المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ولما أنهى الكلام على القضاء والشهادات أتبعه بالكلام على الدماء - لوامع الدرر في هتك استار المختصر - جـ ١٣

[محمد بن سالم المجلسي]

فهرس الكتاب

ولما أنهى الكلام على القضاء والشهادات أتبعه بالكلام على الدماء فقال:

‌باب: ذكر فيه أحكام الدماء وما يتعلق بها

وإنما أتى به المؤلف إثر الأقضية والشهادات إشارة إلى أنه ينبغي للقاضي أن ينظر فيه أولا لأنه آكد الضروريات التي تجب مراعاتها في جميع الملل بعد حفظ الدين وهو حفظ النفوس، ففي الصحيح:(أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)

(1)

، ولهذا ينبغي الاهتمام بشأنها وكذا في الدنيا، وهذا الحديث لا يعارضه حديث:(أول ما ينظر فيه من أعمال العباد الصلاة)

(2)

؛ لأن هذا في خاصة أعمال العبد بنفسه يعني فيما بينه وبين الله وذلك فيما بينه وبين المخلوق، لكن انظر أيهما يقدم والظاهر أنه القضاء في الدماء؟ قاله الخرشي. وقال البناني: ابن حجر: أخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر: (زوال الدنيا كلها أهون عند الله من قتل رجل مسلم)

(3)

، وقال: حديث حسن وأخرجه النسائي بلفظ: (لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)

(4)

. انتهى.

وفي المواق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من شارك في دم امرئ مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله)

(5)

. انتهى. قلت: هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة بلفظ: (من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله). قال المناوي: هذا كناية عن كونه كافرا إذ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وقيل بعمومه وأن المراد يستمر على هذا الحال حتى يطهر من ذنبه بنار الجحيم، فإذا طهر بها زال يأسه

(6)

، وهذا الحديث قال ابن حجر والمناوي: ضعيف جدا، وبالغ ابن الجوزي فحكم بوضعه، وتبع فيه أبا حاتم لأنه قال في العلل: باطل موضوع، وقال الذهبي في الميزان: قال الإمام أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح. انتهى.

(1)

صحيح مسلم، كتاب القسامة، رقم الحديث، 1678، صحيح البخاري، كتاب الديات، رقم الحديث، 6864.

(2)

الموطأ، كتاب قصر الصلاة، رقم الحديث 95 ولفظه: من عمل العبد

(3)

سنن الترمذي، أبواب الديات، رقم الحديث، 1395، ولفظه: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم.

(4)

سنن النسائي، كتاب المحاربة، رقم الحديث، 3993. بلفظ قتل المؤمن

(5)

سنن ابن ماجه، كتاب الديات، رقم الحديث، 2620، بلفظ: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله عز وجل مكتوب بين عينيه أيس من رحمة الله، الجامع الصغير، رقم الحديث، 8471.

(6)

في المناوي ج 6 ص 72 فإذا طهر منه زال بأسه فزال يأسه.

ص: 1

وخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يقضى) الخ، قال ابن رشد: واختلف السلف ومن بعدهم من الخلف في قبول توبة القاتل وإنفاذ الوعيد فيه على قولين، فمنهم من ذهب إلى أنه لا توبة له وأن الوعيد لاحق به، ومنهم من ذهب إلى أن القاتل في المشيئة وأن توبته مقبولة، وأما من قال: إن القاتل مخلد في النار أبدا فقد أخطأ وخالف السنة؛ لأن القتل لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما اكتسب من صالح أعماله؛ لأن السيئات لا تبطل الحسنات، واختلف أهل العلم أيضا في القصاص من القاتل هل يكفر عنه إثم القتل أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى أنه يكفره عنه، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام:(الحدود كفارة لأهلها)

(1)

فعمم ولم يخص قتلا من غيره، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يكفره عنه لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هو منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ويخص الحديث على هذا بما هو حق دليلا يتعلق به حق لمخلوق. انتهى.

وقول الخرشي: أكد الضروريات نحوه في ابن مرزوق والضروريات التي أشار إليها هي المصرح بها في التوضيح، فإنه قال: وحفظ النفوس من الخمس المجمع عليها في كل ملة، وهي: النفوس والأديان والعقول والأعراض والأموال ومنهم من يذكر الأنساب عوض الأموال. انتهى. وقول البناني: وخرج مسلم الخ هو في البخاري أيضا، كما قال البناني عن ابن رشد: واختلف السلف ومن بعدهم الخ، سوى بين القولين. ونحوه في ابن عرفة عن ابن رشد وسلموه، مع أن القول بقبول توبته هو الراجح وعزاه ابن عطية وغيره للجمهور، وقوله: عن ابن رشد أيضا، واختلف أهل العلم أيضا في القصاص الخ نحوه لن قدمنا ذكرهم عن ابن رشد، وسلموا كلهم تسوية القولين وليس ذلك بمسلم، قال ابن جزي: حكى ابن رشد الخلاف في القاتل إذا اقتص منه هل يسقط عنه العقاب في الآخرة أم لا؟ والصحيح أنه يسقط عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة)

(2)

، وبذلك قال جمهور العلماء، وحكى ابن عطية

(1)

انظر البيان والتحصيل، ج 5 ص 481.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الأيمان، كتاب مناقب الانصار، رقم الحديث 3892، ولفظه:

ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة

ص: 2

الإجماع على ذلك من أهل السنة والمعتزلة الخ. قاله الرهوني. وقال: وبذلك كله تعلم ما في اقتصار ابن خرفة والحطاب والتاودي والبناني على كلام ابن رشد.

تنبيه: من توبته عرض نفسه على ولي المقتول قودا أو دية، قاله ابن رشد وسلمه ابن عرفة والحطاب والتاودي، وفي شرح الرسالة للقلشاني: وإن كانت نفسا وجب عليه تسليم نفسه للأولياء إن أمكنه ذلك، فإن لم يفعل مع الإمكان فهل توبته صحيحة أم لا؟ صححها الإمام، وقال: هذه معصية أخرى يجب عليه أن يتوب منها وهو مذهب الجمهور، وقال الغير: لا تصح وهو مرجوح. انتهى. وقال الشيخ زروق عند قول الرسالة: ومن التوبة رد المظالم الخ ما نصه: فأما رد المظالم ففرض ليس بشرط. انتهى. فلم يحك فيه خلافا. والله أعلم. انتهى. قاله الرهوني. وقال المواق: قال ابن شأس: الدماء خطيرة القدر في الدين، والقتل كبيرة فاحشة موجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة، ومُوجَباته في الدنيا خمسة: القصاص والدية والكفارة والتعزير والقيمة. قال بعض الشيوخ: من قال إن القاتل يخلد في النار على التأبيد فقد أخطأ، وخالف أهل السنة لأن الذنب لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما اكتسب من عمل صالح، ولا بد أن يجازي الله سبحانه كل مؤمن على إيمانه، قال سبحانه:{وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} ، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} ، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} لكن من تمام توبة القاتل عرض نفسه على أولياء القتول ويصوم أو يعتق ويلازم الجهاد. انتهى.

تنبيهات: الأول: قال الرهوني عند قول الصنف: "باب": هذا شروع من الصنف رحمه الله في الكلام على الجنايات، وبدأ منها بالدماء لأنها أعظمها غير الردة والعياذ بالله، قال أبو الحسن: عياض: أصل اشتقاق الجناية من اجتناء الثمر باليد فاستعمل في كل ما يكتسب ثم قصر عرفا على كل ما يكتسب من حدث في مال غيره أو ماله أو نفسه مما يسوء أو يضر كان بيد أو غيرها، كما أن الجريرة أصلها ما يجره الإنسان من منفعة لنفسه من مال أو غيره، ثم استعمل في كل ما يحدثه على غيره عموما مما يوافقه أو يضره في نفسه أو ماله، ونحوه في المواق عن التنبيهات، وفي الحطاب: قال البساطي: وهو باب متسع متروك ينبغي الالتفات إليه.

ص: 3

الثاني: قال المبرد: دم أصله فعل بالتحريك والذاهب منه الياء، والدليل على ذلك قولهم في التثنية: دميان، ألا ترى أن الشاعر وهو الحصين بن الحمام المري لا اضطر أخرجه إلى أصله، فقال:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا

ولكن على أقدامنا تقطر الدما

قاله التتائي. وقيل: أصله دمو بالتحريك، وبعض العرب يقول في تثنيته: دموان. ابن عرفة: نقل الأصوليون إجماع الملل على حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال، وذكر بعضهم الأنساب عوض الأموال. انتهى. وعده الأعراض هو أحد قولين، وقيل ليس مما التفت الشرع إليه في كل شريعة وإن كانت حرمته معلومة من الشريعة المحمدية، وأول الست: حفظ الأديان وهو أعلاها وغيره وسيلة إليه ولحفظه شرع الجهاد وقتل المرتد والزنديق، وثانيها: حفظ النفس وله شرع القصاص، وثالثها: حفظ العقل ولأجله شرع حد الخمر، ورابعها: حفظ الأنساب ولأجله شرع الحد في الزنى واللعان، وخامسها: حفظ المال ولأجله شرع القطع في السرقة وضمان المتلفات، وسادسها: حفظ الأعراض ولأجله شرع حد القذف واللعان إن رمى بالزنى ولم ينف الولد فإن نفاه كان من قسم ما شرع لحفظ النسب. قاله التتائي.

الثالث: قال الشبراخيتي: قال ابن مرزوق: وأما حقيقة الجناية اصطلاحا فهي: إتلاف مكلف غير حربي نفس إنسان معصوم أو عضوه أو اتصالا بجسمه أو معنى قائما به أو جنينه عمدا أو خطأ بتحقيق أو تهمة. انتهى. فإتلاف مكلف جنس وغير حربي يخرج الحربي إذ لا يؤاخذ بما اكتسبه مما ذكر هنا، ونفس إنسان وما بعده يخرج إتلاف المال والجناية على العرض فليسا من هذا الباب، وإضافة نفس للإنسان يخرج إتلاف نفس غيره ويدخل نفس العبد، والذمي ومعصوم يخرج الحربي ومن وجب قتله لموجب لا يجوز العفو عنه وإتلاف اتصال الجسم كناية عن الجرح، والمعنى القائم بالجسم كالعقل والسمع وغيرهما، وضمير جنينه يعود على الإنسان، وعمدًا أو خطأ منصوبان بإتلاف وبتحقيق متعلق به، وذُكِرَ توطئة لعَطْف أو تهمة عليه، والمراد بها اللوث الموجب لثبوت الدم مع القسامة. انتهى.

ص: 4

واعلم أن القتل هو أعظم الذنوب بعد الشرك، قال الله تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} . الآية. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ، وقال تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ، وقال تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ، وقال تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا} ، إلى قوله تعالى:{كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} ، الخ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة)

(1)

، وقال صلى الله عليه وسلم:(لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)

(2)

، وقال صلى الله عليه وسلم:(ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها)

(3)

، (وذلك أنه أول من سن القتل)

(4)

، فالقتل ذنب عظيم ليس بعد الشرك بالله ذنب أعظم منه، وأركان القصاص ثلاثة: الجاني والمجني عليه والجناية، ولكل منها شروط ذكر جميعها.

وبدأ بالركن الأول مع شروطه فقال: إن أتلف أي جنى عمدا، مكلف على نفس ولو سكران طافحا، وإن رق فيقتل العبد بالحر غير حربي يعني أنه لا يقتل حربي قصاصا قتل غيره، ولا زائد حرية على المقتول؛ فلا يقتل الحر بالعبد، أو إسلام أي ولا زائد إسلام فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا، حين القتل هذا الظرف خاص بقوله:"غير حربي ولا زائد حرية أو إسلام" ولا يرجع "لمكلف"، وقوله:"حين القتل" أي إن لم يتأخر عن سببه، وإلا اعتبر السبب أيضا أي شرط القتل أن لا يكون القاتل حربيا ولا زائد حرية أو إسلام حين السبب أي الرمي والسبب أي التلف، وبينهما إلا لغيلة مستثنى من قوله:"ولا زائد حرية أو إسلام" أي أن قتل الغيلة لا تشترط فيه المكافأة، فيقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر، وقتل الغيلة هو القتل خفية لأخذ المال، والظاهر أن اللام في "لغيلة" بمعنى: في. والله تعالى أعلم.

(1)

كنز العمال، رقم الحديث، 39882.

(2)

صحيح البخاري، كتاب العلم، رقم الحديث 121، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 65.

(3)

صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، رقم الحديث، 7321، ولفظه: ليس من نفس الخ.

(4)

سنن النسائي، كتاب المحاربة (تحريم الدم) رقم الحديث، 399.

ص: 5

وأشار للركن الثاني مع شروطه بقوله: معصوما معمول "أتلف"، واحترز به من المرتد فلا قصاص على قاتله للتلف أي يشترط في المجني عليه أن يكون معصوما من حين جرح إلى حين تلف، فلو جرح مرتدا ثم رجع للإسلام قبل الموت أو جرح مسلما ثم ارتد قبل الموت ثم مات فلا قصاص، والإصابة يعني أنه يشترط في المجني عليه أن يكون معصوما من حين الرمي إلى حين أصيب إصابة الموت، فلو رماه وهو مرتد أو رماه وهو مسلم ثم ارتد قبل أن يصاب فلا قصاص على الرامي. وعلم مما قررت أن المسألتين أي قوله:"للتلف"، وقوله:"والإصابة" في الموت.

ثم بين ما تكون به العصمة فقال: بإيمان بالله ورسوله، لخبر:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله أي ومحمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)

(1)

. أو أمان يعني أن العصمة إنما تكون بإيمان أي تصديق بالله وبرسوله أو أمان أي تأمين من السلطان أو غيره لحربي أو تأمين بالتزام الجزية، كالقاتل من غير المستحق مثال للمعصوم، مثل بالأضعف تنبيها على الأقوي يعني أن القاتل معصوم من غير المستحق، وأدب يعني أن المستحق للقصاص إذا قتل القاتل من غير إذن الإمام فإنه يؤدب لافتياته على الإمام، كمرتد يعني أن القاتل للمرتد بغير إذن الإمام يؤدب لافتياته على الإمام: وزان أحصن يعني أن قاتل الزاني المحصن من غير إذن الإمام يؤدب، ويد سارق يعني أن من قطع يد سارق بغير إذن الإمام يؤدب لافتياتهم على الإمام بقتل المرتد والزاني المحصن وقطع يد السارق من دون إذنه.

فالقود جواب الشرط أعني قوله: "إن أتلف" أي القود أي القصاص ثابت لولي المقتول على القاتل عينا أي يتعين لولي المقتول القصاص، فليس له أن يلزم القاتل الدية إلا برضاه، خلافا لأشهب القائل: الولي بالخيار بين أن يقتل القاتل أو يأخذ الدية، ومعنى كلام المصنف أن جناية المكلف حرا أو رقيقا أي قتله لمعصوم بإيمان أو أمان توجب القود، أي تثبت لولي المقتول القصاص من ذلك المكلف القاتل، بشرط أن يكون ذلك المكلف القاتل غير حربي، وأن يكون غير زائد على المقتول بالحرية، وأن يكون غير زائد عليه بالإسلام، فَاحترز بالقيد الأول من الحربي

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث 21، ولفظه:

فإذا قالوا لا إله إلا الله

سنن الترمذي، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 2606.

ص: 6

فلا قصاص على الحربي إذا قتل، فإذا قتل الحربي مسلما أو ذميا ثم أسلم فإنه لا قصاص عليه، واحترز بالقيد الثاني من الحر إذا قتل عبدا فإنه لا يقتل الحر بالعبد، واحترز بالقيد الثالث من المسلم إذا قتل كافرا فإنه لا قصاص عليه، سواء كان المسلم القاتل حرا أو عبدا، وسواء كان الكافر المقتول حرا أو عبدا، وهذه الغيرية في المسائل الثلاث أي كون الجاني غير حربي وغير زائد حرية وغير زائد إسلام معتبرة من حين سبب القتل إلى حين القتل؛ أي تعتبر حين السبب وحين القتل وبينهما، فلو حذف المصنف قوله:"حين القتل"، أو قال: إلى حين القتل لكان أولى، واشتراط عدم زيادة الحرية والإسلام إنما هو في غير قتل الغيلة، وأما قتل الغيلة فيقتل فيه الحر بالعبد والمسلم بالكافر.

واللام في قوله: "للتلف" لام الغاية أي إذا جرح المكلف غير الحربي مكافئا له من معصوم، فإنه يشترط أن تدوم تلك العصمة من حين الجرح إلى تلف المجني عليه أي موته، وإذا رماه فأصابه فمات فلا بد أن يكون ذلك المجني عليه معصوما من حين الرمي إلى حين أصيب، فالحاصل أنه تشترط في المقتول العصمة من حين الرمي إلى حين الإصابة التي مات منها، ومن حين جرح إلى حين مات ومن العصوم القاتل بالنسبة لغير مستحق دمه، وأما مستحق دمه فليس بمعصوم بالنسبة له لكنه لا يقتله من دون إذن الإمام، فإن قتله من دون إذنه أدب لافتياته على الإمام، كما يؤدب من قتل مرتدا من دون الإمام أو زانيا محصنا من دون الإمام لافتياته عليه، فاحترز المصنف بالمعصوم كان الرتد والزاني المحصن والقاتل بالنسبة للمستحق، ويؤدب أيضا من قطع يد السارق من دون إذن الإمام لافتياته عليه.

وقوله: "للتلف والإصابة" قال البناني: قال المصطفى: كأنه يحوم على قول الجواهر: فصل في تغيير الحال بين الرمي والجرح وبين الجرح والموت، وقول ابن الحاجب: فلو زال أي التكافؤ بين حصول الموجب ووصول الأثر، كعتق أحدهما أو إسلامه بعد الرمي وقبل الإصابة أو بعد الجرح وقبل الموت، فقال ابن القاسم: المعتبر في الضمان حال الإصابة وحال الموت، وقال أشهب وسحنون: حال الرمي ورجع سحنون، فأما القصاص فبالحالين معا. انتهى. فقوله:"للتلف" أي لا حين الجرح فقط، وقوله:"الإصابة" أي لا حين الرمي والكلام كله في النفس، وسيأتي الكلام

ص: 7

على الجرح فسقط قول من قال: للتلف في النفس والإصابة في الجرح، وقال: لو أسقط قوله: " والإصابة" لمسلم من التكرار مع قوله: "والجرح كالنفس" الخ. وسرى له ذلك من عدم معرفة مطارح كلام الأئمة. انتهى. ونحوه نقل بعض الشيوخ من تقرير المسناوي معترضا به ما قرره به الزرقاني تبعا لابن غازي. انتهى.

وقوله: "مكلف" احترز به من الصبي والمجنون فلا يقتص منهما لأن عمدهما وخطأهما سواء وهذا في مجنون مطبق أو يفيق أحيانا وقتل حال جنونه. قال عبد الباقي: فإن شكت البينة يعني في كونه قتل في حال إفاقته أو في حال جنونه أو سكر بحلال فلا يقتل والدية على عاقلته، فإن قتل حين إفاقته فجن أخر قتله لإفاقته إن رجيت وإلا فالدية في ماله فلا يقتل وهو مجنون كمرتد جن فلا يقتل حينئذ، وللمغيرة: يسلم المجنون القاتل حين إفاقته لأولياء المقتول فيخيرون في قتله وأخذ الدية من ماله إن وجد وإلا اتبعوه بها. انتهى. قال البناني: هذا التخيير الذي ذكره بين القتل والدية إنما هو للخمي لا للمغيرة، وإنما قال الغيرة: يسلم إلى أولياء المقتول يقتلونه وإن شَاءوا عفوا أي وليس لهم أن يلزموه الدية. هكذا في ابن عرفة والتوضيح والحطاب وغيرهم. وقوله: "غير حربي" فلا يقتل الحربي قصاصا إذا قتل غيره، أي فلا يقتل الحربي إن أسلم أو عصم بأمان أو بالتزام الجزية، فإن لم يعصم بإيمان ولا أمان فإنه يقتل لا قصاصًا بل لكونه غير معصوم. وقوله:"ولا زائد حرية أو إسلام" قال عبد الباقي: بالجر عطف على المضاف إليه ولا مؤكدة وبالرفع بعطف لا على "غير" لأن "لا" اسم بمعنى "غير" ظهر إعرابه فيما بعدها. انتهى. قال البناني: هذا إنما هو معروف عند النحاة في إلا بمعنى غير وفي أل الموصولة، وليس معروفا في لا، ولما نقل صاحب التصريح في باب لا النافية للجنس أن مذهب البصريين في نحو جئت بلا زاد أن "لا" حرف والاسم بعدها مخفوض بالجار، وأن مذهب الكوفيين أن "لا" اسم بمعنى غير، وأن الاسم بعدها مخفوض بالإضافة كتب عليه الشيح يس ما نصه: انظر هذا قيل إن إعرابها ظهر فيما بعدها لكونها صورة الحرف؟ انتهى. وقوله: "ولا زائد حرية أو إسلام" الإضافة لفظية، وقد حكى صاحب التصريح وغيره الخلاف في الإضافة اللفظية هل هي على معنى حرف أولا؟ والظاهر من جهة المعنى هو الثاني. قاله الرهوني. وقوله:"ولا زائد حرية" أي على المقتول، فلا

ص: 8

يقتل الحر بالعبد إلا أن يكون المقتول زائد إسلام لما يأتي من قتل الحر الكتابي بالعبد المسلم، وقوله:"أو إسلام" فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكتابي ولو حرا، وقوله:"حين القتل" قال عبد الباقي: إن لم يتأخر عن سببه وإلا اعتبر السبب أيضا، قال البناني: أفاد به أن الشروط المذكورة معتبرة في وقت السبب وفي وقت السبب معا لا حين القتل فقط كما هو ظاهر المصنف، ولهذا قال مصطفى: الصواب إسقاط قوله:. "حين القتل" كما فعل ابن الحاجب لاقتضائه أنه لا تشترط المساواة إلا حين القتل وليس كذلك، بل من حين الرمي إلى حصول القتل إذ المعتبر في القصاص الحالان معا.

وفي التوضيح عند قول ابن الحاجب: فأما القصاص فبالحالين معا: أي فيشترط دوام التكافؤ من حصول السبب إلى حصول السبب اتفاقا. انتهى. وقال ابن مرزوق: وحاصل كلامه - يعني المصنف - أن من شرط القود من الجاني المكلف أن يكون المجني عليه معصوم النفس بإيمان أو أمان وتدوم له تلك العصمة إلى أن يصاب بالضرب الذي مات منه وإلى أن يموت. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "حين القتل": فلو رمى حربي غيره ثم صار الرامي من أهل الذمة ثم مات المرمي لم يقتص له منه لأنه حربي حين السبب، ولو رمى عبد عبدا مثله رقا ودينا ثم عتق الرامي قبل موت المرمي لم يقتل به لزيادة الرامي بالحرية حين السبب أي القتل، ولو رمى نصراني حر عبدا نصرانيا ثم حارب الرامي وأخذ واسترق ثم مات المرمي لم يقتل به لزيادة الرامي حين السبب عليه الحرية، ولو رمى مسلم كافرا أو مرتدا فأسلم قبل وصول الرمية ثم وصلته فمات لم يقتل لزيادة الرامي عليه بالإسلام حين السبب وإن ساواه حين القتل، وعليه دية مسلم عند ابن القاسم، كَمَنْ رَمَى صيدا وهو حلال فلم تصل الرمية إليه حتى أحرم فعليه جزاؤه. وقولي: ولا يرجع لمكلف ظاهر؛ لأنه لو رجع إليه لاقتضى أن من حصل منه سبب القتل وهو غير مكلف ثم حصل القتل وهو مكلف أنه يقتل مع أنه لا يقتل. انتهى. قوله: وأن من حصل الخ، قال البناني: هذا إنما يرد على ظاهر المصنف، أما إن اعتبر القيد الذي ذكره في قول المصنف:"حين القتل " - أعني قوله: "إن لم يتأخر عن سببه " - فلا يرد. انتهى. وقوله: "إلا لغيلة" بغين معجمة مكسورة فمثناة تحتية وهي القتل خفية لأخذ المال، قال عبد الباقي وغيره:

ص: 9

والاستثناء منقطع لأنه في الحقيقة لم يقتل به قصاصا بل للفساد، ولذا قال مالك: ولا عفو فيه وصلح الولي فيه على الدية مردود والحكم فيه للإمام، ولا يقبل فيها إلا شاهدان لا شاهد يقسم معه الأولياء: خلافا ليحيى بن سعيد. قاله في التوضيح. انتهى.

وقد مر أن قتل الغيلة هو القتل خفية لأخذ المال، فإن قتله ظاهر الحرابة إن كان على وجه يتعذر معه الغوث ولا عفو فيه أيضا وإلا جاز فيه العفو كالعداوة. انتهى.

قوله: وإلا أي وإن كان قتله ظاهرا على وجه لا يتعذر معه الغوث، وقوله:"معصوما للتلف والإصابة" في العمد الذي فيه القصاص كما عرفت واقتصر فيه على الغاية، ويعلم منه أيضا العصمة في المبدإ، وأما العمد الذي لا قود فيه والخطأ فسيتعرض

(1)

لهما بقوله: "وضمن وقت الإصابة والموت"[ولو رمى]

(2)

كتابي مرتدا وقبل وصول الرمية إليه أسلم اعتبر حال الرمي فلا يقتل به إن مات، وكذا لو جرحه ثم أسلم فنزي فمات فإنه لا يقتل به لمراعاة حال الجرح، ولو رمي حر مسلم مثله فارتد المرمى قبل وصول السهم إليه ثم مات فلا قصاص لأنه لم تستمر العصمة للموت، ولو جرح مسلم مسلما فارتد المجروح ثم نزي فمات فلا قود لأنه صار إلى ما أحل دمه، ولو قطع مسلم يد مسلم ثم ارتد المقطوع فمات مرتدا أو قتل ثبت القصاص في قطع اليد فقط لا النفس؛ لأن الموت كان وهو مرتد، وقوله:"للتلف" متعلق "بععصوما"، واللام بمعنى: إلى للانتها، كما مر، لا بمعنى: عند لأنه لا يعلم منه حينئذ اشتراط العصمة في المبدإ أي السبب. وقوله: "وأدب" راجع لمفهوم خير المستحق وهو المستحق، فنائب الفاعل ضمير يعود على المستحق.

وعلم من تعليل الأدب بالافتيات على الإمام أنه إذا قتله الولي بإذن الإمام فلا أدب عليه، كما أنه لا أدب على الولي إذا علم أن الإمام لا يقتله ولو قتله الولي غيلة، لكن يراعى فيه أمنه فتنة ورذيلة، ولا يسقط الأدب بكون الإمام غير عدل. وقوله: لمرتد فيؤدب قاتله ولا يقتل به سواء قتله زمن الاستتابة أو بعدها، وإنما عليه ثلث خمس دية السلم كدية المجوسي. قال البناني: اختلف

(1)

في النسخ فيستعرض والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 4.

(2)

في النسخ ولو إلى والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 4.

ص: 10

في المرتد هل فيه دية؟ ذهب ابن القاسم إلى أن فيه دية المجوسي ثلث خمس دية الحر المسلم، وعلى هذا اقتصر المصنف في الديات، وقيل لا شيء على قاتله إلا الأدب وعليه اقتصر ابن رشد وتبعه ابن الحاجب، وعلى الأول يحمل كلام المصنف هنا بدليل ما يأتي له في الديات. انتهى. وفي كلام البناني هنا على المصنف دليل على أنه يجمع له الأدب مع غرم الدية، وقاله غيره أيضا: وقوله: "وزان أحصن" أي قتله بغير إذن الإمام فيؤدب، وأما غير المحصن فيقتل به إلا أن يقول: وجدته مع زوجتي وثبت ذلك بأربعة يرونه كالمرود في المكحلة فلا يقتل به، وقوله "وزان أحصن" أي ثبت زناه ببينة عادلة، فإن لم يكن على ذلك إلا قولُ الزوج اقتص منه، كان الزاني بكرا أو ثيبا إلا أن يأتي بلطخ ولا يقتل كما في شرح عبد الباقي.

وقال الرهوني: وفي المنتقى: فإن قلنا إنه لا يقتل به وإن كان بكرا، فقد قال ابن القاسم في المدونة: عليه الدية في البكر. وقاله ابن كنانة. وقال ابن عبد الحكم: لا شيء عليه وإن كان بكرا إذا كان قد أكثر التشكي منه، قال ابن مزين: وقال غير ابن القاسم: دمه هدر في البكر والثيب، وقد أهدر عمر رضي الله تعالى عنه غير دم في شبه هذا من التعدي، وقال ابن القاسم: وذلك عندي سواء في البكر والثيب؛ لأنه إذا أقام أربعة شهداء يشهدون أنهم رأوه معها يطؤها لم يقتص لواحد منهما ويترك، ولكن إذا كان بكرا فدية الخطإ على عاقلته، وإن لم يأت بأربعة شهداء قتل القاتل بكرا كان المقتول أو ثيبا، وإلى هذا رجع ابن كنانة في البكر دية الخطإ، وثبت المخزومي وقال: لا شيء على القاتل إذا أتى بأربعة شهداء وكان المقتول بكرا أو ثيبا. وقاله محمد بن عبد الحكم إذا كان قد أكثر به الشكية قبل ذلك. انتهى.

وقال اللخمي: وإن شهد أربعة له بما قال وأنهم رأوا الفرج في الفرج لم يقتل به ثيبا كان المقتول أو بكرا، واختلف في الدية إذا كان بكرا، فقال ابن القاسم: على عاقلته، وقال الغيرة: لا شيء عليه إذا جاء بأربعة شهداء وإن لم تشهد بينة وأتى في ذلك بلطخ لم يقتل به، قال محمد: إن

ص: 11

ظهر عذره مثل أن يري ينقب البيت فتسور

(1)

عليه فيقتله، فقال: وجدته مع امرأتي فلا قود عليه. انتهى المراد منه.

وقال سحنون. إذا نادى به وأشهد عليه بامرأته أو جاريته ثم قتله بعد ذلك لم يكن عليه شيء، وكذا لو أشهد عليه وهو غائب وعلم أن المشهود عليه علم بذلك ثم وجد مقتولا في بيته، وعن ابن القاسم: مثله إذا قتله وقتل امرأة نفسه، وذكر مثل ذلك عن ابن المسيب وربيعة، قال الشيخ رحمه الله: وإذا صح أن يسقط القود بالشكية وإن كان بكرا أو برؤيته يتسور الدار والإشهاد عليه لأجل الغيرة صح أن يسقط القود إذا شهد عدلان أنه وجده معها في لحاف وإن لم يعاينا الفرج. في الفرج.

واعلم أن تسوية سحنون بين الزوجة والأمة وتسليم اللخمي له ذلك يفيد تسوية البنت والأخت بها من باب أحرى، بل قد يقال إن البنت والأخت أحرى من الزوجة وهذا هو الشاهد في هذه الأزمنة؛ إذ يزول عنه العار عادة بطلاق الزوجة ولا يمكنه ذلك في البنت والأخت، فتوقف الزرقاني تبعا للأجهوري في ذلك لا وجه له. والله أعلم. قاله الرهوني.

وقال ابن حبيب: وسمعت ابن الماجشون يقول: وسئل عن رجل وجد رجلا عند امرأته فقاتله فكسر رجله أو جرحه، هل عليه قصاص؟ فقال: لا، وهو جُبار لا شيء عليه فيما دون النفس. انتهى من التبصرة في الفصل السابع من القسم الثالث.

تنبيهات: الأول: قول المصنف: "وإن رق" قال الشبراخيتي: إنما نص عليه ليلا يتوهم أنه لا يقتل بالحر لشرف الحر، أو لأنه ربما يتوهم أنه كالبهيمة وفعل العجماء جبار أي هدر. انتهى. وهو يفيد أن له أن يدفع الإيهام لا لدفع قول. والله تعالى أعلم.

الثاني: قول المصنف: "ويد سارق" لو قال المصنف: وعضو سارق لكان أشمل، وقد مر أن المجنون لا يقتص منه إن قتل في حال جنونه، بخلاف ما إذا قتل في حال إفاقته، فلو أشكل

(1)

في الرهوني ج 8 ص 12 فيتسور.

ص: 12

على البينة هل قتل حال عقله أو حال جنونه؟ فقال ابن ناجي: لا يلزمه شيء وهو صواب، فقوله: لا يلزمه شيء أي قصاص وأما الدية فهي لازمة.

الثالث: فالقود عينا أي أو العفو مجانا، وليس له أن يلزم الجاني الدية إذا لم يرض بها فالولي مخير بين القتل والعفو مجانا، خلافا لأشهب القائل: إن للولي أن يلزم القاتل الدية بغير رضاه، فعلى ما الأشهب الولي مخير بين أن يلزم القاتل القصاص ويأخذ منه الدية.

الرابع: علم مما مر أن للمجني عليه أربعة أحوال، أحدها أن يكون معصوما حين السبب والسبب وبينهما فالقصاص بشرط أن يكون الجاني غير حربي الخ، الثاني أن لا يكون معصوما حين السبب والسبب، الثالث أن لا يكون معصوما حين السبب فقط، الرابع أن لا يكون معصوما حين المسبب فقط والحكم في هذه الثلاث عدم القصاص. والله تعالى أعلم.

الخامس: مثل الزاني المحصن المحارب فلا قصاص على من قتله. ابن عرفة: عمد قتل المسلم عدوانا يوجب ملك القود منه لمكافئه، أو راجح عليه إن كان بالغا عاقلا. فيها: إن قامت بينة على محارب فقتله رجل قبل أن تزكى البينة، فإن زُكِّيَتْ أدّبَه الإمام، وإن لم تزك قتل به. نقله المواق.

السادس: قال الإمام الحطاب، قال القرافي: قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} ، فيه سؤال وهو: ما وجه تشبيه قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا وإحيائها بإحياء جميع الناس؟ قال القرافي الجواب: قال بعض العلماء: إن المراد بالنفس إمام مقسط أو حاكم عدل أو ولي ترجِّي بركته العامة، فلعموم مفسدته كأنه قتل من كان ينتفع به وهم المراد بالناس وإلا فالتشبيه مشكل. وقال مجاهد: لا كان قتل جميع الناس لا يزيد في العقوبة على قتل النفس الواحدة شبه به، قال: وهو مشكل لأن قاعدة الشرع تفاوت العقوبات بتفاوت الجنايات، وإذا توعد الله قاتل النفس الواحدة بعذاب عظيم اعتقدنا مضاعفته في حق الاثنين، فكيف بجميع الناس؟.

ص: 13

السابع: قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، قيل: الخطاب للورثة لأنهم إذا اقتصوا فقد سلموا وحيوا بدفع شر هذا القاتل عنهم الذي صار عدوا، وقال بعضهم: الخطاب للقاتلين لأنه إذا اقتص منه فقد محى إثمه ليحيى حياة معنوية، وعلى القولين فلا إضمار. وقيل: الخطاب للناس والتقدير: ولكم في مشروعية القصاص حياة، لأن الشخص إذا علم أنه يقتص منه انكفَّ عن القتل، ويحتمل أن لا يكون في الآية تقدير أيضا، ويكون القصاص نفسه فيه الحياة أما لغير الجاني فلانكفافه وأما للجاني فلسلامته من الإثم. قاله التوضيح، وابن عبد السلام. انتهى.

السابع

(1)

: إنما قال المصنف: "إن أتلف " ولم يقل قتل؛ لأن الإتلاف يشمل المباشرة والتسبب، والقتل إنما يتبادر للمباشرة. قاله الحطاب. وقوله:"مكلف" أخرج به الصبي والمجنون كما مر فعمدهما كخطئهما، لقوله صلى الله عليه وسلم:(رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الغارم حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق)

(2)

. رواه أبو داوود وغيره بروايات متعددة. وقال ابن الفاكهاني في شرح الرسالة: قال أهل اللغة: قتل الغيلة هو أن يخدعه فيذهب إلى موضع خفية، فإذا صار فيه قتله فهذا يقتل به ولا عفو فيه، ونقل عن بعض أصحابنا أنه اشترط في ذلك أن يكون القتل على مال، وأما النائرة بينهما فيجوز العفو عنه، والنائرة: العداوة.

الثامن: قال الإمام الحطاب: والغيلة في الأطراف كالغيلة في النفس، قال في المدونة: ومن قطع يد رجل أو فقأ عينه على وجه الغيلة فلا قصاص له، والحكم للإمام إلا أن يتوب قبل أن يقدر عليه فيكون فيه القصاص. انتهى. قول الباجي: ومن أصحابنا من يقول قتل الغيلة هو القتل على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ وقبله ابن زرقون. انتهى. عياض: يعني اغتاله لأخذ ماله ولو كان لنائرة ففيه القصاص والعفو فيه جائز. انتهى. وهو صحيح على الأصول لأن هذا غير محارب، وإنما يكون له حكم المحارب إذا أخذ المال أو فعل ذلك لأجل المال. انتهى.

التاسع: قال الحطاب: والمرأة كالرجل في الغيلة. قاله أبو الحسن. واختلف إذا قام بقتل الغيلة شاهد، هل فيه القسامة أم لا؟ وفي المدونة: ومن قتل وليه غيلة فصالح فيه على الدية فذلك

(1)

كلمة: السابع، مكررة في الأصل.

(2)

سنن أبي داوود، كتاب الحدود، رقم الحديث، 4401 - 24120 - 4403 وسنن ابن ماجه، كتاب الطلاق، رقم الحديث، 2041.

ص: 14

مردود والحكم فيه إلى الإمام، وقوله:"وأدب كمرتد وزان أحصن". قال الحطاب: وكذلك المحارب والزنديق، قال ابن عرفة: قال محمد: لا شيء على من قتل زنديقا. اللخمي: وكذا الزاني المحصن والمحارب ولا دية لهم إن قتلوا خطأ، وفي الوازية: من قطع يد سارق خطأ فلا دية له، وقال في موضع آخر: له ديتها، فعليه تجب الدية في هذين إن قتلا خطأ، وإن قطع لهما عضو فلهما القصاص في العمد والدية في الخطإ؛ لأن الحد إنما وجب في النفس لا في العضو، ولا قصاص على قاتل المرتد ولو كان القاتل نصرانيا. أبو عمران: الذي يقتل وليه رجل فلا يمكن من أخذه عند السلطان فيقتل الولي قاتل وليه غيلة أو باحتيال لا أدب عليه ولا شيء؛ لأنه إذا لم يكن السلطان ينصفه فهو يأخذ حقه لنفسه. انتهى. قوله: "فالقود" إما فاعل أي فيجب القود، وإما مبتدأ حذف خبره: فالقود واجب، وقوله:"عينا" تمييز محول عن الفاعل أي: فيجب عين القود، أو محول عن المبتدإ أي: فعين القود واجبة، والمراد بالعين: الذات. انتهى. العاشر: قد مر أن قوله: "فالقود عينا" هو قول ابن القاسم وهو المشهور، خلافا لأشهب فإنه قال: الواجب التخيير بين القصاص والدية وهو اختيار جماعة من المتأخرين، لا في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يؤدي وإما أن يقاد)

(1)

، ومعنى الحديث على ما للمشهور، إما أن يؤدي إن بذلت له الدية وطاع بها القاتل. قاله ابن مرزوق. وعلى قول أشهب بتخيير الأولياء إن طلب أنَّه الأولياء الدية فإنه يجبر على ذلك إن كان مليا، ويأتي عند قول المصنف:"فلوليه النظر في القتل" الخ أن للولي أن يجبر الجاني على أخذ الدية منه عند ابن القاسم، وأنه خالف أصله. قاله الشبراخيتي.

ولو قال إن قتلتني أبرأتك مبالغة في القود يعني أن القود أي القصاص ثابت لولي المقتول على القاتل، ولو كان المقتول قد قال للقاتل إن قتلتني أبرأتك من دمي فقتله فإنه يثبت القصاص لولي المقتول كما رأيت، وهو قول ابن القاسم وسحنون، ورد بلو القول بأنه لا قصاص عليه. قال ابن الحاجب: ولو قال للقاتل إن قتلتني فقد وهبت لك دمي فقولان، قال ابن القاسم: وأحسنهما أن

(1)

صحيح البخاري، كتاب الديات، رقم الحديث، 6880، صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث، 1355، بلفظ: إما أن يعطى

ص: 15

يقتل، وفي المسألة قول ثالث أنه لا قصاص لشبهة عفو القتيل وتكون الدية عليه في ماله. قال ابن رشد: وهو أظهر الأقوال. انظر الحطاب.

وقال الخرشي عند قوله: "ولو قال إن قتلتني أبرأتك" ما نصه: وكلام المؤلف ظاهر فيما إذا وقع الإبراء قبل إنفاذ القاتل، وأما إذا قال بعد إنفاذ مقاتله: أبرأتك من دمي أو إن مت فقد أبرأتك من دمي فإنه يبرأ منه. انتهى. وقال عبد الباقي: وبالغ على تعيين القود بقوله: ولو قال قبل إنفاذ القاتل إن قتلتني أبرأتك وقتله فيقتل به، لأنه قبل القتل لم يترتب له حق حتى يسقطه، وبعده صار الحق لوليه فله القتل، فإن قاله بعد إنفاذ مقاتله بالغا أو غيره فينفذ ولا يقتل، وحكى عليه القرافي الإجماع كما في التزامات الحطاب لأنه أسقط شيئا بعد وجوبه، وإذا قال له اقطع يدي ولا شيء عليك ففعل فليس عليه إلا الأدب إن استمر على البراءة، فإن رجع فينبغي قبوله

(1)

فيقطع القاطع، وإلا أن يترامى به القطع حتى مات منه فلوليه القسامة والقتل. انتهى.

وقوله: إن استمر على البراءة فإن رجع الخ، قال البناني: فيه نظر والذي يفيده كلام التوضيح وابن عرفة وغيرهما أنه ليس عليه إلا الأدب من غير تفصيل. انتهى. قال عبد الباقي: ولو قال إن قتلت من في ولايتي أبرأتك فقتله قتل به، وفرق بينه وبين اقطع يدي؛ بأن ولاية الإذن فيه مستمرة، وولايته على محجوره تزول بمجرد قتله وصار الحق لعاصبه، ولو قال له: اقتل عبدي ولا شيء عليك أو ولك كذا فقتله، ضرب كل منهما مائة وحبس عاما، وهل للسيد قيمته أم لا؟ قولان لأشهب وابن أبي زيد، وصوب كقوله: أحرق ثوبي أو ألقه في النار أو البحر فلا قيمة عليه إن لم يكن المأذون مودعا - بالفتح - للأمر وإلا ضمن لكونه في أمانته. انتهى.

قوله: ولو قال إن قتلت من في ولايتي أبرأتك الخ، ظاهره ولو كان هذا البرئ هو ولي دم المقتول، وفي مسائل الدماء والحدود من الدر النثير: وسئل رضي الله عنه أي أبو الحسن - عمن عفا عمن يقتل موروثه فقتل هل يحرم بذلك الميراث كالمباشر وهل يسقط قيامه بالدم بذلك أم لا؟ ويتنقل الحق إلى غيره بطلب الدم فكتب بخط يده أن العافي عمن يقتل في الستقبل موروثه إن لم يكن منه

(1)

لفظ عبد الباقي ج 8 ص 5: لأنه أسقط حقه قبل وجوبه.

ص: 16

إلا العفو فلا يحرم به الميراث، وإن وقع منه الأمر وكان المأمور لا يستطيع مخالفته يقاد من الآمر، فهاهنا هنا يحرم الميراث، وإن كان الواقع منه العفو فقام يطلب الدم فقولان: لزوم العفو، والثاني لا؛ لإسقاطه حقا لم يجب. انتهى. وتعليله يدل على أن الثاني أرجح فيشهد لظاهر كلام الزرقاني. والله تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي: ولو قال المقتول لشخص إن قتلتني أبرأتك كان دمي وكذلك اقتلني من غير فرق على المذهب؛ لأنه قبل القتل لم يترتب له حق حتى يسقطه، وبعد الموت صار الحق للولي فله أن يقتل أو يعفو. انتهى. وقال الحطاب: وروى ابن عبدوس: كان قال لرجل اقطع يدي أو يد عبدي عوقب الأمور ولا غرم في الحر والعبد. واعلم أن إسقاط الحق قبل وجوبه أصل مختلف فيه.

تنبيه: قال التتائي: قال في الذخيرة: إنما سمي القصاص قودا لأن العرب كانت تقود الجاني بحبل في رقبته فتسلمه، فسمي القصاص قودا لأنه كان يلازمه. ابن عبد السلام: قال غير واحد: إن هذا الخلاف - يعني الخلاف المذكور بين ابن القاسم وأشهب - مقصور على النفس، وأما الجراح فيرجع أشهب إلى ابن القاسم فيها ولا خلاف فيها، لكن ابن عبد الحكم فيها مثل قول أشهب في النفس. قاله ابن مرزوق.

ولا دية لعاف مطلق يعني أن ولي الدم إذا عفا عن قاتل وليه، فإما أن يصرح بأنه عفا عنه على أن يأخذ الدية، فهذا إن امتنع القاتل منها على مذهب ابن القاسم فللولي الرجوع إلى القصاص، وإما أن يصرح بأنه عفا عنه على غير شيء فهذا يلزمه العفو ولا رجوع له عنه، وأما أن يعفو ويطلق من غير تصريح بدية ولا غيرها فهذا أيضا يلزمه العفو ولا دية له، فمعنى مطلق بكسر اللام لم يقيد بأنه عفا لأجل الدية أو عفا على غير شيء، وفي بعض النسخ: مطلقا بالنصب صفة لمصدر محذوف أي عفوا مطلقا: فإن ادعى العافي المطلق أنه إنما عفا على أن يأخذ الدية لم يصدق في ذلك أي سقط القصاص ولا شيء له، هذا إذا لم يظهر من قرينة حاله أنه أراد الدية، فإن ظهر من حاله إرادة الدية فإنه يحلف أنه إنما عفا لأجل الدية، ويبقى على حقه في القود إن امتنع القاتل من إعطاء الدية.

ص: 17

وإلى ذلك أشار بقوله: إلا أن يظهر من أمره إرادتها أي إرادة الدية، كقوله: لولا فقري ما عفوت عنك ونحو ذلك، فيحلف الولي بالله الذي لا إله إلا هو ما عفا على ترك الدية، وإنما عفا لأخذها، وإذا حلف الولي فإنه يبقى على حقه في القتل إن امتنع القاتل من إعطاء الدية، وإذا أطلق أو وقع العفو مقيدا بها، ففي الشبراخيتي ما يفيد أنه يحمل على دية عمد، وقوله:"إلا أن يظهر إرادتها فيحلف" الخ ظاهره قام بالقرب أو بالبعد، فإنه يحلف ويبقى على حقه حيث امتنع القاتل من إعطاء الدية. وقال مالك وابن الاجشون وأصبغ: لا يقبل إلا إن قام بالحضرة، قال البناني: وظاهر كلام الباجي أنه خلاف المشهور لا تقييد له. انظر مصطفى. وناقش الرهوني مصطفى ومن تبعه بأن كلام الباجي في المنتقى شاهد لا قال ابن عبد السلام والمصنف: يعني في التوضيح من تقييد ذلك بالحضرة. والله تعالى أعلم.

كعفوه عن العبد يعني أن العبد إذا قتل حرا أو عبدا فعفا ولي الدم عن القاتل، وقال إنما عفوت لأخذ العبد أو لأخذ قيمته أو لأخذ قيمة العبد المقتول أو لأخذ دية الحر حيث كان المقتول حرا، فإنه لا شيء له إلا أن يتبين أنه أراد ذلك، فحينئذ يحلف ولي الدم ويخير سيد العبد الجاني بين دفعه ودفع قيمة المقتول إن كان عبدا، ودفع ديته إن كان المقتول حرا، وتكون حالة كما في المدونة. وما في العتبية والوازية من أنها منجمة فيه نظرت لأن الكلام في العمد والعمد لا تنجيم فيه. قاله الشبراخيتي. وعلى هذا فالتشبيه فيما عدا قوله:"ويبقى على حقه إن امتنع". قاله الشبراخيتي. أيضا وقال البناني: جعل ابن مرزوق التشبيه تاما وصرح بأن السيد له الامتناع، والظاهر ما عند الزرقاني من أنه ليس له الامتناع بدليل قوله:"وإن قتل عبد حرا" الخ. انتهى.

تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي وغيره: ويخير سيد العبد الجاني بين دفعه أو دفع قيمته أو دفع قيمة المقتول. انتهى. وفيه نظرت والصواب بين دفعه أو دفع قيمة المقتول. والله أعلم.

تنبيه آخر: مال العبد الجاني لسيده إن فداه أو قتل، وإن أسلمه فهل يتبعه؟ قولان، ومذهبها أنه يتبعه، وأما إن جرح فأرش جرحه يتبعه وجناية العبد على سيده لغو، فإن جنى عليه وعلى غيره خير في فدائه بجناية غيره وإسلامه له كله، وقال أصبغ في عبد ضرب بطن سيدته فأسقطت أنها: تخير في دفع نصيب الأب من دية الجنين ودفع العبد كله له؛ أي للأب. وفي

ص: 18

شرح ابن مرزوق عند قول المصنف: "ويبقى على حقه" ما نصه: في القتل إن امتنع القاتل من إعطاء الدية وهذا الحكم في جميع الأقسام، كما لو كان القاتل عبدا قتل حرا فعفا ولي الدم، وإن أطلق وادعى أنه عفا ليأخذ العبد لم يصدق إلا أن يظهر أنه أراد ذلك فيحلف ويبقى على حقه، وكذا لو عفا سيد العبد المقتول عن عبد هو قاتل عبده المذكور، فإنه إن صرح في عفوه حمل على بها صرح به، وإن أطلق وادعى أنه إنما عفا عن العبد القاتل ليأخذه من عبده أو يفديه سيده بقيمة المقتول لم يصدق سيد المقتول، إلا أن يظهر من حاله أنه أراد ذلك حين عفا فإنه يصدق بعد يمينه ويبقى على حقه في القتل. انتهى.

واستحق وليُّ دم من قتل القاتل يعني أن المكلف إذا قتل معصوما عمدا عدوانا، فتعدى عليه مكلف آخر فقتله عمدا عدوانا، فإن القاتل للقاتل يستحق دمه ولي المقتول الأول، فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه. قال عبد الباقي: ومن قتل شخصا عمدا ثم قتل شخص أو أكثر القاتل عمدا استحق ولي - أي عاصب - المقتول الأول عمدا عدوانا دم من قتل القاتل الأول عمدا عدوانا، فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه.

أو قطع يد القاطع يعني أنه إذا قطع شخص يد شخص عمدا، فتعدى على القاطع شخص فقطع يده، فإن المقطوع يده أولا يستحق قطع يد القاطع الثاني، إن شاء قطع وإن شاء عفا. وقوله:"أو قطع" - أي أو عضو من قطع - "يد القاطع"؛ أي واستحق ولي دم من قتل القاتل واستحق ولي عضو من قطع يد القاطع، فعضو المحذوف معطوف على دم مضاف إلى من موصولة بقطع. والله تعالى أعلم. وقوله:"ولي" هو في مسألة القتل أجنبي وفي مسألة القطع المجني عليه، قال الشبراخيتي: والمراد بالولي من له الاستيفاء وهو العاصب في القتل، وأما في الجرح فهو المجني عليه. وظاهر المصنف سواء قطعها من موضع قطع الأول أم لا. انتهى. وفي الشامل: ولو قطع الأول من المنكب والثاني من الكوع، فللمقطوع من المنكب قطع الأول أي قطع ما بقي من يد الأول أو قطع الثاني من الكوع ولا شيء له غير ذلك فيهما، وقال محمد: له قطع الثاني من الكوع مع قطع ما بقي من يد الأول إلى المنكب، واستحسنه اللخمي واستبعده غيره، فإن قتل شخص القاطع عمدا وصالح أولياؤه قاتله على مال أو خطأ ووجبت فيه الدية، فقيل لا شيء

ص: 19

للمقطوع في العمد وقيل له، وأما الخطأ فله يعني من الدية. قاله عبد الباقي. وما ذكره المصنف في المسألتين هو المشهور وهو في المدونة، ومقابل المشهور مروي عن ابن عبد الحكم وهو أنه لا شيء في ذلك؛ لأن الجناية لم تتعلق بذمة الجاني وإنما تعلقت بنفسه أو عضوه وقد ذهب. قاله ابن مرزوق. والله تعالى أعلم.

كدية خطإ يعني أن من استحق دم شخص لكونه قتل أخاه - مثلا - عمدا، ثم قتل شخص الشخص المذكور خطأ، فإن لمستحق دمه أخذ الدية وليس لأوليائه مقال معه في أنه إنما له قصاص لا مال؛ لأنه لا استحق دمه صار وليه، ويجري مثل ذلك في غير النفس، كقطع شخص يد شخص اليمنى عمدا وقطع آخر يد القاطع اليمنى خطأ، فشمل كلامه هذين. قاله عبد الباقي. ونحوه للشبراخيتي، فإنه قال: كدية خطإ في نفس أو طرف، ومثل الدية القيمة إذا كان الجاني عبدا وهو تشبيه في الاستحقاق إلى آخر كلامه.

فإن أرضاه ولي الثاني فله هذا مفرع على قوله: "هو استحق ولي دم" الخ، وعلى قوله:"كدية خطإ"، ومعنى كلامه أنه إذا أرضى ولي المقتول الثاني ولي المقتول الأول، فإن أمر القاتل الثاني ينتقل له أي لولي المقتول الثاني، يعني في المسألتين أي في قتل الثاني خطأ أو عمدا بعد أن قتل عمدا، فهو راجع لما قبل الكاف وما بعدها. قاله غير واحد. والله تعالى أعلم.

وإن فقئت عين القاتل أو قطعت يده ولو من الولي بعد أن أسلم له فله القود يعني أن القاتل إذا تعدى عليه شخص أجنبي أو ولي الدم، ففقأ عينه عمدا وقطع يده مثلا عمدا فله القصاص على من فعل ذلك عمدا، سواء كان الفاعل أجنبيا أو ولي الدم، وسواء فعل ذلك ولي المقتول بالقاتل بعد أن أسلم إليه ليقتله أو فعله قبل أن يسلم إليه؛ لأن أطراف القاتل معصومة بالنسبة إلى مستحق الدم وإلى غيره، وفي قطع يده خطأ الدية وكذا لو فقئت عينه خطأ ففي ذلك الدية، فالحاصل أن أطراف القاتل عمدا إذا جنى عليها خطأ ففيها الدية، كان الجاني عليها المستحق أو غيره، فقول المصنف:"بعد أن أسلم له"، فقبل أن يسلم إليه أحرى، وحاصل ما للمصنف أن القاتل معصوم من غير المستحق دمه، وأما أطرافه فمعصومة من المستحق وغيره، وقوله:"ولو من الولي"، قال ابن مرزوق: هذا القول الذي أشار إليه المصنف بلو قول ابن شأس، وروى أصبغ في

ص: 20

الواضحة عن ابن القاسم: لا يقاد من أولياء الدم لأن النفس كانت لهم وليعاقبهم الإمام. وفي النوادر: ومن كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم: وإذا حكم الإمام بقتل القاتل فضربه المحكوم له ضربتين قطع بالأولى يده وقتله بالثانية، فإن لم يتعمد ذلك فلا شيء عليه من أدب ولا غيره، وإن تعمد ذلك فالأدب فقط. وقال ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم في القاتل عمدا يدفع إلى أولياء المقتول ليقتلوه فقطع واحد يده وآخر رجله ثم قتلوه، قال: لا يقاد منهم لأن النفس كانت لهم وليعاقبهم الإمام على ذلك. انتهى. وفي الشامل: ولو غاب أي الولي عليه فوجد مقطوع اليدين والرجلين، فقال: أردت قتله فاضطرب فحصل ذلك فإنه يصدق. انتهى. وظاهره بغير يمين، ولا شيء عليه لأنه ادعى أن ذلك جاء من سببه، وأما إن جنى عليه خطأ ولم يدع أنه كان سببه؛ كأن يقر أنه فقأ عينه خطأ فإنه يغرم له هو وعاقلته [ديتها]

(1)

وهو جلي. انتهى.

ولما قدم أن شرط القصاص أن لا يزيد القاتل على المقتول بالحرية أو الإسلام، أفاد أن العكس لا يمنع من ذلك وأن الأدنى يقتل بالأعلى، فقال: وقتل الأدنى بالأعلى يعني أن الأدنى إذا قتل من هو أعلى منه فإنه - أي الأدنى - يقتل بسبب قتله للأعلى، ومثل للأدنى وللأعلى بقوله كحر كتابي مثال للأدنى، بعبد مسلم يعني أن الحر الكتابي إذا قتل عبدا مسلما، فإنه يقتص من الحر الكتابي فيقتل به لأن الإسلام هو الذي يعلو ولا يعلى عليه، ومن المعلوم أنه لا يتوازى حرية الكافر وإسلام العبد فالإسلام صاحبه هو الأعلى والكفر صاحبه هو الأدنى، قال الشبراخيتي: وقتل الأدنى بالأعلى منه كحر كتابي يقتل بعبد مسلم لأن زيادة الإسلام أعلى من الحرية، بخلاف العكس فلا يقتل رقيق مسلم بحر كافر، وإنما قال: قتل ولم يقل اقتص لأنه لا يقتص كان الأدنى للأعلى في الأطراف كما يأتي. انتهى.

وقال عبد الباقي: كحر كتابي يقتل بعبد مسلم لأن زيادة الإسلام أعلى من الحرية، إذ حرية الإسلام لا توازيها حرية الكافر، بخلاف العكس فلا يقتل عبد مسلم بحر كتابي، كما مر في قوله:"ولا زائد حرية أو إسلام" ولا يرد على المصنف ما يأتي من أن المرتد إذا جنى على عبد

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من عب ج 8 ص 6.

ص: 21

مسلم فإنه تؤخذ منه قيمته مع أن المرتد أدنى منه؛ لأنه إن قتل زمن الاستتابة فيحتمل أن يعود للإسلام، وإن قتل بعدها فإن استمر على ردته قتل لردته وإن أسلم فيقدر أنه جنى وهو حر مسلم على عبد مسلم، لما يأتي من قوله:"وقدر كالمسلم فيهما"، وقوله:"كحر كتابي بعبد مسلم" هو المشهور، ومنهم من لاحظ الحرية فقال: لا يقتل الحر الذمي بالعبد المسلم ويضمن قيمته لأنه كسلعة، قال ابن مرزوق: وهذا ضعيف لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وعلى المشهور أن الحر الذمي يقتل بالعبد المسلم، فاختلف هل للسيد الخيار أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا خيار له وليس له أن يعفو للدية وهو بمنزلة من يقتل الحر فليس له إلا القتل أو العفو على غير شيء، وقال أصبغ ومحمد: له أن يأخذ الدية لأنه مال أتلفه.

الحطاب: وفهم من كلام المؤلف حيث جعل الحر الكتابي أدنى من العبد المسلم أن العبد المسلم لا يقتل إذا قتل الحر الكتابي وهو كذلك، قال في التوضيح: وحكى صاحب البيان الاتفاق على ذلك، قال ابن الحاجب: وسيد العبد مخير في فكاكه بالدية وإسلامه فيباع لأوليائه، قال في التوضيح: يعني بدية الحر الذمي ويباع لأولياء الذمي لعدم جواز ملك الكافر للمسلم، وظاهر كالأمه أنه إذا بيع يدفع جميع الثمن لأولياء الذمي، وإن كان أكثر من ديته وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقاله مالك، وقال مطرف وابن الماجشون: إن فضل فضل فلسيده. أصبغ: والأول أصوب. انتهى من التوضيح. اهـ.

والكفار بعضهم ببعض يعني أن الكفار يقتص لبعضهم من بعض، فالمجوسي واليهودي والنصراني كلهم يقاد لبعضهم من بعض، ولهذا قال: كتابي ومجوسي ومُؤَمَّنٍ فالكتابي يقتل بالكتابي وبالمجوسي، والمجوسي يقتل بالكتابي والمجوسي، وسواء ذكرانهم وإناثهم، فتقتل الأنثى بالأنثى وبالذكر، كما يقتل الذكر بالذكر والأنثى، ويقتل المؤمَّن بالمؤمَّن أي الكافر الذي دخل بلد الإسلام بأمان، كما يقتل بالذمي من مجوسي وكتابي، ويقتل الذمي مجوسيا أو كتابيا بالمؤمَّن. قال عبد الباقي: ويقتل الكفار بعضهم ببعض لأن الكفر كله ملة واحدة، ويقيد كلام المصنف بتكافؤ الحرية والرقية، فلا يقتل حر كافر بعبد كافر، لقوله:"ولا زائد حرية". انتهى. وقال الشبراخيتي: وقتل الكفار غير الحربيين لأنهم ذكروا أنه لا يقتص من الحربيين، وظاهره لمسلم

ص: 22

أو كافر بعضهم ببعض، ثم أتى "بمِنْ" لبيان الجنس، فقال:"من كتابي" نصراني أو يهودي ومجوسي فيقتل النصراني بالنصراني وباليهودي وبالمجوسي، ويقتل اليهودي باليهودي وبمن ذكر والمجوسي كذلك لأن الكفر كله ملة واحدة، "ومؤمن" اسم مفعول من دخل دار الإسلام بأمان. انتهى. وعلم مما قررت أنه لا يلتفت في القصاص بينهم لانحطاط دية المجوسي، فالقصاص ثابت على الكتابي بقتله للمجوسي. ابن عرفة: ذوو الكفر سواء في القصاص بينهم المجوسي كالكتابي فيه. نقله الواق. وقوله: "ومؤمن" الظاهر أنه عطف على وصف محذوف أي: ذمي.

كذوي الرق يعني وكما أن دماء الكفار متكافئة وإن اختلفت أديانهم وصفاتهم، كذلك دماء الأرقاء متكافئة وإن اختلفت صفاتهم من القن الخالص وذي الشائبة، كمن فيه عقد حرية كائنا ما كان، فيقتل بعضهم ببعض كقتل الكفار بعضهم ببعض، فيقتل المكاتب وأم الولد بالقن كما يقتل هو بهما. قال في التلقين: الحر لا يقتل بعبد ولا بمن بعضه رق ولا بمن فيه عقد من عقود العتق من مكاتب أو مدبر أو أم ولد ومعتق بعضه أو إلى أجل، ويقتل كل هؤلاء بالحر، ثم قال: وكل من لا يقتص لهم من الحرية لنقصان حرمتهم بالرق فدماؤهم متكافئة يقتص لبعضهم من بعض، وإن رجح أحدهم على الآخر لعقد من عقود العتق أو بحصول بعض الحرية ما لم يكن حرا كامل الحرية. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: كذوي الرق مبعض وإن قل جزء رقه ومكاتب ومدبر وأم ولد ومعتق لأجل وإن قرب فيقتص لبعضهم من بعض، وكامل الرق وغيره سواء. انتهى.

فرع: إذا كان السيد عبدا وقتل عبده ففي القصاص قولان نقلهما ابن سلمون، ثم قال: وفي الزاهي لابن شعبان: ومن قتل عبده لم يقتل به وإن كان عبدا. انتهى. نقله الحطاب. وقال التتائي عند قوله: ذوي الرق: وكامل الرق وغيره سواء، واستحسن اللخمي أن لا يقتص من المعتق بعضه، وكأن المصنف لم يعد استحسانه قولا، فلذا قال: لا خلاف فيه عندنا. انتهى.

وذكر وصحيح وضدهما يعني أن الذكر يقتل بضده وهو الأنثى، فيقتل الذكر بالأنثى وتقتل الأنثى بالذكر، كما يقتل الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى، وكذلك يقتل الصحيح بالسقيم والسقيم بالصحيح، كما يقتل الصحيح بالصحيح والسقيم بالسقيم. قوله:"وضدهما" أي ضد الذكر

ص: 23

والصحيح، فضد الذكر الأنثى وضد الصحيح السقيم. قال في المدونة: وإذا قتل الصحيح سقيما أجذم كان أو أبرص أو مقطوع اليدين والرجلين عمدا قتل به، وإنما هي النفس بالنفس لا ينظر إلى نقص البدن وعيوبه، ويقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل وفي الجراح بينهما القصاص. انتهى. وإنما حصل التكافؤ بين الرجل والمرأة ومن ذكر معهما، لقوله تعالى:{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} كما ذكر في المدونة. قاله ابن مرزوق. وقال عبد الباقي: وذكر وصحيح وضدهما، فيقتل ذكر بأنثى وصحيح بأجذم ونحوه، ويقتل كامل الأعضاء بناقصها ويجري مثل ذلك في القصاص بينهم في غير النفس أيضا ويصح في ذكر وما بعده الجر، عطفا على "كذوي الرق" والرفع عطفا على "الأدنى". اهـ. وقال التتائي: وذكر وصحيح وضدهما فيقتل الذكر بالأنثى والصحيح بالسقيم، ولا ينظر لنقصان فيقتل كامل الأعضاء بناقصها ولا للعيوب ولا لصغر وكبر، لأن القصاص في النفوس:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} . والله تعالى أعلم. انتهى. وقال المواق: في المدونة: وغيرها لغو فضيلة الذكورية والعدالة والشرف وسلامة الأعضاء وصحة الجسم، لحديث:(المسلمون تتكافؤ دماؤهم)

(1)

، وفي دياتها: إن قتل الصحيح سقيما أو أجذم أو أبرص أو مقطوع اليدين والرجلين عمدا قتل بد، وإن اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبية عمدا قتلوا بذلك. انتهى.

وإن قتل عبد - حرا أو عبدا - عمدا وثبت ذلك عليه ببينة مطلقا أي في الحر والعبد، أو قسامة في الحر بأن يقول: قتلني فلان أو يقيم وليه عدلا بالقتل ويقسم أولياؤه في الصورتين، خير الولي للمقتول أولا في قتل العبد واستحيائه، وإنما خير الولي أولا لأن القاتل عبد والعبد سلعة فلذا لم يتعين القود، فلو قتل الحر حرا لتعين القود لأن الحر لا يملك، فإن اختار قتله فواضح وإن استحياه فلسيده الخيار ثانيا في أحد أمرين، إما إسلامة في جنايته أو فداؤه بدية الحر أو قيمة العبد المقتول، وإيضاح كلام المصنف أن العبد إذا ثبت عليه أنه قتل عبدا مثله أو حرا ببينة أو ثبت عليه بقسامة أنه قتل حرا، كما لو قال الحر قتلني فلان العبد أو قام شاهد عدل بالقتل وأقسم الأولياء في الصورتين، فإن ولي الحر أو سيد العبد البيت يخير بين أن يقتص من العبد وأن

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2751. سنن ابن ماجه، كتاب الديات رقم الحديث، 2683.

ص: 24

يعفو عنه على أن يأخذه، فإن اقتص منه فلا إشكال وإن عفا عنه أخذه، وهو معنى قول المصنف:"فإن استحياه" أي استبقى ولي الدم العبد على أن يأخذه، فلسيد العبد حينئذ الخيار بين إسلامه وفدائه بدية الحر وقيمة العبد المقتول، والقسامة التي ذكر المصنف إنما تكون في الحر كما عرفت، وأما العبد الميت فلا قسامة فيه إذ لا قسامة في العبيد، وهذا الذي ذكره المصنف نحوه في المدونة. وقوله: أو بقسامة وليس لولي الحر فيما إذا قام شاهد واحد أن يحلفوا يمينا واحدة ويأخذوا العبد إذ لا يستحق دم الحر إلا ببينة عادلة أو قسامة.

وقوله: "خير الولي فإن استحياه" الخ هو ظاهر على قول أشهب أَن القود غير متعين، وأما على قول ابن القاسم أن القود متعين أو العفو، فالجواب عن ذلك - والله تعالى أعلم - أن العبد سلعة من السلع ومال يتملك، فلما جاز قتله جاز أخذه رقا، والحر ليس بشيء يتملك فلم يجز الانتقال إلى أخذ ماله إلا بطوعه، وأيضا فإن الحر يقول يبقى مالي لورثتي ولا حجة لسيد العبد؛ لأنه إن قتل أو أخذ ذلك عليه سواء لأنه يزول عن يده في الوجهين، والحر أيضا يقول أنا أرجو أن يكون في القود كفارة لي، فلهذا ونحوه لم يأخذوا ماله، ولا حجة لسيد العبد في العبد لا وصفنا فأمرهما مفترق. انتهى. وعلى الثاني من هذه الفروق يحوم ابن عبد السلام وحوله يدندن والله الستعان. خالد ابن غازي. نقله البناني.

وللشبراخيتي: أن هذا في قوة الاستثناء من قوله: "فالقود عينا"، ونحوه لعبد الباقي. ومفهوم قول المصنف:"عمدا" أنه في الخطإ يخير سيده في إسلامه وفدائه بالدية. قاله غير واحد.

قال مقيده عفا الله عنه: يريد في قتل الحر، وأما لو قتل عبدا خطأ فإنه يخير بين إسلامه وفدائه بقيمة العبد المقتول، وقوله:"ببينة" وأما لو أقر العبد بأنه قتل فليس لولي المقتول استحياؤه على أن يأخذه لاتهام العبد على تواطئه مع الولي، فإن استحياه لذلك بطل حقه إلا أن يدعي أنه جهل ذلك، ومثله يجهل فإنه يحلف ويبقى على حقه في القتل، فإن قتل العبد المسلم حرا ذميا خير سيده في فدائه بدية الذمي وإسلامه، فيباع لولي الدم إذ لا يبقي مسلم تحت يد كافر، وله ما زاد لا لسيده على الأصح كما في الشامل. قاله عبد الباقي.

ص: 25

ولما فرغ من الكلام على ما يتعلق بالركن الثاني، شرع يتكلم على الركن الثالث وهو القتل الموجب للقصاص، وهو ضربان: مباشرة وتسبب وتكلم على الأول أولا، فقال: إن قصد ضربا يعني أن المكلف شروطه المتقدمة إذا قتل المعصوم الذي مر ذكره فإنما يقتص منه بشرط أن يقصد أي يتعمد الضرب الذي مات المعصوم من أجله. قال البناني: عبارتهم تقتضي أن القصاص في العمد العدوان، فنبه المصنف على العمد بقوله:"إن قصد ضربا"، وأما العدوان فالظاهر أنه أشار له بقوله:"عداوة" بجعله راجعا لا قبل الكاف وما بعدها، وإنما أتى بالكاد للفصل بقوله:"ولا قسامة" الخ، والعدوان هو ما كان غضبا لا لعبا ولا أدبا. قاله ابن مرزوق وغيره.

واعلم أن القتل على وجوه: الأول أن لا يقصد ضربه كرميه شيئا أو حربيا فيصيب مسلما فهذا خطأ بإجماع فيه الدية والكفارة، الثاني أن يقضي الضرب على وجه اللعب فهذا خطأ على قول ابن القاسم وروايته في المدونة خلافا لمطرف وابن الماجشون، ومثله إذا اقصد به الأدب الجائز وأما إن كان للنائرة والغضب فالمشهور أنه عمد يقتص به إلا في الأب ونحوه فلا قصاص بل دية مغلظة. الثالث أن يقصد القتل على وجه الغيلة فيتحتم القتل فلا عفو. قاله ابن رشد في المقدمات. ومثله في المتيطية. انتهى.

وقال عبد الباقي: إن قصد أي تعمد القاتل ضربا وإن بقضيب يعني أنه إذا تعمد الضرب فقتله فإنه يقتص منه، سواء تعمد ضربه بآلة يقتل مثلها عادة أو تعمد ضربه بآلة لا يقتل مثلها غالبا كالقضيب ونحوه، وقوله:"إن قصد ضربا وإن بقضيب"، قال عبد الباقي: وفعل ذلك لعداوة أو غضب فيقتص منه وإن لم يقصد قتلا، خلافا لابن شأس إلا الأب فلا بد من قصده القتل لابنه كما يأتي تفصيله، وأما غيره فيقتل سواء لم يقصد قتله أو قصد قتله بعينه، أواعتقد أنه زيد فتبين أنه عمرو، أو اعتقد أنه زيد بن فلان فتبين أنه زيد بن آخر فيقتل به في هاتين الصورتين كالأولى، ويدل للأولى من هاتين قاتل خارجة فإنه قتله معتقدا أنه عمرو بن العاصي، فتبين أنه خارجة فقتلوه ولم يلتفتوا لقوله: أردت عمرا وأراد الله خارجة.

والفرق بين هذه والتي بعدها وإن استويا حكما أن قصده في هذه إنما تعلق بعمرو ولو كان خارجة ما قتله، وفي التي بعدها هو تعلق قصده بقتله الذات العينة قطعا ولكنه أخطأ في اعتقاده في

ص: 26

نسبه، وقولي: لغضب أو عداوة تحرز عما إذا قصد ضرب اللعب أو الأدب فمات أو فقأ عينه أو كسر رجله فالدية على عاقلته إن بلغت الثلث وإلا فعليه، ومحل عدم القصاص إن كانت الآلة يؤدب بمثلها وإلا كلوح اقتص منه كعاين عامد للقتل بعينه مع علم ذلك منه وتكرره، وقوله:"إن قصد ضربا" أي لمكافئ مع علمه بذلك، وأما إن قصد ضرب شيء معتقدا أنه غير آدمي أو آدمي غير محترم لكفره أو زناه محصنا أو أنه حربي فتبين أنه آدمي محترم فلا قصاص عليه ولو تكافآ، وإنما هو من الخطإ ففيه الديه كما وقع في قضية من قتله المسلمون معتقدين كفره فتبين أنه مسلم فوداه عليه الصلاة والسلام ولم يقتل به أحدا، ويحلف في ظنه حربيا كما في الشارح في باب الجهاد، وهل يحلف في بقية صور الخطإ أم لا؟ لأنه يظهر في غيرها أقوى من ظهوره فيها، وألحق بالخط، من رش ولدا صغيرا بماء فغشي عليه ومات من وقته لأنه ليس على وجه الغضب، ومنه من قتل شخصا بالحال فلا يقتل به عند الشافعية وليس منصوصا عندنا. انتهى. وقوله: بالحال أي أمده بالسر الإلهي فلم تطقه ذاته ولا يصح قياسه على العاين فقد استبعده غير واحد. والله تعالى أعلم. وقوله: خلافا لابن شأس، لم يقتصر ابن شأس على هذا بل ذكر ذلك في القصاص المتفق عليه، ثم قال: فأما إن لطمه أو وكزه فمات فيخرج على الروايتين في نفي شبه العمد وإثباته، فعلى رواية النفي هو عمد يجب فيه القصاص وهو مذهب الكتاب، وعلى الرواية الأخرى في إثباته الواجب فيه الدية دون القود. انظر مصطفى.

وقوله: أو اعتقد أنه زيد الخ، لزوم القود في هذه هو الصحيح وبه جزم ابن عرفة أولا، خلاف ما نقله بعد عن مقتضى قول الباجي. قاله البناني. وقال ابن مرزوق: قوله: "إن قصد ضربا وإن بقضيب" هذا هو الركن الثالث وهو الجناية وشرطها أن تكون؛ عمدا احترازا من الخطإ، عدوانا أي ظلما احترازا من القتل، قصاصا - مثلا - مَحْضًا احترازا مما ليس بمحض التعمد بل هو محتمل كشبه العمد عند من أثبته في قتل الأب ابنه وغير ذلك. انتهى.

وقال المواق من المدونة، من تعمد ضرب رجل بلطمة أو وكزة أو حجر أو بندقة أو قضيب أو عصا أو غير ذلك، ففي كل القود إن مات بذلك. انتهى. وقال الحطاب: قوله: "إن قصد ضربا" يريد على وجه الغضب لا على وجه اللعب والأدب، قال في المقدمات: فإن قصد الضرب ولم يقصد

ص: 27

القتل وكان الضرب على وجه الغضب فالمشهور عند مالك المعروف من قوله أن ذلك عمد والقصاص فيه. وقال صلى الله عليه وسلم التوضيح: وأما اللعب ففي المقدمات ثلاثة أقوال: أولها انه خطأ وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة. انتهى. وقال في الشامل: فإن كان في اللعب فخطأ على الأصح، وثالثها إن تلاعبا معا فكذلك وإن ضربه ولم يلاعبه الآخر فالقود. انتهى.

وقال الحطاب قوله: "إن قصد ضربا" يريد قصد ضرب من لا يجوز ضربه، وسواء قصد الشخص المضروب نفسه أو قصد أن يضرب شخصا عدوانا فأصاب غيره. انتهى. قال البناني: وقع في الحطاب وتبعه الخرشي أنه إذا قصد ضرب شخص فأصابت الضربة غيره أنه عمد فيه القود وهو غير صحيح، فقد نص ابن عرفة وابن فرحون في التبصرة وغيرهما أن حكمه حكم الخطإ لا قود فيه فانظره. انتهى. قوله: قصد ضرب شخص وأصابت الضربة غيره، الفرق بين هذا وبين ما مر أن هذا قصد ضرب زيد فالتوت يده نحو عمرو مثلا، وما مر قصد ضرب زيد على أنه عمرو ولو كان زيدا ما ضربه فتبين أنه زيد، أو قصد ضرب هذه الذات سواء كانت زيدا أو عمرا أو غيرهما ولكن اعتقد الضارب أنه زيد مثلا. والله تعالى أعلم.

كخنق يعني أنه إذا خنق شخص شخصا فمات من خنقه فإنه يقتص منه، ومنع طعام يعني أنه إذا منع شخص شخصا من الطعام حتى مات فإنه يقتص منه، ومَثَقَّلٍ يعني أنه إذا قتل إنسانا بمثقل فإنه يقتل به وراع شروط الجاني والمجني عليه في الثلاثة، قال عبد الباقي: وشبه في القصاص لا مثال لأن منع الطعام ليس بفعل. قوله: "كخنق ومنع طعام" أو شراب قاصدا قتله بلا تأويل حتى مات فيقتص منه، وما مر له من ضمان الدية فمع تأويل ودخل في منع الشراب منع الأم ولدها لبنها حتى مات فتقتل إن قصدت موته لا مجرد تعذيبه، فالدية على عاقلتها قياسا على ما مر في الأب من أنه لابد مع الضرب من قصد موته وإلا لم يقتل. انتهى. قوله:"ومنع طعام " أو شراب قاصدا قتله قال البناني: تقدم أن قصد القتل ليس بشرط في القصاص في الضرب، ولفظ ابن عرفة: من صور العمد ما ذكر ابن يونس عن بعض القرويين أن من منع فضل مائه مسافرا عالما أنه لا يحل له منعه وأنه يموت إن لم يسقه قتل به وإن لم يل قتله بيده، وبهذا يجمع بين ما هنا وما تقدم في الذكاة، لحمل ما في الذكاة على التأول. انتهى.

ص: 28

وقال ابن مرزوق: لا يشترط في المكلف أن يكون ضربه بآلة مخصوصة كما يقوله أبو حنيفة في المحدد، بل يقاد منه وإن ضرب بقضيب أو لكزة أو وكزة أو بندقة أو غير ذلك، وكذا لو خنقه أو منعه من الطعام والشراب أو أحدهما حتى مات أو طرح عليه حجرا أو نحوه وهو مراده بالمثقل. انتهى. وقال الشبراخيتي: كخنق تشبيه وتصوره ظاهر ومنع طعام والشراب كالطعام كما في الجواهر وذكره ابن مرزوق، أو مثقل كالضرب بحجر عظيم أو خشبة لها حد أولا وهو مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا في القتل بمحدد من حديد أو حجر له حد أو خشبة أو كان معروفا بقتل الناس، كالمنجنيق والإلقاء في النار. انتهى. وقوله:"كخنق" بفتح الخاء وكسر النون، وقال التتائي عند قوله "ومنع طعام" ما نصه: وسواء طعام نفسه أو غيره. انتهى.

واعلم أن في المدونة: فأما من حفر في غير ملكه بئرا لماشية أو شفة فلا يمنع فضله من أحد، وإن منعوه حل قتالهم، فإن لم يقو المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشا فدياتهم على عواقل المانعين والكفارة على كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء مع وجيع الأدب. انتهى. قال ابن مرزوق: ذكر ابن يونس أن مسألة المدونة هذه متأولة الخ.

ولا قسامة إن أنفذ مقتله يعني أنه إذا أنفذ الضارب مقتلا من المضروب أي قطع له محلا من المقاتل الخمسة المذكورة في باب الذكاة، فإنه يقتل بلا قسامة، وإن عقل المضروب بعد ذلك أو تكلم أو شرب أو مات مغمورا أي وكذلك يقتل أيضا إذا لم ينفذ له مقتلا، ولكنه لم يفق المضروب من لدن ضرب ولا عقل ولا تكلم ولا أكل ولا شرب حتى مات، هذا مراده بقوله:"مغمورا" كأنه من الغمر وهو التغطية التي حصلت على عقله، فإن الضارب في الوجهين - أعني إنفاذ المقتل وموت المضروب مغمورا - يقتل به غير قسامة أي من غير أن يكلف أولياء الدم أن يحلفوا خمسين يمينا أن وليهم إنما مات من ضرب الضارب، وذلك بين لأنه مع إنفاذ القاتل يتحقق الموت، ولذلك لا تؤكل المنفوذة المقاتل بالذكاة لكونها في حكم الميتة، وموته أيضا مغمورا من لدن الضرب دليل على أن موته منه، ومفهوم الشرط أنه إن ضربه ولم ينفذ مقتله ولم يمت مغمورا ثم مات بحديث يظن أو يشك أن موته من ذلك الضرب أنه لا يقاد من الجاني حتى يحلف ولاة الدم

ص: 29

خمسين يمينا أنه إنما مات من ضربه، فمنطوق المصنف صورتان ومفهومه صورة واحدة. والله تعالى أعلم.

تنبيه: يؤخذ من قوله: "ولا قسامة إن أنفذ مقتله" أن من أجهز على شخص بعد إنفاذ مقتل من مقاتله لا يقتل المجهز وإنما يقتل الأول وهو كذلك، ويبالغ في عقوبة المجهز لأنه اجترم أمرا عظيما. هذا نص يحيى عن ابن القاسم. وفي سماع أبي زيد: يقتل به الثاني فقط وعلى الأول الأدب؛ لأنه بعد إنفاذها معدود من جملة الأحياء يرث ويوصي بما شاء من عتق وغيره والأول أظهر. قاله ابن رشد. قوله: يرث كموت أخيه قبل زهوق روحه، ويورث كما إذا كان له أخ عبد أو كافر فأسلم بعد إنفاذ مقتله أو أعتق ثم مات منفوذ المقتل. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: إن أنفذ - بالبناء للفاعل أي الفعل والفاعل والبناء للمفعول - مقتله: كأن قطع وريده أو نخاعه أو شق مصرانه، وسواء مات عاجلا أو عاش أياما ولو أكل أو شرب.

وتقدم بيان المقاتل في الذكاة أو مات مغمورا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات كما في المدونة وزاد عقبه: فإن أكل أو شرب وعاش حياة تعرف بعد ذلك ففيه القسامة في العمد والخطإ، إذ لعله مات من أمر عرض له بعد الضرب، وكذا إن مكث يوما أو يومين يتكلم ولم يأكل ولم يشرب، وكذلك إن قطع فخذه فعاش يوما وأكل وشرب ثم مات آخر النهار ففيه القسامة.

وكطرح غير محسن العوم عداوة يعني أنه إذا طرح من لا يحسن العوم في نهر - مثلا - لأجل عداوة بين الطارح والمطروح فمات المطروح، فإنه يقتص من الطارح، قال البناني: يتحصل من كلامهم أنه إن تحقق أنه يحسن العوم فلا قصاص ألقاه لعبا أو عداوة، وأنه إن تحقق أنه لا يحسن العوم فالقصاص مطلقا، وإذا جهل ففي العداوة القصاص وفي اللعب لا قصاص بل الدية. انتهى. زاد عن عبد الباقي صورة يقتص فيها وهي: ما إذا علم أنه يحسن العوم ولكن ظن أنه لا ينجو لشدة برد أو طول مسافة. انتهى. وقال البناني أيضا: فقول المصنف: "غير محسن العوم" أي في نفس الأمر والملقي جاهل. انتهى. وعبارة عبد الباقي: "وكطرح غير محسن العوم" في نفس الأمر عداوة، سواء علم أنه يحسن ذلك لكن ظن أنه لا ينجو لشدة برد أو طول مسافة يمل بها

ص: 30

من العوم أو يعيى فيغرق، أو علم أنه لا يحسن العوم أو شك في ذلك وكذا لعبا وهو يعلم أنه لا يحسن العوم، فيقتص منه في هذه الأربع بدون قسامة.

وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لم يكن الأمر كذلك بأن طرحه عالما أنه يحسن العوم عداوة أو لعبا، ولم يظن في مسألة العداوة أنه لا ينجو لشدة برد أو طول مسافة على ما قال عبد الباقي، أو طرحه شاكا في كونه يحسن العوم على وجه اللعب، فالدية مخمسة كما هو ظاهرها لا مغلظة كما هو قول ابن وهب، فالصور سبع: أربع فيها القصاص وثلاث فيها الدية، وقال الشبراخيتي عند قوله "وإلا فالدية": وهل دية خط، مخمسة وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب؟ وقيل: مغلظة، وقيل: إن كان اللعب على وجه المعتاد مخمسة وإن خرج عن المعتاد فمغلظة. قاله اللخمي. انتهى. وفي الميسر: وانظر لو قصد تعليمه العوم والظاهر لا قود. انتهى. وما استظهر: ظاهر وهو في النص كذلك وفيه الدية فقد سمع أبو زيد ابن القاسم: من طلب غريقا فأخذه ثم خاف الموت فتركه لا شيء عليه، ولو ذهب يعلمه العوم فعاقه ذلك، ضمن ديته. ابن رشد: ديته على العاقلة. نقله القلشاني عند قول الرسالة: والسائق والقائد والراكب الخ. والله تعالى أعلم. وقوله: "وكطرح" عطف على قوله: "كخنق".

ولما فرغ من الكلام على المباشرة، شرع يتكلم على التسبب فقال: وكحفر بئر هذا معطوف على ما قبله يعني أن من حفر بئرا في أي موضع، وإن كان قد حفره ببيته قاصدا بذلك هلاك شخص معين، وهلك فيه ذلك المقصود بعينه فإنه يقتص من الحافر، قال ابن مرزوق: يعني أن من حفر بئرا وإن كان ذلك الحفر في بيته، وأحرى أن يضمن إذا حفر في غير بيته وكان ذلك الحفر المذكور قصدا للضرر لإنسان معين وهلك من ذلك الفعل ففيه القصاص. انتهى. وقال الخرشي: والمعنى أن من حفر بئرا في موضع لا يجوز حفره فيه كطريق السلمين، أو حفرها في موضع يجوز له حفرها كبيته وقصد بذلك هلاك شخص وهلك فيه ذلك العين فإنه يقتل به. انتهى.

ووضع مزلق يعني أن من وضع مزلقا بطريق السلمين كماء أو قشر بطيخ قاصدا ضرر شخص معين فهلك من فعله ذلك الإنسان العين فإنه يقتص منه، أو ربط دابة يعني أن من ربط دابة بطريق المسلمين شأنها أن تؤذي وهو يعلم ذلك، وقصد بذلك إذاية شخص معين، وهلك من فعله ذلك

ص: 31

الشخص المعين، فإنه يقتص من رابط الدابة. وعلم مما قررت أن قوله: وطريق قيد في الصورتين قبله، وفي المدونة: من وضع سيفا بطريق المسلمين أو بموضع لقتل رجل فعطب به الرجل قتل به. انتهى.

واتخاذ كلب عقور تُقُدِّمَ بالبناء للمفعول، قال الشبراخيتي: نائب الفاعل دل عليه السياق أي تقدم الإنذار فيه لصاحبه.

قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر أن النائب قوله: "لصاحبه"، ومعنى كلام المصنف أن من اتخذ كلبا عقورا أي يعقر ويؤذي بلا سبب ويتحقق ذلك بتكرره منه، وكان اتخاذه له بعد أن أنذره من اتخاذه بأن قيل له: هذا الكلب يؤذي فاترك اتخاذه ليلا تضمن ما أصاب، فلم يلتفت إلى ذلك واستمر على اتخاذه وكان اتخاذه له قصد الضرر لإنسان معين، وهلك بسببه ذلك الإنسان المعين فإنه يقتص من متخذ الكلب.

وعلم مما قررت أن قوله: قصدًا للضرر أي لضرر شخص معين قيد في المسائل الأربع، وكذا قوله: وهلك المقصود أي هلك ذلك الإنسان المعين بنفسه. والله تعالى أعلم. وإلا أي وإن لم يهلك المقصود المعين بل هلك غيره في المسائل الأربع أو فعل الأمور الأربعة بقصد ضرر غير معين من آدمي محترم أو دابة لا يجوز إتلافها فهلك بها آدمي أو غيره، فالدية في هلاك عاقل وقيمة غيره، وفي الخرشي أن قوله:"وإلا فالدية" شامل لصورتين؛ الأولى أن يقصد ضرر شخص معين فيهلك غيره، الثانية أن لا يقصد شيئا معينا. ومفهوم قصد الضرر أنه لو لم يقصد ضررا فلا شيء عليه وهو كذلك ولكن على تفصيل. انظره في الكبير. ولو قال: وإلا فالضمان لكان أشمل؛ يعني لشموله القيمة حيث كان الهالك غير آدمي بأن كان بهيمة أو كان الهالك عبدا. والله تعالى أعلم.

قال الشبراخيتي: واعلم أن حاصل مسألة البئر أنه إذا لم يقصد بحفرها ضررا، فإن حفرها في محل لا يجوز له كالطريق ضمن ما تلف بها لأن فعلها في الطريق يحمل على قصد الضرر، وإن كان في محل يجوز له فلا ضمان عليه وإن حفرها لقصد الضرر ولو في محل يجوز له، فإن حفرها

ص: 32

[لإهلاك]

(1)

شخص غير معين فإنه يضمن ما هلك، وإن حفرها [لإهلاك]

(2)

سارق غير معين وهلك فيها غير آدمي فالظاهر الضمان، وإن حفرها [لإهلاك]

(3)

في شخص بعينه فإن هلك ذلك الشخص اقتص منه، وإن هلك غيره ضمن ديته هذا هو الصواب، وإن حفرها لمن يجوز قتله كحفرها في بيته أو حائطه للسبع فلا يضمن ما هلك فيها من آدمي سارق أو غيره، وإن حفر بئرا حول زرعه لمنع الدواب عنه خشية أن تفسده فلا ضمان عليه، وإن حفرها لإتلاف دواب الناس ضمن. انتهى.

وقال عبد الباقي: "وإلا فالدية" في هلاك عاقل وقيمة غيره، كحفر بئر لطريق لأجل مطر أو حفره بجانب زرعه أو لإتلاف دواب ولم يحظر عليها، فإن حظر عليها أو حفرها لمنع دواب عن زرعه لم يضمن التالف ولو عاقلا. وقوله: فالدية على العاقلة في قصد سارق معين وهلك غيره منهم، وفي قصد جنس سارق فهلك واحد أو أكثر من غيرهم. وأما منهم ففي ماله وإن لم يقصد بحفر بئر ببيته ضرر أحد بل حفره لضرورة عرضت له فوقع فيها إنسان أو غيره فلا ضمان عليه ولا قصاص ولا دية بل هدر، وكذا لو حفر سربا مما يعمل مثله للماء بأرضه أو داره فمات به إنسان لم يضمن. قوله: كحفر بئر بطريق لأجل المطر الخ، قال البناني: هذا إذا كان في الحفر ضرر وإلا فلا ضمان عليه. قال في التوضيح عند قول ابن الحاجب: والتسبب كحفر بئر الخ، نص مالك على أنه لو حفر شيئا مما يجوز له في داره أو في طريق المسلمين مثل بئر المطر لا غرم عليه لا عطب في ذلك كله. أشهب: وهذا إذا لم يضر ما حفره بالطريق. انتهى. قال عبد الباقي: واعترض قوله: "تقدم لصاحبه" فإنه لا فائدة لهذا الشرط بالنسبة لقصد معين وهلك الذي هو منطوق المصنف؛ إذ يقتل به حينئذ تقدم فيه إنذار أم لا، وإنما فائدته في مفهوم قوله:"قصدا للضرر" أي فإن اتخذه لا لقصد الضرر فعليه الدية إن تقدم له فيه إنذار ويزاد فيه قيد وهو أن يتخذه بمحل يجوز له اتخاذه فيه، كإهلاك سبع وصائد دواب، فإن اتخذه بمحل لا يجوز

(1)

في النسخ: لا لهلاك، والمثبت من العدوي ج 8 ص 8.

(2)

في النسخ لا لهلاك والمثبت من العدوي ج 8 ص 8.

(3)

في النسخ لا لهلاك والمثبت من العدوي ج 8 ص 8.

ص: 33

اتخاذه فيه ضمن ما أتلفه تقدم له فيه إنذار أم لا حيث عرف أنه عقور، وإلا لم يضمن لأن فعله حينئذ كفعل العجماء. انتهى.

قال أبو الحسن: قال ابن سهل: ضمنه. ابن القاسم: بأحد وجهين، إما أن يتقدم له وإما أن يتخذه بحيث لا يجوز وقد علم [بعقره].

(1)

قاله الرهوني. وقوله: وهلك المقصود فيقتص من الفاعل في الفروع الأربعة مع المكافأة أو المقتول أعلى. قاله الشبراخيتي. وقال عند قوله: "ووضع مزلق" واعلم أنه إن فعله في الطريق ولم يقصد به الضرر فهو محمول على قصد الضرر، وإن فعله في محل يجوز له فإن قصد إتلاف آدمي بعينه محترم وتلف اقتص منه وإن تلف غيره أو فعله لإتلاف سارق لا بعينه أو لإتلاف ما لا يجوز إتلافه وتلف به آدمي فإنه يضمن ديته، وإن فعله لإتلاف ما يجوز إتلافه فلا يضمن ما تلف به من آدمي أو غيره. وقال الشبراخيتي عند قوله "أو ربط دابة بطريق". فإن قصد به إهلاك شخص بعينه وهلك اقتص منه وإن هلك غيره ضمن ديته، وإن لم يقصد إهلاك شخص بعينه فإن قصد به إهلاك من لا يجوز إهلاكه وهلك بذلك آدمي محترم ضمن ديته، وإن هلك غيره كدابة ضمن قيمته وإن لم يقصد به ضررا أصلا، فإن اتخذ ذلك لحاجة فلا ضمان، وإن جعل ذلك مربطا لها ضمن.

ومن اتخذ دابة معروفة بالعداء ببيته ولم يفعل بها ما يمنعها من العداء الذي عرفت به، ففي المواق ما يفيد أن حكمها حكم الكلب العقور فيجري فيها تفصيله. انتهى. وفيه عند قوله:"وكلب عقور" ما نصه: لا يختص بالكلب بل يشاركه فيها كل حيوان مؤذ يتخذ والجدار المائل، والعقور ما يعقر ويؤذي بلا سبب من العقر وهو الجرح ولا يتحقق ذلك إلا بتكرر ذلك منه. انتهى.

وقال الشبراخيتي عند قوله: "تقدم له": واعلم أنه إن اتخذه لإهلاك معين محترم اقتص منه إن وجدت المكافأة وما يعتبر في ثبوت القصاص، وسواء كان عقورا أم لا، وإن هلك غيره ضمنه وإن اتخذه لإهلاك من لا يجوز إهلاكه وأهلك آدميا محترما ضمن ديته، وسواء كان عقورا أم لا،

(1)

في النسخ العقر والمثبت من الرهوني ج 8 ص 16.

ص: 34

اتخذه في محل يجوز له أم لا، وإن هلك غيره ضمن قيمته، وإن لم يتخذه لإهلاك من لا يجوز إهلاكه. فإن كان غير عقور فلا ضمان، سواء اتخذه في محل يجوز له أم لا؛ لأنه من العجماء التي فعلها جبار أي هدر، وإن كان عقورا فإن اتخذه في محل لا يجوز له كما إذا اتخذه لحراسة الدار ضمن إن أنذر أو علم أنه يعقر الناس، وإن اتخذه في محل يجوز له كالزرع والضرع ضمن إن أنذر عند حاكم أو غيره وإلا لم يضمن، وليس مثل الإنذار هنا علمه أنه يعقر الناس، خلافا لابن مرزوق. انتهى المراد منه.

تنبيه: فهم من قول المصنف: "وهلك المقصود" أن معنى قوله: "قصدا للضرر" لإنسان معين. قاله الشبراخيتي. والله تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي عند قوله "وإلا فالدية" ما نصه: إن كان الهالك حرا والقيمة إن كان الهالك غيره، وقوله:"فالدية" أي على العاقلة في مسألة ما إذا قصد جنس السارق فهلك واحد أو أكثر منهم، فإن دية من هلك في مال الحافر، وإن هلك من غير السراق فالدية على عاقلته. انتهى.

وكالإكراه يعني أنه إذا أكره إنسان إنسانا على قتل إنسان آخر فإنه يقتص من المكره بالكسر ومن الكره بالفتح، قال عبد الباقي: فيقتل المكره بالكسر لتسببه والمكره بالفتح لمباشرته إن لم تمكنه مخالفة الآمر خوف قتله، فكلامه مجمل يفصله الآتي له في قوله:"فإن لم يخف المأمور اقتص منه فقط". انتهى. ونحوه لغير واحد.

وتقديم مسموم يعني أنه إذا قدم الإنسان مسموما من طعام أو شراب أو لباس وهو عالم بذلك فمات المقدم إليه ذلك من استعماله وهو غير عالم أنه مسموم، فإنه يقتص من المقدم بكسر الدال. قال عبد الباقي: وتقديم مسموم من طعام أو شراب أو لباس عالما مقدمه بأنه مسموم ولم يعلم به الآكل، فإن لم يعلم به مقدمه أو علم وعلم به الآكل أيضا فلا قصاص ولا أدب على المقدم فيما يظهر. انتهى. قولد: ولا أدب على المقدم الخ، قال الرهوني: فيه نظر لأنه أعان على معصية هي أكبر المعاصي بعد الشرك بالله، ففعله معصية قطعا، فكيف لا يؤدب؟ انتهى. وقال ابن مرزوق: قال في ديات التهذيب: ومن سقى رجلا سما فقتله فإنه يقتل بقدر ما يرى الإمام. قوله: سقى رجلا سما أعم من أن يسقيه إياه صرفا أو يسقيه إياه في ماء أو لبن ونحوه وهو الظاهر، وهذا هو

ص: 35

الذي يوافق كلام المصنف لأن السموم صفة لمحذوف أي شيئا مسموما، وما في النوادر صريح في موافقته كلام المصنف.

ورميه حية عليه يعطني أنه إذا رمى حية على إنسان وهي حية فمات، فإنه يقتص منه وإن لم تلدغه. قال عبد الباقي: ورمي حية يعلم أنها قاتلة وهي حية عليه فمات وإن لم تلدغه، خلافا للشيخ داود، وتبعه التتائي في صغيره فيقتص منه ولا يقبل منه أنه أراد اللعب، وأما رميه الصغيرة التي لا تعرف بأنها قاتلة على وجه اللعب، فلا يقتل به إن مات من الخوف، أو كانت ميتة فرماها على وجه اللعب فمات من الخوف فلا يقتل به أيضا بل الدية عليه في الصورتين، فإن كان على وجه العداوة قتل به. انتهى.

وتحصل من كلام عبد الباقي أنه إذا رمى حية على إنسان وهي حية يعلم أنها قاتلة فمات فزعا أو من لدغها عنها فإنه يقتص منه، خلافا للشيخ داود فيما إذا مات خوفا فإنه لا يقتل به يعني أنه خطأ، وأما إن لم تكن قاتلة فمات من الخوف ورماها على وجه اللعب فإنه لا يقتل به، وإن كان على وجه العداوة قتل به. انتهى. فعلم منه أنها إذا كانت غير قاتلة في العادة وكان رميه على وجه العداوة قتل به، مات من لدغها أو من الخوف، وإن كان على وجه اللعب ومات من الخوف فلا يقتل به، ولم يعلم منه ما إذا مات من لدغها وكان رميه على وجه اللعب؟ وفي الشبراخيتي ما يفيد أنه في هذه الحالة لا يقتل به. والله تعالى أعلم. وكان ينبغي للمصنف أن يزيد: حية.

وكإشارته بسيف فهرب وطلبه وبينهما عداوة هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها بتنكير إشارة، يعني أن من أشار على رجل بسيف فهرب المشار عليه منه وطلبه الشير باتباعه إياه، والحال أن بينهما أي بين المشير المتبع والمشار عليه الهارب عداوة ولم يزالا كذلك حتى مات الهارب خوفا منه، فإنه يقتص من المتبع بلا قسامة هذا إن مات من غير سقوط؛ بأن مات وهو قائم مستند بحائط مثلا. وسواء كانا راكبين أو ماشيين أو مختلفين.

وإن سقط حال هروبه منه فيقتص منه بقسامة أي لا يقتص من المشير المتبع إلا بعد أن يقسم أولياء المشار عليه الهارب أنه مات من فعل المشير المتبع لا من السقوط، فحينئذ يقتص منه وإنما

ص: 36

طلبت القسامة لاحتمال أنه مات من السقوط، وينبغي تقييده بما إذا كان بينهما عداوة وإلا فخطأ. قال عبد الباقي: وإشارته أي وإن مات مكانه فإشارته عليه فقط أي على غير هروب مر المشار عليه ولا اتباع من المشير، والحال أن بينهما عداوة فهو خطأ منه، فعلى العاقلة الدية مخمسة. قاله التتائي. أي بغير قسامة كما هو ظاهره، وانظر إذا لم يكن بينهما عداوة هل الدية بقسامة أو لا دية؟ قاله عبد الباقي.

وكالإمساك للقتل يعني أن من أمسك إنسانا لأجل أن يقتل فقتل فإنه يقتص منه بشرط أن يعلم أنه لولا المسك لم يقدر على قتله، قال الشبراخيتي: وكالإمساك للقتل أي أن من أمسلا شخصا لمن يرى أنه يقتله فقتله فإنه يقتل كل منهما، وبقي قيد آخر تركه المصنف وهو: أن يعلم أنه لولا المسك لم يقدر على قتله وارتضاه ابن عرفة: والظاهر أن الدال الذي لولا دلالته ما قتل المدلول عليه كالممسك للقتل لتوافقهما معنى واللام للتعليل، وإن أمسكه وهو يرى أنه إنما يريد ضربه بما يضرب به الناس لا يرى أنه عمد لقتله، فإنما يقتل القاتل ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة. انتهى. وقولي: بشرط أن يعلم أنه لولا المسك الخ اعلم أنه ليس المراد علم الممسك؛ لأن الذي في عبارة ابن شأس ومن تبعه أن يعلم بالبناء للمجهول.

وعلم مما قررت أن اللام في قول المصنف: "للقتل" للتعليل وهو الصواب، خلافا لجعل ابن عبد السلام اللام للانتهاء فإنه معترض، ويستدل على أن الممسك أمسكه للقتل بأن يرى الممسك القاتل وبيده سيف أو رمح يطلبه به، وقال ابن مرزوق: ومفهوم العلة في قوله: "للقتل" يقتضي أنه لو أمسكه لغير القتل لم يقتل ماسكه وهو كذلك، ونص المسألة منطوقا ومفهوما آخر كتاب الديات من ابن يونس، قال ابن القاسم: من أمسك رجلا لآخر فقتله، فإن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا به، قال ابن يونس: كمحرم أمسك صيدًا لمحرم فقتله فعليهما جزاؤه، وقال ابن القاسم: وإن لم يظن ذلك وظن أنه يضربه كضرب الناس قتل القاتل وبولغ في عقوبة الممسك وسجن ولم يقتل. انتهى. ومثله في الموطإ لمالك سواء وقال: يسجن سنة لأنه أمسكه ولا يكون عليه القتل، وقال ابن نافع: يجلد بقدر ما يرى من ريبته وناحية صاحبه القاتل، وقال عيسى بن دينار: يجلد مائة فقط، وقال ابن مزين: القول ما قال ابن نافع. انتهى. وفي المدنية: يستدل على قصده

ص: 37

القتل بالإمساك أن يطلبه القاتل وبيده سيف أو رمح فهنا يقتلان معا، وإن لم يكن ذلك فلا قتل على الحابس، وروى الدارقطني أنه صلى الله عليه وسلم، قال: يقتل القاتل ويحبس الممسك. وقال علي رضي الله عنه للمسك: أنا أمسكك السجن حتى تموت.

ويقتل الجميع بواحد يعني أنه إذا قتل جماعة إنسانا فإنهم يقتلون به أجمعون أي قتلوه من غير تمالؤ بدليل ما بعده. قال عبد الباقي: ويقتل الجميع غير المتمالئين - بدليل ما بعده - بواحد قتلوه مجتمعين عمدا عدوانا ومات مكانه أو رفع مغمورًا أو منفوذ القاتل ولم تتميز جنايات كل أو تميزت واستوت، كأن اختلفت وكان في بعضها ما ينشأ عنه الموت ولم يعلم، فإن علم صاحبه قدم الأقوى فيقتل واقتص من الباقي مثل فعله كما يأتي فإن تأخر موته غير منفوذ مقتل وغير مغمور قتل واحد فقط بقسامة، وإن علم من نشأ الموت عن فعله قتل فقط.

والمتمالئون يعني أن المتمالئين على القتل أو الضرب بأن قصدوا جميعا وحضروا، بحيث يكون الذي لم يضرب لو احتيج له لضرب فيقتص منهم حيث مات فورا. قاله عبد الباقي وغيره. سواء قصدوا قتله أو ضربه أو اختلفوا وهذا هو المشهور كما مر للمصنف، حيث قال: إن قصد ضرب فلا فرق بين الواحد والجمع، وفي كلام الأجهوري نظر حيث قال: ويقتل الجميع بواحد إن قصد كل قتله، كما أن قوله:"والمتمالئون" أي المتفقون على قتله إلى آخر كلامه فيه نظر فإنه هو الشاذ، وخلاف المشهور وخلاف مذهب المدونة والموطإ وغيرهما، وكتب أهل المذهب المعتبرة كالموازية والمجموعة والواضحة وغيرها، والثاني رواه العراقيون عن مالك وقالوا به كما في المنتقى وغيره. انظر الرهوني.

وإن بسوط سوط صورتها أن يضربه هذا بسوط ويضربه آخر بسوط وهكذا إلى أن يموت، فقوله:"بسوط سوط" أي من كل واحد سوط والسوط من الآلة التي لا تقتل في الغالب. وفي الموطإ عن عمر رضي الله عنه في الصبي: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به وتخصيصه ممتنع

(1)

؛ لأن صنعاء كانت أعظم المدن في تلك الأقطار والبلاد في زمنه. وقوله: "وإن بسوط سوط" بل ولو لم يل الضرب

(1)

لفظ الشبراخيتي وتخصيص صنعاء لأنها كانت.

ص: 38

إلا واحد بحيث لو استعان بهم لأعانوه. والله تعالى أعلم. ومعنى المتمالئين المجتمعين، قال الجوهري: أبو زيد: مالئته على الأمر ممالأة ساعدته عليه وشايعته. ابن السكيت: تمالئوا على الأمر اجتمعوا عليه؛ وقوله: "وإن بسوط سوط" إغياء فإذا كانوا يقتص منهم وإن لم يضرب كل واحد منهم إلا سوطا واحدا فلأن يقتلوا إذا تمالئوا على أن يضرب كل واحد منهم ضربة بالسيف وغيرها مما هو أقوى من السوط أحرى وأولى بسوط على حذف مضاف أي على ضرب سوط، وسوط الثاني الأولى في إعرابه أن يكون على حذف الواو العاطفة وإن كان قليلا أي بسوط من واحد وسوط من آخر، والباء في بسوط بمعنى: على. انظر ابن مرزوق.

والمتسبب مع المباشر يعني أنه لو تسبب شخص في إهلاك شخص وباشر آخر إهلاكه فإنه يقتل المتسبب مع المباشر أي يقتلان معا هذا لتسببه وهذا لمباشرته بشرط المكافأة، أو كون المقتول أعلى، مثاله: لو حفر إنسان بئرا ليقع فيه معين فيهلك فوقف ذلك المعين على شفيرها فرداه فيها غير الحافر فمات فإنهما يقتلان معا كما عرفت، وقال أبو عبد الله بن هارون: يقتل المردي تغليبا للمباشرة، فلو حفرها لنفسه فرداه غيره فالقود على المردي اتفاقا ولا شيء على الحافر. قاله التتائي. وقوله:"والمتسبب مع المباشر" سواء كان هناك تمالؤ أولا، ومثل المصنف للمتسبب والمباشر بقوله: كمكره ومكره يعني أنه إذا أكره زيد عمرا على أن يقتل بكرا مثلا فقتله فإنه يقتل زيد المكره بالكسر وعمرو المكره بالفتح لتسبب زيد في قتل بكر بإكراه عمرو على قتله، ولمباشرة عمرو لقتله. ومحل قتل المكره بالفتح ما لم يكن أبا، فإن كان أبا فإنه لا يقتل وإنما يقتل المكره بالكسر، وذكر المصنف الإكراه فيما سبق لبيان أنه من الأسباب، [وذكر هنا]

(1)

لبيان من يقتص منه. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: ثم محل قتل المكره بالفتح الراء إن لم يكن أبا وإلا قتل الكره بالكسر وحده، وأما لو أكره الأب شخصا على قتل ولده فقتله فيقتل المكره بفتح، وكذا الأب إن أمره بذبحه أو شق جوفه وقتله كذلك كعلى غيرهما فيما يظهر بحضرته فيهما، أو أمره

(1)

في النسخ: وذكر هذا هنا، والمثبت من الشبراخيتي ج 4 مخطوط.

ص: 39

بمطلق قتله فذبحه أو شق جوفه بحضرته مع قدرته على منعه من تلك الكيفية ولم يمنع، لا إن حضر ولم يقدر على منعه منهما، ولا إن فعلها في غيبته مع عدم أمره بفعلها.

وأشار إلى مثال من أمثلة السبب بقوله: وكأب أو معلم أمر ولدا صغيرا يعني أن الأب إذا أمر ولده الصغير بقتل إنسان فقتله فإن الأب يقتل، وكذلك العلم إذا أمر ولدا صغيرا بقتل إنسان فقتله فإن العلم يقتل، أو سيد بالجر أمر عبدا له مطلقا يعني أن السيد إذا أمر عبده بقتل إنسان فقتله فإن السيد يقتل مطلقا سواء كان العبد صغيرا أو كبيرا، فصيحا أو أعجميا ويقتل العبد البالغ. قال عبد الباقي: وكأب أو معلم أمر كل منهما ولدا صغيرا: ظاهره ولو مراهقا بقتل شخص فقتله، "أو سيد" بالجر عطف على أب أمر عبدا له بقتل أحد فقتله فيقتل الأب والمعلم في الأوليين دون الصغير حرا أو عبدا، لقوله: إن أتلف مكلف وعلى عاقلة الحر نصف الدية، وإن كثر الصبيان الأحرار فعلى عواقلهم وإن لم تحمل كل ثلثا، ويلغز بحملها ما دون الثلث، ويقتل السيد في الثانية مطلقا كان عبده صغيرا أو كبيرا فصيحا أو أعجميا، ويقتل العبد البالغ لا الصغير فالإطلاق راجع لقتل السيد لا العبد لتقييد قتله ببالغ، والعبد الصغير عليه نصف الدية جناية في رقبته لأنه لا عاقلة له، والتقييد بعبده مخرج لعبد غيره فيقتل البالغ دون الآمر لكن يُضرب مائة ويحبس سنة، وكذا إن أمر الأب أو العلم كبيرا. انتهى. وقال الشبراخيتي: فإن كان المتعلم أو الولد كبيرا، فاختلف قول ابن القاسم، ففي سماع يحيى أنه يقتل القاتل ويبالغ في عقوبة الآمر، وروى سحنون أنهما يقتلان معا.

فإن لم يخف المأمور اقتص منه فقطيعني أنه إذا أمر إنسان إنسانا بقتل أحد والحال أن المأمور لم يخف من الآمر فقتله فإنه يقتص من الأمور فقط حيث توفرت شروط القصاص، ويضرب الآمر مائة ويحبس سنة، وإنما لم يقتل المكره لأنه مع عدم الخوف لا يسمى مكرها، ولم يقيد المكره فيما سبق بالخوف فلم يقل: ومكره إن خاف؛ لأنه مع الإكراه لا يكون إلا خائفا، فللة دره في هذه العبارة ولو تنازعا في الخوف فالظاهر أن القول قول مدعي عدمه. انتهى. قاله الشبراخيتي. وقال المواق: صور ابن رشد هنا ست صور، الصورة الأولى: أن يأمر الرجل رجلا آخر حرا أو عبدا لغيره بقتل رجل فيقتله، فلا خلاف أنه يقتل القاتل ويضرب الآمر مائة ويسجن سنة. الصورة

ص: 40

الثانية: أن يأمر الرجل عبد نفسه بقتل رجل فيفعل فإنهما يقتلان جميعا عند ابن القاسم، لم يختلف في ذلك قوله، كان العبد فصيحا أو أعجميا. وقاله أصبغ. الصورة الثالثة: أن يأمر الإمام بعض أعوانه بقتل رجل ظلما فيفعل فلا خلاف أنهما يقتلان معا. الصورة الرابعة: أن يأمر الرجل ابنه الذي في حجره وقد بلغ الحلم أو الصانع لمتعلمه وقد بلغ الحلم أو المؤدب لمن يؤدبه وقد بلغ الحلم بقتل رجل فيفعل، اختلف في هذا قول ابن القاسم، قال في سماع يحيى: يقتل القاتل ويبالغ في عقوبة الآمر، وقال في رواية سحنون: إنهما يقتلان معا. الصورة الخامسة: أن يأمر الرجل ابنه الذي في حجره وقد راهق الحلم ومثله ينتهي عما ينهى عنه أو الصانع لمتعلمه كذلك يعني المراهق الذي لم يبلغ الحلم أو المؤدب من يؤدبه كذلك أيضا، فإن الآمر يقتل ويكون على عاقلة الصبي نصف الدية. الصورة السادسة: أن يكون دون ذلك في السن فلا خلاف أن الآمر يقتل ويكون على عاقلة الصبي نصف الدية. انتهى. والذي للمتيطي: إذا أمر رجل صبيا صغيرا لا يعقل بقتل رجل أو بقتل صبي قتل الآمر أبا كان أو معلما، وكانت على عاقلة الصبي المأمور الدية، وإن كان ممن يعقل وهو دون الحلم أدب ولم يقتل وكان على عاقلة الصبي المأمور الدية. انتهى. قوله: الدية قد تقدم لابن رشد: نصف الدية، وكذا قال المازري. انتهى.

وتحرير ما مر من قوله: "كمكره ومكره" إلى قوله: "فإن لم يخف المأمور اقتص" من المكره والمكره إن كانا بالغين حرين أو عبدين، ولا قصاص على غير البالغ مكرها أو مكرها، حرا أو عبدا. وفي حكم المكره بالفتح العبد حيث أمره سيده، والولد الصغير إذا أمره أبوه أو معلمه أو مؤدبه، فإن كان الولد بالغا في حجر أبيه أو المتعلم بالغا قتل البالغ القاتل، وفي قتل الآمر خلاف؛ فإن لم يكن إكراه وفي في حكمه اقتص من المأمور البالغ فقط، وأما غير البالغ فإنما عليه الدية وأما الآمر فعليه العقوبة في الصورتين كما قاله ابن مرزوق. وقد علمت أن المكره بالفتح إذا كان أبا لا قصاص عليه. انتهى. والخوف هنا بقتل أو شدة أذى كما في التتائي. قاله عبد الباقي.

وعلى شريك الصبي القصاص إن تمالآ على قتله يعني أنه إذا اشترك صبي ومكلف في قتل إنسان فإن المكلف يكون عليه القصاص ولا قصاص على الصبي، وإنما على عاقلته نصف الدية لأن عمده وخطأه سواء، ومحل كون المكلف شريك الصبي يقتص منه حيث تعمد إنما هو إن تمالأ هو

ص: 41

والصبي على القتل: فإن لم يتمالآ عليه فلا قتل على شريك الصبي البالغ وإنما عليه نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة الصبي النصف الآخر. قال عبد الياقي: وعلى المكلف شريك الصبي في قتل شخص القصاص وحده دون الصبي، لعدم تكليفه إن تمالآ على قتله عمدا، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية لأن عمده كالخطإ، فإن تعمد كل منهما قتله من غير تمالؤٍ بأن لم يعلم أحدهما بالآخر فلا قتل على شريك الصبي لاحتمال كون رمي الصبي هو القاتل له، وإنما عليه نصف الدية في ماله ونصفها الآخر على عاقلة الصبي، إلا أن يدعي الأولياء أنه مات من فعل المكلف حال عدم الممالأة فإنهم يقسمون عليه ويقتلونه، فيسقط نصف الدية عن عاقلة الصبي لأن القسامة إنما يقتل بها أو يستحق بها واحد. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وقال المواق من المدونة: إن قتل رجل وصبي رجلا عمدا قتل الرجل وعلى عاقلة الصبي نصف الدية. ابن يونس: يريد إذا تعمدا جميعا قتله وتعاونا عليه. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن المكلف إذا اشترك مع صبي في قتل شخص وتمالآ على قتله فإن القصاص على شريك الصبي وحده، والصبي لا شيء عليه وإنما على عاقلته نصف الدية فقط. قاله في المدونة. فإن لم يتمالآ بأن كانا أو الكبير عمدا فعليه نصف الدية في ماله وعلى عاقلة الصبي نصفها، وإن كانا أو الكبير خطأ فعلى عاقلة كل نصف الدية. انتهى. وفاضل تمالآ ضمير الاثنين وهو الألف التي بعد الهمزة وهو عائد على الصبي وشريكه. قاله ابن مرزوق.

لا شريك مخطئ يعني أنه إذا اشترك مكلفان في قتل معصوم أحدهما مخطئ والآخر متعمد فإنه لا قصاص على الشريك المتعمد، وله عليه نصف دية عمد في ماله وعلى عاقلة المخطئ نصفها الآخر ولا شريك مجنون أي وكذلك لا قصاص على مكلف اشترك هو ومجنون في قتل إنسان، وإنما على الشريك المتعمد نصف دية عمد في ماله وعلى عاقلة المجنون نصف دية. قال عبد الباقي: لا تعمد شريك مخطئ بالهمز ويرسم بالياء ولا شريك مجنون فلا يقتص منه لأنه لا صارف لفعلهما غالبا ولشدته، بخلاف فعل الصبي. وعلى عاقلة المخطئ والمجنون نصف دية خطإ وعلى الشريك المتعمد نصف دية عمد في ماله. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا قاتل شريك مخطئ تعمد شريكه ومخطئ يقرأ بالهمزة ولا ترسم ولا شريك مجنون لأنه لا يدرى القاتل منهما ولا قتل بشك، ولو

ص: 42

قال الأولياء: القتل إنما حصل منه وأقسموا على ذلك كما يفيده كلام الشارح في الكبير والوسط وعلى كل نصف الدية. انتهى. ونحوه للخرشي. وقال التتائي: لا شريك مخطئ تعمد الشريك ولا شريك مجنون فلا يقتص من واحد من شريكيهما إذ لا يدرى القاتل منهما ولا قتل بشك، وفي التلقين: لا يسقط القتل عن المتعمد. انتهى. وقال المواق: محمد: وإن قتل رجلان أحدهما عمدا والآخر خطأ قتل المتعمد وعلى المخطئ نصف الدية. انتهى. وقال ابن مرزوق: أي وليس على المكلف القاصد للقتل إذا شاركه في القتل مخطئ، إما صبي أو مكلف أو شاركه فيه مجنون قصاص. انتهى. زمن المدونة: وكانت رمية الصبي خطأ ورمية الرجل عمدا ومات منهما واحد فأحب إلي أن تكون الدية عليهما معا؛ لأني لا أدري من أيهما مات. ابن يونس: يريد ونصف الدية على الرجل في ماله. انتهى.

وهل يقتص من شريك سبع؟ يعني أنه إذا شارك المكلف القاصد لقتل سبع أو نحوه في قتل شخص؛ كأن يفترس الأسد رجلا ثم يضربه رجل قصدا لقتله فيموت فإنه اختلف على قولين، كمل على المكلف فيها القصاص لقصده القتل أو إنما عليه نصف الدية لأنه لا يدري هذا الموت من فعله أو من الشيء الآخر، ولم يطلع المصنف على نص على الراجح من القولين. قاله ابن مرزوق. وقال الشبراخيتي: وهل يقتص من شريك سبع؟ ونحوه إذا ضربه، والسبع ينهشه ولم يدر هل مات من الضارب أو من نهنش السبع أو إنما عليه نصف الدية في ماله ويضرب مائة ويحبس عاما في ذلك قولان، وأما لو ألقاه للسبع فإنه يقتل به اتفاقا. انتهى. ونحوه قاله غير واحد. وقوله:"وهل يقتص" اعلم أن القول بالقصاص بقسامة والقول بنصف الدية بغير قسامة. قاله عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن القاسم في رواية عيسى فيمن جرح ثم ضربته دابة فمات ولا يدرى من أي ذلك، قال: نصف الدية على عاقلة الجارح، قيل: بقسامة، قال: وكيف يقسم في نصف الدية؟ قال في المجموعة: إذا جرح رجل ثم ضربته دابة أو وقع من فوق جدار فأصابته جراح آخر فمات فلا يدرى من أي ذلك مات فلهم أن يقسموا لمات من جرح الجارح وهو كمرض المجروح بعد الجرح. وقد قال مالك: إذا مرض المجروح فمات فليقسموا لمات من ضربه في العصد والخطإ. ابن المواز: ولو كان إنما طرحه إنسان من على ظهر البيت بعد جرح الأول أقسموا على أيهم شاءوا

ص: 43

على الجارح أو الطارح وقتلوه وضرب الآخر مائة ويسجن عاما. انتهى من ابن يونس. وراجع

(1)

أنت ابن عرفة، ونقله عن ابن رشد أن معنى مسألة الدابة أن جرح الرجل وضربة الدابة كانا معا ومات من حينه، فحمل أمره على موته من الأمرين لاحتمال موته منهما احتمالا واحدا لا يمكن تغليب أحدهما على الآخر. انتهى المراد منه. والله تعالى أعلم.

وجارح نفسه يعني أن المكلف القاصد للقتل إذا شاركه في قتل إنسان ذلك الرجل المقتول نفسه، كأن يجرح رجل نفسه جرحا يكون عنه الموت غالبا ثم يضربه آخر قاصدا قتله فمات، فإنه اختلف في ذلك على قولين، قيل: يقتص من ذلك الرجل نظرا لقصده قتل ذلك الرجل الذي جرح نفسه بقسامة، وقيل عليه نصف الدية في ماله بغير قسامة ولا قصاص عليه؛ لأنه لا يدرى من أي الفعلين مات وهذا إنما هو حيث لم يتمالآ على قتل الرجل الذي جرح نفسه، وأما لو تمالآ على ذلك اقتص منه قطعا. قال عبد الباقي: فلا يجري فيه القولان المذكوران. والله تعالى أعلم. وقوله: "وجارح" عطف على: "سبع".

وحربي يعني أن المكلف القاصد للقتل إذا شاركه حربي في قتل إنسان فإنه اختلف في ذلك على قولين، قيل يقتص من ذلك المكلف الذي شاركه حربي في قتل ذلك الإنسان وإنما يقتص منه بقسامة، ووجه القول بالقصاص كونه قصد قتله، وقيل لا يقتص منه وإنما عليه نصف الدية في ماله بلا قسامة لأنه لا يدرى من أي الفعلين مات. والله تعالى أعلم. وهذا ما لم يتمالئ الحربي والشريك على القتل وإلا اقتص من الشريك قطعا. قاله الشبراخيتي.

ومريض بعد الجرح يعني أن المكلف إذا جرح إنسانا عمدا - ثم إن المجروح مرض بعد ذلك الجرح مرضا مخوفا يحصل فيه الموت غالبا - فإنه اختلف في حكم ذلك على قولين، قيل يقتص منه بقسامة نظرا لعمده: وقيل لا يقتص منه وإنما عليه نصف الدية في ماله بغير قسامة، وأما إن مرض ثم جرحه بعد ذلك المرض فالظاهر القصاص فقط ليس إلا بمثابة من قتل المريض. انظر حاشية الشيخ البناني.

(1)

في المخطوط واحفظ والمثبت من المواق ج 6 ص 280 ط دار الفكر.

ص: 44

وعلم مما قررت أن قوله: أو عليه نصف الدية قسيم "ليقتص"، فهو جار في الفروع الأربعة، وعلم منه أيضا أن قوله: قولان في كل من الفروع الأربعة وهو مبتدأ حذف خبره أي ذلك قولان، قال عبد الباقي: واعترض ذكره الرابعة في القولين بأن الذي تجب به الفتوى القصاص في العمد بقسامة والدية في الخطإ بقسامة. انتهى. واستشكل حكاية المصنف القولين في هذه الفروع على حد السواء وجزمه فيما قبلها أعني قوله: "لا شريك مخطئ ومجنون"، بقول واحد مع أن الخلاف موجود في الجميع، والظاهر في الجواب عنه أنه لعله ترجح عنده ما اقتصر عليه فيما قبل هذه وتساوى عنده القولان وهذه. والله تعالى أعلم. انظر الرهوني. وقال عبد الباقي: والقول بالقصاص في الأربع بقسامة والقول بنصف الدية بغير قسامة، وقوله:"ومريض بعد الجرح" حصول المرض من الجرح. انتهى.

وقوله: "قولان" هما لابن القاسم، قال الشارح: والأحسن عدم القتل. انتهى. قاله التتائي. وقال: والقول بالقصاص إنما هو بالقسامة كما في التوضيح. انتهى. وقال الشبراخيتي: قولان لابن القاسم وحيث قلنا بالقصاص فإنها يكون بقسامة كما في التوضيح، وحيث قلنا بنصف الدية فلا يحتاج للقسامة، وعلى القول بأنه لا قصاص وإنما عليه نصف الدية في المسائل الأربع فإنه يضرب مائة ويحبس عاما، وما ذكره المصنف من الخلاف في المريض خلاف ما تجب به الفتوى من أن الواجب في العمد القصاص بقسامة وفي الخطإ الدية بقسامة. انتهى.

وإن تصادما أي الشخصان مكلفين أو صبيين أو مختلفين أي صدم كل منهما الآخر قصدا، قال في القاموس: الصدم ضرب صلب بمثله والفعل كضرب وإصابة الأمر والدفع وقد صادمه فاصطدما وتصادموا تزاحموا، أو تجاذبا حبلا أو عصا بينهما وكل منهما يد صاحبه أو ثوبه مطلقا راجع للأمرين قبله، أي سواء كانا راكبين أو ماشيين أو مختلفين بصيرين أو ضريرين أو مختلفين قصدا راجع للأمرين أيضا أي قاصدين لذلك أي متعمدين للتصادم أو للتجاذب، فماتا معا في المسألتين أو مات أحدهما فقط، فالقود أي فأحكام القود نفيا أو إثباتا. قال الخرشي مفسرا للمصنف: يعني أن المكلفين أو الصبيين أو أحدهما إذا قصدا التصادم أو التجاذب بحبل أو غيره، بأن جذب كل منهما يد صاحبه فوقعا فماتا معا أو أحدهما فأحكام القود ثابتة بينهما، وسواء كانا راكبين أو

ص: 45

ماشيين أو مختلفين بصيرين أو ضريرين أو مختلفين وهو مراده بالإطلاق، فمن أحكام القود سقوط القصاص إذا ماتا، [و

(1)

] من أحكامه إذا كان أحدهما بالغا والآخر غير بالغ سقوط القصاص عن غير البالغ. أو كان أحدهما حرا والآخر عبدا فلا يقتل الحر بالعبد ويحكم أيضا بأحكام القود فيما لو قصد أحدهما التصادم أو التجاذب دون الآخر. انتهى.

وقال الشبراخيتي: فالقود أي فأحكام القود أي فاللازم أحكام القود، ثم قال: وقال في الشرح: إنما يتأتى هذا فيما إذا مات أحدهما فقط كما هو ظاهر وكانا حرين وكان الميت هو الحر، وأما لو كان هو العبد فلا قود على الحر وتكون عليه قيمته في ماله ومع موتهما لا يتصور القود. انتهى. وقال عبد الباقي: فماتا معا فلا قود لفوات محله والصبيان إذا ماتا بما مر؛ يعني التجاذب أو التصادم وكذلك لا دية لأحدهما على الآخر لفوات محله. انتهى. قوله: والصبيان إذا ماتا بما مر، الخ قال التتائي: فيه نظر لأن فعل الصبيين حكما كالخطإ، فإذا ماتا معا أو أحدهما لزمت الدية ولا يكون هدرا كما زعمه. وفي المواق عن ابن شأس ما نصه: ولو كانا صبيين ركبا بأنفسهما أو أركبهما أولياؤهما فالحكم فيهما كما في البالغين إلا في القصاص. انتهى، وقال في التوضيح: ودية كل من الصبيين على عاقلة الآخر على المشهور. انتهى. وقال ابن مرزوق: الظاهر أن قوله: "قصدا" في موضع الحال أي تصادما قاصدين بتصادمهما متعمدين له لا مخطئين.

وحملا عليه يعني أن المتصادمين أو المتجاذبين إذا جهل حالهما فإنه يحمل تصادمهما أو تجاذبهما على العمد ولا يحملان على الخطإ عند جهل الحال فتجري بينهما أحكام القود. فإذا مات أحدهما وجهل هل وقع تصادمهما أو تجاذبهما عمدا أو خطأ فإنه يقتص من الحي بشروط القصاص، وإذا ماتا معا فإنه يهدر دمهما بفوات القود ولا دية، ولو حملا على الخطإ لوجبت دية كل على عاقلة الآخر.

عكس السفينتين يعني أن السفينتين إذا اصطدمتا ولم يعلم هل اصطدمتا عمدا أو خطأ أو عجزا عن صرفهما فإنهما لا يحملان على العمد ولا على الخطإ، وإنما يحملان على العجز الحقيقي

(1)

الواو ساقطة من الأصلي، والمثبت من الخرشي ج 8 ص 11.

ص: 46

فيكون ما وقع من تصادمهما هدرا كما هو نص المدونة، ولا يحملان على الخطإ لأن الخطأ فيه الدية وضمان الأموال. قال أبو الحسن: مسألةٌ السفينة والفرس على ثلاثة أقسام؛ إن علم أن ذلك في السفينة من الريح وفي الفرس من غير راكبه فهذا لا ضمان عليه، أو يعلم أن ذلك من سبب النواتية في السفينة ومن سبب الراكب في الفرس فلا إشكال أنهم ضامنون، وإن أشكل الأمر حمل في السفينة على أن ذلك من سبب الريح، وفي الفرس على أنه من سبب الراكب. انتهى. ونقله الحطاب.

واعلم أن السفينتين لا قود فيهما، وهذا هو الذي يفيده قول المدونة في السفينة، وإن كانوا قادرين أن يصرفوها فلم يفعلوا ضمنوا. انتهى. ابن يونس: يريد في أموالهم وقيل الدية على عواقلهم نقله ابن عرفة. وقال اللخمي: إن تعمدوا ذلك وعلموا أنه مهلك فالدية في أموالهم. انتهى. قال الحطاب: وهو مشكل لأنه يقتضي أنه إذا تعمد أهل السفينة إغراق أخرى فليس عليهم إلا الدية، والظاهر أنه يجب في ذلك القصاص لأن ذلك بمنزلة طرح من لا يحسن العوم وبمنزلة المثقل فتأمله. انتهى. قاله البناني.

واعلم أن اصطدام السفينتين عمدا الواجب فيه دية عمد، وخطأ الواجب فيه دية الخطإ.

تنبيهات: الأول: لو قال بصير أعمى فوقع البصير ووقع الأعمى عليه فقتله، فقال مالك في رواية ابن وهب: الدية على عاقلة الأعمى.

الثاني: لو سقط ابنه من يده فمات لم يلزمه شيء، ولو سقط من يده شيء عليه فمات فالدية على عاقلته. أشهب: وإن كان الأرش أقل من الثلث، ففي ماله.

الثالث: لو طلب غريقا فلما أخذه خشي على نفسه الهلاك فتركه فمات، ففي الموازية والعتبية عن ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال ابن القاسم فيمن تردى في بئر فصاح لرجل يدلي له حبلا فدلاه له ورفعه، فلما خاف على نفسه من رفعه خلاه فمات، ضمن. ابن عرفة: يفرق بينه وبين طالب الغريق بأن موت الغريق إنما هو بنفس ما كان عليه دون شركة الطالب بفعل ورافعه، من البئر مشاركه بسقوطه من فعل رافعه ولو انقطع الحبل لم يضمن. ولو انفلت من يده ضمن، ومن مر بجازر يقطع لحمه فزاحمه آخر فوقعت يده تحت فأس الجازر فطرح أصابعه، فقيل ذلك على

ص: 47

طارحة، وقيل على عاقلة الجازر وترجع به على عاقلة الطارح، ومن حمل عدلا على بعير لغيره وهو يساربه وسط السوق فانقطع الحبل فسقط عدل على رجل فقتله، فإن الضمان عليه دون صاحب البعير. نقله القلشاني.

الرابع: لو سقط من دابته على رجل فمات الرجل فديته على عاقلة الساقط. قاله أشهب في الموازية والمجموعة. ولو انكسرت سن الساقط وانكسرت سن الآخر، فقال ابن المواز: مذهب أصحابنا أن على الساقط دية سن الذي سقط عليه وليس على الآخر دية، وقال ربيعة: على كل واحد دية ما أصيب، ودليل الأول أن الجناية بسبب الساقط دون سبب الآخر، نقل هذه الفروع الأربعة التتائي عن التوضيح، ونقلها الشبراخيتي أيضا عن التوضيح.

الخامس: قال البناني: قول المصنف: "قصدًا" مقيد بكون القصد لغير مصلحة وإلا فلا قصاص ولا دية كما يقع بين صناع الحبال، فإذا تجاذب صانعان حبلا لإصلاحه فتقطع فماتا أو أحدهما فهو هدر. قاله بعض انتهى.

السادس: قد مر نقل البناني عن ابن عرفة أن ابن يونس قال في قول المدونة في السفينة: "وإن كانوا قادرين أن يصرفوها فلم يفعلوا ضمنوا". انتهى. ما نصه: يريد في أموالهم الخ، قال الرهوني: هكذا هو في الحطاب عن ابن عرفة: وكذا هو في ابن عرفة نفسه ولم أجد هذا الكلام لابن يونس في كتاب الرواحل ولا في كتاب الديات. وإنما وجدت له في كتاب الرواحل عقب كلام المدونة في مسألة أخرى أشار إليها المصنف بقوله: "كنوتي غرقت سفينته" الخ، وأما اصطدام السفينتين فلا شيء عليهم إذا كان أمرا غالبا من الريح لا يقدر على دفعه، ولو علم النوتي أنه يقدر على صرفها فلم يفعل ضمن، وإذا كان في رأس الفرس إلى آخر كلامها الذي اعترض به ابن عرفة على ابن عبد السلام، وقال عقبه: والسفينة لا [يزحزحها]

(1)

شيء والريح هو الغالب فهذا فرق ما بينهما، وإذا غرقت السفينة من [مد]

(2)

النواتية فإن صنعوا ما يجوز لهم من المد والعمل فيها لم يضمنوا، وإن تعدوا وأغرقوا في مد أو علاج ضمنوا ما هلك فيها من الناس

(1)

لفظ الرهوني ج 8 ص 21 يزعزعها ولفظ ابن يونس ج 5 ص 176 يذعرها.

(2)

ساقط من النسخ والمثبت من ابن يونس ج 5 ص 176.

ص: 48

والحمولة. محمد بن يونس: يريد في أموالهم، وقيل إن الدية على عواقلهم. انتهى. فلعل ابن عرفه رحمه الله رأى أن المسألتين في المعنى سواء فذكر ما قاله ابن يونس في إحداهما في الأخرى. والله تعالى أعلم. انتهى.

إلا لعجز حقيقي مستثنى مما دل عليه الكلام السابق أي أن تصادم السفينتين يخالف تصادم غيرهما في الحكم، إلا إذا تحقق العجز عن الصرف عن التصادم فإنهما يستويان في أنه لا ضمان في قال ولا قود في تصادم السفينتين ولا في تصادم غيرهما. انتهى. فبان من هذا أن التصادم في غير السفينتين له أربع حالات أيضا تحقق العمد فالقصاص بشروطه، جهل الحال فالقصاص، تحقق الخطإ فله حكم الخطإ، تحقق العجز فهدر. وأن تصادم السفينتين له أربع حالات أيضا: تحقق العمد فلا قصاص على المشهور لكن الضمان حاصل، ويضمنون دية العمد في العمد، تحقق الخطإ فالضمان حاصل أيضا لكن يضمنون في الأنفس دية خطإ، تحقق العجز، جهل الحال ففي هاتين الحالتين ما وقع من أجل تصادمهم هدر. والله تعالى أعلم.

تنبيه: قال ابن عبد السلام: إذا جمح الفرس ولم يقدر راكبه على صرفه فإنه لا يضمن. انتهى. قال ابن عرفة: قول ابن عبد السلام: إذا جمح الفرس الخ يرد بقول المدونة إن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانا فهو ضامن، وبقولها: إن كان برأس الفرس اعتزام فحمل بصاحبه فصدم فراكبه ضامن لأن سبب جموحه من راكبه وفعله به، إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه. انتهى. نقله البناني. وقوله: اعتزام، قال في القاموس: اعتزم الفرس مر جامحا، وفي المدونة: وإن جمح الفرس فصدم فراكبه ضامن لأن سبب جمحه من راكبه وفعله به إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه، وإن فعل به غيره ما جمح به فذلك على الفاعل، والسفينة في الريح هي الغالبة. انتهى. نقله الحطاب. وقال عقب رد ابن عرفة لكلام ابن عبد السلام ما نصه: وهو ظاهر. انتهى.

إلا لكخوف غرق أو ظلمة راجع لقوله عكس السفينتين أي فيحملان على العجز ولا ضمان، ولا يكون الحكم كذلك إن قدروا على صرف السفينتين فلم يصرفوهما لخوف غرق أو نهب أو أسر إن

ص: 49

صرفوهما فلم يفعلوا حتى تلفتا، أو إحدهما أو ما فيهما من آدمي أو غيره فيضمنون المال في مالهم والدية على عواقلهم، وكذا الحكم إن قدروا على صرف السفينتين عن الاصطدام فلم يصرفوهما خوف ظلمة فإنهم يضمنون المال في مالهم والدية على عواقلهم، فقوله:"أو ظلمة" عطف على "غرق"، وأما لو اصطدموا لكونهم لم يروهم لظلمة فهدر هذا هو المتعين، وأما قول البناني: قال ابن يونس: قال مالك في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما فيها: فلا شيء في ذلك على أحد لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن النواتية لو أرادوا صرفها قدروا على حبسها إلا أن في ذلك هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا فلتضمن عواقلهم دياتهم ويضمنوا هم الأموال في أموالهم، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم، وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم ضامنون

(1)

لما في السفينة ودية من مات على عواقلهم، ولكن لو غلبتهم الريح أو غفلوا لم يكن عليهم شيء. انتهى. فقد رده الرهوني. فعلم أن قوله:"أو ظلمة" معطوف على "غرق"، وأما عطفه على خوف فإنه يقتضي أنهم إذا اصطدموا لأجل ظلمة بسبب أنهم لم يروهم فلأنهم يضمنون وليس كذلك. بل المنقول عن ابن القاسم أنهم لا يضمنون إذا اصطدموا في ظلمة لكونهم لم يروهم، وإذا لم يضمنوا مع الغفلة فأحرى أن لا يضمنوا مع الظلمة.

وقولي: إن قوله "أو ظلمة" عطف على قوله "غرق" أي لخوف الوقوع في ظلمة كالبحر، فإن ما كان منه جنوبيا كان مظلما وما كان منه شماليا كان مشرقا، كما إذا خاف الوقوع في الجنوب لظلمة. وإلا يكن اصطدام المصطدمين من سفينتين أو غيرهما أو تجاذب المتجاذبين مقصودا، بل كان خطأ من الجانبين وحصل منه الموت فدية كل من الآدميين على عاقلة الآخر؛ لأنه عن جناية خطأ وفرسه قيمتها في مال المصادم الآخر ولا خصوصية لفرسه بل ما تلف بسبب التصادم حكمه حكم الفرس. قاله الشبراخيتي، وهو كالصريح في أن السفينة إذا تلفت يضمنها أهل السفينة الأخرى. والله تعالى أعلم.

(1)

في الأصل: ضامنو. والمثبت من بناني ج 8 ص 13.

ص: 50

قال الشبراخيتي: وإن كان من أحدهما خطأ ومن الآخر عمدا، فإن مات أحدهما فقط فإن كان المخطئ اقتص من المتعمد وإن كان المتعمد فديته على عاقلة المخطئ، وأما إن ماتا معا، فقال البساطي: دية المخطئ في مال المتعمد ودية المتعمد على عاقلة المخطئ. انتهى. ثم قال عن بعض شيوخه ما يخالف ما ذكره البساطي، فإنه قال: ولم يذكر الشارح حكم موتهما معا، وكذا لم يذكره التتائي، وذكره بعض شيوخنا فقال: إذا اصطدم بالغ وصبي عمدا وماتا فإن دية البالغ على عاقلة الصبي، ولا دية للصبي لأن قاتله عمدا قد قتل. انتهى. كلام الشبراخيتي. ونحوه للخرشي وعبد الباقي ولفظ عبد الباقي: كان الشيخ البنوفري يقرر فيما إذا ماتا معا أن دم المخطئ هدر، ومثل ذلك اصطدام بالغ وصبي عمدا الخ ما ذكره عن الأجهوري، قال البناني رادا على البنوفري والأجهوري ما نصه: ويقال إذا كان القاتل عمدا قد قتل خطأ فالمستحق لديته ولي مقتوله، لقول المصنف:"واستحق ولي دم من قتل القاتل كدية خطإ". فتأمل. انتهى. وما قاله البناني ظاهر. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله تعالى اعلم.

تنبيه: قد مر قول الحطاب في قولهم: إنه لا قود في السفينتين حيث تعمد أهلهما الاصطدام، وهو مشكل لأنه يقتضي أنه إذا تعمد أهل السفينة إغراق الأخرى فليس عليهم إلا الدية، والظاهر أنه يجب في ذلك القصاص لأنه كطرح غير محسن العوم وكالقتل بالمثقل. انتهى. قال الرهوني: سلم الزرقاني كلام الحطاب هذا كما سلمه غير واحد، حتى إن البناني ارتضى قول ابن عاشر: إن قوله "إلا لعجز" يرجع للسفينتين والمتصادمين؛ أي فيرجع لقوله: "وإن تصادما" ويكون المصنف جاريا على ما استظهره الحطاب في السفينتين من أن القود عند القصد، وفيه ما لا يخفى على كل متأمل أدنى تأمل، أما حمله على ظاهر اللفظ فواضح السقوط؛ إذ كيف يجري المصنف على استظهار الحطاب والمصنف متقدم عليه بأعصار؟ مع أن الحطاب معترف بأن ما قاله بحث له مخالف لظواهر النصوص، وقد رأيت النصوص السابقة الخالفة لبحث الحطاب، ولذلك أنكر ابن مرزوق وجود القول بالقصاص في اصطدام الفارسين، وقياس ذلك على طرح من لا يحسن العوم ووضع مثقل فيه نظر الخ. انتهى المراد منه.

ص: 51

كثمن العبد يعني أنه لو تصادم حر وعبد فماتا فدية الحر في رقبة العبد وقيمة العبد في مال الحر، فإن زادت دية الحر على قيمة العبد لم يضمن السيد الزائد لأنها تعلقت برقبة العبد والرقبة قد زالت، ولو زادت قيمة العبد على دية المص أخذ السيد الزائد، وقد علمت أن جناية العبد حالة لا منجمة وتبع لفظ المدونة في التعبير عن القيمة بالثمن. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي:"كثمن العبد" أي قيمته فإنها في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد حالة لا منجمة، فإذا اصطدما عمدا أو خطأ ففيهما ما ذكر ويتقاصان، فإن فضل من دية الحر شيء لم يضمنه السيد لأنها تعلقت برقبة العبد والرقبة قد زالت، وإن زادت قيمة العبد شيئا أخذه السيد حالا وإنما كان في الحر مع العمد الدية الأن للولي استحياءه حيث كان حيا، ومخير بعد ذلك سيده في فدائه بالدية وإسلامه. فلها لم يكن القتل متحتما ومات تعلقت الدية بقيمة رقبة العبد، وقد ظهر لك التفريق في الحكم بين تصادم الحرين والحر مع العبد. انتهى.

قوله: فإن فضل من دية الحر شيء لم يضمنه السيد الخ: قال البناني: قال ابن يونس: قال ابن المواز: إلا أن يكون للعبد مال فتكون بقية الدية في ماله. انتهى. وقال المواق. قال مالك: إذا اصطدم فارسان ففيت الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر وقيمة فرس كل في مال الآخر، قال مالك: ولو أن حرا وعبدا اصطدما فماتا جميعا فقيمة العبد في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد يتقاصان، فإن كان ثمن العبد أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد العبد في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيء. وقال في رجلين اصطدما وهما يحملان جرتين، فإن انكسرتا غرم كل واحد ما كان على صاحبه، وإن انكسرت إحداهما غرم ذلك له صاحبه، وفي المجموعة والموازية: إن اصطدم فارسان فوطئ أحدهما على صبي فقطع أصبعه ضمناه. وقال ابن شأس: وإن وقع أحدهما على شيء فأتلفه ضمناه. انتهى.

فرع: ذكر في التوضيح أن من دفعه غيره على رجل فمات فعلى الدافع العقل دون المدفوع، وذكر ابن شأس في بصير قال أعمى فوقعا في بئر فماتا أن دية الأعمى على عاقلة الآخر إن وقع كل منهما ناحية أو وقع البصير فوقه والبصير هدر، ولو وقع الأعمى وحده ضمنه البصير، وإن وقع البصير وحده لم يضمنه الأعمى، وكذا لو وقع بصيران في بير فيضمن الأعلى الأسفل ولا شيء

ص: 52

على الأسفل إلا أن يكون الوقوع بسببه، وذكر أن من ارتقى في بئر فجذبه رجل من أسفل فوقعا فماتا فعلى عاقلة الأسفل دية الأعلى. نقله في الميسر.

فإن تعدد المباشر ففي الممالاة يقتل الجميع يعني أن مباشر المل إن كان أكثر من واحدة وهذا معنى قوله: "إن تعدد"، فإن كان أولئك المتعدرون تمالؤا على القتل أي اجتمعوا عليه وقصده جميعهم، فإنهم يقتلون أجمعون. قاله غير واحد. وقد مر أن المعتمد أنهم إن تمالؤا على الضرب يقتل الجميع إن مات ولو لم يتمالئوا على قتله. والله تعالى أعلم. وقوله:"المباشر" فرض مسألة إذ لا فرق في الممالاة بين أن تحصل مباشرة من الجميع وأن لا تحصل إلا من واحد، فإن قلت: قوله "ففي الممالاة يقتل الجميع" مكرر مع قوله: "والمتمالئون وإن بسوط سوط"؟ فالجواب أنه ذكره ليرتب عليه قوله: وإلا يتمالئوا بأن قصد كل واحد قتله بانفراد ولم يتفق مع غيره على ذلك، أو قصد كل واحد منهم ضربه لا قتله ولم يتفق مع غيره على ذلك وجرحه كل أو مات قدم الأقوى فعلا على غيره ويتعين للقتل وحده بقسامة ويقتص من غيره ممن جرح ويعاقب من لم يجرح، وهذا واضح أن تميزت الضربات كما قال المصنف: وأما إذا لم تتميز، فإن قتل مكانه قتلوا، وإن لم يقتل مكانه فقيه القسامة أي يقسم في العمد على واحد يعينوه ويقسموا

(1)

عليه. انتهى. قاله الخرشي.

وقد علمت أنه فهم، من قوله:"قدم الأقوى" أن الأقوى فعلا معروف، فإن لم يعرف الأقوى فهو قولي: وأما إذا لم تتميز فإن قتل الخ.

تنبيه: وقع لعبد الباقي والخرشي عند قوله: "وإلا" يكن تمالؤ بل قصد كل واحد قتله بانفراده أي قصد كل ضربه لا قتله، وجرحه كل ومات ولم يدر من أيها مات، قدم الأقوى فعلا، وزاد عبد الباقي: وهو من مات عن فعله أو أنفذ مقتله وإن لم يكن فعله أشد من فعل غيره، فيقدم على غيره فيقتل بقسامة إلى آخره. قوله: ولم يدر من أيها مات. قال البناني: الصواب إسقاطه لأنه ينافي موضوع المسألة من معرفة الأقوى وهو من مات من فعله أو أنفذ مقتلا. كما قرره به

(1)

في الخرشي: يعينونه ويقسمون عليه، ج 1 ص 13.

ص: 53

فتأمله. انتهى. قال عبد الباقي: وبموته في هذه المسألة علم عدم تكرارها مع قوله: "وإن تميزت جنايات بلا تمالؤ" الخ فيما إذا لم يمت. انتهى.

ولا يسقط القتل عند المساواة بزوالها بعتق أو إسلام يعني أن القاتل والمقتول إذا كانا متساويين عند القتل - ومعنى تساويهما عند القتل أن يكونا كافرين من وقت القتل أو عبدين يدل عليه قوله: "بعتق أو إسلا" - فإن تلك المساواة إذا زالت بعد ذلك بعتق القاتل أو إسلامه، فإن القتل لا يسقط عنه بالانتقال إلى الحال الأعلى؛ لأنه حين القتل وجب عليه القصاص فلا يسقطه شيء، كما لا تسقط التوبة الحدود. قال عبد الباقي: ولا يسقط القتل أي ترتبه الكائن عند المساواة بزوالها بعتق أو إسلام، فإن قتل عبد عبدا مثله عمدا ثم عتق القاتل، أو قتل الكافر كافرا عمدا ثم أسلم اقتص من الحر ومن المسلم؛ لأن المانع إذا حصل بعد ترتب الحكم لا أقوله، وكذا لا يسقط الجرح، فإذا قطع رجل يد حر مسلم ثم ارتد المقطوعة يده فالقصاص في العمد. قاله ابن حبيب. فالضمير في "زوالها" للمساواة وما تقدم، من قوله: ولا زائد حرية أو إسلام شرط في القصاص وما هنا بيان لعدم سقوطه بعد ترتبه، فما هنا مغاير لما مر وهو مفهوم قوله:"حين القتل" وكذا لا يثبت القتل بزوال الزيادة الكائنة عمْد القتل برق كحر كافر قتل عبدا كافرا ثم فر القاتل لدار الحرب ثم أخذ واسترق فلا يقتل به، ومحل قتل الكافر القاتل إذا أسلم في مسألة المؤلف [إن]

(1)

كان للمقتول ولي، فإن لم يكن له ولي إلا المسلمون ندب العفو عنه وعدم قتله كما في المجموعة، وبه يلغز ويقال: شخص قتل من يقتل به وندب عدم قتله؟ قال الوالد: وانظر هذا أي قوله: لم يكن له ولي إلا المسلمون مع أن أمر المقتول الكافر إنما هو لأهل دينه يرثونه ويعقلون عنه، فينبغي أن يكون قصاصه أيضا لهم لا للإمام. انتهى. وقد يجاب بأنه لشرف الإسلام لم يرد الكافر لهم لئلا يتحاكموا في مسلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يسقط القتل ومثله القطع: فإذا قطع رجل يد حر مسلم ثم ارتد المقطوعة يده فالقصاص في القطع، وترك المصنف ذلك هنا للعلم به من قوله:"والجرح كالنفس". انتهى. وقوله: "عند" متعلق بمحذوف أي "ولا يسقط القتل"

(1)

ساقط من النسخ والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 44.

ص: 54

الكائن "عند المساواة"، "بزوالها" متعلق "بيسقط"، "وبعتق" متعلق "بزوالها" وقوله:"أو إسلام" عطف على "بعتق"، وقوله:"بعتق" حصل له بعد قتله عبدا مثله، وقوله:"أو إسلام" من كافر حصل منه بعد أن قتل كافرا مثله، إذ العبرة بالتكافؤ حال القتل. قاله الشبراخيتي. وقال: وكما لا يسقط القتل بما ذكر لا يثبت بزوال الزيادة الكائنة عند القتل بالرق، كحر كافر قتل عبدا كافرا ثم مر القاتل بدار الحرب وأخذ واسترق فإنه لا يقتل به، ولو قتل كافر مثله وأسلم القاتل ولا ولي للمقتول فإنه يستحب العفو عن القاتل لحرمة الإسلام: ويلغز بها فيقال: شخص قتلى من يقتل به ولا يجب قتله، بخلاف المسلم يقتل مسلما لا ولي له إلا المسلمون فإنه لا يجوز للإمام العفو عنه مجانا لأنه ناظر للمسلمين؟ انتهى.

وقال المواق: قال ابن القاسم: إن أسلم النصراني بعد قتله نصرانيا قتل به، فإن لم يكن للقتيل ولي فالعفو عنه أحب إلي. ابن رشد: استحب العفو عنه لحرمة الإسلام، بخلاف المسلم يقتل مسلما لا ولي له إلا المسلمون لا يجوز العفو عنه مجانا لأنه ناظر للمسلمين، فهو كالوصي على الصغير لا يجوز عفوه مجانا ويجوز عفوه نظرا لليتيم. ابن يونس: قال مالك: إذا جرح النصراني والعبد المسلم ثم أسلم هذا وعتق هذا، وقال كل واحد منهما: دمي عند فلان، فإن كان للنصراني أولياء مسلمون وللعبد أولياء أحرار أقسموا مع قوله واستحقوا الدية في مال الجاني ولا قود فيه. انتهى.

ويحسن إيراد هذا الفرع بعد قوله: وضمن وقت الإصابة والموت يعني أنه يعتبر في ضمان الدية وقيمة العبد وقت الإصابة في الجرح ووقت الموت في النفس، ولا يراعى وقت السبب فيهما عند ابن القاسم. وقال أشهب وسحنون: إنما يعتبر وقت السبب، ثم رجع سحنون لموافقة قول ابن القاسم، فلو رمى شخص عبدا فلم تصل الرمية إليه حتى عتق، أو كافرا فلم تصل الرمية إليه حتى أسلم، فإنه يضمن عوض جرح حر أو مسلم عند ابن القاسم، وأما عند سحنون فيضمن عوض جرح عبد أو كافر، فقوله:"وضمن" الخ راجع لفهوم قوله: "عند المساواة بزوالها" الخ؛ أي وإن لم تكن هناك مساواة سقط القتل ووقت الضمان وقت الإصابة في الجرح لا وقت الرمي ووقت الضمان في النفس وقت الموت لا وقت الجرح.

ص: 55

قال عبد الباقي: وإن زالت المساواة في خطإ أو عمد فيه دية ضمن وقت الإصابة في الجرح لا وقت السبب الذي هو الرمي، ووقت الموت في النفس لا وقت السبب الذي هو الجرح. هذا قول ابن القاسم، فمن رمى عبدا أو كافرا فلم تصل الرمية إليه حتى عتق العبد أو أسلم الكافر فإنه يضمن عوض جرح حر أو مسلم عند ابن القاسم، لا عوض جرح عبد أو كافر كما يقوله أشهب، ولو جرح مسلم مسلما فارتد المجروح ثم نزي فمات فلا قود في النفس قطعا، وكذا لا قصاص في الجرح عند ابن القاسم، وقال أشهب: القصاص في الجرح ثابت. انتهى.

وقال البناني عند قوله: "وضمن وقت الإصابة والموت" ما نصه: قد تقدم أنه لا بد في القصاص من استمرار التكافؤ في الحالات الثلاث: حالة الرمي والإصابة والموت، ومتى فقد التكافؤ في واحد منها سقط القصاص، وبين هنا أنه إذا سقط القصاص لفقد التكافؤ بين السبب والمسبب يضمن الدية، وأن المعتبر في ضمانها وقت الإصابة في الجرح ووقت التلف في الموت، ولا يراعى فيه وقت السبب وهو الرمي على قول ابن القاسم، ورجع إليه سحنون خلافا لأشهب. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "وضمن وقت الإصابة والموت": هذا في الخطإ والعمد الذي لا قصاص فيه، وما تقدم أول [الباب

(1)

] في العمد الذي فيه القصاص. انتهى.

تنبيه: قد مر أن المعتبر وقت الإصابة في الجرح عند ابن القاسم ووقت الموت في النفس، واعتبر أشهب وقت الرمي في الجرح ووقت الجرح في النفس، ويعتبر أيضا وقت الرمي في النفس عند أشهب. قال المواق: لو رمى مسلم مرتدا فأسلم قبل وصول الرمية فقتلته أو جرحته، فعليه في قول ابن القاسم - إن مات - الدية في ماله، وإن لم يمت فدية الجرح في ماله، وعلى قول أشهب: لا قصاص على الرامي في وقت لا قود فيه ولا عقل، ولو رمى عبد نفسه ثم أعتقه قبل إصابته، فعلى قول ابن القاسم: عليه الدية، وعلى قول غيره: لا شيء عليه، ولو رمى مسلم نصرانيا فأسلم قبل وصول الرمية فلا قصاص وفيه دية مسلم في قول ابن القاسم، وفي قول أشهب: ديته

(1)

في نسخة: أول السبب، والمثبت من الشبراخيتي ج 4 مخطوط.

ص: 56

دية نصراني، ولو كان مجوسيا ثم تهود فعلى قول ابن القاسم: دية يهودي. وقاله عبد الملك، وقال أشهب: دية مجوسي. انتهى.

ولما أنهى الكلام على الجناية على النفس، شرع في الكلام على الجناية على الجرح، فقال: والجرح كالنفس في الفعل والفاعل والمفعول يعني أن الجرح بالضم وهو ما دون النفس حكمه حكم الجناية على النفس وأفاد بالتشبيه أنه لا يقتص من الكامل للناقص في الفعل أي في الجرح بالفتح وهو إيقاع الجرح بالضم بأن يقصد ضرب عداوة فنشأ عنه جرح، لا للعب أو أدب فلا قصاص فيه، والفاعل أي الجارح من كونه مكلفا غير حربي إلى آخر ما مر، والمفعول أي المجروح بأن يكون المحل الذي وقعت فيه الجناية معصوما للإصابة. قال الشبراخيتي: والجرح بالضم بدليل قولة: "كالنفس" لا بالفتح وإلا لزم تشبيه الشيء بنفسه كالنفس في الفعل أي الجرح بالفتح، وتقدم في قوله:"إن قصد ضربا" أي على وجه العداوة، فما كان على جهة اللعب والأدب لا قصاص فيه:"والفاعل" وتقدم في قوله: "مكلف غير حربي" الخ "والمفعول" وتقدم في قوله: "معصوما للتلف والإصابة". انتهى. ونحوه لعبد الباقي، ففيه أن قوله:"والجرح" بالضم لا بالفتح وإلا لزم تشبيه الشيء بنفسه؛ إذ الجرح بالفتح الفعل. انتهى المراد منه.

وقال البناني: هذه العبارة - يعني عبارة المصنف: "والجرح كالنفس" الخ - في غاية الحسن والرشاقة، والمراد بالجرح ما دون النفس فيشمل القطع والكسر والفقء وإتلاف المعاني من السمع ونحوه وإن خالفته اللغة والاصطلاح. ابن عرفة: متعلق الجناية غير نفس إن أبانت بعض الجسم فقطع، وإلا فإن أزالت اتصال عظم لم يبن فكسر، وإلا فإن أثرت في الجسم فجرح وإلا فإتلاف منفعة. انتهى.

وقال عبد الباقي: ولما أنهى الكلام على الجناية على النفس شرع في الجناية على ما دونها وهو: إبانة طرف وكسر وجرح وإذهاب ومنفعة، وعبر عنه المؤلف هنا بجرح ولعله لكونه الغالب، وأركانه ثلاثة كالنفس. انتهى المراد منه. وقال الخرشي: والمعنى أن الجرح الذي فيه القصاص حكمه حكم النفس في الفعل والفاعل والمفعول، ومراده بالفعل الجرح يعني بالفتح، وبالفاعل الجارح، والمفعول المجروح، أي فيعتبر حال الرمي وحال الإصابة فلا بد من مراعاة جميع

ص: 57

الأحوال، والجرح بالضم بدليل قوله:"في الفعل" لا بالفتح وإلا لزم تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن الجرح بالفتح الفعل. وقوله: "في الفعل" تقدم في قوله: "إن قصد ضربا"، والفاعل تقدم في قوله:"مكلف غير حربي" الخ، والمفعول تقدم في قوله:"معصوما للتلف والإصابة بإيمان أو أمان". انتهى.

إلا ناقصا جَرَحَ كاملا هذا مستثنى من الفاعل، فكان الأولى تأخير قوله:"الفاعل" ليتصل به ما هو مستثنى منه والأمر سهل؛ يعني أن الناقص كالكافر أو العبد إذا جنى على طرف مسلم في الأول وحر في الثاني فإنه لا يقتص للمسلم من الكافر ولا للحر من العبد. قال عبد الباقي: واستثنى من الفاعل وكان الأولى تأخيره ليتصل به قوله: "إلا ناقصا" كعبد أو كافر "جرح كاملا" أي

(1)

جنى على طرف لحر أو مسلم فلا يقتص منه للكامل، لأنه كجناية اليد الشلاء على الصحيحة، وإن كان يقتص له منهما في النفس كما مر في قوله:"وقتل الأدنى بالأعلى" ويلزمه للكامل ما فيه إن كان شيء مقرر يتعلق برقبة العبد وذمة الحر الكافر، فإن لم يكن فيه شيء مقرر فحكومة إن برئ على شين وإلا فليس على الجاني إلا الأدب كما في أحمد. انتهى.

قوله: فحكومة إن برئ على شين يعني وتكون في رقبة العبد كما بينه الحطاب، وقال الشبراخيتي: واستثنى من قوله "والفاعل" قوله: "إلا ناقصا" كعبد أو كافر "جرح كاملا" أي جنى على طرف لحر مسلم كقطع يده مثلا لم يقتص من العبد ولا من الكافر: فلو أخر الفاعل عن المفعول لمسلم من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، وإنما لم يقتص للكامل من الناقص في غير النفس لأن جرحه معه كاليد الشلاء مع الصحيحة. انتهى. وقال التتائي:"إلا ناقصا" كعبد أو كافر جرح كاملا جنى على طرف لحر مسلم، كقطع يد مثلا لم يقتص من العبد ولا من الكافر على ظاهر المذهب وهو المشهور عن مالك، وبه قال الفقهاء السبعة وعليه عمل أهل المدينة. وقال محمد بن عبد الحكم: المسلم بالخيار، إن شاء اقتص أو أخذ الدية وقيل بالقصاص. البساطي: قال بعضهم: وهو الصحيح. انتهى. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: النظر في القصاص في نوعين

(1)

في النسخ: أو، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 14.

ص: 58

في النفس والطرف، فتكلم على النفس ثم قال: النوع الثاني في القصاص في الطرف وذلك شرط في القطع والقاطع والمقطوع كما دكرنا في شروط القتل والقاتل والمقتول، قال الأستاذ أبو بكر: وعَقْدُ الباب أن كل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس من الجانبين يجري في الأطراف، قال: فأما إذا كان أحدهما يقتص له من الآخر ولا يقتص منه الآخر في النفس، فقال مالك: لا يقتص في الأطراف وإن كان يقتص في النفس كالعبد يقتل الحر والكافر يقتل المسلم يقتلان، ولو قطع العبد أو الكافر الحر والمسلم لم يكن له أن يقتص منهما في الأطراف في ظاهر المذهب، ثم نقل عن ابن عرفة عن الباجي: مشهور مذهب مالك: لا قصاص وتلزم الدية. انتهى.

وقال الخرشي عند قوله: "إلا ناقصا جرح كاملا": يعني أن العبد أو الكافر إذا قطع يد الحر المسلم فإنه لا قصاص على العبد ولا على الكافر، وإن كان يقتص له منهما في النفس هذا هو المشهور من المذهب وبه قال الفقهاء السبعة وعليه عمل أهل المدينة، وقال ابن عبد الحكم: المسلم مخير في القصاص أو الدية وقيل بالقصاص وصحح، والاستثناء مستثنى من الفاعل فلو أخره لكان أولى وإنما لم يقتص الكامل من الناقص في الطرف لأن جرحه معه كاليد الشلاء مع الصحيحة. انتهى. وقال الإمام الحطاب: يعني أن الناقص إذا جرح الكامل فإنه لا يقتص من الناقص الكامل، كما إذا جرح العبد الحر والكافر المسلم هذا هو المشهور في المذهب الذي اقتصر عليه صاحب الرسالة، وروى ابن القصار عن مالك وجوب القصاص، قال ابن الحاجب: وقيل إنه الصحيح، وروي: يجتهد السلطان، وروي أن المسلم مخير في القصاص والدية وعلى المشهور، فإن برئ المجروح على غير شين فلا شيء فيه غير الأدب إلا الجراح المقررة، وإن برئ على شين فهو في رقبة العبد يريد في غير الجراح المقررة فإن ديتها المقررة تكون في رقبته.

وإن تميزت جنايات بلا تمالؤ فمن كل كفعله يعني أنه إذا جنى على شخص أكثر من واحد وتميزت جنايات كل عن جناية غيره ولم يكن ذلك عن تمالؤ ولم يمت المجني عليه، فإنه يقتص من كل بقدر جنايته. قال عبد الباقي: وإن تميزت جنايات ولم يمت بلا تمالؤ فمن كل يقتص كفعله أي بالمساحة ولا ينظر لتفاوت الأيدي بالغلظ والرقة، بل يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح يعني بقدر ما جرح عمقا وطولا وعرضا إذا عرف ذلك، وإن تميزت مع التمالؤ فكذلك إن

ص: 59

تعدد المحل كقلع عين من رجل وأخرى من رجل آخر كما ذكر الأبياري أنه الصحيح، فإن اتحد المحل اقتص من الجميع كما في المدونة، وإن لم تتميز ولم يحصل تمالؤ فقال أحمد: انظر هل يقتص من كل واحد بقدر الجميع أو تكون عليهم الدية؟ انتهى. والفرض أنه لم يمت. انتهى كلام عبد الباقي.

وقد جزم أبو علي بالثاني فإنه قال: ومفهوم تميزت أنها إذا لم تتميز مع عدم التمالؤ فإن القصاص ينتفي وهو كذلك أي لا يتأتى أن يقتص من كل كفعله بالضرورة، والحكم في هذه الصورة هو اشتراكهم في عقل الجنايات على حد سواء، بدليل قول النوادر: إذا افترقوا عنه وبه موضحة الخ، وكلام النوادر الذي أشار له هو إذا افترقوا عنه وبه موضحة لا يدرى من شجه أن العقل عليهم أجمعين. قال ابن القاسم: بعد يمينه أنه ما يعرف من شجه إلا أن يكونوا إنما اجتمعوا عليه للموضحة ولها أمسكوه وولي بعضهم شجه أو قطع يده فليقتص منهم بذلك الجرح. وقال البناني: قول الزرقاني: كقلع عين من رجل وأخرى من آخر الخ هذا لا يناسب ما هو فرض المسألة من تعدد الفاعل والمحل، وصوابه لو قال كقلع رجلين عيني رجل وهكذا في الأجهوري ونصه: قوله: "بلا تمالؤ" وكذا لو تميزت بتمالؤ كما ذكر الأبياري أنه الصحيح فيما إذا تمالأ رجلان على فقء عين رجل ففقأ كل واحد عينا أنه يفقأ من كل واحد مماثل ما فقأ، وقول المدونة: فيما إذا تمالأ جماعة على قطع يد شخص فإنه يقطع كل واحد لا يخالفه؛ إذ هو إذا وقع التمالؤ على قطع عضو واحد فتأمله. انتهى. وقول البناني: قول الزرقاني كقلع عين من رجل وأخرى من آخر قلع زيد عين عمرو اليمنى وقلع بكر عينه أي عين عمرو اليسرى، فقوله: من رجل متعلق بقلع تأمل. قاله مقيده عفا الله عنه. قال الرهوني: قول البناني: وهكذا في علي الأجهوري ونصه الخ مثله التاوري وكل منهما سلم ما قاله الأبياري، وقال شيخنا الجنوي: فيه نظر والجاري على القياس أن يقلع من كل واحد كلتا عينيه لأنهما مع التمالؤ؛ كأن كل واحد قلع عينيه. انتهى. قلت: وما قاله رضي الله عنه واضح، وفي قول الأجهوري - فتأمله - إشارة إلى البحث فيه مع أنه لم يقتصر على ما نقلناه عنه، بل زاد بعده ما نصه: وذكر أحمد خلاف هذا وأنه يفعل مع كل مثل ما فعل الجميع حيث تمالؤا على ذلك، وإن لم يباشروا فعل كل محل.

ص: 60

انتهى. ولا وجه لما قاله الأبياري فضلا عن أن يكون هو الصحيح. انتهى المراد منه. والله تعالى أعلم.

وقال ابن عرقة: مقتضى المذهب أنه مهما ثبت تعاونهما على القطع، فلو حبسه أحدهما لمن وجب القطع يعلم أنه يقطعه قطعا وقد شبهها في المدونة باجتماعهما على القتل. انتهى. قاله الرهوني. وقال التتائي: وإن تميزت جنايات من اثنين فأكثر على واحد بلا تمالؤ منهم بأن يقطع أحدهم بعض اليد ويبينها الآخر، أو يضع أحدهم السكين من جانب ويضع الآخر السكين من الجانب الآخر فلا قصاص على كل واحد منهما في جميع اليد، ولهذا قال: فمن كل كفعله ولا ينظر لتفاوت الأيدي في الغلظ والرقة بل يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح إذا عرف ذلك. ابن عبد السلام: لو قطع أحدهما نصف اليد وابتدأ الثاني القطع من حيث انتهى الأول وقطع باقيها، فإن السكين توضع في قصاص الثاني في غير الوضع الذي ابتدأ هو به وتبعه المصنف. ابن عرفة: هذا لا ينفي التماثل لأن الجاني إنما ابتدأ القطع في طرف وكونه كان وسطا وصف طردي، وفي القصاص منه إنما ابتدأ القطع فيه من طرف. عبد الملك: لو قطعه مسلم ونصراني عمدا قطع المسلم ونصف العقل على النصراني مع الأدب، ولو قطع أربعة مسلمون أحدهم خطأ قطعت أيدي الثلاثة، وعلى المخطئ ربع ديتها في ماله.

ثم شرع في بيان ما يقتص منه من الجراح، وما لا يقتص من الجراح، وبدأ بالأول فقال: واهزص من موضحة يعني أن من أوضح عظم إنسان يثبت له القصاص منه بشروطه، وعرف المصنف الموضحة بقوله: أوضحت عظم الرأس والجبهة والخدين يعني أن الموضحة هي التي أوضحت أي أظهرت وأبانت عظم الرأس بأن شقت جميع ما على العظم فظهر، وكذا لو أظهرت عظم الجبهة فإنها موضحة أيضا، وكذا لو أظهرت عظم الخدين فإنها موضحة، والمراد بالإظهار هنا الإفضاء أي وصلت إليه. واعلم أن القصاص ثابت في الموضحة، سواء كانت فيما ذكر أو في غيره من سائر الجسد. قال البناني: قال البساطي: إنما يظهر تعريف الموضحة بما ذكر باعتبار الدية، وأما باعتبار القصاص فلا فرق بين هذه وبين غيرها من موضحات الجسد، فمن حقه أن لا يذكر تفسيرها هنا إذ ليس شرطا في القصاص بل يقول أوضحت العظم، وإنما يحسن تفسيرها في

ص: 61

الديات كما فعل هنالك. انتهى. وجوابه ما في الزرقاني من أن ما أوضح عظم غير ما ذكر هنا لا يسمى موضحة عند الفقهاء، فتفسير المصنف هنا إنما هو معناها في الاصطلاح وإن كان فيها القصاص مطلقا، ويدل له قول المدونة: حد الموضحة ما أفضى إلى العظم ولو بقدر إبرة وعظم الرأس محلها وحد ذلك منتهى الجمجمة وموضحة الخد كالجمجمة. انتهى.

وقال الشبراخيتي: واقتص من موضحة بكسر الضار وذكر مع حكمها موضعها اصطلاحا، وإلا فالموضحة في اللغة هي التي أوضحت العظم مطلقا، فقوله: وهي التي أوضحت أي أظهرت، فهو خبر لمبتدإ محذوف ليكون كالتعريف لها لا صفة لموضحة ليلا يوهم التخصيص أي أبدت وضحه أي بياضه، وأزالت الساتر الذي يحجبه وهو الجلد وما تحته من اللحم في كل ناحية منه سواء، وحد ذلك منتهى الجمجمة لا ما تحتها لأنه من العنق والجبهة وعظم الخدين، ومثل الخدين أحدهما ولا يعتبر أن توضح ماله بال.

بل وإن كان ما أوضحته صغير القدر كإبرة أي قدر مغرز إبرة في موضع من الثلاثة المذكورة، قال التتائي: قال الشارح: الواو من والجبهة للتقسيم؛ إذ ليس المراد أنها لا تكون موضحة إلا بعد حصولها في المواضع الثلاثة، بل المراد أن كل موضع منها إذا حصلت فيه ضربة أوضحت شيئا من عظمه سميت موضحة، ولذا عطف ابن شأس الجبهة بأولا بالواو، وليس الأنف واللحي الأسفل من الرأس لأنهما عظمان منفردان وليست المبالغة مختصة بالموضحة، بل كل جرح مسمى ثبت فيه اسمه بهذا القدر كان مما يقتص منه أولا. انتهى.

وقال عبد الباقي: ثم شرع في ذكر ما يقتص منه من الجراح وما لا يقتص منه، والجراح عشرة: اثنان في الرأس فقط: الآمة والدامغة ولا قصاص فيهما: وثمانية في الرأس والجسد وهي الموضحة وما قبلها وهو سبعة وفي الثمانية القصاص مطلقا إلا منقلة الرأس، فقال:"واقتص من موضحة" بكسر الضاد وذكر بعد حكمها وصفها اصطلاحا من باب تقديم الحكم على التصور اهتماما بالحكم، فقال: وهي ما أوضحت عظم الرأس وليس منه الأنف واللحي الأسفل بل هما عظمان منفردان، قال: وعظم الجبهة وعظم الخدين والواو فيهما بمعنى أو.

ص: 62

ربما قررت علم أن قوله: "أوضحت" خبر مبتدأ مع موصول أي هي التي أوضحت الخ لا صفة لموضحة ليلا يتوهم التخصيص لتلك الأماكن الثلاثة، أو أن غيرها يسمى موضحة لكن لا يقتص منه وليس بمراد. انتهى. قوله: وهي سبعة صوابه أن يزيد بعده ما نصه: والثامنة المنقلة، ثم يقول: وفي الثمانية الخ. قاله البناني. والله تعالى أعلم. وما ذكره المصنف في تفسير الموضحة يقتضي أنها لا تكون في غير ما ذكر وهو مذهب الجمهور، لكن قوله: إن كن برأس أو لحي أعلى يفيد أنها تكون في الجسد أيضا، وكذا قوله: وجراح الجسد وإن منقلة لكنه خلاف قول المواق قال مالك: [الأمر]

(1)

المجمع عليه عندنا أن المنقلة لا تكون إلا في الرأس وكذا المأمومة والموضحة. قاله الشبراخيتي.

وسابقها أي سابق الموضحة؛ يعني أن ما يوجد من الجراح قبل الموضحة يقتص منه، وهو ستة: ثلاثة متعلقة بالجلد وثلاثة متعلقة باللحم، فالمتعلقة بالجلد بينها بقوله: من دامية يعني أنه يقتص مما قبل الموضحة، ومنه الدامية وهي التي تضعف الجلد فيرشح منه الدم من غير أن ينشق الجلد لحصول رقة الجلد بالجناية من غير قطع فيه، ويقال لها دامعة بالعين أيضا لأن دمها يقطر كدمع العين. قاله الشبراخيتي وغيره.

وحارصة يعني أن من جملة الجراح التي قبل الموضحة فيقتص منها الحارصة بحاء مهملة فألف فراء مهملة فصاد مهملة فهاء تأنيث، وهي التي شقت الجلد كله وأفضت للحم. قال عبد الباقي. وقال التتائي: وهي التي شقت الجلد أي فرقت أجزاءه سواء وصلت نهايته أولا. انتهى. قال الشبراخيتي: وفيه بحث لأنها إذا لم تصل نهايته لم تشق الجلد وإنما شقت بعضه. انتهى. وقال المواق: قال عياض: أولها الحارصة وهي ما حرص الجلد أي شقه، وتسمى الدامية لأنها تدمى والدامعة لأن الدم يدمع منها، وقيل الدامية أولى لأنها تخدش فتدمى ولا تشق الجلد، ثم الحارصة لأنها شقت الجلد. انتهى.

(1)

في النسخ: الآخر، والمثبت من الشبراخيتي ج 4 مخطوط.

ص: 63

وسمحاق يعني أن من جملة الجراح التي قبل الموضحة فيقتص منها السمحاق، والسمحاق هي التي كشتطه أي الجلد أي أزالته عن محله، ويقال لتلك الجلدة: السمحاق وكل جلدة رقيقة سمحاق، وبين الثلاثة المتعلقة باللحم بقوله: وباضعة يعني أنه يقتص من الباضعة وهي من جملة ما قبل الموضحة، والباضعة هي التي شقت اللحم. والباضعة اسم فاعل من بضع أي بضعت اللحم أي قطعته، ومتلاحمة يعني أنه يقتص من المتلاحمة وهي من جملة ما قبل الموضحة، والمتلاحمة هي التي غاصت أي دخلت فيه أي في اللحم بتعدد أي في عدة مواضع فأخذت يمينا وشمالا ولم تقرب من العظم. قاله عبد الباقي وغيره. فإن انتفى التعدد فهي [الباضعة]

(1)

. قاله الشبراخيتي. وأصل الغوص النزول تحت الماء.

وملطاة يعني أنه يقتص من الملطاة بكسر الميم وهي من جملة ما قبل الموضحة، والملطاة هي التي أزالت اللحم وقربت للعظم بحيث يبقى بين انتهائها والعظم ستر رقيق، وفي التحرير لابن بشير أن المتلاحمة هي التي وصلت لجلدة رقيقة بين اللحم والعظم، وعلى ما لابن بشير فهي مرادفة للملطاة. قاله البناني. وقوله:"وملطاة" قال التتائي: بهاء في آخرها وبإسقاطها بكسر الميم وبالمد والقصر. انتهى. ولبعض الشافعية رحمهم الله تعالى:

إذا رمت إحصاء الشجاج فهاكها

مفسرة أسماؤها متواليه

فحارصة إن شقت الجلد ثم ما

أسال دما وهي المسماة داميه

وباضعة ما تقْطع اللحم والتي

لها الغوص فيه للذي مر تاليه

وتلك لها وصف التلاحم ثابت

وما بعدها السمحاق فافهمه واعيه

وقل ذاك ما أفضى إلى الجلدة التي

تكون وراء اللحم للعظم غاشيه

وموضحة ما أوضع العظم باديا

وهاشمة بالكسر للعظم باعيه

ومن بعدها ما تنقل العظم واسمها

منقلة ثم التي هي آتيه

فمأمومة أمت من الرأس أمه

وقد بقيت أخرى بها العشر وافيه

(1)

في النسخ: المباضعة، والمثبت من الشبراخيتي ج 4 مخطوط.

ص: 64

بدامغة تسمى لخرق جُليدة

هي الأم كيس للدماغ وحاويه

ولبعض المالكية رحمهم الله تعالى:

وللجراح عند أهل المعرفه

أسماء شتى بينوها بالصفه

أولها حارصة بحاء

مهملة كالصاد بالسواء

وهي التي حرصت الجلد فما

شقته حتى قطرت منه الدما

كذا اسمها دامية ودامعه

وقيل لا بل تسبقان الباضعه

وأن الأولى الدامعة وتلوها، إلى آخر النظم. وفي الكافي أن أولها: الحارصة وهي ما تشق الجلد شقا خفيفا بلا دم: ثم الدامية وهي في ظهر دمها ولم يقطر، ثم الدامعة إن قطر كالدمع، ثم باضعة بضعت اللحم ولم تبلغ السمحاق وهي جلدة رقيقة تستر العظم، ثم السمحاق إن بلغتها وتسمى الملطاة. انتهى. نقله اليسر.

كضربة السوط يعني أن ضربة السوط يقتص منها، قال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: في ضربة السوط القود بخلاف اللطمة فلا قود. فيها. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن ضربة السوط يقتص منها، وأما اللطمة فلا قصاص فيها. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي:"كضربة السوط" فإن فيها القصاص بخلاف اللطمة ومثلها ضربة العصا، قال الشارح: ويعسر الفرق بين اللطمة وضربة السوط، ومحل كون اللطمة والعصا لا قصاص فيهما حيث لم ينشأ عنهما ما فيه القود كجرح. انتهى. وقال عبد الباقي: كضربة السوط فيها القصاص بخلاف اللطمة لأنه لا انضباط لها، ولأنه لا ينشأ عنها جرح غالبا بخلاف السوط والضرب بالعصا كاللطمة على المشهورك ما في الش. انتهى المراد منه. قوله: والضرب بالعصا كاللطمة على المشهور كما في الشارح، قال الرهوني: في عزاه للشارح أصله للتوضيح نقلا عن ابن عبد السلام وسلمه وهو مشكل مع ما وجه به القصاص في السوط فإنه قال عند قول ابن الحاجب: وفي ضربة السوط القود على المشهور ولا قصاص في اللطمة. انتهى. ما نصه: المشهور مذهب المدونة، والشاذ أيضا فيها أنه لا قود فيها،

ص: 65

والفرق على المشهور بين اللطمة وضربة السوط عسير إلا أن يقال: الأصل أنه لا قصاص إلا في الجرح لقوله تعالى: {والجروح قصاص} ، واللطمة لا جرح فيها والخلاف في السوط مبني على أنه يستلزم الجرح غالبا أو لا يستلزمه. ابن عبد السلام: والمشهور أن الضرب بالعصا لا قود فيه. انتهى. ونقله جسوس وسلمه، وفيه نظر إذ لو كان وجه المشهور في السوط ما ذكره لكان العصا بذلك أولى لاستلزامه للجرح أكثر من استلزام السوط له، بدليل المشاهدة.

وقد جزم الحطاب عند قوله: "كلطمة" بأن المشهور أنه لا قود في ضربة العصا ولم يعزه لأحد ولم يذكر فرقا، وقال أبو الحسن عند قول المدونة في كتاب الديات، مالك: ولا قود في اللطمة، قال ابن القاسم: وفي ضربة السوط القود، قال سحنون: وروي عن مالك أنه لا قود فيه كاللطمة وفيه الأدب. انتهى. ما نصه: قوله: ولا قود في اللطمة. الشيخ: لأنها عنده لا تنضبط وبينها عنده تفاوت كثير وفيها الأدب. ابن القاسم الخ، الشيخ: فرأى ضربة السوط تنضبط وتتماثل، وفي روايته عن مالك رآها غير متماثلة كاللطمة فهذا سبب الخلاف هل تنضبط أم لا؟ انتهى. ونقل ابن عرفة كلام المدونة، وقال متصلا به: الشيخ عن المجموعة: قال أشهب: لا قود في اللطمة ولا في الضربة بالسوط أو العصا أو بشيء من الأشياء إن لم يكن جرح لأنه لا يعرف حد تلك الضربة، والضرب من الناس مختلف. انتهى. وبه تعلم أن القول بأنه لا قود في ضربة السوط هو الظاهر، [وأن]

(1)

ما وجه به في التوضيح المشهور فيه نظر مع تسليمه أنه لا قود في العصا. والله الموفق. انتهى. كلام الرهوني.

وجراح الجسد عطف على "موضحة" كما صرح به الخرشي وغيره. والله تعالى أعلم. يعني أنه يقتص من جراح الجسد غير الرأس وإن كانت جراح الجسد منقلة والمنقلة هي التي تنقل العظم، ويأتي للمصنف تفسيرها. قال عبد الباقي: وخصها بالذكر لأنه لما كان لا يقتص منها في الرأس يتوهم أن منقلة الجسد كذلك فنفاه بذكرها. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وإن منقلة": صوابه وإن هاشمة، فقد قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن المنقلة لا تكون إلا في الرأس والوجه.

(1)

في النسخ: وأما، والمثبت من الرهوني ج 8 ص 27.

ص: 66

انظر المواق. وقال الشبراخيتي: وجراح الجسد فيها القصاص، وسواء كانت من المذكورات الموضحة وما قبلها أو من غيرها من هاشمة ونحوها، وإن كانت جراح الجسد منقلة. وإنما ذكرها لأنه لا يقتص منها في الرأس فربما يتوهم ذلك في الجسد. انتهى.

بالمساحة بكسر الميم يعني أنه حيث اقتص في هذه الأمور فإنه يعتبر ذلك بالمساحة أي بقدر الجرح عمقا وعرضا وطولا، ابن حارث: اتفقوا في جراح العمد في الجسد أن القصاص فيها على قدر الجرح في عمقه وطوله، فإن كانت موضحة في الرأس فقال ابن القاسم: القود على قدر الموضحة. قاله المواق. وقال البناني: قال ابن الحاجب: وفي اعتبار القدر بالمساحة أو بالنسبة إلى قدر الرأسين قولان لابن القاسم وأشهب، وعليهما لو كانت الشجة نصف رأس المشجوج وهي قدر رأس الشاج فلا تكمل بغير الرأس اتفاقا. انتهى. وقال التتائي: بالمساحة فيقاس طولا وعرضا وعمقا فقد تكون الجراح نصف عضو المجني عليه وهو جل عضو الجاني أو كله. انتهى. وقال عبد الباقي: بالمساحة فيقاس الجرح طولا وعرضا وعمقا، فقد تكون نصف عضو المجني عليه وهي جل عضو الجاني أو كله. انتهى.

وقال الخرشي: يعني أنه يقتص بالمساحة بكسر اليم فيقاس الجرح طولا وعرضا وعمقا فقد تكون الجراح نصف عضو المجنى عليه وهي جل عضو الجاني أو كله، بشرط أن يكون ذلك في العضو الواحد يعني كما قال المصنف: إن اتحد المحل وعلى هذا لو عظم عضو المجني عليه حتى كان القدر الذي جرح منه يزيد على العضو المماثل له من الجاني فإنه لا يكمل من غيره بلا خلاف. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: علم مما مر من اشتراط اتحاد المحل أنه إذا شج نصف رأس المجني عليه مثلا وذلك جل رأس الجاني أو كله، فإنه يشج جل رأسي الجاني في الأولى ويشج كله في الثانية على ما لابن القاسم من أن القصاص بالمساحة لا على ما لأشهب، فإنما يشج من الجاني نصف رأسه، فلو كانت الشجة التي في المجني عليه تزيد على رأس. الجاني فإنه لا تكمل الشجة من غير الرأس بلا خلاف، وأنه لا بد في القصاص من تماثل العضو. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم.

ص: 67

وقال المواق: ابن الحاجب: تشترط المماثلة في المحل والقدر والصفة، فلا تقطع اليمنى باليسرى ولا الثنية بالرباعية، وتتعين عند عدمه الدية. ابن رشد: لا خلاف أن الأنملة تقطع بالأنملة كانت أطول أو أقصر، وإنما اختلف في الجراح فقال ابن القاسم قديما: إنه يقاد بقدر الجرح الأول وإن أوعب رأس المستقاد منه، يريد ولو لم يوعب بالقياس فليس عليه غير ذلك. الباجي: على قول ابن القاسم إن قصر رأس الجاني عن قدر الشق فليس عليه غير ذلك لا يتعدى الرأس إلى الجبهة ولا الذراع إلى العضد، ولا قود في الباقي ولا دية. انتهى.

وقال الشبراخيتي: واتحاد المحل عبارة عن كونه لا يتجاوز عضوا إلى عضو أي إنما يقتص بالمساحة حيث كان المحل متحدا، واحترز بذلك عما إذا كان الجرح يزيد على عضو الجاني فإنه لا يكمل من غيره، وهذا في الجرح الذي لم يحصل به إزالة عضو، فأما إن حصل به إزالة عضو فلا ينظر للمساحة، فيقطع العضو الكبير بالعضو الصغير وعكسه، وإذا حصل الجرح في أنملة وكانت مساحته من المجني عليه تزيد على الأنملة المماثلة لها من الجاني فإنه يسقط الزائد؛ لأن كل أنملة محل وأنامل أصابع الرجلين كأنامل أصابع اليدين، ولا تقطع اليمنى باليسرى ولا الثنية بالرباعية ويتعين عند عدمه الدية. ومن شج رجلا موضحة فأخذت بين قرنيه فإنما ينظر إلى قياس الجرح من رأس الجاني فقط، ولا يتعدى الرأس إلى الجبهة لأن الرأس محل والجبهة محل غيره، وأما العضد فهو محل والذراع محل آخر فلا يتعدى أحدهما إلى الآخر، والظاهر أن باطن الكف وظاهره ليسا من جملة الذراع، وأما الأصابع فليست من الذراع قطعا ولا من الكف، وانظر هل اللحي الأعلى والأسفل محل واحد أو محلان؟ والثاني هو الموافق لقوله:"أو لحي أعلى". انتهى.

وقال عبد الباقي: إن اتحد المحل فإن زادت على عضو الجاني لم ينتقل لعضو آخر يكمل منه بل يسقط الزائد على المماثل، فإذا كانت يد المجني عليه أطول كما إذا قطع يده من المرفق وكان طول ذلك في يد الجاني إلى رأس الكتف فإنما يقطع منه إلى المرفق ويسقط الزائد ولا عقل له. انتهى.

ص: 68

تنبيه: قال في المدونة: وإن قطع بضعة من لحمه ففيها القصاص. نقله الحطاب. وقال التتائي في المدونة: من شج رجلا موضحة فأخذت ما بين قرنيه فإنما ينظر إلى قياس الجرح، فيشق من رأس الجاني بقدره، زاد ابن يونس عن غير المدونة: وإن استوعب الرأس ولم يف بالقياس فلا شيء له غيرد ولا يتم له ذلك من الجبهة. قاله ابن القاسم. وعبد الملك. وقال غير ابن يونس: وكذلك لا يتم له ذلك من القفا إذ ليس من الرأس. انتهى.

كطبيب زاد عمدا تشبيه في لزوم القصاص يعني أن الطبيب - والمراد به هنا من يتولى القصاص من جان على غيره - إذا زاد على ما أذن فيه الشرع وهو متعمد لتلك الزيادة فإنه يقتص منه. قاله عبد الباقي. وشبه في القصاص قوله: "كطبيب" أي متولي قصاص من جان على غيره زاد على ما أذن فيه عمدا فيقتص منه بقدر مساحة الزائدة واستشكل فيما إذا كان المأذون فيه دائرة صغيرة ففعل دائرة أكثر منها عمدا، بأن كان بين محيط الدائرتين قدر لا يتوصل إليه إلا بعد تمام قطع يكون متصلا به، وأجاب البساطي بأنه ينظر مساحة ما بين [الدائرتين فيقتص منه دائرة بقدره ثم قال فإن قلت الدائرة التي اقتصت منه لم تكن على كيفية الدائرة]

(1)

التي تعدى فيها، قلت: إنما يعتبر قدر المساحة وقد سبق ابن عرفة البساطي بهذا، ثم جوابه هذا لا يتأتى فيما إذا زاد في العمق. قاله التتائي. ويمكن أيضا أن يقال يعمل في ظاهر جسد الطبيب قدره واحتمال أنه يسقط ذلك عن الطبيب لتعذر فعله فيه أو عليه حكومة بعيد. انتهى.

قال البناني عن مصطفى: في تنظير التتائي نظر، وأجاب عنه بما مر يعني أن ابن عبد السلام مر له أنه إذا قطع أحد شخصين نصف يد شخص وابتدأ الثاني القطع من حيث انتهى الأول وقطع باقيها، فإن السكين توضع في القصاص في غير الموضع الذي ابتدأ هو منه. انتهى. قال ابن عرفة هذا لا ينافي التماثل لأن الجاني إنما ابتدأ القطع في طرف وكونه وسطا طردي، وفي القصاص منه إنما [ابتدأ

(2)

] القطع فيه من طرف. اهـ. فهذا صريح في تأتي القصاص في العمق، وقد سلم

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من النسخ وقد أثبت من عبد الباقي ج 8 ص 16.

(2)

في الأصل: إنما هو القطع، والمثبت من بناني ج 8 ص 16.

ص: 69

الأجهوري تنظير التتائي وكأنه لم يستحضر كلام ابن عرفة. انتهى. والله تعالى أعلم. وقد مر أن المراد بالطبيب هو المتولي للقصاص، وأما الطبيب بمعنى المداوي فسيذكره في باب الشرب، بقوله:"كطبيب جهل أو قصر". قاله عبد الباقي.

ومفهوم قول المصنف: "زاد عمدا" أنه إن نقص الطبيب عمدا أو خطأ فإنه لا يقتص ثانيا لأنه قد اجتهد، قال اللخمي: إذا قطع الطبيب في الموضع المعتاد فمات لم يكن عليه شيء، فإن زاد على ذلك يسيرا ووقع القطع فيما قارب كان خطأ، وإن زاد على ذلك فيما لا شك فيه أن ذلك عمد كان فيه القصاص، وإن تردد بين الخطإ والعمد كانت مغلظة. انتهى. والمراد بالطبيب: المباشر للقصاص من الجاني. انتهى. قاله الخرشي: وقال المواق عند قوله "زاد عمدا" الخ: في الموازية والمجموعة لابن القاسم: ما زاد الطبيب في القدر خطأ فعلى عاقلته. ابن عرفة: مفهومه إن زاد عمدا فالقصاص وهو واضح في إطلاقات الروايات. انتهى.

وإلا يتحد محل الجناية ومحل القصاص بأن كان المجنى عليه يسرى ولا يسرى للجاني منه ولم يتعمد الطبيب الزيادة، فالعقل متعين على الجاني ولا قصاص، فلا تقطع يمنى بيسرى ولا العكس ولا الوسطى بسبابة ولا العكس ولا ثنية برباعية ولا العكس، وهكذا ولا يدخل تحت قوله:"وإلا" ما إذا زاد العضو المجني عليه على عضو الجاني، فإن الزائد يسقط أي لا عقل له ولا قصاص: وقد مر مفهوم قول المصنف: "زاد" أنه إن نقص فلا يقتص له ثانيا لأنه اجتهد. وفي التوضيح: وأما خطؤه بالنقصان، ففي المجموعة عن ابن القاسم: لا يرجع فيقتص له من بقية حقه لأنه قد اجتهد له، وكذا الأصبع يخطئ فيها بأنملة ولا يقاد مرتين، وعنه في الموازية والعتبية: إن علم بحضرة ذلك قبل أن يبرأ وينبت اللحم أتم ذلك عليه وإلا فات ولا شيء له في تمام ذلك ولا دية، وقال أصبغ: إن قصر يسيرا فلا يقاد وإن كان كثيرا، فإن كان في جوره اقتص له تمام حقه، وإن كان برد [وأخذه بدواء]

(1)

ولم يتمه برأ أو لم يبرأ ويكون في الباقي العقل ولي السلطان القصاص أو من جعله يقتص فيها. انتهى.

(1)

لفظ التوضيح ج 8 ص 93: وأخذ الدواء.

ص: 70

كيد شلاء عدمت النفع بصحيحة تشبيه في العقل ودية وحكومة، يعني أن ذا اليد الصحيحة إذا جنى على يد ذي شلاء لا ينتفع بها فقطع يده الشلاء فإنه لا تقطع يده الصحيحة، لذلك ولكن عليه دية اليد الشلاء حكومة. وبالعكس يعني أنه إذا جنى ذو يد شلاء على ذي يد صحيحة فقطع يده الصحيحة فإنه لا يقتص منه، فلا تقطع يده الشلاء وإنما على ذي اليد الشلاء دية اليد الصحيحة لصاحبها، ويأتي بيان الحكومة، ومفهوم قوله:"عدمت النفع" أنه لو كان في اليد الشلاء منفعة فإن القصاص يثبت فيها، ولها: وفي بعض النسخ: كذي؛ أي كصاحب يد شلاء. قال عبد الباقي: وشبه في قوله: "فالعقل" قوله: كذي شلاء جني عليها عدمت النفع يؤخذ لها العقل بصحيحة أي من ذي صحيحة، فلا يقتص لها من الصحيحة وبالعكس أي جنى ذو شلاء عادمة النفع على صحيحة فلا يقتص منها للصحيحة بل عليه العقل، وما ذكرناه من أن قوله: كذي شلاء مجني عليها هو مفاد التشبيه، وعليه فالباء بمعنى: من كما قررنا، ومفاد التتائي بقاؤها على حالها فإنه قال: كذي أي كجان أي صاحب يد شلاء عدمت النفع لا يقتص منها بصحيحة، ظاهره: ولو رضي صاحب الصحيحة وهو كذلك صرح به ابن شأس. ومفهومه أنه: لو كان بها نفع لكانت كالصحيحة في الجناية لها وعليها كما في المواق، وقول التتائي: إن كان لها نفع قطعت بصحيحة إن رضي صاحب الصحيحة فيه نظر، بل الحكم مطلق كما في المواق ثم إسناد العدم إلى اليد مجاز؛ لأن الذي يعدم صاحبها. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: مفهومه لو كان لها نفع لكانت كالصحيحة في الجناية لها وعليها كما في المواق الخ، أي فيقطع بغير [تقييد]

(1)

برضى المجني عليه وهذا هو الذي نقله المواق عن ابن شأس، لكن تعقبه بعده بنقله عن ابن يونس أن ذلك مقيد بالرضا فانظره. قاله البناني. قوله: مقيد بالرضا أي من الصحيح المقطوع يده. والله تعالى أعلم.

وعين أعمى يعني أن الأعمى إذا قلع عينا صحيحة فإنه لا يقتص منه لذي الصحيحة، وكذا إذا قلع ذو عين صحيحة عين أعمى فإنه لا يقتص له من العين الصحيحة. قال عبد الباقي: ولا

(1)

في النسخ: تفسير، والمثبت من بناني ج 8 ص 16.

ص: 71

يقتص من عين أتي حدقة أعمى جنى على صحيحة. انتهى. وقال التتائي: ولا من عين أعمى جنى على عين صحيحة وفي عكسه حكومة. انتهى. وقال الشبراخيتي نحوه.

ولسان أبكم يعني أن الأبكم - ويقال له الأخرس - إذا جنى على لسان ناطق فقطعه فإنه لا يقتص من الأبكم فلا يقطع لسانه، قال عبد الباقي: ولا يقتص من عين أي حدقة أعمى جنى على صحيحة ولا من لسان أبكم جنى على ناطق، وإنما على كل دية ما جنى عليه وفي عكس ذلك حكومة بالاجتهاد. وقال المواق: ابن شأس: الذكر المقطوع الحشفة والحدقة العمياء ولسان الأبكم كاليد الشلاء. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا من لسان أبكم أي أخرس لا يستطيع النطق به وفي عكس ذلك حكومة. انتهى. والحاصل أنه إذا جنى من ذكر من ذي العاهة على السالم مما ذكر فإن فيه الدية أي في ذلك كله، وإن جنى السالم ففيه حكومة بالاجتهاد ولا قصاص في الأمرين. والله تعالى أعلم.

ثم عطف على ما يتعين فيه العقل وينبغي فيه القصاص من شجاج الرأس مجملا فقال: وما بعد الموضحة يعني أن ما بعد الموضحة من شجاج الرأس لا يقتص منه مخافة أن يحصل في المقتص منه ما هو أعظم من جنايته، وبين ما بعد الموضحة مُدْخِلًا عليهن الأولى

(1)

مِنْ، التي هي للتبيين بقوله: من منقلة يعني أن المنقلة بكسر القاف مشددة وحكي فتحها لا يقتص منها، وقد علمت أن المنقلة خاصة بالرأس واللحي الأعلى، وأما الجسد غير الرأس فقد مر أنه يقتص من المنقلة من جراحه. قال الشبراخيتي: وما بعد الموضحة معطوف على ذي شلاء أي فلا قصاص، وبينه بقوله:"من منقلة" بكسر القاف المشددة وحكي فتحها، وفسرها بقوله: طار فراش العظم إضافة فراش إلى العظم بيانية، والمراد "بطار" نقل من الدواء من سببية أي شأنه ذلك لا أنا ننتظر طيرانه بالدواء.

قال الشبراخيتي: والفراش جمع فراشة وهي العظمة الصغيرة الرقيقة. القرافي: المنقلة هي التي ينقل منها الطبيب العظام [الصغار لتلتئم الجراح، فتلك العظام]

(2)

هي التي يقال لها: الفراش

(1)

كذا في نسختين، ولعله مدخلا على الأولى: من الخ.

(2)

ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل والمثبت من المثبت من الشبراخيتي ج 4 مخطوط.

ص: 72

بفتح الفاء وكسرها. قال الأصمعي: الفراش العظام الرقاق يركب بعضها على بعض في أعلى الخياشم، كقشر البصل يطير عن العظم إذا ضرب. انتهى. وهذا لا يتأتى في منقلة الجسد، وجعل ابن الحاجب الذي بعد الموضحة الهاشمة وهي التي تهشم العظم، ولم يتبعه هنا لقوله في توضيحه: سقط ذكرها في قول ابن القاسم لأنها لا بد أن تصير منقلة. انتهى المراد منه.

وقال المواق: عياض: المنقلة ما كسرت العظم فيفتقر إلى إخراج بعض عظامها لإصلاحها، ومن المدونة: لا قود في المنقلة. وقال عبد الوهاب: من شرط القصاص أن يكون الجرح لا يعظم الخطر فيه ولا يغلب الخوف منه على النفس كالموضحة مما قبلها، فإن كان مما يغلب خوفه ويعظم خطره فلا قصاص، وفيه الدية حالة في مال الجاني، وذلك كالمأمومة والجائفة والمنقلة على خلاف فيها خاصة. انتهى المراد منه. وقال التتائي: طار فراش العظم أي أطرافه وخفيفه وإن صغر من الدواء؛ لأن ما يداوي مثلها يعفن من العظم ما ليس بصحيح فيطير، ولم يزد في المدونة:"من الدواء". . انتهى المراد منه.

وآمة يعني أن الآمة لا يقتص منها، والآمة هي التي أفضت أي وصلت لأم الدماغ وأم الدماغ، جلدة رقيقة تحوي الدماغ ويقال: الآمة والمأمومة. قال الخرشي عن التنبيه: والمأمومة هي التي أفضت أي وصلت لأم الدماغ، ودامغة يعني أنه لا يقتص من الدامغة والدامغة هي الشجة التي خرقت أي شقت خريطته أي الدماغ، والخريطة هي الجلدة المحيطة بالدماغ. قاله الشبراخيني. فالخريطة هي أم الدماغ، وقد علمت مما مر أنه إذا وصلت الشجة لأم الدماغ ولو بقدر إبرة فهي مأمومة: كما أنها إذا خرقت الخريطة فهي دامغة ولو بمغرز إبرة. والله تعالى أعلم.

ولطمة يعني أنه لا قصاص في اللطمة، قال عبد الباقي: ولا قصاص في لطمة أي ضربة على الخدين بباطن الراحة، وفي بعض النسخ: كلطمة بالكاف تشبيه في عدم القصاص ولا عقل أيضا كما

(1)

سيقول وعمده كالخطإ، ومحل عدم القصاص إذا لم ينشأ عنها جرح فيجرح أو ينشأ عنها

(1)

في النسخ: لما، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 17.

ص: 73

ذهاب معنى كبصر وإلا اقتص منه على ما يأتي في قوله: "وإن ذهب كبصر" الخ، وقال المواق من المدونة: لا قصاص واللطمة.

وشفر عين بضم الشين المعجمة يعني أنه لا يقتص من شفر العين، والمراد به هنا الشعر الثابت بأطراف الجفن فوق وأسفل بغير جلد ولا لحم. الشاطبي: الشفر طرف الجفن الذي ينبت عليه الهدب، والعامة تجعل أشفار العين الشعر وهو غلط وإنما الأشفار حروف العين. انتهى. وعليه فكان على المصنف أن يقول: وهدب عين. قاله عبد الباقي. وحاجب يعني أنه لا قصاص في إزالة شعر الحاجب من رجل أو امرأة، ولحية يعني أنه لا قصاص في إزالة شعر اللحية. قال عبد الباقي. وشعر عين وحاجب ولحية فلا قصاص في شيء من هذه الثلاثة لأنها ليست جراحات، فلا تدخل في قوله تعالى:{والجروح قصاص} .

وعمده كالخطإ يعني أن عمد ما ذكر مما لا قصاص فيه كالخطإ فيجب فيه عقل خطأ إن كان له عقل كمنقلة وآمة وإلا فحكومة إن برئ على شين وإلا فلا شيء فيه، ولا ينتقض بعدم القصاص من اليد الصحيحة في قطع الشلاء؛ لأن اليد الصحيحة فيها القصاص لو كانت الأخرى غير شلاء. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.

إلا في الأدب يعني أن المتعمد في هذه الأشياء يؤدبه الإمام بخلاف المخطئ، وكذا يؤدب مع القود. قاله فيها. وأدبه دون أدب من لم يقتص منه. نقله الحطاب عن أبي عمران. قال في المقدمات: ويجب على الجارح مع القصاص الأدب على مذهب مالك لجرأته، ولفظ الحطاب: قال في كتاب الجراح من المدونة: في كل عمد القصاص مع الأدب، قال أبو الحسن الصغير: قال أبو عمران: إن اقتص منه فأدبه دون أدب من لم يقتص منه، وقال في العتبية في سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الذي يقتص منه هل عليه عقوبة؟ قال: نعم، قال ابن رشد: قوله إنه لا عقوبة عليه مع القصاص، لقوله تعالى:{والجروح قصاص} وهو الأظهر، ووجه قول مالك: وأما القول الذي حكاه ابن رشد بقيل، وقال: إنه الأظهر فلم أقف عليه في المذهب وكلامه في المقدمات

ص: 74

يدل على أنه ليس في المذهب، قال في المقدمات: ويجب على الجارح [مع

(1)

] القصاص الأدب على مذهب مالك لجرأته: وقال عطاء بن أبي رباح: الجروح قصاص وليس على الإمام أن يضربه ولا أن يسجنه وإنما هو القصاص؛ إذ القول الثاني الذي حكاه بقيل إنما هو قول عطاء بن [أبي] رباح واختاره ابن رشد. والله أعلم. انتهى.

وإلا أن يعظم الخطر في غيرها مستثنى من قوله: وجراح الجسد والصواب ترك الواو، والخطر بالطاء والخاء المعجمة محركة: الإشراف على الهلاك كما فسره به غير واحد؛ يعني أن جراح الجسد غير الرأس يقتص منها إلا أن يعظم فيها الخطر فلا قصاص ليلا تؤخذ النفس بما دون النفس، وكذا إن لم تحقق المماثلة في القصاص كبياض العين. وقال الخرشي: والضمير في "غيرها" ضائد على المنقلة والمأمومة والدامغة، وقوله:"إلا أن يعظم الخطر" رد في المدونة الأمر في ذلك لأهل المعرفة، كعظم الصدر مثال لما عظم فيه الخطر، قال الخرشي: المشهور من المذهب أنه إذا ضربه فكسر عظم صدره أو صلبه أو عنقه وما أشبه ذلك فإنه لا قصاص فيه وإنما فيه العقل. انتهى.

وقال البناني عند قوله: "وإلا أن يعظم الخطر" ما نصه: لا وجه لهذا العطف هنا، وفي بعض النسخ: وكأن يعظم الخطر بلفظ التشبيه مع العطف وهذه النسخة هي الصواب، وأما جعل الشارح إلا أن يعظم عطفا على وإلا فالعقل فغير صواب لأن هذا استثناء، وقوله "وإلا فالعقل" شرط. انتهى. وقال عبد الباقي: واستثنى من قوله: "وجراح الجسد" قوله: "وإلا أن يعظم الخطر" بخاء معجمة فطاء مهملة مفتوحتين الإشراف على الهلاك أو الخوف في غيرها أي غير الجراح التي بعد الموضحة أي جراح الجسد غير ما بعد الموضحة يقتص منها، إلا أن يعظم الخطر فيها فلا قصاص، وكذا إن لم تحقق المماثلة في القصاص لا يقتص كبياض العين. وقوله:"كعظم الصدر" فيه حكومة: إن برئ على شين ومثله عظم العنق والصلب ونحوهما. وقال المواق: قال ابن شأس: وبالجملة فلا قصاص في شيء مما يعظم فيه الخطر كائنا ما كان. انتهى.

(1)

في الأصل: في القصاص، والمثبت من الحطاب ج 6 ص 459.

ص: 75

وقال الشبراخيتي: كعظم الصدر وفيه الدية، وذكر الشارح عند قوله:"كدية خطإ" أن فيه حكومة. انتهى. وقال الحطاب: إلا أن يعظم الخطر في ذلك الجرح والكسر كعظم الصدر ورد في المدونة الأمر في ذلك لأهل المعرفة، وكذلك في الضلع. وفي كتاب الجراح من المدونة: والصلب إذا كسر خطأ وبرئ وعاد لهيئته فلا شيء فيه، وكذلك كل كسر يعود لهيئته لا شيء فيه إلا أن يكون عمدا يستطاع فيه القصاص فإنه يقتص منه إن كان عظما إلا في المأمومة والجانفة والمنقلة، وما لا يستطاع أن يقتص منه فليس في عمد ذلك إلا الدية مع الأدب. قال مالك: وفي عظام الجسد القود من الهاشمة وغيرها إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ وشبهه فلا قود فيه.

قال ابن القاسم: وإن كانت الهاشمة في الرأس فلا قود فيها لأني لا أجد هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة، ولا قصاص في الصلب والفخذ وعظام العنق، وفي كسر أحد الزندين - وهما قصبة اليد - القصاص وإن كان خطأ فلا شيء عليه إلا أن يبرأ على عثم فيكون فيه الاجتهاد، وفي كسر الذراعين والعضدين والساقين والقدمين والكفين والأصابع القصاص وفي كسر الضلع الاجتهاد إذا برئ على عثم وإن برئ على غير عثم فلا شيء فيه، وإن كسرت عمدا كعظام الصدر إن كان مخوفا كالفخذ فالقود فيه، وإن كان مثل اليد والساق ففيه القصاص وفي الترقوة إذا كسرت عمدا القصاص لأن أمرها يسير لا يخاف منه، وإن كسرت خطأ ففيه الاجتهاد إن برئ على عثم وإلا فلا شيء فيه، وكذا اليد والرجل وجميع عظام الجسد إذا كسرت خطأ فبرئت على غير عثم فلا شيء فيها، ومن الجراح التي لا قصاص فيها الجائفة كما في المدونة.

وفي النوادر عن ابن المواز: قال: وفي الترقوة والضلع القصاص قيل يسقط القود في شيء من كسر العظام، قال: أما مثل عظام الصدر فلا أرى فيه القصاص، وقد قال أشهب: لا قصاص فيه لأنه متلف، واجتمع ابن القاسم وأشهب أنه لا قصاص في عظام العنق والفخذ والصلب وشبه ذلك من المتالف في العظام وفيه الدية بعد الشين إلا الصلب ففيه الدية وما لا قصاص فيه لخطره إذا برئ على غير عيب فلا شيء فيه، وإن أشل رجله فلا يقدر أن يمس بها الأرض فله دية الرجل كاملة، وإن شله بما ينقص مشيه فله من ديتها بقدر ما نقص منها. وقال ابن القاسم عن مالك:

ص: 76

وفي الظفر القصاص إن استطيع منه القود. ابن المواز: اختلف قول مالك: وهذا أحب إلينا، قال ابن عبدوس: قال سحنون: ينبغي أن يكون الظفر كسن الصبي لأنه ينبت. انتهى.

فائدة: قال عياض: العثم والعثل باللام والميم معا والعين المهملة المفتوحة والثاء المثلثة مفتوحة مع اللام ساكنة مع الميم وكلاهما بمعنى وهو، الأثر، والشين والضلع بالضاد المعجمة مكسورة وبفتح اللام، والترقوة بضم القاف وفتح التاء غير مهموز أعلى الصدر المتصل بالعنق، والزند بفتح الزاي وبالنون. انتهى كلام الحطاب.

وفيها أخاف في رض الأنثيين أن يتلف يعني أنه قال ابن القاسم في المدونة: أخاف في رض الأنثيين أي كسرهما أن يتلف، وإيضاح هذا أن ابن القاسم قال: إذا رض الجاني انثيي رجل - أي كسرهما - لا يقتص من الجاني فإني أخاف إذا اقتص منه أن يتلف الجاني أي يموت، فتؤخذ النفس بما دونها وبجلب كلام المدونة يتضح لك أن فاعل "أخاف" هو ابن القاسم، لا الإمام. قال في التهذيب في الأنثيين إذا أخرجهما ورضهما: الدية كاملة، قيل فإن أخرجهما أو رضهما عمدا قال: قال مالك: في إخراج الأنثيين القصاص ولا أدري ما قول مالك في الرض إلا إِني أخاف أن يكون رضهما متلفا، فإن كان متلفا فلا قود فيهما. قاله التتائي. وقال: وبنصها يظهر لك أن الشارح لم يستحضر كلام المدونة، حيث قال: فاعل أخاف يحتمل أن يكون مالكا ويحتمل أن يكون ابن القاسم. انتهى.

وقال الرهوني: فاعل "أخاف" هو ابن القاسم قطعا لأنه الذي في المدونة، ونصها: قيل فإن أخرجهما أو رضهما عمدا، قال: قال مالك: في إخراج الأنثيين القصاص ولا أدري ما قول مالك في الرض إلا أني أخاف أن يكون رضهما متلفا، فإن كان متلفا فلا قود فيه. انتهى مثها بلفظها. ومثله لابن يونس عنها مع زيادة التصريح بابن القاسم، ونصه: قيل لابن القاسم فإن أخرجهما إلى آخر ما قدمناه عنها حرفا بحرف. انتهى. وقال عبد الباقي: وفيها أخاف في رض أي كسر الأنثيين أو إحداهما لشخص عمدا فلا يفعل بالجاني ذلك لأني أخاف إن فعل به ذلك أن يتلف أي يهلك فيلزم أخذ نفس فيما دونها، وإنما عليه العقل كاملا. وفاعل "أخاف". ابن القاسم:

ص: 77

لأنه الذي في التهذيب لا مالك. انتهى المراد منه. أشهب: إن قطعتا أو أخرجتا ففيهما القود لا في رضهما لأنه متلف. انتهى.

وذكر ابن رشد أن القصاص خاص بما أمكن فيه ولم يخش منه إتلاف النفس؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع القود في المأمومة والمنقلة والجائفة

(1)

) فكذلك ما في معناها، مما هو متلف كعظام الرقبة والصلب والصدر وكسر الفخذ ورض الأنثيين، فإن لم يمكن كذهاب بعض النظر وبعض السمع وبعض العقل فلا قصاص؛ لأنه مأخوذ من قص الأثر فهو أن يتبع الجارح بمثل ما فعله بلا زيد ولا نقص، فإذا لم يُقْدَرْ على ذلك ارتفع التكليف. انتهى. وهذا نحو ما في التوضيح أن من شرط القصاص تحقق المماثلة، فإن لم تكن فلا قود اتفاقا كبياض العين. انتهى.

وإن ذهب كبصر جرح اقتص منه يعني أنه إذا جرح شخص شخصا جرحا فيه القصاص وذهب بسبب ذلك الجرح معنى كبصر أو شم أو ذوق أو عقل اقتص من الجاني بمثل ذلك الجرح قال الخرشي: يعني أن من جرح إنسانا جرحا فيه القصاص فتسبب من ذلك الجرح ذهاب كسمع أو بصر المجروح وما أشبه ذلك من المعاني فإنه يفعل بالجاني أي يقتص منه بمثل ذلك بعد برء المجني عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن ذهب كبصر وسمع وشم وذوق وكلام ونحوه من المعاني بجرح من شخص عمدا لآخر فيه قصاص أي بسببه، كما لو أوضحه فذهب مع الموضحة معنى من هذه المعاني أو أكثر كسمعه أو هو وعقله اقتص منه أي من الجاني، فيوضح مثلا بعد برء المجني عليه، فإن اقتص من الجاني بمثل ذلك الجرح حصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه: أو زاد الذاهب من الجاني على ما ذهب من المجني عليه من جنسه أو من غير جنسه فالأمر ظاهر؛ أي لا شيء للجاني في مقابلة الزائد، وكأنهم لم يعتبروا الزائد لأن الظالم أحق بالحمل عليه، وإلا أي وإن لم يحصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه بل حصل بعضه أو غيره فقط، فعلى الجاني في ماله للمجني عليه دية مماثل ما لم يذهب من الجاني، وإيضاح هذا أن تقول: فإذا جرح الجاني مثل جرحه للمجني عليه وذهب نصف بصره وبقي

(1)

سنن ابن ماجه، كتاب الديات رقم الحديث، 2673، سنن البيهقي، ج 8 ص 65.

ص: 78

نصفه فإنه يعطى للمجني عليه نصف دية بصره؛ لأن نصف بصره الذي ذهب جميعه مماثل في القدر للنصف الذي لم يذهب من الجاني، وإذا ذهب سمع الجاني مما فعل به فإنه يعطى للمجني عليه دية جميع بصره وهو مماثل لبصر الجاني الذي لم يذهب منه شيء. والله تعالى أعلم.

تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي بعد أن ذكر ما قررت به المصنف من أن قوله "ما لم يذهب" على حذف مضاف ما نصه: فإن قلت: ما المانع من بقائه - يعني كلام المصنف - على حاله ويراد بما لم يذهب من الجاني؟ قلت: لقصوره لأنه يقتضي أنه إذا كان الجاني امرأة على رجل واقتص منها فذهب منها دون ما ذهب من الرجل فإنه يؤخذ ما بقي على حساب ديتها، وليس كذلك إذ دية عينها على نصف ديتها وعين الرجل على نصف ديته.

الثاني: قوله: "كبصر" الكاف فيه اسم وهو فاعل "ذهب"، وقول عبد الباقي: والظاهر أنه لو كانت الجناية الخ، قال الرهوني: هو عندي مشكل فقها وتصورا.

الثالث: قال البناني: قول الزرقاني: وسمع وشم، مثل ذلك قوة اليد والرجل، ويأتي قول المصنف:"كأن شلت يده بضربة". انتهى.

الرابع: قوله: "فدية ما لم يذهب" قد مر أن ذلك في مال الجاني وهو قول ابن القاسم وهو المشهور، وقيل على عاقلته وهو لأشهب لأنه عمد لا قود فيه، فأشبه الجائفة. وفي الكافي: وإن شجه موضحة عمد فذهب منها عيناه أو صارت منقلة أو قطع أصبعة فشلت يد منها فعليه القصاص فيما جنى والأرش فيما سرى، ويجتمع عند مالك قود وعقل في عضو واحد وضربة واحدة.

الخامس: قد مر من التقرير أن قوله: "وإلا" راجع لقوله: "حصل" فهو خاص به، ولا يرجع لقوله:"أو زاد". وقد مر أيضا أنه لو ذهب من الجاني غير ما ذهب من المجني عليه أنه لا شيء للجاني، كما لو ذهب سمعه، والذاهب من المجني عليه بصر وتكون للمجني عليه دية بصره. والله تعالى أعلم.

ص: 79

وإن ذهب والعين قائمة فإن استطيع كذلك فاعل "ذهب" ضمير يعود على البصر؛ يعني أن من ضرب إنسانا فذهب نور بصره والعين قائمة مكانها، فإنه يفعل في الجاني مثل ذلك إن استطيع أي إن استطيع، إذهاب نور بصره مع بقاء حدقة عينه قائمة، مالك: أي يذهب نور بصره مع إبقاء عينه قائمة، وموضوع هذه المسألة أنه فعل له فعلا لا قصاص فيه، كما لو لطمه أو ضربه بعصا، وما مر من قوله:"وإن ذهب كبصر بجرح" فعل به فعلا فيه القصاص. قال مصطفى: الظاهر أن ما ذكره المصنف في هذه المسألة تبعا للمدونة خاص بالبصر لما جاء في ذلك عن عثمان وعلي؛ لأن غيره من المنافع لا يستطاع فيه ذلك ولو أمكن فيه ذلك. انتهى.

والحاصل أن ذهاب المنفعة إما أن يحصل بما فيه قصاص أو بما لا قصاص فيه، فالأول لا فرق فيه بين البصر وغيره: والثاني إن كان في البصر فهو قوله: "إن استطيع كذلك" الخ وإن كان في غيره تعين العقل. والله تعالى أعلم. قاله البناني. يعني لأن غير البصر لا يمكن فيه ذلك، ولو أمكن لقيل فيه كذلك كما مر. وقال عبد الباقي: وإن ذهب البصر مثلا المفهوم من كبصر بفعل ما لا قصاص فيه كلطمة [أذهب]

(1)

بها بصره، فقد علم افتراق هذه مما قبلها لأن فيها جرحا وفيه القصاص، بخلاف هذه والعين قائمة لم تنخسف، فإن استطيع أي أمكن أن يفعل بالجاني كذلك بأي وجه لا بمثل ما فعل فقط، يدل على ذلك قضية السيد علي. قاله أحمد. انتهى.

قوله: قضية السيد علي، قال الشارح: وروي أنه جييء لعثمان رضي الله عنه برجل لطم شخصا أو أصابه بشيء فأذهب بصره والعين قائمة، فأراد أن يقتص له منه فأعيى ذلك عليه وعلى الناس. فأتى علي رضي الله تعالى عنه فأمر بالمصيب فجعل على عينيه كرسفا أي قطنا ثم استقبل به عين الشمس وأدنيت من عينه مرآة فانطمس بصره وعينه قائمة، وقيل: إنه أمر بمرآة فأحميت ثم أدنيت من عينه حتى سالت نقطة عينه وبقيت قائمة مفتوحة. انتهى.

وإلا أي وإن لم يستطع أن يذهب نور بصره مع كون عينه قائمة، فالعقل متعين لأنه بمنزلة ما سقط فيه القصاص لعدم إمكانه ويكون في ماله لا على عاقلته، "سأن شلت يده بضربة يحتمل أنه

(1)

في النسخ: فاذهب، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 18.

ص: 80

تشبيه بقوله: "وإن ذهب كبصر بجرح" الخ، وعلى هذا فتقيد الضربة بما إذا نشأ عنها ما فيه القصاص، كما لو ضربه بعصا فنشأ عن ذلك جرح فشلت يد الضروب فإنه يقتص منه أي يفعل به مثل ذلك الجرح، فإن شلت يده فلا كلام وإلا فالعقل، ويحتمل أنه تشبيه بما يليه؛ أعني قوله:"فالعقل" ويقيد على هذا بما لا قصاص فيه، فإذا ضربه بعصا مثلا ولم ينشأ عن ذلك جرح فشلت يد المضروب من ذلك فإنه يتعين العقل. والله تعالى أعلم. قال البساطي في قوله:"كأن شلت يده بضربة": تشبيه بقوله: "وإن ذهب كبصر بجرح" إلى ما لم يذهب إن حصل الشلل بجرح ونحوه مما يقتص منه، وإلا فهو تشبيه بقوله:"وإلا فالعقل". ولا ينظر هنا لكون الشلل يستطاع فعله بدون الضربة أولا. قاله الشبراخيتي. ونحوه للشيخ محمد بن الحسن البناني، وقوله:"شلت" بفتح المعجمة وضمها خطأ أو قليل أو لغة ردية. قاله القسطلاني على البخاري في مناقب طلحة. قاله عبد الباقي.

وإن قطعت يد قاطع بسماوي يعني أن من قطع يد شخص عمدا ثم إن يد القاطع ذهبت بأمر سماوي من الله تعالى، كسقوطها بأكلة مثلا فإنه لا شيء للمجني عليه؛ لأنه لما تعذر محل القصاص سقط حقه في القود، ولا من دية لأنه كموت القاتل. أو سرقة يعني أنه إذا قطع يد شخص عمدا ثم إن القاطع سرق فقطعت يده للسرقة فإنه لا شيء للمجني عليه لا من قصاص ولا من دية للعلة المتقدمة. أو قصاص لغيره يعني أن من قطع يد شخص عمدا، ثم إن القاطع قطعت يده لقصاص من غير هذا المقطوع فإنه لا شيء للمجني عليه لا من قصاص ولا من دية. والله تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وإن تعذر محل القصاص كأن قطعت يد قاطع ليد غيره عمدا بسماوي قبل أن يقتص منه، أو سرقة أو قصاص لغيره أي غير المجني عليه، كقطعة يد آخر فاقتص منه فلا شيء للمجني عليه من قصاص؛ لأن حقه إنما هو في القصاص فلما تعذر محله بطل حقه ولا دية له كموت القاتل. انتهى. وقال الخرشي: لأن حقه إنما تعلق بالعضو المخصوص فلما تعذر بطل حق المجني عليه، ومثل ذلك ما إذا مات القاتل فإن المقتول لا شيء له. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: فلا شيء للمجني عليه جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الثلاث.

ص: 81

‌فرع:

قال الحطاب: إن ضرب رجل عين رجل فأدمعها أو ضرب سنه فحركها أو ضرب يده فوهنها استؤني بجميع ذلك سنة، فما آل إليه العين والسن واليد بعد السنة حكم بذلك للمجني عليه. انتهى. وفي المواق من المدونة: إذا ذهبت يمين من قطع يمين رجل بأمر من اللَّه أو بقطع سرقة أو قصاص فلا شيء للمقطوعة يمينه. انتهى.

وإن قطع أقطع الكف من المرفق فللمجني عليه القصاص أو الدية يعني أن الذي يده اليمنى مثلا مقطوعة من الكف إذا قطع يد رجل من المرفق، فإن الذي قطعت يده من المرفق بالخيار إن شاء قطع اليد الناقصة ولا شيء له، وإن شاء أخذ دية يمينه وإنما خير لأن الجاني جنى وهو ناقص ذلك العضو، ولا يجوز أن ينتقل إلى عضو غيره ولا أن يتعين القصاص لأنه أقل من حقه، ولا أن تتعين الدية لأنه جنى عمدا على المعصم، وهذا لا يخالف ما يأتي من أنه لا يجوز لمن قطع من المرفق أن يرضى بقطع يد الجاني من الكوع لأنه في هذه وجد من الجاني مماثل ما جنى عليه وفيما نحن فيه إنما للجاني مماثل بعض ما جنى عليه، وقد قال تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي أنه يفعل بالجاني مثل ما جنى عليه، ولا يجوز له الرضى بدونه لأنه حق للَّه تعالى لا له، ولا شك أن هذا مع الإمكان، وأما مع عدمه فهو حق للمجني عليه لا له تعالى، وقوله:"من المرفق" متعلق "بقطع". قاله الخرشي وغيره. وقال المواق من المدونة: إن قطع أقطع الكف اليمنى يمين رجل صحيح من المرفق فللمجني عليه العقل أو قطع الذراع الناقصة من المرفق. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وإن قطع أقطع" الخ ما نصه: قال أبو عمران: الفرق بين هذا واليد الشلاء أنها كالميتة، بخلاف هذه فإن في الساعد منفعة. انتهى. ومفهوم قوله:"من المرفق" أنه إن قطع أقطع الكف يد السالم من الكوع فإنما فيه العقل لعدم المماثلة.

كمقطوع الحشفة تشبيه تام؛ يعني أن الذي ذكره مقطوع الحشفة إذا قطع ذكر رجل من أصله، فإن الذي قطع ذكره الكامل مخير بين أن يقطع قصبة الذكر وأن يأخذ دية ذكره، والخيار لأجل عدم المماثلة. قاله الخرشي وعبد الباقي وغيرهما. وقال المواق: قال ابن الحاجب: الذكر المقطوع الحشفة كالأقطع الكف. ابن عرفة: هذا تشبيه صحيح. انتهى.

ص: 82

وتقطع اليد الناقصة أصبعا بالكاملة يعني أن الذي يده ناقصة إصبعا بسبب جناية أو غيرها إذا قطع يدا كاملة لرجل أو امرأة فإن يده الناقصة تقطع بالكاملة، بلا غرم لصاحب الكاملة على الجاني صاحب الناقصة إصبعا. قال عبد الباقي: وتقطع اليد أو الرجل من الجاني الناقصة إصبعا أو وبعض آخر بجناية أو غيرها بالكاملة إذ هو بعض لا يمنع المماثلة ولا خيار لصاحب الكاملة، وما ذكره المصنف هو المشهور من أقوال أربعة. وفي ابن عرفة: ففي لزوم القود في ناقص إصبع واحدة دون غرم عقلها أو معه ثالثها يخير في القود دونه وأخذ كل العقل. رابعها: إن كانت الناقصة الإبهام تعين العقل للمشهور ورواية محمد ونقله عن ابن القاسم مرة وقول ابن الماجشون. انتهى. ونحوه في التوضيح إلا أنه لم يذكر الرابع. قاله الرهوني. وقال المواق من المدونة: من سرق وقد ذهب من يده إصبع قطعت يمينه، كما لو قطع يمين رجل وإبهام يده مقطوعة أن يده تقطع. ابن رشد: إن لم يقطع من أصابع الجاني إلا إصبع واحدة فليس للمجني عليه إلا القود ولا يغرمه عقل إصبعه الناقصة. انتهى المراد منه.

وخير إن نقصت أكثر فيه وفي الدية يعني أنه إذا نقصت يد الجاني أكثر من أصبع؛ بأن نقصت إصبعين فأكثر فإن المجني عليه يخير بين القصاص فيقطع اليد الناقصة إصبعين فأكثر، وبين أن يأخذ الدية أي دية اليد الكاملة التي قطعت. قال عبد الباقي: وخير المجني عليه إن نقصت يد الجاني أو رجله أكثر من إصبع فيه أي القصاص، وفي أخذ الدية أي دية المجنى عليها لا دية يد الجاني وليس له أن يقتص ويأخذ أرش الناقص. انتهى. وقال عبد الملك: لا يخير وليس له إلا أخذ الدية، واستحسن ابن عبد السلام التخيير في إصبعين والدية في ثلاث، وتردد الأجهوري في إصبع زائدة قوية أو أكثر كذلك هل لها حكم الأصلية أو إنما يعتبر نقص الأصول؟ وقال: إن الأول ظاهر إطلاقهم. وقال المواق: ابن شأس: إن نقصت يد الجاني أكثر من إصبع فقال مالك وابن القاسم: المجني عليه بالخيار في أن يأخذ العقل تاما أو يقتص، وقال ابن رشد عن هذا: إنه مذهب المدونة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وخير المجني عليه إن نقصت يد الجاني أكثر من إصبع كاثنين أو ثلاثة وما زاد على الثلاثة أحرى في القصاص أو الدية أي دية يد المجني عليه، لا دية يد الجاني التي ترك قطعها.

ص: 83

وإن نقصت يد المجني عليه إصبعا فالقود يعني أنه إذا جنى كامل اليد على من يده ناقصة إصبعا فإنه يثبت للمجنى عليه ذي اليد الناقصة إصبعا القصاص على ذي اليد الكاملة فتقطع يده الكاملة، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الإصبع المذكورة إبهاما وأن تكون غير إبهام، ولهذا قال: ولو إبهاما ولا غرامة على ذي اليد الناقصة لصاحب اليد الكاملة. ابن رشد: رواية ابن القاسم في المدونة وسماع يحيى: لو كان نقص الأصبع من يد المجني عليه استحق القود دون غرم عليه ولو إبهاما. ابن شأس: إن كانت يد المجني عليه هي الناقصة، فإن كان النقص إصبعا واحدا فقال مالك وابن القاسم: يقتص كانت الإبهام أو غيرها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن نقصت إصبعا بدليل ما قبله وما بعده من قوله: ولو إبهاما يد المجني عليه بأمر من اللَّه أو بجناية فالقود على الجاني الكامل اليد: ولو كانت الإصبع إبهاما كما في المدونة. انتهى.

وقال عبد الباقي: وإن نقصت يد المجني عليه أو رجله إصبعا أو وبعض آخر بأمر من اللَّه أو بجناية غير فالقود على الجاني الكامل الأصابع، ولو كان نقص إصبع المجني عليه إبهاما ولا غرامة عليه لصاحب الكاملة، والأولى تقديم هذا على جواب الشرط. انتهى. وقوله:"ولو إبهاما" رد به قول عبد الملك أنه: إذا نقصت يد المجنى عليه إبهاما لا يستحق القود من ذي اليد الكاملة. واللَّه تعالى أعلم.

لا أكثر يعني أنه إذا نقصت يد المجني عليه أكثر من إصبع بأن نقصت إصبعين كاملين أو أكثر، فإنه لا يقاد له من اليد الكاملة بل إن كان الباقي أكثر من إصبع فله ديته ولا شيء في الكف لاندراجه في الأصابع، وإن كان إصبعا فديته وفي الكف حكومة. قاله المواق عن ابن شأس. ونقله أحمد فإن لم يبق في يده إلا الكف فحكومة. انتهى. وفي المدونة: ومن قطع يد رجل عمدا وقد ذهب منها إصبعان أو ثلاث بأمر من اللَّه أو بجناية وقع فيها قصاص أو عقل لم يقتص منه، ولكن عليه العقل في ماله. انتهى.

‌تنبيه:

قد مر قول عبد الباقي عند قول المصنف: "وإن نقصت يد المجني عليه" بأمر من اللَّه أو بجناية غير الخ، ثم قال في تفسيره: إنه إن نقصت أكثر من إصبعين بخطإ هذا الجاني قبل ذلك

ص: 84

وغرم عقلها يقتص منه، وتقطع يده الكاملة بهذه اليد الناقصة إصبعين أو أكثر، قال: لاتهامه أنه تعمد قطعها لما غرمه قبل. انتهى.

قال البناني: هذا القيد [غير]

(1)

ظاهر وانظر من ذكره. انتهى. وهو مخالف أيضا لما مر عن المدونة من قولها: أو بجناية وقع فيها قصاص أو عقل. واللَّه تعالى أعلم. وقررت قوله: "لا أكثر" بأن المراد به أكثر من إصبعين كاملين وهو بحسب ظاهره شامل لإصبع وأنملة لأن الذي في المدونة إصبعان أو ثلاثة، ولأن الذي في المواق عن ابن رشد إن كانت يد المجني عليه ناقصة إصبعين فأكثر فلا قود له على الجاني الخ. ولهذا قال عبد الباقي: بأن نقصت إصبعين كاملين أو أكثر. واللَّه تعالى أعلم.

ولا يجوز بكوع لذي مرفق وإن رضيا يعني أن من قطع يد شخص من المرفق ثم تراضيا على أن يقطع المجني عليه يد الجاني من الكوع، فإن ذلك لا يجوز لقوله تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} إذ المماثلة في المحل شرط، كما لا يجوز أن يقطع رجله في يده مثلا، وفاعل "يجوز" ضمير يعود على "القصاص"، والباء في قوله:"بكوع" بمعنى "من" التي لابتداء الغاية أي ولا يجوز القصاص من كوع أي مبتدأ من كوع يد من مقطوع؛ أي لا يجوز لذي مرفق مقطوع القصاص من كوع. وكلام المؤلف موافق للنقل، وبحث ابن عرفة ضعيف. والواو في:"وإن رضيا" للحال، وإذا وقع ونزل يجزيء ولا يعاد كما استظهر بعض. قاله الخرشي وغيره. وقال المواق: قال ابن الحاجب: لو قطع من المرفق لم يجز من الكوع ولو رضي. ابن عرفة: قال هذا الأخوان وأصبغ وقبله الشيخ وغيره وفيه نظر. انتهى.

وقد مر أن بحث ابن عرفة هذا ضعيف، وكلام المؤلف موافق للنقل. المواق: ومما يرشح [مأخذ]

(2)

ابن عرفة: إذا عفا المجروح عن نصف الجرح؟ في المجموع والعتبية عن سحنون: إن أمكن القود من نصفه [أقيد منه]

(3)

. انتهى. الرهوني: وقد نقل ابن عرفة مسألة سحنون هذه بأتم مما نقلها

(1)

ساقطة من الأصل، والمثبت من البناني ج 8 ص 19.

(2)

في النسخ: ما عند، والمثبت من الرهوني ج 8 ص 29 والمواق ج 6 ص 287.

(3)

في النسخ: لقيد، والمثبت من الرهوني ج 8 ص 29.

ص: 85

المواق، فإنه قال: وإن عفا المجروح عن نصف الجرح، فلسحنون في المجموعة والعتبية: إن أمكن القود من نصفه [لقيد]

(1)

منه، وإن لم يكن فالجارح مخير في إجازة ذلك ويغرم نصف العقل، وإلا قيل للمجروح: إما إن تقتص أو تعفو. وقال أشهب: يجبر على عقل النصف. انتهى.

قال الرهوني: ومع ذلك فلا حجة فيه لابن عرفة لوضوح الفارق، فإن من جرح جرحا فيه أنملتان مثلا إذا عفا عن نصفه فاقتص بأنملة في محل الجرح فعل عين ما أبيح له، في محله الخصوص وعفوه عن الأنملة الأخرى، لا يصيره فاعلا غير ما أبيح له وإنما هو بمنزلة من قطعت يداه معا فاقتص من إحداهما وعفا عن الأخرى ومن قطع من المرفق وأراد أن يقطع من الكوع هو فاعل القطع في غير محله الذي أبيح له وصانع غير ما أبيح له قطعا، ولا شك أن ذلك قد ثبتت له العصمة من المقطوع من المرفق كما ثبتت لسائر أعضاء القاطع غير يده، فالانتقال إليه كالانتقال من اليمنى إلى اليسرى أو من يد إلى رجل ونحو ذلك فافترقا، ولذلك -واللَّه أعلم- رجع ابن عرفة عن ذلك في درسه كما قاله ابن ناجي في شرح المدونة، فإنه قال: قال ابن عرفة في درسه: لا يقال بارتكاب أخف الضررين لأن محل الكوع محترم فلا يسوغ الإذن في قطعه. انتهى.

وقد علمت بهذا أن الصواب ما للمصنف وأنه هو المنصوص، قال مقيد هذا الشرح: وبهذا تبين أن إن للمبالغة، ويكون معنى الكلام: ولا يجوز بكوع لذي مرفق جبرا على القاطع من المرفق، بل وإن رضيا معا فلا يجوز، ورد بذلك ما عسى أن يوافق بحث ابن عرفة. واللَّه تعالى أعلم. وهذا خلاف ما قدمت عن غير واحد أن إن للحال لا للمبالغة. وعلم مما مر أن أصل القصاص حق لآدمي إذ له العفو عنه، وأما المماثلة فيه فحق للَّه إن أمكنت وإلا فحق لآدمي كما مر في أقطع الكف، فالفرق بين ما هنا وبينه أنه هنا وجد مثل ما قطع والحق في المماثلة للَّه تعالى، فيفعل بالجاني مثل ما فعل إذا أمكن وهناك إنما وجد بعض ما قطع يخير بينه وبين الدية.

وتؤخذ العين السليمة بالضعيفة يعني أن صاحب العين السليمة إذا قلع عينا ضعيفة البصر، فإن عينه السالمة تؤخذ بالضعيفة أي يقتص منها: فتقلع عينه السالمة كما يقتص للمريض من

(1)

في المواق ج 6 ص 287: أقيد، ط دار الفكر.

ص: 86

الصحيح، وسواء كان ضعف العين المذكورة خلقة أي من أصل خلقتها فهو منصوب بنزع الخافض. كما قاله غير واحد. أو كان ضعفها من أجل كبر إذ يقتص للشيخ من الشاب، ولو اشترط تساوي العضوين لأدى ذلك إلى عدم القصاص غالبا. قاله الشبراخيتي. وقال المواق: قال ابن شأس: أما العين الضعيفة فتؤخذ بها السليمة إذا كان الضعف من أصل الخلقة أو كبر. انتهى. لجدري بالواو كما لعبد الباقي؛ يعني أن العين الضعيفة لأجل جدري أصابها إذا قلعها صحيح مماثلتها فإنه تقلع مماثلتها السليمة، أو لكرمية يعني أن العين الضعيفة لكرمية أو ضربة أو لطمة إذا قلعها من هو سالم مماثلتها فإنه تقلع عينه السالمة المماثلة، ولهذا قال: فالقود فهو جواب الشرط المقدر بعد الواو في قوله: "ولجدري" بفتح الدال وضم الجيم وبفتحهما معا، وفي بعض النسخ: ولكجدري بالكاف مدخلة للقرحة. واللَّه تعالى أعلم.

وإنما يكون القود في الضعيفة لجدري أو رمية إن تعمده أي الجاني الرمي الآن بعد كون العين ضعيفة بسبب رمية سابقة أو لجدري، وإلا يتعمد الرمي الآن بل كان خطأ فبحسابه أي يأخذ بحسب ما بقي بعد الرمي الأول من نورها، فإن كان بقي نصف نور العين بسبب الرمي الأول فعلى المخطئ الآن نصف الدية وعلى هذا القياس، ويقيد قوله:"وإلا فبحسابه" في تعلقه بكرمية وما أدخلت الكاف من جناية أجنبي قبل ذلك عليها [بما]

(1)

إذا كان أخذ لها عقلا وإلا فدية كاملة كما يأتي في قوله: "وكذا المجني عليها إن لم يأخذ عقلا"، وأما قوله:"إن تعمده" فشامل لما إذا كان أخذ لها عقلا قبل ذلك، ولما إذا لم يأخذ لها عقلا.

وتحصيل القول في مسألة العين أن العين الناقصة إذا أصيبت عمدا، فإن كان النقصان منها يسيرا كان فيها القصاص إلا أن يصطلحوا على شيء، إلا أن يكون المجني عليه أعور فيكون فيها بالخيار بين أن يقتص أو يأخذ عقل ما بقي بقدر ما نقص من عينه إن كان نقص منها الربع، كان ثلاثة أرباع ألف دينار وإن كان كثيرا لم يكن فيها إلا ما بقى من عقلها سواء كان النقصان منها بجناية أو بأمر من السماء، وإنما يفترق ذلك إذا أصيبت خطأ، فإن أصيبت خطأ والنقص

(1)

ساقطة من النسخ، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 60.

ص: 87

فيها بأمر من السماء كان فيها جميع الدية كان النقصان فيها يسيرا أو كثيرا إلا أن يكون النقصان قد أتى على أكثرها فلا يكون فيها إلا ما بقي من عقلها، وإن أصبيت خطأ والنقصان فيها بجناية عمدا أو خطأ ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن فيها ما بقي من عقلها وهو أحد قولي مالك في المدونة، والثاني أن فيها العقل كاملا وهو قول ابن نافع على قياس قولهم في السن إذا اسودت أن فيها العقل كاملا، القول الثالث الفرق بين أن يقتص للنقصان إن كان عمدا أو يأخذ [له]

(1)

دية إن كان خطأ، وبين أن لا يقتص بذلك ولا يأخذ دية فيكون له العقل كاملا، فإن اقتص لذلك أو أخذ له عقلا لم يكن له إلا ما بقي من العقل. صح من رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب الجنايات الأول. قاله الرهوني.

‌تنبيه:

قال الخرشي ونحوه للبناني: لا حاجة لقوله: "فالقود" مع قوله: "وتؤخذ العين" الخ، ولا لقوله:"إن تعمده" لأن الكلام في العمد، ولا لقوله:"وإلا فبحسابه" مع قوله فيما يأتي: "وكذا المجني عليها إن لم يأخذ لها عقلا" الخ مع إخلال ما هنا بالشرط الآتي. انتهى. يعني بالشرط قوله: "إن لم يأخذ لها عقلا"، وقال الرهوني: قول البناني: مع إخلال ما هنا بالشرط الآتي، ما هنا موافق لما صدر به ابن رشد وعزاه لأحد قولي مالك لكن حمله هنا على ظاهره يوجب الاضطراب في كلاميه، فيتعين تقييده هنا بما يأتي مع أن ما يأتي، هو الراجح. قال مصطفى: إذ هو قول مالك المرجوع إليه كما في المدونة. انتهى. ولأنه الذي رجحه ابن يونس أن العين إذا أصيبت خطأ وقد كان أصابها قبل ذلك شيء نقص بصرها، فإن كان من جناية أخذ لها عقلا حوسب به. انتهى.

وإن فقأ سالم عين أعور فله القود أو أخذ دية كاملة من ماله يعني أنه إذا فقأ عين أعور سالم العينين أو سالم المماثلة لعين الأعور، فإنه يثبت الخيار للأعور بين أن يقتص ويفقأ العين المماثلة لعينه وأن يأخذ دية كاملة من مال الجاني. قال عبد الباقي: وإن [فقأ]

(2)

سالم [عيناه]

(3)

أو سالم

(1)

في النسخ: لها، والمثبت من الرهوني ج 8 ص 30.

(2)

ساقط من النسخ، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 20.

(3)

في النسخ: عيناه، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 20.

ص: 88

المماثلة للمجني عليها عين أعور وهو الذي ذهب بصر أحد عينيه بجناية أو غيرها فله القود بأخذ نظيرتها من السالم، أو أخذ الدية كاملة ألف دينار على أهل الذهب من ماله لأن عينه بمنزلة عينين. انتهى. وقال الخرشي: قوله: "سالم" أي سالم العين المماثلة فقط، وليس المراد أنه سالم العينين فقط. انتهى. ونحوه للشبراخيتي والتتائي، فإنه قال: وإن فقأ سالم عين أعور عمدا فله أي الأعور القود بأن يأخذ نظيرتها من عيني السالم أو أخذ دية أي دية عين الأعور كاملة ألف دينار عند مالك وجميع أصحابه، وبه قال الخلفاء الأربعة. وإطلاق المصنف السالم يعم سالمهما وسالم مماثلة الأعور فقط وهو قول ابن القاسم، كان الجاني صحيح العينين أو صحيح العين التي مثلها للأعور. انتهى. وهذا الذي نسبته لهؤلاء الشراح، قال البناني نحوه عند ابن عرفة عن ابن القاسم وأشهب، ونصه: قال محمد: قال ابن القاسم وأشهب: كان الباقي صحيح العينين أو صحيح التي مثلها للأعور. انتهى. وما قدمته عن التتائي من قوله: عند مالك وجميع أصحابه، وبه قال الخلفاء الأربعة إنما هو في دية عين الأعور لا في التخيير كما في التوضيح.

وإن فقأ أعور من سالم مماثلته فله القصاص أو دية ما ترك يعني أن الأعور إذا فقأ من سالم العينين العين التي تماثل عينه، فلسالم العينين أن يقتص من الأعور، وله أن يأخذ دية ما ترك وهي عين الأعور ألف دينار على أهل الذهب، وإنما جعل التخيير هنا لعدم المساواة لأن عين الأعور فيها الدية كاملة، بخلاف عين غير الأعور فيها نصف الدية. قال عبد الباقي: وإن فقأ أعور من سالم مماثلته فله القصاص أو دية ما ترك وهو عين الأعور ألف دينار، فالخيار للمجني عليه لعدم المساواة لا للجاني، ويحكم بذلك مع تنازعهما؛ أي قول الجاني: إنما عفا لأخذ دية المجني عليها، وقول المجني عليه: إنما عفوت لأخذ دية ما تركت للجاني. انتهى.

وأما ما يأتي في قوله: "وجاز صلحه في عمد بأقل أو أكثر" فمع التراضي، وفي المدونة: قال مالك: إن فقأ الأعور عين الصحيح التي مثلها باقية للأعور فله أن يقتص وإن أحب فله دية عينه، ثم رجع فقال: إن أحب اقتص وإن أحب فله دية عين الأعور ألف دينار، وهذا أعجب إلي. انتهى. نقله المواق. وهذه عكس التي قبلها فالأعور في هذه هو الجاني، وفي التي قبلها هو المجني عليه. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 89

وغيرها فنصف دية فقط يعني أنه إذا فقأ الأعور من سالم العينين؛ العين التي لا تماثل عينه فإنه يلزمه نصف الدية فقط، وليس له القصاص لتعذر المحل. قال المواق: قال ابن شأس: إن فقأ صاحب العين الواحدة عين الصحيح المعدومة له فليس عليه إلا خمس مائة دينار، وعبارة ابن الحاجب: أو فقأ التي لا مثل لها له فنصف دية فقط في ماله. انتهى.

وإن فقأ عيني السالم فالقود ونصف الدية يعني أنه إذا فقأ الأعور عيني السالم عمدا فإنه يثبت للسالم القود ونصف الدية؛ أي فالقود في المماثلة لعينه ونصف الدية في العين التي ليس له مثلها وسواء فقأ التي ليس له مثلها أولا أو لا، قال الشبراخيتي: وإن فقأ الأعور عيني السالم عمدًا فالقود في العين المماثلة لعينه ونصف الدية للعين الأخرى، وظاهره فقأهما معا دفعة أو واحدة بعد أخرى، وسواء فقأ التي ليس له مثلها أولا أم لا وهو كذلك. اهـ. وهذا هو المشهور ومقابله لأشهب، قال ابن الحاجب: ولو فقأ الأعور عيني الصحيح فالقصاص ونصف الدية، وقال أشهب: إن فقأهما في فور واحد وبدأ بالمعدومة، فأما لو بدأ بالتي مثلها له وجب القصاص ثم صار أعور فلزم أن يجب في عينه ألف دينار. انتهى. نقله البناني.

وإن قلعت سن فثبتت فالقود يعني أنه إذا قلعت سن لكبير أي مثغر عمدا وأعيدت مكانها فثبتت فإنه يثبت للمجني عليه القود، قال الشبراخيتي: وإن قلعت سن لكبير، والمراد به من أثغر وأعيدت مكانها فثبتت أي استمسكت وقويت في موضعها فثبتت من الثبوت لا نبتت بالنون لأنها لا تنبت لكبير، فالقود في العمد لأنها ولو ثبتت لا تعود على أصول عروقها. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن قلعت سن أي قلعها شخص عمدا لكبير أي فثغر بدليل ذكره الصغير فيما يأتي وأعيدت مكانها فثبتت قبل أخذ عقلها أو اضطربَتْ جدا كما سيأتي أو لم تُعَدْ وثبتت مكانها أخرى، فالقود في العمد لأن المعتبر في القصاص يوم الجرح وأيضا هي لو ثبتت لا تعود على أصول عروقها، ولأن القصد تألم الجاني بمثل ما فعل. انتهى. وقال المواق من المدونة: من طرحت سنه عمدا فردها فثبتت فله القود فيها، والأذن كذلك. انتهى.

وفي الخطإ كدية لخطإ يعني أنه إذا قلع شخص سن شخص خطأ فأعيدت وثبتت فإن المجني عليه يستحق دية سنه، وهي: خمس من الإبل يعني دية الموضحة، ونحوها إن برئت على غير

ص: 90

شين فالعقل واجب اتفاقا، قال عبد الباقي: وفي جناية الخطإ أي قلعها شخص خطأ إن أعيدت فثبتت قبل أخذ عقلها لم يسقط بثبوتها، وحكمها أنه يؤخذ عقلها وهو خمس من الإبل كالخطإ أي كدية الخطإ في غيرها مما له عقل مسمى، كموضحة ومنقلة يؤخذ عقلها ثم تعود كما كانت عليه فلا يسقط العقل اتفاقا. حكاه اللخمي. وإن أخذ الدية فردت وثبتت لم يأخذ الآخر شيئا. انتهى. وفي المدونة: ولو رد السن في الخطإ فثبتت كان له العقل. قال المتيطى: هذا يعني القول بالقود في العمد وأخذ الدية في الخطإ قول مالك وابن القاسم، وقال أشهب والغيرة: إن كان عمدا فالقود وإن كان خطأ فلا عقل. انتهى. وعلم مما قررت أنه ليس في المصنف تشبيه الشيء بنفسه. وفي التوضيح: أنه يجب القصاص في العمد اتفاقا وفي الخطإ إن أخذ العقل قبل الثبوت فلا رد اتفاقا، وإن ثبتت قبل الأخذ فقال ابن القاسم: بأخذ العقل، وقال أشهب: لا يأخذه.

والاستيفاء للعاصب يعني أن الاستيفاء في القصاص في النفس إنما هو للعاصب، فخرج غير العاصب كالأخ للأم والجد لها والزوج إن لم يكن ابن عم وغيرهم. قال عبد الباقي: والاستيفاء في النفس للعاصب الذكر نسبا إن وجد وإلا فعاصب الولاء إن وجد وإلا فالإمام وليس له العفو. قاله ابن الحاج. وقال ابن رشد: لا ينبغي له العفو إلا أن يكون كل من المقتول والقاتل كافرا ثم يسلم القاتل كما مر. كالولاء يعني أن الاستيفاء للعصبة كما علمت، وترتبهم فيه كترتب الورثة للولاء، فيختص به الذكور الأقرب فالأقرب إلا فيما يأتي من قوله:"والنساء إن ورثن" الخ، قال المواق: قال ابن الحاجب: ولاية الاستيفاء لأقرب الورثة العصبة الذكور. انتهى. وقال عبد الباقي: وترتبهم كالولاء في ميراثه فيختص بالذكور الأقرب فالأقرب وكالصلاة على الجنازة والنكاح.

إلا الجد والإخوة فسيان لما اقتضى التشبيه أن الإخوة وبنيهم مقدمون على الجد استثنى هذا الاستثناء؛ يعني أن الجد والإخوة سيان في الاستيفاء والمراد الجد دنية، وقوله:"إلا الجد والإخوة فسيان" بخلاف الولاء فإن الإخوة وبنيهم مقدمون على الجد. قال عبد الباقي: قال: "كالولاء" ولم يقل كالإرث ويستغني عن الاستثناء لأن الجد المساوي للإخوة هنا هو الجد دنية، وفي باب الميراث:"الجد وإن علا". وأشعر قوله: "الإخوة" أنه لا كلام عند فقدهم لبنيهم مع الجد بل هو أولى كما في الموازية، وإنما كان لا كلام لأبناء الإخوة مع الجد في الاستيفاء لأن الجد

ص: 91

بمنزلة آبائهم وهم لا كلام لهم مع آبائهم. قاله غير واحد. وقال الإمام الحطاب: قال اللخمي: وإذا اجتمع في القيام بالدم نسب وولاء كان النسب المبدأ في القيام والعفو، وإن لم يكن ذو نسب فالمولى الأعلى، فإن لم يكن مولى أعلى فالسلطان ولا شيء للمولى الأسفل، وإن [يكون]

(1)

إلا رجل من الفخذ أو القبيل ولا يعرف قعدده من الميت ولا من لم يكن له ميراثه لم يكن له قيام بالدم. انتهى. وقال ابن سلمون: وإن لم يكن أولياء فهل للسلطان ما للأولياء من العفو والقصاص. قال ابن الحاج في مسائله: الذي يقتضيه الواجب أنه لا نظر للسلطان في العفو عنه.

‌فرع:

قال في مختصر الوقار: وإذا أقر رجل أنه قتل عمدا ولم يعرف المقتول ولم [يوجد]

(2)

له أولياء يقومون بدمه سجنه الحاكم ولم يقتله فلعل له [وليا]

(3)

يعفو عن دمه. انتهى. انظر ابن سلمون. انتهى. وقال البناني عند قوله: "كالولاء": أحال على مراتب الولاء ولم يذكرها هناك، بل أحاله على صلاة الجنائز ولم يبينها هناك، بل قال: ثم أقرب العصبة والأولى أن لو أحال على النكاح لقوله فيه: "وقدم ابن فابنه فأب فأخ فابنه فجد" الخ. انتهى. وللشيخ علي الأجهوري رحمه اللَّه تعالى:

بغسل وإيصاء ولاء جنازة

نكاح أخا وابنا على الجد قدم

وعقل ووسطه بباب حضانة

وسوه مع الآباء في الإرث والدم

قوله: بغسل يعني به الأولى بغسل الميت، وقوله: بإيصاء يعني إذا أوصى للأقرب فالأقرب، وقوله: ولاء يعني به من يرث الولاء، وقوله: جنازة يعني به الصلاة على الجنائزة وقوله: نكاح يعني به ولاية النكاح. وأشار إليها المصنف بقوله: "وقدم ابن فابنه فأب" الخ، وقوله: أخا وابنا يعني بالابن ابن الأخ، وقوله: وسوه مع الآباء يعني بالآباء آباء أبناء الإخوة وهم الإخوة، وقوله:

(1)

في النسخ: لم يكن، والمثبت من الحطاب ج 6 ص 462 ط دار الرضوان.

(2)

في النسخ: يجد، والمثبت من الحطاب ج 6 ص 462 ط دار الرضوان.

(3)

في النسخ: ولى، والمثبت من الحطاب ج 6 ص 462.

ص: 92

وعقل يعني به العصبة المؤدين للدية في الخطإ، وقوله: حضانة يعني المستحق للحضانة. واللَّه تعالى أعلم.

ويحلف الثلث يعني أن الجد إذا كان مع الإخوة فإنه يحلف ثلث أيمان القسامة حيث كان يرث الثلث، قال عبد الباقي: ويحلف الجد الثلث من أيمان القسامة حيث كان يرث الثلث، فإن كان معه أخ حلف النصف كالأخ هذا في العمد والخطإ في هاتين الصورتين، فإن زادت الإخوة على مثليه حلف، وكمل يحلف الثلث في الخطإ والعمد أو يحلف الثلث إلا في العمد فكأخ؟ أي يقدر أخا زائدا على الإخوة، فإن كانت الإخوة ثلاثة حلف ربع الأيمان [وأربعة]

(1)

خمسها وهو عشرة أيمان وهكذا.

وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان على المدونة، قال البناني: نص المدونة: وإن كانوا عشرة إخوة وجدا حلف الجد ثلث الأيمان والإخوة ثلثين، فحملها ابن رشد على ظاهرها من العموم في الخطإ والعمد، فقال في المقدمات: قال ابن القاسم: يحلف الجد ثلث الأيمان في العمد والخطإ، فأما الخطأ فصواب، وأما العمد فالقياس على مذهبه أن تقسم الأيمان بينهم على عددهم، وحملها بعض شيوخ عبد الحق على الخطإ، وأما العمد فكما ذكر ابن رشد أنه القياس. انتهى. نقله بعض الشراح. ومثله في أبي الحسن فتبين أنهما تأويلان على المدونة، ولا مفهوم لعشرة بل المراد به ما فوق الاثنين. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "تأويلان": محلهما في العمد ومعه أكثر من مثليه ثم ما تقدم من حلفه الثلث إذا كان معه أخوان في العمد والخطإ ظاهره لأن فرضه الثلث في ذلك، فإن كان فرضه أكثر منه كما إذا كان معه ذو فرض كجدة لأم وأخ واحد فإن ميراثه الثلث ونصف سدس، فيحلف قدر إرثه وهو الثلث ونصف السدس كما ارتضاه غير واحد من مشايخ علي الأجهوري هذا في الخطإ لأن الجدة تحلف فيه من حصتها كما يأتي في المصنف، وأما في العمد فيحلف نصف الأيمان والأخ مثله؛ لأنه إذا حلف الجد قدر إرثه وحلف الأخ باقيها لزم حلف أحد الوليين المتساويين أكثر من نصف أيمانها وهو

(1)

في النسخ: في أربعة، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 21.

ص: 93

باطل. انتهى. والحاصل أنه إذا كان مع الجد أخ ذو سهم كجدة أو [أخ لأخ]

(1)

حلف كل في الخطإ قدر إرثه. واللَّه تعالى أعلم.

وانتظر غائب لم تبعد غيبته قال الخرشي: يعني أن أولياء الدم إذا كانوا في درجة واحدة فغاب بعضهم غيبة قريبة بحيث تصل إليه الأخبار فإنه ينتظر إلى قدومه ليعفو أو يقتل، وأما إن بعدت غيبته فإنه لا ينتظر ولمن حضر أن يقتل، فانتظار الغائب حيث أراد الحاضر القتل، وأما لو أراد العفو فلا ينتظر بل إذا عفا سقط القتل وللغائب نصيبه من الدية كما يأتي. وسقط إن عفا رجل كالباقي، ومهما أسقط البعض فلمن بقي نصيبه من دية عمد. انتهى. وقال عبد الباقي: وانتظر غائب له استحقاق الاستيفاء مساو للحاضر في الدرجة ليعفو أو يقتل إذا لم تبعد غيبته جدا بحيث تصل إليه الأخبار، وهذا إن أراد الحاضر القتل، فإن أراد العفو لم ينتظر وله نصيبه من دية عمدة وكذا يقال في كل من ينتظر ممن يأتي، كما أنه لا ينتظر بعيد الغيبة جدا كأسير بأرض حرب وشبهه كمفقود عجز عن خبره، فإن رجي قدومه في مدة كمدة يظن فيها زوال الإغماء والبرسام فينبغي انتظاره. انتهى. قوله:"لم تبعد غيبته" جدا، قال البناني عند قوله:"وانتظر غائب لم تبعد غيبته" ما نصه: هذا قول ابن القاسم في المجموعة، وكأن المصنف فهم أنه تقييد للمدونة، وظاهر المدونة عند ابن رشد وأبي عمران أن الغائب ينتظر وإن بعدت غيبته. وقال سحنون: إلا أن يبعد جدا أو يؤيس منه كالأسير ونحوه، وقيد به ابن يونس المدونة وجرى عليه ابن الحاجب واختار ابن عرفة أنه مقابل. انظر الحطاب.

ثم إذا انتظر فإن الجاني يحبس ولا يطلب بكفيل؛ إذ لا يصح الكفيل في قود، ثم ظاهر ابن عرفة والبرزلي أن الجاني يقيد بالحديد. قال الحطاب: وهو ظاهر إن أصاب من بيت المال أو غيره ما يأكل وإلا فهل يطلق من السجن؟ وهو الظاهر إذ يبعد أن يخلد فيه حتى يموت جوعا. فتأمله. ومحل الخلاف المتقدم إذا غاب بعضهم دون بعض، فلو غابوا كلهم فالظاهر انتظارهم مطلقا ولو

(1)

كذا في نسخة، ولعله أخ لام.

ص: 94

بعدت غيبتهم، وفي مختصر الوقار ما يشهد له لكن مع وجود النفقة للجاني، وقد بحثت عن هذه المسألة فلم أرها في المدونة ولا غيرها. انتهى باختصار. انتهى.

والحاصل من كلام البناني أن القريب الغيبة من الأولياء يكتب إليه أن ينتظر حيث أراد الحاضر المساوي له في الدرجة القتل لا العفو، فيمضي عفوه ولغيره نصيبه من الدية وإن بعد لم ينتظر على ما في المجموعة وهو الذي مر عليه المصنف، وظاهر المدونة أنه ينتظر ولو بعدت غيبته وعليه حملها ابن رشد، ولم يرتض المصنف حمل المدونة على ظاهرها. وقال سحنون: ينتظر وإن بعدت غيبته إلا أن يبعد جدا أو يؤيس منه، وقيد به ابن يونس المدونة وجرى عليه ابن الحاجب، واختار ابن عرفة أنه مقابل وإذا انتظر سجن الجاني إن أصاب ما ينفق منه وإلا أطلق. واللَّه تعالى أعلم.

ومغمى يعني أنه إذا كان أحد أولياء المقتول مغمى فإنه ينتظر إفاقته ليعفو أو يقتل لقرب إفاقته، ومبرسم يعني أنه إذا كان أحد أولياء المقتول مبرسما فإنه ينتظر بالقتل زوال برسامه لقصر مدة البرسام غالبا بموت أو صحة، والمبرسم اسم مفعول وهو الذي أصابه البرسام وهو ورم في الرأس [يعتل معه]

(1)

الدماغ. انتهى. وقال عبد الباقي وغيره: وقال الخرشي: والبرسام ورم في الرأس يثقل منه الدماغ. انتهى. وقال الشبراخيتي: البرسام ورم في الرأس يثقل منه الدماغ. وقال التتائي: الجوهري: برسم الرجل فهو مبرسم والبرسام علة معروفة، وقال غير الجهوري: هو ورم في الرأس يثقل منه الدماغ. انتهى. وقال التتائي: ومبرسم اسم مفعول. انتهى. ولو أراد الحاضر العفو لم ينتظر ذو العذر. قاله الخرشي.

لا مطبق يعني أن المجنون أي المطبق الذي لا تعلم إفاقته لا ينتظر بالقتل، فإذا كان أحد أولياء المقتول مجنونا مطبقا فالأمر إلى الولي السالم إن شاء قتل وإن شاء عفا، وأما من يجن أحيانا ويفيق أحيانا فإنه تنتظر إفاقته. قال المواق من المدونة: إن كان أحد الأولياء مطبقا فللآخر أن يقتل، وإن كان في الأولياء مغمى عليه أو مبرسم انتظرت إفاقته لأن هذا مرض. انتهى.

(1)

هكذا في عبد الباقي ج 8 ص 21 وفي النسختين: يثقل منه.

ص: 95

وصغير لم يتوقف الثبوت عليه يعني أنه إذا كان في الأولياء صغير لا يتوقف ثبوت القتل عليه بأن ثبت القتل ببينة أو وجد من يحلف القسامة مساويا له أو أبعد فإنه لا ينتظر، فللولي غيره أن يقتل. قال المواق من المدونة: إن كان أولاد المقتول صغارا وكبارا، فإن كان الكبار اثنين فصاعدا فلهم أن يقسموا ويقتلوا ولا ينتظروا بلوغ الصغار، وإن عفا بعضهم فللباقين منهم وللأصاغر حظهم من الدية، وإن لم يكن إلا ولد صغير وكبير، فإن وجد الكبير رجلا من ولاة الدم يحلف معه، وإن لم يكن ممن له العفو حلفا خمسين يمينا ثم للكبير أن يقتل، فإن لم يجد من يحلف معه حلف خمسا وعشرين يمينا ثم استحق واستؤني بالصغير، فإذا بلغ حلف أيضا خمسا وعشرين يمينا ثم استحق الدم، وإن كان القتل بغير قسامة وللمقتول وليان أحدهما مجنون مطبق فللآخر أن يقتل، هذا يدل على أن الصغير لا ينتظر. انتهى.

وقال عبد الباقي: ولا صغير واحد أو متعدد لم يتوقف الثبوت عليه بأن يكون في العصبة أبعد منه أو مساو له، ويستعين بعاصبه أو في العصبة اثنان أبعد منه كابنين صغيرين للمقتول وله أولهما عمان فيحلفان ويثبت الدم، فإن اقتصا فظاهر وإن عفوا

(1)

أو واحد سقط القتل وللصغير دية عمد. هذا هو المرتضى والموافق لقول المدونة، خلافا لقول ابن رشد: ينتظر الصغيران، ومحل ذلك الخلاف ومحل المصنف فيما يحتاج لقسامة، وأما من ثبت قتله ببينة فيقتل ولا يجري فيه انتظار من غير خلاف، فإن توقف الثبوت عليه بأن لا يكون معه غير كبير ولا عاصب له حلف الكبير الآن حصته خمسا وعشرين يمينا مع حضور الصغير، وانتظر بلوغ الصغير ليحلف باقيها ويستحق الدم، فإن شاء اقتص أو عفا، انتهى. قول المصنف:"لم يتوقف الثبوت عليه"، قال الشبراخيتي: راجع لهما يعني بقوله: "مطبق وصغير"، ونحوه للخرشي. واللَّه تعالى أعلم.

وللنساء عطف على قوله: "للعاصب" يعني أن استيفاء القود يكون للنساء أيضا بشرطين، أحدهما قوله: إن ورثن أي المقتول أي كن من جملة ورثته، فتخرج العمة والخالة وبنت الأخ وبنت العم، وثاني الشرطين قوله: ولم يساوهن عاصب في درجتهن؛ بأن لا يوجد أصلا أو يوجد أنزل منهن

(1)

هكذا في عبد الباقي ج 8 ص 21 وفي النسختين عفيا.

ص: 96

كعم مع بنات ليس معهن ابن، أو عم مع أخوات ليس معهن أخ وكأخ للأب مع أخوات شقائق كأن ساواهن عاصب كبنات مع ابن أو أخوات مع أخ فلا دخول لمن في عفو ولا قود اتفاقا. قال عبد الباقي: وعطف على العاصب من قوله: والاستيفاء للعاصب، قوله:"والاستيفاء للنساء بشرطين: أحدهما قوله: "إن ورثن" المقتول أي كن من جملة ورثته، فتخرج العمة والخالة وبنت العم واستشكل بالأخت للأم فإنها ترث وليس لها استيفاء، وأجاب البساطي بأن الكلام في امرأة لو كانت ذكرا لكانت عاصبا لا امرأة ترث مطلقا، كالأخت للأم فإنها بتقدير ذكورتها لا يختلف الحكم، وإلا لو ردت الزوجة والجدة للأم وتدخل أم المقتول لأنها لو كانت في درجتها رجل وهو الأب ورث بالتعصيب إذ لها الثلث وله الباقي، ولكن لا حق لها معه لأنها قد ساواها العاصب، وقد صرح بذلك في الجواهر، وفي التوضيح رأى مالك وابن القاسم أن لها القيام بالدم، وأباه أشهب. ولا تدخل الأم مع الأب والولد الذكر اتفاقا. والشرط الثاني في كلامه مشعر بذلك أي بعدم دخولها مع الأب، وهو قوله: "ولم يساوهن عاصب" في درجتهن. قال عبد الباقي: بأن لا يوجد أو يوجد أنزل منهن كعم مع بنات ليس معهن ابن، أو عم مع أخوات ليس معهن أخ، أو في القوة فللأخوات الشقائق كلام مع الإخوة للأب، فإن ساواهن عاصب كبنات مع ابن وأخوات مع أخ فلا دخول لهن في عفو ولا في قود، وبقي عليه شرط ثالث وهو أن يثبت القتل ببينة أو إقرار، وأما القسامة فسيأتي وإنما يعتبر عدم مساواة العاصب لهن حيث لم يرثن الاستيفاء ممن له الاستيفاء كما يأتي عند قوله: "والوارث كموروثه". انتهى.

قوله: "أو في القوة" لو أسقطه لكان أحسن لأن الإخوة للأب أنزل من الأخوات الشقائق فليسوا معهن في درجة واحدة، وقوله: وبقي عليه شرط ثالث هذا ليس بشرط فلم يبق على المصنف الخ. قاله البناني. وقال الرهوني: قوله: وبقي عليه شرط ثالث وهو أن يثبت القتل ببينة الخ، فيه نظر لأن هذا قول آخر مقابل لما ذهب إليه المصنف الذي هو مذهب المدونة، ففي ابن عرفة ما نصه: وفي المقدمات إن كان الأولياء بنات وإخوة أو أخوات وعصبة، ففي كون الأحق بالقود من قام به ولا عفو إلا باجتماعهم، ولو ثبت الدم بقسامة أو إن ثبت ببينة وإلا سقط النساء، ثالثها إن ثبت ببينة فالنساء أحق بالقود والعفو لقربهن، وإن ثبت بقسامة فالأول لابن القاسم فيها

ص: 97

وسماعه عيسى ورواية الأخوين. انتهى منه بلفظه. ونحوه في التوضيح عن عياض. واللَّه أعلم. انتهى. وحكى ابن القصار عن مالك قولا أنه لا مدخل للنساء في الاستيفاء جملة. قاله في التوضيح. واللَّه تعالى أعلم.

ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم يعني أن الاستيفاء للنساء حيث ورثن ولم يساوهن عاصب، بل إنما معهن من العصبة من هو أنزل منهن كالإخوة والبنات، وإذا كان لهن الاستيفاء فإنه يكون لكل من الفريقين القتل ولا عفو إلا باجتماع الفريقين، فإذا أرادت العصبة القتل دونهن كان الكلام لهن دون العصبة، فإذا اجتمع الفريقان على العفو كان ذلك لهم. وقوله:"إلا باجتماعهم" ولو كان الاجتماع باتفاق رجل من العصبة وامرأة من النساء على العفو دون غيرهما فيسقط القود. وقوله: "ولا عفو إلا باجتماعهم" سواء ثبت القتل ببينة أو قسامة. قال عبد الباقي: وإذا كان لهن استيفاء مع العاصب غير المساوي كان لكل من النساء والعاصب غير المساوي القتل، سواء ثبت القتل ببينة أو قسامة كما في المدونة ولا عفو إلا باجتماعهم حقيقة، أو حكما كواحد من هذا الجنس وواحد من الجنس الآخر كما يفيد ذلك قوله الآتي:"وفي رجال ونساء لم يسقط إلا بهما أو ببعضهما" لكن يقيد ذلك بقول الجواهر: إن اجتمعت الأم والأخوات والعصبة فاتفق العصبة والأم على العفو مضى على الأخوات: وإن عفا العصبة والأخوات لم يمض على الأم. انتهى. واحترز المصنف بذلك عما إذا كان جميع مستحقه رجالا فعفا بعضهم فيسقط القصاص، أو جميع مستحقه نساء فعفا بعضهن فينظر الحاكم، فليس قوله:"ولا عفو" مكررا مع قوله: "ولكل القتل"، أشار له البساطي: نعم يتكرر مع قوله الآتي: "وفي رجال" الخ.

كأن حزن الميراث وثبت بقسامة تشبيه في أن لكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم التي قبل هذه لم يحزن الميراث وهذه حزن الميراث؛ يعني أنه إذا ثبت القتل بقسامة وكان النساء يحزن الميراث دون العصبة كالأخوات والبنات مع الأعمام فإنه يكون لكل القتل، ومن قام به فهو أولى من غيره ولا عفو إلا باجتماع الرجال والنساء عليه، ومفهوم قوله:"بقسامة" أنهن لو حزن الميراث أي استغرقنه وثبت القتل ببينة أو إقرار لم يكن للأعمام مدخل في عفو ولا قتل. والحاصل أن النساء إذا لم يساوهن عاصب إما أن يحزن الميراث كله أو لا، فإن لم يحزنه كالبنات والأخوات فلا عفو

ص: 98

إلا باجتماعهم ثبت القتل بقسامة أو غيرها، وهذا مراده بقوله:"ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم"، بدليل التشبيه بعده، وإما أن يحزن الميراث كالبنات والأخوات والأعمام، فإن ثبت القتل بقسامة فلا عفو إلا باجتماعهم أيضا، وإن ثبت بغيرها فلا حق للعصبة معهن. قال في التوضيح: وهو متفق عليه وهو مراده بقوله: "كأن حزن الميراث" الخ. قاله البناني. يعني -واللَّه تعالى أعلم- حيث فرعنا على المشهور من أن لهن الاستيفاء.

‌تنبيه:

علم مما مر عن الجواهر أنه إذا اتفقت بنت مع العصبة على العفو مضى ذلك على الأخوات، بل والبنت مع واحد من العصبة، بخلاف ما إذا عفت الأخوات والعصبة فإن ذلك لا يمضي على البنات وهذا واضح، وسيأتي لهذه المسألة تعرض عند قول المصنف:"وفي نساء ورجال لم يسقط إلا بهما أو ببعضهما". إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.

ولما ذكر ولي المقتول ذكر وارث الولي، فقال: والوارث كموروث يعني أن الوارث لمن له الاستيفاء كموروثه أي يتنزل منزلة الولي، قال عبد الباقي: والوارث لمن له ولاية الاستيفاء كموروثه أي ينتقل له من الكلام في الاستيفاء وعدمه ما كان لموروثه، وإن كان في الوارث ذكر وأنثى كان الكلام لهما وإن استوت درجتهما [كموت ابن]

(1)

المقتول عن ابن وبنت فلها الكلام مع أخيها، فلا يراعى في وارث ولي المقتول الأنثى عدم مساواة عاصب لها كما روعي ذلك في أولياء المقتول، وإذا كان الكلام لبنت المقتول وعمها مثلا وماتت عن بنت كان لها الكلام مع العم، ولا يدخل الزوج والزوجة في كلامه، كما لا تدخل في قوله:"وللنساء". انتهى. وقال الشبراخيتي: والوارث واحدا فأكثر كموروثه، فإن كان له حق في العفو والقتل فوارثه كذلك، وإن لم يكن له حق في العفو كبنت مع ابن فورثتها كذلك لاحق لهم في العفو ولا في القتل. انتهى. لكن لهم حق في المال إن عفا كما في التوضيح؛ يعني على رواية أشهب لا على مقابلها الذي هو أشهر منها.

وللصغير إن عفا كبير نصيبه من الدية يعني أنه إذا كان أولياء الدم فيهم كبير وصغير أو أكثر فعفا الكبير أو الكبار أو بعضهم فإن للصغير نصيبه من دية عمد، وفي نسخة: إن عفوا، وفي

(1)

في النسخ أي المقتول والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 22.

ص: 99

نسخة: إن عفي بالتركيب. قال عبد الباقي: وللصغير مع كبار من ورثة مستحقين للاستيفاء إن عفوا أو بعضهم عن القتل مجانا نصيبه من الدية أي دية عمد، ولا يسري عفوهم عليه في إسقاط حقه من الدية وإن سقط القتل كما سيقول:"وسقط إن عفا رجل كالباقي" وفي بعض النسخ هنا: عفي وهو مبني للمجهول إذ المعتبر عفو الكبير دون الصغير، وهذا كقوله فيها يأتي، "ومهما أسقط البعض فلمن بقى نصيبه من دية عمد". انتهى. وقال الخرشي: يعني أن أولياء الدم إذا كان فيهم كبار وصغار فعفا الكبار عن القتل أو واحد منهم فإن القصاص يسقط كما يأتي في قوله: "وسقط إن عفا رجل كالباقي"، وإذا سقط القتل فإن حق الصغير لا يسقط من الدية بل له نصيبه من دية عمد. انتهى. ونحوه لغيرهما، وقال المواق: ابن عرفة: إن كان في الأولياء صغير لا ولي له، ففي المدونة: للأولياء الاستقلال بالقتل دون الصغير. ابن الحاجب: فإن عفوا فللصغير نصيبه من دية عمد. انتهى. وقال التتائي: وللصغير مع كبار من ورثة مستحقين للاستيفاء إن عفوا عن القتل نصيبه من الدية ولم يسر عفوهم عليه في إسقاط حقه منها، فلو كانوا ثلاثة أحدهم الصغير وعفا الاثنان فله ثلث دية عمد، ولو صولح القاتل على دية خطإ فأقل لم يلزم الصغير ذلك. انتهى. وعلم مما قررت أن الصغير لا يسقط حقه من الدية عفو كبير معه، فلا يقال إن الكلام للكبار دونه حيث لم يتوقف الثبوت عليه فلا نصيب له كما يأتي تحقيق ذلك عند قوله:"ومهما أسقط البعض" الخ. واللَّه تعالى أعلم.

ولوليه النظر في القتل وأخذ دية كاملة يعني أن المقتول إذا كان له ولد صغير ليس معه كبير، فإن لوليه من أب -كما إذا قتلت أم الصبي أو وصي أو غيرهما- النظر في الأصلح من أن يقتص منه للصغير أو يأخذ منه له دية عمد كاملة، قال في المدونة: ومن وجب لابنه الصغير دم عمدا أو خطأ لم يجز له العفو إلا على الدية لا أقل منها. قاله المواق. وقال الخرشي: يعني لو كان مستحق الدم الصغير وحده فإن لوليه من أب أو وصي أو غيرهما أن ينظر في أمر محجوره، فإن رأى القصاص هو الأصلح في حق محجوره اقتص له من الجاني، وإن رأى أخذ الدية الكاملة هو الأصلح في حق محجوره أخذها، ولا يجوز للولي أن يصالح على أقل من الدية حيث كان القاتل مليا؛ وهذا لا يتمشى على مذهب ابن القاسم من أن القصاص يتعين، ولكن لما كان هذا المحل

ص: 100

محل ضرورة لأجل الصغير كان الحكم كما مر. انتهى. ومحل التخيير في هذه وفي مسألة القطع الآتية، حيث رضي الجاني بدفع الدية، فإن أبى فليس إلا القصاص أو العفو مجانا وحينئذ فلا مخالفة، وهذا خلاف ظاهر كلام المؤلف، فالأظهر الجواب الأول. انتهى.

وقوى الرهوني هذا الجواب الأخير، لكن قال: إن ابن القاسم خالف أصله حيث منع الصلح على أقل من الدية، كما أن أشهب خالف أصله حيث أجاز الصلح على أقل من الدية ونسب ذلك لابن رشد، ونحو ذلك في التوضيح. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: وإذا استحق صغير قصاصا بمفرده ليس معه كبير كان لوليه أب أو وصي أو غيرهما النظر في القتل للقاتل أو أخذ دية كاملة، ولا يجوز للولي الصلح [على]

(1)

أقل منها مع ملاء الجاني، ورجع على القاتل إن صولح بأقل ولا يرجع القاتل على الولي بشيء. ذكره أحمد. ثم محل تخيير الولي حيث استوت المصلحة فيهما، فإن تعينت في أحدهما تعين، وجعل اللام للاختصاص أولى من جعلها للتخيير. وقال أحمد: قوله: "ولوليه النظر في القتل أو الدية كاملة" أي جبرا، هكذا فهم ابن رشد ولذا قال: إن ابن القاسم خالف أصله. انتهى. وهذا هو الأظهر، ويجاب عن ابن القاسم بما مر. واللَّه تعالى أعلم. فإن كان مع الصغير كبير استقل عن ولي الصغير بالقتل على المعتمد، وقيل يتوقف على نظر الوصي معه. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ولا يعارض كلامه هنا ما قبله لأن هذا إذا لم يكن معه كبير. انتهى.

كقطع يده تشبيه تام يعني أن الصغير إذا تعدى عليه شخص فقطع يده فإن وليه ينظر في أمره، فإن رأى القطع أصلح في حق محجوره قطع يد القاطع، وإن رأى أخذ دية اليد كاملة أصلح في حق محجوره أخذها، وليس له أن يصالح على أقل من الدية حيث كان الجاني مليا، ومفاد كلام غير واحد هنا إن استوت المصلحة في هذه والتي قبلها فللولي الخيار، وإلا تعين ما فيه المصلحة. انظر الشبراخيتي وعبد الباقي.

(1)

في النسخ: عن، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 23.

ص: 101

إلا لعسر يعني أنه إذا كان الجاني معسرا فإنه يجوز للولي أن يصالح بأقل من دية النفس في المسألة الأولى، ومن دية اليد المقطوعة في المسألة الثانية. وقولي:"إلا لعسر" من الجاني بهذا قرره غير واحد، كالشيخ التتائي والخرشي، وقرره عبد الباقي بقوله:"إلا لعسر" من الجاني أو الصبي ونحوه للشبراخيتي. واللَّه تعالى أعلم. وفي المدونة: وليس للأب أن يعفو عمن جرح ابنه الصغير إلا أن يعوضه من ماله، وليس للوصي أن يعفو عن ذلك إلا على مال على وجه النظر والعمد في ذلك والخطأ سواء، ولا يأخذ الأب والوصي في ذلك أقل من الأرش إلا أن يكون الجارح عديما فيبرئ الأب أو الوصي من النظر صلحه على أقل من دية الجرح فذلك جائز.

بخلاف قتله فلعاصبه يعني أن الصغير إذا قتل فإن أمره إلى عاصبه في العفو والقود، وليس لوليه في ذلك كلام: فإذا قطعت يد الصغير فأمرها إلى وليه كما عرفت، بخلاف ما إذا قتل الصغير فليس للولي فيه كلام وإنما أمره إلى عاصبه، قال الشبراخيتي: بخلاف قتله أي الصغير من إضافة المصدر لفعوله، فلعاصبه النظر إذ بموته انقطع نظر الوصي ما لم يكن العاصب محجورا لولي الصغير فالكلام للولي. انتهى. وقال التتائي: بخلاف قتله فلعاصبه النظر إذ بموته انقطع نظر الوصي، وذكر العاصب لينبه على أن التفصيل السابق في ولاية الاستيفاء يأتي هنا للرجال والنساء فلا مدخل للزوجة فيه، قال المصنف:"وللمحجور عليه أن يعفو عن دمه عمدا أو خطأ كان المحجور عليه بالغا أو غير بالغ وعفوه عن الخطإ في ثلثه اتفاقا". انتهى. يعني -واللَّه تعالى أعلم- بعد الجرح الذي مات منه لا قبله، لقول المصنف فيما مر:"وإن قال إن قتلتني أبرأتك". وقال عبد الباقي: بخلاف قتله أي الصغير فلعاصبه النظر لا لوصيه لانقطاع نظره بالموت. وقال: لعاصبه دون وارثه لأن الحكم هنا كالحكم المتقدم في ولاية الاستيفاء على التفصيل السابق، وإن حكم النساء هنا كحكمهن فيما مر يعني إذا ساواهن عاصب فلا كلام لهن في عفو وضده. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن جرح الصبي عمدا وله وصي فللوصي أن يقتص له، وإن قتل فولاته أحق من الوصي. انتهى. واختلف في جرح المحجور عليه أو شتمه وما نيل من بدنه أو عرضه، فأجاز ابن القاسم في الواضحة عفوه عنه، كان الجرح عمدا أو خطأ، ومنع من ذلك مطرف وابن الماجشون وأصبغ. قاله التتائي.

ص: 102

والأحب أخذ المال في عبده يعني أن عبد المحجور عليه إذا جني عليه فإن الأفضل لوليه أن يأخذ له المال في تلك الجناية قتلا أو جرحا دون القصاص، إذ لا نفع له في القصاص إلا أن يكون في ترك القصاص زيادة في جرأة الجاني عليه فيرى وصيه القصاص لدرئه المفسدة عن المولى عليه. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: والأحب أي الأولى للوصي أخذ المال أي القيمة وما نقصه في قتل أو جرح عبده عمدا؛ أي عبد المولى عليه لصغر وكذا سفه إذا استوت المصلحة في القصاص وعدمه، ولا يقتص من مماثله إذ لا نفع للمحجور في القود، فإن تعين أحدهما تعين فعله. انتهى. وقال التتائي: والأحب -أي الأولى عند ابن القاسم كذا في المدونة- أخذ المال في قتل عبده عمدا فيأخذ قيمته من قاتله ولا يقتص له ممن يقتص منه، إذ لا نفع للصغير في القصاص، وقلنا في قتل عبده لفرضها في المدونة كذلك. ولما كان لا فرق بين قتله وجرحه أطلق المصنف. اننهى.

وقال الشبراخيتي: والأحب عند ابن القاسم أخذ المال دون القصاص إذ لا نفع فيه في الجناية على عبده أي الصبي، وهو أولى من تقدير قتل، وكلام المدونة فرض مسألة ومثل الصغير السفيه، وهذا إذا كانت المصلحة في أخذ المال والقصاص مستوية، وأما لو تعينت في أحدهما تعين المصير إليه. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن قتل للصغير عبد عمدا فأحب أن يختار أبوه أو وصيه أخذ المال في إذ لا نفع له في القود.

ويقتص من يعرف بأجرة من المستحق يعني أنه يشترط في الذي يباشر القصاص أن يكون من أهل المعرفة بالقصاص وأن يكون من أهل العدالة، وأجرته على مستحق القصاص على المشهور لأن الواجب على الجاني إنما هو التمكين من نفسه فقط، وقيل: على الجاني، ومنشأ الخلاف هل الواجب عليه للمجني عليه التمكين والقطع أمر زائد أو التسليم؟ قال عبد الباقي: ويقتص أي يباشر القصاص من يعرف ذلك ويكون عدلا وهو متعذر الآن، وشمل كلامه الجرح والقتل، ومحله في الثاني ما لم يسلم لولي المجني عليه فله قتله وإن لم يعرف؛ لأن الاختلاف في القتل يسير كذا بحثه أحمد وهو ظاهر البساطي، ونقل المواق نحوه عن ظاهر المدونة ونحوه للشبراخيتي، وقال التتائي: ويقتص أي يباشر القصاص من يعرف ذلك. ابن عبد السلام: ويكون من أهل العالة. انتهى. وهو متعذر الآن فلا يقتص كل أحد، ولو كان قتلا بأجرة من المستحق أي يدفع

ص: 103

أجرة من ماله على المشهور، واختاره ابن شعبان وابن رشد، وحكى ابن شعبان أنه على الجاني، ومنشأ الخلاف هل الواجب؟ الخ. وقال البناني: قال مالك: وأحب إلي أن يولي الإمام على الجراح رجلين عدلين ينظران ذلك ويقيسانه، قال: وإن لم يجد إلا واحدا فأرى ذلك مجزئا إن كان عدلا. انتهى.

وقال المواق من المدونة: لا يمكن ذو القود في الجرح من القصاص بل يقتص له من يعرف القصاص، وأما في القتل فيدفع للولي يقتله وينهى عن العبث، وسمع ابن القاسم: أجر القصاص على المقتص له. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "بأجرة من المستحق": أي يدفع أجرة من ماله على المشهور، وحكى ابن شعبان أنه على الجاني لأنه ظالم أحق بالحمل عليه، ومنشأ الخلاف هل الواجب على الجاني التمكين من نفسه والقطع ونحوه أمر زائد أو التسليم بمعنى القطع، ليغاير ما قبله؟ انتهى.

وللحاكم رد القتل فقط للولي يعني أن الخيار في القصاص في النفس للحاكم إن شاء اقتص وإن شاء رد القتل إلى مستحق الدم وهو ولي المقتول، لكن يجب على الإمام إذا أسلم القاتل للولي أن ينهاه عن العبث، كما قال: ونهي عن العبث أي ينهى الحاكم الولي عن أن يعبث بالقاتل؛ أي يجب على الحاكم أن ينهاه عن أن يمثل بالقاتل إذا أسلمه إليه، فإن قتله المستحق بغير إذن الإمام فإنه يؤدب كما مر، ومفهوم قوله:"فقط" أنه لا يرد غير القتل، وعلى هذا فلو كان المجني عليه سفيها أو صغيرا وله ولي فلا يرد ما ذكر من الجرح إليه وهو ظاهر، فإن غير القتل لا يتولاه إلا الحاكم. قاله الخرشي. وما مر من أن الخيار في القصاص في النفس للحاكم هو المشهور من المذهب، قال الخرشي: وقال التتائي: قال بعضهم: ظاهر المدونة في غير موضع يدل على دفع القاتل للولي، وعبارة المصنف تقتضي تخيير الحاكم، واحترز بفقط عما دون النفس فليس له تمكينه من ذلك اتفاقا، وفرق بأن الأصل عدم التمكين والقتل وغيره، فورد النص (بأنه صلى الله عليه وسلم سلم القاتل للمستحق)، فبقي ما عداه على أصله. انتهى كلام التتائي. وقال عبد الباقي: وللحاكم رد القتل فقط للولي، فيسلم له القاتل ليستوفي منه وإذا أسلمه له نهي عن العبث في فعله، فلا يشدد عليه ولا يمثل به، وظاهر المدونة في غير موضع يدل على طلب ذلك

ص: 104

من الحاكم أي يجب عليه رده له، وأن ينهى عن العبث بالجاني فلا يمثل به، وظاهر المصنف التخيير فإن جعلت اللام للاختصاص وافق ظاهر المدونة، وظاهر قوله:"ونهى عن العبث" ولو كان قد عبث بالمجني عليه إلا أن يقصد مثلة كما يأتي في قوله: "واندرج طرف إن تعمده وإن لغيره لم يقصد مثلة". انتهى.

‌تنبيهات:

الأول: وقع في الرهوني عند قول المصنف: "ونهي عن العبث" ما نصه: قول الزرقاني: وظاهر المصنف التخيير الخ فيه نظر، بل ظاهر المصنف كظاهر المدونة لتعبيره بالفعل، وقوله: فإن جعلت اللام للاختصاص الخ، كلام صدر من غير تأمل فلا معنى له. تأمله. انتهى.

قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: كلام الرهوني هذا مما لا معنى له لأنه لا فعل هنا، فقول المصنف:"وللحاكم" ظاهره التخيير كما قال عبد الباقي، وهذا مما لا مرية فيه. وقوله: كلام صدر من غير تأمل الخ لا معنى له، بل صدر عن تأمل صحيح، وهو كلام جيد صحيح وأما دعوى أن كلام عبد الباقي راجع لقول المصنف:"ونهي عن العبث" فهذا لا يمكن أن يدعى، لقول عبد الباقي بعد واو ونهي ما نصه: إذا أسلمه له نهي عن العبث في فعله. واللَّه تعالى أعلم.

الثاني: قال الإمام الحطاب بعد جلب كلام ما نصه: فعلم من هذا أن القصاص في الجراح لا يطلب فيه أن يكون بمثل ما جرح به، فإذا شجه موضحة مثلا بحجر أو عصا يقتص منه بالموسى ولا يقتص منه بحجر أو عصا. انتهى.

الثالث: في سماع أصبغ: إذا كان للمقتول وليان فقتل أحدهما القاتل فليس عليه قتل ويغرم لصاحبه نصف الدية. وقاله أصبغ. وقوله: "وللحاكم رد القتل" الخ، وقال أشهب: لا يرد الحاكم القتل للولي. قاله في التوضيح.

وأخر لبرد أو حر يعني أنه يجب تأخير القصاص من الجاني فيما دون النفس إلى زوال حر أو برد مفرطين خوف الموت، فتؤخذ النفس بما دونها وهذا في غير المحارب، وأما هو إذا اختير قطعه من خلاف فلا يؤخر لما ذكر بل يقطع من خلاف ولو أدى لموته بحر أو برد؛ إذ القتل أحد حدوده، كما لا يؤخر الجاني على النفس. وقوله:"لبرد أو حر" يحتمل أن تكون اللام للغاية بتقدير مضاف كما قررت، ويحتمل أن تكون للتعليل، وبالأول قرره عبد الباقي والشبراخيتي،

ص: 105

وبالثاني قرره الخرشي. وقال المواق: ابن شأس: يؤخر القصاص فيما دون النفس للحر المفرط والبرد المفرط ومرض الجاني. قال عبد الوهاب: إذا وضعت الحامل التي وجب عليها الحد، إن كان حدها الرجم لم تؤخر وإن كان حدها الجلد لم تحد حتى تخرج من نفاسها؛ لأن من حده الجلد لا يحد في وقت يخشى عليه التلف. وفي المدونة: ومن سرق في شدة البرد فخيف موته من قطعه أخره الإمام. ابن القاسم: والحر إن علم خوفه كالبرد. وفي النوادر: المرض المخوف لا يقطع فيه ولا يحد ولا ينكل فيه. وقال اللخمي: إذا وجب الحد على ضعيف الجسم يخاف عليه الموت سقط عنه الحد ويعاقب ويسجن، قال: وإن كان القطع عن قصاص رجع للدية، وفي كونها على العاقلة أو على الجاني خلاف. ابن رشد عن سحنون: ليس لمن خاف على نفسه من الختان تركه، ألا ترى أن من وجب قطع يده لا يترك لذلك؟ انتهى. وقال البناني: ظاهر المصنف أن الحد لا يسقط لضعف جسد يخاف عليه الموت وهو الذي لابن رشد، وقال اللخمي: يسقط عنه الحد ويعاقب ويسجن، قال: وإن كان القطع عن قصاص رجع للدية الخ.

كلبرء يعني أن الجاني إذا كان مريضا فإنه يؤخر القصاص منه فيما دون النفس إلى أن يبرأ من مرضه: وكذلك المجني عليه يؤخر قصاصه من الجاني إلى أن تبرأ أطرافه مخافة أن يأتي الجرح على النفس فيكون الواجب القتل، ولهذا أتى المصنف:"ببرء" منونا ولم يضفه ليعم برء الجاني من المرض إن كان مريضا وبرء أطراف المجني عليه. قال الخرشي: وكذلك يؤخر القود فيما دون النفس إلى أن يبرأ الجاني إن كان مريضا، وتبرأ أطراف المجني عليه لاحتمال أن يأتي على النفس فيستحق تلك النفس بقسامة. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال عبد الباقي: كلبرء أي يؤخر القصاص فيما دون النفس من الجاني لبرء المجني عليه لاحتمال أن يأتي جرحه على النفس، وكذا لبرء الجاني على ما دون النفس، وسواء حصل برء المجني عليه بعد سنة أو قبلها، ويؤخر في ذهاب العقل سنة لتمر عليه الفصول الأربعة وكذا غيره بقول أهل العرفة. انتهى. واللام في قوله:"لبرء" للانتهاء. قاله التتائي.

كديته خطأ يعني أنه لا يعقل جرح الخطإ إلا بعد البرء. قال عبد الباقي: كديته أي الجرح خطأ تؤخر للبرء لأنه قد يسري للنفس. انتهى. وقوله: "كديته خطأ" مشبه بالمشبه، قال الشبراخيتي:

ص: 106

قال المواق من المدونة: يؤخر مقطوع الحشفة حتى يبرأ لأن مالكا، قال: لا يقاد من جرح العمد ولا يعقل في الخطإ إلا بعد البرء، وإن طلب المقطوع الحشفة تعجيل فرض الدية؛ إذ لا بد منها ولو عاش لم يكن له ذلك لعل أنثييه أو غيرهما تذهب في ذلك، وكذلك إن أوضحه رجل فأراد تعجيل دية الموضحة فلا يعجل، إذ لعله يموت فتكون القسامة فيه، وكذلك إن ضربه مأمومة خطأ فالعاقلة تحملها مات أو عاش، لكن لا يعجل له شيء حتى يبرأ لأنه لو هلك منها لم تجب الدية إلا بقسامة، فإن أبى ورثته أن يقسموا كان على العاقلة ثلث الدية لأمومته وإنما في هذا الاتباع والتسليم للعلماء. وقال أشهب: ما بلغ ثلث الدية من الخطإ لم يكن بد من عقله كالجائفة والمأمومة، فقد وجب ساعة جرح على العاقلة لا محيص لهم عنها عادت نفسا أو برئت. انتهى.

وعلى أشهب رد المصنف بلو حيث قال: ولو كجائفة أدخلت الكاف المأمومة والدامغة ونحو ذلك، وعلم مما قررت أن الخلاف المشار إليه بلو إنما هو في الخطإ، وهذا الذي مر عليه المصنف هو مذهب المدونة. وقال ابن عرفة: كل جرح تحمله العاقلة كالمأمومة والجائفة والمواضح تبلغ الثلث، ففي تأخير عقلها لتمام السنة وتعجيله نقل الشيخ عن محمد قولي ابن القاسم وأشهب. انتهى. قاله البناني. وقوله:"كديته خطأ" شامل لما فيه شيء مقرر ولغيره، لكن ما لم يقدر فيه شيء ينظر إليه بعد برئه، فإن برئ على غير شين فلا شيء فيه، وإن برئ على شين فحكومة نص عليه غير واحد.

‌تنبيه:

وقع للشيخ البناني هنا ما نصه بعد كلام: وبه تعلم أن إدخال الزرقاني العمد بعد لو غير صحيح؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد فليس هو من محل الخلاف، وأيضا ما قبل المبالغة لا يشمل العمد مع أن ما قبل المبالغة لا بد أن يكون أعم مما بعدها الخ، وهو صحيح لكن قوله هنا: لأن العاقلة لا تحمل العمد يرده ما استثناه المصنف بقوله: "إلا ما لا يقتص منه". الخ.

والحامل يعني أن الحامل إذا ترتب عليها قتل فإن القود يؤخر عنها إلى الوضع ووجود مرضع لضرورة الحمل؛ لأنها لو قتلت الآن أخذ في النفس الواحدة نفسان. انتهى. قاله الخرشي. وقال التتائي: وتؤخر الحامل في القصاص منها إن قتلت مكافئا ليلا تؤخذ نفسان في نفس، بل وإن كان القصاص فيها بجرح مخيف، ولم يقيد ابن المواز الجرح بالمخيف بل أطلق، فقيده أبو محمد

ص: 107

ودرج عليه المصنف، وفي المدونة: إذا شهد عليها بالزنى، فقالت: أنا حامل، فإنه ينظرها النساء: فإن صدقنها لم يعجل عليها. انتهى. وقال عبد الباقي: وتؤخر الحامل الجانية على طرف أو نفس عمدا للوضع ولمرضع بعده كما يأتي ليلا تؤخذ نفسان في نفس وإن كان القصاص منها بجرح مخيف عليها أو على الولد فتؤخر، فإن كان غير مخيف فلا تؤخر، ورد المصنف بالمبالغة على ابن الحاجب حيث قال: وتؤخر الحامل في النفس وقيل في الجراح المخوفة، ولا تؤخر بسبب دعواها الحمل بل بظهور مخايله، كتغير ذاتها وطلبها لما تشتهي الحامل، وأولى ظهوره وحركته وأولى شهادة النساء به وإن لم يظهر بحركته. انتهى كلام عبد الباقي.

وحبست كالحد يعني أن الحامل إذا ترتب عليها القصاص في النفس وقلنا إنها تؤخر لأجل حملها للوضع ووجود مرضع، فإنها تحبس ثم تقتل ولا يقبل منها كفيل في ذلك، كما إذا لزمها حد من حدود اللَّه تعالى فإنها تحبس إلى الوضع إذا خيف عليها من إقامته في الحال الموت، وتعرض المؤلف لحبس الحامل دون غيرها ممن أخر لحر أو برد أو نحو ذلك، وينبغي أن يكون كذلك. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وحبست إذا أخرت لأجل حملها كالحد الواجب عليها قذفا أو غيره إذا أخرت فيه لحملها؛ فتحبس ولا يقبل منها كفيل وكذا لغيبة ولي الدم الذي ينتظر كما في الحطاب، وكذا من أخر لحر أو برد أو مرض جان أو مجني عليه فيما يظهر. انتهى. وقال التتائي: وحبست إذا أخرت لأجل حملها كالحد الواجب عليها ولا كفالة في ذلك، زاد ابن الحاجب: لو بادر الولي فقتلها لا غرة عليه، فإن زايلها قبل موتها فالغرة إن لم يستهل أي وأما إن استهل فالدية بقسامة.

وقوله: "وحبست كالحد" الحبس نص عليه في المدونة في السارق إذا خيف عليه من القطع في البرد، وذكره ابن الحاجب وابن شأس هنا فتبعهما المصنف إذ لا فارق. انتهى كلام التتائي. وقال المواق: ابن الحاجب: تؤخر الحامل في النفس لا بدعواها وقيل في الجراح المخوفة وتؤخر المرضع إلى وجود من يرضع. وفي الموازية: تؤخر الحامل في قتل النفس لوجود

(1)

الحمل عند ظهور

(1)

في المواق: لوضع الحمل، ج 8 ص 326.

ص: 108

مخايله ولا يكفي مجرد دعواها، قال محمد: وفي القصاص. الشيخ: يريد في الجراح المخوفة ولا تؤخر بعد الوضع إلا أن يوجد من يرضعه وتحبس الحامل في الحد والقصاص، ولو بادر الولي فقتلها فلا غرة للجنين إلا أن يزايلها قبل موتها فتجب فيه الغرة إلا أن يستهل صارخا. انتهى. والمرضع لوجود مرضع يعني أن المرضع إذا ترتب عليها قصاص فإن القود يؤخر وجوبا إلى أن يوجد من يرضع ولدها خوف هلاكه من قلة الرضاع، وإن لم يوجد أخرت حتى ترضعه أي مدة الرضاع وكذا إن لم يقبل غيرها. قال التتائي. وتؤخر الرضع في القصاص منها لوجود مرضع ترضع ولدها ليلا يؤدي لهلاكه لخبر [الغامدية]

(1)

.

والموالاة في الأطراف يعني أنه إذا ترتب عليه قصاص في طرفين فأكثر وخيف عليه الهلاك من القصاص في الطرفين أو أكثر إن اقتص منهما أو منها في فور واحد، فإنه تؤخر الموالاة في ذلك فيقتص منه مفرقا قال عبد الباقي: وتؤخر الموالاة في قطع الأطراف إذا خيف جمعها وعبارته تقتضي أن المعنى تؤخر موالاتها إلى أن يقدر عليه فتجمع وليس كذلك: بل المراد يفرق القصاص في الأطراف إن خيف الهلاك بجمعه. انتهى. يعني أنه يقطع طرف الآن ويؤخر غيره إلى مدة يؤمن معها هلاكه من القطع فيقطع ثانية، وهكذا فيما هو أكثر من طرفين، ولا تؤخر الأطراف إلى أن يقدر على قطعها في فور فيفعل. واللَّه تعالى أعلم.

كحدين للَّه عز وجل لم يقدر عليهما يعني أنه إذا ترتب عليه حدان للَّه تعالى، فإن لم يخف عليه من إقامتهما في فور واحد أقيما عليه وإن لم يقدر على موالاتهما بأن خيف عليه الهلاك من جمعهما فإنهما يفرقان، وحينئذ بدئ بأشد أي يقام عليه الحد الأشد، كما لو زنى من لا يستحق الرجم وشرب خمرا فإنه يبدأ بحد الزنى لأنه مائة أو خمسون، وحد الشرب أربعون أو ثمانون، هذا إذا لم يخف عليه من الأشد، وإن خيف عليه من الأشد بدئ بالأخف. قال الخرشي: وإن اجتمع عليه حدان للَّه أو لآدمي أو أحدهما للَّه والآخر لآدمي، فإن لم يخف عليه من إقامتهما

(1)

في الأصل: العامرية، والمثبت من التتائي ج 8 ص 79. ط دار ابن حزم 2014.

- ومن مسلم، كتاب اللعان، رقم الحديث:1695.

ص: 109

عليه في فور واحد أقيما عليه وإن خيف عليه أقيم عليه أكبرهما، كما لو زنى المسلم وقذف أو شرب فإنه يقام عليه المائة حد الزنى، وإن خيف عليه منه أقيم عليه الثمانون. انتهى.

وقال المواق من المدونة: من اجتمع عليه حَدَّانِ حد للَّه وحد للعباد بدئ بحد اللَّه؛ إذ لا عفو فيه ويجمع ذلك إلا أن يخاف عليه الموت فيفرق، ولو سرق وقطع شمال رجل قطعت يمينه وشماله ويجمع ذلك عليه الإمام أو يفرقه بقدر ما يخاف عليه. ابن شأس: يمنع من الموالاة في قطع الأطراف قصاصا خوفا من قتله. ابن عرفة: حد الجلد في القذف والزنى والشرب يفرق عليه بقدر طاقته حتى يكمل. انتهى. وقال الخرشي بعد جلب كلام المدونة ما نصه: فلو قطع واحدا وقذف آخر فإنهما يقترعان على التبدئة، فمن خرج اسمه أقيم حده. ولا مفهوم لقوله:"للَّه" كما قاله التتائي. انتهى. وقال عبد الباقي: كحدين وجبا للَّه كشرب وزنى بكر لم يقدر عليهما من وجبا عليه بأن خيف عليه الموت من موالاتهما في وقت واحد، وإذا لم يوال بينهما بدئ بأشد كزنى رجل بكر إذ هو مائة لم يخف عليه من الموت، فإن خيف بديء بالأخف كثمانين للشرب، فإن خيف منه أيضا بدئ بالأشد مفرقا إن أمكن تفريقه وإلا بدئ بالأخف مفرقا إن أمكن تفريقه، وإلا انتظر إلى أن يقدر أو يموت.

ومفهوم قوله: "للَّه" أنهما لو كانا للآدميين كقطع يد رجل عمدا وقذف آخر بدئ بأحدهما بالقرعة إن قدر على ما ظهر بها: ولو مفرقا فيما يمكن تفريقه فإن لم يقدر انتظرت قدرته، فإن كان أحدهما للَّه والآخر للآدمي بدئ بما للَّه لأنه لا عفو فيه، ويجمع عليه أو يفرق إن أمكن وإلا بديء بما للآدمي مجملا أو مفرقا إن أمكن وإلا انتظرت قدرته أو موته. انتهى. ولو قطع يمين رجل وسرق قطع للسرقة لأنه حق للَّه وسقط حق الآدمي، كما لو ذهبت يد القاطع بأمر من اللَّه تعالى. ولا تؤخر الموالاة في قطع المحارب ولو خيف عليه الموت لأن القتل أحد حدوده، ولذلك إذا قتله أحد غير الإمام لم يقتل به لأن دمه غير معصوم. واللَّه تعالى أعلم.

لا بدخول الحرم يعني أن من ترتب عليه قصاص في نفس أو طرف ثم دخل الحرم فإنه لا يؤخر لأجل ذلك، بل يقتص منه في الحرم ويقام عليه الحد في الحرم؛ لأنه أحق أن يقام فيه حدود اللَّه تبارك وتعالى. قال عبد الباقي: لا يؤخر قصاص على جان على نفس أو عضو أو مال بدخول

ص: 110

الحرم أي المسجد الحرام وأولى المحدود، ويعني به المحدود في باب الحج وهو ما لا يصاد منه، ويخرج من المسجد الحرام ليقام عليه الحد ولو كان محرما بحج أو عمرة ولا ينتظر تمامه، ونبه على خلاف قول أبي حنيفة: إن الجاني إذا دخل الحرم يضيق عليه حتى يخرج لا أنه يخرج منه، فإن جنى فيه اقتص منه فيه إجماعا حكاه ابن الجوزي. انتهى. يعني بذلك غير المسجد فإنه يقام عليه الحد فيه، وقال البناني: قال عياض في الإكمال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (خمس فواسق لا جناح على من قتلهن في الحرم)

(1)

. قاس مالك والشافعي على قتلها في الحرم إقامة الحد فيه سواء فعل السبب فيه أو خارجه ولجأ فيه وقال الحنفية يقام فيه من الحدود ما دون النفس وكذا حد النفس إذا جني عليها فيه، وإن قتلها خارجه لم يقم فيه وضيق عليه بأن لا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر فيخرج منه فيقام عليه الحد خارجه، ونحوه عن عطاء وابن عباس إلا أنهما لم يفرقا بين نفس وغيرها محتجين بقوله تعالى:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} ، والحجة عليهم أن من ضيق عليه هذا التضييق ليس بآمن والآية عندنا محمولة على ما كان قبل الإسلام وعطف على ما قبلها من الآيات، وقيل من النار وقيل إنها منسوخة بقوله تعالى:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، وعن ابن عمر وعائشة: لا يضيق عليه ولا يقام عليه فيه، وقيل إن الآية في البيت لا في الحرم، وقد اتفق على أنه لا يقام في البيت ولا في المسجد ويخرج منهما فيقام عليه خارجه لأن المسجد منزه عن مثل هذا. انتهى.

وذكر الأبي في حديث: (من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللَّه)

(2)

الحديث ما نصه: والحديث يدل باعتبار المعنى على أنه لا يحل إيواء المحدث وهذا كما يتفق كثيرا في هروب الظلمة والجناة إلى الزوايا، وكان الشيخ بن عرفة لا يحل إيواءهم إلا أن يعلم أنه يتجاوز فيهم فوق ما يستحقون. انتهى. وفي حاشيته البخاري للعارف باللَّه تعالى سيدي عبد الرحمن الفاسي نفع اللَّه به عقب كلام الأبي هذا ما نصه: هذا وما يظهر من أمور خارجة عما ذكر من ظهور

(1)

صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث، 1198 - 1199.

(2)

صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث، 1870، صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث، 1370.

ص: 111

برهان لمن تعدى على زاوية أو روضة فذلك أمر خارج عن الفتوى وغيرة من اللَّه تعالى على أوليائه لا تحد بقياس ولا تنضبط بميزان شرعي ولا قانون عادي، فإن الموازين الشرعية كليات وعمومات، وقد يكون مراد الحق تعالى في خصوص نازلة خلاف ما تقتضيه العمومات، ولذلك الخواص يفتقرون إلى إذن خاص في كل نازلة نازلة؛ واعتبر بتكرير قوله تعالى:{بِإِذْنِي} فيما يخبر به عن عيسى بن مريم عليه السلام من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وغير ذلك. انتهى.

وقال المواق: سمع القرينان: تقام الحدود في الحرم ويقتل بقتل النفس في الحرم. ابن رشد: مثله لابن القاسم ولا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار. ابن عرفة: هذا خلاف ما نقل عبد الوهاب وغيره عن أبي حنيفة: إن قتل في الحرم قتل فيه وإن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم يقتل ولم يخرج منه، ولكن يهجر ولا يبايع ولا يؤوى حتى يضطر للخروج فيقتل. انتهى.

وسقط إن عفا رجل كالباقي يعني أن المستحقين للدم إذا كانوا رجالا في درجة واحدة، كأعمام أو إخوة أو بنين أو نحو ذلك فعفا أحدهم فإن القتل يسقط بعفوه، فقوله:"كالباقي" نعت لرجل أي مساو للباقي في الدرجة، ومفهوم "كالباقي" أنه لو كان أعلى منه سقط القتل من باب أولى، ولو كان غيره أقرب منه فإنه لا عبرة بعفوه كما لو عفا عم مع وجود ابن أو أخ، والضمير في سقط للقصاص المفهوم من قوله: ويقتص من يعرف، ويحتمل رجوعه للاستيفاء المتقدم في قوله:"والاستيفاء للعاصب"، واحترز بقوله:"رجل" عن امرأة فإنه يأتي الكلام عليها قريبا إن شاء اللَّه تعالى. انظر الخرشي. ونحوه لعبد الباقي، وفيه: وشمل قوله "كالباقي" الجد حيث كان يرث الثلث مع الأخوين، فإن ورث أنقص منه لم يعتبر عفوه. انتهى. وقوله: فإن ورث أنقص منه لم يعتبر عفوه، قال البناني: إنما يرث الجد أنقص من الثلث إذا كان معه ذو فرض ويأتي في المواريث أن له حينئذ الخير من السدس وثلث الباقي والمقاسمة، ومسألة المعادة يكون كواحد منهم أو أعلى وإن كان بعضهم يسقط بعضا، وعلى كل حال لا يكون أنزل من الأخ بل هو دائما إما مساو للواحد من الإخوة أو أعلى منه، وحينئذ فلم يظهر وجه لما ذكره من أن عفوه لا يعتبر

ص: 112

وإن نقله الأجهوري عن الفاكهاني، وقد بحثت عنه فلم أجده في التوضيح ولا في ابن عرفة ولا في غيرهما ممن وقفت عليه من الشراح. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.

والبنت أولى من الأخت في عفو وضده يعني أن المستحق للدم إذا كان ذا أنوثة بنتا أو أكثر، مع أخت أو أكثر فأرادت البنت العفو وأرادت الأخت القتل أو انعكس الأمر فالمعتبر ما قضت البنت به من عفو وضده أي قتل، وهذا واضح حيث ثبت القتل ببينة أو إقرار، قال عبد الباقي: والبنت وكذا بنت الابن أولى أي أحق من الأخت، ولا شيء للأخت من الدية ولا يلزم من مساواتهما في الميراث مساواتهما في عفو وضده عند ابن القاسم مع ثبوت القتل ببينة أو إقرار، فإن ثبت بقسامة عصبة لا نساء إذ لا يقسمن في العمد، فالبنت إن أرادت القتل أولى أيضا من الأخت والعصبه الذين أرادوا العفو، فإن أرادوا القتل وأرادت البنت العفو فالكلام لهم ولو وافقتها الأخت. انتهى. وعلم أيضا أنه لو أرادت البنت العفو مع العصبة أو أحدهم لم يكن للأخت كلام. واللَّه تعالى أعلم.

وإن عفت بنت من بنات نظر الحاكم يعني أنه إذا عفت بنت من بنات مع أخوات أو لا أو أخت من أخوات فقط -وفي المسألتين لا عاصب معهن كذمي أو من لا تعرف له عصبة- فإنه ينظر الحاكم العدل أو جماعة المسلمين في ذلك، فينظر في العفو وضده أيهما أصلح فيفعله، وإذا أمضى الحاكم بنظره عفو بعض البنات فلمن بقي منهن ومن جميع الأخوات نصيبه من الدية، ومفهوم بنت من بنات أنهن لو عفون كلهن أو أردن القتل لم يكن للإمام نظر ثم إذا عفون كلهن دفعة واحدة فلا شيء للأخوات فإن ترتب عفوهن فللأخوات نصيبهن من الدية. وقوله: بنت من بنات أي أو بنت من بنات ابن، قال الخرشي: وإن عفت بنت من بنات أي أو أخت من أخوات أو بنت من بنات ابن ونحو ذلك، نظر الحاكم، فإن رأى عفوها صوابا وسدادا أمضاه، وإن رأى أن قصدها الضرر وإذاية الباقي رده لكن بشرط أن يكون عدلا وإلا فجماعة المسلمين، فلو قال: واحدة من كبنات، كان أولى، وإنما كان الحاكم ينظر لأنه كالعصبة عند فقدها لإرث بيت المال ما بقى. قاله الشيخ أبو عمران.

ص: 113

وفي رجال ونساء لم يسقط إلا بهما يعني أنه إذا كان مستحقوا الدم رجالا مع نساء والرجال أنزل منهن، فإنه لا يسقط القتل إلا باجتماع الفريقين على القتل، وهذه مكررة مع قوله:"ولا عفو إلا باجتماعهم" وأعادها ليرتب عليها قوله: أو ببعضهما كرجل وامرأة، وسواء ثبت القتل ببينة أو إقرار أو قسامة حيث لم يحزن الميراث، كإن حزن الميراث كبنت وأخت وثبت القتل بقسامة، وأما لو ثبت ببينة أو إقرار وحزن الميراث فلا كلام للعصبة بل الكلام لهن في العفو وضده، وتحرير هذه المسألة أن النساء إذا حزن الميراث فالكلام لهن دون العصبة إن ثبت القتل ببينة أو إقرار. قاله غير واحد. والبنت في هذه أولى من الأخت في عفو وضده كما قال المصنف، فإن حزن الميراث وثبت القتل بقسامة أو لم يحزن الميراث فلا عفو إلا باجتماع الفريقين من النساء والعصبة عليه أو بعضهما، ثبت القتل ببينة أو إقرار أو قسامة، فإن لم يكن عاصب فإن الحاكم يقوم مقامه.

‌تنبيهات:

الأول: قال المواق: ابن شأس: إن عفا بعض الورثة سقط القتل إن كان الباقي مساويا لمن بقي في الدرجة أو أعلى منه، فإن كان أنزل درجة لم يسقط القتل بعفوه، فإن انضاف إلى الدرجة العليا الأنوثة كالبنات مع الأب أو الجد فلا عفو إلا باجتماع الجميع، فإن انفرد الأبوان فلا مدخل للأم في عفو ولا قتل، وكذلك الإخوة والأخوات معه، وأما الأم والإخوة فلا عفو إلا باجتماعهم معها: فإن اجتمعت الأم والأخوات والعصبة فاتفقت الأم والعصبة على العفو مضى على الأخوات، وإن عفا العصبة والأخوات لم يمض على الأم، ولو كان مكان الأخوات بنات لمضى عفو العصبة والبنات على الأم ولم يجز عفو العصبة والأم على البنات لأنهن أقرب. ابن عرفة: هذا تحصيل قول المدونة وغيرها. انتهى.

الثاني: قال المواق من المدونة: إن لم يترك إلا بنته وأخته فالابنة أولى بالقتل والعفو، وهذا إذا مات مكانه وإن عاش وأكل وشرب ثم مات فليس لهما أن يقسما لأن النساء لا يقسمن في العمد وليقسم العصبة، فإن أقسموا وأرادو القتل وعفت البنت فلا عفو لها، وإن أرادت القتل وعفا العصبة فلا عفو لهم إلا باجتماع منها ومنهم أو منها ومن بعضهم، وإن كان رجلا لا عصبة له وكان القتل خطأ أقسمت أخته وابنته وأخذوا الدية، وإن كان عمدا لم يجب القتل إلا ببينة.

ص: 114

الثالث: من المدونة: من أسلم من أهل الذمة أو رجل لا تعرف عصبته فقتل عمدا ومات مكانه وترك بنات فلهن القتل، فإن عفا بعضهن وطلب بعضهن القتل نظر السلطان بالاجتهاد في ذلك إن كان عدلا، فإن رأى العفو أو القتل مضى. نقله المواق. وهذه هي قول المصنف:"وإن عفت بنت من بنات نظر الحاكم"، وأما لو كان له عاصب ققد مر أن الكلام له معهن حيث كان أنزل منهن، فإن كان مساويا للنساء فلا كلام لهن.

الرابع: قال سيدي عبد الواحد الونشريسي رحمه اللَّه تعالى:

إذا انفرد الرجال وهم سواء

فمن يعفو يبلغ ما يشاء

ودع قول البعيد بكل وجه

كأن ساوت بقعددهم نساء

فإن يكن النسا أدنى فتمم

بوفق جميعهم عفوا تشاء

وإن إرثا يحزن فدع رجالا

إذا ثبتت بلا قسم دماء

وذيلهن الشيخ ميارة بقوله:

كذاك إذا انفردن وحزن مالا

بحكم للقريبة ما تشاء

وإن إرث يشط لبيت مال

فحاكمنا يجيب بما يشاء

ومهما أسقط البعض فلمن بقي نصيبه من دية عمد يعني أن القتل إذا كان عمدا وعفا بعض مستحقي الدم عن القصاص والحال أنهم في درجة واحدة، فإن القود يسقط ويكون لمن لم يعف نصيبه من دية عمد. وقوله:"ومهما أسقط البعض" الخ يشعر بأن القتل ثابت، وقوله:"فلمن بقي" مسبب عن جواب الشرط أي ومهما أسقط البعض القصاص سقط وحيث سقط فلمن بقي نصيبه الخ. واعلم أن من عفا فقد سقط حقه في الدم والدية، وما بقي من الدية يكون لمن بقي ممن له التكلم ولغيره من بقية الورثة، قال في المدونة: وإن عفا أحد البنين سقط حظه من الدية

ص: 115

وبقيتها بين من بقي تدخل فيها الزوجة وغيرها. انتهى. الباجي: فإن عفا البنون الذكور كلهم، فقال ابن القاسم: يسقط حظ البنات. قال ابن المواز: وقاله من أدركت من أصحاب مالك. التوضيح: وهذا مقيد بأن يعفو كل من له العفو في فور، وأما لو عفا بعض من له ذلك ثم بلغ من بقي وعفا فلا يضر ذلك من معهما من أخت وزوج وزوجة؛ لأنه مال ثبت بعفو الأول. قاله محمد. انتهى.

قال عبد الباقي: ومهما أسقط البعض أي بعض مستحقي الدم مجانا مع تساوي درجتهم بعد ترتب الدم وثبوتة ببينة أو إقرار أو قسامة سقط القود، وهذا جواب الشرط إذ هو الذي يترتب على الإسقاط. وأما قوله:"فلمن بقي" الخ فلا يترتب إلا على السقوط، فلذا ذكر السبب عليه بقوله:"فلمن بقي" ولم يعف وله التكلم أو مع غيره نصيبه من دية عمد، وكذا إذا عفا جميع من له التكلم مترتبا فلمن بقي ممن لا تكلم له في الدم كأخت وزوج أو زوجة نصيبه من دية عمد لأنه مال ثبت بعفو الأول. قاله محمد. كما في الحطاب وأحمد. وأما إن عفا جميع من له التكلم في فور فلا شيء للوارث غير من له التكلم، كما إذا كان من له التكلم واحدا وعفا وحملنا كلامه على الإسقاط مجانا؛ لأنه إذا وقع على مال فلمن بقي من الورثة نصيبه من الدية وإن لم يكن له تكلم، سواء وقع الإسقاط من بعضهم أو كلهم مرتبا أم لا، وهذا راجع لجميع ما قدمه من قوله:"وسقط إن عفا رجل كالباقي" إلى هنا، وفيه نوع تكرار مع قوله سابقا:"وللصغير إن عفا كبير نصيبه من الدية". انتهى. ونحوه للخرشي.

كإرثه يعني أن القاتل إذا ورث جميع الدم فإن القود يسقط عنه لأنه كالعفو عمه، مثاله إذا قتل أحد ابنين أباه ثم مات الابن الآخر فإن القاتل قد ورث جميع دم نفسه فإنه يسقط عنه القود، بل ولو كان قد ورث قسطا أي نصيبا من نفسه أي بعض دمه، فما قبل المبالغة ورث جميع دم نفسه، وما بعدها ورث بعض دم نفسه. مثاله: لو قتل أحد إخوة أربعة فأكثر أخاه فمات أحد الباقين فيسقط القصاص عن القاتل لإرثه قسطا أي حصة من دم نفسه، قال عبد الباقي: وشبه في سقوط القصاص قوله: "كإرثه" جميع قصاص نفسه، كمن قتل أباه وله أخ واحد فمات ولا وارث له غير القاتل فقد ورث دم نفسه، فيسقط لأن إرثه له كالعفو عنه ولو قسطا من نفسه،

ص: 116

كقتل أحد الأولاد أباه عمدا وثبت القصاص لجميع الإخوة ومات أحدهم فيسقط القصاص لإرثه من دمه قسطا أي حصة، فهو كالعفو ولبقية الإخوة حظهم من الدية.

وعلم من المثال المذكور أن المبالغ عليه مقيد بما إذا كان من بقي يستقل بالعفو فإن كان من بقي رجالا ونساء والتكلم للجميع لم يسقط القتل عمن ورث قسطا من دم نفسه حتى يجتمع الرجال والنساء أو البعض من كل على العفو، كمن قتل أخاه شقيقه وترك المقتول بنات وثلاثة إخوة أشقاء غير القاتل فمات أحدهم فقد ورث القاتل قسطا من نفسه، ولا يسقط القصاص حتى يعفو بعض البنات وأحد الأخوين وأحرى لو عفا الجميع. انتهى كلام عبد الباقي بإدخال فيه من كلام الرهوني عفا اللَّه عنهما.

وقال البناني: قال ابن عرفة: وإرث القاتل بعض الدم يسقط قوده به، وفيها: إن ورث القاتل أحد ورثة القتيل بطل قوده لأنه ملك من دمه حصة. الصقلي: قال أشهب: إلا أن يكون القاتل من الأولياء الذين من قام بالدم منهم فهو أولى، فإن للباقين أن يقتلوا، وقال بعض الفاسيين: هو وفاق لابن القاسم. انتهى. وبه يتضح ما ذكره الزرقاني من القيد، فإن قتل أحد ابنين أباه والآخر أمه فقيل لكل واحد منهما القصاص، ويجتهد الحاكم في البداءة، فمن بدأ به فلورثته أن يقتلوا الآخر، وقيل يسقط القصاص عنهما، ويجب لأحدهما دية الأب وللآخر دية الأم. قاله ابن الحاجب. واللَّه أعلم.

وإرثه كالمال يعني أن إرث القصاص كإرث المال، فمن يرث المال يرث القصاص فالضمير في "إرثه" عائد على القصاص، أو الاستيفاء، وهذا قول ابن القاسم في المدونة فإذا مات ولي الدم فإن ورثته ينزلون منزلته ذكورا وإناثا، فتدخل الإناث، وإن ساوت عاصبا في الدرجة سوى الزوج والزوجة فإنهما لا يرثان القصاص فإذا مات ولي الدم عن زوجة فلا نصيب لها في القصاص، وإذا ماتت امرأة لها الاستيفاء عن زوج فلا مدخل له في الاستيفاء، وخالف أشهب فقال: إرث القصاص على نحو الاستيفاء فلا تدخل النساء إلا أن يكن أعلى من الذكور، فابن القاسم يقول: إرث القصاص كإرث المال فمن يرث المال يرث القصاص سوى الزوج والزوجة، وأشهب يقول: إرث القصاص كالاستيفاء لا كالمال فلا تدخل الإناث إلا أن يكن أعلى. واللَّه تعالى أعلم. ابن

ص: 117

الحاجب: وفي كون إرثه على نحو المال أو على نحو الاستيفاء قولان لابن القاسم وأشهب، قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: والفرق بين هذا وبين قوله: "والوارث كموروثه" أن هذا بين فيه كيفية الإرث وجهته، وأما قوله:"والوارث كموروثه" فإنه بين فيه أن الوارث يستحق ما لموروثه. واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيه:

وقع في التوضيح عند قول ابن الحاجب: وفي كون إرثه على نحو المال أو على نحو الاستيفاء قولان لابن القاسم وأشهب ما نصه: الضمير في إرثه عائد على القصاص أو القتل المفهوم من السياق على نحو الميراث، فيدخل الذكور والإناث وإن تساووا في الدرجة، وتدخل الزوجة وغيرها ويكون لهن العفو والقصاص كالعصبة وهو قول ابن القاسم في المدونة، أو على نحو استيفاء الدم فلا تدخل الإناث إلا أن يكن أعلى من الذكور وهو قول أشهب. انتهى. ومثله لابن عبد السلام وابن هارون، وتعقبه ابن عرفة فقال: قلت: فهم شارحا ابن الحاجب أن مراد ابن القاسم بالنساء الوارثات ما يشمل الزوجات وكذا الزوج في الرجال، وليس الأمر كذلك بل لا مدخل للأزواج في الدم بحال، ثم ذكر عن ابن المواز ما يشهد له. انتهى قاله البناني.

وجاز صلحه في عمد بأول أو أكثر يعني أن العمد الذي فيه القصاص يجوز فيه أن يصالح الجاني بأقل من الدية أو أكثر منها؛ لأن العمد لا عقل فيه مسمى وإنما فيه القود عينا، قال الخرشي: وقد علمت أن العمد لا عقل فيه مسمى وإنما فيه القود عينا كما مر، فيجوز صلح الجاني فيه على ذهب أو ورق أو عرض قدر الدية أو أقل أو أكثر منها حالا أو مؤجلا وهذا تكرار مع قوله في باب الصلح:"وعن العمد بما قل أو كثر"، فقوله:"في عمد" أي في جناية عمد، فيشمل القتل والجرح. انتهى. وقال عبد الباقي: وجاز صلحه أي الجاني في جناية عمد قتلا كان مع أولياء المقتول أو جرحا مع المجني عليه بأقل من دية المجني عليه أو أكثر منها؛ إذ ليس في العمد عقل مسمى ويجوز حالا ولأجل قريب أو بعيد بذهب مع أهل ورق وعكسه، ولا يعارض هذا قوله:"فالقود عينا" لأن هذا مع تراضيهما.

والخطأ كبيع الدين يعني أن الصلح في الخطإ في النفس أو في الجرح حكمه حكم بيع الدين لأن الخطأ ما فيه إلا المال وهو دين فيراعى، قال عبد الباقي: والخطأ في النفس والجرح حكمه في

ص: 118

الصلح كبيع الدين بالدين إذ الدية مَالٌ دَيْنٌ وما صالح به مأخوذ عنها، فيمنع بمؤجل ذهب عن ورق وعكسه لأنه صرف مستأخر، وكذا بيعه بأحد النقدين حالا لما مر من أن صرف ما في الذمة بمعجل إنما يجوز إذا كانا حالين، وما هنا بيعه عما هو مؤجل عليه وعلى العاقلة ففيه صرف عما في الذمة. وأما بيعه بعرض أو إبل فجائز مع الحلول. انتهى. قوله: بيع الدين بالدين الصواب إسقاط قوله: بالدين. وقوله: فجائز مع الحلول صوابه مع التعجيل. قاله البناني. وقال المواق من المدونة: من جنى خطأ وهو من أهل الإبل فصالح الأولياء عاقلته على أكثر من ألف دينار جاز إن عجلوها، فإن تأخرت لم يجز لأنه دين بدين، وفي العمد جائز لأنه ليس بمال. انتهى. وعلم من كلامهم هنا أنه لو حل ما على العاقلة من الذهب لجاز أخذ الورق عنه حالا، وكذا لو حل ما عليها من الورق لجاز أخذ الذهب عنه حالا. واللَّه تعالى أعلم.

ولا يمضي على عاقلة يعني أن الجاني جناية خطإ إذا صالح عن العاقلة فإن صلحه لا يمضي عليهم أي لا يلزمهم؛ لأن العاقلة يدفعون الدية من أموالهم فإذا جنى شخص جناية خطأ تحملها العاقلة، كأربعين من الإبل على أهل الإبل فصالح الجاني المجني عليه على خمس مائة دينار، فللعاقلة أن يردوا ما ينوبهم من ذلك، وكما لو قتله خطأ وهو من أهل الإبل فصالح الجاني أولياء المجني عليه على ألف درهم فإن ذلك لا يمضي على العاقلة. قال عبد الباقي: ولا يمضي صلح الجاني خطأ على عاقلة له بغير رضاها لأنها تدفع الدية من مالها، فلا يلزمها صلحه. انتهى. وقال الشبراخيتي: وظاهر كلام ابن الحاجب أن صلحه على العاقلة ماض فيما ينوبه. انتهى.

كعكسه يعني أن صلح العاقلة لا يمضي على الجاني، قال عبد الباقي: أي لا يمضي صلح العاقلة لولي الدم على الجاني بغير رضاه، كما لا يلزمه صلح أجنبي عنه بغير رضاه، والتعليل المذكور في الأول يقتضي أنه إذا صالح عنها بمثل الدية أو أقل فإنه يمضي، وظاهر المصنف عدم المضي مطلقا، وعلل بأنه كالفضولي ثم صلحه عنها ماض فيما ينوبه كما هو ظاهر المدونة، كصلحهم عنه فيمضي فيما ينوبهم فيما يظهر. انتهى. قوله: فيما يظهر يجب الجزم بهذا ولا يحتاج لقوله فيما يظهر. انظر الرهوني. وقال التتائي: كعكسه فلا يمضي صلح العاقلة لولي الدم على الجاني إن لم يرض به. انتهى. وقال المواق من المدونة: لو صالح الجاني على العاقلة فيما عليها فأبت لم

ص: 119

يلزمها. ابن عرفة: وقول ابن الحاجب: وكذا العكس واضح؛ لأنها فيما يلزمه دونها كأجنبي. انتهى.

فإن عفا فوصية يعني أن المجني عليه إذا عفا قبل موته عن دية الخطإ فإن عفوه وصية أي ينزل منزلة الوصية بالدية للعاقلة، فتكون في ثلثه. قال عبد الباقي: فإن خرجت منه فواضح وإن زادت عليه وقف الزائد على إجازة الورثة، وإن كان له مال ضمت إليه ودخلت الوصايا في ثلث الجميع. قاله الشارح. والتتائي. وقوله:"وإن زادت عليه وقف الزائد الخ فيه نظر، بل المزيد باطل لقول المصنف: "وإن أجيز فعطية" لا أنه صحيح موقوف على إجازته، وسواء كانت الدية على عاقلة الجاني أو في ماله. انتهى.

وتدخل الوصايا فيه يعني أن المجني عليه إذا أوصى بوصايا فإنها تدخل فيه أي في الخطإ أي في دية الخطإ، فالضمير في "فيه" عائد على الخطإ من قوله:"والخطأ كبيع الدين"؛ وإنما دخلت الوصايا في الدية لأن الدية مال قد علم به الموصى، وتدخل الوصايا في الدية حيث كانت الوصية قبل السبب. بل وإن وقع بعد سببها أي الدية وسببها هو الجرح، وقوله: أو بثلثه أو بشيء عطف على المبالغة؛ أي وإن أوصى بثلثه أو بشيء معين كدار أو دابة وما قبل المبالغة على هذا حيث أوصى بغير ثلثه وبغير شيء معين، بل وإن أوصى بثلثه أو بشيء معين فإن تلك الوصايا كلها تدخل في الدية.

وقوله: إذا عاش بعدها أي بعد الجناية الواقعة بعد الإيصاء، فهو شرط في الوصية التي وقعت قبل الجناية فقط؛ أي إنما تدخل الوصية الواقعة قبل الجناية بشرط أن يعيش المجني عليه بعد الجناية، ما أي زمنا يمكنه فيه التغيير لوصيته بأن يعيش بعد الجناية زمنا يسع التغيير مع كونه ثابت الذهن، فلم يغير الوصية عن حالها فهذا هو محل دخولها في الدية، وأما لو كانت الوصية بعد الجناية فإنها تدخل في الدية بلا هذا الشرط لعدم تأتيه فيما بعد الجناية من الوصية. واللَّه تعالى أعلم. وهذا الذي قررت به المصنف من أن قوله:"أو بثلثه" في حيز المبالغة نحوه للشبراخيتي، وفيه إبقاء المصنف على ظاهره.

ص: 120

قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وبالغ على ما بعد السبب لئلا يتوهم أنه لا تصح وصيته حينئذ لأنه كالمغلوب على عقله مما أصابه، وعلى ثلثه وشيء معين لما يتوهم من أن ديته في مقابلة نفسه فليست من ماله، ولأن المعين ليس من الدية إذ هو حقيقة أخرى فلا يدخل في الدية. واللَّه تعالى أعلم.

وفي المواق ما نصه: ابن يونس: قال ابن القاسم: قال مالك: إذا عفا المقتول خطأ عن ديته جاز ذلك في ثلثه، فإن لم يكن له مال وأوصى مع ذلك بوصايا فليتحاص العاقلة وأهل الوصايا في ثلث ديته، ولو أوصى لرجل بثلثه بعد الضرب دخلت الوصايا في ديته لأنه قد علم أن قتل الخطإ مال، وكذلك لو أوصى بثلثه قبل أن يضرب وعاش بعد الضرب ومعه من عقله ما يعرف به ما هو فيه فلم يغير الوصية فإنها تدخل في ديته، إلا أن تختلس نفسه ولا يعرف له بعد الضرب حياة فلا تدخل الوصايا في ديته. وقوله:"وتدخل الوصايا فيه" أي في دية الخطإ كما مر، وكذا ما فيه حكومة أو بعض دية وكذا عمد لا قصاص فيه.

بخلاف العمد يعني أن دية العمد لا تدخل فيها الوصايا وإن عاش بعد الضرب لأنها مال لم يعلم. قال المواق في نقله: ولو كان القتل عمدا فقبل الأولياء الدية لم تدخل فيها الوصايا وإن عاش بعد الضرب، وتورث على الفرائض إلا أن يكون عليه دين فأهل الدين أولى بذلك إذ لا ميراث إلا بعد قضاء الدين. انتهى. وقال التتائي: بخلاف دية العمد لا تدخل فيها الوصايا، وإن عاش بعد الضرب لأنها مال لم يعلم به ولا سيما إن كان أوصى قبل سبب الموت؛ لأن الدية إنما تقع بدلا عن القصاص وهو بعد الموت، وكما لو قال: إن قبل أولادي الدية فوصيتي فيها وأوصى بثلثها لم يجز، ولو قال: يخرج ثلثي مما علمت ومما لم أعلم لم تدخل في ذلك الدية لأنه مال لم يكن. قاله ابن رشد. انتهى.

إلا أن ينفذ مقتله ويقبل وارثه الدية وعلم يعني أن الوصية لا تدخل في دية العمد إلا بثلاثة شروط؛ أحدها: أن ينفذ مقتله قاتله، مثل أن يقطع نخاعه أو مصيره وبقي حيا يتكلم. ثانيها: أن يقبل وارثه الدية. ثالثها: أن يكون المجني عليه الموصي قد علم بقبول وارثه للدية، قال المواق: قال ابن يونس: لو أنفذ قاتله مقاتله مثل أن يقطع نخاعه أو مصرانه وبقي حيا يتكلم فقبل أولادد الدية وعلمها فأوصى فيها لدخلت فيها وصاياه لأنه مال طرأ له، وعلم به قبل زهوق

ص: 121

نفسه فوجب أن تجوز فيه وصاياه. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا أن ينفذ مقتله ويقبل وارثه الدية، وعلم بقبول وارثه الدية ولم يغير مع إمكانه فتدخل الوصايا التي أحدثها بعد العلم وكذا التي قبله ولو قبل السبب؛ لأن علمه بقبول وارثه الدية مع عدم تغييرها كإحداثها بعده، وهذا بخلاف ما لو قال: إن قبل وارثي الدية فوصيتي فيها أو فقد أوصيت بثلثها فلا يعمل بقوله، فلا يدخل منها في ثلثه شيء كما في كتاب محمد، أو قال: تدخل وصيتي فيما علمت وما لم أعلم من مالي. فإن وصيته لا تدخل في دية العمد بغير الشرط المذكور في المصنف، وأشعر قوله هنا:"وعلم" أن منفوذ المقاتل حكمه في الإرث منه وإرثه من غيره كالحي وهو قول ابن القاسم كما مر أول الباب، فإذا مات أخوه ورثه، وإذا كان له أخ عبد أو كافر فأسلم أو عتق ثم مات منفوذها، ورثه وتجب عليه الصلاة والصوم والزكاة ونحوها.

‌تنبيه:

ما يؤخذ في جراح العمد ولو كان فيه القصاص ترثه ورثته ويقضى به دينه من غير الشرط الذي ذكر هنا في دخول وصيته لأن له الرجوع فيها: بخلاف الدين والإرث. انتهى.

وقال الشبراخيتي عند قوله: "إلا أن ينفذ مقتله ويقبل وارثه الدية وعلم" ما نصه: ثم إنه يدخل في ذلك الوصايا التي أحدثها بعد العلم والتي قبله ولو قبل السبب؛ لأن عدم تغيرها بعد علمه بمنزلة إحداثها بعده. انتهى. ونحوه لغيره. واللَّه تعالى أعلم.

وإن عفا عن جرحه أو صالح فمات فلأوليائه القسامة والقتل يعني أن المجني عليه إذا عفا عمن جرحه عمدا أو خطأ أو صالح الجاني على شيء أخذه منه في ذلك ثم نزي فمات المجني عليه، فإن أولياءه مخيرون بين أن يجيزوا عفوه أو صلحه أو يردوه، وإذا ردوا عفوه أو صلحه فإنهم يقسمون ويستحقون الدية في الخطإ من العاقلة والقود في العمد، وإذا ردوا الصلح وأقسموا رجع الجاني فيما أخذ منه وهو المصالح به، قال عبد الباقي: وإن عفا مجروح عمدا أو خطأ عن جرحه مجانا أو صالح عنه بمال فمات من نزو جرحه، فلأوليائه لا للجاني القسامة والقتل في العمد والدية في الخطإ من العاقلة، ولهم إمضاء عفوه أو صلحه وإن نقضوه رجع الجاني فيما أخذ منه، وهذا إذا صالح عنه فقط، فإن صالح عنه وعن ما يؤول إليه فخلاف كما مر، وذكر هذه المسألة هنا لأن الباب معقود لذلك وإن تقدمت في باب الصلح دون العفو على وجه أتم مما هنا، حيث

ص: 122

قال: "وإن صالح مقطوع ثم نزي فمات فللولي لا له رده والقتل بقسامة كأخذه الدية في الخطإ". انتهى.

وإذا رد الولي الصلح وأبى عن القسامة فله ما كان وقع به الصلح خلاف ما لعبد الباقي. انظر الرهوني. وقال التتائي: وإن عفا مجروح عن جرحه مجانا أو صالح عنه بمال سواء كان عمدا أو خطأ فمات بعد ذلك فلأوليائه القسامة والقتل في العمد والدية في الخطإ؛ لأن لهم رد عفوه ونقض صلحه والرجوع لحقهم في النفس لسريان الجناية لها، وليس للجاني أن يقول للأولياء قد صارت الجراح نفسا فاقتلوني وردوا المال، ولهم إمضاء الصلح، وإن نقضوه رجع الجاني فيما دفع للمجروح إن كان دفع له شيئا ثم هو في العقل كرجل من قومه.

‌تنبيه:

استدل الرهوني على ما قدمته عنه قريبا بما في المدونة: ومن قطعت يده عمدا فصالح القاطع على مال أخذه ثم نزي فمات فلأوليائه أن يقسموا ويقتلوا ويردوا المال ويبطلوا الصلح، وإن أبوا أن يقسموا كان لهم المال الذي أخذوا في قطع اليد، وكذلك لو كانت موضحة خطأ فلهم أن يقسموا ويستحقوا الدية على العاقلة، ويرجع الجاني فيأخذ ماله ويكون في العقل كرجل من قومه، ولو قال قاطع اليد للأولياء حين نكلوا عن القسامة: قد عادت نفسا فاقتلوني وأدوا المال فليس له ذلك، ولو لم يكن صالح فقال ذلك وشاء الأولياء قطع اليد ولا يقسمون فذلك لهم، وإن شاءوا قسموا وقتلوا. انتهى.

وللقاتل الاستحلاف على العفو يعني أن إذا ادعى القاتل على ولي المقتول أنه عفا عنه وأنكر الولي ذلك، فإن للقاتل أن يحلف الولي على أنه لم يعف عنه، فقوله:"على العفو" أي للقاتل أن يحلف الولي على عدم العفو فهو على حذف مضاف، أو أن على للتعليل أي للقاتل أن يحلف الولي لأجل ادعائه عليه أنه عفا عنه، نحو:{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أي لأجل هدايته إياكم. واعلم أن ما ذكر المصنف نحوه في المدونة وهو مشكل مع قولهم: وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها، وقد صرح ابن الحاجب بأن العفو لا يثبت إلا بعدلين، فإن حلف ولي الدم على عدمه ثبت الدم، وإن نكل ردت اليمين على القاتل، وحلف هو أي القاتل يمينا واحدة لا خمسين؛ لأن الولي إنما كان يحلف واحدة أنه لم يعف فردها على الجاني، وإذا

ص: 123

حلف القاتل يمينا واحدة بريء من القتل، وإن نكل قتل بلا قسامة لأن دعوى القاتل أن ولي الدم عفا عنه تضمن اعترافه بالقتل. قاله عبد الباقي وغيره.

وقال المواق من المدونة: إن ادعى الجاني عفو الولي استحلفه، فإن نكل حلف القاتل. ابن يونس: إنما يحلف القاتل يمينا واحدة لأنها التي كانت على المدعى عليه. انتهى. وقد علمت أن ما للمصنف نحوه في المدونة، وقال أشهب في الموازية: لا يستحلفه لأن اليمين لا تكون في استحقاق الدم إلا خمسين، فهذا يريد أن يوجب عليه قسامة مع البينة أو مع قسامة أخرى قد كانت. المتيطى: اختلف إن أقام القاتل شاهدا واحدا بالعفو، ففي الشهادات من مختصر أبي محمد أنه لا تجوز شهادته ونحوه لأبي عمران، وقال بعض فقهاء القرويين: يحلف مع شاهده ويبرأ، واحتج بمسألة ابن القاسم في ادعاء القاتل العفو. انتهى. نقله البناني.

وتلوم له في بينته الغائبة يعني أن القاتل إذا ادعى على الولي أنه عُفِيَ عَنْهُ، وادعى أن له بينة غائبة تشهد له بأنه عُفِيَ عَنْهُ، فإن الحاكم يتلوم له أي يعطيه مدة باجتهاده ليأتي ببينته التي يدعى أنها شاهدة له بالعفو. قال عبد الباقي: وتلوم له أي للقاتل في بينته الشاهدة بالعفو الغائبة بعد حلفه أن له بينة غائبة قربت غيبتها أو بعدت كما هو ظاهر المدونة، وأبقاها عياض على ظاهرها والصقلي، وقيدها بالقرب غيرهما لكن في مسألة قذف ادعى القاذف العفو عنه وإن له بينة قريبة وإلا لم يتلوم له، فيمكن جريان ما هنا على ذلك لأنه ذريعة لإبطال الحقوق، فإن اقتص الحاكم بعد التلوم فقدمت وشهدت بالعفو فينبغي أن تكون الدية في مال الولي ولا يقتص منه، ولا يكون من خطإ الإمام، فإن اقتص الحاكم من غير تلوم فهو على عاقلته قطعا فيما يظهر، وانظر إذا قتله الولي من غير تلوم فهل كذلك على عاقلته أو يقتص منه؟ انتهى. صوابه: فهل عليه الدية في ماله أو يقتص منه؟ وكيف تكون على عاقلته وهو إذ قتله الحاكم بعد التلوم فجاءت البينة وشهدت بالعفو تكون الدية في مال الولي؟ انظر الرهوني. وقال الشبراخيتي: وتلوم له في بينته الغائبة التي ادعى أنها تشهد له بالعفو، سواء قربت أو بعدت كما هو ظاهر المدونة، وحملها عليه عياض والصقلي وقيدها ابن عرفة بالقريبة وتبعه ابن مرزوق، والقرب من إفريقية

ص: 124

للمدينة والبعد ما زاد على ذلك. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن ادعى القاتل بينة غائبة تلوم له الإمام. انتهى.

وقتل بما قتل يعني أن القاتل المستوجب لأن يقتص منه يقتل بما قتل، لعموم قوله تعالى:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ولقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ، ولا تشترط المماثلة في الصفة بدليل كذي عصوين، وقوله:"وقتل بما قتل" هذا إذا ثبت القتل ببينة فإن ثبت بقسامة لم يقتل إلا بالسيف. قاله ابن رشد. وفهم من قوله: "بما قتل" أن الجرح ليس كذلك إذ يطلب فيه القصاص من الجاني بأرفق مما جنى به، فإذا أوضحه بحجر أو عصا اقتص منه بالموسى. قاله عبد الباقي. قوله لعموم قوله تعالى:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} الخ بهذا استدل الباجي وغيره.

فائدة: قال أبو الفضل عياض في باب من قتل نفسه بشيء عذب به في النار من إكماله عند تكلمه على قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)

(1)

-انتهى- ما نصه: وفيه دليل لمالك ومن قال بقوله، على أن القصاص من القاتل بما قتل به محددا كان أو غير محدد، خلافا لأبي حنيفة اقتداء بفعل اللَّه تعالى لقاتل نفسه في الآخرة، (ولحكم النبي صلى الله عليه وسلم في اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين فأمر برض رأسه بين حجرين)

(2)

، (وبحكمه في العرنيين)

(3)

لأن العقوبات والحدود وضعت للزجر، ومقابلة الفعل بالفعل والتغليظ على أهل الاعتداء والشر. انتهى.

وتعقبه الأبي في إكمال الإكمال، فقال عقبه: لا يحتج به في المسألة لأنه قياس على فعل اللَّه تعالى، ولا يصح لأن أفعال اللَّه تعالى غير معللة، وإنما القياس على أحكامه. انتهى. قاله الرهوني. وفي الحطاب: وأما في الجرح فيقتص منه بأرفق مما جنى به، فإن أوضحه بحجر أو

(1)

صحيح البخاري، كتاب الطب رقم الحديث، 5771، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 109 واللفظ لمسلم.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الخصومات، رقم الحديث، 2413. صحيح مسلم، كتاب القسامة، رقم الحديث، 1672.

(3)

البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 3018 - مسلم، كتاب القسامة، رقم الحديث 1671.

ص: 125

عصا اقتص منه بالموسى. قال مالك: فإن كانت موضحة شرط في رأسه مثلها وإن كانت سنا مقلوعة من أصلها نزعت بالكلبتين أو بأرفق ما يقدر عليه، وإن كسر أشرافها أو بعضها سحق بمقدار ذلك منها. انتهى. وقال التتائي: وفي الصحيح (أنه صلى الله عليه وسلم رضخ رأس اليهودي الذي رضخ المرأة)

(1)

، وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:(لا قود إلا بالسيف)

(2)

، وكذا خبر النعمان بن بشير:(لا قود إلا بالسيف ولكل خطإ أرش)

(3)

فضعيفان، وفي الأول مبارك بن فضالة وضعفه ابن معين في أحد قوليه. واللَّه أعلم. وأطلق هنا، وحكى في البيان والمقدمات أنه إذا ثبت القتل بقسامة لا يقتل إلا بالسيف، وأشار إلى أن ذلك متفق عليه في المذهب. انتهى.

ولو نارا يعني أنه إذا قتله بالنار فإنه يقتل بالنار وهذا هو المشهور للأدلة المتقدمة، وقال عبد الملك: لا يقتل بالنار للنهي عن التعذيب بعذاب اللَّه. قاله التتائي. وفي الحديث: (لا تعذبوا بعذاب اللَّه)

(4)

. وقال الشبراخيتي: وأشار بلو لخلاف عبد الملك القائل: إنه لا يقتل بالنار لحديث: (لا يعذب بالنار إلا رب النار)

(5)

.

إلا بخمر ولواط وسحر مستثنى مما يقتل بمثله. قاله التتائي. ومعنى كلام المصنف أنه إذا قتله بالخمر أي سقاه خمرا فمات منه فإنه لا يقتل به، ولكن يقتل بالسيف. وكذا إذا قتله باللواط فإنه لا يقتل باللواط وإنما يقتل بالسيف، ومقتضى المصنف نفي الفعل المخصوص. وقال عبد الباقي: ونفى قتل الجاني باللواط بمعنى أنه لا يجعل في دبر القاتل باللواط خشبة تحرك فيه حتى يموت؛ إذ لا يتصور شرعا الاستيفاء باللواط على غير هذا الوجه. قاله البساطي. ونقله غير واحد. قال عبد الباقي عند قوله "إلا بخمر ولواط": ثبت عليه بشاهدين على إقراره أنه لاط به حتى مات من اللواط ثم رجع فلا يقتل بما قتل به، بل يقتل قصاصا بالسيف فلا يرد أنه يقبل

(1)

صحيح البخاري، كتاب الطلاق، رقم الحديث، 5295، صحيح مسلم، كتاب القسامة، رقم الحديث، 1672.

(2)

سنن ابن ماجه، كتاب الديات، رقم الحديث، 2667 - 2668.

(3)

سنن الدارقطني، ج 3 ص 107.

(4)

صحيح البخاري، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 3017.

(5)

سنن أبي داوود، كتاب الجهاد، رقم الحديث، 2673.

ص: 126

رجوعه عن إقراره بالزنى؛ لأنه من حيث رجمه فلا ينافي قتله بالسيف، وأما ثبوته بأربعة فيرجم ولا يقتل، وكذا لو قتله بالسحر فإنه يقتل بالسيف ولا يقتل بالسحر ثبت ببينة أو إقرار فلا يلزم بفعله بنفسه، خلافا لقول البساطي: يلزم بفعله إذا أقر به فإن مات وإلا فالسيف؛ لأن الأمر بالمعصية معصية. قال المواق: كيفية المماثلة مرعية في قصاص النفس، قال القاضي أبو بكر: من قتل بشيء قتل به إلا في وجهين وفي وصفين، الوجه الأول المعصية كالخمر واللواط، الثاني النار والسم. ابن العربي: في إبطال السحر بالسحر قولان، ومن السحر ما يفرق به بين الزوجين وما يصلح بينهما إذا تباغضا وذلك كفر. قاله مالك. ولكن أحدهما يتوصل به إلى الطاعة والآخر يتوصل به إلى المعصية. انتهى.

وما يطول يعني أنه إذا قتله بما يطول القتل به فإنه لا يقتل بمثل ذلك، وإنما يقتل بالسيف وذلك كمنع طعام وشراب ونخس بإبرة فيتعين بالسيف في هذه الأربعة. وقوله:"وما يطول" هو الأصح. قاله ابن الحاجب. وقال الشبراخيتي: وما يطول القتل به إن كان الفعل ثلاثيا أو يطول في قتله إن كان رباعيا، وذلك كنخسه بإبرة ومنعه طعاما أو شرابا حتى مات لاختلاف أحوال الناس في ذلك، فرب شخص يموت من ذلك سريعا وآخر يطول فيتعين القتل بالسيف، ولم يجز قتله بالثلاث الأول لتحريم تلك الأفعال، وأما الرابع فلما فيه من التعذيب ولعدم تحقق المماثلة. انتهى.

وهل والسم لا يقتل به، فإذا قتله بالسم فإنه لا يقتل به ولكن يقتل بالسيف على هذا القول، والسم بتثليث السين، أو يقتل بالسم من قتل بالسم ولكن يجتهد الإمام في قدره من قلة وكثرة؛ لأن من الناس من يسرع موته باليسير ومنهم من لا يسرع موته إلا بالكثير؟ في ذلك تأويلان على المدونة، وقال التتائي: والتأويل الأول أي التأويل بأنه لا يقتل بالسم لأبي محمد، والتأويل الثاني لابن رشد. انتهى. وهما قولان لابن القاسم، قال: يقتل به على قدر ما يراه الإمام، وأصبغ قال: لا يقتل بالسم وهو في المواق. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "والسم" مبتدأ حذف خبره أي؛ وهل السم كذلك لا يقتل به من قتل به وإنما يقتل بالسيف كما لأبي محمد أو يقتل به لكن يجتهد في قدره أي القدر الذي يموت به؟ أي يسأل الإمام: هل الخبرة في القدر الذي يقتل به كما لابن

ص: 127

رشد؟ وهما قولان لأصبغ وابن القاسم. واللَّه تعالى أعلم. وفي الخرشي أن قوله: "والسم" معطوف على المستثنيات. انتهى. وعليه فهو بالجر.

فيُغَرَّقُ يعني أنه إذا قتل بالتغريق فإنه يُغرَّقُ، دفيها: وإن غَرَّقَهُ غُرِّق به وإن كتفه وطرحه في نهر فليصنع به مثل ذلك. انتهى. أشهب: وإذا كان إذا كُتِّف لا يَغْرق يثقَّل. وكذلك كل ما كان من هذا المعنى ومن طرحه من مكان مرتفع. ويخنق يعني أن من قتل بالخنق فإنه يخنق حتى يموت، ويُحْجَرُ يعني أن من قتل بالحجر فإنه يضرب بالحجر حتى يموت، قال التتائي: ولما كانت المماثلة مطلوبة شرعا في القصاص، قال: فيغرق من غرق ويخنق من خنق ويحجر من قتل بحجر. انتهى. وقال عبد الباقي: فيغرق ويخنق ويحجر من فعل ذلك للموت؛ أي من قتل شخصا بحجر قتل به هذا مراده لا أنه يرمى بالحجارة. انتهى. وقال في التوضيح: واشترط عبد الحق أن يكون مما يشدخ، قال: ولا يقتل بالنبل ولا بالرمي بالحجارة لأنه من التعذيب. انتهى. وتحصل مما مر أن القود بمثل ما صنع بالمقتول يكرر عليه حتى يموت إذا كان غير معذب تعذيبا يطول، فإن كان مما لا يؤمن معه تعذيب الجاني قتل بالسيف. انتهى.

وضرب بالعصا للموت يعني أن من قتل شخصا بالعصا فإن الجاني يضرب بالعصا إلى أن يموت ولا يشترط تساوي العدد، ومثل لذلك بقوله: كذي عصوين أي ضربه بالعصا مرتين فمات فإنه يضرب بالعصا أبدا حتى يموت، ولا ينظر للعدد الذي مات منه، قال الشبراخيتي: ومن قتل بعصا ضرب بالعصا للموت، اللام لانتهاء الغاية كذي عصوين، مثال لقوله:"وضرب بالعصا للموت" ولا ينظر لعدد الضربات التي مات بها الأول، وفي بعض النسخ: لذي باللام. البساطي: ويحتمل أنه إذا ضربه بعصاتين فمات ضرب بواحدة حتى يموت. انتهى.

ومكن مستحق من السيف مطلقا يعني أن المستحق للدم إذا طلب أن يقتص من الجاني بالسيف فإنه يجاب إلى ذلك مطلقا سواء قتل بالسيف أم لا؛ لأن القصاص بالسيف أخف على الجاني في الغالب فيجاب إليه. قال عبد الباقي: ومكن مستحق للقصاص من السيف مطلقا أي حصل القتل به أو بغيره. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن المستحق للدم إذا طلب أن يقتص من الجاني بالسيف فإنه يجاب إلى ذلك في كل الوجوه السابقة، سواء قتل بأخف من السيف أم لا؛ لأن

ص: 128

القصاص بالسيف أخف على الجاني في الغالب فيجاب إليه. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: مهما عدل المستحق إلى السيف مكن. انتهى. قال عبد الباقي: وأشعر المصنف هنا أن القتل بما قتل به حق لولي المجني عليه لا للَّه وهو كذلك بخلاف الرجم. انتهى. وقال التتائي: وإطلاقه مخالف لقول ابن عبد السلام: لو اتفق أن يكون قتله بما هو أخف من السيف لم يمكن منه. انتهى.

واندرج طرف أن تعمده يعني أن القاتل إذا جنى على طرف للمقتول أو لغيره وكانت الجناية عمدا، فإن ذلك الطرف يندرج في النفس، فإذا فقأ عين شخص مثلا أو قطع يده ثم قتله فإن القاتل يقتل ولا تفقأ عينه ولا تقطع يده، وكذا الحكم لو قطع يد شخص أو فقأ عين شخص مثلا ثم قتل آخر فإنه يقتص منه لقتل النفس، ويسقط حق غيرهم لأن القتل يأتي على الجميع، ولهذا قال: وإن لغيره أي يندرج الطرف في قتل النفس حيث كان الطرف للمقتول، بل وإن كان الطرف لغيره أي غير المقتول لم يقصد مثلة راجع لما قبل المبالغة؛ يعني أنه إذا كان المجني عليه طرفا للمقتول فإنه إنما يندرج في النفس حيث لم يقصد القاتل مثلة أي شينا بقطعه لطرف المقتول، وأما إن قصد بذلك المثلة فإنه لا يندرج ويقتص منه للطرف ثم يقتل، وأما طرف غير المجني عليه فيندرج في النفس مطلقا قصد مثلة أم لا. واللَّه تعالى أعلم.

قال عبد الباقي: واندرج في قتل النفس طرف كيد ورجل وعين إن تعمده ثم قتله، وإن كان الطرف لغيره أي لغير المقتول عمدا كقطع يد شخص وفقء عين آخر وقتل آخر عمدا فيندرجان في النفس لأنها تأتي على ذلك كله. وقوله:"لم يقصد مثلة" خاص بطرف المجني عليه الذي قتله بعد قطع طرفه، فهو راجع لما قبل المبالغة، وأما طرف غيره فيندرج ولو قصد مثلة كما اقتصر عليه الشارح وابن مرزوق. والمواق. انتهى.

قال الرهوني: وهو الصواب نقلا ومعنى، واستدل للنقل بما لا مزيد عليه ثم قال: وأما معنى فلأن قصد التعذيب والتطويل بالوجه البين في كلام الأئمة إنما يتأتى في المجروح المقتول لا فيما إذا كان المقتول غير المجروح، وبذلك تعلم ما في كلام البناني واعتماده على ظاهر كلام التوضيح. واللَّه أعلم. انتهى. ورد المصنف بالمبالغة قولا خارج المذهب أن طرف الغير لا يندرج قصد المثلة أم

ص: 129

لا، قال عبد الباقي: واحترز بقوله: إن تعمده عن الخطإ فإن فيه الدية، فإذا قطع يد رجل مثلا خطأ ثم قتل آخر عمدا فإنه يقتل لمن قتل ولا تسقط دية الطرف، واحترز بقوله:"لم يقصد مثلة" عما إذا قصد المثلة فإنه يفعل به مثل ذلك ثم يقتل. انتهى.

وَتَحَصَّلَ مما مر أن الطرف إما للمقتول أو لغيره، وفي كل إما خطأ أو عمدا، لم يقصد به مثلة أو قصدها فتلك ست صور، إحْدَاهَا أن يكون الطرف للمقتول وجنى عليه خطأ، الثَّانِيَةُ له وجنى عليه عمدا لم يقصد مثلة، الثَّالِثَةُ للمقتول أيضا وجنى عليه عمدا وقصد مثلة، وإذا كان الطرف للغير ففيه ثلاث أيضا: فمتى كانت خطأ لم يندرج، ومتى كانت عمدا لم يندرج حيث كان للمقتول، إن قصد مثلة وإن لم يقصد مثلة اندرج وإن كان للغير اندرج مطلقا قصد مثلة أو لا. واللَّه تعالى أعلم.

كالأصابع في اليد يعني أن الأصابع تندرج في اليد ما لم يقصد المثلة فلا تندرج، فإذا قطع الأصابع عمدا ثم قطع الكف عمدا فإن الأصابع تندرج في الكف إن لم يقصد مثلة، وتوضيح المسألة أنه قطع أصابع يد زيد اليمنى مثلا عمدا وترتب لزيد القصاص في الأصابع، ثم إنه قطع يد زيد بعد قطع أصابعها عمدا، فإن لم يقصد مثلة اندرجت الأصابع في اليد فيقطع من الكوع مثلا، وإن قصد مثلة قطع أصابع القاطع ثم قطع من الكف، وأما لو قطع الأصابع خطأ ثم قطع الكف عمدا فإنه لا قصاص عليه؛ إذ عليه في الأصابع الدية وفي الكف حكومة وعلى القاطع الأدب في تعمده ذلك، فيد المجني عليه إذا كانت ناقصة أكثر من أصبع لا قصاص فيها، وقال عبد الباقي: فإذا قطع الكف عمدا بعد قطع أصابعه اندرجت الأصابع في الكف، وكذا إذا قطع أصابع يد لِرِجُل ويد آخر من الكوع ويد آخر من المرفق قطع لهم من المرفق إن لم يقصد مثلة وإلا لم تندرج في الصورتين. انظر ابن عرفة.

قال الرهوني: كلامه يقتضي أن ابن عرفة تعرض لشرط قصد المثلة وسوى بين الصورتين وليس كذلك، ثم نقل عن ابن عرفة عن ابن القاسم: وإن قطع أصابع يد رجل ويد آخر من المرفق قطع لهم من المرفق، قال ابن عرفة: قلت لابن رشد في سماع أصبغ: من قطع أصابع كف رجل ثم كفها قطعت أصابعه ثم كفه فأحرى في رجلين. انتهى. فأنت تراه لم يتعرض لقصد مثلة ولا

ص: 130

لعدمها. انتهى. لكن ما ذكره عبد الباقي هو صنيع المصنف تبعا لظاهر المدونة وغيرها. واللَّه تعالى أعلم.

ولما كان المرتب على الجناية قصاصا أو دية وقدم الكلام على الأول، تكلم على الدية من الودى وهو الهلاك، سميت بذلك لأنها مسببة عنه، وذكر أنها تختلف باختلاف أموال الناس من إبل وذهب وورق، فقال: ودية الخطإ على البادي مخمسة يعني أن الحر الذكر المسلم إذا قتل خطأ وكان القاتل من أهل البادية فإنه تجب فيه مائة من الإبل مخمسة أي تؤخذ من خمسة أنواع، بينها المصنف بقوله: بنت مخاض أي يجب لورثة المقتول خطأ دية مخمسة وهي عشرون بنت مخاض، وولدا اللبون أي ويجب لهم مع بنات المخاض عشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون فتلك ستون، ويجب لهم أيضا مع ذلك حقةٌ أي عشرون حقة وجذعة أي عشرون جذعة فتلك مائة من الإبل، فالأنواع خمسة والواجب من كل نوع عشرون.

قال عبد الباقي: ودية الخطإ في قتل الحر المسلم الذكر على القاتل البادي وهو خلاف الحاضر مائة من الإبل مخمسة رفقا بمؤديها: بنت مخاض وولدا لبون وحقة وجذعة أي عشرون من كل نوع من الخمسة المذكورة من الإبل، وتقدم في الزكاة ذكر أسنانها، فإن لم يكن عندهم إبل بل خيل كلفوا الإبل فيما يظهر، ويأتي في كلامه قيمة الرقيق، وإن زادت على الدية ودية غير المسلم وأن الأنثى على النصف من الذكر. انتهى. قوله: كلفوا الإبل الخ، قال البناني: استظهر غيره أنهم يكلفون بما على حاضرتهم وهو أظهر. انتهى. قوله: "ودية الخطإ" الدية بتخفيف الياء المثناة التحتية، قال ابن عرفة: الدية مال يجب بقتل آدمي حر عن دمه أو بجرحه مقدرا شرعا لا بالاجتهاد، فيخرج ما يجب بقتل غير الآدمي من قيمة فرس ونحوه، وما يجب بقتل ذي رق قيمته والحكومة: وعن دمه مخرج لما يجب من دين يعجل قبل أجله بقتل مدينه، ويدخل دية العقل والسمع واليدين كلا وجزءا. قاله التتائي. وقوله:"بنت مخاض وولدا لبون وحقة وجذعة" قال في المقدمات: وهذا مذهب مالك وجميع أصحابه.

وربعت في عمد بحذف ابن اللبون الضمير في ربعت يرجع للدية من غير نظر إلى الخطإ؛ يعني أن العمد الذي لا قصاص فيه ككون القاتل عفا عنه على الدية مبهمة، فإنه تكون فيه الدية مربعة

ص: 131

بأن يترك من الدية المخمسة أحد أنواعها الذي هو ابن اللبون، فتكون المربعة خمسا وعشرين بنت مخاض وخمسا وعشرين بنت لبون وخمسا وعشرين حقة وخمسا وعشرين جذعة، فهذه هي الدية المربعة. وفي حاشية الشيخ البناني: قال أبو الحسن عند قول المدونة: دية العمد إذا قبلت مبهمة فهي على أربعة أسنان. اللخمي: هي في مال الجاني حالة إلا أن يشترط الأجل، وفي كتاب محمد أنها منجمة في ثلاث سنين كالخطإ، وفي سماع عيسى قال ابن القاسم: ودية العمد إذا قبلت لم تكن في ثلاث سنين وكانت حالة. قال ابن رشد: وقد قيل في دية العمد أنها إذا قبلت ولم يشترطوا فيها شيئا سن فيها سنة دية الخطإ في التأخير، وهو قول مالك في رواية ابن نافع عنه، وقول ابن القاسم في رواية حسين ابن عاصم عنه، وأما إذا صولح القاتل على دنانير أو دراهم أو عروض فلا اختلاف [أنها]

(1)

تكون حالة. انتهى. ولا قال ابن الحاجب: والعمد في مال الجاني كذلك وقيل حالة، قال في التوضيح: هذا الثاني هو المشهور، وقول المصنف فيه قيل: ليس بظاهر. انتهى.

وقال عبد الباقي: وربعت في عمد لا قصاص فيه لعفو معتبر أو زيادته على المجني عليه بإسلام مع تساويهما حرية أو لعدمه خوف إتلاف نفس، كآمَّة ودامغة أو لقبول الدية فيه مبهمة، وكذا ما سقط فيه القصاص لعدم وجود مثلة في الجاني وتربيعها بحذف ابن اللبون أي إسقاطه، وتعويض خمسة من كل نوع من الأنواع الأربعة مكانه، فالمائة من الأنواع الأربعة الباقية خمسة وعشرون من كل نوع منها. واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن شأس: وأما دية العمد إذا وجبت فمربعة خمس وعشرون من كل سن من الإناث بعد إسقاط ابن اللبون: ومن المدونة: دية العمد إذا قبلت مبهمة فهي على أربعة أسنان. ابن يونس: وكذا إذا عفا أحد الأولياء فحاز ذلك على من بقي قضي لمن بقي من حسبان الدية المربعة.

(1)

في الأصل: أنه، والمثبت من بناني ج 8 ص 30.

ص: 132

وثلثت في الأب يعني أن الأب تثلث عليه الدية في العمد الذي لا يقتل به، والمراد بالأب من له على المقتول ولادة، فيشمل الأب وإن علا والأم وإن علت، وسأبين العمد الذي لا يقتل به الوالدان إن شاء اللَّه تعالى قريبا، ويأتي للمصنف بيان التثليث.

ولو مجوسيا يعني أن الأب المذكور تثلث عليه الدية في قتل ولده أي في العمد الذي لا يقتل به فيه حيث كان غير مجوسي، بل ولو كان الأب مجوسيا فإنه تثلث عليه الدية في قتله لولده في العمد الذي لا يقتل به، فإذا قتل ولده المسلم فالأمر واضح، وإذا قتل ولده المجوسي فالتثليث فيه بحسب دية المجوسي وهي ثلث خمس ففيه جذعتان وحقتان وخلفتان وثلثا خلفة. قاله غير واحد.

وقوله: "ولو مجوسيا" اعلم أن الخلاف المشار إليه بلو إنما هو مفروض في قتل ولده المجوسي. ابن الحاجب: والتغليظ في المجوسي يقتل ابنه على الأصح إذا حكم بينهم. التوضيح: القول بعدم التغليظ لعبد الملك وأنكره سحنون، وقال أصحابنا: يرون أنها تغلظ عليه إذا حكم بينهم لأن علة التغليظ سقوط القود. انتهى. وقال مصطفى: وجه قول عبد الملك أن دية المجوسي تشبه القيمة. انتهى. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم.

والحاصل أن الحر الذكر المسلم تثليث ديته ما بينه المصنف بقوله: "بثلاثين" الخ، وفي غيره بحساب ديته. وقال الشبراخيتي: وثلثت في الأب مرادهم بالأب من له على المقتول ولادة ولو بواسطة، فيشمل الأم والأجداد والجدات، ولو قال: في الأصل لكان أولى ولو مجوسيا أي قتل ولده المسلم ولا إشكال أو المجوسي وتحاكموا إلينا، وتغلظ عليهم على حساب دياتهم فيؤخذ منه سبع إلا ثلثا جذعتان وحقتان وثلاث خلفات إلا ثلثا. انتهى. وقوله: ولده المسلم ولا إشكال؛ قد علمت أن الخلاف المشار إليه بلو إنما هو مفروض في قتل ولده المجوسي، قال المواق: قال سحنون: وإذا قتل المجوسي ابنه فأصحابنا يرون أن تغلظ عليه الدية خلافا لعبد الملك. انتهى.

في عمد لم يقتل به الظاهر أن قوله: "في عمد" بدل اشتمال من قوله: "في الأب"، فحذف الضمير أي في ضمد منه؛ يعني أن قتل الأب ولده له ثلاثة أحوال: الخطأ وأمره ظاهر فلا تغليظ فيه، عمد لا قصاص فيه وضابطه أن يفعل فعلا لا يعلم منه أنه أراد به إزهاق روحه، عمد فيه

ص: 133

القصاص وهو أن يفعل به فعلا يتبين منه أنه قصد به إزهاق روحه مثل أن يضجعه فيذبحه ونحو ذلك فخطؤه كخطإ غيره، والقسم الثاني تغلظ عليه فيه الدية ولا يقتص منه إلا إذا اعترف بقصد قتله، والقسم الثالث يقاد منه.

وقوله: كجرحه تشبيه في التغليظ في الحال التي لا يقتص منه فيها؛ أي كجرح الأب لولده جرحا لا يقتص منه فإن ديته تغلظ بحسبه فالتشبيه تام، فالحاصل أن الجراح تجري مجرى القتل وذلك إن أخذ سكينا فقطع به يده أو أذنه أو أضجعه فأدخل إصبعه في عينه ففقأها فإن هذا يقاد منه. قاله ابن القاسم وأشهب. وقيل: إن الجرح إنما فيه التغليظ فلا يجري فيه التفصيل الذي في القتل، وقوله:"كجرحه" سواء بلغ الجرح ثلث الدية أم لا، ففي الجائفة ثلث الدية بالتغليظ وكذا المأمومة، وهكذا بقية الجراح على قدر نسبتها من الدية، وسواء كان في الجرح شيء مقرر أم لا، وعلى ما قررت به المصنف فالضمير في جرحه عائد على الأب من إضافة المصدر إلى فاعله، ويحتمل أن يعود على الولد فيكون من إضافة المصدر إلى مفعوله، وتقرير الشبراخيتي صريح في أن الضمير في جرحه عائد على العمد؛ يعني أن جرح العمد تغلظ فيه الدية سواء كان الجارح أبا، ويكون التغليظ حينئذ بالتثليث أو أجنبيا ويكون التغليظ حينئذ بالتربيع.

قال الشبراخيتي: كجرحه أي جرح العمد سواء كان الجارح الأب أو أجنبيا، فإن كان الأب فالدية مثلثة وإن كان أجنبيا فهي مربعة، وظاهر كلامه سواء كان في الجرح شيء مقرر كما لو ضربه بعود ففقأ عينه مثلا فعليه ديتها مغلظة أو لم يقدر فيه شيء، وعليه فإذا كان فيه حكومة فإنه يؤخذ بنسبة النقصان من الدية الغلظة سواء كانت مثلثة أو مربعة، فإذا كان فيه حكومة وكانت يسيرة بحيث تجتمع في واحدة مثلا فإنه يؤخذ من كل نوع ربع، فيؤخذ ربع بنت مخاض وربع بنت لبون وربع حقة وربع جذعة، ويجري مثل ذلك في المثلثة فيؤخذ ثلاثة أعشار حقة وثلاثة أعشار جذعة وأربعة أعشار خلفة فيكون شريكا بالأجزاء المذكورة. انتهى. ونحو هذا التقرير لأحمد وارتضاه مصطفى. واللَّه تعالى أعلم.

ثم بَيَّنَ كيفية التغليظ بالتثليث في القتل بقوله: بثلاثين والباء للآلة حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلِفة بكسر اللام أي حوامل، سواء كانت حقة أو جذعة أو غيرهما وسواء أول الحمل أو وسطه،

ص: 134

بلا حد سن نعت "لخلفة" والباء بمعنى مع؛ يعني أن الأربعين الخلفات غير محدودة بسن وإنما النظر إلى كون النوق حوامل. قال عبد الباقي: واحترز بقوله: لم يقتل به عن عمد يقتل به كضجعه وذبحه أو شق بطنه، وعن جرح يقتص منه كفقأ عينه بأصبعه فيقتص له منه فيهما، وكذا إن فعل معه ما يحتمل قصد قتله أو جرحه ويحتمل غيره لكن اعترف بقصد قتله أو جرحه، فإن لم يعترف به لم يقتص منه سواء ادعى أنه أراد أدبا أو لم يرد شيئا. انتهى. وفي المواق من المدونة: قال مالك: شبه العمد لا أعرفه وإنما هو عمد أو خطأ، ولا تغلظ الدية إلا في مثل ما فعل المدلجي بابنه، فإن الأب إذا قتل ابنه بحديدة خذفه بها أو بغيرها مما يقاد من غير الوالد فيه، فإن الأب يدرأ عنه القود وتغلظ عليه الدية وتكون في ماله وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها لا يبالي من أي الأسنان كانت، ولا يرث الأب في هذا من مال الولد ولا من ديته شيئا لأنه من العمد لا من الخطإ، ولو كان من الخطإ لحملته العاقلة وورث من ماله لا من الدية، والأم في ذلك بمنزلة الأب وتغلظ الدية على أبي الأب، وكذلك الأب يجرح ولده أو يقطع شيئا من أعضائه بحال ما صنعه المدلجي فإن الدية تغلظ فيه، وتكون في مال الأب حالة كان أقل من ثلث الدية أو أكثر ولا تحمله العاقلة. قال مالك: ولو أضجع رجل ابنه فذبحه ذبحا أو شق بطنه شقا مما يعلم أنه تعمد القتل أو صنعت ذلك والدة بولدها، ففيه القود إلا أن يعفو من له العفو أو القيام. قال سحنون: وإذا قتل المجوسي ابنه فأصحابنا يرون أن تغلظ عليه الدية خلافا لعبد الملك. انتهى. كلام المواق.

وقال الشبراخيتي: وثلثت في الأب ولو مجوسيا في قتل عمد لولده، بخلاف الخطإ فلا يغلظ لم يقتل به أو في عمد يقتل به وحصل العفو على الدية، وخرج بقوله: لم يقتل به ما إذا ذبحه أو بقر بطنه وكذا جرحه، كما لو وضع أصبعه في عينه فقلعها. وقوله: في عمد لم يقتل به، كفعل قتادة المدلجي مع ابنه خذفه بسيف فأصاب ساقه فنزي جرحه فمات، فقدم سراقة بن جُعْشُم على عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه فذكر له ذلك، فقال عمر: اعدُد لي على ماء قديد

ص: 135

عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: ها أنا [ذا]

(1)

، قال: خذها فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لقاتل شيء)

(2)

، كذا في الموطإ وفي غيره، ثم دعا بأم المقتول وأخيه فدفعه لهما، ثم قال عمر: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يرث القاتل شيئا ممن قتل)

(3)

، فعلم من هذا أن عمر إنما أمر سراقة بعشرين ومائة ليختار منها مائة. انتهى.

وقال التتائي: قال في التنبيهات: المدلجي بضم الميم وكسر اللام منسوب إلى بني مدلج، وسراقة بضم السين وتخفيف الراء جعشم بضم الجيم وسكون العين وضم الشين، وقديد بضم القاف ودالين مهملتين مصغر. انتهى. قال الشاعر:

قد جعلت ماء قديد موعدي

وماء ضجنان لها ضحى الغد

قال التتائي: قال في المنتقى: إنما خص سراقة لأنه سيد القوم وهو يدل على وجوبها على العاقلة: ولأنه الذي سأله عن القضية فيلزم الأب بإحضارها من ماله، وإنما أمره بمائة وعشرين ليختار منها مائة. انتهى.

وقوله: "وثلثت في الأب" إنما اقتصر على الأب تبعا للفظ المدونة، وإلا فمثل الأب من له ولادة على المقتول: قال ابن الحاجب: وتغلظ الدية على الآباء والأمهات، قال المصنف: جمع الآباء والأمهات ليدخل الأجداد والجدات. انتهى. وما ذكره المصنف من أن الخلفات بلا حد سن هو المشهور كما في الخرشي، وقيل ما بين ثنية إلى بازل عامها: وقد علمت أن المثلثة حالة في مال الجاني وقيل على العاقلة حالة وقيل منجمة، وقال مطرف: على الجاني إلا أن لا يكون له مال فعلى العاقلة حالة. قاله في التوضيح. وقوله: "خلفة" بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام كما في القاموس والمصباح فهو بوزن لبنة ونبقة. قاله الرهوني.

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من الموطأ، كتاب العول، رقم الحديث:39.

(2)

الموطأ، كتاب العقول، رقم الحديث، 39.

(3)

الاستذكار، ج 5 ص 198، رقم الحديث، 37675.

ص: 136

وقال: قال ابن مرزوق: قال في النوادر: ومن المجموعة والتغليظ في الجراح كالنفس وإن نقل عنه غير ذلك، والثابت من قوله ما عليه أصحابه أن فيها التغليظ إن كان كفعل المدلجي فيما صغر منها أو عظم، إلا العمد الذي لا شك فيه فإنه يقتص منه، وفي المنتقى: قتل الأب ابنه يكون على ضربين، أحدهما أن يفعل به فعلا يتبين منه أنه يقصد إلى قتله، مثل أن يضجعه فيذبحه أو يشق بطنه وهو الذي يسميه الفقهاء قتل الغيلة، ثم ذكر الضرب الثاني وقال: فأما قتل الغيلة فذهب مالك إلى أنه يقتل به، وقال أشهب: لا يقتل به بوجه وبه قال أبو حنيفة والشافعي. انتهى المراد منه.

‌تنبيه:

اعلم أنه يشترط في القصاص من الأب والأجداد والجدات من قبل الأب أو الأم أن يكون القائم بالدم غير الولد وإلا لم يقتص منه وهكذا، قال في الموازية فيمن قتل زوجته وابنها ابنه: أنه ليس له قتل أبيه وأرى له الدية على عاقلته والكراهة في المدونة محمولة على المنع حملها عليه أبو عمران وغيره. انظر التوضيح.

وقال البناني: محل القصاص يعني في العمد الذي يقتص من الأب فيه إذا لم يكن القائم به ابنا للقاتل وإلا لم يقتل به. ابن عرفة: وفيها عن ابن القاسم: من قتل رجلا عمدا فكان ولي الدم ولد القاتل فقد كره مالك القصاص منه، وقال: يكره أن يحلفه في الحق فكيف يقتله؟ انتهى. وقد علمت أن معنى كره مالك القصاص منعه، وأولُ من سن الدية عبد المطلب، وقيل النضر بن كنانة. نقله عبد الباقي.

ولما بين الدية على أهل الإبل شَرَعَ في بيانها على أهل الذهب، فقال: وعلى الشامي والمصري والمغربي ألف دينار يعني أن أهل الشام ديةُ الخطإ في حقهم ألف دينار وكذا أهل مصر وكذا أهل المغرب، والمراد الدينار الشرعي وقد مر بيانه في باب الزكاة، والشرعية قال عبد الباقي: أكبر من دنانير مصر، فكل مائة شرعية تزيد على المصرية سبعة عشر دينارا ونصف دينار وست خراريب وثلاثة أسباع، ثم أهل المدينة أهل ذهب بلا نزاع والخلاف في أهل الحجاز ومنهم أهل مكة. الباجي: وعندي أنه ينظر إلى غالب أحوال الناس في البلاد، فأي بلد غلب على أهله شيء كانوا من أهله وإذا انتقلت الأحوال وجب انتقال الأموال، وقد أشار أصبغ إلى هذا بقوله: أهل مكة

ص: 137

وأهل المدينة اليوم أهل ذهب، ولا يؤخذ في الدية عندنا بقر ولا غنم ولا عرض. انظر الشارح. وحيث يوجد في البلد خلاف ذلك فينبغي التعويل عليه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

وبين الدية على أهل الورق بقوله: وعلى العراقي اثنا عشر ألف درهم ينمي أن أهل العراق ديةُ الخطإ في حقهم اثنا عشر ألف درهم، قال المواق: ابن عرفة: دية الخطإ على أهل الذهب، قال في المدونة: كأهل الشام ومصر، قال الجلاب: والمغرب، قال ابن حبيب: والأندلس ومكة والمدينة ألف دينار، وعلى ذوي الورق اثنا عشر ألف درهم، قال في المدونة: وهم كأهل العراق. الجلاب: وفارس وخراسان. انتهى. وقال التتائي: قال مالك: إنما قوم عمر الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم حين صارت أموالهم ذهبا وورقا، وترك دية الإبل على أهلها على حالها، ثم قال: ولا يقبل من أهل صنف من ذلك صنف غيره ولا يقبل في الدية بقر ولا غنم ولا عرض، وحاصل ذلك أن أهل كل موضع غلب تعاملهم بواحد من الثلاثة فديتهم منه. انتهى المراد منه.

وقال عبد الباقي: وعلى العراقي والفارسي والخراساني اثنا عشر ألف درهم بناء على أن الدينار اثنا عشر درهما. انتهى. ونحوه للخرشي، وفي الميسر: ولا يؤخذ في الدية عند مالك وأصحابه وجل أهل العلم إلا الإبل والذهب والورق، وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام (أنه وضع الدية على الناس في أموالهم، على أهل الإبل مائة بعير وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل البرود مائتي حلة)

(1)

، وهو قول عطاء وقتادة. نقله في المقدمات. وذكر الزناتي نحوه مضعفا له. انتهى.

إلا في المثلثة مستثنى من مقدر أي ولا تزاد الدية في الذهب والورق على ألف دينار واثني عشر ألف درهم إلا في المثلثة، قال الخرشي: مستثنى من مقدر فكأنه قال: ولا يزاد على ذلك إلا في المثلثة. انتهى. واحترز بذلك عن المربعة فإنها لا تكون في العين فدية العمد على أهل العين حيث قبلت ووقعت مبهمة، أو كان العمد لا قصاص فيه على ما مر كدية الخطإ ألف دينار أو اثنا عشر

(1)

مصنف ابن أبي شيبة ج 6 ص 270.

ص: 138

ألف درهم ونحوه للشبراخيتي، فإنه قال: ثم استثنى من مقدر بعد قوله: "ألف دينار واثنا عشر ألف درهم"، وكأنه قال: ولا يزاد على ذلك إلا في الدية المثلثة المغلظة في الأب فقط، فتغلظ باعتبار الذهب والورق وخرج به المربعة فلا تغلظ. انتهى. وقال التتائي: وفهم من كلام المصنف أن المربعة لا تغلظ في الذهب والورق وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقوله:"إلا في المثلثة" هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة أن المثلثة يزاد لها في الذهب والورق.

وأشار إلى الطريق التي يتوصل بها إلى معرفة المغلظة من الذهب والورق، فقال: فيزاد على دية الخطإ وهي ألف دينار واثنا عشر ألف درهم بنسبة أي ننسب أي نضم ما بين الديتين أي الدية المخمسة في الإبل والدية المثلثة فيها إلى قيمة الدية المخمسة؛ يعني أن ما زادت به قيمة الدية المثلثة على المخمسة ننسبه إلى قيمة الدية المخمسة، فإن كان ربعا فله دية وربع وإن كان خمسا فله دية وخمس وهكذا، فإذا كانت قيمة المخمسة مائة دينار مثلا وقيمة المثلثة مائة وعشرين، فما زادته المثلثة على المخمسة عشرون فإن نسبتها إلى قيمة المخمسة وجدتها خمسا، فتكون المغلظة في هذا المثال ألف دينار ومائتي دينار وهذا هو ظاهر المدونة، قال فيها: فينظر كم زادته قيمة المغلظة عن قيمة أسنان الخطإ، فإذا كانت قدر ربعها كان له دية وربع وكذا ما قل أو كثر. انتهى.

قال المواق: الكافي: دية الخطإ ودية العمد على أهل الذهب والورق سواء، وإنما يختلف الديتان بالنسبة إلى أهل الإبل بخلاف الدية المغلظة التي تكون أثلاثا فتغلظ على أهل الذهب والورق كما تغلظ على أهل الإبل. قال في المدونة: تغلظ الدية على أهل الذهب والورق وينظر كم قيمة أسنان الخطإ، فينظر كم زادت قيمة المغلظة على قيمة أسنان الخطإ ثم ينظر كم ذلك الزائد من قيمة أسنان دية المغلظة وكم قيمة أسنان الخطإ فإن كان قدر ربعها كان له دية وربع وكذلك ما قل أو كثر من الأجزاء. انتهى. الباء في بنسبة للملاصقة بدليل سقوطها. وفي بعض النسخ ورفع نسبة على النيابة. قاله مقيده. وتقوم المخمسة على تأجيلها وقيل حالة. وفي التوضيح: إذا قومنا دية الخطإ والدية المثلثة والمربعة فتقوم المغلظة حالة، واختلف في دية الخطإ، فعن بعض القرويين:

ص: 139

تقوم أيضا حالة، وقال ابن يونس: بل على تأجيلها حسبما جعلت. قاله التتائي. قوله: والمربعة قد مر أنها لا تغلظ في حق أهل العين على قول ابن القاسم وروايته عن مالك.

‌تنبيه:

قد قررت قوله فيزاد بأن متعلقه فيزاد على ألف دينار وهو للبناني وهو ظاهر، وفي كلام عبد الباقي ما يقتضي أن متعلقه على قيمة المخمسة، وناقشه البناني في ذلك وقال: الصواب أن يزاد على ما يجب عليه من ذهب أو ورق.

وللكتابي والمعاهد نصفه يعني أن دية الحر الكتابي الذكر الذمي المؤدي للجزية على النصف من دية الحر المسلم الذكر وقد مرت مستوفاة إبلا وذهبا وورقا، وكذلك المعاهد الذكر دينه على النصف من دية الحر المسلم الذكر، والمراد بالمعاهد في كلام المصنف هنا الحربي المؤمن من أهل الكتاب. قوله:"والمعاهد" عطف على صفة محذوفة؛ أي وللكتابي الذمي والمعاهد نصفه، وأما المعاهد المجوسي أي الحربي الذي قدم إلينا بأمان فديته دية المجوسي الذمي. تأتي قريبا إن شاء اللَّه تعالى. واحترز بالكتابي الذمي والمعاهد من الحربي فإنه غير معصوم فلا دية في قتله كما مر. وللمجوسي والمرتد ثلث خمس يعني أن دية الحر المجوسي الذمي أو المعاهد الذكر ثلث خمس دية الحر المسلم الذكر، وهي ستة أبعرة وثلثا بعير من الإبل: ومن الذهب ستة وستون دينار أو ثلثا دينار. ومن الورق ثمان مائة درهم، وكذا المرتد الذكر الحر فديته ثلث خمس وهو ما عرفت، وما مر عليه المصنف في المرتد هو قول ابن القاسم وأشهب وأصبغ، ولأشهب وابن القاسم أيضا: ديته دية الدين الذي ارتد إليه، وقال سحنون: لا دية فيه لا في عمد ولا في خطإ. انظر الرهوني. وقال المواق: من المدونة دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم وديات نسائهم على النصف من ديات رجالهم، ودية المجوسي ثمان مائة درهم والمجوسية أربع مائة درهم. انتهى. الطرطوشي: ومن لم تبلغه الدعوة بحال كمن بجزيرة لا يضمن إن قتل. قاله أصحابنا. ومن قول مالك: إن أقام مسلم بدار الحرب مع القدرة على خروجه لا دية فيه، ومن المدونة دية جراح غير المسلمين، من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم. نقله المواق.

وأنثى كل كنصفه يعني أن أنثى كل صنف ممن تقدم ذكره على النصف من دية ذكورهم فدية الحرة المسلمة من أهل البادية خمسون بعيرا ومن الذهب خمس مائة دينار ومن الورق ستة آلاف

ص: 140

درهم، ونساء الكتابيين على النصف من ذلك أي من الذهب مائتان وخمسون دينارا، ومن الورق ثلاثة آلاف درهم، ودية المجوسية والمرتدة أربعمائة درهم من الورق، ومن الذهب ثلاثة وثلاثون وثلثا دينار. واللَّه أعلم.

وفي الرقيق قيمته وإن زادت يعني أن في قتل الرقيق قيمته حيث لا قصاص وإن زادت قيمته على دية الحر أي قيمته على أنه قن ولو أم ولد أو مبعضا. قاله الخرشي وقال الشبراخيتي: وفي الرقيق قيمته وإن زادت على دية الحر لأنه مال كسائر السلع، وهذا إذا قتل خطأ أو عمدا والقاتل أزيد، فإن كان مساويا له قتل به إلا أن يرضيه السيد. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي قتل الرقيق قيمته قنا أو مدبرا أو أم ولد أو مبعضا، كمعتق لأجل لذلك الأجل وهل يقوم المكاتب قنا أو مكاتبا تأويلان كما يأتي للمصنف قتله حر عمدا أو خطأ، لا إن قتله مكافئ له فيقتل به كما مر، وإن زادت على دية الحر لأنه مال كسائر السلع، ومن المدونة: في كل ذي رق قيمته ولو زادت على أكثر دية.

‌تنبيه:

قد مر عن عبد الباقي أن العتق لأجل تغرم قيمته لذلك الأجل وهو مخالف لما في الخرشي، فإنه قال: يعني أن من قتل رقيقا فإنه يلزمه قيمته ولو زادت على دية الحر المسلم؛ لأن الرقيق مال فهو كسلعة أتلفها شخص فيلزمه قيمتها، فقوله:"وفي الرقيق" أي والواجب في الرقيق قيمته على أنه قن ولو أم ولد أو مبعضا، وسواء كان القتل خطأ أو عمدا إلا أن يكون الجاني مكافئا له فيقتل به. انتهى. فإن عموم قوله: والواجب في الرقيق قيمته على أنه قن ولو أم ولد أو مبعضا شامل للمعتق لأجل ولغيره. واللَّه تعالى أعلم.

وفي الجنين وإن علقة عشر أمه يعني أن الواجب في الجنين سواء كان من حرة أو أمة إذا انفصل عن أمه ميتا إن لم يستهل وهي حية، عشر أمه أي عشر ديتها أو عشر قيمتها كما يتضح لك إن شاء اللَّه تعالى، وسواء كان الجنين ذكرا أو أنثى: ضربه عمدا أو خطأ، كان الضارب أبا أو غيره، وسواء كان الانفصال عن ضرب أو تخويف أو شم بشرط أن تشهد البينة أنها من التخويف أو الشم لزمت الفراش إلى أن أسقطت، وتشهد البينة على السقط أيضا، ولا فرق بين أن يكون الجنين غير عَلَقة وبين أن يكون علقة بفتح العين واللام والقاف آخره هاء تأنيث: الدم المجتمع،

ص: 141

بحيث لو صب عليه الماء الحار لم يذب، لا الدم المجتمع الذي إذا صب عليه الماء الحار يذوب؛ لأن هذا لا شيء فيه فلا يقدر قبل المبالغة، وإنما يقدر قبل المبالغة المضغة أي حيث كان مضغة، بل وإن علقة من العلوق وهو الاتصال لأن بعضها اتصل ببعض. قاله الخرشي.

وقال الشبراخيتي: وفي الجنين وإن علقة، مراده بالعلقة الدم المجتمع الذي إذا صب عليه الماء الحار لا يذوب من العلوق وهو الاتصال لأن بعضها اتصل ببعض، وما قبل المبالغة إذا كان مضغة فما فوقها. وسيأتي في أم الولد إن ثبت إلقاء علقة ففوق وتقدم في العدة:"وإن دما اجتمع" فالأبواب الثلاثة سواء. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي إلقاء الجنين بضرب أو شم ريح أو تخويف أو شتم مؤلم على ما أخذه البرموني مما يأتي عن أبي الحسن، ونازعه الجيزي بأن كلام أبي الحسن لا تؤخذ منه المسألة؛ لأن المشاتمة ليست من الإفزاع على الوجه المذكور، "وإن علقة" أراد بها دما اجتمع كوضع الحمل الذي تحل به المعتدة كما تقدم، وكأمومة الولد، ومذهب ابن القاسم في الثلاثة الاكتفاء بالدم المجتمع الذي إذا صب عليه الماء الحار لا يذوب، لا الدم الذي إذا صب عليه الماء الحار يذوب لأن هذا لا شيء فيه.

ولو أمة يعني أن الواجب في جنين الأمة عشر قيمة أمه، كان من زوج حر أو رقيق أو زنى، وأما من سيدها فسيأتي، وبالغ بلو ردا لقول ابن وهب: الواجب في جنين الأمة ما نقصها كجنين البهيمة. قاله عبد الباقي. وقال: والواجب في الحرة الدية وفي الأمة القيمة، وما قدرنا من المضاف شامل للأمرين، وتعتبر قيمتها يوم الإلقاء أو يوم سببه. انتهى. وقد مر عن غير واحد أن العلقة هي الدم المجتمع الذي إذا صب عليه الماء الحار لا يذوب، وعلى الفرق بين العلقة والدم المجتمع مر المتيطى حيث قال: والغرة تجب في الجنين ذكرا كان أو أنثى طرح علقة أو مضغة أو تام الخلق إلا أنه لم يستهل، فإن كان دما مجتمعا، فقال في المدونة: فيه الغرة، وقال أشهب: لا شيء فيه إذا كان دما، بخلاف كونه علقة. انتهى.

نقدا يعني أن العشر المذكور يكون نقدا أي عينا حالة أو غرة يعني أن الجاني بالخيار بين أن يدفع العشر المذكور وبين أن يدفع غرة، وهذا التخيير في جنين الحرة ويتعين في جنين الأمة النقد كما يأتي قريبا. قال عبد الباقي: نقدا أي غير عرض وحالا فاستعمله في العين وفي الحال في مال

ص: 142

الجاني، إلا أن تبلغ الثلث فعلى العاقلة حالة، ففي المدونة: إذا ضرب مجوسي أو مجوسية بطن مسلمة خطأ فألقت جنينها ميتا حملته عاقلة الضارب. انتهى. وتحملها وإن لم تبلغ الثلث فيما إذا كانت تبعا للدية، كضربها فألقته ثم قتلها خطأ بضربة واحدة أو ضربات

(1)

في فور ففيه عشر ديتها وفيها الدية تحملها العاقلة تنجم تبعا للدية. انتهى. وأنث عبد الباقي الضمير لعوده على العين. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله بضربة واحدة أو ضربات في فور قال الرهوني: أما إذا كان ذلك بضربة واحدة فما قاله الزرقاني مسلم، لقول المدونة في كتاب الحج الثالث: ولو ضرب بطن امرأة خطأ فألقت جنينا ميتا ثم ماتت بعده كان في الجنين عشر دية أمه وفي المرأة الدية كاملة تحمل ذلك كله العاقلة. انتهى منها بلفظها. كذا وجدته في نسخة منها وكذا نقله الأجهوري عنها بإثبات لفظة كله، ووجدته في نسخة بإسقاطها وهي ساقطة أيضا في النسخة التي بيدي من ابن يونس، ونصه: وإذا ضرب محرم بطن عنز من الظباء فألقت جنينا ميتا وسلمت الأم فعليه في الجنين عشر قيمة أمه، ولو ماتت العنز بعد ذلك كان عليه في الجنين عشر ثمن أمه وفي العنز الجزاء كاملا، كقول مالك فيمن ضرب بطن امرأة خطأ فألقت جنينا ميتا ثم ماتت بعده، كان في الجنين عشر دية أمه وفي المرأة الدية كاملة: تحمل ذلك العاقلة. انتهى منه بلفظه. وعلى كل حال فهو يفيد ما قلناه لكن على إثبات لفظة كله يكون نصا في ذلك، وعلى إسقاطها يكون ظاهرا وأما بضربات في فور فلم أر من ذكره ولم يذكره الأجهوري. انتهى.

وقوله: أي غير عرض وحالا الخ يعني أن عشر الدية إنما يكون ذهبا أو ورقا ويكون حالا ولا يكون من الإبل وإن كانوا أهل إبل خلافا. لأشهب. ابن الحاجب: قال ابن القاسم: ولا تؤخذ الإبل، وقال أشهب: يؤخذ من أهلها خمس فرائض. انتهى. التوضيح: لأنه قد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالغرة والناس حينئذ أهل إبل، وإنما تقويمها بالعين أمر مستحسن، واختار محمد وغيره قول أشهب، وقوله: من مال الجاني أي يكون من مال الجاني في العمد مطلقا وفي الخطإ

(1)

في عبد الباقي ج 8 ص 32. ضربتين.

ص: 143

إلا أن يبلغ ثلث دية الجاني كمثال المدونة، أو ثلث دية المجني عليه كما إذا تعدد الجنين بقدر الثلث. وقوله: فعلى العاقلة حالة فيه نظر، بل ما تؤديه العاقلة إنما تؤديه منجمات، وقد قال الزرقاني: في قول المصنف الآتي: ونجمت الخ ما نصه: ومثل الدية الحكومة والغرة في التنجيم حيث بلغ كل منهما الثلث. انتهى. وقوله: "نقدا" بالنصب يجوز أن يكون حالا ويجوز أن يكون تمييزا. انظر الشبراخيتي. وقوله: "أو غرة" بالرفع عطف على عشر وقد مر أن التخيير للجاني، قال عبد الباقي:"أو غرة" بالرفع عطف على عشر والتخيير للجاني لا لمستحقها وهو في جنين الحرة، وأما جنين الأمة فيتعين فيه النقد ويكون في مال الجاني عمدا أو خطأ ولم تبلغ الغرة الثلث وإلا فهي على العاقلة.

وأبدل من غرة قوله: عبد أو وليدة يعني أن الغرة عن عبد أو وليدة أي أمة صغيرة كبنت سبع سنين، ولذا عبر بوليدة ليلا يتوهم اشتراط كبرها، ووصف الوليدة بقوله: تساويه أي تساوي العشر وتكون الغرة، ولو كان الجاني الأب أو الأم بأن تضرب بطنها أو تشرب ما تلقيه به أو تشم رائحة وعليها الطلب عند شمها سمكا أو جبنا مقليا أو نحو ذلك، فإن لم تطلب ولم يعلموا فعليها الغرة لتقصيرها وتسببها، فإن طلبت ولم يعطوا ضمنوا علموا بحملها أم لا: وكذا إن علموا به وبأنَّ ريح الطعام أو السمك يسقطها وإن لم تطلب، وكذا على مفزعها حتى ألقته بدليل فعل أمير المؤمنين إذ أرسل أعوانه لرجل فخافت منهم امرأة فأسقطت، فاستشار الصحابة؟ فأفتاه من حضر منهم بأنه لا شيء عليه لأنه مأذون له في البعث، ثم سأل عليا فقال: عليك الغرة، فأداها عمر رضي اللَّه تعالى عنه. أبو الحسن:[تثبت]

(1)

الغرة في هذا بشروط: أن يثبت الذي فزعت منه: ومشاهدتها له، واتصال مرضها من وقته إلى أن أسقطت، وشهادة امرأتين على إلقائها له، زاد ربيعة وسحنون: وشهادة رجل على رؤيته لأنه يبقى. انتهى. والظاهر أن هذا لا يعارضه إفتاء ابن عرفة بأن الغرة في مسألة الرجل الذي أدخل أعوان ظالم على الرجل المدخل لا على الحاكم؛ لأنهما لم يتواردا على شيء واحد إذ ما وقع لابن عرفة في أعوان ظالم كما في الأبي على مسلم

(1)

الأصل: ثبتت، والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 32.

ص: 144

أدخلهم بغير إذن الحاكم فذلك الغير بمنزلة عمر، ثم مثل ذلك من شَتَمَت امرأة فحصل لها دم واسترسل عليها إلى أن أسقطت فعلى الشاتمة الغرة، وتقدم رده عن الجيزي إلا أن يحمل على ما إذا لم يسترسل الدم عليها من حين الشتم، وما للبرموني على ما إذا استرسل. قاله عبد الباقي.

‌تنبيهات:

الأول: الغرر العبيد؛ لأنها أشرف أموالهم وفيها أن الأحب كونه من الحمران أي البيض، فإن قلوا في البلد أخذت من السودان وقيل لا بد أن تكون من البيض، وقد اختلف في لفظ الغرة هل فيه بحسب اللغة زيادة على الرقبة فقيل لا، وكذا فسره الباجي بإنسان وغيره بنسمة، وقيل مأخوذة من غرة الفرس فلابد من بياضها، وإليه ذهب ابن عبد البر، وقيل من الغرة بمعنى الخيار والأحسن، فقد استحب مالك الحمر. ذكره في التوضيح. وقال الشبراخيتي: قيل لها ذلك لأنها غرة أموالهم أي أفضلها، وغرة الشهر أوله. عياض: الغرة لغة النسمة كيف كانت عبدا أو وليدة من غرة الوجه، كما تسمى أيضا ناصية ورأسا وقد يكون من الحسن، وعند العرب أحسن ما يملك. أبو عمران: هي الأبيض ولذا سميت غرة فلا يقبل فيها الأسود. انتهى. قال الشاعر:

إن نحن إلا أناس أهلُ سائمة

ما إن لنا دونها حرث ولا غُرَرُ

ملُّوا البلاد وملتهم وأحْرَقَهُم

ظلم السعاة وَبَادَ المالُ والشجر

إلا تُدَارِكهُم تُصْبحْ مَنَازِلُهم

قفرًا تَبيضُ على أرجائها الحُمَرُ

الثاني: قول عبد الباقي كما في الأبي على مسلم: كلام الأبي هو: وسئل شيخنا أبو عبد اللَّه عن رجل أدخل على امرأة خدمة ظالم فأسقطت، فأفتى بأنه تلزمه الغرة، فعلى هذا فليس الضرب شرطا في وجوب الغرة. انتهى. وبحث فيه شيخنا الجنوي بقوله: فيه نظر؛ لأنه إذا كان الأعوان يخافون منه فعلى الجميع وإلا فعليهم فقط. انتهى من خطه رضي الله عنه. وهو مبني على أن الرجل لم يدخل معهم، والظاهر أن المراد بقوله: أدخل الخ أنه دخل معهم، فالجميع مباشرون، وإنما سكت عن الأعوان لأنه لا يقدر على الانتصاف منهم غالبا كما هو مشاهد وأوجب عليه غرم

ص: 145

الجميع لا حصته معهم لأنهم كالمحاربين ونحوهم، فإن من قدر عليه منهم يغرم الجميع على الراجح. قاله الرهوني.

الثالث: في الشبراخيتي: أنث المصنف الفعل باعتبار أنه مسند إلى الضمير العائد على الرقبة كانت رقبة عبد أو أمة. ابن عبد السلام: ولم أر لأصحابنا في سن الغرة حدا، وقال الشافعي: أقله سبع سنين. انتهى. ابن عرفة: أبو عمر: قال بعضهم: أقل الغرة بنت سبع سنين لأنه لا يفرق بينها وبين أمها دون هذا السن، وهو أحد قولي الشافعي والتخيير في جنين الحرة، ولا فرق بين ضرب الجنين وغيره كشم رائحة، فإذا شمت المرأة رائحة طعام الجيران فطلبت منه قدرا يسيرا لتأكله فمنعوها ذلك فإنهم يضمنون الغرة في مالهم، وكذا لو علموا بحملها ولم تطلب لأن الحياء يمنعها من الطلب، وكذا لو أدخل أعوان ظالم على حامل ففزعت وأسقطت لكن بشرط أن يثبت الذي فزعت من أجله، ومشاهدة المرأة لذلك الفزع وإن مرضها متصل بذلك الوقت إلى أن أسقطت وشهادة امرأتين على أنها أسقطت، زاد سحنون وربيعة: وشهادة رجل على رؤية الجنين. وقوله: "أو غرة" عطف على "عشر أمه"، وقوله:"عبد أو وليدة"، بدل من "غرة"، أو خبر مبتدأ محذوف أي وهي عبد أو وليدة. انتهى كلام الشبراخيتي.

والأمة من سيدها يعني أن الأمة الحامل من سيدها الحر جنينها كجنين الحرة ففيه عشر ديتها مسلمة كانت أو كافرة؛ لأنها تصير به أم ولد فهي كالحرة، ولو كان من غير سيدها بزوجية أو بزنى لكان فيه عشر قيمتها، فقوله: كالحرة فهم منه أن السيد حر، وأما لو كان رقيقا ففيه عشر قيمة أمه، ولا مفهوم لقوله:"سيدها" بل حيث كان ولدها حرا كالغارة للحر وكأمة الجد فحكمها كذلك، وأما المتزوجة بشرط حرية أولادها فهل كذلك لأن أولادها أحرار للشرط أم لا؟ قاله الشبراخيتي.

والنصرانية من العبد المسلم يعني أن الحرة النصرانية أو اليهودية الحامل من زوجها العبد المسلم جنينها كجنين الحرة المسلمة: ففيه عشر أمه نقدا أو غرة لأنه حر من جهة أمه ومسلم من جهة أبيه.

ص: 146

‌تنبيه:

قال الشبراخيتي عند قوله "والنصرانية من العبد المسلم" ما نصه: أي من مائه لأنه لو زنى المسلم بالنصرانية أو اليهودية الحرتين فإن في جنينهما ما في جنين الحرة المسلمة، ولو زنى الكافر بمسلمة حرة فحكمها كذلك لتغليب الإسلام. انتهى.

وقال عبد الباقي: والحرة النصرانية أو اليهودية من زوجها العبد المسلم في جنينها ما في جنين الحرة المسلمة؛ لأنه مسلم من جهة أبيه وحر من جهة أمه، وكذا الحكم لو كان من مائه الزنى، وكذا زنى مسلم بحرة كافرة ككافر بحرة مسلمة. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله:"كالحرة" خبر عن قوله: "والأمة" فهو راجع للمعطوف والمعطوف عليه، ومعناها بالنسبة للأمة ظاهر أي والأمة الحامل من سيدها أي الحر كالحرة من أهل دين سيدها مسلما كان أو كافرا، ومعناها بالنسبة للنصرانية الحرة المسلمة فليس فيه تشبيه الشيء بنفسه.

وفي المواق: أبو عمر: إذا ضربت المرأة فألقت جنينها ميتا لم يستهل، ففيه غرة عبد أو أمة، قيمته عشر دية أمه خمسون دينارا عند مالك أو ست مائة درهم، وفي جنين اليهودية والنصرانية عشر دية أمه إن ألقته ميتا وهي حية، وإن كانت أمة فألقت جنينا ميتا ففيه عشر قيمة أمه. اللخمي: الجاني يخير في غرم عشر دية الأم أو غرم الغرة. ومن المدونة: في جنين الأمة من غير السيد عشر قيمة أمه، كان أبوه حرا أو عبدا. ابن نافع: زادت على الغرة أو قصرت، ومن أعتق ما في بطن أمته من غيره فألقت جنينا ميتا ففيه عشر قيمة أمه، ولو كانت ألقته حيا ففيه دية حر. ومن المدونة: الجنين ما علم أنه حمل وإن كان مضغة أو علقة أو مصورا. ابن عرفة: ظاهره أن الدم المجتمع لغو، وفي استبرائها أنه حمل. ومن المدونة: وسواء ضربت الأم عمدا أو خطأ، ومن المدونة: في جنين أم الولد من سيدها ما في جنين الحرة، وكذا جنين النصرانية من زوجها العبد المسلم. انتهى كلام المواق.

‌تنبيه:

قال التتائي: واختلف لو تزوجت النصرانية مجوسيا أو العكس، هل لجنينها حكم أبيه أو أمه، قال الشارح في الكبير: الأول أصح. انتهى. وفي الشبراخيتي عند قوله: "كالحرة: وأما لو كان زوجها كافرا فكالحرة من أهل دينه، واختلف في النصرانية يتزوجها مجوسي وبالعكس، هل لجنينها حكم أمه أو حكم أبيه؟ والأول أصح.

ص: 147

إن زايلها كله حية يعني أنه يشترط في لزوم الغرة أن ينفصل الجنين كله ميتا عن الأم في حال حياتها، واحترز بذلك عما إذا انفصل بعضه في حياتها وباقيه بعد موتها فلا شيء فيه، وكذا لو انفصل بعد موتها. قاله غير واحد. وقال المواق: ابن عرفة: الغرة واجبة في الجنين بانفصانه ميتا قبل موت أمه اتفاقا. ابن شأس: فلو خرج رأس الجنين فماتت الأم ففي إيجاب الغرة فيه قولان. ابن عرفة: لا أعرف هذا بل المعتبر كمال خروجه. انتهى. وقال الخرشي: فلو انفصل كله بعد موتها أو بعضه في حياتها وبعضه بعد موتها فإنه لا يجب فيه شيء. انتهى.

إلا أن يحيى مستثنى من لزوم الغرة استثناء متصلا؛ يعني أن الجنين إذا انفصل عن أمه حيا حياة محققة بأن استهل صارخا أو رضع كثيرا أو نحو ذلك، سواء زايلها حية أو ميتة فإن فيه الدية كاملة بقسامة. ولهذا قال: فالدية إن أقسموا أي إذا انفصل عن أمه حيا حياة محققة فإن الواجب فيه حينئذ الدية بقسامة، قال عبد الباقي: فالدية إن أقسموا أي أولياؤه أنه مات من فعل الجاني. انتهى. وقال الشبراخيتي: إلا أن يحيى بأن يستهل صارخا أو يرضع كثيرا وتطول حياته أو نحو ذلك ثم يموت بعد انفصاله قبل موتها أو بعده، والجناية خطأ فالدية إن أقسموا أنه مات من قبل الجاني لاحتمال موته بغير فعله. انتهى. وقال التتائي: فالدية إن أقسموا إن لم يمت عاجلا بأن تراخى موته، بل ولو مات عاجلا عند ابن القاسم، وقال أشهب: لا قسامة لأن المحمل أن الموت عن الضربة واستحسنه اللخمي، قال التتائي: وأشعرت إشارته للخلاف في الثانية على الاتفاق في القسامة في الأولى وهو كذلك، قال في توضيحه: والفرق لابن القاسم أن هذا المولود لضعفه يخشى عليه الموت بأدنى الأسباب بخلاف الكبير، فلذا لم تكن فيه القسامة إذا مات عاجلا.

ومفهوم قوله: إن أقسموا أنهم إن أبوا أن يقسموا فلا دية وهو صادق بنفي الغرة، ففي التوضيح: وحيث اشترطنا القسامة فأبى الأولياء عنها، فحكى صاحب النكت عن بعض شيوخه: لهم الغرة كمن قطعت يده ثم نزي فمات وأبوا أن يقسموا فلهم دية اليد. عبد الحق: وهو عندي غير مستقيم بل ليس لهم غرة أي لأن هذا حكم آخر أوجب لأمر آخر. انتهى. قول عبد الحق بل ليس لهم غرة الخ، قال البناني: هذا هو الظاهر لأن الجنين إذا استهل صار من جملة الأحياء فلم

ص: 148

تكن فيه غرة، بخلاف من قطعت يده ثم نزى فمات فإن دية اليد قد تقررت، ورد المصنف بلو قول أشهب بنفي القسامة واستحسنه اللخمي، وقال: لأن موته بالفور يدل على أنه من ضرب الجاني مات، قال في التوضيح: والفرق لابن القاسم الخ. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "ولو مات": عاجلا عند ابن القاسم، خلافا لأشهب فإن قتله شخص غير الجاني، فإن كانت حياته محققة فعليه القصاص أو الدية، وإن كانت غير محققة فليس عليه إلا الأَدَبُ وعلى مخرجه الغرة كما ذكره ابن المواز. انتهى. وقوى عبد الباقي ما لعبد الحق، وقال: إنه المعتمد دون ما لبعض شيوخه حيث أبى الأولياء أن يقسموا. واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيه:

وقع في كلام عبد الباقي ما نصه: وبالغ المصنف على موته عاجلا لمخالفته للجنين الكبير. انتهى. قال الرهوني: الصواب إسقاط الجنين فيقول لمخالفته للكبير. انتهى. وفي الموطإ: وإن قتلت المرأة وهي حامل عمدا أو خطأ فليس على قاتلها في جنينها شيء. انتهى. ومن المدونة: إن ضرب بطنها فألقت جنينا حيا ثم ماتت بجنين في بطنها ومات الخارج قبل موتها أو بعد، ففي الأم دية واحدة والكفارة ولا دية في الجنين الذي لم يزايلها ولا كفارة، والذي ألقته إن استهل ففيه القسامة والدية، وإن لم يستهل ففيه الغرة، ولبعض المدنيين عن مالك: لا قسامة إن مات مكانه وإنما تكون القسامة إذا عاش ثم مات. انتهى. نقله المواق.

وإن تعمده بضرب ظهر أو بطن أو رأس ففي القصاص خلاف ما تقدم من قوله: "إلا أن يحيى فالدية" محله في الخطإ، وهذا في العمد؛ يعني أنه إذا تعمد الجنين بأن ضرب ظهر الحامل عمدا أو تعمد ضرب بطنها أو رأسها، فنزل الجنين مستهلا ثم مات فإنه اختلف هل يقتص منه -أي من الضارب بقسامة- أو عليه الدية في ماله بقسامة؛ لأن موته عن عمد. وقوله:"خلاف" مبتدأ وخبره المجرور قبله. قال البناني: يعني أن ما تقدم من الدية إذا خرج حيا ومات محله إذا كانت الجناية خطأ، وأما إن تعمدها فإن كانت بضرب ظهر أو بطن، فقال أشهب: لا قود بل تجب الدية في مال الجاني، قال ابن الحاجب: وهو المشهور، قال في التوضيح: وصرح الباجي بأنه المشهور كالمصنف. انتهى. وقال ابن القاسم: يجب القصاص بقسامة، قال في التوضيح: وهو مذهب المدونة والمجموعة، قال: وألحق ابن مناس ضرب الرأس بالظهر والبطن بخلاف ضرب

ص: 149

الرجل وشبهها، ونص ابن أبي زيد في مختصره على أن ضربها في الرأس كضربها في الرجل في نفي القصاص ووجوب الدية في مال الجاني. انتهى. وقال ابن عرفة: الشيخ عن ابن القاسم في المجموعة: هذا إن تعمد ضرب البطن أو الظهر أو موضعا يرى أنه أصيب به، أما لو ضرب رأسها أو رجلها أو يدها ففيه الدية.

قُلْتُ: قوله: أو رأسها يرد ما نقله عبد الحق عن ابن مناس أنه يقول ضربها في الرأس كضربها في البطن. انتهى. وقال بعض: الراجح القصاص بقسامة في ضرب الظهر والبطن، والراجح عدم القصاص بل الدية بقسامة في ضرب الرأس مثل ما ذكره يعني عبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم.

والحاصل أن الأقسام ثلاثة: إن تعمده بضرب ظهر أو بطن فالراجح لزوم القصاص بقسامة لأنه قول ابن القاسم وهو مذهب المدونة والمجموعة، ومقابله لأشهب وشهر، ابن الحاجب والباجي. تعمده بضرب رأس الراجح أنه ملحق بضرب اليد أو الرجل ونحوهما ففيه الدية بقسامة وقيل إنه ملحق بضرب البطن والظهر، والعلة على هذا الضعيف أن في الرأس عرقا يسمى عرق الأبْهَر واصلا إلى القلب فما أثر في الرأس أثر في القلب. القسم الثالث أن يتعمد ضرب اليد أو الرجل أو نحوهما فالدية بقسامة، وجعل عبد الباقي الضمير البارز للضرب خلاف ما قررت، ثم قال: وما ذكرناه من جعل ضمير تعمده البارز للضرب نحوه لحلولو وإن لم يقصد به الجنين، وهو ظاهر ابن عرفة والموافق لقوله: إن قصد ضربا وإن بقضيب، ولو كان الضارب الأب فشرط القصاص تعمد قتل الجنين ببطن خاصة. انتهى. وقولي: فنزل الجنين مستهلا أي محقق الحياة ثم مات، تحرز عن نزوله ميتا، فالغرة.

‌تنبيه:

الباء على تفسير عبد الباقي وقوله: "بضرب" باء التصوير. واللَّه تعالى أعلم.

وتعدد الواجب بتعدده أي تعدد الجنين؛ يعني أن الواجب في الجنين يتعدد بتعدد الجنين، والواجب في الجنين إما الغرة أو العشر وإما الدية، قال الشبراخيتي: وتعدد الواجب في الجنين عشرا أو غرة إن لم يستهل والدية إن استهل بتعدده اثنين فأكثر. انتهى. وقال الخرشي: والمعنى أن الواجب المتقدم ذكره وهو الغرة أو العشر إن نزل الجنين ميتا، والدية مع القسامة إن نزل حيا

ص: 150

ثم مات يتعدد بتعدد الجنين. انتهى. وقال المواق: سمع القرينان: من ضربت فطرحت جنينين لم يستهلا ففيهما غرتان، ولو استهلا كان فيهما ديتان، ورواه ابن نافع في المجموع. انتهى.

وورث على الفرائض يعني أن الواجب المذكور من عشر وغرة ودية يورث على الفرائض كما ذكره اللَّه تعالى في كتابه العزيز في قوله عز وجل: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} الخ، قال التتائي: وورث المأخوذ عن الجنين على الفرائض بين كل من يرث فرضا أو تعصيبا، ورجع مالك إلى هذا وعليه أكثر أصحابه، وكان يقول: للأبوين على الثلث والثلثين وأيهما انفرد أخذه، واسْتُشْكِلَ انفراد الأب عنها لأنها على المذهب لا بد أن تكون حية، وصورها عبد الحق على القول الضعيف بخروجه ميتا بعد موتها وانظر هذا، فإن الأب يتصور انفراده عنها حتى على المشهور، فقد تقدم أن الأمة الحامل من سيدها كالحرة. قاله البساطي. وفي بعض النسخ: وورثت بتاء التأنيث أي الواجبات من عشر وغرة ودية إن استهل صارخا. قاله غير واحد. وقال البناني: وورث على الفرائض أي للأب الثلثان وللأم الثلث ما لم يكن له إخوة فللأم السدس، وقال ربيعة: للأم وحدها لأنه قيمة عضو منها، وقال ابن هرمز: على الثلث والثلثين: فإن مات أحدهما انفرد الآخر به، وقاله مالك ثم رجع إلى الأول. قال في التوضيح: وانظر كيف يتصور أن ينفرد الأب؟ أي مع أن الغرة على مذهب المدونة إنما تجب إذا انفصل عنها وهي حية، وأجاب البساطي بتصوره في جنين النصرانية الذي تقدم أنه كجنين الحرة المسلمة، وكذا جنين الأمة من سيدها. انتهى. قال مصطفى: جواب البساطي مبني على أن المراد بالانفراد الانفراد بغير موت واحد، والذي في تبصرة اللخمي وشرح الجلاب لابن التلمساني أن الانفراد واقع بالموت، وجواب الإشكال أن مبناه على مذهب المدونة في اشتراط أن يزايلها حية وصاحب هذا القول لا يشترطه. انتهى.

وفي الجراح حكومة يعني أن الجراح التي لا قصاص فيها لكونها خطأ أو عمدا يعظم الخطر فيه اللازم فيها ما تؤدي إليه الحكومة أي الاجتهاد، وهذا إذا لم يكن فيها تقدير من قبل الشارع، وأما إن كان فيها تقدير من قبل الشارع صلى الله عليه وسلم تسليما، ففيها ما قدره الشارع على ما يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى، فقوله:"حكومة" هي إعمال النظر المؤدي إلى معرفة الواجب

ص: 151

وهي مرادفة للاجتهاد، وعلى هذا فقوله:"حكومة" على حذف مضاف أي مؤدى حكومة أي ما تؤدي إليه الحكومة، وفسر غير واحد هنا الحكومة بأن المراد بها هنا الشيء المحكوم به، ثم بين ذلك مدخلا عليه باء التصوير بقوله: بنسبة نقصان الجناية والباء في "بنسبة" داخلة على مضاف محذوف أي بمثل نسبة نقصان الجناية، إذا برئ ظرف زمان مضاف إلى الجملة الفعلية متعلق بقيمته بمعنى تقويمه، فهو ظرف مقدم على عامله والأولى تأخيره عنه، من قيمته متعلق "بنقصان" أو "بنسبة" على التنازع، عبدا حال من الضمير المضاف إليه في قيمته، فرضا مفعول مطلق أي يفرض عبدا وإن لم يكن عبدا حقيقة. قاله الشبراخيتي.

من الدية متعلق بمحذوف صفة لمثل أي مثل نقصان الجناية كائنا ذلك المثل من الدية، وتوضيح كالأم المصنف أن تقول في الجراح التي لا قصاص فيها وليس فيها شيء مقدر حكومة؛ أي شيء محكوم به أو مؤدى حكومة أي ما يتوصل إليه بالحكومة أي بالاجتهاد، وصورة ذلك أن تنظر إلى ما نقصته الجناية بعد تقويمه إذا برئ؛ أي يقوم على أنه مفروض عبدا وإن لم يكن عبدا بعد البرء، فما نقصته الجناية عن قيمته سليما يرجع بمثله من الدية: وذلك أن تنسب قيمته ناقصا بالجرح بعد البرء إلى قيمته صحيحا فيرجع، بمثل ما بينهما من الدية، فإذا قومناه بعد البرء بخمسين مثلا وقومناه على أنه صحيح لم يكن به جرح بستين مثلا فقد نقصه الجرح بالسدس في هذا المثال، فله سدس الدية ألفا درهم على أهل الورق.

قال الخرشي: يعني أن جراح الخطإ التي ليس فيها دية مقدرة تجب فيها الحكومة، وكذلك جراح العمد التي لا قصاص فيها وليس فيها شيء مقدر، كعظم الصدر وهشم الفخذ وما أشبه ذلك فيها حكومة بأن يقوم المجني عليه بعد برئه خوف أن يترامى إلى النفس، أو إلى ما تحمله العاقلة عبدا سالما بعشرة مثلا ثم يقوم ثانيا معيبا بتسعة مثلا، فالتفاوت بين القيمتين هو العشر؛ فيجب على الجاني نسبة ذلك من الدية، فالمراد بالحكومة الحكم أي المحكوم به. وقوله:"بنسبة" الباء للملابسة، وقوله:"إذا" ظرف زمان متعلق بقيمة بمعنى تقويم فهو ظرف مقدم على عامله، وكان الأولى تأخيره عنه لأن الأصل في العامل أن يتقدم على معموله. وقوله:"من قيمته" متعلق بنقصان. انتهى المراد منه. وتوضيح ما مر من التوضيح أن تقول: وفي الجراح شيء يجتهد

ص: 152

فيه وهو مثل ما يحصل من ضم ما نقصته الجناية من قيمته سليما إلى جميع قيمته سليما؛ بأن يقوم بعد البرء تقويمتين سليما ومعيبا، وذلك الذي نقصته الجناية إن أذهبته أي نسبته إلى قيمته سليما ترجع بمثله من الدية، فإن كان خمسا للقيمة السليمة رجعت بخمس الدية، وإن كان سدسا فسدس وهكذا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله:"من قيمته" قرره غير واحد بمعنى تقويم، والصواب عندي -واللَّه تعالى أعلم- أن قوله:"إذا برئ" متعلق بما دل عليه قيمة من التقويم، لا أنه متعلق بقيمته. واللَّه تعالى أعلم. وفيما فيه الحكومة الأدب في العمد، وفهم من المصنف أنه إذا لم ينقص فلا شيء فيه إلا الأدب في العمد.

كجنين البهيمة يعني أن من فعل ببهيمة فعلا أسقط به جنينها يلزمه ما نقصها، فإذا قومت حاملا بعشرة وبعد طرح الجنين بخمسة غرم نصف قيمتها ولا يدفع قيمة الجنين، قال الشبراخيتي: وهذا إذا نزل ميتا، فإن نزل حيا ثم مات فعليه ما نقصها مع قيمته، ثم إنها حيث قومت فإنما تقوم بعد البرء. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن البهيمة إذا ضرب شخص بطنها مثلا فألقت جنينها فنقصت بسببه فإنها تقوم سالمة ومعيبة ويكون فيها ما نقص من قيمتها سليمة، فالتشبيه في قوله:"حكومة" سواء ألقت الجنين حيا أو ميتا، لكن إن نزل ميتا فلا شيء فيه، وإن نزل حيا فعليه قيمته مع نقص الأم. انتهى.

‌تنبيهات:

الأول: اعلم أن الذي استحسنه ابن عرفة القول بأن على الجاني أجرة الطبيب وثمن الدواء سواء برئ على شين أم لا مع الحكومة في الأول، وأما ما فيه شيء مقدر فليس فيه دواء، ولو بريء على شين سوى موضحة الوجه والرأس ففيه أجر الطبيب وثمن الدواء، وقوله:"كجنين البهيمة" قال عبد الباقي: تشبيه في قوله: "حكومة" فعليه دفع ما نقصته الجناية، وهل يراعي في تقويمها كونها تحلب عليه؟ وعلى صورة عجل كما في صورة من استهلك عجل بقرة أم لا يراعي ذلك. انتهى.

الثاني: قال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: لما ذكر المسائل التي انفرد بها مالك ولم يتابعه عليها أحد من فقهاء الأمصار، قال: من ضرب بطن بهيمة فألقت جنينا ميتا فعليه عشر دية

ص: 153

أمه. انتهى. وما قاله خلاف المصنف من أنه إنما فيه ما نقصها، وما قاله المصنف هو الذي يقوله أهل المذهب.

الثالث: قال الحطاب: سئل مالك عن امرأة تشرب الدواء وهي حامل فيسقط ولدها، أترى عليها شيئا؟ قال: لا أرى به بأسا إذا كان دواء يشبه السلامة فليس به بأس إن شاء اللَّه، قد يركب الإنسان الدابة فتصرعه؛ (وقد كوى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سعدا فمات، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: بئس الميت يقول يفتنون به يقولون لم يغن عنه صاحبه)

(1)

، قال ابن رشد: هذا بين على ما قاله، وهو على قياس ما تقدم في رسم البر من سماع ابن القاسم في الصبي الذي تسقيه أمه الدواء فيشرق به فيموت. انتهى. وقال في المسائل الملقوطة في الحامل تشرب دواء فتلقي جنينها: ذكر ابن حبيب عن قتادة أن عليها عتق رقبة، وقال فضل بن مسلمة: قد قيل لا شيء عليها إذا كان دواء مأمونا وهو مذهب أصحابنا، وفي مفيد الحكام: وإذا شربت امرأة دواء فألقت جنينها ميتا لم تكن للغرة ضامنة، يريد إذا كان دواء مأمونا كما تقدم في كلام غيره. واللَّه أعلم. انتهى. وإذا سقى الطبيب المرأة دواء يعلم أنه يسقط به الجنين فعليه الغرة، وإن كان مما يعلم أنه لا يسقط به فلا غرة عليه. انتهى.

إلا الجائفة مستثنى من قوله: "وفي الجراح حكومة" استثناء متصلا لا منقطعا؛ يعني أن الجائفة فيها ثلث الدية ولا قصاص فيها كانت عمدا أو خطأ، قال الشبراخيتي: وهي ما وصل إلى الجوف ولو بمدخل إبرة من الظهر أو البطن. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا الجائفة عمدا أو خطأ وهي مختصة بالبطن والظهر ونحوه للخرشي، وقال المواق: الجائفة ما وصل إلى الجوف من مقدم الجوف أو من الظهر أو من الجنب أو الخصر ولو بإبرة وفيها ثلث الدية.

والآمَّة عطف على "الجائفة"؛ يعني أن الآمَّة وهي التي وصلت إلى أمِّ الدماغ فيها ثلث الدية ولا قصاص فيها كانت عمدا أو خطأ. ابن عرفة: كل المذهب على أن في المأمومة ثلث الدية والجائفة مثلها. نقله المواق.

(1)

مسند أحمد، ج 4، ص 138، وفيه أسعد بن زرارة بدل سعد، وهو الذي جزم به أبو عمر في الاستذكار ج 7 ص 38.

ص: 154

وعلم مما قررت أن قوله: فثلث راجع للأمرين قبله أعني الجائفة والآمَّة، قال عبد الباقي: إلا الجائفة والآمة فثلث من دية خطأ والظاهر أنها مخمسة كالدية الكاملة، والظاهر أن جراح الخطإ كلها كالأصابع والأسنان كذلك، ومثل الآمَّة الدامغة كما في العلمي، والجائفة ما أفضت للجوف أي دخلت فيه ولو مدخل إبرة، فما خرج من جلدة البطن ولم يصل للجوف فليس فيه إلا حكومة. انتهى.

وقال الخرشي: وفي الجائفة عمدا أو خطأ ثلث الدية والآمَّة فيها ثلث كالجائفة وهي على العاقلة. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا الجائفة عمدا أو خطأ فثلث، وقال البناني: والآمَّة أي عمدا أو خطأ إذ لا قصاص فيها وكذا الدامغة. انتهى. وقال في الميسر: إلا الجائفة عمدا أو خطأ وهي ما وصل إلى الجوف ولو بمدخل إبرة ببطن أو ظهر أو جنب، والآمَّة بميم مشددة عمدا أو خطأ فثلث فيهما من دية مخمسة كما يفيده قول ابن رشد إن عمدها وخطأها سواء. انتهى.

والموضحة عطف على المستثنى أي وفي الجراح حكومة إلا الموضحة، ففيها نصف عُشر بضم الشين والعين هذا في الخطإ، وأما في العمد ففيها القصاص كما مر وما عداها من جائفة وآمَّة ومنقلة فعمده وخطؤه سواء. قاله غير واحد. والمنقلة والهاشمة عطف على المستثنى؛ يعني أن المنقلة والهاشمة عمدا أو خطأ في كل منهما عشر الدية مع نصف عشرها، ولهذا قال: فعشر ونصفه أي في كل منهما العشر عشرة من الإبل ونصف العشر خمسة أي فيها خمسة عشر بعيرا، وسواء في ذلك العمد والخطأ كما صرح بذلك غير واحد.

قال عبد الباقي: وحقه أن لا يذكر هنا الهاشمة كما فعل في القصاص لأنها هي المنقلة كما هو ظاهر المدونة سيما مع اتحاد ديتهما. قاله ابن مرزوق. وقال البناني: قول الزرقاني عن ابن مرزوق حقه أن لا يذكر الهاشمة إلى آخره فيه نظر مع قول المتيطى، واختلف في الهاشمة وهي التي هشمت العظم إذا كانت خطأ، فقال محمد: ليس فيها إلا دية الموضحة، قال ابن القصار: من رأيه فيها دية الموضحة وحكومة، قال: وكان شيخنا أبو بكر يقول فيها ما في المنقلة. انتهى. وفي المواق عن الكافي أن في الهاشمة عشر الدية مائة دينار، وفيه عن ابن شأس أنه لا دية بل حكومة، وهذا كله يدل على أنها غير منقلة فلا بد من ذكرها معها. وقال بن رشد: أما الهاشمة

ص: 155

فلم يعرفها مالك، وقال ما أرى هاشمة في الرأس إلا كانت منقلة وديتها عند من عرفها من العلماء وهم الجمهور عشر من الإبل. انتهى.

وقال المواق: أما المنقلة فقال في الكافي: في المنقلة عشر الدية ونصف عشرها خمس عشرة فريضة أو مائه وخمسون دينارا ابن رشد، والخطأ والعمد في المنقلة سواء إذ لا قصاص فيها لأنها من المتالف؛ وأما الهاشمة فقد تقدم قول ابن شأس: لا دية فيها، وقول أبي عمر: فيها الدية: وقال بن رشد: وأما الهاشمة فلم يعرفها مالك، وديتها عند من عرفها من العلماء وهم الجمهور عشر من الإبل. انتهى. وقوله:"والهاشمة" وفاقا للأبهري، ويوافقه قول ابن القاسم: ما من هاشمة إلا تعود منقلة. انتهى. انظر التوضيح.

وهذا الذي ذكره المصنف في الجراحات قدره الشارع فلا يزاد عليه، وإن كان البرء بشين أي على قبح فيهن أي في الجراح المذكورة فدفع بالمبالغة ما يتوهم من الزيادة، ويستثنى من كلام المصنف الموضحة فإنها إذا برئت على شين وهي في الوجه أو الرأس يدفع مع ديتها ما حصل بالشين على المشهور، فيقوم عبدا فرضا سليما وبالشين ويعطى من الدية بمثل نسبة ذلك كما في المدونة والجواهر والمقدمات، وقد علمت أنه هو المشهور. وقوله:"وإن بشين فيهن" إنما لم يزدن على ذلك وإن بشين فيهن؛ (لأنه القدر الذي في كتابه عليه الصلاة والسلام لعمرو بن حزم)

(1)

، ولم يقيد بشين ولا بعدمه، مع أنه قد يشين، وما ذكره في الموضحة قول أشهب، وفي المدونة أنه يزاد في عقلها بقدر الشين وهو المشهور، وروى ابن نافع أنه يزاد لأجله إلا أن يقل. انتهى. وتحصل مما مر أن في الموضحة إن برئت بشين ثلاثة أقوال، مشهورها قول مالك وابن القاسم: يزاد بقدر الشين قل أو كثر، قول أشهب: لا يزاد فيها لأجل الشين قل أو كثر وهو ظاهر المصنف، قول ابن نافع عن مالك: إن كان أمرا ينكر زيد به وإلا فلا.

إن كن برأس أو لحي أعلى يعني أن هذه الجراحات إنما يكون فيها ما ذكر حيث كانت برأس أو لحي أعلى وهو النابت فيه الأسنان العليا وهي برأس الخد، بخلاف الأسفل وهذا راجع لما

(1)

الموطأ، كتاب العقول، رقم الحديث، 1.

ص: 156

عدا الجائفة فإنها مختصة بالظهر والبطن كما مر. وقوله: "أو لحي أعلى" لا يتأتى في الآمَّة إذ هي مختصة بالرأس، واشتراطه فيها بيان للواقع لا للاحتراز، فعلم من هذا أن قول المصنف:"إن كن" لا يشمل الجائفة، وأن قوله:"أو لحي أعلى" لا يرجع للآمة وهذا من باب صرف الكلام إلى ما يليق به. وقوله: "أو لحي" بكسر اللام وفتحها. قاله الشبراخيتي. وقال المواق: عبارة ابن الحاجب: في الجراح كلها الحكومة إلا أربعة الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة، ثم قال: وتختص الموضحة وأختاها بعظم الرأس والوجه دون الأنف واللحي الأسفل. انتهى.

والقيمة للعبد كالدية يعني أن القيمة للعبد تتنزل منزلة الدية للحر في هذه الجراحات الأربع التي قدر الشارع فيها شيئا معلوما، فيؤخذ في موضحة العبد نصف عشر قيمته وفي منقلته عشر قيمته، ونصف عشر قيمته وفي جائفته أو مأمومته ثلث قيمته، كما يؤخذ في موضحة الحر نصف عشر ديته، وفي منقلته عشر ديته ونصف، وفي مأمومته أو جائفته ثلث ديته. قال المواق: قال مالك: إن قتل حر عبدا فعليه قيمته ما بلغت وإن جاوزت الدية، وإن جرحه فعليه ما نقصه بعد برئه. قال مالك: وموضحة العبد ومنقلته وجائفته ومأمومته في ثمنه بمنزلتهن في دية الحر. قال عبد العزيز: إذ لا ينقص ثمنه إذا برئ فلا بد أن يكون فيهن ما ذكرنا. ابن رشد: الفقهاء السبعة على وجوب أجر الطبيب فيما دون الموضحة من جراح الخطإ، وأخذه بعضهم من قول مالك مرة بوجوب الرفء. ابن عرفة: وهو أحروي لأن الدماء آكد من الأموال، وسئل مالك عمن انكسرت فخذه ثم انجبرت مستوية أله ما أنفق في علاجه؟ قال: ما علمته من أمر الناس، أرأيت إن برئ على شين أيكون له قيمة الشين، وما أنفق؟ انتهى.

وإلا راجع لقوله: "إن كن برأس أو لحي أعلى" أي وإن لم تكن الجراح المذكورة بالرأس ولا باللحي الأعلى، فلا تقدير فيها من قبل الشارع وإنما فيها حكومة، والحاصل أن الجراح كلها ليس فيها إلا الحكومة إلا ما كان من الجائفة والآمَّة والموضحة والمنقلة ففيها ما ذكر، وهذا في الموضحة والمنقلة حيث كانتا في الرأس والوجه وإلا ففيهما الحكومة. واللَّه تعالى أعلم.

وتعدد الواجب بجائفة نفذت يعني أنه إذا ضربه في ظهره مثلا فنفذت لبطنه فإنه يتعدد عليه الواجب الذي هو الثلث فيكون فيها ثلثان من الدية، قال عبد الباقي: وتعدد الواجب بجائفة

ص: 157

نفذت كأن يضربه في بطنه فتنفذ لظهره وبالعكس فيتعدد الثلث الواجب فيكون فيها دية جائفتين، وكضربه في جنبه فينفذ للجنب الآخر. انتهى. قوله: فينفذ لظهره وبالعكس أي بأن تخرج من الظهر في الأولى ومن البطن في الثانية، قال الشبراخيتي: وتعدد الثلث الواجب بجائفة نفذت أي يتعدد بتعدد جهتي النفوذ، كما لو وصلت الطعنة من البطن للجوف ثم خرجت من الظهر مثلا. انتهى. وقال التتائي: وتعدد الثلث الواجب بجائفة نفذت على الأصح عند ابن الحاجب، وهو قول مالك، واختاره ابن القاسم وبه أخذ أشهب ومحمد بن عبد الحكم وابن المواز وبه قضى الصديق رضي اللَّه تعالى عنه، وقيل: دية جائفة واحدة والقولان في المدونة واختار اللخمي الثاني. انتهى. ولا يقال: ينبغي للمصنف الإشارة إليه لأنه لا يشير إلا لما قوي عنده من الخلاف. واللَّه تعالى أعلم.

كتعدد الموضحة يعني أنه إذا ضربه فأوضحه موضحتين أو أكثر، فإن الواجب الذي هو نصف العشر يتعدد بتعدد الموضحتين فأكثر، فيكون له دية موضحتين أو أكثر. والمنقلة يعني أن الواجب يتعدد بتعدد المنقلة، فإذا فعل به فعلا نشأ عنه منقلتان أو أكثر فإنه يكون للمجنى عليه دية منقلتين أو أكثر، والآمَّة يعني أن الواجب في الآمَّة الذي هو ثلث الدية يتعدد بتعدد المأمومة، فإذا فعل به فعلا نشأ عنه مأمومتان فأكثر فإنه يكون له دية مأمومتين أو أكثر، إن لم تتصل يعني أن الواجب في الموضحة والمنقلة والمأمومة إنما يتعدد بتعدد الشِّجَاج الذكورة حيث لم تتصل بأن لم يتخرق الجلد كله، بل تخرق بعضه وتخرق بعض آخر منه وكان الذي تخرق اتضح العظم منه، أو نقل أو نشأت عنه مأمومة وبقي البعض الذي لم يتخرق حاجزا بين المتخرقين فأكثر، فهذا هو محل التعدد. وأما لو انكشط الجلد كله بحيث صار ذلك موضحة واحدة أو منقلة واحدة أو مأمومة واحدة فإنه لا يتعدد الواجب بل فيه دية موضحة واحدة أو منقلة واحدة أو مأمومة واحدة. ولهذا قال: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك من عدم الاتصال بأن اتصلت؛ بأن تخرق الجلد كله ولم يبق منه حاجز فلا يتعدد الواجب، بل فيه دية موضحة واحدة أو منقلة واحدة أو آمَّة واحدة.

ص: 158

وإن بفور في ضربات الباء للظرفية وفي سببية؛ يعني أنه إذا تخرق الجلد كله ولم يكن حاجز فإنه لا تعدد، ولو كان ذلك حاصلا من ضربات في فور وما قبل المبالغة هو ما إذا تعدد بضربة واحدة، وأما إذا تعدد ذلك وكان متصلا بضربات أو ضربتين من غير فور فلكل واحدة حكمها، والحاصل أنه إن لم يتصل ما ذكر تعدد الواجب كان ذلك بضربة أو بضربات أو بضربتين في فور أولا، وأما إن اتصل فإن كان بضربة أو في فور فلا تعدد وإلا تعدد. قال المواق: قال ابن شأس: لو انخرق ما بين الجائفتين لكان فيهما دية جائفة واحدة كالموضحة لعظم، فتكشف من قرنه إلى قرنه وإن كان ذلك من ضربات، إلا أنه في فور واحد وكذلك المأمومة والمنقلة؛ وأما إن لم ينخرق الجلد حتى يتصل ذلك ولو كانت ضربة واحدة حتى تصير تلك الضربة مواضح، فإن كان ما بين ذلك ورما أو جرحا لا يبلغ العظم، أو صارت الضربة مناقل وما بين المناقل مثل ذلك وصارت الضربة موائم وما بينها مثك ذلك لم ينخرف ذلك فله دية تلك المواضح والمناقل والموائم. انتهى.

وقال عبد الباقي: إن لم تتصل تلك المذكورات ببعضها بل كل واحدة منها منفصلة عن الأخرى فتتعدد بتعدد كل، وهذا راجع لما بعد الكاف وإلا بأن اتصل ما بين الموضحتين والمنقلتين والآمتين فلا تتعدد الدية، بل دية واحدة وإن بفور في ضربات الأوجه، وإن بضربات في فور إذ الضرب ليس ظرفا للفور بل الأمر بالعكس، وأجيب بأن الباء للظرفية وفي للسببية وما قبل المبالغة هو ما إذا تعدد بضربة واحدة، وأما إذا تعددت بضربات كل ضربة في زمن من غير فورية فلكل واحدة حكمها اتصلت أم لا، والاتصال في الموضحة أن يكون ما بين الموضحتين بلغ العظم أي أوضحه حتى صار شيئا واحدا. انتهى. وفي الآمتين أن يفضى ما بينهما إلى أم الدماغ.

وقال الشبراخيتي: كتعدد الموضحة والمنقلة والمأمومة، فيتعدد الواجب بتعدد كل منها إن لم تتصل، بأن بقي بينهما شيء من جلد الرأس سالما من ذلك ولم تصر جرحا واحدا، وإلا أي بأن اتصلت وصارت جرحا واحدا فلا يتعدد الواجب فيها بل دية جرح واحد، ثم قال: والاتصال في الموضحة أن يكون ما بين الموضحتين بلغ العظم أي أوضحه حتى صارتا شيئا واحدا، وما بين المنقلتين طار فراش العظم من الدواء، وما بين الآمتين أفضى للدماغ حتى صار كل شيئا واحدا كذلك. انتهى كلام الشبراخيتي.

ص: 159

وتحصل مما مر أن معنى عدم الاتصال أن يكون بين الموضحتين -مثلا- حاجز، وأن معنى الاتصال أن تصير الشجاج شجة واحدة واسعة. واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيه:

قد مر عن عبد الباقي أن قوله: "إن لم تتصل" راجع لما بعد الكاف وقال مصطفى: إنه راجع لما قبل الكاف كما صرح به ابن شأس، قال البناني: لا يتصور رجوعه لما قبل الكاف في كلام المصنف وهو نفوذها من جهة إلى أخرى، نعم تتعدد الجائفة في جهة واحدة كتعدد الموضحة فيما ذكره، قال ابن عرفة: وتتعدد المواضح ببقاء فصل بينها ثم يبلغ غايتها ولو جرح أو ورم، ولو كانت بضربة واحدة وتتعدد بعدمه ولو عظمت في ضربات في فور واحد وكذا المنقلة والمأمومة والجائفة. انتهى. ومثله في المواق عن ابن شأس. انتهى. وقد مر ذلك.

ولما فرغ من الكلام على الدية الكاملة في النفس شرع فيما تجب فيه الدية كاملة من غيرها وهو ضربان: منافع وذوات، وقدم الكلام على المنافع، وبدء منها بالعقل لأنه أشرف ما في الآدمي فقال: والدية في العقل يعني أن من فعل بشخص فعلا أذهب به عقله فإنه تجب عليه له الدية كاملة، قال المواق: قال ابن شأس: إذا أزال عقله بالضرب فدية واحدة. ابن رشد: وإن نقص بعضه فبحساب ذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: والدية في زوال العقل كله، قال اللخمي: ولو جن من الشهر يوما وليلة كان له جزء من ثلاثين جزءا من الدية، وإن جن النهار دون الليل أو بالعكس كان له جزء من ستين جزءا. انتهى. وقال التتائي: والدية في زوال العقل كله. ابن رشد: فإن نقص فبحسابه. اللخمي: تجب لكونه مطبقا لا يفيق، وإن ذهب وقتا فله من ديته بقدره إن ذهب يوما، وليلة من الشهر فله عشر ثلثها، وإن ذهب ليلة دون نهارها فله نصف عشر ثلثها، وإن ذهب يوما بعد يوم فله نصفها، وإن كان يذهب من ذلك اليوم ليله دون نهاره أو عكسه فله ربعها، وإن لازم ولم يذهب جملة ومعه شيء من تمييز فله بقدر ما ذهب، يقوم عبدا سليم العقل، فإن قوم بمائة قوم فقيده لا تمييز عنده، فإن قوم بعشرين كان مناب عقله ثمانين ثم يقوم على هذه الصورة من العقل، فإن قوم بأربعين فعلى الجاني ثلاثة أرباع الدية، وهل محل العقل القلب؟ وهو قول مالك وأكثر أهل الشرع، أو الرأس؟ وهو قول أبي حنيفة وابن الماجشون وأكثر الفلاسفة، وينبني عليهما لو أَمَّهُ فذهب عقله فله على الأول دية العقل كاملا

ص: 160

وثُلُثٌ دِيَةُ المأمومة، وعلى الثاني له دية العقل فقط، واتفقا على أنه لو قطع يده أو رجله أو نحوهما فذهب عقله لتعددت. انتهى. وقضى عمر رضي الله عنه بالدية في العقل. قاله الخرشي. أو السمع يعني أنه إذا فعل شخص بأحد شيئا أذهب به سمعه فإنه تجب عليه الدية كاملة، قال الشبراخيتي: أو زوال السمع، وعطفه وما بعده بأو دون الواو ليلا يتوهم أن في جميعها دية واحدة. أشهب: إن سمع بأذن كالأذنين فكالبصر وإلا فكاليد والرجل. قاله التتائي.

أو البصر يعني أن الدية لازمة في إذهاب البصر فإذا فعل به فعلا أذهب به بصره فإنه تلزمه له الدية كاملة، قال المواق: قال ابن شأس: في إبطال البصر من العينين -مع بقاء الحدقتين- كمال الدية. انتهى.

أو النطق يعني أن من فعل بشخص فعلا أذهب به نطقه تجب له الدية عليه كاملة، والنطق: صوت بحروف. قوله: "أو النطق" أي أزاله كله، وإن بقي في اللسان فائدة الذوق ومعونة المضغ. أو الصوت يعني أنه إذا فعل به فعلا أذهب به صوته فإنه تجب له عليه الدية كاملة. ابن عبد السلام: لما كان النطق أخص من الصوت لم يلزم من ذهاب النطق ذهاب الصوت، فإذا ذهب الصوت بعد ذلك فدية أخرى. قاله التتائي. وقال الشبراخيتي: أو زوال الصوت وهو هواء منضغث يخرج من داخل الرئة إلى خارجها، كان بحرف أم لا، فإذا ضربه ضربة ذهب فيها نطقه وصار يصوت فقط ثم ضربه ضربة ذهب فيها صوته فإن عليه ديتين. انتهى.

وعلم من هذا أنه إذا ذهب الصوت والنطق معا فدية واحدة، وإن ذهب كلامه وبعض صوته فله دية تامة، وإن ذهب نصف كل منهما فثلاثة أرباع الدية لأن له نصفها عن نصف كلامه، وسقط ما يقابله من الصوت وهو نصفه، وبقي نصف الكلام ذهب منه نصف الصوت فله بما ذهب من صوته ربع الدية. ذكره في التوضيح. واللَّه تعالى أعلم. وفي بعض النسخ وهي للمواق: أو البصر أو الشم أو النطق أو الصوت، وقال عند قوله:"أو الشم": ابن عرفة: في الأنف الدية كاملة، وأما الشم فقال أبو الفرج: فيه الدية كاملة، وروى أبو الفرج: فيه حكومة. انتهى.

أو الذوق يعني أن في إذهاب الذوق الدية كاملة، والذوق قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان يدرك به الطعوم لمخالطة اللعابية التي في الفم ووصولها إلى العصب. قاله عبد الباقي

ص: 161

وغيره. وقال المواق: قال اللخمي: في الذوق الدية قياسا على الشم، ونقله ابن زرقون عن ابن رشد. انتهى. وقال عبد الباقي بعد قول المصنف "والدية في العقل أو السمع أو البصر أو النطق أو الصوت أو الذوق" ما نصه: وسواء كان ذهاب ما ذكر بجرح أو أكل أو شرب أو فعل من الأفعال حتى ذهب: كما في الشادلي، والمراد ذهاب كل نوع بتمامه فإن ذهب بعضه فبحسابه من الدية، ثم قال: وما ذكره المصنف من الديات إنما هو في الحر، وأما إذا كان المجني عليه عبدا فعلى الجاني ما نقصه من قيمته، ولم يذكر اللمس وهو قوة منبثة أي مفروشة ومنتشرة في جميع البدن يدرك بها الحرارة والرطوبة وضديهما أو نحوهما عند الملامسة والاتصال به، وظاهر صنيعه أن فيه حكومة، إذ لم يذكره فيها فيه شيء مقدر، وفي الشفتين وعظم الصدر الدية على أحد القولين، وفي الدامغة ثلث الدية.

أو قوة الجماع يعني أن من فعل بشخص فعلا أذهب به قوة الجماع منه بأن أبطل إنعاظه تجب عليه الدية كاملة له، قال عبد الباقي: أو فعل به فعلا أبطل قوة الجماع أي أفسد إنعاظه ولا تندرج في دية الصلب، وإن كان قوة الجماع فيه فعليه ديتان في ضرب صلبه فأبطله وجماعه. وقال التتائي: أو زوال قوة الجماع. اللخمي: بأن يفسد إنعاظه ففيه الدية. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو زوال قوة الجماع لمساواته لقطع الذكر والأنثيين. اللخمي: بأن يفسد إنعاظه أي لشيء أطعمه له أو سقاه أو بضربة ونحوها. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: إذا أذهب الجماع ففيه الدية. قاله ابن زرقون عن المذهب. انتهى. ونحوه للخرشي.

أو نسله يعني أن من فعل بشخص فعلا أبطل به نسله تجب عليه له الدية كاملة، قال التتائي: أو قطع نسله. اللخمي: وإن لم يفسد إنعاظه وكان يمني. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو قطع نسله. اللخمي: وإن لم يفسد إنعاظه وكان يمني أي إذهاب قوة الولادة في الذكر والأنثى. انتهى. وقال الخرشي: أو فعل به فعلا ذهب بسببه نسله. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: إذهاب النسل، قال اللخمي: فيه الدية. انتهى. وقوله: "أو قوة الجماع" قال ابن الحاجب: ويحلف. التوضيح: ولا أعلم فيه خلافا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 162

أو تجذيمه يعني أن من فعل بشخص فعلا حصل بسببه له الجذام تجب له عليه دية كاملة قال الخرشي: وظاهره ولو تجذيم البعض، وقال الشبراخيتي: أو تجذيمه وإن لم يعم جسده، ونحوه لعبد الباقي. أو تبريصه يعني أنه إذا فعل به فعلا حصل له منه البرص تجب له عليه دية كاملة وإن لم يعم جسده. قاله غير واحد. أو تسويده يعني أنه إذا فعل به فعلا سوده به أي أعتراه منه لون السواد، فإنه تجب له عليه دية كاملة وإن لم يعم جسده ففي كل واحد من هذه الثلاث الدية كاملة، ولو جذمه وسوده فيظهر أن عليه ديتين. قاله بعض الأشياخ. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: أو تسويده وإن لم يعم فيما يظهر خلافا لأحمد لأنه نوع من البرص، فإن جذمه وسوده فديتان فيما يظهر. انتهى. وقال الخرشي: وظاهره -يعني المصنف- ولو تسويد أو تبريص أو تجذيم البعض، وانظر لو جذمه وسوده ويظهر أن عليه ديتين. وقال التتائي: أو تجذيمه أو تبريصه أو تسويده أي فعل به ما حصل به واحد منها فالدية كاملة فيه. انتهى. وقال المواق: اللخمي: تجب الدية إذا جذمه أو برصه أو سقاه ما سود جسمه. انتهى. وقال في الميسر: بأن سود جلده، وقيل يقيد هذا وسابقه بما في الوجه؛ إلا فحكومة. انتهى.

أو قيامه وجلوسه الواو في قوله: "وجلوسه" بمعنى مع؛ يعني أن من فعل بشخص فعلا ذهب بسببه قيامه مع جلوسه؛ بأن أذهبهما معا فصار ملقى تجب عليه له دية كاملة وفي أحدهما فقط حكومة: هذا هو ظاهر المصنف. وقال عبد الباقي: أو قيامه وجلوسه معا وكذا قيامه فقط على المعتمد، خلافا لما في الشارح، وأما جلوسه فقط فحكومة يعني في مفهومه تفصيل، فإن أذهب بعض كل فالظاهر حكومة. انتهى. قوله: فإن أذهب بعض الخ تأمله، فإن الذي في ابن الحاجب: ثم ما نقص فبحسابه أي على كل قول، فعلى الأول وهو أن في مجموعهما الدية يعتبر النقص من مجموعهما، وعلى الثاني وهو أن في القيام بانفراده الدية يعتبر النقص منه. انظر التوضيح.

وقال الشبراخيتي: أو إزالة قيامه وجلوسه معا بأن صار ملقى، وكذا قيامه فقط كما قال ابن القاسم، وأما جلوسه فقط ففيه الحكومة خلافا لقول التتائي أن فيه الدية، وسواء كان زوال شيء مما ذكر بجرح أو بغيره. انتهى. وقال التتائي: قال ابن القاسم: تجب الدية إذا قعد ولم يقدر

ص: 163

على القيام، مثل اليد إذا شلت، وأما إن مشى فأصابه من ذلك حدب أو عثل فإنما فيه الاجتهاد. وقال أشهب: إذا أقعد فلم يقدر على القيام فالدية وما نقص فبحسابه. انتهى. اللخمي: وقيل إن الدية تجب إذا انطوى أي صار كالراكع، واختار وجوبها إذا أبطل جلوسه وقدر على المشي بانحناء وإن لم يصر كالراكع، وكذلك إذا أفسد قيامه وصار كالراكع وكان يقدر على الجلوس. نقله في التوضيح.

ولما فرغ من الكلام على المنافع تكلم على الذوات، فقال: أو الأذنين يعني أن في إذهاب الأذنين الدية كاملة، وإن لم يذهب السمع هذا صححه ابن الحاجب. وتبعه المصنف، والمشهور كما في ابن عرفة وهو مذهب المدونة عدم الدية ففيهما الحكومة حيث لم يذهب السمع. قاله غير واحد. وقال عبد الباقي: مذهب المدونة أن فيهما حكومة إن لم يذهب سمعه وإلا فالدية. انظر الدميري. وفي الشفتين الدية. انتهى. وقال التتائي: أو الأذنين في إزالة أشرافهما الدية، قال ابن الحاجب: على الأصح ومقابله في المدونة والموطإ: لا تجب فيهما الدية إلا مع السمع والقولان لمالك. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو أشراف الأذنين من غير ذهاب السمع، والمذهب أنه لا دية فيهما وإنما فيهما حكومة، واعترض ابن عرفة تصحيح ابن الحاجب بأنه خلاف المشهور. انتهى. وقال الخرشي: والمعنى أن من فعل بشخص فعلا أذهب به أذنيه فإنه يلزمه دية كاملة، والمؤلف تبع في هذا تصحيح ابن الحاجب وهو الذهب، لما في كتاب النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو بن حزم:(وفي الأذن خمسون)

(1)

وإن كان مذهب المدونة خلافه، وأن فيهما حكومة ولا دية فيهما إلا إذا ذهب السمع. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: ويكفي هذا شاهدا للمصنف وابن الحاجب. واللَّه تعالى أعلم.

وقال المواق: قال ابن شأس: الأذنان في كل واحدة نصف الدية في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى ليس فيهما سوى حكومة. ابن عرفة: ثالث الأقوال أن في الأذنين حكومة مطلقا وهذا هو المشهور، وفي الموطإ: بلغني أن في الأذنين إذا ذهب سمعهما الدية كاملة، اصطلمتا أو لم تصطلما.

(1)

الموطأ، كتاب العقول، رقم الحديث، 1.

ص: 164

ومن المدونة: إنما الدية كاملة في السمع لا في الأذنين. ابن رشد: إنما الدية في السمع لا في الأذنين إن ذهبتا والسمع باق فإنما فيهما حكومة. انتهى كلام المواق. واللَّه تعالى أعلم. وفي الكافي أن في أشراف الأذنين روايتين عن مالك: الدية والحكومة. انتهى. وشهر المصنف الأول لما في كتاب عمرو بن حزم: وفي الأذن خمسون، وحقيقة الأذن في العضو لا في المنفعة، فلو ردت بعد زوالها فعادت لهيئتها فعلى الحكومة لا دية لها، وعلى أنه يجب فيها نصف الدية يلزم وإن عادت كالسن. كذا في التوضيح.

أو الشوى والشوى جلدة الرأس؛ يعني أنه إذا أزال الشوى فإنه تلزمه الدية كاملة، فإن أذهب بعضها فبحسابه، وتفسير الشوى بجلدة الرأس هو المتعين هنا وبه فسر الشارح والمواق، وأصله في التوضيح. واللَّه تعالى أعلم.

أو العينين يعني أن في إذهاب العينين الدية أي أذهب البصر مع العينين، وهذا غير مكرر مع قوله:"أو البصر" لأنه هناك ذهب نور العين فقط والحدقة قائمة وهنا ذهب نور العينين مع ذهاب العينين، فأتى بهذا ليفيد أنه إذا ذهبت العين بنورها فإنما فيه الدية فقط لا دية وحكومة، فهو كما إذا ذهب نورها فقط. قال عبد الباقي: أو العينين وهذا غير مكرر مع قوله: "أو البصر" لأن الذاهب هناك البصر خاصة والعين مفتوحة، وهنا أغلقت الحدقة مع ذهاب البصر، فأتى بهذه للإشارة إلى أن فيما ذكر الدية خاصة لا دية وحكومة وإن كان يعلم مما سيأتي. انتهى. ونحوه لغير واحد، وقال التتائي: وفي زوال العينين معا الدية طمستا أو برزتا أو ذهب نورهما وبقي جمالهما، وفي ذهاب جمالهما بعد ذلك حكومة. انتهى. فتحصل أن هذا في ذهاب نور العين مع ذهابها، وما مر في ذهاب نور العين مع قيامها. واللَّه تعالى أعلم.

أو عين الأعور يعني أن في إذهاب عين الأعور الدية، سواء طمست أو ذهب نورها وجمالها باق ففيها الدية كاملة، وفي ذهاب جمالها بعد ذهاب نورها حكومة. قال الخرشي: وكذلك تجب الدية كاملة على من فعل بشخص فعلا ذهب بسببه عين الأعور الباقية، وسواء طمست أو برزت أو ذهب نورها وجمالها باق وفي ذهابه بعد ذلك حكومة. انتهى.

ص: 165

وإنما كان في عين الأعور الدية كاملة لأجل ما ورد في ذلك من السنة لقول ابن شهاب: هي السنة وبه قضى عمر وعثمان وغيرهما لا لانتقال البصر إليها لأنه خلاف مذهب أهل السنة؛ لأن البصر عرض والعرض لا ينتقل. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: أو عين الأعور فيها دية كاملة للسنة، به قضى عمر وعثمان وعلي وابن عباس، وقاله ابن المسيب وسليمان بن يسار. وقال ابن شهاب: بذلك مضت السنة كما نقله عنه ابن المواز على ما حكى في النوادر ابنُ عبد السلام: ظاهر السنة مع المخالف، لما في كتاب عمرو بن حزم أي لعمومه؛ إذ لم يخص عين صحيح ولا أعور لكن ابن شهاب أعلم بالسنة. انتهى. وقال المواق: قال ابن شأس: في إحدى العينين إذا فقئت نصف الدية وفي عين الأعور الدية كاملة، ومن المدونة: ليس الدية في شيء واحد مما هو زوج في الإنسان مثل اليدين والرجلين إلا في عين الأعور فقط، لما جاء فيه من السنة، وإنما في كل واحد من ذلك نصف الدية. انتهى.

بخلاف كل زوج يعني أن كل زوج في الإنسان غير العينين حكم الباقي منه ليس كحكم عين الأعور، فإن الواجب في إذهاب الباقي من أحدهما نصفه أي نصف ما في الزوج ولو خلق كذلك، قال الشبراخيتي: بخلاف كل زوج في البدن كاليدين والرجلين مما فيه جمال ومنفعة، وأما ما فيه جمال دون منفعة كالحاجبين والهدبين فليس فيه إلا حكومة، فإن في ذهاب الباقي من أحدهما نصفه أي نصف ما في الزوج ولو خلق كذلك وهو مخرج من عين الأعور. انتهى.

وقال عبد الباقي: وأخرج من قوله: "أو عين الأعور" قوله: "بخلاف كل زوج" فإن في أحدهما نصفه أي نصف الواجب في الزوج أي نصف ديته؛ إذا لم يكن له إلا يد أو رجل واحدة جُني عليها. انتهى. والحاصل أن كل زوج فيه الدية كاملة كاليدين والرجلين والأنثيين والأذنين على إحدى الروايتين في قطع الباقي منه نصف الواجب فيه أي في الزوج، وأحرى الأول منه. وأما العينان ففي الأولى منهما نصف الدية وفي الباقية منهما دية كاملة، فقوله:"في أحدهما" أي الواجب في أحدهما الباقي إنما هو نصف الواجب في الزوج وأحرى الأول منهما.

قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: الضمير في "أحدهما" عائد على المزدوجين وهما الزوج، وقد علمت أن المراد بأحدهما الباقي، وأما الأول فمن باب أحرى لأن ذلك حتى في العينين اللتين إذا

ص: 166

فُقِئت إحداهما كان في قلعها الدية كاملة، فتحصل أن في استئصال الزوج معا الدية كاملة، وأن في الأول منه نصف الدية وفي الباقي كذلك، إلا في العينين فإن في الباقية منهما الدية كاملة. واللَّه تعالى أعلم.

وفي اليدين يعني أن في قطع اليدين أي إزالتهما الدية كاملة متعلقة بالأصابع، قال الخرشي: وكذلك تجب الدية على من قطع يدي شخص من الأصابع من العضد أو أزال منفعتهما مع بقائهما. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي اليدين الدية سواء قطعتا من المنكب أو من المرفق أو الأصابع أو أزيلت منفعتهما بكسر أو غيره مع بقائهما. انتهى. ونحوه للتتائي.

والرجلين يعني أن في قطع الرجلين أي إذهابهما الدية كاملة متعلقة بالأصابع، قطعتا من الوركين أو من الركبتين أو الكعبين أو الأصابع، وكذلك لو أزيلت منفعتهما مع بقائهما. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي اليدين والرجلين سواء قطع كل منهما أو أبطلت منفعته بكسر أو غيره كرعشة، وأما إن قطع الأصابع أو مع الكف فأخذت الدية ثم حصلت جناية عليهما بعد إزالة الأصابع فحكومة، سواء قطع اليد من الكوع أو من المرفق أو المنكب والرجل إلى الورك كذلك، انتهى. وقال المواق: ابن شأس: في اليدين مع الكفين كمال الدية والرجلان كاليدين. انتهى. وفي المدونة: ومن ذهب سمع إحدى أذنيه فضربه رجل فأذهب سمع الأخرى فعليه نصف الدية، وليست الدية في شيء واحد مما هو زوج في الإنسان مثل اليدين والرجلين وشبههما إلا عين الأعور وحدها لما جاء في ذلك من السنة، وإنما في كل واحد من ذلك نصف الدية سواء ذهب أولا أو آخرا. انتهى. وتحصل مما مر أن قطع الأصابع فيه الدية، وما بقي بعدها في قطعه حكومة وأنه يندرج ما فوق الأصابع في الأصابع إن قطع ذلك معا. واللَّه تعالى أعلم.

ومارن الأنف يعني أن في إزالة مارن الأنف الدية كاملة، قال التتائي: وفي إزالة مارن الأنف الدية كاملة وهو ما لان منه دون العظم، ويقال له أيضا: الأرنبة، قال المصنف: ويقال لها الروثة أي براء مهملة فواو فثاء مثلثة، والذي في الصحاح: الروثة طرف الأرنبة وبوجوب الدية في المارن، قال الفقهاء السبعة: وقول ابن الحاجب: على الأصح مقابله، إنما يجب فيه إذا قطع من أصله. انتهى. قوله: وبوجوب الدية في المارن، قال الفقهاء السبعة: قضى رسول اللَّه صلى اللَّه

ص: 167

عليه وسلم بذلك، وقاله علي رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز. انظر الرهوني. وقال المواق: من المدونة: في الأنف الدية كاملة قطع من المارن أو من أصله.

والحشفة يعني أن في إزالة الحشفة الدية كاملة، قال في المدونة: في الأنف الدية كاملة قطع من المارن أو من أصله كالحشفة فيها الدية كما في استئصال الذكر. انتهى. وقال الشبراخيتي: وفي الحشفة وهي رأس الذكر كما لو قطع من أصله. انتهى. وقال الخرشي: وكذلك تجب الدية على من قطع رأس ذكر إنسان دون قصبته. انتهى. وفي بعضهما بحسابها يعني أنه إذا أزال بعض حشفته أو بعض مارنه فإنه يقاس من الحشفة لا من أصل الذكر، فما نقص منها فله بحسابه من الدية، ويقاس من المارن لا من أصل الأنف، فما نقص منه فبحسابه من الدية، فالضمير في بعضهما عائد على المارن والحشفة والضمير، المؤنث الفرد في بحسابها عائد على الدية. قال عبد الباقي: وفي بعضهما بحسابها أي الدية قيس منها أي من المارن والحشفة، فإذا قطع بعض واحد منهما قيس مما فيه الدية منه لا يقاس من أصله أي ما ذكر من المارن والحشفة، وأصل الأول الأنف والثاني الذكر لأن بعض ما فيه الدية إنما ينسب إليه لا إلى أصله. انتهى. وقال الشبراخيتي: وفي قطع بعضهما أي المارن والحشفة بحسابها أي الدية، ولو ذكره ليرجع إلى العضو لكان أظهر. وقال في الحاشية: فبحسابها أي البضعة المقطوعة منهما أي من المارن والحشفة، فإذا قطع بعض واحد منهما قيس مما فيه الدية لا من أصله أي المذكور. انتهى. وقال المواق عن المدونة: وإذا قطع بعض الحشفة فمن الحشفة يقاس لا من أصل الذكر فما ينقص منها ففيه بحسابه من الدية، وكذلك ما قطع من الأنف إنما يقاس من المارن لا من أصله. انتهى.

وفي الأنثيين مطلقا يعني أنه تجب الدية في إذهاب الأنثيين مطلقا، سواء سلهما أو قطعهما أو رَضَّهُما. ولو قطع الذكر والأنثيين فديتان ولو في مرة واحدة، وهذا إن فعل ذلك بحر، فإن فعله بعبد ففي الشامل: ولو جب عبدا أدب في العمد ولا غرم إن لم ينقصه، وتقدم في الغصب فيما لا ضمان فيه على الغاصب أو خصاه، فلم ينقص أي فإن نقصه غير الغاصب غرم نقصه ويحتمل قيمته، وسيأتي في العتق أنه يعتق بالحكم على مالكه إن فعل به ذلك للشين، لقوله:"إن عمد لشين برقيقه". قاله عبد الباقي. وفي إحدى الأنثيين نصف الدية سواء اليسرى واليمنى في ذلك،

ص: 168

وكذلك الشفتان في كل واحدة منهما نصف الدية سواء السفلى والعليا في ذلك ونقل في المقدمات عن ابن المسيب أن في يسرى الأنثيين ثلثي الدية، وفي المدونة: ولو قطعتا مع الذكر فديتان وإن قطع أحدهما من فاقد الآخر فدية تامة. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وفي الأنثيين الدية مطلقا سواء سلتا أو قطعتا أو رُضَّتا، قطعتا قبل الذكر أو بعده، كان الذكر موجودا أولا، وفي إحداهما نصف الدية واليمنى واليسرى عند مالك سواء، وقال ابن حبيب: في اليسرى الدية كاملة لأن النسل منها خاصة وإن قطعتا مع الذكر فديتان، ولو قطعهما في مرة واحدة كما ذكره المواق عند قوله:"إلا المنفعة بمحلها". انتهى. ونحوه للخرشي وغيره.

وفي ذكر العنين قولان يعني أنه اختلف في ذكر العنين على قولين، فعن مالك فيه دية كاملة وبه قال ابن حبيب، وقيل حكومة وهو كذلك في مختصر الوقار. قال عبد الباقي: وفي ذكر العنين وهو ما لا يتأتى له به جماع لصغره أو لعدم إنعاظه لكبر أو علة عن جميع النساء قولان في الحكومة والدية وهو الراجح، كذكر معترض عن بعض النساء اتفاقا، وفي ذكر الخنثى المشكل نصف دية ونصف حكومة. انتهى. وقال التتائي: واختلف في ذكر العنين، فعن مالك: فيه دية كاملة، وبه قال ابن حبيب: وقيل: حكومة وهو كذلك في مختصر الوقار قولان. والعنين هو الذي له ذكر صغير لا يتأتى به الجماع وقد يطلق على المعترض. قال الش: ظاهر كلام بعض الأشياخ أنه من له ذكر صغير يأتي به النساء.

قال في الذخيرة: للذكر ستة أحوال الدية في ثلاثة وسقوطها في واحدة، ويختلف في اثنتين فالثلاثة قطعه أو قطع الحشفة وحدها أو إبطال النسل منه بطعام أو شراب وإن لم يبطل الإنعاظ، وتسقط إذا قطع بعد الحشفة وفيه حكومة، ويختلف إذا قطعه ممن لا يصح منه النسل وهو قادر على الاستمتاع أو عاجز عنه والشيخ الكبير، ولمالك في العنين والذي لم يخلق له ما يصيب به النساء قولان. انتهى كلام التتائي. واعترض الرماصي على التتائي في إدخاله الشيخ الكبير في

ص: 169

التقسيم، ونقل البناني كلام الذخيرة: للذكر ستة أحوال تجب الدية في ثلاثة وتسقط في واحدة ويختلف في اثنتين، فالثلاثة قطعه جملة أو قطع الحشفة وحدها أو أبطل النسل منه إلى آخر ما مر، ثم قال: وأصله للخمي وحكاه عنه ابن عرفة، وعطف الشيخ الكبير على العاجز من عطف الأخص على الأعم لشمول العاجز له وللعنين والحصور، وبه تعلم ما في اعتراض مصطفى على التتائي في إدخاله الشيخ الكبير في التقسيم. واللَّه أعلم. انتهى كلام البناني.

وقال الرهوني: تنبيه: الذي يجب اعتماده في ذكر الشيخ الكبير وجوب الدية كاملة، وإن قلنا أنه في كلام اللخمي من القسم المختلف فيه لأن الخلاف فيه عنده مخرج فقط، ولأن غير واحد من الأئمة اقتصر عليه كالشيخ أبي محمد في نوادره، ونقله عنه ابن مرزوق وسلمه ونصه في النوادر: قال ابن حبيب: إن عطاء قال: في ذكر الذي لا يأتي النساء دية كاملة، وكذلك ذكر الشيخ الكبير الذي ضعف عن النساء. وقاله مطرف وابن الماجشون عن مالك. انتهى منه بلفظه. وكأبي الوليد الباجي في المنتقى. انتهى المراد منه. واللَّه تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي: وفي ذكر العنين وهو من له آلة لا يتأتى بها الجماع إما لصغر أو كبر أو لعلة وهو المعترض والحصور قولان، الدية كما قال مالك وهو المعتمد، والحكومة كما في مختصر الوقار، ومحل الخلاف في المعترض إذا كان معترضا عن كل النساء، وأما إن كان معترضا عن بعضهن ففيه الدية اتفاقا، والراجح أن ذكر الخصي فيه الدية. انتهى.

وفي شُفْرَي المرأة إن بدا العظم يعني أنه إذا أزال شفري المرأة حتى بدا أي ظهر العظم فإنه تلزمه الدية كاملة لها، قال عبد الباقي: والدية في شفري المرأة إن بدا العظم من فرجها وإلا فحكومة، والشفران بشين مضمومة معجمة ففاء ساكنة: اللحمان في جانبي الفرج المحيطان به المغطيان له، وشفر كل شيء حرفه، وفي أحدهما نصفه. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: شفري المرأة قال الأخوان: إن سلتا حتى بدا العظم ففيهما الدية هما أعظم من ذهاب ثدييها. انتهى. وقال التتائي: وفي شفري المرأة إن بدا العظم، قضى بذلك عمر رضي الله عنه. انتهى.

ص: 170

وفي ثدييها يعني أن الدية لازمة في إزالة ثديي المرأة، قال الشبراخيتي: وفي ثدييها إذا قطعا من أصلهما ولو عجوزا. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي قطع ثدييها أي المرأة الدية مطلقا. انتهى. يعني سواء بطل اللبن أم لا.

أو حلمتيهما يعني أنه إذا قطع رؤوس الثديين فإنه تلزمه الدية كاملة، بشرط أشار له بقوله: إن بطل اللبن، قال عبد الباقي: وفي قطع ثدييها أي المرأة الدية مطلقا أو حلمتيهما أي الثديين، وفي بعض النسخ حلمتيها بالإفراد أي المرأة الدية إن بطل اللبن شرط في الحلمتين أو أفسد مخرجه أو أفسد اللبن، وكذا إن أفسد ما ذكر بغير قطع، فإن عاد بعد فساده ردت ما أخذت. وقوله:"بطل اللبن" أي بالفعل أو على تقدير أن يكون بها لبن فتدخل العجوز والعقيم، واستظهر ابن عرفة أنه من العجوز كيد شلاء، وفي ثديي الرجل حكومة وهو بفتح المثلثة ويكسر يذكر ويؤنث والتذكير أشهر، وجمعه أثد وثُدِيٌ بضم المثلثة وكسرها، ويكون للمرأة والرجل وأكثر استعماله في المرأة، ومنهم من خصه بها والصواب الأول. انتهى.

وقال التتائي: وفي حلمتيهما بفتح الحاء واللام وهما رأساهما الدية إن بطل اللبن، ومفهوم الشرط إن لم يبطل فلا دية، وقال عبد الملك: الدية، ومفهومه أن لا دية في ثديي الرجل وهو كذلك، ففي المدونة: ليس فيهما إلا الاجتهاد. انتهى. ولو بطل اللبن بغير قطع شيء منهما فالدية. قاله عبد الملك. وقال المواق: قال ابن عرفة: ثديا المرأة في المدونة مع غيرها فيهما الدية وفي كل واحدة نصفها، ومن المدونة: إن قطع حلمتيها فإن كان قد أبطل مخرج اللبن أو أفسده ففيهما الدية. انتهى. وقال الشبراخيتي: قال ابن عرفة: ظاهر أقوالهم أن فساد مخرج اللبن من العجوز كغيره والأظهر أنه كيد شلاء ففيه الحكومة. انتهى.

واستؤنى بالصغيرة يعني أنه إذا قُطع ثديا الصغيرة فإنه يستأنى بها أي ينتظر أمرها إلى اليأس من نبات ثدييها، قال المواق من المدونة: إن قطع ثديا الصغيرة، فإن استوقن أنه أبطلهما فلا تعودان أبدا ففيهما الدية، وإن شك في ذلك وضعت الدية واستؤنى بها كسن الصغير، فإن نبتا فلا عقل لها وإن لم ينبتا أو سُطِرتا فيبستا أو ماتت قبل أن يعلم ذلك منها ففيهما الدية. انتهى. ولو قطع حلمتيهما فإنه يستأنى بها ليختبر هل بطل لبنها أم لا. وفي الشبراخيتي: واستؤنى

ص: 171

بالصغيرة إذا قطع ثدياها وشك في بطلان اللبن، أما مع تيقنه كقطع محلهما من اللحم فلا استيناء. انتهى. قوله:"أو سطرتا" الخ قال في القاموس: السطر القطع بالسيف، ومنه الساطور لما يقطع به والساطر القصاب. وقال عبد الباقي: واستؤنى بالصغيرة التي لم تبلغ إذا قطع ثديها أو حلمتيها

(1)

ليختبر، هل بطل لبنها أم لا؟ والظاهر أن تحققه لا يتوقف على كونها مرضعة ولا كونها ثيبا؛ إذ قد شوهد وجوده في غير المرضع. قاله أحمد. انتهى.

وسن لصغير لم يثغر يعني أنه إذا قلع سن الصغير -والمراد به هنا الذي لم يثغر أي لم تسقط رواضعه- فإنه يستأنى أي ينتظر أمرها إلى أن يحصل اليأس من نباتها فلا يأخذ عقلها الآن في الخطإ، بل يوقف. وعلم مما قررت أن قوله: للإياس راجع للصغيرة والصغير كما قاله غير واحد. لكن الإياس في السن بمضي الأكثر من المعتاد لنباتها وسنة وفي الصغيرة حصول اليأس من غير نظر إلى الزمن.

كالقود يعني أنه كما يستأنى بأخذ الدية في قلع السن خطأ، يستأنى بالقود في قلعها عمدا إلى أن يحصل اليأس من نباتها، فإن حصل اليأس من نباتها بأن مضى المعتاد ومضت سنة اقتص من الجاني في العمد وأخذت الدية في الخطإ، وكذا الحكم لو مات الصبي قبل اليأس فإنه يقتص من الجاني في العمد ويؤخذ منه العقل في الخطإ، فإن لم يمض القدر المعتاد لنباتها روعي إن جاوز سنة، وإلا بأن جاوز القدر الذي تنبت فيه ولم تمض سنة، انتظر بالعقل في الخطإ والقود في العمد سنة أي تمامها، فإن مضت اقتص منه في العمد وأخذت الدية في الخطإ.

وعلم مما قررت أن قوله: "وإلا" راجع لمقدر، وسقطا أي القصاص والدية إن عادت السن لهيئتها ويرد ما كان موقوفا من العقل إلى الجاني، وورثا أي العقل في الخطإ والقصاص في العمد إن مات الصبي قبل عود السن، وفي عود السن أصغر بحسابها يعني أنه إذا عادت السن أصغر من حالتها التي كانت عليها فإنه يؤخذ من الدية بحسابها، فإن نقصت ربعا فربع ديتها أو نصفا فنصف ديتها وهكذا، وقوله:"وفي عود السن أصغر بحسابها" في العمد والخطإ ولا يقوم عبدا فرضا سليما

(1)

كذا في النسخ والذي في عب: ثدييها وحلمتيها. ج 8 ص 37.

ص: 172

ومعيبا كما تقدم، في الحكومة: فإن قوم كذلك وزاد نقص ما بين القيمتين عن دية السن، فالظاهر أنه لا يعطى غير دية السن والظاهر أنها إذا عادت أكبر مما كانت ففيها حكومة.

وتحرير هذه المسألة أن تقول: قلع سن الصغير أي الذي لم يثغر إما أن يكون عمدا أو خطأ، وفي كل إما أن تعود لهيئتها أم لا، فتلك أربع صور. فيستأنى بالقصاص في العمد ويأخذ دية السن في الخطإ، فتوقف ديتها بيد عدل إلى أن يحصل اليأس من نباتها، فإن نبتت وعادت لهيئتها سقط القصاص ورد العقل الموقوف إلى الجاني، وهذا هو قول المصنف:"وسقطا إن عادت"، وإن لم تعد لهيئتها، فإن لم تنبت أصلا فإن مضى الزمان المعتاد لنباتها وقد مضى لقلعها سنة ثبت القصاص في العمد ودفع العقل إلى الصبي، فإن مضى المعتاد لنباتها ولم يمض لقلعها سنة فإنه ينتظر تمام سنة، فلا يقتص منه إلا بعد تمامها ولا يدفع العقل إلا بعد تمامها فقد علمت من هذا أنه ينتظر أقصاهما؛ أي فإن مضت سنة ولم يمض المعتاد لنباتها انتظر بالقود والعقل المعتاد لنباتها، وإن مضى المعتاد لنباتها قبل تمام سنة انتظر بالعقل والقود تمام سنة وإن نبتت السن، إلا أنها لم تعد للهيئة التي كانت عليها المزالة بل عادت أصغر منها، فللصبي من الدية بحساب ما نقص من سنه، إن كان ربعا فله ربع دية سنه أو نصفا فله نصف دية سنه، وهذا في العمد والخطإ كما في المدونة، وقيده بعضهم في العمد بعود ما فيه نفع وإلا اقتص منه. نقله في التوضيح. فإن مات الصبي قبل نبات السن اقتص من الجاني في العمد ووجبت الدية لورثة الصبي في الخطإ مات قبل اليأس أو بعده.

قال الرهوني: في المدونة: فإن لم تعد لهيئتها حتى مات الصبي اقتص منه وليس فيها عقل وهي بمنزلة ما لم ينبت. انتهى منها بلفظها. وقال ابن عرفة: وفيها مع سماع عيسى طرح سن الصغير يوجب وقف عقلها، فإن نبتت رد ولا قود في العمد، وإن لم تنبت أو مات قبل نباتها فالعقل في الخطإ والقود في العمد. انتهى كلام الرهوني. وقال الخرشي: وفيها: من طرح سن صبي لم يثغر خطأ وقف عقله بيد عدل، فإن عادت لهيئتها رجع العقل إلى مخرجه وإن لم تعد أعطى العقل كاملا، وإن هلك الصبي قبل أن تنبت سنه فالعقل لورثته، وإن نبتت أصغر من قدرها الذي قلعت عليه كان له من العقل بقدر ما نقصت، ولو قلعت عمدا وقف له العقل أيضا ولا يعجل

ص: 173

بالقود حتى يستبرأ أمرها، فإن عادت لهيئتها فلا عقل فيها ولا قود، فإن عادت أصغر من قدرها أعطى ما نقصت وإن عادت أكبر فالظاهر أن فيها حكومة، فإن لم تعد لهيئتها حتى مات الصبي اقتص منه وليس فيها عقل، وهو بمنزلة ما لم ينبت. انتهى.

وعلم مما مر أن اليأس يحصل بالأكثر من معتاد النبات أو سنة، وأن الاستيناء بعد أن يوقف العقل بيد عدل، وقيد اللخمي الاتفاق بغير المأمون، وأما الجاني المأمون فلا يوقف.

‌فرع:

قال اللخمي: ولو مات الجاني وقف الأمر حتى ينظر هل يعود أم لا؟ فإن لم يعد أخذت الدية في الخطإ ولا شيء له في العمد لأن القتص منه ذهب، بمنزلة القصاص في النفس فيموت القاتل. انتهى، ونقله أبو الحسن وابن ناجي وسلماه وحو ظاهر. واللَّه أعلم. قاله الرهوني. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق من المدونة: من طرح سن صغير لم يثغر خطأ وقف عقله بيد عدل إلى آخر ما مر عن الخرشي.

ولما كان لزوال ما مر مما فيه الدية علامة يعرف بها زوال كله أو بعضه ومن ذلك العقل، أشار له بقوله: وجرب العقل بالخلوات يعني أنه إذا فعل بشخص فعلا فادُّعِيَ عليه أنه أزال عقله منه، فإنا نراقبه وننظر ما يفعل إذا خلا بنفسه مرارا كما يفيده الجمع، فنختبره بما يغلب على الظن عدم التحيل والتصنع فيه فنستغفله ونَطَّلعُ عليه حيث لا يشعر بنا، هل يفعل فعل العقلاء أم فعل غيرهم؟ ولا يتأتى أن يكون المدعي في هذه إلا الأولياء، فالمراد بقوله:"في الخلوات" حيث يخلو بأن يكون ليس معه أحد. واللَّه تعالى أعلم. وقال البناني: قال ابن عرفة: ابن رشد: إن نقص بعضه فبحسابه. اللخمي: تجب الدية بكونه مطبقا لا يفيق وإن ذهب وقتا فله من ديته بقدره، إن ذهب يوما وليلة من الشهر فله عشر ثلثها؛ يعني جزءا من ثلاثين جزءا وإن ذهب من ذلك اليوم ليله دون نهاره أو عكسه فله نصف عشر ثلثها يعني جزءا من ستين جزءا، وإن ذهب يوما بعد يوم فله نصفها، وإن كان يذهب من ذلك اليوم ليله دون نهاره أو عكسه فله ربعها وإن لازم ولم يذهب جملة ومعه شيء من تمييز فله بقدر ما ذهب يقوم عبدا سليم العقل، فإن قوم بمائة قوم بغيره لا تمييز عنده، فإن قوم بعشرين كان مناب عقله ثمانين ثم يقوم على هذه الصورة من العقل، فإن قوم بأربعين فعلى الجاني ثلاثة أرباع الدية. قال: وابن عبد السلام وابن هارون

ص: 174

من عادتهما نقل كلام اللخمي، وهاهنا لم يتعرضا له ولعله لصعوبة فهمه، ثم قال: والجاري على أحل المذهب تقويمه سليما ثم يقوم بحالته، فبقدر ما بينهما يكون على الجاني من قيمته، فإذا كانت قيمته سليما مائة وقيمته على ما هو عليه أربعون كان على الجاني ثلاثة أخماس ديته. فتأمله. انتهى.

قوله: لصعوبة فهمه يعني على المبتدءين فتركا نقله في شرحيهما لصعوبة فهمه على من يطالع شرحيهما من المبتدئين. واللَّه أعلم. انظر الرهوني. وهذا النقص الجاري في العقل يرجع بحسابه كما عرفت ويجري فيما يأتي أيضا، ثم إن علم حال المجني عليه قبل الجناية فظاهر وإلا حمل على أنه كان كاملا إذ الظالم أحق بالحمل عليه، والمراد بالكمال الوسط، فإن شك أهل المعرفة فيما نقص بالجناية أثلث أو ربع، حمل في العمد على الأول للعلة المذكورة وفي الخطإ على الثاني؛ لأن الذمة لا تلزم بمشكوك فيه.

والسمع بأن يصاح من أماكن مختلفة يعني أن من ادعى ذهاب بعض سمع إحدى أذنيه فإنه يختبر في ذلك، بأن يصاح به من أماكن مختلفات الجهات بعد أن تسد الأذن الصحيحة سدا محكما، كما قال: مع سد الصحيحة يريد ووجه الصائح لوجهه، فإن لم يسمع فإنه يتقرب منه ويصيح به كذلك إلى أن يسمع، ثم تسد تلك الأذن الذاهب بعض سمعها وتفتح الأذن الصحيحة ويصاح به كذلك، ثم ينظر أهل المعرفة ما نقص من سمع أذنه وينسب القدر الذي لم يذهب من المجني عليها لسمع السالمة، ويؤخذ من الدية بتلك النسبة، كما قال: ونسب ما بقي من المجني عليها لسمعه الآخر الكائن في الأذن السالمة بعد أن يحلف على ذلك ولم يختلف قوله، والاختلاف هنا باعتبار الجهات، وأما إن اختلف قوله اختلافا متباعدا فإنه لا شيء له ويكون سمعه هدرا كما سيذكره المصنف فقوله:"والسمع" أي وجرب السمع أي اختبر نقصانه حيث ادعى النقص وصفة الاختبار ما ذكر، وقوله:"بأن" أي بسبب أن يصاح. قاله الشبراخيتي.

والظاهر أن الباء للآلة، وقوله:"من أماكن مختلفة" أي مع هُدُو الريح، والمراد بالأماكن الجهات الأربع، وإلا بأن ادعى ذهاب بعض سمع أذنيه أو ادعى ذهاب بعض سمع إحداهما والأخرى لا سمع لها، فسمع وسط أي فإنه يقضى له بالدية بالنسبة إلى سمع رجل سمعا وسطا لا في غاية

ص: 175

حدة السمع ولا في غاية ثقله، ويكون مثله في السن فيوقف المجني عليه ويصاح به من الجهات الأربع، ثم تجعل علامة على انتهاء سمعه فإذا لم يختلف قوله اختلافا بينا أزيل ووقف الرجل مكانه ويصاح به من الجهات الأربع، ثم تجعل علامة على انتهاء سمعة، وينظر ما نقص من سمعه عن سمع الرجل الوسط، ثم يأخذ المجني عليه نسبة ذلك من الدية.

فقوله وله نسبته راجع لهما أي وله نسبة سمعه الصحيح إن كانت أذنه الأخرى صحيحة، أو نسبة سمع رجل وسط إن كانت الأخرى معيبة، ويقبل قوله في المسألتين إن حلف بأن يقول: هذا غاية ما أسمع -مثلا- وهي يمين تهمة؛ إذ الجاني لا يحقق كذب المجني عليه وإنما يتهمه. قاله الشارح.

وعلم مما قررت أنه إنما يكون له من الدية بالنسبة إلى سمعه الآخر أو إلى سمع رجل وسط بشرطين، أحدهما قوله:"إن حلف"، والثاني قوله: ولم يختلف قوله أي المجني عليه اختلافا متباعدا، وإلا يحلف المجني عليه في المسألتين، أو اختلف قوله في المسألتين اختلافا بَيّنًا فهدر أي لا شيء له. وعلم مما قررت أن قوله:"والسمع بأن يصاح" الخ محله إن ادعى ذهاب بعض السمع لا جميعه؛ إذ لا يتأتى في دعوى ذهاب جميع سمعها ما ذكر، بل يختبر بأن تسد الصحيحة ثم نتغافل عنه حتى نجد منه غفلة فيصاح بصوت عنيف، فإذا فزع علم أنه كاذب. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وجرب السمع الذاهب بدعوى المجني عليه من إحدى أذنيه يعني بعض سمعه كما يأتي له بأن يصاح مع سكون الريح من أماكن مختلفة المشرق والمغرب والجنوب والشمال ووجه الصائح لوجهه في كل جهة، وله أن يبدأ من بُعْدٍ ثم يقرب وعكسه، وكذا يقال في البصر مع سد الصحيحة سدا متقنا ثم يقرب منه أو يبعُد عنه شيئا فشيئا إلى أن يسمع، ثم تسد تلك الأذن وتفتح الأذن الصحيحة ويصاح به كذلك ولو من مكان واحد فيما يظهر، ثم ينظر أهل المعرفة ما نقص من سمع المجني عليها ونسب لسمعه الآخر في الأذن الصحيحة، ويأخذ من الدية بتلك النسبة كما يذكره وإلا يجن عليه في إحداهما بل فيهما، ولكن بقي فيهما بقية أو في إحداهما والأخرى معدومة أو ضعيفة قبل ذلك فسمع وسط أي يقضى له بالدية بالنسبة إلى سمع رجل سمعا وسطا لا في غاية حدة السمع ولا في غاية ثقله، ويكون مثله

ص: 176

في السن فيوقف المجني عليه ويصاح عليه من الجهات الأربع أو يختبر فيها بصوت قوي كطبل وبوق، وتجعل في كل جهة من الأربع علامة على انتهاء سمعه؛ وينظر ما نقص من سمعه عن سمع الرجل الوسط ثم يؤخذ نسبة ذلك من الدية، وهذا إن لم يعلم سمعه قبل ذلك وإلا أُعْطِيَ مثلَه عاليا أو أدنى، وإذا ادعى ذهاب جميعه في الجناية عليهما وأنه لم يبق فيهما بقية فإنه يجرب أيضا بالأصوات القوية كما في ابن مرزوق. انتهى.

وكذا لو ادعى ذهاب جميع سمع إحدى أذنيه كما مر، قال عبد الباقي: وذكر ما يتعلق بقوله: "ونسب لسمعه الآخر"، وبقوله:"فسمع وسط"، فقال: وله نسبته بشرطين إن حلف على ما ادعى انتهاء سمعه إليه وهي يمين تهمة؛ إذ الجاني لا يحقق كذب المجني عليه وإنما يتهمه. قاله الشارح. والثاني لم يختلف قوله في ذلك أو اختلف اختلافا متقاربا وإلا يحلف، أو اختلف قوله اختلافا بينا فهدر لا شيء فيه لأن ذلك يدل على كذبه. انتهى. وقال المواق: والذي لابن يونس عن أشهب: إن اختلف قوله بأمر بين لم يكن له شيء، وقال أصبغ: هذا قول مالك وأصحابه، وقيل: إن اختلف قوله له الأقل. انتهى. وقوله: "ونسب لسمعه الآخر" نائب الفاعل عائد على السمع، في قوله:"والسمع" أي وجرب السمع الناقص، ويصح أن يكون الجار والمجرور نائب الفاعل.

والبصر بإغلاق الصحيحة كذلك يعني أنه إذا ادعى ذهاب بعض بصر إحدى عينيه فإنه يختبر ذلك بإغلاق العين الصحيحة كذلك؛ أي كما مر في تجربة السمع، بأن تبدل عليه الأماكن ثم تغلق المصابة وينظر ما تبصر الصحيحة ثم تقاس إحداهما بالأخرى، فإذا علم قدر النقص كان له بحسابه وقوله:"والبصر بإغلاق الصحيحة كذلك" محله كما قررت حيث ادعى ذهاب بعض نورها، قال البناني عند قوله:"والبصر بإغلاق الصحيحة كذلك" ما نصه: هذا إن ادعى ذهاب بعضه فإن ادعى ذهاب جميعه اختبر بالأشعة التي لا ثبات للبصر معها، ويشار إلى عينيه بعد أن يغفل. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وجرب البصر بإغلاق العين الصحيحة وتبدل عليه الأماكن ثم تغلق المصابة وينظر ما تبصر به الصحيحة، ثم يقاس إحداهما بالأخرى وإذا علم قدر النقص كان له بحسابه،

ص: 177

وهذا إذا كانت الجناية على إحداهما، فإن كانت عليهما فإنه ينسب لبصر وسط، وهذا كله مستفاد من قوله:"كذلك" وما ذكرنا من أنه ينسب لبصر وسط محله إذا لم يعلم حاله قبل الجناية عليه وإلا نسب لا علم. وقوله: "كذلك" مفعول مطلق أي تجريبا مثل ذلك أي مثل تجريب السمع. انتهى. ولقد أحسن المصنف في نسبة السد للأذن والإغلاق للعين لأن العين لا تسد بل تغلق. وقال المواق من المدونة: إذا أصيبت العين فنقص بصرها أغلقت الصحيحة ثم جعل له بيضة أو شيء في مكان يختبر به منها بصر السقيمة، فإذا رآها حولت إلى موضع فإن تساوت الأماكن أو تقاربت قيست الصحيحة ثم أعطي بقدر ما نقصت المصابة من الصحيحة، والسمع مثله يختبر بالأمكنة أيضا حتى يعرف صدقه من كذبه، وإن ادعى المضروب أن جميع بصره أو سمعه ذهب صدق مع يمينه والظالم أحق بالحمل عليه، ويختبر إن قدر على ذلك.

والشم برائحة حادة قد مر أن في الشم الدية، ومشى كلامه أن من فعل بشخص فعلا ادعى عليه أنه أذهب به جميع شمه يجرب أي يختبر برائحة حادة أي منفرة للطبع لعدم الصبر عليها عادة لا سيما مع الطول بقدر ما يختبر فيه، ويعلم ذلك بعطاس أو غيره، وإذا علم منه النفرة أو القرينة الدالة على كذبه أو صدقه عمل على ذلك. انتهى. وعلم مما مر أن محل المصنف حيث ادعى ذهاب جميع الشم، وأما إن ادعى ذهاب بعضه فإنه يصدق بيمين، كمدعي ذهاب بعض الذوق. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وجرب الشم المدعي ذهاب جميعه برائحة حادة أي منفرة للطبع لأنه لا يقدر على ذلك غالبا غيرُه حتى ينفر منها بعطاس ونحوه، خصوصا إن استديم ذلك مقدار ما يختبر فيه، فإن ادعى ذهاب بعضه نسب لشم وسط بعد حلفه لعسر الامتحان. قاله ابن غازي. وتبعه أحمد. فإذا قال: أشم لعشرة أذرع فقط صدق بيمين من غير اختبار بمشموم حاد الرائحة، ونسب لشم وسط لعسر الامتحان كما قال؛ إذ لا يعقل سد الجزء الباقي منه حتى يختبر ما ذهب من أماكن.

والنطق بالكلام اجتهادا يعني أنه إذا جنى عليه جناية أذهب بها بعض نطقه فإنه يجرب ذلك أي يختبر بأن يكلم المجني عليه، ويرجع في نقصه لقول أهل المعرفة الناشئ عن اجتهادهم، ولا ينظر في النقص إلى عدد الحروف، فإن قال أهل المعرفة: يقع في نفوسنا أنه ذهب من كلامه

ص: 178

نصفه أو ثلثه أعطي بقدر ذلك، وإن شكُّوا أن يكون الربع أو الثلث أعطي الثلث والظالم أحق أن يحمل عليه. قاله الشارح. ومفاده أنه في الجناية عمدا لا خطأ، فالربع لأن الذمة لا تلزم بمشكوك وينبغي أن يجري ذلك في جميع ما هنا، وفي الأجهوري عند قوله:"والسمع": ما يفيد الحمل على الوسط في الخطإ. قاله عبد الباقي. وقوله: "اجتهادا" الظاهر أنه معمول لمقدر أي ويجتهد في قدر النقص والكلام اجتهادا. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: قال ابن رشد: في إبطال النطق كمال الدية ولو بقي فائدة الذوق والإعانة على المضغ، وتقدم نص المدونة: إنما الدية في الكلام لا في اللسان، فإن قطع من لسانه ما ينقص من حروفه فعليه بقدر ذلك، ولا يحتسب في الكلام على عدد الحروف [رب]

(1)

حرف أثقل من حرف في النطق، ولكن بالاجتهاد فيما نقص من كلامه. انتهى.

والذوق بالمقر يعني أن مدعي ذهاب جميع ذوقه يجرب أي يختبر بالمقِر وهو الشديد المرارة، كالصبر بكسر الباء وتسكن في ضرورة الشعر. قاله الشبراخيتي. وقوله:"بالمقِر" بفتح الميم وكسر القاف، قال الخرشي: يعني أن الذوق يجرب بالأشياء المقِرَة أي المرة التي لا يمكن الصبر عليها مثل الصير وشبهه، والمقِر بفتح الميم وكسر القاف وهو الشديد المرارة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجرب الذوق بالمقر بفتح الميم وكسر القاف، قال في التوضيح: الشديد المرارة كالصبر، ونسخة المواق: والذوق بالمر وهي أخصر وأظهر. انتهى. وقال عبد الباقي: والذوق بالمقِرِ بفتح الميم وكسر القاف: الشيء المر الذي لا يمكن الصبر عليه، مثل الصبر بفتح المهملة وكسر الموحدة، وتسكن في ضرورة الشعر كقوله:

الصبر كالصبر مر في مذاقته

لكن عواقبه أحلى من العسل

وأما المبتدأ به في البيت الذي معناه تحمل المشاق فهو مسكن الباء حتى في غير الضرورة، ومنه قوله تعالى:{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} .

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من المواق ج 6 ص 303.

ص: 179

وصدق مدعي ذهاب الجميع بيمين يعني أنه إذا ادعى ذهاب الجميع فإنه يصدق في جميع الأشياء السابقة؛ يعني يصدق بيمينه بعد الاختبار حيث كان يمكن اختباره كالسمع؛ بأن يصاح بإزائه صيحة شديدة بعد تغفله، فإذا فزع علم أنه كاذب، وكالبصر فإنه يختبر بالأشعة التي لا ثبات للبصر معها أو يشار إلى عينيه بعد أن يغفل، فإن لم يوجد ما يستدل به على كذب صدق بيمينه. وقوله:"بيمين" في غير ادعاء ذهاب العقل؛ لأن المدعى فيه وليه ولا يحلف أحد ليستحق غيره. وقوله: "وصدق مدعى ذهاب الجميع" يعني البالغ وينتظر بلوغ الصبي.

والضعيف من عين ورجل ونحوهما خلقة كغيره يعني أن العضو الضعيف خلقة من عين ورجل ونحوهما من سائر الأعضاء أو لكبر أو من سماوي، كغيره من السليم فيجب فيه العقل كاملا في الخطإ، وقد مر أن فيه القود في العمد.

وكذا المجني عليها إن لم يأخذ لها عقلا يعني أن العضو الضعيف من جناية عليه كالصحيح في وجوب الدية فيه في الخطإ، وقد مر أن فيه القود في العمد وهذا إن لم يكن أخذ الجناية عقلا، وأما إن كان أخذ لها عقلا ثم حصلت جناية ثانية فليس له من ديتها إلا بحساب ما بقي منها: وهذا في الخطإ بدليل قوله: "إن لم يأخذ لها عقلا" الخ، وجناية العمد تقدمت في قوله:"فالقود إن تعمده"، وتقدم أنه يقيد قوله:"وإلا فبحسابه" بما هنا أي حيث أخذ لها عقلا، قال عبد الباقي: وكذا في القود والعقل الكامل المجني عليها قبل ذلك جناية خطأ لم تذهب جلها؛ يعني جل منفعتها ثم جنى عليها آخر فهي كسليم إن لم يأخذ أي إن لم يكن أخذ لها عقلا في الأولى، فإن أخذ لها عقلا نسب الثاني للذاهب وله بحساب ما بقي، كأن ذهب جل نفعه ولو بسماوي أو خلقة.

ثم قال: وحاصل كلامه هنا وفيما تقدم مع زيادة أن ذلك أربع صور؛ لأن الجناية الثانية إن كانت عمدا اقتص من الجاني مطلقا أي، سواء كانت الأولى عمدا أو خطأ، أخذ لها عقلا أم لا، أذهب جل المنفعة أم لا كما تقدم في قوله:"أو لكرمية فالقود إن تعمده"؛ إذ قوله: "أو لكرمية" صادق بكونها خطأ أو عمدا، أخذ لها عقلا أم لا، فهذه ثمان مسائل في الصورة الأولى، الثانية: أن تكون الثانية خطأ والأولى كذلك وأخذ لها عقلا فله في الثانية بحساب ما بقي وهذه مفهوم

ص: 180

الشرط هنا، الثالثة: أن يكون كل خطأ ولم يأخذ عقلا للأولى بل عفا عنه فالظاهر أن له بحساب ما بقي؛ لأن قول المصنف: "إن لم يأخذ لها عقلا" أي لم يجب لها عقل وهذه وجب لها عقل، وعفوه عنه لا يخرجه عن وجوبه بحسب الأصل، فلذا كان الظاهر أن له بحساب ما بقي، فإن كان لتعذر الأخذ من الجاني استحق بالجناية الثانية كل الدية وهذه داخلة في منطوق المصنف، إلا أن تذهب الأولى جل النفع فبحساب ما بقي. الرابعة: أن تكون الثانية خطأ والأولى عمدا أذهبت جل نفعها فعلى الثاني بحساب ما بقي، فإن أذهبت دون جله فإن لم يصالح بشيء فله في الثانية العقل تاما، وإن أخذ شيئا فالظاهر أن له بحساب ما بقي، ويستثنى من قوله:"والضعيف" الخ السن المضطربة جدا واليد الشلاء فإنه لا يقتص منها حيث عدمت النفع ولا لها إلا من مثله، كما يأتي قريبا. انتهى كلام عبد الباقي.

قوله: في الصورة الأولى ذهب جل المنفعة أم لا الخ، قال البناني: فيه نظر، بل الظاهر أنه لا قصاص إذا أذهبت الجناية الأولى جل المنفعة، ثم رأيت كلام ابن رشد صريحا فيما ذكرته، ونصه: إن أصيبت بسماوي وأتى النقص على أكثرها فإنما فيها بحساب ما بقي، أصيبت عمدا أو خطأ. انتهى من ابن عرفة. انتهى. قوله: بل الظاهر أنه لا قصاص إذا أذهبت الجناية الأولى جل المنفعة الخ، لا يتوقف سقوط القصاص على ذهاب جل المنفعة، بل ذهاب كثير كاف في سقوط القصاص، راجع ما قدمناه عند قوله:"وتؤخذ العين السليمة بالضعيفة" الخ. قاله الرهوني. وقول عبد الباقي: والظاهر أن له بحساب ما بقي الخ، جزم به أبو الحسن وحمل عليه قول المدونة: فإن أخذ لها عقلا الخ؛ إذ قال ما نصه: أي كان متمكنا من الأخذ وإن لم يأخذ.

وفي لسان الناطق يعني أن لسان الناطق في قطعه الدية بخلاف لسان الأخرس فإن فيه حكومة، قال الشبراخيتي: والدية في قطع لسان الناطق من أصله، وانظر لسان الصغير قبل النطق والظاهر أن فيه الدية؛ لأن الغالب نطقه والخرس أمر نادر، ولأنهم لم يذكروا الحكومة إلا في لسان الأخرس. انتهى. قوله: وانظر لسان الخ قصور لما يأتي أن الصبي يؤخر حتى ينظر ما

ص: 181

يصير إليه؛ لأن اللسان قد ينبت، لكن استظهر عياض تعجيل القود في العمد الخ ما يأتي قريبا.

وإن لم يمنع النطق ما قطعه فحكومة يعني أنه إذا قطع بعض لسان الناطق ولم يمنع ما قطعه منه نطقه فإنما فيه حكومة، وإن منع ذلك نطقه ففيه دية كاملة لأنها للنطق لا للسان، وإن منع بعض النطق فعليه بقدر ذلك ولا يحتسب بذلك على عدد الحروف ولكن بالاجتهاد في قدر ما نقص من كلامه. قاله مالك في المدونة. وقد مر ذلك في قوله:"والنطق بالكلام اجتهادا" وفي الذخيرة: قيل لمالك: اللسان يعود وينبت؟ قال: ينظر إلى ما يصير إليه، إن منع الكلام فالدية ولا ينتظر القود بالقاف. واللَّه تعالى أعلم. وقال البناني: وفي المدونة: وفي اللسان القود إن كان يستطاع القود منه ولم يكن متلفا مثل الفخذ ومثل المأمومة والمنقلة، فإن كان متلفا لم يُقَدْ منه. ابن القاسم: ولا يقاد من ذلك ولا يعقل حتى يبرأ. انتهى. أي لأنه قد ينبت ويعود كما في المدونة، لكن قال عياض: الظاهر تعجيل القود كسائر الأعضاء إن كان كما قال يستطاع القود منه، وإنما الانتظار في الدية. وقوله:"وفي لسان الناطق وإن لم يمنع النطق ما قطعه فحكومة" في الخطإ، وأما في العمد فهو ما رأيت في نقل البناني. واللَّه تعالى أعلم.

كلسان الأخرس يعني أن في لسان الأخرس حكومة، فإن تحقق قبل القطع أن فيه ذوقا وجبت فيه الدية، وكذلك إن ذهب بقطعه الصوت فالدية، قال الخرشي: وقوله: "كلسان الأخرس" أي إن لم يمنع الصوت وإلا فالدية، وقال: قال البساطي: فإن قلت هب أن لسان الأخرس لا كلام فيه لكنه يذوق به وقد قلتم أن في الذوق الدية، قلت: لا بد في وجوب الدية من تحقق إزالة المعنى الذي لأجله الدية وهي غير محققة في لسان الأخرس، ولهذا جعل فيه في المدونة الحكومة. انتهى. وعليه فإن تحقق أنه كان به ذوق فإن فيه الدية. انتهى.

وقال المواق: التلقين: وفي اللسان الدية، فأما قطع بعضه فإن منع جملة الكلام ففيه الدية. ابن شأس: في لسان الأخرس حكومة، ومن المدونة: إن قطع اللسان من أصله ففيه الدية كاملة إن ذهب الكلام، وإذا قطع منه ما منعه الكلام ففيه الدية كاملة، وإن لم يمنعه من الكلام شيئا ففيه الاجتهاد بقدر شَينه إن شانه، وإنما الدية في الكلام لا في اللسان. انتهى. وقال عبد الباقي

ص: 182

عند قوله: "كلسان الأخرس" لعل المراد به من عدم النطق دائما لا من يعرض له عدم النطق لعارض ثم يحتمل أن يزول، وهذا يتبين بمعرفة حقيقته قبل الجناية وبمعرفة ما ذهب منه؛ إذ به يعرف ما بقي منه، ويقيد كلامه بما إذا لم يكن به ذوق محقق ويذهب وإلا فدية لا حكومة، وهذا يفهم من البساطي والمدونة ويقيد كلامه أيضا بما إذا لم يذهب صوته وإلا فالدية. انتهى.

واليد الشلاء؛ يعني أن اليد الشلاء أو الرجل الشلاء في قطعها الحكومة قطعت خطأ أو عمدا عند عدم المماثلة، وكذا لسان الأخرس. قال عبد الباقي: والحكومة واليد أو الرجل الشلاء أي التي لا نفع فيها أصلا، فإن كان فيها نفع دخلت في قوله:"والضعيف من عين" الخ، وإذا قطع الأخرس لسان مثله أو الأشل مثله فالقصاص كما يؤخذ من التتائي عند قول المصنف:"وفي الأصبع الزائدة" الخ، وقال أحمد: ظاهر كلامه كغيره أن في كل من هذه حكومة ولو كان الجاني مثل ذلك. انتهى. وليس هذا مكررا مع قوله: كذي شلاء، عدمت النفع بصحيحة؛ لأن ما مر بَيَّنَ أنه لا قصاص وإنما فيه العقل وبَيَّنَ هنا ما المراد بالعقل. انتهى كلام عبد الباقي. وقال المواق: قال أصحاب مالك عنه: المجمع عليه عندنا أن ليس في العين القائمة التي ذهب بصرها إن فقئت وفي اليد الشلاء إن قطعت إلا الاجتهاد، وكذا ذَكَرُ الخصي ولسان الأخرس. انتهى.

والساعد يعني أن قطع الساعد مع الكف أو دُونَهُ ليس فيه إلا الحكومة، قطع خطأ أو عمدا مع عدم المماثلة، وأما مع المماثلة فالقصاص كما مر في اليد الشلاء ولسان الأخرس. وقوله:"والساعد" أي حيث لا أصبع فالمراد بالساعد ما عدا الأصابع؛ لأن الدية إنما هي للأصابع، فمن قطع يد شخص فيها إصبعان فعليه ديتهما فقط سواء قطعها من الكوع أو من المنكب، ولا شيء عليه غير ديتهما. ومن قطع يد شخص فيها أصبع واحدة فعليه دية الأصبع وحكومة فيما زاد على الأصبع، سواء قطعها من الكوع أو من المرفق أو من المنكب. قاله الشبراخيتي. وقال: قوله: "واليد الشلاء والساعد" عند عدم المماثلة وكذلك في العسيب الآتي، وأما مع المماثلة ففيه القصاص في العمد والدية في الخطإ. انتهى. فقوله: والساعد العادم الأصابع بسماوي أو جناية أخذ لها عقلا أم لا، ويندرج في دية أصبعين فأكثر، فإن لم يكن إلا واحدة فله ديتها وحكومة

ص: 183

كما يفيده قولها في قطع الكف. قال عبد الباقي: والساعد وهو ما عدا [الإصبع]

(1)

من اليد التي منتهاها المنكب، وسواء ذهب الكف بسماوي أو بجناية، أخذ لها عقل أم لا، وتندرج في دية إصبعين أو أكثر على المذهب، ولا يندرج في إصبع واحدة، فمن قطع خطأ يد شخص فيها إصبعان فعليه ديتهما فقط بلا حكومة فيما زاد عليهما، سواء قطعها من الكوع أو من المرفق أو المنكب ويجري هذا كله في الرجل. انتهى.

وأليتي المرأة قال الخرشي: يعني أن أليتي المرأة إذا قطعتا فإن فيهما الحكومة قياسا على أليتي الرجل وهذا إذا كان خطأ، وأما إذا كان عمدا ففيه القصاص. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: والأليتان فيهما من الرجل والمرأة حكومة، قال ابن القاسم وابن وهب: في أليتي المرأة حكومةٌ، وقال أشهب: فيهما دية كاملة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وفي أليتي بفتح الهمزة لحم المقعدة المرأة حكومة قياسا على أليتي الرجل، خلافا لأشهب في أن في أليتيها الدية وهما أعظم من ثدييها. وقوله: وأليتي المرأة أي إذا كان خطأ، وأما عمدا ففيه القصاص ولم يفصلوا هنا بين بدو العظم وعدم بُدوه كما في شُفريها، ونص على المرأة لأنها محل الخلاف، وأما الرجل فهو محل وفاق. انتهى.

وقال عبد الباقي: وحكومة في قطع أليتي المرأة بفتح الهمزة خطأ لا دية، خلافا لأشهب قائلا: هما أعظم عليها من ثدييها، ووجه الأول عدم النص فيهما وقياسا على أليتي الرجل، وأما قطعهما عمدا ففيه القصاص. انتهى. وقال التتائي: وفي أليتي المرأة حكومة عند ابن القاسم في المدونة ولم يرد فيهما نص وقياسا على أليتي الرجل، وقال أشهب: في أليتيها دية، وهو بفتح الهمزة: لحم القعدة. انتهى. وفي القاموس: الألية العجيزة أو ما ركب العجز من شحم ولحم، جععه: أليات.

وسن مضطربة جدا يعني أن السن المضطربة جدا إذا قلعت فيها حكومة، فإن اضطربت لا جدا بل يسيرا ففي قلعها العقل كاملا. قاله غير واحد. قوله: مضطربة جدا، قال الخرشي: بأن لا

(1)

في عبد الباقي ج 8 ص 40: الأصابع.

ص: 184

يرجى معه ثبات، وقال الشبراخيتي: مضطربة جدا أي اضطرابا تاما لا يرجى معه ثبات، وقال المواق. قال ابن الحاجب: في السن المضطربة جدا الاجتهاد. انتهى. وقوله: "وسن مضطربة جدا" وإن كان قد أخذ لاضطرابها جدا عقلا كما هو ظاهر المصنف، قال البناني عن ابن عرفة أن في طرحها بعد العقل الاجتهاد بقدر ما ذهب من جمالها. انتهى.

وعسيب ذكر بعد الحشفة يعني أنه إذا قطع ذكر رجل ليس له حشفة فإن في ذلك حكومة، ونحوه في المدونة، قال في التوضيح: وقد يقال الظاهر لزوم الدية لأنه يجامع به وتصل إليه به اللذة. انتهى. ابن عاشر: لو قال المصنف: وذكر بعد حشفة كفاه. قاله البناني. وقال عبد الباقي: وحكومة في قطع عسيب بعد ذهاب الحشفة لأن الدية إنما هي للحشفة. البساطي: إطلاق العسيب على الباقي بعد الحشفة مجاز. قاله التتائي. أي مجاز باعتبار ما كان؛ إذ العسيب إنما يقال مع بقاء الحشفة. انتهى. وقال المواق من المدونة: من قطعت حشفته فأخذ الدية ثم قطع عسيبه ففيه الاجتهاد. انتهى. وقوله: "بعد الحشفة" أي بعد ذهابها بجناية أو غيرها، واحترز بقوله:"بعد الحشفة" عما لو قطع مع الحشفة فإنه يندرج، فالواجب الدية فقط دون حكومة معها. واللَّه تعالى أعلم.

وحاجب يعني أن إزالة شعر الحاجبين أو أحدهما فيها الحكومة حيث لم ينبت، فإن نبت وعاد لهيئته فلا شيء فيه إلا الأدب في العمد، وَهُدْبُ يعني أن إزالة شعر الهُدب واحدا أو متعددا فيه حكومة حيث لم ينبت، فإن نبت وعاد لهيئته فلا شيء فيه إلا الأدب في العمد، ومثل الحاجب والهدب شعر الرأس واللحية. وقوله:"وهدب" بالضم وبضمتين قاله في القاموس. وقال وهو شعر أشفار العينين.

وظفر يعني أن إزالة الظفر خطأ فيها حكومة إن برئ على عثل أي شين. قاله في المدونة، وعمدا فيه القصاص قال المواق من المدونة: في الظفر القصاص إلا أن يقلع خطأ فلا شيء فيه، فإن برئ على عثم ففيه الاجتهاد. انتهى.

ص: 185

فائدة قد مر ذكرها ولا بأس بإعادتها، قال الحطاب: قال عياض: العثم والعثل بالميم واللام معا والعين المهملة والثاء المثلثة مفتوحة مع اللام وساكنة مع الميم وكلاهما بمعنى وهو: الأثر والشين. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي قلع ظفر خطأ حكومة وعمدا فيه القصاص.

وإفضاء يعني أن الإفضاء فيه حكومة، فإذا أفضى امرأة فلها حكومة، قال عبد الباقي: والحكومة بالاجتهاد بما شان من إفضاء أي رفع الحاجز بين مسلك الذكر والبول حتى يصير المخرجان مخرجا واحدا قاله الشارح. وكذا اختلاط مسلك البول والغائط حيث لم تمت، ومعنى الحكومة هنا أن يغرم ما شانها عند الأزواج، بأن يقال: ما صداقها على أنها مفضاة وما صداقها على أنها غير مفضاة؟ فيغرم النقص. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وزاد: وهذا في إفضاء لا يمنع الجماع والولد، وإلا تعينت الدية. انتهى. وقال البناني عند قوله:"وإفضاء" ما نصه: ابن الحاجب: في الإفضاء قولان، حكومة ودية. التوضيح: القول بالحكومة مذهب المدونة والقول بالدية لابن القاسم وهو الأقرب، وعلله ابن شعبان بأنه منعها من اللذة ولا تمسك الولد ولا البول إلى الخلاء، ولأن مصيبتها بذلك أعظم من الشفرين وقد نصوا على وجوب الدية فيهما. انتهى. ونحوه للتتائي، وبهذا تعلم ما في تقييد الشبراخيتي للمصنف. واللَّه تعالى أعلم.

ولا يندرج تحت مهر الضمير المسند إليه يندرج يعود على الإفضاء؛ يعني أن الرجل إذا وطئ زوجته فأفضاها، أو اغتصب أجنبي امرأة فأفضاها فإن ذلك الإفضاء لا يندرج تحت المهر بحيث لا يكون لها إلا المهر، بل لها مهرها مع زيادة حكومة الإفضاء. قال التتائي: ولا يندرج الإفضاء تحت المهر بحيث لا تجب فيه زيادة عليه بل فيه زيادة. وروى محمد عن ابن القاسم: إن بلغ ثلث الدية فعلى العاقلة وإلا ففي ماله، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في عدم اندراجه تحت المهر بين الزوجة والأجنبية وهو كذلك، قال الباجي: إن فعله [بأجنبية]

(1)

فحكومة في ماله، وإن جاوزت الثلث مع صداق المثل والحد أي لأنه فعل غير مأذون فيه فهو من باب العمد. ابن هارون: والقول بلزوم الدية في الأجنبي حكاه ابن شأس وهو بعيد، إذ ليس

(1)

في الأصل: بأجنبي، والمثبت من الخرشي ج 8 ص 41.

ص: 186

مساويا لما سن الشرع فيه الدية. ابن عرفة: ولم يتعقبه ابن عبد السلام، بل قال: نصوصهم وجوب الحكومة ووجوب الدية قوي لأن مصيبتها به أقوى من إزالة الشُّفرين ومصيبته كمصيبة ذهاب الجماع في الرجل. انتهى. وفي المدونة: إن زنى بامرأة فأفضاها فلا شيء فيه إن مكنته من نفسها، وإن اغتصبها فلها الصداق مع ما شانها.

بخلاف البكارة يعني أن البكارة تندرج تحت المهر، فإذا وطئها زوجها فأزال بكارتها أو اغتصبها أجنبي فأزال بكارتها فإن البكارة تندرج في المهر؛ أي لا شيء لها إلا المهر؛ لأن الوطء من لوازمه زوال البكارة بخلاف الإفضاء. قال عبد الباقي: بخلاف إزالة البكارة من الزوج أو الغاصب تندرج تحت المهر لأنها من لواحق الوطء؛ إذ لا يمكن إلا بها بخلاف الإفضاء. قاله ابن عرفة. فقوله: "ولا يندرج" أي الإفضاء أي أرش الإفضاء. وعلم مما قررت أنه لو طاوعت أجنبيا فأفضاها لم يكن لها شيء في الإفضاء وهو الذي نقله في التوضيح والمواق عن المدونة كما مر، ونحوه في ابن عرفة. قاله البناني. وقال: قال الصقلي: الفرق بين الزوجة والأجنبية طائعتين أن طاعةَ الزوجة واجبٌ لا تقدر على منعه والأجنبية يجب عليها منعه، فطوعها كما لو أذنت له أن يوضحها. انتهى.

إلا بإصبعه يعني أنه إذا أزال بكارتها بأصبعه فإنها لا تندرج تحت مهر، والزوج والأجنبي سواء إلا أن الزوج يلزمه أرش البكارة التي أزالها بأصبعه مع نصف الصداق إذا طلق قبل البناء، ويتصور إزالتها بإصبعه قبل البناء بأن يفعل بها ذلك بحضرة نساء لا في خلوة اهتداء، وأما إن بنى بها فتندرج سواء أزالها بإصبعه أو بغيره، والظاهر أن القول قوله في إزالتها بذكره إذا ادعت عليه أنه أزالها بإصبعه؛ لأن الأصل عدم العداء والأجنبي ليس كالزوج فيما ذكر، فإن الأجنبي إذا أزال بكارة بكر بأصبعه ثم وطئها ووجب عليه المهر لكونها مكرهة أو غير عالمة، فإن في إزالة بكارتها بأصبعه ما شانها عند الأزواج مع المهر الذي وجب عليه. انتهى. وقال البناني: لزوم الأرش في الزوج مقيد بما إذا طلقها قبل الدخول وإلا اندرج كما في الزرقاني، وأصله لابن رشد، وقيد به الحطاب وتبعه الأجهوري. انتهى. وقال الشبراخيتي: إلا بإصبعه

ص: 187

ثم يطلقها قبل الوطء، والزوج وغيره سواء لأن إزالتها بإصبعه غير مشروع للزوج ولا لغيره. انتهى.

وفي كل إصبع عشر يعني أن الإصبع الواحدة فيها عشر الدية إبلا أو ذهبا أو ورقا، وهذا عام في جميع الأصابع من يد أو رجل إبهاما أو غيرها، ويجري هذا في دية المسلم والكتابي والمجوسي ذكرا أو أنثى، ففيها: من الإبل عشرة ومن الذهب مائة دينار ومن الورق ألف ومائتان من الدراهم بالنسبة للحر الذكر المسلم، فقوله:"عُشر" بضم العين لا بفتحها لقصوره على الحر المسلم في الإبل، ويأتي أن المرأة تساوي الرجل لثلث ديته. واللَّه تعالى أعلم.

وفي الأنملة ثلثه يعني أن الأنملة فيها ثلث دية الأصبع وهي ثلاثة أبْعِرة وثلث بعير، ويلزم أن يدخل التقويم في الكسر في الأنملة والاثنتين. قاله التتائي عن البساطي. قال عبد الباقي: وفي قطع كل أصبع من يد أو رجل خطأ لذكر أو أنثى مسلم أو كافر عشر بضَم العين أوْلى يعني من فتحها أي عشر دية من قطعت أصبعه، فيجري ذلك في دية الكتابي والمجوسي الذكر والأنثى، وفي دية غير الإبل مثل المخمسة والمربعة والمثلثة، وفتح العين خاص بدية الحر المسلم من الإبل، ولا ينافي شمول ما هنا للأنثى ما يأتي من قوله:"وساوت المرأة الرجل لثلث ديته فترجع لديتها" لأن ما يأتي كالاستثناء مما هنا. انتهى.

إلا في الإبهام فنصفه يعني أن الأنملة من الإبهام فيها نصف العشر خمسة أبْعِرة، والضمير في ثلثه ونصفه عائد على العشر، وإنما كان في الأنملة من الإبهام نصف العشر لأنه ليس في الإبهام سوى أنملتين. وقال المواق: قال ابن شأس: في كل إصبع عشر من الإبل، فلو قطع الكف مع الساعد أو مع المرفق أو العضد أو جميع ذلك اندرجت الحكومة، وفي كل أنملة ثلث العشر إلا في الإبهام فهو أنملتان في كل واحدة منهما نصف الأرش، قال سحنون: ورجع مالك إلى أن في الإبهام ثلاث أنامل، وأخذ أصحابه بقوله الأول. الباجي: وجه قوله الأول أنه لو لزم في بقية الإبهام الذي في الكف دية للزم في سائر الأصابع أن يكون لها في مثل ذلك دية أنملة رابعة. انتهى. وقال التتائي: وفي القاموس: الأنملة مثلثة الميم والهمزة تسعُ لغات جمعُها أناملُ وأنملات. انتهى.

ص: 188

وفي الإصبع الزائدة القوية عشر يعني أن الأصبع الزائدة القوية أي التي هي كالأصلية فيها عشر مطلقا قطعت وحدها أو مع الكف، ومفهوم قوله:"القوية" أنها إن كانت ضعيفة ففيها الحكومة إن أفردت بالقطع، فإن لم تفرد بالقطع بل قطعت مع اليد فلا شيء فيها. وعلم مما قررت أن قوله:"إن أفردت" راجع لحكم المفهوم أي مفهوم القوية، وقوله:"وفي الأصبع الزائدة القوية" من يد أو رجل، قال عبد الباقي: وفي قطع الأصبع الزائدة في يد أو رجل القوية كالأصلية عشر، قطعت عمدا أو خطأ، ولا قصاص في العمد لعدم المساواة، وسواء قطعت وحدها أو مع أصلية. فإن لم تقو كالأصلية فحكومة إن أفردت بالقطع وإلا فلا شيء فيها، فالشرط في مُقَدَّرٍ حُكْم مفهوم القوية، هذا هو النقل. انتهى. قال غير واحد: والظاهر أن اليد الزائدة تجري على حكم الأصبع الزائدة. انتهى.

وفي المواق عن العتبية: أن في اليد إذا قطعت عمدا القصاص وأخذ دية الأصبع السادسة القوية، واستشكله مع قول المصنف السابق:"وتقطع اليد الناقصة أصبعا بالكاملة بلا غرم". نقله البناني. قال. وهو بحث حسن. واللَّه أعلم. انتهى. وكلام المواق الذي أشار إليه هو قوله: قال ابن القاسم فيمن له ست أصابع: إن كانت السادسة قوية ففيها عشر ولو قطعت عمدا إذ لا قصاص فيها وفي كل يدها ستون، وإن كانت ضعيفة ففيها حكومة إن انفردت وإن قطعت يده فلا يزاد لهذه الزائدة الضعيفة شيء، وأما إن قطعت يده عمدا فله أن يقتص ويأخذ دية السادسة إن كانت قوية. انتهى. انظر هذا مع قوله:"وتقطع اليد الناقصة إصبعا بالكاملة بلا غرم". ابن رشد: صفة الحكومة فيها أن ينظر كم ينقص ذهابها من قيمته لو كان عبدا فيؤخذ ذلك القدر من ديته. انتهى.

وفي كل سن خمس يعني أن السن الواحدة فيها خمس من الإبل والأضراس وغيرها سواء كما في الموطإ وغيره، ودية الأصبع والسن والجراح من الإبل مخمسة كما في الحطاب؛ يعني في الخطإ وفي العمد القصاص. قال عبد الباقي: وفي كل سن خمس بفتح الخاء من الإبل، والأولى نصف عشر لشموله للمسلم ولغيره مثلثة أو مربعة أو مخمسة، وأراد بالسن جنسها فشمل الضرس والناب وغير ذلك. انتهى. وجميع ما في الفم اثنان وثلاثون سنا، وقيل إن الذي يولد لسبعة

ص: 189

أشهر لا يكون له إلا ثمانية وعشرون سنا، بخلاف من يولد لتسعة أو سنة فاثنان وثلاثون. قاله الشبراخيتي. وقال البناني: وفي كل سن خمس أي من الإبل وخمسون دينارا على أهل الذهب وستمائة على أهل الورق.

‌فرع:

إذا أخذت دية السن والأصابع والجراح فتؤخذ مخمسة. قاله في النوادر. انظر الحطاب. انتهى كلام البناني.

وقوله: "خمس" هو بفتح الخاء كما مر لا يصح ضمها لفساده في الإبل والذهب والورق، ولو قال: نصف عشر، كان أشمل كما قاله غير واحد. وقال التتائي: وفي كل سن ثنية أو ناب أو رباعية أو ضرس خمس بفتح الخاء المعجمة من الإبل، وعمم في السن اقتداء بكتابه عليه الصلاة والسلام لعمرو بن حزم وللتنبيه على مخالفة من فصل من العلماء خارج المذهب.

والأضراس عشرون والأسنان اثنا عشر أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب. قاله ابن مزين. ففيها أكثر من الدية. انتهى. وقال المواق من المدونة: في كل سن من الأسنان خمس من الإبل، الأسنان والأضراس سواء. ابن رشد: جميع ديتها على قول مالك مائة وستون بعيرا. انتهى.

وإن سوداء يعني أن السن فيها خمس من الإبل وإن كانت سوداء بخلقة أو بجناية لبقاء منفعتها وإن ذهب جمالها. قاله ابن المواز. قاله الشبراخيتي. وقال المواق من المدونة: في السن السوداء خمس من الإبل مثل الصحيحة، وفي الموطإ: إن اسودَّت السن تم عقلها، فإن طرحت بعد ما اسودت ففيها عقلها ونقله الجلاب والتلقين عن المذهب. انتهى. وهو صريح في أنه يأخذ في السن عُشُرًا نصفه بسوادها ونصفه الآخر بطرحها.

بقلع يعني أن دية السن تجب بأحد أمور منها قلعها. قال ابن شأس: في كل سن خمس قلعت من أصلها أو بقي سِنْخُها. ابن الحاجب: قلعت من أصلها أو من لحمها، أو اسوداد يعني أن من الأمور التي توجب دية السن اسودادها، فإذا سودها أخذ عقلها، فإذا طرحها بعد ذلك أخذ عقلها مرة أخرى فيؤخذ لها عقلان. قال الإمام الحطاب عند قوله "أو اسوداد": فإن انقلعت ففيها دية أخرى. قاله في التوضيح. وقد مر عن المواق التصريح بذلك عن الموطإ. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 190

وقوله: "بقلع" الظاهر أن الباء فيه سببية، أو للآلة متعلقة بالعامل في الخبر. ابن شأس: وإن اسود بعضها ففيه بحساب ما بقي. واللَّه تعالى أعلم.

أو بهما أي اسودادها وقلعها، قال البناني: بأن سودها ثم سقطت من غير جناية أخرى عليها فليس إلا دية واحدة هذا هو الذي اختاره المصنف في التوضيح في تصويره، لا كما صور ابن عبد السلام من أنه كسر البعض وسود الباقي فإنه غير مراد، وإن كان فقها مسلما، لكن ما حملناه عليه أولى لدفع ما يتوهم فيه من أن فيه ديتين كما وقع لبعض، لكن قال مصطفى: الظاهر تقرير ابن عبد السلام لأنه المذكور في الجواهر الذي ينسج ابن الحاجب على منواله، وفي كلام اللخمي وابن عرفة وغير واحد ولا يحتاج معه إلى اعتذار. انتهى.

أو بحمرة يعني أنه تجب الدية في السن بسبب جناية عليها فاحمَّرت منها بعد بياضها، أو صفرة يعني أنه تجب الدية في السن بجناية عليها فاصفرت منها بعد بياضها ومثلهما الخضرة، ويشترط في لزوم الدية بالحمرة والصفرة أو الخضرة شرط أشار إليه بقوله: إن كانا أي الحمرة والصفرة عرفا بأن يقول أهل المعرفة: إن ذلك كالسواد أي يذهب بذلك جمالها وإلا فبحساب ما نقص، قال المواق: ومن المدونة: قيل إن ضربه فاسودت سنه أو احمرت أو اصفرت أو اخضرت، قال: إن اسودت تم عقلها، والحمرة والخضرة والصفرة إن كان ذلك كالسواد تم عقلها وإلا فعلى حساب ما نقص. انتهى. وفي الكافي: وإن ضربت السن فاحمرت أو اصفرت ففيها خمسون دينارا ولا قود، ولو ضربت بعد احمرارها فاسودت ففيها أيضا خمسون دينارا، ثم لو ضربت فسقطت كان فيها مثل ذلك. انتهى. ومفاده أن تعمد تغيير اللون كالخطإ، فتردُّدُ عبد الباقي فيه قصورٌ. قاله في الميسر. ومفاد ما نقله في الميسر عن الكافي أيضا أنه يأخذ لها ثلاث ديات: دية في الحمرة إن كانت عرفا كالسواد، ودية للسواد، ودية للطرح. فتلك ثلاث. واللَّه تعالى أعلم.

وقال عبد الباقي: في جناية الخطإ في السن عن الشامل ما نصه: وأما في الخطإ، ففي الشامل: فإن اشتد اضطرابها تم عقلها، وإن خف فبحسابه منها كاسوداد بعضها بضربة ولو انكسر النصف واسود الباقي أو اشتد اضطرابها فقد تَمَّ عقلها، وفي قطع نصفها فبحسابه، ولو انكسر

ص: 191

نصفها واسود نصف ما بقي أو اضطرب وذهب نصف قوته فثلاثة أرباع العقل، ولو اسود نصفها أو احمر أو اصفر باقيها وكانا كالسواد تم عقلها. انتهى. وعلم مما قررنا أن السن إذا قطع بعضها فيها بحسابه، وأنه لا يدخل السنخ في حساب النسبة. واللَّه تعالى أعلم.

وباضطرابها جدا يعني أن من الأمور التي توجب العقل في السن اضطرابها جدا أي تحركها بحيث لا يرجى ثبوتها لأنه أذهب منفعتها، ويستأنى بها سنة، وإن خف تحركها عقل بقدره. كذا في المدونة. قال المواق من المدونة: إن ضربت سن فتحركت، فإن كان اضطرابا شديدا تم عقلها، وإن كان ضعيفا عقل بقدره. وفي المدونة: وينتظر بالشديدة الاضطراب سنة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وباضطرابها جدا أي ولم تثبت، وأما إن ثبتت ففي العمد الأدب، والخطأ لا شيء فيه. انتهى. ونحوه للخرشي وعبد الباقي، وقال البناني: ابن عرفة: إن ضربت فتحركت، فإن كان اضطرابا شديدا تم عقلها، وإن كان خفيفا عقل بقدره، ثم قال: وفي طرحها بعد ذلك الاجتهاد بقدر ما ذهب من جمالها. انتهى. وقال عبد الباقي: وأما لو تعمد قلع سن سوداء أو حمراء أو صفراء وكانا عرفا كالسواد، فهل كذلك أم لا؟ انتهى. قال البناني: الظاهر أن في ذلك القصاص، بدليل وجوب العقل في الخطإ. انتهى. وفي الحطاب: وإن ضرب عين رجل فأدمعها أو سنه فحركها أو يده فأوهنها استؤني بجميع ذلك سنة، فما آل إليه أمر العين والسن واليد حكم به، وفي المدونة: تنتظر السنة في تحرك السن وانخساف العين وتدمعها، فإن تمت سنة ولم يرق دمعها فحكومة، وإن تمت والعين منخسفة لم تبرأ انتظر برءها؛ إذ لا قود ولا دية إلا بعد البرء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

وإن ثبتت لكبير قبل أخذ عقلها أخذه يعني أنه إذا قلعت سن الكبير أي الثغر خطأ ثم ردت فثبتت -والحال أنه لم يأخذ لها عقلا- فإنه يأخذه وأحرى أن لا يرده إن كان أخذه، قال البساطي: فإن قلت: قوله: "قبل أخذ عقلها" يقتضي بطريق المفهوم أنه بعد الأخذ ليس كذلك وليس كذلك، قلت: هو مفهوم موافقة؛ لأنه إذا كان يأخذ فأحرى أن لا يرد ما أخذ وهو ظاهر. انتهى. نقله التتائي. وقال عبد الباقي: وأما لو ثبتت بعد اضطرابها فلا يأخذه. قاله المواق. وقال عبد الباقي: ومفهوم قبل أحرى وقاله الخرشي، وقال المواق من المدونة: من طرحت سنه

ص: 192

عمدا فثبتت فله القود فيها والأذن كذلك، ولو رد السن في الخطإ فثبتت كان له العقل. وقال البناني: اللخمي: إن رد الأذن أو السن فثبتتا أو نبتت في مكان السن أخرى ففي العمد له القود اتفاقا والخطأ في السن وشبهه مما فيه دية مسماة. قال ابن القاسم في المدونة في السن: له ديتها. محمد: ليس السن عنده كغيرها لأنه يرى فيها ديتها، ويختلف في أشراف الأذن إذا ردهما في قطع الخطإ، فعلى أن فيهما حكومة لا شيء له، وعلى أن فيهما الدية تكون له الدية كالسن. انتهى.

كالجراحات الأربع يعني أن الجراحات الأربع الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة إذا برئت فإنه يأخذ عقلهن إن كان لم يأخذه، وإن كان قد أخذه لم يرده وإن عاد محلها لهيئته، وهذا حجة على أشهب في ثبوت السن لأنه وافق في هذه دون الأول، فالكاف للاستدلال. وكذا لو جرح ثانية فله عقلها، قال المواق: ابن شأس: الموضحة إذا برئت وعادت لهيئتها لم يسترد أرشها وكذلك سائر الجراحات الأربع، وكذا لو جرح ثانية في الموضع نفسه لكان فيه دية أيضا. انتهى. وقال عبد الباقي: كالجراحات الأربع الجائفة والموضحة والمنقلة والمأمومة إذا عادت لهيئتها فلا يرد ما أخذه من ديتها، وكذا الهاشمة والدامغة ولو برئت على غير شين عند ابن القاسم في المدونة. انتهى. وقال الشبراخيتي: كالجراحات الأربع وهي الجائفة والموضحة والمنقلة والمأمومة لتقدير الشرع دياتها بحصول موجبها. انتهى. وقال التتائي: وشبه عدم الرد بالجائفة والموضحة والمنقلة والمأمومة، فقال: كالجراحات الأربع فإنه اتفق على أخذ عقلها وإن عادت لهيئتها، ووجه التشبيه التقدير في كل منهما. انتهى.

ورد في عود البصر يعني أنه إذا جنى عليه جناية فأذهب بصره فأخذ المجني عليه دية بصره ثم عاد إليه بصره، فإن المجني عليه يرد ما أخذه لأجل عود البصر له، ولو كان لم يأخذ لها دية لا دفع إليه شيئا، قال عبد الباقي: ورد العقل للجاني من المجني عليه أخذه بحكم حاكم أم لا في عود البصر للمجني عليه كما كان. انتهى. وقال الشبراخيتي: ورَدَّ المجني عليه دية أخذها لذهاب بصره في عود البصر لهيئته؛ لأن ذلك دليل على عدم ذهابه، وإنما حصل فيه آفة إذ لو ذهب لم يعد، وسواء أخذ ذلك بقضية أو لا، خلافا لابن المواز: لا يرد بعد

ص: 193

القضاء. انتهى. وقال الرهوني: قول عبد الباقي: أخذه بحكم حاكم أم لا صحيح على قول ابن القاسم في المدونة، خلافا لأشهب. انتهى.

وقوة الجماع يعني أنه إذا فعل به فعلا أذهب به قوة الجماع منه؛ بأن أَبطل إنعاظه فأخذ لذلك ديته ثم إنه عادت له قوة الجماع، فإن المجني عليه يرد ما أخذ للجاني، والفرق بين السن والبصر، أن البصر إذا عاد اعتقد أنه لم يذهب حقيقة وإنما ستره ساتر، وفي البيان: لا خلاف أنه لو عاد البصر أو العقل قبل الحكم لا يقضى له بشيء، وبعد الحكم يرد الدية في البصر عند ابن القاسم لا عند أشهب، ولمحمد ثالث: إن كان بقضاء بعد الإناءة لم ترد وإلا ردت، والسمع في كل ذلك كالبصر. وأما العقل فلا ترد ديته بعد الحكم بعوده عند أشهب، وهل يرد عند ابن القاسم لقوله في البصر أو لا يرد كما لأشهب لأن العقل يذهب حقيقة ثم يعود بخلاف البصر. نقله في التوضيح. قال الشارح: وفيه نظر، فإن العقل لو زال حقيقة لم يعد، ونقل عن مالك أن الكلام إذا عاد لزم رد ما أخذ. قال عبد الباقي: وينبغي أيضا الرد في عود الشم والذوق واللمس، وقال المواق: ابن عرفة: قول ابن شأس: إن رجعت إليه قوة الجماع رد ما أخذ، صواب. انتهى.

ومنفعة اللبن يعني أنه إذا فعل بالمرأة فعلا فأبطل به مجرى اللبن، فأخذت الدِّية لذلك فعاد لها اللبن: فإنها ترد ما أخذت. قال عبد الباقي: ومنفعة اللبن إذا عادت كما كانت قبل قطع الحلَمَتَين ولو من حيوان غير ناطق، وكذا في عود السمع والكلام والعقل كما يفيده الشارح في الأول هنا، وفي الأخيرين عند قوله:"وفي الأذن إن ثبتت تأويلان"، وينبغي أيضا الرد في عود الشم والذوق واللمس، فإن كانت الجناية عمدا واقتص من الجاني ثم عاد للمجنى عليه فَهَدَرٌ لا من خطإ الإمام، فإن عاد ما ذكر للجاني لم يقتص منه ثانيا فيما يظهر. انتهى.

قوله: فإن كانت الجناية عمدا واقتص من الجاني، قال الرهوني: سكت عما إذا عاد ذلك قبل القصاص فلم يصرح بحكمه، ولكن في كلامه إشعار بأنه يسقط القصاص وهو كذلك، قال اللخمي: ولو ضرب رجل الأذن فَصَمَّ أو العين فَعَمِيَ ثم عاد إليه سمعه أو بصره لم يكن له أن يقتص في العمد ولا دية له في الخطإ، وإن كان فيهما دية مسماة بخلاف السن لأنه لم يذهب

ص: 194

سمعه وبصره في الحقيقة، ولو ذهب ما عاد وإنما يحمل ذلك على أنه عرض للأذن سد أو ما أشبه ذلك، وفي العين ما حال بين نفوذ نور العين، فإذا ذهب العارضُ سَمِعَ هذا وأبصر هذا بما كان خُلِقَ يهِ من أولُ، وكذلك العقل فإذا ذهب ثم عاد لم يكن فيه قصاص في العمد ولا دية في الخطإ، واختلف إذا أخذ عقل العين قبل أن يعود نورها ثم عاد، فقال ابن القاسم في المدونة: يرد ما أخذ. وقال أشهب في كتاب محمد: لا يرد ذلك ولعل ذلك، بقضاء إمام عادل. انتهى.

وقوله: فإن عاد ما ذكر للجاني لم يقتص منه فيما يظهر، انظر قوله: فيما يظهر مع تصريح غير واحد بذلك، ونقله ابن عرفة عن ابن رشد واللخميُّ عن الموازية وقبله، ولم يحك خلافه في السن والأذن، فإنه لما ذكر عن ابن رشد الأقوال الثلاثة في عودها في الخطإ قبل الحكم، قال عنه متصلا به: ولا خلاف بينهم في القود فيهما ولو عادا لهيئتهما، فإن اقتص بعد أن عَادَا لهيئتهما فعادت أذن المقتص منه فذاك، وإن لم تعد فلا شَيْءَ له، وإن عادت سن المستقاد منه ولم تكن عادت سن الأول ولا أذنه غرم العقل. قاله أشهب في الموازية. ثم قال: وذكر -أي اللخمي عن محمد-: إذا عادت سن الجاني وأذنه ولم يعودا من المجني عليه مثل ما ذكر ابن رشد. انتهى. ونص كلام اللخمي، قال محمد: ولو رَدَّ ذلك المستقاد منه في الأذن والسن فثبتت ولم تثبت للأول رأيت لصاحب السن أو الأذن عقلها ولم أر له أن يقتص منه ثانيا؛ لأن حق الأول كان شيئين وجود الألَمَ وذهاب ذلك الشيء، وقد كان وجود الألم مرتين فجعلت له الدية دون معاودة القصاص، والقياس أن يكون له أن يقطعه ثانية لأن وجود الألم تبع والعمدة وجود الشين والمثلة بذهاب ذلك منه كالأول، وإذا كان له منعه وكان متعديا في إعادة ذلك كان له إزالة ما تعدى فيه. انتهى.

وفي الأذن إن ثبتت تأويلان يعني أنه إذا قطع أذنه خطأ فأخذ لذلك عقلها ثم إن الأذن ردت فثبتت، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك، فذهب ابن رشد إلى لزوم العقل وأن المجني عليه لا يرده إن كان قد أخذه، قال في البيان: وهو مذهب المدونة، ورأى عبد الحق مذهب المدونة كرواية يحيى عن ابن القاسم: لا عقل لها فيرد المجني عليه العقل إن كان قد أخذه. قاله التتائي. والفرق بين السن والأذن على القول بالرد في الأذن أن الأذن إذا ثبتت جرى فيها الدم، والسن

ص: 195

إذا ثبتت أو نبتت لا يجري فيها الدم. واللَّه تعالى أعلم. وقال الرهوني: تأويل رد العقل لعبد الحق في النكت، وتأويل عدم الرد لابن رشد في البيان، وقد نقل أبو الحسن عن ابن يونس ما يفيد أنه حمل المدونة على ما حملها عليه صاحب النكت، وجعل رواية يحيى تفسيرا، وقد جزم ابن ناجي بحمل المدونة على ما في سماع يحيى وعزاه لابن يونس، ونصه: وقوله: ولو رد السن في الخطإ فثبتت كان له العقل المسألة تخصيصه السن يقتضي أنه إذا أزيلت الأذن في الخطإ فردت وعادت لهيئتها فإنه لا دية فيها وهو كذلك. قاله في سماع يحيى حكاه ابن يونس، وأراد بعض الشيوخ أن يخرج فيها خلافا. انتهى. وهذا مع جزم ابن الحاجب به يفيد أن الثاني في كلام المصنف أرجح، ويرجحه أيضا أنه ظاهر المدونة مع تصريح ابن القاسم به في سماع يحيى فلا وجه للعدول عن ظاهرها مع تصريح ابن القاسم في غيرها بما يوافقه، فلو اقتصر عليه المصنف لأجاد. واللَّه أعلم. وفي التوضيح: وقوله -يعني ابن الحاجب- بخلاف الأذن أي فلا عقل لها إن عادت لهئيتها، وهكذا فرق ابن القاسم في سماع يحيى، قال في الرواية المذكورة: وإن كان في ثبوت الأذن ضعف فله بحساب ما نقص من قوتها: وتعددت الدية بتعددها يعني أن الدية تتعدد بتعدد الجناية، فإذا أوضح رجلا فذهب من ذلك سمعه وعقله فعلى عاقلته ديتان تامتان ودية الموضحة، وإذا قطع يديه فزال عقله مثلا فإنه يلزمه ديتان دية لليدين ودية لذهاب العقل، ولو قطع يده فجن فديَتان، وفي الذخيرة: قضى عمر رضي الله عنه فيمن ضرب بحجر في رأسه فذهب سمعه وكلامه وعقله وَإصَابَةُ النِّسَاء بأَرْبَع ديات، وهو كذلك عند مالك لأن الرأس ليس محلا للعقل. قاله غير واحد. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: ابن عرفة: قول ابن شأس: لو ضرب صلبه فبطل قيامه وقوة ذكره حتى ذهب منه أمر النساء لم يندرج، ووجبت ديتان، كقولها: من شج رجلا موضحة خطأ فذهب من ذلك سمعه وعقله فعلى عاقلته ديتان ودية الموضحة. انتهى.

إلا المنفعة بمحلها يعني أن محل تعدد الدية بتعدد الجناية إنما هو إذا لم يذهب المنفعة مع محلها، وأما إن أذهب المنفعة ومحلها فإن في ذلك دية واحدة، كما لو قطع أذنيه فزال سمعه، وكما لو قطع لسانه في فور فأذهب ذوقه وكلامه فإن في ذلك دية واحدة. قال عبد الباقي: إلا

ص: 196

المنفعة الكائنة بمحلها أي الجناية فلا تتعدد الدية في ذهابها مع محلها، كقطع أذنيه فزاد سمعه فدية واحدة أو قلع عينيه فزال بصره فدية واحدة ولا حكومة في محل كل، فإن تعددت المنفعة في محل كما لو جنى على لسانه فأذهب ذوقه ونطقه، وكذا إن فعل به ما منع واحدًا منهما أو هما مع بقاء اللسان فدية واحدة إن أذهب ذلك كله بضربة أو ضربات في فور، وأما بضربات في غير فور فَتَتَعَدَّدُ. انتهى.

ومراد المصنف "بمحلها" الذي لا توجد إلا به، فإن وجدت بغيره وبه ولو أكثرها، ككسر صلبه فأقعده وذهبت قوة الجماع فعليه دية لمنع قيامه ودية لعدم قوَّةِ الجماع، وإن كان أكثرها في الصلب. قال عبد الباقي: ولا يشمل قوله: "بمحلها" الأذن والأنف وإن اقتضاه الشارح والتتائي كابن الحاجب، بل في قطع الأذن أو الأنف غير المارن حكومة، والدية في السمع والشم لأن السمع ليس محله الأذن إلى آخر كلامه. قوله: كقطع أذنيه فزال سمعه الخ هذا هو الصواب دون قوله بعد: "ولا يشمل قوله بمحلها الأنف والأذن" الخ، فإنه مخالف لنص ابن الحاجب وابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة والمواق وابن غازي والحطاب وغيرهم، ونص ابن الحاجب: وكذلك الشم فيه الدية ويندرج في الأنف كالبصر مع العين والسمع مع الأذن. انتهى. ونص ابن عرفة: قال اللخمي: إن ذهب الأنف والشم معا، فقال ابن القاسم: فيهما معا دية واحدة، وقال ابن الجلاب: القياس ديتان والأول أحسن. انتهى. وكذا ذكر هذا الخلاف أيضا في ذهاب السمع مع الأذن، وأما تعريف السمع الذي ذكره وكذا الشم فإنما هما للفلاسفة، وإلا فأكمل السنة لا يقولون بذلك، ومن عرفه من أهل السنة بذلك فقد قلد الفلاسفة فيه ولو سلم، فالفقه المنصوص للأئمة لا يدفع بمثل هذا، فتأمله. واللَّه أعلم.

‌تنبيه:

قوله: "إلا المنفعة بمحلها"، قال البناني: يحتمل أن تكون الباء بمعنى: مع، والضمير للمنفعة، ويحتمل أن تكون بمعنى: في، والضمير للجناية أي إلا المنفعة الكائنة في محل الجناية والمعنى واحد، ويحتمل أن تكون للسببية. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: أي إلَّا إبْطَال المنفعة بسبب إبطال محلها. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 197

وساوت المرأة الرجل للثلث ديته فترجع لديتها يعني أن المرأة تساوي الرجل من أهل دينها إلى ثلث ديته والغاية خارجة، فإذا بلغت الجناية ثلث ديته رجعت المرأة إلى ديتها، فإذا قطع لها ثلاث أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، فإذا قطع لها أربع أصابع ففيها عشرون من الإبل هذا في الأحرار المسلمين وثلاث أصابع للكتابية خمسة عشر من الإبل، فإذا قطع لها أربع أصابع ففيها عشرة من الإبل. واللَّه تعالى أعلم. قال الخرشي: يعني أن المرأة تساوي الرجل من أهل دِينِها إلى ثلث ديته، فترجع حينئذ إلى ديتها، فإذا قطع لها ثلاثة أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، وإذا قطع لها أربع أصابع ففيها عشرون من الإبل لرجوعها إلى ديتها وهي على النصف من دية الرجل من أهل دينها، والمرأة كالرجل في منقلتها وهاشِمَتِهَا وموضحتها، ولا تكون مثله في جائفتها وآمَّتها لأن في كل ثلث الدية، فترجع فيهما لديتها فيكون فيها ثلث ديتها ستة عشر بعيرا وثلثا بعير. انتهى.

وقال عبد الباقي: وساوت المرأة الرجل من أهل دِينِها في قطع أصابعها لثلث أي إلى ثلث ديته بإخراج الغاية، فإذا قطع لها ثلاثة أصابع ففيها ثلاثون من الإبل، فإن قطع لها ثلاثة أصابع وثلث أصبع أو قطع لها أربعة أصابع فترجع لديتها فلها في الأربع عشرون من الإبل لرجوعها لديتها، وهي على النصف من دية الرجل من أهل دينها. انتهى. قوله: في قطع أصابعها الخ تخصيصه ذلك بقطع الأصابع غير صواب، ولو قال: في جراحها أو بعض منفعتها كعشر العقل أو ربع البصر مثلا لكان أولى. انتهى. قاله البناني. وقال الشبراخيتي: وساوت المرأة من أهل كل دين الرجل من أهل دينها في جراحه لثلث ديته، فترجع حينئذ لديتها فتساويه في الموضحة والمنقلة والهاشمة، وترجع لديتها في الجائفة والمأمومة؛ إذ في موضحتها نصف عشر الدية وفي منقلتها وهاشمتها عشر الدية ونصف عشرها، وذلك لا يبلغ ثلث دية الرجل، وأما الجائفة أو المأمومة ففيها ثلث الدية فترجع فيها لديتها، وحينئذ فالمرأة المسلمة مع الرجل المسلم والكتابية مع الكتابي والمجوسية مع المجوسي ترجع لديتها فيهما، وعليه ففي أصبع المرأة عشرة أبعِرَة، وفي أصبعين عشرون، وفي ثلاثة ثلاثون، وفي ثلاثة ونصف أنملة واحد

ص: 198

وثلاثون وثلثان، فتساويه وتخالفه في ثلاثة وأنملة، فلها في ذلك ستة عشر بعيرًا وثلثان لبلوغها الثلث.

قال ربيعة: قلت لابن المسيب: كم في أصبع من أصابع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: كم في أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: كم في ثلاثة؟ قال: ثلاثون، قلت: كم في أربعة؟ قال: عشرون: قلت: حين عظم جُرْحُهَا واشتدت بليتها نقص عقلها؟ قال: أَعِرَاقِيٌّ أنت؟ قلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، قال: هي السنة يا ابن أخي، وبذلك قال جمهور أهل المدينة والليث وعمر بن عبد العزيز وغيرهم وأحمد، وقال أبو حنيفة: والشافعي: تعاقله للنصف. وقوله: "وساوت" الخ في قوة الاستثناء من قوله: وفي كل أصبع عُشُرٌ لأن المعنى وفي كل أصبع عشر دية صاحبه وهذا يصدق بالمرأة واستثناها منه، وكأنه قال: وفي كل أصبع عشر إلا ما حكم الشرع فيه بالتساوي. انتهى. وقال المواق من المدونة: المرأة تعاقل الرجل في الجراح إلى ثلث ديته لا تستكمله، فإذا بلغت ذلك رجعت إلى عقل نفسها، وتفسير ذلك أن لها في ثلاث أصابع ونصف أنملة إحْدَى وثلاثين بعيرا وثلثي بعير، والرجل في هذا وهي سواء، وإذا أصيب منها ثلاث أصابع وأنملة رجعت إلى عقلها فكان لها في ذلك ستة عشر بعيرا وثلثا بعير، وفي الموطإ عن ربيعة: قلت لابن المسيب: كم في ثلاث من أصابع المرأة إلى آخر ما مر.

ولما نبه على أن المرأة تساوي الرجل فيما دون ثلث ديته، بَيَّنَ ما يضم من الجناية بعضه لبعض وما لا يضم، فقال: وضم متحد الفعل يعني أنه إذا فعل بالمرأة فعلا واحدا فإنه يضم ما نشأ عن ذلك الفعل بعضه إلى بعض، فإذا بلغ ذلك ثلث دية الرجل رجعت هي لديتها وما دون الثلث تساويه فيه، فإذا ضربها ضربة واحدة شجَّها وقطع بها أصابع -مثلا- فإنه تضم الشجة للأصابع، فإن بلغ ثلث دية الرجل رجعت لديتها، فإذا نشأت عن تلك الضربة منقلة وقطع أصبع ففي ذلك خمس وعشرون من الإبل، فإذا أوضحها مع ذلك موضحتين ففي ذلك سبعة عشر ونصف.

أو في حكمه يعني أن ما في حكم الضربة الواحدة كضربات في فور يضم بعضه لبعض، اتحد المحل كأربع أصابع ففيها عشرون، أو لم يتحد كمنقلة وقطع أصبع وقلع سنين ففي ذلك سبعة

ص: 199

عشر ونصفا. واللَّه تعالى أعلم. أو المحل يعني أن الجناية في المرأة إذا وقعت في محل واحد فإنه يضم بعضها لبعض، اتحد الفعل أو لم يتحد، ولم يكن في حكم المتحد كأصابع يد فقط أو رجل فقط، فإذا قطع لها ثلاث أصابع من اليد اليمنى أخذت لها ثلاثين، فإذا قطع الاثنين الباقيين منها أو واحدا منها أخذت للاثنين عشرًا وللواحدة خمسا، وإذا قطع لها ثلاثا من اليد اليمنى أخذت لها ثلاثين، فإذا قطع لها ثلاثا من اليد اليسرى أخذت لها ثلاثين أيضا، فإذا قطع لها بعد ذلك أصبعا واحدا فأكثر من أي يد فإن لها في كل خمسا من الإبل فيما يستقبل لا في الماضي.

وهذا الضم الكائن في المحل الواحد حيث لم يكن الفعل متحدا ولا في حكم المتحد، إنما هو في الأصابع فقط. هذا هو الذي قاله المصنف. ويأتي ما فيه لا الأسنان يعني أن الأسنان لا يضم بعضها لبعض في الجناية على المرأة متى تراخى الفعل، فتأخذ لكل سن خمسا من الإبل من جناية لم تكن متحدة ولا في حكم المتحدة، والمواضح يعني أن المواضح في الجناية على المرأة كالجناية على أسنانها، فلا يضم بعض المواضح لبعض بل تأخذ لكل موضحة خمسا من الإبل حيث لم يكن ذلك من فعل واحد ولا مما في حُكْمِهِ كضربات بفور.

والمناقل يعني أن المناقل في المرأة لا يضم بعضها لبعض حيث لم تكن من فعل واحد ولا مما في حكمه، فتأخذ لكل منقلة خمسة عشر من الإبل. وقوله:"لا المواضح والمناقل" قال المصنف: قالوا باتفاق. قاله التتائي.

وتحصل مما مر أن هذه المسألة على أربعة أقسام: أحدها أن يتحد الفعل أو يكون في حكم المتحد فيضم بعض الجناية لبعض فيما إذا اتحد المحل، ثانيها كذلك إلا أنه لم يتحد المحل فالضم ثابت أيضا، ثالثها أن لا يكون ذلك من فعل واحد ولا مما في حكمه بل من أفعال متراخ بعضها عن بعض أو من فعلين كذلك، فيضم أيضا حيث اتحد المحل كالأصابع من اليد اليمنى فقط أو من اليد اليسرى فقط أو من الرجل اليمنى أو اليسرى كما في المواق، وهذا خاص بالأصابع لا في غيرها كالمواضح والمناقل والأسنان. رابعها كذلك إلا أنه لم يتحد المحل فلا ضم في الأصابع وأحرف في غيرها. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 200

قال عبد الباقي: وضم متحد الفعل أي ما ينشأ عن اتحاده ولو تعدد المحل، فإذا ضربها ضربة واحدة أو ما في معناها كضربات في فور أو من جماعة، وهذا مراده بقوله:"أو في حكمه" فقطع لها أربعة أصابع من كل يد إصبعان أو من يد ثلاثة ومن الأخرى أصبع فلها في الأربعة عشرون فقط من الإبل.

فقوله: "وضم متحد الفعل" أي في كل شيء في الأسنان والمواضح والمناقل، وهو من إضافة الصفة للموصوف أي الفعل المتحد، وفيه حذف مضاف أي أثر الفعل وهو الجراحات إذ الفعل نفسه لا يضم، وفائدة الضم أن الجناية إذا بلغت ثلث دية الرجل فترجع لديتها كما مثلنا، وعطف على قوله الفعل، فقال:"أو متحد المحل" ولو تعدد الفعل حيث لم يكن فورا في الأصابع، فإذا قطع لها ثلاثا من يد فأخذت ثلاثين من الإبل، ثم قطع لها من اليد الأخرى ثلاثا فأخذت ثلاثين من الإبل أيضا لأن كل يد محل مستقل، فإذا قطع لها بعد ذلك أصبعا واحدة من أي يد فإن لها في كل خمسا من الإبل فيما يستقبل لا بالنسبة للماضي، فلا ترد ما أخذت. ولو ضربها فقطع لها إصبعين من يدها اليمنى فأخذت لهما عشرين من الإبل، ثم بعد مدة ضربها فقطع لها إصبعين من تلك اليد فإنها تأخذ لهما عشرة من الإبل، ولو كان القطع من غير اليد الأولى لم يضم لأن كل واحدة محل مستقل كما مر لا يضم متحد الفعل في الأسنان أي لا يضم بعضها لبعض، بل تأخذ لكل سن خمسا من الإبل إذا كان ذلك في ضربات متفرقة ليست فورا ولا المواضح والمناقل، فلا يضم بعض الأفعال فيها لبعض، كما لو أوضحها موضحتين فأخذت عقلهما ثم أوضحها مواضح متعددة فلها عقلها كالرجل ما لم يبلغ في المرة الواحدة الثلث.

وحاصل ما مر أن الفعل المتحد أو ما في حكمه يضم في الأصابع والأسنان وغيرهما، وأما إذا اتَّحد المحل فيضم في الأصابع لا في غيرها، "فقوله في الأصابع" متعلق بقوله:"أو المحل"، ولو قال: كالمحل لكان أحسن، ليكون قوله:"في الأصابع" وما بعده من النفي قاصرا على ما بعد الكاف كما هو قاعدته الأغلبية. انتهى.

‌تنبيهات:

الأول: قال البناني: التقييد بالأصبع راجع للمحل فقط، وفهم ابن مرزوق أنه راجع للمسائل فاعترض على المصنف وليس كذلك، على أن مصطفى اعترض على المصنف في

ص: 201

تخصيصه المحل بالأصابع، بقول اللخمي: ما أصيب في العين والأنف والسمع وشبهه مما فيه دية فإنه يضم إلى الآخر كالأصابع. انتهى. قلت: ومثله قول أبي الحسن: وأما إذا كان ذلك في شيء واحد له دية كالسمع والأنف والبصر فإنه يجمع عليها، فإن قطع لها من أنفها ما يجب فيه سدس الدية فأخذته، ثم قطع لها بعد ذلك ما يجب فيه سدس الدية فإنها ترجع إلى عقلها لأنها بلغت الثلث، وكذلك الحكم في السمع والبصر. انتهى. وهو يوضح ما قاله اللخمي. انتهى. لكن ما ذكره المصنف نحوه في المدونة قاله في الميسر.

الثاني: قال البناني: قال ابن يونس: قال ابن المواز: اختلف قول ابن القاسم في الأسنان، فجعلها مرة كالأصابع تحاسب بما تقدم إلى الثلث، قال أصبغ: وقوله الأول: في كل سن خمس من الإبل ولا تحاسب بما تقدم وإن أتى على جميع الأسنان لم يكن في ضربة واحدة بخلاف الأصابع، وإلى هذا رجع ابن القاسم وهو أحب إلي. قال محمد: الأسنان عندنا كالرأس يصاب بمواضح أو بمناقل فلا يجمع عليها إلا ما كان في ضربة. ابن يونس: وكذلك لو كان في فور واحد. انتهى. نقله العبدوسي. وقال ابن عرفة: في اختصار ما تقدم: محمد: وتضم الأسنان باتحاد الضربة وفي ضمها باتحاد محلها قولا ابن القاسم وأصبغ: عدم الضم أحب إلي، واختاره محمد. الشيخ: لابن القاسم في المجموعة: لا تضم المواضح والمناقل إلا بكونها في فور واحد. انتهى. وبذلك يتبين الرد على التتائي. انتهى.

الثالث: قال التتائي: الأصبع يذكر ويؤنث. ذكره الجوهري. انتهى.

وعمد لخطإ يعني أن جناية العمد على المرأة لا تضم إلى جناية الخطإ عليها، فإذا قطع لها ثلاثة أصابع عمدا فاقتصت منه أو عفت عنه، ثم قطع لها بعد ذلك ثلاثة أصابع خطأ فلها في كل أصبع عشر من الإبل، فقوله:"وعمد" الخ عطف على الأسنانِ؛ أي ولا يضم عمد لخطإ اتحد محلهما أو تعدد، وكان الفعل في حكم المتحد. قال الشبراخيتي: ولا عمد لخطإ أي لا يضم عمد لخطإ اتحد محلهما أو تعدد وكان الفعل في حكم المتحد، ولا يتصور أن يكون الفعل هنا واحدا، كما لو قطع لها أربع أصابع اثنين عمدا ثم اثنين خطأ فلها في كل أصبع عشر

ص: 202

فتأخذ أربعين، وهذا إن أخذت دية الأصبعين الأولين المقطوعين عمدا، بل وإن عفت عنه ولم تأخذ شيئا أو أخذت أقل من دية الإصبع.

وفي المواق: قال ابن القاسم: ولو قطع لها ثلاثة أصابع عمدا ثم قطعت لها الأصبعان الباقيان من تلك اليد خطأ لكان لها فيهما عشرون بعيرا، إنما يضاف بعض الأصابع إلى بعض في الخطإ. انتهى. وقوله:"وإن عفت" هذا هو المعروف ولم يختلف فيه قول ابن القاسم وروايته، قال في البيان: وروي عن أشهب أنه يحسب عليها من أصابعها ما أصيب به عمدا، وهو قول سحنون والبرقي. قاله في التوضيح.

ولما ذكر الديات في النفس وأجزائها كالسمع والبصر واليدين، شرع في بيان من يحملها فقال: ونجمت دية الحر يعني أن دية الحر تنجم على الحاملين لها أي تُوَجَّل، قال عبد الباقي: ونجمت وفي بعض النسخ: ونجم وجرده من التاء لأن الفعل إذا أسند إلى ظاهر مجازي التأنيث جاز فيه ذلك. قاله الشارح. والمقصود هنا ذكر حمل العاقلة سواء كانت دية مسلم أو ذمي أو مجوسي أو نساء كل.

وأشار للشرط الأول بقوله: "دية الحر" فلا تحمل قيمة عبد بل هي حالة على قاتله، وللثاني بقوله: في الخطإ فلا تحمل العمد بل هي حالة على الجاني حيث عفا عنه، وفي حكم الخطإ العمد الذي لا قصاص فيه كالمأمومة والجائفة كما يأتي وللثالث بقوله: بلا اعتراف متعلق بمحذوف حال من دية الحر أي كائنة بلا اعتراف؛ يعني أن ما ثبت باعتراف الجاني أي إقراره لا تحمله العاقلة بل هو حال في مال الجاني. قال عبد الباقي: بلا اعتراف من الجاني بل ثابتة ببينة أوْ لَوْثٍ فلا تحمل ما اعترف به من قتل أو جرح خطأ بل حال في ماله كما أصلح سحنونٌ المدونةَ عليه وهو المعتمد كما يذكره علي الأجهوري في القسامة دون كلامها، فإنه غير معتمد وإن اقتصر عليه على الأجهوري هنا، فقال: ويمكن الجمع بأن إقراره إذا كان مأمونا ثقة وليس أَكِيدَ قرابة للمقتول ولا صديقا ملاطفا له، ولم يتهم في إغناء ورثة مقتوله ولا رشوة منهم في إقراره، فإن إقراره لَوْثٌ يحلف بسببه أولياء المقتول خمسين يمينا وتحملها العاقلة، فحملها للقسامة مع اللوث لا لمجرد إقراره. تأمل. ونحوه للطخيخي، وكلام المصنف لا يخالفه

ص: 203

لأن معنى قوله: "بلا اعتراف" أن العاقلة لا تحمل اعتراف الجاني من حيث اعترافه، وأما إذا وجدت شروط الاعتراف فإنها تحملها من حيث القسامة لا من حيث الاعتراف. انتهى كلام عبد الباقي.

قال البناني: بلا اعتراف فإن ثبت باعترافه ففي المذهب أقوال، قيل: الجناية في مال المقر وحده، وقيل: على عاقلته بقسامة وسواء مات المقتول في الحال أم لا، وقيل: تبطل الدية مطلقا، وقيل: على العاقلة بشرط أن لا يتهم المقر في إغناء ورثة المقتول، وقيل: عليهم بشرط أن يكون عدلا، وقيل: بعض عليه وعليهم فما نابه يلزمه ويسقط ما عليهم وهذه الأقوال كلها تستقرأ من المدونة. قاله الشارح. واقتصر ابن الحاجب على أنها على العاقلة بقسامة بشرط أن لا يتهم المقر في إغناء ورثة المقتول، فانظره مع كلام المصنف. انتهى. قوله: فانظره مع كلام المصنف إشارة إلى أنه كان ينبغي للمصنف أن يعتمد على ما اعتمده ابن الحاجب وهو صواب، إذ حاصل كلام الأئمة أن ما ذهب عليه المصنف هو أحد قولي مالك في كتاب الصلح من المدونة، وما درج عليه ابن الحاجب هو أحد قوليه في كتاب الصلح أيضا، وعليه اقتصر في كتاب الديات من المدونة وهو قول ابن القاسم وأشهب وروايتهما، وعليه حمل الأكثر المدونة وهو نص قول مالك في كتاب محمد والمجموعة، قال ابن مرزوق: وهذا هو الذي كان ينبغي للمصنف أن يفتي به. انتهى.

وقول عبد الباقي: وكلام المصنف لا يخالفه لأن معنى قوله الخ، هذا الجواب يسقط به البحث عن المصنف، وقول البناني: قيل الجناية في مال المقر وحده ظاهره بلا قسامة وهو أحد قولي مالك، وقيل عليه بقسامة وهو لمالك أيضا، وقد أطلق غير واحد الخلاف وقيده ابن رشد بما إذا تأخر موت المقتول، وأما إذا مات من حينه فلا قسامة باتفاقهما. واللَّه أعلم. وقول عبد الباقي: كما أصلح سحنونٌ المدونةَ عليه سكت عنه التاودي والبناني مع أنه غير صحيح سرى له ذلك من فهمه كلام ابن غازي على غير وجهه. انظر ما يأتي عند قوله: "أو إقرار القاتل في الخطإ". قال جميعه الرهوني.

ص: 204

على العاقلة والجاني متعلقة "بنجمت" يعني أن الدية تجعل على العاقلة والجاني منجمة أي مؤجلة قال عبد الباقي: وتنجم على العاقلة والجاني وهو كواحد منهم ولو صبيا أو مجنونا أو امرأة فيعقلون عن أنفسهم، وما يأتي من قوله:"ولا يعقلون" أتي عن غيرهم. انتهى. قوله: ولو صبيا أو مجنونا أو امرأة لخ، فيه نظر. وسيأتي عن ظاهر كلام الأيمة أن هؤلاء لا يعقلون مطلقا لا جناياتهم ولا جنايات غيرهم. قاله البناني. وقال الحطاب: ما ذكره من دخول الجاني هو المشهور، وقيل لا يدخل. ابن عرفة: وعليه إن لم تكن عاقلة تسقط الجناية، وعلى الأول إن لم يجد من يُعِينُه فيها عادت عليه وقيل على بيت المال، فإن لم يكن أو عَسُرَ تناوله كانت عليه، والقول الثاني من هذين القولين المفرعين على الأول هو الجاري على كلام المؤلف. واللَّه أعلم.

‌فرع:

لا تحمل العاقلة جناية العبد، قال في التوضيح: لأنه إن جنى عمدا اقتص منه وإن جنى خطأ ففي رقبته. انتهى. وكذلك لا تحمل العاقلة من قتل نفسه وكذلك الصلح، قال في التوضيح: لأنه إن كان مما يلزم العاقلة من دية الخطإ فمن حق العاقلة أن [ترده]

(1)

إن شاءت، وإن كان عن عمد فلا يلزمها الأصل ولا الفرع. انتهى كلام الحطاب.

إن بلغ ثلث دية المجني عليه أو الجاني هذا هو الشرط الرابع؛ يعني أن العاقلة إنما تحمل الدية فتنجم عليهم بشرط أن يبلغ عقل الجناية ثلث دية المجني عليه أو يبلغ ثلث دية الجاني، فإذا قطع للمرأة أصبعين خطأ فإن عاقلة الجاني تحمل العشرين لأنها أكثر من ثلث دية المرأة، سواء كان الجاني رجلا أو امرأة، ولو قطع لرجل إصبعان أو ثلاث خطأ، فإن كان الجاني رجلا فلا تحمل العاقلة ذلك لأن عشرين أو ثلاثين لا تبلغ ثلث دية الرجل المسلم، وإن كان الجاني امرأة نجمت على العاقلة لبلوغ ذلك ثلث دية الجاني. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وأشار إلى الشرط الرابع بقوله: إن بلغ العقل المحمول ثلث دية المجني عليه وإن لم يبلغ ثلث دية الجاني أو الجاني وإن لم يبلغ ثلث دية المجني عليه، فلو جنى مسلم على مجوسية خطأ ما يبلغ ثلث ديتها، أو جنى مجوسي أو مجوسية على مسلم ما يبلغ ثلث

(1)

في الأصل: ترد، والمثبت من الحطاب ج 6 ص 473 ط دار الرضوان.

ص: 205

دية الجاني حملته العاقلة، والأصل في هذا الحكم ما رواه ابن عباس: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا ما دون الموضحة، والمراد بما دون الموضحة ما دون الثلث. انتهى. وقال الشافعي: تحمل القليل. نقله عبد الباقي.

وذكر مفهوم الشرط بقوله: وما لم يبلغ ثلث أحدهما، فحال عليه أي على الجاني، ومثل الدية الحكومة والغرة في التنجيم حيث بلغ كل منهما الثلث أو أقل ووجب مع دية، وكذا موضحة ومنقلة مع دية كما مر. وَمِمَّا ينجم لكن لا على العاقلة دية حر مقتول عبد فداه سيده على المنصوص، وأخذ ابن رشد من المدونة أنها تكون حالة. قاله عبد الباقي. قوله: ومما ينجم أيضا لكن لا على العاقلة دية حر مقتول عبد الخ يؤخذ منها أنه يشترط في التنجيم على العاقلة أن يكون الجاني حرا كما تشترط الحرية في المجني عليه. قاله البناني. وقوله: "وما لم يبلغ فحال عليه" فإن سرى إلى ما تحمله العاقلة نجم الجميع عليها، كما لو وقع معه ما يبلغ الثلث فأكثر كمُوضِحَة مع مأمومة بضربة واحدة، وكذا لو أوضحه فذهب سمعه وعقله. وفي المدونة: وإن شجه ثلاث منقلات في ضربة واحدة حملته العاقلة؛ لأن هذا يبلغ أكثر من الثلث، وإن كان ثلاث في ضربات وكان ضربا متتابعا لم يقلع عنه فهو كضربة واحدة تحمله العاقلة، وإن كان متفرقا في غير فور واحد لم تحمله العاقلة. انتهى.

وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: ولو شجه موضحة خطأ فذهب سمعه وعقله فديتان ونصف عشر على العاقلة. انتهى. قال في التوضيح: واحترز بقوله: خطأ مما لو كانت عمدا فإنه يقتص له من الموضحة، فإن ذهب عقل المقتص منه وسمعه فواضح، وإن لم يذهب ذلك فدية ذلك في مال الجاني. وقوله:"وما لم يبلغ فحال عليه" قال عبد الباقي: صرح بالمفهوم لأنه لو لم يصرح به لم يعلم هل هو حال عليه وعليهم أو ينجم عليه فقط.

وقال الشبراخيتي: ذكره وإن كان مفهوم الشرط ليرتب عليه ما بعده من قوله: كعمد الخ يعني أن دية العمد على نفس أو طَرَفٍ لا تنجم على العاقلة ولا تحملها، بل حي في مال الجاني حالة عليه إذا عفي عنه عليها، وشمل كلامه هنا الجراح التي فيها القصاص وعفي عنه للدية. قال المواق عند قوله:"كعمد" ما نصه: الرسالة لا تحمل العاقلة قتل عمد ولا اعترافا به، قال

ص: 206

مالك: إذا أقر بقتل الخطإ ثم رجع عن إقراره قبل منه، وإذا أقر بقتل العمد ثم رجع لم يقبل منه قال عبد الوهاب في الموضعين: فهو رجوع عن إقرار بقتل. ابن الحاجب: الدية في العمد وفيما لم يبلغ الثلث على الجاني حالة. انتهى. وقال القلشاني: مَن أقر أنه قتل رجلا قتلا مجهزًا لا يقبل رجوعه، ومن أقر أنه جرح فلانا ومات من جرحه ثم رجع عن إقراره قبل رجوعه لأنه يقول كنت ظننت أنه مات من جرحي ثم تحققت أنه لم يمت منه. انتهى. قاله مفرقا بين من أقر أنه قتل رجلا قتلا مجهزا فيقتل من غير قسامة اتفاقا وبين مسألة أخرى.

ودية غلظت من عطف الخاص على العام؛ يعني أن الدية المغلظة على الأب بالتثليث لا تحملها العاقلة فلا تنجم عليها بل هي في مال الأب حالة عليه، قال عبد الباقي: ودية غلظت عطف خاص على عام، إذ المغلظة إنما تكون في العمد وهو شامل لجراح العمد، وقتل عمد لا يقتص منهما لكون الجاني زائد إسلام وأراد غلظت بالتثليث. انتهى. وقال الشبراخيتي: ودية غلظت أي على الأب وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن المراد بالتغليظ التثليث وهو لا يكون إلا في العمد، وإنما أتى به ليلا يتوهم أن القصاص لما كان ساقطا صار كالخطإ، ولو أدخل الكاف عليه ليكون هو وما بعده مثالا للعمد لكان أحسن؛ لأنه من العمد أو أسقطه. انتهى. وقال التتائي: كعمد ودية غلظت على الأب فلا تحملها العاقلة وهي حالة على المشهور فيهما. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: الدية المغلظة على الجاني على المشهور. انتهى. وقيل: تنجم على العاقلة. واللَّه تعالى أعلم. وفي الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: الدية المغلظة تكون في شبه العمد وهو ضرب الزوج والمؤدب والأب في ولده والأم والأجداد وفعل الطبيب والخاتن وهو كل من جاز فعله شرعا، قيل: واللطمة والوكزة والرمية بالحجر والضرب بعَصًا متعمدا فهذا شبه العمد لا يقتص منه وتكون فيه دية مغلظة. انتهى. وقد مر المشهور.

وساقط لعدمه يعني أن العاقلة لا تحمل شيئا مما وجب على الجاني حيث سقط عنه القصاص لعدم العضو المماثل للذي وقعت عليه الجناية، كما إذا فقأ أعور اليمنى عين شخص يمنى عمدا فعليه خمس مائة دينار حالة في ماله وكقطع يمين ولا يمين للقاطع، فإن لم يكن للجاني مال ففي ذمته كما في الشبراخيتي. وفي المواق من المدونة: إذا فقأ أعور اليمنى يمنى رجل صحيح

ص: 207

عمدا فعليه خمس مائة دينار في ماله، وهو كأقطع اليد اليمنى يقطع يمنى رجل، فدية الرجل في مال الجاني ولا يقتص من اليسرى باليمنى. انتهى. وقال عبد الباقي: وعضو ساقط فيه القصاص لعدمه أي لعدم المماثل له، كما لو فقأ أعور العين عَيْنَ شخص عمدا مماثلة للمعدومة فعليه خمس مائة دينار حالة في ماله، ومثله ما سقط فيه القصاص لعدم المكافأة، كقطع مسلم يد كافر. وأتى المصنف بهذا ليلا يتوهم أن القصاص لما كان ساقطا صار كالخطإ.

إلا ما لا يقتص منه من الجراح لإتلافه فعليها مستثنى من قوله: "كعمد" يعني أن جراح العمد التي لا يقتص منها لأجل إتلافها وهي ما عظم فيه الخطر تحمل العاقلة منها ما بلغ ثلث دية المجني عليه أو الجاني، فَتُنَجَّمُ عليها سواء كان الجاني مكافئًا أو غير مكافئٍ، فإن لم يقتص منها لعدم المساواة أو لعدم المكافأة ففي مال الجاني حالة عليه. قال عبد الباقي: واستثنى من قوله: "كعمد"، فقال:"إلا ما" سقط منه القصاص مع وجود مثله لكونه لا يقتص منه فمن الجراح كجائفة ومأمومة وكسر فخذ لإتلافه أي لخوفه إن اقتص منه فعليها أي العاقلة إن بلغ ثلث دية المجني عليه أو الجاني، وتحمل كسر الفخذ مع بلوغه الثلث حيث كان فيه حكومة، وأما إذا جنى ولا مماثل له وبفرض وجوده لا يقتص منه لأنه متلف، فيتعارض فيها قوله:"وساقط لعدمه" فإنه يقتضي أن الدية في هذه في مال الجاني. وقوله: "إلا ما لا يقتص منه" الخ فإنه يقتضي أن الدية فيها على العاقلة، والظاهر العمل على الثاني بالأولى مما ذكره المصنف. انتهى.

وقال الشبراخيتي: اعلم أنه حيث كان عدم القصاص من الجرح لكونه متلفا فإنه على العاقلة، سواء كان الجاني مكافئا أو غير مكافئ، كأن يجرح مسلم نصرانيا مثلا جرحا لا يقتص منه للإتلاف فإن ديته على عاقلة المسلم، فإن كان المانع من القصاص عدم المساواة فقط فإنه في مال الجاني. انتهى. وقال المواق من المدونة: عقل المأمومة والجائفة عمدا على العاقلة ولو كان للجاني مال، وعلى هذا ثبت مالك وابن القاسم وبه أقول. انتهى. وقوله:"فعليها" أي على العاقلة كما رجع إليه مالك، وقيل على الجاني، وقيل عليه إلا أن يكون عديما فعليها، والأقوال الثلاثة لمالك. انتهى.

ص: 208

قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: والحاصل أن العمد في النفس في مال الجاني حالا حيث عفي على الدية أو سقط القصاص لزيادة إسلام أو لأبُوَّةٍ، وأما الجناية عمدا في الطرف فإن عفي للدية أو سقط القصاص لكون المجروح كاملا جرحه ناقص، أو لكون الجاني زائد إسلام، أو لعدم المماثلة فكذلك أي في مال الجاني حالة، وأما إن سقط القصاص لإتلاف الجناية فإن العاقلة تحمل ما بلغ الثلث من ذلك، كان الجاني زائد إسلام أو ناقصا جرح كاملا، أو كان الجاني مكافئا أو عدم المماثل. هذا هو تحرير المسألة. واللَّه تعالى أعلم.

ولما جرى ذكر العاقلة بين أنها ثلاثة، العصبة ومن بعدها ويلحق بها أهل الديوان لعلة التَّناصُرِ والولاء وبيت المال لا الموالاة والمحالفة، فقال: وهي العصبة يعني أن العاقلة عدة أمور، منها العصبة وأهل الديوان والموالي الأعلون والأسفلون وبيت المال، ثم إن شرط من يحمل أن يكون موافقا للجاني في الدين. وفي الذخيرة: سميت عاقلة لأنها تعقل لسان الطالب، وقيل: تعقل -بسبب الغرامة- الجناية عن الجُنَاة، وقيل: لأن غالبه وأصله: الإبل؛ وهي يؤتي بها معقولة. انتهى. أي لأنها تدفع العقل. الشبراخيتي: وإنما سميت الدية به لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل. قاله الشبراخيتي. وقوله: وهي العصبة قربوا أو بعدوا وهم الذين ينسبون إلى أب واحد، وفي المواق: الجلاب: العاقلة هم العصبة قربوا أو بعدوا ولا يحمل النساء والصبيان شيئا من العقل، وليس لأحوال العاقلة حد إذا بلغته عقلوا ولا لما يؤخذ منهم حد، ولا يكلف أغنياؤهم الأداء عن فقرائهم، ومن لم تكن له عصبة فعقله في بيت مال المسلمين والموالي بمنزلة العصبة من القرابة، ويدخل في القرابة الابن والأب. انتهى. وقال عبد الباقي: وهي العصبة وأهل الديوان والموالي الأعلون والأسفلون، ويدل للثاني ذكرهم بعد.

وللأول قوله: وبدئ بالديوان يعني أنه يبدأ بأهل الديوان على عصبة الجاني، فإِذَا كان أهلُ الديوان العددَ المعتبر في حد العاقلة اكتفي بهم عن العصبة وعن غيرهم. قال عبد الباقي: وبدئ بالديوان على عصبة الجاني ولا بد من التقدير الذي ذكرناه بعد الخبر ليعم الأخبار وليصح ارتباط قوله: "وبدئ" الخ به، ويجوز جعل التقدير في المبتدإ أي وبعض العاقلة العصبة، ثم إن

ص: 209

أهل الديوان عصبة ولو كانوا من قبائل شتى حيث كان الجاني من أهله. انتهى. قوله: ثم إن أهل الديوان عصبة صوابه عاقلة. قاله الرهوني. وقال المواق: ابن شأس: إذا كان القاتل من أهل ديوان مع غير قومه حملوا عنه دون قومه. انتهى. وقوله: "وبدئ بالديوان" هو كما قال ابن عرفة: اسم لرسم جمع اسماء المعدين لقتال العدو بعطاء. انتهى. والرسم الكتاب وأخصر منه رسم فيه أسماء من يجاهد بعطاء. قاله الشيخ إبراهيم. وقال: ثلاثة لا يقولها بالفتح إلا فصيح: الدّيوان ودَحية والدّيباج. وقال عبد الباقي: والديوان بكسر الدال على المشهور وفي لغة بفتحها، بخلاف دحية ففتح داله وكسرها لغتان. قاله النووي في تهذيبه. وكذا ديباج كما في دقائق المنهاج، زاد ابن الملقن: وجعل أبو زيد الفتح فيه خطأت وبهذا يرد ما قيل عن شرح الفصيح: ثلاثة لا يقولها بالفتح إلا فصيح ديوان وديباج ودحية. انتهى. وقد مر هذا الضبط والتفسير في باب الجهاد، وإنما أعدته هنا لقصد الإيضاح. واللَّه تعالى أعلم.

وقال الشبراخيتي: وبدئ بالديوان على حذف مضاف أي أهله وإن لم يكونوا عصبة على العصبة، وظاهره ولو كانوا من قبائل شتى وهو كذلك في العتبية، وذكر ابن مرزوق أن ظاهر المدونة أن أهل الديوان لا يحملون الدية إلا إذا كانوا من قبيلة الجاني والمعتمد الأول، والمراد بأهل الديوان أهل ديوان واحد أي ديوان إقليم واحد لا أهل ديوان مملكة واحدة؛ لأن المملكة الواحدة قد يكون لها دواوين متعددة كَمَمْلَكَةِ بني عثمان فأهل مصر كلهم ديوان واحد وهكذا، وسيأتي:"ولا دخول لبدوي مع حضري ولا شامي مع مصري مطلقا". انتهى. وقال البناني: وبدئ بالديوان نحوه لابن الحاجب وابن شأس وهو خلاف ظاهر المدونة من قول مالك: إنما العقل على القبائل، كانوا أهل ديوان أم لا. قاله ابن رشد. وقد نقل في التوضيح كلام ابن رشد، وقال اللخمي: القول بأنها تكون على أهل الديوان ضعيف، وإنما يراعى قبيل القاتل فكان على المؤلف الجريُ على مذهب المدونة، فإن الذي ذكره هو لمالك في الموازية والعتبية. انتهى. ولم يراع مالك في الموطإ الديوان ولا اعتبر به في العاقلة، وقد قال: تعاقل الناس قبل الديوان. انتهى. قال: وإنما كان الديوان في زمان عمر بن الخطاب، فليس لأحد أن يعقل عنه غير قومه ومواليه. انتهى.

ص: 210

إن أعطوا يعني أن الديوان إنما يعتبر كون أهله عاقلة حيث أعطوا من بيت المال عطاء مستمرا، قال المواق: أشهب: وهذا في ديوان عطاؤه قائم. انتهى. وقال البناني عند قوله: "إن أعطوا" هو شرط في أداء بعضهم عن بعض كما قرره به ابن مرزوق والشارح، وكلام التوضيح صريح فيه. قال الشيخ المسناوي: وهو الظاهر، ونص ابن شأس: فإن لم يكن عطاء فإنما يحمل عنه قومه. انتهى. وقال الشبراخيتي: والظاهر أنه لا يعقل عن كل أحد إلا طائفته لاتحاد العطاء وإلا فالديوان يشمل عدة أعطية مختلفة. انتهى. وقوله: "وبدئ بالديوان" فإن اضطروا إلى معونة أعانهم عصبة الجاني، هذا هو المنقول في المذهب لا كما قال عبد الباقي: فإن لم يكن فيهم من يحمل ضم إليهم عصبتهم أي عصبة أهل الديوان الذين ليسوا معهم في الديوان. انتهى. فإنه غفلة عن المنقول في المذهب وهو الذي في ابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهما. واللَّه تعالى أعلم.

ثم إن لم يكن ديوان أو كان وليس الجاني من أهله أو من أهله ولم يعطوا، بدئ بها أي بالعصبة الأقرب فالأقرب، قال عبد الباقي: على ترتيب النكاح من قوله: "وقدم ابن فابنه" الخ.

‌مسألة:

قال في الموطإ: ليس على ولد المرأة إذا كان من غير قومها من حمل ديتها شيء، ولا على إخوتها من أمها إذا كانوا من غير عصبتها شيء من حمل جنايتها، وعصبتها عليهم عقلها من زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وموالي المرأة ميراثهم لولد المرأة وإن كانوا من غير قبيلتها وعقل جناية الموالي على قبيلتها. انتهى. وقال البناني: يعني إن لم يكن الجاني من أهل ديوان فعصبته يعقلون عنه، ويبدأ بالفخذ ثم البطن ثم العمارة ثم الفصيلة ثم القبيلة ثم أقرب القبائل. قاله ابن الحاجب. وقيل: إن الفصيلة أقرب من الفخذ، فهي أقرب ما يلي الإنسان، وهو الذي في القاموس. وهذا الذي ذكره ابن الحاجب هو مراد المصنف، فقول الزرقاني: على ترتيب النكاح من قوله: "وقدم ابن فابنه" الخ، فيه نظر. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: يترتب على كلام عبد الباقي أنه إذا كان بنو الجاني سبعمائة لا تحمل الفخذ ولا الفصيلة شيئا، على القول بأن العاقلة سبعمائة، وعلى ما للبناني يحملون. واللَّه أعلم.

ص: 211

‌فائدة:

قال البناني: أسماء طبقات قبائل العرب ستة: الشعب بالفتح ثم القبيلة ثم العمارة بالفتح وقد تكسر ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة، وزاد بعضهم: العشيرة فخزيمة شعب، كنانة قبيلة، قريش عمارة، قصي بطن، هاشم فخذ، العباس فصيلة، العشيرة الإخوة. ونظم ذلك بعضهم فقال:

قبيلَةٌ قَبْلها شعبٌ وبعدَهُما

عَمَارةٌ ثم بَطْنٌ تِلْوها فَخِذُ

وليس ياوي الفتى إلا فصيلَتُه

ولا سَدَادَ لسهم ما له قُذَذُ

انتهى. وقال الحطاب بعد أن ذكر هذه الطبقات: فالشعب بالفتح مأخوذ من شعب الرأس بالفتح أيضا وهو شأنه الذي يضم قبائله كما قاله في الصحاح والشأن واحد الشؤون وهو تواصل قبائل الرأس وملتقاها ومنها تَجْرِي الدموعُ. قاله في الصحاح: والقبيلة مأخوذة من قبائل الرأس، قال في الصحاح: وهي العظام الشعب بعضها إلى بعض يصل بينها الشوي وبها سميت قبائل العرب والواحدة قبيلة وهم بنو أب واحد، والقبيل الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى، مثل الروم والزنج والعرب والجمع قبل. وقوله سبحانه:{وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} . قال الأخفش: قبيلا قبيلا، وقال الحسن: عيانا. انتهى. والعمارة بالفتح وقد تكسر مأخوذ من عمارة الإنسان وهي صدره لأنه موضع القلب، وهي عمارة الجسد والبطن لأن بطن الإنسان تحت صدره والفخذ كذلك، والفصيلة قال في الذخيرة: ما تحت الفخذ لأن به يتفصل خَلقه من غيره وينقطع آخره. انتهى. وقال المواق: اللخمي: إن كانت عاقلة قليلة حمل عليهم ما يحملونه وما بقي على بيت المال، وإذا عجز أهل الديوان عن حمله استعانوا بالعصبة. وروى ابن وهب: وإن لم يكن ديوان جعل على فخذ الجاني إن كان فيهم محمل وإلا ضم إليهم الأقرب فالأقرب من قبائلهم إن كانوا أهل بلد واحد. انتهى.

ثم الموالي الأعلون يعني أنه إذا لم يكن للجاني عصبة ولا أهل ديوان فإنه يقدم الموالي الأعلون وهم المعتقون بكسر التاء، وكون الموالي الأعلين يتلون عصبة النسب أمر متفق عليه. ثم

ص: 212

الأسفلون يعني أنه إن لم يكن ديوان ولا عصبة نسب ولا مولى أعلى فإن المولى الأسفل يحملون دية الجاني. رواه أصبغ عن ابن القاسم وأكثر مسائل المذهب تدل عليه. وقال سحنون: لا يدخلون وهو أقيس لأنه غير عاصب ولا وارث. قاله التتائي.

ثم بيت المال يعني أنه إذا لم يكن للجاني ديوان ولا عصبة ولا موالٍ أعلون ولا موالي أسفلون، فإنه يحمل بيت المال، وهل على الجاني شيء أم لا؟ فانظره. قاله غير واحد. وقال الحطاب: ابن عرفة: وروى أبو محمد: من أسلم ولا قوم له فالمسلمون يعقلون عنه. اللخمي: إن كانت له عاقلة قليلة لم يكن فيها ما يحمل لقلتهم حمل عليهم ما يحملونه والباقي على بيت المال. انتهى. قال الحطاب: عزوه للشيخ ابن أبي زيد يقتضي أنه لم يقف عليه في المدونة، والمسألة في كتاب الولاء والمواريث من المدونة، ففيها: ومن أسلم من الذميين فعقلهم على بيت المال ويرثهم المسلمون إن لم يكن لهم ورثة مسلمون يغرمون، وكذلك من أسلم من الأعاجم والبربر والسودان والقبط ولا موالي لهم فعقلهم على المسلمين وميراثهم لهم. انتهى.

وفيها أيضا: وإذا كان عبد مسلم لقرشي وذمي فأعتقاه معا فولاء حصة الذمي للمسلمين، ولو كان العبد نصرانيا فأعتقاه معا ثم جنى جناية كان نصفها على بيت المال لا على المسلم لأنه لا يرثها ونصفها على أهل خراج الذمي الذين يؤدون معه الجزية، ولو أسلم العبد بعد العتق ثم جنى كانت حصة الذمي من جنايته على المسلمين دونه؛ لأنهم ورثوا حصته والنصف على قَوْمِ القرشي. انتهى.

وقال عبد الباقي: قال في شرح اللُّمَع: فإن لم يكن بيت المال أو كان ولم يمكن الأخذ منه، ففي ماله.

إن كان الجاني مسلما، قال البناني: الحق أنه شرط في المراتب التي قبله كلها لا في بيت المال فقط كما قاله ابن مرزوق وغيره. انتهى. فإنه -أي ابن مرزوق- قال: وإلا أي وإن كان كافرا والفرض أنه لا عاقلة له ولا موالي عقل عنه أهل دينه الذميون الخ، ويرد على كلام المصنف أن الكافر إذا أعتقه المسلم ولم يكن له ورثة فإن بيت المال يعقل عنه لأنه وارث كما في المدونة، ونقله ابن عرفة معترضا به إطلاق ابن الحاجب وابن عبد السلام كالمصنف. واللَّه تعالى أعلم. انظر

ص: 213

البناني. ونحو ما لابن مرزوق. قول الشبراخيتي شرط في بيت المال؛ أي أن بيت المال إنما يعقل إذا كان الجاني مسلما لا فيه وفيما قبله من المراتب؛ لأن ما قبله من المراتب يشترك فيه المسلم والذمي كما في التوضيح. انتهى. واعلم أن الصواب ما قرره به البناني من قوله: الحق أنه شرط في المراتب التي قبله كلها لا بيت المال فقط؛ لأن الذي في المدونة وغيرها أن الكافر يعقل عنه أهل دينه، وليس في النص اعتبار عصبته ولا ديوانه. هذا هو الذي قرره به الشيخ أحمد بابا ومصطفى، وهو الذي يفيده كلام المواق وغيره. انظر الرهوني.

وإلا أي وإن لم يكن الجاني مسلما، فالذمي يؤدي عنه ذو يدنه الدين يجتمعون معه في أداء الجزية من غير اعتبار عصبة ولا موالي ولا ديوان، فمعنى كلام المصنف: وهي العصبة وأهل الديوان والموالي حيث كان الجاني مسلما جنى على مسلم أو ذمي، فإن لم يكن الجاني مسلما بل كان ذميا جنى على مسلم أو ذمي فإن عاقلته الذين يؤدون معه أهل دينه من إقليمه الذين يجتمعون معه في أداء الجزية من غير اعتبار عصبة ولا ديوان. هذا هو التحقيق الذي قرر به غير واحد. واللَّه تعالى أعلم. وفي المواق: وروى محمد: عاقلة النصراني واليهودي والمجوسي، أهل إقليمه الذين يجتمعون معه في أداء الجزية، ومن المدونة: إذا كان عبد نصراني بين مسلم ونصراني فأعتقاه ثم جنى جناية فنصفها على بيت المال لا على المسلم لأنه لا يرثها، ونصفها على أهل خراج الذمي الذين يؤدون معه. انتهى. وقال التتائي: وإلا يكن الجاني مسلما فالذمي يعقل عنه ذو دينه، فلا يتعاقل يهودي مع نصراني ولا عكسه. انتهى.

وقال عبد الباقي: وإلا يكن الجاني مسلما بل كافرا كان المجني عليه مُسْلِمًا أو كافرا، فالذمي يؤدي عنه ذو دينه الذين معه، فإن لم يكتف بهم ضم إليهم أقرب القرى إليهم وهكذا حتى يكتفوا، ولكن ذلك في أهل الإقليم الواحد، ولذا قال: وضم ككُوَرِ مصر أي مُدُنِها أي يضم بعض مدن مصر إلى بعض، وكذا البلاد الشامية يضم بعضها إلى بعض، والكور بضم الكاف وفتح الواو جمع كُورة بضم الكاف وسكون الواو: المدينة، ومصر من أسوان إلى إسكندرية. سحنون: يضم عقل إفريقية بعضه إلى بعض من طرابلس إلى طُبْنة، وإذا لزمت اليهود مدينة القيروان وإفريقية دخل فيها من بإفريقية من اليهود الذين يحملون معهم الخراج، فكل من كان يحمل معهم

ص: 214

الخراج فكان خراجهم واحدا يؤخذون به فهم يعقلون عنه، فإن لم يكن فيمن تحمل معه الخراج قوة على أداء العقل أسلفهم الإمام ولا يفدحون. انتهى.

قال في القاموس: فدحه الدين كمنع: أثقله، ثم قال: واستفدحه وجده فادحا أي مثقلا صعبًا، وذكر مصر لأنه قل أن يوجد بُلْدَانٌ كثيرة تحت حكم مدينة واحدة غيرها. انتهى. وقال أشهب: من وجب عليه دية وهو من أهل الفسطاط لا يدخل في ذلك عمل جميع مصر وذلك على من هو بالفسطاط، فإن لم يكن في قبائل القاتل من يحمل ذلك ضم إليهم أقرب القبائل بالفسطاط خاصة. انتهى. نقله التتائي. وقوله: طبنة بضم طاء مهملة وسكون الباء بعدها نون: مدينة قرب بجاية. وقوله: "وضم ككور مصر" قد علمت أنه في الذمي ويستفاد مثله في عاقلة المسلم من قوله: "ولا دخول لشامي مع مصري"، وقوله:"وضم ككور مصر"، لا يخالف قوله:"ولا دخول لبدوي مع حضري" لأن أهل الكور كلهم أهل حضر وإن سُلِّمَ أن فيهم أهل بدو، فيضم منهم الحضري لِلمصْري لا لغيره. قاله غير واحد. وفي المواق: رواية ابن وهب: إن لم يكن في فخذ الجاني محمل ضم إليهم الأقرب فالأقرب من قبائلهم إن كانوا أهل بلد واحد مثل مصر أو الشام. انتهى. وهذا كالصريح في شمول قوله: "ككور مصر" للمسلم وغيره، خلاف ما قررته به أولا. واللَّه أعلم.

‌تنبيه:

قال عبد الباقي عند قول المصنف: "فالذمي ذُو دِينِهِ" ما نصه: والمراد بذي دينه من يحمل معه الجزية أن لو ضربت عليه وإن لم يكونوا من أقاربه، فشمل المرأة ومن أعتقه مسلم إذا جنيا، فإن لم يكتف بهم ضم إليهم أقرب القرى إليهم وهكذا حتى يكتفوا. انتهى المراد منه.

قوله: فشمل المرأة أي يشمل الجاني المذكور المرأة الكافرة إذا جنت فإنها يعقل عنها أهل دينها الذين يحملون معها الجزية على فرض أن لو ضربت عليها، وإن كانت المرأة لا تؤدي الجزية. وقوله: ومن أعتقه مسلم الخ يعني الكافر الذي أعتقه المسلم إذا جنى يعقل عنه أهل دينه وهذا غير صحيح، بل الذي يعقل عنه هو بيت المال لأنه هو الذي يرثه. وفي المدونة: إذا كان عبد نصراني بين مسلم ونصراني ثم أعتقاه فجنى جناية فنصفها على بيت المال لا على المسلم لأنه لا يرثه، ونصفها على أهل خراج الذمي الذين يؤدون معه. انظر المواق. وبه اعترض ابن عرفة على ابن الحاجب وابن عبد السلام في إطلاقهما كما قدمناه. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 215

والصلحي أهل صلحه لمجني أن الكافر الصلحي يعقل عنه أهل صلحه من أهل دينه ولو اختلفت قبائلهم، وسواء كان من أهل ديوان أم لا، وسواء كانت له عصبة أم لا كما يفيده كلام الشارح والمواق والتتائي.

قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: كَأَنَّ المصنف أراد بالذمي العنوي، بدليل قوله:"والصلحي أهل صلحه"، وسكت المصنف عن الحربي الذي قدم إلينا بأمان. قال التتائي: أشهب: إن دخل إلينا حربي بأمان فقتل مسلما خطأ حبس وأرسل إلى موضعه وكورتهم فيخبرونهم بما صنع وما يلزمهم في حكمنا، فإن أدَّوا عنه وإلا لم يلزمه إلا ما كان يؤديه معهم. رواه البرقي. وروى عنه سحنون أن الدية في مال الجاني، وليس على أهل بلده منه شيء، وقال ابن القاسم: ديته على أهل دينه الحربيين. انتهى. وقال الشبراخيتي: وسكت عن الحربي الداخل إلينا بأمان وعاقلته أهل دينه الحربيون. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن قول ابن القاسم موافق لما رواه البرقي عن أشهب. واللَّه تعالى أعلم.

وضرب على كل ما لا يضر يعني أنه يضرب على كل من لزمته الدية ما لا يضربه ومعنى يضرب يجعل، قال الخرشي: وضرب على كل ما لا يضر، هذا راجع للجميع أي وضرب على كل من لزمته الدية من عصبة وأهل ديوان وذمي وصلحى إذا تحاكم كل إلينا ما لا يضر به. انتهى. وقال عبد الباقي: وضرب على كل من عصبة وأهل ديوان وذمي وصلحى تحاكم كل إلينا ما لا يضر بحاله بل على قدر طاقته لأنها مواساة، وطريقها عدم التكليف ليلا يبطل الحمل في الدماء، فهذا راجع لجميع ما تقدم. انتهى. وقال التتائي: وضرب على كل من العاقلة ما لا يضر بحاله، ويختلف الضرب بقدر الغِنَى والفقر، فيؤخذ من الغني بقدره وممن دونه بقدره. انتهى. وقال الشبراخيتي: وضرب على كل من العاقلة ما لا يضر بحاله، ويختلف الضرب بقدر الغنى والفقر، فيؤخذ من الغني بقدره وممن دونه بقدره وهو راجع لجميع من لزمته الدية من عصبة وأهل ديوان وذمي وصلحى إذا تحاكم أهل الذمة أو الصلح إلينا. انتهى. وقال المواق: ومن المدونة: ويحمل الغَنِي بقدره ومن دونه بقدره، وذلك على قدر طاقة الناس في يسرهم، وروى

ص: 216

أيضا عن مالك: يحمل كل رجل من العاقلة ربع دينار، انظر هذا مع قوله:"وهل حدها سبعمائة". انتهى.

قال الشبراخيتي: ولما كان من شرطه البلوغ والعقل والذكورة والغنى وعدم الدين، قال: وعقل عن صبي يعني أن الصبي وهو من لم يبلغ يُعْقَلُ عنه ولا يعقل؛ أي إذا جنى الصبي عمدا أو خطأ وبلغ ما في جنايته ثلث ديته أو ثلث دية المجني عليه فأكثر، فإن العاقلة تحمل عَنْهُ ولا يعقل هو شيئا من ذلك فلا يعقل عن نفسه ولا عن غيره، ومجنون يعني أن المجنون والصبي سواء فيما ذكر، فَيُعْقَلُ عنه ولا يعقل هو عن نفسه ولا عن غيره، وامرأة يعني أن المرأة كذلك فَيُعْقَلُ عنها ولا تعقل هي عن نفسها ولا عن غيرها، وفقير يعني أن الفقير كذلك فيُعْقَل عنه ولا يعقل هو لا عن نفسه ولا عن غيره والفقير، هو الذي لا يَقْدِرُ على قوته. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وفقير لا شيء في يده.

وغارم يعني أن الغارم كذلك فيعقل عنه ولا يعقل هو لا عن نفسه ولا عن غيره، والغارم المراد به المديان الذي ليس له ما يفي بالدين أو يبقى بيده ما يعد به فقيرا، وأما إذا كان معه ما يفي بالدين ويبقى بيده ما لا يعد به فقيرا فهذا يعقل عن غيره. المتيطى: ويعقل الرجلَ الرجالُ البالغون الأحرار العقلاء والرشداء والسفهاء في ذلك سواء، وخمسة يعقل عنهم ولا يعقلون وهم: الصبيان والمجانين والنساء والفقراء والغارم إذا كان عليه من الدين بقدر ما في يده أو يفضل بعد القضاء ما يكون به من عدد الفقراء وإن كان لا شيء في يده فهو فقير. انتهى منه. وقال في موضع آخر: ولا يكون النساء عواقل، ولا يعقل الصبي حتى يحتلم فإذا بلغ فرض عليه ما يفرض على الكبير. انتهى. نقله البناني. وقوله:"وامرأة" أي حقيقة أو احتمالا، كالخنثى المشكل فهو كالمرأة، قال الشبراخيتي: وبقي من الشروط أن يكون حيا فلا تتعلق الدية بمال ميت، وأما الحرية فتركها لأن جناية العبد تتعلق برقبته، وقول الشارح: والعبد كالفقير سبق قلم. انتهى.

ولا يعقلون يعني أن هؤلاء الخمسة يعني الصبيان والمجانين والنساء والفقراء والغارمين لا يعقلون عن أنفسهم ولا عن غيرهم، وأما قول عبد الباقي: ولا يعقلون أي عن غيرهم، وأما عن أنفسهم فكل كواحد منهم الخ. فقال البناني فيه: هذا تبع فيه أحمد، وقال الأجهوري: إلا الفقير والغارم

ص: 217

فلا تضرب على واحد منهما وإن كانت الجناية منهما. انتهى. واعترض مصطفى جميع ذلك بأنهما لا مستند لهما فيما قالاه، وظاهر كلام الأئمة أنهم لا يعقلون مطلقا لا عن غيرهم ولا عن أنفسهم، وذكر من كلام الأئمة ما ظاهره يفيد الإطلاق الذي ذكره. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

وفي الخرشي ما نصه: وبعبارة: "ولا يعقلون" لا عن أنفسهم ولا عن غيرهم كما قاله السنهوري انتهى، لكن في الميسر ما نصه: وفي الكافي أن من الخطإ فعل المجنون والمعتوه والصبي وما يتولد من فعل النائم، كامرأة انقلبت على ولدها فقتلته، وما كان مثل هذا كله فالدية فيه على عاقلة القاتل وهم [عصبته]

(1)

وهو واحد منهم. انتهى. فهذا نص في دخول الصبي والمجنون والمرأة فيما جنوه، وقد مر عن الموطإ والمدونة أن من اشترك في قتله صبي وكبير فَعَلَى كل منهما نصف ديته. انتهى كلام صاحب الميسر فتأمله. وقد قال مالك: والأمر المجتمع عليه عندنا أنها على أحرار الرجال البالغين لا على النساء ولا على الصبيان ولا على مديان ولا على معدم. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: يشترط في صفة العاقلة التي تضرب عليهم الدية الحرية والتكليف والذكورة والموافقة في الدين واليسار، فلا تضرب على عبد ولا صبي ولا امرأة ولا مخالف في الدين، ولا يضرب على فقير وإن كان يَعْتَمِلُ. ابن حبيب: وهي على السفيه الولى عليه بقدر حاله. انتهى.

‌تتمة:

في المدونة: من حمل صبيا على دابة يمسكها أو يسوقها، فوطئت رجلا فقتلته فالدية على عاقلة الصبي، ولا رجوع لعاقلته على عاقلة الذي حمله بشيء، ومن دفع إلى صبي دابة أو سلاحا يمسكه فعطب بذلك فديته على عاقلته أي الدافع، وكذا دابة يسقيها وعليه عتق رقبة. انظر الطخيخي. قاله عبد الباقي. وقوله:"ولا يعقلون" هو بالنسبة للمرأة مستغنى عنه بقوله: "وهي العصبة" إذ تخرج منه المرأة، والجواب أنه ذكره بالنسبة إلى الموالي إذ هو شامل للإناث. قاله غير واحد. واللَّه تعالى أعلم.

والمعتبر وقت الضرب يعني أن المعتبر في توزيع الدية على العاقلة وقت ضرب الدية عليهم، فالراعى في البلوغ والملاء والعسر والحضور وقت ضرب الدية عليهم، فإذا ضربت عليهم فإنه لا

(1)

في الأصل: عصبة، والمثبت من الكافي ج 2 ص 391.

ص: 218

يجعل منها شيء على الفقير ولا على الصبي ولا على الغائب ولا على العبد مثلا، فإذا قدم الغائب بعد الضرب فإنه لا يدخل بعد ذلك، ولهذا قال: لا إن قدم غائب أي قدم بعد الضرب فإنه لا يدخل، وكذا لو أسلم الكافر أو تحرر العبد أو بلغ الصبي فالمراد زال مانعه. قال عبد الباقي: والمعتبر في توزيعها على العاقلة وقت الضرب أي الجعل على العاقلة، لا إن بلغ صبي أو استغنى فقيرٌ أوْ تحرر عبد أو عقل مجنون، ولا إن قدم غائب غيبة انقطاع عند وقت ضربها فلا تضرب عليه؛ لأنه بذلك ينسب إلى من انقطع إليهم أو طالت غيبته عندهم فصار كأهل إقليم آخر، وأما غائب لحج أو غزو فتضرب عليه، فإن كان في العاقلة خنثى فإن استمر الإشكال لوقت لضرب لم تضرب عليه وإن اتضح بعده، فإن اتضح قبله ضربت عليه. وقولي:"على العاقلة" لإخراج انتقال الجاني لأنه غير معتبر، فتضرب ولو قصد الفرار أو رفض السكنى أو له عاقلة فيما انتقل إليه، وأولى إن انتقل بعد الضرب فالتفصيل في العاقلة، ونائب فاعل "المعتبر" عائد على أل، "ووَقْت" بالرفع خبر ويقدر مضاف؛ أي والوصف المعتبر وصف أو حال وقت الضرب. انتهى.

قوله: فتضرب ولو قصد الفرار صوابه ولو لم يقصد الفرار. قاله الرهوني. واللَّه تعالى أعلم. وقال التتائي: والمعتبر في حال من يضرب عليه من العاقلة من وجوب أو إسقاط وقت الضرب لا يوم القتل ولا يوم الأداء، فلو بلغ الصبي أو عقل المجنون أو استغنى الفقير بعد الضرب لم يدخل. وقوله:"لا إن قدم غائب" ظاهره ولو كانت غيبته لحج أو غيره ليعود، وهو قول عبد الملك: إنما يجب على من كان من العاقلة يوم يقسم عليهم الدية لا يوم جرح القتيل ولا يوم مات ولا يوم ثبت الدم، وهو خلاف قول اللخمي: لا يدخل مع العاقلة منقطع الغيبة، وأما من خرج لحج أو غيره ليعود فإنه يدخل معهم إذا قدم. انتهى. وقال المواق: ابن حارث: اتفقوا أنه لا ينظر إلى العاقلة يوم الموت بل يوم الفرض، وأنها إن فرضت ثم كبر الصبي وأيسر العديم وأفاق المجنون أنه لا يرجع على أحد من هؤلاء بشيء. عبد الملك: لا يؤتنف فيها حكم بعد قسمها لعدم يحدث بعد ملاء أو يسار بعد عدم أو قدوم غائب أو عتق أو احتلام. وقال اللخمي: من خرج لحجٍ أو غزو دخل إذا قدم. انتهى.

ص: 219

ولا يسقط بعسره يعني أن المعتبر وقتُ الضرب، فلذا لو جعل على أحد من لعاقلة شيء بقدر يسره ثم أعسر فإنه لا يسقط عنه ما ضرب عليه بذلك العسر الذي حدث له بعد الضرب اتفاقا كما في التوضيح. فقوله:"ولا يسقط" أي الضروب عمن ضربت عليه. أو موته يعني أن المعتبر وقت الضرب، فلذا لو ضرب على أحد بقدر يسره ثم مات فإنه لا يسقط عن تركته ما جعل عليه بموته الحاصل بعد الضرب، خلافا لأصبغ القائل بسُقُوطِهِ وأنه لا يرجع على العاقلة. قال المواق: ابن شأس: من مات ممن جعل عليه بقدره لم يَزُلْ ما جعل عليه، وكذلك لو أعدم ولا يزاد على من أيسر منهم. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يسقط ما ضرب على واحد منهم بقدر حاله بعسره وحبس لثبوته أو موته وحلت به أو بفَلَسِهِ عليه، وكذا لا تسقط بجنونه أو سفره رافضا سكنى بلده أو فَارًّا وكذا قبل الضرب إن قصد الفرار فتضرب عليه لا إن قصد رفض سكناها بغير فرار فلا تضرب عليه. قاله الرجراجي. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يسقط عمن ضربت عليه بعسره بعد الضرب عليه أو موته أو جنونه ويحل عليه بالموت، وإنما لم يستغن عن أحدهما بالآخر؛ لأنه لو اقتصر على العسر لتوهم السقوط بالموت لخراب ذمته، ولو اقتصر على الموت لتوهم أن الميت عن مال تؤخذ منه بخلاف عسره فلذلك جمع بينهما، وكان الأولى أن يقول: فلا يسقط لأنه مفرع على قوله: "والمعتبر وقتُ الضرب"، ثم إنه يحبس لثبوت عسره إن جهل حاله، وإن ظهر ملاؤه أو علم جرى ما سبق. انتهى.

ولا دخول لبدوي مع حضري يعني أنه لا دخول لبدوي من عصبة القاتل مع حضري من عصبته ولا عكسه مطلقا، قربوا منه أو بعدوا لأن العلة التناصُرُ. ولا شامي مع مصري يعني أنه لا دخول لشامي من عصبة القاتل مع مصري من عصبته ولا عكسه مطلقا، قربوا منه أو بعدوا، اتَّحَدَ جنس الدية أو اختلف. وعلم مما قررت أن قوله: مطلقا راجع للمسألتين، قال المواق: قال ابن الحاجب: لا دخول للبدوي مع الحضري وإن كان من قبيلته عند ابن القاسم، كما لا يدخل أهل مصر مع أهل الشام وإن كانوا أقرب. انتهى. ومن المدونة: لا يعقل أهل مصر مع أهل الشام ولا أهل البدو مع أهل الحضر؛ إذ لا يكون في دية واحدة إبل ودنانير. انتهى. نقله المواق. وقال الشبراخيتي: ولا دخول لبدوي من عاقلة القاتل مع حضري منها ولا عكسه في الْغُرْمِ؛ أي إذا

ص: 220

كانت عاقلة القاتل بعضها حضري وبعضها بدوي وكان ساكنا مع أحدهما فإنه لا يضم بعضها إلى بعض، وتكون الدية على من هو معهم ولا شامي مع مصري، وعكسه إذا كان ساكنا مع أحدهما، ولا دخول لِعَسْكر شامي مع عسكر مصري، ظاهره ولو جمعتهم مملكة كمملكة بني عثمان وهو كذلك مطلقا يحتمل سواء قربوا من الجاني أو بعدوا، وسواء كانوا أقرب من الآخرين أو عكسه، فإذا كان الجاني من أهل الحاضرة فلا يعقل عنه أهل البادية ولو كانوا أقرب من أهل الحاضرة، ويحتمل سواء اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف، وفسر البساطي الإطلاق بما إذا قربوا أو بعدوا سواء اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف.

‌تنبيه:

قد مر أن من لا عاقلة له يعقل عنه المسلمون حيث قال المصنف: "ثم بيت المال". انظره هناك، وهنا قال: إن القاتل لا تعقل عنه عصبته إذا كانوا ليسوا من قطره، فمن يعقل عن الشامي الذي عصبته بمصر؛ يؤخذ من هذا -واللَّه تعالى أعلم- أنه يعقل عنه المسلمون. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. وقوله:"ولا دخول لبدوي مع حضري ولا شامي مع مصري" هو كالتقييد، لقوله:"وبدئ بها الأقرب فالأقرب" أي محل ذلك حيث كانوا مع الجاني في قطر واحد، فأما إن كان كل بقطر كشامي ومصري أو هو حضري وهم بدويون أو بالعكس فإنه لا يدخل الأقرب، بل يعقل من معه من عاقلته. واللَّه تعالى أعلم.

ولما قدم أن الدية تنجم، ذكر مدة التنجيم وصفته فقال: الكاملة في ثلاث سنين يعني أن الدية الكاملة تنجم في ثلاث سنين، سواء كانت في نفس أو طرف، كقطع يدين أو رجلين أو ذهاب عقل أو سمع أو بصر أو نحو ذلك، لكل سنة ثلث من الدية يحل ثلث بآخر السنة الأولى، ثم يحل ثلث بآخر السنة الثانية، ثم يحل الأخير بآخر السنة الثالثة، وإلى هذا أشار بقوله: تحل أي النجوم بأواخرها أي أواخر السنين، فكل نجم يحل بآخر سنة، وكلامه ظاهر في إفادة هذا المعنى لتعبيره بأواخر دون آخر، ويحتمل أن الضمير في تحل يعود على الكاملة أي تحل أجزاؤها. قاله الشبراخيتي.

ص: 221

وقوله: "تحل بأواخرها" الجملة صفة لثلاث سنين. قاله عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن شأس: أما الأجل فهو في الدية الكاملة ثلاث سنين يؤخذ ثلثها في آخر كل سنة. انتهى. قوله: "في ثلاث سنين" لا خلاف في ذلك. ابن عبد البر: وما قيل في أربع فشذوذ. قاله في التوضيح.

من يوم الحكم يعني أن ابتداء السنين الثلاث من يوم الحكم بالتنجيم أي التأجيل، فيحكم الحاكم بأن الدية يحل ثلثها لحول من يوم حكم، ويحل ثلث لحولين من يوم حكم، ويحل الثلث لثلاثة أحوال من يوم حكم بالتنجيم. وقوله:"من يوم الحكم" أي لا من يوم القتل خلافا للأبهري. قاله التتائي. وما مشى عليه المصنف من ابتداء الثلاث من يوم الحكم هو المشهور، وقوله:"الكاملة" مبتدأ خبره: "في ثلاث" أي كائنة في ثلاث سنين، وفي بعض النسخ بإسقاط "سنين". وقوله:"الكاملة" ليس المراد بالدية الكاملة دية الحر المسلم، بل المراد دِية أَي دِيَةٍ كانت؛ أي سواء كان المقتول مسلما أو كافرا، ذكرا أو أنثى عن نفس أو طرف كقطع اليدين، أو إذهاب عقل أو نحو ذلك. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: إن قوله "الكاملة" نائب فاعل فعل محذوف.

والثلث يعني أنه إن وجب الثلث كالمأمومة أو الجائفة فإنه ينجم بالنسبة للدية الكاملة، فينجم في سنة من يوم الحكم يحل بآخرها، والثلثان يعني أنه إذا وجب الثلثان كمأمومة وجائفة معا فإنهما يؤجلان بالنسبة للدية الكاملة، فيؤجلان سنتين فيحل أحد الثلثين لسنة من يوم الحكم بالتنجيم، ويحل الثاني لسنتين من يوم الحكم.

وعلم مما قررت أن قوله: بالنسبة راجع للمسألتين أي مسألة الثلث ومسألة الثلثين، وما ذكره المصنف في الثلث والثلثين هو المشهور، ومقابل المشهور حلول غير الكاملة والقولان لمالك قاله الشبراخيتي، والتتائي. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: قال عبد الوهاب: في أبعاض الدية روايتان عن مالك: الحلول والتأجيل بأن ثلثها في سنة وثلثاها في سنتين. انتهى.

ونجم في النصف يعني أنه ينجم في النصف أي نصف الدية، كقطع يد فقط باعتبار التثليث في الدية الكاملة، فيؤخذ من النصف ثلث ينجم في سنة يحل بآخرها متبدأة من يوم الحكم بالتنجيم، ثم يجعل للزائد وهو سدس سنة يحل بآخرها فللنصف سنتان، وفي الثلاثة الأرباع

ص: 222

يعني أنه يؤجل في الثلاثة الأرباع باعتبار التثليث في الدية الكاملة فيؤخذ من الأرباع ثلثان ينجمان في سنتين يحل أحدهما بآخر الأولى والآخر بآخر الثانية، ثم يجعل للزائد وهو نصف سدس سنة فللثلاثة الأرباع ثلاث سنين تبتدأ من يوم الحكم بالتنجيم.

وعلم مما قررت أن قوله: بالتثليث راجع للمسألتين، وهما مسألة النصف ومسألة الأرباع الثلاثة، وكذا قوله: ثم يجعل للزائد وهو سدس في الأولى ونصف سدس في الثانية سنة فحكم النصف كالثلثين والثلاثة الأرباع كالكاملة، وما ذكره في هذين الفرعين ضعيف والمعتمد أن النصف ينجم في سنتين لكل سنة ربع، وأن الثلاثة الأرباع في ثلاث سنين لِكُلِّ سنة ربع وهو ظاهر المدونة أن الثلاثة الأرباع في ثلاث سنين. انتهى. إذ المتبادر منها أن كل ربع في سنة. وقال بعض: إن المصنف كالمدونة أي لأن الكاملة لكل ثلث سنة فكذا غيرها. قاله عبد الباقي. قال: وانظر إذا زاد النصف نصف سدس والثلاثة الأرباع ثمنا، هل يكون لذلك الزائد سنة على كلام المدونة أو بالاجتهاد؟ وهو الظاهر. انتهى.

وَحُكْم ما وجب على عواقل بجناية واحدة كحكم الواحدة يعني أن حكم التنجيم على عواقل متعددة مع اتحاد الجناية كحكم التنجيم على العاقلة الواحدة، فلو حمل أربعة رجال مثلا صخرة فسقطت منهم على رجل فقتلته، فإن ربع الدية الواجب على عاقلة كل واحد منهم ينجم عليها في ثلاث سنين كحكم الدية الواحدة، وإن كان ما ينوب كل واحدة دون الثلث، فيحل ثلث الربع آخر السنة الأولى وثلثه الثاني في آخر السنة الثانية، وثلثه الثالث في آخر السنة الثالثة. وقوله:"وحكم ما وجب على عواقل". الخ ظاهره وإن كان ما يؤخذ من كل مخالفا لما يؤخذ من الآخر؛ كأن يكون بعضهم من أهل الذهب وبعضهم من أهل الإبل مثلا، وعلى هذا فهذه تخصص عموم ما ذكره المؤلف أولا من أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، ومن أن الدية الواحدة لا تكون من صنفين. قاله الخرشي. يعني كما مر في قوله:"ولا دخول لبدوي مع حضري". واللَّه تعالى أعلم.

وقال التتائي: وحكم ما وجب على عواقل متعددة، كعشرة رجال من قبائل شتى قتلوا رجلا بجناية واحدة، بأن حملوا صخرة فسقطت منهم عليه خطأ، فتجب الدية على عواقلهم ينجم كل

ص: 223

عشر في ثلاث سنين حكاه الباجي عن سحنون. قال في الذخيرة: لو جرحه واحد جرحين خطأ وآخر جرحا واحدا خطأ ومات فأقسمت الورثة فالدية على عاقلتهما نصفان لا الثلث والثلثان؛ لأنه لا يدرى من أيهما مات. انتهى. وقال الشبراخيتي: حكم ما وجب على عواقل متعددة بجناية واحدة كحكم الواحدة، وإن كان ما ينوب كل واحدة دون الثلث، كعشرة رجال حملوا صخرة فسقطت منهم على شخص خطأ فمات فتجب الدية على عواقلهم كل عُشُرٍ في ثلاث سنين، وظاهره وإن كانت الدية مختلفة بالنسبة إليهم، كأن يكون بعضهم من أهل الذهب وبعضهم من أهل الورق وبعضهم من أهل الإبل، وهذا يخصص ما ذكروه من أن العاقلة إنما تحمل ما بلغ الثلث. وأن الدية الواحدة لا تكون من صنفين. انتهى.

وقال عبد الباقي: فينجم ما ينوب كل واحدة وإن كان دون الثلث أو اختلفت دياتهم، وهذا كالتخصيص لما مر من أن الدية لا تكون من صنفين كإبل وذهب وورق، وهنا تدفع كل عاقلة القدر الذي لزمها من نوع ما عندها. انتهى. وقال المواق ومن المدونة: إذا قتل عشرة رجال رجلا خطأ وهم من قبائل شتى، فعلى قبيلة كلِّ رجل عُشُرُ الدية في ثلاث سنين. انتهى. وقوله:"وحكم ما وجب على عواقل" سواء كانت جنايتهم تبلغ الدية الكاملة أو ثلثها فأكثر كما فيها، ففيها: ولو جنوا قدر ثلث الدية حملته عواقلهم أيضا في سنة. انتهى.

كتعدد الجناية عليها يعني أن الرجل أو الرجال من قبيلة واحدة إذا قتل أو قتلوا رجالا خطأ فإن الديات تنجم على عاقلة القاتل في ثلاث سنين، وتصير في التنجيم كحكم الجناية الواحدة فهو مشبه بما قبله من أن المتعدد كالمتحد، فالأولى فيها تشبيه العواقل وهي متعددة، بالعاقلة الواحدة والثانية فيها تشبيه الجناية المتعددة بالجناية الواحدة، قال التتائي: كتعدد الجناية عليها أي على العاقلة الواحدة، كأن يقتل رجل رجلين خطأ فالديتان منجمتان على عاقلته في ثلاث سنين وهي مصيبة نزلت بها، ونبه على ذلك ليلا يتوهم أن الدية الثانية إنما تنجم على العاقلة بعد وفاء الأولى. انتهى. ونحوه للشبراخيتي.

وهل حدها سبعمائة؟ يعني أنه اختلف في حد أقل العاقلة الذي لا يضم إليه من بعده سد بلوغه، هل هو سبعمائة من الرجال؟ فإذا بلغت الفصيلة سبعمائة اكتفى بها ولا يدخل الفخذ، فإن لم

ص: 224

تبلغ الفصيلة سبعمائة ضم إليها الفخذ وهكذا، أو حد أقل العاقلة الزائد على ألف؟ وقوله: قولان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك قولان لم يطلع المؤلف فيهما على أرجحية منصوصة. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وهل حدها أي العاقلة على حذف مضاف أي حد أقلها الذي لا يضم إليه من بعده بعد بلوغه سبعمائة من الرجال أو الزائد على ألف، ولا بد أن تكون الزيادة على ألف أربعة أو أكثر، فأَلْ للكمال قولان ذكرهما ابن عات وغيره، ويفهم منه أنهم إذا كانوا دون سبعمائة على الأول ودون الزائد على ألف على الثاني لا تضرب عليهم الدية كاملة، ويضرب عليهم ما لا يضر ويكمل من بيت المال، فإن لم يمكن الأخذ منه ففي مال الجاني، وأما أكثرها فلا حد له، فإذا وجد هذا العدد مثلا من الفصيلة لا يضم إليهم الفخذ مثلا، وإذا كمل هذا من الفصيلة والفخذ فلا يضم إليهما البطن مثلا، فالمراد أنه يضرب على كل وإن قل ما لا يضر به ثم يكمل من غيره، لا أنه لا يضرب على من لم يبلغ العدد المذكور. انتهى.

وقال التتائي: وهل حدها أي العاقلة التي لا يضم إليها أحد من أقرب القبائل سبعمائة ينتمون إلى رجل واحد أو الزائد على ألف هو الحد الذي لا يضم إليه غيره، وأما الألف فيضم إليه غيره قولان لسحنون، حكى الأول عنه ابن كوثر وابن أبي حمراء في وثائقهما، والثاني صاحب البيان في الديات الأول. انتهى. وقال عبد الباقي: وهل حدها -أي حد أقل العاقلة الشاملة للموالي الأعلين والأسفلين يضرب على كل ما لا يضر- سبعمائة فأكثر؟ أو أقل حدها الزائد على ألف أي ألف مع زياد أربع رجال فأكثر كما في علي الأجهوري. وفي المواق: زيادة لها بال، قال: بعض كعشرين ففوق قولان، فإن نقصت عن سبعمائة على الأول وعن ألف وما ألحق به على الثاني حملوا ما نابهم بتقدير كونهم العدد المعتبر والجاني كواحد منهم، وحمل بيت المال ما بقي إن وجد وإلا فعلى الجاني، كما إذا لم يوجد بيت مال ولا عاقلة ولا يلزم من وجد من العاقلة دون العدد المعتبر حمل جميع الدية، ولو قَدَرُوا عليها لِغِنَاهُمْ. انتهى.

وقال البناني: قال مصطفى: سكت المصنف عن القول بأنها لا حد لها، وظاهر كلام ابن عرفة أنه المذهب إذ صدر به ثم حكى قولي سحنون. ابن عرفة: روى الباجي: لا حد لعدد من تقسم عليهم الدية من العاقلة وإنما ذلك بالاجتهاد، وقال سحنون: أقلها سبعمائة رجل. ابن عات:

ص: 225

المشهور عن سحنون إن كانت العاقلة ألفا فهم قليل، فليضم إليهم أقرب القبائل إليهم. انتهى. المراد منه.

ثم تكلم على كفارة القتل خطأ وأنها واجبة ومرتبة، لقوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} . الآية. فقال: وعلى القاتل وجوبا الحر لا العبد؛ لأن اللَّه تعالى قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} والعبد لا يصح منه ذلك لأن من لوازم العتق الولاء ولا ولاء للرقيق، فلذا لم يصح عتقه المسلم لا الكافر؛ إذ ليس فيه أهلية التقرب؛ لأن الإيمان شرط في جميع الأعمال، فلذا لم يصح منه التقرب، وعلى القاتل المذكور ما يذكر حيث كان عاقلا بالغا، بل وإن كان صبيا أو مجنونا؛ لأن الكفارة من خطاب الوضع لما كانت عوضا عن النفس فأشبهت عوض المتلف فهي عليهما في مالهما، أو شريكا أي وإن كان القاتل شريكا لصبي أو مجنون أو غيرهما فعلى كل كفارة كاملة لأنها لا تتبعض، وكذا لو قتل صبيان أو مجنونان ولو تعدد القاتل والمقتول لوجب على كل واحد من القاتلين كفارة في كل واحد من المقتولين، وإن لم يجب على كل من البالغين من الدية إلا جزء يسير؛ لأن ما هنا عبادة برقبة كاملة كما هو ظاهر الآية فلا تتبعض. قاله عبد الباقي.

وإنما تجب الكفارة على القاتل الحر المسلم إذا قتل مثل أي قتل حرا مسلما، فلا تجب في قتل عبد، خلافا لظاهر قول أشهب لأنه مؤمن، ولا في قتل كافر معصوما صفة لقوله "مثله"، أو حال، وخرج به الزاني المحصن. وأما المرتد فخرج بقوله:"مثله". خطأ فيه دية مفعول مطلق: والناصب له قتل فلا تجب على القاتل عمدا عتق رقبة مبتدأ وخبره على القاتل: ومن الخطإ الذي فيه دية: عمد الصبي، ونوم امرأة على ولدها فقتلته، وامتناعها من إرضاعه لا لقصد قتله حتى مات، وسقوط شيء من يدها أو يد أبيه عليه خطأ فقتله لا خطأ ليس فيه دية، كسقوط وَلَدٍ من أحد أبويه، أو سقيه دواء فمات فهدر فلا كفارة فيه. انظر الحطاب. قاله عبد الباقي. وعلم منه أن قوله:"خطأ" أي خطأ فيه الدية: ولذا قال: ومن الخطإ الذي فيه دية الخ: ومفهومه أنه لو كان هَدَرًا لم تكن فيه كفارة كما صرح به. واللَّه تعالى أعلم. ويأتي هذا.

ص: 226

ولعجزها أي وإن لم يقدر على عتق رقبة، فإنه يلزمه شهران أي صومهما حال كون الرقبة، والشهرين كالظهار في اشتراط إسلامها وسلامتها من العيوب وخلوها من شوائب الحرية وتتابع الصوم وغيره مما يصححة ويبطله، كما أشار له هناك بقوله:"سليمة من قطع أصبع وعمى وبكم وجنون وإن قل ومرض مشرف" الخ، ثم قال: صوم شهرين بالهلال منويي التتابع والكفارة، وتمم الأول إن انكسر من الثالث، ويؤخر صيام العاجز لطاقته والصبي لبلوغه والمجنون لإفاقته. وقوله:"ولعجزها شهران" مبتدأ وخبر. وقوله: "ولعجزها" أصله وللعجز عنها فحذف الجار ووصل الضمير بالمصدر. قوله: "وعلى القاتل الحر المسلم" الخ، قال البناني عنده: ما تقدم من دية أو قصاص هو حق الآدمي وما هنا حق اللَّه في ذلك، وإنما وجبت الكفارة في الخطإ دون العمد مع أن مقتضى الظاهر العكس لخطر الدماء، ولأن مع المخطئ تفريطا؛ إذ لو تحرز واحتاط لترك الفعل الذي تسبب عنه القتل من أصله، ولأنهم رأوا أن العامد لا تكفيه الكفارة لجنايته؛ لأنها أعظم من أن تكفر كما قالوا في اليمين الغموس، وأيضا فقد أوجبوا عليه ضرب مائة وحبس سنة. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: العلتان الأوليان راجعتان لوجوب الكفارة في الخطإ، وقوله: ولأنهم رأوا أن العامد لا تكفيه الخ، راجع لقوله: دون العمد، فهو لف ونشر مرتب؛ أي لزم في الخطإ لما ذكر، ولم تلزم في العمد لما ذكر. واللَّه تعالى أعلم. وقد مر أن محترز قول المصنف:"الحر"، العبدُ وعلل بأن العبد لا يصح عتقه إذلا ولاء له.

قال البناني: نحوه في التوضيح، واعْتُرِضَ بأن هذه العلة قاصرة لا تفيد إسقاط الصيام عنه، وقد اعترضه ابن مرزوق بأمور منها هذا، ومنها أن الآية عامة في الرقيق وغيره، ومنها أنهم قالوا بالصيام في نظيره وهو الظهار. انتهى. وبحث معه في هذا الثالث بأن الظهار معصية ولا مندوحة عن كفارتها ونحوه. قال الشيخ المسناوي: ونصه: لا يخْفَى اتجاه كلام ابن مرزوق، غير أنه قد يقال إن طلب الكفارة في الظهار ليس كطلبها في قتل الخطإ؛ إذ لا يخرج من الظهار بدونها مع كون الظهار معصية فمرتكبه آثم فتأكد أمرها فيه حتى في العبد، فأمر بما يمكنه منها وهو الصوم، بخلاف القتل فإنها فيه تابعة للدية مع كون المخطئ غير آثم، فسقطت عن العبد لتعذر أحد

ص: 227

جزءيها منه وإن تأخر الآخر. انتهى. على أن مقتضى كلام ابن عبد السلام أنه لا نزاع في أنها واجبة على العبد، فإنه قال: الأصل في وجوب الكفارة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} الآية، فتجب على الحر المسلم كما ذكر المؤلف يعني ابن الحاجب، ثم قال: فإن قُلْتَ: فأما المسلم فقد يظهر لأن الكافر غير مخاطب بالفروع أو مخاطب، ولكن شرط التقرب لم يحصل، وأما الحرية فلا معنى لاشتراطها إذ الآية تتناول الأرقاء، وهب أَنَّ الإعتاق متعذر من العبد فالصوم غير متعذر منه إذا أذن له سيده؟ قُلْتُ: إنما اشترط المؤلف الحرية في كفارة مقيدة هي الإعتاق أولا في حق القادر عليه ثم الصيام إن عجز عن الإعتاق، فهذه الكفارة لا بد فيها من اشتراط الحرية. انتهى.

‌تنبيهات:

الأول: رد المصنف بالمبالغة في قوله: "وإن صبيا أو مجنونا" قول ابن عبد السلام: جعلوها من خطاب الوضع لما كانت عوضا عن النفس فأشبهت أعواض التلفات، فإن كان هناك دليل شرعي من إجماع أو غيره يجب التسليم لَهُ فحسن، وإلا فمقتضى النظر سقوطها عنهما وردها إلى خطاب التكليف، ولما لم يجد ابن عرفة سبيلا للرد على ما ذكره، قال: قول ابن شأس تجب في مال الصبي والمجنون واضح كالزكاة، ولم أره لغيره من أهل المذهب نصا بل في وجيز الغزالي. نقله غير واحد.

الثاني: قال الحطاب: لو سقت ولدها دواء فشرق فمات فلا شيء عليها، ولو انقلبت على ولدها وهي نائمة فعليها الكفارة والدية. وقال المشذالي: وإذا وجد قتيل في محلة قوم أو دراهم ولا يدرى من قتله لم يؤخذ به أحد ويبطل دمه ولا يكون في بيت مال ولا غيره. وسئل ابن عبد السلام عمن نام مع زوجته في فراش واحد فأصبح الولد ميتا بينهما لا يدرى أيهما رقد عليه؟ فقال: لم أر فيها نصا، وعندي أنه هدر. قال المشدالي: قلت لشيخنا: فما رأيكم فيها؟ قال كرأي ابن عبد السلام، ويؤخذ من قولها هنا. انتهى.

الثالث: قال المواق: الجلاب: من لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع انتظر القدرة على الصيام أو وجود الرقبة، ولا يجزئه إلا طعام. انتهى.

ص: 228

الرابع: قد مر قول عبد الباقي: خطأ فيه دية الخ، قال البناني: نحوه قول ابن رشد: كلما لزمت الدية على العاقلة أو في ماله لزمت الكفارة، وحيث لا تلزم لم تلزم إلا استحسانا، كسماع ابن القاسم في الأم تسقي ابنها الدواء فيشرق فيموت، ونقله ابن عرفة. انتهى.

لا صائلا عطف على قوله: "معصوما" لا إن قتل مثله صائلا؛ يعني أن من قتل صائلا عليه لا تجب عليه الكفارة. قال الشبراخيتي: هو بالنصب عطف على "معصوما" كذا في بعض النسخ، وفي بعضها بالجر، وعليها فالمعطوف مقدر أي لا على قاتل صائل، وإنما تعرض لهذا مع أنه يخرج بقوله:"خطأ"، ليلا يتوهم أنه لما لم يكن فيه قتل يكون كالخطإ. انتهى. وقال عبد الباقي: وعطف على "معصوما" قوله: "لا صائلا" أي لا كفارة على من قتل صائلا عليه أي قاصد الوثوب عليه: وهو محترز قوله: "معصوما".

وقاتل نفسه يعني أن من قتل نفسه خطأ وأولى عمدا لا تجب الكفارة في ماله لسقوط الخطاب بها لموته بسبب فعل نفسه، كديته يعني أن دية كل من الصائل وقاتل نفسه هدر. قال أحمد: قوله "كديته" أي كما أن ديته إذا قتل نفسه خطأ لا تجب على العاقلة لوارثه لأنه لا يعقل، فكذا غيره، وهذا الحل هو المتوهم بخلاف العمد إذ لا دية فيه. قاله عبد الباقي. قوله: لأنه لا يعقل فكذا غيره؛ يعني أن قاتل نفسه لا يعقل عن نفسه فكذا غيره لا يعقل عنه، فلذا لم تكن فيه دية. قاله البناني. وقال المواق: لا صائل وقاتل نفسه. ابن شأس: لا تجب الكفارة في قتل الصائل ولا قتل نفسه. ابن عرفة: هذا مقتضى المذهب ولم أجده نصا، وقال الشبراخيتي:"كديته" فلا تجب عليه، ولذا لا تنتقل على العاقلة. انتهى.

وندبت في جنين يعني أن قتل الجنين تندب فيه الكفارة، قال الشبراخيتي: وندبت في جنين كما في المدونة، وقال التتائي: وندبت كفارة القتل في جنين، قال في المدونة: استحسنها مالك في الجنين. أبو الحسن: معناه استحبها ولم يرد الاستحسان الذي هو أحد الأدلة. انتهى. وقال عبد الباقي: وندبت الكفارة لحر مسلم في قتل جنين. انتهى. وقال المواق من المدونة: من ضرب امرأة خطأ فألقت جنينا ميتا استحب له مالك الكفارة، وقال مالك في امرأة نامت على ولدها فقتلته: إن ديته على عاقلتها وتعتق رقبة. انتهى. وقيل: لا تندب الكفارة في قتل الجنين، قال ابن

ص: 229

الحاجب: وفي استحبابها في الجنين روايتان، قال في التوضيح: وعدم استحبابها والروايتان معا في الموازية.

ورقيق يعني أنه يندب في حق الحر المسلم إذا قتل رقيقا له أو لغيره الكفارة المذكورة مع غرم قيمته إذا كان لغيره، وعمد يعني أن قتل العمد تندب فيه الكفارة المذكورة، قال المواق في الرسالة: كفارة القتل في الخطإ واجبة، ثم قال: ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد وهو خير له. انتهى. وقال التتائي: وفي قتل عمد عفي عنه فيه. ابن عبد السلام: استحسان مالك الكفارة في العمد مشعر بأن القاتل عنده في المشيئة، وإن كان له خلاف ما يدل على ذلك وهو أنه لا يصلى خلفه وإن تاب، وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في قبول توبته وعدمها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وفي قتل عمد لم يقتل به إما لكونه عفي عنه وإما لعدم التكافؤ، وأما إن قتل به فلا كفارة. انتهى. ونحوه لعبد الباقي والخرشي. واللَّه تعالى أعلم. وعبد يعني أن العبد إذا قتل أحدا فإنه تندب له الكفارة، والفرق بين هذا وقوله:"ورقيق" أنه في الأولى مقتول وفي هذه قاتل، وفي بعض النسخ: وذمي بدل وعبد. ابن غازي: وهو الصواب أي تندب الكفارة في قتل الذمي عمدا أو خطأ.

وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة يعني أن القاتل عمدا حيث لم يقتل للعفو عنه أو لزيادة حرية أو إسلام، يجب أن يجلد مائة جلدة ثم يحبس بعد ذلك سنة، ومعنى قوله:"مطلقا" رجلا كان القاتل أو امرأة، مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا. والضمير في "عليه" يرجع على القاتل عمدا البالغ. هذا هو المشهور. ومقابله لأصبغ: لا يحبس العبد ولا المرأة ولكن يجلدان، ومنشأ هذا الخلاف هل هو جار مجرى الحدود أو لا؟ وَينبني على هذا الإجراء لو أقر القاتل بالقتل عمدا فعفي عنه وأراد القاضي ضربه وسجنه فرجع عن إقراره، فإنه يسقط عنه الضرب والسجن كالحد. ابن عرفة: وبهذا وقع الحكم بتونس بأواخر القرن السابع على ما أخبرنا به شيوخنا. انتهى. قاله التتائي.

‌فائدة:

قال ابن عبد السلام: من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى به، وإن أراد تطهير نفسه بالقتل فليقر بذلك عند ولي القتل ليقتله على

ص: 230

الوجه الشرعي، فإن قتل نفسه لم يجز له ذلك، لكنه إن قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرا لافتياته على الإمام، ويلقى اللَّه تعالى فاسقا بالجريمة للقتل، وإن قتل نفسه بعد التوبة، فإن جعلنا توبته مسقطة لقتله فقد لقى اللَّه فاسقا بقتله نفسه لأنه قتل نفسا معصومة، وإن قلنا لا يسقط قتله بتوبته لقي اللَّه تعالى عاصيا لافتياته على الإمام، ولا يأثم بذلك إثم من يرتكب الكبائر لأنه فوَّتَ روحا يستحق اللَّه تفويتها وأزهق نفسا يستحق الرب إزهاقها، وكان الأصْلُ يقتضي أن يجوز للآحاد القيام بحق اللَّه تعالى في ذلك، لكن الشرع فوضه إلى الأئمة كي لا يُوقِعَ الاستبدادُ به في الفتن. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

قوله: "وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة" هو الجاري على قول ابن القاسم الذي جرى عليه غير واحد، وقال أشهب: يخير في ذلك أي في تقديم الضرب على الحبس وتقديم الحبس على الضرب، قال ابن عرفة: وفي تقديم الضرب على السجن والتخيير في ذلك قولان لسماع عيسى بن القاسم، ونقل الباجي عن أشهب، ولم يحك ابن رشد غير ما في السماع. نقله الحطاب. وفي بعض النسخ:"وعليه مطلقا جلد مائة وحبس سنة"، قال الرهوني: والذي في المواق وابن مرزوق والأجهوري: جلد مائة ثم حبس سنة وهي الصواب، ليكون المصنف ذاهبا على قول ابن القاسم الذي اقتصر عليه غير واحد.

وقد ذكر الباجي القولين وعزا القول بالتخيير لأشهب في الموازية، ثم قال الرهوني: وعلى قول ابن القاسم اقتصر الشيخ أبو محمد في نوادره على ما نقله عنه ابن مرزوق، وعليه اقتصر أبو الحسن في شرح المدونة، ولا تحسب في السنة المدة التي حبس فيها لاختبار أمره حتى على قول أشهب، ففي المنتقى: قال عبد الملك: يقيد ما دام اللطخ الذي سجن فيه، فإذا لزمه جلد مائة وتوجه عليه الحكم أزيل عنه الحديد وسجن سنة، فاقتضى ذلك أن السنة إنما تكون بعد تحقيق الحكم عليه، فأما السجن الذي كان قبل ذلك لاستبراء أمره والنظر فيه فليس من هذا الحبس في شيء، بل حكمه مخالف لحكمه لما يختص به من التقييد. انتهى منه بلفظه. انتهى منه بلفظه.

قال الرهوني: قلت ما ذكره من أنه لا يجعل في الحديد في السنة ظاهره أنه متفق عليه، ولكن جزم في المقصد المحمود بخلافه، ونصه: ولا يقسم الأولياء إلا على واحد وإن وقعت التدمية على

ص: 231

جماعة، ولهم أن يختاروا ما شاءوا منهم، فإن فعلوا قتلوه وضرب السلطان الآخرين مائة مائة وسجنهم بالحديد سنة. انتهى منه بلفظه. ونحوه للمتيطي، ففي اختصار ابن هارون ما نصه: ولو دمى رجل بجراحه عمدا على جماعة لم يكن للأولياء إن مات أن يقسموا إلا على واحد، ويستقيدوا منه ويضرب الآخرون مائة مائة، ويسجنون عاما مكبلين. هذا هو المشهور من المذهب. وبه العمل، وقال المغيرة في المجموعة: يقتلون كلهم في العمد إذا أقسم الأولياء عليهم، وقال أشهب: يقسمون عليهم أو على بعضهم ثم يختارون من أحبوا قتله. انتهى منه بلفظه.

وأصله في الوثائق المجموعة ولكن تعقبه أبو الوليد بن رشد حسبما نقله ابن عات في طرره وسلمه، بل نقل عن الاستغناء ما يشهد له ونصها: ويسجنون عاما إذا مات المقتول مطلقين من غير حديد، ثم قال: فإن كان جريحا أو مريضا سجنوا محددين في الحديد وهي رواية أبي زيد عن ابن الماجشون، قال: لا بد للمسجون في الدم من الحديد حتى يرى ما كان من أمره، فإن سقط عنه الدم بعفو أو قسامة على غيره أطلقه الإمام من الحديد وضربه مائة وسجنه عاما مستقبلا من غير حديد. من الاستغناء. وعند قوله: محددين أي مكبلين طرةٌ: هذا خطأ لا يكبل بالحديد إلا من اتهم بدم وينتظر به القتل، وأما هؤلاء فإن الدم قد ارتفع عنهم فلا ينبغي أن يحبسوا في الحديد. انتهى. وهذا التعقب وارد على من تبعه كالمتيطي وصاحب المقصد المحمود، وما قدمته عن الباجي شاهد بهذا التعقب أيضا. واللَّه أعلم. انتهى. وفي المنتقى: والعبد إذا قتل حرا أو حرة فلم يقتل فليجلد ويسجن. قاله أشهب في العتبية والموازية. وقال أصبغ في الموازية: ليس على عبد ولا على أمة حبس سنة وعليهما جلد مائة، سواء أسلموا أو فُدُوا.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: قول الرهوني: محددين أي مكبلين الخ تأمله فإنه غير ظاهر.

‌فائدة أخرى:

قال ابن عرفة: روى الدارقطني عن عمر

(1)

بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده مُتَعَمدا، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة ومحا اسمه من المسلمين ولم [يعذبه]

(2)

، وأمره أن يعتق رقبة. عبد الحق في إسناده: إسماعيل بن عياش: وهو

(1)

كذا في الأصل بغير واو عمرو.

(2)

لفظ الرهوني: يقر به، ج 8 ص 52 ولفظ البناني ج 8 ص 49 يقده به.

ص: 232

ضعيف في غير الشاميين وهذا الإسناد حجازي، ورواه إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي قرة عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حنين عن أبيه عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الرقبة، وإسحاق بن أبي قرة متروك ذكر حديثه الدارقطني فلا يصح في هذا شيء، وتعقب ابن القطان قوله، وهذا الاسناد حجازي بأنه شامي لأنه في إسناد الدارقطني: حدثنا إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عمرر بن شعيب عن أبيه عن جده. الحديث. قال بعض الشيوخ المتأخرين: على المالكي حفظُ هذا الحديث بتصحيح ابن القطان إياه فإنه حجة للمذهب. قاله الرهوني.

وقال البناني عند قوله: "وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة": الأصل في هذا ما أخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة ومحا اسمه من المسلمين ولم يقده به وأمره أن يعتق رقبة، فتكلم عبد الحق الإشبيلي في إسناده وتعقبه ابن القطان، قال ابن عرفة: قال بعض الشيوخ المتأخرين: على المالكي حفظُ هذا الحديث لتصحيح ابن القطان له فإنه حجة للمذهب. انتهى. وقول الزرقاني: حرا أو عبدا يعني قوله ذلك في تفسير قول المصنف مطلقا كذا في المدونة وغيرها، قال الوانوغي: سوى في المائة بين الحر والعبد ولم يشطرها للعبد لأنها عقوبة وهما في العقوبة سواء. انتهى كلام البناني.

‌فرع:

قال أبو عمران: سألت أبا محمد عمن أقر بقتل عمد فعفي عنه ثم رجع عن إقراره، فهل يسقط الضرب والحبس عنه؟ وكيف بهذا في المقر بالزنى لو رجع بعد تمام الضرب هل يسقط عنه التغريب؟ فترجح فيها ونحا إلى سقوطه لأنه حق للَّه تعالى. نقله الوانوغي. وذكر في تكميل التقييد عن أبي مهدي بن علال أن أحد بني مرين أقر بالقتل في أيام السلطان أبي عنان المرسي، فصالح السلطان الأولياء عنه، فقال القاضي: بقي له أن تضربه مائة وتسجنه عاما، فقيل للمقر: أنكر، فأنكر فتركه القاضي. قال: وكان الشيخ القوري معنيا بذكر نازلة أبي عنان هذه. انتهى. نقله البناني.

ولما كان قوله: "وعليه مطلقا جلد مائة" لا يختص بقتل الحر المسلم بالغ فقال: وإن بقتل مجوسي الباء بمعنى في؛ يعني أنه يجب أن يجلد القاتل عمدا مائة جلدة ثم يحبس سنة وإن

ص: 233

كان المقتول مجوسيا، قال المواق من المدونة: من ثبت عليه أنه قتل رجلا عمدا ببنية أو إقرار أو بقسامة فعفي عنه، أو سقط قتله لأن الدم لا يتكافأ -يعني بأن زاد القاتل حرية أو إسلاما- فإنه يضرب مائة ويحبس عاما، كان القاتل رجلا أو امرأة، مسلما أو ذميا، حرا أو عبدا لمسلم أو ذمي والمقتول مسلم أو ذمي. مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ: وسواء كان أيضا مجوسيا. ابن القاسم: أو مجوسية.

أو عبده عطف على "مجوسي" يعني أنه يجب أن يجلد مائة جلدة ثم يسجن سنة، ولو كان المقتول عبدا للقاتل، قال المواق عند قوله:"أو عبده": مالك: وسواء أيضا كان المقتول عبدا للقاتل أو لغيره لمسلم أو ذمي، فإنه يجلد ويسجن. الباجيُّ: وَجْهُ هذا كله أنه سَفْكُ دم محرم فوجب له الجلد والسجن. انتهى. وتقدم أن الجارح عمدا يؤدب ولو اقتص منه. وعُلِمَ مما مر أن محل قوله: "وعليه مطلقا" فيمن قتل عمدا ولم يقتل للعفو عنه أو لعدم التكافؤ، أو جماعة قتل أحدهم فإن باقيهم يجلد ويحبس.

أو نكول المدعي على ذي اللوث وحلفه عطف على "قتل"، والواو في قوله:"وحلفه" بمعنى "مع" وهو إما مجرور معطوف على "نكول"، وإما منصوب على أنه مفعول معه؛ يعني أنه يلزم المدعى عليه المقام عليه لوث بالقتل جلد مائة وحبس سنة إذا حلف خمسين يمينا بعد نكول المدعي رَعْيًا للوث، فقوله:"على ذي اللوث" أي على من قامَ عليه اللوث، وقوله:"وحلفه" وأولى لو نكل، وإيضاح كلام المصنف أن تقول: إذا نكل من قام له لوث من وُلَاةِ الدم عن القسامة فردت على المدعى عليه، فحلف خمسين يمينا لردها كما توجهت كما يأتي، فعليه جلد مائة وحبس سنة لثبوت ذلك بما أوجب القسامة.

وقوله: "وإن بقتل مجوسي" الخ رد بالمبالغة قول ابن عبد الحكم في المسألة الأخيرة ورواية ابن حبيب في قتل المجوسي، قال في التوضيح: ولو كان العفو قبل القسامة وقبل أن يحقق المولي الدم كشف الحاكم عن ذلك، فما كان يحق فيه الدم بالقسامة أو البينة جلد مائة وسجن عاما، وما لا يوجب ذلك لا يكون فيه ضرب ولا سجن لأنه حق للَّه تعالى، فلا يسقطه الأولياء، ولو وجبت للأولياء القسامة فنكلوا عنها وحلف المدعي عليهم وبرئوا، قال محمد: على المدعى عليه الجلد

ص: 234

والسجن ولم يخالف فيه إلا ابن عبد الحكم، فإنه قال: إذا نكلوا فلا جلد ولا سجن وجمهورهم على تعميم هذا الحكم في كل مقتول ولو كان مجوسيا. وروى ابن حبيب عن مالك -واختاره-: إنما ذلك في المسلم عبدا كان أو حرا، وأما غير المسلم فإنه يجب به الأدب المؤلم. انتهى.

وفهم من المصنف أنه لو حصل لطخ لا يوجب القسامة أنه لا يجري فيه هذا الحكم، أعني قوله:"وعليه مطلقا جلد مائة ثم حبس سنة" وهو كذلك خلافا لأشهب، قال في التوضيح: واختلف في اللطخ فأوجب فيه أشهب ضرب مائة وسجن سنة. وفي الواضحة عن مالك: إذا وقعت التهمة على أحد ولم يتحقق ما تجب به القسامة ولا قتلٌ، فإن ذلك لا يجب به جلد ولا سجن سنة. انتهى. وفي التتائي: لا يجب هذا الحكم في حقه ويطال سجنه السنين عند مالك، وقال أشهب: يجلد مائة ويحبس سنة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيه:

في الدر النثير: وسئل رحمه الله عن رجل دمي على رجل ومات فترك أخا وأختا فعفوا وتأخر الضرب والحبس، فإن بعض الطلبة قال: لا يضرب لأن الدم لم يثبت بَعْدُ، وَرَأيت أبا الوليد حكى الاتفاق فيما إذا وجب اللوث بعدل وعفا الأولياء قبل القسامة أن يضرب مائة ويحبس عاماة الجواب: حكم دم العمد يبطل بعفو ولاته أو بعضهم قبل القسامة، وقد وجبت بلوث أن على المدعى عليه القتلُ ضربَ مائة وسجن عام. قاله غير واحد. وحكى عليه ابن رشد الاتفاق كما ذكرتم. انتهى. وأفتى ابن الحاج بسقوط الجلد والسجن في هذه، ووافقه البرزلي تبعا لابن عرفة وابن هلال: قال الرهوني: ما قاله ابن رشد منصوص للمتقدمين والمتأخرين مصرح به في غير ما كتاب، وجلب على ذلك من النقول مالا مزيد عليه، ثم قال بعد جلب كثير من النقول ما نصه: وإنما أطلت بجلب هذه المنصوص كلها لانتصار البرزلي وابن هلال لابن الحاج مع غفلتهما عنها، فيتأكد أن ينشد هنا البيت الشهير:

إذا قالت حذام فصدقوها

فإن القول ما قالت حذام

والعلم كله للَّه العلي الكبير. الرهوني: ومسألة المصنف هذه صريحة فيما قاله ابن رشد إذ لم يثبت فيها القتل، وإنما ثبت فيها اللوث مع ضعفه بنكول الأولياء وحلف المدعى عليه خمسين

ص: 235

يمينا، فكيف مع قيام اللوث من غير معارض يضعفه؟ ومسألة المصنف هذه مسلمة حتى عند ابن عرفة والبرزلي وابن هلال، ونقل الشيخ أبو محمد في نوادره عن ابن حبيب عن أصبغ وساقه فقها مسلما كأنه المذهب، إذا

(1)

ادعى على نفر فأخذ أحدهم فسجن وتغيب الباقون فاصطلح الأولياء مع المسجون ولم يقسموا أنه يضرب مائة ويسجن سنة، فهذا نص صريح في أن الموجب للضرب والسجن هو اللوث لا ثبوت القتل، وقد نقله المصنف في التوضيح وابن عرفة فقها مسلما، ويأتي لفظ ابن عرفة عند قوله:"من واحد يعين لها" وهو نص صريح أيضا في خصوص مسألة الصلح التي أفتى فيها ابن عرفة بسقوطهما، وسلم له ذلك البرزلي وابن هلال. والكمال للَّه تعالى.

ونقل ابن يونس عن كتاب ابن حبيب عن أصبغ وساقه فقها مسلما ولم يحك فيه خلافا، قال أصبغ فيمن قَرَّبَت إليه امرأته طعاما فأكله فتقيَّأ أمعاءه مكانه، فلما أيقن بالموت من ساعته أشهد أن به امرأته وخالتها فلانة، ثم مات فأقرت امرأته أن ذلك الطعام إنما أتتها به خالتها هذه: ففي ذلك القسامة. وقوله: امرأته وخالتها يكفي، وإن لم يقل منه أموت كما يكتفى بذلك في الجرح وضربة السيف والعصا، وإن لم يقل منهما أموت، فإذا ثبت قول الذي تقيأ أمعاءه بشاهدين فليقسم ولاته على إحدى المرأتين وتقتل، ولا ينفع المرأة قولها: خالتي أتتني به، وتضرب الأخرى مائة وتحبس عاما. انتهى. انتهى.

ثم قال الرهوني: ومنها -يعني من المسائل التي تدل على أن الموجب للضرب والحبس ثُبوت اللوث لا ثبوت القتل- مسألةُ من دمى على شخص ثم على آخر ولم يكن أبرأ غير الأول على أحد قولي أصبغ أن للأولياء أن يقسموا على أحدهما فيقتل ويضرب الآخر مائة ويسجن سنة، ودلالة هذه على ما قلناه أحروية؛ لأن اللوث الذي أوجب فيها ما ذكر ضعيف لبطلانه عند ابن القاسم وأشهب وأصبغ في قوله الآخرِ، وهو مختار ابن حبيب كما ستراه عند قوله الآتي قريبا:"أو مَسْخُوطا على ورع". انتهى ما نقله الرهوني.

(1)

في الرهوني: ج 8 ص 55 فيما إذا دمى على نفر.

ص: 236

ولما كانت القسامة يثبت بها القتل الموجب للقصاص أو الدية، قال: والقسامة سببها قتل الحر المسلم يعني أن القسامة مما يجب به القود أو الدية، والسبب الموجب لها إنما هو قتل الحر المسلم. قال عبد الباقي: والقسامة أحد ما يجب به القتل أو الدية، سببها: قتل أي إهلاك الحر المسلم وإن غير بالغ، بجرح أو ضرب أو سم ونحوها لا خصوص جَزّ الرقبة. وقال الشبراخيتي: والقسامة اسم مصدر لأقْسَمَ لا مصدر له لأن مصدره الأقسام، وهي كما قال ابن عرفة: حلف خمسين يمينا أو جزئها على إثبات الدم، وسيأتي بيانها في قول المصنف وهي خمسون يمينا الخ، وكانت في الجاهلية فأقرت في الإسلام، وأصلها قصة حويصة ومحيصة بتشديد الياء، فَعَن سهل بن [أبي]

(1)

حثمة، قال: انطلق عبد اللَّه بن سهل ومحيصة بن مسعود ابن زيد إلى خيبر وهي يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد اللَّه بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيّصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: كَبّر كَبّرْ وهو أحدث القوم فسكت، فتكلما أي تكلم حويصة ثم تكلم محيصة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا منهم، قالوا: كيف تأخذ بأيمان قوم كفار؟ فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده بمائة من إبل الصدقة)

(2)

.

في محل اللوث يعني أن القسامة إنما تكون في محل اللوث، واللوث أصله التلطخ والمراد به هنا ما يوجب التهمة، قال مالك: اللوث هو الأمر الذي ليس بالقوي، وقوله:"سببها" جعل السبب مركبا من أربعة أجزاء، فاحترز بالقتل من الجراح وبالحر من العبد وبالمسلم من الكافر، وبمحل

(1)

ساقطة من الأصل.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الجزية، والموادعة، رقم الحديث، 3137، 7192 صحيح مسلم، كتاب القسامة، رقم الحديث، 1669. الموطأ، كتاب القسامة، رقم الحديث، 1 - 2.

ص: 237

اللوث من قتل ليس في محل اللوث، واشترط هذه الأجزاء لأن الحديث إنما ورد فيها. قاله في التوضيح.

قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: لا بد من توضيح معنى كلام المصنف فأقول، ومن اللَّه تعالى أستمد في حصول المأمول، قوله:"والقسامة" مبتدأ وقوله: "سببها" مبتدأ ثان، وقوله:"قتل" خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر عن المبتدأ الأول، وقوله:"في محل اللوث" متعلق "بقتل" أو حال منه، "وقتل" على حذف مضاف أي دعوى قتل "ومحلٌ" إما بمعنى موضع وإما بمعنى الحال؛ يعني أن السبب الذي يوجب القسامة هو أن يدعي ولي الدم أن هذا القتيل الحر المسلم قتله فلان، وهذه الدعوى لا تتم بسببيتها إلا بمصاحبة قرينة تُعَضدُها، فيتكمل السبب بالدعوى أو بالقرينة المعضدة لها وتلك القرينة هي اللوث. واللَّه تعالى أعلم.

ابن الحاجب: اللوث ما يدل على قتل القاتل بأمر بين ما لم يكن الإقرار أو كمال البينة فيه أو في نفيه. انتهى. ولما كان الإقرار وقيام البينة من الأمر البين وكل منهما مستقل في ثبوت الحكم بدون قسامة أخرجهما، وقوله: كمال البينة أي في العدد والعدالة، وقوله: أو في نفيه يعني أن تقوم البينة بنفي ما دل عليه اللوث، كما لو شهد شاهدان بأن زيدا قتل عمرًا، وقال عمرو عند موته: قتلني بكر.

ومثل لِلَّوث بخمسة أمثلة، فقال: كأن يقول بالغ حر مسلم: قتلني من يعني أن من الأمور التي توجب القسامة أي تُثْبتُهَا، أن يقول بالغ حر مسلم به أثر جرح أو ضرب: قتلني فلان أي زيد مثلا، قال عبد الباقي: وذكر لِلَّوث الذي تتسبب عنه القسامة خمسة أمثلة، أولها قوله:"كأن يقول" شخص "بالغ" -ذكر أو أنثى لا صبي ولو مراهقا على المعتمد وإن وجبت فيه القسامة بغير قوله كما مر، وشرط البالغ العقل كما يشعر به، يقول: إذ المجنون لا يتأتى منه قول معتبر شرعا- حر مسلم: قتلني فلان عمدا، بل ولو قال: قتلني خط ولا فرق بين أن يكون القاتل حرا أو عبدا مسلما أو كافرا، ذكرا أو أنثى.

قوله: "حر مسلم" قال البناني: أما العبد فلا يقبل قوله لأنه مدع لغيره كذا ذكره الخرشي، ويرد عليه إقرار الحر بالخطإ، والصواب أنه ليس من أهل الشهادة كالصبي والكافر، وأما السخوط

ص: 238

والمرأة فَهُمَا من أهلها في الجملة. انتهى. وقوله: "ولو خطأ" أشار بلو إلى الخلاف المذكور في المقدمات: قال في المقدمات: إن قال: قتلني خطأ ففي ذلك عن مالك روايتان: إحداهما أن قوله يقبل وتكون معه القسامة ولا يتهم، والثانية أنه لا يقبل قوله ويتهم أن يكون أراد إغناء ولده وهو قول ابن حازم، ووجه الرواية الأولى أنه استحقاق دم فوجب أن يستحق بما يستحق به دم العمد، ووجه الرواية الثانية أن الواجب في دم الخطإ مال على العاقلة، فأشبه قولَهُ عند الموت: لي عند فلان كذا وكذا وهذا أظهر في القياس، والرواية الأولى أشهر. انتهى.

وقال البناني عند قولَه: "كأن يقول بالغ": هذه هي التدمية، قال في التوضيح: لم يوافق المالكية في أصل التدمية إلا الليث، ورأى الجمهور أن قبولها يشتمل على قبول قول المدعي بلا بينة، وقد علم أن الدماء أعظم من الأموال، وهو لو قال عند موته لي عند فلان كذا لم يقبل، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عنه عليه الصلاة والسلام:(لو يعطى الناس بدعواهم لادعى الناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعي عليه)

(1)

، ورأى علماؤنا أن هذه الدعوى لا تشابه دعوى المال ولا غيره؛ لأن هذا أصل قائم بنفسه ومن تحقق مصيره إلى الآخرة وأشرف على الموت، فلا يتهم في إراقة دم امرئ مسلم ظلما، وغلبة الظن في هذا تتنزل منزلة غلبة الظن في الشاهد، وكيف لا والغالب من أحوال الناس عند الموت التوبة والاستغفار والنَّدَمُ على التفريط ورد المظالم؟ فكيف يَتَزودُ من دنياه قتل النفس؟ هذا خلاف الظاهر وغير المعتاد. انتهى.

وقال في الميسر: قيل إن القسامة وتبدئة المدعين بها خلاف الأصول، ورد بأنهم لم يبدأ بمجرد دعواهم: وإنما يحكم بها لهم لدليل يغلب على الظن به صدقهم، والأصل في الدعاوى أن يبدأ باليمين من يغلب على الظن صدقه كان مدعيا أو مدعى عليه. قاله في المقدمات. انتهى.

(1)

صحيح مسلم، كتاب الأقضية، رقم الحديث، 1711، ولفظه: لادعى ناس. . .، صحيح البخاري، كتاب التفسير، رقم الحديث، 4552، واللفظ لمسلم.

ص: 239

وقوله: "كأن يقول بالغ حر"، قال الرهوني: قال اللخمي: فإن كان العبد هو المقتول وقال قتلني فلان لم يكن لسيده أن يحلف مع قوله، ويستحق قيمته إن كان المدعى عليه حرا ولا القصاص إن كان المدعى عليه عبدا، ولكن ترد اليمين على المدعى عليه إن كان حرا، واختلف كم يحلف وفي ضربه وسجنه، فقال ابن القاسم: يحلف المدعي عليه يمينا واحدة ولا قيمة عليه ولا ضرب ولا سجن، فإن نكل غرم قيمته وضرب مائة وسجن عاما. وقال أشهب: يحلف الحر خمسين يمينا ويبرأ، فإن نكل حلف سيده واستحق قيمته ويضرب المدعى عليه مائة ويسجن عاما، وسواء حلف أو نكل. وقال عبد الملك: يحلف الحر يمينا واحدة إن كان يعرف بينهما عداوة بعد أن يسجن ويكشف عن أمره، فإن نكل ضرب أدبا وكذلك العبد، وليس يضرب مائة ويسجن سنة إلا من ملك قتله فعفى عنه، أو ملكت عليه القسامة فردت عليه اليمين. انتهى المراد منه.

وقوله: "كأن يقول بالغ حر مسلم" قال الرهوني: هذا ظاهر إن كان فلان الُمَدمَّى عليه معروفا عند الشاهدين، وإن لم يكن معروفا عندهما ووصفه المدمِّى وصفا كاشفا فلا عبرة بالتدمية، وإن تعلق ولاته بشخص وعينوه فإن حلاه ووصفه، فجزم شيخنا بأنه لا عمل على ذلك وكتب على هذا المحل: وسئل بعض القرويين عمن قال: دمي عند فلان ووصفه وحلاه فتوجد تلك الصفة في البلد، هل يقسم عليه كما في الحقوق أم تبطل الدماء لعظمها وللاختلاف في إعمال التدمية من أصلها؟ فأجاب بأنه لا يقبل قوله ولم يعلم الأصحاب فيه قولا. انتهى من خطه طيب اللَّه ثراه.

قلت: في نوازل ابن رشد: وكتب إليه قاضي كورة حرسها اللَّه تعالى في رجل جُرح جرحا مات منه، فَدَمَّى على رجل وقال في تدميته عليه: إنه أصابه بالجرح الذي فيه على سبيل العمد الذي فيه القصاص عبد الرحمن المعروف بابن عدي من ساكني قرية انيش السفلى من قرى جيان، وثبتت التدمية على نصها عند موت الدمى من جرحه المذكور وَوِراثته، وأن أحق الناس بالقيام بدمه أخوه شقيقه وأبوه، وأقر المدمى عليه أنه عبد الرحمن بن عدي، وأنكر القتل، وقال القاضي: إنه أعذر إليه في جميع ما ثبت فعجز عن المدفع في شيء منه، وأنه وَجَّهَ من وثق به إلى القرية المذكورة ليبحث ويكشف هل بها من يسمى باسمه وينسب بنسبه فما وُجِد أحدٌ غيره؟

ص: 240

فأجاب أدام اللَّه توفيقه على ذلك: تصفحت يا سيدي -أعزك اللَّه بطاعته وأمَدَّكَ بتوفيقه ومعونته- سؤالك هذا ونسخ العقود فوقه الثابتة أصولها عندك على ما ذكرته ووقفت على ذلك كله، وإذا لم يكن إشهاد المدعي بالتدمية على عين المدعى عليه، وإنما قال الشُّهُود الذين أشهدهم بذلك إن مصيبه بمصابه والمأخوذ بدمه عبد الرحمن المعروف بابن عدي ليس من ساكني القرية المذكورة من يسمى بعبد الرحمن بن عدي سواه، وقد تضمن العقد المنتسخ إقرارة على نفسه بأنه عبد الرحمن بن عدي وليس فيه من إقرارة تصريح بأنه من سكان القرية، فإذا كان ثبت عندك أنه من سكانها أو أنه أقر بذلك على نفسه إقرارا صريحا، وقال الذي وجهته للبحث عن ذلك: إنه لم يجد من سكان القرية من يسمى ذلك الاسم وينسب إلى ذلك النسب سواه، وجب لأبي المقتول وأخيه أن يسْتَقِيدَا منه؛ إذ قد أعذر إليه في جميع ما ثبت عليه فعجز عن المدفع في شيء منه بعد القسامة عليه بأن يقسما خمسين يمينا، تردد عليهما يَمِينًا يَمِينًا أنه الذي قتله، يقول الأب في يمينه بمقطع الحق قائما مستقبل القبلة إثر صلاة العصر من يوم الجمعة على ما مضى عليه عمل القضاة: باللَّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة لقد جرح هذا ويشير إليه ابني فُلَانًا الجرح الذي أصابَهُ بهِ ومات منه على سبيل العمد بغير حق، وكذلك يقسم الأخ إلا أنه يقول لقد قتل أخي فلانا، فإذا استكملا خمسين يمينا على هذة الصفة أسلم إلَيْهِمَا فاسْتَقَادَا منه بالسيف قتلا مجهزا، فهذا على ما أحْكَمَهُ الشرع من القتل، واللَّه أسأله التوفيق لنا ولك والسبيل إلى ما فيه الخلاص برحمته. انتهى. انتهى.

‌فرع:

قال الرهوني: كتب شيخنا: وسُئِلَ بعض القرويين عمن قال: دمي عند فلان، فبادر بعض الأولياء فقتله قبل القسامة، هل يقتل أو يكون لمن بقي أن يقسموا ليسقط القود؟ فأجاب بأن قال: نعم، يقتل به لأن القسامة إنما تكون ليستحق الدم. انتهى من المعيار. قلت: انظره مع ما في نوازل ابن رشد جَوَابَك رضي اللَّه عنك في رجل قتل بين أربعة نفر ولا يدرى من قتله منهم ولم يحضر قتله حاشى امرأة واحدة، فبُرِّئَ اثنان من الأربعة وتنازع اثنان في قاتله وكل منهما يقول لصاحبه أنت قتلته، فأخذهما الوالي فسجنهما بنظره وسَرَّحَ الباقين، ثم إن أخا المقتول رصد أحد اللذين برأهما أصحابهما فقتله ودمى عليه وثبتت التدمية بشاهدين عدلين عند القاضي، فقام

ص: 241

والده يطلب دمه على قاتله، وقام والد المقتول الأول وزعم أن دم ولده المقتول أولا عند هذا المقتول آخرا، وأتى بشهادة المرأة على موته بين الأربعة نفر المذكورين، فحلفه القاضي خمسين يمينا كما يجب، فهل ترى ذلك جائزا أم لا؟ بَيّنْ لنا ذلك موفقا معانا إن شاء اللَّه.

فأجاب أيده اللَّه: تصفحت السؤال ووقفت عليه وما حكم به القاضي من تحليف والد المقتول الأول خمسين يمينا مع شهادة المرأة خطأ من الحكم، وإنما وجه الحكم في ذلك -على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في أن اللوث لا يكون إلا بالشاهد العدل- أن يقسم أولياء المقتول الثاني لما ثبت من تدميته على قاتله ويقتلونه، وأما على مذهب من يرى أن شهادة المرأة الواحدة لَوْثٌ

(1)

فيقسم والد المقتول الأول مع آخر من وُلَاته خمسين يمينا لهو قتل وليهما، فيستحقون بذلك دمه ويبطل قيام من قام من ولاته طالبا له بالتدمية. وباللَّه التوفيق. انتهى. وقد علمت أنه لا تثبت القسامة بقول الصبي ولو مراهقا أو المجنون وإن وجبت فِيهِمَا القسامة بغير قولهما، وقوله:"كأن يقول بالغ حر مسلم" أتى به بعد قوله: "سببها قتل الحر المسلم" لأنه لا يلزم من كون المقتول حرا مسلما حين القتل أن يكون حرا مسلما حين القول مع أنه لا بد منه. قاله الشبراخيتي وغيره. وقوله: "ولو خطأ" هو المشهور. قاله التتائي. وقد مر عن ابن رشد.

أو مسخوطا على ورع عطف على المبالغة ففيه خلاف أيضا؛ يعني أنه تثبت القسامة لأولياء المقتول، بقول المقتول: قتلني فلان، ولو كان القائل لذلك القول مسخوطا أي غير مرضي الحال -قاله الشبراخيتي- وقال ذلك لصالح ورع، بل ولو قاله لأوْرع أهلِ زمانه فلِوُلَاتِه أن يقسموا ولو كانوا مسخوطين أيضا، ولا بد من أن يشهد على قول البالغ المذكور عدلان فأكثر. وقوله:"على ورع" هذا هو المشهور، خلافا لابن عبد الحكم في قوله: لا يقبل المسخوط على العدل، وصوبه اللخمي. قاله التتائي. وقال: وفي الذخيرة خولفت قاعدة الدعاوي في قبول قول المدعي في خمس مسائل: الأمناء واللعان والقسامة والغصب والحاكم في التعديل والتجريح وغيرهما. انتهى. قوله:

(1)

كذا في الأصل، والذي في الرهوني ج 8 ص 57: لوثا.

ص: 242

وفي غيرهما أي فيما يشتهر عنده من عدالة الشاهد وجرحته، فيعتمد على علمه بذلك، وكذا على إقرار الخصم بعدالة من شهد عليه، ونظمت ذلك فقلت:

أمين لعان والقسامة غاصب

كذا حاكم في العدل والجرح يقبل

كغيرهما في الكل يقبل مدع

بلا شاهد والنظم للحفظ يسهل

انتهى. وقال عبد الباقي: أو كان المقتول مسخوطا أي فاسقا على ورع بكسر الراء؛ أي ادعى ولو على أورع أهل زمانه أنه قتله، ولا بد من ثبوت قوله المذكور بعدلين ومن تماديه على إقراره، فإن قال: قتلني فلان ثم قال بل فلان، بطل الدم. انتهى. قوله: فإن قال قتلني فلان ثم قال بل فلان بطل الدم، قال الرهوني: هذا هو الراجح والمعمول به، ففي المفيد: ومن أحكام ابن مغيث: وإذا اضطرب قول الجريح فرمى رجلا ثم رمى آخر، فعند ابن القاسم وأشهب وأصبغ: لا يقبل منه في الأول ولا في الأخير، وبهذا جرى الحكم عند الشيوخ. وقال ابن الماجشون: يؤخذ بآخر قوله وإن رجع إلى طلب الأول وقوله مقبول. انتهى منه بلفظه. ونحوه للمتيطي وصاحب المعين وزادا. واللفظ للمتيطي على اختصار ابن هارون. قال أصبغ: فإن قال: بي فلان ليس بي غَيْرُه فلا سبيل إلى من رمى بعده، فإن لم يقل ليس بي غيره فالأول والأخير سواء يقسم الولاة على أحدهما إن شاءوا فيقتل ويجلد الآخر مائة ويحبس سنة، واختار ابن حبيب الأول. انتهى.

أو ولدا على والده أنه ذبحه عطف على ما في حيز المبالغة ففيه خلاف أيضا؛ يعني أن الولد إذا ادعى على والده أنه ذبحه أو شق بطنه أو نحو ذلك مما يدل على أنه قصد إزهاق روحه، فإنه يقسم الأولياء ويقتل الوالد، وأحرى إن ادعى أنه رماه بحديدة ونحو ذلك مما فيه دية مغلظة، ولذا قال ابن غازي: إنه قصد الوجه المشكل لأنه إذا قبلت القسامة الوجبة للقود من الأب فأحرى غيرها من موجب الدية. قال التتائي: أو ادعى ولدٌ على والده أنه أضجعه وذبحه أو بقر بطنه ونحو ذلك، فقال ابن القاسم: يُقْسِمُ أولياؤُه ويقتلون الأب، وأما على قول أشهب أن الأب لا يقتل بابنه فلا قسامة، وأما لو قال: رماني بحديدة ونحوها مما لا يقتل الأب به، أو قال:

ص: 243

قتلني ولم يزد أو قتلني عمدا أو خطأ فالقسامة ودية الخطإ في الخطإ والمغلظة في رعوى العمد. قاله ابن القاسم. وإنما اقتصر على ما يقتل فيه الأب؛ لأنه إذا قبلت القسامة الموجبة للقود من الأب الخ. وقال المواق من المدونة: قول الميت بالغا عاقا، حرا مسلما ولو كان مسخوطا أو امرأة: قتلني فلان ولو كان فلان هذا صبيا أو عبدا أو ذميا أو امرأة عمدا لوث. انتهى.

ومن المدونة: إن قال دمي عند فلان خطأ فلأوليائه أن يقسموا ويَأخذُوا الدية، وليس لهم أن يقسموا على خلاف ما قال. قاله المواق. ومن المدونة: إذا قال المقتول دمي عند فلان وهو مسخوط أو غير مسخوط فلا يتهم وليقسم ولاته على قوله، وإن كانوا مسخوطين أيضا فذلك لهم في العمد والخطإ، ويقسم مع قول المرأة وهي غير تامة الشهادة، وإذا قال المقتول: دمي عند فلان فذكر رجلا أورع أهل البلد أقْسِمَ على قوله وإن رمى به صبيا أقْسِمَ على قوله وكانت الدية على عاقلة الصبي. وسمع عيسى ابن القاسم: من قال دمي عند أبي أقسم على قوله ولم يقد منه، وغلظت الدية في مال الأب. ولو قال: أضجعني أبي فذبحني أو بقر بَطني أقسم بقوله، وقتل الأب إن شاء الأولياء، خلافا لأشهب.

أو زوجة على زوجها عطف على المبالغ عليه أيضا ففيه خلاف؛ يعني أن الزوجة إذا ادعت على زوجها أنه قتلها، بأن قالت: دمي عند فلان زوجي فإن أولياء الدم يقسمون على ذلك ويقتلونه. قال المواق: قال ابن عرفة: ظاهر المذهب أن الزوجة تدميتها على زوجها كالأجنبية خلافا لابن مزين، وانظر في نوازل البرزلي: ليس كل زوج يؤدب والتدمية عليه وعلى المؤدب والمعلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ادعت زوجة على زوجها فالقسامة وهو داخل في حيز المبالغة، ومقابله قول ابن مزين: لا يقبل قولها. عليه لأنه مؤدب. انتهى. ونحوه لغير واحد.

‌فرع:

وسئل ابن رشد في نوازله عن رجل دمى على رجل بجرح ودمى أخو المدمى عليه على المدمى الأول وقريب له بأن القريب أمسكه وصار يقول للآخر اضرب اقتل فمات المدمى الثاني، فأراد أخوه المدمى عليه أولا أن يقوم بدم أخيه، فهل يقتل المدمى عليه مع قريبه بالقسامة قبل أن تبرأ جراحه التي دمى بها؟ أو يؤخر ويسجن؟ فأجاب: لا يقتل المدمى عليه حتى تبرأ جراحه التي دمي بها؛ لأن في قتله إبطال ما وجب لأوليائه من القسامة على قاتله، والواجب في

ص: 244

ذلك أن يسجن الثلاثة المدمى عليهم، فإن صح المدمى الأول من جراحه أقسم أخو الميت الأول مع أحد من بني عمه على قريب المدمي الأول وقتلوه، ثم يقسم أولياء المدمى الأول على أخي الميت الأول وقتلوه بقسامتهم. انتهى. وما ذكره من قتل اثنين بالقسامة غريب ونقله عنه البرزلي، ونقل عن ابن الحاج في ذلك ثلاثة أقوال. انتهى. نقله الحطاب. وقد مر أنهم يقسمون على واحد يعينونه ويقتلونه، وأنه المشهور، وقيل: يحلفون عليهم ويقتلونهم وهو للمغيرة، وقيل: يحلفون عليهم أو على بعضهم ثم يختارون من أحبوا قتله وهو لأشهب. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: فلان، قال عبد الباقي: أطلق في قوله فلان ليشمل الحر والعبد البالغ وغيره، الذكر والأنثى والعدل والمسخوط والمسلم والكافر.

إن كان جرح يعني أنه إنما يقبل قول البالغ الحر المسلم قتلني فلان إن كان في المدمي جرح أو أثر ضرب، أو سم لتنزل ذلك منزلة الجرح وتسمى التدمية الحمراء، وأما التدمية البيضاء وهي أن يقول البالغ الحر المسلم: قتلني فلان وليس به ما ذكر فإنه لا يقبل قوله. هذا هو الذي مر عليه المصنف. قال الخرشي: المشهور أن قول المقتول قتلني فلان لا يقبل إلا إذا كان فيه جرح وأثر الضرب، ونحوه منزل منزلة الجرح وهذه هي التدمية الحمراء، وهذا قول ابن القاسم وبه العمل والحكم. قاله المتيطى. وأما التدمية البيضاء فالمشهور عدم قبولها. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله:"إن كان جرح": شرط فيما قبل المبالغة، فحقه أن يقدم عليها فيكون الشرط بلصْق مَشْروطه، ومثل الجرح أثر الضرب أو السم. انتهى.

وقال عبد الباقي: وإنما يقبل قول البالغ المذكور إن كان جرح وتسمى التدمية الحمراء أو أثر ضرب أو سم لتنزل ذلك منزلة الجرح لا التدمية البيضاء. انتهى. قوله: سم عطف على ضرب أي أثر سم. قاله الرهوني. وقوله: لا التدمية البيضاء، قال البناني: يعني أن التدمية البيضاء لا عبرة بها وهي التي ليس معها جرح ولا ضرب. ابن عرفة: في هذه المسألة اضطراب. وقال المتيطى: الذي عليه العمل وبه الحكم قول ابن القاسم إنه إذا لم يكن بالمُدمى أثر جرح أو ضرب لا يقبل قوله على فلان إلا بالبينة على ذلك. انتهى. انتهى.

ص: 245

وقال المواق: اللخمي: اختلف إن قال قتلني عمدا ولا جرح به وأبين ذلك أن لا يقسم مع قوله إلا أن يعلم أنه كان بينهما قتال. ابن عرفة: في هذه المسألة اضطراب، وقال المتيطى: الذي عليه العمل وبه الحكم قول ابن القاسم: إنه إذا لم يكن بالمدمي أثر جرح أو ضرب أنه لا يقبل قوله على فلان إلا بالبينة على ذلك. انتهى.

وقال التتائي: وروى ابن وهب عن مالك قبولها وإن لم يكن جرح وقاله أصبغ. انتهى.

وقال الرهوني: عَوَّلَ المصنف في هذا على كلام المتيطى لأنه عزاه للعتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم، وعزا مقابله لأصبغ، ثم قال: وبما تقدم من قول ابن القاسم العمل وبه الحكم. كذا نقله عنه المواق. وزاد في اختصار المتيطية بعد ذكره قول أصبغ، قال بعض الشيوخ: وهو قول مالك، واحتج بقول مالك في الموطإ إن القسامة تجب بوجهين، بقول القتيل دمي عند فلان، قال: فقد جعلها تجب بقول الميت دمي عند فلان ولم يذكر جُرْحًا ولا أثر ضرب. انتهى منه بلفظه. وانضم إلى هذا [أنما قال]

(1)

إنه قول ابن القاسم هو اختيار المحققين، كابن رشد واللخمي وعبد الحميد الصائغ، حتى حلف بالمشي إلى مكة لا يفتي بقول مالك، وقد تعقب ابن مرزوق عزو المتيطى ذلك لابن القاسم، فقال عقب نقله كلامه: قلت: ما ذكر من أنها رواية عن ابن القاسم لم أقف عليه في العتبية وإنما هو في العتبية، من قول ابن كنانة، والذي فيها عن ابن القاسم من رواية أبي زيد خلاف هذا وأنه يقبل، ثم قال في آخر كلامه ما نصه: فقد ظهر لك من الأنقال أن القائل إنه لا يقسم مع قول الميت إلا إن كان جرح أو أثر ضرب هو ابن كنانة، وأن مالكا وابن القاسم وأصبغ قالوا بالقسامة مع عدم الأثر كما يقسم مع الشاهد، فكلام المصنف ومن وافقه من الموثقين إنما هو فتوى بمذهب ابن كنانة واختيار اللخمي وابن رشد، والراجح من النقل كما رأيت ومن المنظر بعد تسليم [أصل]

(2)

القسامة مع قول الميت القسامة بإعمال هذه التدمية. واللَّه أعلم. انتهى.

قال الرهوني: قلت: أغفل ابن مرزوق كلام الباجي مع أنه أقوى في الدلالة لما قاله من جميع الأنقال التي ذكرها، ونصه: ويكتفي بقوله فلان قتلني وإن لم يكن أثر جرح ولا ضرب ولا غيره،

(1)

في الأصل: أن ما قاله، والمثبت من الرهوني ج 8 ص 59.

(2)

ساقطة من الأصل والمثبت من الرهوني ج 8 ص 52.

ص: 246

ويجب بذلك القسامة. رواه ابن حبيب عن مالك. وجميع أصحابه في العمد والخطإ، وكذلك لو قال: سقاني سما فيكون فيه القسامة ولا يبالي تَقَيأ منه أو لم يتقيأ. انتهى محل الحاجة منه بلفظه. ونحوه لابن يونس، لكن قد رأيت قول المتيطي أن ما اعتمده المصنف به القضاء والحكم وسلمه له غير واحد، بل كلام أبي الحسن يفيد أنه لم ينفرد بذلك المتيطي، فإنه قال عند قول المدونة في كتاب الديات:"وإذا قال المقتول دمي عند فلان" الخ: ظاهره كان به جرح أم لا، وقيل لا يقبل إلا أن يكون أثر جرح، قالوا: وعليه العمل. انتهى منه بلفظه. انتهى.

وفي أحكام ابن سهل أن اللؤلؤي شيخ القاضي أبي بكر بن زرب وشيخ الفقيه ابن عبد اللَّه بن أبي زمنين وغيرهما كان له حقل ولجاره حقل، وكان حريصا أن يضيف حقل جاره إلى حقله، فاحتال في ذلك بكل حيلة فلم يجبه إلى ذلك جاره إلى أن اعتل الجار ومرض، فجاءه اللؤلؤى زائرًا فأظهر له الرجل السرور بعيادته، فطمع اللؤلؤى في قضاء حاجته في ذلك الحقل فرغب إليه في تصييره إليه فأظهر له الإسعاف، فقال له: أشهد علي بذلك من شئت فجاء بعدة من الفقهاء أصحابه فأظهر انهدام القوة وضعف النطق، فقال له: اللؤلؤى أشهد الفقهاء على بيعك مني الحقل، فقال: أشهدكم أن الفقيه اللؤلؤى هذا قاتلي عمدا وأنه المأخوذ بدمي، فإن مت اسْتُقِيدَ لي منه فدهش الفقيه ومن معه وأقبل على الرجل يخوفه اللَّه تعالى ويعظه وسلك أصحابه سبيله فلم يرجع عن ذلك، فخرجوا عنه وسألهم اللؤلؤي أن يقفوا بالباب ليخلو به، ففعلوا وتفرد به وبمعزله، وقال له. تعصي اللَّه في أمري؟ فقال له: هل أردت إلا قتلي إذ طلبت أخذ كريمة مالي؟ فقال: أنا تائب فاتق اللَّه، فأجابه إلى ذلك، وقال: احلف لي بالأيمان اللازمة أنك لا تلتمس هذا الحقل في حياتي ولا بعد مماتي، وأن تحرمه على نفسك ولو صار إليك بالميراث ولا تهم مع ذلك بإساءتي ولا تحقد بذلك على ذريتي، فحلف له بذلك كله وتوثق منه، وعند ذلك أذن له بإدخال الشهود فلما دخلوا عليه أشهدهم أنه قد عفا عنه للَّه تعالى، فقال له اللؤلؤى: أريد أن تكذب نفسك وتعود إلى الحق، فقال له: هذا هو الحق فرضي منه اللؤلؤى بذلك واتخذ حديثه غبطة، وقال: إنه لا يفتي بتدمية بعد ذلك، وقد كان يحيى بن يحيى يرى السجن على من دمى عليه حتى نزل به ذلك، فرجع عن فتواه بذلك. انتهى باختصار عن التبصرة.

ص: 247

‌تنبيهات:

الأول: القول بإعمال التدمية البيضاء، قال ابن رشد في سماع عيسى من كتاب الديات: إنما تعمل بعد موت المدمي في إيجاب قتل المدمى عليه بالقسامة، وأما في حياته فلا يسجن المدمى عليه لأنه يتهم أنه أراد سجنه بدعواه. انتهى. نقله ابن عرفة. واللفظ له وأبو الحسن والمصنف في التوضيح وابن مرزوق وقبلوه. وفي نهاية المتيطي قال غير واحد من الموثقين: ولا يجب على المدمى عليه بهذه التدمية سجن ولا شيء إذا لم يكن بالمدمي أثر جرح، ولا ضرب إلا أن يموت المدمي قبل أن يظهر برؤه فليسجن المدمى عليه حينئذ، قال ابن عبد البر في تاريخه: وقد كان يحيى بن يحيى يرى السجن على من دمي عليه ويفتي به حتى نزل ذلك به فرجع عن فتواه. انتهى منها بلفظها. قاله الرهوني.

الثاني: قال أبو الحسن: لو كان المدمى عليه مع شهود ببلد ناء في اليوم الذي قتل فيه الْمُدَمِّي، لا يرى أن يبلغ المتهم من ذلك الموضع إلى الموضع الذي قتل فيه الْمُدمّى من ليلته ويرجع، قال ابن رشد: لا اختلاف في سقوطها بالشهادة للمدمى عليه بأنه كان ذلك اليوم في غير ذلك البلد، ثم قال: وأما الذي تقوم عليه البينة أو معاينة الضرب فالمشهور من المذهب أن ذلك أعمل من شهادة من شهد له أنه كان في ذلك اليوم في غير ذلك البلد، وهو قول ابن الماجشون وسحنون وأصبغ: وذهب القاضي إسماعيل إلى أن الشهادة تبطل بذلك وهو قول ابن عبد الحكم، يريد واللَّه أعلم إذا كانت مثلها في العدالة أو أعدل منها. نقله الرهوني.

وقال: سلم أبو الحسن قوله لا اختلاف في سقوطها، وأغفل ما للمتيطي في نهايته، ففيها: وإذا شهدت البينة أن المدمى عليه كان ذلك اليوم ببلد بعيد لا يصل منه في تلك المدة إلى موضع المدمي سقطت التدمية وتبين كذب المدمي، وكانت الشهادة أعمل. قاله ابن القاسم وعبد الملك. ونحوه لابن نافع وأصبغ في شرح ابن مزين، وفيه لأصبغ: إذا ثبتت التدمية بالبينة وتكافأتا أن بينة التدمية أولى إلا أن يكون المشهود عليه علما لا يخفى مكانه. قال عيسى: وإذا سقطت التدمية كان عليه أن يفدي نفسه بخمسين يمينا، وروى سحنون عن ابن القاسم فيمن شهد عليه بدم وأنه قتل فلانا بموضع كذا في يوم كذا وأقام المشهود عليه بينة أن المدعى عليه كان معهم يوم قتل القتيل ببلدة نائية عن الموضع الذي قتل فيه، فقال: إذا حق الحق لأهله فلا يخرج من شهادة

ص: 248

الشهود إلا بجرحه، والشاهد العدل لا يجرح بأن الذي شهد به لم يكن، ولا يجرح إلا بما يكون به غير عدل من الفسوق والإسفاه: وقاله عبد الملك وأصبغ وابن المواز ونحوه لسحنون في المنتخبة، قال سحنون: إلا أن يشهد مثل أهل الموسم وجماعتهم أنه أقام لهم الحج في ذلك اليوم، أو أهل مصر أنه صلى بهم العيد في ذلك اليوم فيبطل القتل؛ لأن أهل الموسم لا يجتمعون على الغلط ولا يشبه عليهم، وقد يشبه على الشاهدين فأكثر من ذلك، وقال إسماعيل القاضي: تبطل الشهادة بالقتل وهو مذهب محمد بن عبد الحكم. انتهى.

الثالث: قال الرهوني: يقتل من قَدَّم لآخر سمًّا فمات منه، ولو كان الميت هو الذي قدمه للآخر أوَّلًا، ففي نوازل الدماء من المعيار ما نصه: وسُئِلَ ابن عرفة عمن قدم لرجل طعاما وجعل السُّم فيما يلي الرجل، وقد علم الرجل بذلك فاستغفل صاحب الطعام وأدار موضعه لما بين يديه، فأكل فمات؟ فأجاب بأنه يقتل به. انتهى منه بلفظه. انتهى.

أو أطلق وبينوا عطف على ما في حيز المبالغة ففيه خلاف أيضا؛ يعني أن الشخص إذا قال: قتلني فلان وأطلق في كلامه ولم يبين هل قتله عمدا أو خطأ، فإن الأولياء إن بينوا كونه عمدا أو خطأ يقسمون ويستحقون الدية في الخطإ والقود في العمد، فقوله: وبينوا الواو للحال أي إذا أطْلَقَ المقتول في قوله قتلني فُلَانٌ ولم يقل عمدا ولا خطأ، والحال أن أولياءه بينوا بأن قالوا قتله عمدا أقسموا واستحقوا القود، أو قالوا قتله خطأ أقسموا واستحقوا الدية. هذا هو المشهور وهو ورهب المدونة. وأشار بلَوْ المقدرة هنا إلى ما في الموازية عن ابن القاسم، قال ابن الحاجب: فلو قال قتلني ولم يبين فللأولياء تبيينه. انتهى.

قال في التوضيح: أيْ مِنْ عمدٍ أو خطأ ويقسمون

(1)

عليه، فإن أقسموا على العمد قتلوا وإن أقسموا على الخطإ أخذوا الدية. وهذا مذهب المدونة. وفي نقله أنه المشهور ووقف ابن القاسم في الموازية، وقال: أحب إلي أن لا يقسموا إلا على الخطإ، وقال في موضع آخر: يكشف عن حاله وعن جراحه وعن موضعها وعن حال القاتل وعن الحال التي كانت بينهما من العداوة وغيرها،

(1)

في الأصل: ويقسموا، والمثبت من التوضيح ج 8 ص 190.

ص: 249

فيستدل بذلك حتى يظهر سبب يقسمون عليه حينئذ ويقتلون، فإن لم يظهر من ذلك عمد ولا خطأ لم يقبل قول الأولياء لا في عَمْدٍ ولا في خطإ؛ لأن السنة إنما جاءت في قول المقتول، واستحسنه اللخمي. انتهى المراد منه.

وقال المواق من المدونة: إذا قال قتلني ولم يقل عمدا ولا خطأ فما ادعاه وُلَاة الدم من عمد أو خطإ أقسموا عليه واستحقوه، وقال عبد الباقي: ويجوز في "بينوا" كونه حالا منتظرة مع اختلاف فاعلها مع فاعل صاحبها وهو أطلق كما ارتضاه الدماميني -ردا على- المغني وإن منعه الشمني. انتهى. قوله: صاحبها يعني عاملها كما فسره هو بذلك في قوله وهو أطلق. واللَّه تعالى أعلم.

لا خالفوا يعني أنه إذا بين المقتولُ بأن قال قتلني فلان عمدا وخالف الأولياء في ذلك وقالوا: بل قتله خطأ فإن الدم يبطل فلا قود ولا دية ولا قسامة، وكذا لو قال المقتول قتلني خطأ، وقال الأولياء قتله عمدا فإنه يبطل الدم ولا قسامة ولا قود ولا دية، وقوله:"لا خالفوا" كلا أو بعضا، قال الخرشي: يعني أن أولياء المقتول إذا خالفوا قوله بأن قال قتلني عمدا فقالوا بل قتله خطأ أو بالعكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا إن خالفوا قول المدمى بأن قال خطأ وقال الأولياء عمدا أو عكسه فلا قسامة؛ لأنه في الأول أبرأ القاتل وهم أبرأوا العاقلة، وفي الثاني عكسه لأنه تكذيب لقول المدمي. والمعتبر في التدمية قوله: دونهم وهو معطوف على أطلق؛ أي ولا إن خالفوا، وليس معطوفا على بينوا لأنه يصير التقدير حينئذ، لا إن أطلق وخالفوا مع أنه لا مخالفة مع الإطلاق. انتهى.

وقال التتائي: لا إن خالفوا قول المدمي، بأن قال خطأ وقال الأولياء عمدا، وعكسه فلا قسامة لأنه في الأول أبرأ القاتل وهم أبرءوا العاقلة، وفي الثاني أبرأ هو العاقلة وهم أبرأوا القاتل. انتهى. وقال عبد الباقي: لا إن قيد وخالفوا كلهم أو بعضهم، كأن يقول قتلني عمدا والأولياء خطأ أو عكسه فيبطل الدم؛ لأنه في الصورة الأولى أبرأ العاقلة وهم أبرأوا القاتل، وفي الصورة الثانية عكسه. ومما يهدر الدم فيه أيضا إذا قال قتلني فلان، ثم قال بل فلان كما مر، أو قيل له من جرحك؟ فقال: لا أعرفه، ثم قال فلان، وكذا دمي عند فلان أو فلان على وجه الشك فتدميته ساقطة اتفاقا كما في التتائي آخر الباب.

ص: 250

وبما قررنا علم أن المعطوف بلا محذوف عطف على "أطلق"، ولا يصح عطفه على "بينوا"؛ لأنه يصير التقدير: لا إن أطلق وخالفوا، مع أنه لا مخالفة مع الإطلاق. انتهى. قوله: فقال لا أعرفه، ثم قال فلان، أو قال فلان أو فلان على وجه الشك، ظاهره أن ما حكاه عن التتائي من الاتفاق راجع للمسألتين معا، ولم أره إلا في الثانية منهما، وأما الأولى فجزم فيها غير واحد بالبطلان كما قال، لكنهم لم يصرحوا فيها بالاتفاق. انتهى المراد منه.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: لم يتضح لي وجه النقد على عبد الباقي، فإن المتبادر منه أن الاتفاق راجع للثانية. واللَّه تعالى أعلم. وقول عبد الباقي: وبما قررنا علم أن المعطوف بلا محذوف الخ، قال الرهوني: انظر كيف يصح ما قاله مع شرطهم أن يكون المعطوف بلا مفردا؟ انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

ولا يقبل رجوعهم يعني أن أولياء المقتول إذا خالفوا قوله: بأن قال قتلني فلان عمدا فقالوا بل قتله خطأ أو بالعكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم كما علمت، وليس لهم بعد ذلك أن يرجعوا عن مخالفته إلى موافقته، فلا يجابوا إلى ذلك لأنهم أكذبوا أنفسهم، وما ذكره المصنف من قوله:"لا خالفوا ولا يقبل رجوعهم" هو الصحيح، وقال ابن القاسم في المجموعة: إذا خالفوا فلا يقسموا إلا على قوله. وقال المواق من المدونة: إذا ادعى الورثة خلاف قول الميت فلا قسامة لهم ولا دية ولا دم، ولا لهم أن يرجعوا إلى قول الميت. انتهى.

ولا إن قاد بعض عمدا وبعض لا نعلم عطف على مدخول لا؛ يعني أن المقتول إذا أطلق في قوله، فقال بعض الأولياء: قتله عمدا، وقال بعضهم: لا نعلم هل قتله عمدا أو خطأ، فإنه لا قسامة ولا دم ولا دية، وصريح المصنف بطلان الدم وأنهم لا يمكنون من القسامة. وفي المواق من المدونة: إن قال بعضهم: عمدا، وقال بعضهم: لا علم لنا بمن قتله ولا نحلف، فإن دمه يبطل. انتهى. قال البناني: قال مصطفى: الظاهر أن قولها: ولا نحلف، لم يذكر فيها على سبيل التقييد خلافا لا اقتضاه كلام التتائي من توقف البطلان في هذه على النكول، ولذا لم يذكره ابن الحاجب وابن شأس مع ذكرهما لمسألة المدونة. انتهى. ونص ابن الحاجب: فلو قال بعضهم عمدا والباقون لا نعلم أو نكلوا فلا قسامة. انتهى.

ص: 251

أو نكلوا يعني أن المقتول إذا أطلق في قوله: بأن قال: قتلني فلان ولم يبين هل قتله عمدا أو خطأ وبين الورثة، بأن قالوا: قتله عمدا ونكلوا كلهم عن القسامة فإن الدم يبطل بمجرد نكولهم، وكذا لو قالوا: قتله خطأ ونكلوا كلهم فلا دية حيث حلفت العاقلة كما يأتي. وقال الشبراخيتي: قال في الحاشية: أو نكلوا أي وقالوا كلهم عمدا أو كلهم خطأ ونكلوا، وفرض الشارح والتتائي والزرقاني في العمد فرض مسألة. انتهى.

بخلاف ذي الخطإ يعني أنه إذا قال بعض خطأً وبعض لا نعلم، أو قالوا كلهم خطأ ونكل بعضهم فإنه يكون له أي لمدعي الخطإ أي للبعض الذين ادعوا الخطأ في الأولى وللبعض الذين لم ينكلوا في المسألة الثانية الحلف لجميع أيمان القسامة وإذا حلفها فله أخذ نصيبه من الديه، ولا شيء للآخرين أي الذين قالوا: لا نعلم هل قتله عمدا أو خطأ في الأولى والناكلين في المسألة الثانية حيث حلفت العاقلة، وإلا أخذوا نصيبهم أيضا. قال البناني تحت قوله:"بخلاف ذي الخطإ": صورتان، ما إذا قال بعض خطأ وبعض لا نعلم، وما إذا قال كلهم خطأ ونكل البعض عن اليمين، ونص المدونة: ولو قال بعضهم قتله خطأ وقال الباقون لا علم لنا، أو نكلوا عن اليمين حلف مدعو الخطإ وأخذوا حظهم من الدية، ولا شيء للآخرين. انتهى. ونحوه لابن شأس.

قال أبو الحسن: قولها: لا علم لنا، يحتمل لا علم لنا بعين قاتله أو بصفة قتله من عمد أو خطإ، وقوله:"أو نكلوا" يحتمل معناه ادعى جميعهم الخطأ، ويحتمل أن يعود إلى الصورة السابقة وهي إذا قال بعضهم عمدا وبعضهم خطأ والحكم سواء. انتهى.

قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: حاصل هذه المسألة أن تقول: إذا قيد الميت ووافقوا كلهم أو خالفوا كلا أو بعضا فالأمر ظاهر، فإن أطلق وبَيَّنوا بلا اختلاف فالأمر ظاهر؛ أي فإن أقسموا كلهم ثبت ما أقسموا عليه من عمد وخطإ، فإن أطلق ولم يبينوا فلا اختلاف فالأمر ظاهر أيضا، فإن أطلق وقال بعض: عمدا وبعض لا نعلم بطل الدم، فإن قالوا كلهم: عمدا ونكلوا كلهم عن أيمان القسامة بطل الدم أيضا، فإن نكل بعضهم أوْ عَفَا عن الدم قَبْلَ القسامة ففي سقوط الدم والدية أو الدم ويحلف من بقي لأخذ حقه، ثالثها هذا إن نكل على وجه العفو عن حقه وإن نكل

ص: 252

تحرجا وتورعا حلف من بقي، الأول لابن القاسم مع ابن الماجشون، والثاني لأشهب، والثالث لابن نافع. انتهى نقله البناني.

وقوله: وإن نكل تحرجا وتورعا الخ؛ يعني -واللَّه تعالى أعلم- أنه إن نكل تحرجا وتورعا حلف من بقي ويكون لهم القود، بخلاف ما إذا نكل البعض على وجه العفو عن حقه فلا يكون لمن بقي إلا أخذ نصيبه من الدية إن حلف، وأما إن قالوا كلهم خطأ أو قال بعضهم خطأ وبعضهم لا نعلم، فإن نكلوا كلهم في الأولى فلا شيء لهم حيث حلفت العاقلة، وإن نكل بعضهم حلف الآخرون وأخذوا نصيبهم، وفي الثانية يحلف الباقون وأخذوا نصيبهم ولا شيء للآخرين حيث حلفت العاقلة. قال عبد الباقي: فإن نكل ذوو الخطإ كلهم أو بعضهم عن جميع الأيمان ردت على عاقلة القاتل، فإن حلفوها كلهم سقطت الدية، وإن نكل بعضهم دفعت حصته للناكل من أولياء المقتول أو لحالف بعضها ولم يكملها.

وأما إذا قال بعض عمدا وبعض خطأ فهو قوله وإن اختلفا فيهما واستووا حلف كل وللجميع دية الخطإ يعني أن المقتول إذا أطلق في قوله بأن قال: قتلني فلان، فقال بعض الأولياء: قتله خطأ، وقال بعضهم: بل قتله عمدا والحال أنهم كلهم في درجة واحدة، بأن كانوا بنين أو إخوة أو نحو ذلك فإنهم كلهم -أي من ادعى العمد ومن ادعى الخطأ- يحلفون أيمان القسامة ويقضى للجميع بدية الخطإ، فإن اختلفوا كبنت وعصبة، فإن ادعت العصبة العمد والبنت الخطأ فهو هدر ولا قسامة ولا قود ولا دية؛ لأنه إن كان عمدا فذلك للعصبة ولم تثبت البنت لهم ذلك، ولو كان خطأ فالدية ولم يثبت أنه خطأ، ويحلف المدعى عليه خمسين يمينا ما قتله عمدا ويحرز دمه كما في الموازية، وإن ادعى العصبة الخطأ والبنت العمد حلف العصبة وأخذوا نصيبهم من الدية، ولا عبرة بقول البنت لأنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة، وتثنية المؤلف الضمير أولا وجمعه ثانيا للتفنن؛ أي وإن اختلفا أي الصنفان واستووا أي المختلفون في درجة القرابة. انظر الخرشي. وقال عبد الباقي: وإن اطلق المقتول في قوله بأن قال قتلني فلان واختلفا أي فريقا ورثته فيهما أي في العمد والخطإ؛ أي قال فريق قتله عمدا وآخر خطأ واستووا في درجة القرابة، كأولاد

ص: 253

أو إخوة أو أعمام وإن لم يستو عددهم، حلف كل من مدعي العمد والخطإ أيمان القسامة على قدر إرثه فقط، وللجميع دية الخطإ على عاقلة الجاني ويسقط القتل.

وإذا نكل مدعو الخطإ كلهم بطل حق ذوي العمد بسبب نكول غيرهم أي غير ذوي العمد والغير هم مدعو الخطإ، فلا قسامة لذي العمد ولا دية لأنه لِدَعْوَاهُ الدَم إنما يحلف تبعا لذي الخطإ ويصيرون حينئذ بمنزلة ما لو ادعى جميعهم الخطأ ونكلوا فتحلف عاقلة القاتل وإلا غرم الناكل، سواء كان جميعهم أو بعضهم. انتهى. وإن نكل بعض مدعي الخطإ عن الحلف فلمدعي العمد أن يدخل في حصة من حلف ويبطل حقهم في حصة من نكل.

وحاصل هذا الحاصل أنه إذا أطلق الميت فالصور ثلاث عشرة؛ لأن الأولياء إما أن يدعوا العمد كلهم ويحلفون على ذلك فلهم القود، أو ينكلون كلهم فيبطل الدم وإن نكل بعضهم وحلف بعضهم فقيل يسقط الدم والدية وهو لابن القاسم وابن الماجشون، وقيل يسقط الدم ويحلف من بقي لأخذ حقه وهو لأشهب، وقيل إن نكل على وجه العفو عن حقه حلف من بقي لأخذ حقه ويسقط، وإن نكل تحرجا وتورعا حلف من بقي ولم يسقط الدم وهو لابن نافع فهذه ثلاث صور، وإما أن يقول بعض عمدا وبعض لا نعلم وهذه صورة يبطل الدم فيها، وإما أن يقولوا كلهم خطأ ويحلفون كلهم فلهم الدية وإن نكلوا حلفت العاقلة وبطل الدم، وإن حلف بعض الأولياء ونكل بعض فللحالف أخذ نصيبه ويسقط حق الناكل بعد حلف العاقلة، فإن نكلوا غرموا وإن نكل بعضهم غرم حصته فهذه ثلاث صور، وإما أن يقول بعض خطأ وبعض لا نعلم، فمن حلف من مدعي الخطإ يأخذ نصيبه وتسقط حصة الناكل عن العاقلة حيث حلفت العاقلة، فإن نكل بعض العاقلة دفعت حصته للناكل من أولياء المقتول، ولا شيء لمن قال لا نعلم. وهنا ثلاث أيضا. لأنهم إما أن يحلفوا كلهم أو بعضهم أو ينكلوا كلهم، وإما أن يقول بعض عمدا وبعض خطأ فهي قوله:"وإن اختلفا فيهما" الخ، وفيها ثلاث أيضا: حلفوا كلهم نكل بعض مدعي الخطإ، نكل مدعو الخطإ للجميع دية خطإ في الأولى وفي الثانية للحالف نصيبه وفي الثالثة يهدر الدم. فهذه ثلاث عشرة واللَّه تعالى أعلم.

ص: 254

‌تنبيه:

قوله: "وللجميع دية الخطإ" أي على العاقلة تقسم بينهم، وقال أشهب: إن حلف جميعهم فلمن أقسم على الخطإ حظه على العاقلة، ولمن أقسم على العمد حظه من مال الجاني. وأشار للمثال الثاني من أمثلة اللوث بقوله: وكشاهدين بجرح أو ضرب مطلقا يعني أنه إذا شهد شاهدان على معاينة الجرح أو الضرب خطأ أو عمدا، -وهو معنى قوله:"مطلقا"- فإن ذلك يكون لوثا يقسم معه أولياء المقتول، ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، فقوله:"وكشاهدين" معطوف على "كأن يقول بالغ"، وقوله:"بجرح أو ضرب" أي بجرح أو ضرب حر مسلم. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وكشاهدين بجرح أو ضرب أي شهدا بمعاينة ذلك من شخص لآخر أي بضرب أو جرح حر مسلم مطلقا، سواء شهدا أنه جرحه أو ضربه عمدا أو خطأ. انتهى. وقال عبد الباقي: وكشاهدين بجرح أو ضرب لحر مسلم أي على معاينة ذلك، وإن لم يكن أثر مطلقا أي عمدا أو خطأ. انتهى. وقال التتائي: وكشاهدين شهدا بجرح أو ضرب عيانا من شخص لآخر مطلقا، سواء شهدا أنه جرحه أو ضربه عمدا أو خطأ. انتهى.

أو بإقرار المقتول يعني أن الشاهدين إذا شهدا بأن المقتول أقر بأنه جرحه أو ضربه فلان، فإن ذلك يكون لوثا مطلقا أي عمدا أو خطأ، قال الخرشي: يعني وكذلك إذا شهد شاهدان على إقرار المقتول أن فلانا ضربه أو جرحه عمدا أو خطأ، يَكُونُ لوثا يُقسم أولياؤه مع ذلك ويستحقون الدية في الخطإ والقود في العمد، فقوله:"وكشاهدين بجرح أو ضرب" أي بمعاينة جرح أو ضرب، وقوله:"أو بإقرار" عطف على "بجرح"، باعتبار المضاف المحذوف وهو "بمعاينة"، ومتعلق بإقرار محذوف أي بإقرار المقتول بذلك أي بالجرح أو الضرب، فهو غير مكرر مع قوله:"كأن يقول بالغ" الخ؛ لأن ذلك أقر بالقتل وهنا أقر بالجرح أو الضرب، والفرق بينهما يظهر في اليمين، فإنه في الأول يحلف: لقد قتله، وفي الثاني يحلف: لقد جرحه ولقد مات من جرحه.

ثم يتأخر الموت راجع لقوله: "وكشاهدين بجرح أو ضرب مطلقا" وهو مشتمل على أربع صور؛ يعني أنهما إذا شهدا بمعاينة الجرح عمدا أو خطأ فإنما تكون القسامة حيث تأخر الموت، وأما لو مات مَكَانَهُ فإنه يثبت القود في العمد بلا قسامة والدية في الخطإ بلا قسامة، وهاتان صورتان. وكذا لو شهدا بمعاينة الضرب عمدا أو خطأ فإنما تكون القسامة حيث تأخر الموت، وأما لو مات

ص: 255

قَعْصًا بفتح القاف وسكون العين المهملة بعدها صاد مهملة أي مات مكانه، فإنه يثبت القود في العمد بلا قسامة والدية في الخطإ بلا قسامة، فلو قدم قوله:"ثم يتأخر الموت" على قوله: "أو بإقرار المقتول عمدا أو خطأ" لكان أولى، وأما رجوعه لقوله:"أو بإقرار المقتول" الخ فلا يصح؛ لأنه لابد فيه من القسامة تأخر الموت أم لا. واللَّه تعالى أعلم.

يُقْسِمُ لمنْ ضَرْبهِ مَاتَ يعني أنه في مسألة الشاهدين بمعاينة الجرح أو الضرب يقسم أولياء الميت: لمنْ ضرب فلان مات؛ أي كيفية القسامة في ذلك أن يقول المولي: باللَّه الذي لا إله إلا هو لمن ضربه مات في مسألة الضرب، وفي مسألة الجرح: لمن جرحه مات ونحو هذه الصيغة مما يفيد الحصر، فهي نحو: إنما مات من ضربه أو جرحه. قال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله: "يقسم لمنْ ضربه مات" ما نصه: هذا خاص بالشاهدين بجرح أو ضرب، وأما في إقرار المقتول فيقولون: لقد جرحه، ولمن جرحه مات. انتهى.

وأشار للمثال الثالث من أمثلة اللوث وهو مشتمل على صور بقوله: أو شاهد بذلك مطلقا يعني أنه إذا شهد شاهد بمعاينة الجرح أو الضرب مطلقا عمدا أو خطأ، تأخر الموت أم لا، وحلف الأولياء يمينا واحدة: لقد ضربه، فإن ذلك يكون لوثا يحلف الأولياء خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، قال الخرشي: والمعنى أن العدل الواحد إذا شهد على معاينة الجرح أو الضرب عمدا أو خطأ وهو مراده بالإطلاق، وحلف الولاة مع الشاهد المذكور يمينا واحدة لقد ضربه وهذه اليمين مكملة للنصاب، فإن ذلك يكون لوثا تحلف الولاة معه خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ. انتهى. وقال عبد الباقي: أو شاهد بذلك أي بمعاينة الجرح أو الضرب مطلقا أي عمدا أو خطأ، تأخر الموت أم لا، بلغ المضروب أو المجروح أم لا، فيحلف الأولياء يمينا واحدة تكملة للوث ثم خمسين للقسامة، وصفة الواحدة المكملة كأيمانها. قال ابن عرفة: ظاهر كلام ابن رشد أو نصه أنهم يحلفون على الجرح والموت في كل يمين من الخمسين أي لقد جرحه أو ضربه ولقد مات من جرحه أو ضربه. انتهى.

قال البناني: أما يمين التكملة فيقولون فيها: باللَّه الذي لا إله إلا هو لقد ضربه، ثم خمسين للقسامة يقولون: لمن ضربه مات، وهذا أحد شقي التردد في كلام ابن عبد السلام، والآخر هو ما

ص: 256

نقله ابن عرفة عن ابن رشد لا يفردونها، وأنهم يحلفون خمسين لقد ضربه ومن ضربه مات. انظر ابن غازي. وتأمل ما معنى قول الزرقاني: وصفة الواحدة المكملة كأيمانها؟ الخ مع هذا. واللَّه أعلم. انتهى.

وقال الشبراخيتي: أو شاهد بذلك أي بمعاينة الجرح أو الضرب مطلقا أي عمدا أو خطأ، تأخر الموت أم لا، ولا بد من حلف الأولياء يمينا واحدة لتكملة اللوث، ثم يحلفون أيمان القسامة كما قال الشارح والتوضيح، وقال ابن رشد: على ما ذكر ابن عرفة أنهم يحلفون على الجرح والموت منه في كل يمين من الخمسين؛ أي فيجمعون في كل يمين بين ما يحلف عليه لتكملة اللوث وما يحلف عليه في القسامة، وتقدم أن هذا هو المذهب. انتهى. وقال التتائي: كشاهد يشهد بذلك أي بالجرح أو الضرب مطلقا أي عمدا أو خطأ، ولو أكل أو شرب أو تكلم وهو مذهب المدونة. انتهى. إن ثبت الموت يعني أن القسامة إنما تكون إن ثبت الموت لا قبل ثبوت الموت، قال عبد الباقي: وإنما تكون إن ثبت الموت في جميع صور اللوث لا قبله لاحتمال حياته، وترك الكاف في هذا الثالث ليلا يتوهم رجوع الشرط هنا لما بعدها. انتهى المراد منه. أو بإقرار المقتول عمدا قال الخرشي: أي وكذلك تكون شهادة العدل الواحد على إقرار المقتول أن فلانا جرحه أو ضربه عمدا لوثا بعد حلف الولاة يمينا واحدة مكملة للنصاب كما مر، ثم تحلف الولاة خمسين يمينا ويستحقون القود ويفترق هذا المثال من الذي قبله بأنه لا يكتفى في هذا بشاهد واحد على إقرار المقتول بجرحني فلان خطأ ولا بد من شاهدين في الخطإ، وأما الشهادة على قوله: قتلني فلان فنص الرواية فيها أنه لا بد من شاهدين كما في التوضيح وابن عرفة، والفرق أن قوله في الخطإ جار مجرى الشهادة لأنه شاهد على العاقلة والشاهد لا ينقل عنه إلا اثنان، بخلاف العمد فإن المنقول عنه إنما يطلب ثبوت الحكم لنفسه وهو القصاص. انتهى كلام الخرشي. وهو تقرير للمصنف على مقتضاه وترى الآن ما في كلام المصنف.

قال الشيخ محمد بن الحسن البناني: اعْلَم أن أنواع اللوث كما ذكره المصنف خمسة: أحدها: إقرار المقتول أن فلانا قتله، واختلف هل لا بد في ثبوته من الشاهدين مطلقا أي في العمد والخطإ، أو يكفي الشاهد الواحد مطلقا؟ قولان أكثر الأنقال على الأول كما عند ابن مرزوق. الثاني: إقرار

ص: 257

المقتول أن فلانا جرحه أو ضربه، وذكر المصنف أنه إن ثبت بالشاهدين فهو لوث مطلقا، وإن ثبت بشاهد واحد فهو لوث في العمد لا في الخطإ، واعْتُرِضَ بأن هذه التفرقة لم يقل بها أحد، وإنما في المسألة قولان التوقف على شاهدين مطلقا والاكتفاء بالشاهد الواحد مطلقا كما في الأول، وبهذا يندفع ما يقال ما الفرق بين الإقرار بأن فلانا قتله حيث قالوا لا يكفي فيه إلا الشاهدان، وبين الإقرار بأن فلانا جرحه فيكفي فيه الشاهد الواحد في العمد؟ كما قال المصنف: وحاصل الجواب أن من قال في الإقرار بالجرح يكفي الشاهد الواحد قال بذلك أيضا في الإقرار بالقتل، ومن قال لا يكفي في الثاني إلا الشاهدان قال بذلك في الأول، فلا محل لطلب الفرق. ذكره الشيخ المسناوي رحمه الله. النوع الثالث: ثبوت الجرح بالشاهدين أو بالشاهد، وأشار إليه بقوله:"وكشاهدين بجرح أو ضرب" مع قوله: "أو شاهد بذلك". الرابع: ثبوت إقرار القاتل في العمد بشاهد، وأشار إليه بقوله:"أو إقرار القاتل في العمد بشاهد". الخامس: ثبوت القتل بشاهد واحد، وإليه أشار بقوله:"وكالعدل" الخ. انتهى كلام البنائي.

قال الرهوني: الصواب ما نقله البناني عن المسناوي من أنه لا فرق بينهما وأن في كل منهما قولين، وأن الراجح منهما أنه لا بد من اثنين وأن التفرقة لم يقل بها أحد، وما نسبه البناني لابن مرزوق صحيح، فإنه قال بعد أنقال ما نصه: فظهر من هذه الأنقال أن قول الأكثر لا يقسم على قول الميت إلا بشاهدين، فكان حق المصنف أن يفتي به. انتهى. وقد صرح أبو علي بأن ما اعتمده المصنف خلاف المذهب، والفرق الذي مر ذكره في تفسير المصنف على مقتضاه أصله لابن عبد السلام: وبحث فيه ابن مرزوق بقوله: هذا الفرق الذي ذكره ابن عبد السلام إنما ذكره عياض وعبد الحق في إقرار القاتل، وفيه يظهر ذلك لا في إقرار المقتول وبحثه ظاهر. واللَّه أعلم. انتهى.

وقال المواق: قال الباجي: إذا مات، وقد قال: فلان جرحني أو ضربني ولم يثبت هذا من قول الميت إلا بشاهد واحد، فاختلف فيه قول مالك، ونقل ابن يونس عن عبد الملك أنه يقسم مع شهادته، قال: وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجوز على قول المقتول إلا شاهدان. وقاله ابن القاسم في العتبية. قال: لأن الميت كشاهد فلا يثبت قوله إلا بشاهدين، وبه قال ابن المواز،

ص: 258

وقال: إنما تكون القسامة حيث تكون اليمين مع الشاهد. انتهى. ولم يفرق بين عمد وخطإ، بل مقتضى كلام الباجي أنه لا فرق بين العمد والخطإ. ابن حارث: اتفقوا على أنه إن شهد عدلان أن فلانا جرح فلانا أو ضربه فعاش المجروح أو المضروب فأكل وشرب ثم مات أن لورثته أن يقسموا ويستحقوا الدم، فإن شهد بذلك شاهد واحد فقط، ففي المدونة: لورثته القسامة خلاف ماله في العتبية. ابن رشد: على القول بالقسامة يحلفون لقد جرحه ولقد مات من جرحه ولا يحلفون مع الشاهدين على الجرح إلا لقد مات من ذلك الجرح، ومع الشاهد على القتل فيحلفون لقد قتله فتفترق الأوجه الثلاثة في صفة الأيمان. انتهى.

كإقراره مع شاهد مطلقا قال الخرشي: موضوع هذا الفرع أن المقتول قال قتلني فلان عمدا أو خطأ وشهد على إقراره عدلان، وشهد مع هذا الإقرار شاهد على معاينة القتل، فإن ذلك لوث يحلف الولاة خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، وما قررنا به هو المتعين، ولا يتكرر مع قوله:"ووجبت وإن تعدد اللوث" لأن المقصود هنا إثبات أنه لوث، وفيما سيأتي المقصود أن تعدد اللوث لا يُغني عن وجوب القسامة. انتهى. وقال عبد الباقي: ولم يستغن عن هذه بقوله كأن يقول بالغ الخ؛ لأنه يتوهم في هذد ثبوت الدية أو القتل بدون قسامة، إشارة إلى أنها تجب مع تعدد اللوث كما يأتي، ولم يستغن به عن هذه لأن القصد هنا إثبات أنه لوث، وفيما يأتي المقصود صراحة أنَّ تعدد اللوث لا يغني عن وجوب القسامة. انتهى.

أو إقرار القاتل في الخطإ فقط بشاهد يعني أن القاتل إذا أقر أنه قتل خطأ وشهد شاهد على معاينة القتل خطأ، فإن ذلك لوث يوجب القسامة، فيحلف الولاة خمسين يمينا ويستحقون الدية، فالباء في بشاهد بمعنى مع، وأما إن لم يحصل غير إقرار القاتل فقط فليس بلوث مطلقا، بل فيه تفصيل وهو أنه تارة تبطل وتارة يكون لوثا كما مر عن الشيخ شرف المدين، وهذا التفصيل في مفهوم قوله:"بشاهد" على ما حملناه عليه، ونحوه للشيخ عبد الرحمن، ولا يحتاج لِتصويب ابن غازي. انتهى. قاله الخرشي.

وقوله: كما مر عن الشيخ شرف الدين يعني حيث كان المقر بالخطإ لا يتهم في قبول الرشوة. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: أو إقرار القاتل في الخطإ فقط أي أقر أنه قتل خطأ بشاهد أي مع

ص: 259

معاينة شاهد للقتل خطأ فلوث، فإن أقر بالخطإ من غير معاينة شاهد فغير لوث، بل يؤخذ بإقراره فتكون في ماله على المعتمد كما أصلح سحنون المدونة عليه، لا على عاقلته إن كان ثقة مأمونا لا يتهم في إغناء ورثة المقتول أو أخذ رشوة منهم على إقراره كما في ديات المدونة، فإنه غير معول عليه كما في ابن غازي، وعلى الأول اقتصر المصنف في قوله: بل اعتراف، فإن أقر بالقتل عمدا واشمر على إقراره أو شهد به عليه عدلان قتل، فإن أنكر وشهد به عليه واحد فلوث كما في ابن غازي. انتهى كلام عبد الباقي.

وقال البناني: ما شرحه به الزرقاني من كون الباء بمعنى مع صواب، قال ابن الحاجب: ولو شهد مع إقراره شاهد واحد فالقسامة أيضا من غير تفصيل كالمقتول. انتهى. التوضيح: يعني ولو شهد واحد بالقتل وأقر القاتل بالقتل فلا بد من القسامة، ومراده إذا أقر القاتل بالقتل خطأ، وأما في العمد فإنه يقتل بإقراره، وقوله: من غير تفصيل أي بين أن يكون قريبا أو بعيدا، وقوله: كالمقتول أي كما إذا تعدد اللوث مع قول المقتول. انتهى. وعليه -يعني على ما شرح به عبد الباقي- حمله أحمد وجد علي الأجهوري وغيرهما، ونسخة ابن غازي في العمد، فقال: هكذا في بعض النسخ وهو الصواب، وأما النسخ التي فيها الخطأ فخطأ صُرَاحٌ، وهذا على أن الباء في "بشاهد" للتعدية أي ثبت إقراره بالقتل عمدا بشاهد وهو مُنكِرٌ، وإنما كانت نسخة الخطإ خطأ على هذا الحمل؛ لأن ابن رشد حصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها إيجاب القسامة مطلقا، والثاني نفيها مطلقا، والثالث إيجابها في العمد دون الخطإ. قال: وإلى هذا ذهب سحنون وعليه أصلح ما في المدونة وهو الأظهر، إذ قيل: إن إقرار القاتل بالقتل خطأ ليس بلوث يوجب القسامة، فكيف إذا لم يثبت قوله:"وإنما شهد به شاهد واحد"؟ انتهى.

وقول عبد الباقي: كما أصلح سحنون المدونة عليه الخ، قال الرهوني: هذا تخليط لا شك فيه، وليس في ابن غازي ما عزاه له. واعْلَم أن لنا مسألتين: إحداهما ثبوت إقرار القاتل في الخطإ بشاهدين عدلين، والثانية ثبوته بشاهد واحد؛ والثانية هي محل إصلاح سحنون وعليها تكلم ابن غازي، وأما الأولى فلا إصلاح فيها أصلا، ولم يقل ابن غازي فيها إن ما في الديات غير معول عليه، ونص ابن غازي: قوله أو إقرار القاتل في العمد فقط بشاهد كذا في بعض النسخ في العمد

ص: 260

وهي الصواب، وأما النسخة التي فيها الخطأ فخطأ صراح، وهذا التفصيل الذي اقتصر عليه هنا هو الأظهر عند ابن رشد، فقد بين المسألة في رسم المكاتب من سماع يحيى، ثم حَصَّلَ فيها ثلاثة أقوال: أحدها إيجاب القسامة الخ ما مر، وما في ديات المدونة ومن أقر بقتل خطإ فإن اتُّهم أنه أراد إغناء ولد المقتول كالأخ والصديق لم يصدق، وإن كان من الأباعد صدق إن كان ثقة مأمونا، ولم يُخَفْ أن يرشى على ذلك ثم تكون الدية على عاقلته بقسامة ولا تجب عليه بإقراره. انتهى. وهذا الذي في الديات فيما إذا ثبت إقرار القاتل بشاهدين، ولم يقل ابن غازي إنه غير معول عليه.

وقال الرهوني بعد جلب نقول كثيرة: وحاصل ما تقدم أن الإقرار بالقتل خطأ، إن كان بشاهد واحد فقط فهو محل إصلاح سحنون، وإن كان بشاهدين فليس من محله وفيه ستة أقوال، وأن رواية ابن القاسم وأشهب. وقولهما: ومذهب المدونة في كتاب الديات أنها على العاقلة، بقسامة. وَتَأَوَّلَ الأكثر ذلك على أن المقر كواحد منهم، وتقدم عند قوله: بلا اعتراف عن ابن مرزوق أن ما في كتاب الديات هو الذي كان ينبغي للمصنف أن يفتي به فراجعه، ولم يقل ابن غازي إنه ضعيف كما عزاه له الزرقاني، بل نقله عن الذخيرة ثم أيده بما في كتاب الديات من المدونة، فَشُدَّ يَدَك على هذا التحصيل والتحرير، والعلم كله للَّه العلي الكبير. انتهى.

وإن اختلف شاهداه بطل يعني أنه إذا شهد شاهدان بأن زيدا قتل عمرا مثلا، ولكن اختلفا في صفته بأن قال أحدهما: قتله عمدا، والآخر خطأ، أو اتفقا على العمد أو الخطإ، لكن قال أحدهما: بسيف، وقال الآخر: بحجر، أو قال أحدهما: إنه ذبحه، وقال الآخر: بل بقر بطنه، فإنه يبطل الدم فلا قسامة ولا دية، تأخر الموت أم لا، والمتوهم فيه القسامة تأخر موته، والضمير في قوله:"شاهداه" للقتل. واعلم أنه لا يلزم المشهود أن يبينوا صفة، لكن لو بينوها واختلفوا فيها بطلت. قاله غير واحد. ومن المدونة: إن شهد رجل أن فلانا قتل فلانا بالسيف وشهد آخر أنه قتله بحجر، فقولهما باطل ولا يقسم بذلك. سحنون: هذا إن ادعى الولي شهادتهما معا، وإن ادعى شهادة أحدهما ففيه القسامة مع ذلك الشاهد. نقله المواق. وقال التتائي عند قوله:"وإن اختلف شاهداه بطل" ما نصه: وظاهره سواء ادَّعوا شهادتهما معا أو شهادة أحدهما، وقال ابن

ص: 261

يونس عن سحنون: هذا إن ادعى الأولياء شهادتهما معا، وإن ادعوا شهادة أحدهما فالقسامة فيه. انتهى.

وكالعدل فقط في معاينة القتل هذا هو المثال الرابع من أمثلة اللوث؛ يعني أنه إذا شهد عدل على معاينة القتل من غير إقرار المقتول فإنه يكون لوثا، فيقسم الأولياء معه ويستحقون الدم أيْ القود في العمد والدية في الخطإ، قال عبد الباقي: وأشار لمثال رابع بقوله: وكالعدل الواحد فقط يشهد في أي على معاينة القتل ظاهره عمدا أو خطأ من غير إقرار المقتول، فيقسم الأولياء معه ويستحقون الدم إلا أن يقول قتله غيلة فلا يقسمون معه لأنها لا يقبل فيها إلا عدلان على المعتمد، خلافا لقول يحيى بن عمر: يقسمون معه وإنما قلنا من غير لخ ليلا يتكرر مع قوله: "كإقراره مع شاهد مطلقا"؛ لأن موضوعه أنه قال: قتلني فلان، بخلاف ما هنا ثم المرأتان العدلتان كالعدل في هذا، وفي سائر ما قيل فيه شهادة الشاهد لوث، ولم يستغن المصنف عن هذا بقوله:"أو شاهد بذلك مطلقا" لأنه ربما يتوهم أن شهادته بمعاينة القتل ليست لوثا، بخلاف شهادته بجرح أو ضرب، والأحسن والأخصر لو ذكر هذد عقب تلك فكان يقولُ: أو بشاهد بذلك مطلقا أو بالقتل. انتهى.

وقال البناني عند قوله: "وكالعدل فقط في معاينة القتل" ما نصه: أي عمدا أو خطأ، فيحلف الأولياء في العمد مع شاهدهم خمسين يمينا، ويستحقون القصاص ويقسمون أيضا في الخطإ ويستحقون الدية، هذا مقتضى نقل المواق. ولكنهم مثلوا فيما يثبت بالشاهد واليمين فيما تقدم بأمثلة منها: قتل الخطإ فيقتضي الاكتفاء بيمين واحدة وليس كذلك، وإن كان مرادهم ما يشمل القسامة فالعمد كذلك، فَلِمَ اقتصرُوا على الخطإ؟ فتأمله. انتهى. وهو بحث حسن. واللَّه أعلم.

وقول عبد الباقي: ثم المرأتان العدلتان كالعدل الخ صحيح على ما في نوازل ابن الحاج، ونصه: ولا اختلاف أن المرأتين العدلتين يقسم معهما. انتهى. من عدة نسخ، ولكن فيه نظر فإن الخلاف في ذلك شهير، ففي تبصرة اللخمي ما نصه: ويستحق بشاهد والقسامة إذا كان عدلا فالشاهد ها هنا لوث، واختلف عن مالك إن لم يكن عدلا، فقال في المدونة: لا يقسم معه، وقال في كتاب محمد: يقسم معه والأول أحسن، ولا يراق دم مسلم بغير عدل واختلف في شهادة النساء

ص: 262

بانفرادهن هل تكون لوثا؟ فقال مرة: لسن بلوث، وقال مرة: يقسم على امرأتين، ثم قال: وأرى أن يقسم مع شهادة امرأتين عدلتين لأنهما توجبان من اللطخ ما يوجبه الشاهد العدل. وفي ابن يونس: وأجاز في كتاب محمد شهادة امرأتين في قتل العمد ولم يُجز ذلك في المدونة، وقال في ترجمة القسامة من كتاب الديات: واختلف قوله في اللوث، فقال في المدونة: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حاضر الأمر، ولا يقسم مع شهادة المسخوط ولا النساء ولا العبيد ولا الصبيان، قال: وإنما يقسم مع الشاهد العدل وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم، ثم قال: قال ابن عبد الحكم: ولا شهادة للنساء في قتل العمد ولا يَكُنَّ لطخا. محمد: يريد في امرأة واحدة، وأما امرأتان فيقسم مع شهادتهما إن كانتا عدلتين ويقتل بذلك. قاله ابن القاسم. انتهى.

وقال ابن فرحون: واختلف العلماء في تعيين ما يقبل من ذلك، فعن مالك رحمه الله أن اللوث هو الشاهد العدل على معاينة القتل، وأخذ ابن القاسم بما قاله مالك، ووافقه ابن وهب وابن عبد الحكم، وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث يوجب القسامة ولا يوجب ذلك شهادة امرأة واحدة. وفي المعين: اختلف في اللوث في قتل العمد، فقال مالك في المدونة: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حضر الأمر، ولا يقسم مع شهادة المسخوط ولا النساء ولا العبيد ولا الصبيان، وبهذا أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم. قال ابن حبيب: وروى ابن وهب عن مالك أن شهادة النساء لوث. انتهى واللَّه تعالى أعلم.

ومفهوم قوله: "في معاينة القتل" أن شهادته على إقرار المقتول أن فلانا قتله قد مر الكلام عليها، وأن المعتمد أنها لا تكون لوثا في العمد ولا في الخطإ، ومفهوم قوله:"العدل" أن غير العدل لا يكون لوثا في معاينة القتل، ولهذا قال:"فقط" ورد به على القول بأن غير العدل يقسم معه وهو في كتاب محمد، ومفهوم العدل فقط أنه لو شهد عدلان بمعاينة القتل لم يحتج للقسامة، بل يجب أي يثبت القود أو الدية بلا قسامة. واللَّه تعالى أعلم. وأشار إلى المثال الخامس من أمثلة اللوث بقوله: أو رآه يتشحط في دمه والتهم قربه وعليه آثاره فاعل "رآى" ضمير يعود على "العدل"؛ يعني أن العدل إذا رآى المقتول يتشحط في دمه أي يضطرب فيه والشخص المتهم بالقتل قريب من مكان المقتول وعلى المتهم آثار القتل؛ بأن كانت

ص: 263

الآلة بيده وهي ملطخة بالدم أو خارجا من مكان المقتول ولا أحد فيه غيره، وشهد العدل بذلك فإن ذلك يكون لوثا يحلف الولاة معه خمسين يمينا ويستحقون القود في العمد والدية في الخطإ، فقوله:"قربه" منصوب على الظرفية، وقوله:"أو رآه" عطف على "معاينةٍ" بتقدير المصدرية؛ أي وكالعدل على معاينة القتل، وعلى رؤيته له يتشحط في دمه، قال الخرشي: عطف على "معاينة القتل"، ويقدر أن في المعطوف من عطف مصدر مأول على مصدر صريح. انتهى. ورآى بصرية، وجملة "يتشحط" حال من الضمير البارز. انظر الخرشي.

وقال عبد الباقي: أو رآه أي رآى العدل ببصره المقتول يتشحط أي يضطرب ويتحرك في دمه والشخص المتهم بالقتل قربه وعليه آثاره، أو خارجا من مكان المقتول ولم يوجد فيه غيره وشهد العدل بذلك فلوث، والظاهر أنه لا مفهوم لقوله:"يتشحط" ولا للجمع في آثاره، وربما يفيد ذلك قول ابن الحاجب: إن وجد قتيل وبقربه رجل معه سيف أو عليه شيء من دم المقتول أو عليه آثار القتل فلوث يوجب القسامة، "وفي دمه" بمعنى على ويصح بقاؤها على معنى الظرفية، وفي بعض النسخ يراه مضارعا منصوبا عطفا على معاينة الخ. وقال الشبراخيتي: المراد بالمتهم من يتهمه أولياء المقتول بأن يقولوا: هذا قتله، وليس المراد أن يكون ممن يتهم بالقتل أي يشار إليه به، والواو واو الحال. انتهى. وقال البناني: وقول المصنف: "ورآه" الفاعل برَأَى هو "العدل"، ولا خصوصية له بذلك بل كذلك عدلان أو أكثر، وليس الموجب للقسامة انفراد العدل كما توهم عبارته، بل قوة التهمة وعدم التحقيق كما يفيده ابن عرفة. انتهى.

ووجبت وإن تعدد اللوث يعني أنه لا بد من القسامة وإن تعدد اللوث، كما لو شهد العدل بمعاينة القتل، وقال المقتول: قتلني فلان وشهد على إقراره بذلك عدلان، والمراد بالوجوب إذا أراد الأولياء القصاص أو الدية فلا يمكنون من ذلك إلا بالأيمان، وأما إن أرادوا الترك فلا يكلفون بالأيمان. قاله الخرشي. والمبالغة في قوله:"وإن تعدد اللوث" لدفع توهم أنه إذا تعدد اللوث يثبت القتل بغير قسامة. قاله غير واحد. قال عبد الباقي: لا لرد قول إذ وجوبها مع تعدده متفق عليه كما في الشارح. انتهى.

ص: 264

وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم يعني أن وجود المقتول في دار قوم أو في أرضهم لا يكون لوثا يوجب القسامة لأولياء المقتول، وعلله في المجموعة بأنه لو أخذ بذلك لم يشأ رجل أن يلطخ قوما بذلك إلا فعل، قال الخرشي: ومحل كلام المؤلف حيث كان يخالطهم في القرية غيرهم فلا يرد عليه قضية عبد اللَّه بن سهل، حيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه القسامة لابني عمه؛ لأن خيبر ما كان يخالط اليهود فيها غيرهم. انتهى. وقال عبد الباقي: وليس منه -أي من اللوث- وجوده بقرية قوم ولو مسلما بقرية كفر على الأصح. قاله في الشامل. إلا لعداوة دنيوية، ولم يخالطهم غيرهم كما في واقعة خبير التي في الموطإ من سبب القسامة، أو يقال محل كلامه حيث كان يخالطهم في القرية غيرهم، فلا يرد عليه قضية عبد اللَّه بن سهل حيث قتل بخيبر، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم القسامة فيه لابني عمه، حويصة ومحيصة لأن خيبر ما كان يخالط اليهودَ فيها أحدٌ. انتهى.

وقال البناني: وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم، وليس منه أيضا موته بالزحام بل هو هدر، وعند الشافعي: لوث يوجب القسامة والدية على جميع الناس بذلك الموضع. انظر التوضيح. وقول الزرقاني: وجعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه القسامة الخ، لكن لم يحلفوا، ووداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده. انتهى. وقال الرهوني: قول الزرقاني: فلا يرد قضية عبد اللَّه بن سهل، قال في التوضيح: واختار بعض شيوخنا أن يكون لوثا في مثل قصة حويصة ومحيصة، وهو وجود مسلم ببلد الكفر وأنه لا ينبغي أن يختلف في ذلك. انتهى منه بلفظه. وقال الأبي في شرح مسلم: ابن رشد: ولو وقع مثل قضية الأنصاري في زمننا لموجب الحكم به، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره.

قُلْتُ: وكان شيخنا أبو عبد اللَّه يحكي أنه اتفق في داره أن جاءت طفلتان تسرقان القمح، فزلق بهما القرمود فسقطتا فماتتا، قال: وكنت غائبا بالموضع المسمى بالجزيرة، واشتهر الخبر فرفع الأمر إلى القاضي أبي إسحاق بن عبد الرفيع، فأمر بإخراجهما وأهدر دمهما. انتهى. قلت: في الإقناع: والأمة مجمعون على أن لا فرق بين اليهود وسائر المشركين يعتزلون فيوجد مسلم مقتول بين ظهرانيهم في أن القسامة واجبة. انتهى.

ص: 265

وقال عبد الباقي: "وليس منه وجوده بقرية قوم أو دارهم" ما نصه: لأنه لو أخذ بذلك لم يشأ أحد أن يلطخ قوما بذلك إلا فعل، ولأن الغالب أن من قتله لا يدعه في مكان يتهم هو به، وليس الموت في الزحمة لوثا يوجب قسامة بل هو هدر، وعند الشافعي: تجب فيه القسامة والدية على جميع الناس بذلك الموضع. انظر الشارح. انتهى. وقال التتائي: وليس منه أي اللوث عند مالك وجماعة من أهل الحجاز وجوده أي المقتول مطرحا بقرية قوم أو دارهم؛ لأن الغالب أن من قتله لا يتركه بموضع يتهم هو به، وذهب جماعة من أهل العراق إلى أنه لوث. ابن رشد: إلا في مثل قضية عبد اللَّه بن سهل فلا ينبغي أن يختلف فيها. انتهى.

ولو شُهِدَ أنه قتل ودخل في جماعة استحلف كل خمسين يعني أنه لو شهد عدلان على شخص أنه قتل آخر ودخل القاتل في جماعة ولم يعرف من جملتهم، فإنه يلزم كل واحد منهم أن يحلف خمسين يمينا؛ لأن يمين الدم لا تكون إلا خمسين يمينا، ولأن التهمة تتناول كل شخص بانفراده إذ القاتل واحد، فيحتمل كل أنه هو، وإذا حلفوا كلهم فالدية عليهم أي على الجماعة الذين دخل فيهم في أموالهم، بلا قسامة على أولياء المقتول، فكان الغرم على جميعهم للقطع بكذب أحدهم وهو غير معين، وكذا الحكم لو نكلوا كلهم فالدية عليهم بلا قسامة على أولياء المقتول: أو حلف بعض ونكل بعض فالدية كاملة على من نكل بلا قسامة على أولياء المقتول.

قال عبد الباقي: وفهم من قوله: "والدية عليهم" أن القتل عمدا، فإن كان خطأ فالدية على عواقلهم إن حلفوا أو نكلوا، فإن حلف بعض فالدية على عاقلة من نكل. هذا هو الظاهر؛ وفي أحمد: وينبغي أن تكون الدية على عاقلة الجميع من غير يمين. انتهى. قوله: هذا هو الظاهر وفي أحمد: وينبغي الخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: فيه نظر، والذي يظهر أن الجميع مطالب باليمين المدعى عليهم بالقتل خطأ وعواقلهم لا المدعى عليهم فقط. انتهى. وما قاله ظاهر إن كان المدعى عليهم أغنياء بحيث يلزمهم العقل وإلا فالمطالب باليمين العواقل فقط، ولا خفاء أن المدعى عليهم يحلفون على البت، وأما العواقل إذا قلنا تجب عليهم اليمين فإنما يحلفون على نفي العلم. واللَّه أعلم. انتهى كلام الرهوني. وقال الشبراخيتي: ولو شهد على شخص أنه قتل ودخل في جماعة محصورين، وإلا فهدر لاحتمال أن يكون القاتل فيمن هرب. انتهى.

ص: 266

وقال عبد الباقي: ولو شهد اثنان على شخص أنه قتل، ثم قال: ومفهوم اثنين أنه إن شهد واحد على آخر أنه قتل عمدا أو خطأ ودخل في جماعة حلف أولياؤه خمسين يمينا أن واحدا من هؤلاء الجماعة قتله، ويستحقون الدية على الجميع، ولا ينافي أنه إنما يقسم على واحد تَعَيَّنَ لها كما يأتي؛ لأن ذلك بالنسبة للقتل وهذا بالنسبة لأخذ الدية. انتهى. قوله: فإن شهد واحد حلف الأولياء خمسين يمينا أن واحدا من هذه الجماعة قتل وأخذ الدية من الجميع؛ يعني بعد حلفهم أو نكولهم وإلا فعلى الناكل كما سبق في الشاهدين. واللَّه أعلم. قاله البناني.

وإن انفصلت بغاة عن قتلى ولم يعلم القاتل المراد بالبغاة هنا قتال المسلمين بعضهم لبعض لأجل عداوة أو عادة ولو كان تحت طاعة إمام، وقول التتائي: خرجوا عن طاعة الإمام ليس بلازم؛ يعني أنه إذا انفصل بغاة أي انصرفوا وتكشفوا عن قتلى ولم يعلم القاتل لهم أي لم يدر من هو، فإنَّ الشيوخ اختلفوا في فهم المدونة هل لا قسامة في تلك القتلى ولا قود؟ أي لا قصاص، وأصل هذا لمالك، وأبقاه بعضهم على ظاهره، وإبقاؤه على ظاهره تأويل وإبقاؤه على ظاهره هو معنى قول المصنف: مطلقا سواء ادعى المقتول دمه عند أحد أم لا، قام له شاهد من غير البغاة أم لا، وإذا قلنا بأنه لا قسامة ولا قود، قال عبد الباقي والخرشي: يكون هدرا، قال البناني: ونقله بعضهم عن أبي الحسن في شرح الرسالة، ونقله مصطفى عن الفاكهاني، واعترضه مصطفى قائلا: لم أقف على من صرح به من أهل المذهب ممن يعتمد عليه، والذي حمل عليه عياض والأبي قول المدونة: لا قسامة في قتيل الصفين أن فيه الدية على الفئة التي نازعته وإن كان من غير الفئتين فديته عليهما، فقول المصنف:"لا قسامة ولا قود" يعني وتكون الدية على الفئة التي نازعته، كما حملت المدونة على ذلك لا أنه هدر. انتهى قول البناني عن مصطفى.

والذي حمل عليه عياض والأبي قول المدونة الخ، قال الرهوني: هذا هو الذي يجب التعويل عليه لأنه المصرح به في الموطإ وسلمه الباجيُّ ولم يحك فيه خلافا، وهو الذي نقله ابن يونس نصا ولم يحك خلافه، ونص الموطإ قال مالك في جماعة من الناس اقتتلوا وانكشفوا وبينهم قتيل أو جريح لا يدرى من فعل ذلك به: إن أحسن ما سَمِع في ذلك أن فيه العقل، وأن عقله على القوم الذين نازعوه، وإن كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين فعقله على الفريقين جميعا. قال في المنتقى:

ص: 267

وهذا كما قال أن من قتل بين الجيش في النائرة تكون بينهم، فإن كل فرقة تضمن ما أصيب من الأخرى، وذلك إذا لم يعلم من قتله. ووجه ذلك أن الظاهر أن قتيل كل فرقة إنما قتلته الفئة الأخرى ولا قصاص فيه لتعذر معرفة قاتله وعدم اتفاق الطائفة الأخرى على قتله فلم يبق إلا الدية، ولم يحتج في ذلك إلى قسامة لأن القاتل لا يتعين. انتهى.

أو لا قسامة ولا قود إن تجرد القتل عن تدمية وعن شاهد أي انتفيا جميعا، وأما إن دَمَّى فالقسامة والقود ثابتان وكذا لو قام شاهد بالقتل فالقسامة والقود ثابتان، وهذا تأويل الأكثر وهو قول الأخوين وأصبغ وأشهب، ورجع إليه ابن القاسم فكان ينبغي للمؤلف الاقتصار عليه. قاله مصطفى. قاله البناني. وقال الرهوني: صرح الرجراجي بأنه المشهور، وبه أفتى العلامة الأبي حين سأله الخليفة أبو فارس عبد العزيز بن الخليفة أبي العباس الحفصي حسبما في إكمال الإكمال، وقد نقل كلامه في الدر النثير فانظره إن شئت. انتهى. وقال التتائي: وأما إن دمى أو قام له شاهد فالقسامة، وبه فسر ابن القاسم قول مالك في العتبية والمجموعة، وهو قول أشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ، وأطلق المصنف في الشاهد وقيده في البيان بأن يكون من غير الطائفتين. انتهى.

وقال عبد الباقي: وأما إن قال دمي عند فلان أو شهد بالقتل شاهد فالقسامة والقود ثابتان، وقيد في البيان الشاهد بكونه من غير الطائفتين لا من إحداهما، ولو من طائفة المدعى عليهم بالقتل لعدم عدالته بحصول البغي. انتهى. وقال البناني: وإن تجرد عن تدمية وشاهد أي سواء شهد الشاهد على رجل بعينه أو على صف أنه قتله. صرح به عياض في التنبيهات. وقول الزرقاني: وقيد في البيان الشاهد بكونه من غير الطائفتين لا من إحداهما فيه نظر، بل غير صحيح؛ إذ الذي في البيان ولم يجزم به تقييد الخلاف بكون الشاهد من طائفة المدمى أو من إحدى الطائفتين، وأما إن كان أجنبيا منهما فلوث من غير كلام. هكذا في التوضيح وابن عرفة عنه. انتهى المراد من كلام البناني.

قوله: فيه نظر بل غير صحيح إذ الذي في البيان ولم يجزم به الخ، فيه نظر ظاهر بل ما قاله الزرقاني هو الصحيح؛ لأن كلام ابن رشد صريح في أن الشاهد إن كان من طائفة المقتول فلا

ص: 268

قسامة معه قطعا، وإن كان من طائفة القاتل فلا قسامة معه إلا على القول بالقسامة مع الشاهد الواحد الذي ليس بعدل، وهذا عين ما نسب له الزرقاني في المعنى، وكيف يعقل ما قاله البناني من أن الشاهد إن كان من طائفة القتيل أو طائفة القاتل فهو محل الخلاف، وإن كان من غيرهما فلوث من غير كلام. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: وهذا ظاهر؛ إذ كيف تصح شهادة العدو على عدوه. واللَّه تعالى أعلم.

ثم قال البناني: ويقيد محل الخلاف بالشاهد الواحد كما يدل عليه كلام المصنف وأما لو شهد عدلان فالقود بلا خلاف، وبه تعلم أن ما وقع في المواق عن ابن رشد أنه لا يعمل بالشاهدين سبق قلم؛ إذ كل من نقله عن ابن رشد كابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة وغيرهم إنما نقله بالإفراد وهو المتعين. انظر مصطفى. انتهى. قوله: ويقيد محل الخلاف بالشاهد الواحد كما يدل عليه كلام المصنف، وأما لو شهد عدلان فالقود بلا خلاف، وقال قبلُ: إن تأويل الأكثر أنه لوث، وقال بعد عند قوله:"تأويلات": إنه المذهب، فما هذا إلا وهم منه رحمه الله؛ إذ كيف يعقل أن يقال إن المذهب أن شهادة الشاهد من طائفة المقتول لوث يوجب القسامة والقود بعدها وشهادة الشاهدين منها توجب القود بلا خلاف، ومن المعلوم ضرورة أن العداوة بأضعف من هذه بمراتب مانعة من صحة الشهادة وقبولها، فكيف بهذه؟ وليس في التوضيح ولا في ابن عرفة ما عزاه لهما. انتهى.

‌تنبيه:

قول ابن رشد: وإن كان من طائفة القاتل فلا قسامة معه إلا على القول بالقسامة مع الشاهد الواحد الذي ليس بعدل، قال فيه الرهوني: نقل ابن مرزوق كلام ابن رشد، وقال بعده: وهو كلام حسن على عادته رحمه الله في الإتيان بمحاسن التحريرات، وكلامه هذا كله ملخص مما جلب الشيخ في النوادر من الروايات، إلا أن في تخريجه القسامة مع شاهد من طائفة القاتل على القسامة مع الشاهد غير العدل نظرا، فإن في غير العدل المقيس عليه مانعا وهو الفسق، وفي الفرع المقيس ذلك وزيادة الدفع عن نفسه لا سيما على أن ديته على الفئة التي نازعته، وفيه شيء آخر وهو أن التخريج إنما يكون مع اتحاد القائل في الفرعين، وابن القاسم لا يقول بالقسامة مع غير العدل. انتهى. وهو كلام حسن. وعلم منه أنه فهم كلام ابن رشد أنه لا خلاف في الغاء

ص: 269

شهادة الشاهد من طائفة المقتول وكذا من طائفة القاتل، إلا تخريجا على قول شاذ مع كون القياس غير مسلم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

أو لا قسامة ولا قود إن تجرد عن الشاهد فقط دون التدمية، فلو لم يشهد شاهد بالقتل وقال دمي عند فلان وأحرى لو لم يدم فلا قسامة ولا قود؛ لأنه لما قدم لقتله لا يستنكر كذبه عليه وكذا لو لم يكن هناك إلا قول الأولياء، وأما إن شهد شاهد بمعاينة القتل فلوث يوجب القسامة والقود، وهذا تأويل بعض الأشياخ للمدونة.

وقوله: تأويلات مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلات ثلاث، أحدها: لا قسامة ولا قود مطلقا تجرد عن تدمية أم لا، قام بالقتل شاهد أم لا وعلى هذا فالدية على الفئة التي نازعته، وإن كان القتيل من غير الفئتين فالدية عليهما معا. ثانيهما: إن قام شاهد بالقتل فالقسامة والقود ثابتان، وكذا لو دمى لا إن تجرد القتل عنهما بأن انتفيا بالكلية، وهذا التأويل هو المشهور. ثالثها: إن تجرد عن الشاهد فلا قسامة ولا قود كان هناك تدمية أم لا، وإن لم يتجرد عن الشاهد فالقسامة والقود ثابتان. واللَّه تعالى أعلم. وفهم من قوله: ولم يعلم القاتل أنه لو علم ببينة لاقتص منه وهو كذلك.

قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: وعلم مما مر أن النفي إنما هو القود لا الدية. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: وإن انفصلت بغاة عن قتلى الخ محله حيث لم يتأولوا.

وأما إن تأولوا أي اعتقد كل طائفة أنها على الحق باجتهادها وحينئذ فالمراد بالتأويل الشبهة؛ أي يكون لكل منهما شبهة يعذر بها؛ أي وإن قامت لكل شبهة بأن ظنت كل طائفة أنه يجوز لها قتال الأخرى لكونها أخذت مالها أو أولادها أو هتكت حرمتها، فدم المقتول أو المجروح هدر أي لا قود فيه ولا دية وفهم منه أنه لو كانت إحداهما باغية والأخرى متأولة لكان دم الباغية هدرا ودم المتأولة غير هدر، ففيه القود أو الدية.

كزاحفة على دافعة يعني أن الفئة الزاحفة أي الصائلة على الفئة الدافعة دمها أي الزاحفة هدر، بخلاف الدافعة ففي دمها القصاص. وفي المواق عن عياض: فلو كان أحدهم باغيا والآخر مظلوم أو متأول طلب الباغون الذين ليس القتيل منهم بعقله، ولو كان من صف الباغين كان هدرا ولو

ص: 270

تعين قاتله، وكذلك لو كان كلا الصفين متأولا فمن قتله منهم الآخر هدر. وفي سماع عيسى: إن كان القتيل الذي وجد بين الصفين إنما كانوا قوما يقاتلون على تأويل، قال: فليس على الذين قتلوه قتل وإن عرفوا ولا دية، وليس أهل التأويل كغيرهم. ابن رشد: مثله في أثر المدونة من قول ابن شهاب، ومثله روى أشهب: الباجي: لو مشت إحدى الطائفتين إلى الأخرى بالسلاح إلى منازلهم فقاتلوهم ضمنت كل فرقة ما أصابت من الأخرى. رواه محمد وابن عبدوس. قال: ولا يبطل دم الزاحفة لأن المزحوف إليهم لو شاءوا لم يقتلوهم واستردوا إلى السلطان، قال غيره: هذا إن أمكن السلطان أن يحجز بينهم، فإن عاجلوهم ناشدوهم اللَّه فإن أبوا فالسيف ونحوه في المدونة، ومعنى ذلك أنه لا دية عليهم، هذا كله إن كان حربهم لنائرة وتعصب، فإن كان لتأويل، فقد قال ابن حبيب: ليس بين أهل الفتن قود فيما نال بعضهم من بعض على التأويل، ولا تباعة في مال إلا فيما كان قائما بعينه لم يفت، قال ابن القاسم: وليس على القاتل قتل ولا دية وإن عرف، بخلاف غيرهم. انتهى.

‌تنبيه:

قد مر تفسير التأويل عند قوله: "وإن تأولوا" وهو للشبراخيتي ونحوه للخرشي، وقال البناني عند قوله "كزاحفة على دافعة": هذا تشبيه لأن ظاهر قوله تأولوا أن التأويل من الفريقين، ويحتمل أنها للتمثيل إذا كان قوله:"تأولوا" شاملا للتأويل من أحد الفريقين، وتقدير كلامه كإهدار دماء طائفة أو جماعة زاحفة باغية على دافعة، فقوله:"على دافعة" متعلق بمحذوف، وانظر إذا قتل واحد من الجماعة الدافعة هل يقتل به جميع الجماعة الباغية لأنهم أي الدافعة متأولون وهو الظاهر أم لا؟ انتهى.

قال الرهوني: قول محمد بن الحسن البناني: وانظر إذا قتل واحد من الجماعة الدافعة الخ سكت عما إذا قتل واحد مثلا من إحدى الطائفتين الباغيتين، فظاهره أنه لا يقتل فيه أحد من الطائفة المنازعة لطائفته؛ لأن توقفه واستظهاره فيما إذا كان المقتول من الطائفة الدافعة، فإن كان هذا مراده فصحيح ما أفاده كلامه، لكن يرد عليه أنه لا فرق بين الصورتين، فما استظهره مخالف للنصوص الصريحة، كنص الباجي وابن يونس السابقين وغيرهما، وقد حكى الرجراجي الاتفاق على نفي القصاص وعبارته تشمل الصورتين، وإن كان موضوع كلامه أولا في الفرقتين الباغيتين

ص: 271

معا، فإنه قال: فإن كان الصنفان من أهل العصبة فافترقا عن قتيل أو جريح، فإن كان من غير الصنفين كالحاجز بينهما، فإن علم قاتله أو جارحه ببينة أو بقوله: دمي عند فلان اقتص منه في القتل يعني في البينة بلا قسامة والثاني بقسامة، ويثبت الجرح بشاهد ويمين، وإن لم يعلم القاتل والجارح فديته على الفريقين، وكذا إن لم يعلم من أي الفريقين هو، وإن كان من أحد الفريقين فإن علم قاتله أو جارحه بشاهدين فالقود قولا واحدا، فإن علم بشاهد أو قول القتيل: دمي عند فلان فالمذهب على قولين، أحدهما أنه يقسم مع ذلك وهو مشهور المذهب وهو قول مالك وأصحابه وهو أحد قولي ابن القاسم، الثاني أنه لا يقسم مع ما ذكر، وعلل عدم قبول قوله دمي عند فلان بالعداوة، وليس بشيء لأنه يَكُرُّ على قاعدة القسامة بالبطلان لوجود ذلك في كل من قال دمي عند فلان.

وذكر ابن وهب عن مالك أن النائرة دليل يحلف معه المجروح ويقتص إذا ثبتت ببينة، قال أصبغ: ونزلت فحكم فيها ابن القاسم بهذا، فإن ثبتت النائرة بشاهد فلا يحلف مع الشاهد على القتل ويحلف المدعى عليه ويبرأ، وإن لم يعلم قاتله فديته على الطائفة المنازعة لطائفته في أموالهم، واختلف في ذلك هل بقسامة أم لاد؟ مشهور المذهب: بلا قسامة وهو قوله في المدونة، والثاني بقسامة، واتفقوا على أنه لا يقتل جميع الطائفة المنازعة لأنهم لم يتفقوا على قتله وإنما تقتل الجماعة بالتمالؤ على القتل، وأما من قتل في الصف فإنما يقتل به المباشر، وربما يكون فيهم من لا يريد قتل ذلك الرجل إما لدناءته وإما لمودة بينه وبينه، ووجه القول بانتفاء القسامة أن القتيل ربما قتلته طائفة وإن من غير قصد، فإن أقر أحد بقتل رجل من غير طائفته فالأولياء مخيرون في قتله بإقراره أو أخذ ديته من طائفة المقر، وإن زحفت طائفة لأخرى، فإن قدرت المطلوبة على الانتصار بالسلطان ولم يفعلوا فهم كالزاحفة وإن لم يقدروا، كما إذا عاجلوهم فليناشدوهم فإن أبوا فالسيف، ومعنى ذلك لا دية عليهم، وأما إذا تأولت الطائفتان فلا قود ولا دية ولا قسامة، والأنفس والأموال هدر إلا إذا بقي المال بأيديهم فيرد إلى ربه. انتهى. وقال التتائي: كزاحفة على دافعة فدم الزاحفة هدر ودم الدافعة قصاص، وإن كان القاتل والمقتول معا من طائفة واحدة غلطا فالدية عليها لأنه خطأ. قاله اللخمي. انتهى.

ص: 272

وهي خمسون يمينا لما ذكر سبب القسامة ذكر تعريفها بقوله:. "وهي" أي القسامة أي عدتها خمسون يمينا لا يزاد عليها، ولو كان الأولياء أكثر من خمسين فيحلف منهم خمسون بالقرعة، وإنما يحلفها البالغ العاقل، وأما الصبي فينتظر بلوغه، وهل يطلب من العاقلة حينئذ الحلف لاحتمال نكولها فتغرم وهو الظاهر أم لا؟ قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: ولما قدم سبب القسامة ذكر تفسيرها بقوله: وهي من بالغ عاقل خمسون يمينا والتحديدُ بالخمسين تعبدٌ، وأشار بما ذكر إلى أن القسامة نفس الأيمان لا الحلف ولا القوم الحالفون وانتظر بلوغ الصبي، ويطلب من العاقلة الحلف حالا لاحتمال نكولها. انتهى. وقال التتائي: قال مالك: باللَّه الذي لا إله إلا هو، ولا يزاد: الرحمن الرحيم، والتحديد تعبد ولا يزار على الخمسين ولو كان الأولياء أكثر من ذلك، وقيل: يحلف جميعهم لتعلق الحق بهم حكاه ابن رشد عن ابن الماجشون، إلا أنه قال: رأيته في كتاب مجهول. انتهى.

وقال البناني: قال ابن رشد في نوازله في كيفية قسامة قام بها أبو المقتول وأخوه: يقول الأب في يمينه بمقطع الحق قائما مستقبل القبلة إثر صلاة العصر من يوم الجمعة على ما مضى عليه عمل القضاة: باللَّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الخ، وكذا يقسم الأخ. انظر الحطاب.

وقال الحطاب: قال البرزلي: وسئل أصبغ بن محمد هل يزيد ولي الدم في يمينه أن ما شهد به المشهور من قول المدمي حق أم لا؟ فأجاب: لا يلزم ولي الدم أن يزيد في يمينه إحقاق ما شهد به الشهود من قول المدمي، ولا علمت أحدا من أهل العلم قاله. انتهى. وقال المواق قال ابن عرفة القسامةُ حلف خمسين يمينا أو جزئها على إثبات الدم. انتهى. والمؤلف رجح القول بأنها نفس الأيمان لا الحلف.

متوالية يعني أن هذه الخمسين يمينا تكون متوالية أي توالي أيمان كل واحد من الحالفين في نفسها في الخطإ، وفي العمد يحلف هذا يمينا وهذا يمينا حتى تتم أيمانها، ولا يحلف واحد جميع حظه قبل حظ أصحابه، فالحاصل أنه في الخطإ يحلف جميع حظه، ثم يحلف غيره جميع حظه وفي العمد يحلف هذا يمينا وهذا يمينا. قال عبد الباقي عند قوله:"متوالية" ما نصه: في نفسها لأنها أرْهَبُ وأوقع حينئذ في النفس، ولكن في العمد يحلف هذا يمينا وهذا يمينا

ص: 273

حتى تتم أيمانها، ولا يحلف واحد جميع حظه قبل حظ أصحابه؛ لأن العمد إذا نكل واحد بطل الدم فشدد فيه لصون الدماء ما أمكن، وأما الخطأ فيحلف كل واحد جميع ما ينوبه قبل حلف أصحابه؛ لأن من نكل لا يبطل على أصحابه والمال أسهل من القصاص، لكن إن وقع في العمد وحلف كل ما ينوبه قبل أصحابه صح. انتهى. قوله: لأن العمد إذا نكل واحد بطل الدم فشدد فيه لصون الخ، قال البناني: فيه نظر، والظاهر ما قاله غيره من أنه لو كلف أن يحلف جميع حظه من الأيمان دفعة لربما نكل الآخر عن الأيمان: فتذهب أيمان من حلف باطلا، وهذا التوجيه يقتضي أن الحق للولي في ذلك، فلو شاء أن يحلف الجميع دفعة لكان له ذلك. انتهى المراد منه.

بتا يعني أن الحلف في القسامة يكون بتا أي يحلفون على القطع لا على نفي العلم؛ أي لا يقول الحالف في القسامة: لا أعلم أن أحدا غير هذا قتله واعتمد البات على ظن قوي. وقوله: "بتا" قال الشبراخيتي: وهو مصدر نوعي أي حلف بتا لا على العلم، واستدل للبت بقول الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف نحلف ولم نحضر؟ إذ لو كانت على العلم لم تكن غيبتهم مانعة منها. انتهى. ونحوه للتتائي وللحطاب ولغير واحد، وقال المواق: ابن الحاجب: يحلف الوارثون المكلفون، كان الوارث واحدا أو جماعة، ذكرا كان أو أنثى، خمسين يمينا متوالية بتا. انتهى.

وإن أعمى أو غائبا يعني أن العمى والغيبة والصغر لا تمنع من الحلف على البت، فلذا يحلف أيمان القسامة على البت، وإن كان الحالف أعمى أو كان غائبا حين القتل أو كان صغيرا وتؤخر أيمانه لبلوغه، قال الحطاب: وإن أعمى أو غائبا يريد أو صغيرا ويحلف إذا بلغ ويأخذ حصته كما ذكره ابن عرفة عن الموازية. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أعمى أو غائبا حين القتل. ابن عبد السلام: العمى والغيبة إنما يمنعان من سهولة حصول أسباب التحقيق والبت لا من البت والتحقيق: فإن قال الأعمى أو الغائب: قد تحققت ما أدعيه دين ومكن من الحلف. انتهى. وقال المواق من المدونة: يمين القسامة على البت، وإن كان أحدهم أعمى أو غائبا حين القتل. سحنون: لأن العلم يحصل بالخبر والسماع كما يحصل بالمعاينة. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن

ص: 274

أعمى أو غائبا حين القتل؛ لأن العمى والغيبة لا يمنعان تحصيل أسباب العلم لأنه يحصل بالسماع والخبر كما يحصل بالمعاينة، وفي الرسالة: ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة؛ أي ولو بعدت كعشرة أميال، ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة أي كالثلاثة وما قاربها. انتهى.

قوله: ولو بَعُد كعشرة أميال تبع فيه الأجهوري، فإنه قال عقب نقله كلام الرسالة: قوله أعمالها أي ولو عشرة أميال. وقول أبي الحسن في شرحها: ولو عشرة أيام خلاف النقول، وقوله: ولا يجلب لغيرها إلا من الأميال اليسيرة كالثلاثة وما قاربها. انتهى. قال الرهوني: ولا أدري ما هذه النقول التي زعم أنها خلاف ما قاله أبو الحسن، بل النقول شاهدة لأبي الحسن. قال ابن يونس في ترجمة جامع الدعوى والأيمان من كتاب الشهادة الثاني: فأما القسامة فإنه يحلف فيها أهل مكة في مسجدها، وأهل عمل المدينة وبيت المقدس يجلبون إلى مسجدهما، قيل: فلو كانوا عشرة أيام قال لم أوقف مالكا عليه، ولا شك أن عمل أهل مكة يجلبون إلى مسجدها حيث كانوا وكذلك المدينة وبيت المقدس، ولا يجلبون إلى سائر البلاد إلا مثل عشرة أميال ونحوها. انتهى.

وقال في ترجمة أيمان القسامة من كتاب الديات ما نصه: قال مالك: يجلب من بأعراض مكة والمدينة وبيت المقدس إليها، وإن كانوا على عشرة أيام، ولا يجلب إلى غيرها من البلدان إلا من مثل عشرة أميال. انتهى. ونقله أيضا ابن مرزوق، وقال اللخمي: قال مالك: يجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس، وأما غيرها فيستحلفون في مواضعهم إلا أن يكونوا قريبا من المصر العشرة أميال ونحوها، وفي آخر نوازل المعيار عن مختصر الواضحة: ولا يجلب الحالف في الأيمان إلى غير موضعه إلا في القسامة: فإن مالكا قال: ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس من كان من أعمالها، وأما أهل الآفاق فيستحلفون في مواضعهم إلا أن يكونوا قريبا من المصر نحو العشرة أميال ونحو ذلك، قال مالك: فأرى أن يجلبوا إلى المصر فيحلفون في المسجد. انتهى.

وفي تبصرة ابن فرحون: ويؤتى إلى المساجد الثلاثة من عشرة أيام وإلى سائر الأمصار من عشرة أميال. انتهى. وقال ابن ناجي في شرح الرسالة: قوله: ولا يجلب لغيرها إلا من الأميال اليسيرة، قال التادلي: اختلف في الأميال اليسيرة، فقيل ثلاثة أميال وقيل بريد وقيل عشرة أميال. انتهى.

ص: 275

وبه تعلم ما في كلام الأجهوري ومن تبعه، وفي سكوت التاودي والبناني عن ذلك ما لا يخفى. واللَّه الموفق. انتهى كلام الرهوني.

يحلفها في الخطإ من يرث يعني أن أيمان القسامة في قتل الخطإ يحلفها الورثة، ولا فرق في ذلك بين عصبة المقتول وغيرهم، ولا فرق أيضا بين الوارث الواحد والمتعدد، ولهذا قال: وإن واحدا أي وإن كان الوارث واحدا فإنه يحلفها كلها ويأخذ إرثه، سواء كان يَحُوزُ المال كابن وأخ، أو لا كأخ لأم فيأخذ إرثه ويسقط ما بقي، قال الشبراخيتي: وفهم من قوله: "من يرث" أنها توزع على قدر إرث كل واحد وهو كذلك إن وجد متعدد، وكذا إن انفرد واستوعب كابن وأخ شقيق أو لأب أو عم، وكذا يحلفها من انفرد ولم يستوعب كبنت وأخت وزوج وزوجة، ولذا قال:"وإن واحدا".

أو امرأة ويسقط الباقي من الدية إن لم يكن مع المرأة وارث إلا بيت المال كما ذكره أبو الحسن، وسيأتي أن العمد لا يحلف فيه أقل من رجلين عصبة، قال الشارح: وبدأ بالقسامة في الخطإ لرجحانها على العمد لموافقتها الأصول؛ لأن الأيمان فيها مقصورة على الورثة فلا يحلفها غيرهم ويحلفها كل وارث ممن حضر ولو كان أقلهم نصيبا من الميراث، وقسامة العمد بخلاف الأصول في هذه الوجوه أو أكثرها غير أنها أصل لقسامة الخطأ. انتهى كلام الشبراخيتي.

وقال الحطاب: أو امرأة كما لو لم يخلف إلا بنتا واحدة، قال في المدونة: فإن لم يدع إلا بنتا بغير عصبة حلفت البنت خمسين يمينا وأخذت نصف الدية ويسقط الباقي، وقال ابن رشد: وإذا قال دمي عند فلان وله وارث معلوم مع جماعة المسلمين مثل الزوجة أو الزوج حلف الوارث المعلوم خمسين يمينا، واستحق حقه من الدية وبطل الباقي. وفي الذخيرة: المقسم في الخطإ جميع المكلفين من الورثة رجالا ونساء يحلفون بقدر ميراثهم، ومن لا وارث له فلا قسامة له لتعذر قَسَمِ بيت المال. انتهى. ولا يقسم في العمد إلا ولي ذو نسب أو ولاء، ولا يقسم من القبيلة إلا من التقى معه إلى نسب ثابت، ولا يقسم المولى الأسفل بل ترد الأيمان على المدعى عليهم. انتهى.

وقال عبد الباقي: يحلفها في الخطإ من يرث وإن واحدا ولو أخا لأم أو امرأة، ويسقط باقي الدية إذا لم يكن مع المرأة وارث إلا بيت المال، فإنه لا يطلب بحلف ولا حق له في باقي الأيمان. ذكره

ص: 276

أبو الحسن على المدونة. وفي قوله: "من يرث" إشعار بحلفه على قدر إرثه حيث كان معه من يستوفي الإرث، وإلا حلف جميع أيمانها وأخذ قدر إرثه وسقط الباقي. انتهى. وقال الخرشي: اعلم أن القسامة في قتل الخطإ مَقِيسَة على القسامة في قتل العمد الذي ورد النص، فيه فيحلف في الخطإ من يرث المقتول من المكلفين وتوزع هذه الأيمان على قدر الميراث لأنها سبب في حصوله، وإن لم يوجد في الخطإ إلا امرأة واحدة فإنها تحلف الأيمان كلها وتأخذ حظها من الدية، فكذلك لو لم يوجد من يحلف إلا واحد من الإخوة للأم فإنه يحلف خمسين يمينا ويأخذ حظه من الدية ويسقط الباقي عن الجاني من الدية لتعذر الحلف من بيت المال. انتهى.

وجبرت اليمين على أكثر كسوها يعني أنه إذا انكسرت اليمين بأن ناب أحد الحالفين جزء منها وناب غيره ذلك فإن اليمين تجبر أي تكمل على من نابه من الأجزاء أكثر مما ناب غيره، ولو كان صاحب الجزء الكثير أقل نصيبا من غيره، قال التتائي: ولا تقدم أن اليمين في الخطإ على قدر الميراث ويلزم منه انكسار بعضها على بعض الأنصباء والانكسار قد يكون بأجزاء مختلفة أو متساوية، بَيَّنَ حكم كل بقوله:"وجبرت اليمين" إن حصل فيها كسر على أكثر كسرها، ولو كان صاحب الكسر الكثير أقل نصيبا من غيره وهو مذهب المدونة، كابن وبنت على الابن ثلاثون يمينا وثلاث وثلث، وعلى البنت ستة عشر وثلثان فيجبر كسر البنت لأنه أكثر، فتحلف سبعة عشر يمينا، خلافا لقول صاحب المقدمات: تجبر على أكثرهم نصيبا وهو الابن في الفرض المذكور. انتهى.

وقال عبد الباقي: وجبرت اليمين إن حصل فيها كسران أو كسور على أكثر كسرها ولو كان صاحبه أقل نصيبا، كابن وبنت على الابن ثلاثة وثلاثون وثلث وعلى البنت ستة عشر يمينا وثلثان، فتحلف سبعة عشر يمينا والابن ثلاثة وثلاثين، ومثال الكسور أن يكون للمقتول زوجة وأم وأخ لأم، فللزوجة الربع اثنا عشر يمينا ونصف وللأم ثلثها ستة عشر يمينا وثلثان، وللأخ للأم سدسها ثمانية وثلث، فتحلف الأم سبعة عشر يمينا لأن كسرها أكثر فشمل المصنف ذلك، ويسقط الكسران وما بقي من أيمان القسامة يحلفها العاصب إن كان، وإلا ردت على المذكورات ويجري فيهن تنظير التتائي الآتي قريبا. انتهى. قوله: ويسقط الكسران الخ غير صحيح، بل إنما

ص: 277

يسقط ثلث اليمين عن الأخ، وأما النصف فيكمل على الزوجة ويكمل على العاصب أيضا لأنهما كسران متساويان، والظاهر أن هذا حيث كان المنكسر يمينين كما في المثال، أما إذا وقع الانكسار في يمين واحدة فإنه يكمل الأكثر ويسقط ما عداه ولو تعدد، كمثال المدونة ففيها: إن لزم واحدا نصف اليمين وآخر ثلثها وآخر سدسها حلفها صاحب النصف، فصورت ببنت وأم وزوج وعاصب. انتهى من المواق: وبيانه أن على الأم سدس الأيمان وهو ثمانية وثلث، وعلى الزوج الربع وهو اثنا عشر ونصف: وعلى العاصب نصف السدس أربعة أيمان وسدس، فيكمل النصف على الزوج ويسقط الكسران وهما الثلث والسدس على الأم والعاصب؛ لأن الانكسار إنما وقع في يمين واحدة. فتأمله. انتهى.

وإلا يكن الكسر أكثر بل مساويا، كثلاثة بنين على كل ستة عشر وثلثان فإنها تكمل على الجميع، فيحلف كل واحد سبع عشرة يمينا، ولو كانوا ثلاثين حلف كل يمينين، فقوله:"وجبرت" إلى قوله: "الجميع"، كالتخصيص لقوله: وهي خمسون يمينا أي معناه ما لم يكن كسر، وإلا فتزيد على الخمسين في بعض الصور أي حيث تساوت الكسور. واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيه:

قال الرهوني: ظاهر كلام المصنف والزرقاني والأجهوري والخرشي أن حلف الجميع متحتم، فلو طاع أحدهم بحلفها لم يكف، وكلام ابن يونس صريح في أن محل ذلك إذا لم يتطوع أحدهم بحلفها، وإلا لم يكمل على غيره. انتهى. وجلب من النقل ما حاصله أنه إن تطوع أحدهم بحلفها اكتفي بذلك، وإن لم يتطوع جبرت على الجميع. وقال ابن أبي زمنين: يقترعون، فمن وقعت عليه القرعة جبرت عليه اليمين. واللَّه تعالى أعلم. ابن رشد: إن كان الورثة ثلاثة إخوة جُبرَ على كل واحد منهم الكسر الذي يصير في حظه، فيحلف كل منهم سبعة عشر يمينا. انتهى.

ولا يأخذ أحد إلا بعدها يعني أنه لا يأخذ أحد من الورثة شيئا من الدية إلا بعد أيمان القسامة؛ لأنه لا يلزم العاقلة شيء من الدية إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميعها. وقوله:"إلا بعدها" أي ولو كان إحدى جدتين لها نصف سدس لوجود جدة أخرى تشاركها وأبت من الحلف، قال عبد الباقي: ولا يأخذ أحد شيئا من الدية وإن غاب غيره إلا بعدها أي

ص: 278

بعد حلف جميعها؛ إذ لا يلزم العاقلة شيء من الدية إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميعها، ولو إحدى جدتين لها نصف سدس. قال التتائي: وانظر لو حضر صاحب ثلث وسدس وضاب صاحب نصف هل يحلف كل من الحاضرين من حصة الغائب بقدر نصيبه أو على التساوي؟ انتهى. ثم بعد حلف جميع أيمان القسامة إذا قدم أحد من الورثة كان غائبا حين الحلف المذكور حلف من حضر من غيبته حصته أي ما ينوبه من أيمان القسامة فقط، وأخذ بعد حلفه نصيبه من الدية، وكذا الصبي إذا بلغ بعد حلف غيره جميعها فإنه يحلف ما ينوبه من أيمان القسامة، ويأخذ نصيبه من الدية، فإن مات الغائب قبل قدومه أو الصبي قبل بلوغه وكان الحالف وارثه وحلف جميع أيمانها قبل ذلك، فهل لا بد من حلفه ما كان يحلف موروثه أو يكتفي بأيمان القسامة؟ قولان. وينبغي أن يكون الراجح الأول قياسا على ما مر في قوله:"كوارثه قبله"، وينبغي أيضا أن يجري هنا التأويلان السابقان فيما إذا نكل أولا، وظاهر قوله: ثم حلف من حضر حصته، ولو رجع الأول عن دعوى الدم وهو كذلك؛ لأن يمينه قبل ذلك حكم مضى كما في نقل ابن عرفة عن سماع عيسى، وظاهره أنه ينزع منه ما رجع عنه. انتهى.

وقال التتائي: ابن عرفة: سمع عيسى: من أقسمت خمسين يمينا وأخذت حظها من دية الخطإ ثم نزعت وردت ما أخذت ثم أتت أخت لها، فإنها تحلف بقدر حظها لأن يمين الأولى حكم مضى. انتهى. وقال الشبراخيتي: فإن مات الغائب أو الصبي وكان الحالف وارثه فلا بد من حلفه ما كان يحلف موروثه. انتهى. فاقتصر عليه كأنه المذهب، وقد مر ترجيح عبد الباقي له.

وإن نكلوا أو بعض حلفت العاقلة يعني أنه إذا نكل ورثة المقتول خطأ كلهم الخ عن أيمان القسامة، أو نكل البعض دون البعض فإن الأيمان ترد على عاقلة الجاني والجاني كواحد منهم. قاله التتائي والواق. فيحلف كل واحد منهم يمينا واحدة، ولو كانوا عشرة آلاف رجل فمن حلف منهم برئ ولا يلزمه، غرم ومن نكل منهم أي من العاقلة فإنه يغرم حصته أي ما ينوبه من الدية. قال عبد الباقي: وإن نكلوا أي جميع ورثة المقتول خطأ أو نكل بعض منهم وحلف بعض منهم جميع الأيمان وأخذ حصتة فقط، ولا دين على المقتول ولا وصية له حلفت العاقلة أي عاقلة القاتل؛ أي حلف كل واحد منهم يمينا واحدة ولو كانوا عشرة آلاف رجل.

ص: 279

وقوله: "العاقلة" فإن لم تكن حلف الجاني خمسين وبرئ، فإن نكل غرم حصته وتكون للناكلين من عاقلة المقتول، وقولي: ولا دين على المقتول ولا وصية له احتراز عما إذا كان عليه دين أو وصية، فلرب الدين والموصى له عند نكول الأولياء حلف أيمان القسامة كلها وأخذ ديته والوصية كما في التبصرة في الدين، والوصية مثله فيما يظهر فمن حلف من عاقلة القاتل برئ فلا غرم عليه، ومن نكل منهم فحصته فقط لازم غرمها لأولياء الدم الناكلين كلهم أو الناكل بعضهم، والحالف بعضهم بعض أيمانها لسقوط حقه لنكول غيره وعدم حلفه جميعها، وأما من حلف جميعها وأخذ حصته فلا يدخل ثانيا فيما رد على الناكلين. انتهى. قوله: فإن لم تكن أي العاقلة حلف الجاني خمسين يمينا وبرئ، فإن نكل غرم حصته يعني إذا وجد بيت المال الذي يغرم معه وإلا غرم الدية كلها، وقوله: وتكون للناكلين من عاقلة المقتول صوابه من ورثة المقتول لا من عاقلة المقتول. قاله البناني.

وقوله: على ألأظهر راجع لقوله: "حلفت العاقلة" لأنه محل الخلاف والاستظهار لا لقوله فمن نكل فحصته، وعبارة ابن رشد: فإن نكل الأولياء أو نكل واحد منهم ففي ذلك خمسة أقوال في المذهب، أَحَدُهُا: أنها ترد الأيمان على العاقلة فيحلفون كلهم ولو كانوا عشرة آلاف والقاتل كرجل منهم، فمن حلف لم يلزمه شيء ومن نكل لزمه ما يجب عليه وهو أحد قولي ابن القاسم، وهذا القول أبين الأقاويل وأصحها في النظر.

الثاني: يَحْلف من العاقلة خمسون رجلا يمينا يمينا، فإن حلفوا برئت العاقلة من الدية كلها، وإن حلف بعضهم برئ ولزم بقية العاقلة الدية كلها حتى يتموا خمسين يمينا وهو قول ابن القاسم الثاني.

الثالث: أنهم إن نكلوا فلا حق لهم أو نكل بعضهم فلا حق لمن نكل ولا يمين على العاقلة؛ لأن الدية لم تجب لهم بعد. قاله ابن الماجشون.

والرابع: أن اليمين ترجع على المدعى عليه وحده، إن حلف برئ وإن نكل لم يلزم العاقلة بنكوله شيء؛ لأن العاقلة لا تحمل الإقرار والنكول كالإقرار، وإنما هو بنكوله شاهد على العاقلة. رواه ابن وهب.

ص: 280

والخامس: أن الأيمان ترد على العاقلة إن حلفت برئت وإن نكلت غرمت نصف الدية. قاله ربيعة على ما روى عن عمر في قضائه على السعدين. انتهى. بنقل ابن عرفة. قاله البناني.

‌تنبيه:

قد مر عند قوله: "حلفت العاقلة": كل واحد منهم يحلف يمينا واحدة ولو كانوا عشرة آلاف.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: ولا شك أن هذا حيث كانت العاقلة ألفا أو سبعمائة أو وجد منها خمسون فأكثر، فإن لم يكن إلا أقل من خمسين فلا بد من الحلف أكثر من يمين واحدة، وقد نص غير واحد على ما يفيد ذلك، وهو أنه إن لم تكن للجاني عاقلة فإنه يحلف خمسين يمينا وهذا واضح. واللَّه تعالى أعلم.

ولا يحلف في العمد أقل من رجلين يعني أنه لا يحلف أيمان القسامة في قتل العمد إلا الرجال، ولا يحلف في ذلك أقل من رجلين، فلا يحلف النساء وإن انفردن ولا يحلف رجل واحد. عصبة يعني أنه لا بد في هذين الرجلين الذين يحلفان القسامة أن يكونا من عصبة المقتول من جهة النسب، سواء ورثوا أم لا، ويأتي:"وللولي الاستعانة بعاصبه" وإن لم يكن من عصبة المقتول. قال عبد الباقي: ولا يحلف الخمسين يمينا في العمد أقل من رجلين عصبة في النسب للمقتول، سواء ورثوا أم لا أو لعاصبه بدليل وللولي الاستعانة بعاصبه: وأما النساء فلا يحلفن في العمد فإن انفردن صار المقتول بمثابة من لا وارث له، فترد الأيمان على المدعى عليه. انتهى.

‌تنبيه:

قال عبد الباقي: وسكت عن أكثر من يحلف من عصبة المقتول في العمد لعدم حده وذكر أقله لأنه محدود. انتهى. قوله: وسكت عن أكثر من يحلف من عصبة المقتول في العمد لعدم حده الخ مثله في الخرشي، وفيه نظر إذ أكثره خمسون رجلا كما يدل عليه قول المصنف:"وَوُزِّعَت" الخ. قاله البناني. قال الرهوني: قوله: فيه نظر الخ موافق في المعنى لقول الزرقاني فيما يأتي، فإن زادوا على خمسين فلا يزاد عليها الخ، ولكن الظاهر أنه لا ينبني على المشهور الذي درج عليه المصنف. بقوله: واجتزئ باثنين طاعا من أكثر وإنما ينبني على مقابله وهو قول أشهب وعبد الملك، ففي ابن يونس بعد أن ذكر هذا الخلاف عن ابن المواز ما نصه: وهذا أي قول ابن القاسم أحسن من قول أشهب، وكما يحلف الخمسون عمن بقي والكبير عن الصغير كذلك يحلف

ص: 281

اثنان عن بقيتهم. انتهى. فهو يفيد أنَّ حلف الخمسين عمن بقي كحلف الاثنين عن الباقي. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن ادعى العمد لم يقتل المدعى عليه إلا بقسامة رجلين فصاعدا. ابن شأس: ويحلف العصبة ولا يدخل النساء في العمد بوجه. انتهى. وقال التتائي: ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة. مالك: هو الأمر المجتمع عليه عندنا. ابن القاسم: أراه أخذه من ناحية الشهادة إذ لا يقتل أحد إلا بشاهدين، ومثله لأشهب وعبد الملك، ألا ترى أن النساء لا يحلفن في العمد وإن ورثن إذ لا تجوز شهادتهن فيه؟ ولا بد من كونهما أي الرجلين عصبة للمقتول من النسب سواء ورثوا أم لا أو ورث أحدهم دون البقية. انتهى.

وإلا تكن للمقتول عصبة نسب فالحالفون لأيمان القسامة موال أعلون، قال عبد الباقي: وإلا يكن له عصبة نسب فموال أعلون ذكور وبنوهم، والمراد بالجمع اثنان أي يحلف الاثنان خمسين يمينا لا الأسفلون؛ إذ ليسوا عصبة ولا الأنثى ولو مولاة النعمة؛ إذ لا دخول لها هنا في العمد، وبما قررت من أن معنى لم يكن له عصبة نسب، سقط الاعتراض بأن قوله:"وإلا فموالي" يفيد أنهم ليسوا عصبة مع أنهم عصبة، فالنفي راجع للمقيد مع قيده وهو عصبة نسب، وقرْنُه الموالي بالعصبة يدل على أن المراد بالموالي الأعلون، واعترض المواق ترتيب المصنف، فقال: قوله: "وإلا فموالي" الذي في الموطإ، قال مالك في الرجل يقتل عمدا: إذا قام عصبة المقتول أو مواليه فقالوا نحلف ونستحق دم صاحبنا فذلك لهم. انتهى. ولا يكفي في الجواب أنه تبع ابن شأس لأنه يعترض عليه بمثل ذلك، ولكن يجاب عن المصنف بأنَّ كون الموالي لهم التكلم لا ينافي تأخيرهم عن عصبة النسب. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وإلا يكن عصبة من النسب فموالي، راجع لما قدرناه من النسب وإلا لم يصح قوله:"فموالي" لأن الموالي عصبة، وقرن الموالي بالعصبة يرشح أن المراد بهم الأعلون، وأما الأسفلون فلا ولاية لهم اتفاقا. انتهى. وقال التتائي: وإلا فموالي أعلون إذ عصوبتهم أبعد من عصوبة النسب، فلا يقسم الموالي الأسفلون. ابن رشد: لا أحفظ فيه اختلافا. انتهى. وقال الحطاب: لا يحلف النساء، وحكى ابن الفاكهاني قولا بأن النساء يحلفن، قال القلشاني: ولم

ص: 282

أقف عليه، وأصل المذهب أنه لا مدخل للنساء في القسامة في العمد، ويحلف الموالي الأعلون لأنهم عصبة، ولا يحلف الموالي الأسفلون. نقله ابن عرفة عن سماع يحيى.

وللولي الاستعانة بعاصبه يعني أن لولي المقتول واحدا كان الولي أو متعددا أن يستعين بعاصب يلقاه في أب معروف يوازيه ولو كان دونه في الرتبة، فقوله:"بعاصبه" أي عاصب نفسه ولو كان أجنبيا من المقتول، كما إذا قتلت أمه فاستعان بعمه مثلا وأضاف العاصب للضمير للإشارة إلى أنه لا بد أن يكون عاصبا للولي، وكلام المؤلف في العمد، وأما في الخطإ فيحلفها من يرث عاصبا أو غيره كما مر. وقوله:"بعاصبه" المراد بالعاصب الجنس واحدا أو أكثر. قاله الخرشي. وقال: وقوله: "وللولي" وجوبا إن كان واحدا وجوازا إن كان أكثر. انتهى. يعني بقوله: وجوبا أنه لا تصح له القسامة إلا بالاستعانة بعاصبه، فلا ينافي أن يترك القسامة من أصلها. واللَّه تعالى أعلم.

وقال الحطاب: "وللولي الاستعانة بعاصبه" أي وللولي إذا كان واحدا أن يستعين بعاصبه، وكذا لو تعدد الولي كما ذكره في التوضيح عن ابن رشد، لكن كلام المصنف إنما هو في الواحد بدليل قوله:"إن لم يزد على نصفها". فتأمله. والمراد عاصبه الذي يجتمع معه في أب معروف، ولا يكتفى في ذلك بأن يكون معروفا أنه من القبيلة الفلانية كما نقله ابن عرفة عن سماع يحيى. انتهى. وقال الشبراخيتي: وللولي واحدا أو أكثر الاستعانة على الحلف بعاصبه أي عاصب نفسه ولو كان أجنبيا من المقتول. انتهى المراد منه. وقد مر عن الحطاب والخرشي ومثله لغيرهما أنه لا بد أن يجتمع معه في أب معروف.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: وهو صريح في أن الاستعانة إنما تكون بعاصب النسب لا بالمولى الأعلى الذي ليس من عصبة المقتول. واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيه:

وقع في عبد الباقي ما نصه: فقوله: "بعاصبه" أي جنس عاصبه واحدا أو متعددا وأولى بمشاركه في السهم ونحوه في الخرشي، قال البناني: غير صحيح إذ العاصب ليس ذا سهم حتى يشاركه غيره فيه، وأيضا مشاركه في التعصيب مساو له، فكيف يقال: إنه يستعين به؟ انتهى. وقال التتائي: وللولي الواحد فأكثر الاستعانة على الحلف بعاصبه الذي يلتقي معه في أب معروف يوارثه به، قال في توضيحه عن المقدمات: إن وجد رجلا واحدا حلف كل منهما خمسا

ص: 283

وعشرين يمينا، وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت بينهم الأيمان على عددهم، فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما [يجب عليهم]

(1)

لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه جاز ما لم يزد على خمس وعشرين، وإن كان للقتيل وليان فأرادا أن يستعينا في القسامة بغيرهما من الأولياء الذين دونهم في الرتبة فذلك جائز، ويقسم الأيمان بينهم على عددهم، فإن رضي المستعان بهم أن يحلف كل واحد منهم أكثر مما يجب عليه فذلك جائز ولا يجوز لأحدهما أن يحلف أكثر من خمس وعشرين يمينا، وإذا حلف كل واحد من الوليين ما يجب عليه من الأيمان فلا بأس أن يحلف بعض المستعان بهم أكثر من بعض. انتهى.

وقال المواق: ابن شأس: إن كان الولي واحدا استعان ببعض عصبته وَيَجْتَزِي في المعينين بالواحد وللولي فقط حلف الأكثر، ولا يزيد على نصفها. ابن رشد: إن كان ولي الدم الذي له العفو رجلا واحدا فلا يستحقه بقسامة إلا أن يجد من العصبة أو العشيرة من يقسم معه ممن يلقاه إلى أب معروف، فإن وجد رجلا حلف كل واحد خمسا وعشرين يمينا، وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت الأيمان بينهم على عددهم، فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما يجب عليهم لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه فذلك جائز ما بينه وبين خمس وعشرين يمينا، فإنه لا يجوز له أن يحلف أكثر من ذلك.

وقوله: "وللولي الاشعانة بعاصبه" قال عبد الباقي: واللام في "للولي" بمعنى "على" إن كان واحدا وللتخيير إن تعدد، وكلامه في العمد، وأما في الخطإ فيحلفها وإن كان واحدا كما مر. انتهى.

وللولي فقط حلف الأكثر يعني أن الولي إذا استعان بعاصب فأكثر فإنه يجوز له أن يحلف من أيمان القسامة أكثر من غيره، إن لم يزد الأكثر على ما أي لم يزد الأكثر على خمس وعشرين، بأن كان خمسا وعشرين فأقل، فإذا وجد الولي عاصبا فقط حلف كل واحد منهم خمسا وعشرين يمينا، فإن أراد أحدهم أن يحلف أكثر من نصيبه لم يكن له ذلك، وإن وجد

(1)

في الأصل يحب عليه عليهم والمثبت من المقدمات ج 2 ص 391.

ص: 284

رجلين أو أكثر قسمت الأيمان بينهم على عددهم فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما يجب عليه لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه فذلك له ما بينه وبين خمس وعشرين" ولا يجوز له أن يحلف أكثر من خمس وعشرين، واحترز بقوله: "فقط" من المستعان به فليس له أن يحلف أكثر مما يخصه يريد من نصيب الولي، وأما من نصيب المستعان به الآخر فله ذلك. قاله غير واحد.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكرته هنا كله في المستعان به، سواء كان من عصبة الولي فقط أو من عصبته وهي عصبة المقتول كما هو صريح غير واحد أو كصريحه. واللَّه تعالى أعلم.

ووزعت يعني أن أيمان القسامة توزع على عدد المستحقين للدية إن كانوا خمسين فأقل، فإن زادوا على خمسين اجتزئ منهم بخمسين؛ لأن الزيادة على ذلك خارجة عن سنة القسامة. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ووزعت أيمان القسامة على قدر الميراث في الخطإ وعلى عدد الرؤوس في العمد وإن زادوا على الخمسين حلف منهم خمسون بالقرعة، ولا يزاد على الخمسين لأنه خلاف السنة. انتهى. قوله: على قدر الميراث في الخطإ حسن، ولكن الكلام الآن في العمد، وقد مر الكلام على الخطإ. وقوله:"حلف" منهم خمسون بالقرعة نحوه لعبد الباقي، حيث قال: وتدخل القرعة عند المشاحة من يحلفها منهم. انتهى.

قال الرهوني: أصله للأجهوري، وانظر من قاله، وعبارة الأئمة تفيد أن حلف الجميع هو الأصل كما تقدم في نقل ابن يونس عن ابن المواز، ونَقْلُ النوادر أقوى في الدلالة على ذلك، ونصها: ومن كتاب ابن المواز: إن كان الأولياء في العمد سواء في القعدد كالإخوة أو الأولاد أكثر من خمسين أو أقل، فمذهب ابن القاسم أن يمين رجلين منهم خمسين يمينا بينهما سواء يجوز وينوب عمن بقي، ولا يحلف أقل من رجلين ثم القتل إلى جميعهم والعفو

(1)

من حلف ومن لم يحلف. انتهى محل الحاجة منه على نقل ابن مرزوق. ويدل على ذلك أيضا أن ابن رشد حكى في المقدمات الخلاف في الاجتزاء بالخمسين من أكثر. نقله ابن عرفة وابن مرزوق وسلماه. وبه يعلم أن قول

(1)

في الرهوني ج 8 ص 73: أو العفو.

ص: 285

الزرقاني: ولا يزاد عليها، فيه نظر. انتهى. وما نقم عليه مثله في الخرشي والشبراخيتي كما رأيت، ومثل مالهم للتتائي فإنه قال: وَوُزّعت أيمان القسامة على مستحقي الدم، وتقدم أنهم إذا زادوا على الخمسين لا يزاد عليها لأنه خلاف سنة القسامة. انتهى.

واجتزئ باثنين طاعا من أكثر يعني أن القسامة توزع على عدد الأولياء كما عرفت، فإذا كانوا أكثر من اثنين فإنه يجترأ بهما، والمعنى أن جميعهم متطوعون بالحلف منقادون له من غير امتناع منه، أو لم يعلم ما عند غير الاثنين الذين طاعا بحلف جميع الأيمان حملا لها عن بقية الأولياء، فذلك هو الذي يجتزئ به. قال عبد الباقي: واجتزئ في حلف جميعها باثنين طاعا من أكثر من غير نكولهم كما يفيده، قوله:"طاعا من أكثر" إذ المتبادر منه أن معناه من طوع أكثر، ويفيده أيضا قوله الآتي:"بخلاف غيره". انتهى.

وقال الشبراخيتي: واجتزئ باثنين من ولاة الدم إن كان الولاة أكثر طاعا من أكثر، ظاهره سواء كان عددهم خمسين أو أقل أو أكثر، وربما يستروح أن البقية ليسوا ناكلين، وإلا لقال: واجتزى باثنين إن أبى الأكثر. انتهى. وقال التتائي: واجتزى في حلف جميعها باثنين طاعا من أكثر من غير علم ما عند غيرهما عند ابن القاسم، ولا يعد من لم يحلف ناكلا إلا أن يصرح به، وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون: لابد من حلف الجميع ولا يجزئ أن يحلف بعضهم، وفهم مما قررنا أنه لو نكل غيرهما لم يجتز بحلفهما وهو كذلك، وبه يندفع قول الشارح: أخل بالقيد الثاني من كلام أبي محمد المذكور في توضيحه، حيث قال: فإن تطوعا بذلك ولم يكن ذلك ممن لم يحلف نكولا فتأمله. انتهى. ويكفي في الجواب عن المصنف قوله الآتي: "بخلاف غيره". واللَّه تعالى أعلم.

وقال ابن مرزوق: وظاهر كلام المصنف أنه يجتزأ باثنين من أكثر منهما، سواء كان عدد الأولياء خمسين أو أكثر أو أقل، ومثله نقل ابن شأس وهو ظاهر ما نقل في النوادر من قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وحكى فيه خلافا وظاهر ما نقل في المقدمات أن الاجتزاء باثنين من أكثر منهما على خلاف فيه إنما هو إذا لم يكونوا أكثر من خمسين، وأما إن كانوا أكثر من خمسين فلا بد

ص: 286

من حلف خمسين يمينا يمينا، وهل يجتزأ بالخمسين من أكثر منهم قولان، وهو أيضا ظاهر ما نقل في النوادر من قول غير ابن القاسم في المجموعة وكتاب ابن المواز. انتهى.

ثم نقل ما أشار إليه من كلام النوادر والمقدمات، وقال في آخر ما نقله عن المقدمات ما نصه: ورأيت لابن القاسم في كتاب مجهول أنه لا بد أن يحلف جميعهم وإن زادوا على الخمسين، وإلا لم يستحقوا الدم. انتهى. وقول ابن مرزوق عن ابن رشد: ورأيت لابن القاسم في كتاب مجهول الخ، كذا وجدته فيه وهو خلاف ما في ابن عرفة، فإنه قال: فإن طاع اثنان بحمل الخمسين جاز عند ابن القاسم، وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون: إنه لا بد أن يحلفوا كلهم ومن لم يحلف منهم فهو كنكوله وإن زاد عددهم على خمسين، فاتفقوا أنه إن حلف منهم خمسون أجزأهم، ورأيت لابن الماجشون في كتاب مجهول أنه لابد أن يحلف كل واحد منهم يمينا وإلا لم يستحقوا الدم. انتهى. فنسب ذلك لابن الماجشون لا لابن القاسم، ولابن الماجشون عزاه في التبصرة ونصها: ولو كان عددهم أكثر من خمسين اجتزئ منهم بخمسين على مذهب ابن القاسم وأشهب، وعن ابن الماجشون أنهم يحلفون كلهم يمينا يمينا. انتهى منها بلفظها. واللَّه أعلم. انتهى.

وقال المواق: ابن الحاجب: إن كانوا أقل من خمسين وزعت وإن كانوا أكثر من خمسين اجتزئ بالخمسين على الأصح، وفي الاجتزاء باثنين من أكثر منهما قولان لابن القاسم وأشهب. ابن رشد: وإن كان ولاة الدم أكثر من اثنين وطاع اثنان منهم بحمل الخمسين يمينا جاز ذلك عند ابن القاسم، ولم يعد من لم يحلف من بقية الأولياء ناكلا لأن الدم قد قيم به. انتهى.

ونكول المعين غير معتبر يعني أن الولي إذا استعان بعاصبه فنكل المعين عن اليمين فإن نكوله غير معتبر؛ أي لا يضر في ثبوت الدم، فإن وجد الولي من يحلف معه من عصبته ثبت الدم وإلا بطل؛ لأنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين، والمراد بالعين من ليس له كلام في العفو وعدمه، كان من عصبة الولي فقط دون المقتول، أو كان من عصبتهما. واللَّه تعالى أعلم. قال الخرشي: يعني أن ولي الدم إذا كان واحدا واستعان بعاصبه ليحلف معه فنكل المعين عن الحلف فإن نكوله غير معتبر لاتهامه على الرشوة؛ لأنه لا حق له في الدم، فإن وجد الولي غيره من العصبة

ص: 287

يحلف معه فلا كلام، وإلا بطل الدم لأنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة، ومثل النكول التكذيب. انتهى.

وقال عبد الباقي: ونكول المعين عن الحلف غير معتبر وكذا تكذيبه لأنه لا حق له في الدم؛ لأنه قد يكون إنما نكل لأنه رشى ثم إن وجد غيره يستعان به وإلا سقط الدم حيث كان الولي واحدا، لقوله:"ولا يحلف في العمد" الخ، فإن رجع المعين بعد نكوله ليحلف برضى الولي فالظاهر عدم تمكينه. انتهى. وقال الشبراخيتي: ونكول المعين وكذا تكذيبه غير معتبر لأنه لا حق له في الدم، ولأنه يتهم أن يرشى وللولي أن ينظر معينا غيره وإلا بطل الدم، وإذا رجع الأول لا يستعان به لأنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: قول ابن شأس: نكول المعين لغو واضح لعدم استحقاقه ما يحلف عليه. انتهى.

بخلاف غيره يعني أن نكول غير المعين -وغير المعين هو: الذي له الكلام في العفو وعدمه- معتبر فيبطل الدم بنكوله، قال المواق: ومن ابن يونس، قال ابن القاسم: إن كثر أولياء الدم أجزأ أن يحلف اثنان إذا تطوعا ولم يترك باقيهم اليمين نكولا، قال في المدونة: فإن نكل واحد من ولاة الدم الذين يجوز عفوهم إن عفوا فلا سبيل إلى القتل، كانوا اثنين أو أكثر، قال محمد: فرق مالك بين نكول أحد الأولياء عن القسامة قبل القسامة وبعد أن حلف جماعتهم، فقال: إن نكل منهم من له العفو قبل القسامة فلا قسامة لبقيتهم ولا دية ولا دم، ويحلف المدعى عليه خمسين يمينا إن لم يجد من عصبته من يحلف معه، وإن نكل بعد يمين جماعتهم لم يسقط حظ من بقي من الدية ونكول هذا كعفوه. انتهى.

وقال الخرشي: بخلاف نكول غير المعين وهو أحد الأولياء الذين في درجة واحدة، كالإخوة والبنين مثلا فإنه معتبر ويسقط القود بذلك كما مر في قوله:"وسقط إن عفا رجل كالباقي"، ولا فرق بين العفو والنكول. انتهى. وقال الشبراخيتي: بخلاف نكول غيره، ممن له استحقاق الدم إن كان قريب القرابة كالأولاد والإخوة، بل ولو بعدوا في الدرجة مع استوائهم فيها كالعم مع بقية الأعمام، وليس المراد بعدوا في الدرجة مع كون غيرهم أقرب منهم كأبناء الأعمام معهم فلا

ص: 288

كلام لهم ولا يعتبر نكولهم، وقول الشارح: كالأعمام وبنيهم يمكن أن تكون الواو بمعنى أو، وكلام التتائي فاسد وجمع الضمير في قوله:"بعُدُوا"؛ لأن غير متعدد في المعنى. انتهى.

وقال عبد الباقي: بخلاف نكول غيره أي غير المعين من أولياء الدم الذين في درجة واحدة، كبنين أو إخوة فيعتبر ولو بعدوا عن المقتول في الدرجة مع اشوائهم مع غيرهم كأولاد عم ونكل بعضهم، وليس المراد بعدوا في الدرجة مع كون غيرهم أقرب منهم، كابني عم مع عم فإنه لا كلام لهم معه فلا يعتبر نكولهم، وأفرد الضمير في غيره وجمعه في بعدوا تفننا؛ ولأنه قد يكون الناكل واحدا وقد يكون متعددا، وأتى بقوله:"بخلاف غيره" مع استفادته من قوله: "وسقط إن عفا رجل كالباقي" لأجل المبالغة هنا. انتهى. قوله: وأفرد الضمير في غيره الخ، الضمير في غيره عائد على المعين وفي "بعدوا" للغير، ففي قوله: تفننا ما فيه. قاله مقيده عفا اللَّه عنه.

وقوله: مع استوائهم مع غيرهم الخ هذا هو الصواب؛ إذ هكذا المسألة مفروضة في كلام الأئمة كاللخمي وابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغير واحد، خلافا للشارح. وتبعه التتائي في جعله الخلاف المشار إليه بلو إذا بعدوا مع الاختلاف في القعدد، وما قبل لو إذا استووا وَهُوَ وَهَمٌ منه، بل المسألة كلها مفروضة فيما إذا استووا في القعدد، وما قبل المبالغة إذا قربوا كبنين فقط أو إخوة فقط، وما بعدها إذا بعدوا كأعمام فقط. قاله مصطفى. ونص اللخمي: واختلف عن مالك إن كان الأولياء أعماما أو بني أعمام أو أبعد منهم من العصبة، فنكل بعضهم فجعل فيهم الجواب مرة كالبنين، وقال أيضا: لمن لم ينكل إذا كانوا اثنين فصاعدا أن يحلفوا ويقتلوا لأنهم عنده لا عفو إلا باجتماعهم، بخلاف البنين والأول أبين. انتهى.

وقال الحطاب: بخلاف غيره ولو بعدوا أي بخلاف نكول غير المعين فإن نكوله معتبر والمعنى أنه إذا كان ولاة الدم في القعدد سواء كالأولاد أو الإخوة فباتفاق، واختلف في غيرهم كالأعمام وبنيهم ومن هو أبعد فالمشهور سقوط القود أيضا، والشاذ أنه لا يسقط إلا باجتماعهم. كذا قرر المسألة في التوضيح. انتهى.

فترد على المدعى عليهم سني أنه إذا نكل بعض الأولياء المتساوين في الدرجة أو عفلا فإن الدم يسقط وترد أيمان القسامة على الذين ادعى عليهم القتل، فيحلف كل واحد منهم خمسين يمينا

ص: 289

إن تعددوا، وإن كان المدعى عليه القتل واحدا حلفها كلها، وإنما حلفوا كلهم حيث تعددوا لأن كل واحد منهم على البدل مُتَّهَمٌ بالقتل، ولا يضر كونه لا يقتل بالقسامة إلا واحد لأن كل واحد منهم غريم، فمن حلف برئ من القتل لكنه يضرب مائة ثم يحبس سنة كما مر، ومن نكل منهم حبس حتى يحلف خمسين يمينا أي يسجن أبدا حتى يحلف، فإن لم يحلف خلد في السجن ما دام ممتنعا من الحلف، ففي المدونة قال مالك: والتهم بالدم إذا رُدَّتْ عليه اليمين لا يبرأ حتى يحلف خمسين يمينا ويحبس حتى يحلفها. انتهى منها بلفظها. قال أبو الحسن: وظاهر قوله: "حبس حتى يحلف" أنه يحبس أبدا، وقيل بنفس النكول يلزمه العقل، وقيل إذا طال سجنه أطلق، وعلى ما في المدونة اقتصر ابن يونس، وقال: إنه قول مالك وأصحابه.

‌تنبيه:

وقع في شرح عبد الباقي هنا ما نصه: ومن نكل من المدعى عليهم القتل حبس حتى يحلف، فإن طال أزيد من سنة ضرب مائة، وأطلق كما في الجلاب إلا أن يكون متمردا فيخلد في السجن. انتهى.

قال الرهوني: قول الزرقاني: فإن طال أزيد من سنة ضرب مائة وأطلق كما في الجلاب فيه نظر من وجود: أحَدُهَا أن الجلاب لم يحد الطول بما عزاه له، ثَانِيهَا أن الجلاب لم يقتصر على ضرب مائة بل زاد مع ذلك حبس سنة، ونص الجلاب: فإن نكل المدعون الدم عن القسامة ورُدَّت الأيمان على المدعى عليهم، فإن نكلوا حبسوا حتى يحلفوا فإن طال حبسهم تركوا، وعلى كل واحد جلد مائة وحبس سنة. انتهى منه بلفظه. ثَالِثُهَا أن حَمْلَ المصنف على ما للجلاب خلافُ ظاهره وخلاف مقتضى مختاره في التوضيح، وقد نبه على هذا التاودي والبناني، قال الأول: فالأولى حمل كلامه عليه. انتهى. وقال الثاني: وعليه ينبغي أن يحمل كلامه هنا. انتهى. ومختاره الذي أشار إليه في التوضيح، قال البناني: الذي استظهره في التوضيح هو الحبس حتى يحلف وإن طال، قال: لأن من طلب منه أمر يسجن بسببه فلا يخرج إلا بعد حصول ذلك المطلوب. انتهى. وعليه ينبغي أن يحمل كلامه هنا. انتهى كلام البناني.

قال الرهوني: قلت: بل يجب حمل كلامه على ذلك الراجح كما دلت عليه المنقول، قال في المدونة: فإذا حلف خمسين يمينا برئ وإن نكل حبس حتى يحلف، ثم قالت: قال مالك:

ص: 290

والمتهم بالدم إذا ردت عليه اليمين لا يبرأ حتى يحلف خمسين يمينا ويحبس حتى يحلفها. انتهى. قال أبو الحسن: وظاهر قوله: "حبس حتى يحلف" أنه يحبس أبدًا، وقيل بنفدى النكول يلزمه العقل، وقيل إذا طال سجنه أطلق. انتهى. وعلى ما في المدونة اقتصر ابن يونس وزاد أنه قول مالك وأصحابه، ففيه أنه إذا وجبت القسامة بقول الميت أو بشاهد على القتل فردت الأيمان على المدعى عليه، فإنه يحلف هو وولاته أنه ما قتله، فإن نكل ها هنا حبس حتى يحلف أَوْ يُقِرَّ، فإن أقر قتل وهذا قول مالك وأصحابه. انتهى.

وفي المنتقى: فإذا قلنا يحبس إلى أن يحلف، فإن حبس وطال حبسه فقد روى القاضي أبو محمد: يخلى سبيله، وفي العتبية والموازية: يحبس حتى يحلف، وقال اللخمي: واختلف إذا نكل، فقال مالك وابن القاسم: يحبس حتى يحلف، وقال أشهب: إذا نكل كان عليه دية المقتول، وأرى أن يكون الأولياء بالخيار، فإن أحبوا حبس أبدا حتى يحلف أو يؤاخذوه بالدية ويضرب مائة ويحبس عاما. انتهى. ونقله ابن عرفة مختصرا بعد نقله كلام المدونة ولم يزد على ذلك، فهؤلاء جماعة لم يذكروا ما حمل عليه الزرقاني كلام المصنف، ولم يذكره أيضا المتيطي ولا صاحب المعين، ونص المتيطي: واختلف إذا نكل عن اليمين، فقال ابن القاسم: يسجن أبدا حتى يحلف، وقال أشهب: إن طال سجنه وأيس أن يقر أو يحلف كانت عليه الدية في ماله. انتهى.

وفي التوضيح ما يفيد أن ما ذكره عبد الباقي أحد أقوال ثلاثة: الحبس حتى يحلف خمسين يمينا وله أن يستعين، والدية والحبس حتى يحلف أو يطول، والقول الثالث جار على مسائل الطلاق والعتق، وقول التوضيح: لأن من طلب منه أمر يسجن بسببه فلا يخرج إلا بعد حصول ذلك المطلوب، فيه نظر؛ لأنه يوهم أن هذا مطرد مسلم في كل مسألة وليس كذلك، فإن مسألة الطلاق التي أشار إليها الخلاف فيها شهير، وقد ذهب هو نفسه فيها على خلاف هذا؛ إذ قال في الشهادات: فإن نكل حبس وإن طال دين. الرهوني: ظاهر كلام اللخمي وغير واحد أنه على قول أشهب بلزوم الدية له في ماله تلزمه عاجلا بلا سجن، وقد مر التصريح بلزوم العقل له عاجلا في كلام أبي الحسن، وهو خلاف ما مر عن المتيطي من أنه إن طال سجنه وأيس منه أن يقر أو يحلف تكون الدية في ماله. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 291

ولا استعانة يعني أن المدعى عليهم بالقتل إذا ردت عليهم الأيمان ليس لهم الاستعانة، فلو كان المدعى عليه واحدا لَحَلَف الأيمان كلها ولا تصح له الاستعانة، قال الشبراخيتي: ولا استعانة لمن ردت عليه اليمين بغيره، ومقتضى قول ابن مرزوق أن الراجح القول بأن للمدعى عليه الاستعانة، وذكر في نقله ما يفيده. انتهى. ويأتي قريبا الجواب عن المصنف. والفرق بين أولياء الدم وبين المدعى عليهم أن أيمان أولياء الدم موجبة، وقد يحلف من يوجب لغيره بيمينه حقا، كولي المحجور في بعض الصور وأيمان المدعى عليهم دافعة، وليس لأحد أن يدفع بيمينه ما تعلق بغيره. قاله غير واحد. وقال البناني: هذا الفرق غير ظاهر، بل الظاهر أنه مصادرة، وقال أيضا: عدم الاستعانة هو قول مطرف، واستظهره ابن رشد في أول رسم من سماع عيسى، وعزاه لظاهر ما في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك. نقله الحطاب. وبه يسقط اعتراض المواق وابن مرزوق على المصنف. انتهى. قوله: هو قول مطرف، قال الرهوني: لما نقله ابن عرفة عن ابن رشد، قال عقبه: قلت: ذكره ابن حارثٍ رواية له والشيخ قولا له ورواية. انتهى.

‌تنبيه:

قال عبد الباقي: وأشعر قوله: "فترد" الخ بأن الناكل من المدعين لو أراد أن يعود إلى اليمين ليس له ذلك وهو كذلك، ويدل له ما تقدم في الشهادات من قوله:"ولا يمكن منها إن نكل" وتفريع قوله: "فترد" على النكول ربما يدل على أنه لو كان ولي الدم رجلا واحدا ولم يجد من يُعينه أي أو نَكَلَ المعين أنها لا ترد على المدعى عليه، مع أنها ترد. انتهى. كلام عبد الباقي.

وإن أكذب بعض نفسه بطل يعني أن بعض الأولياء إذا أكذب نفسه، بأن قال: كذبت فيما ادعيت من القتل قبل القسامة أو بعدها، فإن الدم يبطل فلا قود ولا دية للمكذب نفسه ولا لغيره. قال عبد الباقي: وإن أكذب بعض من حالفي أولياء الدم نفسه بعد القسامة أو قبلها بطل الدم، فلا قود ولا دية لواحد منهم، وترد إن أخذت. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أكذب بعض من العصبة الحالفين نفسه قبل القسامة أو بعدها بطل القود والدية لأنه كالشاهد بالظلم على غيره، وإن كانوا قبضوا الدية ردوها. انتهى. قوله:"وإن أكذب بعض نفسه" أي ممن له الاستيفاء. قاله الخرشي، وقال التتائي: وإن أكذب بعض من العصبة الحالفين نفسه بعد حلفه، بأن قال إنه

ص: 292

كاذب فيما ادعاه بطل القود والدية؛ لأنه كالشاهد بالظلم على غيره، وإن كانوا قبضوا الدية ردوها. انتهى. وقال البناني: قال مصطفى: حكم التكذيب في القسامة حكم النكول، ولو جمعه المؤلف معه، فقال: بخلاف غيره أو تكذيبه نفسه، ليرتب عليهما قوله:"ولو بعدوا" وقوله: "فترد على المدعى عليهم"، أو يشبه به فيقول "كتكذيبه"، وعبارته لا يعلم منها إلا إبطال الدم، ولا يعلم حكم الرد والكلام كله في العمد. انتهى. والعفو قبل القسامة مثل النكول والتكذيب في ذلك. انتهى.

بخلاف عفوه فللباقي نصيبه من الدية يعني أن بعض الأولياء إذا عفا قبل القسامة، فإن حكم ذلك كحكم التكذيب، بخلاف ما لو عفا عن القود بعد القسامة فللباقي نصيبه من دية عمد، والمراد بالباقي الولي الذي لم يعف. قال الشبراخيتي: فللباقي نصيبه من الدية ويسقط نصيب العافي، وقال عبد الباقي: بخلاف عفوه أي البعض بعد القسامة أو البينة فللباقي نصيبه من الدية، وأما قبل القسامة فكالتكذيب فلا شيء لغير العافي، وانظر إذا أكذب بعض نفسه يعد القسامة والاستيفاء معا، فهل يقتص من المكذب؟ أو حكمه حكم من رجع عن شهادته فيغرم الدية ولو متعمدا؟ وهو المستفاد من كلام بعضهم وإذا كانت القسامة في الخطإ وأكذب بعض نفسه فيستحق غيره نصيبه من الدية بحلفه مقدار ما ينوبه من الأيمان فقط، كما اقتصر عليه ابن عرفة، بناء على عدم إلغاء الأيمان الصادرة من المكذب نفسه وهو الظاهر. انتهى المراد منه.

وقال المواق: ابن رشد: إن عفا أحد الأولياء عن الدم بعد ثبوته بالبينة أو بالقسامة، أو أكذب نفسه بعد القسامة، فثالث الأقوال أنه إن عفا كان لمن بقي حظوظهم من الدية، وإن أكذب نفسه لم يكن لمن بقي شيء من الدية، وإن كانوا قد قبضوها ردوها هذا ورهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، وساوى ابن القاسم بين العفو قبل القسامة والنكول، وفرق بعد القسامة بين أن يعفو أحد الأولياء أو يكذب نفسه فجعل تكذيب نفسه، بعد القسامة كعفوه عن الدم قبل القسامة لا شيء لمن بقي من الدية على ما ذكرناه. انتهى.

ولا ينتظر صغير قال الخرشي: يعني أن الأولياء إذا كانوا في درجة واحدة وفيهم صغير مستغنى عنه ولو بالاستعانة بأحد العصبة، فإن الصغير لا ينتظر وللكبار أن يقسموا ويقتلوا. انتهى. وقال

ص: 293

عبد الباقي: ولا ينتظر ببعض أيمان القسامة صغير مساو لدرجة كبير، ولكن لا يتوقف الثبوت عليه بدليل الاستثناء، فيقسم الكبير ويستعين بعاصبه ويقتل المدعى عليه بعد القسامة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا ينتظر ببعض أيمان القسامة صغير لا يتوقف الثبوت عليه، فيحلف الكبار جميع الأيمان ويقتلون. انتهى. وقال التتائي: ولا ينتظر ببعض أيمان القسامة صغير إذا كان هناك كبار، بل يحلف الكبار جميع الأيمان ويقتلون. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن كان أولاد المقتول صغارا وكبارا، فإن كان الكبار اثنين فلهم أن يقسموا ويقتلوا، ولا ينتظر بلوغ الصغير. انتهى.

بخلاف المغمى يعني أن المغمى عليه ينتظر بالقتل لقرب إفاقته، والمبرسم يعني أن المبرسم ينتظر بالقتل لقرب زوال البرسام، وقررته بهذا وإن كان خلاف ظاهره لما يأتي قريبا، وقال عبد الباقي:"بخلاف المغمى والمبرسم" فينتظران لقرب إفاقتهما، وقال الشبراخيتي: بخلاف المغمى عليه والبرسم فإن كلا منهما ينتظر لقرب زوال زمن مرضه، وهذا تكرار مع ما تقدم من قوله:"وانتظر غائب لم تبعد غيبته ومغمى ومبرسم". انتهى. وقال البناني: ظاهر المصنف أنهما ينتظران ببعض الأيمان، ولو وجد من يحلف غيرهما وهو غير صحيح ولم يقل به أحد، وحمله المواق والأجهوري على الانتظار للقتل إذا أراده غيرهما وهو صواب، إلا أنه تكرار مع قوله سابقا:"وانتظر غائب لم تبعد غيبته ومغمى ومبرسم" وبعيد من فرضه هنا. انتهى.

إلا أن لا يوجد غيره أي غير الصغير؛ يعني أنه إذا لم يكن مع الكبير إلا صغير، فإنه ينتظر الصغير ببعض أيمان القسامة لبلوغه، فإذا لم يكن مع الكبير ولي ولا معين فإن الصغير ينتظر ببعض أيمان القسامة لبلوغه، فيحبس القاتل، قال في كتاب محمد: ويحبس القاتل حتى يبلغ الصغير فيحلف كما في الطخيخي، ويجري مثل هذا في المجنون المُطْبَقِ. قاله الشبراخيتي. وإذا لم يوجد غير الصغير، وقلنا إنه ينتظر ببعض أيمان القسامة لبلوغه، فإنه يحلف الكبير من أيمان القسامة حصته خمسا وعشرين يمينا الآن، والصغير حاضر معه لأنه أرهب للنفس. قال عبد الباقي: وحضوره مع الكبير ينبغي أن يكون على سبيل الندب لا الوجوب؛ لأن هذا منكر من أصله في المذهب، فليس حضوره شرطا في اعتبار أيمان الكبير، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصغير

ص: 294

فيحلف خمسا وعشرين يمينا ثم يستحق الدم، ولا يؤخر حلف الكبير لبلوغ الصغير، فيحلف هو وأخوه لاحتمال موت الكبير أو غيبته قبل بلوغ الصغير، فيبطل الدم.

وقوله: "فيحلف الكبير" فإن عفا اعتبر عفوه وللصغير نصيبه من دية عمد، فإن مات الصغير قبل بلوغه ولم يجد الكبير من يحلف معه بطل الدم. انتهى. الشبراخيتي: وقوله: "فيحلف الكبير" الخ جواب شرط مُقَدَّرٍ؛ أي وإذا انتظر الصغير فيحلف الكبير حصته من الآن والصغير معه. انتهى المراد منه. وقال التتائي: فيحلف الكبير حصته والصغير معه حال حلفه، مثله لابن الحاجب وأقره ابن عبد السلام، وعلله المؤلف بأنه أرهب ولا يؤخر الكبير لاحتمال موته أو غييته قبل بلوغ الصغير، فيبطل الدم، وإذا حلف الكبير انتظر بلوغ الصغير فيحلف حصته، وإن عفا الكبير اعتبر عفوه وللصغير نصيبه من دية عمد، وسكت عن حكم الغائب. وفي توضيحه عن ابن رشد: ظاهر المدونة انتظاره. انتهى.

ووجب بها الدية في الخطإ يعني أنه يجب بالقسامة في محلها الدية في الخطإ، فيقسم ولاة الدم على جميع المتهمين، قال عبد الباقي: ثم ذكر حكم ما يترتب على القسامة، فقال:"ووجب" بها أي بالقسامة على جميع المتهمين الدية في الخطإ. انتهى. وقال الشبراخيتي: ووجبت بها الدية في الخطإ، وسواء كان الضارب واحدا أو متعددا فلا يقسم إلا على جميعهم. انتهى.

والقود في العمد من واحد يعين لها يعني أن العمد ليس كالخطإ، فإذا كان المتهم بالقتل عمدا متعددا فإن ولاة الدم لا يقسمون إلا على واحد يعينونه للقسامة، قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: والظاهر أن اللام في قوله: "لها" للتعليل أي يعين لأجل الحلف على عينه. واللَّه تعالى أعلم. وفي بعض النسخ: تعين لها، وقوله:"من واحد" متعلق بالقود، قال عبد الباقي: ووجب بالقسامة على واحد من المتهمين القود في العمد من واحد يعين لها بتعيينهم من جماعة مستوين في العمد مع وجود اللوث يقولون: لمن ضربه مات، ولا يقولون: لمن ضربهم مات وكذا إن حملوا صخرة عظيمة وألقوها جميعا عليه عمدا كما في الشارح عن النص، وتعيينه حينئذ ترجيح بلا مرجح. انظر الأجهوري. انتهى.

ص: 295

قال الرهوني: ما عزاه للشارح من النص مثله لابن عرفة، فإنه قال عن ابن حارث: اختلفوا في ثلاثة حملوا صخرة رموها على رجل فقتلوه بها وقام بذلك شاهد واحد، فقال ابن القاسم: لا يقسم إلا على رجل واحد، وقال سحنون: يقسم على جميعهم. انتهى. ثم قال: وعلى الأول يقسمون لمن ضربه لا من ضربهم. قاله محمد وابن عبدوس وابن حبيب عن ابن القاسم. انتهى. وقال الرهوني أيضا: ظاهر كلام الزرقاني أن الحكم ما ذكره، ولو كانوا لا يقدرون على حملها إلا باجتماعهم وهو ظاهر ما تقدم عن ابن عرفة، وظاهر ما نقله ابن عرفة عن الشيخ أبي محمد عن ابن القاسم وأشهب في الموازية والمجموعة من قوله ليس لأوليائه أن يقسموا أو يقتلوا إلا على واحد. انتهى. ولم يقيده ابن عرفة بشيء وهو أيضا ظاهر المدونة، ولم يقيده ابن يونس بشيء، ولكن في التوضيح: وقيد ابن رشد هذا الخلاف بأن يحتمل موته أن يكون عن أحدهم وإن لم يحتمل ذلك، كما لو رموا عليه صخرة لا يقدر بعضهم على رفعها فلا خلاف أنهم يقسمون عليهم كلهم ثم يقتلون من شاءوا منهم. انتهى. ونقله جسوس.

وقال اللخمي: قال ابن القاسم في ثلاثة نفر حملوا صخرة فضربوا بها رأس رجل ضربة واحدة فعاش بعد ذلك أياما أكل وشرب وتكلم ثم مات: أنهم لا يقسمون إلا على واحد، ثم قال: وأنكر ذلك سحنون ورأى أنه إذا كان الضرب واحدا كالذين حملوا صخرة فالقسامة على جميعهم، والعمد والخطأ في ذلك سواء، ثم قال: قال الشيخ رحمه الله: أما إذا كان الضرب واحدا حملوا صخرة متعمدوه بها أو سقطت من أيديهم فكان خطأ ومات، فإنهم لا يقسمون إلا لمات من تلك الضربة ويقتص في العمد من جميعهم والدية في الخطإ على عواقلهم كلهم. انتهى.

وقال ابن عرفة: ولابن عبدوس أن المغيرة يقول: تقتل الجماعة بالقسامة وكذلك كان في الزمن الأول حتى كانت أيام معاوية وعلي، وفي الموطإ ما يرد ذلك وهو قول مالك، ولم تعلم قسامة كانت قبل إلا على رجل واحد. انتهى. ومثل ما في الموطإ نقله ابن يونس وسلمه، ونصه: قال في المجموعة: ولم يعلم قط قسامة إلا على واحد. انتهى.

واعلم أن المشهور هو ما ذكره المصنف من قوله: "في العمد من واحد يعين لها"، وغمز الرهوني في تقييد ابن رشد، ثم قال: وإذا فرعنا على المشهور فلم يحضر ممن قام عليهم اللوث إلا واحد،

ص: 296

ففي ابن عرفة: الشيخ: لابن حبيب عن أصبغ: من رمى بدمه نفرا فأُخِذَ أحدهم فسجن وتغيب الباقون وطلب الأولياء إبقاءه حتى يجدوا من غاب فيختاروا من يقسموا عليه، وقال المسجون إما أقسمتم علي وإلا أطلقتموني فذلك له، ويستأنى به قدر ما يطلبون ويرجى الظفر بهم ويتلوم لهم في ذلك، فإن تم التلوم ولم يجدوا قيل للولاة أقسموا على هذا واقتلوه، ثم ليس لكم على من وجدتم من الباقين إلا ضرب مائة وسجن سنة وأن يحلف خمسين يمينا، فإن نكل سجن حتى يحلف، قال: ولهم صلح المسجون على مال ثم لهم القسامة على من شاءوا من الباقين، ويسجن المصالح سنة بعد ضربه مائة. انتهى. ومثله في التوضيح عن أصبغ. انتهى.

‌تنبيه:

قال عبد الباقي عند قول المصنف: "من واحد يعين لها" ما نصه: ثم إن محل كونها يعني القسامة على واحد فقط حيث اتحد نوع الفعل، فإن تعدد أو اختلف قتل بها أكثر من واحد، كما أفتى به ابن رشد في ممسك رجل لآخر، ويقول له: اضرب اقتل فيضرب الآخر حتى يموت، أن أولياءه يقسمون عليهما ويقتلونهما. انتهى. ومعلوم أن القسامة بلوث كقوله قبل موته: قتلني فلان وفلان، أما مع ثبوت ما ذكر ببينة فيقتلان بغير قسامة، كما قدمه المصنف بقوله:"وكالإمساك للقتل". انتهى.

قال البناني: قول الزرقاني: حيث اتحد نوع الفعل الخ ما نقله عن ابن رشد في مختلف النوع ظاهر المواق أنه خلاف المشهور، قال: وانظر ما لابن رشد في نوازله أنه قد يقتل بالقسامة اثنان. انتهى. قال الرهوني: قول البناني: ظاهر المواق أنه خلاف المشهور الخ قد يقال إن ظاهر المواق أنه تقييد، ولكن الظاهر أنه خلاف المشهور، وليس الممسك مع القاتل بأعظم جُرما من الثلاثة حملوا صخرة وطرحوها على شخص، ولا سيما إن كانوا لا يقدرون إلا باجتماعهم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقوله: "من واحد يعين لها" يجب تقييده بما إذا احتمل موته من فعل أحدهم، وأما إن لم يحتمل كرمي جماعة صخرة لا يقدر بعضهم على رفعها فإن القسامة تقع على جميعهم ويقتلون أي واحد شاءوا منهم، كما نقله الشارح عن ابن رشد. وإذا قُتِلَ واحد من الذين رموا الصخرة فعلى كل واحد ممن بقي جلد مائة وحبس سنة كما يفيده ما ذكره التتائي عن أصبغ،

ص: 297

وإذا وقعت القسامة على واحد بعينه ثم اعترف آخر بالقتل فإن ولي المقتول مُخير في قتل واحد منهما فقط، وإذا قتل أحدهما حبس الثاني عاما وجلد مائة. انتهى.

وقال التتائي: من واحد يعين لها المقسم عليه الذي يريدون قتله إن كانت التدمية على جماعة ابن القاسم عن مالك: ويقولون لمن ضربه مات ولا يقولون لمن ضربهم، وأصل القسامة على واحد حديث مسلم:(يقسم خمسون منكم على رجل منهم)

(1)

، وفي الموطإ: لم يعلم قط قسامة إلا على رجل واحد، وفهم من تعيين المقسم عليه في العمد أن القسامة في الخطإ على جميعهم وهو كذلك، وتوزع الدية على عواقلهم في ثلاث سنين كما في المدونة، ولو قدم القسم عليه للقتل فقال غيره أنا قتلته، فقال ابن القاسم: إن شاءوا قتلوا المقر أوْ الأول، وليس لهم إلا قتل واحد، وإن قال: ضربني فلان وفلان وفلان، منهم أنفذ مقاتلي لم يقسموا إلا عليه. قال في الموازية: وليس على الباقين ضرب ولا سجن. قاله مالك وعبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ. ابن القاسم: إن قال لهم: أقسموا على فلان فليس لهم أن يقسموا على غيره. لعلمه بأشد ذلك عليه. ابن القاسم: إن أقسموا على واحد من الجماعة ثم أرادُوا تَرْكه وأن يقسموا على غيره منهم، وزعموا أن جرحه كان على وليهم أشد وأنه شُبِّهَ لهم أوَّلًا فليس لهم ذلك في الباقي، والأول إن تركوه على أن الآخر صاحبهم وأبرءوا الأول فليس لهم قتل الأول، وإن انتقلوا للثاني غضبا عليه وندما في تركهم له ولم يتركوا الأول فلهم قتل الأول بقسامة، وفرق ابن القاسم بين العمد لا يقسم الأولياء إلا على واحد والخطأ يقسمون على جميعهم، قال: لأنهم في العمد لو أقسموا على جميعهم لم يجب الدم على جميعهم، فهذا الذي قصدوه بالقسم لا حجة له أن يقول لا تقسموا علي دون أصحابي؛ لأنه يقال له لا منفعة لك هنا، هُم إن أقسموا على جماعتكم وجب لهم دمك، وفي الخطإ إن قُصِدَ واحِد بالقسم عليه كانت له الحجة أن يمنعهم؛ لأنه يقول: الضرب منا جميعا والدية على قبائلنا.

(1)

صحيح مسلم، كتاب القسامة، رقم الحديث، 1669.

ص: 298

ولما قدَّمَ أن القسامة مسببة عن قتل الحر المسلم وهو مقتض لعدمها في الجرح والعبد والجنين والكافر، قال: ومن أقام شاهدا على جرح يعني أن من أقام شاهدا واحدا على جرح عمدا أو خطأ، فإنه يحلف مع شاهده ويستحق الدية في الخطإ، والقصاص في العمد. أو قتل كافر يعني أنه إذا قام على قتل الكافر غير الحربي شاهد واحد فإن مقيمه يحلف ويستحق الدية، كان القتل عمدا أو خطأ ولو من مكافئ له؛ لأنه لا يقتص بشاهد ويمين، أو عبد يعني أنه إذا قام على قتل العبد شاهد واحد عمدا أو خطأ فإن سيده يحلف مع الشاهد ويستحق قيمة عبده، ولو كان القاتل مكافئا له لأنه لا يقتص بشاهد ويمين، أو جنين يعني أنه إذا قام على قتل الجنين شاهد واحد فإن مقيمه يحلف مع الشاهد ويستحق دية الجنين.

وعلم مما قررت أن قوله: حلف أي مع الشاهد يمينا واحدة جار في المسائل الأربع، فهو جواب الشرط على أن "من" شرطية، وخبر "من" على أنها موصولة، وكذا قوله: وأخذ الدية جار في المسائل الأربع أيضا أي أخذ الدية بعد أن يحلف يمينا واحدة، قال عبد الباقي: ومن أقام شاهدا واحدا على جرح خطأ بدليل قوله: "وأخذ الدية" إذ جرح العمد يقتص فيه بشاهد ويمين أو قتل كافر أو عبد عمدا أو خطأ، ولو لم يزد القاتل حرية أو إسلاما لأنه لا يقتل بشاهد ويمين أو جنين حلف مع الشاهد يمينا واحدة إن اتحد، فإن تعدد ولي الكافر أو الجنين حلف كل واحد يمينا. قاله ابن عرفة. والظاهر أن سَيِّدَ العبد كذلك وأخذ الدية للكافر وقيمة العبد وما يجب في الجنين من دية بقسامة إن نزل حيا في خطإ أو من غرة إن نزل ميتا مع حياة أمه، فإن نزل حيا مع ضرب عمد قتل به بقسامة، وفي إطلاق الدية على جميع ما ذكر تجوز فأراد بالدية اللغوية وهي المال المؤدى فشمل الدية في الجرح والقيمة في الرقيق والغرة إن نزل ميتا والدية إن استهل. انتهى. بتغيير قليل جدا.

وقال المواق: أما مسألة قيام شاهد على جرح، فقال في المدونة: لا قسامة في الجراح، ولكن من أقام شاهدا عدلا على جرح عمدا أو خطأ فليحلف معه يمينا واحدة ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطإ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جرح العمد وليس بمال؟ قال: كلمت مالكا في ذلك. وقال: إنه لَشَيءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ وما سمعت فيه شَيْئًا، وأما مسألة الكافر ففي المدونة، قال

ص: 299

مالك في نصراني قام على قتله شاهد واحد عدل مسلم: يحلف وُلَاته يمينا واحدة ويستحقون الدية على قاتله مسلما كان أو نصرانيا، وأما مسألة العبد ففي الموطإ، قال مالك: الأمر عندنا في العبيد أنه إذا أصيب العبد عمدا أو خطأ ثم جاء سيده بشاهد حلف مع شاهده يمينا واحدة، ثم كان له قيمة عبده، وليس في العبد قسامة في عمد ولا خطإ، فإن قتل العبد عمدا أو خطأ لم يكن على سيد العبد المقتول قسامة ولا يمين، ولا يستحق سيد العبد ذلك إلا ببينة عادلة أو بشاهد ويحلف مع شاهده، وأما مسألة الجنين، ففي المدونة: إن ضربت امرأة فألقت جنينا ميتا، وقالت: دمي عند فلان ففي المرأة القسامة أي ولا شيء في الجنين إلا ببينة؛ لأنه كجرح من جراحها ولا قسامة في الجراح ولا يثبت إلا ببينة أو شاهد عدل، فيحلف يمينا واحدة ويستحق ديته. ابن يونس: يريد يحلف كل واحد ممن يرث الغرة يمينا أنه قتله. انتهى.

وقال الحطاب: أما مسألة الجرح، فقال في المدونة: لا قسامة في الجرح ولكن من أقام شاهدا عدلا على جرح عمدا أو خطأ فليحلف معه يمينا واحدة ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطإ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جراح العمد وليست بمال؟ فقال: كلمت مالكا في ذلك، فقال: إنه لشيء استحسناه وما سمعت فيه شيئا هذا لفظها على اختصار ابن عرفة ونحوه لابن الحاجب، ثم قال: فإن نكل [من قام]

(1)

بالشاهد حلف الجارح، فإن نكل قال ابن القاسم: حبس حتى يحلف. انتهى.

ثم قال الحطاب: فإن أقام شاهدا أن عبد فلان قتل عبده حلف معه، وخير سيد القاتل بين أن يغرم قيمة المقتول وأن يسلم عبده: فإن أسلمه لم يقتل إذ لا يقتل بشاهد واحد. قاله في المدونة. ونقله ابن عرفة. وانظر هل يضرب القاتل مائة ويحبس عاما؟ وفيها: إن قالت دمي عند فلان فخرج جنينها حيا فاستهل صارخا ثم مات، ففي الأم القسامة ولا قسامة في الولد؛ لأنها لو قالت قتلني وقتل فلانا معي لم يكن في فلان قسامة. انتهى. بخلاف ما إذا ثبت موتها وخروج

(1)

ساقط من الأصل والمثبت من الحطاب ج 6 ص 482 ط دار الرضوان.

ص: 300

الولد بشاهد واحد، فإن ورثته يحلفون معه يمينا ويستحقون الغرة، وإن استهل صارخا ففيه القسامة لأن الشاهد لوث، وقول المرأة ليس لوثا في حق ولدها. واللَّه أعلم. انتهى.

وإن نكل برئ الجارح إن حلف يعني أنه إذا لم يحلف مقيم الشاهد في المسائل الأربع فإنه يحلف الجارح ومن معه وهو المدعى عليه بقتل الكافر أو العبد أو الجنين ويبرء، فالضمير المستتر في "نكل" للمقيم الشاهد، والضمير في حلف يعود على الجارح، وقد علمت أن مثل الجارح غيره ممن ذكر معه، وإنما خص المصنف الجارح مع أن المدعى عليه بقتل الكافر أو العبد أو الجنين كذلك لأجل قوله: وإلا يحلف الجارح حبس حتى يحلف، وقيل إن طال حبسة عوقب وأطلق إلا أن يكون متمردا فيخلد في الحبس، وأما غير الجارح فيغرم إن لم يحلف ولا يحبس.

قال عبد الباقي: وإن نكل عن اليمين مع إقامة الشاهد برئ الجارح وغيره ممن ذكر معه، إن حلف وإلا يحلف غرم في الصور كلها من غير حبس سنة ولا ضرب مائة كما هو مقتضى كلامهم، ما عدا جرح العمد فإنه يحبس فيه، كما قال:"حبس" حتى يحلف أو يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. إلا أن يكون متمردا فيخلد في السجن. انتهى.

وقال المواق من المدونة: من أقام شاهدا على جرح عمدا فليحلف ويقتص، فإن نكل الجارح أحلف وبرئ: فإن نكل حبس حتى يحلف. الجلاب: وإن طال الحبس أطلق. انتهى. وقال التتائي: وإن نكل وردت اليمين الواحدة على المدعى عليه برئ الجارح ومن معه إن حلف. انتهى المراد منه.

والحاصل أن مقيم الشاهد إن حلف استحق ما ادعاه في الجميع، وإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ في الجميع، فإن نكل غرم في الجميع، إلا في جرح العمد فإنه يحبس حتى يحلف أو يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. قاله الشبراخيتي والخرشي. وهو صريح في أن الجارح إن نكل ونكل المدعى عليه لا غرم عليه، وإنما عليه الحبس، وقد مر عن الحطاب أنه يحبس حتى يحلف، وقال عبد الباقي والشبراخيتي: يحبس حتى يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. قال عبد الباقي والخرشي: إلا أن يكون متمردا عن الأحكام فيخلد في السجن. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 301

فلو قالت دمي وجنيني عند فلان ففيها القسامة يعني أن الجنين لا قسامة فيه كما مر، فلذلك لو قالت امرأة دمي وجنيني عند فلان فماتت المرأة ففي المرأة القسامة؛ لأن قولها لوث يقسم معه الأولياء، ولا شيء في الجنين لأنه بمنزلة الجرح حيث لم يستهل والجرح لا قسامة فيه، وإن استهل أي لا شيء في الجنين استهل أم لا، لما علمت أنه إن لم يستهل فهو كالجرح، وأما إن استهل فهو بمنزلة قولها: قتلني وقتل فلانا معي، وقولها: وقتل فلانا معي، ملغى، قال المواق من المدونة: إن قالت: دمي عند فلان فخرج جنينها حيا فاستهل صارخا ثم مات ففي الأم القسامة، ولا قسامة في الولد لأنها لو قالت: قتلني وقتل فلانا معي لم يكن في فلان قسامة. انتهى. وقال ابن الحاجب: ولذلك لو ألقت جنينا ميتا وقالت دمي وجنيني عند فلان وماتت، كانت القسامة في الأم ولا شيء في الجنين، ولو ثبت الأمران بعدل واحد فالقسامة في الأم ويمين واحدة في الجنين. انتهى.

وقد بان من هذا أن القسامة في الأم تثبت بقولها وبالشهادة، وأما في الجنين فلا تثبت القسامة إلا بالشهادة، ومحلها حيث نزل حيا. واللَّه تعالى أعلم.

ولما فرغ رحمه الله من الكلام على القتل والجرح الذين يكون عنهما إذهاب النفس الذي هو من أعظم الذنوب في حق الآدميين، أتبع ذلك بالكلام على الجنايات التي توجب سفك الدماء وما دونه من العقوبات، والجناية هي ما يحدثه الرجل على نفسه أو غيره مما يضر حالا أو مآلا، والجنايات الموجبة للعقوبة سبع: البغي والردة والزنى والقذف والسرقة والحرابة والشرب، وبدأ المصنف بالبغي لأنه أعظمها مفسدة إذ فيه إذهاب الأنفس والأموال غالبا، فقال:

ص: 302

‌باب:

أي هذا باب ذكر فيه أحكام البغي

والبغي في اللغة قال الجوهري: هو المتعدي، وقال ابن العربي في أحكام القرآن: إن مادة: ب، غ، ي، للطلب، إلا أنه في العرف مقصور على طلب خاص وهو ابتغاء ما لا ينبغي ابتغاؤه. انتهى. وفي الاصطلاح، قال ابن عرفة: البغي هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا. انتهى. والباغية هي فرقة من المسلمين خالفت الإمام لشيئين، إما لمنع حق وجب عليها من زكاة أو حكم من أحكام الشريعة أو الدخول في طاعته فإنه حق أو مخالفة لخلعه، قال ابن عبد السلام: والمراد بالإمام هنا الإمام الأعظم أو نائبه. انتهى.

وقال في التوضيح: فخرج الخروج من طاعة غير الإمام فإنه لا يسمى بغيا يريد أو نائبه، وعلم أنها لو خرجت لا لمنع حق بل لمنع ظلم كأمر بمعصية ليست بباغية، كما يفهم من كلام ابن عرفة، ولا بد من كون الخروج مغالبة. وقال ابن عبد السلام: ولفظ مغالبة كالفصل؛ لأن من عصى الإمام لا على سبيل المغالبة لا يكون من البغاة ونحوه في التوضيح، وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة، فمن خرج من طاعة الإمام من غير مغالبة لا يكون باغيا، ومثل ذلك ما وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم وحشرنا في زمرتهم وأماتنا على محبتهم وسنتهم أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه رضي الله عنهم أجمعين.

‌فائدة:

قال القرطبي في شرح مسلم: البيعة مأخوذة من المبيع، وذلك لأن البائع يلزمه أن يقي الإمام بنفسه وماله، فكأنه بذل نفسه وماله للَّه تعالى، وقد وعد اللَّه تعالى بالجنة فكأنه حصلت معاوضة، ثم هي واجبة على كل مسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم:(من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)

(1)

، غير أنه من كان من أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرا وبالقول والإشهاد عليه إن كان غائبا، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السر والجهر ولا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة. انتهى.

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث، 1851.

ص: 303

وقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف)

(1)

، إنما للحصر ويعني به ما ليس بمنكر ولا معصية، فيدخل فيه الطاعات الواجبة والمندوب إليها والأمور الجائزة شرعا، فلو أمر بجائز صارت طاعته فيه واجبة، ولما حلت مخالفته فلو أمر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه فهذا مشكل، والأظهر جواز المخالفة تمسكا بقوله: إنما الطاعة في المعروف، وهذا ليس بمعروف إلا أن يخاف على نفسه منه فله أن يمتثل. انتهى. انظر الحطاب.

وقال الشبراخيتي: هذا شروع منه في الجنايات التي توجب سفك الدماء فما دونه وهي سبع: البغي والردة والزنى والقذف والسرقة والحرابة والشرب، وبدأ المصنف بالبغي لأنه أعظمها مفسدة إذ فيه ذهاب الأنفس والأموال غالبا وإثارة الفتن، وعقبه بالردة لأنها وإن عظم ضررها لخسارة الدنيا والآخرة لكنها تخص صاحبها ولا تتعداه لغيره، ثم بالزنى لأنه تارة يقتل فاعله وتارة يجلد وفيه اختلاط الأنساب، ثم بالقذف لتعلقه بالأعراض، ثم بالسرقة والحرابة لأنهما لإتلاف المال وهو أضعف، وقدمهما على الشرب لأن الحد غير منصوص للشارع بل مقيس على القذف.

وقال ابن عرفة في تعريف البغي: الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا، وتعقب قول ابن الحاجب: هو الخروج عن طاعة الإمام مغالبة بأنه يختص بمن دخل في طاعته دون من امتنع منها وهم بغاة، ولهذا قاتل علي أهل الشام، وبإطلاق طاعته في المعصية وغيرها وليس هو في المعصية بغيا، قال: ويجاب بأن مراده بالخروج عدم التلبس، كقوله تعالى:{إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} ، وبأنه من حيث أمره بمعصية غير إمام، ونظر حلولو في الجوابين بأن إطلاق الخروج على عدم التلبس مجاز، ولا يصح إدخاله في الحدود دون قرينة، وفي الثانية بأن أمرد بالمعصية لا ينعزل به من الإمامة. انتهى. وقول ابن عرفة: في غير معصية يقتضي أن من خرج عن طاعته في مكروه فإن خروجه في ذلك يكون بغيا، وهو خلاف ما ذكره القرطبي من أنه ليس ببغي؛ لأنه قال: إذا أمر بمكروه فالأظهر مخالفته فيه. انتهى كلام الشبراخيتي.

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث، 1840.

ص: 304

وقال الخرشي: وقوله -يعني ابن عرفة- في غير معصية إما حال أو متعلق بالامتناع. انتهى المراد منه.

وقال البناني: لما فرغ من الكلام على القتل والجرح، أتبع ذلك بالكلام على الجنايات التي توجب العقوبة بسفك الدماء أو ما دونه، وهي سبع: البغي والردة الخ، وعرفه ابن عرفة، فقال: هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا. انتهى. وقوله: بمغالبة نحوه لابن الحاجب وهو قيد زائد على المصنف، ولابد منه وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة، فمن خرج عن طاعة الإمام من غير مغالبة لم يكن باغيا، ومثال ذلك ما وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه، وانظر إذا كلف الإمام أو نائبه الناس بمال ظلما فامتنعوا من إعطائه فجاء لقتالهم، فهل يجوز لهم أن يدفعوا عن أنفسهم -بأن تريف ابن عرفة يقتضي أنهم بغاة لأنه لم يأمرهم بمعصية وإن حرم عليه قتالهم- لأنه جائر؟ وتعريف المصنف يقتضي أنهم غير بغاة الخ؛ لأنهم لم يمنعوا حقا ولا أرادوا خلعه، وهو صريح ما يأتي لابن عرفة عن سحنون.

واعلم أن الإمامة تثبت بأحد أمور ثلاثة: إما ببيعة أهل الحل والعقد وإما بعهد الإمام الذي قبله، وإما بتغلبه على الناس، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته، وأهل الحل والعقد من اجتمعت فيه ثلاث صفات: العدالة والعلم بشروط الإمامة والرأي، وشروط الإمامة: كونه مستجمعا شروط الفتوى، وكونه قرشيا، وكونه ذا نجدة وكفاية في المعضلات ونزول الدواهي والملمات. انظر المواق. انتهى.

قال الرهوني: قول محمد بن الحسن البناني: وانظر إذا كلف الإمام أو نائبه الناس بمال ظلما الخ فيه أمور، أحَدُهَا أن ما توقف فيه منصوص عليه لغير واحد، ثَانِيهَا أن ما استظهره خلاف المنصوص، ثَالِثُها أن ما استدل به. وقوله: إنه صريح لخ لا دليل له فيه، ويظهر لك دليل الأولين بجلب كلام الناس، قال الإمام القرطبي في التذكرة: قال ابن المنذر: ثبت الإخبار عن

ص: 305

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد)

(1)

، وقد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم. هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان. قال أبو بكر: وبهذا يقول عوام أهل العلم: إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلما للأخبار التي جاءت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولم يخص منها وقتا من وقت ولا حالا من الأحوال، إلا السلطان فإن جماعة أهل العلم كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج عن السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه، للأخبار الواردة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يكون منهم من الجور، وقد تقدم ذلك. انتهى.

وقال الحافظ بن حجر، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع كما ذكر إذا أريد ظلما من غير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. انتهى.

وقال المواق في سنن المهتدين: قال ابن العربي في سراجه في حديث (الدين النصيحة): أما النصح لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فمن أوجه منها تعظيمه وطاعته والرضى بحكمه، وأما النصح للسلطان فهو نائب عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تسليما يجب له ما يجب لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من التعظيم والحرمة والطاعة، ويزيد على النبي صلى الله عليه وسلم لا بحرمة زائدة بل لعلة حادثة، بوجوه منها: الصبر على أذاه ويدعو له عند فساده بصلاحه، ويُنَبَّهُ إذا غفل.

وقال الطرطوشي في سراجه: يعطى السلطان ما طلب من الظلم ولا ينازع في ذلك، وقال أبو عمر في تمهيده: ذهبت طائفة من المعتزلة وعامة الخوارج إلى منازعته في ذلك، قال: وأما أهل الحق وهم أهل السنة والأثر فقالوا: الصبر على طاعته أولى وأوجب وأحرى، قال عياض: وأحاديث مسلم كلها حجة على ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم:(أطعهم وإن أخذوا مالك وضربوا ظهرك)

(2)

،

(1)

صحيح مسلم، كتاب المظالم، رقم الحديث، 2480، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 141.

(2)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 55.

ص: 306

وكذلك نقل ابن المناصف عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماعة من أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلمه، قال ابن المنذر: إلا السلطان إن لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان، فإنه لا يخرج للأخبار التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم وترك قتالهم. انتهى.

وأما قوله: وهو صريح ما يأتي لابن عرفة عن سحنون، فأشار به إلى ما نقله عنه عند قوله: فللعدل قتالهم، من قوله: إلا أن يريد نفسك ومالك فادفعه عنهما الخ، فهو غفلة منه رحمه الله لأن الضمير في قول سحنون فادفعه للظالم القائم على الإمام الظالم لا للإمام الظالم نفسه، وذلك ظاهر بأدنى تأمل. واللَّه الموفق. انتهى كارم الرهوني. قول الرهوني: ما استظهره البناني خلاف المنصوص، لم يستظهر البناني شيئا. واللَّه تعالى أعلم.

وقال المواق: وختم أبو المعالي كتاب اللمع بما نصه: فصل: شرائط الإمامة ثلاثة؛ أحدها أن يكون الإمام مستجمعا لشرائط الفتوى، الثاني أن يكون قرشي النسب، الثالث أن يكون ذا نجدة وكفاية في المعضلات ونزول الدواهي والملمات، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة تلقاها الخلف عن السلف، وقال النووي: من شرائط الإمامة أن يكون الإمام مهتديا إلى مصالح الأمور وضبطها، ذا نجدة في تجهيز الجيوش وسد الثغور، وذا رأى مصيب في النظر للمسلمين، لا تروعه هداءة نفس وخور طبيعة عن ضرب الرقاب والتنكيل المستوجبين، ويجمع ما ذكرناه الكفاية وهي مشروطة إجماعا، قال: ومن شرائط الإمامة الورع والعدالة، وكيف يتصدى لها من ترد شهادته.

وقال ابن يونس: افترض اللَّه قتال الخوارج، ثم قال بعد كلام: وإن كانوا يظلمون الوالي الظالم فلا يجوز لك الدفع عنه ولا القيام عليه، ولا يسعك الوقوف عن العدل، كان هو القائم أو المقوم عليه. قال عياض: انحدر المأمون إلى محاربة بعض بلاد مصر، وقال للحارث بن مسكين: ما تقول في خروجنا؟ فقال: أخبرني ابن القاسم عن مالك، وسأله الرشيد عن قتال أهل دهلك، فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم السلطان فلا يحل قتالهم.

ومن تفسير القرطبي عند قوله سبحانه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} : لا ينبغي للناس أن يتسارعوا إلى نصر مظهر للعدل، وإن كان الأول فاسقا لأن كل من طلب الملك يظهر من نفسه

ص: 307

الصلاح حتى يتمكن فيعود لخلاف ما أظهره. ولابن محرز في تبصرته: من شارك في عزل إنسان وتولية غيره ولم يأمن سفك دم مسلم، فقد شارك في سفك دمه إن سفك. ابن العربي: قوله وأن لا تنازع الأمر أهله يعني من ملكه لا من يستحقه، فإن الأمر فيمن يملكه أكثر منه فيمن يستحقه والطاعة واجبة في الجميع، فالصبر على ذلك أولى من التعرض لإفساد ذات البين. وقال النووي في منهاجه: قوله صلى الله عليه وسلم: (اسمع وأطع وإن كان عبدا)

(1)

قال: تتصور إمامة العبد إذا ولاه بعض الأئمة أو كان تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه، فيسمع له ويطاع.

وعرف المصنف الفرقة الباغية وذلك يستلزم تعريف البغي بقوله: الباغية فرقة خالفت الإمام يعني أن الجماعة الباغية هم فرقة من المسلمين خالفوا الإمام الأعظم أو نائبه لأحد شيئين، إما لمنع حق وجب عليها للَّه أو للعباد. وقال الشبراخيتي عند قوله:"فرقة" عبر بها جريا على الغالب؛ لأن الغالب أن الباغية فرقة، وقد يكون الباغي واحدا، "خالفت الإمام" المراد به الإمام الأعظم أو نائبه: وزاد ابن عرفة وابن الحاجب. قيدا لابد منه وهو: كون الخروج مغالبة، فمن خرج عليه لا على سبيل الغالبة فلا يكون من البغاة. انتهى. ذكره الحطاب. وزاد عقبه: وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة، فمن خرج عن طاعة الإمام من غير مغالبة لا يكون باغيا، ومثال ذلك ما وقع لبعض الصحابة أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه. انتهى.

واستفيد من ذلك أن الامتناع من طاعة الإمام لا على وجه المغالبة كامتناع من عينه لجهاد ونحوه عن الخروج له لا يكون بغيا. وقوله: "الإمام" أي من ثبتت إمامته وانعقدت بيعته وإن لم يجمع شروطها، بدليل قوله:"فللعدل قتالهم"، وقوله:"خالفت الإمام" أي في غير معصية أمرهم بها، بدليل قوله:"لمنع حق" عليها للَّه، كالزكاة أو العباد كحقوق الناس.

أو خلعه أي الباغية فرقة خالفت الإمام إما منع حق وإما لخلعه أي عزله عن الإمامة، فقد قاتل علي البغاة الذين امتنعوا من بيعته وهم أهل الشام، وطائفة خلعته وهم أهل النَّهْروان. قاله التتائي. وقال عبد الباقي: الباغية فرقة من المسلمين خالفت الإمام الأعظم أو نائبَه لأحد شيئين،

(1)

الاتحاف، ج 2 ص 231.

ص: 308

إما لمنع حق وجب عليها أو حكم من أحكام الشريعة المتعلق باللَّه تعالى أو بآدمي، أو الدخول تحت طاعته بالقول أو المباشرة باليد لحاضره والإشهاد على الدخول لمن غاب عنه إن كان كل منهما من أهل الحل والعقد واعتقاد ذلك لمن لا يعبأ به ولا يعرف، فإنه يعني الدخول تحت طاعته. واللَّه أعلم. حق، لخبر:(من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)

(1)

، أو خالفته لخلعه أي إرادتها خلعه أي عزله لحرمة ذلك عليهم، وإن جار. كما قال عياض: جمهور أهل العلم من الحديث والفقه، والكلام أنه لا يخلع السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه. انتهى. أي إلا أن يقوم عليه عدل فيجوز كما روى ابن القاسم عن مالك: من قام على إمام يريد إزالة ما بيده، إن كان -أي المقوم عليه- مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه والقيام معه، وأما غيره فلا، فدعه وما يراد منه ينتقم اللَّه من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. انتهى.

ومقتضى الظاهر أن يقول: ثم ينتقم من الآخر إلا أن يريد ثم ينتقم من كليهما في الآخرة، وعبر المصنف:"بفرقة" جريا على الغالب، وإلا فالواحد قد يكون باغيا، ولا بد أن يكون الخروج مغالبة، فمن خرج على الإمام لا على سبيل المغالبة فلا يكون من الباغية، والمراد بالمغالبة إظهار القهر وإن لم يقاتل كما استظهره بعض، وقيل المراد بها: المقاتلة.

واللام في قوله: فللعدل قتالهم بمعنى على أو للاختصاص، فقوله:"الباغية فرقة خالفت الإمام" أي مطلقا، كان عدلا أولا، والعدالة إنما هي شَرْطٌ في جواز قتالهم فحيث خالفوه فهم بغاة كان عدلا أولا، وإن أراد قتالهم فإنما يقاتلهم إن كان عدلا، فإن لم يكن عدلا لم يجز له أن يقاتلهم وإن كان باقيا على إمامته.

‌تنبيهات:

الأول: قال ابن عبد السلام: فسق الأئمة قد يتفاوت ككون فسق أحدهم بالقتل وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع وفسق الآخر بالتعرض للأموال، فيقدم هذا على المتعرض للدماء والأبضاع، وقدم المتعرض للأبضاع على المتعرض للدماء. قال: فإن قيل أيجوز القتال مع أحد

(1)

مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث 1851.

ص: 309

هؤلاء لإقامة ولايته وإدامة نصرته وهو في معصية؟ قلنا: نعم، دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة كونه إعانة على معصية، ولكن درء ما هو أشد من تلك المعصية يجوزه، قلت: ونحوه خروج فقهاء [القيروان]

(1)

مع أبي يزيد الخارجي على الثالث من بني عبيد وهو إسماعيل لكفره وفسق أبي يزيد، والكفر أشد. انتهى.

الثاني: قال الرهوني في سنن المهتدين للمواق: وسئل سهل بن عبد اللَّه التستري أي الناس خير؟ قال: السلطان، قيل: كنا نرى أن شر الناس السلطان، قال سهل: إن للَّه في كل يوم نظرتين؛ نظرة إلى سلامة أموال الناس ونظرة إلى سلامة أفكارهم، فيطلع اللَّه في صحيفة السلطان فيغفر له والخشبات المعلقات على أبوابهم خير من سبعين واعظا يعظون، ومن سراج ابن العربي: روى عن الفضيل وابن المبارك كلمة بديعة من الجود والإيثار على أنفسهم للأمة؛ لأنهما قالا: لو كانت لنا دعوة مستجابة لجعلناها في السلطان؛ يعنيان لا فيها من صلاح العامة واستقامة الأمر وسلامة ذات البين. ومن الطرطوشي عن الفضيل: لو ظفرت ببيت المال لأخذت من حلاله وصنعت منه أطيب طعام ودعوت الصالحين وأهل الفضل من الأخيار والأبرار، فإذا فرغوا قلت لهم تعالوا ندع ربنا أن يوفّق ملوكنا وسائر من يلي علينا وجعل إليه أمورنا. وفي الديباج لما عَرَّفَ بقرعوس بن عباس بن قرعوس الثَّقفي، القرطبي ما نصه: قال قرعوس هذا: سمعت مالكا والثوري يقولان: سلطان جائر سبعين سنة خير من سائبة ساعة من نهار، وقرعوس بالقاف والعين والسين المهملتين بينهما واو وبالراء. انتهى.

الثالث: قال المواق: وكتب ابن مروان إلى عبد اللَّه بن عمر أن يبايع الحجاج، قال: لأن فيك خصالا لا تصلح معها للخلافة، وهي: البخل والغيرة والعِيُّ: فجاوبه ابن عمر سمعنا وأطعنا غُفْرَانَكَ ربنا وإليك المصير. اللَّهم إن ابن مروان يعيرني بالبخل والغيرة والعي فلو وليت وأعطيت الناس حقوقهم وقسمت بينهم فَيْنَهُمْ أي حاجة لهم حينئذ إلى مالي فيُبَخِّلُونِي، ولو جلست إليهم مجالسهم فقضيت حوائجهم لم تبق لهم حاجة إلى شيء فيعرفون غيرتي، وما من قرأ كتاب اللَّه

(1)

في الأصل القيران والمثبت من بناني ج 8 ص 60.

ص: 310

ووعظ به بعَيي. انتهى. قال الرهوني بعد أن أشار إلى كلام ابن مروان في سيدنا عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما: وهذا الكلام باطل لا يسع أهل الفضل ذكره بلسانهم فأحرى أن يسطره أحد منهم في الكتب ببنانه، إلا أن يفعل ذلك لينبه على بطلانه، وليس في جواب ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنه المذكور هنا في المواق تقرير لما قاله عبد الملك بن مروان، بل ذلك لتواضعه رضي الله عنه، وإلا فسخاؤه وزهده في الدنيا وإعراضه عنها أشهر من أن يستدل عليه بدليل.

وها أنا أذكر نبذة من ذلك، ففي رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الجامع فيما يحكى من فضائل عبد اللَّه بن عمر: وذكرهن حفص بن عمر أيضا أن عبد اللَّه بن عمر كان له غلام وبرذون يحطب عليه ويسقي عليه الماء ويركب عليه ابن عمر في حاجة إن نابته، قال: فدخل الغلام يوما، فقال: يا فلان كيف أصبحت؟ فقال: أصبح الناس كلهم بخير إلا أنا وأنت وهذا البرذون، قال. فقال له اذهب فأنت حر؟ فأعتقه، قال القاضي: هذا لما جاء عنه أنه كاتب غلاما بأربعين ألف درهم: فخرج إلى الكوفة فكان يعمل على حمولة حتى أدى خمسة عشر ألفا، فجاءه إنسان فقال له: أمجنون أنت وأنت ههنا تعذب نفسك وعبد اللَّه بن عمر يشتري الرقيق يمينا وشمالا ويعتقهم؟ ارجع إليه فقل: قد عجزت فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت فهذه صحيفتي امحها، فقال لا واللَّه، ولكن أمحها أنت إن شئت فمحاها ففاضت عينا عبد اللَّه بن عمر، ثم قال: اذهب فأنت حر، فقال: أصلحك اللَّه أحْسِن إلى ابْنَيَّ، قال: هما حران، قال أصلحك، اللَّه أحسن إلى أُمَّيْ وَلَدَيَّ، قال: هما حرتان فأعتقهم خمستهم جميعا في مقعده.

ووقعت هذه الحكاية عنه في المكاتب من المدونة: وروى أنه انتهى عدد من أعتق من العبيد إلى ألف رأس، وأنه حَبَّسَ ألف فرس، واعتمر ألف عمرة وحج ستين حجة، وقال الحافظ بن حجر في الإصابة: أخرج السراج في تاريخه وأبو نعيم من طريقه بسند صحيح عن ميمون بن مهران، قال: مر أصحاب نجدة الحروري بإبل لابن عمر فاستاقوها، فجاء الراعي فقال: يا أبا عبد الرحمن احْتَسِبِ الإبل وأخبره الخبر، قال: فكيف تركوك؟ قال: انفَلَتُّ لأنك أحب إلي منهم فاستحلفه فحلف، فقال: إني أحتسبك معها فأعتقه، فقيل له بعد ذلك: هل لك في ناقتك

ص: 311

الفلانية تباع في السوق، فأراد أن يذهب إليها ثم قال: قد كنت احتسبت الإبل فَلأيّ فعل أطلب الناقة.

ومن طريق عبد اللَّه بن أبي عثمان، قال: أعتق عبد اللَّه بن عمر جارية كان يحبها، فقال: سمعت اللَّه يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، ثم قال: وأخرج البيهقي من طريق عاصم بن محمد العمري عن أبيه، قال أعطى عبد اللَّه بن جعفر في نافع لعبد اللَّه بن عمر سبعة آلاف درهم أو ألف دينار، فقيل له: ماذا تنظر؟ فقال: ما هو خير من ذلك هو حر، ثم قال: وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، قال: لو أن طعاما كثيرا كان عند ابن عمر لما شبع منه بعد أن يجد له أهلا، ثم قال: وعند البيهقي من طريق زيد بن أسلم أن عبد اللَّه بن عمر مر براعي غنم، فاشترى الراعي والغنم وأعتق الراعي ووهب له الغنم، وقال في الإصابة أيضا: وفي الزهد لأحمد من طريق إبراهيم النخعي، قال: قال عبد اللَّه يعني ابن مسعود: أمْلكُ شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد اللَّه بن عمر، وأخرجه أبو الطاهر والذهلي، ثم قال الرهوني: فواعجبا كيف ينسب إلى البخل مَن هَذه نبذة يسيرة من مآثره الحسنة!؟.

الرابع: قال المواق: ابن عرفة: لو قام على إمام من أراد إزالة ما بيده، قال مالك: إن كان مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه، وأما غيره فلا. قال ابن بطال: دعا علي رضي الله عنه بعضهم إلى القتال معه فأبوا أن يجيبوه فعذرهم، وكذا يجب على الإمام أن لا يعيب على من تخلف عنه في قتال البغاة. القرافي: الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة، وقد لا يكون المزجور آثما كالصبيان والمجانين والبهائم، وكذا البغاة إنما قتالهم درء لتفريق الكلمة مع عدم التأثيم لأنهم متأولون. قال: ويفترق قتالهم من قتال الكفار بأحد عشر وجها، منها أنه يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم ويكف عن مُدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسراهم ولا تغنم أموالهم ولا تنصب عليهم الرعادات ولا تحرق مساكنهم ولا تقطع أشجارهم ولا يوادعهم على مال، ويفترق أيضا قتالهم من قتال المحاربين بأن البغاة لا يطلبون بما استهلكوا من دم وما أخذوه من خراج وزكاة سقط عمن كان عليه ولما ذكر عز المدين مُثُلَ الزواجر، قال المثال الثاني:

ص: 312

الزجر عن مفسدة البغي، فإن رجعوا إلى الطاعة كففنا عن قتلهم وقتالهم وهذا زجر عن مفسدة لا إثم فيها. انتهى.

وإن تأولوا يعني أن للإمام العدل أن يقاتل البغاة حيث لم يتأولوا بل وإن تأولوا، قال الشبراخيتي: مبالغة في قوله: "الباغية فرقة خالفت الإمام"، وفي قوله:"فللعدل قتالهم"، والأصل في ذلك قتال أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه لمن تأول منع الزكاة بأن إمامته لا تصح، وأنه صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي بالخلافة، وبعضهم تأول أن وجوبها مخصوص بزمنه عليه الصلاة والسلام، لقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الآية. انتهى. وقال ابن الحاجب: والبغاة قسمان: أهل تأويل وأهل عناد. التوضيح: يعني ويقاتلون، وقد أجمع على ذلك في زمان أبي بكر رضي الله عنه حيث قاتل مانعي الزكاة، وكان بعضهم مُتأولا أن وجوبها قد انقَضَى بموته صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} ، وبعضهم معاند شحا بماله. انتهى. وقد اتضح من هذا أن المبالغة لدفع التوهم لا للخلاف. واللَّه تعالى أعلم. وعلم مما مر أن قتال البغاة واجب على العدل، وأما غير العدل فليس له قتالهم لاحتمال أن يكون سبب خروجهم عليه فسقه وجوره، ولكنه لا يجوز الخروج عليه كما مر.

كالكفار العامل فيه قتالهم فهو نائب عن المصدر؛ يعني أن الإمام العدل يجب عليه أن يقاتل البغاة ويقاتلهم كمقاتلة الكفار أي يقاتلهم بعد أن يدعوهم إلى الدخول تحت طاعته وموافقة جماعة المسلمين، إلا أن يعاجلوه بالقتال ويقاتلهم بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتغريق والتحريق وقطع الميرة والماء عنهم، إلا أن يكون فيهم نساء أو ذرية فلا يرميهم بالنار، وهذا أولى من قول الشارح والتتائي: ولا يمنعه من ذلك -أي التحريق ونحوه- وجود النساء والذرية، وما قالاه نحوه للتوضيح وابن عبد السلام. قال مصطفى: ولم يدعموه بنقل والأول هو الصواب الموافق للنقل. قاله البناني.

وقال عبد الباقي: ورميهم بالمنجنيق عبر عنه بعضهم بأن في قوله: "كالكفار" إشارة إلى أنه تنصب عليهم الرعادات أي المجانيق، خلاف ما عند ابن بشير. انتهى. قوله: خلاف ما عند ابن بشير أي من أن الرعادات لا تنصب عليهم، ونصه: يمتاز قتال البغاة من قتال الكفار بأحد

ص: 313

عشر وجها: أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم، وأن يكف عن مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تقتل أسراهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم ولا يستعان عليهم بمشرك ولا يوادعهم على مال ولا تنصب عليهم الرعادات ولا تحرق مساكنهم ولا تقطع شجرهم. انتهى. قاله البناني.

وقال عبد الباقي: ومثل الباغية الخوارج بطلب مال أو ملك فقتالهم فرض وقتلهم قُرْبَةٌ. قاله ابن العربي. ومن ذلك مقاتلة السلطان آل قرنباش فإنه جائز لتجبرهم ودعواهم إلى بدعتهم، وإن لم يحصل منهم قتل من ظفروا به من أهل السنة، ولا إكراهه على سب الشيخين، ولا إجلاؤه من دياره وبلاده كما يفيده الشيخ أحمد بابا، ونحوه يستفاد من ابن عرفة، خلافا لما يفيده البرموني من اشتراط ذلك كله في جواز قتالهم فإنه غير معول عليه. انتهى.

قوله: ومثل الباغية الخوارج الخ قال البناني: قال ابن عرفة: وقتال الخوارج إن بانوا ودعوا لبدعتهم، قال الصقلي عن ابن سحنون: فرض. الشيخ عن سحنون: سن عليٌّ رضي الله عنه قِتَالهم ولم يكفرهم؛ إذ لم يسبهم ولم يبح أموالهم ولهم حكم المسلمين في أمهات أولادهم ومدبرهم وعِدَدهم ووصاياهم ورد أموالهم لأربابها إن عرفوا وإلا تصدق بها إن أيس منهم، ولا قود عليهم ولا قصاص ولا حد ولا صداق في استباحة فرجٍ. الصقلي وبعض أصحابه: إن سَبَوا حرة أو أمة فأولدوها لحق الولد بأبيه إذ لا حد عليه في وطئه لتأوله وولد الأمة كولد مستحقة، وفيها لمالك: إن خرجوا فأصابوا الدماء والأموال ثم تابوا وضعت عنهم كحد الحرابة الدماء وما استهلكوه من ماك، ولو كانوا أمْلِياء، ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه، ويؤخذون بحقوق الناس. انتهى. كلام البناني.

وقال المواق: أبو عمر: رأى مالك قتال الخوارج. ابن يونس: قال مالك: يستتاب أهل الأهواء من القدرية وغيرهم، وذلك إذا كان الإمام عدلا ولا يصلى عليهم، قال سحنون: أدبا لهم، قال أبو عمر: وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث إلى ترك قتالهم، وكتب عمر بن عبد العزيز في الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة ولا على أحد من أهل الذمة ولا قطع سبيل من سبل المسلمين فليذهبوا حيث شاءوا،

ص: 314

وإن كان رأيهم القتال فواللَّه لو أن أبكاري خرجوا رغمة عن جماعة المسلمين لأرَقت دماءهم ألتمس بذلك وجه اللَّه. انتهى.

وقال المواق أيضا ما نصه: في النوادر: إذا امتنع أهل البغي ولو كانوا متأولين من الإمام العدل فله فيهم مَالَهُ في الكفار ولا يرميهم بالنار إلا أن لا يكون فيهم نساء ولا ذرية. انتهى.

ولا يسترقوا يعني أنه لا يجوز استرقاق البغاة ولا الخوارج لأنهم أحرار مسلمون، قال المواق: قال سحنون: في الخوارج: سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مارقين ولم يسمهم كفارا، وسَنَّ علي رضى اللَّه عنه قتالهم فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم، فموارثهم قائمة ولهم أحكام أهل الإسلام في ذلك، وإنما قوتلوا بالسنة وبما أحدثوا من البدعة، فَكَأَنَّ ذلك حد يُقام عليهم ولا يتبعوا بما سفكوا من دم ونالوا من فرج لا بقود ولا بدية ولا صداق ولا حد. انتهى.

وقال الشبراخيتي: ولا يسترقوا لأنهم أحرار مسلمون، وقد تقرر أن حذف النون مع لا النافية جائز، وإن كان قليلا كما في حديث:(لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا ولا تومنوا حتى تحابوا)

(1)

، ويجوز أن تكون لا ناهية إلا أن الغالب في عبارات الفقهاء الإخبار وفي عبارات الشارع الطلب؛ لأن الشارع له النهي والأمر، وأما الفقهاء فليس لهم إلا الإخبار عن ذلك الحكم. انتهى. وقوله:"ولا يسترقوا" هو وما بعده كالاستثناء من قوله: "كالكفار". واللَّه تعالى أعلم.

وَلَا يَحْرِقُ الإمامُ ولا نائبه شجرهم، وأحرى مساكنهم لأنها من أموال المسلمين، ولا ترفع رؤوسهم بأرماح يعني أنه لا يجوز أن ترفع رؤوس البغاة ولا الخوارج على أرماح عند القُدْرة عليهم. قال الخرشي: ولا يجوز للإمام أو نائبه أن يحرق شجرهم ولا أن يرفع رؤوسهم على أرماح عند القُدْرة عليهم؛ ذلك مثلة وهي حرام. انتهى. وقوله: "ولا ترفع رؤوسهم بأرماح" ظاهرهُ أن هذا مما يفترق فيه قتال البغاة من قتال الكفار، فيمتنع في محل القتال وغيره، وليس كذلك خلاف قول عبد الباقي: ولا ترفع رؤوسهم عند المقدرة عليهم وقتلهم بأرماح بمحل قتلهم وأولى بغيره لأن ذلك مثلة وهي حرام، بخلاف الكفار فترفع رؤوسهم بأرماح بمحلهم فقط. انتهى.

(1)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث 54.

ص: 315

قوله: بمحل قتلهم وأولى بغيره، قال البناني: تبع فيه التتائي، وفيه نظر، بل إنما يمنع رفع رؤوسهم بأرماح إلى محل آخر لبلد أو وال، وأما رفعها على الأرماح في محل القتل فجائز كالكفار، فلا فرق بين البغاة والكفار في هذا، ولذا لم يذكره ابن بشير في الأمور التي يمتاز فيها قتالهم عن قتال الكفار كما تقدم عنه، وفي الذخيرة عن النوادر: ولا يبعث بالرؤوس إلى الآفاق لأنه مثلة. نقله مصطفى. ففرض المسألة في البعث بها للآفاق كالكفار. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا ترفع رؤوسهم أي من قتل منهم بأرماح ويبعث بها إلى البلدان لأنه مثلة، والباء بمعنى على وهذا لا يستفاد من قوله:"كالكفار" لأن معنى ذلك في صفة المقاتلة ورفع الرؤوس بعد انفصال القتال، وتقدم في الجهاد أنه يمنع حمل رأس الكافر من بلد لآخر وأهل البغي أولى بحرمة ذلك. انتهى المراد منه.

ولا يدعوهم بمال يعني أنه لا يجوز للإمام ومن معه من جماعة المسلمين أن يَدَعُوا أي يتركوا قتال البغاة لمدة سألوا التأخير لها كأيام أو شهر لينظروا فيها على مال يأخذونه منهم على تأخيرهم، وللإمام أن يؤخرهم إلى ما سألوا مجانا. وقوله:"ولا يدعوهم" بفتح الدال قاله غير واحد، وقال الشبراخيتي: ولا يَدعوهم بفتح الدال مسنَدا لضمير الجماعة أي الإمام ومن معه: أي لا يتركون قتالهم لمدة سألوا التأخير لها كأيام أو شهر لينظروا أمرهم فيها، وهو المهادنة على مال يأخذونه منهم على تأخيرهم، وللإمام أن يؤخرهم إلى ما سألوا مجانا. انتهى. وقوله "ولا يدعوهم" قد مر عن غير واحد أنه بفتح الدال، قال البناني: على هذا حمله ابن غازي، وأما ابن مرزوق فجعله بسكون الدال مضارع دعا، فقال: أي لا يعطيهم مالا على الدخول في طاعته. انتهى.

وقال عبد الباقي: ولا يدعوهم بفتح الدال أي لا يتركهم الإمام ونوابه الذين معه بمال يؤخذ منهم، بل يتركهم مجانا حيث كفوا عن البغي وطلبوا أياما حتى ينظروا في أمرهم، ولم يخش منهم التحيل للغدر. انتهى. وقال التتائي: ولا يدعوهم بفتح الدال المهملة أي لا يتركون قتالهم بمدة سألوا التأخير لها كأيام أو شهر لينظروا أمرهم على مال يدفعونه للإمام على تأخيرهم. قال في الجواهر: لا يحل ذلك وله أن يؤخرهم إلى ما سألوا يعني مجانا ما لم يقاتلوا أحدا أو يفسدوا، قال بعض من تكلم على هذا المحل: اتفقت النسخ على إسقاط نون العلامة منه وذلك يدل على

ص: 316

إسقاطها من يسترقوا كما في كثير من النسخ إلا أن الغالب في عبارات الفقهاء الإخبار، وفي عبارة الشارع الطلب. انتهى المراد منه. وقوله:"ولا يدعوهم" بفتح الدال هو كعبارة ابن بشير، ولا يوادعونهم على مال، وقد علمت أن للإمام أن يتركهم مجانا إن طلبوا التأخير لمدة إن كفوا عن البغي ما لم يخنتى منهم التحيل والغدر. واللَّه تعالى أعلم.

واستعين بمالهم عليهم إن احتيج له يعني أن للإمام أو غيره إذا احتاج إلى مال البغاة كالسلاح والكراع أي الخيل وما أشبه ذلك من آلات الحرب أن يستعين به على قتالهم، قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: واسْتُعِينَ بمالهم من سلاح وكُراع فقط كما في النقل بضم الكاف أي خيل عليهم إن احتيج له، والاقتصار على الخيل لأنها الغالب في القتال، وإلا فلو قاتلوا على إبل أو فِيَلَةٍ لكان الحكم كذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: واستعين في قتالهم بمالهم من كراع وسلاح، والكراع كغراب اسم لجماعة الخيل، وضبطه بعضهم بكسر الكاف وهو خطأ. ابن مرزوق: والمنصوص أنه لا يجوز الاستعانة عليهم بغير السلاح والكراع، بل يوقف حتى يرد إليهم كما في النوادر. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: والضمير في قوله: "يوقف عائد على غير". واللَّه تعالى أعلم.

قال الشبراخيتي: والمصنف أطلق في مالهم، وجعل ابن غازي موضع "مالهم" بسلاحهم قائلا، ويقع في نسخ هذا المختصر بمالهم وهو عندي تصحيف. انتهى. وأراد بالسلاح ما يستعان به في القتال، فيشمل الكراع وبهذا سقط اعتراض التتائي ومن وافقه على ابن غازي، وقوله:"إن احتيج له" كان المحتاج إليه الإمام أو غيره كما مر.

ثم رد يعني أنه إذا استعين عليهم بما يحتاج إليه من المال المذكور ثم استغني عنه، فإنه يرد إليهم. قال المواق قال عبد الملك: ما أصاب الإمام من عسكر أهل البغي من كراع وسلاح، فإن كانت لهم فئة قائمة فلا بأس أن يستعين به الإمام ومن معه على قتالهم إن احتاجوا إليه، فإذا زالت الحرب رد إلى أهله. انتهى. وقوله:"ثم" أي بعد فراغ الحرب رد إليهم، قال عبد الباقي: ثم بعد الاستعانة به والاستغناء عنه رد إليهم، كغيره أي كما يرد إليهم غير المحتاج إليه لأنهم مسلمون. قال غير واحد: فَإِن قيل الرد فرع الأخذ وهو مُنتَفٍ فأيْنَ الردُّ؟ فالجواب: أنه لما قدر

ص: 317

عليهم صار المال كأنه ملك للإمام، فلذا عبر بالرد. انتهى. ونقله عبد الباقي عن أحمد. وتعقبه البناني، بقوله:"كغيره" أي كغير المحتاج إليه فإنه يرد، وذلك أن الإمام إذا ظفر بمال لهم فإنه يوقف حتى يرد إليهم كما قاله في النوادر، ونحوه في الجواهر. وبه تعلم ما في الزرقاني عن أحمد، وقاك المواق: قال عبد الملك وغيره: السلاح والكراع توقف حتى ترد إليهم، وإن لم تكن لهم فئة قائمة رد كل ذلك من سلاح وغيره، وكذا فعل علي رضي الله عنه. انتهى.

وإن أُمِنوا لم يتبع منهزمهم يعني أن البغاة إذا أمنوا أي أمن الناس منهم بالظهور عليهم مع عدم الخوف أو بعدم انحيازهم إلى فئة، فإنه لا يتبع منهزمهم بل يكف عنه، قال عبد الباقي: وإن أمنوا بالبناء للمفعول فخفف الميم أي أمن الإمام والناس منهم بالظهور عليهبم مع عدم الخوف، أو بعدم انحيازهم إلى فئة لم يتبع منهزمهم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أُمنوا بالبناء للمفعول مخفف الميم، وسواء كانوا من أهل التأويل أو من أهل العناد لم يتبع منهزمهم، بل يكف عنه. انتهى.

ولم يذفف على جريحهم هذا من تتمة جواب الشرط يعني أن الخوارج والبغاة إذا أمنوا فإنه لا يتبع منهزمهم، بل يكف عنه كما عرفت، وكذا لا يذفف على جريحهم أي لا يقتل المجروح منهم، وأما إن لم يؤمنوا فإنه يتبع منهزمهم ويذفف على جريحهم، ويقال ذفف على الجريح بمعنى أجهز عليه، ومعنى أجهز عليه عجل موته. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وإن أمنوا لم يتبع منهزمهم ولم يذفف على جريحهم، بذال مهملة ومعجمة معناه يجهز على جريحهم، مَفْهُومُ الشرط إن لم يؤمنوا اتبع منهزمهم وذفف على جريحهم، ووقع الأمران لعلي رضي الله عنه، فيوم صفين اتبع المنهزم ويوم الجمل لم يتبع المنهزم ولم يذفف على الجريح، فقيل له في ذلك؟ فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها دون الأولين. ابن بشير: ولا يستعان عليهم بمشرك ولا يقتل أسراهم. ابن شأس: ويسجن حتى يتوب وإن قتل أحدا قتل به إن كان غير متأول. انتهى. وقال التتائي: قال ابن شأس: ويؤدب ويسجن حتى يتوب. انتهى.

وقال عبد الباقي: وإن أمنوا لم يتبع منهزمهم ولم يُذَفَّفْ على جريحهم، كما وقع لعلي يوم الجمل، فإن خيف منهم أو انحازوا إلى فئة اتبع منهزمهم، وذفف على جريحهم أي أجهز عليه

ص: 318

كما وقع لعلي يوم صفين. انتهى. وقال المواق: قال عبد الملك: إن أسر من الخوارج أسيرٌ وقد انقطعت الحرب فلا يقتل، وإن كانت الحرب قائمة فللإمام قتله ولو كانوا جماعة إذا خاف أن يكون منهم ضرر، وعلى هذا يجري حكم التذفيف على الجريح واتباع المنهزم وقاله سحنون. وعبارة ابن الحاجب: إذا ظهر عليهم وأمنوا فلا يذفف على جريحهم ومنهزمهم. انتهى.

وكره للرجل قتل أبيه يعني أنه يكره للرجل أن يقتل أباه الباغي مبارزة أو غيرها، وعبارة الخرشي يعني أنه يجوز للرجل أن يقتل أباه في حال قتال الباغية ويرثه، لكن يكره له القتل مبارزة أو غيرهاث ولا فرق بين الأب المسلم والكافر في الكراهة والأم من باب أولى، ولا يكره له قتل أخيه ولا جده لأبيه ولا لأمه. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وكره للرجل قتل أبيه دِنية بكسر الدال، والأم أولى من الأب بذلك لأن حقها آكد ولضعفها في القتال، وأما غيرهما من الجد والأخ والعم والابن فلا يكره قتلهم، إلا أن قتل الابن خلاف الأولى. انتهى. وقال عبد الباقي: وكره للرجل قتل أبيه دنية من الباغية مسلما أم لا بارزه أم لا، وأولى أمه لا قتل جده أو أخيه أو ابنه فلا يكره، وإنما هو خلاف الأولى على فهم المواق، قول النص لا بأس بذلك لما غيره خير منه. انتهى.

وقال المواق: ابن سحنون: لا بأس أن يقتل الرجل في قتالهم أخاه وقرابته، فأما الأب وحده فلا أحب قتله تعمدا وكذا الأب الكافر. انتهى. وقال التتائي: وكره للرجل قتل أبيه عمدا مبارزة أو غيرها، وفهم من قوله:"أبيه" أنه لا يكره له قتل أخيه وقريبه ولا جده لأبيه ولا لأمه مبارزة أو غيرها وهو كذلك، نص عليه في الذخيرة، واستدلاله فيها بقوله تعالى:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} ، وبقوله:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} صريح في أن الأم كذلك. انتهى.

وورثه يعني أنه إذا قتل أباه من الفئة الباغية فإنه يرثه أي إذا قتل موروثه في الباغية فإنه يرثه أبا كان أو أخا أو غيرهما، قال التتائي: ومن قتل أباه أو أخاه من البغاة ورثه، قال في الذخيرة: لأنه لم يتعجل ما أحل اللَّه له. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: قوله لأنه لم يتعجل ما أحل اللَّه له، إشارة منه رحمه اللَّه تعالى إلى القاعدة المقررة، وهي: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وذلك كقتل المدبر سيده

ص: 319

عمدا فإن ذلك يبطل تدبيره، وكقتل موروثه عمدا فإنه لا يرث منه لاستعجاله الشيء قبل أوانه؛ لأن محل ذلك في العمد العدوان لأنه إذا لم يكن القتل عدوانا لم يستعجل الشيء قبل أوانه؛ لأن ذلك الأوان أوان قتله. واللَّه تعالى أعلم.

ولم يضمن متأول يعني أن الباغي على قسمين متأول ومعاند، فأما المتأول فإنه لا يضمن ما أتلفه، سواء أتلف نفسا أو أتلف مالا، قال المواق من المدونة: والخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال ثم تابوا ورجعوا وضعت الدماء عنهم، ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه، وما استهلكوا لم يتبعوا به ولو كانوا أملياء لأنهم متأولون، بخلاف المحاربين. انتهى. وقال عبد الباقي: ولم يضمن باغ متأول ولو غنيا أتلف حال بغيه نفسا فلا دية عليه أو مالا ثم تاب ورجع؛ لأن الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم أهدروا الدماء التي كانت في حروبهم، ومفهوم قوله:"أتلف" أنه لو كان موجودا لرد إلى ربه وهو كذلك ترغيبا لهم في الرجوع إلى الحق. قاله التتائي. وقوله: "ترغيبا" تعليل، لقوله:"ولم يضمن"، لا لفهوم "أتلف". انتهى. قوله:"أتلف" حال بغيه، ظاهره ولو أتلفه في غير دفعه عن نفسه وليس كذلك، ففي النوادر ما نصه: ولا قود في الجراح في هؤلاء، وما أصابهم في دفعهم عن أنفسهم فهدر إلا أن تكون منهم غارة وفساد على غير وجه دفع ظلم ولا امتناع، فيلزمهم فيه القود والقصاص والمال. انتهى على نقل ابن مرزوق، وأبي علي. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى. قاله الرهوني.

ومضى حكم قاضيه يعني أن الباغي المتأول إذا أقام قاضيا وحكم صوابا فإنه يمضي حكم قاضيه ذلك، قال عبد الباقي: والباغي المتأول إن أقام قاضيا وحكم صوابا مضى حكم قاضيه ليلا تضيع الحقوق، وكذا ما ثبت عنده ولم يحكم به فيحكم به من بعده من غير قضاة أهل البغي للعلة المذكورة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ومضى حكم قاضيه أي المتأول، ولا مفهوم لقوله:"حكم" إذ الثبوت ونحوه كذلك، فلا فرق بين حكم تام وبين ما يحتاج إلى إتمام فيكمله من يأتي بعده من غير قضاة أهل البغي، فلو قال:"ومضى" فعل قاضيه" لكان أشمل، وهذا إذا كان الحكم صوابا، وأما غير الصواب فليس حكما. انتهى المراد منه.

ص: 320

وحد أقامه يعني أن الباغي المتأول إذا أقام حدا فإن ذلك يمضي، وكذا لو أقامه قاضيه، قال الشبراخيتي: وحد أقامه يحتمل عود الضمير المستتر فيه على المتأول، ويحتمل عوده على قاضيه أي أقامة المتأول أو قاضيه. وقوله:"وحد أقامه" داخل في قوله: "ومضى حكم قاضيه"، وإنما نص عليه لعظمه، ومفهوم "أقامه" أنه لو حكم به ولم يقمه كمله من يأتي بعده من غير قضاة أهل البغي. انتهى. وقال عبد الباقي: وحد أقامه من عطف الخاص على العام، ونص عليه لعظمة الحد، فإن قيل إذا كان حكم صوابا فلا يتوهم عدم إمضائه حتى ينص عليه، قُلْتُ: لأنه لما خرج عن طاعة الإمام ربما يتوهم عدم الاعتداد بما حكم به خصوصا في الزكاة والحدود التي هي من متعلقات الإمام. انتهى.

وقال المواق: ابن شأس: إن ولى البغاة قاضيا أو أخذوا زكاة أو أقاموا حدا، فقال الأخوان: ينفذ ذلك كله، وقال ابن القاسم: لا يجوز. ابن عرفة: قال عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك، ونص المدونة: ما أخذوه من الزكاة تجزئ عن أربابها. انتهى. وقال التتائي: ومضى حكم قاضيه وحد أقامه، عند عبد الملك للضرورة ولشبهة التأويل، وليلا يزهد الناس في الولايات فتضيع الحقوق، ورده ابن القاسم كله لعدم صحة الولاية. ابن عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك. انتهى.

ورد ذمي معه لذمته يعني أن الباغي المتأول إذا كان معه ذمي وقدر على ذلك الذمي، فإن ذلك الذمي يرد لذمته أي يحكم له بحكم الذميين الذين لم ينقضوا العهد، فيوضع عنه ما يوضع عن الباغي المسلم المتأول الذي معه من نفس أو مال أتلفهما على ما مر. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: ورد ذمي خالف الإمام وقاتل معه أي مع المتأول لذمته، ووضع عنه ما يوضع عن المتأول الذي معه. انتهى. وقال عبد الباقي: ورد ذمي خرج عن الإمام معه أي مع الباغي المتأول، استعان به لذمته من غير غرم عليه لما أتلف من نفس ومال، فيوضع عنه ما يوضع عن المتأول. انتهى.

وضمن المعاند النفس والمال يعني أن الباغي الذي لم يتأول وهو المعاند أي الذي خالف الإمام بمنع حق أو نحوه ولم يكن عنده تأويل يضمن ما أتلفه من نفس أو مال، قال عبد الباقي: وضمن

ص: 321

الباغي المعاند وهو غير المتأول النفس كلا أو بعضا، فيقتص منه والمال قائما أو فائتا لظلمه ولتسببه في إتلافه من غير عذر.

والذمي معه ناقض يعني أن الذمي الذي خالف الإمام الباغي المعاند ناقض للعهد، قال البناني: محله ما لم يكن المعاند أكرهه على الخروج عن الإمام فلا يكون ناقضا إذا لم يقاتل، فإن قاتل كان ناقضا لامتناع تعلق الإكراه بقتال من لا يحل قتاله. انتهى. وقال التتائي: إذا قاتل الذمي مع أهل العصبية المخالفين للإمام فإنه نقض لعهده يوجب استحلاله. ابن عرفة: هذا إن خرجوا مع أهل العصبية طوعا وإن أكرهوا لم يكن نفس خروجهم نقضا لصحة الإكراه، فإن قاتلوا معهم كان قتالهم نقضا للعهد لامتناع تعلق الإكراه بقتال من لا يحل قتاله، ونزلت هذه المسألة بتونس أيام حوصر أبو الحسن المديني، وقامت بغاة عليه بتونس وحاصروا قصبتها واستعانوا بأجناد النصارى، ثم قدر عليهم وردهم إلى ذمتهم. انتهى.

وقال عبد الباقي عند قوله: "والذمي معه ناقض" ما نصه: وهذا كله إن كان خروج المعاند على العدل، فإن خرج على غيره فليس بمعاند والذمي معه غير ناقض. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وقال المواق: ابن شأس: إن كان المستعينون بأهل الذمة أهل عصبية، وخلاف للإمام العدل فهو نقض لعهدهم، وإن كان السلطان غير عادل واستعانوا بأهل الذمة فليس ذلك نقضا لعهد أهل الذمة. ابن عرفة: هذا إن خرجوا مع أهل العصبية طوعا.

والمرأة المقاتلة كالرجل يعني أن المرأة المقاتلة مع أهل البغي حكمها حكم الرجل فإن كانت متأولة لا تضمن ما أتلفت من نفس ومال، وإن كانت معاندة فإنها تضمن ذلك. والحاصل أنها تقتل حال القتال مع تأويل أو دونه إن قاتلت بسلاح -وإن لم تقتل أحدا- لا برمي حجارة أو تحريض، إلا أن تكون قتلت دون تأويل. هذا حكم قتلها في حال المقاتلة. وأما بعد الأسر، فإن كانت قتلت فإنها تقتل تابت أم لا، قاتلت بسلاح أو غيره، وهذا في غير المتأولة لأن غير المتأول يضمن النفس والمال، وأما المتأولة فلا تقتل بعد الأسر، وإن كانت قد قتلت أحدا. قال في الجواهر: إذا قاتل النساء مع الرجال بالسلاح فلأهل العدل قتلهن في القتال، وإن لم يكن قتالهن إلا بالتحريض ورمي الحجارة فلا يقتلن، ولو أسرن وكن يقاتلن قتال الرجال لم يقتلن إلا أن يَكُنَّ قتلن فيقتلن.

ص: 322

قال الشيخ أبو محمد: يريد في غير أهل التأويل. انتهى. ولا يخفى أنه صريح في قتلها حال القتال إذا قاتلت بالسلاح، وإن لم تقتل أحدا. قاله البناني. وأما الرجل من أهل البغي فإنه يقتل حال قتاله، سواء قاتل بسلاح أو غيره، وكذا بعد أسره والحرب قائمة، وأما إذا انقطعت الحرب وقد أسر فلا يقتل.

وقد تحصل مما مر أن الرجل يقتل في حال مقاتلته، قاتل بسلاح أو غيره، تأول أم لا، وبعد الأسر فإن أمنوا لم يقتل لأنه لا يتبع منهزمهم ولا يذفف على جريحهم حينئذ، فإن لم يؤمنوا، بأن كانت الحرب قائمة قتل وهذا جار في المتأول وغيره حيث لم يَقْتُل أحدا، فإن قتله افترق المتأول من غيره فيقتل غير المتأول كما مر، ولا يقتل المتأول. وهذا حيث قتل المتأول أحدا في حال دفعه عن نفسه، فإن قتله على غير ذلك ففيه القود ويضمن المال حينئذ، والمرأة غير المتأولة تقتل في حال مقاتلتها بسلاح وإن لم تقتل أحدا، وكذا المتأولة فإن لم تقاتل بسلاح بل برمي حجر أو نحو ذلك، فإن كانت غير متأولة لم تقتل إلا إذا قتلت، وإن كانت متأولة لم تقتل سواء قتلت أم لا. واللَّه تعالى أعلم. وعلم مما مر أن التشبيه في قول المصنف:"كالرجل" تشبيه في الجملة.

ولما أنهى الكلام على البغي أتبعه بالكلام على الردة أعاذنا اللَّه وجميعَ المسلمين منها، فقال:

ص: 323

‌باب: ذكر فيه الردة والسب وأحكامهما

نعوذ باللَّه من سخطه وسوء قضائه ومكره، اللهم يا مثبتَ القلوب ثبت قلوبنا على دينك وحبّبْ إلينا الإيمان وزيّنْه في قلوبنا وكَرِّهْ إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلْنا من الراشدين، وهو باب كثير الوقائع ولكثرتها اختلفت الفتاوي لاختلاف المدارك وقد شفى الغليل فيها صاحب الشفلا والردة لغة: الرجوع عن الشيء، واصطلاحا قال ابن عرفة: كفر بعد إسلام تقرر بالنطق بالشهادتين مع التزام أحكامهما. انتهى. واحترز بقوله: مع التزام أحكامهما مما لو نطق بالشهادتين، ورجع قبل أن يقف على الدعائم فلا يكون مُرْتَدًا بَلْ يؤدب فقط كما يأتي، ونحو تعريف ابن عرفة تعريف المصنف حيث قال:

الردة كفر المسلم إذ لا يسمى مسلما إلا بعد تقرره، وكفره خروجه عن الإسلام لأي ملة؛ يعني أن الردة هي كفر المسلم أي المتقرر إسلامه، والكفر أعاذنا اللَّه وجميعَ المسلمين منه يحصل بأحد أمور ثلاثة فأحرى باثنين منها أو بها، إما بلفظ صريح كقوله: هو كافر أو مشرك أو كفر أو أشرك بتسكين آخرهما وإقرانهما بتاء مضمومة، اللَّهم اعصمنا من شر الفتن، وعافِنا من جميع المحن. وأصلحْ منا ما ظهر وما بطن. ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. اللَّهم الأمانَ الأمانَ الأمانَ من زوال الإيمان، أعوذُ باللَّه أعوذُ باللَّهِ أعوذُ باللَّه.

أو لفظ يقتضيه أي يقتضي الكفر أي يتضمنه، كقوله: اللَّهُ جسمٌ متحيز، فإنه يقتضي الكفر باللَّه تعالى عن ذلك علوًّا كبيرا، وكقوله: عُزير ابن اللَّه تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرًا، وكجحده ما علم من المدين ضرورة كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك، أو فعل يتضمنه يعني أن الكفر كما يحصل باللفظ الصريح يحصل أيضا باللفظ الذي يقتضيه، ويحصل أيضا بالفعل الذي يتضمنه. واعلم أن الكفر -نسأل اللَّه السلامة- يحصل أيضا بغير هذه الأمور الثلاثة كما يأتي في قوله:"أو شك في ذلك".

‌تَنْبيهَاتٌ:

الأَولُ: مثل عبد الباقي لقوله: "بصريح" بما نصه: كقوله عزير ابن اللَّه، قال البناني: في تمثيله بهذا للصريح نظر بل هو من باب قوله: "أو لفظ يقتضيه"، وإنما الصريح أن يقول هو كافر أو مشرك مثلا كما لابن عبد السلام.

ص: 324

الثاني: قال عبد الباقي وغيره: وعدل المصنف عن قوله: كفر المؤمن إلى قوله: "كفر المسلم" لكون النظر هنا مقصورا على أحكام الدنيا التي ينظر فيها الحكام" ولا قدرة للبشر على معرفة إيمان بعضهم، وإنما يعرفون إسلامهم.

الثالث: قال الشبراخيتي عند قوله: "كفر المسلم" ما نصه: أي من تقرر إسلامه احترازا عما لو نطق بالشهادتين ثم رجع قبل أن يوقف على الدعائم فلا يقتل كما يأتي. انتهى. وقوله: "بصريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه" ليس من تمام التعريف خلافا للشارح للزوم كون الحد غير جامع، إذ يخرج منه قوله الآتي:"أو شك في ذلك"، وقوله:"بصريح" متعلق "بكفر"، ومثل التتائي للصريح بقوله: كأن يقول أشرك باللَّه أو كفر به أو بمحمد، ولوضوح هذا لم يمثل له. انتهى.

وقال التتائي: الردة كفر المسلم فلو خرج من كفر لآخر لم يكن مرتدا وسيأتي، وإطلاقه يعم الصغير وهو كذلك على أحد قولين، قال في الذخيرة: الردة قطع الإسلام من مكلف وفي غير البالغ خلاف، ثم قال: وإن ارتد وَلَدُ المسلم المولود على الفطرة وعقل الإسلام ولم يحتلم، قال ابن القاسم: يجبر على الإسلام بالضرب والعذاب، فإن احتلم على ذلك ولم يرجع قتل بخلاف الذي يسلم ثم يرتد وقد عقل ثم يحتلم على ذلك وفرق بينهما. انتهى.

الرابع: عبر المصنف في اللفظ بيقتضي وفي الفعل بيتضمن تفننا، فالمراد بالاقتضاء والتضمن الالتزام. واللَّه تعالى أعلم. انظر الشبراخيتي. وقال المواق: قال المتيطي: إن نطق الكافر بالشهادتين ووقف على شرائع الإسلام وحدوده فالتزمها تَمَّ إسلامه وإن أبى من التزامها لم يقبل منه إسلامه ولم يكره على التزامها وترك على دينه ولم يعد مرتدا. انتهى.

الخامس: قوله: "أو لفظ يقتضيه" مثل له المواق بقوله كإنكار غير حديث الإسلام ما علم من الدين ضرورة، ومثل له البساطي بقوله: اللَّهُ جسمٌ متحيز. وفي التوضيح: أن منه ادعاء أن النجوم تؤثر، وجعل منه البناني نسبة الولد له تعالى، وذكر عياض أنه لا خلاف في كفر من صرح بنفي الربُوييَّةِ أو الوحدانيته أو عَبَدَ مع اللَّه غيره أو قال بحلوله في شيء، وكذلك من أقر بالإلَهِيَّة ووحدانيته ولكن اعتقد أنه غير حي أو غير قديم أو مصور أو ادعى له ولدا أو صاحبة أو والدا أو

ص: 325

أنه متولد عن شيء أو أن معه في الأزل شيئا قديما أو أن ثمَّ صانعا للعالَم غيره أو مدبرا غيره، وكذلك من جحد نبوءة من نص اللَّه تعالى عليه بعد علمه بذلك. انتهى.

كإلقاء مصحف بقذر هذا مثال للفعل الذي يتضمن الكفر؛ يعني أن من ألقى مصحفا بقذر أي ألقاه في شيء قذر فإنه يكون مرتدا بذلك والعياذ باللَّه تعالى. قال الخرشي: ومثل المصحف كتاب الحديث إذا ألقاه بقذر أو حرقه استخفافا، وأما حرقه لكونه ضعيفا أو موضوعا فلا، وأما إلقاء كتب الفقه في القذر فليس فيه إلا الأدب ومثل المصحف الآية والحرف منه، والمراد بالقذر ما يستقذر ولو طاهرا كالبصاق لا خصوص العذرة. انتهى. وقال البناني: القذر ما يستقذر ولو طاهرا كالبصاق وهذا ظاهر إذا لم يفعل ذلك للضرورة، أما إن بل أصابعه لقصد قلب أوراقه فهو وإن كان محرما لكن لا ينبغي أن يتجاسر على القول بكفره وردته لأنه لم يقصد التحقير الذي هو موجب الكفر في هذه الأمور، ومثل هذا من رأى ورقة مكتوبة في الطريق ولم يعلم ما كتب فيها فإنه يحرم عليه تركها في الطريق لتوطأ بالأقدام، وأما إن علم أن فيها آية أو حديثا وتركها فإن ذلك ردة. قاله الشيخ المسناوي رحمه الله. انتهى. وقال عبد الباقي: كإلقاء مصحف بقذر أي ما يستقذر ولو طاهرا كالبصاق لا خصوص العذرة خلافا لتقييد ابن عرفة بالنجس، فإن نص الشارح وغيره أعم وتلطيخه به أو تلطيخ الحجر الأسود بالنجاسة كذا يفيده الشارح. وفي التتائي بدل الحجر الأسود: الكعبة، وبدل بالنجاسة بالقذر والأولى ما للشارح صونا لدم المسلم، وأراد بالمصحف ما فيه قرآن ولو آية بل ولو حرفا منه، وكإلقائه به عدم نزعه عنه لأن الدوام كالابتداء ويجب النزع ولو على جنب، وظاهر الإلقاء ولو خَشِيَ على نفسه من بقائه دون قتل وهو ظاهر قوله فيما مر.

وأما الكفر وسبه عليه الصلاة والسلام فكفر صريح، وقوله: فإنما يجوز للقتل، وعند الحنابلة أن تصغير المصحف يكفر به وهو ظاهر في المستهزئ المستخف لا في الجاهل، وكإلقاء المصحف إلقاء أسماء اللَّه تعالى وأسماء الأنبياء لحرمتها. قاله علي الأجهوري. ولعل المراد بتحقيرها من حيث كونه اسم نبي لا مطلقا، وقال شيخنا ابراهيم اللقاني: مثل المصحف كتاب الحديث إذا ألقاه بقذر أو حرقه استخفافا وأما حرقه لكونه موضوعا أو ضعيفا فلا، وفي كلام أحمد نظر. وفي كتاب الأخنائي: من قال إن الحديث النبوي فشار رجل حكمه حكم تنقيص الأنبياء، وأما إلقاء كتب

ص: 326

الفقه في القذر فليس فيه إلا الأدب. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "كإلقاء مصحف": ظاهره ولو كان القذر طاهرا، ومثل إلقاء المصحف في القذر تركه به مع قدرته على إزالته لأن الدوام كالابتداء، ومثل المصحف أسماء اللَّه وأسماء الأنبياء لحرمتها وكذا كتب الحديث ولو غير متواتر، وقد ذكر ابن مالك في التسهيل أنه لا يصغر ما ينافي التصغير ومَثَّلَه شراحه بكل ما هو معظم شرعا كأسمائه تعالى والمصحف. انتهى. وقول عبد الباقي: وفي كتاب الأخناءى الخ قال البناني: الأخناءى من المحدثين، وفشار، قال في القاموس: الفشار الذي يستعمله العامة بمعنى الهذيان ليس من كلام العرب. انتهى.

وشد زنار يعني أن شد الزنار بضم الزاي وتشديد النون أي لبسه من الفعل الذي يتضمن الكفر نسأل اللَّه السلامة، ومن الفعل الذي يتضمنه السجود للصنم، قال الشيخ محمد بن الحسن البناني عند قول المصنف:"وشد زنار": المراد به ملبوس الكفار الخاص بهم، وكلام المصنف إن فعل ذلك محبة في ذلك الزيّ وميلا إلى أهله، وأما إن فعله هزلا ولعبا فهو محرم إلا أنه لا ينتهي إلى الكفر، وأما إن كان ذلك للضرورة كأسير عندهم يضطر إلى استعمال ثيابهم فلا حرمة عليه فضلا عن الردة. قاله ابن مرزوق. والزنار ثوب ذو خيوط ملونة يشده الكافر بوسطه يتميز به عن المسلم. انتهى. وقال المواق: قال ابن عرفة: قول ابن شأس أو فعل يتضمنه هو كلبس الزنار وإلقاء المصحف في صريح النجاسة والسجود للصنم ونحو ذلك. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وشد زنار ببلد الإسلام كما في التوضيح تبعا لابن عبد السلام؛ إذ لا موجب للبسه فيها، ومفهومه أن شده في بلد الكفر ليس كذلك، وظاهر كلام المصنف أن شده وحده كفر وظاهر كلام الشارحين يقتضي ترجيح القول بأنه لابد أن ينضم إلى ذلك المشي إلى الكنيسة ونحوه، وهو ما اقتصر عليه في الذخيرة وهو ظاهر كلام الشفا في محل، ومثل شد الزنار فعل شيء مما يختص يزَيِّ الكفر. انتهى. وقال عبد الباقي: وشد زنار بضم الزاي بعدها نون مشددة ونحوه مما يختص بالكافر كلبس برنيطة نصراني وطرطور يهودي إن سعى بذلك للكنيسة ونحوها، وقيد أيضا بما إذا فُعِلَ ببلد الإسلام فإن لبس ذلك على وجه اللعب والسخرية لم يرتد. انتهى. وفي الميسر عن المعيار ما نصه: ضَابطُ ما يكفر به ثلاثة أمور: أحَدُهَا ما يكون نفس اعتقاده كفرا،

ص: 327

كإنكار الصانع وصفاته التي لا يكون صانعا إلا بها وجحد النبوءة. الثَّانِي صدور ما لا يقع إلا من كافر. الثَّالِثُ إنكار ما علم من المدين ضرورة لأنه آئل إلى تكذيب الشارع. انتهى.

وسحر يعني أن السحر كفر أي تعلمه كفر وتعليمه كفر والعمل به كفر، قال الشيخ محمد بن الحسن:"وسحر" قال ابن العربي: السحر كلام مؤلف يعظم به غير اللَّه تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات. هكذا قال في التوضيح. وقال الحطاب: ظاهر كلام المصنف أن السحر ردة وأن الساحر يستتاب إذا أظهر ذلك فإن تاب وإلا قتل، والقول الراجح أن حكمه كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته إلا أن يجيء تائبا بنفسه. انظر ابن الحاجب، والتوضيح. انتهى. وقال الخرشي: وسحر هذا جامع للفظ الذي يقتضيه والفعل الذي يتضمنه، والمشهور أن تعلم السحر كفر وإن لم يعمل به قاله مالك، وقال ابن عبد السلام: وقد استصوب بعض المتأخرين كلام أصبغ وحكاه الطرطوشي عن قدماء الأصحاب واستشكل قول مالك: إن تعلمه وتعليمه كفر. انتهى.

وحدَّ ابنُ العربي السحرَ بقوله: هو كلام مؤلف يعظم به غير اللَّه تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات هكذا قال في التوضيح، فإذا حكم بتكفيره فإذا كان متجاهرا به فإنه يقتل إلا أن يتوب وماله فيء، وإن كان يسربه فحكمه حكم الزنديق يقتل بلا استتابة كما يأتي. انتهى. وقال الشبراخيتي: وسحر أي تعلمه وعمله سواء سحر غيره أو نفسه لما قالوا إنه لا يستقيم عمله إلا لمن يعتقد التأثير لغيره تعالى، والساحر هو الذي يفرق بين الشخصين ويذهب عقل الإنسان. قاله بعضهم. وحقيقته كما قال ابن العربي كلام مؤلف الخ، وعرفه ابن عرفة بأنه أمر خارق للعادة يتسبب عن سبب معتاد كونه عنه وهو مخرج للمعجزة، والسحر جامع للفظ الذي يقتضيه والفعل الذي يتضمنه. انتهى.

وقال الباجي: ولا يقتل الساحر حتى يثبت أن ما فعله هو السحر الذي وصفه اللَّه فإنه كفر، قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعرف حقيقته يريد ويثبت ذلك عند الإمام لأنه معنى يجب به القتل فلا يحكم به إلا بعد ثبوته وتحقيقه كسائر ما يجب به القتل، وفي الموازية في الذي يقطع أذن الرجل ويُدخل السكاكين في جوف نفسه: إن كان سحرا قتل وإن كان خلافه عوقب. وفي المبسوط في امرأة عقدت زوجها عن نفسها أو غيرها أنها تنكل ولا تقتل. قاله المواق. وقال: قال

ص: 328

محمد: من قول مالك وأصحابه أن الساحر كافر باللَّه، قال مالك: هو كالزنديق إذا عمل السحر لنفسه قتل ولم يستتب ومن لم يباشر عمل السحر وجَعَلَ من يعمله له، ففي الموازية: يؤدب أدبا شديدا. انتهى. وقال عبد الباقي: وكذا يكفر المسلم حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى بمباشرة سحر مفرق بين زوجين أو مشتمل على كفر وثبت عليه ذلك ببينة، وإذا حكم بكفره فإن كان متجاهرا به قتل وماله فيء إلا أن يتوب، وإن كان يخفيه فحكمه حكم الزنديق يقتل ولا تقبل توبته وإنما يقتله في الحالين الإمام لا سيد العبد، وما ذكرناه من أن الردة مباشرة فعله هو قول أصبغ.

ابن عبد السلام: وصوبه بعض المتأخرين وحكاه الطرطوشي عن قدماء الأصحاب واستشكل قول مالك: إن تعلمه وتعليمه كفر. انتهى. أي إن لم يباشر فعله، قال الأجهوري: وليس منه ما يفعل للعطف ونحوه. انتهى. وكذا من يعقد الزوج عن زوجته فيعاقب ولا يقتل كذا كتب الوالد، وذكر قبله أن المرأة إذا أقرت بأنها عقدت زوجها عن نفسها وغيرها من النساء فإنها تقتل. قاله في المبسوط. نقله الحطاب على الرسالة. وهو غير ظاهر فإن المواق هنا نقل عن المبسوط نفسه أنها إذا عقدت زوجها عن نفسها وعن غيرها فإنها تنكل ولا تقتل فإن فرض صحة نقل الحطاب فيمكن الجمع بحمله على ما إذا كان عقدها المذكور بفعل نفسها، وما في المواق على ما إذا دفعت دراهم لمن يعمل لها ذلك كما يفيده نقل أحمد والأجهوري إن دفع دراهم لمن يعمل له فلا يقتل لأنه ليس بساحر، وهو كمن دفع مالا لمن يقتل رجلا آخر فلا يقتل ولا يكون قاتلا ويؤدب الدافع فيهما شديدا، وكذا ليس منه الإجارة على إبطاله فتجوز ويجوز إبطاله، كما قال ابن المسيب: إنه من التعالج ونحوه في الإرشاد عن اللخمي، وقال الحسن البصري: لا يجوز لأنه لا يبطله إلا الساحر. انتهى.

قوله: وليس منه ما يفعل للعطف، قال الرهوني: هذا أحد قولين ثم هو ليس على إطلاقه، ففي أجوبة سيدي عبد القادر الفاسي أن ما يستعمل بين الزوجين قال فيه أبو محمد بن أبي زيد: أرجو خفة الكتابة بما لا يستنكر من قرآن أو غيره لما بين الزوجين من إعراض أو خصومة ولا شطط في ذلك، قال البرزلي: وفي الطرر خلافه وحذا كله حيث لا يدخل ضرر على العقل بتشويش أو فساد، وأما إذا كان ذلك فهو حرام من غير خلاف. انتهى.

ص: 329

وقول بقدم العالم هذا لفظ يقتضي الكفر إذ لا يعلم مذهبه في ذلك إلا من قوله: "أو نحوه" يعني أن القول بقدم العالم أي ما سوى اللَّه تعالى كفر، قال الخرشي: يعني أن من قال العالم -وهو ما سوى اللَّه- قديم فقد كفر. انتهى. وقال عبد الباقي: "وقول بقدم العالم" وهو ما سوى اللَّه لأن قدمه ينفي أن له صانعا، أو بقائه أي أنه لا يفنى ولو اعتقد مع ذلك أنه حادث، ومعنى قول الفلاسفة: إن العالم قديم أنه قديم بالنوع أن نوع الإنسان عندهم في زعمهم المفاسد قديم لا أنه قديم بالشخص؛ لأنهم يقرون بولادة من لم يكن وبالموت وبالفناء بعده، وكذا يقال في قولهم ببقائه، فالقدم عند الفلاسفة قسمان قدم بالذات وليس ذلك إلا للَّه، وقدم زماني وذلك عندهم للعالم يعني أنه لم يسبق بعدم وإن كان مستندا للغير في وجوده، والظاهر أن قدم العالم بالمعنيين يوجب لقائله الكفر وذلك ظاهر كذا للوالد. انتهى كلام عبد الباقي.

وقال الحطاب عند قوله: "وقول بقدم العالم أو بقائه" قال في الشفا: وكذلك يقطع بكفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك. انتهى. فقول الشارح -هذا على القول بتكفيرهم، ولمالك وغيره فيهم قولان- يوهم أن في كفر من قال بقدم العالم أو بقائه خلافا وليس كذلك. واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب. وقوله:"أو بقائه" اعلم أن البقاء لا يستلزم القدم؛ لأن الجنة والنار ياقيتان وهما مخلوقتان فلا يكفر من قال ببقائهما، وأما القدم فيستلزم البقاء.

أو شك في ذالك يعني أن الشك في قدم العالم وحدوثه كفر، وكذا الشك في بقائه وفنائه فإنه كفر أيضا، فالمصنف شامل للمسألتين. عياض: وكذلك يقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك. انتهى نقله غير واحد. وقال التتائي: أو شك في ذلك أي في قدم العالم وحدوثه أو بقائه وفنائه، هذا مقتضى الإشارة في كلامه فهما مسألتان. وقال الشبراخيتي:"أو شك في ذلك" معطوف على "بصريح" أي في قدم العالم وحدوثه أو بقائه أي أتى بما يدل على الشك في ذلك، أو حصل في اعتقاده الشك في ذلك فهو داخل في قول المصنف:"أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه" وبهذا يندفع قول الشارح: إن هذا ليس من الأمور الثلاثة أي المشار إليها بقوله: "بصريح أو لفظ بقتضيه أو فعل يتضمنه"، وعليه فالحد الذي ذكره ليس بجامع لخروج هذا النوع منه. انتهى. وقد مر جواب غير هذا وهو أن هذا إنما يرد على المصنف لو جعل قوله:"بصريح" لخ من تمام

ص: 330

التعريف، وقد مر أن ذلك ليس من تمام التعريف وحينئذ فيكون قوله بصريح متعلقا بعامل مقدر وهو يكون أو يكفر أو نحو ذلك، وأما ما أجاب به هذا الشارح فنحوه لعبد الباقي عن أحمد وهو غير بَيّنٍ. انتهى.

وقال البناني: الذي في الحطاب هو ما نصه: قول الشارح فالحد الذي ذكره ليس بجامع لخروج هذا النوع منه غير ظاهر؛ لأن التلفظ بالشك في ذلك داخل في لفظ يقتضي الكفر، وأما الشك من غير أن يتلفظ بذلك فهو وإن كان كفرا لا شك فيه لكنه لا يوجب الحكم بكفره ظاهرا إلا بعد التلفظ بما يقتضيه ظاهرا. فتأمله واللَّه أعلم. انتهى. وهذا أولى مما قدمه الزرقاني عن أحمد، وأشار إليه هنا من أن الشك من غير لفظ داخل في الفعل؛ لأن الاعتقاد من أفعال القلوب الخ بل هو غير صواب لأن الشك ليس باعتقاد بل هو مقابل له. انتهى. وقال الخرشي: قوله: "أو شك في ذلك" وهو ممن يظن به المعلم بناء على أنه يعذر بالجهل في موجبات الكفر، وقد صرح أبو الحسن على الرسالة أنه لا يعذر بالجهل ونحوه لعبد الباقي، وعلى ما للحطاب واستظهر البناني يكون قوله:"أو شك في ذلك" معطوفا على قوله: "بقدم".

أو بتناسخ الأرواح يعني أن القول بتناسخ الأرواح موجب للكفر للقائل به، قال التتائي: فإذا كانت النفس شريرة أخرجت -يعني بعد موتها- من قالبها الذي هي فيه وألبس، قالبا يناسب شرها من كلب أو خنزير أو سبع أو نحو ذلك، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد منه، وإن لم تأخذ جزاء شرها انتقلت إلى فرد أشر منه وكذا تستوفي جزاء الشر وفي الخير تنتقل إلى أعلى وكذلك، ولا حشر ولا نشر ولا جنة ولا نار. انتهى. وقال الحطاب:"أو بتناسخ الأرواح" أي انتقالها في الأشخاص الآدمية وغيرها وأن تعذيبها وتنعيمها بحسب زكائها وخبثها، فإذا كانت النفس شريرة أخرجت من قالبها الذي هي فيه وألبس قالبا يناسب شرها من كلب أو خنزير أو سبع أو نحو ذلك، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد، وإن لم تأخذ انتقلت إلى قالب أشر منه وكذلك حتى تستوفي جزاء الشر وفي الخير تنتقل إلى أعلى: وكذلك يعتقدون أن لا خير ولا شر ولا جنة ولا نار نسأل اللَّه السلامة، فأدى اعتقاد التناسخ إلى إنكار ما أجمع المسلمون عليه. انتهى.

ص: 331

وقال الشبراخيتي: أو قال بتناسخ الأرواح أي انتقالها من جسد إلى جسد، فإذا كانت النفس شريرة أخرجت من قالبها التي هي فيه وألبست قالبا يناسب شرها من قرد وكلب أو خنزير أو سبع أو نحو ذلك، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد منه، وإن لم تأخذ اتنقلت إلى فرد أشر منه وكذا حتى تستوفي جزاء الشر وفي الخير تنتقل إلى أعلى ولا حشر ولا نشر ولا جنة ولا نار، وإن التنعيم لأهله هو انتقال روحه إلى جسد حيوان أشرف من صورة الإنسان، وتعذيبه هو انتقالها إلى أخَسَّ كصورة قردٍ أو كلب، قال بعضهم لعنهم اللَّه: أول ما ينسخ في حمل ثم ينتقل إلى ما دون هيكله أبدا حالا بعد حال إلى أن ينتقل إلى دود العذرة وما شاكله وهو آخر شيء ينسخ فيه. انتهى. وهو تكذيب للشريعة، وقول الزرقاني: إلى أن تصل للجنة، وقوله: إلى أن تصل إلى النار غير ظاهر. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال المواق: عياض: وكذلك يقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب الفلاسفة والدهرية، أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص. انتهى.

أو بقوله في كل جنس نذير يعني أن الشخص يكفر بقوله في كل جنس من الحيوانات نذير أي نبي؛ لأنه يؤدي إلى أن جميع الحيوانات تكون مكلفة وهذا مخالف للإجماع، وأن توصف أنبياءُ هذه الأجناس من دود وقردة وخنازير وغيرها بأوصافهم الذميمة وفيه من الازدراء على هذا المنصب المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين عن خلافه وتكذيب قائله، والمراد بالأمة في قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} : المكلفون، وما تقدم من التعليل يقتضي القتل بالاستتابة، والمصنف جعله مرتدا لما تقرر أن لازم المذهب ليس بمذهب. قاله الشيخ عبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم.

وقال المواق: عياض: وكذلك يكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن لكل جنس من الحيوان نذيرا ونبيا من القردة والخنازير والدواب والدود. انتهى. وقال التتائي: "أو بقوله في كل جنس نذير" لتأديته إلى تكليف جميعها وهو خلاف الإجماع فيها وفي التي قبلها، واحتج قائله بقوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} ، ويؤدي إلى اتصاف النبي بتلك الأوصاف الذميمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} فالمراد بالأمة فيه

ص: 332

الأمة الاصطلاحية، وقوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} ، فالمراد الأمة اللغوية، ولو حذف قوله:"بقوله"، وقال: أو في كل جنس الخ لكان أحسن.

أو ادعى شركا مع نبوءته صلى الله عليه وسلم يعني أن من ادعى أن شخصا من الأشخاص كان شريكا في النبوءة مع سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم يكفر بذلك، ولذلك معنيان: أن يدعي أنه كان معه نبي يوحى إليهما معا فهذا كافر، ومثل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سائر الأنبياء المنفردين. الثاني: أن يدعى أنه مشترك معه في نفس الوصف الواحد الذي هو النبوءة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. والظاهر أن المراد بهذا الأخير أنه يتركب منه ومن غيره نبي، ولا شك أن هذا يحصل به الكفر لمن ادعاه في النبي صلى الله عليه وسلم وفي غيره من الأنبياء لجحده النبوءة على الحقيقة فيمن ادعى ذلك فيه، ولا شك أن مراد المصنف المعنى الأول إذ هو الذي في النقل، وأما الثاني فلا يتوهم. قال المواق: عياض: وكذلك يكفر من ادعى نبوءة أحد مع نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعده، كالعيسوية والجرمية وأكثر الرافضة. انتهى. وقال الشبراخيتي:"أو ادعي شركا" الخ ادعاه له، كمسيلمة الكذاب أو لغيره كالروافض، فإن فرقة منهم ادعوا شرك عليٍّ للنبي في النبوءة، وفرقة منهم ادَّعَوْا ألوهيته وهو تكذيب لقوله تعالى:{وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ، ولقوله صلى الله عليه وسلم:(لإخباره بانفراده وبأنه لا نبي بعده)

(1)

، وأحرى إذا ادعى الألوهية. وقوله:"أو ادعى شركا" لخ وكذا سائر الأنبياء المنفردين بالنبوءة. انتهى.

وقال التتائي: أو ادعى شركا مع نبوءته عليه الصلاة والسلام، كدعوى مشاركة علي له، وأنه كان يوحى إليهما معا، أو أن عليا هو النبي وأن جبريل عليه الصلاة والسلام كذا، فكفر لمخالفة الإجماع والمحسوس فإن عليا حين نزول جبريل على النبي لم يبلغ. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله:"أو ادعى شركا مع نبوءته صلى الله عليه وسلم": عن الأجهوري ما نصه: وكذا سائر

(1)

صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث، 2404، سنن الترمذي، كتاب المناقب، رقم الحديث، 3730 - 3731.

ص: 333

الأنبياء المنفردين كنوح وإبراهيم. انتهى. قال عبد الباقي: وانظر قوله إبراهيم مع نبوءة لوط في زمنه وهو ابن أخي إبراهيم، واسمه: هاران قيل ونبئ إسماعيل وإسحاق ابناه في زمنه. انتهى.

أو بمحاربة نبي عطف على قدم من قوله: "وقول بقدم العالم" يعني أن من قال بجواز محاربة نبي من الأنبياء يكفر وهذا يتحقق في كل زمان، وكذا من حاربه بالفعل فإنه كافر بإجماع. ذكره عياض. وهذا إنما يتحقق إذا نزل عيسى صلوات اللَّه وسلامه على نبينا وعليه، قال التتائي: أو بمحاربة نبي أي قال بجوازها لاستلزامها محاربة الباري وهو كفر. انتهى. وقال المواق عند قوله: "أو بمحاربة نبي" ما نصه: عياض: وكذلك أجمع على تكفير من اسْتَخفَّ بأحد من الأنبياء وأزرى عليهم أو آذاهم أو حارب نبينا صلى الله عليه وسلم، فهو كافر بإجماع. انتهى.

أو جَوَّزَ اكتساب النبوءة يعني أن من جوز اكتساب النبوءة يكفر بذلك، قال الخرشي: وكذا من قال إن النبوءة تكتسب وهو البلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها؛ لأن ذلك يؤدي إلى توهين ما جاءت به الأنبياء. انتهى. وقال عبد الباقي: أو جوز اكتساب النبوءة لأنها لا تكتسب بحال، بخلاف الولاية فإنها تكتسب كما أنها تكون وهبية. انتهى. وقال التتائي: أو وَهَّنَ ما جاءت به الأنبياء بأن جوز اكتساب النبوءة وبلوغها بصفاء القلوب لأنه يؤدي للتنقيص، وأن النبي ما حصل له ذلك إلا من نفسه وفعله أو ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوءة لأنه يؤدي للخلل وتوهين ما جاء به النبي، أو قال بتخصيص الرسالة بالعرب. انتهى. قوله: بتخصيص الرسالة بالعرب: إن كان معناه أن النبي إنما أرسل إلى العرب خاصة فكفره لا شك فيه وهذا هو المتبادر منه، وإن كان معناه أنه لم يرسل نبي إلا من العرب فهذا كفره لا شك فيه؛ أيضا ولا يحتاج لإقامة دليل. وقال الشبراخيتي: أو جوز اكتساب النبوءة أي تحصيلها والقدرة على كسبها والتوصل إليها بصفاء القلب ومجاهدة النفس، وهو عطف على صريح من قوله:"بصريح" فهو عطف فعل على اسم يشبه الفعل وهو صادق بما إذا اعتقد ذلك أو قاله، وإنما كان ذلك ردة لأنها لا تكتسب بحال، وأما الولاية فقال في الشرح إنها تكتسب كما أنها تكون وهبية. وذكر البرهان اللقاني في شرحه لعقيدته عند قوله: ولم تكن نبوءة مكتسبه لخ أنها كالنبوءة لا تكتسب. انتهى. وقال المواق: عياض: وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب. ثم قال بعد كلام: أو ادعى

ص: 334

النبوءة لنفسه أو جوز اكتسابها والبلوغ بتصفية القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وعامة المتصوفة، وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوءة. انتهى.

أو ادعى أنه يصعد إلى السماء يعني أنه إذا ادعى شخص أنه يصعد إلى السماء بجسده فإنه يكفر بذلك، قال عبد الباقي: أو ادعى أنه يصعد بجسده إلى السماء أو يدخل الجنة ويأكل من ثمارها أو يدخل النار كما بحثه الشعراني أو مجالسة اللَّه أو مكالمته، فكافر إجماعا كما في الشفا، وأراد بالمكالمة المعنى المتبادر منها لا المكالمة عند الصوفية من إلقاء نور في قلوبهم وإلهامهم سِرًّا لا يخرج عن الشرع، ومن ثم كان الشادلي يقول: قيل لي كذا وحدثت بكذا أي ألهمته، كذا بينه الشيخ زروق ويوافقه خبر:(اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه وينطق بحكمته)

(1)

. ابن عبد السلام: الشافعي: إذا قال ولي من أولياء اللَّه: أنا اللَّه، عزر التعزير الشديد وهذا لا ينافي الولاية إذ الأولياء غير معصومين. انتهى. والظاهر أن المراد بالتعزير الاستتابة أي لأن هذا القول فيه دعوى الألوهية أو حلول الباري تعالى فيه. وقولي: بجسده تحرز عمن ادعى صعود روحه إلى السماء فلا يكفر. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: عزر التعزير الشديد لخ الذي في الحطاب عن عز الدين التعزير الشرعي، ثم قال عقبه: وانظر ما مراده بالتعزير الشرعي هل هو الاستتابة أو غيرها، والظاهر أنه الاستتابة لأن هذا القول فيه دعوى الألوهية أو حلول الباري تعالى فيه. انتهى. قاله البناني. وهو كذلك في الحطاب.

أو يعانق الحور يعني إذا ادعى شخص أنه يعانق الحور فإنه يكفر بذلك، قال عبد الباقي: أو يعانق الحور أو يكلم الملائكة على ما حكى ابن عبد السلام عن بعض الطلاب

(2)

من شيوخ زمانه، قال الأبي: وحديث عِمْرَانَ بن حصين: كانوا يسلمون عليَّ بعض الملائكة، يرد عليه، والصواب أن ذلك يختلف بحسب حال من زعمه، فإن كان متصفا بالصلاح تُجُووِزَ عنه وإلا زجر عن قوله ذلك باجتهاد الحاكم. انتهى. ولذا حذفه المصنف. انتهى كلام عبد الباقي. وقال الشيراخيتي:

(1)

سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث، 3127.

(2)

كذا في عبد الباقي ج 8 ص 65، والذي في الأبي في شرح مسلم ج 4 ص 282 ط دار الكتب العلمية: عن بعض الغلاة.

ص: 335

أو ادعى أنه يصعد إلى السماء أو أنه يعانق الحور العين لأن هذا هو الجزاء في الآخرة، فدعواه في الدنيا كذب وتكذيب أو أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها أو قال بإبطال الرجم أو غيره من ضروريات الدين أو كفر جميع الصحابة؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الدين أو سعى للكنائس بزي النصاري، أو قال بسقوط الصلاة عن بعض الأولياء أو أنكر مكة أو البيت أو المسجد الحرام أو قال الاستقبال حق ولكن لغير هذه البقعة أو شك في ذلك وهو ممن يظن به علم ذلك، أو جحد صفة الحج أو الصلوات أو حرفا من القرآن أو زاده أو غيَّره، أو قال: ليس بمعجزة أو قال الثواب والعقاب مفتريان من الافتراء وهو الكذب، ومثل من قال: إنه يدخل الجنة من قال إنه يدخل النار كما بحثه العارف الشعراني في اليواقيت والجواهر. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال الحطاب: قال الأبي في شرح مسلم في شرح قول عمْرَانَ بن حصين (سُلِّمَ عَلَىَّ)

(1)

كلامُ الملائكة غيرَ الأنبياء يَصِحُّ، وكان الشيخ ابن عبد السلام يعني عز الدين الشافعي كما مر يحكى عن بعض الطلاب من شيوخ زمانه أن من قال: اليوم كلمتني الملائكة يستتاب، والحديث يرد عليه والصواب أن ذلك يختلف بحسب حال من زعمه، فإن كان متصفا بالصلاح تجووز عنه وإلا زجر عن قول ذلك بحسب ما يراه الحاكم، ومن هذا المعنى ما يتفق لبعضهم أن يقول قيل لي وخوطبت وكان الشيخ أبو عبد اللَّه يعني ابن عرفة يشدد القول فيه وفي إنكاره على من زعمه. انتهى.

أو استحل كالشِّرْبِ يعني أن الشخص إذا استحل أي اعتقد بقلبه أن الخمر ومثله من المحرمات حلال فإنه يكفر والعياذ باللَّه تعالى، قال عبد الباقي: أو استحل أي اعتقد بقلبه حِلَّ كالشرب من كل مجمع على تحريمه أو جحد إباحة مجمع على إباحته كأكل العنب، فَالْمُرَادُ جَحَدَ حكما عُلِمَ من الدين بالضرورة فخرج ما علم ضرورة وليس بحكم ولا يتضمن حكما ولا تكذيب قرآن، كإنكار وجود أبي بكر وعمر أو قتل عثمان أو خلافة علي أو غزوة تبوك أو وجود بغداد مما علم من النقل ضرورة، وليس في إنكاره جحد شريعة فلا يكفر بخلاف إنكاره صحبة أبي بكر

(1)

صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث، 1226.

ص: 336

فيكفر لمخالفته، قوله تعالى:{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} ولا يقال يلزم من إنكار وجوده إنكارُ صحبته؛ لأنا نقول: لازم المذهب ليس مذهبا وبخلاف إنكار وجود مكة أو البيت أو غزوة بدر أو حنين فمرتد لتكذيب القرآن، ولأن إنكار مكة أو البيت يتضمن إبطال حكم شرعي وهو الحج، وانظر هل كذا وجود بيت المقدس؟ لتكذيبه قوله تعالى:{إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} أم لا لأن لازم المذهب ليس مذهبا. انتهى.

قوله: فالمراد جَحَد حكما علم من الدين بالضرورة لخ نحوُه للأجهوري، واعترض مصطفى قيد الضرورة فإن المصنف إنما أشار إلى قول عياض: أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنى أو شيئا مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه. انتهى. فَعَمَّمَ ما علم من الدين بالضرورة وغيره، ولذا قيد بالعلم ولو كان خاصا بالضروري ما احتاج إلى القيد وتبعه المؤلف فأطلق لكن فاته قيد العلم. انتهى. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: عياض: وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو شيئا مما حرمه اللَّه بعد علم هذا بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غُلاة المتصوفة. انتهى. وقال التتائي عاطفا على موجبات الكفر: أو جحد صفة الحج أو الصلوات أو حرفا من القرآن أو زاده أو غيره أو قال ليس بمعجزة أو الأئمة أفضل من الأنبياء أو سجد للصنم أو نفى الربوبية أو الوحدانية أو عبد مع اللَّه تعالى غيره أو هو دهري أو ما نوى أوصابي أو من الطيارة الروافض أو اعتقد أن اللَّه تعالى غير حي أو غير قديم أو غير مُصَوِّرٍ أو صنع العالم غيره أو هو متولد من شيء، أو ادعى مجالسة اللَّه أو العروج إليه أو مكالمته أَو جَوَّز على الأنبياء الكذب أو أنهم خاطبوا الخلق بالوعد والوعيد للمصلحة. وفي الشفا: الإجماع على تكفير من جحد أن اللَّه تعالى عالم أو متكلم أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة ولم ينفها كَفَّرَهُ الطبري وغيره، وقيل لا يكفر وإليه رجع الأشعري لأنه لا يصمم على اعتقاد ذلك. انتهى.

وقوله: "أو استحل كالشرب"، عياض: وكذا من أنكر قاعدة من الشرع وما عرف يقينا من فعله عليه الصلاة والسلام، كمن أنكر وجوب خمس صلوات أو عدد سجداتها وركعاتها وقال إنها وجبت في القرآن على الجملة وكونها خمسا، وعلى هذه الصفة لم يَرِدْ به نص جلي، وكذا من

ص: 337

قال من المتصوفة: إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها وإباحة كل شيء لهم، وكذا من أنكر مكة أو البيت الحرام أو صفة الحج فهذا لا مرية في كفره إن كان ممن يظن به علم ذلك وخالط المسلمين إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام فيقال له سبيلك أن تسأل عما لم تعلمه كافة المسلمين. قال: والمرتاب فيه والمنكر له بعد البحث وصحبة المسلمين كافر باتفاق، ولا يعذر بقوله: لا أدري ولا يصدق فيه بل ظاهره التستر على التكذيب إذ لا يمكن أنه لا يدري، وكذا من أنكر القرآن أو حرفا منه أو غيَّر شيئا منه أو زاد فيه أو زعم أنه ليس بحجة، وكذا من أنكر الجنة والنار والبعث والحساب والقيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على نقله متواترا، بخلاف من أنكر ما عرف تواترا من الأخبار والسير والبلاد التي لا ترجع إلى إبطال شريعة ولا تفضي إلى إنكار قاعدة من الدين كإنكار غزوة تبوك ومؤتة ووجود أبي بكر وعمر وقتل عثمان وخلافة علي. انتهى.

فخرج إنكار مكة لأن فيه إبطالا للحج وكذا غزوة بدر وحنين لأنه تكذيب للقرآن، وذكر عياض الخلاف فيمن أنكر الإجماع الكائن عن نظر دون نقل فالأكثر على تكفيره، لقوله عليه الصلاة والسلام:(من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه)

(1)

، ووقف آخرون عن القطع بتكفيره. وفي جمع الجوامع: جاحد، مجمع عليه المعلوم من الدين ضرورة كافر قطعا، وكذا المشهور والمنصوص في الأصح وفي غير المنصوص تردد، ولا يكفر جاحد الخفي ولو منصوصا فالمنصوص المشهور كحل البيع، والخفي كوجوب السدس لبنت الابن مع بنت الصلب فإنه قضى به عليه الصلاة والسلام. انتهى.

لا بأماته اللَّه كافرا يعني أن من دعا على شخص من المسلمين بأن قال له: أماته اللَّه كافرا فإنه لا يكون كافرا بسبب ذلك القول على الأصح من القولين، ومقابل الأصح أنه يكفر بقوله لشخص من المسلمين أماته اللَّه كافرا، قال التتائي: لا يكفر بقوله لآخر داعيا عليه أماته اللَّه كافرا ونحوه في الذخيرة، وصوبه ابن راشد. وأشار المصنف إلى ذلك بقوله "على الأصح" ومقابله فتوى الكركي

(1)

سنن أبى داوود، كتاب السنة، الحديث، 4758.

ص: 338

بكفره لأنه أراد أن يُكْفَر باللَّه. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي: لا قوله لآخر داعيا عليه بأماته اللَّه كافرا فلا يكفر على الأصح، وكذا لو عنى نفسه. قاله العلمي. قاله أحمد. ومحله في غير يمين وإلا لم يكفر قطعا كما قدمه المصنف في بابه، ووجه ما للعلمي أن فيه تمني الموت

(1)

لا إخبار بأنه كذلك. انتهى. قوله: ووجه ما للعلمي أن فيه الخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: الذي يظهر أن من تمنى الكفر كافر؛ لأنه لا يتمناه حتى يكون كافرا. انتهى من خطه طيب اللَّه ثراه. ولو قال لكافر: أماتك اللَّه على ما تختار، فالظاهر أنه إن قال له ذلك في خصومة بينهما وفي صنعه له شيئا معيبا فلا يكفر بذلك، وأما على غير ذلك كدعائه له مكافأة على إحسان فعله به فإن الذي يظهر أنه يكفر لأنه رضي بالكفر. انظر الرهوني. واللَّه تعالى أعلم.

‌مسألة:

قال في التبصرة: ذكر في الموطإ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال:(من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)

(2)

، وفي رواية في مسلم:(إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)

(3)

. وفي رواية أبي عوانة: (فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر)

(4)

. المازري: يحتمل أن يكون ذلك إذا قاله مستحلا فيكفر باستحلاله. النووي: وقيل معناه أن ذلك يئول به إلى الكفر. ابن عبد البر: قوله صلى الله عليه وسلم: فقد باء بها أحدهما؛ المعنى أن المقول له ذلك إن كان كذلك فقد احتمل ذنبه ولا شيء على القائل له ذلك لصدقه، وإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم. انتهى باقتصار.

وفصلت الشهادة فيه قال الخرشي: يعني أن من شهد بكفر شخص فإنه لا بد أن يبين الوجه الذي كفر به أي يجب على الشاهد أن يقول كفر بالوجه الفلاني ويبينه ولا يجمله. انتهى. وإيضاح هذا أن تقول: يجب أن تفصل الشهادة في الكفر أي يبين فيه أي يبين الشهود الوجه الذي نسبوا له الكفر من أجله صونا للدماء، فلا يقبل من البينة أن تقول فلان كفر أو ارتد حتى

(1)

كذا في الأصل، والذي في عبد الباقي ج 8 ص 65: تمنى الموت على ذلك لا إخبار لخ.

(2)

الموطأ، كتاب الكلام والغيبة والتقى، رقم الحديث، 1.

(3)

صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 60، ولفظه: أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه.

(4)

مستخرج أبى عوانة، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 38.

ص: 339

يبينوا ما كفر به من المقالات التي تقتضي الكفر والأفعال التي تتضمنه ونحو ذلك؛ إذ الناس يختلفون في التكفير فمنهم من يكفر بلازم المذهب ومنهم من لا يكفر به، وربما يظن الشاهد أيضا أن ما صدر من المشهود عليه كفر وقد لا يكون كفرا. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وإن شهد عدلان بكفر شخص فصلت أي بينت الشهادة وجوبا لصون الدماء فيه أي في الكفر فلا يكتفي القاضي بقول الشاهدين إنه كفر من غير بيانهما، وجهه لاختلاف أهل السنة في أسباب الكفر فربما وجب عند بعض دون آخرين ولا يلفق شاهِدَا فِعْلٍ مُخْتَلفٍ، كشهادة شاهد عليه بإلقاء مصحف بقذر وآخر بشد زنار ولا شاهد بفعل كالالقاء المذكور وآخر بقول كفي كل جنس نذير، وإنما يلفق القولان المختلفا اللفظ المتفقا المعنى، كشاهد عليه أنه قال: لم يكلم اللَّه موسى تكليما، وآخر بقوله: ما اتخذ اللَّه إبراهيم خليلا. انتهى. فإن قلت المعنى في الآيتين لم يتفق فالجَوَابُ أنه متفق باعتبار المآل، وإن لم يتفق باعتبار الوضع لأن مآلهما واحد وهو تكذيب القرآن. واللَّه تعالى أعلم. انظر الرهوني.

وقال الشبراخيتي: وفصلت الشهادة فيه وجوبا فلا يكتفي القاضي بقول الشاهد أشهد أنه مرتد أو كافر حتى يبين وجهه، لاختلاف الناس من أهل السنة وغيرهم فيه فقد يرى الشاهد تكفيره بما ليس كفرا. انتهى. وقال التتائي: وظاهره يعني المصنف كابن الحاجب وجوب التفصيل، وفي الجواهر: لا ينبغي، ولعل مراده الوجوب. قاله في التوضيح. وقال المواق: قال ابن شأس: لا ينبغي أن تقبل الشهادة على الردة دون تفصيل لاختلاف المذاهب في التكفير. ابن عرفة: هذا حسن. انتهى المراد منه.

واستتيب ثلاثة أيام يعني أنه يجب على الإمام أو نائبه أن يستتيب المرتد البالغ ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا أي يطلب منه التوبة أي الرجوع إلى الإسلام ثلاثة أيام، من يوم ثبوت الكفر عليه محسوبة بلياليها لا من يوم الكفر ولا من يوم الرفع، ولا يحسب اليوم الأول إن سبق بالفجر ولا تلفق الثلاثة، وقوله:"واستتيب" أي المرتد عن الإسلام، كان الإسلام أصليا أو طارئا.

بلا جوع يعني أنه لا يجوع في أيام الاستتابة بل يطعم من ماله، بخلاف ولده وزوجته فلا ينفق عليهم من ماله لأنه بنفس الردة والعياذ باللَّه تعالى صار معدما، والظاهر أن الباء للمصاحبة وهو

ص: 340

إما حال من نائب استتيب أي استتيب غير مجوع فيكون ظرفا مستقرا، وإما متعلق باستتيب فهو ظرف لَغْوٌ، وعطش أي واستتيب ثلاثة أيام بلا جوع وبلا عطش بل يطعم ويسقى من ماله بخلاف ولده وزوجته لأنه بنفس الردة صار معدما. نسأل اللَّه السلامة. ومعاقبة أي وبلا معاقبة بكضرب لسقوطه مع القتل إلا حد الفرية كما يأتي، وإن لم يتب مبالغة في قوله:"واستتيب" أي يستتاب ثلاثة أيام حيث لم يقل لم يتب هو بأن سكت، بل وإن قال إنه لا يتوب فمعنى لم يتب، قال إنه لا يتوب ومبالغة في قوله بلا جوع وعطش ومعاقبة أي يطعم ويسقى ولا يعاقب وإن قال إنه لا يتوب. ويصح بقاء قوله:"وإن لم يتب" على ظاهره ويكون مبالغة في قوله: "بلا جوع"، ولا يصح حينئذ أن يكون مبالغة في قوله:"واستتيب ثلاثة أيام" لأنه يصير المعنى واستتيب ثلاثة أيام حيث تاب، بل وإن لم يتب لأنه إذا تاب قبل مضيها لا تطلب منه التوبة أي لا يطلبها الإمام ولا نائبه. واللَّه تعالى أعلم.

فإن تاب لم يقتل وإلا أي وإن لم يتب قتل بعد غروب الشمس من اليوم الثالث، ولا يقر على كفره بجزية ولا يسبى ولا يسترق، وإن لحق بدار الحرب وظفرنا به استتيب وإنما كانت الاستتابة ثلاثة أيام؛ لأن اللَّه تعالى أخر قوم صالح ذلك القدر فكونها ثلاثةً واجبٌ، فلو حكم الإمام بقتله قبلها مضى لأنه حكم بمختلف فيه. قاله عبد الباقي. وقال التتائي: واستتيب أي عرضت عليه التوبة وجوبا على المشهور لا استحبابا وأمهل ثلاثة أيام ويُذَكَّرُ فيها بالإسلام، وقال:"ثلاثة أيام" لأنه لو لم يذكرها لأوهم أنه ثلاث مرات كما هو قول ابن القاسم، ولو أسقط ثلاثة أيضا لتوهم أنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل وهو لمالك بلا جُوع وعطش. مالك: ما علمت في استتابته تجويعا ولا تعطيشا وأرى أن يقات من الطعام ما لا ضرر معه، وفي الذخيرة عن النوادر قال ابن القاسم: ويطعم من ماله زمن ردته، ثم حكى عن ابن القاسم: لا ينفق من ماله على عياله ولا ولده لأنه معسر بالردة وبلا معاقبة في الثلاثة وإن لم يتب، ولا يبعُدُ أن يخوف بالضرب كما قال أصبغ: حرا كان أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى، ارتد عن إسلام أصلي أو طارئ، تكرر ذلك منه أو لا. وقال القاضي أبو الحسن: يعزر عندي في المرَّة الثالثة، فإن تاب في أيام استتابته فواضح وإلا بأن استمر على ردته قتل ذكرا كان أو أنثى، ولا يقر على كفره بالجزية ولو

ص: 341

ارتد أهل مدينة استتيبوا، فإن تابوا وإلا قتلوا ولا يسبوا ولا يسترقوا، وإن لحق المرتد بدار الحرب وظفرنا به استتيب. انتهى.

وقال المواق: واستتيب ثلاثة أيام الخ، قال الرسول عليه الصلاة والسلام:(من غير دينه فاقتلوه)

(1)

، قال مالك: وذلك فيمن خرج من الإسلام إلى غيره لا من خرج من ملة سواه إلى غيرها، وجاء عن عمر رضي الله عنه وعن غيره: استتابه المرتد ثلاثا، لقوله سبحانه:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} ، وسئل مالك عن قول عمر رضي الله عنه: ألا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا؟ قال: لا بأس به وليس بالمجتمع عليه، قال مالك: وإذا تاب المرتد قبلت توبته ولا حد عليه فيما صنع من ارتداده، ومن ابن شأس: ثُمَّ عَرْضُ التَّوْبةِ على المرتد واجب، والنص أنه يمهل ثلاثة أيام، قال مالك: وما علمت في استتابته تعطيشا ولا تجويعا ولا عقوبة عليه إذا تاب. ابن الحاجب: إن لم يتب لم يقم عليه غير الفرية ويقتل. انتهى. وقال الحطاب: وظاهر كلامه -يعني المصنف- أن تأخيره ثلاثة أيام واجب، وهكذا قال في التوضيح: إنه ظاهر المذهب. وقال ابن العربي في أول كتاب التوسط في أصول الدين: ألا ترى أن المرتد استحب العلماء له الإمهال لعله إنما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولا. انتهى.

وقال القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة: وعرض التوبة واجب على الظاهر من المذهب إلا أنه إن قتله قاتل قبل استتابته فبيس ما صنع ولا يكون معه قود ولا دية. انتهى. وقال الحطاب أيضا عند قوله: "فإن تاب وإلا قتل" ما نصه: فإن تاب فلا عقوبة عليه، نص عليه في التوضيح وابن عرفة وصاحب اللباب والذخيرة وفي عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب: إذا ارتد ثم تاب ثم ارتد ثم تاب لم يُعَزَّرَ في المرة الأولى، ويجوز أن يعزر في المرة الثانية والثالثة والرابعة إذا رجع إلى الإسلام ولست أعرفه منصوصا ولكن يجوز عندي، والفرق بين الأولى وغيرها أنه في الأولى يجوز أن يكون حصلت له شبهة فارتد ثم رجع إلى الإسلام بسبب زوالها، فإذا عاد إلى الردة ثم

(1)

الموطأ، كتاب الأقضية، رقم الحديث، 17، ولفظه: من غير دينه فاضربوا عنقه.

ص: 342

تاب ضرب لأنه لم تبق له شبهة ولا يزاد على التعزير ولا يحبس ولا يقتل. انتهى. وصرح في الشفاء بأن من سب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قلنا إن ذلك ردة وأنه يستتاب، فإن تاب نُكِل وكذلك من كانت ردته بسبب كلام ساقط في حق الباري أو سب له فإنه يؤدب. انتهى.

واستبرئت بحيضة يعني أن المرتدة لا تقتل بعد الاستتابة حتى تستبرأ بحيضة، وهذا إذا كانت متزوجة أو رجعية أو بائنا أو موطوءة بالملك. وقال الشبراخيتي: واستبرئت مرتدة متزوجة أو مطلقة رجعية أو موطوءة بالملك، كسرية بحيضة فلا تقتل حتى تستبرأ لاحتمال أن تكون حاملا، وإذا أخرت للاستبراء خوفا على حملها فأحرى أن تؤخر المرضع إذا لم تجد من ترضعه أو وجدت ولم يقبل، وكلام المصنف إذا كانت ممن تحيض، فإن كانت ممن لا تحيض لصغر لم تقتل وإن كانت يائسة قتلت، وهذا من جملة المستثنيات من قولهم: استبراء الحرة كعدتها والثانية اللعان والثالثة الزنى، ونظمها شيخنا في شرحه فقال:

الحرة استبراؤها كالعده

لا في لعان وزنى ورده

فإنها في كل ذا تستبرا

بحيضة فقط وقيت الضرا

انتهى. ويعني ما يعتمد عليه الزوج في اللعان وما ترجم بعده في الزنى كما مر. واللَّه تعالى أعلم.

وقال عبد الباقي: واستبرئت متزوجة أو مطلقة طلاقا رجعيا أو سرية بحيضة قبل قتلها خشية حملها إن مضى للماء ببطنها أربعون يوما، ولو رضي الزوج أو السيد بإسقاط حقه أو لم يمض له أربعون ولم يرضيا بإسقاط حقهما وإلا لم تؤخر وكان استبراء الحرة حيضة؛ لأن ما عداها تعبد لا يحتاج إليه هنا، وظاهره ولو كانت ممن تحيض في خمس سنين فأكثر، فإن كانت ممن لا تحيض لضعف أو إياس مشكوك فيه استبرئت بثلاثة أشهر إن كانت ممن تحمل أو يتوقع حملها إلا أن تحيض أثناءها، فإن كانت ممن لا يتوقع حملها قتلت بعد الاستتابة بثلاثة أيام، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد لم تستبرأ بحيضة إلا إن ادعت حملا، واختلف أهل المعرفة أو شكوا فيه فتستبرأ بها، والفرق بين ما هنا وبين ما تقدم في القصاص أنها لا تستبرأ بدعواها الحمل، بل

ص: 343

لابد من قرينة صدقها كظهور الحمل أو حركته أو شهادة النساء، وظاهره ولو متزوجة أو سرية أن القتل هنا حق اللَّه وفي القصاص حق لآدمي، وهو مبني على المشاحة بخلاف ما هنا. واللَّه تعالى أعلم. ومر عن الشبراخيتي وعبد الباقي: متزوجة أو رجعية. والظاهر أن التقييد بالرجعية لا وجه له كما قاله الجنوي، بل في كلام عبد الباقي ما يرده وهو قوله:"خشية حملها". انظر الرهوني.

ومال العبد لسيده يعني أن العبد إذا مات مرتدا فإن ماله لسيده ملكا لا إرثا، قال عبد الباقي: ومال العبد المرتد ولو مكاتبا أو مبعضا المقتول أو الميت زمن الاستتابة لسيده ملكا لا إرثا، فإن رجع قبل قتله للإسلام فماله له على الراجح كما يأتي عند قوله:"وإن تاب فماله له". وإلا يكن المقتول بالردة أو الميت قبل توبته عبدا بل حرا، فماله فيء أي لبيت المال، ولو ارتد في مرضه وقتل أو مات زمن الاستتابة ولا ترثه ورثته ولا يتهم أنه ارتد ليلا ترثه ورثته، وإذا مات من يرثه المرتد لو لم يرتد ورثه غير المرتد ممن يستحق إرثه من أقاربه ومواليه ولا يحجب المرتد وارثا، فإن أسلم المرتد أو الذمي أو عتق العبد قبل أن يقسم الميراث لم يرجع لهم. وفي المواق عن ابن شأس: إن مات المرتد أو قتل على ردته فماله فيء إلا أن يكون عبدا فماله لسيده، وفي المدونة فيمن ارتد قبل البلوغ، قلت: أرأيت الغلام إن ارتد قبل أن يبلغ الحلم، قال: لا يصلى عليه ولا تؤكل ذبيحته. قال سحنون: يصلى عليه لأنه يكره على الإسلام ويرثه ورثته. اللخمي: الأحسن أن لمن ارتد حكم المرتد ولمن أسلم حكم المسلم، قال ابن القاسم: من قال في مرضه لم أكن قط مسلما وكنت أراءي فإنه لا يرثه ورثته المسلمون ولا غيرهم، ونحوه لمالك. وفي ابن حبيب: إن اتهم أنه أراد منع ورثته ورثوه. انتهى. وإذا مات للمرتد موروث في حال ارتداده فإن مات على ردته لم يرثه: وإن راجع الإسلام فقال ابن القاسم: لا يرثه، وقال أشهب: يرثه كما يرجع ماله إليه، وعبارة المدونة: إن رجع إلى الإسلام كان أولى بماله، خلافا لما في المبسوط. وفي النكت: إذا وقف مال المرتد لم ينفق منه على ولده الصغار وينفق منه على أم ولده ومدبره، انظر هذا فهو الذي يأتي على قول ابن القاسم إنه إذا راجع الإسلام ردت إليه أم ولده. انتهى كلام المواق.

ص: 344

وقال التتائي: ومال العبد لسيده يأخذه بالملك وإلا يكن المقتول بالردة عبدا بل حرا ففيء ماله لبيت المال اتفاقا أي غنيمة لا ميراثا. انتهى.

وللتلمساني في المسألتين المتقدمتين:

وكل مرتد فما من مطمع

له ولا لوارثيه فاسمع

وفي التتائي: ويدخل ميراث الساحر في ميراث المرتد. وَبَقِيَّ ولده مسلما يعني أن المرتد إذا قتل على ردته فإن ولده الذي لم يبلغ يحكم له بحكم الإسلام، فإذا أظهر الكفر بعد البلوغ فإنه يحكم له بحكم المرتد من قوله:"واستتيب ثلاثة أيام بلا جوع وعطش ومعاقبة" الخ. كأن ترك يعني أن المرتد إذا قتل على ردته فإن ولده الذي غفل عنه ولم يُحْكَمْ بإسلامه حتى بلغ فأظهر الكفر بعد البلوغ يحكم له بحكم المرتد، فقوله:"ترك" أي غفل عنه ولم يُحْكَمْ بإسلامه حتى بلغ. واعلم أن صريح الخرشي أو ما هو كصريحه أن الفرق بين المسألتين أن الولد في الأولى لم يغفل عنه بل حكم بإسلامه، سواء ولد قبل الردة أو بعدها، وفي الثانية غفل عنه ولم يحكم بإسلامه حتى بلغ، ولد قبل الردة أو بعدها، وفرض عبد الباقي الأولى فيما إذا ولد له حال الإسلام، والثانية فيما إذا ولد له حال الردة ولم يطلع عليه حتى بلغ وأظهر خلاف الإسلام فإنه يجبر على الإسلام بالسيف، قال: وهو المعتمد وفاقا للجواهر، وخلافا لقول النوادر وابن يونس: إن ولده حال كفره ولم يطلع عليه إلا بعد بلوغه لم يجبر، بخلاف من اطلع عليه قبل بلوغه فَيُجْبَرُ. انتهى.

وَتَحْرِيرُ هذا أنه إن اطلع عليه قبل البلوغ فإنه يحكم بإسلامه ولد قبل الردة أو بعدها، وإن لم يطلع إلا بعد البلوغ جبر على المعتمد خلافا لما في النوادر وابن يونس، وهذا فيما إذا ولد حال الكفر، فإن ولد قبل الردة وغفل عنه حتى بلغ فقضية كلامه أنه يجبر. واللَّه تعالى أعلم. وقال التتائي: وإذا قتل المرتد وله ولد صغير بقي ولده مسلما ولا يتبعه إذ تبعيته إنما تكون في دين يقر عليه، ويجبر على الإسلام إن أظهر خلافه كإن ترك حتى بلغ وأظهر خلاف الإسلام، فإنه يجبر عليه وظاهره بالسيف وقيل بالسوط ولا يبلغ به القتل. ابن حبيب في قوم ارتدوا وتناسلوا ثم ظفر بهم: فلهم ولذراريّهم حكم المرتد يستتاب الأكابر منهم فإن تابوا وإلا قتلوا، وكذلك من بلغ من

ص: 345

ذرياتهم لا يرقون ولا يحل استرقاقهم بالسبي، وكذلك ذكر لي من كاشفته من أصحاب مالك. انتهى.

وَأخِذَ مِنْهُ ما جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّي يعني أن المرتد إذا جنى عمدا على عبد أو ذمي فإنه يؤخذ من ماله الدية في الذمي والقيمة في العبد، وأما لو كانت جنايته على العبد أو الذمي خطأً فإن قيمة العبد في ماله أي المرتد أيضا كالعمد، وأما الذمي فدية الخطإ يحملها بيت المال، قال عبد الباقي: وأخذ منه أي من المرتد الحر أي من ماله سواء مات أو قتل على ردته ما جنى عمدا التقييد به لا بالنسبة. لقوله: "على عبد" إذ تؤخذ جنايته عليه ولو خطأ ولو قبل ردته، بمعنى تكون في ماله لأن بيت المال على عاقلته وهي لا تحمل عبدا. كذا ينبغي قاله أحمد. وإنما التقييد في قوله:"أو على ذمي" للتحرز عن جنايته خطأ على ذمي فإنها على بيت المال كما يقوله قريبا، وبيت المال كالعاقلة لا يحمل عبدا ولا عمدا. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأخذ منه أي من مال المرتد ما جنى عمدا على نفس أو طرف على عبد شمل المكاتب والمبعض، ولا مفهوم للعمد في العبد وإنما ذكره لأجل الذمي لأنه الذي يفترق فيه العمد من الخطإ أو ذمي لأنه لا يقتل به سواء تاب أو قتل على ردته، وأما إن كانت خطأ على ذمي فهي في بيت المال. انتهى.

وقال التتائي: وأخذ منه أي من مال المرتد أرش ما جنى قبل ردته أو بعدها عمدا على عبد لغيره أو ذمي؛ لأنه لا يقتل به فيتعين المال لترتبه عليه فلا يسقط عنه وهو مذهب ابن القاسم في الموازية. انتهى.

وقال البناني عند قوله: "وأخذ منه ما جنى عمدا على عبد أو ذمي" هذا مبني على أن المرتد لا يقتل بعبد ولا كافر، قال ابن مرزوق: وفي قتله بهما اضطراب. انتهى. وما مشى عليه المصنف هو قول ابن القاسم في الموازية وبه أخذ محمد، وقاله أصبغ. قال في البيان: وعلى قياس قول سحنون الذى يرى أنه محجور عليه في ماله بنفس الارتداد لا يكون ذلك في ماله، وإليه ذهب الفضل. قاله في التوضيح والشارح. ومعنى قوله:"وعلى قياس" لخ القول الذي يقول لا يرجع إليه ماله ولو تاب، وأما وقفه فلا بد منه بنفس الارتداد. انتهى.

ص: 346

لا حر مسلم يعني أن المرتد إذا جنى عمدا على حر مسلم فإنه لا يؤخذ من مال المرتد شيء في تلك الجناية؛ لأن الواجب فيه القود والقود ساقط لأنه يقتل للردة، قال الشبراخيتي: لا إن جنى عمدا على حر مسلم فلا تؤخذ جنايته من ماله بل تسقط لأن الواجب فيه القصاص والقتل يأتي على ذلك كله. انتهى. ونحوه لغيره، وقال عبد الباقي: لا إن جنى الحر المرتد عمدا على حر مسلم فلا يؤخذ شيء من ماله لسقوط حد القود بقتله لردته، وقولي: الحر في المسألتين احتراز عن العبد المرتد فإن جنايته إن أوجبت القصاص أن لو بقى مسلما لا تؤخذ منه لاندراجها في قتل الردة، فإن كانت لا توجبه أخذت منه إن كان معه مال وفي رقبته إن أسلم، وإلا بأن لم يكن معه مال وقتل على ردته سقطت. انتهى. وقال البناني:"لا حر مسلم" لأن الواجب عليه القود وهو يسقط بقتله إلا إن رجع إلى الإسلام فيقتص منه، ثم إنه في مسألة المصنف لا يقتص منه اتفاقا كما قاله ابن رشد، ونقله في التوضيح فما في الشارح من أن هذا على مذهب ابن القاسم وخالفه أشهب وَهَمٌ منه، والصواب أن الخلاف بينهما إنما هو فيما إذا جنى عليه وهرب لدار الحرب كما في ابن الحاجب.

وعلى أشهب رد المصنف بالتشبيه. انتهى. يعني بالتشبيه قوله: كأن هرب لدار الحرب تشبيه في عدم الأخذ من ماله وأنه هدر؛ يعني أن المرتد إذا جنى على حر مسلم وهرب لدار الحرب فإنه لا يؤخذ من ماله شيء وتكون الجناية هدرا هذا هو مذهب ابن القاسم: وقال أشهب: إنه تؤخذ الجناية من ماله واتفقا على أن جناية العمد هدر لا تؤخذ من ماله حيث بقي ببلد الإسلام؛ لأن قتله للردة يأتي على الجناية. قال البناني عند قوله: "كإن هرب لدار الحرب" ما نصه: أي وبقي فيها غير مقدور عليه هذا موضوع الخلاف في المسألة: فقول عبد الباقي: ثم أسر لخ غير صواب. ابن الحاجب: ولو قتل حرا مسلما وهرب إلى دار الحرب، فقال ابن القاسم: لا شيء لهم في ماله، وقال أشهب: لهم إن عفوا الدية، قال في التوضيح خلافهما: هنا مبْنِيٌّ على أن الواجب في العمد هل هو القود فقط أو التخيير؟ لكن قد يعترض على قول أشهب بأن الخيار إنما هو حيث لا مانع والقاتل هنا لو حضر لكان محبوسا بحكم الارتداد ولم يكن للأولياء معه كلام. انتهى. فيؤخذ منه أن المسألة مفروضة عند عدم القدرة عليه وهو محل الخلاف، أما عند القدرة

ص: 347

فلا، والتشبيه في كلام المصنف تام أي يؤخذ من ماله بعد هروبه ما جنى عمدا على عبد أو ذمي لا حر مسلم عند ابن القاسم. انتهى.

وقال الشبراخيتي: كإن هرب لبلاد الحرب بعد قتله لحر مسلم أو ذمي عمدا فإنه لا يؤخذ شيء من ماله لذلك: وإذا رجع فإن كان قتله لذمي دفع ديته وإن كان لحر مسلم قتل للردة إن لم يسلم وللقتل إن أسلم. انتهى. وانظر قوله: "أو ذمي" فإنه تناقض لكلام غير واحد، قال المواق: ابن شأس: لو قتل في ردته عمدا وهرب لبلاد الحرب لم يكن لوُلاة المقتول في ماله شيء ولا ينفق على ولده ولا على عياله منه، بل يوقف فإن مات فهو فيء وإن كان القتيل عبدا أو ذميا أخذ ذلك من ماله، ولابن رشد: لا خلاف إذا لحق بدار الشرك فتنصر وأصاب الدماء والأموال ثم أخذ فأسلم أنه يهدر عنه جميع ما أصاب، كالحربي إذا أسلم ولو ارتد وأصاب الدماء والأموال في بلد الإسلام ثم أسلم تهدرت

(1)

عنه حقوق اللَّه من الزنى والسرقة وحد الحرابة وأخذ بحقوق الناس من الأموال والدماء والجراح على مذهب ابن القاسم، أما إذا أخذ على ارتداده فلا خلاف أنه يقتل ولا يستتاب، وسواء كانت حرابته في أرض الشرك أو في أرض الإسلام. انتهى.

إلا حد الفرية يعني أن المرتد إذا جنى عمدا على حر مسلم فإنه يقتل لردته وتُهْدَرُ الجناية كما عرفت إلا فيما إذا قذف حرا مسلما فإنه يقام عليه الحد ثم يقتل للردة فالاستثناء من قوله: "لا حر مسلم"، وقال عبد الباقي: إلا حد الفرية أي القذف ببلد الإسلام ثم هرب لدار الحرب ثم أسر فإنه لا يسقط عنه لما يلحق المقذوف من المعرة، فيجلد قبل موته أو قتله، وأما إذا قذفه ببلد الحرب ثم أسر بعد ذلك فإن حد الفرية يسقط عنه وإن رجع للإسلام. انتهى. قال البناني: كلام عبد الباقي يقتضي أنه مستثنى مما قبله يليه وليس كذلك، بل هو راجع لقوله:"لا حر مسلم" كما في ابن الحاجب وابن شأس وغيرهما، وبه صرح ابن غازي. ونص ابن الحاجب: وأما جنايته على الحر المسلم عمدا فإن لم يتب لم يقم عليه غير الفرية ويقتل. انتهى.

(1)

في المواق انهدرت ج 8 ص 327.

ص: 348

وقال المواق من المدونة: إن قتل على ردته فالقتل يأتي على كل حد أو قصاص وجب عليه للناس، إلا القذف فإنه يحد ثم يقتل، وفي الموازية: إذا قذف الحربي مسلما ثم أسلم أو أسر لم يحد للقذف، ألا ترى أن القتل موضوع عنه؟ انتهى. وقال التتائي: إلا حد الفرية أي القذف فإنه لا يسقط إن أسر ولو قتل لما يلحق المقذوف من المعرة، كذا في المدونة، وفي توضيحه قيد هذا في الموازية بأن يقذفه في بلد الإسلام، وأما في دار الحرب فإنه إذا أسر يسقط عنه حد القذف ولم يعتبر التقييد هنا اعتمادا على ما في المدونة من الإطلاق. انتهى.

قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: تَحَصَّلَ مما مر أن المرتد إذا قذف حرا مسلما ببلد الإسلام فإنه يحد للفرية ثم يقتل للردة، سواء هرب المرتد بعد قذفه للحر المسلم ببلد الإسلام إلى دار الحرب ثم قدر عليه، أو لم يهرب لبلد الحرب وبقي ببلد الإسلام، إلا أن البناني يوهم أن هذا فيما إذا قذفه ببلد الإسلام ولم يهرب لدار الحرب والظاهر خلافه؛ أي أنه يحد ثم يقتل هرب لدار الحرب أولا، وأما إذا قذف المرتد الحر المسلم بدار الحرب فظاهر المصنف كالمدونة أنه لا يسقط عنه الحد خلاف ما في الموازية على ما قال التتائي. واللَّه تعالى أعلم.

والخطأ على بيت المال يعني أن المرتد إذا جنى خطأ على حر مسلم أو ذمي فإن بيت المال يحمل أرش تلك الجناية، كأخذه جناية عليه يعني أن بيت المال يأخذ أرش الجناية على المرتد، فإذا جنى على المرتد أحد فإنه يؤخذ من الجاني عليه أرش الجناية وتوضع في بيت المال. قال عبد الباقي: وجنايته الخطأ على حر مسلم أو ذمي على بيت المال، وسواء في الأقسام الثلاثة جنى على نفس أو جزء حسي أو معنوي، ولما ذكر جنايته على غيره ذكر جناية غيره عليه بقوله:"كأخذه" أي بيت المال جناية عليه ممن جنى عليه ولا يقتص منه ولو عبدا كافرا؛ لأن شرط القصاص أن يكون المجني عليه معصوما كما مر أول باب الجراح، ومر أيضا أن على قاتله الأدبَ بالنسبة للنفس وعليه أيضا ديةٌ ثُلثُ خمس قتل حال استتابته أو بعدها، وقبل قتل الإمام له وقبل رجوعه للإسلام. انتهى.

وقال الخرشي: يعني أن جناية المرتد خطأ على الذمي وعلى الحر المسلم على بيت المال، كما أن بيت المال يأخذ أرش الجناية عليه ممن جنى عليه، فكما يغرم عنه يأخذ ماله فعليه ما عليه وله

ص: 349

ماله، وأما العبد سواء كان عمدا أو خطأ ففي مال المرتد. انتهى. وقول عبد الباقي: وسواء في الأقسام الثلاثة: جناية المرتد حيث تكون في ماله كجنايته على العبد عمدا أو خطأ وعلى الذمي عمدا، وحيث تكون هدرا كجنايته عمدا على حر مسلم، وحيث تكون على بيت المال كجنايته خطأ على الحر المسلم أو الذمي. واللَّه تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي: والخطأ على بيت المال هذا في الذمي والحر المسلم وتقدم العمد فيهما، وأما العبد فالعمد والخطأ فيه سواء لأنه مال والعمد والخطأ في أموال الناس سواء، ولا يعارض كلام المصنف ما تقدم من أن بيت المال لا يعقل إلا عن المسلم لا غيره كما في قوله. "ثم بيت المال" إن كان الجاني مسلما لأن عدم عقله عن غير المسلم خاص بالكافر الأصلي، وأما المرتد فيعقل عنه. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: لو قتل المرتد مسلما حرا خطأ، فإن لم يتب فالدية على بيت المال وإن تاب فالدية على تفصيلها كالمسلم والجناية عليه تقدمت وعقلها إن لم يتب للمسلمين، فإن تاب فله. ابن شأس: وعمد من جرحه كالخطإ لا يقاد منه، ولو جرحه عبد أو نصراني فلا قود له لأنه ليس له دين يقر عليه وفيه العقل. انتهى.

وإن تاب فماله له يعني أن المرتد إذا تاب بأن رجع إلى الإسلام فإن ماله يرجع له على المشهور. قاله الخرشي. وقال البناني: وإن تاب فماله له هذا هو الأصح وهو مذهب المدونة، ومقابله لسحنون أنه يكون فيئا ولو تاب. ابن الحاجب: وأما ماله فيوقف، فإن تاب فله على الأصح. انتهى. أي فالوقف لابد منه على كل حال، وإنما الخلاف إذا تاب هل يرجع إليه ماله أم لا؟ وبحث فيه ابن عبد السلام قائلا: ظاهره أنه يتفق على الإيقاف، ولا فائدة فيه على القول المقابل إذ لا يعود إليه مطلقا، وأجاب في التوضيح بأن النقل كما في ابن الحاجب، ثم ساق كلام ابن شعبان قائلا: وفائدة الإيقاف على هذا القول لعله يظهر دينٌ فيؤخذ منه، ولأنه إذا رأى ماله موقوفا لعله يتوهم أنا وقفناه له فيعود للإسلام، واستظهر ابن عبد السلام قول سحنون: إنه يكون فيئا مطلقا لأنه أخذ منه لأجل كفره فأشبه مال الحربي. انتهى بتغيير قليل. وقال الشبراخيتي: وإن تاب فماله له لا فيء، وقال ابن مرزوق: هذا يدل على أن مال المرتد ينزع منه بنفس الردة ويوقف حتى يعلم حاله. انتهى.

ص: 350

وقوله: "وإن تاب فماله له" اعلم أن العبد إذا ارتد فإن للسيد أن ينتزع ماله وله أن يتركه، وقال المواق: قال ابن القاسم: يُوقِف السلطان مال المرتد قبل أن يقتل. ابن عرفة: والمعروف إن تاب رجع إليه ماله. انتهى. وإذا تاب المرتد بأن رجع إلى الإسلام والحال أنه قد جنى قُدِّرَ بعد توبته كالمسلم فيهما أى في العمد والخطإ أي في جنايتي العمد والخطإ الصادرتين منه، وإيضاح هذا أن تقول: إذا جنى المرتد في حال ردته ثم تاب فإنه يقدر مسلما في حال جنايته ويحكم عليه بما يحكم به على المسلم، فيقتص منه للمماثل له في العمد، وأما الخطأ فعلى عاقلته على ما مر.

وعلم مما قررت أن قوله: "وقدر كالمسلم فيهما" مرتب على قوله: "وإن تاب فماله له" وقوله: "وقدر كالمسلم فيهما"، قال البناني: ابن الحاجب: وإن تاب قدر جانيا مسلما في القود والعقل وقيل قدر جانيا ممن ارتد إليهم. انتهى. التوضيح: القولان لابن القاسم بناء على أن اعتبار النظر في الجناية يوم الحكم أو يوم الوقوع والقياس عنده يوم الجناية، وزاد في البيان ثالثا باعتبار العقل يوم الحكم والقود يوم الفعل. انتهى. وقولي: والحال أنه قد جنى احتراز من الجناية على المرتد فإنه لا يقدر كالمسلم، فإذا رُمِيَ أو جُرِح وهو مرتد ثم عاود الإسلام فلا يقتص له لأنه أصيب وهو غير معصوم. وقد مر:"وضمن وقت الإصابة والموت". واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيه:

قد مر نقل المواق عن ابن رشد أنه لا خلاف أنه إذا لحق بدار الشرك فتنصر وأصاب الدماء والأموال ثم أخذ فأسلم فإنه يهدر عنه جميع ما أصاب كالحربي إذا أسلم. انتهى.

واعلم أنه لو قذف المرتد أحد ولو كافرا حال ردته لم يحد، بل إن قذفه قبل ردته فلم يقم عليه حتى ارتد سقط عن قاذفه الحد، ولو رجع للإسلام. ذكره في النوادر عن ابن حبيب عن أصبغ. قاله عبد الباقي.

وقتل المستسر يعني أن المستسر أي الذي يُسِرُّ الكفر ويظهر الإسلام يقتل إذا اطلع عليه وهو المعروف الآن بالزنديق، وكان يعرف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالمنافق بلا استتابة يعني أن الزنديق يقتل مهما اطلع عليه ولا تطلب منه التوبة، ومعنى ذلك أنه لا تطلب منه التوبة بحيث لو تاب لم يقتل بل يقتل ولو تاب وأظهر التوبة. قال التتائي: وقُتِل المسْتَسِرُّ الذي يُسِرُّ الكفر ويُظهر الإسلام وهو الزنديق المسمى بالمنافق في العصر الأول وقتل حدا بلا استتابة. المتيطي:

ص: 351

من عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك فإنه يقتل ولا يستتاب إذا كان في ذلك يظهر الإسلام مُسْتَسِرًا بما أخذ عليه؛ إذ لا تعرف توبته ولو ادعى التوبة والرجوع عن زندقته. انتهى. وقال عبد الباقي: وقتل المُسْتَسِرُّ للكفر -أي مخفيه ومظهر الإسلام وهو المسمى في الصدر الأول. منافقا وتسميه الفقهاء زنديقا- بلا استتابة أي بلا طلب توبة منه بعد القدرة عليه، بل ولا قبولها أيضا بعد القدرة عليه، فالسين ليست للطلب بدليل قوله:"إلا أن يجيء" انتهى.

إلا أن يجيء تائبا يعني أن المُسْتَسِرِّ إذا جاء تائبا قبل الاطلاع على كفره فإنه تقبل توبته، بمعنى أنه لا يقتل وقد قدمت في أول الحل أن السين والتاء للطلب تبعا لغيري. واللَّه تعالى أعلم. وقد صرح غير واحد بأن السين ليست للطلب. المواق: قال ابن عرفة: الزنديق من يظهر الإسلام ويسر الكفر، إن ثبتت زندقته بإقراره ففي قبول توبته طريقان: الأولى قبولها اتفاقا. ابن الحاجب: لا يقبل الزنديق إذا جاء تائبا على الأصح، بخلاف من ظُهِرَ عليه. ابن شأس: من ظهر عليه قتل؛ لأنه إذا ظهر عليه لم يخرج بما أبداه عن عادته ومذهبه، فإن التقاة عند الخوف عين الزندقة، قال: ويقتل ولا يستتاب ويكون ميراثه لورثته المسلمين، وكذلك من عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك مستسرا به مظهرا للإسلام فظهر عليهم وهم يقرون بالإسلام وهم بمنزلة المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا أن يجيء قبل اطلاعنا عليه تائبا عما كان عليه من غير خوف فلا يقتل. انتهى. وقال الشبراخيتي: إلا أن يجيء تائبا قبل الظهور عليه فلا يقتل وتقبل توبته، وأما لو جاء تائبا بعد الظهور عليه فلا تقبل توبته ويقتل حدا. انتهى.

وماله لوارثه يعني أن المُسْتَسِر إذا تاب أو أنكر ما شهد به عليه فإنه إذا قتل أو مات بغير قتل يكون ماله لورثته لا لبيت المال، قال عبد الباقي: وماله إرثه أي إن جاء تائبا أو اطلع عليه فتاب، وإن كانت توبته حينئذ لا تسقط قتله أو أنكر ما شهد به عليه أو مات قبل الاطلاع يغير قتل أو به بغير الزندقة ثم اطلع على حاله بعد موته فمالُه لوارثه، ومفهوم هذه الصور أنه إن استمر على زندقته ولم يتب منها ولم ينكر ما شهد به عليه حتى قتل بها فإن ماله لبيت المال. انتهى باختصار. وقال الشبراخيتي: إن مات قبل الاطلاع عليه وكذا بعده إن تاب، سواء تاب

ص: 352

قبل الاطلاع عليه أو بعده وإن كانت توبته حينئذ لا تسقط قتله، وينبغي أن يكون مثله ما إذا أنكر ما شهدت به عليه البينة من الزندقة، قال في التلمسانية:

وكُلُّ من أسَرَّ دِينًا واستَتَرْ

من عابدي شمس ونجم وحَجَرْ

وكان للإسلام تبدو شِيمَتُه

فمَالُهُ تَرِثُهُ وَرَثَتُه

وإذا سب نصراني النبي صلى الله عليه وسلم فماله للمسلمين لنقض عهده بذلك. انتهى. كلام الشبراخيتي. وقوله: وإذا سب نصراني الخ يعني إذا سبه بغير ما به كفر وهو ظاهر. قاله مقيده واللَّه تعالى أعلم. وقال الحطاب: وماله لوارثه يعني أن مال الزنديق لوارثه وهذا إذا تاب، وأما إن لم يتب فلا. قاله ابن بكير في أحكام القرآن. انتهى. وفي نقل الرهوني: ومن أظهر الإسلام وأسرَّ اليهودية أو النصرانية أو دينا من الأديان غير الإسلام، فإن أتى تائبا قبلت توبته وإن أخذ على دين سواه قتل ولم يستتب. وقاله مالك وابن القاسم. واختلف في ميراثه هل هو لورثته أو لجماعة المسلمين؟ قال أبو محمد: يعني الذي يسر الزندقة فلم تقبل منه التوبة [أو ينكر]

(1)

ما شهد به عليه فيقتل، وأما المتمادي على غيه فلا اختلاف أنه لا يورث، ومن عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك فإنه يقتل ولا يستتاب إذا كان في ذلك مظهرا للإسلام مسرا بما أخذ عليه؛ لأنه لا تعرف توبته ويرثه ورثته من المسلمين لأنه مقر بالإسلام وبأحكامه، فهو كالمنافقين الذين كانوا في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يعلم بكفرهم وورثهم ورثتهم من المسلمين. انتهى.

وقبل عذر من أسلم وقال أسلمت عن ضيق إن ظهر يعني أن من أسلم من الكفار ثم ارتد، وقال: إنما كان إسلامي لأجل عذر حصل لي وظهر عذره بقرينة، فإنه يعمل بقوله ولا يحكم له بحكم المرتد، وقيد بما إذا لم يُقِمْ على الإسلام بعد ذهاب الخوف عنه، وأما إن لم يظهر عذره فهو

(1)

في الأصل: وينكر، والمثبت من الرهوني ج 8 ص 89.

ص: 353

مرتد. قال عبد الباقي: وقُبل عذر من أي كافر أسلم وقال أسلمت عن ضيق خوف أو غُرم أو عذاب ثم رجع بعد زوال ضيقه ولم يبق على الإسلام إن ظهر ذلك العذر بقرينة، فإن لم يظهر لم يقبل منه وحكم فيه بحكم المرتد، فإن رجع للإسلام وإلا قتل. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وقبل عذر من أسلم من الكفار وقال في عذره أسلمت عن ضيق كإكراه أو عذاب أو ظلم أو جور إن ظهر عذره، ومفهومه إن لم يظهر لم يقبل منه وحكم فيه بحكم المرتد. وقال أشهب: لا يقبل منه ذلك مطلقا. انتهى. وقال التتائي: وقبل عذر من أسلم من الكفار ثم ارتد وقال في عذره أسلمت عن ضيق كإكراه أو اضطرار جزية أو ظلم أو جور إن ظهر ذلك. قاله ابن حبيب عن ابن القاسم وابن وهب. ومفهومه أنه إن لم يظهر لم يقبل منه وحكم فيه بحكم المرتد، خلافا لأشهب. وظاهر كلام المصنف ولو طال بقاؤه على الإسلام بعد زوال عذره، وقيده أصبغ بأن لا يبقى على الإسلام بعد زوال عذره. انتهى.

كأن توضأ وصلى يعني أن الكافر إذا توضأ وصلى، ثم قال: إنه نصراني مثلا واعتذر عن وضوئه وصلاته فإنه إنما فعل ذلك خوفا على نفسه أو ماله، فإنه يقبل منه ذلك ولا يقتل إن ظهر عذره بقرينة، قال عبد الباقي: كإن توضأ وصلى ولو إماما ثم لما أمن قال إنه كافر واعتذر بأنه فعل ذلك خوفا على نفسه وماله فيقبل منه إن ظهرت قرينة صدقه. انتهى. ونحوه لغير واحد، فإن لم تظهر قرينة صدقه لم يقبل عذره وحكم له بحكم المرتد.

وأعاد مأمومه يعني أن من قبل عذره ممن قال أسلمت عن ضيق أو توضأ وصلى يعيد من ائتم به أبدا، وظاهر هذا أن مأموم من لم يقبل عذره لا إعادة عليه، والذي استظهره في التوضيح أن عليه الإعادة أيضا لأنه لا بد من أن يكون غير متحفظ على ما تتوقف صحة الصلاة عليه فراجعه فهو الحق. قاله البناني.

وأدِّبَ من تَشَهَّدَ ولم يوقف على الدعائم يعني أن الكافر إذا تشهد بشهادة الإسلام ولم يكن وقف على الدعائم التي بني الإسلام عليها، ثم لما وقف عليها صعب عليه التزامها وارتد عما شهد به من شهادة الإسلام، وقال: ما علمت أنه يلزمني مع التشهد هذه الأشياء فإنه يؤدب ويشدد عليه لكن يرجع إلى الإسلام، فإن لم يرجع إلى الإسلام لم يقتل.

ص: 354

‌تنبيه:

وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: وأدب من تشهد أي نطق بالشهادتين ولم يوقف على الدعائم أي لم يلتزم شرائع الإسلام من صلاة وغيرها بعد علمه بها حين إسلامه فرجع عنه، فيؤدب ويترك في لعنة اللَّه. قاله مالك وابن القاسم. انتهى المراد منه. قوله: أي لم يلتزم شرائع الإسلام بعد علمه بها حين إسلامه لخ فيه نظر، بل إذا علم بها وتشهد ثم رجع يعد مرتدا قطعا؛ لأن نطقه بعد علمه رضًى. انظر التوضيح. ونحوه قول ابن مرزوق: معنى الكلام أنه لم يوقف أي لم يُعْلَم بها حين التشهد فلما أُعْلِمَ بها أبى من التزامها، فيؤدب ولا يحكم عليه بحكم المرتد. انتهى. قاله البناني. ونحو ما للبناني للتاودي والجنوي وبه صرح ابن مرزوق، ونحو ما لعبد الباقي للشيخ سيدي عبد القادر الفاسي رضي اللَّه تعالى عنه.

قال الرهوني: وما جزم به ابن مرزوق واعتمده التاودي والبناني واستظهره شيخنا الجنوي هو الصواب، ولا شاهد لسيدي عبد القادر في كلام ابن عرفة؛ لأن قوله مع التزام أحكامهما صادق بهذه الصورة؛ إذ دخوله في الإسلام بعد علمه بدعائمه التزام لها قطعا، وكذا لا شاهد له في كلام الشامل؛ لأن قوله: إن رضي بالشرائع صادق بهذه الصورة كما لا يخفى، وفي المتيطي ما هو شاهد لما قاله ابن مرزوق. انتهى. ونص المتيطي في نهايته: فإذا أجاب إلى الإسلام جملة واحدة وتشهد بشهادة الحق وأقر بشهادة محمد صلى الله عليه وسلم، وقف على شرائع الإسلام وحدوده من وضوء وصلاة وزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، فإذا أجاب إلى ذلك كله تم إسلامه وقبل منه إيمانه، فإن أبى من التزام ذلك لم يقبل منه إسلام ولم يكره على التزامها ولم يجبر على الإسلام وترك على دينه، ولا يعد مرتدا بتركه التزام شرائع الشريعة ولا يعرض له وكان اللَّه عز وجل غنيا عنه، وكذلك ينبغي أن يوقف عند دخوله في الإسلام وتعريفه بالدعائم التي بُنِي الإسلام عليها وهي التي تقدم ذكرها على فرائضه فصلا فصلا حتى يكون من ذلك كله على بصيرة مما دخل فيه، ثم قال: وإذا لم يوقف هذا الإسلاميُ على شرائع الإسلام حين أسلم ولم يغتسل ولا صلى حتى رجع عن الإسلام فالمشهور من المذهب أنه يشدد عليه ويؤدب، فإن تمادى على ردته ترك في لعنة اللَّه ولم يقتل؛ لأن الإسلام قول وعمل. وقاله مالك وابن القاسم وغيرهما. وبه أخذ ابن عبد الحكم وعليه العمل وبه القضاء، وقال أصبغ

ص: 355

في كتاب ابن حبيب: سواء رجع عن إسلامه عن قرب أو بعد ولو طرفة عين إذا شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ثم رجع قتل بعد استتابته وإن لم يصل ولا صام. انتهى. فانظر قوله: حتى يكون من ذلك كله على بصيرة لخ تجده شاهدا لما قلناه؛ إذ من كان عالما بذلك قَبْلُ هو عند دخوله في الإسلام على بصيرة مما دخل فيه قطعا. نقله الرهوني. قال: وكلامُ المتيطي الأولُ يفيد أنه إن أوقف على الدعائم فرجع لأجل ذلك لا يؤدب أصلا وكلامُه الأخيرُ صريح في أنه إذا لم يوقف عليها ثم رجع أنه يؤدب ويشدد عليه في الأدب. واللَّه أعلم. انتهى. بحذف منه. وظاهر المصنف الأدب في هذا كالمتيطي فيكون محترزه لا أدب عليه وهو ما إذا وقف عليها.

وقوله: "كإن توضأ وصلى وأعاد مأمومه" المسألة وقعت في نصراني صحب قوما في السفر فتوضأ وصلى وربما صلوا خلفه، فلما أمن قال إنما صنعت ذلك تحصنا بالإسلام لئلا يؤخذ ما معي فإن ذلك له إن أشبه ويعيدون ما صلوا خلفه في الوقت وبعده. قاله مالك. وقال الشبراخيتي: وفهم من قوله: "ولم يوقف على الدعائم" أنه جاهل بها وأما لو لم يكن جاهلا بها، كأن يكون مخالطا للمسلمين فإنه يقتل لأنه صار مرتدا. انتهى. وقال عبد الباقي: ثم ما ذكره هنا لا ينافي قول ابن عطاء اللَّه: إن الكافر يكون مسلما بأذانه؛ لأن من تشهد هنا مسلم أيضا والرجوع شيء آخر فمن أذَّن حالة عدم وقفه على الدعائم مسلم، وإذا رجع أدب. انتهى.

كساحر ذمي لم يدخل ضررا على مسلم يعني أن الساحر الذمي يؤدب ولا يقتل حيث لم يُدخل بسحره ضررا على مسلم، وأما إن أدخل بسحره ضررا على مسلم فإنه يقتل لأنه نقض العهد بذلك، قال المواق: عبد الوهاب: إن كان الساحر ذميا فقال مالك: لا يقتل إلا أن يدخل بسحره ضررا على المسلمين، فيكون ذلك نقضا لعهده ولا تقبل منه التوبة وإن سحر أهل الذمة أدب إلا أن يقتل أحدا، قال الباجي: لا يقتل الساحر الذمي إلا أن يؤذيَ مسلما أو يقتل ذميا. قاله مالك. انتهى. وقال عبد الباقي: كساحر ذمي يؤدب إن لم يدخل ضررا على مسلم فإن أدخله عليه تحتم قتله ولا تقبل منه توبة غير الإسلام. نقله الباجي عن مالك. قال: وأما إن سحر أهل ملته فيؤدب إلا أن يقتل أحدا فيقتل به. قاله الشارح. والذي ينبغي فيما إذا أدخل بسحره ضررا

ص: 356

على مسلم أن يجري فيه حكم من نقض عهده فيخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق وضرب الجزية، لا أنه يتعين قتله إذا لم يسلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: كساحر ذمي يؤدب إن لم يدخل بسحره ضررا على مسلم، فإن أدخل ضررا تحتم قتله ولا تقبل منه توبة غير الإسلام. نقله الباجي عن مالك. وأما إن سحر أهل ملته فيؤدب إلا أن يقتل أحدا فيقتل به. قاله الشارح. والذي ينبغي فيما إذا أدخل بسحره ضررا على مسلم لخ، ثم إن قول الشارح: إنه إذا قتل بسحره أحدا من أهل ملته يقتل يخالف ظاهر المصنف فيقيد به. انتهى.

وأسقطت صلاة يعني أن الردة تسقط الصلاة فعلت أو لم تفعل إلا أنها إن فعلت أبطلت ثوابها وإن لم تفعل سقط قضاؤها، فإذا ارتد المسلم والعياذ باللَّه تعالى ثم راجع الإسلام فإن ما فعله من الصلاة فيما سلف من عمره يبطل ثوابه، وما لم يفعله من الصلاة ولم يراجع الإسلام إلا بعد أن خرج وقته سقط عنه قضاؤه. وصياما يعني أن الردة تسقط الصيام فعل أو لم يفعل، إلا أنه إن فعل أبطلت ثوابه وإن لم يفعل أسقطت قضاءه، فإذا ارتد المسلم -والعياذ باللَّه تعالى- ثم عاود الإسلام فإن ما صام من الرمضانات يبطل ثوابه وما لم يصمه يسقط عنه قضاؤه، وزكاة يعني أن الردة تسقط الزكاة أخرجت أو لم تخرج، إلا أنها إن أخرجت حبط ثوابها وإن لم تخرج لم يلزم إخراجها، فإذا ارتد المسلم -والعياذ باللَّه تعالى- ثم راجع الإسلام فإن ما أخرجه من الزكاة يحبط ثوابه، وما لم يخرجه منها لم يلزمه قضاؤه.

قال الشبراخيتي عند قول المصنف: "وأسقطت صلاة وصياما وزكاة" ما نصه: فعلت هذه الأشياء أو لم تفعل إلا أنها إن فعلت أبطلت ثوابها وإن لم تفعل أبطلت قضاءها، ويقدر كأنه كافر أصْلِيٌّ دخل في الإسلام. انتهى. وقال عبد الباقي: وأسقطت صلاة وصياما وزكاة بمعنى لا يطالب المرتد بها إذا عاد للإسلام سواء كان فعلها أم لا، إلا أنه إن لم يكن فعلها أسقطت قضاءها، وإن كان فعلها أسقطت ثوابها ولا يلزمه إعادتها، وأسقطت بمعنى أبطلت.

وحجا تقدم يعني أن الردة تُسقط الحج الذي فعل، فإذا ارتد المسلم -والعياذ باللَّه تعالى- بعد أن حج الفرض ثم راجع الإسلام فإنه يجب عليه أن يحج حجة الفريضة لبطلان الحج السابق للردة بالردة، قال عبد الباقي: وحجا تقدم فيجب عليه فعله إذا عاد للإسلام لبقاء وقته وهو العمر،

ص: 357

وكذا صلاة تقدمت ورجع للإسلام قبل انقضاء وقتها فيجب عليه لا بعده، فيدخل في قوله:"وأسقطت صلاة". انتهى. وقال الشبراخيتي: وأسقطت حجا تقدم فعله قبل ردته ويطالب به إذا رجع للإسلام، كمن لم يحصل منه حج أصلا لبقاء وقته لأن وقته العمر وهذا في الفرض، وأما التطوع فلا يلزمه قضاؤه ومثله ما فعله من الصلاة قبل ردته ثم عاد للإسلام في وقته؛ يعني فيجب إعادته إذا كان فرضا، وأما لو عاد بعد خروج وقته فإنه لا يطلب بقضائه، كما أشار له بقوله:"وأسقطت صلاة"، وقوله:"تقدم" بخلاف عتقه وتدبيره فإنه لا يبطل، سواء رجع إلى الإسلام أو قتل على ردته واستيلاده المتقدم فلا يسقط. انتهى.

وقال الحطاب: أي أسقطت الردة عن المرتد صلاة وصياما وزكاة أي أبطلت الصلاة والصوم والزكاة التي تعلقت بالمرتد من حين تعلق ذلك به إلى حين رجوعه إلى الإسلام، سواء كان فعل ذلك أو لم يفعله، فإن فعل ذلك فالإسقاط بمعنى إبطال ثوابه المرتب عليه، وإن كان لم يفعل ذلك فالإسقاط بمعنى إبطال تعلقه بذمته، وسواء وجب ذلك قبل الردة أو أدركه وقت وجوبه وهو في حال الردة، ولو صلى صلاة ثم ارتد في وقتها ثم رجع إلى الإسلام ووقتها باق بحيث يدرك منها ركعة لزمته. نقله أبو الحسن. وأسقطت الردة حجا تقدم من المرتد في حال إسلامه، والإسقاط هنا بمعنى إبطال ثوابه، ويجب عليه استيناف الحج على المشهور؛ لأنه وقته متسع إلى آخر العمر فيجب عليه بخطاب مبتدإ ولو ارتد وهو محرم بطل إحرامه. قاله في النوادر. فإن كان تطوعا لم يلزمه قضاؤه، وإن كان فرضا وكان قد حج الفرض قبل ذلك فلا بد من استيناف حج الفريضة. انتهى. ويفهم من كلام المصنف أنه لا يلزمه قضاء ما أفسده من الحج والعمرة قبل ردته؛ لأن ذلك قد بطل وسقط عن ذمته، فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى. وقال التتائي: وأسقطت حجا تقدم فعله قبل ردته فيجب عليه الحج إذا تاب على المشهور، والخلاف جار على إبطال العمل بمجردها أو بشرط الوفاة على الكفر. انتهى.

ونذرا يعني أن الردة تسقط عن المرتد نذرا نذره في حال إسلامه أو في حال ردته. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وأسقطت نذرا وكفارته، ويمينا باللَّه يعني أن الردة تسقط عن المرتد اليمين باللَّه حلفها في حال إسلامه أو في حال ردته. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ويمينا باللَّه وكذا

ص: 358

كفارته، أو بعتق يعني أن الردة تسقط عن المرتد اليمين بالعتق، وظاهر كلام المصنف سواء كانت اليمين بعتق معين أو بعتق غير معين وهذا ظاهر المدونة، وقال ابن الكاتب: هذا في غير المعين فيلزمه لأنه تعلق به حق إنسان معين قبل ردته فلا يسقط عنه كما يلزمه تدبيره. قال ابن يونس: ويظهر لي أن تدبيره كعتقه وطلاقه وذلك بخلاف أيمانه، ألا ترى أن النصراني يلزمه تدبيره إذا أسلم ولا يلزمه يمينه، فكذلك المرتد. قال أبو الحسن: فكأنَّ ابن القاسم يقول: سواء كانت يمينه بعتق عبد بعينه أو بغير عينه فإنها تسقط، وقد تقدم الخلاف في ذلك. انتهى. يشير إلى ما نقله عن عياض ونصه: اختلفوا في يمينه بالعتق التي أسقطها هل ذلك في غير المعين، وأما المعين فيلزم كالمدبر وقيل المعين وغيره سواء. انتهى. وقال الشبراخيتي: عن الأجهوري: أو بعتق كان العتق معينا أم لا، والتفصيل ضعيف. انتهى. وقال الخرشي: وسواء كان العتق معينا أم لا والتفصيل ضعيف. انتهى.

أو ظهار يعني أن الردة تسقط اليمين بالظهار وكذا الظهار المجرد عن اليمين، قال أبو الحسن: يتحصل في الظهار المجرد واليمين بالظهار ثلاثة أقوال: أحَدُهَا أن ذلك لا يسقط فيهما وهو عند محمد في اليمين بالظهار فأحرى في المجرد، والثاني أن ذلك يسقط فيهما وهو الذي اختصر عليه أبو محمد المدونة. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وفي بعض النسخ وظهارا بالنصب عطفا على صلاة أي وأسقطت ظهارا سواء كان معلقا، كقوله: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي أو منجزا، كأنت علي كظهر أمي ويستفاد منه سقوط كفارته فهي تسقط الظهار المنجز واليمين بالظهار وكفارة الظهار حيث وجبت فيه. انتهى. وقال عبد الباقي:"أو ظهار" مراده تسقط نفس اليمين إن لم يحنث وكفارته إن حنث، وفي بعض النسخ: وظهارا بالنصب عطفا على صلاة أي وأسقطت ظهارا معلقا، كإن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي أو منجزا كأنت علي كظهر أمي ويستفاد منه سقوط كفارته فهي تسقط الظهار المنجز واليمين به وكفارته حيث وجبت فيه.

وإحصانا يعني أن الردة تسقط الإحصان من رجل أو امرأة، فإذا أحصن الرجل ثم ارتد -نسأل اللَّه السلامة- ثم عاود الإسلام فزنى فإنه لا يرجم بل يجلد مائة لسقوط إحصانه، وإذا أُحْصِنَتِ

ص: 359

المرأة ثم ارتدت -نسأل اللَّه تعالى السلامة من الردة ومن كل ضر- ثم راجعت الإسلام فزنت فإنها لا ترجم بل تجلد مائة لبطلان إحصانها. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وأسقطت الردة إحصانا أي تسقط إحصان من ارتد من زوج أو زوجة، وأما ارتداد الزوج فلا يسقط إحصان المرأة وكذلك عكسه، فالردة إنما تبطل وصف من تلبس بها لا وصف غيره وإن كان ناشئا عمن تلبس بها. انتهى. وقال الحطاب: وأسقطت الردة إحصانا تقدم من الزوجين في حال إسلامهما، فمن ارتد منهما زال إحصانه ولا يزول إحصان الآخر الذي لم يرتد كما يظهر من لفظ المدونة، قال فيها: والردة تزيل إحصان المرتد من رجل أو امرأة ويأتنفان الإحصان، ومن زنى منهما بعد رجوعه إلى الإسلام لم يرجم.

‌فرع:

قال المشدالي في حاشيته: قال ابن عرفة: لو ارتد قاصدا لإزالة الإحصان ثم أسلم فزنى فإنه يرجم معاملة له بنقيض مقصوده. انتهى. وذكر في التوضيح أن من ارتد ليسقط عنه حد الزنى أنه لا يسقط نقله عن ابن يونس وسحنون. ولا تسقط الردة حد الزنى لأنه لا يشاء من وجب عليه حد إلا أسقطه بالردة. ابن يونس: وظاهر هذا خلاف المدونة: قال: وأنا أستحب إن علم منه أنه إنما ارتد ليسقط الحد قاصدا لذلك فإنه لا يسقط ذلك عنه. انتهى. وقال التتائي: وأسقطت إحصانا أي أبطلته على المشهور، فإذا ارتدا أو أحدهما ثم رجعا أو أحدهما إلى الإسلام صار حكمه إذا زنى كالبكر. انتهى.

ووصية يعني أن الردة تسقط الوصية، قال الحطاب: أي وأسقطت الردة وصية صدرت من المرتد في حال ردته أو قبل ذلك، بخلاف تدبيره فإنه لا يبطل سواء رجع إلى الإسلام أو قتل على ردته بل يخرج من ثلثه، وإن كان له أم ولد فتخرج من رأس ماله، وما أعتقه أو أعطاه لغيره قبل ردته فإنه لا يبطل، وانظر ما حكم وقفه؟ والظاهر أنه لا يبطل قياسا على العتق. واللَّه أعلم. انتهى. وقال التتائي: وأسقطت وصية تقدمت عليها أو بعدها إن قتل على ردته. البساطي: أو تاب أو مات. انتهى. وإسقاطها للوصية مثله في النكاح الثالث من المدونة، وفي أمهات الأولاد إذا قتل على ردته عتقت أم ولده من رأس ماله وعتق مدبروه في الثلث وبطلت وصاياه. انتهى. وقال عبد الباقي: وقوله ووصية أي قبل ردته أو فيها فتسقط ولو رجع للإسلام أي سقط ما أوصى به،

ص: 360

بخلاف تدبيره قبلها فلا تبطله رجع للإسلام أو قتل عليها لأنه عقد لازم، وكذا أم ولده تخرج من رأس المال وكذا يمضي عتقه المنجز قبل ردته وإعطاؤه لغيره شيئا كالوقف فيما يظهر قياسا على العتق. انظر الحطاب. وأما لو وهب قبلها وتأخر الحوز حتى ارتد وقتل على ردته فيبطل ومثله ارتداد الموصى له حيث لم يحز قبلها، وكلام المصنف صادق بهما وإن كان الموافق لما قبله الأول. انتهى. قوله: ولو رجع للإسلام، قال البناني: نحوه في الحطاب وهو خلاف ما في المواق من أن البطلان إنما هو إذا مات على ردته. انتهى. وقال الشبراخيتي عن الأجهوري: وقوله: "وأسقطت صلاة" إلى قوله: "ووصية" ينبغي أن تقيد هذه الأمور بما إذا لم يقصد بالردة إسقاطها وإلا لم تسقط معاملة له بنقيض قصده. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "ووصية" ما نصه: وينبغي أن تقيد هذه الأمور من قوله: "وأسقطت صلاة" إلى هنا بما إذا لم يقصد بالردة إسقاطها وإلا لم تسقط معاملة له بنقيض قصده، وقد نقله المشدالي عن ابن عرفة في الإحصان. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "وإحصانا ووصية": بمعنى أبطلتهما فاستعمل كما في أحمد: الإسقاط في معنى عدم المطالبة وفي معنى الإبطال، وهذا الثاني في الحج والإحصان والوصية. انتهى.

لا طلاقا يعني أن الزوج إذا طلق زوجته ثلاثا أو أقل ثم ارتد ثم راجع الإسلام فإنه لا يسقط عنه الطلاق بسبب الردة، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إن كان طلقها ثلاثا، قال عبد الباقي: لا تسقط الردة طلاقا ثلاثا أو أقل وقع منه قبلها منجزا أو معلقا على دخول دار ودخلت قبل الردة، فإذا عاد للإسلام لا تحل له مطلقته ثلاثا إلا بعد زوج فإن تزوجت بغيره زمن ردته حلت له وهذا ما لم يرتدا معا، فإن ارتدا معا ثم رجعا للإسلام فإنه يجوز له أن يتزوجها قبل زوج؛ لأن أثر الطلاق بطل بالردة إلا أن يقصدا بردتهما التحليل، فإن قصداه لم تحل كما هو ظاهر فتوى ابن عرفة. قاله الشيخ أحمد بابا.

والفَرْقُ بين الطلاق والظهار أن فيه كفارة فأشبه الأَيْمَانَ وأن الخطاب فيه إلى الزوج خاصة، بخلاف الطلاق. وأما يمين الطلاق كقوله: عليَّ الطلاق لا أفعل كذا ثم ارتد قبل حنثه فإن الردة تسقطها كما يفهم من المدونة. انتهى. قوله: فإن ارتدا معا ثم رجعا للإسلام فإنه يجوز له أن يتزوجها لخ، قال الرهوني: مثله في الحطاب قائلا ما نصه: قاله ابن القاسم ونقله عنه اللخمي

ص: 361

ونقله المصنف في التوضيح ونص عليه في الشامل. انتهى. وكلام ابن الحاجب يقتضي أنه متفق عليه لأنه ساقه مساق الاحتجاج به لمسألةٍ، فقال: ولذا لو ارتدت المبتوتة حلت. انتهى. وسلمه في التوضيح، فقال في شرحه ما نصه: ولأجل أن أثر الطلاق فيها لو ارتدت المبتوتة ومطلقها معا ثم رجعا إلى الإسلام لحلت لمطلقها؛ لأن أثر الطلاق قد بطل بالردة. انتهى.

وفي ابن عرفة عن عياض ما نصه: ولو ارتدا جميعا ثم أسلما جاز أن يتناكحا عندهم على قول ابن القاسم. انتهى. ومثله في ابن مرزوق. وفي نهاية المتيطي قال ابن عبد الحكم: ولو ارتدت الزوجة معه ثم رجعا إلى الإسلام حلت له زوجته المبتوتة، قال الشيخ أبو عمران: وما ذكره ابن عبد الحكم هو مذهب ابن القاسم وجميع أصحابه. انتهى. وقال الحطاب: "لا طلاقا" هو معطوف على قوله: "صلاة" ويريد إذا وقع ذلك قبل الردة، والمعنى أن الردة لا تسقط ما تقدم من الطلاق، قال في النوادر: وقال مالك: وما طلق في ارتداده أو أعتق فلا يلزمه، وأما إذا طلق أو أعتق قبل الردة فإنه يلزمه. انتهى. فلو طلق ثلاثا ثم أسلم لم تحل له إلا بعد زوج، نعم لو طلقها ثلاثا ثم ارتدا معا ثم أسلما فإنه يُسقط عنهما الطلاق الثلاث. قاله ابن القاسم. ونقله عنه اللخمي ونقله عنه المصنف في التوضيح. ونص عليه في الشامل. انتهى.

وردة محلل يعني أن ردة المحلل لا تسقط تحليله للمبتوتة، فمن طلقت ثلاثا ثم حصل فيها وطء تحل به ثم ارتد محللها فإنها تحل لمن طلقها ثلاثا رجع للإسلام أو قتل على ردته؛ لأن أثره في غيره وهو المرأة المحللة، وقوله:"وردة محلل" مرفوع عطفا على فاعل أسقطت المستتر فيه مع مراعاة النفي. قاله الشبراخيتي.

بخلاف ردة المرأة يعني أن المبتوتة إذا نكحت نكاحا تحل به لباتها ثم ارتدت -والعياذ باللَّه تعالى- ثم راجعت الإسلام، فإن ردتها تسقط تحليلها فلا تحل لباتها، قال عبد الباقي: بخلاف ردة المرأة فإنها تسقط تحليلها، فمن طلقت ثلاثا ثم حصل فيها وطء تحل به ثم ارتدت ثم رجعت للإسلام فلا تحل لمطلقها ثلاثا إلا بعد زوج؛ لأنها أبطلت فعلها في نفسها وهو نكاحها الذي أحلها كما أبطلت نكاحها الذي أحصنها. انتهى. وقوله:"بخلاف ردة المرأة" هو المشهور، وقيل إن إحلالها لا يسقط بردتها فتتزوج الأول من غير زوج ثان. قاله التتائي.

ص: 362

وأقر كافر انتقل لكفر آخر يعني أن الكافر بكفر خاص إذا انتقل لكفر آخر، كيهودي انتقل للنصرانية أو إلى الدهرية مثلا، فإنه يقر على الكفر الذي انتقل إليه ولا يقتل لأن الكفر كله ملة واحدة، وحديث:(من بدل دينه فاقتلوه)

(1)

محمول على الدين المعتبر شرعا وهو دين الإسلام لَيْسَ إلَّا، قال جل وعز:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} قال الإمام التتائي: وأقر كافر انتقل من كفر لكفر آخر، كيهودي تنصر مثلا لأن الكفر كله ملة واحدة وحقيقته غير متعددة، فليس مبدلا حتى يشمله قوله عليه الصلاة والسلام:(من بدل دينه فاقتلوه). انتهى. وقال الشبراخيتي: ومفهوم "كافر" أن المسلم لا يقر إذا انتقل للكفر، ومفهوم:"لكفر" أنه إذا انتقل الكافر للإسلام يقر وهو كذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: وأقر كافر بكفر خاص انتقل لكفر آخر علانية أو سرا ولو إلى مذهب المعطلة أو الدهرية، وتؤخذ منه الجزية عملا بما كان عليه، ومعنى إقراره أنا لا نتعرض له بناء على أن الكفر كله ملة واحدة، وحديث:(من بدل دينه فاقتلوه) محمول على دين الإسلام إذ هو الدين المعتبر شرعا ومفهوم "كافر" أن المسلم لا يقر إذا انتقل للكفر، ومفهوم قوله:"لكفر" أنه إذا انتقل للإسلام يقر وهو كذلك. انتهى.

وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون بإسلام أبيه فقط يعني أنه يحكم بإسلام الولد الذي لم يميز بسبب إسلام أبيه فقط، وعدم تمييز الولد إما لأجل صغره أو لأجل جنونه ولو بالغا وغير الأب لا يحكم بإسلام غير المميز لإسلامه على المشهور، ولهذا قال:"فقط"، وقوله:"وحكم بإسلام من لم يميز" لخ أي ويجبر على الإسلام بالقتل إن امتنع منه بعد البلوغ، وقوله:"لم يميز" أي لم يميز الثواب من العقاب والقُرَبَ من المعصية. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وحكم بإسلام من لم يميز ولم يُغفل عنه حتى راهق، بدليل ما يأتي لصغر أو جنون قبل المراهقة والبلوغ لا الطارئ بعدهما فلا يحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه الطارئ بإسلام أبيه دنية فقط لا بإسلام جده أو أمه أو أحد من أقاربه، والباء الأولى متعلقة بحُكِمَ صلة لا تعليلية، والثانية للسببية فلم يتعلق حرفا جر متَّحِدَا المعنى واللفظِ بعامل واحد. انتهى.

(1)

صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، رقم الحديث، 6922.

ص: 363

وقال الشبراخيتي: وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون أي لأجل صغر أو جنون وقوله: "أو جنون" ظاهره ولو طرأ عليه بعد المراهقة أو البلوغ وليس كذلك؛ إذ كل منهما لا يحكم بإسلامه لإسلام أبيه أي إسلام أبيه الطارئ الذي الكلام فيه، وأما إذا كان أبوهما مسلما أصالة فإنه يحكم بإسلامهما تبعا لما عليه أبوهما من الإسلام، وفائدة الحكم بالإسلام قتل من امتنع منهما من الإسلام بعد زوال الصغر والجنون، ومن حكم بإسلامه لا يحتاج إلى النطق بالشهادتين سواء حكم بإسلامه لإسلام أبيه ولو مميزا أو لإسلام سابيه بإسلام أبيه فقط على المشهور لا أمه، والمراد الأب دنية فلا يحكم بإسلامه لإسلام جده خلافا للشارح في الصغير.

كإن ميز يعني أن الولد الصغير المميز يحكم بإسلامه لأجل إسلام أبيه، قال الشبراخيتي: كإن ميز أي ولم يراهق وهو تشبيه لإفادة الحكم وهو أنه يحكم بإسلامه لإسلام أبيه، قال في الشرح: والمراد بالمميز هنا من يعقل الإسلام دينا يتدين به لا المذكور في مبحث الطلاق. انتهى. وقال عبد الباقي: كإن ميز من أسلم أبوه فيحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه أي عقل الإسلام دينا يتدين به كذا ينبغي تفسيره به لا المذكور في مبحث الطلاق. قاله ابن مرزوق. أي الذي ميز الثواب من العقاب والقربة من المعصية، وفائدة الحكم بإسلام من ذكر الحكم بردته بعد البلوغ إن امتنع. انتهى. وهذا الذي نفاه هو الذي مر عن الخرشي في حل قوله:"وحكم بإسلام من لم يميز" لخ، وقال المواق عند قوله:"وحكم بإسلام من لم يميز" ما نصه: هذه عبارة الأشياخ يقولون: الولد تابع لأبيه في الدين ولأمه في الحرية والرق. ومن المدونة: الولد الصغير تابع لأبيه في الدين وإسلام الأب إسلام لصغير ولده مطلقا، وقال ابن الحاجب: يحكم بإسلام المميز على الأصح تبعا لإسلام الأب كغير المميز وكالمجنون. قوله: "الأصح".

قال ابن عرفة: عزا ابن هارون القولين لابن القاسم، وعزا الصقلي الأصح لابن وهب ولم يعزهما اللخمي. انتهى.

إلا المراهق الاستثناء راجع لما بعد الكاف؛ يعني أن الولد المميز الذي راهق البلوغ أي قاربه لا يحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه، وإذا لم يحكم بإسلامه لأجل إسلام أبيه فإنه لا يجبر على الإسلام بعد البلوغ بالقتل، فلا يحكم له بحكم المرتد بل بالضرب فقط.

ص: 364

والمتروك لها أي للمراهقة يعني أن الولد الذي أسلم أبوه وهو صغير ميز أم لا وغفلنا عنه فلم نحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه حتى راهق، فإنه لا يحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه وإذا لم يحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه فإنه لا يجبر على الإسلام بعد البلوغ بالقتل إن امتنع منه بل بالضرب فقط.

وعلم مما قررت أن قوله: فلا يجبر أي كل من المراهق والمتروك لها بقتل إن امتنع من الإسلام، راجع "للمراهق والمتروك لها". وقال عبد الباقي: إلا المميز المراهق حين إسلام أبيه وإلا المميز أو غيره المتروك لها أي للمراهقة أي غفل عنه فلم يحكم بإسلامه لإسلام أبيه حتى راهق أي قارب البلوغ، كابن ثلاث عشرة سنة فلا يحكم حينئذ بإسلامه لإسلام أبيه كالمراهق حين إسلام أبيه، وإذا لم يحكم بإسلام كل لإسلام أبيه فلا يجبر كل بقتل إن امتنع من الإسلام بل بالضرب فقط، فهو جواب شرط مقدر. انتهى.

وعلم مما مر أن الصغير غير المراهق يحكم بإسلامه لأحد أمرين: إسلام أبيه أو إسلامه هو مستقلا كما مر عن ابن الحاجب، وفي المدونة خلافه ففيها: ومن أسلم وله ولد من أبناء ثلاثة عشر عاما وشبه ذلك ثم مات الأب وقف ماله إلى بلوغ الولد، فإن أسلم ورث وإلا لم يرث وكان المال للمسلمين، ولو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل أخذ ذلك حتى يحتلم لأن ذلك ليس بإسلام، ألا ترى أنه لو أسلم ثم رجع إلى النصرانية أكره على الإسلام ولم يقتل ولو قال الولد لم أسلم إذا بلغت لم انظر إلى ذلك ولا بد من إيقاف المال إلى احتلامه. نقله التتائي. وقال عبد الباقي: وقولُ أحمد إن قوله: "فلا يجبر" جواب شرط مقدر أي إذا أسلم كل من المراهق والمتروك لها أي غير تبع لإسلام أبيه فلا يجبر بقتل إن امتنع ونحو هذا في المدونة. انتهى. مَبْنِيٌّ على أن إسلام المميز غير معتبر وهو ضعيف والراجح اعتباره، ولكن حيث عزا هذا أحمد للمدونة فلا غرابة في بناء مشهور على ضعيف ويخصُّ الراجح بإسلام ابن كافر باق على كفره. انتهى.

قوله: والراجح اعتباره لكن حيث عزا هذا أحمد للمدونة فلا غرابة لخ فيه نظر؛ لأن المدونة أخذ منها القولان فالأصح الراجح المشهور هو أحد قولين في المدونة لا أنه خلاف مذهبها. قال في التوضيح عند قول ابن الحاجب: ويحكم بإسلام المميز على الأصح. انتهى. ما نصه: والأصح ذكر

ص: 365

ابن شأس في اللقيط أنه ظاهر المذهب، وذكر في البيان في باب الجنائز أنه مشهور قول ابن القاسم لأن المعرفة باللَّه تعالى تصح من المميز، ومقابل الأصح لابن القاسم أيضا وسحنون أنه لا يحكم له بحكم الإسلام وإن عقله وأجاب إليه ما لم يبلغ، ثم نقل عن المدونة عن مالك ما نصه: ومن أسلم وله ولد مراهق من أبناء ثلاثة عشر عاما وشبه ذلك ثم مات الأب وقف ماله إلى بلوغ الولد، فإن أسلم ورث وإلا لم يرث وكان المال للمسلمين، ولو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل أخذ ذلك حتى يحتلم لأن ذلك ليس بإسلام، ألا ترى أنه لو أسلم ثم رجع إلى النصرانية أكره على الإسلام ولم يقتل؟ انتهى. وقال بعده خليل: انظر قوله في المدونة: لو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل لخ خلاف ما صححه المصنف من الحكم بإسلام المميز، لكن قد أخذ غير واحد القولين من المدونة، وعلى الحكم بإسلامه له الميراث لأنه لو رجع إلى النصرانية أجبر بالضرب حتى يسلم أو يموت. انتهى.

وقَولُ الزرقاني: ويختص الراجح بإسلام ابن كافر باق على كفره يَحْتَمِلُ -وهو المتبادر منه- أنه أراد أنه إذا أسلم أبوه فأسلم فالراجح أنه لا يقتل بإسلامه؛ لأن الراجح مخصوص بابن كافر باق على كفره، وعلى هذا فهمه التاودي فاعترضه بقوله: إذا اعتبر إسلام ابن باق أبوه على كفره كيف لا يعتبر إسلام ابن مع أبيه؟ انتهى. ويحتمل أنه أراد أن محل الخلاف والترجيح هو ما ذكره، وأما إسلام ابن أسلم أبوه فليس من محل الترجيح بل هو معتبر قطعا وهو غير صحيح أيضا، ونص المدونة السابق يرده، ففي كلامه نظر على كل من الاحتمالين وإن سكت عنه البناني. واللَّه أعلم. انتهى. قاله الرهوني.

وَوُقِفَ إرثه يعني أنه إذا مات موروث المراهق والمتروك لها الذين أسلم أبوهما فإنه يوقف حظهما من الميراث لبلوغهما، فإن أسلما بعد البلوغ أخذاه وإلا فلا يرثاه وكان ماله للمسلمين إن لم يكن له وارث غيرهما. قال عبد الباقي: وإن مات موروث المراهق والمتروك لها اللذين أسلم أبوهما وقف إرثه أى من ذكره لبلوغه، ولو قال: الآن لا أسلم إذا بلغت بل يوقف، فإن أسلم بعد البلوغ أخذه وإلا لم يرثه وكان المال للمسلمين، فإن أسلم قبل بلوغه لم يدفع إليه لأنه لو رجع عنه قبل بلوغه لم يقتل بل يجبر على الإسلام من غير قتل كما في المدونة. انتهى. وقال الشبراخيتي:

ص: 366

الضمير في إرثه راجع لمن أسلم أبوه وهو مراهق أو أسلم أبوه وهو غير مراهق وغفل عنه حتى راهق؛ أى أنه يوقف إرث من ذكر حتى يسلم بعد بلوغه ولو أسلم قبل بلوغه لم يدفع إليه؛ لأن إسلامه لو رجع عنه لم يجبر عليه بالقتل. انتهى. وقوله: "ووقف إرثه" قال التتائي: قال الشارح: ولما كان المرتب على إيقاف المال واضحا لم يحتج إلى بيانه. انتهى.

وبإسلام سابيه إن لم يكن معه أبوه يعني أنه يحكم بإسلام الصغير المسبي لأجل إسلام سابيه حيث لم يكن مع هذا الصغير أبوه، وأما إن سبي هو وأبوه فإنه لا يحكم بإسلامه لإسلام سابيه هذا تقرير المصنف بحسب ظاهره. وقال عبد الباقي: وحكم بإسلام مجوسي صغير غير مميز بإسلام سابيه إن لم يكن معه أبوه فإن كان معه في السبي في ملك واحد لم يحكم بإسلامه تبعا لإسلام سابيه، بل لإسلام أبيه لجبره على الإسلام، فعلم من هذا التقرير أن ما هنا في مجوسي صغير غير مميز، ومَا قَدَّمَهُ في باب الجنائز من قوله:"في عدم تغسيله والصلاة عليه" مما يفيد عدم الحكم بإسلامه لإسلام سابيه. "ولا محكوما بكفره وإن صغيرا ارتد ونوى به سابيه الإسلام" في الصَّغير الكتابي فلا معارضة. وعلم منه أيضا أن صغار المجوس يجبرون اتفاقا وكبارهم على الراجح: وأما كبار الكتابيين فلا يجبرون اتفاقا وكذا صغارهم على الراجح. انتهى. قوله: في الصغير الكتابي، قال البناني في باب الجنائز: تخصيصه ما هنا بالكتابي فيه نظر؛ لأن رواية ابن القاسم في المدونة عدم الجبر ظاهرها الإطلاق في الصغير الكتابي والمجوسي، وعلى ظاهرها حملها أبو الحسن ونصه: ظاهره كان كتابيا أو مجوسيا. عياض: قال أبو عمران: لما لم يفصل دل على أن الكتابي والمجوسي سواء، لكن ما ذكره الزرقاني هنا على كلام المصنف هو أقرب ما جمعوا به بين باب الردة وبين ما هنا. انتهى المراد منه.

والمتنصر من كأسير على الطوع يعني أن الأسير من المسلمين ونحوه كالداخل بلد العدو لتجارة أو لغيرها إذا تنصر -مثلا- فإن كفره يحمل على الطوع أي يحمل على أنه كفر طائعا أعاذنا اللَّه من البلاء، فَتَبينُ زوجته ولا يرث من مات من قربائه المسلمين، فإن ثبت أنه تنصر عن إكراه عمل على ذلك فلا تطلق زوجته ويرث من مات من قربائه الذين يرثهم، ولهذا قال: إن لم يثبت إكراهه فَالحَاصِلُ أنه إذا جهل حاله يحمل على أنه تنصر طائعا، فالصور ثلاث: إن علم أنه كفر

ص: 367

طائعا فالأمر ظاهر، وإن علم أنه كفر مكرها فالأمر ظاهر؛ أيضا فإن جهل حاله حمل على الطوع. قال عبد الباقي: والمتنصِّرُ من كأسير وداخل بلد حرب لتجارة أو غيرها يحمل على الطوع عند جهل حاله، فله حكم المرتد إن لم يثبت إكراهه، فإن ثبت إكراهه عمل به ولو بعد الحكم بالطوع. وقول المصنف:"إن لم يثبت إكراهه" مسْتَغْنًى عنه بقوله: "على الطوع" لأن الحمل على الطوع إنما يكون عند انتفاء ثبوت الطوع والإكراه، ولذا لم يذكره في باب الفقد حيث قال:"وإن تنصر أسير فعلى الطوع" ولم يزد على ذلك. وقوله: "إن لم يثبت إكراهه" أي فإن ثبت إكراهه عمل على ذلك بأن شهدت البينة أنه أكره على الكفر، أو اشتهر عن أهل جهة من الكفار أنهم يكرهون الأسير على الدخول في دينهم أو يكثرون من الإساءة إليه، فإذا تنصر خففوا عنه. انظر الشبراخيتي. وقال المواق من المدونة: والأسير يعلم تنصره فلا يدرى أطوعا أم كرها؟ فلْتَعْتَد زوجته ويوقف ماله وحكم فيه بحكم المرتد، وإن ثبت إكراهه ببينة كان بحال المسلم في نسائه وماله. انتهى. وقوله:"على الطوع" هو المشهور ومذهب المدونة، وقيل: يحمل على الإكراه لأنه الغالب في حال المسلم، وقال التتائي: قال ابن عبد السلام: وهذا يعني حمله على الطوع صحيح إلا أن يشتهر عن جهة من جهات الكفار أنهم يكرهون الأسير على الدخول في دينهم أو يكثرون من الإساءة إليه فإذا تنصر خففوا عنه، فينبغي عندي أن يتوقف عن إجراء حكم المرتد عليه في ماله وزوجته حتى يثبت ذلك. انتهى.

وإن سب نبيا يعني أن من سب نبيا من الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أي شتمه يقتل، ولا تقبل توبته لأنه حق آدمي فقتله حَدٌّ، ولذا لا يستتاب ولا تقبل توبته بالنسبة لترك القتل، وهذا -أي كونه يقتل حدا- هو المشهور. قال المواق: قال عياض: من أضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم الكذب فيما بلغه أو أخبر به أو سبه أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم فهو كافر بإجماع. انتهى. وقوله: "نبيا" أي مجمعا على نبوءته، وقال القلشاني في شرح الرسالة عند قول الشيخ أبي محمد: ومن سب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قتل ولا تقبل توبته. انتهى: تَعْظِيمُ سَيِّدِ الأولِينَ والآخِرِينَ وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، الشَّفِيعِ المُشَفَّعِ فِي الْعُصَاةِ وَالمُذْنِبينَ، وَرَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَ وَخَاتِمِ النَّبيئِينَ: مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَتَوقِيرُه

ص: 368

والاِنْقِيَادُ لشَرْعِهِ الكَريم واتِّبَاعُ صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ نَجَاةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وضِدُّ ذلك -والعياذ باللَّه تعالى- حسرةٌ وندامةٌ وذلة وصغار في الدنيا ويوم القيامة، وضرر ذلك إنما هو على العاصي -حفظنا اللَّه من موجبات سخطه- فمن وقع -والعياذ باللَّه تعالى- في المهواة التي لا انجبار لها بسَبِّ من شرفه اللَّه واصطفاه، قتل من غير استتابة إن كان مسلما، وإنما لم تقبل توبته لأنا لا نصل إلى العلم بذلك لأن لسانه لم ينطق بذلك إلا وهو معتقد له؛ إذ لا يتساهل في هذا أحد، فلهذا قال: ولا تقبل توبته كالزنديق، وقد انعقد الإجماع على أن سابَّ النبي صلى الله عليه وسلم المنقص له كافر، قالوا: ومن شك في كفره وعذابه كفر، قال بعض الأئمة: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في قتله إذا كان مسلما، وسواء سبه أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرَّض به أو أزرى عليه أو صغر شأنه أو دعا عليه أو نسب إليه على طريق الذم أو عَيَّرَه بشيء مما جرى عليه في ذات اللَّه تعالى، وهذا كله الإجماع فيه من العلماء. انتهى.

وفي ابن سلمون: الاستخفاف بالرسل من الأمور المتفق على التكفير بها نقله عن ابن رشد. وقال عياض: قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل، وممن قال ذلك مالك ابن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. قال القاضي أبو الفضل: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم، ولكنهم قالوا: هي ردة وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك، وحكى الطبري عن أبي حنيفة وأصحابه مثله فيمن تنقصه صلى الله عليه وسلم أو برئ منه أو كذبه. وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة، وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره، وهل قتله حد أو كفر؟ ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه فقد كفر. انتهى.

ص: 369

ثم قال عياض: اعلم أن مشهور مذهب مالك رحمه الله وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدا لا كفرا إن أظهر التوبة منه، ولهذا لا تقبل عندهم توبته ولا تنفعه استقالته ولا فيئته، وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة عليه أو جاء تائبا من قبل نفسه؛ لأنه حد وجب عليه ولا تسقطه التوبة. قال الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله: إذا أقر بالسب وتاب منه وأظهر التوبة قتل بالسيف إذ هو حده، وقال أبو محمد بن أبي زيد مثله، وأما فيما بينه وبين اللَّه فتوبته تنفعه. انتهى. وقال عياض أيضا: من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدا، وإنما يقول ذلك مع إنكار ما شهد به عليه أو إظهاره الإقلاع والتوبة عنه، فيقتل حدا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي صلى الله عليه وسلم وتحقيره ما عظم اللَّه من حقه، وأجرينا حكمه في ميراثه وغير ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: وإن سب -أي شتم لأن السب لغة الشتم، والشتم كل قول قبيح- نبيا أجمع على نبوءته الثابتة بقرآن أو ما في معناه لخ، وقال عبد الباقي: نبيا مجمعا على نبوءته بدليل ذكره فيما يأتي من لم يجمع على نبوءته. انتهى. وقوله: "وإن سب" أي مكلف.

أو ملكا يعني أن المكلف إذا سب ملكا بفتح اللام مجمعا على ملكيته فإنه يقتل ولا تقبل توبته بالنسبة للقتل، فإن تاب أو أنكر ما شهد به عليه قتل حدا وإلا قتل للردة. قال عبد الباقي: وإن سب مكلف نبيا أو ملكا مجمعا على نبوءته أو ملكيته بقرآن ونحوه بدليل ذكره بعد ذلك سب من لم يجمع على نبوءته أو ملكيته. انتهى. وقال في التبصرة: ومن سب ملكا من الملائكة عليهم السلام قتل. قاله سحنون. وسعيد بن سليمان قاضي قرطبة ومن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما النبيُّ عليٌّ استتيب، فإن تاب وإلا قتل.

أو عرض يعني أن المكلف إذا عرض بالنبي صلى الله عليه وسلم في السب أو بغيره من الأنبياء أو بملك بأن لم يصرح بسب من ذكر لكنه لوح به فإنه يقتل ولا تقبل توبته بالنسبة للقتل وتنفعه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وقد مر أن هذا من الأمور المجتمع على أنها موجبة لقتل صاحبها، وقد مر عن ابن رشد الاتفاق على تكفير المستخف بالنبي. وقوله:"عَرَّضَ" كقوله: رداء النبي صلى الله عليه وسلم وَسِخٌ يريد بذلك عينه. ذكره عياض. وقال التتائي: أو عرض بذلك بأن يقول

ص: 370

قولا في شخص وهو يريد خلافه إيجابا أو سلبا، كقوله في القذف: أما أنا فإني معروف أو لست بزان، أو لَوَّحَ وهو الإشارة البعيدة في الكلام ككثير الرماد المنتقل منه لكثرة الطبخ ثم لكثرة الضيوف ومنه للكرم، وكذا الرمز وهو الإشارة إلى الشيء بخفاء كعريض القفا إشارة للبلادة. انتهى.

وقال المواق: قال عياض: من أضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم الكذب فيما بلَّغه أو أخبر به أو سبه إلى آخر ما قدمته قريبا، ثم قال: وحكم من سب سائر أنبياء اللَّه وملائكته أو استخَفَّ بهم أو أكذبهم أو أنكرهم حكم نبينا صلى الله عليه وسلم على مساق ما قدَّمناه، وقال القابسي في الذي قال لآخر كأنه وجه مالك الغضبان: إن عرف أنه قصد ذم الملك قتل. عياض: وهذا كله فيمن حققت كونه من الملائكة والنبيئين، كجبريل ومالك والزبانية ورضوان ومنكر ونكير، فأما من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء، كهاروت وماروت من الملائكة ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان الذي قيل إنه بنى أهل الرَّسِّ، وزرادست الذي ادعت المجوس نبوءته فليس الحكم فيهم ما ذكرنا؛ إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة لكن يؤدب من تنقصهم، وأما إنكار كونهم من الملائكة والنبيئين، فإن كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا. انتهى.

أو لعنه يعني أن من لعن من المكلفين نبيا مجمعا على نبوءته أو ملكا مجمعا على ملكيته يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله:"أو لعنه" سواء كان بصيغة الفعل أو غيرها كملعون أو لعين ونحوه كالدعاء عليه أو تمنى مضرته، واللعن لغة: البعد والطرد. قال في القاموس: لعنه كجعله طرده وأبعده فهو لعين وملعون جمعه ملاعين، والُّلعْنَة بالضم من تلعنه الناس وكهُمَزَة الكثير اللعن لهم، جمعه لُعَن كَصُرد وامرأة لعين، فإذا لم تذكر الموصوفة فبالهاء، واللعين من يلعنه كل أحد والشيطان والممسوخ والمشتوم. انتهى المراد منه.

أو عابه يعني أن من عاب من المكلفين نبيا مجمعا على نبوءته أو ملكا مجمعا على ملكيته يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله:"أو عابه" أي نسبه للعيب وهو خلاف المستحسن. قاله غير واحد. وقد مر أن السب هو الشتم، والشتم كل قول قبيح فأحدهما

ص: 371

يغني عن الآخر، وإذا كان السب يطلق على كل قول قبيح أغنى عن اللعن لكن تَبيينُ تفاريع الصيغ هنا حسنٌ، وإن كان في ذكر بعضها ما يغني عن ذكر بعض، ولهذا قال البناني عند قوله:"وإن سب نبيا أو ملكا" ما نصه: اعلم أن ما ذكر المصنف من هنا إلى آخر الباب زيادة على ابن الحاجب لخصه من الشفا، ولو اختصره جملة لكان يكفيه أن يقول وإن تنقص معصوما وإن بتعريض أو باستخفافه بحقه قتل. واللَّه أعلم. انتهى. وقوله:"أو عابه" أي نسبه للعيب وهو خلاف المستحسن كما عرفت أي خلاف المستحسن في خَلق أو خلق أو دين.

أو قذفه يعني أن من قذف من المكلفين نبيا من الأنبياء المجمع على نبوءتهم يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى قذفه نسبه للزنى أو نفاه عن أبيه. أو استخَفَّ بحقه يعني أن من استخف بحق نبي من الأنبياء أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله:"أو استخفَّ بحقه"، قال الشبراخيتي: كأن يعتقد أنه لا تجب نصرته وتوقيره أو سمع من ينقصه ولم يغير مع القدرة عليه. البساطي: كما لو ظلم شخصا فقيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه أو إن لم يكن إلا نهيه فأنا طيب، أو نهيه أمر سهل أو نحو ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: أو استخفَّ بحقه بأن قال لمن قال له النبي نهى عن الظلم لا أبالي بنهيه ونحوه. انتهى. وقال التتائي: أو استخفَّ بحقه فأتى بما لم يقتض تعظيمه تصريحا أو تلويحا. البساطي: كما لو ظلم شخصا فقيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه إلى آخر ما مر. وقوله: "أو استخفَّ بحقه"، وكذا من يستهزئ به وكذا من عبث في جهته العزيزة بسَخَفٍ من القول أو عيَّره بشيء مما جرى عليه من البلاء والْمِحْنَة أو غمصه ببعض عوارض البشر الجائزة عليه، وقد أفتى الأندلسيون بقتل ابن حاتم وصلبه لما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه باليتيم وختن حيدرة لأن حقه عليه الصلاة والسلام أن يضاف إليه ولا يضاف.

أو غير صفته يعني أن من غير صفة نبي يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله:"أو غير صفته" قال الشبراخيتي: كأسود أو قصير القامة ونحو ذلك. انتهى. وقال

ص: 372

عبد الباقي: أو غير صفته كأسود أو قصير والضمير لمن ذكر من نبي أو ملك، كقوله: جبريل ينزل على المصطفى عليه الصلاة والسلام في صفة عبد أسود. انتهى.

‌تنبيه:

وجدت في طرة ما نصه: وليس معنا صفات متواترة لأحد من الأنبياء إلا بعض صفات نبينا صلى الله عليه وسلم. انتهى. وقوله: "أو غير صفته" ظاهره بنقص أو لا، وقد أفتى ابن أبي زيد فيمن شبهه صلى الله عليه وسلم برجل قبيح الوجه واللحية أنه لا تقبل توبته. وقال حبيب بن الربيع: تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له يستتاب والمسر زنديق، ولو قال: مات قبل أن يلتحي أو أنه لم يكن بتهامة قتل؛ لأن هذا نفي له. ذكر هذا عياض. انتهى.

أو ألحق به نقصا يعني أن من ألحق بنبي أو ملك نقصا يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى ألحق به نقصا ذكر ما يدل على نقص ونسب ذلك إليه في دينه، بل وإن في بدنه أو في خصلته أي شيمته التي طبع عليها، قال الخرشي: وكذلك من ألحق بنبيء أو ملك نقصا بأن ذكر ما يدل على نقصه في دينه بل في بدنه أو في خصلته أي شيمته وطبيعته التي طبع عليها. انتهى. وقال التتائي: وقوله: "أو ألحق به نقصا" مثله في الشفا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، وقوله:"وإن في بدنه" كعرج أو عمى، وقوله:"أو خصلته" كشجاعته أو كرمه أو حلمه. وفي الشبراخيتي: "أو خصلته" كلم يكن كريما أو شجاعا وهذا من تغيير صفته. انتهى.

أو غض من مرتبته يعني أن من غض من مرتبة نبي أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى غض من مرتبته وضع من قدره، كقوله هو غير عالي المرتبة. نسأل اللَّه السلامة. ولا يخفى حسن تعداد هذه الصيغ وإن ادعى مدع أنه يستغنى ببعضها عن بعض. أو وفور علمه يعني أن من غض من وفور أي كمال علم نبي أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله:"أو وفور علمه" كقوله: ليس بوافر العلم أو لم يكن على غاية من العلم. نسأل اللَّه السلامة. أو زهده يعني أن من غض من وفور زهد نبي أو ملك يقتل حَدًّا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله:"أو زهده" كقوله لم يكن كامل الزهد أو لم يكن على غاية من الزهد، قال الشبراخيتي:"أو زهده " معطوف على "علمه"، وقد

ص: 373

أفتى الأندلسيون في عَلِي بن حاتم بالقتل في نفيه الزهد عنه صلى الله عليه وسلم. انتهى. ونحوه للتتائي، وقوله:"أو زهده" هو كقول ابن حاتم: إن زهده لم يكن قصدا ولو قدر على الطيبات لأكلها ولذا أفتوا بقتله وصلبه. انتهى.

أو أضاف له ما لا يجوز عليه يعني أن من أضاف إلى نبي أو ملك ما لا يجوز عليه، كسحر وكذب وخيانة وعدم تبليغ يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قال الشبراخيتي: أو أضاف له أي لمن لا يجوز سبِّه من نبي أو ملك ما لا يجوز عليه من سحر وكذب وخيانة وكتمان شيء مما أمر بتبليغه. انتهى. وقال التتائي: أو أضاف له ما لا يجوز عليه من سحر ونحوه، قال حبيب بن الربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه من قال فيه ما فيه نقص يقتل من غير استتابة. انتهى. وفي التتائي أن من أمثلة ذلك ميله لبعض نسائه. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أضاف له ما لا يجوز عليه كعدم التبليغ. انتهى.

أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه يعني أن من نسب إلى نبي أو ملك ما لا يليق بمنصبه الشريف كمداهنة في تبليغ الرسالة أو في حكم بين الناس يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قال عبد الباقي: كما إذا نفى عنه الزهد، أو قال ليس بمكي أو حجازي لأن وصفه بغير صفته المعلومة نفي له وتكذيب به، ولا يغني بعض هذه الأمور عن بعض لأن قصد المصنف تعداد الألفاظ التي يكفر بكل منها كما تقدم له نظائره في الإقرار والطلاق. انتهى. وقد مر عن حبيب بن الربيع أن تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له يستتاب والمسر له زنديق. وقال الخرشي: كما إذا نفى عنه الزهد أو قال ليس بمكي أو ليس بحجازي لأن وصفه بغير صفته المعلومة نفي له وتكذيب به، وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الدين والفتوى من لدن الصحابة إلى هَلُمَّ. انتهى.

على طريق الذم راجع للمسائل الثلاث أوَّلُهَا قوله: "أو غض من مرتبته" لخ. ثانيها قوله: "أو أضاف له ما لا يجوز عليه". ثالثها قوله: "أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه" وهو مخالف لقوله بعد: "وإن ظهر أنه لم يرد ذمه" لخ، وفي التتائي عند قوله:"وإن في بدنه" ما نصه: عمدا أو

ص: 374

سهوا أو نسيانا أو جهلا. انتهى. وقال التتائي: البساطي: هذا قيد في هذه الأحوال وهي من مهيع واحد. انتهى.

أو قيل له بحق رسول اللَّه فلعن وقال أردت العقرب يعني أنه إذا قيل لشخص بحق رسول اللَّه، فلعن وقال أردت برسول اللَّه العقرب لأنها مرسلة لمن تلدغه فإنه يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قوله:"أو قيل له بحق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلعن"، قال في الشفا عن أحمد بن أبي سليمان فيمن قيل له بحق رسول اللَّه، فقال: فعل اللَّه برسول اللَّه كذا وذكر كلاما قبيحا، فقيل له: ما تقول يا عدوَّ اللَّه؟ فقال أشد من الأول، وقال لما أنكر عليه ذلك أردت برسول اللَّه العقرب لأن العقرب مرسلة إلى من تلدغه اشهد عليه وأنا شريكك في قتله وثواب ذلك. انتهى.

وعلم مما قررت أن قوله: قتل جواب الشرط فهو راجع للمسائل الاثنتى عشرة مسألة، أعني قوله:"وإن سب" إلى آخر المسائل. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "قتل" أي المسلم المكلف، ولم يستتب يعني أنه يقتل ولا تطلب منه توبة بل ولا تقبل منه من غير طلب، وظاهره ولو جاء تائبا قبل الاطلاع عليه لازدرائه فهو حق آدمي مبني على المشاحة، بخلاف الزنديق كما قدمه. قاله عبد الباقي. ولذا قال: حدا يعني أنه يقتل في هذه المسائل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا. وقوله: "حدا" رد به القول بأنه يقتل لردته، وعليه فإن تاب لم يقتل بل ينكل، قال الإمام الحطاب: صرح في الشفا بأن من سب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قلنا إن ذلك ردة فإنه يستتاب، فإن تاب نكل. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "حدا" ما نصه: مقيد بما إذا تاب أو أنكر ما شهد به عليه ويموت مسلما ويغسل ويصلي عليه غيرُ أهل الفضل والصلاح ويدفن في مقابر المسلمين وماله لورثته، وأما لو أقر بالسب ولم يتب فإنه يقتل كفرا ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وماله لبيت المال، بل تستر عورته ويوارى كما يفعل بالكفار. انتهى. وقال عبد الباقي: حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا ولم يُسْتَتَبْ لأنه حينئذ مرتد وزيادة.

ص: 375

إلا أن يسلم الكافر يعني أن الكافر إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم بغير ما به كفروا فإنه يقتل إلا أن يسلم، قال عبد الباقي: هو مستثنى من مقدر تقديره وقتل الكافر الساب أيضا إن سبه بغير ما به كفر، كقوله: ليس بنبي كما قدمه في الجزية إلا أن يسلم لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، والفَرْقُ بين قبول توبة الكافر وبين عدم قبول توبة المسلم أن قتله حد وهو زنديق لا تعرف توبته، والكافر كان على كفره فيعتبر إسلامه ولم يجعل سبه من جهة كفره؛ لأنا لم نعطهم العهد على ذلك ولا على قتل أحد منَّا أو أخذ أموالنا ولو قتل أحدا منا قتلناه به وإن كان من دينه استحلاله. انتهى. وقال الشبراخيتي: ثم استثنى من قوله: "قتل" قوله: "إلا أن يسلم الكافر"، لخبر:(الإسلام يجُبُّ ما قبله)

(1)

، ولا يقال له أسْلِمْ وَلا لا تُسْلِم لكن إن أسلم فذلك له توبة.

وإن ظهر أنَّه لم يُرِد ذَمَّه يعني أن قتل الساب المذكور عام في المسلم: والكافر وإن كان قد ظهر أنه أي الساب ومن في حكمه لم يرد ذمه أي من ذكر من نبي وملك لأجل جهلٍ حَمَلَهُ على ذلك، أو لأجل سكر وفي معنى السكر الغضب، وقد أفتى أبو الحسن القابسي بقتل من شتم في سكره للظن به أنه يعتقد هذا ويفعله في صحوه، وأيضا هو حد لا يسقطه السكر كسائر الحدود من قذف وقتل وغيرهما أو لأجل تهور في كلامه وهو الوقوع في الشيء لقلة مبالاة. قاله الجوهري. قاله الشبراخيتي. وقال التتائي:"أو تهور" قلة المبالاة في كلامه أو قلة مراقبة أو ضبط للسانه وعجرفة إذ لا يعذر أحد في الكفر بجهالة ولا بدعوى زلل في اللسان. انتهى. وقال عبد الباقي: وبالغ على قتل الساب مسلما أو كافرا بقوله: وإن ظهر أنه لم يرد ذمه أي من ذكر لجهل أو سكر أو تهور في الكلام وهو كثرة الكلام من غير ضبط؛ إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان، وما ذكره المصنف هنا من المبالغة هو المعول عليه دون قوله قبل على طريق الذم، فإن مفهومه غير معول عليه وتقييدي بالمكلف يعني قوله:"وإن سب مكلف" لإخراج المجنون فلا يقتل بسبه وكذا صغير غير مميز، وأما المميز فتقدم أن ردته معتبرة وكذا إسلامه، وتقدم أن فائدة

(1)

مسند الإمام أحمد، ج 4 ص 199، وانظر مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث 121.

ص: 376

ذلك أنه إن استمر على ردته بعد بلوغه استتيب وإلا قتل، فإذا سب وهو صغير مميز ثم بلغ فتاب أو أنكر ما شهد به عليه فالظاهر أنه ينفعه ولا يقتل لأنه قذف من غير مكلف. انتهى.

‌تنبيهات:

الأول: قال عبد الباقي: قال في تكميل التقييد: ذكر الوانوغيُّ عن تعلقة القابسي، سئل ابن أبي ليلى عمن سب الحور العين فقال: حده ضرب السيف. انتهى. والمتبادر منه أنه لا يستتاب كمن سب نبيا، ويحتمل أنه كالمرتد كمن سب عائشة بما برأها اللَّه منه لأنه في كل خالف القرآن، وفي المدخل: من قال عن نبي من الأنبياء في غير التلاوة والحديث عصى أو خالف فقد كفر. انتهى. وقد يتبادر منه أنه مرتد ويحتمل أنه ساب. انتهى.

الثاني: قال الأبي: الحديث يعني حديثا ذكره نص في أن نسبة الرجل غيره إلى عداوة اللَّه تعالى تكفير له، وهو دليل قوله تعالى:{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} . الآية. وكانت نزلت مسألة سنة أربع وثمانين وسبع مائة بتونس في رجل يدعى القبطان، قال لرجل في أثناء نزاعهما: أنا عدوك وعدو نبيك فَعُمِلَ فيها مجلس على أمر خليفة الوقت الإمام الأكمل أبي العباس بن الأمراء الراشدين، فأفتى الشيخ أبو عبد اللَّه الغرياني بأنه مرتد، وأفتى ابن عرفة بأنه ساب، قال الغرياني: مطلق العداوة لا يوجب تحتم القتل وقصاراه ردة فيستتاب، والظاهر أنه إن قال قبل ذلك مظهرا لمثل هذا في عدم حفظ لسانه فهو ردة على الأظهر من المذهب، وإن لم يظهر منه إلا في هذه المرة فهي علامة على خبث سريرته فيكون زندقة. انتهى. نقله الرهوني. وقال: ما قاله الغرياني والأبي هو الظاهر، وما أجاب به الأبي هو في غاية الوضوح، وليس قوله هو عدو للنبي في الدلالة على التنقيص بأشد من قوله هو كاذب معلنا بذلك، بل التنقيص في قوله هو كاذب بين لا شك فيه، ومع ذلك فقد قال ابن القاسم: إن قائله يستتاب وعليه درج المصنف وغيره، وليس التنقيص في مسألة القبطان ببين كالإعلام بالتكذيب، ولو لم يقع ذلك منه في حال محاورته لخصمه لاحتمل أن لا يكون فيه كفر ولا تنقيص أصلا لاحتمال أن يكون قصد به إخباره عن نفسه بارتكابه أنواع المعاصي والبدع وميله عن سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأن من علامة محبته صلى الله عليه وسلم اتباعه، وإذا انتفت المحبة بانتفاء علامتها جاء ضدها، ومن المعلوم المقرر أن الحدود تدرأ بالشبهات ولا سيما الدماء، كما أن من المعلوم المقرر في هذا الباب

ص: 377

بعينه أن القول المحتمل لا يوجب القتل، فإذا انضم إلى ذلك مراعاة الخلاف بين الأئمة في قبول التوبة من الساب ازداد ذلك وضوحا.

وقد كتب العلامة الحافظ الثقة أبو العباس الملوي على قول المصنف هنا "قتل ولم يستتب" ما نصه: إذا أردت تحرير هذا الفرع فعليك بأواخر تأليف الإمام ابن حجر الهيثمي المسمى بالإعلام بقواطع الإسلام، فقد نقل حجج المالكية في عدم قبول توبة الساب واعترضها كلها وزيفها ورجح مذهب الشافعية بقبول توبته، قائلا: وما نسبه صاحب الشفا للشافعية مما يخالف ذلك غلط وإنما هي قولة مرجوحة فيمن سبه بصيغة القذف. انتهى. وفيه دليل على أنه ارتضى كلام ابن حجر هذا. واللَّه أعلم. انتهى.

الثالث: قال الرهوني: انظر هل يجب على من سمع أحدا يتلفظ بما يوجب ردة أو سبا من العدول رفع ذلك للقاضي؟ لم أر من تعرض لذلك والجاري على أصول المذهب وقواعده أنه إذا رأى منه ما يدل على توبته من ذلك أنه لا يجب في الردة قطعا وإنما يتردد النظر في السب، وأما إذا لم يظهر منه ما يدل على التوبة فلا يتوقف في وجوب الرفع، فإن تأخر رفعه لغير عذر بطلت شهادته ولا يجري في ذلك ما ذكره البرزلي في نوازله، وذكره الشيخ حلولو في اختصارها، فإنه قال: أفتى سيدي عيسى في رجل سب شريفا بلفظ شنيع أن تأخر شهادة الشهود غير قادح في شهادتهم؛ لأنه أمر انقضى فلا ينزل منزلة المستدام من الأمر، قال: وهو نص ابن عتاب في هذه المسألة. انتهى. ووجه عدم جريانه في ذلك ظاهر. فتأمله. انتهى. ويأتي آخر الباب إن شاء اللَّه جلب النص فيما توقف فيه. واللَّه تعالى أعلم.

الرابع: قال الإمام الحطاب: قال القرطبي: لا خلاف في وجوب احترام الصحابة وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل لأنه أنكر معلوما من الشرع فقد كذب اللَّه ورسوله، وكذا الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة، وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب أو الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مما يختلف فيه، فأما من سبهم بغير ذلك فإن كان سبا يوجب حدا كالقذف حُدَّ حَدَّه ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، ما خلا عائشة فإن قاذفها يقتل لأنه مكذب لما في الكتاب والسنة من براءتها. قاله مالك وغيره.

ص: 378

واختلف في غيرها من أزواجه صلى الله عليه وسلم فقيل يقتل قاذفها لأن ذلك أذى للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل يحد وينكل وأما من سبهم بغير القذف فإنه يجلد الجلد الموجع وينكل التنكيل الشديد، قال ابن حبيب: ويُخَلَّد في السجن إلى أن يموت. وقد روي عن مالك فيمن سب عائشة قتل مطلقا، ويُمْكن حمله على السب بالقذف. انتهى. وقال في الإكمال في حديث الإفك: وأما اليوم فمن قال ذلك في عائشة قتل لتكذيب القرآن وكفره بذلك، وأما غيرها من أزواجه صلى الله عليه وسلم فالمشهور أنه يحد لما فيه من ذلك حد ويعاقب لغيره. وحكى ابن شعبان قولا آخر أنه يقتل على كل حال، وكأن هذا التفت إلى أذى النبي صلى الله عليه وسلم حيا وميتا. انتهى. وقال في الإكمال أيضا: وسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتنقيصهم أو واحد منهم من الكبانر المحرمات، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك وذكر أنه مِنْ أذَاه وأذَى اللَّه تعالى وأنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، واختلف العلماء ما يجب عليهم، فعند مالك ومشهور مذهبه إنما فيه الاجتهاد بقدر قوله والمقول فيه وليس له في الفيء حق، وأما من قال فيهم إنهم كانوا على ضلالة وكفر فيقتل، وحكي عن سحنون مثل هذا فيمن قاله في الأئمة الأربعة، قال: وينكل في غيرهم. انتهى. يعني بالأئمة الأربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا. قال: وحكي عنه أنه يقتل في الجميع كقول مالك. انتهى. فيفهم منه أن قول مالك: إن من قال في أحد من الصحابة ولو كان غير الأئمة الأربعة إنه على ضلالة وكفر أنه يقتل، وانظر الشفا وقد حكى فيه الخلاف حتى فيمن كفر عليا وعثمان، والذي جزم به ابن عبد السلام الشافعي في أماليه أنه لا يكفر بذلك. انتهى.

الخامس: ذكر الحطاب عن الشيخ شمس الدين الملقب بالرائق خطيب مدينة بيروت وإمامها عن السيد أحمد المصري من أهل بيروت أنه اجتمع برافضيٍّ، فقال له الرافضيُّ: نحن نبغض أبا بكر لتقدمه في الخلافة على عَلِيٍّ، ونبغض جبريل لأنه نزل بالرسالة على محمد ولم ينزل عَلَى عَلِيٍّ، ونبغض محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه قدم أبا بكر في النيابة عنه في الصلاة ولم يقدم عليا،

ص: 379

ونبغض عليا لسكوته عن طلب حقه من أبي بكر وهو قادر عليه، ونبغض اللَّه لأنه أرسل محمدا ولم يرسل عليا وهو أقبح ما يكون من الكفر الذي ما سمع بمثله، قال وذكر ابن بشكوال بسنده إلى محمد بن عمر بن يونس، قال: كنت بصنعاء فرأيت رجلا والناس حوله يجتمعون عليه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذا رجل كان يؤمنا في رمضان وكان حسن الصوت بالقرآن، فلما بلغ:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} ، قال إن اللَّه وملائكته يصلون عَلَى عليّ يأيها الذين آمنوا صلوا عليه: فخرس وجذم وبرص وعمي وأقعد مكانه. انتهى.

السادس: سئل القاضي أبو بكر بن العربي عن رجل، قال: إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار، فأجاب بأنه ملعون لأن اللَّه تعالى قال:{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} ، قال: ولا أذى أعظم من أن يقول عن أبيه إنه في النار. انتهى. نقله الحطاب.

السابع: قال المواق: قال عياض: إن كان القائل لما قاله في جهته عليه السلام غير قاصد السب والإزراء ولا معتقد له ولكنه متكلم في حقه عليه السلام كلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه، وظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو ضجر أو سكر اضطره إليه أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه، فحكم هذا الوجه حكم الأول القتل دون تلعثم. انتهى. قوله: حكم الأول يعني القصد لسبه؛ إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشيء مما ذكر إذا كان في عقله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولذا أفتى الأندلسيون بقتل ابن حاتم في نفيه الزهد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأفتى القابسي بقتل من شتمه عليه الصلاة والسلام في سكره لأنه يظن به أن يعتقد هذا أو يفعله، وأيضا فقتله حد لا يسقطه السكر كسائر الحدود؛ لأن من شرب الخمر عالما بزوال عقله بها وإتيانه بما ينكر كالعامد لما يكون منه ولذا لزمه طلاقه وعتقه وحدوده، وأما إن سبه مجنون فلا يقتل وكذا صبي لم يميز أو ميز إن تاب حين بلوغه أو أنكر أنه سبه. واللَّه تعالى أعلم.

وفيمن قال لا صلى اللَّه على من صلى عليه جوابا لصل يعني أنه اختلف على قولين في شخص قيل له صل على محمد، فقال لا صلى اللَّه على من صلى عليه، فقيل لا يقتل وهو قول سحنون

ص: 380

والبرقي وأصبغ، وقيل يقتل ولا تقبل توبته وهو قول الحارث بن مسكين وغيره، وسبب الخلاف هل شَتَمَ الناسَ أو شَتَمَ الملائكةَ الذين يصلون عليه صلى الله عليه وسلم، ومحل الخلاف إذا قال ذلك في حالة الغضب وإلا قتل بلا خلاف، ولم يذكر المصنف أنه قال ذلك في حالة الغضب مع أنه ذكره في النص، واعترض ابن مرزوق على المصنف في إسقاطه لأن له دخلا في سقوط القتل، قال الخرشي: ومحلهما يعني القولين إذا قاله في حالة الغضب وإلا قتل بلا خلاف. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولو قال لا صلى اللَّه عليه لم يختلف في قتله لأنه من إضافة النقص إليه صلى الله عليه وسلم، وما يقع في بعض النسخ لا صلى اللَّه عليه فهو غير صحيح لما علمت. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي عدم قتل من قال حين غضبه لا صلى اللَّه على من صلى عليه جوابا لصل على محمد لحمل لفظه على قائل صلى اللَّه على محمد فهو شتم للناس وقتله وعدم قبول توبته لشمول لفظه للأنبياء والملائكة المصلين عليه قولان، فإن قاله في حالة غير حالة الغضب قتل من غير خلاف، وكذا لو قال: لا صلى اللَّه عليه. انتهى.

أو قال: الأنبياء يتهمون جوابا لتتهمني يعني أنه إذا قال شخص لآخر تتهمني أي أتتهمني، فقال الآخر مجيبا له: الأنبياء يتهمون، فكيف أنت؟ فإنه اختلف فيه على قولين، فقال: أبو إسحاق بن جعفر: يقتل لشناعة هذا اللفظ، وتوقف أبو محمد بن منصور عن القتل لأن اللفظ عنده يحتمل أن يكون خبرا عن من اتهم الأنبياء من الكفار، وأفتى فيها قاضي قرطبة أبو عبد اللَّه بن الحاج بنحو هذا، وشدد القاضي أبو محمد تصفيده وأطال سجنه، ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه؛ إذ دخل في شهادة بعض من شهد عليه توهين ثم أطلقه، قال الشبراخيتي: أشار به لقوله في الشفاء، وقد كان اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه بشيء، ثم قال: له تتهمني؟ قال له الآخر: الأنبياء يتهمون فكيف أنت؟ فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله لبشاعة هذا اللفظ، وكان القاضي أبو محمد بن منصور يتوقف عن القتل لاحتمال اللفظ عنده أن يكون خبرا عن من اتهمهم من الكفار. وأفتى فيها قاضي قرطبة أبو عبد اللَّه بن الحاج بنحو من هذا. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي: أو قال الأنبياء يتهمون جوابا لتتهمني استفهاما بحذف الهمزة، هل يقتل من غير قبول توبة نظرا لبشاعة لفظه من نسبة النقص لهم عليهم

ص: 381

الصلاة والسلام، وعدم قتله بالكلية لاحتمال أن يكون قصده الإخبار عمن اتهمه من الكفار وهو لا يعتقد ذلك كما هو ظاهر حال المسلم لكن يعاقب. انتهى. أو جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنه اختلف على قولين فيمن قال: جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعض الفقهاء: يقتل ولا تقبل توبته، وقال القاضي أبو محمد بن منصور رحمه اللَّه تعالى: يطال سجنه ويوجع أدبه لأنه لم يقصد السب، قال التتائي: وأشار بقوله: "أو جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم" إلى قوله في الشفاء: نزلت مسألةٌ استفْتى فيها بعض فقهاء الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد بن منصور رحمه اللَّه تعالى في رجل تنقصه آخر بشيء، فقال له: إنما تريد نقصي بقولك وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إذ لم يقصد السب، وكان بعض الفقهاء أفتى بقتله. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله:"أو جميع البشر" لخ: هو نحو قوله في الشفا: ونزلت أيضا مسألة استفتى فيها بعضُ فقهاء الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد بن منصور رحمه اللَّه تعالى في رجل تنقص آخر بشيء، فقال له: إنما تريد تنقصي بقولك وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إذ لم يقصد السب، وكان بعض الفقهاء أفتى بقتله، فمن قال بقتله رأى أن هذا إخبار صدر منه وفيه نسبته النقص لمن لا يليق به من وجهين من عموم جميع البشر مع دخول الأنبياء فيهم، ومما صرح به في الإغياء من قوله:"حتى النبي صلى الله عليه وسلم" ومن قال بعَدَمِ قتله رأى احتماله للإخبار عمن قاله. قال بعضهم: وفي هذا الاحتمال الأخير بعد. انتهى. وقال عبد الباقي: أو قال جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم هل يقتل من غير قبول توبة لأن لفظه المذكور يشمل الأنبياء عموما والنبي خصوصا بالإغياء، أو لا يقتل لاحتماله إخباره عمن قاله؟ وإنما يعزر فقط، وفي هذا التعليل بُعْدٌ كما قال بابا، ولذا قال الشارح: الأظهر من القولين في الفرع الأخير القتل.

وعلم مما قررت أن قوله: قولان جار في كل من الفروع الثلاثة، قال التتائي: وإذا لم يكن في هذين الفرعين غير النقل عمن ذكرنا فالجاري على اصطلاح المؤلف أن يقول: تردد. انتهى. وقال

ص: 382

عبد الباقي: قولان في كل من الفروع الثلاثة، وعلى عدم القتل يطال سجنه ويوجع ضربا كما في الشفا، وتعبيره بتردد في الفرعين الأخيرين أولى. انتهى.

‌فائدة:

قد علمت أن النبي سيدنا ومولانا محمدا صلى الله عليه وسلم هو أشرف الخلق وأفضلهم، فورد سؤال عن حروف القرآن في أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم عليها، قال الإمام محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق في شرح البردة عند قول الناظم:

لو ناسبت قدره آياته عظما

. . . . . . . . . . . الخ

لم يزل يعترض على هذا البيت فإنه يعطي أن لا شيء من آياته صلى الله عليه وسلم ناسب قدره لما تعطيه، لو من امتناع الشيء لامتناع غيره أي امتنعت الخاصية المذكورة لامتناع مناسبة شيء من آياته قدره وهو باطل؛ لأن من آياته القرآن وهو كلام اللَّه وكلامه صفته وشرف الصفة بشرف الموصوف، فكيف يصح أن يقال: صفة اللَّه لم تناسب قدر النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأكثروا في الجواب: وأَقَولُ: إنها مغالطة، فإن القرآن يطلق على القديم وهو صفته تعالى ولا يفارق الذات، ولا يكون معجزة لأن المعجزة فعل وهذه صفة ويطلق على الحروف الدالة عليه وهو المراد بالمعجزة، وحينئذ لا نسلم مناسبة الحروف لقدره صلى الله عليه وسلم، وذاكرت بعضهم في هذا الإشكال وأجبت عنه بما قررته في كتاب الاستيعاب وإظهار صدق المودة. انتهى.

ولما ذكر ما يقتل به اتفاقا أو على خلاف، أتبعه بما هو ردة عند المصنف يستتاب منها وما يؤدب فيه فقال: واستتيب في هزم يعني أن من قال: هزم النبي صلى الله عليه وسلم يكون مرتدا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. قال التتائي: واستتيب في قوله: "هزم" فإن تاب وإلا قتل، قال ابن المرابط: لأنه لا يجوز ذلك عليه لأنه على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، قال البساطي: قالوا إن ابن المرابط قال: إن القائل إذا قال إن النبي هزم استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا القائل إن كان يخالف في أصل المسألة أعني حكم الساب فله وجه، وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته فمشكل. انتهى.

ص: 383

وقال حبيب بن ربيع: مذهب مالك وأصحابه أنه يقتل دون استتابة. انتهى. وقال الشبراخيتي: واستتيب في قوله "هزم" فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه نقص ولا يجوز ذلك عليه لأنه على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، وهو خلاف قول مالك وأصحابه فإن مذهبهم في هذه أنه يقتل ولا تقبل توبته وهو الذي استظهره ابن مرزوق. انتهى. وقال عبد الباقي: واستتيب في هزم عند ابن المرابط أي يكون مرتدا يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل وهو خلاف قول مالك وأصحابه أنه يقتل ولا تقبل توبته، والعجب من ابن المرابط في قوله ذلك مع قوله من قال هزمتْ بعض جيوشه: يقتل ولا تقبل توبته.

والمراد بهم من هو فيهم، وجمع أحمد بين كلاميه بحمل هذا على قائله بقصد التنقيص، والأول الذي مشى عليه المصنف لم يقصد تنقيصا فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، ونحوه قول الشامل: واستتيب في هزم إن لم يقصد تنقيصا. انتهى بالمعنى. وقد علمت مذهب مالك وأصحابه وظاهره الإطلاق. انتهى. وقال الحطاب: قال القرطبي في شرح مسلم: ومن قال إنه فر أو هزم قتل ولم يستتب؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنه أسود فأنكر ما علم من وصفه وذلك كفر، ولأنه قد أضاف إليه نقصا وعيبا، وقيل يستتاب فإن تاب وإلا قتل. انتهى. وقال الخرشي عند قوله "واستتيب" ما نصه: والمعنى أن الإنسان إذا قال في حق النبي عليه السلام إنه هزم فإنه يكون مرتدا ويُستتاب ثلاثة أيام بلا جوع، فإن تاب وإلا قتل، والمؤلف تبع فيها ابن المرابط وهو ضعيف، والصواب ما جزم به القرطبي وهو أنه يقتل ولا تقبل توبته، ومثله: هزمت جُيُوشه، والمراد بهم من هو فيهم. انتهى المراد منه. واللَّه تعالى أعلم.

أو أعلن بتكذيبه يعني أن المعلن بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم مرتد يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل، فإن أسرَّ ذلك فهو زنديق يقتل بلا استتابة، قال المواق: قال ابن القاسم في المسلم يعلن بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم: إنه كالمرتد يستتاب. انتهى. وقال الشبراخيتي: واختار ابن مرزوق في هذا والذي قبله أنه يقتل ولا تقبل توبته. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: وإذ اختار ابن مرزوق في هذه المسألة أنها من باب التنقيص فما الردة التي يستتاب صاحبها ثلاثة أيام إذ لا تكون الردة إلا عن تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، والذي

ص: 384

يظهر حينئذ أن يقال أعْلَنَ بتكذيبه بأن يقول كذب أو نحو ذلك مما يفيد تنقيصا، فهذا هو محل قوله:"وأعلن بتكذيبه" والردة هي ما لم يُصرَّح فيه بتكذيبه، كأن يقول: هو كافر أو مشرك، أو يقول: لا بعث ولا جزاء ونحو ذلك مما يلزم منه التكذيب. واللَّه تعالى أعلم.

أو تنبأ يعني أن الإنسان إذا ادعى أنه نبي فإنه مرتد يستتاب ثلاثة أيام بلا جوع ولا عطش ولا معاقبة، فإن تاب وإلا قتل لأن من ادعى من هذه الأمة أنه نبي فقد كذَّب النبي صلى الله عليه وسلم فيما تواتر عنه وأخبر به القرآن واجتمعت عليه الأمة أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيئين، فالضمير في تنبأ عائد على الشخص المدعي للنبوءة وليس عائدا على النبي صلى الله عليه وسلم، قال المواق: قال ابن القاسم في المسلم يعلن بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم: إنه كالمرتد يستتاب، وكذلك قال فيمن تنبأ وزعم أنه أُوحِيَ إليه. وقاله سحنون. انتهى. وقال التتائي:"أو تنبأ" أي ادعى النبوءة وأنه يوحى إليه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل لتكذيبه القرآن والسنة، أما القرآن فلقوله تعالى:{وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ، وأما السنة فلقوله صلى الله عليه وسلم:(لا نبي بعدي)

(1)

أي لا يُنبأ أحد بعده، وأما نزول عيسى بعده فإنما ينزل على أنه واحد من أمته ويحكم بشريعته لا بشريعته التي أرسل بها قبل نزوله. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال: فإن قلت هذا مستغنى عنه بقوله أولا: "أو ادعى شركا مع نبوءته عليه السلام" لأنه يشمل ادعاءه لنفسه أو لغيره، فالجواب أنه قد لا يدعي الشرك ويدعيها لنفسه فقط دونه. انتهى.

إلا أن يُسِرّ يعني أن الشخص إنما يستتاب في ادعائه النبوءة إذا أعلن ذلك، وأما إن ادعى النبوءة سرا فإنه زنديق يقتل من غير استتابة إلا أن يجيء تائبا قبل الظهور عليه، وفي النوادر أنه يقتل سواء أظهر ذلك أو أسره، والأول استظهره ابن رشد، ولهذا قال: على الأظهر فالاستثناء راجع للأخيرة فقط من حيث النسبة لابن رشد، وإن كانت التي قبلها كذلك من حيث الحكم. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.

(1)

الترمذي، كتاب المناقب، رقم الحديث 3730.

ص: 385

وأدب اجتهادا في أدّ واشك للنبي يعني أن من طلب شيئا يأخذه من شخص كما في قضية العشار أي المكاس، فقال: أشكوك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أدّ إليَّ ما طلبتك واشك للنبي صلى الله عليه وسلم يؤدب باجتهاد الحاكم وأما مسألة ابن عتاب التي أفتى فيها بقتل العشار ففيها زيادة على ما قال المؤلف، فليست ككلام المؤلف خلافا للشارح. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: قال الشارح: وقعت هذه المسألة في عشار طلب من آخر شيئا يأخذه، فقال له: أشكوك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأفتى بعض الأشياخ بالأدب وأفتى غيره بالقتل وهو موافق لما في نوازل ابن سهل عن ابن عتاب من القتل، هذا والذي في الشفاء في بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم بسب أو نقص أفتى أبو عبد اللَّه بن عتاب في عشار قال لرجل: أدِّ واشك للنبي، وقال إن سألت أو جهلت فقد جهل أو سأل النبي صلى الله عليه وسلم، بالقتل. انتهى. ولم يذكر المصنف هذه الزيادة، وظاهر الشفا أو صريحه أنها من كلام العشار قطعا فما أفتى فيه ابن عتاب بالقتل غير مسألة المصنف قطعا، كما أشار إليه حلولو. انتهى المراد منه. ونحوه للتتائي، وقال: فإن كانت الزيادة من قول العشار فالذي أفتى فيه ابن عتاب بالقتل غير مسألة المصنف، وإنما أفتى فيها بالقتل لما انضم إليها من هذه الزيادة. انتهى المراد منه. واللَّه تعالى أعلم.

ولو سبني ملك لسبيته يعني أن الشخص إذا قال: لو سبني ملك لسببته فإنه يؤدب باجتهاد الحاكم، ومثله لو سبني نبي لسببته، قال الشبراخيتي: وأدب في قوله: "لو سبني ملك لسببته" لأنه إنما يقصد الانتصار لنفسه بكلامه، وقول التتائي لما فيه من تنقيص الملك غير ظاهر؛ لأن تنقيص الملك يقتل به، وقوله:"ولو سبني ملك" لخ وكذا لو قال لو سبني نبي أو رسول لسببته كما في النقل وما في الزرقاني من التنظير في ذلك قصور، وقوله:"ولو سبني" لخ شرط فيما مضى ويحتمل أن تكون بمعنى إن، فهي شرط في المستقبل ومن هذا تعلم أن ما أفتى به بعض الأشياخ من قتل من قال لآخر: لو جئتني بالنبي على كتفك ما قبلتك غير ظاهر؛ إذ هو مخالف لما يستفاد من هذه المسألة بالأولى. انتهى. وقوله: "ولو سبني" كذا في عدة نسخ بالواو قبل لو، وفي شرح عبد الباقي: أو لو سبني لخ، قال: وكذا يؤدب اجتهادا في قوله: "لو سبني ملك لسببته" مثله لو سبني نبي لسببته كما في النقل أي أو رسول ولم يصدر منه سب، وإنما علقه على أمر لم

ص: 386

يقع، ويستفاد من ذلك تأديب من قال: لو جئتني بالنبي على كتفك ما قبلتك بالأولى لأنه دون قوله: "لسببته" في إيهام التنقيص من غير قرينة، نعم إن قامت عليه قرينة قتل ولعله يحمل عليه فتوى بعض أشياخ الأجهوري بالقتل في هذه، وإنما لم تقيد مسألة المصنف بذلك على ظاهر ما لشارحه؛ لأن مدخول لولا يستلزم وقوع جوابها، وأما لو قال: لو جئتني بالنبي على كتفك ما قبلته فالظاهر تعين قتله لأن لفظه فيه تنقيص وإن لم يرده. انتهى.

وقال المواق: كتب قاضي كورة بياسة يسأل عن نازلة نزلت بغرناطة في رجل سب رجلا، فقال له: يشق عليك أن راجعتك باللَّه لو أن نبيا أو ملكا سبني لرددت عليه، وفي رجل عشار فهم من الغريم أنه يريد أن يشتكي به، فقال: اغرم واشتك إلى النبي، فراجعه ابن رشد فقال الحالف باللَّه: لو أن نبيا أو ملكا سبه متهاونٌ بحرمة الملائكة والأنبياء عليهم السلام يجب أن يؤدب على ذلك الأدب الموجع إلا أن يكون معروفا بالخير ممن لا يتهم في اعتقاده فيتجافى عن عقوبته ويؤمر بالاستغفار مما قال ولا كفارة ليمينه بحال، وأما العشار فيؤدب الأدب الموجع على كل حال. وأجاب ابن الحاج بنحو هذا وقال في الحالف أبعده اللَّه ونحاه: يضرب الضرب المبرح وكذا العشار الفاسق أسحقه اللَّه ومقته. انتهى.

‌تنبيهات:

الأول: قال الحطاب: سئل البلقيني عن رجل أمسك غريما له، وقال: لو وقف عزراءيل قابض الأرواح ما سيبتُه إلا بحكم الشرع، فأجاب إذا كان مراده لو وقف لقبض روحي ما سيبته فلا يجب عليه شيء؛ لأنه إنما صدر ذلك بالنسبة إلى ما يتعلق بذلك، والمعنى لا أسيبه ولو كان في ذلك ذهاب الروح وهذا لا يتعلق بالملك صلى الله عليه وسلم. انتهى. قلت: وأما لو قصد الاستخفاف بذلك فالظاهر أنه يؤدب كما ذكره في الشفا، وأشار إليه الشيخ بقوله:"لو سبني ملك لسببته" قوله ما سَيَّبْتُه أي ما أطلقته يعني الغريم. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. واللَّه تعالى أعلم.

الثَّاني: قال الحطاب: سُئِلَ الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الشافعي: ما تقول في رجل قال في ملإ من الناس وقد تكلم في حقيقة الفقير؟ فقال: الفقير الذي لا حاجة له إلى اللَّه فهل في إطلاق هذا القول شيء أم لا؟ وهل إذا ذكر لذلك تأويلا محتملا ولو على بعد يقبل ذلك منه أولا؟

ص: 387

فأجاب: يعزر على ذلك تعزيزا بليغا رادعا ويجدد إسلامه، ولا يقبل تأويله في هذا القول لما فيه من سوء الأدب والرد على قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} ، وهذا القول إن لم يكن كفرا فهو قريب من الكفر فلا أَكْثَرَ اللَّهُ من هذه الشياطين المضلين ويجب على ولي الأمر أن يبالغ في ردع هذا الخبيث المجترئ على رب العالمين. انتهى. قلت: لعله تردد في كون هذا اللفظ كفرا لكون قائله ذكر له تأويلا، وإلا فمن اعتقد معنى هذا اللفظ فلا شك أنه كافر مرتد مكذب للقرآن. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحطاب.

الثالث: قال الحطاب: سئل البلقيني عن رجل ظلمه مكاس ظلما كثيرا، فقال الرجل: الذي يكتبه فلان المكاس ما يمحوه ربنا ما يلزمه؟ فأجاب: إذا لم يقصد بذلك عدم تعلق القدرة به فإنه لا يكفر، سواء قصد أن المكاس شديد البأس يصمم على ما يكتب أو لم يقصد ذلك، فإن قصد أن ربنا لا يقدر على مَحْوِه فإنه يكفر ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.

الرابع: قال الحطاب: وسئل -يعني البلقيني- عن مسلم قال لذمي في عيد من أعيادهم: عيد مبارك، هل يكفر أم لا؟ فأجاب: إن قاله المسلم للذمي على قصد تعظيمهم دينهم وعيدهم فإنه يكفر، وإن لم يقصد ذلك وإنما جرى على لسانه فلا يكفر بما قاله من غير قصد. انتهى. وسئل عن رجل يدعي أنه إذا غضب على أحد أصيب في بدنه أو منصبه لأجل غيظه، فقال له رجل: لو سمع اللَّه منك لَخرَّب السماوات والأرض؛ يعني لو قبل دعاءك فهل يجب على قائل هذا الكلام شيء، وماذا يجب على من قال: كفرت بهذا الكلام؟ فأجاب: لا يجب على قائل ذلك شيء، ومن رماه بكفر أو غيره بالتأويل زجر عن ذلك، ويعرف أن معنى ذلك موجود في كتاب اللَّه في قوله تعالى:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، ويجب أن يتوب عما صدر منه. وسئل عن رجل يصبح كل يوم يشتغل بالناس ويجعلهم في غير الإسلام ويقول بعد ذلك: إذا أكلت العلماء الرشا أكلت الناس الحرام، وإذا أكلت العلماء الحرام كفرت الناس ويذكر أنه وقتنا هذا فعوتب في ذلك، فقال: ما قلته من عندي، قاله الفقيه حسين المغربي. فأجاب: قد ارتكب المذكور كبائر بجعل المسلمين في غير الإسلام وبما ذكره عن العلماء وعن كفر الناس، وبذكره أنه وقتنا هذا وقد كذب في ذلك كله وافترى، فدين الإسلام بحمد اللَّه قائم والأمة

ص: 388

المحمدية لا تزال طائفة منهم قائمة بالحق حتى يأتي أمر اللَّه، وإن اللَّه تعالى يبعث للأمة المحمدية على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها، ويجب على هذا الرجل التعزير البليغ الزاجر له ولأمثاله عن هذه الأمور الباطلة، ويبادر إلى التوبة فإذا ظهر من حسين المغربي شيء من ذلك فإنه يعزر. انتهى. قلت: وما ذكره كلام لا معنى له، فإنه يقتضي أن الرشا أخف من الحرام، وقد قال العلماء: الرشا أخبث الحرام وإنها السحت. وسئل عن رجل قال: إن اللَّه تعالى يقول: (إن من عبادي من لا يوافقه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد)

(1)

الحديث، وفي آخره:(ومراد الحق من الخلق ما هم عليه) فأنكر عليه رجل صحة هذا الحديث، فهل الحديث مزوي، وما معنى مراد الحق من الخلق ما هم عليه؟ فأجاب هذا أمر مروي ومعناه صحيح ولا يترتب على قائله شيء، ومعناه أن كل من يفعله الخلق وما اشتملوا عليه من هدي وغيره بخلق اللَّه وإرادته وهذا اعتقاد أهل السنة. وسئل الشيخ عز الدين عن الرجل يذكر فيقول: اللَّه اللَّه ويقتصر على ذلك، هل هو مثل قوله: سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر وما أشبه ذلك أم لا؟ وإذا لم يكن بمثابته فهل هو بدعة لم ينقل عن السلف أم لا؟ فأجاب: هذا بدعة لم تنقل عن الرسول ولا عن أحد من السلف وإنما يفعلها الجهلة، والذكر المشروع كله لا بد أن يكون جملة فعلية أو اسمية وهو مأخوذ من السنة والكتاب وأذكار الأنبياء، والخير كله في اتباع السلف الصالحين دون الأغبياء الجاهلين. انتهى. كلام الحطاب.

قال مقيد هذا الشرح: مُحَمَّد بْن مُحَمَّد سَالِم عفا اللَّه تعالى عنه بمنه: إياك يا أخي أن تغتر بهذا الكلام فإن الذكر بلفظة أللَّه هو الذكر المفرد الشريف الذي قيل فيه إن فيه نتيجة جميع الأذكار، فخاصية الهيللة مثلا انطباع ثبوت الألوهية في النفس وانتفاء ما سوى اللَّه تعالى عنها، وخاصية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم انطباع صورته البشرية في النفس وائتلافها معها، وخاصية التسبيح انطباع التنزيه في النفس إلى غير ذلك من الأذكار الشريفة. وخاصية الذكر المفرد أنه

(1)

كنز العمال، 1160.

ص: 389

تحصل للذاكر به جميع نتائج الأذكار لا حرمنا اللَّه تعالى من ذلك آمين بجاه سيد الأولين والآخرين.

واعلم أن هذا الكلام الذي نقله الإمام الحطاب عن الإمام عز الدين رضي اللَّه تعالى عنهما قد ألف غير واحد في رده كما ذكره في النسرين، وقال الإمام الساحلي: إن الذكر المفرد هو الاسم الذي جعل اللَّه تعالى فيه اختصاصا بخروج الباطن عن الأكوان تعويلا على المكون الحق ورجوعا إلى الأنس به في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} ، فظهر بذلك أن الذكر المفرد له اختصاص بالاستغراق في معناه محوا لمن سواه، فإذا فطالب فناء نفسه عن تلمح شيء من عالم جنسه استغراقا في سر توحيده أنسب الأذكار له هو الاسم العظيم مفردا، ثم قال: وأما ذكر الأفراد فدليله من القرآن قوله تعالى عز وجل من قائل: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} ، وقوله تعالى:{وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} وهذا الذكر هو لباب الأذكار وإنسان حدقتها وقطب أفلاكها، وقد أجمع كثير من أهل العلم على أنه الاسم الأعظم، ثم ذكر بعد هذا من خصائص الذكر المفرد في محل الذكر به ما يبهر العقول واللَّه تعالى أعلم.

وفي شرح الإمام الحطاب: وسئل البلقيني عن جماعة يذكرون في أثناء ذكرهم يقولون: محمد محمد، ويكررون الاسم الشريف، ويقولون آخر دلك: محمد مكرم معظم، هل يكون ذلك ذكرا يؤجرون عليه، وهل فيه إساءة، وهل ورد في ذلك شيء من كتاب أو سنة؟ فأجاب: لم يرد بذلك آية ولا خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أثر عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الفقهاء بعدهم ولا غير ذلك من الأذكار المشروعة، ولا يؤجرون على ذلك وهم مبتدعون شيئا قد يقعون به في إساءة الأدب، وأما قولهم: فمحمد مكرم معظم فهذا ليس بالذي قبله وهو إخبار بالواقع، ولم يرد فيه ما يقتضي أن يكون مطلوبا والقياس على ما نهى اللَّه تعالى عنه، في قوله تعالى:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} ، وقوله تعالى:{وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} وما طلب منهم في حق النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي النهي عن ذلك. انتهى. قلت: قوله: وأما قولهم فمحمد مكرم معظم يعني من غير تكرير للاسم الشريف، وما قاله ظاهر. ومثل هذا قول كثير من العامة: صلوا على محمد. انتهى.

ص: 390

أو يا ابن ألف كلب يعني أنه إذا قال شخص لآخر: يا ابن ألف كلب فإنه يؤدب باجتهاد الحاكم، قال التتائي: وأدب في قوله: "لو سبني ملك لسببته" أو قال لآخر يا ابن ألف كلب أو يا ابن ألف خنزير مما يجري في كلام السفهاء لدخول بعض الأنبياء في هذا العدد، قال: وإن علم أنه قصد الأنبياء قتل، ومثل هذا ما أفتى به ابن أبي زيد فيمن قال: لعن اللَّه من حرم المسكر، وقال: لم أعلم من حرمه وفيمن لعن حديث: (لا يبع حاضر لباد)

(1)

ولعن من جاء به إن كان يعذر بالجهل وعدم معرفة السنة؛ لأنه لم يقصد بذلك سب اللَّه ولا رسوله، وإنما لعن من حرمه من الناس. انتهى.

وقال الشبراخيتي: أو قال لآخر يا ابن ألف كلب، قال ابن أبي زيد: أو يا ابن ألف خنزير مما يجري في كلام السفهاء، وإن علم أنه قصد الأنبياء قتل، وأما لو قال له: لعنك اللَّه إلى آدم فإنه يقتل كما نقله عياض، وذلك لأنه لا شك أن في آبائه نبيا وهو نوح؛ إذ هو أب لمن بعده. نقله حلولو. قال التتائي: ومثل كلام المصنف ما أفتى به ابن أبي زيد فيمن قال: لعن اللَّه من حرم المسكر، وقال لم أعلم من حرمه، وفيمن لعن لا يبع حاضر لباد ولعن من جاء به إن كان يعذر بالجهل وعدم معرفة السنن فعليه الأدب الوجيع؛ لأنه لم يقصد بذلك سب اللَّه ولا سب رسوله، وإنما لعن من حرمه من الناس. انتهى. وانظره مع قوله:"وإن ظهر أنه لم يرد ذمه". انتهى. ويأتي الجواب عند قوله: "أو لعن العرب" لخ، وقال عبد الباقي: أو يا ابن ألف كلب أو خنزير ولو كرر لفظ ألف فيؤدب اجتهادا، لاحتمال أن يكون في آبائه نبي حيث لم يقصد دخول نبي في لفظه، فإن علم أنه قصد الدخول فساب، وأما لو قال لعنك اللَّه إلى آدم فإنه يقتل كما نقله عياض عن ابن مناس؛ لأن في آبائه نبيا وهو نوح إذ هو أب لمن بعده. نقله حلولو. انتهى باختصار. انتهى. واللَّه تعالى اعلم.

أو عُيِّرَ بالفقر فقال: تعيرني به والنبي قد رعى الغنم يعني أنه إذا قال شخص لآخر قد عيره بالفقر: تعيرني بالفقر والنبي صلى الله عليه وسلم قد رعى الغنم، فإنه يؤدب باجتهاد الحاكم،

(1)

صحيح البخاري، كتاب البيوع، رقم الحديث، 2150. صحيح مسلم، كتاب البيوع، رقم الحديث، 1413.

ص: 391

وكذا: قد رعى فقط، قال مالك: قد عرض به في غير ذكر موضعه أرى أن يؤدب، قال المواق: قال مالك: في رجل عُير بالفقر فقال تعيرني بالفقر وقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم: عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه: أرى أن يؤدب. انتهى. وقال عبد الباقي: أو عير من شخص بالفقر فقال تعيرني به والنبي صلى الله عليه وسلم قد رعى الغنم، وكذا قد رعى كما في المواق فيؤدب اجتهادا إلا أن يقصد تنقيصا فيقتل وإن تاب، كقوله: يتيم أبي طالب أو ختن حيدرة أي صهر علي أو أكل الشعير أو ضحى بكبش لعدم القدرة على ثمن قمح أو إبل أو رهن درعه في ثمن شعير اشتراه من يهودي أو خرج من مخرج البول، فإنه يقتل وإن تاب حيث لم يقل شيئا من ذلك في رواية لاستخفافه بحقه ولا يلزم من اتصافه بشيء جواز الإخبار به، وقريب من ذلك ما وقع في درس الأستاذ أبي الحسن البكري في خطبة ضمنها يتيم أبي طالب، فأنكر عليه مَغْرِبيُّ فَاضلٌ قائلا: يقتل ولا تقبل توبته، فاستشاروا الناصر اللقاني فيما يفعل بالمغربي لوقوعه في حق الأستاذ، فقال: حصنوا دم الأستاذ بتحكيم شافعي في ذلك فَخَلَّوا عن المغربي. انتهى.

أو قال لغضبان كأنه وجه منكر أو مالك يعني أنه إذا قال شخص لآخر غضبان: كأنه وجه منكر أو مالك عليهما السلام، فإن هذا القائل يؤدب باجتهاد الحاكم قوله:"منكر" بفتح الكاف هو أحد فتاني القبر، وقوله:"مالك" هو خازن النار، وفي نسخة التتائي والشبراخيتي: نكير بدل منكر، قال التتائي: أو قال لغضبان: كأنه وجه نكير أحد فتاني القبر أو مالك خازن النار، وأشار بهذا لقول صاحب الشفاء: سئل القابسي عن رجل قال لرجل قبيح كأنه وجه نكير ولرجل عبوس كأنه وجه مالك الغضبان، فقال: أي شيء أراد بهذا وهما ملكان، فما الذي أراد أروع دخل عليه حين رآه من وجهه أم عاق النظر إليه لدمامة خلقه؟ فإن كان هذا فهو شديد لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين فهو أشد عقوبة وليس فيه تصريح بالسب للملك، وإنما السب واقع على المخاطب وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء، قال: فأما مالك خازن النار فقد جفا الذي ذكره عند ما أنكر من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد فيرهب بعبسه فيشبهه القائل على طريق الذم في فعله ولزومه في ظلمه صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله، فيقول كأنه

ص: 392

للَّه يغضب غضب مالك فيكون أخف وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا ولو كان أثنى على العبوس بعبسه، واحتج بصفة مالك كان أشد ويعاقب المعاقبة الشديدة وليس في هذا ذم الملك ولو قصد ذمه لقتل. انتهى.

وقال المواق: سئل القابسي عن رجل قال لرجل قبيح: كأنه وجه نكير، ولرجل عبوس: كأنه وجه مالك الغضبان، فقال بعد كلام: هذا شديد لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين وليس فيه تصريح بالسب للملك، وإنما السب واقع على المخاطب وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء، وأما ذكر مالك خازن النار فقد جفا الذي ذكره عند ما أنكره من عبوس الآخر. انتهى.

أو استشهد ببعض جائز عليه في الدنيا يعني أنه يؤدب بالاجتهاد من استشهد ببعض شيء جائز على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى غيره من الأنبياء في الدنيا من حيث النوع البشري حال كون هذا الشيء المستشهد به حجة له أي للمستشهد نفسه، أو حجة لغيره أي لغير المستشهد بكسر الهاء، كأن يقول له شخص: أنت تحب زوجتك؟ فقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب عائشة، أو أنت تحب النساء؟ فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب النساء، أو أنت تحب أصحابك؟ فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أصحابه، أو إن ابتليت فقد ابتلي أيوب أو إن صبرت على البلاء فقد صبر أيوب على البلاء، قوله:"ببعض" بلا تنوين مضاف إلى جائز وهو صفة لموصوف محذوف أي شيء جائز، وقوله:"حجة" حال من "بعض" كما قررت وهو لعبد الباقي، وقال الشبراخيتي: مفعول لأجله، وقال التتائي: أو استشهد ببعض شيء جائز عليه أي على النبي في الدنيا من حيث هو بشر على طريق ضرب المثل، كقوله: إن أحب النساء فالنبي أحبهن، أو إن لم أعرف أن التذكير ينفع ثمرة النخل وتركه يضرها فرسول اللَّه لم يعرف ذلك، قال ذلك حجة له أو حجة لغيره، أدب. انتهى.

وقال عبد الباقي: أو استشهد على فعل نفسه أو غيره ببعض جائز أي ببعض شيء جائز من حيث النوع البشري عليه صلى الله عليه وسلم أو على غيره، كابتليت وصبرت كما ابتلي أو صبر أيوب حالة كون المستشهد به حجة له أي للقائل أو لغيره. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو استشهد ببعض شيء جائز فهو صفة لموصوف محذوف عليه أي على النبي في الدنيا من حيث

ص: 393

هو بشر على طريق ضرب المثل؛ كأن يقول له شخص: أنت تحب زوجتك فلانة، فقال: النبي كان يحب عائشة أو أنت تحب النساء، فقال: النبي كان يحب النساء، أو أنت تحب أصحابك، فقال: النبي يحب أصحابه، أو إني ابتليت أو صبرت على البلاء كما ابتلي أو صبر أيوب "حجة" مفعول لأجله له أو حجة لغيره، أدب. انتهى.

أو شبه لنقص لحقه يعني أنه يؤدب بالاجتهاد من شَبَّهَ نفسه به صلى الله عليه وسلم لأجل نقص لحقه أي لحق هذا القائل المشبّه، قال الشبراخيتي: أو شبه نفسه به صلى الله عليه وسلم لنقص لحقه، كأن يقال له: أنت تتطيب أو تتزين أو تكتحل وهذا من وظيفة النساء. انتهى. فيقول: النبي يتطيب أو يتزين أو يكتحل قاصدا ترفيع نفسه، فقوله:"أو شبه" بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف تقديره نفسه كما قررت. وقوله:"لنقص" اللام للتعليل، "ولحقه" الضمير البارز للشخص المشبه بكسر الباء والمستتر عائد على النقص، والجملة صفة لنقص. وقال عبد الباقي: أو شبه نفسه به صلى الله عليه وسلم لنقص أي لأجل نقص لحقه أي لحق هذا القائل ولا أدري ما وجه جعله الاستشهاد والتشبيه مسألتين، ولو اقتصر على أحدهما لأغناه عن الآخر، وقد جعل ذلك في الشفاء نوعا واحدا. قاله ابن مرزوق. وجوابه أن المراد أنه ذكر أحد هذين اللفظين، فيؤدب في واحد مما ذكر أدبا شديدا، ويسجن كما في الشفا إن قصد ترفيع نفسه ولم يقصد تنقيص النبي صلى الله عليه وسلم ولا تعييبه ولا سبه. انتهى.

لا على التأسي يعني أنه إذا قصد بما قال التأسي أي تسلية نفسه أي حملها على الصبر وتخفيف ما حصل من التألم، فإنه لا يؤدب، فقوله:"لا على التأسي" أي لا إن قال ما قال على جهة التأسي، ومثل بقوله: كإن كذبت فقد كذبوا بما يقال على جهة التأسي، ويمثل به أيضا لما إذا شبه نفسه لنقص لحقه والحاصل أن الاقسام ثلاثة إن قصد رفع نفسه مستشهدا بما قال ومن معناه ما إذا شبه نفسه بنبي لأجل نقص لحقه فإنه يؤدب وإن قاله على جهة التأسي فلا أدب وإن قصد تنقيصا قتل، قال عبد الباقي: لا على التأسي أي التسلي أي لا إن قصد بما قال أنه يتأسى بهم فلا أدب عليه، كإن كذبت بالبناء للمفعول فقد كذبوا أو إن أوذيت فقد أوذوا أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم أنبياء اللَّه ورسله، أو إن قيل في مكروه فقد قيل في النبي

ص: 394

مكروه، أو إن أحببت النساء فالنبي أحبهن أو أنا في قومي غريب كصالح في ثمود أو صبرت كما صبر أيوب أو أولو العزم من الرسل، أو قيل له إنك أمي، فقال النبي أمي فلا أدب في شيء من ذلك إن قصد التأسي، فإن قصد ترفيع نفسه لا التأسي والتسلي بهم أدب، وإن قصد بشيء من ذلك تنقيصا قتل ولو تاب، وينبغي جريان تلك الأقسام الثلاثة في قوله: أو عُيِّر بالفقر لخ كما جرت في قوله: أو استشهد إلى هنا فإن لم يكن له قصد شيء بما ذكر فينبغي أن يحمل في مسألة أو عير بالفقر، ومسألة الاستشهاد ومسألة التشبيه للنقص على قصد ترفيع نفسه فيؤدب، ومسألة إن كذبت ونحوها على التأسي. انتهى.

أو لعن العرب أو بني هاشم، وقال: أردت الظالمين يعني أنه يؤدب باجتهاد الحاكم من لعن العرب أو لعن بني هاشم، والحال أنه قال في المسألتين أردت الظالمين منهم والأدب في الثانية أشد، فإن لم يقل أردت الظالمين قتل هذا مقتضى ما للشفا، ومقتضى ما في النوادر أن قوله:"أردت الظالمين" قيد في الثانية فقط، فإن لم يقل أردت الظالمين قتل، وأما الأولى وهي ما لو لعن العرب فإنه يؤدب من غير تفصيل. قال عبد الباقي: أو لعن العرب أو بني هاشم، وقال في المسألتين كما في الشفا وابن مرزوق: أردت الظالمين منهم فيؤدب وفي الثانية أشد ومقتضى النوادر أن قوله: وقال أدرت الظالمين منهم خاص بالثانية، وأما الأولى فيؤدب من غير تفصيل، ومشى أحمد على ما للنوادر فلو لم يقل أردت الظالمين منهم على ما للشفا في المسألتين قتل. قاله ابن مرزوق. وظاهره من غير استتابة، وفي أحمد يكون مرتدا ولم يدعمه بنقل، وكذا يؤدب أدبا وجيعا كما في الشفا قائل لعن اللَّه من حرم المسكر إن قال لا أعلم من حرمه، وكذا لو قال: لعن اللَّه من قال لا يبع حاضر لباد إن عذر بجهل لعدم قصده حينئذ سب اللَّه ورسوله، وإنما لعن من حرمه من الناس. انتهى. أي فإن لم يجهل فمرتد في الأولى وساب في الثانية. وقول علي الأجهوري: انظر ما للشفا مع قوله وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لخ، قد يقال: لا نظر لأن ما مر عالم بالنبي وسبه بمثل ذلك ولو تعريضا، والجاهل هنا لَعَنَ مُجَرَّدَ لَفْظٍ أو حُكْمٍ غير معلوم من الدين بالضرورة ولم يعرف المنسوب إليه. انتهى. وقال التتائي: ولا خصوصية للعن العرب، فقد ذكر في الشفا عن

ص: 395

أبي محمد: أدب من قال لعن اللَّه بني إسرائيل أو لعن اللَّه بني آدم، وذكر أنه لم يرد الأنبياء وإنما أراد الظالمين منهم. انتهى.

وشدد عليه في كل صاحب فندق قرنان وإن كان نبيئا يعني أنه يؤدب باجتهاد الحاكم من قال كل صاحب فندق قرنان وإن كان نبيا ويشدَّد عليه في الأدب، والقرنان هو الذي لزوجته صاحب يزانيها كأنه يقرن بينه وبين غيره على زوجته وهو ممنوع الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون، والفندق بيت معروف. قال الشبراخيتي: وشُدِّدَ مضعفا عليه نائب فاعل شدد يرجع للأدب، وضمير عليه يرجع للساب، ويحتمل أن النائب عليه أي ضيق على الساب في قوله:"كل صاحب فندق قرنان" أي من لزوجته صاحب يزانيها وهو ممنوع من الصرف للوصف وزيادة الألف والنون ولو كان نبيا مرسلا، قال في الشفا: توقف أبو الحسن القابسي في قتله وأمر بشده بالقيود والتضييق عليه حتى تستفهم البينة عن جهة ألفاظه وما يدل على مقصده، وهل أراد أصحاب الفنادق الآن؟ فمعلوم أنه ليس فيهم نبي مرسل فيكون أمره أخف، قال: ولكن ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين، وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء والرسل من اكتسب المال وذم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بيِّنٍ وما ترد إليه التأويلات فلا بد من إمعان النظر فيه. هذا معنى كلامه. وزدنا في كلام المؤلف مرسلا لأنها هي المسألة التي وقع إفتاء القابسي فيها وهي أحرى بالتشديد من الذي اقتصر عليه المؤلف. انتهى. وقال عبد الباقي: شدد عليه الأدب بالضرب والقيد في كل صاحب فندق شخص قرنان ممنوع من الصرف للوصف وزيادة الألف والنون ولو كان نبيا. انتهى.

وفي قبيح لأحد ذريته

(1)

في آبائه صلى الله عليه وسلم يعني أن من نسب لأحد ذريته صلى الله عليه وسلم قبيحا من قول أو فعل في آبائه فإنه يشدد عليه الأدب، مع العلم به أي بأنه من ذريته صلى الله عليه وسلم، وهذه النسخة التي فيها زيادة في آبائه هي الصواب والنسخة التي ليست فيها إحالة للمسألة عن وجهها، قال التتائي: سقط في بعض النسخ في آبائه وهو محيل

(1)

كذا في نسخة والذي في ابن غازي ج 2 ص 1105 والمواق ج 8 ص 385 لأحد ذريته صلى الله عليه وسلم في آبائه.

ص: 396

للمسألة عن وجهها، والضمير في "ذريته" للرسول، والضمير في "آبائه" للفظ "أحد"، ولو قال: وفي قبيح لآباء أحد ذريته لكان أبين. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: وبهذه النسخة يتضح المعنى؛ إذ نسبة القبيح لآبائه يحتمل تطرق ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وأما إسقاط في آبائه فإنه يقتضي أنه لا تجوز الشهادة على من فعل من ذريته عليه الصلاة والسلام ما يترتب عليه بسببه الحد، وهذا لا يقوله أحد. وقال الشبراخيتي: إن النسخة التي أسقط فيها في آبائه صحيحة ومعناها أنه يشدد عليه الأدب في نسبة قبيح لأحد ذريته عليه الصلاة والسلام، ولو نسب قبيحا لغير أحد من ذريته أدب دون تشديد عليه وعلى هذا يقيد بغير ما مر. واللَّه تعالى أعلم.

‌فَائِدَةٌ:

قال الرهوني: مما يندرج تحت هذه الكلية أن يقال لأحدهم: إن نسبه ظني ونحو ذلك من العبارات، واستدل الإمام ابن العربي الحاتمي بقوله تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} ، على أن أقارب النبي صلى الله عليه وسلم لا يعذبون على المعاصي، فيعتقد في كل مؤمن منهم عاص أنه لا يلحق به الوعيد في الآخرة، قائلا: علق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، وتبعه على ذلك غير واحد من الأئمة الأعلام كالشيخ زروق في نصيحته وقواعده، واعترضه الإمام العلامة النظار أبو عبد اللَّه سيدي محمد بن قاسم القصار بما نصه: قول القائل إن أهل البيت يعتقد أن اللَّه لا يعاقبهم، إن أراد تغليب الرجاء في حق من علم اللَّه تعالى أنه منهم على الخوف فحق، وإن أراد بالاعتقاد الجزم المطابق بأنهم لا يعاقبون فقد ابتدع وخالف أهل السنة، فإن قيل: ورد به ظواهر، قيل: ورد أكثر منها وأوضح في حق فاعلي طاعات، حتى قال المبتدعة المرجئة، لا يعاقب مؤمن وأبى أهل السنة [وأعداء

(1)

اللَّه لأهل البيت] من يوهمهم ذلك بل يذكر لهم نحو: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} ، وأن كثيرا من تلك الظواهر قد لا تشملهم، فمن اعتقد ذلك منهم أو من غيرهم فهو المبتدع، بل مذهب أهل

(1)

كذا في الأصل والذي في الرهوني ج 8 ص 113 وأعدى عدو لأهل البيت.

ص: 397

السنة أنهم في المشيئة وسلم له ذلك غير واحد من الأئمة المتبحرين في علمي الظاهر والباطن، منهم تلميذه العلامة العارف باللَّه تعالى أبو زيد الفاسي، فكتب عليه ما نصه:

قف على قوله في حق من علم اللَّه تعالى أنه منهم، فإنه تنبيه على أنه لا يقطع به في معين ولا يقطع به أحد لنفسه ولو إلَّا من كون شرطه الوفاة على الإسلام وهو غيب، وهكذا ينبغي أن يكون الاعتقاد في كل فضيلة وُعِدَ عليها في العقبى فإن شرط ذلك الإيمان عند اللَّه وهو غيب غير مقطوع به لأحد إلا من ميزه النص، على أن من تحقق قبضة الحق لا يسكن [لوعد وبه تفهم]

(1)

قول سيدي عبد السلام، وألحقني بنسبه فإن الطيني مشروط بالديني وهو غيب، وكذا ما ورد في قبول الطاعات والدعاء وادخاره فإنما هو فيمن علم اللَّه سبحانه منه خاتمة الإيمان ونفذت بذلك إرادته ومشيئته، وأما أحد في خاصته فلا يصح له الجزم والقطع بذلك لنفسه ولا لغيره، وقد قال سيدي أبو الحسن: وقد أبهمت الأمر علينا لِنرْجُو ونَخَافَ وذلك سرٌّ العبودية، وبذلك تنقطع الآمال إلا من اللَّه ويتحقق الرجاء والاعتماد عليه لا على الأسباب فاعرفه. انتهى. فكتب عقبه العلامة ابن زكري: وهذا هو الموافق لقواعد أهل السنة. انتهى المراد منه. وما قاله الشيخ القصار ورد التصريح به عن الإمام مالك في كلامه الذي حكاه عنه غير واحد. انتهى.

واعلم أنه اختلف في تفسير الآية المتقدمة على خمسة أقوال: أَحَدُهَا أن المراد بأهل البيت أزواجه صلى الله عليه وسلم، ثانيها أن المراد بهم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين خاصة، ثالثها أن المراد بهم أزواجه وهؤلاء الأربعة، رابعها أن المراد بهم النبي صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة وابناهما، خامسها أن المراد بهم أزواجه وأقاربه الذين تحرم عليهم الصدقة، فدخل في ذلك جميع بني هاشم بلا خلاف وبنو المطلب على الخلاف المعلوم، ورجح هذا القول غير واحد منهم ابن جزي لتصديره به وحكاية غيره بقيل مع تصريحه بضعف الأول، وأيد ابن كثير دخول أزواجه صلى الله عليه وسلم بأنه سبب النزول وهو داخل قطعا إما وحده وإما مع غيره وهو الأصح، واستدل لدخول الأقارب بأحاديث ورجح غير واحد الثاني بالعزو، كابن عطية بعزوه

(1)

في الأصل لوعد ربه تفهم والمثبت من الرهوني ج 8 ص 112.

ص: 398

للجمهور وابن حجر الهيثمي بعزوه لأكثر المفسرين، واختار ابن عطية من عند نفسه الثالث ورجح الجلال المحلي الأول باقتصاره عليه.

‌فائدة: أخرى:

في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: لا ينال شفاعتي طعان ولا لعان ولا نمام. انتهى.

‌تنبيه:

لو قال لشريف ثابت النسب لعن اللَّه الوالد الأكبر في أجدادك، قال في الشامل: فيه قوالان، هل يقتل أو يؤدب؟ وأما لو قال لعن اللَّه الأكبر في أجدادك فالظاهر أنه يقتل. قاله عبد الباقي.

كإن انتسب يعني أن من انتسب للنبي صلى الله عليه وسلم بغير حق تصريحا بالقول أو بالفعل يشدد عليه الأدب، قال عبد الباقي: كإن انتسب له بغير حق تصريحا بالقول أو بالفعل، كلبس العمامة الخضراء في زمننا فيؤدب لعموم قول مالك: من ادعى الشرف كاذبا ضرب ضربا وجيعا ثم يشهر ويحبس مدة طويلة حتى تظهر لنا توبته؛ لأن ذلك استخفاف منه بحقه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يعظم من طعن في نسبه ويقول لعله شريف في نفس الأمر قاله في المنى في الباب العاشر، فقول الشادلي ومن وافقه من المالكية: إن لبس العمامة الخضراء لغير الشريف جائز غير صحيح وغره في ذلك، ذكر السيوطي له: وإنما أدّب ولم يُحَد مع أنه يلزم عليه حمل غير أبيه على أمه؛ لأن القصد بانتسابه له شرفه لا الحمل المذكور؛ ولأن لازم المذهب ليس بمذهب. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وقال التتائي: كإن انتسب له صلى الله عليه وسلم بغير حق، سواء انتسب له صريحا أو احتمل كإن قيل له أنت شريف النفس أو ذو نسب؟ فقال مجيبا: ومن أشرف نفسا أو أحسن نسبا من ذريته صلى الله عليه وسلم، ويعم المسألتين قوله آخر الشفا، روى أبو مصعب عن مالك: من انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته؛ لأنه استخف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم. انتهى المراد منه.

ص: 399

وقال عبد الباقي: أو احتمل قوله الانتساب إليه كإن قيل له أنت شريف النفس أو ذو نسب؟ فقال مجيبا: ومن أشرف نفسا أو أحسن نفسا من ذريته صلى الله عليه وسلم؟ قاله التتائي. وإنما كان قوله هذا محتملا لا صريحا في انتسابه له لاحتمال قصد هضم نفسه؛ أي أن ذريته عليه الصلاة والسلام هم الذين لهم شرف النفس والنسب ولم يقصد الانتساب له. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو احتمل قوله: الانتساب، كإن قيل له أنت شريف أو ذو نسب؟ فقال مجيبا: ومن أشرف نسبا أو أحسن نسبا من ذريته عليه الصلاة والسلام. انتهى. وقال الخرشي: أو احتمل قوله الانتساب إليه بأن يقال له أنت شريف النسب فيقول ما أحد أشرف من آل فاطمة، وليس معنى احتمل احتمل الكفر وغيره وإلا تكرر مع مسائل الأدب كلها لأنها كلها تحتمل الكفر وغيره. انتهى.

أو شهد عليه عدل أو لفيف فعاق عن القتل يعني أنه إذا شهد عدل على شخص أنه سب نبيا أو ملكا، أو شهد بذلك لفيف من الناس وهو ما اجتمع من الناس من غير تزكية، فعاق ذلك أي شهادة من ذكر عن القتل لعدم ثبوت السب بذلك، فإنه يشدد عليه الأدب، وقوله:"عاق" بمعنى منع، والفاعل ضمير يعود على ما ذكر من شهادة العدل واللفيف، وقال التتائي: الفاعل كون الشاهد واحدا أو لفيفا. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: أو شهد عليه بالسب عدل واحد أو لفيف من الناس وهو ما اجتمع من قبائل شتى فعاق بشهادة من ذكر عن القتل لعدم ثبوت السب بواحد ولاحتياج اللفيف لمزك فيؤدب أدبا شديدا. انتهى. وقال المواق: عياض: إن ثبت قوله لكن احتمل ولم يكن صريحا أو لم تتم الشهادة عليه إنما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس، فهذا يدرأ عنه الحد ويتسلط عليه اجتهاد الإمام فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال إلى الغاية. انتهى. وقال التتائي: فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن والشد في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته مما لا يمنعه القيام لضرورته ولا يقعده عن صلاته، وهو حكم من وجب عليه القتل لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه وتربص به الإشكال

(1)

وعائق

(1)

كذا في الأصل والذي في شرح محمد عليش ج 9 ص 242 لإشكال.

ص: 400

اقتضاه، وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله. انتهى. وفي بعض النسخ: أو عاق، فهي مسألة مستقلة أي عاق أمر عن القتل من عدم تزكية أو عداوة مثلا، وفي بعض النسخ: وعاق عن القتل عائق. انتهى.

أو سب من لم يجمع على نبوءته يعني أن من سب من لم يجمع على نبوءته كلقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان الذي قيل إنه نبي أهل الرس، وزرادشت الذي ادعت المجوس نبوءته فإنه يشدد عليه الأدب، وكذا من سب من لم يجمع على ملكيته كهاروت وماروت، وأما إنكار كونهم من الملائكة والنبيئين، فإن كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج، وإن كان من عوام الناس زُجِرَ عن الخوض في مثل هذا، وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل. انظر المواق. وقال الشبراخيتي: أو سب من لم يجمع على نبوءته كالخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس وزرادشت صاحب كتاب المجوس الذين يدعون نبوءته، وكذا سب من لم يجمع على ملكيته كهاروت وماروت فيشدد الأدب على متنقصهم، ولو قال: من اختلف في نبوءته، لكان أولى؛ إذ السالبة تصدق بنفي الموضوع فتصدق عبارته على من اتفق على عدم نبوءته كآحاد الناس اليوم. انتهى.

وقال عبد الباقي: أو سب من لم يجمع على نبوءته كالخضر ولقمان ومريم وخالد بن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس وزرادشت صاحب كتاب المجوس الذي يدعون نبوءته، فيؤدب الساب. ومثله من لم يجمع على ملكيته كهاروت وماروت، وقول القرافي: يقتل سابهما ولا تقبل توبته خلاف المذهب، وذكر الحافظ بن حجر والسيوطي أن قصتهما وردت من نحو عشرين طريقا. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: لكن ضعف ذلك غير واحد ولا يقال مثل هذا يقوى بانضمام طرقه؛ لأن هذا من باب الاعتقاد الذي لا يثبت إلا بالتواتر لا من باب الأعمال ولهذا قال الجزائري رحمه اللَّه تعالى:

. . . . . . . . . . . . . . .

حديث هاروت مع ماروت غير جلي

ص: 401

واللَّه تعالى أعلم.

وقال التتائي: أو سب من لم يجمع على نبوءته بما يقتل به ساب من أجمع على نبوءته، كالخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس وَزَرَادَشْتَ صاحب كتاب المجوس الذي يدعون نبوءته، وكذا سب من لم يجمع على كونه ملكا كهاروت وماروت فيؤدب من تنقصهم ومؤذيهم بقدر حال المقول فيه، قال في الشفا: وأما إنكار نبوءتهم أو كون الآخر من الملائكة، فإن كان المتكلم في ذلك من أهل العلم فلا حرج لاختلاف العلماء في ذلك، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا، فإن عاد أدب إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا، فقد كره السلف الكلام فيه مما ليس تحته عمل لأهل العلم، فكيف بالعامة؟ انتهى. أو صحابيا يعني أن من سب صحابيا يشدد عليه في الأدب، قال الخرشي: وكذلك يؤدب ويشدد على من سب صحابيا ولكن ليس هذا على عمومه، فإن من رمى عائشة بما بَرَّأها اللَّه منه بأن قال: زنت أو أنكر صحبة أبي بكر أو إسلام العشرة أو إسلام جميع الصحابة، أو كفَّر الأربعة أو واحدا منهم كفر. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سب صحابيا فيؤدب حتى عائشة بغير ما برأها اللَّه منه، وأما به كزنت فمرتد وكذا يكون مرتدا إن أنكر صحبة أبي بكر أو إسلام العشرة أو إسلام جميع الصحابة، أو كفَّرَ الأربعة أو واحدا منهم فيكفر. قاله بعضهم. وفي علي الأجهوري: قوله "صحابيا" أي جنسه فيشمل سب الكل ومثل السب تكفير بعضهم ولو من الخلفاء الأربعة، بل كلام الإكمال يفيد عدم كفر من كفَّر الأربعة، وأن المعتمد يؤدب فقط خلافا لقول سحنون: يرتد، وأما من كفَّر جميع الصحابة فيكفر كما في الشامل؛ لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة وكذب اللَّه ورسوله. انتهى. قال الرهوني: قول الزرقاني عن الأجهوري: بل كلام الإكمال يفيد عدم كفر من كفر الأربعة الخ سلم كلام الأجهوري وهو غير مسلم، فإن الأجهوري نقل كلام القرطبي والإكمال كما نقلهما الحطاب وفهم كلام الإكمال على خلاف ما فهمه الحطاب مصرحا بأن فهم الحطاب ليس على ما ينبغي وفيه نظر، بل ما فهمه منه الحطاب هو الحق والصواب، ونص الحطاب: وقال في الإكمال: وسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتنقيصهم أو واحد منهم من الكبائر المحرمات، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك، وذكر أنه من أذاه

ص: 402

وأذى اللَّه تعالى وأنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، واختلف العلماء ما يجب عليه فعند مالك ومشهور مذهبه إنما فيه الاجتهاد بقدر قوله والمقول فيه، وليس له في الفيء حق، وأما من قال فيهم إنهم كانوا على ضلالة وكفر يقتل، وحكى سحنون مثل هذا فيمن قاله في الأئمة الأربعة، قال: وينكل في غيرهم وحكي عنه يقتل في الجميع كقول مالك. انتهى.

فيفهم منه أن قول مالك أن من قال في أحد من الصحابة ولو كان من غير الأئمة الأربعة إنه على ضلالة وكفر يقتل، وانظر الشفا. وقد حكى فيه الخلاف حتى فيمن كفر عليا وعثمان، والذي جزم به ابن عبد السلام الشافعي في أماليه أنه لا يكفر بذلك. انتهى. انظر بقية كلامه فإنه شاف. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: عياض: سب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه وتنقصهم حرام ملعون فاعله، ومشهور مذهب مالك في هذا الاجتهاد والأدب الموجع. انتهى. وقال التتائي: وعن بعض الأشياخ: من سب معاوية أو غيره فإن نسبه للضلال والكفر قتل، وإن نسبه لغير ذلك من مشاتمة الناس نُكِّلَ نكالا شديدا. انتهى.

وسب اللَّه كذلك قال الخرشي: لما فرغ من الكلام على ما يترتب على سب الأنبياء من قتل وغيره، شرع يتكلم على سب اللَّه تعالى، فذكر أن سب اللَّه تعالى كسب النبي أي صريحه كصريحه ومحتمله كمحتمله، فيقتل في الصريح ويؤدب في المحتمل، سواء كان الساب ذميا أو مسلما إلا أن في استتابة المسلم خلافا، كما قال: وفي استتابة المسلم خلاف يعني أن من سب اللَّه -تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا- يقتل كما علمت، فإذا كان مسلما فإنه اختلف فيه، فقيل: يستتاب فإن تاب لم يقتل وإن لم يتب قتل وهو الراجح، وقيل يقتل ولا تقبل توبته. ومفهوم قوله:"المسلم" أن الكافر الذي سب اللَّه عز وجل إن أسلم لم يقتل، قال عبد الباقي: وسب اللَّه كذلك أي كسب النبي صريحه كصريحه ومحتمله كمحتمله، فيقتل في الصريح ويؤدب في المحتمل سواء كان الساب ذميا أو مسلما، إلا أن في المسلم خلافا كما أفاده بما هو كالاستثناء من التشبيه، فقال: وفي استتابة المسلم خلاف وإلا أن يسلم الكافر كما مر، وفي الجواهر: والحكم فيمن سب البارئ تعالى على ما تقدم إلا أنه يستتاب المسلم هنا على المشهور، وقيل الأكثر على عدمها، ثم قال: أما لو لعنه قتل، وإن قال زل لسانه على المنصوص. ولا يقال: كلام المصنف

ص: 403

يدل على أن التشبيه في الأدب لأنا نقول قوله: "وفي استتابة المسلم خلاف" يدل على المراد إذ لو كان فيه الأدب لم يتأتَّ الاستثناء والراجح قبول توبته. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وفي استتابة المسلم خلاف أي هل تقبل توبته وهو أحد قولي ابن القاسم، أولا تقبل توبته وهو لابن القاسم أيضا؟ والراجح أنها تقبل توبته. انتهى. وفي الشفا أن ابن أبي زيد أفتى فيمن لعن رجلا ولعن اللَّه، فقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني أنه يقتل بظاهر كفره ولا يقبل عذره. انتهى. وقال المواق: سحنون: من شتم الحقَّ سبحانه من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر قتل ولم يستتب، قال ابن أبي زيد: إلا أن يسلم. وفي التفريع: من سب اللَّه سبحانه أو سب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب، وقال المخزومي وابن مسلمة وابن أبي حازم: لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني، وقد تقدم نقل ابن يونس عن ابن القاسم أن من عاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب، وميراثه لجميع المسلمين وهو بمنزلة الزنديق الذي لا تعرف توبته لأنه يتوب بلسانه ويراجع ذلك في سريرته، وإن كان نصرانيا فإنه يقتل صاغرا. وسئل أصبغ عن رجل أيقن برجل أنه زنديق فاغتاله فقتله؟ فقال: هو محسن فيما بينه وبين اللَّه لكن يعزره السلطان للعجلة قبل أن يثبت ذلك للسلطان، ولكنه محسن إذ لعل الولاة تضيع مثل هذا ولا تصححه، وقال عيسى فيمن سمع نصرانيا يشتم النبي صلى الله عليه وسلم فاغتاظ عليه فقتله، قال: لا شيء عليه إن أثبت أن ذلك كان يوجب عليه القتل.

كمن قال: لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه تشبيه في مطلق الخلاف؛ يعني أن من قال: "لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه" اختلف فيه، فقيل يقتل وهو الراجح لأنه نسب الباري إلى الجور نسأل اللَّه تعالى السلامة، وقيل ينكل وعلى الراجح الذي هو القول بأنه يقتل اختلف هل يستتاب المسلم أم لا؟ قولان. قال عبد الباقي: تشبيه لإفادة الخلاف وإن لم يتحد المختلف فيه؛ إذ هو في الأول في قبول توبة المسلم وعدمها يعني مع اتفاق القولين على القتل، وفي الثاني في قتل القائل لنسبته الباري للجور، وهل يستتاب أولا قولان كما مر أولا يقتل بل يؤدب ويشدد عليه في التعزير لأن قصده الشكوى؟ انتهى. وقال الخرشي: تشبيه

ص: 404

لإفادة الخلاف وإن لم يتحد المختلف فيه؛ إذ هو في الأول في قبول توبة المسلم وعدمها وهنا في قتل القائل وتنكيله، والمعنى أنه اختلف فيمن قال هذا القول، هل يقتل وهو الراجح لأنه نسب الباري إلى الجور، وهل يستتاب أولا؟ قولان كما مر أو لا يقتل بل يؤدب ويشدد عليه في التعزير لأن قصده الشكوى. انتهى.

وقال الشبراخيتي: "كمن قال لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه" تشبيه في مطلق الخلاف أي هل يقتل القائل أو ينكل، وعلى القول بقتله يجري الخلاف في قبول توبته وعدمها، ثم إن القولين للمتأخرين فكان المناسب لاصطلاحه أن يعبر بالتردد. نبه عليه التتائي. انتهى. وقال المواق: عياض: اختلف أهل قرطبة في مسألة هارون أخي ابن حبيب وكان ضيق الصدر كثير التبرم، قال عند استقلاله من مرض: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا كله، فأفتى ابن حبيب بموافقة القاضي بتنكيله وتثقيل أدبه، وأفتى الغير بقتله. انتهى.

وفي الشفا: لو تكلم من لا يضبط كلامه وأهمل لسانه بسخف من القول مما فيه استخفاف بعظمة ربه أو يمثل شيئا ببعض ما عظم اللَّه من ملكوته، أو تكلم بما لا يليق في حق خالقه غير قاصد لكفر ولا عامد لإلحاد، فإن تكرر هذا منه وعرف به دل على تلاعبه بدينه واستخفافه بحرمة ربه وجهله بعظمته وهذا كفر لا مرية فيه، وقد أفتى ابن حبيب بقتل رجل خرج يوما فأخذه المطر، فقال: بدأ الخراز يرش جلوده وتوقف غيره في قتله ورآه عبثا من القول يكفي فيه الأدب، فقال ابن حبيب: دمه في عنقي؛ أيشتم ربا عبدناه ثم لا ننتصر له إنا إذا لعبيد سوء؟ وبكى فبلغ ذلك الأمير فأمر بقتل الرجل وصلبه. قال عياض: وأما من صدرت منه الهفوة الواحدة ولم تكن تنقصا أو إزراء فيعاقب بقدر مقتضاها وحال قائلها وشرح سبيلها، وقد سئل ابن القاسم عن رجل نادى رجلا باسمه فأجابه: لبيك اللَّهم لبيك؟ قال: إن كان جاهلا أو قاله على وجه سفه فلا شيء عليه. عياض: وشرح قوله أنه لا قتل عليه والجاهل يزجر ويعلم والسفيه يؤدب، ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه، كفر. انتهى.

ص: 405

‌فَوائِدٌ:

الأُولى: قال في الشفا: وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من جحد آية من كتاب اللَّه تعالى من المسلمين فقد حل ضرب عنقه)

(1)

، وكذلك من جحد التورية والإنجيل وكتب اللَّه تعالى المنزلة، أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها فهو كافر، وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، إلى آخر:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} أنه كلام اللَّه تعالى ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع وأجمع أنه ليس من القرآن عامد الكل هذا أنه كافر، ولهذا رأى مالك قتل من سب عائشة رضي الله عنها بالفرية؛ لأنه خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل أي لأنه كذب بما فيه. وقال ابن القاسم: من قال إن اللَّه تعالى: لم يكلم موسى تكليما يقتل، وقاله ابن عبد الرحمن بن مهدي، وقال محمد بن سحنون فيمن قال: المعوذتان ليستا من كتاب اللَّه تعالى تضرب عنقه إلا أن يتوب، وكذلك كل من كذب بحرف منه، قال: وكذلك إن شهد شاهد عدل على من قال إن اللَّه تعالى لم يكلم موسى تكليما، وشهد آخر عليه أنه قال إن اللَّه تعالى ما اتخذ إبراهيم خليلا؛ لأنهما اجتمعا على أنه كذب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عثمان ابن الحداد: جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر. وقال عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه: من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله ومن كفر به قتل، وقال أصبغ بن الفرج: من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله، وسئل القابسي عمن خاصم يهوديا فحلف له بالتورية، فقال الآخر: لعن اللَّه التورية فشهد شاهد بذلك ثم شهد آخر أنه سأله عن القضية فقال إنما لعنت تورية اليهود، فقال أبو الحسن: الشاهد الواحد لا يوجب القتل، والثاني علق الأمر بصفة توجب التأويل إذ لعله لا يرى اليهود متمسكين بشيء من عند اللَّه تعالى لتبديلهم وتحريفهم، ولو اتفق الشاهدان على لعن التورية مجردا لضاق التأويل. وقد

(1)

سنن ابن ماجه، أبواب الحدود، رقم الحديث، 2539. بلفظ: من جحد آية من القرآن فقد حل ضرب عنقه.

ص: 406

اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن سنوذ المقرئ أحد الأئمة المقرءين المتصدرين بها بقراءته وإقرائه بالشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه بالرجوع عنه والتوبة منه سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبي علي ابن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وكان فيمن أفتى عليه بذلك أبو بكر الأبهري وغيره، وأفتى أبو محمد بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي: لعن اللَّه معلمك وما علمك، فقال أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن، قال أبو محمد: فأما من لعن المصحف فإنه يقتل. انتهى.

الثانية: قال ابن حسام الدين -على ما أخبرني من أثق به- في سؤال وقع في شأن المهدي: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين هداة المسلمين أيدهم اللَّه بروح القدس في طائفة اعتقدوا شخصا من بلاد الهند مات سنة عشر وتسع مائة ببلد من بلاد العجم أنه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان، وأن من أنكر هذا المهدي الميت فقد كفر، ثم ما حكم من أنكر المهدي الموعود؟ أفتونا رضي اللَّه عنكم، فأفتى الشيخ العلامة أحمد بن حجر الشافعي فسح اللَّه تعالى في عمره: الحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، اللَّهم ارزقنا هداية لما اختلف فيه من الحق بإذنك وتوفيقا للصواب، اعتقاد هؤلاء الطائفة باطل قبيح، وجهل صريح، وبدعة شنيعه، وضلالة فظيعة، أما الأول فلمخالفته لصريح الأحاديث المستفيضة المتواترة بأنه من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يملك الأرض شرقها وغربها ويملؤها عدلا لم يسمع بمثله، وأنه يخرج مع عيسى صلى الله عليه وسلم فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين قرب بيت القدس، وأنه يؤم هذه الأمة وأن عيسى بن مريم يصلي خلفه وأنه يذبح السفياني وأنه يخسف بجيشه الذي يرسل به إلى المهدي بالبيداء بين مكة والمدينة فلا ينجو منهم إلا اثنان وغير ذلك من العلامات الكثيرة، وقد أفردتها بتأليف سميته بـ: القول المختصر في علامات المهدي المنتظر. ذكرت فيه نحوا من مائتي علامة جاءت عنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم، جمعته من كتب الأئمة المؤلفة على سعتها وكثرة أحاديثها وطرقها وما فيها من الآثار الكثيرة والعجائب الشهيرة، وكل ذلك يضاد هؤلاء الطائفة المعتقدين في ذلك الميت أنه المهدي الموعود به المنتظر، ويكذبهم ويقضي بجهلهم بالسنة الغراء وبعنادهم وإنكارهم لما وردت به، إذ

ص: 407

هذا الميت لم يوجد فيه أدنى شبهة تحمل ذا عقل بلغته السنة على أن يعتقد فيه ذلك، وأما الثاني فلأنه يترتب عليه تكفير الأئمة المصرحين في كتبهم بما يستلزم إنكار أن ذلك الميت هو المهدي، بل يلزم عليه تضليل الأمة لأنهم باعتبار ما أثر عنهم من كلماتهم فيه منكرون أن ذلك هو المهدي ومن كفر مسلما لدينه فهو كافر يضرب عنقه إذا لم يتب ويجدد إسلامه، ومن كفر الصحابة أو ضلل الأمة فهو كافر، فهؤلاء الملحدون الضالون إن صرحوا بشيء من هذه اللوازم المكفرة كانوا كفارا مرتدين مارقين، فعلى الإمام أيده اللَّه بسيف عدله معالم الدين، وأباد بصادق همته وانتصاره للشريعة المحمدية طوائف الكفار والمفسدين، أن يجري على هؤلاء الطائفة ما ذكرناه من أحكامهم وبينا من قبائحهم أن يشدد عليهم أنواع العقوبة حتى يرجعوا للحق ويعترفوا بالصدق، وأما الثالث وهو لازم ما قبله فإن كان لإنكارهم السُّنَةَ فقد كفروا فيقضى عليهم بكفرهم وردتهم فيقتلون، وإن كان لا لإنكارهم لها وإنما هو محض عناد لأئمة الإسلام وجها بذة الأحكام ومصابيح الهدى ونجوم الظلام، فهو يقتضي تعزيرهم البليغ وإهانتهم بما يراه الحاكم لائقا بعظم جريمتهم وقبيح طريقتهم وفساد عقيدتهم من حبس وضرب، وغير ذلك مما يزجرهم من هذه القبائح ويكفهم عن تلك الفضائح ويرجعهم إلى الحق رَغْمًا على آنافهم، ويردهم إلى اعتقاد ما ورد به الشرع ردعا عن كفرهم. واللَّه سبحانه ولي الهداية والتوفيق. وإليه الضراعة في أن يمنحنا مراتب الاتباع والتصديق، ومعالم العرفان والتحقيق، إنه جواد كريم رؤوف رحيم. قال ذلك وكتبه فقير عفو ربه وكرمه، الملتجئ إلى بيته وحرمه: أحمد بن حجر الشافعي عفا اللَّه عنه وعن مشايخه ووالديه، حامدا ومصليا ومسلما على نبيه محمد وآله وصحبه، ومحسبلا ومحوقلا ومفوضا ومسلما.

وأفتى الحنفي: الحمد للَّه، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اعتقاد هذه الطائفة المذكورة المحكي عنهم هذه الأمور الشنيعة والأحوال المنكرة العظيمة باطل لا أصل له ولا حقيقة، ويجب قمعهم أشد القمع وردعهم أشد الردع لمخالفة اعتقادهم ما وردت به النصوص الصحيحة والسنن الصريحة التي تواترت الأخبار بها واستفاضت بكثرة رواتها، من أن المهدي رضي الله عنه الموعود بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيدنا عيسى على نبينا وعليه أفضل

ص: 408

الصلاة والسلام، ويساعد عيسى على قتل الدجال وأنه يكون له علامات قبل ظهوره منها: السفياني وخسوف القمر في شهر رمضان، وورد أيضا أنه يخسف في شهر رمضان مرتين وكسوف الشمس في النصف من رمضان على خلاف ما جرت به العادة، ولا يجوز تكفيرهم لأحد من المسلمين فإن كفروا المخالفين لما اعتقدوا واعتقدوا كفرهم بسبب أنهم خالفوا معتقدهم الباطل فقد كفروا؛ لأن من اعتقد أن المسلم كافر فقد كفر، وتجرى عليه أحكام الكفر من الاستتابة والقتل. واللَّه ولي من نصر الحق وقام وقمع أهل الظلم ومن تدرع به، قال ذلك وكتبه الفقيه إلى اللَّه تعالى: أحمد أبو أسرور بن الضياء الحنفي.

وأفتى المالكي: الحمد للَّه وحده ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه، اعتقاد هؤلاء الطائفة في الرجل الميت أنه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل للأحاديت الصحيحة الدالة على صفة المهدي وصفة خروجه، وما يتقدم بين يدي ذلك من الفتن كظهور السفياني والخسف بالجيش الذي يخرج لمحاربته بالبيداء وخسوف الشمس في نصف شهر رمضان.

الفائدة الثالثة: اعلم أن للمهدي علامات منها: تظليل الغمامة على رأسه فيها ملك ينادي: هذا المهدي خليفة اللَّه فاتبعوه وظهور الكف منها تشير إلى بيعة المهدي، واخضرار غصن يابس بعد غرسه في أرض يابسة، وهبوط الطير على يده بإشارته، وكون جبريل عليه السلام على مقدمته وميكائل عليه السلام على ساقته وعلى الناس ظاهرا وباطنا.

الفائدة الرابعة: اعلم أن من نطق بالسب والعياذ باللَّه تعالى حاكيا له عن غيره ينظر في صورة حكايته وقرينة مقاله، ويختلف الحكم باختلاف ذلك، فإن أخبر به على وجه الشهادة والتعريف بقائله والتجريج له فهذا مما ينبغي امتثاله ويحمد فاعله، وكذا إن حكاه في كتابه على جهة الرد له والنقض على قائله والفتيا بما يلزمه وهذا منه ما يجب ومنه ما يستحب، فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو يقطع بحكمه أو شهادته أو فُتَاه وجب على سامعه الإشادة بما يسمع منه والتنفير للناس عنه والشهادة عليه بما قاله، ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره وبيان كفره لقطع ضرره عن المسلمين وقياما بحق سيد المرسلين، وكذلك إن كان ممن يعظ العامة فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي صلى الله عليه وسلم ولحق

ص: 409

شريعته، وإن لم يكن القائل بهذا السبيل فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم واجب وحماية عرضه متعين ونصره عن الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن، لكن إذا قام بهذا من ظهر به الحق وبان به الأمر سقط عن الباقي الفرض، وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه. وسئل أبو محمد بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق اللَّه تعالى أيسعه أن لا يؤدي شهادته؟ قال: إن رجا إنفاذ الحكم بشهادته فليشهد وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ويرى الاستتابة والأدب فليشهد ويلزمه ذلك، وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين فلا أرى لها مدخلا في الباب، فليس التفكه بعرض النبي صلى الله عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعي مباح، وأمَّا للأغراض المتقدمة فمتردد بين الإيجاب والاستحباب، وقد حكى اللَّه تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله عليهم السلام على وجه الإنكار، لقولهم: والتحذير من كفرهم وهذه الوجوه السابقة الحكاية عنها، فأمَّا ذكرها على غير هذا من حكاية سبه صلى الله عليه وسلم على وجه الحكايات والأسمار والطرف ومقالات الناس في الغث والسمين والخوض في قيل وقال، فكل هذا ممنوع وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض، فما كان من الحاكي على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ولم يظهر على حاكيه استحسانه زجر عن ذلك، وإن قيم عليه ببعض الأدب فهو مستوجب له، وإن كان لفظه من البشاعة حيث كان الأدب أشد.

وحكي أن رجلا سأل مالكا عمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك: كافر فاقتلوه، فقال: إنما حكيته عن غيري، فقال: مالك إنما سمعناه منك، وهذا من مالك رحمه اللَّه تعالى على طريق الزجر والتغليظ، بدليل أنه لم ينفذ قتله أو كانت تلك عادة له أو ظهر استحسانه لذلك أو كان مولعا بمثله. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم: فهو كافر، وذكر بعضهم إجماع المسلمين على تحريم ترك ما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم دون محو. انظر الشفا.

ولما أنهى الكلام على الردة التي هي: الرجوع عن الإسلام الذي هو الدعامة العظمى من الست التي أجمعت الملل على حفظها، أتبعه بالكلام على الزنى الذي هو مخل بحفظ النسب فقال:

ص: 410

‌باب: ذكر فيه حد الزنى وحكمه وما يتعلق به ولفظه

قال الجوهري: يقصره أهل الحجاز ويمده أهل نجد. انتهى. ويقال: زنى زنا وزناء وزاني زناء، قال الجزولي: وقد حضرت خصمين تحاكما، فقال أحدهما: قال لي يا ابن المقصور والممدود فحده القاضي؛ لأن هذا تعريض، قال الشبراخيتي: فإن قُلْتَ الأسماء التي تقصر وتمد كثيرة؟ فالجواب أنه ليس فيها ما يضاف ابن إليه إلا الزنى، فَإنْ قِيلَ لِمَ قدمت الزانية في الذكر على الزاني وأخرت السارقة في الذكر عن السارق، حيث قال اللَّه تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ، وقال تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ؟ فالجواب: أن الزنى يفعل بالشهوة والمرأة أكثر شهوة وأيضا أدنى للرجل إلى نفسها منه إليها، ولهذا لو اجتمع جماعة على امرأة لم يقدروا عليها إلا بمرادها، والسرقة تفعل بالقوة والرجل أقوى من المرأة وإنما لم يقطع ذكر الزاني كيد السارق لأن فيه النسل. انتهى.

وانظر قوله: ولهذا لو اجتمع جماعة لخ فإنه غير ظاهر، وقال الحطاب: قال أبو الحسن: قال القاضي عياض: فمن مده ذهب به إلى أنه فعل من اثنين كالمقاتلة والمضاربة فمصدره قتال، ومن قصره جعله اسم الشيء نفسه، وأصل الكلمة من الضيق والشيء الضيق. النووي: وإذا مد كتب بالألف وإذا قصر كتب بالياء. الزناتي: وأصل اشتقاق الكلمة من الضيق لأن الزاني ضيق على نفسه فيما اكتسبه من إثم تلك الفعلة، ولأنه ضيق على نفسه في الفعل إذ لا يتصور في كل موضع فلا بد من التماس خلوة وتحفظ، قال ابن القوطية: زنى الرجل على غيره زُنُوءا وَزِناء ضيَّق عليه، وزنى الشيء ضاق أو قصر وزنى في الحمل ضعف، وزنى إلى الشيء لجأ، وزنى الرجل بوله زنوا حقنه وزنى البول احتقن. وفي الحديث:(نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والمصلى زناء)

(1)

. انتهى.

وتحصل مما مر أنه يقال في الثلاثي زنى بالقصر والمد ويقال بالمد في الرباعي، وفي القاموس: زِنى يزني زِنى وزناء بكسرهما وزاني مزاناة وزَناء بمعناهما، وقال الخرشي: وهو يعني الزنى محرم كتابا وسنة وإجماعا. انتهى. قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} ،

(1)

النهاية في غريب الأثر، ج 2، ص 314.

ص: 411

وفي الحديث: (اشتد غضب اللَّه على الزناة)

(1)

، وفيه: ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند اللَّه تعالى من أن يضع الرجل نطفة في رحم لا يحل له، وانعقد على ذلك إجماع الأمة وجاحد حرمته كافر. قال الخرشي: وعرفه ابن عرفة بقوله: الزنى الشامل للواط مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حل عمدا، فقوله: آدمي أخرج به حشفة غيره كالبهيمة، وقوله: في فرج أخرج به مغيبها في غير فرج، وقوله: في فرج يشمل القبل والدبر فيعم الزنى اللواط، وقوله: آخر على حذف موصوف أي في فرج آدمي آخر، أخرج به مغيبها في فرج غير الآدمي، وقوله: دون شبهة أخرج به إذا كان لشبهة في الحلية إما باعتقاد حلية أو جهل، فتخرج الأمة المحللة ووطء الأب أمة ولده لا زوجة ولده، فإن ذلك زنى لأن الأول له شبهة في مال ولده ولا شبهة له في زوجة ولده، وقوله: عمدا أخرج به الغلط والنسيان والجهل. انتهى.

وعرفه المؤلف بقوله: الزنى وطء مكلف يعني أن الزنى الموجب للحد هو أن يطأ مكلف حر أو عبد مسلم، أخرج به وطء الكافر الكافرة أو المسلمة فلا حد عليه في الصورتين وإن كانت المسلمة تحد لأنه يصدق عليه أنه وطء مسلم، ولا يضر كون اللفظة الواحدة مدخلة مخرجة فرجَ مفعول "وطء"، أخرج به الوطء بين الفخذين ونحوه، والمراد به الكامل وهو ما يمكن وطؤه؛ لأن الفرد عند الإطلاق ينصرف للكامل وما يأتي من قوله:"أو صغيرة يمكن وطؤها" قرينة على هذا وهذا ما لم يكن خنثى مشكلا فلا حد عليه ولا على واطئه للشبهة، وكذا لاحد إذا وطئ غيره للشبهة. كذا في الحاشية. وذكر في الشرح أنه إن زنى بذكره لا حد عليه وكذا بفرجه عند الأكثر. وذهب الصقليون إلى أن عليه الحد إن زنى بفرجه وإن زنى بهما فالحد اتفاقا، واستظهره ابن عرفة. وأما من زنى به فإن كان في دبره فعلى الزاني الحد، وأما في فرجه فلا حد عليه عند الأكثر، ولو أدخلت المكلفة ذكر نائم في فرجها فعليها الحد ولا حد على من وطئ جنية ولا غسل عليه إلا أن

ينزل فيغتسل للإنزال.

(1)

الجامع الصغير، 1043.

ص: 412

وقوله: "مكلف" أخرج به الصبي والمجنون فوطؤهما وإن كان زنى لغة لا يسمى زنى شرعا، وإضافته إلى مكلف من إضافة المصدر إلى فاعله، وقول بعضهم: وتخرج المرأة لأنها موطوءة لا واطئة يرد بأن معنى إضافته للمكلف تعلقه به والفاعل من يميل إلى ذلك الفعل والمرأة تميل إلى ذلك. قاله الشبراخيتي. والأولى أن التعريف للفاضل واستغني به عن المفعول لكونه مثله كما يأتي. وقوله: "وطء" ظاهره ولو من غير انتشار وهو واضح، بخلاف الإحصان فلا بد فيه من الانتشار، ويدخل في قول المؤلف:"وطء" ما إذا لَفَّ خرقة على ذكره، والظاهر أنه لا حد عليه إذا كانت كثيفة، لقوله عليه الصلاة والسلام:(ادرءوا الحدود بالشبهات)

(1)

، ولأن الوطء مع الكثيفة كالوطء في هواء الفرج، والمتعين أنها إذا كانت خفيفة أن عليه الحد. وقوله:"وطء" يصدق بما إذا لم يغيب الحشفة وليس كذلك. ابن مرزوق: إلا أن يقال تغييبها هو حقيقة الوطء في عرف الفقهاء وفيه نظر، ولذا عَبَّرَ ابن عرفة بمغيب الحشفة إلا أن من عَبَّرَ بمغيب يرد عليه أنه لا يصدق على من لا حشفة له أو من له حشفة وغيب من الذكر قدرها. قاله الشبراخيتي.

آدميٍّ مضاف إليه أخرج به وطء البهيمة فلا يسمى زنى لا ملك له يعني أن هذا الفرج الموطوء لا بد من كونه لا ملك فيه للواطئ باتفاق أي بإجماع يعني أن الوطء المذكور لا يكون زنى إلا إذا كان الفرج الموطوء لا ملك فيه للواطئ بإجماع الأمة، والخلاف الضعيف في حكم الإجماع فتخرج بقوله:"لا ملك له" الزوجة والأمة، وإن حرم وطؤهما لعارض كحيض أو نفاس أو صوم أو إحرام فلا يسمى زنى ولا حد فيه، والمراد بالملك التسلط شرعا، والمملوك الذكر لا تسلط له على وطء دبره شرعا، وتخرج بقوله:"باتفاق" الأنكحة الفاسدة المختلف فيها، كالنكاح بغير ولي ونكاح المحرم. قاله الشبراخيتي.

وقال عبد الباقي: الزنى وطء مكلف حر أو عبد مسلم فرج آدمي أي تغييب حشفته أو قدرها ولو بغير انتشار، أو مع لفِّ خرقة خفيفة لا تمنع لذة لا كثيفة أو في هواء الفرج، ووطء مصدر مضاف إلى فاعله، ثم قال: والأولى أن التعريف للفاعل واستغنى عن المفعول لكونه مثله، وحينئذ يشترط

(1)

الجامع الصغير، 314.

ص: 413

في المفعولة إسلامها وتكليفها ولا ملك لها، احترازا من الزوجة والأمة فإنها تملك فرج زوجها وسيدها كما في الحطاب، وتقييد المصنف بمكلف لا ينافي ما سيذكره من القولين في المكره؛ لأن مبناهما هل يتعلق الإكراه بالزنى أم لا؟ وخرج به وطء صبي أو مجنون فلا يسمى زنى شرعا، وخرج عن تعريفه من لاط بنفسه فلا حد عليه ويعزر كما ذكره الحطاب.

وقوله: "فرج آدمي" أي ما لم يكن خنثى مشكلا فلا حد على واطئه أي لأنه كثقبة وهذا واضح في وطء فرجه، فإن وطئ في دبره فالظاهر تقديره أنثى فيكون كقوله:"أو إتيان أجنبية بدبر" يدرء الحد لا تقديره ذكرا ملوطا به، وكذا لا حد عليه إن وطئ هو غيرَهُ للشبهة؛ إذ ليس ذكرا محققا. انتهى. وأما غير المشكل فله حكم ما اتضح أنه منه، وقال عبد الباقي: وأما لو أدخلت امرأة ذكر نائم في فرجها فعليها الحد، واحترز بفرج آدمي عن وطء جنية فلا حد عليه، وذكر أبو المعالي أنه لا غسل عليه إلا أن ينزل، وفيه نظر إذ غسله منه أولى من غسله من وطء بهيمة وميتة لنيله منها لذة وإن لم ينزل. وفي الحديث:(كان أحد أبوي بلْقِيسَ جني)

(1)

وبقي أن قوله: "مكلف" يشمل الجني، فإذا وطئ جني آدمية فإنه زنى ويحَدَّان، ومقتضى كلام ابن عرفة أنه لا يسمى زنى لأنه قال: الزنى تغييب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حليةٍ عمدا، وشَمَلَ المكلف السَّكران إن أدخله على نفسه وإلا فهو كالمجنون، كذا كتب الوالد. لا ملك له فيه أي لا تسلط له عليه شرعا، فالمملوك الذكر لا تسلط له عليه شرعا من جهة الوطء، وخرج به أيضا من حرم وطؤها لعارض حيض ونحوه فإن وطئه لا يسمى زنى شرعا، وخرج بقوله:"باتفاق" النكاح المختلف فيه كبلا ولي، فإذا وطئ فيه لا يسمى زنا شرعا؛ إذ لا حد فيه، والمراد بالاتفاق اتفاق الأئمة لا اتفاق أهل المذهب فقط، وخرج به أيضا وطء زوجته أو أمته بدبر ويؤدب فاعله.

تعمدا خرج به الناسي والغالط وكذا الجاهل بالعين أو الحكم إن كان يظن به ذلك أي جهل الحكم كما سيأتي. قاله الشارح. والناسي: من يفعل الفعل وهو ذاهل أنه يفعله، كمن قام وهو ذاهل أنه قائم، وجاهل العين: من يعتقد أنها زوجته أو أمته ثم تبين أنها أجنبية، والغالط: من

(1)

القرطبي ج 13، ص 211.

ص: 414

قصد زوجته فوقع على غيرها غلطا. ولا يخفى أنه في هذه أيضا يعتقد أنها زوجته فهو تكرار مع ما قبله، وحمل الغالط على الشاك كما يأتي من أن من وطئ امرأة شاكا في كونها زوجته ثم تبين أنها أجنبية فإنه لا حد عليه. انتهى. خلاف الظاهر، وأخرج به المكره على القول بأنه لا حد عليه. انتهى. كلام عبد الباقي.

قوله: وخرج بمسلم وطء كافر لكافرة أو مسلمة فلا حد عليه لخ، قال البناني: قال في التوضيح: لا يقام الحد على الكافر إذا زنى بمسلمة طائعةً وهذا هو المشهور. مالك وابن القاسم: ويرد إلى أهل ملته ويعاقب على ذلك العقوبة الشديدة. أشهب: ويجب أن يتجاوز بذلك الحد، وقد أخبرني مالك عن ربيعة أنه يقتل ورآه ناقضا للعهد، وقال المغيرة في المبسوط: يحد حد البكر وإن كان ثيبا. اللخمي: والأول أحسن. انتهى. وقد مر قول الشبراخيتي: ولا يضر كون اللفظة الواحدة مدخلة مخرجة. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، قال البناني: أي مدخلة للمسلمة التي مكنت من نفسها كافرا، وكذا تدخل المسلمة التي مكنت من نفسها مجنونا فيجب حدها، ويرد على المصنف أن الحد يتناول وطء غير المطيقة ولا حد فيه فهو غير مانع، وقول عبد الباقي في واطئ جنية: لا حد عليه لخ، قال الشيخ المسناوي: لعل هذا إذا كان ذلك تَخَيُّلا فقط وإحساسا، أما إن كان ذلك جهارا وعلانية بحيث لا يمترى ولا يشك فيه فإنه يجب الحد والغسل للتكليف، وبهذا يُوفَّقُ بين كلامهم فيكون الخلاف لفظيا لا معنويا، والظاهر أن يقال هذا أيضا في وطء جنى آدمية.

وإن لواط يعني أن وطء المسلم المكلف فرج آدمي لا ملك له فيه زنا وإن كان وطء الفرج لواطا، قال ابن عبد السلام: لفظ الزنى يعم اللواط عندنا. انتهى. ومع هذا لو حذف المؤلف قوله: "وإن لواطا" ما ضره. واللَّه تعالى أعلم. قال البناني: ثم إن المصنف قصد بالمبالغة على هذه المسائل التنبيه على ضعف ما فيها من الخلاف الموهم لإسقاط الحد، مثل قول أبي حنيفة وداوود في اللواط: إنه لا حد فيه وإنما فيه الأدب. انظر ابن مرزوق. لكن قال الشيخ المسناوي: لو حذف المصنف هذه المبالغة كان أولى لأنها تقتضي اشتراط الإسلام في حد اللواط الذي هو الرجم وليس كذلك. انتهى المراد منه.

ص: 415

أو إتيان أجنبية بدبر عطف على المبالغة؛ يعني أن من أتى أجنبية في دبرها فإنه يحد حد الزنى، فيجلد البكر الحر مائة، ويرجم الحر المحصن هذا هو مذهب المدونة والموازية والواضحة. وقال ابن القصار: لواط، واحترز بالأجنبية من الزوجة فإنه ليس زنى وإن حرم، لحديث:(ملعون من أتى امرأة في دبرها)

(1)

، وفي رواية (امرأته)

(2)

. وفيه الأدب. قاله الشبراخيتي. وقال المواق في المدونة: من وطئ أجنبية في دبرها حدا جميعا، من أحصن منهما رجم ومن كان بكرا جلد. انتهى.

أو ميتة غير زوج يعني أن من وطئ أجنبية ميتة فإن وطئه ذلك زنى فيرجم الحر المحصن ويجلد البكر، واحترز بقوله:"غير زوج" مما لو وطئ زوجه الميتة فإنه لا حد عليه، قال الشبراخيتي: أو إتيان ميتة غير زوج أي غير زوجته وهو مخفوض نعتا لميتة يريد وأمة. انتهى. وقال عبد الباقي: أو إتيان أجنبية بدبر يسمى زنى لا لواطا، فيجلد فيه البكر ويرجم المحصن، أو إتيان ميتة في قبلها أو دبرها حال كونها غير زوج، فيُحَدُّ واطئها لالتذاذه بذلك، بخلاف واطئ زوجته الميتة فلا حد عليه، وبخلاف إدخال المرأة ذكر ميت غير فرج زوجها فلا تحد فيما يظهر لعدم اللذة كالصبي، وتقدم أنه لا يجب الغسل بذلك، وقد ذكروا أنها يجب عليها الغسل بوطء البهيمة مع أنه لا حد عليها في ذلك، فإن كان بعض ما يوجب الغسل لا يوجب حد الزنى فأولى ما لا يوجب غسلا، ولا صداق على واطئ الميتة بمنزلة من جنى على عضو منها، ومنه يؤخذ أن من وطئ زوجته الميتة في نكاح التفويض لا يجب عليه صداق. انتهى. ونحوه للشبراخيتي.

وقال الحطاب: قال ابن الفرس في سورة النور: واختلف في المرأة إذا أدخلت ذكر نائم، فقال مالك: عليها الحد، وقال أبو حنيفة: لا حد عليها، وحجة مالك أن هذا زنى فهو داخل تحت العموم. انتهى. وقوله:"أو ميتة غير زوج" قد مر أن الزوجة الميتة لا حد على زوجها الواطئ لها، قال التتائي: قال في التنبيهات: ولا يحد عند الأكثر من محققي أصحابنا لتقدم الإباحة فكان شبهة، ولا خصوصية للزوجة بل وكذلك الأمة. انتهى. ورد المصنف بالمبالغة في قوله: "أو

(1)

سنن أبي داوود، كتاب النكاح، رقم الحديث، 2162.

(2)

الاتحاف ج 5 ص 375.

ص: 416

ميتة غير زوج" قول ابن شعبان: لا يحد بل يؤدب وتبعه ابن رشد، قال في التوضيح: أو إتيان ميتة فيُحَدُّ واطئها. هذا هو المشهور. وقال ابن شعبان: لا يحد بل يؤدب. انتهى. وتبعه ابن رشد ونقله عن ابن عبد الحكم. وفي المواق عن الموازية: من زنى بميتة أو نائمة أو مجنونة حال جنونها حد. انتهى.

أو صغيرة يمكن وطؤها يعني أن وطء الصغيرة التي يمكن وطؤها زنى، فيجلد البكر ويرجم الحر المحصن، وفي المدونة: من زنى بصغيرة لم تحض ومثلها يوطأ حد، وقوله:"يمكن وطؤها" أي للواطئ لها وإن لم يمكن لغيره، وذكرها ليلا يتوهم سقوط الحد فيها، ومفهومه لا يحد واطئ من لا يمكن وطؤها لأنه كالجراحات وهي إحدى الخمس التي لا حد عليها إن وطئت وموطوءة الصبي والكرهة والنائمة والمجنونة، ونظمها التتائي فقال:

موطوءة لِصبيٍّ ثم مكرهة

وذات جن وذات النوم فاتئد

لا حد إن وطئت منهن واحدة

كذا الصغيرة فاحفظ ذاك واعتمد

انتهى. وقوله: وهي إحدى يعني الصغيرة كانت يمكن وطؤها أم لا. واللَّه تعالى أعلم. وقال التتائي: أو إتيان صغيرة يمكن وطؤها. ابن يونس: يحد لأنه يحصل له من اللذة بوطئها ما يحصل بالكبيرة وغيرها ممن لا يمكن وطؤه كالجراحات لا يحد واطئها عند أشهب، ولابن القاسم: يحد واطئها وإن كانت بنت خمس سنين. انتهى. وفي التوضيح: فإن لم يمكن وطؤها لم يحد، وعن ابن القاسم أنه يحد وإن كانت بنت خمس سنين. انتهى. وقال عبد الباقي: أو إتيان صغيرة يمكن وطؤها في قبلها أو دبرها للزاني وإن لم يمكن لغيره فيحد الزاني بها المكلف، وأما من لا يمكن وطؤها إذا وطئها المكلف فلا حد عليه. انتهى.

أو مستأجرة لوطء يعني أن الحرة أو الأمة إذا كانت مستأجرة لوطء، فوطئها مستأجرها للوطء فإن ذلك زنى فيحد واطئها المذكور خلافا لأبي حنيفة القائل إنه لا يحد؛ لأن عقد الإجارة عنده شبهة تدرأ الحد. أو غيره يعني أن الحرة أو الأمة المستأجرة لغير الوطء كخدمة إذا وطئها من استأجرها فإن ذلك زنى فيرجم الحر المحصن ويجلد البكر خلافا لأبي حنيفة؛ لأن عقد الإجارة

ص: 417

يدرأ الحد عنده. وقوله: "أو مستأجرة لوطء أو غيره" محل الحد في الأمة المستأجرة للوطء حيث لم يكن المؤجر للأمة سيدها، فإن آجرها سيدها فهي محللة فلا حد على واطئها لأن المحللة هي التي أحل السيد وطئها للواطئ، وذلك يصدق بما إذا أحلها بعوض أو بدونه. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. قال التتائي: أو مستأجرة لوطء أو غيره كخدمة خلافا لأبي حنيفة في عدم حده لأن الإجارة عنده شبهة.

أو مملوكة تعتق هو كالأمور التي قبله فهو في حيّز المبالغة؛ يعني أن من ملك أمة تعتق عليه بنفس الملك فوطئها فإن ذلك زنى، فيرجم الحر المحصن ويجلد غيره. قال الشبراخيتي: أو وطئ مملوكة تعتق على الواطئ ولا يستقر ملكه عليها كأمه وإن علت وابنته وإن سفلت وأخته من كل جهة؛ إذ ليس ملك هؤلاء شبهة تدرأ الحد وسواء وطئها بنكاح أو ملك، وشمل هذا ما إذا اشتراها على أنها حرة بنفس الشراء، واحترز بقوله:"تعتق" من مملوكة لا تعتق كعمته أو خالته فإنه لا حد عليه ولو كان عالما بالتحريم كما سيأتي، بل يؤدب انتهى.

وقال البناني عند قوله: "أو مملوكة تعتق" ما نصه: إلا أن يكون مجتهدا يرى أن عتق القرابة إنما يكون بالحكم، أو قلد من يرى ذلك فلا حد عليه. نقله في التوضيح عن اللخمي. وانظر لم لا يدرأ عنه الحد إذا لم يكن مجتهدا ولا مقلدا لمن يرى ذلك مراعاة للقول بذلك، وقد استشكله ابن مرزوق بهذا وكذا المصنف في التوضيح عن شيخه. انتهى. وقال المواق في العتبية: كل من وطء امرأة بالملك ممن يحرم عليه بالنسب وتعتق بالملك كالبنت والأخت عامدا عالما حد ولا يلحق به الولد. قال ابن القاسم: إلا أن يعذر بجهل فلا يُحَدُّ ويلحق به الولد. ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما في المدونة. انتهى. وقال التتائي: واحترز بقوله: "تعتق" من مملوكة محرمة عليه بنسب أو رضاع كعمته وخالته فإنه لا حد عليه ولو كان عالما بالتحريم كما سيأتي، بل يؤدب وإذا حملت منه عتقت عليه، وفي سماع عيسى: لا تعتق وتستخدم بالمعروف، وإن لم تحمل فقال ابن القاسم: تباع خوفا أن يعاود. انتهى. وقال عبد الباقي: أو مملوكة مشتراة له تعتق عليه بنفس الشراء كأم وبنت وأخت فيحد واطئها به وهو عالم بالتحريم، وإلا فلا. وشمل قوله:"تعتق" ما إذا اشتراها على أنها حرة بنفس الشراء. انتهى.

ص: 418

أو من يعلم حريتها يعني أنه إذا وطئ من يعلم حريتها في نفس الأمر فإنه يحد، قال المواق من المدونة: من اشترى حرة وهو يعلم بها فأقر أنه وطئها حد. انتهى. وقال عبد الباقي: أو وطئ بملك فقط لا بنكاح من يعلم حريتها وحرمتها عليه وهي ممن لا يعتق عليه فيحد لأنه وطئ من ليست له زوجة ولا مملوكة، واختلف في حدها هي وعدمه إن علمت بحرية نفسها على قولين للأبهري وابن القاسم. قاله التتائي. وكذا لو علم أنها ملك للغير، بخلاف ما إذا تزوجها وهو يعلم أنها ملك للغير فلا يحد لاحتمال أن سيدها وكل من يزوجها فيدرأ الحد بذلك. انتهى.

أو محرمة بصهر مؤبد يعني أن من وطئ منكوحة محرمة بالصهر المؤبد كبنت الزوجة إذا تلذذ بالأم وأم الزوجة، تلذذ بالبنت أم لا يحد ولا يكون عنده للنكاح عليها شبهة تدرأ الحد عنه، وقال اللخمي: إن تلذذ بالبنت حد وإلا فلا للخلاف في عقد البنت هل يحرم وبه اعترض ابن عرفة على ابن الحاجب، واحترز بقوله:"مؤبد" من صهر لا يؤبد التحريم كأخت الزوجة وبنتها إن لم يتلذذ بها أي بالزوجة، وقوله:"أو محرمة بصهر مؤبد" والمحرمة بالنسب أو الرضاع أحرى. وقوله: "أو محرمة بصهر مؤبد" لا يشمل المملوكة المحرمة بالصهر المؤبد كما أشرت إليه في أول الحل، بل هي داخلة في قوله الآتي:"أو مملوكة لا تعتق". قال حلولو: إنما زاد مؤبدا لأن الصهر منه مؤبد وغير مؤبد، بدليل أن العقد على الأم يحرم بنتها ما دامت تحته، فإن طلقها قبل بنائه بها حلت بنتها، وإنما بينت هذا لقول ابن عبد السلام لا كبير فائدة فيه أي في وصف الصهر بالتأبيد. انظر الشبراخيتي. وقوله:"مؤبد" بكسر الباء صفة للصهر، ومفعوله محذوف أي مؤبد التحريم. واللَّه تعالى أعلم.

أو خامسة يعني أن من له أربع زوجات وتزوج امرأة خامسة فوطئها وهو عالم بالتحريم فإن ذلك زنى، فيرجم الحر المحصن ويجلد غيره هذا هو المشهور، وقيل لا يحد.

وناقض اللخمي بين قول مالك بالحد في الخامسة وبين إسقاطه في المعتدة مع أنه لا فرق بينهما؛ إذ كل منهما تحرم في وقت، دون وقت وَأُجِيبَ بأن نكاح المعتدة ينشر الحرمة فلا تَحِل لأبيه ولا ابنه لشبهة النكاح بخلاف الخامسة، قال في التوضيح: وفيه نظر لأن نشر الحرمة مبني على ثبوت الشبهة المسقطة للحد فلا يحسن التفريق بذلك.

ص: 419

‌تنبيهات:

الأول: قوله: "أو خامسة" اعلم أنه لو قال بعد عقد النكاح إنه كان طلق واحدة من الأربع قبل أن يتزوج الخامسة فإنه لا يصدق، وتطلق الخامسة إلا أن يقيم بينة.

الثاني: قال فيها: من نكح نكاح متعة عامدا لم يحد في ذلك وعوقب. انتهى. أي لأنه جمع شروط النكاح، وإنما فسد لضرب الأجل، والذي وقع في الأجوبة وأفتى ابن رشد بحده هو من تزوج امرأة نكاح متعة بلا ولي ولا شهود عدول لخ.

الثالث: قال التتائي: أو وطئ خامسة عالما بالتحريم ودخل بها فيحد وهو مذهب المدونة ونبه عليه لخلاف الظاهرية. انتهى. وقد مر أن نكاح الخامسة من المجمع على تحريمه وذلك يؤذن بضعف القول بإباحته جدا. واللَّه تعالى أعلم.

اللخمي: من تزوج ابنة زوجته ودخل بها ولم يكن دخل بالأم لم يحد لأنها تحل له لو طلق الأم، وإن كان قد دخل بالأم حد وكذلك إن تزوج أم امرأته، فإن دخل بالابنة حد وإن لم يدخل بها لم يحد مراعاة للخلاف، وإن تزوج زوجة أبيه أو زوجة ولده حد إن كان عالما بتحريم ذلك. انتهى.

أو مرهونة يعني أن المرتهن إذا وطئ الأمة المرهونة له فإنه يحد إلا إذا وطئها بإذن من الراهن، قال التتائي: أو وطئ مرهونة أو مودعة لأنهما عندنا كالمستأجرتين، وليس تسلط المرتهن على بيعها في الجملة شبهة تدرأ الحد وهذا ما لم يأذن له الراهن في وطئها، فإن أذن له فلا حد لأن الإذن في الوطء كالتحليل، فرُوعِي في عدم الحد. وأطلق المؤلف هنا اعتمادا على ما قدمه في الرهن. واللَّه تعالى أعلم. وينبغي أن يجري حكم إذن المودع في الوطء كالراهن. انتهى. وقال المواق من المدونة: ومن وطئ جارية عنده رهنا أو عارية أو وديعة أو بإجارة فعليه الحد. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو وطئ مرهونة فيحد المرتهن بوطئها ولم يقيده بغير الإذن من الراهن لما تقدم، وإذا حد مع ماله فيها من الشبهة فأحرى في الوديعة والعارية لعدم شبهته فيهما، وأما الراهن فلا يحد بوطئها لأنه ملكه. انتهى.

أو ذات مغنم يعني أن من وطئ أمة من الغنيمة له فيها نصيب قبل القسم يحد سواء حيزت الغنيمة أم لا، وظاهره كان الجيش يسيرا أو كثيرا، ويأتي تقييد ابن يونس بالكثير. وقال

ص: 420

الشبراخيتي: أو وطء ذات مغنم له فيها نصيب قبل القسم سواء حيز أم لا خلافا لعبد الملك القائل بسقوط الحد؛ لأن له فيها نصيبا وقيد ابن يونس الحد بالجيش العظيم دون السرية اليسيرة فلا يحد اتفاقا. ابن مرزوق: وهو في غاية الحسن مأخوذ من قول الإمام لما قيل له أليس له فيه حصة وكم تلك الحصة؟ انتهى. وكذا من سرق من المغنم فالمشهور قطعه، وقال عبد الملك: لا يقطع إلا أن يسرق فوق نصيبه بربع دينار لكن الواطئ يحد حيز الغنم أم لا، وإنما يقطع إن سرق بعد الحوز إذ لا حرز قبله، ويترتب على الخلاف من أعتق نصيبه في عبد من المغنم هل يقوم عليه باقيه أم لا. وعلم مما قررت أنه إن لم يكن له سهم فإنه يحد قل الجيش أو كثر، وعلم مما لهم هنا أنه لو قسمت الغنيمة لحد إن وطئ من وقعت في سهم غيره. وفي المواق من المدونة: من أعتق عبدا من الغنيمة وله فيها نصيب لم يجز عتقه، وإن وطئ منها أمة حد. انتهى.

أو حربية يعني أن من وطئ حربية في بلاد الحرب يحد، قال المواق من المدونة: إن دخل مسلم دار الحرب بأمان فزنى بحربية حد. انتهى. واقتصر ابن رشد على نفي حده ونقله عن أشهب، وأما لو خرج بها المسلم إلى بلاد الإسلام فوطئها فلا حد عليه لأنها في ملكه. وقوله:"أو حربية" هي في حيز المبالغة كما مر ما يدل عليه، وأما لو دخلت بلاد الإسلام بأمان فليست بحربية فلا تكون في حيز المبالغة، بل هي حينئذ داخلة فيما قبل البالغة. وفي التتائي عن بعضهم: وأما إن أخرجها المسلم من بلد الحرب لبلد الإسلام ثم وطئها فلا حد اتفاقا، واستظهره المصنف لأنها حينئذ ملكه. انتهى.

أو مبتوتة يعني أن من وطئ مبتوتته بلا عقد أو به قبل زوج يحد سواء أبَتَّها بثلاث أو بتة، وحل حده إن علم بالتحريم وإلا لم يحد واللَّه تعالى أعلم. وإن بعدة يعني أن من وطئ مبتوتته قبل زوج يحد كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يطأها في العدة أو بعدها، وقد علمت أنه لا فرق في الحد بين وطئه لها بعقد أو بغيره. قال عبد الباقي:"أو" أي وكذا يحد من وطئ مبتوته أي مطلقة بلفظ البتة وكذا بلفظ ثلاث ثم عقد عليها نكاحا ووطئها بعد عدتها، بل وإن بعدة أو وطئها بغير عقد فيحد بالأولى واستغنى عن ذكر ضمير له للعلم به من قوله: وهل يحد واطئ مبتوتته بنكاح قبل زوج؟ وإن كان قد أبتها في مرة بلفظ البتة أو الثلاث، وهو ظاهر المدونة

ص: 421

لضعف من قال بإلزام الواحدة في المبتوتة في مرة، أو إنما يحد في المفترقات وأما في مرة فلا، عالما كان أو جاهلا لقوة الخلاف في المبتوتة في المرة، هل هي واحدة أولا؟ في ذلك -ويأتي تحرير هذه المسألة في الرابع من التنبيهات الآتية قريبا- تأويلان قال البناني ظاهر كلام التوضيح وابن عبد السلام بل صريحه أن التأويلين ليسا على المدونة، وإنما هما على قول أصبغ، ثانيهما لعبد الحق والأول لغيره، وإنهما فيما إذا طلقها بلفظ الثلاث، وأما إن طلقها بلفظ البتة فصرح أصبغ بأنه لا حد عليه، وظاهر المدونة لزوم الحد كما في التوضيح والحطاب، وأما وقوع الثلاث في مرات فيحد بلا نزاع، واعترض مصطفى ما في التوضيح والحطاب بأن حكم البتة لا يؤخذ من كلام المدونة. انظر الحطاب ومصطفى. انتهى. قوله: ظاهر كلام التوضيح وابن عبد السلام بل صريحه أن التأويلين ليسا على المدونة لخ، قال الرهوني: أصله لمصطفى وقد سلمه جسوس والتاودي كما سلمه محمد بن الحسن البناني، مع أن كلام الحطاب لمن تأمله أدنى تأمل فيه الجواب عن المصنف.

وحاصله أن عبد الحق فهم كلام أصبغ على ذلك وفهم مع ذلك أنه مذهب المدونة فحملها على غير ظاهرها، وغيره فهم المدونة على ظاهرها فجعل مذهبها خلاف ما لأصبغ، فتعبير المصنف بالتأويلين جار على اصطلاحه، وعندي أن ما أفاده كلام الحطاب هو الذي يفيده كلام التوضيح لمن تأمله حق التأمل وأنصف لا ما نسبه له مصطفى ومن تبعه. وقوله: واعترض مصطفى ما في التوضيح والحطاب لخ، نص مصطفى: وفيه نظر لأنه لم يتكلم في المدونة على لفظ البتة إذا كانت منفردة عن الثلاث ولا يعلم حكمها إلا من قولها في كتاب الطلاق، وإن قال لها أنت طالق البتة فهي ثلاث وفيه بعد إذ لا يلزم من لزوم الثلاث فيها أن تكون كهي في جميع الأحكام، وقد قال ابن عرفة: الخلاف في البتات أشهر منه في لفظ الثلاث دفعة. انتهى. وقد سلمه جسوس والتاودي كما سلمه البناني ولم ينبهوا على ما في المواق عند قوله: "أو مبتوتة" ونصه من المدونة: من تزوج خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو

ص: 422

شيئا من ذوات المحارم عليه عامدا عارفا بالتحريم، أقيم عليه الحد ولم يلحق به الولد، قال: وإن تزوج امرأة في عدتها عالما بالتحريم لم يحد وعوقب، وكذلك ناكح امرأته المبتوتة لا يحد كان عالما أو جاهلا للاختلاف فيها، وأما إن كانت مطلقة ثلاثا، فإن كان عالما حد لأنه لم يختلف وإن كان جاهلا لم يحد. انتهى.

فظاهره أو صريحه أن قوله وكذلك ناكح امرأته المبتوتة لا يحد من تمام كلام المدونة، فإن كان عزوه لها صحيحا كان نصا في رد ما قاله مصطفى من أنه لم يتكلم عليها في المدونة، فيقال عليه بل تكلم عليها فيها وصرح فيها بعكس ما عزاه في التوضيح والحطاب لظاهرها، وإن كان عزوه لها غير صحيح فالتعقب عليه أشد من التوضيح والحطاب مع أنه لم يعترضه، والتعقب على الناقلين لكلام مصطفى مسلمين له أشد؛ لأن الواقف على كلامهم وكلام المواق يقع في حيرة إذ لا يدري مع مَن الحقُّ أمع مصطفى أو مع المواق؟ لكن الحق في الخارج ما قاله مصطفى، فإن المواق اختصر كلام ابن يونس فوقع فيما وقع فيه؛ لأن ابن يونس نقل ذلك عن الواضحة لا عن المدونة، ولعدم وجود ذلك فيها لم يذكره أبو سعيد، وإنما قال ما نصه: ومن تزوج امرأة خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا البتة قبل أن تنكح زوجا غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو شيئا من ذوات المحارم عليه عامدا عارفا بالتحريم أقيم عليه الحد ولم يلحق به الولد؛ إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب، وإن تزوج امرأة في عدتها أو على عمتها أو خالتها أو نكح نكاح متعة لم يحد في ذلك وعوقب.

قال أبو الحسن ما نصه: قوله: أو البتة زيادة الشيخ لم يذكر هل في كلمة أو كلمات متفرقة وظاهره سواء. انتهى. وقال ابن يونس: قال ابن القاسم: ومن تزوج خامسة أو امرأة طلقها ثلاثا قبل أن ينكحها زوج غيره أو أخته من الرضاعة أو النسب أو شيئا من محارمه عارفا بالتحريم أقيم عليه الحد، ولم يلحق به الولد إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب وإن عذر بالجهالة به، ومثله يجهل ذلك. قال أصبغ: مثل الأعجمي وشبهه فلا حَدَّ عليه، قال: وإن تزوج امرأة على أختها أو على عمتها أو خالتها أو نكح نكاح متعة عالما بالتحريم لم يحد في ذلك وعوقب، وقال ابن حبيب: والعالم أشد عقوبة من الجاهل وكذا ناكح امرأته المبتوتة لا يحد عالما كان أو جاهلا

ص: 423

للاختلاف فيها، وأما إن كانت مطلقة ثلاثا فإن كان عالما حد لأنه لم يختلف فيه، وإن كان جاهلا لم يحد. انتهى. وقوله: وكذا ناكح امرأته المبتوتة لخ هو من كلام الواضحة لا من كلام المدونة، وعن الواضحة نقله أبو محمد، والذي نقل عنها هو قوله عنها من نكح امرأته المبتوتة لم يحد عالما كان أو جاهلا للاختلاف فيها، وأما إن كانت مطلقة ثلاثا فإن كان عالما حد وإن كان جاهلا لم يحد، وهذا استحسان والقياس حده ولا يعذر. ابن عرفة: الخلاف في البتة أشهر منه في لفظ الثلاث. انتهى.

‌تنبيهات:

الأول: قال الرهوني: ظاهر كلامهم أن من تزوج امرأة كان طلقها ثلاثا قبل زوج يحد ولو كانت له شبهة كاستناده بزعمه إلى قول القائل، وقال الأبي في كتاب الطهارة من شرح مسلم حين تكلم على بول الأعرابي في المسجد فقام الصحابة وصاحوا به، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(دعوه)

(1)

. الحديث: فَإن قُلْتَ لو كان البول في المسجد منكرا لم ينههم عن تغييره بقوله دعوه، قلت: أجاب المازري أن ذلك خشية أن يقوم على تلك الحال فينجس محلا آخر أو لأنه إذا قام انقطع بوله فيتأذى بالحقنة. عياض: أو لأنهم أغلظوا في التغيير وحقهم الرفق لا سيما في التغيير على الجاهل. ويدل على هذا الوجه أنه زاد في البخاري في آخر الحديث: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)

(2)

، قلت: وقد اغتر بالحديث من لا يفهم، فقدم تونس أول المائة الثامنة من المغرب رجل يسمى: البخاري، كان يحفظ البخاري فمر بقرية في طريقه فبال في المسجد فانتهره الناس فاحتج بالحديث وهو جهل، وكان اتفق له في المغرب أن طلق زوجته طلقتين ثم خالعها ثم تزوجها دون زوج فقيم عليه، فاحتج بأن قال: عملت في ذلك على قول الشافعي القائل: إن الخلع فسخ بغير طلاق فما لي فيها إلا طلقتان، فقيل له: إن الفسخ بغير طلاق إذا وقع بلفظ الخلع وأنت خالعتها بلفظ الطلاق، والشافعي لا يقول في هذا أنه فسخ بغير طلاق. واختلف الفقهاء حينئذ في رجمه ولم يرجم لأنه فعل بشبهة النكاح. انتهى. وذكر مسألة

(1)

صحيح البخاري، كتاب الوضوء، رقم الحديث، 219. صحيح مسلم، كتاب الطهارة، رقم الحديث، 284.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الوضوء، رقم الحديث، 220، بلفظ:. . . فإنما بعثتم لخ.

ص: 424

الونشريسي في معياره قبيل نوازل الرضاع، ومحصله أنه اختلف فيها الفقيهان الجليلان:[أبو]

(1)

الحسن الصغير، وسيدي إبراهيم [السريفي]

(2)

، فقال الأول: يلزمه الضرب الوجيع والتخليد في السجن ولا يرجم واستدل لما قاله وأطال في ذلك، وشنع الثاني عليه في ذلك، وقال برجمه وبالغ في الاحتجاج على ما قاله، فلينظر ما كتبه تستفد منه فوائد وإنما تركته لطوله. انتهى.

الثاني: قال الحطاب عند قوله "أو مبتوتة وإن بعدة وهل إن أبتَّ في مرة تأويلان" ما نصه: يعني أن الإنسان إذا طلق زوجته البتة أو طلقها ثلاثا ثم وطئها دون عقد أو عقد عليها قبل أن تتزوج زوجا غيره ووطئها فإنه يحد، سواء وقع ذلك وهي في عدته أو بعد فراغ العدة يريد إذا كان عالما بالتحريم، وأما إن كان يجهل التحريم فإنه لا حد عليه إذا كان مثله يجهل ذلك كما سيقوله المصنف إن جهل مثله فإنه راجع إلى جميع ما ذكر أنه يحد فيه كما صرح به المصنف في التوضيح وغيره؛ أعني رجوعه لجميع ما تقدم. انتهى.

الثالث: صريح الحطاب أو كالصريح أن الراجح من التأويلين الأول وهو أنه يحد مطلقا، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه، ونص الحطاب: وَتَحَصَّلَ أنه إذا طلقها ثلاثا متفرقات ثم وطئها دون عقد أو عقد عليها قبل زوج ووطئها فإنه يحد، وأما إن كانت التطليقات مجتمعات في كلمة واحدة، فتأويل عبد الحق على قول أصبغ أنه لا يحد وأن قوله مثل ما في المدونة مراعاة لقول من يقول إنها واحدة إذا كانت في كلمة فتكون كالطلقة الواحدة الرجعية، فلا يحد كما لو طلق طلقة رجعية ثم وطئها في العدة فإنه لا يحد، وهو أحد التأويلين الذين أشار إليهما المؤلف، وتأويل غيره أنه يحد وهو ظاهر المدونة كما سيأتي، فكان ينبغي للمؤلف أن يقتصر عليه. انتهى المراد منه.

الرابع: قوله: "تأويلان" هما في ثمان صور، وهي ما إذا أبتها في مرة بعد البناء ووطئها في العدة بعقد أم لا أو بعدها بعقد نكاح فهذه ثلاث، وهي في الثلاث إما حرة أو أمة فهذه ست، وأما إذا

(1)

في الأصل أبي والمثبت من الرهوني ج 8 ص 117.

(2)

كذا في الأصل والذي في الرهوني ج 8 ص 117 السريغي.

ص: 425

أبتها قبل البناء في مرة ووطئها بعقد نكاح حرة أو أمة وهاتان صورتان فهذه ثمان صور، ويتفق على الحد في ست عشرة صورة، وهي: ما إذا أبتها قبل البناء في مرات ثم وطئها بعقد أم لا أو في مرة ووطئها بدون عقد، وسواء كانت في هذه الثلاث حرة أو أمة فهذه ست صور متفق على الحد فيها، وكذا إن أبتها بعد البناء في مرات ووطئها في العدة أو بعدها بعقد أم لا أو أبتها بعد البناء في مرة ووطئها بعد العدة بدون عقد كما في ابن مرزوق، سواء كانت في هذه الخمس حرة أو أمة فيتفق على حده في هذه العشر كالست قبلها. قاله عبد الباقي. قال: وقولي بعقد نكاح احتراز عما إذا وطئ بعد الشراء وبعد أن أبتها قبل البناء في مرة أو مرات، أو بعد البناء في مرة أو مرات ووطئها في العدة أو بعدها فلا حد عليه في هذه الست باتفاق التأويلين، فعلم أن الأقسام ثلاثة: يحد اتفاقا في ست عشرة صورة لا حد اتفاقا في الستة والتأويلان في ثمان.

واعلم أنه يجتمع الحد ولحوق النسب في مسائل منها: قوله "أو مملوكة تعتق أو يعلم حريتها أو محرمة بصهر مؤبد أو خامسة"، وقوله:"أو مبتوتة" قبل زوج حيث ثبت ذلك بإقراره فيحد لإقراره بالزنى، ويلحق به الولد لاتهامه على أن إقراره لقطع نسبه، وأما إن ثبت ذلك ببينة فيحد ولا يلحق به الولد ولا يقتصر على هذه الخمسة، بل ضابطه كل حد يثبت بالإقرار ويسقط برجوعه عنه فالنسب ثابت. انتهى المراد منه. كمسألة من أمر رجلا أن يشتري له جارية فأرسل إليه بجارية غير التي اشتراها له فوطئها وهو عالم بأنها ليست بجاريته التي اشتراها له فيحد ويلحق به الولد إن ثبت بإقراره، وعليه قيمتها لا إن قامت بينة على أنه وطئها وهو عالم بأنها غيرها. واللَّه أعلم.

أو مطلقة قبل البناء يعني أن من طلق زوجته قبل البناء طلقة أو طلقتين ثم وطئها من غير عقد فإنه يحد إلا أن يعذر بجهل، أو معتقة يعني أن من أعتق أمة ثم وطئها من دون عقد عليها فإنه يحد إلا أن يعذر بجهالة. وعلم مما قررت أن قوله: بلا عقد قيد في المسألتين، أعني قوله:"مطلقة قبل البناء"، وقوله:"أو معتقة". قال عبد الباقي: أو وطئ مطلقة له دون ثلاث قبل البناء أو وطئ معتقة له بلا عقد فيهما فيحد إلا أن يعذر بجهل كما يأتي، وليس لهما صداق مؤتنف كمن وطئها بعد حنثه ولم يعلم. قاله الحطاب. انتهى. قوله وليس عليه صداق مؤتنف لخ

ص: 426

أي وليس عليه صداق مستقل لأجل الوطء، وأما صداقها الذي وجب نصفه بالطلاق فيكمل كما في المدونة. انتهى. قاله البناني.

وقال عبد الباقي: وأما المطلقة بعده طلاقا بائنا دون الثلاث فلا حد على مطلقها إن وطئها في عدتها منه، وأما بعدها فيحد. قاله ابن مرزوق. خلافا لأحمد في قوله: لا حد عليه ولو بعدها. انتهى. قوله: وأما المطلقة بعده طلاقا بائنا لخ، قال البناني: نقل هذا تبعا لعلي الأجهوري عن ابن مرزوق وفيه نظر، وكتب عليه بعض شيوخ شيوخنا ما نصه: الذي في ابن مرزوق إنما هو إذا وطئ الزوج مطلقته بعد ثلاث حيض فعليه الحد، ففهم الأجهوري ومن تبعه أن المراد بالمطلقة البائن، وأخذ بمفهومه فقال: لا حد على واطئها في العدة وليس كذلك، بل كلام ابن مرزوق في الرجعية وحينئذ يصح الأخذ بمفهومه ويأتي، وأما البائن فيحدُّ واطئها ولو في العدة. وللخرشي في كبيره أنَّ عدم حده في وطء البائن في العدة محله إذا كان بلفظ الخلع بغير عوض، مراعاة لمن يقول إنه رجعي وهو حسن. واللَّه أعلم انتهى.

وقال الحطاب: وفي اختصار ابن أبي زيد: ومن تزوج خامسة أو أخته من الرضاعة، قال ابن حبيب عن أصبغ: أو أخته من النسب، قال ابن القاسم: أو غير الأخت من ذوات المحارم، أو طلق امرأته ثلاثا ثم تزوجها قبل زوج، أو طلقها قبل البناء واحدة ثم وطئها، أو أعتق أم ولده ثم وطئها في العدة منه، فإن ادعى في جميع هؤلاء الجهالة بالتحريم ومثله يجهل ذلك، قال أشهب: كالأعجمي فلا حد عليه، وإن كان عالما ولم يعذر بجهل حد ولم يلحق به الولد، قال ابن القاسم: وما درأت فيه الحد ألحقت فيه الولد، وليس عليه للتي وطئ بعد الطلاق البائن أو العتق المبتل صداق مؤتنف. انتهى. واللَّه أعلم.

كأن يطأها مملوكها يعني أن المرأة إذا مكنت نفسها من مملوكها فوطئها فإنها تحد، وهذا إذا وطئها بغير عقدت وأما إن عقد عليها فلا تحد وإن كان العقد غير صحيح، قال عبد الباقي: كأن [يطأها]

(1)

، مملوكها بغير عقد ومكنته فعليها الحد، بخلاف ما إذا كان بعقد فلا حد عليها للشبهة

(1)

في الأصل يطأ مملوكها والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 78.

ص: 427

وإن كان غير صحيح. انتهى. وقال التتائي: كأن يطأها مملوكها فتحد إذ لا ملك له فيها باتفاق، نَصَّ عليه اللخمي. انتهى. وقال الشبراخيتي: كأن يطأها مملوكها من غير عقد إذ لا ملك له فيها وإلا لم تحد للشبهة؛ لأن العقد شبهة وإن كان غير صحيح، وقوله تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} محله في الرجال، وفي النوادر: رفع لعمر امرأة اتخذت غلامها لوطئها، فأراد رجمها فقالت: قرأت {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، فقال: تأوَّلَت كتاب اللَّه على غير تأويل وتركها، وجزَّ رأس الغلام وغرَّبَه. انتهى. وقال المواق: وقال في الموازية: إن مكنت مملوكها من نفسها حدت. انتهى.

أو مجنون يعني أن المرأة إذا مكنت أجنبيا مجنونا من نفسها فوطئها فإنها تحد ولا حد على واطئها المجنون، قال المواق من المدونة: من زنت بمجنون أقيم عليها الحد. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو مجنون فتحد وعكسه فيحد هو، ومثل المجنون الكافر. انتهى. وقال عبد الباقي: أو مجنون أو كافر. انتهى. وقال التتائي: أو مكنت عاقلة مجنونا فتحد وعكسه فيحد. انتهى. وفي ابن شأس: ولا يسقط الحد عن أحد الزانيين بجنون الآخر. انتهى.

بخلاف الصبي يعني أن الأجنبية إذا مكنت صبيا من نفسها يقدر على الجماع فجامعها فإنه لا حد عليها، قال الخرشي: لا حد على المرأة إن مكنت صبيا يقدر على الجماع إذ لا يحصل لها به لذة كالكبير المجنون. انتهى. وقال عبد الباقي: بخلاف الصبي فلا حد عليها بوطئه لأنها لا تنال به لذة، بخلاف المجنون البالغ ومثله -يعني الصبي- إدخالها ذكر ميت في فرجها فيما يظهر كما تقدم. انتهى. وقال الشبراخيتي: بخلاف وطء الصبي الظاهر أن مثله ما إذا أدخلت ذكر الميت بفرجها. انتهى. وقال في الميسر: بخلاف الصبي فلا حد عليها بوطئه إذ لا تنال به من اللذة ما تنال بغير ولكن تؤدب. ذكره عبد الباقي عند قوله: "كبهيمة". وذكر ابن فرحون في صبيان أمسكوا جارية لصبي حتى اقتضها أن عليه وعليهم قدر ما شانها ذلك وعابها عند الأزواج لأنه جرح وليس بوطء، ولو فعل ذلك بثيب لم يكن لها شيء ويؤدبون. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن زنت امرأة بصبي مثله يجامع إلا أنه لم يحتلم فلا حد عليها. ابن عرفة: فهو أحرى. انتهى.

ص: 428

إلا أن يجهل العين راجع لجميع ما مر فهو مستثنى من قوله: "الزنى وطء" لخ يعني أن الواطئ في جميع ما مر من السائل التي فيها الحد إنما هو حيث لم يجهل الواطئ العين أي الذات الموطوءة، وأما إن جهل عين الموطوءة بأن يعتقد أن هذه الموطوءة زوجته أو أمته فلا حد عليه، قال التتائي: إلا أن يجهل الواطئ في جميع هذه المسائل العين أي عين الموطوءة، بأن يجد امرأة نائمة بمنزله مثلا في ليل فيظنها زوجته أو أمته فلا حد إن اعتقد حين الوطء أنها زوجته أو أمته، وإن وطئ شاكا ثم تبين أنها أجنبية فظاهر كلامهم وإن لم يكن صريحا نفي الحد. انتهى. ولا يلزم من نفي الحد جواز الإقدام، وفي التنبيهات: الدارئ للوطء ثلاثة: في الفاعل اعتقاد الحل كواطئ أجنبية يظنها زوجته، وفي المفعول كواطئ الأمة المشتركة، وفي الطريق كالنكاح المختلف فيه كبلا ولي وبلا شهود إذا استفاض. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا أن يجهل العين الموطوءة بأن ظنها زوجته أو أمته، وأما إذا قدم عليها وهو شاك ثم تبين بعد الوطء أنها أجنبية فظاهر كلامهم وإن لم يكن صريحا سقوط الحد مع الحرمة عليه. انتهى. وقال الشبراخيتي: إلا أن يجهل الواطئ العين أي عين الموطوءة بأن يجد امرأة نائمة بمنزله مثلا في ليل فيظنها زوجته أو أمته فلا حد. انتهى. وقوله: إلا أن يجهل العين أي ذات الموطوءة بأن ظنها زوجته أو أمته فلا يحد.

أو الحكم يعني أن من وطء أجنبية وهو لا يعلم حرمة الزنى مع علمه بعين الموطوءة فلا حد عليه إن جهل مثله يعني أنه إنما يعذر بجهل الحكم حيث كان مثله يجهل حرمة الزنى، كقريب عهد بإسلام وهذا في النساء المتقدمات، بدليل قوله: إلا الواضح راجع لقوله: "أو الحكم" أي الواضح من الحكم الذي لا يجهله إلا النادر فيحد، ولا يعذر بجهل كالأجنبية الصريحة فلا يراعى جهل مثله بل يحد على الأشهر، وهو قول ابن القاسم، ومقابله لأصبغ: لا حد عليه، وما للمصنف هنا خلاف ظاهر قول مالك: قد ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال المواق: ابن الحاجب: يخرج بمتعمد المعذور بجهل العين. ابن شأس: كأن يظن أنها زوجته أو أمته. ابن الحاجب: ويخرج أيضا المعذور بجهل الحكم إذا كان يظن به ذلك، فلو كان زنى واضحا ففي عذره قولان، قال مالك في المدونة: لا يعذر المرتهن إذا

ص: 429

وطئ المرهونة وقال ظننتها تحل لي، وفي المدونة أيضا: لا يعذر العجم إذا ادعوا الجهالة، ولم يأخذ مالك بالحديث الذي قالت فيه الأمة: زنيت بمرغوس بدرهمين ورأى أن يقام الحد في هذا، قيل: كانت هذه الأمة تختلف إلى عبد مقعد وأعطاها درهمين وفجر بها. انتهى.

وقال البناني: قال مصطفى: قوله: إلا أن يجهل العين أي في جميع ما تقدم، وقوله:"أو الحكم" أي في النساء المتقدمات غير المرهونة، وقوله:"إلا الواضح" هو جهل تحريم الزنى هذا معنى كلام المصنف، وهكذا النقل. ثم ذكر نصوصا من المدونة وغيرها تدل على العذر بجهل الحكم في كثير من النساء المتقدمات، وذكر أن ظاهر ابن الحاجب كظاهر المصنف في تعميم العذر بجهل الحكم، إلا أنه لم يقدم ذكر المرهونة، ونص ابن الحاجب مُتَعَمِّدًا يخرج المعذور بجهل العين مطلقا وبجهل الحكم في مثل ما ذكر إذا كان يظن به ذلك. انتهى.

التوضيح: يعني وقولنا في التعريف متعمدا يخرج المعذور بجهل العين، وقوله: مطلقا أي سواء كانت من المحرمات المذكورة فيما تقدم أو من غيرها، وقوله: في مثل ما ذكر أي في الصور المتقدمة يعني أن ما ذكرنا من وجوب الحد إنما ذلك إذا كان عالما بالتحريم، وأما إذا جهل فلا حد ويقبل قوله بشرط أن يظن به ذلك الجهل. انتهى. والصور المتقدمة في كلامه جميع ما ذكره المؤلف ما عدا المرهونة، ولهذا استثناها ولقوله في المدونة: ومن وطئ أمة بيده رهنا وقال ظننتها تحل لي حُدَّ ولا يعذر بذلك أحد. انتهى. قال مصطفى: وما عداها من النساء التي اشتمل عليها كلام ابن الحاجب والمصنف ذكرنا في أكثرها النَّقلُ الصريح بعذر الجاهل بالحكم ما عدا المستأجرة وذات الغنم والحربية والعالم بحريتها، فإني لم أر التصريح فيهن بذلك إلا ما يؤخذ من كلام ابن الحاجب والتوضيح المتقدم، وقد أطلق في المدونة الحد في ذات الغنم والحربية والعالم بحريتها والمستأجرة والمودعة والمعارة ولم يقيدها بالعالم بالتحريم كما قيد في غيرهن. انتهى.

قلت: في أبي الحسن عند قول المدونة: ولو طلقها بعد البناء ثلاثا ثم وطئها في العدة أو أعتق أم ولد ثم وطئها في العدة وقال ظننت أن ذلك يحل لي، فإن عذر بجهالة لم يحد ما نصه: وانظر هذه المسائل ظاهرها بعد الوطء من الطلاق والعتق أو قرب؛ لأن كل من ادعى الجهل فيما يجهله مثله صدق وكل من ادعى الجهل فيما لا يجهله مثله لم يصدق فهذا ضابطه. انتهى. وهذا يوافق

ص: 430

ما للمصنف وابن الحاجب. واللَّه أعلم. وأما قول المصنف: إلا الواضح فهو كقول ابن الحاجب فلو كان زنى واضحا، ففي انتفاء عذره قولان لابن القاسم وأصبغ. انتهى.

التوضيح: قال اللخمي: اختلف إذا كان أعجميا أو قريب عهد بإسلام ولا يعرف تحريم الزنى، فقال في الكتاب: يحد، وقال أصبغ: لا يحد والأول أشهر والثاني أقيس. انتهى. وبهذا تعلم ما في قول الزرقاني تبعا لعلي الأجهوري، وهذا الاستثناء مستفاد من قوله:"إن جهل مثله"، ولذا قال البساطي لخ، وكذا تمثيله تبعا للتتائي للواضح بالمرهونة والمستعارة فإنه فرض الأئمة. انظر مصطفى. انتهى كلام البناني.

قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: تَحَصَّل مما نقلته أن معنى المصنف عند مصطفى أن تقول: الزنى وطء مكلف مسلم لخ إلا أن يجهل العين في النساء التي ذكر المصنف وفي غيرهن، مثل من يذهب عن بيته فيه زوجته في ليل مظلم ويأتي فيجد امرأة في مكانها معتقدا أنها هي فيطأها فإذا هي أجنبية فلا حد عليه، أو يجهل الحكم أي تحريم الزنى أي يدعي أنه جاهل بالتحريم بشرط أن يجهل مثله كقريب عهد بإسلام، وهذا في النساء التي ذكر المصنف، أعني قوله: أو ميتة غير زوج، بدليل قوله:"إلا الواضح" أي إلا الزنى الواضح فإنه لا يعذر فيه بادعاء الجهل، ولو جهل مثله كأجنبية متمحضة صريحة. واللَّه تعالى أعلم. هذا هو الأشهر، وهو قول ابن القاسم في المدونة ومقابله لأصبغ، وقوله:"أو الحكم إن جهل مثله ظاهر" المصنف يعم المرهونة وغيرها وهو خلاف ما في المدونة ومن وطئ أمة بيده رهنا: وقال: ظننتها تحل لي حُدَّ ولا يعذر بذلك أحد. انتهى. وعلى هذا التقرير الذي قررت به المصنف يتضح الجمع بين قوله: "إن جهل مثله" مع قوله: "إلا الواضح". واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "إن جهل مثله" يجوز رفعه أي على أنه فاعل "جهل"، وضميره للواطئ وَنَصَبه أي على أنه مفعول جهل وضميره للحكم. قاله الشبراخيتي. واللَّه تعالى أعلم.

لا مساحقة بالرفع عطف على وطء من قوله: "الزنى وطء مكلف" يعني أن الزنى هو ما مر من وطء مكلف لخ، فليست المساحقة وهي المضاربة بالفروج بزنى ولا يفعلها إلا شرار النساء، وإنما لم تكن بزنى لأنه لا إيلاج فيها، قال الشبراخيتي: لا مساحقة وهي فعل شرار النساء ولو بين

ص: 431

الرجال والنساء لأنه لا يسمى وطأ لا لغة ولا شرعا، "ومساحقة" بفتح الحاء وكسرها، فعلى الأول يكون معطوفا على "وطء" من قوله:"الزنى وطء مكلف"، وعلى الثاني يكون معطوفا على "مكلف": أي لا وطء مساحقة، وفي القاموس: أسحق الضرع ذهب لبنه وبلي ولصق بالبطن، وفلانا أبعده وانسحق: اتسع. انتهى. وحينئذ سمي مساحقة لأن كلا منهما تلصق فرجها بفرج الأخرى؛ أو لأن فعلهما يبعدهما عن الخير والرحمة والسمات الحسنة، ولأن كلا منهما توسع نفسها للأخرى في تلك الحالة. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن شرار النساء إذا فعلن ببعضهن فإنه لا حد عليهن لأنه لا إيلاج فيه، وإنما فيه الأدب باجتهاد الإمام. انتهى.

وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وأدب فاعل المساحقة اجتهادا أي باجتهاد الحاكم، ومقابله في البيان لأصبغ تجلد كل خمسين جلدة ووجهه أنه يحصل فيه لذة كالوطء، فجعل فيه أخف حدود الزنى. انتهى. قاله الشبراخيتي.

‌فرع:

للمرأة أن تبالغ في الاستنجاء كما في المواق، وفي بعض النسخ: وأدبتا أي المتساحقتان، وقال التتائي: وأدب الإمام فية اجتهادا عند ابن القاسم كسائر العقوبات فقد يقع ذلك من واحدة فلتة ومن أخرى عادة، وربما كانت داعية لغيرها فية. انتهى. كبهيمة يعني أن وطء البهيمة ليس بزنى فلا حد على واطئها لكنه يؤدب باجتهاد الحاكم، قال المواق من المدونة: مع غيرها لا يحد من أتى بهيمة ويعاقب. انتهى. خلافا لابن شعبان، القائل: يحد واطيء البهيمة. وقال عبد الباقي ما معناه: ويؤدب مجبوب واطيء ومقطوع ذكر ومدخلة ذكر صبي أو بالغ ميت أو ذكر بهيمة وإن حية في فرجها فيؤدب كل لحرمة ذلك ويثبت جميعه حتى الساحقة بشاهدين؛ لأنه ليس بزنى ولا مال ولا آئل إليه، وكذا يؤدب صبي وصبية مميزان وكذا في الثبوت، والأدب من لف خرقة كثيفة أو غيب في هوى الفرج فلا حد عليه للشبهة. انتهى.

وهي كغيرها في الذبح والأكل يعني أن البهيمة الموطوءة كغيرها من بهيمة لم توطأ فإنه يجوز ذبحها وأكلها اتفاقا، فكما يجوز ذبح بهيمة لم يطأها إنسي وأكلها يجوز تذكية بهيمة وطئها إنسي وأكلها، قال الشبراخيتي: وهي كغيرها ممن لم يفعل به ذلك في الذبح والأكل للحمها، خلافا لمن يقول تقتل بلا ذبح وتحرق ليلا تأتي بولد مشوه، قال التتائي: ولنا أن العادة لم تجر

ص: 432

بالنتاج بين جنسين إلا في شيئين فقط؛ البغل والسمع بكسر السين وسكون الميم وهو ولد الذئب مع الضبع، ومما يتولد من جنسين أيضا: العقاب، قال ابن خلكان: ويقال العقاب جميعه أنثى، وإن الذي يسافده طائر آخر غير جنسه، وقيل إن الثعلب يسافده، قال: وهذا من العجائب، ولابن عنتر الشاعر في هجو شخص:

ما أنت إلا كالعقاب فأمه

معروفة وله أب مجهول

وأما الزرافة فهي متولدة من ثلاث حيوانات: الناقة الوحشية والضِّبْعان وهو الذكر من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة فتأتي بولدين الناقة والضبعان، فإن كان الولد ذكرا وقع على البقرة فتأتي الزرافة وذلك في بلد الحبشة، ولذلك قيل لها الزرافة وهي في الأصل الجماعة فلما تولدت من جماعة قيل لها ذلك. انتهى. وقال التتائي: وهي كغيرها ممن لم يفعل به ذلك في الذبح والأكل للحمها، وللشافعي قول بقتلها وهل لخوف الإتيان بولد مشوه أو لأن بقاءها يذكر الفاحشة فيعير بها قولان أصحهما الثاني، ولنا أن العادة لم تجر لخ.

وفي التوضيح عن الترمذي أن حديث: (من أتى بهيمة فلا حد عليه أصح من حديث ابن عباس من وجدتُّمُوه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة قيل لابن عباس ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا، ولكن أرى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها)

(1)

. انتهى. وقال عبد الباقي: وهي أي البهيمة الموطوء كغيرها في الذبح والأكل حيث كانت مباحة ولا تقتل، وللشافعي قول بقتلها إلى آخره، وقال المواق: الطرطوشي: لا يختلف مذهب مالك أن البهيمة لا تقتل وإن كانت مما يؤكل أكلت. انتهى.

ومن حرم لعارض كحائض يعني أن من حرم وطؤه لعارض ويحل إن زال العارض كالزوجة الحائض أو الصائمة أو النفساء يؤدب واطئها، قال الشبراخيتي: ومن حرم وطؤه عليه من زوجة

(1)

سنن الترمذي، كتاب الحدود، رقم الحديث، 1455.

ص: 433

أو أمة لعارض كحيض ونفاس وصيام، فإنه يؤدب وكذا سائر ما لا يحد من مجبوب ومقطوع ذكر وصبي وصبية مُميزين، وكذا المرأة إذا أدخلت ذكر بهيمة حي أو ميت أو ذكر آدمي ميت أو ذكر غير بالغ حي؛ لأن فعل كل واحد من ذلك معصية. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أي، وكذا يؤدب واطئ من حرم وطؤها عليه وهي زوجته أو أمته لعارض، كحائض ونفساء ومحرمة ومعتكفة. انتهى. وقال ابن شأس: قولنا في حد الزنى إنه الوطء في غير ملك احترزنا به عن وطء الحائض والمحرمة والصائمة في الملك. انتهى. نقله المواق.

أو مشتركة يعني أن الشريك في أمة إذا وطئها لا يحد بل يؤدب ومثلها المبعضة والمعتقة لأجل، وهل على المشتركة ومن في معناها أدب أم لا؟ وظاهر ما ارتضاه ابن مرزوق الثاني إلا أن تكون لهن قدرة على المنع ولم يمتنعن. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: وكذلك من وطئ أمة مشتركة من أحد الشريكين أو أحد الشركاء لأن الشريك له في الأمة المشتركة ملك قوي، والشبهة إذا قويت تدرأ الحد أي تسقطه. انتهى. وقال عبد الباقي: وكذا يؤدب شريك بوطءء مشتركة وسيد بوطء مبعضة ومعتقة لأجل، وكذا يؤدبن إلا أن يقدرن على المنع. انتهى.

أو مملوكة لا تعتق يعني أن من وطئ أمة له محرمة عليه بنسب أو رضاع أو صهر ولكنها لا تعتق عليه لا يحد لشبهة الملك، بل يؤدب وذلك كعمة وخالة وبنت أخ وبنت أخت ونحوها من جهة النسب أو من جهة الرضاع، وكأم أو بنت أمته الموطوءة له. قال التتائي ما معناه: وإن وطئ مملوكة لا تعتق عليه وهي محرمة عليه بنسب أو رضاع كعمته وخالته فإنه لا حد عليه ولو كان عالما بالتحريم، بل يؤدب وإذا حملت عتقت عليه، وفي سماع عيسى: لا تعتق وتستخدم بالمعروف وإن لم تحمل، فقال ابن القاسم: تباع، خوف أن يعاود. انتهى. وذكر ابن الحاجب أنه لا حد في أمة محرمة بنسب لا يعتق أو صهر أو رضاع أو عدة أو تزويج. وفي التوضيح أنه إن علم بالتحريم أدب وإن حملت منه عتقت، وقيل لا تعتق وتستخدم بالمعروف وإن لم تحمل بيعت ليلا يعود. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أي وكذا يؤدب بوطء أمة مملوكة ولا تعتق عليه بنفدى الملك، كعمته وبنت أخيه وأخته من الرضاع أو أخت زوجته حال كونه عالما بالتحريم ولم يحد لعدم انطباق حد الزنى عليه ويلحق به الولد وتباع عليه خشية أن يعود لوطئها ثانية، ولا يرد

ص: 434

على هذا أنه لا تسلط له شرعا على الفرج المذكور فكان مقتضاه الحد لا الأدب، والجَوَابُ أن الذي في الشارح المراد بالملك التسلط الشرعي أو شبهه. انتهى.

وكتب عليه الوالد أن شبهه الأمة المشتركة والمتزوجة والمعتدة والأمة القريبة التي لا تعتق وإن كان وطؤها محرما باجماع. انتهى.

قوله: حال كونه عالما بالتحريم لخ هكذا في سماع عيسى، وحكى عليه ابن رشد الاتفاق وسلمه ابن عرفة، وقوله: ويلحق به الولد وتباع عليه فيه إجحاف وإيهام، فإن بيعها عليه محله إذا لم تحمل وإلا عجل عتقها، ففي ابن عرفة ما نصه: وسمع عيسى ابن القاسم: كل من وطئ امرأة بملك يمين ممن تحرم عليه ولا تعتق عليه من عمة أو خالة أو بنت أخت فلا حد عليه في شيء من ذلك، وإن علم أنهن محرماتٌ عليه لأنه يجوز له بيعهن واستخدامهن إلا أن يحملن فيلحق به الولد ويعجل عتقهن، ومن وطئ شيئا منهن عامدا عالما بحرمة ذلك عوقب نكالا وَبعْنَ عليه.

ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما في المدونة وغيرها لا اختلاف في شيء منها إلا في تعجيل عتق من حملت منه منهن، فمن الناس من قال يستخدمهن ولا يعتقن عليه وقع ذلك في رسم الفصاحة من سماع عيسى من كتاب الاستبراء. انتهى منه بلفظه. الجِنْوي: لا يخفى أنه مشكل إذا كان عالما بالتحريم فانظر وجهه وقد أشكل علينا غاية الإشكال. انتهى. ولا إشكال للشبهة وهي أنهن شملهن عموم اللفظ في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} . انظر الرهوني. واللَّه تعالى أعلم.

أو معتدة يعني أن من وطئ المعتدة من غيره لا يحد بل يؤدب فقط هذا إذا وطئها بنكاح أو ملك، وأما المعتدة منه فالرجعية إن نوى الرجعة لم يؤدب وإلا أدب، والبائن يحد فيها وإن بانت بدون الثلاث. واللَّه تعالى أعلم. وفي الشبراخيتي ما نصه: أو وطئ معتدة من غيره فإنه يؤدب سواء كانت حرة أو أمة أي تزوج حرة في العدة أو وطئ أمته المعتدة بالملك وتقدم حكم المعتدة منه، ووطء أمته المتزوجة كوطء أمته المعتدة في عدم الحد. ذكره ابن غازي. انتهى. وقال الحطاب: أو معتدة سواء وطئها بالملك أو بالنكاح على المشهور. انتهى. وقال عبد الباقي: أو وطئ بنكاح أو ملك طارئ أو أصلي معتدة من غيره زمن عدتها لم يحد، ووطء أمته المتزوجة كوطء أمته المعتدة.

ص: 435

انتهى. وقال ابن شأس: إن كانت شبهة في المحل بأن تكون مملوكة محرمة بسبب شركة أو عدة أو تزويج فلا حد عليه في وطئها. انتهى.

أو بنت على أم لم يدخل بها يعني أن من وطئ بنتا تزوجها على أمها والحال أنه لم يدخل بالأم فإنه لا يحد بل يؤدب فقط، وقوله:"أو بنت" مقتضى الشبراخيتي أنه منصوب، فإنه قال: أو وطئ بنتا تزوجها على أم لم يدخل بها أي بالأم لأنه يشبه التحريم لعارض، فيؤدب بخلاف العكس وهذا خلاف المعتمد، والمعتمد أنهما سواء في عدم الحد لوجود الخلاف في ذلك. ذكره ابن مرزوق. وعليه فلو قال المصنف: أو أم على بنت لم يدخل بها لوافق المعتمد وفهم عكسها بطريق الأولى، وفي الزرقاني ما يفيد أن كلام ابن مرزوق عن اللخمي مقابل، وأن ظاهر المدونة الحد، ومفهوم لم يدخل بها أنه لو دخل بها لحد وهو كذلك نص عليه اللخمي في الصورتين. انتهى. ومقتضى ما لعبد الباقي أنه مجرور، فإنه قال: أو عقد على بنت ودخل بها مع كونه تزوجها على أم لم يدخل بها، وأما عكسه فيحد كما هو ظاهر المدونة، ويوافقه قوله: أو بصهر مؤبّد وَجَعْلُ اللخمي أن عكسها كذلك لا حد لوجود الخلاف ضعيف. انظر أحمد. انتهى. وقال التتائي: أو وطئ بنتا على أم لم يدخل بها أي بالأم فلا يحد بوطء البنت، قال الشارحان: فلو وطئها بعد دخوله بالأم حُدَّ. انتهى. وهو ظاهر من كلام المصنف، وظاهره أيضا تزوجهما مترتبتين أو جمعهما في عقد. انتهى.

أو أخت على أختها يعني أن من وطئ أختا تزوجها على أختها بنى بالأولى أم لا لا يحد بل يؤدب لوصف كل منهما بالحلية؛ لأن حرمة الثانية تزول وكذا واطئ امرأة على عمتها أو خالتها لأن ذلك يشبه التحريم لعارض: قال المواق: قال ابن يونس: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود بالشبهات)

(1)

وكان يقول: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فلأن يخطئ الحاكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة إذا رأيتم للمسلم مخرجا فادرءوا عنه الحد)

(2)

، قال في المدونة: من تزوج امرأة في عدتها أو على خالتها أو على عمتها عامدا لم يحد

(1)

نصب الراية، ج 3 ص 333. كشف الخفاء ج 1 ص 73.

(2)

سنن الترمذي، كتاب الحدود، رقم الحديث، 1424. سنن البيهقي، ج 8 ص 238، نصب الراية، ج 3، ص 333.

ص: 436

وعوقب. ابن العربي: الكلام في المحرمات باب عظيم ليس ما حرمته السنة كما حرمه القرآن، ولهذا قال ابن القاسم: من جمع بين المرأة وعمتها عالما بالنهي درئ عنه الحد؛ لأن تحريمه بالسنة بخلاف من جمع بين المرأة وأختها فإنه يحد لأن تحريمه بالقرآن، ولم ينقل ابن يونس إلا ما نصه: قال ابن القاسم: من تزوج أخته من الرضاعة أو النسب عارفا بالتحريم حد ولم يلحق به الولد. انتهى.

وهل لا يحد من وطئ أختا تزوجها على أختها، إلا أخت النسب أي أخت زوجته من نسبها ففيها الحد لأجل تحريمها بالكتاب، وهو قوله تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} وهو أقوى من تحريم أخت الزوجة من الرضاع الثابت بالسنة، وهو خبر:(حرم من الرضاع ما يحرم من النسب)

(1)

، وأما قوله تعالى:{وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} فمعناه أخت الشخص نفسه رضاعا، وكلام المصنف في أخت الزوجة كما هو ظاهر، أو لا يحد من وطئ أختا تزوجها على أختها مطلقا ثبت تحريم الجمع بالكتاب، كأخت النسب أو بالسنة كأخت الرضاع. قال المصنف: في ذلك تأويلان، قال عبد الباقي: حقه قولان لأنه ليس في المدونة نص على مسألة الجمع بين الأختين في نكاح باعتبار الحد لا وجوبا ولا سقوطا، وإنما ذكر فيها التحريم خاصة كالقرآن فما الذي يُأَوَّلُ؟ ولا حد على من تزوج امرأة على عمتها لأن تحريم ذلك بالسنة فقط. انتهى. قوله: حقه قولان، قال الرهوني: صواب لكن ظاهره أن القولين على حد سواء، والنقل أن القول بالتفصيل هو الأقوى لأن القول بالإطلاق لأصبغ فقط، والقول بالتفصيل هو الذي في الموازية، ونقله في النكت عن بعض شيوخه، وفي المواق عن ابن العربي: عزوه لابن القاسم نصا مقتصرا عليه مسلما له كأنه الذهب فانظره. انتهى بالمعنى. وفي بعض النسخ: وهل مطلقا أو إلا أخت النسب؟ الخ، قال التتائي: وهل عدم الحد في وطء الأخت على أختها مطلقا؟ سواء كانت من رضاع أو نسب وهو لأصبغ. التونسي: وإنما عليه الأدب فقط أو إلا أخت النسب ففيها الحد لتحريمها بالكتاب،

(1)

سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، رقم الحديث 1937. مسند الإمام أحمد، ج 6 ص 102. صحيح البخاري، كتاب الشهادات، رقم الحديث، 2645. صحيح مسلم كتاب الرضاع، رقم الحديث، 1445. ولفظ الصحيحين. . . من الرضاعة. . . .

ص: 437

وأما أخت الرضاع فتحريمها بالسنة وتحريم الكتاب أقوى تأويلان، والثاني ذكره عبد الحق عن بعض شيوخه.

قَالَ بَعْضُ الأشياخ: قَاعِدَةٌ كل ما كان تحريمه بالكتاب ففيه الحد وبالسنة لا حد فيه. انتهى. وقال الشبراخيتي: قال ابن مرزوق: ليس في المدونة نص على مسألة الجمع بين الأختين في النكاح باعتبار الحد لا وجوبا ولا سقوطا، وإنما ذكر فيها التحريم خاصة، وحينئذ فما الذي يأول؟ وإن أراد تأويلان على الذهب من حيث الجملة فصحيح لكنه خلاف اصطلاحه، ولذا قال المواق: انظر قوله: "تأويلان". انتهى المراد منه.

وكأمة محللة يعني أن السيد إذا حلل وطء أمته لشخص فوطئها ذلك الشخص فإنه لا حد على ذلك الشخص مراعاة لقول عطاء، قال البناني: وكأمة محللة من مالكها سواء كان المالك، الْمُحَّلِلُ زوجةَ الواطئ أو قريبه أو أجنبيا فلا حد على واطئها ولو عالما ولا عليها، مراعاة لقول عطاء: يجوز التحليل ابتداء وإنما عليه في المذهب الأدب فقط. انتهى. وقال المواق من المدونة: كل من أحِلَّتْ له جاريةٌ أحَلَّها له أجنبي أو قريب أو امرأته ردت إلى سيدها إلا أن يطأها من أحِلَّتْ له فلا يُحد، ولو كان عالما ولزمته قيمتها وليس لربها التماسك بها. وقال الأبهري: إن كان عالما بالتحريم لم يلحق به الولد وَحُدَّ. ابن يونس: هذا خلاف المدونة. انتهى. وقوله: أو أجنبي يعني كان المالك أجنبيا من المُحَلَّل له أو قريبه كما مر. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: ودخل بالكاف من زوج ابنته رجلا وأدخل عليه أمته على أنها ابنته فحكمها كالمحلِّلة في جميع وجوهها، وإنما لزمته مع كونه لم يدخل على فساد ولا غرامة نظرا لاعتقاد المدخل لا لاعتقاد الواطئ، بخلاف من زوج أمته رجلا قال هي ابنتي فالولد حر، وعليه قيمته يوم الحكم وللزوج البقاء على النكاح وعليه جميع المهر، وما ولدته بعد معرفته رقيق. انتهى.

قوله: فحكمها كالمحللة في جميع وجوهها مثله في التوضيح، ونحوه في ابن عرفة عن الباجي عن الموازية وكتاب ابن سحنون ولم يحك خلافه. قاله الرهوني. وقال عبد الباقي عن الشيخ كريم

ص: 438

الدين: وانظر ما الذي أدخلت

(1)

الكاف لأن التحليل خاص [بالإماء]

(2)

إلا أن يقال تحمل الأمة على القن، وأدخلت الكاف ما فيه شائبة حرية كمدبرة ومعتقة لأجل، وقد يقال: أدخلت الكاف الحرائر كما بلغنا ضن بعض البربر وبعض بلاد قزلباش أنهم كانوا يعطون أزواجهم لِلضِّيفَانِ يعتقدونه كرما جهلا منهم، فعليهم الأدب فقط إن جهلوا ذلك. انتهى. قوله: وقد يقال أدخلت الكاف الحرائر لخ، قال البناني: غير ظاهر لأن كلامنا في عدم الحد مع العلم بالتحريم. فمن وطئ أمة محللة لا حد عليه، وإن كان يعلم تحريمها على مذهب الجمهور، وأما الحرائر في هذه الصورة فإن علموا بالتحريم فالحد واجب وإن جهلوا فلا حد، ولكن لا خصوصية للعذر بالجهل في هذه الصورة بل الجهل شبهة تدرأ الحد مطلقا كما تقدم، تأمله على أن ما تقدم آنفا في قوله:"إلا الواضح" يدل على وجوب الحد في هذه ولو جهلوا. انتهى.

وقومت يعني أن الذي حُلِّلَ له وطءُ الأمة إذا وطئها فإنها تقوم عليه بمجرد وطئه يوم الوطء حملت أم لا لتتم له الشبهة، ويقدر أنه وطئ ملكه فإن حللها له واطلع على ذلك قبل أن يطأها المحلل له ردت إلى ربها أي نمنعه من وطئها ونردها إلى مالكها، وإن أبيا يعني أنه يلزم التقويم وإن أبيا، فيلزم المُحَلِّل قبول القيمة ويلزم الواطئ دفع القيمة له. قال عبد الباقي: ويلزمه التقويم وإن أبيا أي امتنع المُحَلِّلُ والمُحَلَّل له لما يلزم على ترك التقويم من صحة ما قصداه من عارية الفروج، وتؤخذ القيمة من الواطئ إن كان مليا وإلا بيعت عليه إن لم تحمل وله الفضل، فإن حملت فالقيمة في ذمته والولد حر لاحق به وتكون به أم ولد، وتستثنى هذه من قول المصنف في باب أم الولد: لا بولد من وطء شبهة كما استثنى منها أشياء أخر. قاله الشيخ سالم في باب النكاح. ولكن ذكر من كلامهم ما لا يفيد أن ما ذكره هو المعتمد. أبو عمران: فإن فلس قبل دفع القيمة فربها أحق بها وبيعت عليه ليلا يعود إلى تحليلها، وإن مات فهو أسوة الغرماء. انتهى.

(1)

كذا في الأصل والذي في عب ج 8 ص 80: أدخلته.

(2)

في الأصل بالإيماء والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 80.

ص: 439

وقال التتائي: وتؤخذ قيمتها من الواطئ إن كان مليا وإن كان عديما بيعت عليه إن لم تحمل وله الفضل وعليه النقص، وإن حملت فالقيمة في ذمته. انتهى المراد منه.

أو مكرهة يعني أن المكرهة على الوطء لَا حَدَّ عليها ولا أدب لنفي التعمد عنها اتفاقا، ولا يضر عطفه على ما فيه الأدب لأن القصد العطف على ما لا حد فيه، وسيأتي الخلاف في المكره بالفتح. قاله عبد الباقي. وقال التتائي: أو مكرهة لا حد عليها اتفاقا. انتهى.

‌فَرْعٌ:

قال في الطرر: قال ابن عبد الغفور: روينا أن عبد اللَّه بن عيسى سئل عن جارية بكر زوجت، فابتنى بها زوجها فأتت بولد لأربعة أشهر، فذكر ذلك لها فقالت: إني كنت نائمة فانتبهت للبلل بين فخذيَّ، وذكر الزوج أنه وجدها عذراء، فأجاب أنه لا حد عليها إذا كانت معروفة بالعفاف وحسن الحال، ويفسخ النكاح ولها المهر كاملا إلا أن تكون علمت بالحمل وغرت فلها قدر ما استحل منها. انتهى من الاستغناء. انتهى كلام الطرر نقله الحطاب هنا. واللَّه تعالى أعلم.

أو مبيعة بغلاء يعني أنه لا حد على الحرة إذا أقرت لزوجها بالرق في زمن الغلاء فباعها لأجل الغلاء أي المجاعة الحاصلة من غلاء الأسعار فوطئها المشتري، وكما لا حد عليها لعذرها بالجوع لا أدب عليها، وقد بانت من عصمة زوجها ويرجع المشتري بالثمن إن وجده وإلا فعليها لأنها غرته قولا وفعلا، فإن بيعت حيث لا جوع حدت ونُكِّل زوجُها، والأظهر عدم حدها أيضا عند عدمه. ابن رشد: لا شبهة أقوى من الجوع ووجه الشبهة حيث لا جوع أن المشتري يملكها بشرائه كالأمة فتكون مكرهة، وأجاب ابن مرزوق بأن أصل البيع وإن كان طوعا صارت مكرهة بعد انعقاد البيع. انظر حسن نتائج الفكر. وعلم من هذا أن المرأة يتعلق بها الإكراه في الزنى، وأما قوله في الطلاق وأن يزني ففي الرجل ويأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى. وقال التتائي: أو مبيعة بغلاء بالمد لجوع وطئت لا حد عليها، قال مالك: وهي وزوجها معذوران كذا في سماع ابن القاسم وهو طلقة بائنة وقيل بتة، ويرجع المشتري على زوجها بالثمن، قلت: لو لم يكن بهما جوع قال: فَحَرٍ أن تحد وينكَّل زوجها ولكن درء الحد أحب إليَّ، وقد قال مالك في رجل سرق من جوع لا يقطع. ابن رشد: لا شبهة أقوى من الجوع. انتهى. وفي التوضيح عن أصبغ أنها تحد

ص: 440

وتبين بثلاث، وقال ابن وهب: لا يكون طلاقا وتحد إن طاوعت على البيع وأقرت أن المبتاع أصابها طائعة وإن ادعت إكراها لم تحد. انتهى. والخلاف في طلاقها قد مر في باب الخلع، وقول ابن القاسم: ولكن درء الحد أحب إلي، وَجَّهَه ابنُ رشد كما مر قريبا. واللَّه تعالى أعلم.

والأظهر كإن ادعى شراء أمة يعني أن من وطء أمة ادعى أنه اشتراها من مالكها فكذبه مالكها وأنكر البيع فتوجهت اليمين على البائع، ونكل البائع عن اليمين التي توجهت وحلف الواطئ على ما ادعاه من الشراء، فإنه لا حد عليه لأنه قد تبين أنه إنما وطئها وهي على ملكه، وهذا قول ابن القاسم واختاره ابن رشد، ويفهم من كلام المؤلف أنه إذا نكل الواطئ يحد مع نكول البائع، وأنه إذا حلف البائع يحد أيضا. قاله الخرشي. وقال التتائي: والأظهر كإن ادعى شراء أمة وأنكر المالك البيع ونكل البائع عن اليمين وحلف الواطئ أنه اشتراها فلا حد عليه لتَبَيُّنٍ أنه وطئ ملكه، وهو قول ابن القاسم في المدونة واختاره ابن رشد، وقال أشهب: إن كانت بيده فلا حد عليه ولحق به الولد، وإن لم تكن بيده حد ولم يلحق به الولد ويحلف السيد ويأخذها في الوجهين، وقيمة الولد في الأول والولد في الثاني. انتهى. وقوله: والأظهر كإن ادعى شراء أمة، علم مما قررت أنه مشتمل بحسب منطوقه ومفهومه على ثلاث صور منطوقه لا حد فيه، مفهومه صورتان نكول الواطئ بعد نكول البائع فالحد حلف البائع فالحد، ولا يتصور حلفهما لأنه متى حلف البائع ثبت قوله:"وحد الواطئ".

والمختار أن المكره كذلك يعني أن الرجل إذا أكره على وطء أجنبية فوطئها فإنه اختلف في ذلك على قولين، فقيل يدرأ عنه الحد نظرا لإكراهه وعليه المحققون كابن رشد وابن العربي؛ لأنه وإن انتشر فلأمر تقتضيه الطبيعة، واختار اللخمي هذا القول، قال القاضي عياض: والأكثر من أهل المذهب على خلافه أي على خلاف هذا القول الذي اختاره اللخمي، فيحد نظرا لانتشاره. قال المواق: قال ابن العربي: المكره على الزنى لا حد عليه، وقال ابن القصار: إن انتشر قضيبه حُدَّ. اللخمي: هذا غير صحيح قد يريد الرجل شرب الخمر ويكف عنها خوفا من اللَّه تعالى، وقد ذكر في الإحياء حكمة اللَّه سبحانه ونعمته في اللسان، منها أن خلق اللَّه تحته عينا يفيض اللعاب

ص: 441

منها قدر ما يتعجن به الطعام وسخرها لهذا الأمر بحيث ترى طعاما على بعد فتثور المسكينة للخدمة قبل أن يصل إليها الطعام. انتهى.

وقال عبد الباقي: والمختار أن المكره بالفتح على الجماع كذلك لا حد عليه ولا أدب إن زنى بطائعة لا زوج لها ولا سيد لتمحض الحق للَّه وإلا حُدَّ؛ إذْ إكراهه كلا إكراه والأكثر على خلافه أي أنه يحد، وظاهره ولو كانت هي المكرهة له على الزنى ولا صداق عليه حينئذ، فإن أكرهه [غيره]

(1)

غرم لها الصداق ورجع به على مكرهه. انظر التتائي. قال الشارح: وقال ابن القصار: إن انتشر حد وإلا فلا. انتهى. وهو يقتضي أن ثم قولا بالحد وإن لم ينتشر وأنه الذي عناه المصنف بقوله: "والأكثر على خلافه" وهو كذلك كما في شامله وابن عرفة، وتعليلُ بعضهم قولَ الأكثر بأن انتشاره دليل اختياره لا يبطل المنقول، ولكن المذهب الثاني. انتهى.

وقال الشبراخيتي: والمختار عند اللخمي من الخلاف أن الزاني المكره بفتح الراء كذلك لا حد عليه، وعليه المحققون كابن رشد وابن العربي لأنه وإن انتشر فللأمر تقتضيه الطبيعة وكذا لا أدب عليه، قال القاضي عياض: والأكثر من أهل المذهب على خلافه فيحد ولو كانت هي المكرِهة له، وإن كان المكرِه له غيرها فعلى الواطئ الصداق ويرجع به على من أكرهه. انتهى. وقال الشبراخيتي بعد هذا ما نصه: وقوله: "والأكثر على خلافه" هذا هو المذهب وهو في الرجل، وأما المرأة إذا أكرهت فلا حدَّ عليها وقد تقدمت. انتهى. التتائي: وتَلَخَّصَ أن اللاتي لا حد على واطئهن تسع:

1 -

المشتركة

2 -

والمحللة

3 -

والمخدمة

4 -

وذات المحرم من النسب أو من الرضاع

5 -

والموطوءة في العدة

6 -

والمبيعة في الغلاء

7 -

ومن ادعى شراءها وأنكره البائع

8 -

وذات الإكراه

9 -

وجارية الابن، ولم يذكرها المصنف وذكر صاحب الخصال: جارية الأب وهي على خلاف المشهور. انتهى.

ولما ذكر حد الزنى ذكر ما يثبت به وهو ثلاثة أمور، فقال: وثبت بإقرار يعني أن الزنى يثبت بالإقرار إذا أقر الرجل بالزنى فإنه يحد، وكذا المرأة إذا أقرت بالزنى فإنها تحد ولا فرق في

(1)

كذا في الأصل وعبد الباقي والذي في عليش ج 9 ص 225 غيرها.

ص: 442

ثبوت الزنى بالإقرار بين أن يقر به مرة واحدة، وبين أن يقر به أكثر من ذلك، ونبه بقوله:"مرة" على خلاف أبي حنيفة وأحمد في اشتراطهما أربع مرات، قال عبد الباقي: وثبت الزنى يإقرار وإن مرة ولا يشترط أن يقر أربع مرات، خلافا لأبي حنيفة وأحمد في اشتراطهما ذلك لخبر:(ماعز بن مالك إذ رده عليه الصلاة والسلام حتى أقر أربع مرات)

(1)

، وتُمُسِّكَ للمشهور بخبر الصحيح:(أغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)

(2)

فغدا عليها فاعترفت فأمر برجمها فرجمت، فظاهر ما في الصحيح الاكتفاء بأقل ما يصدق اللفظ عليه وهو المرة الواحدة، وأجيب عن حديث ماعز بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم استنكر عقله، ولذا أرسل لقومه مرتين يسألهم عن عقله حتى أخبروه بصحته فأمر برجمه. انتهى. قوله:"مرة" إنما لم يأت المصنف بلو كابن الحاجب لأنه يشير بها للخلاف المذهبي، وليس في ذلك خلاف، بل الخلاف لأبي حنيفة وأحمد، وأما ابن الحاجب فليس كالمؤلف في ذلك. قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي: وثبت بإقرار من الزاني رجلا أو امرأة مرة واحدة إذا لم يرجع عنه اتفاقا، وقال المواق: وثبت بإقراره مرة. ابن عرفة: نصوص المدونة وغيرها واضحة بحد المقر بالزنى طوعا ولو مرة واحدة. انتهى.

إلا أن يرجح يعني أن محل كون الزاني يحد بإقراره لثبوت الزنى عليه بذلك إنما هو حيث لم يرجع عن إقراره، وأما إن رجع عن إقراره فإنه يقبل منه ذلك ويبطل إقراره مطلقا يعني أنه يمسك عن حده حيث رجع عن إقراره مطلقا، رجع في أثناء الحد أو قبله، رجع لشبهة كقوله: وطئت زوجتي أو أمتي وهي حائض فظننت أنه زنى، أو رجع لغير شبهة كَكَذَبْتُ في إقراري، قال الشبراخيتي: إلا أن يرجع عن إقراره فيقبل ولا حد عليه مطلقا سواء رجع لشبهة، كقوله: وطئت زوجتي أو أمتي وهي حائض فظننت أنه زنى ولا خلاف في هذا، أو رجع لغير شبهة وأكذب نفسه فلا شيء عليه وشمل رجوعه في الحد وفي غيره، ويدخل فيه ما إذا أنكر إقراره

(1)

صحيح مسلم، كتاب الحدود، رقم الحديث، 1695.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الحدود، رقم الحديث، 6827.

ص: 443

الثابت ببينة فإنه يترك عند ابن القاسم. انتهى. وقال التتائي: إلا أن يرجع عن إقراره فَيُقْبَلُ ولا حد عليه مطلقا سواء رجع لشبهة، كقوله: وطئت زوجتي أو أمتي وهي حائض فظننت أنه زنى ولا خلاف في هذا، أو رجع لغير شبهة وأكذب نفسه فلا شيء عليه عند ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم، وقال أشهب: لا يعذر إلا بأمر يعذر به، وروي عن مالك وبه قال عبد الملك. انتهى. وقال البناني: لفظ أحمد في حاشيته قوله: مطلقا أي لشبهة أو غيرها. انتهى. وهو صواب، قال ابن الحاجب: فإن رجع إلى ما يعذر به قُبلَ وفي إكذاب نفسه قولان لابن القاسم وأشهب.

التوضيح: قوله: وفي إكذاب نفسه يعني لو قال كذبتُ ولم يُبدِ عذرا، فقال ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم: لا يحد، ورأوا أن ذلك شبهة لاحتمال صدقه ثانيا، وقال أشهب: لا يعذر إلا بأمر يعذر به وروى عن مالك وبه قال عبد الملك. انتهى. وبه تعلم ما في تقييد عبد الباقي بقوله: رجع لشبهة لخ. انتهى. وقال عبد الباقي: ومثل الرجوع ما إذا قامت بينة على إقراره به وهو ينكر ذلك، فإن إنكاره يعد رجوعا على مذهب ابن القاسم. انظر التوضيح. قاله أحمد. انتهى. وقال المواق في الموازية: إن رجع عن إقراره لوجه وسبب لم يختلف أصحاب مالك في قبول رجوعه. الباجِيُّ: وإن رجع لغير شبهة، فروى ابن وهب ومطرف أنه يقبل. وقاله ابن القاسم. وابن وهب وابن عبد الحكم، وروي عن مالك: لا يقبل منه. انتهى.

أو يهرُب بضم الراء يعني أن الهروب كالرجوع، فإذا أقر شخص بالزنى فإنه يقام عليه الحد، فإذا هرب بعد ذلك تُرِك حيث هرب قبل إقامة الحد عليه، بل وإن هرب في أثناء الحد فيترك حده بالكلية حيث هرب قبل إقامة الحد عليه، ويترك ما بقي منه حيث هرب في أثنائه. وقررت المصنف على ظاهره تبعا لابن مرزوق، قال المسناوي: وهو الظاهر ويكون إنما بالغ على الهروب بعد إذاقة العذاب لأنه أدل على أنه للألم من الهروب قبل ذلك. انتهى. وقال التتائي: إلا أن يهرب وإن في أثناء الحد فلا حد عليه لأن هروبه كرجوعه، ولا فرق بين حصول ذلك في أوائل الحد أو بعد مضي أكثره وهو لمالك، وله أيضا إن أقيم عليه أكثره أتم عليه لأن رجوعه ندم. انتهى.

ص: 444

‌تنبيه:

قال عبد الباقي وغيره تبعا للشارح: إن الهروب قبل إقامة الحد عليه لا يسقط عنه الحد، فالصواب أن يقول: أو يهرب في الحد، بحذف وإن، وأجابوا بأن الواو للحال ونقض ذلك البناني ومصطفى حتى قال مصطفى: لم أر هذا التفصيل في الهروب لغير الشارح ومن تبعه، ولم يعرج على ذلك التتائي في كبيره، بل صرح بإبقاء كلام المصنف على ظاهره. انتهى. وقال الرهوني: قول البناني عن مصطفى: لم أر هذا التفصيل في الهروب لغير الشارح لخ يوهم أن مصطفى سلم كلام المصنف ولم يشر للبحث فيه أصلا، وليس كذلك لأنه زاد ما نصه: وانظر نسبة النووي في شرح مسلم والقسطلاني في شرح البخاري لمالك أن الهارب لا يقال بل يتبع ويرجم، وقد نقل الأبي كلام النووي وأقره ولم يذكر حكم الهارب في المدونة ولا في ابن عرفة ولا في التوضيح ولا ابن عبد السلام، إلا أن المصنف حافظ. انتهى.

قلت: كلام الباجي في المنتقى صريح في أن الهروب والرجوع سواء، فإنه لا ذكر الخلاف في قبول رجوعه قبل الشروع في إقامة الحد عليه ثم رجع ولم يعتذر عن إقراره أَوَّلًا، قال ما نصه: مَسْأَلَةٌ: وهذا إذا رجع قبل ابتداء إقامة الحد عليه، فإن شرع في إقامة الحد عليه ثم رجع فقد روى ابن المواز عن ابن القاسم: إن نزع بعد أن جلد أكثر الحد أقيل، وإن لم يرجع يعُذْر، وقال أشهب وعبد الملك: يقال ما لم يضرب أكثر الحد فَيُتَمُّ عليه. وجه القول الأول ما روي في حديث ماعز أنه لما أذْلَقَتْهُ الحجارة حفز فرماه بظلف فقتله، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: هلا تركته فيتوب فيتوب اللَّه عليه، وبهذا احتج ابن عبد الحكم فالاحتجاج على ما قبل الرجوع المذكور بحديث الهروب المذكور ظاهر في أن حكمهما سواء، ونحوه في التوضيح فإنه قال بعد ذكر قول ابن القاسم ما نصه قيل وهو قول جماعة العلماء، وقد هرب ماعز لما رجم فاتبعوه، فقال لهم: ردوني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلم يردوه، فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب اللَّه عليه)

(1)

. انتهى.

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الحدود، رقم الحديث، 4419. ولفظه: أن يتوب، ومسند أحمد، ج 5 ص 217.

ص: 445

قال مقيده عفا اللَّه عنه: فتَحَصَّلَ مما للباجي والتوضيح أن حكم الهروب وحكم الرجوع سواء، فصح ما ذكره المصنف. واللَّه تعالى أعلم.

وبالبينة يعني أن الزنى يثبت بالبينة وهي أربعة عدول كما مر في الشهادات ذلك وما يتعلق به فراجعه إن شئت، قال الشبراخيتي: وتقدم الكلام على كونها أربعة فأل فيه للعهد. انتهى. وقال عبد الباقي: وبالبينة العادلة أربعة رجال يرونه كالمرود في المكحلة بوقت ورؤيا اتحدا كما مر. انتهى.

‌تنبيه:

قال عبد الباقي عند قوله: "إلا أن يرجع" الخ ما نصه: ثم إن رجوعه إنما يقبل بالنسبة لسقوط الحد لا بالنسبة لعدم لزوم الصداق، كما أن سقوط الحد بالهروب إنما هو إذا ثبت عليه بإقراره، وأما ببينة أو حمل فلا، بدليل ذكرهما بعد. انتهى. فلا يسقط بشهادة أربع نسوة ببكارتها يعني أن الزنى يثبت بالبينة العادلة على الكيفية القررة من كونها أربعة وغير ذلك كما عرفت، فلهذا لا يسقط الحد المرتب على شهادتهم على امرأة بكر وشهد أربع نسوة بأنها باقية على بكارتها أي عذرتها، قال عبد الباقي: ولو قام على العذرة أربعة رجال لسقط الحد كما يفهم من كلام الشارح. قاله أحمد. وللرجال النظر لذلك كما يفيده ابن مرزوق عن ابن القاسم. انتهى. قال البناني: نحوه في الخرشي وفيه نظر؛ لأنه إن عُلِّلَ عدم السقوط بأربع نسوة لعدم منافاة شهادتهن لشهادة الرجال لاحتمال أن تكون غوراء البكارة، قيل عليه: إنه لا فرق حينئذ بين شهادة أربع نسوة بالبكارة وأربعة رجال، وإن علل بضعف شهادتهن فلا تقاوم شهادة الرجال، قيل عليه: شهادتهن شبهة والحدود تدرأ بالشبهات. على أن ما ذكره الشارح نقله عن اللخمي، وكلام اللخمي في هذه المسألة مقابل لذهب المدونة كما في التوضيح وابن عرفة، فالحد عنده يسقط بشهادة أربعة رجال وبأربع نسوة، ومذهب المدونة عدم السقوط. انتهى. ومذهب المدونة الذي مر عليه المصنف هو قولها إذا شهد عليها بالزنى أربعة عدول فقالت أنا عذراء ونظر إليها النساء وصدقنها لم ينظر إلى قولهن وأقيم عليها الحد. انتهى. وقال التتائي مفسرا للمصنف: وإذا قامت البينة بالزنى على امرأة وادعت البكارة أو الرتق فلا يسقط الحد عنها بشهادة أربع نسوة ببكارتها أو رتقها وهو مذهب المدونة، وفي العتبية ما يشبه هذا، ففيها في الذي يحلف أن بفلانة

ص: 446

عيبا بموضع كذا مما لا يراه إلا النساء وهي حرة أو أمة، فنظرتها امرأة فقالت ليس بها ما قال إن نظر النساء إليها ليس بشيء ويدين ولا حنث عليه. انتهى.

وبحمل في غير متزوجة يعني أن الزنى يثبت بالحمل في غير المتزوجة بمن يصح إلحاق الحمل به، فإذا ظهر الحمل بامرأة غير متزوجة أصلا أو متزوجة بمن لا يصح إلحاقه به، كصبي أو مجبوب أو ولدته لأقل من ستة أشهر أو فارقها بموت أو طلاق وأتت به لأكثر من أقصى أمد الحمل، فإنه يثبت عليها الزنى ويترتب عليها الحد، قال الشبراخيتي: أو بحمل ظهر في غير متزوجة حرة أو أمة أي بزوج يلحق به الولد احترازا مما إذا كان صبيا أو مجبوبا أو ولدته لأقل من ستة أشهر من يوم العقد بكثير. انتهى.

وذات سيد مقر به عطف على "متزوجة" يعني أن الحمل يثبت به الزنى في أمة ذات سيد منكر لوطئها؛ يعني وليست متزوجة على ما مر قريبا، قال عبد الباقي: أو بحمل في حق امرأة حرة أو أمة غير متزوجة أي لا يعرف لها زوج وفي حق أمة غير ذات سيد مقر به، بأن كان منكرا لوطئها فَتُحَدُّ وخرج ظهوره بمتزوجة وذات سيد مقر به فلا تحد، [والمراد]

(1)

متزوجة بزوج يلحق به الحمل لا بصبي أو مجبوب أو ولدته لأقل من ستة أشهر بكثير من يوم العقد، فإنها بمنزلة غير المتزوجة إلا إن سئلت عن ذلك، فقالت: كنت نائمة وانتبهت فوجدت بللا، وقال الزوج: وجدتها عذراء وهي من أهل العفة وحسن الحال، [فلا]

(2)

حد عليها ويفسخ النكاح ولها المهر كاملا إلا أن تعلم بالحمل وتغر فلها ربع دينار أو ما يقوم مقامه. ذكره الحطاب عند قوله: "أو مكرهة" وهو يفيد أن وجود الحمل في غير ذات الزوج والسيد قد ينتفي فيه الحد لقرينة، وانظر إذا لم يقل الزوج وجدتها عذراء وهي من أهل العفة وحسن الحال، هل ينتفي عنها الحد بذلك أم لا؟ انتهى. قوله:"وذات سيد غير مقر به" ورأى اللخمي أن دعواها الوطء على السيد شبهة، ولو حلف على نفيه أو أنه استبرأها. ذكره في التوضيح. وقال المواق في المدونة: لا يجب رجم ولا

(1)

في الأصل والمرأة والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 81.

(2)

في الأصل ولا والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 81.

ص: 447

جلد إلا بأحد ثلاثة أوجه؛ إما بإقرار لا رجوع بعده إلى قيام الحد أو يظهر بحرة غير طارئة حمل ولا يعرف لها نكاح، أو بأمة لا يعرف لها زوج وسيدها منكر لوطئها أو بشهادة كما أخبر اللَّه سبحانه. انتهى.

ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة قال الخرشي: يعني أن المرأة التي ظهر بها حمل ولا يعرف لها زوج أو كانت أمة ولا سيد لها؛ يعني يتأتى منه الوطء أو لها سيد وهو منكر لوطئها فإنها تحد ولا يقبل دعواها الغصب على ذلك بلا قرينة تشهد لها بذلك، وأما إن قامت لها قرينة فلا حد عليها، كما إذا جاءت تدمى وهي مستغيثة عند النازلة، أو أتت متعلقة على ما مر بيانه عند قوله: وإن ادعت استكراها على غير لائق بلا تعلق لخ. انتهى. وقوله: "بلا قرينة" رد به قول اللخمي إنه يقبل قولها ولو بلا قرينة لاحتمال أنها كتمت ذلك رجاء أن لا يكون منه حمل، بشرط أن يعرف لها الخير والعدالة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولو ادعت من ظهر حملها أنها مغصوبة لم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة تدل على صدقها، وأما لو قامت لذلك قرينة لصدقت كما لو جاءت متعلقة بالمدعى عليه حيث كان صالحا ودعواها على الفاسق حيث لم تحمل وإن لم تتعلق وتعلقها إن حملت، ودعواها على مجهول الحال حيث تعلقت لأن حكمه في ذلك حكم الصالح، والمراد بالتعلق أن تأتي عقب الوطء مستغيثة أو تأتي تدمى عقبه حيث كانت بكرا، وأما دعواها الاشتباه أو الغلط أو النوم فيقبل لأن هذا يقع كثيرا. انتهى. وقال التتائي: ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة تدل على صدقها، وأما لو قامت بذلك قرينة لصدقت، كما لو جاءت تدمى عند النازلة مستغيثة على المشهور، وقال اللخمي: تقبل بلا قرينة لاحتمال أن تكون غصبت وَكَتَمَتْهُ رجاء أن لا يكون عنه حمل إن عرفت بالخير ولم يطعن فيها بشيء. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يقيل دعواها الغصب بلا قرينة بل تحد بظهوره في غير متزوجة وغير ذات سيد مقر، وأما مع قرينة فيقبل ويسقط الحد، كتعلقها بالمدعى عليه حيث كان صالحا ودعواها على فاسق حيث لم تحمل وإن لم تتعلق وتعلقها إن حملت ودعواها على مجهول حال حيث تعلقت كما مر ذلك عند قوله:"وإن ادعت استكراها" لخ وهذا كله حيث لا قرينة، كشهادة أربعة كما

ص: 448

في التتائي لا اثنين أنها احتملت وأدخلت بمحل، والمراد بالتعلق أن تأتي عقب الوطء مستغيثة أو تأتي البكر تدمى عقبه وإن لم تستغث. انظر التتائي على الرسالة. انتهى.

ويرجم المكلف يعني أن المكلف إذا زنى فإنه يرجم أي يرمى بالحجارة المعتدلة حتى يموت، ويشترط في الرجم شروط منها: التكليف كما قال: "المكلف" فغير المكلف لا يُرْجَمُ، ومنها الحرية كما قال: الحر فالعبد والأمة إذا زنيا فإنما عليهما الجلد، ومنها الإسلام كما قال المسلم واحترز بالمسلم من الكافر فإنه لا يحد إذا زنى بل يرد إلى أهل ملته، قال إمامنا مالك: لا يحد الكافر في الزنى ويرد إلى أهل دينه ويعاقب إذا أعلنه ويحد في سرقته. نقله المواق. وقال الشبراخيتي: ولما كان الحد ثلاثة أنواع: رجم فقط لا جلد معه، وجلد مع تغريب، وجلد مفرد، ذكرها بادئا بالأول فقال:"يرجم" بدأ بالرجم لأنه أعظم أنواع الحد وهو بالمثناة التحتية فعل مضارع، وجَوَّزَ البساطي قراءته بالباء الموحدة، والظاهر أنه خبر لمبتدأ محذوف فتقديره: وحده برجم لخ، يدل عليه قوله:"وإن في الحد"، ويدل عليه السياق أيضا، وقال بعضهم: متعلقة بقوله: "الزنى" وهي للمصاحبة أي الزنى مصحوب برجم المكلف وبجلد البكر وتغريب الذكر، وأشار له البساطي. انتهى. وقال التتائي: يرجم المكَلَّفُ لا المجنون والصبي ولو مراهقا على المشهور، الحُرُّ لا العبد، المسلم لا الكافر على المشهور ولو زنى بمسلمة.

وأشار إلى أن الزاني المذكور إنما يرجم إذا كان محصنا، بقوله إن أصاب يعني أن الزاني المذكور إنما يرجم بشرط أن يكون محصنا، وذلك بأن يكون قد أصاب زوجته أي وطئها بعدهن أي بعد الأوصاف المذكورة؛ يعني أنه إنما يرجم المكلف الحر المسلم إذا زَنَى زِنًى كائنا بعد أن وطئ زوجته في حال كونه مكلفا حرا مسلما؛ أي أغاب حشفته فما فوق ذلك بانتشار، بنكاح متعلق "بأصاب" والباء بمعنى: في؛ أي وطئ في نكاح، واحترز بذلك مما لو وطئ السيد أمته وطئا صحيحا ثم زنى بعد ذلك فإنه لا يرجم، وكذا لو زنى شخص ثم زنى. لازم يعني أنه لا يتحصن بوطء زوجته إلا إذا كان النكاح لازما ابتداء أو دواما بصيغة أوْ، فيشمل الفاسد الذي يمضي بالدخول، ففي المواق: قال أبو عُمَرَ: ما يفسخ بعد البناء لا يحصن وطؤه، بخلاف الذي لا يفسخ بعد البناء فإن الوطء فيه إحصان. انتهى. ويخرج بقوله:"لازم" أيضا نكاح العبد بغير إذن سيده

ص: 449

إذا وطئ ثم أجاز السيد النكاح ثم طلقها ولم يحصل منه وطء بعد الإجازة، فلا يحصل الإحصان. وقال أشهب: إن أجاز السيد النكاح أحصنت وإلا فلا.

قال البناني: قال في التوضيح: واختلف إذا تزوج حرة بغير إذن سيده ووطئها ثم زنت، فقال ابن القاسم: ليس بإحصان مطلقا، وقال أشهب: إن أجاز سيده النكاح كان ذلك الوطء إحصانا ورجمت لا إن رده. انتهى. ومراده أن العبد إذا تزوج حرة بغير إذن سيده ووطئها ثم زنت، فقال ابن القاسم: لا تحصن بذلك الوطء وإن أجاز السيد النكاح لوقوعه في نكاح غير لازم، وقال أشهب: إن أجازه السيد كان إحصانا الخ. انتهى.

صح يعني أنه لابد في الإحصان من أن يكون الوطء الذي وقع به الإحصان صحيحا أي حلالا، واحترز بذلك مما إذا وطئها وطئا غير حلال كفي الحيض أو الصوم أو الإحرام أو الاعتكاف. واللَّه تعالى أعلم.

قال عبد الباقي: ويرجم المكلف الحر المسلم إن أصاب أي وطئ زوجته بانتشار، خلافا للشادلي كالإحلال بخلاف الزنى فلا يشترط فيه انتشار كما مر، وعَبَّرَ بأصاب لأنه لا يشترط كمال الوطء، بل يكفي مغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها بعدهن أي بعد الأوصاف المذكورة بنكاح أي بسببه أو فيه، لا بسبب ملك أو زنى لازم من غير مناكرة فيه بين الزوجين، فيخرج نكاح العبد بغير إذن سيده ونكاح المعيب والمعيبة والمغرور والمغرورة فلا يكون محصنا، فإذا زنى فلا يرجم بل يحد لأنه بكر، وخرج أيضا الفاسد الذي يفسخ مطلقا، وأما ما يمضي بالدخول فيحصن إن لزم كما إذا دخل، لكن على أحد قولين كما تقدم في الإحلال، وإن وطء ثانيا أحصن بلا نزاع كما في أحمد صح الوطء أي حل، فخرج زناه بعد أن وطئ زوجة في حيضها ونحوه فإنه يحد حد البكر لعدم حلية الوطء الواقع بعد العقد الصحيح اللازم، ولا بد أن يكون في زوجة مطيقة ولو أمة مسلمة مجنونة أو حرة كافرة مجنونة، وترجم المكلفة الحرة المسلمة إن أصيبت بعدهن من بالغ مسلم وإن عبدا أو مجنونا. انتهى كلام عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وقوله "المكلف" أي الشخص المكلف ذكرا كان أو أنثى، الحر أي الشخص الحر ذكرا كان أو أنثى، المسلم أي الشخص المسلم ذكرا كان أو أنثى.

ص: 450

‌تنبيهات:

الأول قوله: "ويرجم" قد علمت أنه يقرأ بالمضارع المبنيّ للمفعول بواو وبدونه، ويقرأ أيضا بباء الجر مصدرا خبر لمبتدأ محذوف أي والحد برجم وبجلد وبتغريب أو متعلق بالزنى.

الثاني: قد علم من التقرير أن فاعل "صح" ضمير يعود على "الوطء" المعبر عنه بالإصابة، وقد فسر غير واحد صح بحَلَّ، وحينئذ فيقال حلية الوطء تستلزم اللزوم، وجعل بعضهم فاعل صح النكاح بمعنى العقد، ويقال عليه أيضا أن اللزوم يستلزم الصحة. واللَّه تعالى أعلم.

الثالث: قال عبد الباقي: وحَاصِلُ ما أشار له المصنف أن شروط الإحصان عشرة متى تخلف شرط منها لا يرجم، وهي: بلوغ وعقل وحرية وإسلام وإصابة في عقد نكاح لازم صحيح ووطء مباح بانتشار، وأما علم خلوة فذكر ما يغني عنها وهو الإصابة لأنها أخص. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقوله: "يرجم المكلف" أي بشروط عشرة ومتى تخلف شرط منها لا يرجم، وهي: البلوغ والعقل والحرية وإسلام الواطئ والإصابة في عقد نكاح لازم ووطء صحيح بانتشار وعدم مناكرة واشتراط الانتشار، خلاف ما ذكره الشادلي في شرح الرسالة من أنه لا يشترط الإنتشار ولم يذكر المصنف الانتشار وعدم المناكرة. وفي نظم القاضي زين الدين بن رشيق قصورٌ حيث قال:

شروط الحصانة ست أتت

فخذها عن النص مستفهما

بلوغ وعقل وحرية

ورابعها كونه مسلما

وعقد صحيح ووطء مباح

متى اختل شرط فلن يرجما

قال التتائي وبقي عليه شرط وهو كون النكاح لازما وزدته فقلت:

وكون النكاح هنا لازما

فإن كان عيب فلن يلزما

وللأجهوري:

وواطئها بالغ زد وإن

يرِقٍّ وجِنٍ وُصِفْ فافهما

انتهى. وقال التتائي عن اللخمي: إن كان أحد الزوجين عبدا كان إحصانا للحر منهما الزوج كان أو الزوجة، وإن كان أحدهما مجنونا كان إحصانا للعاقل خاصة وإن كان الزوج غير بالغ لم يكن

ص: 451

إحصانا لواحد منهما، وإن كانت هي غير بالغة وحدها كان إحصانا له دونها وهذا قول مالك وابن القاسم، وإن كان الزوج مسلما وهي نصرانية كان إحصانا له دونها وإن كانت هي مسلمة وهو نصراني لم يكن إحصانا لها؛ لأنه إن كان نكاحه وهي مسلمة كان فاسدا، وإن كان وهي نصرانية لم تحتسب بذلك لأنها حينئذ غير مخاطبة بفروع الإسلام. انتهى.

الرابع: إذا ظهر حمل بمن لم تعلم خلوة بزوجها ولاعن منه فهي مُحْصَنة به لإقرارها. انتهى. قاله التتائي. وقال الشبراخيتي: إن أصاب أي وطئ قال ابن مرزوق: أطلق فيه مع أنه إنما يكون بمغيب الحشفة فما فوقه، وقال في الحاشية: أي وطئ أي غيب الحشفة أو قدرها لأن الإصابة الشرعية تَغْييبُ الحشفة أو قدرها، والمراد بالإصابةِ الإصابةُ التي توجب الإحصانَ لا الإصابةُ التي توجب الحد وهي إصابةُ الزنى؛ لأنه ينافيه ما بعده بعدهن أي أصاب زوجته بعد اتصافه بأنه مكلف حر مسلم، ثم زنى بعد ذلك بنكاح الباء بمعنى في لا سببية ولا بمعنى مع أي عقد لا ملك، ثم وصف النكاح بقوله:"لازم" لا بما فيه خيار حكمي، كنكاح العبد وذي العيب ما لم يطلع من له خيارعلى العيب في أثناء الوطء ويرضى، فإن باقي الوطء يحصن. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: شرط موجب الحد الإسلام والتكليف وهو ثلاثة: جلد مفرد، وجلد مع تغريب، ورجم. فالرجم على المحصن منهما، ويحصل الإحصان لكل منهما بالتزويج الصحيح اللازم والوطء المباح المحلل للمبتوتة. ابن عرفة: الوطء المباح في نكاح صحيح لا خيار فيه من بالغ مسلم حر إحصان اتفاقا، فحده إن زنى بعد ذلك الرجم. أبو عمر: ما يفسخ بعد البناء لا يحصن واطئه، بخلاف الذي لا يفسخ بعد البناء فإن الوطء فيه إحصان، وأما الوطء الفاسد كوطء الحائض والمحرمة والمعتكفة والصائمة، فقال اللخمي عن ابن دينار والمغيرة: إنه يحصن، وفي كون الوطء في نكاح ذي خيار مضى بعد الوطء إحصانا نقلا اللخمي عن ابن القاسم وأشهب. انتهى. قوله: نقلا اللخمي عن ابن القاسم وأشهب، مقتضاه أن ابن القاسم هو القائل بالإحصان وأشهب يخالفه، وقد مر عن التوضيح أن ابن القاسم هو القائل بعدم الإحصان، وأشهب هو القائل بالإحصان. قاله مقيده عفا اللَّه عنه. وفي المدونة: يحصن واطئ المجنونة ولا يحصنها، وقال في المدونة: كل وطء أحصن الزوجين أو أحدهما فإنه يحل المبتوتة، وليس كل ما يحل

ص: 452

يحصن. انتهى. ابن عرفة: كان يجري لنا إبطال صدق هذه الكلية بنقل عبد الحق عن ابن القاسم وطء المجنونة يحصن واطئها ولا يحلها. انتهى. وزاد التتائي عن ابن ناجي. نقضها بمسألة أخرى وهي ما إذا ظهر حمل بمن لم يعلم خلوة زوجها بها ولاعن منه فهي محصنة لإقرارها. انتهى. يعني ولا تحل لباتها لعدم ثبوت الخلوة. وقال التتائي: ولما كان الحد ثلاثة أنواع: رجم فقط لا جلد معه خلافا لطائفة منها علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه والحسن وأحمد وإسحاق وابن المنذر، وجلد مع تغريب، وجلد مفرد ذكرها بادئا بالأول، فقال: يرجم المكلف لخ، قوله: خلافا لطائفة منها على لخ؛ يعني أن عليا رضي اللَّه تعالى عنه جلد امرأة ثم رجمها، وقال: أجلدها بكتاب اللَّه تعالى، وأرجمها بسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

الخامس: قال الحطاب: قال في النوادر: قال محمد: وإن تأيمت المرأة بعد إحصانها أو الرجل أو كانا على نكاحهما فقد وجب عليهما الإحصان، وصرح بذلك في مختصر الوقار. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقال يعني الأجهوري في الحاشية: "صح" أي النكاح بمعنى الوطء، احترازا عن وطئ الحائض والنفساء والصائمة والمحرمة والمعتكفة وعن وطئها في مسلك البول أو دبرها. انتهى المراد منه.

بحجارة معتدلة متعلق بيرجم قُرئ فعلا أو مصدرا، وما بعده صفة له يعني أن المحصن يرجم بالحجارة المعتدلة بين الصغر والكبر، أي يرمى بها حتى يموت. واحترز بالمعتدلة من الكبيرة فلا يرمى بها ليلا تحصل بها المثلة والتشويه: وعن الصغيرة فلا يرمى بها ليلا يطول بها التأذي والتعذيب، خلافا لابن شعبان في أنه يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على حمله، وظاهر كلام المصنف أنه لا يحفر له وهو قول مالك في المدونة، وظاهره سواء ثبت الرجم ببينة أو إقرار خلافا لبعض الأصحاب: يحفر للأول دون الثاني؛ لأنه يترك إن رجع انظر التتائي وغيره. وقال البناني وفي المواق: قال مالك: يرمى بالحجارة التي يرمى بمثلها، فأما الصخور العظام فلا، والمشهور أنه لا يحفر له حفرة. وفي الموازية: يحفر له وقيل يحفر للمرأة فقط، وقيل يحفر للمشهود عليه دون المقر لأنه يترك إن رجع، ويجرد أعْلَى الرجل دون المرأة لأنها عورة ولا يربط المرجوم. انتهى. وقال اللخمي: ويقصد به المواضع التي هي مقاتلُ: الظهرُ وغيرُه من السرة إلى ما

ص: 453

فوق ويتقى الوجه والفرج. انتهى. نقله اللخمي. ويتقى منه أيضا ما ليس بمقتل كاليدين والساقين. واللَّه تعالى أعلم.

ولم يعرف بداءة البينة ثم الإمام يعني أنه إذا ثبت الزنى بالبينة، فإن الإمام مالكا قال: قد أقامت الأئمة الحدود فلا نعلم أحدا منهم تولى ذلك بنفسه ولا ألزم ذلك البينة، خلافا لأبي حنيفة القائل: إن ثبت الزنى ببينة بدأ الشهود ثم الإمام ثم سائر الناس، وتحقيق ما أشار إليه المصنف أن أهل المذهب يقولون إن الرجم حد من الحدود يأمر به الإمام كما يأمر بغيره، ولا عليه إن لم يله بنفسه ولا عليه أيضا إن لم يلزمه البينة. واللَّه تعالى أعلم. قال التتائي: قال محمد: وقد أقامت الأئمة الحدود قَذْفًا وقطعا، وجلد في الزنى مائة وفي الافتراء ثمانين، ولم يعلم أن أحدا منهم ولي شيئا من ذلك بنفسه ولا أَلْزَمَ ذَلك أَحَدًا من الشهود، وإنما الرجم حد من الحدود يأمر به الإمام كما يأمر بغيره. انتهى.

وقال الشبراخيتي: ولم يعرف مالك بداءة البينة بالرجم ثم الإمام يليها وكان من حقه أن يزيد ثم الناس كما في المدونة لإيهام تركه أنه يقتصر على الإمام والبينة، والمراد لم يعرفه الإمام حديثا صحيحا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا سنة معمولا بها، فحديثه في النسائي وأبي داود، إلا أنه ما صح عند مالك. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: الجواب عن اعتراض الشبراخيتي هذا، فإنه قال: ولم يَعْرِف الإمام مالك رحمه الله بداءة البينة أي لم يعرف بداءتها في رجم الزاني قبل الحاكم، ثم بداءة الإمام أي الحاكم قبل الناس ثم الناس عقبه كما في المدونة، والمراد لم يعرفه في حديث صحيح ولا سنة معمول بها، والحديث وإن وجد في النسائي وأبي داوود إلا أنه ما صح عند الإمام وتمسك به أبو حنيفة. وأسقط المصنف قول المدونة: ثم الناس؛ لأن ذكره لفظ بداءة وثم يدل على مبدو عليه وأنهم مؤخرون على المبدأ عليهم فللَّه در المصنف ما أدق نظره في إسقاطه: ثم الناس، انتهى.

ص: 454

‌تنبيه:

لم يتعرض المصنف لحكم حضور جماعة للحد وحضورها للحد مشروع، قال اللَّه تعالى:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، قال ابن عرفة في باب اللعان: وفيها بمحضر من الناس. ابن محرز: لأنه حكم إمام بما فيه حقوق كثيرة فوجب أن يحضره من يشهد عليه، لقوله تعالى في الزانيين:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، وأقلها عند مالك أربعة. انتهى. وقال ابن الفرس في آية النور: المراد بالآية توبيخ الزناة والغِلْظَةِ عليهم ليرتدعوا؛ لأن كل ما كثرت الطائفة كان أغلظ عليهم، واختلف في أقل ما يجزئ، فقال الحسن: عشرة، وقال ربيعة: ما زاد على الأربعة، وقيل: أربعة ذكره جماعة من أهل المذهب. وهو قول ابن أبي زيد، ورأى أن هذا كشهادة الزنى، وقال عطاء والزهري: ثلاثة، وقيل: اثنان، وحكى بعضهم ذلك عن عطاء، قال: وهذا قول مالك وهو المشهور، وقيل: يجزئ الواحد. انتهى. وقال ابن بكير في أحكامه التي رواها عن مالك، قال مالك: الطائفة ها هنا أربعة يحضرون جلد الزاني البكر ليعلم أنه محدود في الزنى، فإن قذفه قاذف لم يحد لأنه قد ثبت أنه محدود في زنى، ولا يجزئ في ذلك دونُ أربعة شهداء، وقال في الجواهر في باب اللعان: يحضر أربعة فأكثر لقوله تعالى في الزنى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، فيحضرون هنا بجامع التغليظ؛ ولأن قطع الأنساب وفساد الأعراض أمر عظيم فيغلظ في سببه. انتهى. ونقله في الذخيرة. وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة: وينبغي للإمام أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين الأحرار العدول لقوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، وكذلك السيد في إقامة الحد على عبده وأمته، والطائفة أربعة فصاعدا. والفائدة في ذلك أنه إن قذفه قاذف وطالب بحد قاذفه أمكن قاذفه التخلص من ذلك بإحضار من شهد حده. انتهى.

وقال في التلقين: وينبغي للإمام إحضارطائفة من المؤمنين الحد وأقلهم أربعة ممن تقبل شهادتهم. انتهى. ونحوه في الجلاب، وقال في مختصر عيون المجالس: يستحب للإمام أن يحضر في إقامة الحد في الزنى طائفة من المؤمنين كما قال تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، والطائفة عندنا وعند أبي حنيفة والشافعي أربعة فصاعدا، وروي عن ابن عباس واحد فما فوقه، وذهب عطاء وأحمد بن حنبل إلى أن الطائفة هنا اثنان فصاعدا، وذهب الزهري إلى أنها ثلاثة،

ص: 455

وذهب الحسن إلى أنها عشرة، وقال القرطبي في قوله تعالى:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، قيل: لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب، قال مجاهد: رجل فما فوقه إلى الألف، وقال ابن أبي زيد لا بد من حضور أربعة قياسا على الشهادة على الزنى وأن هذا باب منه وهو قول مالك والليث والشافعي، وقال عكرمة وعطاء: لابد من اثنين وهذا مشهور قول مالك فرآها موضع شهادة، وقال الزهري: ثلاثة لأنه أقل الجمع، ثم قال: واختلف في المراد بحضور الجماعة، هل المقصود بها الإغلاظ على الزناة والتوبيخ والردع أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة؟ قولان للعلماء. انتهى. ويفهم من كلام القرطبي هذا ومن كلام ابن بكير أن الجماعة إنما يطلب حضورها في الجلد لا في الرجم. انتهى انظر الحطاب.

كلائط مطلقا قال الإمام الحطاب: يعني أن اللائط حكمه الرجم مطلقا؛ أي سواء كان محصنا أو غير محصن، فإن كانا بالغين رجما معا، وإن كانا غير بالغين فلا رجم عليهما، وإن كان الفاعل بالغا والمفعول به غير بالغ فليرجم الفاعل، وإن كان الفاعل غير بالغ والمفعول به بالغ فلا يرجم الفاعل. وانظر حكم المفعول به. وقال الجزولي: انظر ذلك والظاهر أنه لا يرجم؛ لأن وطء غير البالغ كلا وطء، ألا ترى أن الكبيرة إذا وطئها صغير لا تحد؟ كما صرح به المصنف في باب الزنى، فكذلك هنا. واللَّه أعلم.

‌فرع:

يحد اللائط سواء فعل ذلك بملكه أو بغير ملكه. قاله الجزولي. وهو ظاهر. فرع: قال ابن الفرس في سورة الأعراف: وأما إن لاط الرجل بنفسه فأولج في دبره فعندنا أنه لا حد فيه، وأنه يعزر وقيل يقتل كما لو لاط بغيره وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل هو كالزاني في الإحصان وغير الإحصان وهو أيضا أحد أقوال الشافعي: والحجة لمالك أن الآية نزلت في قوم يفعل بعضهم ببعض، فينبغي أن يقتصر في العقوبة والنازلة في ذلك على موضعها ولا يتعدى إلى غيرها إلا أن يدل دليل. انتهى كلام الحطاب. وقال التتائي: كلائط يرجم مطلقا فاعلا أو مفعولا أحصنا أم لا إن لم يكونا عبدين.

بل وإن كانا عبدين أو حرا وعبدا مسلمين أو كافرين أو مسلما وكافرا، قال في المدونة: ولا صداق في ذلك في طوع أو إكراه، وإنما بالغ على العبد والكافر لقول أشهب: يجلد العبد خمسين ويؤدب

ص: 456

الكافر وليس على العبد في الزنى رجم لأن عليه نصف العذاب، ولا نصف للرجم. وقوله:"كلائط مطلقا" يخص بغير المكره والصغير، وأما المكره والصغير فلا رجم على واحد منهما كما في التتائي؛ يعني بالمكره في اللواط المفعول به. قال عبد الباقي: كلائط وملوط به فيرجمان مطلقا أحصنا أم لا، ويدل على ما ذكرنا من حذف عاطف ومعطوف، قوله:"وإن عبدين أو كافرين" والمحذوف للدليل كالثابت، أو أن معنى لائط ذي لواط فهو من باب النسبة، كَتَامِرٍ أي ذي تمر ونَابلٍ أي ذي نبل، وليس اسم فاعل من لاط يلوط فهو لائط وإلا لما صح. قوله:"مطلقا" أي فاعلا أو مفعولا محصنا أم لا، ولا يدخل فيه بالغين أو غير بالغين طائعَين أو مكرهين؛ لأنه يشترط في رجم الفاعل كونه مكلفا، وفي رجم المفعول تكليفُه وطوعه وكون واطئه بالغا وإلا لم يرجم المفعول وإنما يؤدب، وإنما صرح بقوله:"وإن عبدين أو كافرين" مع دخول ما ذكر تحت الإطلاق للرد على من يقول: إن العبد يحد خمسين وأن الكافر يرد إلى حُكَّام ملته. ابن يونس: إن أسلم النصراني قبل أن يقام عليه حد القتل أو الفرية أو السرقة فإنه يقام عليه لأنه حق آدمي فهي لازمة له كالدين، فأما حقوق اللَّه تعالى فلا تقام عليه كحد الزنى والخمر، لقوله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} . انتهى. قوله: فأما حقوق اللَّه تعالى الخ التوضيح: اعلم أن الجنايات السبع تقام على الكافر إلا الزنى والشرب والردة. انتهى. لكن جَعْلُ حد السرقة من حق الآدمي غيرُ ظاهر. قاله البناني. وقال الشبراخيتي: وإنما بالغ على العبد والكافر لقول أشهب: يجلد العبد خمسين ويؤدب الكافر. مالك: وعلى الرجم العمل، وذكر ابن حبيب أن الصديق رضي الله عنه أمر بهم فأحرقوا بالنار. انتهى.

وجلد الحر البكر مائة هذا هو النوع الثاني من أنواع الحد؛ يعني أن الحر البكر المسلم المكلف إذا زنى يجلد مائة جلدة، والمراد بالبكر الذي لم يحصن. وقوله:"وجلد الحر البكر مائة" يشمل الذكر والأنثى، لقوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ، وفي الخرشي: والمعنى أن الحر البكر المسلم البالغ إذا زنى فإنه يجلد مائة جلدة ويُغَرَّبُ عاما، والمراد بالبكر غير المحصن وهو من لم يتقدم له وطء مباح في نكاح لازم بأن لم يتقدم له وطء أصلا أو تقدم له وطء في أمته أو في زوجته، لكن في حيضتها أو في نكاح فاسد لم يفت. انتهى. وقال

ص: 457

التتائي: وجلد البكر الحر المسلم العاقل البالغ مائة، قال اللخمي: بسوط بين سوطين لا جديد ولا بال لا بالدرة: ودرة عمر إنما كانت للتأديب، وضرب بين ضربين في زمان بين زمانين من رجل بين رجلين، لا بالقوى ولا بالضعيف، ولا يضع سوطا فوق سوط. ابن القاسم: حد الزنى وشرب الخمر والفرية، على الظهر. انتهى. وقال عبد الباقي: وجلد البكر الحر أي جنسه المتقدم وهو المكلف المسلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجلد البكر أطلقه على غير المحصن -ولو عبر به كان أولى- الحر المسلم العاقل، قال اللخمي: بسوط بين سوطين الخ. واحترز المصنف بالبكر من المحصن، فإنه يرجم كما مر، وبالحر من العبد فحده خمسون.

كما قال: وتشطر بالرق يعني أن الجلد الذي هو المائة يتشطر بالرق، فإذا زنى الرقيق ذكرا أو أنثى أحصن أو لم يحصن كان قنا أو ذا شائبة، وإن قل جزء رقه فإنه يجلد خمسين جلدة، ولا بد من كونه مكلفا مسلما كما مر. قال المواق من المدونة: حد العبد في الزنى خمسون وكذلك الأمة، وكل من فيه عقد حرية كالمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل. انتهى. وفي نسخة: وتشطرت بتاء التأنيث أي المائة للرق بلام التعليل وهذه النسخة للمواق والشارح، وقد مر أنه يندب إحضار جماعة للجلد أقلهم أربعة عدول، لقوله تعالى:{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، وقيل: يكفي ثلاثة، وقيل اثنان. وفي الكافي: وإن لم يحضر أحدا فلا حرج. انتهى. وقال التتائي: وتشطر الجلد للرق ذكرا أو أنثى وإن قل جزء رقه كالمبعض، لقوله تعالى:{فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ، والعبد في معنى الأمة من باب لا فارق. اللخمي: وكذا كل من فيه عقد حرية لم يتم كالمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق لأجل. انتهى. وقال الشبراخيتي: وتشطر الجلد بالرق ذكرا كان أو أنثى وإن أقل جزء رقه كعشر من المبعض، لقوله تعالى:{فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ، والعبد في معنى الأمة من باب قياس لا فارق. اللخمي: وكذا كل من فيه عقد حرية الخ، وقال الخرشي: وأما الرقيق ذكرا أو أنثى وإن قل جزء رقه فيلزمه خمسون جلدة؛ لأن الرقيق عليه نصف ما على الحر من العذاب، وذهب ابن عباس وجماعة إلى أن الأرقاء لا يجلدون إلا إذا تزوجوا، لقوله تعالى:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ، ومعنى أحصن تزوجن،

ص: 458

ومفهومه أنهن إذا لم يتزوجن لا يجب عليهن الجلد، والجواب أن ذلك إنما يتأتى على قراءة ضم الهمزة من أحصن، وأما على فتحها فمعناه أسلمن وهذا قول الأكثرين، وعلى القراءة الأولى فلا حجة في الآية لأن الآية سيقت لنفي الرجم عن الأرقاء؛ أي فإذا تزوجن فليس عليهن إلا الجلد لا الرجم، فمفهومه مفهوم موافقة أي ليس عليهن إلا الجلد ولو أُحْصِنَّ. واللَّه تعالى أعلم.

وتحصن كل دون صاحبه بالعتق والوطء بعده أي بعد العتق يعني أن أحد الزوجين الرقيقين إذا أعتقه سيده ثم أصاب صاحبه بعد ذلك فإنه يتحصن دون صاحبه الذي لم يحصل له عتق، وتقدم التنبيه على أنه يشترط في الوطء الذي يحصن أن يكون بانتشار وأن لا يكون ممنوعا وأن لا تكون فيه مناكرة، والحاصل أنه قد يتحصن الزوجان معا كما إذا أصابها بعد أن عتقا، وقد يتحصن هو دونها كما لو أصابها بعد أن عتق وقد تتحصن هي دونه كما لو أصابها بعد أن عتقت، ويتحصن هو دونها أيضا فيما إذا أسلم دونها وهي كتابية.

وَاعْلَمْ أن أربع نسوة يحصنَّ أزواجهن ولا يُحْصَنَّ: الأمة المتزوجة بحر تحصنه ولا يحصنها، والكتابية تحصن زوجها المسلم ولا يحصنها، والصبية التي لم تبلغ ومثلها يوطأ تحصن زوجها ولا يحصنهات والمجنونة تحصن زوجها المكلف ولا يحصنها. انظر التتائي. وقال عبد الباقي: وحاصل المصنف هنا وفي قوله: "يرجم المكلف" الخ أن الحر المسلم المكلف يتحصن بوطئه بانتشار وطئا مباحا في نكاح مطيقة، ولو مجنونة أو ذمية وأن المرأة إنما تحصن إن كان الزوج مسلما بالغا ولو مجنونا أو عبدا ولا يتأتى كونه كافرا لمسلمة، ولا بد أن تكون حرة مسلمة مكلفة وتوطأ وطئا مباحا. انتهى. قال عبد الباقي: ولما كانت أنواع الحد ثلاثة، رجم فقط وجلد فقط وجلد مع تغريب: وقدم الأولين، ذكر الثالث بقوله: وغرب الذكر يعني أن الذكر إذا زنى فإنه يغرب بشرط أن يكون حرا كما قال: الحر وإنما غرب لينقطع عن معاشه وتلحقه الذلة بغير بلده، واحترز بالذكر عن الأنثى فإنها لا تغرب لأنها لا معيشة لها، ويجب ضبطها وصونها عن الفساد وفي تغريبها إعانة على الفساد أو تعريض له وإن غربت مع محرم غرب من ليس بزان.

واحترز بقوله: فقط من الرقيق فإنه لا يغرب ذكرا أو أنثى لحق السيد في الخدمة، فيتأذى بالتغريب غير الجاني. انظر التتائي. وقال عبد الباقي: وغرب الحر الذكر المتوطن لا من زنى

ص: 459

بفور نزوله ببلد فيجلد ويسجن بها فقط، لا العبد ولو رضي سيده لأنه مظنة احتياجه ولأنه لا يحصل له نكال بالتغريب لأنه غريب، ولا الأنثى ولو رضيت هي وزوجها ولو مع محرم، ولا يسجن كل منهما لأف تبع للتغريب كما في أحمد. انتهى. وقال الشبراخيتي: ويأتي في الحرابة أنه لا يندب تغريبه ولو رضي السيد بتغريبه. انتهى. وقال الخرشي: وظاهر قوله: "وغُرب الذكر الحر" ولو كان عليه دين؛ لأنه يؤخذ من ماله وهو كذلك. انتهى.

عاما يعني أن الحر الذكر يستمر بالموضع الذي يغرب فيه عاما كاملا، قال البناني: لو حذف قوله: "عاما" كان أولى للاستغناء عنه، بقوله: فيسجن سنة. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: يقال عليه إنه لا يستغنى عن قوله: "عاما" لأنه في التغريب، وأما قوله: فيسجن سنة، فإن قوله سنة راجع لقوله: فيسجن، فلا يفيد أنه يغرب سنة، إذ يصح أن يسجن ببلده وبالبلد الذي غرب إليه، وإنما يتضح ذلك لو قال فيسجن بالبلد الذي غرب إليه سنة، وفي البناني: ولا تغريب على النساء ولا على العبيد. هذا قول مالك وجميع أصحابه. وقال الشافعي: تغرب المرأة وله في الأمة والعبد قولان، وقال ابن عرفة: قول اللخمي: إن تعذر التغريب في المرأة لعدم الولي والرفقة المأمونة لم يسقط السجن خلاف أو إلزام. انتهى واللَّه تعالى أعلم.

وأجره عليه يعني أن أجر حمل الحر الذكر إلى الوضع الذي يغرب إليه وفي إيابه ومؤنته في موضع سجنه وغيره وأجرة الموضع الذي يسجن فيه، عليه أي على الزاني المغرب إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فجميع ذلك من بيت المال كالمحارب، قال التتائي: وأجره في حمله ومؤنته لموضع تغريبه عليه في ماله لأنه من تعلقات جنايته، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال كالمحارب. قاله ابن الواز. وربما أشعر قوله غرب أنه لو غرب نفسه لم يكفه ذلك وربما أشعر إتيانه فيه بالواو بعدم الترتيب بين الجلد والتغريب، قال عبد الباقي وغيره: انظر إذا لم يكن بيت مال أو كان ولم يوصل إليه، هل يكون ذلك على المسلمين أو يترك تغريبه؟ الخ. قال البناني: كل هذا قصور؛ إذ المراد ببيت المال كونه على المسلمين. ابن عرفة: قال في الموازية: وكراؤه في مسيره عليه في ماله في الزاني والمحارب، فإن لم يكن له مال ففي مال المسلمين. وقاله أصبغ. انتهى. ونقله المواق. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن الذكر الحر الذي يغرب أجرة حمله

ص: 460

إلى البلد الذي ينفى إليه عليه، فإن لم يكن له مال فإنها تكون على بيت المال، وكذا المحارب فإن لم يكن بيت المال أو لم يتوصل إليه فعلى المسلمين، وتجوز المؤلف في الأجرة أي أجرةُ الحمل والأكلُ والمشربُ والغطاءُ والوطاءُ والسجنُ. انتهى.

كفدك وخبير من المدينة يعني أن الزاني الحر الذكر يغرب كما عرفت، ولكن لا يكثر له في البعد ليلا يتعذر وصول منفعة ماله وأهله إليه، بل يكون كفدك من المدينة المنورة، أو كخبير من المدينة أي ينفى من المدينة إلى خبير أو من المدينة إلى فدك، وعلى ذلك يقاس غير المدينة فيغرب منه إلى مماثلهما بالنسبة للمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، قال الخرشي: فدك قرية بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاث مراحل وخبير قرية أيضا فينفى الزاني والمحارب إلى إحداهما، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام نفى من المدينة إلى خيبر ونفى عليٌّ من الكوفة إلى البصرة. انتهى. وقال التتائي وغيره: وفدك بدال مهملة، ونفى عمر رضي الله عنه لكل منهما، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لخيبر، وعليٌّ من الكوفة للبصرة. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: "كفدك" الظاهر أنه ظرف أي غرب وسير به مسافة مثل مسافة فدك وخيبر من المدينة، وعلى هذا فالعامل فيه غرب لتضمنه معنى سير به، ويحتمل أنه نائب عن المصدر أي وغرب أي أبعد من بلده بعدا كبعد خيبر من المدينة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله:"من المدينة" الظاهر أنه راجع للمضاف بعد الكاف؛ أي كبعد فدك وخيبر من المدينة. واللَّه تعالى أعلم. وإذا غرب الحر الذكر فإنه يسجن بموضع التغريب سنة، قال عبد الباقي: فيسجن بعد الجلد سنة من حين سجنه في البلد الذي ينفى إليه. انتهى ونحوه لغير واحد. وقال التتائي: وإذا غرب فيسجن بموضع التغريب سنة، قال ابن القاسم: وتحسب من يوم يسجن وظاهره أنه يخلى بعد العام وإن لم تظهر توبته وهو كذلك، وأما في الحرابة فإنه يسجن حتى تظهر توبته، وَفَرَّقَ عبد الحق بأن المحارب جاهر بفعله وعظم ضرره فاشترطت توبته بخلاف الزاني، وظاهره كابن الحاجب أن من لا يغرب لا يسجن فلا تسجن المرأة ولا الرقيق، وللخمي: إن تعذر تغريبها لم يسقط سجنها. انتهى. وقال المواق: قال مالك: وقد كان ينفى عندنا إلى فدك وخيبر، قال: ويسجن المحارب والزاني في الموضع الذي ينفيان إليه يسجن الزاني سنة. ابن

ص: 461

القاسم: من يوم يصير في السجن. مطرف: ويؤرخ يوم سجنه. انتهى. وفي الميسر: وذكر ابن غازي أنه حكم في زمنه بفاس بسجن المرأة الزانية ببلدها بعد الجلد، ونقل عن اللخمي أنه إذا تعذر تغريب المرأة لعدم ولي ورفقة مأمونة لم يسقط السجن. انتهى. وقد مر عن ابن عرفة أنه خلاف أو إلزام.

وإن عاد أخرج ثانية يعني أنه إذا غرب الحر الذكر ثم عاد إلى بلده الذي غرب منه فإنه يخرج مرة ثانية إلى الموضع الذي نفي إليه أو إلى غيره، ولهذا عَبَّر بأخرج دون أعيد فيبنى له على ما مر له في السجن ولا تستأنف له سنة ثانية، قال الخرشي: أي فإن عاد الذي غُرِّب وسجن قبل مضي سنة من يوم سجن، فإنه يخرج مرة ثانية إلى الموضع الذي كان به أو إلى غيره من الجهات، ولهذا عبر "بأخرج" دون أعيد المقتضي لإعادته في موضعه الأول، فالإخراج أعم من العود. وليس لك أن تقول عاد للزنى ثانية وهو في السجن؛ لأن هذه ليست منصوصة وإنما تردد في التوضيح فيها وفي الغريب إذا زنى، قال بعضهم: والظاهر -واللَّه أعلم- أنه إن تأنس في السجن مع المسجونين بحيث لم يتوحش به غرب لموضع آخر يسجن فيه، وإلا ففي سجنه الأول والغريب إن كان بفور نزوله قبل أن يتأنس بأهل البلد [التي]

(1)

زنى بها سجن فيها وإلا أخرج لبلد آخر. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وقال: ويحتمل أن معنى عاد للزنى بعد مضي السنة وإطلاقه أخرج بعد جلده مائة. ثانية للسجن في الأول أو غيره. انتهى. وقال التتائي: فإن عاد المغرب إلى بلده قبل تمام السنة أخرج ثانية نحوه لابن الحاجب، قال في توضيحه: وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر، وقال: أخرج ولم يقل أعيد لأن الإعادة تقتضي تعيين الموضع الذي كان فيه أوَّلًا وأخرج لا يقتضي ذلك، وهو أولى إذ قد يرى الإمام سجنه في غيره أوْلَى، ثم قال: وانظر هل يبني على ما تقدم أو يستأنف والظاهر البناء. انتهى. وما استظهره من البناء مثله لابن عسكر. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: وإن عاد المغرب إلى بلده قبل تمام السنة أخرج ثانية

(1)

في الأصل: الذي، والمثبت من الخرشى ج 8 ص 84.

ص: 462

حتى تكمل السنة، والمذهب أنه يبنِي ويُلغي ما بين السجنين، ويحتمل عاد للزنى بعد ما غرب ومضت مدة التغريب فإنه يجلد ويغرب سنة.

وتؤخر المتزوجة لحيضة قال الخرشي: يعني أن المرأة المتزوجة إذا لزمها حد الزنى فإنه لا يقام عليها حتى تحيض حيضة واحدة خشية أن يكون بها حمل، ومن باب أولى تأخير إقامة الحد عليها إذا كانت ظاهرة الحمل، فإذا وضعت أخرت في الجلد لنفاسها لأنها مريضة لا في الرجم إلا إذا لم يوجد من يرضع الطفل. انتهى. وقال عبد الباقي: وتؤخر الزانية المتزوجة وذات السيد بالرجم والجلد لِحيضةٍ إن مكث ماء الزنى ببطنها أربعين يوما، وإن كان الزوج أو السيد قد استبرأها وكذا أقل من أربعين حيث لم يستبرئها وقام بحقه فتؤخر إن أمكن حملها خشية أن يكون بها حمل، لا إن استبرأها أو لم يقم بحقه قبل مضي الأربعين فلا تؤخر، ويقوم مقام الحيضة فيمن لم تحض ثلاثةُ أشهر حيث لم تحض فيهات وكل هذا حيث لم يظهر حمل وإلا أخرت، ومفهوم المتزوجة أن من لا زوج لها أي ولا سيد لا تؤخر لحيضة إن لم يمض لماء الزنى أربعون يوما ببطنها أو مضى ولا يمكن حملها وإلا أخرت. انتهى.

قول المصنف: "بحيضة" جزم المصنف بحيضة مع نقله في التوضيح عن ابن عبد السلام أنه قال: انظر هل هو حيضة وهو الأقرب أو ثلاث؟ وقال بأثره خليل: بل القاعدة أن الحرة لا تستبرأ إلا بثلاث. انتهى. قال الحطاب: تقدم في باب الردة أن مالكا نص في الموازية على أنها تستبرأ بحيضة وحكم البابين واحد، ولعل المصنف إنما جزم بذلك لما ذكرناه. واللَّه أعلم. انتهى. وقول عبد الباقي: فتؤخر حيث أمكن حملها الخ أي فإن كانت آيسة لم تؤخر، وقوله: أو لم يقم بحقه قبل مضي الأربعين فلا تؤخر الخ، هكذا النقل عن اللخمي في المواق والتوضيح وغيرهما وهو غير ظاهر؛ لأن الزوج أو السيد إذا لم يستبرئها ولم يقم بحقه قبل مضي أربعين من وطء الزنى وقد مضى لمائه هو أربعون أو أكثر، فكيف لا تؤخر لاحتمال الحمل كما تؤخر لو مضى لماء الزنى ببطنها أربعون يوما وإن فرق بينهما؟ فتأمله. انتهى. قال جميعه البناني.

قوله: فكيف لا تؤخر لاحتمال الحمل كما تؤخر الخ، ما قاله ظاهر، بل يؤخذ تأخيرها لهذا الماء من التأخير بمضي أربعين يوما من ماء الزنى بالأحرى. قاله الرهوني. وقال المواق: اللخمي: إن

ص: 463

شهد على امرأة بالزنى منذ أربعين يوما أخرت ولم تضرب ولم ترجم حتى تتم لها ثلاثة أشهر من حين زنت، فينظر أحامل هي أم لا؟ ولا يستعجل الآن لإمكان أن تكون حملت، وإن لم يمض لها أربعون يوما جاز تعجيل حَدِّها جلدا أو رجما إلا أن تكون ذات زوج فيسأل، فإن قال: كنت استبرأتها حُدَّتْ ورجمت، وإن قال لم أستبر خير بين أن يقوم بحقه في الماء الذي له فيها فتؤخر لينظر هل تحمل منه أولا، ويسقط حقه فتحد. انتهى. انظر قوله: للزوج أن يسقط حقه في الماء الذي له فيها، هل هو فرع جواز إفساد المني قبل الأربعين يوما؟ وسيأتي له في آخر هذه المسألة ما يرشح هذا، وكذلك أيضا في العدة قبل قوله:"يجب الاستبراء"، وقد قال عياض: رأى بعضهم أنه ليس للنطفة حرمة ولا لها حكم الولد في الأربعين يوما وخالفه غيره في هذا، ولم ير إباحة إفساد المني ولا تسبب إخراجه بعد حصوله في الرحم بوجه قرب أو بعد، بخلاف العزل قبل حصوله في الرحم. انتهى. نص عياض: وانظر إن لم يعزل لكن جعل بين الماء وحصوله في الرحم ما يمنع علوقه به، أفتى ابن زرقون أنه كالعزل، قال: لأنه ما جنى على موجود. اللخمي: وأجاز في المدونة إذا زنت منذ شهرين أن ترجم إذا نظر لها النساء وقلن لا حمل بها، وليس بالبين لأنه صلى الله عليه وسلم (أخبر بكونه نطفة أربعين يوما ثم علقة)

(1)

، وإذا كان كذلك أمكن أن يكون في الشهرين علقة، ولا يجوز حينئذ أن يعمل عملا يؤدي إلى إسقاطه كما لا يجوز للمرأة أن تشرب ما تطرحه به. انتهى كلام المواق.

ولا نقل ابن غازي في تكميله كلام اللخمي هذا، قال عقبه ما نصه: فمقتضاه أن للمرأة أن تشرب في الأربعين الأولى ما يسقطه، ومنعه ابن العربي في القبس فقال في باب العزل: للولد ثلاثة أحوال، حال قبل الوجود ينقطع فيها بالعزل وهو جائز، وحال بعد قبض الرحم على المني فلا يجوز لأحد التعرض له بالقطع من التولد كما يفعله سفهة التجار في سقي الخدم عند استمساك الطمث الأدوية التي ترخيه فيسيل المني معه فتنقطع الولادة، وحال بعد انخلاقه قبل أن ينفخ فيه الروح وهذا أشد من الأولين في المنع والتحريم لما فيه من الأثر: إن السقط ليظل محبنطئا

(1)

صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، رقم الحديث، 3208، صحيح مسلم، كتاب القدر، رقم الحديث، 2643.

ص: 464

على باب الجنة يقول لا أدخل حتى يدخل أبواي، فأما إذا نفخ فيه الروح فهو قتل نفس بلا خلاف. انتهى. وأغفله ابن عرفة واقتصر على كلام اللخمي ولم يبحث فيه، وَسُئِلَ عز الدين بن عبد السلام الشافعي هل يسوغ للمرأة استعمال أدوية تمنعها من الحَبَل؟ فأجاب: ليس لها أن تستعمل ما تُفسد القوة التي يتأتى بها الحَبَل، وقد وقع للخمي آخر كتاب العدة مثل ما قاله هنا، وقد تكلمنا عليه هناك وباللَّه التوفيق. انتهى منه بلفظه. وفي المعيار ما نصه: أن المنصوص لأيمتنا رضوان اللَّه عليهم المنع من استعمال ما يبرد الرحم أو يستخرج ما في داخل الرحم من المني وعليه المحصلون والنظار، قال القاضي أبو بكر بن العربي: فذكر كلامه المتقدم، وقال بعده ما نصه: وانفرد اللخمي فأجاز استخراج ما في داخل الرحم من الماء قبل الأربعين يوما، ووافق الجماعة فيما فوقها. انتهى نقله الرهوني. وانظر قوله: وهذا أشد من الأولين الخ ففيه تدافع لجزمه في الأول بالجواز. قاله مقيده عفا اللَّه عنه.

وبالجلد اعتدال الهواء يعني أنه ينتظر بالجلد اعتدال الهواء بالمد فلا يجلد في برد ولا في حر مفرطين خوف الهلاك، والتأخير للبرد نص عليه مالك، وألحق به ابن القاسم في المدونة الحرَّ، وأما الهوى بالقصر فميل النفس. قاله الخرشي. وقال المواق من المدونة: المريض إن خيف عليه من إقامة الحد أخر، قال مالك: وإذا خيف على السارق إن يقطع في البرد أخّر، والذي يُضْرَبُ الحد في البرد مثله إذا خيف عليه أخر والحر بمنزلة البرد. اللخمي: إن كان ضعيف الجسم فيسقط الحد. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإنما لم يقل الزمان بدل الهواء لأنه يقتضي أن الزمان إذا لم يعتدل يؤخر ولو اعتدل الهواء وليس كذلك، فإن المراد بالزمان الفصل فيقتضي أن الفصل إذا لم يعتدل، كأن يكون فصل الشتاء أو الصيف يؤخر ولو اعتدل الهواء، وليس كذلك لأنه متى اعتدل الهواء جلد ولا يؤخر في أي فصل كان اعتدال أولا.

وأقامه الحاكم يعني أن حد الزنى رجما أو جلدا يقيمه الحاكم على الأحرار والعبيد، والسيد يعني أن السيد يقيم الحد أي الجلد في الزنى على عبيده ذكورا أو إناثا بشرطين، أشار لأحدهما

ص: 465

بقوله: إن لم يتزوج بغير ملكه يعني أن السيد إنما يقيم الحد على مملوكه إن لم يتزوج بغير ملك السيد بأن لم يتزوج أصلا أو تزوج بملك سيده فإن تزوج بغير ملك سيده، بأن تزوج بحرة أو بمملوك لغير السيد فإنه لا يقيم عليه الجلد حينئذ إلا الحاكم، وأشار للشرط الثاني بقوله: بغير علمه يعني أن السيد لا يقيم الحد على مملوكه ذكرا أو أنثى إلا إذا ثبت الزنى بغير علم السيد، وكذا الحاكم لا يستند لعلمه في إقامة الحد، فالقيد الأول خاص بالسيد والثاني عام فيه وفي الحاكم، والحاصل أن الحد لا يقيمه إلا السلطان أو السيد في رقيقه الذي لم يتزوج أو تزوج بملك السيد ولا يستند واحد منهُمَا في ذلك لعلمه، بل لا بد من إقامة أربعة عدول على الزنى على الكيفية المقررة. قال الشبراخيتي: وأقامه أي حد الزنى وكذلك حد الخمر أي والقذف، وأما حد السرقة فلا يقيمه إلا السلطان فإن أقامه السيد على وجه الحق بشروطه أدب لتعديه على الإمام هكذا نص عليه في المدونة، وأقامه السيد جوازا في رقيقه ذكرا كان أو أنثى وهو مقدم على الحاكم عند التشاح، وله أن يرفعه للحاكم ليقيم الحاكم عليه الحد، ولو شهد بزنى العبد أربعة أحدهم سيده فلا يُقيمهُ السيد ويقيمه الإمام وتقبل شهادة السيد عليه إن لم يتزوج رقيق السيد بغير ملكه؛ أي انتفى تزوجه بغير ملكه بأن لم يتزوج أصلا أو تزوج بملكه، فإن تزوج بحرة أو بملك للغير لم يقمه عليه إلا الإمام لما يلحق الآخر من المعرة. انتهى.

وقال عبد الباقي: وأقامه أي حد الزنى رجما أو جلدا الحاكم أو السيد إن لم يتزوج الرقيق عبدا أو أمة بغير ملكه؛ بأن لم يتزوج أصلا أو تزوج بملكه، فإن تزوج بملك غير سيده أو بحرة لم يقمه عليه إلا الحاكم، لا يلحق الزوجة الحرة أو سيد الأمة من المعرة وإنما يقيمه كل منهما بغير علمه أي لا يستند الحاكم ولا السيد لعلمه بزنى الرقيق، بل لابد من إقراره أو ظهور حمل أو شهادة أربعة ذكور أحرار، ولو كان السيد أحدهم حيث أقامه الحاكم فإقامة الحاكم لها شرط واحد، وإقامة السيد لها شرطان، فالأول منهما شرط في إقامة السيد فقط، والثاني قيد فيه وفي الحاكم، والجار والمجرور الأول متعلق بيتزوج والثاني بأقامه ومثل حَدِّ الزنى في ذلك حد الخمر القذف لا حد السرقة فلا يقيمه إلا الإمام ليلا يمثل الناس برقيقهم ويدعون سرقتهم. قاله أبو الحسن. انتهى. الرهوني: إنما يظهر ذلك لو كان السيد يستند لعلمه في ذلك، وقد علمت أنه لا

ص: 466

يستند إليه فيما جعل له إقامته. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: والسيد في رقيقه في حَدِّ الزنى والخمر والقذف، قال في التوضيح: احترز من السرقة وغيرها فلا يقيمه إلا الوالي، قال في المدونة: لأن ذلك ذريعة إلى أن يمثل بعبده ويدعي السَرَقَةَ. انتهى.

وقال في المدونة: ولا بأس أن يقيم السيد على عبده حد الزنى والقذف وحد الخمر. أبو الحسن في الحديث: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)

(1)

وهو محمول على الوجوب، وقال أبو محمد: ويقيم الرجل على عبده وأمته وهذه العبارة أصرح؛ لأنه وإن كان لفظها الخبر فمعناه الأمر، وقوله في الكتاب: لا بأس لا يتوهم أن به البأس وأن الحدود لا يقيمها إلا الإمام. وقد قال فيمن اشترى جارية وقد زنت عند البائع وليس بواجب على المبتاع أن يحدها، مفهومه لو زنت عنده كان عليه واجبا أن يحدها. انتهى. وقوله:"والسيد" سواء كان رجلا أو امرأة. قاله الجزولي. وذكر البرزلي عن التونسي فيمن زنت أمته أن عليه أن يقيم عليها الحد، قال البرزلي: وظاهر المدونة والرسالة جواز إقامة السيد الحد على عبده لا وجوبه. واللَّه أعلم.

‌فَرْعٌ:

وإذا أقام الحد فيحضر في الزنى أربعة نفر وفي الخمر والقذف رجلين، قال مالك: لأنه عسى أن يعتق ويشهد بين الناس فيجد من يشهد عليه ما ترد به شهادته. نقله أبو الحسن. قال أبو الحسن: قوله: والقذف، ظاهره ولا مقال للمقذوف إن قال للسيد لا أرضى إلا بإقامة الإمام الحد. انتهى. وقال ابن عسكر في العمدة: ولا يقيم على الأحرار إلا السلطان، {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . انتهى كلام الحطاب.

وقال التتائي: وأقامه الحاكم أي الحد مطلقا في حر أو عبد وأقامه السيد في رقيقه ذكرا أو أنثى، لخبر:(أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)، وأطلق في الحد وفي ابن الحاجب حد الزنى والقذف والخمر، قال في التوضيح: ولا يقيمه في السرقة وغيرها إلا الوالي، قال في المدونة: لأن ذلك ذريعة إلى أن يمثل بعبده ويدعي أنه سرق، فإن قطعه السيد دون الوالي وكانت البينة عادلة وأصاب وجه القطع عوقب، وهذا إن لم يتزوج رقيق السيد بغير ملكه أي ملك السيد حرا أو

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الحدود، رقم الحديث، 4473.

ص: 467

عبدا، فإن تزوج بغير رقيقه لم يقمه عليه حينئذ إلا الإمام لحق الآخر من الزوجين وحق سيده إن كان رقيقا، وحيث قلنا يُقيمُهُ على رقيقه فبالطريق المذكور في الحر من البينة أربعة غير السيد أو ظهور الحمل، وإذا كان السيد أحد الأربعة رفعه للإمام ولذا قال: بغير علمه وهو مذهب المدونة وإحدى الروايتين، والأخرى يقيمه بعلمه وفي التوضيح: ويُحضِرُ الجلد في الخمر والفرية رجلين وفي الزنى أربعة عدول، ولا خلاف أن له تأديبه في الجنايات بعلمه. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: أما مستوفي الحد فهو الإمام في حق الأحرار، ولا بأس للسيد أن يقيم على مملوكه حد الزنى والقذف والخمر لا السرقة. اللخمي: وكذا إن كان زوج أمته عبده فله إقامته عليهما. ابن شأس: إنما يحد أمته إذا كانت غير ذات زوج أو كان زوجها عبده، فإن كانت متزوجة بغير عبد سيدها فلا يقيم الحد عليها إلا الإمام، وكذا العبد إذا كانت له زوجة حرة أو أمة لغير سيده فلا يقيم الحد عليهما إلَّا الإمام. وفي المدونة: لا يحد عبده في الزنى إلا بأربعة سواه، فإن كان أحدهم رفعه إلى الإمام، قال عبد الملك: من رأى أمته تزني لم يحدها إذ ليس للسلطان أن يجلد برؤيته. انتهى.

وإن تزوج رجل امرأة ثم أخذت تزني وبعد أن زنت أنكرت الوطء وكان إنكارها بعد أن أقامت مع زوجها عشرين سنة، ولم يكن منها إنكار قبل ذلك وخالفها أي المرأة المذكورة في دعواها عدمَ الوطء الزوج بأن ادعى وطأها، فاللازم في شأن المرأة الحد أي الرجم لأنها محصنة، ولا عبرة بإنكارها وهذه مسألة نكاح المدونة عن الإمام، وروي عنه أي ابن القاسم لا الإمام في كتاب الرجم من المدونة مسألة أخرى في شأن الرجل يقيم مع زوجه مدة طويلة فشهد عليه بالزنى، فقال: لم أطأها، يصدق في ذلك وبسقط عنه الحد أي الرجم للشبهة، ولو أقر بالوطء لم يسقط عنه الرجم، ولهذا قال: ما لم يقر به أي أن الرجل المذكور إنما يسقط عنه الرجم حيث لم يقر، بالوطء، وأما لو أقر به لرجم أو يولد له عطف على يقر أي محل عدم رجمه إنما هو حيث لم يقر بالوطء ولم يولد له قبل ذلك، وأما لو أقر بالوطء لرجم وكذا لو ولد له قبل الشهادة عليه بالزنى فإنه يرجم.

وفي المواق من المدونة: إذا أقامت المرأة مع زوجها عشرين سنة ثم زنت، فقالت لم يكن الزوج جامعني والزوج يقر بجماعها فهي محصنة، ومن المدونة أيضا عن ابن القاسم: من تزوج امرأة

ص: 468

وتقادم مكثه معها بعد الدخول بها فشهد عليه بالزنى فقال ما جامعتها مذ دخلت عليها، فإن لم يعلم بولد يظهر أو بإقرار بالوطء لم يرجم لِدَرْءِ الحد بالشبهة، وإن علم منه إقرار بالوطء قبل ذلك رجم. انتهى. وقوله:"وعنه في الرجل يسقط" أي الرجم كما عرفت، وأما الجلد فلا نزاع أنه لا يسقط إذا سقط الرجم، وَأُوِّلَا أي قولا المدونة الأول في نكاحها والثاني في رجمها على الخلاف أي أول الموضعان على أنهما متخالفان، وهذا التأويل هو الذي اختاره ابن رشد ورد التأويلات الثلاث بعده. قال الشبراخيتي: والخلاف هو المذهب. انتهى. ومن العلماء من وفق بين القولين كما قال: أو إنما رجمت الزوجة لضعف إنكارها لأجل خلاف أي مخالفة الزَّوْج لها في المسألة الأولى، فإنه خالفها فيها فقط إذ هي أنكرت الوطء وادعى هو أنه وطئها فلذلك رجمت، ولم يرجم الزوج في الثانية لعدم مخالفة الزوجة له فلم يضعف إنكاره، فلو لم يكذبها في مسألتها أو كذبته في مسألته لاتفق القولان، أو يوفق بين المسألتين بأنه إنما لم يرجم في الثانية؛ لأنه أي الزوج يسكت عادة عن ترك وطئه مدة طويلة، ورجمت في الأولى لأنها لا تسكت عادة هذه المدة عن عدم وطئه لها، والأنسب بالتأويل قبله أن يقول أو لأنها لا تسكت، ورد بأنه لو لم يكن وطئها لم تسكت أو يوفق بينهما بأنه لم يرجم الزوج في الثانية؛ لأن الثانية وهي مسألة الرجل لم تبلغ مدة إقامة الزوج فيها مع امرأته عشرين سنة، ورجمت في الأولى لبلوغها عشرين سنة في ذلك تأويلات أربع، واحد بالخلاف وثلاثة بالوفاق، "وأو" في الثلاث بمعنى: قيل.

قال عبد الباقي: وإن زنت متزوجة وأنكرت الوطء من زوجها بعد إقامة عشرين سنة معه وخالفها الزوج وادعى وطأها، فالحد أي الرجم لأنها محصنة ولا عبرة بإنكارها وعنه أي الإمام مالك -صوابه وعنه أي ابن القاسم كما في نقل المواق قاله البناني- ما يخالف ذلك في الرجل يقيم مع زوجته مدة طويلة ثم تشهد أربعة بالزنى فإنه يسقط عنه الرجم، ويحد حد البكر، "ما" أي مدة كونه لم يقربه أي بوطء زوجته، بل قال عند شهادة البينة عليه بالزنى: لم أطأ زوجتي منذ دخلت بها أو مدة كونه لم يولد له منها، فإن ظهر وطؤها بولادتها منه أو أقر به بعد ذلك رجم، وظاهره كغيره ولو بعد حَدِّهِ حَدَّ البكر. وظاهر قوله:"أو يولد له" يشمل ما إذا نفاه بلعان، واختلف الشيوخ في المحلين فمنهم من فهمها على الخلاف كما قال:"وأولا على الخلاف" إذ

ص: 469

قُبلَ قوله "دونها"، ومنهم من وفق بينهما كما قال: أو إنما رجمت الزوجة لضعف إنكارها لخلاف أي لمخالفة الزوج لها في المسألة الأولى فقط، ولم يرجم الزوج في الثانية لعدم مخالفة الزوجة له فلم تضعف إنكاره، فلو لم يكذبها في مسألتها أو كذبته في مسألته لاتفق القولان أو يوفق بأنه إنما لم يرجم في الثانية لأنه يسكت عادة عن ترك وطئه مدة طويلة، ورجمت في الأولى لأنها لا تسكت عادة هذه المدة عن عدم وطئه لها، والأنسب بالتأويل قبله أن يقول أو لأنها لا تسكت أو يوفق بأنه لم يرجم الزوج؛ لأن الثانية وهي مسألته لم تبلغ مدة إقامته مع الزوجة عشرين سنة، وصدق في عدم وطئه لها ورجمت في الأولى لبلوغها عشرين سنة، تأويلات ثلاث بالوفاق والأول بالخلاف فهي أربع كما في التتائي. انتهى المراد منه.

وقال الشبراخيتي: وإن أنكرت امرأة الوطء بعد أن أقامت مع زوجها عشرين سنة ثم أخذت تزني ولم يكن منها إنكار قبل ذلك وخالفها الزوج وأقر بوطئها فالحد المراد به الرجم؛ لأن العادة أن هذه المدة لا تسكت فيها الزوجة عن الوطء، وهذه مسألة نكاح المدونة عن الإمام، وعنه في الرجل في كتاب الرجم منها: ومن تزوج امرأة وطال مكثه معها بعد الدخول فَشُهدَ عليه بالزنى، فقال: لم أطأ منذ دخلت بها يسقط عنه الرجم للشبهة، وأما الجلد فلا نزاع أنه لا يسقط إذا سقط الرجم ما لم يقر به أي بالوطء أو ما لم يولد له فيرجم حينئذ، ويشمل ما لو نفاه بلعان، وأوِّلَا أي قولا المدونة الأول في نكاحها والثاني في رجمها على الخلاف، هذا هو الذي اختاره ابن رشد وَرَدّ التأويلات الثلاث، والخلاف هو المذهب. وعن يحيى بن عمر الثانية وعن سحنون الأولى، أو ما في الموضعين وفاق وهو من أوجه أشار لأولها بقوله:"لخلاف الزوج في الأولى" دون الثانية فلم تخالفه، فضعف إنكارها في الأولى دون الثانية.

وأشار لثانيها بقوله: أو إنما حدت لأنه أي الزوج إذا حصل له مانع الوطء يسكت غالبا لأنه عيب به وهي لا تسكت عن عيبه لو كان به، ورد بأنه لو لم يكن وطئها لم تسكت، ولثالثها بقوله: أو لأن الثانية التي قبل فيها قول الزوج مدتها لم تبلغ عشرين سنة كالأولى ولو بلغتها لم يقبل قول الزوج كالزوجة تأويلات. انتهى المراد منه.

ص: 470

وقال التتائي: وإن أنكرت امرأة الوطء بعد أن أقامت مع زوجها عشرين سنة، ثم أخذت تزني ولم يكن منه إنكار قبل ذلك وخالفها الزوج وأقر بوطئها فالحد واجب عليها لا يزيله إنكارها لأنها محصنة، وهذه مسألة نكاح المدونة عن الإمام، وعنه في الرجل في كتاب الرجم منها: ومن تزوج امرأة وطال مكثه معها بعد الدخول فشهد عليه بالزنى، فقال: لم أطأ منذ دخلت بها يسقط عنه الحد للشبهة ما لم يقر به أي بالوطء أو ما لم يولد له فيرجم حينئذ وأولا على الخلاف لاختلاف الجواب لقبوله قول الزوج دون الزوجة. البساطي: والمسألة واحدة وهو قول يحيى بن عمر وسحنون وأبي عمران واللخمي وابن رشد، ثم اختلفوا هل يعتد بما في مسألة الرجم ويطرح ما في النكاح؟ وهو قول يحيى بن عمر، لقوله: إن مسألة الرجم خير مما في النكاح، أو بالعكس وإليه ذهب سحنون؟ أو ما في الموضعين وفاق وهما مسألتان، وإليه ذهب جماعة؟ ولهم في كيفية التوفيق بينهما أوجه، أشار لأولها بقوله: وإنما حدت لخلاف الزوج في الأولى فقط دون الثانية حيث ادعى الوطء فضعف إنكارها، ومسألة الزوج لم تخالفه الزوجة فقوي إنكاره ولو خالفته لاتفقت المسألتان في عدم القبول، كاتفاقهما في القبول لو وافقها الزوج، واختار ابن يونس هذا الوجه، وأشار لثانيها بقوله: أو إنما حدت لأنه أي الزوج إذا حصل له مانع الوطء يسكت غالبا ويخفيه لأنه عيب به وهي لا تسكت عن عيبه لو كان، وَرُدَّ بأنه لو لم يكن وطئها لم تسكت، ولثالثها بقوله: أو لأن الثانية التي قبل فيها قول الزوج مدتها قصيرة لم تبلغ عشرين سنة كالأولى ولو بلغتها لم يقبل قول الزوج كالزوجة، تأويلات أربعة ذكر أوجه التوفيق الثلاثة عبد الحق وغيره، وتبعهم المصنف مع قوله في توضيحه عن ابن رشد: إنها لا تصح، وذكر عن مقدماته ما يؤيد ما يقوله أي من الحمل على الخلاف. فراجعه إن شئت. انتهى. ونحوه للخرشي. واللَّه تعالى أعلم.

وفي اليسر وفي المقدمات: إن دخلا فمن أنكر منهما الوطء بعد الزنى ولم يعلم منه إقرار قبله، فقال ابن وهب: لا يصدق في إنكاره وإن بقرب البناء، وقال أكثر الأصحاب: يصدق ما لم يطل الزمن جدا وهو ظاهر ما في النكاح، وقيل يصدق وإن طال وهو ظاهر ما في الرجم وإن أنكر قبل الزنى

ص: 471

صدق اتفاقا، وإن ادعاه أحدهما على الآخر لم يلزم إحصان المنكر ولا المقر إن أقر لغرض كرجعة أو مهر ثم رجع، وإن لم يكن لغرض فقولان. انتهى.

وإن قالت زنيت معه وادعى الوطء والزوجية يعني أن المرأة إذا قالت زنيت مع هذا الرجل لرجل عينته، فأقر هذا الذي قالت إنها زنت معه بالوطء لها، وقال: هي زوجتي ولا بينة له تشهد بأنها زوجته فإنهما يحدان؛ لأن الأصل عدم السبب المبيح للوطء ولو كانا طارئين أو حصل فُشُوٌّ، قال الخرشي: يعني أن المرأة إذا قالت زنيت مع هذا الرجل فأقر بوطئها وأنها زوجته ولا بينة له، فإنهما يحدان لأن الأصل عدم السبب المبيح للوطء، ويأتنفان نكاحا بعد الاستبراء إن أحبا، وظاهره ولو طارئين أو حصل فُشُوٌ وهو كذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن وجدت امرأة مع رجل وقالت زنيت معه وادعى الوطء والزوجية ولا بينة حدا ولو طارئين وحصل فشو؛ لأنه لم توافقه على النكاح. انتهى.

أو وجدا ببيتها وأقرَّا به وادعيا النكاح يعني أنه إذا وجد رجل وامرأة في بيت أو طريق وأقرا معا بالوطء وادعيا النكاح فإنهما يحدان إلا أن يكونا طارئين أو يحصل فشو كما مر، قال التتائي: وأشعر قوله: "وجدا ببيت" بأنه لو قال بحضرة جماعة: وطئت فلانة بنكاح أو اشتريت أمة فلان ووطئتها لم يكلف ببينة بالنكاح ولا بالشراء، ولا حد لأنه لم يوجد مع امرأة يطؤها ولو وجد كذلك لكلف البينة إن لم يكن طارئا، وقاله ابن حبيب عن ابن الماجشون، قال: وقاله علماؤنا، وأشعر أيضا بأنه لو شهدت عليه بينة أنهم رأوا فرجه في فرج امرأة غائبة عنا لا ندري من هي، فقال هو: كانت زوجتي وطلقتها أو أمتي وبعتها وهو معروف أنه غير ذي زوجة ولا أمة فهو مصدق ولا يكلف ببينة، ولو وجد معها كلفته البينة إن لم يكن طارئا لأنه قصد في امرأة معلومة دعوى بنكاح أو ملك وهو يعرف بغير ذلك فيحَدُّ حتى يقيم بينة بما قال، والأول ادعى ذلك في مجهولة، قال: ولو لم يدع ذلك وقال كذبت الشهود حد. وقاله مطرف. وأصبغ. انتهى. وعلم مما مر أن المراد بقوله: "وجدا ببيت" وجدا بمكان بيتا أو غيره.

أو ادعاه فصدقته ووليها، وقالا: لم نشهد يعني أنه إذا ادعى الرجل أنه وطئ هذه المرأة بنكاح فصدقته المرأة ووليها، وقالا: -أي المرأة ووليها- لم نشهد حين العقد فإنهما يُحَدَّان، قال

ص: 472

الخرشي: وكذلك يحد الرجل والمرأة إذا ادعى الرجل وطأها يعني بالنكاح فصدقته هي ووليها، وقالا أي المرأة ووليها: لم نشهد أي قالا عقدنا النكاح بلا إشهاد ونحن الآن نشهد أي ولم يحصل فشو يقوم مقام الإشهاد؛ لأن الأصل عدم السبب المبيح ويأتنفان نكاحا جديدا بعد الاستبراء إن أحبا، وظاهره ولو كانا طارئين وهو كذلك لاتفاقهما على أنهما دخلا بلا إشهاد. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ادعاه أي ادعى الرجل النكاح فصدقته في دعواه هي ووليها أبوها أو أخوها مثلا، وقالا لم نشهد ونحن الآن نشهد، حدا ولو طارئين حيث لم يحصل فشو لاتفاقهما على أنهما دخلا بلا إشهاد. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن قالت زنيت معه وادعى الوطء والزوجية ولا بينة له أو وجدا ببيت أو طريق، وأقرا به وادعيا النكاح أو ادعاه أي النكاح وصدقته ووليها وقالا -أي المرأة ووليها-: لم نشهد أي عقدنا من غير إشهاد حدا، ويحد هو في المسألة الأولى ولو طارئين وحصل فشو لأنها لم توافقه على النكاح فالأصل عدم السبب المبيح، ويأتنفان نكاحا غيره بعد الاستبراء إن أحبا إذا لم يثبت إحصانُهمَا، وأما حدها هي فظاهر لإقرارها بالزنى، وأما في الثانية فيسقط الحد عنهما حيث كانا طارئين أو حصل فشو لاتفاقهما على النكاح فلم يدعيا شيئا مخالفا للعرف، وأما في الثالثة فيحدان ولو طارئين حيث لم يحصل فشو لاتفاقهما على أنهما دخلا بلا إشهاد ولم يحصل ما يقوم مقامه وهو الفشو. انتهى.

وعلم مما قررت أن قوله: حدَّا جواب الشرط ولهذا قال الحطاب: جواب الشرط قوله: "حدا" وهو راجع إلى المسائل الثلاث؛ المسألتان الأوليان في كتاب الحدود من المدونة، ففيها: وإذا قالت المرأة زنيت مع هذا الرجل وقال الرجل هي زوجتي وطئتها أو وجدا في بيت فأقرا بالوطء وادعيا النكاح فإن لم يأتيا ببينة حدا. انتهى. أبو الحسن: معنى المسألة الثانية إذا لم يكونا طارئين، وأما الأولى فسواء كانا طارئين أم لا. انتهى. وقال أشهب في الأولى: لا حد عليه لأنه لم يعترف بوطء إلا في نكاح، وتحد هي بخلاف المسألة الثانية إذا وجد مع امرأة وادعى نكاحها لأنه أخذ فهو يدفع عن نفسه، وسوى بينهما ابن القاسم. وأما الثالثة فهي في كتاب القذف ونصها: ومن وطئ امرأة وادعى نكاحها وصدقته هي ووليها، وقالوا: عقدنا النكاح ولم نشهد ونحن نريد أن نشهد الآن فعلى الرجل والمرأة الحد إلا أن يقيما بينة غير الولي، وإن حددتهما وهما بكران فإن

ص: 473

أرادا أن يحدثا إشهادا على ذلك النكاح ويقيما عليه لم يجز حتى يستبرأ من ذلك الماء. انتهى. ويريد ويجددا نكاحا فإن النكاح يفسخ بطلاق كما تقدم في النكاح، ويريد المؤلف إذا لم يحصل فشو، أما إذا حصل فإنه يسقط الحد. انتهى. وقال المواق من المدونة: إذا قالت امرأة: زنيت مع هذا الرجل، وقال الرجل هي زوجتي وقد وطئتها أو وجدا فأقرا بالوطء وادعيا النكاح فإن لم يأتيا ببينة حدا.

ابن يونس: لأن من سنة النكاح الإظهار والإعلان، وقد نص في المدونة أن شهادة الولي بالنكاح لغو. ومن المدونة: من اشترى حرة وهو يعلم بها فأقر أنه وطئها حد. ابن القاسم: ولا تحد هي إن أقرت له بالملك. ابن يونس: يريد وإن كانت تعلم أنها حرة لأنه لا ينفعها دعواها الحرية؛ إذ لا بينة لها تقوم بهم. ومن المدونة قال مالك في رجل وجد مع امرأة في بيت فشهد أبوها أو أخوها أن الأب زوجه إياها: فلا يُقْبَلُ ذلك ويعاقبان وإن ثبت الوطء حدا. ابن يونس: رُوي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: ادرءوا الحدود بالشبهات، ويقال: ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فلأن يخطئ حَكَمٌ من الحكام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، إذا رأيتم للمسلم مخرجا فادرءوا الحد عنه. انتهى.

ولما أنهى الكلام على الزنى أتبعه بالكلام على القذف فقال:

ص: 474

‌باب: في القذف

بقاف مفتوحة فذال معجمة ساكنة، وأصله الرمي بالحجارة ونحوها ثم استعمل مجازا في الرمي بالمكاره، فمن الأول قوله تعالى:{وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا} ، ومنه قيل للمنجنيق قذاف، وسماه اللَّه تعالى رميا فقال:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} . المتيطي: حرم اللَّه أعراض المسلمين كما حرم دماءهم وأموالهم في كتابه وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: فإذاية المسلمين في أعراضهم تنقسم قسمين: أحَدُهُما أن يذكر الرجل أخاه بما فيه مما يكره سماعه، فإن قال ذلك في مغيبه فهي الغيبة التي حرم اللَّه تعالى على عباده، حيث قال:{وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} . الآية. وليس في ذلك إلا الندم والاستغفار والتحلل من المغتاب، وأما إن قال ذلك في حضوره مواجهة له على جهة التنقيص له فهو البهتان، وفيه الأدب على حال القائل والمقول له بالاجتهاد. انتهى.

الرهوني: فيه أنه جعل موضع الغيبة والبهتان واحدا، وفرق بينهما بالغَيْبَةِ والمُوَاجَهَةِ وذلك خلاف ما هو مصرح به في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحة وأبو داوود وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم:(إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تمول فقد بهته)

(1)

، قال في المشارق: قوله بهته بفتح الباء والهاء وتخفيفها، وتشديدُها خطأ ومعناه: قلت فيه البهتان وهو الباطل، وقيل: قلت فيه من الباطل ما حيرته به، يقال بهت فلان فلانا فبهت إذا تحير في كذبه، وقيل بهته واجهه بما لم يفعل. وفي الحديث الآخر:(إن اليهود قوم بُهُتٌ)

(2)

بضم الباء والهاء وإن تسألهم عني بهتوني، وفي النهاية: البهت الكذب والافتراء، ومنه حديث ابن سلام رضي الله عنه في ذكر اليهود: إنهم قوم بُهُتٌ، وهو جمع بَهُوت من أبنية المبالغة مثل صبور وصبُر ويسكن تخفيفا. وفي الصحاح: بهته بهتا وبهتا وبهتانا قال عليه ما لم يفعل، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} . انتهى. المتيطي: وأما القسم الثاني وهو أن ينسب إليه الفاحشة الموجبة على فاعلها حد الزنى،

(1)

صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، رقم الحديث، 2589. سنن أبي داوود، كتاب الأدب، رقم الحديث، 4874.

(2)

صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث، 3329

ص: 475

فهو القذف الذي حرمه اللَّه على عباده ولعن فاعله في الدنيا والآخرة وتوعد عليه بالوعيد العظيم، حيث يقول:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، يريد بالمحصنات العفائف، وبالغافلات الغافلات عن الفواحش والفجور ولم يفطنَّ ولا عرفن بها، فقذف المحصنات مما لا يختلف أهل العلم أنه من الكبائر الموبقات. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(قذف المحصنات يحبط عمل مائة سنة)

(1)

، وهذا عند غير واحد من الموثقين ما لم يتب أو يحد، فإذا أخذ منه الحد أو تاب غفر ذلك عنه اللعنة والإبعاد وعاد إليه ثواب العمل، ومثل النساء المحصنات الرجال الذين هم محصنون وهذا أمر متفق عليه، لا خلاف بين أحد من المسلمين أن قذف المحصن كقذف المحصنة في وجوب الحد. انتهى. ابن عطية: قذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى وإجماع الأمة على ذلك، وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع. وحكى الزهراوي أن في المعنى الأنْفُسَ المحصنات فهي تعم بلفظها الرجال والنساء، وقول المتيطي: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قذف المحصنات يحبط عمل مائة سنة)، وهذا عند غير واحد الخ، قال الرهوني: هذا الحديث لم أقف على من أخرجه ولم يذكره في الجامع الصغير، واحتجاج المتيطي به يدل على صحته أو حسنه، وقول المتيطي عن غير واحد من الموثقين: وعاد إليه ثواب العمل يدل على أنهم حملوه على ظاهره، وذلك لا يوافق مذهب أهل السنة أن السيئات لا تحبط الحسنات وإنما يحبطها الكفر، فالحديث إن ثبت مأول على أن المراد المبالغة في التحذير من ارتكاب ذلك والتشديد فيه حتى لا يقربه أحد كما في نظائره وظاهره غير مراد. واللَّه أعلم. انتهى.

وقد مر أن القذف من الكبائر الموبقات، ولعظمه أوجب اللَّه تعالى فيه الحد ولو نسب شخص غيره للكفر لم يحد، ويسمى القذف فرية من الافتراء وهو الكذب. ابن عرفة: القذف الأعم نسبة آدمي غيره لزنى أو قطع نسب مسلم والأخص لإيجاب الحد نسبة آدمي مكلف غيره حرا عفيفا مسلما

(1)

الحاكم، ج 4 ص 573.

ص: 476

بالغا أو صغيرة تطيق الوطء لزنى أو قطع نسب مسلم. انتهى. فقوله: نسبة آدمي مصدر مضاف لفاعله، وغيره مفعول أخرج به قذف نفسه، ويدخل في هذا الحد نسبة غير المكلف ونسبة العبد وكثير مما لا يتقرر شَرْطُ القذف فيه إما باتفاق أو بخلاف؛ لأنه بالمعنى الأعم. وقوله: أو قطع نسب مسلم، أخرج به ما إذا لم يقطع نسبا أو قطع نسب غير مسلم فإنه لا يسمى قذفا، الأول إذا قال الرجل: لست ابنا لفلانة فإنه ليس قذفا لأنه لا يمكن قطعه عنها، والثاني إن قال: ليس أبوك الكافر ابن أبيه فلا يقطع نسبا أيضا. انظر الخرشي. وقال البناني: التوضيح: القذف بالمعجمة أصله الرمي إلى بعد فكأنه رماه بما يبعد ولا يصح، وقد سماه اللَّه عز وجل رميا، فقال:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} ، ويسمى أيضا فرية لأنه من الافتراء والكذب وهو من الكبائر بإجماع. انتهى. وخرج أبو داوود عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال:(من رمى مسلما بشيء يريد شينه به حبس يوم القيامة على جسر من جسور جهنم حتى يخرج مما قال)

(1)

. انتهى. قال في التوضيح: ومفهومه في الشرع أخص منه في اللغة. انتهى. الحطاب: حده الأخص يعني ابن عرفة غير مانع لدخول قذف المجنون والمجبوب فيه أي المجنون الذي جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه لا تتخلله إفاقة. انتهى. وفي المواق عن ابن رشد: ومن الناس من زاد العقل وليس بصحيح لأنه داخل تحت العفاف.

وقوله: قذف المكلف مصدر مضاف إلى فاعله وهو مبتدأ، وخبره "يوجب ثمانين"، والتكليف مركب من البلوغ والعقل، فلا حد على صبي أو مجنون قذف غيره، قال الشبراخيتي: قال في الحاشية: الشروط عشرة، اثنان في القاذف وهما البلوغ والعقل، واثنان في المقذوف به وهما نفي النسب والزنى، وستة في المقذوف؛ اثنان في المقذوف ينفي النسب وهما الحرية والإسلام، وأربعة زيادة على الاثنين في القذف بالزنى البلوغ والعقل والعفة والآلة، فمجموع شروط القذوف ستة، ويشترط أن يكون مُلْتَزِمًا للأحكام، احترازا من الحربيِّ إذا قذف مسلما ببلد الحرب ثم أسلم أو أسر أو دخل بأمان فإنه لا حد عليه، ولو أقر القاذف بالقذف ثم رجع لم يقبل رجوعه كما ذكره

(1)

سنن أبي داوود، كتاب الأدب، رقم الحديث، 4883، ولفظه:. . . حبسه اللَّه على جسر جهنم. . .

ص: 477

ابن غازي عند قول المصنف: "ولو عاد إليه قبل". انتهى. قوله: اثنان في المقذوف بنفي النسب الخ فيه نظر، لما يأتي من أن المعتمد في الرقيق إذا كان أبواه حرين مسلمين حد قاذفه بنفي النسب، وقوله: واثنان في المقذوف فيه نظر أيضا؛ إذ الشرط أحدهما لاهما معا. انظر البناني.

حرا مفعول "قذف" فلا حد على مكلف رمى رقيقا، مسلما صفة لحرا فلا حد على قاذف كافر، وأما من قذف عبدا مسلما بنفي نسب فلا حد عليه ما لم يكن أبواه حرين مسلمين فيحد لهما. وقولى:"حرا مسلما بنفي نسب" قال الشبراخيتي: قال في الشرح: وظاهره ولو كان الأب عبدا أو كافرا وهو كذلك كما يفيده كلام ابن الحاجب، وكذا كلام المدونة وهو واضح إن قذفه، وأما لو قذف أباه النصراني أو العبد فلا حد عليه. انتهى.

وفي الرهوني بعد جلب النقل ما نصه: فَتَحَصَّلَ أن المعتمد فيما إذا كان أبواه -يعني العبد- حرين مسلمين هو الحد، وتعارض الترجيحان فيما إذا كان أبوه فقط حرا مسلما فيترجح حده لكونه مذهب ابن القاسم في المدونة، وعدم حده لكونه قول عبد الملك وأشهب في أحد قوليه، وقول اللخمي فيه إنه الصحيح من المذهب والأحسن من الأقاويل، وإذا كانت أم العبد حرة مسلمة فقد ذكر اللخمي فيها تخريجا على هذا الخلاف، فقال: ويختلف إذا كانت الأم حرة مسلمة فقياس قول ابن القاسم لا حد عليه لأنه قاذف للأب، وعلى القول الآخر يحد لأنه قذف أمه. انتهى. أي وهي حرة مسلمة.

بنفي نسب متعلق بقذف يعني أنه إذا قذف أي رمى مكلفا حرا مسلما بنفي نسبه فإنه يحد أي يجلد ثمانين جلدة إن كان القاذف حرا، وإن كان رقيقا جلد القاذف أربعين بشرط أن يكون نفيه لنسبه عن أب دنية أو جد لأب وإن علا، كقوله: لست ابن فلان أو ليس فلان جدك، واحترز بذلك عما إذا نفى نسبه لأمه فإنه لا حد عليه، كما قال: لا إن نفى نسبه عن أم لأن الأمومة محققة وإنما عليه الأدب فقط، وأما الأبوة فثابتة بالحكم والظن فلا يعلم كذبه في نفيه فتلحقه بذلك معرة، ولذلك لو نسبه إلى الكفر فإنما عليه الأدب فقط، وقولي: أو جد لأب ظاهر لأن نفي النسب عن الأم إذا كان غير معتبر فنفيه عن أبيها أولى بعدم الاعتبار، وأما لو قال: لست ابن

ص: 478

فلان وهو جده لأبيه فإنه يحد، ولو قال: أردت لست ابنه من الصلب لأن بينك وبينه أبا فلا يصدق. قاله في المدونة.

ومحل حد القاذف بنفي النسب عن أب أو جد إذا كان نسب المقذوف معلوما، كما قال: ولا إن نبذ يعني أنه إذا قذف المنبوذ أي المطروح أي الذي طرح فلم يدر له أب ولا أم، ونفى نسبه عن أب معين كلست ابن فلان أو نفى نسبه مطلقا كيا ولد زنى فإنه لا يحد كما قال اللخمي، وقال ابن رشد في هذه الأخيرة: يحد بخلاف الأولى لأنه لا يلزم من كونه منبوذا كونه ولد زنى، وَقَوْلُ مالك في العتبية إذا قال للمنبوذ: يا ابن الزانية لا حد عليه ويؤدب لأن أمه لم تعرف. انتهى. هو ليس من القذف بنفي النسب، ومحل قوله:"ولا إن نبذ" ما دام منبوذا، فإن استلحقه أحد ولحق به انتفى أنه منبوذ وحد قاذفه حينئذ. أو زثى عطف على "نفي" أي قذف المكلف حرا مسلما بزنى يوجب على القاذف المكلف ثمانين جلدة إن كان القاذف حرا، وأربعين إن كان القاذف عبدا بهذه الشروط: إن كلف المقذوف يعني أن القذف إنما يوجب الحد على القاذف بشرط أن يكون المقذوف مكلفا حيث كان المقذوف ذكرا، وعف أي ويشترط في حد القاذف بالزنى أن يكون المقذوف قد عف أي كف عن وطء يوجب الحد أي عفَّ عن زنى أو لواط قبل أن يقذف وبعده، لإقامة الحد على قاذفه كما في ابن عرفة، فإن زنى بعد أن قذف وقبل إقامة الحد لم يحد قاذفه، والعفاف هو أن لا يكون قد حُد هو في الزنى ولا يثبت عليه الزنى، وشمل الحد صورتين: الأولى أن يكون تاركا للوطء رأسا، الثانية أن يكون مرتكبا لوطء لا يوجب الحد كوطء بهيمة؛ إذ هو فيها عفيف عما يوجب الحد.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: ومما يدخل في منطوق المصنف فيحد القاذف ما إذا كان المقذوف بالزنى يطأ الأجنبية بين الفخذين، ومفهوم المصنف صورة واحدة وهي ما إذا كان المقذوف لا يعف عن الوطء الموجب للحد كالزنى واللواط.

بآلة متعلق "بكلف" كما للشبراخيتي؛ يعني أن القاذف إنما يحد إذا رمى شخصا بالزنى حيث كان المقذوف ذا آلة حالة التكليف يطأ بها احترازا عن المجبوب أو مقطوع الذكر، فإنه لا حد على قاذفه بالزنى إن قيد ذلك بما بعد إزالة الآلة، فإن قيد زناه بما قبل قطعها حد على ما

ص: 479

يظهر. قاله عبد الباقي. الرهوني: قال اللخمي: وإن كان جبابه بعد بلوغه حد. انتهى. تأمله تجده نصا فيما توقف فيه عبد الباقي، والباء في قوله:"بآلة" للملابسة.

وبلغ أي إنما يحد القاذف حيث كان المقذوف بالغا، وأتى بهذا بعد استفادته من "كلف" ليفيد أنه أي التكليف خاص بالذكر، فقوله:"وبلغ" أي المقذوف الذكر، بدليل قوله: كإن بلغت الوطء يعني أن المقذوف إذا كان أنثى لا يشترط في حد قاذفه بالزنى أن يكون مكلفا، وإنما يشترط في ذلك أن تكون المقذوفة قد بلغت أن توطأ بمعنى أطاقته فيحد قاذفها، وإن لم تبلغ بثمان عشرة أو الحلم إلى آخره، وقوله:"كإن بلغت الوطء" هو المشهور، بخلاف من لم تطق الوطء فلا حد على راميها. وفي التوضيح: والظاهر أن اشتراط البلوغ في اللواط إنما هو في حق الفاعل، وأما المفعول فلا يشترط ذلك في حقه وهو أولى من البنت في ذلك، يريد للحوق المعرة. انتهى. ولعل وجه الأولوية أنه ليس محلا للفعل شرعا، فالمعرة فيه أقوى بخلاف المطيقة. وأما قوله: للحوق المعرة فمشترك. أو محمولا بالحاء المهملة واليم عطف على "كإن بلغت الوطء" يعني أن قاذف المحمول يحد والمحمولون هم المسبيُّون وهذا ظاهر حيث نفى نسبه مطلقا، بأن قال له: يا ولد زنى وفي بعض النسخ أو مجهولا بالجيم والهاء أعم من المحمول، فيشمل المسبي والغريب وهذا ظاهر إن نَّفاه مطلقا. وقال عبد الباقي: أو محمولا بحاء مهملة فميم، والمحمولون هم الذين يرسلهم السلطان لحراسة، وفي بعض النسخ: أو مجهولا بجيم وهاء أي مسبيا: وعلى كل إن حمل على أنه قذفه بنفي نسب عن أب معين كان معطوفا على "إن نبذ"، فلا حد وإن حمل على أنه قذف بنفي نسب مطلقا كان معطوفا على:"كإن بلغت الوطء" أي أو كان المقذوف محمولا فيحد قاذفه، كإن قال له يا ولد زنى على قول ابن رشد في المنبوذ لا على قول اللخمي فيه، فلا يحد في المحمول أيضا حيث قذف كلا بنفي النسب ويحد إن رماه بالزنى. انتهى. ويأتي الكلام إن شاء اللَّه على تحقيق هذا الكلام وعلى تحقيق قوله إن نبذ عند قول المصنف يوجب ثمانين في التنبيه الثامن.

وإن ملاعنة يعني أن القاذف بالزنى يحد، وإن كان المقذوف ملاعنة يصح فتح العين وكسرها، وابنها الواو بمعنى أو؛ يعني أن القاذف بنفي النسب يحد وإن كان المقذوف بذلك الملاعنة؛ بأن قال له يا ابن زنى، قال عبد الباقي: وإن قذف ملاعنة وابنها، الواو بمعنى أو مبالغة في الحد

ص: 480

أي يحد من قذف ملاعنة بأنها زانية أو ابنها بأنه ليس لأبيه الذي لاعن لصحة استلحاقه، وإنما حد قاذف الملاعنة بأنها زانية ولم يحد قاذف المحدود في الزنى لأنها لم يثبت عليها الزنى إذ قابلت شهادته بشهادتها، ألا ترى أن توأميها يتوارثان على أنهما شقيقان؟ وأنه لو استلحقه لحق به، وحد من حد في الزنى لا يقابل شهادة الرجل عليها بالزنى، ثم الإشارة من الأخرس قائمة مقام التصريح في الأمرين: نفى النسب والزنى. انتهى.

أو عَرَّضَ عطف على المبالغة، لرد قول أبي حنيفة والشافعي، أو على قذف من عطف الفعل على الاسم؛ يعني أن التعريض بالقذف كالتصريح به فإنه يوجب الحد على القاذف بأحد الأمرين، كقوله: أما أنا فلست بزان أو لست بلائط، وكقوله: أما أنا فمعروف النسب. غير أب فاعل "عرض"؛ يعني أن التعريض إنما يحد به غير الأب، فإذا عرض الأب بقذف ولده ولم يصرح فإنه لا حد عليه، وإنما يكون التعريض بالقذف كالتصريح به. إن أفهم العرض القذف بتعريضه بالقرائن، وأما إن صرح الأب بقذف ولده فله حده على ما مشى عليه المصنف فيما يأتي من قوله:"وله حد أبيه وفسق"، واحترز بقوله:"إن أفهم" عما إذا لم يفهم. عبد الوهاب. واختلف في اللفظ المحتمل للقذف والشتم إلى أيهما، قوله على قولين. اللخمي: إن صرح بالقذف أو عرض به حد، ولابن رشد بلفظ القذف أو عرض عوقب وإن أشكل الأمر حلف وعوقب، واختلف إن نكل هل يحد أو لا؟ يوجب خبر عن قوله:"قذف" كما مر، ثمانين مفعول يوجب، جلدة تمييز، وإيضاح معنى المصنف على سبيل الاختصار أن تقول: قذف المكلف ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا للحر المسلم، ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، فاسقا أو غير فاسق بنفي نسب عن أبيه أو جده المعلوم ثبوت نسبه يوجب على القاذف ثمانين جلدة حيث كان القاذف حرا، ولو نفى نسبه عن أمه لم يحد لأن الأمومة محققة، ودليل قولي: المعلوم ثبوت نسبه، قوله:"ولا إن نبذ" فإن المنبوذ لا يحد قاذفه بنفي نسبه عن أب معين، ولا بنفيه عن أب مطلقا على ما للخمي. وقال ابن رشد: يحد إذا نفى نسبه مطلقا، وكذا يحد القاذف المكلف، ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا إذا قذف بالزنى حرا مسلما ذكرا، بشرط أن يكون المقذوف بالغا ذا آلة عفيفا عن وطء يوجب عليه الحد، لا مجبوبا ولا مقطوع الذكر أو أنثى بشرط أن تكون

ص: 481

مطيقة للوطء عفيفة عن وطء يوجب الحد، ولا بد أيضا أن تكون حرة مسلمة، ويحد القاذف بالزنى وإن كان المقذوف به ملاعنة، ويحد القاذف بنفي النسب وإن كان المقذوف به ابن الملاعنة، وسواء في جميع هذا كان القذف تصريحا أو تعريضا، بشرط أن يفهم من التعريض القذف، وبشرط أن يكون العرض غير أب ويحد الأب في التصريح على ما للمصنف.

وقولي: المعلوم ثبوت نسبه مُخرج للمحمول والمجهول كالمسبي فلا حد على قاذفه بنفي نسب عن أب معين، ويحد إن قذفه بنفي نسب عن أب مطلقا على ما لابن رشد لا على ما للخمي. واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيهات:

الأول: قال عبد الباقي: قذف المكلف ولو سكران أو حربيا ببلد الإسلام عند ابن القاسم، وقال أشهب: لا حد عليه. قاله في التوضيح. وانظر هذا، وقد قال ابن عرفة في باب الردة: وكان يَجْرِي لنا في التدريس مناقضة قولها في الكتابين بقولها في كتاب القذف: وإذا قذف حربي في بلاد الحرب مسلما ثم أسلم الحربي بعد ذلك أو أسر فصار عبدا لم يحد للقذف، ألا ترى أن القتل موضوع عنه؟ انظر أحمد. انتهى. قوله: أو حربيا ببلد الإسلام الخ، قال البناني: ليس في التوضيح تقييد محل الخلاف بكون القذف وقع في بلد الإسلام، وعلى عدم التقييد تأتي المعارضة ويجاب عنها بتقييد الخلاف ببلد الإسلام: قال العوفي: الفرق بين الحربي يقذف أو يسرق أو يفعل شيئا ببلد الحرب، وبين المستأمن يفعل ذلك ببلد الإسلام أن دار الحرب قد ثبت من حيث الجملة أن شبهتها قوية، بل شبهة عدم الاستيمان قوية ألا ترى أن العدو يملك ما يكسب منا حتى لو أسلم عليه كان مالكا له، والمستأمن بخلافه وأقوى الاحتجاج ما احتج به في الكتاب من إجماع الأمة. انتهى. نقله الطخيخي.

الثاني: قال عبد الباقي: "قذف المكلف" مصدر مضاف لفاعله، ومفعوله وهو المقذوف قوله:"حرا مسلما" لوقت إقامة الحد، فإن ارتد لم يحد قاذفه ولو رجع للإسلام، ودخل في كلامه قاذف نفسه على ما يأتي في قوله:"وكإن قال أنا نَغِلٌ" فإذا قذف نفسه بقطع نسبه حد، وأما بالزنى فإقرار به يؤخذ به، فإن رجع لم يحد. انتهى. قوله: ودخل في كلامه قاذف نفسه الخ، قال البناني: الصواب إخراجه من التعريف كما أخرجه منه ابن عرفة؛ لأن قاذف نفسه بقطع

ص: 482

النسب لم يحد لأجل قذفه نفسه، إنما حد لأجل أمه، وأما إخباره عن نفسه بالزنى فقال ابن عبد السلام: إنه لا يسمى في العرف قذفا، قال: وإن كان قد جاء عن بعض المخالفين أن المقر بالزنى إذا رجع عن إقراره يحد لقذفه نفسه ولكنه شذوذ عند الفقهاء لا يعرج عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: وخرج بقوله: "حرا" قاذف عبد مسلم بنفي نسبه فلا حد عليه، إلا أن يكون أبواه حرين مسلمين فيحد لهما، وكذا إن كان أبوه حرا مسلما وأمه كافرة، أو أمة عند ابن القاسم، قال: لأنه حمل أباه على غير أمه. انتهى. وتوقف فيه مالك لاحتمال أنه حمل غير أبيه على أمه، فإنما قذف كافرة أو أمة، ووجه قول ابن القاسم أنه قذف حرا مسلما وهو الأب، وشمل كلام المصنف قذف أمة حاملة من سيدها الحر بعد موته قبل وضعها بأنها حاملة من زنى فيحد في مذهب مالك، وعند ابن القاسم لا حد لاحتمال انفشاش الحمل. قاله في تكميل التقييد. ويفهم منه اتفاقهما على الحد حيث لم ينفش. انتهى. قوله: إلا أن يكون أبواه حرين مسلمين الخ، هو المعتمد، ومقابله عزاه اللخمي لأشهب، وقوله: وكذا إن كان أبوه حرا مسلما وأمه كافرة أو أمة عند ابن القاسم الخ، قال البناني: هذا مذهب المدونة، وفي ذلك قولان آخران أحدهما قول أشهب في الموازية: إنه قذف للأم بأنها زنت وأتت به من غير الأب: يعني فلا حد، والآخر لسحنون عن أشهب أنه ليس قذفا لواحد منهما لاحتمال أنها لقطته. قال اللخمي: وأحسن الأقوال قول من قال إن انقطاعه من قبل الأم لأنه مقصد الناس. انتهى. وقد مر قول الرهوني بعد جلب أنقال ما نصه: فَتَحَصَّلَ أن المعتمد فيما إذا كان أبواه. -يعني العبد- حرين مسلمين هو الحد، وتعارض الترجيحان فيما إذا كان أبوه فقط حرا مسلما فيترجح حده إلى آخر ما مر.

الثالث: قوله: "حرا مسلما بنفي نسب عن أب أو جد" ولو كان الأب عبدا أو كافرا كما في المدونة، وأما لو قذف أباه النصراني أو العبد فلا حد عليه، فقولُ بعض: قوله حرا مسلما ما لم يكن أبواه رقيقين أو كافرين. انتهى. مخالف لما في المدونة، مع أنه صرح بما يوافقها بعد. انتهى. قال البناني: مراده بالبعض هنا هو الخرشي لأنه هو الذي قال ذلك ولم أره لغيره. انتهى. وكذا هو في الشبراخيتي وهو جدير بالرد. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: ولا إن نبذ أي طرح فلم يدر له أب ولا أم، ونفى نَسَبَه عن أب معين كلست ابن فلان، وأما لو نفى نسبه

ص: 483

مطلقا كيا ابن الزانية ويا ابن الزاني ويا ولد زنى فإنه يحد لأنه لا يلزم من كونه منبوذا كونه وَلَدَ زنى وَقولُ مالك في العتبية: إذا قال للمنبوذ يا ابن الزانية فلا حد عليه ويؤدب لأن أمه لم تعرف: ضعيفٌ. انتهى. قال البناني: ولا إن نبذ أي فلا يحد قاذفه بنفي النسب، وفيه صورتان: الأولى أن ينفيه عن أب معين كلست ابن فلان ولا حد عليه في هذا اتفاقا، الثَّانِيَةُ أن يقول له يا ولد زنى وفيها قولان. قال اللخمي: لا يحد، وقال ابن رشد: يحد لاحتمال أن يكون نبذ [لشدة]

(1)

ومعلوم أن قول ابن رشد هو المقدم وظاهر المصنف خلافه، فينبغي استثناء هذه من كلام المصنف، وأما لو قال له: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية فهو قذف بزِنًى أبويه لا بنفي النسب فلا حد عليه اتفاقا، وعلله ابن رشد بجهل أبويه، وقال ابن عاشر: والعلة أن المنبوذ لا يكون إلا ابن زنى كما قال مالك، وليست العلة الجهل بأبيه وأمه لأن اللقيط كذلك، والنص أنه يحد قاذفه بذلك. انتهى. لكن هذا يقتضي ترجيح قول اللخمي من القولين السابقين، ولا تدخل هذه الصورة في كلام المصنف؛ إذ ليس فيها قذف بنفي النسب وكلامنا فيه خلافا لما في التوضيح ومن تبعه، وبه تعلم ما في كلام الزرقاني والخرشي هنا. واللَّه أعلم. انتهى كلام البناني. وقال الرهوني: قول الزرقاني وقول مالك في العتبية إذا قال للمنبوذ يا ابن الزانية الخ غير صحيح، وقد أشار البناني إلى رده بقوله آخرا، وبه تعلم ما في الزرقاني الخ، وبحكاية الاتفاق على أنه لا حد عليه في قول القائل له يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية فتأمله، وقول البناني: ومعلوم أن قول ابن رشد هو المقدم الخ نحوه للتاودي، ونصه: ومن قواعدهم إذا تعارض كلام ابن رشد واللخمي قدم الأول. انتهى. يعني بالأول ابن رشد، وفيما قالاه نظر لأن تلك القاعدة إنما هي في قوليهما لا نقليهما كما هو معلوم مع علته، وأما في نقليهما فلا، والدرك على التاودي أشد لأنه صرح قبل بأن ما للخمي منقول لا من رأيه؛ إذ قال ما نصه: واعلم أن من قال للمنبوذ يا ابن زنى أو لا أب لك، فنقل اللخمي عن مالك في المبسوط وعن ابن حبيب في الواضحة وعياض عن ابن القاسم أن لا حد عليه وعلى هذا جرى المؤلف، وقول ابن رشد: عليه الحد لاحتمال أن يكون [من شدة]

(2)

وإن

(1)

في البناني ج 8 ص 86 لرشدة.

(2)

في الرهوني ج 8 ص 125 لرشدة.

ص: 484

كان قد نبذ. انتهى. فكيف يقال بعد هذا ما قيل؟ فقول البناني بعد لكن هذا يقتضي ترجيح قول اللخمي من القولين السابقين يقال عليه وهو كذلك مع أنه ليس من قوله فقط، وانظر الحطاب فإنه يفيد أن ما للخمي هو مراد المصنف وأنه الراجح. انتهى.

الرابع: الناس محمولون على العفاف حتى يثبت القاذف خلافه، قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لم يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} . الآية. انظر الحطاب. وقول عبد الباقي: وعلى المقذوف إثبات العفاف الخ غير صحيح. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم.

الخامس: لو أقر شخص بالزنى فقذفه آخر ثم رجع لم يحد قاذفه فإقراره يواخذ به وينفعه رجوعه فيما يتعلق به من نفي حد الزنى لا فيما يتعلق بغيره بسببه، كحد قاذفه فإنه منفي. انتهى. فاله عبد الباقي. وقال: والظاهر أنه إذا قذف خنثى مشكلا بالزنى بفرجه الذكر أو في فرجه الذي للنساء فلا حد عليه؛ لأنه إذا زنى بهما فلا حد عليه، وإن رماه بأنه أُتِيَ في دبره حد راميه لأنه إذا زنى به حُدَّ حَدَّ الزنى لا حد اللواط. قاله علي الأجهوري. وقوله:"حد الزنى" أي لأنه يقدر أنثى فيكون، كقوله:"أو إتيان أجنبية بدبر" لِدَرْءِ الحد بالشبهة لا حد اللواط بتقدير ذكورته. انتهى. قوله: والظاهر أنه إذا قذف خُنثى مشكلا الخ اقتصر ابن يونس وعبد الحق على أنه إن زنى بذكره لا يحد وإن وُطئ في فرجه كان عليه الحد، ونقله أبو الحسن ولم يحك غيره. انظر البناني.

السادس: قد مر أن العفاف هو أن لا يكون قد حد في الزنى ولا ثبت عليه الزنى. قاله البناني. وقال: هذا هو ظاهر نصوص المذهب عند ابن عبد السلام والتوضيح وابن عرفة، خلاف ما قاله ابن الحاجب وابن شأس من أن العفاف أن لا يكون معروفا بمواضع الزنى. انظر التوضيح. والحطاب. ونص ابن عرفة: وعفاف المقذوف الوجب حد قاذفه مسائل المدونة وغيرها واضحة بأنه السلامة من فعل الزنى قبل قذفه وبعده ومن ثبوت حده لاستلزامه إياه. انتهى.

السابع: قال عبد الباقي: وانظر من رمى مطيقة بالزنى ومطيقا بلواط، وكان قد حصل ذلك من كل منهما قبل القذف، هل يحد لأن كلا منهما لم يحصل منه وطء يوجب الحد وهو الظاهر أو لا يحد؟. انتهى. وفي الميسر: وإن زنت مطيقة أو فعل بمطيق فالظاهر عند علي الأجهوري أن من

ص: 485

رماهما بذلك حدت وما قاله غير ظاهر لأنه لم يفتر عليهما ودَرْء الحد أولى. وفي الحديث: (إذا وجدتم للمسلم مخرجا فادرءوا عنه الحد)

(1)

، وقد جعل ابن رشد القذف قسما من ذِكْرِ المسلم يما ليس فيه، ويأتي في قوله:"زنيت مكرهة" أنه إن أثبت الإكراه لم يحد. انتهى. وتعقبه علي الأجهوري ظاهر لا مرية فيه، فقول عبد الباقي: هل يحد وهو الظاهر غير ظاهر. واللَّه تعالى أعلم.

الثامن: قد مر للمصنف أن المنبوذ لا يحد قاذفه بنفي نسب، وأن المحمول يحد قاذفه بنفي النسب وكذا المجهول ولا بد من الكلام على تحقيق ذلك، فأقول معترفا بالتقصير معتصما باللطيف الخبير: المنبوذ هو الذي طرح عند ولادته فلم يعلم له أب ولا أم ولم يستلحقه أحد، فإنه لا يحد من نفاه عن أب بأن قال له: لا أب لك أو يا ولد زنى لقول مالك: ما يعلم منبوذ إلا ولد زنى، ولابن حبيب مثله نقله اللخمي عنهما. وهذا هو المعتمد كما مر. وقال ابن رشدة إن من قذفه بأبيه وأمه لا يحد، وأما إن قال له يا ولد زنى فإنه يحد لاحتمال أنه لرشدة أي لغير زنى وهو خلاف المعتمد كما عرفت. قال الحطاب: قال ابن حبيب: من قذف المنبوذ بأبيه وأمه لم يحدد، وقد قيل: المنبوذ من نبذ عند ما ولد، والشأن إنما يفعل بما ولد عن زنى، ولمالك في المبسوط مثله فيمن قال لرجل يا منبوذ، قال: ما نعلم منبوذا إلا ولد زنى، وأرى على من قال ذلك الحد. فقول المصنف:"ولا إن نبذ" الذي يظهر من معناه أن من نفى منبوذا عن أب أو جد لا حد عليه، ولا إشكال في ذلك لأنه لا أب له ولا جد إذ لا نسب له، هذا إن كان معناه أنه قال لست ابن فلان، وأما إن كان معناه أنه قال له لا أب لك أو يا ولد زنى فهذا يأتي على ما ذكره اللخمي عن مالك في المبسوط وعن ابن حبيب، وما حكاه عياض عن ابن القاسم وإن كان خلاف ما ذكره ابن رشد في البيان وحكاه عنه ابن غازي، وأما ما ذكره الشارح والمحشي في تفسير كلام المصنف وأن معناه إذا قال لمنبوذ يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية فَبَعِيدٌ لأن كلام المصنف في النفي عن النسب لا في قذف أبي المنبوذ أو أمه. انتهى.

(1)

سنن البيهقي، ج 8 ص 238.

ص: 486

وأما لو نفى المنبوذ عن أب معين كلست ابن فلان: أو قال له يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية فلا حد على القاذف في المسألتين اتفاقا، وعلله ابن رشد بجهل أبويه أي قوله: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية، وتُعُقِبَ بأن العلة كون المنبوذ لا يكون إلا ابن زنى كما قال مالك؛ لأن اللقيط كذلك. والنص أنه يحد قاذفه بذلك؛ أي من قال للقيط يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية حد كما نص عليه ابن رشد، فظهر من هذا أن العلة كون المنبوذ لا يكون إلا ابن زنى لا الجهل بأبويه لمساواته للقيط في ذلك، فلو كان الأمر كما قال لَسَقط الحد عن من قال للقيط يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية، مع أنه لا يسقط عنه، واللقيط هو من التقط من الصغار في الشدائد والجلاء، وقد يطلق على اللقيط أنه منبوذ، وأما المحمول وهو السبي فقال في التوضيح: المحمول بالحاء والميم المسبي لا حد على من نفاه من أبيه أو قال له يا ولد زنى. قاله أشهب. لأن المحمولين لا تثبت أنسابهم ولا يتوارثون بها. انتهى. وهو خلاف قول ابن رشد: يحد من قذفه بأبيه وأمه. قاله ابن حبيب في الواضحة. نقله ابن غازي. انتهى. قال الرهوني: قول البناني: وفي التوضيح: المحمول بالحاء والميم المسبيّ لا حد على من نفاة الخ كلامه يوهم أنه في التوضيح اقتصر على قول أشهب أو رجحه، وأنه لم يذكر كلام ابن رشد وليس كذلك، ونص التوضيح: وفي بعض النسخ المحمول بالحاء والميم ليحترز به من المسْبيِّين فإنه لا حد على من نفاة من أبيه، أو قال يا ولد زنى. قاله أشهب. قال: لأن المحمولين لا تثبت أنسابهم ولا يتوارثون، وَسُئِلَ في العتبية عن الرجل الغريب يقال له يا ابن الزانية وهو لا يرى، قال مالك: أرى أن يضرب الحد إذا كان رجلا مسلما وقد يقدم الرجل البلد فيقيم بها سنين من أهل خراسان فيقذفه الرجل ويقال أقم البينة على أن أمك حرة مسلمة. مالك: ما أرى ذلك عليه ولكن أرى أن يضرب من قذفه والظالم أحق بالحمل عليه، قال في البيان: وهذا أبين لأن أم الحر المسلم محمولة على الإسلام والحرية حتى يعلم خلاف ذلك. انتهى.

وفي الرهوني عقب هذا ما معناه: وإنما يحد إذا قال له يا ابن الزانية إذا كانت أمه ماتت أو كاتبة بعيدة الغيبة، فإن كانت قريبة الغيبة فلا يحد لها إلا بعد الإعذار وهو خلاف ظاهر المدونة، ففيها: وإذا قذفت ميتة أو غائبة فقام بحدها ولد أو أخ أو أخت أو جد أو عم أو أب،

ص: 487

فأما في الموت فيمكن من ذلك وأما في الغيبة فلا. انتهى. محمد بن يونس: قال ابن القاسم: لا يقوم بذلك ولد ولا غيره وإن طالت الغيبة وقاله أصبغ، وقد قيل للولد القيام في الغيبة البعيدة ويحد لهم وليس لهم ذلك في القريبة، ويكتب إلى المقذوف. انتهى المراد منه. وقال البناني: وأما المجهول فهو أعم من المحمول فيشمل المسبيَّ والغريب. انتهى.

والحاصل أن المجهول من لقيط وغريب ومسبي ومنبوذ من نفى نسبه عن أب معين لا حد عليه، فإن نفى نسبه مطلقا لم يحد في المنبوذ على الراجح، ومقابله لابن رشد: عليه الحد وحد في اللقيط والمسبي والغريب، وكذا يحد في قذف واحد من الثلاثة بأبيه وأمه بأن قال له: يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية، ولا حد على من قال للمنبوذ يا ابن الزاني أو يا ابن الزانية اتفاقا، وقال أشهب: لا حد على من نفى المحمول من أبيه أو قال له يا ولد زنى، وقال الشبراخيتي: لا حد على من قذف الذين يرسلهم السلطان لحياطة أي حراسة أو لسد ثغر أو لنحو ذلك، ولا على من قذف لقيطا أو مسبيا بنفي نسب عن أب معين، وأما عن أب غير معين فالحد في الثلاثة كما لو قذفهم بالزنى. انتهى. ثم قال عن ابن غازي: وأما اللقيط والمحمول فيحد من قذفه بأبيه وأمه أي بسبب أبيه وأمه، بأن قال له، يا ابن الزاني والزانية، والفرق بين اللقيط والمنبوذ أن المنبوذ من وجد بفور ولادته لا بزمن شدة ونحوها، وإنما يفعل ذلك فيمن ولد من زنى وأن اللقيط من وجد صغيرا لا بفور ولادته، والغالب أنه إنما يكون كذلك في زمن شدة ونحوها وأن رميه لذلك. واللَّه ولي التوفيق. والهادي إلى سواء الطريق.

التاسع: من أمر عبده أو أجنبيا أن يقذف رجلا أو يبلغه القذف ففيه ست صور: الأُولَى والثّانِيَةُ أن يقول لعبده أو لأجنبي اذهب إلى فلان وقل له فلان يقول لك كذا يا ابن الفاعلة، وقال له ذلك فإن قامت له بينة أنه أمر بذلك حد الآمر وإلا حد البلغ. قاله الْوَانُوغِيُّ. الثالثة والرابعة أن يقول لعبده اقذف فلانا أو قل له يا ابن الفاعلة، فإن قامت بذلك بينة حدا وإلا حد العبد وحْدَه، الخامسة أن يقول لأجنبي اقذف فلانا فقذفه فالحد على الأمور وعلى الآمر النكال، السَّادِسَة أن يقول لأجنبي قل له يا ابن الفاعلة فقال له ذلك فالحد عليهما إن ثبت أن الآمر قال له ذلك وإلا حد القاذف فقط. انتهى. قال جميعه الشبراخيتي. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 488

العاشر: قال عبد الباقي: ومحل حد قاذف الملاعنة حيث كان القاذف غير زوج أو زوجا ثم قذفها بغير ما لاعنها به، وأما لو قذفها بما لاعنها به فلا يحد، وإذا قال لابنها يا منفي أو يا ابن الملاعنة أو يا ابن من لوعنت فلا حد عليه، فإن قال له: لا أبالك، حد إن كان على وجه المشاتمة لا الإخبار، كقوله: أبوك نفاك إلى لعان. وإن قال لابن غير الملاعنة: يا منفي، حد. انتهى. وقد مر قول المصنف:"أو عرض غير أب" قال عبد الباقي: والمراد بالأب الجنس الشامل للأجداد والجدات، سواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم، فالجد من قبل الأم كالجد من قبل الأب. انتهى. تبع الأجهوري في هذا، قال الرماصي: وانظر ما يساعده من النقل فإن الذي في عبارة الأئمة التوضيح وابن عرفة وغير واحد: الأب. ابن محرز: ومن عرض لولده بالقذف لم يحد لبعده عن التهمة في ولده. انتهى. قال البناني: قلت: التعليل بالبعد عن التهمة يفيد ما قاله الأجهوري لوجود العلة في الأجداد والجدات. انتهى. الرهوني: قلت ما قاله الأجهوري صحيح لا يتوقف فيه ويشهد له تصريح غير واحد بالاحتجاج بسقوط القصاص، ففي المنتقى بعد ذكره سقوط الحد في تعريض الأب ما نصه: قال ابن حبيب عن ابن الماجشون عن مالك: وهذا كما قلنا إنه لا يقتل به على وجه لو قتل به الأجنبي لقتل. انتهى. وفي ابن عرفة: قال ابن محرز في كتاب اللعان: من عرض لولده بالقذف لم يحد لبعده عن التهمة في ولده، ولذا لم يقتل به إلا أن يتبين عمدا، وعزاه الشيخ في القذف لابن الماجشون ومرة لمالك، والجد مساو للأب في سقوط القصاص كما هو مصرح به في المدونة وغيرها، فتعليلهم المذكور يفيد أن مرادهم بالولد ما يشمل الولد دنية وولد الولد، ومما يقطع النزاع كلام المدونة وأبي الحسن عليها في صريح القذف، ونصها: ومن قذف ولده أو ولد ابنه أو ولد ابنته فقد استشكل مالك أن يحد لولده، وقال: ليس ذلك من البر. قال ابن القاسم: وأنا أرى إن قام على حقه أن يحد له ويجوز في ذلك عفوه عند الإمام وكذلك وَلَدُ الْوَلَدِ، ولا يقاد من أب أو جد في نفس أو جارحة وتغلظ عليهم الدية إلا في العمد البين، مثل أن يضجعه فيذبحه أو يشق جوفه. انتهى. أبو الحسن: انظر قوله: أو ولد ابنته، جعل الجد من قبل الأم كالجد من قبل الأب؛ لأنه كالأب يحرم عليه ما نكح إلى آخر ما جلب، ثم قال: فلو وقف مصطفى على هذا لما اعترض عَلَى عَلِيٍّ الأجهوري. واللَّه أعلم. انتهى.

ص: 489

وقال عبد الباقي عند قوله "أو عرض" ما نصه: أو عرض بالقذف بأحد الأمور الثلاثة المتقدمة وهي الزنى واللواط ونفي النسب عن الأب أو الجد غير جنس أب كالصريح إن أفهم القذف بتعريضه بالقرائن كخصام ولو زوجا لزوجته، كإن قال: ما أنا بزان، فكأنه قال: يا زاني أو قال أما أنا فلست بلائط، فكأنه قال يا لائط أو قال أما أنا فإني معروف النسب، فكأنه قال له: أبوك ليس بمعروف فيترتب على ذلك وجوب الحد ولا فرق في التعريض بين النظم والنثر. انتهى.

‌فرع:

قال الحطاب: قال في التوضيح: لا حد على من قذف مجنونا إذا كان جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه لا تتخللَّه إفاقة. اللخمي: لأنه لا معرة عليه لو صح فعل ذلك منه، وأما إن بلغ صحيحا ثم جن أو كان يُجَنُّ ويُفِيقُ فإن قاذفه يُحَدُّ، وكذلك المجبوب إذا كان جبه قبل بلوغه لأنه يعلم كذب قاذفه فلم تلحقه معرة، وإن كان جبه بعد بلوغه حُدَّ وكذلك الحصور الذي ليس معه آلة النساء، وقول المدونة في الرجم: يحد قاذف المجنون، يحمل على المجنون الذي يُفيق أحيانا. انتهى.

‌فرع:

قال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: إذا قذف حر عبدا أو نصرانيا، فطلب العبد تعزير قاذفه فليس للعبد في مثل هذا تعزير، وَيُنْهيَ قاذفه أن يؤذيه، فإن كان رجلا فاحشا معروفا بالأذى عزر وأدب عن أذى العبد وغيره. انتهى. وقال في النوادر: يؤدب قاذف العبد والكافر لإذايته له. انتهى.

‌فرع:

إذا قال شخص لولده: لست بولدي، فإن أراد أنه في قلة طاعته له ليس كالأولاد حلف على ذلك وأنه لم يرد النفي عن النسب ولا شيء عليه، وإن نكل أو أراد نفي نسبه كان في كلامه قطع نسب الولد وقذف لأمه: فأما قطع نسب الولد فالراجح أنه لا يحد لولده، ويظهر ذلك من مسألة كتاب القذف من المدونة فيمن قال لبنيه ليسوا بولدي، ويدل له أيضا أنه لم يجعل على اْلأَبِ أَحَدٌ حَدًّا فيما إذا انتفى من حمل أمته ثم استلحقه، وسيأتي في الكلام على قول المصنف وله حد أبيه وَفُسِّقَ أنه مشى على القول الضعيف، وعلى القول بأنه يحد لقذف ولده ويفسق فإنه يجوز عفوه عنه ولو بلغ الإمام، قال اللخمي: ولا خلاف في ذلك، وأما قذف الأم فإن كانت حية

ص: 490

كان لها القيام بذلك، وإن كانت ميتة كان لولدها القيام به، فإذا قام به الولد لم يجز عفوه بعد بلوغ الإمام. انتهى.

‌فرع:

فإذا كانت الأم حية لم يكن للولد القيام إلا بطلب من الأم، وكذلك كل من وجب له حد من قذف وهذا بخلاف الأب. انتهى.

‌فرع:

لو قذفه بالزنى ثم أثبت أنه زنى في حال الصبا أو في حال الكفر لم ينفعه؛ لأن هذا لا يثبت عليه اسم زنى، بخلاف ما إذا ثبت عليه أنه زنى في حال رقه فإن اسم الزنى لازم له، وهذا مستفاد من قول المصنف:"وعَفَّ عن وطء يوجب الحد" ولو قذف رجلا فارتد المقذوف لم يحد قاذفه ولو رجع إلى الإسلام، كمن قذف رجلا بالزنى فلم يحد له حتى زنى المقذوف فلا يحد قاذفه. نقله ابن عرفة عن المدونة. ومنه يعلم أنه إذا ثبت على المقذوف زنى فلا حد على قاذفه، ولو قذفه بزنى غير الزنى الذي ثبت عليه. قاله الحطاب.

‌فرع:

لو قذف معروفا بالظلم والغصب والسرقة وشرب الخمر وأكل الربى والقذف لحُدَّ له إذا كان غير معروف بوطء يوجب الحد.

‌فرع:

قد علمت أنه إذا قال لحر مسلم وهو ابن كافرين أو رقيقين يا ابن الزاني أو الزانية لا حد عليه، ويحد إذا قال له يا ابن زنية ويستثنى من هذا الصحابي، فإن من قذف أم أحدهم وهي كافرة حُدَّ حَدَّ الفرية؛ لأنه سب له فمن قام به من المسلمين فعلى الإمام قبول قيامه. قاله ابن شعبان. وقال: وإن قال في واحد منهم يا ابن زانية وأمه مسلمة حد عند بعض أصحابنا حدين؛ حَدًّا له وحدًّا لأمه ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة لفضل هذا على غيره.

‌فرع:

قال في النوادر: قال مالك: ومن قذف من جُلِدَ في زنى لم يحد. قاله ابن القاسم. ويؤدب بإيذائه للمسلمين. انتهى. وقال أيضا: من قذف إنسانا ثم أثبت أنه حد فسقط الحد عن القاذف فلا بد من أدبه لإذايته للقاذف. انتهى. نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي عند قول المصنف: "أو عرَّض غير أب إن أفهم" ما نصه: ويدخل فيه الشاعر إذا عَرَّض في شعره. انتهى. وقوله: "عرَّض"، قال الشبراخيتي: معطوف على المصدر الصريح وهو قذف أي قذفه أو تعريضه، وهذا أنسب من عطفه على "ملاعنةٍ"، ووجه عطفه على ما في حيِّزها الإشارة لرد قول الشافعي وأبي

ص: 491

حنيفة بعدم الحد، والأحسن عطفه على مقدر أي قذفه بأن صرح أو عرض، وعلى هذا فيكون كلامه مفيدا لكون القذف على قسمين، وأما على الأول فربما يفهم أن التعريض غير القذف لأن العطف يقتضي المغايرة. انتهى المراد منه.

ولو كرره لواحد يعني أنه إذا قذف شخص شخصا مرة أو مرتين أو مرارا فإنما عليه حد واحد، قال المواق: أبو عمر: من قذف إنسانا واحدا مرارا حد له حدا واحدا، أو جماعة يعني أنه إذا كرر القذف لجماعة أو قذفهم بكلمة واحدة مرة نحو يا زناة فإنما عليه حد واحد، وقول المصنف:"ولو كرره لواحد" يفيد وجود الخلاف فيه لتعبيره بلو المشار بها لرد الخلاف المذهبي مع أنه أنكر ذلك على ابن الحاجب، كما أنكره ابن عرفة وغيره وهو حقيق بالإنكار، بل كلام المتيطي وغيره يفيد أنه لا قائل بذلك حتى خارج المذهب، فلو قال المصنف: اتحد أو كرره ولو لجماعة لَسَلِمَ من ذلك. قاله الرهوني. وقال عبد الباقي: وفي المدونة: من قذف جماعة في مجلس أو مفترقين في مجالس شتى عليه حدٌّ واحد، فإن قام به أحدهم وضرب له كان ذلك الضرب لكل قذف كان عليه، ولا حد لمن قام منهم بعد ذلك. انتهى. قوله عن المدونة: في مجلس أو مفترقين في مجالس الخ أي في كلمة واحدة أو كلمات. ابن الحاجب: ولو قذف قذفات لواحد أو جماعة فحد واحد على الأصح، وثالثها إن كان بكلمة واحدة. انتهى. التوضيح: الأصح مذهب المدونة والقول الثاني حكاه ابن شعبان، فقال: ومن أصحابنا من قال: يحد بعدد من قذف سواء كان متفرقا أو بكلمة واحدة. انتهى.

وتعقب بأن ظاهره ثبوت الأقوال في الواحد وليس كذلك. بل مر أن في كلام المتيطي وغيره ما يفيد أنه لا خلاف فيه حتى خارج المذهب، وأما الجماعة ففيها ثلاثة أقوال، لكن لم يعزه المتيطي إلا لابن أبي ليلى فإنه قال: وهذا موضع اختلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال: أحدها قول مالك ومن قال بقوله أن عليه حدًّا قذفهم في كلمة واحدة أو متفرقين في مجالس شتى وهو مذهب أبي حنيفة فإذا قذف الرجل جماعة فحُدَّ لأحدهم فذلك الحد لكل قذف تقدم قام طالبوه أو لم يقوموا عند مالك وأصحابه، حاش المغيرة فإنه قال: إن قام طالبوه متفرقين حد لكل واحد منهم، ثم قال: والثاني قول الشافعي أن عليه الحد لكل واحد منهم قذفهم في كلمة واحدة أو متفرقين في

ص: 492

مجالس شتى، والثالث قول ابن أبي ليلى التفرقة بين أن يقذفهم في كلمة واحدة أو مجالس شتى. انتهى.

‌تنبيه:

قال الرهوني في ابن يونس: قال أصبغ: وقد جلد النبي صلى الله عليه وسلم الذين خاضوا في أمر عائشة رضي الله عنها كل واحد حدا واحدا، ولو كان على ما قاله المخالف لجلد كل واحد منهم حدا لعائشة رضي الله عنها وحدا للذي رموه بها. انتهى. فسلم ابن يونس هذا الاستدلال، وقد بحث فيه اللخمي، فقال بعد ذكره الأقوال الثلاثة المتقدمة في كلام ابن عرفة، واحتج من نصر القول الأول بحديث الإفك في حسان ومسطح، والذي تولى كبره وهو: عبد اللَّه بن أبي بن سلول أنهم حدوا حدا واحدا، وليس السؤالان واحدا لأن القذف في حديث الإفك شيء واحد، والكذب على عائشة رضي الله عنها كذب على صفوان، والكذب على صفوان كذب على عائشة رضي الله عنهما، ولو قذف رجل رجلا بامرأة سماها وطولب بالمخرج فعجز لَحُدَّ حدا واحدا بغير خلاف؛ لأن عجزه عن الرجل عجز عن المرأة فإذا حد لأحدهما ارتفعت المرة عنه وعن الآخر، ولو اعترف بالكذب لأحدهما كان اعترافا للآخر وليس كذلك إذا قذف رجلا ولم يسم المرأة، أو قذف امرأة ولم يسم الرجل الذي رماها به لأن عجزه عن أحدهما ليس عجزا عن الآخر ولا حده له حدا للآخر، وكذلك الجماعة إذا قذفهم وحُدَّ لأحدهم لا ترتفع المعرة عن الآخرين ولا يقال إنه حد لهم، وأرى أن يحد لكل أحد حدا، وسواء كان قذفهم معا أو متفرقا، وسواء كان قيامهم معا أو متفرقا. انتهى.

وتَحَصَّل مما مر أنه يحد للجماعة حَدًّا واحدا قذفهم بكلمة واحدة كيا زناة أو قذفهم بأكثر، كإن قال لهم: يا زناة ثم قال لهم بعد ذلك: يا زناة أو قال لهذا زنيت، ثم قال لآخر زنيت وهكذا، وأنه رد بلو قول المغيرة فإنه قال: إن قام طالبوه متفرقين حد لكل واحد منهم. قاله المتيطي. وقال في التوضيح: قال ابن شعبان: ومن أصحابنا من قال يحد بعدد من قذف سواء كان متفرقا أو بكلمة واحدة، وبقي هنا بحث وهو أن المصنف جعل محل الخلاف حيث كرر القذف بجماعة، وقد قال ابن شعبان: ومن أصحابنا من قال يحد بعدد من قذف سواء كان متفرقا أو بكلمة واحدة. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 493

إلا بعدد أي بعد الحد يعني أن محل الاكتفاء بحد واحد في تكرير القذف إنما هو حيث كرر القذف قبل الحد، وأما إن كرره بعد أن أقيم عليه الحد فإنه يعاد عليه، قال الشبراخيتي: إلا أن يكون تكراره بعده أفي الحد فيعاد عليه الحد على الأصح، ولا فرق في التكرير بين التصريح به أولا بأن يقول بعد الحد ما كذبت عليه، ولقد صدقت لأنه قذف مؤتنف. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. وقال. فإن كرره بعد أكثره كمل الأول وابتدئ الثاني، وإن كرره قبل مضي أكثره ألغي ما مضى وابتدئ لهما كما يأتي له ما يدل عليه. انتهى.

‌تنبيه:

حد القذف لا يندرج في القتل؛ يعني يحد للقذف ثم يقتل سواء كان القتل لردة كما قدمه المصنف أو لغيرها كحرابة أو قصاص أو زنى من محصن، ولو كان المقذوف مقتولا للقاذف فيحد له ثم يقتل بعد ذلك لحصول المرة في ترك الحد في القذف. انتهى. قاله الشبراخيتي. ونحوه لعبد الباقي، وعبارته: ولا يندرج حد قذف في قتل لردة كما قَدَّمَ أو لغيرها، كحرابة أو زنى لمحصن أو قصاص للحوق المرة ولو كان القتول ظلما هو المقذوف فيحد له قاذفه ثم يقتل. انتهى.

وَنِصْفهُ عَلَى الْعَبْدِ يعني أن العبد ذكرا أو أنثى إذا قذف شخصا فإنه يجلد نصف جلد الحر القاذف، فيجلد أربعين جلدة هذا هو المشهور المعول عليه، وأجْرِ الشروطَ السابقةَ يا فتى. قال الشبراخيتي: ويُوجِبُ نصْفَه أي الحد وهو أربعون على العبد، كان ينبغي له أن يقول على الرق أي القن الخالص أو من فيه شائبة حرية وإن قل ما فيه من الرق ذكرا كان أو أنثى ويعتبر كونه كذلك حين القذف، وإن تحرر قبل إقامة الحد عليه كما هو النقل ونظيره ولا ينقل العتق لعدة الحرة، وأما إذا قذفه وهو عبد فتبين أنه حين القذف حر أو عكسه فإنه يعمل على ما تبين. انتهى. ونحوه لعبد الباقي.

‌تنبيهان:

الأول: قال عبد الباقي: ونصفه على العبد أي الشخص العبد ذكرا أو أنثى القاذف لغيره ولو حرا. انتهى المراد منه. قال الرهوني: قال التاودي: الصواب إسقاط هذا الإغياء إذ لا محل له. انتهى. وهو واضح. واللَّه أعلم. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: الذي

ص: 494

يظهر أن لها محلا وهو حيث كان المقذوف عبدا بل ولو حرا، والمراد العبد المقذوف بنفي نسب وأبواه حرانِ مسلمانِ كما قدمه الرهوني نفسه وغيره. واللَّه تعالى أعلم.

الثاني: قال الرهوني: ما اقتصر عليه المصنف اقتصر عليه ابن الحاجب، قال في التوضيح: وفي كتاب ابن شعبان: على العبد ثمانون واختاره اللخمي. انتهى. ونص اللخمي: ويحد النصف من حد الحر، وقال ابن شعبان: يحد ثمانين وهو أبين؛ لأن الحد مبني على حرمة المقذوف وهو حق لآدمي، فلا ينقص منه العبد إذا انتهك حرمة الحر. انتهى. وفي نهاية المتيطي: وحد العبد في القذف على النصف من حد الحر وهذا قول مالك وفقهاء الأمصار وأكثر الفقهاء، وروي ذلك عن جماعة الخلفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وروي عن ابن مسعود: يجلد في القذف ثمانين، ثم قال: قال بعض الشيوخ: ولعمري إن من أوجب على العبد في القذف ثمانين جلدة كما تجب على الحر لهو أشبه بالقياس، إلا أن جل أهل العلم على أن للعبد في القذف أربعين قياسا على حد الزنى وهو قول الراشدين المهديين، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)

(1)

. انتهى.

ثم شرع في بيان الصيغ التي توجب الحد وهي على قسمين: تعريض وتصريح، وبدأ بالأول فقال: كلست بزان بضم التاء أو فتحها؛ يعني أنه إذا قال لشخص أنا لست بزان أو أنت لست بزان فإن ذلك تعريض مُفْهِمٌ يوجب الحد على القائل ذلك لأنه قذف، قال الشبراخيتي: كلست بزان بضم التاء إذا قاله لغيره في مشاتمة. انتهى. وقال عبد الباقي: كلستُ بضم الفوقية وفتحها. انتهى. وقال التتائي: كلست بزان أو زنى فرجك أو يدك أو رجلك ونحوه في المدونة. وزاد اللخمي: أو زنت عينك، وقال أشهب: لا حد عليه، وقال المواق: ابن شأس: لو قال زنى فرجك فهو فاذف وكذلك لو قال زنت عينك أو يدك فإنه يحد عند ابن القاسم، ورآه من التعريض. انتهى. وقال التتائي: وذهب أشهب لعدم الحد واختاره جماعة لإضافته صلى الله عليه وسلم الزنى إلى هذه الأعضاء، ثم قال: والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، فأخبر أن زنى هذه

(1)

سنن أبى داوود، كتاب السنة، رقم الحديث، 4607. سنن الترمذي، كتاب العلم، رقم الحديث، 2676.

ص: 495

الأعضاء كلا زنى. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي: أو زنت عينك أي العضو المخصوص أو يدك أو رجلك، فإن أراد بالعين الذات فمن التصريح كزنى فرجك. انتهى. واستحسن اللخمي قول ابن القاسم الذي مر عليه المصنف: قال: إلا أن يقوله بعد نظره محرما أو مسه له أو سعيه فيه وادعى أنه أراد ذلك، فإنه يحلف ولا يحد. ووقع في شرح عبد الباقي: أو زنت عينك أي العضو المخصوص أو يدك أو رجلك، ولو قاله له عقب نظره محرما أو مسه أو مشيه له. انتهى. المراد منه. قوله: ولو قاله له عقب نظره محرما الخ، قال البناني: فيه نظر، فإن هذا خلاف تقييد اللخمي الذي اعتمده في التوضيح على قول ابن الحاجب، وفي مثل زنت عينك أو رجلك قولان لابن القاسم وأشهب، ونصه: فقول ابن القاسم في المدونة وجوب الحد والخلاف مبني [على أنه]

(1)

هل هو من التعريض أم لا؟ واستحسن اللخمي قول ابن القاسم، قال: إلا أن يكون بأثر ما تكلم بباطل أو بطش بذلك، أو سعى فيه وادعى أنه إنما أراد ذلك فإنه يحلف ولا يحد. انتهى.

أو مكرهة يعني أن من قال لامرأة: زنيت مكرهة يكون قاذفا لها فيحدُّ إن لم يكن زوجا ويلاعن الزوج. قال الشبراخيتي: أو قال لامرأة: زنيت وذكر معه ما يرفع عنها الحد، فقال: مكرهة، حد للأجنبية ما لم يثبت الإكراه ولاعن لزوجته، قال الزرقاني: وانظر لو قال لها أكرهت على الزنى، هل هو كذلك أم لا؟ قال في الشرح: قلت: الظاهر أنه ليس كذلك، إذ في زنيت نسبتها للزنى ثم أتى بما يرفع معرتها، بقوله: مكرهة ولا كذلك. قوله: أكرهت على الزنى. انتهى.

وقال عبد الباقي: أو قال لامرأة أجنبية زنت مكرهة وكذبته، سواء قامت قرينة على أن قصده نسبتها للزنى أو لم تقم، فإن قامت على أن قصده الاعتذار عنها لم يحد فإن قال لها: أكرهت على الزنى حد إن قامت قرينة على أن قصده نسبتها له فإن لم تقم بشيء أو قامت قرينة بالاعتذار فلا حد. كذا ينبغي في جميع ذلك. فإن قال لزوجته: زنيت مكرهة فإنه يلاعن وإلَّا حُدَّ لها إلا أن يقيم بينة بالإكراه فلا حد عليه. انتهى. قوله: إلا أن يقيم بينة بالإكراه فلا حد عليه،

(1)

ساقط من الأصل والمثبت من البناني ج 8 ص 88.

ص: 496

قال البناني: هذا يرجع للزوجة وغيرها، قال في المدونة: ومن قال لزوجته زنيت وأنت مستكرهة، أو قال ذلك لأجنبية فإنه يلاعن للزوجة ويحد للأجنبية، وإن جاء في هذا ببينة لم يحد وإن لم يلحقها اسم الزنى لأنه لم يرد إلا أن يخبر بأنهما [وطئتا]

(1)

غصبا. انتهى. وفي أبي الحسن أن مسألة المكرهة معارضة لقول المدونة: من قال لأجنبية زنيت وأنت صبية أو أنت نصرانية، أو قال ذلك لرجل فعليه الحد، فإن أقام بذلك بينة لم ينفعه ذلك وحُدَّ لأن هذا لا يقع عليه اسم زنى. انتهى. فجعله في المكرهة إذا أثبتت البينة لا يحد وإن لم يسم زنى، وفي مسألة وأنت صبية أو نصرانية يحد وإن أثبت وإن لم يسم زنى، وهذا هو النقض وجود العلة ولا حكم، فَقَالَ: الفَرْقُ بينهما أنه في الاستكراه علم أنه لم يرد إلا أن يخبر بأنهما وطئتا غصبا؛ إذ هذا [حديث]

(2)

عظيم يتحدث به فيحمل على الإخبار لا على القذف، وفي الأخرى لا يتحدث بزنى أهل الصغر والكفر. انتهى. والقائل في مسألة الإكراه بعدم الحد إن قامت به بينة هو ابن القاسم، والقائل بالحد وإن قامت بينة في مسألتي الصبية والنصرانية هو ابن القاسم أيضا، وخالفه عبد الملك وأشهب قالا: لا يحد إن أثبته. واللَّه تعالى أعلم.

أو عفيف الفرج يعني أنه إذا قال لشخص أنا أو أنت عفيف الفرج في مشاتمة فإن ذلك تعريض مفهم يوجب الحد على قائله إن استوفيت الشروط المتقدمة، فإن لم يكن في مشاتمة لم يحد، فإن أسقط الفرج أدِّبَ كما يأتي له. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: أو قال في مشاتمة إني أو أنا أو أنت عفيف الفرج، ومثله إذا قال ما يطعن في فرجي بشيء. انتهى. وقال المواق: الباجي: من قال في مشاتمة إنك لعفيف الفرج حد. انتهى. أو لعربي ما أنت بحر يعني أن من قال لعربي ما أنت بحر يكون قاذفا له بذلك، فيحد له بالشروط التي مرت لأنه نفى نسبه. قال عبد الباقي: أو قال لعربي حر مسلم وهو من يتكلم بالعربية سَجِيَّة من العرب العرباء أو المستعربة وإن طرأت عجمته: ما أنت بحر حد لأنه نفى نسبه. انتهى. وقال الشبراخيتي: "أو قال لعربي"

(1)

في الأصل وطئتها والمثبت من بناني ج 8 ص 88.

(2)

كذا في الأصل والذي في البناني ج 8 ص 88 حادث.

ص: 497

المراد به من يكون نسبه في العرب لا من يتكلم باللغة العربية. انتهى. وقال المواق من المدونة: من قال لعربي: يا مولى أو يا عبد أو يا رومي حد. انتهى.

أو يا رومي يعني أنه إذا قال لعربي يا رومي فإنه يعد بذلك قاذفا له لأنه نفى نسبه، قال الشبراخيتي: أو قال له يا رومي أو يا نبطي أو يا بربري أو يا قبطي حد لأنه قطع نسبه إذ معناه ليس أبوك عربيا. انتهى. وقال عبد الباقي: أو قال لعربي يا رومي أو يا فارسي وما أنتبه ذلك لأنه قطع نسبه. انتهى. كأن نسبه لعمه يعني أنه يحد إذا نسب شخصا لعمه لأنه قطع نسبه عن أبيه فيحد، بخلاف ما لو نسبه إلى جده فلا حد، قال الشبراخيتي: كإن نسبه لعمه أو خاله أو زوج أمه، فقال له: يا ابن فلان وفلان عمه فيحد إذ لا بُنُوة له عليه حقيقة، بخلاف ما لو نسبه لجده فلا حد، وسواء كان جده لأبيه أو لأمه لأنه كالأب فيصدق في نسبته لجده، لقوله تعالى:{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} . انتهى. وقال عبد الباقي: بخلاف نسبه إلى جده أو أمه لأن الجد يسمى أبا، وسواء كان في مشاتمة أم لا وهو قول ابن القاسم: كإن قال لفارسي أو رومي: يا عربي فلا حد عليه لأنه لم يقطع نسبه إذ هو لا يحفظه كالعرب، ولأنه إنما وصفه بصفات العرب من الشجاعة والكرم. انتهى. وقال محمد بن الحسن البناني: بخلاف جده هذا قول ابن القاسم في المدونة. وقال أشهب: يحد. ابن عرفة: قال محمد: وقول ابن القاسم: أحب إلي إلا أن يعرف أنه أراد القذف مثل أن يُتَّهَمَ الجد بأمه ونحوه. انتهى. ومثل ذلك في التوضيح. انتهى. وقال التتائي: بخلاف جده في مشاتمة أو غيرها، وقال أشهب: يحد في الشاتمة. انتهى.

وكأن قال أنا نغل يعني أن الشخص إذا قال عن نفسه أنا نغل بكسر الغين المعجمة أي فاسد النسب، من نغل الأديم بالكسر أتي فسد حُدَّ، قال ابن شأس: من قال لرجل يا نغل حد لأنه قذف أمه، ولو قال الرجل عن نفسه أنا نغل حد لأنه قذف أمه ومقتضى كلام المصنف أن قوله:"أنا نغل" وما بعده من التعريض وليس كذلك؛ إذ قوله ولد زنى من الصريح قطعا، وأما الأول فمن التعريض على ما يفيده كلام ابن شأس ومن وافقه، وذكر الزبيدي أن النغل ولد الزانية وعليه فيكون من التصريح. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وكان قال معرضا بشخص أنا نغل بكسر الغين المعجمة أي فاسد النسب. انتهى. وقال البناني: ابن عرفة: اللفظة بالنون

ص: 498

والغين المعجمة. الجوهري: نغل الأديم بالكسر أي فسد فهو نغل ومنه قولهم فلان نغل إذا كان فاسد النسب. ابن الحاجب: ولو قال أنا نغل أو ولد زنى حد لقذف أمه. ابن عبد السلام: استدلاله على وجوب الحد بأنه قاذف لأمه ظاهر، ولكن طرد هذا أن من قال لرجل يا ولد زنى أو أنت ولد زنى ثم عفا المقول له ذلك عن القاذف أن للأم القيام بحقها في القذف. ابن عرفة: وهذا اللازم حق وهو مقتضى قول المدونة: من قال لعبده وأبواه حران مسلمان لست لأبيك ضرب سيده الحد. انتهى.

أو ولد زنى يعني أنه إذا قال: أنا أو أنت ولد زنى فإنه يحد لقذفه الأم في المسألتين. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وكأن قال معرضا بشخص أنا نغل أو أنا ولد زنى فيحد لأنه قذف أم المعرض به فلها القيام ولو عفا هو، فإن لم يعف حد لأمه وعوقب له. انتهى. قوله: وعوقب له، قال الرهوني: كتب عليه شيخنا الجنوي ما نصه: فيه نظر ظاهر بل هو فاسد؛ لأن الواجب الحد مع حد الأم فلا يعاقب. انتهى. وهو واضح جلي. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي: وكلام ابن شأس ومن وافقه يفيد أن هذا من التعريض وهو ظاهر حتى في الثاني، لأنه لم يخاطبه، نعم إن قال يا نغل أو يا ولد زنى فمن الصريح، كقوله لنفسه من غير تعريض: أنا نغل أو ولد زنى أو نسب نفسه لبطن أو عشيرة غير بطنه وعشيرته فيحد لأنه قذف أمه بحمل غير أبيه عليها، إلا في انتساب للنبي صلى الله عليه وسلم فيؤدب فقط كما تقدم، وإن وجدت العلة في انتسابه له أيضا لأن قصده به الشرف لا حمل غير أبيه على أمه، ومثل نغل نذل بذال معجمة أي منسوب للزنى.

ومن الصريح قوله: أو كيا قحبة يعني أنه إذا قال: يا قحبة أي يا زانية فإن ذلك من القذف الصريح فيحد قائله بالشروط الماضية، قال عبد الباقي: ومن الصريح قوله: أو كيا قحبة وهي الزانية، قال ذلك لأجنبية أو لزوجته، ومثل ذلك: يا فاجرة أو يا عاهرة والخطاب كله لأنثى، وينبغي أن مثلها الذكر ولو كبيرا جدا لاحتمال رميه بالابنة، ويحتمل عدم حده لدرء الحد بالشبهة وهو أظهر. انتهى. قوله: ومثل ذلك يا فاجرة الخ يعني إذا كان في العرف قصر هذا اللفظ على الزنى كما يأتي له، وإلا فلا حد فيه كما يأتي للمصنف. وبه يندفع قول مصطفى: لم

ص: 499

يذكر الشارح في شروحه ولا شامله لفظ الفاجرة هنا في وجوب الحد ولا المصنف في التوضيح ولا ابن عرفة ولا المدونة، وإنما فيها ما ذكره المصنف من قوله: يا ابن الفاسقة أو الفاجرة وأنه لا حد فيه. انتهى.

وقال الشبراخيتي: أو كيا قحبة أو يا فاجرة أو يا عاهرة حد، وإنما أعاد الكاف تنبيها على أن هذا اللفظ صريح بخلاف نغل، وكان الأنسب بالاختصار حذف حرف النداء، وقحبة من القحب وهو في اللغة الرجل والبعير الذي طعن في السن، ويطلق على المكر والخديعة، يقال: رجل قحب أي ماكر خداع: وكانت العرب تدعوا على الفاجرة بالقحاب، والرأى أي السعال والقيح في الرئة أطْلِقَ على الزانية لأنها تسعل وتنحنح ترمز بذلك لمن يريدها. انتهى.

وقال الحطاب: قال في القاموس: والقحب المسن والعجوز قحبة، والذي يأخذه السعال وقد قحب كنصر قحبا وقُحَابًا، وقحب تقحيبا وسعال قاحب شديد، والقحبة الفاسدة الجوف من داء والفاجرة لأنها تسعل وتنحنح أي ترمز به وبه قحبة أي سعال. انتهى. وفي الصحاح: القُحاب سعال الخيل والإبل والقحبة كلمة مولدة. انتهى. وفي كتاب الأفعال عن طريق القرطبي: قحب الشيء قحابا: سعل، ومنه سعال قاحب. وأصل القحاب فساد الجوف، فقد يكون اشتقاق القحبة من القحاب الذي هو فساد الجوف، وقد يكون أيضا من القحاب الذي هو السعال لأنها تستعمل السعال علامة بينها وبين الذي يسافحها، وأهل اليمن يسمون المرأة المسنة قحبة. انتهى.

أو قرنان يعني أنه إذا قال لرجل يا قرنان فإن ذلك قذف، قال ابن القاسم: من قال لرجل يا قرنان جلد لزوجته إن طلبته لأن القرنان عند الناس زوج الفاعلة. انتهى. وقال عبد الباقي: معناه صاحب الفاعلة كأنه يقرن بينه وبين غيره على زوجته، فالحد لزوجته إن طلبت ذلك. انتهى.

وقال الشبراخيتي: زوج الفاعلة كأنه يقرن الرجال الأجانب بزوجته فيحد للمرأة ويؤدب للزوج، مأخوذ من القران وهو الجمع بين الرجال والنساء، وكذلك قرن وقران ومعرص وطحان. قال القرافي: والمدار على الدلالة العربية وقرنان ليس بمنصرف للوصفية وزيادة الألف والنون. انتهى.

ص: 500

وقال التتئاءي: أو قال لرجل يا قرنان حد لزوجته إن طلبته لأنه عند الناس زوج الفاعلة، وفي اللخمي: إن لم تكن له زوجة عوقب له وإن كانت عوقب له وحُدَّ لها.

أو يا ابن منزلة الركبان يعني أنه إذا قال لشخص: يا ابن منزلة الركبان فإن ذلك قذف لأمه فيحد لها؛ يعني أن الركبان ينزلون عندها لحاجتهم الفاسدة، قال في الذخيرة: لأن المرأة في الجاهلية كانت إذا طلبت الفاحشة أنزلت الركبان. البساطي: كأنه قال له يا ابن الخَانِيَّة أي كأن منزلها صار خانا للناس. انظر التتائي وغيره. وقال عبد الباقي: أو يا ابن منزلة الركبان لأنه نسب أمه إلى الزنى؛ لأن المرأة كانت في الجاهلية إذا أرادت الفاحشة أنزلت الركبان.

أو ذات الراية يعني أنه إذا قال له يا ابن ذات الراية أي العلامة للنزول فإن ذلك قذف لأمه، فيحد لها قال في الذخيرة: لأنه كان في الجاهلية على باب البغي راية: قال المواق: قال الباجي: من قال يا ابن منزلة الركبان ففي الواضحة يحد، وكذلك من قال يا ابن ذات الراية وذلك أنه كان في الجاهلية المرأة البغي تنزل الركبان وتجعل على بابها راية. انتهى.

وضابط هذا الباب الاشتهارات الرفية والقرائن الحالية، فيختلف الأمر باختلاف الأعصار والأمصار، فمتى فهم القذف حُدَّ وإِلَّا فَلَا. واللَّه تعالى أعلم. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: أو قال لآخر يا ابن ذات الراية لأنه عرض لأمه بالزنى؛ لأن المرأة كانت في الجاهلية تنزل الركبان وتجعل على بابها راية أي علامة لأجل النزول. انتهى. وقوله: "أو يا ابن منزلة الركبان أو ذات الراية". اعلم أنه لأجل أن الضابط في ذلك العرف والقرائن الحالية لا يحد اليوم من قال ذلك إلا من أفهم القذف، ونقل غير واحد عن القرافي ما نصه: وضابط هذا الباب الاشتهارات العرفية والقرائن الحالية، فمتى فُقِدَا حَلَف أو وجد أحدهما حُدَّ، وإن انتقل العرف وبطل بطل الحد. انتهى.

أو فعلت بها يعني أنه إذا قال: فعلت بها أي بامرأة عينها واعتذر لإرادة دفع الحد، بقوله: في عكنها جمع عكنة كغرفة وغرف وهي الطي الذي في البطن فإنه يحد، وكذا لو قال: جامعتها بين فخذيها فإنه يحد عند ابن القاسم خلافا لأشهب. قاله الشبراخيتي. وغيره. وقال عبد الباقي: أو قال لامرأة فعلت بها في عكنها لأن ذلك أشد من التعريض، جمع عكنة كغرف وغرفة

ص: 501

وهي طيات السمن، ولا يخالف الأخير ما في شهود الزنى من أنه إذا قال ثلاثة: رأيناه كالمرود في الكحلة حُدُّوا حيث قال الرابع رأيته بين فخذيها، وعوقب فقط لحمل ما هنا من حده على ما إذا قاله في مشاتمة، فإن قاله على وجه الشهادة عوقب فقط. قاله ابن مرزوق. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: في كلامه إشارة إلى أن قوله: رأيته بين فخذيها، كقوله:"فعلت بها في عكنها" ويدل على ذلك قول الشبراخيتي: إن مثل فعلت بها في عكنها، قوله: جامعتها بين فخذيها. واللَّه تعالى أعلم. وفي الميسر: أو فعلت بها في عكنها أي طيات البطن لأنه تعريض خلافا لأشهب، هذا إن قاله في مشاتمة، فإن قاله في شهادة أدب. انتهى.

لا إن نسب جنسا لغيره يعني أنه إذا نسب جنسا لغيره فإن ذلك لا يكون قذفا فلا حد عليه، كقوله: لفارسي: يا رومي أو يا حبشي أو لبربري يا فارسي أو يا حبشي، وقوله:"لا إن نسب جنسا لغيره" يعني اتفاقا إن نسب أبيض لمثله، كالفرس والبربر والقبط، أو أسود لمثله كالحبشة والنوب، بل ولو نسب أبيض لأسود أو أسود لأبيض. وقال عبد الملك: يحد إلا أن يقول لرجل من البيض وهو أسود أوله أب أسود: يا نوبي. قاله في الميسر. وأطلق المصنف الجنس على المصنف لأن الإنسان نوع من الحيوان وتحته أصناف، فالرب صنف والروم صنف والبربر صنف، وهكذا. قاله الشبراخيتي. وهذا إنما هو باعتبار اصطلاح المناطقة. واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: إن لم يكن من الرب شرط فيما قبل المبالغة وفيما بعدها؛ يعني أنه إذا نسب جنسا لغيره فإنه لا حد عليه هذا إن لم يكن المقول له ذلك من الرب، وأما إن كان المقول له ذلك من العرب فإنه قذف يحد به، فإذا قال شخص لعربي: يا رومي أو يا فارسي أو يا حبشي، أو قال لمضري يا وائلي أو لوائلي يا مضري فإنه يحد لذلك، سواء كان العربي من جنس أبيض ونسبه إلى بيض أو نسبه إلى جنس أسود، وكذا لو كان من جنس أسود ونسبه إلى أبيض أو أسود فيحد أيضا، قال عبد الباقي: لا إن نسب أي أسند، وأضاف جنسا من غير العرب لغيره ولو أبيض لأسود فلا حد عليه إن لم يكن من العرب شرط فيما قبل المبالغة وما بعدها، فإن نسب واحدا منهم لغيره حد ولو تساويا لونا، وظاهره ولو قصد بقوله: للعربي يا رومي أو يا بربري أي في البياض والسواد في مشاتمة أم لا، وظاهره ولو كان المنسوب له قبيلة أخرى من العرب وهو كذلك في النقل،

ص: 502

وظاهره ولو نسبه لأعلى من قبيلته إلا في الشرف وأراد بالجنس العُرفيّ؛ لأن المصنف نوع من الحيوان وتحته أصناف، فالعرب صنف والروم صنف والبربر صنف وليس المراد ما يعطيه ظاهره من أنه نسب جنسا لجنس آخر، كقوله: الفُرْسُ بَرْبَرٌ أو روم. انتهى. وقال التتائي: من قال لحبشي يا رومي محل حده على القول به إن لم يكن له جَدٌّ أو أب أبيض، فإن كان له أب أو جد أبيض فلا حد: وكذا لو قال لمن هو من جنس البيض يا نوبي فإنه يحد على هذا القول إن لم يكن له أب أو جد أسود، فإن كان له أب أو جد أسود فلا حد وقد مر ذلك أول الحَلّ. واللَّه تعالى أعلم.

وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن البناني عند قوله "لا إن نسب جنسا لغيره": قال ابن رشد: الرب تحفظ أنسابها، فمن نسب واحدا منهم إلى غير جنسه بل إلى غير قبيلته حُدَّ، بخلاف من نسب غيرهم لغير جنسه أو قبيلته فإنه لا يحد؛ لأنه لا يتحقق أنه قطعه عن نسبه إذ لعله في نفس الأمر كذلك. انتهى. وليس معنى كلام ابن رشد أن غير العرب لا يتحاشون عن الزنى فإنه طعن في فرق المسلمين من فرس وبربر وروم وغيرهم والواقع يكذبه، فإنه لا يرضى ذلك من المسلمين إلا فساقهم، ولا فرق بين الرب وغيرهم وإنما معناه أن الرب يعتنون بمعرفة أنسابهم جعل اللَّه ذلك سجية فيهم، فتجد الواحد منهم يعد من الآباء العشرة أو أكثر وليس في ذلك كبير مزية على غيرهم؛ إذ هو علم لا ينفع وجهالة لا تضر كما في الرسالة وغيرها.

قال الشيخ زروق: إنما يكون كذلك إذا كان تقيا وإلا فعلمه يضر وجهالته تنفع، قال الحافظ بن حجر: والظاهر حمل ما ورد من ذمه على التعمق فيه وإلا فتعلم ما يعرف به الرحم ليوصل والمحارم لتجتنب في النكاح محمود مأمور به، والعرب لم يقتصروا على هذا القدر فترتب هذا الحكم على تعمقهم في ذلك. انتهى. نقله الشيخ ابن زكري رحمه اللَّه تعالى. انتهى.

أو قال مولى لغيره: أنا خير منك يعني أنه إذا قال مولى أي معتق لغيره حر الأصل: أنا خير منك، فإنه لا حد عليه لأن وجوه الخيرية قد تكون في الدين وفي الخلق والخلق، وهذا هو الأصح. وقيل يحد ولو دل بساط على إرادة النسب لحد، ولا خلاف أنه يحد إذا قال أنا خير منك نسبا. قال عبد الباقي: أو قال مولى أي معتق بالفتح أنا خير منك فلا حد عليه؛ إذ ليس فيه قذف ولا

ص: 503

تعريض لأن الخيرية تصدق بالخيرية في الدين أو الخلق أو بالمجموع أو نحو ذلك، إلا أن يكون في الكلام دلالة على أن الخيرية في النسب فيحد، كما إذا قال أنا خير منك نسبا. انتهى. وقال البناني: أو قال مولى لغيره أنا خير منك. ابن عرفة: وكذا لو [كانا]

(1)

ابني عم. قاله أحدهما لصاحبه. انتهى. ابن الحاجب: ولو قال ابن عم أو مولى لعربي أنا خير منك فقولان. انتهى.

التوضيح: أي لو قال ابن عم [لعمه]

(2)

أنا خير منك أو قال ذلك مولى لعربي فقولان ذكرهما ابن شعبان، واختار الوجوب فيهما والأقرب خلافه؛ لأن الأفضلية قد تكون في الدين أو الخلق أو المجموع إلى غير ذلك إلا أن يدل البساط على إرادة النسب. انتهى.

وقولي: حر الأصل قلته تبعا لعبد الباقي. الرهوني: ظاهره كان عربيا أم لا وقول عبد الباقي: إلا أن يكون في الكلام دلالة على الخيرية في النسب الخ، ظاهره سواء كان الحر بالأصالة عربيا أم لا مع أنه في التوضيح إنما قاله فيما إذا كان عربيا، فإنه قال عند قول ابن الحاجب: ولو قال ابن عم أو مولى لعربي أنا خير منك فقولان ما نصه: أي لو قال ابن عم لابن عمه: أنا خير منك، أو قال ذلك مولى لعربي فقولان ذكرهما ابن شعبان، واختار الوجوب فيهما والأقْرَبُ خلافه لأن الأفضلية قد تكون في الدين أو في الخلق أو المجموع إلى غير ذلك إلا أن يدل البساط على إرادة النسب. انتهى. ونحوه للشارح، إلا أنه قال: والأظهر خلافه بدل قول التوضيح: والأقرب خلافه، ففي تفسير الزرقاني الغير بالحر من غير تقييد بأنه عربي مع تقييده بما ذكر، مخالفة لكلام الناس. وقد قال جسوس بعد نقله كلام التوضيح والشارح ما نصه: وإن كان مراده بالغير من ليس من العرب ولكنه حر بالأصالة فلم أر من أجرى فيه القولين، وإنما فيه الأدب فتطلب النص في ذلك انتهى منه بلفظه. وهو واضح. واللَّه أعلم.

‌تنبيه:

قال الرهوني: شَرَحَ المواق كلام المصنف بقوله. ابن شعبان: لو قال مولى لغيره أنا خير منك حد. انتهى. ولم يزد على هذا شيئا، وفيه ثلاثة أمور: أحدها أنه فهم كلام المصنف على أنه أراد أن ذلك مما يجب فيه الحد، وهذا وإن جَوَّزَهُ الشارح احتمالا ياباه صنيع المصنف،

(1)

في الأصل كان والمثبت من بناني ج 8 ص 90.

(2)

كذا في الأصل والذي في بناني ج 8 ص 90 والتوضيح ج 8 ص 264 لابن عمه.

ص: 504

بدليل ما قبله وما بعده فما جزم به الزرقاني تبعا للتتائي والأجهوري وغيرهما هو الصواب. ثانيها: أنه يفيد أن ابن شعبان قال ذلك بلفظ مولى لغيره وليس كذلك كما ستراه. ثالثها: أنه يوهم أن ابن شعبان جزم بذلك ولم يحك فيه خلافا وهو خلاف ما تقدم في التوضيح والشارح عَنْهُ، وخلاف ما في ابن عرفة أيضا، ونصه: وفي زاهي ابن شعبان: إن قال مولى لعربي أنا خير منك حد. وقاله الزهري. وكذا لو كانا ابْنَيْ عم قاله أحدهما لصاحبه. وفي هاتين المسألتين اختلاف، وبهذا أقول. انتهى.

أو مالك أصل ولا فصل يعني أنه إذا قال شخص لآخر: مالك أصل ولا فصل فإنه لا حد عليه، قال ذلك في مشاتمة أم لا، قاله لعربي أم لا؛ لأن المقصد نفي الشرف إلا لقرينة نفي النسب فيحد، وكذا في كل ما لا حد فيه. وقوله:"أو مالك أصل ولا فصل" كونه لا يحد، قول مالك: ورأى أن المقصد نفي الشرف. وقال أصبغ: يحد لأن أصله أبوه وقد نفاه عنه، وقيل: إن قاله لعربي حد وإلا فلا. وقال عبد الملك: إن قاله لغير عربي في مشاتمة أدب، وإن قاله لعربي حد إلا أن يعذر بجهل فيحلف ما أراد قطع نسبه وإلا حد. وذكر الحطاب عن ابن القاسم في العتبية أن من قال لرجل يشاتمه: ما أعرف أباك وهو يعرفه حد. ابن رشد: لأنه نفى أن يكون أباه هو الذي يعرفه.

أو قال لجماعة أحدكم زان يعني أنه إذا قال شخص لجماعة: أحدكم زان فإنه لا حد عليه بذلك، قال الخرشي: وكذلك لا حد على من قال لجماعة أحدكم زان أو ابن زانية أو لا أب له، وسواء قاموا كلهم أو بعضهم لأن المقذوف لما لم يكن معلوما لم تلحق واحدا منهم معرة، والحد إنما هو للمعرة، ومحل كلام المؤلف إذا كثرت الجماعة بأن زادوا على اثنين وما قاربهما، فإن كانوا اثنين وما قاربهما فإنه يحد إن قاموا وإن قام بعضهم وعفا الباقي، فإن حلف ما أراد القائم لم يحد وإلا حد. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، فإنه قال: ويقيد كلام المصنف بما إذا كثرت الجماعة، فإن كانوا اثنين وما قاربهما فالْحَدُّ إن قاموا كلهم، فإن قام بعضهم وعفا الباقي، فإن حلف ما أراد القائم لم يحد وإلا حد. انتهى. وقال عبد الباقي: أو قال لجماعة: أحدكم زان أو ابن زانية أو لا أب له فلا حد، ولو قاموا كلهم إذ لا يعرف من أراد فلم تتعين المعرة لواحد

ص: 505

منهم، والحد إنما هو للمعرة وظاهر كلامه كثروا أو قلوا مع أنه مقيد بالكثرة، فإن كانا اثنين وما قاربهما حُدَّ إن قاموا، وإن قام أحدهم وعفا الباقي فإن حلف ما أراد القائم لم يحد وإلا حد، كمن قال لذي زوجتين: يا زوج الزانية وقامتا أو إحداهما ولم يحلف ما أراد القائمة فإنه يحد كما في ابن الحاجب. انتهى.

قوله: مع أنه مقيد بالكثرة، قال الرهوني: فيه نظر ولا يقيد بمسألة المرأتين إذ لا معارضة بينهما؛ لأن ما في الموازية صريح في أنه إنما رمى أحدهم ولا يشمل لفظه غير الواحد، "وأل" في الزانية تحتمل الجنس لكن لم يحمل اللفظ على إرادة الجنس؛ لأن ذلك شبهة وقوله:"أو قال لجماعة أحدكم زان" في الموازية: من قال لجماعة أحدكم زان لم يحد؛ إذ لا يعرف من أراد وإن قام به جماعتهم، فقد قيل: لا يحد ولو ادعى أحدهم أنه أراده لم يقبل إلا بالبيان أنه أراده. انتهى. وقال ابن رشد: قول ابن المواز كله ظاهر إلا ما حكاه من أنه لا يحد، وإن قام به جماعتهم فهو بعيد لأنه يعلم أنه قد قاله لأحدهم فلا حجة له إذا قام به جميعهم، ووجهه على ما فيه من البعد أنه لما كان المقذوف لا يرى من هو منهم لم يحد؛ لأن الحد إنما هو لإسقاط المعرة عن المقذوف، والمعرة لا تلحق واحدًا منهم بعينه فيحد له ولا لجميعهم؛ إذ لم يقذف إلا واحدا منهم، وأما إذا قام به أحدهم فمن حجته أن يقول لم أرد إلا سواك ممن لم يقم. انتهى.

وحد في مابون إن كان لا يتأنث يعني أنه إذا قال شخص لآخر: يا مابون فإنه يحد لأنه حقيقة هو صاحب العلة في دبره ومجازا هو الذي يتأنث في كلامه كالنساء، ولذا لو كان يتأنث في كلامه فإنه لا حد على قاذفه ولكن يؤدب، وكلام المؤلف فيما إذا جرى العرف باستعمال المأبون فيمن يتأنث أو فيه وفيمن يؤتى لكن ينبغي أن يحلف حيث كان يتأنث أنه لم يرد به من يؤتى، أما لو كان العرف استعماله فيمن يؤتى فإنه يحد ولو تأنث. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وحد في مأبون إن كان المقول له لا يتأنث أي يتكسر في كلامه كتكسُّر النساء، فإن كان يتأنث لم يحد القائل له وما ذكره من هذا التفصيل ضعيف، بل ذكر ابن مرزوق أنه لا وجود له والنقل حَدُّ القائلِ، وإن تأنث المقذوف وهو ظاهر خصوصا عرف مصر استعماله في حقيقته التي هي صاحب العلة، وقد يتجوز به عمن يتكسر في كلامه وعمن يؤتى. انتهى. وقال المواق: الذي نقل ابن

ص: 506

يونس أن من قيل له يا مابون وهو رجل في كلامه تأنيث يضرب الكَبَرَ ويلعب في الأعراس ويُغِنّي ويُتَّهمَ بما قيل فَمَا يُخْرِجُه من الحد إلا أن يحق ذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وحد في مأبون إن كان المقول له لا يتأنث في كلامه ويعمل عمل النساء، ومفهومه أنه إن كان يتأنث لا حد عليه، ومحل كلام المصنف إذا لم يكن العرف استعماله فيمن يؤتى، فإن كان العرف كذلك فإنه يحد ولو تأنث، وما ذكره المصنف خلاف ما في ابن يونس والنوادر، والذي فيهما أنه يحد القائل وإن كان المقول له يتأنث، وحينئذ فلو قال: وحد في مأبون وإن تأنث لطابق النقل. انتهى.

وفي يا ابن النصراني يعني أنه إذا قال شخص لآخر: يا ابن النصراني، والحال أنه لم يكن في آباء المقول له ذلك نصراني فإن القائل يحد حد القذف لأنه نفى نسبه، وقوله: يا ابن النصراني أو يا ابن الرومي ونحو ذلك فيحد إن لم يكن في آبائه من هو كذلك. أو الأزرق يعني أنه إذا قال شخص لآخر يا ابن الأزرق أو الأسود أو الأعور أو الأحمر فإنه يحد القائل إن لم يكن في آبائه أي المقول له ذلك من هو أزرق أو أسود أو أعور أو أحمر، وقوله: وعلم مما قررت أن قوله: إن لم يكن أي لم يثبت في آبائه أي المقول له ذلك، كذلك أي مثل ذلك شرط في المسألتين أي في قوله:"يا ابن النصراني"، وفي قوله:"أو الأزرق" وقوله: "كذلك" الكاف فاعل يكن لأنها تامة لتفسير غير واحد لها بيثبت؛ أي إن لم يثبت المتصف بتلك الصفة في آبائه، والمنطوق صادق بصورتين: إحْدَاهُمَا أن يثبت خلاف ذلك، الثَّانِيةُ أن يجهل الأمر والمفهوم صورة واحدة وهي أن يثبت في آبائه متصف بتلك الصفة بأن يثبت أن في آبائة من هو نصراني أو يهودي أو مجوسي في المسألة الأولى، ويثبت في المسألة الثانية أنَّ في آبائه من هو أزرق أو أسود أو أعور أو أحمر مثلا فلا حد وقوله:"إن لم يكن في آبائه" أي آبائه المعروفين، وقوله: "وفي يا ابن النصراني أو الأزرق أي يحد القائل لذلك سواء كان المقول له ذلك من العرب أم لا. قال الشبراخيتي: وحد في قوله لمسلم يا ابن النصراني مثلا، أو يا ابن الأزرق أو الأسود أو الأعور أو الأحمر عند ابن القاسم إن لم يكن أي يثبت في آبائه المعروفين أحد كذلك أي متصف بذلك الوصف، سواء كان القائل يعلم في آبائه

ص: 507

كذلك أو لا، وأما إن كان فيهم فلا لأنه لم يرد نفيه ولا فرق بين أن يكون المقول له ذلك من الرب أو لا، وأما إن قال له يا ابن الحائك أو الخياط أو الحجام ونحوه يعني من الصنائع فيفصل فيه إن كان من العرب بين أن يكون في آبائه كذلك فلا حد وإلا حد، وإن كان من غير العرب فلا حد مطلقا سواء كان في آبائه كذلك أو لا وعليه الأدب، وكان الأولى أن يدخل الكاف على النصراني ليدخل اليهودي والمجوسي وعابد الوثن وكذا الأقطع والمقعَد والأعمى والأصم. انتهى.

وقال عبد الباقي: "وحد" في قوله لآخر عربيا أم لا يا ابن النصراني أو اليهودي أو الكافر أو يا ابن الأزرق أو الأسود أو الأعور لأنه نسب أمه للزنى إن لم يكن في آبائه من هو كذلك، فإن ثبت وجود أحد من آبائه كذلك لم يحد القائل ولو جهل أن أحد أصوله كذلك، وكذا إن قال لعربي فقط يا ابن الحائك أو الخياط أو نحو ذلك حد إن لم يكن في آبائه من هو كذلك، فإن قاله لغير عربي لم يحد ولو لم يكن في آبائه من هو كذلك. انتهى.

قوله: "ولو جهل" مبالغة في المصنف لا فيما يليه. واللَّه تعالى أعلم. وقال التتائي: وحد في قوله لمسلم: يا ابن النصراني مثلا أو يا ابن الأزرق أو الأسود أو الأعور أو الأحمق إن لم يكن في آبائه أحد كذلك أي متصف بذلك الوصف، وأما إن كان فيهم فلا لأنه لم يرد نفيه، واختلف في يا ابن الحجام أو يا ابن الحائك ونحوه. فعن

(1)

يحد إن كان المقول له ذلك من العرب وإن كان من الموالي فلا حد، ويحلف ما أراد قطع نسبه. ابن حبيب: يحد فيهما. أشهب: لا يحد فيهما إذا حلف أنه لم يرد نفيه عن آبائه. انتهى. وقال الحطاب: يعني أن من قال لرجل مسلم: يا ابن النصراني أو يا ابن اليهودي أو يا ابن المجوسي فإنه يحد إلا أن يكون في آبائه أحد كذلك فإنه لا حد عليه ولكنه ينكل. قاله في المدونة في آخر كتاب القذف. ولم يذكر الشارح ولا المصنف في التوضيح أنه ينكل إذا كان في آبائه أحد كذلك وذلك لوضوحه، ولكن يتعين ذكره ليلا يتوهم أنه لا أدب عليه. وقد قال في المدونة: ومن قذف عبدا أو أم ولد أُدِّبَ ومن قذف ذميا زجر عن أذى

(1)

في التوضيح ج 8 ص 262 فلمالك من رواية ابن القاسم إن كان المقول له ذلك من العرب حد لخ.

ص: 508

الناس كلهم ومن قذف نصرانية ولها بنون مسلمون أو زوج مسلم نكل بإذايته للمسلمين، وفي المدونة: ومن آذى مسلما أدب. انتهى.

‌تنبيه:

نص غير واحد على أن قوله، وفي يا ابن النصراني أو الأزرق يحد قائله، سواء كان المقول له ذلك عربيا أم لا فليس كمن نسب جنسا لغيره فلا حد إن لم يكن من العرب كما مر. وفي الميسر: قال ابن فرحون: إن قال له يا يهودي أو أسود أو يا خياط لم يحد، وإن قال له: يا ابن اليهودي أو الأسود أو الخياط حد إلا أن يكون له أب أو جد كذلك. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: فلو قال لفارسي يا رومي أو يا حبشي فلا حد، بخلاف ما لو قال لعربي يا رومي أو يا حبشي كما عرفت، ولو قال لِفارسيٍّ: يا ابن الرومي أو يا ابن الحبشي فَالظَّاهِرُ أنه يحد بل هو المتعين لأنه قذف أمه. واللَّه تعالى أعلم.

وفي مخنث إن لم يحلف يعني أنه إذا قال شخص لآخر يا مخنث فإنه يحد إن لم يحلف أنه لم يرد به من يؤتى، وأما إن حلف أنه لم يرد به من يؤتى فإنه لا حد عليه، وذلك لأن المخنث يستعمل فيمن يتأنث أي يتكسر كالنساء ويستعمل في الذكر الذي يؤتى في دبره. قال عبد الباقي: وحد في قوله لآخر مخنث بفتح النون وكسرها إن لم يحلف أنه لم يرد قذفه أي لم يرد به من يؤتى، فإن حلف ما أراد الفاحشة لم يحدت وهذا إن لم يخصه العرف بمن يؤتى وإلا حد كمصر ولو حلف. انتهى. ونحوه للخرشي وغيره، وقوله:"مخنث" بفتح النون وكسرها، وقال التتائي: وحد في قوله لآخر: مخنث بكسر النون وفتحها إن لم يحلف أنه ما أراد بذلك قذفا، فإن حلف لم يحد ونُكِّلَ. قاله في المدونة. والانخناث: التثني والتكسر وخنثت الشيء فانخنث أي عطفته فانعطف، ومنه سمي المخنث. انتهى.

وفي الحديث: (نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية)

(1)

، وهو أن يعطف فم السقاء ليشرب منه، وقال في الميسر وفي الكافي: أنه من قال لرجل يا مأبون أو يا منكوح حد، وإن

(1)

صحيح البخاري، كتاب الأشربة، رقم الحديث، 5625، صحيح مسلم، كتاب الأشربة، رقم الحديث، 2023.

ص: 509

قال: يا مخنث حد إلا أن يدعي أنه أراد خلقته في اللّين والثأنيث فيحلف على ذلك ويسقط حده إن كان كذلك. انتهى. وهذا كله إن لم يخصه العرف بمن يلاط. انتهى.

وأدِّبَ في يا ابن الفاسقة يعني أنه إذا قال شخص لآخر يا ابن الفاسقة فإنه يؤدب ولا حد عليه، قال الشبراخيتي: وأدب في قوله لغيره يا ابن الفاسقة من الفسق وهو الخروج عن الطاعة. انتهى.

وقال عبد الباقي: وأدب في يا ابن الفاسقة ولم يحد لأن الفسق الخروج عن الطاعة فليس نصا في الزنى، أو الفاجرة يعني أنه إذا قال شخص لآخر: يا ابن الفاجرة فإنه يؤدب ولا حد عليه؛ لأن الفاجر الكثير الفسق وقيل الكثير الكذب، قال عبد الباقي: وهذا يعارض ما تقدم في كيا قحبة من أن يا فاجرة مثله إلا أن يحمل ما مر على ما العرف فيه السب وما هنا على خلافه، وكذا يؤدب في قوله: يا ابن الخبيثة إن حلف ما أراد قذفا بل خبثا في فعل أو خلق، وأما لو قال لرجل: يا ابن الخبيث فيحد عند ابن القاسم. قاله في المدونة. ففرق بين يا ابن الخبيثة وبين يا ابن الخبيث، وفيها أيضا: إن قال لرجل يا خبيث أدب خفيفا إن حلف ما أراد فاحشةً وإلا أدب أدبا شديدا. انتهى.

وقال في الميسر: ويؤدب في يا ابن الفاسقة أو الفاجرة ولا يحد لأن ذلك لا يفيد قذفا إلا لعرف، وكذا في يا ابن الخبيثة إن حلف، ولو قال له: يا ابن الخبْث أي بسكون الباء حد إذ لا يعلم الخبث في مثل هذا إلا الزنى. قاله ابن القاسم. ففرق بين المصدر وغيره لا بين الذكر والأنثى كما توهمه بعضهم. انتهى. وقال التتائي: وأدب القائل لغيره: يا ابن الفاسقة يا ابن الخبيثة أو القائل يا ابن الفاجرة نحوه في المدونة في كتاب محمد: إن قال يا ابن الفاسقة يا ابن الفاجرة يا ابن الخبيثة إن نكل عن اليمين حد.

أو يا حمار ابن الحمار يعني أنه إذا قال شخص لآخر يا حمار ابن الحمار فإنه لا حد على القائل لذلك، ولكن عليه الأدب. قال المواق من المدونة: من قال لرجل يا حمار فعليه النكال، ومن قال لرجل يا سارق على وجه الشاتمة نكل وإن قذفه ببهيمة أدب أدبا موجعا، ولا يحد إذ لا يحد من أتى بهيمة. ومن ابن سلمون: من قال لآخر: يا كلب أو يا ثور فإن ذلك من الأذى وعليه الأدب، وكذلك إن قال له يا خنزير فعليه الأدب على ما يراه السلطان إلا أن يكون القائل

ص: 510

ممن لا يعرف بالأذى وهو منه زلة أو فلتة فلا بأس أن يقال، وإذا شهد على رجل أنه يؤذي الناس بلسانه حبس ثلاثة أيام، ويؤدب على قدر جرمه وإن زاد شره أمر بالكف عن الجيران وإلا أكريت عليه داره.

عياض: كان ابن يعيش صليبا في الحق من أهل المتقدم في العلم والفتيا، أفتى في رجل يصيب بعينه بإلزامه داره، قياسا على الإبل [الصائلة]

(1)

والماشية العادية أنها تغرب حتى لا يتأذى الناس بها. انتهى. ويؤدب أيضا في يا خائن، يا آكِلَ الربا، يا شارب الخمر، يا يهودي، يا مجوسي، يا مرائي. قاله في المسائل الملقوطة. وقال في النوادر: إذا قال له: يا آكل الربا أو يا شارب الخمر ونحوه فإنه يؤدب، وإن كان صادقا ولا حد عليه في ذلك وإن كان كاذبا. انتهى قاله الحطاب.

أو أنا عفيف يعني أنه إذا قال شخص لآخر: أنا عفيف فإنه يؤدب ولا حد عليه. قال عبد الباقي: أو قال لرجل: أنا عفيف أو ما أنت بعفيف فيُؤَدب ولو في مشاتمة؛ لأنه لما أسقط الفرج احتمل العفة في المطعم ونحوه إلا لقرينة تصرفه للفرج. انتهى. وقال البناني: أو أنا عفيف أي قال ذلك لامرأة، وأما إن قال ذلك لرجل فإنه يحلف ويُنَكَّل. فإن نَّكَلَ حد كما في التوضيح، فما في الزرقاني من أنه قال ذلك لرجل فيه نظر. انتهى. قوله: أي قال ذلك لامرأة الخ خصه بذلك وَرَدَّ ما قاله الزرقاني؛ لأن المصنف لم يذكر يمينا مع أنه في قول ذلك لرجل لا يسقط عنه الحد إلا مع يمينه، فإن أراد أن قول ذلك لامرأة لا يوجب عليه يمينا قولا واحدا فليس بمسلم لوجود الخلاف، فيها وإن أراد على الراجح فقط فربما يؤخذ ذلك من قول اللخمي، ونصه: وإن لم يذكر الفرج، وقال: إني لعفيف أو ما أنت بعفيف أو عفيفة افترق الجواب، فإن قاله لرجل أحلف أنه لم يرد قذفا ولم يحد وهو قول مالك وعبد الملك، واختلف إذا قال ذلك لامرأة، فقال إني لعفيف أو يا عفيفة، فقال مالك: يعاقب ولا يحد، وقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب: يحد، وإن قال ذلك لرجل حد إلا أن يدعي أنه أراد عفيف الكسب والمطعم والمال فيحلف ولا حد عليه وينكل،

(1)

في الأصل الضالة والمثبت من المواق ج 8 ص 409.

ص: 511

قال: لأن المرأة لا يعرض لها بالعفاف إلا في الفرج، والرجل يعرض له بذلك في غير وجه في المال واللسان والفرج.

قال الشيخ رحمه الله: إن كان قبل الرجل ظنة في الفرج لم يصدق أنه أراد غيره، فإن كان قبل المرأة ظنة في الفرج وعلم منها [بذاذة اللسان]

(1)

وقلة تصون في [حالها]

(2)

أو تتهم بسرقة صدق أنه أراد ذلك. انتهى منه بلفظه. ونقله في التوضيح جله فتصديره بالأول وعزوه لمالك من غير ذكر يمين يفيد رجحانه لكنه معارض بأقوى منه، فإن الباجي لم يذكر هذا القول أصلا، فإنه قال: ومن قال لامرأة في مشاتمة إني لعفيف عليه الحد، ولو قاله لرجل فعليه الحد إلا أن يدعى أنه أراد به عفيفا في المطعم والمكسب فيحلف ولا حد، وينكل لأن المرأة لا يعرض لها بذكر العفاف في المكسب والرجل يعرض له بذلك. انتهى. ونقله ابن عرفة مسلما له ولم يعرج على كلام اللخمي بحال وكذا المواق، ثم قال الباجي: ومن قال لرجل يا ابن العفيفة، فقد قال ابن وهب: بلغني عن مالك: يحلف ما أراد القذف ويعاقب، وقال أصبغ: إن قاله على وجه المشاتمة حد. انتهى. ونحوه نقله ابن عرفة عن أبي محمد بن أبي زيد، ونحوه لابن يونس مع زيادة، ونصه: ابن وهب: وبلغني عن مالك فيمن قال لرجل: يا ابن العفيفة، أنه يحلف ما أراد القذف ويعاقب. وقال أصبغ: إن قاله على وجه المشاتمة فعليه الحد. ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون. انتهى. وهذه النقول كلها تدل على أن الراجح في المرأة مساواتها للرجل في أن من قال لها ذلك يحد إلا أن يحلف، ثم قال الرهوني: والأولى عندي حمل المصنف على ظاهره من شموله للرجل والمرأة مع تقييده بحلف قائله أنه ما أراد به قذفا وإلا حد. فتأمله. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.

وفي الميسر: "أو أنا عفيف": قاله لرجل أو امرأة ولا يحد إن حلف أنه لم يرد قذفا، وقال عبد الملك: يحد ولو قاله لرجل إلا أن يريد عفيف المطعم والمكسب فيحلف، ولا يحد لأن المرأة لا يعرض لها بالعفاف إلا بالفرج، والرجل يعرض له في غيره. نقله في التوضيح. انتهى.

(1)

كذا في الأصل والرهوني والذي في تبصرة اللخمي ج 13 ص 6251 بذاءة اللسان.

(2)

في الأصل مالها والمثبت من تبصرة اللخمي ج 13 ص 6251 والرهوني ج 8 ص 132.

ص: 512

أو إنك عفيفة يعني أنه إذا قال لامرأة إنك عفيفة، أو قال ذلك لرجل أو قال ما أنت عفيف أو عفيفة فإنه لا حد عليه ويؤدب إن حلف أنه لم يرد قذفا وإلا حد. والْحَاصِلُ أنه إذا قال: أنا عفيف أو أنت عفيف أو عفيفة فإنه لا يحد إن حلف أنه لم يرد قذفا ويؤدب، فإن لم يحلف حد، قال ذلك لرجل أو امرأة. وفي الميسر: أو إنك عفيفة، وكذا إن قاله لرجل أو قال ما أنت عفيف أو عفيفة لا فرق عند مالك بين الرجل والمرأة إذا لم يذكر الفرج وحلف أنه لم يرد قذفا ووافقه عبد الملك في الرجل دون المرأة. انتهى.

أو يا فاسق يعني أنه إذا قال له يا فاسق فإنه يؤدب ولا حد. أو يا فاجر يعني أنه إذا قال له يا فاجر فإنه يؤدب ولا يحد إلا لرف أو قرينة للقذف، كقوله: يا فاجر بفلانة إلا أن يأتي بمخرج كأن يجحده مالا فيقول لم تفجر بي وحدي فجرت بفلانة قبلي فيحلف أنه ما أراد إلا ذلك ويصدق، قال معناه في المدونة. اللخمي: فإن لم يحلف لم يحد. انظر شرح عبد الباقي. وفي المقدمات: أن من ذكر مسلما بما فيه على وجه تنقصه أدب إن كان بمحضره وإلا فذلك غيبة وليس فيها إلا التوبة وتحلل المغتاب، وإن نسب إليه ما ليس فيه مما لا يكون قذفا حاضرا أو غائبا أدب والأدب بالاجتهاد على حال القائل والمقول له. انتهى. وفي الكافي أن من آذى مسلما بلفظ قصد به أذاه فعليه الأدب الرادع له ولمثله، وذلك على قدر سفاهة القائل وحال المقول له. انتهى. وفي ابن فرحون أن الرفيع ومن كان ذلك منه فلتة يخفف أدبه ويتجافى عنه لأن من هو كذلك يظن به أنه لا يعود، وقال: إن المراد بالرفيع من هو أهل القرآن والآداب الإسلامية لا المال والجاه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

‌فائدة:

تتضمن مقدار الأدب في ألفاظ وأفعال موجبة للأدب، قال في المسائل الملقوطة: قال في المفيد: ومن قال لرجل يا مجرم ضرب خمسة وعشرين، وكذلك إن قال له يا ظالم ولم يكن كذلك ضرب أربعين. ولو قال يا سارق ضرب خمسة وعشرين، ومن تكلم في عالم بما لا يجب فيه ضرب أربعين سوطا، ومن تكلم في أحد بما لم يكن ولم يأت ببينة أدب، وكل من آذى مسلما بلفظ يضره ويقصد به أذاه فعليه في ذلك الأدب البالغ الرادع له ومثله يقنع رأسه بالسوط أو يضرب بالدرة أو ظهره وذلك على قدر القائل وسفاهته وقدر المقول فيه، ومن لم ينصف الناس في

ص: 513

أعراضهم [لم]

(1)

ينصفهم في أموالهم. انتهى. وإذا قال الرجل لصاحبه: اللَّه أكبر عليك فإنه يعزر إلا أن يعفو عنه خصمه. قاله في الدرر الملتقطة للدميري. وهذا من الشافعية، ثم قال: وإذا شتم الأخ أخاه فإن كان الأخ كبيرا وكان شتمه لأخيه على وجه الأدب لم يحد من الطرر، قال: ورأيت في بعض الكتب: سئل بعضهم عن شاتم عمه أو خاله، فقال: لا أرى عليه في ذلك شيئا [وذلك كما إذا كان]

(2)

على وجه الأدب. انتهى. وقال في المسائل الملقوطة عن المفيد: ومن تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين لزمته العقوبة الشديدة ويسجن شهرا، ومن خالف ما حكم بد القاضي ولم يرض بالحكم عوقب إلا أن يتبين الجور، ومن خالف أميرا أو كسر دعوته لزمته العقوبة بقدر اجتهاد الإمام، ومن استهان بدعوة القاضي أو الحاكم ضرب أربعين، وإذا ارتفع الكلام بين الخصمين في مجلس القاضي ضرب كل واحد عشرة أسواط، ومن سرق من الغنيمة دون النصاب ضرب خمسين، ومن تغامز مع أجنبية وتضاحك معها ضربا عشرين عشرين يريد إذا كانت طائعة، فإن قَبَّلها طائعة ضربا خمسين خمسين وإن لم تطعه ضرب وحده خمسين، ومن حبس امرأة ضرب أربعين فإن طاوعته ضربت مثله، ومن أتى بهيمة ضرب مائة ومن سل سيفا على وجه القتال ضرب أربعين وكان السيف فيئا، ومن سل سكينا في جماعة على وجه المزاح ضرب عشرة أسواط، ثم قال: ومن سل سيفا في جماعة على وجه المزاح يهددهم فقد جفا ويضرب عشرين سوطا، والظاهر أنه ليس مخالفا لما قاله في السكين. انتهى. وقال المواق من المدونة: من قال لرجل يا فاسق يا فاجر فعليه في ذلك النكال. انتهى. وقال التتائي: وفي كتاب محمد: يا فاسق يا فاجر يا خبيث إن نكل عن اليمين أدب. انتهى.

وإن قالت بك جوابا لزنيت حدت للزنى والقذف يعني أنه إذا قال رجل لامرأة زنيت، فقالت: بك، فإنها تحد لإقرارها بالزنى فتحد حد الزنى وتحد للقذف لأنها قذفته بأنه زنى بها ولا يحد الرجل لأنها صدقته. قاله في المدونة. وقوله:"وإن قالت بك" يعني الأجنبية لا الزوجة، قال عبد الباقي: وإن قالت أجنبية زنيت بك جوابا لزنيت بكسر الفوقية أو يا زانية حدت حدين للزنى

(1)

في الأصل ولم والمثبت من الحطاب ج 6 ص 508 ط دار الرضوان.

(2)

في الحطاب ج 6 ص 508 ط دار الرضوان وذلك إذا كان.

ص: 514

لتصديقها له إن لم ترجع عن إقرارها به والقذف للرجل إلا أن تكون أرادت جوابه فعليه حد القذف إن رجعت عن إقرارها بالزنى، وأما الزوجة فلا حد عليها بحال. قاله الحطاب. وكذا لا حد على الزوج لأنا نحمل الزنى على غير حقيقته أي على وطئه لها، لعلاقة المشابهة في الهيئة لا من حيث الحرمة، بل ولو حمل على حقيقته لم يحد أيضا لأنها حينئذ غير عفيفة. انتهى المراد منه.

وقال البناني: وإن قالت: "بك جوابا لزنيت حدت للزنى والقذف" أي ولا يحد الرجل لأنها صدقته. قاله في المدونة. وقول الزرقاني: إلا أن تكون أرادت جوابه. اإلخ. هذا قول أشهب وكلام ابن عرفة وابن الحاجب يفيد أنه مقابل لذهب المدونة، ونص ابن عرفة: اللخمي: من قال لامرأة يا زانية، فقالت:"بك زنيت"، فقال مالك: تحد للرجل وللزنى ولا يحد لأنها صدقته إلا أن تنزع عن قولها فتحد للرجل فقط، وقال أشهب: إن نزعت وقالت ما قلت ذلك إلا على وجه المجاوبة ولم أرد قذفا ولا إقرارا فلا تحد ويحد الرجل. وقال أصبغ: يحد كل منهما لصاحبه وإن نزعت عن قولها. انتهى. فقول الزرقاني: إن رجعت عن إقرارها بالزنى صحيح على قول أشهب. انتهى. وقول الزرقاني: وأما الزوجة فلا حد عليها بحال. قاله الحطاب. وكذا لا حد على الزوج الخ تبع فيه الأجهوري وهو غير صواب؛ لأن مذهب ابن القاسم حد الزوج وإنما القول بعدم حده لعيسى، قال ابن عرفة بَعْدَ ما تقدم عنه: وأما لو قال ذلك لزوجته فأجابته بذلك، فقال الشيخ عن عيسى عن ابن القاسم: لا حد عليها وعليه الحد لها إلا أن يلاعن، وقال عيسى: لا حد عليه ولا لعان. انتهى. ونحوه في التوضيح وما قرر به الزرقاني من التفريق بين الأجنبية والزوجة هو الذي حمل عليه أبو الحسن المدونة، واقتصر عليه ابن عرفة وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى في العتبية. وقال ابن رشد: إنه أظهر الأقوال. انتهى.

وقال في الميسر عند قوله: "وإن قالت امرأة بك زنيت جوابا لزنيت" بكسر التاء حدت حدين للزنى لإقرارها به إن لم ترجع عنه والقذف، ولا يحد الرجل لأنها صدقته. قاله مالك. وظاهره قاله لأجنبية أو زوجة. وفي العتبية: أن الزوجة لا تحد لأنها تقول أردت وطء النكاح ويحد الزوج

ص: 515

عند ابن القاسم إن لم يلاعن، وقال عيسى: لا حد عليه ولا لعان، ووافق أشهب مالكا إلا أن تقول أردت مجاوبته ولم أرد قذفا ولا إقرارا فلا حد عليها ويحد الرجل.

‌فرع:

لو قال له: يا زاني، فقال أنت أزنى مني لم يكن إقرارا وَحُدَّ للقذف.

‌فرع:

من قال من ركب دابتي فهو ابن زانية، فمن ركبها قبل قوله وهو يعلمه حد له ومن ركبها بعده لم يحد له. وقال الأخوان وأصبغ: من قال من شهد علي فهو ابن الفاعلة، فشهد عليه رجل حد له، وكذا إن قال: من دخل المسجد فهو ابن الفاعلة وإن قال له إن كان كذا فأنت ابن الفاعلة، فإن ثبت أن ذلك كذلك حد وإلا أدب، وإن قال له: يا أحمق، فقال الآخر: أحمقنا ابن الفاعلة فهو قذف لأنه جواب شتم. انتهى كلام الميسر. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: فإن قال يا زاني، فقال أنت أزنى مني لم يحد القائل الأول خلافا للشارح؛ لأنه قذف غير عفيف وحد الثاني للزنى والقذف، فإن قال: يا معرص، فقال أنت أعرص مني حد الأول لزوجة الآخر وأدب له وحد الثاني لزوجته ولزوجة الأول حدا واحدا وأدب له أولا عن زوجته وحد الثاني لزوجة الأول إن قامت به بعد ما لاعن لزوجته، فإن قامت به قبلُ حَدَّهُ لها حَدٌ لزوجته. انتهى. وقوله:"إن قالت بك" الخ ألغز ابن عاشر في هذه المسألة بقوله:

يا فُقَهَا حَرْ فَانِ حَدًّا نَكَّبَا

وأوجَبَا حَدَّيْن فَادْرُوا العَجَبَا

فأجابه بعض معاصريه ورأيت في بعض الطرر أنه تلميذه الأبار بقوله:

هُمَا وُقِيتَ الفُحْشَ نِلْتَ الأرَبَا

قُبَيلَ بَابِ الْقَطْعِ كَافٌ بَعْدَبَا

‌فرع:

قال في المدونة: ومن قال عند الإمام أو عند غيره: زنيت بفلانة، فإن أقام على قوله حد للزنى وللقذف، وإن رجع عن ذلك حد للقذف وسقط عنه حد الزنى. نقله الحطاب.

‌مَسْأَلَةٌ:

قال القرطبي في سورة النور: قال ابن القصار: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي يا زانية بالهاء وكذلك الأجنبي للأجنبي فلست أعرف فيها نصا لأصحابنا، ولكنه عندي يكون قذفا وعلى قائله الحد وقد زاد حرفا، وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا

ص: 516

يكون قذفا. واتفقوا على أنه إذا قال لامرأته: يا زان أنه قذف والدليل على أنه يكون في الرجل [قذفا]

(1)

هو أن الخطاب إذا فهم معناه ثبت حكمه، سواء كان بلغظ أعجمي أو عربي. ألا ترى أنه لو قال للمرأة: زنيت بفتح التاء كان قذفا؟ لأن معناه يفهم منه. ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا جاز أن يخاطب المؤنث بخطاب المذكر، لقوله:{وَقَالَ نِسْوَةٌ} صلح أن يكون قوله: يا زان للمؤنث قذفا و [لما]

(2)

لم يجز أن يؤنث فعل المذكر إذا تقدم [عليه]

(3)

لم يكن لخطابه بالمؤنث حكم. انتهى. قاله الحطاب. واللَّه تعالى أعلم.

وله أي للولد حد أبيه حيث صرح الأب بقذفه؛ يعني أن الأب إذا صرح بذقف ولده فإن للولد أن يحده أي يقيم عليه الحد، قال الشبراخيتي: وله أي للولد المقذوف حد أبيه إذا صَرَّحَ بقذفه، ومثل الأب الأم وأحرى من فوقهما من جَدٍّ لأب أو لأمٍّ، ويحتمل أن يريد جنس الأب فيتناول الأبوين والجد لأب أو لأم. انتهى. يعني أن ما ذكر من الأقارب مفهوم من كلام المؤلف إما بمفهوم الموافقة وإما بشمول اللفظ له فيكون من جملة المنطوق. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: وله حد أبيه وأمه القاذف كل منهما له، ومذهب المدونة وهو المذهب أنه ليس له حده ولا تحليفه ولا أمه. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وَفُسِّقَ الولد أي حكم بفسقه فلا تقبل شهادته في شيء والمذهب ما في المدونة أنه ليس له حد أبيه لا يقال وسيلة الشيء تعطى حكمه، فكيف تكون وسيلة الفسق مباحةً؟ لأَنَّا نقول المراد بالتفسيق عدم قبول الشهادة وهو يحصل بمباح يخل بالروءة كأكل بسوق لغير غريب، وعلى القول بحده فله أن يعفو عنه ولو بلغ الإمام ولو لم يرد سترا، فيقيد مفهوم قوله الآتي:"وبعده إن أراد سترا بما عدا الأصل". انتهى. وقال الحطاب: لا خلاف في جواز عفو الابن عن أَبَوَيْهِ بعد بلوغ الإمام وكذلك عن جده لأبيه. انظر اللخمي والتوضيح. انتهى.

(1)

ساقط من الأصل والمثبت من القرطبي ج 6 ص 143 والحطاب ج 6 ص 510 ط دار الرضوان.

(2)

ساقط من الأصل والمثبت من القرطبي ج 6 ص 143 والحطاب ج 6 ص 510 ط دار الرضوان.

(3)

ساقط من الأصل والمثبت من القرطبي ج 6 ص 143 والحطاب ج 6 ص 510 ط دار الرضوان.

ص: 517

وللمقذوف القيام به أي بالحد على قاذفه وهذا ظاهر والمقصود قوله: وإن كان المقذوف علمه أي علم صدور المقذوف به من نفسه، بأن علم أن ما قذفه به من زنى صدر منه لأنه مأمور بالستر على نفسه. لخبر:(من أتى منكم شيئا من هذه القاذورات فليستتر فإنه من يبد لنا صفحة وجهه أقمنا عليه الحد)

(1)

، قال في المدونة: حلال له أن يحده لأنه أفسد عرضه، وليس للقاذف أن يُحَلِّفَ المقذوف أنه ليس بزان، ففي المواق من المدونة: إن علم المقذوف من نفسه أنه كان قد زنى فحلال له أن يحد من قال له إنك زنيت. انتهى. ومن المدونة: من قذف ولده أو ولد ابنته فقد استثقل مالك أن يُحَدَّ لولده. ابن القاسم: إن قام بحقه حد له، زاد في الموازية: ولا تقبل شهادة الولد. وقال ابن رشد: لا خلاف أن القذف حق للمقذوف، واختلف هل يتعلق به حق للَّه، ثالث الأقوال أنه حق للمقذوف ما لم يبلغ الإمام فإذا بلغه صار حقا للَّه ولم يجز لصاحبه العفو عنه إلا أن يريد سترا. انتهى. وقوله: وله القيام به وإن علمه من نفسه أي وليس للمقذوف تحليف القاذف، وقال الشافعية: له أن يحلفه فإن نكل سقط الحد.

‌تَنْبيهَان:

الأوَّلُ: قوله: "وله القيام به" الخ اعلم أن له القيام بذلك ولو علم أن القاذف رآه يزني كما في الميسر.

الثاني: قوله: "وله حد أبيه وفسق" أي وله أن يحلفه هو أحد أقوال ثلاثة، وعزاه ابن رشد في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من الأقضية لرواية أصبغ عن ابن القاسم في الشهادات، ونصه: وقد روى أصبغ عن ابن القاسم في الشهادات أنه يقضى له أن يحلفه وأن يحده. ويكون عاقا بذلك ولا يعذر بجهل وهو بعيد؛ لأن العقوق من الكبائر فلا ينبغي أن يمكن أحد من ذلك، وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وسحنون: إنه لا يقضى له بتحليفه ولا يمكن من ذلك ولا من أن يحده في حد يقع له عليه لأنه من العقوق وهو مذهب مالك في المدونة في اليمين في كتاب المديان وفي الحد في كتاب القذف وهو أظهر الأقوال. وقال ابن رشد عن مالك: أكره لمن بينه وبين أبيه خصومة أن يحلفه. ابن رشد: وهذا يدل على أن له أن يحلفه ولا يكون عاقا إذ لا

(1)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث 13. باختلاف.

ص: 518

مأثم في فعل المكروه وإنما يستحب تركه، فَتَحَصَّلَ في المسألة ثلاثة أقوال قاله الحطاب. قال: وقد ذكر الشيخ في باب التفليس أنه ليس له أن يحلف أباه إلا المنقلبة والمتعلق بها حق الغير وأخرجها من الخلاف. واللَّه أعلم.

كوارثه يعني أن وارث المقذوف أي من يستحق ميراثه له أن يقوم بحد موروثه إذا مات المقذوف قبل أن يستوفي الحد من القاذف ولم يَعْفُ ولم يوص لآخر بالقيام به دون غيره، وليس المراد من يرث بالفعل بدليل قوله: ولكل القيام به وإن حصل من هو أقرب، واحترز بوارثه عن غيره كابن ابنته. قاله الشبراخيتي. وقال اللخمي: إن مات المقذوف وقد عفا فلا قيام لوارثه، وإن أوصى بالقيام به لوارثه لم يكن لوارثه عفو، فإن لم يعف فالحق لوارثه العاصب. انتهى.

‌تَنْبيهَاتٌ:

الأوَّلُ: قوله: "كوارثه" مقيد بما إذا لم يكن مضى من طول الزمان ما يرى أنه قد ترك حقه كما في المدونة وغيرها. قاله الرهوني. ونص المدونة قال: ومن خاصم في قذف فمات قبل إيقاع البينة فلورثته القيام بذلك ويحد لهم القاذف إن أتوا ببينة ولو لم يقم المقذوف بقذفه حتى مضت سنة أو أقل أو أكثر ولم يسمع منه عفو ثم مات فقام بذلك وارثه، فإن لم يمض من طول الزمان ما يعد به [المقذوف]

(1)

تاركا فلورثته القيام، وإن مضى من طول الزمان ما يرى أنه تارك فلا قيام لهم، فأما لو قام المقذوف نفسه بعد طول الزمان لحلف باللَّه ما كان تاركا لذلك، ولا كان وقوفه إلا أن يقوم بحقه إن بَدَا لَهُ وَحُدَّ له بخلاف ورثته. انتهى. ونحوه لابن يونس، قال ابن ناجي في شرحها: وما ذكره في الطول هو المشهور، وقال أشهب: لهم أن يقوموا. انتهى. وذكر اللخمي الفرق بين الديون، وهذا بقوله بخلاف ديون مَيِّتِهم لأن شأن الديون أن لا تترك والأعراض كثير من الناس لا يطلبها ولا يستحسن ذكرها ولا يحب أن يُتحدث عنه بأنه شتم، فإذا لم يذكر ذلك حتى مات حمل فيه على العادة الجارية من كثير من الناس. انتهى. ونقله أبو الحسن باللفظ وابن ناجي بالمعنى وسلماه. انتهى.

(1)

في الأصل القاذف والمثبت من الرهوني ج 8 ص 133.

ص: 519

الثاني: قوله: "كوارثه" هو فيما إذا مات المقذوف كما علمت، وأما لو لم يمت المقذوف، ففي المدونة: وأما الغائب فليس لولده ولا لغيره القيام بقذفه إلا أن يموت ولا وارث له فأوصى بالقيام به، وإذا قذف ميتة أو غائبة فقام بحدها ولد أو ولد ولد أو أخ أو أخت أو جد أو عم أو أب، فأما في الموت فيمكن من ذلك وأما في الغيبة فلا. انتهى. ابن يونس: قال ابن القاسم: لا يقوم بذلك ولد ولا غيره وإن طالت الغيبة وقاله أصبغ، وقد قيل: لولده القيام في الغيبة البعيدة ويحد لهم وليس لهم ذلك في القريبة، ويكتب إلى المقذوف. وذكر ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: لا يقوم للغائب أحد من قرابته إلا الولد في أبيه وأمه، وقال محمد عن مالك وابن القاسم: إذا سمعه رجلان فرفعا ذلك للإمام فلا ينتظر في ذلك ويحد. انتهى. ونقل أبو الحسن بعضه، ومثله لابن ناجي وكلامهم يدل على أنهم فهموا المدونة على ظاهرها، وظاهر كلام اللخمي أنه فهم المدونة على ظاهرها أيضا، ونقل ابن عرفة كلام المدونة وبعض كلام اللخمي، وقال عقب ذلك: قُلْتُ في سرقتها: ولو سمع الإمام رجلا يقذف رجلا ومعه من ثبتت شهادته عليه أقام الإمام عليه الحد. انتهى. وكأنه رحمه الله قصد المعارضة بين كلاميها وقد قال أبو الحسن عقب نص سرقتها: ظاهره كان المقذوف حاضرا أو غائبا فهي معارضة للتي قبلها، وقيل: معنى هذه أنه حاضر، وفي كتاب أبي إسحاق في كتاب القذف: معناه أنه رفعه. انتهى المراد منه.

الثالث: من صالح من قذف على شقص أو مال لم يجز ورد ولا شفعة فيه بلغ الإمام أم لا. قاله الحطاب.

وإن قذف بعد الموت يعني أن الوارث يقوم بقذف موروثه فيحد له القاذف كما عرفت، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القذف قبل موت الموروث وأن يكون بعد موته، قال الخرشي: ولا فرق بين أن يصدر القذف قبل موت المقذوف أو بعد موته، قال فيها: من قذف ميتا فلولده وإن سفل وأبيه وإن علا القيام بذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن قذف بعد الموت أغيا به ليلا يتوهم أنه لا حق للميت لانقطاع علمه فلا يكون لورثته حق؛ لأن حقهم مرتب عن حقه.

ثم بين الوارث بقوله: من ولد وولده وأب وأبيه يعني أن الوارث الذي له القيام بحق موروثه في القذف هو الولد وولد الولد وإن سفل، وهو شامل للذكر والأنثى والأب وأبوه وإن علا ولا مدخل

ص: 520

لِلْإخوة ونحوهم مع وجود هؤلاء، فإن فقدوا قام الإخوة ونحوهم مقامهم ولا مدخل لأحد الزوجين في القيام بالقذف، قال البناني: كلام المدونة ظاهر في أنه لا دخول للزوجين في ذلك، قال ابن عرفة: وفيها من قذف ميتا فلولده وإن سفل وأبيه وإن علا القيام بذلك والأبعد كالأقرب، وليس للإخوة وسائر العصبة مع هؤلاء قيام، فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة القيام وللأخوات والجدات القيام إلا أن يكون له ولد، وإن مات ولا وارث له فأوصى بالقيام بقذفه فلوصيه القيام به، وذكر اللخمي لفظها فقال: فأدخل النساء والعصبة في القيام. وفي كتاب محمد: أما الإخوة والبنات وغير أب أو ابن فلا قيام له إلا أن يوصيه فأسقط الإخوة والعصبة وسائر النساء، وقال أشهب: ذلك للأقرب فالأقرب، وأما بنت البنت والزوجة فلا. انتهى. وقال في التوضيح: قوله: الوارث مخصوص بغير الزوج والزوجة، فإنه لا قيام لهما. انتهى.

فَتَحَصَّلَ أن مذهب المدونة تقديم الولد وولده وإن سفل وأب وأبيه وإن علا ولا مدخل لغيرهم مع وجودهم والأبعد منهم كالأقرب، فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة القيام وللأخوات والجدات القيام، وأن مذهب ابن المواز أنه لا مدخل لغير الأب والابن، وقال الشبراخيتي: ثم بين الوارث بقوله: من ولد وولده وإن سفل وأب وأبيه وهو جده وإن علا، فإن عدم من ذكر قام به غيرهم من الإخوة وباقي الورثة كما يفيده كلام المدونة، وقال ابن المواز عن ابن القاسم: ليس لغير من ذكر قيام مع عدمهم وهو ظاهر كلام المصنف، فقوله:"من ولد" الخ قال في الحاشية: هو ظاهر في مذهب الموازية محتمل لذهب المدونة بتأويل، وهو أن قوله:"من ولد" الخ بيان للأقربين فيكون من باب الاكتفاء ولا كلام لغيرهم مع وجودهم، كأنه قال: فإن فقد الأقربون فالكلام لغيرهم من العصبة الأقرب فالأقرب، لكن غيرهم لا يقوم بعيده مع قريبه إلا مع فقده، والجمهور على جواز ذكر البعض وترك البعض الآخر اعتمادا على القرائن، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: اتقوا السبع الموبقات الشرك باللَّه وعقوق الوالدين وشهادة الزور، فإنه ذكر البعض وترك البعض

ص: 521

اعتمادا على (حديث أبي هريرة حيث ذكر السبع)

(1)

، وذكر في الشرح أن قيام الأبعد مع وجود الأقرب يجري في قيام الأصل والفرع وفي قيام باقي الورثة، أما الأول فمنصوص وأما الثاني فالظاهر أنه كذلك. انتهى. وقال التتائي: ثم شبه في التخيير، فقال:"كوارثه" له القيام بحد موروثه إذا مات قبل استيفائه ولم يعف ولم يوص لآخر بالقيام به دون غيره، وإذا أوصى به فليس للوصي العفو. قاله اللخمي. واحترز بوارثه عن غيره كابن ابنته، وأراد بالوارث من يرث في الجملة وإن لم يرث الآن وهو قول ابن القاسم. انتهى.

ولكل القيام به يعني أن لكل واحد من ورثة المقذوف المذكورين القيام بقذف موروثهم حيث كانوا في مرتبة، بل وإن حصل أي وُجِدَ من هو أقرب من القائم فيمكن من ذلك ويحد له، قال عبد الباقي: ولكل من الورثة القيام وإن حصل أي وجد من هو أقرب منه فلابن الابن القيام به مع وجود ابن الصلب؛ لأن المعرة لاحقة لجميعهم على حد سواء، وليس كالدم أي القصاص يختص بالقيام به الأقرب، وأفاد بالمبالغة رد قول أشهب: يقدم الأقرب فالأقرب، والظاهر أن باقي الورثة -غير من ذكره المصنف- يجري فيه قوله: ولكل إلخ. انتهى.

والعفو قبل الإمام يعني أنه يجوز للمقذوف أن يعفو عن حد قاذفه قبل بلوغ الإمام أي قبل أن يصل الأمر إلى الإمام. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وللمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام ما لم يكن وارثا قام بقذف موروثه، والمراد بالإمام الحاكم وإن لم يكن قاضيا لقول المدونة: إذا بلغ الإمام أو صاحب الشرط أو الحرس أي لا ولاة المياه وهم السعاة. انتهى. وقال عبد الباقي: ويجوز للمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام أو صاحب الشرط أو الحرس كولاة المياه أي السعادة إلا الوارث القائم بقذف موروثه فليس له العفو. انتهى. قوله: إلا الوارث القائم بأمر موروثه الخ، قال البناني: محل هذا إذا أوصى الميت بالقيام به وإلا فله العفو، قال ابن عرفة: اللخمي: إن مات المقذوف وقد عفا فلا قيام لوارثه وإن أوصى بالقيام به لم يكن لوارثه عفو، فإن لم يعف ولم يوص فالحق لوارثه. انتهى. ومثله في التوضيح. انتهى.

(1)

صحيح البخاري، كتاب الوصايا، رقم الحديث، 2766. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم الحديث، 89.

ص: 522

وبعده إن أراد سترا يعني أن العفو قبل بلوغ الإمام جائز مطلقا أراد المقذوف الستر على نفسه أم لا، وأما بعد بلوغ الإمام فيجوز العفو إن أراد سترا على نفسه لا إن لم يرده، قال في المدونة: مثل أن يخاف أن يثبت ذلك عليه إن لم يعف، قيل لمالك: وكيف يرى ذلك، قال: يسئل الإمام عن ذلك سرا، فإن أُخْبرَ أن ذلك أمر قد سمع أجاز عفوه. الشيخ عن الموازية: معنى إذا أراد سترا قال مالك: مثل أن يكون ضرب الحد قديما فيخاف أن يظهر ذلك عليه الآن، وقال ابن الماجشون: قول مالك: إذا أراد سترا يعني إذا كان مثله يفعل ذلك ولا يكلف أن يقول أردت سترا؛ لأن قول ذلك عَارٌ، فأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه. الصقلي: وهذا إذا قذفه في نفسه، فإن قذفه في أبويه أو أحدهما وقد مات المقذوف لم يجز العفو فيه بعد بلوغ الإمام. وقاله ابن القاسم. وأشهب. انتهى. ونحوه في التوضيح. واللَّه أعلم. نقله البناني.

‌تنبيهات:

الأوَّل: اختلف في القذف هل فيه حق للَّه تعالى وعليه فالحد يقيمه الإمام إذا بلغه رفعه صاحبه أم لا ولا عفو له، وإذا ادُّعي عليه العفو لم يحلف لأن ما فيه حق للَّه تعالى ليس له إسقاطه، وأما من ادعي عليه القذف فلا يحلف إلا بشاهد، فإن نكل حبس حتى يحلف أو يقر. قاله في الميسر.

الثاني: التعزير يجوز فيه العفو والشفاعة ولو بلغ الإمام. ذكره الحطاب.

الثالث: قال الشبراخيتي: وبعده أي بعد بلوع الإمام إن أراد المقذوف سترا على نفسه بأن يخشى أنه إن ظهر ذلك للناس قامت عليه بينة به، قال التتائي: وتعرف إرادة الستر بأن يسأل الإمام خفية عن حال المقذوف، فإن بلغه عنه أن الذي قيل فيه الآن أمر قد سمع وأنه يخشى أن يثبت عليه أجاز عفوه. أصبغ: ومثل أن يضرب الحد قديما فيخاف أن يظهر عليه الآن. انتهى. ويبقى النظر فيما إذا أراد الستر على القاذف خشية حصول ضرر له منه، فهل يعمل بعفوه بعد بلوغ الإمام وهو الظاهر أم لا؟ وقوله: "إن أراد سترا ما لم يكن القاذف أباه أو أمه أو جده فله العفو وإن لم يرد سترا. انتهى. الرهوني: هذا الاستثناء على ما ذهب عليه المصنف، وأما على المشهور ومذهب المدونة من أنه ليس له حدهم فلا استثناء، وقد صرح الحطاب بذلك، فقال: وعلى القول بأنه يحد لقذف ولده ويفسق فإنه يجوز عفوه، ولو بلغ الإمام. قال اللخمي: ولا

ص: 523

اختلاف في ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: وبعده إن أراد المقذوف سترا على نفسه بأن يخشى أنه إن أظهر ذلك قامت عليه بينة بما رماه به القاذف، أو يخشى أن يقال: ما لهذا حُدَّ؟ فيقال: قذف فلانا، أو يخشى أن المحدود يظهر للناس في المقذوف عيبا أو يضرب المقذوف حدا قديما فيخشى إذا أقام على قاذفه حدا أن يظهر حده القديم، وأما العفيف الفاضل فلا يجوز عفوه، وينبغي شمول المصنف أيضا لإرادة الستر على القاذف لو حد من حصول ضرر له مآلا، ويجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيه ولو بلغ الإمام. قاله الحطاب. وظاهره ولو كان التعزير متمحضا لحق اللَّه. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: انظر كيف يجوز العفو عنه والشفاعة فيه مع أنه واجب لحق اللَّه عز وجل؟.

الرابع: قال أبو الوليد في المنتقى: مَسْأَلَةٌ: وأما القاذف يعطي المقذوف دينارا على أن يعفوَ عنه، ففي العتبية من رواية أشهب عن مالك: لا يجوز ذلك ويجلد الحد، ووجه ذلك أنه حق يتعلق به حق اللَّه تعالى فلا يسقط بمال كالقطع في السرقة. انتهى. وفي اختصار الشيخ حلولو لِنوازل شيخه البرزلي: مَسْأَلَةٌ: وفيها: من صالح رجلا عن قذف على شِقْص لم يجز لأن الحدود إنما فيها العفو أو إقامتها. انتهى. الرهوني: قول أبي الوليد الباجي: حق يتعلق به حق اللَّه تعالى الخ فيه إشكال؛ لأنه إن أراد يتعلق حق اللَّه به ليس للمقذوف إسقاطه وهو قول أشهب فالمذهب كما علمت خلافه، وإن أراد يتعلق حق اللَّه به مع كونه حقا للمقذوف فهو منقوض بالقتل الذي هو أعظم من القذف بكثير، وبذلك رد اللخمي على أشهب، ونصه: قال أشهب في مدونته فيمن عفا عن قاذفه ثم أتى بعد زمان وأراد أن يحده أن ذلك له. قال: لأنه حد من حدود اللَّه تعالى. قال الشيخ رحمه الله: قول مالك إن ذلك حق للمقذوف أحسن، وليس تعدي القاذف في قذفه أعظم من تعديه على قتله، ولا خلاف أن له أن يعفو عن قاتله. انتهى. وهذا مما يزيد الإشكال قوة. فتأمله.

قلت: والظاهر في الفرق بين الصلح عن القصاص وعن القذف مع اشتراكهما في أن لمستحقهما إسقاطهما مجانا فيسقطان أن القصاص أقرب إلى المال من القذف ولا سيما على قول أشهب،

ص: 524

وروايته عن مالك أن لأولياء المقتول جبر المقاتل على الدية وهو قول الشافعي وغير واحد من الأئمة، والموافق للحديث المتفق عليه ولأنه يؤل للمال على المشهور من قول مالك وابن القاسم أنه يجبر المقاتل على الدية في كثير من المسائل، ولأن الدم إذا استحقه متعدد يسقط بعفو بعضهم ويئول حق غيره إلى المال فيعطى نصيبه من الدية والقذف إذا استحقه متعدد لا يسقط بعفو بعضهم، بل يكون للآخر القيام به فلم يؤل إلى المال في حال من الأحوال، وقد قال الباجي نفسه قبل ما قدمناه عنه بقريب: إن حد القذف مبني على أنه لا يجوز عفو بعض القائمين، بخلاف ولاة الدم لأن هذا ليس بدلا من المال فَيَؤُولُ بعض من قام بالدم إليه إذا عفا بعضهم. انتهى. فتأمله بإنصاف. وما تقدم من أن قول أشهب في مدونته أن للعافي القيام بالقذف بعد عفوه مقابل، محله إذا وقع العفو مطلقا لا مقيدا، ففي اختصار الشيخ حلولو لنوازل البرزلي وفيها: إذا عفا المقذوف على أنه متى شاء قام بحده وكتب بذلك كتابا وأشهد بذلك له متى قام به، فإن مات كان لوالده القيام به، قال شيخنا: معناه إذا رضي القاذف بالتأخير. انتهى. والضمير في قوله: وفيها -واللَّه أعلم- للمدونة لأن المسألة مذكورة فيها وقد تردد أبو الحسن في فهمها، وما عزاه اللخمي لأشهب عزاه ابن يونس لروايته مع زيادة ونصه: وروى أشهب عن مالك أنه متى قام به بعد ذلك العفو حد له إلا أن يكون أراد سترا، وقاله ابن شهاب وابن وهب، وقال أصبغ: قول مالك وابن القاسم أحب إلينا وهو قول الناس أن عفوه قبل بلوغ الإمام يسقط عنه الحد. انتهى. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى.

الخامس: قال الشبراخيتي: لا يجوز للإمام العفو عن حد السرقة والزنى والشرب حيث بلغه، ولا يجوز لأحد الشفاعة فيها لأنها حقوق للَّه تعالى ولو تاب الفاعل وحسنت حالته، وأما قبل بلوغ الإمام فتجوز الشفاعة فيها. قاله التتائي. قوله: وأما قبل بلوغ الإمام الخ ظاهره سواء كان معروفا بالفساد أم لا، ولكنه فصل في المدونة في حد السرقة خاصة بين المعروف بالفساد فلا تجوز الشفاعة فيه وبين غيره فتجوز. انتهى.

ص: 525

وإن قذف في الحد ابتدئ لهما يعني أن القاذف إذا قذف في أثناء الحد فإنه يُبْتَدَأُ للقذفين حَدٌّ واحد، سواء كان المقذوف ثانيا هو المقذوف أَوَّلًا أوْ لَا، إلا أن يبقى يسير فيكمل الأول يعني أنه إذا قذف في أثناء الحد فإنه يُبْتَدَأُ للقذفين حد واحد كما عرفت، ومحل هذا حيث لم يبق من الحد يسير: وأما إن بقي منه يسير كخمسة عشر سوطا فإنه يكمل الحد الأول ويستأنف للقذف الثاني حد أي يحد حدا تاما. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وإن حصل القذف ثانيا في اثناء الحد للقذف كان المقذوف ثانيا هو الأول أو غيره ابتدئ لهما أي للقذفين حد واحد، إلا أن يبقى يسير كخمسة عشر سوطا فدون فيكمل الأول ثم يستأنف للثاني حد. انتهى. وكلامه صريح أو كالصريح في أنه إن بقي من الحد الأول ستة عشر سوطا فأكثر فإنه يستأنف للقذفين حد واحد. واللَّه سبحانه أعلم. وإنما كان صريحا أو كالصريح لحده لليسير المستثنى بخمسة عشر فدون. وفي التتائي: قال البساطي: فإن قُلْتَ: إذا بقي يسير جعله ابن القاسم كالعدم وإن مضى يسير لم يجعله كالعدم، فما الفرق؟ قلت: لو قطعنا وقد بقي يسير كان الابتداء في معنى الحد ثانيا فلا فائدة في القطع ولو تمادينا، وقد مضى يسير لم يستوف حد القاذف، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وقال المواق في الموازية: إن جلد للأول شيئا ثم قذف آخر استؤنف الحد، وإن بقي مثل عشرة أسواط أو خمسة عشر فليتم الحد ثم يؤتنف الحد للثاني. انتهى.

‌فرع:

قال الحطاب: وإن شهد قوم على رجل أنه قذف فلانًا وفلانٌ يكذبهم ويقول ما قذفني، لم تجز شهادتهم إلا أن يكون المقذوف هو الذي أتى بهم وادعى ذلك ثم أكذبهم بعد أن شهدوا عند السلطان وقال ما قذفني فإنه حد وجب لا يزيله هذا بمنزلة عفوه عنه ويضرب القاذف الحد. انتهى. وقال الحطاب: إن قذف رجل رجلا غائبا بحضرة الإمام ومع شهود، قال في كتاب القذف من المدونة: أقامه الإمام عليه، فتأوله ابن المواز على أنه يقيمه بعد طلب المقذوف، وتأوله ابن حبيب على أنه يقيمه في غيبته، انظر المقدمات وابن عرفة وأبا الحسن الصغير في كتاب القذف في مسألة سماع الإمام القذف، قال: وتأويل ابن المواز أحسن. واللَّه أعلم. انتهى.

ولما أنهى الكلام على القذف وما يتعلق به شرع في الكلام على السرقة وما يتعلق بها، فقال:

ص: 526

‌باب: ذكر فيه السرقة

قال في القاموس: سرق منه الشيء يسرق سرقا محركة وككتف وسَرَقَةً محركة وكفرحة وسَرْقا بالفتح واسترقه جاء مستترا إلى حرز فأخذ مال غيره، والاسم السرقة بالفتح وكفرحة وكتف وسرق كفرح خَفِيَ، والسَّرَق محركة شقق الحرير الأبيض أو الحرير عامة الواحدة بهاء. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: قال في التوضيح: السرقة أخذ المال خفية من غير أن يؤتمن عليه ولا يطرد لصدقه على أخذ ما دون النصاب وما ليس بحرز، وأخذ الأبوين من مال ابنهما ما لم يؤذن لهما، والعبد من مال سيده وغير ذلك مع أنه لا قطع في الجميع، ولا ينعكس لخروج أخذ ما ليس بمال ولا يقال هذه شروط وجوب حد السرقة لا من حقيقة السرقة؛ لأنا نقول: المحدود السرقة الموجبة للحد.

وقال ابن عرفة: هي أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه، فيخرج أخذ غير الأسير مال حربي وما اجتمع بتعدد إخراج وقصد وأخذ الأب مال [ولده]

(1)

وأخذ المضطر في المجاعة. انتهى. فقوله: لصغره أي أو لغير ذلك كجنونه، وقوله: أو مالا محترما لغيره يرد عليه أن من سرق خمر الذمي لا يقطع مع أنه مال محترم بالنسبة للذمي، ولذا كانت القيمة على متلفه إلا أن يقال أراد بالمحترم ما كان محترما بالنسبة للسارق ولرب المسروق منه. وقوله: أخرجه ضميره البارز يرجع لقوله: مالا محترما، فيدخل فيه سرقة ثوب لا يساوي ثلاثة دراهم مصرور فيه ثلاثة دراهم فإنه يقطع وإن لم يقصد إخراج ما فيه، وقوله: بقصد واحد أخرج ما أخرجه بتعدد إخراج وقصد، وقوله: لا شبهة له فيه أخرج سرقة الأب من مال ولده. انتهى. ابن مرزوق: ولا يطرد يعني حد ابن عرفة لصدقه على العبد يسرق من مال سيده، وكذا من فيه بقية رق مع أنه لا يقطع لا يقال يخرج بقوله لا شبهة له فيه، فإن العبد لا شبهة له في مال سيده ولصدقه أيضا على من لا يقطع لكونه سرق من موضع أذن له في دخوله، وكذلك سائر الخُيَّان كالضيف يسرق من بيت [من]

(2)

الدار لم

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من بناني ج 8 ص 92.

(2)

ساقطة من الأصل والمثبت من الرهوني ج 8 ص 136.

ص: 527

يوذن له في دخوله، ولا يخرجهم أيضا قوله: لا شبهة له فيه لأنهم لا شبهة لهم في المال. انتهى. ويجاب عمن سرق من موضع أذن له في دخوله بأنه لما أذن له في دخول الموضع صار غير حرز بالنسبة له: وذكر الخرشي أنه يرد عليه أيضا من سرق نصابا ثم سرقه آخر من السارق فإنهما يقطعان معا، قال البناني: وفيه نظر، فإن المال المسروق محترم بالنسبة للثاني أيضا. انتهى. والسرقة محرمة كتابا وسنة وإجماعا، قال اللَّه تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} الآية، وقال صلى الله عليه وسلم:(لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده)

(1)

.

‌تَنْبيهَاتٌ:

الأوَّلُ: اعلم أنه أساء المعري حيث قال:

يد بخمس مئين عسجدا فديت

ما بالها قطعت في ربع دينار

تناقض ما لنا إلا السكوت به

فنستعيذ ببارينا من النار

أعني أنه أساء في قوله تناقض وأجابه القاضي عبد الوهاب بجواب بديع فقال:

عز الأمانة أغلاها وأرخصها

ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

ويروى بدله:

وقاية النفس أغلاها وأرخَصَها

صيانةُ المال فافهم حكمة الباري

ويأتي تفسير هذين البيتين عند قوله: "شرعا".

الثَّاني: قال عياض: أخذ المال بغير حق على ضروب عشرة:

1 -

حرابة،

2 -

وغيلة،

3 -

وغصب،

4 -

وقهر،

5 -

وخيانة،

6 -

وسرقة،

7 -

واختلاس،

8 -

وخديعة،

9 -

وتعد،

10 -

وجحد.

واسم الغصب يطلق على ذلك كله في اللغة، فالحرابة كل ما أخذ بمكابرة ومدافعة، والغيلة ما أخذ بعد قتل صاحبه بحيلة ليأخذ ماله، وحكمه حكم الحرابة، والغصب ما أخذه ذو القدرة والسلطان، والقهر نحو

(1)

صحيح البخاري، كتاب الحدود، رقم الحديث، 6783. صحيح مسلم، كتاب الحدود، رقم الحديث، 1687.

ص: 528

منه إلا أنه يكون من ذي القوة في جسمه للضعيف ومن الجماعة للواحد، والخيانة كل ما كان لآخذه قبله أمانة أو يد، والسرقة ما أخذ على وجه الاختفاء، والاختلاس كل ما أخذ بحضرة صاحبه على غفلة ومرَّ آخِذُه بسرعة والخديعة كل ما أخذ بحيلة كالتشبه بصاحب الحق أو الوديعة والمتزيّي بزيّ الصلاح والفقر ليأكل بذلك، والجحد إنكار ما تقرر في ذمة الجاحد في أمانته وهو نوع من الخيانة، والتعدي ما أخذ بغير إذن صاحبه بحضرته أو مغيبه. انتهى. نقله أبو الحسن.

الثالث: اعلم أن أركان السرقة ثلاثة الشيء المسروق والسرقة وهي الإخراج والسارق.

ولم يرى المؤلف [السرقة]

(1)

بل بدأ بما يترتب عليها فقال: تقطع اليمنى وتحسم بالنار يعني أن المكلف مسلما كان أو كافرا، حرا كان أو رقيقا ذكرا كان أو أنثى إذا سرق ما يأتي بيانه ويمينه صحيحة تقطع من كوعها إجماعا ولو كان أعسر، فالسنة بينت أن القطع من، الكوع فقد خصصت عموم قوله تعالى:{فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ، وإذا قطعت اليد فإنها تحسم أي تكوى بالنار لينقطع جريان الدم ليلا يتمادى جريه حتى ينزى فيموت، فإذا احترقت أفواه العروق منع ذلك جري الدم، وكذلك الحكم في الحرابة فالحسم من حق السارق لا من تمام الحد. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: تقطع يد السارق اليمنى من الكوع لأن السنة خصصت عموم الآية، وقدم عقوبتها لقلة الكلام فيها ليتفرغ لفروعها الكثيرة وكثيرا ما يفعله المؤلفون، وتحسم أي تكوى بالنار لينقطع جريان الدم ليلا يتمادى به فيموت، فإذا احترقت أفواه العروق منع ذلك جري الدم والظاهر أنه واجب على الإمام، والمقطوعة يده معا، ففي الأبي عن ابن عرفة: من قطعت يده بحق لا يجوز ترك مداواتها، فإن تركها فهو من معنى قتل النفس، بخلاف قطعها ظلما فله تركها حتى يموت وإثمه على قاطعه. انتهى. والظاهر أن لا يأثم أيضا إن تركها عمدا، وانظر هذا مع قوله:"ووجب إن رجا حياة أو طولها". وفي العمدة لابن عسكر: تحسم بالزيت والمعنى

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من الخرشي ج 8 ص 92.

ص: 529

واحد؛ لأن الزيت يغلى على النار ثم تجعل اليد فيه، وهل الحسم من تمام الحد أم لا؟ قولان، وظاهر كلام المصنف أنه من تمامه. انتهى.

وقال عبد الباقي: تقطع يد السارق المكلف، مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، اليمنى لمن كوعها كما بينته السنة بسبب عموم قوله تعالى:{فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وتحسم أي تكوى بالنار وجوبا خوف هلاكه، وظاهر المصنف أنه من تمام الحد وليس بمراد. انتهى. ونحوه للخرشي، وقوله: من تمام الحد معناه الحد الذي أمر اللَّه به في شأن السارق، قال عبد الباقي: قال الحطاب: انظر هل الحسم واجب على الإمام أي فإن تركه أثم؟ أو على المقطوعة يده؟ والظاهر أنه يجب عليهما كما أنه يجب على الإمام فيمن قطعت يده ظلما؛ أي كمسألة: "وإن تعمد إمام أو غيره يسراه" كما يأتي؛ أي يغلى زيت ونحسم به لينقطع جريان الدم. التتائي: وظاهره كالجلاب وابن الحاجب والإرشاد وغيرهم ولو كان أعسر وهو كذلك، وعن اللخمي ما يخالفه. انتهى.

أي إن أعسر اليمنى تقطع يده اليسرى، واقتصر عليه في كفاية الطالب وتحقيق المباني والتوضيح والأجهوري، ولم يذكروا مقابلا للخمي، وأما الأضبط فتقطع يمناه اتفاقا. انتهى. وقال التتائي: تقطع يد السارق اليمنى إجماعا من كوعها، وإنما لم يذكر موضع القطع لشهرته، وبدئ باليمنى لأنها هي المباشرة للمسروق غالبا وتحسم أي تكوف بالنار. وروي أن سارقا سرق شملة، فقال عليه الصلاة والسلام:(اقطعوه واحسموه)

(1)

؛ أي لينختم رؤوس العروق. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: تقطع اليمنى من الكوع وتحسم بالنار، قال مالك: تقطع يد السارق ثم يحسم موضع القطع بالنار، وكذا في الرجل؛ في اليد من مفصل الكوع في الرجل من مفصل الكعبين.

إلا لشلل يعني أن محل قطع اليد اليمنى أولا إنما هو حيث لم تكن شلاء، وأما إن كانت اليد اليمنى شلاء فإنها لا تقطع ويأتي بيان ما يقطع حينئذ قريبا إن شاء اللَّه، وقوله:"إلا لشلل"، قال البناني: ظاهره ولو كان ينتفع بها وهو كذلك، خلافا لابن وهب ويقيد ذلك أي قول المصنف

(1)

المستدرك على الصحيحين، ج 4، ص 381.

ص: 530

إلا لشلل بأن يكون الشلل بينا، وأما إن كان شللا خفيفا فإنه لا يمنع القطع. قاله الحطاب. وفي الموازية: إن كان الشلل بينا لا [يقتص]

(1)

منه لم تقطع. اللخمي: وقال ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر: تقطع إن كان ينتفع بها، وقال الحطاب: انظر قول اللخمي: ولو كان أعسر قطعت يده اليسرى مع وجود اليمنى: لأنها التي سرقت فإنه غريب ولم أقف عليه لغيره، ونقله ابن غازي ولم يتعقبه ابن عرفة ولا المصنف في التوضيح. انتهى. وقال التتائي:"إلا لشلل" أي فساد فيها، يقال شلت يمينه تشل بالفتح وكذا لو عدمت بسماوي أو قصاص لا بسرقة سابقة. انتهى. وقال الشبراخيتي: إلا لشلل ومن لا يمين له داخل في قوله: "إلا لشلل" لأن المراد بالشلل الفساد، ولو قال: لكشلل ليدخل ما إذا قطعت في قصاص أو بسماوي كان أولى، قال في المدونة: وإن سرق ولا يمين له أوله يمين شلاء قطعت رجله اليسرى. انتهى. وقال عبد الباقي: "إلا لشلل" أي فساد: ومثله قطعها قبل ذلك في قصاص وسقوطها بسماوي لا بسرقة سابقة. قاله التتائي. وتقييده بذلك للخلاف المشار إليه بقوله: "ومحي" إذا ما قطعت بسرقة، يتفق على أنه إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى. انتهى.

أو نقص أكثر الأصابع يعني أنه إذا سرق وكانت يده اليمنى ناقصة أكثر أصابعها فإنه لا تقطع يمناه لأن ذلك كشللها، قوله:"أو نقص أكثر الأصابع" بأن نقصت ثلاثا فأكثر لا إن نقصت إصبعين وأنملتين، قال عبد الباقي: أو نقص أكثر الأصابع ثلاثا لليمنى قبل الحكم بقطعها لا إصبعين وأنملتين. انتهى. فرجله اليسرى يعني أن السارق إذا كان أشل اليد أو ناقص أكثر أصابعها أي اليد اليمنى فإنه لا تقطع يده اليمنى كما عرفت، وإنما تقطع رجله اليسرى. وانظر لو طرأ الشلل. وانظر إذا وجب القطع على الرجل اليسرى فوجدت شلاء أو ناقصة أكثر الأصابع هل ينتقل للرجل اليمنى أو لليد اليسرى أو إلا بعد الحكم بقطعها؟ وقبل القطع هل تقطع نظرا لحال الحكم أم لا؟ الظاهر الأول ويجري مثله فيمن جنى على يد آخر ويده صحيحة وحكم بقطعها ثم شلت. انتهى. وقوله:"فرجله اليسرى" هذا هو المذهب.

(1)

في الأصل يقبض والمثبت من الحطاب ج 6 ص 512 ط دار الرضوان.

ص: 531

وأخذ به ابن القاسم دون قوله: ومحي ليده اليسرى يعني أن الإمام مالكا أمر بمحو القول الأول الذي هو قطع الرجل اليسرى حيث كانت اليد اليمنى شلاء، وأمر بأن يثبت مكانه أنه تقطع يده اليسرى. قال عبد الباقي: فرجله اليسرى تقطع وهو المذهب وأخذ به ابن القاسم دون قوله: ومحا أي محا مالك أي أمر بمحو القول بقطع رجله اليسرى ليده أي للقول بقطع يده اليسرى، فإن هذا المثبت ضعيف، ولذا رتب المصنف ما يأتي على المحو لكن المحو إنما وقع فيمن لا يمين له أوله يمين شلاء، وقيس عليه ناقصة أكثر الأصابع. انتهى. وقال الشبراخيتي: ومحي قطع رجله اليسرى ليده اليسرى، اللام للتعليل أتي للقول بقطع يده اليسرى والمحو فيمن لا يمين له أوله [شلاء لكن ابن القاسم إنما سمع المحو فيمن لا يمين له وبلغه ذلك]

(1)

فيمن له يمين شلاء، والناقصة الأصابع مقيسة على الشلاء والمحو هو المذهب، ولذلك فرع عليه، فقوله: ومحي ضعيف: ولذلك أتى به بصيغة التمريض، والمحو في أربع مسائل أشار لها بعضهم، بقوله:

المحو في الأيمان والأضاحي

وفي كتاب القطع والنكاح

وألحق شيخنا في شرحه بيان الراجح وبيان المحُوِّ والمثبت في مسألة الأضحية، فقال:

والراجح الممحو في اثنتين

قطع وأيمان بغير مين

ثم الذي أثبت في الأضاحي

تأكيد ندب ذبحه يا صاح

والمحو في الأيمان حنثه إذا

لم ينو شيئا وهو قول محتذى

أي مختار وتقدم بيان ذلك. انتهى المراد منه.

قولهما إن المحو إنما وقع فيمن لا يمين له أو له يمين شلاء الخ، قال البناني: هكذا في المدونة على اختصار أبي سعيد، ونصها: إن سرق ولا يمين له أوله يمين شلاء قطعت رجله اليسرى. قاله مالك. ثم عرضتها عليه فمحاها، وقال: تقطع يده اليسرى، وقوله: في الرجل اليسرى أحب

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من الأصل والمثبت من الشبراخيتى مخطوط.

ص: 532

إلي وبه أقول، وبه اعترض مصطفى على المصنف هنا. وفي التوضيح: لأن ظاهره أن المحو وقع في الشلل والنقص معا، مع أن المدونة لم تذكر في النقص رجوعا ولا محوا ولا خلافا، ونصها: وإن لم يبق من يديه إلا إصبع أو إصبعان قطعت رجله اليسرى. انتهى. وهكذا اللخمي مقتصرا على لفظها على أن ابن مرزوق اعترض أيضا على أبي سعيد في ذكره المحو فيمن لا يمين له، مع أن المحو إنما وقع في الشلل فقط، ونصه ظاهر كلام المصنف أن المحو في الشلل ونقص أكثر الأصابع، وظاهر كلام التهذيب أنه فيمن لا يمين له وفي اليد الشلاء، وليس كذلك فيهما وإنما المحو في الشلل خاصة كما في الأمهات لكن الحكم واحد. انتهى. نقله الشيخ أحمد بابا.

وقد اختصر ابن يونس ما في الأمهات، ونصه: ولو سرق أولا ولا يعين له قطعت رجله اليسرى. قاله مالك. وأخذ به ابن القاسم، ثم قال مالك بعد ذلك: تقطع يده اليسرى، ثم قال مالك: وإن سرق ويده اليمنى شلاء قطعت رجله اليسرى، قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فمحاها وأبى أن يجيب فيها بشيء، ثم بلغني عنه أنه قال: تقطع يده اليسرى وأراه تأول قول اللَّه تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ، والقول الأول أحب إلي. انتهى. وقد اعترض أبو الحسن على التهذيب بكلام الأمهات وتبعه ابن ناجي، ويرد مثله على ابن عرفة لاقتصاره على لفظ التهذيب. واللَّه الموفق. لكن ذكر ابن ناجي ما يشير إلى الجواب عن كلام التهذيب، ونصه: وليس المراد بالمحو حقيقته، وإنما المراد أنه رجع عن قوله: ولذلك دونه ابن القاسم والناس. انتهى. قُلْتُ: يعكر على ما ذكروا أنهم عدوا الممحوات أربعا هذه إحداها، ولو كان المراد بالمحو مطلق الرجوع لا انحصرت مسائله في ذلك. واللَّه أعلم. انتهى.

ثم يده هذا مرتب على المستثنى فقط دون المستثنى منه، وهو مرتب على الممحو لا على المثبت؛ يعني أن المكلف إذا سرق والحال أنه لا يمين له أو له يمين شلاء أو له يمين ناقصة أكثر الأصابع، فإنه تقطع رجله اليسرى على القول الأول كما عرفت، فإذا سرق بعد قطع رجله اليسرى فإنه تقطع يده اليسرى على هذا القول، ثم إن سرق بعد قطع يده اليسرى تقطع رجله اليمنى، وأما صحيح الأعضاء الأربعة بعد قطع يده اليمنى فإنه إذا سرق بعد ذلك تقطع رجله اليسرى ليكون القطع من خلاف ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى، وأما لو سرق ثانية على القول

ص: 533

المرجوع إليه وهو قطع يده اليسرى، فهل تقطع رجله اليسرى؟ لأنها تقطع ثانية في صحيح الأعضاء، قال الشارح: وهو الظاهر، أو تقطع رجله اليمنى لتحصيل القطع من خلاف؟ قاله عبد الباقي.

فَتَحَصَّلَ من هذا قِسْمَانِ: الأولُ سالم الأعضاء تقطع يده اليمنى ثم تقطع رجله اليسرى، ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى، القسم الثاني فاقد اليد اليمنى أو أشلها أو ناقص أكثر أصابعها فيه قولان، مَشْهورُهُمَا أنه تقطع رجله اليسرى أولا ثم يده اليسرى ثانيا ثم رجله اليمنى ثالثا، ومُقَابلُ المشهور أنه تقطع يده اليسرى أولا، ثم إن سرق ثانية قطعت رجله اليسرى على ما استظهره الشارح، ولا يخفى على ماللش أنه إذا سرق ثالثة تقطع رجله اليمنى ثم إن سرق سالم الأربعة بعد قطع جميعها بسرقات أربع مرة خامسة، أو سرق الأشل أو ناقص أكثر الأصابع مرة رابعة عُزِّرَ وَحُبسَ باجتهاد الحاكم فيهما، وقال الشارح: يحبس لكف أذاه عن الناس. انتهى. أي أو لظهور توبته كما في أحمد، والظاهر أن نفقته وأجرة الحبس عليه إن كان له مال وإلا فمن بيت المال إن وجد وإلا فعلى المسلمين. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ثم إن سرق الأشل مرة رابعة أو السالم الأعضاء مغ خامسة عزر وحبس لينكف أذاه عن الناس، قال الرزقاني: ولم يبين انتهاء الحبس، ولعل انتهاءه لظهور توبته. انتهى. وهذا يجري فيمن سرق وليس له يدان ولا رجلان أو له ذلك ولكن كل واحدة منهن شلاء أو ناقصة أكثر الأصابع كما ذكره في المدونة، وانظر نفقته وأجرة الحبس على من؟ والظاهر أنها عليه، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال وإلا فعلى المسلمين. انتهى.

وقال التتائي: والقطع في الرجلين من مفصل الكعبين وكذلك الحرابة، وقاله الأئمة لأنه الذي مضى به العمل، وعن علي: من [معقد]

(1)

الشراك في الرجل ليبقى عقبه يمشي عليه. حكاه في الذخيرة. ثم عزر وحبس كما لو كان أشل اليدين وليس له رجلان، ولا يقتل خلافا لأبي مصعب. انتهى. ولو آخر المصنف قوله:"وتحسم بالنار" إلى هنا ليدل على رجوعه لليد والرجل معا لكان

(1)

في الأصل مقعد والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 93.

ص: 534

أولى. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: من سرق ولا يدين له ولا رجلين لم يقطع منه شيء، ولكن يعذب ويحبس ويضمن السرقة وإن كان معدما. انتهى.

وإن تعمد إمام أو غيره يسراه أولا فالقود يعني أنه إذا تعمد إمام أو غيره قطع يد السارق اليسرى بأن علم أن سنة القطع من اليد اليمنى وقطع اليسرى فإن القود يثبت للسارق على من فعل ذلك من إمام أو غيره، والحد باق على السارق أي تقطع يمناه فيقتص له من الإمام أو غيره وتقطع يده اليمنى للسرقة، ولهذا قال: والحد باق قال عبد الباقي: وإن تعمد إمام أو غيره كجلاد قطع يسراه أولا مع علمه بأن سنة القطع في يده اليمنى، فالقود ثابت له على من قطع يده اليسرى ظلما والحد باق على السارق فتقطع يده اليمنى، ومفهوم أولا أن التعمد إن كان في غير أول مرة فكذلك أيضا فمفهوم أولا مفهوم موافقة، فلو حذف قوله: أولا لكان أولى؛ لأنه إذا تعمد إمام أو غيره قطع العضو الذي لم يؤذن في قطعه فإن القود ثابت والحد باق.

وإن كان قطع من ذكر خطأ أي غلطا أجزأ حيث حصل القطع بين عضوين متساويين، فلا تقطع يمينه ولا دية ليده، وقيل له دية يده على من أخطأ فيها إماما أو غيره في ماله، وتقطع يمينه لأن الحد باق لا يزيله قطع يسراه خطأ. قال الرهوني: قال اللخمي: قال مالك: إذا أخطأ الإمام فقطع شماله مع وجود اليمنى أجزأه ولم يقطع يمينه. وقال عبد الملك: لا يجزئه، قال: وليس خطأ الإمام بالذي يزيل القطع عن العضو الذي أوجبه اللَّه فيه وتقطع اليمنى، ويكون عقل الشمال في مال السلطان إن كان هو الذي أخطأ وفي مال القاطع دون عاقلته إن كان هو الذي أخطأ، وإليه رجع مالك. انتهى. ومثله لابن يونس بأتم منه، فإنه قال: ومن المدونة: وإذا أمر القاضي بقطع يد السارق فغلط القاطع فقطع يسراه أجزأه ولا يقطع يمينه ولا شيء على القاطع.

محمد بن يونس: قال أشهب: وقد روى ذلك عن علي بن أبي طالب. ابن حبيب: وقاله مطرف عن مالك ولا شيء على القاطع ولا على الإمام، وقال ابن الماجشون: وليس خطأ الإمام والقاطع مما يزيل القطع عن اليد التي أمر اللَّه تعالى بقطعها، وليقطع يمين السارق ويكون عقل يساره في مال الإمام خاصة إن كان هو المخطئ، أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو المخطئ. ابن حبيب: وبالأول أقول وإليه ذهب المصريون. انتهى. وفي المنتقى: ولو أخطأ الذي قطعه فقطع يده

ص: 535

اليسرى أولا، فقد قال مالك: يجزئ ذلك عنه، فإن سرق ثانية إلى آخر كلامه الآتي قريبا إن شاء اللَّه تعالى.

‌تنبيه:

قال عبد الباقي: وخطأ ولو بتدليس السارق على القاطع أجزأ حيث حصل القطع بين عضوين متساويين، وأما لو أخطأ فقطع الرجل فقد وجب قطع اليد فلا يجزئ ويقطع العضو الذي ترتب عليه القطع ويودي دية الآخر، ومحله أيضا إذا كان المخطئ هو الإمام أو مأموره، وأما لو كان الخطأ من أجنبي فلا يجزئ والحد باق وعلى القاطع الدية، وقول الشارح: والإجزاء في كلام المصنف يدل على أن البداءة باليمنى مستحبة فيه نظر؛ لأن البداءة باليمنى واجبة وإنما منع منه مانع وهو قطع اليسرى خطأ. انتهى.

قوله: ولو بتدليس السارق، انظر ما مستنده في ترجيح هذا مع أن الأجهوري إنما قال ما نصه: والمسألة فيها قولان ولم أر ترجيح أحدهما على الآخر. انتهى. قلت: كلام اللخمي يفيد أنه رجح مقابل ما اقتصر عليه الزرقاني، ونصه: وقال في كتاب محمد: إذا دلس السارق باليسرى حتى قطعت أجزأه، وعلى ما عند ابن حبيب لا يجزئه، فعلى القول أنه يجزئه تكون البداءة باليمنى مستحبة، وعلى القول أنه لا يجزئه هو مستحق وهو أحسن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ باليمين، ومحمل ذلك على وجه البيان لما في القرآن حتى يقع دليل على خلافه. انتهى. ويرجحه أيضا قاعدة المعاملة بنقيض المقصود. واللَّه أعلم.

وقوله: فرجله اليمنى مفرع على قوله: "وخطأ أجزأ" يعني أن الإمام أو غيره إذا قطع يد الشارق خطأ وقلنا بالإجزاء، فإذا سرق مرة ثانية فإنه تقطع رجله اليمنى ليكون القطع من خلاف، فإن سرق مرة ثالثة فتقطع يده اليمنى، فإن سرق مرة رابعة فرجله اليسرى. بسرقة طفل متعلق بتقطع ويرجع أيضا لجميع مسائل القطع؛ يعني أن قطع اليمنى إلى آخر ما مر يثبت بسبب سرقة طفل حر. قال عبد الباقي: وقطع اليمنى إلى آخر ما مر بسرقة طفل حر يخدع أو مجنون انتفع بكل أم لا، وقال الخرشي: بسرقة من لا يعقل لصغر أو بله أو كبر. انتهى. وقال الشبراخيتي: "بسرقة

ص: 536

طفل" الباء سببية لاباء الآلة؛ لأن باء الآلة ما توسط بين الفاعل ومنفعله القريب، وقوله: "طفل" أي حر؛ لأن العبد مال وسيأتي، ويجب تقييده بكلام ابن عرفة وغيره بكونه لا يعقل ما يراد به. انتهى. بسرقة طفل لا يعقل ما يراد منه.

من حرز مثله يعني أنه يشترط في قطع السارق للطفل أن يكون أخذ من حرز مثله، كدار أهله أو مع خادمه الحافظ له، وسواء كان الطفل ذكرا أو أنثى، فإن كان كبيرا فصيحا أو لم يكن في حرز مثله فلا قطع على سارقه. قال المواق: ابن شأس: الركن الأول المسروق، ثم قال: وهو مال وغير مال، فأما غير المال فهو الحر الصغير الخ، وقال التتائي: من حرز مثله كدار أهله وبه قال الفقهاء السبعة، وكذا لو كان مع خادمه الحافظ له، واستشكل اللخمي كون الدار حرزا له إلا أن يقصد بها حفظ إلا أن يكون البلد يخشى فيها سرقة الأطفال يريد كوقتنا هذا بمصر، وأن يقصد بكونه في الدار حفظه وقيدنا الطفل بالحر لأنه سيذكر سرقة العبد. انتهى.

أو ربع دينار يعني أنه إذا كان المسروق ذهبا فإنه يشترط في القطع أن يكون ذلك المسروق ربع دينار فأكثر؛ أي ربع دينار شرعي. قال عبد الباقي: وهو أكبر من المصري والربع بالوزن لا بالقيمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ربع دينار من المذهب، وإنما قدم النوع الأول اهتماما به لكونه ليس من جنس الأموال، فيتوهم فيه عدم القطع. انتهى. وقوله:"أو ربع دينار". لا أقل وإن ساوى ثلاثة دراهم كما مر.

أو ثلاثة دراهم يعني أنه إذا كان المسروق فضة فإنه يشترط في القطع أن يكون المسروق ثلاثة دراهم شرعية أي وزنها، وإن لم يكن مسكوكا فليس المراد خصوص المسكوك من ذهب أو فضة، بل المراد وزن ما ذكر. قال عبد الباقي: أو ثلاثة دراهم شرعية كأقل منها إن كانت القلة لاختلاف الموازين والتعامل بالوزن، فإن نقصت لغير اختلاف الموازين لم يقطع، كإن تُعُومِلَ بالعدد ولم يَرُج الناقص المسروق ككاملة اختلفت بها الموازين أم لا، فإن راج ككاملة قطع فمفهوم المصنف القطع في صورتين وعدمه في باقيها، ولم يجر التفصيل المذكور في ربع دينار لعدم حصول التعامل به غالبا.

ص: 537

ووصف الدراهم بقوله: خالصة من الغش مع أنه يشترط ذلك في ربع دينار. انتهى. ورجعه الشبراخيتي لربع دينار وللدراهم وهو ظاهر لا مانع منه، فإنه قال: وثلاثة دراهم فضة ولا التفات إلى كونها لا تساوي ربع دينار، وسواء كانت لواحد أو اثنين خالصة من الغش بنُحاس. فقوله:"خالصة" مقابل مغشوشة لا مقابل ردية وهو حال من "ربع دينار وثلاثة دراهم"؛ أي حال كون المذكورات الأربع خالصة من الغش ولو كانت ردية المعدن، فإن لم تكن خالصة فلا قطع وإن راجت برواج الكاملة.

وَاعْلَم أنه إن كان المسروق من المذهب أقل من ربع دينار والمسروق من الفضة أقل من ثلاثة دراهم، فإن كان التعامل بهما وزنا نظر للنقص في كل، فإن كان مما تختلف فيه الموازين فإنه بمنزلة الكامل، وإن كان مما لا تختلف فيه الموازين فلا قطع، وأما إن كان التعامل عَدَدًا وَهُو في الدراهم فقط فإن لم ترج رواج الكاملة فلا قطع مطلقا، وإن راجت رواج الكاملة فإن كان النقص يسيرا تختلف به الموازين قطع وإلا فلا. انتهى. ورجع التتائي أيضا قوله:"خالصة" للذهب والفضة، فإنه قال: خالصة من الغش بكنحاس وتبع في اشتراط الخلوص ابن رشد لقوله في مقدماته: سواء كان المذهب والفضة طيبين أوْ دَنِيَّينِ، إلا أن يكونا مغشوشين بالنحاس فلا قطع في النصاب منهما، إلا أن يكون النحاس الذي فيهما يسيرا. انتهى. وظاهر كلام المصنف وشارحيه أن الخلوص يختص بالدراهم، ولم يشترط ابن الجلاب وابن الحاجب وصاحب الإرشاد وكثير خلوصها وهو ظاهر قول ابن المواز وما اعْتُبرَ فيه النصاب من ذهب أو ورق، فإنما ينظر لوزنه دنِيًّا أو جيدا نقرة أو تبرا، ونبه المصنف بقوله:"ثلاثة دراهم" على خلاف الشافعي في أن النصاب ربع دينار وتقوم الدراهم بالذهب، وعلى خلاف أبي حنيفة في أنه عشرة دراهم. انتهى.

أو ما يساويها يعني أنه إذا كان المسروق غير عين فإنه يعتبر فيه أن تبلغ قيمته ثلاثة دراهم خالصة وإن لم يبلغ قيمته ربع دينار، قال عبد الباقي: أو ما أي عرض ولو عبدا يساويها أي الثلاثة دراهم وقت إخراجه من حرزه لا قبله أو بعده، فإن نقصت بعده كذبح شاة بحرز أو خَرق ثوب بحرزه فنقص عند الإخراج لم يقطع، كإن لم يساوها إلا بعد الإخراج لطُرُوِّ غلو. انتهى. بالبلد متعلق "بيساويها" يعني أنه تعتبر مساواة العرض المسروق لثلاثة درهم ببلد المسروق، فإذا

ص: 538

كانت قيمته في البلد الذي سرق فيه تبلغ ثلاثة دراهم فأكثر قطع، فإن لم تبلغها لم يقطع. وقوله:"أو ما يساويها بالبلد" سواء كانت معاملتهم بالدنانير أو بالدراهم أو بالعروض أو بها أغلب.

شرعا يعني أنه يعتبر في قطع من سرق المساوي لثلاثة دراهم أن تكون منفعته معتبرة شرعا، فمن سرق حماما عرف بالسبق أو طائرا عرف بالإجابة إذا دُعِيَ فإنه لا يراعى إلا قيمته على أنه ليس فيه ذلك لأن ذلك من اللعب والباطل، قال عبد الباقي: ويعتبر تقويم المساوي شرعا فلا قطع في سرقة آلة لهو تساويه وخشبتها بدونه لا تساويه، وما ذكره المصنف من أن التقويم بالدراهم لا بالدنانير هو المشهور كما في ابن مرزوق، ومن وافقه وهو واضح حيث كان يتعامل بالدراهم في بلد السرقة أو كانت موجودة فيه وإن لم يتعامل بها، فإن لم توجد ولم يتعامل إلا بالذهب فالتقويم حينئذ بالذهب كذا ينبغي، فإن لم يتعامل فيها إلا بالعرض كالودع ببلد السودان قوم العرض المسروق في أقرب البلاد المتعامل فيها بالدراهم. قال عبد الحق عن بعض شيوخ صقلية: ابن رشد: وهو خطأ صُرَاحٌ لاحتمال كساد السلعة ببلد السرقة حيث لا تساوي ثلاثة دراهم بها وتساوي في غيرها أكثر فَيُؤَدِّي للقطع في أقل من نصاب، قال ابن مرزوق: وسلمت له هذه التخطئة وفيها نظر: بل الصواب ما قاله هذا الشيخ؛ لأن الضرورة داعية لذلك ونظيره اعتبار قيمة جزاء الصيد في أقرب موضع لمحل التكلف إن لم تكن له قيمة في محله. انتهى باختصار. ويكفي التقويم من واحد إن كان موجها من القاضي لأنه من باب الخبر لا الشهادة، وإلا فلا بد من اثنين ويقطع بشهادتهما، وإن خولفا بأن قال غيرهما لا يساويها كما ذكره التتائي عند قول المصنف في باب الشرب مع أنه كان مقتضى درء الحد بالشبهات عدمه في البابين، لكن النص متبع لأن المثبت مقدم على النافي. قال ابن مرزوق: وإنما لم يقوم الذهب والفضة بغيرهما لأن في الحديث القطع بربع دينار فلا ينظر قيمته وإنما ينظر لوزنه. وقطع عليه الصلاة والسلام فيما قيمته ثلاثة دراهم، ففي نفس الثلاثة أحرى لأن الذهب والفضة أثمان الأشياء وقيمة المتلفات ووزنها قيمتها فلا تقوم. انتهى. ويجب القطع أيضا في المجمع منهما أو من أحدهما مع عرض، وسواء سرقه من شخص أو شخصين وكان مالهما بحرز واحد وإلا لم يقطع. انتهى.

ص: 539

وإيضَاحُ قول المصنف: "أو ما يساويها" شرعا أن تقول يقطع المكلف بمسرقته ما يساوي ثلاثة دراهم أي يقوم بها، ولا بد أن تكون القيمة شرعية بأن تبلغ قيمته ثلاثة دراهم باعتبار التقويم الشرعي أي التقويم الذي يعتبره الشرع، لا آلة لهو لأنها لا تبلغ ثلاثة دراهم إلا باعتبار اللهو بها، ولهذا لو كانت خشبة اللهو تساوي ثلاثة دراهم بدون اللهو بها فإنه يقطع. واللَّه تعالى أعلم. وقوله:"شرعا" الظاهر أنه منصوب بنزع الخافض أي في الشرع أو على أنه نائب عن المصدر أي ما يساويها مساواة شرع أي مساواة يعتبرها الشرع هذا ما ظهر لي. وقال الشبراخيتي: إن قوله "شرعا" تمييز. واللَّه تعالى أعلم.

‌تنبيهات:

الأول: قوله: "أو ما يساويها" قال في المدونة: يقومها أهل العدل والنظر، قال: إن اجتمع عدلان بصيران على أن قيمتها ثلاثة دراهم قطع ولا يقطع بتقويم رجل واحد. انتهى. معناه في الاختيار لا أنه لا يجوز إلا ذلك لأن كل ما يبتدئ فيه القاضي بالسؤال فالواحد يجزئ لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة، ولمالك: إن قومت بثلاثة دراهم وبدونها لم يقطع.

الثاني: قد مر سؤال المعري، الفرع بين إلزام الجاني على اليد خمس مائة دينار وقطعها في ربع دينار، بقوله:

يد بخمس مئين عسجدا لخ

ومَرَّ جواب القاضي عبد الوهاب له بقوله:

وقاية النفس أغلاها وأرخصها

صيانة المال فافهم حكمة الباري

ويروى: عز الأمانة الخ، قال التتائي: ونحوه للشبراخيتي، أشار رحمه الله إلى أن الشارع لو لم بقطعها إلا في خمس مائة دينار لأفسد السراق أموال الناس بأن يسرقوا دون ذلك دائما حتى لا يقطعوا، ولو لم يحصل في الجناية عليها إلا ربع دينار لتجرأ الجناة على قطعها لقلة الدية، فالصيانة هي العلة في الموضعين وهي الموجبة للحكمين المتضادين، ومثله يسمى جمع المفترق وهو كون الشيء يوجب أمرين متضادين. انتهى.

ص: 540

الثالث: وقع في الشبراخيتي في النسخة التي بيدي ما نصه: وإذا لم يتعامل في البلد إلا بالعروض فلا قطع على السارق ولا يقوم في أقرب البلاد التي يتعامل فيها بالدراهم. انتهى. وقضية هذا الكلام أو صريحهُ أنه إذا سرق عرضا نفيسا له قيمة عظيمة والبلد الذي سرقه فيه لا دراهم فيه ولا دينار فإنه لا يقطع، والظاهر أن هذا الكلام مصحف وأن هذا لا يقوله أحد. واللَّه أعلم.

الرابع: قد مر قول عبد الباقي: إن لم يتعامل إلا بالذهب فالتقويم بالذهب كذا ينبغي، قال عليه محمد بن الحسن البناني: بل ظاهر كلامهم على مذهب المدونة أن التقويم لا يكون إلا بالدراهم ولو عدمت. انتهى. وقول عبد الباقي: ويعمل بشهادتهما وإن خولفا الخ، قد مر أنه مذهب المدونة، وقد مر كلام ابن رشد عليها. واللَّه تعالى أعلم.

الخامس: قال المواق عند قول المصنف "شرعا" ما نصه: ابن عرفة: المعتبر في المقوم منفعته المباحة في الموازية: من سرق حماما عرف بالسبق أو طائرا عرف بالإجابة إذا دُعِيَ فأحب إليَّ أن لا يراعى إلا قيمته على أنه ليس ذلك فيه لأن ذلك من اللعب والباطل. ابن عرفة: والأظهر في الطيور المتخذة لسماع أصواتها لغو حسن أصواتها في تقويمها. انتهى. انظر هل هذا فرع جواز سجنها لذلك؟ وكان سيدي ابن سراج رحمه الله يتوقف في ذلك. ومن نوازل البرزلي: خصاء الغنم للسمن والبقر للحرث جائز كما لم يمنع الأطفال [من اللعب]

(1)

بالحيوان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(يا أبا عمير ما فعل النغير)

(2)

؟ وكره خصاء الخيل وحرم خصاء الآدمي. انتهى.

وإن كماء مبالغة في القطع لمن سرق ما يساوي ثلاثة دراهم؛ يعني أنه إذا سرق ما يساوي ثلاثة دراهم من العروض فإنه يقطع كما عرفت ولا فرق في ذلك بين ما أصله الإباحة كماء وحطب وكلإ وزرنيخ وملح وحجارة إذا حيزت وفاكهة خضراء وما ليس كذلك، خلافا لأبي حنيفة في عدم القطع فيما أصله الإباحة وفي الأشياء الرطبة المأكولة كالفاكهة. انظر التتائي. وقال الشبراخيتي:

(1)

في الأصل باللعب والمثبت من المواق ج 8 ص 415 ط دار الكتب العلمية.

(2)

صحيح البخاري، كتاب الأدب، رقم الحديث، 6129. صحيح مسلم، كتاب الآداب، رقم الحديث، 2150.

ص: 541

وإن كان المسروق المساوي لها مباح الأصل لا يملكه إلا بعد حوزه، كماء وحطب وكلإ وزرنيخ وحجارة إذا حيزت. قال في المقدمات: والقطع في كل ما يتمول ويجوز بيعه سواء كان مباحا أم لا، يسرع فساده أم لا، خلافا لأبي حنيفة فيهما وللشافعي في الأول. انتهى. وكذا الفاكهة الخضراء خلافا لأبي حنيفة أيضا. انتهى.

وقال عبد الباقي: ثم بالغ على القطع فيما قيمته ثلاثة دراهم، وإن كان محتقرا في نظر الناس لعموم الآية: فقال: وإن كماء أو حطب أو نحو ذلك مما أصله مباح للناس لأنه متمول ويجوز بيعه. انتهى المراد منه. وقال الخرشي: يعني أن من سرق من الماء أو من الحطب أو من غير ذلك مما هو مباح في الأصل ويملكه بوضع اليد عليه وأخرج من حرز مثله ما يساوي ثلاثة دراهم خالصة فإنه يقطع لعموم الآية، خلافا لأبي حنيفة في عدم القطع فيما أصله الإباحة، وفي الأشياء الرطبة المأكولة كالفاكهة ونحوها. انتهى.

أو جارح يعني أن من سرق جارحا يساوي لأجل تعليمه الصيد ثلاثة دراهم يقطع، قال الشبراخيتي: ويقطع في سرقة جارح غير كلب من طير أو سبع كنمر وفهد يساوي ثلاثة دراهم لتعليمه أي لأجل تعليمه المسك لصاحبه أو لحمل الكتب للبلدان لا قيمته في نفسه؛ لأن التعليم ليس من الباطل. انتهى. وقال عبد الباقي: أو جارح طير أو سبع يساوي ثلاثة دراهم لتعليمه الصيد لأنه منفعة شرعية، فإن لم يكن معلما قطع سارق الطير إن كانت قيمة لحمه فقط، أو هو مع ريشه [أو ريشه]

(1)

فقط نصابا، ولا يقطع سارق السبع إلا إن كانت قيمة جلده بعد تذكيته نصابا، ولا يراعي قيمة لحمه وإن كان غير محرم نظرا لكراهته أو مراعاة للقول بحرمته، وسارق جلده فقط يقطع إن ساوى ثلاثة دراهم وسارق لحمه فقط لا يقطع وإن ساواها كما مر كذا يفيده النقل. انتهى منه بجعل تذكيته مكان دبغه

(2)

لما في المدونة، وأما سباع الوحش التي لا تؤكل لحومها إذا سرقها، فإن كانت قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع لأن

(1)

ساقط من الأصل والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 95.

(2)

في حاشية كنون ج 8 ص 140 قول ز: بعد ذبحه، كذا في أكثر النسخ ووقع في نسخة الرهوني: بعد دبغه، فقال صوابه: بعد تذكيته ليوافق نص المدونة لخ.

ص: 542

لصاحبها بيع جلودها. انتهى منها بلفظها. على نقل الرهوني. وقال المواق من المدونة: من سرق شيئا من سباع الطير بازا أو غيره قطع، وكذلك غير سباعه لأن الجميع يؤكل، وأما سباع الوحش التي لا تؤكل لحومها، فإن كان في قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع. قال محمد: إذا سرق من سباع الطير المعلمة فينظر إلى قيمتها على ما فيها من ذلك، وقال أشهب: إنه يقوم ذلك كله بغير ما فيه من ذلك، كان بازيا أو معلما أو غيره وهو نحو قول مالك في أداء المحرم إياه إذا قتله، قال في المدونة: من سرق كلبا صائدا أو غير صائد لم يقطع؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ ثمنه)

(1)

. انتهى.

اللخمي: إن كان القصد من الحمام ليأتي بالأخبار لا اللعب قُوِّمَ على ما علم منه من الموضع الذي يبلغه، وتَبلغُ المكاتبة إليه. ابن عرفة: هذا دليل تعليل محمد إن كان بازيا أو طيرا معلما يقوم على ما هو عليه من التعليم؛ لأنه ليس من الباطل. انتهى. وقال التتائي: وتقطع اليد في سرقة جارح يساوي ثلاثة دراهم لتعليمه أي لأجل تعليمه المسك لصاحبه لا قيمته في نفسه؛ لأن التعليم ليس من الباطل. وأشار بذلك إلى دخول المعاني في التقويم فيلزم عليه القطع بموضع دون آخر. أشهب: يقوم على أنه غير معلم. اللخمي: والأول أحسن. انتهى. وقوله: "أو جارح لتعليمه" عطف على قوله: "كماء" فهو في حيز المبالغة، ورد بها قول أشهب: تعتبر قيمته هو في نفسه دون تعليمه. واللَّه تعالى أعلم.

أو جلده بعد ذبحه قوله: "أو جلده" عطف على تعليمه، والضمير يرجع لأحد ما صدق عليه جارح وهو السبع لا الطائر؛ يعني أنه إذا سرق سبعا يساوي لجلده بعد ذبحه ثلاثة دراهم فإنه يقطع، والْحَاصِلُ أن الجارح السبع إنما ينظر فيه لأمرين فيكتفى بأحدهما وأحرى لو اجتمعا، أَحَدُهُمَا: إذا ساوى لتعليمه ثلاثة دراهم فإنه يقطع والحال أنه لم يساوها لجلده فقط وإنما ساواها لتعليمه، ثانيهما: لم يكن معلما وساوى ثلاثة دراهم لجلده بعد ذبحه وأن الجارح الطائر يقطع من سرقه حيث كانت قيمة لحمه نصابا أو قيمة لحمه مع ريشه فقط نصابا حيث لم يكن معلما،

(1)

صحيح البخاري، كتاب البيوع، رقم الحديث، 2237. صحيح مسلم، كتاب المساقاة، رقم الحديث، 1567.

ص: 543

فإن كان معلما وساوى نصابا باعتبار ذلك قطع. واللَّه تعالى أعلم. وفي الشبراخيتي: اعلم أنه إذا كان كل واحد من الطير والسبع لا يساوي نصابا إلا بتعليمه فإنه يقطع سارقه، وأما إن كان كل منهما ليس فيه تعليم فإنه يقطع سارق الطير إن كانت قيمة لحمه فقط أو هو مع ريشه أو ريشه [فقط]

(1)

نصابا ولا يقطع سارق السبع إلا إذا كانت قيمة جلده بعد ذبحه نصابا ولا يراعى قيمة لحمه. هكذا يفيده النقل. انتهى المراد منه.

وعُلِمَ مما قررت أن قوله: "أو جارح لتعليمه أو جلده بعد ذبحه" لا يتناول الكلب، فإن من سرق كلبا ولو مأذونا في اتخاذه لا قطع عليه كما يأتي. واللَّه تعالى أعلم والظاهر أن المصنف رد بالمبالغة بالنسبة للجلد تقييد أبي عمران للمدونة، حيث قالت: وأما سباع الوحش التي لا يؤكل لحمها إذا سرقها رجل، فإن كان في قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع. انتهى. فإن ظاهرها أنه لا فرق بين العادية وغيرها، وقيدها أبو عمران بالسباع العادية التي تراد. لأجل جلودها، وأما التي لا تعدو كالهر فإنه يقطع سارقها. انتهى.

أو جلد ميتة يعني أن من سرق جلد ميتة مدبوغا يقطع، بشرط أشار إليه بقوله: إن زاد دبغه نصابا يعني أنه إنما يقطع من سرق جلد الميتة المدبوغ حيث زادت صنعة الدبغ فيه نصابا أي ثلاثة دراهم، هذا قول المدونة. وقال أبو عمران: يقال ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به، فإذا قيل درهمان فيقال وما قيمته مدبوغا، فإذا قيل خمسة قطع. وقرر الخرشي وعبد الباقي المصنف بقول أبي عمران، ولفظ الخرشي: وكذلك يقطع من سرق جلد ميتة إن كان مدبوغا وزاد دبغه على قيمة أصله ثلاثة دراهم؛ كأن يقال ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به؟ فإذا قيل: درهمان، فيقال: وما قيمته مدبوغا؟ فإذا قيل: خمسة دراهم قطع، فلو كانت قيمته أن لو كان يباع للانتفاع به مائة درهم مثلا ولم يزده الدبغ نصابا فلا قطع، كما لو سرقه غير مدبوغ. انتهى.

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من الشبراخيتى ج أخير مخطوط.

ص: 544

وقال عبد الباقي: أو جلد ميتة مأكولا أو غيره يقطع سارقه بعد الدبغ إن زاد دبغه على قيمة أصله نصابا، بأن يقال: ما قيمته غير مدبوغ أن لو كان يباع للانتفاع به؟ فإذا قيل: درهمان، فيقال: وما قيمته مدبوغا؟ فإذا قيل: خمسة قطع، فإن لم يزده دبغه نصابا لم يقطع سارقه كما لو سرقه غير مدبوغ. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال: وفهم منه أنه لا قطع فيه قبل دبغه وهو كذلك، ولو قال: إن زاده دبغه نصابا لكان أظهر في إفادة المراد. انتهى. قال البناني: هذا التقويم نسبه التوضيح وابن عرفة لأبي عمران، وهو مخالف لظاهر قول ابن الحاجب المشهور إن كانت قيمة الصنعة نصابا قطع، قال في التوضيح: وهو ظاهر المدونة، وعلى ذلك فهمها صاحب البيان. انتهى. وقال ابن عرفة: الباجي: لا قطع في جلد ميتة لم يدبغ، وأما المدبوغ فقيل إن كانت قيمة ما فيه من الصنعة ثلاثة دراهم قطع. ابن عرفة: هذا قول المدونة وفي تعلقة أبي عمران في قيمة الدبغ، قال: يقال ما قيمته أن لو جاز بيعه للانتفاع وما قيمته مدبوغا؟ وما زاد فهو قيمة الدبغ. ابن عرفة: ظاهر لفظ المدونة أن يقال: ما قيمة دبغه؟ فتأمله. انتهى.

قال في التوضيح أبو عمران: وينظر إلى قيمته يوم دبغ ولا ينظر إلى ما ذهب منه بمرور الأيام؛ لأن الدباغ هو الذي أجاز للناس الانتفاع به، واختار اللخمي النظر إلى قيمته يوم سرق وهو أظهر. انتهى. وقال في الميسر: أو جلد ميتة بعد دبغه لا قبله إن زاد دبغه نصابا يقوم يوم سرق لا يوم دبغه، فيقوم نيا لو جاز بيعه ويقوم مدبوغا، فإن زادت قيمته الثانية على الأولى نصابا قطع وإلا فلا. كذا في التوضيح عن أبي عمران. وفيها: فإن كانت قيمة ما فيه الصنعة دون الجلد ثلاثة دراهم قطع، وَاسْتَشْكَلَهُ في البيان بأنها مستهلكة في الجلد لا تمكن أن تنفصل عنه. نقله في التوضيح. انتهى. يعني أن القياس عند ابن رشد أنه لا قطع في سرقة جلد الميتة لأنه لا يباع. انتهى. وقوله:"أو جلد ميتة" الخ هو عطف على المبالغ عليه، ورد بالمبالغة القول بأنه لا قطع فيه لأنه لا يباع، والقول بأنه يقطع من غير اعتبار الشرط وهو قوله:"إن زاد دبغه نصابا"، قال ابن الحاجب: وفي جلد الميتة بعد الدبغ ثالثها المشهور إن كانت قيمة الصنعة نصابا قطع. التوضيح: وأما قبله فلا قطع فيه. قاله في المدونة. انتهى.

ص: 545

أو ظنه فلوسا الضمير في "ظنه" للمسروق وفلوسا هو المفعول الثاني؛ يعني أنه إذا سرق شيئا يظنه فلوسا لا تبلغ النصاب فإذا هو ذهب أو فضة نصابا فإنه يقطع، قال التتائي: وقد تبين لك مما قررنا أن ضمير ظنه للمسروق وفلوسا هو المفعول الثاني، فلا بد أن يكون المسروق غير فلوس ذهبا أو فضة. انتهى. أو ظنه أي ربع دينار أو ثلاثة دراهم فلوسا نحاسا فإذا هو أحدهما فيقطع، ولا يعذر بظنه فإن تحقق ما ظنه السارق من الفلوس النحاس لم يقطع ولو على القول بجريها مجرى النقود إلا أن تبلغ قيمتها نصابا. انتهى. وقوله:"أو ظنه" كذا في عبد الباقي بصيغة الماضي المبني للفاعل، وفي نسخة الشبراخيتي: أو ظنا بصيغة الماضي المبني للمفعول، فإنه قال: قال في الحاشية: قوله: "أو ظنا" أي الربع دينار والثلاثة دراهم أو الذهب والفضة فالألف هو المفعول الأول وفلوسا هو المفعول الثاني. انتهى المراد منه. وقوله: "أو ظنه فلوسا" قال في التوضيح: مسألة الفلوس ذكرها ابن شأس. انتهى.

أو الثوب فارغا يعني أنه إذا سرق ثوبا لا يساوي نصابا وقد ظنه فارغا أي ليس فيه شيء فإذا فيه نصاب، فإنه يقطع. قال عبد الباقي: أو ظن الثوب المسروق الذي لا يساوي نصابا فارغا فإذا فيه نصاب قطع إن كان مثله يجعل فيه نصاب، لا إن كان خَلَقا، ولا إن سرق خشبة أو حجرا يظنه فارغا فإذا فيه نصاب فلا يقطع؛ لأن مثل ذلك لا يحمل فيه ذلك إلا أن تكون قيمة تلك الخشبة تساوي نصابا فيقطع في قيمتها دون ما فيها، ومثل الثوب العصا المفضضة بما يعدل ثلاثة دراهم حيث سرقت نهارا من محل غير مظلم لا من مظلم أو ليلا. وَالْفَرْقُ بين ظن المسروق فلوسا وبين العصا المفضضة حيث لا قطع فيها من ظلام أو ليل أن ذاتها دون نصاب وذات المسروق المظنون فلوسا نصاب، والفرق بين ظن الثوب فارغا وبين العصا غير المفضضة لا قطع فيها أن الثوب جرى العرف بوضع ما وضع فيه، بخلاف العصا. انتهى.

وقال البناني: ابن عرفة: وفيها: من سرق ثوبا لا يساوي ثلاثة دراهم وفيه دنانير أو دراهم مصرورة ولم يعلم أن ذلك فيه، قال مالك: أما الثوب وشبهه مما يعلم أن ذلك يرفع في مثله فإنه يقطع، وإن سرق شيئا لا يرفع ذلك فيه كالحجر والخشبة والعصا لم يقطع إلا في قيمة ذلك دون ما رفع فيه من ذهب أو فضة. اللخمي: قوله: في الثوب مما يعلم أن ذلك يرفع في مثله يريد مثل

ص: 546

المصر وشبهه، ولو كان قميصا خَلَقا وقال لم أعلم بما فيه حلف ولم يقطع لَيْلًا أخذه أو نهارا، ويصدق في العصا إن أخذه ليلا لا نهارا لأنه لا يخفى إلا أن يكون أخرجها من مكان مظلم. انتهى. وقال ابن الحاجب: ولو سرق دنانير ظنها فلوسا أو ثوبا دون النصاب فيه دراهم أو دنانير لا يشعر بها قطع، بخلاف خشبة أو حجر فيها ذلك. انتهى.

التوضيح: بين بهذا أن المعتبر إخراج النصاب إذا كان معتادا، ومسألة الفلوس ذكرها ابن شأس، وبقية كلام المصنف في المدونة. وقيد اللخمي الثوب، فقال: إنما هذا في المصر وشبهه، وأما لو كان قميصا خلقا وقال لم أعلم بما فيه لكانت شبهة يحلف، ويدرأ عنه القطع ليلا أو نهارا، ونص في العتبية على أن الفرش والمخدة والمرفقة إذا كان فيهن ذهب يقطع، وحكى في البيان الاتفاق على ذلك. اللخمي: وأما العصا فإنما يصدق إذا أخبره ليلا ولا يصدق إذا كان نهارا لأنه لا يخفى إلا أَن يَكُونَ أخرجها من مكان مظلم، ولو كان المذهب قد نقر له في خشبة لصدق أخرجه ليلا أو نهارا. ولأصبغ فيمن سرق ليلا عصا مما لا يفضض وفيها فضة ظاهرة ثلاثة دراهم فأكثر، فإن رأى أنه لم ينظر الفضة فلا قطع عليه إلا أن يكون ثمنها ثلاثة دراهم. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: أو ظن الثوب المسروق فارغا فإذا فيه نصاب ذهب أو فضة مصرور مثلا قطع. انتهى. قوله: فإذا فيه نصاب نحوه في عبد الباقي وهو الذي في أول الحل، والظاهر بل المتعين أنه إذا كان الثوب بما فيه نصابا فإنه يقطع. واللَّه أعلم.

أو شركة صبي يعني أنه يقطع في سرقة نصاب وإن شاركه فيه صبي أو مجنون، فإذا سرق مكلف وصبي نصابا فإنه يقطع بالشرط الآتي، في قوله:"إن استقل كل" الخ، ولا يمنعه من القطع شركة الصبي معه في السرقة؛ أي فلا يقال إنه لا يقطع لكونه شاركه صبي ومثل الصبي المجنون كما عرفت. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: أو شركة صبي له في سرقة نصاب قطع المكلف وحده. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سرق نصابا مع شركة صبي له في السرقة فيقطع المكلف فقط، ومثل الصبي المجنون، ولو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحبه أباه المجنون لعدم نسبة السرقة إليه. انتهى. قوله: ولو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحبه أباه المجنون الخ، هكذا في كثير من النسخ، ومعناه: ولو كان المجنون هو صاحب النصاب المسروق أو كان صاحب

ص: 547

السارق أبا صاحب النصاب المسروق. وقوله: "المجنون" بدل من أباه، ولو قال: ولو كان المجنون صاحب النصاب المسروق أو أبا لصاحبه لكان أوضح، ويدل لصحة ما قاله كلام ابن عرفة بعد ذكر حكم شركة الأب وشركة الصبي والمجنون، ونصه: والفرق أن الصبي والمجنون كالعدم، فشرط السرقة موجود وهو الخفية والأب لكونه كابنه ينفي الخفية. انتهى. ولا إشكال أن المجنون كالعدم، ولو كان هو صاحب المال أو أبا له. واللَّه أعلم. انتهى.

‌تنبيهان:

الأول: قال البناني عند قوله "أو شركة صبي" ما نصه: قال ابن عاشر: اعلم أن القطع يعتبر فيه من الشروط ما يأتي في قوله: "أو اشتركا في حمل إن استقل كل ولم ينبه نصاب"، فلذا لو آخر هذه عن الثانية كما فعل ابن الحاجب كان أحسن، لكنه راعى في جمعه المسائل تناسبها في الحكم. انتهى.

الثاني: قال البناني: يقال شركه في البيع كعلمه شركة بالكسر. قاله في القاموس. انتهى.

لا أب يعني أن الأب إذا اشترك معه في سرقة مال ولده أجنبي فإنه لا قطع على الأجنبي لاشتراكه مع ذي الشبهة، بشرط أن يكون الأب عاقلا. قال عبد الباقي: لا شركة أب أي عاقل، وكذا أم وجد وإن علا ولو لأم لشبهته القوية في المال فلا قطع [على شريكه]

(1)

لدخوله مع ذي شبهة قوية ولا عليه، ولو سرق من محل حجره الفرع عن أصله كما هو ظاهر كلامه ككلامهم وهو واضح؛ لأن الحجر المذكور لا يقطع شبهته في مال فرعه وظاهره أيضا عدم قطع شريكه ولو نابه نصاب أو أكثر، وإذا كان لا قطع على شريك أب رب المال فأولى شريك رب المال نفسه فيما لم يحجب عنه كما يأتي كما لو سرق مع عبد رب المال من موضع أذن له سيده في دخوله، وأما من موضع لم يؤذن للعبد في دخوله فيقطع المكلف دون العبد؛ لأن درء الحد عن العبد لم يكن للشبهة في المال بل لأنه ماله، فإذا قطع كان زيادة مصيبة على السيد. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن سرق رجل مع صبي أو مجنون ما قيمته ثلاثة دراهم قطع، وإن سرق مع أبي الولد من مال الولد ما قيمته ثلاثة دراهم لم يقطع واحد منهما. انتهى. وقال في الميسر: لا أب وكذا عبده وأجيره

(1)

ساقط من الأصل والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 96.

ص: 548

للخدمة؛ يعني والسرقة من محل مأذون فيه للعبد أو الأجير، بدليل قوله: وفيها إن سرق منك رجل أجنبي مع عبدك أو مع أجيرك الذي ائتمنته على دخول بيتك لم يقطع واحد منهما. انتهى.

ولا طير لإجابته يعني أنه لا يقطع سارق طير يساوي ثلاثة دراهم لأجل إجابته من يدعوه لأنها منفعة غير معتبرة شرعا، وإنما يقطع لو ساوى ثلاثة دراهم فأكثر لتعليمه أو للحمه أو لريشه أو للحمه وريشه كما مر. قال التتائي: ويقوم السمانى والدرة وأبو رزين والغراب الذي يتكلم باعتبار لحمه وحمام السبق. التونسي: يقوم على ما علم منه ليأتي بالأخبار من الموضع الذي يبلغ وتبلغ المكاتبة إليه، لا طير لا يساوي ثلاثة دراهم إلا لإجابته إذا دعي كبعض البلابل أو العصافير إذ ليس غرضا شرعيا. ابن عرفة: والأظهر في الطيور المتخذة لسماع الصوت لغو حسن أصواتها في تقويمها، ولو قدم هذه عند قوله:"جارح لتعليمه" لكان أحسن. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يقطع سارق طائر لإجابته أي مجاوبته، وليس المراد بها ضد الإباية، والمراد يساوي نصابا كالبلابل والعصافير التي تدعى فتجيب، والغراب الذي يتكلم، وأبو رزين إذا كانت لا تساويه إلا لتلك المنفعة لأنها غير شرعية، نعم إن كان للحمه يساوي نصابا قطع، ومثل هذا يجري في مسألة الطنبور الآتية للمصنف. انتهى. وتحصل مما مر أن الطائر إذا كان لا يساوي نصابا إلا لإجابته أي مجاوبته إذا دعي أو لصوته أو لسبقه، فإنه لا قطع لأن ذلك منفعة ملغاة شرعا. واللَّه تعالى أعلم.

ولا إن تكمل بمرار في ليلة يعني أن السارق إذا سرق مرتين أو مرارا في ليلة أو يوم أو في أكثر ولم يتكمل النصاب إلا في مرتين أو أكثر فإنه لا يقطع حيث تعدد قصده، وأما لو اتحد قصده فإنه يقطع، قال الشبراخيتي: ولا قطع إن تكمل إخراج النصاب بمرار في ليلة أو يوم حيث تعدد قصده، وأما لو قصد ابتداء أخذ النصاب ولكنه أخذه في مرار فإنه يقطع كما يفيده كلام ابن عرفة في تعريف السرقة، وظاهره سواء كان طعاما أو غيره توالى إخراجه بأن لا يكون بين ذلك فصل أولا طال زمان ذلك أو قصر فهو ست صور. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا قطع إن تكمل إخراج النصاب من حرز مثله بمرار في ليلة حيث تعدد قصده، فإن قصد ابتداء أخذه ولكنه أخرجه في

ص: 549

مرار قطع، ويعلم قصد آخذه كله بإقراره أو قرينة، كإخراجه دون نصاب مما وجد مجتمعا في محل واحد من قمح أو متاع، ثم يرجع مرة أو أكثر فيخرج تمام النصاب فيحمل في ذلك على أنه قصد إخراجه مرتين أو أكثر قصدا واحدا، وسواء كان حين إخراج ما أخرجه أولا يقدر على إخراج ما أخرجه فقط أو يقدر على إخراج نصاب كامل، وإن كان الذي في كلام ابن رشد الأول إذ قصد الحيلة في الثاني أظهر. انتهى.

قوله: حيث تعدد قصده الخ هذا على قول ابن رشد في جعله قول سحنون وفاقا لابن القاسم، وذلك لأن ابن القاسم في العتبية، قال: لا قطع على من أخرج النصاب في مرار، قال سحنون: إن كان في فور واحد قطع، فحمله اللخمي على الخلاف لقول ابن القاسم، وحمل ابن رشد قول سحنون على الطعام أو المتاع الذي لا يمكن إخراجه دفعة، قال: لأن ذلك سرقة واحدة، وحمل قول ابن القاسم على أنه إنما عاد مرارا لينظر ما يسرقه سوى ما سرق. انظر التوضيح. وقوله: الذي لا يمكن إخراجه دفعة الخ لا مفهوم له؛ لأنه إذا أمكن إخراجه دفعة فأخرجه شيئا فشيئا كان أحرف في القطع لقوة التهمة في التحيل. انتهى. قاله البناني. قوله: في التحيل أي لأخذ أموال الناس كما في التوضيح. واللَّه تعالى أعلم.

وقال المواق: سمع أشهب في السارق يجد القمح في البيت فينقل منه قليلا قليلا: لا يقطع فيه ويجتمع منه ما يجب فيه القطع يقطع. ابن رشد: لأنه لا رأى جميعه قصد أخذ جميعه بقصد واحد، وليس بخلاف لسماع أبي زيد. ابن القاسم: إن دخل السارق البيت في ليلة واحدة عشرين مرة يخرج في كل مرة ما لا قطع فيه وفي جميعه ما يجب فيه القطع لا يقطع. ابن عرفة: فالخلاف في هذا خلاف في حال. انتهى.

أو اشتركا في حمل يعني أنه إذا أخرج اثنان من الحرز نصابا اشتركا في حمله فإنه لا قطع على واحد منهما بشرطين، أحَدُهُمَا قوله: إن استقل كل أي قدر أن كل واحد منهما يقدر على حمله بانفراده، وأما إن لم يستقل به واحد منهما فعليهما القطع أي يقطعان معا، والثاني قوله: ولم ينبه نصاب أي لم ينب كل واحد منهما بانفراده بتقدير قسمه بينهما نصاب السرقة، وأما إن كان ينوب كل واحد منهما بانفراده نصاب فإنهما يقطعان معا.

ص: 550

وَالْحَاصِلُ أن الصور ثمان؛ لأن الشيء المسروق إما أن يستقل كل واحد بحمله أو لا يستقل بحمله، وفي كل إما أن يخرجه بعضهم أو جميعهم، وفي كل إما أن ينوب كل واحد نصاب أولا، فإن لم يستقل به واحد منهم فإنهما يُقْطَعَان معا، أخرجاه معا أو أحدهما فقط، ناب كل واحد منهما نصاب أو لا، فتلك أربع صور فيها القطع أي يقطعان معا، فإن استقل به كل واحد وأخرجاه معا فيقطعان معا إن ناب كل واحد منهما نصاب، وإلا فلا قطع وهاتان صورتان، فإن استقل به كل واحد منهما وأخرجه أحدهما قطع المخرج له فقط، ناب كلا منهما نصاب أولا.

قال عبد الباقي: أو اشتركا أي سارقان وكذا أكثر في حمل لإخراج نصاب من حرزه فلا قطع على واحد منهما بشرطين: الْأَوَّلُ إن استقل كل أي قدِّرَ أن كل واحد يقدر وحده على إخراجه فلا ينافي أن الموضوع اشتراكهما في حمله لإخراجه من حرزه، والثاني: قوله: "ولم ينبه" أي كل واحد بانفراده نصاب، فإذا لم يستقل أحدهما بإخراجه من الحرز فعليهما القطع ولو لم ينب كل واحد منهما نصاب، وإذا ناب كل واحد نصاب قطعا استقل كل بإخراجه أولا. انتهى. وقال الشبراخيتي: فإن كان كل منهما لا يستقل بحمله قطعا لأنهما حينئذ كالسارق الواحد ومع القدرة كسارقين، ولو خَصَّ كل واحد منهما نصاب قطعا.

واعلم أن صور هذه المسألة ثمان؛ لأن الشيء المسروق إما أن يستقل كل واحد منهم بحمله أولا يستقل بحمله إلا الجميع، وفي كل إما أن يخرجه بعضهم أو جميعهم، وفي كل إما أن ينوب كل واحد نصاب أو لا. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: ولا منافاة بين جعل عبد الباقي الصور أربعا وبين جعل الشبراخيتي لها ثمانيا، وهو الذي قدمت في أول الحل لأن معنى استقل كل عند عبد الباقي قدر أن كل واحد يقدر على إخراجه بانفراده، ومعناه عند الشبراخيتي قدر أن كل واحد يقدر على حعله، وحينئذ فلا ينافي أنه لا يقدر كل واحد منهما أو منهم على حمله أي جعله على ظهره مثلا، لكنه يقدر على إخراجه إن حمله هو وغيره على نفسه. واللَّه تعالى أعلم. ولهذا قال عبد الباقي مشبها على ما فيه القطع ما نصه: وكذا القطع على جماعة رفعوه على ظهر أحدهم في الحرز ثم خرج به إذا لم يقدر على إخراجه إلا برفعهم معه ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فإنهم يقطعون إذا

ص: 551

تعاونوا على رفعه عليها، وأما لو حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حمله دونهم كالثوب قطع وحده، ولو خرج كل واحد منهم حاملا لشيء دون الآخر وهم شركاء فيما أخرجوه لم يقطع منهم إلا من أخرج ما قيمته ثلاثة دراهم، ولو دخل اثنان الحرز فأخذ أحدهما دينارا وقضى به للآخر دينا له عليه أو أودعه إياه قطع الخارج به. قاله ابن المواز. ولو باع السارق ثوبا في الحرز لآخر فخرج به المشتري ولم يعلم به السارق فلا قطع على واحد منهما. قاله اللخمي. انظر التتائي. ائتهى.

قوله: ولو دخل اثنان الحرز إلى قوله: قطع الخارج به لخ، قال البناني: هكذا النقل عند ابن عرفة وغيره، والظاهر أن يقيد القطع بما إذا علم الخارج به بالسرقة وإلا لم يقطع كما قاله اللخمي في المسألة بعد هذه؛ إذ لا فرق بينهما. تأمل. انتهى. وقال المواق: اللخمي: إن خرج جميعهم بسرقة حملوها لا يستطاع إخراجها إلا بجماعتهم قطعوا ببلوغها ربع دينار فقط، وإن كانت خفيفة خرج بها جميعهم مع القدرة على أن يخرج بها أحدهم، فقال مالك وابن القاسم: لا يقطعون إن كانت قيمتها ثلاثة دراهم فقط. انتهى.

‌مسألة:

من سرق نصابا من مال مشترك بين جماعة وحصة كل واحد منهم دون النصاب فإنه يقطع، قال في المقدمات: يجب القطع في النصاب بإخراجه من الحرز لسرقة واحد من واحد أو جماعة من جماعة أو جماعة من واحد [أو واحد من جماعة]

(1)

إذا تعاونوا على إخراجه لحاجتهم إلى التعاون في ذلك وأطال في ذلك إلى أن قال: ولا اختلاف أحفظه في سرقة الواحد ما يجب فيه القطع من الجماعة المشتركين أنه يقطع. انتهى. قلت: وهذا فيما يكون مشتركا، وأما إذا سرق من حرزين قدر نصاب فلا قطع عليه. قال في النوادر: ومن كتاب ابن المواز: ومن سرق من حرز قدر ربع دينار، قال عبد الملك: لا يقطع حتى يسرق من حرز واحد وإن كان ذلك لرجلين. انتهى. ثم قال: وروي عن مالك في غرائر في السوق مجتمعة للبيع فسرق رجل من كل غرارة شيئا حتى اجتمع له ما يقطع في مثله: أنه لا يقطع حتى يسرق من كل غرارة ما يجب فيه القطع؛

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وقد أثبتناه من المقدمات ج 2 ص 330 ط دار الكتب العلمية.

ص: 552

لأن كل غرارة حرز لما فيها، وشاور الأمير فيها من حضر من العلماء فأفتوا أن عليه القطع وأفتى مالك بما ذكرنا فرجعوا إليه، وكان أول من رجع إليه ربيعة. انتهى. وذكر القصة في المدارك، وقال: إن هذه المسألة مما عرف فيها فضل مالك. انتهى. قاله الحطاب.

وَلَمَّا قدم أن شرط المسروق الذي يقطع سارقه كونه نصابا أفاد بقية الشروط، فقال: ملك غير المضاف نعت لربع دينار الخ وغير مضاف إليه ما قبله؛ يعني أنه يشترط في القطع أن يكون المال المأخوذ من حرز مثله ملكا لغير مخرجه ويأتي للمصنف محترز ذلك قريبا إن شاء اللَّه تعالى. قال عبد الباقي: ملك غير شمل السارق من سارق فيقطعان معا، وكذا لو سرقه ثالث كما في المدونة وهكذا وشمل السرقة من آلة المسجد أو بابه بناء على أن الملك للواقف كما للمصنف تبعا للنوادر لا ما للقرافي، وشمل أيضا سرقة من له التصرف في المسروق بولاية أو وكالة حيث كان بيد مودع أو مرتهن ونحوه، وشمل سرقة المستأجر ما استأجره قبل قبضه من ربه والمرتهن قبل قبضه من ربه أو أمين بيده فيقطع كل واحد. انتهى.

وقال الشبراخيتي: ملك غير فلا يقطع سارق ملكه سواء تعلق به حق للغير كمرهون أولا كموروث أو موهوب قبل خروجه من الحرز، ويدخل في قوله:"ملك غير" السارق من السارق فيقطعان معا، وكذا لو سرقه ثالث وهكذا ويدخل فيه سرقة المستأجر ما استأجره قبل قبضه من ربه، وكذا المرتهن قبل قبضه من ربه أو من الأمين الذي وضع عنده، وقوله:"ملك غير" صفة للنصاب السابق وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وكأنه قال بسرقة طفل أو نصاب ملك غير.

ولو كذبه ربه أي يقطع من ثبتت سرقته بإقرار، ولو كذبه رب الشيء المسروق وقال له هو: ليس لي أو لم يسرق مني شيئا. قال عبد الباقي: أي إذا أقر بالسرقة من مال شخص وكذبه ذلك الشخص بأنه ليس ملكه، فإنه يقطع لإقراره على نفسه بالسرقة ولا يفيده تكذيب ذلك الشخص، ويبقى المسروق بيد السارق ما لم يدعه ربه بعد ذلك. قاله الشارح. انتهى. وقال الشبراخيتي: ويقطع من أقر بسرقة من مال شخص أو ثبت أنه سرقه منه، ولو كذبه ربه أو قال هو له أودعته له أو بعثت به مع رجل له لأن إقراره أوجب عليه الحد، ولا يدفعه تكذيبه في ذلك ويبقى ذلك المال المسروق للسارق ما لم يدعه ربه بعد ذلك. انتهى. وقال الخرشي: ويقطع الوصي إن سرق

ص: 553

من مال المحجور وهو بيد مرتهن كما أنه يحد إذا وطئ ملك المحجور. انتهى. وقال المواق من المدونة: من أقر أنه سرق من فلان شيئا وكذبه فلان فإنه يقطع بإقراره ويبقى المتاع له إلا أن يدعيه ربه فليأخذه. انتهى. وقال التتائي: قال في المدونة: من شهدت عليه بينة أنه سرق هذا المتاع، فقال السارق: حلفوه أنه ليس لي فإنه يقطع ويحلف له الطالب ويأخذه، فإن نكل حلف السارق وأخذه ويقطع. وفي الذخيرة: وإن أقر الأخرس بوجه يعرف به إقراره ويعين قُطِعَ لحصول المقصود من الكلام وإلا فلا للشك. انتهى.

أو أخذ ليلا وادعى الإرسال يعني أنه إذا أخرج من الحرز نصابا في الليل وادعى أن رب المتاع أرسله إليه فإنه يقطع، ولا يصدق في أن رب المتاع أرسله إليه ولو صدقه رب المتاع في ذلك بأن قال: أنا أرسلته إليه، قال الخرشي: وكذا يقطع السارق إذا أخذ في الليل المتاع المسروق، وقال رب المتاع أرسلني لآخُذَه فلا يصدق ولو صدقه رب المتاع. انتهى. وقال الشبراخيتي: "أو أخذ السارق ليلا ومعه مال من بيت شخص وادعى الإرسال لأخذ المال، وصورة المسألة أنه صدقه ربه في دعواه الإرسال وهذا إن لم يشبه وصدق آخذ المتاع ولو ليلا في دعواه أن ربه أرسله إن أشبه لكونه في خدمته أو من عياله كما يصدق رب المتاع في موافقته على دعوى الإرسال. انتهى.

وقال عبد الباقي: أو أي ولو أخذ ليلا خارج الحرز بيده نصاب أخرجه منه وادعى الإرسال من ربه فيقطع ولو صدقه في دعواه الإرسال، ويحمل تصديق ربه على الرحمة له إلا لقرينة ككونه في خدمته أو من عياله، كما أشار له بقوله: وصدق آخذ المتاع في دعواه أن ربه أرسله وَصَدَّقَهُ على ذلك إن أشبه بأن دخل من مداخل الناس، وخرج من مخارجهم في وقت يشبه أنه أرسله فيه. انتهى. وقال التتائي: أو أخذ السارق ليلا ومعه مال من بيت شخص وادعى الإرسال لأخذ المال وصدقه ربه فطع كان معه بالبلد أولا إن لم يشبه، ويحمل تصديق ربه على الرحمة له وصدق إن أشبه ما ادعاه من الإرسال ولم يقطع؛ كإن عرف منه انقطاع إليه ودخل من مدخل الناس وخرج من مخرجهم غير مستتر. انتهى. وقال المواق من المدونة: من سرق متاعا لرجل وقال إن رب المتاع أرسلني فليقطع، وإن صدقه ربه أنه بعثه كان معه في بلد أو لم يكن، وإن أخذ في جوف الليل ومعه متاع فقال فلان أرسلني إلى منزله فأخذت منه هذا المتاع، فإن عرف منه انقطاع إليه

ص: 554

وأشبه ما قال لم يقطع وإلا قطع ولم يصدق. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "أو أخذ" عطف على قوله: "ولو كذبه ربه" فهو في حيز المبالغة، وقيل: في هذه الأخيرة -أعني- قوله: "أو أخذ ليلا وادعى الإرسال" أنه إذا صدقه لم يقطع.

لا ملكه يعني أنه إذا سرق ملكه من الحرز فإنه لا يقطع، وهذا محترز "ملك غير". وبين ملكه، بقوله. من مرتهَن ومستأجَر بفتح الهاء والجيم؛ يعني أن الراهن إذا أخذ ما رهنه بعد قبض المرتهن له من حرز مثله فإنه لا يقطع، وكذا لا قطع على من أخذ ملكه الذي آجره بعد قبض المستأجر له من حرز مثله فإنه لا قطع على المالك المستأجر، وعلى هذا "فمِن" بيانية كما عرفت ويصح كسر الهاء والجيم، وعليه فتكون من ابتدائيةً. الشبراخيتي: ومعه بينة بالرهنية والاستيجار وإلا قطع. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، فإنه قال: والموضوع أن معه بينة بالرهنية والاستيجار وإلا قطع. انتهى.

وقال البناني: لا ملكه من مرتهن ومستأجر كملكه قبل لخ، قال ابن عرفة: هذه المسائل لا أعرفها بنصها إلا لابن شأس وهو نص الغزالي في الوجيز، ومقتضى مسائل المذهب صحته. انتهى. فمنها عدم قطع الأب في سرقة مال ابنه، ومنها عدم قطع السيد في سرقته من مكاتبه أو مكاتب ابنه، ومنها من سرق متاعا كان أودعه رجلا فجحده فأقام بينة أنه استودعه هذا المتاع فإنه لا يقطع. انظر التتائي. وقوله:"لا ملكه من مرتهن ومستأجر"، وكذا معار. وقوله:"من مرتهن ومستأجر" وأما عكس كلام المصنف ففيه القطع كما مر. وقال في الميسر: لا ملكه فلا يقطع بسرقته من مرتهن ومستأجر أو مستعير أو مورع إن ثبت ببينة أنه ملكه لا بإقرار المسروق منه كما في المدونة.

كملكه قبل خروجه يعني أنه إذا أخرج شخص شيئا من حرز مثله ثم تبين أنه أي المخرج، مَلَك الشيء قبل خروجه به من الحرز فإنه لا يقطع عملا بما في نفس الأمر، فإن لم يملكه إلا بعد أن خرج به من الحرز فإنه يقطع. قال التتائي: كملكه للمسروق قبل خروجه به من الحرز بأن ورثه أو تُصُدِّقَ به عليه مثلا، ومفهوم الظرف القطع إن تجدد ملكه له بعد خروجه به؛ لأن الحد قد ترتب فلا يرتفع. انتهى. وقال عبد الباقي: فإن لم يرثه إلا بعد خروجه من الحرز فإنه يقطع،

ص: 555

بمنزلة من سرق نصابا وأخرجه من حرزه ثم وهبه له صاحبه فإن القطع لا يرتفع عنه. انتهى. وقال عبد الباقي: كملكه كله قبل خروجه، فإن ورث بعضه وورث أخوه باقيه، فانظر هل يجري فيه أو مال شركة أم لا؟ انتهى. وقال الشبراخيتي: كملكه قبل خروجه به من الحرز بأن ورثه أو أعطى له، وقول ابن غازي: وإن سرق متاعا كان أودعه رجلا فجحده إياه، فإن أقام بينة أنه استودعه هذا المتاع نفسه قطع. انتهى. صوابه لم يقطع. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: الشرط الثاني أن يكون مملوكا لغير السارق، فلو سرق مال نفسه من المرتهن أو المستأجر فلا قطع، ولو طرأ الملك بإرث قبل الخروج من الحرز فلا قطع وبعده لا يورث. ابن عرفة: هذا نص الغزالي، ومقتضى مسائل المذهب تدل على صحته. انتهى.

محترم بالجر صفة للنصاب المتقدم من ربع دينار الخ؛ يعني أنه لا بد في قطع السارق من أن يكون المال المخرج من الحرز محترما والمحترم ما يصح تملكه وبيعه، ويدخل فيه مال حربي قدم إلينا بأمان فيقطع من سرقه، ويأتي محترز المحترم. الخرشي: ومن شرط المتاع المسروق أن يكون محترما بأن يجوز بيعه. انتهى. وما قاله الخرشي هو مقتضى قول التوضيح بعد قول ابن الحاجب: ولا قطع في خمر ولا خنزير ولا طنبور وشبهه. هذا راجع لقوله: ملكا محترما لأن هذه الأشياء لا حرمة لها؛ إذ لا يجوز تملكها ولا بيعها. انتهى. ولما حكى ابن الحاجب في الكلب قولين، قال في التوضيح: مذهب المدونة أنه لا يقطع خلافا لأشهب، بناء على أنه لا قطع إلا فيما يملك ويباع أو فيما يملك فقط. انتهى. فدل على أن المحترم هو الذي يملك ويباع. واللَّه أعلم. انتهى. قوله: فدل على أن المحترم هو الذي يملك ويباع، قال الرهوني: لا شك أن كلام التوضيح يفيد ذلك ويدل عليه كما يدل عليه أيضا ما ذكره عنه فيما يأتي قريبا عند قوله: "بخلاف لحمها من فقير". ويدل عليه أيضا قول المدونة: ومن سرق كلبا صائدا أو غير صائد لم يقطع؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ ثمنه)

(1)

. انتهى. قال أبو الحسن: كأنه يقول مأذون فيه أو غير مأذون، ثم قال أبو محمد: وقال أشهب: يقطع في كلب الصيد والماشية. الشيخ:

(1)

أبو داود، أبواب الإجارة، رقم الحديث 3484 - النسائى، كتاب الصيد 4293.

ص: 556

وكذلك كلب الزرع، فعند أشهب: القطع فيما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه، وعند ابن القاسم: القطع فيما يجوز تملكه وبيعه. انتهى. ومع ذلك فهو مشكل مع القطع في جلد الميتة بعد دبغه على المشهور ومذهب المدونة؛ لأن المشهور وهو مذهبها أنه لا يطهر بالدبغ ولا يباع. انتهى.

لا خمر يعني أن من سرق خمرا لا يقطع لأنه لا حرمة له، قال عبد الباقي: لا سرقة خمر ولو لذمي سرقها مسلم أو ذمي فلا قطع عليه ولو كثرت قيمتها عندهم، ويوجع أدبا ويغرم قيمتها لذمي حيث أتلفها السارق وإلا رد عينها له، لا إن كانت لمسلم لوجوب إراقتها. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا قطع على سارق كخمر ولو كان المالك لها ذميا لكن يغرم له قيمتها مع وجيع الأدب. قاله المواق. وظاهره عدم القطع، ولو كان السارق لها ذميا أيضا وهو كذلك، ثم إن وعاء الخمر إن كانت تساوي نصابا بعد تفريغه هل يقطع وهو المناسب، لقوله:"أو الثوب فارغا" أم لا؟ ولا قطع في آلة لهو كعود ومزمار ودف وكَبَر. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: الشرط الثالث يعني من شروط المسروق أن يكون محترما فلا قطع على سارق الخمر والخنزير ولا على سارق الطنبور من الملاهي والمزامير والعود وشبهه من آلات اللهو، إلا أن يكون في قيمة ما يبقى منها بعد إفساد صورتها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر، وروى محمد: لا قطع في خمر ولو سرقه لذمي إلا أنه يغرمه له مع وجيع الأدب، واختلف قول ابن القاسم في الكبر والدف. انتهى.

وطنبور يعني أن من سرق طنبورا لا قطع عليه لأنه من آلات اللهو وهي لا حرمة لها، إلا أن يساوي بعد كسره نصابا يعني أن الطنبور محل كونه لا قطع على سارقه إنما هو حيث لم يكن يساوي نصابا بعد كسره أي إفساد صورته، وأما إن كان يساوي بعد إفساد صورته نصابا فإنه يقطع سارقه، ومثل الطنبور في ذلك غيره من آلات اللهو، فإنه إذا بقي منها بعد إفساد صورتها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع سارقها كما مر قريبا. واللَّه تعالى أعلم. التتائي: وطنبور إلا أن يساوي خشبته بعد كسره نصابا عند ابن القاسم، وعنه القطع في قيمة الدف والكبر صحيحا لأنه أرخص في اللعب به. انتهى. وقوله:"بعد كسره" أي بعد تقدير كسره، ووقع في شرح عبد الباقي ما نصه: بعد كسره بالفعل فلا تعتبر قيمته بتقدير كسره كما هو

ص: 557

الظاهر. انتهى. قوله: فلا تعتبر قيمته بتقدير كسره الخ بل هذا هو المعتبر كما يفيده ظاهر كلام ابن شأس وهو الظاهر لأنه قد تفقد عين المسروق. انتهى.

وكلب مطلقا يعني أنه لا قطع في سرقة كلب مطلقا أذن في اتخاذه أم لا، معلما أم لا، ولو ساوى لتعليمه نصابا فهو كالمستثنى من قوله فيما مر:"وجارح لتعليمه". وَالْفَرْقُ أنه لا يباع، (لأن النبي صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ ثمنه)، بخلاف غيره فيباع. انتهى. وقال المواق قال: في المدونة: من سرق كلبا صائدا أو غير صائد لم يقطع؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ثمنه). انتهى. وقال التتائي: ولا في سرقة كلب مطلقا أذن في اتخاذه أم لا، وهو مذهب المدونة خلافا لأشهب في المأذون واختلف في الزيت المتنجس. انتهى. وقال الرهوني: لم يدخل الزرقاني في الإطلاق كان في عنقه شيء أم لا؛ يعني حيث قال: أذن في اتخاذه أم لا معلما أم لا وقد قال أبو الحسن عقب كلام المدونة: ابن يونس: قال ابن حبيب: وإن كان في عنقه قلادة تساوي ثلاثة دراهم وقد رآها السارق قطع. انتهى منه بلفظه. ونقل ابن مرزوق كلام ابن يونس أيضا ولم يقيده بشيء، والظاهر تقييد قوله: وقد رآها السارق، بما إذا لم تتقرر عادة بجعل القلادة في عنق ذلك النوع من الكلاب، وإلا فلا يتوقف القطع على علم السارق بها، قياسا على ما قيل فيمن سرق شيئا فوجد فيه دراهم فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى.

وأضحية بعد ذبحها يعني أنه لا قطع فيمن سرق الضحية بعد أن ذبحت لأنها لا تباع في فلس ولأنها وجبت بالذبح، ومفهوم قوله:"بعد ذبحها" أنها لو سرقت قبل أن تذبح لقطع سارقها حيث كانت نصابا ولو نذرت لأنها لا تتعين بالنذر، وحكم الفدية حكم الأضحية في الوجهين. قاله عبد الباقي. وقال في الميسر: وأضحية بعد ذبحها إذ لا تباع حتى في فلس فلا قطع فيها عند ابن حبيب خلافا لأشهب، وأما قبله فلا خلاف في قطع سارقها كما في التوضيح. انتهى. وقال المواق: أصبغ: إن سرق أضحية قبل ذبحها قطع وإن سرقها بعد الذبح لم يقطع لأنها لا تباع في فلس ولا تورث إنما تورث لتوكل. انتهى. وقال التتائي: ولا قطع في سرقة أضحية بعد ذبحها إذ لا تورث مالا لكن للأكل ولا تباع في فلس، بخلاف قبله بعد تعيينها فيقطع اتفاقا وكذلك الفدية.

ص: 558

بخلاف لحمها من فقير قد علمت أن سارق الأضحية بعد ذبحها لا يقطع، ومحل ذلك فيما إذا سرقت من ربها، وأما لو سرق لحمها من فغير متصدق عليه به أو من غني مهدى له فإنه يقطع سارقه بلا خلاف، قال في التوضيح: ويتخرج فيها قول بعدم القطع على أحد القولين في سرقة ما يملك ولا يجوز بيعه كالكلب، وفي الميسر: بخلاف سرقة لحمها من فقير تصدق به عليه فيقطع من سرقه اتفاقا كما لابن شأس؛ لأن الفقير يملكه وله بيعه على الأشهر كما مر في بابها، وشهر في التوضيح هنا خلافه. انتهى. وقال الشبراخيتي: بخلاف سرقة لحمها من فقير لا مفهوم له، والمراد ممن ملكه سواء كان بهبة أو صدقة أو غيرهما، وإنما اقتصر عليه لأنه الغالب أي أن الغالب أن الناس إنما يعطون لحمها للفقير. وقول الشارح: لأن المشهور لخ ضعيف لأنه مخالف لقول المصنف في باب الضحية "إلا المتصدق عليه". انتهى. وقال عبد الباقي: بخلاف سرقة لحمها أو جلدها من فقير أي متصدق عليه أو غني مهدي له فيقطع لجواز بيع ذلك لمن أعطيه. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: في الأضحية بعد الذبح قولان، بخلاف لحمها ممن تصدق عليه لأن المتصدق عليه قد ملكها، وانظر هذا فهو فرع جواز بيع السكين لها وهو مختار اللخمي وابن رشد؛ (لأكله صلى الله عليه وسلم هدية بريرة)

(1)

، خلافا لقول مالك الذي لم ينقل ابنُ يُونسَ خلافه. انظر المنتقى في نقله عن أشهب وتوجيهه. انتهى.

تام الملك يعني أن من شرط القطع أن يكون النصاب المسروق تام الملك لغير السارق، واحترز بذلك من الشريك إذا سرق من مال الشركة فإنه لا يقطع على الوجه الذي سنبينه إن شاء اللَّه تعالى. قال الشبراخيتي: تام الملك صفة أخرى أخرج بها بعض صور سرقة الشريك ما اشترك فيه مع غيره. لا شبهة له فيه يعني أنه يشترط في القطع أيضا أن يكون السارق لا شبهة له في الشيء المسروق، فاحترز بالوصف الأول عن الشريك على ما يأتي، وبالوصف الثاني عن الوالد إذا سرق من مال ولده، علا الأب أولا كان الوالد أبا أو أما أو أصلا من أصولهما فهما شرطان لا شرط واحد. وفي الشبراخيتي: لا شبهة له أي للسارق فيه، يدخل فيه الولد لأنه لا شبهة له في مال

(1)

صحيح البخاري، كتاب النكاح، رقم الحديث، 5097. صحيح مسلم، كتاب الزكاة، رقم الحديث، 1075.

ص: 559

أبيه. وقوله: "لا شبهة له فيه" احترز به من الأب في مال ولده، وكلامه يقتضي أن الولد تام الملك

(1)

وهو موجود في الولد، وبهذا يكون قوله:"لا شبهة له فيه" مغايرا لما قبله، والمراد نفي الشبهة القوية لا نفي مطلق الشبهة؛ لأنه إذا سرق من بيت المال قطع لحقارة ما يستحقه.

وأشار إلى ذلك بقوله: وإن من بيت المال يعني أنه إذا سرق من بيت المال فإنه يقطع لضعف الشبهة فيه، أو الغنيمة أي وكذلك يقطع من سرق من الغنيمة إذا حيزت وهو من الغانمين لها لضعف الشبهة، قال الشبراخيتي: وإن من بيت المال أو الغنيمة التي هو من أهلها إذا حيزت وهو مبالغة فيما قبله باعتبار القيد السابق. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن من بيت المال ومنه الشون أو الغنيمة المحوزة قبل قسمها قل الغانمون أو كثروا لأن الشبهة في ذلك ضعيفة بخلاف السرقة منها قبل حوزها فلا قطع. انتهى. قوله: "ومنه الشون" هو بضم الشين المعجمة وبالنون: موضع خزن الطعام. وقوله: قل الغانمون أو كثروا فيه نظر، بل لا بد من تقييد ابن يونس المتقدم في الزنى وهنا نقله ابن عرفة، ونصه: وفي عتقها الثاني: من وطئ أمة من الغنيمة أو سرق منها بعد أن تحرز قطع. الصقلي: هذا في الجيش العظيم الذي لا يعرف عدده لأن حظه منه غير معلوم، وأما في السرية الصغيرة فلا يحد للزنى اتفاقا، ويقطع إن سرق فوق حقه من الغنيمة كلها ثلاثة دراهم. انتهى. قاله البناني.

وقال: قال في التوضيح: وقيد ابن يونس الخلاف بالجيش العظيم، وأما السرية فيتفق على قول عبد الملك. انتهى. يعني فلا يقطع إلا إن سرق فوق حقه نصابا. واللَّه أعلم. انتهى. وفي المواق عن ابن شأس ما نصه: أما بيت المال والغانم بعد حيازتها فيقطع سارقها وإن لم يزد ما أخذ على النصاب إذ لا بال لما يستحقه من ذلك. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

أو مال شركة يعني أن الشريك إذا سرق من المال المشترك فيه فإنه يقطع بشرطين، أحدهما قوله: إن حجب عنه أي عن المال المشترك، بأن أودعاه تحت يد غيرهما أو كان بيد غير السارق منهما على وجه الحفظ والإحراز، أو يغلقا عليه ويودعا المفاتح عند غيرهما، ومثل جعل المفاتيح عند

(1)

لفظ الشبراخيتي تام الملك وهو ظاهر إذ معنى التمام التصرف في جميعه بكل شيء وهذا موجود لخ جزء أخير مخطوط.

ص: 560

غيرهما جعلهما عند أحدهما إذا كان ذلك على وجه الحفظ والإحراز. انتهى. وقوله في المسألتين: على وجه الحفظ والإحراز، فإن لم يكن ذلك على وجه الحفظ والإحراز فهو كغير المحجوب. قاله الشبراخيتي. أي فلا قطع حينئذ، والشرط الثاني قوله: وسرق فوق حقه نصابا يعني أنه يشترط في القطع أن يكون الشريك السارق محجوبا عن المال الذي سرق، ويشترط أيضا أن يسرق فوق حقه من جميع المال المشترك نصابا إن كان المال مثليا أو من المسروق فقط إن كان مقوما.

فَتَحَصَّلَ من هذا أنه إذا سرق مما لم يحجب عنه فلا قطع بالكلية، وأنه إذا سرق مما حجب عنه فإنما يقطع حيث سرق فوق حقه من جميع المال المشترك، نصابا حيث كان المال المشترك مثليا، أو من المسروق إن كان مقوما. قال عبد الباقي: أو مال شركة إن حجب عنه بأن أودعاه عند أجنبي منهما أو مفتاحه عند الآخر، أو جعل هو ومفتاحه بيد الآخر للحفظ والإحراز، وإلا فكغير المحجوب، وسرق فوق حقه من جميع المشترك إن كان مثليا أو من المسروق فقط إن كان مقوما نصابا، فالأول كسرقة تسعة دراهم من اثني عشر مشتركة بينهما بالنصف، والثاني كشركة في عروض مختلفة القيمة ككتب مختلفة جملتها تساوي اثني عشر فسرق كتابا معينا يساوي ستة؛ لأن حقه فيه تصف فقط فقد سرق فوق حقه منه نصابا فإن سرق دونه فيهما لم يقطع.

والفرق بين المثلي والمقوم أن المقوم لما كان ليس له أخذه منه إلا برضى صاحبه لاختلاف الأغراض في المقوم كان ما سرقه بعض حقه وبعض حظ صاحبه وما بقي كذلك، وأما المثلي فلما كان له أخذ حظه منه وإن أبى صاحبه لعدم اختلاف الأغراض فيه غالبا، فلم يتعين أن يكون ما أخذه منه مما هو حظه أو أكثر بدون نصاب مشتركا بينهما وما بقي كذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو سرق من مال شركة بينه وبين غيره فيقطع بشرطين، الأول إن حجب عنه المال بأن أودعاه تحت يد غيرهما، أو كان بيد غير السارق منهما على وجه الحفظ والاحراز، وإلا فهو كغير المحجوب كما أشار له في الموازية، أو يغلقا عليه ويودعا المفاتيح عند غيرهما كما في الشارح، ومثل جعل المفاتيح عند غيرهما [جعلها]

(1)

عند أحدهما على وجه الحفظ والإحراز، والثاني أن

(1)

في الأصل جعلهما والمثبت من العدوى على الخرشي ج 8 ص 97.

ص: 561

يكون قد سرق فوق حقه من جميع المال ما سرق وما لم يسرق نصابا إن كان مثليا، كما إذا كان جملة المال اثني عشر درهما سرق منه تسعة دراهم وأما إن كان مقوما فالمعتبر أن يكون فيما سرق فوق حقه مما سرق لا من جميع المال نصابا، وهذا التفصيل لا يعلم إلا من خارج.

والْفَرْقُ بينهما أنه لما كان ليس له أن يأخذ حظه من المقوم على وجه القسمة إلا برضى صاحبه لاختلاف الأغراض في المقوم، كان ما سرق بعضه حظه وبعضه حظ صاحبه وما بقي كذلك فلذا اعتبر حظه مما سرق فقط، فإن كان ما زاد عليه من حظ صاحبه نصابا قطع وإلا فلا، وأما المثلي فلما كان له أخذ حظه منه وإن أبى شريكه لعدم اختلاف الأغراض فيه غالبا فلم يتعين أن يكون ما أخذه مما هو قدر حظه أو أكثر بدون نصاب مشتركا بينهما وما بقي كذلك، بل هو محتمل لأن يكون ما أخذه هو حظه فقط وما أبقاه هو حظ شريكه فقط، فلذا اعتبر في القطع في المثلي أن يكون سرق فوق ما ينوبه من جميع المال نصابا دون المقوم. انتهى. وما ذكرته في المثلي هو الذي ذكره المصنف في التوضيح عن مالك وهو ظاهرها فلا يقطع إلا إذا سرق فوق حقه نصابا من جميع المال ما سرق وما لم يسرق، والذي لابن شأس أنه إن سرق ما زاد على نصيبه من المسروق نصابا كاملا قطع كستة من اثني عشر والخلاف مقيد بالمثلي، وأما المقوم فإنه يتفق فيه على قول عبد الملك. انظر الميسر.

لا الجد ولو لأم هذا محترز قوله: "لا شبهة له فيه" يعني أن الجد إذا سرق من مال ولد ولده فإنه لا يقطع للشبهة كان الجد لأب أو لأم، قال الشبراخيتي: لا الجد فإنه لا يقطع في سرقته من مال ولد ولده، ولو كان جدا لأم ولو كان فرعه عبدا لأنه يملك ما بيده حتى ينتزعه سيده، ولا يخفى أن هذا يغني عن قوله السابق:"لا أب". واعترض ابن مرزوق كلام المصنف بأنه يقتضي أن الخلاف خاص بالجد لأم، مع أن الخلاف جار فيه وفي الجد للأب، فكان حق المصنف أن يقول: ولو الجد. انتهى. وقال البناني: ابن الحاجب: وفي الجد قولان. التوضيح: اختلف في الأجداد من قبل الأب والأم، فقال ابن القاسم: أحب إلي أن لا يقطع لأنه أب ولأنه

ص: 562

ممن تغلظ عليه الدية، وقد ورد: ادرءوا الحدود بالشبهات. وقال أشهب: يقطعون لأنهم لا شبهة لهم في أموالهم ولا نفقة، وتأول بعضهم قول ابن القاسم: أحب إلي على الوجوب ولا خلاف في قطع باقي القرابات. انتهى. وقد تبين به أن الخلاف في الجد مطلقا خلاف ظاهر المصنف من اختصاصه بالجد لأم. انتهى. الرهوني: قُلْتُ: الظاهر في الجواب عن المصنف أنه إنما اعتنى بالجد للأم لأنه أضعف من الجد للأب لانفراده بأنه قد قيل فيه إنه كالأجنبي في جميع الأحكام. قال أبو الحسن عند قول المدونة في كتاب السرقة: وكذلك الأجداد من قبل الأب والأم. انتهى. قال سحنون: تغلظ الدية على الجد أبي الأم، وقال أشهب: يحكم عليه بجميع أحكام الأجنبي. انتهى. وقال المواق: اللخمي: لا قطع على الأجداد من قبل الأب والأم وإن سرق الابن من مال أبيه قطع. انتهى. وقال عبد الباقي: لا الجد ولو لأم، لخبر:(أنت ومالك لأبيك)

(1)

، أما الابن إذا سرق من مال أبيه أو من مال جده فإنه يقطع، كما يحد إذا وطن جارية أبيه أو أمه ولو سرق العبد من مال ابن سيده قطع. انتهى.

ولا من جاحد يعني أنه إذا سرق متاعا كان قد أودعه رجلا فجحده إياه ثم أقام سارق متاعه بينة أن هذا المتاع نفسه له فإنه لا قطع عليه، قال المواق من المدونة: إن سرق متاعا كان قد أودعه رجلا فجحده إياه، فإن أقام بينة أنه قد استودعه هذا المتاع نفسه لم يقطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يقطع من سرق من جاحد وديعة أو سلف أو ثمن مبيع وإن كان النص إنما ورد في الوديعة، وَصُورَتُهَا أن يكون له مال وديعة عند شخص وله عليه بينة به، وتعذر حضورها وجحده ثم سرقه ثم أقام عليه المسروق منه بينة بالسرقة وترتب عليه القطع فأقام السارق بينة أن المال له وأنه جحده فيه، وأما تصوير البساطي لها بأن المسروق منه أقوله بعد السرقة أنه ماله وأنه جحده فغير صحيح؛ إذ إقراره لا ينفي عن السارق القطع لأنه يتهم على رحمته، فهو من مشمول قوله:"ولو كذبه ربه" المتقدم للمصنف. انتهى. وقال التتائي: ولا يقطع من سرق من

(1)

ابن حبان، رقم الحديث، 411، سنن ابن ماجه، كتاب التجارات، رقم الحديث، 2291. مسند أحمد، ج 2 ص 204.

ص: 563

جاحد لحقه قدره أو دونه. انتهى. وقال في الميسر: ولا سارق من جاحد لحقه ظاهرة وديعة أو غيرها أخذ شيئه أو غير، والذي فيها أن من سرق متاعا كان أودعه رجلا فجحده إياه، فإن أقام بينة أنه استودعه هذا المتاع نفسه لم يقطع. وفي رواية أنه لا يقطع إذا نكل من سرق منه. قال في التوضيح: وعلى هذا فلو أقر له لم يقطع. وذكر ابن فرحون عن أشهب أن من ادعى وديعة أو غيرها على من جحده فأخذها على وجه السرقة قطع إلا أن يقيم بينة أنه أودعه ذلك، وذكر عن عيسى أن ابن القاسم قال فيمن سرق متاعا فقال: كنت أودعته عند صاحب المنزل: إنه يقطع وإن صدقه، واختار عيسى أنه إن صدقه لم يقطع. انتهى.

أو مماطل يعني أنه إذا سرق من الغريم الذي مطله فإنه لا قطع عليه، قال الشبراخيتي: أو من غريم مقر مماطل وأقام السارق بينة أن له عنده مالا وأنه مطله به وإلا قطع. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: لا قطع على مستحق الدين إذا سرق [من]

(1)

غريمه المماطل جندى حقه. وقال أبو عمر في كافيه ما نصه: القطع على من سرق من مال غريمه من دينه، وخالفه أكثر الفقهاء من أصحاب مالك وغيرهم بتجويزهم لذي الحق أخذ ماله من غريمه كيف ما أمكنه، وقد روى ذلك زياد وابن وهب عن مالك. انتهى. وقال البناني: وتقييد المصنف الغريم بكونه مماطلا تبع فيه ابن شأس وابن الحاجب. قال ابن عرفة: نقله ابن شأس بقيد غريمه المماطل غير معزو كأنه المذهب تابعا للفظ الغزالي في الوجيز. انتهى. والنقل كما في المواق وغيره عار عن التقييد. انتهى. وقال في الميسر: أو من مماطل لحقه ولو من غير جنسه كما في التوضيح، لقوله عليه الصلاة والسلام لهند:(خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)

(2)

وقيده ابن فرحون بجنس حقه. انتهى المراد منه.

وعلم مما قررت أن قوله: لحقه راجع للمسألتين أي لا من جاحد لحقه ولا من مماطل لحقه. واللَّه سبحانه أعلم. وفي التتائي: ولا يقطع من سرق من جاحد لحقه قدره أو دونه أو من غريم مقر مماطل كذلك لأن له شبهة في مالهما، وظاهره كان ما سرقه من جنس حقه أم لا، وقيد بعض

(1)

ساقط من الأصل والمثبت من الجواهر ج 3 ص 33 والمواق ج 8 ص 417 ط دار الكتب العلمية.

(2)

صحيح البخاري، كتاب النفقات، رقم الحديث، 5364. صحيح مسلم، كتاب الأقضية، رقم الحديث، 1714.

ص: 564

الشيوخ عدم القطع بكونه من جنس حقه، قال: ولو سرق من غير جنسه قطع ونظر فيه المصنف، ونقل ابن عبد البر عن مالك من رواية ابن القاسم القطع على من سرق من غريمه مثل دينه، وخالفه أكثر الفقهاء من أصحاب مالك وغيرهم لتجويزهم له أخذ ذلك من غريمه كيف ما أمكنه. انتهى. ولذا أطلق هنا. انتهى المراد منه. واللَّه تعالى أعلم.

مخرج من حرز صفة للنصاب يعني أنه يشترط في قطع من سَرَقَ النصاب المتقدم أن يكون قد أخرجه من حرز، ولو تلف بعد إخراجه وقبل استقراره بمحل آخر، كما لو كان زجاجا فطرحه فتلف بعد ما خرج من الحرز، أو وقع في نار واحترق وهو ما استحسنه اللخمي فلو نقله من موضع لآخر في الحرز ولم يخرجه منه فلا قطع كما يأتي، وظاهره القطع إذا أخرجه ولو رده للحرز بعد إخراجه وهو كذلك لتحقق السبب. قاله في الذخيرة. قاله الشبراخيتي. وقال: وقوله: "مخرج" صفة لقوله: "ربع دينار أو ثلاثة دراهم" لأن العطف فيه بأو فتجوز المطابقة وعدمها، وهذا أحسن من قول بعضهم: إنه صفة لما يفهم من الكلام أي بسرقة نصاب مخرج من حرز، بل المصنف راعى القاعدة العربية وهي أنه متى كان العطف بأو جازت المطابقة وعدمها، ولو قال: مخرجين، صح أيضا. انتهى. وقوله:"مخرج من حرز" يستثنى منه باب المسجد وسقفه وقناديله وحصره وبسطه وبلاطه. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: تأمله فإن حرز كل شيء بحسبه فالمسجد حرز لما ذكر. واللَّه أعلم. وقال عبد الباقي: مخرج من حرز سواء بقي النصاب خارج الحرز أو تلف بنار أو أتلفه حيوان أو كان [زجاجا]

(1)

فانكسر، ولا يشترط دخول السارق بل لو أدخل عصاه وجر بها نصابا قطع.

وفسر الحرز بقوله: بأن لا يعد الواضع فيه مضيعا يعني أن الحرز الذي يقطع من سرق منه هو الذي لا يعد الواضع فيه مضيعا لما وضعه فيه، فليس له ضابط بل حرز كل شيء بحسبه فرب محل حرز لشيء دون آخر، وسواء قصد الوضع فيه أم لا كمن سقط له دينار في حرزه من غير قصد ثم سرق منه لزم السارق القطع. قاله البناني. وقال التتائي: وعرف المصنف الحرز بأن لا

(1)

في الأصل زجاج والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 98.

ص: 565

يعد الواضع فيه مضيعا للموضوع فيه، قال الطرطوشي: أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى اعتبار الحرز (في حديث الجرين)

(1)

، ولم يبين صفته ووكله إلى اجتهاد العلماء ليعظم أجرهم، والقاعدة أن كل ما لم ينص على ضبطه يرجع فيه للعادة فحرز كل شيء بحسبه عادة. انتهى. فالحرز أمر نسبي، فرب مكان حرز بالنسبة لشيء دون غيره ولسارق دون خائن، فمن وضع وديعة بكوة بيته فهو حفظ لها عن السارق دون ولده ونحوه. وعرفه ابن عرفة بأنه: ما قُصِدَ بمَا وضع فيه حفظه به إن استقل بحفظه أو بحافظ غيره إن لم يستقل، ولا يقال ما قصد يقتضي قصد إحرازه، فلو وضعه فيه بلا قصد إحرازه لم يقطع سارقه وليس كذلك، بل يقطع من سرق من حرز ولو لم يقصد الواضع فيه إحرازه؛ لأنه يقال عليه المراد أن شأنه أن يقصد فيه الإحراز. انظر الشبراخيتي والبناني. وقوله: بما أي بمكان شأنه أن يقصد بما شأنه أن يوضع فيه حفظه به الخ، والأصل في اشتراط الحرز ما في الموطإ من قوله عليه الصلاة والسلام:(لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن)

(2)

. انتهى. وهو ثلاثة دراهم كما في (حديث آخر

(3)

)، والمجن: الترس، والحريسة فعيلة بمعنى مفعولة أي أن لها من يحرسها ويحفظها، والمعنى ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع. انظر محمدا الزرقاني. وقال المواق: ابن شأس: الشرط السادس يعني من شروط المسروق أن يكون في مكان هو حرز لمثله في العادة والعرف، وذلك يختلف باختلاف عادات الناس في إحراز أموالهم، وهو -في الحقيقة- كل ما لا يعد صاحب المال في العادة مضيعا لما فيه بوضعه فيه. انتهى.

وإن لم يَخْرُج هو مبالغة في القطع يعني أن السارق إذا أخرج المسروق من الحرز فإنه يقطع وإن لم يخرج السارق من الحرز، قال المواق من المدونة: لو أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجا عنه فقد شك فيه مالك بعد أن قال لم يقطع وأنا أرى أن يقطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أخرجه السارق من الحرز ولم يخرج هو أي السارق وأخذ داخل الحرز قطع؛ لأن العبرة إنما هي

(1)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث، 24. سنن أبي داوود، كتاب الحدود، رقم الحديث، 4390.

(2)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث، 24.

(3)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث، 23.

ص: 566

بخروج المال من حرزه لا بخروج السارق. انتهى. وقال التتائي: وإن لم يخرج هو أي السارق وأخذ داخل الحرز قطع وشهره ابن الحاجب. ويدخل في كلام المصنف من ألقى المسروق من داخل الحرز إلى خارجه فوقع في نار واحترق، أو كان زجاجا فتكسر أو ابتلعه حيوان ونحو ذلك وفيه خلاف، واستحسن اللخمي القطع، وأبرز المؤلف الضمير ليلا يتوهم رجوعه للمسروق. واللَّه تعالى أعلم. قاله مقيده عفا اللَّه عنه.

أو ابتلع درا عطف على المبالغة يعني أن السارق إذا دخل الحرز فأخذ منه درا ونحوه مما لا يفسده الابتلاع، فابتلعه ثم خرج من الحرز فإنه يقطع، قال الشبراخيتي: أو ابتلع السارق درا أي لؤلؤا، ومثله الجوهر والياقوت والزمرذ والزبرجد والمرجان والذهب والفضة وكل ما لا يفسده الابتلاع؛ إذ يصدق عليه أنه أخرج نصابا، وليس ابتلاعه استهلاكا له فلو قال: كدر كان أحسن وهو داخل في حيز الإغياء، وَفُهِمَ من تمثيله بالدر أنه لو أكل طعاما في الحرز يساوي نصابا لا قطع وهو كذلك، بل يؤدب ويضمنه وكذا لو حرق ثوبا أو أفسده. انتهى. وقال عبد الباقي: أو ابتلع في الحرز درا أو دينارا أو نحوه مما لا يفسد بالابتلاع، وإن حصل فيه تغير كالدر ثم خرج السارق فيقطع بخلاف ما يفسد، كأكله طعاما نصابا أو ابتلاعه عنبرا مثلا ثم خرج فلا قطع، ولكن يضمنه كما لو حرق أمتعة داخل الحرز ويؤدب، فإن أخرجه ثم ابتلعه قطع. انتهى.

وقول المصنف: "أو ابتلع درا" قال عنده التتائي: قال بعض من تكلم على هذا المحل: كذا قال ابن رشد في رسم أسلم من سماع ابن القاسم في كتاب السرقة فيمن ازدرد الدينار في الحرز فخرج به، فالعجب من قول ابن عرفة: لا أعرفها نصا إلا للغزالي في الوجيز واحتياجه لتخريجها على ما في المدونة من دهن الرأس أو اللحية. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: لو ابتلع درة وخرج قطع. ابن عرفة: هذا مقتضى المدونة ولا أعرفه نصا إلا للغزالي. انتهى. وقال البناني: ابن غازي: قال ابن يونس في العتبية: لو ابتلع دينارا في الحرز وخرج لقطع لأنه خرج به وهو شيء يخرج منه فيأخذه، وكذا قال ابن رشد في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب السرقة فيمن ازدرد الدينار في الحرز فخرج به، والعجب من ابن عرفة كيف خفي عليه هذا حتى قال: لا

ص: 567

أعرفها بنصها إلا للغزالي في الوجيز واحتاج إلى تخريجها على ما في المدونة في دهن الرأس واللحية. انتهى.

أو ادهن بما يحصل منه نصاب عطف على المبالغة أيضا؛ يعني أنه إذا دخل في الحرز فادهن بما يحصل منه نصاب إذا سلت فخرج بذلك من الحرز فإنه يقطع. وقوله: "أو ادهن" يعني وكذا لو دهنه غيره برضاه والمعتبر قدر ما يسلت لا ما ادهن به، ومثل سلته عند أشهب غسله فيطفو على الماء فيجمع كما في التوضيح. قال الشبراخيتي: أو ادهن أي دهن نفسه ومثله لو دهنه غيره باختياره بما يحصل منه نصاب أي بعد خروجه وسلته، قال الش: أي يحصل منه بعد خروجه من الحرز إذا سلت ما قيمته نصاب. انتهى. وفي كلام المصنف إشارة إلى هذا الشرط حيث عبر بقوله: "بما يحصل" الخ، وعدل عن أن يقول أو ادهن بنصاب مع أنه أخصر. وفهم من قوله:"يحصل منه نصاب" أنه لو لم يحصل منه بعد سلته نصاب لم يقطع وإن ادهن بأكثر منه. انتهى. وقال عبد الباقي: أو ادهن في الحرز أو دهنه غيره باختياره بما يحصل بعد خروجه من الحرز إذا سلت، كمسك وزباد نصاب أي قيمة نصاب والتقييد بإذا سلت يفيد حكم تعبير المصنف بما يحصل، دون أن يقول: أو ادهن بنصاب، مع أنه أخصر. ومثل السلت الغسل فيطفو منه على الماء. انتهى. ومن المدونة: وإذا دخل السارق الحرز فأكل الطعام فيه ثم خرج لم يقطع وضمنه، وإن دهن رأسه ولحيته في الحرز بدهن ثم خرج، فإن كان ما في رأسه من الدهن إن سلت يبلغ ربع دينار قطع، وإلا لم يقطع. انتهى.

أو أشار إلى شاة بالعلف فخرجت يعني أنه لا يشترط دخول السارق للحرز، فلذا لو أدخل عصا في الحرز وجذب بها نصابا فأخرجه من الحرز فإنه يقطع، أو أشار من خارج الحرز إلى شاة داخلة بالعلف فخرجت فإنه يقطع، وظاهر المصنف أنه يقطع وإن لم يأخذها. قال في الميسر: أو لم يدخل الحرز بل أخرج نصابا بيده أو عود أو تحيل، كمن أشار إلى شاة أو غيرها بالعلف فخرجت من الحرز فالمشهور قطعه وإن لم يأخذها كما هو ظاهر نقل المواق عن العتبية، وكذا لو أخرجها بغير علف كنداء دابة أو صوت تخرج به عادة ولو أشار لها جماعة قطعوا إن ناب كل واحد نصاب وإلا فلا؛ لأن الأصل خروجها بإشارة كل بانفراده. قاله عبد الباقي. انتهى.

ص: 568

وقال الخرشي: وكذلك يقطع من أشار إلى شاة بالعلف ونحوها فأخرجها من حرز مثلها أو إلى صبي أو إلى أعجمي حتى أخرجه، فقوله:"أو أشار" الخ عطف على لم يخرج فهو في حيز المبالغة. انتهى. وفي كلام غير واحد: وظاهر كلام المصنف أن خروجه من الحرز كاف أي وإن لم يأخذه وفي النوادر ما يفيد أنه يقطع وإن لم يأخذه أي ما ذكر من الشاة التي أشار إليها أو نحوها، وهذا هو الذي ينبغي التعويل عليه لوافقته من حيث المعنى، لقول المصنف: وإن لم يخرج هو. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وفيه ما نصه: وغير الشاة مثلها، ففي ابن مرزوق إخراج البازي من غير علف كإخراج الشاة به، والظاهر أبي إشارة جماعة لإخراجها كإشارة واحد لأن الأصل خروجها بإشارة كل بانفراده، فيقطع الجميع إن ناب كل واحد من قيمتها نصاب وإلا فلا. انتهى. قال البناني: هذا هو الجاري على قول المصنف فيما تقدم: "أو اشتركا في حمل إن استقل كل ولم ينبه نصاب"؛ لأن كلا منهم هنا يستقل بالإشارة فإن ناب كلانصاب قطعوا كلهم وإلا فلا قطع. انتهى. وقال المواق: سمع أشهب: من أشار إلى شاة في حرز لم يدخله بالعلف فخرجت لا قطع عليه، وقال أشهب وابن القاسم: يقطع. ابن رشد: القطع هو الأظهر. انتهى.

أو اللحد يعني أن من سرق اللحد أي الخشبة التي يغطى بها القبر يقطع، ويشمله قولهم: إن القبر حرز، وأما سرقة الكفن فستأتي، قال التتائي: قال بعض من تكلم على هذا المحل: كأنه منصوب بمحذوف معطوف على ما في حيز المبالغة، فاللحد على هذا وهو غشاء القبر مسروق بنفسه، وأما ما فيه وهو الكفن فقد ذكره بعد هذا فلا تكرار، ويدل على هذا عطفه عليه الخباء وهم وإن لم يصرحوا بسرقة اللحد نفسه خصوصا، فقد قالوا: القبر حرز لما فيه. انتهى. وفيه تفسير اللحد بالمجاور لأن اللحد الشق يكون في عرض القبر. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: والظاهر أن المراد بغشائه هنا الأسفل الذي يسد به على الميت حيث يساوي نصابا؛ لأنه هو الذي حَرَزَ الميت لا الأعلى الظاهر لأنه منهي عنه لغير التمييز، ولم ينصوا على أن القبر حرز له فيما علمت. انتهى. وبتفسير اللحد بما ذكر يندفع اعتراض غير واحد كالمواق، حيث قال عند قوله "أو اللحد" ما نصه: قال بعد هذا: أو قبر، فانظر أنت هذا. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو

ص: 569

اللحد، المراد به غشاء اللحد أي الألواح أو البلاط التي تجعل على اللحد، وإطلاق اللحد على الغشاء مجاز من باب إطلاق اسم المحل على الحال علاقته المجاورة.

أو الخباء يعني أن من سرق الخباء يقطع وهو خيمة من صوف. قال عبد الباقي: أو سرق الخباء أي الخيمة، وقال الشبراخيتي: أو الخباء أي الخيمة فإنه يقطع، وقال الخرشي مفسرا للمصنف: وكذلك يقطع من سرق الخيمة. انتهى. وقال التتائي: أو الخباء واحد الأخيبة من وبر أو صوف ولا يكون من شعر وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت واستخبينا الخباء أي نصبناه ودخلنا، والظاهر أن المراد به في عرفنا الخيمة يقطع سارقه. انتهى.

أو ما فيه يعني أنه إذا سرق ما في الخباء فإنه يقطع. الشبراخيتي: ولا مفهوم للخباء بل كل محل اتخذه الإنسان منزلا وترك متاعه فيه وذهب لحاجة مثلا فسرقه إنسان فإنه يقطع. انتهى. وقال المواق من المدونة: إذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجا منه وخرج لحاجة فسرقه رجل أو سرق المسافر فسطاطا مضروبا بالأرض قطع. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سرق الخباء أي الخيمة أو ما فيه كإن سرقهما معا قطع إن كان مجموعهما يساوي نصابا. انظر التتائي. وسواء كان أهله فيه أم لا، وسواء الحَضَر والسفر لأن الخباء حرز لنفسه ولا فيه، ولا مفهوم للخباء بل كل محل اتخذه الإنسان منزلا وترك متاعه فيه وذهب لحاجة مَثَلًا وسرقه إنسان فإنه يقطع. انتهى.

وقال البناني عند قوله: "أو الخباء أو ما فيه" ما نصه: هذا مقيد بما إذا ضرب الخباء في مكان لا يعد ضاربه فيه مضيعا له. قاله ابن مرزوق. وقول الزرقاني: بل كل محل اتخذه إنسان منزلا لخ هكذا نقله المصنف في التوضيح عن اللخمي، وكذا ابن عرفة ونصه: وكرفقة في السفر ينزل كل واحد على حدته إن سرق أحدهم من الآخر قطع، كأهل الدار ذات المقاصير يسرق أحدهم من بعضها ومن أبقى ثوبه في الصحراء وذهب لحاجته وهو يريد الرجعة لأخذه فسرقه رجل سرا، فإن كان منزلا له قطع سارقه وإلا لم يقطع. انتهى. وقال التتائي:"أو الخباء أو ما فيه" لأنه لا ضربه صار منزلا فهو حرز لنفسه ولا فيه كان أهله فيه أولا، ولو سرق بعض أهل خباء من أهل خباءآخر وقطعوا على الأصح لا أهل خباء من بعضهم. قاله محمد اللخمي. اتفقوا على أنه لو لم

ص: 570

يكن منزلا نزله لم يقطع كمن ينزل لقضاء حاجة أو أخذ ماء، وقول البساطي: انظر لو كان الخباء يساوي دون النصاب وما فيه كذلك ولكن المجموع نصاب قد يقال لا نظر إلى آخر كلامه.

أو حانوت يعني أنه إذا سرق نصابا من حانوت فإنه يقطع لأن الحوانيت حرز لما فيها. وفي الميسر: أو سرق ما في حانوت أي بيت عمل لتاجر أو صانع، وفي الكافي أن من سرق من حانوت تاجر في سوق ليلا أو نهارا قطع إلا أن تكون قيسارية لها أبواب وحيطان محدقة بها فإنها باليل خاصة حرز واحد لا يقطع حتى يخرج منها بسرقته. انتهى. ونقله في التوضيح. انتهى. ومن المدونة يقطع من سرق من الحوانيت والمنازل والبيوت. انتهى.

أو فنائهما أي الخباء والحانوت يعني أن من سرق من فناء الحانوت ما يوضع فيه عادة يقطع، وكذا يقطع من سرق من فناء الخباء ما يوضع فيه عادة. قال عبد الباقي: أو سرق نصابا من حانوت لصيرفي أو غيره أو سرق من فنائهما أي الخباء والحانوت لأنه حرز لما يوضع فيه عادة. انتهى. وقال التتائي: ونحوه للشبراخيتي أو سرق من فنائهما أي الخباء والحانوت، وكذا من تابوت الصيرفي يقوم عنه ويتركه ليلا أو نهارا، مبنيا كان أو غير مبني، إلا إن كان ينقلب به في كل ليلة فلا قطع قاله ابن القاسم. انتهى. وقال المواق من المدونة: يقطع من سرق ما وضع في أفنية الحوانيت، وقد تقدم أنه يقطع من أخذ من خارج الخباء. انتهى. يعني ما مر له عن المدونة: إذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجا منه وخرج لحاجة فسرقه رجل أو سرق المسافر فسطاطا مضروبا بالأرض قطع. انتهى. فأفاد هنا أن المراد بقولها أو خارجا منه فناء الخباء. واللَّه تعالى أعلم.

أو محمل يعني أنه يقطع في سرقة محمل، وصورة ذلك أنه سرق المحمل أو ما فيه من غير ظهر دابة لأن المحمل حرز لنفسه ولما فيه، قال عبد الباقي: أو سرقة محمل قيمته نصاب كَزَامِلَةٍ وشقذف ومحفة من غير ظهر دابة، وإلا فهو ما بعده لأنه حرز لنفسه ولما فيه. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو سرقة محمل قيمته نصاب لأنه حرز لنفسه ولما فيه، قال في الحاشية: وَصُورَتُهَا أنه سرق المحمل أو ما فيه من غير ظهر دابة وإلا فهو ما بعده، وقال في الشرح: لا يخفى أن قوله: أو ظهر دابة يغني عن قوله: "أو محمل" لأنه مما على ظهر الدابة، وحمله على أن معناه

ص: 571

سرق بعد وضعه عن ظهرها كما ذهب إليه ابن مرزوق غير ظاهر؛ لأنه حين الوضع متاع سرق من محل، فيراعى فيه ما روعي في سرقة غيره. انتهى.

وقال عبد الباقي أو سرق ما على ظهر دابة غرارة أو ما فيها أو السرج أو البردعة سائرة أو نازلة في ليل أو نهار: أو رحل جمل حيث كانت الدابة في حرز مثلها وإن لم يكن حرزا لما عليها وإلا فلا قطع. وقال البناني: ابن رشد: المحمل على البعير كسرج الدابة، فمن سرقه من عليه أو سرق شيأ منه قطع إلا أن يكون مُخَلًّى في غير حرز ولا حارز فلا قطع فيه كما لو سرقه بمحمله. انتهى. نقله ابن عرفة. انتهى. وفي الميسر: أو ما في محمل على ظهر أم لا، أو ما على ظهر دابة من متاع أو سرج ونحوه إن لم تكن مخلاة في غير حرز. انتهى. وإن غيب عنهن يعني أنه إذا سرق من الخباء وما بعده إلى هنا فإنه يقطع ولو غاب عنهن أهلهن، فقوله: عنهن أي غابوا عن الخباء والحانوت وفنائهما والمحمل وما على ظهر الدابة؛ أي يقطع من سرق من ذلك غاب عنه أهله أم لا. قال الشبراخيتي: وإن غيب عنهن أي عن الخباء وما بعده فكما لا يشترط في قطع السارق من البيت حضور صاحبه وقت السرقة فكذا هذه الأشياء. إِنتهى.

وقال في الميسر: وإن غيب عنهن أي عن الخباء وما بعده أي غاب عنها أهلها. قاله فيها. وقال في التوضيح عن البيان: المحمل الذي على الدابة كالسرج الذي على الدابة، فمن سرقه أو سرق شيأ منه قطع إلا أن تكون مخلاة من غير حرز ولا حارز فلا قطع على سارقه، كما لو سرق الدابة بسرجها وهي مخلاة. انتهى. وقال المواق من المدونة: والدور حرز لما فيها، غاب أهلها أو حضروا، ويقطع من سرق مالا وُضِعَ بأفنية الحوانيت. اللخمي: يريد إذا كان معها صاحبها واختلف إن غاب عنه، ومن المدونة: من سرق من محل شيئا أو أخذ من البعير غرائر أوْ شقها فأخذ منها متاعا أو أخذ ثوبا من على ظهر البعير مستترا قطع، وسمع أشهب: من سرق من المحمل وليس صاحبه معه فعليه القطع. انتهى.

أو بجرين يعني أنه إذا سرق من الجرين وهو الموضع الذي يوضع فيه القمح أو الشعير أو غيرهما حتى يصفى وينقل فإنه يقطع، قال الشبراخيتي: أو بجرين معطوف على حانوت وباؤه للظرفية أي فيه فيقطع، فلو جذ وكدس بموضعه فلا قطع على سارقه، لكن لو حمل فسرق في الطريق

ص: 572

قبل وصول الجرين قطع لأجل من معه. ذكره في التبصرة. وظاهر كلام المصنف: قرب الجرين أو بعد، وقيل: يقطع في القريب لا البعيد، والجرين يسمى بالجرن والأندر، والمراد به الموضع الذي يوضع فيه القمح أو الشعير أو غيرهما حتى يصفى وينقل، وأما الموضع الذي يجفف فيه التمر فيقال له بريد. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سرق تمرًا بجرين أي فيه قريب من العمران أو بعيد فيقطع فلو جُذَّ وكدس بموضعه فلا قطع على سارقه، وكذا ما حصد من قمح مصر وفولها وقرطها ووضع بموضعه لييبس فلا قطع على سارقه. قاله مالك في القمح والقرط. فإن حمل فسرق في الطريق قبل وصوله الجرين قطع لكن لأجل من معه. الجوهري: الجرن والجرين موضع التمر الذي يجفف فيه. قاله التتائي. والمراد به هنا ما يشمل ذلك والوضع الذي يوضع فيه القمح ونحوه حتى يصفَّى وينقل. انتهى. وقال البناني في المدونة: قال ابن القاسم: وإذا جمع في الجرين الحب أو التمر وغاب ربه وليس عليه باب ولا غلق ولا حائط قطع من سرق منه. ابن يونس: لعموم (الحديث)

(1)

. نقله المواق. وقول عبد الباقي: فلو جذ وكدس الخ ما اقتصر عليه في هذا من عدم القطع هو أحَدُ الأقوال الثلاثة الآتية في قول المصنف: "وإلا بعد حصده فثالثها إن كدس" فلو أسقطه من هنا لكان أحسن. وقوله: "الجرين" كأمير والجُرْن بضم الجيم [وسكون]

(2)

الراء كقفل بمعنى واحد وهكذا في القاموس، وأما الجرن بضمتين فهو جمع جرين كما في النهاية. انتهى. وقوله: وكذا ما حصد من قمح مصر وفولها لخ؛ يعني لأنه لم ينقل إلى الجرين، ويأتي الكلام عليه للمصنف. واللَّه تعالى أعلم.

أو ساحة دار يعني أن الدار المشتركة ساحتها وهي البقعة التي بين الجدران واسعة ليس فيها بناء، وتسمى أيضا عرصة حرز بالنسبة، لشخص أجنبي أي غير شريك في سكنى ولو شريك ذات أو منفعة فإنه أجنبي حيث لم يشارك في السكنى ولم يدخل إلا بإذن، وإذا كان ساحتها حرزا بالنسبة للأجنبي بالمعنى المذكور فإنه يقطع من سرق من ساحتها ذلك الأجنبي وأخرجه من

(1)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث 24.

(2)

في الأصل وكسر والمثبت من بناني ج 8 ص 100.

ص: 573

جميع الدار، سواء كان مما يوضع في الساحة أم لا، كثوب إن حجر عليه يعني أنه إنما يقطع الأجنبي حيث سرق من ساحة الدار المذكورة بشرط أن يكون محجورا عليه في دخول الدار المذكورة، فإن لم يحجر عليه في دخولها لم يقطع. قال عبد الباقي: أو سرق من ساحة دار مشتركة حرز بالنسبة للأجنبي أي غير شريك في سكنى ولو شريك ذات أو منفعة فإنه هناك أجنبي حيث لم يشارك في السكنى، ولم يدخل إلا بإذن، فيقطع الأجنبي فيما سرقه من الساحة وأخرجه عن جميع الدار، سواء كان مما يوضع في الساحة أم لا، كثوب إن حجر عليه. ومفهوم "أجنبي" أن الشريك في السكنى يقطع إن سرق من الساحة ما يوضع فيها فقط، كدابة أزالها عن موضعها إزالة بينة كما للخمي لا غير ما يوضع فيها، ولو أخرجه عن الدار لأنه في غير حرز بالنسبة للشريك في السكنى، وأما السرقة من بيت من بيوتها فيقطع مخرجه من البيت لساحتها اتفاقا في الشريك وعلى الراجح في الأجنبي، وكلام المصنف في الدار المشتركة كما علم، وأما المختصة فلا يقطع إلا إذا أخرجه من جميع الدار، سواء سرقه من بيت من بيوتها أو من ساحتها وسواء كان ما سرقه من ساحتها شأنه أن يوضع فيها أم لا. انتهى.

قوله: وعلى الراجح في الأجنبي الخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: انظر من رجحه وقد صدر ابن يونس بأنه لا يقطع ثم ذكر القول بالقطع. انظر المواق. انتهى. قلت: لا شك أن كلام ابن يونس يفيد رجحان مقابل ما رجحه الزرقاني، وأن ما رجحه الزرقاني خلاف مذهب المدونة، ونصه: فإن كان السارق من غير السكان فإنه لا يقطع حتى يخرج من جميع الدار، سواء سرق من البيت أو من الساحة. وقاله سحنون. وقال ابن المواز في هذا: إنه يقطع إذا أخرجه من البيت إلى الساحة. انتهى. لكن كلام ابن رشد في المقدمات يفيد أنه فهم المدونة على الوفاق لا في الموازية. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: أو سرق من ساحة دار أي البقعة التي بين الجدران واسعة ليس فيها بناء، وتسمى أيضا عرصة قطع لأنها حرز بالنسبة لأجنبي إن حجر عليه في الدخول، وهو شامل لقسمين: ما إذا كانت لواحد وحجر الناس عن دخولها، أو لجماعة وحجروها كذلك، والمراد بالأجنبي غير الشريك في السكنى، وسواء كان المسروق مما يوضع فيها أم لا كالثوب، وأما غير الأجنبي فيقطع إن سرق من الساحة ما يوضع فيها كالدابة لا غيره،

ص: 574

وأما السرقة من بيت من بيوتها فإنه يقطع من أخرجه من البيت لساحتها، سواء كان أجنبيا أو شريكا، وكلام المصنف هذا في الدار المشتركة، وأما الدار المختصة بشخص فلا يقطع من سرق من ساحتها أو من بيت من بيوتها حتى يخرج به من جميعها، وسواء سرق من ساحتها ما العادة أن يوضع فيها أم لا. انتهى.

‌تنبيهان:

الأول: قال في التوضيح عند قول ابن الحاجب والحرز ما لا يعد الواضع فيه في العرف مضيعا للمال. انتهى. هذا راجع لقوله: "محرزا"، ونَسَبَ عدم التضييع إلى العرف لأن التضييع والحفظ أمران نسبيان لا ينضبطان إلا بالعرف، فقد يكون الشيء محفوظا في مكان مضيعا في غيره ومحفوظا بالنسبة إلى شخص دون شخص، وبهذا يندفع إيراد من أورد عليه بعض مسائل الوديعة: كمن أودع دراهم فوضعها في صحن داره فأخذها ولده أو زوجته فإنه يضمن لتضييعه، ولو سرقها سارق من أي موضع كان لقطع وجوابه ما ذكرنا، وهو أنه مضيع لها بالنسبة إلى ولده وزوجته أو من يدخل معهم بإذن أو بغير إذن فإنه يضمن لتضييعه وحافظ بالنسبة إلى السارق.

الثاني: قال في التوضيح: والجمهور على اعتبار الحرز خلافا لبعض أهل الحديث وبعض الظاهرية، لما رواه الترمذي وصححه عنه عليه الصلاة والسلام:(ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع)

(1)

، وروى النسائي عنه عليه الصلاة والسلام:(لا قطع في كثر ولا ثمر)

(2)

، والكثر: الجمار.

كالسفينة يعني أن السفينة حرز لما فيها، فيقطع من سرق منها، قال عبد الباقي: كالسفينة يقطع من سرق منها بحضرة رب المتاع، سواء أخرجه منها أم لا، كان من ركابها أم لا، وكذا بغير حضرته إن كان السارق أجنبيا وأخرجه منها، فهذه خمسة أقسام، لا إن لم يخرجه فإن كان من ركابها لم يقطع ولو أخرجه منها لأنه من غير حرز عند غيبة ربه عنه، فتلك ثلاثة لا قطع فيها، وإن سرق من الخن قطع وإن لم يخرجه من السفينة في الثمانية لأنه كبيت مستقل،

(1)

سنن الترمذي، كتاب الحدود، رقم الحديث، 1448، سنن النسائي، كتاب قطع السارق، 4971.

(2)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث 35، سنن النسائي، كتاب قطع السارق، رقم الحديث، 4970، ولفظ كل: لا قطع في ثمر ولا كثر.

ص: 575

وسيذكر المصنف سرقه السفينة نفسها. انتهى. قوله: يقطع من سرق منها بحضرة رب المتاع، صوابه: يقطع من سرق منها ما تحت صاحبه، وأما ما كان بحضرة صاحبه ولم يكن تحته فإنه لا يقطع فيه الأجنبي حتى يخرج به من السفينة، كما إذا سرق ما ليس معه صاحبه أصلا. قال شيخنا: لأن حضرة ربه إنما تعتبر فيما ليس بحرزه، كما قال ابن عاشر. وما قاله ظاهر. وقد نقل التاودي والبناني كلام ابن عاشر فيما يأتي عند قوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه وسلماه. قاله الرهوني. وقول عبد الباقي: وإن سرق من الخن قطع الخ قيل إن الخِن بالكسر بيت في السفينة ولم أجده في الصحاح بهذا المعنى. قاله البناني. الرهوني: وما جزم به الزرقاني من أنه يقطع من سرق منه جزم به علي الأجهوري والخرشي، ولم يذكروا فيه خلافا فظاهر كلامهم أنه متفق عليه ولكن تصريح الأئمة بأن السفينة كالدار يدل على أن الخلاف السابق فيمن سرق من البيت وأخذ في الساحة وهو ليس من سكانها يجري هنا. انتهى المراد منه. وقال المواق: ابن رشد: حكم السرقة من السفينة بين أهلها كحكم السرقة من صحن الدار المشتركة. انتهى.

اللخمي: ومن سرق منها -يعني من السفينة- من غيرهم قطع إذا أبرزه من السفينة، ويختلف إذا سرق من أحد المواضع التي تغلق، فعلى قول محمد: يقطع إذا أبرزه من حرزه وإن لم يخرجه من السفينة، وعلى قول سحنون: لا يقطع حتى يخرجه منها. انتهى. وظاهر كلام ابن يونس أنه لا يقطع حتى يخرج به من السفينة لأنه أطلق، ونصه: قال مالك: وأما أهل السفينة يسرق بعضهم من بعض فلا قطع عليه كالحرز الواحد، إلا أن يسرق منه أحد من غير أهل السفينة مستسرا فليقطع إذا أخرج من المركب وكذلك في المدونة وبعد هذا إيعاب القول. انتهى. وأشار بقوله: وبعد هذا إلى آخره، لقوله في ترجمة في السرقة للسفينة أو منها، قال ابن القاسم: أي في المدونة ومن سرق من سفينة قطع إذا أخرج ذلك من المركب. انتهى. فظاهر كلامه أنه إذا لم يخرج من المركب لا يقطع، وإن سرق من موضع يغلق، ويؤيد حمله على ظاهره أنه حمل المدونة في السرقة من بيت من بيوت الدار المشتركة على أنه لا يقطع حتى يخرج من ساحتها. انتهى.

أو خان يعني أن من سرق الثقال من ساحات الخانات فإنه يقطع؛ لأن ساحة الخان حرز بالنسبة لاقال، قال عبد الباقي: أو ساحة خان حرز للأثقال أي للأعدال فيقطع سارقها بمجرد

ص: 576

إزالتها عن موضعها، سواء كان من سكانه أو أجنبيا إذا كانت تباع بها وإلا فلا قطع حتى يخرجها، وأما الشيء الخفيف فليست الساحة حرْزا له بالنسبة للأجنبي وغيره على المعتمد، وقوله:"للأثقال" زاد ابن الحاجب عقبه: والأعكام، ولعله عنى به ما عظم جرمه وكان غير ثقيل كالزلع أي الفارغة ونحوها، ولم يرد معناه اللغوي وهو الأعدال، ويدل على ذلك قول الشامل: وساحة الخان لما ثقل أو عظم مطلقا. انتهى. أي من سكانه أو أجنبيا، وقال التتائي عقب قول المصنف:"الأثقال" كالأعكام وهي الأعدال. انتهى. وهو لا يناسب عبارة ابن الحاجب. انتهى. والخان: دار معروفة مشتركة. وفي القاموس: الخان: الحانوت أو صاحبه. انتهى. وقوله: كالزلع رأيت في طرة أنها الأعدال الفارغة. واللَّه تعالى أعلم.

قال التتائي: أو ساحة خان يقطع من سرق منها لأنها حرز للأثقال كالأعكام وهي الأعدال دون ما خف فلا قطع فيه لأنه ليس حرزا بالنسبة له، وأما بيوت الخان فمن سرق منها وأخذ قبل أن يخرج من بابه قطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ساحة خان يقطع من سرق منها لأنها حرز للأثقال وهي الأعدال؛ إذ يشق إدخالها في بيوته سواء كان من سكانه أو أجنبيا، وأما غير الأثقال فإن الساحة غير حرز له بالنسبة للأجنبي وغيره كما هو المعتمد. انتهى. وقال المواق من المدونة: قال مالك: الدار المشتركة المأذونة إذا سرق الرجل منها دواب من مرابطها قطع، قال ابن المواز: وإن أخذ في الدار إذا جاوز بها مرابطها وكذلك الأعكام من الثياب والأعدال، والشيء الثقيل قد جعل ذلك موضعه فهو كالدابة على مرودها في الدار المشتركة أنه يقطع إذا برز من موضعه، قال: وأما المتاع يكون في قاعتها مما جعل ليُرْفَع لا على أن يكون ذلك موضعه، فهذا إنما يقطع إذا أخرجه من جميع الدار إلا أن يؤذن فيها لكل أحد كالقياسير فلا يقطع في هذا المتاع. انتهى. وقال في الميسر: أو ساحة خان للأثقال أي ما ثقل من المتاع فهي حرز له عن أجنبي وغيره، والخان لغة: الحانوت، وفسره بهرام بدار مشتركة مباحة للناس كالفنادق يسكن فيها كل رجل على حدته وقاعته مباحة للبيع والشراء، وقال: إنه لا يقطع من سرق منها إلا فيما يوضع هناك كدابة من مرابطها وما ثقل من الأحمال، ونحوُه ما في التوضيح أن ساحة دار مشتركة مباحة لكل أحد لا يقطع أجنبي إن سرق منها ما خَفَّ. انتهى. وفيها أن من نشر من أهلها ثوبه في صحن

ص: 577

الدار أي وسطها لم يقطع سارقه إن كان من أهلها وإلا قطع، إلا أن تكون مباحة لا يمنع منها أحد فلا يقطع سارقه من أهل الدار وغيرهم. انتهى.

أو زوج فيما حجر عليه يعني أن الزوج ذكرا أو أنثى إذا سرق متاعا لزوجه الآخر في مكان حجر عليه أي على الزوج السارق من دخوله فإنه يقطع. قال عبد الباقي: أو زوج ذكرا أو أنثى يقطع كل بسرقته من مال الآخر فيما أي في مكان حجر عنه أي عن السارق الزوج أن يدخله أو يفتحه من بيوت الدار بإزالته عن محله، وإنما يعتبر الحَجْر بغلق لا بمجرد حجر بالكلام، وأما إن سرق مما لم يحجر عنه فلا قطع لأنه حينئذ خائن لا سارق، وحكم أمة الزوجة حكمها في السرقة من مال الزوج، وحكم عبد الزوج حكمه إذا سرق من مال الزوجة. انتهى. وقال البناني: أو زوج فيما حجر عنه أي سواء كان خارجا عن مسكنهما أو كان معهما في بيت واحد بلا خلاف في الأول كما في التوضيح عن عياض، وعلى قول ابن القاسم في الثاني خلافا لما في الموازية. اللخمي: وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي، وإن كان يتحفظ كل منهما من الآخر قطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو زوج ذكرا أو أنثى يقطع كل منهما بسرقته من مال الآخر فيما حجر عليه من بيوت الدار وعبد الزوج كهو وأمة الزوجة كهي. انتهى.

وعلم مما قررت أن ما في قوله: "فيما حجر عليه" واقعة على مكان، وفي نسخة "عنه" بدل "عليه". واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق عند قول المصنف:"أو زوج فيما حجر عنه" ما نصه: اللخمي: إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر من موضع محجور بان عن مسكنهما قطع، وإن كان معهما في [بيت واحد فسرق]

(1)

من تابوت مُغْلَقٍ أو بيت محجور معهما في الدار والدار غير مشتركة، فقال ابن القاسم: يقطع، وفي الموازية: لا يقطع وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي يطرقها، وإن كان لتحفظ كل منهما من الآخر قطع. انتهى.

أو موقف دابة لبيع يعني أن من أوقف دابة بموقفها المعتاد لبيع فإنه يقطع من سرقها سواء ربطت أم لا، قال عبد الباقي: أو موقف دابة يقطع سارقها، سواء وقفت لبيع، ربطت أم لا،

(1)

في الأصل بيت سرق والمثبت من تبصرة اللخمي ج 13 ص 6085 والمواق ج 8 ص 419 ط دار الكتب العلمية.

ص: 578

كان معها صاحبها أم لا. أو غيره أي غير البيع إن ربطت. انتهى. وقال في الميسر: وموقف دابة معتاد لا غيره كما يأتي لبيع أو غيره فهو حرز لها ظاهره ربطت أم لا، وهو كذلك في البيع. قاله فيها. وأما في غيره ففيها: لو كان بها مرابط معروفة في السكة فسرقها رجل من ذلك الموضع قطع لأن ذلك حرز لها. انتهى. ومراح الماشية حرز لها وإن لم يكن عليه حائط ولا غلق فعلى من سرق منها القطع، وإن لم يبت معها أهلها كالدواب في مرابطها المعروفة وإن لم يكن لدورها أبواب ولا غلق. قاله فيها. انتهى.

والْحَاصِلُ أن من سرق دابة من موقفها المعتاد لها يقطع إذا كانت موقفة للبيع، ربطت أم لا، فإن كانت موقوفة بموقفها المعتاد لها لغير بيع قطع إن ربطت لا إن لم تربط. قال الشبراخيتي: ويجب تقييد قوله: "أو غيره" بقيدين: أن يكون الوقف معتادا لوقوفها فيه، وأن تكون مربوطة وينبغي أن يقطع بمجرد إزالتها من موضعها، ويأتي أو أخذ دابة بباب مسجد أو سوق وهو يفيد أن أخذها من الموقف غير المعتاد لا قطع فيه. انتهى. وفي الموازية: الشاة توقف في السوق للبيع وسُوقِها

(1)

قُطِع، وإن لم تكن مربوطة. ومن المدونة: لو كان للدواب مرابط معروفة في السكة فمن سرقها من مرابطها قطع لأن ذلك حرزها. انتهى.

أو قبر يعني أن القبر حرز بالنسبة للكفن، قال الشبراخيتي: أو قبر حرز لكفن فيقطع سارقه لأنه ملك للميت، وأما لغير الكفن فليس بحرز، فلو دفن معه مال لم يقطع سارقه اتفاقا، وسواء كان القبر قريبا أو في الصحراء. انتهى. وقال التتائي: أو قبر حرز للكَفَنِ فيقطع سارقه لأنه ملك للميت، قال في الذخيرة: إذ لا يزول ملكه عما لا يحتاج إليه بدليل وفاء الدين، ولا تبرأ ذمته بغير ملكه. ثم قال: لو دفن معه مال لم يقطع سارقه اتفاقا، ولو كان حرزا لكان حرزا لما زاد على الكفن المعتاد، فلو كفن في عشرة أثواب لم يقطع بسرقة الزائد على الكفن، وإنما قطع لأن القبر ليس حرزا معتادا في المسألتين. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله:"أو قبر" معناه أن القبر حرز بالنسبة للكفن سواء كان القبر قريبا أو في الصحراء.

(1)

في النوادر ج 14 ص 408: فتُسرَقُ، إن فيها القطع.

ص: 579

أو بحر لمن رمي به يعني أن البحر إذا مات به أحد ورمي به مكفنا فإنه حرز لكفنه، فإذا سرق أحد كفن الميت المرمي فيه فإنه يقطع لما علمت من أن البحر حرز لكفنه. وفي الميسر: أو قبر أو بحر لمن رمي به فكل منهما حرز لكفن؛ لأن البحر قبر لمن مات به لأنه غاية المقدور في حفظه، سواء شد على خَشَبَةٍ أم لا، وتبع فيه المصنف ابن الحاجب وابن شأس، وضعفه ابن مرزوق كما في الأجهوري، وظاهر المصنف كالمدونة والرسالة كان الكفن مأذونا فيه أم لا، ويفيده قول ابن شأس: والقبر حرز لما فيه واعترضه ابن مرزوق بأنه ليس حرزا لغير الكفن، وذكر الأجهوري أنه لا قطع في كفن لم يؤذن فيه، وعن القرافي عدم قطع من سرق مالا من الغير أو سرق ما زاد على الكفن الشرعي. انتهى.

وقال الشبراخيتي عند قوله: "أو بحر لمن رمي به": فيقطع سارق الكفن وظاهره رمي مثقلا أم لا وهو كذلك، والمراد الكفن الشرعي وهو المأذون فيه شرعا، فغير المأذون فيه لا يكون ما ذكر -يعني من القبر والبحر- حرزا له، وهذا واضح فيما إذا لم يؤذن فيه أصلا، وأما ما أذن فيه في حالة دون أخرى كالحرير فإنه أذن فيه حيث فقد غيره فيقطع سارقه حينئذ، وأما سرقته في حالة عدم الإذن فيه فلا قطع فيها، وإذا سرقه وقال: ظننت أنه فعل مع وجود غيره، وقال الوارث بل مع عدم غيره فالظاهر عدم قطعه أي لدرء الحد بالشبهة. ويفهم من قوله:"لكفن" أن البحر ليس بحرز لثياب الغريق وهو ظاهر الرواية إلا أن تجعل كفنا له.

وقوله: لكفن بدل من قوله: "لمن" بدل اشتمال. قاله الشبراخيتي. وهذا كالصريح في أن قوله: "لكفن" راجع لمسألة البحر دون مسألة القبر، فيلزم من ذلك أنه حذف لكفن من قوله:"أو قبر" وظاهر صنيع عبد الباقي أنه خبر لمبتدأ محذوف أي كل منهما حرز لكفن، وفي شرح عبد الباقي ما نصه: وأما القبر بالبر القريب من العمران أو البعيد فحرز للكفن، ولو فني الميت وبقي الكفن كما هو ظاهر ولا يقطع سارق الميت. انتهى.

أو سفينة بمرساة يعني أن من سرق سفينة بمرساة بفتح الميم أي بمحل أرسيت به فإنه يقطع لأن المحل الذي أرسيت به حرز لها وإن لم يكن معتادا، خلافا لأشهب. قال عبد الباقي: أو سفينة سرقت بمرساة بفتح الميم محل الرسي لأنه حرز لها وإن لم يعتد على الأصح كما في الشامل؛ أي

ص: 580

سواء كان بقرية أم لا، قريبا من العمران أم لا، وتفصيل اللخمي ضعيف، وأما إن سرق مِرْساتها بكسر الميم أي الآلة فيقطع لأن البحر حرز لها، سارت السفينة أو أرْسَتْ قياسا على موقف دابة فيما يظهر، والسفينة حرز لما في جَنبهَا كما مر. انتهى. قال البناني: لما قال ابن الحاجب: والسفينة حرز لما فيها إذا أرسيت أو كان معها أحد، قال في التوضيح: ليس هذا بجيد لأن هذا إنما هو في سرقتها نفسها، وأما في سرقة ما فيها فلا، وحكمها حكم صحن الدار المشتركة بين السكان فيها. قاله في البيان. قال: وأما سرقة السفينة فكما ذكره المصنف إن أرسيت في المرسى أو على قرية تصلح للمرسى. اللخمي: واختلف إذا أرسيت في غير قرية، فقال ابن القاسم: إذا نزلوا منزلا فربطوها وذهبوا لحاجتهم ولم يبق أحد منهم قطع، وقال أشهب في الموازية: لا يقطع كالدابة إذا ربطت بموضع لم تعرف به، وقد علمت أن كلام اللخمي موافق لإطلاق المصنف، واقتصر عليه ابن عرفة كما اقتصر عليه في التوضيح، فقول الزرقاني تبعا للفيشي: وتفصيل اللخمي ضعيف غير ظاهر فتأمل. انتهى.

الرهوني: مثل ما لهذين -يعني الفيشي وعبد الباقي- للخرشي، وفي قالوه ظاهر لأن اللخمي جزم بالقطع إذا كانت بالمرسى حيث السفن، وحكى القولين فيما إذا أرسيت بغير قرية من غير ترجيح، بل سوى بين قول ابن القاسم وأشهب فأشاروا إلى أن تسويته بين القولين فيها نظر، بل قول أشهب: وتفصيله ضعيف. فتأمله. انتهى. وقال المواق: ابن المواز: قال ابن القاسم وأشهب: إن كانت السفينة في المرسى على أوتادها أو بين السفن أو بموضع لها حرز فعلى سارقها القطع وإن لم يكن معها أحد، وإن كانت مخلاة أو أفلتت ولا أحد معها فلا قطع فيها إلا أن يكون معها أحد، وإذا كان فيها مسافرون فأرسوها في مرسى وربطوها ونزلوا كلهم وتركوها، فقال ابن القاسم: يقطع من سرقها. انتهى. وفي الميسر: وأما المرساة بالكسر أي الآلة فالسفينة حرز لها رست أم لا إلا أن تهمل أو تَفْلَت. انتهى.

أو كل شيء بحضرة صاحبه يعني أن كل شيء سرق بحضرة صاحبه يقطع فيه السارق، قال عبد الباقي: أو سرق كل شيء أيْ أيَّ شيء بحضرة صاحبه الحي المميز ولو نائما فيقطع؛ لأنه حرز له ولو كان في فلاة لا ميتا ولا مجنونا ولا غير مميز، ولذا لم يقل كل شيء مع صاحبه مع أنه

ص: 581

أخْصَرُ لاقتضائه قطعه إذا سرقه بصاحبه مع أنه لا يقطع، وكذا السفينة يسرقها وأهلها فيها نيام فلا قطع عليه. قاله أبو الحسن. ويستثنى من المنصف الغنم في المرعى فلا قطع على من سرق منها بحضرة ربها كما هو ظاهر الرسالة والنوادر وأبي الحسن الصغير، وبه صَرَّح ابن عمر وتبعه الشادلي والتتائي على الرسالة، وبه يعلم أن حكاية أحمد الخلاف فيه من غير ترجيح للقول بعدم القطع قصور، وقوله: لا قطع على من سرق منها في حال سيرها إلى المرعى فيه نظر مع قول المنصف أو قطار، ونحوه: ومثل الغنم في المرعى الثياب ينشرها الغسال وتسرق بحضرته فلا قطع كما في أبي الحسن على المدونة، ولعل وجه استثناء الغنم في المرعى والثياب في النشر تشتيت الغنم وعدم ضبطها ونشر الثياب قريب من ذلك، فصار الآخذ خائنا أو مختلسا. انتهى.

قوله: ولو نائما لخ ونحوه في التوضيح، ونصه: اللخمي: والأحراز ثلاثة، أَحَدُهَا ما حده الغلق وشبهه كالدور والحوانيت، وَالثَّانِي الانسان لا عليه أو معه أو يحرسه وهو يقظان أو نائم فمن سرق من هذين قطع بلا خلاف، وَالثَّالِثُ ما عداهما كالذي يجعل على الأفنية أو على الحبال ففيه اضطراب. انتهى. وهو خلاف ما في المواق عن ابن المواز، وهو من سرق رداؤه من المسجد وهو قريب منه قطع سارقه إن كان منتبها أو كالنعلين بين يديه وحيث يكونان من المنتبه. انتهى. لكن رأيت أبا الحسن لما تكلم على سرقة السفينة ذكر أن الإطْلَاقَ سواء كان منتبها أو نائما، صغيرا أو كبيرا هُوَ ظَاهِرُ المدونة، وعليه فما في الموازية مقابل. انتهى. قول الزرقاني: وكذا السفينة يسرقها وأهلها نيام فلا قطع عليه. قاله أبو الحسن. نص ما في أبي الحسن: قال اللخمي: إن كان الناس في السفينة فأزالها في ليل قطع إذا كان مَرْسًى معروفا، ولا يقطع إذا لم يكن معروفا لأن حرزها حينئذ الذين فيها ولم تَزُلْ أيديهم عنها، فأشبه من سرق دابة وعليها ربها وقد نعس عليها فردها -أي السارق- عن الطريق فإنه لا يقطع؛ لأن حرزها صاحبها ولم تزل يده عنها، فإذا استيقظ عند إنزاله عنها ثم أخذها بعد ذلك كان الحكم في صفة أخذه حينئذ هل أخذها غصبا أو على وجه الحرابة؟ وكذلد السفينة ينظر إلى الحالة التي أخذها عليها وقت علموا به، فإن أخذها غصبا عوقب ولم يقطع، وإن أخذها بحرابة كان الأمر فيه إلى الإمام. انتهى.

ص: 582

وذكر ابن عاشر أن قول المنصف: "أو كل شيء بحضرة صاحبه" محله إذا لم يكن صاحبه في حرز وإلا فلا يقطع السارق إلا بعد خروجه من الحرز، فحرز الاحضار إنما يعتبر عند فقد حرز الأمكنة. انتهى. وقول الزرقاني: ويستثنى مما قاله المنصف الغنم في المرعى كما هو ظاهر النوادر والرسالة وأبي الحسن الخ، بل صرح بذلك أبو الحسن نقلا عن اللخمي، ونصه في قول المدونة: ولا قطع في شيء من المواشي في مراعيها حتى يأويها المراح. الخ. اللخمي: إن كانت في المرعى لم يقطع وإن كان معها صاحبها وإن آواها المراح قطع وإن لم يكن معها أحد، واختلف فيما بين هذين إذا سرق منها وهي سائرة إلى المرعى أو راجعة منه ومعها من يحرسها، فقيل: يقطع سارقها لأنها ليست في المرعى، وقيل: لا يقطع لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا آواها المراح)

(1)

. الحديث. فلم يجعل فيها قطعا حتى تصل إلى المراح. انتهى.

ثم قال أبو الحسن بعد هذا ما نصه: ابن يونس: واختلف من مالك فيما على حبل الصباغ والقصار، وقال في الغسال يخرج بالثياب إلى البحر يغسلها وينشرها وهو معها فيسرق منها: فلا قطع عليه، وهي بمنزلة الغنم في مراعيها. اللخمي: وأظن ذلك لما كانت العادة أن الناس يمشون فيما بين المتاع فيصيرون بذلك كالأمناء على التصرف فيما بينهما فترجع إلى الخيانة، واختلف عن مالك فيما ينشره على حبل ممدود على قارضة الطريق يمر الناس من تحته، فقال: لا قطع فيه: وروي عنه أن فيه القطع. انتهى منه. وقد علمت من كلام أبي الحسن في الغنم أن محل الخلاف فيما إذا سرقت وهي سائرة، وأما إذا سرقت في المرعى فلم يذكر خلافا أنه لا يقطع، والعجب من الشيخ أحمد كيف عكس؟ ونصه في قول المنصف:"أو كل شيء بحضرة صاحبه": هذا ما لم تكن غنم رعاية، وأما إن كانت وسرقت في حال سيرها إلى المرعى فلا قطع، سواء كان معها راع أم لا، وأما إن سرقت في المرعى فقيل يقطع وقيل لا وإن سرقت من مراحها فالقطع، وهي ثلاثة أحوال. انتهى. وما نقلته عن أبي الحسن في ثياب الغسال هو كذلك في نسخة صحيحة منه، وهكذا في نقل الناصر والأجهوري عنه وهو الذي يوافقه توجيه اللخمي الذي نقله

(1)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث، 24 بلفظ فإذا آواه.

ص: 583

أبو الحسن عقبه، ووقع في بعض نسخ التوضيح ما يخالف ذلك، ونصه: قال مالك في الغسال يخرج الثياب إلى البحر يغسلها وينشرها وهو معها فيسرق منها: أنه يقطع بمنزلة الغنم في مراحها. انتهى. وهو -واللَّه أعلم- تحريف بشهادة توجيه اللخمي المتقدم. واللَّه الموفق. انتهى.

قول البناني: نحوه في التوضيح ونصه اللخمي الخ ما عزاه للتوضيح عن اللخمي هو كذلك فيه؛ لكنه مخالف لما في تبصرة اللخمي، ونصها: والثاني الإنسان فمن سرق منه شيئا مما عليه أو معه وهو يقظان أو نائم أو من شيء يحرسه قطع ولا خلاف في هذين الوجهين. انتهى. فأنت تراه أخر قوله: أو من شيء يحرسه، عن قوله: وهو يقظان أو نائم ولم يقدمه عليه كما في نقل التوضيح عنه، وقد نقله جسوس عن التوضيح كما نقله عنه البناني وكذلك وجدته في التوضيح، وعليه فلا معارضة بين كلام اللخمي وبين ما في المواق عن الموازية، لكن قول اللخمي أو معه مراده به. واللَّه أعلم. معية خاصة وهي أن يكون جالسا عليه أو متوسدا له تحت رأسه مثلا ليصح الاتفاق الذي ذكره، وليغاير قوله بعده متصلا به أو من شيء يحرسه. فتأمله. وقول البناني: وعليه فما في الموازية مقابل فيه نظر، بل كلام أبي الحسن يفيد أنه المذهب، ونصه قوله: كالدابة بباب المسجد أو في السوق وإن كان معها من يمسكها قطع سارقها، ظاهره كان صغيرا أو كبيرا منتبها أو نائما. قال في سماع أشهب وابن نافع في الصبي يكون على الدابة بباب المسجد فيأتي سارق فيقطع الركابين، قال: أراد سارقا وأرى أن عليه القطع إن كان الغلام منتبها، وإن كان راقدا فإنه يشبه أن لا يكون عليه قطع وما أدري، وإني أراه يشبه الدابة لا يكون معها أحد فتسرق فلا أرى عليه قطعا، وليس ذلك كالدابة التي تربط في حرزها.

ابن رشد: لم يعتبر كون الصبي على الدابة لكونه نائما. وفي المدونة في كتاب اللقطة في السارق يسرق من الدار ويترك الباب مفتوحا فيسرق منها غيره: أن السارق الأول ضامن لما أخذ الثاني إن لم يكن فيها أحد، وإن كان فيها أحد فلا ضمان عليه كان نائما أولا، وفرق في الصبي يكون على الدابة بين أن يكون نائما أو غير نائم، وإنما فرق بين الموضعين لأن القطع حد من الحدود الذي

ص: 584

يحكم فيه أن يدرء بالشبهات، وتضمين الماء ليس من هذا الباب، والمعنى فيه أنه تلف بسببين؛ أحدهما ترك السارق الباب مفتوحا، والثاني نوم الساكن في الدار عن غلقه فلا يدخل الاختلاف في هذه المسألة من مسألة المدونة لما ذكرنا من أن الحد يدرأ بالشبهات. وقول البناني: محل الخلاف فيما إذا سرقت وهي سائرة الخ ظاهره ولو دخل بها بيوت القرية وليس كذلك، فإنه إذا دخل بها بيوت القرية يقطع وليس من محل الخلاف. واللَّه تعالى أعلم. انظر الرهوني.

أو مطمر قرب يعني أن من سرق من المطمر يقطع بشرط أن يقرب المطمر من المساكن بحيث يكون نظر ربه عليه، والمطمر حفرة تجعل في الأرض لخَزْن الطعام ويهال عليها التراب حتى يساويَ الأرض. قال عبد الباقي: أو سرق طعاما من مطمر وهو حفرة تجعل في الأرض لخزن الطعام ويهال عليها التراب حتى يساوي الأرض، فيقطع إن قرب من المساكن بحيث يكون نظر ربه عليه لا إن بَعُد عنه فلا يقطع لعدم الحرز. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو سرق طعاما من مطمر بالطاء المهملة وهو حفرة تجعل في الأرض لخزن الطعام ويهال عليها التراب حتى يساوي الأرض فيقطع إن قرب من العمران لما إن بعد. انتهى. وقال التتائي: أو سرق طعاما من مطمر وهو حفرة تجعل في الأرض لخزن الطعام ويهال عليها التراب حتى يساوي الأرض فيقطع. انتهى. وقال المواق: سمع ابن القاسم: من سرق من مطامير في الفلاة أسلمها ربها أو

(1)

أخفاها فلا قطع عليه، وما كان بحضرة أهله معروفا مبينا قطع سارقه. ابن رشد: لأن الأول لم يحرز طعامه بحال.

أو قطار بكسر القاف وهو الإبل أو غيرها يربط بعضها ببعض؛ يعني أن من سرق من القطار يقطع؛ كانت سائرة أو نازلة فيقطع حيث بان به، قال عبد الباقي: أو سرق بعيرا أو غيره من قطار بكسر القاف وهو ربط الإبل أو غيرها بعضها ببعض فيقطع سائرة أو نازلة. انتهى. ونحوه لغيره. ونحوه أي نحو القطار؛ يعني أن من سرق مما يشبه القطار يقطع كالإبل المجتمعة غير مقطورة، قال عبد الباقي: ونحوه كالإبل المجتمعة، لكن القطار إن حل السارق منها واحدا قطع ولو لم يبن به. وقول المدونة: وبان به، قال ابن ناجي: لا مفهوم له أي وإنما وقع التقييد به في

(1)

في المواق ج 8 ص 420 وأخفاها.

ص: 585

اختصار البرادعي، وإلا فالأم ليس فيها وبان به. قاله ابن مرزوق. وأما المجموعة من غير قطار فالظاهر تقييد قطعه في سرقته فيها بما إذا بان به. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو سرق بعيرا أو غيره من قطار بكسر القاف وهو ربط الإبل بعضها ببعض، وسرقتها مجموعة دون قطارها، ولذا قال: ونحوه إذا لم يكن القطار ونحوه معه سائق أو قائد وإلا فهو داخل في كل شيء بحضرة صاحبه، والظاهر أنه يقطع في المربوط بعضها ببعض بمجرد فكه من القطار، وأما غير المربوطة فالظاهر أنه لا بد أن يبين به. انتهى. ورد البناني ما قالاه من عدم اشتراط الْبَيْنِ به بأن في الأمهات ما نفاه عبد الباقي تبعا لابن مرزوق، وابن ناجي استند لما في سماع محمد بن خالد عن ابن القاسم في المصلي في المسجد يجعل ثوبه قريبا منه فيسرق وإن لم يتوجه به وهو يفيد عدم اعتبار البين به في المقطورة ونحوها، وقال المواق من المدونة: من احتل بعيرا من القطار في سيره وبان به قطع. ابن يونس: وروى محمد: إن سيقت الإبل غير مقطورة فمن سرق منها قطع والمقطورة أبين. انتهى.

أو أزال باب المسجد يعني أن من أزال باب المسجد من موضعه فإنه يقطع ولو لم يأخذه لأنه أزاله عن حرزه، وفي الميسر: أو أزال باب المسجد أو الدار كما في المدونة، أو سقفه يعني أنه إذا أزال سقف المسجد فإنه يقطع ولو لم يأخذه لأنه أزاله عن حرزه؛ وقال التتائي: أو أزال باب المسجد عن موضعه ولو لم يخرجه أو أزال سقفه عن محله قطع فيهما اتفاقا لأنه موضع كل منهما وكل شيء له مكان فمكانه حرز له وهذه كلية كالسابقة. انتهى. يعني قوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه، وقال في الميسر: أو أزال باب المسجد أو سقفه عن محلهما خفية على وجه السرقة، خرج بهما من المسجد أم لا؛ لأن محلهما حرز لهما وكذا كل شيء مثبت في المسجد. انتهى.

أو أخرج قناديله أو حصره يعني أنه إذا أخرج قناديل المسجد أو حصره: جمع حصير، أو بسطه: جمع بساط، فإنه يقطع. ولا يقطع بإزالة شيء مما ذكر عن موضعه، وإنما يقطع إذا أخرجه من المسجد. هذا تقرير المنصف بحسب ظاهره وهو غير مسلم. قال الشبراخيتي: هذه العبارة وقعت لابن الحاجب، واعترضها ابن عبد السلام والمصنف بأن الإخراج لا يشترط بل

ص: 586

الإزالة عن محلها كافية على المذهب، ومحل الخلاف إذا لم تكن القناديل أو الحصر أو البسط مسمرة وإلا قطع بالإزالة اتفاقا، وحينئذ فالمعتمد أن القناديل والحصر والبسط حكمها حكم السقف والباب؛ فيحصل القطع بإزالة السارق لها من محلها وإن لم يخرج بها من المسجد، وسواء كانت مسمرة به أو لا، فلو حذف المنصف قوله:"أخرج" لكان أخصر وطابق النقل. انتهى. وقوله: "قناديله أو حصره" تركت به أم لا؛ لأن القناديل والحصر شأنهما أن يتركا على الدوام.

أو بسطه إن تركت به يعني أنه إنما يقطع حيث أخرج بسط المسجد منه إن تركت به ليلا ونهارا، وأما إن كانت تنقل منه وتترك فيه مرة فإنه لما يقطع سارقها، وفي الشبراخيتي: أو بسطه إن تركت به ليلا ونهارا حتى صارت كالحصر فهو قيد في البسط فقط، وأما إن كانت تنقل منه باليل وتبسط بالنهار فلا قطع، وكذا إن تركت به مرة ونسيت فسرقت فلا قطع على سارقها. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أزال باب المسجد وباب غيره أولى فيما يظهر. قاله أحمد. أو سقفه فيقطع وإن لم يخرج به فيقطع لأنه أخرج كلا عن حرزه، أو أخرج قناديله أو حصره ليلا أو نهارا، كان على المسجد غلق أم لا لا بَلَاطه فلا قطع عند أشهب. وقال أصبغ: يقطع وهو أولى من سرقة حصره. قاله مالك. وهو يفيد ترجيحه، وعلى الأول فالفرق بين البلاط والحصر أن البلاط لا يقصد في الغالب إحرازه بجعله في موضعه، بخلاف الحصر أو بسطه المذهب أن إزالتها عن محلها كافية في القطع كالذين قبله، وإن لم يخرج به فلو حذف لفظ أخرج لطابق النقل مع الاختصار كما في ابن مرزوق، وحمله على إخراجها عن محلها فقط ياباه قوله:"أو أزال"، أو يبعده.

ومحل الخلاف في القناديل إن لم تكن مسمرة وإلا قطع بالإزالة اتفاقا، وقيد البسط بقوله: إن تركت به ليلا ونهارا حتى صارت كالحصر كما يفعل الناس في رمضان ونحوه، وأما إن تركت به مرة مثلا ونسيت فسرقت فلا قطع على سارقها، وإن كان على المسجد غلق لأنه لم يكن من أجلها، فإن لم تترك الحصر به ليلا ونهارا فكالبسط وسارقها من محل خزنها يقطع لأنه أخرجها من حرزها. انتهى. وقوله: لا بلاطه، قال في القاموس: البلاط كسحاب: الأرض

ص: 587

المستوية الملساء والحجارة التي تفترش في الدار وكل أرض فرشت بها أو بالآجر. انتهى. نقله الرهوني.

‌تنبيهات:

الأول: قوله: "أو أزال باب المسجد أو سقفه" هو متفق عليه، قال التتائي: أو أزال باب المسجد عن موضعه ولو لم يخرجه، أو أزال سقفه عن محله قطع فيهما اتفاقا. انتهى. وفي المواق: سمع عيسى: من سرق أبواب المسجد قطع. ابن رشد: وكذا من سرق شيئا مما هو متشبث به كجائزة من جوائزه أو خشبة من سقفه.

الثاني: قوله: "أو أخرج قناديله" هو المشهور من أقوال ثلاثة، قال ابن عرفة في القطع في قناديل المسجد: ثالثها إن كان مسجدا يغلق عليه. انتهى. والأول لمالك، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ، والثاني لأشهب: لا يقطع للإذن له في دخوله، وقوله:"أو حصره" القطع هو المشهور من أقوال خمسة، قال ابن عرفة في القطع في حصر المسجد في القطع في حصر المسجد، ثالثها: إن كان تسور عليها ليلا، ورابعها إن خيط بعضها ببعض، وخامسها إن كان عليه غلق. انتهى. وقوله:"أو بسطه إن تركت به" قال ابن الماجشون: الطنفسة يبسطها الرجل في المسجد لجلوسه إن جعلها كحصير من حصره فسارقها كسارق الحصير، وأما طنفسة يذهب بها ويرجع وربما نسيها ربها في المسجد فلا قطع في ذلك، ولو كان على المسجد غلق لأن الغلق لم يكن من أجلها ولم يكلها ربها إلى غلق وهو قول مالك. قاله المواق.

الثالث: قال التتائي: وربما أشعر تخصيص المسجد بما ذكر بأن الكعبة ليست كذلك، قال في الذخيرة: جعل مالك الكعبة في السرقة كالمنازل إن سرق حليها وهي مغلقة قطع، وإلا فلا ولم يجعلها كالمساجد. انتهى. ونحوه في التوضيح، وفي النوادر عن ابن الماجشون: من سرق من ذهب باب الكعبة قطع وإذا كان في المسجد بيت لحصره أو لزكاة الفطر أو لغير ذلك فمن دخل فيه بإذن لم يقطع إن سرق منه، وإن دخله بغير إذن فسرق منه مستسرا قطع إذا خرج به من البيت إلى المسجد، وإن كانت زكاة الفطر وضعت في المسجد وليست في بيت فلا قطع إلا أن يكون معها حارس فيقطع من سرق منها وإن لم يخرج من المسجد. رواه ابن المواز عن مالك. واختاره ابن حبيب. وفي البيان أنها كالحصر يقطع سارقها وإن لم يكن لها حارس. انتهى.

ص: 588

الرابع: قال الحطاب مفسرا للمصنف: يعني أن من أزال باب المسجد عن موضعه خفية على وجه السرقة فإنه يقطع، سواء خرج به من المسجد أم لا، وكذلك إذا أزال خشبهُ من سقفه عن موضعه على وجه السرقة فإنه يقطع، وسواء خرج بها من المسجد أم لا، وكذا كل شيء ثابت في المسجد ومتشبث به ومسمر فيه، كحصره المسمرة فيه والخيط بعضها إلى بعض وكذلك بلاطه المبنية وسلاسل قناديله السمرة فيه، فإنه يقطع إذا أزال شيئا من ذلك عن موضعه، ولا خلاف في ذلك. وأما ما ليس بمتشبث به ولا مسمر كقناديله المعلقة فيه وحصره التي لا تسمر فيه [ولم يخط]

(1)

، بعضها إلى بعض، فاختلف فيمن سرق شيئا من ذلك حل يقطع أم لا؟ فالذي مشى عليه المنصف وهو قول مالك أنه يقطع، وإن أخذ قبل أن يخرج من المسجد. وأما بسط المسجد فإنها إن كانت متروكة فيه ليلا ونهارا فهي كالحصر، وأما إن كانت تحمل وترد فلا قطع فيها.

قال في أول كتاب السرقة من البيان: من سرق من المسجد الحرام أو غيره من المساجد شيئا مما هو متشبث به، كجائزة من جوائزه أو باب من أبوابه أو حصير قد سمر في حائطه أو خيط إلى ما سواه من الحصر على ما روى عن سحنون، فلا اختلاف في وجوب القطع على من سرق شيئا من ذلك من موضع وهو متشبث به، وأما ما سرقه من ذلك وهو غير متشبث كقناديل غير متشبثة به وحصر موضوعة في مواضعها، فقيل إن موضعها حرز لها يقطع وإن أخذ قبل أن يخرجها من المسجد، وقيل: إنه لا قطع في شيء من ذلك كله وإن خرج به من المسجد، ثم قال وهذا الكلام كله إنما هو فيما سرق من المسجد وأما ما سرق من بيت مغلق في المسجد كبيت القناديل ونحوه فإنه لا يقطع حتى يخرج بالشيء المسروق من البيت المغلق فيقطع حينئذ، ولو أخذ في المسجد وهذا إذا لم يؤذن له في دخول ذلك البيت، وأما إن أذن له في دخوله فلا قطع عليه، وإن سرق من حلي الكعبة الداخل فيها الغلق عليه بابُها، فإن كان سرق في الوقت الذي أذن له في دخولها فلا قطع عليه، وإن سرق في غير الوقت الذي أذن له في دخولها فإنه لما قطع عليه حتى يخرج به من الكعبة، فإذا خرج به من الكعبة إلى محل الطواف قطع وإن لم يخرج من المسجد. قاله في

(1)

في الأصل والمخيط والمثبت من الحطاب ج 6 ص 514 ط دار الرضوان.

ص: 589

أول كتاب السرقة من البيان. قال: لأن حكم البيت الحرام الذي لما يدخل إلا بإذن فيما سرق منه حكم البيت يكون في المسجد يختزن فيه ما يحتاج إليه في المسجد من زينة قناديله وحصره، لا قطع على من دخله بإذن فسرق منه ما يجب فيه القطع، وأما حلي الكعبة الذي في بابها وفي جدارها من خارج كالحلي الذي على الحجر الأسود فحكمه حكم ما كان مسمرا في المسجد. قاله في التوضيح. ونقل ابن الماجشون القطع في حلي باب الكعبة، وكذلك حكم الرصاص الذي في أرض المطاف والذي في أساطين المسجد، وكذلك حكم كسوة الكعبة الظاهرة حكم ما هو مسمر في المسجد ومثبت به، وأما الكسوة الداخلة فحكمها حكم حليها المغلق [عليه]

(1)

بابها، وكذلك حكم كسوة المقام والقناديل المعلقة فيه في الموضع الذي يغلق عليه وهذا كله ظاهر، ولم أره منصوصا. واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب.

الخامس: علم من كلام الجواهر أنه لما يشترط في البسط أن تكون في المسجد موقوفة عليه، وأنها لو كانت ملكا لشخص ولكنها متروكة في المسجد ليلا ونهارا كان ذلك حكمها، والظاهر أن الحصر كذلك. قاله الحطاب.

أو حمام يعني أن الحمام حرز لما فيه من ثياب داخل وآلات، فيقطع من سرق منه إن كان قد دخل لأجل السرقة باعترافه بدخوله لها كما في الشارح عن عياض، قال عبد الباقي: فيقطع وإن أخذ قبل خروجه منه ولو كذبه ربه، بخلاف من دخل لغير السرقة بل للتحميم وسرق فإنه يقطع إن أخرج المسروق من الحمام كما في المواق عن ابن رشد. انتهى المراد منه. قوله: وإن أخذ قبل خروجه منه الخ، قال الرهوني: ظاهره وإن أخذ من موضع غير مخصوص، ولا يصح حمله علي ظاهره لأن ابن رشد شبه الحمام بالدار المشتركة، ونقله عنه ابن عرفة وسلمه، ونصه: وأما من دخل للسرقة فأخذ بها قبل أن يخرج من الحمام فيجري على الخلاف في الأجنبي يسرق من بيوت الدار المشتركة بين الساكنين فيؤخذ في الدار قبل أن يخرج، وقد تقدم أن محل الخلاف في السرقة من البيوت، وأما من سرق من ساحتها فلا خلاف أنه لا يقطع إذا أخذ قبل الخروج من

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من الحطاب ج 6 ص 516 ط دار الرضوان.

ص: 590

الدار، فإن قيد كلام الزرقاني بالسرقة من موضع مخصوص كان ما اقتصر عليه أحد مرجحين كما مر. واللَّه أعلم. قاله الرهوني. وقال المواق: ابن رشد: إن كان في الحمام مع الثياب من يحرسها فلا قطع على من سرقها حتى يخرج بها من الحمام إذا كان السارق قد دخل للتحميم، وأما من دخل للسرقة فأخذ قبل أن يخرج من الحمام، فيجري على الخلاف في الأجنبي يسرق من بيوت الدار المشتركة بين الساكنين فيؤخذ في الدار قبل أن يخرج.

تحصيل: اعلم أن من دخل للسرقة يقطع وإن أخذ قبل خروجه من الحمام على ما لعبد الباقي، وقال الرهوني: محل ذلك أي محل القطع حيث أخذ قبل خروجه من الحمام إنما هو حيث سرق من موضع مخصوص على أحد مرجحين، فإن سرق من الساحة لم يقطع أي حتى يخرج من الحمام، فإن دخل ليتحمم لم يقطع حتى يخرج المسروق من الحمام. انتهى. وظاهر ما للشبراخيتي أنه إن دَخَلَ للسرقة قطع وإن دخل ليتحمم لم يقطع، فإنه قال: أو حمام حرز لما فيه من ثياب الداخلين فيقطع السارق منها إن دخل للسرقة لا ليتحمم مع الناس، وسواء كان هناك حارس أم لا، فقوله:"إن دخل للسرقة" أي وسرق. انتهى. وما للشبراخيتي هو الصواب، وما لعبد الباقي غير ظاهر لأنه إن دخل ليتحمم صار دخوله بإذن وبالإذن يكون خائنا لا سارقا، فلا قطع. قال البناني: ابن عاشر: تأمل ما الفرق بين المواضع المأذون فيها لكل أحد، حتى إنهم لم يفصلوا في السرقة من الموضع العام الإذن، بل نفوا القطع مطلقا، وقالوا في الحمام: إذا دخل للسرقة قطع. انتهى. قلت: في أبي الحسن عن عياض: إذا اعترف السارق أنه لم يدخل الحمام ولا جاء لدخوله إلا للسرقة، فقد اعترف أنه لا إذن له في ذلك. انتهى. ومثله في التوضيح، وقول المنصف:"للسرقة" مَفْهُومهُ إن دخل للتحمم فسرق لم يقطع لأنه خائن، كما يدل عليه قول عياض: العلة في سقوط القطع عنهم الإذن في التصرف في ثياب بعضهم [بتنحيتها]

(1)

ليوسعوا لأنفسهم أو ثيابهم، فصار حكمهم بحكم العرف كالمأذون له في ذلك، فسقط عنه القطع لذلك. بخلاف من اعترف أنه لم يدخل الحمام إلا للسرقة، ولهذا قال اللخمي بالقطع في الثياب التي

(1)

في الأصل بشيمتها والمثبت من البناني ج 8 ص 102.

ص: 591

في الطيقان، سواء كان ممن دخل الحمام أم لا؛ لأنه لا إذن له فيها وإنما هي لمن سبق، إلا أن يكون لهم عادة في المشاركة والتوسع في ذلك وتكون طيقانا كبارا. انتهى من أبي الحسن.

ومثله في التوضيح. وما في الزرقاني من أن من دخل للتحمم وسرق يقطع إن أخرج المسروق من الحمام كما في المواق عن ابن رشد لخ غير صواب، بل الذي عند ابن رشد كما في التوضيح وابن مرزوق والمواق موضوعه إن كان مع الحارس، ونص التوضيح عن ابن رشد: إذا كان معها من يحرسها فلا قطع حتى يخرج بها إن كان دخل للتحمم لأنه أذن له، فإن دخل للسرقة فأخذ قبل أن يخرج فيجري على الاختلاف في سرقة الأجنبي من بعض بيوت الدار المشتركة. انتهى. وفي الميسر: أو حمام، فإنه حرز لثياب من دخله وآلاته فيقطع سارقها إن أقر أنه دخل للسرقة وأخرجها منه وإلا فلا، وما في المواق من قطع من أخذ قبل خروجه إنما ذكره فيما معه حارس، فإن دخل ليتحمم أو جهل أمره لم يقطع لأنه أذن له عرفا. انتهى.

أو نقب يعني أنه إذا لم يدخل من مداخل الناس بل نقب الحمام أي ثقبه فأخذ منه نصابا، فإنه يقطع. أو تسور يعني أنه إذا لم يدخل من مداخل الناس كما إذا تسور أي علا على حائط الحمام فأخرج منه نصابا فإنه يقطع، قال المواق من المدونة: إن سرق متاعا من الحمام، فإن كان معه من يحرسه قطع، وإلا لم يقطع إلا أن يسرقه من لم يدخل الحمام من مدخل الناس من بابه، مثل أن يتسور أو ينقب ونحو ذلك فإنه يقطع، وإن لم يكن مع المتاع حارس.

أو بحارس لم يأذن في تقليب ما مر من المسائل الثلاث؛ أعني قوله: "أو حمام إن دخل للسرقة أو نقب أو تسور" فيما إذا لم يكن للحمام حارس وهذه فيما إذا كان له حارس؛ يعني أنه إذا كان للحمام حارس وأخذ شخص ثوبا غير مملوك له، والحال أنه لم يأذن الحارس للآخذ في تقليب الثياب المحروسة أي لم يأذن له في أخذ ثوبه فإن الآخذ يقطع، فإن أذن له الحارس في أخذ ثوبه لم يقطع لأنه خائن، وكذا إن جرى العرف بأن رب الثياب يأخذها بلا إذن الحارس لأن ذلك إذن عرفا. قال الشبراخيتي: أو بحارس أي سرق مع وجود حارس لم يأذن له في تقليب لما أخذه من الثياب ومفهومه أنه إن أذن له في التقليب فلا قطع. ولا فرق بين أن يدخل للسرقة أو لا نظرا للإذن. انتهى.

ص: 592

وقال عبد الباقي: لم يأذن له في تقليب، أراد به لم يأذن له في أخذ متاعه كما في اللخمي لا ما يعطيه ظاهر المنصف من تقليب ثياب متعددة، فإن أذن له في أخذ ثيابه فقط فسرق ثياب آخر فلا قطع، فإن ناوله الحارس ثيابه فمد يده لغيرها بغير علم الحارس قطع لأنه أخذ الشيء بحضرة نائب صاحبه، وإذا جرت العادة بأخذ الشخص ثيابه بغير إذن الحارس فهو بمنزلة الإذن في الأخذ، فالإذن العرفي كالشرطي لقاعدة أن العرف كالشرط. انتهى. وقال التتائي: أو بحارس أي سرق مع وجود حارس لم يأذن له في تقليب لما أخذه من الثياب، قال أبو عمران: وسواء أقام الحارس صاحب الحمام أو صاحب الثياب، وأما إن أَوْهَمَ الحارس أنَّ له عنده ثيابا فأذن له في التقليب فلا قطع عليه فيما أخذه لأنه خائن، وإن كان له عندد ثياب فناولها له فمد يده وأخذ غيرها قطع. قاله اللخمي. انتهى.

وصدق مدعي الخطإ يعني أنه إذا دخل من مدخل الناس بأن دخل من باب الحمام وأخذ ثياب غيره، وادعى أنه إنما وقع ذلك منه خطأ أي حسب ما أخذ ثوبه فإنه يصدق في دعواه الخطأ فلا يقطع، كان حارس أم لا وهل بيمين أم لا محل نظر؟ بخلاف ما لو نقب أو تسور فلا يصدق في دعواه الخطأ، ولذا قال الشارح والتتائي: هذا إن أشبه. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. واللَّه تعالى أعلم.

أو حمل عبدا لم يميز يعني أنه إذا حمل شخص كرها عبدا لم يميز لصغر أو عجمة أو جنون وأخرجه من حرزه فإنه يقطع، أو خدعه يعني أنه إذا خدع عبدا مميزا إذ الخدع إنما يكون لمميز، كقوله: سيدك بعثني إليك لآخذك له، فخرج له طوعا من حرزه فإنه يقطع إن كان على وجه السرقة. وقوله:"أو حمل عبدا لم يميز" عطف على قوله: "أو أزال باب المسجد"، وقوله:"أو خدعه"، عطف على قوله:"لم يميز" أي أو ميز وخدعه.

والحاصل أنه إن سرق عبدا كبيرا فصيحا لم يقطع ولو سرق غير المميز لقطع، ولو دعا المميز فخرج إليه طوعا لم يقطع، بخلاف ما لو خَدَع المميز فإنه يقطع، كما لو قال له: سيدك بعثنى إليك لآتيَه بك، أو قال له: أنا اشتريتك، وظاهره أن الخداع إنما يكون فيمن يخدع لا في كبير فصيح مميز. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 593

أو أخرجه عطف على قوله: "أو أزال باب المسجد"، والضمير البارز عائد على النصاب، والمستتر الذي هو الفاعل عائد على السارق، وعلق بالفعل أعني قوله:"أو أخرجه"، قوله: في سرقته من المحل ذي الإذن العام أي المأذون في دخول ظاهره لعموم الناس وله باطن خاص، وَاللام أو البَاءُ كما في بعض النسخ في قوله: لمحله بمعنى عن، وفي بعض النسخ بعن بدل اللام وهو متعلق بأخرجه؛ والضمير المضاف إليه عائد على الإذن العام، وصورة المسألة أن من سرق نصابا من بيت محجور على الناس في دخوله وهو من دار مأذون في دخول ظاهرها لعموم الناس فإنه يقطع؛ بشرط أن يخرج المسروق من جميع الدار أي يخرجه من خاصها ومن محل إذنها العام، فلو أخرجه من البيت الخاص أي المحجور عن الناس ولم يخرجه عن المحل المأذون فيه لعموم الناس لم يقطع. قال عبد الباقي مفسرا للمصنف: أو سرق نصابا من بيت محجور على الناس في دخوله وأخرجه في ذي الإذن العام أي ظاهر الدار الخاصة ولكن مأذون في دخوله لعموم الناس، كظاهر بيت العالم والقاضي والطبيب لمحله أي العام متعلق بأخرج، واللام أو الباء كما في بعض النسخ بمعنى عن أي من سرق من بيت محجور في دار مأذون لعموم الناس في دخول ظاهرها فلا يقطع حتى يخرج المسروق عن محل الإذن العام بأن يخرجه من باب الدار لأنه من تمام الحرز، فإن لم يخرجه عن بابها لم يقطع، كما أن من أخذ شيئا من ظاهرها المأذون في دخوله للناس أو من بيت بها غير محجور لا يقطع، ولو أخرجه عن بابها كما ذكره ابن رشد لأنه خائن لا سارق. وظاهره عدم القطع، ولو جرت العادة بوضعه في المحل العام.

والْفَرْقُ بين مسألة المنصف هنا وبين مسألة الفنادق والدار المشتركة في أنه يقطع السارق من بيت من بيوتها بمجرد إخراجه لساحتها أن دخولها هنا بالإذن، وفي مسألة الدار المشتركة والفناديق بملك المنفعة في السكنى. انتهى.

قال البناني في تقرير عبد الباقي للمصنف هنا: هذا هو الموافق لعبارة ابن رشد، وقد نقل كلامه صاحب التوضيح وغيره، وهو المذهب وعليه حمل أبو الحسن كلام المدونة ونص كلامه في المقدمات علي نقل التوضيح وأبي الحسن: الدور ستة؛ الأُولَى: أن يسكنها وحده ولا يأذن فيها لأحد فهذه كل من سرق منها فأخرجه من الدار قطع اتفاقا. الثَّانِيَةُ: أن يأذن فيها ساكنها

ص: 594

لخاص كالضيف أو يبعث رجلا إلى داره ليأتيه من بعض بيوتها بشيء فسرق الضيف أو الرجل المبعوث من بيت مغلق قد حجر عليه دخوله فقال في المدونة والموازية إنه لا يقطع وإن خرج بما سرق من جميع الدار لأنه خائن وليس بسارق، وقال سحنون: يقطع إذا أخرجه إلى الموضع المأذون فيه كالشركاء في الساحة. الثَّالِثَةُ: أن ينفرد الرجل بسكناها مع زوجته فسرق أحدهما من مال الآخر من بيت قد حجر عليه، فهذا يقطع إذا أخرجه من البيت المحجور وإن لم يخرجه عن جميع الدار وهو ظاهر المدونة ونص قول سحنون، وقال مالك في الموازية: لا يقطع وإن خرج به من الدار. الرَّابعَةُ: ذات الأذن العام كالعالم والطبيب يأذن للناس في دخولهم إليه فيقطع من سرق من بيوتها المحجورة إذا خرج بالسرقة عن جميع الدار؛ لأن بقية الدار من تمام الحرز إذ لا يدخل إلا بإذن؛ وفارق الضيف لأن الضيف خص بالإذن فصار له حكم الخائن بائتمانه، ولا يقطع من سرق من قاعتها وما لم يحجر عليه من بيوتها اتفاقا. الْخَامِسَةُ: المشتركة بين ساكنيها المباحة لجميع الناس كالفنادق فقاعتها كالمحجة، فمن سرق من بيوتها من الساكنين أو غيرهم وأخذ في قاعتها قطع اتفاقا. السَّادِسَةُ: المشتركة بين ساكنيها المحجورة عن الناس فلا خلاف أن الساكنين يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه وإن لم يخرج بها من الدار، [ولا خلاف]

(1)

في أنه لا قطع على من سرق منهم من قاعة الدار شيئا إلا أن يكون مثل الأعكام. انتهى.

فحمل الشارح كلام المنصف هنا على الرابعة، ولذا قال ابن غازي في بعض النسخ عن محله بعن لا باللام وهي الصواب، ثم قال: وذهب ابن يونس إلى غير هذا، فقال: وأما الدار المأذون [فيها]

(2)

الغير المشتركة إن سرق منها من أذن له فيها من بيت حجر عليه فأخذ في الدار، أو بعد أن خرج منها لم يقطع وقيل يقطع إذا أخرجه من البيت. انتهى. وعليه اقتصر ابن عرفة، قال ابن غازيَ: فإن كان المنصف عول على القول الثاني فقال لمحله باللام على ما في أكثر نسخه فقد أبعد غاية. انتهى. قلت: يمكن حمل المنصف على المسألة الخامسة وهي المشتركة المباحة لجميع

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وقد أثبتناه من المقدمات ج 2 ص 327.

(2)

ساقطة من الأصل والمثبت من شفاء الغليل ج 2 ص 1121.

ص: 595

الناس، وقد تقدم عن ابن رشد: من سرق من بيوتها وأخذ في قاعتها قطع اتفاقا وعليه تبقى اللام على ظاهرها لانتهاء الغاية. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى. وبحث معه الرهوني بما لم يلح لي وجهه. واللَّه تعالى أعلم.

لا إذن خاص يعني أن الدار ذات الإذن الخاص لبعض الناس، كضيف أو داخل في صنيع ولو لقوم مخصوصين أو مرسل لأخذ حاجة منها فإنه لا يقطع، وإن سرق مما أي من بيت حجر عليه في دخوله حيث أخرجه للمحل المأذون، بل وإن حشج الضيف ونحوه به أي بالشيء المأخوذ من جمعية أي البيت متعلق بخرج، وإيضاح هذا أن الدار التي أذن صاحبها في دخولها لخاص كضيف أو رجل بعثه إلى داره ليأتيه من بعض بيوتها بشيء، فيسرق الضيف أو الرجل المبعوث من بيت قد حجر عليه دخوله فإنه لا يقطع؛ ولو أخرج المسروق من جميع الدار لأنه بالإذن خائن لا سارق هذا هو مذهب المدونة والموازية. وقال سحنون: يقطع إذا أخرجه إلى الموضع المأذون فيه. واللَّه تعالى أعلم. وأشار بالمبالغة لمخالفة ما حكاه عبد الحق وتأوله على المدونة. ونسبه لمالك [من]

(1)

القطع إن خرج به من جميع الدار. قاله التتائي.

فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثلاثة أقوال: مذهب المدونة والموازية وهو الذي مشى عليه المنصف لا قطع ولو خرج به من جميع الدار قول سحنون يقطع إن أخرجه لمحل الإذن. الثالث: ما نسبه التتائي لعبد الحق وهو القطع إن أخرجه من جميع الدار. هذا هو تحرير المسألة. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: لا دار ذات إذن خاص لبعض الناس كضيف أو داخل في صنيع ولو لقوم مخصوصين أو مرسل لأخذ حاجة منها فسرق مما أي من بيت حجر عليه في دخوله، وأولى إن أخذ مما لم يحجر عليه وإن خرج به من جميعه فلا قطع عليه لأنه بالإذن خائن لا سارق، وفرق بينه وبين قطع أحد الزوجين فيما حجر عنه بأنهما قصد كل منهما الحجر عنه بخصوصه، وما قصد بالخصوص أشد مما قصد بالعموم، بخلاف الضيف فإنه لم يقصد الحجر عنه بخصوصه،

(1)

فساقط من الأصل والمثبت من شرح عليش ج 9 ص 323.

ص: 596

وفرق بينه وبين مسألة الشركاء بأن الداخل [فيها]

(1)

ليس بإذن المسروق منه، بل بما له من الشركة بخلاف الضيف. انتهى.

وقال الشبراخيتي: لا دار ذات إذن خاص لبعض الناس كضيف أو داخل في صنيع، ولو لقوم مخصوصين أو مرسل لأخذ حاجة منها فيسرق مما أي من بيت حجر عليه في دخوله بغلق أو بغيره، وأحرى إن سرق مما أُذِنَ له فيه، وإن خرج السارق به أي بالمسروق من جميعه أي البيت فلا قطع عليه لأنه خائن لا سارق. انتهى.

وقال المواق: ابن زرب: خصال لا قطع على السارق فيها منها: سرقة الضيف والجائع في الشدة. ابن رشد: وأما الدار التي أذن فيها ساكنها أو مالكها لخاص من الناس كالرجل يضيف الضيف أو يبعث الرجل إلى داره لخ.

ولا إن نقله ولم يخرجه يعني أنه إذا نقل شيئا من موضع من الحرز لموضع آخر منه ولم يخرجه من الحرز فإنه لا قطع عليه. قال عبد الباقي: ولا قطع إن نقله في الحرز [من محل]

(2)

لآخر فيه ولم يخرجه عن الحرز، وهذا مفهوم قوله قبل:"مخرج من حرز"، وكذا إن أخرجه من غير حرز مثله فلا قطع، كما أشار إليه بقوله: ولا فيما على صبي يعني أنه لا قطع في سرقة ما على صبي من الحلي والثياب وهذا إذا كان الصبي غير مميز وإلا قطع. أو معه يعني أنه لا قطع في سرقة مال مع الصبي غير المميز، فإن كان مميزا قطع سارق معه. وقال غير واحد: ولا قطع في ما على صبي أو مجنون أو معه من حلي أو غيره لأنه ليس في حرز مثله وهذا في صبي لا يميز وليس في دار أهله ونحوها ولا حافظ معه وإلا وجب القطع، وسكت المنصف عن هذه القيود لعلمها مما مر. وقال المواق: في الموازية: من سرق قُرط صبي أو شيئا مما عليه، فإن بان صغيرا لا يعقل ولا حافظ له وليس في حرز لم يقطع، وإلا قطع. انتهى.

(1)

في الأصل فيما والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 104.

(2)

ساقط من الأصل والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 104.

ص: 597

وقال الشبراخيتي: ولا قطع فيما على صبي أو معه من ثياب أو حلي بشرط أن لا يكون حافظا لما سرق منه مما معه أو عليه، وأن لا يكون معه حارس وأن لا يكون بدار أهله، واستغنى المنصف عن الأولين بقوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه، وعن الثالث بقوله:"من حرز مثله" وبقوله: مخرج من حرز ومثل الصبي المجنون والسكران، وظاهره بحلال أو حرام، لكن مقتضى قول ابن عرفة في غير هذا المحل والسكران بغير خمر كالمجنون أنه فيمن سكر بحلال، وأما من سكر بغيره فالذي ينبغي أنه يجري فيه المتردد في صحة بيعه وعدمه، فعلى الأول يقطع من سرق منه دون الثاني. انتهى.

وقال عبد الباقي: ولا قطع فيما أي في سرقة ما على صبي غير مميز من حلي وثياب أو معه فلا يعد غير المميز حافظا لذلك، نعم يشترط أن لا يكون معه حارس، وأن لا يكون بدار أهله وإلا قطع سارق ما عليه أو معه، واستغنى عن الأول بقوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه لأن المراد به الصاحب المميز، وإن لم يكن مالكا. وهذه حكمة تعبيره بصاحبه دون ربه مع كونه أخصر، وعن الثاني بقوله:[مخرج]

(1)

من حرز، وقولي: غير مميز، احتراز من مخادعة المميز لأنه الذي يتأتى فيه المخادعة فإنها حرابة، كما يأتي له فيها من قوله: ومخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه، ومثل الصبي هنا المجنون والسكران وظاهره لخ.

ولا على داخل تناول منه الخارج يعني أنه إذا دخل في الحرز شخص وكان آخر خارج الحرز فمد الداخل يديه بنصاب رفعه من الحرز، ومد الخارج يديه فتناول ما رفعه الداخل في الحرز على يديه: وأخرجه الخارج فإنه يقطع الخارج فقط ولا يقطع الداخل لأنه لم يخرجه. وعلم مما قررت أن محل هذا حيث لم يخرج الداخل يديه بالنصاب من الحرز بأن تناوله الخارج منه وأخرجه من غير مصاحبة الداخل، قال المواق: قال ابن الحاجب: اتفقوا في السارقين يكون أحدهما من داخل الحرز والآخر من خارجه، فيخرج الداخل يده إلى خارج الحرز بالمتاع فيتناوله الخارج أنه لا قطع على الخارج، فلو أدخل الخارج يده إلى داخل الحرز فأعطاه الداخل المال،

(1)

في الأصل مخرز والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 104.

ص: 598

فقال ابن القاسم: يقطع الخارج، وقال أشهب: يقطعان معا، واتفقوا في السارق يوخذ في الحرز قبل أن يخرج المتاع أنه لا قطع عليه. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: وعلم أنه لو أخرجاه معا لقطعا على ما مر في قوله "أو اشتركا في حمل إن استقل كل" لخ. وقال التتائي: قال مالك: إذا كانوا ثلاثة أحدهم في البيت والآخر على ظهره والثالث في الطريق، فناول الذي في البيت من هو على ظهره والذي على ظهره من هو في الطريق، قطع الذي يهيئ المتاع في البيت والذي على ظهره، ولا يقطع الخارج في الطريق إلا أن يمد يده حتى يصيرها في ظهر البيت فيقطع الثلاثة. اللخمي: قطع الذي في البيت غير بين. انتهى.

ولا إن اختلس يعني أنه لا قطع في الخلسة. ابن مرزوق: الاختلاس أن يتغفل صاحب المال فيخطفه. بهذا فسره الفقهاء. انتهى. نقله البناني. قال: وهذا معنى ما في الزرقاني.

والحاصل أن الاختلاس هو الاختطاف أي الأخذ بسرعة أخذه سرا أو جهرا، فإذا اختطف نصابا وخرج من الحرز فإنه لا يقطع على المذهب. قال ابن عرفة: المذهب أنه لا قطع في اختلاس. أو كابر يعني أنه لا قطع فيما أخذ مكابرة، قال التتائي: أو كابر بأن تناوله من صاحبه ثم ادعى أنه ملكه إذ ليس بسرقة ولا غصب، وقال الشارح تبعا لما في التوضيح: إنه راجع إلى الغصب والغاصب لا يقطع. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أخذ وكابر بأن تناوله من صاحبه ثم ادعى أنه ملكه من غير محاربة فلا قطع لأنه غاصب والغاصب لا قطع عليه. قاله في التوضيح. فعلم من هذا أنه ليس المراد كابر بعد ثبوت أخذه ملك الغير؛ لأن هذا يلزمه القطع ولا عبرة بمكابرته. انتهى. وقال المواق: قال ابن الحاجب: فلو أخذ اختلاسا أو مكابرة على غير حراية فلا يقطع. انتهى. وقال في الميسر: أو كابر أي أخذه من ربه مدعيا أنه له من غير حرابة لأنه غاصب فلا يقطع، قال ابن شأس: فإن كابر لم يقطع إلا أن يوخذ بحكم الحرابة. انتهى.

أو هرب بعد أخذه في الحرز يعني أنه إذا دخل السارق حرزا فأخذ نصابا ثم أخذ في الحرز ففر بالنصاب وخرج به من الحرز فإنه لا قطع عليه، قال المواق: سمع عيسى ابن القاسم: إن دخل سارق بيت رجل فائتزر بإزار فأخذ بالبيت ففر منهم والإزار عليه وقد علم به أهل البيت أو لم يعلموا فلا قطع عليه. ابن رشد: لأنه لم يخرج به إلا مختلسا. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو

ص: 599

هرب به بعد أخذه في الحرز لأنه لم يخرج به على وجه السرقة. انتهى. ونحوه للتتائي. واللَّه تعالى أعلم.

ولو ليأتي بمن يشهد عليه مبالغة في عدم القطع؛ يعني أن السارق إذا أخذ في الحرز وهو يسرق فتركه رب المتاع وذهب ليأتي بالشهود ليشهدوا على سرقته ففر بالمتاع فإنه لا قطع عليه، قال المواق في الموازية: من ترك السارق يسرق متاعه وأتى بشاهدين له [يعاينانه]

(1)

، ولو أراد أن يمنعه منعه فلا قطع. قاله مالك. انتهى. قال عبد الباقي: لأنه صار كالمختلس. انتهى. وقال البناني: ولو ليأتي بمن يشهد عليه أي ولو هرب السارق لخروج ربه ليأتي بالشهود، وأشار بلو إلى خلاف أصبغ. قاله ابن غازي. وظاهر المنصف سواء علم السارق بصاحب المال عند خروجه أو لا، وقال ابن الحاجب: ولو تركه وأحضر من يشهد ولو شاء لمنعه، فثالثها قال مالك: إن شعر به فهرب به لم يقطع وإلا قطع. التوضيح: عدم القطع لمالك وابن القاسم والقطع لأصبغ بناء على أنه اختلاس أو سرقة، والثالث ظاهر لَكِنْ في نسبته لمالك نظر، ولم أره وإنما نسبه ابن شأس لبعض المتأخرين ولعله ابن يونس، فإنه قال: إن رآهم السارق فهرب فهو مختلس وإن خرج من الدار ولم يرهم فهو سارق ويجب قطعه. ابن عبد السلام: وهو التحقيق. انتهى. وقال عبد الباقي: أو هرب بالمسروق بعد أخذه به في الحرز والقدرة عليه، ولو ترك فيه وذهب رب المتاع ليأتي بمن يشهد عليه أنه سرق المتاع ولو شاء لخلص المتاع كما يشعر به قوله بعد أخذه ثم خرج السارق من الحرز فلا قطع عليه. انتهى.

أو أخذ دابة بباب مسجد يعني أن من أخذ دابة أوقفها صاحبها بباب المسجد لا قطع عليه إن لم يكن معها حارس وإلا قطع، أو سوق يعني أن من أخذ دابة أوقفها صاحبها في السوق فإنه لا قطع عليه إن لم يكن معها حارس وإلا قطع، وقوله:"أو سوق" أي أوقفها لغير بيع وإلا قطع. قال عبد الباقي: أو أخذ دابة أوقفها صاحبها بباب مسجد أو سوق لغير بيع لا له فيقطع سارقها بدليل ما مر وبغير حافظ فلا قطع على سارقها لأنه موقف غير معتاد، وسكت عن التقييد به

(1)

في الأصل يعايناه والمثبت من المواق ج 8 ص 422.

ص: 600

للعلم به من قوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه وقوله: "أو سوق" يحتمل عطفه على "باب"، أو على "مسجد"، وكذا إن أخذ دابة بمرعى فلا قطع عليه ولو بحضرة الراعي على الراجح كما مر. انتهى. وقد مر الاتفاق على عدم القطع في المرعى أي حيث كانت في محل الرعي فراجعه إن شثت. وقال المواق من المدونة: والدابة بباب المسجد أو في السوق إن كان معها من يمسكها قطع وإلا فلا.

أو ثوبا بعضه بالطريق يعني أنه إذا أخذ ثوبا بعضه منشور في الحرز وبعضه بالطريق فإنه لا قطع عليه، قال المواق من المدونة: من جر ثوبا منشورا على حائط بعضه بالدار وبعضه خارج عنها إلى الطريق لم يقطع. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أخذ ثوبا منشورا على حائط بعضه على داخلها وبعضه بالطريق فلا قطع عليه تغليبا لجانب درء الحد بالشبهة، والشبهة هنا كون بعض الثوب بغير حرز مثله والبعض صادق بالنصف والأكثر والأقل، وأم لو جذبه من جانب الدار فإنه يقطع لأنه أخرجه من الحرز. انتهى. ونحوه للخرشي.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: لو كان بعض الثوب داخل الحائط وبعضه على ظاهره فأخذ ما على ظاهر الحائط وهو لم يبلغ الطريق فإنه لا يقطع، ففي الشبراخيتي أنه لا يقطع، فإنه قال: أو أخذ ثوبا منشورا على حائط بعضه داخلها وبعضه بالطريق فلا قطع؛ لأنه ليس في حرزه تغليبا لجانب درء الحد بالشبهة، وسواء جَذَبَهُ من الدار أو من الطريق. انظر الحاشية. وفي قوله: بعضه بالطريق تسامح؛ إذ قد يكون بعضه خارج الدار على وجه حائطها الخارج وإن لم يصل إلى الطريق كما قدمناه. انتهى.

أو ثمر معلق يعني أن الثمر المعلق في الشجر على أصل خلقته لا يقطع من سرقه، وقوله:"ثمر" بمثلثة من نخل أو غيره. وعلم مما قررت أن معنى"معلق" باق على أصل خلقته أي على الحالة التي أنبته اللَّه تعالى عليها في الشجر، وأم لو قطع ثم علق فلا قطع ولو بغلق، قال الشبراخيتي: أو ثمر بمثلثة من نخل أو غيره وهو مجرور عطف على "ما" من، قوله:"ولا فيما على صبي معلق على رؤوس الشجر من أصل خلقته فلا قطع ولو بغلق، ولا يدخل هذا في قوله: "وإلا بعد حصده" الخ لأن المراد إلا بعد حصده ووضعه في محل اعتيد وضعه فيه، وفهم من قوله: "ثمر"

ص: 601

أنه لا قطع في الودي، ومن قوله:"معلق" أنه لا قطع فيما يلتقط من الساقط من الثمر وهو كذلك على أحد القولين في كل واحد من الفرعين. قاله التتائي. انتهى.

وقال عبد الباقي: ثم عطف بالجر على ما من قوله: ولا فيما على صبي، فقال:"أو سرقة ثمر" بمثلثة من نخل أو غيره معلق على أصله خلقة فلا قطع، فإن قطع ثم علق فلا قطع ولو بغلق. وفهم من قوله:"ثمر" أنه لا قطع في الودي لخ. وقال المواق: قال ابن يونس: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواها المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن)

(1)

، قال: قال ابن القاسم: فلا قطع في ثمر في رؤوس النخل في الحوائط ولا في زرع أو بقل قائم حتى يئويَهُ الجرين. محمد: وأما في نخلة أو شجرة في دار رجل فإنه يقطع: قال ابن القاسم: وإذا جمع في الجرين الحب والتمر وغاب ربه وليس عليه باب ولا حائط ولا غلق قطع من سرق منه. ابن يونس: لعموم الحديث. انتهى.

إلا بغلق فقولان يعني أن الثمر في الشجر الباقي على أصل خلقته لا قطع فيه كما عرفت هذا إذا لم يكن عليه غلق، وأما إن كان مغلقا عليه ففي قطع السارق له وعدم قطعه قولان؛ القول بالقطع مخرج للخمي على قول ابن المواز، والقول بعدم القطع منصوص عليه لابن الماجشون، فلو قال: لا بغلق فلا قطع وخرج القطع لكان أولى. قاله الشبراخيتي. وقوله: مخرج على ابن المواز يعني أن ابن المواز، قال: لو دخل سارق دارا فسرق من ثمرها المعَلق في رؤوس النخل أو كان مجذوذا في منزله لقطعت يده، فقال اللخمي: يلزم على هذا إذا كان النخل أو الكرم أو غيره من الثمار عليه غلق احتيط به من السارق، أو كان لا غلق عليه وعليه حارس أن يقطع. انتهى. البساطي: الخلاف ليس بين ابن المواز وابن الماجشون؛ لأنهما قالا بعدم القطع، وإنما الخلاف بين ما ألزم به اللخمي ابن المواز وبين ابن الماجشون. انظر التتائي. وقال البناني: والقول بالقطع ليس بمنصوص وإنما هو مخرج، ألزمه اللخمي لابن المواز فكان من حق المؤلف أن لا يسويه بمقابله. انتهى. وفي إلزام اللخمي لابن المواز ما فيه لأن الدار أشد حفظا. انتهى.

(1)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث 24.

ص: 602

وقال عبد الباقي: محلهما يعني القولين في غير النخل بالدار وأما هو فيقطع بلا خلاف لأنه في حرزه. انظر الشارح. انتهى. وقال البناني: الغلَق بفتح اللام والغلاق ما يغلق به الباب ويصح سكونها ليكون مصدرا. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا بغلق بفتح اللام وسكونها فقولان في قطع السارق منه وعدم قطعه. انتهى.

‌تنبيه

وقع في الخرشي: وكان ينبغي أن يقول في رؤوس الشجر بدل، قوله:"معَلَّق" لأنه ليس معلّقا وإنما هو من أصل خلقته. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وما كان ينبغي لهما ذلك لأنه ورد في حديث الموطإ كذلك، وهو قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(لا قطع في تمر معلق). انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخرشي: معلق أي في بساتينه، وأما في الدور والبيت فيقطع لأنه في حرز. انتهى.

وإلا بعد حصده الظاهر أن الاستثناء هنا منقطع، فالمعطوف عليه متصل والمعطوف منقطع لأن الاستثناء فيه الثمر محصود والمعطوف عليه معلق في الشجر خلقة. واللَّه أعلم. يعني أن الثمر إذا حصد وكذلك الزرع إذا حصد ثم سرق منه قبل أن يصل إلى الجرين، فإنه اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها القطع مطلقا كدس أم لا، ثانيها عدم القطع مطلقا كدس أم لا، ثالثها القطع إن كدس الثمر أي جمع بعضه إلى بعض وإن لم يكدس فلا قطع، وقد علمت أن الأقوال الثلاثة تجري في الزرع. وفي الميسر ما نصه: والأقوال ذكرها في التوضيح في حصاد التمر وابن رشد في الزرع، وقال: إنه إذا كان في حائط فلا خلاف في القطع بعد أن حصد، وإن كان في محله قبل أن ينقل ويجمع. نقله البناني. ولا خلاف في القطع فيما له حارس أو ما سرق منه في حال نقله إلى الجرين كما في التوضيح. وقال البناني: قد صرح ابن رشد بالأقوال الثلاثة في الزرع بعد حصده، ونقله أبو الحسن عند قوله: ويقطع سارق البقل إذا آواه حرزه فإن لم يكن قائما، ونصه: الشيخ: لا إشكال إذا كان قائما أنه لا قطع فيه ولا إشكال إذا آواه حرزه أنه يقطع سارقه، وما بين ذلك يجري على الخلاف في الزرع يحصد ويترك لِيَيْبَسَ ثم ينقل.

وحَصَّل ابن رشد في الزرع ثلاثة أقوال: أحدها أنه يقطع من سرقه بعد أن حصد ضم بعضه إلى بعض أم لا، الثاني لا يقطع ضم بعضه إلى بعض أم لا حتى ينقل إلى الجرين، الثالث الفرق بين

ص: 603

أن يسرق بعد أن يضم بعضه إلى بعض وقبل ذلك، وهذا الاختلاف كله إذا لم يكن عليه حارس، وأما إن كان عليه حارس فلا اختلاف أن على سارقه القطع، وكذلك إذا كان الزرع في خائط لا اختلاف أحفظه نصا في وجوب القطع على من سرقه بعد أن حصد. انتهى. وقال: قال: وما لا جرين له كالمقاثي وشبهها فالقطع على من سرقها بعد أن تجمع في الموضع الذي تحمل منه للبيع، وإذا سرق الزرع في الطريق إلى الجرين فالقطع على سارقه قولا واحدا. انتهى من البيان. صح من أبي الحسن. انتهى.

‌تنبيهات:

الأول: قوله: "إلا بعد حصده" قال عبد الباقي: أي جذه ووضعه في محل اعتيد وضعه فيه. انتهى. وقال الخرشي: إلا بعد حصده ووضعه في محل اعتيد وضعه فيه.

الثاني: اعلم أن ما وضع في الجرين من ثمر أو زرع لا خلاف في أن من سرق منه يقطع؛ وإنما الخلاف فيما إذا لم يكن الجرين قريبا من البيوت هل يقطع أولا؟ قال في التوضيح: وهل لا يقطع في الجرين إلا أن يكون قريبا من البيوت أو يقطع مطلقا؟ قولان، قال ابن يونس: قال ابن القاسم: وإذا جمع الزرع في الجرين؛ الحب أو التمر وغاب ربه وليس عليه باب ولا حائط ولا غلق، قطع من سرق منه. وقال محمد عن أشهب: إذا كان الجرين في صحراء ولا حارس عليه ولا غلق فلا قطع على من سرق منه، وقول ابن القاسم: عليه القطع وجهه عموم الحديث: (لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آوها المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن)

(1)

. ووجه قول أشهب: لا قطع عليه فلأنَّ الغالب من الجرين أن لا يكون في الصحراء وإنما يكون بحضرة الحوائط والفدادين، فكأنه بحضرة أهله فهم كالحراس عليه وفيه ورد الحديث كالطامير تكون بحضرة أهلها وبالصحراء فإن ذلك مفترق، فكذا هذا.

الثالث: علم مما مر أن للثمر والزرع ثلاثة أحوال أحدها لا قطع فيه وهو كون الثمر معلقا في الشجر على أصل خلقته وأحرى لو جذ ثم علق وكون الزرع قاتما، ثانيها ما إذا جذ الثمر وما إذا حصد الزرع وفيه الأقوال الثلاثة كما عرفت، الثالث ما إذا جعل الثمر أو الزرع في الجرين فلا

(1)

الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث 24.

ص: 604

خلاف في قطع من سرق منه إن قرب من البيوت وإن بعد منها ففيه الخلاف المتقدم بين ابن القاسم وأشهب، وقد مر أنه إذا سرق من الزرع في الطريق إلى الجرين فالقطع على سارقه قولا واحدا. واللَّه أعلم.

ولا إن نقب فقط يعني أنه إذا نقب شخص الحرز أي ثقبه ولم يخرج شيئا وإنما أخرجه غيره، فإنه لا قطع على الناقب وإنما القطع على من أخرج نصابا هذا هو المذهب وهو مذهب المدونة، وقيل يقطعان وعليه ابن شأس. واحترز بقوله:"فقط" عما إذا أخرج منه نصابا فإنه يقطع. الشبراخيتي: ولا قطع إن نقب فقط ولم يخرج شيئا لأن غايته أنه هتك الحرز وعليه ضمان ما خرج من الْحِرْزِ بسبب نقبه، وهذا حيث لم يَكُنْ رَبَّهُ معه ولو نائما. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا إن نقب الحرز فقط ولم يخرج منه شيئا أو خرج منه بنفسه فلا قطع عليه وعليه ضمان ما خرج بسبب نقبه إن لم يكن معه ربه، فإن كان معه ولو نائما فلا ضمان عليه. وظاهر كلام المنصف أنه لا قطع على من نقب ولو اتفق مع غيره على أن ذلك الغير يستقل بالإخراج كما استقل هو بالنقب وهو كذلك، وإنما القطع في هذا على المخرج فقط على المذهب وهو مذهب المدونة؛ لأن النقب لا يخرج المكان عن كونه حرزا أي لا يعد الواضع فيه مضيعا حين الوضع، وقيل يقطعان وعليه ابن شأس. انتهى.

وقال البناني: ابن عرفة: قال ابن الحاجب تبعا لابن شأس: فلو نقب وأخرج غيره، فإن كانا متفقين قطعا وإلا فلا قطع على واحد منهما، قلت: لا أعرف هذا الفرع لأحد من أهل المذهب، وإنما ذكره الغزالي في وجيزه على أصلهم أن النقب يبطل حقيقة الحرز. وقوله: إن تعاونا قطعا، مقتضى المدونة أنه لا يقطع إلا من أخرجه لقولها لو قَرَّبَهُ أحدهما لباب الحرز فَتناوله الخارج قطع الخارج وحده إذ هو أخرجه ولا يقطع الداخل، وهذه المسألة رد عليه في زعمه أن النقب يبطل حقيقة الحرز، لقولها لباب الحرز. وفي قوله: قطعا، وقد تقدم لهما مسائل من هذا النوع وهي إضافتهما للمذهب مسائل الغزالي مع مخالفتهما أصول المذهب، ولذا كان كثير من محققي شيوخنا لا ينظر كتاب ابن الحاجب ويرى قراءة الجلاب دونه. انتهى. فقول المنصف:"ولا إن نقب" الخ مسلم، وإنما المشكل ما قاله ابن الحاجب وابن شأس. انتهى. وقال المواق: ابن شأس:

ص: 605

لو نقب وأخرج غيره وانفرد كل واحد منهما بفعله دون اتفاق بينهما فلا قطع على واحد منهما. انظر ابن عرفة. فإنه قال: إن هذا على أصل الشافعية أن النقب يبطل حقيقة الحرز وليس هذا مذهب مالك. انتهى.

وإن التقيا وسط النقب صورتها أنه مد أحدهما يده بالنصاب في وسط النقب أي أثنائه وتناوله الآخر في أثناء النقب فأخرجاه معا فإنهما يقطعان معا، قال عبد الباقي: وإن التقيا وسط النقب أي في أثنائه فأخرجاه معا قطعا، وقال الشبراخيتي: وإن التقيا بأيديهما في المناولة وسط النقب قطعا لتعاونهما على إخراجه والمراد بالوسط الأثناء، وقال التتائي: وإن التقيا بأيديهما في المناولة وسط النقب قطعا، وقال المواق من المدونة: إذا التقت أيديهما في المناولة في وسط النقب قطعا معا. انتهى.

‌تنبيه:

قال الخرشي مفسرا للمصنف: ولو دخل أحدهما الحرز فأخذ ما يساوي نصابا فوضعه في وسط النقب فمر شخص آخر فتناوله وأخرجه من الحرز فإنهما يقطعان معا. انتهى. قال مقيد هذا الشرح: وفيه إشكال لأنه إذا كان وسط النقب حرزا فإن الداخل لم يخرجه فلا قطع عليه، وإنما القطع على المخرج من الحرز وهو الذي تناوله وإن لم يكن وسط النقب من الحرز بل هو خارج عنه فإنه لا يقطع آخذه من وسط النقب لأنه لم يخرجه من الحرز، وإنما يقطع الداخل. فالصواب تفسير عبد الباقي حيث قال فأخرجاه معا. واللَّه تعالى أعلم.

أو ربطه فجذبه الخارج يعني أنه إذا ربط المسروقَ الداخلُ في الحرز بحبل أو بغيره وجذبه الخارج عن الحرز فإنهما يقطعان معات قال الخرشي: وكذلك يقطعان معا إذا دخل أحدهما الحرز فربط المتاع المسروق في حبل أو غيره فجذبه الخارج إلى أن أخرجه من الحرز. انتهى. وقال عبد الباقي: أو ربطه الداخل في الحرز فجذبه الخارج قطعا، والفرق بين هذا وبين قوله ولا على داخل تناول منه الخارج أن فعل الرابط مصاحب لفعل الجاذب حال الخروج من الحرز ولا كذلك فعل المناول. انتهى. وقال الشبراخيتي: قطعا لتعاونهما على إخراجه بالربط والجذب فالإخراج ناشيء عنهما.

ص: 606

وعلم مما قررت أن قوله: قطعا جواب الشرط فهو راجع للمسألتين، وقال المواق من المدونة: ولو ربطه الداخل بحبل وجره الخارج قطعا. انتهى.

وشرطه التكليف الضمير يرجع في شرطه للقطع؛ يعني أنه يشترط في قطع السارق أن يكون مكلفا وهو العاقل البالغ الطائع فلا يقطع صبي ولا مجنون مطبق أو يُفيق أحيانا وسرق حال جنونه، فإن سرق حال إفاقته فَجُنَّ انتظر كسكران بحرام فينتظر في قطعه صحوه سرق حال سكره أو قبله؛ فإن قطع قبل صحوه اكتفي به، وكذا المجنون بالأولى فإن سكر بحلال فكالمجنون [والظاهر أنه بحرام]

(1)

حيث شك لأنه الأغلب إلا أن تكون حالته ظاهرة في خلاف ذلك، والظاهر أيضا أنه إذا شك في سرقة مجنون يفيق أحيانا هل سرق حال جنونه أو حال إفاقته فإنه يحمل على الأول أي على أنه سرق حال جنونه لدرء الحد بالشبهة، وخرج بالتكليف أيضا المكره على نفس السرقة والإكراه هنا بخوف مؤلم من ضرب أو سجن لخ؛ لأنه شبهة تدرء الحد، وأما الإقدام على السرقة والغصب فلا ينفع فيه الإكراه ولو بخوف القتل كما صرح به ابن رشد وحكى عليه الإجماع، وكذا صرح به في المعين، ونقل ذلك الحطاب في باب الطلاق. انتهى ملخصا من شرح عبد الباقي وحاشية البناني. وقال الشبراخيتي: وشرطه أي القطع المفهوم من قوله: "تقطع اليمنى" أي وشرط قطع السارق التكليف أي البلوغ والعقل والطواعية فلا يقطع صبي ولو مراهقا ولا مجنون مطبق ولا من يفيق أحيانا إذا سرق في حال جنونه، وفي حال إفاقته يقطع إذا كان مفيقا، ولا يقطع مكره والإكراه هنا بالوعيد والسجن والقيد والضرب كما في المدونة لا يقال الحصر غير صحيح لأنه بقي من الشروط سرقة طفل أو ربع دينار الخ؛ لأنه أجيب بأن ما تقدم شروط في المسروق وهذا شرط في القطع فالحصر صحيح. انتهى. وتأمله فللنظر فيه مجال. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: ابن عرفة: نصوص المذهب واضحة بأن شرط قطع السارق تكليفه حين سرقته. انتهى.

(1)

لفظ عبد الباقي ج 8 ص 106 والظاهر حمله على أنه بحرام لخ.

ص: 607

فيقطع الحر يعني أن الحر المسلم يقطع إذا سرق نصابا سرقه من مسلم أو ذمي كان المسروق منه ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا لأن السرقة من الفساد في الأرض فلا يقر عليها أحد، فإذا وجد شرط القطع وهو التكليف قطع السارق، ولهذا أتى بالفاء المشعرة بالسببية. واللَّه تعالى أعلم. والعبد يعني أنه لما كان الشرط في القطع التكليف يقطع العبد إذا سرق نصابا ذكرا كان العبد أو أنثى، سرق من مسلم أو ذمي، كان المسروق منه ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا.

ولمعاهد يعني أن المعاهد -ومنه حربي دخل بأمان- يقطع إذا سرق نصابا، وفي المدونة: وإذا سرق الذمي قطع لأن السرقة من الفساد في الأرض، وإن لمثلهم يعني أن الحر والعبد والمعاهد يقطع من سرق منهم وإن سرقوا من مثلهم والمبالغة غير متوهمة في الحر المسلم يسرق مال حر مسلم وهي ظاهرة في الأخيرين، ولذا قال الشبراخيتي: لو قال وإن لمثلهما كان الأولى إذ لا يتوهم عدم القطع في سرقة الحر المسلم من مثله، وأما العبد والمعاهد فيتوهم فيهما ذلك فبالغ على العبد ليلا يتوهم أنه لا قطع على العبد إذا سرق من مثله لكونه غير تام الملك والمعاهد لأنه لما كان يرسل ماله لورثته الحربيين في بعض الأحوال ربما يتوهم أنه غير محترم كما ذهب إليه أشهب. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي المبالغة شيء بالنسبة للحر من مثله إذ لا يتوهم عدم القطع، ويمكن أن يقال الجمع باعتبار أفراد المعاهد والعبد، فأتى بالمبالغة ردا على من ذهب أنا لا نحكم بين أهل الذمة في السرقة إلا إذا ترافعوا إلينا، والمذهب الحكم بينهم فيها وإن لم يترافعوا حيث علم الإمام بها. انتهى المراد منه. وفسرت المعاهد بما يشمل الذمي والحربي الداخل بأمان تبعا للميسر، وقال المواق هنا ما نصه: ابن الحاجب: فيقطع الحر والعبد والذمي والمعاهد وإن كان المسروق لأحدهم وإن لم يترافعوا. انتهى.

إلا الرقيق لسيده مستثنى من قوله "والعبد" يعني أن الرقيق إذا سرق مال سيده أو سرق مال رقيق آخر لسيده فإنه لا يقطع أي لا يجوز ولو رضي السيد، لعموم خبر:(عبدكم سرق متاعكم)

(1)

وليلا يجتمع على السيد عقوبتان؛ ذهاب ماله وقطع يد عبده. قال عبد الباقي: إلا الرقيق يسرق لسيده

(1)

الموطأ، كتاب الحدود، باب ما لا قطع فيه، رقم الحديث، 3، ولفظه: خادمكم سرق متاعكم، والظاهر أنه من كلام عمر رضى اللَّه عنه.

ص: 608

نصابا من ماله أو يسرق من رقيق آخر لسيده نصابا مما حجر عليه أم لا فلا يقطع؛ أي لا يجوز كما في أحمد ولو رضي السيد، لعموم:(عبدكم سرق متاعكم) وليلا يجتمع على السيد عقوبتان؛ ذهاب ماله وقطع يد عبده. ولا فرق بين العبد القن وذي الشائبة كأم ولد ومكاتب وغيرهما، ولا يضمن له المال إذا أعتقه لأن قدرته على استثناء ماله عند عتقه وتركه دليل على براءته له منه، وأشعر قوله:"سيده" أنه لو سرق من أصل سيده أو فرعه قطع. انتهى.

وقال الشبراخيتي: إلا الرقيق لا فرق بين القن وأم الولد والمكاتب والمدبر يسرق لسيده ماله فلا قطع ولو شاء سيده ذلك، لخبر:(عبدكم يسرق متاعكم)، وسواء سرق من مال سيده ما حجر عليه فيه أم لا، وإنما لم يقطع ليلا يتوالى على السيد عقوبتان: أخذ ماله وقطع عبده، ولا يقطع السيد إن سرق مال رقيقه، ويفهم منه عدم قطع العبد في سرقته من عبد آخر وسيدهما واحد، كما إذا سرق مكاتبك أو مدبرك من مال عبد لك أو مكاتب أو مدبر لأنه كَمَالِكَ، ولو سرق العبد من مال ابن سيده قطع، ولا يقطع الأب إذا سرق مال ابنه العبد. انتهى.

‌فرع:

إن سرق عبيد الخمس من الخمس أو عبيد الفيء من الفيء قطعوا. قاله في الذخيرة عن ابن القاسم. نقله التتائي.

وثبتت بإقرار يعني أن السرقة تثبت بإقرار السارق، فإذا أقر السارق بسرقة نصاب فإنه يقطع وتثبت السرقة أيضا بالبينة وتركه لوضوحه، فلو قالت قبل القطع: وهمنا بل هو هذا لم يقطع واحد منهما، ويحرم كتم الشهادة إذا رفع السارق للإمام لتعين حق اللَّه بوصوله لنائبه ويحبس حتى تزكى البينة إن احتاجت لتزكية، ولو قام أجنبي بسرقة متاع غائب قطع المقوم عليه لأنه حق اللَّه: وكذا لو لم يقم رب المتاع وأخذ المتاع فيلزم القطع لتحقق السبب، وكره مالك أن يقول السلطان للمتهم أخبرني ولك الأمان لأنه خديعة. قاله التتائي. انتهى. قاله عبد الباقي.

إن طاع يعني أن السرقة إنما تثبت بالإقرار بشرط أن يكون السارق أقر طائعا، قال الشبراخيتي: وتثبت السرقة أي حكمها إن طاع به اتفاقا. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: تثبت السرقة بالبينة كالإقرار بها طوعا. انتهى. وقال في الميسر: وتثبت السرقة بإقرار إن طاع به قبل أخذه اتفاقا وبعده على ظاهرها وإن لم يعين السرقة، وفي العتبية: لا يقطع حتى يعينها نقله في

ص: 609

المقدمات. وسكت المنصف عن ثبوتها بعدلين لوضوحه ولا تقبل الشهادة إلا مفصلة، فإن اختلفا في صفة ما سرق أو وقته فلا قطع، ولو قالا قبل القطع وهمنا بل هو هذا لم يقطع واحد منهما. قاله فيها. وفيها: أنه لا يحل الكف عن الشهادة إذا رفع السارق إلى الإمام وأنه يحبس حتى تزكى البينة. انتهى.

وإلا بأن أكره على الإقرار بوعيد أو سجن أو ضرب أو قيد فلا يلزمه شيء، وظاهره مطلقا. ونحوه في المدونة، وذهب سحنون إلى أنه إذا حبس التهم بسرقة أو غيرها فأقر في الحبس فإنه يعمل بإقراره؛ ومشى عليه ابن عاصم في نظمه وذكر أنه به الحكم. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وقال سحنون: يعمل بإقرار المتهم بإكراهه يسجن وبه الحكم، وكذا في معين الحكام قصر العمل بإقراره مكرها على كونه بالحبس. وفي رجز ابن عاصم زيادة الضرب، ونسبه لمالك فقال:

وإن تكن مطالبا من يتهم

فمالك بالضرب والسجن حكم

وحكموا بصحة الإقرار

من ذاعر يحبس لاختبار

وذاعر بذال معجمة أي خائف وبمهملة أي مفسد كما في القاموس، ويصح أن يكون بزاي أي شرس كما في القاموس أيضات واعْتُمِدَ ما لسحنون، وحمل ما في المدونة على غير المتهم على أنه وقع فيها محلان، أحدهما صريح في عدم العمل بإقرار المكره، ثانيهما حلف المتهم وتهديده وسجنه؛ فاستشكله البرزلي بأنه لا فائدة في سجنه لعدم العمل بإقراره مكرها كما هو مفاد المدونة أولا، ويجمع بينهما بحمل أول كلامها على غير المتهم وآخره على المتهم، كقول سحنون: وجمع الغرياني أيضا بحمل أول كلامها على أن المسروق لا يعرف بعينه وآخره على أنه يعرف بعينه فيهدد ويسجن المتهم، رجاء أن يقر. انتهى. وبهذا علم أن ما لسحنون موافق للمدونة على أحد التأويلين، ثم إذا أقر مكرها على ما للمصنف وأخرج بعض المسروق هل يؤاخذ بما أقر به من السرقة إن كان مما يعرف بعينه أو مطلقا إن كان متهما احتمالان للبرزلي وغيره. انتهى.

ص: 610

ولو أخرج السرقة يعني أنه إذا أكره على الإقرار بالسرقة فأخرج السارق المسروق فإنه لا يلزمه بإقراره ذلك قطع لاحتمال وصول المسروق له من غيره، قال في المدونة: وإن أخرج السرقة أو القتيل في حال التهديد لم أقطعه ولم أقتله حتى يقر بذلك آمنا، أو ىين القتيل يعني أن الشخص إذا أكره على الإقرار بالقتل فأقر به وعين القتيل بأن أخرجه فإنه لا قصاص عليه. وقال عبد الباقي ما معناه: بأن قال قتلت زيدا مثلا فإنه لا يلزمه بإقراره ذلك قصاص، وكذا لو أخرج القتيل كما في المدونة. انتهى. الرهوني: ظاهره أن قوله كزيد هو مراد المنصف، وأن قوله: وكذا إذا أخرجه مشبه به وليس كذلك بل هذا الثاني هو مراد المنصف قطعا. انتهى. وقد مر فيها لم أقتله ولو أخرج القتيل حتى يقر بذلك آمنا. واللَّه تعالى أعلم. وقال في الميسر: وإن أخرج السرقة أو عين القتيل لاحتمال وصول ما سرق له من غيره وأن القاتل غيره إلا أن يقر بعد أمنه كما في المدونة خلافا لعبد الملك، وفي التوضيح: قال مالك في الموازية: يقطع إذا عين السرقة إلا أن يقول دفعها لي فلان وإنما أقررت لما أصابني من الألم. قال: ولو أخرج دنانير لم يقطع إذ لا تعرف بعينها، وقال أشهب: إذا أخرج السرقة قطع وإن كان بعد سجن وقيد ووعيد وإن نزع لم يقبل نزوعه، وأما إن لم يعين فلا يحد أبدا وإن ثبت على إقراره لأنه يخاف أن يعاد إلى مثل الأول. وقال سحنون: إن كان السلطان يعدل فسجنه فأقر في السجن لزمه. انتهى. وما فيها من إلغاء إقرار من هدد يحمل على غير المتهم، ليلا يناقض قولها بعد ذلك من ادعى على رجل بسرقة فإن كان متهما حلف وهدد وسجن وإلا لم يعرض له، فإن كان من أهل الفضل أدب المدعي. انتهى.

وقبل رجوعه يعني أنه يقبل رجوع المقر بالسرقة عن إقراره حيث كان رجوعه لشبهة، كقوله: أخذت مالي المودَعَ أو المغصوب أو العارَ وظننت ذلك سرقة فسميته سرقة، بل ولو رجع بلا شبهة ككذبت في إقراري ومثله الزاني والشارب والمحارب في محض حق اللَّه لا في المال، وكذا من أقرت بالإحصان ثم رجعت قبل إقامة الحد عليها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقبل رجوعه عن الإقرار إن كان رجوعه لشبهة، كقوله: أخذت مالي المودع أو من الغاصب أو من المعار وظننت أن ذلك سرقة، بل ولو رجع بلا شبهة ككذبت في إقراري وهو مقيد بما إذا لم يكن المقر بالسرقة عبدا أو عينها فإنه يقطع، ولو رجع عن إقراره ثم إن قبول رجوعه إنما هو بالنسبة

ص: 611

للقطع، وأما الغرم فلا بد منه. ووقع في نسخة الشارحين بلا بينة موضع بلا شبهة. قال ابن غازي: وهو تصحيف فظيع، وقوله: وقبل رجوعه، وكذا يقبل رجوع الزاني والشارب والمحارب ومن أقرت بالإحصان ثم رجعت قبل إقامة الحد عليها. انتهى.

وقبلوا رجوع زان شارب

ومثله السارق والمحارب

في محض حق اللَّه لا في المال

فغرمه له بكل حال

يعني أن الزاني إذا رجع عن إقراره بالزنى فإنه يسقط عنه الحد ولكن عليه الصداق لمن زنى بها حيث كانت مكرهة أي أقر بأنه أكرهها، وكذلك من أقر بالسرقة يسقط عنه الحد ويغرم ما أقر بسرقته، وكذلك المحارب يسقط عنه حد الحرابة ويلزمه ما أقر بأنه أخذه من المال، وقال في الميسر: وقبل رجوعه عن إقراره ولو بلا شبهة بل كذب نفسه أو أنكر إقراره أصلا كما في المدونة، وأحرى إن رجع لشبهة. كقوله: أخذت مالي المودع أو المعار فسميت ذلك سرقة، قال ابن الحاجب: فإن رجع إلى شبهة ثبت الغرم دون القطع وفي غير شبهة روايتان، وفيها: من أقر أنه سرق من رجل ألف درهم بغير محنة ثم جحد لم يقطع ويغرم الألف لمدعيها. انتهى.

وكذا من أقر بإكراه امرأة على الزنى ثم رجع يسقط الحد دون المهر. قاله ابن شأس. ومن أقر بحرابة فلا يقبل رجوعه في المال ويقبل في حق اللَّه، كمن أقر بزنى أو شرب أو بإحصان ثم رجع قبل الحد. وفي المقدمات أن السارق إن رجع عما أقر به طوعا قُبلَ إن ذكر وجها وإلا فقولان، وإن أقر بعد أخذه ولم يعين ما سرق ثم رجع قبل رجوعه وإن بلا شبهة، وإن رجع بعد أن عين فقولان إن ذكر وجها، وإن جحد إقراره لم يقبل اتفاقا، وإن عين بعد إكراه فعلى أنه يقطع إن رجع أقيل بلا خلاف. انتهى. وقال البناني: قال ابن رشد في المقدمات: إن كان إقراره بعد الضرب والتهديد فلا يقطع بمجرد الإقرار، واختلف إذا عين على قولين قائمين من المدونة وغيرها، فعلى القطع إن رجع عن إقراره أقيل قولا واحدا، وعلى القول بعدم القطع إن تمادى على إقراره بعد أن أقر، ففي المدونة: يقطع، وقال ابن الماجشون: لا يقطع، وأما إن كان إقراره بعد الأخذ من غير ضرب ولا تهديد، فقيل: يقطع بمجرد إقراره وإن لم يعين السرقة وهو ظاهر

ص: 612

ما في السرقة من المدونة، وقيل: لا يقطع حتى يعينها وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى وقول مالك في سماع أشهب، فعلى ما في المدونة له أن يرجع عن إقراره وإن لم يأت بوجه وهو ظاهر ما في المدونة، ولا خلاف عندي في هذا الوجه، وعلى القول الثاني اختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا؟ على قولين عن مالك، والقولان إنما هما إذا قال أقررت لوجه كذا، وأما إن جحد الإقرار بعد التعيين فلا يقبل قولا واحدا. انتهى.

وإن رد اليمين فحلف الطالب يعني أنه إذا ادعى شخص على متهم بسرقة نصاب، وكذا على مجهول حال على أحد القولين في الغصب؛ إذ السرقة مثله فإن حلف المدعى عليه برئ، وإن نكل ورد اليمين على الطالب أي المدعي فحلف المدعي فالغرم على المدعى عليه بلا قطع إن حقق الطالب الدعوى، فإن اتهمه لم ترد وغرم بمجرد نكوله دون قطع، ولو كان المدعى عليه صالحا أدب. أو شهد رجل وامرأتان يعني أنه إذا شهد رجل وامرأتان على شخص بالسرقة فإنه يثبت عليه غرم المال المسروق بلا قطع، أو واحد وحلف يعني أنه إذا شهد واحد من النوعين على شخص بالسرقة، بأن شهد عليه رجل بالسرقة أو شهد عليه امرأتان بالسرقة وحلف المدعي فإنه يثبت على المدعى عليه غرم المال المسروق دون القطع، أَوْ أَقَرَّ السَّيّدُ يعني أنه إذا أقر السيد بسرقة عبده من شخص فإنه يلزم غرم المال الذي أقر السيد بأن عبده سرقه ولا يقطع العبد.

وعلم مما قررت أن قوله: فالغرم بلا قطع راجع للمسائل الأربع، وإن أقر العبد بسرقة نصاب من مال غير سيده فالعكس أي فعلى العبد القطع ولا غرم، ولا يمين في هذه ولا في قوله:"وإن أقر السيد" ففي كلام عبد الباقي نظر، ثم إذا أقر العبد بالسرقة لطالبها غير السيد وعينها فيقطع ولو رجع عن إقراره فيخصص، قوله:"وقبل رجوعه بالحر" وإذا أقر عبد بالسرقة ولم يكن لها طالب، فقال السيد: من متاعي لم يقطع العبد. انتهى. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن شأس: لو رد السارق اليمين فحلف الطالب ثبت الغرم دون القطع. ابن عرفة: هذا واضح، ومن المدونة: إن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة لم يقطع وضمن قيمة ذلك ولا يمين على رب المتاع، وإن شهد بذلك رجل واحد حلف الطالب مع شهادته وأخذ المتاع إن كان قائما ولا يقطع السارق، وإن أقر عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عَيّنوا

ص: 613

السرقة فأظهروها، فإن ادعى السيد أنها له صدق مع يمينه، وقال ابن الحاجب: إقرار العبد يثبت القطع دون الغرم. انتهى.

‌تنبيه:

قد مر قول عبد الباقي: ثم إذا أقر العبد بالسرقة لطالبها غير السيد وعينها فيقطع الخ، قال البناني: هذا صحيح على ما حمل عليه بعض القرويين المدونة، قال في التهذيب: وإذا أقر عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوا السرقة فأظهروها. أبو الحسن: انظر قوله: إذا عينوا السرقة فأظهروها، قال عبد الحق: قال بعض القرويين: يريد أنهم إذا عينوها لم يقبل رجوعهم ويعد تعيينهم لها كالبينة تقوم عليهم، فإذا ادعاها السيد قضى له بها، فإن لم يعينوا السرقة فها هنا إن تمادوا على إقرارهم قطعوا وإن رجعوا لم يقطعوا، صح من النكت. الشيخ: وهذا خلاف ما حمل عليه اللخمي الكتاب أنه لم يفرق بين أن يعين أم لا وهو مثل ما في العتبية. انتهى.

ووجب رد المال إن لم يقطع مطلقا يعني أنه إذا لم يقطع السارق لعدم كمال النصاب المسروق أو الشاهد وهو عدلان أو لعدم الحرز، قال عبد الباقي: أو سقط عضوه بسماوي أو بجناية عليه عمدا أو خطئا فإنه يجب على السارق رد المال المسروق مطلقا بقي أو تلف باختياره أو بغيره كان موسرا أم لا، ويحاص ربه غرماء السارق إن كان عليه دين. انتهى. قوله: أو سقط عضوه بسماوي الخ فيه نظرت لأنه إن أراد السقوط قبل السرقة فلا يسقط القطع، وإن أراد سقوطه بعد ثبوت السرقة فسيأتي. انتهى. وتأمل قوله: وإن أراد سقوطه بعد ثبوت السرقة فسيأتي فإنه لم يظهر لي وجه نقده، بل الظاهر أنه لا تعقب على عبد الباقي. انظر قوله عند قول المنصف:"وسقط الحد" الخ. واللَّه سبحانه أعلم.

وقال الشيخ إبراهيم: ووجب على السارق رد المال المسروق إن لم يقطع مطلقا بقي أو تلف باختياره أو بغيره نصابا، كان الباقي أو دونه سرق من حرز أو من غيره، وهو شامل لمن حده التعزير والحبس ومن سقط عضوه بسماوي، ونحوه ومن سقط عنه الحد لرجوعه، والمراد بالرد الغرم أي غرم مثله لأنه إذا كان قائما بعينه وجب رده إجماعا، فكان ينبغي له أن يقول: ووجب غرم المال لأنه إذا كان قائما لا تفصيل فيه. انتهى. وقال المواق: قال ابن عرفة: موجب السرقة

ص: 614

قطع السارق وضمانه السرقة إن لم يقطع لازم له اتفاقا، وقد تقدم أن أقطع اليدين والرجلين إذا سرق عُزّر وضمن السرقة وإن كان معسرا. انتهى. وقال مالك وأصحابه: لو سرق مالا يجب فيه القطع إما لقلته أو لأنه من غير حرز أو لغير ذلك، فإنه يتبع بذلك في عدمه ويحاص به غرماءه. انتهى.

أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ هذا مفهوم قوله: "إن لم يقطع" يعني أنه يجب على السارق رد المال أي غرمه إذا تلف بشرط أن يكون السارق موسرا من حين أخذ المسروق واستمر ذلك اليسر إلى أن قطع، فإذا كان معسرا حين الأخذ فلا غرم عليه ولو أيسر قبل القطع، وإذا كان موسرا حين الأخذ ولم يتصل يسره للقطع فلا غرم عليه، وأما لو كان المال المسروق باقيا فلربه أخذه إجماعا، وليس للسارق أن يتمسك به ويدفع له غيره. وقوله:"من الأخذ"، من: ابتداءية، وهو متعلق بأيسر وإلى للانتهاء.

وتحرير المسألة أن المسروق إن كان قائما رد بعينه قطع السارق أو لم يقطع موسرا أو معسرا، وإن لم يكن المال المسروق قائما بل فات وجب غرمه إن لم يقطع السارق بأن سقط وجوب قطعه بأي مسقط، وإن قطع وجب الغرم على السارق إن أيسر من حين أخذ السرقة، واستمر يسره إلى أن قطع فلو كان معسرا من حين الأخذ فلا غرم ولو أيسر بعد ذلك، وإن أيسر من حين الأخذ وأعسر بعد ذلك قبل القطع فلا غرم ولو كان موسرا حين القطع، ولو أيسر من حين الأخذ واستمر يسره إلى القطع ثم أعسر بعد القطع فإنه يتبع به في ذمته وفي الميسر، فلو أعسر في أحد الوقتين -يعني وقت الأخذ ووقت القطع أو بينهما- لم يتبع بما تلف، ويلزمه رد ما بقي بعينه بلا تفصيل ولو استمر يسره حتى قطع فلم يغرم حتى أعدم اتبع عند ابن القاسم لا عند أشهب، ولو سرق لقوم واتصل يسره تحاصوا فيما بيده وإن لم يتصل سقط من سرق ماله قبل عسره، وقيل يتبع السارق قطع أم لا، كان موسرا أم لا؛ لأن القطع حق اللَّه والغرم حق للآدمي فلا يسقط أحدهما الآخر كذا في التوضيح. انتهى.

وقال المواق من المدونة: إنما يضمن السارق السرقة إذا سرق وهو موسر فتمادى يسره إلى أن قطع. ابن عرفة: وإن قطع والسرقة قائمة بعينها استحقها ربها، وإن استهلكها فأربعة أقوال، ثالثها

ص: 615

قول المدونة، إن اتصل يسره بها من يوم السرقة إلى يوم القطع. ابن العربي: لمالك في هذه المسألة مقامة عظيمة أوجب القطع في يده عقوبة وأوجب الغرم في ماله عقوبة أخرى، فإذا كان معسرا لم يغرم؛ إذ لو أوجبنا الغرم في ذمته لكنا قد جمعنا بين عقوبتين في محل واحد وذلك لا يجوز، وقال ابن رشد: إذا وجدت السرقة بعينها ردت لصاحبها بإجماع، وأما إن تلفت فذهب مالك إلى أنه إن كان متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم أقيم عليه الحد ضمن قيمة السرقة، وإن كان عديما أو أعدم في بعض المدة فلا غرم إذ لا يجتمع عليه عقوبتان، اتباع ذمته وقطع يده بخلاف ما إذا غصب حرة وهو معدم فإنه يحد ويتبع بالمهر قاله مالك. انتهى.

‌تنبيهان:

الأول: إنما لم يتبع السارق في مفهوم المنصف لخبر: (إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه)

(1)

أي لا يلزم ذمته عند عسره ليلا تجتمع عليه عقوبتان: قطع يده واتباع ذمته.

الثاني: قال في الميسر: لو باع ما سرقه فاستهلكه المشتري، فإن أجاز ربه المبيع لم يتبع السارق بالثمن إلا أن يتصل يسره، وإن لم يجزه وأخذ القيمة من المشتري رجع على السارق، فإن أعدم المشتري رجع على السارق لأنه غريمه، فإن كانت أقل من الثمن أخذها من السارق وفضلة الثمن للمشتري، وإن كانت القيمة أكثر أخذ الثمن من السارق لأنه الذي عليه لغريمه واتبع المشتري بفاضل القيمة. ذكره في التوضيح. انتهى.

وسقط الحد إن سقط العضو بسماوي يعني أنه إذا سقط عضو السارق المستحق للقطع بأمر سماوي بعد أن سرق، فإنه يسقط عنه الحد أي حد السرقة لسقوط العضو المستحق للقطع، وكذا لو سقط بقطع في قصاص، وكذا بتعمد جناية أجنبي عليه بعد ثبوت السرقة، فإن سقط العضو بما ذكر قبل السرقة انتقل القطع للعضو الذي يليه كما مر، وصرح غير واحد أنه إن سقط العضو بما ذكر جرف فيه قوله:"أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ". واللَّه تعالى أعلم.

لا بتوبة يعني أن حد السرقة لا يسقط بتوبة ولو حسنت حاله بأن صار عدلا، ولهذا قال: وعدالة. قال ابن شأس: لا تسقط الحدود بالتوبة ولا بصلاح الحال ولا بطول الزمان، ونحوه في

(1)

التمهيد 20، ص 271، موسوعة الموطأ، سنن البيهقي، ج 8 ص 277.

ص: 616

المدونة. قاله المواق. وقوله: "لا بتوبة وعدالة" حيث لم يطل زمنهما، بل وإن طال زمانهما أي التوبة والعدالة، قال عبد الباقي: لا يسقط القطع بتوبة بشروطها وعدالة وإن طال زمانهما، ولو حذف قوله:"بتوبة" ما ضر إذ يعلم من عدم سقوطه بالعدالة عدم سقوطه بالتوبة، ولا بأس بالشفاعة للسارق إذا لم يعلم منه أذى ما لم يبلغ الإمام، وأما المعروف بالفساد فلا ينبغي أن يشفع له. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجمع بين التوبة والعدالة لأنه يعتبر في التوبة ما لا يعتبر في العدالة ويعتبر في العدالة ما لا يعتبر في التوبة، فلا يُغْني أحدهما عن الآخر. انتهى.

قوله: "لا بتوبة وعدالة وإن طال زمانهما" خلافا لبعضهم؛ (لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر بصحة توبة ماعز وقد حده)

(1)

وفيها: وإذا لم يقم بالسرقة حتى طال الزمان وحسنت حال السارق ثم اعترف أو قامت عليه بذلك بينة فإنه يقطع وكذلك الخمر والزنى. انتهى. وأما حد الحرابة فتسقطه التوبة كما يأتي، وتجوز الشفاعة للسارق ما لم يبلغ الإمام كما في الموطإ. انتهى.

وتداخلت إن اتحد الموجَب بفتح الجيم يعني أن الحدود تتداخل أي يكتفى بحد واحد منها ويسقط غيره، وهذا إذا اتحد الموجَب بالفتح وإن لم يتحد الموجِب بالكسر، ومعنى اتحد الموجب: اتحد قدره، فالموجب صفة لمحذوف أي القدر الموجب، فإذا قذف حرا مسلما والقاذف حر مسلم وشرب القاذف خمرا فإنه يكتفى فيه بثمانين جلدة لاتحاد القدر، وإن تعدد الموجب بالكسر وأحرى لو اتحد الموجب بالكسر كقذف وقذف وشرب وشرب، فإذا قذف زيدا ثم قذف عمرا فإنه يجتزا لهما بحد واحد، ومعنى اتحاد الموجِب بالكسر اتحاده في النوع.

ومثل المنصف لتعدد الموجِب بالكسر واتحاد الموجب بالفتح بقوله: كقذف وشرب قال الشبراخيتي: وتداخلت حدود وجبت على شخص إن اتحد الموجب بفتح الجيم أي قدر ما يوجبه كل منهما، وضمير تداخلت عائد على الحدود أي دخل بعضها في بعض ويكتفى بواحد منها، فمعنى تداخلت حكم بتداخلها أي باجتزاء بعضها إن اتحد قدرها، وقال عبد الباقي: وتداخلت حدود وجبت على شخص إن اتحد الموجَب بالفتح أي اتفق قدر ما يوجبه كل منهما

(1)

صحيح مسلم، كتاب الحدود، رقم الحديث، 1695.

ص: 617

لقذف وشرب؛ إذ موجب كل منهما ثمانون، فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه الآخر ولو لم يقصد عند إقامة الحد إلا واحد فقط، ثم ثبت أنه شرب أو قذف فإنه يكتفى بما ضرب له عما ثبت، وكذا لو سرق وقطع يمين آخر. انتهى. ونقله الحطاب عن أصبغ. وقال أصبغ: هو الصواب والسنة المجمع عليها. انتهى. ومن المدونة: إن قطعت يد السارق كان ذلك لكل سرقة تقدمت أو قصاص وجب في تلك اليد ومن المدونة: من قذف وشرب خمرا جُلِدَ حَدًّا وَاحِدًا. انتهى. نقله المواق.

وإلا يتحد الموجَب بالفتح بأن اختلف قدر ذلك، كزنى مع قذف أو شرب. تكررت الحدود فيجلد مائة وثمانين، قال المواق من المدونة: إذا اجتمع على الرجل مع حد الزنى حد قذف أو شرب خمر يجمع الإمام ذلك عليه إلا أن يخاف عليه فيفرق الحدين، قال: وكل حد أو قصاص اجتمع مع القتل فالقتل يأتي على ذلك كله إلا حد القذف، فإنه يقام عليه قبل القتل. انتهى. وقال عبد الباقي: وكل حد ما عدا القذف يدخل في القتل كردة أو قصاص، وأما حد القذف فلا بد منه ثم يقتل كما مر. وشمل اتحاد الموجب ما لو قذف وشرب وهو رقيق ثم فعلهما بعد الحرية فيكتفى بثمانين، وأما لو شرب رقيقا ثم قذف وهو حر أو عكسه فلا تداخل. انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: قضية كلام عبد الباقي أنه إذا اتحد الموجِب بالكسر واختلف الموجَب بالفتح أنه يكتفى بالأكثرت بخلاف ما لو اختلف الموجب بالكسر والموجَب بالفتح كقذفه رقيقا وشربه حرا مسلما فإنه يجلد ثمانين وأربعين. واللَّه تعالى أعلم. وهذا يأتي على نسخة: أو تكررت "بأوَ" بدلَ "إلا" أي الموجِبات بالكسر، لكن في قوله: وشمل اتحاد الموجب تسامح لأن هذا يقتضي أنه الموجب بكسر الجيم، وقد ضبط الموجب في المنصف بالفتح. واللَّه تعالى أعلم.

وقد مر أن كل حد للَّه أو قصاص اجتمع مع القتل يأتي القتل على ذلك كله إلا حد القذف، وهذا وارد علي المؤلف لأنها تداخلت مع اختلاف الموجب والمخلص من ذلك أن يقال كلامه في الحدود غير المجتمعة مع القتل. قاله مصطفى. قاله البناني. وقوله: وتداخلت أي قبل أن يقام عليه الحد، وأما لو أقيم عليه الحد ثم قذف بعد ذلك مثلا فإنه يحد له اتفق الموجب بالكسر أو اختلف. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 618

ولما أنهى الكلام على السرقة أعقبه بالكلام على الحرابة ووصلها بها لاشتراكهما في بعض حدودها في مطلق القطع وأخرها عنها لأجل قوله: "واتبع كالسارق" فيكون المشبه [به]

(1)

معلوما، فقال:

‌باب ذكر فيه الحرابة وما يتعلق بها

وهي بكسر الحاء والمحارب في اللغة ضد المسالم، والحرابة في الشرع عرفها ابن عرفة بقوله: الحرابة الخروج لإخافة سبيل بأخذ مال محترم بمكابرة قتال أو خوفه أو إذهاب عقل أو قتل خفية أو لمجرد قطع الطريق، لا لإمرة ولا لنائرة ولا عداوة. فيدخل قولها: والخناقون والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون. انتهى. قوله: الخروج لإخافة أي أن الخروج لأجل الإخافة حرابة، سواء وجدت أم لا وهو كذلك كما في المدونة؛ لأن الخروج لأجل الشيء لا يقتضي تحقق ذلك الشيء، وذكر اللخمي أن من أخذ بأثر خروجه قبل الإخافة وأخذ المال لا تجري عليه أحكام الحرابة. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: قوله الخروج مصدر مناسب للمحدود لأنه مصدر، وقوله: لإخافة سبيل أخرج به الخروج لغير إخافة السبيل أي الطريق، وقوله: لأخذ مال أخرج به الإخافة لا لأخذ مال بل خرج لإخافة عدو كافر. وقوله: بمكابرة قتال متعلق بأخذ مال. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وقوله بمكابرة قتال إضافَتُه بيانية، وهو بيان لأنواع ما به الحرابة. انتهى. أو إذهاب عقل، قال البناني: يتعين جره عطفا على مكابرة؛ لأنه لو رفع عطفا على الخروج لزم أن إذهاب العقل بمجرده حرابة وإن لم يكن لأخذ مال وليس كذلك. انتهى. ويرد على التعريف أنه لا يشمل من قاتل لأخذ المال من غير قطع لطريق أو دخل دارا أو زقاقا وقاتل ليأخذ المال ومسقي السيكران ومخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه. فالتعريف غير جامع. وقوله: لا لإمرة كالذين يخرجون لأخذ العشر، وقوله: ولا لنائرة كأن يكون بين أهل بلدين قتال فيمنع أهل إحداهما أهل الأخرى من المرور عليهم، وقوله: ولا عداوة كأن يكون الشخص عدوا لشخص أو ابن عدوه.

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 108.

ص: 619

قاله الشبراخيتي. انتهى. وقال الخرشي: وقوله أو قتل [خفية]

(1)

ليدخل فيه قتل الغيلة، وقوله: أو بمجرد قطع الطريق ليدخل فيه من قال لا أدع هؤلاء يمشون إلى الشام ممن خرج لمجرد قطع الطريق. انتهى. وقال التتائي: واختلف في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} . الآية. هل نزلت في المشركين الحربيين، أو في قوم من أهل الذمة نقضوا عهدا بينهم وبين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو في العُرَنيين المرتدين، أو في قطع الطريق من المسلمين؟ أقوال، والأخير منها لمالك وغيره من فقهاء الأمصار وهو الصحيح، واستحسن لاتفاق الكل على أن حكم المرتد والكافر القتل لا القطع والنفي، وعلى أن الناقض للعهد ليس حكمه القطع.

وعرف المنصف المحارب فيؤخذ منه تعريف الحرابة، بقوله: المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك يعني أن المحارب هو من قطمالطريق على الناس ومنعهم من السلوك فيها، وإن لم يقصد غير ذلك أو آخذ مال مسلم أو غيره بمد الهمزة، اسم فاعل من أخذ عطف على قاطع؛ يعني أن المحارب أصناف: منهم من قطع الطريق لمجرد منع سلوكها، ومنهم من يأخذ المال المحترم وهو مال المسلم أو الذمي، فالمراد بقوله:"أو غيره" الذمي والمعاهد، وأما قطع الطريق على الحربي وأخذ ماله فليس بحرابة، على وجه يتعذر معه الغوث هو قيد في المسألتين؛ يعني أن المحارب هو الذي قطع الطريق لمجرد منع سلوكها على وجه يتعذر معه الغوث أي الإغاثة، وكذلك من أخذ المال على وجه تتعذر معه الإغاثة ككونه بفلاة المار بها قليل ويشهر السلاح. وقوله:"يتعذر معه الغوث" أي شأنه أن يتعذر معه الغوث حصل غوث بالفعل أم لا.

‌تنبيه:

قال البناني: المراد بقطع الطريق إخافتها لأنه إن أريد به منعها لم يلتئم مع قوله: "لمنع سلوك" انتهى.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: لا يلزم هذا لأن المعنى قطع الطريق لقصده مجرد المنع. واللَّه تعالى أعلم.

(1)

في الأصل غيلة والمثبت من الخرشي ج 8 ص 104.

ص: 620

قال عبد الباقي عند قوله: "لمنع سلوك" ما نصه: علة للقطع لأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بعليته أي بعلية ذلك الوصف لذلك الحكم. انتهى. قوله: الوصف يعني به منع، وقوله الحكم يعنني به قاطع، ونحو ما لعبد الباقي للخرشي، قال البناني: هو غفلة ظاهرة لأن التعليل في المنصف صريح بالأداة وهي اللام. انتهى. وحينئذ فيفيد أنه لم يقصد غير قطع الانتفاع بها، فيخرج قطعها لطلب إمرة أو لنائرة أو عداوة بينه وبين جماعة فليس بمحارب، وقد مر عن اللخمي أنه إن أخذ بفور خروجه يعاقب لأنه لم يحصل منه إلا النية فلا يجري عليه شيء من أحكام المحارب. قاله في التوضيح. وكلام اللخمي ظاهر في المعنى إلا أن النص بخلافه، قال في المدونة على اختصار ابن يونس: وكذلك إن لم يُخِفْ وأخذ مكانه قبل أن يتفاقم أمره أو خرج بعصا وأخذ مكانه فهو مخير فيه، وله أن يأخذ في هذا بأيسر الحكم. أبو الحسن: وظاهرها أنه مخير فيمن أخذ بالحضرة وإن لم يحصل منه الإخافة، وقال بعض القرويين: لا يجوز قتله إذا خرج ولم تحصل منه إخافة، وكذلك قال اللخمي. انتهى.

وقال عبد الباقي: أو آخذ بالمد اسم فاعل عطف على قاطع مال امرئ مسلم أو غيره من مال محترم، كذمي ومعاهد وإن دون نصاب سرقة والبضع أحرى من المال كما للقرطبي لا مال حربي، وضبط آخذ بالمد يفيد أنه محارب وإن لم يحصل منه قطع طريق، وقيد المسألتين بقوله: على وجه يتعذر معه الغوث أي شأنه تعذر الغوث معه، فإن كان شأنه عدم تعذر الغوث معه فغير محارب بل غاصب ولو سلطانا؛ لأن العلماء -وهم أهل الحل والعقد- ينكرون عليه ذلك ويأخذون عليه، وعرف المنصف المحارب فيعلم منه تعريف الحرابة، وعكس في الردة فعرفها ويعلم منها تعريف المرتد وهو أولى؛ لأن معرفة المشتق متوقفة على معرفة المشتق منه. انتهى كلام عبد الباقي.

قوله: وهم أهل الحل والعقد صحيح، ففي التوضيح: فإن العلماء أهل الحل والعقد يأخذون عليه. انتهى. بغير عطف أهل بواو. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: والبضع أحرى من المال الخ، فمن خرج لإخافة السبيل قصدا للفروج فهي أقبح من الأموال. ابن العربي: رفع إلي في ولايتي القضاء قوم خرجوا محاربين إلى رفقة فَأخذُوا منها امرأة فاحتملوها فأُخذوا، فسألت من كان ابتلاني اللَّه بهم

ص: 621

من المفتين فقالوا: ليسوا بمحاربين لأن الحرابة في الأموال دون الفروج، فقلت لهم: ألم تعلموا أنها في الفروج أقبح منها في الأموال؟ وأن الحر يرضى بسلب ماله دون الزنى بزوجته أو ابنته، ولو كانت عقوبة فوق ما ذكره اللَّه تعالى لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم بلاء صحبة الجهلاء خصوصا في الفتيا والقضاء. انتهى. نقله الشيخ أحمد بابا. نقله البناني.

وقال الشبراخيتي: المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك وإن لم يقصد أخذ المال أي لأجل قطع الانتفاع بها، سواء كان الممنوع خاصا كفلان أو مصري مثلا أو عامات كقوله: لا أدع أحدا يمر إلى الشام أو مكة مثلا وهذا إذا كان الذي منع سلوكه غير حربي أو آخذ بمد الهمزة، وكسر الخاء على أنه اسم فاعل وهو معطوف على قاطع. انتهى.

وعرف ابن الحاجب الحرابة بقوله: الحرابة كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستغاثة عادة من رجل أو امرأة أو حر أو عبد أو مسلم أو ذمي أو مستأمن، وقول المنصف:"على وجه يتعذر معه الغوث"، قال الحطاب: أحسن من قول ابن الحاجب: تتعذر معه الاستغاثة؛ لأن المسلوب يستغيث وجد مغيثا أو لا، فهو لا تتعذر عليه الاستغاثة. انتهى. يعني أنه إذا لم يجد مغيثا يقدر أن يذهب أو يرسل إلى مغيث وذلك من طلب الاستغاثة. واللَّه تعالى أعلم. ويشترط في المحارب التكليف، قال الحطاب: قال ابن عرفة: والصبي إن حارب ولم يحتلم ولا أنبت عوقب ولم يقم عليه حد الحرابة. قال: والمجنون يعاقب لينزجر إلا أن يكون الذي به الأمر الخفيف فيقام عليه الحد. انتهى. وفي المدونة: وأما الصبيان فلا يكونون محاربين حتى يحتلموا، قال أبو الحسن: أي حتى يبلغوا، ثم قال عقب كلامه السابق: وإن قطعوا الطريق إلى مدينتهم التي خرجوا منها فهم محاربون، قال أبو الحسن: هذا راجع إلى أهل الذمة لا إلى الصبيان. انتهى.

وإن انفرد بمدينة مبالغة في أنه محارب؛ يعني أنه لا يشترط في المحارب التعدد بل يكون محاربا وهو واحد ليس معه في حرابته أحد ولا يشترط أيضا أن يكون في قفر، بل يكون محاربا وإن كان منفردا بالحرابة وهو ساكن في قرية يأخذ المال من أهل القرية على وجه الحرابة، سواء قصد جميع أهل القرية أو قصد بعضهم. هذا قول ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: لا يكون

ص: 622

محاربا في القرية إلا أن يريد بذلك القرية كلها، فأما المختفي في القرية لا يؤذي إلا الواحد والمستضعف فلا. انظر التوضيح. ووجه الشارح قول ابن الماجشون: بأن الغوث لا يتعذر معه حينئذ. وفي الموازية: قد يكون الواحد محاربا. انتهى.

فتحصل من هذا أنه يكون محاربا وهو منفرد، سواء كان في قفر أو كان في مدينة فيها أهلها، وسواء أراد أهل القرية كلهم أو أراد بعضهم، وَرَدَّ بالمبالغة قول ابن الماجشون القائل: إذا كان في قرية فلا يكون محاربا إلا إذا قصد جميع أهلها، فأما المختفي في القرية لا يؤذي إلا الواحد والمستضعف فلا يكون محاربا. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وإن انفرد بمدينة أي كان واحدا ليس معه أحد وهو في مدينة فيها أهلها، سواء قصد جميع أهل القرية أم لا، وقيل: لا بد أن يقصد الجميع وإلا لم يكن محاربا، ورد به على ابن الماجشون. انتهى. وقال البناني عند قوله:"وإن انفرد بمدينة" ما نصه: استظهر ابن عاشر أن كلام المنصف فيه مبالغتان؛ أي وإن انفرد وإن كان بمدينة. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "بمدينة" حال، والباء ظرفية أي وإن انفرد بالحرابة حال كونه كائنا في مدينة فيها أهلها وهو يحاربهم أو بعضهم.

كمسقي السيكران لذلك أي لأخذ المال؛ يعني أن من سقى شخصا سيكرانا وهو نبت دائم الخضرة يوكل حبه يُذهِب العقل ليأخذ ماله، فإنه يكون محاربا، وأشد منه -يعني من السيكران في تغييب العقل- البنج بالكسر وهو نبت يشبه البقل، وأشد منه نبت يسمى الداثورة والسيكران بضم الكاف وفتحها كضيمران وفي الصباح والضيمران الريحان الفارسي، والضومران بالواو لغة والميم تضم وتفتح فيهما. قاله الرهوني.

قال مقيده عفا اللَّه عنه: المقصود بالسيكران هنا ما يسكر أيا كان، لقول ابن مرزوق: السيكران ما يسكر من نبات أو غيره بشرب أو أكل، وقوله:"كمسقي السيكران" تشبيه في قوله: "قاطع الطريق" الخ؛ أي أن المحارب هو قاطع الطريق، الخ وكذلك مسقي السيكران لأخذ المال فإنه محارب، وظاهر المنصف أن مسقي السيكران لأخذ المال محارب وإن لم يكن ما سقاه يموت به، وظاهر الموازية أنه لا يكون محاربا إلا إذا سقى ما يُقتل به. وفي المواق بدل الموازية: المدونة: ولعله تحريف. انتهى. انظر شرح عبد الباقي.

ص: 623

وقال عبد الباقي أيضا: ودخل بالكاف بعض ظلمة بمصر يمنع أرزاق المسلمين ولا يبالون بحكم الباشا عليهم بالرفع، وشمل التعريف النساء والصبيان لكن لا يتعلق بالصبي المحارب أحكامه ولو قتل؛ لأن عمده كالخطإ كما تقدم في الديات ولا بالمرأة صلب، وكذا النفي على أحد قولين. انتهى. قوله: ودخل بالكاف الخ، قال البناني: فيه نظر، بل هذا غاصب لوجود المغيث وإن كان عاجزا. انتهى. وفي المدونة: ساقي السيكران محارب. قاله المواق.

ومخادع الصبي وغيره ليأخذ ما معه عطف على مسقي فهو بالجر داخل في حيز التشبيه يعني من خدع صبيا أو غيره من البالغين؛ بأن تحيل على كل حتى يصل به إلى مَوْضِعِ ليأخذ ماله فيه على وجه يتعذر معه الغوث فإنه يكون محاربا، قال الشبراخيتي: ومخادِعُ الصبي أو غيره من البالغين بأن تحيل على كل حتى يصل به لموضع يتعذر معه؛ الغوث ليأخذ ما معه ولا يعارض ما في السرقة من قوله: "ولا فيما على صبي أو معه"؛ لأن ما تقدم في غير المميز أو فيه وأخذ ما معه على وجه السرقة بأن أخذه على وجه لا يتعذر معه الغوث، وما هنا في المميز. ويتعذر معه الغوث، ولا قوله: أو حمل عبدا لم يميز أو خدعه لأن ذلك خدعه ليأخذ ذاته وهنا خدعه ليأخذ ما معه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.

وقال عبد الباقي: ومخادع الصبي المميز إذ هو الذي يخدع أو غيره أي الصبي، ككبير فقتله كما في الجواهر والمستخرجة ليأخذ ما معه على وجه يتعذر معه الغوث ويسمى قتل غيلة، وبقولي: المميز علم عدم معارضة ما هنا لقوله في السرقة "ولا فيما على صبي أو معه" لأنه في غير المميز أو فيه وأخذ ما معه سرقة، أو ما هنا في المميز وأخذ منه على وجه يتعذر معه الغوث، ومرَّ ذلك أيضا. انتهى. قوله: فقتله كما في الجواهر والمستخرجة تبع في هذا النقل التتائي، وليس في الجواهر اشتراط القتل، وعبارة الجواهر: وقتل الغيلة من الحرابة وهو أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه فهو كالحرابة. انتهى.

قال مصطفى: فتفسيره للغيلة يدل على أن القتل ليس بشرط فيها، وإنما ذكر أن قتل الغيلة من الحرابة لا أن القتل هو نفس الغيلة، فكلام الجواهر ككلام المؤلف. قاله التتائي. وقال في الميسر: وما للمصنف فسَّرَ به في التوضيح الغيلة ولم يذكر قتله، وفسرها في الدماء بالقتل على المال وفسرها

ص: 624

غيره بالقتل خفية لأخذ المال، وفي المستخرجة: والمغتال الذي يعرض للصبي أو الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله ويأخذ متاعه وماله. انتهى.

والداخل في ليل أو نهار في زُقاق قوله: "والداخل" بالجَرّ عطف على مُسْق فهو بالجر داخل في حيز التشبيه؛ يعني أن الداخل في الزقاق أي السكة في ليل أو نهار، أو الداخل في دار حال كونه قاتل لأجل أن يأخذ المال وأخذه على وجه يتعذر معه الغوث، فإنه يكون محاربا. قال عبد الباقي: واحترز بقوله [ليأخذ]

(1)

عما لو أخذه ثم علم به فقاتل لينجو به ثم نجا فلا يكون محاربا بل سارقا إن اطلع عليه بعد الخروج من الحرز لا قبله. انتهى. قوله: واحترز بقوله ليأخذ المال عما لو أخذه لخ؛ لا شك أن هذا مراد المنصف، ومعتمَدُه فيه كما يفيده التوضيح كلامُ اللخمي، ونصه: ولو أخذ السارق المال فلما نوزع فيه قاتل حتى يخرج به، فنص اللخمي وغيره على أنه سارق لأن قتاله ليدفع عن نفسه، ونص اللخمي: والذين ينزلون اليوم على الناس فيأخذون المال وينجون سراق، وإن علم به بعد أن أخذ المتاع وخرج به فقاتل حتى نجا سارق أيضا لأن قتاله حينئذ ليدفع عن نفسه، وإن علم به قبل أن يأخذ المتاع فقاتل حتى أخذه كان محاربا، وعند عبد الملك: ليس بمحارب. ونقله ابن عرفة بزيادة، فإنه قال: ومن علم به بعد أن أخذ المتاع وخرج فقاتل حتى نجا به سارق؛ لأن قتاله حينئذ ليدفع عن نفسه، وإن علم به قبل أخذ المتاع فقاتل حتى أخذه فهو محارب عند مالك وعند عبد الملك ليس بمحارب. انتهى.

فزاد عند مالك ولم أجد ذلك في التبصرة في النسخة التي بيدي منها، وحكايته قول عبد الملك في الأخير تفيد أن ما قبله لا خلاف فيه، لكن أبو الوليد الباجي في منتقاه لم يذكر هذا الذي اعتمده المنصف هنا تبعا للخمي، بل اقتصر على خلافه ونصه: مَسْأَلَةٌ: وإذا سرق السارق المتاع ليلا فطلب رب المال المتاع منه فكابره عليه بالسلاح أو بالسكين أو بالعصا حتى خرج به أو لم يخرج حتى كثر عليه الناس، ففي كتاب ابن سحنون: هو محارب، وذلك يقتضي أنه لا يراعى في الحرابة إخراج المتاع من الحرز. انتهى. ونحوه للشيخ ابن أبي زيد، ونقله عنه ابن عرفة،

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 109.

ص: 625

ونصه: الشيخ عن سحنون في السارق ليلا يأخذ المتاع فيطلب رب الدار نزعه منه فيكابره بسيف أو عصا حتى خرج به أو لم يخرج وكثر عليه الناس ولم يسلمه: محارب. انتهى.

ونقل نحوه ابن مرزوق عن النوادر، ونصه: ومن كتاب سحنون، قال سحنون في السارق ليلا يأخذ المتاع فيطلب رب الدار نزع المتاع منه فيكابره عليه بسيف أو عصى أو سكين حتى يخرج به، أو لم يخرج وكثر عليه الناس ولم يسلمه، قال: هذا محارب. انتهى. وفي نوازل الدماء والحدود من المعيار أثناء جواب الفقيه أبي عبد اللَّه سيدي محمد بن دافال ما نصه: وإن كان يدخل إلى المنزل بالعصا أو الحديد بحيث لو فطن به صاحب المنزل قاتله، فحكمه حكم المحارب. انتهى. وفي نوازل الجنايات من الدرر المكنونة من جواب لبعضهم ما نصه: الحمد للَّه، سراق اليوم إنما هم محاربون لأنهم إنما يخرجون بالسلاح ومن عارضهم قاتلوه، فلا بأس أن يضرب أحدهم مائة سوط، وقد قال مالك: يضرب المحارب في أول ما أخذ إذا لم يَقْتُلْ ولم يأخذ مالا ولم تطل إقامته ولا اشتهر أمره. انتهى. قاله الرهوني.

‌مسألة:

قال أصبغ في السارق يسرق بعض متاع الرجل فيخرج في أثره حتى إذا أرهقه تحول إليه السارق فدافعه عن نفسه وامتنع منه وقاتله ابتغاء النجاة منه بسيف أو سكين أو عصا أو غير ذلك فقتله الرجل في امتناعه ذلك لم يجد إلى أخذه سبيلا: فإن دمه هدر ولا شيء على قاتله من قود ولا دية وذلك إذا كان معه المتاع الذي سرق، وإن لم يكن معه متاع وإنما أراد النجاة بنفسه فعليه الدية إذا كان قتله إياه بموضعه الذي فيه سرق وما أشبهه، فأما لو كان تباعد منه ولحق بالصحراء ولا متاع معه فاتبعه حتى أدركه فواقفه السارق أو لم يواقفه فقتله فعليه القود، ولو كان معه متاعه كان دمه هدرا. قال: ولو أسره وظفر به ثم بدا له فقتله فعليه القود: كان معه متاعه أو لم يكن، قال: ولو كان حين وَلَّى السارق هاربا قد رماه ليرهقه برمية فيدركه فأصابته الرمية نفسها فقتله فدمه هدر، وإن كان لم يواقفه سواء كان المتاع معه أو لم يكن فعليه الدية إن كان بمَوْضِعِهِ أو بالقرب، وإن كان قد بعد ولحق بالصحراء وما أشبهه ففيه القود. انتهى من التبصرة. فيقاتل بعد المناشدة يعني أن المحارب يقاتل جوازا بعد المناشدة ندبا أي بعد أن يناشده اللَّه ثلاث مرات، يقول له في كل مرة، ناشدتك اللَّه إلا ما خليت سبيلي. انتهى. قال البناني:

ص: 626

ويجوز قتالهم باتفاق. انتهى. وأم الناشدة فمستحبة صرح بذلك ابن رشد وعزاه لمالك كما في الحطاب، قال في التوضيح: وفي المدونة: جهاد المحاربين جهاد، وفي العتبية: من أعظم الجهاد وأفضله أجرا، ولمالك رحمه الله في أعراب قطعوا الطريق: جهادهم أحب إلي من جهاد الروم. مالك: إن طلبوا مثل الطعام والثوب وما خف فليعطوه ولا يقاتلوا، وقال سحنون: لا يعطون شيئا وإن قال ابن عبد السلام: وينبغي قصر الخلاف على ما إذا طلبوه من الرفاق المارة بهم؛ ولو طلبوه من الوالي لم يجز أن يجيبهم إليه لأن فيه وهنا على المسلمين. انتهى. والمعتمد قول ملك في المدونة فيقيد جواز القتال في كلام المنصف بطلب المال الكثير، أما حد الحرابة فيثبت بالقليل والكثير. قال في المدونة: فيما أخذ من المال من قليل أو كثير سواء، وإن كان أقل من ربع دينار. انتهى. بل يثبت حكمها بمجرد الإخافة وإن لم يأخذ شيئا بل بمجرد الخروج لذلك، وإن لم تحصل إخافة كما تقدم. انظر مصطفى. وهذا الجواز لا ينافي ما يأتي من وجوب قتال من تعرض له المحارب لخ عن عبد الباقي؛ لأن الجواز يعم الإذن. وقال في الميسر: فيقاتل جوازا بعد المناشدة يناشده باللَّه ثلاثا ويدعى إلى التقوى، قال ابن جزي: يجب أن يوعظوا أوَّلًا ويقسم عليهم باللَّه ثلاثا، فإن رجعوا وإلا قوتلوا. انتهى.

وفي الكافي: وعلى من خرج عليه لص في طريق أو غيره أن يناشده اللَّه. انتهى. وفي البيان عن مالك أن ذلك مستحب. انتهى. وقال الشبراخيتي: فيقاتل جوازا ويفهم منه أنه يقتل لأن القتال يستلزم القتل غالبا، فاستغنى المنصف عن ذكره فكلامه شامل للعقوبات كلها لا الثلاثة كما قيل وفيه نظر؛ لأن الحدود الأربعة بعد القدرة وهذا غير مقدور عليه، فإن قتل حصل الحد وإن أخذ حيا خير الإمام في واحد من الحدود الأربعة؛ وهي القتل مجردا، والقتل مع الصلب، والنفي مع الضرب، والقطع من خلاف بعد الناشدة ثلاثا استحبابا، بأن يقال له: ناشدتك اللَّه إلا ما خليت سبيلي. انتهى.

وقال التتائي: فيقاتل أتي جوازا، قال في التوضيح: نقل ابن المواز على جوازه اتفاق ملك وأصحابه، وفي الموازية: هو من أعظم الجهاد وأفضله أجرا بعد المناشدة على المشهور من المذهب، بأن يقال له: ناشدتك اللَّه إلاما خليت سبيلي. انتهى. وفي التوضيح: المشهور أنهم يدعون.

ص: 627

مالك في الموازية: يناشده اللَّه ثلاثا، وقال عبد الملك وسحنون: لا يدعوه وَلْيُبَادِرْ لقتله، ونحوه لابن عرفة. وفي دعوى اللص إلى التقوي قبل قتاله إن أمكن قولان لجهادها مع الشيخ عن رواية كتاب ابن سحنون وابن الماجشون معه. انتهى. ولم ينسبه في المنتقى إلا لعبد الملك، ونصه: قال مالك: ويناشده اللَّه ثلاثا فإن عاجله قاتله، وقال عبد الملك: لا يدعوه وليبادر إلى قتله، ووجه قول مالك أنه يوعظ ويذكر فعسى أن يتوب وينصرف عما هو عليه، فيكون ذلك أولى من معاجلته بالمقاتلة التي ربما أدت إلى قتل أحدهما وربما غلب المحارب فاستأصل النفس ولمال، ووجه قول عبد الملك أنه قد استحق حكم الحرابة بخروجه، فالصواب إذا وثق بالظهور عليه أن يعاجل مدافعته والقتل له. انتهى. واللَّه أعلم. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: لا يتبع المحارب إذا لم يكن قتل، وقال سحنون: يتبع، قيل له: فلو أن لصا عرض لي فضربته بشيء وأسقطته أترى أن أجهز عليه؟ قال: نعم، فأعلمته بقول ابن القاسم: إنه لا يجهز عليه فلم يره شيئا. انتهى.

إن أمكن شرط في المناشدة يعني أنه إنما يناشد المحارب إن أمكن أن نناشده، واحترز بذلك عما إذا عاجل بالقتال فإنه لا يناشد، قال الشبراخيتي: إن أمكن مناشدته، وذكَّر الفعل لأنها بمعنى الدعاء، واحترز به عما إذا عاجل بالقتال فإنه لا يناشد. وقوله:"إن أمكن" راجع لهما. انتهى. وقال عبد الباقي: إن أمكن لا إن عاجل بالقتال فيعاجل بالقتال بالسيف ونحوه مما يسرع به إلى الهلاك: فعلم من قوله: فيقاتل أنه يقتل لأنه لا فائدة لقتاله إلا قتله وهو أحد حدوده الأربعة، وهو فرض على من تعرض له المحارب وخاف على نفسه أو أهله القتل أو الجرح والفاحشة. انتهى. وقال التتائي: إن أمكن ذلك بأن لا يعاجل وإن عاجل بالقتال فلا مناشدة، وإطلاق أخذ المال يشمل القليل وهو قول سحنون، وذكر ابن يونس عن كتاب الجهاد: إن طلبوا مثل العلف من العامة والمسافرين أحب إلي أن يعطوا ولا يقاتلوا. ابن عبد السلام: ينبغي قصر الخلاف على ما إذا لخ.

وتَحَصَّل من كلام المنصف أنه قسم المحارب إلى خمسة أقسام: قاطع الطريق لقصد مجرد منع الانتفاع بها، ثانيها: آخذ المال المحترم من مال مسلم أو ذمي أو معاهد، ثالثها: مسقى السيكران لأخذ المال، رابعها: مخادع الصبي وغيره ليأخذ ما معه، خامسها: الداخل في ليل أو

ص: 628

نهار في زقاق أو دار قاتل ليأخذ المال. وتحقيق الحرابة أن تقول هي كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث والخروج بمجرد منع الانتفاع بالطريق. وحدودها أربعة بينها اللَّه تعالى في كتابه العزيز، بقوله جل وعز:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} ، ولم يبين المنصف القتل اكتفاء عنه بذكر القتال.

وأشار للحد الثاني بقوله: ثم يصلب فيقتل يعني أنه إذا قدر على المحارب فإن الإمام يخير فيه بين أربعة أمور، إما أن يقتله وإما أن يصلبه حيا على خشبة يربط جميعه بها لا من أعلاه فقط وبعد الصلب يقتل مصلوبا قبل نزوله على المعتمد، وقوله:"يصلب" أي حيا غير منكس، وثُمَّ هنا للترتيب الإخباري لا الرتبي قال عبد الباقي: ثم يصلب حيا على خشبة يربط جميعه بها لا من أعلاه فقط، كابطيه وَوَجْهُهُ أو ظَهْرُه لها غيرَ منكوس، فيقتل مصلوبا قبل نزوله على المعتمد، وإذا مات قبل أن يصلب لم يصلب، ولو قتله إنسان قبل صَلْيه صَلَبَه، وإنما ترك صلبه إذا مات قبله لأنه قبل فعل شيء من الحد، وفي قتله قد فعل معه بعضه، وثم في قوله:"ثم يصلب" لترتيب الإخبار، ولو قال: أو يصلب لكان أحسن، وهو عطف على مقدر بعد قوله:"فيقاتل بعد المناشدة" أي ويقتل أو يصلب فيقتل.

‌تَتِمَّةٌ:

قال في غاية الأماني: لو قتل المحاربَ أَحَدُ ورثته، فقيل يرثه وقيل لا يرثه. انتهى. قلت: ينبغي أن يكون الراجح الأول قياسا على ما تقدم في الباغية، من قوله:"وكره للرجل قتل أبيه وورثه". انتهى. وقال الشبراخيتي: ما أفاده من تأخير القتل عن الصلب هو المعتمد، وظاهر كلام ابن فرحون أنه يربط جميعه لا من أعلاه فقط كإبطيه، وظاهره سواء قتله الإمام أو غيره وهو كذلك، ولو حبسه الإمام ليصلبه فمات لم يصلبه، ولو قتله إنسان في السجن فله صلبه. قال التتائي: وسكت عن كونه ينزل بعد ثلاثة أيام أو من ساعته أو يترك إلى أن يفنى أو تأكله الكلاب وعن الصلاة عليه وعدمها، وهل ينزل لها أو يصلى عليه مصلوبا؟ وعلى أنه ينزل هل يعاد للصلب أو لا؟ وفي كل خلاف. انتهى.

ص: 629

قال في الشرح: لكن الراجح من الخلاف في الصلاة وعدمها القول بالصلاة، وتقدم الخلاف في أنه هل يصلى عليه وهو مصلوب من غير إنزال أو ينزل ويصلى عليه؟ وعلى الأول فانظر هل يغسل وهو مصلوب أيضا وهو الظاهر؟ وقال في الحاشية: والراجح من الخلاف أنه ينزل من الخشبة قبل التغير ويغسل ويصلي عليه غير أهل الفضل والصلاح ويدفن في مقابر المسلمين، وقوله:"ثم يصلب" خاص بالرجال، وأما المرأة فلا تصلب لأن في صلبها كشف عورتها. قال اللخمي: أما المرأة فحدها صنفان؛ القطع من خلاف والقتل، ويسقط عنها ثالث وهو الصلب ويختلف في رابع وهو النفي. انتهى. وأما الصبي فلا يفعل معه شيء من هذه الحدود ولو حارب بالسيف والسكين وإنما يعاقب. انتهى المراد منه.

وقوله: "ثم يصلب فيقتل" قد مر أن ما أفاده من تأخير القتل عن الصلب هو المعتمد وهذا الذي ذكره هو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: يقتل ثم يصلب وهذا يدل على أن الصلب ليس حدا قائما بنفسه بل يضاف للقتل، وظاهر القرآن أنه حد مستقل. انتهى. قاله التتائي. وقال الرهوني: قال اللخمي: وظاهر القرآن أن الصلب حد قائم بنفسه كالنفي، والمذهب أنه مضاف إلى القتل، ووقع لمالك في بعض المواضع أنه يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفى مثل ظاهر القرآن. انتهى. ونقله ابن عرفة وسلمه، وفي التوضيح: وهل يصلى عليه؟ أما على مذهب من رأى أنه يقتل ثم يصلب، فيصلى عليه قبل الصلب، واختلف في الصلاة عليه على مذهب من رأى أنه يقتل على الخشبة، فقال ابن الماجشون في الواضحة: لا ينزل من على الخشبة حتى تأكله الكلاب والسباع، ولا يترك أحد من أهله ولا من غيرهم ينزله ليدفنه ولا ليصلي عليه. وقال أصبغ: لا بأس أن يخلى بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه ويدفنونه، ولابن الماجشون في الثمانية: يصف خلف الخشبة ويصلى عليه وهو مصلوب خلاف ظاهر قوله في الواضحة، وقال سحنون: إذا قتل على الخشبة أنزل عنها وصلي عليه، واختلف قوله: هل يعاد إليها ليرتدع أهل الفساد أم لا على قولين. هكذا نقل صاحب المقدمات. ونقل ابن عبد السلام أنه اختلف قوله: إذا مات هل ينزل من ساعته ويدفع إلى أهله للصلاة عليه وإذا صلوا عليه يعيده الإمام إلى الخشبة اليومين والثلاثة ليرتدع أهل الفساد؟ انتهى. قلت: غاير بين النقلين لأن ظاهر نقل

ص: 630

المقدمات أنه إذا أعيد للخشبة لا ينزل عنها، وظاهر نقل ابن عبد السلام أنه ينزل عنها بعد اليومين والثلاثة، ونقل ابن عبد السلام موافق لنقل اللخمي، ونصه: وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا قُتِلَ وَصُلِبَ أُنزِلَ من ساعته فيدفع إلى أهله للصلاة عليه ولدفنه، وقال أيضا: إن للإمام أن يبقيه اليومين والثلاثة، ولكن ينزله فيغسله أهله ويكفن ويصلى عليه، ثم إن رأى إعادته إلى الخشبة فعل. انتهى.

وأشار إلى الحد الثالث بقوله: أو يُنفى الحر كالزنى يعني أن المحارب يخير فيه الإمام إما أن يقتله أو يصلبه فيقتله أو ينفيه أي يخرجه إلى غير بلده، وهذا النفي خاص بالحر البالغ الذكر ويكون كالنفي المتقدم في الزنى كفدك وخيبر من المدينة، قال عبد الباقي: وذكر الحد الثالث بقوله: أو ينفى الحر البالغ العاقل الذكر كالزنى، التشبيه في مسافة البعد كفدك وخيبر من المدينة لا تام لأنه هنا يسجن حتى تظهر توبته أو يموت، وفي الزنى يسجن سنة، قال في تحقيق المباني: اللخمي: ولا يكفي في ظهور توبته مجرد ظاهره لأنه كالمكره لكونه في السجن فهو يظهر التوبة والكسر والخير ليخلص مما هو فيه. انتهى.

وتقدم أن أجرة حمله في النفي عليه وكذا نفقته، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال، فإن لم يكن فعلى المسلمين ويكون النفي بعد الضرب باجتهاد الإمام، ولعل القتل مع الصلب إنما أخذ من القرآن من المعنى، وكذا الضرب مع النفي وإلا فظاهر القرآن خلافه. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ينفى الحر أخرج به العبد فحده ثلاثة، والمتبادر منه كونه صفة لوصوف محذوف تقديره الذكر لا الشخص الشامل للذكر والأنثى، كالزنى تشبيه في أنه إنما ينفى الرجل دون المرأة، وأنه ينفى إلى موضع كفدك وخيبر من المدينة، والتشبية ليس بتام لأنه هنا يسجن في البلد الذي ينفى إليه خشي هروبه أو لا حتى تظهر توبته أو يموت، وفي الزنى يسجن سنة، ولم يذكر مع النفي ضربا ولابد منه كما في المدونة، وذكره بعد ذلك بقوله: ولمن وقعت منه فلتة النفي والضرب وقدره موكول إلى اجتهاد الإمام كما في المدونة. انتهى.

وقال المواق: ابن الحاجب: أما النفي فللحر لا العبد كما ذكر في الزنى إلى أن تظهر توبته. ابن رشد: النفي أن ينفى من بلده إلى بلد آخر أقله ما تقصر فيه الصلاة فيسجن فيه إلى أن تظهر

ص: 631

توبته، بخلاف الزنى فقد تقدم أن سجنه سنة. انتهى. وقال الحطاب: وقال أبو الحسن في شرح قوله: "ولكن يجتهد الإمام في ضربه ونفيه": أما في ضربه فعلى قدر جرمه وكثرة مقامه في فساده، وأما في نفيه فإن كان كثير الفساد نفاه إلى بلد بعيد، وإن كان قليل الفساد فإلى بلد قريب وأقله ما تقصر فيه الصلاة وهو يوم وليلة. انتهى. ونصوص المذهب صريحة في أن المحارب إذا نفي سجن في البلد الذي نفي إليه، سواء كان يخشى هروبه أو لا، وما حكاه الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في تفسيره لما تكلم على آية المائدة [من]

(1)

التفصيل بين ما يخاف هروبه، أو لا يخاف هروبه خلاف المعروف من المذهب. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.

وأشار إلى الحد الرابع بقوله: أو تقطع يمينه ورجله اليسرى ولاء يعني أن الإمام مخير في أربعة أمور يصنعها في شأن المحارب، إما القتل وإما الصلب فالقتل وإما النفي والضرب وإما قطع يمينه أي يده اليمنى وقطع رجله اليسرى ولاء في فور واحد، وقد قال تعالى:{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} ، والقطع من خلاف يحصل بقطع اليد اليمنى مع قطع الرجل اليسرى، وقوله:"ولاء" بكسر الواو، قال عبد الباقي: وتقطع يمينه أي يده اليمنى ورجله اليسرى الصحيحتان ولاء ولو خيف عليه الموت؛ لأن القتل أحد حدوده، فإن كان أشل اليد اليمنى أو مقطوعها في جناية أو قصاص أو [شبهة]

(2)

قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى ليكون القطع من خلاف عند ابن القاسم وكذا إن كان أقطع الرجل اليسرى فتقطع رجله اليمنى ويده اليسرى، فإن لم يكن له إلا يد أو رجل واحدة قطعت، وإن كان له يدان قطعت اليمنى وحدها فإن لم يكن له إلا رجلان قطعت اليسرى وحدها. انظر الشارح. وهذه الحدود الأربعة يخير فيها الإمام باعتبار المصلحة في حق الرجال، وأما المرأة فلا تصلب ولا تنفى وإنما حدها القطع من خلاف أو القتل المجرد، وأما العبد فحده ثلاثة وهي ما عدا النفي كما قال المنصف:"أو ينفى الحر". انتهى. وقال المواق: ابن رشد: القطع، قال ابن القاسم: هو قطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قطع ما بقي. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو تقطع يمينه ورجله اليسرى ليكون القطع من

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من الحطاب ج 6 ص 525 ط دار الرضوان.

(2)

كذا في الأصل والذي في عبد الباقي ج 8 ص 110 أو شبهه.

ص: 632

خلاف، "ولاء" بكسر الواو أي متتابعا في فور واحد ولو خيف عليه الموت؛ لأن القتل أحد حدوده، وحينئذ فلا يؤخر للاندمال أي البرء، قال في الحاشية: الظاهر أن قوله: "ولاء" ليس شرطا وإنما هو مسقط للإثم عن الإمام، وإلا لو فرق القطع سقط الحد. انتهى. وقال التتائي: والصبي إذا حارب لا حد عليه بل يعاقب، وكذا المجنون وإن خف جنه حد، وإن حارب وقت إفاقته ثم جن أخر حتى يُفيق كالسكران. انتهى.

وبالقتل يجب قتله يعني أن تخيير الإمام في أحد الحدود الأربعة إنما هو حيث لم يحصل من المحارب قتل، وأما إن حصل منه قتل فإنه يجب قتله ولو كانت المصلحة في إطلاقه ولا تشترط المكافأة بل يقتل؛ ولو كان قتله المذكور حاصلا بقتله لكافر أو عبد، ومقتضى كلام المنصف أنه إذا لم يقتل لا يجب قتله ولو عظم فساده وطال أمره وأخذ الأموال، قال الشبراخيتي: وليس كذلك بل يجب قتله كما أشار له ابن مرزوق، ونحوه لعبد الباقي، قال البناني: ما ذكره تبع فيه الأجهوري في اعتراضه به على المنصف معتمدا على كلام ابن مرزوق، واعترضه مصطفى بأن ابن مرزوق لم يتعقب المنصف، وإنما أراد أنه كان حق المؤلف أن ينبه عليه بأن يشير إليه بلو، وإلا فما ذكره المنصف هو المعتمد والأقوى إذ ما في الموازية غير مشهور، وجعله اللخمي مخالفا لما في المدونة من تخيير الإمام فيه، ولذا قال عياض في التنبيهات: إن الأكثر تأولوا المدونة على التخيير وحملها الأقل على تحتم قتله، وقد نقله في التوضيح، وكذا أبو الحسن نقل عن ابن رشد وابن يونس حمل المدونة على التخيير واقتصر على ذلك. انتهى. قوله:"وبالقتل يجب قتله" لم يختلف فيه قول مالك، وقوله:"ولو بكافر" أي أو عبد هو المشهور، وقال أبو مصعب: التخيير باق. انتهى. قاله التتائي.

أو بإعانة يعني أن المحارب يجب قتله إن قتل أحدا ولا يشترط في ذلك مباشرته للقتل بل يقتل ولو شارك في القتل بإعانة أي التَّقَوَي به، وقول الخرشي: ولا تشترط مباشرته للقتل فيقتل ولو شارك فيه بضرب أو إمساك، بل ولو لم يُعِن بما ذكر بل بممالأة، بحيث لو استعين به لأعان. انتهى. وقول الشبراخيتي: أو شارك بإعانة بضرب أو إمساك بل ولو لم يُعن بهما بل بممالأة كما في المدونة، ومن الإعانة التقوي به وإن لم يعن على القتل.

ص: 633

قال مقيده عفا اللَّه عنه: الظاهر تفسير الإعانة هنا بالتقوي به كما سترى قريبا، والظاهر أن قوله:"أو بإعانة" عطف على قوله: "والقتل". واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: ولو جاء تائبا مبالغة في قوله: "أو بإعانة" يعني أنه يجب قتل المحارب إذا أعان على قتل أحد ولو كان ذلك المحارب المعين على القتل جاء تائبا قبل القدرة عليه، ورد بلو قول أشهب قال الرهوني: قول المنصف: "وبالقتل يجب قتله" مراده أنه بذلك يسقط تخيير الإمام، فهو كقوله على قول ابن الحاجب: ويتحتم قتله إذا قتل ولو غير كفؤ. انتهى. ما نصه: يعني أن الإمام إنما يخير فيه على ما تقدم إذا لم يكن قتل، وأما إن قتل ولو غير كفؤ كما لو قتل كافرا أو عبدا فيتحتم قتله لتناهي فساده وهذا هو المشهور. وقال أبو مصعب: بل له فيه التخيير أيضا. انتهى منه بلفظه.

وقوله: "ولو جاء تائبا" أي قبل القدرة عليه، وهو مبالغة في قوله:"أو بإعانة"، ومراده الإعانة بالتقوي، فإنَّ وليَّ المقتول إذا أراد القصاص بعد توبتهم قبل القدرة عليهم فله قتل الجميع عند ابن القاسم، خلافا لأشهب. وأشار المنصف بذلك إلى قوله في التوضيح عند قول ابن الحاجب: وأما إن لم يتسبب فقال ابن القاسم: يقتل، وقال أشهب: يضرب مائة ويحبس سنة. انتهى. ما نصه: أي لم يتسبب في قتله ولكن التقوي به حاصل، ووافق أشهب ابن القاسم إذا أخذوا قبل التوبة، قال: وأما إن تابوا قبل أن يقدر عليهم فقد سقط عنهم حكم الحرابة ولا يقتل منهم إلا من ولي القتل أو من أعان عليه أو من أمسك له وهو يعلم أنه يريد قتله ولا يقتل الآخرون، ولكن يضرب كل واحد منهم مائة ويحبس سنة. انتهى. ونحوه لابن عرفة نقلا عن الباجي، ونص الباجي في المنتقى: ففي الموازية عن مالك وابن القاسم وأشهب: إذا ولي أحد المحاربين قتل رجل ولم يعاونه أحد من أصحابه قتلوا أجمعين ولا عفو فيهم لإمام ولا لولي، قال ابن القاسم: ولو تابوا كلهم فإن للولي قتلهم أجمعين وله قتل من شاء، والعفو عمن شاء وعلى دية أو دون دية. وقال أشهب: إن تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم حد الحرابة ولم يقتل منهم إلا من ولي القتل أو أعان عليه أو أمسكه لمن يعلم أنه يريد قتله ولا يقتل الآخرون ويضرب كل واحد منهم مائة ويسجن عاما. انتهى.

ص: 634

قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: تأمل هذا التحرير البديع: والتبيان العجيب الرفيع، الذي حادت عنه أفكار الفحول، من كل من بَرَّزَ في المعقول والمنقول. واللَّه تعالى أعلم. أعني هذا التحرير.

الرهونيَّ: فرع قال عبد الباقي: ثم محل وجوب قتله فيما ذكره المنصف ما لم تكن المصلحة في إبقائه بأن يخشى بقتله فساد أعظم فلا يجوز قتله ارتكابا لأخف الضررين، كما أفتى به الشبيبي وأبو مهدي وتلميذهما ابن ناجي.

وليس للولي العفو هذا راجع لما قبل المبالغة، أعني قوله: ولو جاء تائبا يعني أن المحارب يجب قتله بالقتل أو بالإعانة عليه، ولا يجوز للولي العفو عن المحارب الفاعل لذلك، وأما لو جاء تائبا قبل القدرة عليه فإنه يسقط عنه حد الحرابة فيجوز للولي العفو عنه، فإن جاء تائبا قبل القدرة عليه وقد كان قتل من لا يقتل به كذمي وعبد، فإنه لا يقتل به عند مجيئه تائبا بل عليه دية الذمي وقيمة العبد، وفي التتائي عند قوله:"وليس للولي العفو" ما نصه: لأن قتله ليس قصاصا. اللخمي: يقتل المحارب بالسيف أو الرمح لا بصفة تعذيب ولا برمي من مكان مرتفع ويُصْلَب قائما لا منكوسا وتطلق يداه. انتهى.

وإذا لم يقتل المحارب أحدا وظفر به الإمام خير الإمام فيه بين الأمور الأربعة، لكن ندب له النظر في حاله فيراعي الأصلح فيه، فالنظر للمحارب ذي التدبير أي الرأي ومعرفة المكايد والنظر في عواقب الأمور القتل، وقال المواق: ابن رشد: إن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد فيه قتله أو صلبه لأن القطع لا يدفع ضرره. انتهى. وقال الشبراخيتي: وندب للإمام مراعاة حال المحارب الذي لم يقتل فَيُجْعَل لذي التدبير في الحروب والخلاص من شدائدها حيث يصير مرجعا في ذلك القتل؛ وقال عبد الباقي: وندب للإمام النظر في حال المحارب حيث لم يظهر منه قتل فهو لذي التدبير في الحروب، وفي الخلاص منها القتل لا القطع من خلاف لأنه لا يدفع ضرره والبطش القطع يعني أنه يندب للإمام في حق ذي البطش والشجاعة وليس له تدبير القطع من خلاف لأنه يدفع ضرره بذلك.

ص: 635

ولغيرهما ولمن وقعت منه فلتة النفي يعني أنه يندب للإمام في حق صنفين من المحاربين النفي والضرب باجتهاد الإمام، والصنفان المذكوران أحدهما من لا تدبير له ولا بطش، لكن ظاهر حاله موافقة المحاربين، كما لو كثر خروجه وظهر منه الرضى بحال المحاربين ثانيهما من وقعت منه الحرابة فلتة بأن كان ظاهر حاله عدم موافقة المحاربين على الحرابة ولم تكن من شأنه، قال الشبراخيتي: ولغيرهما مِمَّن كثر خروجه ولم يظهر بطشه ولا رأيه ولمن وقعت منه فلتة مخالفة لظاهر حاله؛ بل موافقة لغيره نادما على ذلك، وفسر عبد الباقي وقوعها فلتة بأن أخذ من فور خروجه ولم يقتل ولا أخذ مالا وعزاه للنكت، والمذهب أنه يضرب ثم ينفى؛ وقيل ينفى ثم يضرب، وما ذكره المنصف من الندب خلاف ما ذكره القرافي في ذخيرته وقواعده، من أنه إذا تعين الأصلح وجب عليه ولا يجوز له العدول عنه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب. انتهى. ويفيده كلام ابن رشد. قاله الشبراخيتي. قال: وأما إن قتل فلا بد من قتله. انتهى المراد منه.

قوله: "النفي" والضرب أي لأن ذلك كاف في ردعه، قال التتائي: والواو لا تقتضي ترتيبا فيضربه وينفيه. انتهى. يعني أن المنصف لا ينافي تقدم الضرب على النفي والتعيين للإمام يعني أن التعيين فيما يندب فعله مما تقدم من قوله: "وندب لذي التدبير" الخ إنما هو للإمام، فالذي عين من ذلك هو الذي يفعل فإذا عين القتل قتل والقطع قطع ونحو ذلك، وفي التتائي ما نصه: وهذا خلاف قول القرافي في ذخيرته وقواعده: إذا تعين له الأصلح وجب عليه ولا يجوز له العدول عنه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب. انتهى. وما قاله هو الذي ذكر عياض أن أبا الحسن الماوردي أي الشافعي حكاه عن مالك، ثم قال: لا يقوله مالك ولا أصحابه. انتهى.

لا ممن قطعت يده ونحوها يعني أن التعيين في ذلك إنما هو للإمام، وليس لمن قطعت يده ونحوها -كمن قطعت رجله أو فقئت عينه أو جرح أي فعل به المحاربون ذلك- كلام فلا تعيين له؛ لأن ما يفعله الإمام بالمحارب ليس عن شيء معين، وإنما هو عن جميع ما فعله في حرابته من إخافة وأخذ مال وجرح، وأما لو قتل المحارب أحدا فإنه لا يجوز للإمام فيه إلا، القتل ليس إلا ولهذا قال عبد الباقي: والتعيين فيما يندب فعله مما تقدم لا فيما يجب مما قدمه. انتهى. وفي نسخة:

ص: 636

ونحوه بالتذكير، وقال الشبراخيتي عند قوله:"لا لمن قطعت يده ونحوه" ما نصه: وهذا في غير الحالة التي يجب فيها القتل كما يدل عليه قوله: "وبالقتل يجب قتله". انتهى.

وعزم كل عن الجميع مطلقا يعني أن المحاربين كالحملاء، فمن أخذ منهم فإنه يغرم جميع ما أخذه هو وأصحابه، سواء كان ما أخذه أصحابه باقيا أم لا، وسواء جاء المحارب تائبا أم لا؛ لأن كل واحد منهم إنما يقوى بأصحابه فكانوا كالحملاء، وكذا اللصوص والغصاب والبغاة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وعزم أي كل واحد بانفراده من المحاربين إذا ظفر به وكانوا أخزوا شيئا من أموال المسلمين عن الجميع بطريق الضمان عنه فيما لزمهم من نهب أموال الناس مطلقا، أي سواء كان ما أخذه أصحابه باقيا أم لا، وسواء جاء المحارب تائبا أم لا، نابه شيء مما نهبوه أم لا، وإنما غرم عن من عداه حيث لزم من عداه الغرم؛ لأنه يغرم بطريق الضمان كما مر؛ لأن كل واحد إنما تقوى بأصحابه، ومثله البغاة واللصوص والغصاب كما في الرسالة. انتهى.

وقال الرهوني: قال ابن رشد في شرح المسألة الثانية من رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الغصب عند قول ابن القاسم: قال مالك: لو أن رجلا أقر بغصب عبد رجل زعم أنه غصبه هو ورجلان سماهما معه وصدقه صاحب العبد الذي غصبوه ثلاثتهم، قال: عليه غرم قيمته كله ولم ينظر إلى من غصبه إلا أن يكونا يقران كما أقر أو تقوم عليهم بينة، فأما إذا لم يقرا ولم تقم عليهم بينة فهو ضامن لجميع العبد، ولو أقر جميعهم أو قامت عليهم بينة فوجد بعضهم معدمين وبعضهم أملياء فإنه يأخذ جميع قيمته من اللي ويطلب هو أصحابه ما نصه: قال القاضي: هذه مسألة صحيحة بينة لا شك فيها ولا موضع للقول؛ لأن القوم إذا اجتمعوا في الغصب أو السرقة أو الحرابة فكل واحد منهم ضامن لجميع ما أخذوه؛ لأن بعضهم قوي ببعض فهم كالقوم يجتمعون على قتل الرجل فيقتل الجميع به وإن ولي القتل أحدهم. وقد قال عمر بن الخطاب: لو تمالآ عليه أهل صنعاء لقلتهم به جميعا. وباللَّه التوفيق. انتهى.

فظاهره أنه لا خلاف فيه، وقد نقله ابن يونس عن الأخوين وأصبغ وسلمه ولم يحك غيره، ونصه: قال مطرف: وإذا أخذ أحد من الغيرين ضمن جميع ما أغاروا عليه لأن بعضهم قوي ببعض كالسراق والمحاربين، ولو أخذوا كلهم أملياء لم يضمن كل واحد إلا ما ينوبه. وقاله ابن

ص: 637

الماجشون وأصبغ. انتهى. واللَّه الموفق. انتهى. وقال المواق: قال ابن شأس: لو ولي واحد من المحاربين أخذ المال ثم ظفرنا بغيره فإنه يلزمه غرم جميع ذلك المال، كان قد أخذ من ذلك حصة أم لم يأخذ، ومن المدونة: إذا ولي أحدهم أخذ المال وكان الباقون له قوةً ثم اقتسموا فتَابَ أحدهم ممن لم يل أخذ المال فإنه يضمن جميع المال ما أخذ في سهمه وما أخذ أصحابه. انتهى.

واتبع كالسارق يعني أن المحارب يتبع بما أخذ كاتباع السارق أي يضمن المحارب ما أخذ من المال، كضمان السارق لما سرق التقدم في قول المنصف:"ووجب رد المال إن لم يقطع مطلقا أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ"، فإذا لم يقم على المحارب الحد بأن جاء تائبا قبل القدرة عليه فإنه يغرم ما فوته من المال موسرا حين الأخذ أو معسرا، استمر ذلك أم لا، وإن أقيم عليه الحد فإنه يغرم ما فوته بشرط أن يكون موسرا من حين الأخذ واستمر يساره إلى أن أقيم عليه الحد بإدخال الغاية، فإن أعسر في أحد الوقتين أو أيسر حين الأخذ وانقطع قبل إقامة الحد عليه لم يتبع بما فوته، وأما إن كان ما أخذه باقيا فإنه يؤخذ مطلقا، موسرا حين الأخذ أو معسرا، استمر ذلك أم لا، أقيم عليه الحد أم لا. قال عبد الباقي: واتبع المحارب كالسارق، فإن سقط عنه الحد بمجيئه تائبا غرم مطلقا، وإن قطع أو قتل استقلالا أو مع الصلب غرم أن أيسر من الأخذ إلى القطع أو القتل فيوخذ من تركته، والنفي كالقطع على الراجح لأن النفي حد من حدوده وقيل كسقوط الحد. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال المواق من المدونة: إذا أخذ المحاربون المال ثم تابوا وهم عدماء فذلك عليهم دينا، وإن أخذوا قبل أن يتوبوا فأقيم عليهم الحد قطعوا أو قتلوا ولهم أموال، أُخِذَتْ أموال الناس من أموالهم، يريد ويسرهم متصل من يوم أخذوه وإن لم يكن لهم يومئذ مال لم يتبعوا بشيء، فما أخذوا كالسرقة. انتهى نص ابن يونس. انتهى. وقال التتائي ما معناه: واتبع إن لم يتب إن كان موسرا من يوم حرابته ليوم أخذه بجميع ما جنى من أخذ مال أو صداق امرأة أكرهها أو قيمة عبد أو دية ذمي، وإن كان معسرا وقت الحرابة أو موسرا ثم أعسر فلا يتبع، وإن جاء تائبا اتبع موسرا أو معسرا. انتهى.

ودفع ما بأيديهم لمن طلبه يعني أن ما بيد المحاربين من المال يدفع لمن طلبه إذا أقام عليه بينة شرعية، فإن لم يقمها دفع له بعد الاستيناء أي يؤخر دفعه لمن طلبه من غير طول خوف أن يأتي

ص: 638

أحد ببَيِّنَةٍ، واليمين أي إنما يدفع لمن طلبه بعد أمرين؛ أحدهما الاستيناء من غير طول، ثانيهما اليمين ممن طلبه، فيحلف الطالب أنه له ويُشْهَد عليه بينة عند دفعه [ويضمنه]

(1)

إياه ليلا يثبته غيره ببينة، وقوله:"ودفع ما بأيديهم لمن طلبه بعد الاستيناء واليمين" محله إذا أقر اللصوص بأنه ليس من أموالهم؛ فإن قالوا هو من أموالنا كان لهم، وإن كان كثيرا لا يملكون مثله. قاله ابن شأس عن أشهب. ونقله ابن عرفة مقتصرا عليه. قاله مصطفى. قاله البناني.

وَالْحَاصِلُ أن المسألة على ثلاثة أقسام: أن يقيم الطالب بينة فإنه يدفع له ما بأيديهم على الوجه المقرر في ذلك، الثاني أن لا يقيم الطالب بينة به وأقر اللصوص أنه ليس من مالهم فإنه يدفع لمن طلبه بعد الاستيناء واليمين، ثالثها أن يدعوه لأنفسهم ولم يقم الطالب بينة فهو للصوص وإن كثر.

‌تنبيهات:

الأول: ظاهر المنصف أنه يدفع ما بأيديهم لمن طلبه بعد الاستيناء واليمين وإن لم يصفه وهو ظاهر المدونة أيضا، قال المواق من المدونة: إذا أخذ المحاربون ومعهم أموال فادعاها قوم ولا بينة لهم، دفعت إليهم بعد الاستيناء في استبراء ذلك من غير طول، فإن لم يأت من يدعيها بشيء دفعت إليهم بعد أيمانهم بغير حَميل، ويضمنهم الإمام إياها إن جاء لذلك طالب ويشهد عليهم. انتهى. وقال عبد الباقي: إنه إنما يدفع ممن طلبه حيث لم يأت ببينة بعد أن يصفه كما توصف اللقطة. انتهى. قال البناني: هكذا قال اللخمي إنما تدفع له إذا وصفه كاللقطة وذكره المصنف في التوضيح وأهمله هنا، وقد ذكره ابن عرفة وأقره واعتمده أبو الحسن في شرح المدونة، قائلا: يدفع إليهم بثلاثة شروط، بعد الاستيناء وبعد اليمين وبعد الصفة. انتهى.

الثاني: من انتهب صرة بحضرة شهود لم يعرفوا عدة ما فيها إن القول للمنتهب مع يمينه. نقله ابن فرحون. قاله في الميسر.

(1)

في الأصل ويضمن إياه والمثبت من عبد الباقي ج 8 ص 112.

ص: 639

الثالث: قد مر عن المدونة أنه إن لم يأت الطالب ببينة يدفع له بعد الاستيناء واليمين بغير حميل، [وقال سحنون]

(1)

بل بحميل، وفي مختصر الوقار: إن كان من أهل البلد فبحميل، وإن كان من غيرهم فبغير حميل لأنه لا يجد حميلا. انتهى. قاله البناني.

أو بشهادة رجلين من الرفقة يعني أنه إذا شهد عدلان من الرفقة الذين أخذ المحاربون منهم مالا بأن ذلك الشيء مما بأيديهم لفلان الطالب له، فإنه يدفع لمن طلبه بشهادة ذينك العدلين وكذا تقبل شهادتهما على المحاربين بقتل، وذكر هذا ليلا يتوهم عدم قبول شهادة الرفقة على من حاربهم. قال المواق من المدونة: تجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدو لا شهدوا بقتل أو مال، ولا تقبل شهادة أحدهم في نفسه وتقبل شهادة بعضهم لبعض. انتهى. وقال الشبراخيتي: وشهادة رجلين من الرفقة على من حاربهم بقتل أو أخذ مال أو غيره إن كانا عدلين إذ لا سبيل إلى غير ذلك فشهد بعضهم لبعض. وانظر لو شهد رجل وامرأتان أو أحدهما مع اليمين هل يثبت المال دون الحد وهو الظاهر أم لا؟ انتهى.

لا لأنفسهما يعني أنه إذا شهد عدلان من الرفقة على المحاربين لأنفسهما بشيء فإنه لا يقبل ذلك، قال الشبراخيتي: لا إن شهد اثنان لأنفسهما فلا تقبل الشهادة، وإذا شهدا لأنفسهما ولغيرهما بطلت الشهادة كلها وسواء، كان ما شهدا به لأنفسهما يسيرا بالنسبة لما شهدا به لغيرهما أم لا، خلافا لما في الشارح وهذا هو المشهور، وكما لا تقبل شهادة الإنسان لنفسه لا تقبل شهادته لولده أي وإن سفل، ولا تقبل شهادة الولد لأبيه كها في غاية الأماني، فلو قال: لا لأصلهما بدل قوله: "لا لأنفسهما" لأفاد منع شهادته لفرعه ولنفسه بالأولى مع أنه أخصر، وكذا لا تقبل شهادته لعبده ولو مكاتبا لأنه من معنى الشهادة لنفسه، وظاهر كلامهم أنه لا تمنع شهادته لزوج أصله وفرعه. وقوله:"لا لأنفسهما" لا حاجة له مع قوله: "أو بشهادة رجلين" إذ ما يصدر منهما لأنفسهما ليس بشهادة وإنما هو دعوى. ذكره ابن مرزوق. انتهى. وقال عبد الباقي: أو بشهادة رجلين عدلين من المرفقة المقاتلين للمحاربين أي يشهد عدلان منهما لغيرهما لا

(1)

في الأصل وخالف سحنون والمثبت من البناني ج 8 ص 111.

ص: 640

لأنفسهما ولو مع غيرهما ولو بقليل لهما وبكثير لغيرهما لأنه غير وصية، ولا لأصلهما ولا لفرعهما على المذهب كما في غاية الأماني ولا بعبد الشاهد مكاتبا أم لا، وأشعر قوله:"رجلين" عدم العمل بشهادة عدل وامرأتين لغيرهما بشيء، ولعله غير مراد إذ يثبت بذلك المال دون الحرابة وكذا الشاهد واليمين، فلعله احترز عن الواحد دون اليمين. انتهى.

وقال التتائي: أو بشهادة رجلين من الرفقة على من حاربهم بقتل أو أخذ مال أو غيره إن كانا عدلين إذ لا سبيل إلى غير ذلك، فيشهد بعضهم لبعض ما لم يشهد الشخص لابنه، قال المنصف: وهذه الشهادة خارجة عن الأصل إذ فيها العداوة. انتهى المراد منه. وقال التتائي أيضا: لا إن شهد الاثنان لأنفسهما فلا تقبل كما في المدونة؛ لأنهما يتهمان، أما لو قالوا كلهم عند الحاكم: قتل منا كذا وكذا رجلا وسلب منا كذا وكذا ثوبا وكذا وكذا حملا وكذا وكذا جارية، والأحمال لفلان والثياب لفلان والجواري لفلان فذلك جائز ويجب به حد الحرابة. قاله مالك وابن القاسم وأشهب. انتهى. وقال التتائي: وعورضت -يعني هذه المسألة يعني قوله: "أو بشهادة رجلين من الرفقة"- بشهادة المحمولين إذ لم يميزوا فيها إلا كعشرين، وفرق ابن سهل بأن شهادة المحمولين ليس فيها حق للَّه تعالى. انتهى. وقوله:"أو بشهادة رجلين" الخ، قال البناني: اشترط في المدونة عدالتهما كما في المواق وغيره، وقول التحفة:

ومن عليه وسم خير قد ظهر

زُكَيَ إلا في ضرورة السفر

يقتضي أن العمل على الاكتفاء بالتوسم، وانظر ما مر في باب الشهادات، وقوله:"لا لأنفسهما" في الجنان إلا أن يكون ما لهم يسيرا فتجوز لهم ولغيرهم ولعله قياس على الوصية. انتهى.

ولو شهد اثنان أنه المشتهر بها ثبتت يعني أنه إذا اشتهر شخص بالحرابة ثم رفع للحاكم فشهد رجلان عدلان بأنه أي هذا الشخص الذي رفع إلى الحاكم هو المشتهر عند الناس بالحرابة، فإنه تثبت حرابته فيجري فيه الإمام حكم الحرابة، وهذا حيث عاين الشاهدان حرابته بأن عايناه يقتل أو يسلب أو يقطع الطريق على الوجه المقرر، بل وإن لم يعايناها أي الحرابة وإنما شهدا بأنه الشخص المشتهر بها عند الناس فقط، وكذا تثبت الحرابة إن شهد عدلان بأن هذا فلان بن

ص: 641

فلان ولم يَعْرِفَا شُهرته بالحرابة وعرفها الناس، قال الشبراخيتي: ولو شهد اثنان على شخص يعرفانه بعينه أنه فلان المشتهر بها أي بالحرابة ثبتت الحرابة عليه، وإن لم يعايناها أي الحرابة في القتل والسلب وقطع الطريق، ومثل ذلك لو شهد اثنان أنه هو هذا ولم يشهدوا أنه مشتهر بالحرابة ولا عرفوا ذلك فإنه يعمل بشهادتهما. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. وقال التتائي: ولو شهد اثنان على شخص يعرفانه بعينه أنه فلان المشتهر بالحرابة أقام عليه الإمام حدها، وإن لم يشهدا عليه بمعاينة القتل والسلب وقطع الطريق. انتهى.

وسقط حدها بإتيان الإمام طائعا يعني أن حد الحرابة يسقط بإتيانه للإمام طائعا بأن يأتيه قبل القدرة عليه وإن لم تظهر توبته، وأما من تاب قبل القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء. قاله عبد الباقي. ومفهوم قوله:"حدها" أي الحرابة أن ما تعلق به من حقوق الآدميين من قتل أو مال أو جرح لا يسقط عنه، فإذا قتل من يقتل به قصاصا قتل به، وكذا الجرح ويؤخذ منه المال، فإن قتل من لا يقتل به كما لو قتل الحر المسلم عبدا أو ذميا فإنه يغرم قيمة العبد ودية الذمي. فقوله:"بإتيان الإمام طائعا" أي قبل القدرة عليه لمواء جاء تائبا أم لا. قاله الشبراخيتي. الحطاب: وإذا سقط [حد]

(1)

الحرابة بالتوبة لم يسقط حق الآدميين من قتل أو جرح أو مال على المعروف. واللَّه أعلم. وقال الشبراخيتي: وسقط حدها أي الحرابة دون ما عليه من حقوق الآدميين من قتل أو جرح أو مال، فإذا قتل من يقتل به قصاصا فإنه يقتص منه، وإذا قتل من لا يقتل به كما لو قتل الحر المسلم عبدا أو كافرا فإنه يغرم قيمة العبد ودية الكافر. انتهى. وقال عبد الباقي: وسقط حدها دون غيرها مما هو للَّه أو لآدمي، كالزنى وقذف وقتل مُكَافِئٍ وقيمة رقيق ومتاع انتهى.

أَوْ تَرْك مَا هُو عليه يعني أن المحارب يسقط عنه حد الحرابة بأحد أمرين، أحدهما أن يأتي الإمام طائعا أي يأتيه قبل الظفر به، ثانيهما أن يترك ما عليه من الحرابة وإن لم يأت الإمام؛ بأن لا يقطع الطريق ولا يأخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث إلى غير ذلك من أنواع الحرابة.

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من الحطاب ج 6 ص 521 ط دار الرضوان.

ص: 642

وفي المواق: ابن رشد: قول جل أهل العلم أن توبة المحارب تقبل منه، ومذهب ابن القاسم أن توبته تكون بوجهين، أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام، والثاني أن يتوب ويأتي الإمام طائعا. انتهى. وفي الميسر: وسقط حدها دون غيره من حقوق اللَّه كالزنى وشرب وحق غيره بالتوبة، وتكون توبته بإتيان الإمام طائعا ملقيا سلاحه قبل القدرة عليه، وأما توبته بعدها فلا تسقط شيئا أو ترك ما هو عليه من الحرابة وإن لم يأت الإمام عند ابن القاسم، وقيل: لا تتم إن لم يأته، وأما فراره فلا يدل على توبته، فإن فر في القتال اتبع إن كان قتل أحدا وإلا فلا. قاله ابن القاسم. وعن سحنون: يتبعون ولو بلغوا برك الغماد ويقتلون مقبلين ومدبرين، وأما جريحهم فيجهز عليه إن لم تحقق هزيمتهم وخيفت كرتهم، وإلا فهو أسير يحكم فيه الإمام ولا يجوز تأمين المحارب، بخلاف المشرك لأنه يقر على حاله وبيده أموال الناس ولا يجوز تأمين الأول على ذلك. قاله عبد الملك. وقال محمد: إذا امتنع حتى أُعْطِيَ الأمان فقيل يتم له ذلك، وقال أصبغ: ليس له ذلك لأنه حق للَّه تعالى لا يزول إلا بالتوبة قبل أخذه. هذا كله في التوضيح. وباللَّه التوفيق. انتهى. وقال الشبراخيتي: واسْتُشْكِلَ التفريق بين حد السرقة وحد الحرابة بأن الأول لا يسقط بتوبة وعدالة، والثاني يسقط بالتوبة، والْجَوَابُ أن اللَّه تعالى قال في الثاني:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} ، ولم يقل ذلك في حق السارق. انظر ابن غازي. انتهى.

ولما أنهى الكلام على السرقة أتبعه بالكلام على الشرب، فقال:

ص: 643