الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صلاة التطوع
قال في "الاختيارات"
(1)
: التطوع تكمل به صلاة الفرض يوم القيامة إن لم يكن المصلي أتمها. وفيه حديث مرفوع رواه أحمد في "المسند"
(2)
، وكذلك الزكاة، وبقية الأعمال اهـ.
وقال أبو العباس في الرد على الرافضي
(3)
: جاءت السنة بثوابه على ما فعله، وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلًا كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء، والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم، وهو ما أبرأ الذمة. فقولهم: تبطل صلاة وصوم من ترك ركنًا بمعنى وجب القضاء لا بمعنى أنه لا يثاب عليها شيئًا في الآخرة.
(1)
ص/ 95.
(2)
(2/ 425) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه:"إن من أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة الصلاة، قال: يقول ربنا عز وجل لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم".
وأخرجه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (2/ 34)، وأبو داود في الصلاة، باب 149، حديث 864، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 202، حديث 1425، والحاكم (1/ 262)، والبيهقي (2/ 386).
وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
(3)
منهاج السنة (5/ 206). وانظر الاختيارات ص/ 165، الفتاوى الكبرى (4/ 462).
(وهو) أي التطوع في الأصل: فعل الطاعة.
و (شرعًا)، وعرفًا (طاعة غير واجبة) والنفل والنافلة: الزيادة، والتنفل التطوع.
(وأفضله) أي التطوع (الجهاد) قال أحمد
(1)
: لا أعلم شيئًا بعد الفرائض أفضل من الجهاد. ويأتي له مزيد إيضاح في كتاب الجهاد.
(ثم توابعه) أي الجهاد (من نفقة وغيرها، فالنفقة فيه) أي الجهاد (أفضل من النفقة في غيره) من أعمال البر، لقوله تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ} الآية
(2)
.
(ثم علم، تعلمه وتعليمه،
من حديث، وفقه، ونحوهما) كتفسير، وأصول، لحديث:"فَضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" الحديث، وتقدم في الخطبة
(3)
.
قال أبو الدرداء: "العالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم"
(4)
.
ونقل مهنا
(5)
: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته، قيل: فأي شيء تصحيح النية؟ قال: ينوي يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل.
(1)
انظر: مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (2/ 819) رقم 1092، ومسائل أحمد رواية ابن هانئ (2/ 108، 109)، المسألة رقم 1634، 1638، وطبقات الحنابلة (1/ 247)، والمغني (13/ 10 - 11)، والشرح الكبير (10/ 16).
(2)
سورة البقرة، الآية:261.
(3)
انظر (1/ 11).
(4)
رواه ابن أبي شيبة (8/ 730)، والدارمي في المقدمة، باب 32، رقم 333، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 139، 141) رقم 138، 140، 141، والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 188 - 189) رقم 279.
(5)
طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (1/ 380 - 381)، والإنصاف (4/ 101).
وقال لأبي داود: شرط النية شديد، حبب إليَّ، فجمعته.
وسأله ابن هانئ
(1)
: يطلب الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به؟ قال: العلم لا يعدله شيء.
ونقل ابن منصور
(2)
: أن تذاكر بعض ليلة أحب إلى أحمد من إحيائها، وأنه العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم، قلت: الصلاة، والصوم، والحج، والطلاق، ونحو هذا؟ قال: نعم.
قال الشيخ تقي الدين
(3)
: من فعل هذا أو غيره مما هو خير في نفسه، لما فيه من المحبة له، لا لله، ولا لغيره من الشركاء، فليس مذمومًا، بل قد يثاب بأنواع من الثواب، إما بزيادة فيها وفي أمثالها، فيتنعم بذلك في الدنيا.
قال: وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا، أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه، وهو معنى قول بعضهم
(4)
: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله"، وقول الآخر
(5)
: "طلبهم له نية"، يعني نفس طلبه حسن ينفعهم.
(1)
مسائل ابن هانئ (2/ 168) رقم 1931.
(2)
جامع بيان العلم وفضله (1/ 118) رقم 108.
(3)
الاختيارات الفقهية ص/ 95.
(4)
يؤثر معنى هذا القول عن مجاهد، والحسن، ومعمر وسفيان الثوري، وابن عيينة، وحبيب بن أبي ثابت، وسماك بن حرب. انظر: سير أعلام النبلاء (4/ 452)، والمجالسة وجواهر العلم للدينوري (3/ 182) رقم 814، والمحدث الفاصل للرامهرمزي ص/ 182، 183 رقم 36، 38، وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (1/ 747 - 750) رقم 1375 - 1383، والجامع لأخلاق الراوي، للخطيب البغدادي (1/ 339) رقم 773، 776.
(5)
يؤثر هذا القول عن سفيان الثوري. أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/ 339) برقم 772.
قال أحمد
(1)
: ويجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، قيل له: فكل العلم يقوم به دينه، قال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه لا بد له من طلبه، قيل: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله: صلاته، وصيامه، ونحو ذلك. ومراد أحمد: ما يتعين وجوبه، وإن لم يتعين ففرض كفاية، ذكره الأصحاب، فمتى قامت طائفة بعلم لا يتعين وجوبه قامت بفرض كفاية، ثم من تلبس به فنفل في حقه، ووجوبه مع قيام غيره به دعوى تفتقر إلى دليل.
وليحذر العالم ويجتهد، فإن ذنبه أشد، نقل المروذي
(2)
: العالم يقتدى به، ليس العالم مثل الجاهل. ومعناه لابن المبارك، وغيره
(3)
.
وقال الفضيل بن عياض
(4)
: يغفر لسبعين جاهلًا قبل أن يغفر لعالم واحد.
وقال الشيخ تقي الدين
(5)
: أشد الناس عذابًا يوم القيامة، عالم لم ينفعه الله بعلمه
(6)
، فذنبه من جنس ذنب اليهود، والله أعلم.
(1)
انظر: طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (1/ 104)، والفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي (1/ 173).
(2)
كتاب الورع ص/ 22.
(3)
انظر المصدر السابق.
(4)
حلية الأولياء (8/ 100) ونصه: يغفر للجاهل سبعون ذنبًا ما لم يغفر للعالم ذنب واحد. وذكر نحوه عن الفضيل في ترجمة سفيان بن عيينة (7/ 286).
(5)
الاختيارات الفقهية ص/ 95.
(6)
ورد مرفوعًا: رواه ابن عدي (5/ 1807)، والطبراني في الصغير (1/ 182 - 183)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 284 - 285) رقم 1778، والخطيب في الكفاية ص/ 7، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 628) رقم 1079 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ضعفه ابن عبد البر. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 185): وفيه: عثمان البري، قال الفلاس: صدوق، لكنه كثير الغلط، صاحب بدعة، ضعفه أحمد، =
وفي آداب عيون المسائل: العلم أفضل الأعمال، وأقرب العلماء إلى الله وأولاهم به: أكثرهم له خشية.
(ثم صلاة)
لما روى سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"استقيمُوا ولن تحصوا، واعلمُوا أن خيرَ أعمالِكم الصلاة" رواه ابن ماجه
(1)
،
= والنسائي، والدارقطني، وأشار المنذري في الترغيب والترهيب (1/ 174) إلى تضعيفه، وضعفه العراقي في تخريج الإحياء (1/ 9)، والسيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (1/ 518).
وله شاهد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، رواه الدارمي في المقدمة، حديث 268، وأبو نعيم في الحلية (1/ 223)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 627) رقم 1078.
(1)
في الطهارة، باب 4، حديث 277. ورواه - أيضًا - الطيالسي (ص/ 134)، رقم 996، وابن أبي شيبة (1/ 5 - 6)، وأحمد (5/ 276 و 282)، والمروزي في زوائد الزهد (ص/ 367)، رقم 1040، والدارمي في الطهارة، باب 2، حديث 661، والروياني في مسنده (1/ 404 - 405، 406) رقم 614، 615، 616، 619، والحاكم (1/ 130)، والبيهقي (1/ 82، 457)، والخطيب في تاريخه (1/ 293)، والبغوي (1/ 327) رقم 155 كلهم من طريق سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان رضي الله عنه. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وجود إسناده النووي في المجموع (3/ 457)، وأعله بالانقطاع أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، كما في المراسيل لابنه ص/ 80، وابن حبان "الإحسان"(3/ 312)، والبغوي في شرح السنة (1/ 327).
ورواه أحمد (5/ 282)، والدارمي في الطهارة، باب 2، حديث 662، وابن حبان "الإحسان"(3/ 311) رقم 1037، والطبراني في الكبير (2/ 101) رقم 1444 كلهم من طريق أبي كبشة السلولي، عن ثوبان رضي الله عنه.
ورواه أحمد (5/ 280) من طريق عبد الرحمن بن ميسرة، عن ثوبان رضي الله عنه. وصححه العقيلي في الضعفاء (4/ 218)، وابن الصلاح في رسالته في صلاة الرغائب ص/ 17.
وإسناده ثقات إلى سالم، قال أحمد
(1)
: سالم لم يلق ثوبان، بينهما شعبان
(2)
ابن أبي طلحة، وله طرق فيها ضعف.
ولأن فرضها آكد الفروض، فتطوعها آكد التطوعات، ولأنها تجمع أنواعًا من العبادات: الإخلاص، والقراءة، والركوع، والسجود، ومناجاة الرب، والتوجه إلى القبلة، والتسبيح، والتكبير، والصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
(ونص) الإمام (أحمد: أن
الطواف لغريب أفضل من الصلاة في المسجد الحرام)
نقل حنبل
(3)
: نرى لمن قدم مكة أن يطوف؛ لأن الطواف أفضل من الصلاة، والصلاة بعد ذلك.
وعن ابن عباس: الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة
(4)
. وكذا عطاء
(5)
.
وذلك لأن الصلاة لا تختص بمكان، فيمكن التنفل بها في أي مكان أراد، بخلاف الطواف.
(ثم سائر ما تعدى نفعه
من عيادة مريض، وقضاء حاجة مسلم، وإصلاح بين الناس ونحوه) كإبلاغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها إلى ذي سلطان؛ لأن نفعه متعدٍ، أشبه الصدقة.
(1)
انظر: المنتخب من العلل للخلال لابن قدامة ص/ 162، وميزان الاعتدال للذهبي (2/ 109).
(2)
كذا في الأصول "شعبان"، وصوابه:"معدان".
(3)
الإنصاف (4/ 102).
(4)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (القسم الأول من الجزء الرابع ص/ 452) عن أبي بكر بن أبي موسى قال: سئل ابن عباس عن الطواف أفضل أم الصلاة؟ فقال: أما أهل مكة، فالصلاة، وأما أهل الأمصار، فالطواف.
(5)
أخرجه أبو داود في مسائله ص/ 132، وعبد الرزاق (5/ 70) رقم 9027، وابن أبي شيبة في مصنفه (1/ 4/ 452).
وعن أبي الدرداء مرفوعًا: "ألا أُخبركم بأفضل من درجةِ الصلاةِ، والصيامِ، والصدقةِ؟ قالوا: بلى قال: إصلاحُ ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي
(1)
وصححه.
ونقل حنبل: اتباع الجنازة أفضل من الصلاة، ولهذا حمل صاحب "المحرر" وغيره أفضلية الصلاة على النافع القاصر كالحج، وإلا فالمتعدي أفضل (وهو) أي ما تعدى نفعه (متفاوت، فصدقة على قريب محتاج، أفضل من عتق) أجنبي، لأنها صدقة وصلة.
(وعتق أفضل من صدقة على أجنبي) لما فيه من تخليصه من أسر الرق (إلا زمن غلاء وحاجة) فالصدقة حتى على الأجنبي، أفضل من العتق، لمسيس الحاجة إليها.
(ثم حج)
لحديث: "الحج جهادُ كلِّ ضعيفٍ" رواه ابن ماجه
(2)
وغيره.
(1)
أحمد (6/ 444 - 445)، وأبو داود في الأدب، باب 58، حديث 4919، والترمذي في صفة الجنة، باب 56، حديث 2509. ورواه - أيضًا - البخاري في الأدب المفرد ص/ 142، رقم 391، وابن حبان "الإحسان" (11/ 489) رقم 5092، والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 489) رقم 11088، والبغوي (13/ 116) رقم 3538.
قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الزيلعي في نصب الراية (4/ 355): قال البزار: لا تعلمه يروى بإسناد متصل أحسن من هذا، وإسناده صحيح. وقال الهيثمي في المجمع (8/ 30): سنده جيد. ورمز له السيوطي بالصحة في الجامع الصغير مع الفيض (3/ 106). وقال المناوي: قال بن حجر: سنده صحيح.
(2)
في المناسك، باب 8، حديث 2902، والطيالسي ص/ 223 رقم 1599، وأحمد (6/ 294، 303، 314)، وأبو يعلى (12/ 348، 458) رقم 6916 و 7029، والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 82) حديث 82، والطبراني في الكبير (23/ 292 - 293) رقم 647، من حديث أم سلمة رضي الله عنها. قال الترمذي في العلل الكبير ص/ 129 رقم 220: سألت محمدًا عن حديث القاسم بن الفضل، عن =
وفي الباب أحاديث كثيرة
(1)
.
= محمد بن علي، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحج جهاد كل ضعيف. فقال: هو حديث مرسل، لم يدرك محمد بن علي أم سلمة. ورمز له السيوطي بالحسن كما في الجامع الصغير مع الفيض (3/ 407).
(1)
منها:
أ - عن علي رضي الله عنه: رواه القضاعي في مسند الشهاب (1/ 82) حديث 81.
ب - عن أبي هريرة رضي الله عنه: رواه النسائي في المناسك، باب 4، حديث 2625، وسعيد بن منصور (2/ 143) حديث 2344، وأحمد (1/ 421)، والطبراني في الأوسط (9/ 343) رقم 8746، والبيهقي (4/ 350)، (9/ 23) مرفوعًا. ورواه عبد الرزاق (5/ 308) رقم 9709، 9710، عن محمد بن إبراهيم مرسلًا، وذكره السيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (3/ 352) ورمز لصحته.
ج - عن الحسين بن علي رضي الله عنهما: رواه الطبراني في الكبير (3/ 135) رقم 2910، والأوسط (5/ 155) رقم 4299 من طريق معاوية بن إسحاق، عن عباية بن رفاعة، عن حسين بن علي رضي الله عنهما. قال الهيثمي في المجمع (3/ 206): رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات.
ورواه عبد الرزاق (5/ 7، 174) رقم 8809، 9283، وسعيد بن منصور (2/ 142) رقم 2342، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (2/ 881) رقم 2478. من طريق معاوية بن إسحاق، عن عباية بن رفاعة، عن علي بن حسين - مرسلًا -.
ولعل الصواب: حسين بن علي؛ فإن عباية روى عنه كما في تهذيب الكمال (14/ 268).
د - عن الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها: رواه سعيد بن منصور (2/ 143) رقم 2343، والطبراني في الكبير (24/ 314) رقم 792.
قال الهيثمي في المجمع (3/ 206): رواه الطبراني في الكبير، وفيه الوليد بن أبي ثور، ضعفه أبو زرعة وجماعة، وزكاه شريك.
هـ - عن عمر رضي الله عنه: رواه البخاري معلقًا في الحج، باب 3، بعد حديث 1516. ووصله عبد الرزاق (5/ 7) رقم 8808، وسعيد بن منصور (2/ 145) رقم 2350.
و - عن عائشة رضي الله عنها: رواه البخاري في الحج، باب 4، حديث 1520.
قال في "الفروع": وظهر من ذلك، أن نفل الحج أفضل من صدقة التطوع، ومن العتق، ومن الأضحية، قال: وعلى ذلك إن مات في الحج مات شهيدًا.
قال: وعلى هذا فالموت في طلب العلمِ أولى بالشهادة، على ما سبق. وللترمذي - وقال: حسن غريب - عن أنس مرفوعًا: "من خرج
(1)
في طلب العلم فهو في سبيلِ اللهِ حتى يرجعَ"
(2)
.
وظاهر كلام أحمد، والأصحاب، وبقية العلماء: أن المرأة كالرجل في استحباب التطوع بالحج لما سبق.
ونقل أبو طالب
(3)
: ليس يشبه الحج شيء، للتعب الذي فيه، ولتلك المشاعر، وفيه مشهد ليس في الإسلام مثله عشية عرفة، وفيه إنهاك المال والبدن، وإن مات بعرفة فقد طهر من ذنوبه.
(ثم عتق)
هكذا في "المبدع"، وهو معنى كلام الفروع فيما سبق، ومقتضى كلام "المنتهى" وغيره: أن العتق أفضل من الحج؛ لأنه مما يتعدى نفعه، كما هو مقتضى كلام المصنف أولا.
(ثم صوم)
لحديث: "كل عملِ ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي
(1)
في "ح": "مسافر".
(2)
الترمذي في العلم، باب 2، حديث 2647. ورواه - أيضًا - العقيلي (2/ 17)، والطبراني في الصغير (1/ 136)، وأبو نعيم في الحلية (10/ 290)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 241) رقم 271.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورمز له السيوطي بالصحة في الجامع الصغير مع الفيض (6/ 124).
(3)
الإنصاف (4/ 103).
به"
(1)
وإنما أضاف الله تعالى إليه الصوم لأنه لم يعبد به غيره في جميع الملل، بخلاف غيره، وإضافة عبادة إلى غير الله قبل الإسلام، لا يوجب عدم أفضليتها في الإسلام، فإن الصلاة في الصفا والمروة أعظم منها في مسجد من مساجد قرى الشام إجماعًا، وإن كان ذلك المسجد ما عبد فيه غير الله قط، وقد أضافه الله إليه بقوله {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}
(2)
فكذا الصلاة مع الصوم.
وقيل: أضاف الصوم إليه لأنه لا يطلع عليه غيره، وهذا لا يوجب أفضليته، وسأله صلى الله عليه وسلم رجلٌ:"أي العملِ أفضل؟ قال: عليك بالصوم، فإنه لا مثل له" إسناده حسن. رواه أحمد، والنسائي
(3)
من حديث أبي أمامة، فإن صح فما سبق أصح؛ ثم يحمل على غير الصلاة، أو بحسب السائل، قاله في "الفروع"، وكذلك اختار الشيخ تقي الدين أن كل واحد بحسبه، وقال في الرد
(1)
أخرجه البخاري في الصوم، باب 9، حديث 1904، ومسلم في الصيام، حديث 1151 (163)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
سورة الجن، الآية:18.
(3)
أحمد (5/ 248 - 249، 255، 258، 264)، والنسائي في الصيام، باب 43، حديث 2219 - 2220، 2222. ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (4/ 308 - 309) رقم 7899، وابن أبي شيبة (3/ 5)، وابن خزيمة (3/ 194) رقم 1893، وابن حبان "الإحسان" (8/ 211 - 213) رقم 3425 و 3426، والطبراني في الكبير (8/ 107 - 109) رقم 7463 - 7464، والحاكم (1/ 421)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 175) و (6/ 277) و (7/ 165)، والبيهقي (4/ 301)، وفي دلائل النبوة (6/ 234).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده الحافظ في الفتح (4/ 104)، والسيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (4/ 330).
على الرافضي
(1)
: وقد يكون كل واحد أفضل في حال، كفعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وخلفائه رضي الله عنهم، بحسب الحاجة والمصلحة، ويوافقه قول أحمد لإبراهيم بن جعفر
(2)
: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله.
(وقال الشيخ
(3)
: استيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلًا، ونهارًا: أفضل من الجهاد الذي لم تذهب فيه نفسه وماله، وهي) أي العبادة التي تستوعب الليل والنهار (في غير العشر تعدل الجهاد) للأخبار الصحيحة المشهورة
(4)
، وقد رواها أحمد. (ولعل هذا مرادهم) أي الأصحاب، قال في "الفروع": ولعل هذا مراد غيره. وقال: العمل بالقوس والرمح أفضل في الثغر، وفي غيره نظيرها. وفي المتفق عليه عن أبي هريرة مرفوعًا:"الساعي على الأرملة، والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر"
(5)
وفي لفظ للبخاري: "أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل"
(6)
(وقال) الشيخ
(7)
:
(تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد،
(1)
منهاج السنة (6/ 75)، وانظر الاختيارات الفقهية ص/ 96.
(2)
طبقات الحنابلة (1/ 93).
(3)
الاختيارات الفقهية ص/ 95.
(4)
منها: ما رواه أحمد (2/ 224) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله، أخبرنا بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله. قال: لا تطيقونه، مرتين أو ثلاثًا، قال: قالوا: أخبرنا فلعلنا نطيقه. قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام، ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد إلى أهله. ورواه - أيضًا - مسلم في الإمارة، حديث 1878.
(5)
البخاري في الأدب، باب 26، حديث 6007، ومسلم في الزهد، حديث 2982.
(6)
البخاري في النفقات، باب 1، حديث 5353، وفي الأدب، باب 25، حديث 6006.
(7)
الاختيارات الفقهية ص/ 95.
وأنه نوع من الجهاد) من جهة أن به إقامة الحجج على المعاند، وإقامة الأدلة؛ فهو كالجهاد بالرأي على ما يأتي في الجهاد.
"تتمة" في خطبة كفاية ابن عقيل: إنما
تشرف العلوم بحسب مؤدياتها،
ولا أعظم من البارئ، فيكون العلم المؤدي إلى معرفته، وما يجب له، وما يجوز، أجل العلوم. والأشهر عن أحمد: الاعتناء بالحديث والفقه، والتحريض على ذلك. وقال
(1)
: ليس قوم خيرًا من أهل الحديث. وعاب على محدث لا يتفقه
(2)
. وقال: يعجبني أن يكون الرجل فهيمًا في الفقه. قال الشيخ تقي الدين
(3)
: قال أحمد: معرفة الحديث والفقه أعجب إلي من حفظه.
وفي خطبة مذهب ابن الجوزي: بضاعة الفقه أربح البضائع. وفي كتاب العلم له: الفقه عمدة العلوم اهـ.
ونقل مثنى
(4)
عن أحمد أفضلية الفكر على الصلاة والصوم، فقد يتوجه أن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح، ويكون مراد الأصحاب عمل الجوارح، ويؤيده حديث: "أحبُّ الأعمالِ إلى الله الحب في الله والبغض في
(1)
انظر ذيل طبقات الحنابلة (1/ 136)، والمنهج الأحمد (3/ 71)، والمجالسة وجواهر العلم (8/ 121) رقم 3438، والإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص/ 28.
(2)
انظر طبقات الحنابلة (1/ 238).
(3)
الاختيارات الفقهية ص/ 96.
(4)
في "ذ" وحاشية "ح": "مهنا" والمثبت هو الصواب. انظر طبقات الحنابلة (1/ 337).
الله"
(1)
، وحديث:"أوثقُ عرى الإسلامِ أن تحبَّ في اللهِ وتبغضَ في اللهِ"
(2)
وقد جاء صاحب "الفروع" في هذا الباب بالعجب العجاب، فرحمه الله، وجزاه أحسن الجزاء.
(و
آكد صلاة التطوع:
صلاة الكسوف) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتركها عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء فإنه كان يستسقي تارة، ويترك أخرى.
(1)
روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم:
1 -
أبو ذر رضي الله عنه: رواه أبو داود في السنة، باب 3، حديث 4599، وأحمد (5/ 146)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/ 405) حديث 394، والخطيب في تاريخه (6/ 391)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 247).
قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، ويزيد ليس بشيء.
وروي عن مجاهد موقوفًا عليه: رواه ابن أبي شيبة في الإيمان ص/ 37 رقم 111، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/ 407) رقم 399.
2 -
البراء بن عازب رضي الله عنه: رواه الطيالسي ص/ 101 رقم 747، وابن أبي شيبة (11/ 41، 13/ 229)، وفي الإيمان ص/ 36 رقم 110، وأحمد (4/ 286)، والبيهقي في شعب الإيمان (1/ 46) رقم 14، قال الهيثمي في المجمع (1/ 89 - 90): رواه أحمد، وفيه ليث بن أبي سليم، وضعفه الأكثر.
3 -
معاذ بن أنس رضي الله عنه: رواه أحمد (5/ 247)، والطبراني في الكبير (20/ 191) رقم 425 و 426. وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 89).
(2)
رواه الطيالسي ص/ 50 رقم 378، وابن أبي شيبة (11/ 48)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (2/ 750) رقم 823، والطبراني في الكبير (10/ 271 - 272) رقم 10531، والحاكم (2/ 480)، وابن بشران في الأمالي (ص/ 332، رقم 775)، والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 68) رقم 9509، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 809) رقم 1502 و 1503 عن ابن مسعود رضي الله عنه.
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: ليس بصحيح. وضعف إسناده العراقي في تخريج الإحياء (2/ 157).
(ثم) صلاة (الاستسقاء) لأنه يشرع لها الجماعة مطلقًا، أشبهت الفرائض.
(ثم التراويح) لأنه لم يداوم عليها صلى الله عليه وسلم خشية أن تفرض، لكنها أشبهت الفرائض من حيث مشروعية الجماعة لها.
(ثم الوتر) قدمه جماعة، منهم صاحب "التلخيص"، وجزم به في "الوجيز" وغيره. ووجهه: أن الجماعة شرعت للتراويح مطلقًا، بخلاف الوتر، فإنه إنما تشرع له الجماعة تبعًا للتراويح، ونقل حنبل: ليس بعد المكتوبة أفضل من قيام الليل.
(وكان) الوتر (واجبًا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) لحديث: "ثلاث كتبن عليَّ، ولم تكتب عليكم: الضحى، والأضحى، والوتر"
(1)
واعترض بأنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر على
(1)
أخرجه أحمد (1/ 231، 232، 234، 317)، وعبد بن حميد (1/ 512) رقم 586، والبزار (3/ 144) رقم 2433، 2434، والطبراني في الكبير (11/ 260، 301) رقم 11674، 11802، 11803، وابن عدي (2/ 543، 7/ 2670)، والدارقطني (2/ 21، 4/ 282)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص/ 192 رقم 201، والحاكم (1/ 300)، والبيهقي (2/ 468، 9/ 264)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 452)، والعلل المتناهية (1/ 453) رقم 770.
قال النووي في الخلاصة (1/ 551): ضعفه البيهقي وآخرون لضعف أبي جناب.
وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 18): أطلق الأئمة على هذا الحديث الضعف، كأحمد والبيهقي وابن الصلاح وابن الجوزي والنووي وغيرهم. وضعفه - أيضًا - في الفتح (10/ 4).
وروى من طريق آخر عن أنس رضي الله عنه. رواه عبد الرزاق (3/ 5) رقم 4572، وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (1/ 293) رقم 649، وابن عدي (4/ 1452)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص/ 193 رقم 202، والدارقطني =
الراحلة، كما ثبت في "الصحيحين"
(1)
وأوجب: بأنه يحتمل أنه من عذر، أو من خصائصه، أو أنه كان واجبًا عليه في الحضر دون السفر كما قال الحليمي، وابن عبد السلام الشافعي، والقرافي
(2)
، جمعًا بين الدليلين، وليس بواجب على أمته صلى الله عليه وسلم لقوله للأعرابي، حين سأله عما فرض الله عليه من الصلاة قال:"خمس صلوات، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع" متفق عليه
(3)
. وكذب عبادة رجلًا يقول: الوتر واجب، وقال سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم
= (2/ 21). وفي سنده: عبد الله بن محرر، قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 45): وعبد الله بن محرر: متروك. وأورده الذهبي في الميزان (2/ 500) وعدَّه من المناكير. وضعف إسناده الحافظ في المطالب العالية (1/ 263)، والتلخيص الحبير (2/ 18).
(1)
رواه البخاري في الوتر، باب 5، 6، حديث 999، 1000، وفي تقصير الصلاة، باب 7، 8، 9، 12، حديث 1095، 1096، 1098، 1105، ومسلم في صلاة المسافرين، حديث 700 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
ورواه البخاري في تقصير الصلاة، باب 7، 8، 12، حديث 1093، 1097، 1104، ومسلم في صلاة المسافرين، حديث 701 من حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه.
ورواه البخاري في تقصير الصلاة، باب 10، حديث 1100، ومسلم في صلاة المسافرين حديث 704، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
ورواه البخاري في الصلاة، باب 31، حديث 400، وفي تقصير الصلاة، باب 7، 8، حديث 1094، 1099، وفي المغازي، باب 34، حديث 4140 من حديث جابر رضي الله عنه.
(2)
الذخيرة (2/ 392).
(3)
البخاري في الإيمان، باب 34، حديث 46، وفي الصوم، باب 1، حديث 1891، وفي الشهادات، باب 26، حديث 2678، وفي الحيل، باب 3، حديث 6956، ومسلم في الإيمان، حديث 11، من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
يقول: "خمس صلواتٍ كتبهن الله على العبد في اليومِ والليلةِ"
(1)
الخبر. وعن علي قال: "الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكنه سنة سنها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، رواه أحمد، والترمذي
(2)
وحسنه. ولأنه يجوز فعله على الراحلة من غير ضرورة، أشبه السنن. وأما حديث أحمد، وأبي داود مرفوعًا: "من لم يوتر
(1)
أخرجه أبو داود في الصلاة، باب 337، حديث 1420، والنسائي في الصلاة، باب 6، حديث 460، وابن ماجه في الإقامة، باب 194، حديث 1401، ومالك (1/ 123)، والطيالسي ص/ 78 رقم 573، وعبد الرزاق (3/ 5 - 6)، والحميدي (1/ 191 - 192) رقم 388، وابن أبي شيبة (2/ 296، 14/ 235، 236)، وأحمد (5/ 315، 316، 317، 319، 322)، والدارمي في الصلاة، باب 208، حديث 1585، وابن أبي عاصم في السنة (2/ 468) رقم 967، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (8/ 193، 195، 196، 198)، رقم 3167، 3168، 3169، 3171، وابن حبان "الإحسان"(5/ 321) رقم 1731، 1732، و (6/ 174 - 175) رقم 2417، وابن عدي (1/ 62 - 63)، والبيهقي (1/ 361، 2/ 8، 3/ 366، 10/ 217)، والبغوي (4/ 103 - 104، 105) رقم 977، 978، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
قال ابن عبد البر في التمهيد (23/ 288 - 289): حديث صحيح. وقال النووي في الخلاصة (1/ 549)، والمجموع (2/ 17، 4/ 20): صحيح، رواه مالك في الموطأ، وأبو داود والنسائي وغيرهم. وانظر النكت الظراف (4/ 255).
(2)
أحمد (1/ 86، 100، 107، 115، 120)، والترمذي في الصلاة، باب 333، حديث 453، 454. ورواه - أيضًا - النسائي في قيام الليل، باب 27، حديث 1675، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 114، حديث 1169، والطيالسي ص/ 15 رقم 88، وعبد الرزاق (3/ 3) رقم 4569، وابن أبي شيبة (2/ 295، 14/ 236 - 237)، والدارمي في الصلاة، باب 208 رقم 1587، وعبد بن حميد (1/ 122) رقم 70، وعبد الله بن أحمد (1/ 144، 145، 148)، والبزار في مسنده (2/ 268، 269، 270) رقم 682، 683، 684، 685، 686، وأبو يعلى =
فليسَ منَّا"
(1)
ففيهِ ضعف. وحديث أبي أيوب: "الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمسٍ فليفعلْ، ومن أحب أن يوترَ بثلاثٍ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، ورواته ثقات، والنسائي
(2)
= (1/ 268، 457) رقم 317، 618، وابن خزيمة (2/ 136 - 137) رقم 1067، والحاكم (1/ 300)، والبيهقي (2/ 467 - 468)، والبغوي (4/ 102) رقم 976، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وانظر العلل للدارقطني (4/ 76 - 79) رقم 439.
(1)
رواه أحمد (5/ 357)، وأبو داود في الصلاة، باب 337، حديث 1419. ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 297)، ومحمد بن نصر المروزي في صلاة الوتر ص/ 27 رقم 6، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (3/ 373) رقم 1343، وابن عدي (3/ 1252، 4/ 1637)، والحاكم (1/ 305، 306)، والبيهقي (2/ 469 - 470)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 451) رقم 765.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وأبو المنيب العتكي مروزي ثقة يجمع حديثه. وتعقبه الذهبي بقوله: قال البخاري: عنده مناكير. وضعفه النووي في الخلاصة (1/ 550)، وقال في المجموع (3/ 477): وادعى الحاكم أنه حديث صحيح.
وقال الحافظ في الفتح (2/ 478): في مسنده أبو المنيب وفيه ضعف، وقال في بلوغ المرام (398): أخرجه أبو داود بسند لين، وصححه الحاكم. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 451): هذا حديث لا يصح.
(2)
رواه أحمد (5/ 418)، وأبو داود في الصلاة، باب 338، حديث 1422، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 123، حديث 1190، والنسائي في قيام الليل، باب 40، حديث 1711، وفي السنن الكبرى (1/ 440) رقم 1401. ورواه - أيضًا - الدارمي في الصلاة، باب 210، حديث 1590، 1591، والطحاوي (1/ 291)، وابن حبان "الإحسان" (6/ 170 - 171) رقم 2410، والطبراني في الكبير (4/ 147 - 148) رقم 3961، 3962، 3963، 3964، 3965، 3967، وابن عدي (4/ 1422 - 1423، 6/ 2265)، والدارقطني (2/ 22 - 23)، =
وقال
(1)
: الموقوف أولى بالصواب، فمحمول على تأكيد الاستحباب، كقول الإمام أحمد
(2)
: من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة.
(ثم سنة فجر) لقول عائشة: "لم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر" متفق عليه
(3)
، وعن أبي هريرة يرفعه:"صلوا ركعتي الفجرِ ولو طردتكم الخيل" رواه أحمد، وأبو داود
(4)
.
= والحاكم (1/ 302 - 303)، والبيهقي (3/ 23 - 24)، والخطيب في تاريخه (8/ 307 - 308، 14/ 333) كلهم من طرق عن أبي أيوب رضي الله عنه مرفوعًا.
وروي موقوفًا، رواه النسائي في قيام الليل، باب 40، حديث 1712، والطيالسي ص/ 81، رقم 593، وعبد الرزاق (3/ 19) رقم 4633، والطحاوي (1/ 291)، والدارقطني (2/ 24)، والحاكم (1/ 303)، والبيهقي (3/ 27). وقد رجح وقف الحديث جماعة منهم: الذهلي، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، والدارقطني، والحاكم، وابن القطان، والنووي، وابن التركماني، والذهبي، والحافظ ابن حجر.
انظر: العلل لابن أبي حاتم (1/ 171 - 172)، والسنن الكبرى للنسائي (1/ 444)، والعلل للدارقطني (6/ 100)، وسنن البيهقي (3/ 25)، وبيان الوهم والإيهام (5/ 351)، والخلاصة (1/ 548)، والمجموع (3/ 477)، والجوهر النقي (3/ 24)، والتلخيص الحبير (2/ 12).
(1)
السنن الكبرى (1/ 441).
(2)
انظر مسائل صالح (1/ 266، 333) رقم 206، 285، وطبقات الحنابلة (1/ 339)، والمنهج الأحمد (1/ 313، 2/ 50).
(3)
البخاري في التهجد، باب 26، حديث 1163، ومسلم في المسافرين، حديث 724 (94).
(4)
أحمد (2/ 405)، وأبو داود في الصلاة، باب 292، حديث 1258، ولفظهما:"لا تَدَعُوا"، ورواه ابن أبي شيبة (2/ 241) موقوفًا. وتابعه على وقفه بشر بن المفضل كما في التاريخ الكبير (6/ 76)، ورواه الطحاوي (1/ 299). قال =
(ثم سنة مغرب) لحديث أحمد عن عبيد مولى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "سئل أكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرُ بصلاةٍ بعد المكتوبةِ سوى المكتوبةِ؟ فقال: نعم بين المغرب والعشاء"
(1)
.
(ثم سواء في رواتب) أي باقي الرواتب، وهي ركعتا الظهر القبلية والبعدية، وركعتا العشاء سواء في الفضيلة.
(و
وقت الوتر:
بعد صلاة العشاء) لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث خارجة بن حذافة: "لقد أمدكم اللهُ بصلاة هي خيرٌ لكم من حمرِ النعم، هي الوتر، فيما بين العشاءِ إلى طلوع الفجر" رواه أحمد وغيره
(2)
، وفيه ضعف. وعن معاذ معناه
= عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 64): ليس إسناد حديث أبي داود بالقوي. وقال النووي في الخلاصة (1/ 533)، وفي المجموع (3/ 481): وفي إسناده من اختلف في توثيقه، ولم يضعفه أبو داود. وانظر مختصر السنن للمنذري (2/ 75)، وبيان الوهم والإيهام (3/ 386)، وميزان الاعتدال (4/ 258).
(1)
(5/ 431). وأخرجه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (5/ 440)، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 181)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4/ 190) رقم 4782، 4783. قال الهيثمي (2/ 229): رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ومدار هذه الطرق كلها على رجل لم يسم، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. وانظر الإصابة (6/ 367 - 368).
(2)
رواه أحمد (7/ 861 - 862) طبعة عالم الكتب، ولم نجده في "مسند أحمد" الطبعة الميمنية، وهو في أطراف المسند (2/ 292) رقم 2285، والترمذي في الوتر، باب 1، حديث 452، وأبو داود في الصلاة، باب 336، حديث 1418، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 114، حديث 1168، وابن سعد (4/ 188 - 189)، وابن أبي شيبة (2/ 296 - 297)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 112 - 113) رقم 816، والطحاوي (1/ 430)، وفي شرح مشكل الآثار (11/ 355 - 356) رقم 4493 - 4494، والطبراني في الكبير (4/ 200 - 201) رقم 4136 - 4137، وابن عدي (3/ 920)، والدارقطني (2/ 30)، والحاكم =
مرفوعًا، رواه أحمد
(1)
من رواية عبد الله
(2)
بن زحر، وهو ضعيف.
(و) بعد (سنتها) أي العشاء استحبابًا، ليوالي بين العشاء وسنتها
(3)
، (ولو) كانت صلاة العشاء (في جمع تقديم) بأن جمعها مع المغرب في وقتها، لعموم ما سبق (إلى طلوع الفجر الثاني) لما تقدم، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"أوتروا قبل أن تصبحوا" رواه مسلم
(4)
.
وأما حديث أبي نضرة
(5)
مرفوعًا: "إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين
= (1/ 306)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (2/ 967 - 968) رقم 2492 - 2494، والبيهقي (2/ 469، 477)، والبغوي (4/ 101) رقم 975. قال الترمذي: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وأعله البخاري في التاريخ الكبير (3/ 203) بقوله: لا يعرف لإسناده سماع بعضهم من بعض. وضعفه النووي في الخلاصة (1/ 550)، وفي المجموع (3/ 473 - 474). وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 16): وقال ابن حبان: إسناد منقطع، ومتن باطل. وانظر الأحكام الوسطى (2/ 43)، وفتح الباري لابن رجب (9/ 149).
(1)
(5/ 242). قال ابن رجب في فتح الباري (9/ 147): فيه انقطاع. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 16): فيه ضعف وانقطاع. وقال الهيثمي في المجمع (2/ 239): وفيه عبيد الله بن زحر، وهو ضعيف متهم، ومعاوية لم يتأمر في زمن معاذ.
(2)
كذا في الأصول، والصواب: عبيد الله.
(3)
في "ح" و"ذ" زيادة وهي: "وقد أوضحته في حاشية المنتهى بكلام ابن قندس في حاشية الفروع".
(4)
في المسافرين، حديث 754، عن أبي سعيد رضي الله عنه.
(5)
كذا في المطبوع: "أبي نضرة"، والصواب:"أبي بَصْرَة" كما في كتب الحديث، واسمه: جميل بن بصرة، صحابي معروف، انظر تجريد أسماء الصحابة (1/ 88)، وأما أبو نضرة فهو تابعي معروف، اسمه: المنذر بن مالك بن قُطَعة البصري. التقريب رقم 6938.
العشاء إلى صلاة الصبح" رواه أحمد
(1)
، من رواية ابن لهيعة، فيحمل على حذف مضاف، أي وقت صلاة الصبح، جمعًا بين الأخبار.
(ولا يصح) الوتر (قبل) صلاة (العشاء) لعدم دخول وقته. وفهم منه: أنه يصح بعد العشاء قبل سنتها، لكنه خلاف الأولى (والأفضل فعله آخر الليل لمن وثق من قيامه فيه، وإلا) بأن لم يثق من قيامه (أوترَ قبلَ أن يرقُدَ) لحديث جابر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "أيكم خاف أن لا يقومَ من آخر الليل فليوترْ، ثم ليرقدْ، ومن وثق بقيامه من آخر الليل فليوترْ من آخره، فإن قراءة آخر الليل محضورةٌ، وذلك أفضل" رواه مسلم
(2)
(ويقضيه مع شفعه إذا فات) وقته، لحديث أبي سعيد قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصله إذا أصبح، أو ذكره" رواه أبو داود
(3)
.
(1)
(6/ 7، 397). وأخرجه - أيضًا - الدولابي في الكنى والأسماء (1/ 65)، والطحاوي (1/ 430 - 431)، وفي شرح مشكل الآثار (11/ 353، 354 - 355) رقم 4491 - 4492، والطبراني في الكبير (2/ 279)، حديث 2167، 2168، وابن قانع في معجم الصحابة (1/ 150 - 151).
قال ابن رجب في فتح الباري (9/ 146): إسناده جيد. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 239)، وقال: رواه أحمد والطبراني في "الكبير"، وله إسنادان عند أحمد، أحدهما رجاله رجال الصحيح خلا علي بن إسحاق شيخ أحمد، وهو ثقة. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 16): وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، لكن توبع.
(2)
في المسافرين: حديث 755.
(3)
في الصلاة، باب 341، حديث 1431. وأخرجه - أيضًا - الترمذي في الوتر، باب 11، حديث 465، وابن ماجه في الإقامة، باب 122، حديث 1188، وأحمد (3/ 31، 44)، والمروزي في صلاة الوتر ص/ 174، رقم 330، وأبو يعلى (2/ 361) رقم 1114، وابن عدي (4/ 1583)، والدارقطني (2/ 22)، والحاكم (1/ 302)، والبيهقي (2/ 480). رواه الترمذي مرسلًا في الوتر، باب 11، حديث 466. ورجح صحة المرسل على المرفوع. قال النووي في الخلاصة =
(وأقله: ركعة، ولا يكره) الإيتار (بها مفردة، ولو بلا عذر من مرض، أو سفر، ونحوهما) لحديث أبي أيوب
(1)
، وهو قول كثير من الصحابة
(2)
.
(وأكثره) أي الوتر، وفي "الوجيز": وأفضله (إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بركعة) نص عليه
(3)
، لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبحَ فأوتر بواحدةٍ" متفق عليه
(4)
.
وعن عائشة "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن تفرغ العشاء إلى الفجر
= (1/ 561): حديث صحيح، وقال في المجموع (4/ 42): رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواه الترمذي بإسناد ضعيف. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصححه السيوطي في الجامع الصغير (6/ 230 مع الفيض).
(1)
تقدم تخريجه (3/ 21)، تعليق رقم 2.
(2)
منهم: عمر رضي الله عنه: رواه البيهقي (2/ 24).
ومنهم: عثمان بن عفان رضي الله عنه: رواه الشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 193)، وعبد الرزاق (3/ 24) رقم 4653، وابن أبي شيبة (2/ 292 - 293)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 178) رقم 2637، والبيهقي (2/ 25).
ومنهم: سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: رواه الشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 193)، وعبد الرزاق (3/ 21 - 22) رقم 4642 - 4647، وابن أبي شيبة (2/ 292)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 178) رقم 2638، والبيهقي (2/ 25). ومنهم: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: رواه البخاري، في فضائل الصحابة، باب 28، رقم 3764، 3765.
وغيرهم. انظر مصنف عبد الرزاق (3/ 22 - 25)، ومصنف ابن أبي شيبة (2/ 292)، والأوسط لابن المنذر (5/ 178 - 179)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 24 - 27).
(3)
انظر مسائل أبي داود ص/ 65 - 66، ومسائل عبد الله (2/ 313 - 314).
(4)
البخاري في الوتر، باب 1، حديث 990، والتهجد، باب 10، حديث 1137، ومسلم في المسافرين، حديث 749 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
إحدى عشرة ركعةً، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة" رواه مسلم
(1)
.
(ويسن فعلها) أي الركعة (عقب الشفع، بلا تأخير) لها عنه (نصًا)
(2)
.
(وإن صلاها) أي الإحدى عشرة (كلها بسلام واحد، بأن سرد عشرًا وتشهد) التشهد الأول (ثم قام فأتى بالركعة) جاز (أو سرد الجميع) أي الإحدى عشرة (ولم يجلس إلا في الأخيرة، جاز) لكن الصفة الأولى أفضل لأنها فعله صلى الله عليه وسلم (وكذا ما دونها) أي دون الإحدى عشرة، بأن أوتر بثلاث، أو بخمس، أو سبع، أو تسع.
(وإن أوتر بتسع سرد ثمانيًا، وجلس وتشهد) التشهد الأول (ولم يسلم، ثم صلى التاسعة، وتشهد وسلم) لما روت عائشة "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك" رواه مسلم
(3)
.
(وإن أوتر بسبع أو خمس) سردهن، و (لم يجلس إلا في آخرهن) لحديث أم سلمة قالت:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يوتر بخمسٍ، أو سبعٍ، لا يفصلُ بتسليم" رواه النسائي
(4)
.
وعن عائشة قالت: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي من الليلِ ثلاثَ عشرة ركعةً،
(1)
في المسافرين، حديث 736 (122).
(2)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 100)، ومسائل أبي داود ص/ 65.
(3)
في المسافرين، حديث 746.
(4)
في قيام الليل، باب 41، حديث 1714، وفي الكبرى (1/ 170) رقم 433 عن مقسم عن ابن عباس عن أم سلمة رضي الله عنهم. ورواه النسائي في قيام الليل، باب 41، حديث 1713، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 123، حديث 1192، وعبد الرزاق (3/ 27) رقم 4668، وأحمد (6/ 290، 310، 321)، والمروزي في صلاة الوتر ص/ 91 - 92، رقم 107، وأبو يعلى (12/ 398) رقم 6963، والطحاوي (1/ 291) عن مقسم عن أم سلمة، ليس فيه ابن عباس. قال =
يوتر من ذلك بخمسٍ، لا يجلس في شيء إلا آخرها" رواه مسلم
(1)
(وهو) أي عدم جلوسه إلا في آخرهن (أفضل فيهما) أي فيما إذا أوتر بسبع، أو بخمس. وجزم في "الكافي" و"المقنع" فيما إذا أوتر بسبع: أنه يسرد ستًا، ويجلس يتشهد، ولا يسلم، ثم يصلي السابعة، ويتشهد ويسلم، لفعله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد، وأبو داود من حديث عائشة
(2)
، وإسناده ثقات.
(وأدنى الكمال: ثلاث) ركعات، لأن الركعة الواحدة اختلف في كراهتها، والأفضل أن يتقدمها شفع، فلذلك كانت الثلاث أدنى الكمال (بسلامين) لحديث ابن عمر مرفوعًا:"افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم" رواه الأثرم
(3)
(وهو) أي كون الثلاث بسلامين (أفضل) لما سبق.
(ويستحب أن يتكلم بين الشفع والوتر) ليفصل بينهما. وكان ابن عمر
= البخاري في التاريخ الصغير (1/ 329): ولا يعرف لمقسم سماع من أم سلمة. لكن قال ابن سعد في الطبقات (5/ 295): وقد روى عن أم سلمة سماعًا. وقال ابن أبي حاتم في العلل (1/ 159) رقم 450: قال أبي: هذا حديث منكر.
(1)
في المسافرين، حديث 737.
(2)
أحمد (6/ 97، 236)، وأبو داود في الصلاة، باب 316، حديث 1346.
وأخرجه - أيضًا - النسائي في قيام الليل، باب 42، حديث 1718، وابن حبان "الإحسان"(6/ 195) رقم 2441، والبيهقي (3/ 30). والحديث أصله عند مسلم في صلاة المسافرين رقم 746.
(3)
لعله في سننه، ولم نقف عليها. وقد رواه أحمد (2/ 76)، والطحاوي (1/ 278 - 279)، وابن حبان "الإحسان"(6/ 190 - 191) رقم 2433، 2434، والطبراني في الأوسط (1/ 422) رقم 757، والدارقطني (2/ 35)، والخطيب في تاريخه (12/ 314). قال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 16): وقواه أحمد. وقال في الفتح (2/ 482): إسناده قوي.
يسلم من ركعتين، حتى يأمر ببعض حاجته
(1)
.
(ويجوز) أن يصلي الثلاث ركعات (بسلام واحد، ويكون سردًا) فلا يجلس إلا في آخرهن.
(ويجوز) أن يصلي الثلاث ركعات (كالمغرب) جزم به في "المستوعب" وغيره، وقال القاضي: إذا صلى الثلاث بسلام، ولم يكن جلس عقب الثانية جاز، وإن كان جلس فوجهان: أصحهما لا يكون وترًا.
(يقرأ في) الركعة (الأولى) إذا أوتر بثلاث بعد الفاتحة: (سبح، وفي الثانية: قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة: قل هو الله أحدٌ) لقول ابن عباس: "إن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بذلك" رواه أحمد، والترمذي
(2)
. ورواه أبو داود، وغيره من حديث أُبي بن كعب
(3)
.
(1)
رواه مالك (1/ 125). ومن طريقه الشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 196)، والبخاري في الوتر، باب 1، حديث 991، أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى يأمر ببعض حاجاته.
(2)
أحمد (1/ 299، 300، 316، 372)، والترمذي في الوتر، باب 9، حديث 462. ورواه - أيضًا - النسائي في قيام الليل، باب 38، حديث 1701، 1702، وفي الكبرى (1/ 170، 423، 447) رقم 435، 436، 1340، 1426، 1427، 1428، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 115، حديث 1172، وابن أبي شيبة (2/ 299، 14/ 263)، والدارمي في الصلاة، باب 210، 211، حديث 1594، 1597، والمروزي في صلاة الوتر ص/ 95 رقم 113، وأبو يعلى (4/ 429) رقم 2555، وابن المنذر في الأوسط (5/ 203 - 204) رقم 2704، والطحاوي (1/ 287 - 288). قال النووي في الخلاصة (1/ 556): رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، بإسناد صحيح. وقال العراقي في تخريج الإحياء (1/ 202): رواه النسائي من حديث ابن عباس بسند صحيح.
(3)
أبو داود في الصلاة، باب 339، حديث 1423، والنسائي في قيام الليل، باب 37، 47، حديث 1698، 1728، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 115، =
(ويسن أن يقنت فيها) أي في الركعة الأخيرة من الوتر (جميع السنة) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في وتره أشياء يأتي ذكرها، وكان للدوام؛ ولأن ما شرع في رمضان شرع في غيره كعدده.
وأما ما رواه أبو داود، والبيهقي "أن أُبيًّا كان يقنت في النصفِ الأخير من رمضان حين يصلي التراويح"
(1)
ففيه انقطاع، ثم هو رأي أُبي.
(بعد الركوع) روي عن الخلفاء الراشدين
(2)
، لحديث أبي هريرة، وأنس
= حديث 1171، والطيالسي ص/ 24 رقم 546، وابن حبان "الإحسان"(6/ 192، 202)، حديث 2436، 2450، والحاكم (2/ 257)، والبيهقي (3/ 38).
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: محمد رازي تفرد بأحاديث.
قلنا: محمد هو ابن أنس أبو أنس مولى آل عمر قال عنه ابن حجر في التقريب (5787): صدوق يغرب ..
(1)
أبو داود في الصلاة، باب 340، حديث 1428، 1429، والبيهقي (2/ 498). ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 305)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 206) رقم 2711. ضعفه النووي في الخلاصة (1/ 565)، وفي المجموع (3/ 473). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: في سنده مجهول.
(2)
رواه عبد الرزاق (3/ 109) رقم 4959، وابن أبي شيبة (2/ 312، 318)، وعبد الله بن أحمد في مسائله ص/ 93، وابن المنذر في الأوسط (5/ 201) رقم 2720، 2722، والطحاوي (1/ 250)، وفي شرح مشكل الآثار (11/ 375)، والبيهقي (2/ 202، 204، 208) عن أبي عثمان النهدي أنه سئل عن القنوت، فقال: بعد الركوع، فقيل له: عمن؟ فقال: عن أبي بكر، وعمر، وعثمان.
وحسن البيهقي إسناده.
وروى البيهقي (2/ 208) عن يزيد بن أبي زياد، قال: سمعت أشياخنا يحدثون أن عليًا كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع.
"أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قنتَ بعد الركوع" متفق عليه
(1)
.
(وإن كبر ورفع يديه، ثم قنت قبله) أي قبل الركوع (جاز) لأنه روي عن جمع من الصحابة
(2)
.
قال الخطيب
(3)
: الأحاديث التي جاء فيها "قبل الركوع" كلها معلولة.
(1)
أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه: فأخرجه البخاري في الأذان، باب 126، 128، حديث 797، 804، وفي الاستسقاء، باب 1، حديث 1006، وفي التفسير، باب 9، 20، حديث 4560، 4598، وفي الأدب، باب 110، حديث 6200، وفي الدعوات، باب 58، حديث 6393. ومسلم في المساجد، حديث 675.
وأما حديث أنس رضي الله عنه: فأخرجه البخاري في الوتر، باب 7، حديث 1001، وفي الجزية، والموادعة، باب 8، حديث 3170، وفي المغازي، باب 29، حديث 4089، 4094. ومسلم في المساجد، حديث 677.
(2)
روي عن عمر، وعلي، وأبى موسى الأشعري رضي الله عنهم: رواه ابن أبي شيبة (2/ 313)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 208) رقم 2713، 2715، والطحاوي (1/ 249، 251).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه. رواه ابن أبي شيبة (2/ 302، 305 - 306)، والطحاوي (1/ 253)، وفي شرح مشكل الآثار (11/ 366، 367) رقم 4500، والطبراني في الكبير (9/ 272)، رقم 9165.
قال الهيثمي في المجمع (2/ 127): وإسناده حسن.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما. رواه عبد الرزاق (3/ 113) رقم 4973، وابن أبي شيبة (2/ 312 - 313)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 209) رقم 2719، والطحاوي (1/ 252).
وعن أنس رضي الله عنه. رواه ابن المنذر (5/ 209) رقم 2718.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه. ورواه عبد الرزاق (3/ 109) رقم 4961، وابن أبي شيبة (2/ 313، 315)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 209) رقم 2716.
(3)
لعله في "كتاب القنوت والآثار المروية فيه" ولم يطبع. وانظر التحقيق لابن الجوزي (3/ 254).
(فيرفع يديه إلى صدره يبسطهما وبطونهما نحو السماء) نص على ذلك
(1)
، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعوت اللهَ فادعُ ببطونِ
(2)
كفيك، ولا تدع بظهورهما
(3)
، فإذا فرغتَ فامسحْ بهما
(4)
وجهك" رواه أبو داود، وابن ماجه
(5)
.
(ومن أدرك مع الإمام منها) أي من الثلاث ركعات (ركعة فإن كان الإمام سلم من اثنتين أجزأه) ما أدركه، لأن أقل الوتر ركعة (وإلا) أي وإن لم يكن الإمام سلم من اثنتين (قضى، كصلاة الإمام) لحديث: "ما أدركتم فصلُّوا، وما فاتَكم فاقْضُوا"
(6)
ولأن القضاء يحكي الأداء.
(ويقول في قنوته جهرًا إن كان إمامًا، أو منفردًا - نصًا
(7)
- وقياس المذهب: يخير المنفرد في الجهر) بالقنوت (وعدمه، كالقراءة) وظاهر كلام جماعة: أن الجهر يختص بالإمام فقط، قال في "الخلاف": وهو أظهر.
(اللهم) أصله: يا الله كما تقدم، حذفت "يا" من أوله، وعوض عنها الميم في آخره، ولذلك لا يجمع بينهما إلا في ضرورة الشعر، ولحظوا في ذلك أن يكون الابتداء بلفظ اسم الله تعالى، تبركًا وتعظيمًا، أو طلبًا للتخفيف بتصيير اللفظين لفظًا واحدًا.
(1)
انظر مسائل أبي داود ص/ 66، ومسائل عبد الله (2/ 300، 316، 329) رقم 427، 445، 466، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 387، 512) رقم 295 و 467.
(2)
رواية ابن ماجه: "بباطن". وباقي سياق الحديث موافق لها.
(3)
في "ح": "بظهورها".
(4)
في "ح": "بها".
(5)
تقدم تخريجه (2/ 395) تعليق رقم 1.
(6)
تقدم تخريجه (2/ 492) تعليق رقم 3.
(7)
انظر مسائل أبي داود ص/ 67، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 468) رقم 389.
(إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك) أي نطلب منك المعونة، والهداية، والمغفرة (ونتوب إليك) التوبة: الرجوع عن الذنب، وشرعًا: الندم على ما مضى من الذنب، والإقلاع في الحال، والعزم على ترك العود في المستقبل، تعظيمًا لله، فإن كان الحق لآدمي فلا بد أن يحلله، ذكره في "المبدع".
(ونؤمن بك) أي نصدق بوحدانيتك (ونتوكل عليك) قال الجوهري
(1)
: التوكل إظهار العجز، والاعتماد على الغير، والاسم التكلان.
وقال ذو النون المصري
(2)
: هو ترك تدبير النفس، والانخلاع من الحول والقوة.
وقال سهل بن عبد الله
(3)
: هو الاسترسال مع الله على ما يريد.
(ونثني عليك الخير كله) أي نمدحك ونصفك بالخير، والثناء في الخير خاصة، والنثاء بتقديم النون في الخير والشر.
(ونشكرك ولا نكفرك) أصل الكفر: الجحود والستر، قال في "المطلع"
(4)
(5)
: والمراد هنا كفر النعمة، لاقترانه بالشكر.
(اللهم إياك نعبد) قال الجوهري
(6)
: معنى العبادة: الطاعة والخضوع
(1)
الصحاح (5/ 1845).
(2)
الرسالة القشيرية ص/ 83.
(3)
الرسالة القشيرية ص/ 84، وشرح مسلم للنووي (3/ 87)، ومدارج السالكين (2/ 114).
(4)
في "ح" و"ذ": "المطالع" وهو خطأ.
(5)
(ص/ 93) نقلًا من مشارق الأنوار (1/ 345).
(6)
الصحاح (2/ 503).
والتذلل، ولا يستحقه إلا الله تعالى، قال الفخر إسماعيل
(1)
وأبو البقاء
(2)
: العبادة ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي، وسمي العبد عبدًا لذلته، وانقياده لمولاه.
(ولك نصلي ونسجد) لا لغيرك (وإليك نسعى) يقال: سعى يسعى سعيًا إذا عدا، وقيل: إذا كان بمعنى الجري عدي بإلى، وإذا كان بمعنى العمل فباللام، لقوله تعالى:{وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا}
(3)
(ونحفد) بفتح النون ويجوز ضمها يقال: حفد بمعنى أسرع، وأحفد لغة فيه، فمعنى "نحفد" نسرع، أي نبادر بالعمل والخدمة (نرجو) أي نؤمل (رحمتك) سعة عطاياك (ونخشى) نخاف (عذابك) أي عقوبتك، لقوله تعالى:{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}
(4)
(إن عذابك الجد) بكسر الجيم: الحق لا اللعب (بالكفار ملحق) بكسر الحاء أي لاحق بهم، ويجوز فتحها لغة على معنى: أن الله تعالى يلحقه بهم، وهو معنى صحيح، قال في "الشرح" و"المبدع": غير أن الرواية هي الأولى. وهذا الدعاء قنت به عمر رضي الله عنه
(5)
، وفي أوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي آخره: "اللهم عذِّب
(1)
هو إسماعيل بن علي بن حسين البغدادي الفقيه الأصولي أبو محمد يلقب فخر الدين، توفي سنة 610 هـ رحمه الله تعالى. انظر الذيل على طبقات الحنابلة (2/ 66).
(2)
هو عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين العكبري الفقيه المفسر الضرير، توفي سنة 616 هـ رحمه الله تعالى. انظر الذيل على طبقات الحنابلة (2/ 109).
(3)
سورة الإسراء، الآية:19.
(4)
سورة الحجر، الآيتان: 49 - 50.
(5)
أخرجه عبد الرزاق (3/ 111) رقم 4969، وابن أبي شيبة (2/ 314 - 315)، وعبد الله بن أحمد في مسائله ص/ 93، والطحاوي (1/ 249)، والبيهقي (2/ 210 - 211). قال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 25): وإسناده صحيح.
كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك" وهاتان سورتان في مصحف أُبي، قال ابن سيرين
(1)
: كتبهما أُبي في مصحفه إلى قوله: "ملحق" زاد غير واحد
(2)
: "ونخلع ونترك من يكفرك".
(اللهم اهدنا فيمن هديت) أصل الهدى: الرشاد والبيان قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
(3)
فأما قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَن أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}
(4)
فهي من الله تعالى التوفيق والإرشاد، وطلب الهداية من المؤمنين مع كونهم مهتدين، بمعنى طلب التثبيت عليها، أو بمعنى المزيد منها.
(وعافنا فيمن عافيت) من الأسقام والبلايا، والمعافاة أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك.
(وتولنا فيمن توليت) الولي: ضد العدو، من تليت الشيء إذا عنيت به ونظرت إليه، كما ينظر الولي في مال اليتيم؛ لأنه تعالى ينظر في أمر وليه بالعناية. ويجوز أن يكون من وليت الشيء، إذا لم يكن بينك وبينه واسطة، بمعنى أن الولي يقطع الوسائط بينه وبين الله تعالى، حتى يصير في مقام المراقبة والمشاهدة، وهو مقام الإحسان.
(وبارك لنا) البركة: الزيادة، وقيل: هي حلول الخير الإلهي في الشيء (فيما أعطيت) أي أنعمت به (وقنا شر ما قضيت، إنك سبحانك تقضي ولا يقضى عليك) سبحانه لا رادَّ لأمره، ولا معقب لحكمه، فإنه يفعل ما يشاء،
(1)
ذكر غير واحد أنه في مصحف أبي. انظر مختصر كتاب صلاة الوتر ص/ 60.
(2)
انظر مسائل أبي داود ص/ 68، ومختصر كتاب صلاة الوتر ص/ 160.
(3)
سورة الشورى، الآية:52.
(4)
سورة القصص، الآية:56.
ويحكم ما يريد (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد، ولفظه له، وتكلم فيه، وأبو داود
(1)
، والترمذي
(2)
وحسنه من حديث الحسن بن علي، قال: "علمني النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كلماتٍ أقولهن في قنوتِ الوترِ: اللهم اهدني
(3)
- إلى - وتعاليت" وليس فيه "ولا يعز من عاديت" ورواه البيهقي
(4)
، وأثبتها فيه، وتبعه المؤلف وغيره. والرواية إفراد الضمير، وجمعها المؤلف؛ لأن الإمام يستحب له أن يشارك المأموم في الدعاء. وفي "الرعاية":"لك الحمد على ما قضيت نستغفرك اللهم ونتوب إليك، لا لجأ ولا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك (اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك") قال الخطابي
(5)
: في هذا معنى لطيف،
(1)
في "ح": "وتكلم فيه أبو داود".
(2)
أحمد (1/ 199، 200)، وأبو داود في الصلاة، باب 340، حديث 1425، 1426، والترمذي في الوتر، باب 10، حديث 464. ورواه - أيضًا - النسائي في قيام الليل، باب 51، حديث 1745، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 117، حديث 1178، والطيالسي ص/ 163 حديث 1179، والدارمي في الصلاة، باب 214، حديث 1599 - 1601، وابن الجارود (1/ 239 - 240) حديث 272 - 273، وأبو يعلى (12/ 127، 132) حديث 6759، 6762، وابن خزيمة (2/ 151، 152) حديث 1095 - 1096، وابن حبان "الإحسان" (2/ 498 - 499) حديث 722، (3/ 225) حديث 945، والطبراني في الكبير (3/ 73 - 75) حديث 2702، 2704، 2706، 2708، 2712. قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وانظر المحلى (4/ 147)، والتلخيص الحبير (1/ 247).
(3)
في "ح": "اهدنا".
(4)
السنن الكبرى (2/ 209). ورواه بهذه الزيادة - أيضًا - أبو داود (1425)، والطبراني في الكبير (3/ 73، 74) حديث 2701، 2703 - 2705، 2707.
(5)
انظر شأن الدعاء ص/ 158.
وذلك أنه سأل الله أن يجيره برضاه من سخطه، وهما ضدان ومتقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، لجأ إلى من لا ضد له، وهو الله، أظهر العجز، والانقطاع، وفزع منه إليه، فاستعاذ به منه.
قال ابن عقيل: لا ينبغي أن يقول في دعائه: أعوذ بك منك، إذ حاصله أعوذ بالله من الله. وفيه نظر، إذ هو ثابت في الخبر.
(لا نحصي ثناء عليك) أي لا نحصي نعمك، والثناء بها عليك، ولا نبلغه ولا نطيقه، ولا تنتهي
(1)
غايته. والإحصاء: العد والضبط والحفظ. قال تعالى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ}
(2)
أي تطيقوه.
(أنت كما أثنيت على نفسك) اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، ورد إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلًا، كما أنه تعالى لا نهاية لسلطانه وعظمته؛ لا نهاية للثناء عليه؛ لأنه تابع للمثنى عليه.
روى علي أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" رواه الخمسة
(3)
ورواته ثقات.
(1)
في "ح" و"ذ": "ننتهي".
(2)
سورة المزمل، الآية:20.
(3)
أبو داود في الصلاة، باب 340، حديث 1427، والترمذي في الدعاء، باب 113، حديث 3566، والنسائي في قيام الليل، باب 51، حديث 1746، وابن ماجه في الإقامة، باب 117، حديث 1179، وأحمد (1/ 96، 118). ورواه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (8/ 195 - 196)، والطيالسي ص/ 19 حديث 123، وابن أبي شيبة (2/ 300، 306، 10/ 386)، وعبد بن حميد (1/ 131) حديث 81، والمروزي في صلاة الوتر ص/ 186 حديث 385، وأبو يعلى (1/ 327) حديث 275، والطبراني في الدعاء (2/ 1142) حديث 751، =
قال في "الشرح": ويقول في قنوت الوتر ما روي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو معنى ما نقله أبو الحارث، يدعو بما شاء، واقتصر جماعة على دعاء:"اللهم اهدنا" وظاهره: أنه يستحب، وإن لم يتعين، واختاره أحمد، ونقل المروذي: أنه يستحب بالسورتين، وأنه لا توقيت
(1)
.
(ثم يصلي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) نص عليه للخبر
(2)
.
(ولا بأس) أن يقول: (وعلى آله، ولا بأس أن يدعو في قنوته بما شاء غير ما تقدم نصًا
(3)
، قال أبو بكر: مهما دعا به جاز) وتقدم ما فيه.
(ويرفع يديه إذا أراد السجود) نص عليه
(4)
؛ لأنه مقصود في القيام، فهو كالقراءة.
(ويمسح وجهه بيديه)
لما روى السائب بن يزيد عن أبيه "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا رفع يديه ومسح بهما وجهه" رواه أبو داود
(5)
، من رواية ابن لهيعة.
= والحكم (1/ 306)، والبيهقي (3/ 42). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث علي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وانظر العلل لابن أبي حاتم (1/ 120) رقم 328، وعلل الدارقطني (4/ 14 - 15) رقم 410.
(1)
انظر مختصر كتاب صلاة الوتر ص/ 162.
(2)
رواه النسائي في قيام الليل، باب 51، حديث 1745، في آخر حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما ولفظه: وصلى الله على النبي محمد. قال النووي في المجموع (3/ 441)، وفي الخلاصة (1/ 458) رقم 1507: بإسناد صحيح، أو حسن. وضعفه الحافظ في نتائج الأفكار (2/ 146). لكن جاء العمل بها عن بعض السلف. انظر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ الألباني رحمه الله ص/ 180.
(3)
مسائل أبي داود ص/ 70 - 71.
(4)
مسائل أبي داود ص/ 66 - 67.
(5)
في الصلاة، باب 358، حديث 1492. ورواه - أيضًا - أحمد (4/ 221)، والبيهقي في الدعوات الكبير (1/ 139 - 140) رقم 184. =
و (كخارج الصلاة،
والمأموم يؤمن بلا قنوت)
إن سمع، وإن لم يسمع دعا، نص عليه
(1)
.
(ويفرد المنفرد الضمير) لما تقدم.
(وإذا سلم) من الوتر (سن قوله: "سبحان الملك القدوس"
ثلاثًا، يرفع صوته في الثالثة) للخبر، رواه أحمد
(2)
، عن عبد الرحمن بن أبزى.
"تتمة" قيل لأحمد: رجل قام يتطوع، ثم بدا له فجعل تلك الركعة وترًا قال: لا كيف يكون هذا؟ قد قلب نيته، قيل له: أيبتدئ الوتر؟ قال: نعم.
(ويكره قنوته في غير الوتر) روي ذلك عن ابن مسعود
(3)
، وابن عمر
(4)
، وأبي الدرداء
(5)
، لما روى مسلم عن أنس "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا يدعو على
= وفي الباب عن عمر رضي الله عنه. رواه الترمذي في الدعاء، باب 11، حديث 3386، وعبد بن حميد (1/ 90 - 91) حديث 39، والبزار في مسنده (1/ 243) حديث 129، والحاكم (1/ 536)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 840) حديث 1406. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد به. وقال الذهبي في السير (4/ 467): تفرد به حماد، وفيه لين. وقال النووي في المجموع (3/ 442): رواه الترمذي وقال: غريب، انفرد به حماد بن عيسى، وحماد هذا ضعيف. وقال ابن الجوزي: قال يحيى بن معين: هو حديث منكر.
(1)
مسائل أبي داود ص/ 66 - 67، ومختصر كتاب صلاة الوتر ص/ 166.
(2)
(3/ 406)، (5/ 123). وأخرجه - أيضًا - النسائي في قيام الليل، باب، 47، 48، 50 حديث 1730 - 1733، 1735، 1739، 1740، وعبد الرزاق (3/ 33) رقم 4697، وابن أبي شيبة (2/ 298)، وعبد بن حميد (1/ 278) حديث 312، والطحاوي (1/ 292). وأخرجه الحاكم (1/ 273) بلفظ: كان إذا سلم قال: سبحان الملك
…
الحديث. دون ذكر الوتر. وقال: صحيح على شرط الشيخين. وقال الذهبي: والحديث صحيح ..
(3)
رواه عبد الرزاق (3/ 106) رقم 4949، والطحاوي (1/ 253).
(4)
رواه مالك (1/ 159).
(5)
رواه الطحاوي (1/ 253).
حي من أحياء العرب ثم تركه"
(1)
وروى أبو هريرة
(2)
، وابن مسعود نحوه مرفوعًا
(3)
. عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: إنك قد صليت خلف النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وخلف علي ههنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بني محدث" رواه أحمد بإسناد صحيح، والترمذي
(4)
، وقال:"العمل عليه عند أهل العلم". وليس فيه "في الفجر".
وأما حديث أنس "مازال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" رواه
(1)
مسلم في المساجد، حديث 677 (304). ورواه - أيضًا - البخاري في المغازي، باب 28، حديث 4089.
(2)
أخرجه البخاري في التفسير، تفسير آل عمران، باب 9، حديث 4560، ومسلم في المساجد، حديث 675.
(3)
أخرجه البزار في مسنده (5/ 15) حديث 1569، وأبو يعلى (8/ 442، 457) حديث 5029، 5043، والطحاوي (1/ 243، 245)، والطبراني في الكبير (10/ 84، 90) حديث 9974، 9994، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (1/ 336 - 337) حديث 314، 315، والبيهقي (2/ 213)، والحازمي في الاعتبار ص/ 247 وضعفه، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 137)، وقال: رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في "الكبير"، وفيه أبو حمزة الأعور القصاب وهو ضعيف.
(4)
أحمد (3/ 472، 6/ 394)، والترمذي في الصلاة، باب 178، حديث 402، 403. وأخرجه - أيضًا - النسائي في التطبيق، باب 32، حديث 1079، وابن أبي شيبة (2/ 308)، وابن حبان "الإحسان" (5/ 328) حديث 1989 دون لفظ: "في الفجر". ورواه ابن ماجه في الإقامة، باب 145، حديث 1241، والطيالسي ص/ 189 حديث 1328، والطحاوي (1/ 249)، والطبراني في الكبير (8/ 378) حديث 8177، 8178، 8179، والبيهقي (2/ 213) بزيادة لفظ:"في الفجر". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
أحمد
(1)
، وغيره، فيحمل على أنه أراد طول القيام، فإنه يسمى قنوتًا.
أو أنه كان يقنت إذا دعا لقوم، أو دعا عليهم، للجمع بينهما، يؤيده ما روى سعيد عن أبي هريرة "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان لا يقنت في الفجر إلا إذا دعا لقوم أو دعا عليهم"
(2)
وكذلك ما روي عن عمر "أنه كان يقنت في الفجر بمحضر من الصحابة وغيرهم"
(3)
يحمل على أنه كان في أوقات النوازل. وعن سعيد بن جبير قال: "أشهد على ابن عباس أنه قال: القنوت في الفجر بدعة" رواه الدارقطني
(4)
، ولأنها صلاة مفروضة فلم يسن فيها، كبقية الصلوات.
(1)
(3/ 162). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 110) حديث 4964، وابن أبي شيبة (2/ 312)، والبزار (1/ 269) حديث 556، والطحاوي (1/ 244) وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ ص/ 209 - 210، حديث 220، والدارقطني (2/ 39)، والبيهقي (2/ 20)، والبغوي (3/ 123 - 124) حديث 639، والحازمي في الاعتبار ص/ 255، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 444 - 445)، والضياء في المختارة (6/ 129 - 130) حديث 2127 - 2128. قال البيهقي: قال أبو عبد الله: هذا إسناد صحيح. وصححه النووي في الخلاصة (1/ 450)، وفي المجموع (3/ 446)، وعزاه إلى الحاكم في المستدرك. وتعقبه ابن حجر في التلخيص الحبير (1/ 245) فقال: وعزاه النووي إلى المستدرك للحاكم، وليس هو فيه، وإنما أورده وصححه في جزء له مفرد في القنوت، ونقل البيهقي تصحيحه عن الحاكم، فظن الشيخ أنه في المستدرك. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح.
(2)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور، وقد رواه أحمد (2/ 255)، وابن خزيمة (1/ 313 - 314) رقم 619، والطحاوي (1/ 242)، والبيهقي (2/ 197).
(3)
رواه عبد الرزاق (3/ 109، 110، 112، 115) حديث 4959، 4968، 4971، 4980، وابن أبي شيبة (2/ 313، 314)، والمروزي (مختصر كتاب الوتر ص/ 164، رقم 312)، والطحاوي (1/ 250)، والبيهقي (2/ 203، 204، 208، 211).
(4)
(2/ 41). ورواه - أيضًا - البيهقي (2/ 213 - 214). وقال: لا يصح.
(فإن ائتم بمن يقنت في الفجر أو في النازلة تابعه) لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه"
(1)
.
(وأمن) المأموم (إن كان يسمع) القنوت (وإن لم يسمع) القنوت (دعا) قال في "الاختيارات"
(2)
: وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد تبعه المأموم فيه، وإن كان هو لا يراه، مثل القنوت في الفجر، ووصل الوتر.
(فإن نزل بالمسلمين نازلة) هي الشديدة من شدائد الدهر (غير الطاعون) لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس، ولا في غيره، ولأنه شهادة، للأخبار
(3)
، فلا يسأل رفعه (سن لإمام الوقت خاصة) لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي قنت، فيتعدى الحكم إلى من يقوم مقامه (واختار جماعة: ونائبه) لقيامه مقامه (القنوت بما يناسب تلك النازلة في كل مكتوبة) لفعل النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
(2)
ص/ 107.
(3)
منها:
أ - حديث أنس رضي الله عنه. رواه البخاري في الجهاد، باب 30، حديث 2830، وفي الطب، باب 30، حديث 5732، ومسلم في الإمارة، حديث 1916، ولفظه: الطاعون شهادة لكل مسلم.
ب - وحديث أبي هريرة رضي الله عنه. رواه البخاري في الأذان، باب 32، 73، حديث 653، 720، وفي الجهاد، باب 30، حديث 2829، وفي الطب، باب 30، حديث 5733، ومسلم في الإمارة، حديث 1914 - 1915، ولفظه:"الشهداء خمسة: المطعون. . ." الحديث.
ج - وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه. رواه النسائي في الجهاد، باب 36، حديث 3163، وأبو عوانة في مسنده (5/ 96): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خمس من قبض في شيء منهن فهو شهيد، وفيه: والمطعون في سبيل الله شهيد.
في حديث ابن عباس، رواه أحمد، وأبو داود
(1)
(إلا الجمعة) للاستغناء عنه بالدعاء في خطبتها.
(ويرفع صوته في صلاة جهر) قال في "المبدع": وظاهر كلامه مطلقًا.
(وإن قنت في النازلة كل إمام جماعة، أو كل مصل لم تبطل صلاته) لأنه من جنس الصلاة، كما لو قال: آمين رب العالمين.
(1)
أحمد (1/ 301 - 302)، وأبو داود في الصلاة، باب 345، حديث 1443. ورواه - أيضًا - محمد بن نصر المروزي في صلاة الوتر ص/ 165، حديث 314، وابن الجارود: حديث 198، وابن خزيمة (1/ 313) حديث 618، وابن المنذر في الأوسط (5/ 215 - 216) حديث 2737، والطبراني في الكبير (11/ 331) حديث 11910، والحاكم (1/ 225 - 226)، والبيهقي (2/ 200)، والحازمي في الاعتبار ص/ 236 - 237.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. ووافقه الذهبي. وقال الحازمي: هذا حديث حسن على شرط أبي داود. وقال النووي في المجموع (3/ 443)، وفي الخلاصة (1/ 461): رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح.
فصل (السنن الراتبة) التي تفعل مع الفرائض
(عشر) ركعات (وركعة الوتر؛ فيتأكد فعلها، ويكره تركها، ولا تقبل شهادة من داوم عليه لسقوط عدالته) قال أحمد
(1)
: من ترك الوتر عمدًا
(2)
رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة (قال القاضي: ويأثم) واعترض بأنه لا تأثيم بترك سنة. ويأتي له مزيد بيان في الكلام على العدالة في باب شروط من تقبل شهادته.
(إلا في سفر، فيخير بين فعلها) أي الرواتب (و) بين (تركها) لأن السفر مظنة المشقة، ولذلك جاز فيه القصر (إلا سنة فجر، و) إلا سنة (وتر، فيفعلان فيه) أي في السفر كالحضر، لتأكدهما
(3)
لما تقدم.
(وفعلها) أي الرواتب بل السنن كلها سوى ما تشرع له الجماعة (في البيت أفضل) لحديث ابن عمر الآتي، ولأنه أبعد من الرياء، لكن المعتكف يصليها في المسجد.
(1)
تقدم (3/ 22) تعليق رقم 2.
(2)
في "ح" و"ذ": بعد عمدًا، زيادة:"فهو".
(3)
ظاهر السنة ترك السنن الرواتب في السفر ما عدا راتبة الفجر، وما عدا الوتر. قال شيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات ص/ 111: ويوتر المسافر، ويركع سنة الفجر، ويسن تركه غيرهما، والأفضل له التطوع في غير السنن الراتبة، ونقله بعضهم إجماعًا. وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (1/ 315): وكان (صلى الله عليه وسلم) في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة راتبة غيرهما.
(ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، يقرأ في أولاهما بعد الفاتحة: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية، قل هو الله أحد) للخبر
(1)
(وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) لقول ابن عمر: "حفظت من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يُدخل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيها، حدثتني حفصةُ أنه كان إذا
(1)
روي من حديث ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم.
فأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فرواه الترمذي في الصلاة، باب 102، حديث 417، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 102، حديث 1149، والطيالسي ص/ 257، حديث 1893، وعبد الرزاق (3/ 59) حديث 4790، وابن أبي شيبة (2/ 242)، وأحمد (2/ 24، 35، 58، 94، 95، 99)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 226) حديث 2750، والطحاوي (1/ 298)، وابن حبان "الإحسان"(6/ 211 - 212) حديث 2459، والطبراني في الكبير (12/ 414، 415) حديث 13527 - 13528، والبيهقي (3/ 43) ولفظه: رمقت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر (قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد). وحسنه الترمذي.
وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فرواه الترمذي في الصلاة، باب 202، حديث 431، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 112، حديث 1166، وأبو يعلى (8/ 463) حديث 5049، والطحاوي (1/ 298)، والطبراني في الأوسط (6/ 359) حديث 5763، وابن عدي (5/ 1945 - 1946)، والبيهقي (3/ 43)، والبغوي (3/ 456) حديث 884. ولفظه: ما أحصي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ (قل يا أيها الكافرون)، و (قل هو الله أحد). وقال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث غريب.
أذن المؤذن وطلع الفجر، صلى ركعتين" متفق عليه
(1)
، وكذا أخبرت عائشة وصححه الترمذي
(2)
.
(ويسن تخفيفهما) أي ركعتي الفجر، لحديث عائشة "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني لأقول: هل قرأ بأمِّ الكتاب؟ " متفق عليه
(3)
.
(و) يسن (الاضطجاع بعدهما على جنبه الأيمن) قبل فرضه، نص عليه
(4)
، لقول عائشة:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع" وفي رواية: "فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع" متفق عليه
(5)
. ونقل أبو طالب
(6)
: يكره الكلام بعدهما إنما هي ساعة تسبيح. ولعل المراد في غير العلم لقول الميموني: كنا نتناظر أنا وأبو عبد الله في المسائل قبل صلاة الفجر. وغير الكلام المحتاج إليه
(7)
. ويتوجه: لا يكره لحديث عائشة، قاله في "المبدع"، وسبقه إليه جده في "الفروع".
(1)
البخاري في التهجد، باب 34، حديث 1180، ومسلم في المسافرين، حديث 729 بنحوه.
(2)
في الصلاة، باب 205، حديث 436، وهو في "صحيح مسلم": المسافرين، حديث 730 بنحوه، غير أن فيه: قالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا.
(3)
البخاري في التهجد، باب 27، حديث 1165، ومسلم في المسافرين، حديث 724 (92).
(4)
مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 389) رقم 297، ومسائل ابن هانئ (1/ 105) رقم 524.
(5)
البخاري في التهجد، باب 23، 24، حديث 1160، 1161، ومسلم في المسافرين، حديث 743.
(6)
انظر مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 391 - 392) رقم 300.
(7)
انظر مسائل صالح (2/ 479) رقم 1199.
(و) يسن (أن يقرأ فيهما) أي في ركعتي الفجر (كسنة المغرب) في الأولى بعد الفاتحة {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثانية {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لحديث أبي هريرة "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية قل هو الله أحد" رواه مسلم
(1)
.
(أو) يقرأ (في الأولى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} الآية
(2)
) من البقرة (وفي الثانية: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا .. } الآية
(3)
) من آل عمران للخبر
(4)
، وتقدم في صفة الصلاة.
(ويجوز فعلهما) أي ركعتي الفجر (راكبًا) لحديث مسلم
(5)
عن ابن عمر، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، وللبخاري
(6)
"إلا الفرائض" وسأله صالح عن ذلك فقال
(7)
: قد أوتر النَّبي صلى الله عليه وسلم على بعيره، وركعتا الفجر ما سمعت بشيء، ولا أجترئ عليه.
(ووقت كل راتبة منها) أي من الرواتب (قبل الفرض) كسنة الفجر، والظهر القبلية (من دخول وقته) أي وقت الفرض (إلى) تمام (فعله) فسنة فجر، وظهر الأولة
(8)
: بعدهما قضاء كما يأتي (وما بعده) أي بعد الفرض من السنن،
(1)
في المسافرين، حديث 726.
(2)
سورة البقرة، الآية:136.
(3)
سورة آل عمران، الآية:64.
(4)
أخرجه مسلم في المسافرين، حديث 727، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)
في المسافرين، حديث 700 (39).
(6)
في الوتر، باب 6، حديث 1000.
(7)
مسائل صالح (2/ 257) رقم 859.
(8)
في "ذ": "الأولى".
كسنة الظهر الأخيرة، وسنة المغرب، والعشاء وقتها (من فعله إلى آخر وقته) فلا يصح تقديمها عليه.
(ولا سنة) راتبة (لجمعة قبلها، وأقلها) أي أقل السنة الراتبة (بعدها) أي الجمعة (ركعتان) لما في رواية متفق عليها عن ابن عمر: "وركعتينِ بعدَ الجمعةِ في بيتهِ"
(1)
(وأكثرها) أي السنة بعد الجمعة (ست) لما يأتي في بابه (وفعلها) أي سنة الجمعة (في المسجد مكانه أفضل نصًا)
(2)
وفيه نظر، مع الحديث السابق عن ابن عمر. وفي "المبدع": فعل جميع الرواتب في البيت أفضل.
(وتجزئ السنة عن تحية المسجد) لأن المقصود من تحية المسجد بداءة الداخل إليه بالصلاة، وقد وجدت، و (لا عكس) أي لا تجزئ تحية عن سنة؛ لأنه لم ينو السنة عند إحرامه، وإنما لكل امرئ ما نوى. ولا تحصل التحية بركعة، ولا بصلاة جنازة، ولا سجود تلاوة، وشكر. قال في "المنتهى": وإن نوى بركعتين التحية والسنة أو الفرض حصلا.
(و
يسن الفصل بين الفرض وسنته
بكلام أو قيام) أي انتقال، لقول معاوية: "إن النَّبيَّ أمرنا بذلك؛ أن لا نوصل صلاةً
(3)
حتى نتكلمَ، أو نخرج" رواه مسلم
(4)
.
(وللزوجة، والأجير) ولو خاصا (والولد، والعبد فعل السنن الرواتب مع الفرض) لأنها تابعة له (ولا يجوز منعهم) من السنن الراتبة؛ لأن زمنها مستثنى شرعًا، كالفرائض.
(1)
البخاري في الجمعة، باب 39، حديث 937، ومسلم في الجمعة حديث 882.
(2)
انظر مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 561 - 562) رقم 540.
(3)
لفظ مسلم: "أن لا توصَل صلاة بصلاة".
(4)
في الجمعة، حديث 883.
(ومن فاته شيء من هذه السنن سن له قضاؤه) لما روي "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قضى ركعتَي الفجرِ مع الفجر حين نام عنهُما
(1)
، وقضى الركعتينِ اللتينِ قبل الظهرِ بعد العصر"
(2)
وقسنا الباقي على ذلك (وتقدم) في باب شروط الصلاة (إذا فاتت) السنن (مع الفرائض) مفصلًا.
(وسنة فجر، وسنة ظهر الأولة بعدهما) أي بعد الفجر، والظهر (قضاء) لأن وقتهما يمتد إلى الصلاة، ففعلهما بعد الوقت يكون قضاء.
(ويبدأ بسنة الظهر) التي (قبلها إذا قضاها) أي السنة (قبل) السنة (التي بعدها) أي بعد الظهر ندبًا، مراعاة للترتيب.
(ويسن غير الرواتب: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها) لما روت أم حبيبة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "من حافظ على أربع قبل الظهر، وأربع بعدَها، حرَّمه اللهُ على النار" صححه الترمذي
(3)
.
(1)
رواه مسلم في المساجد، حديث 680 عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري في السهو، باب 8، حديث 1233، ومسلم في المسافرين، حديث 834 عن أم سلمة رضي الله عنها.
(3)
في الصلاة، باب 200، حديث 428. وأخرجه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (7/ 36 - 37)، حديث 1811، 1812، 1814، 1815، وأبو داود في الصلاة، باب 296، حديث 1269، والنسائي في قيام الليل، باب 67، حديث 1816، وفي الكبرى (1/ 462) حديث 1480، 1481، وابن ماجه في الصلاة، باب (108)، حديث 1160، وابن أبي شيبة (2/ 204)، وأحمد (6/ 325، 326)، وأبو يعلى (13/ 52 - 53) حديث 7130، وابن خزيمة (2/ 206) حديث 1191، 1192، والطبراني في الكبير (23/ 232 - 236) حديث 241 - 446، 452، 453، 456 - 459، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال ص/ 134، 136، حديث 80، 84، والحاكم (1/ 312)، وتمام في فوائده (1/ 381) حديث 379، والبيهقي (2/ 472، 473)، والبغوي (3/ 463، 464) =
(وأربع قبل الجمعة) لما يأتي في بابها.
(وأربع قبل العصر) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "رحم الله امرأ صلى قبلَ العصرِ أربعًا" رواه الترمذي
(1)
، وقال: حسن غريب.
(وأربع بعد المغرب) لحديث أبي هريرة يرفعه: "من صلَّى بعد المغرب ستَّ ركعاتٍ لم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن له بعبادةِ اثنتي عشرة سنةً" رواه الترمذي
(2)
(وقال الموفق) والشارح: (ست) أي بعد المغرب؛ للخبر السابق.
= حديث 888، 889. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه الحاكم. ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال في المهذب (2/ 435): الحديث معلل على وجوه، وهو منقطع بين مكحول وعنبسة. وقال النووي في المجموع (3/ 462): صحيح. ورمز السيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (6/ 114) لصحته. وانظر علل ابن أبي حاتم (1/ 171) رقم 488، وتهذيب الكمال (25/ 284 - 285).
(1)
في الصلاة، باب 201، حديث 430. وأخرجه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 297، حديث 1271، والطيالسي ص/ 262 حديث 1936، وأحمد (2/ 117)، وابن خزيمة (2/ 206) حديث 1193، وابن حبان "الإحسان" (6/ 206) حديث 2453، وابن عدي (6/ 2247)، والبيهقي (2/ 373)، والبغوي (3/ 470) حديث 893. قال الترمذي: حسن غريب. ورمز السيوطي لصحته في الجامع الصغير مع الفيض (4/ 24). وقال ابن حجر في الفتح. (2/ 59): ليس على شرط البخاري. وقال في التلخيص الحبير (2/ 12): وفيه: محمد بن مهران، وفيه مقال، لكن وثقه ابن حبان، وابن عدي. وقال ابن القيم في زاد المعاد (1/ 311 - 312): وقد اختلف في هذا الحديث فصححه ابن حبان وعلله غيره
…
وانظر بيان الوهم والإيهام (4/ 191 - 193) حديث 1680.
(2)
في الصلاة، باب 204، حديث 435. وأخرجه - أيضًا - ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب (113، 185) حديث 1167، 1374، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال ص/ 132، رقم 78، والبغوي (3/ 473) رقم 896، =
(وأربع بعد العشاء) لقول عائشة: "ما صلى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم العشاء قط، فدخل عليَّ إلا صلى أربعَ ركعات، أو ستَّ ركعات" رواه أبو داود
(1)
.
(قال جماعة) منهم الشارح وابن عبيدان: (يحافظ عليهن) استحبابًا لما تقدم.
(و
يسن لمن شاء ركعتان بعد أذان المغرب قبلها)
لما روى أنس قال: "كنا نصلي على عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ركعتين بعدَ غروبِ الشمسِ قبل صلاةِ المغربِ" قال المختار بن فلفل: "فقلت له: أكان صلى الله عليه وسلم صلاهما؟ قال: كان يرانَا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينْهَنا" متفق عليه
(2)
. وأصح الروايتين: إباحتهما، كما تقدم في باب الأذان لحديث عبد الله المزني قال: قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا ركعتينِ قبلَ المغرِبِ، ثم قال: صلوا ركعتين قبل المغربِ، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء، خشية أن يتخذها الناس سنة" متفق عليه
(3)
. وقوله:
= وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 456، 457). قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث غريب. وقال النووي في الخلاصة (1/ 542): حديث ضعيف، ضعفه الترمذي وغيره. وضعفه السيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (6/ 167).
(1)
في الصلاة، باب 305، حديث 1303. ورواه - أيضًا - النسائي في الكبرى (1/ 159) حديث 391، وأحمد (6/ 58).
(2)
لم نجده في "صحيح البخاري" بهذا اللفظ، وهو في "صحيح مسلم": المسافرين، حديث 836، باللفظ الذي ساقه المؤلف. ولفظ الحديث المتفق عليه هو ما رواه البخاري في الأذان باب 14، حديث 625، ومسلم في المسافرين، حديث 837 عن أنس رضي الله عنه قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب.
(3)
البخاري في التهجد، باب 35، حديث 1183. ولم نجده في صحيح مسلم بهذا اللفظ. وفيه في المساجد حديث 838: بين كل أذانين صلاة. قالها ثلاثًا، قال في الثالثة: لمن شاء.
"يسن لمن شاء" فيه نظر؛ لأن السنية لا تتوقف على المشيئة، إلا أن يقال: أشار به إلى أن سنيتهما ليست مؤكدة.
(و) يسن (ركعتان بعد الوتر جالسًا) والأصح: يباحان، قال الأثرم
(1)
: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الركعتين بعد الوتر فقال: أرجو إن فعله إنسان أن لا يضيق عليه، ولكن يكون وهو جالس، كما جاء في الحديث
(2)
، قلت: تفعله أنت؟ قال: لا ما أفعله. انتهى؛ لأن أكثر الواصفين لتهجده صلى الله عليه وسلم لم يذكروهما، منهم ابن عباس
(3)
، وزيد بن خالد
(4)
، وعائشة، فيما رواه عنها عروة
(5)
، والقاسم
(6)
، وعبد الله بن شقيق
(7)
.
(1)
انظر الأوسط (5/ 202).
(2)
وهو ما رواه مسلم في المسافرين، حديث 738 (126) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة، من صلاة الصبح.
(3)
رواه البخاري في العلم، باب 41، حديث 117، وفي الوضوء، باب 5، 36، حديث 138، 183، وفي الأذان، باب 57، 58، حديث 697، 698، وفي العمل في الصلاة، باب 21، حديث 1198، وفي التفسير، باب 18، 19، 20، حديث 4570، 4571، 4572، وفي الدعوات، باب 10، حديث 6316، وفي التوحيد، باب 27، حديث 7452، ومسلم في صلاة المسافرين، حديث 763.
(4)
رواه مسلم في المسافرين، حديث 765.
(5)
رواه مسلم في المسافرين، حديث 736، 737.
(6)
رواه البخاري في التهجد، باب 10، حديث 1140، ومسلم في المسافرين، حديث 738، (128).
(7)
رواه مسلم في المسافرين، حديث 730.
فصل (التراويح) سنة مؤكدة سنها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم
وليست محدثة لعمر، ففي المتفق عليه
(1)
من حديث عائشة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلاها بأصحابه ثم تركها خشية أن تفرض، وهي من أعلام الدين الظاهرة، سميت بذلك لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربع يستريحون، وقيل: مشتقة من المراوحة، وهي التكرار في الفعل.
وهي (عشرون ركعة في رمضان) لما روى مالك، عن يزيد بن رومان قال:"كان الناس يقومون في زمن عمر في رمضان بثلاثٍ وعشرين ركعةً"
(2)
والسر فيه أن الراتبة عشر، فضوعفت في رمضان؛ لأنه وقت جد. وهذا في مظنة الشهرة بحضرة الصحابة، فكان إجماعًا. وروى أبو بكر عبد العزيز في كتابه "الشافي" عن ابن عباس "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي في شهرِ رمضان عشرين ركعةً"
(3)
.
(1)
البخاري التهجد، باب 5، حديث 1129، ومسلم في المسافرين، حديث 761.
(2)
"الموطأ"(1/ 115). ومن طريق مالك: رواه الفريابي في الصيام ص/ 132، حديث 179، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 496)، وفي المعرفة (4/ 42) حديث 5411. قال النووي في المجموع (3/ 486): لكنه مرسل، فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر. وانظر نصب الراية (1/ 154).
(3)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 394)، وعبد بن حميد (1/ 557) حديث 652، والطبراني في الكبير (11/ 393) حديث 12102، والأوسط (1/ 444) حديث 802، (6/ 210) حديث 5436، وابن عدي (1/ 240)، والبيهقي (2/ 496)، والخطيب في الموضح (1/ 382). قال البيهقي: تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان =
(يجهر) الإمام (فيها بالقراءة) لفعل الخلف عن السلف.
(و
فعلها جماعة أفضل)
من فعلها فرادى. قال أحمد
(1)
: كان علي
(2)
، وجابر
(3)
، وعبد الله
(4)
يصلونها في الجماعة. وروى البيهقي عن علي: أنه كان يجعل للرجال إمامًا، وللنساء إمامًا
(5)
. وفي حديث أبي ذر "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم جمع أهلَه وأصحابَه، وقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرفَ كتب له قيامُ ليلة" رواه أحمد، وصححه الترمذي
(6)
.
= العبسي الكوفي، وهو ضعيف. وقال الزيلعي في نصب الراية (2/ 153): وهو معلول بأبي شيبة إبراهيم بن عثمان، جد الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، وهو متفق على ضعفه، ولينه ابن عدي في الكامل، ثم إنه مخالف للحديث الصحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
(1)
انظر الاستذكار (5/ 162)، ومسائل أبي داود ص/ 62، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 446) رقم 387، ومختصر كتاب قيام رمضان ص/ 39، وكتاب التهجد للإشبيلي ص/ 176.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 395)، والبيهقي (2/ 496).
(3)
انظر الاستذكار (5/ 162).
(4)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 394، 395).
(5)
"السنن الكبرى"(2/ 494). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (4/ 258) حديث 7722.
(6)
أحمد (5/ 159، 163)، والترمذي في الصوم، باب 81، حديث 806. وأخرجه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 318، حديث 1375، والنسائي في السهو، باب 103، حديث 1363، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 173، حديث 1327، والطيالسي ص/ 63، حديث 466، وعبد الرزاق (4/ 254 - 255) حديث 7706، وابن أبي شيبة (2/ 394)، والدارمي في الصلاة، باب (54)، حديث 1784، 1785، وابن الجارود (2/ 49) حديث 403، والطحاوي (1/ 349)، وابن خزيمة (3/ 337 - 338) حديث 2206 وابن حبان "الإحسان" (6/ 288) رقم 2547، والبيهقي (2/ 494). قال الترمذي: حسن صحيح.
(ولا ينقص منها) أي من العشرين ركعة لما تقدم.
(ولا بأس بالزيادة) على العشرين (نصًا) قال عبد الله بن أحمد
(1)
: رأيت أبي يصلي في رمضان ما لا أحصي، وكان عبد الرحمن بن الأسود يقوم بأربعين ركعة، ويوتر بعدها بسبع
(2)
.
(يسلم من كل ركعتين)
لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنَى"
(3)
(وإن تعذرتِ الجماعة صلى وحده) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "من قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدمَ من ذنْبِهِ"
(4)
(ينوي في أول كل ركعتين فيقول) سرًا ندبًا
(5)
: (أصلي ركعتين من التراويح المسنونة)، أو من قيام رمضان، لحديث:"إنما الأعمالُ بالنياتِ"
(6)
.
(ويستريح بعد كل أربع) ركعات من التراويح (بجلسة يسيرة) لما تقدم.
(ولا بأس بتركها) أي الجلسة بعد كل أربع.
(ولا يدعو إذا استراح) لعدم وروده.
(ولا يكره الدعاء بعد التراويح) خلافًا لابن عقيل، لعموم {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}
(7)
.
(1)
مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (2/ 321 - 322) رقم 455.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 393، 398).
(3)
أخرجه البخاري في الوتر، باب 1، حديث 990، ومسلم في المسافرين، حديث 749، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(4)
أخرجه البخاري في الإيمان، باب 27، حديث 37، ومسلم في المسافرين، حديثه 759، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5)
ليس على هذا دليل يعتمد عليه.
(6)
تقدم تخريجه (1/ 193) تعليق رقم 2.
(7)
سورة الشرح، الآية:7.
(ووقتها) أي التراويح (بعد) صلاة (العشاء، و) بعد (سنتها) قال المجد في "شرحه": لأن سنة العشاء يكره تأخيرها عن وقت العشاء المختار، فكان إتباعها لها أولى (قبل الوتر إلى طلوع الفجر الثاني) فلا تصح قبل صلاة العشاء، فمن صلى العشاء ثم التراويح، ثم ذكر أنه صلى العشاء محدثًا أعاد التراويح؛ لأنها سنة تفعل بعد مكتوبة، فلم تصح قبلها، كسنة العشاء. وإن طلع الفجر، فات وقتها. وظاهر كلامهم: لا تقضى. وإن صلى التراويح بعد العشاء، وقبل سنتها، صح جزمًا، ولكن الأفضل فعلها بعد السنة على المنصوص، هذا حاصل كلام ابن قندس. قلت: وكذا لو صلاها بعد الوتر وقبل الفجر.
(وفعلها في مسجد) أفضل؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلاها مرةً ثلاث ليالٍ متوالية كما روته عائشة
(1)
، ومرة "ثلاث ليالٍ متفرقة" كما رواه أبو ذر، وقال:"من قامَ مع الإمامِ حتى ينصرف حسب له قيامُ ليلةٍ"
(2)
وكان أصحابه يفعلونها في المسجد، أوزاعا في جماعات متفرقة في عهده، وجمع عمر الناس على أُبي
(3)
، وتابعه الصحابة على ذلك ومن بعدهم.
(و) فعلها (أول الليل أفضل) لأن الناس كانوا يقومون على عهد عمر أوله.
(ويوتر بعدها) أي التراويح (في الجماعة بثلاث ركعات) لما تقدم
(4)
عن مالك عن يزيد بن رومان.
(1)
تقدم تخريجه (3/ 53)، تعليق رقم 1.
(2)
تقدم تخريجه (3/ 54)، تعليق رقم 6.
(3)
رواه البخاري في التراويح، باب 1، حديث 2010.
(4)
(3/ 53)، تعليق رقم 2.
(فإن كان له تهجد جعل الوتر بعده) استحبابًا، لقوله صلى الله عليه وسلم:"اجعلوا آخرَ صلاتِكم بالليلِ وترًا" متفق عليه
(1)
(وإلا) أي وإن لم يكن له تهجد (صلاه) أي الوتر مع الإمام، لينال فضيلة الجماعة (فإن أحب) من له تهجد (متابعة الإمام) في وتره (قام إذا سلم الإمام فشفعها) أي ركعة الوتر (بأخرى) ثم إذا تهجد أوتر، فينال فضيلة متابعة الإمام حتى ينصرف، وفضيلة جعل وتره آخر صلاته.
(ومن أوتر) في جماعة أو منفردًا (ثم أراد الصلاة) تطوعًا (بعده) أي الوتر (لم ينقض وتره) أي لم يشفعه (بركعة) لقول عائشة - وقد سئلت عن الذي ينقض وتره -: "ذاك الذي يلعبُ بوترِه" رواه سعيد وغيره
(2)
(وصلى شفعًا ما شاء إلى طلوع الفجر الثاني) لأنه قد صح عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتيْن
(3)
(ولم يوتر) اكتفاء بالوتر الذي قبل تهجده، لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا وترانِ في ليلةٍ" رواه أحمد، وأبو داود
(4)
، عن قيس بن طلق، عن أبيه، وقيس فيه لين.
(1)
البخاري في الوتر، باب 4، حديث 998، ومسلم في المسافرين، حديث 751 (151)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور. وقد أخرجه عبد الرزاق (3/ 31) رقم 4687، وابن أبي شيبة (2/ 285)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 200) رقم 2697، والبيهقي (3/ 37).
(3)
تقدم تخريجه (3/ 52)، تعليق رقم 2.
(4)
أحمد (4/ 23)، وأبو داود في الصلاة، باب 344، حديث 1439. وأخرجه - أيضًا - الترمذي في الوتر، باب 13، حديث 470، والنسائي في قيام الليل، باب 29، حديث 1678، وابن أبي شيبة (2/ 286)، وابن خزيمة (2/ 156) حديث 1101، وابن المنذر في الأوسط (5/ 201) حديث 2699، والطحاوي (1/ 342)، وابن حبان "الإحسان" (6/ 201 - 202) حديث 2449، والبيهقي (3/ 36). =
(ويكره التطوع بين التراويح) نص عليه
(1)
، وقال
(2)
: فيه عن ثلاثة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم: عبادة
(3)
، وأبي الدرداء
(4)
، وعقبة بن عامر
(5)
.
وذكر لأبي عبد الله رخصة فيه عن بعض الصحابة، فقال
(6)
: هنا باطل. وروى الأثرم عن أبي الدرداء "أنه أبصر قومًا يصلونَ بين التراويح فقال: ما هذه الصلاة؟ أتصلِّي وإمامُك بين يديْك؟ ليسَ منا من رغبَ عنَّا".
و (لا) يكره (طواف بينها) أي التراويح (ولا) طواف (بعدها) وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعًا، ويصلون ركعتي الطواف.
(ولا) يكره (تعقيب، وهو التطوع بعد التراويح، و) بعد (الوتر في جماعة، سواء طال ما بينهما أو قصر) نص عليه
(7)
في رواية الجماعة، ولو
= قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وحسنه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 144 - 145)، والحافظ في الفتح (2/ 481).
ورمز له السيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (6/ 439) بالضعف. وقال البغوي في شرح السنة (4/ 93): وهو حديث غريب.
(1)
مسائل ابن هانئ (1/ 97) رقم 483، ومسائل صالح ص/ 285 رقم 1025، ومسائل عبد الله (2/ 321 - 322) رقم 455، ومختصر قيام رمضان ص/ 93، والتمهيد (8/ 118)، والاستذكار (5/ 164).
(2)
انظر مسائل صالح (3/ 44) رقم 1304، ومسائل عبد الله (2/ 321 - 322) رقم 455، والتمهيد (8/ 118)، والاستذكار (5/ 164).
(3)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 399).
(4)
رواه ابن عبد البر في التمهيد (8/ 118)، وأورده المقريزي في مختصر قيام رمضان لمحمد بن نصر المروزي ص/ 93.
(5)
أورده المقريزي في مختصر قيام رمضان لمحمد بن نصر المروزي ص/ 93.
(6)
التمهيد (8/ 118)، والاستذكار (5/ 163).
(7)
انظر مسائل أبي داود ص/ 62، ومختصر قيام رمضان ص/ 105.
رجعوا إلى ذلك قبل النوم أو لم يؤخروه إلى نصف الليل، لقول أنس:"لا ترجعونَ إلَّا لخيرٍ ترجونَه"
(1)
وكان لا يرى به بأسًا، ولأنه خير وطاعة، فلم يكره كما لو أخروه إلى آخر الليل.
(ويستحب أن لا ينقص عن ختمة في التراويح) ليسمع الناس جميع القرآن (ولا) يستحب (أن يزيد) الإمام على ختمة، كراهية المشقة على من خلفه، نقله في "الشرح" عن القاضي، وقال: قال أحمد
(2)
: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخفف
(3)
عليهم، ولا يشق، سيما في الليالي القصار انتهى (إلا أن يؤثروا) زيادة على ذلك.
(و) يستحب أن (يبتدئها) أي التراويح في (أول ليلة بسورة القلم) يعني اقرأ باسم ربك (بعد الفاتحة لأنها) أي أولها (أول ما نزل) من القرآن (فإذا سجد) للتلاوة (قام فقرأ من البقرة) نص عليه
(4)
، والظاهر أنه قد بلغه في ذلك أثر.
(وعنه أنه يقرأ بها) أي بسورة القلم (في عشاء الآخرة) أي من الليلة الأولى من رمضان (قال الشيخ
(5)
: وهو أحسن مما نقل عنه أنه يبتدئ بها التراويح.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 399)، ولفظه: لا بأس به، إنما يرجعون إلى خير يرجونه، ويبرءون من شر يخافونه.
وقد كره التعقيب جماعة من السلف. انظر مصنف ابن أبي شيبة (2/ 399)، ومختصر قيام الليل للمقريزي ص/ 245.
(2)
المغني (2/ 606).
(3)
في "ح" و"ذ": "ما يخف".
(4)
انظر طبقات الحنابلة (1/ 96).
(5)
الاختيارات الفقهية ص/ 97.
ويختم آخر ركعة من التراويح قبل ركوعه ويدعو) نص عليه
(1)
، واحتج بأنه رأى أهل مكة وسفيان بن عيينة يفعلونه. قال العباس بن عبد العظيم
(2)
: أدركت الناس بالبصرة يفعلونه، وبمكة. وذكر عن عثمان (بدعاء القرآن) وهو:"اللهم ارحمني بالقرآن، واجعله لي إمامًا ونورًا وهدى ورحمة، اللهم ذكرني منه ما نسيت، وعلمني منه ما جهلت، وارزقني تلاوته آناء الليل والنهار، واجعله لي حجة يا رب العالمين" رواه أبو منصور المظفر بن الحسين في فضائل القرآن، وأبو بكر الضحاك في الشمائل، لكن قال ابن الجوزي
(3)
: حديث معضل، وقال: لا أعلم ورد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في ختم القرآن حديث غيره انتهى.
ولم أر في كلام الأصحاب ما قاله بدعاء القرآن، بل نقلوا عن الفضل بن زياد أنه سأل الإمام: بم أدعو؟ قال
(4)
: بما شئت. لكن قال البيهقي في شعب الإيمان
(5)
: قد تساهل أهل الحديث في قبول ما ورد من الدعوات، وفضائل الأعمال، ما لم يكن في رواته من يعرف بوضع الحديث، والكذب في الرواية انتهى، فلذلك اختار المصنف الدعاء بالمأثور، لأنه صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، ولم يدع حاجة إلى غيره، وفيه أسوة حسنة.
(ويرفع يديه) إذا دعا لما سبق (ويطيل) القيام، نص عليه في رواية الفضل بن زياد
(4)
.
(1)
مسائل أبي داود ص/ 64.
(2)
العنبري. ترجمته في سير أعلام النبلاء (12/ 302).
(3)
لم نجده في مظانه من العلل المتناهية ولا في الموضوعات، وأورده الغزالي في الإحياء (1/ 285). وقال العراقي في تخريجه: معضل.
(4)
طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 252)، والمنهج الأحمد للعليمي (2/ 149).
(5)
(5/ 45 - 46).
(و
يعظ بعد الختم)
نص عليه (وقيل له:) أي الإمام أحمد (يختم في الوتر ويدعو؟ فسهل فيه، قال في "الحاوي الكبير": لا بأس به).
وقراءة الأنعام في ركعة، كما يفعله بعض الناس بدعة إجماعًا، قاله الشيخ تقي الدين
(1)
.
(1)
انظر مجموع الفتاوى (23/ 121).
فصل (يستحب حفظ القرآن إجماعًا، وحفظه فرض كفاية إجماعًا)
قال ابن الصلاح
(1)
: قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها بني آدم، والملائكة لم يعطوا هذه الفضيلة، وهي حريصة على استماعه من الإنس انتهى، قال الدميري: وقد يوقف فيه من جهة أن جبريل هو النازل بالقرآن على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى في وصف الملائكة:{فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا}
(2)
أي تتلو القرآن انتهى. قلت: يحتمل أن يكون مراد ابن الصلاح الملائكة غير جبريل، أو يقال: لا يلزم من نزوله به بقاء حفظه له جملة، لكن يبعده حديث مدارسته صلى الله عليه وسلم إياه القرآن
(3)
، إِلا أن يقال: كان يلهمه إلهامًا عند الحاجة إلى تبليغه، وأما تلاوة الملائكة له فلا يلزم منها حفظه.
(وهو) أي القرآن (أفضل من سائر الذكر) لقوله صلى الله عليه وسلم: "يقول الرب سبحانه وتعالى: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي
(1)
فتاوى ومسائل ابن الصلاح (1/ 234).
(2)
سورة الصافات، الآية:3.
(3)
إشارة إلى حديث ابن عباس الذي أخرجه البخاري في بدء الوحي، باب 5، حديث 6، وفي الصوم، باب 7، حديث 1902، وفي بدء الخلق، باب 6، حديث 3220، وفي المناقب، باب 23، حديث 3554، وفي فضائل القرآن، باب 7، حديث 4997، ومسلم في الفضائل، حديث 2308، وغيرهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة.
السائلين، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام، كفضل الله تعالى على خلقه" رواه الترمذي
(1)
وقال: حديث حسن صحيح.
لكن الاشتغال بالمأثور من الذكر في محله كأدبار الصلوات أفضل من الاشتغال بتلاوة القرآن في ذلك المحل.
(و)
القرآن (أفضل من التوراة، والإنجيل)
والزبور، وسائر الصحف.
(1)
في فضائل القرآن، باب 25، حديث 2926. وأخرجه - أيضًا - الدارمي في فضائل القرآن، باب 6، حديث 3356، وعبد الله بن أحمد في السنة (1/ 149 - 150) حديث 128، ومحمد بن نصر المروزي في مختصر قيام الليل ص/ 281، حديث 208، والعقيلي (4/ 49)، وابن حبان في المجروحين (2/ 277)، والطبراني في الدعاء (3/ 1628) حديث 1851، وأبو نعيم في الحلية (5/ 106)، والبيهقي في الأسماء والصفات (1/ 581 - 582) حديث 507 - 508، وفي الاعتقاد ص/ 101 - 102، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن غريب. قال ابن أبي حاتم في العلل (2/ 82) رقم 1738، قال أبي: هذا حديث منكر. وقال الحافظ في الفتح (9/ 66): ورجاله ثقات إلا عطية العوفي فيه ضعف.
وعن عمر رضي الله عنه. رواه البخاري في التاريخ الكبير (2/ 115)، وفي خلق أفعال العباد (544)، والبزار في مسنده (1/ 247) حديث 137، والطبراني في الدعاء (3/ 1628) حديث 1850، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (1/ 188) حديث 153، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (1/ 56) رقم 216، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 413) حديث 572، وابن عساكر في تاريخ دمشق (5/ 436) بلفظ: يقول الله عز وجل: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل مما أعطي السائلين. وفي سنده صفوان بن أبي الصهباء. قال ابن حبان: منكر الحديث. وقال الحافظ في الفتح (9/ 66): وفي إسناده صفوان بن أبي الصهباء مختلف فيه. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (3/ 165) وتعقبه السيوطي في اللآلئ المصنوعة (2/ 165) فقال: لم يصب.
(وبعضه) أي القرآن (أفضل من بعض) إما باعتبار الثواب، أو باعتبار متعلقه، كما يدل عليه ما ورد في {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
(1)
والفاتحة
(2)
، وآية الكرسي
(3)
.
(ويجب) أن يحفظ (منه) أي القرآن (ما يجب في الصلاة) أي الفاتحة
(1)
روى البخاري في فضائل القرآن، باب 13، حديث 5013، 5015، وفي الأيمان والنذور، باب 3، حديث 6643، وفي التوحيد، باب 97، حديث 7374 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يرددها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن".
رواه البخاري في فضائل القرآن، باب 13، حديث 5014، عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه.
وروى مسلم في صلاة المسافرين، حديث 811 من حديث أبى الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، يعدل ثلث القرآن"، ورقم 812 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن؟ فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
…
الحديث.
(2)
روى البخاري في التفسير، باب 1، 2، 3، حديث 4474، 4647، 4703، وفي فضائل القرآن، باب 9، حديث 5006. عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم
…
الحديث، وفيه:"ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟ قال: (الحمد لله رب العالمين) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته".
(3)
روى مسلم في صلاة المسافرين، حديث 810 عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. قال: فضرب في صدري، وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر".
على المشهور، أو الفاتحة وسورة على مقابله.
(ويبدأ الصبيَّ وليه به قبل العلم، فيقرأه كله) لأنه إذا قرأ أولًا تعود القراءة ثم لزمها (إلا أن يعسر) عليه حفظه كله، فيقرأ ما تيسر منه.
(والمكلف يقدم العلم بعد القراءة الواجبة)
لأنه لا تعارض بين الفرض والنفل (كما يقدم الكبير نفل العلم على نفل القراءة في ظاهر كلام الإمام والأصحاب) فيما سبق في أفضل الأعمال، هذا معنى كلامه في "الفروع".
(ويسن ختمه في كل أسبوع) قال عبد الله بن أحمد
(1)
: كان أبي يختم القرآن في النهار في كل أسبوع، يقرأ كل يوم سبعًا، لا يكاد يتركه، نظرًا، أي في المصحف، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو:"اقرأ القرآنَ في كلِّ سبعٍ، ولا تزيدَن على ذلِك" رواه أبو داود
(2)
.
(وإن قرأه) أي القرآن (في ثلاث فحسن) لما روي عن عبد الله بن عمرو قال: "قلت يا رسول الله: إن لي قوةً، قال: اقرأهُ في ثلاثٍ" رواه أبو داود
(3)
.
(ولا بأس به) أي بالختم (فيما دونها) أي الثلاث (أحيانًا، وفي الأوقات الفاضلة، كرمضان، خصوصًا الليالي اللاتي تطلب فيها ليلة القدر) كأوتار العشر الأخير منه (و) في (الأماكن الفاضلة كمكة، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من قراءة القرآن، اغتنامًا للزمان والمكان) قال
(1)
مناقب الإمام أحمد ص/ 357، والمغني (2/ 611).
(2)
في الصلاة، باب 325، حديث 1388. وأخرجه - أيضًا - البخاري في فضائل القرآن، باب 34، حديث 5052، 5054، ومسلم في الصيام، حديث 1159.
(3)
في الصلاة، باب 325، حديث 1391. وأخرجه - أيضًا - برقم 1394، والترمذي في القراءات، باب 13، حديث 2949، بلفظ: لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث. وقال: حسن صحيح.
بعض الأصحاب: والأظهر أن ذلك مقدر بالنشاط وعدم المشقة، فمن وجد نشاطًا في ختمه في أقل من ثلاث لم يكره، وإلا كره؛ لأن عثمان كان يختمه في ليلة
(1)
، وروي ذلك عن جمع من السلف.
(و
يكره تأخير الختم فوق أربعين بلا عذر)
قال أحمد
(2)
: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين، ولأنه يفضي إلى نسيانه والتهاون به.
(ويحرم) تأخير الختم فوق أربعين (إن خاف نسيانه.
قال) الإمام (أحمد
(3)
: ما أشد ما جاء فيمن حفظه ثم نسيه.
ويستحب السواك) قبل القراءة، لما تقدم في بابه.
(و) يستحب (التعوذ قبل القراءة) لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}
(4)
.
(و) يستحب (حمد الله) تعالى (عند قطعها) أي الفراغ من القراءة (على توفيقه ونعمته) عليه بجعله من آل القرآن.
(و) يستحب (سؤال الثبات) عليها.
(و) يقصد (الإخلاص) في القراءة، لحديث:"إنما الأعمالُ بالنياتِ"
(5)
بأن ينوي به التقرب إلى الله تعالى فقط.
(فإن قطعها) أي القراءة (قطع ترك وإهمال، أعاد التعوذ إذا رجع إليها) أي أراد العود إلى القراءة.
(1)
تقدم تخريجه (2/ 419) تعليق رقم 5.
(2)
مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص/ 71، وفي مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 461) رقم 382: قلت: في كم يقرأ الرجل القرآن؟ قال: أقل ما سمعنا أربعون. وأكره له دون ثلاث.
(3)
مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص/ 71.
(4)
سورة النحل، الآية:98.
(5)
تقدم تخريجه (1/ 193) تعليق رقم 2.
(وإن قطعها لعذر عازمًا على إتمامها إذا زال) العذر (كتناول شيء، أو إعطائه، أو أجاب سائلًا) أو عطس ونحوه (كفاه التعوذ الأول) لأنها قراءة واحدة.
وإن ترك الاستعاذة قبل القراءة، قال في "الآداب"
(1)
: فيتوجه أن يأتي بها ثم يقرأ، لأن وقتها قبل القراءة للاستحباب، فلا تسقط بتركها إذن؛ لأن المعنى يقتضي ذلك، أما لو تركها حتى فرغ سقطت.
(ويختم في الشتاء أول الليل) لطوله (وفي الصيف أول النهار) لطوله، روي عن ابن المبارك، وكان يعجب أحمد
(2)
لما روى طلحة بن مصرف قال: "أدركت أهل الخير من صدر هذه الأمة يستحبون الختم أول الليل، وأول النهار، يقولون: إذا ختم في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وإذا ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح"
(3)
ورواه الدارمي
(4)
عن سعد بن أبي وقاص بإسناد حسن.
(ويجمع أهله وولده عند ختمه) رجاء عود نفع ذلك وثوابه إليهم، وعن ابن عباس أن كان يجعل رجلًا يراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس فيشهد ذلك
(5)
، وروى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين عن قتادة
(1)
(2/ 337).
(2)
مسائل أبي داود ص/ 64.
(3)
رواه ابن الضريس في فضائل القرآن ص/ 45، رقم 54، والدارمي في فضائل القرآن، باب 33، حديث 3483.
(4)
في فضائل القرآن، باب 33، حديث 3486، وقال الدارمي: هذا حسن عن سعد.
(5)
رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 48، والدارمي في فضائل القرآن، باب 33، حديث 3475، وابن الضريس ص/ 51 رقم 79، بنحوه.
عن أنس "كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا"
(1)
.
ويستحب إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى، لحديث أنس:"خير الأعمال الحلُّ والرحلة، قيل: وما هما؟ قال: افتتاح القرآن وختمُه"
(2)
(ويدعو) عقب الختم (نصًا)
(3)
لفعل أنس، وتقدم.
(1)
لم نجده في المطبوع من المصاحف لابن أبي داود. ورواه - أيضًا - ابن المبارك في الزهد والرقائق ص/ 279 رقم 809، وسعيد بن منصور (1/ 140) رقم 27، وابن أبي شيبة (10/ 490) رقم 10087، والدارمي في فضائل القرآن، باب (32)، رقم 3477، وابن الضريس في فضائل القرآن ص/ 53، رقم 84، والفريابي في فضائل القرآن ص/ 187 - 189، رقم 83، 85، 86، والطبراني في الكبير (1/ 213) رقم 674، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 368) رقم 2070.
قال البيهقي: رفعه وهم، وفي إسناده مجاهيل، والصحيح أنه موقوف على أنس. وصحح الموقوف الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار (3/ 176).
(2)
عزاه الحافظ في نتائج الأفكار (3/ 178) إلى ابن أبي داود في المصاحف. ولم نجده في المطبوع.
وله شاهد من حديث ابن عباس: رواه الترمذي في القرآن، باب 13، حديث 2948، والطبراني في الكبير (12/ 168) حديث 12783، والحاكم (1/ 568)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 260، 6/ 174)، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن وتلاوته ص/ 114 - 115، رقم 79 - 80، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 348، 367) حديث 2001، 2069، والمزي في تهذيب الكمال (30/ 385 - 386). قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقوي، ورواه الترمذي في القراءات، باب 13، حديث 2948، والدارمي في فضائل القرآن (2/ 337) رقم 3479 كلاهما مرسلًا. وقال الترمذي: وهذا عندي أصح. ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه: رواه الحاكم (1/ 569)، وسكت عليه. وتعقبه الذهبي بقوله: لم يتكلم عليه الحاكم، وهو موضوع على سند الصحيحين، ومقدام متكلم فيه، والآفة منه.
(3)
انظر: مسائل أبي داود ص/ 63 - 64، ومسائل عبد الله (2/ 300) رقم 425.
(و) يسن أن (يكبر فقط) فلا يستحب التهليل، والتحميد (لختمه آخر كل سورة من آخر الضحى) إلى آخره؛ لأنه روي عن أُبي بن كعب
(1)
، أنه قرأ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك، رواه القاضي في "الجامع" بإسناده.
(ولا يكرر سورة الصمد، ولا يقرأ الفاتحة وخمسًا) أي خمس آيات (من) أول (البقرة عقب الختم نصًا) لأنه لم يبلغه فيه أثر صحيح.
(ويستحب تحسين القراءة وترتيلها وإعرابها) لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}
(2)
(والمراد الاجتهاد على حفظ إعرابها، لا أنه يجوز الإخلال به عمدًا، فإن ذلك لا يجوز، ويؤدب فاعله لتغييره القراءة، ذكره) الشمس محمد بن مفلح (في الآداب الكبرى
(3)
عن بعض الأصحاب)
(والتفهم في القرآن، والتدبر بالقلب منه، أفضل من إدراجه) أي القرآن (كثيرًا بغير تفهم) للآية السابقة، ولقوله تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}
(4)
(ويمكّن حروف المد واللين من غير تكلف) لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}
(5)
(قال) الإمام (أحمد: يحسن القارئ صوته بالقرآن، ويقرؤه بحزن وتدبر) لقول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: "لو علمتُ أنكَ
(1)
رواه الحاكم (3/ 304)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 370 - 371) رقم 2077 - 2081. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بقوله: البزي قد تُكلِّم فيه. وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (2/ 76 - 77) رقم 1721: هذا حديث منكر. وانظر تفسير ابن كثير (8/ 445).
(2)
سورة المزمل، الآية:4.
(3)
(2/ 325).
(4)
سورة ص، الآية:29.
(5)
سورة المزمل، الآية:4.
تسمعُ قراءتِي لحبرتُه لك تَحبِيرًا"
(1)
وعلى كل حال فتحسين الصوت والترنم مستحب، إذا لم يفض إلى زيادة حروف فيه، أو تغيير لفظه.
(1)
رواه بقي بن مخلد كما في فضائل القرآن لابن كثير ص/ 190، وأبو يعلى (13/ 266) حديث 7279، وابن حبان "الإحسان"(16/ 169 - 170) حديث 7197، والحاكم (3/ 466)، والبيهقي (3/ 12، 10/ 230 - 231)، وابن عساكر في تاريخه (32/ 46) عن أبي موسى الأشعري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة. قلت: أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي؛ لحبرتها تحبيرا".
قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع (7/ 171): رواه أبو يعلى، وفي خالد بن نافع الأشعري وهو ضعيف. انظر الجرح والتعديل (3/ 355)، والكامل (3/ 898)، وميزان الاعتدال (1/ 644) رقم 2468.
وقد رواه البخاري في فضائل القرآن، باب 31، حديث 5048، ومسلم في صلاة المسافرين، حديث 793، (236) بلفظ: يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود.
ورواه عبد الرزاق (2/ 485 - 486) حديث 4178، والنسائي في الكبرى (5/ 23) حديث 8058، والروياني (1/ 67 - 68) حديث 16 عن بريدة رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت الأشعري أبي موسى، وهو يقرأ، فقال: لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود، فلما أصبح ذكروا ذلك له، فقال: لو كنت أعلمتني؛ لحبرت لك تحبيرا.
وقد وقع له ذلك مع أمهات المؤمنين: رواه ابن سعد (2/ 344 - 345)، وابن أبي شيبة (10/ 465)، وابن عساكر في تاريخه (32/ 50، 51)، عن أنس رضي الله عنه: أن أبا موسى الأشعري قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم صوته، وكان حلو الصوت، فقمن يسمعن، فلما أصبح قيل له: إن النساء كن يسمعن، فقال: لو علمت لحبرتكن تحبيرا، ولشوقتكن تشويقا. قال الحافظ في الفتح (9/ 93): إسناده على شرط مسلم.
ومن الآداب عند القراءة على ما ذكره الآجري
(1)
، وأبو موسى
(2)
: البكاء، فإن لم يبك فليتباك، وأن يسأل الله عند آية الرحمة، ويتعوذ عند آية العذاب، ولا يقطعها لحديث الناس، ولعل المراد: إلا من حاجة، وأن تكون قراءته على العدول الصالحين العارفين بمعناها، وأن يتطهر ويستقبل القبلة إذا قرأ قاعدًا، ويتحرى أن يعرضه كل عام على من هو أقرأ منه، ويفصل كل سورة مما قبلها بالوقف، أو التسمية. ويترك المباهاة، وأن يطلب به الدنيا بل ما عند الله تعالى، وينبغي أن يكون ذا سكينة ووقار، وقناعة بما قسم الله له، زاد الحافظ أبو موسى وغيره: وأن لا يجهر بين مصلين، أو نيام، أو تالين جهرًا يؤذيهم.
(قال الشيخ تقي الدين
(3)
: قراءة القرآن أول النهار بعد الفجر أفضل من قراءته آخره) ولعله لقوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}
(4)
.
(وقراءة الكلمة الواحدة بقراءة قارئ أي من السبعة، و) قراءة الكلمة (الأخرى بقراءة قارئ آخر جائزة ولو في الصلاة، ما لم يكن في ذلك إحالة) أي تغيير (المعنى) فيمتنع، والأولى بقاؤه على الأولى في ذلك المجلس.
(ولا بأس بالقراءة في كل حال، قائمًا، وجالسًا، ومضطجعًا،
(1)
أخلاق أهل القرآن ص/ 167.
(2)
يحتمل أن يكون المراد به: الحافظ أبا موسى محمد بن أبي بكر المديني الشافعي المتوفى سنة 581 هـ رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (21/ 152). أو الحافظ أبا موسى عبد الله بن الحافظ الكبير عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة (629 هـ) رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (22/ 318).
(3)
انظر مجموع الفتاوى (11/ 660) و (23/ 58). الفتاوى الكبرى (1/ 234).
(4)
سورة الإسراء، الآية:78.
وراكبًا، وماشيًا) لحديث عائشة قالت:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائضٌ، ثمَّ يقرأُ القرآن" متفق عليه
(1)
. وعنها قالت: "إني لأقرأُ القرآنَ وأنا مضطجعةٌ على سريري" رواه الفريابي
(2)
.
ولا تكره) القراءة (في الطريق نصًا)
(3)
لما روي عن إبراهيم التيمي قال: كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق.
(ولا) تكره القراءة (مع حدث أصغر، وبنجاسة بدن وثوب، ولا حال مس الذكر والزوجة، والسرية.
وتكره) القراءة (في المواضع القذرة) تعظيمًا للقرآن.
(و) تكره (استدامتها) أي القراءة (حال خروج الريح) فإذا خرجت منه أمسك عن القراءة حتى تنقضي.
(و) يكره (جهره بها) أي بالقراءة (مع الجنازة) لأنه إخراج لها مخرج النياحة.
(ولا تمنع نجاسة الفم القراءة) ذكره القاضي، وقال ابن تميم: الأولى المنع.
(وتستحب) القراءة (في المصحف) بتثليث الميم، قال القاضي: إنما اختار أحمد القراءة في المصحف للأخبار
(4)
، ثم ذكرها.
(1)
البخاري في الحيض، باب 3، حديث 297، ومسلم في الحيض، حديث 301.
(2)
فضائل القرآن ص/ 230 رقم 154، وفيه: إني لأقرأ حزبي
…
وأخرجه - أيضًا - عبد الرزاق (1/ 340) رقم 1322، وأبو عبيد في فضائل القرآن (94)، وابن أبي شيبة (2/ 500).
(3)
مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 486) رقم 414.
(4)
منها: ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 46، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال ص/ 214 رقم 194، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرأه ظاهرًا، كفضل الفريضة على =
(و) يستحب (الاستماع لها) أي للقراءة، لأنه يشارك القارئ في أجره.
(ويكره الحديث عندها) أي القراءة (بما لا فائدة فيه) لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
(1)
ولأنه إعراض عن الاستماع الذي يترتب عليه الأجر بما لا طائل تحته.
(وكره أحمد السرعة في القراءة، وتأوله القاضي إذا لم يبين الحروف، وتركها) أي السرعة فيه (أكمل) لما تقدم من استحباب الترتيل والتفكر.
(وكره أصحابنا قراءة الإدارة) وقال حرب: حسنة، وللمالكية
(2)
وجهان (وهي أن يقرأ قارئ ثم يقطع ثم يقرأ غيره) قلت: أي بما بعد قراءته، وأما لو
= النافلة. قال ابن كثير في فضائل القرآن ص/ 210: فيه ضعف.
ومنها: ما رواه ابن عدي (2/ 855)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال ص/ 212 رقم 190، وأبو نعيم في الحلية (7/ 209)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 408) رقم 2219، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يحبه الله ورسوله، فليقرأ في المصحف. قال ابن عدي: هذا الحديث
…
بهذا الإسناد منكر. وقال البيهقي: هكذا روى بهذا الإسناد مرفوعًا وهو منكر.
وقد جاء في هذا بعض الآثار:
منها: ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 46، وعبد الرزاق (3/ 362) رقم 5979، وابن أبي شيبة (10/ 531)، والطبراني في الكبير (9/ 150 و 152) رقم 8687، 8696 عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أديموا النظر في المصحف.
ومنها: ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 47، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف فقرؤوا، وفسر لهم. قال ابن كثير في فضائل القرآن ص/ 211: إسناد صحيح.
ومنها: ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 46 عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف، فقرأ فيه.
(1)
سورة الأعراف، الآية:204.
(2)
انظر المنتقى شرح الموطأ (1/ 345)، والذخيرة (13/ 349).
أعاد ما قرأه الأول وهكذا فلا ينبغي الكراهة؛ لأن جبريل كان يدارس النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان
(1)
(وحكى الشيخ
(2)
عن أكثر العلماء أنها) أي قراءة الإدارة (حسنة كالقراءة مجتمعين بصوت واحد) ولو اجتمع القوم لقراءة ودعاء وذكر، فعنه
(3)
: وأي شيء أحسن منه، كما قالت الأنصار
(4)
. وعنه
(5)
: لا بأس. وعنه
(6)
: محدث. ونقل ابن منصور: ما أكرهه إذا اجتمعوا على عمل، إلا أن يكثروا، قال ابن منصور: يعني يتخذوه عادة. وكرهه مالك
(7)
. قال في "الفنون": أبرأ إلى الله من جموع أهل وقتنا في المساجد والمشاهد ليالي يسمونها إحياء.
(وكره أحمد) والأصحاب (قراءة الألحان، وقال
(8)
: هي بدعة) لما
(1)
تقدم تخريجه (3/ 62)، تعليق رقم 3.
(2)
الاختيارات الفقهية ص/ 98، وانظر مجموع الفتاوى (31/ 50).
(3)
طبقات الحنابلة (1/ 417).
(4)
ذكر البخاري في أول كتاب الإيمان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنه قال:"اجلس بنا نؤمن ساعة"، وقال الحافظ في الفتح (1/ 48): وصله أحمد وأبو بكر - أيضًا - بسند صحيح
…
وفي رواية لهما: كان معاذ بن جبل يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان، فيذكران الله تعالى، ويحمدانه.
وجاء بنحوه - أيضًا - عن أبي الدرداء، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهما. انظر الزهد لابن المبارك ص/ 490، ومصنف ابن أبي شيبة (11/ 43)، وسير أعلام النبلاء (1/ 231).
(5)
طبقات الحنابلة (1/ 414).
(6)
طبقات الحنابلة (1/ 255).
(7)
انظر البيان والتحصيل (1/ 298)، والمعيار المعرب (1/ 155، 8/ 249)، وشرح الزرقاني على مختصر خليل (1/ 275)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 308).
(8)
طبقات الحنابلة (1/ 57، 64، 74، 183، 208، 225، 396)، والمنهج الأحمد للعليمي (1/ 272، 315، 2/ 60)، والمغني (2/ 613).
روي أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكر في أشراط الساعة "أن يتخذَ القرآنُ مزاميرَ يقدمونَ أحدهم ليس بأقرئِهم، ولا أفضلِهم، إلا ليغنِّيهم غناءً"
(1)
ولأن الإعجاز في لفظ القرآن ونظمه، والألحان تغيره.
(فإن حصل معها) أي الألحان (تغيير نظم القرآن، وجعل الحركات حروفًا؛ حرم) ذلك (وقال الشيخ
(2)
: التلحين الذي يشبه الغناء مكروه).
(1)
علقه البخاري في التاريخ الكبير (7/ 80)، ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 80، وابن أبي شيبة (15/ 240)، وأحمد (3/ 494)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (289)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 268 - 269) حديث 1023 - 1024، والبزار (2/ 241) حديث 1610، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 310)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (4/ 5، 8) حديث 1389 - 1390، والطبراني في الكبير (18/ 34 - 36) رقم 58، 59، 60، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4/ 2231، 2232) حديث 5549، 5550، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 541 - 542) حديث 2654، 2655، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (2/ 310) رقم 724، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 404) رقم 1482، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (عابس الغفاري رضي الله عنه).
قال الهيثمي في المجمع (5/ 245): وفي إسناد أحمد، عثمان بن عمير البجلي وهو ضعيف. وقال بن الجوزي في العلل المتناهية: هذا حديث لا يصح. وقال الجوزقاني: هذا حديث باطل. وأورده الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن ص/ 196 - 198، ثم قال: وهذه طرق حسنة في باب الترهيب.
وله شاهد من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، رواه أحمد (6/ 22، 23)، والطبراني في الكبير (18/ 57) حديث 105. قال الهيثمي في المجمع (5/ 245): رواه الطبراني، وفيه النهاس بن قهم، وهو ضعيف.
ومن حديث الحكم بن عمرو رضي الله عنه. رواه الطبراني في الكبير (3/ 211 - 212) رقم 3162، والحاكم (3/ 443). قال الهيثمي في المجمع (10/ 206 - 207): أبو المعلى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(2)
انظر الاستقامة (1/ 246)، ومجموع الفتاوى (11/ 532).
(ولا يكره الترجيع) وتحسين القراءة،
بل ذلك مستحب لحديث أبي هريرة: "ما أذنَ اللهُ لشيءٍ كإذنه لنبيٍّ يتغنّى بالقرآنِ يجهرُ به" رواه البخاري
(1)
. وقال صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتِكُم"
(2)
وقال: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن"
(3)
قال طائفة: معناه تحسين قراءته، والترنُّم، ورفع صوته بها، وقال
(1)
في فضائل القرآن، باب 18، حديث 5023. وأخرجه - أيضًا - مسلم في المسافرين، حديث 792.
(2)
علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم (13/ 518) مع الفتح، ووصله في خلق أفعال العباد ص/ 82 - 84، ورواه أبو داود في الصلاة، باب (355) حديث 1468، والنسائي في الافتتاح، باب 83، حديث 1014، 1015، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 176، حديث 1342، والطيالسي ص/ 100، حديث 738، وعبد الرزاق (2/ 484 - 485) حديث 4175 - 4176، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 76، وأحمد (4/ 283، 285، 296، 304)، والدارمي في فضائل القرآن، باب 33، حديث 3503، والفسوي في المعرفة والتاريخ (3/ 178)، وابن خزيمة (3/ 24) حديث 1551، وابن حبان "الإحسان"(3/ 25) حديث 749، والحاكم (1/ 571 - 575)، وأبو نعيم في الحلية (5/ 27)، وأبو الفضل الرازي في فضائل القرآن وتلاوته ص/ 64 - 66، والبيهقي (2/ 53) عن البراء بن عازب رضي الله عنه. وذكره السيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (4/ 68) ورمز لصحته، وقال المناوي: قال الحاكم: صحيح.
(3)
رواه البخاري في التوحيد، باب 44، حديث 5727، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه أبو داود في الصلاة، باب 355، حديث 1469، وأحمد (1/ 175)، والدارمي في فضائل القرآن، باب 34، حديث 3488، والحميدي (76)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار": حديث 1303، وابن حبان "الإحسان"(1/ 326 - 327) حديث 120، والحاكم (1/ 569). من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
أبو عبيدة وجماعة
(1)
: يستغني به.
(وكره ابن عقيل القراءة في الأسواق يصيح أهلها فيها بالنداء والبيع) قال في "الفنون": قال حنبلي: كثير عن أقوال، وأفعال، يخرج مخرج الطاعات عند العامة، وهي مآثم عند العلماء، مثل القراءة في الأسواق، يصيح فيها أهل الأسواق بالنداء والبيع، ولا أهل السوق يمكنهم الاستماع، وذلك امتهان، كذا قال. ويتوجه احتمال: يكره، قاله في "الفروع"، فيعلم منه أن قول ابن عقيل: التحريم كما قال في "شرح المنتهى"، ولا يجوز، وأن الكراهة بحث صاحب "الفروع". قال القاضي عياض
(2)
: قد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في جميع الأقطار، المكتوب في المصحف الذي بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ} - إلى آخر - {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} كلام الله تعالى ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا آخر مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع عليه أنه ليس بقرآن عامدًا لكل هذا، فهو كافر. واقتصر عليه النووي في "التبيان"
(3)
.
(ويكره رفع الصوت بقراءة تغلط المصلين) لإشغالهم.
(ويجوز تفسير القرآن بمقتضى اللغة) لأن عربي، وقوله: {لِتُبَيِّنَ
(1)
كذا في الأصول "أبو عبيدة" ولعل الصواب "أبو عبيد" انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (2/ 169 - 171).
(2)
الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 264).
(3)
ص/ 137 - 138.
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}
(1)
وقوله: {وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}
(2)
المراد الأحكام.
و (لا) يجوز تفسير القرآن (بالرأي من غير لغة ولا نقل، فمن قال في القرآن) أي فسره (برأيه أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده) أي لينزل منزله (من النار، وأخطأ، ولو أصاب) لما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: "من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم؛ فليتبوأ مقعده من النار" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي
(3)
وحسنه. وعن سهيل بن حزم
(4)
، عن أبي عمران الجوني، عن جندب مرفوعًا: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد
(1)
سورة النحل، الآية:44.
(2)
سورة التوبة، الآية:97.
(3)
لم أجده في مظانه عند أبي داود. ونسبه صاحب تحفة الأشراف له (4/ 423) من رواية أبي الحسن بن العبد. ورواه النسائي في الكبرى (5/ 30، 31) حديث 8084، 8085، 8086، والترمذي في التفسير، باب 1، حديث 2950، 2951. ورواه - أيضًا - أحمد (1/ 233، 269، 323، 327)، وأبو يعلى (4/ 228) حديث 2338، (5/ 109 - 110) حديث 2721، وابن جرير الطبري في تفسيره (1/ 34)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (1/ 358) حديث 392، 393، والطبراني في الكبير (12/ 35، 36) حديث 12392، 12393، 12394، وابن بطة في الإبانة (799، 805) بتحقيق رضا بن نعسان، والخليلي في الإرشاد (1/ 396) حديث 95، والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 327) حديث 554، والبغوي (1/ 257، 258) حديث 117، 118، 119.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(4)
كذا في الأصول. والصواب: ابن أبي حزم. انظر التقريب رقم 2687، والتهذيب (4/ 229)، ومصادر التخريج الآتية.
أخطأ" رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي
(1)
وقال: غريب
(2)
، وسهيل ضعفه الأئمة. وقد روي هذا المعنى عن أبي بكر
(3)
، وعمر
(4)
، وغيرهما
(1)
أبو داود في العلم، باب 5، حديث 3652، والنسائي في الكبرى (5/ 31) حديث 8086، والترمذي في التفسير، باب 1، حديث 2952. وأخرجه - أيضًا - ابن بطة في الإبانة (798) (806) تحقيق رضا بن نعسان، والروياني (2/ 145 - 146) حديث 968، وأبو يعلى (3/ 90) حديث 1520، والطبري في التفسير (1/ 35)، وابن أبي حاتم (2/ 64) رقم 1680، والطبراني في الكبير (2/ 162) حديث 1672، وفي الأوسط (6/ 47) حديث 5097، وابن عدي (3/ 1288)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 423) حديث 2277، والبغوي في شرح السنة (1/ 258 - 259) حديث 120 جميعهم من طريق سهيل بن مهران القطعي. قال الترمذي: وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم.
(2)
كلمة "غريب"، سقطت من بعض النسخ المطبوعة، وقد أثبتها الحافظ المزي في تحفة الأشراف (2/ 444) رقم 3262.
(3)
رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 227، وسعيد بن منصور (1/ 168) رقم 39، وابن أبي شيبة (10/ 512، 513)، والطبري في تفسيره (1/ 35)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 424) رقم 2278، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 833 - 834) رقم 1561، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/ 193) رقم 1585 عن أبي بكر قال: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم.
وأعله البيهقي، وابن تيمية في رسالته مقدمة في أصول التفسير ص/ 39، وابن كثير في تفسيره (1/ 16، 8/ 348)، والحافظ في الفتح (13/ 272) بالانقطاع.
(4)
رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 227، وسعيد بن منصور (1/ 181) رقم 43، وابن سعد (3/ 327)، وابن أبي شيبة (10/ 512)، والطبري في تفسيره (30/ 59)، والحاكم (2/ 290، 514)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر:{وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} فقال: هذه الفاكهة =
من الصحابة، والتابعين.
(ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلًا من الكلام، مثل أن يرى رجلًا جاء في وقته، فيقول:{ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى}
(1)
).
وإذا قال الصحابي ما يخالف القياس، فهو توقيف (ويلزم الرجوع إلى تفسير الصحابي
(2)
) لأنهم شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل، فهو أمارة ظاهرة.
و (لا) يلزم الرجوع إلى تفسير (التابعي) لأن قوله ليس بحجة على المشهور. قال بعضهم: ولعله مراد غيره: إلا أن يقل ذلك عن العرب، قاله في "الفروع"، ولا يعارضه ما نقله المروذي
(3)
: ننظر ما كان عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن فعن أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين؛ لإمكان حمله على إجماعهم، لا على ما انفرد به أحدهم، قاله القاضي.
(و
لا يجوز النظر في كتب أهل الكتاب
نصًا)
(4)
لأنه صلى الله عليه وسلم "غضبَ حينَ رأى معَ عمر صحيفةً من التوراةِ، وقال: أفي شكٍّ أنت يا ابن الخطّاب؟ " الحديث
(5)
.
= قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه، فقال: لعمرك، إن هذا لهو التكلف يا عمر. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده الحافظ ابن كثير في تفسيره (8/ 348). وهو عند البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب 3، حديث 7293، مختصرًا.
(1)
سورة طه، الآية:40.
(2)
في "ح": "الصحابة".
(3)
العدة في أصول الفقه (3/ 724).
(4)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 54) رقم 256.
(5)
لم نجده بهذا اللفظ، وقد روى أبو عبيد في غريب الحديث (3/ 28 - 29)، وابن أبي شيبة (9/ 47)، وأحمد (3/ 338، 387)، والدارمي في المقدمة، باب 39، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حديث 441، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 27) حديث 50، والبزار (1/ 78 - 79) حديث 124، وأبو يعلى (4/ 102) حديث 2135، والبيهقي (2/ 10 - 11)، وفي شعب الإيمان (1/ 200) حديث 177، 179، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (580، 594)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 508 - 806)، رقم 1497، والبغوي (1/ 270) حديث 126 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة، فقال: يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت، فجعل يقرأ، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير
…
الحديث، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني، لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيًّا وأدرك نبوتي لاتبعني.
قال الهروي: هذا غريب، والمحفوظ إنما هو من قول عبد الله بن مسعود. وقال الحافظ في الفتح (13/ 334): ورجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفًا.
ورواه بعضهم عن الشعبي فجعله من مسند عبد الله بن ثابت. رواه عبد الرزاق (6/ 113) حديث 10146، (10/ 313) حديث 19213، وأحمد (3/ 470 - 471)، والبزار (1/ 79) حديث 125، وابن الضريس في فضائل القرآن ص/ 54 - 55، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 92)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3/ 1600 - 1601) رقم 4030، والبيهقي في شعب الإيمان (4/ 307) حديث 5201، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/ 113) رقم 1338، 1339، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (590)، قال الحافظ في الفتح (13/ 334): وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف.
وجاء هذا المعنى من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، منهم:
أ - عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رواه أبو يعلى، كما في المطالب العالية (4/ 214) رقم 3851، والعقيلي (2/ 21)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (1/ 215) رقم 115.
ب - أبو الدرداء رضي الله عنه. رواه الطبراني في الكبير كما في المجمع (1/ 174)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (593).
ج - عقبة بن عامر رضي الله عنه. رواه الروياني (1/ 135) رقم 225، وابن أبي حاتم في العلل (2/ 150) رقم 1945، قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث كذب.
(ولا) النظر في (كتب أهل البدع).
(و) لا النظر في (الكتب المشتملة على الحق والباطل، ولا روايتها) لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد.
(وتقدم في نواقض الوضوء جملة من أحكام المصحف) فينبغي مراجعتها.
وينبغي لحامل القرآن أن يكون على أكرم الأحوال وأكرم الشمائل. قال الفضيل بن عياض
(1)
: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغى له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيمًا لحق القرآن.
(1)
حلية الأولياء (8/ 92).
فصل (تستحب النوافل المطلقة في جميع الأوقات)
من ليل أو نهار (إلا أوقات النهي) فيحرم فيها كما يأتي.
(وصلاة الليل سنة مرغب فيها، وهي أفضل من صلاة النهار) لحديث أبي هريرة: "أفضل الصلاة بعد الفريضةِ صلاةُ الليل" رواه مسلم
(1)
. وفيه أيضًا
(2)
: "إن في الليلِ ساعةً لا يوافقُها رجلٌ مسلم يسأل الله تعالى خيرًا من أمرِ الدنيا والآخرةِ إلا أعطاهُ إياه". ولأن الليل محل الغفلة، وعمل السر أفضل من عمل العلانية (وبعد النوم أفضل؛ لأن الناشئة لا تكون الا بعد رقدة) ومن لم يرقد فلا ناشئة له، قاله أحمد. وقال: هي أشد وطأ، أي تثبتا: تفهم ما تقرأ، وتعي أذنك (والتهجد هو ما بعد النوم) وظاهره: ولو يسيرًا.
(فإذا استيقظ) من نومه (ذكر الله تعالى، وقال ما ورد بعد الاستيقاظ، ومنه: "لا إلَه إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شيء قديرٌ، الحمد للهِ، وسبحان اللهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبر، ولا حول ولا قوةَ إلا باللهِ" ثم إن قال: "اللهم اغفر لي" أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته) لحديث عبادة بن الصامت: "من تعارّ من الليل فقال - فذكره" رواه البخاري
(3)
. وقوله: "تعار" بتشديد الراء، أي: استيقظ. وقوله: "اغفر لي، أو دعا" هو شك من الوليد بن مسلم أحد الرواة، وهو شيخ
(1)
في الصيام، حديث 1163.
(2)
في صلاة المسافرين، حديث 757، عن جابر رضي الله عنه.
(3)
في التهجد، باب 21، حديث 1154.
شيوخ البخاري، وأبي داود، والترمذي، وغيرهم، في هذا الحديث.
(ثم يقول) يعني إذا استيقظ من نومه: (الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني
(1)
وإليه النشور) رواه البخاري، عن حذيفة بن اليمان
(2)
.
وعن أبي ذر مرفوعًا: (لا إله إلا أنت لا شريك لك، سبحانك أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علمًا، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)
(3)
. روى أبو داود
(4)
عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله إذا استيقظ.
(الحمد لله الذي رد عليَّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره) رواه ابن السني
(5)
بإسناد صحيح، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم "إذا استيقظ أحدكم فليقل - وذكره".
(ثم يستاك) إذا استيقظ، ويشوص فاه، لما تقدم في السواك من فعله صلى الله عليه وسلم.
(وإذا توضأ وقام إلى الصلاة من جوف الليل، إن شاء استفتح
(1)
في "ح" و"ذ" زيادة: "وهو يحيي الموتى".
(2)
البخاري في الدعوات، باب 7، 16، حديث 6312، 6324.
(3)
البخاري في الدعوات، باب 16، حديث 6325.
(4)
في الأدب، باب 108، حديث 5061. ورواه - أيضًا - النسائي في الكبرى (6/ 216) حديث 10701، وفي عمل اليوم والليلة ص/ 495، حديث 865، وابن حبان "الإحسان" (12/ 341) حديث 4431، والحاكم (1/ 540)، والمزي في تهذيب الكمال (16/ 270 - 271). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(5)
في عمل اليوم والليلة ص/ 12 حديث 9. وأخرجه - أيضًا - الترمذي في الدعوات، باب 20، حديث 3401، والنسائي في عمل واليوم والليلة ص/ 496، حديث 866. قال الترمذي: حديث حسن.
باستفتاح المكتوبة) وسبق في صفة الصلاة (وإن شاء) استفتح (بغيره، كقوله: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت) أي رفعت الحكم إليك فلا حكم إلا لك (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله) لخبر ابن عباس قال: "كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا قام يتهجد من الليل قال: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت - إلى آخر ما تقدم" متفق عليه
(1)
.
(وإن شاء إذا افتتح الصلاة قال: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم
(1)
البخاري في التهجد، باب 1، حديث 1120، وفي الدعوات، باب 10، حديث 6317، وفي التوحيد، باب 8، 24، 35، حديث 7385، 7442، 7499، ومسلم في المسافرين، حديث 769.
بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) رواه مسلم
(1)
عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم "كان إذا قام من الليل افتتح به صلاته فقال - فذكره".
(و
يسن أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين)
لحديث أبي هريرة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين" رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود
(2)
.
(و) يسن (أن يقرأ حزبه) أي الحصة التي يقرؤها كل ليلة (من القرآن فيه) أي في تهجده، فإن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يفعله، قاله في "الشرح"(وأن يغفي بعد تهجده) لئلا يظهر عليه أثر النعاس، لقول ابن عباس في وصف تهجده صلى الله عليه وسلم:"ثم أوتر، ثم اضطجعَ، حتى جاءه المؤذنُ" وكذلك قالت عائشة: "ثم ينام" متفق عليهما
(3)
.
(والنصف الأخير أفضل من) النصف (الأول، و) أفضل (من الثلث الأوسط) لحديث عمرو بن عبسة قال: قلت "يا رسول الله: أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت"
(4)
. وفي "الصحيحين": "ينزل ربنا
(1)
في المسافرين، حديث 770.
(2)
أحمد (2/ 399)، ومسلم في المسافرين، حديث 768، وأبو داود في الصلاة، باب 313، حديث 1323.
(3)
حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه البخاري في الوضوء، باب 36، حديث 183، وفي الوتر، باب 1، حديث 992، ومسلم في المسافرين، حديث 763 (182). وحديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه البخاري في الوتر، باب 1، حديث 994، ومسلم في المسافرين، حديث 736.
(4)
أخرجه النسائي في المواقيت، باب 40، حديث 583، والترمذي في الدعوات، باب 79، 119، حديث 3499، 3579، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب =
كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ "
(1)
وفي رواية لمسلم: "حين يمضي ثلث الليل" وفي أخرى له: "إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه"
(2)
. قال ابن حبان في "صحيحه": يحتمل أن يكون النزول في بعض الليالي هكذا، وفي بعضها هكذا
(3)
.
(والثلث بعد النصف أفضل نصًا) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"
(4)
.
(وكان قيام الليل واجبًا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}
(5)
(ولم ينسخ) وقطع في "الفصول" و"المستوعب" بنسخه.
(ولا يقومه كله) لقول عائشة رضي الله عنها: "ما علمت أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قام
= 148، 182 حديث 1251، 1364، وأحمد (4/ 113 - 114) بنحوه.
ورواه أحمد (4/ 235)، عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب، قال:"سألت رسول الله أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ثم قال: الصلاة مقبولة حتى تصلي الصبح. . ." الحديث. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 225): ورجاله رجال الصحيح.
(1)
البخاري في التهجد، باب 14، حديث 1145، ومسلم في المسافرين، حديث 758 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
"صحيح مسلم": المسافرين، حديث 758 (169، 170).
(3)
انظر: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان"(3/ 202) حديث 921.
(4)
أخرجه البخاري في التهجد، باب 7، حديث 1131، وفي أحاديث الأنبياء، باب 38، حديث 3420، ومسلم في الصيام، حديث 1159 (189)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(5)
سورة المزمل، الآية: 1 - 2.
ليلة حتى الصباح"
(1)
قال في "الفروع": وظاهر كلامهم
(2)
: ولا ليالي العشر، فيكون قول عائشة: أنه أحيى الليل، أي كثيرًا منه، أو أكثره، ويتوجه بظاهره احتمال، ويخرج
(3)
من ليلة العيد، ويحمل قولها الأول على غير العشر، أو لم يكثر ذلك منه، واستحبه شيخنا، وقال
(4)
: قيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السنة.
(إلا ليلة عيد)
(5)
لحديث: "من أحيَى ليلة العيدِ، أحيى اللهُ قلبه يوم تموتُ القلوب" رواه الدارقطني في "علله"
(6)
.
(1)
رواه النسائي في قيام الليل، باب 17، حديث 1640. ورواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، حديث 746 في حديث طويل بلفظ: ولا أعلم
…
صلى ليلة إلى الصبح.
(2)
في الفروع (1/ 560): كلامه.
(3)
في الفروع (1/ 560): وتخريج.
(4)
الاختيارات الفقهية ص/ 99.
(5)
هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل صحيح، ولم يوجد.
(6)
ليس في الجزء المطبوع من العلل، لكن روى ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 56) بسنده إلى الدارقطني بنحوه. قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: والمحفوظ أنه موقوف على مكحول.
ورواه ابن ماجه في الصيام، باب 68، حديث 1782، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (1/ 248) حديث 373، عن أبي أمامة رضي الله عنه. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 313): هذا إسناد ضعيف لتدليس بقية. وقال العراقي في تخريج الإحياء (1/ 373): إسناده ضعيف.
ورواه الطبراني في الكبير، كما في المجمع (2/ 198)، وفي الأوسط (1/ 137) حديث 159، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. قال الهيثمي في المجمع (2/ 198): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمر بن هارون البلخي، والغالب عليه الضعف، وأثنى عليه ابن مهدي وغيره، ولكن ضعفه جماعة كثيرة. وانظر المجروحين لابن حبان (2/ 91). =
وفي معناها: لية النصف من شعبان
(1)
، كما ذكره ابن رجب في "اللطائف"
(2)
.
(وتكره مداومة قيامه كله) لأنه لا بد في قيامه كله من ضرر، أو تفويت حق، وعن أنس مرفوعًا:"ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد"
(3)
وكسل بكسر السين. وعن عائشة مرفوعًا: "أحبُّ العملِ إلى الله أدومُه وإن قلَّ"
(4)
. وعنها مرفوعًا: "خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا" متفق على ذلك
(4)
.
(ويستحب التنفل بين العشاءين، وهو) أي التنفل بين العشاءين (من قيام الليل، لأنه) أي الليل (من المغرب إلى طلوع الفجر الثاني) لقول أنس بن مالك في قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ .. } الآية
(5)
= ورواه ابن الأعرابي في معجمه (3/ 1047) رقم 2252، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 71 - 72) عن كردوس.
قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانظر التلخيص الحبير (2/ 80)، والفتوحات الربانية (4/ 235).
وقال ابن القيم في زاد المعاد (2/ 247) في سياق نزوله صلى الله عليه وسلم بمزدلفة ليلة النحر: (ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء).
(1)
هذا الإلحاق كسابقه ليس عليه دليل صحيح.
(2)
لطائف المعارف ص/ 144 - 145.
(3)
أخرجه البخاري في التهجد، باب 18، حديث 1150، ومسلم في المسافرين، حديث 784.
(4)
أخرجه البخاري في الإيمان، باب 32، حديث 43، وفي التهجد، باب 18، حديث 1151، ومسلم في المسافرين، حديث 782، (216، 218).
(5)
سورة السجدة، الآية:16.
قال: "كانوا يتنفلون
(1)
بين المغرب والعشاء يصلون" رواه أبو داود
(2)
. قال عبد الله
(3)
: كان أبي ساعة يصلي عشاء الآخرة، ينام نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح، يصلي ويدعو، وقال: ما سمعت بصاحب حديث لا يقوم بالليل.
(و
يستحب أن يكون له تطوعات يداوم عليها، وإذا فاتت يقضيها)
لقول عائشة: "كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًا أثبته، وكان إذا نام من الليل، أو مرض، صلى ثنتي عشرة ركعة" رواه مسلم
(4)
.
(و) يستحب (أن يقول عند الصباح والمساء) ما ورد، قال الموفق البغدادي في "ذيل فصيح ثعلب"
(5)
: الصباح عند العرب من نصف الليل الأخير إلى الزوال، ثم المساء إلى آخر نصف الليل اهـ.
ومن الوارد في ذلك قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين ثلاث مرات، حين يمسي، وحين يصبح، وأنه يكفى من كل شيء
(6)
.
(1)
في "سنن أبي داود": "يتيقظون".
(2)
في الصلاة، باب 312، حديث 1321، 1322. ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 197 - 198)، وابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (306، 394)، والطبري في تفسيره (21/ 100، 26/ 196)، والحاكم (2/ 467)، والبيهقي (3/ 19)، وفي شعب الإيمان (3/ 133) حديث 3110. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
(3)
مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/ 357.
(4)
في المسافرين، حديث 746 (141).
(5)
ص/ 3.
(6)
أخرجه أبو داود في الأدب، باب 110، حديث 5082، والترمذي في الدعوات، باب 117، حديث 3575، والنسائي في الاستعاذة، باب 1، حديث 5443، عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وانظر الإصابة (4/ 73).
وعن عثمان مرفوعًا: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات؛ لا
(1)
يضره شيء" رواه أبو داود
(2)
وغيره.
وعنه صلى الله عليه وسلم: "من قال إذا أصبح، وإذا أمسى: رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا؛ إلا كان حقًا على الله أن يرضيه" رواه أبو داود، وابن ماجه
(3)
، وزاد:"يوم القيامة".
(1)
كذا في الأصول، وعند جميع المخرجين المذكورين "لم يضره" ما عدا ابن ماجه فعنده "فيضره".
(2)
في الأدب، باب 110، حديث 5088، والترمذي في الدعوات، باب 13، حديث 3388، وابن ماجه في الدعاء، باب 14، حديث 3869، وأحمد (1/ 62، 72).
قال الترمذي: حسن صحيح. وانظر علل ابن أبي حاتم (2/ 196) رقم 279.
(3)
رواه أبو داود في الأدب، باب 110، حديث 5072، من طريق شعبة، عن أبي عقيل، عن سابق بن ناجية، عن أبي سلام
…
عن رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه - أيضًا - النسائي في الكبرى (6/ 145) حديث 10400، وفي عمل اليوم والليلة 135، حديث 4، وأحمد (4/ 337، 5/ 367)، والطبراني في الدعاء (2/ 931) حديث 302، وابن السني في عمل اليوم والليلة 62، حديث 68، والحاكم (1/ 518) من طرق عن أبي عقيل، به. وزادوا:"يوم القيامة". وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
ورواه ابن ماجه في الدعاء، باب 14، حديث 3870، من طريق مسعر، حدثنا أبو عقيل، عن سابق، عن أبي سلام خادم النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (9/ 78، 10/ 240)، وأحمد (3/ 337)، والطبراني في الكبير (22/ 367) حديث 621، وفي الدعاء (2/ 930) حديث 301 من طريق مسعر، به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 116)، وقال: رجال أحمد، والطبراني ثقات. =
وعنه صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته"، رواه أبو داود
(1)
= وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (2/ 275): ورجال إسناده ثقات.
وقال العلائي في جامع التحصيل ص/ 385: "ووقع فيها الوهم من مسعر بقوله فيه: عن أبي سلام خادم النبي صلى الله عليه وسلم عنه".
قال المزي في تحفة الأشراف (9/ 220): ورواه شعبة وهشيم، عن أبي عقيل، عن سابق، عن أبي سلام، عن خادم النبي صلى الله عليه وسلم. وهو الصواب.
وقال ابن حجر في الإصابة (11/ 176): وحديث شعبة في هذا هو المحفوظ. وأبو سلَّام المذكور هو ممطور الحبشي، وهو تابعي. وانظر نتائج الأفكار (2/ 354). ورواه الترمذي في الدعوات، باب 13، حديث 3389، والطبراني في الدعاء (2/ 932) حديث 304، وابن حجر في نتائج الأفكار (2/ 351)، عن ثوبان رضي الله عنه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وحسنه الحافظ في نتائج الأفكار.
(1)
في الأدب، باب 110، حديث 5073. ورواه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (8/ 443)، والنسائي في الكبرى (6/ 5) حديث 9835، وفي عمل اليوم والليلة ص/ 137، حديث 7، وابن أبي الدنيا في الشكر لله عز وجل (163)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/ 183، 184) حديث 2163، 2164، 2165، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 64)، وابن حبان "الإحسان" (3/ 142 - 143) حديث 861، والطبراني في الدعاء (2/ 933، 934) حديث 306، 307، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص/ 42، حديث 41، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3/ 1746)، حديث 4425، والبيهقي في الدعوات الكبير (1/ 27)، حديث =
(و) يستحب أن يقول عند (النوم، والانتباه) منه ما ورد، ومنه حديث حذيفة:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من النوم وضع يده تحت خده ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" رواه البخاري
(1)
.
(وفي السفر) ما ورد، ومنه حديث مسلم، عن ابن عمر أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر، كبر ثلاثًا، ثم قال:{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}
(2)
. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل. وإذا رجع قالهن. وزاد فيهن: آيبون تائبون لربنا حامدون"
(3)
ومعنى "مقرنين" مطيقين.
(وغير ذلك) المتقدم (مما ورد) ومنه: ما تقدم عند النظر في المرآة
(4)
وآخر الوضوء
(5)
ونحوهما، ومنه: ما يقال للمسافر سفرًا مباحًا: "أستودع الله
= 41، وفي شعب الإيمان (4/ 89) حديث 4368، والبغوي في شرح السنة (5/ 115) حديث 1328، عن عبد الله بن غنام رضي الله عنه، وقال الحافظ في نتائج الأفكار (2/ 360): هذا حديث حسن.
(1)
في الدعوات، باب 7، 16، حديث 6312، 6324.
(2)
سورة الزخرف، الآيتان: 13 - 14.
(3)
مسلم في الحج، حديث 1342.
(4)
تقدم (1/ 166) تعليق رقم 2.
(5)
تقدم (1/ 250).
دينك وأمانتك وخواتيم عملك"
(1)
، و"زودك الله التقوى"
(2)
.
(1)
جاء هذا الحديث عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم:
أ - أبو هريرة رضي الله عنه: رواه أحمد (2/ 358)، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ودع أحدًا قال: أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك. وحسن إسناده الحافظ، كما في الفتوحات الربانية (5/ 114).
ب - عبد الله بن يزيد الخطمي رضي الله عنه: رواه أبو داود في الجهاد، باب 80، حديث 2601، والنسائي في الكبرى (6/ 130) حديث 1041، وفي عمل اليوم والليلة ص/ 352، حديث 507، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (15/ 196) حديث 5942، والمحاملي في الدعاء (6)، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 114)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص/ 252، حديث 504، والحاكم (2/ 97 - 98)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4/ 1804) حديث 4562، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يستودع الجيش قال: أستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم. وصحح إسناده النووي في الأذكار ص/ 187.
(2)
جاء هذا من حديث عدد من الصحابة منهم:
أ - أنس رضي الله عنه: رواه الترمذي في الدعوات، باب (45)، حديث 3444، والدارمي في الاستئذان، باب 41، حديث 2674، وابن خزيمة (4/ 138) حديث 2532، والخرائطي في مكارم الأخلاق (868)، والمحاملي في الدعاء (9)، والطبراني في الدعاء (2/ 1179 - 1180) حديث 817، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص/ 451، حديث 502، والحاكم (2/ 97)، والبيهقي في الدعوات الكبير (2/ 175) حديث 405، والضياء في المختارة (4/ 421 - 422) حديث 1597، 1598، (7/ 232 - 233) حديث 2673، 2674، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أريد سفرًا فزودني، قال: زودك الله التقوى، قال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني بأبي وأمي، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت. قال الترمذي: حسن غريب. وحسنه الحافظ، كما في الفتوحات الربانية (5/ 120).
ب - قتادة الرُّهاوي رضي الله عنه: رواه البخاري في التاريخ الكبير (7/ 185)، =
ويقول إذا نزل منزلًا: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" لحديث مسلم عن خولة
(1)
.
ويستحب أن ينوي عند نومه من الليل قيام ليله.
(واستحب) الإمام (أحمد أن تكون له ركعات معلومة من الليل والنهار، فإذا نشط طولها، وإذا لم ينشط خففها
(2)
) لحديث: "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل"
(3)
.
(و
صلاة الليل والنهار: مثنى مثنى)
أي يسلم فيها من كل ركعتين، لحديث ابن عمر مرفوعًا:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" رواه الخمسة
(4)
،
= والمحاملي في الدعاء (10)، والبغوي (5/ 142) حديث 1345، قال: لما عقد لي النبي صلى الله عليه وسلم على قومي، أخذت بيده، فودعته، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعل الله التقوى زادك، وغفر ذنبك، ووجهك للخير حيثما تكون. قال البغوي: حسن غريب.
ج - عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: رواه المحاملي في الدعاء (8)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (866): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يودع الرجل إذا أراد السفر، فيقول: زودك الله التقوى، وغفر لك ذنبك، ووجهك للخير حيث توجهت.
د - رجل من الأنصار: رواه مسدد، كما في المطالب العالية (2/ 314) حديث 1980: أن النبي صلى الله عليه وسلم ودع رجلًا فقال: زودك الله التقوى، وغفر لك ذنبك، ويسر لك الخير من حيثما كنت. قال البوصيرى في إتحاف الخيرة (3/ 143): رواه مسدد بسند فيه راوٍ لم يسم، وله شاهد من حديث عبد الله بن يزيد.
(1)
مسلم في الذكر، حديث 2708.
(2)
انظر مسائل أبي داود ص/ 73، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 395) رقم 303.
(3)
تقدم تخريجه (3/ 89)، تعليق 4.
(4)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 302، حديث 1295، والترمذي في الصلاة، باب (65)، حديث 597، والنسائي في قيام الليل، باب 26، حديث 1665، وفي الكبرى (1/ 179) حديث 472، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 172، حديث 1322، وأحمد (2/ 26، 51). ورواه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (1/ 285)، والطيالسي ص/ 261، حديث 1932، وابن أبي شيبة (2/ 274)، والدارمي في الصلاة، باب (154)، حديث 1466، وابن الجارود (1/ 242) حديث 278، وابن خزيمة (2/ 214) حديث 1210، وابن المنذر في الأوسط (5/ 234) حديث 2769، 2770، والطحاوي (1/ 334)، وابن حبان "الإحسان"(6/ 231، 232، 241) حديث 2482، 2483، 2494، وابن عدي (5/ 1826)، والدارقطني (1/ 417)، وابن حزم في المحلى (1/ 80، 4/ 168)، والبيهقي (2/ 487)، وفي معرفة السنن والآثار (4/ 26)، والخطيب في الموضح (2/ 273) كلهم من طريق شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي بن عبد الله البارقي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
واختلفت آراء الحفاظ في هذا الحديث بزيادة لفظ: "والنهار". فأعله الترمذي، والنسائي، والإمام أحمد، وابن معين، والدارقطني بأنه شاذ انفرد به علي البارقي عن ابن عمر رضي الله عنهما، ورواه أصحاب ابن عمر رضي الله عنهما الكبار وهم أكثر من خمسة عشر نفسًا من غير ذكر النهار.
قال النسائي في الكبرى: هذا إسناد جيد، ولكن أصحاب ابن عمر خالفوا عليًا الأزدي، خالفه سالم، ونافع، وطاووس. وقال في الصغرى: هذا الحديث عندي خطأ.
وقال الترمذي: وروى الثقات عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه: صلاة النهار. وقال الدارقطني كما في التلخيص الحبير (2/ 22): ذكر النهار فيه وهم. وأعله الإمام أحمد والترمذي وغيرهما بأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلي بالنهار أربعًا، فلو كان عنده نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أيخالفه؟ انظر سنن الترمذي (2/ 491)، ومسائل أبي داود ص/ 294، والتمهيد لابن عبد البر (13/ 242 - 243)، والجوهر النقي (2/ 487 - 488)، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (21/ 289 - 291)، وفتح الباري (2/ 479).
وأعله الإمام الترمذي - أيضًا - بالوقف.
والموقوف: رواه عبد الرزاق (2/ 501) رقم 4227، وقال الحافظ في إتحاف المهرة (8/ 805): وهذا إسناد صحيح يعارض ما رواه هذا البارقي. =
واحتج به أحمد. وليس بمناقض للحديث الذي خص فيه الليل بذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم "صلاة الليل مثنى مثنى" متفق عليه
(1)
؛ لأنه وقع جوابًا عن سؤال سائل عينه في سؤاله، ومثله لا يكون مفهومه حجة باتفاق، ولأنه سيق لبيان حكم الوتر، والنصوص بمطلق الأربع لا تنفي فضل الفصل بالسلام.
(وإن تطوع في النهار بأربع، كالظهر فلا بأس) أي لا كراهة، لحديث أبي أيوب أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "كان يصلي قبل الظهر أربعًا، لا يفصل بينهن بتسليم" رواه أبو داود وابن ماجه
(2)
(وإن سردهن) أي الأربع (ولم يجلس إلا في آخرهن جاز، وقد ترك الأولى) لأنه أكثر عملًا.
= وذهب جماعة من الحفاظ إلى قبول هذه الزيادة منهم: الإمام الشافعي، حكاه عنه البيهقي في معرفة السنن والآثار (4/ 25)، وصححه الإمام البخاري، كما حكاه عنه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 487)، وإليه مال الخطابي في معالم السنن (1/ 278)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار. وصححه الحافظ العراقي في طرح التثريب (3/ 73)، والنووي في المجموع (3/ 498)، وفي الخلاصة (1/ 553، 603)، والشوكاني في نيل الأوطار (3/ 79).
(1)
تقدم تخريجه (3/ 26)، تعليق رقم 4.
(2)
أبو داود في الصلاة، باب 296، حديث 1270، وابن ماجه في الإقامة، باب 105، حديث 1157. ورواه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (6/ 279 - 280)، والترمذي في الشمائل ص/ 138 - 139، والطيالسي ص/ 81، حديث 597، وعبد الرزاق (3/ 65 - 66) حديث 4814، والحميدي (1/ 190) حديث 385، وابن أبي شيبة (1/ 225)، وابن خزيمة (2/ 221 - 223) حديث 1214، 1215، والطحاوي (1/ 335)، والهيثم بن كليب (3/ 77) حديث 1133، وابن حبان في الثقات (5/ 163 - 164)، والطبراني في الكبير (4/ 168، 169، 170) حديث 4031 - 4034، 4037 - 4038، وابن عدي (5/ 1991)، وتمام (1/ 383) حديث 380، والبيهقي (2/ 488 - 489). وضعفه النووي في المجموع (3/ 507).
و (يقرأ في كل ركعة) من الأربع (بالفاتحة وسورة) كسائر التطوعات.
(وإن زاد على أربع نهارًا) كره، وصح. (أو) زاد على (اثنتين ليلًا، ولو جاوز ثمانيًا، علم العدد أو نسيه بسلام واحد، كره، وصح): أما الكراهة فلمخالفته ما تقدم، وأما الصحة فلأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "قد صلى الوتر خمسًا، وسبعًا، وتسعًا، بسلام واحد" وهو تطوع: فألحقنا به سائر التطوعات.
وعن أم هانئ قالت: "صلى النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم الفتح الضحى ثماني ركعات، لم يفصل بينهن"
(1)
وهذا لا ينافي روايتها الأخرى عنه "أنه سلم من كل ركعتين"
(2)
لأنه من الجائز أنها رأته يصليها مرتين، أو أكثر. قلت: ينبغي تقييد الكراهة بما عدا الوتر، كما يعلم مما تقدم.
(و
التطوع في البيت أفضل)
لقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصلاةِ في بيوتِكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" رواه مسلم
(3)
، ولأنه أقرب إلى الإخلاص.
(1)
أخرجه البخاري في الجزية، حديث 3171، وفي الأدب، حديث 6158، ومسلم في الحيض، حديث 336.
(2)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 301، حديث 1290، وابن ماجه في الإقامة، باب 172، حديث 1323، وابن خزيمة (2/ 234) حديث 1234، والطبراني في الكبير (24/ 406 - 407) حديث 987، والبيهقي (3/ 48). قال النووي في المجموع (3/ 489)، وفي الخلاصة (1/ 568): رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 20): وإسناده على شرط البخاري، وأصله في الصحيحين مطولًا دون قوله: ويسلم من كل ركعتين.
(3)
في المسافرين، حديث 781. وأخرجه - أيضًا - البخاري في الأذان، باب 81، حديث 731، وفي الأدب، باب 75، حديث 6113 من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
(وإسراره، أي عدم إعلانه أفضل إن كان مما لا تشرع له الجماعة) فإن كان مما تشرع له الجماعة، كالكسوف، والاستسقاء، والتراويح، والوتر بعدها، ففعله في غير البيت، كالمسجد وإظهاره أفضل؛ لشبهه بالفرائض. وكذا السنن من المعتكف، وسنة الجمعة - على ما تقدم -، فعلها في المسجد أفضل.
(و
لا بأس بصلاة التطوع جماعة)
كما تفعل فرادى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين كليهما، وكان أكثر تطوعاته منفردًا، قاله في "الشرح". قال في "الاختيارات"
(1)
: وما سن فعله منفردًا، كقيام الليل، وصلاة الضحى، ونحو ذلك، إن فعل جماعة في بعض الأحيان فلا بأس بذلك، لكن لا يتخذ سنة راتبة.
(ويكره جهره فيه) أي التطوع (نهارًا) لحديث: "صلاةُ النهارِ عجماءُ"
(2)
والمراد: غير الكسوف، والاستسقاء، بدليل ما يأتي في بابهما.
(و) المتطوع (ليلًا يراعي المصلحة، فإن كان الجهر أنشط
(3)
في القراءة، أو بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها، فالجهر أفضل) لما يترتب عليه من هذه المصالح (وإن كان بقربه من يتهجد، أو يستضر برفع صوته) من نائم، أو غيره (أو خاف رياء، فالإسرار أفضل) دفعًا لتلك المفسدة.
(وما ورد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تخفيفه) كركعتي الفجر، وركعتي افتتاح قيام الليل، وتحية المسجد إذا دخل والإمام يخطب يوم الجمعة (أو) عن النَّبيِّ
(1)
ص/ 98.
(2)
تقدم تخريجه (2/ 321) تعليق رقم 2.
(3)
في "ح" زيادة: "له".
- صلى الله عليه وسلم (تطويله) كصلاة الكسوف (فالأفضل اتباعه) لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
(1)
(وما عداه) أي عدا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم تخفيفه وتطويله (فكثرة الركوع والسجود فيه أفضل من طول القيام) لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"
(2)
.
وعن ثوبان قال: سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجدَ لله سجدة إلا رفعك الله بها درجةً، وحط عنك بها خطيئة"
(3)
.
وعن ربيعة بن كعب السلمي أنه قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أعني على نفسك بكثرةِ السجودِ" رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود
(4)
.
وعن عبادة بن الصامت أنه سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يسجدُ لله سجدةً إلا كتب الله له بها حسنةً، ورفع بها له درجةً، فاستكثروا من السجود" رواه ابن ماجه
(5)
.
ولأن السجود في نفسه أفضل وآكد، بدليل أنه يجب في الفرض والنفل، ولا يباح بحال إلا لله تعالى، والقيام يسقط في النفل، ويباح في غير الصلاة للوالدين، والعالم، وسيد القوم. والاستكثار مما هو آكد وأفضل أولى.
(1)
سورة الأحزاب، الآية:21.
(2)
أخرجه مسلم في الصلاة، حديث 482، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
أخرجه مسلم في الصلاة، حديث 488.
(4)
أحمد (4/ 59)، ومسلم في الصلاة، حديث 489، وأبو داود في الصلاة، باب 312، حديث 1320.
(5)
في الإقامة، باب 201، حديث 1424. ورواه - أيضًا - أبو نعيم في الحلية (5/ 130). قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 252): هذا إسناد ضعيف لتدليس الوليد بن مسلم. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (1/ 324): رواه ابن ماجه بإسناد صحيح.
(ويستحب استغفار بالسحر، والإكثار منه) لقوله تعالى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
(1)
وسيد الاستغفار: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعت، أعوذ بكَ من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"
(2)
قال في "الفروع": وظاهره: يقوله كل أحد، وكذا ما في معناه. وقال شيخنا
(3)
: تقول المرأة: "أمتك بنت عبدك، أو بنت أمتك" وإن كان قولها "عبدك" له مخرج في العربية بتأويل شخص.
(و
من فاته تهجده قضاه قبل الظهر)
لما روى أحمد، ومسلم، وأهل السنن عن عمر مرفوعًا:"من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاةِ الفجرِ، وصلاة الظهر كتبَ له كأنما قرأهُ من الليل"
(4)
.
(وتقدم في سجود السهو: من نوى عددًا فزاد عليه) وحاصله: إن نوى ركعتين نهارًا له أن يصليهما أربعًا، وليلًا فلا.
(وصلاة القاعد على النصف من أجر صلاة القائم إلا المعذور) لقوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى قائمًا فهو أفضلُ، ومن صلى قاعدًا فله أجرُ نصف القائم"
(5)
(1)
سورة الذاريات، الآية:18.
(2)
أخرجه البخاري في الدعوات، باب 16، حديث 6323، عن شداد بن أوس رضي الله عنه.
(3)
يعني به شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى. انظر الاختيارات الفقهية ص/ 99.
(4)
رواه أحمد (1/ 32)، ومسلم في المسافرين، حديث 747، وأبو داود في الصلاة، باب 309، حديث 1313، والترمذي في الصلاة باب 56، حديث 581، والنسائي في قيام الليل، باب 65، حديث 1789، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 177، حديث 1343.
(5)
كذا في الأصول. والصواب: فله نصف أجر القائم، كما في صحيح البخاري.
متفق عليه
(1)
، ولفظ مسلم:"صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاةِ"
(2)
قالت عائشة: "إن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يمتْ حتى كان كثيرًا من صلاتِه وهو جالسٌ" رواه مسلم
(3)
، وسومح في التطوع ترك القيام، ترغيبًا في تكثيره.
(ويسن أن يكون في حال القيام متربعًا) وروي عن ابن عمر
(4)
، وأنس
(5)
(فإذا بلغ الركوع فإن شاء قام فركع، وإن شاء ركع من قعود، لكن يثني رجليه في الركوع والسجود) روي عن أنس
(6)
، لحديث عائشة قالت:"رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي متربعًا" رواه الدارقطني والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم
(7)
، وقال: على شرط الشيخين. وقالت: "لم أر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدًا قط، حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية، ثم ركع" متفق عليه
(8)
. وعنها "أن النَّبيَّ
(1)
أخرجه البخاري في تقصير الصلاة، باب 17، حديث 1115، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما. ولم نقف عليه في صحيح مسلم.
(2)
مسلم في المسافرين، حديث 735، من رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(3)
في المسافرين، حديث 732 (116).
(4)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 219، 220).
(5)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 219)، والبيهقي (2/ 305).
(6)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 221).
(7)
الدارقطني (1/ 397)، والنسائي في قيام الليل، باب 22، حديث 1160، وابن حبان "الإحسان"(6/ 256 - 257) حديث 2512، والحاكم (1/ 258، 275)، ورواه - أيضًا - ابن خزيمة (2/ 89، 236) رقم 978، 1238، والطحاوي في أحكام القرآن (1/ 163، 164، 234، 235)، والبيهقي (2/ 305). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وحسن إسناده الطحاوي في أحكام القرآن (1/ 234).
(8)
البخاري في تقصير الصلاة، باب 20، حديث 1118، 1119، وفي التهجد، باب 16، حديث 1148، وفي التفسير، باب 2، حديث 4837. ومسلم في المسافرين، حديث 731.
- صلى الله عليه وسلم كان يصلي ليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعدٌ ركع وسجدَ وهو قاعدٌ" رواه مسلم
(1)
.
(ويجوز له القيام إذا ابتدأ الصلاة جالسًا) لحديث عائشة المتقدم (و) يجوز (عكسه) بأن يبتدئ الصلاة قائمًا ثم يجلس.
(و
لا يصح) النفل (من مضطجع لغير عذر)
لعموم الأدلة على افتراض الركوع، والسجود، والاعتدال عنهما، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ليخصص به العموم (و) التنفل (له) أي العذر مضطجعًا (يصح) كالفرض وأولى (ويسجد) المتنفل مضطجعًا (إن قدر عليه) أي على السجود (وإلا) بأن لم يقدر على السجود (أومأ) به لحديث:"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتُم"
(2)
.
(1)
في المسافرين، حديث 730.
(2)
تقدم تخريجه (1/ 234) تعليق رقم 2.
فصل (تسن صلاة الضحى)
لما روى أبو هريرة قال: "أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" رواه أحمد، ومسلم
(1)
وعن أبي الدرداء نحوه، متفق عليه
(2)
.
(ووقتها) أي صلاة الضحى (من خروج وقت النهي) أي ارتفاع الشمس قيد رمح (إلى قبيل الزوال، ما لم يدخل وقت النهي) أي وقت الاستواء.
(وعدم المداومة عليها أفضل) وفي "المبدع": تكره مداومتها، بل تفعل غبًا، نص عليه، لقول عائشة:"ما رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط" متفق عليه
(3)
. وروى أبو سعيد الخدري قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضُّحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها" رواه أحمد، والترمذي
(4)
،
(1)
أحمد (2/ 258، 265، 271، 277، 311، 392)، ومسلم في المسافرين، حديث 721. وأخرجه - أيضًا - البخاري في التهجد، باب 33، حديث 1178.
(2)
أخرجه مسلم في المسافرين، حديث 722. ولم نجده في صحيح البخاري.
(3)
البخاري في التهجد، باب 5، 32، حديث 1128، 1177، ومسلم في المسافرين، حديث 718.
(4)
أحمد (3/ 21، 36)، والترمذي في الصلاة، باب 346، حديث 477، وفي الشمائل (287). ورواه - أيضًا - عبد بن حميد (2/ 68) حديث 889، وأبو يعلى (2/ 456) حديث 1270، والبغوي (4/ 136) حديث 1002، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (1/ 244). وقال الترمذي: حسن غريب.
قلنا: في سنده عطية العوفي قال فيه الحافظ: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا. التقريب (4649).
وقال: حسن غريب. ولأن في المداومة عليها تشبيهًا بالفرائض.
(واستحبها) أي المداومة عليها (جموع محققون) منهم الآجري، وابن عقيل، وأبو الخطاب (وهو أصوب) لما تقدم من حديث أبي هريرة، وأبي الدرداء، وغيرهما (واختارها) أي هذه الرواية (الشيخ
(1)
لمن لم يقم من الليل) حتى لا يفوته كل منهما.
(والأفضل فعلها إذا اشتد الحر) لحديث زيد بن أرقم، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"صلاة الأوَّابين حين ترمضُ الفصال" رواه أحمد، ومسلم
(2)
، ومعناه: أن تحمى الرمضاء وهي الرمل، فتبرك الفصال من شدة الحر.
(وأقلها: ركعتان، وأكثرها ثمان) لحديث أنس
(3)
أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرًا غفر له خطاياه، وإن كانت أكثر من زبد البحر" رواه أبو داود
(4)
. وعن عائشة قالت: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء" رواه أحمد ومسلم
(5)
. وعن جابر بن عبد الله قال: "كنت أعرض بعيرًا لي
(1)
الاختيارات الفقهية ص/ 98.
(2)
أحمد (4/ 366، 367، 372، 375)، ومسلم في المسافرين، حديث 748.
(3)
كذا في الأصول، والصواب لحديث معاذ بن أنس كما في مصادر التخريج التالية.
(4)
في الصلاة، باب 301، حديث 1287. وأخرجه - أيضًا - أحمد (3/ 438 - 439)، وأبو يعلى (3/ 61 - 62) حديث 1487، والطبراني في الكبير (20/ 196 - 197) حديث 442، والبيهقي (3/ 49). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 105): رواه أبو يعلى، وفيه: زبان بن فائد، ضعفه الجمهور، وقال أبو حاتم: صالح، وبقية رجاله حديثهم حسن.
(5)
أحمد (6/ 95، 120، 124، 145، 168، 265)، ومسلم في المسافرين، حديث 719.
على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فأبصرتُه يصلي الضحى ستًّا" رواه البخاري في "تاريخه"
(1)
. وروت أم هانئ "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عام الفتح صلى ثماني ركعاتٍ سبحة الضحى" رواه الجماعة
(2)
. وعن أنس قال: "رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات" رواه أحمد
(3)
.
(ويصح التطوع المطلق بفرد، كركعة ونحوها، كثلاث وخمس) لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "الصلاة خير موضوع، استكثر، أو أقل" رواه ابن حبان في "صحيحه"
(4)
. وعن عمر "أنه دخل المسجد فصلى ركعة، فتبعه رجل
(1)
"التاريخ الكبير"(1/ 212). وأخرجه - أيضًا - الطبراني في الأوسط (5/ 207 - 208) حديث 4408. قال الهيثمي في المجمع (2/ 237): رواه الطبراني في الأوسط، من رواية محمد بن قيس عن جابر، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.
ورواه الترمذي في الشمائل (290)، والطبراني في الأوسط (2/ 161) حديث 1298، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (205)، والمزي في تهذيب الكمال (7/ 205)، عن أنس رضي الله عنه. قال الهيثمي في المجمع (2/ 237) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: سعيد بن مسلم الأموي، وضعفه البخاري، وابن معين، وجماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. وانظر النكت الظراف (1/ 190).
(2)
تقدم تخريجه (3/ 98)، تعليق 1.
(3)
(3/ 146، 156). ورواه - أيضًا - النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (1/ 242) رقم 920، وابن خزيمة (2/ 230) حديث 1228، والحاكم (1/ 314)، وأبو نعيم في الحلية (8/ 326)، والضياء في المختارة (6/ 208، 209) حديث 2220، 2221. قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
(4)
"الإحسان"(2/ 76) حديث 361. ورواه - أيضًا - أبو نعيم في الحلية (1/ 166) في حديث طويل. وفي سنده إبراهيم الغساني متهم بالكذب. انظر ميزان الاعتدال (1/ 73). ورواه الطيالسي ص/ 65، حديث 478، وأحمد (5/ 178، 179)، والبزار (9/ 426) حديث 4034، والحاكم (2/ 597) بنحوه.
وأسانيدهم - أيضًا - ضعيفة.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة، قال: هو تطوع، فمن شاء زاد، ومن شاء نقص"
(1)
وصح عن اثني عشر من الصحابة تقصير الوتر بركعة
(2)
، وهو تطوع (مع الكراهة) لقوله صلى الله عليه وسلم:"صلاة الليل والنهار مَثْنَى مَثْنَى"
(3)
والمراد غير الوتر.
(و) تسن (صلاة الاستخارة، إذا هم بأمر) أطلقه الإمام والأصحاب (وظاهره: ولو في حج، أو غيره من العبادات، وغيرها، والمراد في ذلك الوقت) فيكون قول أحمد: "كل شيء من الخير يبادر به"
(4)
بعد فعل ما ينبغي فعله، قاله في "الفروع"(إن كان) الحج ونحوه (نفلًا) فتكون الاستخارة في المباحات، والمندوبات، لا الواجبات، والمحرمات، والمكروهات (فيركع ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه بعينه - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو في عاجل أمري، وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، أو في عاجل أمري، وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم
(1)
أخرجه البيهقي (3/ 24). وفي سنده قابوس بن أبي ظبيان - قال ابن حجر في التقريب رقم 5480: فيه لين.
(2)
انظر: "مصنف عبد الرزاق"(3/ 21، 22، 25)، و"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 292)، والسنن الكبرى للبيهقي (3/ 24).
(3)
تقدم تخريجه (3/ 26) تعليق رقم 4.
(4)
طبقات الحنابلة (1/ 125).
رضني به) لحديث جابر، رواه البخاري، والترمذي
(1)
. ولفظة
(2)
: "ثم رضني به"
(3)
له (ويقول فيه: مع العافية. ولا يكون وقت الاستخارة عازمًا على الأمر) الذي يستخير فيه (أو) على (عدمه: فإنه خيانة في التوكل. ثم يستشير، فإذا ظهرت المصلحة في شيء فعله) فينجح مطلوبه.
(و) تسن (صلاة الحاجة إلى الله) تعالى (أو إلى آدمي، يتوضأ ويحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين، ثم لِيُثْنِ على الله) تعالى (وليصل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: "لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) لحديث عبد الله بن أبي أوفى، رواه ابن ماجه والترمذي
(4)
وقال: غريب.
(1)
البخاري في التهجد، باب 25، حديث 1162، وفي الدعوات، باب 48، حديث 6382، وفي التوحيد، باب 10، حديث 7290، والترمذي في الصلاة، باب 349، حديث 480.
(2)
في نسخة الشيخ محمد الخيال: "ولفظ".
(3)
قلنا: لفظ: "ثم رضني به" عند البخاري في الدعوات، والتوحيد. وفي التهجد:"ثم أرضني". ولفظ الترمذي: "ثم أرضني به".
(4)
ابن ماجه في الإقامة، باب 189، حديث 1384، والترمذي في الصلاة، باب 4، حديث 479. ورواه - أيضًا - البزار (8/ 300) حديث 3374، والحاكم (1/ 320). قال الترمذي: هذا حديث غريب وفي إسناده مقال؛ فيه فائد بن عبد الرحمن وهو أبو الورقاء يضعف في الحديث. وقال الحاكم: فائد بن عبد الرحمن، أبو الورقاء كوفي، وهو مستقيم الحديث، إلا أن الشيخين لم يخرجا عنه. وتعقبه الذهبي بقوله: بل متروك. وذكر ابن القيم في فوائد حديثية (ص/ 115) هذه الصلاة ضمن الصلوات التي لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(و) تسن (صلاة التوبة إذا أذنب ذنبًا، يتطهر ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى) لحديث علي عن أبي بكر قال: سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له، ثم قرأ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ. . .} الآية
(1)
" رواه أبو داود، والترمذي
(2)
وقال: حسن غريب، لكنه من رواية أبي
(1)
سورة آل عمران، الآية:135.
(2)
أبو داود في الصلاة، باب 361، حديث 1521، والترمذي في الصلاة، باب 181، حديث 406، وفي تفسير آل عمران، حديث 3006. وأخرجه - أيضًا - النسائي في عمل اليوم والليلة ص/ 315، 316، 317 حديث 414، 415، 416، 417، وابن ماجه في الإقامة، باب 193، حديث 1395، والطيالسي ص/ 2، حديث 1، 2، والحميدي (1/ 2، 4) حديث 1، 4، وابن أبي شيبة (2/ 387)، وأحمد (1/ 2، 10)، وفي فضائل الصحابة (1/ 159، 413) رقم 142، 642، والبزار في مسنده (1/ 61، 62) حديث 8، 9، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر الصديق ص/ 42، 44، حديث 9، 10، 11، وأبو يعلى (1/ 23، 24، 25، 26، حديث 11، 12، 13، 14، 15، وابن أبي حاتم في تفسيره (3/ 765) رقم 4180، والعقيلي (1/ 106)، وابن حبان "الإحسان" (2/ 389 - 390) حديث 623، والطبراني في الدعاء (3/ 1623 - 1625) حديث 1841، 1842، والطبري في تفسيره (4/ 96)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (359)، وابن عدي (4201)، وتمام في فوائده (414)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (1/ 142)، والبيهقي في الدعوات الكبير (1/ 110) حديث 149، وفي شعب الإيمان (5/ 401 - 402) حديث 7077، 7078، 7079، والبغوي في شرح السنة (4/ 151 - 152) حديث 1015.
قال الترمذي: حديث علي حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عثمان بن المغيرة. وقال ابن عدي: أرجو أن يكون صحيحًا. وقال البغوي: هذا حديث حسن. وحسنه الحافظ بن أبي كثير في تفسيره (2/ 104)، والحافظ ابن حجر =
الورقاء
(1)
، وهو ضعيف.
(وعند جماعة: وصلاة التسبيح، ونصه: لا) قال
(2)
: ما يعجبني، قيل: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح. ونفض يده كالمنكر، ولم يرها مستحبة. قال الموفق: وإن فعلها إنسان فلا بأس، فإن النوافل، والفضائل، لا يشترط صحة الحديث فيها.
وهي (أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بالفاتحة وسورة، ثم يسبح، ويحمد، ويهلل، ويكبر خمس عشرة مرة، قبل أن يركع، ثم يقولها) أي سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (في ركوعه عشرًا، ثم) يقولها (بعد رفعه منه) أي من الركوع (عشرًا، ثم يقولها في سجوده عشرًا، ثم) يقولها (بعد رفعه منه عشرًا، ثم في سجوده عشرًا، ثم بعد رفعه منه قبل أن يقوم عشرًا، ثم) يفعل (كذلك في كل ركعة) من الأربع ركعات (يفعلها) أي صلاة التسبيح على القول باستحبابها (كل يوم مرة، فإن لم يفعل) كل يوم (ففي كل جمعة مرة، فإن لم يفعل) كل جمعة (ففي كل شهر مرة، فإن لم يفعل) كل شهر (ففي كل سنة مرة، فإن لم يفعل) كل سنة (ففي العمر مرة)
= في الفتح (11/ 98)، وجود إسناده في تهذيب التهذيب (1/ 267)
وانظر: التاريخ الكبير للبخاري (2/ 55)، وعلل الدارقطني (1/ 176 - 180) رقم 8، وتهذيب الكمال (2/ 534 - 535).
(1)
"لكنه من رواية أبي الورقاء وهو ضعيف"، كذا في الأصول. والصواب: تقديم هذه العبارة بعد حديث عبد الله بن أبي أوفى السابق؛ لأن أبا الورقاء من رجال إسناده، وليس له ذكر في إسناد هذا الحديث.
(2)
في مسائل ابن هانئ سئل عن صلاة التسبيح قال: إسناده ضعيف (1/ 105) مسألة رقم 520.
لما روى أبو داود، والترمذي، عن ابن عباس أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب: "يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أفعل بك، عشرة
(1)
خصال إذا أنت فعلت ذلك، غفر لك ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، خطؤه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات"
(2)
وذكر ما تقدم.
(و) تسن (صلاه تحية المسجد، وتأتي إن شاء الله آخر) باب صلاة (الجمعة) موضحة.
(و) تسن (سنة الوضوء) أي ركعتان عقبه، وتقدم.
(و) يسن
(إحياء ما بين العشاءين)
للخبر
(3)
(وتقدم) وأنه من قيام الليل.
(وأما صلاة الرغائب، والصلاة الألفية ليلة نصف شعبان، فبدعة لا أصل لهما، قاله الشيخ
(4)
.
(1)
كذا في جميع النسخ.
(2)
رواه أبو نعيم في الصلاة، باب 303، حديث 1297. ولم نقف عليه في سنن الترمذي. وأخرجه - أيضًا - ابن ماجه في الإقامة، باب 190، حديث 1387، وابن خزيمة (2/ 223) حديث 1216، والحاكم (1/ 318)، والبيهقي (3/ 51 - 52). وذهب جماعة من أهل العلم إلى تضعيف الأحاديث الواردة في صلاة التسبيح، منهم: الإمام أحمد، كما في مسائل ابن هانئ (1/ 105)، وبدائع الفوائد (4/ 114)، والترمذي في سننه (2/ 348)، والعقيلي في الضعفاء (1/ 124)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4/ 116)، ومجموع الفتاوى (11/ 579). وقال ابن خزيمة في صحيحه (2/ 223): باب صلاة التسبيح إن صح الخبر، فإن في القلب من هذا الإسناد شيء.
(3)
تقدم تخريجه (3/ 90)، تعليق رقم 2.
(4)
الاختيارات الفقهية ص/ 99.
وقال: وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة اهـ. وفي استحباب قيامها) أي ليلة النصف من شعبان (ما في) إحياء (ليلة العيد، هذا معنى كلام) عبد الرحمن بن أحمد (بن رجب) البغدادي ثم الدمشقي (في) كتابه المسمى (اللطائف)
(1)
في الوظائف، ويعضده حديث:"من أحيى ليلتي العيدين، وليلة النصف من شعبان، أحيى الله قلبه يوم تموت القلوب"
(2)
. رواه الترمذي
(3)
في "تاريخه" بسنده عن ابن كردوس عن أبيه.
قال جماعة: وليلة عاشوراء، وليلة أول رجب، وليلة نصف شعبان، وفي "الرعاية": وليلة نصف رجب، وفي "الغنية": وبين الظهر والعصر، ولم يذكر ذلك جماعة، وهو أظهر لضعف الأخبار
(4)
، وهو قياس نصه في صلاة التسبيح
(5)
، وأولى. وفي "آداب القاضي": صلاة القادم
(6)
، ولم يذكر أكثرهم
(1)
ص/ 144 - 145.
(2)
رواه ابن الأعرابي في معجمه (3/ 1047) رقم 2252، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 71 - 72) رقم 924.
وقال: هذا حديث لا يصح.
(3)
في "ح" و"ذ" و"النسخة المطبوعة": المنذري.
(4)
انظر الموضوعات لابن الجوزي (2/ 432 - 443).
(5)
تقدمت الإشارة إليه (3/ 110) تعليق رقم 2.
(6)
روى البخاري في الجهاد والسير، باب 198، حديث 3088، وفي المغازي، باب 81، حديث 4418، وفي التفسير، باب 18، حديث 4677، ومسلم في التوبة، حديث 2769 عن كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث طويل، وفيه: وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين.
صلاة من أراد سفرًا
(1)
، ويأتي في أول الحج، قاله في "الفروع".
(1)
روى ابن أبي شيبة (2/ 81)، والخطيب في الموضح (2/ 405)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (58/ 355 - 356) عن المطعم بن المقدام مرسلًا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما خلف عبد في أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرًا.
قال الحافظ كما في الفتوحات الربانية (5/ 105): وسنده معضل أو مرسل، إن ثبت له سماع من صحابي. وذكره السيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (5/ 443) ورمز لضعفه.
وفي الباب: عن أنس رضي الله عنه: رواه الدارمي في الاستئذان، باب 49، حديث 2684، والبزار (1/ 357) حديث 747، وابن خزيمة (2/ 248) حديث 1260، (4/ 151) حديث 2568، والحاكم (1/ 315) قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلًا لم يرتحل منه حتى يصلي ركعتين، أو يودع المنزل بركعتين.
قال الدارمي: عثمان بن سعد ضعيف. وصححه الحاكم. ووافقه الذهبي. وقال الحافظ كما في الفتوحات الربانية (5/ 106): هذا حديث حسن غريب.
فصل (سجدة التلاوة سنة مؤكدة)
وليست بواجبة، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه
(1)
، لما روى زيد بن ثابت قال:"قرأت على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَالنَّجْمِ} فلم يسجد فيها" رواه الجماعة
(2)
، وفي لفظ الدارقطني
(3)
: "فلم يسجد منا أحد".
"وقرأ عمر يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، فسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: أيها الناس إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر" رواه البخاري، ومالك في "الموطأ"
(4)
، وقال فيه:"إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا".
(1)
انظر مختصر اختلاف العلماء (1/ 240)، المبسوط (2/ 4)، بدائع الصنائع (1/ 163، 180)، تبيين الحقائق (1/ 205).
(2)
البخاري في سجود القرآن، باب 6، حديث 1072، 1073، ومسلم في المساجد، حديث 577، وأبو داود في الصلاة، باب 329، حديث 1404، والترمذي في الصلاة، باب 404، حديث 576، والنسائي في الافتتاح، باب 50، حديث 959، وأحمد (5/ 183، 186)، ولم يروه ابن ماجه. انظر تحفة الأشراف (3/ 212، 223).
(3)
(1/ 410).
(4)
البخاري في سجود القرآن، باب 10، حديث 1077، ومالك في "الموطأ"(1/ 206).
وهذا قاله بمحضر من الصحابة، ولم ينكر؛ فكان إجماعًا.
والأوامر به محمولة على الندب، وإنما ذم من تركه بقوله:{وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ}
(1)
تكذيبًا واستكبارًا كإبليس والكفار، ولهذا قال:{فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}
(2)
.
وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا}
(3)
فالمراد به: التزام السجود واعتقاده، فإن فعله ليس بشرط في الإيمان إجماعًا، ولهذا قرنه بالتسبيح، وهو قوله:{وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}
(3)
.
وليس التسبيح بواجب.
(للقارئ والمستمع) له (وهو الذي يقصد الاستماع في الصلاة وغيرها، حتى في طواف عقب تلاوتها) لما روى ابن عمر قال: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السجدة، فيسجد، ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا مكانًا لجبهته" متفق عليه
(4)
، ولمسلم:"في غير صلاة"(ولو) كان السجود بعد التلاوة والاستماع (مع قصر فصل) بين السجود وسببه، فإن طال الفصل لم نسجد، لفوات محله.
(ويتيمم محدث ويسجد مع قصره) أي الفصل (أيضًا) بخلاف ما لو توضأ لطول الفصل (ولا يتيمم لها) أي لسجدة التلاوة (مع وجود الماء) وقدرته على استعماله؛ لفقد شرط التيمم.
(والراكب) المسافر (يومئ بالسجود) للتلاوة (حيث كان وجهه) كسائر النوافل.
(1)
سورة الانشقاق، الآية:21.
(2)
سورة الانشقاق، الآية:20.
(3)
سورة السجدة، الآية:15.
(4)
البخاري في سجود القرآن، باب 12، حديث 1079، ومسلم في المساجد، حديث 575.
(ويسجد الماشي) المسافر (بالأرض مستقبلًا) للقبلة، كما يسجد في النافلة.
(و
لا يسجد السامع، وهو الذي لا يقصد الاستماع)
روي عن عثمان
(1)
، وابن عباس
(2)
، وعمران بن حصين
(3)
، قال عثمان:"إنما السجدة على من استمع". وقال ابن مسعود
(4)
، وعمران:"ما جلسنا لها". ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم. ولأن السامع لا يشارك التالي في الأجر، فلم يشاركه في السجود كغيره. أما المستمع فقال صلى الله عليه وسلم:"التالي والمستمع شريكان في الأجر"
(5)
فلا يقاس غيره عليه، فدل على المساواة، قال في "الفروع": وفيه نظر.
(1)
ذكره البخاري في صحيحه في سجود القرآن، باب 10 (2/ 557) تعليقًا مجزومًا به. ووصله عبد الرزاق (3/ 344) رقم 5906، وسعيد بن منصور كما في تغليق التعليق (2/ 412) وابن أبي شيبة (2/ 5)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 281، 282 - 283) رقم 2871، 2876. وصححه الحافظ في الفتح (2/ 558).
(2)
رواه عبد الرزاق (3/ 345) رقم 5908، وابن أبي شيبة (2/ 5)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 281) رقم 2872، والبيهقي (2/ 324).
(3)
أورده البخاري معلقًا في سجود القرآن، باب 10 (2/ 557)، ووصله عبد الرزاق (3/ 345) رقم 5910، وابن أبي شيبة (2/ 5)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 282) رقم 2875. وصحح إسناده الحافظ في الفتح (2/ 558).
(4)
ذكره البخاري في صحيحه في سجود القرآن، باب 10 (2/ 557) تعليقًا مجزومًا به. ورواه عبد الرزاق (3/ 344 - 345) رقم 5907، وابن أبي شيبة (2/ 19)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 281 - 282) رقم 2873، والبيهقي (2/ 324)، وابن حجر في تغليق التعليق (2/ 409)، موصولًا.
(5)
ذكره الديلمي في مسند الفردوس (2/ 225) رقم 3093 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: الداعي والمؤمن شريكان في الأجر، والقارئ والمستمع في الأجر شريكان، والعالم والمتعلم في الأجر شريكان. وأورده السيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (3/ 536) ورمز لضعفه، وقال المناوي: وفيه إسماعيل الشامي، قال الذهبي: ممن يضع الحديث.
وروى أحمد بإسناد فيه مقال عن أبي هريرة مرفوعًا: "من استمع آية كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة"
(1)
وقول ابن عمر: "إنما السجدة على من سمعها"
(2)
يحمل على من سمعها قاصدًا.
(و
لا) يسجد (المصلي لقراءة غير إمامه بحال)
أي سواء كان التالي في صلاة أو لا؛ لأن المصلي غير المأموم مأمور باستماع قراءة نفسه، والاشتغال بصلاته، منهي عن استماع غيره، والمأموم مأمور باستماع قراءة إمامه، فلا تكون قراءة غير إمامه سببًا لاستحباب السجود في حقه.
(ولا) يسجد (مأموم لقراءة نفسه)
لأنه اختلاف على الإمام، وهو منهي عنه. (و
لا) يسجد (الإمام لقراءة غيره)
لما تقدم (فإن فعل) عمدًا (بطلت) صلاته؛ لأنه زاد فيها سجودًا.
(وهي) أي سجدة التلاوة (وسجدة شكر: صلاة، فيعتبر لهما ما يعتبر لصلاة نافلة، من الطهارة وغيرها) كاجتناب النجاسة، واستقبال القبلة، وستر
(1)
رواه أحمد (2/ 341). ورواه - أيضًا - ابن مندة في الرد على من يقول (الم) حرف ص/ 65 رقم 24، وسعيد بن منصور (1/ 52) حديث 9، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 341) حديث 1981، والبغوي في تفسيره (1/ 34). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 162): رواه أحمد، وفيه عباد من ميسرة ضعفه أحمد وغيره، وضعفه ابن معين في رواية، ووثقه في أخرى، ووثقه ابن حبان.
في المطبوع من مجمع الزوائد "وضعفه في أخرى". وهو خطأ واضح. انظر تهذيب التهذيب (5/ 107).
قلنا: وله علة أخرى وهي الانقطاع بين الحسن وأبي هريرة كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص/ 34 - 35، وجامع التحصيل ص/ 196 - 197.
وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما. رواه عبد الرزاق (3/ 373) رقم 6012، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 13، رقم 27، والدارمي في فضائل القرآن، باب 10، حديث 3370، والفريابي في فضائل القرآن ص/ 170، رقم 64.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 5 - 6)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 283) رقم 2877.
العورة، والنية؛ لأنه سجود لله تعالى، يقصد به لتقريب إليه، له تحريم وتحليل، فكان صلاة، كسجود الصلاة والسهو.
(و) يعتبر لسجود المستمع (أن يكون القارئ يصلح إمامًا للمستمع) له، أي يجوز اقتداؤه به، لما روى عطاء "أن رجلًا من الصحابة قرأ سجدةً ثم نظر إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنك كنت إمامنا، فلو سجدتَ سجدنا معك" رواه الشافعي
(1)
مرسلًا، وفيه إبراهيم بن أبي يحيى، وفيه كلام. وقال ابن مسعود لتميم وهو غلام: اقرأ، فقرأ عليه سجدة فقال:"اسجد فإنك إمامنا"
(2)
رواه البخاري
(3)
تعليقًا. (فلا يسجد) المستمع (قدام القارئ. ولا عن يساره مع خلو يمينه. ولا رجل لتلاوة امرأة وخنثى) لأن القارئ لا يصلح إمامًا له في هذه الأحوال (ويسجد) المستمع (لتلاوة أمي، وزمن، وصبي) لأن قراءة الفاتحة، والقيام، ليسا بواجب في النفل. واقتداء الرجل بالصبي يصح في النفل.
(وله) أي المستمع (الرفع من السجود قبل القارئ في غير الصلاة) لأنه ليس إمامًا له حقيقة بل بمنزلته. وأما المأموم في الصلاة فلا يرفع قبل إمامه، كسجود الصلب.
(ويسجد من ليس في صلاة لسجود التالي في الصلاة) إذا استمع له، لعموم ما سبق.
(وإن سجد) القارئ، أو المستمع للتلاوة (في صلاة أو خارجها
(1)
"ترتيب مسنده"(1/ 122). وأخرجه - أيضًا - أبو داود في مراسيله ص/ 113 رقم 77، وابن أبي شيبة (2/ 19)، والبيهقي (2/ 324). قال الحافظ في الفتح (2/ 556): رجاله ثقات إلا أنه مرسل.
(2)
لفظ البخاري: "فأنت إمامنا فيها".
(3)
في سجود القرآن، باب 8، (2/ 647 - مع الفتح).
استحب) له (رفع يديه) لما روى وائل بن حجر "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يكبرُ في كل رفع وخفض، ويرفع يديه في التكبير"
(1)
(و) في "المغني" و"الشرح" وغيرهما: قياس المذهب (لا يرفعهما فيها) أي في الصلاة، لقول ابن عمر:"كان لا يفعله في السجود" متفق عليه
(2)
. وهو مقدم على الأول؛ لأنه أخص منه.
(ويلزم المأموم متابعة إمامه في صلاة الجهر) إذا سجد للتلاوة، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"وإذا سجد فاسجدوا"
(3)
(فلو تركها) أي ترك المأموم متابعة إمامه في سجدة التلاوة في الصلاة الجهرية (عمدًا. بطلت صلاته) لتعمده ترك الواجب. ولو كان هناك مانع من السماع، كبعد، وطرش؛ لأنه لا يمنع وجوب المتابعة.
(ولا يقوم ركوع في الصلاة، أو خارجها، ولا سجودها الذي بعد الركوع عن سجدة التلاوة) نص عليه. لأنه سجود مشروع. أشبه سجود الصلاة. قال في "المذهب": إن جعل مكان السجود ركوعًا لم يجزئه، وبطلت صلاته.
(وإذا سجد في الصلاة) للتلاوة (ثم قام، فإن شاء قرأ ثم ركع، وإن شاء ركع من غير قراءة) لأن القراءة قد تقدمت، روي عن ابن مسعود
(4)
.
(1)
رواه الطيالسي ص/ 137، حديث 1021، وابن أبي شيبة (1/ 98)، وأحمد (4/ 316)، والدارمي في الصلاة، باب 41، حديث 1255، والطبراني في "الكبير"(22/ 41، 42) رقم 103، 104. انظر المحلى (4/ 90)، وزاد المعاد (1/ 222).
(2)
تقدم تخريجه (2/ 326)، تعليق رقم 3.
(3)
جزء من حديث تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
(4)
رواه عبد الرزاق (3/ 347) رقم 5918، 5919، وابن أبي شيبة (2/ 20)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 285) رقم 2879، والبيهقي (2/ 323).
(و
إن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع)
لما تقدم.
(وهو) أي
سجود التلاوة (أربع عشرة سجدة)
في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، سجدة سجدة، و (في الحج اثنتان) وفي الفرقان، والنمل، والم تنزيل، وحم السجدة (وفي المفصل ثلاث) في النجم، والانشقاق، واقرأ باسم ربك. روى الإمام أحمد عن عمر
(1)
، وعلي
(2)
، وابن عمر
(3)
، وابن عباس
(4)
، وأبي الدرداء
(5)
، وأبي موسى
(6)
"أنهم سجدوا في الحج سجدتين". ويؤيده ما روى عقبة بن عامر، قال قلت:
(1)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 11)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 264) رقم 2842، والطحاوي (1/ 362)، والدارقطني (1/ 408 - 409)، والحاكم (2/ 390)، والبيهقي (2/ 317)، الشافعي (1/ 123 - ترتيب مسنده). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - البيهقي.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 11)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 264) رقم 2843، والبيهقي (2/ 317).
(3)
رواه مالك في الموطأ (1/ 206)، وعبد الرزاق (3/ 341) رقم 5890، والحاكم (2/ 390)، والبيهقي (2/ 317). وصححه الحاكم. ووافقه الذهبي.
(4)
رواه عبد الرزاق (3/ 342) رقم 5892، 5894، وابن أبي شيبة (2/ 11)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 265، 266) رقم 2848، 2850، والطحاوي (1/ 362) والحاكم (2/ 390). والبيهقي (2/ 317) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(5)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 11)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 264) رقم 2845، والطحاوي (1/ 362)، والحاكم (2/ 391) والبيهقي (2/ 318)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(6)
رواه ابن المنذر في الأوسط (5/ 264) رقم 2846، والطحاوي (1/ 362)، والحاكم (2/ 391)، والبيهقي (2/ 318). وصححه الحاكم. ووافقه الذهبي.
"يا رسول الله، أفضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما" رواه أحمد، وأبو داود
(1)
. واحتج به أحمد في رواية ابنه عبد الله
(2)
، مع أن في إسناده ابن لهيعة، وقد تكلم فيه. "وسجد صلى الله عليه وسلم في النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون" رواه البخاري
(3)
من حديث ابن عباس. وعن أبي هريرة قال: "سجدنا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الانشقاق، وفي اقرأ باسم ربك" رواه مسلم
(4)
.
(و
سجدة ص ليست من عزائم السجود،
بل سجدة شكر) لما روى البخاري عن ابن عباس قال: "ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يسجد فيها"
(5)
وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا"
(1)
أحمد (4/ 151، 155)، وأبو داود في الصلاة، باب 328، حديث 1402. وأخرجه - أيضًا - الترمذي في الصلاة باب 54، حديث 578، وابن المنذر في الأوسط (5/ 266) حديث 2849، والدارقطني (1/ 408)، والحاكم (1/ 221)، (2/ 390).
قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود (2/ 117): وفي إسناده عبد الله بن لهيعة، ومشرح بن هاعان ولا يحتج بحديثهما. وقال النووي في الخلاصة (2/ 625) وهو من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف بالاتفاق لاختلال ضبطه. وقال في المجموع (3/ 515) وهو من رواية ابن لهيعة وهو متفق على ضعف روايته، وإنما ذكرته لأبينه لئلا يغتر به.
ورواه أبو داود في مراسيله ص/ 113 رقم 78 عن خالد بن معدان مرسلًا.
(2)
مسائل عبد الله (2/ 345) رقم 489.
(3)
في سجود القرآن، باب 5، حديث 1071.
(4)
في المساجد، حديث 578 (108). وأخرج البخاري في سجود القرآن، حديث 1074، 1078، السجود في الانشقاق، فقط.
(5)
البخاري في سجود القرآن، باب 3، حديث 1069.
رواه النسائي
(1)
. فعلى هذا (يسجد لها خارج الصلاة، و) إن سجد لها (فيها) أي الصلاة (تبطل صلاة غير الجاهل، والناسي) كسائر سجدات الشكر.
ومواضع السجدات آخر الأعراف
(2)
، وفي الرعد {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}
(3)
وفي النحل {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}
(4)
وفي بني إسرائيل {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}
(5)
وفي مريم {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}
(6)
وفي أول الحج {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}
(7)
وفي الثانية {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
(8)
وفي الفرقان {وَزَادَهُمْ نُفُورًا}
(9)
وفي النمل {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}
(10)
وفي الم تنزيل {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}
(11)
(وسجدة حم
(1)
في الافتتاح باب 48 حديث 956. ورواه - أيضًا - الدارقطني (1/ 407) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ورواه عبد الرزاق (3/ 339) حديث 5876، والبيهقي (2/ 319) مرسلًا. قال البيهقي: هذا هو المحفوظ مرسلًا.
وفي الباب من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. رواه أبو داود في الصلاة باب 332 حديث 1410، والدارمي في الصلاة باب 161 و 197، حديث 1474، 1562، وابن خزيمة (2/ 354، 355) حديث 1455، والطحاوي (1/ 361)، وابن حبان "الإحسان"(6/ 470، 471) حديث 2765 و (7/ 38) حديث 2799، والدارقطني (1/ 408)، والحاكم (1/ 284، 485) و (2/ 431، 432).
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، لم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال النووي في الخلاصة (2/ 622) وفي المجموع (3/ 512): إسناده صحيح على شرط البخاري. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (7/ 53): تفرد به أبو داود، وإسناده على شرط الصحيح.
(2)
سورة الأعراف، الآية:206.
(3)
سورة الرعد، الآية:15.
(4)
سورة النحل، الآية:50.
(5)
سورة الإسراء، الآية:109.
(6)
سورة مريم، الآية:58.
(7)
سورة الحج، الآية:18.
(8)
سورة الحج، الآية:77.
(9)
سورة الفرقان، الآية:60.
(10)
سورة النمل، الآية:26.
(11)
سورة السجدة، الآية:15.
عند {يَسْأَمُونَ}
(1)
) لأنه تمام الكلام، فكان السجود عنده، والنجم
(2)
، واقرأ
(3)
آخرهما. وفي الانشقاق {لَا يَسْجُدُونَ}
(4)
.
(ويكبر) من أراد السجود للتلاوة (إذا سجد بلا تكبيرة إحرام) ولو خارج الصلاة، خلافًا لأبي الخطاب في "الهداية"، لحديث ابن عمر:"كان صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه" رواه أبو داود
(5)
. وظاهره: أنه كبر واحدة.
(و) يكبر (إذا رفع) من السجود؛ لأنه تكبير
(6)
سجود مفرد، فشرع التكبير في ابتدائه، وفي الرفع منه كسجود السهو، وصلب الصلاة.
(ويجلس في غير الصلاة) إذا رفع رأسه؛ لأن السلام يعقبه، فشرع ليكون سلامه في حال جلوسه، بخلاف ما إذا كان في الصلاة (ولعل جلوسه ندب) ولهذا لم يذكروا جلوسه في الصلاة لذلك. قاله في "الفروع"، وتبعه على معناه في "المبدع" قلت: والظاهر وجوبه كما مر في عد الأركان.
(ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه) فتبطل بتركها عمدًا أو سهوًا، لحديث:"وتحليلها التسليم"
(7)
ولأنها صلاة ذات إحرام، فوجب التسليم
(1)
سورة فصلت، الآية:38.
(2)
سورة النجم، الآية:62.
(3)
سورة العلق، الآية: 19
(4)
سورة الانشقاق، الآية:21.
(5)
في الصلاة، باب 333، حديث 1413. ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 345) رقم 5911، والبيهقي (2/ 325). قال النووي في المجموع (3/ 509، 517): إسناده ضعيف. وقال الحافظ في بلوغ المرام رقم 369: رواه أبو داود بسند فيه لين.
(6)
"تكبير" ليس في "ح".
(7)
تقدم تخريجه (2/ 284) تعليق 1.
فيها، كسائر الصلوات. قال في "المبدع": وتجزئ واحدة، نص عليه
(1)
.
وعنه: لا يجزئه إلا اثنتان، ذكرها القاضي في "المجرد".
وعنه: لا سلام له؛ لأنه لم ينقل.
(بلا تشهد) لأنها صلاة لا ركوع فيها، فلم يشرع فيها التشهد، كصلاة الجنازة، بل لا يسن، نص عليه
(2)
.
(ويكفيه سجدة واحدة نصًا)
(3)
للأخبار (إلا إذا سمع سجدتين معًا فيسجد لكل واحدة سجدة) إذا قصد الاستماع، وكذا لو قرأ سجدة واستمع أخرى لتعدد السبب، ونص عليه في رواية البرزالي في صورة المتن. قال ابن رجب
(4)
: ويتخرج أنه يكتفي بواحدة، قال في "المنتهى": ويكرره بتكرارها، أي يكرر السجود بحسب تكرار التلاوة.
(وسجوده لها) أي للتلاوة (والتسليم، ركنان) لما تقدم. وفي عد السجود ركنًا نظر؛ لأن الشيء لا يكون ركنًا لنفسه، إلا أن يراد كونه على الأعضاء السبعة المتقدمة.
(وكذا الرفع من السجود) ركن، وعلى هذا: فتكبير الانحطاط، والرفع، والذكر في السجود، واجب كما في سجود صلب الصلاة. وأما الجلوس للتسليم فقد سبق ما فيه.
(ويقول في سجودها ما يقول في سجود صلب الصلاة) أي: سبحان ربي الأعلى، وجوبًا، قاله في "المبدع" (وإن زاد غيره مما ورد، فحسن،
(1)
انظر كتاب الروايتين والوجهين (1/ 145).
(2)
انظر مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 461) رقم 381.
(3)
انظر كتاب الروايتين والوجهين (1/ 145).
(4)
في القواعد ص/ 25.
ومنه) أي مما ورد: (اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع) أي امح (عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني، كما تقبلتها من عبدك داود) لحديث ابن عباس: رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي
(1)
وقال: غريب.
ومنه أيضًا: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته"
(2)
.
(و
الأفضل سجوده عن قيام)
لما روى إسحاق بن راهويه بإسناده "عن عائشة أنها كانت تقرأ في المصحف، فإذا انتهت إلى السجدة قامت
(1)
رواه الترمذي في الصلاة، باب 55 حديث 579، وابن ماجه في الإقامة، باب 70، حديث 1053. ولم نقف عليه في سنن أبي داود. ورواه - أيضًا - ابن خزيمة (1/ 82)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 272) حديث 2861، والعقيلي (1/ 243)، وابن حبان "الإحسان"(6/ 474) حديث 2768، والحاكم (1/ 219 - 220)، والبيهقي (2/ 320)، والبغوي (3/ 313، 314) حديث 771.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح رواته مكيون، لم يذكر واحد منهم بجرح، وهو من شرط الصحيح. ووافقه الذهبي. وقال النووي في الخلاصة (2/ 623)، وفي المجموع (4/ 517 - 518): رواه الترمذي وغيره بإسناد حسن. وانظر التلخيص الحبير (2/ 10).
(2)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 334، حديث 1414، والترمذي في الصلاة، باب 55، حديث 580، والنسائي في التطبيق، باب 71، حديث 1128، وابن أبي شيبة (2/ 20)، وأحمد (6/ 30، 217)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 272) حديث 2862، والدارقطني (1/ 406)، والحاكم (1/ 220)، والبيهقي (2/ 325)، والبغوي (3/ 313) حديث 770، عن عائشة رضي الله عنها.
قال الترمذي: حسن صحيح. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصححه ابن السكن كما في التلخيص الحبير (2/ 10)، وقال النووي في المجموع (3/ 517): وإسناد الترمذي، والنسائي على شرطيهما.
فسجدت"
(1)
. وتشبيهًا له بصلاة النفل.
(ويكره لإمام قراءة سجدة في صلاة سر) لأنه لا يخلو حينئذ إما أن يسجد لها أو لا، فإن لم يسجد لها كان تاركًا للسنة، وإن سجد لها أوجب الإيهام والتخليط على المأموم، فكان ترك السبب المفضي إلى ذلك أولى.
(و) يكره للإمام (سجوده لها) أي لقراءة سجدة في صلاة سر؛ لأنه يخلط على المأمومين (فإن فعل) أي سجد للتلاوة في صلاة سر (خير المأموم بين المتابعة، وتركها) لأنه ليس بتال ولا مستمع (والأولى السجود) متابعة للإمام.
(ويكره اختصار آيات السجود، وهو أن يجمعها في ركعة واحدة) أو وقت واحد في غير صلاة (يسجد فيها، أو أن يسقطها من قراءته) لئلا يسجد لها، قال الموفق: كلاهما محدث، وفيه إخلال بالترتيب.
(ولا يقضى هذا السجود إذا طال الفصل، كما لا تقضى صلاة كسوف، و) صلاة (استسقاء) وتحية مسجد، وعقب الوضوء ونحوها، بخلاف الرواتب، لتبعها للفرائض.
(وتستحب سجدة الشكر عند تجدد نعمة ظاهرة، أو دفع نقمة ظاهرة، عامتين) له وللناس (أو في أمر يخصه، نصًا) كتجدد ولد، أو مال، أو جاه، أو نصرة على عدو، لحديث أبي بكرة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "كان إذا أتاه أمر يسر به، خر ساجدًا" رواه أحمد، والترمذي
(2)
وقال: حسن غريب، والعمل
(1)
لم نجده في المطبوع من مسند إسحاق بن راهويه. ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 499)، والبيهقي (2/ 326). قال النووي في المجموع (3/ 518): ضعيف.
(2)
أحمد (5/ 45)، والترمذي في السير، باب 25، حديث 1578. وأخرجه - أيضًا - أبو داود في الجهاد، باب 174، حديث 2774، وابن ماجه في الإقامة، باب =
عليه عند أكثر العلماء، وكذلك رواه الحاكم وصححه.
"وسجد صلى الله عليه وسلم حين قال له جبريل: يقول الله: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه" رواه أحمد
(1)
.
= 192، حديث 1394، والبزار في مسنده (9/ 131) حديث 3682، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/ 23)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 287) حديث 2880، وابن عدي (2/ 475)، والدارقطني (1/ 410)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 34)، والحاكم (1/ 276، 4/ 291)، والبيهقي (2/ 370)، والخطيب في تاريخ بغداد (2/ 124). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وقال النووي في المجموع (3/ 521): وفي إسناده ضعف. وفي الباب عن أنس بن مالك رضي الله عنه. رواه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 231 حديث 1392. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 248): هذا إسناد ضعيف.
(1)
(1/ 191). ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 484)، (11/ 506)، وعبد ين حميد (1/ 186) حديث 157، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (7، 10)، وابن أبي عاصم (45، 46، 47)، والبزار في مسنده (3/ 219) حديث 1006، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/ 249، 250) حديث 236، 237، وأبو يعلى (2/ 158، 164 - 165، 173 - 174) حديث 847، 858، 869، والعقيلي (3/ 467، 468)، والحاكم (1/ 222 - 223، 550) والبيهقي (2/ 370، 371) وفي شعب الإيمان (2/ 210) حديث 1555، والضياء في الأحاديث المختارة (3/ 127 - 129) حديث 928 - 931، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال 14، وأبو طاهر المخلص كما في جلاء الأفهام ص/ 146، 147 عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا الحديث. ووافقه الذهبي. وقال في الموضع الثاني: هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع (10/ 160، 161): رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه. وانظر العلل للدارقطني (4/ 298) والعلل لابن أبي حاتم (1/ 196) رقم 562.
وروى البراء: "أنه صلى الله عليه وسلم خر ساجدًا حين جاءه كتاب علي من اليمن بإسلام همدان" رواه البيهقي في "المعرفة" وفي "السنن"
(1)
، وقال: هذا إسناد صحيح.
"وسجد حين شفع في أمته فأجيب" رواه أبو داود
(2)
.
وسجد الصديق حين جاءه قتل مسيلمة. رواه سعيد
(3)
.
وسجد علي حين رأى ذا الثدية من الخوارج. رواه أحمد
(4)
(1)
"معرفة السنن"(3/ 316)، حديث 4744، و"السنن الكبرى"(2/ 369). وصحح إسناده المنذري في مختصر سنن أبي داود (4/ 86).
وقال ابن القيم في زاد الميعاد (1/ 260): على شرط البخاري. وانظر الفتح (8/ 66).
(2)
في الجهاد، باب 174، حديث 2775. وأخرجه - أيضًا - البيهقي (2/ 370)، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. قال المنذري في مختصر السنن (4/ 228): في إسناده موسى بن يعقوب الزمعي وفيه مقال. وقال النووي في المجموع (3/ 523): رواه أبو داود، لا نعلم ضعف أحد من رواته، ولم يضعفه أبو داود، وما لم يضعفه فهو عنده حسن. وصححه ابن القيم في زاد المعاد (3/ 584).
(3)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد، وقد روى عبد الرزاق (3/ 358)، وابن أبي شيبة (2/ 482 - 483)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 288) رقم 2882، والبيهقي (2/ 371)، وفي المعرفة (3/ 319) رقم 4757، أنه سجد لما أتاه فتح اليمامة.
(4)
(1/ 107 - 108، 147) وفي فضائل الصحابة (2/ 714) رقم 1224.
وأخرجه - أيضًا - النسائي في الكبرى (5/ 161) رقم 8566، وعبد الرزاق (3/ 358)، وابن سعد (6/ 233)، وابن أبي شيبة (2/ 483)، وعبد الله بن أحمد في السنة (2/ 628) رقم 1498، والبزار في مسنده (3/ 111) رقم 897، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/ 256) رقم 247، والخطيب في تاريخ بغداد (9/ 366).
وسجد كعب بن مالك حين بشر بتوبة الله عليه. وقصته متفق عليها
(1)
.
(وإلا) أي: وإن لم تشترط في النعمة الظهور (فنعم الله في كل وقت لا تحصى) والعقلاء يهنئون بالسلامة من العارض، ولا يفعلونه في كل ساعة.
(ولا يسجد له) أي: الشكر (في الصلاة) لأن سببه ليس منها (فإن فعل بطلت، لا من جاهل، وناس) كما لو زاد فيها سجودًا.
(وصفتها) أي: سجدة الشكر (وأحكامها كسجود التلاوة) وتقدم.
(ومن رأى مبتلى في دينه، سجد بحضوره، وغيره) أي وبغير حضوره (وقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا
(2)
.
(1)
البخاري في المغازي، باب 79، حديث 4418، ومسلم في التوبة، حديث 2769.
(2)
ورد من حديث عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهما:
أما حديث عمر. فرواه الترمذي في الدعوات، باب 37، حديث 3431، وعبد بن حميد (1/ 88) حديث 38، والبزار في مسنده (1/ 237) حديث 124، وابن عدي (5/ 1786)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 265)، والبغوي (5/ 130) حديث 1337، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، إلا عوفي من ذلك البلاء كائنًا ما كان ما عاش. قال الترمذي: هذا حديث غريب.
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فرواه الترمذي في الدعوات، باب 37، حديث 3432، والطبراني في الدعاء (2/ 1170) حديث 799، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلاء". وقال: هذا حديث حسن غريب.
ورواه البزار "كشف الأستار"(4/ 29) حديث 3118، والطبراني في الأوسط (5/ 364) حديث 4721، وفي الصغير (1/ 141)، وفي الدعاء (2/ 1170) =
وإن كان) مبتلى (في بدنه سجد. وقال ذلك وكتمه منه، وسأل الله العافية) قال إبراهيم النخعي: "كانوا يكرهون أن يسألوا الله العافية بحضرة المبتلى" ذكره ابن عبد البر
(1)
.
وروى الحاكم "أنه صلى الله عليه وسلم سجد لرؤية زمن
(2)
، وأخرى لرؤية قرد
(3)
، وأخرى لرؤية نغاشي
(4)
" بالنون والغين والشين المعجمتين قيل: ناقص الخلقة، وقيل: المبتلى، وقيل: مختلط العقل.
(قال الشيخ
(5)
: ولو أراد الدعاء، فعفر وجهه لله في التراب، وسجد له ليدعوه فيه، فهذا سجود لأجل الدعاء، ولا شيء يمنعه، والمكروه: هو السجود بلا سبب).
= حديث 800، وابن عدي (4/ 1461، 6/ 2374) بلفظ: "فإنه إذا قال ذلك كان شكر تلك النعمة". قال المنذري في الترغيب والترهيب (4/ 169)، والهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 138): وإسناده حسن.
(1)
بهجة المجالس (1/ 385).
(2)
رواه الحاكم (1/ 276) معلقًا، ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار (3/ 319) رقم 4754 عن عرفجة السلمي مرسلًا.
(3)
رواه الحاكم (1/ 276) معلقًا، ورواه ابن حبان في المجروحين، (3/ 136) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وضعفه.
(4)
رواه الحاكم (1/ 276) معلقًا، ورواه عبد الرزاق (3/ 357) رقم 5960، وابن أبي شيبة (2/ 482)، والبيهقي (2/ 371)، وفي معرفة السنن والآثار (3/ 318) رقم 4752 عن محمد بن علي مرسلًا. وأعله البيهقي بالانقطاع.
(5)
الاختيارات الفقهية ص/ 92.
فصل في ذكر الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها
(أوقات النهي خمسة) هذا هو المشهور. وظاهر الخرقي، وتبعه بعضهم، أنها ثلاثة: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، وهو يشمل وقتين، وعند قيامها حتى تزول. ولعله اعتمد على أحاديث عمر
(1)
، وأبي هريرة
(2)
، وأبي سعيد
(3)
. وعلى الأول: فالأوقات الخمسة؛ (بعد طلوع فجر ثان إلى طلوع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد) بكسر القاف، أي قدر (رمح) في رأي العين (وعند قيامها) أي الشمس (ولو يوم جمعة حتى تزول، وبعد فراغ صلاة عصر حتى تشرع) الشمس (في الغروب) لما روى أبو سعيد "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد الفجرِ حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيبَ الشمس" متفق عليه
(4)
.
وعلم منه: أن النهي يتعلق من طلوع الفجر الثاني، نص عليه، لما روى
(1)
أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب 30، حديث 581، ومسلم في المسافرين، حديث 826، ولفظه:"نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس".
(2)
أخرجه البخاري في المواقيت، باب 31، حديث 588، ومسلم في المسافرين، حديث 825، ولفظه:"نهى عن الصلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح، حتى تطلع الشمس".
(3)
رواه البخاري في المواقيت، باب 31، حديث 586، ومسلم في المسافرين، حديث 827. وسيذكره المؤلف قريبًا.
(4)
انظر التعليق السابق.
ابن عمر مرفوعًا: "لا صلاة بعد الصبْح إلا ركعتين" رواه أحمد، والترمذي
(1)
وقال: هذا ما أجمع عليه أهل العلم. وفي لفظ للترمذي: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجْرِ" وعن ابن المسيب نحوه مرسلًا
(2)
، وعن عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى
(1)
أحمد (2/ 23، 104)، والترمذي في الصلاة، باب 193، حديث 419. ورواه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (1/ 61، 62)، (8/ 421)، وأبو داود في الصلاة، باب 299، حديث 1278، ومحمد بن نصر المروزي في مختصر قيام الليل ص/ 315 حديث 248، وأبو يعلى (9/ 460) حديث 5608، 5745، والطبراني في الكبير (12/ 143) حديث 13291، والدارقطني (2/ 419)، والبيهقي (2/ 465)، والبغوي (3/ 459) حديث 886.
قال الترمذي: حديث ابن عمر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى، وروى عنه غير واحد. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 389 - 390): محمد بن الحصين مختلف فيه، ومجهول الحال. وقال النووي في المجموع (4/ 67): رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه - ولم نقف عليه فيه - وإسناده حسن، إلا أن فيه رجلا مستورًا، وقد قال الترمذي: إنه حديث غريب. وقال في الخلاصة (1/ 270، 271) رقم 765: رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد. انظر سنن البيهقي (2/ 465)، وتنقيح التحقيق (2/ 1015)، والتلخيص الحبير (1/ 110).
وفي الباب: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. رواه عبد الرزاق (3/ 53) حديث 4757، وابن أبي شيبة (2/ 355)، وعبد بن حميد (1/ 298) حديث 333، والبزار (1/ 338) حديث 703، والدارقطني (2/ 419)، والبيهقي (2/ 465، 469). وضعفه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (1/ 463).
(2)
رواه عبد الرزاق (3/ 53) حديث 4756، والبيهقي (2/ 466). وقال البيهقي: وروي موصولًا بذكر أبي هريرة فيه، ولا يصح وصله.
تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب" رواه مسلم
(1)
.
والظهيرة: شدة الحر، وقائمها: البعير يكون باركًا فيقوم من شدة حر الأرض، وتضيف: بمثناة من فوق مفتوحة، ثم ضاد معجمة، ثم ياء مشددة، أي تميل، ومنه الضيف تقول: أضفت فلانًا، إذا أملته إليك، وأنزلته عندك.
ويتعلق النهي في العصر بفعلها لا بالوقت،
قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه (ولو) فعلت العصر (جمعًا في وقت الظهر، فمن صلى العصر منع التطوع) لما تقدم إلا ما يستثنى (وإن لم يصل) العصر (غيره. ومن لم يصل) العصر (لم يمنع) التنفل (وإن صلى غيره) قال في "الشرح": لا نعلم في ذلك خلافًا عند من منع الصلاة بعد العصر.
(والاعتبار بفراغها) أي صلاة العصر (لا بالشروع فيها، فلو أحرم بها ثم قلبها نفلًا) أو قطعها (لم يمنع من التطوع حتى يصليها) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد صلاةِ العصْرِ"
(2)
ولا يتحقق ذلك إلا بفراغها.
(وتفعل سنة الفجر بعده) أي الفجر (وقبل) صلاة (الصبح) لما تقدم من حديث الترمذي: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر"
(3)
.
(و) تفعل (سنة الظهر بعد العصر في الجمع، تقديمًا) كان (أو تأخيرًا) لما روت أم سلمة قالت: "دخل عليَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد العصرِ، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم أكن أراك تصليها؟ فقال: إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وإنه قدم وفد بني تميم فشغلوني عنهما، فهما
(1)
في المسافرين، حديث 831.
(2)
أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، حديث 827، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3)
تقدم تخريجه (3/ 132) تعليق رقم 1.
هاتان الركعتان" متفق عليه
(1)
.
(و) الخامس من أوقات النهي (إذا شرعت) الشمس (في الغروب حتى تغرب) لما تقدم.
(ويجوز
قضاء الفرائض) في كل وقت
منها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة، أو نسيَها، فليصلها إذا ذكرها" متفق عليه
(2)
.
وحديث "تأخيره صلاة الفجر لما نام عنها حتى طلعت الشمس، أخرها حتى ابيضت الشمس" متفق عليه
(3)
، إنما يدل على جواز التأخير، لا تحريم الفعل.
(و) يجوز (فعل المنذورة) في كل وقت منها (ولو كان نذرها فيها) بأن قال: لله على أن أصلي ركعتين عند طلوع الشمس ونحوه؛ لأنها صلاة واجبة، فأشبهت الفرائض.
(و) يجوز (فعل ركعتي طواف، فرضًا كان) الطواف (أو نفلًا) في كل وقت منها، لحديث جبير بن مطعم: أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني عبدِ مناف، لا تمنعُوا أحدًا طافَ بهذا البيت، وصلى فيه، في أية ساعة شاء من ليل، أو نهار" رواه الأثرم، والترمذي
(4)
وقال: صحيح. وهذا إذن منه صلى الله عليه وسلم في فعلهما في
(1)
البخاري في السهو، باب 8، حديث 1233، ومسلم في المسافرين، حديث 834.
(2)
تقدم تخريجه (2/ 110) تعليق رقم 1.
(3)
البخاري في التيمم، باب 6، حديث 344، ومسلم في المساجد، حديث 682، عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما.
وقد تقدم تخريجه (2/ 112)، تعليق 1، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
الأثرم لعله في سننه، ولم تطبع، والترمذي في الحج، باب 42، حديث 868. وأخرجه - أيضًا - أبو داود في المناسك، باب 53، حديث 1894، والنسائي في المواقيت، باب 41، حديث 584، وفي المناسك، باب 137، حديث 2924، =
جميع أوقات النهي، ولأن الطواف جائز في كل وقت مع كونه صلاة، فكذلك ركعتاه تبعًا له.
(و) تجوز (إعادة جماعة إذا أقيمت وهو في المسجد، ولو مع غير إمام الحي، وسواء كان صلى جماعة أو وحده، في كل وقت منها) أي من أوقات النهي، لما روى يزيد بن الأسود قال:"صليت مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صلاةَ الفجرِ، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، قد صلينا في رحالنا، فقال: لا تفعلا. إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليَا معهُم، فإنها لَكُم نافلةٌ"
(1)
وهذا نص في الفجر، وبقية الأوقات مثله، ولأنه متى لم يعد
= وابن ماجه في الإقامة، باب 149، حديث 1254، والشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 57 - 58)، وعبد الرزاق (5/ 61 - 62) حديث 9004، والحميدي (1/ 255) حديث 561، وابن أبي شيبة (14/ 257)، وأحمد (4/ 80 - 81، 82، 83، 84)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 206)، والدارمي في المناسك، باب 79، حديث 1932، وأبو يعلى (13/ 390، 412) حديث 7396، 7415، وابن خزيمة (2/ 263، 4/ 225 - 226) حديث 1280، 2747، والطحاوي (2/ 1086)، وابن حبان "الإحسان"(4/ 420 - 421) حديث 1552، 1554، والطبراني في الكبير (2/ 142) حديث 1599، 1600، 1602، والدارقطني (1/ 423)، والحاكم (1/ 448)، وابن حزم في المحلى (7/ 181)، والبيهقي (2/ 461، 5/ 92 - 110)، والبغوي (3/ 331) حديث 780. قال الترمذي: حديث جبير حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال النووي في الخلاصة (1/ 272): صحيح. وقال الحافظ في الفتح (3/ 488): وإنما لم يخرجه - أي البخاري - لأنه ليس على شرطه. وانظر نصب الراية (1/ 253)، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (2/ 1009 - 1010).
(1)
أخرجه أبو داود في الصلاة، باب 57، حديث 575 - 576، والترمذي في الصلاة، باب 49، حديث 219، والنسائي في الإمامة، باب 54، حديث 857، والطيالسي =
لحقته تهمة في حقه، وفي حق الإمام. وظاهره: إذا دخل وهم يصلون لا يعيد، خلافًا لجماعة، منهم الشارح، وهو نص الإمام في رواية الأثرم قال: سألت أبا عبد الله عمن صلى في جماعة، ثم دخل المسجد وهم يصلون، أيصلي معهم؟ قال: نعم. لكن قال ابن تميم وغيره: لا يستحب الدخول.
(وتجوز صلاة جنازة في الوقتين الطويلين فقط، وهما: بعد الفجر، و) بعد صلاة (العصر) لطول مدتهما، فالانتظار فيهما يخاف منه عليها.
و (لا) تجوز الصلاة على جنازة (في الأوقات الثلاثة) الباقية، لحديث عقبة بن عامر، وتقدم
(1)
. وذكره للصلاة مقرونًا بالدفن يدل على إرادة صلاة الجنازة، ولأنها صلاة من غير الخمس، أشبهت النوافل (إلا أن يخاف عليها) فتجوز مطلقًا للضرورة.
(و
تحرم) الصلاة (على قبر، و) على (غائب وقت نهي) مطلقًا
(نفلًا،
= ص/ 175، حديث 1247، وعبد الرزاق (2/ 421) حديث 3934، وابن أبي شيبة (2/ 274 - 275)، وأحمد (4/ 160 - 161)، والدارمي في الصلاة، باب 97 حديث 1374، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 134) حديث 1462، وابن خزيمة (2/ 262) حديث 1269، 1638، 1713، وابن المنذر في الأوسط (2/ 405) حديث 1117، والطحاوي (1/ 363)، وابن قانع في معجم الصحابة (3/ 222)، وابن حبان "الإحسان"(4/ 421) حديث 1564 - 1565، والطبراني في الكبير (22/ 232 - 235) حديث 608 - 617، والدارقطني (1/ 413 - 414)، والحاكم (1/ 244 - 245)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (5/ 2775) رقم 6590، والبيهقي (2/ 300 - 301) عن يزيد بن الأسود رضي الله عنه.
قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن السكن كما في التلخيص الحبير (2/ 29)، والنووي في الخلاصة (1/ 271 - 272) رقم 770، وانظر العلل لابن أبي حاتم (1/ 185) رقم 530، ونصب الراية (2/ 150).
(1)
(3/ 132 - 133)، تعليق رقم 1.
وفرضًا) لأن المبيح لصلاة الجنازة في وقت النهي خشية الانفجار بالانتظار بها إلى خروج وقت النهي، وهذا المعنى منتف في الصلاة على القبر، وعلى الغائب.
(ويحرم التطوع بغيرها) أي المستثنيات السابقة (في شيء من الأوقات الخمسة) لما تقدم من الأحاديث.
(و) يحرم (إيقاع بعضه) أي بعض التطوع بغير المستثنيات (فيها) أي في أوقات النهي (كأن شرع في التطوع فدخل وقت النهي، وهو) أي المتطوع (فيها) أي في الصلاة النافلة، فيحرم عليه الاستدامة، لعموم ما تقدم من الأدلة.
وقال ابن تميم: وظاهر الخرقي أن إتمام النفل في وقت النهي لا بأس به، ولا يقطعه بل يخففه.
(و) إن شك: هل دخل رقت النهي؟ فـ (الأصل بقاء الإباحة حتى يعلم) دخوله بمشاهدة، أو إخبار عارف.
(وإن ابتدأه) أي النفل (فيها) أي في أوقات النهي، والمراد في وقت منها (لم ينعقد، ولو) كان (جاهلًا) بالحكم، أو بأنه وقت نهي؛ لأن النهي يقتضي الفساد (حتى ما له سبب كسجود تلاوة، وشكر، وسنة راتبة) كسنة الصبح إذا صلاها بعد صلاة الصبح، أو بعد العصر (و) كـ (ــصلاة كسوف) واستسقاء (وتحية مسجد) وسنة وضوء، والاستخارة، لعموم النهي، وإنما ترجح عمومها على أحاديث التحية وغيرها؛ لأنها حاظرة، وتلك مبيحة.
و
الصلاة بعد العصر من خصائصه صلى الله عليه وسلم
-.
ومحل منع تحية المسجد وقت النهي (في غير حال خطبة الجمعة، وفيها) أي في حال خطبة الجمعة (تفعل) تحية المسجد، إذا دخل والإمام
يخطب بمسجد، فيركعهما (ولو كان وقت قيام الشمس قبل الزوال) لما روى أبو سعيد
(1)
"أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاةِ نصف النهار إلا يوم الجمعة" رواه أبو داود
(2)
(بلا كراهة) علم أن الوقت وقت نهي أو لا، شتاء كان أو صيفًا؛ لعموم ما سبق.
(و
مكة كغيرها في أوقات النهي)
لعموم الأدلة.
(1)
كذا في الأصول: "أبو سعيد"، والذي في "سنن أبي داود":"أبو قتادة".
(2)
في الجمعة، باب 223، حديث 1083. ورواه - أيضًا - البيهقي (2/ 462، 3/ 192)، والخطيب في تاريخ بغداد (8/ 260)، وابن عبد البر في التمهيد (4/ 20).
قال أبو داود: هو مرسل. وأعله البغوي في شرح السنة (3/ 329) بالانقطاع. وقال البيهقي (2/ 464): له شواهد، وإن كانت أسانيدها ضعيفة. وقال النووي في الخلاصة (1/ 273): كل طرقه ضعيفة. وضعفه في المجموع (4/ 174 - 175). ورواه الشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 139)، والبيهقي (2/ 464)، وفي معرفة السنن والآثار (3/ 437) حديث 5223 - 5226، والبغوي (3/ 329) حديث 779، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار (3/ 438) حديث 5228 عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما. وقال: رواية أبي هريرة أبي سعيد في إسنادهما من لا يحتج به، ولكنها إذا انضمت إلى رواية أبي قتادة أخذت بعض القوة. وانظر فيض القدير (6/ 319). وقال الحافظ في التلخيص الحبير (1/ 189): قال صاحب الإمام: وقوى الشافعي ذلك بما رواه ثعلبة بن أبي مالك عن عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة.
وأثر ثعلبة هذا رواه مالك في الجمعة (1/ 103)، والشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 139)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 92) رقم 1837، والبيهقي (3/ 192) دون ذكر "نصف النهار". وقال النووي في الخلاصة (2/ 808) رقم 2851: صحيح.
باب صلاة الجماعة
ومن تجوز إمامته، ومن الأولى بالإمامة، وموقف الإمام والمأموم وما يبيح ترك الجماعة من الأعذار، وما يتعلق بذلك.
شرع لهذه الأمة ببركة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم الاجتماع للعبادة في أوقات معلومة، فمنها ما هو في اليوم والليلة للمكتوبات، ومنها ما هو في الأسبوع، وهو صلاة الجمعة، ومنها ما هو في السنة متكررًا، وهو صلاة العيدين لجماعة كل بلد، ومنها ما هو عام في السنة، وهو الوقوف بعرفة لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع.
(أقلها) أي الجماعة (اثنان: إمام ومأموم، فتنعقد) الجماعة (بهما) لحديث أبي موسى مرفوعًا: "الاثنان فما فوقهما جماعةٌ" رواه ابن ماجه
(1)
.
(1)
في الإقامة، باب 44، حديث 972. ورواه - أيضًا - عبد بن حميد (1/ 497) حديث 567، وأبو يعلى (13/ 189) حديث 7223، والروياني (1/ 382) حديث 586، والطحاوي (1/ 308)، وابن عدي (3/ 989)، والدارقطني (1/ 280)، والحاكم (4/ 334)، والبيهقي (3/ 69). قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 191): هذا إسناد ضعيف. وقال النووي في المجموع (4/ 81): رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد ضعيف جدًا. وضعفه في الخلاصة (2/ 674) رقم 2335. وضعفه الزيلعي في نصب الراية (2/ 198). وقال الحافظ في إتحاف المهرة (10/ 47): لم يتكلم عليه - يعني الحاكم - وهو ضعيف لضعف الربيع. وقال في التلخيص الحبير (3/ 81): وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف، وأبوه مجهول. وفي الباب عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. منهم:
أ - عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما رواه الدارقطني (1/ 281). قال الحافظ في التلخيص الحبير (3/ 82): وفيه عثمان الوابصي، وهو متروك. =
ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث: "إذا حضرت الصلاةُ فليؤذِن أحدكما، وليؤمكمَا أكبرُكما"
(1)
وأَم ابن عباس مرة
(2)
، وحذيفة مرة
(3)
(في غير جمعة وعيد) لاشتراط العدد فيهما، على ما يأتي بيانه.
وتصح في فرض ونفل (ولو بأنثى) والإمام رجل، أو أنثى (أو عبد) والإمام حر، أو عبد، أو مبعض (فإن أم عبده، أو) أم (زوجته، كانا جماعة) لعموم ما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم: "الاثنان فما فوقهما جماعةٌ".
= ب - أنس رضي الله عنه رواه ابن عدي (3/ 1203)، والبيهقي (3/ 69) وضعفه. وضعفه - أيضًا - النووي في الخلاصة (2/ 674) رقم 2336. وانظر بيان الوهم والإيهام (3/ 229، 230).
جـ - الحكم بن عمير رضي الله عنه رواه ابن سعد (7/ 415)، وابن عدي (5/ 1890).
قال الحافظ في التلخيص الحبير (3/ 82): وإسناده واهٍ.
د - أبو أمامة رضي الله عنه رواه أحمد (5/ 254، 269)، والطبراني في الكبير (8/ 252، 296) حديث 7857، 7974. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 45): رواه أحمد والطبراني، وله طرق كلها ضعيفة.
ورواه الطبراني في الأوسط (7/ 327) حديث 6620 من طريق آخر. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 45): وفيه مسلمة بن علي وهو ضعيف.
وقد بوب البخاري في صحيحه (2/ 142) باب: اثنان فما فرقهما جماعة. ثم ساق حديث مالك بن الحويرث، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما".
(1)
تقدم تخريجه (2/ 36) تعليق رقم 3.
(2)
رواه البخاري في العلم، باب 41، حديث 117، وفي الوضوء باب 5، حديث 138، ومسلم في المساجد حديث 651، (252).
(3)
رواه مسلم في صلاة المسافرين، حديث 772.
و (لا) تنعقد الجماعة (بصغير في فرض) والإمام بالغ؛ لأن الصبي لا يصلح أن يكون إمامًا في الفرض. وعلم منه: أنه يصح أن يؤم صغيرًا في نفل؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أم ابن عباس وهو صبي في التهجد
(1)
.
وعنه: يصح أيضًا في الفرض كما لو أم رجلًا متنفلًا. قاله في "الكافي".
(وهي) أي الجماعة (واجبة وجوب عين) لقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}
(2)
فأمر بالجماعة حال الخوف، ففي غيره أولى، يؤكده قوله تعالى:{وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}
(3)
.
وروى أبو هريرة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "أثقل صلاة على المنافقين صلاةُ العشاء وصلاةُ الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا. ولقد هممتُ بالصلاةِ فتقام، ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حزم من حطبٍ إلى قوم لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" متفق عليه
(4)
.
وروى أيضًا "أن رجلًا أعمى قال: يا رسول اللهِ، ليس لي قائد يقودني إلى المسجدِ، قال النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يرخصَ له، فيصلي في بيته، فرخصَ له، فلما ولى، دعاهُ، فقال: هل تَسْمَعُ النداء؟ فقال: نعم. قال: فأجبْ" رواه مسلم
(5)
.
(1)
تقدم تخريجه (3/ 140) تعليق رقم 2.
(2)
سورة النساء، الآية:102.
(3)
سورة البقرة، الآية:43.
(4)
البخاري في الأذان، باب 29، 34، حديث 644، 657، وفي الخصومات، باب 5، حديث 2420، وفي الأحكام، باب 52، حديث 7224، ومسلم في المساجد، حديث 651 (252).
(5)
في المساجد، حديث 653.
وعن ابن مسعود قال: "لقد رأيتُنا وما يتخلفُ عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصفِّ" رواه الجماعة
(1)
إلا البخاري والترمذي.
ويعضد وجوب الجماعة أن الشارع شرعها حال الخوف على صفة لا تجوز في الأمن، كما ستقف عليه، وأباح الجمع لأجل المطر، وليس ذلك إلا محافظة على الجماعة، ولو كانت سنة لما جاز ذلك.
(لا وجوب كفاية) كأحد الوجهين للشافعية
(2)
، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم:"ما من ثلاثة في قرية لا يؤذنون، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذَ عليهمُ الشيطانُ" رواه أحمد
(3)
.
(فيقاتل تاركها) أي الجماعة، لحديث أبي هريرة المتفق عليه
(4)
(كأذان) الأظهر أنه تشبيه للمنفي
(5)
أي ليس وجوب الجماعة وجوب كفاية، كأذان، فإن وجوبه وجوب كفاية كما تقدم. ويحتمل أن يكون المعنى: ويقاتل تارك الجماعة، كتارك الأذان، لكن الأذان إنما يقاتل على تركه إذا تركه أهل البلد كلهم، بخلاف الجماعة، فإنه يقاتل تاركها، وإن أقامها غيره، لأن وجوبها على الأعيان، بخلافه.
(1)
مسلم في المساجد، حديث 654، وأبو داود في الصلاة، باب 47، حديث 550، والنسائي في الإمامة، باب 50، حديث 848، وابن ماجه في المساجد، باب 14، حديث 777، وأحمد (1/ 382، 415، 419، 455).
(2)
انظر الحاوي الكبير (2/ 297)، والتهذيب (1/ 247)، وروضة الطالبين (1/ 339).
(3)
مسند أحمد (5/ 196)، (6/ 445 - 446). وقد تقدم تخريجه (2/ 37)، تعليق رقم 1، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
(4)
تقدم تخريجه (3/ 141) تعليق رقم 4.
(5)
في "ح": "للنفي".
وقوله: (للصلوات الخمس المؤداة: حضرًا، وسفرًا) متعلق بواجبة (حتى في خوف) شديد، أو غيره؛ لقوله تعالى:{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ. . .} الآية
(1)
. لأنها نزلت في صلاة الخوف، والغالب كون الخوف في السفر، فمع الأمن وفي الحضر أولى.
(على الرجال الأحرار القادرين) عليها (دون) غير الخمس، كالكسوف، والوتر، والمنذورة، ودون المقضيات من الخمس، ودون (النساء، والخناثى) والصبيان، ومن فيه رق، أو له عذر مما يأتي آخر الباب لما يأتي.
(لا) أي ليست الجماعة بـ (ــشرط لصحتها) أي الصلوات الخمس، كما اختاره ابن عقيل، قياسًا على الجمعة؛ لخبر ابن عباس يرفعه:"من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عُذْرٌ، لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى" رواه ابن المنذر
(2)
. وروي عن غير واحد من الصحابة، منهم:
(1)
سورة النساء، الآية:102.
(2)
في الأوسط (4/ 135) حديث 1898. ورواه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 47، حديث 551، وابن ماجه في المساجد، باب 17، حديث 793، وابن أبي شيبة (1/ 345)، وابن حبان "الإحسان" (5/ 415) حديث 2064، والطبراني في الكبير (11/ 446) حديث 12265، وفي الأوسط (5/ 162) حديث 4315، والدارقطني (1/ 420، 421)، والحاكم (1/ 245، 246)، والبيهقي (3/ 75، 174)، والبغوي (3/ 347) حديث 794، والضياء في المختارة (10/ 141، 239، 240، 241) حديث 142، 251، 252، 254، 255، 256.
وقد اختلف في رفعه ووقفه. فقال الحاكم: هذا حديث قد أوقفه غندر، وأكثر أصحاب شعبة. وهو صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وهشيم، وقراد أبو نوح ثقتان، فإذا وصلاه؛ فالقول فيه قولهما. ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في =
ابن مسعود
(1)
، وأبو موسى
(2)
، قالوا:"من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذرٍ فلا صلاةَ له". لكن قال الشريف: لا يصح عن صاحبنا في كونها شرطًا.
(إلا في جمعة وعيد)
(3)
فالجماعة شرط فيهما، على ما يأتي توضيحه (و) حيث تقرر أنها ليست شرطًا للخمس فإنها (تصح من منفرد، ولو لغير عذر، وفي صلاته) أي المنفرد (فضل مع الإثم) لأنه يلزم من ثبوت النسبة بينهما بجزء معلوم ثبوت الأجر فيهما، وإلا فلا نسبة ولا تقدير.
(وتفضل الجماعة على صلاته) أي المنفرد (بسبع وعشرين درجة) لحديث ابن عمر قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعةِ تفضلُ على صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجةً" رواه الجماعة
(4)
إلا النسائي وأبا داود.
= التلخيص الحبير (2/ 30): إسناده صحيح. وقال في بلوغ المرام (427): وإسناده على شرط مسلم، لكن رجّح بعضهم وقفه. وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (5/ 449): وقفه هو الصحيح عند الإمام أحمد وغيره. ورجَّح الموقوف - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 274).
(1)
رواه ابن أبي شيبة (1/ 345)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 136) رقم 1902، وأحمد في مسائل ابنه صالح ص/ 122.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (1/ 345)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 136) رقم 1900، وأحمد في مسائل ابنه صالح ص/ 122، والبيهقي (3/ 174).
قال البيهقي (3/ 57): وروي عن أبي موسى الأشعري مسندًا وموقوفًا، والموقوف أصح. وانظر فتح الباري لابن رجب (5/ 449، 450).
(3)
قوله: وعيد، فتشترط له الجماعة والعدد، يعني في فرضها. وأما إذا صلى الإمام بمن يسقط بهم فرض الكفاية، صحت من المنفرد. ويأتي. هـ ح م ص.
(4)
البخاري في الأذان، باب 30، حديث 645، ومسلم في المساجد، حديث 650، والترمذي في الصلاة، باب 47، حديث 215، وابن ماجه في المساجد، باب 16، حديث 789، وأحمد (2/ 65، 102، 112).
قال ابن هبيرة
(1)
: لما كانت صلاة الفذ مفردة أشبهت العدد المفرد، فلما جمعت مع غيرها أشبهت ضرب العدد، وكانت خمسًا، فضربت في خمس، فصارت خمسًا وعشرين، وهي غاية ما يرتفع إليه ضرب الشيء في نفسه، وأدخلت صلاة المنفرد وصلاة الإمام مع المضاعفة في الحساب.
(ولا ينقص أجره) أي المصلي منفردًا (مع العذر) لما روى أحمد، والبخاري أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا مرض العبد أو سافر، كتب الله له ما كان يعملُ صحيحًا مقيمًا"
(2)
. قال في "الفروع": ويتوجه احتمال تساويهما في أصل الأجر، وهو الجزاء والفضل بالمضاعفة.
(وتسن) الجماعة (في مسجد) لحديث زيد بن ثابت مرفوعًا: "صلوا أيها الناسُ في بيوتكم، فكان أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" متفق عليه
(3)
، ولما فيه من إظهار الشعار، وكثرة الجماعة.
(وله فعلها) أي الجماعة (في بيته، و) في (صحراء) لقوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل أدركته الصلاة، فليصلِّ حيثُ أدركته" متفق عليه
(4)
.
(و) فعلها (في مسجد أفضل) لأنه السنة.
(1)
الإفصاح عن معاني الصحاح (4/ 129، 6/ 342).
(2)
أحمد (4/ 410، 418)، والبخاري في الجهاد، باب 134، حديث 2996، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(3)
البخاري في الأذان، باب 81، حديث 731، ومسلم في المسافرين، حديث 781.
(4)
البخاري في التيمم، باب 1، حديث 335، ومسلم في المساجد، حديث 521، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
وحديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"
(1)
يحتمل: لا صلاة كاملة، جمعًا بين الأخبار
(2)
. قال بعضهم: وإقامتها في الربط، والمدارس، ونحوها، قريب من إقامتها في المساجد. نعم إن كان ذهابه إلى المسجد يؤدي إلى انفراد أهله، فالمتجه إقامتها في بيته، تحصيلًا للواجب.
(1)
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم.
أ - جابر رضي الله عنه: علقه البخاري في التاريخ الكبير (1/ 111)، ووصله العقيلي (4/ 80 - 81) والدارقطني (2/ 419 - 420)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 413).
قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (7/ 283): الحديث منكر. وقال ابن الجوزي: في إسناده مجاهيل، وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 343): فيه من لا تعرف حاله. وقال النووي في الخلاصة (2/ 655 - 656) وفي المجموع (4/ 78): في إسناده ضعيفان أحدهما مجهول. وضعفه العراقي في تخريج الإحياء (1/ 157)، والحافظ في الفتح (1/ 439).
ب - أبو هريرة رضي الله عنه رواه الدارقطني (1/ 420)، والحاكم (1/ 246)، والبيهقي (3/ 57)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 412)، وقال: هذا حديث لا يصح. وضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 343)، والنووي في المجموع (4/ 78)، وفي الخلاصة (2/ 656)، والعراقي في تخريج الإحياء (1/ 157).
ج - عائشة رضي الله عنها رواه ابن حبان في المجروحين (2/ 94)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 413).
د - علي رضي الله عنه موقوفًا، رواه عبد الرزاق (1/ 497، 498) رقم 1915، 1916، وابن أبي شيبة (1/ 345)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 137) رقم 1904، 1907، وأحمد في مسائل ابنه صالح ص/ 121، 123، والدارقطني (1/ 420)، والبيهقي (3/ 57). وضعفه الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 31).
(2)
ظاهر الأحاديث بل صريحها يدل على وجوب الصلاة جماعة. انظر كتاب الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص/ 108 وما بعدها.
ولو دار الأمر بين فعل الصلاة في المسجد فذًّا، وبين فعلها في بيته في جماعة، تعين فعلها في بيته، تحصيلًا للواجب.
ولو دار الأمر بين فعلها في المسجد في جماعة يسيرة، وفعلها في بيته في جماعة كثيرة كان فعلها في المسجد أولى.
(و
تستحب) الجماعة (للنساء، إذا اجتمعن منفردات عن الرجال،
سواء كان إمامهن منهن أو لا) لفعل عائشة
(1)
وأم سلمة
(2)
، ذكره الدارقطني. ولأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "أمر أمَّ ورقة أن تجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارِها" رواه أبو داود، والدارقطني
(3)
. ولأنهن من أهل الفرض، أشبهن الرجال.
(ويباح لهن حضور جماعة الرجال تفلات غير متطيبات) يقال: تفلت المرأة تفلًا، من باب تعب، إذا أنتن ريحها لترك الطيب والادهان، وتفلت إذا
(1)
الدارقطني (1/ 404 - 405). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 141) رقم 5086، وابن أبي شيبة (2/ 89)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 227) رقم 2076، 2077، والحاكم (1/ 203 - 204)، والبيهقي (3/ 131). وصححه النووي في الخلاصة (2/ 680)، وفي المجموع (4/ 84).
(2)
الدارقطني (1/ 405). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 140) رقم 5082، ومسدد كما في المطالب العالية (1/ 187) رقم 409، وابن سعد (8/ 484)، وابن أبي شيبة (2/ 88)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 227) رقم 2075، والبيهقي (3/ 131). وصححه النووي في المجموع (4/ 84)، وفي الخلاصة (2/ 680).
(3)
أبو داود في الصلاة، باب 62، حديث 591، 592، والدارقطني (1/ 403). ورواه - أيضًا - ابن سعد (8/ 457)، وأحمد (6/ 405)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 96) حديث 1108، وابن الجارود 333، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (6/ 139، 140) حديث 3366، 3367، وابن خزيمة (3/ 89) حديث 1676، وابن المنذر في الأوسط (3/ 55) حديث 1224 (4/ 226) =
تطيبت، من
(1)
الأضداد
(2)
، ذكره في الحاشية (بإذن أزواجهن) لأن النساء كن يحضرن على عهده صلى الله عليه وسلم كما يأتي في الباب، وفي صلاة الكسوف. وكونهن تفلات؛ لئلا يفتن. وكونه بإذن أزواجهن؛ لما يأتي أنه يحرم خروجها بغير إذن زوجها.
(ويكره حضورها) أي جماعة الرجال (لحسناء) شابة أو غيرها؛ لأنه
(3)
مظنة الافتتان.
(ويباح) الحضور (لغيرها) أي غير الحسناء، تفلة غير متطيبة بإذن زوجها، وبيتها خير لها، للخبر
(4)
(وكذا مجالس الوعظ) وأولى (وتأتي تتمته قريبًا) أواخر الفصل الثاني من الباب.
= حديث 2074، والطبراني في الكبير (25/ 134، 135) حديث 326، 327، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (6/ 3572) رقم 8062، والبيهقي (3/ 130).
قال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 27): وفي إسناده عبد الرحمن بن خلاد، وفيه جهالة. وقال النووي في الخلاصة (2/ 677): رواه أبو داود ولم يضعفه. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود (1/ 307): وفي إسناده الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري الكوفي، وفيه مقال، وقد أخرج له مسلم. وانظر بيان الوهم والإيهام لابن القطان (5/ 23).
(1)
في "ح" و"ذ": "فهو من".
(2)
انظر ذيل كتاب الأضداد للصغاني مطبوع ضمن ثلاثة كتب في الأضداد ص/ 225.
(3)
في "ح" و"ذ": "لأنها".
(4)
روي من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، منهم:
أ - ابن عمر رضي الله عنهما، رواه أبو داود في الصلاة باب 53، حديث 567، وأحمد (2/ 76)، وابن خزيمة (3/ 92، 93) حديث 1684، والحاكم (1/ 209)، والبيهقي (3/ 13)، والبغوي (3/ 441) حديث 864، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن". =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال النووي في المجموع (4/ 82)، وفي الخلاصة (2/ 678): رواه أبو داود
…
بإسناده صحيح على شرط البخاري. وصحح إسناده البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 64).
ب - أم سلمة رضي الله عنها. رواه ابن أبي شيبة كما في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 64)، وأحمد (6/ 297، 301)، وأبو يعلى (12/ 454) حديث 7025، وابن خزيمة (3/ 92) حديث 1683، والطبراني في الكبير (23/ 313) حديث 709، والحاكم (1/ 209)، والقضاعي في مسند الشهاب (2/ 231) حديث 1252، والبيهقي (3/ 131)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير مساجد النساء قعر بيوتهن. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 64): هذا إسناد صحيح.
ج - أم حميد رضي الله عنها رواه ابن أبي شيبة (2/ 384، 385)، وأحمد (6/ 371)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (6/ 150) حديث 3379، وابن أبي خيثمة كما في الإصابة (13/ 200)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 65) حديث 1045، وابن خزيمة (3/ 95) حديث 1689، وابن حبان "الإحسان"(5/ 595) حديث 2217، والطبراني في الكبير (25/ 148) حديث 356، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (6/ 3488) حديث 7911، وابن عبد البر في الاستيعاب (13/ 213، 214) عن أم حميد رضي الله عنها أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك
…
الحديث. قال الهيثمي في المجمع (2/ 34): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري: وثقه ابن حبان.
د - ابن مسعود رضي الله عنه رواه البزار (5/ 426، 428) حديث 2060، 2062. وابن خزيمة (3/ 94، 95) حديث 1688، 1690، وابن المنذر في الأوسط (4/ 230) حديث 2082، والحاكم (1/ 209)، والبيهقي (3/ 131)، والبغوي (3/ 441) حديث 865، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها. . .".
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقد احتجا جميعًا بالمورق بن مشمرخ العجلي. ووافقه الذهبي.
(وإن كان بطريقه إلى المسجد منكر، كغناء لم يدع المسجد) وكذا لو كان المنكر بالمسجد، فيحضر (وينكره) بحسبه (ويأتي) آخر الباب.
(قال الشيخ
(1)
: ولو لم يمكنه) إتيان المسجد (إلا بمشيه في ملك غيره فعل) واقتصر عليه في "الفروع".
(فإن كان البلد ثغرًا، وهو) المكان (المخوف) من فروج البلدان (فالأفضل لأهله الاجتماع في مسجد واحد) لأنه أعلى للكلمة، وأوقع للهيبة. فإذا جاءهم خبر عن عدوهم سمعه جميعهم، وتشاوروا في أمرهم. وإن جاءهم عين للكفار رأى كثرتهم، فأخبر بها. قال الأوزاعي
(2)
: لو كان الأمر إليَّ، لسمرت أبواب المساجد التي للثغور؛ ليجتمع الناس في مسجد واحد.
(والأفضل لغيرهم الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره) لأن فيه تحصيل ثواب عمارة المسجد، وتحصيل الجماعة لمن يصلي فيه، وذلك معدوم في غيره (أو تقام) فيه الجماعة (بدونه) أي حضوره (لكن في قصده لغيره كسر قلب إمامه، أو جماعته) فجبر قلوبهم أولى (قاله جمع) منهم الشارح وابن تميم.
(ثم المسجد العتيق) لأن الطاعة فيه أسبق.
(ثم) إن استويا، فالأفضل من المساجد (ما كان أكثر جماعة) لما روى أُبي بن كعب أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الرجل مع الرجل أولى
(3)
من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أولى
(3)
من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو
(1)
الاختيارات الفقهية ص/ 103.
(2)
انظر المغني (3/ 10).
(3)
في "مسند أحمد" و"أبي داود" وغيرهما: أزكى.
أحب إلى الله" رواه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حبان
(1)
.
(ثم) إن استويا فيما تقدم، فالصلاة في المسجد (الأبعد) أفضل من الصلاة في الأقرب
(2)
، لحديث أبي موسى مرفوعًا:"إن أعظم الناس في الصلاة أجرًا أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه مسلم
(3)
. ولكثرة حسناته بكثرة خطاه.
(و
فضيلة أول الوقت أفضل من انتظار كثرة الجمع)
قال في "تصحيح الفروع": هو ظاهر كلام كثير من الأصحاب. ومما يؤيد ذلك: قول أكثر الأصحاب: إن صلاة الفجر في أول الوقت أفضل، ولو قل الجمع، وهو المذهب.
(وتقدم الجماعة مطلقًا على أول الوقت) لأنها واجبة، وأول الوقت سنة، ولا تعارض ببن واجب ومسنون.
(و
يحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه)
لأنه بمنزلة
(1)
أحمد (5/ 140)، وأبو داود في الصلاة باب 48، حديث 554، وابن حبان "الإحسان"(5/ 405، 406) حديث 2056، 2057. وأخرجه - أيضًا - النسائي في الإقامة، باب 45، وحديث 842، والطيالسي ص/ 75 حديث 554، وعبد الرزاق (1/ 523) حديث 2004، وعبد بن حميد (1/ 196، 197) حديث 173، وعبد الله بن أحمد في زوائده (5/ 141)، وابن خزيمة (2/ 366، 367) حديث 1476، 1477، والحاكم (1/ 247 - 248)، والبيهقي (3/ 61، 67).
قال الحافظ في الفتح (2/ 136): وله شاهد قوي في الطبراني [في الكبير (19/ 36) رقم 73، 74] من حديث قباث بن أشيم.
(2)
أي إذا استويا في القدم والحدوث؛ سواء اختلفا في كثرة الجمع، أو استويا، كما في "شرح المنتهى". ومنه تعلم: أن الأفضل الأقدم، ثم الأبعد، ثم الأكثر جماعة، خلافًا لما يوهمه كلام المصنف رحمه الله شيخنا عثمان. "ش".
(3)
في المساجد، حديث 662.
صاحب البيت وهو أحق بها لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في بيته إلا بإذنه"
(1)
ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه، وتبطل فائدة اختصاصه بالتقدم، ومع الإذن هو نائب عنه.
و (لا) يحرم أن يؤم (بعده) أي بعد إمامه الراتب؛ لأنه استوفى حقه، فلا افتيات عليه (ويتوجه: إلا لمن يعادي الإمام) لقصده الإيذاء إذن، فيشبه ما لو تقدمه.
(فإن فعل) أي أم في المسجد قبل إمامه الراتب بلا إذنه (لم تصح في ظاهر كلامهم) قاله في "الفروع" و"المبدع"، ومعناه في "التنقيح"، وقطع به في "المنتهى". وقدم في "الرعاية": تصح مع الكراهة. ومقتضى كلام ابن عبد القوي: الصحة كما يأتي نقل كلامه في صلاة الجنازة (إلا أن يتأخر) الراتب (لعذر، أو لم يظن حضوره، أو ظن) حضوره (ولكن لا يكره) بفتح الياء (ذلك) أي أن يصلي غيره مع غيبته (أو ضاق الوقت، فيصلون) لصلاة أبي بكر بالناس حين غاب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، متفق عليه
(2)
. وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف مرة، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أحسنتم" رواه مسلم
(3)
.
(وإن لم يعلم عذره) أي الراتب (وتأخر عن وقته المعتاد، انتظر،
(1)
رواه مسلم في المساجد، حديث 673، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.
(2)
البخاري في الأذان، باب 48، حديث 684، وفي العمل في الصلاة، باب 3، 16، حديث 1201 و 1218، وفي السهو، باب 9، حديث 1234، وفي الصلح، باب 1، حديث 2690، وفي الأحكام، باب 36، حديث 7190، ومسلم في الصلاة، حديث 421، عن سهل بن سعد رضي الله عنهما.
(3)
في الصلاة، حديث (105).
وروسل مع قربه وعدم المشقة) في الذهاب إليه (وسعة الوقت) لأن الائتمام به سنة وفضيلة؛ فلا تترك مع الإمكان. ولما فيه من الافتيات بنصب غيره (وإن بعد) مكانه (أو شق) الذهاب إليه، أو ضاق الوقت، (صلوا) لما تقدم.
(وإن صلى) فرضه (ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد) استحب إعادتها، ولو كان صلى أولًا في جماعة، أو كان وقت نهي، لما تقدم في الباب قبله.
(أو جاءه) أي المسجد (غير وقت نهي ولم يقصد) بمجيئه المسجد (الإعادة وأقيمت) الصلاة (استحب إعادتها) مع إمام الحي وغيره، لما تقدم، ولئلا يتوهم رغبته عنه (إلا المغرب) فلا تسن إعادتها؛ لأن المعادة تطوع، وهو لا يكون بوتر، ولو كان صلى وحده، ذكره القاضي وغيره.
(والأولى فرضه) لما تقدم في الخبر
(1)
، و (كإعادتها منفردًا، فلا ينوي الثانية فرضًا، بل ظهرًا معادة مثلًا) لأن الأولى أسقطت الفرض.
(وإن نواها) أي المعادة (نفلًا صح) لمطابقته الواقع، وإن نواها ظهرًا مثلًا فقط، صحت على مقتضى ما تقدم في باب النية، وكانت نفلًا.
(وإن أقيمت) الصلاة (وهو خارج المسجد، فإن كان في وقت نهي لم يستحب له الدخول) حتى تفرغ الصلاة؛ لامتناع الإعادة إذن، وإيهام رغبته عنه، حيث لم يصل معه.
(وإن دخل المسجد وقت نهي يقصد الإعادة، انبنى على فعل ما له سبب) في وقت النهي. والمذهب كما جزم به آنفًا: لا يجوز؛ فلا إعادة. قلت: وكذا إن لم يقصد الإعادة، كما هو مفهوم قوله وقول صاحب "المنتهى" فيما سبق: وإعادة جماعة أقيمت وهو بالمسجد.
(و
المسبوق في المعادة يتمها،
فلو أدرك من رباعية ركعتين، قضى ما
(1)
تقدم تخريجه (3/ 135) تعليق رقم 1.
فاته منها) ركعتين (ولم يسلم معه نصًا) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "وما فاتكم فأتموا"
(1)
وقيل: يسلم معه.
قلت: ولعل الخلاف في الأفضل، وإلا، فهي نفل، كما تقدم. ولا يلزمه إيقاعه أربعًا، إلا أن يقال: يلزم إتمامها أربعًا مراعاة لقول من يقول: إنها فرض. وفيه بعد.
(ولا تكره إعادة الجماعة) أي إذا صلى إمام الحي ثم حضر جماعة أخرى، استحب لهم أن يصلوا جماعة، هذا قول ابن مسعود
(2)
، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"
(3)
ولقوله: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ فقام رجل
(4)
من القوم فصلى معه" رواه أحمد، وأبو داود، من حديث أبي سعيد، وإسناده جيد، وحسنه الترمذي
(5)
.
(1)
قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه البخاري في الأذان، باب 21، حديث 636، ومسلم في المساجد، حديث 602.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 323).
(3)
تقدم تخريجه (3/ 144)، تعليق رقم 4.
(4)
هو أبو بكر "رضي الله عنه". "ش".
(5)
أحمد (3/ 5، 45، 64، 85)، وأبو داود في الصلاة، باب 56، حديث 574، والترمذي في الصلاة، باب 50، حديث 220. ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 322)، وعبد بن حميد (2/ 86) حديث 934، والدارمي في الصلاة، باب 98، حديث 1375، 1376، وابن الجارود (330)، وأبو يعلى (2/ 321) حديث 1057، وابن خزيمة (3/ 63) حديث 1632، وابن المنذر في الأوسط (4/ 215) حديث 2056، وابن حبان "الإحسان" (6/ 197، 198) حديث 2397، 2398، 2399، والطبراني في الصغير (1/ 218، 238)، والحاكم (1/ 209)، وابن حزم في المحلى (4/ 238)، والبيهقي (3/ 68، 69)، والبغوي (3/ 436) حديث 859. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه النووي في المجموع (4/ 114) والحافظ في الفتح (2/ 142).
وما ذكره الأصحاب من قولهم: لا يكره، أو يستحب إعادة الجماعة، فهو مع المخالف، فلا ينافي ما تقدم من وجوب الجماعة. أو يقال: هو على ظاهره، ليصلوا في غيره أي غير المسجد الذي أُقيمت فيه الجماعة. أشار إليه في "الإنصاف".
(في غير مسجدي مكة والمدينة فقط) فالأقصى كسائر المساجد (وفيهما) أي في مسجدي مكة والمدينة (تكره) إعادة الجماعة. وعلله أحمد
(1)
: بأنه أرغب في توقير الجماعة، أي لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الراتب في المسجدين إذا أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى.
قلت: فعلى هذا يكره تعدد الأئمة الراتبين بالمسجدين، لفوات فضيلة أول الوقت لمن يتأخر، وفوات كثرة الجمع، وإن اختلفت المذاهب.
(إلا لعذر) كنوم ونحوه عن الجماعة، فلا يكره لمن فاتته إذن إعادتها بالمسجدين لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم:"من يتصدق على هذا؟ "
(2)
ولأن إقامتها إذن أخف من تركها.
(وإن قصد) مسجدًا من (المساجد للإعادة، كره) زاد بعضهم: ولو كان صلى فرضه وحده، ولأجل تكبيرة الإحرام لفوتها
(3)
له لا لقصد الجماعة، نص على ذلك
(4)
.
(و
ليس للإمام اعتياد الصلاة مرتين،
وجعل الثانية عن فائتة أو غيرها،
(1)
انظر المغني (3/ 11).
(2)
سبق تخريجه (3/ 154) تعليق رقم 5.
(3)
في "ذ": "لفواتها".
(4)
انظر مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 359) رقم 257، ومسائل ابن هانئ (1/ 71، 72) رقم 354، 357.
والأئمة متفقون على أنه بدعة مكروهة، ذكره الشيخ
(1)
، وفي واضح ابن عقيل: لا يجوز فعل ظهرين في يوم).
قلت: لعل المراد على اعتقاد فرضيتهما، وإلا، فإذا كانت إحداهما معادة، أو فائتة فلا مانع.
ومن نذر أنه متى حفظ القرآن، صلى مع كل صلاة فريضة أخرى، وحفظه، لا يلزمه الوفاء بما نذره فإنه منهي عنه، ويكفر كفارة يمين.
(وإذا أقيمت) أي شرع المؤذن في إقامة (الصلاة) لرواية ابن حبان بلفظ: "إذا أخذ المؤذن في الإقامة"
(2)
(التي يريد الصلاة مع إمامها) وإلا لم يمتنع عليه، كما لو أقيمت بمسجد لا يريد الصلاة فيه، قاله في "الفروع" توجيهًا (فلا صلاة إلا المكتوبة، فلا يشرع في نفل مطلق، ولا راتبة)، من سنة فجر، أو غيرها (في المسجد، أو غيره، ولو ببيته) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" متفق عليه
(3)
.
(فإن فعل) أي شرع في نافلة بعد الشروع في الإقامة (لم تنعقد) لما روي عن أبي هريرة: "وكان عمر يضرب على كل صلاة بعد الإقامة"
(4)
.
وأباح قوم ركعتي الفجر والإمام يصلي، منهم ابن مسعود
(5)
.
(1)
الاختيارات الفقهية ص/ 104.
(2)
"الإحسان"(5/ 564 - 565)، حديث 2190.
(3)
لم يخرجه البخاري، وإنما أخرجه مسلم فقط في المسافرين، حديث 710، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
رواه عبد الرزاق (2/ 436) رقم 3988، وابن المنذر في الأوسط (5/ 230) رقم 2757، وابن حزم في المحلى (3/ 110). ورواه ابن أبي شيبة (2/ 77) بنحوه.
(5)
رواه عبد الرزاق (2/ 441) رقم 4021، 4022 وابن المنذر في الأوسط (5/ 231) رقم 2762، والطحاوي (1/ 374).
(فإن جهل الإقامة فكجهل وقت نهي) وتقدم أن الأصل الإباحة، لكن إن وافق أنه كان بعد الشروع فيها، لم تنعقد.
(وإن أقيمت وهو فيها) أي النافلة (ولو) كان (خارج المسجد، أتمها خفيفة، ولو فاتته ركعة) لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}
(1)
قال ابن تميم وغيره: (ولا يزيد على ركعتين، فإن كان شرع في) الركعة (الثالثة أتمها) أي النافلة (أربعًا) لأنها أفضل من الثلاث (فإن سلم من ثلاث) ركعات (جاز، نصًا فيهما) أي في المسألتين. ولعل عدم كراهة الثلاث هنا للعذر (إلا أن يخشى) من أقيمت الصلاة وهو في نافلة (فوات ما تدرك به الجماعة، فيقطعها) لأن الفرض أهم.
(قال
(2)
جماعة) منهم صاحب "التلخيص": (وفضيلة تكبيرة الأولى) أي تكبيرة الإحرام (لا تحصل إلا بشهود تحريم الإمام) واقتصر عليه في "المبدع" وغيره (وتقدم في) باب (المشي إلى الصلاة) ما يؤذن بذلك.
(1)
سورة محمد، الآية:33.
(2)
في "ح": "قاله".
فصل
(ومن كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى أدرك الجماعة ولو لم يجلس) لأنه أدرك جزءًا من صلاة الإمام، أشبه ما لو أدرك ركعة، وكإدراك المسافر صلاة المقيم، ولأنه يلزم أن ينوي الصفة التي هو عليها، وهو كونه مأمومًا، فينبغي أن يدرك فضل الجماعة.
(ومن أدرك الركوع معه) أي مع الإمام (قبل رفع رأسه) من الركوع، بحيث يصل المأموم إلى الركوع المجزئ في أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء منه (غير شاك في إدراكه) أي الإمام (راكعًا، أدرك الركعة، ولو لم يدرك معه الطمأنينة إذا اطمأن هو) أي المسبوق ثم لحقه، لحديث أبي هريرة مرفوعًا:"إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركوع فقد أدركَ الركعةَ" رواه أبو داود
(1)
بإسناد حسن. ولأنه لم يفته من الأركان غير القيام، وهو يأتي به مع التكبير، ثم يدرك مع الإمام بقية الركعة، وعلم منه: أنه لو شك هل أدركه راكعًا أو لا؟ لم يعتد بها، ويسجد للسهو، وتقدم في بابه.
(1)
في الصلاة، باب 156، حديث 893. بلفظ:"ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة". وأخرجه - أيضًا - بمثله ابن خزيمة (3/ 57) حديث 1622، والدارقطني (1/ 347)، والحاكم (1/ 216، 273 - 274)، والبيهقي (2/ 89).
قال الحاكم في الموضع الأول: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ويحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين. وقال في الموضع الثاني: هذا حديث صحيح قد احتج الشيخان برواته عن آخرهم، غير يحيى بن أبي سليمان وهو شيء من أهل المدينة سكن مصر ولم يذكر بجرح. ووافقه الذهبي.
وقال ابن خزيمة: في القلب من هذا الإسناد، فإني كنت لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح.
وإن كبر والإمام في الركوع، ثم لم يركع حتى رفع إمامه، لم يدركه، ولو أدرك ركوع المأمومين.
وإن أتم التكبيرة في انحنائه انقلبت نفلًا
(1)
. وتقدم.
(وأجزأته) أي من أدرك الإمام راكعًا (تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع نصًا)
(2)
واحتج بأنه فعل زيد بن ثابت، وابن عمر
(3)
، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة. ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد في محل واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، كطواف الزيارة والوداع. قيل للقاضي: لو كانت تكبيرة الركوع واجبة لم تسقط، فأجاب: بأن الشافعي أوجب القراءة
(4)
، وأسقطها إذا أدركه راكعًا. قال ابن رجب في القاعدة الثامنة عشرة
(5)
: وهذه المسألة تدل على أن تكبيرة الركوع تجزئ في حال القيام، خلاف ما يقوله المتأخرون.
(1)
قوله: انقلبت نفلًا. قال الشيخ عثمان: وهو مشكل، لأنه إن قلنا: يتابع الإمام مع الحكم بنفليتها في حقه، فالنفل لا ينعقد ممن لم يصل بعد الإقامة. وإن قلنا: لا يتابع الإمام بل هو منفرد؛ فلا بد من القراءة. والأظهر: أنه إن فعل ذلك عمدًا لم تنعقد فرضًا ولا نفلًا، سهوًا أو جهلًا صحت نفلًا، ولم يعتد ببقية الركعة، بل هو كالزيادة سهوًا، فيأتي بها منفردًا ويسجد للسهو. اهـ. فراجع حاشيته على المنتهى تظفر بالمراد. "ش".
(2)
مسائل أبي داود ص/ 35، ومسائل عبد الله (2/ 352) رقم 499، ومسائل ابن هانئ (1/ 51) رقم 242، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 290 - 291) رقم 188.
(3)
رواه ابن أبي شيبة (1/ 242). وأحمد في مسائل ابنه عبد الله ص/ 106.
(4)
انظر العزيز شرح الوجيز (2/ 197)، وروضة الطالبين (1/ 374)، والغرر البهية (2/ 516).
(5)
ص/ 25.
(وإتيانه) أي المسبوق (بها) أي بتكبيرة الركوع (أفضل) خروجًا من خلاف من أوجبه، كابن عقيل، وابن الجوزي.
(فإن نواهما) أي نوى المدرك في الركوع، الإحرام والركوع (بالتكبيرة لم تنعقد) صلاته؛ لأنه شرك بين الواجب وغيره في النية، أشبه ما لو عطس عند رفع رأسه، فقال: ربنا ولك الحمد عنهما.
وعنه: بلى، اختاره الشيخان، ورجحه في "الشرح" لأن نية الركوع، لا تنافي نية الافتتاح؛ لأنهما من جملة العبادة.
وإن نوى بتكبيرة
(1)
الركوع لم يجزئه؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن، ولم يأت بها.
(وإن أدركه) أي المسبوق (بعد الركوع، لم يكن مدركًا للركعة، وعليه متابعته قولًا وفعلًا) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدُوا، ولا تعدوها شيئًا" الحديث
(2)
. والمراد بمتابعته في الأقوال: أن يأتي بتكبيرة الانتقال عما أدركه فيه، وما في السجود من التسبيح، وما بين السجدتين. وأما التشهد إذا لم يكن محلًا لتشهده فلا يجب عليه.
(وإن رفع الإمام رأسه) من الركوع (قبل إحرامه) أي المسبوق (سن دخوله معه) فيسن كيف أدركه، للخبر.
(وعليه) أي المسبوق (أن يأتي بالتكبيرة في حال قيامه) لوجوب التكبير لكل انتقال يعتد به المصلي، (وينحط مسبوق) أدرك الإمام بعد رفعه من الركوع (بلا تكبير له) أي لانحطاطه (ولو أدركه ساجدًا) نص عليه
(3)
، لأنه لا يعتد له به، وقد فاته محل التكبير.
(1)
في "ذ": "بتكبيره" وهو الأقرب.
(2)
تقدم تخريجه (3/ 158) تعليق رقم 1.
(3)
مسائل عبد الله (2/ 352) رقم 499.
(ويقوم) مسبوق (للقضاء بتكبير، ولو لم تكن) الركعة التي قام إليها (ثانيته) أي المسبوق؛ لأنه انتقال يعتد به أشبه سائر الانتقالات.
(فإن قام) مسبوق (قبل) أن يسلم الإمام (التسليمة الثانية، بلا عذر يبيح المفارقة) للإمام (لزمه) أي المسبوق (العود، ليقوم بعدها) لأنها من جملة الركن، ولا تجوز مفارقته بلا عذر (فإن لم يرجع) المسبوق (انقلبت) صلاته (نفلًا) بلا إمام. وظاهره: لا فرق بين العمد والذكر، وضدهما. وهذا واضح إذا كان الإمام يرى وجوب التسليمة الثانية، وإلا فقد خرج من صلاته بالأولى، خصوصًا بعض المالكية
(1)
، فإنه ربما لا يسلم الثانية رأسًا، فكيف يصنع المسبوق لو قيل: لا يفارقه قبلها؟.
(وإن أدركه) المسبوق (في سجود سهو بعد السلام لم يدخل معه) لأنه خرج من الصلاة، ولم يعد إليها به
(2)
، حتى لو أحدث فيه لم تبطل (فإن فعل) أي دخل معه في سجود السهو بعد السلام (لم تنعقد صلاته) لما مر.
(وما أدرك) المسبوق (مع الإمام فهو آخر صلاته، فإن أدركه فيما بعد الركعة الأولى) كالثانية، أو الثالثة (لم يستفتح ولم يستعذ، وما يقضيه) المسبوق (أولها) أي أول صلاته (يستفتح له، ويتعوذ، ويقرأ السورة) ولو أدرك ركعة من الصبح مثلًا، أطال قراءتها على التي أدركها، وراعى ترتيب السور، كما أشار إليه ابن رجب
(3)
، لما روى أحمد، عن ابن عيينة. عن الزهري، عن سعيد عن أبي هريرة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما أدركتم فصلوا، وما
(1)
انظر التمهيد (11/ 205)، والمنتقى (1/ 169)، والذخيرة (2/ 199).
(2)
في هامش "ح": خلافًا للحنفية، فإن المسبوق لو أدرك الإمام في سجود السهو بعد السلام، أدرك الجماعة.
(3)
انظر فتح الباري له (5/ 397) وقواعده ص/ 368.
فاتكم فاقضوا"
(1)
ورواه النسائي من حديث ابن عيينة. قال مسلم
(2)
: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة "فاقضوا" ولا أعلم رواها عن الزهري غيره. وفيه نظر، فقد رواها أحمد
(3)
، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وقد رويت عن أبي هريرة من غير وجه
(4)
. وفي رواية لمسلم: "واقض ما سبقك"
(5)
والمقضي هو الفائت، فيكون على صفته.
(لكن لو أدرك من رباعية، أو مغرب، ركعة، تشهد) التشهد الأول (عقب قضاء) ركعة (أخرى نصًا
(6)
، كالرواية الأخرى) أن ما أدرك أول صلاته، وما يقضيه آخرها، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" متفق عليه من حديث أبي قتادة
(7)
، وأبي هريرة
(8)
.
(1)
أحمد (2/ 238)، والنسائي في الإمامة، باب 57، حديث 860. وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 358)، والحميدي (935)، وابن الجارود (305)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 396)، وابن حبان "الإحسان" (5/ 517) حديث 2145، والبيهقي (2/ 297).
(2)
في كتابه "التمييز" كما قال ابن حجر في "الفتح"(2/ 140). ولم نجده في المطبوع من التمييز. وانظر السنن الكبرى للبيهقي (2/ 297) وفتح الباري لابن رجب (5/ 395).
(3)
(2/ 270). وأخرجه - أيضًا - الترمذي في الصلاة، باب 244، حديث 328، وعبد الرزاق (2/ 287) حديث 3399، وابن الجارود (306)، والبغوي (441).
(4)
انظر: "فتح الباري"(2/ 140)، شرح حديث 636، وفيه بحث نفيس في الجمع بين اللفظين.
(5)
في المساجد، حديث 602 (154).
(6)
مسائل ابن هانئ (1/ 73) رقم 361.
(7)
أخرجه البخاري في الأذان، باب 20، حديث 635، ومسلم في المساجد، حديث 603.
(8)
البخاري في الأذان، باب 21، حديث 636، وفي الجمعة، باب 18، حديث 908، ومسلم في المساجد، حديث 602.
وأجيب: بأن المعنى: فأتموا قضاء؛ للجمع بينهما. وإنما قلنا: يتشهد من أدرك ركعة عقب أخرى؛ لئلا يلزم تغيير هيئة الصلاة؛ لأنه لو تشهد عقب ركعتين، لزم عليه قطع الرباعية على وتر، والثلاثية شفعًا، ومراعاة هيئة الصلاة ممكنة، ولا ضرورة إلى تركها؛ فلزم الإتيان بها.
(ويخير) المسبوق إذا قضى ما فاته (في الجهر) بالقراءة (في صلاة الجهر) غير الجمعة (بعد مفارقة إمامه. وتقدم في صفة الصلاة).
وعلى هذا أيضًا: يتخرج تكبير العيد، والقنوت، فلا يقنت من قنت مع إمامه؛ لأنه آخر صلاته.
(ويتورك) المسبوق (مع إمامه) في موضع توركه؛ لأنه آخر صلاته، وإن لم يعتد به.
قلت: جلوسه واجب من حيث متابعة الإمام، وفي كلام "الفروع" هنا تأمل (كما يتورك) المسبوق (فيما يقضيه) للتشهد الثاني. فعلى هذا: لو أدرك ركعتين من رباعية، جلس مع الإمام متوركًا، متابعة له للتشهد الأول، وجلس بعد قضاء الركعتين أيضًا متوركًا؛ لأنه يعقبه سلامه.
(ويكرر التشهد الأول نصًا
(1)
، حتى يسلم إمامه) التسليمتين؛ لأنه تشهد واقع في وسط الصلاة، فلم تشرع فيه الزيادة على الأول
(2)
.
قلت: وهذا على وجه الندب، فإن كان محلًا لتشهده الأول، فالواجب منه المرة الأولى، بدليل قوله:(فإن سلم) الإمام (قبل إتمامه) أي المسبوق التشهد الأول (قام) المسبوق لقضاء ما فاته (ولم يتمه) إن لم يكن واجبًا عليه (وتقدم) في صفة الصلاة.
(وإن فاتته الجماعة، استحب أن يصلي في جماعة أخرى،
فإن لم
(1)
المغني (2/ 224)، وفتح الباري لابن رجب (5/ 409).
(2)
أي على التشهد الأول.
يجد) جماعة أخرى (استحب لبعضهم أن يصلي معه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ " وتقدم
(1)
.
(ولا يجب فعل قراءة على مأموم) روي ذلك عن علي
(2)
، وابن عباس
(3)
، وابن مسعود
(4)
، وجابر
(5)
، وابن عمر
(6)
، لقوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}
(7)
قال أحمد في رواية أبي داود
(8)
: أجمع الناس
(1)
(3/ 154)، تعليق رقم 5.
(2)
رواه عبد الرزاق (2/ 138) رقم 2804، 2805، 2806، وابن أبي شيبة (1/ 376)، والطحاوي (1/ 219)، والعقيلي (2/ 316 - 317)، والدارقطني (1/ 331، 332) ولفظه: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة. قال الدارقطني: ولا يصح إسناده. وقال ابن حبان في المجروحين (2/ 5): هذا شيء لا أصل له عن علي. وانظر ميزان الاعتدال للذهبي (2/ 483).
(3)
رواه الطبري في تفسيره (9/ 164)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 105) رقم 1317.
(4)
رواه عبد الرزاق (2/ 138) رقم 2803، وابن أبي شيبة (1/ 376)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 102) رقم 1310، والطحاوي (1/ 219)، والبيهقي (2/ 160)، عن أبي وائل، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أقرأ خلف الإمام؟ قال: أنصت للقرآن، فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك ذلك الإمام. وفي رواية لعبد الرزاق رقم 2806، وللطحاوي (1/ 291) قال: ليت الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابًا.
(5)
رواه مالك في الموطأ (1/ 84).
(6)
رواه مالك في الموطأ (1/ 86)، والبيهقي (2/ 161) ولفظه: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا سئل: هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ.
ورواه عبد الرزاق (2/ 139) رقم 2811، وابن المنذر في الأوسط (3/ 103) رقم 1315، ولفظه: أن ابن عمر كان يقول: ينصت للإمام فيما يجهر به في الصلاة، ولا يقرأ معه.
(7)
سورة الأعراف، الآية:204.
(8)
مسائل أبي داود ص/ 31.
على أن هذه الآية في الصلاة. وعن أبي هريرة مرفوعًا: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" رواه الخمسة
(1)
إلا الترمذي، وصححه أحمد في رواية الأثرم، ومسلم بن الحجاج. ولولا أن القراءة لا تجب على المأموم بالكلية، لما أمَر بتركها من أجل سنة الاستماع. عن عبد الله بن شداد
(1)
أبو داود في الصلاة، باب 69، حديث 604، والنسائي في الافتتاح، باب 30، حديث 920، 921، وابن ماجه في الإقامة، باب 13، حديث 846، وأحمد (2/ 420). وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة (1/ 377، 2/ 326، 14/ 175)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 150) حديث 1319، والطحاوي (1/ 217)، والدارقطني (1/ 327، 328)، والبيهقي في جزء القراءة خلف الإمام 131.
قال أبو داود: وهذه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة. وقال ابن أبي حاتم في العلل (1/ 164) رقم 465: قال أبي: ليس هذه الكلمة بالمحفوظ، وهو من تخاليط ابن عجلان، وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا، وتابع ابن عجلان، وخارجة - أيضًا - ليس بالقوي. وحكى البيهقي في جزء القراءة خلف الإمام ص/ 133، 134 عن الإمام البخاري وابن خزيمة، ومحمد بن يحيى الذهلي تضعيفهم لهذه الزيادة. وقال في معرفة السنن والآثار (3/ 75): وقد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث، وأنها ليست بمحفوظة.
وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى تصحيح هذه الزيادة، ففي صحيح مسلم (1/ 304) أن أبا بكر ابن أخت النضر سأل الإمام مسلمًا عن حديث أبي هريرة فقال: هو عندي صحيح. فقال: لم لم تضعه ههنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه. وصححها الإمام أحمد كما في التمهيد لابن عبد البر (11/ 84)، والإمام الطبري في تفسيره (9/ 166)، وابن التركماني في الجوهر النقي (2/ 156، 157)، ورَدّ على من ضعفها، وقال:"وقد ذكر المنذري في مختصره [1/ 313] كلام أبي داود، ورَدّ عليه بنحو ما قلنا، وابن حزم صحح حديث ابن عجلان".
وله شاهد من حديث أبي موسى رضي الله عنه: أخرجه مسلم في الصلاة، حديث 404 (63).
مرفوعًا: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" رواه سعيد
(1)
، وأحمد في مسائل ابنه عبد الله، والدارقطني، وقد روي مسندًا من طرق ضعاف. والصحيح أنه مرسل، وهو عندنا حجة، قاله في "شرح المنتهى". وقال ابن مسعود:"لا أعلم في السنة القراءة خلف الإمام"
(2)
وقال ابن عمر: "قراءته تكفيك"
(3)
وقال علي: "ليس على الفطرة من قرأ خلف الإمام"
(4)
وقال ابن مسعود: "وددت من قرأ خلف الإمام أن أملأ فاه ترابًا" روى ذلك سعيد
(5)
. والمراد بأنه لا قراءة على المأموم: أنه يتحملها الإمام عنه، وإلا فهي واجبة عليه. نبه عليه القاضي.
(1)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد، ولا في مسائل عبد الله. ورواه الدارقطني (1/ 323 و 324، 325). ورواه - أيضًا - أبو يوسف في الآثار ص/ 23 رقم 113، ومحمد بن الحسن في الآثار ص/ 17 رقم 86، والطحاوي (1/ 217)، وابن عدي (2/ 706)، والبيهقي (2/ 159)، والخطيب في تاريخه (10/ 340)، والحاكم كما في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 168). قال الدارقطني: لم يسنده عن موسى ابن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان. ورجح إرساله وقال البيهقي: هكذا رواه جماعة عن أبي حنيفة موصولًا. ورواه عبد الله بن المبارك عنه مرسلًا دون ذكر جابر، وهو المحفوظ.
وقال الحافظ في الفتح (2/ 242): حديث ضعيف عند جميع الحفاظ. وقد استوعب علله وطرقه الدارقطني وغيره.
ورواه مرسلًا عبد الرزاق (2/ 136) رقم 2797، وابن أبي شيبة (1/ 376)، والطحاوي (1/ 217) وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 168) والبيهقي (2/ 160). قال البوصيري: صحيح على شرط الشيخين.
(2)
لم نجد من خرجه بهذا اللفظ، وتقدم تخريج قوله في المسألة (3/ 164) تعليق 4.
(3)
تقدم تخريجه (3/ 164)، تعليق رقم 6.
(4)
تقدم تخريجه (3/ 164)، تعليق رقم 2.
(5)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد. وتقدم تخريج معناه (3/ 164)، تعليق رقم 4.
فلذلك قال: (فيتحمل عنه إمامه ثمانية أشياء:
الفاتحة) لما تقدم.
(وسجود السهو) إذا كان دخل معه في الركعة الأولى، كما تقدم تفصيله في سجود السهو.
(والسترة قدامه) لما تقدم: سترة الإمام سترة لمن خلفه.
(والتشهد الأول إذا سبقه بركعة) من رباعية لوجوب المتابعة.
(وسجود تلاوة أتى بها) المأموم (في الصلاة خلفه، و) فيما إذا (سجد الإمام لتلاوة سجدة قرأها) الإمام (في صلاة سر، فإن المأموم إن شاء لم يسجد. وتقدم في الباب قبله) لكن قد يقال: المأموم ليس بتال، ولا مستمع، كما تقدم، فلم تشرع السجدة في حقه ابتداء، حى يتحملها عنه الإمام، إلا أن يقال: توجه إليه الطلب باعتبار المتابعة، فيتحملها عنه.
(وقول: سمع الله لمن حمده).
(وقول: ملء السماوات) إلى آخره (بعد التحميد).
(ودعاء القنوت) إن كان يسمع الإمام فيؤمن فقط، وإلا قنت، وتقدم.
(وتسن قراءته) أي المأموم (الفاتحة في سكتات الإمام، ولو) كان سكوته (لتنفس) نقله ابن هانئ
(1)
(ولا يضر تفريقها) أي الفاتحة.
(و) تسن قراءته (فيما لا يجهر) الإمام (فيه) لما روى جابر بن عبد الله قال: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلفَ الإمامِ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأُخريين بفاتحة الكتاب" رواه ابن ماجه
(2)
. وعن علي:
(1)
مسائل ابن هانئ (1/ 53) رقم 255.
(2)
في الإقامة، باب 11، حديث 843. ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (2/ 101) حديث 2661، 2662. وابن أبي شيبة (1/ 371)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 113) =
"اقرأوا في الركعتين الأُوليين بفاتحة الكتاب وسورة" رواه الدارقطني
(1)
، وقال: هذا إسناد صحيح. قال الترمذي
(2)
: أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون القراءة خلف الإمام. وخروجًا من خلاف من أوجبه، لعموم الأدلة، لكن تركناه إذا جهر الإمام للأدلة، فبقي حال تعذر استماعه على مقتضى الدليل.
(أو لا يسمعه) أي يسن للمأموم أن يقرأ إذا كان لا يسمع الإمام (لبعده) لأنه غير سامع لقراءته، أشبه حال سكتاته، والصلاة السرية.
(فإن لم يكن للإمام سكتات يتمكن) المأموم (فيها من القراءة، كره له أن يقرأ نصًا)
(3)
لما تقدم
(4)
.
(و)
يقرأ المأموم ندبًا (مع الفاتحة سورة في أولتي ظهر وعصر)
لما تقدم عن جابر، وعلي
(5)
(فإن سمع) المأموم (قراءة الإمام كرهت له القراءة) للفاتحة والسورة لما تقدم، وفيه تكرار، إلا أن يحمل هذا الأخير على السرية، وما تقدم على الجهرية (فلو سمع) المأموم (همهمته ولم يفهم ما يقول) الإمام (لم يقرأ) لأنه سامع لقراءة إمامه.
= حديث 1332، والطحاوي (1/ 210)، والبيهقي (2/ 170). قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 174): ورجاله ثقات.
(1)
عن الدارقطني (1/ 322). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (2/ 100) رقم 2656، وابن أبي شيبة (1/ 373)، والطحاوي (1/ 206، 209)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 113)، رقم 1331، والحاكم (1/ 239)، والبيهقي (2/ 168)، وفي جزء القراءة خلف الإمام ص/ 92، 93 رقم 194، 195. وانظر علل الدارقطني (4/ 18) رقم 412.
(2)
سنن الترمذي (2/ 26) عقب حديث 247، ولفظه: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب.
(3)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 53) رقم 255، ومسائل صالح (1/ 400) رقم 381.
(4)
(3/ 166).
(5)
(3/ 167، 168).
(ومواضع سكتاته) أي الإمام (ثلاثة):
إحداها: (بعد تكبيرة الإحرام) ليستفتح ويتعوذ، وعلم منه اختصاصها بالركعة الأولى.
(و) الثانية: (بعد فراغ القراءة) ليتمكن المأموم من قراءة السورة، قاله في "شرح المنتهى".
(و) الثالثة: بعد (فراغ الفاتحة. وتستحب هنا سكتة بقدر الفاتحة) ليقرأها المأموم فيها.
(و
يقرأ أطرش إن لم يشغل من إلى جنبه)
من المأمومين؛ لأنه لا يحصل له مقصود استماع القراءة، أشبه البعيد، فإن أشغل من إلى جنبه عن استماعه، أو قراءته لم يقرأ.
(و
يستحب) للمأموم (أن يستفتح، ويستعيذ، فيما يجهر فيه الإمام إذا لم يسمعه)
لبعده، أو سكوته؛ لأن مقصود الاستفتاح والتعوذ لا يحصل باستماع قراءة الإمام، لعدم جهره به، بخلاف قراءة الإمام، وكالسرية.
فصل
(الأولى أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد شروع إمامه من غير تخلف) قاله ابن تميم وغيره. وقال في "المغني" و"الشرح" وابن رزين في "شرحه" وابن الجوزي في "المذهب" وغيرهم: يستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام مما كان فيه. اهـ. وذلك لحديث: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدُوا"
(1)
إذ الفاء للتعقيب (فلو سبق الإمام) المأموم (بالقراءة وركع الإمام تبعه) المأموم، لما تقدم (وقطعها) أي القراءة؛ لأنها في حقه مستحبة، والمتابعة واجبة، ولا تعارض بين واجب ومستحب (بخلاف التشهد) إذا سبق به الإمام وسلم (فـ) لا يتابعه المأموم بل يتمه (إذا سلم) إمامه، ثم يسلم لعموم الأوامر بالتشهد.
(وإن وافقه) أي وافق المأموم الإمام في الأفعال (كره) لمخالفة السنة (ولم تبطل) صلاته، سواء كانت في الركوع أو غيره. صحّحه في "الإنصاف"، وقال: وعليه أكثر الأصحاب.
(و) أما موافقة المأموم للإمام (في أقوالها) أي الصلاة، فـ (ــإن كبر) المأموم (للإحرام معه) أي مع إمامه (أو) كبر المأموم (قبل تماته) أي تمام إحرام إمامه (لم تنعقد) صلاته، عمدًا كان أو سهوًا؛ لأنه ائتم بمن لم تنعقد صلاته.
(وإن سلم) المأموم (معه، كره) لمخالفته السنة (وصحت) صلاته؛ لأنه اجتمع معه في الركن.
(1)
تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
(و) إن سلم (قبله عمدًا بلا عذر، تبطل) لأنه ترك فرض المتابعة متعمدًا، و (لا) تبطل إن سلم قبل إمامه (سهوًا، فيعيده) أي السلام (بعده) أي بعد سلام إمامه؛ لأنه لا يخرج من صلاته قبل إمامه (وإلا) وإن لم يعده بعده (بطلت) صلاته؛ لأنه ترك فرض المتابعة أيضًا.
(و
الأولى أن يسلم المأموم عقب فراغ الإمام من التسليمتين،
فإن سلم) المأموم (الأولى بعد سلام الإمام الأولى) وقبل سلامه الثانية (و) سلم المأموم (الثانية بعد سلامه) أي الإمام (الثانية، جاز) لأنه لا يخرج بذلك عن متابعة إمامه، إلا أن الأول أبلغ في المتابعة (لا إن سلم) المأموم (الثانية قبل سلام الإمام الثانية، حيث قلنا بوجوبها) فلا يجوز له؛ لتركه متابعة إمامه بلا عذر، كالأولى.
(ولا يكره) للمأموم (سبقه) أي الإمام (ولا موافقته) أي الإمام (بقول غيرهما) أي غير الإحرام والسلام، كالقراءة، والتسبيح، وسؤال المغفرة، والتشهد. قال في "الفروع": وفاقًا.
(ويحرم سبقه) أي سبق المأموم الإمام (بشيء من أفعالها، فإن ركع أو سجد، ونحوه) كأن رفع من ركوع أو سجود (قبل إمامه عمدًا، حرم) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّرَ فكبرُوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا"
(1)
، وقال البراء:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع صلى الله عليه وسلم ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده"
(2)
، وقال صلى الله عليه وسلم: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأسَ حمار،
(1)
تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
(2)
رواه البخاري في الأذان، باب 52، حديث 690، ومسلم في الصلاة، حديث 474 (198).
أو يجعل صورته صورة حمار"
(1)
. متفق عليهن.
(ولم تبطل) صلاته (إن رفع
(2)
ليأتي به) أي بما سبق به إمامه (معه، ويدركه فيه) أي فيما سبق به؛ لأنه سبق يسير، وقد اجتمع معه في الركن بعد، فحصلت المتابعة، والمراد من إتيانه به معه: أي عقبه، وإلا، فتقدم: تكره موافقته في الأفعال.
(فإن لم يفعل) أي يرجع ليأتي به مع إمامه (عالمًا عمدًا، بطلت صلاته) لأنه ترك الواجب عمدًا (وإن فعله) أي ركع أو سجد، ونحوه قبل إمامه (جهلًا أو سهوًا، ثم ذكره، لم تبطل) صلاته؛ لما تقدم من أنه سبق يسير. ولحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان"
(3)
(وعليه أن يرفع) يعني يرجع (ليأتي به) أي بما سبق به إمامه عن ركوع، أو سجود، ونحوه (معه) أي مع إمامه، أي عقبه ليكون مؤتمًا بإمامه (فإن لم يفعل عمدًا حتى أدركه إمامه فيه، بطلت) صلاته لما تقدم.
(وإن سبقه بركن فعلي، بأن ركع ورفع قبل ركوع إمامه، عالمًا عامدًا، بطلت) صلاته (نصًا)
(4)
لأنه سبقه بركن كامل، هو معظم الركعة، أشبه ما لو سبقه بالسلام، وللنهي.
(وإن كان) ركوعه، ورفعه قبل إمامه (جاهلًا، أو ناسيًا، بطلت تلك الركعة، إذا لم يأت بما فاته مع إمامه) لأنه لم يقتد بإمامه في الركوع، أشبه ما لو لم يدركه. وعلم منه صحة صلاته لحديث:"عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان"(3).
(1)
رواه البخاري في الأذان، باب 53، حديث 691، ومسلم في الصلاة، حديث 427، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
في "ح": "رجع".
(3)
تقدم تخريجه (2/ 115) تعليق رقم 1.
(4)
انظر كتاب الروايتين والوجهين (1/ 169)، والمغني (2/ 210).
(وإن سبقه) المأموم (بركنين، بأن ركع) المأموم (ورفع قبل ركوعه) أي الإمام (وهوى إلى السجود قبل رفعه عالمًا عامدًا، بطلت صلاته) لأنه لم يقتد بإمامه في أكثر الركعة (وصحت صلاة جاهل وناس) لما تقدم (وبطلت) تلك (الركعة) لما سبق. (قال جمع) منهم ابن تميم، وابن حمدان، وصاحب "الفروع":(ما لم يأت بذلك مع إمامه) وجزم به في "المنتهى"، ولا يعد سابقًا بركن حتى يتخلص منه، فإذا ركع ورفع فقد سبق بالركوع؛ لأنه تخلص منه بالرفع، ولا يكون سابقًا بالرفع؛ لأنه لم يتخلص منه، فإذا هوى إلى السجود فقد تخلص من القيام، وحصل السبق بركنين، ولا تبطل بسبق بركن غير ركوع، ذكره في "المنتهى"؛ لأنه الذي يدرك به المأموم الركعة، فتفوت بفواته، وظاهره: أن السبق بركنين يبطل الصلاة مع العمد مطلقًا.
(وإن تخلف) المأموم (عنه) أي عن إمامه (بركن بلا عذر) من نوم أو زحام، أو غفلة ونحوه (فكالسبق به) أي بركن، على ما سبق تفصيله.
(و) إن تخلف عنه بركن (لعذر) من نوم، أو غفلة، أو عجلة إمام، ونحوه (يفعله ويلحقه) وجوبًا؛ لأنه أمكنه استدراكه من غير محذور، فلزمه (وتصح الركعة) فيعتد بها (وإلا) أي وإن لم يفعل ما فاته مع إمامه ويلحقه لعدم تمكنه من فعل ذلك (فلا) تصح الركعة، بل تلغى لفوات ركنها.
(وإن تخلف) المأموم (عنه بركعة فأكثر؛ لعذر من نوم، أو غفلة، ونحوه) كزحام (تابعه) فيما بقي من صلاته (وقضى) المأموم ما تخلف به (بعد سلام إمامه جمعة) كانت (أو غيرها، كمسبوق) قال أحمد
(1)
، في رجل نعس خلف الإمام حتى صلى ركعتين؟ قال: كأنه أدرك ركعتين، فإذا سلم الإمام قضى ركعتين.
(1)
مسائل أبي داود ص/ 51.
قلت: والمقضي هنا ليس أول صلاته دائمًا، بل حكمه حكم ما فاته من صلاته معه.
(وإن تخلف) المأموم (بركنين) لغير عذر (بطلت) صلاته، لتركه متابعة الإمام بلا عذر. (و) إن كان تخلفه بالركنين فأكثر (لعذر، كنوم، وسهو، وزحام، إن أمن فوت الركعة الثانية، أتى بما تركه وتبعه) لتمكنه من استدراكه بلا محذور (وصحت ركعته) فيتم عليها (وإلا) بأن لم يأمن فوت الثانية إن أتى بما تركه (تبعه) لأن استدراكه الفائتة إذن يؤدي إلى فوت ركعة غيرها، فيتركه محافظة على متابعة إمامه (ولغت ركعته، والتي تليها عوضها) فيبني عليها.
(ولو زال عذر من أدرك ركوع الأولى، وقد رفع إمامه من ركوع الثانية، تابعه في السجود، فتتم له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه، يدرك بها الجمعة) فيأتي بعدها بركعة، فتتم جمعته. ولم نقل بالتلفيق فيمن نسي أربع سجدات من أربع ركعات؛ لتحصل الموالاة بين ركوع وسجود معتبر. وإن ظن تحريم متابعته فسجد جهلًا، اعتد به، ولو أتى بما تخلف به، وأدرك إمامه في ركوع الثاني، تبعه، وتمت جمعته، وبعد رفعه منه، تبعه، وقضى كمسبوق.
(و
يسن للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها)
لحديث أبي هريرة يرفعه: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفّفْ، فإن فيهم السقيم، والضعيف، وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطوِّلْ ما شاء" رواه الجماعة
(1)
.
وعن أبي مسعود عقبة بن عامر قال: "جاء رجل إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخرُ عن صلاةِ الصبحِ من أجل فلان، مما يطيل بنا. قال: فما رأيت النَّبيَّ
(1)
البخاري في الأذان، باب 62، حديث 703، ومسلم في الصلاة، حديث 467، وأبو داود في الصلاة، باب 127، حديث 794، 795، والترمذي في الصلاة، باب 61، حديث 236، والنسائي في الإمامة، باب 35، حديث 822، وأحمد (2/ 271، 486، 502) ولم نقف عليه في مظانه من سنن ابن ماجه.
- صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط، أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم بالناس فليوجِزْ، فإن فيهم الضعيفَ، والكبير، وذا الحاجة" متفق عليه
(1)
.
قال في "المبدع": ومعناه: أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح، وسائر أجزاء الصلاة.
(إذا لم يؤثر مأموم التطويل، فإن آثرو) هـ (كلهم، استحب) لزوال علة الكراهة وهي التنفير. قال في "المبدع": وعددهم منحصر، وهو عام في كل الصلوات، مع أنه سبق أنه يقرأ في الفجر بطوال المفصل.
(و)
يسن للإمام (أن يرتل القراءة، والتسبيح، والتشهد، بقدر ما يرى أن من خلفه ممن يثقل لسانه قد أتى به،
وأن يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يرى أن الكبير والصغير والثقيل قد أتى عليه) ليتمكن كل من المأمومين من متابعته من غير إخلال بسنة.
(ويسن له) أي للإمام (إذا عرض في الصلاة عارض لبعض المأمومين يقتضي خروجه) من الصلاة (أن يخفف، كما إذا سمع بكاء صبي، ونحو ذلك) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبيِّ، فأتجوز فيها مخافة أن أشقَّ على أمه" رواه أبو داود
(2)
.
(و
تكره) للإمام (سرعة تمنع مأمومًا فعل ما يسن)
له، كقراءة السورة، والمرة الثانية والثالثة من تسبيح الركوع والسجود، ورب اغفر لي بين السجدتين، وإتمام ما يسن في التشهد الأخير، لما في ذلك من تفويت المأموم ما يستحب له فعله.
(1)
البخاري في الأذان، باب 63، حديث 704، ومسلم في الصلاة، حديث 466.
(2)
في الصلاة، باب 126، حديث 789، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، وأخرجه - أيضًا - البخاري في الأذان، باب 65، 163، حديث 707، 868.
وقال الشيخ تقي الدين
(1)
: يلزمه مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه. وقال: ليس له أن يزيد على القدر المشروع، وأنه ينبغي أن يفعل غالبًا ما كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعله غالبًا، ويزيد وينقص للمصلحة، كما كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يزيد وينقص أحيانًا.
(ويسن تطويل قراءة الركعة الأولى أكثر من) قراءة الركعة (الثانية) لما روى أبو قتادة قال: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يطول في الركعة الأولى" متفق عليه
(2)
. وقال أبو سعيد: "كانت صلاة الظهر تُقام، فيذهب الذاهبُ إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي، والنَّبي - صلى الله عليه سلم - في الركعةِ الأولى مما يطوّلها" رواه مسلم
(3)
. وليلحقه القاصد إليها لئلا يفوته من الجماعة شيء (فإن عكس) أي طول الثانية عن الأولى (فنصه
(4)
: يجزئه، وينبغي أن لا يفعل) لمخالفته السنة.
(وذلك) أي تطويل قراءة الركعة الأولى عن الثانية (في كل صلاة) ثنائية كانت، أو ثلاثية، أو رباعية (إلا في صلاة خوف في الوجه الثاني، كما يأتي) في صلاة الخوف (فالثانية أطول) من الأولى، لتتم الطائفة الأولى صلاتها، ثم تذهب لتحرس، ثم تأتي الأخرى فتدخل معه (و) إلا في (صلاة جمعة إذا قرأ بسبح، والغاشية) لوروده (ولعل المراد: لا أثر لتفاوت يسير) قاله في "الفروع" أي إذا كانت الثانية أطول من الأولى بيسير، لا كراهة لما تقدم في سبح، والغاشية.
(وإن أحس) الإمام (بداخل وهو) أي الإمام (في ركوع أو غيره، ولو)
(1)
الاختيارات الفقهية ص/ 105، 106.
(2)
البخاري في الأذان، باب 96، حديث 759، ومسلم في الصلاة، حديث 451.
(3)
في الصلاة، حديث 454.
(4)
مسائل عبد الله (2/ 251) رقم 343.
كان الداخل (من ذوي الهيئات، وكانت الجماعة كثيرة، كره) للإمام (انتظاره؛ لأنه) أي الحال والشأن (يبعد أن لا يكون فيهم من يشق عليه) ذلك. زاد جماعة: أو طال ذلك.
(وكذلك إن كانت الجماعة يسيرة، والانتظار يشق عليهم أو على بعضهم) فيكره؛ لأن حرمة المأموم الذي معه في الصلاة أعظم من حرمة من يريد الدخول، فلا يشق على من معه لنفع الداخل (وإن لم يكن كذلك) بأن كانت الجماعة يسيرة، ولا يشق الانتظار عليهم، ولا على بعضهم (استحب انتظاره) للداخل في الركوع أو غيره؛ لأن الانتظار ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف لإدراك الجماعة، وذلك موجود هنا، ولحديث ابن أبي أوفى
(1)
المتقدم
(2)
، ولأن ذلك تحصيل مصلحة بلا مضرة، فكان مستحبًا، كرفع الصوت بتكبيرة الإحرام.
(وإن استأذنت امرأة ولو أمة إلى المسجد ليلًا أو نهارًا، كره لزوج وسيد منعها إذا خرجت تفلة، غير مزينة ولا مطيبة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجدَ الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلاتٍ" رواه
(1)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 129، حديث 802، وأحمد (4/ 356)، والبزار في مسنده (8/ 302 - 303) حديث 3376، والبيهقي (2/ 66)، بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم.
قال النووي في الخلاصة (2/ 689): رواه الإمام أحمد، وأبو داود، عن رجل لم يسم عن ابن أبي أوفى. وقال في المجموع (4/ 114): وقد سمى بعض الرواة هذا الرجل: طرفة الحضرمي، والحديث ضعيف. وانظر العلل لابن أبي حاتم 448، والتلخيص الحبير (2/ 28 - 29).
(2)
لم يسبق ذكر لحديث ابن أبي أوفى رضي الله عنهما، في كلام المؤلف، فليلاحظ.
أحمد، وأبو داود
(1)
(إلا أن يخشى) بخروجها إلى المسجد (فتنة أو ضررًا) فيمنعها منه، درءًا للمفسدة (وكذا أب مع ابنته) إذا استأذنته في الخروج للمسجد، كره له منعها إلا أن يخشى فتنة أو ضررًا (وله) أي الأب (منعها من الانفراد) عنه؛ فإنه لا يؤمن دخول من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها.
(1)
أحمد (2/ 438، 475، 528)، وأبو داود في الصلاة، باب 53، حديث 565، عن أبي هريرة رضي الله عنه، دون قوله:"وبيوتهن خير لهن" ورواه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (4/ 79)، والشافعي (ترتيب مسنده 1/ 102)، وعبد الرزاق (3/ 151) حديث 5121، والحميدي (978)، وابن أبي شيبة (2/ 383)، والدارمي في الصلاة، باب 57، حديث 1282، 1283، وابن الجارود (332)، وأبو يعلى (10/ 321، 340) حديث 5915، 5933، وابن خزيمة (3/ 90) حديث 1679، وابن حبان "الإحسان"(5/ 592) حديث 2214، والبيهقي (3/ 134)، والبغوي (3/ 438) حديث 860.
قال النووي في المجموع (4/ 83): رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال في الخلاصة (2/ 678) رقم 2353: رواه أبو داود بإسناد الصحيحين. وصححه البغوي.
وله شاهد من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه، رواه أحمد (5/ 192، 193)، والبزار (9/ 230، 231) حديث 3772، وابن حبان "الإحسان"(5/ 589) حديث 2211، والطبراني في الكبير (5/ 248) حديث 5239، 5240. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 33): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن. ولفظ: "وبيوتهن خير لهن": رواه أبو داود في الصلاة، باب 53، حديث 567، وأحمد (2/ 76، 77)، وابن خزيمة (3/ 92) حديث 1684، والحاكم (1/ 209)، والبيهقي (3/ 131)، والبغوي في شرح السنة (3/ 441) حديث 864، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال النووي في المجموع (4/ 82)، وفى الخلاصة (2/ 678): إسناده صحيح على شرط البخاري. وانظر ما تقدم (3/ 148) تعليق رقم 4.
قال أحمد
(1)
: والزوج أملك من الأب (فإن لم يكن أب، فأولياؤها المحارم) لقيامهم مقامة استصحابًا للحضانة. قال في "الفروع": وعلى هذا في رجال ذوي الأرحام، كالخال، أو الحاكم الخلاف في الحضانة. ويتوجه إن علم أنه لا مانع ولا ضرر، حرم المنع على ولي، أو على غير أب (ويأتي في الحضانة.
وتنهى المرأة عن تطيبها لحضور مسجد أو غيره) لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "وليخرجن تفلاتٍ"
(2)
والأمر بالشيء نهي عن ضده (فإن فعلت) أي تطيبت للخروج (كره كراهة التحريم) قال في "الفروع": وذكر جماعة: يكره تطيبها لحضور مسجد وغيره، وتحريمه أظهر. اهـ. فقد جمع بين القولين.
(ولا تبدي زينتها) أي تظهرها (إلا لمن في الآية) وهي قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ. . .} الآية
(3)
(قال) الإمام (أحمد) في رواية أبي طالب
(4)
: (ظفرها عورة) كسائر بدنها، (فإذا خرجت فلا تبين شيئًا ولا خفها فإنه يصف القدم) أي حجمه (وأحب إليَّ أن تجعل لكمها زرًا عند يدها) واختار القاضي قول من قال: المراد بما ظهر من الزينة: الثياب، لقول ابن مسعود
(5)
وغيره، لا قول من فسر ببعض الحلي أو ببعضها، فإنها الخفية. ونص أحمد
(6)
: الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر.
(1)
انظر: الفروع (1/ 602)، والإنصاف (4/ 335).
(2)
تقدم تخريجه آنفًا.
(3)
سورة النور، الآية:31.
(4)
أحكام النساء للإمام أحمد ص/ 31 رقم 81.
(5)
رواه ابن أبي شيبة (4/ 284)، والطبري في تفسيره (18/ 117)، والحاكم (2/ 397). وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(6)
أحكام النساء للإمام أحمد ص/ 30 رقم 79.
وعن ابن عباس مرفوعًا: إلا ما ظهر منها: الوجه وباطن الكف
(1)
.
(وصلاتها) أي المرأة (في بيتها أفضل) للخبر المتقدم
(2)
. وظاهره: حتى من مسجد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، لما روى أحمد، وحسنه في "الفروع"، عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي، أنها جاءت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك. قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خيرٌ من صلاتك في دارك
(3)
، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي. قال: فأمرت فبني لها مسجدٌ في أقصى
(4)
بيت من بيتها، فكانت تصلي فيه، حتى لقيت الله عز وجل"
(5)
.
(والجن مكلفون) في الجملة إجماعًا
(6)
؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
(7)
(يدخل كافرهم النار) إجماعًا (و) يدخل (مؤمنهم الجنة) خلافًا لأبي حنيفة
(8)
في أنه يصير ترابًا. وأن ثوابه النجاة من
(1)
انظر (2/ 130) تعليق رقم 2.
(2)
(3/ 177 - 178) تعليق رقم 1.
(3)
في "مسند أحمد"، و"صحيح ابن خزيمة" زيادة:"وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك".
(4)
لفظ أحمد، وابن خزيمة:"في أقصى شيء من بيتها وأظْلَمِه".
(5)
رواه أحمد (6/ 371)، وقد تقدم تخريجه (3/ 149)، تعليق رقم 4، فقرة ج.
(6)
انظر: غرائب وعجائب الجن (آكام المرجان في أحكام الجان) للشبلي ص/ 62 والملل والنحل لابن حزم (4/ 28)، وعمدة القارئ وشرح صحيح البخاري (15/ 184)، وفتح الباري (6/ 344)، ولقط المرجان في أحكام الجان للسيوطي ص/ 71، 72.
(7)
سورة الذاريات، الآية:56.
(8)
هذا أحد الأقوال المروية عن الإمام أبي حنيفة، ويروى عنه أنهم من أهل الجنة ولا ثواب لهم، وعنه قول ثالث: وهو التوقف في المسألة، وهو أكثر الروايات =
النار كالبهائم، وهم فيها على قدر ثوابهم خلافًا لمن قال: لا يأكلون ولا يشربون فيها
(1)
، أو أنهم في ربض الجنة
(2)
، أي ما حولها. قال في "المنتهى" و"شرحه": وتنعقد بهم الجماعة لا الجمعة (قال الشيخ
(3)
: ونراهم) أي الجن (فيها) أي الجنة (ولا يرونا)
(4)
فيها عكس ما في الدنيا.
(وليس منهم رسول) وأما قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ}
(5)
فهي كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}
(6)
وإنما يخرجان من أحدهما، وكقوله:{وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا}
(7)
وإنما هو في سماء واحدة. قال ابن حامد: الجن كالإنس في التكليف والعبادات. قال: ومذاهب العلماء إخراج الملائكة من التكليف، والوعد، والوعيد. وقال الشيخ تقي الدين
(8)
: ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا
= عنه. يراجع: الأشباه والنظائر لابن نجيم مع شرحه للحموي (2/ 181، 185)، والملل والنحل لابن حزم (4/ 28).
(1)
وهو مجاهد. "ش".
(2)
وممن قال بهذا القول: سهل بن عبد الله، كما ذكره العلامة ابن القيم في طريق الهجرتين ص/ 724، وعمر بن عبد العزيز، كما ذكره ابن نجيم في الأشباه ص/ 330. قال الشبلي:(وهذا القول مأثور عن مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، حكاه ابن تيمية في جواب ابن مري. وهو خلاف ما حكاه ابن حزم عن أبي يوسف). اهـ. انظر غرائب وعجائب الجن ص/ 92. وفتح الباري (6/ 346).
(3)
في مجموع الفتاوى (4/ 233): (وروي في حديث رواه الطبراني: أنهم يكونون في ربض الجنة، يراهم الإنس من حيث لا يرونهم).
(4)
وذكره الحارث المحاسبي. "ش". وانظر غرائب وعجائب الجن ص/ 92.
(5)
سورة الأنعام، الآية:130.
(6)
سورة الرحمن، الآية:22.
(7)
سورة نوح، الآية:16.
(8)
الاختيارات الفقهية ص/ 106.
به وما نهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد والحقيقة. لكنهم شاركوهم في جنس التكليف بالأمر، والنهي، والتحليل، والتحريم، بلا نزاع أعلمه بين العلماء. اهـ.
ويقبل قولهم أن ما بيدهم ملكهم مع إسلامهم فتصح معاملتهم، ولا دليل على المنع منه، ويجري التوارث بينهم، وكافرهم كالحربي يجوز قتله إن لم يسلم، ويحرم عليهم ظلم الآدميين، وظلم بعضهم بعضًا، وتحل ذبيحتهم، وبولهم وقيؤهم طاهران.
وأما ما يذبحه الآدمي لئلا يصيبه أذى من الجن فمنهي عنه.
و
المشهور أن للجن قدرة على النفوذ في بواطن البشر،
لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم"
(1)
. وكان الشيخ تقي الدين
(2)
إذا أتي بالمصروع وعظ من صرعه، وأمره ونهاه، فإن انتهى وفارق
(3)
المصروع أخذ عليه العهد أن لا يعود، وإن لم يأتمر ولم ينته ولم يفارقه، ضربه حتى يفارقه. والضرب في الظاهر يقع على المصروع، وإنما يقع في الحقيقة على من صرعه؛ ولهذا يتألم من صرعه به، ويصيح.
ويخبر المصروع إذا أفاق بأنه لم يشعر بشيء من ذلك.
قال في "الفروع": وأظن أني رأيت عن الإمام أحمد مثل فعل شيخنا،
(1)
أخرجه البخاري في الاعتكاف، باب 11، 12، حديث 2038، 2039، وفي بدء الخلق، باب 11، حديث 3281، وفي الأحكام، باب 21، حديث 7171، ومسلم في السلام، حديث 2175، من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.
(2)
الاختيارات الفقهية ص/ 106.
(3)
في الاختيارات الفقهية: "وأفاق".
وإلا فقد ثبت
(1)
أنه أرسل إلى من صرعه، ففارقه، وأنه عاود بعد موت أحمد، فذهب أبو بكر المروذي بنعل أحمد، وقال له: فلم يفارقه. ولم ينقل أن المروذي ضربه
(2)
؛ فامتناعه لا يدل على عدم جوازه
(3)
.
(1)
كذا في الأصول: "وإلا فقد ثبت"، وفي الفروع (1/ 607):"والأثبت عن أحمد أنه أرسل إلى مصروع، ففارقه".
(2)
في الفروع بعد "ضربه" زيادة: "ليذهب".
(3)
انظر طبقات الحنابلة (1/ 233).
فصل في الإمامة
(الأولى بالإمامة الأجود قراءة الأفقه) لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إذا كان ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامةِ أقرؤهم" رواه مسلم
(1)
. وعن ابن عباس مرفوعًا: "ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم"
(2)
رواه أبو داود
(3)
.
(ثم الأجود قراءة الفقيه، ثم الأقرأ) جودة، وإن لم يكن فقيهًا، لما تقدم. وأما تقديم النَّبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر حيث قال:"مروا أبا بكر فليصل بالناس"
(4)
مع أن غيره في ذلك الزمن كان أقرأ منه وأحفظ، كأُبَيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل،
(1)
في المساجد، حديث 672.
(2)
لفظ أبي داود: "قراؤكم".
(3)
في الصلاة، باب 61، حديث 590. وأخرجه - أيضًا - ابن ماجه في الأذان، باب 5، حديث 726، وأبو يعلى (4/ 232) حديث 2343، والطبراني في الكبير (11/ 237) حديث 11603، وابن عدي (2/ 766) في ترجمة الحسين بن عيسى، والبيهقي (1/ 426)، والبغوي (3/ 399) حديث 837.
وقال ابن عدي: وللحسين بن عيسى غير ما ذكرت من الحديث شيء قليل، وعامة حديثه غرائب، وفي بعض حديثه مناكير. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود (1/ 307): وفي إسناده الحسين بن عيسى الحنفي الكوفي، وقد تكلم فيه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وذكر الدارقطني: أن الحسين بن عيسى تفرد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان. وقال النووي في المجموع (3/ 98): رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي بإسناد فيه ضعف.
(4)
تقدم تخريجه (2/ 288) تعليق رقم 2.
وزيد بن ثابت
(1)
، فأجاب أحمد عنه
(2)
: بأنه إنما قدمه على من هو أقرأ لتفهم الصحابة من تقديمه في الإمامة الصغرى استحقاقه للإمامة الكبرى، وتقديمه فيها على غيره. وقال الطبري
(3)
: لما استخلف صلى الله عليه وسلم أبا بكر بعد قوله: "يؤم القوم أقرؤهم"
(4)
صح أن أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم؛ لأنهم لم يكونوا يتعلمون شيئًا من القرآن حتى يتعلموا معانيه وما يراد به، كما قال ابن مسعود:"كان الرجل منا إذا علم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن"
(5)
وإنما قدم الأجود قراءة على الأكثر قرآنًا؛ لأن المجود لقراءته أعظم أجرًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرفٍ عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه
(1)
روى البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب 26، 27، حديث 3758، 3760، وفي مناقب الأنصار، باب 14، 16، حديث 3806، 3808، وفي فضائل القرآن، باب 8، حديث 4999، ومسلم في فضائل الصحابة، حديث 2464، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة"، هذا لفظ مسلم.
وروى البخاري - أيضًا - في مناقب الأنصار، باب 17، حديث 3810، وفي فضائل القرآن، باب 8، حديث 5003 و 5004، ومسلم في فضائل الصحابة، حديث 2465، عن أنس رضي الله عنه قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
(2)
انظر المغني (3/ 14)، وفتح الباري لابن رجب (6/ 115).
(3)
لم نقف عليه في مظانه من كتبه المطبوعة وانظر البداية والنهاية لابن كثير (5/ 265).
(4)
رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث 673، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.
(5)
رواه ابن جرير في تفسيره (1/ 35).
فله بكل حرفٍ حسنة" رواه الترمذي
(1)
وقال: حسن صحيح. وقال أبو بكر، وعمر
(2)
: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه".
(ثم) إن استويا في الجودة أو عدمها، فالأولى بالإمامة (الأكثر قرآنًا الأفقه، ثم الأكثر قرآنًا الفقيه، ثم) إن استويا في القراءة فـ (ــالقارئ الأفقه، ثم القارئ الفقيه، ثم القارئ العارف فقه صلاته، ثم الأفقه) والأعلم بأحكام الصلاة، وإن كان أميًا، إذا كانوا كلهم كذلك، لحديث أبي مسعود البدري قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يؤم القوم أقرؤهم لكتابِ الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرةً،
(1)
لم نجده في سنن الترمذي بهذا اللفظ، وإنما رواه في كتاب فضائل القرآن، باب 16، حديث 2910 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بلفظ: من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف. ورواه الطبراني في الأوسط (8/ 282) حديث 7570 بلفظ: أعربوا القرآن، فإنه من قرأ القرآن، فآمن به، فله بكل حرف عشر حسنات، وكفارة عشر سيئات، ورفع عشر درجات. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 163): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نهشل، وهو متروك.
(2)
أخرجه عنهما ابن الأنباري في كتاب إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل (1/ 20) رقم 16، وذكره القرطبي في مقدمة تفسيره (1/ 23). وقد روي عن كل منهما رواية في هذا المعنى: فعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: "لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية". أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ومعالمه وآدابه (2/ 177) رقم 757، وابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء (1/ 22 - 23) برقم 22، والغافقي في لمحات الأنوار ونغمات الأزهار، روي الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن (1/ 301) رقم 381.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إعراب القرآن أحب إلي من إقامة بعض حروفه". أخرجه الغافقي في كتابه المذكور (1/ 301) رقم 379.
فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سنًا، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانِهِ، ولا يقعد في بيتِهِ على تكرمته إلا بإذنه" رواه مسلم
(1)
.
(ومن شرط تقديم الأقرأ: أن يكون عالمًا فقه صلاته) وما يحتاجه فيها؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لا يؤمن أن يخل بشيء مما يعتبر فيها (حافظًا للفاتحة) لأن الأمي لا تصح إمامته إلا بمثله (ولو كان أحد الفقيهين) المستويين في القراءة (أفقه أو أعلم بأحكام الصلاة، قدم) لأن علمه يؤثر في تكميل الصلاة.
(ويقدم قارئ لا يعلم فقه صلاته على فقيه أمي) لا يحسن الفاتحة؛ لأنها ركن في الصلاة، بخلاف معرفة أحكامها.
(ثم) إن استويا في القراءة والفقه يقدم (الأسن) لقوله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكمْ أكبرُكم" متفق عليه
(2)
. ولأنه أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء.
(ثم) إن استووا فيما تقدم، فالأولى (الأشرف، وهو من كان قرشيًا) إلحاقًا للإمامة الصغرى بالكبرى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش"
(3)
وقوله:
(1)
في المساجد، حديث 673.
(2)
تقدم تخريجه (2/ 36)، تعليق رقم 3.
(3)
ورد من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم:
أ - أنس بن مالك رضي الله عنه رواه البخاري في التاريخ الكبير (2/ 113)، والنسائي في الكبرى (3/ 467) حديث 5942، والطيالسي ص/ 284 حديث 2133، وابن أبي شيبة (12/ 169، 170)، وأحمد (3/ 129، 183)، وابن أبي عاصم في "السنة"(2/ 531) حديث 1120، وأبو يعلى (6/ 321) حديث 3644، (7/ 94، 95) حديث 4032، 4033، وابن عدي (1/ 246)، والدولابي في الكنى والأسماء (1/ 106)، والطبراني في الدعاء (3/ 1746) حديث 2121، 2122، والحاكم (4/ 501)، والبيهقي (3/ 121، 8/ 143، 144)، وأبو عمرو =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الداني في السنن الواردة في الفتن (2/ 495) حديث 201، وأبو نعيم في "الحلية"(3/ 171)، (8/ 122)، والضياء في الأحاديث المختارة (4/ 403) حديث 1576.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وأقره الذهبي. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (3/ 106): رواه أحمد بإسناد جيد. وقال أبو نعيم: هذا حديث مشهور ثابت من حديث أنس. وانظر بيان الوهم والإيهام لابن القطان (4/ 359)، والمنتخب من علل الخلال ص/ 159.
ب - أبو برزة رضي الله عنه رواه البخاري في التاريخ الصغير (1/ 165)، والطيالسي ص/ 125 حديث 926، وأحمد (4/ 421، 424)، وابن أبي عاصم في السنة (2/ 532، 533) حديث 1125، والبزار "كشف الأستار"(2/ 230) حديث 1583، وأبو يعلى (6/ 323) حديث 3745.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 193): رواه أحمد وأبو يعلى - أتم منه وفيه قصة -، والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح خلا سكين بن عبد العزيز وهو ثقة. وحسن إسناده الحافظ في التلخيص الحبير (4/ 42).
ج - علي رضي الله عنه رواه البزار "كشف الأستار"(2/ 227) حديث 1575، وابن الأعرابي في معجمه (3/ 1076، 1077) حديث 2320، والطبراني في الأوسط (4/ 313) حديث 3545، والصغير (1/ 152)، والحاكم (4/ 75، 76)، وأبو نعيم في الحلية (7/ 242)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (2/ 505) حديث 203، والبيهقي (8/ 143)، وأبو القاسم المهرواني في الفوائد المنتخبة ص/ 180 حديث 100. عن علي رضي الله عنه مرفوعًا.
ورواه ابن أبي شيبة (12/ 172)، وأبو عمرو الداني (2/ 507) حديث 204 موقوفًا على علي رضي الله عنه.
وللحديث شواهد. انظر السنة لابن أبي عاصم (2/ 527 - 534).
قال الحافظ في التلخيص الحبير (4/ 42): وقد جمعت طرقه في جزء مفرد عن نحو من أربعين صحابيًا، وكذا قال في الفتح (7/ 32)، وانظر أيضًا علل الدارقطني (3/ 198 - 199) حديث 359، وفتح الباري لابن رجب (13/ 114)، وجامع العلوم والحكم (2/ 119).
"قدموا قريشًا ولا تقدمُوها"
(1)
والشرف يكون بعلو النسب (فيقدم منهم بنو هاشم) لقربهم من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (على من سواهم) كبني عبد شمس ونوفل.
(1)
روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، منهم:
أ - علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه البزار في مسنده (2/ 112) حديث 465، وفي سنده عدي بن الفضل التيمي، قال عنه الحافظ في التقريب (4576): متروك. وشيخه أبو بكر بن أبي جهمة، لم نقف على ترجمته.
والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 25)، وقال: رواه الطبراني، وفيه أبو معشر، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح.
ولم نقف عليه في المطبوع من المعجم الكبير. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (4/ 512 مع الفيض) رقم 6110 وعزاه إلى البزار، ورمز لصحته.
ورواه أبو نعيم في الحلية (9/ 64) بلفظ: لا تقدموا قريشًا، فتهلكوا، ولا تخلفوا عنها فتضلوا.
ب - جبير بن مطعم رضي الله عنه، رواه ابن أبي عاصم في السنة (2/ 637) حديث 1521، بلفظ: لا تقدموا قريشًا فتهلكوا، ولا تخلفوا عنها فتضلوا. وفي سنده إبراهيم بن محمد بن ثابت، قال عنه الذهبي في الميزان (1/ 56): ذو مناكير.
ج - عبد الله بن السائب رضي الله عنه، رواه ابن أبي عاصم في السنة (2/ 637) حديث 1519. وفي سنده أبو معشر، قال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 36): وأبو معشر ضعيف.
وذكره السيوطي في الجامع الصغير (4/ 512) رقم 6109، وعزاه إلى الطبراني، ورمز لصحته.
ولم يطبع مسند عبد الله بن السائب من المعجم الكبير حتى الآن، وهو في جامع المسانيد والسنن (8/ 21) رقم 5603 من طريق الطبراني.
د - عتبة بن غزوان رضي الله عنه، رواه ابن أبي عاصم في السنة (2/ 637) حديث 1520، وفي سنده عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله الليثي، قال عنه الحافظ في التقريب (3467): ضعيف واختلط بآخره.
هـ - أنس رضي الله عنه، رواه أبو نعيم في الحلية (9/ 64)، وفي سنده محمد بن =
(ثم الأقدم هجرة بسبقه إلى دار الإسلام مسلمًا) وعلم منه: بقاء حكم الهجرة. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح"
(1)
فالمعنى: لا هجرة من مكة بعد أن صارت دار إسلام.
(ومثله السبق بالإسلام) فيقدم السابق به على غيره إذا استويا في عدم الهجرة كما لو أسلما بدار إسلام؛ لأن في بعض ألفاظ حديث أبي مسعود: "فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا"
(2)
(3)
؛ ولأنه قربة وطاعة كالهجرة.
= سليمان بن مشمول المخزومي، وهو ضعيف، ومحمد بن يونس الكديمي، وهو متهم بالوضع. انظر ديوان الضعفاء والمتروكين للذهبي رقم 3747، 4053.
و - عبد الله بن حنطب رضي الله عنه، رواه أحمد في فضائل الصحابة (2/ 622) حديث 1066 وفي سنده محمد بن سليمان بن مشمول، والكديمي، وقد تقدم الكلام عليهما.
ز - أبو هريرة رضي الله عنه، رواه ابن عدي في الكامل (5/ 1810) في ترجمة عثمان بن عبد الرحمن الجمحي، وقال فيه: منكر الحديث.
وقد روي مرسلًا: رواه الشافعي (ترتيب مسنده 2/ 194)، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن وغوائلها (2/ 508) حديث 206، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (1/ 154، 4/ 211) حديث 217، 5912، عن الزهري.
ورواه عبد الرزاق (11/ 54) حديث 19893، وابن أبي شيبة (12/ 168) حديث 12436، وابن أبي عاصم في السنة (2/ 637) حديث 1521، والبيهقي (3/ 121) عن ابن أبي حثمة، وقال البيهقي: هذا مرسل، وروي موصولًا وليس بالقوي. وقال في مناقب الشافعي (1/ 21): وهو مرسل جيد.
قال المناوي في فيض القدير (4/ 512): وقال الحافظ ابن حجر: خرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، لكنه مرسل، وله شواهد.
(1)
أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب 1، 27، حديث 2783، 2825 عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه مسلم في الإمارة، حديث 1864، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
في "ح"، و"ذ" زيادة:"أي إسلامًا".
(3)
تقدم تخريجه (3/ 187) تعليق رقم 1.
(ثم الأتقى والأورع) لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
(1)
فيقدم على الأعمر للمسجد؛ لأن مقصود الصلاة هو الخضوع، ورجاء إجابة الدعاء، والأتقى والأورع أقرب إلى ذلك. قال القشيري في رسالته
(2)
: الورع اجتناب الشبهات. زاد القاضي عياض في "المشارق": خوفًا من الله تعالى. وتقدم الكلام على التقوى والزهد في الخطبة.
قال ابن القيم
(3)
: الفرق بين الزهد والورع: إن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.
(ثم) إن استووا في ذلك يقدم (من يختاره الجيران المصلون، أو كان أعمر للمسجد) هذه طريقة لبعض الأصحاب، منهم صاحب "الفصول" و"الشارح"، و"المذهب"، كما في "المقنع" و"المنتهى" وغيرهما: يقرع.
(ثم قرعة) مع التشاح؛ لأن سعدًا أقرع بين الناس يوم القادسية في تقدم الأذان
(4)
. والإمامة أولى؛ ولأنهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع، فأقرع بينهم كسائر الحقوق.
(فإن تقدم المفضول) على الفاضل بلا إذنه (جاز) أي صحت إمامته (وكره) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أم الرجل القومَ وفيهم من هو خيرٌ منه لم يزالوا في سفال"
(5)
ذكره الإمام أحمد في "رسالته"
(6)
.
(1)
سورة الحجرات، الآية:13.
(2)
ص/ 58.
(3)
الفوائد ص/ 215.
(4)
تقدم تخريجه (2/ 46) تعليق رقم 2.
(5)
رواه العقيلي في الضعفاء (4/ 355) في ترجمة الهيثم بن غلاب، وابن عدي (2/ 789)، في ترجمة حفص بن سليمان بن حفص الغاضري، والطبراني في الأوسط (5/ 294) حديث 4579 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال العقيلي: الهيثم بن غلاب كوفي مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به.
(6)
الرسالة السنية ص/ 13.
(وإذا أذن الأفضل، للمفضول لم يكره) أن يتقدم (نصًا) لأن الحق في التقدم له، وقد أسقطه.
(ولا بأس أن يؤم الرجل أباه
بلا كراهة) إذا كان بإذنه، أو فيه مزية يقدم بها عليه، كما تقدم الصديق على أبيه أبي قحافة
(1)
.
(وصاحب البيت، وإمام المسجد ولو عبدًا، ولا تكره إمامته) أي العبد، إذا كان إمام مسجد، أو صاحب بيت (بالأحرار) جزم به غير واحد؛ لأن ابن مسعود، وحذيفة، وأبا ذر صلوا خلف أبي سعيد مولى أبي أسيد، وهو عبد، رواه صالح في "مسائله"
(2)
(أحق بإمامة مسجده وبيته من الكل) ممن تقدم (إذا كان) إمام المسجد أو صاحب البيت (ممن تصح إمامته، وإن كان غيرهما أفضل منهما) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لما روي أن ابن عمر "أتى أرضًا له عندها مسجدٌ يصلي في مولى له، فصلى ابن عمر معهم، فسألوه أن يؤمهم فأبى، وقال: صاحب المسجد أحق"
(3)
. ولأن في تقديم غيره افتياتًا عليه وكسرًا لقلبه (فيحرم تقديم غيرهما عليهما بدون إذن) لأنه افتيات عليهما (ولهما تقديم غيرهما، ولا يكره) لهما أن يقدما غيرهما؛ لأن الحق
(1)
رواه عبد الرزاق (2/ 398) رقم 3844، وابن المنذر في الأوسط (4/ 164) رقم 1952.
(2)
مسائل صالح (2/ 303 - 304) رقم 923. ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (2/ 393) رقم 3822، وابن أبي شيبة (2/ 217)، وابن حبان في الثقات (5/ 588، 589)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 156) رقم 1946، والبيهقي (3/ 126) وفي معرفة السنن والآثار (4/ 217).
(3)
رواه الشافعي (1/ 108 ترتيب مسنده)، والبيهقي في السنن الكبرى (3/ 126) وفي معرفة السنن والآثار (4/ 219) رقم 5937 بنحوه.
قال النووي في المجموع (4/ 161)، وفي الخلاصة (2/ 701) رقم 2450: رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح.
لهما (بل يستحب) تقديمهما لغيرهما (إن كان أفضل منهما) مراعاة لحق الفضل.
(ويقدم عليهما) أي على صاحب البيت وإمام المسجد (ذو سلطان، وهو الإمام الأعظم، ثم نوابه كالقاضي، وكل ذي سلطان أولى من) جميع (نوابه) لأنه صلى الله عليه وسلم "أمّ عتبان بن مالك، وأنسًا في بيوتهما"
(1)
؛ ولأن له ولاية عامة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانِهِ"
(2)
.
(وسيد في بيت عبده أولى) بالإمامة (منه) لولايته على صاحب البيت.
(وحر أولى من عبد، ومن مبعض) لأنه أكمل في أحكامه وأشرف، ويصلح إمامًا في الجمعة والعيد (ومكاتب، ومبعض، أولى من عبد) لحصول بعض الأكملية والأشرفية فيهما (وحاضر) أي مقيم أولى من مسافر؛ لأنه ربما قصر، فيفوت المأمومين بعض الصلاة في جماعة.
(وبصير) أولى من أعمى؛ لأنه أقدر على اجتناب النجاسات، واستقبال القبلة باجتهاده.
(وحضري) وهو الناشئ في المدن والقرى أولى من بدوي؛ لأن الغالب على أهل البادية الجفاء وقلة المعرفة بحدود الله تعالى، وأحكام الصلاة، لبعدهم عمن يتعلمون منه. قال تعالى في حق الأعراب:{وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}
(3)
.
(1)
حديث إمامة النبي صلى الله عليه وسلم عتبان رضي الله عنه في بيته: أخرجه البخاري في التهجد، باب 36، حديث 1186، ومسلم في المساجد، حديث 263.
وحديث إمامته صلى الله عليه وسلم لأنس رضي الله عنه في بيته: أخرجه البخاري في الصلاة، باب 20، حديث 380، ومسلم في المساجد، حديث 658.
(2)
قطعة من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أخرجه مسلم في المساجد، حديث 673، وغيره.
(3)
سورة التوبة، الآية:97.
(ومتوضئ) أولى من متيمم؛ لأن الوضوء رافع للحدث بخلاف التيمم، فإنه مبيح.
(ومعير) في البيت المعار أولى من مستعير؛ لأنه مالك العين والمنفعة، والمستعير إنما يملك الانتفاع.
(ومستأجر أولى من ضدهم) كما تقدم، فيكون أولى من المؤجر؛ لأنه مالك المنفعة، وقادر على منع المؤجر من دخوله.
(فإن قصر إمام مسافر قضى) أي أتم (المقيم كمسبوق) ما بقي من صلاته (ولم تكره إمامته إذن، كالعكس) أي كإمامة المقيم للمسافر.
(و
إن أتم) المسافر (كرهت) إمامته بالمقيم،
خروجًا من خلاف من منعها، نظرًا إلى أن ما زاد على الركعتين نفل، فيلزم اقتداء المفترض بالمتنفل. وجوابه: المنع، وأن الكل فرض، فلذلك قاله
(1)
.
(وان تابعه) أي الإمام المسافر (المقيم صحت) صلاته؛ لأن المسافر إذا نوى الإتمام لزمه، فيصير الجميع فرضًا.
(ولو كان الأعمى أصم، صحت إمامته) لأن العمى والصمم فقد حاستين لا يخلان بشيء من أفعال الصلاة ولا بشروطها، فصحت مع ذلك الإمامة كما لو كان أعمى فاقد الشم (وكرهت) إمامته خروجًا من الخلاف.
(ولا تصح إمامة فاسق بفعل) كزان، وسارق، وشارب خمر، ونمام ونحوه (أو اعتقاد) كخارجي، ورافضي (ولو كان مستورًا) لقوله تعالى:{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}
(2)
، ولما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعًا: "لا تؤمن امرأة رجلًا، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا، إلا أن
(1)
في "ح" و"ذ": "قال".
(2)
سورة السجدة، الآية:18.
يقهره بسلطان يخاف سوطه وسيفه"
(1)
.
وعن ابن عمر أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم بينكم وبينَ ربكم"
(2)
لكن قال البيهقي عن هذا
(3)
: إسناده ضعيف. ولأن الفاسق لا يقبل خبره لمعنى في دينه، فأشبه الكافر. ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة.
(ولو بمثله) فلا يصح أن يؤم فاسق فاسقًا؛ لأنه يمكنه رفع ما عليه من النقص بالتوبة (علم فسقه ابتداء أولا، فيعيد) المأموم (إذا علم) فسق إمامه. واختار الشيخان أن البطلان مختص بظاهر الفسق، دون خفيه. قال في "الوجيز": لا تصح خلف الفاسق المشهور فسقه، لكن ظاهر كلامه، وهو المذهب: مطلقًا. قاله في "المبدع".
(وتصح الجمعة، والعيد) خلف فاسق (بلا إعادة إن تعذرت خلف
(1)
ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 78، حديث 1081. ورواه - أيضًا - العقيلي (2/ 298)، وابن عدي (4/ 1498)، والبيهقي (3/ 90، 171).
قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 203 - 204): هذا إسناد ضعيف. وقال البيهقي: وهذا الحديث في إسناده ضعف، ويروى من وجه آخر ضعيف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله. وقال النووي في الخلاصة (2/ 696): رواه ابن ماجه بإسناد في ضعيفان، ورواه البيهقي وضعفه. وقال في المجموع (4/ 135): رواه ابن ماجه والبيهقي، بإسناد ضعيف. وانظر تنقيح التحقيق (2/ 1108، 1109)، والتلخيص الحبير (2/ 32، 33).
(2)
رواه الدارقطني (2/ 87 - 88)، والبيهقي (3/ 90). قال البيهقي: إسناد هذا الحديث ضعيف. وضعفه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 322، 323)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 149). وانظر نصب الراية (2/ 26)، وكشف الخفاء (2/ 140).
(3)
السنن الكبرى (3/ 90).
غيره) لأنهما يختصان بإمام واحد، فالمنع منهما خلفه يؤدي إلى تفويتهما دون سائر الصلوات، نعم لو أقيمتا في موضعين في أحدهما عدل، فعلهما وراءه. ونقل ابن الحكم
(1)
أنه كان يصلي الجمعة، ثم يصلي الظهر أربعًا.
(وإن خاف أذى) بترك الصلاة خلف الفاسق (صلى خلفه) أي الفاسق، دفعًا للمفسدة (وأعاد، نصًا)
(2)
لعدم براءته.
(وإن نوى مأموم الانفراد) أي نوى المصلي خلف الفاسق صورة عدم الائتمام به (ووافقه في أفعالها) أي أفعال الصلاة (صح) ما صلاه (ولم يعد) لأنه لم يأتم به (حتى ولو) كانوا (جماعة صلوا خلفه بإمام) عدل، ووافقه الإمام في أفعالها، فلا إعادة لعدم الاقتداء بفاسق.
(و
تصح إمامة العدل إذا كان نائبًا لفاسق)
نص عليه؛ لأن صلاته إنما ترتبط بصلاة إمامه، فلا يضر وجود معنى في غيره كالحدث (كصلاة فاسق خلف عدل.
و
تصح الصلاة خلف إمام لا يعرفه)
أي يجهل عدالته وفسقه، إذا لم يتبين الحال، ولم يظهر منه ما يمنع الائتمام به؛ لأن الأصل في المسلمين السلامة.
(والاستحباب) أن يصلي (خلف من يعرفه) عدلًا، ليتحقق براءة ذمته.
(والفاسق من أتى كبيرة) وهي ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة (أو داوم على صغيرة. وتأتي له تتمة في) باب (شروط من تقبل شهادته.
ومن صح اعتقادهم في الأصول) كأهل السنة والجماعة (فلا بأس بصلاة بعضهم خلف بعض، ولو اختلفوا في الفروع) كأهل المذاهب
(1)
انظر الانتصار في المسائل الكبار (2/ 475).
(2)
الانتصار في المسائل الكبار (2/ 465)، وكتاب الروايتين والوجهين (1/ 172).
الأربعة، لصلاة الصحابة خلف بعضهم مع ما بينهم من الاختلاف في الفروع (ويأتي قريبًا).
(ومن صلى بأجرة لم يصل خلفه، قاله) محمد (بن تميم) قال أبو داود
(1)
: سمعت أحمد يسأل عن إمام قال: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهمًا؟ قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟
(فإن دفيع إليه) أي الإمام (شيء بغير شرط، فلا بأس نصًا)
(2)
وكذا لو كان يعطى من بيت المال أو من وقف.
(و
لا تصح) الصلاة (خلف كافر،
ولو) كان كفره (ببدعة مكفرة) على ما هو مذكور في الأصول، ويأتي بعضه في شروط من تقبل شهادته (ولو أسره) أي الكفر، فجهل المأموم كفره ثم تبين له؛ لأن صلاته لا تصح لنفسه فلا تصح لغيره، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمنّ فاجر مؤمنًا"
(3)
والكفر لا يخفى غالبًا، فالجاهل به مفرط.
(ولو صلى خلف من يعلمه مسلمًا فقال بعد الصلاة: هو كافر، لم يؤثر في صلاة المأموم) لأنها كانت محكومًا بصحتها وهو ممن لا يقبل قوله.
(ولو قال من جهل حاله) لمن صلى خلفه (بعد سلامه من الصلاة: هو كافر وإنما صلى تهزءًا، أعاد مأموم فقط)
(4)
نص عليه
(5)
(كمن ظن كفره أو حدثه، فبان بخلافه، أو) ظن (أنه خنثى مشكل، فبان رجلًا) فيعيد المأموم لاعتقاده بطلان صلاته.
(1)
مسائل الإمام أحمد ص/ 63.
(2)
انظر الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى ص/ 98.
(3)
تقدم تخريجه (3/ 194 - 195)، تعليق رقم 1.
(4)
قوله: أعاد مأموم فقط، لم يظهر لي سر قوله فقط، وليس في "المبدع" و"الإنصاف" هـ ج م ص. "ش".
(5)
الانتصار في المسائل الكبار (2/ 516).
(ولو علم من إنسان حال ردة وحال إسلام) وصلى خلفه، ولم يعلم في أي الحالين هو؟ أعاد.
(و) لو علم لإنسان (حال إفاقة وحال جنون، كره تقديمه) في المسألتين لاحتمال أن يكون على الحالة التي لا تصح إمامته فيها (فإن صلى خلفه ولم يعلم في أي الحالين هو، أعاد) ما صلاه خلفه؛ لأن ذمته اشتغلت بالوجوب ولم يتحقق ما يبرأ به، فبقي على الأصل، وهذا أحد الوجوه في المسألة. قدمه في "الرعاية الكبرى" وصححه في "مجمع البحرين".
والوجه الثاني: لا يعيد. وصوبه في "تصحيح الفروع".
والوجه الثالث: إن كان قد علم قبل الصلاة إسلامه، أو إفاقته، وشك في ردته، أو جنونه، فلا إعادة؛ لأن الظاهر بقاؤه على ما كان عليه، وإن علم ردته، أو جنونه، وشك في إسلامه، أو إفاقته أعاد. قال في "تصحيح الفروع": وهو الصحيح من المذهب على ما اصطلحناه، جزم به في "المغني" و"الشرح" و"شرح ابن رزين" وغيرهم انتهى، وقطع به في "المنتهى".
(وإن صلى خلف من يعلم أنه كافر فقال بعد الصلاة: كنت أسلمت، وفعلت ما يجب للصلاة، فعليه الإعادة) لاعتقاده بطلان صلاته.
(ولا) تصح الصلاة خلف (سكران) لأن صلاته لا تصح لنفسه، فلا تصح لغيره (وإن سكر في أثناء الصلاة، بطلت) صلاته، لبطلان طهارته.
(ولا) تصح الصلاة (خلف أخرس، ولو بـ) أخرس (مثله. نصًا)
(1)
لأنه يترك ركنًا، وهو القراءة والتحريمة وغيرهما، فلا يأتي به ولا ببدله، بخلاف الأمي ونحوه، فإنه يأتي بالبدل.
(ولا) تصح الصلاة (خلف من به سلس بول ونحوه) كنجو، وريح،
(1)
كتاب الفروق للسامري (1/ 197).
ورعاف لا يرقأ دمه، وجروح سيالة، إلا بمثله؛ لأن في صلاته خللًا غير مجبور ببدل، لكونه يصلي مع خروج النجاسة التي يحصل بها الحدث من غير طهارة، أشبه ما لو ائتم بمحدث يعلم حدثه، وإنما صحت صلاته في نفسه للضرورة.
(أو عاجز عن ركوع، أو رفع منه كأحدب، أو) عاجز عن (سجود أو قعود أو عن استقبال، أو اجتناب نجاسة، أو) عاجز (عن الأقوال الواجبة ونحوه من الأركان أو الشروط إلا بمثله) لأنه أخل بركن أو شرط، فلم يجز كالقارئ بالأمي. ولا فرق بين إمام الحي وغيره، وتصح إمامتهم بمثلهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم "صلى بأصحابه في المطر بالإيماء"
(1)
ذكره في "الشرح".
(ولا) تصح الصلاة (خلف عاجز عن القيام) لأنه عجز عن ركن من أركان الصلاة، فلم يصح الاقتداء به كالعاجز عن القراءة إلا بمثله (إلا إمام الحي وهو كل إمام مسجد راتب) لما في المتفق عليه من حديث عائشة أن
(1)
أخرجه الترمذي في الصلاة، باب 186، حديث 411، وأحمد (4/ 173، 174)، والدارقطني (1/ 381)، والبيهقي (2/ 7)، والخطيب في "تاريخه"(11/ 182، 183)، عن يعلى بن مرة رضي الله عنه.
قال الترمذي: هذا حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح البلخي لا يعرف إلا من حديثه. وقال البيهقي: وفي إسناده ضعف، ولم يثبت من عدالة بعض رواته ما يوجب قبول خبره، ويحتمل أن يكون ذلك في شدة الخوف. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 179): والحديث المذكور يرويه ابن الرماح وهو ثقة، عن كثير بن زياد أبي سهل وهو ثقة، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن أمية عن أبيه عن جده، وعمرو بن عثمان لا تعرف حاله، وكذلك أبوه عثمان. وجود إسناده النووي في الخلاصة (1/ 288) رقم 823 وفي المجموع (3/ 103). وانظر التلخيص الحبير (1/ 212)، وإتحاف المهرة (13/ 720 - 721، 736).
النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "صلى في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جُعل الإمامُ ليُؤتَمَّ به - إلى قوله - وإذا صلى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعُون"
(1)
قال ابن عبد البر
(2)
: روي هذا مرفوعًا من طرق متواترة. ولأن إمام الحي يحتاج إلى تقديمه بخلاف غيره، والقيام أخف بدليل سقوطه في النفل (المرجو زوال علته) التي منعته القيام؛ لئلا يفضي إلى ترك القيام على الدوام، أو مخالفة الخبر، ولا حاجة إليه. والأصل فيه: فعله صلى الله عليه وسلم، وكان يرجى زوال علته (ويصلون وراءه) جلوسًا (و) يصلون أيضًا (وراء الإمام الأعظم) إذا مرض ورجي زوال علته (جلوسًا) للخبر. قال في الخلاف: هذا استحسان، والقياس لا يصح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم "صلى في مرض موته قاعدًا، وصلى أبو بكر والناس خلفه قيامًا" متفق عليه
(3)
من حديث عائشة. وأجاب أحمد عنه
(4)
: بأنه لا حجة فيه؛ لأن أبا بكر ابتدأ بهم قائمًا فيتمها كذلك، والجمع أولى من النسخ، ثم يحتمل أن أبا بكر كان هو الإمام. قال ابن المنذر
(5)
: روي عن عائشة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "صلى خلف أبي بكر
(1)
البخاري في الأذان، باب 51، حديث 688، ومسلم في الصلاة، حديث 412.
(2)
التمهيد (6/ 138).
(3)
البخاري في الأذان، باب 39، 46، 67، 68، حديث 664، 678، 712، 713، ومسلم في الصلاة، حديث 418.
(4)
نقل هذا الجواب عن الإمام أحمد الأثرم، أورده ابن عبد البر في التمهيد (22/ 318) وذكر معناه عن الإمام أحمد بن المنذر في الأوسط (4/ 208)، وانظر المغني (3/ 62)، والشرح الكبير (4/ 378).
(5)
الأوسط (4/ 203) برقم 2040.
في مرضه، في ثوب متوشحًا به"
(1)
ورواه أنس
(2)
أيضًا، وصححهما الترمذي. قال: ولا نعرف أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر إلا في هذا الحديث. قال مالك
(3)
: العمل عليه عندنا. لا يقال: لو كان إمامًا لكان عن يسار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيح "أنه كان عن يسار أبي بكر"
(4)
لأنه يحتمل أنه فعل ذلك لأن خلفه صف، وفعل مثل قولنا أسيد بن حضير
(5)
، وجابر
(6)
، وقيس بن
(1)
أخرجه الترمذي في الصلاة، باب 151، حديث 362، والنسائي في الإمامة، باب 8 حديث 785، وابن أبي شيبة (2/ 332)، وأحمد (6/ 159)، وابن خزيمة (3/ 55) حديث 1620، وابن المنذر في الأوسط (4/ 203) حديث 2039، 2040، والطحاوي (1/ 406)، وفي شرح مشكل الآثار (14/ 319) حديث 5648، وابن حبان "الإحسان"(5/ 487) حديث 2119، وابن حزم في المحلى (3/ 67)، والبيهقي (3/ 82). قال الترمذي: حديث عائشة حديث حسن صحيح غريب. وصححه ابن حزم. وانظر الفتح (2/ 155).
(2)
رواه الترمذي في الصلاة، باب 151، حديث 363، والنسائي في الإمامة، باب 8 حديث 784، وأحمد (3/ 159، 216، 233)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 204) حديث 2041، والطحاوي (1/ 406)، وفي شرح مشكل الآثار (14/ 321) حديث 5649، وابن أبي حاتم في العلل (1/ 190)، وابن حبان "الإحسان"(5/ 496) حديث 2125، وابن حزم في المحلى (3/ 67)، والبيهقي في دلائل النبوة (7/ 192)، والضياء في المختارة (5/ 85، 87) حديث 1706، 1709 و (6/ 18، 20) حديث 1967، 1970، 1972 عن أنس رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا، في ثوب متوشحًا به. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وانظر: التلخيص الحبير (2/ 33).
(3)
الاستذكار (5/ 393).
(4)
رواه البخاري في الأذان، باب 67، حديث 713، ومسلم في الصلاة حديث 418 (95).
(5)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 326، 327)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 206) رقم 2045. قال الحافظ في الفتح (2/ 176): رواه ابن المنذر بإسناد صحيح.
(6)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 326)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 206) رقم 2043. قال الحافظ في الفتح (2/ 176): إسناده صحيح.
فهد
(1)
(2)
، وأبو هريرة
(3)
.
(فإن صلوا قيامًا) خلف إمام الحي المرجو زوال علته (صحت) صلاتهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر من صلى خلفه قائمًا بالإعادة؛ ولأن القيام هو الأصل (والأفضل له) أي لإمام الحي (أن يستخلف إذا مرض والحالة هذه) أي أنه يرجى زوال علته؛ لأن الناس مختلفون في صحة إمامته، مع أن صلاة القائم أكمل، وكمالها مطلوب.
(وإن ابتدأ بهم) الإمام (الصلاة قائمًا، ثم اعتل) أي حصل له علة (فجلس) عجزًا (أتموا خلفه قيامًا، ولم يجز الجلوس. نصًا
(4)
) لقصة أبي بكر، ولأن القيام هو الأصل، فإذا بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه، كمن أحرم في الحضر ثم سافر، قاله في "الشرح".
(وإن ترك الإمام ركنًا) عنده وحده، كالطمأنينة، (أو) ترك الإمام (واجبًا) عنده وحده، كالتشهد الأول (أو) ترك الإمام (شرطًا عنده) أي الإمام (وحده) أي دون المأموم كستر أحد العاتقين في الفرض، بأن كان المأموم لا يرى المتروك ركنًا، ولا واجبًا، ولا شرطًا (أو) كان المتروك ركنًا أو واجبًا أو شرطًا (عنده، وعند المأموم) حال كون الإمام (عالمًا) بما تركه (أعادا) لبطلان صلاة الإمام
(1)
كذا في الأصول "فهد" - بالفاء - وصوابه: "قهد" - بالقاف -. انظر الإكمال (7/ 77)، واللباب (2/ 447)، وفتح الباري (2/ 176).
(2)
رواه البخاري في التاريخ الكبير (7/ 142)، وعبد الرزاق (2/ 462) رقم 4084، وابن أبي شيبة (2/ 326، 327)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 206) رقم 2042. قال الحافظ في الفتح (2/ 176): إسناده صحيح.
(3)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 326)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 206) رقم 2044. قال الحافظ في الفتح (2/ 176): إسناده صحيح.
(4)
انظر مسائل أبي داود ص/ 43.
بتركه الشرط أو الركن أو الواجب عمدًا، وبطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه.
وإن كان الترك سهوًا، فإن كان المتروك واجبًا، صحت صلاتهما، ولا إعادة.
وإن كان الطهارة صحت لمأموم وحده، على ما يأتي.
وإن كان ركنًا وأمكن تداركه قريبًا، فعلى ما تقدم في سجود السهو.
وإن كان شرطًا غير طهارة الحدث والخبث، لم تنعقد لهما، وأعادا.
(وإن كان) المتروك ركنًا أو شرطًا أو واجبًا (عند المأموم وحده) كالحنبلي اقتدى بمن مس ذكره، أو ترك ستر أحد العاتقين، أو الطمأنينة في الركوع، ونحوه، أو تكبيرة الانتقال، ونحوه، متأولًا أو مقلدًا من لا يرى ذلك مفسدًا (فلا) إعادة على الإمام، ولا على المأموم؛ لأن الإمام تصح صلاته لنفسه فجازت خلفه، كما لو لم يترك شيئًا. ومثله لو صلى شافعي قبل الإمام الراتب، فتصح صلاة الحنبلي خلفه
(1)
.
(و
من ترك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه بلا تأويل ولا تقليد أعاد).
ذكره الآجري إجماعًا، لتركه فرضه، ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم الذي ترك الطمأنينة بالإعادة
(2)
.
وجعل في "المبدع" ترك الواجب كذلك. ومراده: إذا شك في وجوبه. وأما إذا لم يخطر بباله أن عالمًا قال بوجوبه، فيسقط، كما تقدم في صفة الصلاة. ويجبر بسجود السهو، إن علم فيها، أو قريبًا على ما تقدم.
(1)
قال الشيخ عثمان في حاشيته على "المنتهى": الظاهر أنه لا يجوز للحنبلي الاقتداء به؛ لأن ذلك من شروط الإمامة، لا من شروط الصلاة. كما تقدم في الفاسق خلافًا لما ذكره م ص، فلا بد في إمامة الفاسق من تقليد المأموم الحنبلي لمن يرى جواز ذلك والله أعلم. اهـ "ش".
(2)
تقدم تخريجه (2/ 285) تعليق رقم 1.
(وتصح) الصلاة (خلف من خالف في فرع لم يفسق به) أي بمخالفته فيه، كالصلاة خلف من يرى النكاح بلا ولي؛ لفعل الصحابة والتابعين مع شدة الخلاف، ولم ينقل عن أحد منهم أنه ترك الصلاة خلف من خالفه في شيء من ذلك.
(ومن فعل ما يعتقد تحريمه في غير الصلاة مما اختلف فيه، كنكاح بلا ولي، وشرب نبيذ ونحوه، فإن داوم عليه فسق) بالمداومة (ولم يُصلّ خلفه) لفسقه. (وإن لم يداوم) عليه (فقال الموفق) والشارح: (هو من الصغائر، ولا بأس بالصلاة خلفه) لأن الفسق لا يحصل بالصغيرة، بل بالمداومة عليها كما تقدم ويأتي. قال تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}
(1)
.
وقال الشيخ تقي الدين
(2)
: لو فعل الإمام ما هو محرم عند المأموم دونه مما يسوغ فيه الاجتهاد، صحت صلاته خلفه، وهو المشهور عن أحمد.
(و
لا إنكار في مسائل الاجتهاد)
(3)
على من اجتهد فيها أو قلد مجتهدًا؛
(1)
سورة النساء، الآية:31.
(2)
الاختيارات الفقهية ص/ 107.
(3)
في هامش "ح" ما نصه: "قال الشيخ في الفتاوى المصرية [الفتاوى الكبرى (2/ 449)]: وإذا كان الرجل متبعًا لأبي حنيفة، أو لمالك، أو الشافعي، أو أحمد، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك في دينه، ولا عدالته، بلا نزاع. بل هذا أولى بالحق، وأحب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ممن تعصب لواحد معين غير النبي صلى الله عليه وسلم، كمن تعصب لمالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام الذي خالفه. فمن فعل هذا كان جاهلًا ضالًا، بل قد يكون كافرًا".
لأن المجتهد إما مصيب، أو كالمصيب في حط الإثم عنه، وحصول الثواب له. قال في "الفروع": وفي كلام أحمد أو بعض الأصحاب ما يدل على أنه إن ضعف الخلاف أنكر فيها، وإلا فلا اهـ.
قال ابن عقيل: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز، ولا أقول: العوام، بل العلماء. كانت أيدي الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يونس، فكانوا يستطيلون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروع، حتى ما يمكنوهم من الجهر بالبسملة والقنوت، وهي مسألة اجتهادية، فلما جاءت أيام النظام، ومات ابن يونس، وزالت شوكة الحنابلة، استطال عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظلمة، فاستعدوا بالسجن، وآذوا العوام بالسعايات، والفقهاء بالنبذ بالتجسيم. قال: فتدبرت أمر الفريقين فإذا بهم لم تعمل فيهم آداب العلم. وهل هذه إلا أفعال الأجناد؛ يصولون في دولتهم، ويلزمون المساجد في بطالتهم.
(ولا تصح إمامة امرأة) برجال؛ لما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعًا: "لا تؤمنَّ امرأةٌ رجلًا"
(1)
؛ ولأنها لا تؤذن للرجال؛ فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون، ولا بخناثى لاحتمال كونهم رجالًا.
(ولا) إمامة (خنثى مشكل برجال) لاحتمال كونه امرأة.
(ولا) إمامة الخنثى (بخناثى) مشكلين؛ لاحتمال أن يكون امرأة وهم رجال.
وعلى المذهب لا فرق بين الفرض والتراويح وغيرها. وعنه: تصح في التراويح إذا كانا قارئين والرجال أميون، ويقفون خلفها، وذهب إليه أكثر
(1)
تقدم تخريجه (3/ 194 - 195)، تعليق رقم 1.
المتقدمين (فإن لم يعلم) الرجل المأموم بكون الإمام امرأة أو خنثى (إلا بعد الصلاة، أعاد) لأنه مفرط؛ لأن ذلك لا يخفى غالبًا.
(وتصح) إمامة المرأة بنساء، لما رواه الدارقطني عن أم ورقة أنه صلى الله عليه وسلم:"أذن لها أن تؤمَّ نساءَ أهل دارِها"
(1)
.
وتصح أيضًا إمامة الخنثى (بنساء) لأن غايته أن يكون امرأة، وإمامتها بهن صحيحة (ويقفن) أي المأمومات (خلفه) أي خلف الخنثى، إذا أمهن كالرجل. وقال ابن عقيل: يقوم وسطهن.
(وإن صلى) رجل (خلف من يعلمه خنثى لكن يجهل إشكاله، ثم بان) الخنثى (بعد الصلاة رجلًا، فعليه) أي المأموم (الإعادة) كمن صلى خلف من يظنه محدثا، فبان متطهرًا (وإن صلى) رجل (خلفه) أي الخنثى (وهو لا يعلم) أنه خنثى (فبان بعد الفراغ رجلًا، فلا إعادة عليه) لصحة صلاته في نفس الأمر، وعدم شكه حال الفعل فيما يفسدها.
(و
لا) تصح (إمامة مميز لبالغ في فرض)
نص عليه
(2)
. رواه الأثرم عن ابن مسعود
(3)
وابن عباس
(4)
. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقدِّموا صبيانكم"
(5)
؛ ولأنها حال
(1)
تقدم تخريجه (3/ 147)، تعليق رقم 3.
(2)
انظر مسائل عبد الله بن الإمام أحمد (2/ 363، 372)، رقم 520، 533، ومسائل أبي داود ص/ 41، ومسائل الكوسج (1/ 353، 426) رقم 249، 334.
(3)
لعله في سننه، ولم تطبع، ولم نجد من خرجه.
(4)
لعله في سننه، ولم تطبع. وأخرجه - أيضًا - عبد الرزاق (1/ 487) رقم 1872، (2/ 398) رقم 3847، وابن المنذر في الأوسط (4/ 152) رقم 1937، والبيهقي (3/ 225). بلفظ: لا يؤم الغلام حتى يحتلم.
(5)
ذكره في مسند الفردوس (5/ 16) حديث رقم 7310 عن علي رضي الله عنه مرفوعًا. وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/ 1108): هذا حديث لا يصح، ولا يعرف له إسناد صحيح، بل روي بعضه بإسناد مظلم. . . .
كمال، والصبي ليس من أهلها، أشبه المرأة، بل آكد؛ لأنه نقص يمنع التكليف وصحة الإقرار. والإمام ضامن، وليس هو من أهل الضمان؛ ولأنه لا يؤمن منه الإخلال بالقراءة حال السر.
(وتصح) إمامة المميز للبالغ (في نفل) ككسوف وتراويح (و) تصح إمامة مميز (بمثله) لأنه متنفل يؤم متنفلًا.
(ولا) تصح (إمامة محدث) يعلم ذلك (ولا) إمامة (نجس يعلم ذلك) لأنه أخل بشرط الصلاة مع القدرة، أشبه المتلاعب؛ لكونه لا صلاة له في نفسه، فيعيد من صلى خلفه.
(ولو جهله) أي الحدث أو النجس (مأموم فقط) أي وحده وعلمه الإمام، فيعيدون كلهم. ولا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر، ولا بين نجاسة الثوب والبدن والبقعة.
(فإن جهله) أي الحدث أو النجس (هو) أي الإمام (والمأمومون كلهم حتى قضوا الصلاة، صحت صلاة مأموم وحده) أي دون الإمام، لما روى البراء بن عازب أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا صلى الجنب بالقوم أعاد صلاته، وتمت للقوم صلاتهم" رواه محمد بن الحسين الحراني
(1)
.
(1)
لعله في فوائده ولم تطبع، لا تزال مخطوطة في الظاهرية برقم حديث 389، كما ذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية ص/ 164.
وهو محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم أبو سليمان الحراني، كتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني، ثقة، مستور، حسن المذهب، توفي سنة 357 هـ رحمه الله تعالى (تاريخ بغداد 2/ 242).
والحديث رواه - أيضًا - ابن عدي (5/ 1893)، والدارقطني (1/ 363، 364)، والبيهقي (2/ 400)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 487، 488) بنحوه. قال البيهقي: هذا غير قوي، وفيما مضى كفاية. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 33): وفيه جويبر، وهو متروك، وفي السند انقطاع أيضًا.
ولما روي أن عمر "صلى بالناس الصبح، ثم خرج إلى الجرف، فاهراق الماء، فوجد في ثوبه احتلامًا، فأعاد الصلاة، ولم يعد الناس"
(1)
.
وروي مثل ذلك عن عثمان
(2)
، وابن عمر
(3)
. وعن علي قال: "إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة، آمره أن يغتسل ويعيد، ولا آمرهم أن يعيدوا"
(4)
رواهما الأثرم. وهذا في محل الشهرة، ولم ينكر، فكان إجماعًا. ولأن الحدث مما يخفى، ولا سبيل إلى معرفته من الإمام للمأموم، فكان معذورًا في الاقتداء به.
(إلا في الجمعة إذا كانوا أربعين بالإمام
(5)
، فإنها لا تصح) إذا كان الإمام محدثًا أو نجسًا (وكذا لو كان أحد المأمومين محدثًا) أو نجسًا (فيها) أي الجمعة وهم أربعون فقط، فيعيد الكل؛ لفقد العدد المعتبر في الجمعة؛ لأن المحدث أو النجس وجوده كعدمه. فإن كانوا أربعين غير المحدث أو النجس فالإعادة عليه وحده (وتقدم حكم الصلاة بالنجاسة جاهلًا) أو ناسيًا في باب اجتناب النجاسة.
(1)
رواه مالك (1/ 49)، والشافعي (ترتيب مسنده 1/ 115)، وعبد الرزاق (2/ 347، 348، 349)، رقم 3646، 3649، 3656 وابن أبي شيبة (1/ 393)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 212) رقم 2051، والدارقطني (1/ 364)، والبيهقي (1/ 170، 2/ 399).
(2)
رواه الأثرم كما في التمهيد لابن عبد البر (1/ 182)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 212، 213) رقم 2053، والدارقطني (1/ 364، 365)، والبيهقي (2/ 400).
(3)
رواه عبد الرزاق (2/ 348) رقم 3650، وابن أبي شيبة (2/ 44)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 213) رقم 2055، والبيهقي (2/ 400).
(4)
رواه عبد الرزاق (2/ 350) رقم 3661، وابن أبي شيبة (2/ 45)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 213) رقم 2054، والدارقطني (1/ 364)، والبيهقي (2/ 401). وضعفه ابن المنذر.
(5)
أو العبد "ش".
(ولا) تصح (إمامة أمي - نسبة إلى الأم) كأنه
(1)
على الحالة التي ولدته أمه عليها. وقيل: إلى أمة العرب، وهو لغة: من لا يكتب. ومن ذلك وصف النَّبي صلى الله عليه وسلم بالأمي - (بقارئ) مضت السنة على ذلك، قاله الزهري؛ لأن القراءة ركن مقصود في الصلاة، فلم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه، كالطهارة والسترة. وهو يتحملها عن المأموم، وليس هو من أهل التحمل.
(والأمي) اصطلاحًا (من لا يحسن الفاتحة) أي لا يحفظها (أو يدغم منها حرفًا لا يدغم) أي في غير مثله، وغير ما يقاربه في المخرج (وهو الأرت)
(2)
وفي "المذهب": هو الذي في لسانه عجلة تسقط بعض الحروف (أو يَلْحن) فيها (لحنًا يحيل المعنى، كفتح همزة اهدنا) لأنه يصير بمعنى طلب الهدية لا الهداية (وضم تاء أنعمت) وكسرها، وكسر كاف إياك. فإن لم يحل المعنى كفتح دال نعبد ونون نستعين، فليس أميًا.
(وإن أتى به) أي اللحن المحيل للمعنى (مع القدرة على إصلاحه، لم تصح صلاته كما يأتي) لأنه أخرجه عن كونه قرآنًا، فهو كسائر الكلام. وحكمه حكم غيره من الكلام.
(وإن عجز عن إصلاحه) أي اللحن المحيل للمعنى (قرأه في فرض القراءة) لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم"
(3)
(وما زاد عنها) أي عن الفاتحة (تبطل الصلاة بعمده) أي اللحن المحيل للمعنى فيه.
واللحن لا يبطل الصلاة إذا لم يحل المعنى، فإن أحاله كان عمده كالكلام، وسهوه كالسهو عن كلمة، وجهله كجهلها.
(1)
في "ذ": "لأنه".
(2)
بالتاء المثناة الفوقية، قاله في القاموس. "ش". انظر القاموس المحيط ص/ 194.
(3)
تقدم تخريجه (1/ 234) تعليق رقم 2.
(ويكفر إن اعتقد إباحته) أي إباحة اللحن المحيل للمعنى؛ لإدخاله في القرآن ما ليس منه.
(وإن كان) اللحن المحيل للمعنى (لجهل، أو نسيان، أو آفة) كسبق لسانه أو غفلته (لم تبطل) صلاته؛ لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان"
(1)
(ولم تمنع إمامته) لأنه ليس بأمي
(2)
. وعلم مما تقدم: أنه تصح إمامة الأمي بمثله لمساواته له.
(وإن أم أمي أميًا وقارئًا فإن كانا) أي المأمومان (عن يمينه) أي الإمام (أو) كان (الأمي فقط) عن يمينه والقارئ عن يساره (صحت صلاة الإمام) لأنه نوى الإمامة بمن يصح أن يأتم به (و) صحت صلاة المأموم (الأمي) لأنه اقتدى بمثله، ووقف في موقفه (وبطلت صلاة القارئ) لاقتدائه بأمي.
(وإن كانا) أي الأمي والقارئ المأمومان (خلفه) أي الإمام الأمي (أو) كان (القارئ وحده عن يمينه) والأمي عن يساره (فسدت صلاة الكل) أما الإمام، فلأنه نوى الإمامة بمن لا يصح أن يؤمه، وأما القارئ فلاقتدائه بالأمي، وأما الأمي فلمخالفته موقفه. وفي هذا نظر؛ لأن المأموم الأمي لا تبطل صلاته بيسار إمامه إلا بركعة، كما يأتي. فصح اقتداؤه أولًا بالإمام، وبطلان صلاته بعد لا يؤثر في بطلان صلاة الإمام، كما تقدم في باب النية، وكما يأتي في الفصل عقبه، وقد نبهت على ذلك في الحاشية.
(ولا يصح اقتداء العاجز عن النصف الأول من الفاتحة بالعاجز عن النصف الأخير) منها (ولا بالعكس) أي اقتداء العاجز عن النصف الأخير من الفاتحة بالعاجز عن النصف الأول.
(1)
تقدم تخريجه (2/ 115) تعليق رقم 1.
(2)
إذا كان ذلك فيما زاد على فرض القراءة كما في "المنتهى" وكما يدل عليه أول كلامه ع. "ش".
(ولا اقتداء من يبدل حرفًا منها بمن يبدل حرفًا غيره) لعدم المساواة.
(ومن لا يحسن الفاتحة ويحسن غيرها من القرآن بقدرها، لا يصح أن يصلي خلف من لا يحسن شيئًا من القرآن) وجوزه الموفق والشارح؛ لأنهما أميان، قال ابن تميم: وفيه نظر.
وإن صلى خلف من يحسن دون السبع فوجهان.
(وإذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد والإمام ممن لا يصلح) للإمامة (فإن شاء صلى خلفه، وأعاد) قاله في الشرح وغيره. قلت: ولعل المراد إن خاف فتنة أو أذى، كما تقدم في الفاسق (وإن شاء صلى وحده جماعة) بإمام يصلح للعذر (أو) صلى (وحده ووافقه في أفعاله، ولا إعادة) عليه، لأنه لم يأتم بمن ليس أهلًا.
(وإن سبق لسانه إلى تغيير نظم القرآن بما هو منه على وجه يحيل معناه، كقوله: إن المتقين في ضلال وسعر، ونحوه، لم تبطل) صلاته، لحديث:"عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان"
(1)
(ولم يسجد له) إذا كان سهوًا عند المجد، وقدم في "الفروع" وغيره: يسجد له.
(وحكم من أبدل منها) أي الفاتحة (حرفًا بحرف لا يبدل، كالألثغ الذي يجعل الراء غينًا ونحوه، حكم من لحن فيها لحنًا يحيل المعنى) فلا يصح أن يؤم من لا يبدله. لما تقدم (إلا ضاد المغضوب والضالين) إذا أبدلهما (بظاء. فتصح)
(2)
إمامته بمن لا يبدلها ظاء؛ لأنه لا يصير أميًا بهذا
(1)
تقدم تخريجه (2/ 115) تعليق رقم 1.
(2)
قوله: غير ضاد المغضوب والضالين، استثناؤهما فيه نظر، فإنه أيضًا لا بد أن يكون عاجزًا عن إصلاحهما، كما استظهره الشارح نفسه في حاشيته على "المنتهى". ونبه أيضًا عليه الشيخ عثمان في حاشيته، ونظر في كلام الشارح هنا فقال: إلا من يبدل الضاد في الموضعين بظاء عجزًا، فراجعه. لكن الشيخ يوسف ابن ابن صاحب =
الإبدال، وظاهره: ولو علم الفرق بينهما لفظًا ومعنى (كـ) ــما تصح إمامته (بمثله، لأن كلًّا منهما) أي الضاد والظاء (من أطراف اللسان، وبين الأسنان، وكذلك مخرج الصوت واحد. قاله الشيخ في "شرح العمدة"
(1)
. وإن قدر على إصلاح ذلك) أي ما تقدم بن إدغام حرف في آخر لا يدغم فيه، أو إبدال حرف بحرف غير ضاد المغضوب والضالين بظاء، أو على إصلاح اللحن المحيل للمعنى (لم تصح) صلاته ما لم يصلحه؛ لأنه أخرجه عن كونه قرآنًا (وتكره وتصح إمامة كثير اللحن الذي لا يحيل المعنى) كجر دال الحمد، ونصب هاء الله. ونصب باء رب، ونحوه، سواء كان المؤتم مثله أو كان لا يلحن؛ لأن مدلول اللفظ باق، وهو مفهوم كلام الرب سبحانه وتعالى قال في "الإنصاف": وهو المذهب مطلقًا، المشهور عند الأصحاب، وقال ابن منجى في شرحه: فإن تعمد ذلك، لم تصح صلاته؛ لأنه مستهزئ ومتعمد. قال في "الفروع": وهو ظاهر كلام ابن عقيل في الفصول، وعلم من كلامه أن من سبق لسانه باليسير لا تكره إمامته؛ لأنه قل من يخلو من ذلك، إمام أو غيره.
(و) تكره وتصح إمامة (من يصرع) بالبناء للمفعول، من الصرع، وهو داء يشبه الجنون، قاله في الحاشية.
(أو تضحك رؤيته) أو صورته، أي تكره إمامته وتصح.
(ومن اختلف في صحة إمامته) قاله في "الفروع". فقد يؤخذ منه كراهة إمامة الموسوس، وهو متجه؛ لئلا يقتدي به عامي. وظاهر كلامهم: لا يكره.
(و) تكره وتصح إمامة (أقلف) أما الصحة، فلأنه ذكر مسلم عدل
= "المنتهى" جعل قوله في متن المنتهى عجزًا عن إصلاحه، راجعًا للحن المحيل للمعنى فقط، فيوافق كلامه كلام الشارح هنا، فراجعه. "ش".
(1)
انظر مجموع الفتاوى (23/ 350).
قارئ، فصحت إمامته كالمختون، والنجاسة تحت القلفة بمحل لا تمكنه إزالتها منه، معفو عنها؛ لعدم إمكان إزالتها، وكل نجاسة معفو عنها، لا تؤثر في بطلان الصلاة. وأما الكراهة، فللاختلاف في صحة إمامته، وخصه بعضهم بالأقلف المرتتق، وهو الذي لا يقدر على فتق قلفته وغسل ما تحتها. فأما المفتوق القلفة، فإن ترك غسل ما تحت القلفة مما يمكنه غسله، لم تصح إمامته ولا صلاته، لحمله نجاسة لا يعفى عنها مع القدرة على إزالتها، قاله بعض الأصحاب، ولعل هذا مراد من أطلق من الأصحاب الخلاف. وهو ظاهر من تعليلهم.
(و) تكره وتصح إمامة (أقطع يدين، أو) أقطع (إحداهما، أو) أقطع (رجلين، أو) أقطع (إحداهما) قال في "شرح المنتهى": ولا يخفى أن محل الصحة ما إذا أمكن أقطع الرجلين القيام، بأن يتخذ له رجلين من خشب، أو نحوه. وأما إذا لم يمكنه القيام فلا تصح إمامته إلا بمثله.
(قال ابن عقيل: أو أنف) أي تكره وتصح إمامة أقطع أنف.
(و) تكره وتصح إمامة (الفأفاء: الذي يكرر الفاء، والتمتام: الذي يكرر التاء، ومن لا يفصح ببعض الحروف) كالقاف والضاد. أما صحة إمامته، فلإتيانه بفرض القراءة، وأما كراهة تقديمه، فلزيادته ما يكرره، أو عدم فصاحته.
(و) يكره (أن يؤم) أنثى (أجنبية فأكثر، لا رجل معهن) لأنه صلى الله عليه وسلم "نهى أن يخلو الرجل بالأجنبية"
(1)
ولما فيه من مخالطة الوسواس.
(ولا بأس) أن يؤم (بذوات محارمه) أو أجنبيات معهن رجل فأكثر؛ لأن
(1)
أخرجه البخاري في النكاح، باب 111، حديث 5233، ومسلم في الحج، حديث 1341، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ:"لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم".
النساء كن يشهدن مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الصلاة. وفي "الفصول": يكره للشواب وذوات الهيئة الخروج للصلاة، ويصلين في بيوتهن. فإن صلى بهن رجل مَحْرَم جاز، وإلا، لم يجز، وصحت الصلاة.
(و
يكره أن يؤم قومًا أكثرهم يكرهه بحق
نصًا
(1)
، لخلل في دينه أو فضله) لحديث أبي أمامة مرفوعًا:"ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبدُ الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهمْ له كارهون" رواه الترمذي
(2)
وقال: حسن غريب، وهو لين. وأخبر صلى الله عليه وسلم "أن صلاته لا تقبل" رواه أبو داود
(3)
من رواية الإفريقي، وهو ضعيف عند الأكثر. قال القاضي: المستحب أن لا يؤمهم صيانة لنفسه، أما إن كان ذا دين وسنة، فلا كراهة في حقه.
(فإن كرهه) أي الإمام (نصفهم، لم يكره) أن يؤمهم لمفهوم الخبر. والأولى أن لا يؤمهم إزالة لذلك الاختلاف، ذكره في "الشرح" (قال الشيخ
(4)
:
(1)
مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 358) رقم 256، وسنن الترمذي (2/ 192)، وشرح السنة (3/ 404).
(2)
تقدم تخريجه (2/ 140) تعليق رقم 1.
(3)
في الصلاة، باب 63، حديث 593. وأخرجه - أيضًا - ابن ماجه في الإقامة، باب 43، حديث 970، والبيهقي (3/ 128) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قومًا وهم له كارهون. والرجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا، ومن اعتبد محررا". وضعفه النووي في الخلاصة (2/ 704)، وفي المجموع (4/ 154).
وللجملة الأولى شاهد عن حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 43، حديث 971، وابن حبان "الإحسان"(5/ 53) حديث 1757، والطبراني في الكبير (11/ 499) حديث 12275. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 191): إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(4)
الاختيارات الفقهية ص/ 106، 107.
إذا كان بينهما) أي الإمام والمأموم (معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب، لم ينبغ أن يؤمهم، لعدم الائتلاف) والمقصود بالصلاة جماعة إنما يتم بالائتلاف (ولا يكره الائتمام به) حيث صلح للإمامة (لأن الكراهة في حقه) دونهم، للأخبار (وإن كرهوه لدينه وسنته، فلا كراهة في حقه.
ولا بأس بإمامة ولد زنا، ولقيط، ومنفي بلعان، وخصي، وجندي) بضم الجيم (وأعرابي إذا سلم دينهم وصلحوا لها) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"يؤم القوم أقرؤهم"
(1)
وصلى التابعون خلف ابن زياد، وهو ممن في نسبه نظر. وقالت عائشة: "ليسَ عليهِ من وزرِ أبويه شيء، قالت: يقال: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}
(2)
"
(3)
. ولأن كلا منهم حر، مرضي في دينه، يصلح لها كغيره.
(ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها) رواية واحدة، قاله الخلال
(4)
، لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت (وعكسه) أي يصح ائتمام من يقضي الصلاة بمن يؤديها لما سبق (و) يصح ائتمام (قاضي ظهر يوم، بقاضي ظهر يوم آخر) لما تقدم.
(و) يصح ائتمام (متوضئ بمتيمم) لأنه أتى بالطهارة على الوجه الذي لزمه
(5)
والعكس أولى كما تقدم.
(1)
جزء من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أخرجه مسلم في المساجد، حديث 673. وقد تقدم مرارًا.
(2)
سورة فاطر، الآية:18.
(3)
أخرجه عبد الرزاق (7/ 454) رقم 13860، 13861، وابن أبي شيبة (2/ 216) وابن المنذر في الأوسط (4/ 161) رقم 1949، والبيهقي (10/ 58)، وقال: رفعه بعض الضعفاء، والصحيح موقوف.
(4)
انظر كتاب الروايتين والوجهين (1/ 171).
(5)
في "ح"، و"ذ":"يلزمه".
(و) يصح ائتمام (ماسح على حائل بغاسل) لما تحت ذلك الحائل، لأن المسح رافع.
(و) يصح ائتمام (متنفل بمفترض) لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "من يتصدق على هذا؟ فقام رجلٌ فصلى معه"
(1)
.
(و) لا يصح أن يؤم (من عدم الماء والتراب) أو به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بأحدهما (بمن تطهر بأحدهما) لما تقدم في ائتمام القادر بالعاجز عن شرط الصلاة.
(ولا) يصح أن يأتم (مفترض بمتنفل) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"
(2)
ولأن صلاة المأموم لا تؤدى بنية الإمام، أشبهت صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. وهو ينتقض بالمسبوق إذا أدرك من الجمعة أقل من ركعة، فإنه ينوي الظهر خلف من يصليها. قاله في "المبدع". وقد يجاب عنه بأن الظهر بدل عن الجمعة إذن، والبدل والمبدل كالشيء الواحد. وعنه: يصح؛ لما روى جابر: "أن معاذًا كان يصلي مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم العشاء الأخيرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة" متفق عليه
(3)
.
وقد يقال: هذه قضية عين تحتمل الخصوصية فيسقط بها الاستدلال (إلا إذا صلى بهم في صلاة خوف صلاتين) في الوجه الرابع، لفعله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد
(4)
.
(1)
تقدم تخريجه (3/ 154) تعليق رقم 5.
(2)
تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
(3)
البخاري في الأذان، باب 60، حديث 700، 701، وفي الأدب، باب 74، حديث 6106، ومسلم في الصلاة، حديث 465.
(4)
(5/ 39، 49). ورواه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 288، حديث 1248، والنسائي في الإمامة، باب 41، حديث 835، وفي الخوف، حديث 1550، =
"فائدة" لو صلى الفجر ثم شك هل طلع الفجر أو لا؟ لزمته الإعادة. وله أن يؤم فيها من لم يصل، صححه الشارح وغيره؛ لأن الأصل بقاء الصلاة في ذمته، ووجوب فعلها، أشبه ما لو شك هل صلى أو لا؟.
(ولا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، أو غيرهما) كالعشاء (ولا عكسه) ومثله صلاة كل مفترض خلف مفترض بفرض غيره وقتًا واسمًا. لما تقدم من قوله: صلى الله عليه وسلم "فلا تختلفوا عليه"
(1)
لأن الاختلاف في الصفة كالاختلاف في الوصف.
"تتمة" إذا صلى مريض بمِثله ظهرًا قبل إحرام صلاة الجمعة، ثم حضر الإمام الجمعة، لم تنقلب ظهره نفلًا في الأصح. ذكره في "المبدع".
= 1554، والطيالسي ص/ 118 حديث 877، والبزار في مسنده (9/ 111، 113) حديث 3658، 3659، والطحاوي (1/ 315)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 135) حديث 2881، والدارقطني (2/ 61)، والبيهقي (3/ 259، 260) عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: "صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين، ثم سلم، فتأخروا، وجاء آخرون فكانوا في مكانهم، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فصار للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتان، ركعتان.
قال النووي في المجموع (4/ 153): رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن. وقال - أيضًا - في المجموع (4/ 261)، وفي الخلاصة (2/ 745، 746): رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح. وقال الزيلعي في نصب الراية (2/ 246): أخرجه أبو داود بسند صحيح. وانظر التلخيص الحبير (2/ 74، 75)، وبيان الوهم والإيهام (2/ 475 - 477) رقم 476.
(1)
تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
فصل في الموقف
(السنة وقوف المأمومين خلف الإمام) رجالًا كانوا أو نساء؛ لفعله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة، قام أصحابُه خلفه. وقد روي "أن جابرًا وجبارًا، وقف أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، فأخذ بأيديهما، حتى أقامهما خلفه" رواه مسلم، وأبو داود
(1)
، ولا ينقلهما إلا إلى الأكمل.
وما رُوي عن ابن مسعود أنه "صلى بين علقمة والأسود وقال: "هكذا رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فعلَ" رواه أحمد
(2)
ففيه هارون بن عنترة
(3)
وقد وثقه جماعة. وقال ابن حبان
(4)
: لا يحتج به. وقال ابن عبد البر
(5)
: لا يصح رفعه. والصحيح أنه من قول ابن مسعود
(6)
. وأجيب: بأنه منسوخ، أو محمول على
(1)
مسلم في الزهد، حديث 3010 في حديث طويل، وأبو داود في الصلاة، باب 82، حديث 634.
(2)
المسند (1/ 424، 451، 455، 459). ورواه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 71، حديث 613، والنسائي في الإمامة، باب 18، حديث 798، وأبو يعلى (9/ 121) حديث 5191، والبيهقي (3/ 98). قال النووي في الخلاصة (2/ 716 - 717): ورواه أبو داود بإسناد فيه هارون بن عنترة، وثقه أحمد، وابن معين، وقال الدارقطني: هو متروك يكذب. وهذا جرح مفسر، فيقدم على التعديل. والثابت في صحيح مسلم وغيره: أن ابن مسعود فعل ذلك، ولم يقل: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3)
في "ح" و"ذ": "عنبرة".
(4)
كتاب المجروحين (3/ 93).
(5)
التمهيد (1/ 267).
(6)
رواه مسلم في المساجد، حديث 534.
الجواز، وأجاب ابن سيرين بأن المسجد كان ضيقًا. رواه البيهقي
(1)
.
(إلا إمام العراة، و) إلا (إمامة النساء، فوسطًا وجوبًا في الأولى) أي إمام العراة، لما تقدم في ستر العورة (واستحبابًا في الثانية) أي إمامة النساء. روي عن عائشة. ورواه سعيد عن أم سلمة
(2)
. ولأنه يستحب لها التستر، وهذا أستر لها.
(فإن وقفوا) أي المأمومون (قدامه) أي الإمام (ولو بـ) قدر تكبيرة (إحرام) ثم تأخروا (لم تصح صلاتهم) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعلَ الإمامُ ليؤتم به"
(3)
والمخالفة في الأفعال مبطلة؛ لكونه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات خلفه؛ ولأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم، ولا هو في معنى المنقول، فلم يصح، كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام. وهو عام في كل الصلوات.
(غير داخل الكعبة في نفل، إذا تقابلا) بأن كان وجه الإمام إلى وجه المأموم (أو) تدابرا بأن (جعل) المأموم (ظهره إلى ظهر إمامه) لأنه لا يعتقد خطأه، وإنما خصه بالنفل لما تقدم من أن الفرض لا يصح داخلها.
و (لا) تصح (إن جعل) المأموم (ظهره إلى وجهه) أي الإمام (لتقدمه) أي المأموم (عليه) أي على إمامه (و) إلا (فيما إذا استدار الصف حولها) أي الكعبة (فلا بأس بتقدم المأموم، إذا كان في الجهة المقابلة للإمام) يعني في غير جهة الإمام؛ لأنه لا يتحقق تقدمه عليه (فقط) أي دون جهة الإمام، فلا تصح إن تقدم عليه فيها. قال في "المبدع": فإن كان المأموم أقرب في جهته من الإمام في جهته جاز، فإن كانا في جهة واحدة بطلت. وهذا معنى كلامه في "المنتهى" وغيره.
(1)
"السنن الكبرى"(3/ 99).
(2)
تقدم تخريجه (3/ 147) تعليق رقم 2.
(3)
تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
(و) إلا (في شدة الخوف إذا أمكن المتابعة) فلا يضر تقدم المأموم. نص عليه، لدعاء الحاجة إليه. فإن لم تمكن المتابعة، لم يصح الاقتداء.
(وإن وقفوا) أي المأمومون (معه) أي الإمام (عن يمينه، أو) وقفوا (عن جانبيه، صح) لما تقدم.
(وإن كان المأموم واحدًا وقف عن يمينه) أي الإمام، لإدارة النَّبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس، وجابرًا، إلى يمينه لما وقفا عن يساره، رواه مسلم
(1)
. ويندب تخلفه قليلًا خوفًا من التقدم، ومراعاة للمرتبة. قاله في "المبدع".
(فإن بان عدم صحة مصافته، لم تصح) لأنه فذ. قال في "الفروع" و"المبدع": والمراد لمن لم يحضر معه أحد، فيجيء الوجه: تصح منفردًا، أو كصلاتهم قدامه، في صحة صلاته وجهان انتهيا.
قلت: ظاهر "المنتهى" صحة صلاة الإمام في الثانية، قال: فإن تقدمه مأموم، لم تصح له. قال في "الفروع": ونقل أبو طالب في رجل أم رجلًا قام عن يساره: يعيد، وإنما صلى الإمام وحده. فظاهره: تصح منفردًا دون المأموم، وإنما يستقيم على إلغائه الإمامة. ذكره صاحب "المحرر".
(فإن وقف) المأموم الرجل أو الخنثى (خلفه) أي الإمام (أو) وقف المأموم مطلقًا (عن يساره) مع خلو يمينه (وصلى ركعة كاملة بطلت) صلاته. نص عليه. لما تقدم من إدارة النَّبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس، وجابرًا. وعنه: تصح. اختاره أبو محمد التميمي، والموفق. قال في "الفروع": وهي أظهر. وفي "الشرح": هي القياس، كما لو كان عن يمينه، وكون النَّبي صلى الله عليه وسلم رد جابرًا وابن عباس: لا يدل على عدم الصحة، بدليل رد جابر وجبار إلى ورائه، مع صحة صلاتهما عن جانبيه.
(وإذا وقف) المأموم (عن يساره) أي الإمام (أحرم، أو لا، سن للإمام
(1)
في صلاة المسافرين، حديث 763، 766.
أن يديره من ورائه إلى يمينه، ولم تبطل تحريمته) لما سبق من فعله صلى الله عليه وسلم بابن عباس وجابر.
(وإن كبر) مأموم (وحده خلفه) أي الإمام (ثم تقدم عن يمينه، أو جاء) مأموم (آخر فوقف معه، أو تقدم إلى الصف بين يديه، أو كانا) أي المأمومان (اثنين، فكبر أحدهما) للإحرام (وتوسوس الآخر، ثم كبر قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، صحت صلاتهم) وكذا لو أحرم واحد عن يمين الإمام فأحسَّ بآخر، فتأخر معه قبل أن يحرم الثاني ثم أحرم، أو أحرم عن يسار الإمام، فجاء آخر، فوقف عن يمينه قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، لأنه لم يصل فذًا ركعة ولا أكثرها.
(فإن وقف) مأموم (عن يمينه) أي الإمام (و) وقف (آخر عن يساره، أخرهما خلفه) لما تقدم من رده صلى الله عليه وسلم جابرًا وجبارًا وراءه، (فإن شق) عليه تأخيرهما تقدم عنهما (أو لم يمكن تأخرهما، تقدم الإمام) عنهما ليصيرا وراءه وصلى بينهما (فإن تأخر الأيمن قبل إحرام الداخل ليصليا خلفه، جاز) ذلك. وفي "النهاية" و"الرعاية": بل أولى؛ لأنه لغرض صحيح، و (كتفاوت إحرام اثنين خلفه) لأنه يسير (ثم إن بطلت صلاة أحدهما) لسبقه الحدث ونحوه (تقدم الآخر إلى الصف) إن كان (أو) تقدم (إلى يمين الإمام) إن لم يكن صف (أو جاء آخر فوقف معه خلف الإمام) لئلا يصير فذًا (وإلا) بأن لم يمكن تقدمه إلى الصف، بأن لم يكن فيه فرجة واحتاج إلى عمل كثير، ولا إلى يمين الإمام، ولا جاء آخر فوقف معه (نوى المفارقة) للعذر (وإن أدركهما) أي أدرك مأموم الإمام والمأموم (جالسين أحرم، ثم جلس عن يمين صاحبه، أو عن يسار الإمام، ولا تأخر إذن للمشقة) قال في "المبدع": وظاهره أن الزمنى لا يتقدمون ولا يتأخرون للعلة.
(و
الاعتبار في التقدم والمساواة بمؤخر قدم، وهو العقب)
كما تقدم في تسوية الصفوف.
(وإلا) أي وإن لم يكن التقدم بمؤخر القدم (لم يضر، كطول المأموم) عن إمامه (لأنه يتقدم برأسه في السجود.
فلو استويا) أي الإمام والمأموم (في العقب، وتقدمت أصابع المأموم لم يضر) أي لم يؤثر في صلاة المأموم، لعدم تقدم عقبه على عقب إمامه.
(وإن تقدم عقب المأموم عقب الإمام مع تأخر أصابعه) أي المأموم عن أصابع الإمام (لم تصح) صلاة المأموم، لتقدمه على إمامه، اعتبارًا بالعقب. ولو قدم رجله وهي مرتفعة عن الأرض، لم يضر لعدم اعتماده عليها (وكذا تأخر عقب المأموم) فإنه المعتبر، وإن تقدمت أصابعه. لكن لا يضر تأخر عقبه إلا إذا بان عدم مصافته لإمامه كما تقدم، بل تقدم عن "المبدع": أنه يندب تأخره قليلًا أي بحيث لا يخرج عن كونه مصافًا له.
(فإن صلى قاعدًا فالاعتبار بمحل القعود)
لأنه محل استقراره (وهو الألية، حتى لو مد) المأموم (رجليه وقدمهما على الإمام، لم يضر) لعدم اعتماده عليهما.
قلت: فإن كان أحدهما قائمًا والآخر قاعدًا؛ فلكل حكمه، فلا يقدم القائم عقبه على مؤخر ألية الجالس.
(وإن أم) رجل (خنثى، وقف) الخنثى (عن يمينه) احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون رجلًا، فإن كان معهما رجل، وقف الرجل عن يمين الإمام، والخنثى عن يساره، أو عن يمين الرجل، ولا يقفان خلفه، لجواز أن يكون امرأة، وإن كان معهم رجل آخر، وقف الثلاثة خلفه صفًّا.
(وإن أم رجل) امرأة، وقفت خلفه، وسواء كان معه رجل أو رجال أو لا.
(أو) أم (خنثى امرأة، وقفت خلفه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أخروهنَّ من حيث أخرهن الله"
(1)
(فإن وقفت) المرأة (عن يمينه) أي يمين الرجل أو الخنثى الإمام، فكرجل، فتصح (أو) وقفت (عن يساره، فكرجل في ظاهر كلامهم) وجزم به في "المنتهى" وغيره. فإن كان مع خلو يمينه، لم تصح صلاتها يساره، وإلا صحت. وفي "التعليق": إذا كان الإمام رجلًا وهو عريان فإنها تقف عن يمينه
(2)
.
(ويكره لها الوقوف في صف الرجال) لما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم بتأخيرهن (1)(فإن فعلت) أي وقفت في صف الرجال (لم تبطل صلاة من يليها، ولا) صلاة (من خلفها) فصف تام من نساء لا يمنع اقتداء من خلفهن من رجال (ولا) صلاة (أمامها
(3)
، ولا صلاتها) كما لو وقفت في غير صلاة. والأمر بتأخيرها لا يقتضي الفساد مع عدمه.
(وإن أم) رجل (رجلًا وصبيًا، استحب أن يقف الرجل عن يمينه) لكمال الرجل (والصبي عن يساره، أو) أم (رجلًا وامرأة، وقف الرجل عن يمينه والمرأه خلفه) لحديث مسلم عن أنس أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: "صلى به وبأمه، فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا"
(4)
.
(ولا بأس بقطع الصف عن يمينه) أي الإمام (أو خلفه. وكذا إن بعدَ الصف منه) أي من الإمام فلا بأس به (نصًّا).
(وقربه) أي الصف (منه) أي الإمام (أفضل) من بعده. وكذا قرب الصفوف بعضها من بعض (وكذا توسطه) أي الإمام للصف أفضل؛ لحديث
(1)
تقدم تخريجه (2/ 283) تعليق رقم 3.
(2)
يعني إذا كانت عريانة، وإلا لم تصح صلاتها. "ش".
(3)
في "ح" و"ذ": "من أمامها".
(4)
مسلم في المساجد، حديث 660 (269).
أبي هريرة قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وسطوا الإمام، وسدُّوا الخللَ" رواه أبو داود
(1)
.
(وإن انقطع) الصف (عن يساره) أي الإمام (فقال ابن حامد: إن كان) الانقطاع (بعد مقام ثلاثة رجال، بطلت صلاتهم) أي صلاة المنقطعين عن الصف يسار الإمام، وجزم بمعناه في "المنتهى".
(وإن اجتمع) في الصلاة (أنواع) من رجال وصبيان ونساء وخناثى (سن تقديم رجال) لما روى أبو داود عن عبد الرحمن بن غنم، قال: قال أبو مالك الأشعري: "ألا أحدثكم بصلاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقام الصف
(2)
، فصف الرجالَ، وصف الغلمانَ خلفهم"
(3)
ورواه أحمد بمعناه، وزاد فيه:"والنساءَ خلف الغلمانِ"
(4)
.
ويقدم من الرجال (أحرار) على أرقاء لمزيتهم بالحرية (ثم عبيد) بالغون (الأفضل، ثم الأفضل) منهما لحديث أبي مسعود الأنصاري قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: "ليلني
(5)
منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
(1)
في الصلاة، باب 99، حديث 681. ورواه - أيضًا - البيهقي (3/ 104)، وضعفه. وضعفه - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 330)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 350) رقم 1097. وقال الذهبي في المهذب (3/ 77): وسنده لين.
(2)
كذا في الأصول. وفي "سنن أبي داود"، و"سنن البيهقي":"الصلاة".
(3)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 97، حديث 677. وأخرجه - أيضًا - البيهقي (3/ 97). قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 356): وفي إسناده شهر بن حوشب. وقال النووي في الخلاصة (2/ 714) رقم 2498: رواه أبو داود والبيهقي بإسناد حسن.
(4)
"مسند أحمد"(5/ 341، 342، 343، 344).
(5)
في "ح" و"ذ": "يليني".
يلونهم" رواه أبو داود
(1)
.
(ثم صبيان كذلك) أي أحرار، ثم عبيد، الأفضل فالأفضل. لما تقدم.
(ثم خناثى) هكذا في "المقنع" لاحتمال أن يكونوا رجالًا. وهذا إن قلنا: يصح وقوف الخناثى صفًا. وفي "المنتهى": وإن وقف الخناثى صفًا لم يصح، وذلك لأن الرجل مع المرأة فذ.
(ثم نساء) أحرار بالغات، ثم إماء بالغات، ثم أحرار غير بالغات، ثم إماء غير بالغات، الفضلى فالفضلى.
(ويقدم من الجنائز إلى الإمام) عند اجتماع موتى في المصلى (و) يقدم (إلى القبلة في قبر واحد، حيث جاز) دفن ميتين فأكثر في قبر واحد (رجل حر، ثم عبد بالغ، ثم صبي كذلك) أي حر، ثم عبد (ثم خنثى) حر، ثم عبد: البالغ، ثم الصبي فيهما (ثم امرأة حرة) بالغة (ثم أمة) بالغة، ثم صبية حرة، ثم صبية أمة (وتأتي تتمته) في الجنائز. وتقدم مع تعدد النوع الأفضل فالأفضل، كما في المصافة.
(ومن لم يقف معه إلا امرأة) وهو رجل، ففذ (أو) لم يقف معه إلا (كافر، أو مجنون أو خنثى، أو محدث، أو نجس، يعلم مصافه ذلك) أي أنه محدث أو نجس، وكذا لو علم المصاف حدث أو نجس نفسه (ففذ) لأنهم من غير أهل الوقوف معه؛ ولأن وجود الكافر، والمجنون، والمحدث، والنجس، كعدمه. وكذا إذا وقف معه سائر من لا تصح صلاته، قاله في "الشرح". فدل على أن من صحت صلاته صحت مصافته.
(وكذا) من لم يقف معه إلا (صبي في فرض) وهو رجل، ففذ. لما تقدم. فإن كانت نفلًا، فليس بفذ، لقول أنس: "فقام صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا
(1)
في الصلاة، باب 96، حديث 674. ورواه - أيضًا - مسلم في الصلاة، حديث 432.
واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف" صلى الله عليه وسلم متفق عليه
(1)
(و) كذا (امرأة مع نساء) إذا لم يقف معها إلا كافرة أو مجنونة، أو من تعلم حدثها، أو نجاستها، ففذ. أو وقف معها في فرض غير بالغة، ففذ.
(وإن لم يعلم المحدث حدث نفسه فيها) أي في الصلاة حتى انقضت (ولا علمه مصافه) كذلك (فليس بفذ) وكذا إن لم يعلم ما ببدنه، أو ثوبه، أو بقعته من نجاسة، ولا علمه مصافه حتى انقضت فليس بفذ؛ لأنه لو كان إمامًا له، إذن لم يعد، فأولى إذا كان مصافًا.
(ومن وقف معه متنفل، أو من لا يصح أن يؤمه كالأمي) يقف مع القارئ (والأخرس) يقف مع الناطق (والعاجز) عن ركن أو شرط يقف مع القادر عليه (وناقص الطهارة) العاجز عن إكمالها يقف مع تام الطهارة (والفاسق) يقف مع العدل (ونحوه) أي نحو ما ذكر (فصلاتهما صحيحة) لأنه لا يشترط لها صحة الإمامة.
(ومن جاء فوجد فرجة) - بضم الفاء -
(2)
وهي الخلل (في الصف)، دخل فيه
(3)
(أو وجده) أي الصف (غير مرصوص، دخل فيه) نص عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلونَ الصفَّ"
(4)
. قال ابن تميم: فإن كانت أي الفرجة بحذائه لزم أن يمشي إليها عرضًا (فإن مشى إلى
(1)
البخاري في الصلاة، باب 20، حديث 380، ومسلم في المساجد، حديث 658.
(2)
في "ح" زيادة: "وفتحها". وانظر تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص/ 80.
(3)
في "ح" و"ذ": "فيها".
(4)
أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 50، حديث 995، وأحمد (6/ 67، 89، 160)، وعبد بن حميد (3/ 234) حديث 1511، وابن خزيمة (3/ 23) حديث 1550، وابن حبان "الإحسان"(5/ 536، 537) حديث 2163، 2164 =
الفرجة عرضًا بين يدي
(1)
المأمومين، كره) له ذلك، لما تقدم من حديث:"لو يعلم المار بين يدي المصلي" الحديث
(2)
. ولعل عدم التحريم هنا: إما لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، أو للحاجة.
(فإن لم يجد) موضعًا في الصف يقف فيه (وقف عن يمين الإمام إن أمكنه) ذلك؛ لأنه موقف الواحد (فإن لم يمكنه) الوقوف عن يمين الإمام (فله أن ينبه بكلام، أو بنحنحة، أو إشارة من يقوم معه) لما في ذلك من اجتناب الفذية (ويتبعه) من نبهه، وظاهره: وجوبًا؛ لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به.
(ويكره) تنبيهه (بجذبه، نصًا)
(3)
لما فيه من التصرف فيه بغير إذنه (ولو كان عبده، أو ابنه) لأنه لا يملك التصرف فيه حال العبادة، كالأجنبي.
(فإن صلى فذًا ركعة - ولو امرأة خلف امرأة -) لم تصح؛ لما روى علي بن شيبان أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لفردٍ خلف الصف" رواه أحمد، وابن ماجه
(4)
. وعن وابصة بن معبد أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: "رأى رجلًا يصلي خلفَ الصفِّ،
= والحاكم (1/ 214)، والبيهقي (3/ 101، 103) عن عائشة رضي الله عنها. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وأعله أبو حاتم الرازي بالإرسال كما في العلل لابنه (1/ 148 - 149) رقم 415.
(1)
في "ح" و"ذ" زيادة: "بعض".
(2)
تقدم تخريجه (2/ 421 - 422)، تعليق رقم 1.
(3)
مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 359 - 360) رقم 258.
(4)
أحمد (4/ 23)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 54، حديث 1003. ورواه - أيضًا - ابن سعد (5/ 551)، وابن أبي شيبة (2/ 193، 14/ 156)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 297، 298) حديث 1678، وابن خزيمة (3/ 30) حديث 1569، والطحاوي (1/ 394)، وابن حبان "الإحسان" (5/ 579 - 581) حديث 2202، 2203، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4/ 1971) حديث =
فأمره أن يعيد الصلاة" رواه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه
(1)
، وإسناده
= 4951، وابن حزم في المحلى (4/ 53)، والبيهقي (3/ 105).
وحسنه الإمام أحمد كما في التلخيص الحبير (2/ 37). وقال النووي في المجموع (4/ 171)، وفي الخلاصة (2/ 718): رواه ابن ماجه بإسناد حسن. قال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/ 1138): إسناده قوي. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 195): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وانظر المحلى (4/ 53)، ونصب الراية (2/ 39).
(1)
أحمد (4/ 228)، والترمذي في الصلاة، باب 56، حديث 230، 231، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 54، حديث 1004. ورواه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 100، حديث 682، والطيالسي ص/ 166 حديث 1201، والشافعي (ترتيب مسنده 1/ 107)، وعبد الرزاق (2/ 59) حديث 2482، والحميدي (2/ 392) حديث 884، وابن أبي شيبة (2/ 192، 193، 260)، (14/ 156)، والدارمي في الصلاة، باب 61، حديث 1285، 1289، 1290، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 289) حديث 1050، 1051، وابن الجارود (1/ 270) حديث 319، وابن المنذر في الأوسط (4/ 184) حديث 1995، 1996، والطحاوي (1/ 393)، وابن حبان "الإحسان" (5/ 575، 577، 576، 579) حديث 2198، 2199، 2200، 2201)، والطبراني في الكبير (22/ 140 - 145) حديث 371، 372، 381، 383، 384، 390، 391، 398، والدارقطني (1/ 362، 363)، وتمام (1/ 332) حديث 315، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (5/ 2725) حديث 6505، وابن حزم في المحلى (4/ 52)، والبيهقي (3/ 104، 105)، والبغوي (3/ 378، 379) حديث 824. قال الترمذي: حديث وابصة حديث حسن. وقال البغوي: هذا حديث حسن. وقال ابن عبد البر في التمهيد (1/ 269): حديث وابصة مضطرب الإسناد لا يثبته جماعة من أهل الحديث.
وانظر العلل للترمذي ص/ 67، والعلل لابن أبي حاتم (1/ 100) رقم 271، ومعرفة السنن والآثار (4/ 183). والمحلى لابن حزم (4/ 53، 54)، وفتح الباري لابن رجب (7/ 127، 130)، ونصب الراية (2/ 38).
ثقات. قال ابن المنذر
(1)
: ثبَّت أحمد وإسحاق هذا الحديث. ولأنه خالف الموقف، أشبه ما لو وقف قدام الإمام. ولا فرق بين العالم والعامد وضدهما.
(أو) وقف (عن يساره، ولو) كان المأموم (جماعة مع خلو يمينه، لم تصح) إذا صلى ركعة كذلك؛ لمخالفته موقفه. وتقدم ما فيه (ولو كان خلفه) أي الإمام (صف) فلا تصح صلاة من صلى عن يساره مع خلو يمينه.
(فإن كبر) فذًا (ثم دخل في الصف طمعًا في إدراك الركعة، أو وقف معه آخر قبل الركوع، فلا بأس) بذلك؛ لأنه يسير.
(وإن ركع فذًا ثم دخل في الصف، أو وقف معه) مأموم (آخر قبل رفع الإمام) من الركوع (صحت) صلاته؛ لأنه أدرك في الصف ما يدرك به الركعة (وكذا إن رفع الإمام) من الركوع فذا (ولم يسجد) حتى دخل الصف، أو جاء آخر فوقف معه صحت صلاته؛ لأن أبا بكرة - واسمه نفيع بن الحارث - ركع دونَ الصفِّ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"زادك الله حرصًا ولا تعد" رواه البخاري
(2)
. وفعل ذلك - أيضًا - زيد بن ثابت
(3)
، وابن مسعود
(4)
، وكما لو أدرك معه الركوع.
و (لا) تصح صلاته (إن سجد) إمامه قبل دخوله في الصف، ومجيء آخر يقف معه؛ لانفراده في معظم الركعة (وإن فعله) أي ركع ورفع فذًا، ثم
(1)
الأوسط (4/ 184).
(2)
في الأذان، باب 114، حديث 783.
(3)
رواه مالك (1/ 165)، وعبد الرزاق (2/ 283) رقم 3380، وابن أبي شيبة (1/ 256)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 186) رقم 1998، والطحاوي (1/ 398)، والبيهقي (2/ 90).
(4)
رواه عبد الرزاق (2/ 283) رقم 3381، وابن المنذر (4/ 187، 196) رقم 2000، 2024، والطحاوي (1/ 397)، والطبراني في الكبير (9/ 311، 312) رقم 9353، 9354، 9355، والبيهقي (2/ 90).
دخل الصف، أو وقف معه آخر (لغير عذر، بأن لا يخاف فوت الركعة، لم يصح) لأن الرخصة وردت في المعذور، فلا يلحق به غيره.
(ولو زحم في الركعة الثانية من الجمعة، فأخرج من الصف، وبقي فذًا، فإنه ينوي مفارقة الإمام) للعذر (ويتمها جمعة) لأنه أدرك منها ركعة مع الإمام (وإن أقام على متابعة إمامه، فتممها معه) جمعة (فذًا، صحت جمعته) في وجه؛ لأن الجمعة لا تقضى، فاغتفر فيها ذلك. وصحح في "تصحيح الفروع" عدم الصحة، ذكره في الجمعة، وهو ظاهر "المنتهى" وغيره، لعموم ما تقدم.
فصل في أحكام الاقتداء
(إذا كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه، وكانا في المسجد صحت) صلاة المأموم (ولو لم تتصل الصفوف عرفًا) لأن المسجد بني للجماعة، فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة، بخلاف خارج المسجد، فإنه ليس معدًا للاجتماع فيه، فلذلك اشترط الاتصال فيه (وكذا إن لم ير) المأموم (أحدهما) أي الإمام أو من وراءه (إن سمع التكبير) لأنهم في موضع الجماعة، ويمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير، أشبه المشاهدة.
(وإلا) أي وإن لم يسمع التكبير ولم يره، ولا بعض من وراءه (فلا) تصح صلاة المأموم، لعدم تمكنه من الاقتداء بإمامه.
(وإن كانا) أي الإمام والمأموم (خارجين عنه) أي المسجد (أو) كان (المأموم وحده) خارجًا عن المسجد (وأمكن الاقتداء، صحت) صلاة المأموم (إن رأى) المأموم (أحدهما) أي الإمام أو بعض من وراءه، ولو كانت جمعة في دار أو دكان، لانتفاء المفسد، ووجود المقتضي للصحة، وهو الرؤية وإمكان الاقتداء (ولو) كانت الرؤية (مما لا يمكن الاستطراق منه كشباك ونحوه) كطاق صغيرة، فتصح صلاة المأموم.
(وإن لم ير) المأموم (أحدهما) أي الإمام أو بعض من وراءه (والحالة هذه) أي وهما خارجا المسجد أو المأموم وحده خارجه (لم يصح) اقتداؤه به (ولو سمع التكبير) لقول عائشة لنساء كن يصلين في حجرتها: "لا تصلينَ
بصلاةِ الإمام، فإنكنَّ دونه في حجاب"
(1)
. ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب.
قلت: والظاهر أن المراد إمكان الرؤية لولا المانع كان، فلو كان بالمأموم عمى، أو كان في ظلمة وكان بحيث يرى لولا ذلك، صح اقتداؤه حيث أمكنته المتابعة
(2)
، ولو بسماع التكبير. وكذا إن كان المأموم وحده بالمسجد، أو كان كل منهما بمسجد غير الذي به الآخر، فلا يصح اقتداء المأموم إذن، إن لم ير الإمام أو بعض من وراءه.
(و
تكفي الرؤية في بعض الصلاة)
كحال القيام أو الركوع، لحديث عائشة قالت:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرةِ قصير، فرأى الناس شخصَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقام أناسٌ يصلون بصلاتِهِ - الحديث" رواه البخاري
(3)
. والظاهر أنهم إنما كانوا يرونه في حال قيامه.
(وسواء في ذلك الجمعة وغيرها) لعدم الفارق.
(ولا يشترط اتصال الصفوف) فيما إذا كان خارج المسجد (أيضًا) أي كما لا يشترط لو كانا في المسجد (إذا حصلت الرؤية المعتبرة
(4)
وأمكن
(1)
أخرجه البيهقي (3/ 111)، بسنده عن الشافعي قال:"صلى نسوة مع عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام؛ فإنكن دونه في حجاب. قال الشافعي: وكما قالت عائشة في حجرتها، إن كانت قالته، قلناه".
وهذا معلق، ولم نجد من وصله.
(2)
قال الشيخ عثمان في حاشيته على "المنتهى": وفي كلام م - نظر، بل لا بد من الرؤية المعتبرة بالفعل كما يؤخذ من كلام "الإقناع"، فلا يكتفى بإمكان الرؤية مع وجود مانع نحو ظلمة وعمى. اهـ "ش".
(3)
في الأذان، باب 80، حديث 729.
(4)
فهم من قوله: حصلت الرؤية، أنه لا يكتفى بإمكان الرؤية مع وجود مانع نحو ظلمة وعمى، خلافًا لما بحثه الشيخ م ص. "ش".
الاقتداء) أي المتابعة (ولو جاوز) ما بينهما (ثلاثمائة ذراع) خلافًا للشافعي
(1)
.
(وإن كان بينهما نهر تجري فيه السفن) لم تصح (أو) كان بينهما (طريق، ولم تتصل فيه الصفوف عرفًا إن صحت) الصلاة (فيه) كصلاة الجمعة، والعيد، والاستسقاء، والكسوف، والجنازة لضرورة، لم تصح. فإن اتصلت إذن صحت (أو اتصلت) الصفوف (فيه) أي الطريق (وقلنا: لا تصح) الصلاة (فيه) أي الطريق كالصلوات الخمس (أو انقطعت) الصفوف (فيه) أي الطريق (مطلقًا) سواء كانت تلك الصلاة مما تصح في الطريق أو لا، وبعضه داخل فيما تقدم (لم تصح) صلاة المأموم؛ لأن الطريق ليست محلًا للصلاة، أشبه ما يمنع الاتصال، والنهر المذكور في معناه.
واختار الموفق وغيره: أن ذلك لا يمنع الاقتداء لعدم النص في ذلك والإجماع.
(ومثله من بسفينة وإمامه في أخرى غير مقرونة بها) لأن الماء طريق، وليست الصفوف متصلة (في غير شدة خوف) فلا يمنع ذلك الاقتداء في شدة الخوف للحاجة.
(ويكره أن يكون الإمام أعلى من المأموم) لما روى أبو داود، عن حذيفة، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أمَّ الرجلُ القومَ، فلا يقومَن في مكان أرفع من مكانِهم"
(2)
.
(1)
انظر: مختصر المزني مع شرحه الحاوي الكبير (2/ 344)، والتهذيب للبغوي (2/ 281، 282)، والمجموع (4/ 176).
(2)
أبو داود في الصلاة، باب 67، حديث 598. ورواه - أيضًا - البيهقي (3/ 190)، والبغوي (3/ 391) حديث 830. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (1/ 309): في إسناده رجل مجهول. وقال النووي في الخلاصة (2/ 722، 723): وقد روى أبو داود هذه القصة - أيضًا - بإسناد ضعيف عن رجل مجهول ..
وروى الدارقطني
(1)
معناه بإسناد حسن. وقال ابن مسعود
(2)
لحذيفة: "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى" رواه الشافعي
(3)
بإسناد ثقات، وظاهره: لا فرق بين أن يقصد تعليمهم أم لا. ومحله إذا كان (كثيرًا، وهو ذراع فأكثر) من ذراع.
(ولا بأس بـ) ــعلو (يسير، كدرجة منبر ونحوها) مما دون ذراع، جمعًا بين ما تقدم وبين حديث سهل:"أنه صلى الله عليه وسلم صلى على المنبرِ، ثم نزل القهقرى، فسجد وسجد معه الناسُ، ثم عاد حتى فرغ، ثم قال: إنما فعلت هذا لتأتموا بِي، ولتعلموا صلاتِي" متفق عليه
(4)
. والظاهر أنه كان على الدرجة السفلى، لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول، فيكون ارتفاعًا يسيرًا.
(ولا بأس بعلو مأموم، ولو) كان علوه (كثيرًا، نصًا) ولا يعيد الجمعة من يصليها فوق سطح المسجد. روى الشافعي عن أبي هريرة "أنه صلى على
(1)
(2/ 88). ورواه - أيضًا - الحاكم (1/ 210)، والبيهقي (3/ 109) من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه. يعني أسفل منه. قال النووي في الخلاصة (2/ 722): وفي رواية للدارقطني، والبيهقي بإسناد جيد، فيه رجل مختلف في الاحتجاج به.
(2)
كذا في الأصول: وفي "الأم"، و"سنن أبي داود" وغيرهما:"أبو مسعود".
(3)
ترتيب مسنده (1/ 119 - 120). ورواه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 67، حديث 597، وابن الجارود (1/ 267) حديث 313. وابن خزيمة (3/ 13) حديث 1523، وابن حبان "الإحسان" (5/ 514، 515) حديث 2143، والحاكم (1/ 210)، والبيهقي (3/ 108)، والبغوي (3/ 392) حديث 831. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصحح إسناده النووي في المجموع (4/ 295)، وفي الخلاصة (2/ 722).
(4)
البخاري في الجمعة، باب 26، حديث 917، ومسلم في المساجد، حديث 544.
ظهرِ المسجدِ بصلاةِ الإمامِ"
(1)
ورواه سعيد عن أنس
(2)
، ولأنه يمكنه الاقتداء، أشبه المتساويين.
(ويباح اتخاذ المحراب، نصًا) وقيل: يستحب، أومأ إليه أحمد
(3)
، واختاره الآجري، وابن عقيل، ليستدل به الجاهل. لكن قال الحسن:"الطاق في المسجد أحدثه الناسُ"
(4)
وكان أحمد يكره كل محدث
(5)
.
(ويكره للإمام الصلاة فيه) أي المحراب (إذا كان يمنع المأموم مشاهدته) روي عن ابن مسعود وغيره
(6)
؛ لأنه يستتر به عن بعض المأمومين، أشبه ما لو كان بينه وبينهم حجاب (إلا من حاجة، كضيق المسجد) وكثرة الجمع، فلا يكره لدعاء الحاجة إليه.
(لا) يكره (سجوده) أي الإمام (فيه) أي المحراب، إذا كان واقفًا خارجه، لأنه ليس محل مشاهدته (ويقف الإمام عن يمين المحراب إذا كان المسجد واسعًا، نصًا) لتميز جانب اليمين.
(1)
الشافعي (ترتيب مسنده 1/ 108). ورواه - أيضًا - سعيد بن منصور، كما في تغليق التعليق (2/ 215 - 216)، وعبد الرزاق (3/ 83) رقم 4888، وابن أبي شيبة (2/ 223)، والبيهقي (3/ 111). وعلقه البخاري في صحيحه (1/ 486) مجزومًا به. وانظر الأوسط لابن المنذر (4/ 122) رقم 1873.
(2)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد. وقد رواه الشافعي (ترتيب مسنده 1/ 107، 108)، وعبد الرزاق (3/ 83) رقم 4887. وابن أبي شيبة (2/ 323)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 120) رقم 1872، والبيهقي (32/ 111).
(3)
جاء في مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 355) رقم 250: "قلت: تكره المحراب في المسجد؟ قال: ما أعلم فيه حديثًا يثبت، ورب مسجد يحتاج إليه يرتفق به". وراجع الإنصاف (4/ 458).
(4)
لم نجد من رواه بهذا اللفظ. وروى عبد الرزاق (2/ 412) رقم 3901، أنه اعتزل الطاق أن يصلي فيه.
(5)
طبقات الحنابلة (1/ 67).
(6)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 59 - 60).
(ويكره تطوعه) أي الإمام (في موضع المكتوبة بعدها) نض عليه
(1)
، وقال: كذا قال علي بن أبي طالب
(2)
. لما روى المغيرة بن شعبة مرفوعًا قال: لا يصلينَّ الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحّى عنه" رواه أبو داود
(3)
إلا أن أحمد
(4)
قال: لا أعرف ذلك عن غير علي. ولأن في تحوله من مكانه إعلامًا لمن أتى المسجد أنه قد صلى، فلا ينتظره، ويطلب جماعة أخرى (بلا حاجة) كضيق المسجد، فإن احتاج إلى ذلك لم يكره.
(وترك مأموم له) أي للتطوع موضع المكتوبة (أولى) لما تقدم أنه يسن الفصل بين فرض وسنته بكلام أو قيام، بل النفل بالبيت أفضل.
(وتكره إطالة القعود للإمام بعد الصلاة مستقبل القبلة) لقول عائشة: "كان صلى الله عليه وسلم إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" رواه مسلم
(5)
. ولأنه إذا بقي على حاله
(1)
مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 336، 337) رقم 233. وانظر - أيضًا - مسائل عبد الله (2/ 372) رقم 535، ومسائل ابن هانئ (1/ 61) رقم 303، ومسائل أبي داود ص/ 72.
(2)
رواه عبد الرزاق (2/ 417) رقم 3917، وابن أبي شيبة (2/ 209، 210)، والدارقطني (1/ 281، 282)، والبيهقي (2/ 191). وحسن إسناده الحافظ في الفتح (2/ 335).
(3)
في الصلاة، باب 73، حديث 616. ورواه - أيضًا - ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 203 حديث 1428، وابن عدي (5/ 1997)، والبيهقي (2/ 190)، وابن عساكر (23/ 103). قال النووي في المجموع (3/ 435): ضعيف، رواه أبو داود، وقال: عطاء لم يدرك المغيرة. وقال الحافظ في الفتح (2/ 335): إسناد منقطع. وانظر بيان الوهم والإيهام (3/ 47، 48) رقم 702.
(4)
انظر مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 336 - 337) رقم 233.
(5)
في المساجد، حديث 592.
ربما سها فظن أنه لم يسلم، أو ظن غيره أنه في الصلاة والمأموم والمنفرد على حالهما (إن لم يكن) هناك (نساء، ولا حاجة) تدعو إلى إطالة الجلوس مستقبلًا، كما إذا لم يجد منصرفًا، ولم يمكنه الانحراف.
(فإن أطال) الإمام الجلوس مستقبل القبلة (انصرف مأموم إذن) لمخالفة الإمام السنة (وإلا) أي وإن لم يطل الإمام الجلوس (استحب له) أي للمأموم (أن لا ينصرف قبله) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبقوني بالانصراف" رواه مسلم
(1)
. ولأنه ربما يذكر سهوًا فيسجد له. وإن انحرف فلا بأس. ذكره في "المغني" و"الشرح".
(و
يستحب للنساء قيامهن عقب سلام الإمام، وثبوت الرجال قليلًا)
لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يفعلون ذلك. قال الزهري: "فنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهنَّ الرجال" رواه البخاري
(2)
من حديث أم سلمة. ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء (وتقدم في) باب (صفة الصلاة.
ويكره اتخاذ غير الإمام مكانًا بالمسجد، لا يصلي فرضه إلا فيه) لنهيه صلى الله عليه وسلم "عن إيطانِ المكانِ كإيطانِ البعيرِ"
(3)
وفي إسناده تميم بن محمود،
(1)
في الصلاة، حديث 426، من حديث أنس رضي الله عنه.
(2)
في الأذان، باب 152، 157، حديث 837، 849، 850.
(3)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 148، حديث 862، والنسائي في التطبيق، باب 55، حديث 1111، وابن ماجه في الإقامة، باب 204، حديث 1429، وابن أبي شيبة (2/ 91)، وأحمد (3/ 428، 444)، والدارمي في الصلاة، باب 75، حديث 1329، وابن خزيمة (1/ 331، 2/ 280) حديث 662، 1319، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (15/ 482) حديث 6179، والعقيلي (1/ 170)، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 174)، وابن حبان "الإحسان" =
وهو مجهول. وقال البخاري
(1)
: في إسناد حديثه نظر. (ولا بأس به) أي باتخاذ مكان لا يصلي إلا فيه (في النفل) للجمع بين الأخبار. وقال المروذي: كان أحمد لا يوطن الأماكن، ويكره إيطانها. قال في "الفروع": وظاهره: ولو كانت فاضلة، خلافًا للشافعي
(2)
. ويتوجه احتمال، وهو ظاهر ما سبق من تحري نقرة الإمام؛ لأن سلمة كان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف. وقال:"إن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتحرَّى الصلاةَ عندَها" متفق عليه
(3)
. قال: وظاهره أيضًا ولو كان لحاجة، كإسماع حديث وتدريس، وإفتاء ونحوه. ويتوجه: لا. وذكره بعضهم اتفاقًا.
(و
يكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم
عرفًا) رواه البيهقي عن ابن مسعود
(4)
، وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: "كنا ننهى أن
= (6/ 53) حديث 2277، وابن عدي (2/ 515)، والحاكم (1/ 229)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة (4/ 1825)، والبيهقي (2/ 118، 3/ 238، 239)، والبغوي (3/ 161) حديث 666، كلهم من طريق تميم بن محمود، عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وعن افتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان الذي يصلي فيه كما يوطن البعير. وصححه الحاكم. ووافقه الذهبي. مع أن في سنده تميم بن محمود، قال فيه العقيلي بعد أن أورد هذا الحديث: لا يتابع عليه، وحكى عن البخاري أنه قال: في حديثه نظر.
(1)
التاريخ الكبير (2/ 154).
(2)
انظر شرح النووي على صحيح مسلم (4/ 449).
(3)
البخاري في الصلاة، باب 95، حديث 502، ومسلم في الصلاة، حديث 509 (264).
(4)
(3/ 104). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (2/ 60) رقم 2487، 2488، وابن أبي شيبة (2/ 369، 370)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 182) رقم 1990، ولفظه:"لا تصفوا بين السواري".
نصف بين السواري على عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونطرد عنها طردًا" رواه ابن ماجه
(1)
، وفيه لين. وقال أنس:"كنا نتقي هذا على عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم" رواه أحمد، وأبو داود
(2)
، وإسناده ثقات. قال أحمد
(3)
: لأنه يقطع الصف. قال بعضهم: فتكون سارية عرضها مقام ثلاثة (بلا حاجة) فإن كان ثم حاجة، كضيق المسجد، وكثرة الجماعة لم يكره.
(ولا يكره للإمام) أن يقف بين السواري لأنه ليس ثم صف يقطع (ولو
(1)
في إقامة الصلاة، باب 53، حديث 1002. ورواه - أيضًا - الطيالسي ص/ 144 حديث 1073، والبزار في مسنده (8/ 249) حديث 3312، 3313، والروياني (2/ 130) حديث 950، والدولابي في الكنى والأسماء (2/ 113)، وابن خزيمة (3/ 92) حديث 1567، وابن حبان "الإحسان" (5/ 597، 598) حديث 2219، والطبراني في الكبير (19/ 21) حديث 39، 40، والحاكم (1/ 218)، والبيهقي (3/ 104).
قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وأقره النووي في الخلاصة (2/ 720، 721).
(2)
أحمد (3/ 131)، وأبو داود في الصلاة، باب 95، حديث 673. ورواه - أيضًا - الترمذي في الصلاة، باب 55، حديث 229، والنسائي في الإمامة، باب 33، حديث 820، وعبد الرزاق (2/ 60) حديث 2489، وابن أبي شيبة (2/ 369)، وابن خزيمة (3/ 30) حديث 1568، وابن المنذر في الأوسط (4/ 181) حديث 1979، وابن حبان "الإحسان" (5/ 596، 597) حديث 2218، والحاكم (1/ 210، 218)، والبيهقي (3/ 104). قال الترمذي: حديث أنس حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح، ووافقه الذهبي. وضعفه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (1/ 355). وانظر بيان الوهم والإيهام (5/ 338، 339) رقم 2516.
(3)
مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص/ 47.
أمت امرأة امرأة واحدة، أو) أمت (أكثر) من امرأة، كاثنتين فأكثر (لم يصح وقوف امرأة واحدة منهن خلفها مفردة) كالرجل خلف الرجل. وكذا لو وقفت عن يسارها (وتقدم).
قال في "المستوعب" وغيره: (ومن الأدب وضع الإمام نعله عن يساره) في حال صلاته إكرامًا لجهة يمينه (و) وضع (مأموم) نعله (بين يديه) أي قدامه (لئلا يؤذي غيره).
وتقدم: يستحب تفقده عند دخول المسجد، والأولى تناوله بيساره.
فصل في الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة
(ويعذر في ترك الجمعة والجماعة مريض) لأنه صلى الله عليه وسلم لما مرض تخلف عن المسجد، وقال:"مروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناسِ" متفق عليه
(1)
.
(و) يعذر في ذلك (خائف حدوثه) لما روى أبو داود، عن ابن عباس، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فسر العذر "بالخوف والمرضِ"
(2)
. (أو) خائف (زيادته) أي المرض. (أو تباطئه) لأنه مريض.
(فإن لم يتضرر) المريض (بإتيانه) أي المسجد (راكبًا أو محمولًا أو تبرع أحد به) أي بأن يركبه أو يحمله، أو بقود أعمى (لزمته الجمعة) لعدم تكررها (دون الجماعة) نقل المروذي في الجمعة: يكتري ويركب. وحمله القاضي على ضعف عقب المرض، فأما مع المرض، فلا يلزمه لبقاء العذر. ومحل سقوط الجمعة والجماعة عن المريض ونحوه (إن لم يكن في المسجد) فإن كان فيه، لزمته الجمعة والجماعة، لعدم المشقة.
(و) يعذر بترك الجمعة والجماعة (من هو ممنوع من فعلهما كالمحبوس) لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا}
(3)
.
(و) يعذر في ترك الجمعة والجماعة (من يدافع الأخبثين) البول والغائط (أو) يدافع (أحدهما) لأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها.
(1)
تقدم تخريجه (2/ 288) تعليق رقم 2.
(2)
تقدم تخريجه (3/ 143) تعليق رقم 2.
(3)
سورة البقرة، الآية:286.
(أو بحضرة طعام يحتاج إليه، وله الشبع) نص عليه
(1)
. لخبر أنس في "الصحيحين": "ولا تعجلن حتى تفرغَ منْه"
(2)
.
(أو خائف من ضياع ماله، كغلة في بيادرها، ودواب أنعام لا حافظ لها غيره، ونحوه، أو) خائف (تلفه، كخبز في تنور، وطبيخ على نار، ونحوه).
(أو) خائف (فواته، كالضائع يدل به) أي عليه (في مكان، كمن ضاع له كبش، أو أبق له عبد، وهو يرجو وجوده. أو قدم به من سفر إن لم يقف لأخذه، ضاع. لكن قال المجد) عبد السلام بن تيمية: (الأفضل ترك ما يرجو وجوده ويصلي الجمعة والجماعة) لأن ما عند الله خير وأبقى، وربما لا ينفعه حذره.
(أو) خائف من (ضرر فيه) أي ماله (أو في معيشة يحتاجها، أو أطلق الماء على زرعه أو بستانه، يخاف إن تركه، فسد.
أو كان مستحفظًا على شيء يخاف عليه) الضياع (إن ذهب وتركه، كناطور بستان ونحوه) لأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق. وقال ابن عقيل: خوف فوت المال عذر في ترك الجمعة إن لم يتعمد سببه، بل حصل اتفاقًا.
(1)
انظر مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 229) رقم 131، وبدائع الفوائد (3/ 79)، وفتح الباري لابن رجب (6/ 99).
(2)
البخاري في الأذان، باب 42، حديث 672، ومسلم في المساجد، حديث 557، ولفظه:"إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم".
وروى البخاري في الأذان، باب 42، حديث 673، ومسلم في المساجد، حديث 559، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه".
"تنبيه" قال في "القاموس"
(1)
: الناطر والناطور: حافظ الكرم والنخل، أعجمي، الجمع نطار ونطراء ونواطير ونطرة. والفعل النطر والنطارة بالكسر.
(أو كان عريانًا ولم يجد سترة، أو لم يجد إلا ما يستر عورته فقط، ونحوه في غير جماعة عراة) لما يلحقه من الخجل. فإن كانوا عراة كلهم صلوا جماعة وجوبًا، وتقدم.
(أو خائف موت رفيقه أو قريبه، ولا يحضره، أو لتمريضهما) يقال: مرضته تمريضًا، قمت بمداواته، قاله في "المصباح"
(2)
(إن لم يكن عنده) أي المريض (من يقوم مقامه) لأن ابن عمر استصرخ على سعيد بن زيد وهو يتجمر للجمعة، فأتاه بالعقيق، وترك الجمعة
(3)
. قال في "الشرح": ولا نعلم في ذلك خلافًا (أو خائف على حريمه أو نفسه من ضرر، أو سلطان ظالم، أو سبع أو لص، أو ملازمة غريم) ولا شيء معه يعطيه (أو حبسه يحق لا وفاء له) لأن حبس المعسر ظلم. وكذا إن كان الدين مؤجلًا وخشي أن يطالبه به قبل محله. وظاهره: أنه إذا قدر على أداء دينه فلا عذر للنص
(4)
.
(1)
ص/ 622.
(2)
ص/ 217.
(3)
رواه البخاري في المغازي، باب 10، رقم 3990 بنحوه.
(4)
روى البخاري في الكفالة، باب 38، حديث 2287، 2288، وفي الاستقراض وأداء الديون، باب 12، حديث 2400، ومسلم، في المساقاة، حديث 1564 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مطل الغني ظلم". وروى البخاري معلقًا في الاستقراض، باب 13، وفي التاريخ الكبير (4/ 259)، وأبو داود في الأقضية، باب 29، حديث 3628، والنسائي في البيوع، باب 100، حديث 4703، 4704، وابن ماجه في الصدقات، باب 18، حديث 2428، وابن أبي شيبة (7/ 79)، وأحمد (4/ 222، 388، 389)، والطحاوي في شرح =
(أو) خاف (فوات رفقة مسافر سفرًا مباحًا منشئًا) للسفر (أو مستديمًا) له؛ لأن عليه في ذلك ضررًا.
(أو غلبه نعاس يخاف معه فوتها) أي الصلاة (في الوقت أو) يخاف فوتها (مع الإمام) لأن رجلًا صلى مع معاذ ثم انفرد، فصلى وحده عند تطويل معاذ، وخوف النعاس والمشقة، فلم ينكر عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حين أخبره
(1)
. ذكره في "الشرح" و"المبدع".
وفي "المذهب" و"الوجيز": يعذر فيهما - أي الجمعة والجماعة - بخوفه نقض الوضوء بانتظارهما (والصبر والتجلد على دفع النعاس، ويصلي معهم) جماعة (أفضل) لما فيه من نيل فضل الجماعة (أو تطويل إمام) لما تقدم من فعل ذلك الرجل الذي انفرد عن معاذ لتطويله، ولم ينكر عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
(أو من عليه قود إن رجا العفو) عنه. وظاهره: ولو على مال حتى يصالح. (ومثله) أي القود (حد قذف) لأنه حق آدمي، وهذا توجيه لصاحب "الفروع". ولهذا قال في "شرح المنتهى": وكذا لو كان لآدمي، كحد قذف على الصحيح. أي إنه لا يكون عذرًا. وقطع به في "الشرح" وغيره.
(ومن عليه حد لله) تعالى كحد الزنا، وشرب الخمر وقطع السرقة، (فلا
= مشكل الآثار (2/ 410) حديث 949، وابن حبان "الإحسان"(11/ 486) حديث 5089، والطبراني في الكبير (7/ 318) حديث 7249، 7250، والحاكم (4/ 102)، والبيهقي (6/ 51) عن الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في فتح الباري (5/ 62): وإسناده حسن.
(1)
انظر تخريجه (3/ 216)، تعليق رقم 3.
يعذر به) في ترك الجمعة والجماعة؛ لأن الحدود لا يدخلها المصالحة، بخلاف القصاص.
(أو متأذ بمطر، أو وحل) بتحريك الحاء والتسكين لغة رديئة (أو ثلج، أو جليد، أو ريح باردة في ليلة مظلمة) لقول ابن عمر: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر: صلوا في رحالكم" متفق عليه
(1)
، ورواه ابن ماجه
(2)
بإسناد صحيح. ولم يقل: في السفر.
وفي "الصحيحين" عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير - زاد مسلم: في يوم جمعة -: "إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم. قال: فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال ابن عباس: أتعجَبُونَ من ذلكَ؟ فقد فعل هذا من هو خير مني. يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم. إن الجمعة عزيمةٌ
(3)
، وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحضِ"
(4)
. والثلج، والجليد، والبرد، كذلك.
إذا تقرر ذلك فالريح الباردة في الليلة المظلمة عذر؛ لأنها مظنة المطر (ولو لم تكن الريح شديدة) خلافًا لظاهر "المقنع". وذكر أبو المعالي: أن كل ما أذهب الخشوع كالحر المزعج عذر. ولهذا جعله الأصحاب كالبرد في المنع من الحكم والإفتاء.
(و
الزلزلة عذر،
قاله أبو المعالي) لأنها نوع خوف.
(1)
البخاري في الأذان، باب 18، حديث 632، ومسلم في المسافرين، حديث 697 (23).
(2)
في إقامة الصلاة، باب 35، حديث 937.
(3)
في "الصحيحين": "عزمة".
(4)
البخاري في الجمعة، باب 14، حديث 901، ومسلم في المسافرين، حديث 699.
(قال ابن عقيل: ومن له عروس تجلى عليه) أي على وجه مباح فهو عذر.
(والمنكر في طريقه) إلى المسجد (ليس عذرًا، نصًا) لأن المقصود الذي هو الجمعة والجماعة مقصود لنفسه لا قضاء حق لغيره. وكذا المنكر في المسجد، كدعاء البغاة ليس عذرًا، وينكره بحسبه.
(ولا العمى) فليس عذرًا (مع قدرته) لما تقدم أول الباب (فإن عجز) الأعمى عن قائد (فتبرع قائد) بقوده (لزمه) حضور الجمعة، لا الجماعة، كما في "المنتهى" وغيره، وأشرت إليه آنفًا.
(ولا الجهل بالطريق) أي ليس عذرًا (إن وجد من يهديه) أي يدله على المسجد.
"تتمة" قال في الخلاف وغيره: ويلزمه، أي الأعمى إن وجد ما يقوم مقام القائد، كمد الحبل إلى موضع الصلاة. واقتصر عليه في "الفروع".
(ويكره حضور مسجد) لمن أكل ثومًا، أو بصلًا، أو فجلًا، ونحوه، حتى يذهب ريحه (ولو خلا المسجد من آدمي، لتأذي الملائكة) بريحه، ولحديث:"من أكل من هذه الشجرةِ الخبيثة فلا يقربنَّ مصلانا"
(1)
.
(1)
روى البخاري في الأذان، باب 160، حديث 856، وفي الأطعمة، باب 49، حديث 5451، ومسلم في المساجد، حديث 562، عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا:"من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا، ولا يصلي معنا". لفظ مسلم.
وروى البخاري - أيضًا - في الأذان، باب 160، حديث 855، ومسلم في المساجد، حديث 564، عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا قال:"من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا .. الحديث".
وروى مسلم في المساجد، حديث 565 (76) عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا:"من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا، فلا يقربنا في المسجد".
وقد روي من طرق أخرى بنحوه. انظر جامع الأصول (7/ 440 - 446).
(والمراد حضور الجماعة، حتى ولو في غير مسجد، أو غير صلاة) ذكر معناه في "المبدع". والحاصل، كما في "المنتهى": أنه يكره حضور مسجد وجماعة مطلقًا (لمن أكل ثومًا أو بصلًا) نيئين (أو فجلًا ونحوه) ككراث (حتى يذهب ريحه) لما فيه من الإيذاء. ويستحب إخراجه (وكذا جزار له رائحة منتنة، ومن له صنان).
قلت: وزيات، ونحوه من كل ذي رائحة منتنة؛ لأن العلة الأذى.
(وكذا من به برص، أو جذام يتأذى به) قياسًا على أكل الثوم ونحوه، بجامع الأذى. ويأتى في التعزير منع الجذمى من مخالطة الأصحاء.
"فائدة" يقطع الرائحة الكريهة مضغ السداب
(1)
أو السعد
(2)
، قاله بعض الأطباء
(3)
.
(1)
كذا في الأصول: "السداب" بالدال المهملة، وصوابه:"السذاب" بالذال المعجمة ويقال له: الفيجن، وهو بقل معروف. انظر تاج العروس (3/ 45).
(2)
السُعْد: نبت له أصل تحت الأرض أسود طيب الريح. تهذيب اللغة (2/ 74).
(3)
الجامع لمفردات الأدوية والأغذية (2/ 5)، والمعتمد في الأدوية المفردة ص/ 219.
باب صلاة أهل الأعذار
وهم المريض، والمسافر، والخائف، ونحوهم. والأعذار: جمع عذر، كأقفال جمع قفل.
(يجب أن يصلي مريض قائمًا أجماعًا في فرض، ولو لم يقدر إلا كصفة ركوع كصحيح) لحديث عمران بن حصين مرفوعًا: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" رواه البخاري
(1)
وغيره، زاد النسائي:"فإن لم تستطع فمستلقيًا"
(2)
. وحديث: "إذا أمرتكم بأمرٍ فائتوا منه ما استطعتم"
(3)
(ولو) كان في قيامه (معتمدًا على شيء) من نحو حائط (أو مستندًا إلى حائط) ونحوها (ولو) كان اعتماده أو استناده إلى شيء (بأجرة) مثله أو زائد يسيرًا (إن قدر عليها) كما تقدم في ماء الوضوء فإن لم يقدر على الأجرة، صلى على حسب ما يستطيع (سوى ما تقدم) في باب صفة الصلاة، عند عَدِّ القيام من الأركان.
(فإن لم يستطع) المريض القيام (أو شق عليه) القيام (مشقة شديدة، لضرر من زيادة مرض، أو تأخر برء ونحوه) كما لو كان القيام يوهنه (حيث جاز ترك القيام فـ) ــإنه يصلي (قاعدًا) لما تقدم من الخبر (متربعًا ندبًا)
(1)
في تقصير الصلاة باب 19، حديث 1117، وأبو داود في الصلاة، باب 179، حديث 952، والترمذي في الصلاة، باب 157، حديث 372، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 139، حديث 1223، وأحمد (4/ 426)، وابن الجارود (120)، وابن خزيمة (2/ 242) حديث 1250، والبيهقي:(2/ 304، 3/ 155).
(2)
لم نجدها في سنن النسائي، ولا في غيرها من كتب الحديث المطبوعة.
(3)
تقدم تخريجه: (1/ 234) تعليق رقم 2.
كمتنفل (وكيف قعد جاز) كالمتنفل (ويثني رجليه في ركوع وسجود كمتنفل) وأسقطه القاضي بضرر متوهم، وأنه لو تحمل الصيام والقيام حتى ازداد مرضه، أثم.
(فإن لم يستطع) القعود (أو شق عليه) القعود، كما تقدم في القيام (ولو) كان عجزه عن القيام والقعود (بتعديه بضرب ساقه ونحوه) كفخذه (كتعديها) أي الحامل (بضرب بطنها حتى نفست، كما سبق) في آخر باب الحيض (فـ) ــإنه يصلي (على جنب) لما تقدم في حديث عمران.
(و) الصلاة على الجنب (الأيمن أفضل) من الصلاة على الجنب الأيسر؛ لحديث علي مرفوعًا: "يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد، أومأ، وجعل سجوده أخفضَ من ركوعِه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا، صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا، رجلاه مما يلي القبلة" رواه الدارقطني
(1)
.
فإن صلى على الأيسر، فظاهر كلام جماعة جوازه؛ لظاهر خبر عمران
(2)
؛ ولأن المقصود استقبال القبلة وهو حاصل. وقال الآمدي: يكره مع قدرته على الأيمن.
(1)
(2/ 42). وأخرجه - أيضًا - البيهقي (2/ 307)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 327). قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 19): في إسناده الحسن بن الحسين العرني، ولم يكن عندهم بصدوق، وكان من رؤساء الشيعة. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 157): ودونه وفوقه من لا يعرف
…
وضعفه النووي في الخلاصة (1/ 341)، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (1/ 485): أخرجه الدارقطني، وهو حديث منكر. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (1/ 226): وفي إسناده حسين بن زيد ضعفه ابن المديني، والحسن بن الحسين العرني وهو متروك.
(2)
تقدم تخريجه (3/ 249) تعليق رقم 1.
(و
يصح) أن يصلي (على ظهره، ورجلاه إلى القبلة
مع القدرة) على الصلاة (على جنبه) لأنه نوع استقبال؛ ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت (مع الكراهة) للاختلاف في صحة صلاته إذن (فإن تعذر) عليه أن يصلي على جنبه (تعين الظهر) لما تقدم في حديث علي.
(و
يلزمه الإيماء بركوعه وسجوده برأسه ما أمكنه)
لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم"
(1)
(ويكون سجوده أخفض من ركوعه) وجوبًا لحديث علي، وتقدم، وليتميز أحدهما عن الآخر.
(فإن عجز) عن الإيماء برأسه لركوعه وسجوده (أومأ بطرفه) أي عينه (ونوى بقلبه) لما روى زكريا الساجي
(2)
بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه صلى الله عليه وسلم قال:"فإن لم يستطع أومأ بطرفه" ظاهر كلام جماعة لا يلزمه، وصوبه في "الفروع"، لعدم ثبوته (كأسير عاجز) عن الركوع والسجود والإيماء بهما برأسه (لخوفه) من عدوه بالاطلاع عليه إذن
(3)
(ويأتي) حكم الأسير في آخر صلاة الخوف.
(فإن عجز) عن الإيماء بطرفه (فـ) ــإنه يصلي (بقلبه مستحضرًا القول) إن عجز عنه بلفظه (و) مستحضرًا (الفعل) بقلبه؛ لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
(4)
، وقوله:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
(5)
، وقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم"(1).
(1)
تقدم تخريجه (1/ 234) تعليق رقم 2.
(2)
لعله في كتابه علل الحديث، ولم يطبع، انظر سير أعلام النبلاء (14/ 197)، ولم نقف على من روى هذا الحديث بهذا اللفظ.
(3)
في "ح": "أذى".
(4)
سورة الحج، الآية:78.
(5)
سورة البقرة، الآية:286.
(ولا تسقط الصلاة حينئذ) عن المكلف (ما دام عقله ثابتًا) لقدرته على أن ينوي بقلبه مع الإيماء بطرفه، أو بدونه، ولعموم أدلة وجوب الصلاة، وحديث الدارمي وغيره عن ابن عمر مرفوعًا:"يصلي المريض قاعدًا، فإن لم يستطعْ فعلى جنبه، فإن لم يستطع فمستلقيًا، فإن لم يستطع فالله أولى بالعذر"
(1)
إسناده ضعيف.
(قال ابن عقيل: الأحدب يجدد للركوع) قلت: ومثله الرفع منه، والاعتدال
(2)
(نية؛ لكونه لا يقدر عليه، كمريض لا يطيق الحركة، يجدد لكل فعل وركن قصدًا) لتتميز الأفعال والأركان (كفلك في) اللغة (العربية) فإنه يصلح (للواحد والجمع) ويتميز أحدهما عن الآخر (بالنية) فإذا أريد الواحد نوى المتكلم ذلك، وإذا أريد الجمع نواه. كذلك أفعال الصلاة إذا لم يمكن تميزها
(3)
بالفعل فإنها تميز بالنية. قال في "الشرح": فإن عجز عن السجود وحده، ركع وأومأ بالسجود، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره، حنى رقبته، وإن تقوس ظهره فصار كالراكع، زاد في الانحناء قليلًا إذا ركع، ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود، حسب الإمكان.
(وإن سجد) العاجز عن السجود (ما أمكنه بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر منه على شيء) من مخدة أو نحوها (رفعه) عن الأرض (كره) للخلاف في
(1)
لم نقف عليه في "سنن الدارمي". رروى أبو الشيخ في طبقات المحدثين (3/ 538) حديث 694، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المريض يصلي قائمًا، فإن لم يستطع، فقاعدًا، فإن لم يستطع فمضطجعًا، فإن لم يستطع فالله أولى بالعذر". وفي سنده هيثم بن يمان. وهو ضعيف. انظر ميزان الاعتدال (4/ 326).
(2)
في "ح" و"ذ" زيادة: "عنه".
(3)
في "ذ": تمييزها.
منعه، وكذا لو كان الرافع له غيره على ظاهر "المنتهى" وغيره (وأجزأ) لأنه أتى بما يمكنه من الانحطاط، أشبه ما لو أومأ.
(و
لا بأس بسجوده على وسادة ونحوها) موضوعة بالأرض، لم ترفع
عنه، واحتج أحمد
(1)
بفعل أم سلمة
(2)
، وابن عباس
(3)
، وغيرهما. قال: ونهى عنه ابن مسعود
(4)
، وابن عمر
(5)
(ولا يلزمه) السجود على وسادة ونحوها، ويومئ غاية ما يمكنه.
ولا ينقص أجر المريض المصلي على جنبه، أو مستلقيًا عن أجر
(1)
مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 415 - 416) رقم 319.
(2)
رواه عبد الرزاق (2/ 477 - 478) رقم 4145، وابن أبي شيبة (1/ 272)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 381) رقم 2313 - 2315، والبيهقي (2/ 307) عن الحسن، عن أمه، أنها رأت أم سلمة تصلي على وسادة من رمد بعينها.
(3)
رواه عبد الرزاق (2/ 478) رقم 4146، وابن أبي شيبة (1/ 271 - 272)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 381) رقم 2316، عن أبي فزارة السلمي، قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المريض يسجد على المرفقة الطاهرة، فقال: لا بأس. ورواه عبد الرزاق - أيضًا - (2/ 478) رقم 4148، وابن المنذر في الأوسط (4/ 381) رقم 2317 بنحوه.
(4)
أخرجه عبد الرزاق (2/ 477) رقم 4144، وابن أبي شيبة (1/ 274)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 379) رقم 2307، والبيهقي (2/ 307) عن علقمة والأسود، أن ابن مسعود رضي الله عنه دخل على عتبة أخيه، وهو يصلي على مسواك يرفعه إلى وجهه، فأخذه، فرمى به، ثم قال: أومِئْ إيماءًا
…
الحديث. وعند البيهقي: فرأى مع أخيه مروحة يسجد عليها.
(5)
أخرجه مالك (1/ 168)، والبيهقي (2/ 306)، عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا لم يستطع المريض السجود؛ أومأ برأسه إيماءً، ولم يرفع إلى جبهته شيئًا.
الصحيح المصلي قائمًا؛ لحديث أبي موسى: "إذا مرض العبدُ، أو سافر، كتب له ما كان يعملُ مقيمًا صحيحًا"
(1)
وذكر في "شرح مسلم"
(2)
في المتخلف عن الجهاد لعذر: له شيء من الأجر، لا كله، مع قوله
(3)
: من لم يصل قائمًا لعجزه، ثوابه كثوابه قائمًا لا ينقص باتفاق أصحابنا. ففرق بين من يفعل العبادة على قصور، وبين من لم يفعل شيئًا. قال ابن حزم
(4)
: وحديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور"
(5)
يبين أن من فعل الخير، ليس كمن عجز عنه، وليس من حج كمن عجز عن الحج.
(فإن قدر) المريض (على القيام) في أثناء الصلاة، انتقل إليه، لقوله تعالى:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}
(6)
(أو) قدر على (القعود ونحوه مما عجز عنه من كل ركن أو واجب في أثناء الصلاة، انتقل إليه وأتمها) أي الصلاة؛ لأن المبيح العجز، وقد زال، وما صلاه قبل، كان العذر موجودًا فيه، وما بقي يجب أن يأتي بالواجب فيه (لكن إن كان) من قدر على القيام (لم يقرأ) الفاتحة (قام، فقرأ) بعد قيامه (وإن كان قد قرأ) قاعدًا حال العذر (قام، وركع بلا قراءة) لوقوعها موقعها، كما لو لم يطرأ صحة.
(ويبني) المريض (على إيماء) أي على ما صلاه بالإيماء، إذا قدر على الركوع أو السجود، لوقوعه صحيحًا، والحكم يدور مع علته (ويبني عاجز
(1)
أخرجه البخاري في الجهاد، باب 134، ولفظه:"كتب له مثل ما كان".
(2)
شرح النووي (13/ 45).
(3)
شرح النووي (6/ 258).
(4)
المحلى (4/ 193).
(5)
أخرجه البخاري في الأذان، باب 155، حديث 843، ومسلم في المساجد، حديث 595، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(6)
سورة البقرة، الآية:238.
فيها) أي لو ابتدأ الصلاة قائمًا ثم عجز، أتمها على ما يستطيعه، ويبني على ما تقدم، وكذا لو كان يصلي قاعدًا، فعجز عنه لوجود العذر المبيح.
(ولو طرأ عجز) على القائم (فأتم الفاتحة في انحطاطه، أجزأ)؛ لأن فرضه القعود والانحطاط أعلى منه.
و (لا) تجزئ الفاتحة (من برئ فأتمها في ارتفاعه) أي نهوضه، كصحيح قرأها في نهوضه.
(ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود، أومأ بالركوع قائمًا، وبالسجود قاعدًا) لأن الراكع كالقائم في نصب رجليه، فوجب أن يومئ به في قيامه. والساجد كالجالس في جمع رجليه فوجب أن يومئ به جالسًا، وليحصل الفرق بين الإيماءين.
ومن قدر أن يحني رقبته دون ظهره، حناها، وإذا سجد قرب وجهه من الأرض ما أمكنه.
(ولو قدر على القيام منفردًا، وفي جماعة) لا يقدر على القيام بل يقدر أن يصلي (جالسًا، لزمه القيام، قدمه أبو المعالي. قال في الإنصاف: قلت: وهو الصواب؛ لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة) عليه (وهذا قادر) عليه (والجماعة واجبة تصح الصلاة بدونها) حتى مع القدرة وتسقط للعذر (وقدم في التنقيح: أنه يخير) بين أن يصلي قائمًا منفردًا، وبين أن يصلي جالسًا في جماعة، وقطع به في "المنتهى" وغيره. قال في "الشرح": لأنه يفعل في كل منهما واجبًا، ويترك واجبًا.
(ولو قال: إن أفطرت في رمضان قدرت على الصلاة قائمًا، وإن صمت صليت قاعدًا. أو قال: إن صليت قائمًا، لحقني سلس البول، أو امتنعت عليَّ القراءة، وإن صليت قاعدًا، امتنع السلس) أو أمكنت القراءة (فقال أبو المعالي: يصلي قاعدًا فيهما) لأن القيام له بدل وهو القعود،
ويسقط في النفل، بخلاف الفطر وفوات الشرط أو القراءة. وتقدم في الحيض.
(وإن قدر أن يسجد على صدغيه، لم يلزمه) السجود عليهما؛ لأنهما ليسا من أعضاء السجود ويومئ ما يمكنه.
(وإذا قال طبيب) سمي بذلك لفطنته وحذقه (مسلم ثقة) أي عدل ضابط - فلا يقبل خبر كافر ولا فاسق؛ لأنه أمر ديني، فاشترط له ذلك كغيره من أمور الدين - (حاذق فطن لمريض: إن صليت مستلقيًا، أمكن مداواتك، فله) أي المريض (ذلك) أي الصلاة مستلقيًا (ولو مع قدرته على القيام) لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "صلى جالسًا حين جحش شقه"
(1)
والظاهر أنه لم يكن لعجزه عن القيام، بل فعله إما للمشقة، أو وجود الضرر، أشبه المرض، وتركه وسيلة إلى العافية، وهي مطلوبة شرعًا.
واكتفي بالواحد في ذلك؛ لأنه خبر ديني أشبه الرواية، ومن عبر بالجمع فمراده الجنس، إذ لم يقل باشتراط الجمع في ذلك أحد من الأصحاب فيما وقفت عليه، ذكره في "الإنصاف".
(ويكفي من الطبيب غلبة الظن) لتعذر اليقين (ونص) أحمد (أنه يفطر بقول) طبيب (واحد) أي مسلم ثقة (إن الصوم مما يمكن العلة) وقاس القاضي وغيره على ذلك المسألة المتقدمة.
(وتصح صلاة فرض على راحلة واقفة، أو سائرة خشية تأذٍ بوحل، ومطر، ونحوه) كثلج، وبرد؛ لما روى يعلى بن أمية: "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم انتهى إلى
(1)
أخرجه البخاري في الصلاة، باب 18، حديث 378، وفي الأذان، باب 51، 82، 128، حديث 689، 732، 733، 805، وفي تقصير الصلاة، باب 17، حديث 1114، ومسلم في الصلاة، حديث 411، من حديث أنس رضي الله عنه.
مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن وأقام، ثم تقدم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، يومئ إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع" رواه أحمد والترمذي
(1)
، وقال: العمل عليه عند أهل العلم. وفعله أنس
(2)
، ذكره أحمد
(3)
. ولم ينقل عن غيره خلافه.
(و) يجب (عليه) أي على من يصلي الفرض على راحلته لعذر مما سبق (الاستقبال) لعموم قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}
(4)
(و) عليه (ما يقدر عليه) من ركوع وغيره في الصلاة (و) عليه أيضًا ما يقدر عليه (في شدة خوف كما يأتي) في صلاة الخوف.
(فإن قدر على النزول) عن راحلته (ولا ضرر) عليه في النزول (لزمه) النزول (و) لزمه (القيام والركوع) كغير حالة المطر (وأومأ بالسجود) لما فيه من الضرر، إذا كان يلوث الثياب بخلاف اليسير، وعليه يحمل قول أبي سعيد:"أبصرت عيناي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين" متفق عليه
(5)
. وكان في مسجده في المدينة.
(ولا تصح) صلاة الفرض (عليها) أي الراحلة (لمرض) لأنه لا يزول
(1)
أحمد (4/ 173 - 174)، والترمذي في الصلاة، باب 186، حديث 411. وقد تقدم تخريجه والكلام عليه (2/ 55) تعليق رقم 4.
(2)
رواه عبد الرزاق (2/ 573، 574) رقم 4511، 4512.
(3)
مسائل أبي داود ص/ 76، والتمهيد (23/ 60).
(4)
سورة البقرة، الآية 144.
(5)
البخاري في الأذان، باب 41، 135، 151، حديثه 669، 813، 836، وفي فضل ليلة القدر، باب 2، 3، حديث 2016، 2018، وفي الاعتكاف، باب 9، 13، حديث 2036، 2040، ومسلم في الصيام، حديث 1167.
ضرره بالصلاة عليها، بخلاف المطر ونحوه (لكن إن خاف هو) أي المريض (أو) خاف (غيره) أي المريض (بنزوله انقطاعًا عن رفقته، أو عجزًا عن ركوبه) إن نزل (صلى عليها) دفعًا للحرج والمشقة (كخائف بنزوله على نفسه من عدو، ونحوه) كسبع. قال في "الاختيارات"
(1)
: تصح صلاة الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرفقة، أو حصول ضرر بالمشي، أو تبرز الخفرة
(2)
.
(ومن أتى بالمأمور) أي بجميع ما أمر به (من كل ركن ونحوه) وهو الشروط والواجبات (للصلاة، وصلى عليها) أي الراحلة (بلا عذر) من مطر ونحوه (أو) صلى (في سفينة ونحوها) كمحفة
(3)
(ولو جماعة من أمكنه الخروج منها واقفة) كانت (أو سائرة صحت) صلاته لإتيانه بما يعتبر فيها.
(ولا تصح) صلاة الفرض (فيها) أي في السفينة (من قاعد مع القدرة) أي قدرته (على القيام) لأنه قادر على ركن الصلاة، فلم يجز تركه، كما لو لم يكن بسفينة، فإن عجز عن القيام والخروج منها، جاز له أن يصلي جالسًا. ويلزمه الاستقبال، وأن يدور إلى القبلة كلما انحرفت السفينة، وتقام الجماعة في السفينة مع العجز عن القيام، كمع القدرة.
(وكذا) أي كالسفينة فيما تقدم (عجلة ومحفة ونحوهما) كعمارية
(4)
وهودج.
(1)
ص/ 113.
(2)
هي شديدة الحياء، ضد البرزة. انظر:"المطلع": ص 347.
(3)
المحفة بالكسر: مركب للنساء كالهودج؛ إلا أنها لا تقبب. القاموس المحيط ص/ 1034.
(4)
قال في المصباح المنير ص/ 163: العمارية: الكجاوة، كأنه نسبة إلى الاسم. وقال في المجموع اللفيف ص/ 119: عمارية نوع من القبة توضع على بغل، =
(و
من كان في ماء وطين، أومأ) بالسجود (كمصلوب، ومربوط)
فإنهما يومئان بالركوع والسجود؛ لأنه غاية الممكن منهم (والغريق يسجد على متن الماء) ولا إعادة على الكل.
= ويقعد فيها رجلان كل منهما في جانب. وانظر معجم المصطلحات والألقاب التاريخية ص/ 327.
فصل (في القصر)
أي قصر الرباعية، وهو جائز إجماعًا، وسنده قوله تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ. . .} الآية
(1)
علق القصر على الخوف؛ لأن غالب أسفار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لم تخل منه. وقال يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب: "ما لنا نقصر، وقد أمنا؟ فقال: سألت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" رواه مسلم
(2)
. وقال ابن عمر: "صحبت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، كذلك" متفق عليه
(3)
. وقيل: إن قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} كلام مبتدأ، معناه: وإن خفتم.
وقال الشيخ تقي الدين
(4)
: القصر قسمان:
مطلق: وهو ما اجتمع فيه قصر الأفعال والعدد، كصلاة الخوف، حيث كان مسافرًا، فإنه يرتكب فيها ما لا يجوز في صلاة الأمن، والآية وردت على هذا.
ومقيد: وهو ما فيه قصر العدد فقط، كالمسافر، أو قصر العمل فقط كالخائف.
(1)
سورة النساء، الآية:101.
(2)
في المسافرين، حديث 686.
(3)
البخاري في تقصير الصلاة، باب 11، حديث 1102، ومسلم في المسافرين، حديث 689.
(4)
انظر مجموع الفتاوى (22/ 82، 112، 543).
وهو حسن، لكن يرد عليه خبر يعلى وعمر السابق؛ لأن ظاهر ما فهماه قصر العدد بالخوف، والنَّبي صلى الله عليه وسلم أقر على ذلك.
(من ابتدأ سفرًا) أي شرع فيه (واجبًا أو مستحبًا، كسفر الحج، والجهاد، والهجرة، والعمرة) فالسفر للواجب من ذلك واجب، وللمندوب منه مندوب (و) كالسفر (لزيارة الإخوان، وعيادة المرضى، وزيارة أحد المسجدين) أي مسجد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والأقصى. وأما زيارة المسجد الحرام فقد تقدمت، وسيأتي الكلام عليها في الحج والعمرة. وهذه أمثلة للمستحب، إلا إن نذرها فتكون واجبة (و) زيارة (الوالدين) أو أحدهما.
(أو) ابتدأ سفرًا (مباحًا ولو لنزهة، أو فرجة، أو تاجرًا، ولو) كان (مكاثرًا في الدنيا) قال في "الفروع": أطلق أصحابنا إباحة السفر للتجارة، ولعل المراد غير مكاثر في الدنيا، وأنه يكره، وحرمه في "المبهج". قال ابن تميم: وفيه نظر. وللطبراني بإسناد حسن عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعًا: ومن طلب الدنيا حلالًا مكاثرًا، لقي الله وهو عليه غضبان"
(1)
. ومكحول لم يسمع من أبي هريرة.
وأما سورة {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} فتدل على التحريم لمن شغله عن عبادة واجبة، والتكاثر مظنة لذلك أو محتمل لذلك، فيكره. وقد قال ابن حزم
(2)
:
(1)
رواه الطبراني في مسند الشاميين (4/ 330) حديث 3465. وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة (7/ 16 - 17)، وعبد بن حميد (3/ 201) حديث 1431، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (3/ 411)، وأبو نعيم في الحلية (3/ 110، 8/ 215)، والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 298) حديث 10374، 10375.
قال العراقي في تخريج الإحياء (3/ 217): سنده ضعيف. وقال الحافظ في المطالب (3/ 311): هذا منقطع بين مكحول وأبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
مراتب الإجماع ص/ 155.
اتفقوا على أن الاتساع في المكاسب والمباني من حل - إذا أدى جميع حقوق الله تعالى قبله - مباح، ثم اختلفوا، فمن كاره، ومن غير كاره.
(أو) كان (مكرهًا) على السفر (كأسير، أو زان مغرَّب) وهو الحر غير المحصن (أو قاطع) طريق (مشرد) إذا أخاف السبيل، ولم يقتل، ولم يأخذ مالًا؛ لأن سفرهما ليس بمعصية، وإن كان بسبب المعصية (ولو) كان المسافر (محرمًا مع) زانية غير محصنة (مغرّبة) فيقصر كغيره من المسافرين (يبلغ سفره ذهابًا) بفتح الذال مصدر ذهب (ستة عشر فرسخًا تقريبًا) لا تحديدًا، صححه في "الإنصاف"(برًا) كان السفر (أو بحرًا) لعدم الفرق بينهما.
(وهي) أي الستة عشر فرسخًا (يومان) أي مسيرة يومين (قاصدان) أي معتدلان طولًا وقصرًا (في زمن معتدل) الحر والبرد، والقصد الاعتدال، قال تعالى:{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}
(1)
(بسير الأثقال ودبيب الأقدام) وذلك (أربعة برد) جمع بريد (والبريد أربعة فراسخ) جمع فرسخ (والفرسخ ثلاثة أميال هاشمية، وبأميال بني أمية ميلان ونصف) ميل (والميل) الهاشمي (اثنتا عشر ألف قدم) وهي (ستة آلاف ذراع) بذراع اليد (والذراع: أربعة وعشرون أصبعًا معترضة معتدلة، كل أصبع) منها عرضه (ست حبات شعير بطون بعضها إلى) بطون (بعض، عرض كل شعيرة ست شعرات برذون) بالذال المعجمة. قال ابن الأنباري
(2)
: يقع على الذكر والأنثى، وربما قالوا في الأنثى برذونة. قال المطرزي
(3)
: البرذون التركي من الخيل، وهو ما أبواه نبطيان، عكس العراب.
قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري"
(4)
: الذراع الذي ذكر قد حرر بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار ينقص عن
(1)
سورة لقمان، الآية:19.
(2)
المذكر والمؤنث (1/ 118 - 119).
(3)
المغرب (1/ 71).
(4)
فتح الباري (2/ 567).
ذراع الحديد بقدر الثمن. وعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا. قال: وهذه فائدة نفيسة، قل من ينبه عليها اهـ.
قال الأثرم
(1)
: قيل لأبي عبد الله: في كم تقصر الصلاة؟ قال: في أربعة برد. قيل له: مسيرة يوم تام؟ قال: لا، أربعة برد، ستة عشر فرسخًا، مسيرة يومين.
وقد قدره ابن عباس من عسفان إلى مكة، ومن الطائف إلى مكة، ومن جدة إلى مكة. وذلك لما روى ابن عباس أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل
(2)
من أربعة برد، من مكة إلى عسفانَ" رواه الدارقطني
(3)
. وقد روي موقوفًا على ابن عباس
(4)
.
(1)
لعله ذكره في سننه، ولم تطبع. وقد ذكره - أيضًا - أبو داود في مسائله ص/ 74، وصالح في مسائله (1/ 135) رقم 26، وعبد الله في مسائله (2/ 386) رقم 546، وابن هاني في مسائله (1/ 81) رقم 404.
(2)
في "سنن الدارقطني": "أدنى".
(3)
(1/ 387). وأخرجه - أيضًا - الطبراني في الكبير (11/ 96)، حديث 11162، والبيهقي (3/ 137 - 138) وقال: وهذا حديث ضعيف، إسماعيل بن عياش: لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد: ضعيف بمرة، والصحيح: أن ذلك من قول ابن عباس رضي الله عنهما. وضعفه - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 40). وقال النووي في الخلاصة (2/ 731)، والمجموع (4/ 192): ضعيف جدًّا، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما. وضعفه - أيضًا - الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 46)، وفي الفتح (2/ 566) وقال في التلخيص الحبير: والصحيح عن ابن عباس من قوله.
(4)
رواه الشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 183 - 185)، وعبد الرزاق (2/ 524) رقم 4297، وابن أبي شيبة (2/ 445)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 347، 364) =
قال الخطابي
(1)
: هو أصح الروايتين عن ابن عمر
(2)
. وقول الصحابي حجة، خصوصًا إذا خالف القياس، ولأنه الأكثر من أقوال الصحابة.
(فله قصر الرباعية) من ظهر، وعصر، وعشاء - جواب من ابتدأ سفرًا - (خاصة) أي دون الفجر والمغرب، وإنما لم تقصر الفجر؛ لأنه إذا سقط منها ركعة بقي أخرى، ولا نظير لها في الفرض، ولا المغرب لأنها وتر النهار، فإذا سقط منها ركعة بطل كونها وترًا، وإن سقط منها ركعتان صار الباقي ركعة، ولا نظير لها في الفرض (إلى ركعتين إجماعًا) لما تقدم.
(وكذا) للمسافر السفر المتقدم (الفطر) برمضان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصوم في السفر"
(3)
(ولو قطعها) أي المسافة (في ساعة واحدة) لأنه صدق عليه أنه سافر
(4)
أربعة برد.
= رقم 2262، 2294، والبيهقي (3/ 137). وصحح إسناده النووي في الخلاصة (2/ 730)، وفي المجموع (4/ 328)، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 46).
(1)
معالم السنن (1/ 262).
(2)
روى مالك في قصر الصلاة، (1/ 147)، والشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 185، 186)، وعبد الرزاق (2/ 525) رقم 4301، وابن أبي شيبة (2/ 444 - 445)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 347) رقم 2260، والبيهقي (3/ 136) عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك. وفي لفظ: أنه ركب إلى ريم. قال مالك: وذلك نحو من أربعة بُرُد. وصحح النووي إسناده في المجموع (4/ 192). وانظر الفتح (2/ 566).
(3)
أخرجه البخاري في الصوم، باب 36، حديث 1946، ومسلم في الصيام، حديث 1115، عن جابر رضي الله عنه.
(4)
في "ح" و"ذ": "مسافر".
(ومتى صار الأسير ببلدهم) أي الكفار (أتم) الصلاة (نصًّا) لأنه صار مقيمًا.
(وامرأة، وعبد، وجندي تبع لزوج، وسيد، وأمير) لف ونشر مرتب (في نيته) أي الزوج أو السيد أو الأمير المسافة والإقامة (و) في (سفره) يعني أن الزوج والسيد والأمير، إن كانوا بسفر يبيح القصر والفطر، أبيح للزوجة والقن والجندي المسافر
(1)
معهم القصر والفطر، وإلا، فلا؛ لأنهم أتباع لهم، فلهم حكمهم.
(وإن كان العبد لشريكين) أحدهما مسافر والآخر مقيم (ترجح إقامة أحدهما) لأنها الأصل.
(ولا يترخص في سفر معصية بقصر ولا فطر، ولا أكل ميتة، نصًّا)
(2)
لأنها رخص، والرخص لا تناط بالمعاصي (فإن خاف) المسافر سفر معصية (على نفسه إن لم يأكل) الميتة (قيل له: تب وكل) لتمكنه من التوبة كل وقت. وتقدم معنى التوبة، ويأتي أيضًا في الشهادات.
(ولا) يترخص (في سفر مكروه) كالسفر لفعل مكروه (للنهي عنه، ويترخص إن قصد مشهدًا، أو قصد مسجدًا ولو غير المساجد الثلاثة، أو قصد قبر نبي أو غيره) كولي. وحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"
(3)
أي لا يطلب ذلك، فليس نهيًا عن شدها لغيرها، خلافًا
(1)
في "ح" و"ذ": "المسافرين".
(2)
مسائل أبي داود ص/ 74، والانتصار في المسائل الكبار (2/ 538).
(3)
متفق عليه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما.
أما حديث أبي هريرة: فرواه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب 1، حديث 1189، ومسلم في الحج، حديث 1397.
وأما حديث أبي سعيد الخدري: فرواه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة، والمدينة، باب 6، حديث 1197، ومسلم في الحج (2/ 975) حديث 415.
لبعضهم
(1)
؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا
(2)
، ويزور القبور وقال:"زوروها فإنها تذكركم الآخرة"
(3)
.
(أو) أي ويقصر من ابتدأ سفرًا ولو (عصى في سفره الجائز، كأن شرب فيه مسكرًا ونحوه) كأن زنى فيه، أو قذف، أو اغتاب؛ لأنه لم يقصد السفر لذلك.
(و
يشترط) لإباحة القصر والفطر (قصد موضع معين
أولًا) أي في ابتداء السفر (فلا قصر) ولا فطر (لهائم) وهو من خرج على وجهه، لا يدري أين يتوجه، إن سلك طريقًا مسلوكًا، وإلا، فهو راكب التعاسيف. ذكره في الحاشية.
(1)
الأدلة قائمة على تحريم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، وعليه سلف هذه الأمة من الصحابة، رضي الله عنهم فمن بعدهم. وأما الترخص برخص السفر لمن سافر سفر معصية كشد الرحال إلى القبور والمشاهد، فخلاف الفقهاء فيها معلوم.
وفي هامش نسخة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري رحمه الله على هذا الموضع ما نصه: قوله: ليس نهيًا عن شدها لغيرها خلافًا لبعضهم. أقول: الصواب مع المخالف؛ لأن الاستثناء معيار العموم كما قرره الأصوليون، واستدلاله بمطلق الزيارة ليس نصًّا في محل النزاع، وإنما النزاع في شد الرحال، وقد أفاد المنع عن غير الثلاثة ظاهر النص، فيجب الاقتصار عليه. والله أعلم.
(2)
أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب 3، حديث 1193، ومسلم في الحج، حديث 1399 (518)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(3)
رواه ابن ماجه في الجنائز، باب 47، حديث 1569، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه - أيضًا - مسلم في الجنائز، حديث 976، وأبو داود في الجنائز، باب 81، حديث 3234 بلفظ: فإنها تذكر الموت، والنسائي في الجنائز، باب 101، حديث 2033، وابن ماجه في الجنائز، باب 48، حديث 1572، بلفظ: فإنها تذكركم الموت.
(و) لا لـ (ــتائه) ضال الطريق (و) لا لـ (ــسائح لا يقصد مكانًا معينًا) لأن السفر إذن ليس بمباح.
(و
السياحة لغير موضع معين مكروهة)
قال في "الاختيارات"
(1)
: السياحة في البلاد لغير قصد شرعي، كما يفعله بعض النساك، أمر منهي عنه. قال الإمام أحمد
(2)
: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا هي من فعل النبيين والصالحين اهـ. قال في الحاشية: وفي الحديث: "لا سياحة في الإسلام"
(3)
ومراده: إذا كانت السياحة لا لغرض شرعي.
(والسياحة المذكورة في القرآن غير هذه) وهي الصوم، أو السياحة لطلب العلم، أو الجهاد ونحوه. قال في "الفروع": ولو سافر ليترخص، فقد ذكروا: أنه لو سافر ليفطر حرما.
(ويقصر) الرباعية ويفطر برمضان (من) أي مسافر (المباح أكثر قصده) بالسفر (كمن قصد) بسفره (معصية ومباحًا) وقصده للمباح أكثر، كالتاجر
(1)
ص/ 169. وكذا في مجموع الفتاوى (10/ 643)، والفتاوى الكبرى (4/ 464).
(2)
مسائل ابن هانئ (2/ 176).
(3)
لم نجده بهذا اللفظ، وروى عبد الرزاق (8/ 448) رقم 15860، و (11/ 292) رقم 20572، عن طاووس - مرسلًا - لا خزام، ولا زمام، ولا سياحة. ثم قال في (8/ 448): وزاد ابن جريج: ولا تبتل، ولا ترهب في الإسلام. وأخرج أبو داود في الجهاد، باب في النهي عن السياحة، حديث 2486، وابن أبي حاتم في تفسيره (6/ 1889) رقم 10027، والطبراني في "الكبير"(8/ 215) حديث 7760، والحاكم (2/ 73)، والبيهقي (9/ 161)، وابن عساكر (53/ 289)، عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله". قال الحكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وجوَّد إسناده النووي في رياض الصالحين رقم 1345، والعراقي، كما في فيض القدير (2/ 453)، وذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم 2280 ورمز لصحته.
الذي يقصد أن يشرب من خمر البلد الذي يتجر إليه (أو) سافر سفر معصية، و (تاب في أثنائه، وقد بقي مسافة قصر) فيقصر فيها؛ لأنها سفر مباح، كما لو لم يتقدمها معصية، بخلاف ما لو كان الباقي دونها.
و (لا) يقصر (إذا استويا) أي المحرم والمباح، أي تساوى قصداهما (أو كان الحظر أكثر) قصدًا، ولا يقصر ولا يفطر، تغليبًا لجانب الحظر.
(ولو انتقل من سفره المباح إلى) قصد سفر (محرم، امتنع القصر) والفطر، كما لو كان محرمًا ابتداء.
(ولو قام من له القصر) ونواه (إلى ثالثة عمدًا، أتم) صلاته أربعًا، وصحت؛ لأن الأصل الإتمام، وقد رجع إليه.
(وإن سلم) من نوى القصر (من ثلاث عمدًا، بطلت) صلاته كغير المسافر.
(وإن قام) من يباح له القصر، ونواه (سهوًا، قطع) أي رجع متى ذكر، وتشهد إن لم يكن تشهد، وسجد وسلم (فلو نوى الإتمام، أتم) كمن لم ينو القصر (وأتى بما بقي) من الرباعية (سوى ما سها عنه، فإنه يلغو) فلا يعتد به لخلوه عن النية.
(ولو كان الساهي إمامًا بمسافر، تابعه) المسافر المأموم لاحتمال أن يكون قطع نية القصر، ونوى الإتمام (إلا أن يعلم سهوه) فلا يتابعه؛ لأن ما يفعله سهوًا لغو (فيسبح به) المأموم إن كان رجلًا، وإن كان امرأة صفقت ببطن كفها على ظهر الأخرى، كما تقدم (فإن رجع) الإمام تابعه المأموم (وإلا) بأن لم يرجع (فارقه مأموم، وتبطل صلاته بمتابعته) الإمام عامدًا عالمًا سهوه.
وحيث تقرر جواز القصر بشرطه، فلا يقصر مستوطن إلا إذا فارقه، فلا يقصر ساكن الخيام أو القرى إلا (إذا فارق خيام قومه، أو بيوت قريته
العامرة، سواء كانت داخل السور أو خارجه) فيقصر إذا فارقها (بما يقع عليه اسم المفارقة بنوع من البعد عرفًا) لأن الله تعالى إنما أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وقبل مفارقته ما ذكر لا يكون ضاربًا فيها ولا مسافرًا. ولأن ذلك أحد طرفي السفر، أشبه حالة الانتهاء. ولأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما كان يقصر إذا ارتحل
(1)
. وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
(2)
.
و (لا) يعتبر مفارقة (الخراب) وإن كانت حيطانه قائمة (إن لم يله عامر) لأنه ليس بمحل إيواء (فإن وليه) أي الخراب عامر (اعتبر مفارقة الجميع) من الخراب والعامر (كما لو جعل) الخراب (مزارع وبساتين يسكنه أهله، ولو في فصل النزهة) فلا يقصر حتى يفارقه. ذكر معناه أبو المعالي. واقتصر عليه في "الفروع"؛ لأنه في حكم العامر. ولو كانت قريتان متدانيتين، واتصل بناء إحداهما بالأخرى فهما كالواحدة، وإن لم يتصل، فلكل قرية حكم نفسها.
(ولو برزوا) أي المسافرون (لمكان لقصد الاجتماع ثم بعد اجتماعهم ينشئون السفر من ذلك المكان، فلهم القصر قبل مفارقته في ظاهر كلامهم) قال في "الفروع": وهو متجه اهـ. لأنهم ابتدأوا السفر وفارقوا قريتهم قلت: إن لم ينووا الإقامة في ذلك المكان أكثر من عشرين صلاة، أو تكون العادة عدم اجتماعهم قبل ذلك (خلافًا لأبي المعالي) حيث قال: لا قصر حتى يفارقوه (ويعتبر في سكان قصور وبساتين ونحوهم) كأهل العِزَب من القصب ونحوه (مفارقة ما نسبوا إليه) بما يعد مفارقة (عرفًا) ليصيروا مسافرين لما تقدم.
(1)
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذا المعنى في عدة أحاديث منها: ما رواه مسلم في صلاة المسافرين، حديث 691 عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين.
(2)
سورة الأحزاب، الآية:21.
(و) يعتبر لإباحة القصر (أن لا يرجع) من فارقه كما تقدم (إلى وطنه) قريبًا (و) أن (لا ينويه قريبًا) أي فيما دون المسافة (فإن رجع) أو نوى الرجوع (لم يترخص حتى يفارقه ثانيًا) أو تنثني نيته ويسير، فيقصر؛ لانعقاد سبب الرخصة حينئذ (ولو لم ينو الرجوع) عند مفارقته كما سبق مسافرًا (لكن بدا له) الرجوع (لحاجة) بدت له (لم يترخص) بقصر ولا فطر (في رجوعه بعد نية عوده حتى يفارقه أيضًا) أو تنثني نيته ويسير لما تقدم (إلا أن يكون رجوعه) إلى وطنه (سفرًا طويلًا) أي يبلغ مسافة القصر، فيترخص في عوده؛ لأنه مسافر.
(و
المعتبر) لجواز القصر والفطر (نية) المسافر سفر (المسافة، لا وجود حقيقتها،
فمن نوى ذلك) أي السفر الذي يبلغ المسافة (قصر) لوجود نية المسافة المعتبرة (ولو رجع قبل استكمال المسافة) وقد قصر (لم يلزمه إعادة ما قصر نصًّا)
(1)
مع أنه لم يسافر ستة عشر فرسخًا، ولذلك عدل في "التنقيح" عن قول "المقنع" و"المحرر":"ومن سافر" إلى قوله: "من نوى سفرًا". وأورد عليه المصنف في حاشية "التنقيح": أنه لا تكفي النية حتى يشرع. وأن قوله: إذا فارق بيوت قريته العامرة إلى آخره لا يكفي في ذلك؛ لأنه قد ينوي ويفارقها في طلب حاجة، فلا بد من تقدير إذا فارقها مسافرًا. وعبر في "الفروع" كما عبر المصنف فيما تقدم من ابتدأ، لكن قال بعد ذلك بأسطر: ناويًا. وهو قريب من صنيع المصنف.
(وإن رجع) ليعود إلى وطنه مقيمًا، أو لحاجة بدت له (ثم بدا له العود إلى السفر، لم يقصر حتى يفارق مكانه) الذي بدت له فيه نية العود؛ لأنه
(1)
مسائل عبد الله (1/ 389) رقم 551.
موضع إقامة حكمًا، فاعتبرت مفارقته كمحل وطنه.
(فإن شك في) أن سيره إلى البلد الذي قصده يبلغ (قدر المسافة) بأن جهل كونه مسافة قصر، لم يقصر حتى يعلم؛ لأن الأصل الإتمام، ولم يعلم المبيح للقصر (أو لم يعلم قدر سفره، كمن خرج في طلب آبق، أو ضالة، ناويًا أن يعود به أين وجده، لم يقصر حتى يجاوز المسافة) لعدم تحقق المبيح للقصر. وفي "شرح المنتهى" في أول القصر: من خرج في طلب ضالة، أو آبق حتى جاوز ستة عشر فرسخًا، لم يجز له القصر؛ لعدم نيته على المذهب انتهى. وفي "الشرح": ولو خرج طالبًا لعبد آبق لا يعلم أين هو؟ أو منتجعًا عشبًا، أو كلأ، متى وجده أقام، أو سليكًا في الأرض لا يقصد مكانًا، لم يبح له القصر - وإن سار أيامًا -. وقال ابن عقيل: يباح له القصر، إذا بلغ مسافة القصر، ثم قال: ولو قصد بلدًا بعيدًا وفي عزمه أنه متى وجد طلبته دونه، رجع أو أقام، لم يبح له القصر، لأنه لم يجزم بسفر طويل، وإن كان لا يرجع ولا يقيم بوجوده، فله القصر.
(ويقصر من له قصد صحيح) ونوى سفرًا يبلغ المسافة (وإن لم تلزمه الصلاة) حال شروعه في السفر (كحائض، وكافر، ومجنون، وصبي) ذكر، أو أنثى (تطهر) الحائض (ويسلم) الكافر (ويفيق) المجنون (ويبلغ) الصبي (ولو بقي) بعد الطهر، والإسلام، والإفاقة، والبلوغ (دون مسافة قصر) لأن عدم التكليف ليس بمانع من القصر في أول السفر، بخلاف من أنشأ السفر عاصيًا به، ثم تاب في أثنائه، فإنه لا يقصر إذا تاب إلا إذا بقي من سفره مسافة قصر، كما تقدم؛ لأنه ممنوع من القصر في ابتدائه.
ويستثنى من جواز القصر بعد وجود ما سبق اعتباره: إحدى وعشرون صورة يجب فيها الإتمام.
الأولى منها: أشار إليها بقوله: (ولو مر) المسافر (بوطنه) أتم، ولو لم يكن له بوطنه حاجة سوى المرور عليه؛ لكونه طريقه إلى ما يقصده؛ لأنه في حكم المقيم به إذ ذاك.
الثانية: ذكرها بقوله: (أو) مر (ببلد له فيه امرأة) أتم ولو لم يكن وطنه، حتى يفارقه لما تقدم.
الثالثة: المشار إليها بقوله: (أو) مر ببلد (تزوج فيه، أتم) حتى يفارق البلد الذي تزوج فيه؛ لحديث عثمان، سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول:"من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم" رواه أحمد
(1)
. وظاهره: ولو بعد فراق الزوجة. وعلم منه: أنه لو كان له به أقارب كأم، وأب، أو ماشية، أو مال، لم يمتنع عليه القصر إذا لم يكن مما سبق.
(وأهل مكة ومن حولهم) وهم من دون المسافة من مكة (إذا ذهبوا إلى عرفة، ومزدلفة، ومنى، فليس لهم قصر، ولا جمع) للسفر؛ لأنهم ليسوا بمسافرين لعدم المسافة (فهم في) اعتبار (المسافة كغيرهم) لعموم الأدلة. ومثلهم من ينوي الإقامة بمكة فوق عشرين صلاة، كأهل مصر، والشام، فليس لهم قصر ولا جمع بمكة، ولا منى، ولا عرفة، ولا مزدلفة؛ لانقطاع
(1)
(1/ 62). ورواه - أيضًا - الحميدي (1/ 21) حديث 36، وأبو يعلى كما في المقصد العلي (1/ 158، 159) حديث 353، 354، والضياء في الأحاديث المختارة (1/ 504، 505) حديث 372 - 374، وذكره البيهقي في معرفة السنن والآثار (4/ 263) معلقًا، وضعفه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 156): رواه أحمد، وأبو يعلى وفيه عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف. وقال الحافظ في الفتح (2/ 570): هذا الحديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي روايته من لا يحتج به.
سفرهم بدخول مكة، إذ الحج قصد مكة لعمل مخصوص كما يأتي. قال في "الشرح": وإن كان الذي خرج إلى عرفة في نيته الإقامة بمكة إذا رجع، لم يقصر بعرفة (لكن قال) الإمام (أحمد
(1)
فيمن كان مقيمًا بمكة، ثم خرج إلى الحج، وهو يريد أن يرجع إلى مكة، فلا يقيم بها) أي أكثر من أربعة أيام:(فهذا يصلي ركعتين بعرفة) أي ومزدلفة ومنى (لأنه حين خرج من مكة أنشأ السفر إلى بلده) بخروجه من البلد الذي كان نوى الإقامة به.
(والقصر رخصة) لأن سلمان بين أن القصر رخصة بمحضر اثني عشر صحابيًا، رواه البيهقي
(2)
بإسناد حسن، ويؤيده ما سبق في حديث مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم:"صَدَقَةٌ تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صَدَقتهُ"
(3)
.
(وهو) أي القصر (أفضل من الإتمام نصًا) لأنه صلى الله عليه وسلم داوم عليه، وكذا الخلفاء الراشدون من بعده. وروى أحمد عن عمر
(4)
: "إن الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته"
(5)
.
(و
إن أتم) من يباح له القصر الرباعية (جاز، ولم يكره)
له الإتمام لحديث يعلى، قال: قالت عائشة: "أتم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وقصر" قاله الشافعي
(6)
،
(1)
مسائل أبي داود ص/ 132، ومسائل صالح (1/ 443) رقم 441.
(2)
(3/ 144). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (2/ 520) رقم 4283، وابن أبي شيبة (2/ 447 - 448)، والطحاوي (1/ 419). وصحح إسناده البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 318) حديث 1574.
(3)
تقدم تخريجه (3/ 260) تعليق رقم 2.
(4)
كذا في الأصول، والصواب:"عن ابن عمر" كما في المسند وغيره.
(5)
تقدم تخريجه (1/ 256) تعليق رقم 1.
(6)
الأم (1/ 179).
ورواه الدارقطني
(1)
وصححه.
الرابعة من الصور التي يجب فيها الإتمام: ما ذكرها بقوله: (وإن أحرم مقيمًا في حضر) ثم سافر، لزمه أن يتم.
الخامسة: المذكورة بقوله: (أو دخل عليه وقت صلاة فيه) أي في الحضر (ثم سافر) لزمه أن يتم؛ لوجوبها عليه تامة بدخول وقتها. وهذه مغنية عن التي قبلها.
السادسة: المشار إليها بقوله: (أو أحرم بها) أي الرباعية في (سفر) مبيح للقصر (ثم أقام كراكب سفينة) أحرم بالصلاة مقصورة فيها، ثم وصلت إلى وطنه في أثناء الصلاة، لزمه أن يتمها أربعًا؛ لأنها عبادة اجتمع فيها حكم الحضر والسفر، فغلب حكم الحضر، كالمسح على الخف.
السابعة والثامنة: بيَّنَهما بقوله: (أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو عكسه) أي صلاة صفر في حضر، لزمه أن يتم؛ لأنه الأصل فغلب.
(1)
(2/ 189). ورواه - أيضًا - الشافعي في الأم (1/ 159)، وفي مسنده (ترتيبه 1/ 182)، ومسدد، كما في المطالب العالية (1/ 297) رقم 752، وابن أبي شيبة (2/ 452)، والبزار "كشف الأستار"(1/ 329)، وأبو يعلى، كما في المطالب العالية (1/ 297) رقم 752، والطحاوي (1/ 415)، والبيهقي (3/ 141).
وصحح بعض أسانيده الدارقطني، ووافقه البيهقي، ونقل النووي في الخلاصة (2/ 728)، وفي المجموع (4/ 200) تصحيحه عن الدارقطني. وأنكر الإمام أحمد هذا الحديث. انظر مسائل عبد الله بن الإمام أحمد ص/ 119 رقم 426. وقال ابن القيم في زاد المعاد (1/ 464):
…
لا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانظر مجموع الفتاوى (24/ 144 - 145).
وروى البيهقي (3/ 214) عن عطاء بن أبي رباح: أن عائشة كانت تصلي في السفر المكتوبة أربعا. قال الحافظ في الدراية (1/ 214): إسناده صحيح.
التاسعة والعاشرة: أشار إليهما بقوله: (أو ائتم بمقيم، أو بمن يلزمه الإتمام) كمن دخل عليه الوقت حضرًا، ثم سافر ونحوه، لحديث:"إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه"
(1)
.
وقال ابن عباس: "تلك السنة" رواه أحمد
(2)
.
ولأنها صلاة مردودة من أربع، فلا يصليها خلف من يصلي الأربع. كالجمعة. وسواء ائتم به في جميع الصلاة، أو بعضها، اعتقده مسافرًا، أو لا. ومن ذلك لو أحرم مسافر خلف مسافر، ثم طرأ للإمام عذر، فاستخلف مقيمًا، فإن المأموم يلزمه الإتمام دون إمامه الذي استخلف المقيم.
الحادية عشرة: ذكرها بقوله: (أو) ائتم (بمن يشك فيه) أي في كونه مسافرًا (أو) ائتم (بمن يغلب على ظنه أنه مقيم، ولو بان) الإمام بعد (مسافرًا) لزم المأموم أن يتم؛ لعدم الجزم بكونه مسافرًا عند الإحرام.
الثانية عشرة: المبينة بقوله: (أو) أحرم (بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت، وأعادها، كمن يقتدي بمقيم، فيحدث) في أثناء الصلاة، فيلزمه إعادتها تامة؛ لأنها وجبت عليه ابتداء تامة، فلا يجوز أن تعاد مقصورة.
الثالثة عشرة: المشار الذي إليها بقوله: (أو لم ينو القصر عند دخوله الصلاة) أي إحرامها، لزمه أن يتم؛ لأنه الأصل، وإطلاق النية ينصرف إليه، كما لو نوى الصلاة وأطلق، فإن نيته تنصرف إلى الانفراد، لكونه الأصل.
الرابعة عشرة: المذكورة بقوله: (أو شك في الصلاة: هل نوى القصر،
(1)
تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
(2)
(1/ 216، 226)، عن موسى بن سلمة، قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. وأخرجه بنحوه مسلم في المسافرين: حديث 688.
أم لا؟ ولو ذكر بعد ذلك) في أثناء الصلاة (أنه كان نواه) لزمه أن يتم لوجود ما أوجب الإتمام في بعضها، فغلب؛ لأنه الأصل.
الخامسة عشرة: بينها بقوله: (أو تعمد ترك صلاة، أو بعضها في سفر) بأن أخرها بلا عذر (حتى خرج وقتها) عنها أو عن بعضها، لزمه أن يتم، قياسًا على السفر المحرم؛ لأنه صار عاصيًا بتأخيرها متعمدًا من غير عذر. وقال في "الفروع": وقيل: يقصر، وفاقًا للأئمة الثلاثة
(1)
؛ لعدم تحريم السبب، أي لأن السفر الذي هو سبب القصر مباح، والمعصية فيه لا تمنع القصر. كما تقدم.
السادسة عشرة: أشار إلها بقوله: (أو عزم) المسافر (في صلاته على ما يلزمه به الإتمام من الإقامة، وسفر المعصية) بأن قلب السفر للمعصية، لزمه أن يتم تغليبًا له، لكونه الأصل. وكذا لو نوى الرجوع، ومدة رجوعه لا يباح فيها القصر. وعبارة "المنتهى": أو عزم في صلاته على قطع الطريق، ونحوه. وما ذكره المصنف أهلى لما تقدم من أن المعصية في السفر لا تمنع الترخص بخلاف المعصية به.
السابعة عشرة: ذكرها بقوله: (أو تاب منه) أي من سفر المعصية (فيها) أي الصلاة (لزمه أن يتم) ولا تنفعه نية قصرها إذن، ولا تبطل إن كان نوى القصر في ابتدائها جاهلًا تحريم ذلك، أو لم ينو القصر عند إحرامها، أما إن نواه عالمًا لم تنعقد صلاته، كما ذكره في ضمن حكم عام بقوله:(وإن نوى مسافر القصر حيث يحرم عالمًا) بأنه لا يباح له القصر (كمن نواه) أي القصر (خلف مقيم عالمًا) بأن إمامه مقيم، وأنه لا يباح له القصر إذن، لم تنعقد (أو قصر معتقدًا تحريم القصر) ولو أنه مخطئ في اعتقاده (لم تنعقد) نيته، فلم
(1)
انظر: البحر الرائق (2/ 86)، وحاشية الدسوقي (1/ 263)، ومغني المحتاج (1/ 263).
تصح صلاته (كنية مقيم القصر) فلا تصح صلاته (و) كـ (ــنية مسافر وعبد الظهر خلف إمام الجمعة) فلا تصح (نصًا) للاختلاف على الإمام (ولو ائتم من له القصر) ونواه (جاهلًا حدث نفسه بمقيم، ثم علمَ حدث نفسه، فله القصر) في المعادة
(1)
؛ لأن الأولى لم تنعقد، بخلاف ما لو ائتم بمقيم، ثم سبقه الحدث كما تقدم.
(1)
في "ح": "الثانية".
فصل (تشترط نية القصر)
لأن الأصل الإتمام، وإطلاق النية ينصرف إليه، كما لو نوى الصلاة مطلقًا، انصرف إلى الانفراد.
(والعلم بها عند الإحرام) هكذا في "الفروع". قال ابن نصر الله: ولم نعلم معنى قوله: والعلم بها اهـ. وقال بعض المتأخرين: معناه: العلم بالنية فيما إذا تقدمت بالزمن اليسير، بخلاف غير المقصورة، فإنه يكفي استصحاب النية حكمًا لا ذكرًا عند التكبير.
قلت: وأقرب من ذلك أن يقال: معناه أنه يشترط العلم بكونه نوى القصر في ابتداء إحرامه، بأن لا يطرأ عليه شك هل نواه؟ فإن طرأ عليه لزمه الإتمام.
(و) يشترط أيضًا العلم بـ (ــأن إمامه إذن) أي حال الصلاة (مسافر، ولو بأمارة وعلامة، كهيئة لباس) إقامة للظن مقام العلم.
و (لا) يشترط أن يعلم (أن إمامه نوى القصر عملًا بالظن) لأنه يتعذر العلم (فلو قال) المأموم: (إن أتم) الإمام (أتممت، وإن قصر قصرت، لم يضر) ذلك في صحة صلاته. وإن سبق إمامه الحدث فخرج قبل علمه بحاله، فله القصر، عملًا بالظاهر، وقيل: يلزمه؛ الإتمام لأنه الأصل.
(وإن صلى مقيم، ومسافر خلف) إمام (مسافر، أتم المقيم، إذا سلم إمامه) إجماعًا.
وإذا أم مسافر مقيمين، فأتم بهم الصلاة صح؛ لأن المسافر يلزمه الإتمام بنيته.
(ويسن أن يقول الإمام) المسافر (للمقيمين: أتموا، فإنا
سَفْر)
(1)
للحديث
(2)
، ولئلا يلتبس على الجاهل عدد ركعات الصلاة.
(ولو قصر الصلاتين) أو صلاهما بتيمم (في وقت أولاهما) جمع تقديم (ثم قدم) وطنه (قبل دخول وقت الثانية) أو وجد الماء قبله (أجزأه) اعتبارًا بوقت الفعل.
(ولو نوى القصر) من يباح له (ثم رفضه، ونوى في الصلاة الإتمام، أتم) وجوبًا؛ لأنه رجع إلى الأصل. قال ابن عقيل وغيره: وفرضه الأولتان وهذه "الثامنة عشرة" مما يجب فيه الإتمام.
(ولو نوى) مسافر (القصر، ثم أتم سهوًا، ففرضه الركعتان، والزيادة سهو يسجد لها ندبًا) لأن عمدها لا يبطل الصلاة. وتقدم حكم متابعة
(1)
بفتح السين وسكون الفاء، جمع سافر بمعنى مسافر، كراكب وركب، وصاحب وصحب. "ش".
(2)
روى أبو داود في الصلاة، باب 279، حديث 1229، والطيالسي ص/ 113 حديث 740، وابن أبي شيبة (1/ 383، 2/ 450، 453)، وأحمد (4/ 430، 431، 432)، والبزار في مسنده (9/ 77) حديث 3608، وابن خريمة (3/ 70) حديث 1643، والطحاوي (1/ 417)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 337، 365)، حديث 2243، 2295، والطبراني في الكبير (18/ 208، 209) حديث 513، 516، والبيهقي (3/ 136)، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: يا أهل البلد، صلوا أربعًا؛ فإنا قوم سفر. لفظ أبي داود.
قال ابن خزيمة: إن ثبت الخبر، فإن في القلب من علي بن زيد بن جدعان، وإنما خرجت هذا الخبر في هذا الكتاب؛ لأن هذه المسألة لا يختلف العلماء فيها. وضعفه الحافظ في الفتح (2/ 563) لأجل علي بن زيد بن جدعان.
وفي الباب عن عمر: أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 149، 402)، وابن أبي شيبة (1/ 383)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم إلى مكة، صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر. قال الحافظ في الدراية (1/ 213): إسناده صحيح.
المأموم له لو كان إمامًا.
(ومن له طريقان) طريق (بعيد، و) طريق (قريب، فسلك البعيد ليقصر الصلاة فيه) قصر؛ لأنه مظنة قصد صحيح، وكلما لو كان الآخر مخوفًا، أو مشقًا، فعدم الحكمة في بعض الصور لا يضره. قال في "الفروع": وظاهر كلامهم: منع من قصد قرية بعيدة لحاجة هي في قريته، وجعلها صاحب "المحرر" أصلًا للجواز في التي قبلها، ولعل التسوية أولى.
(أو) سلك الطريق البعيد (لغير ذلك) أي لغير القصر، كجلب مال، أو نفع، أو نفي ضرر، قصر. قال ابن عقيل: قولًا واحدًا.
(أو ذكر صلاة سفر فيه) أي في ذلك السفر (أو في سفر آخر، ولم يذكرها في الحضر، قصر) لأن وجوبها، وفعلها وجدا في السفر، أشبه أداءها. فإن ذكرها في الحضر، أو قضى بعضها في الحضر، أتم.
التاسعة عشرة من المسائل التي يجب فيها الإتمام: ذكرها بقوله: (ولو نوى إقامة مطلقة) بأن لم يحدها بزمن معين (في بلد، ولو البلد الذي يقصده بدار حرب أو إسلام، أو في بادية لا يقام بها، أو كانت لا تقام فيها الصلاة) أتم؛ لزوال السفر المبيح للقصر بنية الإقامة.
العشرون: المشار إليها بقوله: (أو) نوى إقامة (أكثر من عشرين صلاة) أتم لحديث جابر
(1)
، وابن عباس
(2)
، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "قدم مكة صبيحة رابعة ذي
(1)
أخرجه النسائي في المناسك، باب 77، حديث 2804. وأصله في صحيح البخاري في الحج، باب 32، 34، 35، 81، حديث 1557، 1568، 1570، 1651، وفي العمرة، باب 6، حديث 1785، وفي الشركة، باب 15، حديث 2506، وفي التمني، باب 3، حديث 7230، وفي الاعتصام، باب 27، حديث 7367، ومسلم في الحج، حديث 1218.
(2)
أخرجه البخاري في التقصير، باب 3، حديث 1085، وفي الشركة، باب 15، حديث 2505.
الحجة، فأقام بها الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام" وقد أجمع على إقامتها.
وقال أنس: "أقمنا بمكة عشرًا نقصر الصلاة" متفق عليه
(1)
.
قال الأثرم
(2)
: سمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس، ويقول: هو كلام ليس يفقهه كل أحد، ووجهه: أنه حسب مقام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمكة ومنى، وليس له وجه غير هذا.
الحادية والعشرون: المذكورة بقوله: (أو شك في نيته هل نوى) إقامة (ما يمنع القصر، أم لا؟ أتم) لأنه الأصل، فلا ينتقل عنه مع الشك في مبيح الرخصة (وإلا) أي وإن لم ينو إقامة أكثر من عشرين صلاة، بأن نوى عشرين فأقل (قصر) لما تقدم.
(ويوم الدخول ويوم الخروج يحسبان من المدة) فلو دخل عند الزوال، احتسب بما بقي من اليوم، ولو خرج عند العصر، احتسب بما مضى من اليوم.
(وإن أقام) المسافر (لقضاء حاجة) يرجو نجاحها، أو جهاد عدو، وسواء غلب على ظنه انقضاء حاجته في مدة يسيرة، أو كثيرة، بعد أن يحتمل انقضاؤها في مدة لا ينقطع حكم السفر بها (بلا نية إقامة تقطع حكم السفر) وهي إقامة أكثر من عشرين صلاة (ولا يعلم قضاء الحاجة قبل المدة) أي مدة أكثر من عشرين صلاة (ولو) كان العلم (ظنًا) لإجرائه مجرى اليقين، حيث يتعذر أو يتعسر (أو حبس ظلمًا، أو حبسه مطر أو مرض ونحوه) كثلج
(1)
البخاري في التقصير، باب 1، حديث 1081، ومسلم في المسافرين، حديث 693.
(2)
لعله في سننه، ولم تطبع. وذكره - أيضًا - ابن قدامة في المغني (3/ 150).
وجليد (قصر أبدًا) لأنه صلى الله عليه وسلم "أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة" رواه أحمد وأبو داود والبيهقي
(1)
. وقال: تفرد معمر بروايته مسندًا. ورواه علي بن المبارك مرسلًا.
ولما فتح النَّبيُّ مكة أقام فيها تسع عشرة يصلي ركعتين. رواه البخاري
(2)
.
(1)
أحمد (3/ 295)، وأبو داود في الصلاة، باب 280، حديث 1235، والبيهقي (3/ 152)، من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا.
وأخرجه - أيضًا - الترمذي في العلل الكبير (158)، وعبد الرزاق (2/ 532) حديث 4335، وعبد بن حميد (3/ 71) حديث 1139، وابن حبان "الإحسان"(6/ 456) حديث (2749، 2752)، وابن حزم في المحلى (5/ 25).
قال أبو داود: غير معمر يرسله ولا يسنده. وقال الترمذي في العلل الكبير ص/ 95: سألت محمدًا [البخاري] عن هذا الحديث، فقال: يروى عن ابن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
وقال الحافظ في الدراية (1/ 212): ورواته ثقات إلا أن أبا داود قال هو وغيره: تفرد بوصله معمر. وقال في التلخيص الحبير (2/ 45): وأعله الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن ثوبان مرسلًا.
ومال ابن حزم إلى تصحيحه. وقال النووي في الخلاصة (2/ 734): الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، ولا يقدح فيه تفرد معمر، فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة.
وقال في المجموع (4/ 216): روي مسندًا ومرسلًا، قال بعضهم: رواية المرسل أصح. قلت: ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد، وهو إمام مجمع على جلالته، وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح؛ لأن الصحيح أنه إذا كان في الحديث إرسال وإسناد، حكم بالمسند.
(2)
في تقصير الصلاة، باب 1، حديث 1080، وفي المغازي، باب 52، حديث 4298، 4299، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال أنس: "أقام أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة" رواه البيهقي
(1)
بإسناد حسن.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، ولو أتى عليه سنون.
وروى الأثرم
(2)
عن ابن عمر: أنه "أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول".
فإن حبس بحق لم يقصر.
وعن علي قال: "يقصر الذي يقول: أخرج اليوم، أخرج غدًا، شهرًا"
(3)
.
وعن سعد "أنه أقام في بعض قرى الشام أربعين يومًا يقصر الصلاة"
(4)
رواهما سعيد.
(1)
(3/ 152). قال النووي في المجموع (4/ 216)، وفي الخلاصة (2/ 734): رواه البيهقي بإسناد صحيح، وفيه عكرمة بن عمار، اختلفوا في الاحتجاج به، واحتج به مسلم في صحيحه. وصححه الحافظ في الدراية (1/ 212).
(2)
لعله رواه في سننه ولم تطبع. ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (2/ 533) رقم 4339، والبيهقي (3/ 152). وقال النووي في الخلاصة (2/ 734): رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الصحيحين. وصحح إسناده - أيضًا - الحافظ في الدراية (2/ 212)، والتلخيص الحبير (2/ 47). ورواه - أيضًا - أحمد (2/ 83، 154) بنحوه.
(3)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور، وروى معناه عبد الرزاق (2/ 532) رقم 4333، وابن أبي شيبة (2/ 455). وضعفه ابن المنذر في الأوسط (4/ 356).
(4)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور. ورواه - أيضًا - البيهقي في معرفة السنن والآثار (4/ 274) رقم 6147. ورواه عبد الرزاق (2/ 535) رقم 4350، وابن أبي شيبة (2/ 453)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 360) رقم 2290، والطحاوي (1/ 419) بنحوه.
(فإن) أقام لحاجة، و (علم) أو ظن
(1)
(أنها لا تنقضي في أربعة أيام، لزمه الإتمام) كما لو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام. قال في "الإنصاف": وإن ظن أن الحاجة لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر، فالصحيح من المذهب: أنه لا يجوز له القصر، قدمه في "الفروع" و"الرعاية".
وقيل: له ذلك، جزم به في "الكافي" و"مختصر ابن تميم".
(ومن رجع إلى بلد) كان (أقام به ما بمنع القصر) ولم ينو حال العود إقامة به تمنع القصر (قصر حتى فيه، نصًا) لأنه مسافر، وليس كمن مرَّ بوطنه.
(وإن عزم على إقامة طويلة في رستاق) أي ناحية من أطراف الإقليم، والمراد به المعاملة المشتملة على أمكنة (ينتقل فيه) أي الرستاق (من قرية إلى قرية، لا يجمع) أي لا يعزم، من أجمع بمعنى نوى (على الإقامة بواحدة منها) أي القرى (مدة تبطل حكم السفر) أي فوق أربعة أيام (قصر) لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "أقام عشرًا بمكة، وعرفة، ومنى، يقصر في تلك الأيام كلها" كما تقدم
(2)
.
(وإن نوى إقامة بشرط، كأن يقول: إن لقيت فلانًا في هذا البلد، أقمت فيه، وإلا، فلا، فإن لم يلقه) في البلد (فله حكم السفر) لعدم الشرط الذي علق عليه الإقامة (وإن لقيه به، صار مقيمًا) لاستصحابه حكم نية الإقامة (إن لم يكن فسخ نيته الأولى) للإقامة (قبل لقائه، أو حال لقائه) فإن فسخها، إذن فله القصر (وإن فسخ) النية (بعد لقائه، فهو كمسافر نوى الإقامة المانعة من القصر، ثم بدا له السفر قبل تمامها، فليس له أن يقصر في موضع إقامته) لأنه محل ثبت له فيه حكم الإقامة، أشبه وطنه (حتى يشرع في السفر) ويفارق ذلك الموضع. كما تقدم.
(1)
كلمة "أو ظن" ساقطة من "ح".
(2)
من حديث أنس (3/ 281) تعليق رقم 1.
(والملاح) صاحب السفينة، قاله الجوهري
(1)
(الذي معه أهله في السفينة، أو لا أهل له، وليس له نية الإقامة ببلد لا يترخص) بقصر ولا فطر؛ لأنه غير ظاعن عن وطنه وأهله، أشبه المقيم؛ ولأنه يعتبر للسفر المبيح كونه منقطعًا، بخلاف الدائم.
(فإن كان له) أي الملاح (أهل، وليسوا معه، ترخص) كغيره من المسافرين؛ لأن الشبه حقيقة لا يحصل إلا بذلك.
(ومثله) أي الملاح في التفصيل السابق (مُكَار، وراع، وفيج) بالجيم (وهو رسول السلطان، وبريد، ونحوهم) كالساعي، فلا يترخصون إذا كان معهم أهلهم، وليس لهم نية إقامة ببلد (نصًا)
(2)
وكذا إن لم يكن لهم أهل، فإن كان لهم أهل، وليسوا معهم، فلهم الترخص.
(وعرب البدو الذين حيث وجدوا المرعى رعوه يصلون تمامًا؛ لأنهم مقيمون في أوطانهم) ولا يباح لهم الفطر برمضان لذلك (فإن كان لهم سفر من المصيف إلى المشتى، ومن المشتى إلى المصيف، كما للترك، فإنهم يقصرون في مدة هذا السفر) حيث بلغ المسافة لعموم الأخبار.
(وكل من جاز له القصر، جاز له الجمع، والفطر) لوجود مبيحهما، وهو السفر الطويل (ولا عكس) أي ليس كل من أبيح له الفطر والجمع، أبيح له القصر (لأن المريض ونحوه) ممن يباح له الفطر أو الجمع (لا مشقة عليه في) إتمام (الصلاة) بخلاف الصوم. (وقد ينوي المسافر مسيرة يومين ويقطعها من الفجر إلى الزوال مثلًا، فيفطر، وإن لم يقصر) إذ ليس في ذلك
(1)
الصحاح (1/ 408).
(2)
مسائل صالح (3/ 45) رقم 1306، ومسائل عبد الله (2/ 397) رقم 559، ومسائل أبي داود ص/ 74، ومسائل ابن هانئ (1/ 87) رقم 437.
الوقت صلاة يقصرها أو يتمها.
(قال الأصحاب) منهم ابن عقيل: (الأحكام المتعلقة بالسفر الطويل) الذي يبلغ مسافة القصر (أربعة: القصر، والجمع، والمسح) على الخف ونحوه (ثلاثًا، والفطر) برمضان. وأما أكل الميتة، والصلاة على راحلته إلى جهة سيره، فلا تختص بالطويل. كما تقدم.
فصل (في الجمع) بين الصلاتين
(وليس) الجمع (بمستحب، بل تركه أفضل) للاختلاف فيه (غير جمعي عرفة ومزدلفة) فيسنان بشرطه، للاتفاق عليهما، لفعله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
(يجوز) الجمع (بين الظهر والعصر) في وقت إحداهما (و) بين (العشاءين في وقت إحداهما) فهذه الأربع هي التي تجمع: الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في وقت إحداهما: إمَّا الأولى، ويسمى جمع التقديم، أو الثانية، ويقال له: جمع التأخير في ثمان حالات:
إحداها: (لمسافر يقصر) أي: يباح له قصر الرباعية، بأن يكون السفر غير مكروه ولا حرام، ويبلغ يومين قاصدين كما تقدم؛ لما روى معاذ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمسِ، أخر الظهرَ حتى يجمعَها إلى العصر، فيصليهمَا جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمسِ، صلى الظهرَ والعصر جميعًا، ثم سار، وكان يفعلُ مثَلَ ذلك في المغربِ
(1)
رواه البخاري في الحج، باب 89، 93، 96، حديث 1662، 1667، 1673، ومسلم في الحج، حديث 286، 287، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ورواه البخاري - أيضًا - في الحج، باب 96، حديث 1674، ومسلم في الحج حديث 285، عن أبي أيوب رضي الله عنه.
رواه البخاري - أيضًا - في الحج، باب 95، حديث 1672، ومسلم في الحج حديث 276، 278، 281 عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
ورواه مسلم في الحج، حديث 1218 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ضمن حديثه الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
والعشاءِ" رواه أبو داود، والترمذي
(1)
. وقال: حسن غريب. وعن أنس معناه.
(1)
أبو داود في الصلاة، باب 274، حديث 1208، 1220، والترمذي في الصلاة، أبواب القصر، حديث 553. وأخرجه - أيضًا - أحمد (5/ 241 - 242)، وابن حبان "الإحسان" (4/ 313، 465) حديث 1458، 1593، والدارقطني (1/ 392)، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص/ 119، وأبو نعيم في الحلية (7/ 89)، والبيهقي (3/ 163)، والخطيب في تاريخه (12/ 465 - 466).
قال أبو داود: ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده. وقال الترمذي: وحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدًا رواه عن الليث غيره. وصححه النووي في الخلاصة (2/ 738). وقال ابن القيم في زاد المعاد (1/ 477 - 479): وإسناده على شرط الصحيح. وقال الحافظ في فتح الباري (2/ 583): وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في معلوم الحديث [ص/ 120 - 121]. وانظر سير أعلام النبلاء (11/ 22 - 24)، والتلخيص الحبير (2/ 49).
ولحديث معاذ هذا شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، رواه الترمذي في رواية أبي حامد أحمد بن عبد الله المروزي، كما في تحفة الأشراف (5/ 120) رقم 6021، والشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 186)، وعبد الرزاق (2/ 548) حديث 4405، وأحمد (1/ 367 - 368)، وعبد بن حميد (1/ 530) حديث 612، والطبراني (11/ 211) حديث 11522، 11526، والدارقطني (1/ 389)، والبيهقي (3/ 163، 164). وقال الترمذي: حسن صحيح. وقواه البيهقي بشواهده. وانظر التلخيص الحبير (2/ 48) والفتح (2/ 583).
وحديث معاذ في الجمع، رواه مسلم في المسافرين، حديث 706، والفضائل حديث 10، بلفظ: أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا
…
الحديث.
متفق عليه
(1)
. وظاهره: لا فرق بين أن يكون نازلًا أو سائرًا في جمع التقديم أو التأخير. وقال القاضي: لا يجوز إلا لسائر.
(فلا يجمع من لا) يباح له أن (يقصر، كمكي ونحوه بعرفة ومزدلفة) قال في "شرح المنتهى": أما المكي، ومن هو دون مسافة القصر من عرفة ومزدلفة، والذي ينوي الإقامة بمكة فوق عشرين صلاة، فلا يجوز لواحد منهم الجمع؛ لأنهم ليسوا بمسافرين سفر قصر.
(و) الحالة الثانية: (لمريض يلحقه بتركه) أي الجمع (مشقة وضعف) لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "جمع من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ"، وفي رواية:"من غير خوفٍ ولا سفرٍ" رواهما مسلم
(2)
من حديث ابن عباس. ولا عذر بعد ذَلك إلا المرض. وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة، وهي نوع مرض، واحتج أحمد
(3)
بأن المرض أشد من السفر، واحتجم بعد الغروب ثم تعشى، ثم جمع بينهما.
"تنبيه" قوله: "مشقة وضعف" هكذا في "المستوعب"، و"الكافي" و"الشرح"، و"المقنع"، وتابعه في "التنقيح"، ولم يتعقبه في "المبدع"، ولا "الإنصاف"، ولم يذكر في "الفروع":"وضعف"، وتبعه في "المنتهى" وحكاه في شرحه: بـ "قيل".
(و) الحالة
الثالثة: (لمرضع لمشقة كثرة النجاسة)
أي مشقة تطهيرها لكل صلاة. قال أبو المعالي: هي كمريض.
(و) الحالة الرابعة: (لعاجز عن الطهارة) بالماء (أو التيمم لكل صلاة)
(1)
البخاري في تقصير الصلاة، باب 15، 16، حديث 111، 1112، ومسلم في المسافرين، حديث 704.
(2)
في المسافرين، حديث 705، (54، 49، 50).
(3)
انظر مسائل صالح (2/ 159) رقم 728، و (3/ 177) رقم 1598، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 416).
لأن الجمع أبيح للمسافر، والمريض للمشقة، والعاجز عن الطهارة لكل صلاة في معناهما.
الحالة الخامسة: المشار إليها بقوله: (أو) عاجز (عن معرفة الوقت كأعمى) ومطمور (أومأ إليه أحمد) قاله في "الرعاية"، واقتصر عليه في "الإنصاف".
(و) الحالة السادسة: (لمستحاضة ونحوها) كصاحب سلس بول، أو مذي، أو رعاف دائم، ونحوه؛ لما جاء في حديث حمنة حين استفتت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في الاستحاضة، حيث قال فيه:"فإن قويتِ على أن تؤخِّري الظهرَ وتعجلي العصرَ، فتغتسلين ثم تصلينَ الظهرَ والعصرَ جميعًا، ثم تؤخري المغربَ وتعجلي العشاء، ثم تغتسلين وتجمعينَ بين الصلاتَين، فافعلي" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي
(1)
وصححه. ومن به سلس البول ونحوه في معناها.
(و) الحالة
السابعة والثامنة: (لمن له شغل أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة)
كخوف على نفسه، أو حرمته، أو ماله، أو تضرر في معيشة يحتاجها بترك الجمع ونحوه. قال أحمد في رواية محمد بن مشيش
(2)
: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة من مرض أو شغل.
(1)
أحمد (6/ 381 - 382، 439 - 440)، وأبو داود في الطهارة، باب 110، حديث 287، والترمذي في الطهارة، باب 95، حديث 128، وقال: حسن صحيح. وقد تقدم تخريجه (1/ 339) تعليق رقم 1.
(2)
هو: محمد بن موسى بن مشيش البغدادي، كان يستملي لأبي عبد الله [الإمام أحمد]، وكان من كبار أصحابه، روى عن أبي عبد الله مسائل مشبعة جيادًا، وكان جاره، وكان يقدمه ويعرف حقه. (طبقات الحنابلة 1/ 323). ولم نقف على مسائله.
(واستثنى جمع) منهم صاحب "الوجيز"(النعاس) قال في "الوجيز": عدا النعاس ونحوه.
(و
فعل الجمع في المسجدِ جماعة أولى من أن يصلوا في بيوتهم)
لعموم حديث: "خيرُ صلاةِ المرء في بيتهِ إلا المكتوبة"
(1)
(بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة؛ إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت مفرقة، باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع كـ) الإمام (مالك) بن أنس (و) الإمام محمد بن إدريس (الشافعي، و) الإمام (أحمد، قاله الشيخ)
(2)
.
ثم اعلم أن الأعذار السابقة تبيح الجمع بين الظهر والعصر وبين العشاءين، ثم أشار إلى الأعذار المختصة بالعشاءين، وهي ستة فقال:
(ويجوز) الجمع (بين العشاءين لا الظهرين لمطر يبل الثياب، زاد جمع: أو) يبل (النعل أو البدن، وتوجد معه مشقة) روى البخاري
(3)
بإسناده: "أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في ليلةٍ مطيرةٍ"
(4)
، "وفعله أبو
(1)
أخرجه البخاري في الأذان، باب 81، حديث 731، وفي الأدب، باب 75، حديث 6113، ومسلم في المسافرين، حديث 781، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه.
(2)
قال في مجموع الفتاوى (21/ 452): ". . . والجمع لتحصيل الجماعة خير من التفريق والانفراد".
(3)
كذا في الأصول، والصواب:"النجاد" كما في المبدع (2/ 118)، وهو أحمد بن سلمان بن الحسن أبو بكر الفقيه الحنبلي يعرف بالنجاد، وهو حافظ صدوق، جمع المسند، وصنف في السنن كتابًا كبيرًا، وُلد سنة 253، وتُوفي سنة 348 هـ - رحمه الله تعالى -. "طبقات الحنابلة"(2/ 7)، و"تاريخ بغداد"(4/ 189).
(4)
لعل النجاد رواه في مسنده أو سننه ولم نقف عليهما، ورواه - أيضًا - الضياء المقدسي في المنتقى من مسموعاته بمرو كما في إرواء الغليل (3/ 39)
بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ"
(1)
.
و (لا) يباح الجمع لأجل (الطل) ولا لمطر خفيف لا يبل الثياب على المذهب، لعدم المشقة.
(و) يجوز الجمع بين العشاءين دون الظهرين (لثلج وبرد) لأنهما في حكم المطر.
(و) يجوز الجمع بين العشاءين لـ (ــجليد)، لأنه من شدة البرد (ووحل وريح شديدة باردة) قال أحمد في رواية الميموني:"إن ابن عمرَ كان يجمعُ في الليلة الباردةِ"
(2)
زاد غير واحد: "ليلًا"، وزاد في "المذهب"، و"المستوعب" و"الكافي":"مع ظلمة".
قال القاضي: وإذا جاز ترك الجماعة لأجل البرد كان فيه تنبيه على الوحل؛ لأنه ليس مشقة البر بأعظم من مشقة الوحل، ويدل عليه خبر ابن عباس: جمع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة من غير خوف ولا مطر"
(3)
ولا وجه يحمل عليه إلا الوحل، أي عند انتفاء المرض. قال القاضي: وهو أولى من حمله على غير العذر والنسخ؛ لأنه يحمل على فائدة، فيباح الجمع مع هذه الأعذار.
(حتى لمن يصلي في بيته، أو) يصلي (في مسجد طريقه تحت ساباط، ولمقيم في المسجد ونحوه) كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة (ولو لم ينله إلا يسير) لأن الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة وعدمها
(1)
لم نجد من خرجه.
(2)
لم نجده بهذا السياق، وقد روى مالك في الموطأ (1/ 145) عن نافع، أي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر، جمع معهم.
(3)
رواه مسلم. وقد تقدم تخريجه (3/ 289) تعليق رقم 2.
كالسفر. وإنما اختصت هذه الأشياء بالعشاءين؛ لأنه لم يرد إلا فيهما، ومشقتهما أكثر من حيث إنهما يفعلان في الظلمة، ومشقة السفر لأجل السير وفوات الرفقة، بخلاف ما هنا.
(وفعل الأرفق به) أي بمن يباح له الجمع (من تأخير، وتقديم أفضل بكل حال) لحديث معاذ السابق
(1)
. قال البخاري
(2)
: "قلت له
(3)
: "مع منْ كتبت هذا عن الليث؟ قال: مع خالد المدائني" قال البخاري: وخالد هذا كان يدخل الأحاديث على الشيوخ".
وعن ابن عباس نحوه. رواه الشافعي، وأحمد
(4)
.
"وأخر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الصلاة يومًا في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصرَ جميعًا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاءَ جميعًا" رواه مالك، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ
(5)
.
قال ابن عبد البر
(6)
: هذا حديث صحيح ثابت الإسناد.
ولأن الجمع من رخص السفر، فلم يختص بحالة كسائر رخصه.
وعنه: أنه يختص بحالة السير؛ وحمل على الاستحباب.
(سوى جمعي عرفة ومزدلفة، فيقدم) العصر (في عرفة) ويصليها.
(1)
تقدم تخريجه (3/ 288) تعليق رقم 1.
(2)
انظر معرفة علوم الحديث للحاكم ص/ 120 - 121. وانظر ما تقدم (3/ 288) تعليق رقم 1.
(3)
أي لقتيبه بن سعيد كما في معرفة علوم الحديث للحاكم ص/ 120.
(4)
الشافعي ترتيب مسنده (1/ 186)، وفي "الأم"(1/ 116)، وأحمد (1/ 367 - 368). وقد تقدم تخريجه (3/ 288) تعليق رقم 1.
(5)
مالك في الموطأ (1/ 143)، وانظر ما تقدم (3/ 288) تعليق رقم 1.
(6)
التمهيد (12/ 194).
مجموعة مع الظهر جمع تقديم (ويؤخر) المغرب ليجمعها مع العشاء (في مزدلفة) عند وصوله إليها؛ لفعله صلى الله عليه وسلم؛ ولاشتغاله وقت العصر بعرفة بالدعاء، ووقت المغرب ليلة مزدلفة بالسير إليها.
(فإن استويا) أي التقديم والتأخير في الرفق (فالتأخير أفضل) لأنه أحوط، وفيه خروج من الخلاف، وعمل بالأحاديث كلها (سوى جمع عرفة) فالتقديم فيه أفضل، لما سبق. وإن كان الأرفق به التأخير، اتباعًا للسنة.
(ويشترط للجمع في وقت الأولى) ظهرًا كانت أو مغربًا، وهو جمع التقديم (ثلاثة شروط).
أحدها: (نية الجمع عند إحرامها)
لأنه عمل، فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات"
(1)
وكل عبادة اشترطت فيها النية اعتبرت في أولها كنية الصلاة، ولا تشترط نية الجمع عند إحرام الثانية (وتقديمها) أي الأولى (على الثانية في الجمعين) أي جمع التقديم والتأخير، فلا يختص هذا الشرط بجمع التقديم (فالترتيب بينهما) أي المجموعتين (كالترتيب في الفوائت يسقط بالنسيان) لأن إحداهما هنا تبع لاستقرارهما، كالفوائت. قدمه ابن تميم و"الفائق". قال المجد في "شرحه"، وتبعه الزركشي. الترتيب يعتبر هنا، لكن يشترط الذكر، كترتيب الفوائت اهـ. والصحيح من المذهب الذي عليه جماهير الأصحاب، أنه لا يسقط بالنسيان، قاله في "الإنصاف". قال في "المنتهى": ويشترط له أي للجمع ترتيب مطلقًا.
(و) الثاني: (الموالاة، فلا يفرق بينهما) أي المجموعتين؛ لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل (إلا بقدر إقامة ووضوء خفيف) لأن ذلك يسير، وهو معفو عنه، وهما من مصالح الصلاة،
(1)
تقدم تخريجه (1/ 193) تعليق رقم 2.
وظاهره تقدير اليسير بذلك. وصحح في "المغني" و"الشرح"، وجزم به في "الوجيز": أن مرجعه إلى العرف، كالقبض والحرز، فإن طال الوضوء بطل الجمع.
(ولا يضر كلام يسير لا يزيد على ذلك) أي على قدر الإقامة والوضوء الخفيف (من تكبير عيد أو غيره) كذكر وتلبية (ولو) كان الكلام (غير ذكر) كالسكوت اليسير (فإن صلى السنة الراتبة، أو غيرها بينهما) أي بين المجموعتين جمع تقديم (لا) إن سجد بينهما (سجود السهو) ولو بعد سلام الأولى (بطل الجمع) لأنه فرق بينهما بصلاة، كما لو قضى فائتة، ولو لم تطل الصلاة كما يعلم من كلامه في المبدع. وأما سجود السهو بينهما فلا يؤثر؛ لأنه يسير، ومن تعلق الأولى. وتقدم في سجود السهو كلام "الفصول": أنه يسجد بعدهما.
(و) في الشرط الثالث: (أن يكون العذر) المبيح للجمع من سفر، أو مرض، ونحوه (موجودًا عند افتتاح الصلاتين) المجموعتين (و) عند (سلام الأولى) لأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها، وافتتاح الثانية موضع الجمع (فلو أحرم) ناوي الجمع (بالأولى) من المجموعتين (مع وجود مطر ثم انقطع) المطر (ولم يعد، فإن حصل وَحَلٌ) لم يبطل الجمع؛ لأن الوحل من الأعذار المبيحة، وهو ناشئ من المطر، فأشبه ما لو لم ينقطع المطر (وإلا) أي وإن لم يحصل وحل (بطل الجمع) لزوال العذر المبيح له، فيؤخر الثانية حتى يدخل وقتها.
(وإن شرع في الجمع مسافر لأجل السفر، فزال سفره) بوصوله إلى وطنه، أو نيته الإقامة (ووجد وَحَل، أو مرض، أو مطر، بطل الجمع) لزوال مبيحه، والعذر المتجدد غير حاصل عن الأول، بخلاف الوحل بعد المطر.
(ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع مطر ونحوه) كثلج، وبرد، إن خلفه وحل (بخلاف غيره كسفر، ومرض) فيشترط استمراره إلى فراغ الثانية (فلو انقطع السفر في الأولى بنية إقامة ونحوها) كمروره بوطنه، أو بلد له به امرأة (بطل الجمع والقصر كما تقدم) لزوال مبيحهما (ويتمها) أي الأولى (وتصح) فرضًا لوقوعها في وقتها، ويؤخر الثانية حتى يدخل وقتها (وإن انقطع) السفر (في الثانية بطلا) أي الجمع والقصر (أيضًا) لزوال مبيحهما (ويتمها نفلًا) كمن أحرم بفرض قبل دخول وقته غير عالم
(1)
.
(ومريض كمسافر) في جمع (فيما إذا برئ في الأولى أو الثانية) على ما تقدم تفصيله.
(وإن جمع) جمع تأخير (في وقت الثانية) اشترط له شرطان:
أحدهما: أشار إليه بقوله: (كفاه)، أي أجزأه (نية الجمع في وقت الأولى) لأنه متى أخرها عن وقتها بلا نية صارت قضاء لا جمعًا (ما لم يضق) وقت الأولى (عن فعلها، فإن ضاق) وقت الأولى عن فعلها (لم يصح الجمع) لأن تأخيرها إلى القدر الذي يضيق عن فعلها حرام (وأثم بالتأخير) لما تقدم.
(و) الشرط
الثاني: (استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية)
منهما؛ لأن المجوز للجمع العذر، فإذا
(2)
لم يستمر وجب أن لا يجوز لزوال المقتضي، كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع (ولا أثر لزواله بعد ذلك) أي بعد دخول وقت الثانية؛ لأنهما صارتا واجبتين في ذمته، فلا بد له من فعلهما.
ويشترط الترتيب في الجمعين. كما تقدم، لكن إن جمع في وقت الثانية وضاق الوقت عنهما، قال في "الرعاية": أو ضاق وقت الأولة عن إحداهما، ففي سقوط الترتيب لضيقه وجهان.
(1)
والأولى وقعت موقعها، وإن انقطع بعدها فلا إعادة هـ ش.
(2)
في "ح": "فإن".
(و
لا تشترط الموالاة) في جمع التأخير
(فلا بأس بالتطوع بينهما نصًا) ولا تشترط أيضًا نية الجمع؛ لأن الثانية مفعولة في وقتها، فهي أداء بكل حال.
(ولا يشترط في الجمع) تقديمًا كان أو تأخيرًا (اتحاد إمام ولا مأموم، فلو صلى) من يجمع (الأولى وحده، ثم الثانية إمامًا، أو مأمومًا، أو صلى إمام الأولى وإمام) آخر (الثانية، أو صلى مع الإمام مأموم الأولى وآخر الثانية، أو نوى الجمع خلف من لا يجمع، أو) نوى الجمع إمامًا (بمن لا يجمع، صح) الجمع في هذه الصور كلها؛ لأن لكل صلاة حكم نفسها، وهي منفردة بنيتها، فلم يشترط اتحاد الإمام والمأموم، كغير المجموعتين.
"تتمة" إذا بان فساد الأولى بعد الجمع بنسيان ركن أو غيره، بطلت، وكذا الثانية، فلا جمع. ولا تبطل الأولى ببطلان الثانية؛ ولا الجمع إن صلاها قريبًا.
وإن ترك ركنًا ولم يدر من أيهما تركه، أعادهما، إن بقي الوقت، وإلا، قضاهما.
فصل في صلاة الخوف
وهي ثابتة بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} الآية
(1)
وما ثبت في حقه ثبت في حق أمته، ما لم يقم دليل على اختصاصه؛ لأن الله أمر باتباعه، وتخصيصه بالخطاب لا يقتضي تخصصه
(2)
بالحكم، بدليل قوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}
(3)
.
وبالسنة فقد ثبت وصح أنه صلى الله عليه وسلم صلاها
(4)
، وأجمع الصحابة على فعلها، وصلاها علي
(5)
، وأبو موسى الأشعري
(6)
، وحذيفة
(7)
.
(1)
سورة النساء، الآية:102.
(2)
في "ح" و"ذ": "تخصيصه".
(3)
سورة التوبة، الآية:103.
(4)
انظر تخريج الأحاديث الآتية.
(5)
ذكره البيهقي (3/ 252)، تعليقًا بصيغة التمريض. وانظر المجموع (4/ 260).
(6)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 462، 465)، وخليفة بن خياط في تاريخه ص/ 139، والطبراني في "الأوسط"(8/ 232) رقم 7472، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (1/ 241، 242)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (1/ 58 - 59)، والبيهقي (3/ 252). وذكره أبو داود في الصلاة، باب 281 (2/ 29) معلقًا. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 197)، وقال: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" بنحوه. ورجال "الكبير" رجال الصحيح. وذكره البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 347)، والحافظ في المطالب العالية (1/ 301) رقم 768، وأعلاه بالانقطاع.
(7)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 287، حديث 1246، والنسائي في صلاة الخوف، حديث 1528، وابن أبي شيبة (2/ 461)، وأحمد (5/ 385، 399)، وابن =
فإن قيل: لم يصلها النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق؟ أجيب: بأنه كان قبل نزول الآية أو بعده، ونسيها، أو لم يكن يومئذ قتال يمنعه منها، ويؤيده: أنه صلى الله عليه وسلم "سألهمْ عنِ الصلاة فقالوا: ما صلينا"
(1)
.
(وتأثيره) أي الخوف (في تغيير هيئات الصلاة وصفاتها، لا في تغيير عدد ركعاتها) أي ركعات الصلاة، فلا يغيره الخوف، بناء على قول الأكثر في منع الوجه السادس الآتي. وأما على ظاهر كلام الإمام فيؤثر أيضًا في عددها، كما في الوجه المشار إليه، على ما يأتي بيانه.
(ويشترط فيها) أي في صلاة الخوف (أن يكون القتال مباحًا، كقتال الكفار، والبغاة، والمحاربين) لقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}
(2)
وقيس عليهم باقي من يجوز قتاله، بخلاف القتال المحرم؛ لأنها رخصة، فلا تباح بمعصية.
(قال الإمام أحمد) بن حنبل
(3)
: (صحت) صلاة الخوف (عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) (من خمسة أوجه، أو ستة، وفي رواية أخرى
(4)
: (من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة) قال الأثرم
(5)
: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها، أو
= خزيمة (2/ 293) حديث 1343، والطبري في تفسيره (5/ 247 - 248)، والطحاوي (1/ 310)، وابن حبان "الإحسان"(4/ 302) حديث 1452، والحاكم (1/ 335)، وابن حزم في المحلى (5/ 34)، والبيهقي (3/ 252، 261). قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
(1)
تقدم تخريجه (2/ 110) تعليق رقم 2.
(2)
سورة النساء، الآية:101.
(3)
انظر مسائل أبي داود ص/ 77.
(4)
مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 447) رقم 361، والأوسط لابن المنذر (5/ 44، 45)، ومعالم السنن (1/ 372)، وشرح السنة (4/ 286).
(5)
لعله في سننه، ولم تطبع. وانظر المغني (3/ 311).
تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول: كل من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل
(1)
، فأنا أختاره اهـ. وسيأتي التنبيه على علة اختياره له.
(فمن ذلك) الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم (إذا كان العدوُّ في جهة القبلةِ، وخيفَ هجومُهُ صلى بهم) إمام (صلاة) النَّبي صلى الله عليه وسلم في (عُسْفان) بلد عن مكة بنحو مرحلتين (فيصفهم) الإمام (خلفه صفين فأكثر، حضرًا كان) الخوف (أو سفرًا، وصلى بهم جميعًا) من الإحرام، والقيام، والركوع، والرفع منه (إلى أن يسجد، فيسجد معه الصف الذي يليه، ويحرس)
(2)
الصف (الآخر، حتى يقوم الإمام إلى) الركعة (الثانية، فيسجد) المتخلف (ويلحقه، ثم الأولى تأخر الصف المقدم، وتقدم) الصف (المؤخر) ليحصل التساوي في فضيلة الموقف؛ ولأنه أقرب مواجهة للعدو (فإذا سجد) الإمام (في الثانية، سجد معه الصف الذي يليه، وهو الذي حرس أولًا) أي في الركعة الأولى (وحرس) الصف (الآخر) الذي سجد معه في الأولى (حتى يجلس) الإمام (للتشهد فيسجد) الحارس (ويلحقه، فيتشهد ويسلم بهم) جميعًا.
هذه الصفة رواها جابر قال: "شهدت مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صلاة الخوفِ، فَصَفَّنَا خلفه صفينِ، والعدوُّ بيننا وبينَ القبلةِ، فكبرَ صلى الله عليه وسلم وكَبَّرْنَا جميعًا، ثم ركع وركعنا، ثم رفع رأسه من الركوعِ ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصفُّ المؤخر في نحر العدوِّ، فلما قضى صلى الله عليه وسلم السجود وقام
(3)
الذي يليه، انحدر الصف المؤخرُ بالسجودِ وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدمُ، ثم ركعَ وركعنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسه من الركوع
(1)
يأتي تخريجه ص/ 304 تعليق رقم 2.
(2)
قوله: يحرس، من باب قتل، وضرب، أي يحفظ، قاله في المصباح [ص/ 50]. "ش".
(3)
في "ح" و"ذ" زيادة: "الصف".
ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصفُّ المؤخرُ في نحر العدوِّ، فلما قضى صلى الله عليه وسلم، وقام الصف الذي يليه انحدرَ الصف المؤخر بالسجود وسجد، ثم سلم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعًا" رواه مسلم
(1)
، وروى البخاري بعضه
(2)
.
وروى هذه الصفة أحمد، وأبو داود، من حديث أبي عياش الزرقي قال:"فصلاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مرتين، مرة بعسفان، ومرةً بأرض بني سليم"
(3)
.
(ويشترط فيها) أي في الصلاة على هذا الوجه (أن لا يخافوا كمينًا) يأتي من خلف المسلمين. قال في "القاموس"
(4)
: الكمين، كأمير: القوم يكمنون
(1)
في المسافرين، حديث 840.
(2)
في المغازي، باب 31، حديث 4125 - 4127، 4130، 4137.
(3)
أحمد (4/ 59 - 60)، وأبو داود في الصلاة، باب 281، حديث 1236. وأخرجه - أيضًا - النسائي في الخوف، حديث 1548، 1549، والطيالسي ص/ 191 حديث 723، وعبد الرزاق (2/ 505) حديث 4237، وسعيد بن منصور (4/ 1367) حديث 686، وابن أبي شيبة (2/ 465)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/ 196) حديث 2179، وابن الجارود (232)، والطبري في تفسيره (5/ 246)، والدولابي (1/ 47)، والطحاوي (1/ 318 - 319)، وابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1053) حديث 5899، وابن حبان "الإحسان" (7/ 126، 128) حديث 2875، 2876، والطبراني في الكبير (5/ 213 - 217) حديث 5132 - 5140، والدارقطني (2/ 59 - 60، 60)، والحاكم (1/ 337)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3/ 1176) حديث 2985، والبيهقي (3/ 256 - 257)، والبغوي (4/ 289) حديث 1096، وقال الدارقطني: صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - النووي في الخلاصة (2/ 748 - 749)، وفي المجموع (4/ 275). والحافظ ابن كثير في تفسيره (1/ 548). وحكم عليه البخاري بالإرسال كما في علل الترمذي الكبير ص/ 98.
(4)
ص/ 1584.
في الحرب (و) أن (لا يخفى بعضهم) أي الكفار (عن المسلمين) فإن خافوا كمينًا، أو خفي بعضهم عنا، صلى على غير هذا الوجه، كما لو كانوا في غير جهة القبلة.
(وإن حرس كل صف مكانه من غير تقدم، أو تأخر) فلا بأس لحصول المقصود، لكن ما تقدم أولى؛ لفعله صلى الله عليه وسلم.
(أو جعلهم صفًا واحدًا، وحرس بعضه، وسجد الباقون) ثم في الثانية حرس الساجدون أولًا وسجد الآخرون، فلا بأس لحصول المقصود (أو حرس الأول في) الركعة (الأولى و) حرص (الثاني في) الركعة (الثانية فلا بأس) لحصول المقصود.
(ولا يجوز أن يحرس صف واحد في الركعتين) لأنه ظلم له بتأخيره عن السجود في الركعتين، وعدول عن العدل بين الطائفتين.
الوجه (الثاني: إذا كان العدو في غير جهة القبلة، أو في جهتها، ولم يروهم، أو رأوهم) وخافوا كمينًا، أو خفي بعضهم عن المسلمين، أو رأوهم ولم يخافوا شيئًا من ذلك (و) لكن (أحبوا فعلها كذلك، صلى بهم صلاة) النَّبي صلى الله عليه وسلم بغزوة (ذات الرقاع) - بكسر الراء -، سميت بذلك؛ لأنهم شدوا الخرق على أرجلهم من شدة الحر؛ لفقد النعال. وقيل: هو اسم جبل قريب من المدينة في حمرة وسواد وبياض، كأنها خرق. وقيل: هي غزوة غطفان. وقيل: كانت نحو نجد، قاله في الحاشية (فيقسمهم) الإمام (طائفتين، تكفي كل طائفة العدو) زاد أبو المعالي: بحيث يحرم فرارها، ومتى خشي اختلاف حالهم، واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الأخرى، فللإمام أن ينهض إليهم بمن معه، ويبنوا على ما مضى من صلاتهم.
(ولا يشترط في الطائفة عدد) مخصوص، بل كفاية العدو؛ لأن الغرض
الحراسة منه، ويختلف بحسب كثرته وقلته، وقوته وضعفه.
(فإن فرط) الإمام (في ذلك) بأن كانت الطائفة لا تكفي العدو (أو) فرط في (ما فيه حظ لنا أثم، ويكون صغيرة لا يقدح في) صحة (الصلاة، إن قارنها) لأن النهي لا يختص شرط الصلاة (وإن تعمد ذلك فسق، وإن لم يتكرر كالمودع والوصي والأمين، إذا فرط في الحفظ) قال في "الإنصاف": قلت: إن تعمد ذلك فسق وإلا فلا اهـ. وقال في "تصحيح الفروع": المذهب صحة الصلاة، وتبعه في "المنتهى"؛ لأن التحريم لم يعد إلى شرط الصلاة، بل إلى المخاطرة، كما تقدم، كترك حمل السلاح مع حاجة.
قلت: وفي الفسق مع التعمد نظر؛ لأنه صغيرة كما تقدم، وصرح به في "المبدع". والصغيرة لا يفسق بتعمدها، بل بالمداومة عليها.
(طائفة) تذهب (تحرس) العدو، ولا تحرم معه في الركعة الأولى لما ستقف عليه.
(وطائفة) تحرم معه (يصلي بها ركعة تنوي مفارقته إذا استتم قائمًا، ولا يجوز) أن تفارقه (قبله) بلا عذر، وتبطل صلاتها بذلك، لعدم الحاجة إليه (وتنوي المفارقة وجوبًا؛ لأن من ترك المتابعة) لإمامه (ولم ينو المفارقة تبطل صلاته) لأنه اختلاف على إمامه، وقد نهي عنه (وأتمت) صلاتها (لأنفسها) بركعة (أخرى بـ) سورة (الحمد) لله (وسورة) أخرى (ثم تشهدت وسلمت) لنفسها (ومضت تحرس) مكان الأولى (وتسجد لسهو إمامها قبل المفارقة بعد فراغها) من الصلاة؛ لأن نقص صلاته نقص في صلاتها (وهي بعد المفارقة) له (منفردة
(1)
، فقد فارقته حسًا وحكمًا) لنيتها المفارقة، فلا تسجد لسهوه بعد المفارقة (وثبت) الإمام (قائمًا يطيل قراءته حتى تحضر)
(1)
في "ح" و"ذ" زيادة: "كمسبوق يقضي ما فاته".
الطائفة (الأخرى) التي كانت تحرس (فـ) ــتحرم، ثم (تصلي معه) الركعة (الثانية، يقرأ) الإمام (إذا جاؤا بالفاتحة وسورة إن لم يكن قرأ) قبل مجيئها (فإن كان قرأ) قبله (قرأ بعده بقدرهما، ولا يؤخر القراءة إلى مجيئها استحبابًا) فلا تبطل إن لم يقرأ (ويكفي إدراكها لركوعها) أي الثانية كالمسبوق (ويكون الإمام ترك المستحب) وهو القراءة بقدر الفاتحة والسورة (وفي الفصول: فعل مكروهًا، يعني حيث لم يقرأ شيئًا بعد دخولها معه، إنما أدركته راكعًا، فإذا جلس) الإمام (للتشهد أتمت لأنفسها) ركعة (أخرى، وتفارقه حسًا لا حكمًا، فلا تنوي مفارقته، تسجد معه لسهوه) في الأولى أو الثانية. و (لا) تسجد (لسهوهم) لتحمل الإمام له؛ لأنها لم تفارقه من دخولها معه إلى سلامه بها (ويكرر الإمام التشهد) أو يطيل الدعاء فيه، كما في "المبدع"(فإذا تشهدت سلم بهم؛ لأنها مؤتمة به حكمًا) في الركعة التي تقضيها، وفي الركعة الأخرى حسًا، فلا يسلم قبلهم؛ لقوله تعالى:{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}
(1)
فيدل على أن صلاتهم كلها معه، وتحصل المعادلة بينهما، فإن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، والثانية فضيلة السلام.
وهذا الوجه متفق عليه من رواية صالح بن خَوَّات بن جبير عمن "صلى مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يومَ ذاتِ الرقاعِ صلاةَ الخوفِ، وأن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتى معه ركعةً، ثم ثبتَ قائمًا، وأتمُّوا لأنفسِهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلَّى بهم الركعَة التي بقيتْ من صَلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسِهِم، ثم سلَّم بهمْ"
(2)
.
(1)
سورة النساء، الآية:102.
(2)
البخاري في المغازي، باب 31، حديث 4129، 4131، ومسلم في المسافرين، حديث 841.
وصح عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة مرفوعًا. وهذا الحديث هو الذي أشار إليه أحمد بقوله: وأما حديث سهل فأنا أختاره. ووجهه: كونه أنكأ للعدو، وأقل في الأفعال، وأشبه بكتاب الله تعالى، وأحوط للصلاة والحرب.
(وإن كانت الصلاة مغربًا صلى بـ) ــالطائفة (الأولى ركعتين، وبـ) الطائفة (الثانية ركعة) لأنه إذا لم يكن بد من التفضيل، فالأولى أحق به، وما فات الثانية ينجبر بإدراكها السلام مع الإمام.
(ولا تتشهد) الطائفة الثانية (معه) أي الإمام (عقبها) أي الثالثة؛ لأنه ليس بموضع لتشهدها، بخلاف الرباعية (ويصح عكسها) بأن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين (نصًا) وروي عن علي؛ لأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، فينبغي أن يزيد الثانية في الركعات؛ ليحصل الجبر به، والأول أولى؛ لأن الثانية تصلي جميع صلاتها في حكم الائتمام، والأولى تفعل ما بقي منفردة.
(وإن كانت) الصلاة (رباعية غير مقصورة، صلى بكل طائفة ركعتين) ليحصل العدل بينهم (ولو صلى بطائفة ركعة وبالأخرى ثلاثًا، صح، وتفارقه) الطائفة (الأولى في المغرب والرباعية عند فراغ التشهد) الأول (وينتظر الإمام الطائفة الثانية جالسًا يكرر التشهد) الأول إلى أن تحضر (فإذا أتت قام) لتدرك معه جميع الركعة الثالثة؛ ولأن الجلوس أخف على الإمام؛ لأنه متى انتظرهم قائمًا، احتاج إلى قراءة السورة في الثالثة، وهو خلاف السنة. قال أبو المعالي: تحرم معه، ثم ينهض بهم. والوجه الثاني: يفارقونه حين يقوم إلى الثالثة؛ لأنه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار، والتشهد يستحب تخفيفه، ولأن ثواب القائم أكثر. قال في "الشرح": وكلاهما جائز.
(فإذا جلس للتشهد الأخير، تشهدت معه التشهد الأول كالمسبوق، ثم قامت وهو جالس، فاستفتحت) وتعوذت (وأتمت صلاتها، فإذا تشهدت سلم بهم) ولا يسلم قبلهم لما تقدم.
ويستحب أن يخفف بهم الصلاة؛ لأن موضوع صلاة الخوف على التخفيف، وكذلك الطائفة التي تفارقه تخفف الصلاة.
(وتتم الأولى) صلاتها بعد المفارقة (بالحمد لله) وحدها (في كل ركعة) لأنها آخر صلاتها (والأخرى تتم بالحمد لله وسورة) لأنها أول صلاتها.
(وإن فرقهم) الإمام (أربعًا) أي أربع طوائف (فصلى بكل طائفة ركعة) أو فرقهم ثلاث فرق، فصلى بالأولى ركعتين، وبالباقيتين ركعة ركعة، أو صلى بكل فرقة ركعة في المغرب (صحت صلاة الأوليين) لأنهما ائتمتا بمن صلاته صحيحة، ولمفارقتهما قبل الانتظار الثالث، وهو المبطل، لأنه لم يرد (وبطلت صلاة الإمام) لأنه زاد انتظارًا ثالثًا لم يرد الشرع به، فوجب بطلانها، أشبه ما لو فعله من غير خوف. وسواء كان هذا التفريق لحاجة أو غيرها. قاله ابن عقيل؛ لأنه يمكنهم صلاة شدة الخوف (و) بطلت صلاة الطائفتين (الأخريين إن علمتا بطلان صلاته) لأنهما ائتمتا بمن صلاته باطلة، أشبه ما لو كانت باطلة من أولها (فإن جهلتاه) أي بطلان صلاته (و) جهله (الإمام، صحت) صلاتهما؛ لأنه مما يخفى (كحدثه) أي كما لو جهل الإمام والمأموم حدث الإمام حتى انقضت الصلاة، فإنها تصح للمأموم فقط. وتقدم.
وعلم منه بطلان صلاة الإمام وإن جهل.
(و) الوجه (الثالث: أن يصلي) الإمام (بطائفة ركعة، ثم تمضي إلى العدو) للحراسة (ثم) يصلي (بالثانية ركعة، ثم تمضي) لحراسة العدو (ويسلم وحده، ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها بقراءة) سورة مع الفاتحة (ثم
تأتي الآخرة
(1)
، فتتم صلاتها بقراءة) سورة مع الفاتحة؛ لما روى ابن عمر قال:"صلى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم صلاةَ الخوفِ بِإِحدَى الطائفتيْن ركعةً وسجدتينْ، والطائفةُ الأخرى مواجَهة العدو، ثم انصرفُوا وقامُوا في مقام أصحابهم مقبلينَ على العدو، وجاء أولئكَ فصلّى بهم صلى الله عليه وسلم ركعةً ثم سلّم، ثم قضَى هؤلاء ركعةً وهؤلاء ركعة" متفق عليه
(2)
.
(وهذه الصفة ليست مختارة) لما فيها من كثرة العمل.
(ولو قضت الثانية ركعتها وقت مفارقة إمامها وسلمت ومضت) للحراسة (وأتت الأولى، فأتمت) صلاتها (صح، وهو الوجه الثاني) من وجهي الوجه الثالث (وهو المختار) بالنسبة للوجه الأول من وجهي الوجه الثالث، فلا ينافي ما تقدم من اختيار الإمام للوجه الثاني. وقال: أنا أذهب إليه.
الوجه (الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة) كاملة (ويسلم بها)
أي بكل طائفة. والمنصوص جوازه، وإن منعنا اقتداء المفترض بالمتنفل في غير صلاة الخوف. وهذا الوجه رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن أبي بكرة عنه صلى الله عليه وسلم
(3)
، ورواه الشافعي، والنسائي، عن جابر مرفوعًا
(4)
. وذكر جماعة من الأصحاب: أن صفته حسنة قليلة الكلفة، لا تحتاج إلى مفارقة الإمام، ولا إلى تفريق كبقية الصلاة، وليس فيها أكثر عن أن الإمام في الصلاة الثانية متنفل يؤم مفترضين.
(1)
في "ح" و"ذ": "الأخرى".
(2)
البخاري في الخوف، باب 1، حديث 942، والمغازي، باب 31، حديث 4132، 4133، ومسلم في المسافرين، حديث 839.
(3)
تقدم تخريجه (3/ 216) تعليق رقم 4.
(4)
الشافعي في "الأم"(1/ 216)، والنسائي في الخوف، حديث 1553. وتقدم (3/ 216) تعليق رقم 3.
الوجه (الخامس: أن يصلي) الإمام (الرباعية المقصورة تامة، وتصلي معه كل طائفة ركعتين بلا قضاء)
للركعتين الأخريين (فتكون) الصلاة (له) أي الإمام (تامة، ولهم مقصورة) لحديث جابر قال: "أقبلْنا معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنَّا بذات الرقاع قال: فنودي بالصلاةِ، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخرُوا، وصلى بالطائفةِ الأخرَى ركعتينِ. قال: فكانَت لهُ صلى الله عليه وسلم أربعُ ركعاتٍ، وللقوم ركعتَان ركعتان
(1)
" متفق عليه
(2)
.
ومنع ذلك صاحب "المحرر" لاحتمال سلامه، فيكون هو الوجه الذي قبل هذا، وتأوله القاضي على أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين. وهذا التأويل مخالف لصفة الرواية.
(ولو قصر) الرباعية (الجائز قصرها، وصلى بكل طائفة ركعة بلا قضاء، فمنع الأكثر) من الأصحاب (صحة هذه الصفة، وهو) الوجه (السادس) ومنع الأكثر له؛ لأن الخوف لا يؤثر في نقص الركعات كما تقدم. وقال في "الكافي": كلام الإمام أحمد يقتضي أن يكون من الوجوه الجائزة، إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، وحملوا هذه الصفة على شدة الخوف انتهى. واختار هذا الوجه جماعة من الأصحاب. قال في "الإنصاف": قدمه في "الفروع" و"الرعاية" و"مجمع البحرين" وابن تميم، و"الفائق" وقال: هو المختار، اختاره المصنف - يعني به الموفق - وهو من المفردات. انتهى.
قال في "الفروع": ولو قصرها وصلى بكل طائفة ركعة بلا قضاء، كصلاته
(1)
أي وهي للقوم ركعتان، أو على لغة من يلزم المثنى الألف. "ش".
(2)
البخاري في المغازي، باب 31، حديث 4136، ومسلم في المسافرين، حديث 843.
- صلى الله عليه وسلم في خبر ابن عباس
(1)
، وحذيفة
(2)
، وزيد بن ثابت
(3)
، وغيرهم، صح في ظاهر كلامه، فإنه قال: ما يروى عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كلها صحاح. ابن عباس يقول: "ركعة ركعة" إلا أنه كان للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ركعتان، وللقوم ركعة ركعة. ولم ينص على خلافه. وللخوف والسفر - أي اجتماع مبيحين - أحدهما: الخوف، والآخر: السفر.
(1)
أخرجه النسائي في الخوف، حديث 1532، وعبد الرزاق (2/ 511) حديث 4251، وابن أبي شيبة (2/ 461)، وأحمد (1/ 232، 357)، (5/ 183، 385)، والطبري في تفسيره (5/ 248)، والطحاوي (1/ 309)، وابن خزيمة (2/ 294) حديث 1344، وابن حبان "الإحسان"(7/ 122) حديث 2871، والحاكم (1/ 335)، والبيهقي (3/ 262).
قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وقال الإمام الشافعي في الأم (1/ 217): وعلى المأموم من عدد الصلاة ما على الإمام، لا يختلفان فيما على كل واحد منهما من عددها، وليس يثبت حديث روي في صلاة الخوف بذي قَرَد. وانظر السنن الكبرى للبيهقي والجوهر النقي (3/ 262)، وفتح الباري (2/ 433).
وأخرجه البخاري في الخوف، باب 3، حديث 944، ولكن ليس فيه تصريح بعدم القضاء.
(2)
تقدم تخريجه (3/ 298) تعليق رقم 7.
(3)
أخرجه النسائي في الخوف، حديث 1530، وعبد الرزاق (2/ 510). حديث 4250، وابن أبي شيبة (2/ 461)، وأحمد (5/ 183)، والطبري في تفسيره (5/ 248)، والطحاوي (1/ 310)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 121) حديث 4870، والطبراني في الكبير (5/ 153) حديث 4919، والبيهقي (3/ 262 - 263). وقد ورد من ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، أخرجه مسلم في المسافرين، حديث 687، وأبو داود حديث 1247، والنسائي في الصلاة، باب 3، حديث 455، والخوف، حديث 1531.
"تتمة
" الوجه السابع: صلاته صلى الله عليه وسلم بأصحابه عام نجد،
على ما خرجه أحمد من حديث أبي هريرة
(1)
: وهو أن تقوم معه طائفة، وطائفة أخرى تجاه العدو، وظهرها إلى القبلة، ثم يحرم وتحرم معه الطائفتان، ثم يصلي ركعة هو والذين معه، ثم يقوم إلى الثانية ويذهب الذين معه إلى وجه العدو، وتأتي الأخرى فتركع وتسجد، ثم يصلي بالثانية، وتأتي التي تجاه العدو فتركع وتسجد، ويسلم بالجميع.
(و
تصلى الجمعة في) حال (الخوف حضرًا) لا سفرًا
(بشرط كون كل طائفة أربعين) رجلًا (فأكثر) من أهل وجوبها؛ لاشتراط العدد والاستيطان (فيصلي بطائفة ركعة بعد حضورها الخطبة) يعني خطبتي الجمعة، يعني أنه يشترط أن يحرم بمن حضرت الخطبة لاشتراط الموالاة بين الخطبتين والصلاة (فإن أحرم بـ) ــالطائفة (التي لم تحضرها، لم تصح) الجمعة (حتى يخطب لها) كغير حالة الخوف (وتقضي كل طائفة ركعة بلا جهر) بالقراءة، كالمسبوق إذا فاته من الجمعة ركعة. قال في "الفروع": ويتوجه: تبطل إن بقي منفردًا بعد ذهاب الطائفة، كما لو نقص العدد. وقيل: يجوز هنا للعذر، وجزم به في "الشرح". ولأنه مترقب الطائفة الثانية. قال أبو المعالي: وإن صلاها كخبر ابن عمر
(2)
جاز.
(1)
مسند أحمد (2/ 320). وأخرجه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 284، حديث 1240، والنسائي في الخوف، حديث 1542، وابن خزيمة (2/ 301) حديث 1361، 1362، والطحاوي (1/ 314)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 131) حديث 2878، والحاكم (1/ 338)، والبيهقي (3/ 264، 265). قال الترمذي في العلل الكبير ص/ 18: حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وانظر علل الدارقطني (9/ 52).
(2)
تقدم تخريجه (3/ 307) تعليق رقم 2.
(ويصلي استسقاء ضرورة كالمكتوبة) قاله أبو المعالي وغيره (والكسوف والعيد آكد منه) أي من الاستسقاء؛ لما تقدم؛ ولأن العيد فرض كفاية (فيصليهما) أي الكسوف والعيد في الخوف كالمكتوبة.
(ويستحب له) أي للخائف (حمل سلاح في الصلاة يدفع به) العدو (عن نفسه ولا يثقله، كسيف وسكين ونحوهما) لقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ}
(1)
(1)
، فدل على الجناح عند عدم ذلك، لكن لو قيل بوجوبه، لكان شرطًا، كالسترة. قال ابن منجا: وهو خلاف الإجماع. ولأن حمل السلاح يراد لحراسة، أو قتال، والمصلي لا يتصف بواحدة منهما، والأمر به للرفق بهم، والصيانة لهم، فلم يكن للإيجاب، كالنهي عن الوصال لما كان للرفق، لم يكن للتحريم.
وأما حمل السلاح في الصلاة من غير حاجة، فقال في "الفروع": ظاهر كلام الأكثر: لا يكره في غير العذر، وهو أظهر (ما لم يمنعه) أي المصلي (إكمالها) أي الصلاة (كمغفر) كمنبر (سابغ على الوجه، وهو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة) أو حلق يتقنع بها المتسلح قاله في "القاموس"
(2)
.
(و) يكره (ماله أنف) لأنه يحول بين الأنف والمصلي (أو يثقله حمله كجوشن، وهو التنور الحديد) قال في القاموس
(3)
: الجوشن الصدر والدرع (ونحوه) أي نحو ما ذكر مما يثقله (أو يؤذي غيره، كرمح وقوس، إذا كان)
(1)
سورة النساء، الآية:102.
(2)
ص/ 580.
(3)
ص/ 1531.
المصلي (به) أي بالرمح أو القوس (متوسطًا) للقوم (فيكره) إن لم يحتج إليه (فإن احتاج إلى ذلك، أو كان في طرف الناس، لم يكره) لعدم الإيذاء إذن.
(ويجوز حمل نجس) ولو غير معفو عنه لولا الخوف (في هذه الحالة. و) حمل (ما يخل ببعض أركان الصلاة للحاجة) إليه (ولا إعادة) في المسألتين، كالمتيمم في الحضر لبرد.
فصل
(وإذا اشتد الخوف صلوا وجوبًا - ولا يؤخرونها - رجالًا وركبانًا) متوجهين (إلى القبلة وغيرها) لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}
(1)
قال ابن عمر: "فإن كان الخوف أشدَّ من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها" متفق عليه
(2)
. زاد البخاري: قال نافع: "لا أرى ابنَ عمر قال ذلك إلا عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم" ورواه ابن ماجه مرفوعًا
(3)
.
ولأنه صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في غير شِدّة الخوفِ، وأمرهُم بالمشي إلى وجاه العدو، وهم في الصلاة، ثم يعودون لقضاءِ ما بقي من صلاتِهم
(4)
، وهو مشي
(1)
سورة البقرة، الآية:239.
(2)
البخاري في التفسير، تفسير سورة البقرة، باب 44، حديث 4535، ومسلم - بنحوه - في المسافرين، حديث 839 (306). وزاد البخاري: قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3)
في الإقامة، باب 151، حديث 1258. وأخرجه مرفوعًا - أيضًا - البخاري في الخوف، باب 2، حديث 943.
وقال ابن حجر عن إسناد ابن ماجه: "جيد، والحاصل أنه اختلف في قوله: "فإن كان خوف أشد من ذلك" هل هو مرفوع، أو موقوف على ابن عمر، والراجح رفعه". (فتح الباري 2/ 433).
(4)
تقدمت هذه الصفة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما (3/ 305). وحديث أبي هريرة رضي الله عنه (3/ 308) وليس فيهما أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالمشي إلى وجاه العدو والرجوع بعده، بل هم رضي الله عنهم الذين فعلوا ذلك، وبما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إمامهم، فيحمل على أن ذلك كان بأمر منه صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
كثير، وعمل طويل، واستدبار للقبلة، فمع شدة الخوف أولى.
(يومئون) بالركوع والسجود (إيماء على قدر الطاقة) لأنهم لو تمموا الركوع والسجود، لكانوا هدفًا لأسلحة الكفار معرضين أنفسهم للهلاك.
(و) يكون (سجودهم أخفض من ركوعهم) كالمريض.
(وسواء وجد) اشتداد الخوف (قبلها) أي الصلاة (أو فيها) لعموم الآية (ولو احتاج) المصلي الخائف (عملًا كثيرًا) لما تقدم.
(وتنعقد الجماعة) في شدة الخوف (نصًا
(1)
. وتجب) أي الجماعة في شدة الخوف كغيرها (لكن يعتبر إمكان المتابعة) فإن لم تمكن، لم تجب الجماعة، بل ولا تنعقد.
(ولا يضر تأخر الإمام) عن المأموم في شدة الخوف لدعاء الحاجة إليه.
(ولا) يضر (كر) على العدو (ولا فر) من العدو (ونحوه) من الأعمال، كالضرب والطعن (لمصلحة) تدعو إليه، بخلاف ما لا يتعلق بالقتال، كالكلام. فمتى صاح، فبان حرفان بطلت؛ لعدم الحاجة إلى الكلام، إذ السكوت أهيب في نفوس الأقران.
(ولا) يضر (تلويث سلاحه بدم) ولو كان كثيرًا (ولا يزول الخوف إلا بانهزام الكل) أي جيش العدو كله؛ لأن انهزام بعضه قد يكون مكيدة.
(ولا يلزمهم افتتاحها) أي الصلاة (إلى القبلة، ولو أمكنهم) ذلك كبقية أجزاء الصلاة (ولا) يلزمهم (السجود على) ظهر (الدابة) لما تقدم.
(وكذا من هرب من عدو هربًا مباحًا) كخوف قتل، أو أسر محرم، ويكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين.
(أو) هرب (من سيل، أو سبع) وهو الحيوان المعروف - بضم الباء
(1)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 109) رقم 541، والإفصاح (1/ 185).
وسكونها - وقد يطلق على كل حيوان مفترس كما هنا (ونحوه، كنار، أو غريم ظالم) فله أن يصلي كما تقدم، لوجود الخوف؛ فإن كان الهرب محرمًا، لم يصل صلاة خوف؛ لأنها رخصة فلا تناط بمعصية.
(أو خاف على نفسه، أو أهله، أو ماله) من شيء مما سبق إن ترك الصلاة على هيأتها في شدة الخوف، فإن له أن يصلي صلاة شدة الخوف، لدخول ذلك كله في عموم قوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ}
(1)
.
(أو ذب) أي دفع (عنه) أي عما ذكر من نفسه أو ماله أو أهله (أو) ذب (عن غيره) أي له أن يصلي صلاة الخائف من أجل درء الصائل على نفسه، أو أهله، أو ماله، أو نفس غيره؛ لأن قتال الصائل على ذلك إما واجب، أو مباح، وكلاهما مبيح للصلاة على هذه الهيئة.
(أو طلب عدوًا يخاف فوته) روى عن شرحبيل بن حسنة
(2)
، وقاله الأوزاعي
(3)
. لقول عبد الله بن أنيس: "بعثني النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي، وقال: اذهب فاقتله، فرأيته، وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخِّر الصلاة، فانطلقتُ وأنا أصلِّي أومئُ نحوه إيماءً" رواه أبو داود
(4)
. وظاهر حاله أنه أخبر بذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو كان قد علم
(1)
سورة البقرة، الآية:239.
(2)
هكذا في الأصول "شرحبيل بن حسنه" ولعل الصواب: "شرحبيل بن السِمْط". انظر صحيح البخاري مع الفتح كتاب الخوف، باب 5. (2/ 436).
(3)
مسائل عبد الله (2/ 445) رقم 630، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (2/ 543، 544).
(4)
في الصلاة، باب 289، حديث 1249. ورواه - أيضًا - ابن هشام في السيرة (2/ 619 - 620)، وأحمد (3/ 496)، وأبو يعلى (2/ 201) حديث 905، وابن خزيمة (2/ 91، 92) حديث 982، 983، وابن حبان "الإحسان" (16/ 114) حديث 7160، وأبو نعيم في دلائل النبوة (3/ 664) رقم 445، والبيهقي (3/ 256)، وفي دلائل النبوة (4/ 42). وحسن إسناده الحافظ في الفتح (2/ 437).
جوازه؛ لأنه لا يظن به أنه فعل ذلك مخطئًا؛ ولأن فوات الكفار ضرر عظيم، فأبيحت صلاة الخوف عند فوته كالحالة الأخرى.
(أو خاف فوت وقت وقوف بعرفة) إن صلاها آمنًا، فيصلي صلاة خائف بالإيماء، وهو ماش حرصًا على إدراك الحج؛ لأن الحج في حق المحرم كالشيء الحاصل، والفوات طارئ عليه؛ ولأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن الضرر الحاصل من الغريم الظالم في حق المدين المعسر بخوفه من حبسه إياه أيامًا.
(ومن خاف كمينًا، أو مكيدة، أو مكروهًا) كهدم سور، أو طم خندق إن اشتغل بصلاة الأمن (صلى صلاة خوف) ولا إعادة في ظاهر كلامهم. قال القاضي: فإن علموا أن الطم والهدم لا يتم للعدو إلا بعد الفراغ من الصلاة صلوا صلاة أمن.
(وكذلك الأسير، إذا خافهم) أي الكفار (على نفسه إن صلى، والمختفي في موضع يخاف أن يظهر عليه، صلى كل منهما كيفما أمكنه، قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، ومستلقيًا إلى القبلة وغيرها بالإيماء حضرًا وسفرًا) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم"
(1)
.
(ومن أمن في الصلاة) انتقل وبنى، وأتمها صلاة أمن (أو خاف) في الصلاة (انتقل وبنى) وأتمها صلاة خائف؛ لأن بناءه في الصورتين على صلاة صحيحة، كما لو ابتدأ صحيحًا ثم مرض وعكسه.
(ومن صلى صلاة الخوف لسواد ظنه عدوًا فلم يكن، أو كان) عدو (وثَم) أي هناك (مانع) بينه وبين العدو كبحر ونحوه (أعاد) الصلاة؛ لأنه لم يوجد المبيح، أشبه من ظن الطهارة ثم علم بحدثه، وسواء استند ظنه لخبر ثقة
(1)
تقدم تخريجه (1/ 234) تعليق رقم 2.
أو غيره (وإن بان أنه عدو لكن يقصد غيره) لم يعد؛ لوجود سبب الخوف بوجود عدو يخاف هجمه.
(أو خاف من التخلف عن الرفقة عدوًا، فصلى سائرًا، ثم بان سلامة الطريق) أي أمنها (لم يعد) لعموم البلوى بذلك.
(وإن خاف هدم سور، أو طم خندق إن صلى آمنًا، صلى صلاة خائف) ذكره في "التبصرة"، وتقدم معناه.
(ما لم يعلم خلافه) بأن علم أن الطم والهدم لا يتم إلا بعد الفراغ منها، فيصلي صلاة أمن.
(وصلاة النفل منفردًا يجوز فعلها) للخائف (كالفرض) ولو لم يكن له سبب، أو لم تشرع له الجماعة. وتقدم حكم العيد، والاستسقاء، والكسوف قريبًا.
باب صلاة الجمعة
بتثليث الميم
(1)
، حكاه ابن سيده
(2)
، والأصل الضم.
واشتقاقها من اجتماع الناس للصلاة. وقيل: لجمعها الجماعات. وقيل: لجمع طين آدم فيها. وقيل: لأن آدم جمع فيها خلقه، رواه أحمد
(3)
من
(1)
لعل المراد ما ذكره الكرماني [في شرح صحيح البخاري 6/ 2] بضم الميم، وإسكانها، وفتحها لا التثليث المعروف. "ش".
قلنا: وقد حكى الحافظ في الفتح (2/ 353) الكسر - أيضًا - عن الزجاج.
(2)
المحكم والمحيط الأعظم (1/ 213)، والمخصص (9/ 42).
(3)
(2/ 311). ورواه - أيضًا - الحارث بن أبي أسامة، كما في بغية الباحث ص/ 67 رقم 189، ولفظ الإمام أحمد: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، في آخر ثلاث ساعات منها ساعة، من دعا الله عز وجل فيها استجيب له.
قال الحافظ في الفتح (2/ 418): وفي إسناده فرج بن فضالة - وهو ضعيف، وعلي [ابن أبي طلحة] لم يسمع من أبي هريرة.
وله شاهد من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه: رواه أحمد (5/ 439)، والبزار في مسنده (6/ 491) حديث 2526، والمروزي في الجمعة وفضلها ص/ 72 - 73، وابن خزيمة (3/ 118) حديث 1732، والطحاوي (1/ 368)، وابن أبي حاتم في تفسيره (10/ 3356) رقم 18895، والطبراني في الكبير (6/ 337) حديث 6089، 6091، 6092، وفي الأوسط (1/ 455) حديث 825، والحاكم (1/ 277)، والخطيب في تاريخه (11/ 431) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سلمان، ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا سلمان، يوم الجمعة به جمع أبوك
…
الحديث. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 174): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.
حديث أبي هريرة. وقيل: لأنه جمع مع حواء في الأرض فيها. وفيه خبر مرفوع. وقيل: لما جمع فيها من الخير. قيل: أول من سماه يوم الجمعة كعب بن لؤي
(1)
، واسمه القديم: يوم العروبة، وهو أفضل أيام الأسبوع.
(وهي صلاة مستقلة) ليست بدلًا عن الظهر
(لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب) الجمعة (عليه) كالعبد والمسافر (ولجوازها) أي الجمعة (قبل الزوال) ولأنه (لا) يجوز أن تفعل (أكثر من ركعتين) لما يأتي عند قوله: "والجمعة ركعتان".
(ولا تجمع) مع العصر (في محل يبيح الجمع) بين الظهر والعصر، لعذر مما تقدم في الجمع.
(و) صلاة الجمعة (أفضل من الظهر) بلا نزاع، قاله في "الإنصاف".
(وفرضت بمكة قبل الهجرة) لما روى الدارقطني عن ابن عباس قال: "أذن للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الجمعةِ قبل أن يهاجرَ، فلم يستطعْ أن يجمع بمكةَ، فكتبَ إلى مصعب بنِ عمير أما بعد: فانظر إلى اليوم الذي تجهرُ فيه اليهودُ بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءَكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطرِه عند الزوال من يوم الجمعةِ، فتقربُوا إلى اللهِ بركعتيْن"
(2)
.
ف
أول من جمع مصعب بن عمير
(3)
، حتى قدم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر.
(1)
انظر "فتح الباري"(2/ 353).
(2)
لم نقف عليه في سنن الدارقطني. وقد ذكره السهيلي في "الروض الأنف"(4/ 101)، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 56)، وأشار إليه في فتح الباري (2/ 356)، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وكلهم عزوه إلى الدارقطني. ولكن لم نجده في سننه كما أسلفنا، فلعله رواه في كتاب آخر.
(3)
سيأتي تخريجه (3/ 338) تعليق رقم 6.
والجمع بين هذا وبين قول من قال: أول من جمع أسعدُ بن زرارة
(1)
، هو أن أسعد جمع الناس، فإن مصعبًا كان نزيلهم، وكان يصلي بهم، ويقرئهم، ويعلمهم الإسلام، وكان يسمى المقرئ، فأسعد دعاهم، ومصعب صلى بهم.
وفي البخاري عن ابن عباس "أن أوَّل جمعةٍ بعد جمعة في مسجدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم جمعة بجواثى، قرية من قرى البحرين"
(2)
.
(وقال الشيخ
(3)
: فعلت بمكة على صفة الجواز، وفرضت بالمدينة. انتهى) لأن سورة الجمعة مدنية. ولعل المراد من قوله: فعلت بمكة أي قبل الهجرة، أي فعلت الجمعة، والنَّبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة، على غير وجه الوجوب، إذ آية الجمعة بل سورتها نزلت بالمدينة.
(وليس لمن قلدها) أي ولاه الإمام إمامة الجمعة (أن يؤم في الصلوات الخمس) أي في ظهر، ولا غيرها من المكتوبات. ذكره في "الأحكام السلطانية"
(4)
، وقدمه في "الفروع"، و"الفائق" وغيرهما. ولعل المراد: لا يستفيد ذلك بالولاية، لا أنه يمتنع عليه الإمامة، إذ إقامة الصلوات لا تتوقف على إذنه.
(ولا لمن قلد الصلوات الخمس أن يؤم فيها) أي الجمعة؛ لعدم تناول الخمس لها، والمراد كما سبق (ولا من قلد أحدهما) أي الجمعة أو الخمس
(1)
سيأتي تخريجه (3/ 335) تعليق رقم 4.
(2)
البخاري في الجمعة، باب 11، حديث 892، وفي المغازي، باب 69، حديث 4371.
(3)
انظر مجموع الفتاوى (7/ 605).
(4)
ص/ 104.
(أن يؤم في عيد، وكسوف، واستسقاء) لعدم شمول ولايته لذلك. والمراد على ما سبق (إلا أن يقلد جميع الصلوات فتدخل) المذكورات (في عمومها) للإتيان بصيغة العموم.
(وهي فرض عين) بالإجماع
(1)
: وسنده: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}
(2)
، ولا يجب السعي إلا لواجب، والمراد به: الذهاب إليها لا الإسراع.
والسنة: ومنها قول ابن مسعود: قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلي بالناسِ، ثم أحرق على رجالٍ يتخلفُون عن الجمعةِ بيوتهم"
(3)
وقال أبو هريرة وابن عمر: "لينتهيَنَّ أقوامٌ عن ودعهم الجمعاتِ، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافِلين"
(4)
رواهما مسلم.
(على كل مسلم بالغ عاقل) لأن ذلك شرط للتكليف، فلا تجب على مجنون إجماعًا
(5)
، ولا على صبي؛ لما روى طارق بن شهاب مرفوعًا:"الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كل مسلمٍ في جماعةٍ، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" رواه أبو داود
(6)
. وقال: طارق قد رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئًا. وإسناده ثقات، قاله في "المبدع".
(1)
انظر الإجماع لابن المنذر (ص/ 38) رقم 55، والمجموع شرح المهذب (4/ 311).
(2)
سورة الجمعة، الآية:9.
(3)
مسلم في المساجد، حديث 652.
(4)
مسلم في الجمعة، حديث 865، مرفوعًا.
(5)
انظر الإنصاف (5/ 160).
(6)
في الصلاة، باب 215، حديث 1067. وأخرجه - أيضًا - الطبراني في الكبير (8/ 385) حديث 8206، والدارقطني (2/ 3)، والبيهقي (3/ 172، 183).
قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه شيئًا. وقال البيهقي =
(ذكر) حكاه ابن المنذر إجماعًا
(1)
؛ لأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال.
(حر) لأن العبد مملوك المنفعة، محبوس على سيده، أشبه المحبوس بالدين.
(مستوطن ببناء يشمله) أي البناء (اسم واحد، ولو تفرق) البناء (يسيرًا) وسواء كان البناء من حجر، أو قصب، أو نحوه، لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث طارق:"في جماعة".
(فإن كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة، لزمته) أي الجمعة (ولو كان بينه وبين موضعها) أي موضع إقامة الجمعة (فراسخ
(2)
، ولو لم يسمع النداء) لأنه بلد واحد، فلا فرق فيه بين البعيد والقريب؛ ولأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ، فهو في مظنة القرب، فاعتبر ذلك.
(وإن كان خارج البلد) الذي تقام فيه الجمعة (كمن هو في قرية لا
= (3/ 183): هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مرسل جيد، فطارق من خيار التابعين، وممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يسمع منه، ولحديثه هذا شواهد. وقال النووي في الخلاصة (2/ 757)، وفي المجموع (4/ 311): وهذا الذي قاله أبو داود لا يقدح في صحة الحديث؛ لانه إن ثبت عدم سماعه يكون مرسل صحابي، وهو حجة. وصحح إسناده ابن رجب في فتح الباري (8/ 61)، والحافظ في الفتح (2/ 357)، وقال في التلخيص الحبير (2/ 65): وصححه غير واحد.
ورواه الحاكم (1/ 288) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. لكن قال الحافظ في إتحاف المهرة (10/ 35): ذكر أبي موسى فيه وهم
…
، وقال في الإصابة (5/ 214): وقد أخرجه الحاكم من طريقه، فقال: عن طارق، عن أبي موسى، وخطؤوه فيه.
(1)
الإجماع (ص/ 41) رقم 54.
(2)
كذا في الأصل، وصوابه:"فرسخ" كما هو واضح من سياق الكلام بعده.
يبلغ عددهم ما يشترط في الجمعة) وهو أربعون (أو كان مقيمًا في خيام) جمع خيمة، وهي بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر. قال ابن الأعرابي
(1)
: لا تكون الخيمة عند العرب من ثياب؛ بل من أربعة أعواد، وتسقف بالثمام، وخيمت بالمكان - بالتشديد -: أقمت فيه، ذكره في الحاشية (ونحوها) كبيوت الشعر. (أو) كان (مسافرًا دون مسافة قصر، وبينه) أي المذكور فيما تقدم وهو من في قرية لا يبلغون عدد الجمعة، أو في خيام ونحوها، أو مسافر دون المسافة (وبين موضعها) أي الجمعة (من المنارة نصًّا)
(2)
وعنه من أطراف البلد (أكثر من فرسخ تقريبًا، لم تجب عليه) الجمعة؛ لأنهم ليسوا من أهلها، ولا يسمعون نداءها (وإلا) بأن كان بينه وبين موضعها في هذه المسائل فرسخ تقريبًا فأقل (لزمته بغيره) لأنه من أهل الجمعة، يسمع النداء كأهل المصر، لقوله صلى الله عليه وسلم:"الجمعةُ على من سمِعَ النداءَ" رواه أبو داود
(3)
وقال: إنما
(1)
انظر تهذيب اللغة (7/ 608)، ولسان العرب (12/ 193).
(2)
انظر مسائل عبد الله (2/ 403 - 405) رقم 567 - 569، ومسائل أبي داود ص/ 82 رقم 393، ومسائل ابن هانئ (1/ 89) رقم 445.
(3)
في الصلاة، باب 212، حديث 1056، وأخرجه - أيضًا - المروزي في الجمعة وفضلها ص/ 86، والدارقطني (2/ 6)، وأبو نعيم في الحلية (7/ 104)، والبيهقي (3/ 173)، والخطيب في الموضح (1/ 13) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا.
قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة.
وعلق عليه البيهقي بقوله: وقبيصة بن عقبة من الثقات، ومحمد بن سعيد هذا، هو الطائفي ثقة.
وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/ 1189): "هذا الإسناد فيه جهالة. . .". وانظر بيان الوهم والإيهام (3/ 400)، وفتح الباري (2/ 385). =
أسنده قبيصة. قال البيهقي
(1)
: هو من الثقات. قال في الشرح: الأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو، ورواه الدارقطني ولفظه:"إنما الجمعة على من سمعَ النداءَ".
والعبرة بسماعه من المنارة لا بين يدي الإمام، نص عليه
(2)
. لكن لما كان اعتبار سماع النداء غير ممكن؛ لأنه يكون فيهم الأصم، وثقيل السمع، وقد يكون بين يدي الإمام، فيختص بسماعه أهل المسجد، اعتبر بمظنته، والموضع الذي يسمع فيه النداء غالبًا - إذا كان المؤذن صيتًا والرياح ساكنة، والأصوات هادئة، والعوارض منتفية - هو فرسخ. فلو سمعته قرية من فوق فرسخ، لعلو مكانها، أو لم يسمعه من دونه لجبل حائل، أو انخفاض، لم تجب في الأولى، ووجبت في الثانية، اعتبارًا بالمظنة، وإقامتها مقام المئنة، ومحل لزومها حيث لزمت فيما تقدم (إن لم يكن عذر) مما تقدم في آخر باب الجماعة.
(و
لا تجب) الجمعة (على مسافر سفر قصر)
لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة فيه، مع اجتماع الخلق
= ورواه البخاري في التاريخ الكبير (1/ 93)، والبيهقي (3/ 173 - 174)، والخطيب في الموضح (1/ 13) موقوفًا.
قال الشيخ عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 102): وروي موقوفًا، وهو الصحيح.
قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (8/ 158): وروي موقوفًا، وهو أشبه.
(1)
السنن الكبرى (3/ 173).
(2)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 89)، ومسائل عبد الله (2/ 403، 404)، ومسائل أبي داود ص/ 56.
الكثير. وكما لا تجب عليه بنفسه لا تلزمه بغيره. نص عليه
(1)
.
(ما لم يكن سفره) سفر (معصية) فتلزمه؛ لئلا تكون المعصية سببًا للتخفيف عنه.
(فلو أقام) المسافر سفر طاعة يبلغ المسافة (ما يمنع القصر لشغل) كتاجر أقام لبيع متاعه فوق أربعة أيام (أو علم، ونحوه) كرباط في سبيل الله (ولم ينو استيطانًا، لزمته بغيره) لعموم الآية والأخبار.
(ولا يؤم فيها) أي الجمعة (من لزمته بغيره) لعدم الاستيطان، ولئلا يصير التابع متبوعًا.
(و
لا جمعة بمنى، وعرفة
نصًّا)
(2)
؛ لأنه لم ينقل فعلها هناك، وللسفر.
(ولا) جمعة (على عبد، ولا معتق بعضه، ولو كان بينه وبين سيده مهايأة، وكانت الجمعة في نوبته) أي المبعض، فلا تجب عليه، لما تقدم.
(ولا على مكاتب، ومدبَّر، ومعلق عتقه بصفة)؛ لأنه عبد.
(وهي) أي الجمعة (أفضل في حقهم، و) في (حق المميز، و) في حق (من لا تجب عليه لمرض، أو سفر) وكل من اختلف في وجوبها عليه. وقوله: (من الظهر) متعلق بأفضل للاختلاف في وجوبها عليهم.
(ولا) جمعة (على امرأة) لما تقدم، ويباح لغير الحسناء حضورها، ويكره لحسناء كالجماعة، وبيتها خير لها. قال أبو عمرو الشيباني: رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع، ويقول:"اخرجن إلى بيوتِكُن، خير لكن"
(3)
.
(1)
انظر مسائل عبد الله (2/ 407، 418) رقم 575، 592، ومسائل أبي داود ص/ 56، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 548) رقم 514.
(2)
مسائل ابن هانئ (1/ 167) رقم 835.
(3)
أخرجه عبد الرزاق (3/ 173) رقم 5201، وابن المنذر في الأوسط (5/ 17) رقم 1733، وأخرجه البيهقي (3/ 186) بنحوه.
(و) لا (خنثى)؛ لأنه لا يعلم كونه رجلًا.
(ومن حضرها منهم) أي ممن تقدم أنها لا تجب عليه (أجزأته)؛ لأن إسقاط الجمعة عنهم تخفيف، فإذا حضروها أجزأت، كالمريض (ولم تنعقد به) الجمعة (فلا يحسب من العدد المعتبر) لأنه ليس من أهل الوجوب، وإنما تصح منه الجمعة تبعًا لمن انعقدت به
(1)
، فلو انعقدت بهم معهم، لانعقدت بهم منفردين، كالأحرار المقيمين (ولا يؤم فيها) أي في الجمعة؛ لئلا يصير التابع متبوعًا.
(ومن سقطت عنه) الجمعة (لعذر كمرض، وخوف، ومطر، ونحوها) كخوف على نفسه أو ماله (غير سفر، إذا حضرها) أي الجمعة (وجبت عليه، وانعقدت به، وأم فيها) أي جاز أن يؤم في الجمعة؛ لأن سقوط حضورها لمشقة السعي، فإذا تحمل وحضرها، انتفت المشقة، ووجبت عليه، فانعقدت به كمن لا عذر له. (فلو حضرها) أي الجمعة (إلى آخرها، ولم يصلها، أو انصرف لشغل غير دفع ضرره كان عاصيًا) لتركه ما وجب عليه (أما لو اتصل ضرره بعد حضورها، فأراد الانصراف لدفع ضرره، جاز) انصرافه (عند الوجود) أي وجود العذر (المسقط) للجمعة (كالمسافر.
ومن صلى الظهر ممن يجب عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام، أو قبل فراغها) أي فراغ ما تدرك به الجمعة (أو شك، هل صلى) الظهر (قبل الإمام أو بعده؟ لم تصح صلاته) لأنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به، فلم تصح، كما لو صلى العصر مكان الظهر، وكشكه في دخول الوقت؛ لأنها فرض الوقت، فيعيدها ظهرًا، إذا تعذرت الجمعة، ثم إن ظن أنه يدرك الجمعة سعى إليها؛ لأنها المفروضة في حقه، وإلا انتظر حتى يتيقن أن الإمام صلى ثم يصلي الظهر. لكن لو أخر الإمام الجمعة تأخيرًا منكرًا، فللغير
(1)
في "ح": "بهم".
أن يصلي ظهرًا وتجزئه عن فرضه، جزم به المجد، وجعله ظاهر كلامه، لخبر تأخير الأمراء الصلاة عن وقتها
(1)
.
(وكذا لو صلى الظهر أهل بلد مع بقاء وقت الجمعة) لم تصح ظهرهم، لما تقدم، ويعيدونها إذا فاتت الجمعة.
(والأفضل لمن لا تجب عليه) الجمعة كالعبد، والمريض (التأخير) للظهر (حتى يصلي الإمام) الجمعة؛ فإنه ربما زال عذره، فلزمته الجمعة. لكن يستثنى من ذلك من دام عذره كامرأة، وخنثى، فالتقديم في حقهما أفضل، ولعله مراد من أطلق. قاله في "المبدع". لكن الخنثى يتأتى زوال عذره لاحتمال أن تتضح ذكوريته، فهو كالعبد، والمسافر.
(فإن صلوا) أي الذين لا تجب عليهم الجمعة كالعبد، والمسافر، والمرأة ونحوهم الظهر (قبله) أي قبل تجميع الإمام (صحت) ظهرهم؛ لأنهم أدوا فرض الوقت (ولو زال عذرهم) بعد صلاتهم، كالمعضوب، إذا حج عنه، ثم عوفي.
(فإن حضروا الجمعة بعد ذلك) أي بعد أن صلوا الظهر للعذر (كانت نفلًا) لأن الأولى أسقطت الفرض (إلا الصبي إذا بلغ) بعد أن صلى الظهر، ولو بعد تجميع الإمام (فلا يسقط فرضه) وتجب عليه الظهر ببلوغه في وقتها، أو وقت العصر، كما تقدم؛ لأن صلاته الأولى وقعت نفلًا، فلا تسقط الفرض.
(ولا يكره لمن فاتته الجمعة) صلاة الظهر جماعة. وكذا لو تعددت الجمعة، وقلنا: يصلون الظهر، فلا بأس بالجماعة فيها، بل مقتضى ما سبق وجوبها. لكن إن خاف فتنة أخفاها على ما يأتي (أو لمن لم يكن من أهل
(1)
روى مسلم في المساجد، حديث 648، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها
…
الحديث.
وجوبها) كالعبيد والنساء (صلاة الظهر جماعة ما لم يخف فتنة) لحديث فضل الجماعة
(1)
، وفعل ابن مسعود
(2)
، واحتج به أحمد
(3)
. زاد السامري: بأذان وإقامة. وفي كراهتها في مكانها وجهان، جزم في "الشرح" بالكراهة لخوف الفتنة والافتيات على الإمام (فإن خاف) فتنة، أو ضررًا (أخفاها) وصلى حيث يأمن ذلك.
ومن لزمته الجمعة، فتركها بلا عذر، تصدق بدينار أو نصفه، للخبر
(4)
، ولا يجب. قاله في "الفروع".
(1)
تقدم تخريجه (3/ 144) تعليق رقم 4.
(2)
رواه عبد الرزاق (3/ 231) رقم 5456، ومسدد، كما في المطالب العالية (1/ 283) رقم 706، وابن المنذر في الأوسط (4/ 108) رقم 1858، والطبراني في الكبير (9/ 357) رقم 9544، عن الحسن بن عبيد الله قال: صليت وأنا وزِرّ فأمَّني، وفاتتنا الجمعة، فسألت إبراهيم فقال: فعل ذلك عبد الله بعلقمة والأسود. وقال الحافظ في المطالب العالية: إسناده صحيح.
(3)
مسائل عبد الله (2/ 406) رقم 572.
(4)
روى أبو داود في الصلاة، باب 211، حديث 1053، وفي مسائله ص/ 295، والنسائي في الجمعة، باب 3، حديث 1371، وفي الكبرى (1/ 571) حديث 1662، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 93، حديث 1128، والطيالسي (ص/ 122) حديث 901، وابن أبي شيبة (2/ 154)، وأحمد (5/ 8)، وابن خزيمة (3/ 178) حديث 1861، وابن حبان "الإحسان"(7/ 28، 29) حديث 2788، 2789، والروياني في مسنده (2/ 50) حديث 809، والطبراني في الكبير (7/ 235) حديث 6979، والحاكم (1/ 280)، والبيهقي (3/ 248) عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك الجمعة من غير عذر، فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار.
ورواه أبو داود في مسائله ص/ 296، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 93، حديث 1128، والطبراني في الكبير (7/ 219) حديث 6911، والبيهقي =
(ولا يجوز لمن تلزمه) الجمعة (السفر في يومها بعد الزوال حتى يصليها) لتركها بعد الوجوب، كما لو تركها لتجارة، بخلاف غيرها (إلا أن يخاف فوت رفقته) بسفر مباح، فإن ذلك عذر يسقط وجوبها، كما تقدم.
(ويجوز) لمن تلزمه الجمعة السفر (قبله) أي قبل الزوال بعد طلوع الفجر؛ لما روى الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن أبيه، عن عمر قال:"لا تحبس الجمعةُ عن سفرٍ"
(1)
وكما لو سافر من الليل (مع الكراهة) لحديث الدارقطني عن ابن عمر، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "من سافر
= (3/ 248)، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا. ورواه أبو داود - أيضًا - في الصلاة، باب 211، حديث 1054، وفي مسائله ص/ 296، والحاكم (1/ 280)، والبيهقي (3/ 248) عن قدامة بن وبرة مرسلًا بلفظ: من فاتته الجمعة بغير عذر فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع.
تردد ابن خزيمة في الحكم على الحديث بالصحة. وقال أبو حاتم في العلل لابنه (1/ 196): وهو حديث صالح الإسناد. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد. . .". ووافقه الذهبي. وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث، فقال: قدامة بن وبرة، لا يعرف. (انظر العلل ومعرفة الرجال 1/ 256 رقم 367، وتهذيب الكمال (23/ 556). وقال البخاري في التاريخ الكبير (4/ 177): ولا يصح حديث قدامة في الجمعة. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 470): لا يصح. وقال النووي في المجموع (4/ 411): هذا حديث ضعيف الإسناد، مضطرب، منقطع. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (6/ 101 مع الفيض) بألفاظه المختلفة، ورمز لصحته. وتعقبه المناوي في فيض القدير (6/ 101) بقوله: قال الدميري: اتفقوا على ضعف هذه الروايات كلها، وقول الحاكم: حديث ضعيف [كذا في المطبوع ولعل الصواب: صحيح] مردود، وهذا مع ما قبله اضطراب يضعف لأجله.
(1)
الشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 150). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 250) رقم 5537، وابن أبي شيبة (2/ 105)، وابن المنذر (4/ 21، 52) رقم 1737، 1786، والبيهقي (3/ 187).
من دار إقامة يوم جمعة، دعت عليه الملائكة أن لا يصحبَ في سفره، وأن لا يعانَ على حاجتِه"
(1)
(إن لم يأت بها) أي بالجمعة (في طريقه فيهما) أي في مسألتي ما إذا سافر بعد الزوال أو قبله. أما إذا كان يأتي بها في طريقه، فلا كراهة لانتفاء الموجب.
(1)
ذكره ابن طاهر المقدسي في أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني (3/ 440) رقم 3201، ذكره في كنز العمال (6/ 715) رقم 17540، وعزاء لابن النجار. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (1/ 249): أخرجه الدارقطني في الأفراد من كلام ابن عمر، وفيه ابن لهيعة، وقال: غريب.
وذكره - أيضًا - ابن حجر في التلخيص الحبير (2/ 66) وعزاه إلى الأفراد للدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، وقال: وفيه ابن لهيعة.
فصل
(يشترط لصحتها) أي الجمعة (أربعة شروط: أحدها الوقت) لأنها مفروضة فاشترط لها كبقية المفروضات (فلا تصح قبله) أي قبل الوقت (ولا بعده) إجماعًا. (وأوله) أي أول وقت الجمعة (أول وقت صلاة العيد نصًّا)
(1)
لقول عبد الله بن سيدان السلمي قال: "شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكرٍ، فكانت خطبتُه وصلاتُه قبل نصفِ النهارِ، ثم شهدتها مع عمرَ، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهارُ، ثم شهدتها مع عثمانَ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زالَ النهارُ، فما رأيتُ أحدًا عاب ذلك ولا أنكره" رواه الدارقطني، وأحمد
(2)
، واحتج به
(3)
.
(1)
انظر الانتصار في المسائل الكبار (2/ 576).
(2)
سنن الدارقطني (2/ 17). ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 107)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 354) رقم 995، والعقيلي (2/ 265). وذكره الحافظ في تغليق التعليق (2/ 356) وعزاء لأبي نعيم [الفضل بن دكين] في كتاب الصلاة ولم نجده في المطبوع منه. وأخرجه عبد الرزاق (3/ 175) رقم 5210، ولم يذكر عثمان رضي الله عنه. وذكره المجد في المنتقى (2/ 23) وقال: رواه الدارقطني والإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله. ولم نقف عليه في مسند أحمد، ولا في المطبوع من كتب مسائله. قال ابن المنذر:"فأما حديث عبد الله بن سيدان، فغير ثابت. . .". وقال النووي في الخلاصة (2/ 773): رواه الدارقطني وغيره، واتفقوا على ضعفه، وضعف ابن سيدان. وقال ابن رجب في فتح الباري (8/ 173): وهذا إسناد جيد. وقال الحافظ في فتح الباري (2/ 387): "رجاله ثقات، إلا عبد الله بن سيدان - وهو بكسر المهملة بعدها تحتانية ساكنة - فإنه تابعي كبير، إلا أنه غير معروف العدالة، قال ابن عدي: شبه مجهول، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه. . .". ثم فصل ذلك فارجع إليه. وانظر مسائل عبد الله (ص/ 125).
(3)
الانتصار في المسائل الكبار (2/ 581).
قال: وكذلك روي عن ابن مسعود
(1)
، وجابر
(2)
، وسعيد
(3)
، ومعاوية
(4)
أنهم صلَّوا قبلَ الزوال، ولم ينكر، فكان كالإجماع؛ ولأنها صلاة عيد، أشبهت العيدين (وتفعل فيه) أي فيما قبل الزوال (جوازًا ورخصة.
وتجب بالزوال) ذكره القاضي وغيره المذهب (وفعلها بعده) أي الزوال (أفضل) لما روى سلمة بن الأكوع، قال:"كنا نصلِّي الجمعةَ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس" متفق عليه
(5)
، وللخروج من الخلاف، ويدل للأول حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جِمالِنا، فنريحها حين تزولُ الشمسُ" رواه مسلم
(6)
.
(وآخره) أي آخر وقت الجمعة (آخر وقت صلاة الظهر) بغير خلاف؛ ولأنها بدل منها، أو واقعة موقعها، فوجب الإلحاق؛ لما بينهما من المشابهة.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 107)، وعبد الله بن أحمد في مسائله (ص/ 125) رقم 458 معلقًا، وابن المنذر في الأوسط (2/ 354) رقم 997، عن عبد الله بن سَلِمة قال: صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم الحر. وقال الحافظ في الفتح (2/ 287): وعبد الله صدوق، إلا أنه ممن تغير لما كبر، قاله شعبة، وغيره.
(2)
لم نجد من خرجه.
(3)
كذا في الأصول: "سعيد"، ولعل الصواب "سعد"، وأثره رواه ابن أبي شيبة (2/ 106)، عن مصعب بن سعد، قال: كان سعد يقيل بعد الجمعة.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 107)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 354) رقم 998 عن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى.
(5)
البخاري في المغازي، باب 35، حديث 4168، ومسلم في الجمعة، حديث 860.
(6)
في الجمعة، حديث 858.
(فإن خرج وقتها قبل فعلها) أي الشروع فيها (امتنعت الجمعة، وصلوا ظهرًا) لفوات الشرط، قال في "الشرح": لا نعلم فيه خلافًا.
(وإن خرج) وقت الجمعة (وقد صلوا) منها (ركعة أتموا جمعة) لأن الوقت إذا فات لم يمكن استدراكه، فسقط اعتباره في الاستدامة للعذر، وكالجماعة في حق المسبوق.
(وإن خرج قبل) أن يصلوا (ركعة بعد التحريمة، استأنفوا ظهرًا) لأنهما صلاتان مختلفتان، فلم تبن إحداهما على الأخرى، كالظهر والصبح. وعلم منه: أنهم لا يتمونها جمعة، وهو ظاهر الخرقي. قال ابن المنجا: وهو قول أكثر الأصحاب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خص إدراكها بالركعة
(1)
(والمذهب يتمونها جمعة) ذكره في "الرعاية" نصًّا
(2)
، وقياسًا على بقية الصلوات.
(فلو بقي من الوقت قدر الخطبتين والتحريمة) لزمهم فعلها؛ لأنها فرض الوقت، وقد تمكنوا منها (أو شكوا في خروج الوقت، لزمهم فعلها) أي الجمعة؛ لأن الأصل بقاؤه.
(الثاني أن يكونوا
(3)
بقرية مجتمعة البناء بما جرت العادة بالبناء به،
من حجر، أو لبن، أو طين، أو قصب، أو شجر) لأنه صلى الله عليه وسلم "كتبَ إلى قُرَى
(1)
جاء هذا من رواية عدد من الصحابة رضي الله عنهم مرفوعًا، وموقوفًا. انظر تخريج ذلك، والكلام عليه فيما يأتي (3/ 340) تعليق رقم 1، 2، 3.
(2)
في مسائل عبد الله (2/ 417) رقم 590.
قلت: إمام صلى الجمعة فلما تشهد قبل أن يسلم دخل وقت العصر؟ قال: تجزئه صلاته.
(3)
وفي "ذ": يكون.
عرينة أن يصلُّوا الجمعةَ"
(1)
وقوله: مجتمعة البناء، قال في "المبدع": اعتبر أحمد في رواية ابن القاسم
(2)
اجتماع المنازل في القرية، قاله القاضي. وقال أيضًا: معناه مقاربة
(3)
الاجتماع. والصحيح أن التفريق إذا لم تجر به العادة لم تصح فيها الجمعة. زاد في "الشرح": إلا أن يجتمع منها ما يسكنه أربعون، فتجب بهم الجمعة، ويتبعهم الباقون. قال ابن تميم، والجد في "فروعه": وربض البلد له حكمه، وإن كان بينهما فرجة اهـ. فيحمل قوله:"مجتمعة البناء" على أن لا تكون متفرقة بما يخرج عن العادة، كما يعلم مما يأتي في كلامه.
(يستوطنها أربعون) فأكثر، ولو (بالإمام من أهل وجوبها) أي وجوب الجمعة؛ لما روى أبو داود، عن كعب بن مالك قال:"أول من صلَّى بنا الجمعةَ في نقيع الخضمات أسعدُ بن زرارة، وكنَّا أربعينَ"
(4)
، صححه ابن
(1)
لم نجد من أخرجه موصولًا. وقال الشافعي في الأم (1/ 190): وقد يروى - من حيث لا يثبت أهل الحديث - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع حين قدم المدينة بأربعين رجلًا. وروي أنه كتب إلى أهل قرى عرينة أن يصلوا الجمعة والعيدين.
(2)
الأحكام السلطانية ص/ 100.
(3)
في "ح" و"ذ": "متقاربة".
(4)
أبو داود في الصلاة، باب 216، حديث 1069. وأخرجه - أيضًا - ابن ماجه في الإقامة، باب 78، حديث 1082، والمروزي في الجمعة وفضلها ص/ 29 - 30، وابن الجارود (291)، وابن خزيمة (3/ 113) حديث 1724، وابن المنذر في الأوسط (4/ 30) حديث 1749، وابن حبان "الإحسان" (15/ 477) حديث 7013، والطبراني في الكبير (1/ 305) حديث 900، و (19/ 91) حديث 176، والدارقطني (2/ 5، 6)، والحاكم (1/ 281، 3/ 187)، والبيهقي (3/ 176، 177). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: هذا حديث حسن الإسناد صحيح. وحسن إسناده الحافظ في الفتح (2/ 355)، وفي التلخيص الحبير (2/ 56).
حبان، والبيهقي، والحاكم وقال: على شرط مسلم. وقال جابر: "مضت السنةُ في كل أربعينَ فما فوق جمعةٌ، وأضحَى، وفطرٌ" رواه الدارقطني
(1)
وفيه ضعف (استيطان إقامة لا يظعنون) أي يرحلون (عنها صيفًا، ولا شتاء) لأن ذلك هو الاستيطان.
(فلا تجب) الجمعة (ولا تصح من مستوطن بغير بناء، كبيوت الشعر، والخيام، والخراكي
(2)
، ونحوها) لأن ذلك لم يقصد للاستيطان غالبًا، ولذلك كانت قبائل العرب حوله صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم بها
(3)
. زاد في "المستوعب" وغيره: ولو اتخذوها أوطانًا؛ لأن استيطانهم في غير بنيان.
(ولا) تجب ولا تصح (في بلد يسكنها أهلها بعض السَّنة دون بعض) لعدم الإقامة، قال ابن تميم: وكذا لو دخل قوم بلدًا لا ساكن به بنية الإقامة به سنة، فلا جمعة عليهم، ولو أقام ببلد ما يمنع القصر وأهله لا تجب عليهم، فلا جمعة أيضًا.
(أو بلد فيها دون العدد المعتبر) فلا جمعة عليهم، لعدم صحتها منهم.
(أو) بلد (متفرقة بما لم تجر العادة به) أي تفرقًا كثيرًا غير معتاد (ولو شملها اسم واحد) لعدم الاجتماع.
(وإن خربت القرية، أو بعضها، وأهلها مقيمون بها عازمون على إصلاحها، فحكمها باق في إقامة الجمعة بها) لعدم ارتحالهم، أشبهوا
(1)
(2/ 3). وأخرجه - أيضًا - البيهقي (3/ 177). وقال: تفرد به عبد العزيز القرشي، وهو ضعيف. وضعف إسناده - أيضًا - الحافظ في الدراية (1/ 216).
(2)
الخراكي: قال في معجم المصطلحات والألقاب التاريخية ص/ 160: خركاه: لفظ فارسي معناه: سرادق أو خيمة كبيرة.
(3)
وبنحوه ذكره الرافعي في الشرح الكبير ضمن مسائل أخرى، كما نقل عنه الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 53)، وقال: كل هذه الأشياء المنفية مأخذها بالاستقراء.
المستوطنين (وإن عزموا على النقلة عنها) أي عن القرية الخراب (لم تجب عليهم الجمعة لعدم الاستيطان.
و
تصح) الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء،
ولو بلا عذر) فلا يشترط لها البنيان؛ لقول كعب بن مالك: "أسعدُ بن زرارة أولُ من جَمَّعَ بنَا في هزم النبيت
(1)
من حرة بني بياضة في نقيع، يقال له، نقيع الخضمات. قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا" رواه أبو داود، والدارقطني
(2)
. قال البيهقي
(3)
: حسن الإسناد صحيح. قال الخطابي
(4)
: حرة بني بياضة على ميل من المدينة. وقياسًا على الجامع. لكن قال ابن عقيل: إذا صلى في الصحراء استخلف من يصلي بالضعفة.
و (لا) تصح الجمعة (فيما بعد) عن البنيان، لشبههم إذن بالمسافرين.
(و
لا يتمم عدد من مكانين متقاربين)
كقريتين في كل منهما عشرون، فلا تتمم الجمعة منهما، ولو قرب ما بينهما؛ لأنه لا يشملهما اسم واحد، أشبهتا المتباعدين.
(و
لا يصح تجميع) عدد (كامل في) محل (ناقص)
فيه العدد (مع القرب الموجب للسعي) ويلزم التجميع في الكامل؛ لئلا يصير التابع متبوعًا، وعدم الصحة مع البعد أولى (والأولى مع تتمة العدد فيهما) أي المكانين (تجميع كل قوم) في قريتهم؛ لأنه أبلغ في إظهار الشعار (وإن جمعوا في
(1)
قال في الصحاح [1/ 268]: النبيت حي من اليمن. "ش". وقال في معجم البلدان (5/ 405): النبيت بطن من الأنصار وهو عمرو بن مالك بن الأوس، وانظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص/ 471، وتاج العروس (5/ 114).
(2)
تقدم تخريجه (3/ 335) تعليق رقم 4.
(3)
السنن الكبرى (3/ 177).
(4)
معالم السنن (1/ 245).
مكان واحد، فلا بأس) بذلك، لتأديتهم فرضهم.
(و
لا يشترط للجمعة المصر)
خلافًا لأبي حنيفة
(1)
، لما تقدم من كتابته صلى الله عليه وسلم إلى قرى عرينة "أن يصلُّوا الجمعةَ"
(2)
، ولما روى الأثرم عن أبي هريرة أنه كتبَ إلى عمرَ يسأله عن الجمعة بالبحْرين - وكان عامله عليها - فكتب إليه عمر: جمعوا حيثُ كنتُم
(3)
. إسناده
(4)
جيد.
(الثالث: حضور أربعين فأكثر من أهل القرية بالإمام)
لما تقدم من حديث كعب
(5)
.
وقال أحمد
(6)
: بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مصعبَ بنَ عمير إلى أهل المدينةِ، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم، وكانوا أربعينَ وكانت أولَ جمعةٍ جمعت بالمدينةِ (ولو كان بعضهم) أي الأربعين (خرسًا، أو صمًّا) لأنهم من أهل الوجوب.
و (لا) تصح (إن كان الكل كذلك) أي خرسًا، أو صمًّا. أما إذا كانوا كلهم خرسًا مع الخطيب؛ فلفوات الخطبة صورة ومعنى، فيصلون ظهرًا، وإن
(1)
انظر كتاب الأصل (1/ 345)، ومختصر اختلاف العلماء (1/ 329 - 330)، وبدائع الصنائع (1/ 259).
(2)
سبق الكلام عليه (3/ 335) تعليق رقم 1.
(3)
رواه الأثرم كما قال المؤلف، ولعله في سننه، ولم تطبع. وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 101 - 102)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 32) رقم 1750، وابن حزم في المحلى (5/ 50). قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (4/ 323): وهذا الأثر إسناده حسن.
(4)
في "ح" و"ذ" زيادة: "قال أحمد".
(5)
تقدم تخريجه (3/ 333) تعليق رقم 4.
(6)
انظر مسائل أبي داود ص/ 57. ورواه الطبراني في الأوسط (7/ 159) رقم 6290 عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه بنحوه. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 56): وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف.
كانوا كلهم صمًّا؛ فلفوات المقصود من سماع الخطبة. وعلم من ذلك أنهم لو كانوا خرسًا إلا الخطيب، أو كانوا صمًّا إلا واحدًا يسمع، صحت جمعتهم
(1)
.
(ولا تنعقد) الجمعة (بأقل منهم) أي من أربعين، لما تقدم.
(وإن قرب الأصم) من الخطيب (وبعد من يسمع) بحيث لا يسمع (لم تصح) لفوات المقصود.
(ولو رأى) أي اعتقد (الإمام اشتراط عدد في المأمومين، فنقص عن ذلك) العدد (لم يجز أن يؤمهم) لتعاطيه عبادة يعتقد بطلانها (ولزمه) أي الإمام (استخلاف أحدهم) ليصلي بهم؛ ليؤدوا فرضهم.
(ولو رآه) أي العدد (المأمومون دون الإمام، لم يلزم واحدًا منهما) أما الإمام، فلعدم من يصلي معه، وأما المأمومون، فلاعتقادهم بطلان جمعتهم.
(فإن نقصوا) عن الأربعين (قبل إتمامها) أي الجمعة (استأنفوا ظهرًا نصًّا) ولم يتموها جمعة؛ لأن العدد شرط، فاعتبر في جميعها، كالطهارة، وإنما صحت من المسبوق تبعًا، كصحتها ممن لم يحضر الخطبة تبعًا لمن حضرها. وما ورد أنه "بقي معه صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلًا، وكانوا في الصلاة" رواه البخاري
(2)
، المراد في انتظارها، كما روى مسلم
(3)
الخطبة أو مكانها، لما في مراسيل أبي داود
(4)
"أن خطبته صلى الله عليه وسلم هذه كانت بعد صلاة الجمعة، وإنما انفضوا لظنهم جواز الانصراف".
قال في "الفروع": ويتوجه أنهم انفضوا لقدوم التجارة لشدة المجاعة، أو ظن خطبة واحدة، وقد فرغت.
(1)
قال ع في حاشيته على المنتهى [1/ 353] بعد نقله عبارة م ص: وهذا فيه تأمل هـ ش.
(2)
في الجمعة، باب 38، حديث 936، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(3)
في الجمعة، حديث 863، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(4)
ص/ 105 رقم 62.
قال في "الشرح": ويحتمل أنهم عادوا فحضروا القدر الواجب، ويحتمل أنهم عادوا قبل طول الفصل.
(إن لم يمكن فعل الجمعة مرة أخرى) فإن أمكن فعلوها؛ لأنها فرض الوقت.
(وإن نقصوا وبقي العدد المعتبر، أتموا جمعة، سواء سمعوا الخطبة، أو لحقوهم قبل نقصهم) بلا خلاف، كبقائه من السامعين، قاله أبو المعالي، وكذا جزم به غير واحد، وظاهر كلام بعضهم: خلافه. قاله في "الفروع".
(وإن أدرك مسبوق مع الإمام منها) أي الجمعة (ركعة، أتمها جمعة) رواه البيهقي عن ابن مسعود
(1)
، وابن عمر
(2)
. وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" رواه الأثرم
(3)
. ورواه ابن ماجه
(1)
(3/ 203 - 204). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 235) رقم 5477، وابن أبي شيبة (2/ 128)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 101) رقم 1851، والطبراني في الكبير (9/ 358) رقم 9545 و 9546 و 9547، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع فليصل أربعًا. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 192): رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
(2)
رواه البيهقي (3/ 203، 204). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 235) رقم 5471 و 5473، وابن أبي شيبة (2/ 129)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 101) رقم 1851 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا أدرك الرجل يوم الجمعة ركعة، صلى إليها أخرى، وان وجدهم جلوسًا صلى أربعًا.
(3)
لعله في سننه ولم تطبع. وأخرجه - أيضًا - النسائي في الجمعة، باب 4، حديث 1424، وابن خزيمة (3/ 173) حديث 1850، والحاكم (1/ 291). وصححه على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
ولفظه: "فليصلِّ إليها أخرى"
(1)
. قال ابن حبان
(2)
: هذا خطأ. قال ابن الجوزي
(3)
: لا يصح.
(وإن أدرك أقل من ركعة، أتمها ظهرًا) لمفهوم ما سبق، بخلاف إدراك المسافر صلاة المقيم؛ لأنه إدراك إلزام، وهذا إدراك إسقاط للعدد، وبخلاف جماعة باقي الصلوات؛ لأنه ليس من شرطها الجماعة، بخلاف مسألتنا.
ويصح دخوله مع الإمام، بشرط أن ينوي الظهر بإحرامه، فلهذا قال:(إذا كان قد نوى الظهر، ودخل وقتها) لأن الظهر لا تتأدى بنية الجمعة ابتداء، فكذا استدامة كالظهر مع العصر (وإلا) بأن لم يكن نواها ظهرًا، أو لم يكن دخل وقتها (انعقدت نفلًا) كمن أحرم بفرض قبل وقته غير عالم (ولا يصح إتمامها جمعة) لعدم إدراكه لها بدون ركعة لما تقدم.
(وإن أحرم) بالجمعة (مع الإمام، ثم زحم عن السجود) بالأرض (أو نسيه) أي تأخر بالسجود نسيانًا له (ثم ذكر) بعد أن أخذ القوم مواضع سجودهم، واحتاج لما يسجد عليه (لزمه السجود على ظهر إنسان، أو رجله، أو متاعه) لقول عمر: "إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهرِ أخيه" رواه أبو داود الطيالسي، وسعيد
(4)
. وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم، ولم
(1)
ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 91، حديث 1121. وأخرجه - أيضًا - الدارقطني (2/ 10 - 11)، والحاكم (1/ 291) والبيهقي (3/ 203)، وابن حزم في المحلى (5/ 75)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
(2)
المجروحين (1/ 109).
(3)
التحقيق (4/ 123)، والعلل المتناهية (1/ 469).
(4)
مسند الطيالسي ص/ 13 رقم 70. ولم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور. وأخرجه - أيضًا - عبد الرزاق (1/ 398) رقم 1557 و (3/ 234) رقم 5469، وابن أبي شيبة (1/ 264)، وأحمد (1/ 32)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 104) رقم 1856، وابن حزم في المحلى (4/ 84)، والبيهقي (3/ 183). =
يظهر له مخالف؛ ولأنه يأتي بما يمكنه حال العجز، فوجب، وصح كالمريض.
(ولو احتاج إلى موضع يديه وركبتيه، لم يجز وضعها على ظهر إنسان، أو رجله) للإيذاء بخلاف الجبهة (فإن لم يمكنه) السجود على ظهر إنسان، أو رجله، ولم يمكنه سجود إلا بوضع يديه، أو ركبتيه على ظهر إنسان، أو رجله؛ انتظر زوال الزحام، و (سجد إذا زال الزحام) وتبع إمامه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم "أمر أصحابه بذلك في صلاةِ عسفان"
(1)
للعذر، وهو موجود هنا، والمفارقة وقعت صورة لا حكمًا، فلم تؤثر.
(وكذا لو تخلف) بالسجود (لمرض، أو نوم، أو نسيان، ونحوه) من الأعذار.
(فإن غلب على ظنه فوات) الركعة (الثانية) لو سجد لنفسه ثم لحق الإمام (تابع إمامه في ثانيته، وصارت أولاه، وأتمها جمعة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا ركعَ فاركعوا"
(2)
؛ ولأنه مأموم خاف فوات الثانية، فلزمه المتابعة كالمسبوق.
(فإن لم يتابعه عالمًا بتحريم ذلك، بطلت صلاته) لتركه متابعة إمامه عمدًا، ومتابعته واجبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"فلا تختلفوا عليه"
(3)
وترك الواجب عمدًا يبطلها وفاقًا.
= قال النووي في المجموع (4/ 392)، وفي الخلاصة (2/ 392)، وابن الملقن في خلاصة البدر المنير (1/ 223): رواه البيهقي بإسناد صحيح.
(1)
إشارة إلى حديث أبي عياش الزرقي رضي الله عنه في صفة صلاة الخوف. وقد تقدم تخريجه (3/ 301) تعليق رقم 3.
(2)
قطعة من حديث تقدم تخريجه (2/ 287) تعليق رقم 2.
(3)
رواه البخاري في الأذان، باب 74، حديث 722، ومسلم في الصلاة حديث 414 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(وإن جهله) أي تحريم عدم متابعة إمامه (وسجد) نفسه (ثم أدرك الإمام في التشهد، أتى بركعة أخرى بعد سلامه) أي إمامه (وصحت جمعته) لأنه أدرك مع الإمام منها ما تدرك به الجمعة، وهو ركعة، لإتيانه بسجود معتد به. ومن هذا يعلم أنه يكفي في إدراك الجمعة إدراك ما تدرك به الركعة، إذا أتى بباقي الركعة قبل أن يسلم الإمام، فلا تعتبر ركعة بسجدتيها معه
(1)
.
(فإن لم يدركه) بعد أن سجد لنفسه (حتى سلم) الإمام (استأنف ظهرًا، سواء زحم عن سجودها، أو ركوعها أو عنهما) لأنه لم يدرك ركعة مع الإمام.
(وإن غلب على ظنه) أي المزحوم ونحوه (الفوات)
(2)
أي فوات
(3)
الثانية إن سجد لنفسه (فتابع إمامه فيها، ثم طول) الإمام بحيث لو كان سجد لنفسه للحقه (أو غلب على ظنه عدم الفوت، فسجد) لنفسه (فبادر الإمام فركع) فلم يدركه (لم يضره فيهما) لإجراء الظن مجرى اليقين فيما يتعذر فيه.
(ولو زال عذر من أدرك ركوع) الركعة (الأولى، وقد رفع إمامه من ركوع) الركعة (الثانية، تابعه في السجود، فتتم له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه يدرك بها الجمعة) وتقدم في صلاة الجماعة.
ولو أدرك مع الإمام ركعة، فلما قام ليقضي الأخرى، ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا واحدة، أو شك في ذلك، فإن لم يكن شرع في قراءة الثانية، رجع فسجد للأولى، فأتمها، وقضى الثانية، وتمت جمعته. نص عليه في رواية الأثرم
(4)
، وإن كان شرع في قراءة الثانية، بطلت الأولى، وصارت الثانية أولاه،
(1)
قال الشيخ عثمان: وفيه نظر، فتدبر. "ش".
(2)
في "ذ": الفوت.
(3)
في "ذ": فوت.
(4)
المغني (3/ 189).
ويتمها جمعة، على ما نقله الأثرم. وقياس ما سبق في المزحوم، لا يدرك الجمعة. ولو قضى الركعة الثانية، ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما لا يدري من أيهما تركها؟ فالحكم واحد، ويجعلها من الأولى، ويأتي بركعة، وفي كونه مدركًا للجمعة وجهان. قاله في "الشرح" بمعناه.
(الرابع) من شروط الجمعة: (أن يتقدمها خطبتان) لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}
(1)
والذكر هو الخطبة، فأمر بالسعي إليه، فيكون واجبًا، إذ لا يجب السعي لغير واجب، ولمواظبته صلى الله عليه وسلم عليهما، لقول ابن عمر:"كان صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتينِ وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس" متفق عليه
(2)
. وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"
(3)
وعن عمر، وعائشة:"قصرت الصلاةُ من أجل الخطبة"
(4)
فهما بدل ركعتين؛ فالإخلال بإحداهما إخلال بإحدى الركعتين. واشترط تقديمهما على الصلاة؛ لفعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بخلاف غيرها؛ لأنهما شرط في صحة الجمعة، والشرط مقدم. أو لاشتغال الناس بمعايشهم؛ فقدما لأجل التدارك.
(بعد دخول الوقت) أي وقت الجمعة؛ لما تقدم من أنهما بدل من ركعتين، والصلاة لا تصح قبل دخول وقتها (من مكلف عدل) لما ذكر من أنهما بدل من ركعتين.
(1)
سورة الجمعة، الآية:9.
(2)
البخاري في الجمعة، باب 27، 30، حديث 920، 928، ومسلم في الجمعة، حديث 961.
(3)
تقدم تخريجه (2/ 334) تعليق رقم 4.
(4)
أثر عمر رواه عبد الرزاق (3/ 237) رقم 5485، وابن أبي شيبة (2/ 128). ورواه ابن حزم (5/ 58) معلقًا. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 73): مرسل. أما الأثر عن عائشة فلم نجده. وانظر خلاصة البدر المنير (1/ 223، 224).
(وهما) أي
الخطبتان. (بدل ركعتين)
لما تقدم عن عمر، وعائشة، و (لا) يقال: إنهما بدل ركعتين (من الظهر) لأن الجمعة ليست بدلًا عن الظهر، بل الظهر بدل عنها إذا فاتت.
(ولا بأس بقراءتهما) أي الخطبتين (من صحيفة، ولو لمن يحسنهما، كقراءة) الفاتحة (من مصحف) ولحصول المقصود.
(ومن شرط صحة كل منهما) أي الخطبتين - والمراد بالشرط هنا: ما تتوقف عليه الصحة، أعم من أن يكون داخلًا أو خارجًا - (حمد الله بلفظ: الحمد لله) فلا يجزئ غيره؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" رواه أبو داود
(1)
، ورواه جماعة مرسلًا. وروى أبو داود عن ابن مسعود قال:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا تشهد قال: الحمدُ لله"
(2)
.
(والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة) لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان. قال في "المبدع": ويتعين لفظ الصلاة، أو يشهد أنه عبد الله ورسوله. وأوجبه الشيخ تقي الدين
(3)
، لدلالته عليه؛ ولأنه إيمان به، والصلاة دعاء له، وبينهما تفاوت.
وقيل: لا يشترط ذكره، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك في خطبته، عملًا بالأصل.
(ولا يجب السلام عليه مع الصلاة) صلى الله عليه وسلم عملًا بالأصل.
(1)
في الأدب، باب 21، حديث 4840. وتقدم تخريجه (1/ 6) تعليق رقم 1.
(2)
في الصلاة، باب 229، حديث 1097. ورواه - أيضًا - النسائي في الجمعة، باب 24، حديث 1403، وأحمد (1/ 392، 393، 432)، والحاكم (2/ 182 - 183)، والبيهقي (3/ 215، 7/ 146). قال النسائي: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا.
(3)
انظر الاختيارات (ص/ 120)، ومجموع الفتاوى (22/ 390).
(وقراءة آية) كاملة لقول جابر: "كان صلى الله عليه وسلم يقرأ آيات، ويذكر الناس" رواه مسلم
(1)
؛ ولأنهما أقيما مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية قال أحمد: يقرأ ما شاء، ولا يجزئ بعض آية؛ لأنه لا يتعلق بما دونها حكم، بدليل عدم منع الجنب منه (ولو) كانت الخطبة (من جنب مع تحريمها) أي القراءة لما تقدم.
(ولا بأس بالزيادة عليها) أي الآية لما تقدم أن عمر قرأ سورة الحج في الخطبة
(2)
(وقال) أسعد (أبو المعالي وغيره: لو قرأ آية لا تستقل بمعنى، أو حكم، كقوله:{ثُمَّ نَظَرَ}
(3)
، أو {مُدْهَامَّتَانِ}
(4)
لم يكف.
والوصية بتقوى الله تعالى) لأنه المقصود (قال في التلخيص: ولا يتعين لفظها) أي الوصية (وأقلها: اتقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه. انتهى) وذكر أبو المعالي، والشيخ تقي الدين
(5)
: لا يكفي ذكر الموت، وذم الدنيا، ولا بد أن يحرك القلوب، ويبعث بها إلى الخير، قلو اقتصر على أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه، فالأظهر لا يكفي، ولو كان في وصية؛ لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفا، قاله في "المبدع".
(1)
في الجمعة، حديث 862، ولفظه:"كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكر الناس".
(2)
كذا في الأصول: "أن عمر قرأ سورة الحج في الخطبة". وقد تقدم في باب صلاة التطوع، فصل في سجدة التلاوة:"وقرأ عمر يوم الجمعة على المنبر سورة النحل. . . إلخ" فكلمة "الحج" خطأ. والصواب: "النحل" وهو الذي أخرجه البخاري وغيره. كما تقدم تخريجه في باب صلاة التطوع (3/ 114) تعليق رقم 4.
(3)
سورة المدثر، الآية:21.
(4)
سورة الرحمن، الآية:64.
(5)
الاختيارات (ص/ 120).
(وموالاة بينهما) أي بين الخطبتين (وبين أجزائهما، وبين الصلاة) فلا يفصل بين الخطبتين، ولا بين أجزائهما، ولا بينهما وبين الصلاة فصلًا طويلًا (ولهذا يستحب قرب المنبر من المحراب؛ لئلا يطول الفصل بينهما) أي الخطبتين (و) بين (الصلاة) فيبطلها (فتستحب البداءة بالحمد) لله، لما تقدم من حديث أبي هريرة:"كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم"
(1)
(ثم بالثناء) على الله تعالى (وهو مستحب) وفي عطفه على "الحمد لله" مغايرة له، فإما أن يكون على مقتضى كلام ابن القيم
(2)
في المغايرة بينهما، أو يراد الثناء بغير لفظ الحمد، أو يراد به التشهد، لحديث:"كل خطبة ليسَ فيها تشهدٌ، فهي كاليد الجذماء"
(3)
أي قليلة البركة. وإن كان مقتضى كلام بعضهم تخصيصه بخطبة النكاح.
(ثم بالصلاة) على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}
(4)
ثم بالقراءة.
(ثم بالموعظة) ولو قرأ ما تضمن الحمد، والموعظة، ثم صلى على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كفى على الصحيح. قال أبو المعالي: فيه نظر؛ لقول أحمد
(5)
: لا
(1)
تقدم تخريجه (1/ 6) تعليق رقم 1.
(2)
بدائع الفوائد (2/ 94).
(3)
أخرجه أبو داود في الأدب، باب 22، حديث 4841، والترمذي في النكاح، باب 16، حديث 1106، وأحمد (2/ 302، 343)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 36، 37) حديث 2796، 2797، وأبو نعيم في الحلية (9/ 43)، والخطابي في غريب الحديث (2/ 429)، والبيهقي (3/ 209)، والحربي في غريب الحديث (2/ 429) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(4)
سورة الشرح، الآية:4.
(5)
انظر مسائل أبي داود ص/ 57، ومسائل ابن هانئ (1/ 88).
بد من خطبة. ونقل ابن الحكم
(1)
: لا تكون خطبة إلا كما خطب النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو خطبة تامة. قاله في "الإنصاف".
(فإن نكس) بأن قدم غير الحمد عليه (أجزأه) لحصول المقصود.
(و) من شرط الخطبتين (النية) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات"
(2)
.
(ورفع الصوت، بحيث يسمع العدد المعتبر إن لم يعرض مانع) من السماع، كنوم، أو غفلة، أو صمم بعضهم (فإن لم يسمعوا) الخطبة (لخفض صوته أو بعده) عنهم (لم تصح) الخطبة لعدم حصول المقصود بها (وإن كان) عدم السماع (لنوم، أو غفلة، أو مطر، ونحوه) كصمم بعضهم (صحت) لأنهم في قوة السامعين.
(وإن كانوا كلهم طرشًا) صحت. قال في "الفروع": وإن كانوا صمًّا، فذكر صاحب "المحرر": تصح. وذكر غيره: لا. انتهى. والثاني جزم به فيما تقدم؛ لعدم حصول مقصود الخطبة.
(أو) كانوا (عجمًا، وهو) أي الخطيب (سميع عربي لا يفهمون قوله، صحت) الخطبة والصلاة.
(وإن انفضوا) أي الأربعون أو بعضهم (عن الخطيب) ولم يبق معه العدد المعتبر (سكت) لفوات الشرط (فإن عادوا قريبًا بنى) على ما تقدم من الخطبة؛ لأن الفصل اليسير غير ضار.
(وإن كثر التفرق عرفًا، أو فات ركن منها) أي الخطبة (استأنف الخطبة) لفوات شرطها، وهو الموالاة. لكن لو فات ركن ولم يطل التفريق، كفاه إعادته.
(1)
فتح الباري لابن رجب (8/ 272).
(2)
تقدم تخريجه (1/ 193) تعليق رقم 2.
(ولا تصح الخطبة بغير العربية، مع القدرة) عليها بالعربية (كقراءة) فإنها لا تجزئ بغير العربية، وتقدم.
(وتصح) الخطبة بغير العربية (مع العجز) عنها بالعربية؛ لأن المقصود بها الوعظ والتذكير، وحمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف لفظ القرآن، فإنه دليل النبوة، وعلامة الرسالة، ولا يحصل بالعجمية (غير القراءة) فلا تجزئ بغير العربية لما تقدم.
(فإن عجز عنها) أي عن القراءة (وجب بدلها ذكر) قياسًا على الصلاة.
(و) من شرط الخطبتين (حضور العدد) المعتبر للجمعة، وهو أربعون فأكثر، لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام (وسائر) أي باقي (شروط الجمعة) ومن ذلك صلاحيته لأن يؤم في الجمعة، والاستيطان، فلو كان أربعون مسافرين في سفينة، فلما قربوا من قريتهم، خطبهم أحدهم في وقت الجمعة، ووصلوا القرية عند فراغ الخطبة، استأنفها بهم.
وهذه الشروط إنما تعتبر (للقدر الواجب من الخطبتين) وهو حمد الله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقراءة الآية، والوصية بتقوى الله، دون ما سواه.
(وتبطل) الخطبة (بكلام محرم) في أثنائها (ولو يسيرًا) كالأذان، وأولى.
(ولا تشترط لهما الطهارتان) أي طهارة الحدث الأصغر والأكبر، فتجزئ خطبة محدث، وجنب؛ لأنه ذكر تقدم الصلاة أشبه الأذان. ونصه: تجزئ خطبة الجنب، وظاهره: ولو كان بالمسجد؛ لأن تحريم لبثه لا تعلق له بواجب العبادة، كمن صلى ومعه درهم غصب.
(ولا ستر عورة وإزالة نجاسة) لما تقدم (ولا أن يتولاهما) أي الخطبتين (من يتولى الصلاة) لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، أشبها الصلاتين (ولا
حضور النائب) في الصلاة (الخطبة) كالمأموم لتعينها عليه (وهو) أي النائب (الذي صلى الصلاة) أي صلاة الجمعة (ولم يخطب) لصدور الخطبة من غيره.
(ولا أن يتولى الخطبتين) رجل (واحد) لأن كلا منهما منفصلة عن الأخرى قال في "النكت": فيعايى بها، فيقال: عبادة واحدة بدنية محضة تصح من اثنين.
(بل يستحب ذلك) أي الطهارتان، وستر العورة، وإزالة النجاسة، وأن يتولى الخطبتين والصلاة واحد، خروجًا من الخلاف.
فصل (ويسن أن يخطب على منبر)
لما روى سهل بن سعد أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أرسل إلى امرأة من الأنصار أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليها إذا كلمتُ الناس - متفق عليه
(1)
. وفي "الصحيح": "أنه عمل من أثل الغابة، فكان يرتقي عليه"
(2)
.
وكان اتخاذه في سنة سبع من الهجرة، وقيل: سنة ثمان. وكان ثلاث درج. وسمي منبرًا لارتفاعه، من النبر، وهو الارتفاع.
واتخاذه سنة مجمع عليها، قاله في "شرح مسلم"
(3)
.
ويكون صعوده فيه على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السطح، قاله في "التلخيص".
(أو) على (موضع عال) إن لم يكن منبر؛ لأنه في معناه، لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام.
(ويكون المنبر) أو الموضع العالي (عن يمين مستقبل القبلة) بالمحراب؛ لأن منبره صلى الله عليه وسلم كذا كان
(4)
. وكان يقف على الدرجة الثالثة التي تلي
(1)
البخاري في الجمعة، باب 26، حديث 917، ومسلم في المساجد، حديث 544.
(2)
رواه البخاري في الصلاة، باب 18، حديث 377.
(3)
شرح النووي (6/ 390).
(4)
قال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 62): لم أجده حديثًا، ولكنه كما قال (أي الرافعي) فالمستند فيه إلى المشاهدة، ويؤيده حديث سهل بن سعد في البخاري، في قصة عمل المرأة المنبر، قال: فاحتمله النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه حيث ترون.
مكان الاستراحة، ثم وقف أبو بكر على الثانية، ثم عمر على الأولى تأدبًا، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر، ثم على موقف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم زمن معاوية قلعه مروان، وزاد فيه ست درج، فكان الخلفاء يرتقون ستًا، يقفون مكان عمر، أي على السابعة، ولا يتجاوزون ذلك تأدبًا.
(وإن وقف على الأرض وقف عن يسار مستقبل القبلة، بخلاف المنبر) قاله أبو المعالي.
(و) يسن (أن يسلم) الإمام (على المأمومين إذا خرج عليهم. و) يسن أيضًا أن يسلم عليهم (إذا أقبل عليهم) لما روى ابن ماجه عن جابر قال: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا صعدَ المنبرَ سلم"
(1)
ورواه الأثرم عن أبي بكر، وعمر
(2)
،
(1)
ابن ماجه في الإقامة، باب 85، حديث 1109. وأخرجه - أيضًا - ابن عدي (4/ 1465)، وتمام في فوائده (450، ترتيبه)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (1/ 240 - 241)، والبيهقي (3/ 204) وفي معرفة السنن والآثار (5/ 87) حديث 6928، والبغوي (4/ 242) حديث 1069، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 504) حديث 800. وفي سنده ابن لهيعة. وقال ابن عدي: وهذا بهذا الإسناد لا أعلم يرويه غير ابن لهيعة. وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (1/ 205): هذا حديث موضوع. وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 106): وعبد الله بن لهيعة معروف في الضعفاء. وقال النووي في الخلاصة (2/ 793): رواه ابن ماجه، والبيهقي من رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقال الزيلعي في نصب الراية (2/ 205): وهو حديث واهٍ. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 200): هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 63)، وفي الدراية (1/ 217):"إسناده ضعيف". لكن له شواهد يتقوى بها، وعليه عمل الخلفاء كما يأتي بعضه.
(2)
لعله في سننه ولم تطبع. ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 193) رقم 5282، وابن أبي شيبة (2/ 114)، وأحمد في العلل (2/ 268) رقم 2216.
وابن مسعود
(1)
، وابن الزبير
(2)
. ورواه النجاد عن عثمان
(3)
. قال القاضي وجماعة: لأنه استقبال بعد استدبار، أشبه من فارق قومًا، ثم عاد إليهم. وعكسه المؤذن قاله المجد.
(ورد هذا السلام، و) رد (كل سلام مشروع فرض كفاية على المسلم عليهم.
وابتداؤه) أي السلام (سنة) ويأتي موضحًا في آخر الجنائز.
(ثم يجلس) على المنبر (إلى فراغ الأذان)
لما روى ابن عمر قال: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعدَ المنبرَ، حتى يفرغ المؤذنُ، ثم يقوم فيخطب، مختصرًا" رواه أبو داود
(4)
. وذكره ابن عقيل إجماع الصحابة. ولأنه يستريح بذلك من تعب الصعود، ويتمكن من الكلام التمكن التام.
(و)
يسن (أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة
جدًّا) لما روى ابن عمر قال: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائمٌ، يفصلُ بينهما بجلوس" متفق عليه
(5)
(قال جماعة) منهم صاحب التلخيص: (بقدر سورة الإخلاص.
فإن أبى) أن يجلس بينهما (أو خطب جالسًا) لعذر أو غيره (فصل بسكتة) ولا يجب الجلوس؛ لأن جماعة من الصحابة، منهم علي
(6)
، سردوا الخطبتين من غير جلوس، ولأنه ليس في الجلسة ذكر مشروع.
(1)
لم نجد من أخرجه.
(2)
رواه ابن المنذر في الأوسط (4/ 63) رقم 1800.
(3)
لعله في سننه ولم تطبع، ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 114).
(4)
في الصلاة، باب 227، حديث 1092. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (2/ 17): في إسناده العمري، وهو عبد الله بن عمر بن حفص، وفيه مقال.
(5)
تقدم تخريجه (3/ 344)، تعليق 2.
(6)
رواه عبد الرزاق (3/ 189 - 190) رقم 5267، وابن أبي شيبة (2/ 112).
(و) يسن أن (يخطب قائمًا) لفعله صلى الله عليه وسلم ولم يجب؛ لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام كالأذان.
(و) يسن أن (يعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا بإحدى يديه) قال في "الفروع": ويتوجه باليسرى (و) يعتمد (بالأخرى على حرف المنبر أو يرسلها) لما روى الحكم بن حزن قال: "وفدت على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئًا على سيف، أو قوس، أو عصًا". مختصر رواه أبو داود
(1)
؛ ولأنه أمكن له، وإشارة إلى أن هذا الدين فتح به
(2)
.
(وإن لم يعتمد على شيء، أمسك شماله بيمينه، أو أرسلهما عند جنبيه وسكنهما) فلا يحركهما، ولا يرفعهما في دعائه حال الخطبة.
(ويقصد) الخطيب (تلقاء وجهه، فلا يلتفت يمينًا ولا شمالًا) لفعله صلى الله عليه وسلم؛ ولأن في التفاته عن أحد جانبيه إعراضًا عنه
(3)
. قال في "المبدع":
(1)
في الصلاة، باب 229، حديث 1096. وأخرجه - أيضًا - أحمد (4/ 212)، وأبو يعلى (12/ 204) حديث 6826، وابن خزيمة (2/ 352) حديث 1452، وابن المنذر في الأوسط (4/ 57) حديث 1792، وابن قانع في معجم الصحابة (1/ 207)، والطبراني في الكبير (3/ 213) حديث 3165، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (2/ 710)، والبيهقي (3/ 206). وقال النووي في المجموع (4/ 355)، وفي الخلاصة (2/ 796): حديث حسن. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 65): وإسناده حسن
…
، وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة.
(2)
هذا محل نظر، قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد (1/ 429): ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، أو أن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف، فمن فرط جهله، فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس، ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفًا البتة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس.
(3)
في هامش "ح" ما نصه: "فيؤخذ من ظاهر هذا التعليل، أنه إذا التفت إلى الجانب الآخر ورجع، قد عدل، لكن خالف السنة".
وظاهره أنه إذا التفت، أو استدبر الناس أنه يجزئ مع الكراهة، صرحوا به في الاستدبار لحصول المقصود.
(و) يسن (أن يقصر الخطبة) لما روى مسلم عن عمار مرفوعًا: "إن طول صلاة الرجل وقصرَ خطبته من
(1)
فقهه، فأطيلوا الصلاة، وقصروا
(2)
الخطبةَ"
(3)
.
(و) يسن كون الخطبة (الثانية أقصر من) الخطبة (الأولى) كالإقامة مع الأذان.
(و) يسن أن (يرفع صوته حسب طاقته) لأنه أبلغ في الإعلام (ويعربهما بلا تمطيط) كالأذان.
(ويكون متعظًا بما يعظ الناس به) ليحصل الانتفاع بوعظه، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"عُرض عليَّ قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نارٍ، فقيل لي: هؤلاء خطباءُ من أمتك يقولون ما لا يفعلون"
(4)
.
(1)
في "ح": "مئنة"، وهي كذلك في صحيح مسلم.
(2)
في صحيح مسلم: "وأقصروا".
(3)
أخرجه مسلم في الجمعة، حديث 869.
(4)
رواه عبد الله بن المبارك في الزهد ص/ 282 حديث 819، ووكيع في الزهد (2/ 568) حديث 297، وابن أبي شيبة (14/ 308) وأحمد (3/ 120، 180، 231، 239 - 240)، وعبد بن حميد (3/ 113) حديث 1220، وابن أبي الدنيا في الصمت ص/ 249، حديث 509، وأبو يعلى (7/ 69، 72، 118، 180) حديث رقم 3992، 3996، 4069، 4160، وابن حبان "الإحسان"(1/ 249) حديث 53، وابن أبي حاتم في التفسير (1/ 100) رقم 472، والطبراني في الأوسط (3/ 396) حديث 2853، وأبو نعيم في الحلية (8/ 172)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 283، 4/ 249) حديث 1773، 4965 - 4967، والخطيب =
(ويستقبلهم) استحبابًا، قال ابن المنذر
(1)
: هو كالإجماع (وينحرفون إليه) أي إلى الخطيب (فيستقبلونه، ويتربعون فيها) أي في حال استماع الخطبة.
(وإن استدبرهم) الخطيب (فيها) أي الخطبة (كره) لما فيه من الإعراض عنهم، ومخالفة السنة، وصح لحصول السماع المقصود.
(و) يسن أن (يدعو للمسلمين) لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها أولى، وهو يشمل المسلمات تغليبًا.
(ولا بأس به) أي بالدعاء (لمعين حتى السلطان، والدعاء له مستحب في الجملة) قال أحمد أو غيره
(2)
: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ ولأن في صلاحه صلاح المسلمين؛ ولأن أبا موسى كان يدعو في خطبته لعمر
(3)
.
= في تاريخ بغداد (6/ 199 - 200)، وفي الموضح (2/ 170)، وفي اقتضاء العلم العمل ص/ 72 حديث 111، والبغوي في شرح السنة (14/ 353) حديث 4159، والضياء في المختارة (7/ 207) حديث 2646، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. قال البغوي: هذا حديث حسن.
(1)
انظر الأوسط (4/ 74) رقم 525.
(2)
جاءت هذه العبارة عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى. انظر حلية الأولياء (8/ 91)، وفضيلة العادلين من الولاة لأبي نعيم أيضًا ص/ 73 رقم 46، وجامع بيان العلم وفضله (1/ 641)، وسير أعلام النبلاء (8/ 434).
(3)
رواه علي بن بلبان الفارسي في تحفة الصديق في فضائل أبي بكر الصديق ص/ 124 - 127 مطولًا، وفي سنده عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، قال عنه الذهبي في الميزان (2/ 545): أتى بخبر باطل طويل وهو المتهم به. وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة (1/ 451 - 452) وعزاه لأبي الحسن بن بشران، والملا في سيرته.
وروى البزار: "أرفع الناس درجةً يوم القيامة إمام عادلٌ"
(1)
قال أحمد
(2)
: إني لأدعو له بالتسديد والتوفيق.
(و
يكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة)
قال المجد: هو بدعة، وفاقًا للمالكية والشافعية
(3)
، وغيرهم (ولا بأس أن يشير بأصبعه فيه) أي في دعائه في الخطبة؛ لما روى أحمد، ومسلم "أن عمارة بن رويبة رأى بشر بن مروان رفعَ يديه في الخطبة، فقال: قبح الله هاتين اليدينِ، لقد رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ما يزيد أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة"
(4)
.
(ودعاؤه عقب صعوده لا أصل له) وكذا ما يقوله من يقف بين يدي الخطيب من ذكر الحديث المشهور
(5)
.
(وإن قرأ سجدة في أثناء الخطبة فإن شاء نزل) عن المنبر (فسجد،
(1)
لم نجده عند البزار. وقد رواه أبو يعلى (2/ 285) حديث 1003، والخطيب (2/ 216) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أرفع الناس درجة يوم القيامة الإمام العادل، وإن أوضع الناس درجة يوم القيامة الإمام الذي ليس بعادل. ورواه الترمذي في الأحكام، باب 4، حديث 1329، وأحمد (3/ 22، 55)، وأبو نعيم في الحلية (10/ 114)، والبيهقي (10/ 88)، والقضاعي حديث (1305)، والبغوي (10/ 65) حديث 2472، بنحوه .. وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البغوي: هذا حديث حسن غريب.
(2)
انظر سير أعلام النبلاء (11/ 266 - 267).
(3)
الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص/ 263، وشرح النووي على صحيح مسلم (6/ 162).
(4)
أحمد (4/ 135، 136، 261)، ومسلم في الجمعة، حديث 874.
(5)
يشير إلى حديث: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت. فقد لغوت. رواه البخاري في الجمعة، باب 36، حديث 934، ومسلم في الجمعة، حديث 851 عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه) استحبابًا (وإن ترك السجود فلا حرج) لأنه سنة لا واجب. وتقدم فعل عمر رضي الله عنه
(1)
.
(و
يكره أن يسند الإنسان ظهره إلى القبلة)
نص عليه
(2)
. واقتصر الأصحاب على استحباب استقبالها. وفي معنى ذلك: مد الرِّجل إلى القبلة في النوم وغيره، ومد رجليه في المسجد، ذكره في "الآداب"
(3)
. قال: ولعل تركه أولى.
(و
لا بأس بالحبوة
نصًّا) مع ستر العورة، كما تقدم، وفعله جماعة من الصحابة
(4)
، وكرهه الشيخان
(5)
، لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه. رواه أبو داود، والترمذي
(6)
وحسنه، وفيه ضعف. قاله في "المبدع".
(1)
تقدم تخريجه (3/ 114) تعليق رقم 4.
(2)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 65) رقم 321.
(3)
الآداب الشرعية (3/ 420).
(4)
أخرج أبو داود في الصلاة، باب 234، حديث 1111، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (7/ 344)، والبيهقي (3/ 235)، عن يعلى بن شداد بن أوس، قال:"شهدت مع معاوية بيت المقدس، فجمع بنا، فنظرت، فإذا جل من في المسجد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيتهم محتبين، والإمام يخطب". وأخرج ابن أبي شيبة (2/ 118، 119)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (7/ 343)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 83) رقم 1823، والبيهقي (3/ 235) عن نافع، أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يحتبي يوم الجمعة والإمام يخطب
…
(5)
هما الموفق والمجد. انظر مقدمة هذا الشرح (1/ 25).
(6)
أبو داود في الصلاة، باب 234، حديث 1110، والترمذي في الصلاة، باب 253، حديث 514، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب.
وأخرجه - أيضًا - أحمد (3/ 439)، وأبو يعلى (3/ 64، 66) حديث 1492، 1496، وابن خزيمة (3/ 158) حديث 1815، وابن المنذر في الأوسط (4/ 84) حديث 1824، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (7/ 343) حديث 2905، وابن =
(و) لا بأس (بالقرفصاء، وهي الجلوس على أليتيه، رافعًا ركبتيه إلى صدره، مفضيًا بأخمص قدميه إلى الأرض، وكان الإمام أحمد يقصد هذه الجلسة. ولا جلسة أخشع منها) قال محمد بن إبراهيم البوشنجي
(1)
: ما رأيت أحمد جالسًا إلا القرفصاء، إلا أن يكون في صلاة.
(و
لا يشترط لصحة الجمعة إذن الإمام)
لأن عليًّا صلى بالناس وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوبه عثمان. رواه البخاري
(2)
بمعناه؛ ولأنها فرض الوقت، أشبهت الظهر. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يجمعون.
(فإذا فرغ من الخطبة، نزل عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة) كما يقوم إليها من ليس بخطيب
(3)
إذن.
(ويستحب أن يكون حال صعوده على تؤدة، وإذا نزل نزل مسرعًا، قاله ابن عقيل وغيره) مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة. ولعل المراد من غير عجلة تقبح.
= قانع في معجم الصحابة (3/ 26)، والطبراني في الكبير (20/ 179، 180) حديث 384، 385، والحاكم (1/ 289)، والبيهقي (3/ 235)، والبغوي في شرح السنة (4/ 261) حديث 1082. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وضعفه ابن المنذر، وعبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 106)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 108)، والنووي في الخلاصة (2/ 788)، وفي المجموع (4/ 412).
(1)
مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/ 271.
(2)
في الأذان، باب 56، حديث 695.
(3)
في "ح" و"ذ": "يخطب".
فصل (وصلاة الجمعة ركعتان)
إجماعًا، حكاه ابن المنذر
(1)
. قال عمر: "صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، وقد خاب من افترى" رواه أحمد، وابن ماجه
(2)
.
(يسن جهره بالقراءة فيهما) لفعله صلى الله عليه وسلم، ونقله الخلف عن السلف. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم:"صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين"
(3)
.
ويسن أن (يقرأ في) الركعة (الأولى بالجمعة) بعد الفاتحة، (و) يقرأ (في الثانية بالمنافقين بعد الفاتحة)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما. رواه مسلم
(4)
من حديث ابن عباس.
(1)
الإجماع (ص/ 41)، والأوسط (4/ 98).
(2)
أحمد (1/ 37)، وابن ماجه في الإقامة، باب 73، حديث 1063، 1064، دون قوله:"وقد خاب من افترى"، وعندهما زيادة: على لسان محمد صلى الله عليه وسلم". وأخرجه - أيضًا - النسائي في الجمعة، باب 37، حديث 1419، وفي التقصير، باب 1، حديث 1439، وفي العيدين، باب 11، حديث 1565، والطيالسي (ص/ 20) حديث 136، وابن أبي شيبة (2/ 188)، وأبو يعلى (1/ 207) حديث 241، وابن خزيمة (2/ 340) حديث 1425، وابن حزم في المحلى (4/ 265) والبيهقي (3/ 199، 200، 304)، وزاد ابن خزيمة، وابن حزم: وقد خاب من افترى. قال النسائي: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر. انظر مسند الفاروق لابن كثير (1/ 202 - 204).
(3)
تقدم تخريجه (2/ 321) تعليق رقم 2.
(4)
في الجمعة، حديث 879.
(أو) يقرأ (بسبح) في الأولى (ثم بالغاشية) في الثانية (فقد صح الحديث بهما) رواه مسلم
(1)
من حديث النعمان بن بشير، ورواه أبو داود
(2)
من حديث سمرة
(3)
.
(و) يسن (أن يقرأ في فجر يومها) أي يوم الجمعة في الركعة الأولى (بالم السجدة، وفي) الركعة (الثانية هل أتى) نص عليه
(4)
؛ لأنه صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ بهما" متفق عليه
(5)
من حديث أبي هريرة.
قال الشيخ تقي الدين
(6)
: واستحب ذلك لتضمنهما ابتداء خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان إلى أن يدخل الجنة أو النار.
(قال الشيخ
(7)
: ويكره تحريه سجدة غيرها) أي غير سجدة الم تنزيل.
(1)
في الجمعة، حديث 878.
(2)
في الصلاة، باب 242، حديث 1125. وأخرجه - أيضًا - النسائي في الجمعة، باب 39، حديث 1421، والطيالسي (ص/ 121) حديث 888، والشافعي (1/ 149 ترتيب مسنده)، وابن أبي شيبة (2/ 142)، وأحمد (5/ 13)، والروياني (2/ 68) حديث 846، وابن خزيمة (3/ 172) حديث 1847، وابن المنذر في الأوسط (4/ 99) حديث 1850، وابن حبان "الإحسان" (7/ 48) حديث 2808، والطبراني في الكبير (7/ 184) حديث 6775، 6779، وابن حزم في المحلى (4/ 107)، والبيهقي (3/ 201). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 203 - 204) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد ثقات.
(3)
كما صح في هذا سنة ثالثة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي قراءة الجمعة في الأولى، والغاشية في الثانية. رواها الإمام مسلم في صحيحه (2/ 598) حديث 878 (63) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
(4)
فتح الباري لابن رجب (8/ 133).
(5)
البخاري في الجمعة، باب 10، حديث 891، ومسلم في الجمعة، حديث 880.
(6)
مجموع الفتاوى (24/ 206).
(7)
الاختيارات (ص/ 121)، ومجموع الفتاوى (24/ 206).
وقال ابن رجب
(1)
: قد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا، أن تعمد قراءة سورة غير "الم تنزيل" في يوم الجمعة بدعة. قال: وقد ثبت أن الأمر بخلاف ذلك. قاله في "الإنصاف".
فإن سها عن السجدة، فنص أحمد يسجد للسهو، قاله القاضي، كدعاء القنوت. قال: وعلى هذا لا يلزم بقية سجود التلاوة في غير صلاة الفجر، في غير يوم الجمعة؛ لأنه يحتمل أن يقال فيه مثل ذلك، ويحتمل أن يفرق بينهما؛ لأن الحث والترغيب وجد في هذه السجدة أكثر، قاله في "المبدع".
(والسنة إكمالهما) أي السورتين في الركعتين، لما تقدم.
(وتكره مداومتها
(2)
نصًّا)
(3)
لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة، أو الوجوب.
(وتكره) القراءة (في عشاء ليلتها بسورة الجمعة، زاد في الرعاية: والمنافقين) ولعل وجهه: أنه بدعة.
(وتجوز إقامتها) أي الجمعة (في أكثر من موضع من البلد، لحاجة) إليه (كضيق) مسجد البلد عن أهله (وخوف فتنة) بأن يكون بين أهل البلد عداوة، فيخشى إثارة الفتنة باجتماعهم في مسجد واحد (وبعد) للجامع عن طائفة من البلد (ونحوه) كسعة البلد وتباعد أقطاره (فتصح) الجمعة (السابقة واللاحقة) لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير، فكان إجماعًا.
(1)
فتح الباري (8/ 135).
(2)
وفي "ذ": مداومتهما.
(3)
انظر المغني (3/ 252).
قال الطحاوي
(1)
: وهو الصحيح من مذهبنا. وأما كونه صلى الله عليه وسلم لم يقمها هو ولا أحد من الصحابة في أكثر من موضع، فلعدم الحاجة إليه؛ ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم؛ لأنه المبلغ عن الله تعالى.
(وكذا العيد) تجوز إقامتها في أكثر من موضع من البلد للحاجة؛ لما سبق.
(فإن حصل الغنى بـ) ــجمعتين (اثنتين، لم تجز) الجمعة (الثالثة) لعدم الحاجة إليها (وكذا ما زاد) أي إذا حصل الغنى بثلاث، لم تجز الرابعة، أو بأربع، لم تجز الخامسة، وهكذا.
(ويحرم) إقامة الجمعة، والعيد بأكثر من موضع من البلد (لغير حاجة) قال في "المبدع": لا نعلم فيه خلافًا إلا عن عطاء، وهو معنى كلامه في "الشرح".
(و) يحرم (إذن أمام فيها) أي في إقامة ما زاد على واحدة (إذًا) أي: عند عدم الحاجة إليه، وكذا الإذن فيما زاد على قدر الحاجة.
(فإن فعلوا) أي أقاموا الجمعة في موضعين فأكثر، مع عدم الحاجة، (فجمعة الإمام التي باشرها، أو أذن فيها، هي الصحيحة)؛ لأن في تصحيح غيرها افتياتًا عليه، وتفويتًا لجمعته، وسواء قلنا: إذنه شرط أو لا (وإن) أي: ولو (كانت) جمعة الإمام (مسبوقة) لما تقدم.
(1)
قال ابن هبيرة في الإفصاح (1/ 173): قال الطحاوي: والصحيح من مذهبنا أنه لا يجوز إقامة الجمعة في أكثر من موضع واحد في المصر، إلا أن يشق الاجتماع لكبر المصر، فيجوز في موضعين، وإن دعت الحاجة إلى أكثر جاز. وانظر المبسوط للسرخسي (2/ 120).
(فإن استويا في الإذن وعدمه) أي وعدم إذن الإمام فيهما (فالثانية باطلة، ولو كانت) المسبوقة (في المسجد الأعظم، والأخرى في مكان لا يسع الناس، أو لا يقدرون عليه، لاختصاص السلطان وجنده به، أو كانت المسبوقة في قصبة البلد، والأخرى في أقصاها) لأن الاستغناء حصل بالأولى، فأنيط الحكم بها، لكونها سابقة (والسبق يكون بتكبيرة الإحرام) لا بالشروع في الخطبة، ولا بالسلام.
(وإن وقعتا) أي الجمعتان في موضعين من البلد بلا حاجة (معًا بطلتا) حيث لم يباشر الإمام إحداهما، واستوتا في الإذن، أو عدمه؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا تعيين إحداهما بالصحة، أشبه ما لو جمع بين أختين معًا (وصلوا جمعة) وجوبًا (إن أمكن) لأنه مصر لم تصل فيه جمعة صحيحة (وإن جهلت) الجمعة (الأولى) من جمعتين فأكثر ببلد لغير حاجة (أو جهل الحال) بأن لم يعلم كيف وقعتا أمعًا أم إحداهما بعد الأخرى؟ (أو علم) الحال (ثم أنسي، صلوا ظهرًا، ولو أمكن فعل الجمعة) للشك في شرط إقامة الجمعة. والظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت.
وإذا كان مصران متقاربان يسمع كل منهما نداء الأخرى، أو قريتان، أو قرية إلى جانب مصر كذلك، لم تبطل جمعة إحداهما بجمعة الأخرى؛ لأن لكل قوم منهم حكم أنفسهم.
(وإذا وقع عيد يوم جمعة، فصلوا العيد والظهر، جاز) ذلك (وسقطت الجمعة عمن حضر العيد) مع الإمام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صلى العيد، وقال:"من شاء أن يجمع فليجمع" رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم
(1)
. وحينئذ فتسقط
(1)
أحمد (4/ 372). وأخرجه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 217، حديث 1070، والنسائي في العيدين، باب 32، حديث 1590، وابن ماجه في إقامة =
الجمعة (إسقاط حضور، لا) إسقاط (وجوب) فيكون حكمه (كمريض ونحوه) ممن له عذر أو شغل يبيح ترك الجمعة، و (لا) يسقط عنه وجوبها فيكون (كمسافر وعبد) لأن الإسقاط للتخفيف، فتنعقد به الجمعة، ويصح أن يؤم فيها.
(والأفضل: حضورهما)
(1)
خروجًا من الخلاف (إلا الإمام، فلا يسقط عنه) حضور الجمعة؛ لما روى أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون"
(2)
ورواته ثقات، وهو من رواية بقية، وقد قال:
= الصلاة، باب 166، حديث 1310، والطيالسي (ص/ 94) حديث 685، وابن أبي شيبة (2/ 188)، والدارمي في الصلاة، باب 225، حديث 1620، وابن خزيمة (2/ 359)، حديث 1464، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (3/ 186، 187) حديث 1153، 1154، والطبراني في الكبير (5/ 209) حديث 5120، والحاكم (1/ 288)، والبيهقي (3/ 317)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 474) رقم 807. وصححه علي بن المديني كما في التلخيص الحبير (2/ 88). وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 111). وحسن إسناده النووي في الخلاصة (2/ 816)، وجوده في المجموع (4/ 320). وأشار ابن خزيمة إلى تضعيفه حيث قال: إن صح الخبر، فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالة ولا جرح. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 204): هو من رواية إياس بن أبي رملة. [قال ابن المنذر: لا يثبت هذا، فإن إياسًا مجهول].
(1)
في "ح" و"ذ": "حضورها".
(2)
أبو داود في الصلاة، باب 217، حديث 1073، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 166، حديث 1311. ورواه - أيضًا - الفريابي في أحكام العيدين ص/ 211 حديث 150، وابن الجارود (302)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (3/ 190) =
حدثنا؛ ولأنه لو تركها لامتنع فعلها في حق من تجب عليه، ومن يريدها ممن سقطت عنه.
(فـ) ــعلى هذا (إن اجتمع معه العدد المعتبر) للجمعة (أقامها، وإلا صلوا ظهرًا)، قال في القاعدة الثامنة عشرة
(1)
: وعلى رواية عدم السقوط، أي عن الإمام، فيجب أن يحضر معه من تنعقد به تلك الصلاة، ذكره صاحب "التلخيص" وغيره، فتصير الجمعة ههنا فرض كفاية تسقط بحضور أربعين.
(وأما من لم يصل العيد) مع الإمام (فيلزمه السعي إلى الجمعة، بلغوا العدد المعتبر، أو لا) قال في "شرح المنتهى": قولًا واحدًا (ثم إن بلغوا) العدد المعتبر (بأنفسهم) بأن كانوا أربعين، (أو حضر معهم تمام العدد) إن كانوا دونه، (لزمتهم الجمعة) لتوفر شروط الوجوب، والصحة، (وإلا) بأن لم يبلغوا
= حديث 1155، والحاكم (1/ 288)، والبيهقي (3/ 318)، وابن عبد البر في التمهيد (10/ 272)، والخطيب (3/ 129). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
وصححه - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 111)، وقال: قال علي بن المديني: في هذا الباب غير ما حديث بإسناد جيد. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 237 - 238): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
وقال الخطابي في معالم السنن (1/ 246): في إسناد أبي هريرة مقال. وضعفه - أيضًا - الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (10/ 272 - 273)، وعليه يدل صنيع ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 203).
ورواه عبد الرزاق (3/ 304) رقم 5728، والطحاوي في مشكل الآثار (3/ 191) رقم 1156، والبيهقي (3/ 318) عن أبي صالح مرسلًا. وهو الذي رجحه الإمام أحمد، والدارقطني في العلل (10/ 215 - 217). انظر تاريخ بغداد (3/ 129)، والعلل المتناهية (1/ 473)، والتلخيص الحبير (2/ 88).
(1)
قواعد ابن رجب ص/ 25.
أربعين لا بأنفسهم، ولا بحضور غيرهم معهم (تحقق عذرهم) لفوات شرط الصحة.
(و
يسقط العيد بالجمعة إن فعلت) الجمعة (قبل الزوال أو بعده)
لفعل ابن الزبير، وقول ابن عباس:"أصاب السنة"، رواه أبو داود
(1)
.
فعلى هذا: لا يلزمه شيء إلى العصر، روى أبو داود عن عطاء قال:"اجتمع يوم جمعة، ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد، فجمعهم، وصلى ركعتين بكرة، فلم يزد عليهما حتى صلى العصر"
(2)
.
قال الخطابي
(3)
: وهذا لا يجوز إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة، فسقط العيد
(1)
في الصلاة، باب 217، حديث 1071، ولفظه: عن عطاء بن أبي رباح، قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدانًا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة. قال النووي في الخلاصة (2/ 817): رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم. وقال في المجموع (4/ 321): رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه - أيضًا - بنحوه النسائي في العيدين، باب 32، حديث 1591، وعبد الرزاق (3/ 303) حديث 5726، وابن أبي شيبة (2/ 186)، وابن خزيمة (2/ 359) حديث 1465، وابن المنذر في الأوسط (4/ 288) حديث 2181، والحاكم (1/ 296)، وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 111).
(2)
أبو داود في الصلاة، باب 217، حديث 1072.
(3)
معالم السنن (1/ 246).
والظهر؛ ولأن الجمعة إذا سقطت بالعيد مع تأكيدها، فالعيد أولى أن يسقط بها.
(فإن فعلت) الجمعة (بعده) أي الزوال، (اعتبر العزم على الجمعة لترك صلاة العيد) قاله ابن تميم. وقال في "التنقيح" و"المنتهى": فيعتبر العزم عليها، ولو فعلت قبل الزوال، وهو ظاهر الفروع، وقدمه في "الإنصاف".
(وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان) نص عليه
(1)
، لأنه صلى الله عليه وسلم "كان يصلي بعد الجمعة ركعتين" متفق عليه
(2)
من حديث ابن عمر.
(وأكثرها) أي السنة بعدها (ست) ركعات (نصًّا)
(3)
لقول ابن عمر: "كان صلى الله عليه وسلم يفعله" رواه أبو داود
(4)
.
واختار في "المغني" أربعًا، وروى عن ابن عمر، لفعله صلى الله عليه وسلم وأمره، رواه مسلم
(5)
من حديث أبي هريرة.
(1)
مسائل أبي داود (ص/ 59)، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 552) رقم 524.
(2)
البخاري في الجمعة، باب 39، حديث 937، ومسلم في المسافرين، حديث 729، وفي الجمعة، حديث 882.
(3)
انظر مسائل صالح (2/ 8) رقم 526، و (3/ 238) رقم 1732، ومسائل عبد الله (2/ 405 - 406، 411) رقم 570، 571، 582، ومسائل أبي داود ص/ 59، ومسائل ابن هانئ (1/ 89) رقم 443، ومناقب الإمام أحمد ص/ 360.
(4)
في الصلاة، باب 244، حديث 1130، 1133. وأخرجه - أيضًا - الترمذي في الجمعة، باب 24، حديث 523، وابن المنذر في الأوسط (4/ 126) حديث 1882، والطحاوي (1/ 337)، والحاكم (1/ 290). وقد اختلف في رفعه ووقفه، وصحح الحاكم المرفوع على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال النووي في الخلاصة (2/ 812): رواه أبو داود بإسناد صحيح.
(5)
في الجمعة، حديث 881 بلفظ:(إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا).
(ويسن) أن يصليها (مكانه) نص عليه
(1)
(في المسجد) وتقدم (وأن يفصل بينهما) أي بين السنة (وبين الجمعة بكلام، أو انتقال) من موضعه للخبر
(2)
(ونحوه) أي نحو ما ذكر.
(وليس لها) أي الجمعة (قبلها سنة راتبة، نصًّا
(3)
، بل يستحب أربع ركعات) لما روى ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم:"كان يركع من قبل الجمعة أربعًا"
(4)
وروى سعيد عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربع ركعات
(5)
. قال عبد الله
(6)
: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعات (وتقدم) في باب صلاة التطوع.
(1)
انظر مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 561 - 562) رقم 540.
(2)
روى مسلم في الجمعة حديث 883 عن معاوية رضي الله عنه قال:
…
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج.
(3)
انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (24/ 189)، والإنصاف (2/ 406).
(4)
ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 94، حديث 1129، عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال النووي في الخلاصة (2/ 813): وهو حديث باطل، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 213): إسناده مسلسل بالضعفاء، عطية متفق على ضعفه، وحجاج مدلس، ومبشر بن عبيد كذاب، وبقية هو ابن الوليد يدلس تدليس التسوية.
(5)
لم نقف عليه في المطبوع من سنن سعيد بن منصور. وأخرجه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 247) رقم 5525، وابن أبي شيبة (2/ 131، 132)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 125، 126) رقم 1880، 1881.
(6)
في مسائله (2/ 325).
فصل (يسن أن يغتسل للجمعة)
في يومها، ويستحب أن يجامع ثم يغتسل، نص عليه
(1)
. والأفضل فعله عند مضيه إليها؛ لأنه أبلغ في المقصود، وفي خروج من الخلاف (وتقدم) في الأغسال المستحبة من باب الغسل
(2)
.
(و) يسن أن (يتنظف) للجمعة (بقص شاربه) يعني حفه (وتقليم أظافره، وقطع الروائح الكريهة بالسواك وغيره).
وأن (يتطيب بما يقدر عليه، ولو من طيب أهله) لما روى البخاري عن أبي سعيد
(3)
مرفوعًا قال: "لا يغتسل رجل يومَ الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن، ويمس
(4)
من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى"
(5)
.
(1)
فتح الباري لابن رجب (8/ 90).
(2)
(1/ 352).
(3)
كذا في الأصول: "أبي سعيد"، والصواب:"سلمان الفارسي"، فإن الحديث بهذا السياق في البخاري، وغيره من رواية سلمان، وأما حديث أبي سعيد فقد رواه مسلم في الجمعة حديث 846 (7) ولفظه: غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه. وله في هذا المعنى حديث آخر، رواه أبو داود وغيره. ويأتي تخريجه (3/ 371) تعليق رقم 2.
(4)
في البخاري: "ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته".
(5)
البخاري في الجمعة، باب 6، حديث 883.
وقوله: "من طيب امرأته" أي ما خفي ريحه، وظهر لونه، لتأكد الطيب. قال في "المبدع": وظاهر كلام أحمد
(1)
، والأصحاب خلافه.
(و) يسن (أن يلبس أحسن ثيابه) لوروده في بعض ألفاظ الحديث
(2)
(وأفضلها البياض) لما تقدم في آداب اللباس من ستر العورة، ويعتم ويرتدي.
(1)
انظر فتح الباري (2/ 372).
(2)
روى أبو داود في الطهارة، باب 129، حديث 343، وأحمد (3/ 81)، وابن خزيمة (3/ 130) حديث 1762، وابن المنذر في الأوسط (4/ 49، 50) حديث 1782، 1783، والطحاوي (1/ 368)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 16) حديث 2778، والحاكم (1/ 283)، والبيهقي (3/ 231، 243)، والبغوي في شرح السنة (4/ 230) حديث 1060، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اغتسل يوم الجمعة واستاك، ومس من طيب، إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، فلم يتخط رقاب الناس، حتى ركع ما شاء أن يركع، ثم أنصت إذا خرج الإمام، فلم يتكلم حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
وأخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 83، حديث 1097، وعبد الرزاق (3/ 267) حديث 5589، والحميدي (1/ 76)، وأحمد (5/ 177، 181)، وابن خزيمة (3/ 131) حديث 1763، والحاكم (1/ 290)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، بنحوه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
وأخرجه أحمد (5/ 420)، وأبو بكر المروزي في الجمعة وفضلها ص/ 63، وابن خزيمة (3/ 138) حديث 1775، والطبراني في الكبير (4/ 160، 161) حديث 4006 - 4008، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، بنحوه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 171): ورجاله ثقات.
(و) أن (يبكر إليها) أي الجمعة، ولو كان مشتغلًا بالصلاة في بيته للخبر
(1)
. (غير الإمام) فلا يسن له التبكير إليها. ومعنى تبكيره: إتيانه (بعد طلوع الفجر) لا بعد طلوع الشمس، ولا بعد الزوال، ويكون (ماشيًا) لقوله صلى الله عليه وسلم:"ومشى ولم يركبْ"
(2)
(إن لم يكن عذر، فإن كان) له عذر (فلا بأس بركوبه ذهابًا وإيابًا) لكن الإياب راكبًا لا بأس به، ولو لغير عذر.
(ويجب السعي) إلى الجمعة، سواء كان من يقيمها عدلًا أو فاسقًا، سنيًّا أو مبتدعًا، نص عليه
(3)
(بالنداء الثاني بين يدي الخطيب) لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} الآية
(4)
ولأنه الذي كان على عهده صلى الله عليه وسلم.
(1)
أخرج أبو داود في الطهارة، باب 129، حديث 345، والترمذي في الجمعة، باب 4، حديث 496، والنسائي في الجمعة، باب 10، حديث 1380، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 80، حديث 1087، وابن أبي شيبة (2/ 93)، وأحمد (4/ 9، 10، 104)، والدارمي في الصلاة، باب 195، حديث 1550، وأبن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 215 - 216) حديث 1573 - 1576، والمروزي في الجمعة وفضلها (51)، وابن قانع في معجم الصحابة (1/ 27)، وابن خزيمة (3/ 128، 132) حديث 1758، 1767، والطحاوي (1/ 368، 369)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 19) حديث 2781، والطبراني في الكبير (1/ 215) حديث 582 - 585، والحاكم (1/ 282)، والبيهقي (3/ 229)، والبغوي في شرح السنة (4/ 235) حديث 1064، 1065، عن أوس بن أوس رضي الله عنه مرفوعًا -:"من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها". لفظ أبي داود. قال الترمذي: حديث حسن. وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وأشار الحافظ في الإصابة (1/ 217) إلى صحته. وانظر علل الدارقطني (1/ 246 - 247)، وبيان الوهم والإيهام (4/ 121) رقم 1566.
(2)
جزء من حديث أوس رضي الله عنه المتقدم تخريجه آنفًا.
(3)
المغني (3/ 169).
(4)
سورة الجمعة، الآية:9.
و (لا) يجب السعي (بـ) ــالنداء (الأول؛ لأنه مستحب) لأن عثمان سنه
(1)
، وعملت به الأمة، يعني: والثاني فرض كفاية.
(و
الأفضل) أن يكون الأذان بين يدي الخطيب (من مؤذن واحد)
لعدم الحاجة إلى الزيادة؛ لأنه لإعلام من في المسجد، وهم يسمعونه.
(ولا بأس بالزيادة) أي بأن يكون الأذان من أكثر من واحد.
(إلا من بَعُدَ منزله، فـ) ـــيجب عليه السعي (في وقت يدركها) فيه إن سعى إليها من منزله (إذا علم حضور العدد) المعتبر للجمعة. قال في "الفروع": أطلقه بعضهم. والمراد بعد طلوع الفجر، لا قبله، ذكره في "الخلاف" وغيره، وأنه ليس بوقت للسعي أيضًا.
ويسن أن يخرج إلى الجمعة (على أحسن هيئة بسكينة ووقار مع خشوع، ويدنو من الإمام) أي يقرب منه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من غسّلَ واغتسلَ، وبكّر وابتَكَرَ، ومشَى ولم يركبْ، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوةٍ يخطوها أجر سنة، عمل صيامها وقيامها" رواه أحمد، وأبو داود من حديث أوس بن أوس
(2)
، وإسناده ثقات.
وقوله "غسل" بالتشديد أي جامع، واغتسل معلوم. و"بكر" أي خرج في بكرة النهار وهي أوله، و"ابتكر" أي بالغ في التبكير، أي جاء في أول البكرة.
(ويستقبل القبلة) لأنه خير المجالس، للخبر
(3)
(ويشتغل بالصلاة إلى
(1)
روى البخاري في الجمعة، باب 21، 22، 24، 25، حديث 912، 913، 915، 916 عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء.
(2)
تقدم تخريجه آنفًا ص/ 372، تعليق رقم 1.
(3)
تقدم تخريجه (2/ 273)، تعليق رقم 3.
خروج الإمام) للخطبة؛ لما في ذلك من تحصيل الأجر (فإذا خرج) الإمام للخطبة وهو في نافلة (خففها، ولو) كان (نوى أربعًا صلى ركعتين) ليستمع الخطبة (ويحرم ابتداء نافلة إذن) أي بعد خروج الإمام للخطبة (غير تحية مسجد) روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر
(1)
، ولو كان قبل الشروع في الخطبة أو كان بعيدًا بحيث لا يسمعها.
(و) يشتغل أيضًا (بالذكر) لله تعالى، تحصيلًا للأجر (وأفضله قراءة القرآن) وتقدم.
(و) يسن أن يقرأ (سورة الكهف في يومها) اقتصر عليه الأكثر، لما روى البيهقي بإسناد حسن، عن أبي سعيد مرفوعًا:"من قرأ سورةَ الكهفِ يومَ الجمعةِ أضاء له من النورِ ما بيْنَ الجمعتَيْن"
(2)
ورواه سعيد موقوفًا
(3)
. وقال:
(1)
روى ابن أبي شيبة (2/ 111)، عن عطاء، عن ابن عباس، وابن عمر أنهما كانا يكرهان الصلاة والكلام بعد خروج الإمام.
(2)
البيهقي (3/ 249)، وفي شعب الإيمان (2/ 475) حديث 2445، 2446. ورواه - أيضًا - النسائي في عمل اليوم والليلة ص/ 528، حديث 952، والطبراني في الأوسط (2/ 271) حديث 1478، والحاكم (1/ 564، 2/ 368). وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال المناوي في فيض القدير (6/ 198): وقال ابن حجر في تخريج الأذكار: حديث حسن. قال: وهو أقوى ما ورد في سورة الكهف.
(3)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور. وقد أخرجه موقوفًا - أيضًا - النسائي في عمل اليوم والليلة ص/ 528، رقم 953، 954، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص/ 131، وابن الضريس في فضائل القرآن ص/ 99 رقم 211، والحاكم (1/ 564 - 565)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 475) رقم 2444، والخطيب في تاريخه (4/ 134 - 135)، ورواه الدارمي في فضائل القرآن، باب 18، رقم 3410 بلفظ: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة
…
وقال البيهقي: هذا هو المحفوظ موقوف.
"ما بينَه وبينَ البيت العتيق" زاد أبو المعالي: (وليلتها) وقال في "الوجيز": يقرأ سورة الكهف في يومها أو ليلتها، قاله في "الإنصاف" وفي "المبدع" و"شرح المنتهى": زاد أبو المعالي والوجيز: أو ليلتها، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من قرأ سورةَ الكهفِ في يوم الجمعةِ، أو ليلتها وقي فتنةَ الدّجّالِ"
(1)
.
(1)
لم نجد من خرجه بهذا السياق. وروى الضياء في الأحاديث المختارة (2/ 49، 50) رقم 429، 430 عن علي رضي الله عنه موقوفًا: من قرأ الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون، فإن خرج الدجال عصم منه.
وروي - أيضًا - مفرقًا: فلفظ: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة"، روي مرفوعًا، وموقوفًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد تقدم تخريجه مفصلًا آنفًا. وذكر المنذري في الترغيب والترهيب (1/ 577) حديث 1087، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين. وقال: رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد لا بأس به. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (3/ 70): وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف.
ولفظ: "وفي فتنة الدجال" ذكره الشافعي في الأم (1/ 208) من بلاغاته، ورواه ابن الضريس فضائل القرآن (ص/ 96) عن إسماعيل بن رافع، بلاغًا، وروي معناه من طرق:
روى مسلم في صلاة المسافرين حديث 809، وغيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال. وروى النسائي في السنن الكبرى (6/ 236) حديث 10788، وفي عمل اليوم والليلة ص/ 528 حديث 552، والطبراني في الأوسط (2/ 271) حديث 1478، والحاكم (1/ 564) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نورًا من مقامه إلى مكة، ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، فخرج الدجال لم يسلط عليه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: ووقفه ابن مهدي، عن الثوري، عن أبي هاشم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 239)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، =
(ويكثر الدعاء في يومها) أي الجمعة (رجاء إصابة ساعة الإجابة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن في يومِ الجمعةِ ساعةً، لا يوافِقُها عبدٌ مسلم يسألُ الله تعالى شيئًا إلا أعطاهُ إياه، وأشارَ بيده يقللها" متفق عليه من حديث أبي هريرة
(1)
.
(وأرجاها آخر ساعة من النهار) رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم، بإسناد حسن، عن أبي سلمة، عن جابر
(2)
مرفوعًا، وفي أوله:"إن النهار اثنتا عشرة ساعة". رواه مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام
(3)
. لكن لم يحك في "الإنصاف" و"المبدع" هذا القول عن الإمام، ولا عن أحد من أصحابنا، بل ذكرا قول الإمام
(4)
: أكثر الأحاديث على أنها - أي
= ورجاله رجال الصحيح. ورواه النسائي - أيضًا - في الكبرى (6/ 236) رقم 10790، وفي عمل اليوم والليلة ص/ 529، رقم 954، والحاكم (4/ 511) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه موقوفًا. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأما قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة، فرواها الدارمي في فضائل القرآن، باب 18، حديث 3410 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه موقوفًا.
(1)
البخاري في الجمعة، باب 37، حديث 935، ومسلم في الجمعة، حديث 852.
(2)
أبو داود في الصلاة، باب 208، حديث 1048، والنسائي في الجمعة، باب 14، حديث 1388، والحاكم (1/ 279)، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
(3)
مالك في "الموطأ"(1/ 108)، وأبو داود في الصلاة، باب 207، حديث 1046، والترمذي في الجمعة، باب 2، حديث 491، والنسائي في الجمعة، باب 45، حديث 1429، وابن خزيمة (3/ 120)، حديث 1738، وابن حبان "الإحسان"(7/ 7) حديث 2772. وأخرجه - أيضًا - الشافعي "ترتيب مسنده" (1/ 128) حديث 378، والطيالسي (ص/ 311) حديث 2363، وأحمد (2/ 486)، والحاكم (1/ 278 - 279). ولم نقف عليه في سنن ابن ماجه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
(4)
سنن الترمذي (2/ 361)، ومسائل الكوسج (1/ 554 - 555) رقم 528.
الساعة التي ترجى فيها الإجابة - بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس. وقد ذكر دليل هذين القولين مع بقية الأقوال، وهي اثنان وأربعون قولًا في "فتح الباري شرح البخاري"
(1)
.
وقال ابن عبد البر
(2)
عن قول الإمام: إنه أثبت شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أناسًا من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا فلم يختلفوا في أنها آخر ساعة من يوم الجمعة
(3)
، ورجحه كثير من الأئمة كأحمد، وإسحاق
(4)
.
(يكون متطهرًا منتظرًا صلاة المغرب، فإن من انتظر الصلاة فهو في صلاة) للخبر
(5)
. وفي "الدعوات" للمستغفري
(6)
، عن عراك بن مالك، أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف، فوقف في الباب، فقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت لما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين.
(1)
(2/ 416 - 422).
(2)
التمهيد (23/ 46).
(3)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور، وعزاه إليه الحافظ في الفتح (2/ 421) وصحح إسناده.
(4)
انظر سنن الترمذي (2/ 361)، ومسائل الكوسج (1/ 555).
(5)
روى البخاري في الوضوء، باب 34، حديث 176، ومسلم في المساجد، حديث 649 (274) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث.
(6)
هو الإمام الحافظ جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفر النسفي، له مؤلفات عديدة منها: كتاب الدعوات، توفي بنسف سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة عن ثمانين سنة رحمه الله تعالى. انظر سير أعلام النبلاء (17/ 564). وكتابه الدعوات لم يطبع حتى الآن. وأثر عراك هذا ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (10/ 3356) معلقًا. ولفظه: وانتشرت كما أمرتني.
(ويكثر الصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) في يوم الجمعة، لقوله صلى الله عليه وسلم:"أكثرُوا مِنَ الصلاةِ عليَّ يومَ الجمعةِ" رواه أبو داود
(1)
، وغيره بإسناد حسن. قال الأصحاب: وليلتها، لقوله صلى الله عليه وسلم:"أكثرُوا من الصلاةِ عليَّ ليلةَ الجمعةِ، ويوم الجمعة، فمن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللهُ عليهِ بها عشْرًا" رواه البيهقي
(2)
بإسناد جيد.
وقد روي الحثُّ عليها مطلقًا، لحديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال:"أولَى الناسِ بي يومَ القيامةِ أكثرُهم عليَّ صلاةً" رواه الترمذي
(3)
بإسناد حسن.
(و
يكره أن يتخطى رقاب الناس)
لما روى أحمد: "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو
(1)
تقدم تخريجه (2/ 368) تعليق رقم 3.
(2)
(3/ 249)، وابن عدي (3/ 968) عن أنس رضي الله عنه، وقد تقدم تخريجه (2/ 369) تكميل تعليق رقم 3.
(3)
في الصلاة، حديث 484. وأخرجه - أيضًا - البخاري في التاريخ الكبير (5/ 177)، وابن أبي شيبة (11/ 505)، وابن أبي عاصم في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (24، 25)، والبزار في مسنده (4/ 278) حديث 1446، وأبو يعلى (11/ 50) حديث 5088، والشاشي (1/ 408) حديث 413، 414، وابن حبان "الإحسان" (3/ 192) حديث 911، وابن عدي (3/ 906، 6/ 342)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 212) حديث 1563، وفي الدعوات الكبير (150)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث، حديث 63، وفي الجامع لأخلاق الراوي (2/ 130) رقم 1304، والبغوي في شرح السنة (3/ 196) حديث 686.
قال الترمذي: حسن غريب.
وفي إسناده اضطراب. انظر علل الدارقطني (5/ 111 - 113).
لكن له شاهد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، رواه البيهقي (3/ 249). وقال الحافظ في الفتح (11/ 167): لا بأس بسنده.
على المنبرِ - رأى رجلًا يتخطّى رقابَ الناس فقال: اجلسْ، فقد آذيتَ"
(1)
؛ ولما فيه من سوء الأدب والأذى.
(إلا أن يكون إمامًا، فلا) يكره أن يتخطى رقاب الناس (لحاجة)
(2)
لتعين مكانه، وألحق به في "الغنية" المؤذن.
(أو يرى) غير الإمام (فرجة لا يصل إليها إلا به) أي بالتخطي، فلا يكره؛ لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم.
(و
يحرم أن يقيم غيره، فيجلس مكانه،
ولو عبده) الكبير (أو ولده الكبير) لأنه ليس بمال، وإنما هو حق ديني، فاستوى فيه السيد وعبده، والوالد وولده (أو كانت عادته الصلاة فيه حتى المعلم ونحوه) كالمفتي، والمحدث، ومن يجلس للمذاكرة في الفقه، إذا جلس إنسان موضع حلقته، حرم عليه إقامته؛ لما روى ابن عمر أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "نهَى أن يُقيمَ الرجلُ أخاهُ من مقعدِه ويجلِس فيهِ" متفق عليه
(3)
. ولكن يقول: افسحوا، قاله في "التلخيص"؛
(1)
أحمد (4/ 188)، عن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه. وأخرجه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 238، حديث 1118، والنسائي في الجمعة، باب 20، حديث 1398، والبزار في مسنده (8/ 432) حديث 3506، وابن الجارود (1/ 256) حديث 294، وابن خزيمة (3/ 156) حديث 1811، وابن المنذر في الأوسط (4/ 84) حديث 1825، والطحاوي (1/ 366)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 29) حديث 2790، والحاكم (1/ 288)، والبيهقي (3/ 231). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - النووي في المجموع (4/ 377)، وفي الخلاصة (2/ 785). وحسنه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 118). وأعله ابن حزم في المحلى (5/ 70) بمعاوية بن صالح. وتعقبه الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 71) بقوله: وضعفه ابن حزم بما لا يقدح.
(2)
في "ح" و"ذ": للحاجة.
(3)
البخاري في الجمعة، باب 20، حديث 911، ومسلم في السلام، حديث 2177.
لحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: "لا يقيمُ أحدُكم أخاهُ يومَ الجمعة، ثم يخالِفُ إلى مقعدِه، ولكن ليقلْ: افسَحُوا"
(1)
؛ ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء.
(إلا الصغير) حرًّا، كان أو عبدًا، فيؤخر لما تقدم. قاله في "التنقيح"(وقواعد المذهب تقتضي عدم الصحة) أي صحة صلاة من أخر مكلفًا وجلس مكانه، لشبهه بالغاصب.
(إلا من جلس بموضع يحفظه له) أي لغيره (بإذنه، أو دونه) لأن النائب يقوم باختياره، قاله في "الشرح"؛ ولأنه قعد فيه لحفظه له، ولا يحصل ذلك إلا بإقامته، لكن إن جلس في مكان الإمام، أو طريق المارة، أو استقبل المصلين في مكان ضيق، أقيم، قاله أبو المعالي.
(ويكره إيثاره) غيره (بمكانه الأفضل) ويتحول إلى ما دونه (كالصف الأول ونحوه) وكيمين الإمام، لما في ذلك من الرغبة عن المكان الأفضل. وظاهره: ولو آثر به والده ونحوه.
و (لا) يكره للمؤثر (قبوله) المكان الأفضل، ولا رده. قال سندي
(2)
: رأيت الإمام أحمد قام له رجل من موضعه، فأبى أن يجلس فيه، وقال له: ارجع إلى موضعك فرجع إليه.
(فلو آثر) الجالس بمكان أفضل (زيدًا فسبقه إليه عمرو، حرم) على عمرو سبقه إليه؛ لأنه قام مقامه، أشبه ما لو تحجر مواتًا، ثم آثر به غيره. وهذا بخلاف ما لو وسع لرجل في طريق، فمر غيره؛ لأنها جعلت للمرور فيها، والمسجد جعل للإقامة فيه.
(1)
مسلم في السلام، حديث 2178.
(2)
طبقات الحنابلة (1/ 171).
(وإن وجد مصلى مفروشًا، فليس له رفعه) لأنه كالنائب عنه، ولما فيه من الافتيات على صاحبه، والتصرف في ملكه بغير إذنه، والإفضاء إلى الخصومة، وقاسه في "الشرح" على رحبة المسجد، ومقاعد الأسواق (ما لم تحضر الصلاة) فله رفعه، والصلاة مكانه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، وإنما الحرمة لربه، ولم يحضر، (ولا الجلوس، ولا الصلاة عليه) وقدم في "الرعاية": يكره، وجزم جماعة بتحريمه. قال في "شرح المنتهى": وليس له أن يدعه مفروشًا، ويصلي عليه، فإن فعل فقال في "الفروع" في باب ستر العورة: ولو صلى على أرضه أو مصلاه بلا غصب، صح "في الأصح" انتهى. وتقدم هناك: جاز، وصحت، ولعل ما هناك إذا كان حاضرًا، وصلى معه على مصلاه فلا يعارضه ما هنا لغيبته، وفيه شيء
(1)
. قال في "الفروع": ويتوجه إن حرم رفعه أي المصلى (فله فرشه) وإلا كره (ومنع منه) أي الفرش (الشيخ
(2)
، لتحجره مكانًا عن المسجد) كحفره في التربة المسبلة قبل الحاجة إليه.
(ومن قام من موضعه) من المسجد (لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبًا، فهو أحق به) لما روى مسلم عن أبي أيوب
(3)
مرفوعًا: "من قامَ من مجلسِه، ثم رجعَ إليه فهو أحقُّ به"
(4)
. وقيده في "الوجيز" بما إذا عاد، ولم يتشاغل بغيره
(1)
وجه الشيء أن السكوت عندنا لا يدل على رضا الغير بالتصرف في ماله، كما صرحوا به في تصرف الفضولي. قاله ع في حاشيته على المنتهى، ووجهه بعد ذكره عبارة الشارح. "ش".
(2)
الاختيارات الفقهية ص/ 122.
(3)
كذا في الأصول: "أبي أيوب"، والصواب:"أبي هريرة"، فإن الحديث مروي في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولم نجد من خرجه عن أبي أيوب رضي الله عنه.
(4)
مسلم في السلام، حديث 2179.
(ما لم يكن صبيًّا قام في صف فاضل، أو في وسط الصف) ثم قام لعارض ثم عاد فيؤخر، كما لو لم يقم منه بالأولى.
(فإن لم يصل) العائد (إليه) أي إلى مكانه قريبًا بعد قيامه منه لعارض (إلا بالتخطي، جاز) له التخطي (كالفرجة) أي كمن رأى فرجة لا يصل إليها إلا به. ذكره في "الشرح" وابن تميم.
(وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى) للسلطان ولجنده (نصًّا)
(1)
؛ لأنه يمنع الناس من الصلاة فيها، فتصير كالمغصوبة.
(ومن دخل والإمام يخطب، لم يجلس حتى يركع ركعتين موجزتين) أي خفيفتين (تحية المسجد، إن كان) يخطب (في مسجد) لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء أحدكم يومَ الجمعةِ وقد خرجَ الإمامُ فليصلِّ ركعتينِ" متفق عليه
(2)
. زاد مسلم: "وليتجوز فيهما"، وكذا قاله أحمد
(3)
والأكثر.
(و) محل ذلك على ما في "المغني" و"التلخيص" و"المحرر" و"الشرح": إن (لم يخف فوت تكبيرة الإحرام مع الإمام) فإن خافه تركهما.
(ولا تجوز الزيادة عليهما) لمفهوم ما تقدم.
(وتسن تحية المسجد ركعتان فأكثر لكل من دخله) أي المسجد (قصد الجلوس) به (أو لا) لعموم الأخبار
(4)
.
(1)
مسائل ابن منصور الكوسج (1/ 363) رقم 263.
(2)
البخاري في التهجد، باب 28، حديث 1170، ومسلم في الجمعة، حديث 875 (59) عن جابر رضي الله عنه.
(3)
مسائل الكوسج (1/ 550)، ومسائل صالح (2/ 383)، ومسائل ابن هانئ (1/ 89، 90)، ومسائل أبي داود (ص/ 58)، ومسائل عبد الله (2/ 408).
(4)
منها ما رواه البخاري في الصلاة، باب 60، حديث 444، ومسلم في المسافرين، حديث 731، عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
(غير خطيب دخل لها) أي للخطبة، فلا يصلي التحية.
(و) غير (قيمه) أي المسجد، فلا تسن له التحية (لتكرار دخوله) فتشق عليه.
(و) غير (داخله) أي المسجد (لصلاة عيد) فلا يصلي التحية، لما يأتي في صلاة العيدين.
(أو) داخله (والإمام في مكتوبة.
أو بعد الشروع في الإقامة) لحديث: "إذا أقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ"
(1)
.
(و) غير (داخل المسجد الحرام) لأن تحيته الطواف.
(وتجزئ راتبة وفريضة، ولو) كانتا (فائتتين عنها) أي عن تحية المسجد، لا عكسه. وتقدم في صلاة التطوع موضحًا.
(وإن نوى التحية والفرض؛ فظاهر كلامهم: حصولهما له)، كنظائرهما. قاله في "المبدع" وغيره، وقطع به في "المنتهى" وغيره.
(فإن جلس قبل فعلها) أي التحية (قام فأتى بها، إن لم يطل الفصل) لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "قم فاركعْ ركعتينِ" متفق عليه من حديث جابر
(2)
، فإن طال الفصل، فات محلها.
(ولا تحصل) التحية (بأقل من ركعتين) لمفهوم ما سبق.
(ولا) تحصل التحية (بصلاة جنازة) ولا سجود تلاوة، ولا شكر لما سبق
(1)
أخرجه مسلم في المسافرين، حديث 710، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
البخاري في الجمعة، باب 32، 33، حديث 930، 931، ومسلم في الجمعة، حديث 875.
(وتقدم: إذا دخل وهو يؤذن) فينتظر فراغه، ليجمع بين الإجابة والتحية.
(ويحرم الكلام في الخطبتين والإمام يخطب، ولو كان) الإمام (غير عدل) لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}
(1)
.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من قال: صَه، فقد لغَا، ومن لغَا، فلا جمعةَ لهُ" رواه أحمد، وأبو داود
(2)
.
ولقوله صلى الله عليه وسلم في خبر ابن عباس: "والذي يقولُ: أنصتْ ليسَ له جمعةٌ" رواه أحمد
(3)
من رواية مجالد.
(1)
سورة الأعراف، الآية:204.
(2)
أحمد (1/ 93)، وأبو داود في الصلاة، باب 209، حديث 1051. وأخرجه - أيضًا - البيهقي (3/ 220)، وابن عبد البر في التمهيد (22/ 27) عن علي رضي الله عنه.
قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (2/ 5): فيه رجل مجهول، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني وثقه يحيى بن معين، وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه ابن حبان، وكذبه سعيد بن المسيب.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 177): رواه أحمد وفيه رجل لم يسم.
(3)
(1/ 230). وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 125)، والبزار "كشف الأستار"(1/ 309) حديث 644، والرامهرمزي في الأمثال ص/ 91، والطبراني في الكبير (12/ 90) حديث 12563.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 184)، وقال: رواه أحمد والبزار، والطبراني في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الناس، ووثقه النسائي في رواية.
وقال الحافظ في الفتح (2/ 414): وله شاهد قوي في جامع حماد بن سلمة عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفًا.
ومعنى قوله: "لا جمعة له" أي كاملة.
ولقوله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء: "إذا سمعتَ إمامك يتكلمُ فأنصِتْ حتَّى يفرغَ" رواه أحمد
(1)
(إن كان) المتكلم (منه) أي الإمام (بحيث يسمعه) بخلاف البعيد الذي لا يسمعه؛ لأن وجوب الإنصات للاستماع، وهذا ليس بمستمع (ولو) كان كلام المتكلم (في حال تنفسه) أي الإمام، فيحرم (لأنه في حكم الخطبة) لأنه يسير (إلا له) أي الكلام للخطيب (أو لمن كلمه لمصلحة) فلا يحرم عليهما؛ لأنه صلى الله عليه وسلم "كلَّم سليكًا، وكلَّمه هُو" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة
(2)
.
وسأل عمر عثمان فأجابه
(3)
.
وسأل العباس بن مرداس النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم الاستسقاء
(4)
؛ ولأنه حال كلامه الإمام
(1)
(5/ 198). ورواه - أيضًا - الطحاوي (1/ 367). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 184)، وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد موثقون.
(2)
ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 87، حديث 1114، من حديث أبي هريرة، وجابر رضي الله عنهما. وأخرجه مسلم - أيضًا - في الجمعة حديث 875 عن جابر رضي الله عنه.
(3)
روى البخاري في الجمعة، باب 2، حديث 878، ومسلم في الجمعة، حديث 845، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل.
(4)
أخرج البخاري في الجمعة، باب 34، 35، حديث 932، 933، وفي الاستسقاء، باب 6، حديث 1013، ومسلم في الاستسقاء، حديث 897، عن أنس رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل، فقال: يا رسول الله، هلك الكراع، وهلك الشاء، فادع الله أن يسقينا
…
الحديث.
وكلام الإمام إياه لا يشتغل عن سماع الخطبة.
(ولا بأس به) أي الكلام (قبلهما) أي الخطبتين (وبعدهما نصًّا)
(1)
لما روى مالك، والشافعي، بإسناد جيد عن ثعلبة بن مالك قال:"كانُوا يتحدَّثُونَ يومَ الجمعة وعمرُ جالسٌ على المنبرِ، فإذا سكتَ المؤذنُ قام عمرُ، فلم يتكلمْ أحدٌ حتى يقضي الخطبتيْن"
(2)
.
(و) لا بأس بالكلام (بين الخطبتين إذا سكت) لأنه لا خطبة حينئذ ينصت لها.
(وليس له تسكيت من تكلم بكلام) لما تقدم (بل) يسكته (بإشارة فيضع أصبعه) ولعل المراد السبابة (على فيه) إشارة له بالسكوت؛ لأن الإشارة تجوز في الصلاة للحاجة، ففي الخطبة أولى.
(ويجب) الكلام (لتحذير ضرير، وغافل عن بئر، و) عن (هلكة، ومن يخاف عليه نارًا، أو حية ونحوه) مما يقتله أو يضره؛ لإباحة قطع الصلاة لذلك.
(ويباح) الكلام (إذا شرع) الخطيب (في الدعاء) لأنه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الإنصات له (ولو في دعاء غير مشروع.
وتباح الصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر) فيصلي عليه (سرًّا، كالدعاء
(1)
مسائل ابن هانئ (1/ 89) رقم 449.
(2)
مالك في الموطأ (1/ 103)، والشافعي (ترتيب مسنده 1/ 139). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 208) رقم 5352، وابن أبي شيبة (2/ 111، 124) مختصرًا، والبيهقي (3/ 192).
اتفاقًا، قاله الشيخ
(1)
. وقال: رفع الصوت قدام بعض الخطباء مكروه، أو محرم اتفاقًا، فلا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاة ولا غيرها) وفي "التنقيح" و"المنتهى": وله الصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا سمعها، ويسن سرًّا.
(ولا يسلم من دخل) على الإمام ولا على غيره؛ لاشتغالهم بالخطبة واستماعها.
(ويجوز تأمينه) أي مستمع الخطبة (على الدعاء، وحمده خفية إذا عطس، نصًّا، وتشميت عاطس، ورد سلام نطقًا) لأنه مأمور به لحق آدمي، أشبه الضرير؛ فدل على أنه يجب. قاله في "المبدع".
(وإشارة أخرس مفهومة ككلام) لقيامها مقامه في البيع وغيره.
(ويجوز لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه، الاشتغال بالقراءة، والذكر، والصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خفية، وفعله أفضل) من سكوته (نصًّا)
(2)
لتحصيل أجره (فيسجد للتلاوة) لعموم الأدلة.
(وليس له أن يرفع صوته، ولا إقراء القرآن، ولا المذاكرة في الفقه) لئلا يشغل غيره عن الاستماع. وفي "الفصول": إن بعد ولم يسمع همهمة الإمام جاز أن يقرأ، وأن يذاكر في الفقه اهـ. وهو محمول على ما إذا لم يشغل غيره عن الاستماع، وكلام المصنف على ما إذا أشغل.
(ولا أن يصلي) لما تقدم: من أنه يحرم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الإمام.
(أو) أي ولا أن (يجلس في حلقة) قال في "الشرح": ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "نهَى عن التحَلّق
(3)
يومَ الجمعةِ قبلَ
(1)
الاختيارات الفقهية ص/ 121.
(2)
انظر مسائل أبي داود ص/ 58، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 550) رقم 520.
(3)
بفتح الحاء وكسرها جمع حلقة بسكون اللام. "ش".
الصلاةِ" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي
(1)
.
(ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة، لأنه) أي السائل (فعل ما لا يجوز) له فعله، وهو الكلام حال الخطبة (فلا يعينه) على ما لا يجوز (قال) الإمام (أحمد
(2)
: وإن حصب السائل كان أعجب إلي) لأن ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل والإمام يخطب يوم الجمعة
(3)
.
(ولا يناوله) أي السائل حال الخطبة الصدقة؛ لأنه إعانة على محرم (فإن سأل) الصدقة (قبلها) أي الخطبة (ثم جلس لها) أي للخطبة، أي استماعها (جازا) أي التصدق عليه ومناولته الصدقة، قال الإمام أحمد
(4)
: هذا لم يسأل والإمام يخطب.
(وله الصدقة) حال الخطبة (على من لم يسأل، وعلى من سألها) أي الصدقة (الإمام له) لما تقدم.
(والصدقة على باب المسجد عند دخوله أو خروجه أولى) من الصدقة حال الخطبة.
(و
يكره العبث حال الخطبة)
لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ومن مسَّ الحصى فقد
(1)
أحمد (2/ 179)، وأبو داود في الصلاة، باب 220، حديث 1079، والنسائي في المساجد، باب 22، حديث 713. وأخرجه - أيضًا - الترمذي في الصلاة، باب 123، حديث 322، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 96، حديث 1133، وابن أبي شيبة (2/ 137)، وابن خزيمة (3/ 158) حديث 1815، 1816، والطحاوي (4/ 358)، والبغوي في شرح السنة (2/ 372) حديث 485، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وقال الترمذي: حديث حسن.
(2)
المغني (3/ 201).
(3)
رواه عبد الرزاق (3/ 225) رقم 5428.
(4)
المغني (3/ 201)، والشرح الكبير (5/ 312).
لغَا"
(1)
قال الترمذي: حديث صحيح؛ ولأن العبث يمنع الخشوع.
(وكذا الشرب) يكره حال الخطبة إذا كان يسمع؛ لأنه فعل يشتغل به، أشبه مس الحصى (ما لم يشتد عطشه) فلا يكره شربه؛ لأنه يذهب بالخشوع. وجزم أبو المعالي بأنه إذن أولى. وفي "الفصول": ذكر جماعة شربه بعد الأذان يقطعه؛ لأنه بيع منهي عنه، وكذا شربه على أن يعطيه الثمن بعد الصلاة لأنه بيع، ويتخرج الجواز للحاجة دفعًا للضرر، وتحصيلًا لاستماع الخطبة. قاله في "المبدع".
(و
من نعس سن انتقاله من مكانه إن لم يتخط) أحدًا
في انتقاله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا نعس أحدُكم في مجلسِهِ فليتحَوَّلْ إلى غيرِه" صححه الترمذي
(2)
.
(1)
أخرجه مسلم حديث 857 (27)، والترمذي في الجمعة، باب 5، حديث 498، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
الترمذي في الجمعة، باب 27، حديث 526، عن ابن عمر رضي الله عنهما. وأخرجه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 239، حديث 1119، وابن أبي شيبة (2/ 120)، وأحمد (2/ 22، 32، 135)، وعبد بن حميد (2/ 15) حديث 745، وابن خزيمة (3/ 160) حديث 1819، وابن المنذر في الأوسط (4/ 86) حديث 1828، وابن حبان "الإحسان"(7/ 32) حديث 2792، والحاكم (1/ 291)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2/ 186)، والبيهقي (3/ 237)، وفي معرفة السنن والآثار (4/ 407) حديث 6632، والبغوي في شرح السنة (4/ 269) حديث 1087.
قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. ورواه الشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 142)، وابن أبي شيبة (2/ 119)، والبيهقي (3/ 237)، وفي معرفة السنن والآثار (4/ 407) رقم 6630، عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفًا. =
(ولا بأس بشراء ماء الطهارة بعد أذان الجمعة، أو)، شراء (سترة) لعريان للحاجة. ويأتي في البيع (وتأتي أحكام البيع بعد النداء) الثاني للجمعة في البيع مفصلة.
"فائدة" يستحب لمن صلى الجمعة أن ينتظر صلاة العصر، فيصليها في موضعه، ذكره في "الفصول" و"المستوعب" ولم يذكره الأكثر.
ويستحب انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم لن تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرْتُموها"
(1)
.
وكلامه في جلوسه بعد فجر، وعصر، إلى طلوع شمس وغروبها، قد سبق.
قال بعض الأصحاب: من البدع المنكرة: كتب كثير من الناس الأوراق التي يسمونها "حفائظ" في آخر جمعة من رمضان في حال الخطبة لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة، والاتعاظ بها، والذكر والدعاء، وهو من أشرف الأوقات. وكتابة ما لا يعرف معناه كعسهلون، ونحوه.
وقد يكون دالًّا على ما ليس بصحيح ولا مشروع، ولم ينقل ذلك عن أحد من أهل العلم.
= قال البيهقي في السنن الكبرى: ولا يثبت رفع هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر من قوله. وقال في معرفة السنن والآثار: وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، والموقوف أصح. وتعقبه ابن التركماني فقال: الرفع زيادة ثقة، وقد رويت من وجهين فوجب الحكم لها. ورجح الموقوف - أيضًا - النووي في المجموع (4/ 376).
(1)
أخرجه البخاري في المواقيت، باب 25، 40، حديث 572، 600، وفي الأذان، باب 36، 156، حديث 661، 847، وفي اللباس، باب 48، حديث 5869، ومسلم في المساجد حديث 640 عن أنس رضي الله عنه.
"خاتمة" روى ابن السني من حديث أنس مرفوعًا: "من قرأَ إذا سلَّم الإمامُ يومَ الجمعةِ قبل أن يثنَي رجليْه فاتحة الكتابِ، وقل هو الله أحد، والمعوذتيْن، سبعًا؛ غفر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّرَ، وأعطي من الأجرِ بعددِ منْ آمن باللهِ ورسوله"
(1)
.
(1)
لم نجده في عمل اليوم والليلة لابن السني، بهذا اللفظ من حديث أنس رضي الله عنه. وأورده الحافظ في رسالته "معرفة الخصال المكفرة" ص/ 53 - 54، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (3/ 271) ونسباه لأبي الأسعد القشيري في "الأربعين"، وقال الحافظ: وفي إسناده ضعف شديد جدًّا؛ فإن الحسين بن داود البلخي، قال الحاكم: إنه كثير المناكير في رواياته، وإنه حدث عن قوم لا يحتمل سنه السماع منهم، وقال الخطيب: حدث الحسين بن داود عن يزيد بن هارون بنسخة أكثرها موضوع. وذكره السيوطي في الجامع الصغير مع الفيض (6/ 204) ورمز لحسنه. وتعقبه المناوي بما سبق ذكره عن الحافظ ابن حجر.
والذي في عمل اليوم والليلة لابن السني ص/ 181 عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ بعد صلاة الجمعة قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، سبع مرات أعاذه الله عز وجل بها من السوء إلى الجمعة الأخرى".
قال الحافظ ابن حجر كما في فيض القدير (6/ 203): سنده ضعيف.
وجاء من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها. رواه ابن أبي شيبة (2/ 159) وفي سنده الحجاج بن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس. كما في التقريب. وعون بن أبي جحيفة، ولم يثبت له سماع من أسماء. والله أعلم.
باب صلاة العيدين أي صفتها، وأحكامها، وما يتعلق بذلك
سمي اليوم المعروف عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته. وقيل: لأنه يعود بالفرح والسرور. وقيل: تفاؤلًا ليعود ثانية، كالقافلة. وهو من عاد يعود، فهو الاسم منه، كالقيل من القول. وصار علمًا على اليوم المخصوص؛ لما تقدم. وجمع على أعياد - بالياء -، وأصله الواو للزومها في الواحد. وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب.
(وهي) أي صلاة العيدين مشروعة إجماعًا
(1)
؛ - لما يأتي - و (فرض كفاية) لقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
(2)
هي صلاة العيد في قول عكرمة، وعطاء، وقتادة
(3)
. قال في "الشرح": وهو المشهور في السير، وكان صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يداومون عليها؛ لأنها من أعلام الدين الظاهرة، فكانت واجبة كالجهاد، بدليل قتل تاركها. ولم تجب على الأعيان لحديث الأعرابي، متفق عليه
(4)
.
وروي أن أول صلاة عيد صلاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عيد الفطر، في السنة الثانية من الهجرة
(5)
، وواظب على صلاة العيدين حتى مات.
(1)
الإفصاح (1/ 177).
(2)
سورة الكوثر، الآية:2.
(3)
تفسير الطبري (30/ 326، 327).
(4)
البخاري في الإيمان، باب 34، حديث 46، ومسلم في الإيمان، حديث 11، من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
(5)
انظر طبقات ابن سعد (1/ 248)، وتاريخ الطبري (2/ 418).
(إن تركها أهل بلد) يبلغون أربعين بلا عذر (قاتلهم الإمام) كالأذان؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
(وكره أن ينصرف من حضر) مصلى العيد (ويتركها) لتفويته حصول أجرها من غير عذر
(1)
.
(ووقتها كصلاة الضحى) من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، بدليل الإجماع على فعلها ذلك الوقت، ولم يكن يفعل إلا الأفضل. وروى الحسن أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم:"كان يغدُو إلى الفطرِ والأضحَى حينَ تطلع الشمسُ، فيتم طلوعُه، وكان يفتتحُ الصلاةَ إذا حضرَ"
(2)
.
و (لا) يدخل وقت العيد (بطلوع الشمس) قبل ارتفاعها قيد رمح؛ لأنه وقت نهي عن الصلاة فيه، فلم يكن وقتًا للعيد، كما قبل طلوعها.
(1)
فإن لم يتم العدد إلا به حرم انصرافه. "ش".
(2)
رواه الشافعي في الأم (1/ 205) والبيهقي (3/ 282)، وقال: وهذا - أيضًا - مرسل، وشاهده عمل المسلمين بذلك أو بما يقرب منه مؤخرًا عنه.
وفي الباب عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه: علقه البخاري (2/ 456) مجزومًا به، ووصله أبو داود في الصلاة باب 246، حديث 1135، وابن ماجه في صلاة العيدين، باب 170، حديث 1317، وأحمد، كما في إطراف المسند المعتلي (2/ 688) حديث 3075، والفريابي في أحكام العيدين ص/ 107 رقم 35، والحاكم (1/ 295)، والبيهقي (3/ 282) عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه: أنه خرج مع الناس يوم فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إن كنا قد فرغنا ساعتنا هذه: وذلك حين التسبيح، قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في تغليق التعليق (2/ 376): أما الحديث فصحيح الإسناد، لا أعلم له علة، أما كونه على شرط البخاري فلا. وقال النووي في الخلاصة (2/ 827): رواه أبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح على شرط مسلم.
(فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال، أو أخروها) ولو (لغير عذر، خرج من الغد، فصلى بهم قضاء، ولو أمكن) قضاؤها (في يومها) لما روى أبو عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار قال:"غم علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم رأوُا الهلالَ بالأمسِ، فأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطرُوا من يومِهم، وأن يخرجُوا غدًا لعيدِهم" رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني
(1)
، وحسنه.
وقال مالك
(2)
: لا تصلى في غير يوم العيد. قال أبو بكر الخطيب
(3)
: سنة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أولَى أن تتَّبعَ، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب. وكالفرائض.
(ويسن تقديم صلاة الأضحى، بحيث يوافق من بمنى في ذبحهم) نص عليه (وتأخير صلاة الفطر) لما روى الشافعي مرسلًا أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كتبَ
(1)
أحمد: (5/ 58)، وأبو داود في الصلاة، باب 255، حديث 1157، والدارقطني:(2/ 170)، وحسنه. وأخرجه - أيضًا - النسائي في العيدين، باب 2، حديث 1556، وابن ماجه في الصيام باب 6 حديث 1653، وعبد الرزاق (4/ 165) حديث 7339، وابن أبي شيبة (3/ 67)، وابن الجارود (1/ 233) حديث 266، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (2/ 723) حديث 1787، والطحاوي (1/ 386، 387)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 295) حديث 2189، وابن حزم في المحلى (5/ 92)، والبيهقي (3/ 316، 4/ 249، 250)، وقال: هذا إسناد صحيح، وقال في الموضع الثاني: وهو إسناد حسن. وصححه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 77)، والنووي في المجموع (5/ 33)، وفي الخلاصة (2/ 838) والحافظ في بلوغ المرام (510).
(2)
التمهيد (14/ 359)، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي ص/ 101.
(3)
هكذا في البدع، وعزاه في الشرح للخطابي. "ش". قلنا: وهو الصواب، انظر معالم السنن للخطابي (1/ 252).
إلى عمرو بنِ حزم: "أن عجِّلْ الأضحى، وأخِّر الفطرَ، وذكِّر الناسَ"
(1)
ولأنه يتسع بذلك وقت الأضحى، ووقت صدقة الفطر.
(و) يسن (الأكل فيه) أي عيد الفطر (قبل الخروج إليها) أي الصلاة (تمرات وترًا) لقول بريدة: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يخرجُ يومَ الفطرِ حتى يفطرَ، ولا يطعم يومَ النحرِ حتى يصلِّي" رواه أحمد
(2)
.
وقول أنس: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يغدو يومَ الفطرِ حتى يأكلَ تمراتٍ" رواه البخاري
(3)
، وزاد في رواية منقطعة
(4)
: "ويأكلهنَّ وترًا"
(5)
.
(1)
رواه الشافعي "ترتيب مسنده 1/ 152"، وفي "الأم"(1/ 205)، والبيهقي (3/ 282)، وقال:"هذا مرسل، وقد طلبته في سائر الروايات بكتابه إلى عمرو بن حزم، فلم أجده". وضعفه النووي في المجموع (5/ 7)، وفي الخلاصة (2/ 827)، وابن الملقن في خلاصة البدر المنير (814).
(2)
(5/ 352 - 353، 360). ورواه - أيضًا - الترمذي في العيدين، باب 38، حديث 542، وابن ماجه في الصيام باب 59، حديث 1756، والدارمي في العيدين، باب 217، حديث 1608، وابن المنذر في الأوسط (4/ 253) حديث 2106، وابن خزيمة (2/ 341) حديث 1426، وابن قانع في معجم الصحابة (1/ 75 - 76)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 52) حديث 2812، والدارقطني (2/ 45)، والحاكم (1/ 294)، والبيهقي (3/ 283)، والبغوي (4/ 305) حديث 1104. وزاد الدارقطني في آخره: فيأكل من أضحيته. قال الترمذي: حديث غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 73)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/ 356)، وحسنه النووي في المجموع (5/ 9)، وفي الخلاصة (2/ 826).
(3)
في العيدين، باب 4، حديث 953.
(4)
أي معلقة، وذلك عقب حديث رقم 953. ووصله أحمد (3/ 126)، وابن خزيمة (2/ 342) حديث 1429، والدارقطني (2/ 45)، والبيهقي (3/ 282).
(5)
عبارة المنتقى: حتى يأكل تمرات، يأكلهن وترًا. رواه أحمد، والبخاري. "ش".
وفي "شرح الهداية"(وهو) أي الأكل فيه (آكد من الإمساك في الأضحى.
و) يسن (الإمساك في الأضحى حتى يصلي) لما تقدم (ليأكل من أضحيته، والأولى من كبدها) لأنه أسرع تناولًا وهضمًا (إن كان يضحي، وإلا خُيّر) بين أكله قبل الصلاة وبعدها، نص عليه
(1)
. لحديث الدارقطني عن بريدة: "وكان لا يأكلُ يوم النحرِ حتى يرجعَ فيأكُل من أضحيتِه"
(2)
وإذا لم يكن له ذبح، لم يبال أن يأكل.
(ويسن الغسل للعيد في يومها)، وهو للصلاة، فيفوت بفواتها، وتقدم.
(و) يسن (تبكير مأموم إليها بعد صلاة الصبح) ليحصل له الدنو من الإمام من غير تخط، وانتظار الصلاة، فيكثر ثوابه، ويكون (ماشيًا إن لم يكن عذر) لما روى الحارث عن عليٍّ قال:"من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا" رواه الترمذي
(3)
، وقال: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وقال
(1)
المغني (3/ 259).
(2)
سنن الدارقطني (2/ 45). وتقدم تخريجه آنفًا.
(3)
في العيدين، حديث 530. ورواه - أيضًا - ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 161، حديث 1296، وعبد الرزاق (3/ 289) حديث 5667، وابن أبي شيبة (2/ 163)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 263) حديث 2131، والبيهقي (3/ 281)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (1/ 251) حديث 379. قال الترمذي: حديث حسن. وتعقبه النووي في المجموع (5/ 14) بقوله: ولا يقبل قول الترمذي في هذا، فإن مداره على الحارث الأعور، واتفق العلماء على تضعيفه. وقال في الخلاصة (2/ 822): اتفقوا على ضعفه، وأن الحارث كذاب، إلا الترمذي، فقال: حديث حسن، ولا تقبل دعواه ذلك. وضعفه الحافظ في الفتح (2/ 451) =
أبو المعالي: إن كان البلد ثغرًا استحب الركوب، وإظهار السلاح.
(و) يسن (دنوه من الإمام) أي قربه منه كالجمعة.
(و) يسن (تأخر إمام إلى) وقت (الصلاة) لحديث أبي سعيد: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة" رواه مسلم
(1)
.
(و
لا بأس بالركوب في العود)
لقول علي: "ثم تركبُ إذا رجعتَ"
(2)
.
و
يسن أن يخرج (على أحسن هيئة،
من لبس، وتطيب، ونحوه) كتنظف؛ لما روى جابر أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "كان يعتمُّ، ويلبس بُرده الأحمرَ في العيدين والجمعة" رواه ابن عبد البر
(3)
.
= وله شاهد من حديث سعد القرظ، رواه ابن ماجه في العيدين، باب 161، حديث 1294، والحاكم (3/ 607)، والبيهقي (3/ 281). وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 235)، والنووي المجموع (5/ 14)، وفي الخلاصة (2/ 822)، والحافظ في الفتح (2/ 451).
ومن حديث أبي رافع رضي الله عنه، رواه ابن ماجه في العيدين، باب 161، حديث 1297، والطبراني في الكبير (1/ 318) رقم 943. وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 235)، والنووي في المجموع (5/ 14)، وفي الخلاصة (2/ 823)، والحافظ في الفتح (2/ 451).
ومن حديث ابن عمر رضي الله عنهما، رواه ابن ماجه في العيدين، باب 161، حديث 1295، والبيهقي (3/ 281)، وضعفه. وضعفه - أيضًا - النووي في المجموع (5/ 14)، وفي الخلاصة (2/ 823).
(1)
في العيدين، حديث 889. ورواه - أيضًا - البخاري في العيدين، باب 6، حديث 956.
(2)
رواه البيهقي (3/ 281).
(3)
في التمهيد (24/ 360). ورواه - أيضًا - ابن سعد (1/ 451)، وحماد بن إسحاق في تركة النبي صلى الله عليه وسلم (ص/ 104)، وابن خزيمة (3/ 132)، حديث 1766، =
وعن جابر قال: "كانت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حلة
(1)
يلبسُها في العيدين ويوم الجمعةِ" رواه ابن خزيمة في "صحيحه"
(2)
.
وكالجمعة (والإمام بذلك آكد) لأنه منظور إليه من بين سائر الناس (غير معتكف، فإنه يخرج في ثياب اعتكافه، ولو) كان (الإمام) لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما على أحدكم أن يكون لَهُ ثوبَانِ سوى ثوبي مهنتِه لجمعته وعيده"
(3)
إلا
= وأبو الشيح في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 174) حديث 293، والبيهقي (3/ 247، 280)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (1/ 250) حديث 378، دون قوله:"كان يعتم". وضعفه النووي في الخلاصة (2/ 820).
وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس يوم العيد بردة حمراء". رواه الطبراني في الأوسط (8/ 295) حديث 7605، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 198)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.
(1)
في صحيح ابن خزيمة (3/ 132): "جبة".
(2)
(3/ 132) حديث 1766. ورواه البيهقي (3/ 247) بلفط: كان يلبس برده الأحمر في العيد والجمعة. وذكره النووي في الخلاصة (2/ 820) وضعفه.
(3)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 219، حديث 1078، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 83، حديث 1095، وعبد بن حميد (1/ 446) حديث 498، والطبراني في الكبير (13/ 153) حديث 373، والبيهقي (3/ 242)، والضياء في المختارة (9/ 451) حديث 423، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه مرفوعًا. ورواه أبو داود - أيضًا - (1078)، والمروزي في الجمعة (38)، والطبراني في الكبير (22/ 287) حديث 736، وابن عبد البر في التمهيد (24/ 37) عن يوسف بن عبد الله بن سلام مرفوعًا.
ورواه ابن ماجه - أيضًا - باب 83، حديث 1096، وابن خزيمة (3/ 132) حديث 1765، وابن حبان "الإحسان"(7/ 15) حديث 2777، وابن عبد البر في التمهيد - (24/ 35) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 206): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. =
المعتكف فإنه يخرج في ثياب اعتكافه؛ ولأنه أثر عبادة، فاستحب بقاؤه كالخلوف.
(وإن كان المعتكف فرغ من اعتكافه قبل ليلة العيد، استحب له المبيت ليلة العيد في المسجد) ليحييها.
(و) يستحب (الخروج منه) أي المسجد (إلى المصلى) لصلاة العيد.
(و) يسن يوم العيدين (التوسعة على الأهل، والصدقة) على الفقراء ليغنيهم عن السؤال.
(وإذا غدا) المصلي (من طريق، سن رجوعه في أخرى) لما روى جابر أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: "كان إذا خرجَ إلى العيدِ خالفَ الطريقَ" رواه البخاري
(1)
، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة
(2)
. وعلته: لتشهد له الطريقان، أو لمساواته
= ورواه أبو داود - أيضًا - (1078)، وعبد الرزاق (3/ 203) رقم 5329، 5330، والبيهقي (3/ 242)، والضياء في المختارة (9/ 450) رقم 422 عن محمد بن يحيى بن حبان مرسلًا. وانظر علل ابن أبي حاتم (1/ 204) رقم 588، والفتح (2/ 374)، وفيض القدير (5/ 457).
(1)
في العيدين، باب 24، حديث 986، ولفظه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
(2)
لم نجده في صحيح مسلم. وذكر ابن الأثير هذا الحديث في جامع الأصول (6/ 148) حديث 4261، ولم يعزه إلى مسلم.
وحديث أبي هريرة هذا رواه الترمذي في الصلاة، باب 272، حديث 541، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 162، حديث 1301، وأحمد (2/ 338)، والدارمي في الصلاة، باب 226، حديث 1613، وابن خزيمة (2/ 362) حديث 1468، وابن حبان "الإحسان"(7/ 54) حديث 2815، والحاكم (1/ 296)، والبيهقي (3/ 308)، والبغوي في شرح السنة (4/ 313) حديث 1108. قال البخاري (2/ 472 مع الفتح): حديث جابر أصح. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
لهما في التبرك بمروره، والسرور برؤيته، أو لتتبرك الطريقان بوطئه عليهما، أو لزيادة الأجر بالسلام على أهل الطريق الآخر، أو لتحصل الصدقة على الفقراء من أهل الطريقين.
(وكذا جمعة) إذا ذهب إليها من طريق، سن له العود من أخرى لما سبق. قال في "شرح المنتهى": ولا يمتنع ذلك أيضًا في غير الجمعة. وقال في "المبدع": الظاهر أن المخالفة فيه - أي العيد - شرعت لمعنى خاص، فلا يلتحق به غيره.
(ويشترط لوجوبها) أي صلاة العيد (شروط الجمعة) لأنها صلاة لها خطبة راتبة، أشبهت الجمعة؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم وافق العيد في حجته ولم يصل.
(و) يشترط (لصحتها) أي صلاة العيد (استيطان) أربعين (وعدد الجمعة) لما تقدم.
قال ابن عقيل: إذا قلنا من شرطها العدد، وكانت قرية إلى جانب قرية، أو مصر تصلى فيه العيد، لزمهم السعي إلى العيد، سواء كانوا يسمعون النداء أم لا؛ لأن الجمعة إنَّما لم يلزم إتيانها مع عدم السماع لتكررها، بخلاف العيد، فإنه لا يتكرر، فلا يشق إتيانه. واقتصر عليه في "الشرح". قال ابن تميم: وفيه نظر.
و (لا) يشترط لها (إذن إمام) كالجمعة (فلا تقام) العيد (إلا حيث تقام) الجمعة، لما تقدم.
(ويفعلها المسافر، والعبد، والمرأة، والمنفرد، تبعًا) لأهل وجوبها (لكن يستحب أن يقضيها من فاتته) مع الإمام (كما يأتي) موضحًا.
(ولا بأس بحضورها النساء غير مطيبات ولا لابسات ثياب زينة، أو
شهرة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "وليخرجن تفلاتٍ"
(1)
(ويعتزلن الرجال) فلا يختلطن بهم (ويعتزل الحيض المصلى) للخبر
(2)
(بحيث يسمعن) الخطبة ليحصل المقصود.
(و
تسن) صلاة العيدين (في صحراء قريبة عرفًا)
نقل حنبل
(3)
: الخروج إلى المصلى أفضل، إلا ضعيفًا، أو مريضًا؛ لقول أبي سعيد:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يخرج في الفطرِ والأضحَى إلى المصلى" متفق عليه
(4)
. وكذلك الخلفاء بعده؛ ولأنه أوقع لهيبة الإسلام، وأظهر لشعائر الدين، ولا مشقة في ذلك، لعدم تكررها بخلاف الجمعة. قال النووي
(5)
: والعمل على هذا في معظم الأمصار.
(و
يستحب للإمام أن يستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد)
نص عليه لفعل علي، حيث استخلف أبا مسعود البدري، رواه سعيد
(6)
.
(1)
تقدم تخريجه (3/ 177 - 178) تعليق رقم 1.
(2)
أخرج البخاري في الحيض، باب 23، حديث 324، وفي العيدين، باب 15، 20، حديث 974، 980، ومسلم في العيدين، حديث 890، عن أم عطية رضي الله عنها، قالت: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين.
(3)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 92، 95) رقم 465، 478.
(4)
تقدم تخريجه (3/ 398)، تعليق رقم 1.
(5)
شرح صحيح مسلم (6/ 417).
(6)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور. وقد رواه النسائي في العيدين، باب 6، حديث 1560، ولفظه: أن عليًّا اسخلف أبا مسعود على الناس، فخرج يوم عيد، فقال: يا أيها الناس، إنه ليس من السنة أن يصلى قبل الإمام. وصحح إسناده النووي في المجموع (5/ 8) وفي الخلاصة (2/ 825).
(ويخطب بهم إن شاءوا، وهو المستحب) ليكمل حصول مقصودهم (والأولى أن لا يصلوا قبل الإمام) قاله ابن تميم (وإن صلوا قبله، فلا بأس) لأنهم من أهل الوجوب (وأيهما سبق) بالصلاة (سقط الفرض به، وجازت التضحية) لأنها صلاة صحيحة (وتنويه المسبوقة نفلًا) لسقوط الفرض بالسابقة.
(وتكره) صلاة العيد (في الجامع) لمخالفة فعله صلى الله عليه وسلم (بلا عذر) فإن كان عذر لم تكره فيه؛ لقول أبي هريرة: "أصابنا مطرٌ في يوم عيد، فصلى بنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في المسجد" رواه أبو داود
(1)
، وفيه لين (إلا بمكة) المشرفة (فتسن) صلاة العيد (في المسجد) الحرام، لمعاينة الكعبة، وذلك من أكبر شعائر الدين.
(ويبدأ بالصلاة قبل الخطبة) قال ابن عمر: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ يصلونَ العيديْنِ قبلَ الخطبَةِ" متفق عليه
(2)
.
(1)
في الصلاة، باب 257، حديث 1160. رواه - أيضًا - ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 167، حديث 1313، والحاكم (1/ 295)، والبيهقي (3/ 310). وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 78). وحسن إسناده النووي في الخلاصة (2/ 825). وجَوّدَهُ في المجموع (5/ 8).
وأعله ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/ 145) بجهالة عيسى بن عبد الأعلى الفروي. وضعف إسناده الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 83) وقال في بلوغ المرام (525): رواه أبو داود بإسناد لين.
(2)
البخاري في العيدين، باب 8، حديث 963، ومسلم في العيدين، حديث 888. ورواه - أيضًا - النسائي في العيدين، باب 9، حديث 1563، وأحمد (2/ 12)، ولم يذكروا "عثمان" وإنما ذكره الشافعي في "الأم" (1/ 235) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ورواه البخاري في العيدين، باب 8، حديث 962، ومسلم في العيدين حديث 884 (1)، وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(فلو خطب قبل الصلاة لم يعتد بها) كما لو خطب في الجمعة بعدها. وقد روي عن بني أمية تقديم الخطبة
(1)
قال الموفق
(2)
: ولم يصح عن عثمان.
(فيصلي ركعتين) إجماعًا
(3)
، لما في الصحيحين عن ابن عباس "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خرجَ يومَ الفطرِ فصلَّى ركعتيْنِ لم يصلِّ قبلهُمَا، ولا بعدهُمَا"
(4)
. ولقول عمر: "صلاة الفطرِ والأضحَى ركعتَانِ ركعتَانِ، تمام غير قصرٍ، على لسانِ نبيِّكم، وقد خابَ من افترى" رواه أحمد
(5)
.
(يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح) لأن الاستفتاح لأول الصلاة (ثم يكبر ستًا زوائد) لما روى أحمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرةَ تكبيرةً، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الآخرة"
(6)
. قال
(1)
أول من قدم الخطبة على الصلاة مروان بن الحكم، انظر: صحيح مسلم، حديث 889، وسنن أبي داود، حديث 1140.
(2)
انظر المغني (3/ 276).
(3)
الإجماع لابن المنذر ص/ 41.
(4)
البخاري في العيدين، باب 8، 26، حديث 964، 989، ومسلم في العيدين، حديث 884 (13)، ولفظه فيهما:
…
لم يصل قبلها ولا بعدها.
(5)
(1/ 37)، وتقدم تخريجه (3/ 360) تعليق رقم 2.
(6)
أحمد: (2/ 180). ورواه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 251، حديث 1152، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 156، حديث 1278، وعبد الرزاق (3/ 292) حديث 5677، وابن أبي شيبة (2/ 172)، وابن الجارود، حديث 262، والطحاوي (4/ 343)، والدارقطني (2/ 48)، والبيهقي (3/ 285). وصححه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 76)، والنووي في الخلاصة (2/ 831)، وفي المجموع (5/ 21). وقال الحافظ كما في الفتوحات الربانية (4/ 241): حسن صحيح. وقال في التلخيص الحبير (2/ 84): وصححه أحمد، وعلي بن المديني، والبخاري فيما حكاه الترمذي.
الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن حديث في الباب
(1)
. وقال عبد الله: قال أبي
(2)
: أنا أذهب إلى هذا. ورواه ابن ماجه، وصححه ابن المديني
(3)
.
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: "التكبير سبع في الأولى، وخمسٌ في الآخرةِ، والقراءةُ بعدَهما كلتَيْهما" رواه أبو داود، والدارقطني
(4)
.
وقال أحمد
(5)
: اختلف أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التكبير، وكله جائز.
وقال ابن الجوزي
(6)
: ليس يروى عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التكبير في العيدين حديث صحيح.
(قبل التعوذ، ثم يتعوذ عقب) التكبيرة (السادسة) لأن التعوذ للقراءة، فيكون عندها (بلا ذكر) بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين؛ لأن الذكر إنما هو بين التكبيرتين، وليس بعد التكبيرة الأخيرة تكبير.
(ثم يشرع في القراءة، ويكبر في الثانية بعد قيامه من السجود، وقبل قراءتها خمسا زوائد) لما تقدم.
(يرفع يديه مع كل تكبيرة) نص عليه
(7)
، لحديث وائل بن حجر: "أنه
(1)
صنيع المؤلف يوهم أن الترمذي أخرج حديث عبد الله بن عمرو هذا وحسنه، وليس كذلك، وإنما أخرج في العيدين، باب 5، حديث 536 حديث كثير بن عبد الله عن أبيه، عن جده بنحوه، ثم قال: حديث جد كثير حديث حسن. . . إلخ.
(2)
مسائل عبد الله (2/ 426 - 427).
(3)
انظر التلخيص الحبير (2/ 84).
(4)
أبو داود في الصلاة، باب 251، حديث 1151، والدارقطني (2/ 48).
ورواه - أيضًا - البيهقي (3/ 285).
(5)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 92) رقم 464.
(6)
التحقيق في أحاديث الخلاف (4/ 136).
(7)
مسائل عبد الله (2/ 436) رقم 614، ومسائل أبي داود ص/ 60.
- صلى الله عليه وسلم كان يرفعُ يديْه مع التكبير"
(1)
قال أحمد
(2)
: فأرى أن يدخل فيه هذا كله. وعن عمر: "أنه كان يرفعُ يديهِ في كل تكبيرةٍ في الجنازةِ والعيد" وعن زيد كذلك. رواهما الأثرم
(3)
.
(ويقول بين كل تكبيرتين) زائدتين: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، وصلى الله على محمد النَّبيِّ وآله، وسلم تسليمًا كثيرًا) لما روى عقبة بن عامر قال: سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد قال: "يحمدُ اللهَ، ويثنِي عليهِ، ويصلِّي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم يدعُو ويكبِّرُ" الحديث. وفيه: فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن، رواه الأثرم وحرب
(4)
. واحتج به أحمد
(5)
، ولأنها تكبيرات حال القيام، فاستحب أن يتخللها ذكر، كتكبيرات الجنازة.
(1)
تقدم تخريجه (2/ 290) تعليق رقم 1.
(2)
في مسائل عبد الله ص/ 130 رقم 478 قال: سألت أبي عن رفع اليدين؟ فقال: في كل تكبيرة - يعني في العيد.
(3)
لعله في سننه ولم تطبع. وأثر عمر رضي الله عنه رواه البيهقي (3/ 293)، وقال: هذا منقطع. وضعفه النووي في المجموع (5/ 21) وفي الخلاصة (2/ 834). وأما أثر زيد فلم نقف على من أخرجه.
(4)
الأثرم لعله رواه في سننه ولم تطبع. وحرب هو ابن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، له مسائل عن الإمام أحمد بن حنبل، ولم نقف عليها. انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 213).
والأثر المذكور أخرجه ابن المنذر في الأوسط (4/ 280) رقم 2171، والطبراني في "الكبير"(9/ 351)، رقم 9515، والبيهقي (3/ 291 - 292).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 205): رواه الطبراني في الكبير، وإبراهيم لم يدرك واحدًا من هؤلاء الصحابة، وهو مرسل، ورجاله ثقات. وقال النووي في الخلاصة (2/ 833) والمجموع (5/ 21): رواه البيهقي بإسناد حسن.
(5)
مسائل عبد الله (1/ 430) رقم 605.
(وإن أحب قال غيرَه) أي غير ما تقدم من الذكر (إذ ليس فيه ذكر مؤقت) أي محدود؛ لأن الفرض الذكر بين الكبير، فلهذا نقل حرب: أن الذكر غير مؤقت (ولا يأتي بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين بذكر) لما تقدم.
(و
إن نسي التكبير أو شيئًا منه، حتى شرع في القراءة، لم يعد إليه)
لأنه سنة فات محلها، أشبه ما لو نسي الاستفتاح، أو التعوذ، حتى شرع في القراءة، أو نسي قراءة سورة حتى ركع؛ لأنه إن أتى بالتكبيرات، ثم عاد إلى القراءة، فقد ألغى فرضًا يصح أن يعتد به، وإن لم يعد القراءة فقد حصلت التكبيرات في غير محلها.
(وكذا إن أدرك الإمام قائمًا بعد التكبير الزائد أو بعضه، لم يأت به) لفوات محله، وكما لو أدركه راكعًا.
(يقرأ في) الركعة (الأولى بعد الفاتحة بسبح، وفي) الركعة (الثانية) بعد الفاتحة (بالغاشية) لحديث سمرة بن جندب "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية" رواه أحمد
(1)
. ولابن ماجه من حديث ابن عباس
(2)
، والنعمان بن بشير مثله
(3)
.
(1)
(5/ 7، 14، 19). ورواه - أيضًا - النسائي في الكبرى (1/ 547) حديث 1774، وابن أبي شيبة (2/ 176)، والطحاوي (1/ 413)، والطبراني في الكبير (7/ 183) حديث 6773 - 6778، وأبو نعيم في الحلية (10/ 29)، والخطيب في تاريخه (12/ 136). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 203): رجال أحمد ثقات.
(2)
رواه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 157، حديث 1281. ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 298) حديث 5705، وابن أبي شيبة (2/ 177)، وعبد بن حميد (1/ 583) حديث 686.
(3)
رواه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 157، حديث 1283. ورواه - أيضًا - مسلم في الجمعة، حديث 878. وتقدم تخريجه (3/ 361) تعليق رقم 2.
ورُوي عن عمر
(1)
، وأنس
(2)
؛ لأن فيه حثًّا على الصدقة والصلاة في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}
(3)
، هكذا فسره سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز.
(ويجهر بالقراءة) لما روى الدارقطني عن ابن عمر قال: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يجهرُ بالقراءةِ في العيدينِ والاستسْقاءِ"
(4)
.
(فإذا سلم) من الصلاة (خطبهم خطبتين) وإنما أخرت الخطبة عن الصلاة؛ لأنها لما لم تكن واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها، بخلاف خطبة الجمعة، قاله الموفق (يجلس بينهما) يسيرًا للفصل، كخطبة الجمعة (ويجلس بعد صعوده المنبر قبلهما ليستريح) ويتراد إليه نفسه، ويتأهب الناس للاستماع. كما تقدم في خطبة الجمعة.
(وحكمهما كخطبة الجمعة) في جميع ما تقدم (حتى في) تحريم (الكلام) حال الخطبة، نص عليه
(5)
(إلا التكبير مع الخاطب) فيسن، كما في "شرح المنتهى"، ومعناه في "الشرح".
(ويسن أن يفتتح الأولى) من الخطبتين (قائمًا) كسائر أذكار الخطبة (بتسع تكبيرات متواليات، و) يفتتح الخطبة (الثانية بسبع كذلك) أي متواليات، لما روى سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:"يكبرُ الإمامُ يومَ العيدِ قبل أنْ يخطبَ تسع تكبيرات، وفي الثانية سبعَ تكبيراتٍ"
(6)
(يحثهم
(1)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 176)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 283) رقم 2175.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 177).
(3)
سورة الأعلى، الآيتان: 14 - 15.
(4)
سنن الدارقطني (2/ 67). وفي سنده الواقدي، وهو متروك.
(5)
انظر مسائل عبد الله (2/ 425، 442) رقم 601، 626.
(6)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور. وقد رواه - أيضًا - الشافعي (ترتيب مسنده 1/ 158)، وعبد الرزاق (3/ 290) رقم 5672، والبيهقي (3/ 299). وضعفه =
في خطبة) عيد (الفطر على الصدقة) أي زكاة الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهُم عن السؤال في هذا اليوم"
(1)
(ويبين لهم ما يخرجون) جنسًا، وقدرًا، ووقت الوجوب والإخراج، ومن تجب فطرته أو تسن (وعلى من تجب) الفطرة (وإلى من تدفع) من الفقراء وغيرهم تكميلًا للفائدة.
(ويرغبهم في الأضحية في الأضحى ويبين لهم حكمها) أي ما يجزئ منها وما لا يجزئ، وما الأفضل منها، ووقتها، ونحو ذلك؛ لأنه ثبت أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكر في خطبة الأضحَى كثيرًا من أحكام الأضحية من رواية أبي سعيد
(2)
، والبراء
(3)
، وجابر
(4)
، وغيرهم.
= النووي في المجموع (5/ 28)، وفي الخلاصة (2/ 838).
قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد (1/ 447): وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في سننه [حديث 1287] عن سعد القرظ مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين. وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به.
(1)
رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص/ 131، والبيهقي (4/ 175)، وأشار إلى تضعيفه، وقال النووي في المجموع (6/ 66): رواه البيهقي بإسناد ضعيف.
(2)
رواه البخاري في العيدين، باب 6، حديث 956، ومسلم في العيدين، حديث 889، لكن ليس فيه ذكر شيء من أحكام الأضحية.
(3)
رواه البخاري في العيدين، باب 3، 5، 8، 10، 17، 23 حديث 951، 955، 965، 968، 976، 983، وفي الأضاحي، باب 1، 8، 11، حديث 5545، 5556، 5557، 5560، ومسلم في الأضاحي، حديث 1961. وله حديث آخر في "ما لا يجوز في الأضاحي"، رواه أبو داود في الضحايا، باب 6، حديث 2802، والترمذي في الأضاحي، باب 5، حديث 1497، والنسائي في الضحايا، باب 5 - 7، حديث 4381 - 4383، وابن ماجه في الأضاحي، باب 8، حديث 3144.
(4)
رواه مسلم في الأضاحي حديث 1963.
(والتكبيرات الزوائد) سنة لا تبطل الصلاة بتركها عمدًا ولا سهوًا، بغير خلاف علمناه، قاله في "الشرح"(والذكر بينها) أي بين التكبيرات الزوائد سنة؛ لأنه ذكر مشروع بين التحريمة والقراءة، أشبه دعاء الاستفتاح، فإن نسيه فلا سجود للسهو.
(والخطبتان سنة لا يجب حضورهما ولا استماعهما) لما روى عطاء، عن عبد الله بن السائب قال:"شهدتُ مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم العيدَ، فلما قضَى الصلاةَ قال: إنَّا نخطبُ، فمن أحبَّ أن يجلسَ للخطبة فليجلِسْ، ومن أحبَّ أن يذهبَ فليذهبْ" رواه ابن ماجه، وإسناده ثقات، وأبو داود، والنسائي
(1)
، وقالا: مرسل. ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها، كخطبة الجمعة.
(ويكره التنفل في موضعها) أي صلاة العيد (قبلها وبعدها) قبل
(1)
ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 159، حديث 1290، وأبو داود في الصلاة، باب 253، حديث 1155، والنسائي في العيدين، باب 15، حديث 1570.
ورواه - أيضًا - ابن الجارود حديث 264، وابن خزيمة (2/ 358) حديث 1462، والدارقطني (2/ 50)، والحاكم (1/ 295)، والبيهقي (3/ 301). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي (3/ 301) عن عطاء مرسلًا. وهو الذي صوبه النسائي، فإنه قال عقب روايته المرفوع: خطأ، والصواب مرسل. وقال أبو داود: هذا مرسل عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن خزيمة (2/ 358): هذا حديث خراساني غريب غريب لا نعلم أحدًا رواه غير الفضل بن موسى السيناني. وقال ابن معين في تاريخه، برواية الدوري (2/ 475): هذا خطأ، إنما هو عن عطاء فقط، وإنما يغلط في الفضل بن موسى السيناني يقول: عن عبد الله بن السائب. انظر علل ابن أبي حاتم (1/ 180) رقم 513.
وذهب ابن التركماني في الجوهر النقي، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام إلى تصحيح المرفوع.
مفارقته، نص عليه
(1)
؛ لقول ابن عباس: "خرجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ عيدٍ فصلَّى ركعتيْنِ لم يصلِّ قبلهُمَا ولا بعدهُمَا" متفق عليه
(2)
.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:"أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبِّرُ في صلاةِ العيدِ سبعًا، وخمسًا ويقول: لا صلاةَ قبلها ولا بعدَهَا"
(3)
رواه ابن بطة
(4)
بإسناده. قال أحمد: لا أرى الصلاة.
(و) يكره أيضًا (قضاء فائتة) في مصلى العيد (قبل مفارقته) المصلى (إمامًا كان أو مأمومًا، في صحراء فعلت أو في مسجد) نص عليه
(5)
؛ لئلا يقتدى به.
(1)
مسائل عبد الله (2/ 427، 429) رقم 602، 604، ومسائل أبي داود ص/ 60، ومسائل ابن هانئ (1/ 95) رقم 479، ومسائل ابن منصور الكوسج (1/ 472) رقم 396.
(2)
تقدم تخريجه (3/ 404)، تعليق رقم 4.
(3)
رواه أحمد (2/ 180)، بلفظ: ولم يصل قبلها ولا بعدها. وقد تقدم تخريج القسم الأول وهو التكبير في صلاة العيد (3/ 404) تعليق رقم (6). وأما القسم الثاني وهو ترك الصلاة قبل صلاة العيد، وبعدها، فرواه - أيضًا - ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 160، حديث 1292 بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها في عيد. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 234): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". ويشهد له حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند البخاري في العيدين، باب 8، 26، حديث 964، 989، ومسلم في العيدين، حديث 884، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر، فصلى ركعتين، لم يصل قبلها، ولا بعدها. وقد تقدم تخريجه (3/ 404) تعليق رقم 4.
(4)
هو الإمام القدوة الفقيه المحدث أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكبري الحنبلي، له مصنفات كثيرة منها الإبانة الكبيرة، والإبانة الصغيرة، والسنن، والمناسك وغير ذلك. توفي سنة 387 هـ رحمه الله تعالى. ولعله رواه في السنن، ولم تطبع. انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (2/ 144 - 152)، وسير أعلام النبلاء (16/ 529).
(5)
الإفصاح (1/ 182).
(ولا بأس به) أي التنفل (إذا خرج) من المصلى. - نص عليه - في منزله أو غيره، لما روى حرب عن ابن مسعود: "أنه كان يصلِّي يومَ العيدِ إذا رجعَ إلى منزلِه أربعَ ركعاتٍ
(1)
. واحتج به إسحاق.
(أو فارقه) أي المصلى (ثم عاد إليه) فلا يكره تنفله (نصًّا) وقضاء الفائتة أولى لوجوبه.
(ومن كبر قبل سلام الإمام) الأولى (صلى ما فاته على صفته) نص عليه. لعموم قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكم فاقْضُوا"
(2)
؛ ولأنها أصل بنفسها، فتدرك بإدراك التشهد كسائر الصلوات، وإذا أدرك معه ركعة، قضى أخرى، وكبر فيها ستًّا زوائد.
(ويكبر مسبوق) ومثله من تخلف عن الإمام بركعة أو ركعتين لعذر (ولو بنوم، أو غفلة في قضاء بمذهبه، لا بمذهب إمامه) لأنه في حكم المنفرد في القراءة والسهو، فكذا في التكبير.
(وإن فاتته الصلاة) أي صلاة العيد مع الإمام (سن) له (قضاؤها) على صفتها، لفعل أنس
(3)
؛ ولأنه قضاء صلاة، فكان على صفتها كسائر الصلوات.
(فإن أدركه في الخطبة جلس فسمعها) أي الخطبة. وظاهره: ولو كان
(1)
رواه عبد الرزاق (3/ 276) رقم 5620، 5621، وابن أبي شيبة (2/ 179)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 269) رقم 2142، والطبراني في الكبير (9/ 354) رقم 9528، 9531. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 202): رواه الطبراني في الكبير بأسانيد صحيحة - إلا أنها مرسلة.
(2)
تقدم تخريجه (2/ 492) تعليق رقم 3.
(3)
ذكر البخاري في العيدين، باب 25، معلقًا:"وأمر أنس بن مالك مولاه ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم"، ووصله عبد الرزاق (3/ 332) رقم 5855، وابن أبي شيبة (2/ 183)، والبيهقي (3/ 305). وابن حجر في تغليق التعليق (2/ 386).
بمسجد؛ لأن صلاة العيد تفارق صلاة الجمعة؛ لأن التطوع قبلها وبعدها مكروه. وقال الموفق: إن كان بمسجد صلى تحيته، كالجمعة وأولى (ثم صلاها) أي العيد (متى شاء، قبل الزوال أو بعده على صفتها، ولو منفردًا) أو في جماعة دون أربعين (لأنها صارت تطوعًا) لسقوط فرض الكفاية بالطائفة الأولى.
(ويسن التكبير المطلق في العيدين) قال أحمد
(1)
: كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعًا
(2)
(و) يسن (إظهاره) أي التكبير المطلق (في المساجد، والمنازل والطرق حضرًا، وسفرًا، في كل موضع يجوز فيه ذكر الله) بخلاف ما يكره فيه كالحشوش.
(و) يسن (الجهر به) أي التكبير (لغير أنثى
(3)
في حق كل من كان من أهل الصلاة، من مميز وبالغ، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من أهل القرى والأمصار) لعموم قوله تعالى:{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}
(4)
.
(ويتأكد) التكبير المطلق (من ابتداء ليلتي العيدين) أي غروب شمس ما
(1)
مسائل عبد الله (3/ 432) رقم 608، ومسائل ابن هانئ (1/ 94) رقم 472.
(2)
رواه الشافعي "ترتيب مسنده"(1/ 153)، ومسدد، كما في المطالب العالية (1/ 305) حديث 782، وابن أبي شيبة (2/ 164) والفريابي في أحكام العيدين (39، 43، 46، 48، 53، 56، 57)، والدارقطني (2/ 44)، والحاكم (1/ 298)، والبيهقي (3/ 279).
(3)
قوله: لغير أنثى. ظاهره: ولو خنثى مشكلًا، وفيه
…
كما نقله التاج [تاج الدين البهوتي] هـ. "ش".
(4)
سورة البقرة، الآية:185.
قبلهما للآية. وقياس الأضحى على الفطر.
(و) يتأكد (في الخروج إليهما) أي إلى العيدين، لاتفاق الآثار عليه (إلى فراغ الخطبة فيهما) أي العيدين؛ لأن شعار العيد لم يَنْقَضِ، فسن كما في حال الخروج (ثم) إذا فرغت الخطبة (يقطع) التكبير المطلق لانتهاء وقته.
(وهو) أي
التكبير المطلق (في) عيد (الفطر آكد
نصًّا)
(1)
لثبوته فيه بالنص. وفي "الفتاوى المصرية"
(2)
: أنه في الأضحى آكد. قال: لأنه يشرع أدبار الصلوات، وأنه متفق عليه، وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان
(3)
، وعيد النحر أفضل من عيد الفطر.
(ولا يكبر فيه) أي الفطر (أدبار الصلوات) بخلاف الأضحى.
(وفي الأضحى يبتدئ) التكبير (المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة، ولو لم ير بهيمة الأنعام) خلافًا للشافعي
(4)
، لما ذكره البخاري قال:"كان ابنُ عمر وأبو هريرةَ يخرجانِ إلى السوقِ في أيامِ العشر يكبرانِ، ويكبرُ الناسُ بتكبيرهِما"
(5)
(إلى فراغ الخطبة يوم النحر) لما تقدم.
(و) التكبير (المقيد فيه) أي الأضحى (يكبر من صلاة فجر يوم عرفة،
(1)
مسائل ابن هانئ (1/ 94) رقم 472.
(2)
الفتاوى الكبرى (1/ 172).
(3)
المكان: وهو المقيد بالصلوات؛ لأنه في مكانه فلا يتعداه إلى غيره. والزمان: وهو المرسل؛ لأن زمان كل منهما واحد، وهو كونه مشروعًا من غروب الشمس إلى أن يدخل الإمام في الصلاة. "ش".
(4)
انظر الأم (1/ 241)، والمجموع (5/ 40).
(5)
ذكره البخاري معلقًا في العيدين، باب 11، وقال ابن حجر في الفتح (2/ 458): لم أره موصولًا عنهما.
إن كان مُحلا) لحديث جابر قال: "كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يكبرُ في صلاةِ الفجرِ يومَ عرفة إلى صلاةِ العصرِ من آخر أيامِ التشريقِ حين يسلم من المكتوبَاتِ" وفي لفظ: "كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبحَ من غداةِ عرفة أقبلَ على أصحابه، فيقول: عَلى مكانِكُم، ويقول: اللهُ أكبر اللهُ أكبرُ، لا إلَه إلَّا اللهُ، واللهُ أكبر اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ" رواهما الدارقطني
(1)
.
فإن قيل: مدار الحديث على جابر بن زيد
(2)
الجعفي، وهو ضعيف.
قلنا: قد روى عنه شعبة والثوري ووثقاه، وناهيك بهما.
وقال أحمد
(3)
: "لم يتكلم في جابر في حديثه، إنما تكلم فيه لرأيه". على أنه ليس في هذه المسألة حديث مرفوع أقوى إسنادًا منه ليترك من أجله، والحكم فيه حكم فضيلة وندب، لا حكم إيجاب أو تحريم، ليشدد في أمر الإسناد.
وقيل لأحمد: بأي حديث تذهب في ذلك؟ قال: بالإجماع: عمر
(4)
(1)
(2/ 49، 50). والرواية الأولى رواها - أيضًا - البيهقي (3/ 315). قال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 87): وفي إسناده عمرو بن شمر، وهو متروك، عن جابر الجعفي، وهو ضعيف. وقال في الفتح (2/ 462): ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة: علي، وابن مسعود، انظر نصب الراية (2/ 223).
(2)
كذا في الأصول: جابر بن زيد، والصواب جابر بن يزيد.
(3)
سنن الدارقطني (1/ 379)، وكتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (1/ 164)، والتحقيق في أحاديث الخلاف (2/ 263).
(4)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 166)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 300) رقم 2200، والحاكم (1/ 299)، والبيهقي (3/ 314)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. ومال البيهقي إلى تضعيفه.
وعلي
(1)
وابن عباس
(2)
وابن مسعود
(3)
.
(وإن كان محرمًا فـ) ــإنه يكبر (من صلاة الظهر يوم النحر) لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية (إلى العصر من آخر أيام التشريق فيهما) أي في المحل والمحرم، لما تقدم.
(فلو رمى) المحرم (جمرة العقبة قبل الفجر) من يوم النحر، فإن وقتها من نصف ليلة النحر كما يأتي (فعموم كلامهم: يقتضي أنه لا فرق) بينه وبين من لم يرم إلا بعد طلوع الشمس (حملًا على الغالب) في رمي الجمرة، إذ هو بعد الشروق (يؤيده لو أخر الرمي إلى بعد صلاة الظهر، فإنه يجتمع في حقه التكبير والتلبية، فيبدأ بالتكبير ثم يلبي، نصًّا)
(4)
لأن التكبير من جنس الصلاة.
قلت: ويؤخذ منه تقديمه على الاستغفار، وقول: اللهمَّ أنتَ السلامُ - إلى
(1)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 165)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 301) رقم 2203، والحاكم (1/ 299)، والبيهقي (3/ 314)، وصححه الحاكم. ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - النووي في المجموع (5/ 42).
(2)
رواه مسدد كما في المطالب العالية (1/ 306) رقم 784، وابن المنذر في الأوسط (4/ 301، 304) رقم 2202، 2210، والحاكم (1/ 299)، والبيهقي (3/ 314). وصححه الحاكم. ووافقه الذهبي. وصححه النووي في المجموع (5/ 42).
(3)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 165، 167، 168) وابن المنذر في الأوسط (4/ 301، 304) رقم 2204، 2208، والطبراني في الكبير (9/ 355) رقم 9534. وصححه النووي في المجموع (5/ 42). وجود إسناده الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 87). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 197)، وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون.
(4)
انظر مسائل صالح (2/ 183) رقم 744، ومسائل عبد الله (2/ 804) رقم 1073.
آخره؛ فيكون تكبيرُ المحل، عقب ثلاث وعشرين فريضة، وتكبير المحرم عقب سبع عشرة.
(ومن كان عليه سجود سهو أتى به) أولًا، إما قبل السلام أو بعده على ما تقدم بيانه (ثم كبر) ولأنه
(1)
من تمام الصلاة (عقب كل فريضة) متعلق بقوله: يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة (في جماعة) لما تقدم من الأخبار.
(وأنثى كذكر) تكبر عقب الفرائض في جماعة، وإن لم تكن مع الرجال لكن لا تجهر به.
(ومسافر كمقيم) في التكبير (ولو لم يأتم بمقيم) ومميز كبالغ. قال في "الفروع": فيتوجه مثله صلاة معادة، ويتوجه احتمال أن لا يكبر؛ لأن صلاة الصبي يضرب عليها بخلاف نفل البالغ.
(ويكبر مأموم نسيه إمامه) ليحوز الفضيلة، كقول: آمين.
(و) يكبر (مسبوق بعد قضائه) ما فاته من صلاته وسلامه؛ لأن التكبير ذكر مسنون، فلا يتركه المسبوق، كغيره من الأذكار.
(و) يكبر (من قضى فيها) أي في الأيام التي يسن فيها التكبير عقب الفرائض (فائتة من أيامها، أو من غير أيامها في عامه) أي عام ذلك العيد، إذا قضاها جماعة؛ لأنها مفروضة فيه، ووقت التكبير باق.
و (لا) يكبر من قضى فائتة (بعد أيامها؛ لأنها سنة فات محلها) كالتلبية.
(ولا يكبر عقب نافلة) خلافًا للآجري؛ لأنها صلاة لا تشرع لها الجماعة، أو غير مؤقتة، فأشبهت الجنازة وسجود التلاوة.
(ولا) يكبر (من صلى وحده) لقول ابن مسعود: "إنما التكبيرُ على منْ
(1)
في "ح" و"ذ": "لأنه" بدون الواو.
صلَّى جماعةً" رواه ابن المنذر
(1)
. ولأنه ذكر مختص بوقت العيد، فأشبه الخطبة.
(ويأتي به) أي التكبير (الإمام مستقبل الناس) أي يلتفت إلى المأمومين ثم يكبر، لما تقدم
(2)
أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "كان يقبل بوجهِهِ على أصحابِه، ويقول: على مكانِكم، ثم يكبِّر".
(وأيام العشر: الأيام المعلومات. وأيام التشريق: الأيام المعدودات) ذكره البخاري عن ابن عباس
(3)
.
(وهي) أي أيام التشريق (ثلاثة أيام، بعد يوم النحر تليه) سميت بذلك من تشريق اللحم، وهو تقديده. وقيل: من قولهم: أشرق ثبير. وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وقيل: هو التكبير دبر الصلوات، وأنكره أبو عبيد
(4)
.
(و
من نسي التكبير قضاه،
ولو بعد كلامه مكانه، فإن قام) من مكانه (أو ذهب، عاد فجلس، ثم كبر) لأن فعله جالسًا في مصلاه سنة، فلا تترك مع إمكانها (وإن قضاه) أي كبر (ماشيًا فلا بأس) قاله جماعة (ما لم يحدث) فلا يقضي التكبير؛ لأن الحدث يبطل الصلاة، والذكر تابع لها بطريق الأولى (أو يخرج من المسجد) فلا يقضيه لأنه مختص بالصلاة، أشبه سجود السهو (أو يطل الفصل) فلا يقضيه لما سبق.
(ولا يكبر عقب صلاة عيد الأضحى كالفطر) لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات.
(1)
في الأوسط (4/ 305 - 306).
(2)
(3/ 411).
(3)
في العيدين، باب 11.
(4)
غريب الحديث (3/ 453).
(و
صفة التكبير:
شفعًا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله كذلك رواه الدارقطني
(1)
، وقاله علي
(2)
، وحكاه ابن المنذر عن عمر
(3)
. قال أحمد
(4)
: اختياري تكبير ابن مسعود
(5)
، وذكر مثله. وقال النخعي: كانوا يكبرون كذلك، رواه النجاد. ولأنه تكبير خارج الصلاة له تعلق بها، ولا يختص الحاج، فأشبه الأذان.
(ويجزئ مرة واحدة، وإن زاد) على مرة (فلا بأس، وإن كرره ثلاثًا فحسن) قال في "المبدع": وأما تكريره ثلاثًا في وقت واحد، فلم أره في كلامهم، ولعله يقاس على الاستغفار بعد الفراغ من الصلاة، وعلى قول: سبحان الملك القدوس، بعد الوتر؛ لأن الله وتر يحب الوتر.
(ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضًا بما هو مستفيض بينهم من الأدعية، ومنه بعد الفراغ من الخطبة قوله لغيره: تقبل الله منا ومنك) نقله الجماعة
(6)
. قال في رواية الأثرم
(7)
: يرويه أهل الشام عن أبي أمامة
(8)
، قيل: وواثلة بن الأسقع
(9)
؟ قال: نعم (كالجواب) وقال: لا أبتدئ به.
(1)
(2/ 50) من حديث جابر رضي الله عنه. وقد تقدم (3/ 415) تعليق رقم 1.
(2)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 168)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 304) رقم 2209.
(3)
الأوسط (4/ 303) رقم 2207.
(4)
انظر مسائل أبي داود ص/ 61.
(5)
رواه ابن أبي شيبة (2/ 165، 167، 168) وابن المنذر في الأوسط (4/ 301، 304) رقم 2204، 2208. أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد - وقد تقدم (3/ 412) تعليق رقم 3.
(6)
مسائل أبي داود ص/ 61، وكتاب التمام (1/ 250)، والمغني (3/ 294).
(7)
في المغني قال: في رواية حرب (3/ 294).
(8)
انظر الجوهر النقي (3/ 320 - 321).
(9)
رواه البيهقي (3/ 320).
وعنه
(1)
: الكل حسن. وعنه
(2)
: يكره.
(و) لا بأس (بتعريفه عشية عرفة بالأمصار من غير تلبية) نص عليه، وقال: إنما هو دعاء وذكر. قيل: تفعله أنت؟ قال: لا. وأول من فعله ابن عباس
(3)
، وعمرو بن حريث
(4)
انتهى. وروى أبو بكر في "الشافي" بإسناده عن القاسم بن محمد قال: "كانت عائشة تحلق رؤوسنا يوم عرفة، فإذا كان العشي حلقتنا، وبعثت بنا إلى المسجد"
(5)
.
(ويستحب الاجتهاد في عمل الخير أيام عشر ذي الحجة: من الذكر، والصيام، والصدقة، وسائر أعمال البر؛ لأنها أفضل الأيام) لحديث: "ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ من عشرِ ذي الحجةِ"
(6)
.
(1)
انظر مسائل أبي داود ص/ 61.
(2)
انظر كتاب التمام (1/ 250).
(3)
رواه عبد الرزاق (4/ 376) رقم 8122، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع ص/ 328).
(4)
رواه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع ص/ 328).
(5)
كتاب "الشافي" لأبي بكر عبد العزيز غلام الخلال لم نقف عليه. والأثر المذكور رواه - أيضًا - ابن سعد في طبقاته (5/ 187).
(6)
أخرجه البخاري في العيدين، باب 11، حديث 969 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
باب صلاة الكسوف
(وهو ذهاب ضوء أحد النيرين) الشمس والقمر (أو بعضه) أي ذهاب بعض ضوء أحدهما. يقال: كسفت الشمس - بفتح الكاف وضمها - وكذا خسفت.
وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر. وقيل: عكسه. ورُدَّ بقوله تعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ}
(1)
.
وقيل: الكسوف في أوله، والخسوف في آخره.
وقيل: الكسوف لذهاب بعض ضوئه، والخسوف لذهابه كله.
وفعلها ثابت بالسنة المشهورة، واستنبطها بعضهم من قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ}
(2)
.
(وإذا كسف أحدهما فزعوا إلى الصلاة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشَّمْس والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ، لا يخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتُم ذلكَ فصلُّوا" متفق عليه
(3)
، فأمر بالصلاة لهما أمرًا واحدًا. وروى أحمد معناه،
(1)
سورة القيامة، الآية:8.
(2)
سورة فصلت، الآية:37.
(3)
البخاري في الكسوف، باب 4، 5، 13، حديث 1046، 1047، 1058، وفي بدء الخلق، باب 3، حديث 3203، ومسلم في الكسوف، حديث 901 (3) عن عائشة رضي الله عنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
الحديث، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله. لا يخسفان لموت =
ولفظه: "فافزَعُوا إلى المسَاجد"
(1)
.
وروى الشافعي: أن القمر خسف وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بالناس ركعتين، في كل ركعة ركعتين، وقال:"إنما صليْتُ كما رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلِّي"
(2)
.
= أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا للصلاة. وفي لفظ لمسلم: فصلوا حتى يفرج الله عنكم.
ورواه - أيضًا - البخاري في الكسوف، باب 1، حديث 1042، وفي بدء الخلق، باب 4، حديث 3201، ومسلم في الكسوف، حديث 914 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آية من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا. هذا لفظ مسلم.
ورواه - أيضًا - البخاري في الكسوف، باب 9، حديث 1052، وفي بدء الخلق، باب 4، حديث 3202، وفي النكاح، باب 88، حديث 5197 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
الحديث، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله.
(1)
أحمد (2/ 159). ورواه - أيضًا - ابن أبي شيبة (2/ 467)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 69) حديث 2829 من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ورواه أحمد - أيضًا - (5/ 428)، من حديث محمود بن لبيد. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 207): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(2)
الشافعي (ترتيب مسنده 1/ 163 - 164). ورواه - أيضًا - ابن المنذر في الأوسط (5/ 311) رقم 2915، والبيهقي (3/ 338) عن الحسن، أن القمر كسف وابن عباس بالبصرة. . . إلخ. قال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 91): الحسن لم يكن بالبصرة، لما كان ابن عباس بها، وقيل: إن هذا من تدليساته، وأن قوله:"خطبنا" أي خطب أهل البصرة.
(وهي) أي صلاة الكسوف (سنة مؤكدة) حكاه ابن هبيرة
(1)
، والنووي
(2)
إجماعًا، لما تقدم (حضرًا وسفرًا، حتى للنساء) لأن عائشة، وأسماء صلتا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري
(3)
. قال في "المبدع": وإن حضرها غير ذوي الهيئات مع الرجال فحسن (وللصبيان حضورها) واستحبها ابن حامد لهم ولعجائز، كجمعة وعيد.
(ووقتها: من حين الكسوف إلى حين التجلي) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتُم ذلكَ فافزَعُوا إلى الصلاةِ حتى ينجَلِي"
(4)
.
(جماعة) لقول عائشة: "خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المسجدِ، فقام وكبَّر، وصف الناس وراءَهُ" متفق عليه
(5)
(وفرادى) لأنها نافلة، ليس عن شرطها الاستيطان، فلم تشترط لها الجماعة كالنوافل.
(ويسن أيضًا ذكر الله، والدعاء، والاستغفار، والتكبير، والصدقة، والعتق، والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع) من القُرَب، لقوله صلى الله عليه وسلم:"فإذا رأيتم ذلك فادعُوا اللهَ، وكبِّروا، وصلُّوا، وتصدَّقُوا" الحديث، متفق عليه
(6)
. وعن أسماء: "إن كنا لنؤمرُ بالعتقِ في الكسوف"
(7)
وقيد العتق في "المستوعب"
(1)
الإفصاح عن معاني الصحاح (1/ 187).
(2)
شرح صحيح مسلم (6/ 438).
(3)
في العلم، باب 24، حديث 86، وفي الكسوف، باب 10، حديث 1053.
(4)
جزء من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه البخاري في الكسوف، باب 4، حديث 1046، ومسلم في الكسوف، حديث 901 (3).
(5)
البخاري في الكسوف، باب 2، 4، حديث 1044، 1046، ومسلم في الكسوف، حديث 901 (3).
(6)
جزء من حديث عائشة أخرجه البخاري في الكسوف، باب 2، حديث 1044، ومسلم في الكسوف، حديث 901 (1).
(7)
رواه البخاري في الكسوف، باب 11، حديث 1054، وفي العتق، باب 3، حديث 2519، 2520.
بالقادر، قال في "المبدع": وهو الظاهر، وليحوز فضيلة ذلك، ويكون عاملًا بمقتضى التخويف.
(و) يسن (الغسل لها) أي لصلاة الكسوف، وتقدم في الأغسال المستحبة
(1)
.
(وفعلها جماعة في المسجد الذي تقام فيه الجمعة أفضل) لحديث عائشة
(2)
وغيره.
(ولا يشترط لها إذن الإمام، ولا لاستسقاء، كصلاتهما) أي الاستسقاء والكسوف (منفردًا) لأن كلا منهما نافلة، وليس إذنه شرطًا في نافلة، وكالجمعة وأولى.
(ولا خطبة لها) لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم "أمرَ بالصلاةِ دونَ الخطبةِ" وإنما خطب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة.
(وإن فاتت لم تقض) لقوله صلى الله عليه وسلم: "فصلُّوا حتى ينْجَلي"
(3)
ولم ينقل عنه أنه فعلها بعد التجلي، ولا أمر بها؛ ولأن المقصود عود ما ذهب من النور، وقد عاد كاملًا؛ ولأنها سنة غير راتبة ولا متابعة لفرض فلم تقض (كصلاة الاستسقاء، وتحية المسجد، وسجود الشكر) لفوات محالها.
(ولا تعاد إن صليت ولم ينجل) الكسوف؛ لأن الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يزد على ركعتين، قاله في "الشرح"(بل يذكر الله ويدعوه ويستغفره حتى ينجلي) لأنه كسوف واحد، فلا تتعدد الصلاة له، كغيره من الأسباب
(4)
.
(1)
(1/ 354).
(2)
انظر (3/ 423) تعليق رقم 3.
(3)
تقدم تخريجه (3/ 423) تعليق رقم 4.
(4)
كتحية المسجد وصلاة الاستسقاء. "ش".
(وينادى لها: الصلاة جامعة، ندبًا) لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ مناديًا فنادى: الصلاة جامعة. متفق عليه
(1)
. والأول منصوب على الإغراء، والثاني على الحال. وفي الرعاية: برفعهما، ونصبهما. وتقدم
(2)
. (ويجزئ قول: الصلاة فقط) لحصول المقصود.
(ثم يصلي ركعتين يقرأ في الأولى بعد الاستفتاح والتعوذ) والبسملة (الفاتحة، ثم البقرة، أو قدرها) ذكره جماعة، منهم الشارح. واقتصر في "المقنع" و"المنتهى" وغيرهما على قوله: سورة طويلة قال في المبدع وغيره: من غير تعيين (جهرًا ولو في كسوف الشمس) لقول عائشة: "إن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم جهر في صلاةِ الخسوف بقراءته، فصلى أربعَ ركعاتٍ في ركعتين، وأربع سجداتٍ" متفق عليه
(3)
. وفي لفظ: "صلى صلاة الكسوف فجهرَ بالقراءةِ فيها" صححه الترمذي
(4)
(ثم يركع ركوعًا طويلًا، فيسبح) من غير تقدير، و (قال
(1)
البخاري في الكسوف، باب 3، 8، حديث 1045، 1051، ومسلم في الكسوف، حديث 910، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وأخرجه مسلم - أيضًا - حديث 901 (4) عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
في الأذان [2/ 40]. "ش".
(3)
البخاري في الكسوف، باب 19، حديث 1065، ومسلم في الكسوف، حديث 901 (5).
(4)
الترمذي في الكسوف، باب 397، حديث 563، وقال: حسن صحيح. ورواه - أيضًا - أبو داود في الصلاة، باب 263، حديث 1188، وابن المنذر في الأوسط (5/ 298) حديث 2896، والطحاوي (1/ 333)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 92 - 93) حديث 2849، 2850)، والدارقطني (1/ 63)، والحكم (1/ 334)، والبيهقي (3/ 335، 336)، والبغوي في شرح السنة (4/ 381)، حديث 1146. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصححه - أيضًا - =
جماعة) منهم القاضي، وصاحب "التلخيص"، والشارح وغيرهم:(نحو مائة آية) وقال ابن أبي موسى: بقدر معظم القراءة. وقيل: نصفها (ثم يرفع) من ركوعه (فيسمع) أي يقول: سمع الله لمن حمده في رفعه (ويحمد) في اعتداله، فيقول: ربنا ولك الحمد، كغيرها من الصلوات (ثم يقرأ الفاتحة، و) سورة (دون القراءة الأولى) قيل: كمعظمها. وفي "الشرح": آل عمران، أو قدرها (ثم يركع فيطيل) الركوع (وهو دون الركوع الأول، نسبته) أي الركوع الثاني (إلى القراءه كنسبة) الركوع (الأول منها) قاله في "المبدع" وغيره. وفي "الشرح" فيسبح نحوًا من سبعين آية (ثم يرفع) من الركوع، ويسبح ويحمد (ولا يطيل اعتداله) لعدم ذكره في الروايات (ثم يسجد سجدتين طويلتين، ولا تجوز الزيادة عليهما) أي السجدتين (لأنه) أي السجود الزائد (لم يرد) في شيء من الأخبار؛ ولأن السجود متكرر، بخلاف الركوع فإنه متحد (ولا يطيل الجلوس بينهما) أي بين السجدتين لعدم وروده.
(ثم يقوم إلى) الركعة (الثانية، فيفعل مثل ذلك) المذكور في الركعة الأولى (من الركوعين وغيرهما، لكن يكون) فعله في الثانية (دون) فعله (الأول) في الركعة الأولى (في كل ما يفعله فيها، ومهما قرأ به) من السور (جاز) لعدم تعين القراءة (ثم يتشهد ويسلم).
والأصل فيه ما روت عائشة: "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قامَ في خسوف الشمس، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبَّر فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله
= البغوي. ونقل البيهقي عن الإمام البخاري أنه قال: حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في صلاة الكسوف أصح عندي من حديث سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر القراءة فيها. انظر علل الترمذي الكبير ص/ 97، وفتح الباري (2/ 549).
لمن حمدهُ، ربنا ولك الحمدُ. ثم قامَ فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبَّرَ فركعَ ركوعًا طويلًا ادنى من الركوع الأول، ثم سمع وحمد، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك حتى استكملَ أربعَ ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف" متفق عليه
(1)
.
وقال ابن عباس: "خسفت الشمسُ على عهد رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة"
(2)
.
وفي حديث أسماء: "ثم سجدَ فأطال السجود"
(3)
وروى النسائي عن عائشة: "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تشهدَ ثم سلم"
(4)
.
(و
إن تجلى الكسوف فيها، أتمها خفيفة على صفتها)
لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود
(5)
: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف
(6)
ما بكم" متفق عليه
(7)
. ولأن المقصد التجلي وقد حصل. وعلم منه أنه لا يقطعها، لقوله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}
(8)
، وشرع تخفيفها لزوال السبب.
(1)
البخاري في الكسوف، باب 4، حديث 1046، ومسلم في الكسوف، حديث 901 (2).
(2)
رواه البخاري في الكسوف، باب 9، حديث 1052، ومسلم في الكسوف، حديث 907.
(3)
أخرجه البخاري في الأذان، باب 90، حديث 745.
(4)
النسائي في الكسوف، باب 21، حديث 1496. ورواه - أيضًا - ابن حبان "الإحسان" (7/ 84) حديث 2842، والبيهقي (3/ 320).
(5)
في "ح" و"ذ": "ابن مسعود" وهو خطأ.
(6)
لفظ مسلم: يكشف.
(7)
رواه البخاري في الكسوف، باب 1، 13، حديث 1041، 1057، وفي بدء الخلق، باب 4، حديث 3204، ومسلم في الكسوف، حديث 911.
ولفظ: "وادعوا حتى يكشف ما بكم" عند مسلم فقط.
(8)
سورة محمد، الآية:33.
(وإن شك في التجلي) لنحو غير (أتمها من غير تخفيف) لأن الأصل عدمه (فيعمل بالأصل في بقائه) أي الكسوف (و) يعمل بالأصل في (وجوده) إذا شك فيه، فلا يصلي؛ لأن الأصل عدمه.
(وإن تجلى السحاب عن بعضها) أي الشمس وكذا القمر (فرأوه صافيًا) لا كسوف عليه (صلوا) صلاة الكسوف؛ لأن الباقي لا يعلم حاله، والأصل بقاؤه.
(وإن تجلى) الكسوف (قبلها) أي الصلاة، لم يصل لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى الصلاة"
(1)
فجعله غاية للصلاة، والمقصود منها زوال العارض، وإعادة النعمة بنورهما، وقد حصل. وإن خف قبلها شرع وأوجز.
(أو غابت الشمس كاسفة، أو طلعت) الشمس والقمر خاسف (أو) طلع (الفجر والقمر خاسف لم يصل) لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما.
(ولا عبرة بقول المنجمين) في كسوف ولا غيره مما يخبرون به (ولا يجوز العمل به) لأنه من الرجم بالغيب، فلا يجوز تصديقهم في شيء من أخبارهم عن المغيبات، لحديث:"من أتى عرافًا"
(2)
.
(وإن وقع) الكسوف (في وقت نهي، دعا ذكر بلا صلاة) لعموم أحاديث النهي، ويؤيده ما روى قتادة قال: "انكسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة، فقاموا يدعون قيامًا، فسألت عن ذلك، فقال: هكذا كانوا
(1)
تقدم تخريجه (3/ 423)، تعليق رقم 4.
(2)
أخرج مسلم في السلام، حديث 2230، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أتى عرافًا، فسأله عن شيء لم تقبل له صلاةٌ أربعين ليلة".
وروى أحمد (2/ 429) والحاكم (1/ 8)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال:"من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد". وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.
يصنعون" رواه الأثرم
(1)
. ومثل هذا في مظنة الشهرة، فيكون كالإجماع.
(ويجوز فعلها) أي صلاة الكسوف (على كل صفة وردت) عن الشارع (إن شاء أتى في كل ركعة بركوعين كما تقدم، وهو الأفضل) لأنه أكثر في الرواية.
(وإن شاء) صلاها (بثلاث) ركوعات في كل ركعة، لما روى مسلم من حديث جابر: أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: "صلى ست ركعات بأربع سجدات"
(2)
.
(أو أربع) ركوعات في كل ركعة؛ لما روى ابن عباس أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: "صلى في كسوف؛ قرأ ثم ركعَ، ثم قرأ ثم ركعَ، ثم قرأ ثم ركعَ، ثم قرأ ثم ركع. والأخرى مثلها". رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي
(3)
.
وفي لفظ: "صلى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجداتٍ" رواه أحمد، ومسلم، والنسائي
(4)
. وزاد مسلم: وعن علي مثل ذلك
(5)
.
(1)
لعله في سننه ولم تطبع. وأخرج ابن أبي شيبة (2/ 472)، عن قادة عن عطاء، قال: إذا كان الكسوف بعد العصر، وبعد الصبح، قاموا، فذكروا ربهم، ولا يصلون.
(2)
مسلم في الكسوف، حديث 904 (10).
(3)
مسلم في الكسوف، حديث 909، وأبو داود في الصلاة، باب 262، حديث 1183، والنسائي في الكسوف، باب 8، حديث 1467.
(4)
أحمد (1/ 346)، ومسلم في الكسوف، حديث 908 (18)، والنسائي في الكسوف، باب 8، حديث 1466.
(5)
صحيح مسلم، الكسوف، عقب حديث رقم 908. ووصله عبد الرزاق (3/ 103)، رقم 4936، وابن أبي شيبة (2/ 472)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 302) رقم 2905، والطحاوي (1/ 334)، والبيهقي (3/ 330) عن حنش بن ربيعة عن علي رضي الله عنه موقوفًا. =
(أو خمس) ركوعات في كل ركعة، لما روى أبو العالية، عن أبي بن كعب قال:"انكسفت الشمس على عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى بهم فقرأ سورة من الطوال، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعاتٍ، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها" رواه أبو داود، وعبد الله بن أحمد
(1)
.
قال ابن المنذر: وروينا عن علي "أن الشمس انكسفت، فقام علي فركعَ خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم فعل في الركعة الثانية مثلَ ذلك، ثم سلم، ثم قال: ما صلاها بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم غيري"
(2)
.
= رواه أحمد (1/ 143)، وابن خزيمة (2/ 320، 324) رقم 1388، 1394، وابن المنذر (5/ 307) رقم 2911، والطحاوي (1/ 328)، والبيهقي (3/ 330 - 331)، عن علي رضي الله عنه مرفوعًا. قال الدارقطني في العلل (3/ 190 - 191): والموقوف أصح.
(1)
أبو داود في الصلاة، باب 262، حديث 1182، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (5/ 134). ورواه - أيضًا - أبو يعلى في معجم شيوخه ص/ 216 رقم 168، والطبراني في الأوسط (6/ 427) حديث 5915، وابن عدي (5/ 1701)، والحاكم (1/ 333)، والبيهقي:(3/ 329). قال الطبراني: تفرد أبو جعفر الرازي. وقال الحاكم: الشيخان قد هجرا أبا جعفر الرازي، ولم يخرجا عنه، وحاله عند سائر الأئمة أحسن الحال، وهذا الحديث فيه ألفاظ، ورواته صادقون. وتعقبه الذهبي بقوله: خبر منكر. وقال المنذري في تهذيب السنن (2/ 41) حديث 1139: وفي إسناده أبو جعفر الرازي، وفيه مقال.
(2)
رواه ابن المنذر في الأوسط (5/ 302) رقم 2907. ورواه - أيضًا - البزار "كشف الأستار" (1/ 325) رقم 675. قال ابن المنذر: في إسناده مقال. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 207) وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. وقال البيهقي في السنن الكبرى (3/ 329): ويذكر عن الحسن البصري أن عليًّا رضي الله عنه صلى في كسوف الشمس خمس ركعات وأربع سجدات.
ولا يزيد على خمس ركوعات في كل ركعة، لأنه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه.
(وإن شاء فعلها) أي صلاة الكسوف (كنافلة) بركوع واحد؛ لأن ما زاد عليه سنة.
(والركوع الثاني وما بعده) إذا صلاها بثلاث ركوعات، فأكثر إلى خمس. (سنة لا تدرك به الركعة) للمسبوق، ولا تبطل الصلاة بتركه؛ لأنه قد روي في "السنن" عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه صلاها بركوع واحد
(1)
.
(1)
روي من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه: رواه أبو داود في الصلاة، باب 262، حديث 1184، والنسائي في الكسوف، باب 15 حديث 1483، وابن أبي شيبة (2/ 469 - 470)، وأحمد (5/ 16)، وابن خزيمة (2/ 325) حديث 1397، والطحاوي (1/ 329)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 94، 101) حديث 2852، 2856، والطبراني في الكبير (7/ 188، 193) حديث 6797 - 6799، والحاكم (1/ 329، 330)، والبيهقي (3/ 339) مطولًا. وفيه: فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتًا قال: ثم ركع بنا، كأطول ما ركع بنا في صلاة، لا نسمع له صوتًا، ثم سجد. . . إلخ.
ورواه الترمذي في الصلاة، باب 280، حديث 562، والنسائي في الكسوف، باب 19، حديث 1494، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 152، حديث 1264، وابن أبي شيبة (2/ 472)، وأحمد (5/ 14، 17، 19، 23)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 297) حديث 2895، وابن حبان "الإحسان"(7/ 94) حديث 2851، والطبراني في الكبير (7/ 188) حديث 6796، والحاكم (1/ 334)، والبغوي (4/ 381) حديث 1145، باختصار: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كسوف لا نسمع له صوتًا.
وقال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي في الموضع الأول، وقال في الموضع الثاني: ثعلبة مجهول، وما أخرجا له شيئًا. وحسنه البغوي، وصححه عبد الحق الإشبيلي في =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأحكام الوسطى (2/ 89)، والنووي في المجموع (5/ 53).
وقد أشار البخاري إلى إعلاله كما في علل الترمذي الكبير ص/ 97.
وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 92): "وأعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد راويه عن سمرة، وقال ابن المديني: إنه مجهول. . ." انظر المحلى (5/ 102).
وروي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: رواه أبو داود في الصلاة باب 267، حديث 1194، والترمذي في الشمائل ص/ 150 - 151، والنسائي في الكسوف، باب 14، حديث 1481، وعبد الرزاق (3/ 103) حديث 4938، وأحمد (2/ 188، 198)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 299) حديث 2899، وابن خزيمة (2/ 321، 323) حديث 1389، 1393، والطحاوي (1/ 329)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 79) حديث 2838، والبيهقي (3/ 324) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، وقام الذين معه، فقام قيامًا فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه وسجد، فأطال السجود
…
قال البيهقي: فهذا الراوي حفظ عن عبد الله بن عمرو طول السجود ولم يحفظ ركعتين في ركعة
…
وأشار الحافظ في الدراية (1/ 224) إلى أن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ليس صريحًا في الاكتفاء بركوع واحد.
وروي من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه فروى النسائي في الكسوف، باب 16، حديث 1488، والطيالسي ص/ 108 حديث 800، وأحمد (4/ 271، 277)، والطحاوي (1/ 330)، عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا يركع ويسجد. لفظ النسائي.
وروي بألفاظ أخرى: رواها أبو داود في الصلاة، باب 267، حديث 1193، والنسائي في الكسوف، باب 16، حديث 1484 وابن ماجه في إقامة الصلاة باب 152، حديث 1262، وأحمد (4/ 269)، وابن خزيمة (2/ 330) حديث 1403، 1404، والحاكم (1/ 332)، وابن حزم في المحلى (5/ 96، 97، 98)، والبيهقي (3/ 332، 333) عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل =
(وإن اجتمع مع كسوف جنازة قدمت) الجنازة على الكسوف؛ إكرامًا للميت؛ ولأنه ربما تغير بالانتظار (فتقدم) الجنازة (على ما يقدم عليه) الكسوف بطريق الأولى (ولو مكتوبة) أمن فوقها (ونصه): تقدم (على فجر وعصر فقط.
= عنها حتى انجلت. لفظ أبي داود. ورواه أحمد (4/ 267)، والبيهقي (3/ 333) عن أبي قلابة عن رجل، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
ورواه أبو داود - أيضًا - حديث 1185، والنسائي، حديث 1485، وأحمد (5/ 60، 61)، وابن خزيمة (2/ 329) حديث 1402، والطحاوي (1/ 333)، والحاكم (1/ 333)، والبيهقي (3/ 334) عن أبي قلابة، عن قبيصة بن مخارق مرسلًا. وفيه: فصلوا كأحدث صلاة مكتوبة صليتموها.
وفي رواية لأبي داود 1186، والبيهقي (3/ 334)، عن أبي قلابة، عن هلال بن عامر، أن قبيصة الهلالي حدثه.
فظهر مما ذكر أن حديث النعمان رضي الله عنه هذا مضطرب في سنده ومتنه، وقد اختلفت آراء النقاد فيه، فصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وقال النووي في المجموع (5/ 67): رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح أو حسن. وقال في الخلاصة (2/ 863): رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، إلا أنه روي بزيادة رجل بين أبي قلابة والنعمان، واختلف في ذلك الرجل.
وقال ابن خزيمة: إن صح الخبر فإني لا أخال أبا قلابة سمع من النعمان بن بشير.
وقال البيهقي: هذا مرسل، أبو قلابة لم يسمعه من النعمان بن بشير، إنما رواه عن رجل، عن النعمان.
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 88): اختلف في إسناد هذا الحديث. وانظر تنقيح التحقيق (2/ 1254)، وبيان الوهم والإيهام (5/ 353).
وقال البيهقي: فألفاظ هذه الأحاديث تدل على أنها راجعة إلى الإخبار عن صلاته يوم توفي ابنه عليهما السلام، وقد أثبت جماعة من أصحاب الحفاظ عدد ركوعه في كل ركعة، فهو أولى بالقبول من رواية من لم يثبته.
وتقدم) الجنازة (على جمعة إن أمن فوتها، ولم يشرع في خطبتها) لمشقة الانتظار.
(وكذا) تقدم صلاة الكسوف (على عيد، ومكتوبة، إن أمن الفوت) وذلك معلوم مما سبق، ووجهه أنه ربما حصل التجلي فتفوت صلاة الكسوف، بخلاف العيد والمكتوبة، مع أمن الفوت.
(و) يقدم كسوف (على وتر، ولو خيف فوته) أي الوتر؛ لأنه يمكن تداركه بالقضاء.
(و) إن اجتمع كسوف (مع تراويح وتعذر فعلهما، تقدم التراويح) لأنها تختص برمضان، وتفوت بفواته.
قيل: (ولا يمكن كسوف الشمس إلا في الاستسرار آخر الشهر، إذا اجتمع النيّران. قال بعضهم: في الثامن والعشرين، أو التاسع والعشرين.
ولا) يمكن (خسوف القمر إلا في الإبدار
(1)
، وهو إذا تقابلا.
قال الشيخ
(1)
: أجرى الله العادة أن الشمس لا تنكسف إلا وقت الاستسرار، وإن القمر لا ينخسف إلا وقت الإبدار.
وقال
(2)
: من قال من الفقهاء: إن الشمس تنخسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط، وقال ما ليس له به علم. وخطأ الواقدي في قوله
(3)
: إن إبراهيم) ابن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (مات يوم العاشر، وهو الذي انكسفت فيه الشمس. وهو كما قال الشيخ
(4)
.
(1)
الفتاوى الكبرى (1/ 382)، ومجموع الفتاوى (35/ 175)، والاختيارات ص/ 126.
(2)
الفتاوى الكبرى (1/ 383)، ومجموع الفتاوى (24/ 257).
(3)
انظر طبقات ابن سعد (1/ 143)، والاستيعاب (1/ 56).
(4)
في تحديد تاريخ وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير. انظر أسد الغابة (1/ 49)، والبداية والنهاية (5/ 347)، وفتح الباري (2/ 529).
فعلى هذا يستحيل كسوف الشمس بعرفة، ويوم العيد، ولا يمكن أن يغيب القمر ليلًا وهو خاسف، والله أعلم)
قال في "الفروع": ورُدَّ بوقوعه في غيره، فذكر أبو شامة الشافعي في "تاريخه"
(1)
: أن القمر خسف ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكسفت الشمس في غده، والله على كل شيء قدير.
قال: واتضح بذلك ما صوره الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد واستبعده أهل النجامة، هكذا كلامه.
وكسفت الشمس يوم موت إبراهيم عاشر شهر ربيع، قاله غير واحد، وذكره بعض أصحابنا اتفاقًا.
قال في "الفصول": لا يختلف النقل في ذلك، نقله الواقدي
(2)
والزبيري
(3)
، وأن الفقهاء فرعوا وبنوا على ذلك إذا اتفق عيد وكسوف.
وقال غيره: لا سيما إذا اقتربت الساعة، فتطلع من مغربها.
(ولا يصلى لشيء من سائر الآيات، كالصواعق، والريح الشديدة، والظلمة بالنهار، والضياء بالليل) لعدم نفل ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح، والصواعق. وعنه: يصلى لكل آية، وذكر الشيخ تقي الدين
(4)
أنه قول محققي أصحاب أحمد وغيرهم (إلا الزلزلة الدائمة، فيصلى لها كصلاة الكسوف) نصًّا
(5)
، لفعل ابن عباس،
(1)
الذيل على الروضتين ص/ 189.
(2)
رواه عنه ابن سعد في الطبقات (1/ 143).
(3)
في المطبوع: الزبير. والذي في نسب قريش للزبيري ص/ 22، ونقله ابن عساكر في تاريخه (3/ 146) عنه:"كان مولد إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، ومات بالمدينة وهو ابن ثمانية عشر شهرًا".
(4)
الاختيارات ص/ 126.
(5)
انظر مسائل ابن هانئ (1/ 109) رقم 539.
رواه سعيد، والبيهقي
(1)
.
وروى الشافعي
(2)
عن علي نحوه، وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به.
وصلاة الكسوف صلاة رهبة وخوف، كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء.
(1)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد بن منصور، ورواه البيهقي (3/ 343). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 101، 102) رقم 4929، 4931، 4932، وابن أبي شيبة (2/ 472)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 314، 315) رقم 2917، 2918، 2922. وقال البيهقي: هو عن ابن عباس ثابت.
(2)
في الأم (7/ 168)، والبيهقي في المعرفة (5/ 157)، والكبرى (3/ 343). وقال النووي في المجموع (5/ 61)، وفي الخلاصة (2/ 865): لم يثبت عنه رضي الله عنه.
باب صلاة الاستسقاء
هو استفعال من السُّقيا، أي: باب الصلاة لأجل الاستسقاء.
(وهو الدعاء بطلب السُّقيا على صفة مخصوصة)، والسُّقيا بضم السين: الاسم من السَقْي.
(وهي) أي:
صلاة الاستسقاء (سنة مؤكدة حضرًا وسفرًا)،
لقول عبد الله بن زيد: خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحوَّل رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة. متفق عليه
(1)
.
وتفعل جماعة وفرادى، والأفضل جماعة.
(فإذا أجدبت الأرض) أي: أصابها الجدب، (وهو ضد الخصب) - بالكسر -، أي النماء والبركة، من أخصب المكان، فهو مخصب، وفي لغة
(2)
: خصب يخصب من باب تعب، فهو خصيب. وأخصب الله الموضع: إذا أنبت به الغيث
(3)
والكلأ - قاله في حاشيته - (وقحط المطر) أي احتبس، (وهو) أي القحط:(احتباسه) أي المطر (لا عن أرض غير مسكونة، ولا مسلوكة) لعدم الضرر، (فزع الناس إلى الصلاة)، لما تقدم. ويأتي، (حتى ولو كان القحط في غير أرضهم) لحصول الضرر به، (أو غار ماء عيون)، أي
(1)
البخاري في الاستسقاء، باب 1، 4، 15، 16 حديث 1005، 1012، 1023، 1024. ومسلم في الاستسقاء، حديث 894.
(2)
انظر: المصباح المنير ص/ 65.
(3)
بهامش "ذ" صوب العبارة هكذا: "العشب"، والغيث يطلق على الكلأ أيضًا كما سيأتي.
ذهب ماؤها في الأرض، (أو) غار ماء (أنهار) جمع نهر - بفتح الهاء وسكونها - وهو مجرى الماء، (أو نقص) ماء العيون، والأنهار، (وضر ذلك) أي غور مائها، أو نقصانه، فتستحب صلاة الاستسقاء لذلك، كقحط المطر.
(ولو نذر الإمام) أو المطاع في قومه (الاستسقاء زمن الجدب وحده، أو هو والناس، لزمه) الاستسقاء (في نفسه)، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:"من نذر أن يطيعَ الله فليطعه"
(1)
. (و) لزمته (الصلاة) أي صلاة الاستسقاء، صوبه في "تصحيح الفروع"، وجعله ظاهر كلام كثير من الأصحاب، ولعله لأن الاستسقاء المعهود شرعًا يكون كذلك، فيحمل نذره عليه.
(وليس له) أي للإمام ونحوه إذا نذره (أن يلزم غيره بالخروج معه)؛ لأنه نافلة في حقهم، فلا يجبرهم عليه.
(وإن نذر) الاستسقاء (غير الإمام)، وغير المطاع في قومه، (انعقد) نذره (أيضًا)، لما سبق. وقباس ما تقدم: يلزمه والصلاة.
(وإن نذره) أي الاستسقاء (زمن الخصب، لم ينعقد)، صوبه في "تصحيح الفروع"؛ لأنه غير مشروع إذن، وقيل: بلى، لأنه قربة في الجملة فيصليها، ويسأل دوام الخصب وشموله.
(وصفتها) أي صلاة الاستسقاء (في موضعها، وأحكامها صفة صلاة العيد)؛ لأنها في معناها، قال ابن عباس:"سنة الاستسقاء سنة العيدين"
(2)
،
(1)
أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب 28، حديث 6696، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
رواه ابن المنذر في الأوسط (4/ 321) رقم 2223، والدارقطني (2/ 66)، والحاكم (1/ 326)، والبيهقي (3/ 348) من طريق محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن طلحة، قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء
…
=
فعلى هذا تسن في الصحراء، وأن تصلى ركعتين، يكبر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، من غير أذان ولا إقامة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقمها إلا في الصحراء، وهي أوسع عليهم من غيرها. وقال ابن عباس: "صلى ركعتين
(1)
كما يصلى العيد"
(2)
. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر
= الحديث. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بقوله: ضُعِّف عبد العزيز. وقال النووي في المجموع (5/ 75): ضعيف، رواه الدارقطني. وقال شمس الحق العظيم آبادي في التعليق المغني على سنن الدارقطني (2/ 66 - 67): أخرجه البيهقي، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي تصحيحه نظر؛ لأن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن القطان [بيان الوهم والإيهام 2/ 118]: أبوه مجهول الحال.
(1)
في "ح"، و"ذ":"صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين".
(2)
رواه أبو داود في الصلاة، باب 258، حديث 1165، والترمذي في الصلاة، باب 395، حديث 558، 559، والنسائي في الاستسقاء، باب 4، حديث 1507، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 153، حديث 1266، وعبد الرزاق (3/ 84) حديث 4893، وابن أبي شيبة (2/ 473، 14/ 251)، وأحمد (1/ 230، 269، 355)، وابن الجارود (253)، وابن خزيمة (2/ 331، 332، 336، 337) حديث 1405، 1408، 1419، وأبو عوانة (المجلد المفرد ص/ 33)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 315) حديث 2216، والطحاوي (1/ 324)، وابن حبان "الإحسان"(7/ 112) رقم 2862، والطبراني في الكبير (10/ 402 - 403) حديث 10818، 10819، والدارقطني (2/ 67، 68)، والحاكم (1/ 326، 327)، وابن حزم في المحلى (5/ 94)، والبيهقي (3/ 344، 347، 348)، والبغوي (4/ 401) حديث 1161، عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، قال: أرسلني الوليد بن عتبة
…
وكان أمير المدينة إلى ابن عباس رضي الله عنهما أسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء فقال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متبذلًا =
وعمر "أنهم كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعًا وخمسًا". رواه الشافعي
(1)
مرسلًا، وعن ابن عباس نحوه، وزاد:"وقرأ سبح وفي الثانية الغاشية". رواه الدارقطني
(2)
. ولا يعارضه قول عبد الله بن زيد فيما سبق: "ثم صلى ركعتين"، لأنها مطلقة، وهذه مقيدة.
(ويسن فعلها) أي صلاة الاستسقاء (أول النهار وقت صلاة العيد)، لحديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين بدا حاجب الشمس". رواه أبو داود
(3)
، (ولا تتقيد بزوال الشمس)، فيجوز فعلها بعده، كسائر النوافل، قال
= متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلى، فرقي على المنبر، ولم يخطب خطبكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد. هذا لفظ أبي داود.
قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا الحديث رواته مصريون، ومدنيون، ولا أعلم أحدًا منهم منسوبًا إلى نوع من الجرح. وقال النووي في المجموع (5/ 100، 101): رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، بأسانيد صحيحة. وصححه عبد الحق في الأحكام الوسطى (2/ 80). وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (2/ 340): قال الذهبي: حديث عبد الله بن كنانة مضطرب.
(1)
في الأم (1/ 221) قال: أخبرني من لا أتهم عن جعفر بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم. . . إلخ. وشيخ الشافعي مبهم لا يدرى من هو.
(2)
تقدم تخريجه (3/ 438) تعليق رقم 2.
(3)
في الصلاة، باب 260، حديث 1173. وأخرجه - أيضًا - الطحاوي (1/ 325)، وابن حبان "الإحسان" (3/ 271) حديث 991، و (7/ 109)، حديث 2860، والطبراني في الدعاء (3/ 1770) حديث 2171، والحاكم (1/ 328)، والبيهقي (3/ 349). قال أبو داود: وهذا حديث غريب إسناده جيد. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال النووي في المجموع (5/ 67، 87)، وفي الخلاصة (2/ 870): رواه أبو داود بإسناد صحيح. وصححه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 81).
في "الشرح": وليس لها وقت معين، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف.
(ويقرأ فيها بما يقرأ به في صلاة العيد) لما تقدم عن ابن عباس. (وإن شاء) قرأ في الركعة الأولى بـ {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا}
(1)
لمناسبتها الحال، (و) في الركعة الثانية (سورة أخرى) من غير تعيين. (وإذا أراد الإمام الخروج لها، وعظ الناس) أي خوفهم، وذكرهم بالخير، لترقّ به قلوبهم، وينصحهم، ويذكرهم بالعواقب، (وأمرهم بالتوبة من المعاصي، و) بـ (الخروج من المظالم، و) بـ (أداء الحقوق) وذلك واجب؛ لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات، لقوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} .. الآية
(2)
. (والصيام، قال جماعة: ثلاثة أيام، يخرجون في آخرها صيامًا)، لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، وقد روي:"دعوة الصائم لا ترد"
(3)
، ولما فيه من كسر الشهوة، وحضور القلب،
(1)
سورة نوح الآية 1.
(2)
سورة الأعراف، الآية 96.
(3)
رواه الترمذي في الدعوات، باب 129، حديث 3598، وابن ماجه في الصيام، باب 48، حديث 1752، وابن المبارك في الزهد والرقائق ص/ 380 - 381، حديث 1075، والطيالسي ص/ 337، حديث 2584، وأحمد (2/ 304 - 305، 445، 447)، وعبد بن حميد (3/ 194) حديث 1418، وابن خزيمة (3/ 199) حديث 1901، وابن حبان "الإحسان"(8/ 214 - 215) حديث 3428، و (16/ 396) حديث 7387، والطبراني في الدعاء (3/ 1414) حديث 1315، والبيهقي (3/ 345 - 346، 8/ 162، 10/ 88)، وفي الأسماء والصفات (1/ 334) حديث 264، والخطيب في الموضح (2/ 293 - 294)، والبغوي في شرح السنة (5/ 196) حديث 1395. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل ودعوة المظلوم
…
الحديث. هذا لفظ الترمذي. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الحافظ كما في الفتوحات الربانية (4/ 338).
والتذلل
(1)
. (ولا يلزمهم الصيام بأمره) كالصدقة، مع أنهم صرحوا بوجوب طاعته في غير المعصية، وذكره بعضهم إجماعًا، قال في "الفروع": ولعل المراد: في السياسة والتدبير، والأمور المجتهد فيها، لا مطلقًا. ولهذا جزم بعضهم: تجب في الطاعة، وتسن في المسنون، وتكره في المكروه.
(و) يأمرهم أيضًا بـ (الصدقة)، لأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث. (وترك التشاحن)، من الشحناء، وهي العداوة؛ لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"خرجت لأخبركم بليلةِ القدرِ، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت"
(2)
. (ويعدهم يومًا) أي يعينه لهم (يخرجون فيه) للاستسقاء، لحديث عائشة قالت:"ووعد الناس يومًا يخرجونَ فيهِ". رواه أبو داود
(3)
. (ويتنظف لها بالغسل، والسواك، وإزالة الرائحة)، وتقليم الأظفار، ونحوه؛ لئلا يؤذي الناس. وهو يوم يجتمعون له، أشبه الجمعة، (ولا يتطيب) وفاقًا، لأنه يوم استكانة وخضوع.
(ويخرج إلى المصلى متواضعًا في ثياب بذلة متخشعًا) أي خاضعًا، (متذللًا) من الذل، وهو الهوان، (متضرعًا) أي متمسكنًا
(4)
، لحديث ابن عباس قال:"خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللًا متواضعًا متخشعًا متضرعًا، حتى أتى المصلى"
(5)
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(1)
في "ح" و"ذ": "والتذلل للرب".
(2)
أخرجه البخاري في الإيمان، باب 36، حديث 49، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(3)
في الصلاة، باب 260، حديث 1173، وهو طرف من حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم (3/ 440)، تعليق رقم 3.
(4)
في "ح"، و"ذ":"مستكنًا".
(5)
طرف من حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم (3/ 439)، تعليق رقم 2.
(ويستحب أن يخرج معه أهل الدين والصلاح، والشيوخ) لأنه أسرع لإجابتهم، وقد استسقى عمر بالعباس
(1)
، ومعاوية بيزيد بن الأسود
(2)
، واستسقى به الضحاك
(3)
بن قيس
(4)
مرة أخرى، ذكره الموفق والشارح.
وقال السامري، وصاحب "التلخيص": لا بأس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين.
وقال في المذهب: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح، وقيل: يستحب. قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي: أنه يتوسل بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في دعائه، وجزم به في "المستوعب" وغيره
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري في الاستسقاء، باب 3، حديث 1010 عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وقوله بالعباس أي بدعائه كما روى عبد الرزاق (3/ 92) رقم 4913، وابن عساكر (26/ 356، 357) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر استسقى بالمصلى، فقال للعباس: قم فاستسق، فقام العباس، فقال: اللهم. . . إلخ. وأما التوسل بذوات الصالحين فإنه لا يجوز. انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1/ 201).
(2)
رواه ابن سعد (7/ 444)، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه (1/ 602) رقم 1703، واللالكائي في كرامات أولياء الله ص/ 190 - 191 رقم 151. وصحح إسناده الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 101).
(3)
الضحاك بن قيس هو ابن خالد الأكبر القرشي، مختلف في صحبته، شهد فتح دمشق وسكنها، وشهد صفين مع معاوية، وكان على أهل دمشق يومئذ، قتل بمرج راهط من أرض دمشق في قتاله لمروان بن الحكم سنة 64، أو 65. انظر تهذيب الكمال (13/ 279)، والإصابة (5/ 186).
(4)
رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (1/ 602) رقم 1704.
(5)
التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، وبغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين لا يجوز. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التوسل والوسيلة ص/ 82: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة =
وقال أحمد وغيره
(1)
، في قوله صلى الله عليه وسلم:"أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق"
(2)
: الاستعاذة لا تكون بمخلوق. قال إبراهيم الحربي
(3)
: الدعاء عند قبر مَعْروف الترياق المُجَرّب
(4)
.
وقال شيخنا
(5)
: قصده للدعاء عنده رجاء الإجابة بدعة، لا قربة باتفاق الأئمة، ذكره في "الفروع".
= يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته، ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة.
انظر - أيضًا - ما ذكره في التوسل والوسيلة ص/ 184، 275.
(1)
قوله: "وغيره" ليس في "ح".
(2)
رواه مسلم في الذكر والدعاء، حديث 2708، 2709 عن خولة بنت حكيم وأبي هريرة رضي الله عنهما.
(3)
مناقب معروف الكرخي لابن الجوزي ص/ 199، طبقات الحنابلة (1/ 382).
(4)
الدعاء عند القبور محرم لأن الدعاء عبادة، والعبادة مبنية على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التوسل والوسيلة ص/ 184: وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة؛ فإن كثيرًا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب، والمخلوقين، ويحصل ما يحصل من غرضه. وبعض الناس يقصد الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التي في الكنائس، ويحصل ما يحمل من غرضه. وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين، ويحصل ما يحصل من غرضه، فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته.
وقال - أيضًا رحمه الله في الفتاوى الكبرى (4/ 442): قصد القبر للدعاء عنده رجاء الإجابة بدعة لا قربة باتفاق الأئمة. وانظر اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 304).
(5)
يعني به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. انظر الاختيارات ص/ 127.
(وكذا مميز الصبيان) يستحب إخراجه؛ لأنه يكتب له، ولا يكتب عليه، فترجى إجابة دعائه.
(و
يباح خروج أطفال، وعجائز، وبهائم)
لأن الرزق مشترك بين الكل. وروى البزار مرفوعًا: "لولا أطفال رضع، وعباد ركع، وبهائم رتّع، لصب عليكم العذاب صبًّا"
(1)
. وروي أن سليمان عليه السلام "خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: اللهم إنا خلقٌ من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك. فقال سليمان: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم"
(2)
.
(1)
رواه البزار (كشف الأستار 4/ 66 حديث 3212). ورواه - أيضًا - أبو يعلى (11/ 287، 511) حديث 6402، 6633، والطبراني في الأوسط (7/ 134) حديث 7085، وابن عدي (1/ 243)، والبيهقي (3/ 345)، والخطيب في تاريخه (6/ 64) عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 227): وفي إبراهيم بن خثيم وهو ضعيف. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 97): وفي إسناده إبراهيم بن خثيم بن عراك، وقد ضعفوه.
وله شاهد مرسل، رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 210) حديث 965، والدولابي في الكنى والأسماء (1/ 43 - 44)، وابن قانع في معجم الصحابة (2/ 184 - 185)، والطبراني في الكبير (22/ 309) حديث 785، والأوسط (6/ 327) حديث 6539، وابن عدي (4/ 1622، 6/ 2377)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (5/ 2641، 2958)، والبيهقي (3/ 345)، وابن الأثير في أسد الغابة (6/ 206 - 207)، من حديث مسافع الديلي عن أبيه عن جده.
قال البيهقي: إسناده غير قوي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 227): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار، وهو ضعيف. وأشار إلى تضعيفه الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 97).
(2)
رواه ابن أبي شيبة (10/ 312)، وأحمد في الزهد ص/ 87، والطبراني في الدعاء (2/ 1254) حديث 968، وأبو الشيخ في العظمة (5/ 1752) رقم 1245، وأبو نعيم في الحلية (3/ 10)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (22/ 286، 287) من =
(ويؤمر سادة العبيد بإخراج عبيدهم) رجاء استجابة دعائهم، لانكسارهم بالرق.
(ويكره) أن يخرج (من النساء ذوات الهيئات) خوف الفتنة.
(ويكره لنا أن نخرج أهل الذمة، ومن يخالف دين الإسلام) لأنهم أعداء الله، فهم بعيدون من الإجابة، وإن أغيث المسلمون فربما ظنوه بدعائهم. (وإن خرجوا من تلقاء أنفسهم لم يكره، ولم يمنعوا) لأنه خروج لطلب الرزق، والله ضمن أرزاقهم، كما ضمن أرزاق المسلمين (وأمروا بالانفراد عن المسلمين فلا يختلطون بهم) لقوله تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}
(1)
، ولأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب، فيعم من حضر. (ولا ينفردون بيوم) لئلا يتفق نزول غيث يوم خروجهم وحدهم، فيكون أعظم لفتنتهم، وربما افتتن بهم غيرهم.
(وحكم نسائهم، ورقيقهم، وصبيانهم، وعجائزهم حكمهم)، في جواز الخروج منفردين لا بيوم (ولا تخرج منهم شابة كالمسلمين)، والمراد: حسناء، ولو عجوزًا، كما يُعلم مما تقدم.
(فيصلى بهم) ركعتين كالعيد، كما تقدم. (ثم يخطب خطبة واحدة)
= طريق مسعر عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي: أن سليمان بن داود عليهما السلام خرج يستسقي فرأى. . . إلخ. وسنده ضعيف لإعضاله وضعف زيد العمي. ورواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (2/ 331) حديث 875، والدارقطني (2/ 66)، والحاكم (1/ 325) عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا بلفظ: خرج نبي من الأنبياء يستسقي، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا، فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة. قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
(1)
سورة الأنفال، الآية 25.
لأنه لم ينقل أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خطب بأكثر منها، وهي بعد الصلاة. قال ابن عبد البر
(1)
: وعليه جماعة الفقهاء، لقول أبي هريرة:"صلى بنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ثم خطبنا" رواه أحمد
(2)
. وكالعيد.
وعنه: قبلها. روي عن عمر
(3)
، وابن الزبير
(4)
: كالجمعة.
وعنه: يُخير.
(يجلس قبلها إذا صعد المنبر جلسة الاستراحة) ليترادّ إليه نفسه، كالعبد. (ثم يفتتحها بالتكبير
(5)
تسعًا) نسقا كخطبة العبد، لقول ابن عباس:"صنع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء كما صنع في العيد"
(6)
. (ويكثر فيها الصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) لأنها معونة على الإجابة. وعن عمر قال: "الدعاء موقوف بين
(1)
التمهيد (17/ 172).
(2)
(2/ 326). ورواه - أيضًا - ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب 153، حديث 1268، وأبو عوانة (ص/ 32 - 33، الجزء المفرد)، وابن خزيمة (2/ 333، 338) رقم 1409، 1422، وابن المنذر في الأوسط (4/ 316) رقم 2219، والطحاوي (1/ 325)، والبيهقي في الكبرى (3/ 347). وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 231): هذا إسناد صحيح.
(3)
علقه ابن المنذر في الأوسط (4/ 319).
(4)
رواه عبد الرزاق (3/ 86) رقم 4899، وابن المنذر في الأوسط (4/ 318) رقم 2221. وروى البخاري في الاستسقاء، باب 15، حديث 1022، من طريق زهير عن أبي إسحاق: "خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب، وزيد بن أرقم رضي الله عنهم، فاستسقى، فقام بهم. . .". وذكر الحافظ في الفتح (2/ 513): أن عبد الله بن يزيد كان أميرًا على الكوفة من جهة عبد الله بن الزبير، وأن قول من قال: أن ابن الزبير هو الذي فعل ذلك وَهْمٌ، وإنما الذي فعله هو عبد الله بن يزيد بأمر من ابن الزبير.
(5)
انظر ما تقدم (3/ 408) تعليق رقم 6.
(6)
تقدم تخريجه (3/ 439) تعليق رقم 2.
السماء والأرض، لا يصعدُ منه شيء حتى تُصلِّي على نبيك" رواه الترمذي
(1)
(و) يكثر فيها (الاستغفار) لأنه سبب لنزول الغيث. روى سعيد: "أن عمر خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح
(2)
السماء الذي يستنزل به المطر، ثم قرأ:{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا}
(3)
(4)
، وعن علي نحوه
(5)
. (وقراءة الآيات التي فيها الأمر به)، أي بالاستغفار، (كقوله تعالى:{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} ، ونحوه)، كقوله تعالى:{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}
(6)
.
(ويسن رفع يديه وقت الدعاء)، لقول أنس:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه، إلا في الاستسقاء، وكان يرفع حتى يرى بياض إبطيه" متفق عليه
(7)
. (وتكون ظهورهما نحو السماء)، لحديث رواه مسلم
(8)
.
(1)
في الصلاة، باب 21، حديث 486. وجود إسناده ابن كثير في مسند الفاروق (1/ 176).
(2)
المجاديح جمع مجدح، وهو نجم يقال له الدبران؛ لأنه يطلع آخرًا، ويسمى حادي النجوم "ش". وانظر النهاية في غريب الحديث (1/ 243).
(3)
سورة نوح، الآيتان 10، 11.
(4)
لم نجده في المطبوع من سنن سعيد. ومن طريقه: رواه البيهقي (3/ 352). ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 87) رقم 4902، وابن أبي شيبة (2/ 474)، والبيهقي (3/ 351) من طريق آخر.
(5)
رواه عبد الرزاق (3/ 88) رقم 4904.
(6)
سورة هود، الآية 3.
(7)
البخاري في الاستسقاء، باب 22، حديث 1031، ومسلم في الاستسقاء، حديث 895.
(8)
في الاستسقاء، حديث 896 عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
(فيدعو قائمًا)، كسائر الخطبة. (ويكثر منه)، أي من الدعاء، لحديث:"إن الله يحب الملحّين في الدعاء"
(1)
.
(ويؤمّن مأموم، ويرفع) المأموم (يديه)، كالإمام (جالسًا)، كما في استماع غيرها من الخطب.
(وأيّ شيء دعا به جاز)، لحصول المطلوب. (والأفضل) الدعاء (بالوارد من دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم)، لقوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
(2)
.
(ومنه) أي من دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (اللهم) أي: يا الله (اسقنا) - بوصل الهمزة، وقطعها - (غيثًا) هو مصدر، المراد
(3)
به المطر، ويسمى الكلأ غيثًا. (مغيثًا) هو المنقذ منع الشدة، يقال: غاثه، وأغاثه، وغِيْثَت الأرض، فهي مَغِيْثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ. (هنيئًا) بالمد والهمز، أي: حاصلًا بلا مشقة. (مريئًا): السهل النافع المحمود العاقبة، وهو ممدود مهموز. (مريعًا) - بفتح الميم وكسر الراء - أي: مخصبًا كثير النبات. يقال: أمْرَعَ المكان، ومُرع - بالضم -: إذا أخصب. (غدقًا) - بفتح الدال وكسرها -، والغدق: الكثير الماء والخير. (مجللًا): السحاب الذي يعم العباد والبلاد نفعه. (سحًّا): الصبّ، يقال: سحّ الماء يسحّ: إذا سال من فوق إلى أسفل. وساح يسيح: إذا جرى على وجه الأرض. (عامًا): شاملًا. (طبقًا) - بفتح الطاء، والباء -: الذي طبق البلاد مطره (دائمًا) أي: متصلًا، إلى أن يحصل الخصب. (نافعًا غير ضار، عاجلًا
(1)
تقدم تخريجه (2/ 394) تعليق رقم 1.
(2)
سورة الأحزاب، الآية 21.
(3)
في "ح": "والمراد".
غير آجل)، روى ذلك أبو داود
(1)
من حديث جابر، قال:"أتت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بواكي، فقال: فذكره، قال: فأطبقتْ السماء عليهم".
(اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت)، رواه أبو داود
(2)
من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال: فذكره".
(1)
في الصلاة، باب 260، حديث 1169. ورواه - أيضًا - عبد بن حميد (3/ 63) حديث 1123، وعبد الله بن أحمد في العلل (3/ 346)، وابن خزيمة (2/ 235 - 236) حديث 1416، وأبو عوانة (ص/ 34 - 35 الجزء المفرد)، والحاكم (1/ 327)، والبيهقي (3/ 355)، وابن عبد البر في التمهيد (23/ 433)، والخطيب في تاريخه (1/ 336). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال النووي في الخلاصة (2/ 879): رواه أبو داود بإسناد صحيح. وقال في الأذكار (ص/ 295): صحيح على شرط مسلم. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثت أبي بهذا الحديث
…
فكأنه أنكره. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 99): وقد أعله الدارقطني في العلل بالإرسال.
(2)
في الصلاة، باب 260، حديث 1176. ورواه - أيضًا - ابن عدي (4/ 1627)، والقزويني في التدوين في أخبار قزوين (3/ 190). قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 203): وهو حديث إنما يرويه علي بن قادم، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعلي بن قادم وإن كان صدوقًا فإنه يستضعف. قال فيه ابن معين: ضعيف، وقال أبو أحمد: نُقمت عليه أحاديث رواها عن الثوري غير محفوظة، وحديثه هذا عن الثوري كما ترى.
ورواه العقيلي كما في التمهيد (23/ 432) ولم نجده في المطبوع من الضعفاء الكبير للعقيلي، والبيهقي (3/ 356) كلاهما عن يحيى بن سعيد، به موصولًا.
وقد روي مرسلًا، رواه مالك (1/ 190 - 191) في الاستسقاء، ومن طريقه أبو داود في الصلاة، باب 260، حديث 1176، وفي المراسيل (ص/ 109) رقم 69.
ورواه - أيضًا - عبد الرزاق (3/ 92) رقم 4912 مرسلًا. قال ابن عبد البر في التمهيد (23/ 432): هكذا رواه مالك عن يحيى عن عمرو بن شعيب مرسلًا. =
(اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين) أي: الآيسين. قال تعالى: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}
(1)
أي: لا تيأسوا.
(اللهمَّ سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق. اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأوَاءِ) أي: الشدة. وقال الأزهري
(2)
: شدة المجاعة. (والجهد) -بفتح الجيم-: المشقة، -وضمها-: الطاقة، قاله الجوهري
(3)
، وقال ابن المنجَّا: هما المشقة، ورُدَّ بما سبق، قاله في "المبدع". و (الضنك): الضيق. (ما لا نشكوه إلا إليك. اللهمَّ أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع) قال الجوهري
(4)
: الضرع لكل ذات ظلف أو خف. (واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهمَّ ارفع عنا الجوع والجهد والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهمَّ أنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا) أي: دائمًا إلى وقت الحاجة. وهذا الدعاء رواه ابن عمر، عنه صلى الله عليه وسلم
(5)
، غير أن قوله: "اللهمَّ
= وقد صحح الموصول عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 82). وقال النووى في الخلاصة (2/ 880): رواه أبو داود بإسناد حسن متصلًا، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا. وقال في الأذكار (ص / 150): إسناده صحيح. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (5/ 99 مع الفيض) ورمز لحسنه. ورد عليهما المناوي. وانظر ميزان الاعتدال (4/ 314). ورجح أبو حاتم الرَّازيّ المرسل. كما في التلخيص الحبير (2/ 99).
(1)
سورة الزمر، الآية 53.
(2)
الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي (207).
(3)
الصحاح (2/ 460).
(4)
الصحاح (3/ 1249).
(5)
ذكره السيوطي في جمع الجوامع (1/ 385) وعزاه إلى الطبراني، ولم نجده في المطبوع من المعجم الكبير. وذكره الشافعي في الأم (1/ 251) ومن طريقه البيهقي =
سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق" رواه الشَّافعيّ
(1)
في "مسنده" عن المطَّلب بن حنطب، وهو مرسل.
(ويُؤَمّنون) على دعاء الإمام.
(ويستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ثم يحوّل رداءه، فيجعل ما على الأيمن) من الرداء، (على الأيسر، وما على الأيسر، على الأيمن)، لأنه صلى الله عليه وسلم "حوَّل إلى النَّاس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه" متفق عليه
(2)
. وفي حديث عبد الله أنَّه صلى الله عليه وسلم "حول رداءه حين استقبل القبلة" رواه مسلم
(3)
. وروى أَحْمد وغيره من حديث أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب، ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلةِ رافعًا يديه، ثم قلبَ رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسرَ على الأيمن"
(4)
، وكان الشَّافعيّ يقول بهذا، ثم رجع، فقال
(5)
: يجعل أعلاه أسفله، لما روى عبد الله بن زيد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصةٌ سوداءُ، فأراد أن يجعلَ أسفلها أعلاه، فثقلت عليه،
= في معرفة السنن والآثار (5/ 177) رقم 7210 تعليقًا بنحوه. فقالا: روى سالم بن عبد الله، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى، قال: اللهمَّ اسقنا غيثًا
…
الحديث. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 99): ولم نقف له على إسناد، ولا وصله البيهقي في مصنفاته، بل رواه في المعرفة من طريق الشافعي.
(1)
(1/ 173 ترتيب مسنده)، وفي الأم (1/ 251) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (3/ 356)، وفي معرفة السنن والآثار (5/ 177) رقم 7209. وقال: مرسل.
(2)
البخاري في الاستسقاء، باب 17، حديث 1025، ومسلم في الاستسقاء، حديث 894 (4) عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازنِيّ رضي الله عنه.
(3)
في الاستسقاء حديث 894 (1).
(4)
تقدم تخريجه (3/ 447) تعليق رقم 2.
(5)
انظر الأم (1/ 241)، والعزيز شرح الوجيز (2/ 390).
فقلبها الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن" رواه أَحْمد، وأبو داود
(1)
.
وأجيب عن هذه الرواية -على تقدير ثبوتها- بأنها ظن من الراوي. وقد نقل التحويل جماعة، لم ينقل أحد منهم أنَّه جعل أعلاها أسفله، ويبعد أنَّه صلى الله عليه وسلم ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء.
"فائدة" قال النووي
(2)
: فيه استحباب استقبالها، أي: القبلة للدعاء، ويلحق به الوضوء، والغسل، والتيمم، والقراءة، وسائر الطاعات؛ إلا ما خرج بدليل، كالخطبة، وسبق معناه عن صاحب "الفروع" في الوضوء.
(ويفعل النَّاس كذلك) أي يحوّلون أرديتهم، فيجعلون ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن؛ لأن ما ثبت في حقه صلى الله عليه وسلم ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، كيف وقد عقل المعنى، وهو التفاؤل بقلب ما بهم من الجدب إلى الخصب، بل روي عن جعفر بن مُحَمَّد، عن أبيه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم حول رداءه، ليتحول القحط" رواه الدارقطني
(3)
.
(1)
أَحْمد (4/ 41)، وأبو داود في الصلاة، باب 258، حديث 1164. ورواه -أيضًا- النسائي في الاستسقاء، باب 3، حديث 1505، وابن خزيمة (2/ 335) حديث 1415، وابن المنذر في الأوسط (4/ 322) حديث 2227، والطحاوي (1/ 324)، والحاكم (1/ 327)، والبيهقي (3/ 351)، وابن عبد البر في التمهيد (27/ 174 - 175).
ورواه الشافعي (ترتيب مسنده 1/ 168) والبغوي في شرح السنة (4/ 404) حديث 1162 عن عباد بن تميم مرسلًا.
وقد صحح الموصول الحاكم. ووافقه الذهبي. وصححه -أيضًا- عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (2/ 80).
(2)
شرح صحيح مسلم (6/ 496).
(3)
(2/ 66). ورواه -أيضًا- البيهقي (3/ 351). والحاكم (1/ 326)، والبيهقي (3/ 351) موصولًا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وقال الحاكم: صحيح =
(ويتركونه) أي: الرداء محوَّلًا، (حتَّى ينزعوه مع ثيابهم)، لعدم نقل إعادته. وظاهر ما سبق: لا تحويل في كسوف، ولا حالة الأمطار والزلزلة، صرح به في "الفروع" وغيره.
(ويدعو سرًّا) لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبلغ في الخشوع والخضوع، وأسرع في الإجابة، قال تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً}
(1)
. (حال استقبال القبلة، فيقول: اللهمَّ إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد) لأن في ذلك استنجازًا لما وعد من فضله، حيث قال:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}
(2)
. فإن دعا بغير ذلك، فلا بأس، قاله في "المبدع".
(فإذا فرغ من الدعاء استقبلهم، ثم حثهم على الصدقة والخير، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر) من القرآن، (ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، وقد تمت الخطبة)، ذكره السامري.
(فإن سقوا)، فذلك من فضل الله ونعمته، (وإلا عادوا في اليوم الثاني، و) اليوم (الثالث، وألحّوا في الدعاء)، لأنه أبلغ في التضرع، وقد رُوي:"إن الله يحبُّ الملحّين في الدعاء"
(3)
، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، فاستحب
= الإسناد. ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في الفتح (2/ 499): رجاله ثقات
…
ورجح الدارقطني إرساله. وقال في التلخيص الحبير (2/ 101): وذكره إسحاق بن راهويه في مسنده من قول وكيع، وفي المطولات للطبراني (الأحاديث الطوال رقم 27) من حديث أنس بلفظ: وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب.
(1)
سورة الأعراف، الآية 55.
(2)
سورة البقرة، الآية 186.
(3)
تقدم تخريجه (2/ 394) تعليق رقم 1.
كالأول. قال أصبغ
(1)
: استسقي للنيل بمصر خمسة وعشرين مرة متوالية، وحضره ابن القاسم، وابن وهب، وجمع.
(وإن سقوا قبل خروجهم، وكانوا قد تأهبوا للخروج، خرجوا وصلوا شكرًا) لله تعالى، وسألوه المزيد من فضله؛ لأن الصلاة شرعت لأجل العارض من الجدب، وذلك لا يحصل بمجرد النزول.
(وإلا)، أي: وإن لم يكونوا قد تأهبوا للخروج، (لم يخرجوا)، لحصول المقصود. (وشكروا لله، وسألوه المزيد من فضله)، قال تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}
(2)
.
(وإن سقوا بعد خروجهم، صلّوا)، قال في "المبدع": وجهًا واحدًا. فإن كان في الصلاة أتمها، وفي الخطبة وجهان.
(وينادى لها: الصلاة جامعة)، قياسًا على الكسوف.
(ولا يشترط لها إذن الإمام في الخروج، ولا في الصلاة، ولا في الخطبة)، لأنها نافلة، أشبهت سائر النوافل، فيفعلها المسافر وأهل القرى، ويخطب بهم أحدهم.
(ولا بأس بالتوسل بالصالحين، ونصه) في منسكه الذي كتبه للمروذي: أنَّه يتوسل (بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) في دعائه
(3)
، وجزم به في "المستوعب"، وغيره.
(وإن استقوا عقب صلواتهم، أو في خطبة الجمعة، أصابوا السنة)، ذكر القاضي وجمع: أن الاستسقاء ثلاثة أضرب:
أحدها: ما تقدم وصفه، وهو أكملها.
(1)
النوادر والزيادات (1/ 515)، والتاج والإكليل (2/ 205)، ومواهب الجليل (2/ 206)، والفواكه الدواني (1/ 327).
(2)
سورة إبراهيم، الآية 7.
(3)
انظر ما تقدم (3/ 443) تعليق رقم 5.
الثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها، كما فعل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. متفق عليه
(1)
من حديث أنس.
الثالث: دعاؤهم عقب صلواتهم، وفي خلواتهم.
(ويستحب أن يقف في أول المطر، ويخرج رحله): هو في الأصل مسكن الرَّجل، وما يستصحبه من الأثاث. (و) يخرج (ثيابه، ليصيبها) المطر، (وهو الاستمطار) لقول أنس: "أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطرٌ، فحسر ثوبه حتَّى أصابه من المطر، فقلنا
(2)
: لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه". رواه مسلم
(3)
. ورُوي: "أنَّه عليه السلام: كان ينزع ثيابه في أول المطر، إلَّا الإزار يتزر به"
(4)
. وعن ابن عباس: أنَّه كان إذا مطرت الماء قال لغلامه: "أخرج رحلي وفراشي يصبه
(5)
المطر"
(6)
.
(ويغتسل في الوادي إذا سال ويتوضأ)، واقتصر في "الشرح" على
(1)
البُخَارِيّ في الجمعة، باب 34، 35، حديث 932، 933، وفي الاستسقاء، باب 6، 7، 8، 9، 10، 11، 12، 14، 21، 24، حديث 1013، 1014، 1015، 1016، 1017، 1018، 1019، 1021، 1029، 1033، وفي المناقب، باب 25، حديث 3582، وفي الأدب، باب 68، حديث 6093، وفي الدعوات، باب 24، حديث 6342، ومسلم في الاستسقاء، حديث 897.
(2)
في "ح": "فقلنا له". ولفظ مسلم: فقلنا يا رسول الله.
(3)
في الاستسقاء، حديث 898.
(4)
رواه أبو يعلى كما في المطالب العالية (1/ 303) رقم 774، من حديث أنس رضي الله عنه. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 344): رواه أبو يعلى بسند فيه يزيد الرقاشي. وفي سنده -أَيضًا- الربيع بن صبيح صدوق سيء الحفظ. كما في التقريب ص / 320.
(5)
في "ذ" كما هنا، ثم صوبت هكذا:"يصيبه" وكذا في الأم: "يصيبه".
(6)
علقه الشَّافعيّ في الأم (1/ 252).
الوضوء فقط؛ لأنه رُوي "أنَّه عليه السلام كان يقول -إذا سال الوادي: "اخرجوا بنا إلى الذي جعله الله طهرًا
(1)
، فنتطهر به"
(2)
. (ويقول: اللهمَّ صيّبًا نافعًا)، لقول عائشة: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطرَ قال: "اللهمَّ صيبًا نافعًا". رواه أَحْمد، والبخاري
(3)
، وعبارة "الآداب الكبرى"
(4)
بالسين، قال: السيب: العطاء، وهو بفتح السين المهملة وبالياء المثناة تحت.
(وإذا زادت المياه لكثرة المطر، فخيف منها، استحب أن يقول: اللهمَّ حوالينا ولا علينا)، أي: أنزله حوالي المدينة مواضع النبات، ولا علينا في المدينة، ولا في غيرها من المباني. (اللهمَّ على الظراب)، أي: الروابي الصغار، جمع ظرب -بكسر الراء- ذكره الجوهري
(5)
. (والآكام) -بفتح الهمزة تليها مَدّة، على وزن آصال، وبكسر الهمزة بغير مدّ، على وزن جبال- فالأول: جمع أُكُم كَكُتُب، وأُكْم جمع إكَام، كجبال. وآكام جمع أَكَم، كجبل. وأَكَم، واحده أَكَمَة، فهو مفرد جمع أربع مرات. قال عياض
(6)
: هو ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله، كالتلول ونحوها. وقال مالك
(7)
: هي الجبال الصغار. وقال الخليل
(8)
: هي
(1)
في "ذ": "طهورًا" وهو الموافق للرواية.
(2)
رواه الشافعي في الأم (1/ 252 - 253)، والبيهقي (3/ 359). وقال: هذا منقطع. وضعفه النووي في المجموع (5/ 85)، وفي الخلاصة (2/ 884).
(3)
أَحْمد (6/ 41، 190، 223)، والبخاري في الاستسقاء، باب 23، حديث 1032.
(4)
(3/ 445) طبعة المنار، وفيها: والصيب -بالصاد- وقد جاء ما ذكره المؤلف في طبعة مؤسسة الرسالة (3/ 421)، وفي طبعة دار الوفاء (3/ 317).
(5)
الصحاح (1/ 174).
(6)
مشارق الأنوار (1/ 30)، وإكمال المعلم (3/ 322).
(7)
المنتقى للباجي (1/ 333)، ومشارق الأنوار (1/ 30).
(8)
كتاب العين (5/ 420).
حجر واحد (وبطون الأودية) أي: الأمكنة المنخفضة. (ومنابت الشجر)، أي: أصولها؛ لأنه أنفع لها، لما في "الصحيح"
(1)
"أنَّه عليه السلام كان يقول ذلك".
وعلم منه: أنَّه لا يصلي لذلك، بل يدعو؛ لأنه أحد الضررين، فاستحب الدعاء، لانقطاعه. قال النووي
(2)
: ولا يشرع له الاجتماع
(3)
في الصحراء. ويقرأ: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} إلى آخر (الآية)
(4)
، لأنها لائقة بالحال، فاستحب قولها، كسائر الأقوال اللائقة بمحالّها.
وقوله تعالى: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ، أي: لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق، وقيل: هو حديث النفس والوسوسة، وعن مكحول
(5)
: هو الغلمة، وعن إبراهيم
(6)
: هو الحب، وعن مُحَمَّد بن عبد الوهَّاب
(7)
: هو العشق، وقيل: هو شماتة الأعداء، وقيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله منها. {وَاعْفُ عَنَّا} ، أي: تجاوز عنا ذنوبنا. {وَاغْفِرْ لَنَا} ، أي: استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا. {وَارْحَمْنَا} ، فإننا لا ننال العمل بطاعتك، ولا ترك
(8)
(1)
البُخَارِيّ في الاستسقاء، باب 6، حديث 1013، ومسلم في الاستسقاء، حديث 897، من حديث أنس رضي الله عنه.
(2)
شرح صحيح مسلم (6/ 433).
(3)
في "ح": "اجتماع".
(4)
سورة البقرة الآية 286.
(5)
شرح مسلم للنووي (6/ 433).
(6)
أخرجه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 581).
(7)
هو مُحَمَّد بن عبد الوهاب بن عبد الكافي بن عبد الوهاب أبو بكر الأطروشي والدمشقي الشيرازي الأصل، ابن الحنبلي، الواعظ، توفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى. انظر طبقات المفسرين للداودي (1/ 190) ترجمة رقم 530. وكلامه المذكور ذكره البغوي في تفسيره (1/ 275).
(8)
في "ح": "نترك".
معاصيك، إلَّا برحمتك. {أَنْتَ مَوْلَانَا}: ناصرنا وحافظنا.
(وكذلك إذا زاد ماء النبع)، كماء العيون، (بحيث يضر، استحب لهم أن يدعوا الله تعالى أن يخففه عنهم، و) أن (يصرفه إلى أماكن)، بحيث (ينفع ولا يضر) لأنه في معنى زيادة الأمطار.
(و
يستحب الدعاء عند نزول الغيث)
لقوله صلى الله عليه وسلم: "يستجاب الدعاء عند ثلاث: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث"
(1)
.
(و) يسن (أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته. ويحرم) قوله
(2)
: مطرنا (بنوء كذا)، لخبر زيد بن خالد، وهو في "الصحيحين"
(3)
. ولمسلم
(4)
عن
(1)
لم نقف على من أخرجه بهذا اللفظ، وقد روى الطبراني في الكبير (8/ 199)، حديث 7713، والبيهقي (3/ 360) وفي معرفة السنن والآثار (5/ 186) عن أبي أُمامة مرفوعًا، قال: تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن -فذكرها- وزاد: عند رؤية الكعبة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 155): رواه الطبراني، وفيه عفير بن معدان وهو مجمع على ضعفه. وقال النووي في الخلاصة (2/ 884): رواه البيهقي بإسناد ضعيف وضعفه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/ 343). وأخرج الشَّافعيّ في الأم (1/ 253) ومن طريقه البيهقي في معرفة السنن والآثار (5/ 186) عن مكحول مرسلًا بلفظ: اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة ونزول المطر.
(2)
في "ح" و"ذ": "قول".
(3)
البخاري في الأذان، باب 156، حديث 846، وفي الاستسقاء، باب 28، حديث 1038، وفي المغازي، باب 35، حديث 4147، ومسلم في الإيمان، حديث 71 (125) قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف، أقبل على النَّاس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأما من قال: بنوء كذا، وكذا، فذلك كافر بي، ومؤمن بالكواكب.
(4)
في الإيمان، حديث 72.
أبي هريرة مرفوعًا: "ألم تروا إلى ماذا قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلَّا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين، ينزل الله الغيث فيقولون: الكوكب كذا وكذا" وفي رواية: "بكوكب كذا وكذا"، فهذا يدل على أن المراد: كفر النعمة.
(وإضافة المطر إلى النوء دون الله اعتقادًا، كفر إجماعًا)، قاله في "الفروع" وغيره؛ لاعتقاده خالقًا غير الله.
(ولا يكره) قول: مطرنا (في نوء كذا، ولو
(1)
لم يقل: برحمة الله)، خلافًا للآمدي.
والنوء: النجم مال للغروب، قاله في "القاموس"
(2)
. والأنواء ثمانية وعشرون منزلة، وهي منازل القمر.
(ومن رأى سحابًا، أو هبّت الريح
(3)
، سأل الله خيره، وتعوذ من شره. ولا يسب الريح إذا عصفت)، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الريحُ من روح الله، يأتي
(4)
بالرحمة، ويأتي بالعذاب. فإذا رأيتموها، فلا تسبوها، واسئلوا الله خيرَها واستعيذوا من شرها". رواه أبو داود، والنَّسائيّ، والحاكم، من حديث أبي هريرة
(5)
. "بل يقول: اللهمَّ إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما
(1)
قوله: "لو" سقطت من "ح".
(2)
ص / 69.
(3)
في "ح": "أو هبت ريح".
(4)
في "ذ": تأتي. وهو الموافق للرواية.
(5)
أبو داود في الأدب، باب 113، حديث 5097، والنسائي في الكبرى (6/ 231) حديث 10768، وفي عمل اليوم والليلة (932)، والحاكم (4/ 285)، وصححه، ووافقه الذهبي.
وأخرجه -أَيضًا- البخاري في الأدب المفرد (720، 906)، وابن ماجه في الأدب، باب 29، حديث 3727، وابن أبي شيبة (10/ 216)، وأَحمد (2/ 250، 268، 409، 436، 518)، وابن حبان "الإحسان"(3/ 287) حديث 1007.
أُرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أُرسلت به)، لحديث مسلم
(1)
: (اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا. اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا)، رواه الطبراني في "الكبير"
(2)
. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}
(3)
. وقال تعالى: {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ}
(4)
. وروى الطبراني أيضًا: "اللهم اجعلها لقحًا، لا عقيمًا"
(5)
وروى ابن السني، وأبو يعلى:"ويكبر"
(6)
.
(1)
في الاستسقاء، حديث 899 (15) عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
(11/ 213) حديث 11533. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 135 - 136): وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(3)
سورة الأعراف، الآية 57.
(4)
سورة الحاقة، الآية 6.
(5)
الطبراني في الكبير (7/ 33) حديث 6296، والأوسط (3/ 180) حديث 2857، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. وأخرجه -أيضًا- البخاري في الأدب المفرد (718)، وابن حبان "الإحسان"(3/ 288) حديث 1008، وابن السني في عمل اليوم والليلة، حديث 299، والحاكم (4/ 285)، والبيهقي (3/ 364). قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال النووي في المجمع (5/ 90)، وفي الخلاصة (2/ 887): رواه ابن السني بإسناد صحيح. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 135) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير المغيرة بن عبد الرحمن وهو ثقة.
(6)
ابن السني في عمل اليوم والليلة ص / 249 حديث 284، وأبو يعلى (3/ 450) حديث 1947 عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وقعت كبيرة أو هاجت ريح مظلمة، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلي العجاج الأسود.
ورواه -أيضًا- ابن حبان في المجروحين (2/ 179) في ترجمة عنبسة بن عبد الرحمن، وابن عدي (6/ 2210) في ترجمة محمد بن زاذان. وأورده البوصيري =
(ويقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك. سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته) رواه الترمذي
(1)
، فيما إذا سمع صوت الرعد مقدمًا:"سبحان من يسبح الرعد بحمده"، إلى آخره، على ما قبله -كما نقله الجلال السيوطي عنه في "الكلم الطيب"-
(2)
.
"فائدة": روى أبو نعيم في الحلية بسنده، عن ابن أبي زكريا
(3)
قال: من قال: "سبحال الله وبحمده عند البرق، لم تصبه صاعقة"
(4)
.
= في إتحاف المهرة (8/ 529) رقم 6904، وابن حجر في المطالب العالية (4/ 39) رقم 3430، وعزواه إلى أبي يعلى. وضعفه البوصيري. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 138) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه عنبسة بن عبد الرحمن وهو متروك.
قلنا: وفيه -أيضًا- محمد بن زاذان قال فيه ابن عدي: منكر الحديث لا يكتب حديثه.
(1)
في الدعوات، باب 50، حديث 3450 دون قوله: سبحان من يسبح
…
إلخ.
وأخرجه -أيضًا- البخاري في الأدب المفرد (721)، وأحمد (2/ 100)، وأبو يعلى (9/ 380)، حديث 5507، والحاكم (4/ 286)، والبيهقي (3/ 362) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وقال ابن علان في الفتوحات الربانية (4/ 283 - 284): وقال ابن الجزري في تصحيح المصابيح: وإسناده جيد. وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه النووي في الأذكار ص / 154.
(2)
انظر ما تقدم (1/ 239) تعليق رقم 6.
(3)
في "ح": "عن أبي زكريا"، وكذا في الحلية. وهو خطأ، فإن الكلام المذكور هنا ذكر في ترجمة عبد الله بن أبي زكريا.
(4)
الحلية (5/ 150). ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب المطر والرعد والبرق والريح ص / 127، رقم 118، وابن جرير في تفسيره (13/ 124) بلفظ: من قال حين =
(ويقول إذا انقض الكوكب: ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، للخبر. رواه ابن السني، والطبراني في "الأوسط"
(1)
.
(وإذا سمع نهيق حمار) استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، لخبر الشيخين
(2)
.
(أو) سمع (نباح) -بضم النون- أي: صوت (كلب، استعاذ)، وفي
= يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة. ورواه ابن أبي شيبة (10/ 215)، وأبو الشيخ في العظمة (4/ 1293) عنه بلفظ: بلغني أنه من سمع الرعد
…
إلخ.
وهذا مقطوع لأن ابن أبي زكريا وهو عبد الله الخزاعي أبو يحيى الشامي تابعي. مات سنة 119 هـ رحمه الله تعالى. انظر تهذيب الكمال (14/ 520)، والتقريب (507). وقد جاء في هذا ما ذكره السيوطي في الدر المنثور (4/ 98) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من سمع صوت الرعد، فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعَليّ ديته. وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر. وما رواه أبو الشيخ في العظمة (4/ 1291 - 1292) عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى أنه قال: من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثًا عوفي مما يكون في ذلك الرعد.
(1)
ابن السني في عمل اليوم والليلة (653)، والطبراني في الأوسط (8/ 350) حديث 7715 عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أُمرنا أن لا نتبع أبصارنا للكوكب إذا انقض، وأن نقول عند ذلك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 138): رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور، وهو متروك.
(2)
البخاري في بدء الخلق، باب 15، حديث 3303، ومسلم في الذكر، حديث 2729 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا.
نسخة: استعيذ (بالله من الشيطان الرجيم)، لحديث أبي داود
(1)
. (و
إذا سمع صياح الديكة، سأل الله من فضله)،
لخبر الشيخين
(2)
. قال في "الآداب"
(3)
: يستحب قطع القراءة لذلك. كما ذكروا أنه يقطعها للأذان. وظاهره: ولو تكرر ذلك. (وورد في الأثر: أن قوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرق، وهو من آيات الله
(4)
.
(1)
في الأدب، باب 115، حديث 5103، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله، فإنهن يرين ما لا ترون. وأخرجه -أيضًا- البخاري في الأدب المفرد (1233، 1235)، وأحمد (3/ 306، 355 - 356)، وابن حبان "الإحسان"(12/ 326) حديث 5517، والحاكم (4/ 283 - 284)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(2)
انظر ما تقدم (3/ 463) تعليق رقم 2.
(3)
الآداب الشرعية (3/ 357).
(4)
روى ابن حبان في المجروحين (1/ 285)، والطبراني في الكبير (11/ 196) حديث 11479، والأوسط (7/ 363) حديث 6705، وابن الجوزي في الموضوعات (1/ 212) حديث 298، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمان الأرض من الغرق القوس. وقال ابن الجوزي: هذا موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورواه الخطيب في تاريخه (8/ 452)، وأبو نعيم في الحلية (2/ 309) من طريق زكريا الحبطي عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا بلفظ: لا تقولوا قوس قزح، فإن قزح شيطان، ولكن قولوا: قوس الله عز وجل، فهو أمان لأهل الأرض. وذكره الديلمي في الفردوس (5/ 50) حديث 7426. وقال أبو نعيم: غريب من حديث أبي رجاء، لم يرفعه فيما أعلم إلا زكريا ابن حكيم. ورواه ابن الجوزي في الموضوعات (1/ 144)، وقال:"هذا حديث لم يرفعه غير زكريا، قال أحمد ويحيى: ليس بشيء، وقال يحيى مرة: ليس بثقة، وكذلك النسائي، وقال ابن المديني: هالك". وتعقبه السيوطي في اللآلي المصنوعة (1/ 87)، وابن عراق في تنزيه الشرعية (1/ 192). ورواه العقيلي (2/ 89) موقوفًا. وفيه -أيضًا- =
قال ابن حامد: ودعوى العامة
(1)
: إن غلبت حمرته كانت الفتن والدماء، وإن غلبت خضرته كان رخاء وسرورًا - هذيان) واقتصر عليه في "الفروع" وغيره.
= زكريا بن حكيم الحبطي وقد مضى الكلام عليه.
وروى البخاري في الأدب المفرد (765) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا، قال: المجرة باب من أبواب السماء، وأما قوس قزح فأمان من الغرق بعد قوم نوح عليه السلام. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، كما في التقريب ص / 696.
وروى البخاري -أيضًا- في الأدب المفرد (767)، والطبراني في الكبير (10/ 299) رقم 10591، عنه رضي الله عنه موقوفًا، قال: القوس أمان لأهل الأرض من الغرق، والمجرة باب السماء الذي تنشق منه. صححه ابن كثير في البداية والنهاية (1/ 41). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 178): رواه الطبراني، ورجاله رجال صحيح.
(1)
في "ح": "قاله ابن حامد، وقال: ودعوى العامة. . .".