا رادوك إليها ومنتقمون منهم بعلي بن أبي طالب اهـ
(2)
.
وأنت ترى في هذا القول صبغة تحريف الكلم عن مواضعه، وهو ظاهر البطلان، وبطلانه أظهر من أن يناقش.
قال العلامة ابن القيم: ومن رأى ما أضمره المتأولون من الرافضة والجمهية والقدرية والمعتزلة، مما حرفوا به الكلم عن مواضعه وأزالوا به عن ما قصد له من البيان والدلالة، علم أن لهم أوفر نصيب من مشابهة أهل الكتاب الذين ذمهم الله بالتحريف واللي والكتمان اهـ
(3)
.
(1)
* ومن نظائر هذا المثال، من تأويل الصفات بالإضمار في نصوصها.
1 -
انظر المحرر الوجيز (6/ 186) في تفسير قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: 158].
2 -
وانظر الإشارة إلى الإيجاز ص 4 في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ [البقرة: 210].
وقوله تعالى: فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: 2].
وقوله تعالى: فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [النحل: 26].
3 -
وانظر الجامع لأحكام القرآن (1/ 150) في تفسير قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 7].
(2)
نور الثقلين (4/ 603 - 604).
(3)
الصواعق المرسلة (2/ 712).
النوع الثاني: خلاف المفسرين الذين ليس مما سبق:
فمن أمثلته ما جاء في تفسير قوله تعالى: {إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33].
اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية
(1)
:
فقال ابن عباس في رواية عنه: من شهر السلاح في قبّة الإسلام وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والإمام مالك وغيرهم.
وقال الجمهور وهي رواية عن ابن عباس: إن قطّاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتّلوا وصلّبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا:
نفوا من الأرض.
ومن ذهب إلى ترجيح القول الأول، كانت هذه القاعدة من وجوه ترجيحه، وقالوا: إن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والإضمار فحمله على الاستقلال أولى، وهذه القيود لم تذكر في ألفاظ الآية، وليس في ألفاظها وسياقها ما يدل عليها.
قال الشنقيطي: ورجح المالكية هذا القول بأن اللفظ فيه مستقل غير محتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير محذوف فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذروف اهـ
(2)
.
وأيدوا ذلك بالغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله ل «أو» فإنها للتخيير،
(1)
انظر الأقوال والروايات في جامع البيان (6/ 211)، وانظر أحكام القرآن للشافعي (1/ 313)، وأحكام القرآن للجصاص (4/ 54)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (3/ 65)، وأحكام القرآن لابن العربي (2/ 97)، والجامع لأحكام القرآن (6/ 151) وتفسير ابن كثير (3/ 93)، وعامة المفسرين ذكروا الخلاف في الآية.
(2)
أضواء البيان (2/ 87)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص 112.
كما في قوله في جزاء الصيد: {فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً} [المائدة: 95]، وقوله في كفارة الترفّه:{فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] وكقوله في كفارة اليمين: {فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية
(1)
.
وقد أثر عن ابن عباس أنه قال: ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار
(2)
.
وحجة القول الثاني قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدي ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»
(3)
فنفى النبي صلى الله عليه وسلم قتل من خرج عن الوجوه الثلاثة، ولم يخصص فيه قاطع الطريق، فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطاع الطريق
(4)
.
وأجاب ابن العربي عن هذا بقوله: والآية نص في التخيير، وصرفها إلى التعقيب والتفصيل تحكّم على الآية وتخصيص لها، وما تعلقوا منه بالحديث لا يصح؛ لأنهم قالوا: يقتل الرّدء
(5)
ولم يقتل، وقد جاء القتل بأكثر من عشرة أشياء، منها متفق عليها ومنها مختلف فيها، فلا تعلق بهذا الحديث لأحد اهـ
(6)
.
(1)
انظر تفسير ابن كثير (3/ 93).
(2)
انظر الجامع لأحكام القرآن (6/ 152).
(3)
متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه البخاري في كتاب الديات، باب قوله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ [المائدة: 45]، انظر الصحيح مع الفتح (12/ 209)، ومسلم كتاب القسامة حديث رقم (25 - 26).
(4)
أحكام القرآن للجصاص (4/ 55)، وانظر جامع البيان (6/ 215).
(5)
الردء هو المعين والنصير، ومنه قوله تعالى: فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً [القصص: 34] انظر مادة «ردأ» في تهذيب اللغة (14/ 167)، وفي اللسان (1/ 84).
(6)
أحكام القرآن (2/ 98 - 99).
وأيد من اختار الإضمار في الآية قوله بحديث ضعيف، أخرجه الطبري وضعّفه فقال: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر.
ثم ساق بسنده أن عبد الملك بن مروان
(1)
كتب إلى إنس بن مالك
(2)
يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة
(3)
قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل، وأخاف السبيل، واستحلّ الفرج الحرام فاصلبه
(4)
.
وهذه المسألة كما ترى من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأئمة، وهي من الأمثلة التي تنازعتها القواعد، فهذه القاعدة ترجح القول بأن الإمام مخير في أي عقوبة رآها من تلك العقوبات، والحديث ينازعها، وإن كان ضعيفا عند من يرى اعتماده في الترجيح.
وأمّا معارضة حديث الصحيحين للقول بتخيير الإمام، فليست ظاهرة، وليس نصا فيها، وإلا وجب المصير إليه؛ إذ هو محتمل، وخاصة أنه قد ثبت بنصوص
(1)
هو: عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، الخليفة الفقيه، أبو الوليد تملك بعد أبيه الشام ومصر، واستولى على العراق، وجهز الحجاج لحرب ابن الزبير وولاه العراق، توفي سنة ستّ وثمانين، سير أعلام النبلاء (4/ 246).
(2)
هو: أنس بن مالك بن النضر بن حرام النجار، رواية الإسلام أبو حمزة الأنصاري، لازم النبي صلى الله عليه وسلم وكان في خدمته، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة المال والولد وطول العمر، توفي سنة ثلاث وتسعين، وقيل غير ذلك، سير أعلام النبلاء (3/ 395).
(3)
بجيلة: هي بطن عظيم ينتسب إلى أمهم «بجيلة» ، وهم بنو أنمار بن أرش من القحطانية، يتفرعون إلى عدة بطون، منهم عرينة، انظر معجم قبائل العرب (1/ 63).
(4)
جامع البيان (6/ 216).
أخر جواز قتل غير هؤلاء، بل الأمر بقتلهم كالصائل، والباغي، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن خرج وأمر الناس مجتمع، وغيرهم، مما يضعف دلالة الحديث على الحصر.
وأيّا كان الأمر، فالقصد بيان وجه الترجيح بالقاعدة، وكيف استعملها العلماء في الترجيح بين الأقوال، فإن صحت منازعة غيرها من القواعد لها فذلك لا يخرج المثال عن قصده وغرضه، والحمد لله أولا وآخرا
(1)
.
(1)
* ونظائر هذا المثال كثيرة جدا:
1 -
منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)[البقرة: 244]، انظر جامع البيان (2/ 592).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: 159]، انظر أضواء البيان (7/ 265).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [الأعراف: 4]، انظر جامع البيان (8/ 118).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)[الأعراف: 56]، انظر التفسير القيم ص 266.
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها [يوسف: 24]، انظر البحر المحيط (6/ 258).
6 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف: 53]، انظر التفسير القيم ص 316.
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى [الإسراء: 94]، انظر أضواء البيان (4/ 137).
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: 87]، انظر جامع البيان (17/ 79).
9 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلاّ مَنْ ظَلَمَ [النمل: 10 - 11]، انظر تأويل مشكل القرآن ص 219.
10 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119)[الصافات: 78 - 108 - 119 - 129]، انظر التفسير القيم ص 413. -
النوع الثالث: خلاف المعربين في إعراب بعض الآيات
(1)
:
من أمثلة ذلك ما جاء في إعراب قوله تعالى: {أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} [هود: 8].
اختلف المعربون في العامل
(2)
في قوله: {يَوْمَ يَأْتِيهِمْ:}
فقال جماعة منهم: {يَوْمَ} منصوب ب {مَصْرُوفاً،} والمعنى: ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأتيهم.
وقال آخرون: العامل في {يَوْمَ} محذوف دلّ عليه الكلام، والتقدير: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، أو التقدير: يلازمهم يوم يأتيهم
…
، ونحو ذلك.
وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأول؛ لأنه سالم من الإضمار والتقدير، الذي هو خلاف الأصل.
قال السيوطي: الإضمار خلاف الأصل؛ ولذلك ردّ
…
على من قال في قوله تعالى: {أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} إنّ يوم ليس منصوبا بمصروف بل بفعل دل الكلام عليه، تقديره يلازمهم يوم يأتيهم أو يهجم عليهم؛ لأنه لا حاجة إليه مع أن الإضمار خلاف القياس اهـ
(3)
وعلى هذا القول اقتصر جماعة من المعربين
(4)
.
(1)
- 11 - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ [الأحقاف: 26]، انظر أضواء البيان (7/ 399).
(1)
جعلت الخلاف في الإعراب قسما مستقلا عن الخلاف في التفسير، كوجه من أوجه البسط والإيضاح، كي تتسع دائرة تطبيق القاعدة وإلا فالإعراب فرع المعنى.
(2)
انظر إملاء ما من به الرحمن (2/ 35)، والدر المصون (6/ 292).
(3)
الأشباه والنظائر في النحو (1/ 101).
(4)
انظر معاني القرآن للزجاج (3/ 40)، والبحر المحيط (6/ 127).
* ومن نظائر هذا المثال:
1 -
ومنها ما جاء في إعراب قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [البقرة: 264]، انظر مغني اللبيب (2/ 599). -
وإذا قام الدليل على الإضمار في الآية فالقواعد التالية ترجح بين الأقوال في تقدير ذلك المضمر:
القاعدة الأولى: تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير.
القاعدة الثانية: التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره.
القاعدة الثالثة: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى.
***
= 2 - ومنها ما جاء في إعراب قوله تعالى: * لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)[آل عمران: 113]، انظر إعراب القرآن للنحاس (1/ 401).
3 -
ومنها ما جاء في إعراب قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: 44]، انظر البحر المحيط (9/ 313).
القاعدة الأولى:
تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير
*
صورة القاعدة:
إذا دل الدليل المعتبر على الحذف في آية، وظهر هذا المحذوف في آية أخرى، فتقدير ذلك المحذوف بما ظهر في موضع آخر أولى من كل تقدير، وأوفق للصواب، وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن.
***
*
إيضاح القاعدة:
تقدم في القاعدة السابقة أن الحذف الذي دل عليه الدليل غير داخل فيها، وسيأتي في قواعد لاحقة، وهذا أوان الوفاء بالوعد، فهذه إحدى قواعده.
وذلك أن المحذوف الذي دلّ عليه الدليل لا يخلو: إما أن يكون قد ذكر في آية أخرى، أو لا، فإن كان قد ذكر في آية أخرى فهذه القاعدة هي التي ترجح لنا صحة تقدير هذا المحذوف وهو ما ظهر في الآيات الأخرى، وإن كانت الصورة الثانية فالقواعد الآتية هي المرجحة لصحة تقدير ذلك المحذوف.
وقد ذكر هذه القاعدة بلفظها العز بن عبد السلام وذكر لها جملة من الأمثلة
(1)
، واعتمدها عامّة المفسرين؛ لأنها تعتبر جزءا من تفسير القرآن بالقرآن، وقد سبق بسط ذلك، وذكر قواعده، وأدلتها، واعتماد العلماء لها في الفصل الأول، وسوف أقتصر في هذا الموضع على التمثيل لما يظهر المقصود منها، وهو ما حذف في موضع وقامت الدلائل على حذفه، وأظهر في موضع آخر، فإن أولى التقديرات في ذلك الموضع المحذوف هو ما ظهر في الموضع الآخر، مع ملاحظة أنه يصح تطبيق هذه القاعدة إذا
(1)
انظر الإشارة إلى الإيجاز ص 9.
صح القول بالحذف والإضمار في الآية وذلك بوجود أدلة على المحذوف، ولا يصح تطبيقها إذا لم يصح القول بالإضمار وذلك بأن كان دعوى مجردة، أو كان يحتمل الإضمار والاستقلال، فيحمل على الاستقلال كما مرّ في القاعدة السابقة.
إذا تقرر هذا
* علم فساد قول من قال
(1)
في قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158]: أي: أمره، ويدل على المحذوف ذكره في موضع آخر وهو قوله تعالى:{أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33]؛ لأنه لا حذف أصلا وكلتا الآيتين مستقلة، فهو - سبحانه - يأتي يوم القيامة لفصل القضاء، وأمره آت بحشرهم لموقف القيامة، وما يعاينون فيه من أهوال.
ولا دليل صحيح على الحذف، ومن قال بالحذف كان ذلك بسبب ما اعتقده من نفي هذه الصفة عن الله، ومستندهم في ذلك دلالة عقولهم التي عارضوا بها الوحي وجعلوا ذلك مستحيلا في حقه - تعالى -، فلجأوا إلى تأويلها بتقدير محذوف.
وقد سبق مناقشة القول بالحذف والإضمار في آيات الصفات في الأمثلة التطبيقية في القاعدة السابقة.
فإذا بطل القول بالحذف أصلا، بطل تعيين المحذوف بهذه القاعدة
* ولا يدخل تحت هذه القاعدة عدم ذكر بعض الصفات المقيّدة لإطلاق الحكم وذكرها في موضع آخر، مثل صفة الإيمان في عتق الرقبة ذكرت في كفارة القتل الخطأ، ولم تذكر في كفارة الظهار وكفارة اليمين، فلا يعتبر عدم ذكرها هنا أنها
(1)
انظر: البرهان في علوم القرآن (3/ 114) وفي ص 109 من نفس الجزء جعل العقل هو دليل الحذف والتعيين كقوله: وَجاءَ رَبُّكَ [الفجر: 22] أي: أمره أو عذابه أو ملائكته؛ لأن العقل دلّ على أصل الحذف ولاستحالة مجيء البارئ عقلا؛ لأن المجيء من سمات الحوادث، ودل العقل أيضا على التعيين وهو الأمر ونحوه، وانظر الإرشاد إلى الإيجاز ص 4. مما يدلك أن أصل القضية هي المعتقد، فحين يجد متشبثا في آية أخرى تعلق بها، وحين لا يجد استمر على ما انتهجه، وجعل العقل هو الدال على الحذف، والدال على تعيين المحذوف.
قد حذفت؛ لأنه لا دلالة من ألفاظ الآية وسياقها يدل على الحذف، وليس مسلّما أن ذكرها في موضع يكفي دليلا على الحذف في موضع آخر، بل النصوص جميعا مستقلة ولا حذف ولا إضمار فيها إلا بدليل خلافا لابن قتيبة وغيره
(1)
.
ولهذه المسألة بحث في المطلق والمقيد، وفي حمل المطلق على المقيد نزاع بين العلماء.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
- ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: {يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ} [النساء: 171].
سبق في تقرير هذه القاعدة، أنه يرجح بها إذا قام الدليل على الإضمار، وفي هذه الآية توجد قرينة تدل على الإضمار وهي رفع «ثلاثة» بعد القول ولا رافع لها مذكور، فدل هذا على وجود مضمر.
قال الإمام الطبري: ورفعت الثلاثة بمحذوف دلّ عليه الظاهر وهو «هم» ، ومعنى الكلام ولا تقولوا هم ثلاثة، وإنما جاز ذلك؛ لأن القول حكاية، والعرب تفعل ذلك في الحكاية، وكل ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم اهـ
(2)
.
إذا تقرر صحة الإضمار، فأولى التقديرات لهذا المضمر ما ظهر في القرآن في موضع آخر، كما تقرر هذه القاعدة.
(1)
انظر تأويل مختلف الحديث ص 245 - 246، ذكر فيه أن القرآن يأتي بالصفة في موضع، ولا يأتي بها في موضع آخر، فيستدل على حذفها من أحد المكانين بظهورها في المكان الآخر، وضرب لذلك أمثلة بما أطلق في آية وقيّد في آية أخرى كالإيمان في عتق الرقبة في الكفارة، والعدالة في الشهود. وانظر البرهان في علوم القرآن (3/ 216).
(2)
جامع البيان (6/ 37) وهذه مضمون عبارة الفراء في المعاني (1/ 296).
ففي هذه الآية اختلفت عبارات العلماء في تقدير ذلك المضمر.
قال الفراء
(1)
التقدير: هم ثلاثة
(2)
، وهو قول أبي عبيدة
(3)
، وبه قال الطبري كما سبق نقله عنه.
وقال الزجاج
(4)
، والنحاس
(5)
، ومكي
(6)
، وابن الأنباري
(7)
: تقديره: آلهتنا ثلاثة.
وقال أبو علي الفارسي: التقدير: هو ثالث ثلاثة
(8)
.
وأولى هذه التقديرات هو تقدير أبي علي الفارسي، لأجل موافقته لما ظهر في القرآن في قوله تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة: 73]، وهذا هو الذي تقرره هذه القاعدة.
وقد رجح هذا التقدير العز بن عبد السلام، بعد أن ذكر الأقوال السابقة، قال:
وتقدير ما ظهر في القرآن أولى من كل تقدير اهـ
(9)
.
(1)
هو: أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله الأسدي، صاحب الكسائي، ومن أعلم أهل الكوفة بالنحو بعده، كان ثقة، وله مصنفات من أشهرها المعاني، توفي سنة سبع ومائتين، سير أعلام النبلاء (10/ 118)، وطبقات المفسرين (2/ 367).
(2)
معاني القرآن (1/ 144).
(3)
انظر مجاز القرآن (1/ 144).
(4)
معاني القرآن (2/ 135).
(5)
إعراب القرآن (1/ 509).
(6)
مشكل إعراب القرآن (1/ 214).
(7)
البيان في غريب إعراب القرآن (1/ 279)، وابن الأنباري هو: كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن ابن محمد بن عبيد الله الأنباري نزل بغداد، كان إماما كبيرا في النحو صاحب علم وعبادة، توفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة، إنباه الرواة (2/ 169)، وسير أعلام النبلاء (21/ 113).
(8)
بواسطة نقل العز بن عبد السلام في الإشارة إلى الإيجاز ص 15، والقرطبي في الجامع (6/ 23)، وأبي حيان في البحر (4/ 144).
(9)
الإشارة إلى الإيجاز ص 15.
وقال أبو حيان: ويترجح قول أبي علي بموافقته الآية التي ذكرناها
(1)
وبقوله تعالى: {سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171]، والنصارى وإن اختلفت فرقهم فهم مجمعون على التثليث اهـ
(2)
.
***
(1)
يعني قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: 73].
(2)
البحر المحيط (4/ 144).
* وانظر نظير هذا المثال في الإشارة إلى الإيجاز ص 9، والبرهان في علوم القرآن (3/ 216)، وأضواء البيان (1/ 78 - 79)، في تفسير قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (26)[النازعات: 26].
القاعدة الثانية:
التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره
*
صورة القاعدة:
إذا قامت الأدلة على وجود إضمار في آية، ولم يظهر ذلك المضمر في آية أخرى، فأولى التقديرات بالصحة ما كان منها موافقا لغرض الآية المسوقة له، وأدلة الشرع العامة، ولم يكن مخالفا لها.
***
*
النظر بين هذه القاعدة والقاعدة الآتية:
هذه القاعدة مقدّمة على القاعدة الآتية - «إذا دار الأمر بن قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى» - في النظر بين تقديرات العلماء للمضمر في حالة تنازعهما لمثال واحد.
فإن موافقة غرض الآية والأدلة الشرعية هو المقصود الأول، فهو مقدم بلا ريب على النظر لتقليل المقدر.
فإن هذه القاعدة ملحوظ فيها ملاءمة السياق، وصحة المعنى سياقا وشرعا بعد التقدير، أمّا القاعدة الآتية فملحوظ فيها الجانب الصناعي.
وخلاصة القول في هذا، أنه إذا لم يظهر المضمر في آية أخرى فيرجح بين تقديرات العلماء لهذا المضمر بهذه القاعدة أولا، فإن كانت جميع أقوالهم أو جملة منها موافقة لهذه القاعدة، نظر بينها ورجح منها ما كان موافقا للقاعدة الآتية وهو الأقل تقديرا.
وهذه القاعدة مركبة من مجموع تأصيلات فريدة في الحذف للعز بن عبد السلام وقد نبه إلى بعضها غير واحد من العلماء - كما سترى في الأمثلة التطبيقية -.
قال رحمه الله في معرض ترجيحه لأحد المقدرات في قوله تعالى: {فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ} [الحشر: 6]:
فيقدر من هذه المحذوفات أخفها وأحسنها وأفصحها وأشدها موافقة للغرض في هذه الآية
…
وكذلك جميع حذوف القرآن من المفاعيل الموصوفات، وغيرهما لا يقدر إلا أفصحها وأشدّها موافقة للغرض؛ لأن العرب لا يقدرون إلا ما لو لفظوا به لكان أحسن وأنسب لذلك الكلام كما يفعلون ذلك في الملفوظ به اهـ
(1)
.
وقال في موضع آخر: وقد يقدر بعض النحاة ما يقتضيه علم النحو لكن يمنع منه أدلة شرعية، فيترك ذلك التقدير ويقدر تقدير آخر يليق بالشرع
…
وكذلك لا يقدر فيه من المحذوفات إلا أحسنها وأشدها موافقة وملايمة للسياق اهـ
(2)
.
وقال أبو حيان مرجحا أحد التقادير في تفسير قوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}
[البقرة: 58]: والأظهر من التقادير السابقة في إضمار المبتدأ، القول الأول - أي مسألتنا حطة -؛ لأن المناسب في تعليق الغفران عليه هو سؤال حط الذنوب، لا شيء من تلك التقادير الأخر اهـ
(3)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة تقدير بعض المعربين والمفسرين خبر «لا» المضمر في جملة:
«لا إله إلا الله» سواء كانت مفردة أو في آيات قرآنية كقوله تعالى: {لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ} (163)[البقرة: 163]، وكقوله:{اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}
[البقرة: 255]، ونحوها.
(1)
الإشارة إلى الإيجاز ص 4.
(2)
الإشارة إلى الإيجاز ص 220، ونقله عنه القاسمي في مقدمة تفسيره (1/ 262).
(3)
البحر المحيط (1/ 359).
فقال بعض المعربين: خبر «لا» المحذوف تقديره: موجود
(1)
. فيكون المعنى: لا معبود موجود إلا الله.
وقدّره غيرهم ب «حق، أو بحق» فيكون المعنى «لا معبود بحق إلا الله» وهذا التقدير هو الحق، وذلك لموافقته للغرض من هذه الجملة، وهو إثبات الوحدانية في الإلهية له وحده، ونفيها عمن سواه.
إلى جانب ما يوهمه التقدير الأول - أي موجود - من معنى فاسد، مخالف لما علم بالاضطرار من توحيده - تعالى -، ولمخالفته لأدلة الكتاب والسنة، ولمخالفته الغرض الذي سيقت هذه الجملة من أجله، وهذا المعنى الذي أوهمه ذلك التقدير هو إثبات معنى الاتحاد - تعالى الله وتقدس -؛ لأن المعنى مع هذا التقدير يصبح «لا معبود موجود إلا الله» أي كل معبود موجود في الوجود فهو الله، فكل ما عبد بحق أو بباطل فهو الله، فتأمل.
قال العلاّمة حافظ الحكمي
(2)
في نقد ونقض هذا التقدير: فمعنى «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله، «لا إله» نافيا جميع ما يعبد من دون الله فلا يستحق أن يعبد «إلا الله» مثبتا العبادة لله فهو الإله الحق المستحق للعبادة، فتقدير خبر لا المحذوف بحق هو الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنة كما سنوردها - إن شاء الله - وأما تقديره بموجود فيفهم منه الاتحاد، فإن الإله هو المعبود، فإذا قيل لا معبود موجود إلا الله، لزم منه أن كل معبود عبد بحق أو باطل هو الله فيكون ما عبده المشركون من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء والأولياء وغير ذلك هي الله فيكون ذلك كله توحيدا، فما عبد على هذا التقدير إلا الله إذ هي هو، وهذا
(1)
انظر البحر المحيط (2/ 75 - 76)، والبرهان في علوم القرآن (3/ 115).
(2)
هو: الحافظ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، من علماء «جازان» ، تتلمذ على الشيخ عبد الله القرعاوي - على الجميع رحمة الله - له مؤلفات كثيرة أعظمها معارج القبول، وله نظم في الفقه، والفرائض، والمصطلح، وغيرها توفي سنة سبع وسبعين وثلثمائة وألف. انظر الأعلام (2/ 159).
والعياذ بالله أعظم الكفر وأقبحه على الإطلاق، وفيه إبطال لرسالات جميع الرسل، وكفر بجميع الكتب، وجحود لجميع الشرائع وتكذيب بكل ذلك وتزكية لكل كافر من أن يكون كافرا إذ كل ما عبده من المخلوقات هو الله فلم يكن عندهم مشركا بل موحدا - تعالى الله عما يقول الظالمون الجاحدون علوا كبيرا - فإذا فهمنا هذا فلا يجوز تقدير الخبر «موجود» ، إلا أن ينعت اسم لا «بحق» فلا بأس ويكون التقدير «لا إله حقا موجود إلا الله» ، فبقيد الاستحقاق ينتفي المحذور الذي ذكرنا اهـ
(1)
.
والتقدير ب «حق» فقط أولى؛ لما فيه من تقليل المقدر، أما تقديره ب «حق موجود» ففيه تكثير للمقدر، والقاعدة التالية هي التي ترجح في هذا:
***
(1)
معارج القبول (2/ 416).
* ومن نظائر هذا المثال:
1 -
انظر البحر المحيط (1/ 359) في تفسير قوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: 58].
2 -
انظر إغاثة اللهفان ص 37 - 38 في تفسير قوله تعالى: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (23)[المطففين: 23، 35].
القاعدة الثالثة:
إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى
*
صورة القاعدة:
إذا دلّ الدليل على الإضمار في آية، ولم يظهر ذلك المضمر في آية أخرى، واحتاج المفسر أو المعرب إلى تقدير ذلك المضمر، فأولى التقديرات ما قلّ فيه التقدير دون ما كثر؛ وذلك لتقليل مخالفة الأصل بكثرة الحذف والتقدير.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
1 -
ألمع إلى هذه القاعدة العز بن عبد السلام، وذلك باختياره وترجيحه لتقديرات معللا ذلك بأنه أخصر
(1)
وضعّف بعض التقديرات معللا ذلك بأنه فيه طول، قال رحمه الله:
…
ولأن اختصار المحذوفات أحسن من إطالتها فلا يقدر ما فيه طول إلا عند الاضطرار إلى الإطالة اهـ
(2)
.
2 -
وذكرها العلاّمة ابن القيم: وقرر أن تقليل الإضمار أولى من تكثيره، واستعملها في الترجيح فضعّف بها ما كان فيه تكثير للمقدر
(3)
.
3 -
وذكرها ابن هشام في المغني فقال: بيان مقدار المقدر، ينبغي تقليله ما أمكن، لتقلّ مخالفة الأصل اهـ
(4)
.
4 -
واستعملها السمين الحلبي في الترجيح، ففي تفسير قوله تعالى:{يَوْمَ نَدْعُوا}
(1)
انظر الإشارة إلى الإيجاز ص 4.
(2)
الإشارة إلى الإيجاز ص 5.
(3)
انظر التفسير القيم ص 421.
(4)
مغنى اللبيب (2/ 615).
{كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ} [الإسراء: 71]، ذكر عشرة أوجه في إعراب {يَوْمَ نَدْعُوا،}
قال في العاشر منها: إنه مفعول به بإضمار «اذكر» وهذا - وإن كان أسهل التقادير - أظهر ممّا تقدم؛ إذ لا بعد فيه ولا إضمار كثير اهـ
(1)
.
5 -
ونص الزركشي على هذه القاعدة، باللفظ الذي ذكرته
(2)
.
6 -
وذكرها السيوطي قال: قاعدة: ينبغي تقليل المقدر مهما أمكن لتقل مخالفة الأصل اهـ
(3)
.
7 -
وكذا قال الكفوي في كلياته
(4)
.
وذلك؛ لأن الحذف والتقدير والإضمار خلاف الأصل كما سبق تقريره، وكلما توسع المفسر والمعرب في التقدير ازدادت مخالفته للأصل، وكلما قلل المقدر كلما قرب من الأصل.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
- منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}
[البقرة: 93].
قال أبو حيان: {الْعِجْلَ} هو على حذف مضافين، أي حب عبادة العجل
(5)
.
وقال عامّة المفسرين والمعربين: إن التقدير: حب العجل، على حذف مضاف واحد
(6)
.
(1)
الدر المصون (7/ 389).
(2)
البرهان (3/ 104).
(3)
الإتقان (3/ 179)، ومعترك الأقران (1/ 239).
(4)
الكليات ص 284.
(5)
البحر المحيط (1/ 495)، وكذا قال السمين في الدر (2/ 5).
(6)
انظر معاني القرآن للفراء (1/ 61)، وجامع البيان (1/ 423)، وإعراب القرآن للنحاس (1/ 248) والبيان لابن الأنباري (1/ 109)، وإملاء ما من به الرحمن (1/ 52).
وأولى القولين القول الثاني، وذلك تقليلا للمحذوف.
قال ابن هشام: وضعّف قول بعضهم في: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} إن التقدير: حب عبادة العجل، والأولى تقدير الحب فقط اهـ
(1)
.
وهذا المحذوف مما دلّ عليه سياق الكلام، قال الطبري: ولكنه ترك ذكر الحبّ اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام، إذ كان معلوما أن العجل لا يشرب القلب، وأن الذي يشرب منه حبه
…
اه
(2)
.
***
(1)
مغني اللبيب (2/ 615)، وانظر الكليات ص 284.
(2)
جامع البيان (1/ 423).
* ومن نظائر هذا المثال:
- ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [الطلاق: 4]، انظر مغنى اللبيب (2/ 615)، والإتقان (3/ 179).
- وذكر العز بن عبد السلام في الإشارة إلى الإيجاز ص 5 جملة من أمثلة هذه القاعدة.
المطلب الثامن:
قاعدة: القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير
*
صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله وكان خلافهم دائرا بين مدع للتقديم والتأخير في الآية ومبق لها على ترتيبها، فأولى القولين بالصواب قول من قال بالترتيب؛ لأنه الأصل في الكلام، ولا ينتقل عن الأصل إلا بدليل واضح، وقرينة بيّنة، لا سيما إذا استقام المعنى بدونه، فإذا احتمل الأمر وعدم الدليل والقرينة فالقول الحق أن يبقى الكلام علي ترتيبه.
***
*
التقديم والتأخير في اللغة والقرآن، وفي هذه القاعدة:
الأصل في ترتيب الكلام أن يوضع كل لفظ في موضعه تقديما وتأخيرا وكل تقديم وتأخير في الكلام هو خلاف الأصل.
غير أن العرب كانت تتفنن في كلامها، ولها أساليب في عرضه حسب ما تملي به مقتضيات الأحوال، ومقاصد المتكلم، ومن هذه الأساليب التي تستخدمها أحيانا حسب الأغراض أسلوب التقديم والتأخير
(1)
، ونزل القرآن على هذا اللسان العربي فجاء هذا الأسلوب فيه
(2)
، فنجد بعض الألفاظ قدمت في موضع وأخرت في
(1)
انظر الخصائص لابن جني (2/ 382)، والصاحبي لابن فارس ص 412. وأغراض التقديم والتأخير مبسوطة في مصنفات البلاغة وهي من أبوابها الرئيسة في علم المعاني والبيان، وانظر جملة منها في البرهان (3/ 238) وما بعدها.
(2)
انظر رسالة ماجستير بعنوان أسلوب التقديم والتأخير في القرآن الكريم» للباحث زيد عمر عبد الله، جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض.
موضع آخر
(1)
، ولم يختلف أهل التفسير في بعض الآيات على أنها من باب المقدم والمؤخر، وهذا التقديم والتأخير الذي جاء في القرآن لا يخل بأصل المعنى، ولا يقدح في البيان ولا يلتبس على السامع
(2)
وذلك لوجود قرينة، ودليل في الكلام عليه، - وجواز التقديم والتأخير مشروط بوجود القرينة أما مع اللبس فلا يجوز
(3)
- سواء أكان من المقدم بنية التأخير، أم غير ذلك «وهذا هو الذي يتكلم عليه علماء المعاني والبيان ويقع في باب الاستفهام والنفي والمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول»
(4)
.
وهذا النوع من التقديم والتأخير غير مقصود في قاعدتنا هذه، وهو مما لا يقع فيه الخلاف بين المفسرين
(5)
.
مثل قوله تعالى: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ} (5)[الفاتحة: 5]. فقدم {إِيّاكَ} وحقه التأخير.
وقوله تعالى: {* وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ} [البقرة: 124]. فقدم {إِبْراهِيمَ} وحقه التأخير.
وقوله تعالى: {لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها} [الحج: 37]. فقدم لفظ الجلالة {اللهَ} وحقه التأخير.
ونحوها من الآيات.
(1)
كقوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: 58]، وقوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً [الأعراف: 161] ونظائرها كثير، انظر على سبيل المثال الكشاف (3/ 135)، ومفاتيح الغيب (29/ 14)، والبحر المحيط (1/ 362)، والإتقان (3/ 41)، وروح المعاني (24/ 83).
(2)
انظر الصواعق المرسلة (2/ 715).
(3)
انظر تقرير هذا في جامع البيان (13/ 66)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (16/ 218)، والصواعق المرسلة (2/ 715).
(4)
الصواعق المرسلة (2/ 717 - 718).
(5)
انظر مثلا جامع البيان (15/ 191).
أما التقديم والتأخير الذي يعنينا في هذه القاعدة، فهو دعوى التقديم والتأخير في كلام لم ينصب عليه دليل في الكلام، ولا أرشدت إليه قرينة، ويخل بفهم أصل المعنى، «فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق»
(1)
.
فمثل هذه الدعوى في التقديم والتأخير هي التي نعني، وهي التي تضعّف وتؤخر، والذي يصحح ويرجح إبقاء الكلام على ترتيبه ونظمه، وهذا النوع من التقديم والتأخير خفي، تنازع فيه العلماء، بين مجيز لوقوعه في القرآن كالقائلين به - على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله تعالى - ومانع لوقوعه في القران مطلقا كأبي حيان
(2)
، وسالك سبيل التوسط بين ذلك، كما هو حال كثير من المفسرين، وهذا هو الحق، وهو ما تقرره هذه القاعدة، من أن تضعيف القول به من باب الترجيح وتقديم الراجح - وهو القول بالترتيب - وذلك لأن التقديم والتأخير له أصل في اللغة والقرآن، وقد أثر عن بعض الصحابة وعلى رأسهم حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عباس
(3)
وعن بعض التابعين وعلى رأسهم من إذا جاءك التفسير عنه كفاك، مجاهد بن جبر
(4)
، وقتادة
(5)
وغيرهم.
وهؤلاء كانوا أعلم بلغة العرب وبلغة القرآن وتفسيره، فالقول بردّه مطلقا جملة
(1)
ما بين الأقواس من كلام شيخ الإسلام في الفتاوى (16/ 218).
(2)
فهو يرى أن التقديم والتأخير - أي هذا النوع الذي نتكلم عليه - من باب الضرورات التي تنتشر في الشعر، ينزه أفصح الكلام عنه، قال - في معرض ردّه على القول بالتقديم والتأخير في قوله تعالى:
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ [البقرة: 265] والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر فينزه القرآن عن ذلك.
اه البحر المحيط (2/ 670) وذكر ذلك في أكثر من موضع من كتابه، انظر الأمثلة التطبيقية.
(3)
انظر مثلا قوله بالتقديم والتأخير في جامع البيان (10/ 153)، و (18/ 110 - 112)، وتأويل مشكل القرآن ص 208، والإتقان (3/ 33).
(4)
انظر مثلا قوله بالتقديم والتأخير في البحر المحيط (6/ 362).
(5)
انظر مثلا قوله بالتقديم والتأخير في جامع البيان (10/ 153).
وتفصيلا وأنه لا يقع في القرآن فيه اطراح لأقوال هؤلاء وأمثالهم، وفي النفس هنات من ذلك، ولكن الأولى هو الترجيح الذي هو من باب تقديم الأرجح والأولى دون اطراح للأقوال المرجوحة، قد يكون لبعضها وجه ولو بعيد، ومما يزيد الأمر جلاء ووضوحا أن أبا حيان وهو القائل بمنع التقديم والتأخير - الذي هو من هذا النوع - في القرآن، مضطرب في ذلك، فتارة يرد ويطرح القول بالتقديم والتأخير بناء على ما قرر، وتارة تجده يرجح الأصل وهو الترتيب، وإن أجاب على القول بالتقديم والتأخير فبعبارة لطيفة توحي بثبوته قولا في تفسير الآية، ولا توجب اطراحه، وإن كان ضعيفا
(1)
، وربما ذكر القول بالتقديم والتأخير ولم يعقب عليه بشيء
(2)
.
وأيّا كان الأمر، فإذا لم توجد قرينة تدل على التقديم والتأخير، وتنازع العلماء في الآية، فالصحيح هو حمل الآية على الترتيب، ومن قال أو اختار التقديم والتأخير - ولو كان ممن يقرر هذه القاعدة كالطبري
(3)
وابن عطية
(4)
والرازي
(5)
وأبي حيان وغيرهم - فقوله واختياره محجوج بهذه القاعدة، وقوله واختياره هو المؤخّر والمضعّف، والقول بالترتيب هو المقدم والمصحح، والله أعلم.
***
(1)
قال في البحر (6/ 362): قال الفراء وجماعة: في الكلام تقديم وتأخير
…
، ولا يحتاج في هذا المعنى إلى تقدير تقديم وتأخير، اه فترى تضعيفه لهذا القول بهذه العبارة «ولا يحتاج» ولم يذكر أنه من الضرورات، ولا يأتي في فصيح الكلام.
(2)
كما فعل عند تفسير قوله تعالى: إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران 55]، قال: قال الفراء: هي وفاة موت، ولكن المعنى: متوفيك في آخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال، وفي الكلام تقديم وتأخير. اه انظر البحر المحيط (3/ 176)، وانظر قول الفراء في معاني القرآن (1/ 219).
(3)
انظر بعض أقواله واختياراته خلاف القاعدة في جامع البيان (1/ 64 - 145 - 452)، و (8/ 117)، و (27/ 44).
(4)
انظر مثلا اختياره خلاف القاعدة في المحرر الوجيز (6/ 143).
(5)
انظر مثلا اختياره خلاف القاعدة في مفاتيح الغيب (13/ 183).
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد المفسرون هذه القاعدة، ونصوا عليها ورجحوا بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
إمام المفسرين ابن جرير الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -
وهذا القول وإن كان غير مدفوع
…
غير صواب عندي، بخلافه تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير، إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه، أو تأخيره، فأمّا وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير اهـ
(1)
.
وقال في موضع آخر:
…
ولا وجه لتقديم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة اهـ
(2)
.
2 -
ومنهم أبو جعفر النحاس: قال:
…
فالتقديم والتأخير إنما يكون إذا لم يجز غيرهما اهـ
(3)
.
وقال في موضع آخر: ولا يقع التقديم والتأخير إلا بتوقيف أو دليل قاطع. اه
(4)
.
3 -
ومنهم أبو عمرو الداني
(5)
: - فقد نص على هذه القاعدة في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: {ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116] قال: وهذا خطأ؛ لأن التقديم والتأخير مجاز فلا يستعمل إلا بتوقيف، أو دليل قاطع اهـ
(6)
.
(1)
جامع البيان (30/ 153).
(2)
جامع البيان (13/ 66).
(3)
القطع والائتناف ص 175.
(4)
القطع والائتناف ص 544.
(5)
هو: الإمام الحافظ، عالم الأندلس، أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان الأمويّ الأندلسي، وإليه المنتهى في تحرير علم القراءات، وعلم المصاحف، مع براعة في علم الحديث، والتفسير، والنحو وغير ذلك، توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، سير أعلام النبلاء (18/ 77).
(6)
المكتفى في الوقف والابتداء ص 245، وانظر نحو هذا التقرير ص 436 - 437 منه.
4 -
ومنهم الزمخشري: قال - في معرض رده على دعوى التقديم والتأخير في قوله تعالى: {وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ} (99)[يوسف: 99]: ومن بدع التفاسير أن قوله: {إِنْ شاءَ اللهُ} من باب التقديم والتأخير، وأن موضعها ما بعد قوله:{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98] في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره اهـ
(1)
.
5 -
ومنهم ابن عطية الأندلسي: وسيأتي بعض كلامه
(2)
في الأمثلة التطبيقية.
6 -
ومنهم الفخر الرازي: قال - في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْها} [المائدة: 101]-: وهذا ضعيف؛ لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير اهـ
(3)
.
7 -
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -:
والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه اهـ
(4)
.
8 -
ومنهم أبو حيان الأندلسي: قال - في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265]-: والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر فينزه القرآن عن ذلك اهـ
(5)
.
9 -
ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة في أوجه الترجيح التي اعتمدها، ونص عليها في مقدمة كتابه، فقال: الثاني عشر - أي من وجوه الترجيح -: حمل الكلام على ترتيبه إلا أن يدل دليل على التقديم والتأخير اهـ
(6)
.
(1)
الكشاف (2/ 344).
(2)
وانظر المحرر الوجيز (2/ 156).
(3)
مفاتيح الغيب (12/ 114).
(4)
مجموع الفتاوى (16/ 218).
(5)
البحر المحيط (2/ 670).
(6)
التسهيل (1/ 9).
10 -
ومنهم الألوسي: قال - في معرض ردّه على من قال بالتقديم والتأخير في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ} [البقرة: 96] الآية -: ولا أظن يقدم على مثل ذلك في كتاب الله من له أدنى ذوق؛ لأنه وإن كان المعنى صحيحا في نفسه، إلا أن التركيب ينبو عنه والفصاحة تأباه ولا ضرورة تدعو إليه، لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة اهـ
(1)
.
11 -
ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة من خلال تقرير علماء الأصول لها -: تقرر في الأصول وجوب الحمل على بقاء الترتيب إلا لدليل اهـ
(2)
.
وغيرهم من المفسرين
(3)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا} [المجادلة: 3] ذهب بعض العلماء إلى أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ثم يعودون لما قالوا إنا لا نفعله فيفعلونه
(4)
.
(1)
روح المعاني (1/ 330).
(2)
أضواء البيان (6/ 516)، وانظر اعتماد الأصوليين لهذه القاعدة في شرح تنقيح الفصول ص 112، وشرح الكوكب (1/ 296).
(3)
كالقرطبي في الجامع (3/ 317)، وابن القيم في الصواعق المرسلة (2/ 716)، والسمين في الدر (4/ 193 - 194)، وابن كثير في تفسيره (7/ 54)، وأبي السعود في تفسيره (3/ 71).
(4)
هذا مضمون قول الأخفش في معاني القرآن (2/ 537)، ونقله الطبري في تفسيره (28/ 8)، ونقله عنه أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (4/ 373)، وأبو حيان في البحر (10/ 123)، وغيرهم، ونص عبارة الأخفش: فتحرير رقبة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أن لا نفعله فيفعلونه؛ هذا «الظهار» يقول:«هي عليّ كظهر أمي» وما أشبه هذا من الكلام، فإذا أعتق رقبة أو أطعم ستين -
فعلى هذا القول لا يكون العود شرطا في وجوب الكفارة
(1)
.
وذهب جمهور المفسرين والمعربين إلى أن الآية على ترتيبها، وليس فيها تقديم ولا تأخير، على خلاف بينهم في تفسير العود
(2)
.
والذي يهمنا في هذه القاعدة هو الخلاف الأول، فالذي تقرره هذه القاعدة صحة قول الجمهور القائلين بالترتيب، وضعف قول من قال بالتقديم والتأخير، وذلك؛ لأن الأصل وظاهر النظم هو الترتيب ولا يوجد في الكلام دليل صريح أو قرينة واضحة تدل على صحة دعوى التقديم والتأخير، وهذا هو الذي رجحه واختاره أئمة التفسير اعتمادا لمضمون هذه القاعدة، ومنهم من نص عليها حال ترجيحه بها كابن قتيبة
(3)
، والطبري
(4)
، والجصاص
(5)
، والبغوي
(6)
، والزمخشري
(7)
، ابن العربي
(8)
، ابن عطية
(9)
، وغيرهم.
= مسكينا، عاد لهذا الذي قد قال:«إنه عليّ حرام» ففعله اه.
(1)
انظر شرح الكوكب (1/ 296).
(2)
قال القرطبي في الجامع (17/ 280) وهذا حرف مشكل اختلف الناس فيه على أقوال سبعة: الأول: أنه العزم على الوط ء، الثاني: العزم على الإمساك بعد التظاهر منها، الثالث: العزم عليهما، الرابع: أنه الوط ء نفسه، الخامس: هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، السادس: أن الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة، السابع: هو تكرير الظهار بلفظه اه. مختصرا، وذكر هذه الأقوال ابن العربي في أحكام القرآن (4/ 192).
(3)
انظر تفسير غريب القرآن ص 456.
(4)
جامع البيان (28/ 8).
(5)
أحكام القرآن (5/ 304 - 306). والجصاص هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي، صاحب التصانيف، تفقه على أبي الحسن الكرخي، إليه المنتهى في معرفة مذهب الحنفية، كان فيه ميل إلى الاعتزال، توفي سنة سبعين وثلثمائة سير أعلام النبلاء (16/ 340)، والجواهر المضية (1/ 220).
(6)
معالم التنزيل (8/ 51).
(7)
الكشاف (4/ 70).
(8)
أحكام القرآن (4/ 192 - 193).
(9)
المحرر الوجيز (15/ 439).
قال ابن عطية: وقال بعض الناس في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها فتحرير رقبة لما قالوا، وهذا قول يفسد [نظم]
(1)
الآية، وحكي عن الأخفش
(2)
؛ لكنه غير قويّ اهـ
(3)
.
وقال أبو حيان - وبعد أن حكى قول الأخفش: وهذا قول ليس بشيء؛ لأنه يفسد نظم الآية اهـ
(4)
.
وقال الشنقيطي - بعد أن ذكر القول بالتقديم والتأخير:
…
وهذا غير صحيح، لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب إلا لدليل اهـ
(5)
.
***
(1)
في الطبعة المغربية [نظر]، التصحيح من الطبعة القطرية (14/ 338).
(2)
هو: سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش الأوسط، أبو الحسن، قرأ اللغة على سيبويه، كان معتزليا له مصنفات كثيرة في اللغة ومعاني القرآن، توفي سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل غير ذلك، إنباه الرواه (2/ 36)، وطبقات المفسرين (1/ 191).
(3)
المحرر الوجيز (15/ 439).
(4)
البحر المحيط (10/ 123).
(5)
أضواء البيان (6/ 516).
* ونظائر هذا المثال كثيرة جدا:
انظر جملة منها في جامع البيان (3/ 291)، و (10/ 153)، و (13/ 66)، و (17/ 134)، و (20/ 126)، و (29/ 205)، و (30/ 153). وفي الكشاف (2/ 344). وفي أحكام القرآن لابن العربي (2/ 16).
وفي المحرر الوجيز (2/ 156)، و (4/ 174 - 175)، و (5/ 10). وفي مفاتيح الغيب (9/ 112)، و (12/ 114)، (16/ 95). وفي الجامع لأحكام القرآن (3/ 317). وفي مجموع فتاوى ابن تيمية (16/ 217 - 218). وفي البحر المحيط (1/ 35، 503، 630)، و (2/ 374، 670)، و (6/ 362). وفي الصواعق المرسلة (2/ 716). وفي تفسير ابن كثير (4/ 54). وفي إرشاد العقل السليم (3/ 71). وفي روح المعاني (1/ 330)، و (3/ 179). وفي أضواء البيان (4/ 289)، و (7/ 85).
المطلب التاسع:
قاعدة: لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح
*
صورة القاعدة:
إذا ورد خلاف بين المفسرين في تفسير آية من كتاب الله، وكان خلافهم دائرا بين حمل الآية على القلب أو عدمه، فحمل الآية على عدم القلب أولى وأصح، متى صح ذلك؛ لأنه هو الموافق لظاهر الآية، ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا بدليل يرجع إليه؛ ولأنه هو الأصل في الكلام، ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل وللآية فيه وجه صحيح، ومن ادعى أمرا خلاف الأصل بقي مرتهنا بإقامة الدليل على داعواه؛ ولأنه فيه خروج من الخلاف؛ لأنه قد أنكر جماعة من العلماء وجود القلب في القرآن - كما سيأتي إن شاء الله.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
-
تعريف القلب:
ذكر ابن فارس أن لمادة «قلب» في اللغة أصلين صحيحين أحدهما يدل على خالص شيء وشريفه، والآخر على ردّ شيء من جهة إلى جهة، وهذا الأصل هو المعنيّ في هذه القاعدة، قال ابن فارس: والأصل الآخر قلبت الثوب قلبا، والقلب: انقلاب الشّفه
…
وقلبت الشيء: كببته، وقلّبته بيديّ تقليبا ويقال: أقلبت الخبزة، إذا حان لها أن تقلب
…
والقليب: البئر قبل أن تطوى، وإنما سميت قليبا؛ لأنها كالشيء يقلب من جهة إلى جهة، وكانت أرضا فلما حفرت صار ترابها كأنه قلب اهـ
(1)
.
(1)
معجم مقاييس اللغة (5/ 17 - 18)، وانظر مادة «قلب» في الصحاح (1/ 204)، واللسان (1/ 685)، ومفردات الراغب ص 681.
وعرّف البلاغيون القلب بأنه: جعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر، والآخر مكانة
(1)
، على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر
(2)
.
ويلحظ من هذا أن بين المعنى اللغوي للقلب والمعنى الاصطلاحي تقاربا كبيرا حيث هو في اللغة ردّ الشيء من جهة إلى جهة وفي الاصطلاح ردّ أحد أجزاء الكلام من مكان إلى مكان، فهما يشتركان في أنه وضع الشيء على غير وجهة الذي هو عليه في الأصل، سواء أكان هذا في الجملة الواحدة بتغير ترتيبها مع أخذ كل جزء منها حكم الآخر أم كان القلب في استعمال ألفاظ على غير وضعها وغرضها، لغرض ما.
وقولهم: «على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر» ليخرج به نحو في الدار زيد وضرب عمرا زيد بتقديم المفعول، فإن كلا - ولو جعل في محل الآخر - باق على حكمه
(3)
فهذا القيد هو الذي أخرج التقديم والتأخير؛ لأنه وإن كان فيه قلب بجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر غير أن كلا منهما باق على حكمه، ولذلك أفردته في قاعدة مستقلة.
وهذا هو الفرق بين أمثلة قاعدة التقديم والتأخير وقلب الإسناد في هذه القاعدة.
***
*
أنواع القلب:
القلب يكون في الكلمة الواحدة، ويكون في الجملة، فالقلب في الكلمة هو عبارة عن تقليب بعض حروف الكلمة تقديما وتأخيرا، كقولهم:«جبذ وجذب»
(4)
وقد تكلم على هذا علماء اللغة وأفرده بعضهم بالتأليف
(5)
.
(1)
كتاب المطول للتفنازاني ص 137.
(2)
انظر شروح التلخيص (1/ 487)، وشرح الإيضاح في علوم البلاغة لمحمد الخفاجي (2/ 97).
(3)
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، انظره في شروح التلخيص (1/ 487).
(4)
انظر جامع البيان (1/ 445) ط. شاكر.
(5)
ذكر السيوطي في المزهر (1/ 476) أن ابن السكّيت ألف كتابا في هذا النوع.
وهذا النوع ليس مرادا في هذه القاعدة، وليس منه شيء في القرآن، كما قال ابن فارس
(1)
.
والقلب في الجملة هو المراد في هذه القاعدة، وذكر له العلماء أنواعا ومثّلوا له، وجعلوا بعض آيات التنزيل من ذلك، وهذه القاعدة ترجّح عدم القلب فيها - كما سترى في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله تعالى -.
ومن هذه الأنواع التي تعمل هذه القاعدة في أمثلتها:
1 -
قلب الإسناد: وهو أن يكون الإسناد إلى شيء والمراد غيره كقلب الفاعل مفعولا والمفعول فاعلا ونحو ذلك، وجعلوا منه قوله تعالى:{ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ} [القصص: 76]، وقوله:{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ}
[الأحقاف: 20]، وغيرها
(2)
.
2 -
ومنها قلب العطف: وذلك بجعل المعطوف عليه معطوفا، والمعطوف معطوفا عليه، وجعلوا منه قوله تعالى:{فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ} (28)[النمل: 28]، وقوله:{ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى} (8)[النجم: 8]، وغيرها
(3)
.
3 -
ومنها القلب بأن يوصف الشيء بضدّ صفته للاستهزاء: وجعلوا منه قول قوم شعيب: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (87)[هود: 87]
(4)
أو للتطير، أو التفاؤل، أو للمبالغة في الوصف.
وهناك أنواع أخر من القلب ذكرها الأئمة غير أنها ليست مرادة في هذه القاعدة، ولا تدخل تحت أمثلتها.
منها: ما قلب على الخطأ، وليس في كتاب الله منه شيء قطعا
(5)
.
(1)
انظر الصاحبي ص 329، والجامع لأحكام القرآن (3/ 108).
(2)
انظر البرهان في علوم القرآن (3/ 288).
(3)
انظر البرهان (3/ 292).
(4)
انظر تأويل مشكل القرآن ص 185، المدخل لعلم تفسير كتاب الله - تعالى - ص 355.
(5)
انظر تأويل مشكل القرآن ص 198 - 203.
ومنها: تسمية المتضادين باسم واحد، والأصل واحد
(1)
، وهذا من الأضداد، وبعض أفراده من المشترك اللفظي.
ومنها: قلب العكس، وهو أمر لفظي كقوله تعالى:{هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]
(2)
.
ومنها: القلب المستوي، وهو أن الكلمة أو الكلمات تقرأ من أوّلها إلى آخرها، ومن أخرها إلى أوّلها لا يختلف لفظها ولا معناها، كقوله تعالى:{كُلٌّ فِي فَلَكٍ}
[الأنبياء: 33]
(3)
.
وهذا - أيضا - لفظي لا أثر له في التفسير.
***
*
موقف العلماء من أسلوب القلب:
اختلف العلماء في كون القلب من أساليب البلاغة، ومن ثمّ في جواز حمل القرآن عليه
(4)
.
فذهب بعض العلماء إلى إنكاره مطلقا، وجعلوه من الضرورات التي يسلكها الشعراء لمراعاة القافية والوزن، والقرآن منزه عنه فلا يحمل عليه أبدا
(5)
.
وذهب آخرون إلى قبوله مطلقا.
(1)
انظر تأويل مشكل القرآن ص 186.
(2)
البرهان (3/ 292).
(3)
البرهان (3/ 293).
(4)
انظر الخلاف في هذه المسألة في الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ص 81، وكتاب المطول للتفتازاني ص 138، وشروح التلخيص (1/ 488)، والبرهان في علوم القرآن (3/ 288)، وأضواء البيان (7/ 391).
(5)
وبه قال أبو حيان في البحر (9/ 443)، ونقله الزركشي في البرهان (3/ 288) عن حازم القرطاجني المتوفى سنة (648) في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء. وذكر السيوطي في المزهر (1/ 481) أن ابن دستويه ألف كتابا في إبطال القلب.
واشترط له آخرون عدم اللبس
(1)
.
وفصّل آخرون: فقالوا: إن تضمّن اعتبارا لطيفا قبل، وإلا ردّ
(2)
؛ لأن العدول عن مقتضى الظاهر من غير نكتة تقتضيه خروج عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال
(3)
.
وهذه القاعدة الترجيحية ترجّح عدم حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح، سواء قيل بقبوله مطلقا أو بشرط أن يتضمن اعتبارا لطيفا، فإن جاز حمل القرآن عليه لا يعدو أن يكون وجها في الآية، والصواب فيها خلافه، أمّا على القول بإنكاره مطلقا فهو لا يوجد أصلا في القرآن، والحمد لله رب العالمين.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد جماعة من أئمة التفسير مضمون هذه القاعدة وقرروه على تفاوت بينهم في العبارة وفي التطبيق.
فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
ابن قتيبة: قال بعد أن نقل أقوال بعض أصحاب اللغة في ادعاء القلب في بعض الآيات: وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله عز وجل
(1)
منهم المبرد قال في «ما اتفق لفظه واختلف معناه» ص 59: وإنما يكون مثل هذا مما لا يكون فيه لبس ولا إشكال ولا وهم. اه. انظر البرهان (3/ 288).
(2)
انظر الإيضاح ص 81.
(3)
انظر كتاب المطول 138، وبهذا القول قال الخطيب القزويني صاحب الإيضاح، وتبعه شراح التلخيص في علوم البلاغة، وصنيع ابن قتيبة يدل على اعتماده لهذا القول حيث إنه قال به في بعض الآيات، وردّ ادعاءه في آيات أخرى، انظر تأويل مشكل القرآن ص 185 - 203، وأما الإمام الطبري فهو يرجحه أحيانا ما لم ينازعه ما هو أقوى منه، وحكم باستفاضة استعماله في العربية، انظر على سبيل المثال في جامع البيان (2/ 340)، و (12/ 28).
وأحيانا يضعّف القول به لأجل وجه من أوجه الترجيح التي اعتمدها، انظر على سبيل المثال جامع البيان (17/ 27)، و (20/ 110).
لو لم يجد له مذهبا؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلم على الغلط أو على طريق الضرورة للقافية أو لاستقامة وزن البيت
…
والله - تعالى - لا يغلط ولا يضطرّ اهـ
(1)
.
2 -
ومنهم أبو جعفر النحاس: وسيأتي كلامه في الأمثلة التطبيقية.
3 -
ومنهم ابن عطية: قال - في معرض تعليقه على القول بالقلب واختيار الطبري له
(2)
في قوله تعالى: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 213] الآية - قال القاضي أبو محمد: وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه
…
اه
(3)
.
4 -
ومنهم الرازي: قال مقررا هذه القاعدة: إذا أمكن حمل الكلام على معنى صحيح وهو على ترتيبه فهو أولى من أن يحمل على أنه مقلوب اهـ
(4)
.
5 -
ومنهم القرطبي: وسيأتي ترجيحه وفق هذه القاعدة
(5)
ضمن الأمثلة التطبيقية.
6 -
ومنهم أبو حيان: فقد قرر في مواضع كثيرة من تفسيره أن القلب من ضرورات الشعر، ولا يجوز حمل القرآن عليه، فمن هذه المواضع قوله: ولا ينبغي حمل القرآن على القلب، إذ الصحيح في القلب أنه مما يضطر إليه في الشعر، وإذا كان المعنى صحيحا واضحا مع عدم القلب، فأي ضرورة تدعو إليه؟! اه
(6)
.
7 -
ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة:
…
وهذا النوع من القلب وإن
(1)
تأويل مشكل القرآن ص 200 - 203.
(2)
انظر جامع البيان (2/ 340).
(3)
المحرر الوجيز (2/ 154).
(4)
مفاتيح الغيب (22/ 172).
(5)
وانظر الجامع لأحكام القرآن (9/ 87).
(6)
البحر المحيط (9/ 443)، وانظر (2/ 370)، و (7/ 430)، و (8/ 324) منه.
أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل الآية عليه؛ لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه اهـ
(1)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 -
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]، ذهب أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج إلى أن في الآية قلبا، والمعنى خلق العجل من الإنسان، وهو العجلة، والعرب تفعل هذا إذا كان الشيء من سبب الشيء بدءوا بالسبب
(2)
.
وذهب عامة المفسرين أن الآية على ترتيبها، واختلفت عباراتهم في معناها
(3)
.
فقال بعضهم: خلق الإنسان عجولا، أي: يستعجل الأمور قبل أوانها، وهو ضد التأني والتثبت.
وقال آخرون: خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إياه ومن سرعة فيه وعلى عجل، وقالوا: خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس على عجل في خلقه إياه قبل مغيبها.
وقال آخرون: خلق الإنسان من تعجيل من الأمر؛ لأنه قال: {إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (40)[النحل: 40] قالوا فهذا العجل.
وقال آخرون: العجل هو الطين، وهي لغة حمير
(4)
، ومنه قول الشاعر:
(1)
أضواء البيان (7/ 392).
(2)
مجاز القرآن (2/ 38 - 39)، وتأويل مشكل القرآن ص 197، ومعاني القرآن للزجاج (3/ 392).
(3)
انظر جامع البيان (17/ 26)، والنكت والعيون (3/ 447)، وزاد المسير (5/ 351)، وغيرها من كتب التفسير.
(4)
حمير بطن عظيم من القحطانية، ينتسب إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن قحطان، واسم «حمير» «العرنج» ، معجم قبائل العرب (1/ 306).
والنبع في الصخر الصماء منبتة
…
والنخل تنبت بين الماء والعجل
(1)
والقول بالترتيب - على الخلاف في توجيه المعنى - أولى القولين بتفسير الآية؛ لموافقته ظاهر الآية، ولا موجب للقول بالقلب، ولا دليل عليه مع مخالفته الظاهرة لظاهر الآية.
وهذا هو قول وترجيح عامّة المفسرين، وهو ما ترجحه هذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها.
وردّ أئمة التفسير ادعاء القلب في الآية، قال الإمام الطبري - بعد أن ذكره عن بعض أهل العربية: وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول الكفاية المغنية عن الاستشهاد على فساده بغيره اهـ
(2)
.
واستبعد الرازي القول بالقلب في الآية، وجعله أبعد الأقوال، ونص على هذه القاعدة في ترجيحه
(3)
- وقد سبق نقل بعض كلامه في أقوال العلماء في اعتماد القاعدة.
وضعّف القرطبي هذا القول، ونقل كلاما للنحاس يقرر هذه القاعدة قال فيه:
وهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله؛ لأن القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا اهـ
(4)
.
وقال أبو حيان: ومن يدعى القلب فيه
…
وأن التقدير خلق العجل من الإنسان
(1)
لم أجد هذا البيت منسوبا إلى قائله، وهو في مادة «عجل» من تهذيب اللغة (1/ 369)، واللسان (11/ 428)، وفي غريب القرآن لعبد الله بن المبارك المتوفى سنة 237 ص 254، وورد الشطر الثاني فيه «والنخل منبته» في السهل العجل»، وفي النكت والعيون (3/ 448)، والكشاف (2/ 573)، والجامع لأحكام القرآن (11/ 289)، والبحر المحيط (7/ 431)، وغيرها.
(2)
جامع البيان (17/ 27).
(3)
انظر مفاتيح الغيب (22/ 172).
(4)
الجامع لأحكام القرآن (11/ 289)، ولم أجده في كتب النحاس التي بين يديّ.
فليس قوله بجيد؛ لأن القلب الصحيح فيه أن لا يكون في كلام فصيح، وأن بابه الشعر اهـ
(1)
.
وردّه كذلك الألوسي
(2)
.
وقال ابن منظور عن القلب في هذه الآية: وحمله على القلب يبعد في الصنعة، ويصغّر المعنى اهـ
(3)
وهذا هو الصحيح - إن شاء الله - وهو ما تقرره هذه القاعدة، وذلك بأن تحمل آيات القرآن على ترتيبها ما أمكن ذلك، ولا يدّعى فيها القلب ولها بدونه وجه صحيح.
وهذا ما أردت إيضاحه من خلال هذا المثال، بغض النظر عن تعيين القول الراجح في تفسير الآية من بين تلك الأقوال السابقة الذكر، ولكن إتماما للفائدة، أسوق أقوال العلماء في الترجيح بين تلك الأقوال، أمّا القولان الأخيران فهما ظاهرا الضعف، وذلك؛ لأن قول من قال المعنى: خلق الإنسان من تعجيل في الأمر، يلزم منه إلغاء تخصيص الإنسان بذكر أنه خلق من عجل؛ لأن كل شيء أراده الله يقول له كن فيكون.
قال الطبري - بعد أن ذكره -: وعلى قول صاحب هذه المقالة يجب أن يكون كل خلق الله خلق على عجل؛ لأن كل ذلك خلق بأن قيل له كن فكان، فإذا كان ذلك كذلك، فما وجه خصوص الإنسان إذا بذكر أنه خلق من عجل دون الأشياء كلها، وكلها مخلوق من عجل، وفي خصوص الله تعالى ذكره الإنسان بذلك الدليل الواضح على أن القول في ذلك غير الذي قاله صاحب هذه المقالة اهـ
(4)
.
وقول من قال: العجل هو الطين بلغة حمير، يرده قوله تعالى بعده:{فَلا}
(1)
البحر المحيط (7/ 430).
(2)
انظر روح المعاني (17/ 48).
(3)
لسان العرب مادة «عجل» (11/ 428).
(4)
جامع البيان (17/ 27).
{تَسْتَعْجِلُونِ} (37)، فهذا يدل على أن المراد بالعجل في أول الآية غير الطين.
قال الشنقيطي: {مِنْ عَجَلٍ} فيه للعلماء قولان معروفان، وفي نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة أحدهما، أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم صحته فهو قول من قال: العجل الطين وهي لغة حميرية
…
والقرينة المذكورة الدالة على أن المراد بالعجل في الآية ليس الطين قوله بعده: {فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} (37) وقوله:
{وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} (38)[الأنبياء: 38] اه
(1)
.
وأولى الأقوال بتفسير الآية هو القول الأول، وهو قول من قال المعنى: خلق الإنسان عجولا، وقد رجحه جماعة من المفسرين كابن عطية
(2)
، الرازي
(3)
، والقرطبي
(4)
، والألوسي
(5)
، والشوكاني
(6)
، والشنقيطي، وغيرهم.
(1)
أضواء البيان (4/ 573).
(2)
انظر المحرر الوجيز (11/ 136 - 137).
(3)
انظر مفاتيح الغيب (22/ 172).
(4)
انظر الجامع لأحكام القرآن (11/ 288).
(5)
انظر روح المعاني (17/ 49).
(6)
انظر فتح القدير (3/ 408).
* ومن نظائر هذا المثال:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [البقرة: 213]، انظر المحرر الوجيز (2/ 154)، والبحر المحيط (2/ 370).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً [البقرة: 171]، انظر تأويل مشكل القرآن ص 199.
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4)[الأعراف: 4]، انظر الإيضاح في علوم البلاغة ص 82، والبرهان في علوم القرآن (3/ 292)، ومغني اللبيب (2/ 696).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)[هود: 87]، انظر مفاتيح الغيب (18/ 45)، والبحر المحيط (6/ 197)، والجامع لأحكام القرآن (9/ 87)، ومحاسن التأويل (9/ 3478).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (74)[الفرقان: 74]، انظر تأويل مشكل القرآن ص 199. -
ويشهد لهذا القول قوله تعالى: {سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} (37)[الأنبياء: 37]، وقوله تعالى:{وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً} (11)[الإسراء: 11].
= 6 - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (28)[النمل: 28]، انظر الإيضاح ص 82، والبرهان في علوم القرآن (3/ 288)، ومغني اللبيب (2/ 697).
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص: 76] انظر تأويل مشكل القرآن ص 199، وجامع البيان (20/ 110)، ومعاني القرآن للنحاس (5/ 199)، والبحر المحيط (8/ 324)، والبرهان في علوم القرآن (3/ 288)، ومغني اللبيب (2/ 697)، وروح المعاني (20/ 111)، والتحرير والتنوير (20/ 177).
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)[الدخان: 49]، انظر تأويل مشكل القرآن ص 186، والمدخل لعلم تفسير كتاب الله ص 355، ومفاتيح الغيب (27/ 253)، والجامع لأحكام القرآن (16/ 151)، وروح المعاني (25/ 134).
9 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ [الأحقاف: 20]، انظر البحر المحيط (9/ 443)، والبرهان في علوم القرآن (3/ 291)، وأضواء البيان (7/ 391)، ومغنى اللبيب (2/ 696).
وذكر ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص 185 - 205، والزركشي في البرهان (3/ 289) جملة وافرة من الآيات التي ادعى فيها القلب، وهذه القاعدة ترجح خلافه.
المطلب العاشر:
قاعدة: إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى
*
صورة القاعدة:
إذا احتمل اللفظ - أو الجملة - من كتاب الله تعالى أن يكون مؤكدا للفظ - أو جملة - سابق، أو يكون مفيدا لمعنى جديد لم يسبق في الكلام، فحمله على الإفادة أولى من حمله على الإعادة؛ لأن إفادة معنى جديد أولى من إلغاء هذا المعنى بجعله مؤكّدا لما تقرر في كلام سابق، فالتأكيد خلاف الأصل؛ لأن الأصل في وضع الكلام إنما هو إفهام السامع ما ليس عنده، فإن تعذر حمله على فائدة جديدة حمل حينئذ على التأكيد.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
التأسيس في اللغة: من الأسّ، والأساس وهو: أصل البناء، وأسّ البناء مبتدؤه، والأسيس: أصل كل شيء، والتأسيس في الشعر ألف تلزم القافية وبينها وبين حرف الروي حرف يجوز كسره ورفعه ونصبه
(1)
.
وفي الاصطلاح: إفادة معنى آخر لم يكن حاصلا قبّل
(2)
.
والتأكيد أو التوكيد هو: تقوية مدلول ما ذكر بلفظ آخر، وهو إما معنويّ كقولك:
جاء القوم كلهم أجمعون، أو لفظيّ وهو: إعادة اللفظ الأول بعينه
(3)
.
(1)
انظر مادة «أسس» في تهذيب اللغة (13/ 141)، وفي اللسان (6/ 6).
(2)
التوقيف على مهمات التعريف ص 155، وانظر تعريفات الجرجاني ص 76.
(3)
التمهيد للأسنوي ص 167، وانظر التعريفات ص 76، والتوقيف ص 156.
وقد تخرج بعض صور التأكيد من هذه القاعدة، كالتأكيد المعنويّ فهو محصور في سبعة ألفاظ وهي: النفس، والعين، وكلا، وكلتا، وكل، وجميع، وعامّة، فمثل هذا التأكيد لا ينازع التأسيس هنا ولا يقع في مثله الخلاف بين التأسيس والتأكيد.
ويدخل تحت التأكيد الذي أعنيه في هذه القاعدة تأكيد معنى سابق، ولو لم يكن في ذلك تكرار لأي لفظ من ألفاظ الجملة السابقة؛ ولكن معنى اللفظة أو الجملة المتأخرة دائر بين أن يكون مقررا ومؤكدا لمعنى سابق، أو مؤسسا ومفيدا لمعنى جديد، فالتأسيس أولى.
وهذه القاعدة من القواعد الترجيحية، ومن القواعد التفسيرية، وهي متفرّعة عن القاعدة الأصولية «إعمال الكلام أولى من إهماله» فإن كان المفسر لكتاب الله تعالى ينشئ تفسيرا فهو يستعملها في بيان معاني كلام الله، فهي في هذه الحالة تفسيرية.
وإن كان ناظرا بين أقوال المفسرين المختلفة مرجحا بينها فهي قاعدة ترجيحية.
فحديثي إذا عما وقع فيه الخلاف، أما ما لم يقع فيه خلاف، بأن كان الكلام على أصله في التأسيس، أو كان مؤكدا، ولم يدخل عليه احتمال التأسيس، ولا خلاف بين العلماء في ذلك فلا ترجيح بهذه القاعدة.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي استعملها عامة المفسرين مختلفين في طرق اعتمادها والتنبيه عليها، فمنهم من ينشئ تفسيره ويعتمدها كقاعدة تفسيرية، ويفسر أمثلتها بما يوافقها.
ومنهم من يرجح مضمون القاعدة، وإن لم يصرح بلفظها، ومن العلماء من يرجح بها وينص عليها مستشهدا بها على صحة ترجيحه، وكل هؤلاء يعتمدون عليها في ترجيحاتهم، فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
الإمام الطبري: فعند تفسير قوله تعالى: {وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ}
{مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} (55)[الحج: 55] بعد أن ذكر الخلاف بين أهل التأويل في «اليوم» أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم يوم القيامة، وقال آخرون: يوم بدر.
قال - معقبا - على القول الثاني -:
وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية؛ لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة، فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له، فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى، وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرناه في معناه اهـ
(1)
.
2 -
ومنهم أبو محمد مكي بن أبي طالب: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة: وحمل اللفظين على فائدتين، ومعنيين أولى من حملهما على التكرار بمعنى واحد اهـ
(2)
.
3 -
ومنهم أبو بكر بن العربي: قال - مقررا هذه القاعدة: إذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجدّدة لم يحمل على التكرار في كلام الناس، فكيف كلام العليم الحكيم؟ اه
(3)
.
4 -
ومنهم العلاّمة ابن القيم: ففي معرض تفسيره لقول الله تعالى: {كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} (4)[التكاثر: 3 - 4] قال: قيل: تأكيد لحصول العلم كقوله تعالى: {كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ} (5)[النبأ: 4 - 5]، وقيل:
ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر
ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه:
(1)
جامع البيان (17/ 193)، وانظر نحو هذا الترجيح بهذه القاعدة فيه (7/ 36).
(2)
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 219.
(3)
أحكام القرآن (1/ 232).
أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة اهـ
(1)
.
5 -
ومنهم الشوكاني: قال - معللا لاختياره وترجيحه: والأول أولى؛ لأن التأسيس خير من التأكيد اهـ
(2)
.
6 -
ومنهم الألوسي: فقد ذكرها في معرض الترجيح بها فقال: التأسيس خير من التأكيد اهـ
(3)
.
7 -
ومنهم محمد الأمين الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة بما تقرر في الأصول:
إن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذا احتمل التأسيس والتأكد معا، وجب حمله على التأسيس، ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه اهـ
(4)
.
وقال في موضع آخر: وقد تقرر في الأصول أنه إذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس رجح حمله على التأسيس اهـ
(5)
.
وهذه القاعدة من القواعد الأصولية المتفرّعة عن القاعدة الكلية «إعمال الكلام أولى من إهماله» ، التي قررها علماء الأصول فهم متفقون على أن التأكيد على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في وضع الكلام إنما هو إفهام السامع ما ليس عنده، فإذا دار اللفظ بين التأسيس والتأكيد، تعين حمله على التأسيس
(6)
.
(1)
عدة الصابرين ص 231.
(2)
فتح القدير (2/ 47).
(3)
روح المعاني (4/ 90).
(4)
أضواء البيان (6/ 692).
(5)
أضواء البيان (3/ 355)، وانظر نحو هذا التقرير فيه (6/ 245)، و (7/ 414).
(6)
التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي ص 167، والكوكب الدريّ له ص 406، وانظر المحصول (1/ 357/1)، والإحكام للآمدي (3/ 26)، وشرح تنقيح الفصول ص 112، والبحر المحيط للزركشي (2/ 117)، وشرح الكوكب (1/ 298)، وإرشاد الفحول ص 465.
وغير هؤلاء الأئمة كثير
(1)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
أمثلة هذه القاعدة كثيرة، منها ما جاء في تفسير قول الله تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ} (41)[النور: 41].
اختلف العلماء في عائد الضمير المحذوف الذي هو فاعل «علم» .
فقال بعض أهل العلم: إنه راجع إلى الله تعالى في قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ} الآية، وعلى هذا يكون المعنى: كل من المصلين والمسبحين، قد علم الله صلاته وتسبيحه.
وقال آخرون: بل هو راجع إلى قوله: {كُلٌّ،} فعلى هذا يكون المعنى: كل من المصلين والمسبحين قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه
(2)
.
وأولى القولين في هذا بالصواب القول الثاني، أي إعادة الضمير إلى قوله:{كُلٌّ،}
وذلك حتى يكون قوله تعالى: {وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ} (41) تأسيسا لمعنى جديد، وهو إحاطة علمه تعالى بكل ما يفعلون.
أمّا على القول الأول فإن جملة {وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ} (41) تكون مؤكدة لمعنى جملة {قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} فالجملة الأولى مخبرة عن علمه تعالى بصلاتهم وتسبيحهم، وكذلك جملة {وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ} (41) مخبرة بذلك فتكون مؤكدة لها.
وإذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أرجح.
(1)
كالقزويني في الإيضاح في علوم البلاغة ص 69، والجرجاني في التعريفات ص 76، والسيوطي في الأشباه والنظائر في الفقه ص 135، والمناوي في التوقيف ص 155، والكفوي في الكليات ص 1065، والمعلمي في التنكيل (2/ 632) رقم الصفحة متسلسل.
(2)
أضواء البيان (6/ 244).
وهذا القول الذي رجحته هذه القاعدة هو ما اختاره ورجحه أئمة التفسير كأبي حيان
(1)
، وتلميذه السمين
(2)
، والشوكاني
(3)
، وتلميذه صديق خان
(4)
، والطاهر ابن عاشور
(5)
، والشنقيطي
(6)
، وغيرهم.
قال العلاّمة الشنقيطي - بعد أن ذكر القولين، ثم أردف بذكر القاعدة:
وإذا علمت ذلك فاعلم أن الأظهر على مقتضى ما ذكرنا عن الأصوليين، أن يكون ضمير الفاعل المحذوف في قوله:{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} راجعا إلى قوله: {كُلٌّ} أي كل من المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين، قد علم تسبيح نفسه، وعلى هذا القول فقوله تعالى:{وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ}
(41)
تأسيس لا تأكيد، أما على القول بأن الضمير راجع إلى الله - أي: قد علم الله صلاته - يكون قوله: {وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ} (41) كالتكرار مع ذلك فيكون من قبيل التوكيد اللفظي.
وقد علمت أن المقرر في الأصول أن الحمل على التأسيس أرجح من الحمل على التوكيد اهـ
(7)
.
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها» .
فإعادة ضمائر {عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} إلى {كُلٌّ} أولى من تفريقها بإعادة ضمير {عَلِمَ} إلى {اللهَ،} وإعادة ضميرا {صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} إلى
(1)
انظر البحر المحيط (8/ 56).
(2)
انظر الدر المصون (8/ 418 - 419).
(3)
انظر فتح القدير (4/ 40 - 41).
(4)
انظر فتح البيان (6/ 382).
(5)
انظر التحرير والتنوير (18/ 259).
(6)
انظر أضواء البيان (6/ 244).
(7)
أضواء البيان (6/ 244 - 245).
{كُلٌّ} .
قال السمين الحلبي - في معرض ترجيحه لما رجحت القاعدة: وهذا أولى لتوافق الضمائر اهـ
(1)
.
وقال الطاهر ابن عاشور: وضمائر {عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} راجعة إلى {كُلٌّ}
لا محالة، ولو كان المراد بها التوزيع على من في السموات والأرض والطير من جهة، وعلى اسم الجلالة من جهة لوقع ضمير فصل بعد {عَلِمَ} فلكان راجعا إلى الله - تعالى - اه
(2)
.
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى من إبعاده» فأقرب المذكورين هو لفظ {كُلٌّ} فإعادة الضمير إليه أولى من إعادته إلى الأبعد، وهو لفظ الجلالة.
***
(1)
الدر المصون (8/ 419).
(2)
التحرير والتنوير (18/ 259).
* ولهذا المثال نظائر:
انظر جملة منها في تأويل مشكل القرآن ص 79، وجامع البيان (7/ 36)، و (14/ 172)، و (17/ 193)، و (29/ 3)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي 219، وأحكام القرآن لابن العربي (1/ 232)، والمحرر الوجيز (2/ 43)، و (5/ 20)، و (10/ 229)، والتفسير القيم ص 148، 515 وفتح القدير (2/ 47)، و (3/ 193)، وروح المعاني (4/ 90)، وأضواء البيان (3/ 353)، و (5/ 759)، و (7/ 413 - 414 - 593 - 821).
المطلب الحادي عشر:
قاعدة: حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف
*
صورة القاعدة:
عند اختلاف المفسرين في تفسير ألفاظ القرآن الكريم، بين قائل بترادف بعض ألفاظها تأكيدا للمعنى المذكور، وقائل بالتباين بين معانيها، فأرجح القولين وأصحهما في ذلك، قول من حملها على التباين؛ لأنه هو الأصل، وهو أكثر اللغة؛ ولأن حملها على التباين يفيد معنى جديدا، وأما حملها على الترادف
(1)
فهي لا تكون إلا مؤكدة لسابقتها، والتأسيس أولى من التأكيد كما مرّ في القاعدة السابقة.
والفرق بين المترادف والمؤكّد، أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت أصلا، وأمّا المؤكّد فإنه لا يفيد عين فائدة المؤكّد، بل يفيد تقويته
(2)
.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
تعريف الترادف والتباين:
الترادف في اللغة: التتابع، قال ابن فارس: الراء والدال والفاء أصل واحد مطرد يدل على اتّباع الشيء، فالترادف: التتابع، والرّديف: الذي يرادفك
…
ويقال: نزل بهم أمر فردف لهم أعظم منه أي: تبع الأوّل ما كان أعظم منه اهـ
(3)
.
(1)
هذا على قول من أجاز وقوعه في اللغة وفي القرآن، وإلا فقد منعه طائفة من العلماء، وسيأتي قريبا الكلام على هذه المسألة.
(2)
المحصول (1/ 348/1)، وانظر التحصيل من المحصول (1/ 209)، والمزهر (1/ 402)، وشرح الكوكب المنير (1/ 145).
(3)
معجم مقاييس اللغة (2/ 503)، وانظر مادة «ردف» في تهذيب اللغة (14/ 96)، وفي اللسان (9/ 115).
وفي الاصطلاح: عرّفه الزركشي بقوله: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد.
ثم شرع في بيان محترزات التعريف فقال: واحترز ب «المفرد» عن دلالة الرسم والحد -[أي التعريف]- فإنهما يدلان على شيء واحد، وليسا مترادفين؛ لأن الحد مركب.
وخرج ب «اعتبار واحد» المتزايلات كالسيف والصارم فإن مدلولهما واحد؛ لكن باعتبارين اهـ
(1)
.
والتباين في اللغة: أصل مادة «بين» هو: بعد الشيء وانكشافه
(2)
.
وفي الاصطلاح: الألفاظ المختلفة للمعاني المختلفة
(3)
.
***
*
موقف العلماء من الترادف في اللغة وفي القرآن:
اختلف العلماء في وقوع الترادف في اللغة:
فقال بوقوعه جماعة من أئمة العربية منهم سيبويه
(4)
وابن جني
(5)
، وغيرهما
(6)
.
(1)
البحر المحيط (2/ 105)، وانظر المحصول (1/ 347/1)، وروضة الناظر مع شرحها (1/ 53)، وشرح تنقيح الفصول ص 31.
(2)
معجم مقاييس اللغة (1/ 327)، وانظر مادة «بين» في تهذيب اللغة (15/ 495)، وفي اللسان (13/ 62).
(3)
روضة الناظر مع شرحها (1/ 53)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص 32، والتعريفات ص 77، والتوقيف ص 157.
(4)
قال في الكتاب (1/ 24): هذا باب اللفظ للمعاني، اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب، واختلاف اللفظين والمعنى واحد: ذهب وانطلق اه.
(5)
انظر الخصائص (2/ 113 - 133)، ابن جني هو: عثمان بن جني أبو الفتح الموصلي النحوي اللغوي، إمام العربية، له تصانيف كثيرة، منها «الخصائص» في فقه اللغة، و «المحتسب» في شواذ القراءات، توفي سنة اثنين وتسعين وثلثمائة، إنباه الرواة (2/ 335)، وسير أعلام النبلاء (17/ 17).
(6)
كالرّماني، فقد ألف كتابه «الألفاظ المترادفة» مختارا فيه هذا القول، وقال بالترادف في ألفاظ كثيرة.
وصححه من الأصوليين الرازي
(1)
، والزركشي
(2)
وغيرهما
(3)
، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية
(4)
.
وذهب آخرون منهم إلى منع الترادف في العربية، ومن هؤلاء ابن الأعرابي
(5)
، وابن فارس
(6)
، وابن الأنباري
(7)
، والراغب
(8)
، وغيرهم
(9)
.
قال ابن الأعرابي: كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عرفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا فلم نلزم العرب جهله اهـ
(10)
.
والخلاف بين العلماء في هذه المسألة مشهور، وقد نصر كل فريق منهم قوله بأدلة، ليس هذا مجال بسطها
(11)
؛ لأنها ليست مقصودة في هذه القاعدة، وإنما
(1)
انظر المحصول (1/ 349/1).
(2)
انظر البحر المحيط (2/ 105).
(3)
نسبة الفتوحي في شرح الكوكب (1/ 141) إلى الحنابلة، والحنفية، والشافعية.
(4)
انظر الفتاوى (13/ 341).
(5)
انظر الأضداد لابن الأنباري ص 7، وابن الأعرابي هو: محمد بن زياد الأعرابي أبو عبد الله، إمام العربية، ولد بالكوفة سنة خمسين ومائة، كان صالحا زاهدا صدوقا حافظا صاحب سنة واتباع، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين، إنباه الرواة (3/ 128)، وسير أعلام النبلاء (10/ 687).
(6)
انظر الصاحبي ص 115.
(7)
انظر الأضداد ص 8.
(8)
انظر المفردات ص 55.
(9)
كأبي هلال العسكري، فقد ألف في منع الترادف كتابه «الفروق اللغوية» انظره ص 10 - 11.
(10)
الأضداد لابن الأنباري ص 7.
(11)
قد بسط الكلام في هذه الظاهرة اللغوية في كثير من كتب اللغة، والأصول، وأفردت بالتصنيف قديما وحديثا، فمن ذلك كتاب الرّماني المتوفي سنة (384 هـ)«الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى» ، وكتاب أبي هلال العسكري المتوفي بعد سنة (395 هـ) وحديثا كتاب حاكم بن مالك الزيادي «الترادف في اللغة» ، ورسالة الماجستير للدكتور محمد الشايع «الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن» من جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية (طبع أخيرا).
أردت من ذكرها هنا التذكير بهذا الخلاف لما فيه من تقوية بعض جوانب القاعدة، بغض النظر عن ترجيح أحد الأقوال بإثبات الترادف في اللغة أو نفيه.
ولابن القيم تقسيم - في غاية الحسن - للأسماء الدالة على مسمى واحد، وما بينها من ترادف أو تباين، وموقف العلماء منها، أسوقه لنفاسته، قال رحمه الله: فالأسماء الدالة على مسمى واحد نوعان:
أحدهما: أن يدلّ عليه باعتبار الذات فقط، فهذا النوع هو المترادف ترادفا محضا، وهذا كالحنطة والقمح والبرّ والاسم والكنية واللّقب إذا لم يكن فيه مدح ولا ذم وإنما أتي به لمجرد التعريف.
والنوع الثاني: أن يدلّ على ذات واحدة باعتبار تباين صفاتها كأسماء الرب تعالى، وأسماء كلامه، وأسماء نبيه، وأسماء اليوم الأخر، فهذا النوع مترادف بالنسبة إلى الذات، ومتباين بالنسبة إلى الصفات، فالربّ والرحمن والعزيز والقدير والملك يدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة، وكذلك البشير والنذير والحاشر والعاقب والماحي، وكذلك يوم القيامة ويوم البعث ويوم الجمع ويوم التّغابن ويوم الآزفة ونحوها، وكذلك القرآن والفرقان والكتاب والهدى ونحوها، وكذلك أسماء السيف فإنّ تعدّدها بحسب أوصاف وإضافات مختلفة، كالمهنّد والعضب والصّارم ونحوها،
…
وقد أنكر كثير من الناس الترادف في اللغة، وكأنهم أرادوا هذا المعنى، وأنه ما من اسمين لمسمي واحد إلا وبينهما فرق في صفة أو نسبة أو إضافة، سواء علمت لنا أو لم تعلم، وهذا الذي قالوه صحيح باعتبار الواضع الواحد، ولكن قد يقع الترادف باعتبار واضعين مختلفين يسمي أحدهما المسمى باسم، ويسميه الواضع الآخر باسم غيره، ويشتهر الوضعان عند القبيلة الواحدة، وهذا كثير ومن ههنا يقع الاشتراك أيضا، فالأصل في اللغة هو التباين وهو أكثر اللغة والله أعلم اهـ
(1)
.
وأمّا وقوع الترادف في القرآن، فقد منعه بعض العلماء، وعلى رأسهم من منع وجوده
(1)
روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص 55، ونقله عنه الفتوحي في شرح الكوكب (1/ 141).
في اللغة.
قال الراغب الأصفهاني في مقدمة مفرداته: وأتبع هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل - بكتاب ينبئ عن تحقيق «الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة» ، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته، نحو ذكر القلب مرّة والفؤاد مرة والصدر مرّة، ونحو ذكره تعالى في عقب قصة:{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (37)[الروم: 37]، وفي أخرى:{لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (24)[يونس: 24]، وفي أخرى:{لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
(230)
[البقرة: 230]، وفي أخرى:{لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} (98)[الأنعام: 98]، وفي أخرى:
{لِأُولِي الْأَبْصارِ} (13)[آل عمران: 13]، وفي أخرى:{لِذِي حِجْرٍ} (5)[الفجر: 5]، وفي أخرى:{لِأُولِي النُّهى} (54)[طه: 54]، ونحو ذلك مما يعدّه من لا يحقّ الحقّ ويبطل الباطل أنّه باب واحد، فيقدّر أنه إذا فسّر:{الْحَمْدُ لِلّهِ} بقوله: الشكر لله، و {لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] بلا شك فيه، فقد فسّر القرآن ووفاه التبيان اهـ
(1)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإمّا نادر وإما معدوم، وقلّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه؛ بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن اهـ
(2)
.
وذهب بعض العلماء إلى جواز وقوع الترادف في القرآن؛ لأنه واقع في اللغة، والقرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليبها، وفنون كلامها، والترادف من ذلك، وصحح الزركشي هذا القول
(3)
.
وسواء قيل بالترادف في القرآن أو قيل بعدمه، متى أمكن حمل ألفاظ القرآن على التباين كان ذلك هو المعتمد؛ لموافقته الأصل، ولإفادته فائدة جديدة وهي أولى من التأكيد.
(1)
المفردات ص 55.
(2)
مجموع الفتاوى (13/ 341).
(3)
انظر البحر المحيط (2/ 108)، وانظر الفروق اللغوية وأثرها في التفسير ص 138 - 146.
*
أدلة القاعدة:
أولا: لا ريب أن القرآن الكريم أفصح الكلام، وجميع ألفاظه وتراكيبه في قمة الفصاحة والبيان، وكل كلمة قد جعلت في موضعها اللائق بها، وكل لفظ في موضعه يؤدي معنى لا يؤديه غيره من الألفاظ، وظاهر القرآن التفريق بين معاني الألفاظ، حيث فرّق بين قول لفظ وآخر مما يدل على وجوب اهتمام المفسر بالفروق بين الألفاظ وأن لا يجزم بترادف الألفاظ ولها بدونه وجه ثابت صحيح.
وقد قرر الله - تعالى - هذا المسلك في تفريقه بين لفظي «الإيمان والإسلام» ، وبين لفظي «راعنا وانظرنا» في قول الله تعالى:{* قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا} [البقرة: 104]، وفي هذا الاستعمال القرآني التنبيه إلى منهج متميز في إثبات معنى لكل لفظ يخصه، ويفرقه عن غيره من الألفاظ المناظرة له، وإن اتفقت في كثير من معانيها.
ثانيا: أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك هذا المسلك القرآني في التفريق بين الألفاظ في الاستعمال والمعنى بدقة بالغة، بما يكون فيه تنبيه على حمل كل لفظ على دقائق معانية دون ادعاء الترادف عليها، وذلك في عدّة أحاديث، منها:
1 -
حديث البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيت مضجعك فتؤضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متّ من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به» ، قال: فردّدتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت «اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلت: ورسولك، قال:«لا، ونبيك الذي أرسلت»
(1)
.
(1)
متفق عليه، البخاري، كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء، انظر الصحيح مع الفتح (1/ 426)، ومسلم، كتاب الذكر، حديث رقم (56).
2 -
ومنها حديث سعد بن أبي وقاص
(1)
رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مسلم أقولها ثلاثا ويرددها عليّ ثلاثا»
(2)
.
3 -
ومنها حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة، فقال:«لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة» ، فقال: يا رسول الله أو ليستا بواحدة؟ فقال: «لا، إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها»
(3)
.
ففرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث بين ألفاظ قد ظنّ أنها مترادفة ففي الحديث الأول فرّق بين الرسول والنبي، ولم يجعل أحدهما يكفي، عن الآخر.
وفي الحديث الثاني فرّق بين المؤمن والمسلم، وفي الحديث الثالث فرّق بين عتق النسمة وفك الرقبة، «فتأمل كيف رتب الكلامين واقتضى من كل واحد أخص البيانين فيما وضع له من المعنى، وضمنه من المراد»
(4)
مما يدل على اهتمامه صلى الله عليه وسلم بإثبات الفروق بين الألفاظ، وإن دل أحدهما على معظم معاني الآخر
(5)
.
ثالثا: التباين هو الأصل في الكلام، والترادف خلاف الأصل؛ لأنه يخل بالفهم
(1)
هو: سعد بن مالك بن أهيب القرشي، أبو إسحاق من السابقين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة، كان مجاب الدعوة، ومناقبه كثيرة، توفي سنة إحدي وخمسين، الإصابة (3/ 83).
(2)
أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، انظر الصحيح مع الفتح (1/ 99)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (236 - 237).
(3)
أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الزكاة، باب الحث على إخراج الصدقة وبيان قسمتها (2/ 135)، والحاكم في المستدرك (2/ 217) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والخطابي في إعجاز القرآن ص 33.
(4)
إعجاز القرآن للخطابي ص 33 - 34، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.
(5)
أفدت في هذا من رسالة د. محمد الشايع «الفروق اللغوية، وأثرها في تفسير القرآن ص 148 - 150.
التامّ، لاحتمال أن يكون المعلوم لكل واحد من المتخاطبين غير الاسم الذي يعلمه الآخر، فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر؛ ولأنه يتضمن تعريف المعرّف وهو خلاف الأصل
(1)
.
ومن ادعى خلاف الأصل بقي مرتهنا بإقامة الحجة على دعواه
رابعا: والتباين هو أكثر اللغة
(2)
، وحمل الكلام على الأكثر أولى من حمله على الأقل، على قول من أثبت الترادف في اللغة والقرآن، وإلا فقد أنكره جماعة من الأئمة.
خامسا: والتباين فيه إفادة جديدة، وأما الترادف فهو تأكيد لما سبق، والتأسيس أولى من التأكيد.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة كثير من العلماء، ونص عليها وصرح بها جماعة منهم، وهي قاعدة أصولية مشهورة، فمن هؤلاء:
1 -
شيخ الإسلام ابن تيمية: فمقتضى كلامه من أن الترادف في القرآن إما نادر أو معدوم
(3)
، يوحي باعتماده لهذه القاعدة، وإن لم ينص عليها هنا.
وقد ردّ القول بالترادف في آيات سيأتي بسط الكلام على بعضها في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -.
2 -
ومنهم العلامة ابن القيم: فقد اعتمدها في ترجيحاته، حيث يختار ويرجح التباين ويرد القول بالترادف، وقرر أن الأصل في اللغة هو التباين،
(1)
المحصول (1/ 351/1 - 352 - 439)، وانظر نهاية السول (2/ 111)، والبحر المحيط للزركشي (2/ 108)، والمزهر (1/ 406).
(2)
روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص 55، والبحر المحيط اللزركشي (2/ 109).
(3)
انظر مجموع الفتاوى (13/ 31).
وأنه أكثر اللغة
(1)
.
3 -
ومنهم الزركشي قال مقررا هذه القاعدة: الترادف خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين كونه مترادفا أو متباينا فحمله على التباين أولى اهـ
(2)
.
وقال في موضع آخر: قاعدة في ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه، ولهذا وزّعت بحسب المقامات، فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الآخر، فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات والقطع بعدم الترادف ما أمكن اهـ
(3)
.
أمّا المفسرون فلم أقف على كلام لأحدهم ينص على هذه القاعدة بلفظها، اللهم إلا ما يفهم من كلام الإمام الطبري بعد أن ذكر أسماء القرآن الواردة فيه، وذكر الآيات في ذلك قال: ولكل اسم من أسمائه الأربعة -[يعني القرآن، والذكر، والفرقان، والكتاب]- في كلام العرب معنى ووجه غير معنى الآخر ووجه اهـ
(4)
.
بيد أن اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة ظاهر بيّن، وعملهم بمقتضاها واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار، وذلك أن كثيرا منهم يفسر الآيات التي قيل بترادف بعض ألفاظها تفسيرا يدل على أنه يرى عدم ترادفها، وذلك بذكر فروق بين تلك الألفاظ، مع الإغفال التام للقول بالترادف
(5)
.
(1)
انظر روضة المحبين ص 55.
(2)
البحر المحيط (2/ 108)، وانظر نهاية السول (2/ 111)، والمزهر (1/ 406)، وشرح الكوكب (1/ 297).
(3)
البرهان (4/ 78).
(4)
جامع البيان (1/ 42).
(5)
انظر مثال ذلك في تفسير قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: 48] في المجاز (1/ 168)، والمعاني للأخفش (1/ 283)، وجامع البيان (6/ 270)، والمعاني للنحاس (2/ 319)، والنكت والعيون (2/ 45)، والكشاف (1/ 618)، والجامع لأحكام القرآن (6/ 211)، ومدارك التنزيل (1/ 402)، والتسهيل (1/ 179)، وتفسير ابن كثير (3/ 120)، ونظم الدرر (6/ 181)، وفتح القدير (2/ 48)، والتحرير والتنوير (6/ 223).
وربما حكى بعضهم القول بالترادف؛ لكنه يختار ويرجح القول بالتباين
(1)
.
وأحيانا يحكي بعضهم القول بالترادف بصيغة التمريض منبها بذلك على ضعفه
(2)
.
وكل هذا يدل على اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة قول المرجئة: إن الإيمان مرادف للتصديق، وقالوا: إن الله تعالى قال: {وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا} [يوسف: 17] أي بمصدق لنا، والإيمان في اللغة التصديق، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما خاطب الناس بلغة العرب، فيكون مراده بالإيمان التصديق، والتصديق يكون بالقلب واللسان، فالأعمال ليست من الإيمان
(3)
.
ومذهبهم هذا باطل، قد تولى أئمة الإسلام إبطاله، والرد عليه من وجوه كثيرة
(4)
، أسوق منها محل الغرض، وهو إبطال دعوى الترادف بين لفظ الإيمان، ولفظ التصديق، تمثيلا لهذه القاعدة.
فمنها: أن هذه القاعدة تصحح القول بالتباين بين اللفظين.
فحمل ألفاظ نصوص الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف في حالة ورود الاحتمالين، كما تقرر هذه القاعدة فكيف الحال إذا لم يرد الاحتمال، ولم تصح دعوى الترادف بين اللفظين لغة؟، وذلك أن لفظ الإيمان يتعدى إلى الضمير
(1)
انظر مثال ذلك في الإيمان لابن تيمية ص 169، والبحر المحيط للزركشي (2/ 106).
(2)
انظر على سبيل المثال مفاتيح الغيب (12/ 14)، والفتوحات الإلهية (1/ 497)، وروح المعاني (6/ 153).
(3)
انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (7/ 289)، وانظر تفصيل أقوالهم وفرقهم في الفرق بين الفرق ص 190، والفصل (3/ 227)، والملل والنحل (1/ 162).
(4)
انظر هذه الوجوه في فتاوى ابن تيمية (7/ 290 - 297)، وانظر الرد عليهم في الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 630)، وما بعدها، ولوامع الأنوار البهية (1/ 422) وما بعدها.
باللام دائما، وليس كذلك لفظ التصديق فإنه يتعدى بنفسه، فإنه يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه، وآمن به، بل يقال آمن له.
وجاء تعدي لفظ الإيمان إلى مفعوله باللام في آيات كثيرة منها قوله تعالى:
{* فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26]، وقوله تعالى:{فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} [يونس: 83]، وقوله تعالى:{وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} (21)[الدخان: 21]، ونحوها من الآيات.
وهذا من الفروق بين اللفظين في اللغة مما يدل على بطلان دعوى الترادف بينهما.
ومنها: أن لفظ الإيمان ليس مرادفا للفظ التصديق في المعنى، فإن لفظ التصديق يستعمل في كل خبر عن أمر مشاهد أو غائب، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، ولم يوجد في القرآن والسنة ولغة العرب أنه استعمل في الخبر عن مشاهد، بل كل ما ورد من استعماله فهو في الخبر عن غائب.
وهذا يدل على بطلان دعوى الترادف بينهما.
ومنها: أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، فيقال: لكل مخبر صدقت، أو كذبت، أو صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر آمنا له، أو كذبناه.
والكفر ليس تكذيبا فقط بل هو تكذيب وزيادة، فقد يكون عنادا ومخالفة ومعاداة بلا تكذيب.
فإذا كان كذلك كان لفظ الإيمان ليس هو لفظ التصديق فقط، بل فيه موالاة وموافقة وانقياد، فدل هذا على عدم ترادف اللفظين.
فإذا تقرر هذا، وانتفى الترادف بين لفظ الإيمان ولفظ التصديق، بطلت دعوى أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان. والأدلة على دخول الأفعال في مسمى الإيمان كثيرة أذكر منها حديث وفد عبد القيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «آمركم بأربع:
الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة،
وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس»
(1)
فدل هذا الحديث بوضوح على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم:«الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان»
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [الروم: 31]، انظر الصحيح مع الفتح (2/ 10)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (23).
(2)
أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، انظر الصحيح مع الفتح (1/ 66)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (58) والفظ له.
* ومن أمثلة هذه القاعدة:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: 157]، انظر جامع البيان (2/ 42)، والمحرر الوجيز (2/ 23 - 24)، والجامع لأحكام القرآن (2/ 177)، والتفسير القيم ص 299 - 300، وتفسير ابن كثير (1/ 285)، والكليات ص 315.
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِلاّ دُعاءً وَنِداءً [البقرة: 171]، انظر الجامع لأحكام القرآن (2/ 215)، والكليات ص 315، وروح المعاني (2/ 41).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [المائدة: 2]، انظر جامع البيان (6/ 67)، والمحرر الوجيز (5/ 20)، والبحر المحيط (4/ 170).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: 48]، انظر زاد المسير (2/ 372)، والإيمان لابن تيمية ص 169، والبحر المحيط لأبي حيان (4/ 284)، وتفسير ابن كثير (3/ 120)، والبحر المحيط الزركشي (2/ 106)، وروح المعاني (6/ 153).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [التوبة: 78]، جامع البيان (10/ 193)، والكشاف (2/ 204)، والكليات ص 315، والتحرير والتنوير (10/ 274).
6 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي [يوسف: 86]، جامع البيان (13/ 45)، والمحرر الوجيز (9/ 361)، والكليات ص 315.
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)[الحشر: 9]، جامع البيان (28/ 43)، وأحكام القرآن لابن العربي (4/ 220)، والجامع لأحكام القرآن (18/ 29)، والكليات ص 315.
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (28)[المدثر: 28]، جامع البيان (29/ 158)، -
والأدلة على ذلك كثيرة، والكلام في إبطال مذهب القوم يطول، وإنما اقتصرت على ما يحصل به المقصود، والله أعلم.
***
= ومفاتيح الغيب (30/ 202)، والجامع لأحكام القرآن (19/ 77)، والكليات ص 315.
9 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً (6)[المرسلات: 6]. جامع البيان (29/ 232)، والجامع لأحكام القرآن (19/ 156)، وتفسير ابن كثير (8/ 321)، والكليات ص 315.
المطلب الثاني عشر:
قاعدة: إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى
*
صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير لفظة من كتاب الله، فمنهم من يجعلها زائدة، وأصل المعنى تام بدونها، وما جاءت إلا للتقوية والتأكيد، ومنهم من يجعلها أصلية في الكلام، وأصل المعنى لا يتم إلا بها.
فالأولي حملها على التأصيل - وهو عدم الزيادة -؛ لأنه الأصل في الكلام، ولا يعدل عن الأصل إلا بدليل يجب الرجوع إليه؛ ولأن التأسيس أولى من التأكيد كما مرّ في قاعدة سابقة، فيرجح بهذه القاعدة في خلاف المفسرين فيما احتمل فيه اللفظ الزيادة والتأصيل، فخرج بهذا ما إذا كان زائدا للتقوية والتأكيد قولا واحدا؛ لأن زيادة بعض الحروف والكلمات للتأكيد وارد في لسان العرب
(1)
ومن سننها في الكلام، وبه جاء القرآن
(2)
، فإذا لم يحتمل اللفظ التأصيل والزيادة فإنه لا يقع فيه خلاف أصلا، ومن ثمّ لا ترجيح بهذه القاعدة فيه.
*
الزيادة بين مثبتيها ومنكريها، وتحديد مفهومها في هذه القاعدة:
اختلف العلماء في وقوع الزائد - أي الصلة - في القرآن الكريم.
(1)
ذكر العلماء حروف الزيادة التي تكثر زيادتها في كلام العرب في بعض مواردها لا أنها ملازمة للزيادة في كل وقت، انظر تأويل مشكل القرآن ص 244 - 225، والبرهان في علوم القرآن (3/ 75)، وانظر الصاحبي ص 339، وذكر هؤلاء أمثلة لحروف الزيادة من آيات القرآن، وأكثرها من أمثلة هذه القاعدة الراجح فيها عدم الزيادة، لاحتمال اللفظ لهما، وإذا احتمل اللفظ الزيادة وعدمها كان حمله على عدمها أولى.
(2)
انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (1/ 482)، وجامع البيان (4/ 150)، والمحرر الوجيز (3/ 279)، والأشباه والنظائر في النحو (2/ 74)، وأضواء البيان (4/ 252 - 504).
- فمنهم من أنكره.
- ومنهم من أثبته، وينسب هذا إلى عامّة العلماء من الفقهاء والمفسرين وغيرهم
(1)
؛ لأنه نزل بلسان القوم ومتعارفهم وهو كثير؛ لأن الزيادة بإزاء الحذف هذا للاختصار والتخفيف وهذا للتوكيد والتوطئة
(2)
.
فمن أنكر وقوع الزائد في العربية وفي القرآن إنما أراد إنكار زيادة لفظ لا فائدة فيه ولا معنى له؛ لأن الكلام العاري عن الفائدة والمعنى هذيان ونقص لا يقصده العقلاء في كلامهم، فكيف برب العالمين؟!
(3)
.
قال الرازي: لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني به شيئا؛ لأن التلكّم بما لا يفيد شيئا هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال؛ ولأن الله وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانا وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه اهـ
(4)
.
أما من أثبته فهو يقول زائد عن أصل المعنى؛ جاء لغرض التقوية والتأكيد، وهذا هو ما نص عليه العلماء في بيانهم لحقيقة مذهب من أنكر الزيادة في القرآن، ومذهب من أثبتها.
قال ابن عطية - في تفسير قوله تعالى: {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]-: و «ما» جرّد عنها معنى النفي، ودخلت للتأكيد، وليست زائدة على الإطلاق لا معنى لها، وأطلق عليها سيبويه
(5)
اسم الزيادة من حيث زال عملها اهـ
(6)
.
(1)
البرهان في علوم القرآن (3/ 72)، وينسب القول بإنكاره إلى المبرد وثعلب.
(2)
البرهان (1/ 305)، والبحر المحيط في أصول الفقه (1/ 459 - 460).
(3)
انظر البرهان (3/ 72).
(4)
المحصول (1/ 539/1 - 541)، وانظر نهاية السول شرح منهاج الأصول (1/ 276).
(5)
هو: إمام النحو، أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي ثم البصري، أخذ النحو عن الخليل ابن أحمد ولازمه، وألف «الكتاب» في النحو، توفي سنة ثمانين ومائة، وقيل غير ذلك، انظر إنباه الرواة (2/ 346)، وسير أعلام النبلاء (8/ 351).
(6)
المحرر الوجيز (3/ 279).
وقال البيضاوي: ولا نعني بالمزيد اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدى وبيان، بل ما لم يوضع لمعنى يراد منه، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيد له وثاقة وقوة وهو زيادة في الهدى غير قادح فيه اهـ
(1)
.
وقال السمين الحلبي - في تقريره لمعنى الزيادة عند القائلين بها -: إن القائلين يكون هذا زائدا لا يعنون أنه يجوز سقوطه ولا أنه مهمل لا معنى له، بل يقولون زائد للتوكيد، فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن اهـ
(2)
.
وتجنبا لما يوهمه لفظ «الزيادة» كانوا يرون استبداله بألفاظ «الصلة، والمقحم، والتأكيد» تأدبا مع القرآن لئلا يتوهم فيه ما لا يليق به من وجود ألفاظ لا فائدة فيها ولا معنى لها.
ويقرر الزركشي هذا بقوله: والأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة -[يعني الزيادة]- في كتاب الله، ويسمونه التأكيد ومنهم من يسميه بالصلة، ومنهم من يسميه المقحم
…
والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله، فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى اهـ
(3)
.
ومثل هذا الخلاف في تسميتها - زيادة أو صلة أو مقحم - ليس مهما في هذه القاعدة، فالأمر يستوي فيها جميعا، وذلك؛ لأنها أتت لتقوية وتأكيد المعنى على كل تسمية، وإنما وقع الكلام فيها طلبا للتأدب مع القرآن.
وأمّا الخلاف المعتبر في أمثله هذه القاعدة هو الخلاف الذي يجعل اللفظة زائدة، بحيث يكون المعنى تاما بدونها عدا التوكيد، «فالزائد هو ما أتي به لغرض التقوية والتأكيد»
(4)
.
(1)
أنوار التنزيل (1/ 44).
(2)
الدر المصون (3/ 462).
(3)
البرهان في علوم القرآن (3/ 70 - 72)، وانظر البحر المحيط في الأصول (1/ 459).
(4)
البرهان (3/ 73).
أو يجعلها متأصلة بحيث لا يتم المعنى بدونها، وهي أصلية في الكلام، فمثل هذا الخلاف هو الذي يظهر فيه اختلاف المعنى على القولين، وهو الذي يدخل تحت هذه القاعدة، ويرجّح بها فيه، فبهذا التحرير يظهر المقصود بالزيادة والتأصيل في القاعدة.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة وقررها جماعة من المفسرين والأصوليين، ورجحوا بها في أمثلتها، وعلى رأس هؤلاء إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري فقد قرر أنه غير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام
(1)
، وذلك بادعاء زيادته، ورجح بها في مواضع من كتابه
(2)
، استعملها في الترجيح تقديما لمحتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح جماعة من المفسرين كابن العربي
(3)
، وابن عطية
(4)
، والرازي
(5)
، وشيخ الإسلام ابن تيمية
(6)
، وأبي حيان
(7)
، وابن القيم
(8)
، والقاسمي
(9)
، والشنقيطي
(10)
، وغيرهم
(11)
.
(1)
انظر جامع البيان (1/ 196)، وجامع البيان تحقيق شاكر (1/ 440).
(2)
انظر على سبيل المثال جامع البيان (1/ 95، 96، 441، 442)، (8/ 130)، وجامع البيان تحقيق شاكر (1/ 405، 224، 118)، (2/ 400)، (12/ 326)، (14/ 30).
(3)
انظر أحكام القرآن (1/ 71).
(4)
انظر المحرر الوجيز (4/ 34).
(5)
انظر مفاتيح الغيب (28/ 29).
(6)
انظر مجموع الفتاوى (16/ 73).
(7)
انظر البحر المحيط (10/ 457).
(8)
انظر التفسير القيم ص 425.
(9)
انظر محاسن التأويل (15/ 5355).
(10)
انظر أضواء البيان (3/ 355)، (7/ 399).
(11)
انظر النبأ العظيم ص 130.
وسيأتي ذكر بعض أقوالهم في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله - تعالى -.
وهي قاعدة مشهورة عند علماء الأصول، فهم يقررون أنه إذا دار اللفظ بين أن يكون زائدا أو متأصلا فإنه يحمل على تأصيله
(1)
، وهذه القاعدة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية «إعمال الكلام أولى من إهماله» كما هو مقرر في الأصول.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً} [الأحقاف: 26].
اختلف العلماء في «إن» في هذه الآية:
فقال بعضهم: هي شرطية، وجزاء الشرط محذوف، والتقدير: إن مكناكم فيه طغيتم وبغيتم.
وهذا القول ضعيف؛ لأن فيه حذفا وتقديرا، وهو خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا بحجة واضحة، كما تقرر في قاعدة:«القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار» ، قال ابن عطية بعد حكاية هذا القول: وهذا تنطع في التأويل اهـ
(2)
.
وقال آخرون: هي زائدة بعد «ما» الموصولة حملا ل «ما» الموصولة على «ما» النافية؛ لأن «ما» تزاد بعدها لفظة «إن» ، ويكون المعنى: مكناهم في مثل ما مكناكم فيه.
واستشهدوا على زيادة «إن» بعد «ما» النافية بوروده في شعر العرب، وبهذا قال ابن قتيبة
(3)
.
وقال آخرون: هي أصلية في الكلام، بمعنى النفي، أي: ولقد مكناهم في الذي
(1)
شرح الكوكب المنير (1/ 296)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص 112 - 113.
(2)
المحرر الوجيز (15/ 35).
(3)
انظر تأويل مشكل القرآن ص 251.
لم نمكنكم فيه من القوة في الأجساد وكثرة في الأموال والأولاد
وهذا القول أولى الأقوال بالصواب، وهو الذي تقرره هذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها، لأن التأصيل هو الأصل ولا ينتقل عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
ويؤيد هذه القاعدة: فيما رجحته في هذا المثال قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» فقد جاء معنى هذا القول في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى:{وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً} (74)[مريم: 74]، وقوله تعالى:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها}
[الروم: 9]، وقوله تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ} [غافر: 82]، وقوله تعالى:
[الأنعام: 6] الآية، وقوله تعالى:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ} [فاطر: 44]، وقوله تعالى:{فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً} [الزخرف: 8]، وغيرها من الآيات.
وعلى هذا القول اقتصر الفراء
(1)
، والطبري
(2)
- وأسنده إلى ابن عباس، وقتادة -، والبغوي
(3)
، وابن كثير
(4)
، وغيرهم
(5)
.
واختاره ورجحه جماعة من أئمة التفسير الأعلام كأبي جعفر النحاس
(6)
،
(1)
انظر معاني القرآن (3/ 56).
(2)
انظر جامع البيان (26/ 28).
(3)
انظر معالم التنزيل (7/ 264).
(4)
انظر تفسير القرآن العظيم (7/ 271).
(5)
كالبقاعي في نظم الدرر (18/ 172).
(6)
انظر معاني القرآن (6/ 454).
والزمخشري
(1)
، وابن عطية
(2)
، والرازي
(3)
، وأبي حيان
(4)
، وأبي السعود
(5)
، والشوكاني
(6)
، والألوسي
(7)
، والقاسمي
(8)
، والشنقيطي
(9)
، وغيرهم.
قال القاسمي - بعد أن اختار القول الراجح وذكر الآيات التي تدل على معناه:
والأصل توافق المعاني في الآي الواردة في نبأ واحد، على ما فيه أيضا من سلامة الحذف والزيادة اهـ
(10)
.
وقال الشنقيطي - بعد أن ذكر القول بالشرطية والقول بالزيادة -: وهذان هما الوجهان اللذان لا تظهر صحة واحد منهما؛ لأن الأول منهما فيه حذف وتقدير، والثاني منهما فيه زيادة كلمة، وكل ذلك لا يصار إليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه اه
(11)
.
(1)
انظر الكشاف (3/ 526).
(2)
انظر المحرر الوجيز (15/ 35).
(3)
انظر مفاتيح الغيب (28/ 29).
(4)
انظر البحر المحيط (9/ 447).
(5)
انظر إرشاد العقل السليم (8/ 87).
(6)
انظر فتح القدير (5/ 23).
(7)
انظر روح المعاني (26/ 28).
(8)
انظر محاسن التأويل (15/ 5355).
(9)
انظر أضواء البيان (7/ 399).
(10)
محاسن التأويل (15/ 5355).
(11)
أضواء البيان (7/ 399).
* ونظائر هذا المثال كثيرة جدا منها:
1 -
وما جاء في تفسير قوله تعالى: بِسْمِ اللهِ [الفاتحة: 1]، انظر المجاز (1/ 16)، وتأويل مشكل القرآن ص 255، وجامع البيان (1/ 50 - 51)، والصاحبي ص 339، والجامع لأحكام القرآن (1/ 98).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ [البقرة: 34]، انظر المجاز (1/ 36)، وجامع البيان (1/ 196)، والمحرر الوجيز (1/ 162)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 262).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ [البقرة: 171]، انظر التفسير -
***
(11)
- القيم ص 142.
4 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة: 100]، انظر جامع البيان (1/ 441).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء: 11]، انظر المحرر الوجيز (4/ 34)، وأضواء البيان (1/ 374).
6 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)[الأنعام: 34]، انظر مفاتيح الغيب (12/ 216)، والبحر المحيط (4/ 491)، وإملاء ما من به الرحمن (1/ 240).
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [الإسراء: 41]، انظر المحرر الوجيز (10/ 298)، والبحر المحيط لأبي حيان (3/ 53)، وأضواء البيان (4/ 132).
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]، انظر الجامع لأحكام القرآن (15/ 228)، والإتقان (18//3)، وفتح القدير (4/ 445).
9 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: 73]، انظر معاني القرآن للأخفش (2/ 497)، وتأويل مشكل القرآن ص 252 - 253، وجامع البيان (24/ 36)، والتفسير القيم ص 424.
10 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)[القلم: 6]، انظر جامع البيان (29/ 20)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (16/ 73)، وتفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها قول صواب لابن تيمية مخطوط لوحه 2 /ب.
11 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلاّ ما شاءَ اللهُ [الأعلى: 6 - 7]، انظر معاني القرآن للفراء (3/ 256)، البحر المحيط لأبي حيان (10/ 457).
المطلب الثالث عشر:
قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا فإنه يحمل على إفراده
*
صورة القاعدة:
إذ ورد لفظ في كتاب الله - تعالى - واحتمل الاشتراك، والإفراد، فيحمل على إفراده؛ لأنه هو الأصل في اللغات، والأكثر في الاستعمال والتخاطب.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
المشترك هو: اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة، سواء أكانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول أم من كثرة الاستعمال، أم استفيدت إحداهما من الوضع والأخرى من كثرة الاستعمال
(1)
.
ومثاله: لفظ العين: فإنه يطلق على الباصرة، وعين الشمس وما ينبع من الماء والجاسوس، وغير ذلك.
***
*
وقوع المشترك في اللغة وفي القرآن:
ذهب بعض العلماء إلى: إحالة وقوع المشترك في اللغة.
وذهب بعضهم: إلى أنه يجب بحكم المصلحة العامة أن يكون في اللغات ألفاظ مشتركة.
(1)
البحر المحيط للزركشي (2/ 122)، انظر تعريف المشترك في المحصول (1/ 259/1)، وكشف الأسرار (1/ 103)، ونهاية السول (2/ 114)، ونشر البنود (1/ 118)، والصاحبي ص 456، والتعريفات ص 269، والتوقيف ص 657.
وذهب آخرون: إلى منعه في اللغة الواحدة من واضع واحد.
وذهب قوم: إلى جواز وقوعه في اللغة، ومنعه في القرآن خاصة، وقيل غير ذلك.
والمختار جواز وقوعه عقلا، ووقوعه سمعا في اللغة، والصحيح وقوعه في القرآن كما في القرء يطلق على الطهر وعلى الحيض - وكما في «عسعس» في قوله تعالى:
{وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ} (17)[التكوير: 17]، يراد به إقبال الليل وإدباره، وغيرهما، فلا وجه لمن أنكر ذلك
(1)
.
وقد سبق في «مبحث: بيان متى يكون الترجيح» شرح بعض مسائل المشترك وذكر بعض أمثلته، وحكم الجمع بين مدلوليه أو مدلولاته، وذكر أقوال ومذاهب العلماء في ذلك بما أغنى عن إعادتها في هذا الموضع.
***
*
أدلة القاعدة:
يدل على صحة هذه القاعدة أدلة:
منها: أنه لا خلاف في أن الاشتراك على خلاف الأصل، فالأصل عدمه، والمراد بهذا أنه إذا دار اللفظ بين الاشتراك وعدمه كان الأغلب على الظن عدم الاشتراك
(2)
.
ومنها: أنه ثبت بالاستقراء أن أكثر اللغة مفردة، فكان الحمل عليه أولى؛ لأن الكثرة تفيد ظن الرجحان
(3)
.
ومنها: أنه لو لم يكن الأصل الإفراد لما حصل التفاهم حال التخاطب إلا بالاستفسار، وقد علمنا حصول التفاهم، فكان الغالب حصول احتمال الانفراد
(4)
.
(1)
البحر المحيط للزركشي (2/ 122 - 123)، وانظر المحصول (1/ 366/1)، ونهاية السول (2/ 114 - 119).
(2)
المحصول (1/ 381/1)، ونهاية السول (2/ 120)، والمزهر (1/ 370)، والبلغة في أصول اللغة ص 208.
(3)
البحر المحيط للزركشي (2/ 125)، والمحصول (1/ 382/1)، ونهاية السول (2/ 120).
(4)
المحصول (1/ 381/1)، ونهاية السول (2/ 120).
ومنها: أنه لو تساوى الاحتمالان - أي الاشتراك والإفراد - لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظنون فضلا عن تحصيل العلوم لجواز أن تكون ألفاظها موضوعة لمعان أخر وتكون تلك المعاني هي المرادة
(1)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي قررها واعتمدها علماء الأصول
(2)
، وغيرهم.
قال الزركشي: المشترك خلاف الغالب وهو خلاف الأصل، والمراد بالأصل هنا الغالب، فإذا جهلنا كون اللفظ مشتركا أو منفردا فالغالب عدم الاشتراك فيحكم بأنه منفرد للاستقراء أن أكثر الألفاظ مفردة اهـ
(3)
.
وقال ابن القيم: إن الاشتراك خلاف الأصل بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نصّ على ذلك أئمة اللغة، منهم المبرد
(4)
وغيره، وإنما يقع وقوعا عارضا اتفاقيا بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة فيقع الاشتراك اهـ
(5)
.
وقال ابن هشام - في معرض ترجيحه بمضمون هذه القاعدة -: وقول الجماعة بعيدّ من جهات، إحداها: اقتضاؤه الاشتراك، والأصل عدمه لما فيه من الإلباس، حتى إن قوما نفوه، ثم المثبتون له يقولون: متى عارضه غيره مما يخالف الأصل كالمجاز قدّم عليه اهـ
(6)
.
(1)
نهاية السول (2/ 120).
(2)
انظر المحصول (1/ 381/1)، وشرح تنقيح الفصول ص 112، ونهاية السول (2/ 120)، وشرح الكوكب (1/ 295)، وتفسير النصوص (2/ 138).
(3)
البحر المحيط (2/ 125).
(4)
هو: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس المبرّد، شيخ أهل النحو، وحافظ علم العربية، موثقا في الرواية، له مصنفات كثيرة، منها «معاني القرآن» ، و «إعراب القرآن» ، و «المقتضب» ، وغيرها، توفي سنة ست وثمانين ومائتين، إنباه الرواة (3/ 241)، وطبقات المفسرين (2/ 269).
(5)
جلاء الأفهام ص 124.
(6)
مغني اللبيب (2/ 607).
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة لفظ «النكاح» في نحو قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ} [النساء: 22].
فقد ذهب بعض العلماء إلى: أن لفظ «النكاح» مشترك بين العقد والوط ء حقيقة فيهما.
وذهب آخرون إلى: أنه حقيقة في الجماع مجاز في العقد، وقيل بعكس هذا
(1)
، والذي ترجحه هذه القاعدة أنه ليس مشتركا بينهما، بل يحمل على أحدهما إما الوط ء وإما العقد، فهذا أرجح من كونه مشتركا
(2)
، لأن الاشتراك خلاف الأصل كما تقرر.
أما أيّ المعنيين يقدم في تفسير الآية، فهذا بحث آخر في قاعدة تقديم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله، خلاصته حمل لفظ «النكاح» على العقد؛ لأنه الحقيقة الشرعية فيه.
أما حمل لفظ «النكاح» على أنه حقيقة في الوط ء مجاز في العقد أو العكس فهو قول مرجوح؛ لأن المجاز خلاف الأصل كما هو مقرر في قاعدته
(3)
.
ويدخل تحت هذه القاعدة، القواعد التي يذكرها الأصوليون في ترجيح غير الاشتراك عليه، وهي القواعد التالية:
(1)
انظر المغني لابن قدامة (9/ 339)، وأضواء البيان (1/ 377).
(2)
انظر شرح تنقيح الفصول ص 112، وشرح الكوكب (1/ 295).
(3)
ونظير هذا المثال، لفظ «الصلاة» في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: 56]، وقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب: 43].
انظر نهاية السول (2/ 130 - 131)، والبحر المحيط للزركشي (2/ 128) مع جلاء الأفهام ص 124، ومغني اللبيب (2/ 606 - 607)، والتحرير والتنوير (22/ 49).
القاعدة الأولى:
إذا دار الأمر بين الإضمار والاشتراك، فالإضمار أولى
(1)
.
القاعدة الثانية:
إذا دار الأمر بين التخصيص والاشتراك، فالتخصيص أولى
(2)
.
القاعدة الثالثة:
إذا دار الأمر بين النقل
(3)
والاشتراك، فالنقل أولى
(4)
.
القاعدة الرابعة:
إذا دار الأمر بين التواطؤ
(5)
والاشتراك، فالتواطؤ أولى
(6)
.
***
(1)
انظر المحصول (1/ 496/1)، وشرح تنقيح الفصول ص 121 - 123، ونهاية السول (2/ 180 - 181)، والبحر المحيط (2/ 244)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (1/ 100)، والكليات ص 135، والتعارض والترجيح للبرزنجي (2/ 139).
(2)
انظر المحصول (1/ 498/1)، والتحصيل من المحصول (1/ 244)، وشرح تنقيح الفصول ص 121 - 123، والبحر المحيط (2/ 244).
(3)
المراد بالنقل: المنقول من اللغة إلى الشرع، انظر شرح الكوكب (4/ 660).
(4)
انظر المحصول (1/ 489/1)، والتحصيل من المحصول (1/ 242)، وشرح تنقيح الفصول ص 121 - 123، والبحر المحيط (2/ 243)، وشرح الكوكب (4/ 667).
(5)
الألفاظ المتواطئة: هي الألفاظ الدالة على الأعيان المتغايرة بالعدد المتفقة في المعنى الذي وضع اللفظ له، كدلالة لفظ الإنسان على زيد، وعمرو، وبكر. البحر المحيط للزركشي (2/ 60).
(6)
انظر المحصول (1/ 503/1)، والتحصيل من المحصول (1/ 246)، وشرح تنقيح الفصول ص 121، والبحر المحيط (2/ 175)، وشرح الكوكب (4/ 660).
المطلب الرابع عشر:
قاعدة: القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية
*
صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله، وأيد تصريف الكلمة أو أصل اشتقاقها أحد الأقوال، فهذا القول هو أولى الأقوال بتفسير الآية، لأن التصريف والاشتقاق يعيدان الألفاظ إلى أصولها فتتضح الألفاظ والمعاني المتفرعة عنها.
وقد يدل تصريف الكلمة واشتقاقها على ضعف أحد الأقوال في تفسير الآية؛ لأجل مخالفته لهما
(1)
.
(1)
هذا إذا كانت الكلمة مشتقة من أصل واحد، فإذا تردد بين أصلين فأكثر طلب الترجيح بين هذه الأصول، وبناء على الترجيح في اشتقاقها يكون الترجيح في تفسيرها بهذه القاعدة.
ولترجيح أحد الأصول في اشتقاق الكلمة - إذا ترددت بينها - قواعد، ذكرها السيوطي في المزهر (1/ 349)، ونقلها عنه صديق خان في العلم الخفاق ص 104، وهي مختصرة:
الأولى: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أمكنهما.
الثانية: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أشرفهما.
الثالثة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أظهرهما، وأوضحهما.
الرابعة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أسهلهما، وأحسنهما تصرّفا.
الخامسة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أليقهما.
السادسة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين: أحدهما خاص، والآخر عام رجّح العام، وقيل عكسه.
السابعة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين: أحدهما مطلق، والآخر مقيد رجّح المطلق.
الثامنة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين: أحدهما أقرب، والآخر أبعد رجّح الأقرب.
التاسعة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين: أحدهما جوهر، والآخر عرض لا يصلح لمصدرية، رجّح الجوهر. -
- وسترى بإذن الله الأمثلة على تصحيح القاعدة لبعض الأقوال، وتضعيفها لأقوال أخرى -.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
التصريف:
هو لغة: ردّ الشيء من حالة إلى حالة، ومنه صريف الرياح: صرفها من جهة إلى جهة
(1)
.
واصطلاحا بالمعنى العمليّ: تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة، لمعان مقصودة، لا تحصل إلا بها، كاسمي الفاعل والمفعول، واسم التفضيل والتثنية والجمع إلى غير ذلك.
وبالمعنى العلميّ: علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلمة، التي ليست بإعراب ولا بناء
(2)
.
الاشتقاق:
اشتقاق الشيء: بنيانه: من المرتجل، واشتقاق الكلام: الأخذ فيه يمينا وشمالا، واشتقاق الحرف من الحرف: أخذه منه
(3)
.
واصطلاحا هو: ردّ لفظ إلى آخر لموافقته له في الحروف الأصلية، ومناسبته في المعنى
(4)
.
(1)
- وقد ذكر السيوطي لكل قاعدة مثالا غير أن أكثرها ليست من كلمات وألفاظ القرآن الكريم.
وقد تعرضت هذه القواعد للنقد بأن أكثرها نسبي، وبعضها من اصطلاح أهل المنطق، وهو نقد له وجاهته، انظر فقه اللغة لصبحي الصالح ص 185.
(1)
انظر مادة «صرف» في المفردات ص 482، وتهذيب اللغة (12/ 161).
(2)
شذا العرف ص 19، وانظر تعريفه في البرهان (1/ 297)، والتعريفات ص 173.
(3)
لسان العرب مادة «شقق» (10/ 184)، وانظر تهذيب اللغة (8/ 248).
(4)
شرح الكوكب (1/ 206)، وانظر تعريفه في المحصول (1/ 325/1)، وتعريفات الجرجاني ص 49، والمزهر (1/ 346)، والعلم الخفاق ص 65 وما بعدها.
فأركان الاشتقاق أربعة:
الأول: المشتق.
الثاني: المشتق منه.
الثالث: الموافقة في الحروف الأصلية.
الرابع: المناسبة في المعنى مع التغيير
(1)
.
أقسام الاشتقاق:
الاشتقاق على قسمين: صغير وكبير.
فالصغير: هو أن يكون بين اللفظين توافق في الحروف الأصلية مرتبة من غير اعتبار بما يفصل بينها من حروف زائدة
(2)
.
وذلك كتركيب «س ل م» فإنه يؤخذ منه السلامة في تصرّفه نحو سلم ويسلم، وسالم سلمان والسلامة
(3)
، فيشترط فيه أن يتفق المشتق والمشتق منه في الحروف الأصلية، وترتيبها.
وهذا القسم هو الذي يسميه أهل النحو، والصرف، والبيان اشتقاقا، وعليه يحمل ما يرد في استعمالاتهم
(4)
؛ بل هو الذي ينصرف إليه إطلاق الاشتقاق من غير قيد
(5)
.
وهذا القسم هو المراد في هذه القاعدة.
وأما الاشتقاق الكبير فهو: أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب، وما تصرف منها.
مثل مادة «ك ل م» تتقلب إلى «ك م ل» ، و «م ك ل» ، و «م ل ك» ، و «ل ك م»
(1)
شرح الكوكب (1/ 207)، وانظر المحصول (1/ 326/1).
(2)
العلم الخفاق ص 140، وانظر تعريفه في الخصائص (2/ 134)، والتعريفات ص 49.
(3)
انظر الخصائص (2/ 134)، والإكسير في علم التفسير ص 236.
(4)
العلم الخفاق ص 140.
(5)
انظر شرح الكوكب (1/ 211)، ونشر البنود (1/ 107).
فجميع تقاليب الكلام الستة تدور على القوة والشدة
(1)
.
فيشترط في هذا القسم أن يتفق المشتق والمشتق منه في الحروف الأصلية دون ترتيبها.
وهذا القسم لا يجري في جميع اللغة
(2)
.
وهناك قسم ثالث ذكره بعض العلماء يسمى «الأكبر» وهو: أن يكون بين اللفظين تناسب في المخرج، فيبدل حرف مكان آخر نحو «نعق» من النهق
(3)
، فالعين والهاء من حروف الحلق، وأكثر العلماء أنكروا هذا القسم ولم يثبتوه
(4)
.
الفرق بين الاشتقاق والتصريف:
مما سبق يمكن أن تلحظ بعض الفروق بين علم التصريف وعلم الاشتقاق فمنها:
أن علم الاشتقاق يراعى فيه جانب المناسبة في المعنى بين المشتق والمشتق منه.
وأما علم التصريف فلا يلزم فيه وجود هذه المناسبة.
ومنها: أن الاشتقاق ينفرد عن التصريف فيما يراعى فيه الحروف الأصلية دون ترتيبها، كما هو في الاشتقاق الكبير.
ومنها: أن التصريف أعم من الاشتقاق
(5)
، فالاشتقاق جزء من التصريف.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
لقد قرر كثير من المفسرين وغيرهم مضمون هذه القاعدة، حيث استعملوها في ترجيح وتصحيح بعض الأقوال والتي تتفق مع تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها،
(1)
انظر الخصائص (2/ 134)، والفوائد المشوق ص 335، والإكسير في علم التفسير ص 237 وما بعدها.
(2)
انظر الخصائص (2/ 138)، والفوائد المشوق ص 336.
(3)
انظر التعريفات ص 49، والعلم الخفاق ص 79 - 124.
(4)
انظر شرح الكوكب (1/ 211)، وفقه اللغة صبحي الصالح ص 210.
(5)
انظر المزهر (1/ 351)، والعلم الخفاق ص 108.
وكذلك ضعفوا وردّوا أقوالا أخرى لأجل مخالفتها للتصريف والاشتقاق، فبهما تعرف المعاني المختلفة المتشعبة من معنى واحد، فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
الإمام الطبري: فقد استعمل مضمون هذه القاعدة في الترجيح في مواضع متعددة فمن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35]: وقد قيل في «التصدية» : إنها «الصدّ عن بيت الله الحرام» ، وذلك قول لا وجه له؛ لأن «التصدية» مصدر من قول القائل:«صدّيت تصدية» ، وأمّا «الصدّ» فلا يقال منه:«صدّيت» ، إنما يقال منه «صددت» ، فإن شدّدت منها الدال على معنى تكرير الفعل، قيل:«صدّدّت تصديدا»
…
اه
(1)
.
2 -
ومنهم جار الله الزمخشري: وسيأتي بعض كلامه في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله.
3 -
ومنهم أبو بكر بن العربي: فهو ممن يرجح بمضمون هذه القاعدة، فإذا اختار قولا ورجحه - في أمثلة هذه القاعدة - جعل من وجوه الترجيح أن الاشتقاق أو التصريف يعضده
(2)
.
4 -
ومنهم القاضي ابن عطية: فهو يرجح بهذه القاعدة، فكثيرا ما يقول: ويؤيد هذا ويعضده الاشتقاق، أو يوهن هذا التصريف، أو ويردّ التصريف هذا، ونحوها من العبارات التي تدل دلالة واضحة على اعتماده لمضمون هذه القاعدة، وترجيحه بها في تصحيح أقوال، وتضعيف أخرى
(3)
.
5 -
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: ففي قوله تعالى: {اللهُ الصَّمَدُ} (2)[الإخلاص: 2] بعد أن ذكر الأقوال في معنى الصمد قال: قلت: الاشتقاق يشهد للقولين جميعا قول من قال: إن {الصَّمَدُ} (2) الذي لا جوف له، وقول من قال:
(1)
جامع البيان (13/ 527) تحقيق شاكر.
(2)
انظر أحكام القرآن (1/ 448)، و (4/ 210).
(3)
انظر على سبيل المثال المحرر الوجيز (4/ 24)، و (7/ 30)، و (9/ 148)، و (10/ 149) و (11/ 197).
إنه السيد، وهو على الأول أدل؛ فإن الأول أصل الثاني اهـ
(1)
.
6 -
ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: {وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ} [الكهف: 17] قال: قال أبو علي: معنى {تَقْرِضُهُمْ} تعطيهم من ضوئها شيئا ثم تزول سريعا كالقرض يسترد، والمعنى عنده أن الشمس تميل بالغدوة وتصيبه بالعشي إصابة خفيفة، انتهى، ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعيا فكان يكون {تَقْرِضُهُمْ} بالتاء مضمومة، لكنه من القطع، وإنما التقدير تقرض لهم أي تقطع لهم من ضوئها شيئا اهـ
(2)
.
7 -
ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد استند إلى الاشتقاق في بعض ترجيحاته في تفسير بعض الآيات
(3)
.
8 -
9 - : ومنهم السمين الحلبي: والحافظ ابن كثير، وسيأتي بعض كلامهما في الترجيح بمضمون هذه القاعدة في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -.
10 -
ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة من وجوه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره قال: الخامس: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب، أو التصريف، أو الاشتقاق اهـ
(4)
.
11 -
12 - ومنهم الزركشي، والسيوطي: فقد ذكرا أهمية علم التصريف والاشتقاق، وأنه لا غنى للمفسر عنهما، وهما من العلوم التي يحتاج المفسر إليها، وضربا لذلك أمثلة من القرآن يتبين بها أهمية معرفة التصريف والاشتقاق للوصول إلى أصح المعاني في تفسيرها، ونفي الوجوه الضعيفة والباطلة عنها
(5)
.
13 -
ومنهم العلاّمة الشنقيطي: ففي تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً}
(1)
مجموع الفتاوى (17/ 226).
(2)
البحر المحيط (7/ 152)، وأبو علي هو الفارسي.
(3)
انظر التفسير القيم ص 464، وص 469.
(4)
التسهيل (1/ 9).
(5)
انظر البرهان (1/ 297) وما بعدها، والإتقان (4/ 186).
(52)
[الكهف: 52] بعد أن ذكر خلاف العلماء في معنى {مَوْبِقاً} (52)
(1)
، قال:
والتحقيق: أن الموبق المهلك، من قولهم: وبق يبق، كوعد يعد: إذا هلك، وفيه لغة أخرى وهي: وبق يوبق، كوجل يوجل، ولغة ثالثة أيضا: وهي: وبق يبق كورث يرث، ومعنى كل ذلك: الهلاك، والمصدر من وبق - بالفتح - الوبوق على القياس، والوبق، ومن وبق - بالكسر - الوبق بفتحتين على القياس وأوبقته ذنوبه: أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى:{أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا} [الشورى: 34] أي: يهلكهن، ومنه الحديث:«فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها»
(2)
.
وحديث: «السبع الموبقات»
(3)
أي: المهلكات اهـ
(4)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 -
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً} (25)[الإسراء: 25].
اختلف المفسرون في المراد بالأوابين:
فقال بعضهم: هم المسبحون.
وقال آخرون: هم المطيعون المحسنون.
(1)
ذكر ثلاثة أقوال في معنى «موبقا» الأول: المهلك، والثاني: واد في جهنم، والثالث: الموعد.
(2)
أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، حديث رقم (1)، من حديث أبي مالك الأشعري ولفظه فيه «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» .
(3)
متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري كتاب الوصايا، باب إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) [النساء: 10]، انظر الصحيح مع الفتح (5/ 462)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (145). ولفظ الحديث «اجتنبوا السبع الموبقات» ، قيل:
يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
(4)
أضواء البيان (4/ 127)، وانظر لسان العرب مادة «وبق» (10/ 370).
وقال آخرون: هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء.
وقال آخرون: هم الذين يصلون الضّحى.
وقال آخرون: «الأوّاب» هو الراجع من ذنبه، والتائب منه. وقيل غير ذلك
(1)
.
وأولى الأقوال بتفسير الآية القول الأخير؛ لأن اشتقاق كلمة «أوّاب» يدل عليه، «يقال قد آب يؤوب أوّبا إذا رجع»
(2)
.
قال الإمام الطبري - مرجحا بين هذه الأقوال -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الأوّاب: هو التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه؛ لأن الأوّاب إنما هو «فعّال» من قول القائل: آب فلان من كذا إما من سفره إلى منزلة، أو من حال إلى حال، كما قال عبيد بن الأبرص:
وكلّ ذي غيبة يؤوب
…
وغائب الموت لا يؤوب
(3)
فهو يئوب أوبا، وهو رجل آئب من سفره، وأوّاب من ذنوبه اهـ
(4)
.
وقال الحافظ ابن كثير - معلقا على اختيار الطبري -: وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأوّاب مشتق من الأوب، وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال الله تعالى:{إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ} (25)[الغاشية: 25]، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفر قال:«آيبون تائبون عابدون، لربّنا حامدون»
(5)
اه
(6)
.
(1)
انظر جامع البيان (15/ 68 - 70)، وزاد المسير (5/ 26).
(2)
انظر معاني القرآن للزجاج (3/ 235).
(3)
عبيد بن الأبرص شاعر جاهلي، والبيت في ديوانه ص 26، من قصيده مطلعها:
أقفر من أهله ملحوب فالقطبيّات فالذّنوب
(4)
جامع البيان (15/ 71).
(5)
متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر، البخاري، كتاب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو؟ انظر الصحيح مع الفتح (3/ 724)، ومسلم كتاب الحج، حديث رقم (428، 429).
(6)
تفسير القرآن العظيم (5/ 65).
2 -
ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} (71)[الإسراء: 71].
اختلف المفسرون في معنى الإمام في قوله: {بِإِمامِهِمْ} .
فقال بعضهم: هو نبيهم، ومن كان يقتدى به في الدنيا ويؤتم به.
ويروى هذا القول عن أنس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن يدعوهم بكتب أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وبهذا القول قال ابن عباس والحسن والضحاك.
وقال آخرون: بل معناه: يوم ندعو كل أناس بكتابهم الذي أنزل على نبيهم، من التشريع، وبه قال ابن زيد ومجاهد
(1)
.
وقال بعضهم: إن معنى «إمام» جمع «أمّ» وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، ويحكى هذا القول عن محمد بن كعب القرظي
(2)
.
وهذه القاعدة تردّ القول الأخير؛ وذلك لأن «أمّ» لا تجمع على «إمام» ، وإنما تجمع على أمهات.
قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع «أمّ» وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الأباء رعاية حق عيسى عليه السلام وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنى، وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟ اه
(3)
وفي الإتقان قال: وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف فإن «أمّا» لا يجمع على «إمام» . اه
(4)
.
وقال السمين الحلبي - معلقا على كلام الزمخشري السابق -: قلت: وهو معذور؛
(1)
انظر هذه الأقوال، والروايات في جامع البيان (15/ 126 - 127)، والدر المنثور (5/ 316).
(2)
انظر معالم التنزيل (5/ 110).
(3)
الكشاف (2/ 459).
(4)
الإتقان (4/ 186).
لأن «أمّ» لا يجمع على «إمام» ، هذا قول من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب اه
(1)
.
ومما يدل على بطلان هذا القول - أيضا - ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذ جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان»
(2)
.
فقوله: «هذه غدرة فلان بن فلان» دليل على أن الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يرد على من قال: إنما يدعون بأسماء أمهاتهم
(3)
.
ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم»
(4)
.
إذا تقرر هذا، فإبطال هذا القول بهذه القاعدة هو المقصود من هذا المثال.
وإتماما للفائدة فأولى الأقوال بتفسير الآية القول الثاني، وهو أن «الإمام» الذي يدعون به هو كتاب أعمالهم.
وقد دلت قواعد متعددة على ترجيحه:
منها قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» حيث جاء معنى هذا القول في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ} (12)[يس: 12] حيث سمى الكتاب إماما، ومنها قوله تعالى:{وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ}
(1)
الدر المصون (7/ 390).
(2)
متفق عليه من حديث ابن عمر، البخاري، كتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم، انظر الصحيح مع الفتح (10/ 578)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (9).
(3)
الجامع لأحكام القرآن (10/ 297 - 298)، وانظر فتح الباري (10/ 579)، وأضواء البيان (3/ 617).
(4)
أخرجه أبو داود من حديث أبي الدرداء، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء (4/ 287)، وقال:
زكرياء لم يدرك أبا الدرداء اه. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود حديث رقم (1053).
{عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (29)[الجاثية: 28 - 29] على أقرب الأقوال في تفسير {كِتابِهَا}
(1)
، حيث أخبر - سبحانه - أن كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فيه أعمالها، ومنها قوله تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ} [الكهف: 49]، وقوله تعالى:{وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (13) اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} (14)[الإسراء: 13 - 14]، ونحوها من الآيات.
ورجح الحافظ ابن كثير، والقاسمي هذا القول بمضمون هذه القاعدة، قال القاسمي:
ورجح ابن كثير رحمه الله القول أن الإمام هو كتاب الأعمال
…
-[ثم ذكر الآيات]- وما رجحه رحمه الله هو الصواب؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأول ما ينبغي الاهتمام به في معاني الآيات، هو الرجوع إلى نظائرها اهـ
(2)
.
ومن القواعد التي دلت على ترجيح هذا القول قاعدة: «إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه» حيث جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ}
قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمدّ له في جسمه ستون ذراعا
…
» الحديث
(3)
.
(1)
ومما يرجح أن الكتاب في هذه الآية - أعني آية الجاثية - هو كتاب الأعمال قوله تعالى: بعده:
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)[الجاثية: 28 - 29].
(2)
محاسن التأويل (10/ 3952).
(3)
أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الإسراء (5/ 282)، وقال: حسن غريب، والحاكم في المستدرك (2/ 242 - 243) وصححه، ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه، كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة، باب إخباره صلى الله عليه وسلم عن البعث وأحوال الناس (16/ 346).
وضعّفه الألباني في ضعيف الترمذي حديث رقم (610)، وفي ضعيف الجامع (6424). فعلى القول بتصحيح الحديث أو تحسينه فهو حجة واضحة في ترجيح هذا القول، وعلى القول بضعفه فهو يصلح للترجيح وقرينة قوية فيه خاصة وقد عضدته في ذلك وجوه أخرى، وقد سبق بسط الكلام على الترجيح بالحديث الضعيف في قاعدة:«إذ ثبت الحديث وكان نصا في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره» فلينظر هناك.
وهذا الحديث في معنى القول الذي رجحته القاعدة السابقة فهو - أيضا - مرجّح له.
ومن القواعد التي دلت على ترجيح هذا القول قاعدة «القول الذي تؤيده قرائن في السياق فهو مرجّح على ما خالفه» .
قال العلاّمة الشنقيطي: وقوله: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ} من القرائن الدالة على ترجيح ما اختاره ابن كثير من أن «الإمام» في هذه الآية كتاب الأعمال اهـ
(1)
.
وقال الطاهر بن عاشور - بعد أن فسّر قوله: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ}
-: وفرّع على هذا قوله: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ} تفريع التفصيل لما أجمله قوله: {نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ،} أي ومن الناس من يؤتى كتابه، أي كتاب أعماله بيمينه اهـ
(2)
.
وآخر هذه الوجوه التي ترجح هذا القول أنه قول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
وذهب الإمام الطبري إلى ترجيح القول بأن «الإمام» هو الذي كانوا يقتدون به، ويأتمون به في الدنيا.
وعلل ترجيحه هذا بقوله: لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما ائتمّ واقتدى به، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى، ما لم يثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها اهـ
(3)
.
وهذه القاعدة التي استعملها الطبري في الترجيح هنا من القواعد المشتهرة عنده، وقد سبق الكلام عليها وهي قاعدة:«يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر» .
(1)
أضواء البيان (3/ 617).
(2)
التحرير والتنوير (15/ 168).
(3)
جامع البيان (15/ 127).
إذا علم هذا، فالحجة التي ثبتت بخلاف هذه القاعدة هي الآيات والحديث والقرائن التي رجحت لنا القول بأن «الإمام» في الآية هو كتاب الأعمال.
فإن لم يسلّم الإمام الطبري بهذه الحجج، فالمسألة من تنازع القواعد المثال الواحد، وقد سبق في التمهيد تقرير هذا، ومما ورد هناك أن القواعد التي ترجح التفسير الأثري مقدمة على القواعد التي ترجح التفسير الاجتهادي اللغوي، خاصة إذا كان المعنى الذي تفسر به الآية مما عرف في العربية، ولم يخرج إلى الشذوذ والنكارة، وإن كان أقلّ استعمالا من الآخر.
وعللت ذلك بأنه مفيد لغلبة الظن أكثر من الترجيح بغلبة الاستعمال في العربية، ونبهت هناك على بعض أمثلة ذلك، وهذا المثال يندرج تحت تلك الصورة.
إذ علم هذا، فأولى الأقوال بتفسير الآية هو القول بأن «إمامهم» في الآية هو كتاب أعمالهم
(1)
والله أعلم.
(1)
* ومن أمثلة القاعدة - أيضا -:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ [النساء: 12]. انظر أحكام القرآن لابن العربي (1/ 448)، والمحرر الوجيز (4/ 24).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال: 35]، انظر جامع البيان (9/ 243).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي [الكهف: 17]، انظر البحر المحيط (7/ 151)، والدر المصون (7/ 458)، وأضواء البيان (4/ 37).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (52)[الكهف: 52]، انظر أضواء البيان (4/ 127).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: 85]، انظر جامع البيان (20/ 126).
وانظر مزيد من الأمثلة في جامع البيان (5/ 191)، وأحكام القرآن لابن العربي (4/ 210)، والمحرر الوجيز (9/ 148)، و (11/ 197)، وفتاوى ابن تيمية (14/ 74)، و (17/ 223 - 226)، والبحر المحيط (3/ 509)، والتفسير القيم ص 464، وص 469، والموافقات (3/ 393)، وأضواء البيان (6/ 262).
المطلب الخامس عشر:
قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص
*
صورة القاعدة:
يجب أن تحمل نصوص الوحي العامة على عموم ألفاظها - فأصل التشريع جاء عاما - ما لم يرد نص بالتخصيص.
فإذا اختلفت أقوال المفسرين في تفسير آية من كتاب الله - تعالى - فمنهم من يحملها على عموم ألفاظها، ومنهم من يخصصها ويقصرها على بعض أفراد العموم، فالصواب هو حملها على العموم.
ومتى أمكن حمل الآية على معنى كليّ عام شامل يجمع تفسيرات جزئية جاءت في تفسيرها - من قبيل التفسير بالمثال، أو بالجزء، أو بالثمرة، أو بنحو ذلك - ولا معارض له، وتشهد الأدلة لصحته، فهو أولى بتفسير الآية حملا لها على عموم ألفاظها، ولا داعي لتخصيصها بواحد من المعاني الجزئية التي جاءت في التفاسير إلا أن يكون السياق يقتضي تخصيصها حتما، أو يقوم الدليل على ذلك
(1)
.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
قولي: «
…
على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص».
العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.
فقولهم: «بحسب وضع واحد» احتراز من اللفظ المشترك، أو الذي له حقيقة
(1)
انظر قواعد التدبر الأمثل ص 59.
ومجاز، فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا
(1)
.
وللعموم صيغ كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مائتين وخمسين صيغة
(2)
، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه، وأفردها بعضهم بالتصنيف
(3)
، وتكلم عنها عامة علماء الأصول وغيرهم
(4)
.
ويستدل على عموم اللفظ بقبوله الاستثناء منه، إلا في العدد
(5)
.
فمن هذه الألفاظ «كل» وهي أعمها، كقوله الله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (38)[المدثر: 38].
ومنها: «من» وتكون موصولة، واستفهامية، وشرطية.
فالموصولة كقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ} [الأنبياء: 19].
والاستفهامية كقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ}
[البقرة: 255].
والشرطية كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46] و [الجاثية: 15].
ومنها: «ما» ، و «جميع» ، و «عامة» ، و «كافة» ، و «قاطبة» ، و «أين» ، و «كيف» ، و «إذا» الشرطية، والجمع المعرف بلام الجنس، أو المضاف إليها، واسم الجنس المحلى بلام الجنس، أو بالإضافة، والأسماء الموصولة، والنكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام، وغيرها.
(1)
المحصول (2/ 513/1 - 514)، وإرشاد الفحول ص 197، وعرّف بغير هذا انظرها في العدة لأبي يعلى (1/ 140)، والتمهيد لأبي الخطاب (1/ 9)، والمسودة ص 574، وشرح الكوكب (3/ 101).
(2)
ذكره العلائي في تلقيح الفهوم ص 200 عن القرافي، وتعقبه في ذلك.
(3)
ألف العلائي كتابا في صيغ العموم سماه «تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم» مطبوع.
(4)
انظر التمهيد لأبي الخطاب (1/ 9)، والروضة مع شرحها (2/ 123)، والبحر المحيط للزركشي (3/ 62)، وشرح الكوكب (3/ 119)، وتفسير النصوص (2/ 12)، وأضواء البيان (1/ 154 - 271)، (7/ 279 - 638).
(5)
انظر العدة لأبي يعلى (2/ 500)، وشرح الكوكب (3/ 153).
ويستفاد العموم - أيضا - من غير هذه الصيغ فيؤخذ من المعنى، لا من اللفظ وهذا هو ما يسمى بالعموم المعنويّ، وهو أنواع
(1)
:
منها: عموم المفهوم مطلقا، سواء أكان مفهوم موافقة أم مخالفة، وذلك كعموم مفهوم الموافقة في قول الله تعالى:{فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ} [الإسراء: 23] فهو نهي عما هو مثل التأفف، أو أعلى منه من الأذى في حق الوالدين.
ومنها: خطاب الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو يعم الأمة على الصحيح، وهو ما ورد في القرآن مبدوءا بقول الله تعالي:{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،} فهو من حيث اللفظ خاص موجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه يحمل على العموم للأمة؛ وذلك لما دل عليه قول الله تعالى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، وكذا الأمر بمتابعته صلى الله عليه وسلم.
وقد دلّ عليه - أيضا - استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائما بالصيغة الخاصة به صلى الله عليه وسلم، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق:{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،} ثم قال: {إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ} الآية [الطلاق: 1]، فدل على دخول الكل حكما تحت قوله:{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،} وقال في سورة التحريم {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ} [التحريم: 2] فدل على عموم الخطاب بقوله: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،} نحو ذلك من الآيات.
وقد جاء معنى هذا النوع مصرحا به في قول الله تعالى: {فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها} [الأحزاب: 37]، فإن هذا الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد صرح - تعالى - بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله:{لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} الآية.
وجاء مشارا إليه في قوله تعالى: {خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]؛
(1)
انظرها في البحر المحيط للزركشي (3/ 146)، وشرح الكوكب (3/ 154 - 197)، وما بعدها، والواضح في أصول الفقه ص 188 - 192.
لأن الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ}
الآية، لو كان حكمه خاصا به صلى الله عليه وسلم لأغنى ذلك عن قوله:{خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،} كما هو ظاهر
(1)
.
والتخصيص هو: إخراج بعض ما تناوله العموم
(2)
.
ومخصصات العموم قسمان
(3)
.
القسم الأول: المخصصات المتصلة:
وهي ما لا يستقل بنفسه، ويتعلق معناه باللفظ الذي قبله، وهي أنواع:
منها: الاستثناء، نحو قول الله تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ} [المؤمنون: 5 - 6].
ومنها: الشرط، نحو قوله تعالى:{وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: 5].
ومنها: الغاية، نحو قوله تعالى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ}
[المائدة: 6].
ومنها: الصفة، والمراد بها المعنوية لا النعت بخصوصه، نحو قوله تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93].
القسم الثاني: المخصصات المنفصلة:
وهي: ما يستقل بنفسه، ولا يكون متصلا بالعام في الكلام، وتشمل دليل العقل، ودليل الحس، والدليل النقلي، والإجماع.
نحو قوله تعالى: {اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] فإنا نعلم بالضرورة أنه
(1)
انظر أضواء البيان (2/ 65 - 67).
(2)
العدة لأبي يعلى (1/ 155)، وعرّف بغير هذا انظر البحر المحيط للزركشي (3/ 241)، وشرح الكوكب (3/ 267).
(3)
انظرها في البحر المحيط للزركشي (3/ 273) ما بعدها، وشرح الكوكب (3/ 277) وما بعدها، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 101، والإتقان (3/ 46).
ليس خالقا لنفسه، - تعالى وتقدس - أن يكون مخلوقا.
ومن حكم الدليل العقلي أن لا يخصّص إلا بالقضايا العقلية.
ومن حكم الدليل السمعي أن لا يخصّص إلا بالقضايا السمعية، والدليل العقلي لا يتصور فيه إخراج أمر خاص من خطاب عام، وإنما يتصور ذلك في الدليل السمعي
(1)
.
ومثال التخصيص بدليل الحس قول الله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}
[النمل: 23] مع أنها لم تؤت ما كان في يد سليمان.
وذهب بعض العلماء منهم الإمام الشاطبي إلى أن هذا ليس من باب التخصيص؛ لأن الخارج بالعقل والحس لم يدخل في العموم حتى يبحث عن إخراجه فيكون مخصصا.
فما لا يخطر ببال المتكلم عند قصده التعميم إلا بالإخطار لا يحمل لفظه عليه، إلا مع الجمود على مجرد اللفظ، وأما المعنى فيبعد أن يكون مقصودا للمتكلم، وهذا هو ما يصح بحسب لسان العرب
(2)
.
ومثال تخصيص القرآن بالقرآن قول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، خصص من هذا العموم الحامل بقول الله تعالى:{وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، والمطلقة غير المدخول بها بقول الله تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها} [الأحزاب: 49].
ومثال تخصيص القرآن بالسنة قول الله تعالى: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} [المائدة: 38].
خصّ من هذا العموم سرقة ما هو دون النصاب بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقطع اليد
(1)
البحر المحيط للزركشي (3/ 359).
(2)
انظر الموافقات (3/ 271).
إلا في ربع دينار فصاعدا»
(1)
ومثال تخصيص عموم القرآن بالإجماع قول الله تعالى:
{يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، فاللفظ العام في كل ولد حر أو عبد، وقد أجمع المسلمون أن الولد إذا كان عبدا لم يرث، وكذلك الأب إذا كان عبدا لم يرث
(2)
.
***
*
أدلة القاعدة:
1 -
من أدلة هذه القاعدة قول الله تعالى: {إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ} (98)[الأنبياء: 98].
لما نزلت هذه الآية شق على كفار قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، وأتوا ابن الزّبعرى وأخبروه، فقال: لو حضرته لرددت عليه، قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرا أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته، ورأوا أن محمدا قد خصم، فأنزل الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} (101)[الأنبياء: 101]
(3)
تنبيها على صرف العام عن شموله لبعض أفراده بالتخصيص، ولم ينكر صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه تعلقه بعموم الآية
(4)
.
قال القرطبي: هذه الآية أصل في القول بالعموم، وأن له صيغا مخصوصة، خلافا لمن قال: ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه، وهو باطل بما دلّت عليه هذه الآية
(1)
متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، البخاري، كتاب الحدود، باب قوله الله تعالى:
وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما، وفي كم تقطع؟، انظر الصحيح مع الفتح (12/ 99)، ومسلم، كتاب الحدود، حديث رقم (1 - 4)، واللفظ له.
(2)
الإيضاح لناسخ القرآن ص 102.
(3)
أخرج القصة الواحدي في أسباب النزول ص 305، والطبري في تفسيره (17/ 96) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(4)
انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي (1/ 614)، وتفسير النصوص (2/ 71).
وغيرها، فهذا عبد الله بن الزّبعرى قد فهم «ما» في جاهليته جميع من عبد، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء، واللسن البلغاء، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح اهـ
(1)
.
2 -
ومن أدلة هذه القاعدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قررها بقوله وفعله، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في قضايا خاصة سئل فيها أهي لنا خاصة أم للناس عامّة؟:«بل للناس عامة» كما في قضية الذي نزلت فيه {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ} [هود: 114] وأشباهها، وقد جعل نفسه عليه الصلاة والسلام قدوة للناس
(2)
.
وسيأتي الكلام على هذا الدليل في قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» .
ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الحمر الأهلية: «ما أنزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (8) [الزلزلة: 7 - 8]»
(3)
، فاستدل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم «من» لما لم يذكر له حكم؛ لأن السائل سأل عن صدقة الحمر وليس لها حكم خاص، فهذا استدلال بالعموم وإثبات لصيغته خلافا لمن أنكر أو وقف، وفيه تحقيق لإثبات العمل بظواهر العموم وأنها ملزمة حتى يدل دليل التخصيص
(4)
.
3 -
ومن أدلة هذه القاعدة إجماع سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم على إجراء ألفاظ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وقد ثبت أنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم
(5)
.
(1)
الجامع لأحكام القرآن (11/ 343).
(2)
الموافقات (3/ 51 - 52).
(3)
متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الخيل لثلاثة
…
انظر الصحيح مع الفتح (6/ 75)، ومسلم كتاب الزكاة، حديث رقم (24).
(4)
انظر فتح الباري (6/ 77)، وتفسير النصوص (2/ 64 - 65).
(5)
انظر العدة لأبي يعلى (2/ 492)، وكشف الأسرار (1/ 614).
وشواهد هذا كثيرة جدا:
منها: فهم الظلم في قول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] على عموم لفظه فشق عليهم ذلك حتى بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم في الآية هو الشرك، وليس على عمومه في شمول ما ينطوي تحته من أفراد العام
(1)
.
ومنها: منع أبي بكر الصديق رضي الله عنه توريث فاطمة رضي الله عنها من أبيها عليه الصلاة والسلام مع عموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] تخصيصا لهذا العموم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نورّث ما تركناه صدقة»
(2)
، وكان احتجاج فاطمة رضي الله عنها وبعض الصحابة في هذه المسألة بعموم آية الميراث حتى نقل لهم هذا الحديث المخصص لعموم آية الميراث، مما يدلّ على فهمهم الطبعي للعموم من آية الميراث، وكان بحثهم عن النص المخصص لهذا العموم
(3)
.
وأمثال ذلك كثير جدا في احتجاجهم لأقوالهم وفتاواهم
(4)
(،*).
(1)
تفسير النصوص (2/ 71).
(2)
متفق عليه من حديث عائشة، البخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا نورث ما تركنا صدقة» ، انظر الصحيح مع الفتح (12/ 7)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (51 - 52).
(3)
انظر كشف الأسرار (1/ 611)، وتفسير النصوص (2/ 66).
(4)
انظر مزيدا في أصول السرخسي (1/ 135)، وكشف الأسرار (1/ 609) وما بعدها، والموافقات (3/ 51).
(*)) وفي هذه الأدلة رد على الذين ذهبوا إلى التوقف عن العمل بصيغ العموم حتى يقوم دليل عموم أو خصوص، وهذا مذهب عامة الأشاعرة وبعض المتكلمين.
وفيها رد على من ذهب إلى حمل صيغة العموم على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض.
بهذا قال الجبّائي من المعتزلة، [انظر هذين المذهبين في أصول السرخسي (1/ 132)، وتلقيح الفهوم ص 107، وإرشاد الفحول ص 202، وتفسير النصوص (2/ 19)].
ويكفي في التدليل على بطلان هذين القولين، أنهما مخالفان لظواهر الكتاب والسنة، وما عليه سلف -
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها عامة علماء، وأصحاب المذاهب، وعليها إجماع سلف الأمة، وأقوالهم في اعتمادها كثيرة جدا، أذكر هنا بعض أقوالهم، فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوها:
1 -
الإمام الشافعي: قال في الرسالة: ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما، ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها ذلك الخاصّ، فأمّا ما لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية اهـ
(1)
.
وقال في موضع آخر: فكلّ كلام كان عامّا ظاهرا في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدلّ على
=) - الأمة، وهما قولان محدثان لم يكن لهما وجود في القرون المفضلة، ولم يقل بهما أحد مما شهد له بالإمامة في الدين، ولا قالت بهما طائفة لها مذهب مستقر في العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض ردّه على من ادعى ضعف دلالة العموم أو أنكرها: أمّا دلالة «العموم المعنويّ العقلي» فما أنكره أحد من الأمة فيما أعلمه، بل ولا من العقلاء، ولا يمكن إنكارها
…
وأمّا «العموم اللفظي» فما أنكره - أيضا - إمام ولا طائفة لها مذهب مستقر في العلم، ولا كان في القرون الثلاثة من ينكره وإنما حدث إنكاره بعد المائة الثانية، وظهر بعد المائة الثالثة، وأكبر سبب إنكاره إما من المجوّزين للعفو من «أهل السنة» ، ومن المرجئة من ضاق عطنه لما ناظره الوعيدية بعموم آيات الوعيد وأحاديثه، فاضطره إلى أن جحد العموم في اللغة والشرع فكانوا فيما فروا إليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء بالنار اه من الفتاوى (6/ 440 - 441).
ومذهب جميع الخلائق من الأولين والآخرين إلا شرذمة من المرجئة والأشعرية والشيعة أن للعموم صيغا، والعام يقبل التخصيص، وهؤلاء التزموا إنكار العموم لئلا يدخل جميع المؤمنين في نصوص الوعيد، انظر فتاوى ابن تيمية (12/ 481 - 482) وقد أطال رحمه الله في إبطال هذين القولين الشاذين. انظر مجموع الفتاوى (6/ 439) وما بعدها، و (12/ 481) وما بعدها، ومن قبله أبو محمد ابن حزم في الأحكام (3/ 361) وما بعدها.
(1)
الرسالة ص 207.
أنه إنما أريد بالجملة العامّة في الظاهر بعض الجملة دون بعض اهـ
(1)
.
2 -
ومنهم الإمام الطبري: فقد نص على هذه القاعدة، واستعملها في الترجيح بين الأقوال المختلفة في التفسير في مواضع كثيرة جدا لا تحصر من تفسيره إلا بمشقة.
فهو يردّ بهذه القاعدة الأقوال التي ادّعت الخصوص في آيات ظاهرها العموم، فيقرر أنه غير جائز ادعاء خصوص في آية عامّ ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها
(2)
.
ويبدي ويعيد في تقرير هذا المعنى بنحو قوله: وليس لأحد أن يجعل خبرا جاء الكتاب بعمومه، في خاصّ مما عمه الظاهر، بغير برهان من حجة خبر أو عقل
(3)
.
وبنحو قوله: وغير جائز أن يخصّ ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عمه
(4)
.
3 -
ومنهم مكي بن أبي طالب: فقد قرر هذه القاعدة بقوله: اعلم أن القرآن إذا أتت اللفظة منه تعم ما تحتها حملت على ذلك من عمومها - عند مالك وأصحابه - حتى يأتي ما يخصّصها فتحمل عليه اهـ
(5)
.
4 -
ومنهم أبو بكر بن العربي: ففي تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة: 114] ذكر الخلاف في المراد بالمساجد المذكور في الآية.
إلى أن قال: الرابع: أنه كلّ مسجد، وهو الصحيح؛ لأن اللفظ عام ورد بصيغة
(1)
الرسالة ص 341.
(2)
جامع البيان (2/ 539) ط: شاكر.
(3)
جامع البيان (13/ 134) ط: شاكر.
(4)
جامع البيان (30/ 196).
(5)
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 101.
الجمع، فتخصيصه ببعض المساجد، أو بعض الأزمنة محال اهـ
(1)
.
5 -
ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح كثيرا، فردّ كثيرا من الأقوال التي ادّعت التخصيص لعمومات بعض الآيات بقوله:
إنه تخصيص لا دليل عليه
(2)
، وأحيانا يقول: وهذا التخصيص كله لا وجه له إذ اللفظ يعم اهـ
(3)
وأحيانا يقول: وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول اهـ
(4)
ونحو هذا كثير.
6 -
ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة في وجوه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره قال فيها: التاسع: تقديم العمومي على الخصوصي، فإن العمومي أولى؛ لأنه الأصل إلا أن يدل دليل على التخصيص اهـ
(5)
.
7 -
ومنهم العلاّمة الألوسي: ففي تفسير قوله تعالى: {وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}
[التحريم: 4] بعد أن ذكر أقوالا تحمل الآية على أفراد مخصوصين كالقول بأنهم أبو بكر، وعمر، أو علي، ونحو ذلك، قال - معقبا على ذلك -: وأنا أقول العموم أولى، وهما - وكذا علي كرم الله وجهه - يدخلان دخولا أوليا. اه
(6)
.
8 -
ومنهم العلاّمة الشنقيطيي: فقد قرر هذه القاعدة، واستعملها في الترجيح في مواضع كثيرة، فهو يقررها بما تقرر في أصول الفقه، بنحو قوله: وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام إلى بدليل يجب الرجوع إليه، سواء كان من المخصصات المتصلة، أو المنفصلة اهـ
(7)
.
(1)
أحكام القرآن (1/ 50).
(2)
المحرر الوجيز (1/ 20).
(3)
المحرر الوجيز (7/ 6)، و (5/ 204).
(4)
المحرر الوجيز (5/ 7).
(5)
التسهيل (1/ 9).
(6)
روح المعاني (28/ 154).
(7)
أضواء البيان (5/ 78)، وانظر نحو هذا التقرير (3/ 246)، و (7/ 431) منه.
وهذه القاعدة من القواعد الأصولية التي قررها علماء الأصول.
فيجب حمل اللفظ عندهم على عمومه إلا أن يرد دليل يخصصه
(1)
.
وإذا دار الأمر في اللفظ بين جريانه على عمومه أو تخصيصه، فإنه يحمل على عمومه؛ لأن الأصل بقاء العموم
(2)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].
اختلف العلماء في تفسير هذه الآية على قولين:
أحدهما: أن حكم هذه الآية عام في المطلقات، والمتوفى عنهن أزواجهن، فعدّتهن وضع الحمل، وهذا قول جماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم.
والآخر: أن حكم الآية خاصّ في المطلقات، وأمّا المتوفى عنها فإن عدتها أبعد الأجلين، وهذا القول مروي عن عليّ وابن عباس رضي الله عنهم وهو أحد القولين في مذهب مالك
(3)
.
وهذه القاعدة ترجح القول الأول، أخذا بعموم ألفاظ الآية، ولا دليل يوجب تخصيص عموم ألفاظها.
وصيغة العموم في الآية جمع مضاف إلى معرف بأل - {وَأُولاتُ الْأَحْمالِ} - والمضاف إلى المعرف بأل من صيغ العموم
(4)
.
(1)
انظر التمهيد لأبي الخطاب (1/ 9).
(2)
شرح الكوكب (1/ 295)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص 112.
(3)
ذكر هذين القولين في الآية عامة المفسرين، انظر جامع البيان (28/ 142 - 144)، والمحرر الوجيز (16/ 40 - 41)، وتفسير ابن كثير (8/ 175) وما بعدها، والجامع لأحكام القرآن (3/ 174)، وغيرها من كتب التفسير.
(4)
انظر زاد المعاد (5/ 594)، وأضواء البيان (1/ 280).
قال الإمام الطبري: والصواب من القول في ذلك أنه عامّ في المطلقات والمتوفى عنهنّ؛ لأن الله - جلّ وعزّ -، عمّ بقوله ذلك فقال:{وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ،} ولم يخص بذلك الخبر عن مطلقة دون متوفى عنها، بل عمّ الخبر به عن جميع أولات الأحمال، إن ظنّ ظانّ أن قوله:{وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} في سياق الخبر عن أحكام المطلقات دون المتوفى عنهنّ، فهو بالخبر عن حكم المطلقة أولى بالخبر عنهنّ، وعن المتوفى عنهنّ، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ؛ وذلك أن ذلك وإن كان في سياق الخبر عن أحكام المطلقات، فإنه منقطع عن الخبر عن أحكام المطلقات، بل هو مبتدأ عن أحكام عدد جميع أولات الأحمال المطلقات منهنّ وغير المطلقات، ولا دلالة على أنه مراد به بعض الحوامل دون بعض من خبر ولا عقل، فهو على عمومه لما بيّنا اهـ
(1)
.
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته قاعدة: «إذ ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه» .
وقد ثبت في الصحيحين أن زوج سبيعة الأسلمية
(2)
قتل وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم
(3)
.
وهذا الحديث فصل الخطاب في موضع النزاع.
ومن العلماء من جعل هذه الآية وقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] من تعارض
(1)
انظر جامع البيان (28/ 144).
(2)
هي: سبيعة بنت الحارث الأسلمية، ثبتت قصتها في الصحيحين وغيرهما، يروى عنها عبد الله بن عمر على خلف فيه، ومسروق بن الأجدع وآخرون، انظر الإصابة (8/ 3).
(3)
متفق عليه، البخاري، كتاب التفسير، سورة الطلاق، باب وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) انظر الصحيح مع الفتح (8/ 521) ومسلم، كتاب الطلاق، حديث رقم (56 - 57).
الأعمين من وجه
(1)
، فالحامل المتوفى عنها زوجها تدخل تحت عموم الآيتين، ومن قال بأنها تعتد بآخر الأجلين أراد الجمع بين الآيتين، فهي إذا قضت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين
(2)
.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أنه لا عموم في آية البقرة؛ إذ لفظ «أزواجا» نكرة والجمع المنكّر لا يفيد العموم عند أكثر العلماء
(3)
، وبقى عموم آية {وَأُولاتُ الْأَحْمالِ} [الطلاق: 4]، ولا مخصص له، فوجب حملها على العموم، فسقطت بهذا دعوى التعارض بين الأعمين في الآيتين.
الثاني: على القول بأن الجموع المنكرة تفيد العموم، فإن عموم آية البقرة دخله تخصيص، وهو في حالة تمادي حمل الحامل أكثر من أربعة أشهر وعشرا فإنها تتربص حتى تضع، ولا ينتهي أجلها إلا بوضع الحمل إجماعا.
إذا تقرر هذا فعموم آية البقرة مخصوص، وعموم آية سورة الطلاق غير مخصوص، والعموم الذي لم يدخله التخصيص مقدم
(4)
.
الثالث: على القول بأن الجموع المنكرة تفيد العموم، وبعدم وجود المخصص لآية البقرة يظهر التعارض بين الأعمين، فيرجح بينهما، والراجح يخصّص به عموم المرجوح.
إذا تقرر هذا فالراجح عموم آية سورة الطلاق وذلك لحديث سبيعة الأسلمية الآنف الذكر، فإنه في موضع النزاع، فالرسول صلى الله عليه وسلم جعل عدّتها وضع الحمل، فتبين أن آية سورة الطلاق محمولة على عمومها في المطلقة والمتوفى عنها زوجها.
(1)
انظر أضواء البيان (1/ 280).
(2)
انظر الجامع لأحكام القرآن (3/ 175)، وزاد المعاد (5/ 597 - 598).
(3)
انظر تلقيح الفهوم ص 348، وشرح الكوكب (3/ 142)، وأضواء البيان (1/ 280).
(4)
انظر زاد المعاد (5/ 596)، والجامع لأحكام القرآن (3/ 176)، وانظر شرح الكوكب (4/ 674 - 675).
فإذا كان ذلك كذلك فعموم آية سورة الطلاق مخصّص لعموم آية سورة البقرة
(1)
، فيجب إجراؤها على عمومها كما تقرر هذه القاعدة وهذا هو ما رجحه أئمة التفسير
(2)
.
(1)
انظر أضواء البيان (1/ 280).
(2)
انظر جامع البيان (28/ 144)، وأحكام القرآن للهراسي (4/ 421 - 422)، وأحكام القرآن لابن العربي (1/ 280)، (4/ 286)، المحرر الوجيز (16/ 41)، والجامع لأحكام القرآن (3/ 174)، و (18/ 165)، وزاد المعاد (5/ 594)، وتفسير ابن كثير (8/ 175)، وأضواء البيان (1/ 280).
* وأمثلة هذه القاعدة كثيرة جدا انظر جملة منها في:
جامع البيان (1/ 100، 101، 242، 324، 348، 349، 508، 510)، و (2/ 70، 72، 73، 121، 143، 267، 301، 318، 325، 403، 470، 473، 494، 535، 576) و (4/ 41)، و (5/ 293)، و (7/ 3، 102، 123، 145، 189، 274)، و (8/ 2، 48، 61، 73، 74، 176)، و (9/ 87، 246)، و (10/ 48)، و (11/ 39)، و (15/ 99، 256)، و (17/ 21، 83، 141، 142، 147، 157)، و (18/ 3، 161)، و (19/ 5، 126)، و (23/ 140، 141)، و (26/ 206)، و (27/ 73)، و (28/ 134)، و (29/ 210، 229، 231، 232)، و (30/ 24، 28، 77، 100، 101، 152، 159، 160، 196، 237، 274، 275، 289، 290، 309، 319، 320، 328، 352، 353، 351، 354، 355، 356). والمحرر الوجيز (1/ 98، 120، 197)، و (2/ 101، 123، 142)، و (4/ 79، 263)، و (5/ 7، 204)، و (6/ 190)، و (7/ 6، 222)، و (8/ 141). وفتاوى ابن تيمية (20/ 271)، و (16/ 591). البحر المحيط (2/ 112). وأضواء البيان (1/ 94، 271، 279)، و (3/ 82، 289، 246)، و (4/ 88، 109)، و (5/ 78)، و (6/ 51، 83، 540)، و (7/ 12، 102، 279، 431، 638).
المطلب السادس عشر:
قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
*
صورة القاعدة:
إذا صح للآية سبب نزول، وجاءت ألفاظها أعم من سبب نزولها، ومستقلا بنفسه إن كان جواب سؤال - أي يصح الابتداء به ويكون تاما مفيدا للعموم
(1)
- واختلف العلماء فيها، فمنهم من جعلها قاصرة على سبب نزولها لا تتعداه إلى ما سواه، وآخرون حملوها على عموم ألفاظها، شاملة لأفراد السبب، ولأفراد غيره مما شابهه، فالقول الحق هو قول من حملها على عموم ألفاظها ولم يقصرها على سبب نزولها، بل تتعداه إلى غيره مما ينطبق عليه لفظ الآية. ما لم يدل دليل على تخصيص عموم اللفظ
(2)
(3)
.
***
*
أدلة القاعدة:
أولا: قرر هذه القاعدة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين للأمة أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنز الله:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ} [هود: 114].
(1)
البحر المحيط للزركشي (3/ 198).
(2)
انظر البحر المحيط للزركشي (3/ 212).
(3)
الأشباه والنظائر، لابن السبكي (2/ 136).
فقال رجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال:«لجميع أمّتي كلّهم»
(1)
.
قال العلامة الشنقيطي - معلقا على هذا الحديث -:
فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: «لجميع أمتي» معناه أن العبرة بعموم لفظ {إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ} لا بخصوص السبب. والعلم عند الله - تعالى - اه
(2)
.
ثانيا - أفتى النبي صلى الله عليه وسلم بمضمون هذه القاعدة، وبما تقرره، في قصة سلمة بن صخر الأنصاري
(3)
حين ظاهر من امرأته
(4)
، حيث أجرى عليه عموم لفظ آيات الظهار
(1)
أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة، انظر الصحيح مع الفتح (2/ 12) وأخرجه أيضا في كتاب التفسير، تفسير سورة هود انظر الفتح (8/ 205). وأخرجه مسلم، كتاب التوبة، حديث رقم (39 - 42).
(2)
أضواء البيان (3/ 250).
(3)
هو سلمة بن صخر بن سليمان الخزرجي الأنصاري، له صحبة، وكان أحد البكائين في جيش العسرة. قال البغوي: لا أعلم له حديثا مسندا إلا حديث الظهار. انظر تهذيب الكمال (11/ 288)، والإصابة (3/ 117).
(4)
أخرج القصة الإمام أحمد في مسنده (4/ 37)، وأبو داود في السنن، كتاب الطلاق، باب في الظهار (2/ 265)، والترمذي، كتاب التفسير، تفسير سورة المجادلة (5/ 378)، وابن ماجة، كتاب الطلاق، باب الظهار (1/ 665).
ومضمون القصة أنه وقع على امرأته بعد أن ظاهر منها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. فقال صلى الله عليه وسلم:«أنت بذاك يا سلمة؟» قال سلمة: قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله فاحكم فيّ ما أراك الله، قال:«حرّر رقبة» قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال:
«فصم شهرين متتابعين» قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: «فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا» قلت: والذي بعثك بالحق بتنا وحشين ما لنا طعام قال: «فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها» .
قال الحافظ ابن كثير - بعد أن ذكر سبب نزول آيات الظهار، وأنها نزلت في أوس بن الصامت وزوجه -:
هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة من العتق أو الصيام، أو الإطعام. اهـ (8/ 62).
دون أن يذكر قياسا أو دليلا آخر.
ثالثا: روى الزركشي حكاية الإجماع على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
(1)
.
رابعا - أن الله تعالى لم يجعل الأحكام معلقة بالأسباب، بل ربما أعرض عنها، بالكلية، وانتقل إلى بيان المهم كما في قوله تعالى:{* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] فإن السؤال كان عن شكل الهلال، ما باله يبدو فيطلع دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يكون كما كان
(2)
. فجاء الجواب على غير السبب.
وكقوله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة: 215] فجاء الجواب على خلاف السؤال الذي كان سببا في النزول، «فإن الاعتبار للفظ في كلام الشارع، واللفظ يقتضي العموم بإطلاقه فيجب إجراؤه على عمومه إذا لم يمنع عنه مانع، والسبب لا يصلح مانعا؛ لأنه لا ينافي عمومه، والمانع هو المنافي»
(3)
.
خامسا - احتجاج الصحابة وغيرهم من أئمة الإسلام الأعلام في جميع الأعصار والأمصار في وقائع مختلفة بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة، وهذا أمر شائع ذائع بينهم، ولم يعرف عنهم أنهم لجأوا إلى قياس أو استدلال بغير ألفاظ الآيات، فدل ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
(4)
.
(1)
البحر المحيط (3/ 198)، وانظر إرشاد الفحول ص 230).
(2)
أسباب النزول للواحدي ص 53.
(3)
كشف الأسرار عن أصول البزدوي (2/ 489)، وانظر التمهيد لأبي الخطاب (2/ 163)، والمحصول (3/ 189/1)، والبحر المحيط للزركشي (3/ 380)، وإرشاد الفحول ص 232، ومناهل العرفان (1/ 127 - 128).
(4)
انظر الإتقان (1/ 85)، ومناهل العرفان (1/ 129)، والمدخل لأبي شهبة ص 145.
- وسيأتي في الفقرة التالية بعض أقوالهم في اعتمادها وتقريرها - وأدلة هذه القاعدة كثيرة
(1)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة أكثر علماء الأمة من مفسرين وغيرهم، واتفق عليها المحققون من أهل الأصول، فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أخرج الطبري بسنده عنه قوله - في قول الله تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} (8)[البقرة: 8]-: يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. اه
(2)
.
2 -
ومنهم كعب بن عجرة
(3)
رضي الله عنه: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن معقل بن مقرن
(4)
قال: جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية، فقال: نزلت في خاصة وهي لكم عامة .. »
(5)
.
(1)
انظر جملة منها في العدة لأبي يعلى (2/ 608 - 610)، والتمهيد لأبي الخطاب (2/ 162 - 164)، والمحصول (3/ 189/1)، وشرح الكوكب المنير (3/ 179).
(2)
جامع البيان (1/ 116).
(3)
هو: كعب بن عجرة الأنصاري السالمي من أهل بيعة الرضوان، له عدة أحاديث، نزل فيه قول الله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:
196]، توفي سنة اثنتين وخمسين. سير أعلام النبلاء (3/ 52).
(4)
هو: عبد الله بن معقل بن مقرّن المزني أبو الوليد الكوفي، لأبيه صحبة، روى عن أبيه وعن كعب بن عجرة وابن مسعود وغيرهم، أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة من خيار التابعين. اه توفي سنة ثمان وثمانين، تهذيب الكمال (16/ 169)، وسير أعلام النبلاء (4/ 206).
(5)
صحيح البخاري، كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية نصف صاع. انظر الصحيح مع الفتح (4/ 21)، ومسلم، كتاب الحج حديث رقم (86).
3 -
ومنهم محمد بن كعب القرظي: أخرج الطبري بسنده قوله: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد. اه
(1)
.
4 -
ومنهم الإمام محمد بن جرير الطبري: قرر هذه القاعدة بقوله: إن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامّا في كل ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه اهـ
(2)
.
5 -
ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (274)[البقرة: 274] بعد أن ذكر أنها نزلت في علي بن أبي طالب قال: والآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله عنه فمعناها يتناول كل من فعل فعله اهـ
(3)
.
6 -
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - في معرض تقريره لهذه القاعدة -: فالآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضا. اه
(4)
.
وقال - أيضا -: وقصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه اهـ
(5)
.
7 -
ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ}
(1)
جامع البيان (2/ 313).
(2)
جامع البيان (14/ 165)، وانظر أيضا فيه تحرير هذه القاعدة (1/ 183)، (2/ 322)، (5/ 9)، (17/ 133).
(3)
المحرر الوجيز (2/ 343). وانظر أيضا فيه استعمال القاعدة (6/ 109).
(4)
مجموع الفتاوى (13/ 339).
(5)
مجموع الفتاوى (15/ 364).
{مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة: 114] بعد أن ذكر جملة من الأقوال في أسباب النزول، قال: وظاهر الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد، والعموم وإن كان سبب نزوله خاصا، فالعبرة به لا بخصوص السبب. اه
(1)
.
8 -
ومنهم الحافظ ابن كثير: فبعد أن ساق أسباب نزول قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ} [الأنفال: 27] الآية. قال: قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. اه
(2)
.
9 -
ومنهم العلامة عبد الرحمن ابن سعدي: فقد ذكر هذه القاعدة ضمن قواعده الحسان فقال: القاعدة الثانية: العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وهذه القاعدة نافعة جدا، بمراعاتها يحصل للعبد خير كثير وعلم غزير، وبإهمالها وعدم ملاحظتها يفوته علم كثير، ويقع في الغلط والارتباك الخطير.
وهذا الأصل اتفق عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم اهـ
(3)
.
10 -
ومنهم العلامة محمد الأمين الشنقيطي: فقد نص على هذه القاعدة كثيرا ورجح بها، واستند إليها في تفسير الآيات
(4)
، وقد سبق في أدلة القاعدة بعض كلامه.
وغير هؤلاء الأئمة كثير جدا
(5)
.
(1)
البحر المحيط (1/ 571).
(2)
تفسير القرآن العظيم (3/ 582).
(3)
القواعد الحسان، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته في التفسير (8/ 14).
(4)
انظر مثلا أضواء البيان (1/ 113، 136، 482)، (2/ 104، 109)، (3/ 619)، (4/ 86، 125، 134، 192، 308)، (5/ 78)، (6/ 313).
(5)
وانظر تأويل مشكل القرآن ص 262، وغرائب التفسير (2/ 793)، والكشاف (1/ 306)، ومفاتيح الغيب (6/ 57)، (23/ 194)، ومدارك التنزيل (2/ 1127)، وفتح القدير (1/ 301)، (4/ 17)، وروح المعاني (17/ 133) وفتح البيان (9/ 191).
واعتمد هذه القاعدة ونص عليها أكثر علماء الأصول فهي قاعدة أصولية مشهورة
(1)
، وكذا هي ذات تعلق وثيق بمبحث أسباب النزول من مباحث علوم القرآن
(2)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} (23)[النور: 23].
اختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي هذا حكمهن
(3)
.
فقال بعضهم: إنما ذلك لعائشة خاصة، وحكم من الله فيها وفيمن رماها، دون
(1)
وبها قال جمهور الأصوليين.
وذهب مالك في رواية وبعض الشافعية وأبو ثور إلى أن اللفظ العام يقصر على سببه، ولا يؤخذ حكم ما أشبه صورة السبب من نصّ الآية، وإنما يعلم بدليل مستأنف آخر من قياس وغيره.
وهذا المذهب ضعيف لما قد بينا من أدلة هذه القاعدة.
قال الشوكاني - معلقا على مذهب الجمهور -: وهذا هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة؛ لأن التعبد للعباد إنما هو باللفظ الوارد عن الشارع، وهو عام، ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره على ذلك السبب، ومن ادعى أنه يصلح لذلك فليأت بدليل تقوم به الحجة، ولم يأت أحد من القائلين بالقصر على السبب بشيء يصلح لذلك، وإذا ورد في بعض المواطن ما يقتضي قصر ذلك العام الوارد فيه على سببه لم يجاوز به محله بل يقصر عليه، ولا جامع بين الذي ورد فيه بدليل يخصه وبين سائر العمومات الواردة على أسباب خاصة حتى يكون ذلك الدليل في ذلك الموطن شاملا لها. اه من إرشاد الفحول ص 232.
وانظر رد حجج من ذهب إلى قصر العام على سببه في العدة لأبي يعلى (2/ 611)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (2/ 164)، والمحصول (3/ 190/1)، والأشباه والنظائر لابن السبكي (2/ 134)، وشرح الكوكب (3/ 180)، وإرشاد الفحول ص 232)، ومناهل العرفان (1/ 103).
(2)
انظر البرهان للزركشي (1/ 32)، والإتقان (1/ 85)، ومناهل العرفان (1/ 125)، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص 82، والمدخل لدراسة القرآن لأبي شهبة ص 142.
(3)
ذكر هذه الأقوال عامة المفسرين. انظرها وقائليها في جامع البيان (18/ 103) وما بعدها. وانظر المحرر الوجيز (11/ 287)، والجامع لأحكام القرآن (12/ 25)، وتفسير ابن كثير (6/ 32) وما بعدها.
سائر نساء أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفيها نزلت.
وقال آخرون: بل ذلك لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، دون سائر النساء غيرهن.
وقال آخرون: ذلك للمهاجرات. كانت المرأة المؤمنة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنما خرجت لتفجر فنزلت هذه الآية.
وقال آخرون: بل هي عامة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولغيرهن ممن كان بالصفة التي وصف الله في هذه الآية، وإن كانت نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها خاصة، وذلك حكم كل من رمى محصنة لم تقارف سوءا.
وهذا القول أصح الأقوال في تفسير الآية، والذي ترجحه هذه القاعدة، وذلك؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقد نزلت هذه الآية في شأن عائشة رضي الله عنها ومن رماها، وألفاظها عامة، فتحمل على عموم ألفاظها في كل محصنة، إذ لا دليل يدل على تخصيصها، ورجح هذا القول الإمام الطبري بقوله:
وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها.
وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب؛ لأن الله عم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ} [النور: 23] كل محصنة غافلة مؤمنة، رماها رام بالفاحشة، من غير أن يخص بذلك بعض دون بعض، فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جل ثناؤه في هذه الآية، فملعون في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإن الله دل باستثنائه بقوله:{إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا} [النور: 5] على أن ذلك حكم رامي كل محصنة بأي صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية، وعلى أن قوله:{لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ}
(23)
معناه: لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا. اه
(1)
.
(1)
جامع البيان (18/ 105).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن ذكر هذا القول -:
وجهه ظاهر الخطاب، فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه، إذ لا موجب لخصوصه، وليس هو مختصا بنفس السبب بالاتفاق؛ لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم داخل في العموم؛ وليس هو من السبب؛ ولأنه لفظ جمع والسبب في واحدة هنا؛ ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه
…
-[إلى أن قال:]- وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه وعن أصحابه: «إن قذف المحصنات من الكبائر» وفي لفظ الصحيح: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات»
(1)
. اه
(2)
.
وقال الحافظ ابن كثير - بعد أن ذكر اختيار ابن جرير -: وهو الصحيح اهـ
(3)
. ثم عضده بحديث الصحيحين الذي أشار إليه شيخ الإسلام.
وقد صرح جماعة من المفسرين بهذه القاعدة عند ترجيحهم هذا القول منهم الرازي
(4)
والشوكاني
(5)
وصديق خان
(6)
(*) وغيرهم.
(1)
أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10)[النساء: 10] انظر الصحيح مع الفتح (5/ 462). ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم (145) من حديث أبي هريرة. ولفظه «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
(2)
مجموع الفتاوى (15/ 364).
(3)
تفسير القرآن العظيم (1/ 33).
(4)
انظر مفاتيح الغيب (23/ 194).
(5)
انظر فتح القدير (17/ 4).
(6)
انظر فتح البيان (9/ 191).
***
= (*) ومن نظائر هذا المثال:
- انظر جامع البيان (1/ 125، 183)، (2/ 318، 322)، (5/ 9)، (9/ 203)، (14/ 165)، (17/ 133)، (30/ 330).
- وأحكام القران لابن العربي (1/ 50).
- والمحرر الوجيز (2/ 343)، (6/ 109)، (11/ 187)، (15/ 79).
- ومفاتيح الغيب (6/ 57)، (23/ 22 - 194).
- والجامع لأحكام القرآن (2/ 77).
- والبحر المحيط (1/ 571).
- وتفسير ابن كثير (3/ 582)، (5/ 401).
- والبحر المحيط في أصول الفقه (3/ 217).
- وأضواء البيان (1/ 36 - 113 - 482)، (2/ 104)، (4/ 86 - 125 - 192)، (6/ 313).
المطلب السابع عشر:
قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه
*
صورة القاعدة:
إذا ورد شيء من نصوص الوحي مطلقا غير مقيد بقيد أو شرط فلا يجوز تقييده بل يجب العمل بالنص وتفسيره على إطلاقه وإبهامه إلا إذا قام الدليل على التقييد، ومن خالف ذلك بحمل النصوص المطلقة على غير إطلاقها فقوله مردود، وفعله تحكم في تفسير النصوص بلا دليل، فلا يقبل منه ذلك أبدا.
كما أن النص إذا ورد مقيدا فلا بد أن يفسر ويعمل به بمقتضى قيده، ومن أوله بما يؤدي إلى بطلان قيده فلا يقبل منه ذلك، ولا يعتمد عليه، بل هو رد على صاحبه
(1)
.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
* تعريف المطلق والمقيد:
أصل مادة «طلق» في اللغة تدل على التخلية والإرسال، وترجع جميع فروع هذه المادة إلى هذا المعنى
(2)
.
ومادة «قيد» في اللغة مأخوذة من القيد، وهو معروف، ثم يستعار في كل شيء يحبس
(3)
.
(1)
انظر التعارض والترجيح البرزنجي (2/ 40 - 41)، وتفسير النصوص (2/ 192 - 197).
(2)
انظر معجم مقاييس اللغة (3/ 420).
(3)
معجم مقاييس اللغة (5/ 44).
وفي اصطلاح الأصوليين:
المطلق: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه.
فقولهم: «هو المتناول لواحد» خرج به ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد.
وقيد «لا بعينه» أخرج المعارف كزيد ونحوه.
وقولهم: «باعتبار حقيقة شاملة لجنسه» خرج به المشترك والواجب المخير، فإن كلا منهما يتناول واحدا لا بعينه، لا باعتبار حقائق مختلفة.
والمقيّد: هو المتناول لمعين، أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.
فقولهم: «أو لغير معين» أي كان متناولا لغير معين لكنه موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه. وتتفاوت مراتبه في تقييده باعتبار قلة القيود وكثرتها
(1)
.
*
ما يدخل تحت هذه القاعدة:
يدخل تحت هذه القاعدة المطلق الذي لم يرد مقيدا في نص آخر، ولم يقم دليل على تقييده، وهذا هو المقصود الأول من هذه القاعدة.
وتشمل - أيضا - المطلق الذي ورد مقيّدا في نص آخر غير أن اتفاق الأئمة قائم على عدم حمل المطلق على المقيد في صورته. أو كان عدم حمل المطلق على المقيّد يجعله بيانا له راجحا، فبناء على هذا الترجيح يدخل تحت مضمون هذه القاعدة.
ولا يدخل تحت هذه القاعدة ما اتفق الأئمة فيه على وجوب حمل المطلق على المقيد بجعل المقيّد بيانا للمطلق. أو كان الراجح فيه ذلك. على ما سيأتي في تفصيل حالات المطلق مع المقيد.
أما المقيّد الذي لم يرد مطلقا في نص آخر، ولم يقم دليل على أن المراد به الإطلاق لا التقييد فإنه يفسر ويعمل بمقتضى قيده، ولا يخرج عن ذلك فيه.
(1)
روضة الناظر مع شرحها لبدران (2/ 191). وعرّفا بغير ذلك انظر بعضها في البحر المحيط للزركشي (3/ 413)، وشرح الكوكب (3/ 392).
*
ما يقيد به المطلق:
المطلق والمقيد، كالعام والخاص في هذا الجانب، فكل ما يخصص العام فهو يقيد المطلق، فيقيد مطلق الكتاب بمقيده، وبالسنة المتواترة، وبالإجماع. وما اختلف فيه في تخصيص العام وهو كذلك مختلف فيه هنا كخبر الآحاد والمفهوم وهو يقيد المطلق على الصحيح
(1)
.
*
حالات المطلق مع المقيد:
إذا ورد اللفظ مطلقا في نص ومقيدا في نص آخر فله أربع حالات:
الأولى: أن يتحدا في الحكم والسبب معا، كتحريم الدم، فإنه ورد مقيدا في سورة الأنعام بكونه مسفوحا في قوله تعالى:{إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً}
[الأنعام: 145]، ومطلقا عن هذا القيد في سورة البقرة في قوله تعالى:{إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة: 173]، وفي سورة المائدة في قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، وفي سورة النحل في قوله تعالى:{إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [النحل: 115] وفي هذه الحالة يحمل المطلق على المقيد عند الأئمة الأربعة، وحكي الإجماع على ذلك.
الثانية: أن يختلفا في الحكم والسبب معا، كلفظ «اليد» جاءت مطلقة في السرقة في قول الله تعالى:{وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} [المائدة: 38]، وقيدت في آية الوضوء بالمرفقين في قوله تعالى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ}
[المائدة: 6]. فالسبب مختلف فيهما فهو في المطلق السرقة، وفي المقيد الصلاة، والحكم مختلف كذلك ففي المطلق القطع، وفي المقيد الغسل. ففي مثل هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد إجماعا.
الثالثة: أن يتحدا في الحكم، ويختلفا في السبب، مثل الرقبة جاءت مطلقة في كفارة
(1)
انظر نشر البنود (1/ 260)، والتعارض والترجيح البرزنجي (2/ 38 - 40).
الظهار في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا} [المجادلة: 3] وجاءت مقيدة بالإيمان في كفارة القتل في قوله الله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ} [النساء: 92] فالحكم واحد، وهو عتق رقبة كفارة؟ لكن الظهار والقتل سببان مختلفان.
ففي هذه الحالة وقع الخلاف بين العلماء فعند الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية يحمل المطلق على المقيد، خلافا لأبي حنيفة.
الرابعة: عكس الحالة الثالثة، وهي: أن يختلفا في الحكم ويتحدا في السبب، مثل اليد جاءت مقيدة بالمرفقين في الوضوء في قول الله تعالى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ} [المائدة: 6]، وفي آية التيمم جاءت مطلقة في قوله تعالى:
[المائدة: 6] فاتحدا في السبب وهو الصلاة، واختلفا في الحكم، فحكمها في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح.
وهذه الحالة أكثر العلماء لا يحملون فيها المطلق على المقيد
(1)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي تشبه قاعدة العموم التي سبق تحريرها، واعتاد أهل الأصول على ذكر المطلق والمقيد عقب العام والخاص لتشابههما، إذ عموم العام شمولي، وعموم المطلق بدلي
(2)
، بل جعلهما بعضهم قسما في العموم
(1)
انظر هذه الحالات في كشف الأسرار (2/ 520)، والبحر المحيط للزركشي (3/ 416)، وشرح الكوكب (3/ 395)، وأضواء البيان (6/ 546).
(2)
انظر نشر البنود (1/ 258)، وإرشاد الفحول ص 200.
والخصوص
(1)
. وهما سواء عند المتقدمين
(2)
؛ لذلك لا أطيل هنا بسرد الأقوال، وإنما أذكر مرة نبذا منها إضافة إلى ما سبق ذكره في قاعدة العموم.
فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوا هذه القاعدة:
1 -
عامة الصحابة والتابعين فيما نقله عنهم الإمام الطبري: فبعد أن نقل أقوال بعضهم - كابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم - في تفسير قوله تعالى:{قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ} (70)[البقرة: 70]، بأنهم لو أخذوا أدنى بقرة كما أمرهم الله فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه - من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم، من قولهم إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم - من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله، فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، على العموم الظاهر، دون الخصوص الباطن، إلا أن يخص بعض ما عمّه ظاهر التنزيل، كتاب من الله أو رسول الله؛ وأن التنزيل أو الرسول، إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر، فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمّت ذلك الجنس خاصة، وسائر حكم الآية على العموم، على نحو ما قد بيناه في كتابنا (كتاب الرسالة) من (لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام) في قولنا في العموم والخصوص، وموافقة قولهم في ذلك قولنا ومذهبهم مذهبنا، وتخطئتهم قول القائلين بالخصوص في الأحكام، وشهادتهم على فساد قول من قال: حكم الآية الجائية مجيء العموم على العموم، ما لم يختصّ منها ما عمّته الآية. فإن خص منها بعض، فحكم
(1)
كما فعل الرازي في المحصول (1/ 213/3)، قال: القسم الرابع من كتاب العموم والخصوص في حمل المطلق على المقيد.
(2)
ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه في كتاب الإيمان ص 375، وستلاحظ هذا في كلام الطبري الآتي.
الآية حينئذ على الخصوص فيما خصّ منها، وسائر ذلك على العموم.
وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفا - مما عاب على بني إسرائيل مسألتهم نبيّهم صلى الله عليه وسلم عن صفة البقرة التي أمروا بذبحها وسنّها وحليتها - رأوا أنهم كانوا في مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى ذلك مخطئين، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر - إذ أمروا بذبحها بقوله:{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]، فذبحوها - كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدّين، وللحق مطيعين، إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع وسنّ دون سنّ.
ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك - مع الرواية التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافقة لهم
(1)
- دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص، وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه - فيما أمر ونهى - على العموم، ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له. وأنه إذا خصّ منه شيء، فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر، وسائر حكم الآية على ظاهرها العام - ومؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك، وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه. اه
(2)
.
وقال في موضع آخر مقررا هذه القاعدة في معرض ترجيحه بها: فكذلك كل مبهمة في القرآن، غير جائز رد حكمهما على المفسّرة قياسا؛ ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منها بما احتمله ظاهر التنزيل، إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول، إذ كان هو المبين عن مراد الله. اه
(3)
.
(1)
والرواية التي أشار إليها هي من مراسيل قتادة.
قال الطبري: حدثنا بشر، قال حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إنما أمر القوم بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، والذي نفس محمد بيده، لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» .
(2)
جامع البيان (1/ 348 - 349).
(3)
جامع البيان (2/ 240).
2 -
ومنهم أبو بكر بن العربي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ}
[البقرة: 196]. بعد أن ذكر قول الحسن وعكرمة: بأنه صيام عشرة أيام.
قال: قالوا: لأن الله تعالى ذكر الصيام ههنا مطلقا، وقيده في التمتع بعشرة أيام، فيحمل المطلق على المقيد.
قلنا: هذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن المطلق لا يحمل على المقيد إلا بدليل في نازلة واحدة
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين في الحديث الصحيح قدر الصيام، وذلك ثلاثة أيام
(1)
. اه
(2)
.
3 -
ومنهم الفخر الرازي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في تفسيره، فبعد أن اختار ما ترجح هذه القاعدة، قال معللا لاختياره: لأن اللفظ مطلق، فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز. اه
(3)
.
4 -
ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة من وجوه الترجيح التي ذكرها في مقدمة تفسيره، قال فيها: العاشر: تقديم الإطلاق على التقييد، إلا أن يدل دليل على التقييد. اه
(4)
.
5 -
ومنهم بدر الدين الزركشي: قال في البرهان: إن وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه، وإلا فلا، والمطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده؛ لأن الله - تعالى
(1)
أي: في حديث كعب بن عجرة في الصحيحين، البخاري، كتاب المحصر، باب قول الله تعالى:
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ انظر الصحيح مع الفتح (4/ 16). ومسلم، كتاب الحج، حديث رقم (80 - 86). وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:«احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك بشاة» .
(2)
أحكام القران (1/ 177).
(3)
مفاتيح الغيب (6/ 55).
(4)
التسهيل (1/ 9).
- خاطبنا بلغة العرب. والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط ثم ورد حكم آخر مطلقا نظر، فإن لم يكن له أصل يردّ إليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به، وإن كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر. اه
(1)
.
وغيرهم كثير
(2)
، وسيأتي الإحالة إلى بعض أقوالهم في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -.
وهذه القاعدة من القواعد الأصولية التي حررها علماء الأصول بقولهم: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه
(3)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].
اختلف العلماء في قوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ} هل يلزم في هذه الأيام التتابع أو لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يجب في هذه الأيام التتابع.
والآخر: أنه لا يجب التتابع فيها، بل إن شاء فرقها، وإن شاء تابعها
(4)
.
فمن قال بوجوب التتابع علل قوله بأن القضاء يحكي الأداء فيلزم فيه التتابع،
(1)
البرهان (2/ 15).
(2)
كالجصاص في أحكام القرآن (1/ 258)، والكيا الهراسي في أحكام القرآن (1/ 66)، والقرطبي في الجامع (2/ 282)، وأبي حيان في البحر (2/ 191)، والسيوطي في الإتقان (3/ 91).
(3)
شرح الكوكب (1/ 296)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص 112، وإرشاد الفحول ص 279.
(4)
انظر هذين القولين في الجامع لأحكام القرآن (2/ 281)، وتفسير ابن كثير (1/ 312)، وفتح الباري (4/ 223)، والقول بوجوب التتابع مروي عن علي وعائشة رضي الله عنهما، وهو قول بعض أهل الظاهر.
وبقراءة أبي بن كعب في هذه الآية: (فعدة من أيام أخر متتابعات)
(1)
.
ومستند من قال بعدم وجوب التتابع هو ظاهر كتاب الله - تعالى - فقد أطلق - سبحانه - وجوب صيام هذه الأيام دون أن يقيدها بقيد، أو شرط، أو زمان.
وهذا القول هو الصواب الذي تضافرت الأدلة على ترجيحه، وهو الذي ترجحه هذه القاعدة؟ وذلك أن الله - تعالى - أطلق في وجوب صيام عدة ما أفطر ولم يقيدها بتتابع، وهذا يدل على عدم اشتراط التتابع فيها، ولم يرد بقيد التتابع نص من كتاب الله، ولا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء، ولا إجماع على تقييده منعقد ولا يجوز تقييد النصوص المطلقة إلا بدليل يدل على ذلك، ولا دليل هنا يصلح لذلك، فوجب حمل الآية وتفسيرها على إطلاقها دون قيد، والعمل بمقتضى ذلك الإطلاق. وهذا هو مذهب جماهير العلماء من المتقدمين والمتأخرين.
قال الحافظ ابن كثير مصححا هذا القول: وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل. اه
(2)
.
وعلى ترجيح هذا القول جرت أقوال أئمة التفسير
(3)
.
ومما يؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا} [البقرة: 185] بعد قوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ} فهذه قرينة في الآية تدل على أن هذه الأيام الأخر مقصود فيها اليسر «فكل ما كان أيسر عليه فقد اقتضى الظاهر جواز فعله، وفي إيجاب التتابع نفي اليسر وإثبات العسر، وذلك منتف بظاهر الآية»
(4)
، ومستندهم في إيجاب التتابع تعليل لا يصلح
(1)
رواها مالك في الموطأ، كتاب الصيام، أثر رقم (49) عن مجاهد، وذكرها الجصاص في أحكام القرآن (1/ 259).
(2)
تفسير القرآن العظيم (1/ 312).
(3)
انظر أحكام القرآن للجصاص (1/ 258)، وأحكام القرآن للهراسي (1/ 66)، وأحكام القرآن لابن العربي (1/ 112)، والجامع لأحكام القرآن (2/ 282)، ومحاسن التأويل (3/ 427) وغيرها.
(4)
أحكام القرآن للجصاص (1/ 258)، وانظر التمهيد لابن عبد البر (2/ 175).
أن يكون مقيدا لإطلاق الآية، وما وجب التتابع في الأداء وهو رمضان إلا لضرورة أدائه في الشهر، وأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر؛ ولهذا قال تعالى:{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ}
(1)
.
وأما قراءة أبي بن كعب فهي قراءة مخالفة لسواد مصاحف المسلمين، فلم يثبتها الصحابة في المصاحف، وقد اجتمعت الأمة في قراءة هذه الآية على خلاف قراءته، فهي قراءة شاذة، والشاذ لا يعارض الثابت والمتواتر، ولا يصلح أن يكون مقيدا لإطلاق الآية، إضافة إلى ما عارضها من وجوه الترجيح الأخرى، وقد سبق في قاعدة «معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة» بيان بعض ذلك.
وفوق ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت (متتابعات)
(2)
، فهو - إن صح - يدل على أنها نزلت أولا ثم نسخت، فكانت قراءة أبيّ على ما كان أولا من الوجوب، فلا دلالة فيها على وجوب التتابع؟ لأنها منسوخة
(3)
.
ومما يشمله الإطلاق في هذه الآية الزمان، فلم توقت هذه الأيام بوقت معين، «فدل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض»
(4)
، ولم يجئ عن الله ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزيء في غيرها
(5)
، وهذا يردّ قول من أوجب على من أفطر يوما من رمضان لعذر أن يصوم الثاني من شوال، فإن ترك صيامه فقد أثم وفرط
(6)
.
(1)
انظر تفسير ابن كثير (1/ 312).
(2)
أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الصيام، باب القبلة للصائم (2/ 192). والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب قضاء شهر رمضان (4/ 258).
(3)
انظر فتح الباري (4/ 223).
(4)
الجامع لأحكام القرآن (2/ 282).
(5)
مدارج السالكين (1/ 383).
(6)
وبه قال داود الأصفهاني، انظر أحكام القرآن للجصاص (1/ 263)، والجامع لأحكام القرآن (2/ 282).
وحديث عائشة رضي الله عنها يردّه - أيضا - وفيه أنها قالت: «كان يكون عليّ الصّوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان»
(1)
، وفي رواية أنها قالت:
(2)
ففي هذا الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر
…
؛ لأن الظاهر إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع توافر دواعي أزواجه على السؤال عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزا لم تواظب عائشة رضي الله عنها عليه
(3)
.
***
(1)
متفق عليه، البخاري، كتاب الصوم، باب متى يقضي قضاء رمضان؟. انظر الصحيح مع الفتح (4/ 222). ومسلم، كتاب الصيام حديث رقم (151).
(2)
الرواية لمسلم، كتاب الصيام، حديث رقم (152).
(3)
انظر فتح الباري (4/ 225)، وشرح النووي على مسلم (7/ 270).
* وانظر بعض نظائر هذا المثال في جامع البيان (2/ 240)، وأحكام القرآن لابن العربي (1/ 177)، ومفاتيح الغيب (6/ 55)، والتسهيل (2/ 99).
المطلب الثامن عشر:
قاعدة: الأصل في الأوامر أنها للوجوب وفي النواهي أنها للتحريم
*
صورة القاعدة:
إذا ورد في شيء من نصوص الوحي صيغة أمر مجردة عن القرائن فإنها تحمل على الوجوب، وكذا إذا وردت صيغة نهي مجردة عن القرائن فإنها تحمل على التحريم.
فإذا اقترن بالصيغة قرينة أو ورد دليل يدل على أن المراد بالأمر غير الوجوب، وبالنهي غير التحريم، فإنها تحمل على ما دلت عليه القرينة أو الدليل بلا إشكال.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
قولهم: «الأصل في الأوامر
…
».
الأصل في اللغة هو أساس الشيء
(1)
.
وفي الاصطلاح يطلق ويراد به عدة معان:
أحدها: يطلق ويراد به الدليل، كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي:
دليلها.
الثاني: يطلق ويراد به الراجح من الأمور بالنسبة إلى المرجوح، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز، وهذا المعنى هو المراد في هذه القاعدة.
الثالث: يطلق على القاعدة المستمرة، كقولهم: أكل الميتة على خلاف الأصل، يعني على خلاف الحالة المستمرة.
(1)
معجم مقاييس اللغة (1/ 109).
الرابع: يطلق على المقيس عليه، وهو يقابل الفرع في باب القياس
(1)
.
* الأمر في اصطلاح الأصوليين: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء
(2)
.
فقولهم: «استدعاء الفعل» يتناول الأمر والشفاعة والالتماس؛ لأن طلب الفعل إما أن يكون من الأدنى وهو سؤال، أو من المساوي فهو شفاعة والتماس، أو من الأعلى وهو الأمر.
وقولهم: «بالقول» أخرج الإشارة ونحوها.
وقولهم: «على وجه الاستعلاء» خرج به السؤال، والالتماس، والشفاعة
(3)
.
والنهي ضد الأمر، فهو: استدعاء الترك بالقول على جهة الاستعلاء
(4)
.
*
صيغة الأمر، وصيغة النهي، ودلالاتهما:
للأمر صيغة تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرّت عن القرائن وهي «افعل» للحاضر، والمضارع المقرون باللام «ليفعل» للغائب، كقوله تعالى:{وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102]، والمصدر المؤكد لعامله كقوله تعالى:{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ} [محمد: 4]،
(5)
فهذه صيغة صريحة في الأمر، وهناك صيغ أخرى منها: حمل الفعل المطلوب على المطلوب فيه، كقوله تعالى:
{وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]
(6)
.
ومنها: الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ}
(1)
شرح الكوكب (1/ 39)، وانظر المزهر (1/ 361)، والكليات ص 122، وإرشاد الفحول ص 17.
(2)
روضة الناظر مع شرحها (2/ 62)، وعرف بتعريفات كثيرة، انظر العدة لأبي يعلى (1/ 157)، والمحصول (2/ 19/1)، وشرح الكواكب (3/ 10).
(3)
شرح روضة الناظر لبدران (2/ 62).
(4)
انظر تعريفه في العدة لأبي يعلى (1/ 159)، والتمهيد للأسنوي ص 290.
(5)
انظر: روضة الناظر مع شرحها (2/ 63)، والمسودة ص 4، والتمهيد للأسنوي ص 262.
(6)
انظر شرح الكوكب (3/ 66).
{الصِّيامُ} [البقرة: 183].
ومنها: الإخبار بأن الفعل على الناس عامة أو على طائفة منهم خاصة، كقوله تعالى:{وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97].
ومنها: الوصية بالفعل كقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11].
وصيغة الأمر الصريحة حقيقة في الوجوب ظاهرة فيه، وذلك كقوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78].
وتخرج عن الوجوب إلى معان أخر تعينها القرائن، وهي كثيرة:
منها: الندب، وهي احتمال فيه
(1)
؛ لذلك رجّح حملها على الوجوب دون الندب ترجيحا للظاهر على المحتمل.
ومثال الندب قول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ} [البقرة: 282]، وذلك لوجود الصارف عن الوجوب، وهو بيع وشراء النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يشهد
(2)
.
ومنها: الإباحة، كقوله تعالى:{وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا} [المائدة: 2] فهو أمر بعد حظر، وكان الفعل مباحا قبل الحظر.
ومنها: الإهانة، نحو قوله تعالى:{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (49)[الدخان: 49].
وغيرها كثير
(3)
.
وأمّا النهي فصيغته المضارع المسبوق بلا الناهية «لا تفعل» من الأعلى إلى الأدنى، كقوله تعالى:{وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى} [الإسراء: 32]، ونحوها
(4)
. أو فعل الأمر الدال
(1)
انظر شرح روضة الناظر لبدران (2/ 111).
(2)
انظر تفسير ابن كثير (1/ 499)، وانظر مثال آخر في أضواء البيان (1/ 322).
(3)
انظر شرح الكوكب (3/ 17)، وما بعدها، والإتقان (3/ 242 - 243).
(4)
انظر المسودة ص 80، وشرح الكوكب (3/ 77).
على طلب الكف كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ} [الحج: 30].
وهي حقيقة في التحريم ظاهرة فيه، واحتمال في الكراهة
(1)
؛ فلذلك رجّح حملها على التحريم من ترجيح الظاهر على المحتمل، وهو مضمون هذه القاعدة.
وترد لمعان آخر كالدعاء والإهانة وغيرها حسب ما تحدده القرائن
(2)
. ومثل النهي بصيغة «لا تفعل» :
* ما يكون من نفي الفعل كقوله تعالى {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (79)[الواقعة: 79]
(3)
.
* ولفظ التحريم، كقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ}
[النساء: 23].
* والتعبير بنفي الصحة بلفظ «ما كان» ، كقوله تعالى:{وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
* والحكم على الفعل بأنه كفر أو ظلم أو فسق، كقوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ} (44)[المائدة: 44]، وفي الأخرى {الظّالِمُونَ} (45) [المائدة: 45]، وفي الأخرى {الْفاسِقُونَ} (47) [المائدة: 47].
***
*
أدلة القاعدة:
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل اللسان
(4)
.
1 - فمن أدلة الكتاب أن الله تعالى ذمّ - في آيات كثيرة
- من خالف أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ارتكب نهيه، وسماه عاصيا، ورتب على هذه المخالفة العقاب
(1)
انظر شرح روضة الناظر (2/ 111).
(2)
انظرها في شرح الكوكب (3/ 78) وما بعدها، والإتقان (3/ 243).
(3)
شرح الكوكب (3/ 66).
(4)
انظر روضة الناظر مع شرحها (2/ 71).
العاجل والآجل مما يفيد أن الأمر المطلق للوجوب، والنهي المطلق للتحريم
(1)
.
ومن هذه الآيات قول الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} (63)[النور: 63]، فتوعد - سبحانه - في هذه الآية المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب، وحذرهم من مخالفة الأمر
(2)
، وكل ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب ما لم يصرف عنه صارف، والنهي للتحريم ما لم يصرف عنه صارف؛ لأن غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير
(3)
.
وكقوله تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} (48)[المرسلات: 48] فإن قوله: {اِرْكَعُوا} أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه، بقوله {لا يَرْكَعُونَ} (48) يدل على أن امتثاله واجب
(4)
.
وكقوله تعالى لإبليس: {ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الإعراف: 12] فإنكاره على إبليس موبخا له بقوله: {ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ،} يدل على أنه تارك واجبا، وأن امتثال الأمر واجب، مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو قوله تعالى:
{اُسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11] وعلق الذم على تركه
(5)
.
وكقوله تعالى عن موسى عليه السلام: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (93)[طه: 93] فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله:{اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (142)[الأعراف: 142]، فأطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر مما يدل على أن الأمر المطلق واجب الامتثال.
(1)
انظر بدائع الفوائد (4/ 3).
(2)
الأمر والنهي كل منهما أمر، إلا أن أحدهما أمر بالفعل، والآخر أمر بالترك. التمهيد لأبي الخطاب (1/ 164).
(3)
أضواء البيان (6/ 253)، وانظر مفاتيح الغيب (24/ 40)، وروضة الناظر مع شرحها (2/ 72).
(4)
أضواء البيان (6/ 253)، وانظر مفاتيح الغيب (30/ 284).
(5)
انظر الجامع لأحكام القرآن (7/ 170)، وأضواء البيان (6/ 253).
وكقوله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ} (6)[التحريم: 6] وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفه عاص، ولا يكون عاصيا إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرم.
وكقوله تعالى: {وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] فإنه يدل على أن أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم مانع من الاختيار موجب للامتثال، ونبه إلى أن مخالفته وعدم امتثاله معصية بقوله بعده:
{وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} (36)[الأحزاب: 36] وهذا يدل على اقتضائه الوجوب
(1)
.
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
2 - ومن أدلة السنة على هذه القاعدة:
أ - حديث أبي سعيد بن المعلى
(2)
قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ} [الأنفال: 24]»، الحديث
(3)
.
فلامه على تركه الإجابة بعد أمر الله تعالى بها، فدل على أن الأمر للوجوب
(4)
.
ب - ومنها حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»
(5)
.
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: فيه دليل على أن الأمر للوجوب من
(1)
أضواء البيان (6/ 253)، وانظر (3/ 422 - 443)، و (4/ 505 - 506)، و (5/ 245) منه.
(2)
هو: الحارث بن نفيع بن المعلى الأنصاري، وهو غير رافع بن المعلى، أخرج له البخاري، وأرخوا وفاته سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث. الإصابة (7/ 84).
(3)
أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، انظر الصحيح مع الفتح (8/ 6).
(4)
التمهيد لأبي الخطاب (1/ 155).
(5)
متفق عليه، البخاري، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة. انظر الصحيح مع الفتح (2/ 435)، ومسلم، كتاب الطهارة، حديث رقم (42).
وجهين:
أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب لما جاز النفي.
ثانيهما: أنه جعل الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه؛ لأنه جائز الترك. اه
(1)
.
ج - ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لبريرة
(2)
: «لو راجعته. قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع؟. قالت: لا حاجة لي فيه»
(3)
. ومعلوم أن مقتضى شفاعته مستحب. فلما تبرأ من الأمر، وفرق بينه وبين الشفاعة دل على أنه لو أمر لاقتضى الوجوب
(4)
.
3 - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله - تعالى
- وامتثال أوامره من غير سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما عنى بأوامره في حال من الأحوال، فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على أنهم عقلوا من أمره الوجوب، وعقلوا من نهيه الكف عن الفعل والترك فكان إجماعا منهم
(5)
.
4 - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع أهل اللسان العربي
على أن السيد لو قال لعبده:
اسقني ماء مثلا، ثم لم يمتثل العبد، وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعا موقعه؛ لأن صيغة «افعل» ألزمته الامتثال، وليس للعبد أن يقول:
صيغة «افعل» لم توجب عليّ الامتثال، ولم تلزمني إياه، فعقابك لي غلط؛ لأني
(1)
فتح الباري (2/ 436).
(2)
هي: بريرة مولاة عائشة رضي الله عنها قيل كانت مولاة لقوم من الأنصار، فاشترتها عائشة فأعتقتها، وقصة عتقها في الصحيحين، وقد جمع بعض الأئمة فوائد قصتها فزادت على ثلثمائة فائدة.
الإصابة (8/ 29).
(3)
أخرج هذا اللفظ البخاري، كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بريرة من حديث ابن عباس. انظر الصحيح مع الفتح (9/ 319)، وأخرج القصة - كذلك - مسلم، كتاب العتق، حديث رقم (5 - 15).
(4)
التمهيد لأبي الخطاب (1/ 156).
(5)
انظر التمهيد لأبي الخطاب (1/ 156 - 158 - 362)، وروضة الناظر مع شرحها (2/ 73)، والتحصيل من المحصول (1/ 280).
لم أترك شيئا لازما حتى تعاقبني عليه.
وإجماعهمم على أنه ليس له ذلك وأن عقابه له صواب لعصيانه دليل على أن صيغة «افعل» تقتضي الوجوب، ما لم يصرف عنه صارف
(1)
.
وكذلك لو نهى عبده عن فعل شيء فخالفه وفعله، عاقبه، لم يلم في عقوبته، فلو لم يكن النهي يقتضي التحريم والمنع لما استحق به العقوبة
(2)
.
***
(1)
أضواء البيان (5/ 245 - 246)، وانظر روضة الناظر مع شرحها (2/ 73).
(2)
التمهيد لأبي الخطاب (1/ 363).
* وهذه الأدلة ظاهرة كل الظهور في تقرير هذه القاعدة، ومن خالفها لم يأت بشيء يعتد به في مواجهة هذه الأدلة، ولا في تقرير وترجيح قول غير مضمون هذه القاعدة، وإنما هي آراء وعلل عقلية لا اعتماد عليها.
فمن الذين خالفوا هذه القاعدة جماعة من المعتزلة وبعض الشافعية فقالوا: إن حقيقة الأمر تقتضي الندب.
واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» [متفق عليه، البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن النبي صلى الله عليه وسلم، انظر الصحيح مع الفتح (13/ 264)، ومسلم، كتاب الحج، حديث رقم (412)].
قالوا: فرد ذلك إلى مشيئتنا وهو معنى الندب.
وهذا قول ضعيف جدا؛ دلالته على الندب واهية، بل هو من أدلة القاعدة، فهو يدل على أن الأمر للوجوب لا للندب؛ وذلك لأن ما لا نستطيعه لا يجب علينا، وإنما يجب علينا ما نستطيعه، والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة.
ومن حججهم أنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب، وهو طلب الفعل واقتضاؤه، وأن فعله خير من تركه.
وهذه الحجة لا تصح؛ لأن الواجب ليس ندبا وزيادة، فالندب يدخل فيه جواز الترك، وليس هذا بموجود في الواجب.
ثم إن أدلة القاعدة السابقة تبطل هذا، حيث دلت على أن صيغة الأمر المطلقة تقتضي الوجوب.
وانظر التمهيد لأبي الخطاب (1/ 147، 169)، والمسودة ص 5، 8، وروضة الناظر مع شرحها (2/ 70، 74)، وإرشاد الفحول ص 169، 173. -
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة
- عند المعتمدين لها - كثيرة، وقد سبق في أدلة القاعدة أقوال بعضهم في تقريرها، وسيأتي في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله - بعضها، ولم يخالف في اعتمادها إلا من سبق التنبيه على مخالفته، والصحيح من ذلك هو ما
= ومن الذين خالفوا هذه القاعدة الأشاعرة، فقالوا: إذا ثبت كون الصيغة للاستدعاء، وجب التوقف بين الوجوب والندب حتى يدل الدليل على ما أريد به.
واحتجوا بأن لصيغة الأمر أكثر من احتمال فهي ترد والمراد بها الوجوب، وترد والمراد بها الاستحباب، وترد والمراد بها التهديد، وترد والمراد بها الإباحة، وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأولى من حملها على الوجه الآخر، ولا يعلم ذلك إلا بنقل أو عقل، ولم يوجد أحدهما، فوجب التوقف فيها.
والجواب عن هذا: أنا لا نسلم أنها إذا وردت مجردة تحتمل غير الوجوب بحال، وإنما تحمل على غير وجه الوجوب بقرينة أو دليل.
ولو سلمنا جدلا صحة دعواهم، فإن ظواهر الكتاب والسنة والإجماع وقول أهل اللسان التي سبق ذكرها في أدلة القاعدة رجحت لنا حمل صيغة الأمر على الوجوب دون غيره إلا بدليل.
وأيضا فإن العقل يدل على ذلك، فقول القائل «افعل» لا يخلو إما أن يقتضي افعل لا محالة، وإما أن يقتضي المنع من الفعل، وإما أن يقتضي التوقف، وإما أن يقتضي الأمر التخيير بينه وبين الإخلال، ومن المحال أن يكون قوله «افعل» معناه لا تفعل؛ لأنه نقيض فائدة اللفظ، أو يكون معناه التوقف؛ لأن قوله «افعل» بعث على الفعل فهو نقيض التوقف، ولا يجوز أن يقتضي التخيير؛ لأنه ليس للتخيير ذكر في اللفظ، وإنما اللفظ يتعلق بالفعل دون تركه، فثبت أن قوله «افعل» يقتضي أن يفعل لا محالة.
انظر التمهيد لأبي الخطاب (1/ 147، 163، 166)، وروضة الناظر مع شرحها (2/ 71، 74)، والمسودة ص 5، وتفسير النصوص (2/ 267 - 268).
وفي المسألة أقوال أخرى متهافتة لا تستند إلى برهان أو حجة، وإنما هي آراء واجتهادات مردودة بما ذكرنا من أدلة هذه القاعدة، انظرها في التمهيد للأسنوي ص 267 - 269) وإرشاد الفحول ص 169، وغيرهما من كتب الأصول.
ولما كان النهي مقابلا للأمر، فكما اختلف العلماء في دلالة الأمر المجرد عن القرائن على الوجوب أو غيره، اختلفوا في دلالة النهي المجرد عن القرائن على التحريم أو غيره، والمذاهب في النهي كما هي في الأمر. انظر تفسير النصوص (2/ 379). والتمهيد لأبي الخطاب (1/ 362)، والمسودة ص 81، وشرح الكوكب (3/ 83).
تقرر هذه القاعدة لما سبق من الأدلة، وأقوال العلماء في تقرير ذلك كثيرة.
فهذا الإمام الطبري يقرر في غير موضع من تفسيره: أن كل أمر لله ففرض لازم إلا ما قامت حجته من الوجه الذي يجب التسليم له بأنه ندب وإرشاد
(1)
.
واستعملها في الترجيح، على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية.
وقال أبو جعفر النحاس: وأمّا الندّب، فلا يحمل عليه الأمر إلا بدليل قاطع
(2)
.
وقال مكي: والأمر لا يحمل على الندب إلا بقرينة ودليل. اه
(3)
.
وقال أبو عمر ابن عبد البر: إن النهي من قبل الله إذا ورد فحكمه التحريم إلا أن يزيحه عن ذلك دليل يبين المراد منه. اه
(4)
.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى:
{فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ} (68)[البقرة: 68]: وهذا يدل على مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء، وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه. اه
(5)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذمه تعالى في غير موضع من القرآن من تولى دليل على وجوب طاعة الله ورسوله، وأن الأمر المطلق يقتضي وجوب الطاعة اهـ
(6)
.
وقال الشنقيطي: وصيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، كما أوضحناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك، وصيغة النهي كذلك تقتضي التحريم. اه
(7)
.
وهذه القاعدة مذهب جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين وغيرهم، فقرروا في
(1)
انظر على سبيل المثال جامع البيان (3/ 120 - 134).
(2)
الناسخ والمنسوخ (2/ 116).
(3)
الإيضاح ص 166، وانظر ص 196 منه.
(4)
التمهيد (4/ 141).
(5)
الجامع لأحكام القرآن (1/ 449)، وانظر (7/ 170) منه.
(6)
الإيمان ص 56.
(7)
أضواء البيان (6/ 231)، وانظر (3/ 172، 222، 357، 442)، و (5/ 439، 640)، و (6/ 216).
كتبهم أن الأصل في الأوامر أنها للوجوب.
وأن الأصل في النواهي أنها للتحريم، وبهذا قال الأئمة الأربعة وغيرهم
(1)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (236)[البقرة: 236].
اختلف العلماء في قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} هل هي على الوجوب أو على الندب؟
فقال بعضهم: هي على الوجوب، يقضى بالمتعة في مال المطلق كما يقضى عليه بسائر الديون الواجبة عليه لغيره وبهذا قال ابن عمر، وقتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.
وقال آخرون: إنما ذلك من الله تعالى ذكره ندب وإرشاد إلى أن تمتّع المطلقة.
وهو مذهب مالك وأصحابه
(2)
.
قال ابن عبد البر: وهي مستحبة يؤمر المطلق بها ولا يجبر عليها، ولكنه يندب إليها، وهي من أخلاق المحسنين المتقين، والسلطان هو الذي يأمر بها ويحض عليها، هذا كله قول مالك وأصحابه. اه
(3)
.
وأولى القولين بالصواب القول بوجوب المتعة، وهو الذي ترجحه هذه القاعدة
(1)
انظر العدة لأبي يعلى (1/ 224)، وروضة الناظر مع شرحها (2/ 70)، والتحصيل (1/ 274)، والمسودة ص 5، 6، 81، والتمهيد للأسنوي ص 266، وشرح الكوكب (3/ 39، 83)، و (4/ 442)، وأضواء البيان (4/ 506).
(2)
انظر القولين منسوبين إلى قائليهما في جامع البيان (2/ 352 - 434)، وأحكام القرآن للجصاص (2/ 137) وما بعدها، وأحكام القرآن للهراسي (1/ 202)، وزاد المسير (1/ 280)، ومفاتيح الغيب (6/ 149)، والجامع لأحكام القرآن (3/ 200).
(3)
الكافي في فقه المدينة المالكي له (2/ 617).
وذلك؛ لأن الأمر المجرد من القرائن يقتضي الوجوب إلا أن يدل دليل على أنه للندب والإرشاد، ولا دليل هنا يدل على أن الأمر في قوله:{وَمَتِّعُوهُنَّ} للندب والإرشاد لا من خبر الله - تعالى -، ولا من خبر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا كان ذلك إجماعا من الأمة.
قال الإمام الطبري: وأرى أن المتعة للمرأة حق واجب، إذا طلقت، على زوجها المطلّقها - على ما بينا آنفا - يؤخذ بها الزوج كما يؤخذ بصداقها، لا يبرئه منها إلا أداؤه إليها أو إلى من يقوم مقامها في قبضها منه، أو ببراءة تكون منها له، وأرى أن سبيلها سبيل صداقها وسائر ديونها قبله، يحبس بها إن طلقها فيها، إذا لم يكن له شيء ظاهر يباع عليه، إذا امتنع من إعطائها ذلك.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن الله تعالى ذكره قال: {وَمَتِّعُوهُنَّ،} فأمر الرجال أن يمتعوهن، وأمره فرض، إلا أن يبين تعالى ذكره أنه عنى به الندب والإرشاد، لما قد بينا في كتابنا المسمى ب (لطيف البيان عن أصول الأحكام)، لقوله:{وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}
[البقرة: 241]. ولا خلاف بين جميع أهل التأويل أن معنى ذلك: وللمطلقات على أزواجهن متاع بالمعروف. وإذا كان ذلك كذلك، فلن يبرأ الزوج مما لها عليه إلا بما وصفنا قبل، من أداء أو إبراء على ما قد بيّنّا. اه
(1)
.
وقال القرطبي: والقول الأول أولى؛ لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله:
{وَمَتِّعُوهُنَّ،} وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: {وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ}
أظهر في الوجوب منه في الندب. اه
(2)
.
وعلى ترجيح هذا القول جرت أقوال كثير من أئمة التفسير
(3)
.
(1)
جامع البيان (5/ 132 - 133) تحقيق: شاكر.
(2)
الجامع لأحكام القرآن (3/ 200).
(3)
انظر أحكام القرآن للجصاص (2/ 137 - 138)، وأحكام القرآن للهراسي (1/ 202)، ومفاتيح الغيب (6/ 149)، والبحر المحيط لأبي حيان (2/ 530)، وفتح القدير (1/ 252) والسيل الجرار (2/ 283)، وفتح البيان (2/ 46)، وأضواء البيان (1/ 282 - 283).
وأما ما تمسك به القائلون بالندب من أن قوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}
(236)
وفي الآية الأخرى: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (241) يدل على الندب حيث جعل هذا من باب الإحسان، إذ لو كانت المتعة واجبة وجوب الحقوق اللازمة بكل حال لم يخصص المتقون والمحسنون بأنها حق عليهم دون غيرهم، ولأطلقها على كل أحد من الناس
(1)
.
وهذا الذي تمسكوا به لا يصلح أن يكون دليلا على صرف الأمر من الوجوب إلى الندب، بل هو كذلك دال على الوجوب؛ لأنه - تعالى - قد أمر جميع خلقه بأن يكونوا من المحسنين، ومن المتقين، وما وجب من حق على أهل الإحسان والتقى فهو على غيرهم أوجب، ولهم ألزم
(2)
. وما ذكر المتقين والمحسنين إلا تأكيدا لوجوبها، وليس تخصيصهم بالذكر هنا نفيا عن غيرهم، وهذا مثل قوله تعالى:{هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (2)[البقرة: 2] وهو هدى للناس كافة، كما جاء في قوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ} [البقرة: 185]، فلم يكن قوله:{هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (2) موجبا لئلا يكن هدى لغيرهم، فكذلك قوله:
{حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (236) و {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (241) غير ناف أن يكون حقا على غيرهم
(3)
(،*).
***
(1)
انظر جامع البيان (5/ 130) تحقيق: شاكر، ومفاتيح الغيب (6/ 149)، والجامع لأحكام القرآن (3/ 200).
(2)
جامع البيان (5/ 133) تحقيق: شاكر.
(3)
انظر أحكام القرآن للجصاص (2/ 138)، وأضواء البيان (1/ 282).
(*)) ولهذا المثال نظائر كثيرة انظر جملة منها في جامع البيان (3/ 120 - 134)، و (18/ 132)، و (27/ 40)، والإيضاح لناسخ القرآن لمكي ص (166)، وص (196)، وأضواء البيان (3/ 222 - 357 - 442)، و (6/ 169 - 216).
المبحث الثاني:
قواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: قاعدة:
إذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه.
المطلب الثاني: قاعدة:
إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر.
المطلب الثالث: قاعدة:
إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره.
المطلب الرابع: قاعدة:
توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها.
المطلب الخامس: قاعدة:
الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور ما لم يرد دليل بخلافه.
المطلب الأول:
قاعدة: إذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه
*
صورة القاعدة:
إذا تنازع العلماء في ضمير ما، فقائل يقول: هو ضمير الشأن والقصة، وآخر يقول: ليس هو ضمير الشأن والقصة.
فإذا كان لقول الآخر وجه صحيح في العربية وفي السياق فهو أولى بحمل الآية عليه، ولا يقال بضمير الشأن إلا إذا لم يكن له محمل صحيح غيره؛ لأجل مخالفته للقياس من وجوه مختلفة - على ما سيأتي -.
***
*
إيضاح ألفاظ القاعدة:
الضمير مأخوذ من الضمور وهو دقة في الشيء، وذلك؛ لأن حروفه قليلة بالنسبة إلى الظاهر، أو هو مأخوذ من الضمير؛ لأنه كناية عما فيه من الاسم الظاهر، وهذا الأصل يدل على غيبة وتستر
(1)
.
والضمير اصطلاحا: هو اللفظ المحتاج في تفسيره إلى لفظ منفصل عنه إن كان غائبا، أو قرينة تكلم أو خطاب.
فقولهم: «إلى لفظ» ، احترازا من ألفاظ الإشارة؛ لأنه لا بد أن يكون معها مفسر.
وقولهم: «منفصل عنه» احترازا من الموصولات؛ لأنه لا بد أن تتصل صلاتها بها.
وقولهم: «قرينة تكلم أو خطاب» ليدخل فيه ضمير المتكلم والمخاطب؛ لأنه لا
(1)
انظر معجم مقاييس اللغة (3/ 317)، والمفردات للراغب ص 512.
يحتاج إلى معرفة لفظ ظاهر، بل قرينة التكلم والخطاب كافية في ذلك
(1)
.
والشأن هو: الحال والأمر الذي يتفق ويصلح، ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور
(2)
.
وضمير الشأن هو: ضمير يأتي على صورة الغائب المفرد، مبهما ثم يفسر، ويقصد بذلك تعظيم الأمر والشأن
(3)
.
قولهم: «فلا ينبغي الحمل عليه» .
لفظ «ينبغي» ورد استعماله في كلام الله وكلام رسوله مطردا في المحظور شرعا أو قدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: {وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً} (92)[مريم: 92] وقوله: {وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]، وقوله:{وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ} (211)[الشعراء: 210 - 211] وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام»
(4)
وأمثال ذلك
(5)
.
وورد استعماله في كلام العلماء في الواجب وفي المستحب إلا أن استعماله في الواجب أكثر
(6)
.
فإذا قيل: «لا ينبغي» فهي ضد الوجوب أو ضد الاستحباب، إذا تقرر هذا، فقولهم:«فلا ينبغي أن يحمل عليه» أي لا يجوز الحمل عليه وله وجه صحيح في غيره، فلا يحمل على ضمير الشأن إلا عند الضرورة كما سيأتي في كلام أبي حيان.
(1)
شرح تنقيح الفصول ص 33 - 34. وانظر شرح التسهيل لابن مالك (1/ 120).
(2)
المفردات للراغب ص 470.
(3)
انظر شرح التسهيل (1/ 162 - 163)، وهمع الهوامع (1/ 232)، والنحو الوافي (1/ 252) ودراسات لأسلوب القرآن الكريم ق 3 ج 1 ص 150.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله لا ينام» حديث رقم (293).
(5)
إعلام الموقعين (1/ 43).
(6)
انظر أعلام الموقعين (3/ 102).
أو كان الأولى أن لا يحمل عليه كما سيأتي في كلام غيره، وكل ذلك على حسب استعمال لفظ «ينبغي» و «لا ينبغي» في كلامهم.
***
*
الأوجه التي خالف فيها ضمير الشأن القياس:
قال ابن هشام
(1)
: وهذا الضمير مخالف للقياس من خمسة أوجه:
أحدها: عوده على ما بعده لزوما
(2)
، إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم هي، ولا شيء منها عليه.
الثاني: أن مفسره لا يكون إلا جملة، ولا يشاركه في هذا ضمير.
الثالث: أنه لا يتبع بتابع، فلا يؤكد، ولا يعطف عليه، ولا يبدل منه.
الرابع: أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء، أو أحد نواسخه - أي نواسخ الابتداء -.
(1)
هو: عبد الله بن يوسف بن هشام، جمال الدين أبو محمد النحوي المشهور، صاحب التصانيف، تبحر في العربية ففاق الأقران بل الشيوخ، مات سنة إحدى وستين وسبعمائة. الدرر الكامنة (2/ 415).
(2)
هذا أحد المواضع التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو ضمير الشأن.
والثاني: أن يكون الضمير مرفوعا بنعم وبئس وبابهما ولا مفسر إلا التمييز نحو قوله تعالى: فَنِعِمّا هِيَ [البقرة: 217].
والثالث: أن يكون مرفوعا بأول المتنازعين المعمل ثانيهما.
والرابع: أن يكون مخبرا عنه فيفسره خبره نحو قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: 29].
الخامس: أن يجر برب ويفسره التمييز نحو ربه رجلا.
والسادس: أن يكون مبدلا منه الظاهر المفسر له، كضربته زيدا.
والسابع: أن يكون متصلا بفاعل مقدم ومفسره مفعول مؤخر كضرب غلامه زيدا.
انظر مغني اللبيب (2/ 489 - 492) والبرهان في علوم القرآن (4/ 41) وهمع الهوامع (1/ 229 - 232)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (2/ 50)، وما عدا هذه المواضع فلا بد أن يكون مرجع الضمير الذي يبين معناه والمقصود منه متقدما عليه في اللفظ أو الرتبة أو اللفظ والرتبة، وهذا هو الأصل في مرجع الضمير. انظر البرهان (4/ 41) وهمع الهوامع (1/ 226، 227)، والنحو الوافي (1/ 255 - 256).
الخامس: أنه ملازم للإفراد، فلا يثنى ولا يجمع وإن فسر بحديثين أو أحاديث. اه
(1)
.
وزاد ابن منظور
(2)
على هذه الأوجه:
1 -
أنه لا يقصد به شيء بعينه.
2 -
ولا يستعمل إلا في التفخيم.
3 -
ولا يرجع إلى مذكور
(3)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
يقول أبو حيان - في معرض رده على الزمخشري في حمله للضمير في {إِنَّهُ يَراكُمْ} [الأعراف: 27]
(4)
على الشأن -: ولا ضرورة تدعو إلى هذا. اه
(5)
. وبهذا يقرر أبو حيان أن ضمير الشأن لا يصار إليه إلا عند الضرورة وهي عدم وجود محمل للضمير غير الشأن والقصة.
ونص على هذه القاعدة ابن هشام في المغني، فقال - بعد أن ذكر الوجوه التي خالف فيها ضمير الشأن القياس -: وإذا تقرر هذا علم أنه لا ينبغي الحمل عليه إذا أمكن غيره .. ، وقول كثير من النحويين إن اسم «أن» المفتوحة المخففة ضمير الشأن، والأولى أن يعاد على غيره إذا أمكن. اه
(6)
.
(1)
مغني اللبيب (2/ 490). وانظر هذه الأوجه في شرح التسهيل لابن مالك (1/ 163) وما بعدها وهمع الهوامع (1/ 232).
(2)
هو: محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الإفريقي جمال الدين أبو الفضل، صاحب «لسان العرب» كان مغرما باختصار كتب الأدب المطولة. مات سنة إحدى عشرة وسبعمائة. الدرر الكامنة (5/ 31).
(3)
لسان العرب مادة «كون» (13/ 368).
(4)
وتتمة الآية: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27).
(5)
البحر المحيط (5/ 33).
(6)
مغني اللبيب (2/ 419)، ونقله عنه السيوطي في معترك الأقران (3/ 468).
وقد اعتمد جملة من المفسرين هذه القاعدة، فنقل السمين الحلبي في الدر المصون
(1)
وصديق خان في تفسيره
(2)
وغيرهما
(3)
نحو عبارة أبي حيان السابقة الذكر المقررة للقاعدة، ونقل مضمون عبارة أبي حيان الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة في كتابه القيم دراسات لأسلوب القرآن قال: إذا أمكن تقدير غيره - يعني غير ضمير الشأن - كان أولى. اه
(4)
.
*
تنبيه:
لا تعني هذه القاعدة أنه لا يأتي ضمير الشأن، ولا يترجح في القرآن الكريم البتة، بل يتعين ضمير الشأن في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى.
من أمثلة ذلك الضمير في قوله تعالى: {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ} (23)[يوسف: 23]. قال ابن عطية: والضمير في قوله تعالى: {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ} مراد به الأمر والشأن فقط. اه
(5)
وقال السمين الحلبي: هذه الهاء ضمير الشأن ليس إلا.
اهـ
(6)
.
وقد جمع د. محمد عبد الخالق عضيمة - في بحثه الاستقرائي لأسلوب القرآن الكريم - الآيات التي تعين فيها الضمير للشأن، وهي المواضع التي لا يحتمل الضمير فيها غير ضمير الشأن
(7)
. وإنما المقصود من هذه القاعدة هو ما إذا جاء ضمير في آية واحتمل أن يكون ضمير الشأن أو غيره، وورد التنازع فيه بين العلماء، فحمل الآية على غير ضمير الشأن أولى وأحسن.
(1)
الدر المصون (5/ 293).
(2)
فتح البيان (4/ 325).
(3)
منهم العجيلي في الفتوحات الإلهية (2/ 133).
(4)
دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق 3 ج 1 ص 150.
(5)
المحرر الوجيز (9/ 277).
(6)
الدر المصون (6/ 466).
(7)
انظرها في دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق 3 ج 1 ص 151.
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قول الله تعالى: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} [الأنعام: 3] اختلف العلماء في الضمير - (هو) -
(1)
:
فقال الجمهور: هو ضمير عائد على ما عادت عليه الضمائر قبله، وهو «الله» .
وقال أبو علي الفارسي
(2)
: «هو» ضمير الشأن، و «الله» مبتدأ خبره ما بعده، والجملة مفسرة لضمير الشأن.
وقول الجمهور أولى القولين بتفسير الآية؛ لأنه متى أمكن الحمل على غير ضمير الشأن فلا يحمل عليه.
قال أبو حيان: والظاهر أن (هو) ضمير عائد على ما عادت عليه الضمائر قبله وهذا قول الجمهور. اه
(3)
.
وعلل أبو حيان سبب جنوح أبي علي الفارسي إلى هذا التأويل بقوله: وإنما فر إلى هذا؛ لأنه إذا لم يكن ضمير الشأن كان عائدا على الله تعالى فيصير التقدير (والله الله) فينعقد مبتدأ وخبر من اسمين متحدين لفظا ومعنى لا نسبة بينهما إسنادية، وذلك لا يجوز فلذلك - والله أعلم - تأول أبو علي الآية على أن الضمير ضمير الأمة
(4)
.
قال السمين مجيبا على هذا: قلت: الضمير إنما هو عائد على ما تقدم من
(1)
انظر الأقوال في غرائب التفسير للكرماني (1/ 351) والمحرر الوجيز (6/ 6) والبحر المحيط (4/ 433) والدر المصون (4/ 528).
(2)
هو: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، كان بارعا في النحو، وصنف كتبا عجيبة حسنة لم يسبق إلى مثلها، وكان متهما بالاعتزال توفي سنة سبع وسبعين وثلثمائة. إنباه الرواة على أخبار النحاة (1/ 308).
(3)
البحر المحيط (4/ 433).
(4)
انظر البحر المحيط (4/ 433).
الموصوف بتلك الصفات الجليلة وهي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وخلق الناس من طين إلى آخرها، فصار في الإخبار بذلك، فائدة من غير شك. اه
(1)
.
(1)
الدر المصون (4/ 529).
* ومن نظائر هذا المثال:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ [البقرة:
85]. انظر معاني القرآن للفراء (1/ 51)، ومعاني القرآن للزجاج (1/ 167)، والكشاف (1/ 294)، والبحر المحيط (1/ 470)، والجامع لأحكام القرآن (2/ 22)، والدر المصون (1/ 484).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ [البقرة: 96]، انظر معاني القرآن للزجاج (1/ 178)، والبحر المحيط (1/ 505).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: 283]، انظر إملاء ما من به الرحمن (1/ 121).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ [آل عمران: 18]، انظر البحر المحيط (3/ 61).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى [المائدة: 69]، انظر غرائب التفسير (1/ 335).
6 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:
27]، انظر الكشاف (2/ 75)، والبحر المحيط (5/ 33)، والدر المصون (5/ 293)، والفتوحات الإلهية (2/ 133)، ومغني اللبيب (2/ 491)، وفتح البيان (4/ 325)، وروح المعاني (8/ 105).
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)[الأنفال: 24]، انظر البحر المحيط (5/ 303).
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي [الكهف: 38]، انظر الكشاف (2/ 484)، والبحر المحيط (7/ 179).
9 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: 23]، انظر الكشاف (2/ 310)، وإملاء ما من به الرحمن (2/ 51)، والبحر المحيط (6/ 257)، وفتح القدير (3/ 17).
المطلب الثاني:
قاعدة: إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر
*
صورة القاعدة:
إذا احتمل السياق إعادة الضمير إلى مذكور أو إعادته إلى مقدر، واختلف العلماء على الاحتمالين، فإعادة الضمير إلى المذكور أولى وأحسن؛ لأن الإعادة إلى المقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب.
هذا في حالة احتمال الضمير للأمرين واختلاف العلماء على القولين، أما إذا لم يقع خلاف بين العلماء في إعادة الضمير إلى أحدهما فليس داخلا تحت هذه القاعدة
(1)
؛ لأنها قاعدة ترجيحية بين الأقوال المختلفة، ولا خلاف هنا.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها الأئمة، وهي جزء من قاعدة أعم منها
(1)
مثال ما أعيد فيه الضمير إلى مذكور، ولم يقع فيه خلاف، قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها [المائدة: 45]، فالضمير في «عليهم» عائد على اليهود -[السابق ذكرهم]- بإجماع. الجامع لأحكام القرآن (6/ 190)، وأضواء البيان (2/ 102).
ومثله الضمير في «بهم» من قوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83)[غافر: 83] فهو عائد على الكفار بلا خلاف انظر المحرر الوجيز (14/ 160).
ومثال ما أعيد فيه الضمير إلى غير مذكور بلا خلاف، قوله تعالى: ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [النحل:
61]. فالضمير في «عليها» راجع إلى غير مذكور وهو الأرض؛ لأن قوله «من دابة» ، يدل عليه؛ لأن من المعلوم أن الدواب إنما تدب على الأرض. انظر أضواء البيان (3/ 289)، وزاد المسير (4/ 459).
وانظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق 3 ج 1 ص 39 وما بعدها. فقد جمع أمثلة كثيرة مما عاد فيها الضمير على غير مذكور لدلالة المعنى عليه. وانظر الكوكب الدّري ص 205.
سبق بيانها وهي قاعدة «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار» غير أن هذه القاعدة تعلقها في التقدير بمفسر الضمير، والتقدير خلاف الأصل؛ لذا كان إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر.
فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوا هذه القاعدة في الترجيح:
1 -
الإمام الطبري: قال - في معرض ترجيحه في أحد أمثلة هذه القاعدة -:
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول قتادة ومجاهد، وذلك أن قوله:
{وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} [الإسراء: 76] في سياق خبر الله عز وجل عن قريش وذكره إياهم ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر، فيوجه قوله:{وَإِنْ كادُوا} إلى أنه خبر عنهم، فهو بأن يكون خبرا عمن جرى له ذكر أولى من غيره. اه
(1)
.
2 -
ومنهم جار الله الزمخشري: قال - في معرض ترجيحه في أحد أمثلة هذه القاعدة -: والإضمار ضرب من التعسف، وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه، إلى الباطن الذي يجفو عنه، ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج. اه
(2)
.
3 -
ومنهم أبو بكر ابن العربي: فقد حرر هذه القاعدة في معرض رده لقول مجاهد وغيره في تفسير قوله تعالى: {فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ} [النحل: 69] قالوا: الهاء في «فيه» يعود على القرآن.
قال ابن العربي: وهذا قول بعيد، ما أراه يصح عنهم، ولو صح نقلا لم يصح عقلا، فإن مساق الكلام كله للعسل، ليس للقرآن فيه ذكر، وكيف يرجع ضمير في كلام إلى ما لم يجر له ذكر فيه، وإن كان كله منه، ولكنه إنما يراعي مساق الكلام ومنحى القول. اه
(3)
.
(1)
جامع البيان (15/ 133).
(2)
الكشاف (3/ 316).
(3)
أحكام القرآن (3/ 138).
4 -
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، قال في معرض تضعيفه لقول من قال: الضمير في {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ} [هود: 17] عائد على القرآن: ولم يتقدم للقرآن ذكر. اه
(1)
.
5 -
ومنهم السمين الحلبي: فقد قرر هذه القاعدة. فقال: إن عود الضمير على غير مذكور بلا مدلول عليه بشيء خلاف الأصل. اه
(2)
.
6 -
ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا ومرجحا بهذه القاعدة في تفسير قوله تعالى:
{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159]-:
الوجه الثاني: من مرجحات هذا القول، أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر الضمير، ملفوظ مصرح به، في قوله تعالى:{وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ} [النساء: 157].
وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورا في الآية أصلا، بل هو مقدر تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر.
ومما لا شك فيه، أن ما لا يحتاج إلى تقدير، أرجح وأولى، مما يحتاج إلى تقدير.
اه
(3)
.
وغير هؤلاء كثير كابن عطية
(4)
وأبي حيان
(5)
والألوسي
(6)
وغيرهم
(7)
على ما
(1)
مجموع الفتاوى (15/ 88)، وانظر نظير هذا الترجيح بهذه القاعدة (15/ 449) و (16/ 227) منه.
(2)
الدر المصون (2/ 248).
(3)
أضواء البيان (7/ 265).
(4)
انظر المحرر الوجيز (10/ 22) و (11/ 304) و (14/ 36).
(5)
انظر البحر المحيط (1/ 61) و (1/ 288) و (2/ 135) و (9/ 51).
(6)
انظر روح المعاني (15/ 131) و (22/ 215) و (23/ 205).
(7)
كالماوردي انظر النكت والعيون (5/ 101)، والشوكاني في فتح القدير (4/ 434) وصديق خان في فتح البيان (12/ 48).
سيأتي في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله تعالى -.
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
أمثلة هذه القاعدة وأمثلة قواعد الضمائر الآتية تتداخل كثيرا، وسوف اكتفى ببسط بعضها هنا فيما يتعلق بهذه القاعدة، وسيأتي بعضها في القواعد الآتية.
- فمنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} [هود: 5] اختلف أهل التفسير في عائد الضمير في «منه»
(1)
:
فقالت طائفة: عائد على الله - تعالى -، السابق ذكره
(2)
.
وقال آخرون: عائد على محمد صلى الله عليه وسلم.
وأولى القولين بتفسير الآية القول الأول؛ لأن مفسر الضمير فيه مذكور، على عكس القول الثاني فإنه لم يسبق للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر في السياق.
وهذا هو ترجيح الإمام الطبري وابن عطية وابن كثير وغيرهم.
قال الطبري:
…
والهاء في قوله «منه» عائد على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم، وهذا في سياق الخبر عن الله، فإن كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. اه
(3)
.
وقال ابن عطية - مرجحا ما رجحته هذه القاعدة -: والضمير في «منه» عائد على الله تعالى، هذا هو الأفصح والأجزل في المعنى. اه
(4)
.
ويؤيد هذه القاعدة فيما قررته، قاعدة «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجح على ما خالفه» .
فقوله تعالى: {أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ}
(1)
ذكر هذين القولين عامة المفسرين وانظرهما في معالم التنزيل (4/ 161) والمحرر الوجيز (9/ 107)، وزاد المسير (4/ 78)، والبحر المحيط (6/ 123)، وغيرها.
(2)
في قوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ [هود: 4]، والآيات قبلها.
(3)
جامع البيان (11/ 185).
(4)
المحرر الوجيز (9/ 107).
[هود: 5] بعدها قرينة واضحة في ترجيح القول الأول وهو إعادة الضمير إلى الله - تعالى - كما هو ظاهر.
قال ابن كثير: وعود الضمير على الله أولى، لقوله:{أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ} . اه
(1)
.
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته ما صح من سبب النزول عن محمد بن عباد
(2)
أن ابن عباس قرأ «ألا تثنوني صدورهم» قال: قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحيي أو يتخلى فيستحيي، فنزلت {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}
(3)
.
(1)
تفسير القرآن العظيم (4/ 238).
(2)
محمد بن عباد بن جعفر المخزومي القرشي، قال ابن معين: ثقة مشهور. اه. يروي عن جماعة من الصحابة عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وغيرهم أخرج له الجماعة. تهذيب الكمال (25/ 433) وثقات ابن حبان (5/ 356).
(3)
أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ الآية انظر الفتح (8/ 200)، وانظر القراءة وتوجيهها في المحتسب (1/ 318).
* ومن نظائر هذا المثال:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: 41]، انظر جامع البيان (1/ 253)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 333)، والبحر المحيط (1/ 288).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:
159]، انظر أضواء البيان (7/ 265).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [هود: 17]، انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (15/ 87، 88).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: 32]، انظر المحرر الوجيز (9/ 294).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [الرعد: 11]، انظر جامع البيان (13/ 117 - 121)، والمحرر الوجيز (10/ 22). -
ويلحق بالضمير في هذه القاعدة اسم الإشارة.
فالقول الذي يجعل المشار إليه مذكورا أولى من القول الذي يجعله مقدرا.
والعدول بالإشارة من الظاهر إلى المضمر مع إمكان الحمل على الظاهر خلاف الأصل، ولقد اعتمد العلماء هذه القاعدة، ورجحوا بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، وسترى في الأمثلة الآتية تقريرهم واعتمادهم لهذه القاعدة في الترجيح.
فمن أمثلتها ما جاء في تفسير قوله تعالى: {هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ} (39)[ص: 39].
قال الماوردي: في المشار إليه ب «هذا» ثلاثة أقاويل:
أحدها: ما تقدم ذكره من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بتسخير الريح والشياطين.
والقول الثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك.
والقول الثالث: إن هذا إشارة إلى مضمر غير مذكور وهو ما حكي أن سليمان كان في ظهره ماء مائة رجل، وكان له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية، فقال الله تعالى:
{هذا عَطاؤُنا} يعني الذي أعطيناك من القوة على النكاح {فَامْنُنْ} بجماع من
= 6 - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها [الإسراء:
76]، انظر جامع البيان (15/ 133)، والبحر المحيط (7/ 91)، وروح المعاني (15/ 131).
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور: 35]، انظر المحرر الوجيز (11/ 304).
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً [الأحزاب: 53]. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (15/ 449).
9 -
منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)[يس: 8]. انظر الكشاف (3/ 315 - 316)، والبحر المحيط (9/ 51)، والتفسير القيم ص 411، وروح المعاني (22/ 215).
تشاء من نسائك {أَوْ أَمْسِكْ} عن جماع من تشاء من نسائك.
ثم قال بعد أن حكى هذه الأقوال: وهذا القول عدول من الظاهر إلى ادعاء مضمر بغير دليل. اه
(1)
.
والقول الأول هو الأولى بتأويل الآية؛ لأنه يجعل المشار إليه مذكورا في سياق الكلام على عكس القول الثالث. وهذا القول هو اختيار إمام المفسرين الطبري. قال - بعد أن ذكر الأقوال في الآية -:
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عنى بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره، وذلك أنه جل ثناؤه ذكر ذلك عقيب خبره عن مسألة نبيه سليمان - صلوات الله وسلامه عليه - إياه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يسخر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عز ذكره: هذا الذي أعطيناك من الملك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك. اه
(2)
.
ورجحه أبو جعفر النحاس
(3)
وابن عطية
(4)
وأبو حيان
(5)
وابن جزي
(6)
(1)
النكت والعيون (5/ 100 - 101) مختصرا.
(2)
جامع البيان (23/ 163).
(3)
معاني القرآن (6/ 117)، والنحاس هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحوي، المفسر المعروف بالنحاس، صاحب التصانيف، زادت تصانيفه على خمسين مصنفا، كان واسع العلم غزير الرواية إذا خلا بقلمه جود وأحسن. مات سنة سبع وثلاثين وثلثمائة. إنباه الرواة (1/ 136) وطبقات المفسرين (1/ 68).
(4)
المحرر الوجيز (14/ 36).
(5)
البحر المحيط (9/ 158).
(6)
التسهيل (3/ 186).
والألوسي
(1)
والشوكاني
(2)
وصديق خان
(3)
وغيرهم.
قال أبو حيان - بعد أن ذكر القول الثالث منسوبا إلى ابن عباس رضي الله عنهما: ولعله لا يصح عن ابن عباس؛ لأنه لم يجر هنا ذكر النساء، ولا ما أوتي من القدرة على ذلك. اه.
وقال الألوسي - معقبا على القول الثالث أيضا -:
…
ولا يكاد يصح، إذ لم يجر لذلك ذكر في الآية. اه.
وقال الشوكاني - معقبا على نفس القول -: وهذا لا وجه لقصر الآية عليه لو قدرنا أنه تقدم ذكره من جملة تلك المذكورات، فكيف يدعي اختصاص الآية به مع عدم ذكره؟ اه.
بهذا يعلم ترجيح الأئمة لما تقرره هذه القاعدة، ورد القول الذي يخالفها.
ويعلم أن أولى الأقوال بتفسير الآية هو القول الذي يجعل المشار إليه مذكورا، وهو القول الأول، أما القول الثاني فهو خلاف الأصل، ولا دليل يوجب هذه المخالفة للأصل
(4)
، وقد سبق بيان وجه كون التقديم والتأخير خلاف الأصل في قاعدة:
«القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير» .
***
(1)
روح المعاني (23/ 205).
(2)
فتح القدير (4/ 434).
(3)
فتح البيان (12/ 48).
(4)
* ومن نظائر هذا المثال:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2]. انظر البحر المحيط (1/ 61).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [هود: 17]. انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (15/ 89).
المطلب الثالث:
قاعدة: إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره
*
صورة القاعدة:
إذا جاء ضمير في سياق قرآني، وتعددت الاحتمالات في مرجعه، فرجوعه إلى المحدث عنه في السياق أولى من رجوعه إلى غيره؛ لأنه هو المقصود بالكلام، وإليه يتجه الخطاب.
***
*
إيضاح ألفاظ القاعدة:
«المحدث عنه» .
قال أبو حيان: المحدث عنه أحد جزئي الإسناد. اه
(1)
. وغير المحدث عنه هو ما ذكر فضلة لا عمدة
(2)
.
والإسناد في عرف النحاة: عبارة عن ضم إحدى الكلمتين إلى الأخرى على وجه الإفادة التامة
(3)
.
والمحدث عنه من جزئي الإسناد هو المسند إليه، وهو:
1 -
الفاعل «للفعل التام أو شبهه» .
2 -
ونائب الفاعل.
3 -
والمبتدأ في الجملة الاسمية.
4 -
وأسماء النواسخ «أي ما أصله المبتدأ» .
(1)
البحر المحيط (3/ 288).
(2)
البحر المحيط (1/ 308).
(3)
تعريفات الجرجاني ص 44، والتوقيف ص 65 والكليات ص 100.
5 -
والمفعول الأول لظن وأخواتها -[أي ما أصله المبتدأ أو الخبر].
6 -
والمفعول الثاني لأرى وأخواتها
(1)
-[أي ما أصله المبتدأ أو الخبر].
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها في الترجيح أئمة التفسير، فمنهم من ينص عليها أثناء ترجيحه بها، ومنهم من يرجح القول الذي ترجحه هذه القاعدة، مما يشعر باعتماده لها.
فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
الإمام ابن جرير الطبري: قال - في معرض ترجيحه في تفسير قوله تعالى:
{فِيهِ شِفاءٌ} [النحل: 69]-: وهذا القول -[أي إعادة الضمير إلى العسل]- أولى بتأويل الآية؛ لأن قوله «فيه» في سياق الخبر عن العسل فأن تكون الهاء من ذكر العسل؛ إذا كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره اه.
(2)
.
فمضمون كلام الطبري هو مضمون هذه القاعدة.
2 -
ومنهم الزمخشري: ففي تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً}
(175)
[النساء: 175] قال: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ} إلى عبادته
(3)
. اه قال أبو حيان - معلقا على قول الزمخشري -: فجعل الضمير عائدا على الله تعالى وذلك على حذف مضاف وهذا هو الظاهر؛ لأنه المحدث عنه، و {فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} ليس محدثا عنهما. اه
(4)
.
(1)
جواهر البلاغة للهاشمي ص 43 - 44، وانظر «في بناء الجملة العربية» د. محمد عبد اللطيف ص 53.
(2)
جامع البيان (14/ 141).
(3)
الكشاف (1/ 589).
(4)
البحر المحيط (4/ 149).
3 -
ومنهم أبو حيان: قال - مرجحا بهذه القاعدة في أحد أمثلتها -: والأرجح الأول؛ لأنه أقرب، وهو منطوق به مقصود للحديث عنه. اه
(1)
وقال في موضع آخر: والظاهر عود الضمير في {فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] على الأمر؛ لأنه هو المحدث. اه
(2)
.
4 -
ومنهم السمين الحلبي: قال في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ}
[الأنعام: 137]: الضمير المنصوب للقتل -[أي السابق ذكره في الآية {قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ}]- للتصريح به؛ ولأنه المسوق للحديث عنه. اه
(3)
.
5 -
ومنهم الزركشي: قال: إذا جاء مضاف ومضاف إليه، وذكر بعدهما ضمير عاد إلى المضاف؛ لأنه المحدث عنه. اه
(4)
.
6 -
ومنهم السيوطي: قال - في قوله تعالى: {وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ}
[العنكبوت: 27]- فضمير {ذُرِّيَّتِهِ} عائد على إبراهيم، وهو غير الأقرب؛ لأنه المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها. اه
(5)
.
7 -
ومنهم الألوسي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، ففي تفسير قوله تعالى:{يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ} [الحج: 2] قال: الظاهر أن الضمير المنصوب في «ترونها» للزلزلة؛ لأنها المحدث عنها. اه
(6)
.
***
(1)
البحر المحيط (1/ 288).
(2)
البحر المحيط (6/ 503).
(3)
الدر المصون (5/ 180).
(4)
البرهان (4/ 39)، وانظر البحر المحيط في الأصول (3/ 325).
(5)
همع الهوامع (1/ 227)، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم (ق 3 ج 1 ص 16)، وانظر معترك الأقران (3/ 466).
(6)
روح المعاني (17/ 111) وانظر (14/ 90) منه.
مسألة:
إذا أمكن عود الضمير على كل من المضاف والمضاف إليه على انفراده، ولم يتعين أحدهما بقرينة في السياق فإلى أيهما يرجع؟ قولان مشهوران للعلماء:
أحدهما: قول ابن حزم
(1)
، والماوردي ومن وافقهما إنه يعود على المضاف إليه؛ لأنه أقرب مذكور. قالوا ذلك في قوله تعالى:{أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ}
[الأنعام: 145] فأعادوا الضمير إلى الخنزير.
قال ابن حزم: وأما الخنزير فإن الله تعالى قال: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً} والضمير في لغة العرب التي نزل بها القرآن راجع إلى أقرب مذكور إليه.
اه
(2)
.
والآخر: قول الجمهور ورجحه أبو حيان والزركشي وغيرهما إنه يعود على المضاف؛ لأنه المحدث عنه
(3)
.
فإن قال قائل وما الجديد في هذه المسألة؟ ألم تقرر في مبحث تنازع القواعد أنه إذا تنازعت قاعدة إعادة الضمير إلى أقرب مذكور وقاعدة إعادة الضمير إلى المحدث عنه، قدمت قاعدة المحدث عنه؟
فالجواب: أن هذا ما لم يكن في هذه المسألة، فأما هذه المسألة فلها نظر خاص، وذلك؛ لأنه ليس مطردا رجوع الضمير إلى المضاف، ولا إلى المضاف إليه. كما أنه ليس مطردا أن يعود الضمير إلى أقرب مذكور
(4)
، ولا أن يكون الإخبار والحديث
(1)
هو: علي بن أحمد بن حزم الظاهري، أبو محمد، الفقيه الحافظ المتكلم الأديب الوزير عالم الأندلس في عصره، صاحب التصانيف المشهورة، توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (18/ 184).
(2)
المحلى (7/ 390).
(3)
انظر البحر المحيط لأبي حيان (4/ 674)، والبحر المحيط للزركشي (3/ 325)، والبرهان له (4/ 39)، والكوكب الدري ص 202، وروح المعاني (8/ 44).
(4)
يأتي في قاعدة «الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور .. » بيان الأدلة التي تصرف الضمير عن -
دائما عن المضاف دون المضاف إليه. وبيان ذلك أنه جاء في كتاب الله آيات كثيرة
(1)
عاد الضمير فيها إلى المضاف إليه اتفاقا، كقوله تعالى:{وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ} (114)[النحل: 11].
وكذلك جاءت آيات أخرى كثيرة
(2)
عادت الضمائر فيها على المضاف اتفاقا، كقوله تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها} [إبراهيم: 34] و [النحل: 18].
وجاء في كتاب الله كذلك الإخبار عن المضاف إليه كقوله تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ} (4)[الشعراء: 4] فأخبر تعالى عن المضاف إليه، ولو كان خبرا عن المضاف لقال خاضعة
(3)
.
إذا تقرر كل ذلك فأحسن ما يقال في هذه المسألة، ما قاله الزركشي - بعد أن ذكر هذه المسألة والأقوال فيها -: وإذا تعارض الأصلان تساقطا ونظر في الترجيح من خارج. اهـ
(4)
.
وأفضل شيء يحدد مرجع الضمير إذا سبقه مضاف ومضاف إليه هو السياق وقرائنه فيرجع إليه في ذلك. والله تعالى أعلم.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 -
من الأمثلة التي تتخرج على هذه القاعدة. ما جاء في تفسير قوله تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه: 38 - 39].
= القريب إلى البعيد، بل إنهم قد استثنوا هذه المسألة منها فقالوا: الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يكن مضافا إليه. انظر النحو الوافي (1/ 256، 262).
(1)
انظر جملة منها في دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق 3 ج 3 ص 583.
(2)
انظر جملة منها في دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق 3 ج 3 ص 578.
(3)
البرهان (4/ 39).
(4)
البرهان (4/ 39).
اختلف المفسرون في عائد الضمير في «فاقذفيه» و «فليلقه»
(1)
:
فقال بعضهم: هما عائدان إلى التابوت.
وقال آخرون: بل إلى موسى عليه السلام في داخل التابوت.
وهذه القاعدة ترجح هذا القول، وذلك؛ لأن سياق الآيات عن موسى عليه السلام والضمائر راجعة إليه من أول الآيات إلى موضع الخلاف وكذلك بعده راجعة إليه، فهو المقصود في الخطاب أولا وآخرا [فهو حاضر في ذهن أمه الموحى إليها، وقذفه في التابوت وفي اليم وإلقاؤه في الساحل أفعال متعلقة بضميره إذ لا فرق في فعل الإلقاء بين كونه مباشرا أو في ضمن غيره؛ لأنه هو المقصود بالأفعال الثلاثة]
(2)
وما جاء التابوت إلا تبعا له، فالضمائر جميعا ترجع إليه؛ لأنه المحدث عنه. وهذا هو ما رجحه أئمة التفسير بهذه القاعدة، وبغيرها.
قال أبو حيان: والظاهر أن الضمير في «فاقذفيه في التابوت» عائد على موسى وكذلك الضميران بعده إذ هو المحدث عنه لا التابوت، إنما ذكر التابوت على سبيل الوعاء والفضلة. اه
(3)
.
وقال الشوكاني في تفسير الآية: والضمائر كلها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ألقي معه لكن المقصود هو موسى، مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له
(4)
. اه
وقال الألوسي: والضمائر كلها لموسى عليه السلام إذ هو المحدث عنه والمقذوف في البحر والملقى بالساحل، وإن كان هو التابوت أصالة؛ لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه، جعل التابوت تبعا له في ذلك .. والحق أن عدم التفكيك فيما نحن فيه - يعني هذه الآية - أولى اه.
(5)
.
(1)
انظر الكشاف (2/ 536)، والبحر المحيط (7/ 330)، وفتح القدير (3/ 364).
(2)
انظر التحرير والتنوير (16/ 216).
(3)
البحر المحيط (7/ 330)، وانظر الدر المصون (8/ 34 - 35).
(4)
فتح القدير (3/ 364).
(5)
روح المعاني (16/ 188).
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته، قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها» .
وذلك أن ضمير «أن اقذفيه» قبل المختلف فيها عائد إلى موسى عليه السلام بلا خلاف، وكذلك ضميرا «يأخذه» و «له» بعد المختلف فيها راجعة إلى موسى عليه السلام بلا خلاف.
فإلحاق الضمائر المختلف فيها بما اتفق عليها أولى وأحسن، لما في توحيد مرجع الضمائر جميعا في السياق من المحافظة على اتساق النظم
(1)
.
قال الزمخشري: والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة؛ لما يؤدي إليه من تنافر النظم. فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل، قلت: ما ضرك لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي ومراعاته أهم ما يجب على المفسر اه.
(2)
.
وقال الشنقيطي - في تفسير هذه الآية، مرجحا بهذه القاعدة فيها -: والصواب رجوعه -[أي الضمير]- إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن. اه
(3)
.
أما من رجح القول الأول، فاعتمد على قاعدة: إعادة الضمير إلى أقرب مذكور - سيأتي بسطها إن شاء الله - والتابوت أقرب مذكور. فأصبح هذا من تنازع القواعد المثال الواحد، وقد سبق بسطة في مبحث تنازع القواعد من مباحث التمهيد، وسيأتي التنبيه عليه في الأدلة التي تصرف الضمير من القريب إلى البعيد.
(1)
انظر حاشية زاده على البيضاوي (3/ 314).
(2)
الكشاف (2/ 536).
(3)
أضواء البيان (4/ 406).
وقد حرر أبو حيان هذه المسألة في تفسير هذه الآية فقال: ولقائل أن يقول إن الضمير إذا كان صالحا لأن يعود على القريب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحا، وقد نص النحاة على هذا فعوده على «التابوت» في قوله:{فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ} [طه: 39] راجح، والجواب أنه إذا كان أحدهما هو المحدث عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح ولا يلتفت إلى القرب اه.
(1)
.
(1)
البحر المحيط (7/ 330 - 331).
* ونظائر هذا المثال كثيرة:
1 -
انظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق 3 ج 1 ص 15 - 16 وص 21 - 22.
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: 41]. انظر جامع البيان (1/ 564) ط: شاكر، والبحر المحيط (1/ 288)، والدر المصون (1/ 318).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175)[النساء: 175]. انظر البحر المحيط (4/ 149).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ [الأنعام: 137]. انظر البحر المحيط (4/ 659)، والدر المصون (5/ 180).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1]. انظر البحر المحيط (6/ 503)، والدر المصون (7/ 187)، وروح المعاني (14/ 90).
6 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ [النحل: 69] انظر جامع البيان (14/ 140 - 141)، وأحكام القرآن لابن العربي (3/ 138)، والبحر المحيط (6/ 561).
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ [الحج: 1 - 2]. انظر البحر المحيط (7/ 481)، وروح المعاني (17/ 11).
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [العنكبوت: 27]. انظر همع الهوامع (1/ 227)، وانظر الجامع لأحكام القرآن (13/ 340)، والبحر -
***
(1)
- المحيط في التفسير (8/ 353)، وتفسير ابن كثير (6/ 285)، وأضواء البيان (6/ 464).
9 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7)[العاديات: 7]. انظر البحر المحيط (10/ 529)، والتسهيل (4/ 214)، وفتح القدير (5/ 483)، وروح المعاني (30/ 280)، والتحرير والتنوير (30/ 504)، وأضواء البيان (1/ 74).
المطلب الرابع:
قاعدة: توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها
*
صورة القاعدة:
إذا جاءت ضمائر متعددة في سياق واحد، واحتملت في مرجعها أقوالا متعددة، فتوحيد مرجعها وإعادتها إلى شيء واحد، أولى وأحسن، لانسجام النظم، واتساق السياق، وقوة الإعجاز، ما دام الأمر محتملا، ولا حجة توجب تفريقها، وتأبى توحيدها.
فإن وردت آيات قرآنية لم يختلف أهل التفسير في تفريق ضمائرها، أو قامت حجة ظاهرة على تفريقها، فهي غير داخلة تحت هذه القاعدة، فلا يذهبنّ أحد إلى إلزام المعتمد لهذه القاعدة بنصوص قرآنية يوجب عليها توحيد مرجع ضمائرها، بعد إذ لم يكن فيها خلاف؛ لأن هذه القاعدة ترجيحية بين الأقوال المختلفة، فما لم يقع فيه خلاف بين المفسرين فلا يدخل تحت هذه القاعدة أصلا
(1)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة وقررها ورجح بها بين الأقوال المختلفة في التفسير كثير من المفسرين، فمن هؤلاء الأئمة:
1 -
إمام المفسرين الطبري: فقد أومأ إلى هذه القاعدة، ورجح بمضمونها. فبعد
(1)
كقوله تعالى: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22)[الكهف: 22]. فإن ضمير «فيهم» يعود لأصحاب الكهف، و «منهم» لأهل الكتاب من يهود أو نصارى. فهذا التفريق بين ضمائر هذه الآية هو الذي جرى عليه أهل التفسير قاطبة، ولم يذكر أحد منهم القول بتوحيد مرجعها. فمثل هذه الآية غير داخلة تحت هذه القاعدة.
أن ذكر الخلاف في عائد الضمير في «منه» من قوله تعالى: {وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} [الحج: 55] قال: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته، وذلك أن ذلك من ذكر قوله:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [الحج: 54] أقرب منه من ذكر قوله: {فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ} [الحج: 52]. والهاء من قوله: {أَنَّهُ} من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله:{فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} بالهاء من قوله: {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أولى من إلحاقها بما التي في قوله: {ما يُلْقِي الشَّيْطانُ} مع بعد ما بينهما. اهـ
(1)
.
فيلحظ من هذا الترجيح اعتماده لهذه القاعدة، وذلك في إلحاقه الهاء من «منه» بالهاء من قوله «أنه» كي تتحد في رجوعها إلى القرآن. وكذلك اعتمد قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى» . وستأتي بعد هذه القاعدة - إن شاء الله -.
2 -
ومنهم الزمخشري: ففي معرض رده على من أجاز إعادة الضمير في {فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ} [طه: 39] إلى التابوت، وما قبله وبعده يعود إلى موسى -: قال: والضمائر كلها راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت في هجنة؛ لما يؤدي إليه من تنافر النظم، فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل.
قلت: ما ضرّك لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر. اه
(2)
.
3 -
ومنهم ابن عطية: قال - في معرض تضعيفه لأحد الأقوال في التفسير المخالفة لهذه القاعدة -: وهذا غير قوي؛ لأنه يفرق الضمائر ويشعب المعنى. اه
(3)
.
(1)
جامع البيان (17/ 192 - 193).
(2)
الكشاف (2/ 536) وانظر مفاتيح الغيب (22/ 52).
(3)
المحرر الوجيز (14/ 170)، وانظر (6/ 58) منه.
4 -
ومنهم أبو حيان: فقد رجح بهذه القاعدة في مواضع كثيرة من تفسيره، وهي من القواعد الترجيحية التي قررها ورجح بها، على ما سوف تراه في الأمثلة، فمن هذه المواضع قوله - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في أمثلة هذه القاعدة -:
وتناسق الضمائر لشيء واحد أوضح. اه
(1)
.
5 -
ومنهم ابن جزي الكلبي: قال - في معرض تضعيفه لأحد الأقوال المخالفة للقاعدة -: ويضعف ذلك بأن الضمائر بعدها للرسول عليه السلام. اه
(2)
.
6 -
ومنهم الزركشي: ذكر هذه القاعدة في البرهان، فقال: إذا اجتمع ضمائر، فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف. اه
(3)
.
7 -
ومنهم السيوطي: فقد ذكر هذه القاعدة وقررها، فقال: الأصل توافق الضمائر في المرجع حذرا من التشتت. اه
(4)
.
8 -
ومنهم الألوسي: قال - مرجحا بهذه القاعدة -: واتساق الضمائر وعدم تفكيكها يرجح الأول. اه
(5)
.
9 -
ومنهم الشنقيطي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في مواضع كثيرة من كتابه، على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية.
فمن هذه المواضع قوله - في تفسير قوله تعالى: {سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} (82)[مريم: 82]: إن الضمير في قوله «ويكونون» راجع للمعبودات، وعليه فرجوع الضمير في «يكفرون» للمعبودات أظهر لانسجام الضمائر بعضها مع بعض. اه
(6)
.
(1)
البحر المحيط (8/ 189).
(2)
التسهيل (2/ 76) وانظر (4/ 214) منه
(3)
البرهان (4/ 35).
(4)
الإتقان (2/ 284) ومعترك الأقران (3/ 466).
(5)
روح المعاني (30/ 280).
(6)
أضواء البيان (4/ 388) وانظر (1/ 74) منه.
وغير هؤلاء الأئمة كثير
(1)
، سوف ترى في الأمثلة مزيدا من أقوالهم، والإحالة على بعضها.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
أمثلة هذه القاعدة وأمثلة القاعدة السابقة بينهما تشابه وتداخل كبير، وقليل من الأمثلة التي يقع فيها التنازع بين القاعدتين
(2)
، وإلا فالغالب اتحاد أمثلتها، فتوحيد مرجع الضمائر يعود إلى المحدث عنه غالبا، وقد تتفق هاتان القاعدتان مع قاعدة إعادة الضمير إلى أقرب مذكور - الآتي ذكرها - فيكون الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهو المحدث عنه، والضمائر جميعا في السياق عائدة إليه، وقد تختلف وتتنازع هذه القواعد، وقد بينت ذلك في مبحث تنازع القواعد من مباحث التمهيد.
فمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (8)[العاديات: 6 - 8].
اختلف العلماء في عائد الضمير في «إنه على ذلك» ، فقال بعض العلماء: هو عائد على الإنسان.
وقال آخرون: هو عائد على رب الإنسان المذكور في قوله «لربه»
(3)
وهذه القاعدة
(1)
منهم البيضاوي وشيخ زاده في حاشيته انظرها (3/ 314) والسمين الحلبي (7/ 286) والعجيلي في حاشيته على الجلالين (4/ 160) والقاسمي في محاسن التأويل (15/ 5401) والطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير (30/ 504).
(2)
مثل قوله تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (16)[الحجر: 16]. فقال بعض العلماء إن الضمير في «زيناها» عائد على البروج؛ لأنها المحدث عنها، والأقرب في اللفظ، وقال بعضهم: إنه على السماء حتى لا تختلف الضمائر. انظر البحر المحيط لأبي حيان (6/ 471).
فتنازعت هذه القاعدة، والقاعدة السابقة «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى» وهذا قليل.
(3)
انظر النكت والعيون (6/ 326) والمحرر الوجيز (16/ 355) وزاد المسير (9/ 210) وغيرها من كتب التفسير.
ترجح القول الأول، وذلك حتى تتفق وتتسق الضمائر، فقبل هذا الضمير وبعده ضمائر كلها عائدة على الإنسان اتفاقا، فكذلك هذا الضمير المتنازع فيه يعود إليه، وبه تتحد الضمائر في السياق. وقد رجح هذا القول جماعة من أئمة التفسير كأبي حيان وابن جزي والشوكاني
(1)
والألوسي والطاهر بن عاشور
(2)
والشنقيطي وغيرهم.
قال ابن جزي: والأول -[أي عوده إلى الإنسان] أرجح؛ لأن الضمير الذي بعده للإنسان باتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد. اه
(3)
.
وقال الألوسي:
…
واتساق الضمائر وعدم تفكيكها يرجح الأول، فإن الضمير السابق أعني ضمير ربه للإنسان ضرورة، وكذا الضمير اللاحق أعني الضمير في قوله:«وإنه لحب الخير» . اه
(4)
.
وقال الشنقيطي - مرجحا هذا القول بهذه القاعدة -: والنظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان وإن كان هو الأول في اللفظ بدليل قوله «وإنه لحب الخير لشديد» فإنه للإنسان بلا نزاع، وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم. اه
(5)
.
ومن رجح القول الثاني، استند إلى قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى من إبعاده» . وذلك؛ لأن أقرب مذكور هو رب الإنسان. وهذا من تنازع القواعد وقد سبق في مبحث تنازع القواعد ترجيح قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد
…
» على قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى
…
». وقد تعرّض أبو حيان لهذا التنازع في هذا المثال ورجح قاعدة «توحيد مرجع الضمائر
…
» فقال:
(1)
انظر فتح القدير (5/ 483).
(2)
انظر التحرير والتنوير (30/ 504).
(3)
التسهيل (4/ 214).
(4)
روح المعاني (30/ 280).
(5)
أضواء البيان (1/ 74).
ولا يترجح بالقرب - «أي عود الضمير إلى أقرب مذكور وهو رب الإنسان]- إلا إذا تساويا من حيث المعنى، والإنسان هنا هو المحدث عنه، والمسند إليه الكنود، وأيضا فتناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلها لمختلفين، ولا سيما إذا توسط الضمير بين ضميرين عائدين إلى واحد. اه
(1)
.
(1)
البحر المحيط (10/ 529 - 530).
* ونظائر هذا المثال كثير، منها:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159)[النساء: 157 - 159].
انظر البحر المحيط (4/ 128 - 129)، وتفسير ابن كثير (2/ 405)، وأضواء البيان (7/ 265).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: 40].
انظر جامع البيان (10/ 137)، والتسهيل (2/ 76)، وتفسير ابن كثير (4/ 96)، ومنهاج السنة النبوية (8/ 492).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (51) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52) * وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف: 51 - 53].
انظر الجامع لأحكام القرآن (9/ 209)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (15/ 138)، والتفسير القيم ص 316، وتفسير ابن كثير (4/ 320)، والتحرير والتنوير (13/ 5).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)[النحل: 100].
انظر البحر المحيط (6/ 594)، والدر المصون (7/ 286).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)[مريم: 82].
انظر أضواء البيان (4/ 388).
6 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: 38 - 39]. -
***
(1)
- انظر الكشاف (2/ 536)، والبحر المحيط (7/ 330)، وحاشية زاده على البيضاوي (3/ 314)، وروح المعاني (16/ 188)، والتحرير والتنوير (16/ 216)، وأضواء البيان (4/ 406).
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ [الحج: 78].
انظر جامع البيان (17/ 207) والمحرر الوجيز (11/ 221)، ومفاتيح الغيب (23/ 75)، والتسهيل (3/ 48)، وفتح القدير (3/ 471)، وأضواء البيان (5/ 750).
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ (31) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32) رُدُّوها عَلَيَّ [ص: 31 - 33].
انظر البحر المحيط (9/ 154)، والبرهان في علوم القرآن (4/ 26)، وروح المعاني (23/ 196).
9 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)[الزخرف: 57 - 61].
انظر البحر المحيط (9/ 385 - 386) وروح المعاني (25/ 95 - 96)، وأضواء البيان (7/ 261 - 263).
10 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9)[الفتح: 9].
انظر الكشاف (3/ 542)، ومفاتيح الغيب (28/ 86)، وحاشية زاده على البيضاوي (4/ 356)، والبحر المحيط (9/ 486)، وحاشية الجمل على الجلالين (4/ 160)، وروح المعاني (26/ 96)، والتحرير والتنوير (26/ 156).
المطلب الخامس:
قاعدة: الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ما لم يرد دليل بخلافه
*
صورة القاعدة:
هذه القاعدة تقرر أن الأصل في العربية أن يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، فلذلك إذا اختلف العلماء في عائد أحد الضمائر في القرآن، فأرجح الأقوال في هذا الخلاف، القول الذي يعيد الضمير إلى أقرب مذكور، فإعادته إلى القريب أولى من إعادته إلى البعيد. هذا إذا لم ينازع هذه القاعدة غيرها من القواعد، فإن نازعها غيرها، نظر بين القواعد المتنازعة بالضوابط التي مر تحريرها في مبحث تنازع القواعد.
***
*
إيضاح ألفاظ القاعدة:
قولهم: «ما لم يرد دليل على خلافه» ، أي على خلاف هذا الأصل من إعادة الضمير إلى أقرب مذكور.
وقد ذكر كثير من العلماء هذا الشرط في إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، بل كان من قرر هذه القاعدة قيدها بهذا الشرط، مما يدل على أنها ليست على إطلاقها
(1)
.
وقد سبق في مبحث تنازع القواعد، الكلام على تنازع هذه القاعدة مع قاعدة «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى
…
»، وقاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى .. » ، وذكرت مواقف العلماء من هذا التنازع، وبينت هناك أن هذه القاعدة مؤخرة في الرّتبة عن القاعدتين الآنفتي الذكر عند التنازع، ونقلت أقوال بعض العلماء في تقرير هذا، وكل ذلك سبق تحريره بما أغنى عن إعادته في
(1)
انظر روح المعاني (16/ 188).
هذا الموضع.
إذا تقرر هذا، فما الأدلة التي تدل على إعادة الضمير إلى البعيد دون القريب خلافا للقاعدة؟
من هذه الأدلة:
1 -
القرينة في السياق: فإذا دلت القرينة على تعيين مفسر الضمير صير إليها، ووجب النزول على ما تقضيه؛ إذ عليها وحدها المعوّل، وهي القول الفصل في الإيضاح هنا
(1)
. فقد تدل القرينة على إعادته على البعيد، أو القريب، أو المحدث عنه، أو غير المحدث عنه، ففي كل هي المعتمدة في تعيين مفسر الضمير، هذا إذا وجدت، فإذا لم توجد قرينة عمل بالقواعد السابقة في ترجيح أولى الأقوال في تعيين مفسر الضمير عند تردده بين أكثر من مرجع وهذا الدليل هو مضمون القاعدة الترجيحية:
«القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه» .
2 -
ومن هذه الأدلة، سياق الجمل المذكورة قبل الضمير المختلف فيه وبعده، فهي تدل على تعيين أو ترجيح مرجع الضمير، فإذا كان سياق الجمل قبل وبعد الضمير عن شيء واحد، واحتمل الضمير رجوعه إليه - وكان بعيدا -، ورجوعه إلى القريب، فرجوعه إلى البعيد في هذه الحالة أرجح. وهذا الدليل هو مضمون قاعدة: «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى
…
» وقاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى .. » .
قال السيوطي: الأصل تقديم مفسر الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل. ثم شرع في شرح هذا بقوله:
…
وأن يكون الأقرب نحو لقيت زيدا وعمرا يضحك فضمير يضحك عائد على عمرو ولا يعود على زيد إلا بدليل، كما في قوله تعالى:
{وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ} [العنكبوت: 27]، فضمير «ذريته» عائد على «إبراهيم» وهو غير الأقرب؛ لأنه المحدث عنه من أول
(1)
النحو الوافي (1/ 256 - 262).
القصة إلى آخرها. اه
(1)
. فقرر السيوطي في كلامه هذا أن من الأدلة التي يصرف لها الضمير من القريب إلى البعيد، أن يكون البعيد محدثا عنه.
ومن أمثلة ما اجتمع فيه هذان الدليلان قول الله تعالى: {هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا} [الحج: 78].
قال العلامة الشنقيطي - في معرض رده لقول عبد الرحمن بن زيد بأن الضمير «هو» يعود على إبراهيم، وهو أقرب مذكور - قال: في هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب.
إحداهما: أن الله قال: {هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا} أي القرآن ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير.
والقرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى إبراهيم فقوله:{هُوَ اجْتَباكُمْ} أي الله. {وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ:}
أي الله {هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ:} أي الله. فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم.
فالجواب: أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، وهنا قد صرف عنه صارف، لأن قوله:{وَفِي هذا} يعني القرآن، دليل على أن المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله نحو:{هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} يناسبه أن يكون هو سماكم: أي الله المسلمين. اه
(2)
.
***
(1)
همع الهوامع (1/ 226 - 227).
(2)
أضواء البيان (5/ 750 - 751).
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد المشهورة عند العلماء، وهي قاعدة لغوية استعملها أئمة التفسير في تفسير القرآن، وفي الترجيح بين الأقوال المختلفة فيه، غير أنه قد اختلفت عباراتهم في تقرير هذه القاعدة، فمنهم من صرح بوجوب إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ومنهم من جعل ذلك أولى وأحسن، ومنهم من عبّر بلفظ محتمل للوجوب والاستحباب كلفظ «ينبغي» ، وكل هؤلاء معتمدون للقاعدة في الترجيح، سواء كان الترجيح من باب تقديم الأولى كما هو عند قوم، أو كان الترجيح بتقديم الراجح وتضعيف ما سواه كما هو عند آخرين، وكلا النوعين من قواعد الترجيح، فمن هؤلاء الأئمة الذين رجحوا بهذه القاعدة:
1 -
إمام المفسرين ابن جرير الطبري: فقد استعملها في الترجيح كثيرا. فمن ذلك قوله - في معرض تعليله لأحد ترجيحاته في التفسير: وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب في ذلك؛ لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى؛ فلأن تكون الهاء في قوله: «من قومه» من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون لبعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليل من خبر ولا نظر. اه
(1)
.
2 -
ومنهم ابن حزم: قال في الإحكام: والضمير راجع إلى أقرب مذكور، لا يجوز غير ذلك؛ لأنه مبدل من مخبر عنه أو مأمور فيه، فلو رجع إلى أبعد مذكور لكان ذلك إشكالا رافعا للفهم، وإنما وضعت اللغات للبيان. اه
(2)
.
3 -
ومنهم ابن عطية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، قال - بعد أن ذكر الخلاف في مرجع ضمير في أحد أمثلة هذه القاعدة -: والعود على الأقرب أحسن.
اه
(3)
.
(1)
جامع البيان (11/ 150)، وانظر (16/ 374) ط: شاكر.
(2)
الإحكام في أصول الأحكام (4/ 445).
(3)
المحرر الوجيز (3/ 185).
4 -
ومنهم الرازي: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -: والضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. اه
(1)
.
5 -
ومنهم إمام العربية ابن مالك
(2)
: قال - مقررا هذه القاعدة -: إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا جعل للأقرب، ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج.
اه
(3)
.
6 -
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -:
والضمير يعود إلى القريب، إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك. اه
(4)
.
7 -
ومنهم أبو حيان: ففي تفسير قوله تعالى: {وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ}
[البقرة: 177] نص على هذه القاعدة ورجح بها فقال: والظاهر أن الضمير في «حبه» عائد على المال، لأنه أقرب مذكور، ومن قواعد النحويين أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. اه
(5)
.
8 -
ومنهم ابن جزيّ الكلبي: قال - في معرض رده لأحد الأقوال المخالفة للقاعدة -: وهذا بعيد
…
؛ لأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور. اه
(6)
.
9 -
ومنهم الزركشي: فقد نص على هذه القاعدة، فقال: الأصل في الضمير عوده إلى أقرب مذكور. اه
(7)
.
(1)
مفاتيح الغيب (10/ 23)، وانظر (17/ 150) منه.
(2)
هو: جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي إمام العربية المشهور، وكان إماما في القراءات وعللها، وله فيها قصيدة في مقدار الشاطبية. توفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة. شذرات الذهب (5/ 339).
(3)
شرح التسهيل (1/ 157).
(4)
مجموع الفتاوى (15/ 112).
(5)
البحر المحيط (2/ 135) وانظر (1/ 299) منه.
(6)
التسهيل (2/ 97).
(7)
البرهان (4/ 39).
10 -
ومنهم السيوطي: قال: قاعدة: الأصل عود الضمير على أقرب مذكور.
اه
(1)
.
11 -
ومنهم الشنقيطي: قال - في معرض ترجيحه بهذه القاعدة لأحد الأقوال في أمثلتها -:
…
الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه. اه
(2)
.
وغيرهم كثير
(3)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من الأمثلة التي تتخرج على هذه القاعدة، ما جاء في تفسير قوله تعالى:
{فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} (24)[مريم: 24].
للعلماء في المنادي لمريم قولان مشهوران حكاهما عن السلف أكثر أهل التفسير، وذلك بناء على الخلاف في مرجع الضمير في «فناداها» .
فالقول الأول: المنادي هو الملك جبريل عليه السلام.
والقول الثاني: إن الذي ناداها من تحتها هو عيسى لا جبريل عليهما السلام
(4)
- وهذا القول هو الذي ترجحه هذه القاعدة؛ وذلك لأن عيسى عليه السلام هو أقرب المذكورين إلى الضمير في «فناداها» وذلك في قوله: {* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا} (22)[مريم: 22] وما بعدها، وإعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى، ما لم يصرفه عنه صارف، ولا صارف هنا.
وقد رجح هذا القول جماعة من أئمة التفسير اعتمادا على هذه القاعدة. قال
(1)
الإتقان (2/ 284)، ومعترك الأقران (3/ 465)، وانظر همع الهوامع (1/ 226).
(2)
أضواء البيان (4/ 246).
(3)
انظر تفسير ابن كثير (3/ 291)، وفتح البيان (1/ 160).
(4)
انظر جامع البيان (16/ 67)، والنكت والعيون (3/ 364)، وتفسير ابن كثير (5/ 218)، وغيرها من كتب التفسير.
الطبري - بعد أن حكى الخلاف السابق -: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه، ألا ترى في سياق قوله:{* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا} (22) يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه.
ولعلة أخرى، وهي قوله:{فَأَشارَتْ إِلَيْهِ} [مريم: 29] ولم تشر إليه - إن شاء الله - إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله:{أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} (24) وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبريل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق ويحتج عنها للقوم .. اهـ
(1)
.
ورجح هذا القول أيضا الرازي
(2)
، والشنقيطي
(3)
، وذكرا الحجتين اللتين ذكرهما الطبري، واستظهره أبو حيان في بحره
(4)
.
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها» ، وذلك أن الضمائر في قوله:{وَلِنَجْعَلَهُ}
و {وَرَحْمَةً مِنّا} و {* فَحَمَلَتْهُ} و {فَانْتَبَذَتْ بِهِ} و {فَناداها} فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر كلها عائد إلى عيسى عليه السلام اتفاقا إلا ضمير {فَناداها} على الخلاف السابق، فإلحاقه بما سبق من الضمائر أولى من إخراجه عنها ما دام الأمر محتملا
(5)
.
(1)
جامع البيان (16/ 68 - 69).
(2)
مفاتيح الغيب (21/ 205).
(3)
أضواء البيان (4/ 246).
(4)
البحر المحيط (7/ 253).
(5)
* ونظائر هذا المثال كثيرة، منها:
1 -
ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها [البقرة: 36].
ويلحق بهذه القاعدة «اسم الإشارة الموضوع للقريب» .
فإعادته إلى القريب أولى من إعادته إلى البعيد
.
وذلك؛ لأن العرب استعملت في الإشارة إلى القريب «ذا» و «ذه» ، فإذا أدخلوا عليها الكاف ك «ذاك» كانت للتوسط - عند قوم وأنكر هذه المرتبة آخرون - وإذا
= انظر البحر المحيط (1/ 262)، والدر المصون (1/ 288).
2 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45)[البقرة: 45].
انظر البحر المحيط (1/ 299).
3 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ [البقرة: 170].
انظر جامع البيان (2/ 78)، والبحر المحيط (2/ 102 - 103)، والدر المصون (2/ 226).
4 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [البقرة: 177].
انظر البحر المحيط (2/ 135)، والدر المصون (2/ 247 - 248)، وانظر تفسير ابن كثير (1/ 297).
5 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران:
103].
انظر المحرر الوجيز (3/ 185)، والبحر المحيط (3/ 288).
6 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الأنعام: 84].
انظر المحرر الوجيز (6/ 97)، والدر المصون (5/ 27)، وتفسير ابن كثير (3/ 291).
7 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ [يونس: 83].
انظر جامع البيان (11/ 150)، ومفاتيح الغيب (17/ 150)، والبحر المحيط (6/ 94)، والدر المصون (6/ 254)، والتسهيل (2/ 97)، ومحاسن التأويل (9/ 3386).
8 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود: 92].
انظر جامع البيان (12/ 107 - 108).
9 -
ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [الرعد: 11].
انظر جامع البيان (13/ 117)، والمحرر الوجيز (10/ 22).
دخلت عليها اللام ك «ذلك وتلك» كانت للبعيد»
(1)
.
فإذا تنازع المفسرون في المشار إليه باسم الإشارة القريب، فحمله على القريب أولى وأحسن، وذلك لموافقته أصل الاستعمال، ومحافظته على نظم الآية الكريمة.
قال ابن حزم: والإشارة بخلاف الضمير وهي عائدة إلى أبعد مذكور، وهذا حكمها في اللغة إذا كانت الإشارة بذلك، أو تلك، أو هو، أو أولئك، أو هم، أو هي، أو هما. فإن كانت بهذا، أو هذه، فهي راجعة إلى حاضر قريب ضرورة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل اللغة، ولا يعرف نحوي أصلا غير ما ذكرنا. اه
(2)
.
ولقد اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير وحرروها، ورجحوا بها، ففي تفسير قوله تعالى:{إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى} (18)[الأعلى: 18] اختلف العلماء في الذي أشير إليه ب «هذا» في الآية
(3)
.
فقال بعضهم: أشير به إلى الآيات في سبح اسم ربك الأعلى.
وقال آخرون: أشير به إلى الذي قصه الله في هذه السورة.
وقال آخرون: أشير به إلى {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى} (17)[الأعلى: 17].
وقيل: أشير به إلى القرآن.
وقيل: أشير به إلى كتب الله كلها.
قال الطبري - بعد أن حكى بعض هذه الأقوال -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: إن قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى} (17)[الأعلى: 14 - 17] لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران.
(1)
انظر تفصيل ذلك في شرح التسهيل (1/ 239، 242 - 243)، والجنى الداني ص 238، وأوضح المسالك (1/ 136)، والبحر المحيط لأبي حيان (1/ 56).
(2)
الإحكام (4/ 446)، وانظر البحر المحيط للزركشي (3/ 326).
(3)
انظر جامع البيان (30/ 158)، والنكت والعيون (6/ 256)، والبحر المحيط (10/ 458)، والدر المنثور (8/ 488)، وغيرها من كتب التفسير.
وإنما قلت: ذلك أولى بالصحة من غيره؛ لأن «هذا» إشارة إلى حاضر؛ فلأن يكون إشارة إلى ما قرب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره. اه
(1)
.
قال ابن كثير: - معلقا على اختيار الطبري -: وهذا اختيار حسن قوي. اه
(2)
.
وقال ابن عطية: - مرجحا بهذه القاعدة -: وهذا هو الأرجح لقرب المشار إليه ب «هذا» . اه
(3)
.
وقال أبو حيان: - في معرض ترجيحه لما رجحته القاعدة -:
…
ويرجح بقرب المشار إليه ب «هذا» . اه
(4)
.
فيلحظ من أقوال هؤلاء الأئمة في ترجيحهم في هذا المثال مدى اعتمادهم لهذه القاعدة، والترجيح بها.
(1)
جامع البيان (30/ 158).
(2)
تفسير القرآن العظيم (8/ 405).
(3)
المحرر الوجيز (16/ 285).
(4)
البحر المحيط (10/ 458).
المبحث الثالث:
قواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قاعدة:
يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع.
المطلب الثاني: قاعدة:
يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة والغريبة.
*
توطئة:
مر في مباحث سابقة بعض القواعد التي تتعلق بالإعراب، أو كان الإعراب من مجالات تطبيقها، وذكرتها هناك لتعلقها بتلك المباحث التي ذكرت فيها، فجرى هناك تحريرها، وضرب الأمثلة عليها بما يغني عن إعادتها في هذا الموضع.
وهذه القواعد هي:
1 -
قاعدة: «الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له» .
2 -
قاعدة: «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار» .
3 -
قاعدة: «التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره» .
المطلب الأول:
قاعدة: يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع
*
صورة القاعدة:
هذه القاعدة توجب حمل آيات التنزيل على الأوجه الإعرابية اللائقة بسياق الآية ومعناها، والموافقة لأدلة الشرع، دون الأوجه الجافية عنها، وإن كان لها وجه صحيح في العربية، فليس كل ما صح القول به في تركيب عربي صح حمل آيات التنزيل عليه، فللقرآن عرف خاص يجب أن يحمل عليه ولا يتعداه، ولا يتجاوز ما صح من معانيه بكل احتمال نحوي؛ وذلك لأن الإعراب يبين المعنى، والمعنى هو المقصود في النص القرآني دون الإعراب وقواعده.
وقد سبق في قاعدة: «ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه» التنبيه على بطلان منهج من جعل القرآن نصا عربيا مجردا يفسره باللغة دون اعتبار سياق الآيات وأسباب نزولها وما أثر في تفسيرها. فهذه القاعدة تشبه تلك، مع اختصاصها بجانب الإعراب.
***
*
بيان ألفاظ القاعدة:
الإعراب في اللغة:
قال ابن فارس: العين والراء والباء أصول ثلاثة:
أحدها: الإبانة والإفصاح، والآخر: النشاط وطيب النفس، والثالث: فساد في جسم أو عضو.
فالأول قولهم: أعرب الرجل عن نفسه إذا بيّن وأوضح
…
وإعراب الكلام من هذا القياس؛ لأن بالإعراب يفرق بين المعاني في الفاعل، والمفعول، والنفي، والتعجب، والاستفهام، وسائر أبواب هذا النحو من العلم .. اهـ
(1)
، وهذا الأصل هو الذي يعنينا هنا.
وهو في اصطلاح النحاة: ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة، أو حرف، أو سكون، أو حذف
(2)
.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة عامة المفسرين، فالإعراب فرع المعنى، وما هو إلا مبين ومميز للمعاني، فأصح الوجوه الإعرابية ما كان موافقا لمعنى الآية. ومن خالف في تطبيق مضمون هذه القاعدة فهو محجوج بها. وأقوال العلماء في اعتمادها والترجيح بها كثيرة، فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوها:
1 -
الإمام الطبري: فكثيرا ما يذكر خلاف المعربين في إعراب آية أو جملة منها ويردف ذلك بالتنبيه إلى هذه القاعدة بقوله: وهذا القول على مذهب العربية أصح، والأول إلى مذهب أهل التأويل أقرب. اه
(3)
.
أو بنحو قوله - بعد أن يذكر خلاف المعربين -: والوجه الأول أولى الوجهين بالصواب؛ لأن التأويل من أهل التأويل به جاء. اهـ
(4)
.
(1)
معجم مقاييس اللغة (4/ 299)، وانظر مادة «عرب» في تهذيب اللغة (2/ 360)، ولسان العرب (2/ 75).
(2)
التسهيل لابن مالك (1/ 33).
(3)
جامع البيان (7/ 125).
(4)
جامع البيان (9/ 25)، وانظر نحو هذا في (8/ 93) منه.
2 -
ومنهم ابن جني: فهو يختار بعض الوجوه الإعرابية ويرد أخرى لأجل مراعاة معنى الآية وسياقها فلا يختار الأوجه الغريبة أو الضعيفة أو القاصرة لئلا يصغر المعنى
(1)
، وعقد في الخصائص بابا هو مضمون هذه القاعدة قال فيه: باب في تجاذب المعاني والإعراب .. إنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذبين:
هذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه، فمتى اعتورا كلاما أمسكت بعروة المعنى، وارتحت لتصحيح الإعراب. اه
(2)
.
وضرب لذلك أمثلة من القرآن، ومن شعر العرب ومنثورها.
3 -
ومنهم مكي بن أبي طالب: فقد استعمل مضمون هذه القاعدة في كتابه «مشكل إعراب القرآن» ونبه عليها في ترجيحه بين الأعاريب، معللا اختياره لبعض الوجوه بأنها أصح في التفسير، وأولى في المعنى
(3)
. وإن كان غيرها صحيحا من جهة العربية.
4 -
ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: فقد رجّح بمضمون هذه القاعدة في مواضع كثيرة من تفسيره، فهو يضعف أحيانا بعض الأوجه الإعرابية بنحو قوله: وفي هذا ذهاب برونق المعنى
(4)
. أو بقوله: وهذا قول ضعيف من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ فجيد
(5)
.
أو بنحو قوله: وهذا خطأ في معنى الآية
(6)
.
5 -
ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 8] بعد أن ذكر خلاف المعربين في «من» قال:
والذي نختار أن تكون «من» موصولة؛ وإنما اخترنا ذلك؛ لأنه الراجح من حيث
(1)
انظر الخصائص (2/ 402).
(2)
الخصائص (3/ 255).
(3)
انظر مشكل إعراب القرآن (2/ 547).
(4)
انظر المحرر الوجيز (2/ 313).
(5)
المحرر الوجيز (9/ 113).
(6)
انظر المحرر الوجيز (9/ 197)، و (1/ 339).
المعنى، ومن حيث التركيب الفصيح. اه
(1)
.
6 -
ومنهم العلامة ابن القيم: فقد قرر هذه القاعدة أتم تقرير، بما يروي الغليل ويشفي العليل، فقال رحمه الله:
وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن
…
بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم. فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي.
فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا - إن شاء الله تعالى - بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير. فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله. اه
(2)
.
وطبق هذه القاعدة في الترجيح بين الأقوال الإعرابية والتفسيرية
(3)
.
7 -
ومنهم ابن هشام الأنصاري: فقد ذكر مضمون هذه القاعدة عند كلامه على
(1)
البحر المحيط (1/ 88).
(2)
بدائع الفوائد (3/ 27 - 28).
(3)
انظر المرجع السابق، والتفسير القيم ص 257، وص 292.
الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها. قال فيها: الجهة الأولى: أن يراعى ما يقتضيه ظاهر الصناعة ولا يراعى المعنى، وكثيرا ما تزل الأقدام بسبب ذلك. وأول واجب على المعرب أن يفهم معنى ما يعربه، مفردا أو مركبا. اه
(1)
.
وأقوال العلماء في ذلك كثيرة، وسيأتي بعضها في الأمثلة التطبيقية
(2)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير وإعراب قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (64)[الأنفال: 64].
اختلف المعربون في الموقع الإعرابي لقوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} على أقوال:
أحدها: أن تكون «الواو» عاطفة ل «من» على الكاف المجرورة في {حَسْبُكَ} .
وهذا على مذهب من أجاز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وبه قال الكوفيون
(3)
.
والثاني: أن يكون «من» في محل نصب عطفا على محل الكاف، في قوله:{حَسْبُكَ}
فإن محلها النصب، فهي في معنى «كافيك» أي: الله يكفيك ويكفي من اتبعك.
ومعنى هذا القول مروي عن الشعبي وابن زيد وغيرهما، وبه قال الطبري
(4)
، والنحاس
(5)
، ومكي
(6)
، وغيرهم، وعليه اقتصر ابن كثير
(7)
، وغيره.
(1)
مغني اللبيب (2/ 527).
(2)
وانظر معاني القرآن للزجاج (3/ 340)، ومعاني القرآن للنحاس (3/ 24)، والكشاف (4/ 138)، والجامع لأحكام القرآن (11/ 133)، والانتصاف لابن المنير بهامش الكشاف (4/ 137)، وفتاوى ابن تيمية (14/ 442)، و (16/ 750 - 571)، والبرهان للزركشي (1/ 302)، والإتقان (2/ 260).
(3)
انظر إملاء ما من به الرحمن (2/ 10)، والدر المصون (5/ 632).
(4)
انظر جامع البيان (10/ 37).
(5)
انظر إعراب القرآن (2/ 194).
(6)
انظر مشكل إعراب القرآن (1/ 319).
(7)
انظر تفسير القرآن العظيم (4/ 30).
قال الإمام الطبري بعد أن ساق الآثار عن الشعبي وابن زيد: ف «من» من قوله:
{وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (64) على هذا التأويل الذي ذكرناه عن الشعبي نصب عطفا على معنى «الكاف» في قوله: {حَسْبُكَ اللهُ} لا على لفظه؛ لأنها في محل خفض في الظاهر، وفي محل نصب في المعنى؛ لأن معنى الكلام يكفيك الله، ويكفي من اتبعك من المؤمنين. اه
(1)
.
الثالث: أن تكون «من» في موضع نصب بفعل محذوف دل عليه الكلام، تقديره:
ويكفي من اتبعك من المؤمنين.
فالمعنى: فإن الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين
(2)
.
الرابع: أن تكون «من» في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله. فيكون من عطف الجمل
(3)
.
وهذه الأوجه التي سبق ذكرها متفقة مع هذه القاعدة، ومتمشية مع الصحيح في معنى الآية، ولا تعارض أدلة شرعية، وإن وجد تقديم لبعضها على بعض من جهة الصناعة. كالذي يقال في القول الأول بأنه من العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وهو وإن كان جائزا في أصح القولين؛ لكنه قليل، وإعادة الجار أحسن وأفصح
(4)
.
ونحو ذلك من الاعتراضات على بعض الأقوال من جهة الصناعة فقط. أما من جهة المعنى فجميعها صحيح، وليس هذا هو ما أردت بيانه في هذا المثال، إنما أردت بيان ضعف القول الخامس الذي قال به بعض العلماء لمخالفته سياق الآية وبعض أدلة الشرع، وهذه القاعدة تضعفه.
(1)
جامع البيان (10/ 37).
(2)
انظر معاني القرآن للزجاج (2/ 468)، وإملاء ما من به الرحمن (2/ 10).
(3)
انظر مشكل إعراب القرآن (1/ 319)، والبيان لابن الأنباري (1/ 391)، وأضواء البيان (2/ 418).
(4)
انظر منهاج السنة (7/ 202).
وهو: جعل «من» في محل رفع عطفا على اسم الله تعالى.
ومعناه: حسبك الله وأتباعك من المؤمنين.
واختار هذا القول الفراء
(1)
، والنحاس
(2)
، واستظهره أبو حيان
(3)
، والسمين
(4)
، وغيرهم.
ووجه ضعف هذا القول، بل بطلانه، أن الحسب هو الكافي، ولا يصح صرف هذا لغير الله تعالى، كالرغبة والرهبة وسائر أنواع العبادات.
وقد دلّ القرآن في آيات كثيرة على أن «الحسب» و «الكفاية» لله وحده لا شريك له فيهما، كما قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ} (59)[التوبة: 59] فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ورسوله في أول الآية ووسطها، وعطف «بالحسب، الرغبة» وجعلهما له وحده، ولم يقل: حسبنا الله ورسوله، ولا إنا إلى الله ورسوله راغبون»
(5)
.
مما يدل بوضوح تام على أن «الحسب» خاص به تعالى لا يشركه فيه أحد.
وكقوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (62)[الأنفال: 62] ففرق بين «الحسب» و «التأييد» ، فجعل «الحسب» له وحده، وجعل «التأييد» له بنصره وبعباده
(6)
.
وفي أمثال هذه الآيات التي يرد فيها التفريق بين ما يجوز أن يشترك أحد معه سبحانه فيها وما لا يجوز الدلالة الواضحة على بطلان قول من جعل قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (64) معطوفا على اسم الله تعالى، فيشترك المؤمنون مع
(1)
انظر معاني القرآن (1/ 417).
(2)
انظر إعراب القرآن (2/ 195)، وانظر الجامع لأحكام القرآن (8/ 43).
(3)
انظر البحر المحيط (5/ 348).
(4)
انظر الدر المصون (5/ 632).
(5)
انظر منهاج السنة (7/ 204)، وزاد المعاد (1/ 36)، وأضواء البيان (2/ 416).
(6)
زاد المعاد (1/ 36)، وأضواء البيان (2/ 417).
الله في كفاية النبي صلى الله عليه وسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية: أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} رفعا عطفا على الله، وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر؛ فإن الله وحده حسب جميع الخلق.
كما قال تعالى: {الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (173)[آل عمران: 173] أي: الله وحده كافينا كلنا.
وفي البخاري عن ابن عباس في هذه الكلمة: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس:{إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (173)
(1)
.
فكل من النبيين قال: حسبي الله، فلم يشرك بالله غيره في كونه حسبه، فدل على أن الله وحده حسبه ليس معه غيره.
ومنه قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]، وقوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] الآية، فدعاهم إلى أن يرضوا ما آتاهم الله ورسوله، وإلى أن يقولوا: حسبنا الله، ولا يقولوا: حسبنا الله ورسوله. لأن الإيتاء يكون بإذن الرسول، كما قال تعالى:{وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}
[الحشر: 7].
وأما الرغبة فإلى الله، كما قال تعالى:{فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (8)[الشرح: 7 - 8].
وكذلك التحسب الذي هو التوكل على الله وحده. فلهذا أمروا أن يقولوا: حسبنا
(1)
أخرجه البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة آل عمران، باب الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
…
الآية. انظر الصحيح مع الفتح (8/ 77).
الله، ولا يقولوا: ورسوله. فإذا لم يجز أن يكون الله ورسوله حسب المؤمن، كيف يكون المؤمنون مع الله حسبا لرسوله؟!. اه
(1)
.
وقد رد هذا الوجه في إعراب الآية والمعنى الذي يؤديه العلامة ابن القيم، فبعد أن ذكره قال: وهذا وإن قاله بعض الناس فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن «الحسب» و «الكفاية» لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة. اه.
ثم ساق الأدلة - التي سبق ذكرها - على بطلان هذا القول، وفيها غنية وكفاية عن قول كل قائل
(2)
.
(1)
منهاج السنة (7/ 204 - 205).
(2)
ولهذا المثال نظائر:
انظر جملة منها في جامع البيان (8/ 93)، (9/ 25)، (17/ 125)، ومشكل إعراب القرآن (2/ 547)، والكشاف (4/ 137)، والمحرر الوجيز (1/ 194، 339)، (2/ 313)، (4/ 220)، (9/ 113، 197)، وفتاوى ابن تيمية (14/ 442)، (16/ 570 - 571)، والبحر المحيط (1/ 88)، والتفسير القيم ص 256 - 257، ومغني اللبيب (2/ 529 - 537)، وروح المعاني (8/ 82)، وأضواء البيان (1/ 353)، (2/ 372)، (4/ 14، 519).
المطلب الثاني:
قاعدة يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة والغريبة
*
صورة القاعدة:
هذه القاعدة توجب حمل كتاب الله تعالى على أقوى الوجوه الإعرابية وأشهرها وأفصحها، وتجنيبه الأوجه الضعيفة والشاذة والغريبة، ويتبع ذلك ما لا تعرف العرب من لسانها من باب أولى.
***
*
أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة متفرعة عن قاعدة: «يجب حمل كلام الله تعالى على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر» فهذه القاعدة خاصة بالإعراب واستعمالهم للعوامل، وتلك القاعدة في كل ما هو وارد عنهم في الألفاظ المفردة والتراكيب والأساليب، وقد سبق هناك ذكر أقوال بعض العلماء، وأضيف هنا أقوال بعضهم مخصوصة في جانب الإعراب، فمن ذلك:
1 -
قول أبي عبيد مقررا هذه القاعدة: وإنما يحمل القرآن على أعرب الوجوه وأصحها في اللغة والنحو. اه
(1)
.
2 -
ومنها قول الإمام الطبري بعد أن ذكر خلاف المعربين في رافع قوله تعالى:
{شَهادَةُ بَيْنِكُمْ،} وقوله: {اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 106]: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال:«الشهادة» مرفوعة بقوله: «إذا حضر» ؛ لأن قوله: «إذا حضر» بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، و «اثنان» مرفوع
(1)
الناسخ والمنسوخ ص 247.
بالمعنى المتوهم، وهو: أن يشهد اثنان، فاكتفى من قيل «أن يشهد» بما قد جرى من ذكر «الشهادة» في قوله:{شَهادَةُ بَيْنِكُمْ} .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن «الشهادة» مصدر في هذا الموضع، و «اثنان» اسم، والاسم لا يكون مصدرا، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال، فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصح وجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها. اه
(1)
.
3 -
ومنها قول أبي حيان الأندلسي في مقدمة تفسيره عن منهجه الذي سوف يسير عليه:
…
ثم أشرع في تفسير الآية ذاكرا سبب نزولها
…
[إلى أن قال]: منكبا في الإعراب عن الوجوه التي ينزه القرآن عنها، مبينا أنها مما يجب أن يعدل عنه، وأنه ينبغي أن يحمل على أحسن إعراب وأحسن تركيب؛ إذ كلام الله تعالى أفصح الكلام، فلا يجوز فيه جميع ما يجوزه النحاة في شعر الشماخ والطرماح وغيرهما من سلوك التقادير البعيدة، والتراكيب القلقة، والمجازات المعقدة. اه
(2)
.
وطبّق ذلك عمليا في تفسيره، وكثيرا ما ينبه إلى أن القرآن أفصح الكلام فلا يحمل إلا على أحسن الوجوه وأبعدها عن التكلف وأسوغها في لسان العرب، فلا يحمل القرآن على جميع ما يحتمله اللفظ من وجوه الاحتمالات، وإنما ينبغي إعرابه على أفصح الوجوه
(3)
.
4 -
ومنه قول ابن هشام الأنصاري مقررا به مضمون هذه القاعدة، في معرض كلامه عن الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها. قال فيها: الجهة الثانية: أن يراعي المعرب معنى صحيحا، ولا ينظر في صحته في الصناعة
(4)
.
(1)
جامع البيان (7/ 103).
(2)
البحر المحيط (1/ 12).
(3)
انظر على سبيل المثال (1/ 61، 63، 67، 225)، (4/ 676).
(4)
مغني اللبيب (2/ 539).
والجهة الرابعة: أن يخرّج على الأمور البعيدة والأوجه الضعيفة، ويترك الوجه القريب والقوي، فإن كان لم يظهر له إلا ذاك فله عذر، وإن ذكر الجميع فإن قصد بيان المحتمل أو تدريب الطالب فحسن، إلا في ألفاظ التنزيل فلا يجوز أن يخرّج إلا على ما يغلب على الظن إرادته، فإن لم يغلب شيء فليذكر الأوجه المحتملة من غير تعسف. اه
(1)
.
فهذا تقرير المنع من حمله على الوجوه الضعيفة والشاذة، إذن لا بد من حمله على المشهور والمستعمل المعروف في لسان العرب، وأما الذي لم يثبت في العربية فرده بهذه القاعدة من باب أولى، وهذه هي الجهة الثالثة من الجهات التي ذكرها ابن هشام في الاعتراض على المعرب.
قال فيها: الجهة الثالثة: أن يخرّج على ما لم يثبت في العربية، وذلك إنما يقع عن جهل أو غفلة. اه
(2)
.
5 -
ومنها قول الزركشي - وما نقله عن الزمخشري -: ويجب على المعرب تجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة، فإن القرآن نزل بالأفصح من لغة قريش، قال الزمخشري في كشافه القديم: القرآن لا يعمل فيه إلا على ما هو فاش دائر على ألسنة فصحاء العرب، دون الشاذ النادر الذي لا يعثر عليه إلا في موضع أو موضعين.
اه
(3)
.
6 -
ومنها قول الألوسي في معرض ترجيحه بهذه القاعدة وتقريره لها: ولا يخفى لدى كل منصف أنه لا ينبغي لمؤمن حمل كلام الله تعالى وهو أعلى مراتب البلاغة والفصاحة على ما هو أدنى من ذلك، وما هو إلا مسخ لكتاب الله تعالى عز شأنه، وإهباط له عن شأواه، ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى. اه
(4)
.
(1)
مغني اللبيب (2/ 548).
(2)
مغني اللبيب (2/ 546).
(3)
البرهان (1/ 304).
(4)
روح المعاني (1/ 343).
وأقوال العلماء في ذلك كثيرة، سيأتي بعضها في الأمثلة التطبيقية
(1)
.
***
*
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: {كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ} (5)[الأنفال: 5].
هذه الآية من الآيات المشكلة، وقد اختلف المعربون والمفسرون اختلافا كبيرا في الشيء الذي تتعلق به الكاف في «كما» ، حتى أوصل بعضهم الأقوال فيها إلى عشرين قولا
(2)
، فيها أوجه قوية، وأخرى ضعيفة، والذي يهمنا هنا هو التمثيل لهذه القاعدة، وذلك بتضعيفها وردها للأقوال التي تحمل الآية على أوجه ضعيفة أو شاذة أو لا تعرف في لغة العرب، وكل ما شاع وانتشر في العربية فحمل الآية عليه محتمل، ويرجّح بينها بقواعد أخر.
ومن أغرب ما ورد في تفسير وإعراب هذه الآية ما قاله أبو عبيدة في المجاز، قال:
مجازها مجاز القسم، كقولك: والذي أخرجك ربك؛ لأن «ما» في موضع «الذي» .
اه
(3)
فجعل «الكاف» حرف قسم بمعنى «الواو» . وهذا القول غريب جدا في العربية وفي معنى الآية، وقد ردّ الأئمة هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة، وأنكروا ورود الكاف بمعنى واو القسم في لغة العرب، وجعل ابن هشام قول أبي عبيدة هذا من التخريج على ما لم يثبت في العربية.
قال في المغني بعد أن ذكر قول أبي عبيدة في الآية: ويبطل هذه المقالة أربعة أمور:
أن الكاف لم تجيء بمعنى واو القسم.
(1)
وانظر المحرر الوجيز (9/ 5)، والتفسير القيم ص (420 - 421).
(2)
كالسمين الحلبي في الدر المصون (5/ 559)، وذكر أبو حيان قبله في البحر (5/ 272) خمسة عشر قولا، وانظر بعضها في إعراب القرآن للنحاس (2/ 167)، ومشكل إعراب القرآن لمكي (1/ 309)، والمحرر الوجيز (8/ 14 - 16).
(3)
مجاز القرآن (1/ 240).
وإطلاق «ما» على الله سبحانه وتعالى.
وربط الموصول بالظاهر وهو فاعل «أخرج» وباب ذلك الشعر ..
ووصله بأول السورة مع تباعد ما بينهما. اهـ
(1)
أي جعله التقدير: الأنفال لله والرسول والذي أخرجك.
وقال أبو حيان عن أبي عبيدة وقوله هذا: وكان ضعيفا في علم النحو، وقال الكرماني: هذا سهو، وقال ابن الأنباري: الكاف ليست من حروف القسم انتهى.
وفيه - أيضا - أن جواب القسم بالمضارع المثبت جاء بغير لام ولا نون توكيد، ولا بد منهما في مثل هذا على مذهب البصريين، أو من معاقبة أحدهما الآخر على مذهب الكوفيين، أما خلوه عنهما أو أحدهما فهو قول مخالف لما أجمع عليه الكوفيون والبصريون. انتهى كلام أبي حيان
(2)
.
وقد رد قول أبي عبيدة هذا عامة العلماء؛ لأجل عدم استعمال العرب للكاف بمعنى واو القسم، ولبعده وضعفه من حيث المعنى
(3)
.
أما أولى الأقوال في إعراب الآية فهو ما اختاره القاضي أبو محمد ابن عطية، ووجه ترجيحه هو مضمون القاعدة السابقة.
قال القاضي أبو محمد: اختلف الناس في الشيء الذي تتعلق به الكاف من قوله:
«كما» حسبما نبين من الأقوال التي أنا ذاكرها بعد بحول الله، والذي يلتئم به المعنى ويحسن سرد الألفاظ قولان. وأنا أبدأ بهما.
قال الفراء: التقدير: امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا، كما
(1)
مغني اللبيب (2/ 546).
(2)
البحر المحيط (5/ 273).
(3)
انظر غرائب التفسير (1/ 434 - 435)، وإملاء ما من به الرحمن (2/ 3)، والدر المصون (5/ 560)، ومغني اللبيب (2/ 546)، والإتقان (2/ 262).
أخرجك ربك
(1)
. هذا نص قوله في هداية مكي رحمه الله والعبارة بقوله: امض لأمرك ونفل من شئت، غير محررة، وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: إن هذه الكاف شبّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة. فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم ههنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله وللرسول دونهم هو بمثاية إخراجه نبيه صلى الله عليه وسلم من بيته، ثم كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله، وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله:«يجادلونك» كلاما مستأنفا يراد به الكفار، أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعد ما تبين الحق فيها، كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان.
قال القاضي أبو محمد:
وهذا الذي ذكرت من أن يجادلونك في الكفار منصوص.
والقول الثاني: قال مجاهد والكسائي وغيرهما: المعنى في هذه الآية كما أخرجك ربك من بيتك على كراهية من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتل كفار مكة ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يريدون هم.
قال القاضي أبو محمد:
والتقدير على هذا التأويل يجادلونك في الحق مجادلة ككراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك، فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة الكراهية وكذلك وقع التشبيه في المعنى، وقائل هذه المقالة يقول: إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المجادلين هم المشركون، فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن
(1)
انظر معاني القرآن (1/ 403) ونص عبارته: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ على كره منهم، فامض لأمر الله في الغنائم كما مضيت على مخرجك وهم كارهون.
رصف اللفظ. اه
(1)
.
فكان الوجه الذي اعتمده في اختياره لهذين القولين هو حسن المعنى وصحته، وحسن رصف اللفظ. ومراعاة معنى الآية وسياقها في ترجيح الوجه الإعرابي هو مضمون القاعدة السابقة، كما سبق بيانه
(2)
.
***
(1)
المحرر الوجيز (8/ 14 - 15).
(2)
وانظر بعض نظائر هذا المثال في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص 247، وجامع البيان (7/ 103)، (8/ 10)، وإعراب القرآن للنحاس (3/ 243)، والمحرر الوجيز (9/ 5)، ومغني اللبيب (1/ 298 - 299)، (2/ 509، 510، 539، 555)، والبحر المحيط لأبي حيان (1/ 41، 61، 63، 81، 225)، و (4/ 676)، (6/ 218)، والبرهان للزركشي (1/ 304)، والإتقان (2/ 263)، وروح المعاني (1/ 343).
الخاتمة
وبعد أن عشت في رحاب تفسير كتاب الله تعالى مع أئمة التفسير، ودراسة ما استخرجت من قواعد وضوابط للترجيح تبين لي من خلال هذه الدراسة ما يلي:
1 -
تميز بعض المفسرين عن بعض في تطبيق القواعد الترجيحية كثرة وقلة، وتحريرا لها، وتمثيلا وترجيحا بها، مما يدعو إلى ضرورة مقارنة كتب التفسير للخروج بتصور واضح لعامة القواعد.
فمثلا الإمام الطبري يلحظ اهتمامه بقواعد الترجيح المتعلقة بالسياق وقواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني، وتميزه في تحريرها والترجيح بها على عكس - مثلا - قواعد الترجيح المتعلقة بالضمائر، فإن اهتمامه بها قليل.
ونلاحظ أن أبا حيان يهتم بقواعد الترجيح المتعلقة بالضمائر يرجح بها ويقررها في غالب أمثلتها أكثر من اهتمامه بقواعد السياق. على عكس الزمخشري وابن عطية فهما يهتمان كثيرا بقواعد السياق أكثر من غيرها.
وأما الشنقيطي فهو يهتم كثيرا بقواعد الأصول واللغة تحريرا وتأصيلا، وتمثيلا وتطبيقا عند كل مناسبة.
وهذا كله راجع إلى تأثر المفسر واهتمامه بفن من فنون العلم أكثر من غيره.
2 -
أن كثيرا من القواعد المذكورة في هذه الدراسة مشهورة معروفة من الناحية النظرية ولا سيما في أصول الفقه، لكن تطبيقها في الترجيح بين أقوال المفسرين ليس بارزا بروزا يوازي شهرتها.
3 -
أن بعض القواعد متفق عليها أو على أصلها؛ لكن الخلاف يقع في تطبيقها على الأمثلة، وقد تكون مخالفة المخالف في تطبيق القاعدة أو حتى في تأصيلها واعتمادها لأجل أصول وجذور عقدية مبنية على آراء وأهواء مبتدعة أنكروا القاعدة
أو خالفوا في تطبيقها كيما يتسنى لهم حمل نصوص الوحي على ما اعتقدوه.
وقد يكون الخلاف مبنيا على أصول مذهبية.
4 -
أن بعض المفسرين استعملوا تفسير كتاب الله تعالى وسيلة لبث آرائهم الفكرية المنحرفة، ومعتقداتهم الفاسدة، فكانت هذه الدراسة أولى الخطوات في تجريد كتب التفسير من ذلك.
5 -
أن هذه القواعد بواسطتها يعرف الراجح من الأقوال في تفسير الآية مما يسهم في معرفة وحفظ أرجح الأقوال في تفسير آيات التنزيل بعد تعذر حفظ كل الأقوال فيها.
6 -
أن بعض قواعد الترجيح قد تتنازع المثال الواحد فبعضها يطلب ترجيح قول، وبعضها يطلب ترجيح قول آخر، فضابط الترجيح بينها غلبة الظن.
7 -
أن دراسة هذه القواعد تعطي رصيدا علميا غزيرا لتنوع مسائل ومصادر هذه الدراسة، وتكسب ملكة واسعة في مقارنة أقوال المفسرين، وسبرها ومناقشتها، والوقوف بذلك على أرجح الأقوال بدليله.
8 -
أن عمدة هذه الدراسة على استقراء كتب التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه، واللغة وعلومها، والفقه وقواعده وأصوله، فجمعت من ذلك جزءا كبيرا في ثنايا هذه الدراسة بعد شتات كانت فيه بما يتفق والخطة المرسومة لها، وزمنها المحدود لها، ولا زالت بعض القواعد رهينة البطاقات اجتمع عليها ضيق الزمان، وعدم شمول الخطة لها، واحتياجها إلى مزيد بحث وتحرير عسى الله أن يهيئ الوقت ويشرح الصدر لبسطها وتحريرها.
ولا أدعي في جمعي هذا أني قد أحطت بجميع قواعد الترجيح عند المفسرين؛ لأن البحث يعتمد على الاستقراء، ولكن حسبي أني بذلت غاية وسعي، ونهاية جهدي.
وأخيرا فإني لم أبخل على هذه الرسالة بوقت أو جهد فعسى الله أن يكتب عليه
الأجر والمثوبة، وما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان وأستغفر الله تعالى منه، وما هو إلا جهد المقلّ، فأسأل الله أن يبارك فيه، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفعني وكل ناظر فيه بما فيه من صواب.
والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه على التمام، والشكر والثناء التامين على ما يسره وأعان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه الكرام.
فهرس المراجع والمصادر
أولا: القرآن الكريم
.
ثانيا: المخطوطات والرسائل العلمية:
1 -
أسباب النزول وأثرها، لعصام الحميدان، رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين في الرياض، 1405 هـ.
2 -
أسلوب التقديم والتأخير، لزيد عمر عبد الله، رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين في الرياض، 1400 هـ.
3 -
أسلوب الحذف وأثره في إعجاز القرآن الكريم وبيان معانيه، لمصطفى شاهر خلوف، رسالة ماجستير - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين في الرياض، 1405 هـ.
4 -
تشنيف المسامع بجمع الجوامع في أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: موسى علي الفقيهي، من أول الكتاب إلى مبحث الإجماع. رسالة دكتوراة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية الشريعة الرياض.
5 -
تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها قول صواب، لشيخ الإسلام ابن تيميه. (مخطوط) مكتبة برلين في المجموع رقم (3968)، ومنها نسختان في دار الكتب المصرية رقم (330) فلم (24480)، ورقم (695) فلم (7868).
6 -
اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف، لعبد الله بن عبد الرحمن الأهدل - رسالة دكتوراة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - الرياض، 1407 هـ.
7 -
اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره، لسعود الفنيسان، رسالة دكتوراة - جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - الرياض.
8 -
رسالة في قواعد التفسير، لمؤلف مجهول. (مخطوط) منه نسخة في مكتبة عارف حكمت، رقمها (157)، ومنها صورة في مركز الملك فيصل للبحوث برقم (165 /فلم).
9 -
علم القراءات نشأته، أطواره، أثره في العلوم الشرعية، لنبيل محمد إسماعيل، رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - الرياض، 1411 هـ.
10 -
الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم، لمحمد الشايع، رسالة ماجستير - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين في الرياض.
11 -
فوائد جليلة أكثرها يتعلق بقواعد تفسير الكشاف وجامع البيان، جمعها:
أحمد بن عبد الرحمن المجاهد. (مخطوط) يوجد منه نسخة في جامعة الملك سعود برقم (7893/ 44 م عب، ق 83 - 291 أ).
12 -
القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله، لمحمد مصطفى عبود هرموش، رسالة ماجستير - جامعة الإمام محمد بن سعود - كلية الشريعة في الرياض 1984 م.
13 -
القواعد، لأبي بكر بن عبد المؤمن المعروف بالحصني، تحقيق: عبد الرحمن الشعلان، رسالة ماجستير، كلية الشريعة - الرياض.
14 -
قواعد تفسير القرآن، لأحمد بن محمد السمناني الصوفي، (مخطوط) يوجد منه نسخة في مركز الملك فيصل للبحوث، برقم (1194 - 5 - ف).
15 -
مجمل أسباب اختلاف الفقهاء، لعبد الله بن عبد المحسن التركي. رسالة ماجستير في المعهد العالي للقضاء - الرياض 1389 - 1390 هـ.
16 -
مفاتيح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن، لأحمد بن إسماعيل
ا
لصنعاني، [من الشعراء إلى الروم]، تحقيق: عبد الله سوقان الزهراني، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية - كلية القرآن - المدينة النبوية، 1408 هـ.
17 -
نقض أساس التقديس، لشيخ الإسلام ابن تيمية، (المجلد الثالث مخطوط) منه صورة في جامعة الملك سعود في الرياض، رقم التصوير (551/ 1) في 3/ 1399/20 هـ.
ثالثا: المطبوعات:
- أ -
18 -
الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: فوقية حسين محمود، ط: دار الأنصار - القاهرة، 1397 هـ.
19 -
الإبانة عن شريعة الفرق الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لعبد الله بن محمد بن بطة، تحقيق: رضا بن نعسان معطي، ط: دار الراية - الرياض، الأولى 1409 هـ.
20 -
الإبانة عن القراءات، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق:
محيي الدين رمضان، ط: دار المأمون للتراث - دمشق، 1399 هـ.
21 -
إبراز المعاني من حرز الأماني، لعبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، تحقيق: إبراهيم عطوه عوض، ط: البابي الحلبي.
22 -
إبطال التأويلات لأخبار الصفات، لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء، تحقيق: محمد بن حمد النجدي، ط. دار الإمام الذهبي، الأولى 1410 هـ.
23 -
إتباع الرسول بصحيح المنقول وصريح المعقول، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضبط. علي حسن عبد الحميد، ط: المكتبة الإسلامية - عمان - الأردن، الأولى 1410 هـ.
24 -
اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، لفهد بن عبد الرحمن الرومي، ط:
مؤسسة الرسالة - بيروت.
25 -
الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن، لمحمد حسين الذهبي، ط. دار الاعتصام، الثانية 1398 هـ.
26 -
الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار التراث - القاهرة الثالثة 1405 هـ.
27 -
اجتماع الجيوش الإسلامية، للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق: عواد عبد الله المعتق، ط: دار المعذر - بالرياض 1408 هـ.
28 -
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ترتيب: علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الأولى 1407 هـ.
29 -
إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لتقي الدين أبي الفتح الشهير بابن دقيق العيد، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.
30 -
الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن محمد الآمدي، تحقيق: سيد الجميلي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الثانية 1406 هـ.
31 -
الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي بن أحمد ابن حزم، ط:
دار الكتب العلمية - بيروت.
32 -
أحكام القرآن، لمحمد بن إدريس الشافعي، جمعه: أحمد بن الحسين البيهقي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، 1400 هـ.
33 -
أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الجصاص، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
34 -
أحكام القرآن، لعماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالكياالهراسي، ط:
دار الكتب العلمية - بيروت، الثانية 1405 هـ.
35 -
أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق:
محمد عبد القادر عطا، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1408 هـ.
36 -
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، لأبي السعود محمد بن محمد العمادي، ط: دار إحياء التراث العربي.
37 -
إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق:
محمد سعيد البدري، ط: مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - الأولى 1412 هـ.
38 -
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثانية 1405 هـ.
39 -
أساس التقديس، للفخر الرازي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، ط: دار الجيل - بيروت، الأولى 1413 هـ.
40 -
أسباب النزول، لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق: عصام بن عبد المحسن الحميدان، ط: دار الإصلاح - الدمام، الأولى 1411 هـ.
41 -
الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، لمحمد أبو شهبة، ط: مكتبة السنة - القاهرة، الرابعة 1408 هـ.
42 -
الأسماء والصفات، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى 1405 هـ.
43 -
الإسماعيلية تاريخ وعقائد، لإحسان إلهي ظهير، ط: دار عالم الكتب، الأولى 1405 هـ.
44 -
الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، للعز بن عبد السلام، تحقيق:
رمزي دمشقية، ط: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الأولى 1408 هـ.
45 -
الأشباه والنظائر، لابن نجيم الحنفي، وبحاشيته نزهة النواظر على الأشباه والنظائر، لابن عابدين، تحقيق: محمد مطيع الحافظ، ط: دار الفكر - دمشق، الأولى 1403 هـ.
46 -
الأشباه والنظائر في فروع الشافعية، لعبد الوهاب بن علي ابن السبكي، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي عوض، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى
1411 هـ.
47 -
الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، لجلال الدين السيوطي، ط: مصطفى البابي الحلبي، ط: 1378 هـ.
48 -
الأشباه والنظائر في النحو، لجلال الدين السيوطي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى 1404 هـ.
49 -
الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
50 -
الإصباح في شرح الاقتراح، لمحمد فجال، ط: دار القلم - دمشق، الأولى 1409 هـ.
51 -
أصول التفسير وقواعده، لخالد عبد الرحمن العك، ط: دار النفائس - بيروت، الثانية 1406 هـ.
52 -
أصول السرخسي، لأبي بكر محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، ط: دار الكتاب العربي - القاهرة 1372 هـ.
53 -
أصول في التفسير، لمحمد بن صالح العثيمين، ط: دار ابن تيمية - القاهرة، 1410 هـ.
54 -
الأضداد، لمحمد بن القاسم الأنباري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار المكتبة العصرية - بيروت، الأولى 1407 هـ.
55 -
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ط: عالم الكتاب - بيروت.
56 -
الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، ط: جامعة الدراسات الإسلامية - باكستان، الثانية 1410 هـ.
57 -
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للفخر الرازي، ضبط: محمد المعتصم
بالله البغدادي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى 1407 هـ.
58 -
إعراب القرآن، لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس، تحقيق: زهير زاهد، عالم الكتب، الأولى 1405 هـ.
59 -
الأعلام، لخير الدين الزركلي، ط: دار العلم للملايين - بيروت، السابعة، 1986 م.
60 -
أعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: المكتبة العصرية - بيروت، 1407 هـ.
61 -
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن قيم الجوزية، تحقيق: مجدي السيد، ط: دار الحديث - القاهرة.
62 -
الإكسير في علم التفسير، لسليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق: عبد القادر حسين، ط: مكتبة الآداب.
63 -
الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: سيف الدين عبد القادر الكاتب، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الثانية 1405 هـ.
64 -
الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى، لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني، تحقيق: فتح الله صالح المصري، ط: دار الوفاء، الثانية 1408 هـ.
65 -
الأم، للإمام الشافعي، تحقيق: محمود مطرجي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1413 هـ.
66 -
إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1399 هـ.
67 -
إنباه الرواة على أنباء النحاة، لأبي الحسن علي بن يوسف القفطي، تحقيق:
محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار الفكر العربي - القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الأولى 1406 هـ.
68 -
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، مط
ب
وع في هامش الكشاف.
69 -
أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لأبي سعيد بن عبد الله بن عمر البيضاوي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1408 هـ.
70 -
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لجمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري، ومعه كتاب «عدة السالك إلى توضيح أوضح المسالك» ، لمحمد محيي الدين عبد الحميد، ط: المكتبة العصرية - بيروت.
71 -
إيثار الحق على الخلق في رد الخلاف إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، لمحمد بن المرتضى اليماني المشهور بابن الوزير، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الثانية 1407 هـ.
72 -
الإيضاح في علوم البلاغة والمعاني والبيان والبديع، لمحمد بن سعد القزويني، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1405 هـ.
73 -
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: أحمد حسن فرحات، ط: دار المنار - جدة، الأولى 1406 هـ.
74 -
الإيمان، لشيخ الإسلام ابن تيمية، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، ط:
المكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة 1408 هـ.
- ب -
75 -
الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث، للحافظ ابن كثير، لأحمد محمد شاكر، ط: دار الفكر - بيروت، الأولى 1403 هـ،
76 -
البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: عبد القادر عبد الله العاني وآخرين، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، الثانية 1413 هـ.
77 -
البحر المحيط في التفسير، لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي،
عناية: صدقي محمود جميل، ط: دار الفكر، الأولى 1412 هـ.
78 -
البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة، لعبد الفتاح القاضي، ويليه القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب له، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى 1401 هـ.
79 -
بحوث في أصول التفسير، لمحمد بن لطفي الصباغ، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى 1408 هـ.
80 -
بحوث في أصول التفسير ومناهجه، لفهد بن عبد الرحمن الرومي، ط:
مكتبة التوبة - الرياض، الأولى 1413 هـ.
81 -
بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.
82 -
البداية والنهاية، للحافظ ابن كثير، تحقيق: أحمد أبو ملحم وآخرين، ط:
دار أم القرى للطباعة والنشر - القاهرة، الأولى 1408 هـ.
83 -
البدر الطالع بمحاسن القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، ط: دار المعرفة - بيروت.
84 -
بدع التفاسير، عبد الله محمد الصديق الغماري، ط: مكتبة القاهرة، الأولى 1385 هـ.
85 -
البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، تحقيق: عبد العظيم محمود الديب، ط: دار الوفاء، الثالثة 1412 هـ.
86 -
البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، تحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار المعرفة - بيروت، الثانية 1391 هـ.
87 -
البغوي الفراء وتفسير القرآن الكريم، لمحمد شريف، ط: مطبعة المدنية، الأولى 1406 هـ.
88 -
البلغة في أصوله اللغة، لمحمد صديق خان، تحقيق: نذير محمد مكتبي، ط: دار البشائر الإسلامية، الأولى 1408 هـ.
89 -
بيان المخ
ت
صر شرح مختصر ابن الحاجب، لشمس الدين أبي الثناء محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني، تحقيق: محمد مظهر بقا، ط: جامعة أم القرى، الأولى 1406 هـ.
90 -
البيان في غريب إعراب القرآن، لأبي البركات ابن الأنباري، تحقيق: طه عبد الحميد طه، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1400 هـ.
- ت -
91 -
تأويل مختلف الحديث، لأبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة، تصحيح:
محمد النجار، ط: مكتبة الكليات الأزهرية.
92 -
تأويل مشكل القرآن، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عناية: السيد أحمد صقر، ط: دار التراث - القاهرة، الثانية 1393 هـ.
93 -
تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه، لمحمد طاهر بن عبد القادر الكردي، ط: مكتبة المعارف - الطائف، الأولى 1365 هـ.
94 -
التبصرة والتذكرة شرح ألفية العراقي، لزين الدين العراقي، ويليه فتح الباقي على ألفية العراقي، لزكريا الأنصاري، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
95 -
التبيان في أقسام القرآن، للعلامة ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد شريف سكر، ط: دار إحياء العلوم، الأولى 1402 هـ.
96 -
التحبير في علم التفسير، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: فتحي عبد القادر فريد، ط: دار العلوم، الأولى 1402 هـ.
97 -
التحصيل من المحصول، لسراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي، تحقيق: عبد الحميد أبو زنيد، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى 1408 هـ.
98 -
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لأبي العلى محمد عبد الرحمن المباركفوري، ط: المكتبة السلفية - المدينة المنورة، الثانية 1384 هـ.
99 -
تحفة المودود بأحكام المولود، للعلامة ابن قيم الجوزية، حققه: محمد علي
أبو العباس، ط: مكتب الساعي - الرياض.
100 -
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لجلال الدين السيوطي، تحقيق:
أحمد عمر هاشم، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى 1405 هـ.
101 -
التدمرية تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد بن عودة السعوي، ط: شركة العبيكان للطباعة والنشر - الرياض، الأولى 1405 هـ.
102 -
تذكرة الحفاظ، للحافظ شمس الدين الذهبي، ط: دار الفكر العربي - بيروت، عن ط: دائرة المعارف العثمانية - الهند، 1374 هـ.
103 -
الترادف في اللغة، لحاكم مالك الزيادي، ط: منشورات وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية.
104 -
التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي، دار الكتاب العربي - بيروت، الرابعة 1403 هـ.
105 -
التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية، لعبد اللطيف البرزنجي، ط:
مطبعة العاني - العراق، الأولى 1408 هـ.
106 -
التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي، لمحمد الحفناوي، ط: دار الوفاء - مصر، الثانية 1408 هـ.
107 -
التعريفات، للسيد الشريف الجرجاني، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، ط:
عالم الكتب - بيروت، الأولى 1407 هـ.
** تفسير البيضاوي - أنوار التنزيل وأسرار التأويل.
** تفسير الرازي - مفاتيح الغيب.
** تفسير الطبري - جامع البيان.
** تفسير ابن عطية - المحرر الوجيز.
** تفسير القاسمي - محاسن التأويل.
** تفسير القرطبي - الجامع لأحكام القرآن.
** تفسير الميزان - الميزان في تفسير القرآن.
** تفسير النسفي - مدارك التنزيل وحقائق التأويل.
108 -
تفسير التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر ابن عاشور، ط: الدار التونسية - ليبيا.
109 -
تفسير القرآن الحكيم «تفسير المنار» ، لمحمد رشيد رضا، ط: دار المعرفة - بيروت، الثانية.
110 -
تفسير القرآن العظيم، لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: مصطفى مسلم محمد، ط: مكتبة الرشد - الرياض، الأولى 1410 هـ.
111 -
تفسير القرآن العظيم مسندا عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، للحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: أحمد الشهراني وحكمت ياسين، ط:
هجر للطباعة والنشر - مصر، الأولى 1408 هـ.
112 -
تفسير القرآن العظيم، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق: عبد العزيز غنيم وآخرين، ط: الشعب - القاهرة.
113 -
تفسير القرآن العظيم، لسهل بن عبد الله التستري، ط: دار الكتب العربية الكبرى «البابي الحلبي» - مصر.
114 -
تفسير القرآن الكريم، لمحيي الدين ابن عربي، تحقيق: مصطفى غالب، ط: دار الأندلس - بيروت، الثالثة 1401 هـ.
115 -
التفسير القيم، للعلامة ابن القيم، جمعه: محمد أويس الندوي، حققه:
محمد حامد الفقي، ط: دار العلوم الحديثة - بيروت.
116 -
تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي، ط: دار الفكر الثالثة 1394 هـ.
117 -
تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، لمحمد أديب الصالح، ط: المكتب
الإسلامي - بيروت، الثالثة 1404 هـ.
118 -
تفسير جزء عم، لمحمد عبده خير الله، ط: مكتبة محمد علي صبيح - القاهرة 1387 هـ.
119 -
تفسير غريب القرآن، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق:
السيد أحمد صقر، ط: دار الكتب العلمية - بيروت 1398 هـ.
120 -
تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، تحقيق محمد الكاظم، ط: مؤسسة النعمان للطباعة والنشر - بيروت 1412 هـ.
121 -
تفسير نور الثقلين، لعبد علي بن جمعة الحويزي، صححه: هاشم الرسولي المحلاتي، ط: المطبعة العلمية - بقم.
122 -
التفسير والمفسرون، لمحمد حسين الذهبي، ط: دار الكتب الحديثة، الثانية 1396 هـ.
123 -
تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، قابله: محمد عوامة، ط: دار الرشيد - سوريا، الثالثة 1411 هـ.
124 -
تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي، ط: عالم الكتب - بيروت، الأولى 1406 هـ.
125 -
تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، للعلائي خليل بن كيكلدي، تحقيق:
عبد الله بن محمد آل الشيخ، ط: الأولى 1403 هـ.
126 -
التمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، تحقيق: مفيد محمد أبو عيشة، ط: جامعة أم القرى، الأولى 1406 هـ.
127 -
التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، لأبي محمد جمال الدين الأسنوي، تحقيق: محمد حسن هيتو، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثالثة 1404 هـ.
128 -
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف ابن عبد البر،
تحقيق: مصطفى العلوي وآخرين، ط: مطبعة فضالة - المحمدية المغرب.
129 -
تنزيه السنة والقرآن عن أن يكونا من أصول الضلال والكفران، لأحمد بن حجر آل بوطامي، ط: مكتبة ابن القيم - الدوحة 1413 هـ.
130 -
التنكيل بما في تأنيب الكو
ث
ري من الأباطيل، للعلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، مع تخريجات: محمد ناصر الدين الألباني وآخرين، ط:
المكتب الإسلامي - بيروت، الثانية 1406 هـ.
131 -
تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: دار الفكر - بيروت، الأولى 1404 هـ.
132 -
تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، تحقيق: بشار عواد معروف، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى 1413 هـ.
133 -
تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق: عبد السلام هارون وآخرين، ط: الدار المصرية للتأليف والترجمة - مصر 1384 هـ.
134 -
التوقيف على مهمات التعاريف، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق:
محمد رضوان الداية، ط: دار الفكر المعاصر - بيروت، الأولى 1410 هـ.
135 -
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ط: مركز صالح بن صالح الثقافي - بعنيزة 1407 هـ.
136 -
التيسير في قواعد علم التفسير، لمحيي الدين محمد بن سليمان الكافيجي، تحقيق: ناصر بن محمد المطرودي، ط: دار القلم - دمشق، الأولى 1410 هـ.
- ث -
137 -
الثقات، لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، ط: دائرة المعارف العثمانية - الهند، الأولى 1393 هـ.
138 -
ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، للرماني، والخطّابي، والجرجاني، تحقيق:
محمد خلق الله أحمد، ومحمد زغلول، ط: دار المعارف - القاهرة 1991 م.
-
ج
-
139 -
جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط: دار الفكر - بيروت 1405 هـ.
** جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، ط: دار المعارف بمصر - الثانية.
140 -
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لأبي عمر يوسف ابن عبد البر، ط: دار الفكر.
** الجامع الصحيح - سنن الترمذي.
141 -
الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1965 م.
142 -
جزء في تفسير الباقيات الصالحات، لأبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، تحقيق: بدر الزمان محمد شفيع النيبالي، ط: مكتبة الإيمان - المدينة المنورة، الأولى 1407 هـ.
143 -
ابن جزي ومنهجه في التفسير، لعلي محمد الزبيري، ط: دار القلم - دمشق، الأولى 1407 هـ.
144 -
جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محيي الدين مستو، ط: مكتبة دار التراث للنشر، الثانية 1413 هـ.
145 -
الجنى الداني في حروف المعاني، لحسن بن قاسم المرادي، تحقيق: فخر الدين قباوة ومحمد نديم، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1413 هـ.
146 -
جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، للسيد أحمد الهاشمي، ط:
دار الكتب العلمية - بيروت، السادسة.
147 -
الجواهر في تفسير القرآن، لطنطاوي جوهري، ط: دار إ
ح
ياء التراث العربي - بيروت، الرابعة 1412 هـ.
148 -
الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، لمحيي الدين عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، ط: عيسى البابي الحلبي 1399 هـ.
- ح -
149 -
حاشية الصاوي على الجلالين، لأحمد الصاوي المالكي، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت.
150 -
حاشية زاده على البيضاوي، لمحيي الدين شي
خ
زاده، ط: المكتبة الإسلامية - تركيا.
151 -
حاشية مقدمة التفسير، لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط: الثانية 1410 هـ.
152 -
الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي، حققه:
بدر الدين قهوجي، وبشير جويجاتي، ط: دار المأمون للتراث - دمشق، الأولى 1404 هـ.
- خ -
153 -
الخصائص، لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق: محمد علي النجار، ط:
د
ار الكتاب العربي - بيروت.
- د -
154 -
درء تعارض العقل والنقل، لابن تيميه تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الأولى 1399 هـ.
155 -
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، لأحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، تحقيق: أحمد محمد الخراط، ط: دار القلم - دمشق، الأولى
1406 هـ.
156 -
الدر المنثور في التفسير المأثور، لجلال الدين السيوطي، ط: دار الفكر - بيروت، الأولى 1403 هـ.
157 -
دراسات في أصول التفسير، لمحسن عبد الحميد، ط: دار الثقافة - الدار البيضاء - المغرب 1404 هـ.
158 -
دراسات في التفسير وأصوله، لمحيي الدين بلتاجي، دار الثقافة - الدوحة، الأولى 1987 م.
159 -
دراسات لأسلوب القرآن الكريم، لمحمد عبد الخالق عضيمة، ط: دار الحديث - القاهرة.
160 -
درة الحجال في أسماء الرجال "ذيل وفيات الأعيان"، لأبي العباس أحمد ابن محمد المنكاسي الشهير بابن القاضي، تحقيق: محمد الأحمدي أبو النور، ط:
دار التراث - القاهرة والمكتبة العتيقة - تونس.
161 -
الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد سيد جاد الحق، ط: دار الكتب الحديثة - مصر، الثانية 1385 هـ.
162 -
الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن فرحون المالكي، تحقيق: محمد الأحمدي أبو النور، ط: دار التراث للطبع والنشر - القاهرة.
163 -
ديوان عبيد بن الأبرص، ط: دار بيروت للطباعة والنشر - بيروت، الثانية 1404 هـ.
164 -
الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، ط: دار اللواء - الرياض، الثانية 1402 هـ.
165 -
الرد على الجهمية، للإمام عثمان بن سعيد الدارمي، حققه: بدر الدين، ط: الدار السلفية، الأولى 1405 هـ.
166 -
الر
س
الة، للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط: مكتبة دار التراث - القاهرة، الثانية 1399 هـ.
167 -
رسالة إلى أهل الثغر، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: عبد الله شاكر الجندي، ط: مؤسسة علوم القرآن - بيروت، الأولى 1409 هـ.
168 -
رسم المصحف العثماني، لعبد الفتاح إسماعيل شلبي، ط: دار المنار - جدة، الثالثة 1410 هـ.
169 -
روح البيان، لإسماعيل حقي البروسوي، ط: دار الفكر - بيروت.
170 -
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لمحمود شكري الألوسي، ط: دار الفكر - بيروت 1408 هـ.
171 -
روضة المحبين ون
ز
هة المشتاقين، لابن قيم الجوزية، ط: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع - بيروت، الأولى 1402 هـ.
172 -
روضة الناظر وجنة المناظر، لموفق الدين أحمد ابن قدامة، ومعها شرحها نزهة الخاطر العاطر، لعبد القادر بن أحمد بن بدران، ط: مكتبة المعارف - الرياض.
- ز -
173 -
زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن على ابن الجوزي، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة 1404 هـ.
174 -
الزهد، للإمام أحمد بن حنبل، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1403 هـ.
- س -
175 -
سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، مراجعة:
محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: دار الفكر.
176 -
سنن ابن ماجة، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد
فؤاد عبد الباقي، ط: مطبعة دار إحياء الكتب العربية «البابي الحلبي» .
177 -
سنن الترمذي «الجامع الصحيح» لأبي عيسى محمد بن سورة، تحقيق:
أحمد
ش
اكر، ومحمد عبد الباقي، وكمال الحوت، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1408 هـ.
178 -
سنن الدارقطني، للإمام أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، ط: فالكن - لاهور - باكستان.
179 -
سنن الدارمي، للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: فواز زمرلي، وخالد السبع، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى 1407 هـ.
180 -
السنن الكبرى، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق:
عبد الغفار البنداري، وسيد كسروي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1411 هـ.
181 -
السنن الكبرى، لأحمد بن الحسن البيهقي، ط: دار المعرفة - بيروت.
182 -
سنن النسائي «المجتبى» لأحمد بن شعيب النسائي، وبهامشه حاشية السيوطي، وحاشية السندي، اعتني به: عبد الفتاح أبو غدة، ط: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الثالثة 1409 هـ.
183 -
سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، حققه: جماعة بإشراف شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثالثة 1405 هـ.
184 -
السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق:
قاسم غالب أحمد، وآخرين، ط: وزارة الأوقاف بمصر، الثانية 1403 هـ.
- ش -
185 -
شذا العرف في فن الصرف، لأحمد الحملاوي، ط: البابي الحلبي بمصر، السادسة عشرة 1384 هـ.
186 -
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي بن العماد الحنبلي، ط:
دار المسيرة - بيروت، الثانية 1399 هـ.
187 -
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لهبة الله بن الحسن اللالكائي، تحقيق: أحمد سعد حمدان، ط: دار طيبة للنشر والتوزيع - الرياض.
188 -
شرح التسهيل، لمحمد بن عبد الله الطائي (ابن مالك)، تحقيق: عبد الرحمن السيد، ومحمد المختون، ط: دار هجر، الأولى 1410 هـ.
189 -
شرح الإيضاح في علوم البلاغة، لمحمد عبد المنعم خفاجة، ط: مكتبة الكليات الأزهرية، الثانية.
190 -
شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، حققه: طه عبد الرؤوف سعد، ط: دار الفكر - بيروت، الأولى 1393 هـ.
191 -
شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق: عبد الله التركي، وشعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثانية 1411 هـ.
192 -
شرح الكوكب المنير، لمحمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار، تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، ط: جامعة أم القرى، الأولى 1400 هـ.
193 -
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: مكتبة الفيصلية - مكة المكرمة، الثانية.
194 -
شرح اللمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق الشيرازي، تحقيق: علي بن عبد العزيز العميريني، ط: دار البخاري - القديم بريدة 1407 هـ.
195 -
شرح مختصر الروضة، لسليمان بن عبد القوي الجوفي، تحقيق: عبد الله التركي، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى 1409 هـ.
196 -
شرح صحيح مسلم، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، راجعه: خليل الميس، ط: دار القلم - بيروت، الأولى 1407 هـ.
197 -
الشرح والإبانة عن أ
ص
ول السنة والديانة، لعبيد الله محمد ابن بطة، تحقيق: رضا نعسان معطي، ط: الفيصلية - مكة المكرمة، 1404 هـ.
198 -
شروح التلخيص، وفيه مجموعة من شروح تلخيص المفتاح للخطيب القزويني، وهي:
1 -
مختصر سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح.
2 -
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، لأبي يعقوب المغربي.
3 -
عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، لبهاء الدين السبكي. وبالهامش:
1 -
الإيضاح لمؤلف التلخيص وهو القزويني.
2 -
حاشية الدسوقي على شرح السعد.
ط: دار السرور - بيروت.
199 -
الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، تحقيق: علي محمد البجاوي، ط: البابي الحلبي، 1977 م.
- ص -
200 -
الصاحبي، لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق: السيد أحمد صقر، ط: البابي الحلبي - القاهرة.
201 -
الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق:
أحمد عبد الغفور عطار، ط: دار العلم للملايين - بيروت، الرابعة 1990 م.
202 -
صحيح البخاري مع فتح الباري - فتح الباري.
203 -
صحيح ابن حبان - الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان.
204 -
صحيح سنن أبي داود، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى 1409 هـ.
205 -
صحيح سنن الترمذي، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى 1408 هـ.
206 -
صحيح سنن النسائي، لمحمد ناصر الدين الألباني،
ط:
المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى 1409 هـ.
207 -
صحيح سنن ابن ماجة، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة 1408 هـ.
208 -
صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية - استانبول - تركيا، الأولى 1374 هـ.
209 -
الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمد ربيع مدخلي، ط: دار الحريري - القاهرة.
210 -
الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، تحقيق: علي ابن محمد الدخيل الله، ط: دار العاصمة - الريا
ض
، الأولى 1408 هـ.
- ض -
211 -
ضعيف سنن أبي داود، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى 1412 هـ.
212 -
ضعيف سنن الترمذي، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى 1411 هـ.
213 -
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، ط: دار مكتبة الحياة - بيروت.
- ط -
214 -
طبقات الحنابلة، لأبي الحسين محمد بن أبي يعلى، ط: دار المعرفة - بيروت.
215 -
طبقات الحنفية الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، لمحيي الدين أبي محمد عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، ط: البابي الحلبي، 1399 هـ.
216 -
طبقات الشاف
ع
ية، لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق: محمود الطناجي، وعبد الفتاح الحلو، ط: دار إحياء الكتب العربية.
217 -
طبقات المفسرين، للحافظ جلال الدين السيوطي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
218 -
طبقات المفسرين، لمحمد بن علي الداوودي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
- ع -
219 -
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عثمان الخشت، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الرابعة 1410 هـ.
220 -
العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، تحقيق: أحمد سير المباركي، ط: الثانية 1410 هـ.
221 -
العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية، لعبد الله بن يوسف الجديع، ط: 1408 هـ.
222 -
العلم الخفاق من علم الاشتقاق، لمحمد صديق حسن خان، تحقيق: نذير محمد مكتبي، ط: دار البصائر - دمشق، الأولى 1404 هـ.
223 -
علماء نجد خلال ستة قرون، لعبد الله بن عبد الرحمن البسام، ط: مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، الأولى 1398 هـ.
224 -
عمدة التفسير، لأحمد محمد شاكر، ط: دار المعارف - مصر.
225 -
عودة الحجاب، لمحمد بن أحمد المقدم، ط: دار طيبة - الرياض، الثالثة.
-
غ
-
226 -
غرائب التفسير وعجائب التأويل، لمحمود بن حمزة الكرماني، تحقيق:
شمران سركال العجلي - ط: مؤسسة علوم القرآن - بيروت، الأولى 1408 هـ.
227 -
غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، ط: مجلس دائرة المعار
ف
العثمانية - حيدر آباد - الهند، الأولى 1384 هـ.
228 -
غريب القرآن وتفسيره، عبد الله بن يحيى بن المبارك، تحقيق: محمد سليم الحاج، ط: عالم الكتب - بيروت، الأولى 1405 هـ.
- ف -
229 -
فتاوى ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، ط: دار الوعي - حلب - القاهرة، الأولى 1403 هـ.
230 -
فتح البيان في مقاصد القرآن، لمحمد صديق القنوجي، عني بطبعه:
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، ط: المكتبة العصرية - بيروت، 1412 هـ.
231 -
الفتح السماوي بتخريج أحاديث تفسير القاضي البيضاوي، لزين الدين عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: أحمد مجتبي السلفي، ط: دار العاصمة - الرياض.
232 -
فتح القدير، لمحمد بن علي الشوكاني، ط: دار الفكر - بيروت 1403 هـ.
233 -
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، لسليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل، ط: البابي الحلي - بمصر.
234 -
الفرق بين الفرق، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، ط: دار الآفاق الجديدة - بيروت، الخامسة 1402 هـ.
235 -
الفروق، لأبي العباس أحمد بن إدريس القرافي، ط: عالم الكتب - بيروت.
236 -
الفروق اللغوية، لأبي هلال العسكري، ضبط: حسام الدين القدسي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
237 -
الفصل في الملل والأهواء والنحل، لعلى بن أحمد المعروف بابن حزم، تحقيق: محمد نصر، وعبد الرحمن عميرة، ط: دار الجيل - بيروت 1405 هـ.
238 -
فصول في أصول التفسير، لمساعد بن سليمان الطيار، ط: دار النشر الدولي - الرياض، الأولى 1413 هـ.
239 -
ف
ق
ه اللغة، لصبحي الصالح، ط: دار العلم للملايين - بيروت، الحادية عشرة 1986 م.
240 -
الفوائد المشوق إلى علوم القرآن - منسوب -، لأبي بكر ابن قيم الجوزية، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1402 هـ.
241 -
فوات الوفيات، والذيل عليها، لمحمد بن شاكر الكتبي، تحقيق: إحسان عباس، ط: دار صادر - بيروت.
242 -
الفوز الكبير في أصول التفسير، لولي الله الدهلوي، عربه من الفارسية:
سليمان الحسني الندوي، ط: دار الصحوة - القاهرة، الثانية 1407 هـ.
243 -
في بناء الجملة العربية، لمحمد حماسة عبد اللطيف، ط: دار القلم - الكويت، الأولى 1402 هـ.
- ق -
244 -
القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، لخادم حسين إلهي بخش، ط: مطبعة الصديق - الطائف، الأولى 1409 هـ.
245 -
القطع والائتلاف، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: أحمد خطاب العمر، ط: مطبعة العاني - بغداد 1398 هـ.
246 -
القواعد، لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي، ط: دار المعرفة - بيروت.
247 -
قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل، لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ط: دار القلم - دمشق، الثانية 1409 هـ.
248 -
القواعد الحسان لتفسير القرآن، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ضمن مجموع مؤلفاته، ط: مركز صالح بن صالح الثقافي - بعنيزة 1408 هـ.
249 -
القواعد الفقهية، لعلي أحمد الندوي، ط: دار القلم - دمشق، الأولى
1406 هـ.
250 -
القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ط: دار طيبة - الرياض.
251 -
قواعد في علوم الحديث، لظفر أحمد التهانوي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط: شر
ك
ة العبيكان للطباعة والنشر - الرياض، الخامسة 1404 هـ.
- ك -
252 -
الكاف الشاف بتخريج أحاديث الكشاف، مطبوع مع الكشاف، ط: دار المعرفة - بيروت.
253 -
الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، لأبي عمر يوسف ابن عبد البر الأندلسي، تحقيق: محمد أحيد الموريتاني، ط: مكتبة الرياض الحديثة، الثالثة 1406 هـ.
254 -
كتاب سيبويه، لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق: عبد السلام هارون، ط: عالم الكتب - بيروت، الثالثة 1403 هـ.
255 -
الكشاف، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، ومعه:
1 -
حاشية السيد الشريف علي بن محمد الحسني الجرجاني.
2 -
الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، لناصر الدين محمد بن محمد ابن المنير، ط: مطبعة البابي الحلبي بمصر، الطبعة الأخيرة 1392 هـ.
256 -
كشف الأسرار عن أصول البزدوي، لعبد العزيز أحمد البخاري، تعليق: محمد المعتصم بالله البغدادي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى 1411 هـ.
257 -
الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: محيي الدين رمضان، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الرابعة 1407 هـ.
258 -
ا
ل
كليات،
م
عجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي، قابله: عدنان درويش، ومحمد المصري، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى 1412 هـ.
259 -
الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، لجمال الدين الأسنوي، تحقيق: محمد عواد، ط: دار عمار للنشر - عمان - الأردن، الأولى 1405 هـ.
- ل -
260 -
لسان الميزان، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: منشورات مؤسسة الأعجمي، الثانية 1390 هـ.
261 -
لطائف الإشارات، لأبي القاسم القشيري، تحقيق: إبراهيم بسيوني، ط:
الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة، 1981 م.
262 -
لوامع الأنوار البهية وقواطع الأسرار الأثرية، للعلامة محمد السفاريني الحنبلي، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة 1411 هـ.
- م -
263 -
ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد، لأبي العباس المبرد، اعتنى به: محمد رضوان الدايه، ط: دار البشائر - دمشق، الأولى.
264 -
مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح، ط: دار العلم للملايين - بيروت، السادسة عشر 1985 م.
265 -
مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان، ط: مكتبة العارف - الرياض، الأولى 1413 هـ.
266 -
متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار أحمد الهمداني، تحقيق: عدنان زرزور، ط: دار التراث، 1415 هـ.
267 -
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي،
ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الثالثة 1402 هـ.
268 -
المجموع شرح المهذب للشيرازي، لأبي زكريا محيي الدين شرف النووي، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، ط: مكتبة الإرشاد - جدة.
269 -
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن محمد ابن قاسم، ط: المصرية.
270 -
المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي، ط: مركز صالح بن صالح الثقافي - بعنيزة 1457 هـ.
271 -
محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين القاسمي، صححه: محمد عبد الباقي، ط: دار إحياء الكتب العربية «البابي الحلبي» .
272 -
المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق:
علي النجدي، وآخرين، ط: دار سزكين للطباعة والنشر، الثانية 1406 هـ.
273 -
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب ابن عطية، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب - الأولى.
** المحرر الوجيز، لابن عطية الأندلسي، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر - الأولى.
274 -
المحصول في علم أصول الفقه، لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، تحقيق: طه جابر فياض، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض، الأولى 1399 هـ.
275 -
المحكم في نقط المصحف، لأبي عمرو الداني، تحقيق: عزة حسن، ط:
دار الفكر - دمشق، الثانية 1407 هـ.
276 -
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، اختصره: محمد الموصلي، ط: دار الندوة الجديدة - بيروت، 1405 هـ.
277 -
مختصر العلو للعلي الغفار، للحافظ أبي عبد الله الذهبي، اختصار
وتحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى 1401 هـ.
278 -
مختصر في شواذ القراءات، لابن خالويه، تحقيق: برجست راسر، ط:
مكتبة المتنبي - القاهرة.
279 -
مختصر من قواعد العلائي وكلام الأسنوي، لأبي الثناء نور الدين محمود بن أحمد الفيومي، تحقيق: مصطفى محمود النيحوبني، ط: مطبعة الجمهورية - العراق - الموصل 1984 م.
280 -
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت 1392 هـ.
281 -
مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لعبد الله بن أحمد النسفي، ضبط:
إبراهيم محمد رمضان، ط: دار القلم - بيروت، الأولى 1408 هـ.
282 -
المدخل الفقهي العام، لمصطفى أحمد الزرقاء، ط: دار الفكر - دمشق، التاسعة 1968 م.
283 -
المدخل لدراسة القرآن الكريم، لمحمد بن محمد أبو شبهة، ط: دار الجيل - بيروت 1412 هـ.
284 -
المدخل لعلم تفسير كتاب الله، لأبي النصر أحمد بن محمد السمرقندي، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، ط: دار القلم - دمشق، الأولى 1408 هـ.
285 -
مدرسة التفسير في الأندلس، لمصطفى إبراهيم المشيني، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى 1406 هـ.
286 -
مذاهب التفسير الإسلامي، إجنتى جولد تسهر، ط: دار اقرأ - بيروت، الثانية 1403 هـ.
287 -
مذكرة في أصول الفقه، لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ط:
مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الأولى 1409 هـ.
288 -
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي، تحقيق: طيار آلتي قولاج، ط: دار صادر - بيروت 1395 هـ.
289 -
المزهر في علوم اللغة وأنواعها، لجلال الدين السيوطي، صححه: محمد بك وعلى البجاوي ومحمد أبو الفضل، ط: مكتبة دار التراث - القاهرة، الثالثة.
290 -
المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله، ط:
دار المعرفة - بيروت.
291 -
مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط: الميمنية - القاهرة، 1313 هـ.
292 -
المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية، جمعها: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد الدمشقي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.
293 -
مشكل إعراب القرآن لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق:
حاتم الصالح الضامن، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثانية 1405 هـ.
294 -
المصحف المفسر، لمحمد فريد وجدي، ط: الشعب - القاهرة.
295 -
المطول في شرح التلخيص، للتفتازاني، وبهامشه: حاشية مير شريف، ط: مكتبة الداوري - قم - إيران، الأولى 1309 هـ.
296 -
مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، لزاهر بن عواض الألمعي، ط: دار الكتاب الجديد - بيروت، الثالثة 1398 هـ.
297 -
معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، لحافظ بن أحمد الحكمي، ضبط: عمر بن محمود أبو عمر، ط: دار ابن القيم - الدمام، الأولى 1410 هـ.
298 -
معالم التنزيل، لمحيي السنة الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمر، وآخرين، ط: دار طيبة - الرياض، 1409 هـ.
299 -
معاني القرآن، لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، تحقيق: هدى
محمود قراعة، ط: مكتبة الخانجي - القاهرة، الأولى 1411 هـ.
300 -
معاني القرآن الكريم، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: محمد بن علي الصابوني، ط: جامعة أم القرى، الأولى 1408 هـ.
301 -
معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، ط: عالم الكتب - بيروت، الثالثة 1403 هـ.
302 -
معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري، تحقيق: عبد الجليل شلبي، ط: عالم الكتب - بيروت، الأولى 1408 هـ.
303 -
معترك الأقران في إعجاز القرآن، لجلال الدين السيوطي، صححه، أحمد شمس الدين، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1408 هـ.
304 -
المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، لعواد بن عبد الله المعتق، ط: دار العاصمة - الرياض، الأولى 1409 هـ.
305 -
معجم البلدان، لياقوت بن عبد الله الحموي، ط: دار بيروت - بيروت، 1400 هـ.
306 -
المعجم الفلسفي، إعداد: مجمع اللغة العربية، لجنة العلوم الفلسفية والاجتماعية - القاهرة، 1403 هـ.
307 -
معجم قبائل العرب القديمة الحديثة، عمر رضا كحالة، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، السادسة 1412 هـ.
308 -
المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، رتبه ونظمه: لفيف من المستشرقين، ونشره: أ. ى ونسلك، ط: مكتبة بريل في مدينة ليدن، 1936 م.
309 -
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، صنعه: محمد فؤاد عبد الباقي، ط:
المكتبة الإسلامية - استانبول - تركيا، 1982 م.
310 -
معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين محمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط: دار الفكر، 1399 هـ.
311 -
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعمار، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: بشار عواد معروف وآخرين، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثانية 1408 هـ.
312 -
المغني، لابن قدامة، تحقيق عبد الله التركي، وعبد الفتاح الحلو، ط: دار هجر، الأولى 1406 هـ.
313 -
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام الأنصاري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: دار المكتبة العصرية - بيروت، 1407 هـ.
314 -
المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة، لمحمد سالم محيسن، ط: دار الجيل - بيروت، الثانية 1408 هـ.
315 -
مفاتيح الغيب، تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير، لمحمد بن عمر الرازي فخر الدين، ط: دار الفكر - بيروت، 1410 هـ.
316 -
المفردات، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، ط: دار القلم - دمشق، الأولى 1412 هـ.
317 -
مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: المكتبة العصرية - بيروت، 1411 هـ.
318 -
مقدمة ابن خلدون، لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1408 هـ.
319 -
مقدمة جامع التفاسير، لأبي القاسم الراغب الأصفهاني، تحقيق: أحمد حسن فرحات، ط: دار الدعوة - الكويت، الأولى 1408 هـ.
320 -
مقدمة في أصول التفسير، لابن تيميه تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق: عدنان زرزور، ط: دار القرآن الكريم - بيروت.
321 -
المقنع في رسم مصاحف الأمصار، مع كتاب النقط، لأبي عمرو عثمان
بن سعيد الداني، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، ط: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة.
322 -
المكتفى في الوقف والابتدا في كتاب الله عز وجل، لأبي عمرو الداني تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثانية 1407 هـ.
323 -
مكي بن أبي طالب وتفسير القرآن، لأحمد حسن فرحات، ط: دار الفرقان - الأردن، الأولى 1404 هـ.
324 -
الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق:
أمير علي مهنا، وعلي حسن فاعور، ط: دار المعرفة - بيروت، الثانية 1413 هـ.
325 -
مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني، ط: دار الفكر.
326 -
منجد المقرئين ومرشد الطالبين، لمحمد بن محمد ابن الجزري، ط: دار المكتبة العلمية - بيروت 1400 هـ.
327 -
المنخول من تعليقات الأصول، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، تحقيق: محمد حسن هيتو، ط: دار الفكر - دمشق، الثانية 1400 هـ.
328 -
منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ط: ضمن أضواء البيان «المجلد العاشر» .
329 -
منهاج السنة النبوية، لابن تيمية أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1406 هـ.
330 -
منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، لعثمان بن علي بن حسن، ط: مكتبة الرشد - الرياض، 1412 هـ.
331 -
منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، لفهد بن عبد الرحمن الرومي،
ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى 1401.
332 -
م
ن
هج النقد في علوم الحديث، لنور الدين عتر، ط: دار الفكر - دمشق، الثالثة 1401 هـ.
333 -
المنهل الرقراق في تخريج ما روي عن الصحابة والتابعين في تفسير «يوم يكشف عن ساق» ، لسليم بن عيد الهلالي، ط: دار ابن الجوزي - الدمام، الأولى 1412 هـ.
334 -
الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي، تعليق: عبد الله دراز، ط: دار المعرفة - بيروت.
335 -
الموطأ، للإمام مالك بن أنس، صححه: محمد عبد الباقي، ط: دار إحياء الكتب العربية «البابي الحلبي» .
336 -
الميزان في تفسير القرآن، لمحمد حسين الطباطبائي، ط: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الثانية 1394 هـ.
- ن -
337 -
الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل، لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس، تحقيق: سليمان بن إبراهيم اللاحم، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى 1412 هـ.
338 -
الناسخ والمنسوخ، لابن حزم الأندلسي، تحقيق: عبد الغفار البنداري، ط:
دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1406 هـ.
339 -
الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عز وجل، لهبة الله بن سلامة المقري، تحقيق: زهير الشاويش، ومحمد كنعان، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثانية 1406 هـ.
340 -
الناسخ والمنسوخ، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق: حلمي كامل عبد الهادي، ط: دار العدوي - الأردن، الأولى 1407 هـ.
341 -
النبأ العظيم، لمحمد عبد الله دراز، ط: دار القلم - الكويت، الثالثة 1988 م.
342 -
النحو الوافي، لعباس حسن، ط: دار المعارف بمصر، الخامسة.
343 -
نحو منهج لتفسير القرآن، لمحمد الصادق عرجون، ط: الدار السعودية للنشر والتوزيع.
344 -
النحو وكتب التفسير، لإبراهيم عبد الله رفيدة، ط: المنشأة العامة للنشر - طرابلس - ليبيا، الثانية 1984 م.
345 -
النسخ في القرآن الكريم، لمصطفى زيد، ط: دار الوفاء للطباعة - المنصورة - مصر، الثالثة 1408 هـ.
346 -
نشر البنود على مراقي السعود، لسيدي عبد الله بن إبراهيم الشنقيطي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1409 هـ.
347 -
النشر في القراءات العشر، لأبي الخير محمد بن محمد ابن الجزري، أشرف على تصحيحه: علي محمد الضباع، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
348 -
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، ط: دائرة المعارف العثمانية - الهند، الأولى 1396 هـ.
349 -
نقض تأسيس الجهمية، لشيخ الإسلام ابن تيميه أحمد بن عبد الحليم، بتصحيح: محمد بن عبد الرحمن ابن قاسم، ط: الحكومة - مكة المكرمة، الأولى 1392 هـ.
350 -
النكت والعيون، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، مراجعة: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى 1412 هـ.
351 -
نهاية السول في شرح منهاج الأصول، لجمال الدين عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي، ومعه «سلم الوصول لشرح نهاية السول» لمحمد بخيت المطيعي، ط: عالم الكتب.
352 -
النها
ي
ة في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك الجزري المعروف بابن الأثير، تحقيق: طاهر الزاوي، ومحمود الطناجي، ط: المكتبة العلمية - بيروت.
353 -
نواسخ القرآن، لعبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، تحقيق: حسين سليم الداراني، ط: دار الثقافة العربية - دمشق - بيروت، الأولى 1411
هـ
.
354 -
نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر، لمحمد بن محمد بن يحيى اليمني الصنعاني، ط: المطبعة السلفية - القاهرة، الأولى 1348 هـ.
- هـ -
355 -
الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن، لمحمد أبو زيد، ط: البابي الحلبي، الأولى 1349 هـ.
356 -
همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، لجلال الدين السيوطي، تحقيق:
عبد السلام هارون، وعبد العال مكرم، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، 1413 هـ.
357 -
الواضح في أصول الفقه، لمحمد سليمان الأشقر، ط: دار النفائس - الأردن، الرابعة 1412 هـ.
358 -
الوجيز في أصول التفسير، لمناع خليل القطان، ط: المطبعة السلفية، الأولى 1379 هـ.
359 -
الوشيعة في نقد عقائد الشيعة، لموسى جار الله، ط: مكتبة الكليات الأزهرية.
360 -
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن محمد بن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، ط: دار صادر - بيروت.
- ي -
361 -
اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق:
ربيع بن محمد السعودي، ط: مكتبة الرشد - الرياض، الأولى 1411 هـ.
رابعا: الدوريات:
362 -
مجلة الأبحاث، تصدرها الجامعة الأمريكية في بيروت، السنة (26) 1973 م.
363 -
مجلة الأصالة، السنة الأولى 1414 هـ العدد السادس.
364 -
مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي - أم القرى، العدد الخامس 1402 - 1403 هـ.
365 -
مجلة البحوث الإسلامية، تصدر عن الرئاسة العامة للإفتاء - الرياض، العدد (35).
***