المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل: ذكر فيه حكم صلاة الاستسقاء، وسببها، وما يتعلق بذلك. والاستسقاء - لوامع الدرر في هتك استار المختصر - جـ ٣

[محمد بن سالم المجلسي]

فهرس الكتاب

‌فصل: ذكر فيه حكم صلاة الاستسقاء،

وسببها، وما يتعلق بذلك.

والاستسقاء بالد لغة طلب السقي؛ إذ الاستفعال غالبا لطلب الفعل كالاستفهام، والاسترشاد لطلب الفهم والرشد، ويقال: سقى وأسقى لغتان بمعنى ناوله الشرب، قال تعالى:{نُسْقِيكُمْ} ؛ وقال تعالى: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} ، ويقال: أسقاه رباعيا دعا له بالسقي، قال الشاعر:

سقى الله جيرانا بأكثبة الحلمى

من العارض الهتان صوب عهاد

وإني متى أسقيتها أو بكيتها

هياما فما أسقيت غير فؤادي

والاستسقاء شرعا: طلب السقي من الله تعالى لقحط نزل بهم، أو غيره. اللخمي: الاستسقاء يكون لأربع: الأول للمحْل والجدب، الثاني عند الحاجة إلى الشرب لشفاههم أو دوابهم أو مواشيهم في سفر في صحراء أو في سفينة أو في المصر، الثالث استسقاء من لم يكن في محْلِ ولا حاجة إلى الشرب وقد أتاهم من الغيث ما إذا اقتصروا عليه كانوا في دون السعة فلهم أن يسَتسقوا ويسألوا الله عز وجل المزيد من فضله، والرابع استسقاء من كان في خصب لمن كان في محل جدب، وصلاة الاستسقاء في الوجهين الأولين سنة، وفي الثالث من المباح، وفي الرابع من المندوب، انتهى. وأشار المؤلف إلى بيان حكم صلاة الاستسقاء بقوله:

سن الاستسقاء؛ يعني أن صلاة الاستسقاء سنة، هذا هو مذهب الجمهور، خلافا لأبي حنيفة، قال: لا يصلى في الاستسقاء، والحجة عليه ما في الصحيحين (أنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى الاستسقاء وصلى فيه ركعتين جهر فيهما بالقراءة

(1)

)، وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما: (كما يصلي العيد

(2)

)، وروى أيضا عن عائشة رضي الله عنها: (أنه عليه الصلاة والسلام صلى فيه ركعتين

(3)

)، وروى أبو جعفر: أنه عليه الصلاة والسلام والخلفاء الأربعة بعده كانوا يصلون صلاة الاستسقاء. فالاستسقاء بالدعاء مأمور به إذا احتيج له، ولا خلاف بين الأمة في

(1)

البخاري، رقم الحديث:1024. - مسلم، رقم الحديث 894 بدون الجهر بالقراءة.

(2)

أبو داود، رقم الحديث:1165. ولفظه: ثم صلى ركعتين كما يصلى في العيد.

(3)

.. ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين

أبو داود، كتاب الصلاة، الحديث:1173.

ص: 1

جوازه، وإنما الخلاف في أصل الصلاة، ومذهب الجمهور هو ما علمت، وقوله: سن أي عينا لذكر بالغ ولو عبدا، وأما الصبي الأمور بالصلاة والمتجالة فتندب لهما، وقوله: الاستسقاء، نائب "سن"، وأشار إلى بيان السبب بقوله: لزرع، ظرف لغو متعلق بالاستسقاء؛ أي سن صلاة الاستسقاء لأجل احتياج زرع، سواء كان لإنباته أو بقائه. ويقال له: محل وجدب بدال مهملة، ولا يستعملان في احتياج الحيوان، والجدب ضد الخصب بكسر الخاء المعجمة. قاله الخرشي، وغيره. وقوله: ولا يستعملان الخ، انظره فإنه غير ظاهر، والظاهر بل التعين استعمالهما في الجميع، وفي القاموس: وفلاة جَدْبَاءُ مُجْدِبَةٌ، والمجداب الأرض لما تكاد تخصب، وحينئذ فالاستسقاء لاحتياج الحيوان والزرع.

ولله در الأمير حيث قال: سن الاستسقاء لحاجة، وإن لشرب، وأبيح لتوسعة، قيل: المراد الإذن؛ إذ ليس ثم عبادة مستوية الطرفين، وإن كانت المدونة عبرت بالجواز. انتهى. وقوله: لحاجة، ظاهره عموم الحاجة في الزرع والحيوان، ولا ينافيه ما مر عن الخرشي وغيره -كما هو ظاهر والله سبحانه أعلم. أو شرب؛ قال في القاموس: شرب كسمع شربا ويثلث، ومشربا وتشرابا جرع وأشربته أنا، والشرب مصدر، وبالضم والكسر اسمان، وبالفتح القوم يشربون، وبالكسر الماء والحظ منه. انتهى. وقال في مادة جرع: جرع الماء كسمع ومنع بلعه. انتهى؛ يعني أنه يسن الاستسقاء أي صلاته لأجل الاحتياج إلى شرب آدمي أو غيره من الحيوان، وهذان الأمران؛ أعني قوله:"لزرع أو شرب"، هما اللذان تقدما في كلام اللخمي، وقد مر أن الاستسقاء لهما سنة وقد مر أن الاستسقاء لطلب السعة والمزيد من فضل الله تعالى مباح، والفرق بين هذا وندب الصيد لسعة: إِتْعَابُ خلق كثير هنا، والصيد ليس فيه إتعاب غير الصائد، وقال ابن رشد: إن صلاة الاستسقاء إنما تكون عن شدة الحاجة للغيث.

وقوله: بنهر أو غيره؛ جعل الشارح ومن تبعه الباء فيه للسببية؛ أي سن الاستسقاء لأجل الاحتياج إلى الشرب بسبب تخلف نهر أو غيره من مطر أو عين، وعلى هذا فالظاهر أنه متعلق

ص: 2

بالاحتياج المفهوم من سياق الكلام، وقال الشبراخيتي: إن الباء بمعنى "من "، كقوله تعالى:{عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} ؛ أي من نهر بسبب تخلفه كتوقف النيل. انتهى. وعليه، فقوله "بنهر"، متعلق "بشرب" وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن قوله: "بنهر" الصواب أنه متعلق بما في الاستسقاء من معنى السقي؛ أي سن طلب السقي بنهر الخ، كالنيل لأهل مصر. وقوله:"بنهر"، قال في القاموس: النهر ويحرك: مجرى الماء، جمعه أنهار ونُهُرٌ ونهور وأنهر. انتهى. والمراد هنا الماء، وسمي النهر بذلك؛ لأن الماء ينهره أي يحفره. والله سبحانه أعلم.

وإن بسفينة يعني أن صلاة الاستسقاء لا تختص بمن كان في القرى والمدن والصحاري بل تشرع لمن في السفينة على ظهر الماء عند حصول سببها كما لو كانوا ببحر ملح أو عذب لا يصلون إليه، وقوله:"سن الاستسقاء"؛ أي ولا تقام الصلاة للاستصحاء حيث أضر المطر بالناس لكثرته، بل يدعون ويتضرعون، قال السهيلي: وإذا اضطروا من كثرة المطر فليسألوا الاستصحاء. انتهى. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم منابت الشجر وبطون الأودية وظهور الآكام

(1)

): تعليم كيفية الاستصحاء أي طلب الصحو، ولم يقل: ارفعه عنا؛ لأنه رحمة ونعمة لما يطلب رفعه، ولم يقل: اصرفها إلى منابت الشجر فقط؛ لأنه سبحانه أعلم بوجه اللطف وطريق المصلحة، ومما ورد في الاستصحاء ما رواه الشيخان من قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآجام والآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر

(2)

)، قوله: الآكام بالفتح والمد ويروى بالكسر والقصر جمع أكمة، وهي الرابية أي التل، وقيل: شرافة بالرابية وهي ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، وربما غلظ وربما لم يغلظ، والأجمة بالتحريك: الشجر الكثير الملتف، جمعها أجم بالضم وبضمتين وبالتحريك، وآجام وإجام وأجمات، والحديث مروي على الإجام والآجام مثل الإكام والآكام، والظراب بكسر الظاء ما نتأ من الحجارة البوادي الكبار والجبال الصغار واحدها ظرب بكسر الراء. قاله غير واحد، وقوله:"الاستسقاء"، مبدو بهمزة الوصل مكسورة، ولأحمد بن يوسف في همزة الوصل:

(1)

الطبراني في الأوسط رقم الحديث: 7619. ولفظه: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على رؤوس الظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية وظهور الأكمام.

(2)

التيسير، ج 2 ص 222. ولفظه: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر.

ص: 3

لتحريك همز الوصل حالات اشكلت

فدونكها نظما بديع الآساس

فإن تك في حرف تعين فتحها

وإن تك في فعل فغير خماسي

إذا كان كاكتب فاحكمن بضمها

كما كان للمفعول وهو سداسي

كذاك الخماسي ما عدا اختير عندهم

فجوز غير الفتح كل أناس

وفتحكها يختار لا العكس في ايمن

ويعكس ذا في اسم بغير التباس

وإن شئت فاضممها كما هو راجح

بكاغزي أو اكسرها خلافا لناس

وقل كسرها فيما عدا ذاك واجب

وقد تم فاحفظها بغير تناس

يسأل عبد الله أحمد ربه

من الصبر والتقوى جميل لباس

قوله: ركعتان بدل من الاستسقاء، أو خبر مبتدإ محذوف؛ أي سن صلاة الاستسقاء، وهي ركعتان؛ وفي بعض النسخ: للاستسقاء بلام الجر، وحينئذ فقوله:"ركعتان" نائب "سن" ولا أذان لصلاة الاستسقاء، ولا إقامة لها، ويقرأ فيها بك {سَبِّحْ} و {الشَّمْسَ} . جهرا، الجهر إعلان الكلام، يقال: جهر بالكلام وأجهر به: أعلن، قاله في القاموس؛ يعني أن صلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة وإن كانت نهارية؛ لأنها ذات خطبة كالعيدين، ويتأكد ندب الجهر بالاستسقاء كهو بوتر، وليس فيها؛ أي صلاة الاستسقاء زيادة تكبير كالعيد، ولا يكبرون في غدوهم. ابن الماجشون: ليس في الغدو لها جهر بتكبير ولا استغفار. ابن حبيب: من فاتته صلاها إن شاء. وكرر إن تأخر؛ يعني أنه إذا تأخر حصول المطلوب بأن لم يحصل من المطر شيء أو حصل منه دون الكفاية؛ فإنه يجوز أن تكرر صلاة الاستسقاء في أيام لما في يوم واحد، وقال الشيخ عبد الباقي: وكرر استنانا لسببه المار، وندبا فيما يندب فيه، واعترضه الرماصي بأنه: خلاف قول المدونة: وجائز أن يستسقى في الستة مرارا، وخلاف ما في النوادر عن ابن حبيب، لا بأس به أياما، واقتصر عليه ابن عرفة وصاحب الجواهر.

قال الشيخ محمد بن الحسن: فيحمل كلام المصنف على الجواز. أصبغ: استسقي عندنا بمصر خمسة وعشرين يوما متوالية على سُنَّة صلاة الاستسقاء، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب

ص: 4

ورجال صالحون فلم ينكروه. السوداني: إن الله يبتلي العبد وهو يحبه، ويؤخر إجابته ليسمع تضرعه ودعاءه، ويعجل إجابة الكافر بغضا لذكره. انتهى. وفي الحطاب ما نصه: قال ابن حبيب: ولا بأس أن يستسقى أياما متوالية، ولا بأس أن يستسقى من إبطاء النيل. وبحت الرهوني في كلام مصطفى ومن تبعه، وقوى ما لعبد الباقي من السنة.

وخرجوا ضحى؛ يعني أنه يندب لهم إيقاع صلاة الاستسقاء بالمصلى كما في العيدين، فيخرجون إليه وقت الضحى؛ أي لأن وقت صلاة الاستسقاء من حل النفل للزوال، كما قاله ابن حبيب. واستظهر في توضيحه أنه تفسير لقول المدونة، وإنما تصلى ضحوة. انتهى. لا خلافٌ لها، وفهمها الباجي على أن وقتها ذلك ولا تصلى بعده، وتردد سند في كونه تفسيرا لها؛ والظاهر أن أهل مكة يصلون الاستسقاء في المسجد الحرام كالعيد. انتهى. قال الإمام الحطاب: وقد ذكر ابن جبير في رحلته -وكانت في سنة تسع وسبعين وخمس مائة- أن أهل مكة صلوا صلاة الاستسقاء بالمسجد الحرام، وأن الإمام صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم خطب على المنبر، وقد ألصق بالبيت على العادة، وأنهم كرروا ذلك ثلاثة أيام. والله أعلم.

مشاة؛ يعني أنهم يخرجون إلى المصلي مشاة جمع ماش، ولا يخرجون ركبانا. ابن حبيب: من سنتها أن يخرج الناس إليها مشاة. ببذلة، بكسر الباء وسكون الذال المعجمة وهي: ما يمتهن من الثياب ويستعمل للمهنة بالفتح والكسر والتحريك؛ أي الخدمة بالنسبة للابس، قال في القاموس في مادة بذل: والابتذال ضد الصيانة، وكمكنسة ما لا يصان من الثياب كالبذلة بالكسر؛ يعني أنهم يخرجون ماشين على أقدامهم لا بسين ثياب الذل والمسكنة، ولا يلبسون ثياب الجمعة. وتخشع؛ يعني أنهم يخرجون مع ذلك متخشعين أي متكلفين للخشوع أي الخضوع أي التواضع، ينشأ عن ذلك ظهور الخشوع؛ لأن الخشوع هو المطلوب من الناس، فإذا لم يخشعوا تكلفوا الخشوع. ابن حبيب: من سنتها أن يخرجوا إليها مشاة في بذلتهم لا يلبسون ثياب الجمعة، بسكينة ووقار، متواضعين متخشعين متضرعين وجلين إلى مصلاهم، فإذا ارتفعت الشمس خرج الإمام ماشيا متواضعا في بذلة؛ لأن العيد إذا رأى مخايل العقوبة لم يأت مولاه إلا بمصفة الذل. مشايخ؛ يعني أنه يخرج إلى المصلي لصلاة الاستسقاء الشايخ، والظاهر أن المراد بهم

ص: 5

الرجال البالغون، لا المشايخ بالمعنى المذكور في باب الوقف، قوله:"مشايخُ"، يجوز نصبه على الحال؛ ويجوز رفعه على أنه بدل من الواو في قوله:"وخرجوا". ومتجالة؛ أي وكذلك تخرج المتجالة إلى المصلي لصلاة العيد؛ وهي التي لا أرب للرجال فيها لكبر سنها، يقال: جل يجل جلالة وجلالا: أسن واحتنى، ويقال: تجال عنه تعاظم، فإن لم تكن متجالة بأن كانت شابة غير ناعمة لم تؤمر بالخروج؛ فإن خرجت لم تمنع، وأما الشابة الناعمة فلا تخرج لمنافاته للخشوع، وقوله:"ومتجالة"؛ مكرر مع ما قدمه في الجماعة.

وصبية؛ يعني أن الصبية الذين يعقلون الصلاة يخرجون إلى المصلي لصلاة الاستسقاء، وليس في قول المدونة: ولا يؤمر النساء والصبيان بالخروج إليها، فإن خرجوا لم يمنعوا -انتهى- ما يدل على خروج من ذكر، وإنما اعتمد المصنف قول اللخمي: يخرج إلى الاستسقاء ثلاثة: الرجال ومن يعقل الصلاة من الصبيان والمتجالات من النساء، لا من يعقل منهم؛ يعني أنه لا يخرج إلى المصلي لصلاة الاستسقاء من لا يعقل القربة من الصبيان.

واعلم أن العبيد كالأحرار. وبهيمة، قال في القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لما يميز؛ يعني أن البهائم لا تخرج في الاستسقاء كالصبية الذين لا يعقلون القربة، فليس ذلك بمشروع، وجنح ابن حبيب كالشافعي لخروجهم، لخبر: (لولا أطفال رضع وشيوخ ركع ودواب رتع لصب عليكم العذاب صبا

(1)

)، ويجاب للمشهور بأن المعنى: لولا وجودهم لا حضورهم. وحائض؛ يعني أن الحائض والنفساء حال جريان دمهن لا يخرجن إلى المصلي، وكذا بعد انقطاعه وقبل الغسل. عبد الحق: بل هي الآن أشد في المنع لقدرتها على الاغتسال، وأما الجنب فإنه يخرج إن كان فرضه التيمم أو وجد ما يغتسل به، وإلا فلا. قاله الشيخ إبراهيم. وعلل منع الحائض بنجاستها، وبنفرة الملائكة الطوافين غير الحفظة عن مجلس به حائض. وفي الحديث: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه حائض أو جنب

(2)

)، وفي الحديث: (لا تدخل اللائكة بيتا فيه كلب أو تمثال

(3)

). ولا يمنع ذمي؛ يعني أن الذمي لا يمنع من الخروج للاستسقاء؛ أي يكره منعه من

(1)

الإتحاف، ج 3 ص 439.

(2)

حاشية الجمل، ج 5 ص 328.

(3)

أبو داود، كتاب اللباس، رقم الحديث:4153.

ص: 6

الخروج، وإذا لم يمنع الذمي من الخروج كما هو المستحب، انفرد بمكان عن المسلمين ندبا. لا بيوم؛ يعني أن أهل الذمة لا ينفردون بيوم يخرجون فيه للاستسقاء، وإنما ينفردون بمكان، وإنما لم ينفرد الذمي بيوم خشية سبق القدر بالسقي في يومهم فيفتتن بذلك ضعفاء المسلمين، وانفراد الذمي بيوم مكروه، والعلة تقتضي التحريم. وقوله:"لا بيوم"، هو قول ابن حبيب وهو المشهور. قال: ويخرجون وقت خروج الناس ويعتزلون ناحية ولا يخرجون قبل الناس ولا بعدهم. انتهى. ورد المصنف قول القاضي أبي محمد: لا بأس بانفرادهم بيوم. قال الشيخ محمد بن الحسن: لو قال المصنف: "لا بوقت"، كان أولى لقول ابن حبيب: يخرجون وقت خروج الناس ويعتزلون ناحية ولا يخرجون قبل الناس ولا بعدهم. انتهى من المواق. انتهى؛ أي لاقتضاء المصنف أنهم لا يمنعون من الانفراد بوقت حيث كان الاستسقاء منهم، ومن المسلمين في يوم واحد، ونحوه للشيخ إبراهيم؛ فإنه قال: لو قال بزمان لكان أحسن؛ لأنه لا يخرج قبلنا ولا بعدنا، بل مقارنا لنا. وكلامه يصدق بما إذا خرج قبلنا أو بعدنا للمصلى ولم ينفرد بيوم، والظاهر أن المصنف إنما قصد التنصيص على رد قول أبي محمد -كما مر- على أن اليوم يقال لجزء من الزمن ولو قل:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} والله سبحانه أعلم.

وأعلم أن الأقسام ثلاثة: قسم يخرجون باتفاق؛ وهم الرجال والصبيان الذين يعقلون الصلاة والعبيد والمتجالات من النساء، وقسم لا يخرجون باتفاق، وهو النساء في حال حيضهن ونفاسهن لنجاستهن وكذلك الشابة الناعمة لأن خروجها ينافي الخشوع، وقسم اختلف فيهم؛ وهم البهائم والصبي الذي لا يعقل والشابة التي ليست بناعمة وأهل الكتاب. قاله الجزولي في شرح الرسالة، قاله الخرشي.

والمشهور أن إخراج الصبيان والبهائم غير مشروع، وقيل: يخرجون، وكذلك الشابة التي لا تخشى منها الفتنة، وأباح في المدونة خروج أهل الذمة، ومنعه أشهب، ولا يمنع الذميون من إظهار صليبهم إذا تنحوا به كن الجماعة والتطوف به وشركهم وقت الاستسقاء، ويمنعون من إظهار ذلك في أسواق المسلمين في الاستسقاء وغيره، كما يمنعون من إظهار الزنى وشرب الخمر. قاله الشيخ عبد الباقي.

ص: 7

ثم خطب؛ يعني أن الإمام إذا صلى بالناس صلاة الاستسقاء، فإنه يخطب، فقوله:"ثم"؛ أي بعد صلاة الاستسقاء ركعتين "يخطب" كالعيد" أي يخطب خطبتين بعد الصلاة يجلس في أولهما ووسطهما، ويتوكأ على كعصا. ابن بشير: ولا يدعو في هذه إلا بكشف ما نزل بهم، لا لأحد من المخلوقين أي حتى السلطان، ولعله إن لم يخش منه أو من نوابه. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو أسقطت الخطبة هنا لم تفسد الصلاة بذلك إجماعا، وما ذكره المصنف من تقديم الصلاة على الخطبة هو المشهور، ودليله ما خرجه أصحاب الصحاح (أنه عليه الصلاة والسلام قدم الصلاة في الاستسقاء

(1)

)، ولأن تقدم الصلاة أنجح في الدعاء فإنها أعظم الوسائل، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد حاجة توضأ وصلى ثم يسأل الله، وما ذكره من أن لها خطبتين كالعيد هو المذهب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (خطب خطبتين وجلس بينهما

(2)

)، فوجب اتباع ذلك، ولا حد فيه، ولكنه وسط. قاله الأقفهسي. وقال ابن عمر: الجلوس بين الخطبتين على قدر الجلوس بين السجدتين، ويدعو في خطبته بكشف ما نزل بهم، ولا يدعو لأمير المؤمنين، ولا لأحد من المخلوقين. القرافي: من أدرك الخطبة وفاتته الصلاة جلس لها ولا يصلي وهو بالخيار بعد ذلك في الصلاة؛ لأنها بقيت نافلة مطلقة. وقال في الكتاب: وإن أحدث في الخطبة تمادى لعدم اشتراط الطهارة في الخطبة، وقوله:"ثم خطب كالعيد"، قال في الرسالة وشرحها لأبي الحسن: ثم إذا سلم فإنه يستقبل الناس بوجهه وهو على الأرض لا يرقى منبرا على المشهور، فإذا استقبلهم يجلس جلسة ليأخذ الناس أمكنتهم، فإذا اطمأن الناس في أماكنهم، قام الإمام على جهة الاستحباب متوكئا على قوس عربي أو عصا أو سيف ليلا يعبث بلحيته، فخطب ثم جلس، ثم قام فخطب.

وبدل التكبير بالاستغفار؛ يعني أن التكبير المطلوب فعله في خطبة العيد والخروج له، يبدله ندبا في خطبة الاستسقاء والخروج له الإمام والناس معه بالاستغفار، بأن يستفتح الخطبتين بالاستغفار

(1)

ابن ماجه، كتاب الصلاة، الحديث:1768. - أبو داود، كتاب الصلاة، الحديث: 1161. ولفظه: خرج رسول الله صلى الله عللِه وسلم يوما يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. - الترمذي، رقم الحديث:556.

(2)

الإتحاف، ج 3 ص 441.

ص: 8

ويخللهما به، ويستغفروا في الخروج، لقوله تعالى:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} ، والباء في قوله:"بالاستغفار"، داخلة على المأخوذ لا المتروك، ويتعدى بدل لواحد:{فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} ؛ أي غيره، ولمفعولين بنفسه نحو:{يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} ، وبالباء لثان نحو: بدلت العصيان بالتوبة، ولثالث نحو:{وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} ، والباء في الثاني داخلة على المأخوذ، وفي الثالث على المتروك دائما، وكذا تبدل كذا بكذات واستبدل كذا بكذا، فالباء داخلة على المتروك، نحو:{وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} ؛ أي لا تتركوا الطيب وتأخذوا الخبيث: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} ؛ أي يترك الإيمان ويأخذ الكفر، وقوله تعالى:{أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} ؛ أي تتركون الذي هو خير وتأخذون الذي هو أدنى، وإلى هذا أشار الشيخ علي الأجهوري بقوله:

وما لاصقته الباء في استبدل الردي

بجيد المتروك مثل تبدلا

وبالعكس بدلنا وعَدِّ لواحِدٍ

فغير معناه فكن متأملا

وعد لمفعولين والثان مبدل

ويبدل منه ما نصبناه أولا

وعد لمفعولين أيضا بنفسه

وبالبا لمذهوب به يا أخا العلا

كذا قال سعد الدين قدس سره

بحاشية الكشاف هذا مفصلا

وقوله: "وبدل التكبير بالاستغفار"، قد مر أن ذلك في الخطبة والخروج، وأما التكبير الذي في صلاة العيد فإنه لا يأتي في صلاة الاستسقاء ببدله من الاستغفار، ولا يأتي منه فيها إلا بتكبيرة الإحرام وتكبير الخفض والرفع على المذهب، خلافا للشافعي القائل بأنه: يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا كالعيد.

وبالغ في اك عاء آخر الثانية؛ يعني أن الإمام ومن بعد عنه يستحب له أن يبالغ في الدعاء آخر الخطبة الثانية، وأمام قرب من الإمام فيستحب له أن يؤمن على دعاء الإمام، ثم إنه يحتمل أن يريد بالمبالغة في الدعاء الإطالة فيه كما لابن حبيب، ويحتمل أن يريد به الإتيان بأجوده

ص: 9

ويحتملهما معا، والمراد بالثاني ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، ومنه خبر الموطإ: (كان إذا استسقى قال: اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت

(1)

)، والميت: بمثناة تحتية ساكنة وتشدد، وأما الحي فبالتثقيل لا غير؛ أي وصف الحي بأنه ميت حكما، كقوله تعالى:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} ، وروى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا عاما طبقا سحا دائما، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم بالعباد والبلاد من الأذى والضنك والجهد ما لا يشكى إلا إليك، أنبت لنا الزرع وأدرَّ لنا الضرع وأسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك فإنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا

(2)

). انتهى. قاله الشيخ إبراهيم.

والمغيث: الذي يحيي الناس وينجيهم من الشدة، والمَريع: المخصب الناجع في المال والماشية من المراعة، مرع المكان كثر نبته، والغدق: الكثير، والمجلل: الذي يستر الأرض بمائه أو بالنبات؛ أي الذي ينبت كأنه يكسوا الأرض، والطبق: الذي يطبق الأرض أي يعم وجهها. وقوله: دائما؛ وفي بعض الروايات: ديما، جعع ديمة، وهو مطر يدوم مع سكون، وفي رواية: غير رائث؛ أي غير بطيء، ويكون الدعاء جهرا كما في الطراز. وذكر الزرقاني: أنه يدعو سرا؛ ولا يرفع يديه لسماع ابن القاسم: لا يعجبني رفع يديه في الدعاء. قاله الشيخ إبراهيم. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وندب جهر الإمام بالدعاء، خلافا للشافعي، ويؤمن من قرب منه على دعائه. انتهى. ويرد على ما للشيخ إبراهيم ما رواه في التيسير عن الستة إلا الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: (أصابت الناس سنة، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، [إذ قام

(3)

] أعرابي، فقال: يا رسول الله هلك الماء وضاع العيال فادع لنا فرفع يديه -وما نرى في السماء قزعة- فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم يزل على المنبر حتى رأيت السحاب يتحادر عن لحيته؛ فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه

(1)

الموطأ، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث:449.

(2)

الإتحاف، ج 3 ص 445.

(3)

التيسير، ج 2 ص 222.

ص: 10

حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو غيره، فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت

(1)

).

وفي رواية: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال: فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس

(2)

). وروى في التيسير عن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها: (شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلي، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، قالت: فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله تعالى، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله تعالى أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قرة وبلاغا إلى حين، ثم رفع يديه حتى ريء بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وحول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل وصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابا فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم نأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبده ورسوله

(3)

). انتهى. وفي هذا الحديث دليل لمقابل المشهور أن الخطبة قبل الصلاة. والله سبحانه أعلم. وعن أنس رضي الله عنه قال: (أصابنا مطر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؛ قال: إنه حديث عهد بربه

(4)

). أخرجه أبو داود، قاله في التيسير.

وقد مر أن مراده بالستة: الإمام مالك، والشيخان: مسلم والبخاري، وأصحاب السنن: الترمذي وأبو داود والنسائي. والله تعالى أعلم. مستقبلا، حال من الضمير في قوله:"وبالغ"؛ يعني أن

(1)

التيسير، ج 2 ص 222.

(2)

التيسير، ج 2 ص 222.

(3)

التيسير، ج 2 ص 223.

(4)

التيسير، ج 2 ص 223.

ص: 11

الإمام في صلاة الاستسقاء إذا كان يدعو فإنه يستقبل القبلة في دعائه وظهره إلى الناس. ثم بعد الفراغ من الخطبة واستقباله للقبلة على المشهور، وقيل: إذا أشرف على فراغها، وقيل: بين ظهرانيها، وقيل: بعد صدر منها. قاله الشيخ الراهيم.

حول رداءه يمينه يساره؛ يعني أن الإمام إذا فرغ من الخطبة واستقبل القبلة يحول رداءه: بأن يجعل ما على اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين، ويبدأ في ذلك بيمينه، فيأخذ ما على عاتقه الأيسر مارًا به من ورائه، ويجعله على عاتقه الأيمن، وما على الأيمن على الأيسر تفاؤلا بتحويل حالهم من جدب إلى خصب، ويلزم من هذا التحويل قلبه، فيصير ما يلي ظهره للسماء وما يليها على ظهره.

بلا تنكيس؛ أي يكره تحويله على التنكيس، يجَعْلِ حاشيته التي على كتفيه جهة عجزه، وحاشيته السفلى على كتفيه، وكره ذلك خوف التفاؤل بقوله تعالى:{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} ، وسواء على هذا المكروه بقي ما لجهة السماء على حاله أو جعله لجهة ظهره. واستظهر الشارح نصب يمينه يساره بعامل محذوف؛ أي يجعل يمينه يساره وجوز فيه البدلية؛ أي بدلية البعض من الكل؛ وجَوَّزَ نصبه بإسقاط الخافض أي بجعل ما على يمينه على يساره، وعليه فالضمير لفاعل التحويل؛ وعلى الأولين للرداء. قاله الشيخ سالم. قاله الشيخ عبد الباقي. واعلم أن الإمام إذا فرغ من خطبته استقبل القبلة قائما، وجعل ظهره للناس، ويحول رداءه، ثم يدعو فالدعاء بعد التحويل، والتحويل بعد الاستقبال، وكلام المصنف كالصريح في أن التحويل بعد الدعاء، وهو قول، لكنه ضعيف، وهو المناسب لكون التحويل من الجدب إلى الخصب بعد الدعاء الراد للقضاء، كما في الخبر

(1)

). والمذهب تأخير الدعاء عن التحويل، فيخطب، ثم يستقبل، ثم يحول، ثم يدعو، وهذه الأربعة مرتبة، وحيتئذ "فثم" هنا للترتيب الذكري، وهذا الذي ذكرت أنه المذهب: هو الذي في المدونة والرسالة وغيرهما، قال البناني: ويمكن أن يجاب عن المصنف، بأن قوله:"ثم حول"، عطف على قوله:"مستقبلا"؛ أي ثم بعد الاستقبال حول رداءه.

قال جامعه عفا الله عنه: انظر هذا الجواب، فإنه فيه ما فيه. والله سبحانه أعلم.

(1)

لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر. الترمذي، كتاب القدر، الحديث:2139.

ص: 12

وقال الشيخ إبراهيم: قال شيخنا الأجهوري في شرحه: ومما جرب لنزول الغيث ودفع كل مهم، استغاثة الشيخ العارف بالله تعالى شعيبب أبي مدين على ما أخبرنا به الشيخ سيدي علي البهلول، وهي:

يا من يغيث الورى من بعد ما قنطوا

ارحم عبيدا أكف الفقر قد بسطوا

واسترسلوا جودك المعهود فاسقهم .... ريا يريهم رضا لم يثنه سخط

وعامل الكل بالفضل الذي ألفوا

يا عادلا لا يرى في حكمه شطط

إن البهائم أضحى الترب مرتعها

والطير تغدو من الحصباء تلتقط

والأرض من حلة الأزهار عارية

كأنها ما تحلت بالنبات قط

وأنت أكرم مفضال تمد له

أيدي العصاة وإن جاروا وإن قسطوا

ناجوك والليل جلاه الصباح سنا

كما يجلي سواد اللمة الشمط

فشارب بذنوب الذنب غص به

وآخرون كما أخبرتنا خلطوا

ومنعم في لفيف العيش وهو يرى

في سلك من حام حول العرش ينخرط

وملحد يدعي ربا سواك له

حيران في شرك الإشراك يختبط

كل ينال من المقدور قسمته

قوم ترقوا وقوم في الهوى سقطوا

حكم من الله عدل في بريئته

فرض علينا له التسليم مشترط

وما ذنوب الورى في جنب رحمته

وهل يقاس بفيض الأبحر النقط؟

فما لنا ملجأ غير الكريم ومن

يلفى على الحوض وهو السابق الفرط

ذاك الرسول الذي كل الأنام به

يوم القيامة مسرور ومغتبط

صلى عليه صلاة لا نفاد لها

من اسمه باسمه في الذكر مرتبط

وكذا الرجال؛ يعني أن الرجال كالإمام يحولون أرديتهم على نحو ما مر في تحويل الإمام فقط؛ يعني أن التحويل للأردية إنما هو في حق الإمام والرجال الحاضرين، وأما النساء الحاضرات فلا يحولن أرديتهن بلا خلاف؛ لأن ذلك يؤدي إلى كشفهن. قعودا؛ يعني أن الرجال يحولون

ص: 13

أرديتهم في حال كونهم قعودا، ولا يكرر الإمام ولا هم التحويل، ولا تحول البرانس والغفائر ما لم تلبس كالرداء. والغفائر جمع غفارة ككتابة: خرقة تقي المرأة بها خمارها من الدهن، هذا معناه لغة، وفي الاصطلاح: شيء يجعل على شكل البرانس. الشيخ أبو محمد: وأما البربر فلا تحول الأكسية. لأن في ذلك كشفا لهم. انتهى. وفي الحطاب ما نصه: واختلف في البرانس والغفائر على قولين، والشهور لا تحول. ونص أبو محمد صالح على أنه لا يحول من لم يكن له إلا ثوب واحد. انتهى. ومقتضى قوله:"قعودا"، أن الإمام لا يطلب منه القعود في حال تحويله للرداء، وهو كذلك. كما في المدونة وغيرها. والله تعالى أعلم.

وندب خطبة بالأرض؛ يعني أن الخطبة في الاستسقاء يندب أن تكون بالأرض لا على المنبر؛ فيكره لطلب لزيد التواضع حال الاستسقاء، ولم يثبت عند الإمام مالك خبر عائشة رضي الله عنها: (أمر صلى الله عليه وسلم بمنبر فوضع له

(1)

)، بل قال: لم يكن له منبر يخرج به، ولا لأبي بكر؛ ولا لعمر.

وأول من أحدث له منبر في العبد: عثمان، من طين أحدثه له كثير بن الصلت، وعلى ثبوته فهو أعظم خلق الله تواضعا، وفعله لبيان الجواز مخافة أنها لا تكون إلا بالأرض للتواضع. قاله الشيخ إبراهيم؛ وصيام ثلاثة أيام قبله؛ يعني أنه يندب صوم ثلاثة أيام قبل الخروج إلى الاستسقاء، لترق القلوب، ويذهب غلظها، فتقبل الموعظة؛ وهل يخرجون بعد الثالث مفطرين؟ للتقوي على الدعاء، كيوم عرفة، وهو ظاهر كلام المصنف، وبه قرره التتائي في صغيره، وبعض الشراح، أو يخرجون في الثالث صائمين؟ وعليه التتائي في كبيره لخبر: (دعوة الصائم لا ترد عليه

(2)

)، وقوله:"قبله"؛ قال في الحاشية: الصواب إسقاطه؛ لأن النص خروجهم في الثالث صائمين، وقال بعد ذلك: والمذهب أنهم يخرجون صائمين. قاله الشيخ إبراهيم.

وصدقة؛ يعني أنه يندب أيضا التصدق قبل صلاة الاستسقاء رجاء مجازاتهم بجنس فعلهم، فإنه جاء: من أطعم أطعم ومن أحسن أحسن إليه. ولا يأمر بهما الإمام؛ يعني أنه يكره للإمام أن

(1)

أبو داود، رقم الحديث:173.

(2)

إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد. سنن ابن ماجه، كتاب الصيام، الحديث:1753.

ص: 14

يأمر بصيام الأيام الثلاثة والصدقة المأتي بهما قبل صلاة الاستسقاء ليلا يكون فعلهما لأجل الإمام أي السلطان، فلا ينجحان. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: أي لأنهما حينئذ فعلا لطاعة المخلوق لا لطاعة الخالق، فلا يكون فيهما إخلاص، وفيه نظر ظاهر. انتهى. وما ذكره من أنه لا يأمر بالصدقة، خلاف قول ابن شأس واللخمي والمازري إنه يأمر بها؛ وحكى عليه الجزولي الاتفاق، فأقل مراتبه أن يكون هو المعول عليه. قال الشيخ عبد الباقي: وإذا أمر بهما وجبت طاعته، قال الشيخ البناني: فيه نظر في نحو هذا مما ليس من المصالح العامة. انتهى. ابن عرفة: إن أمر بمباح وجب، وإن أمر بمكروه فقولان، وعبارة الشيخ أحمد زروق: تجب طاعة الإمام في كل ما يأمر به ما لم يأمر بمحرم مجمع عليه. انتهى. وفي الحطاب ما نصه: قال ابن عرفة: ابن حبيب: ويحض على الصدقة ويأمر فيها بالطاعة، ويحذر من المعصية. انتهى. وأما ما ذكره في الصوم فمسلم لأنه موافق لما في الجواهر، واستحب ابن حبيب الأمر به؛ وهو قول مالك والمغيرة. قاله الشبراخيتي. الرماصي: لم يقل أحد فيما علمت أنه لا يأمر بالصدقة، وأما الصوم فقد علمت أنه لم يقل أحد باستحبابه، إلا ابن حبيب، وقد تقدم أنه قال: يأمر به الإمام. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

بل بتوبة؛ يعني أن الإمام يستحب له أن يأمر بالتوبة من الذنوب قبل صلاة الاستسقاء، والتوبة هي الندم على المعصية لقبحها شرعا ولا يضره استحسانها طبعا. التفتازاني: وقع التردد في الندم لخوف النار أو لطمع الجنة، هل يكون توبة أم لا؟ ومعنى ذلك هل هو ندم عليها لقبحها شرعا، أو لكونها معصية، أم لا؟ وكذا وقع التردد في التوبة عند مرض مخوف بناء على أن ذلك الندم، هل هو لقبح المعصية؟ أو للخوف لما في الآخرة من معاينة النار. ومعنى الندم تحزن وتوجع على أن فعل، وتمني كونه لم يفعل.

واعلم أن توبة الكافر بإسلامه مقبولة قطعا، وكذا المسلم من عصيانه على المشهور كما ذكره ابن عمر؛ وظنا عند معظم أهل الأصول ولو أذنب بعدها لا تعود ذنوبه على الصحيح. ومحل القطع بقبول توبة البالغ الكافر إن لم يغرغر؛ أي يشاهد ملائكة العذاب، ولم تطلع الشمس من مغربها وإلا لم يقبل إسلامه فيهما، بخلاف المؤمن يتوب بعد طلوع الشمس من مغربها، والصغير يسلم

ص: 15

حينئذ فمقبولة فيهما، وهل كذا توبة المؤمن من ذنبه عند الغرغرة؛ وعليه جماعة، أو لا؟ وعليه النووي؛ وهو ظاهر خبر: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر

(1)

)، خلاف قوله: وكذا المسلم الخ. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري، ونسبه ابن جزي لجمهور العلماء، ومقابله عدم القطع للقاضي أبي بكر الباقلاني، وقوله: بخلاف المؤمن يتوب بعد طلوعها إلى قوله فمقبولة الخ، ما ذكره من التفصيل به، قال: جمع من الحنفية حملوا ما ورد من عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس وعند الغرغرة على الكافر دون المؤمن والذي عليه الجمهور عدم قبول التوبة من المعصية ومن الكفر عند الغرغرة، وكذا عند طلوع الشمس من مغربها، وبه فسر {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} الآية. الجزولي: التوبة مما خصت به هذه الأمة؛ لأنه كان من قبلنا إذا أذنب العبد ذنبا يجدد مكتوبا على باب داره وكفارته كذا اقتل نفسك

(2)

أو افعل كذا. انتهى وفي ابن زكري، والنصيحة الكافية للشيخ سيدي زروق: والتوبة هي الندم والخروج عن الذنب، فالندم تألم القلب بسبب فوات المحبوب، والخروج عن الذنب تركه ومباعدته تعظيما لله سبحانه وامتثالا لأمره، أو رغبة فيما وعد الله به التائبين من تكفير السيئات، ورفع الدرجات، فالخروج عن الذنب لغرض أخروي لم يمنع ذلك كونه توبة، وإن كان أحط من قصد التعظيم والإجلال على تردد في ذلك، وقد وقع المتردد أيضا في التوبة عند مرض مخوف، والظاهر من كلام النبي صلى الله عليه وسلم قبول التوبة ما لم تظهر علامات الموت، والخروج يكون عن نفس الذنب ويكون ذلك حال التلبس به، وعقبه باتصال وقد يكون عن اختياره والميل إليه، وذلك بعد مضيه والانفصال عنه بزمان. فالشيخ الفاني تصح توبته مما سبق له أوان الشبوبة من الزنى وقطع الطريق، وإن كان عاجزا عن التلبس بذلك الآن، فلو خرج عن الذنب أي تركه لخوف خلق كترك القتل خوفا من القصاص، وشرب الخمر والزنى خوف الحد، ولولا الخوف من ذلك لفعل لم يكن ذلك توبة، كما لو ترك العاصي لطلب الرزق كأن

(1)

الترمذي، كتاب الدعوات، رقم الحديث:3337. - ابن ماجه، رقم الحديث: 4253.

(2)

على نسخة دب سالم حاشية هذه نسخة حمد الله أصلا.

فائدة قال السنوسي في شرح الجرائري قال التفتزاني يكفي في التوبة من المعاصي كلها الإجمال ولو علمت مفصلة خلافا لبعض المعتزلة أنه لا بد من الندم تفصيلا فيما علم انتهى بلفظه كتبه عبد القادر بن المؤلف عفا الله عنهما انتهى.

ص: 16

يعطى من الأوقاف والصدقات بذلك، فلا يكون توبة، ووجب عليه رد المظالم وليس بشرط، وكذا اجتناب المحارم، وكذا تعميم القصد، فهذه الثلاثة فروض تاركها عاص ولا تنتقض التوبة بتركها. انتهى. وقوله: فهذه الثلاثة؛ يعني رد المظالم، واجتناب المحارم، وتعميم القصد. والله سبحانه أعلم. قال ابن زكري: وأما النية أن لا يعود فلا تصح التوبة بدونها، وكون رد المظالم غير شرط مقيد بما إذا لم تكن التوبة من الغصب مع وجود المغصوب بيد الغاصب، وإلا فرد المغصوب حينئذ شرط في صحة التوبة. قال ابن عرفة: ونَقْلُ المسيلي في تذكرته صحة التوبة في الغصب مع بقاء المغصوب بيد غاصبه التائب لا أعرفه، وما هلك من المغصوبات وصار متعلقا بذمة الغاصب فرد عوضه حينئذ ليس بشرط في صحة التوبة عند الجمهور، وإنما هو واجب آخر مستقل، كما صرح به السنوسي في شرح الجزائري.

والمظالم مالية، وعرضية، ودينية، وحرمية، فالمالية كالغصب والسرقة يجب ردها إجماعا حيث أمكن الرد، وفي منهاج العابدين: وإن عجزت عن رد المظالم لعدم أو فقر فتستحل منه، وإن عجزت عن ذلك لغيبة الرجل أو موته وأمكن التصدق فافعل وإن لم يمكن فعليك بتكثير حسناتك والرجوع إلى الله تعالى بالتضرع والابتهال أن يرضيه عنك يوم القيامة.

واختلف في التحليل لمن له حق، فقيل: مندوب ورجحه جماعة وعليه العمل لحديث أبي ضمضم: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان يتصدق بعرضه كل يوم على المسلمين

(1)

)، وقيل: لا يجوز مطلقا، وثالثها قول مالك رحمه الله: إن كان حقا لا ظلم فيه جاز وإن كان عن ظلم فلا. انتهى. والظاهر أن المراد بعدم الجواز في هذين القولين الكراهة كما يدل له نقل الشيخ عبد الباقي في الإقرار. والله سبحانه أعلم. وقال ابن زكري: قال النووي: تضافرت نصوص الكتاب والسنة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصة بالمسقط، ومعنى قول أبي ضمضم: تصدقت بعرضي الخ، لا أطلب مظلمتي ممن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت؛ موجودة قبل الإبراء، فأما ما يحدث بعده فلا بد من إبراء جديد. انتهى. وقال في النصيحة: وفي العرضية خلاف مشهوره وجوب الاستحلال. انتهى. قال شارحها ابن

(1)

أبو داود، كتاب الأدب، الحديث: 4886/ 4887.

ص: 17

زكري: ما يتعلق بالعرض قسمان، أحدهما: ما يلحق ضررا بالمقول فيه كالنميمة والشهادة عليه بصفة ذميمة، قال المصنف: فيتعين عليك تكذيب نفسك عند من قلت ذلك عنده والرجوع عن الشهادة إن كانت زورا، هذا مع استحلاله وإظهار الرجوع. انتهى. وقد يقع بعض هذا القسم من الدينية، كالشهادة عليه بصفة ذميمة شرعا، والثاني: أن يكون ذلك بوجود الغيبة، وذكر ما فيه تنقيص أو ريبة؛ والتحلل فيه واجب إن لم تلحق منه ضرورة، وإلا فإبداله بالثناء والاستغفار والخدمة فِعْلَةٌ مشكورة، وقد قيل: إن التحلل فيه غير واجب كالتحليل، وفي منهاج العابدين: إذا خشيت من الاستحلال فيما يتعلق بالعرض زيادة غيظ وهيج فتنة فالرجوع إلى الله ليرضيه عنك والاستغفار الكثير لصاحبه: وفي النفسية خلاف، قاله في النصيحة. ابن زكري: قال في شرح الرسالة، وفي منهاج العابدين: يمكن نفسه من القود والقصاص؛ وظاهر الأحاديت بخلافه وإليه مال ابن رشدة قال: وينبغي أن يعتق ويحمل نفسه على الجهاد ونحوه ليكون كفارة له، ومحل الخلاف في النفسية إن لم تكن مما يتعين فيه الدية كالخطإ، قال في الإحياء: وتوبته تسليم الدية ووصولها إلى المستحق، إما منه أو من عاقلته، وهو في عهدة ذلك قبل الوصول، ويَتَعَيَّنُ في الحرمية عدم الاستحلال كما إذا زنى بوليته، فهذه بلية الله أولى بالعذر فيها، ويجب عليك تصحيح العزم في التنصل منها لأن إعلامه قذف للمزني بها وفضيحة لنفسك.

واختلف في الزنى، هل هو من حق الله أو من حق المخلوقات؟ ثالثها: الفرج المملوك كالزوجة والأمة لمالكه، وما عداه حق لله، ولا يمكن الاستحلال منه لخوف الفتنة، وفي الدِّينِئةِ تختلف الأحوال، قاله في النصيحة؛ يعني فإن كان ذكر ذلك يعظم أذاه مهما شرحه كالتكفير والتفسيق والتبديع في غالب الأحوال، فالله عز وجل أولى بالعذر، وإلا وجب الاستحلال، فإن عدم في المظالم من وجب له الحق انتقل لوارثه، فإن أدى برئ وبقي حق المطل إن كان غنيا، فإن عدم وارثه انتقل الحق إلى المسكين إن كان مما ينتقل إليه بخلاف العرضية والحرمية والدينية، واختلف إذا لم يؤد في الدنيا حتى اجتمع مَعَ الوَارِثِ والأَصْلِي في الآخرة لمن يكون الحق، هل للورثة أو للموروث؟ على قولين، واختلف أيضا فيمن لم يجد ما يؤدي به حتى مات؟ هل يسقط عنه أو يطالب به في الآخرة؟ وعن أبي عمران: فإن مات صاحب الحق أو لم يتعين فالتصدق

ص: 18

بمقداره قد تعين، والاحتياط في التقدير هنا أهم، والأخذ بالاحتياط أحسن وأتم. انتهى. وقد ذكر بعض العلماء: أن من استغفر لمظلومه دبر كل صلاة خمسا فقد وفى حقه، وهذا في باب الغيبة لا فيما له عين، والذمي كالمسلم في عرضه وماله ونفسه وأهله؛ لأنه على ذلك عُوهِدَ، ويجزئ في السيئات المجردة عن المظالم وتضييع الأعمال الواجبة الاستغفار، ولا يكفي في غيرها إلا الإتيان به، كالفوائت من الصلوات والزكاة والصيام، وغير ذلك فيأتي به على وجه لا ينقطع، فلا يتكلف ما لا يطيق الدوام عليه، والحج المبرور كالتوبة يسقط المخالفة لا الحقوق، ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما أوجب الله من الصلاة والزكاة فإنه يمستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي من دم أو مال أو عرض بالحج إجماعا، وفي الحديث: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه

(1)

)، والتوبة واجبة على الفور بلا خلاف، ولا قائل إنها على التراخي فيجب من تأخيرها التوبة، فيلزم بتأخير التوبة عن معصية لحظة ذنب آخر، وهو ذنب التأخير المحرم بالإجماع، فتجب التوبة من هذا التأخير أيضا. فبتأخير التوبة عن الكبيرة زمنا واحدا تلزم كبيرتان: المعصية، وترك التوبة منها، وزمنين أربع: الأوليان، وترك التوبة من كل منهما، وثلاثة أزمان ثمان كبائر، وأربعة أزمان ست عشرة كبيرة، وخمسة أزمان اثنان وثلاثون كبيرة؛ وهكذا تتضاعف الكبائر. قاله السنوسي. وقال في شرح الجوهرة: قضية كلام أئمتنا رضي الله عنهم أن تأخير التوبة معصية واحدة تجب منها التوبة، ولا تتعدد بتعدد أزمنة الاستمرار عليها، لكن لم أقف على التصريح به في كلام من وقفت على كلامه منهم. انتهى. قال ابن زكري: وبه يزول ما يحصل من ضيق الصدر عند سماع كلام السنوسي ولله الحمد.

وتجب على مدمن الخمر التوبة منه ومن عدم النكير على جلسائه، وذكر الذنب لا يوجب التوبة منه، بل ندبها على الصحيح إن لم يكن فرحا به، فتجب التوبة من فرحه به ورضاه بوقوعه. وأوجب القاضي تجديد الندم كلما ذكر المعصية، ووجه الندب الخروج من خلاف القاضي عياض هذا؛ والخروج من الخلاف مطلوب، واختلف هل الأفضل كثرة ذكر الذنب أو نسيانه؟ انتهى

(1)

من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه. البخاري، كتاب الحج، الحديث:1350. ومسلم، كتاب الحج، الحديث: 1350. وانظر الإتحاف، ج 4 ص 275.

ص: 19

كلام ابن زكري، وسيأتي في فصل الجنائز إن شاء الله ذكر ما يعد به العاق لوالديه أو أحدهما بعد الموت من البارين.

ورد تبعة؛ يعني أن الإمام أي السلطان كما يأمر بالتوبة قبل الاستسقاء، يأمر أيضا قبله برد التبعة إلى أهلها، والتبعة بفتح التاء المثناة فوق، وكسر الموحدة: المظلمة، فيأمر بردها إلى أهلها، أو التحلل منها مخافة أن تكون معاصيهم سببا لمنع الغيث، قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ، قال في الجواهر: ويستحب أن يأمر الإمام قبله بالتوبة والإقلاع عن الذنوب والآثام والمظالم، وأن يتحلل الناس بعضهم من بعض مخافة أن تكون معاصيهم سبب منع الغيث؛ قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ؛ وأيضا تمنع المظالم من إجابة الدعاء كما في الحديث الصحيح

(1)

)، ويأمر بالتقرب بالصدقات لعلهم إذا أطعموا فقراءهم أطعمهم الله، فإن الجميع فقراء [إليه

(2)

] وقولهَ "تبعة": يقال أيضا: تباعة بكسر التاء ككتابة، كما قاله اليوسي في حواشي الكبرى، قال الشاعر يهجو بني حنيفة حين أكلوا صنمهم عند مجاعة أصابتهم:

أكلت حنيفة ربها

زمن التقحم والمجاعة

لم يحذروا من ربهم

سوء العواقب والتباعه

وجاز تنقل قبلها؛ أي صلاة الاستسقاء؛ يعني أنه يجوز التنفل قبل صلاة الاستسقاء، صليت في المصلي أو في المسجد، بخلاف العيد بالمصلى -كما مر- وبعدها؛ يعني أنه كما يجوز التنفل قبل صلاة الاستسقاء، يجوز بعدها صليت في المصلي أو في المسجد، بخلاف العيد بالمصلى -كما مر- وفَرَّقَ الإمام بأن صلاة العيد شعيرة من شعائر الإسلام مخصوصة بيومها، فكان اختصاصها بمحلها في يومها من خصوص حكمها.

(1)

انظر جواهر ابن شاس، ج 1 ص 250.

(2)

في الأصل: الله، والمثبت من ابن شاس ج 1 ص 250.

ص: 20

ومقصود الاستسقاء: الإقلاع عن الخطايا، والإقبال على الله، والإكثار من فعل الخير، ولذا استحب فيه العتق، والصدقة، والصوم، والتذلل، والخشوع، والدعاء فكان التقرب بالنفل أليق به. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وقال الإمام الحطاب: من فاتته صلاة الاستسقاء. قال مالك: إن شاء صلاها، وإن شاء ترك. انتهى. والله أعلم. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عن سند: إن من فاتته الصلاة وأدرك الخطبة فليجلس لها، ولا يصلي لفوات سنة الاستسقاء التي اجتمع الناس لها، وإذا فرغوا إن شاء صلى، وإن شاء ترك. انتهى.

واختار إقامة غير المحتاج لمحتاج؛ يعني أن اللخمي اختار من عند نفسه أن غير المحتاج لكونه في خصب وسعة يندب له أن يقيم صلاة الاستسقاء لمن هو محتاج، ولو بعد مكانه عنه أقامها معه، أم لا. وقاله الشافعي. لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولخبر: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل

(1)

)، (ودعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجابة

(2)

). قال: وفيه نظر؛ يعني أن الإمام المازري قدح في كلام شيخه وخالة اللخمي من إقامة غير المحتاج للمحتاج، فقال: فيه نظر؛ أي بحث، وتأمل لإشكاله لعدم فعل السلف الصلاة في ذلك، فلا تجوز أو تكره، ويقع الدعاء له وينطبق على ما مر مما استدل به اللخمي. المازري: وأما دعاؤهم لهم فمندوب.

واعلم أن كلام المؤلف في إقامة غير المحتاج للمحتاج حيث لم يأت محل المحتاج، فإن أتى محله بنية الإقامة فهوم أهل محله، وإلا فهو كمن لم يأت محل المحتاج. انتهى. قاله الشيخ الخرشي، وغيره.

ولما فرغ من الكلام على الصلاة المطلوبة عينا فرضا أو نفلا، شرع في الكلام على ما يطلب كفاية، وهو ما يحتاج إليه الموتي من غسل وغيره، ولم يرتبها، بل بدأ بحكم غسله، والصلاة عليه، ودفنه، وكفنه، فقال:

(1)

مسلم، كتاب السلام، رقم الحديث:2199.

(2)

مسلم، كتاب الذكر والدعاء، رقم الحديث:2733. ولفظه: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة.

ص: 21

‌فصل يذكر فيه أحكام الموتى

؛ وما يتعلق بذلك.

واعلم أن صلاة الجنازة تدخل في تعريف ابن عرفة للصلاة؛ وهو قربة فعلية ذات إحرام وسلام؛ ولا يرد على هذا أن تكبيراتها بمنزلة الركعات، فإذا سبق الإمام المأموم بتكبيرة أو أكثر، فلا يكبر حتى يكبر الإمام؛ لأنه لو كبر قبله كان قاضيا في صلبه، فصح من هذا أن فيها تسليما فقط لا إحراما وتسليما، فلا تدخل تحت التعريف المذكور؛ لأنه يقال: لا يصح إيراد هذا؛ لأن تكبيرة الإحرام غير الإحرام، والإحرام والسلام موجودان في هذه الصلاة على كل قول، وإن لم يكن لها تكبيرة إحرام.

واختلف هل الموت وجودي أو عدمي؟ ومذهب الأشعري أنه: كيفية وجودية تضاد الحياة، وتمسك القائل بأنه وجودي بقوله تعالى:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ، وأجاب القائل بأنه عدمي، بأن معنى الخلق في الآية التقدير، وعلى أنه عدمي فهو عدم الحياة، وفي بعض الأحاديث: أنه معنى خلقه الله في كف ملك الموت، وفي بعضها (أن الله خلقه في صورة كبش لا يمر بشيء يجد ريحه إلاَّ مات

(1)

) قال ابن عرفة: والروح ذو جسد ويدين ورجلين وعينين ورأس. انتهى. وقال ابن عباس: وأكثر السلف أن حقيقتها غير معلومة؛ وهي مما استأثر الله جل وعز بعلمه. قاله الشاذلي. ومذهب أهل السنة من المتكلمين، والمحدثين، والفقهاء، والصوفية أن الروح جسم لطيف متخلل للبدن، تذهب الحياة بذهابها، وعبارة بعض المحققين هي: جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وعن العلماء الموت ليس بعدم محض، ولا بفناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقة وحيلولة بينهما، وتبدل حال بحال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم الصائب، وأعظم منه الغفلة عنه.

واعلم أن الجنازة اسم للميت أو للنعش، وهي من جنز أي ستر وقيل بالفتح اسم للميت وبالكسر اسم للنعش.

(1)

فتح البارئي، ج 11 ص 420.

ص: 22

واعلم أن مقر الأرواح بعد الموت البرزخ، وأصل البرزخ الحاجز بين الشيئين، وأريد به هنا الحاجز بين الدنيا والآخرة؛ وله زمان ومكان وحال. فزمانه من حين الموت إلي يوم القيامة، وحاله الأرواح، ومكانه من القبر إلى عليين لأروح أهل السعادة، وأما أرواح أهل الشقاء فلا تفتح لهم أبواب السماء؛ بل هي بسجين.

ويكون الإيمان بعد الموت مع الروح لكن لا ينقطع من الجسد، فيكون بينهم عمود من نور معلق مثل الشمس لو طلعت في السماء فضوءها في الأرض لا ينقطع عن الخلائق والهواء والأرض. قاله الشيخ الخرشي. وفي كلام بعضهم أن السُّورَ في قوله تعالى:{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ} ؛ هو البرزخ، وبطنه ما يلي الجنة، وظاهره ما يلي النار، وفيه ثقب بعدد أرواح الخلائق، ومثلوه بهذا

(1)

.

فالصورة التي فوقه مثال الجنة، والتي تحته مثال للنار تقريبا.

واعلم أن كل جنة فوق جنة هي أوسع منها، كما في المثال، إلي أن يكون للأدني منها دار السلام، والنار بالعكس ما دامت تسفل فهي تتسع، وكل جنة يقابلها موضع من النار إلا دار المزيد وهي العليا التي مسكن الأنبياء ومن ورثهم، جعلنا الله تعالي منهم بمنه وكرمه وما ذلك علي الله بعزيز. والنقط التي في كلا جانبيه مواضع أرواح الناس، فالمؤمنون مما يلي الجنة مقابلون لمنازلهم في الجنة وغيرهم بالعكس، ولبعضهم في ترتيب الجنات الثمانية:

(1)

التمثيل للبرزخ:

|

ص: 23

مزيد وعليون فردوس عدنها

وخلد ومأوى والنعيم سلام

ولبعضهم في نظم أبواب النار السبعة -نعوذ بالله منها-:

وذكروا في السبعة الأبواب

نعوذ بالله من العذاب

جهنم الأعلى لظى والحطمه

ثم الجحيم والسعير المؤلمه

وسقر من بعدها والهاويه

ليس لمن ينزلها من واقيه

تنبيهات: الأول: اعلم أن الروح مخلوقة بإجماع أهل السنة، واختلف هل مخلوقة قبل الجسد أو بعده؟ على قولين مشهورين، قاله الشاذلي، قال: ومقرها في حال الحياة القلب، وبعد الممات مختلف، فأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الجنة، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتشرب لمن أنهارها، وأرواح أهل السعادة من المؤمنين على أفنية القبور تسرح حيث شاءت.

واعلم أن مما يجب اعتقاده أن أرواح أهل السعادة؛ أي أهل الجنة وهم المؤمنون محسنهم ومسيئهم باقية؛ أي غير فانية ناعمة أي منعمة برؤيتها لقعدها في الجنة إلى يوم القيامة، وأن أرواح أهل الشقاء؛ وهم الكفار معذبة إلى يوم القيامة، قال الشاذلي: معذبة برؤيتها لمقعدها في النار وغير ذلك من أنواع العذاب.

واعلم أن أرواح الشهداء بعد قتلهم أحياء في الجنة يرزقون مثل ما يرزق الأحياء، يأكلون ويشربون، قال تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، وسموا شهداء لأن أرواحهم أحضرت دار السلام بخلاف غيرهم، فإن أرواحهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للخير، وخصوا بأشياء منها أن الله تعالى يغفر لهم في أول الملاقاة، وأن الأرض لا تأكل أجسامهم كالأنبياء والعلماء والمؤذنين، وأنهم لا يسألون في قبورهم، انتهى كلام الشاذلي. وفي الكتاب العزيز:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} . فقبض الروح بالوفاة إخراجه، وفي النوم منعه الحس والمميز والإدراك،

ص: 24

وتظاهرت الأحاديث بأن أرواح المؤمنين تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، تعلق من شجر الجنة؛ أي تأكل، وحديث: في حواصل طير خضر، صححه مسلم في أرواح الشهداء فقط.

واعلم أن فتنة القبر، وهي سؤال الملكين بإجماع العلماء وعذابه ونعيمه حق، قاله ابن عرفة. وفي الخرشي: أن أول ميت: آدم عليه السلام، وأول من تمنى الموت: يوسف عليه السلام، وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات، عمر رضي الله عنه، وأول من دفن بالبقيع: عثمان بن مظعون، وأول من دفن في جوف داره: الأشعث بن قيس، وأول ما ينتن من الإنسان إذا مات: بطنه، وأول من نقل من قبر إلى قبر: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل: إن قابيل قتل هابيل في حياة آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

الثاني: روى أبو الليث السمرقندي بسنده عن البراء بن عازب أنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر -ولم يلحد بعد- فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله -كأنا على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، وقال: استعيذوا بالته من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت عليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل من جسده كما يسيل القطر من السقاء، فيأخذها، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذونها فيجعلونها في ذلك الكفن والحنوط، فيخرج مها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون لها فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله تبارك وتعالى: اكتبوا كتابه في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى،

ص: 25

فيعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: م ربك؟ فيقول ربي الله تعالى، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك به؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى وآمنت به وصدقته، قال: فينادي مناد من السماء: صدق عبدي، فافرشوا له فراشا من الجنة، وألبسوه لباسا من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من ريحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي وعدت في دار الدنيا، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح في دار الدنيا، فيقول: رب أقم الساعة، شوقا لما يرى من النعيم، قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة أنزل الله تعالى إليه ملائكة من السماء سود الوجوه، معهم المسوح من شعر، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله تعالى وغضبه، فتتفرق في الأعضاء كلها فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فتنقطع منه العروق والعصب، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين؛ حتى يأخذونها، فيجعلونها في ذلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} ، ويقول الله تبارك وتعالى: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقته، وفيها نعيده، ومنها نخرجه تارة أخرى، قال: فيطرح روحه طرحا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} ، فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ها ها لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ها ها لا أدري، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: ها ها لا أدري، فينادي مناد من السماء كذب عبدي، فأفرشوه فراشا من النار، وألبسوه

ص: 26

من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيدخل عليه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى يختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك السيء في دار الدنيا، فيقول: يا رب لا تقم الساعة

(1)

). انتهى. قوله: كأنما على رؤوسنا الطير؛ أي من السكون والوقار، ولم يكن فيهم طيش ولا خفة؛ لأن الطير لا يكاد يقع إلا على ساكن كما في العذق المنضود، وفي بعض طرق هذا الحديث عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيقيض له أصم أبكم ومعه مرزبة لو ضرب بها جبل صار ترابا، أو قال: رمادا، فيضربه ضربة يسمعها الخلائق إلا الثقلين، ثم تعاد فيه الروح فيضربه ضربة أخرى

(2)

). وفي بعض طرقه: (فإذا أخرجت روحه لعنه كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض

(3)

).

وروى أبو الليث السمرقندي بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة من الجنة فيها مسك ومن سائر الريحان، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، ويقال لها: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى ربك راضية مرضية ومرضيا عنك إلى روح الله تعالى وكرامته، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان، وطويت عليه الحريرة، وبعث بها إلى عليين، وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسوح فيها جمرة، فتنزع روحه انتزاعا شديدا، ويقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى هوان الله وعذابه، فإذا خرج روحه وضع على تلك الجمرة، وأن لها نشيجا كنشيج الغليان، ويطوى عليه المسوح ويذهب بها إلى سجين

(4)

).

والمسوح، قال في القاموس: المسوح المنديل الأخشن، وروى أبو جعفر بإسناده عن ابن عمر (أن: المؤمن إذا وضع في القبر وسع عليه قبره سبعين ذراعا طولا، ومثله عرضا، وينشر عليه الرياحين، ويستر بالحرير، وإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن جعل له نور كنور الشمس

(1)

تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، ص 27.

(2)

رياض الصالحين،

(3)

رياض الصالحين،

(4)

تنبيه الغافلين، ص 27

ص: 27

في قبره، ويكون مثله كمثل العروس تنام فلا يوقظها إلا أحب أهلها إليها، فتقوم من نومها كأن لم تشبع منه، وأن الكافر يضيق عليه قبره حتى تدخل أضلاعه في جوفه، ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخت؛ فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما، ويرسل عليه ملائكة صم بكم عمي معهم فطاطيس من حديد؛ فيضربونه بها لا يسمعون صوته فيرحمونه، ولا يبصرون ما هو فيه فيرفعون عليه، ويعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيا

(1)

). وروى أبو الليث السمرقندي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من ميت يموت إلا وله خوار تسمعه كل دابة عنده إلا الإنس والجن لو سمعه لصعق، فإذا انطلق به إلى قبره، فإن كان صالحا قال: عجلوا بي عجلوا بي لو تعلمون ماذا أمامي من الخير، وإن كان غير ذلك، قال: لا تعجلوا بي لو تعلمون ماذا أمامي

(2)

)، وقوله: فطاطيس، الفطيس كسكين: المطرقة العظيمة، قاله في القاموس. وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق

(3)

)، نقله في الرياض.

الثالث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك

(4)

). وقد جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث علما كثيرا، فقوله: شبابك قبل هرمك؛ أي أن الرجل يقدر على الأعمال في حال شبابه ما لا يقدر في حال هرمه؛ لأن الشباب إذا تعود المعصية شق عليه الامتناع في حال هرمه، فينبغي له أن يحمل نفسه في حال شبابه على طاعة الله تعالى لتسهل عليه في حال هرمه، وقوله عليه الصلاة والسلام: وصحتك قبل سقمك، معناه أن الصحيح نافذ الأمر في ماله ونفسه، فعليه بالجد في مصلحة أمره لآخرته، قبل أن يضعف عن طاعة الله

(1)

تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، ص 28.

(2)

تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، ص 33.

(3)

البخاري، كتاب الجنائز، رقم الحديث:1385.

(4)

الإتحاف، ج 10 ص 253.

ص: 28

تعالى، وتقصر يداه عن التصرف في ماله حاشا ثلثه، فيقل عمله ويطول ندمه، ومعنى فراغك قبل شغلك؛ يعني فراغه في آناء ليله وأطراف نهاره، فيقدم من الأعمال الصالحة ما يجده في يوم شغله وكربه. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الشتاء غنيمة المؤمن، طال ليله فقامه، وقصر يومه فصامه

(1)

)، فاغتنم ذلك، ومعنى: غناك قبل فقرك، أراد إن كنت راضيا بالذي أعطاك الله من القوت، فاغتنم ذلك، ولا تطمع في شيء مما في أيدي الناس.

الرابع: روي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى، أنه قيل له: لو جلست حتى نسمع منك شيئا، فقال: إني مشغول بأربعة أشياء لو فرغت منها لجلست لكم، قيل: وما هي؟ قال: إني تفكرت حين أخذ الله الميثاق من بني آدم، فقال عز وجل: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فلم أدر من أي الفريقين كنت أنا؟ وتفكرت في الولد إذا قضى الله تعالى أن يخلقه في بطن أمه، ونفخ فيه الروح، ويقول الملك الموكل به: يا رب أشقي أم سعيد؟ فلم أدر كيف خرج جوابي في ذلك الوقت؟ والثالث: حين ينزل ملك الموت لقبض روحي، فيقول: يا رب مع أهل الإسلام أو مع أهل الكفر؟ فلا أدري كيف خرج جوابي في ذلك؟ والرابع: تفكرت في قول الله تعالى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} ، فلا أدري من أي الفريقين أكون؟ نقله أبو الليث السمرقندي.

وذكر عن عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه أنه كان يحيي الموتي بإذن الله تعالى، فقال له بعض الكفرة: إنك قد أحييت من كان حديث الموت، فلعله لم يكن مات، فأحي لنا من كان مات في الزمن الأول، فقال لهم: اختاروا من شئتم، فقالوا له: أحي لنا سام بن نوح عليه الصلاة والسلام، قال: فأروني قبره، فجاء إليه، فصلى ركعتين، ودعا الله تعالى، فحيي سام، فإذا رأسه ولحيته قد ابيضا، فقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ما هذا الشيب إن الشيب لم يكن في زمانك؟ قال: لما سمعت النداء ظننت أن القيامة قد قامت، فشاب رأسي ولحيتي من الهيبة، فقال عيسى: مذ كم أنت ميت؟ قال منذ أربعة آلاف عام، فما ذهبت عني سكرات الموت إلى الآن.

(1)

الجامع الصغير، رقم الحديث:4930.

ص: 29

الخامس: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} ، ومعنى استقاموا: أدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم. فقال يحيى بن معاذ الرازي: استقاموا أفعالا مثل ما استقاموا أقوالا، وقيل: استقاموا على السنة. وقوله: ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة، يقال: البشارة عند الموت على خمسة أوجه، فعامة المؤمنين يقال لهم: لا تخافوا تأبيد العذاب، ويشفع لكم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحون، ولا تخافوا فوات الثواب، وأبشروا بالجنة؛ يعني مرجعكم إليها. والثانية للمخلصين، يقال لهم: لا تخافوا رد أعمالكم فإنها مقبولة؛ ولا تحزنوا على فوات الثواب فإنه قد ضوعف لكم، والثالثة للتائبين، ويقال لهم: لا تخافوا من ذنوبكم، فإنها مغفورة لكم، ولا تخافوا فوات الثواب على ما فعلتم بعد التوبة. والرابعة للزاهدين، يقال: لا تخافوا حبس الحساب، ولا تحزنوا مخافة نقصان التضعيف، وأبشروا بالجنة بلا حساب ولا عذاب. والخامسة للعلماء الذين يعلمون الناس الخير، وعملوا بالعلم، يقال لهم: لا تخافوا أهوال يوم القيامة ولا تحزنوا؛ فإنه يجزيكم بما عملتم، وأبشروا بالجنة أنتم ومن اقتدى بكم. نقله أبو الليث السمرقندي. وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله

(1)

). ولله در القائل:

تزود قرينا من فعالك إنما

قرين الفتى في القبر ما كان يفعل

ولن يصحب الإنسان من بعد موته

إلى قبره غير الذي كان يعمل

السادس: قال الفقيه أحمد بن عيسي البجائي: أرواح العباد مأواها على أربعة أقسام: أما أرواح السعداء غير الشهداء، ففي عليين، وهو موضع في الجنة، وأما أرواح الشهداء فإنها تسرح في الجنة فتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش، وأما أرواح من أراد الله إنفاذ الوعيد فيه من العصاة، ففي سجين مع أرواح الكفار. الوانشريسي: قال بعض الأشياخ: وفي إلحاق العاصي

(1)

البخاري، كتاب الرقاق، الحديث:6514. - مسلم، كتاب الزهد والرقاق، الحديث: 2960.

ص: 30

بالكافر إشكال. انتهى. الرهوني: وفي قوله: قال بعض الأشياخ الخ، نظر؛ لأن الإشكال إنما يتجه إذا كان المستند في ذلك العقل، وهذا من الأمور التي لا مجال للعقل فيها، وإنما تتلقى من قبل الوحي، والله سبحانه لا يسأل عما يفعل. انتهى. وقال ابن برجان: وذكر ابن حبيب عن علمائنا: أن المؤمن إذا دخل قبره يذهب روحه إلى عليين، وبها تجتمع أرواح المؤمنين، وهي على صورة طير بيض إلى يوم القيامة بالغداة والعشي، ثم تأوي إلى جنة المأوى في ظل، إلى قناديل من نور معلقة بالعرش.

وإنما سميت جنة المأوي لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها، وأما أرواح الكفار والفساق فيذهب بها إلى سجين، وهي صخرة عظيمة على شفير جهنم فيها تجمع أرواح الأشقياء والفجار والكفار، في أجواف طير سود تعرض على النار بالغداة والعشي، والأشقياء الذكورون مع الكفار الذين لا يعرفون جواب الحق عن سؤال الملكين في القبر. والله أعلم. الرهوني: يؤخذ من هذين الجوابين أن من ينفذ فيهم الوعيد من المؤمنين لا تلتقي أرواحهم مع أرواح أقاربهم السعداء، وقد صرح بذالك أبو عبد الله الحفار. انتهى.

السابع: نقل الثعالبي عن شبيب بن إبراهيم: أن المنعمين على جهات مختلفات، منها ما هو كطائر يعلق من شجر الجنة، ومها ما هو في حواصل طير خضر، ومنها ما يأوي في قناديل تحت العرش، ومنها ما هو في حواصل طير بيض، ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص من صور الجنة، ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنها ما يسرح ويتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يتلقى أرواح المقبوضين، ومنها ما هو في كفالة ميكائيل، ومنها ما هو في كفالة آدم، ومنها ما هو في كفالة إبراهيم عليه السلام، قال القرطبي: وهذا قول حسن؛ فإنه يجمع الأخبار حتى لا تدافع. والله أعلم. قال الثعالبي: قلت: ونحو هذا لابن عطية، ولفظه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة، وروي في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ذهب إلى كثير من هذا، ولا مخالفة فإنها أحوال الطوائف أو للجميع أوقات متغايرة. انتهى. وهو حسن في غاية

ص: 31

الوضوح. وقوله: في حواصل طير خضر، سيأتي الكلام عليه في آخر الفصل عند قوله:"ولا يغسل شهيد معترك" الخ.

الثامن: ذكر الغزالي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المؤمن: يعني العالم: أن الملكين بعد سؤالهما له يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة، ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه؛ ثم يفرشان له من حريرها، ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه يؤنسه ويحدثه، ويملأ قبره نورا، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة، فليس شيء أحب إليه من قيامها. قوله: في وجوب غسل الميت؛ يعني به أن الشيوخ اختلفوا في حكم تغسيل الميت المسلم المتقدم له استقرار حياة، وليس بشهيد، ووجد جله، فمنهم من ذهب إلى وجوبه وجوب كفاية؛ وهو قول عبد الوهاب، وابن محرز، وابن عبد البر؛ وشهره ابن راشد، وابن فرحون، وقوله:"الميت"، قال الأمير: كلا أو بعضا، كما إذا سقطت عليه صخرة لم يمكن إزالتها عنه، وظهر قدمه، فيغسل، ويلف، ويصلى عليه، ويوارى عملا بحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم

(1)

)، كذا يظهر ولا ينافي، "ولا دون الجل" لانعدام باقيه، ولا يخرج على ما سبق في الجبيرة من إلغاء الصحيح إذا قل جدا لوجود البدل هناك، أعني التيمم. انتهى.

بمطهر بكسر الهاء مشددة، متعلق بغسل. قاله الخرشي؛ يعني أن تغسيل الميت إنما يكون بماء مطهر؛ أي مطلق، وقد مر تعريفه، وهذا هو المشهور بناء على أن غسل الميت تعبد، ومقابل المشهور هو لابن شعبان، فإنه اختار غسله بماء الورد والقرنفل بناء على أن الغسل للنظافة.

ولو بزمزم؛ يعني أن ماء زمزم يغسل به الميت فهو كغيره من المياه في ذلك، خلافا لقول ابن شعبان: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة، وعليه رد المصنف "بلو"، وقوله:"ولو بزمزم"، هذا إن لم يوجد غيره، وكذا إن وجد على القول بطهارة الميت، وكذا على الآخر، لكن مع

(1)

أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبكلم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه. مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث:1337. دار إحياء التراث العربى، بيروت.

ص: 32

الكراهة. ابن بشير: إن حكمنا بنجاسته، كره غسله بماء زمزم لكراهة استعماله في النجاسات، وعلى طهارته يجوز. ابن هارون: إلا أن يكون في جسده نجاسة.

وقد مر أن ابن شعبان قال: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة، إن حمل على الكراهة كان وفاقا للمذهب، وعلى ذلك حمله بعضهم كما في حاشية الشيخ محمد بن الحسن، وإن حمل على المنع فلا وجه له عند ملك وأصحابه، قاله ابن أبي زيد. وأغرب منه فتوى ابن عبد السلام: أنه لا يكفن في ثوب غسل بماء زمزم، وقال الشيخ الأمير: وغسل ولو بزمزم، بل هو أبوك والآدمي طاهر. انتهى.

وزمزم بزايين بينهما ميم ساكنة: بير في المسجد الحرام، سميت بذلك لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم وزُمزُم وزُمازِم إذا كان كثيرا، وقيل: لضم هاجر عليها السلام لمائها حين فجرت وزمه إليها؛ وقيل: لزمزمة جبريل عليه السلام وكلامه.

والصلاة عليه؛ يعني أن شيوخ المذهب اختلفوا أيضا في حكم الصلاة على الميت، فمنهم من ذهب إلى وجوبها وجوب كفاية؛ وهو لسحنون، قال ابن ناجي: وعليه الأكثر، وشهره الفاكهاني، وإليه ذهب صاحب الرسالة، وعبد الوهاب. كدفنه، تشبيه في الوجوب فقط؛ يعني أن دفن الميت؛ أي مواراته في الأرض واجبة بلا خلاف؛ فلذا أتى بالكاف. وكفنه، عطف على مدخول الكاف قبله؛ يعني أن تكفين الميت واجب من غير خلاف أيضا، قاله اللخمي. وحكى ابن يونس سنية الكفن، ولم يحك خلافها فقوله:"كدفنه وكفنه"، بسكون الفاء فيهما أي مواراته في التراب وإدراجه في الكفن، وأما الكفن بفتح الفاء فهو ما يكفن به أي ما يوارى فيه من اللباس، يقال: كفن الخبز في الملة يكفنها واراها، والميت ألبسه الكفن ككفنه، قاله في القاموس، وليس بمراد هنا، وسيذكره المصنف بقوله:"وهو على المنفق بقرابة" الخ، وبقوله:"وهل الواجب ثوب يستره" الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: لا خلاف في وجوب ستر العورة، وما حكاه الشارح عن ابن يونس أنه سنة، يحمل على ما زاد على العورة؛ إذ لا خلاف في وجوب سترها.

وبما قررت علم أن قوله: "كدفنه وكفنه"، تشبيه في الوجوب فقط -كما مر- وسنيتهما؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن غسل الميت سنة وكذا الصلاة عليه؛ أي سنة كفاية فيهما. أما

ص: 33

سنية الغسل فحكاها ابن أبي زيد وابن يونس والجلاب، وشهره ابن بزيزة، وأما سنية الصلاة فقول أصبغ، واستنبطه بعض المتأخرين من كلام الإمام مالك، وذكر الحطاب عن سند: أن المشهور فيها -أي في الصلاة- عدم الفريضة، ونقل كلامه فيها، قال الشيخ محمد بن الحسن: وهو يفيد تشهير السنية على ما فهمه عنه الحطاب. والله سبحانه أعلم. خلاف؛ مبتدأ تقدم خبره؛ أي في وجوب ما ذكر وسنيته خلاف في التشهير، والقول بوجوب الصلاة والغسل أرجح من القول بالسنية فيهما كما في الحطاب، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وليس من شرطها الجماعة، خلافا لصاحب المقدمات، فإنه قال: وشرط صحتها الإمامة، فإن فعلت بغير إمام أعيدت، ما لم تفت، ولا يدخل بجنازة ثانية في صلاة الأولى، بل يكمل تكبير الأولى ويسلم، ويستأنفها للثانية، ولو نوى الإمام إحدى الجنازتين ونواهما المأموم، أعيدت على من لم ينوها الإمام. قاله الشيخ إبراهيم. وفي حديث صححه الحاكم، ورواه جماعة من طريق تفيد حسنه أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (كان آدم رجلا أشعر طوالا كأنه نخلة سحوق، فلما حضره الموت نزلت الملائكة بحنوطه وكفنه من الجنة، فلما مات عليه السلام غسلوه بالماء والسدر ثلاثا، وجعلوا في الثالثة كافورا، وكفنوه في وتر من الثياب، وحفروا له لحدا، وصلوا عليه، وقالوا لولده: هذه سنتكم من بعده، فكذاكم فافعلوا

(1)

) وبهذا يتبين أن الغسل، والتكفين، والصلاة، والسدر، والحنوط، والكافور، واللحد من الشرائع القديمة، وأخرج الطبراني عن أبي بن كعب مرفوعا: (أن الملائكة صلت على آدم فكبرت عليه أربعا، وقالوا: هذه سنتكم يا بني آدم

(2)

)، وهذا أحد قولين نقلهما الحطاب عن ابن الفاكهاني؛ أحدهما هذا، والآخر أن الغسل للميت مما اختصت به هذه الأمة كالصلاة على الميت، والغنائم، وثلث الأموال. وقوله:"خلاف"، سببه قوله عليه الصلاة والسلام في ابنته: (اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر إن رأيتن ذلك

(3)

)، هل معناه: إن رأيتن الغسل أو الزيادة؛ المازري: وهذا على اختلاف الأصوليين في الاستثناء أو الشرط إذا تعقب جملا، هل يرجع إلى الجميع أو إلى الأخير؟ الشيخ: وعود التخيير إلى نفس الغسل

(1)

الحاكم، ج 1 ص 345. - كنز العمال، رقم الحديث: 15140.

(2)

مجمع الزوائد، ج 3 ص 38. - كنز العمال، رقم الحديث: 42287.

(3)

الموطأ، كتاب الجنائز، الحديث:518. - البخاري، كتاب الجنائز، الحديث: 1253.- مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:939.

ص: 34

بعيد جدا، قاله الشيخ الخرشي. وفي الشبراخيتي عن بعضهم: لم أر نصا صريحا في كون صلاة الجنازة شرعت بمكة أو بالمدينة، وظاهر حديث (أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر البراء بن معرور لما قدم المدينة وكان مات قبل قدومه لها بشهر

(1)

)، كما قاله ابن إسحاق وغيره.

وما في الإصابة عن الواقدي، وأقره: أن الصلاة على الجنازة لم تكن شرعت يوم موت خديجة، وموتها بعد النبوءة بعشر سنين على الأصح أنها لم تشرع بمكة بل بالمدينة. انتهى.

وتلازما؛ يعني أن الغسل والصلاة متلازمان في الوجوب، فمن وجب غسله وجبت الصلاة عليه، ومن لا فلا، والغسل مقدم على الصلاة، فلو صلي عليه قبل غسله لم تجز، ولم تجز.

وحاصل المسألة أن من لا يغسل لشرفه، وهو الشهيد، لا يصلى عليه، ومن لا يغسل لكونه محكوما بكفره، أو لكونه سقطا لم يستهل، أو لكونه فقد جله لا يصلى عليه، فالذي يجب غسله والصلاة عليه من اجتمعت فيه أربعة أوصاف: الإسلام، وتقدم استقرار الحياة، وكونه غير شهيد معترك، وكونه لم يفقد جله؛ فالمراد بتلازم الغسل والصلاة تلازمهما في الطلب -كما قرره به غير واحد- وعلى هذا فكل من طلب فيه الغسل وتعذر غسله وتيممه لا تسقط الصلاة عليه؛ لأنه مطلوب ابتداء لكن تعذر، فإن فقد وصف من الأوصاف الأربعة سقط الطلب بالغسل، فسقط الطلب بالصلاة.

وبما قررت علم أن التيمم يقوم مقام الغسل عند تعذر الغسل، فييمم ويصلى عليه، ولا يعارض عدم تغسيل السقط ما يأتي من قوله:"وغسل دمه"؛ لأن معناه غسل على سبيل التنظيف وإزالة الأقذار، لا الغسل الذي هو كالجنابة.

وغسل كالجنابة؛ يعني أن غسل الميت كغسل الجنابة في الصفة، الإجزاء كالإجزاء، والكمال كالكمال؛ إلا ما يختص به الميت كالتكرار، ولا يكرر وضوءه بتكرر الغسل على أرجح قولين، كما قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. ابن بشير: وأما صفة الغسل، فإنه في صب الماء والتدلك على حكم غسل الجنابة. انتهى. الباجي: وينبغي على القول بتكرر الوضوء أن لا يغسل ثلاثا، بل مرة مرة حتى لا يوقع التكرار النهي عنه، وإذا لم نقل بتكريره أتيَ بثلاث أولا. قاله الشيخ محمد بن

(1)

سنن البيهقى، كتاب الجنائز، ج 4 ص 49.

ص: 35

الحسن. وقال: تبع الزرقاني في أرجحية عدم تكرير الوضوء الأجهوري. قال أبو علي: ولم أر ذلك لغيره.

واعلم أنه لا ينتقض غسل الميتة بوطئها بعده، فلا يعاد. قوله:"وغسل كالجنابة"، وله الدلك هنا بخرقة يجعلها على يده كالدلك مباشرة، وقد فعل علي كذلك حين غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقوله: "غسل كالجنابة"، أفاد وجوب التعميم والدلك، وأنه يسن أن يبدأ بغسل يدي الميت أولا؛ ثم يزيل الأذى عن جسده إن كان عليه أذى، ثم يوضئه، ثم يثلث رأسه، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم على الأيسر، كما مر ما يفيده.

وصرح في المدخل بأن فرائض غسل الجنابة وسننه وفضائله تأتي في هذا الباب. تعبدا؛ يعني أن غسل الميت غير معقول المعنى. فليس هو للنظافة، بل هو تعبد؛ بدليل تيممه عند عدم الماء، وقوله:"تعبدا"، مفعول لأجله أي غسل لأجل التعبد؛ أي امتثالا للأمر، مع أنا لم تظهر لنا حكمة الأمر به. وفي التوضيح: أن في الغسل فوائد منها: إكرام الملائكة؛ وتنبيه العبيد على أن المولى أكرمهم أحياء وأمواتا؛ وأن يعلموا أن من تأهب للقدوم على مولاه لم يقدم إلا طاهر القلب من المعاصي؛ متفرغا مما سوى الله تعالى؛ لأنه إذا اعتنى المولي بتطهير جسد يلقى في التراب، تهيأ العبد إلى تطهير ما هو باق؛ وهو النفس، فنسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من رعونات الشر، ويفرغها عن غيره: ويملأها من ذكره، ويقدمنا عليه وهو راض عنا. وقوله:"تعبدا"، وقيل: للنظافة، وعلى الأول لا يغسل المسلم الذمي، وعلى الثاني يغسله، والتعبد لمالك، والنظافة للشافعي؛ فإنه قال: لا بأس بغسل المسلم قرابته من المشركين ودفنهم، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور: وسبب الخلاف هو ما علمت. بلانية؛ يعني أن غسل الميت لا يفتقر لنية، بل يصح بدرنها، وإن كان التعبد لا بد له من النية؛ لأن ذلك في التعبد في النفس، وأما التعبد في الغير فلا يحتاج للنية كغسل الإناء من ولوغ الكلب، والنضح للثوب، كما قاله الباجي وابن رشد وغيرهما، ونقله في التوضيح وغيره. وقوله:"بلا نية"، متعلق بقوله:"غسل"، والباء للمصاحبة. والله سبحانه أعلم.

ص: 36

وقدم الزوجان؛ يعني أن الحي من الزوجين يقضى له على غيره، بأن يقدم عليه في مباشرة تغسيل الميت منهما، ولو أوصى بخلافه لمن يرجى خيره، إلا أن يكون أحد الزوجين محرما. قال الإمام الحطاب عند قوله:"وقدم الزوجان": يريد إلا أن يكون أحدهما محرما، قال مالك ولا ينبغي أن يغسل أحد الزوجين المحرمين الآخر يرى عورته، فإن فعل وكان عن ذلك مذي فليهد، فإن لم يكن مذي فلا شيء عليه، ويكره ذلك، انتهى. وعبارة الشبراخيتي: ثم إن محل تقديم أحد الزوجين ما لم يكن الحي منهما محرما، فإن فعل كره، وأهدى إن أمذى. انتهى. وإنما قدم الحي من الزوجين في الغسل على العصبة. لتغسيل زوجة أبي موسى الأشعري له رضي الله عنه، ولتغسيل أسماء بنت عميس أبا بكر رضي الله تعالى عنهما، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها؛ لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أزواجه، ولتغسيل علي زوجته فاطمة رضي الله تعالى عنهما. والظاهر في زوجتين فأكثر القرعة، قاله الشيخ إبراهيم. وقال الأمير: وإن تعدد الزوجات، اشتركن، فلا حاجة للقرعة. انتهى.

وأما في الإنزال في القبر، فيقدم الزوج على الأولياء في إنزالها فيه، وفي لحدها، كما في النص. ويقضى له به فيما يظهر، وأما الزوجة فلا تقدم في ذلك فيما يظهر أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو طلب أهل الزوجة دفنها بمقبرتهم وطلب الزوج ذلك بمقبرته، أجيب أهل الزوجة، كما أفتى به ابن عرفة، قاله الشيخ إبراهيم. قال: قال شيخنا في شرحه: ويفهم منه أنهم لو طلبوا دفنها بمقبرة غير مقبرتهم، وغير مقبرة الزوج، وامتنع الزوج، فإنه يجاب الزوج. انتهى.

وأما الصلاة على الميت فسيذكر ذلك بقوله: "والأولى بالصلاة وصي رجي خيره" الخ. إن صح النكاح؛ يعني أن محل تقديم الحي من الزوجين في تغسيل صاحبه إنما هو حيث صح النكاح، دخل بها أو لا، وأما إن فسد النكاح فلا يقدم، بل لا تغسيل له، كما في الحطاب؛ لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، كنكاح المريضة والمريض؛ لأنهما لا يتوارثان. قال اللخمي: وهذا مع وجود من يجوز منه الغسل، فإن عدم وصار الأمر إلى التيمم، كان غسل أحدهما الآخر من تحت الثوب أحسن؛ لأن غير واحد من أهل العلم أجازه. انتهى. نقله الشيخ الخرشي. وقال: ضمير أجازه راجع للنكاح؛ فهو من الأنكحة المختلف فيها، وظاهر قوله:"إن صح النكاح"، ولو كان فيه

ص: 37

خيار كنكاح المحجور من غير إذن وليه، ولو تنازع أولياؤها المتساوون فيمن تدفن معه، فقال بعضهم: ندفنها بتربة أبيها، وقال بعضهم: بتربة أمها، وكذا الرجل لو طلب بعضهم دفنه مع أولاده وبعضهم دفنه مع آبانه، من يجاب؟ والظاهر القرعة فيهما، وهل تقديم الزوجين في الغسل بالقضاء؟ وكذا من بعدهما إنما هو حيث كانوا مباشرين، لا إن أرادوا التوكيل، أو ولو أرادوا التوكيل، والأول هو ظاهر كلامه. انظر الخرشي.

إلا أن يفوت فاسده. مستثنى من المفهوم؛ أي فإن فسد النكاح فلا يقدم الحي من الزوجين في تغسيل صاحبه، إلا أن يفوت ذلك النكاح الفاسد بوجه من المفوتات الآتية، كالدخول في بعض الصور، والدخول والطول في بعض الصور، فيلحق بالصحيح حينئذ، ويقدم فيه الزوجان بالقضاء. ابن عرفة: والزوج أحق بإدخال زوجته في قبرها، فإن لم يكن فأقرب محارمها. ابن القاسم: فإن لم يكونوا فأهل الفضل. وقال سحنون: يلي المحارم النساء، ثم بعدهن أهل الفضل. وحاصل هذا أنه يجب على الأولياء أن يقدموا من طلب من الزوجين تغسيل صاحبه الميت، وليس المراد أنه يجب عليه هو الغسل: لأنه حق من حقوقه له إسقاطه وله القيام به. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ابن حبيب: وللزوج الاستعانة بذي محرم، فإن لم يكن فبذي الفضل عند أعلاها والزوج عند أسفلها، قالوا: ويستر قبرها. أشهب: ولا أكرهه في الرجل. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: بالقضاء متعلق بقوله: "وقدم"؛ يعني أن الحي من الزوجين يقضى له بتغسيل صاحبه، فيقدم فيه على غيره إن نازعه حيث باشر، وتندب لهما المباشرة.

وإن رقيقا؛ يعني أنه يقدم الحي من الزوجين بالقضاء في تغسيل صاحبه الميت؛ وإن كان الحي منهما رقيقا أذن: سيده؛ يعني أن محل تقديم الحي من الزوجين حيث كان رقيقا إنما هو إذا أذن السيد في تغسيله للميت؛ ولا يكفي الإذن في النكاح، فإن لم يأذن له في الغسل فلا؛ لأن فيه تضييع منفعة من منافعه؛ وهل يندب للسيد الإذن في ذلك أو يجوز؟ وظاهر المصنف: أنه يقدم بالقضاء مطلقا، وقاله ابن القاسم. وقال سحنون: إذا كان أحدهما أو كلاهما رقيقا قدم بغير قضاءة إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا كانت الزوجة حرة وهو رقيق، وأذن له سيده في الغسل؛ فيقضى له. والذي يوافق إطلاق المصنف قول ابن القاسم، وكلام الحطاب يفيد أن كلام سحنون

ص: 38

مقابل، وكلام الشيخ يقتضي أنه الراجح. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. قوله: وقال سحنون: إذا كان أحدهما أو كلاهما رقيقا الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: يوهم أنهما إذا كانا حرين ومات الرجل، فإنه يقضى للزوجة عند سحنون وليس كذلك، بل سحنون يقول بعدم القضاء للزوجة مطلقا. انتهى.

وعلة عدم القضاء على ما لسحنون إذا كانا رقيقين انقطاع حق الزوجة بالموت، وقوة تعلق حق السيد، وقوله:"أذن سيده"، المراد إذن سيد الحي منهما -كما عرفت- والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب عن ابن رشد: وأما الرجل فإنه يقضى له بغسل زوجته الحرة والأمة، وقيل: لا يقضى له بغسل زوجته إذا كانت أمة. انتهى. وذكر اللخمي عن سحنون: أنه لا يقضى للزوجة بغسل زوجها حرا كان أو عبدا، وأن الحر أولياؤه أحق به، فإن أسقط السيد حقه من الغسل، أو كان العبد ملكا لامرأة؛ كان الأمر إلى أولياء العبد. انتهى كلام الحطاب.

أو قبل بناء، عطف على المبالغة؛ يعني أن أحد الزوجين ثابت له القضاء بالتقديم في غسل صاحبه الميت، وإن كان موته قبل البناء، وأشار بالمبالغة في هذا إلى الخلاف. وقوله:"قبل بناء"، هذا في النكاح الصحيح -كما علمت- أو بأحدهما عيب؛ يعني أنه إذا كان بأحد الزوجين عيب يوجب الخيار في رد النكاح، ومات أحدهما قبل الاختيار، فإنه يقدم الحي منهما في تغسيل صاحبه الميت بالقضاء، سواء كان العيب بالحي أو بالميت، به أو بها، لانقطاع الخيار بالموت، هكذا حكاه اللخمي عن سحنون. وقال ابن عتاب: إن كان العيب بالحي لم يغسل الميت، وإن كان بالميت ففيه تنازع، وقوله:"أو بأحدهما عيب"، هو أيضا معطوف على المبالغة المشار بها إلى الخلاف.

أو وضعت بعد موته، عطف على المبالغة أيضا؛ يعني أن الزوجة إذا مات عنها زوجها وهي حامل؛ فوضعت قبل غسله، فإنها تقدم في تغسيله بالقضاء، كما لو لم تضع، وإن انقضت عدتها بالوضع؛ لأن ذلك حكم ثبت لها بالزوجية، فلا يتقيد بالعدة كالميراث، ويثبت للزوج أيضا مع عدم اعتداده، ولا يعلل بأن الغسل من توابع الحياة لاقتضائه جواز رؤيتها لفرجه بعد موته، مع أن ذلك ممنوع. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ البناني: هذا ظاهر المدونة، لكن سيأتي أن

ص: 39

ابن ناجي حمله على الاستحباب، وقوله:"أو وضعت بعد موته"، المبالغة فيه أيضا إشارة للخلاف كالذين قبله. وقوله:"أو وضعت بعد موته"؛ سواء تزوجت أم لا، وقوله: والأحب نفيه إن تزوج أختها؛ معناه أن ابن حبيب قال في مسألة ما إذا كانت المرأة هي الميتة: أحب إلي إذا نكح أختها أن لا يغسلها، وقاله أشهب وابن القاسم، ومثل أختها من يحرم جمعه معها. قاله ابن القاسم، وأشهب. لأنه كجمع بين محرمتي الجمع، وقد تموت أختها، فيجمع بين غسلهما. وجمعهما محرم في الحياة فكره في الوفاة، وهذا يفيد أن فعله مكروه لا خلاف الأولى، ومقتضى العلة المذكورة أن وطء من يحرم جمعه معها بالملك كالتزوج، وظاهر المصنف خلافه، وظاهره أنه يقضى له به إذا ترك العمل بالمستحب؛ إذ هو الأصل في الزوجة، ولا يقضى عليه بنفيه الذي هو مندوب؛ إذ لا يقضى بمندوب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"والأحب نفيه"؛ أي الأفضل نفي غسل الزوج زوجته حيث تزوج بعد موتها أختها.

أو تزوجت غيره؛ يعني أن الأحب أيضا نفي تغسيل الزوجة لزوجها الميت حيث مات ووضعت بعد موته وتزوجت زوجا آخر، كان أخاه أم لا. قال الشيخ محمد بن الحسن: الاستحباب في هذه لابن يونس من عنده، وفي التي قبلها: لابن القاسم وأشهب، ولا نقل ابن يونس الاستحباب في الأولى قال في هذه ما نصه: وكذلك عندي إذا ولدت المرأة، وتزوجت غيره، أحب إلي أن لا تغسله. انتهى. وقال الحطاب: أما الاستحباب في الأولى، فصرح به غير واحد، وأما في الثانية فنقله ابن عرفة عن ابن يونس. انتهى.

لا رجعية؛ يعني أن الزوجة المطلقة طلاقا رجعيا إذا ماتت هي أو زوجها قبل انقضاء عدتها، فإنه لا يغسلها في الأولى، ولا تغسله في الثانية، والفرق بين الرجعية، ومن تزوجت غيره، أنها مباحة للموت، بخلاف الرجعية لحرمة استمتاعه بها والأكل معها، وأما الظاهر منها فيقضي له ولها بالتغسيل، كما للعجماوي. وأولى المولي منها؛ لأن السبب -وهو الزوجية- باقية في كل منهما للموت، بخلاف الرجعية، وإن كان مطلوبا بوطء الثانية دون الأولى فإنه ممنوع من وطئها قبل الكفارة. وقوله:"لا رجعية"، بالرفع، فاعل فعل محذوف، وهو وفعله معطوفان على: "قدم

ص: 40

الزوجان" من عطف الجمل؛ أي لا تغسل رجعية، لكن "لا"، لا تعطف الجمل إلا على قول ضعيف عند النحويين. قاله الشيخ إبراهيم.

وكتابية؛ يعني أن الكتابية لا تغسل زوجها المسلم إن مات، كما لا يغسلها هو إن ماتت. إلا بحضرة مسلم؛ يعني أن محل عدم تغسيل الكتابية لزوجها المسلم حيث لم يكن ذلك بحضرة مسلم، وأما إن حضر لها عند التغسيل مسلم مميز عارف بأحكام الغسل ذكرا كان أو أنثى فإنها تغسله؛ وعبارة الشيخ إبراهيم عند قوله:"إلا بحضرة مسلم"، ذكرا كان أو أنثى، عارف بأحكام الغسل، وإلا فحضوره كالعدم. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله:"بحضرة مسلم"، مميز عارف بأحكام الغسل يؤمن معه إقرارها على خلاف ما يطلب في تغسيله فيما يظهر، وهذا كالمستثنى من قوله:"تعبدا"، فتقدم بالقضاء، كما نقله العجماوي عن شيخه الشيخ سليمان. وظاهر قول مالك: عدم القضاء لها، ولو ماتت هي لم يغسلها زوجها، كما صرحوا به. وينبغي: ولا يدخلها قبرها إلا أن تضيع فليوارها قياسا علىم سيأتي. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قوله: وهذا كالمستثنى من قوله: "تعبدا"، فيه نظر، بل هذا لا ينافي ما تقدم من أن الغسل تعبد، قال الرماصي: بدليل أنهم لم يعزوا النظافة إلا لابن شعبان، كما في ابن عرفة والتوضيح، والخلاف في غسل الذمية المسلم بين ملك وأشهب وسحنون، وهم يقولون بالتعبد وإباحة: أي حلية. الوطء، حلية أصلية فلا يضر تحريم عارض من حيض أو نفاس أو ظهار. قاله البساطي. قاله الشيخ إبراهيم. مستمرة للموت، حاصلة بسبب رق، كالقن، وأم الولد، والمدبرة، ولو كان السيد عبدا تبيح؛ أي تسوغ، والفاعل ضمير يعود على الإباحة، وهي مبتدأ، والخبر قوله:"تبيح"، الغسل مفعول تبيح، من الجانبين؛ أي يباح للسيد تغسيلها، ويباح لها هي تغسيله بذلك. ومعنى كلام المصنف أن السيد إذا كان مباحا له وطء أمته إباحة مستمرة إلى أن مات أو ماتت، كالقن وأم الولد والمدبرة، فإنه يباح لها أن تغسله، ولا يقضى لها بذلك، ويباح له هو أن يغسلها ويقضى له بذلك.

ودخل في كلام المصنف المحرمة لعارض من حيض أو نفاس، فيباح له تغسيلها، كما يباح لها تغسيله، وكذا الظاهر منها. قاله الشيخ إبراهيم عن البساطي. وكون الأمة لا يقضى لها على

ص: 41

عصبة السيد متفق عليه، ولا بد من إذنهم لها، فإن لم يكونوا أو لم يمكنهم الغسل، فالظاهر أنها أحق إذا كانت تحسنه. وإنما أبيح لها مع انتقال الملك بالموت؛ لأنها لم تنتقل للوارث إلا وفيها حق للموروث؛ كالزوجة تضع بعد الموت. قاله في الطراز.

وخرج بالإباحة: المكاتبة، والمبعضة، والمعتقة لأجل، وأمة القراض، وأمة الشركة، وأمة المديان بعد الحجر عليه، وكذا الأمة المتزوجة. وفهم اللخمي من كلام سحنون أن الأمة المتزوجة يغسلها السيد، ولم يفهم من كلامه أنها تغسله. قاله الشيخ محمد بن الحسن. رادا على الشيخ عبد الباقي؛ حيث قال: إن اللخمي فهم من سحنون أن الأمة المتزوجة تغسل سيدها، قال الشيخ عبد الباقي: وينبغي منع غسل الخدمة كالمتزوجة، وقد مر عن البساطي أن الأمة المظاهر منها تغسل السيد ويغسلها، واستظهر الحطاب المنع، واستظهر الرماصي ما استظهره الحطاب من المنع، وتخرج أيضا الأمة المولى منها إن قيل بدخول الإيلاء في الإماء بمعنى الحلف على ترك الوطء، لا المبوب له. وفي كتاب الشيخ الأمير: والظهار والإيلاء يمنعان منه في الأمة لا الزوجة، والفرق بينهما أن الغسل في الأمة منوط بإباحة الوطء، وفي الزوجين بعقد الزوجية؛ وتخرج أيضا المستبرأة المواضعة، والمبيعة بخيار فليس لهما تغسيل بائع ولا مشتر. وينبغي أن للسيد تغسيل المبيعة بخيار، لانقطاع حق المشتري منها بالموت دون المستبرأة المواضعة، فتحصل من هذا أن جملة الإماء الممنوع تغسيلها للسيد اثنتا عشرة أمة، وهي: المكاتبة، والمبعضة، والمعتقة لأجل، وأمة القراض، وأمة الشركة. وأمة المديان بعد الحجر عليه، والمتزوجة، والمخدمة، والمظاهر منها، والمولى منها؛ والمواضعة، والمبيعة بخيار. والله سبحانه أعلم.

وأما المستبرأة التي لا تتواضع بأن كانت وخشا ولم يقر البائع بوطئها، فيغسلها السيد إن ماتت، وتغسله هي إن مات. ثم أقرب أوليائه، قوله:"أقرب"، عطف على الزوجان؛ يعني أنه إن لم يكن أحد الزوجين، أو كان، وأسقط حقه. أو غاب، فإن الميت إذا كان ذكرا يقدم في تغسيله بالقضاء أقرب أوليائه علي أبعدهم كالنكاح، فيقدم ابن، فابنه، فأب، فأخ، فابنه، فجد، فعم، فابنه؛ وقدم الشقيق على غيره، وكذا عاصب النسب، ويقرع بين المتساويين، ومن قدم قدم بالقضاء -كما مر- في أول الحل، وإذا كان الولي كافرا؛ فإن وجد مسلما ولو أجنبيا، فإن الكافر

ص: 42

لا يجوز أن يغسله، وسيقول المصنف:"ولا يترك مسلم لوليه الكافر" الخ، فإن لم يوجد إلا النساء، فقال مالك: تعلمه النساء ويغسله، وقال أشهب في المجموعة: لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وكذلك الكافرة في المسلمة، ثم يحتاطون بالتيمم، وهذا التقرير للبناني، وهو الظاهر وإن ناقشه الرهوني. قوله:"ثم أقرب أوليائه"، نظم الشيخ علي الأجهوري ذلك، فقال:

بغسل وإيصاء ولاء جنازة

نكاح أخا وابنا على الجد قدم

وعقل ووسطه بباب حضانة .... وسوه مع الآباء في الإرث والدم

قوله: بغسل؛ أي في تغسيل الميت يقدم الأخ وابنه على الجد، وكذا في الوصية للأقارب، فيقدم الأخ وابنه على الجد، وكذا يقدم الأخ وابنه على الجد أيضا في الولاء، فإذا مات شخص وله معتق بالفتح، ثم مات المعتق بالفتح ولم يكن له وارث نسب، فيقدم في إرثه أخو المعتق بالكسر وابنه؛ أي أخي المعتق بالكسر على جد المعتق بالكسر. وقوله: جنازة؛ يعني به أن أخا الميت وابن أخيه أولى بالصلاة عليه من الجد عند اجتماعه مع واحد منهما، وقوله: نكاح، يشير به إلى قول المصنف: فأخ فابنه فجد، وقوله: وعقل؛ أي إذا تمت العاقلة بالأخ للميت وابنه في حمل دية الخطإ، فإن الجد لا شيء عليه، ويتوسط الجد للمحضون بين أخي المحضون وابن أخيه، فيقدم الأخ على الجد، ويقدم الجد على ابن الأخ، كما قال. ووسطه بباب حضانة. وقوله: وسوه مع الآباء في الإرث والدم؛ أي آباء أبناء الإخوة، وحينئذ فالمراد بالآباء الإخوة بأنفسهم، فإذا مات شخص وله مال، وله أخ وجد، اقتسما ماله، وكل واحد منهما يحجب ابن أخي الميت، وإن قتل شخص عمدا فالاستيفاء لأخيه وجده، وهما في رتبة واحدة، ولا كلام لابن أخي الميت مع وجودهما أو وجود أحدهما. والله تعالى أعلم.

ثم أجنبي؛ يعني أنه إذا لم يوجد أحد من أولياء الميت الذكر كما لو لم يكن أو غاب، فإنه يقدم في تغسيله بالقضاء على محارمه الإناث رجل أجنبي، وليس المراد ما يقتضية المصنف من أنه إذا لم يكن أقرب أوليائه يقدم الأجنبي على أوليائه غير الأقارب، بل المراد لم يكن أحد من الأولياء لا قريب ولا بعيد -كما قررت- والله سبحانه أعلم.

ص: 43

ثم امرأة محرم. وهي من يحرم نكاحها، قال في القاموس: والحرمة بالضم وبضمتين: ما لا يحل انتهاكه، والذمة، والمهابة؛ والنصيب {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ} ؛ أي ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وحرمك بضم الحاء، نساؤك، وما تحمي، وهي المحارم الواحدة كمكرم، وتفتح راؤه؛ ورحم محرم محرم نكاحه. انتهى؛ يعني أنه إذا مات شخص ذكر ولم يحضر في ذلك الوقت رجل، وإنما حضره النساء، فإنه تغسله امرأة محرم بنسب أو رضاع أو صهر، كأم زوجته، أو زوجة أبيه أو ابنه؛ وتقدم عند التنازع محرم النسب، ثم الرضاع، ثم الصهر. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وينبغي عند التنازع تقديم محرم النسب، ثم الرضاع: ثم الصهر. وكذا يقال فيما يأتي في تغسيل المرأة الميتة. انتهى. وقال الشيخ الخرشي. عند قوله: "تم امرأة محرم": ولو كافرة. انتهى. وقال الإمام الحطاب: ظاهره أنه لا ينتقل للنساء المحارم إلا عند عدم الرجال الأجانب مسلمين كانوا أو كتابيين. وأنه لو وجد كتابي لغسله، قال ابن ناجي: وقد اختلف في ذلك، فقال مالك: يعلمه النساء ويغسله، وقال أشهب في المجموعة: لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وقال سحنون: يغسله الكافر، وكذلك الكافرة في المسلمة، ثم يحتاطون بالتيمم. والله أعلم. ونقله ابن هارون أيضا، وقال: إن الكتابية كذلك إذا كانت مع الأجانب فيعلمونها إلى آخره، ولا فرق بين محارم النسب والصهر على المنصوص، وكذلك في محارم المرأة على المشهور. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: كل من ذكر الخلاف في أن الكافر يغسل المسلم مقيد بما إذا لم يوجد معه إلا النساء الأجانب، وأما إن وجد معه مسلم ولو أجنبيا فلا يجوز أن يغسله الكافر ولو كان من أوليائه. انتهى، فما في شرح الشيخ عبد الباقي والحطاب من عدم التقييد بذلك غير ظاهر.

وهل تستره أو عورته؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول المدونة: من مات في سفر لا رجال معه ومعه نساء فيهن ذات محرم فإنها تغسله وتستره، هل معناه تستره كله؟ وهو فهم اللخمي. ومن وافقه، وهو الذي في الأمهات، واختصرها عليه المختصرون، ولابن القاسم في سماع عيسى بن معاوية مثله، أو معناه: تستر عورته فقط بالنسبة لها؟

ص: 44

وقد مر أن عورته معها كرجل مع مثله؛ أي ما بين السرة والركبة، وهو فهم التونسي. عياض: وهو أصح في المعنى؛ لأن النظر في جسده غير ممنوع عليهن، ولهن أن يرين منه ما يراه سائر الرجال. انتهى. وفي الشبراخيتي: ويعضده؛ يعني هذا الأخير جواز رؤيتها لما عداها أي العورة في الحياة، وعلى هذا التأويل الثاني اقتصر صاحب الرسالة ومن وافقه، وقوله: تأويلان: مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، وهما في قول المدونة السابق: وتستره، فإن لم يوجد ساتر غسلته مع غض البصر، ولا يترك الغسل كذا ينبغي. قاله الشيخ أحمد، نقله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: إنها لا تباشر إلا بخرقة، وقوله:"تم امرأة محرم"؛ هو المعتمد.

قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر أن التأويل الأول أقوى من الثاني، والله سبحانه أعلم.

ثم يمم لمرفقيه؛ يعني أنه إذا لم يكن مع الميت الذكر رجل ولا امرأة محرم، بل أجنبية؛ فإن المرأة الأجنبية تيممه لمرفقيه، وهذا هو المشهور، وهو ورهب المدونة، وقيل: ييمم إلى الكوعين" ولا يفتقر هذا التيمم لنية كذا ينبغي. قاله غير واحد. والواجب من هذا التيمم ينتهي للكوعين، ومنهما للمرفقين سنة كالتيمم للحدث. الشبراخيتي: هذا على القول بالوجوب في الغسل، وأما على القول بسنية الغسل فإنما تيممه لكوعيه، وقال الشيخ عبد الباقي: ظاهر إطلاقهم هنا وجوب التيمم إلى المرفقين. انتهى. وقال حكم التيمم حكم الغسل، لكونه بدله. انتهى. وإذا يمم لمرفقيه ثم وجد رجل يغسله؛ فإن كان قبل الصلاة عليه غسله، وإن كان بعدها لم يغسل؛ لأن الصلاة لا تكرر، وينبغي عدم الإعادة إن جاء رجل حال الصلاة عليه، ويناسبه قوله في التيمم: وبوجود الماء قبل الصلاة لا فيها. كعدم الماء؛ يعني أن الميت إذا لم يوجد من الماء ما يغسل به، فإنه ييمم للمرفقين؛ فإن وجد الماء بعد الصلاة عليه لم يغسل، وكذا إن وجد فيها فيما يظهر، وإن وجد قبلها غسل قولا واحدا، وهذا مما يؤيد القول بأن غسله تعبد لا للنظافة، كما يقول ابن شعبان، وعلى ما لابن شعبان: لا ييمم، قاله الخرشي. وتقطيع الجسد؛ يعني أن الميت إذا خيف عليه أن يتقطع جسده من صب الماء عليه تقطعا فاحشا كما قاله الشيخ إبراهيم -فإنه ييمم لمرفقيه، وأما إذا خيف عليه ذلك من الدلك فإنه يترك الدلك ويصب عليه الماء، قال الشيخ عبد الباقي

ص: 45

والشيخ إبرهيم: والظاهر أن المراد بالخوف الشك فما فوقه، لا ما يشمل الوهم، ويرجع في ذلك لأهل المعرفة. ومعنى تقطيع الجسد انفصال بعضه من بعض.

وعلم مما قررت أن المراد خيف تقطيع الجسد كما فسره به الشارح وغيره، وأما الجسد المقطع فإنه إذا اجتمع كله أو جلد غسل وصلي عليه، كما صرح به في سماع موسى. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب؛ وتزليعه؛ يعني أن الميت إذا خيف عليه من صب الماء أن يتزلع جلده؛ أي يتسلخ كالسموم والمحروق؛ فإنه ييمم للمرفقين، وأما إذا خيف عليه ذلك من الدلك؛ فإنه يترك الدلك ويصب عليه الماء، وخوف تقطع بعضه وتزلعه كخوف حصولهما في جملته، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: وتقطع وتزلع بلا ياء، قاله الخرشي. والظاهر أن المراد بالخوف هنا الشك فما فوقه؛ لا ما يشمل الوهم، قاله الشيخ عبد الباقي.

وصب على مجروح أمكن ماء، يعنى أن محل التيمم في قوله:"وتقطيع الجسد وتزليعه"، حيث لم يمكن صب الماء عليه لكونه إذا صب عليه الماء يخاف عليه من التزلع أو التقطع، وأما إن أمكن صب الماء عليه لكونه لم يخف عليه التزلع ولا التقطع من صب الماء عليه فإنه يصب عليه؛ فإذا كان بالشخص جراح لا يمكن معها الدلك ويمكن معها صب الماء فإنه يصب عليه الماء من غير دلك، ويصلى عليه ولا ييمم.

وقد علمت أن معنى الإمكان أن لا يخاف عليه التزلع ولا التقطع من ذلك، كما نص عليه الشيخ إبراهيم وغيره. والله سبحانه أعلم. وفاعل "أمكن"، ضمير يعود على الصب المفهوم من قوله:"وصب"؛ على حد قوله عز وجل: {عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُو} ؛ أي العدل، وإلى ذلك الإشارة بقول الشيخ المختار بن بون الجكني رحمه الله:

واستغن عن مفسر الضمير

بالكل والجزء وبالنظير

كمجدور؛ يعني أن المجدور؛ وهو الذي أصابه الجدري داء معروف يصب عليه الماء، ولا ييمم. والمجدور بالدال المهملة والمعجمة وأول ما ظهر الجدري من قصة أصحاب الفيل، ولم يكن قبلها. قاله الشيخ الخرشي. وما ذكر من الإعجام تعقبه الرهوني؛ والجدري، بضم الجيم وفتح الدال المهملة وبفتحهما. إن لم يخف تزلعه؛ يعني أن محل صب الماء على المجدور وعدم كونه ييمم،

ص: 46

إنما هو حيث لم يخف تزلعه، وأما إن خيف عليه التزلع من صب الماء عليه فإنه ييمم. قال الشيخ الخرشي والشيخ إبراهيم إن قوله:"إن لم يخف تزلعه"، راجع للمجدور وللمجروح، والخوف هنا. كما مر. الخرشي: لو قال: وصب على مجروح ومجدور ماء إن لم يخف تزلع كل، لكان أخصر وأحسن؛ لأن المراد بقوله:"أمكن"، أن لا يخاف تزلعه. انتهى. قال مؤلفه رحمه اللّد: والذي يظهر أن قوله: "إن لم يخف تزلعه"، راجع لمدخول الكاف، فقط. كما هو الأغلب في قاعدته من رجوع القيد لما بعد الكاف، وأما المجروح فلا يرجع له للاستغناء عنه، بقوله:"أمكن"، والله سبحانه أعلم.

وأعلم أن هذا الحكم لا يختص بالمجروح ولا بالمجدور، بل كل من يخشى عليه من ذلك مثله، وحاصل ما أشار إليه المصنف من قوله:"وتقطيع الجسد"، إلى قوله:"إن لم يخف تزلعه"، أن الميت لابد من تغسيله ودلكه إن أمكن، وإلا صب عليه الماء من غير دلك إن أمكن، وإلا يمم وذلك كالمجدور، والمجروح، وذي القروح، ومن تهشم تحت الهدم، والمسموم، والمحروق ونحوهم. وقال الأمير: ولم يذكروا هنا مسحا على جبيرة، وإلا لمسح على الكفن، وليس من عمل الناس. انتهى. والله تعالى أعلم.

والمرأة أقرب امرأة؛ يعني أن المرأة فيما تقدم كالرجل، فإذا امتنع زوجها أو سيدها من غسلها، أو لم يكن أو غاب، فإنها يغسلها الأقرب إليها من أهلها النساء على ترتيب العصبة، فتقدم البنت، ثم بنت الابن، ثم الأم، ثم الأخت، ثم بنت الأخ، ثم الجدة، ثم العمة، ثم بنت العم، وتقدم الشقيقة على غيرها. ثم إن لم يوجد من أقاربها النساء أحد، فإنها تغسلها أجنبية مسلمة، وكذا تغسلها كافرة بحضرة مسلم أجنبي، ومعناه أنه يعلمها، لا أنه يحضر الغسل. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وأما لو حضر مسلم محرم فلا تغسلها الكافرة، بل يغسلها هو -كما مر- فالرجل المحرم يقدم في غسل محرمه المسلمة على الكافرة، وتقدم عليه المسلمة الأجنبية. والله تعالى أعلم. قوله:"ثم أجنبية"، قال الشيخ عبد الباقي: وتباشر الأجنبية غسلها بلا خرقة حتى عورتها -كما هو ظاهر كلامهم- ولعل الفرق بين تغسيلها وتغسيل المحرم محرمه -وأحدهما ذكر والآخر أنثى- أن مس الذكر عورة الأنثى وعكسه أشد حرمة من مس عورة الأنثى للأنثى، وكذا

ص: 47

يقال في النظر. انتهى. قوله: وتباشر الأجنبية غسلها بلا خرقة حتى عورتها، الظاهر أن هذا غير صحيح؛ لأنه إذا كان يمنع النظر، فمنع الجس من باب أولى، وفي المواق عن المازري ما نصه: وأما غسل المرأة؛ يعني المرأة فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر الرجل؛ أي من الرجل من السرة إلى الركبة.

وبما قررت علم أن معنى قوله: "ثم"، [إن

(1)

] لم يوجد من أقاربها النساء أحد، وليس المراد إن لم تكن أقرب امرأة. كما هو واضح.

تنبيه: نقل الشيخ إبراهيم عن الدميري: أنه غسلت امرأة امرأة بالمدينة في زمن مالك، فالتصقت يدها بفرجها، فتحير الناس في أمرها، هل تقطع يد الغاسلة، أو فرج الميتة؟ فاستُفتِي مالك، فقال: سلوها ما قالت لما وضعت يدها عليها؟ فسألوها، فقالت: قلت طالما عصى هذا الفرج ربه، فقال مالك: هذا قذف اجلدوها ثمانين تخلص يدها، فجلدوها ذلك فخلصت يدها، فمن ثم قيل لا يفتى ومالك بالمدينة. انتهى.

ولف شعرها، يقال: لفه ضد نشر كلففه؛ يعني أن المرأة الميتة يلف شعرها أي يدار على رأسها كالعمامة، قاله الشيخ إبراهيم. وهو يقول ابن القاسم في العتبية، ويعمل بشعر المرأة ما أحبوا من لفه، وقوله:"ولف" مبني للمفعول.

ولا يضفر؛ يعني أن شعر المرأة الميتة لا يضفر لقول ابن القاسم: وأما الضفر فلا أعرفه. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وإن ضفر شعرها فحسن، والمنكر كونه أمراً لا بد منه، كما قال ابن رشد. انتهى. والضفر: نسج الشعر وغيره عريضا، وعقصه: ضفره وليه على الرأس. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يضفر وجوباً، بل ندباً [لضفر أم عطية شعر بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي أم كلثوم بحضرته صلى الله عليه وسلم ثلاث ضفائر، ناصيتها، وقرنيها، ثم ألقت الجميع خلفها]

(2)

ابن رشد: وهو حسن، وقد روي: يصنع بالميت ما يصنع بالعروس، غير

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.

(2)

فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها. البخاري، كتاب الجنائز، الحديث: 1263/ 1262. ومسلم، كتاب الجنائز، الحديث: 939.

ص: 48

أنه لا يحلق ولا ينور لا رقية لموتها وهو ببدر، ولا فاطمة لموتها بعده بستة أشهر. انتهى. قوله:"ولا يضفر"، وجوباً، بل ندباً إلخ.

حمل كلام المصنف على هذا لأنه على هذا حمل ابن رشد قول ابن القاسم: يعملون بالشعر كيف شاءوا من لفه، وأما الضفر فلا أعرفه. انتهى. فقال ابن رشد: إنه لا يعرفه من الأمر الواجب؛ وهو إن شاء الله حسن من الفعل، وقوله: أي أم كلثوم، كونها أم كلثوم هو الذي نقله ابن حجر عن ابن التين، وذكر له طرقاً، لكن قال: المشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع. انتهى. ورجحه أيضًا النووي في شرح مسلم، وقوله: بحضرته صلى الله عليه وسلم إلخ، اعترض هذا بأنه ليس في شيء من طرق الحديث ما يدل عليه، بل بحث الأبي في شرح مسلم في الاستدلال بهذا الحديث بأنه عليه الصلاة والسلام لم يطلع على ما فعلته أم عطية؛ إذ ليس في الحديث أنه أمرها بذلك، ولا أنه علمه ووافق عليه، ولعل ابن القاسم لهذا أنكر الضفر. انتهى. قلت: ذكر القرطبي أن الحديث محتمل لاطلاعه صلى الله عليه وسلم، أو أنه شيء رأته ففعلته استحساناً، قال: لكن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء من جنس القرب إلا بإذن من الشرع محقق. انتهى. نقله ابن حجر. ونقل عن النووي أنه قال: الظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليه وتقريره له، وذكر ابن حجر رواية بلفظ الأمر عن أم عطية، قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اغسلنها وترا، واجعلن شعرها ضفائر

(1)

]. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشارح: قال ابن حبيب: لا بأس بالضفر. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: وقوله: "ولا يضفر"، ضعيف، والمعتمد أنه يضفر، انتهى المراد منه.

ثم محرم؛ يعني أنه إذا لم يكن أحد من النساء لا قريبة ولا بعيدة، أو غاب، ولم يوجد إلا الرجال؛ فإن المرأة الميتة يغسلها رجل من محارمها من النسب أو الرضاع أو الصهر، قال الشيخ إبراهيم: ويجري هنا في المحرم ما جرى فيما قبله؛ يعني من تقديم محرم النسب على محرم الرضاع، ثم محرم الرضاع على محرم الصهر. والله سبحانه أعلم. وإذا غسل الميتة رجل من

(1)

فتح الباري، ج 4 ص 117.

ص: 49

محارمها؛ فإنه يلف على يده خرقة غليظة ليلا يباشر جسدها بيده، ويفضي بالخرقة لجسدها، ويجعل بينه وبينها حائلًا، كما أشار إليه بقوله: فوق ثوب؛ يعني أن الصب والإفضاء بالخرقة من تحت الثوب، ونظر الرجل المحرم الغاسل فوق الثوب، وقوله:"فوق ثوب"، الذي يظهر من كلامهم أن "فوق" خبر عن مبتدإ محذوف تقديره: نظره فوق ثوب. والله سبحانه أعلم. وقوله: "فوق ثوب"، صفته أن يعلى من السقف بينها وبين الغاسل ليمنع الغاسل النظر، ويلف على يده خرقة غليظة. وللشبراخيتي عن شيخه: أن عبارة المصنف كعبارة المدونة، وتأولها شراحها على أن معناها: يغسلها تحت ثوب، فتأول "فوق" في المصنف على أنها بمعنى: تحت، وفوق تأتي بمعنى تحت، وهو حال من فاعل يغسلها المقدر.

وما قررت به كلام المصنف أولاً نحوه للشَّيخ عبد الباقي وغيره، قال الشيخ محمد بن الحسن: هو قول ابن حبيب، وجعله أبو الحسن تفسيراً للمدونة، وقال في التوضيح: مذهب المدونة أنه يغسلها من فوق ثوب؛ وهو تأويل ابن رشد عليها. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وأما المرأة المحرم تغسل محرمها الرجل فإنها لا تباشر منه بيدها ما يجب عليها أن تستر منه؛ وهو جميع جسده على أحد القولين، وعورته على الآخر كما قدمه المصنف، وما عداه تباشر، لكن تجعل بينها وبينه ثوباً كما هنا. انتهى. وقد مر عن الأمير عند قول المصنف:"وهل تستره أو عورته" أنها: لا تباشر إلا بخرقة. والله سبحانه أعلم.

ثم يممت لكوعيها؛ يعني أنه إذا لم يوجد عند الميتة إلا الرجال الأجانب، فإنها ييممها واحد منهم؛ أي ييمم وجهها ويديها لكوعيها من غير حائل، ولا ييمم ذراعيها؛ لأن ذراعيها عورة اتفاقاً بخلاف وجهها وكفيها، وإنما جاز مسهما للأجنبي هنا دون الحياة لندور اللذة هنا، وفرق أبو الحسن بين الرجل تيممه المرأة لمرفقيه وهو ييممها لكوعيها؛ بأن تشوف الرجال للنساء أقوى من عكسه، ولا يتيمم المصلي إلا بعد الفراغ من تيمم الميت؛ لأنه وقت دخول الصلاة عليه، انظر التتائي. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: أظهر من هذا الفرق ما في المعيار عن ابن مرزوق: أن الوطء من الرجل الحي للميتة أمكن من عكسه لوصوله إلى ما يريده من جماعها على التمام دونها، فحرم عليه ما زاد على أقل ما يمكن في التَّيمم سدا للذريعة. انتهى.

ص: 50

وإذا يممت المرأة لكوعيها، ثم وجدت امرأة تغسلها فإنها تجري على ما مر؛ أي فإن وجدت قبل الصلاة غسلتها، لا فيها، ولا بعدها. والله سبحانه أعلم.

وستر، بالبناء للفاعل أو للمفعول، كما للشَّيخ إبراهيم. من سرته لركبته؛ يعني أن الغاسل يجب عليه أن يستر من سرة الميت لركبته. وإن زوجا؛ يعني أنه لا فرق في وجوب ستر الغاسل من سرة المغسول لركبتيه بين أن يكون الغاسل زوجا أو سيداً، وبين غيرهما لانقطاع الزوجية بالموت، وقال ابن ناجي: إن ستر أحد الزوجين للآخر مستحب، إلا أن يكون معه معين، فيجب اتفاقاً. وأعلم أن ظاهر المدونة الوجوب حتى في الزوج، ويفيده الشادلي، وحمل ابن ناجي المدونة على الاستحباب في الزوج إلا أن يكون معه معين، فيجب اتفاقاً، فعلى ما هو مفاد الشارح: لا إشكال في كلام المصنف، وعلى كلام ابن ناجي: تشكل المبالغة؛ لأن ما قبلها يجب فيه الستر، إلا أن تحمل المبالغة على ما إذا كان مع أحد الزوجين معين قاله الشيخ الخرشي. ورد المصنف بالمبالغة على ابن حبيب القائل: يجوز أن يغسل كل واحد منهما صاحبه بادي العورة، إلا أن يحتاج الغاسل إلى معونة غيره فإنه يستر العورة باتفاق. قاله الشارح. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وعلى القول بالستر لا يطلب إلا ستر العورة خاصة لا ما ذكره المصنف، فتأمله. ذكره أبو زيد. انتهى. قوله: على القول بالستر؛ أي ستر أحد الزوجين لصاحبه، قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه.

ولما قدم حكم الغسل والصلاة، وبين من يلي الغسل وكيفيته على سبيل الإجمال، شرع يبين أركان الصلاة، فقال: وركنها النية، الضمير في ركنها عائد على الصلاة المتقدم ذكرها في أول الباب، والركن بالضم في اللغة: جانب الشيء الأقوى، والمراد به عند العلماء جزء الشيء الذي ينعدم الشيء بانعدامه؛ يعني أن من أركان الصلاة على الجنازة النية؛ وهي قصد الصلاة على هذا الميت خاصة، واستحضار كونها فرض كفاية؛ فإن غفل عن هذا الأخير لم يضره، كما لا يضره ذلك في فرض العين. قاله غير واحد.

قال مؤلفه عفا الله عنه: وقضية هذا أنه يقصد الشفاعة للميت بهذه القربة المشتملة على تمجيد الله تعالى، والخضوع له بالدعاء لهذا البيت وغيره؛ أي الدعاء امتثالا لأمر الله تعالى ورسوله، لا أن المراد بالنية قصد البيت بالدعاء فقط؛ والله تعالى أعلم.

ص: 51

تنبيهات: الأول: لو صلى على الجنازة على أنها أنثى فوجدت ذكراً أو بالعكس، أجزأت. قاله ابن يونس. قال التونسي: لأن القصد عين الشخص، فلا يضر جهل صفته، واغتفر الواقع على طبق اعتقاده المخالف لما في نفس الأمر، وكذا لو صُلّيَ عليها ولا يُدرَى أرجل هي أو أمرأة؟ فالصلاة مجزئة؛ لأنه إن شاء ذكر، ونوى الشخص أو الميت، وإن شاء أنث ونوى الجنازة، فإن علم أثناء الصلاة بتعيينه خصه فيما بقي بما يدعى له به، وإن حصل التعدد ولم يعلم، قال: من أصلي لوقوع من على المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، والخنثى المشكل حيث كان خنثى، ولو كانت الجنازة واحدة وظن الإمام والمأموم أنها جماعة فإن الصلاة تجزئ؛ لأن الجماعة تتضمن الواحد، وأما لو ظن الإمام أنها واحدة، وظن المأموم أنهم جماعة فإذا هم جماعة، فإنها تعاد حتى من المأموم؛ لأن صلاته مرتبطة بصلاة إمامه، وكذا تعاد إن كان في النعش اثنان وظنهما واحدًا ونوى الصلاة عليه فقط، فتعاد عليهما إن لم يعينه باسمه مثلاً، ليلاً يلزم الترجيح بلا مرجح، فإن عينه أعيدت على غيره. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي: لو صُلّيَ عليها على أنها جماعة فوجدت واحدًا فإنها تجزئ، سواء تبيّن له ذلك بعد الفراغ أو في أثنائها، غير أنه يدعو في الثانية لواحد في بقية الصلاة.

الثاني: يستحب أن يصف جماعتها ثلاثة صفوف، وعد المصنف أركانها أربعة: النية، وأربع تكبيرات، والدعاء، وتسليمة، وزاد سند وعياض: القيام، ولا يقال: إنما ينبغي عده فرضاً على القول بفرضية الصلاة؛ لأن سنداً شهر السنية وعده فرضاً، فمقتضاه أنه فرض على القولين، وأما الإمام فعند ابن رشد أنه شرط، وعند اللخمي أنه سنة؛ لأن الجماعة فيها مستحبة، فتركَ المصنف الإمام والقيام، وفي كل منهما قولان، والمعتمد في القيام الركنية، وفي الإمام السنية، وسكت المصنف عن شروطها لمساواتها لغيرها فيها، قال عياض: يشترط في صحتها ما يشترط في سائر الصلوات المفروضة، إلا أنه لا قراءة فيها، ولا ركوع، ولا سجود، ولا جلوس انتهى. وصفتها أن يكبِّر قائماً بنيَّة، يرفع يديه فيدعو، ثم يكبِّر فيدعو، ثم يكبِّر فيدعو، ثم يكبِّر. قيل: يدعو، وقيل: لا يدعو، ثم يسلم؛ وهو في هذا كله قائم لا يركع ولا يسجد ولا يجلس. والله سبحانه أعلم.

ص: 52

الثالث: قال الشيخ الخرشي: إنما لم يقرأ في الجنازة؛ لأن ثواب القراءة للقارئ، فلا ينتفع بها الميت ما لم يقل: أوصل ثواب ذلك إلى فلان فيصل إليه. ولا يضره ذلك في الصلاة لأنه دعاء، وقد صرحوا بأن القراءة فيها مكروهة، والذي يفهم من كلام بعضهم أنه لا بد في صلاة الجنازة من كونها على الأرض لا على أعناق الرجال؛ لأنه ذكر أنه لو ترك بعض التَّكبير نسياناً أو جهلاً تركت وكملت، وإن بعد استأنف، ونحوه في المواق.

وفي الحطاب: ولا تستحب قراءة الفاتحة على المشهور، والشاذ استحبابها، وحكى في الجواهر عن أشهب: استحبابها عقب التكبيرة الأولى، قال ابن راشد: وكان شيخي القرافي يحكيه ويقول إنه يفعله. انتهى.

الرابع: لو ذكر إمام الجنازة أنه جنب أو رعف، فحكمه حكم إمام المكتوبة في الاستخلاف. قاله في العتبية. ولو ذكر بعد الفراغ أنه جنب لم يعد، وإن لم ترفع الجنازة، وإن كان هو ومن خلفه على غير طهارة أعادوا، ولو ذكر فيها منسية لم يقطع؛ إذ لا ترتيب بين الجنائز والفرائض، وفي الذخيرة: والترتيب إنما يدخل في الوقتيات؛ وهي آكد من النوافل، فلا تقطع. ولو جهلوا القبلة ثم علموا بذلك قبل دفنها أو بعده، فقال ابن القاسم: لا شيء عليهم، واستحسن إعادتها إن لم تدفن وليس بواجب، وقال أشهب: تعاد ما لم تدفن، وسحنون: لا تعاد لأن بالسلام منها خرج وقتها، وإعادة من جهل القبلة إنما هي في الوقت. قاله في توضيحه. قاله الخرشي. وأربع تكبيرات؛ يعني أن من أركان الصلاة على الجنازة أربع تكبيرات، قال الإمام الحطاب: الأولى منهن تكبيرة الإحرام، صرح به عياض في قواعده: قال القباب: لا فرق بين تكبيرة الإحرام هنا وفي سائر الصلوات صفة وحكما. والله أعلم. انتهى.

وما ذكره الشيخ من أن التَّكبير أربع، قال سند: هو قول أبي حنيفة أيضاً والشافعي وابن حنبل وجمهور العلماء؛ وهو مروي عن جماعة من التابعين، وذهب ابن سيرين وأبو الشعثاء إلى أنه يجزئ ثلاث، وروي ذلك عن ابن عباس، وروي عن زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان أنه يكبِّر

ص: 53

خمس تكبيرات، وقال زيد بن أرقم:[كان عليه الصلاة والسلام يكبرها]

(1)

. أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو في صحيح مسلم، وقال أبو إسحاق: يكبِّر ما يكبِّر الإمام ولا يزيد على تسع، وذلك مروي عن ابن مسعود أنه قال: كبر النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي تسعاً، وخمسا، وأربعا، فكبروا كما كبر الإمام، ووجه ما اختاره الجماعة حديث الموطأ، وهو في الصحيحين

(2)

عن أبي هريرة؛ وهو عمل أهل المدينة المتصل، فكان أرجح من كل ما يروى بخلافه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله "أربع تكبيرات": كل تكبيرة بمنزلة ركعة، فهي كأكثر الصلاة، واختلف الصحابة فيه من ثلاث إلى تسع، ثم انعقد الإجماع في زمن عمر على أربع حتى صارت الزيادة عليها شعار أهل البدع. انتهى. ابن حبيب: استقر فعله عليه الصلاة والسلام على الأربع، ومضى عليها عمل الصحابة، وقال الشيخ عبد الباقي: فإن أتي بجنازة والإمام يصلي على أخرى، وسبق فيها بالتكبيرة الأولى فقط نوى على الثانية أيضاً ويشركها في الدعاء الأول من غير تكبير على ما قال الزناتي على الرسالة، لكنَّه ضعيف، ففي التهذيب: أنه يتمادى في صلاته على الأولى ولا يشركها معها، وعلى الأول فإن لم يشركها في الدعاء مع الأولى صلى استقلالاً على الثانية، ويفهم منه أنه إن جيء بالثانية بعد تكبيرة ثانية لم يشركها. انتهى. وفي الخرشي: فإن قلت: صلاة جنازة لا يشرع فيها التَّكبير إلا ثلاثًا، قلت: هذه جنازة أتي بها بعد أن كبر الإمام في صلاة جنازة، ثم ذكر نحو ما مر، ثم قال: فإن ذلك يجزئه قاله الزناتي، ثم ذكر ما للتهذيب، قال أبو الحسن عند قول التهذيب: إنه يتمادى في صلاته على الأولى -انتهى-: لأنه لا يخلو من أن يقطع الصلاة ويبتدئ صلاة عليهما جميعًا، وهذا لا يصح لقوله تعالى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ، أو لا يقطع ويتمادى عليهما إلى أن يتم تكبير الأولى ويسلم، وهذا يؤدي إلى أن يكبِّر على الثانية أقل من أربع، أو يتمادى إلى أن يتم التَّكبير على الثانية، فيكون قد كبر على الأولى أكثر من أربع، فلذا قال: لا يدخلها معها. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

(1)

أبو داود، كتاب الجنائز، الحديث:3197.- الترمذي، كتاب الجنائز، الحديث: 1023. - النسائي، كتاب الجنائز، الحديث:1984.- مسلم، كتاب الجنائز، الحديث 957.

(2)

الموطأ، كتاب الجنائز، الحديث:530.- البخاري، كتاب الجنائز، الحديث: 1318. - مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:951.

ص: 54

وإن زاد لم ينتظر؛ يعني أن الإمام إذا زاد على أربع تكبيرات، فإن المأموم لا ينتظرونه، بل يسلمون وتصح صلاتهم والزيادة مكروهة، وظاهر المصنف أن المأموم لا ينتظر الإمام إذا زاد، سواء زاد عمداً أو سهوا، كان يرى الزيادة مذهباً أم لا؛ وهو ظاهر المواق، ودخل في كلام المصنف المسبوق، فيأتي بما سبق به ويسلم، ولا ينتظر الإمام حتى يسلم، فبان من هذا أن التَّكبير ليس بمنزلة الركعات من كل وجه، فلا يرد أن الإمام لو قام لخامسة عمداً بطلت عليه وعليهم؛ إذ الخامسة في فرض العين زائدة إجماعاً، والزيادة هنا قيل بها للاختلاف في تكبيراتها من ثلاث إلى تسع، وإن انعقد الإجماع في زمان عمر رضي الله عنه على الأربع -كما مر- وما قررت به كلام المصنف من شموله للعمد والسهو هو للشَّيخ إبراهيم، والشيخ الأمير، وعبارة الأمير: وإن زاد صح مطلقاً، ولا ينتظر، ورجح بعض انتظار الساهي. انتهى. وقرره الشيخ عبد الباقي على أنه زاد عمداً رأى ذلك مذهباً أم لا، فذلك هو محل عدم انتظاره، فإن انتظر، قال: ينبغي الصحة، فإن زاد سهواً، فقال الشيخ سالم: ينبغي انتظاره كقيام إمام لخامسة سهوا في رباعية. انتهى. وكذا جهلاً فيما يظهر، فإن لم ينتظر فينبغي الصحة. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. ولو لم يعلم، هل زاد عمداً أو سهواً؟ فالظاهر حمله على السَّهو، قاله الشيخ الخرشي. ومفهوم زاد أنه إن نقص انتظر حيث كان سهوا ولا يكلمونه، بل يسبحون له كما قال سحنون، فإن لم ينتبه وتركهم، كبروا وصحت صلاتهم إن تنبه عن قرب، وإلا بطلت صلاتهم تبعاً لبطلان صلاته كما هو الأصل؛ فإن نقص عمدا وهو يراه مذهباً لم يتبعوه، وأتوا بتمام الأربع، وإن نقص عمداً دون تقليد، فهل هو بمنزلة نقصه سهواً؟ لأن ثم من يقول بأن التَّكبير ثلاث، أو تبطل عليهم؟ ولو أتوا برابعة لبطلانها على الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. والشيخ إبراهيم. قال الشيخ محمد بن الحسن: لا معنى لهذا التنظير مع قول المصنف الآتي: "أو سلم بعد ثلاث أعادَ"، وفيه أيضًا عن القلشاني ما نصه: من سلم بعد ثلاث تكبيرات عامدا، بطلت وأعيدت، وساهيا كمل بالقرب وتمت وإلا أعيدت ما لم تدفن، فتجري الأقوال فيمن دفن بغير صلاة، هل يصلى على قبره، أو يخرج ما لم يتغير، أو تترك الصلاة عليه؟ قوله:"وإلا أعيدت"، يفيد بطلان صلاة الجميع. انتهى.

ص: 55

وما مر من أن الإجماع انعقد في زمن عمر رضي الله عنه على الأربع مثله في التوضيح وأبي الحسن، والذي لابن ناجي أن: الإجماع انعقد بعد زمن الصحابة على أربع ما عدا ابن أبي ليلى، ومثله للنووي على مسلم، وعلى كل فهو مشكل مع ما ذكره ابن حجر، ونصه وقال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التَّكبير أربع، وذهب أبو بكر بن عبد الله المزني إلى أنه لا ينقص عن ثلاث، ولا يزاد على سبع، وقال أحمد مثله، لكن قال: لا ينقص عن أربع، قال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، ثم ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، قال: كان التَّكبير أربعًا أو خمسا، فجمع عمر الناس على أربع. انتهى. فإن كان مرادهم بالإجماع هذا المعنى الذي قال ابن المسيب، فلا إشكال. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ البناني.

واختلف فيمن فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام، فقال أشهب: لا يكبِّر مع الإمام الخامسة، فإن فعل لم يعتد بها، ثم إذا سلم الإمام أتى بها، وقال أصبغ: يكبِّر معه الخامسة ويعتد بها، وعلى أصل مالك: لا ينتظر تسليمه، ويكبر لنفسه وينصرف. نقله في التوضيح. قاله الشيخ الخرشي. وعلى هذا الأصل شرحت المصنف، وقدمت ذلك في أول الحل، وقال في البيان: قول أشهب هو القياس على مذهب مالك، وقول أصبغ استحسان على غير قياس. انتهى.

وفي الحطاب: عد القاضي عياض في قواعده الزيادة على الأربع في الممنوعات، والظاهر أن مراده الكراهة، فإنه عد معها الصلاة على القبر، وعلى الغائب، وفى المسجد، وعلى المبتدع. والله أعلم. انتهى. والدعاء؛ يعني أن من أركان الصلاة على الميت الدعاء بعد كل تكبيرة حتى من المأموم، فليس كالفاتحة في حق المأموم؛ لأن القصد تكثير الدعاء للميت، والصحيح أن العاصي ينتفع بالدعاء، ولذلك يدعى للميت وإن كان عاصياً. قاله الحطاب. ولا قراءة فيها بفاتحة ولا بغيرها. ابن ناجي: ظاهر المذهب الكراهة، عبد الحق: لأن الميت لا ينتفع بالقراءة، فلا معنى للقراءة عليه، قال: لأن ثوابها للقارئ، وإذا قرأ ما فيه سجدة فلا يسجدها -كما مر- في فصل سجود التلاوة، وإذا قرأ الفاتحة للخروج من خلاف الشافعي فله ذلك، كما قاله الشيخ سيدي زروق، والظاهر بل المتعين طلبه بدعاء قبلها أو بعدها في التكبيرة التي قرأها فيها، وإلا لم يكن آتيا

ص: 56

بالدعاء بين كل تكبيرتين. قاله الشيخ إبراهيم، ومثله للشَّيخ عبد الباقي، إلا أنه قال: ويحتمل الاكتفاء بها؛ لأنها دعاء وزيادة. انتهى.

فتحصل من كلامهما أن كونه مطلوبا بالدعاء لا إشكال فيه، وبأن من كلام عبد الباقي أن الاحتمال إنما هو في الاكتفاء بالفاتحة وعدمه حيث لم يدع. ابن الحاجب: ولا يستحب دعاء معين اتفاقاً. عياض: أقله بعد كل تكبيرة: اللهم اغفر له؛ أي أو ما في معناه، وقول عبد الحق عن إسماعيل القاضي: قدره بعد كل تكبيرة قدر الفاتحة وسورة، بيان للوجه الأكمل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله عن ابن الحاجب: ولا يستحب دعاء معين اتفاقاً، قال الشيخ محمد بن الحسن: ذكر الحطاب أن ما لابن الحاجب تبع فيه ابن بشير، وتعقبه ابن عبد السلام بأن مالكًا في المدونة استحب دعاء أبي هريرة، وأجاب في التوضيح بجواب غير ظاهر. انتهى. ابن ناجي: ليس العمل عندنا على ما في الرسالة لطوله؛ أي وكان أبو هريرة يتبع الجنازة من محل أهلها، فإذا وضعت كبر وحمد الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال: (اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده

(1)

). مالك: هذا أحسن ما سمعت من الدعاء، ذكره في الموطإ. قاله المواق. الأبي: استحبه في المدونة، وظاهره بعد كل تكبيرة، هذا في الذكر الكبير. ويقول في الأنثى الكبيرة: اللهم إنها أمتك وبنت أمتك، كانت بالتأنيث إلى آخره، وفي الجماعة الذكور أو مع الإناث: اللهم إنهم عبيدك وأبناء عبيدك وأبناء إمائك، كانوا يشهدون إلخ. وفي الإناث فقط اللهم إنهن إمائك وبنات عبيدك وبنات إمائك كن يشهدن إلخ.

وأعلم أنه يدعى للمفرد بلفظ المفرد مذكرا أو مؤنثاً -كما مر- وللجمع بلفظ الجمع -كما مر- وللمثنى بلفظ التثنية، ويغلب المذكر في التثنية والجمع ولو كان النساء أربعين مع رجل واحد، ويقول في دعاء الصغير بعد الحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته وأنت تحييه، اللهم فاجعله لوالديه سلفا

(1)

الموطأ، كتاب الجنائز، رقم الحديث:533. بدون قوله: وحدك لا شريك لك.

ص: 57

وذخرا وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده، اللهم ألحقه بصالح سلف أولاد المؤمنين في كفالة إبراهيم، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله، وعافه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم. تقول هذا بعد كل تكبيرة، وتقوله بعد الرابعة، وتزيد: اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ومن سبقنا بالإيمان، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، واغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ثم تسلم. وقيل: إنه يقول هذا الدعاء فقط بعد الرابعة ولا يذكر الدعاء السابق بعدها، وفي الرسالة: لوالديه بصيغة الجمع -كما قدمته- ولذا أعيد عليهم ضمير الجمع، وفي شرح الشيخ عبد الباقي وغيره: بالتثنية في الجميع، وإذا اجتمع الكبار والصغار قدم الدعاء للكبار، ويجعل دعاء الأطفال آخره لأحوجية الكبار إليه، أو يجمعهم معهم في دعاء واحد، ويقول عقب ذلك: اللهم اجعل الأولاد لوالديهم سلفا وذخرا، وفرطا وأجرا، وثقل بهم موازينهم، وأعظم بهم أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجرهم، ولا تفتنا وإياهم بعدهم، ويَخْتَصِرُ دعاءً لرجل مع صبي، وامرأة مع صبية، فيشملهم بدعاء واحد، ولو لم يدر هل الميت ذكر أو أنثى، أو مفرد أو غيره، أتى بمن، وأعيد الضمير عليها باعتبار لفظها لوقوعها على الجميع -كما مر- وإن لم يدر المأموم ما صلى عليه إمامه نوى ما صلى عليه إمامه، وما تقدم من أن الدعاء للطفل يقال فيه: اللهم فاجعله لوالديه إلخ، قال الشيخ عبد الباقي: ظاهر في صلاة غيرهما، وإلا قيل: اجعله لي ولوالدته سلفا وذخرا، وثقل به موازيننا، وأعظم به أجورنا، ولا تحرمنا ولا تفتنا، وهذا في غير من أسلم من أولاد الكفار، وغير من حكم بإسلامه تبعاً لإسلام سابيه، وإلا فلا يقال: أجعله لوالديه إلخ ويقال: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وقوله في دعاء الصغير: وابن عبدك، روي بالإفراد وبالتثنية، وهذا الدعاء؛ أي دعاء الصغير في ثابت النسب، وأما ابن الزنى والملاعن فيه، فهل يدعى لهما بأمهما فقط أو بأبيهما، أو ولد اللعان بأبيه لصحة استلحاقه والزنى بأمه؟ أقوال، وفي الخرشي: والدعاء كله هو الواجب إذا كان خاصا بالميت، وأما ما كان متعلقا بالغير فمستحب.

تنبيه: تقدم أن ظاهر ما مر أنه يقول الدعاء المتقدم بعد كل تكبيرة، وهو خلاف ما لابن يونس من أنه يقوله في الثانية، وكيفية الصلاة على الجنازة أن ينوي الصلاة؛ أي يقصد الصلاة على هذا

ص: 58

الميت بصلاته هذه؛ أي يقصد أنه شافع للميت، متضرع إلى الله تعالى في العفو عن الميت، والإحسان إليه بهذه القربة المشتملة على أنواع من العبادة امتثالا لأمر الله تعالى، ويكبر بأن يقول: الله أكبر، ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيى الموتى له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والسناء وهو على كل شيء قدير، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، ثم تدعوا الدعاء المتقدم على ما مر، وعلى ما لابن يونس تقول: اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدل له دارا خيرًا من داره وأهلاً خيراً من أهله، وزوجا خيراً من زوجة، وقه من فتنة القبر وعذاب جهنم

(1)

)، ثم تقول: الله أكبر ثانية، وتقول بعدها. ما تقدم من الحمد والصلاة على سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، وتقول: على ما لابن يونس وغيره: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت إلى آخر ما مر، ثم تكبِّر تكبيرة ثالثة وتقول بعدها ما تقدم من حمد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول بعد ذلك على ما لابن يونس: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسره وعلانيته، جئنا شفعاء له

(2)

)، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة أعذه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم نور قلبه وألحقه بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تكبِّر تكبيرة رابعة، ثم تقول ما تقدم من الحمد والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، ثم تقول على ما لابن يونس

(3)

: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا،

(1)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:963.

(2)

اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فأغفر لها. أبو داود، كتاب الجنائز، الحديث 3200.

(3)

اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. أبو داود، كتاب الجنائز، الحديث:1024.

ص: 59

ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام: ومن توفيته [منا

(1)

]، فتوفه على الإيمان، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت واجعل فيه راحتنا. ابن حبيب: يقال في دعاء الطفل بعد الحمد والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه عبدك وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت قبضته إليك: وأنت أعلم بما كان عاملا وصائرا إليه، اللهم جاف الأرض عن جثته، وافسح له في قبره، وافتح أبواب السماء لروحه، وأبدله دارا خيرا من داره، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار، وصيره إلى جنتك برحمتك وألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، واجعله لنا ولأبويه سلفا وذخرا، وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده، تقول ذلك إثر كل تكبيرة. قوله: حميد معناه محمود، وقوله: مجيد، معناه كريم: وقوله: ورزقته؛ أي من يوم خلقته إلى يوم أمته. قاله الشاذلي. وقوله: وأنت أعلم بسره وعلانيته؛ أي أنت أعلم منه ومن غيره بذلك، وقوله: جئنا شفعاء؛ أي نطلب له الشفاعة، وقوله: فشفعنا فيه؛ أي اقبل شفاعتنا فيه؛ أي اغفر له وأدخله الجنة بسبب طلبنا له ذلك، وقوله: نستجير؛ أي نطلب له الإجارة والأمن من عذابك، وقوله: بحبل؛ أي بعهد جوارك بكسر الجيم؛ أي أمانك؛ أي نطلب له الأمان من عذابك بسبب أنك عهدت إلينا؛ أي أخبرتنا أنك تجير من العذاب المؤبد من مات لا يشرك بك، أو هي باء الآلة، وقوله: إنك ذو وفاء؛ أي لا تخلف العهد، وقوله: وذمة؛ أي عهد، وقوله، أعذه؛ أي نجه، وقوله من فتنة القبر؛ أي مما ينشأ عن سؤال الملكين في القبر وهو عدم الثبات، وقوله: اغفر له؛ أي استر ذنوبه ولا تؤاخذه بها، وقوله: ارحمه: أي أنعم عليه، وقوله: واعف عنه؛ أي ضع عنه ذنوبه، وعافه؛ أي أذْهِبْ عنه ما يكره، وقوله: نزله بسكون الزاي، ما يهيأ للنزيل، وقوله: مدخله بفتح الميم وضمها، فبالفتح الدخول وموضع الدخول، وبالضم الإدخال، وقوله: واغسله بماء وثلج وبرد، ليس المراد بالغسل هنا ظاهره، بل هو استعارة للطهارة العظيمة من الذنوب، والبرد بفتح الراء. وقوله: نقه؛ أي طهره من الخطايا أي الذنوب. وفي الشاذلي: ولولا أن هذا ورد من الشارع ما اجترأ أحد أن يقوله. دارا؛ أي الجنة، خيرًا من داره؛ أي الدنيا،

(1)

ساقطة من النسخة الأصلية.

ص: 60

وأهلا؛ أي قرابة في الآخرة يوالونه من الأنبياء والصالحين، خيرًا من أهله؛ أي من قرابته في الدنيا، وزوجا؛ أي في الجنة، خيرًا من زوجة؛ أي في الدنيا، وهذا يشمل الأعزب الكبير؛ لأنه كان قابلاً للتزويج -كما في الحطاب- ولا تحرمنا أجره؛ أي أجر الصلاة عليه، ولا تفتنا؛ أي لا تشغلنا بسواك، فكل ما يشغل عن الله فهو فتنة. قاله الشاذلي. وقوله: متقلبنا؛ أي تصرفنا في جميع أمورنا، ومثوانا؛ أي إقامتنا في إحدى الدارين، وأسعدنا بلقائك؛ أي بدخول الجنة، وطيبنا للموت؛ أي طهرنا بالتوبة النصوح فنموت طاهرين من الذنوب، واجعل فيه راحتنا؛ أي بحصول ما يرضي ويسر.

وفي الرسالة: وإن كانت امرأة قلت اللهم إنها أمتك، وتتمادى بذكرها على التأنيث، غير أنك لا تقول: وأبدلها زوجا خيراً من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلاً، والرجل تكون له زوجات كثيرة في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج. انتهى. أي لأن اجتماع جماعة من الرجال على فرج واحد في الدنيا مما تنفر منه النفوس، وأخذ من هذا أن الرجل لا يتزوج امرأة من محارمه في الآخرة؛ وهو المشهور، قاله الشاذلي. ودعا بعد الرابعة؛ يعني أنه اختلف، هل يدعو المصلي على الجنازة بعد التكبيرة الرابعة، فقال سحنون: يدعوأي وجوباً، ثم يسلم، أو لا يدعو بعدها بل يسلم حين يكبِّر التكبيرة الرابعة، قال في النوادر: وفي موضع لأصحابنا إذا كبر من الرابعة سلم، وكذلك في كتاب ابن حبيب وغيره، ونحوه للخمي، قال: والأول أبين، وإلى استظهار اللخمي أشار بقوله: على المختار وخير في الرسالة بين الدعاء والسلام.

واعلم أن المشهور أنه لا يدعو بعد الرابعة وهو؛ مذهب الجمهور؛ لأن التكبيرات بمنزلة الركعات، فكما لا يقرأ بعد الرَّكعة الرابعة لا يدعو بعد التكبيرة الرابعة، وهذا التشهير لعبد الباقي تبعاً للأجهوري، وقال الشبراخيتي: إن ما اختاره اللخمي هو المذهب، واعترض الرماصي ما لعبد الباقي بأن المراد بالجمهور هنا خارج المذهب، كما يؤخذ من نقل المواق، قال محمد بن الحسن بناني: وفيه نظر، بل الظاهر ما قاله الزرقاني تبعاً للأجهوري من أن المشهور خلاف ما للخمي، لقول سند -كما في الحطاب-: وقال سائر أصحابنا لا يثبت بعد الرابعة. انتهى. ولقول

ص: 61

الجزولي: أثبت سحنون الدعاء بعد الرابعة، وخالفه سائر الأصحاب. انتهى. ومثله في الذخيرة، وقول الرماصي: إن ذلك لا دليل فيه لعدم تعيين الأصحاب، فيه نظر. انتهى. وقال الشيخ الأمير: اللخمي: وإن بعد الرابعة، والأكثر على خلافه. وإن والاه؛ يعني أنه إذا والى التَّكبير ولم يدع بعد كل تكبيرة، أو دعا بعد الرابعة لكل تكبيرة، فإن الصلاة تعاد، وإنما أعيدت في الثانية لأن الدعاء بعد كل واحدة، وقد فات التدارك.

تنبيه: نقل الرهوني عن سيدي عبد القادر الفاسي ما نصه: لا يشك في أن الدعاء في صلاة الجنازة مطلوب في حق الإمام وغيره، فإذا ترك الدعاء رأساً بطلت الصلاة وأعيدت، وإن ترك البعض دون البعض؛ فإن كان التارك هو الإمام بطلت أيضاً وأعيدت، وإن كان التارك غيره صحت. أو سلم بعد ثلاث أعاد؛ يعني أنه إذا سلم بعد ثلاث تكبيرات، فإن كان عمداً بطلت وأعيدت، وإن كان جهلاً أو نسياناً فإنها تعاد أيضًا إن حصل طول يمنع البناء، وإلا رجع بالنية وأتم التَّكبير، ولا يرجع بتكبير ليلاً يلزم الزيادة في عدد التَّكبير، فإن كبر حسبه من الأربع. قاله ابن عبد السلام. قوله: ولا يرجع بتكبير؛ أي لا يحرم بتكبير، وصوب ابن ناجي رجوعه بتكبير كما في الفريضة العينية، ذكره التتائي في الثانية. ويجري مثله في الأولى حيث كانت الموالاة سهواً، قاله الشيخ عبد الباقي؛ أي حيث لم يتذكر حتى سلم، وإلا لم يتصور إجراؤها فيها، قاله الشيخ محمد بن الحسن، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر فيها أي في الأولى أنه يبني على تكبيرة واحدة؛ لأن الرابعة صارت أولى ببطلان ما قبلها، كما في الصلوات الخمس، وقوله:"وإن والاه"، ينبغي أن محل البطلان فيه في العمد والجهل فقط كما يستفاد من الشارح، لا مطلقاً كما يفيده المواق، فإن قيل: حسبه من الأربع في مسألة الموالاة يشكل مع ركنية الدعاء حيث سلم ولم يدع عقب التكبيرة التي سلم بعدها؛ فالجواب: أن الدعاء وإن كان ركنا خففوه بالنسبة للمأموم، كما يأتي عند قوله:"وإلا والى"، قاله مقيده عفا الله عنه.

وبما قررت علم أن قوله: أعاد راجع للمسألتين؛ أي أعاد، وإن لم توضع على الأرض، وفي المواق: إذا ترك بعض التَّكبير جهلاً أو نسياناً، فإن كان بقرب ما رفعت أنزلت، فأتم بقية التَّكبير عليها مع الناس ثم يسلم، فإذا تطاول ذلك ولم تدفن أعاد الصلاة عليها. انتهى. وقد مر

ص: 62

عن الخرشي أنه: يؤخذ من هذا أنه لا بد في صلاة الجنازة من كونها على الأرض. وإن دفن فعلى القبر؛ يعني أنه إذا سلم بعد ثلاث، وقلنا ببطلان الصلاة -على ما مر- فإنها تعاد سواء دفن الميت أو لم يدفن، لكن إن لم يدفن فالأمر واضح، وإن دفن فإنه يُصَلِّى على القبر ولا يخرج الميت، وإن لم يطل. قاله الشيخ عبد الباقي.

وبما قررت علم أن هذا خاص بالثانية، وأما الأولى فلا إعادة فيها بعد الدفن، كما نقله الشارح وغيره، خلافًا للتتائي، وما استدل به مما في العتبية لا يدل له، وما ذكره المصنف مذهب الجمهور كما في الشارح، وهو المشهور كما في الحطاب، وغفل المواق عما في الشارح، فاعترض المصنف بأنه خلاف ما نقله ابن يونس، كأنه المذهب من عدم الصلاة على القبر في الثانية. قاله الشيخ عبد الباقي.

وما ذكرته من رجوع قوله: "وإن دفن فعلى القبر"، للثانية فقط، وأن الأولى لا تعاد فيها الصلاة بعد الدفن، هو الذي قرره به الشيخ عبد الباقي، وقواه الرماصي والشيخ محمد بن الحسن غاية، وأبطلوا قول التتائي، وخصوا قوله:"وإن دفن فعلى القبر"، بالثانية، وأما قوله: إن ما ذكره المصنف مذهب الجمهور، وأنَّه المشهور، فقال الشيخ محمد بن الحسن: ما اعترض به المواق المسألة الثانية صحيح، وما نقله الشيخ عبد الباقي عن الشارح والحطاب لا يدفعه. قال: وحاصل ما في الحطاب أن الصلاة الناقصة بعض التكبير إما أن نجعلها كترك الصلاة أو لا؟ فإن جعلناها كتركها كما عند ابن شأس وابن الحاجب، فمذهب ابن القاسم في تركها وهو المعتمد أنه يخرج من القبر ليصلى عليه ما لم يخف تغيره، فيصلى على قبره. ابن عرفة: ابن رشد: من دفن بغير صلاة أخرج لها ما لم يفت، فإن فات ففي الصلاة على قبره قولان: الأول لابن القاسم وابن وهب، والثاني لسحنون وأشهب. ورواية المبسوط: وشرط الأول ما لم يطل حتى يذهب الميت بفناء أو غيره، وفي كون الفوت إهالة التراب عليه، أو الفراغ من دفنه، ثالثها خوف تغيره: الأول لأشهب، والثاني لسماع عيسى ابن وهب، والثالث لسحنون وعيسى وابن القاسم. انتهى. وإن جعلناها ليست كترك الصلاة وجب أن نقول فيها؛ أي في مسألة نقص التَّكبير بما نقله ابن يونس فيها كأنه المذهب من عدم الصلاة على القبر، وكلام المصنف مخالف لكل من الوجهين،

ص: 63

ولا يندفع هذا الإشكال بما نقله الزرقاني عن الشارح من أن القول بالصلاة على القبر هو مذهب الجمهور، ولا بقول الحطاب: إنه المشهور؛ لأن كلام الجمهور والمشهور في إثبات الصلاة على القبر في الجملة خلافًا لمن ينفيها. ويعنون بالصلاة على القبر إذا فات الإخراج بخوف التغير، فقول الزرقاني: ولا يخرج وإن لم يطل غير صواب، وقال الرماصي: إن المصنف جرى على مختار اللخمي، فإنه في التوضيح بعد أن نقل الخلاف المتقدم، قال: والظاهر أنه لا يخرج مطلقاً كما هو اختيار اللخمي، لإمكان أن يكون حدث من الله تعالى شيء فهو مراده في مختصره، قال: لكن لا ينبغي له اعتماد اختيار اللخمي واستظهاره وترك المنصوص. والله سبحانه أعلم. وما أحسن كلام الرماصي فتأمله.

وبحث الرهوني في كلام عبد الباقي ومن تبعه، وقوى ما للتتائي. والله سبحانه أعلم.

تنبيهات: الأول: اختلف في المرأة تتزوج أزواجاً في الدنيا، لمن تكون منهم في الجنة؟ فقيل: للأول، وقيل: للآخر، وقيل: لأحسنهم خلقًا، وقيل: تخير، وقيل: يقرع بينهم فيها، فتلك خمسة أقوال، ومحلها إن ماتت في غير عصمة أحد، وإلا فلمن ماتت في عصمته قولاً واحدًا.

الثاني: في الرجل يتزوج في الدنيا نساء لم يتزوجن غيره فهن له في الجنة، كما هو ظاهر قول الرسالة، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلاً؛ أي نساء الدنيا التي يدخلن الجنة؛ وهو أيضًا ظاهر ما روى أبو نعيم عنه صلى الله عليه وسلم: (يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء

(1)

). نقله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا الحديث ضعيف حسبما ذكره المنذري

(2)

)، قال الحافظ ابن حجر على حديث البخاري: (ولكل منهم زوجتان

(3)

) ما نصه: قال ابن القيم: ليس في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى: (إن في الجنة للمؤمن لخيمة من لؤلؤة له فيها أهلون يطوف عليهم

(4)

)، ثم قال: والذي يظهر أن المراد أقل ما لكل واحد منهم زوجتان، قال:

(1)

الإتحاف، ج 10 ص 546.

(2)

في الأصل: الترمذي، والمثبت من البنانى ج 2 ص 92.

(3)

البخاريّ، كتاب بدء الخلق، الحديث:3245.

(4)

إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً. ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، الحديث:2838.

ص: 64

واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، كما أخرجه مسلم، لكن يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الكسوف: (رأيتكن أكثر أهل النار

(1)

)، ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يشكل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنيها النساء

(2)

)، قال: ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة. والله سبحانه أعلم. انتهى.

الثالث: قال الشيخ عبد الباقي: انظر لو حيي بعد الدفن، هل تبقى زوجته على عصمته أم لا؟ وعلى بقائها، فهل تعود له إذا تزوجت بعد عدة الوفاة، أم تخير؟ وللشافعية: لا ترجع هي، ولا ماله من وارثه؛ لأنه مات موتا حقيقيا، وإحياؤه كرامة فقط.

الرابع: من أسخطه الله تعالى جمادا أو حيوانا غير ناطق، فهل تعتد زوجته عدة طلاق أو وفاة؟ نقل عن بعض الأئمة أنها تعتد عدة وفاة في الأولى، وعدة طلاق في الثانية، ونقل عن الشيخ الأكبر ابن عربي أنه أجاب بذلك هائشة طلعت له من البحر سألته عن ذلك، بعد سكوته مدة، وسئل الزيادي الشافعي عمن أسخط نصفه حجراً، ونصفه الآخر حيوانا غير ناطق؟ فأجاب إن كان الحيوان الأعلى فتعتد عدة طلاق، وإن كان الأسفل فعدة وفاة. انتهى.

وتسليمة يعني أن من أركان الصلاة على الجنازة تسليمة واحدة للإمام والمأموم والفذ خفيفة؛ يعني أن هذه التسليمة تكون خفيفة أي سراً، وظاهره أن الركن تسليمة خفيفة وليس كذلك، فإن الركن هو التسليمة والخفة مندوبة، فكان ينبغي له أن يقول: وتسليمة، وندب خفتها. قاله الشيخ إبراهيم. وسمع الإمام من يليه؛ يعني أنه يندب للإمام أن يسمع من يليه هذه التسليمة، فيسلمون بسلامه، والمراد بمن يليه: جميع من يقتدي به، كما يفيده كلام المواق، وقيل: المراد بمن يليه: من في الصف الأول الذي خلفه. قاله الشيخ إبراهيم. وظاهر المصنف كالرسالة: أن المأموم لا يرد على الإمام؛ وهو مذهب المدونة؛ وهو المشهور كما في الشاذلي، وقيل: يندب رده ثانية. وقول ابن رشد: هو تفسير لسائر الروايات طريقة ضعيفة، وقال الشيخ الأمير: وسمع الإمام

(1)

البخاري، كتاب الزكاة، الحديث:1462. - مسلم، كتاب الإيمان، الحديث: 79.

(2)

الإتحاف، ج 5 ص 401.

ص: 65

المأمومين، ظاهر المواق: جميعهم، وقال الأجهوري: الصف الأول فقط. انتهى. والفرق بين العيني يرد فيه المأموم على الإمام، والكفاءي لا يرد على المشهور كما عرفت التعبد، وطلب الإسراع في الجنازة. والله سبحانه أعلم.

وصبر المسبوق للتكبير؛ يعني أن من جاء بعد أن سبق ببعض التَّكبير، ووجد القوم في الدعاء، يصبر للتكبير وجوباً؛ أي لا يكبِّر ويدخل معهم، بل ينتظر تكبير الإمام وجوباً، فيكبر بتكبيره؛ لأن كل تكبيرة كركعة، فيلزم القضاء في صلب الإمام، وإذا صبر للتكبير فينتظر تكبير الإمام ساكتاً أو داعيا. قاله سند. قوله:"وصبر المسبوق للتكبير"، فإن لم يصبر لم تبطل صلاته، ولكن لا يعتد بها عند الأكثر، وفي سماع أشهب: أنه يدخل معهم ولا تفوته كل تكبيرة إلا بالتي بعدها، فلا ينتظرها. قاله الشيخ محمد بن الحسن وغيره. وأما لو وجد الإمام قد كبر وأدرك المأمومين في التَّكبير، فإنه يكبِّر ويدخل معهم من غير صبر، وأشعر قوله:"للتكبير"، أنه لو سبقه الإمام والمأموم بجميعه ولم يبق إلا السلام لم يدخل، وصوبه ابن يونس. وعن مالك: يدخل ويكبر أربعا، وانظر لو شك هل هي رابعة أو ثالثة، هل يكبِّر أو يترك الدخول معه كما لو تحقق أنها رابعة؟ وعلى أنه لا يدخل ودخل، فانظر هل يقطع أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي.

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: تأمل كلامه، فإنه إن وجد المأمومين في التَّكبير يكبِّر، وإن وجدهم فرغوا من التَّكبير لم يكبِّر، فانظر ما وجه توقف هذا الرجل. والله سبحانه أعلم. ودعا إن تركت؛ يعني أن المسبوق يدعو بعد سلام الإمام وجوبا بين تكبيرات قضائه، وإنما يدعو بينها إن تركت له الجنازة، وأمهل في دعائه إن لم يخف رفعها، وإلا خففه. وإلا والى يعني أن المسبوق إذا لم تترك له الجنازة، بل رفعت فورا، فإنه يوالي التَّكبير؛ أي لا يدعو بينه ليلاً تصير صلاة على غائب، ويفهم من التعليل أن الدعاء حينئذ مكروه، وما ذكره المصنف من التفصيل مخالف لقول المدونة: يواليه مطلقاً. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: استُشْكِلَ هذا التعليل؛ يعني قوله: ليلاً تصير صلاة على غائب؛ بأن الصلاة على الغائب مكروهة -كما يأتي- والدعاء ركن -كما تقدم- وكيف يترك الركن خشية الوقوع في المكروه، وأجيب بأن الدعاء وإن كان ركنا خففوه بالنسبة للمأموم. انظر أبا الحسن. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ووالى المسبوق

ص: 66

التَّكبير، ولو تركت على ما ارتضاه شيخنا تبعاً للرماصي، وفي الأصل يدعو إن تركت وهو وجيه أنفع للميت، وأيده بناني انتهى وما أشار إليه عن الشيخ بناني هو قوله نص المدونة: ويقضي متتابعا. ابن يونس: ولا يدعو، وقال ابن حبيب: إن تأخر رفعها أمهل في دعائه، وإلا فإن دعا خفف. الباجي: يحتمل أن يكون ذلك خلافًا، وأن يكون وفاقاً. نقله أبو الحسن. ولعل المصنف فهمه على الوفاق، فليس كلامه مخالفاً لها، وبهذا يسقط ما في الرماصي من التهويل، والاعتراض على المصنف بمخالفة المدونة، ومثل ما لابن حبيب لابن الحاجب وابن شأس، وبقي على المصنف ركن خامس؛ وهو القيام -كما عند سند وعياض- إلا لعذر، وشهر سند سنية الصلاة، وعد القيام فرضاً فمقتضاه أنه فرض على القولين، قال الشيخ أحمد: إلا لعذر، قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب ما نصه: قال في الذخيرة: قال سند: قال أشهب: إن صلوا قعودا لا تجزئ إلا من عذر؛ وهو مبني على القول بوجوبها، وعلى القول بأنها من الرغائب، فينبغي أن تجزئهم. انتهى. وقال أشهب في المجموعة: إذا صلوا عليها وهم جلوس أو ركوب، فلا تجزئهم. الجواهر: ولا تصلى على الراحلة، وعد القاضي عياض من فروضها، طهارة الحدث والخبث، واستقبال القبلة، وترك الكلام، وستر العورة، قال: ويشترط في صحتها ما يشترط في سائر الصلوات المفروضة، وقال ابن هارون: هي فيما تفتقر إليه من الشروط كسائر الصلوات، والدعاء فيها كالقراءة في غيرها. انتهى. والدليل على اشتراط الطهارة فيها خلافًا لقوم: قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور

(1)

)، وفي التوضيح: أن الإمام إذا قهقه أو تكلم عمداً أبطل عليه وعليهم فيستأنفونها، قاله في العتبية. انتهى. وفي الشامل: واستأنف إن قهقه أو تكلم عمدا، وقال أشهب: يستخلف ويتأخر مؤتما، وإذا جهلوا القبلة ثم علموا بذلك قبل دفنها أو بعده، فقال في الشامل: وهل تستحب الإعادة إن تبيّن أنه صلى لغير القبلة قبل الدفن لا بعده، أو تجب فيهما، أولاً تعاد مطلقاً؟ أقوال. انتهى. وفي كون الجماعة فيها شرطًا أو سنة، قول ابن رشد واللخمي، وتقدم تشهير ندبها في الجماعة، خلافًا لقول اللخمي: سنة، ولقول ابن رشد: شرط، فإن دفن بدونها فاتت. قاله الشيخ عبد الباقي.

(1)

النسائي في سننه، كتاب الطهارة، رقم الحديث:139.

ص: 67

وكفن بملبوسه لجمعة؛ يعني أن الميت يكفن بملبوسه في الجمعة والعيد والإحرام، قال الشيخ عبد الباقي: ندباً، وقضي له بذلك عند اختلاف الورثة فيه، إلا أن يوصي بأقل من ذلك، فتتبع وصيّته. قاله في البيان. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر من عباراتهم الوجوب، ولذا عبر بالفعل الدال عليه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: إن قوله: "وكفن بملبوسه لجمعة"، يحتمل أنه بيان لصفة الكفن؛ أي إذا تشاح الورثة في الكفن، قضي بتكفينه بملبوسه في الجمعة، وعليه ففي الكلام مضاف مقدر؛ أي مثل ملبوسه لجمعة، ويحتمل أنه بيان لما يستحب أن يحرص على التكفين فيه، وعليه فكان ينبغي له أن يقول: لكجمعة، لتدخل ثياب الجمعة والعيد والإحرام، وما يشهد به مشاهد الخير رجاء بركته. وقد أوصى سعد بن أبي وقاص بتكفينه في جبة صوف شهد بها بدراً، والاحتمالان صحيحان. انتهى.

وقال الشيخ الأمير: وإن تنازع الورثة فقيمة ملبوس جمعة، وندب فيما شهد به الخير. انتهى. وقدم؛ يعني أن الكفن يقدم وجوبا من رأس مال الميت، لا بقيد كونه ملبوس جمعة على كل ما يتعلق بالذمة من الديون. كمؤنة الدفن؛ يعني أن مؤن الدفن؛ أي المواراة، من غسل، وحنوط، وحمل، وحفر، وحراسة إن احتيج إليها كالكفن في أنها تقدم على كل ما يتعلق بالذمة من الديون، قال الشبراخيتي: ولو عبر بمؤن التجهيز كان أولى. على دين غير المرتهن؛ يعني أن ما مر من تقديم الكفن وغيره من مؤن التجهيز على الديون المتعلِّقة بالذمة إنما هو في غير دين المرتهن الحائز لرهنه، وأما المرتهن الحائز لرهنه فإنه يكون أحق برهنه المحوز، فيقدم فيه على غيره من الغرماء وعلى مؤن التجهيز كلها حتى يستوفي دينه الذي فيه ذلك الرهن، فقوله: على "دين"، متعلق بقوله:"وقدم"، وقوله:"دين" بالإضافة، وكذا قوله:"غير"، وقوله:"المرتهن"، بصيغة اسم الفاعل؛ أي الشخص الآخذ للرهن. واحترز المصنف بقوله:"على دين غير المرتهن"، مما يتعلق بالأعيان، سواء انحصر فيها، كالإقرار بها، والعبد الجاني، وأم الولد، وزكاة الماشية والحرث، أو لم ينحصر فيها، كدين الرهن، فمقدم على الكفن، ومؤن التجهيز كلها. وقوله: ولو سرق، مبالغة في تقديم الكفن من رأس المال على غيره، قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن الكفن يقدم من رأس المال على غيره، ولو سرق ما كفن به أولاً قبل الدفن أو بعده، فيقدم في كفن آخر، وإن

ص: 68

كان عليه دين محيط ولو بَعْدَ قَسْمِ المال، ولا يعاد غسله ولا الصلاة عليه. انتهى. ونص ابن الحاجب: فلو سرق بعد دفنه فثالثها إن لم يقسم ماله أعيد، قال في التوضيح: القول بلزوم الإعادة لابن القاسم، ومقابله لأصبغ، والثالث لسحنون. انتهى. فرد المصنف بالمبالغة قول أصبغ وقول سحنون. ثم إن وجد وعوض ورث؛ يعني أنه إذا كفن الميت ثم سرق كفنه فإنه يقدم في كفن آخر -كما علمت- فإذا فعل به ذلك ثم وجد الكفن الأول الذي سرق فإنه يورث ذلك الكفن على فرائض الله عز وجل، فقوله:"وعوض"، جملة حالية؛ أي والحال أنه عوض أي جعل كفن ثان في مكانه: وسواء كان التعويض من الوارث أو غيره. قاله الشيخ إبراهيم.

إن فقد الدين؛ يعني أن محل إرث الكفن الأول حيث وجد، إنما هو حيث لم يكن على الميت دين، وأما إن كان على الميت دين فإنه يكون للغرماء إلى أن يستوفى دينهم، فإن فضل منه فضلة ورثت على كتاب الله تعالى. قال الشيخ عبد الباقي: ورجع المتبرع بالكفن حال السرقة بعد وجود الأصلي، ومفهوم قوله:"عوض"، أنه لو وجد قبل أن يعوض لكفن فيه، البساطي: إن أمكن تداركه وإلا ورث، ولو جمع له ثمن كفن فكفنه رجل، رد ما جمع لأربابه، ولا تأخذه الورثة ولا الغرماء، إلا أن يدعه أربابه لهم، كمن أخرج مالا لمن ينكح به فمات قبل النكاح، أو فسخ، أو طلق قبل الدخول، فإن المال يرجع لمخرجه، فإن لم يعرف أربابه تصدق به عنهم، كقول مالك فيمن عليه دين، لا يعرف صاحبه: يتصدق به عنه. وقوله: "إن فقد الدين"، أتى به، وإن كان من المعلوم أنه لا ميراث إلا بعد الدين خشية أن يتوهم أن هذا الكفن لما لم يكن للغرماء المنع منه ويقدم على ديونهم، لا يتعلق لهم به حق، ولو استغنى عنه. فنبه على ذلك. قاله الإمام الحطاب. كأكل السبع الميت، هذه عكس التي قبلها؛ يعني أنه إذا فقد الميت وبقي الكفن كما لو أكل السبع الميت، فإن الكفن يورث إن فقد الدين، وإلا جعل فيه، ولو خيف على الميت من النبش كانت حراسته من رأس المال. قاله الحطاب. وقد مر ذلك عند قوله:"كمئونة الدفن".

وهو على المنفق بقرابة؛ يعني أن ما ذكر من الكفن ومؤن التجهيز يجب على تلزمه نفقة الميت بسبب قرابة، كأب، أو ابن، -مثلاً- فلو اجتمعا كما لو هلك زمن بفتح الزاي وكسر الميم وله ابن وأب، لم تسقط نفقته عنه لزمانته، فكفنه على ابنه. قاله الجزولي. نقله غير واحد. قال

ص: 69

الشيخ عبد الباقي: وهو يفيد أن من تجب نفقته على أبيه بعد بلوغه لعجزه عن الكسب أو جنونه، ثم حدث له ولد موسر [بحيث

(1)

]، تجب نفقته عليه أن لو لم تكن نفقته على أبيه، فإن نفقته تنتقل على ابنه المذكور. انتهى.

قال مؤلفه عفا الله عنه: ويؤخذ منه بطريق القياس أن من أعتق مملوكاً له ولم تسقط نفقته عنه لعجزه عن الإنفاق على نفسه، ثم حدث له ولد موسر بحيث تجب نفقته عليه أن لو لم تكن نفقته على من أعتقه، فإن نفقته تنتقل على ابنه المذكور. والله سبحانه أعلم. انتهى. فقوله:"وهو"؛ أي ما ذكر من الكفن ومؤن التجهيز، ولو مات والد شخص وولده، فقال الشارح وغيره في النفقات: قيل يتحاصان، وقيل: يقدم الابن، ثم إن التحاص في الكفن محله حيث كان يحصل لكل مما يكفن به ما يستر عورته، وإلا كمل من بيت المال إن أمكن، وإلا فعلى المسلمين. أو رق؛ يعني أن العبد إذا مات يجب على سيده تكفينه ومؤن تجهيزه، قوله:"أو رق"، عطف على قوله:"بقرابة"؛ أي يجب الكفن ومؤن التجهيز على من تجب عليه نفقة الميت بسبب قرابة أو بسبب رق، وقوله:"أو رق"، سواء في ذلك القن وذو الشائبة ولو مكاتباً أو كافراً، وإن مات شخص ومن في رقه معاً، أو ترتبا وجهل السابق أو سبق العبد، وليس للسيد إلا ما يكفي مؤنة أحدهما، قدم العبد في الصور الثلاث؛ لأنه لا حق له في بيت المال، بخلاف السيد، فإن سبق السيد وعلم قدم، وكفن العبد من يملكه بعد موت سيده. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: قدم العبد في الصور الثلاث، قال الشيخ محمد بن الحسن: نظر اللقاني في هذا بعد أن نقله عن شيوخ الجزولي بقول المصنف أول الفرائض، ثم مؤن تجهيزه بالمعروف، قاله ابن عاشر، والتنظير ظاهر. انتهى.

قال مؤلفه عفا الله عنه: ومقتضى تعليل هذا القول المنظر فيه: أنه إذا لم يوجد بيت مال ولا من يقوم مقامه كما لو وجدهما في الخلاء من ليس عنده إلا ما يستتر به كفن السيد، والله سبحانه أعلم. وفهم من قوله:"برق"، أنه لا يلزم كفن خادم زوجته، ولا العبد المخدم. قاله الشيخ إبراهيم.

(1)

ساقطة من الأصل مثبتة من عبد الباقي ج 2 ص 93.

ص: 70

وأعلم أن مالك البعض يلزمه من الكفن بقدر ملكه من العبد، ويجوز للشخص أن يستعد الكفن قبل الموت، وكذا القبر وإن احتاج إليه انتفع به. لا زوجية؛ يعني أن من تجب نفقته بسبب الزوجية لا يلزم المنفق تكفينه، ولا غيره من مؤن التجهيز؛ ومعنى ذلك أن الزوج لا تلزمه مؤن تجهيز زوجته من كفن وغيره إذا ماتت، سواء كانت موسرة أو معسرة عند ابن القاسم، واستحسنه اللخمي، ونسبه في الجواهر لسحنون نظرا لانقطاع العصمة، ولمالك: يلزمه؛ لأنه من لوازم العصمة، وله أيضًا: إن كانت موسرة فعليها، وإلا فعلى الزوج، ونسبه في الرسالة لسحنون، ومحل الخلاف إذا دخل أو دعي إلى الدخول وهي مطيقة، وإلا فهو عليها باتفاق. قاله الشيخ إبراهيم.

وتحصل مما مر أن الكفن على المنفق إلا الزوج، فليس عليه أعسرت أو أيسرت على المعتمد.

والفقير من بيت المال؛ يعني أن مؤن التجهيز من كفن ودفن وغيرهما إذا كان الميت فقيرا لا قريب له تلزمه نفقته ولا مالك له، تكون من بيت المال، إن كان، وأمكن الوصول إلية. وإلا فعلى المسلمين؛ يعني أنه إذا مات فقير، ولم يكن بيت المال، أو كان ولم يمكن الوصول إليه فإن ذلك الميت الفقير تكون مؤن تجهيزه على المسلمين كفاية، إن لم يكن ثم وقف مرصد على ذلك، وقد مر أنه يجوز للشخص أن يعد الكفن والقبر قبل الموت، وأنَّه إن احتاج إليه انتفع به، ومحله في غير المحبسة للدفن، وأما هي فلا يجوز فيها ذلك، فلا تعد فيها المقابر قبل الموت.

تنبيه: يلزم رب الدابة الميتة في السوق حملها إلى حيث تطرح، بخلاف ما لو دخلت دار شخص فماتت. اللخمي: إن فقد ساتر كله بدئ بساتر سرته إلى ركبتيه، وما فضل لما فوق ذلك إلى صدره.

ولما أنهى الكلام على الواجبات شرع في المندوبات، فقال: وندب تحسين ظنه بالله، تحسين الظن هو عقد الضمير على توقّع الجميل؛ يعني أنه يندب للمريض تحسين ظنه؛ أي زيادة تحسين ظنه بالله تعالى، قال الشيخ عبد الباقي: وحملناه على ذلك؛ لأنه يندب للصحيح أيضًا تحسين ظنه بالله تعالى للحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء إن ظن خيرًا

ص: 71

فله وإن ظن شراً فله

(1)

)، ونحوه قول محيي الدين بن عربي: حسن ظنك بربك على كل حال؛ أي صحة ومرضا، ولا تسئ الظن به فإنك في كل نفس يخرج منك لا تدري، هل هو آخرها أم لا؟ ودع قول من قال: أسئ الظن في حياتك وحسن الظن عند موتك.

وندب للمريض زيادته لخبر مسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله تعالى الظن

(2)

) الخطابي إنما يحسن الظن بالله تعالى من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله، فإن من ساء عمله ساء ظنه، وهذا بديع جدًّا، وقد يكون أيضاً حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو، والله تعالى جواد كريم، ويوافق الأول خبر: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني

(3)

). ويستعين في حسن الظن بالتفكر في سعة رحمته وعفوه وحلمه، ويجتهد في الدعاء لخبر: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى

(4)

ولا يتمن الموت لخبر (لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به، ولكن يقول: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي

(5)

). وقد مر أنه يندب للصحيح تحسين ظنه بالله تعالى، قال الشيخ محمد بن الحسن: ذكر ابن حجر في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: وهو الذي لابن عربي، وقيل: يعتدل عنده جانب الخوف والرجاء، والثالث أنه: يطلب منه غلبة الخوف، قال: وهذا هو التحقيق، وحمل حديث: (أنا عند ظن عبدي بي

(6)

) على المحتضر بدليل حديث مسلم: لا يموتن أحدكم إلخ. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وندب تحسين ظنه بالله زيادة له ولمن حضره، وقال الشبراخيتي، والخرشي في قوله:"ظنه"؛ أي الميت؛ أي الذي حضرته أسباب الموت وعلاماته، وأطلق عليه ميتا، وأعاد عليه ضمير الميت باعتبار المآل، وقوله:"بالله"؛ أي في الله. انتهى. وقال الخرشي في قوله: "وندب تحسين ظنه بالله"، والمعنى

(1)

ابن حبان، باب حسن الظن بالله، رقم الحديث: 634/ 638. وأصله في الصحيحين: البخاري، الحديث: 7405. ومسلم، الحديث:2675.

(2)

مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم الحديث:2877.

(3)

الترمذي، كتاب صفة القيامة، الحديث:2459. والإتحاف، ج 7 ص 44.

(4)

الترمذي، كتاب الدعوات، الحديث:3496.

(5)

البخاري، كتاب المرضى، الحديث:5674. - مسلم، كتاب الذكر والدعاء، الحديث: 2680. والنسائى، الحديث:1820. والترمذي، كتاب الجنائز، الحديث: 970.

(6)

البخاري، كتاب التوحيد، الحديث:7405. مسلم، كتاب الذكر والدعاء، الحديث: 2675. ابن حبان، الحديث: 634/ 638.

ص: 72

أنه يندب لمن حضرته أسباب الموت وعلاماته أن يحسن ظنه بالله تعالى، لما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله

(1)

).

وأعلم أنه إنما يحمد مقام الخوف إذا لم يؤد إلى يأس وقنوط من رحمة الله وإلا كان مذموما، وربما كان كفرا. انتهى. وفي الشبراخيتي: وهل الأفضل للشخص تغليب الرجاء ليلاً يغلب عليه اليأس من رحمة الله، أو الخوف ليلاً يغلب عليه الأمن من مكر الله، أو إن كان عاصياً فالخوف أفضل، أو إن كان صحيحاً فالخوف؟ وهو المختار عندنا، والذي عند الشافعية أن يكون خوفه ورجاؤه مستويين، وإن كان مريضاً فالرجاء لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى. أخرجه ابن أبي الدنيا. في كتاب حسن الظن، وزاد: فإن قوما قد أرداهم سوء الظن بالله، فقال لهم تبارك وتعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ

(2)

}، الحسن: هؤلاء قوم شغلتهم شهواتهم، وألهتهم الأماني، واتكلوا على رحمة الله. وقال عمر: هؤلاء قوم كانوا يديمون الذنوب، ويتكلون على مغفرة الله عز وجل. انتهى.

تنبيهان: الأول: قال ابن عرفة حضور المحتضر: كتمريضه فرض كفاية يتأكد على أوليائه.

الثاني: أخرج النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك إلى روح الله وريحان ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً حتى يأتوا به أبواب السماء، فيقولون ما أطيب هذه الرِّيح التي جاءت من قبل الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه قدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: فلان قد مات ما أتاكم، قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية. وإن الكافر إذا حضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الرِّيح حتى يأتون به أرواح الكفار

(3)

). رواه في التيسير.

(1)

الإتحاف، ج 10 ص 278.

(2)

الإتحاف، ج 10 ص 278.

(3)

التيسير، ج 4 ص 137.

ص: 73

وتقبيله؛ يعني أنه يستحب أن يقبل الميت؛ أي يوجه إلى القبلة عند الجمهور؛ لأنها أفضل الجهات، وروى ابن القاسم كراهته؛ لأنه لم يفعل به صلى الله عليه وسلم. عند إحداده؛ يعني أن التوجيه إلى القبلة إنما يكون عند الإحداد أي شخوص البصر إلى السماء، وذلك إنما يكون بعد الموت. وعبارة الأمير: وتقبيله عند شخوص بصره، لا قبله ليلاً يفزعه. انتهى. الشبراخيتي: وسببه نظر السلم الذي تنزل فيه الملائكة لقبض الروح، أو لأن الروح إذا خرج يتبعه البصر كما ورد في الخبر. انتهى. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألم تروا إلى الإنسان إذا مات شخص بصره؟ قالوا: بلى، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه

(1)

). رواه في التيسير. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها، أنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين

(2)

). رواه في التيسير. قوله: "عند إحداده"، قال الشبراخيتي، والخرشي: كان ينبغي له أن يقول: وعند إحداده بالواو؛ لأنه مندوب ثان، وزاد الخرشي: لا قبله؛ لأن فيه إيذاء له. على أيمن؛ يعني أنه يجعل على شقه الأيمن عند توجيهه إلى القبلة إن أمكن ذلك، ويأتي أنه يجعل في اللحد على شقه الأيمن مستقبلاً، بخلاف وضعه للغسل، فالأفضل وضعه على شقه الأيسر، ليبدأ بغسل الأيمن، ثم على الأيمن، ثم ظهر؛ يعني أنه إذا لم يمكن جعله على شقه الأيمن فإنه يجعل على ظهره ورجلاه للقبلة، وظاهره أنه لا يجعل على شقه الأيسر، ونحوه في الطراز، وإنما أسقط الأيسر واقتصر على الأيمن تفاؤلا بأنه من أصحاب اليمين لا من أصحاب اليسار، وكلام سند هو: ويكون في توجيهه على شقه الأيمن إن أمكن، وإن لم يقدر فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة. انتهى. قوله:"على أيمن ثم ظهر"، رواه ابن القاسم في المجموعة، وقاله ابن وهب.

(1)

التيسير، ج 4 ص 137.

(2)

التيسير، ج 4 ص 137.

ص: 74

وتجنب حائض؛ يعني أنه يندب تجنب الحائض له إذا احتضر كما نص عليه غير واحد؛ أي بعدها عن البيت الذي هو فيه. ابن حبيب: يستحب أن لا تحضر الحائض ولا الكافرة. وجنب؛ يعني أنه يندب تجنب أي بعد الجنب أيضًا عن البيت الذي هو فيه، فقوله: له، متعلق بقوله:"تجنب"، فهو راجع للحائض والجنب، وقد مر أن الضمير في قوله:"ظنه"، عائد على الميت، وكذا ما بعده، أما بعد الموت فظاهر، وأما قبله فباعتبار المئال. والعلة في طلب تجنب الحائض والجنب له أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب أو حائض، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أن النفساء كالحائض، وكذا يندب أن يجنب البيت كلباً غير مأذون في اتخاذه، أو مطلقاً على الخلاف في ذلك، وتمثالا وآلة لهو، وكل شيء تكرهه الملائكة، وكذا يندب تجنب نجس له أي بعده عنه فقط لا عن البيت، وكذا تجنب صبي يعبث ولا يكف إذا نهي، وكونه طاهرا وما عليه طاهرا، وحضور طيب عنده، وأحسن أهله وأصحابه سمتا وخَلْقا وخُلُقا ودينا. ابن حبيب: ويستحب أن لا يجلس عنده إلا أفضل أهله وأحسنهم فعلاً وقولا، وقال الشيخ الأمير عاطفا على الندب: وبعد من لا يصبر، والنساء، وجنب، وتمثال، وكل ما تكرهه الملائكة من كلب ورائحة خبيثة. انتهى. وندب كثرة الدعاء له وللحاضرين؛ لأن الملائكة يحضرون ويؤمنون؟؛ وهو من مواطن الإجابة، وأن لا يُبْكَى أو يسترجع عنده بحيث يعلم به، فمن كان باكياً فليبك بموضع لا يسمعه. وقوله:"وتجنب حائض وجنب له"، هو كقول الرسالة: ويستحب أن لا تقربه حائض ولا جنب. وفي المختصر: لا بأس أن تغمضه الحائض أو الجنب. وفي الخرشي: المراد بتجنب الحائض والجنب له أن لا يكونا في البيت الذي هو فيه، وكذا يقال في تجنب الكلب والتمثال له، وأما الثوب النجس والصبي الذي يعبث ولا يكف إذا نهي، فالمراد بتجنبهما: بعدهما عنه، وكذا يقال فيما أشبههما. انتهى. ويندب أيضًا قول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها

(1)

)، لخبر: من قال ذلك أبدله الله خيرا منها، وفي الحديث: (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحا يرضاه

(2)

)، نقله الشيخ

(1)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:918. ولفظه: وأخلف لي خيرا منها.

(2)

الترغيب، ج 4 ص 173.

ص: 75

إبراهيم. ويندب أيضًا إبعاد النساء لقلة صبرهن. وإظهار التجلد لمن حضر من الرجال، وفي كتاب الشيخ الأمير: أنه تندب طهارة ملابسه كفراشه وحضور الصالحين. انتهى. وفي الحطاب: ينبغي أن لا يترك أحد يبكي حوله برفع صوت، وينبغي لمن حضر من الرجال أن لا يظهر الجزع. انتهى.

تنبيهات: الأول: روى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال له ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، وإذا كان رجل سوء، قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال، فلان، فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر

(1)

). وهذا حديث صحيح، قاله الثعالبي. وروى ابن ماجه عن البراء رضي الله عنه، قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس على شفير قبر، فبكى وأبكى حتى بل الثرا، ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا

(2)

).

ولله در القائل:

لاه بدنياه والأيام تنعاه

والقبر غايته واللحد مأواه

يلهو فلو كان يدري ما أعد له

إذا لأحزنه ما كان ألهاه

وما جنت يده لوقد تعرفه

ويلاه مما جنت يداه ويلاه

(1)

سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، الحديث:4262.

(2)

سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، الحديث:4195.

ص: 76

الثاني: روى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أيوما أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً؟ الشك من الراوي، قال: فيبعث الله عيسى ابن مريم عليه السلام كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله عز وجل ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستحيون؟ فيقولون ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، قال: فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصغي ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال: ينزل مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون

(1)

). قوله: أصغى؛ أي أمال، ليتا؛ يعني صفحة العنق؛ يلوط: يطين ويصلح. القرطبي: وقد جاء أن بين النفختين أربعين عاماً، وفي صحيح مسلم: (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة

(2)

). قال عبد الحق: فبينما روحك مع الأرواح إذ أمر الله عز وجل بها أن تجمع فتقبل أرواح المؤمنين تتلألأ نورا وأرواح الكافرين تسود ظلمة فيقبضها جميعًا فيجعلها في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، وعجب الذنب، قيل: يا رسول الله وما هو؟ قال: (مثل حبة خردل منه تنبتون

(3)

)، قيل: وهو آخر فقرات الظهر، والصور: قرن من نور، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه لكعرض السماء والأرض، قال العلماء: والنفخة الأولى للفناء؛ وهي نفخة الصعق، ويكون معها نقر لقوله تعالى:

(1)

صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، الحديث:2940.

(2)

صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، الحديث:2955.

(3)

مسند أحمد، ج 3 ص 28.

ص: 77

{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} ؛ أي في الصور لتكون الصيحة أعظم، والنفخة الثانية للبعث من غير نقر؛ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها، لا تنفيرها من أجسادها، وفي حديث علي بن معبد الطويل عن أبي هريرة: (فينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين

(1)

)؛ يعني نفخة البعث.

الثالث: أعلم أن الناس يبعثون على ما ماتوا عليه، روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يبعث كل عبد على ما مات عليه

(2)

)، وروى البخاري عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم

(3)

)، وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر، أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: يا عبد الله إن قتلت صابرا محتسبا بعثت صابرا محتسبا، وإن قتلت مرائيا مكاثرا بعثت مكاثرا، على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال

(4)

). نقله الثعالبي. قال: والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

الرابع: قال الغزالي: إن المعاني في الآخرة تستتبع الصور ولا تتبعها. انتهى. فلكل صاحب ذنب علامة يعرف بها، فالغادر ينصب له لواء عند استه يوم القيامة يشتهر بها على جميع العوالم هناك، وشاهد الزور يبعث مدلعا لسانه بالنار، وآكل الرِّبا يتخبط مثل صاحب الجنون في الدنيا، والذي يطلب وليس بذي حاجة ليس في وجهه مزعة لحم، والنائحة لها سربالان سربال من جرب والثاني من قطران، وحابس الزكاة إن كانت إبلا بطح لها بقاع قرقر فجاءت أوفر ما كانت تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها وإن كانت غنماً مثل ذلك، إلا أنه قال: تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، وإن كان ماله ذهباً أو فضة مثل له شجاع أقرع، والمتكبرون يبعثون مثل الذر، وآكل أموال اليتامى ألسنة النار تخرج من منافس جسده، وشارب الخمر الكوز معلق في عنقه، والكذاب

(1)

تذكرة القرطبي، ص 171.

(2)

مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، الحديث:2878.

(3)

البخاري، رقم الحديث:7108. ولفظه: إذا أنزل الله إلخ

ثم بعثوا على أعمالهم. ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، الحديث:2879. ولفظه: ثم بعثوا على أعمالهم.

(4)

أبو داود، كتاب الجهاد، الحديث:2519.

ص: 78

يشق شدقه، قال تعالى:{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} ، أعاذنا الله من الذنوب والفضيحة، ولو لم يكن فيها إلا هذا المقدار لكان كافياً في الردع والازدجار.

وكذلك يعرف أهل الخير والطاعة بسيماهم، كالشهيد يبعث وكلمه يدمى؛ اللون لون دم، والريح ريم مسك، وكالمحرم يبعث ملبياً، وفي رواية ملبدا، ومن هذا المعنى أن هذه الأمة يبعثون غرا محجلين من أثر الوضوء يعرفهم من رآهم أنهم من أمة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأعلم أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وأحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم، قال تعالى:{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا،} وأن الكافر يستقبله في أقبح صورة وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول لا إلا أن الله تعالى قبح صورتك، ونتَّن ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السيء، طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك، قال تعالى:{وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} .

الخامس: قال الله سبحانه: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} ؛ يعني أنه ينادي على صخرة بيت المقدس؛ وهي أقرب موضع من الأرض إلى السماء، يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

واعلم أن الحشر على أربعة أوجه: اثنان في الدنيا، واثنان في الآخرة، أما الأول من الذيْنِ في الدنيا فهو المشار إليه في الدنيا بقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} ، كان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قاله الزهري وغيره. والثاني منهما: ما رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يحشر الناس على ثلاثة طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا

(1)

؛ وهذا الحشر في الدنيا وهو آخر أشراط الساعة كما في الحديث، (وآخر ذلك نار تخرج

(1)

البخاري، كتاب الرقاق، الحديث:6522. - مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، الحديث: 2861.

ص: 79

من قعر عدن تطرد الناس

(1)

)، وفي حديث آخر: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز

(2)

).

وأما اللذان في الآخرة، فأولهما حشرهم إلى الموقف كما قال تعالى:{وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، والثاني منهما: حشرهم إلى الجنة والنار، قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} ، والوفد ركبان النجب، وقيل على الأعمال -كما مر- ومعنى وردا عطاش، ويساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام تسوقهم الملائكة بسياط النار إلى النار نجانا الله من عذابه.

السادس: روى القرطبي عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (تحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله من جماعات المسلمين وبدل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسين أرجلهم فوق رؤوسهم ويسحبون على وجوههم، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبين على جذوع من النار، وبعضهم أشد نتنا من الجيفة، وبعضهم يلبس جلابيب سابغة من قطران، فأمَّا الذين على صورة القرد فالقتات من الناس؛ يعني النمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام والمكس، وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الرِّبا، وأما العمي فمن يجور في الحكم، والصم البكم هم الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم فالذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالنَّاس إلى السلطان، والذين أشد نتنا من الجيفة الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله من أموالهم، والذين يلبسون الجلابيب فأهل الكبر والفخر والخيلاء

(3)

)، وسيأتي ذكر شيء من هذا المعنى آخر الفصل إن شاء الله تعالى.

(1)

مسلم، كتاب الفتن، الحديث:2901.

(2)

البخاري، كتاب الفتن، الحديث:7118. - مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، الحديث: 2902.

(3)

تدكرة القرطبي، ص 181.

ص: 80

يا أخي تفكر فيما تصير إليه واستعد له، فالموت أمر كُبارٌ؛ قد أنجد وأغار، وكأس يدار، فيمن أقام وسار، وباب تسوق إليه يد الأقدار. قاله الثعالبي. وتلقينه الشهادة؛ يعني أنه يستحب أن يلقن المحتضر الشهادة ويستحب أن يكون ذلك برفق، والأصل فيما ذكره المصنف خبر: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله

(1)

)؛ أي ذكروا من حضره الموت بحضور أسبابه، فهو من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، وأراد بالشهادة الشهادتين فاكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، كقوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله

(2)

)، وقد علم أنها لا تكفي بدون محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل ندب ذلك ليكون آخر كلامه، أو ليطرد به الشياطين الذين يحضرونه لدعوى التبديل؟ -والعياذ بالله تعالى- وجهان ذكرهما المازري في المعلم. ابن ناجي: والصَّواب هما معاً، وظاهر المصنف والخبر: أنه يلقن كان المريض صغيراً أو كبيراً، وخصصه النووي بالثاني، ولا يلح عليه، بل يسكت بعد كل تلقينة سكتة، الأبي: ولا يقال له: قل؛ لأنه تكليف، وليس بمحل تكليف، وإنما يعرض بذكر الشهادتين تعريضا حتى يقولها؛ أي ولأنه لو قيل له: قل، لربما قال: لا، جوابًا لرد فتنة الفتانين، قال الأبي: وَرُدَّ بقوله عليه الصلاة والسلام لأبي طالب وهو في النزع - (يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله

(3)

)، وفيه نظر: إذ هي لم يسبق منه قولها لكفره، والكلام هنا في المسلم، ثم إذا قالها المحتضر بعد التلقين لا يعاد عليه إلا أن يتكلم بكلام أجنبي، فيعاد، لتكون آخر كلامه، لخبر: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة

(4)

)، ويكون الملقن له غير وارث إن وجد، وإلا فأرفقهم به، ولا يضجر من عدم قبول المحتضر لما يلقن؛ لأنه يشاهد ما لا يشاهدون، وفي المدخل: وإن كانوا جماعة فيلقنونه واحدًا بعد واحد، ولا يلقنونه جميعًا؛ لأن ذلك يحرجه ويقلقه، ومن خرس لسانه أو أذهب المرض عقله فلم ينطق قبل الموت، حكم له بما كان عليه قبل من الإسلام، بل بالقطبانية أو بالصديقية العظمى، ولا يضره عدم الإيمان الفعلي، كما أن الكافر يحكم له بما كان عليه من

(1)

مسلم، رقم الحديث:916.

(2)

البخاري، رقم الحديث:2946.- أبو داود، رقم الحديث: 2640.- مسلم، رقم الحديث:35.

(3)

مسلم، رقم الحديث:24.- البخاري، رقم الحديث: 3884.

(4)

أبو داود، رقم الحديث:3116.

ص: 81

الكفر، فحكمه عند الله عز وجل كحكم الذين استحضروا الكفر في تلك الحال بالفعل، فالمعتبر ما تقدم من كفر وإيمان. انتهى ملخصا من شرحي الإمام الحطاب والشيخ عبد الباقي.

تنبيهات: الأول: (ورد أن جبريل عليه السلام يحضر كل من مات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم

(1)

)، وما اشتهر على ألسنة الناس أنه لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لا أصل له، ومن الدليل على بطلانه ما للطبراني في الكبير: عن ميمونة بنت سعد، قالت: قلت يا رسول الله: (هل يرقد الجنب؟ قال ما أحب أن يرقد حتى يتوضأ، فإنِّي أخاف أن يتوفى، ولا يحضره جبريل

(2)

)، وله ولنعيم بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال، قال: (فيمر بمكة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول، أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعه من حرمه، ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا جبريل بعثني الله لأمنعه من حرم رسول الله، وفي تفسير:{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} ، فيها أن المراد به جبريل. قاله السيوطي. في كتابه الإعلام بنزول عيسى عليه السلام

(3)

). وروى الثعالبي في رياض الصالحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وأمن من ضغط القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة

(4)

).

الثاني: أولاد الأنبياء في الجنة إجماعاً، وكذا أولاد المؤمنين عند الجمهور، وقيل: في المشيئة، وأنكر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: هذا يعني كون أولاد المؤمنين في الجنة، حكى النووي الإجماع عليه، لقوله تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} ، قال المفسرون: حقيقة إن كانوا كبارا، وحكما إن كانوا صغارا، ونقل الإجماع عليه في الفتح، وسلمه، ونقله ابن عرفة عن النوادر. انظر المواق عند قوله:"كإن أسلم ونفر من أبويه". انتهى.

الثالث: قال الشيخ عبد الباقي: وفي أن أولاد الكفار في الجنة: وعزي للجمهور وصححه النووي، أو تحت المشيئة. ابن عبد البر: صرح به أصحاب مالك، ولا نص عنه في المسألة، أو تبع

(1)

الإعلام بنزول عيسى عليه السلام للسيوطي "مخطوط" ص 121. والطبرانى الكبير، باب الميم، ميمونة بنت سعد، خادمة النبي صلى الله عليه وسلم.

(2)

الإعلام بنزول عيسى عليه السلام للسيوطي "مخطوط" ص 121.

(3)

الإعلام بنزول عيسى عليه السلام للسيوطي.

(4)

رياض الصالحين للثعالبي، ما ينجي من ضغطة القبر وفتنة القبر "مخطوط".

ص: 82

لآبائهم، أو بين الجنة والنار غير معذبين، أو خدم أهل الجنة، أو يصيرون تراباً، أو يمتحنون برفع نار لهم فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاماً ومن أبي عذب، أو في النار، أو الوقف، أو الإمساك، وفي الفرق بينهما دِقَّةٌ. أقوال عشرة بسطها في الفتح، ونقلها العلقمي في خبر أطفال المشركين.

الرابع: ظاهر الرسالة؛ وهو المتبادر من كلام المصنف أن الميت لا يلقن بعد الدفن، وبه قال العز بن عبد السلام، وحمل خبر: (لقنوا موتاكم

(1)

) على من دنا موته، وليس العمل عند مالك على التلقين بعد الدفن، وجزم النووي بندبه، ووافقه على ندبه صاحب المدخل، والقرطبي، والثعالبي، وغير واحد. قال ابن الطلاع من المالكية: وهو الذي نختاره ونعمل به، وقد روينا حديثًا عن أبي أمامة ليس بالقوي، ولكنه اعتضد بالقواعد، وعمل أهل الشام؛ وهو ما رواه عنه سعيد بن عبد الله الأزدي، قال: شهدت أبا أمامة؛ وهو في النزع، قال: (إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة الثانية فإنه يستوي قاعداً، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إمامًا، فإن منكراً ونكيرا يتأخران عنه، كل واحد منهما يقول لصاحبه: انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته، ويكون الله حجيجهما دونه، فإن لم يعرف أمه فلينسبه إلى أمه حواء

(2)

)، وقال آخرون: يا فلان بن أمة الله، وما يفعله كثير من الناس في هذا الزمان من رفع الصوت بالتلقين بحضور الناس أو بعد انصرافهم، فليس من السنة، بل هو بدعة. وفي المدخل: وينبغي أن يتفقده بعد انصراف الناس عنه من كان من أهل الدين والفضل، فيقف عند قبره تلقاء وجهه، ويلقنه؛ لأن الملكين عليهما السلام؛ إذ ذاك يسألانه؛ وهو يسمع قرع نعال المنصرفين، وكان سيدي أبو حامد بن البقال -وكان من كبار العلماء والصلحاء- إذا حضر

(1)

مسلم، رقم الحديث:916.

(2)

مجمع الزوائد، ج 2 ص 327.

ص: 83

جنازة عزى وليها بعد الدفن وانصرف مع من ينصرف، فيتوارى هنيئة حتى ينصرف الناس، ثم يأتي إلى القبر فيذكر الميت بما يجاوب به الملكين عليهما السلام -ويكون التلقين بصوت فوق السر ودون الجهر- فيقول: يا فلان لا تنس ما كنت عليه في دار الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا جاءك الملكان عليهما السلام وسألاك، فقل لهما: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والكعبة قبلتي، وما زاد على ذلك أو نقص فخفيف. وفي الشبراخيتي عن شيخه الأجهوري: ونحوه للزرقاني، والحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال بشروط ولم توجد في هذا الحديث، قال الشيخ عبد الباقي: لأنه لم يندرج تحت أصل كلي، بل فيه ابتداء شرع فلا يعمل به، وإن كان في المقاصد تقويته. انتهى.

قال الشيخ محمد بن الحسن: أما شروط العمل بالضعيف فهي ثلاثة: الأول وهو متفق عليه أن يكون الضعف غير شديد، الثاني: أن يكون مندرجا تحت أصل عام، الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته ليلاً ينسب إلى النبي ما لم يقله. انتهى. وقوله: لأنه لم يندرج تحت أصل كلي إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل هو مندرج تحت قوله تعالى:{فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} ، كما في المواق عن ابن العربي عند قوله: وعلى قبره، وللإمام السيوطي رحمه الله تعالى:

قد أمر النبي بالتلقين

من بعد شن الترب للمدفون

وقيل قبل أن يهال الترب

وإن يعد ثلاثة فندب

الأبي: اتفق أن ابن عرفة مرض مرضا أشرف فيه على الموت، ثم نقِه -بكسر القاف أي طاب - فدخلت عليه مع بعض الطلبة، فأخذ يحضنا على الطلب، ويقول: العلم ينفع في الدنيا والآخرة، ثم قال: غشي علي في مرضي هذا فتمثلت لي طائفتان إحداهما عن يميني؛ وهي الصغرى، والأخرى عن شمالي؛ وهي الكبرى، والتي عن يميني ترجح الإيمان بالله تعالى، والتي عن شمالي ترجح الكفر به وتورد شبها فوفقني الله للجواب عنها بما أعرفه من قواعد العقائد، فلما سري عني علمت أن توفيقي لذلك إنما هو من بركة العلم، وأن الله ينفع به في الدنيا والآخرة. وأوصت أم شيبة بن أبي شيبة ابنها شيبة عند الموت، فقالت: يا بني إذا دفنتني فقم عند

ص: 84

قبري، وقل: يا أم شيبة قولي: لا إله إلا الله، قال: ففعلت، ثم انصرفت، فلما كان من الليل رأيتها في المنام، فقالت: يا بني كدت أن أهلك لولا أن تداركتني لا إله إلا الله، فقد حفظت وصيتي، وقال المتيوي: يستحب أن يجلس إنسان عند رأس الميت عقيب دفنه يقول: يا فلان بن فلان، أو يا عبد الله أو يا أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا وهو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ورضيت بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، ربي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. نقله الإمام الحطاب. وتغميضه؛ يعني أنه يستحب تغميض بصر الميت؛ لأن فتح عينيه يحصل به قبح منظره، وفي مسلم وأبي داود: عن أم سلمة، قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، وقال: أن الروح إذا قبض اتبعه البصر

(1)

)، ابن حبيب: من السنة إغماض الميت حين الموت، وينبغي أن يلي ذلك أرفق أوليائه بأسهل ما يقدر عليه، ويقال عند ذلك: بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيرًا مما خرج عنه، ويستحب أن يقال عند ذلك:{وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} ، {ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} ، قوله: وسهل عليه موته، المراد منه الدعاء بتسهيل ما بعد الموت؛ إذ لا يغمض إلا بعد الموت. وعن الثوري: من لم يغمض عند موته وبقي مفتوح الأجفان والشفتين. فليأخذ واحد بعضديه، وآخر بإبهامي رجليه ويجذبانه، فإنه ينغمض. مجرب صحيح. قاله الخرشي، وغيره. وشد لحييه؛ يعني أنه يستحب شد لحيي الميت الأسفل مع الأعلى بعصابة، وتربط فوق رأسه ليلاً ينفتح فوه فتدخله الهوام ويقبح منظره، واللحي الأسفل هو منبت اللحية. إذا قضى؛ يعني أن التغميض وشد اللحيين محلهما إذا قضى الإنسان؛ أي مات، فقوله:"قضى" قيد في المسألتين، وإنما عبر بإذا دون إن؛ لأن إذا للتحقيق. قاله الشيخ إبراهيم.

(1)

التيسير، ج 4 ص 137.

ص: 85

وعلامات الموت أربع: انقطاع نفسه، وإحداد بصره، وانفراج شفتيه -فلا ينطبقان-، وسقوط قدميه -فلا ينتصبان- فعند هذه الأربع يغمض الميت، لا قبل ذلك، كما نقله الحطاب. قال بعضهم: غمضت جعفراً المعلم -وكان رجلاً عابداً- فرأيته في منامي ليلة مات، يقول: أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل أن أموت. قاله غير واحد.

ومن علامات البشرى للميت: أن يصفر وجهه، ويعرق جبينه، وتذرف عيناه دموعا، ومن علامات السوء أن تحمر عيناه، وتربَدَّ شفتاه، ويغط كغطيط البكر، وتربد بالباء الموحدة بعدها دال مشددة، قال في القاموس: الربدة بالضم لون إلى الغبرة. قاله الخرشي. وتليين مفاصله؛ يعني أنه يستحب تليين مفاصل الميت، كرد ذراعيه لعضديه، وفخذيه لبطنه، وساقيه لفخذيه، ويمدهما ويكون ذلك برفق ليسهل غسله على غاسله، وإذا لينت المفاصل تستمر لينة النهار كله وأكثر، خصوصًا مع استحباب الفقهاء إسراع تجهيزه.

ورفعه عن الأرض؛ يعني أن الميت يستحب أن يرفع عن الأرض بأن يجعل على كسرير ليلاً تسرع إليه الهوام فيحصل له التشويه: ونحن مأمورون بحفظه قبل الدفن، والتعليل بإسراع الفساد إليه غير بين. انظر الشبراخيتي. وكذا يستحب جعله في مكان خال. قاله الشيخ ميارة. وستره بثوب؛ يعني أنه يستحب ستر الميت حتى وجهه بثوب بعد نزع ما عليه من الثياب. قاله سند. وفي المدخل: ينزع ما عليه من الثياب ما عدا القميص، ويمكن حمل كلام سند عليه، قاله الحطاب. وتبعه الشيخ سالم، وإنما ندب ستر وجهه لأنه ربَّما تغير وجهه من المرض تغيراً وحيشا، فيظن من لا معرفة له ما لا يجوز. وفي خبر عائشة رضي الله عنها: (أنه عليه السلام سجي بثوب حبرة

(1)

)، بكسر الحاء وفتح الباء كعنبة؛ وهي مفردة والجمع حبرات كعنبة وعنبات، وقالوا: بردٌ حبرةٌ على الوصف؛ وبردُ حبرة على الإضافة وهو أكثر في استعمالهم، ويقال برد حبير على الوصف وهو ثوب يمان يكون من قطن أو كتان محبر أي مزين، والتحبير

(1)

البخاري، كتاب اللباس، رقم الحديث:5814.

ص: 86

التزيين، ومنه: (لحبرته لك تحبيرا

(1)

) والحبر الذي يكتب به مكسور الحاء، وأما العالم فبفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان.

ووضع ثقيل على بطنه؛ يعني أنه يستحب وضع شيء ثقيل على بطن الميت كسيف وحديدة وحجر، وشبه ذلك ليلاً ينتفخ، فإن لم يكن فطين مبلول. وقال حلولو: قوله: "وتليين مفاصله برفق ورفعه عن الأرض ووضع ثقيل على بطنه"، ما ذكره من هذه المندوبات لم أر الآن من نبه عليه من الأصحاب؛ وهي منصوصة للشافعية، وأنكر ابن عرفة ما ذكره ابن عبد السلام عن المذهب من وضع الحديد على بطنه. انتهى. وإنكار ابن عرفة مردود بأنه مذكور لابن حبيب. قاله الشيخ إبراهيم.

وإسراع تجهيزه؛ يعني أنه يندب الإسراع بتجهيز الميت؛ أي بدفنه فما قبله من المؤن فيعجل بغسله إثر موته، وبسائر المؤن خيفة تغيره، وفي الحديث: (لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهلها

(2)

)، قاله الشبراخيتي. وغيره. والحديث الذي أشار إليه رواه في التيسير عن أبي داود عن الحصين بن وحوح، قال: لما مرض طلحة بن البراء أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (إني لا أراه إلا قد حدث به حادث الموت فآذنوا به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهلها

(3)

)، وروى في التيسير عن الستة؛ أي الإمام مالك، والشيخين: مسلم والبخاري، وأصحاب السنن: الترمذي، وأبي داود، والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوف ذلك فشر تضعونه عن رقابكم

(4)

)، قوله، "تجهيزه"، جهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر والفتح: ما يحتاجون إليه، وقد جهزه تجهيزا فتجهز: جمعه، أجهزة جمع جمعه: أجهزات. انتهى.

(1)

صحيح ابن حبان، ج 16 ص 169.

(2)

التيسير، ج 4 ص 143.

(3)

أبو داود، كتاب الجنائز، رقم الحديث:513.

(4)

التيسير، ج 4 ص 142.

ص: 87

قال مؤلفه عفا الله عنه: والذي يظهر أن هذا من قولهم: تجهزت للأمر؛ بمعنى تهيأت له. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإسراع تجهيزه"، وأما تأخير تجهيزه صلى الله عليه وسلم، فللأمن من التغير، أو للشك في موته، أو للاهتمام بعقد الخلافة، أو ليبلغ خبر موته النواحي القريبة فيحضروا للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لاغتنام الثواب الجزيل.

وأعلم أنه يجوز الدفن ليلاً كما فعل بسيدتنا فاطمة رضي الله عنها، وبخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق، وغيرهما من السلف رضي الله عنهم أجمعين. وفي الحطاب: الدفن ليلاً جائز. نقله في النوادر. قال النووي في دفن فاطمة ليلاً: جواز الدفن بالليل وهو مجمع عليه، لكن النهار أفضل إذا لم يكن عذر. انتهى. وفي النسائي من حديث عقبة بن عامر الجهني، قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشَّمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب

(1)

)، وفيه أيضًا، (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر رجلاً من أصحابه أنه مات فقبر ليلاً وكفن في كفن [غير طويل

(2)

]، فزجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبر إنسان ليلاً إلا أن يضطر إلى ذلك

(3)

)، انتهى كلام الحطاب.

وأعلم أن العجلة من الشيطان إلا في ست: التوبة، والصلاة إذا دخل وقتها، وتجهيز الميت، وإنكاح البكر إذا بلغت، وتقديم الطَّعام للضيف إذا قدم، وقضاء الدين إذا حل، قاله الشيخ ميارة. تنبيه: أعلم أن أول من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمة العباس، ثم بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم أهل القرى. وجملة من صلى عليه من الملائكة ستون ألفاً، ومن غيرهم ثلاثون ألفاً، وصلوا عليه فرادى؛ لأنه لم يكن خليفة يجعل إمامًا، وكان موته صلى الله عليه وسلم ضحوة الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء، ومن قال إنهم صلوا عليه ثلاثة أيام محمول على أنه سمى الليلة يومًا تغليباً، قاله الشيخ إبراهيم.

(1)

سنن النسائي، كتاب الجنائز، الحديث:2013.

(2)

كذا في الأصل، والذي في الحطاب ج 2 ص 514. ط دار الرضوان:"غير طائل" وهو لفظ مسلم وأبى داود والنسائي.

(3)

النسائي، كتاب الجنائز، رقم الحديث:1892. ولفظه: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر رجلاً من أصحابه مات فقبر ليلاً وكفن في كفن غير طائل فزجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبر إنسان ليلاً إلا أن يضطر إلى ذلك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه. ومسلم، كتاب الجنائز رقم الحديث:943. وأبو داود، كتاب الجنائز، رقم الحديث: 3148.

ص: 88

إلا الغرق؛ يعني أن الذي غرق في الماء لا يندب الإسراع بتجهيزه، ومثله الصعق، ومن يموت فجأة، ومن به مرض السكتة، ومن مات تحت الهدم، فلا يندب الإسراع بالجميع، بل في كلامهم ما يفيد وجوب تأخيرهم ولو أتى عليهم يوم أو يومان أو ثلاثة حتى يتيقن الموت أو يظهر التغير. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي: مفاد الاستثناء أنه لا يندب إسراع تجهيزه، وهو صادق بندب تأخيره ووجوبه، وفي كلامهم ما يفيد الثاني بل رأيت التصريح بذلك. وحكى الكمال الدميري عن ابن عساكر، أنه قال: مات الماجشون جد عبد الملك صاحب ملك، فحضر الناس للصلاة، وجاء الغاسل فرأى في باطن رجله عرقا يضرب، فقال: اتركوه لغد، ثم جاء فوجده كذلك إلى أن أتى عليه ثلاثة أيام، فقعد وقال: اسقوني سويقا، وحكى أنه عرج بروحه إلى السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة حتى وصل السابعة ورأى النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وعن يمينه أبو بكر وعن يساره عمر وعمر بن عبد العزيز أقرب إليه منهما، فقلت: بم نال هذه المرتبة؟ فقال: كان يحكم بالحق في زمن الباطل، وكانا يحكمان به زمن الحق، ثم قالوا: ردوا الرجل فقد بقي من عمره كذا وكذا شهرا وكذا يومًا، فعاش تلك المدة، ومات رحمه الله تعالى. انتهى. وفي الشبراخيتي: ولو أدخل الكاف على الغرق لكان أشمل ليدخل الصعق ومن مات تحت الهدم، أو كان محمولاً عليه بعذاب أو حريقا أو فجأة أو من به مرض السكتة، بل في كلامهم ما يفيد وجوب تأخيرهم ولو أتى عليهم يومان أو ثلاثة أو يظهر التغير. انتهى. قال الشبراخيتي: ونحوه للشَّيخ الخرشي.

ولما أنهى الكلام علي ما يفعل بالمحتضر حال احتضاره، وما قرب منه مما يكون قبل غسله، شرع في مندوبات الغسل، بقوله: وللغسل سدر؛ يعني أنه يندب أن يغسل الميت بماء وسدر، والمراد بالسدر هنا ورق شجر النبق، وقيل: نبت باليمن له رائحة ذكية، ومعنى ذلك أن يطحن الورق ويجعل في الماء ويخض حتى تبدو له رغوة، ويعرك به جسد الميت، وليس معناه عند كافتهم أن يلقى الورق في الماء، فإنه منكر ومن فعل الجاهلية.

وأعلم أن الغسلة الأولى تكون عند الجمهور بالماء القراح؛ أي المطلق للتطهير، والثانية بالماء والسدر للتنظيف، وفي شرح الشيخ عبد الباقي تبعاً للتوضيح: أن ابن حبيب عكس، قال الشيخ محمد بن

ص: 89

الحسن: وفيه نظر، بل ما نقله قبله عن الجمهور هو عين ما نقله أبو الحسن وغيره عن ابن حبيب. انتهى. والثالثة بالماء والطيب للتطييب، وفي الخرشي أن كون الثالثة بالماء والكافور متفق عليه، والسدر مقدم على غيره إن وجد، وإلا فغيره من كل غاسول يقوم مقامه، كالحرض بضمتين؛ وهو الأشنان بضم الهمزة، قال الشيخ الخرشي وغيره: وإنما خص السدر بالذكر وإن كان غيره عند عدمه من كل غاسول يقوم مقامه، تفاؤلا بعروج روحه إلى سدرة المنتهى التي تنتهي إليها أرواح المؤمنين. وقوله:"وللغسل سدر"؛ أي في غير الأولى كما نص عليه غير واحد، وفي غير الأخيرة كما يأتي للمصنف "وكافور في الأخيرة".

واعلم أن في المدونة: أن الميت يغسل بالماء والسدر، وتؤول كلامها على ثلاث تأويلات: أحدها للخمي فإنه أخذ منه غسله بالماء المضاف كما يقوله ابن شعبان، ثانيها أنه لا يخلط الماء بالسدر بل يحك الميت بالسدر ويصب عليه الماء، ابن ناجي: هو متجه؛ وهو اختيار أشياخي، قال: لأن الماء الطهور إذا ورد على العضو طهورا وانضاف فيه لا يضره. ثالثها كقول ابن حبيب والجمهور: أن الأولى بالماء وحده، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور.

وقد مر عن التوضيح وعبد الباقي أن ابن حبيب، قال: إن الأولى بالماء والسدر، والثانية بالماء القراح أي الماء وحده، فلعل لابن حبيب قولين. قاله الشيخ بناني. وتجريده؛ يعني أنه يستحب تجريد الميت من الثياب التي مات فيها لأجل الغسل لأنه أمكن، إلا مما يستتر به. قال الشارح: وينزع قميص الرجل، ويستر عورته، وكذا المرأة مع النساء؛ وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، والمستحب عند أصحابه تغسيله في قميصه؛ لأنه الذي فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم، والجواب: أنه لم يجرد صلى الله عليه وسلم تعظيماً له وتوقيرا، ولما سمعوا حين ألقي عليهم النوم، فكل منهم يضرب صدرَه ذقنُه من صوت قائل لا يرونه: لا تنزعوا عنه قميصه، واغسلوه فيه فيكون من خصوصياته، وقول الصحابة: هل تجردونه كما تجرد موتانا؟ دليل لنا، وأن الشأن عندهم في زمنه صلى الله عليه وسلم التجريد.

واعلم أن الذين غسلوه صلى الله عليه وسلم خمسة: علي والفضل، وشقران كعثمان، قاله الأمير، مولاه صلى الله عليه وسلم لقبه واسمه: صالح، وأسامة، والعباس. وكانت أعينهم معصوبة إلا

ص: 90

علياً رضي الله عنه؛ لأنه أوصى له بتغسيله كما في المواهب، وسمع قائلاً يقول: ارفع بصرك إلى السماء ليلاً يحد النظر إليه. انتهى. قاله الأمير وعلي والعباس هما اللذان يغسلان، والآخرون يصبون، وعبقت عليهم رائحة طيبة ملأت البيت. وقوله:"وتجريده"؛ يعني ولو أنحل المرض جسمه، خلافًا لعياض القائل: استحب العلماء غسله تحت الثوب لتغيره بالمرض، وكراهته حيًّا أن يطلع عليه بتلك الصفة، وظاهر قوله: العلماء، دخول مالك فيهم. قاله الشيخ الخرشي.

وينبغي إذا جرد للغسل ألا يطلع عليه إلا الغاسل ومن يليه، وتستر عورته بمئزر، ويستحب أن يجعل على صدره ووجهه خرقة أخرى. قاله الحطاب. عن ابن سحنون.

ووضعه على مرتفع؛ يعني أنه يستحب أن يوضع الميت حال غسله على مرتفع؛ لأنه أمكن في الغسل. وليلا يقع من غسله على غاسله شيء، وليس من سنة غسل الميت استقبال القبلة، فليست حالة الغسل كالإحداد -لما مر- كما في الحطاب، بل المستحب حينئذ البخور ليلاً يشم منه الرِّيح الكريهة، واشتغال الغاسل بالتفكر والاعتبار، لا هذه الأذكار المبتدعة لكل عضو، لما علمت من كونها بدعة، ويشتغل بما ذكر عن سائر العبادة ذكراً أو غيره. قاله في المدخل، وانظره مع قول ابن شعبان: ويكثر الغاسل من ذكر الله عز وجل حال الغسل. انتهى. ويكره وقوفه على الدكة، ويجعل الميت بين رجليه، بل يقف بالأرض ويقلبه حين غسله. والدكة مكان مرتفع يكون بباب الدار.

وعلم مما قررت أن الارتفاع هنا غير الارتفاع السابق؛ لأن ذلك ليلاً تناله الهوام، وهذا ليلاً يقع شيء من غسله على غاسله؛ ولأنَّه أمكن للغاسل. والله سبحانه أعلم.

وإيتاره؛ يعني: أنه يستحب إيتار الغسل ثلاثًا أو خمسا إن حصل إنقاء بما قبله. الخرشي: ومما يستحب أيضًا إيتار الغسل لما روي أنه عليه الصلاة والسلام، قال في أمر ابنته: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسا أو أكثر إن رأيتن ذلك

(1)

)، بماء وسدر ويجعل في الأخيرة كافور إن تيسر. ابن حبيب: السنة أن يكون الغسل وترا، وكذلك فعل برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقتصر الغاسل على أقل من ثلاث؛ لأن الاقتصار على الاثنتين خلاف ما ضمنه الحديث من أنه يكون وترا.

(1)

الموطأ، كتاب الجنائز، الحديث:518. - البخاري، كتاب الجنائز، الحديث: 1253. مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:939.

ص: 91

كالكفن؛ يعني أنه يستحب في الكفن الإيتار، فالكاف للتشبيه في الإيتار فقط لا فيه، وفي السبع خلافًا للتتائي؛ إذ لا يتأتى في الرجل؛ لأن كفنه خمسة فقط. قاله الشيخ إبراهيم. وإنما يستحب الإيتار فيما زاد على اثنين، بدليل قوله فيما سيأتي: والاثنان على الواحد. وقوله: لسبع، متعلق بقوله:"وإيتاره"، ولو قدمه لتوهم أن قوله كالكفن تشبيه فيه وفي الإيتار، وقد مر ما يمنع ذلك. انظر الشبراخيتي. ومعنى كلامه أنه يندب إيتار الغسل حيث حصل إنقاء بما قبل الإيتار، وينتهي ذلك لسبع، فإن أنقى بالثانية استحبت الثالثة، وإن أنقى بالرابعة استحبت الخامسة، وإن أنقى بالسادسة استحبت السابعة، فإن لم يحصل الإنقاء بالغسلة السابعة، فالمطلوب الإنقاء، فإن حصل بالثامنة فلا تندب تاسعة، وهكذا قال معناه غير واحد.

وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر ابن عرفة، فقد ذكر أنه لم ير تحديده؛ أي الغسل بسبع لأحد، وأما اللخمي فقد ذكر أنه إن لم ينق بست سبع كما في المواق، ولم يقل: لا يراعي الوتر بعد ذلك. انتهى. ولم يعد؛ يعني أن الغسل لا يعاد لخروج نجاسة من الميت من قبله أو دبره اتفاقا؛ أي يكره؛ لأنه تعمق فيما يظهر. قاله غير واحد. وكذا لا يعاد غسل الميتة إذا وطئت. كالوضوء؛ يعني أن وضوء الميت لا يعاد لخروج نجاسة من قبله أو دبره، ولا يعاد أيضًا لوطء الميتة.

وبما قررت علم أن قوله: لنجاسة راجع للأمرين، ولم يعادا لذلك لانقطاع التكليف بالموت، والقدر المأمور به تعبدا قد فعل. وغسلت؛ يعني أنه لا يعاد الوضوء والغسل لأجل خروج نجاسة من الميت -كما عرفت- لكن تغسل النجاسة من بدنه وكفنه وجوباً أو استنانا، على ما مر في إزالة النجاسة. ابن حبيب: ولا ينبغي أن يغسل إلا بأن يحمل بإثر ذلك، وإن تأخر حمله عن غسله إلى غد فلا يعاد. قاله الشيخ إبراهيم. وعصر بطنه؛ يعني أنه يستحب عصر بطن الميت حال التغسيل. برفق؛ أي يكون العصر المذكور برفق أي خفيفاً، قال في المدونة: ويعصر بطنه عصرا خفيفاً ليلاً يخرج شيء من أمعائه، ويكره العصر المذكور قبل التغسيل، وندب صب الماء؛ يعني أنه يندب صب الماء صبا متتابعا، في حال غسل مخرجيه؛ أي الميت. أشهب: إذا عصر بطن الميت فإنه: يأمر من يصب عليه أن لا يقطع صبّه ما دام يغسل مخرجيه القبل والدبر. بخرقة، متعلق بمحذوف؛ وهو يغسل لا بالندب المقدر في المعطوف؛ لأن الغسل بالخرقة واجب

ص: 92

لا مندوب؛ يعني أنه يجب عليه في حال غسل المخرجين أن يلف خرقة كثيفة على يده لفات بحيث لا يجد معها لين ما يمر يده عليه، وتحرم مباشرة العورة، ويغسل المخرجين بيساره وبقية الجسد بيمينه. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الخرشي: ومن كلام أشهب: وإذا عصر بطنه فليأمر من يصب الماء عليه أن لا يقطع ما دام يغسل ذلك، ويلف على يديه شيئًا كثيفاً لا يجد معه لين ما تمر عليه اليد، ثم يغسل تلك الخرقة، ويغسل يده، ثم يأخذ خرقة أخرى يلفها على يده ويدخلها في فمه لينظف أسنانه. ابن حبيب: ويدخل الماء في أنفه ثلاثًا، وقال الحطاب عند قوله:"بخرقة"، قال في الطراز: وأيضًا بقية بدنه، فإن شاء غسلها بيديه، وإن شاء غسلها بخرقة. وقد استحب الشافعي أن يغسله بخرقة، وقال: يعد خرقتين نظيفتين يغسل بإحداهما أعالي بدنه ووجهه وصدره، ثم مذاكيره وبين رجليه، ثم يلقيها، ويفعل بالأخرى مثل ذلك.

وله الإفضاء إن اضطر؛ يعني أن محل وجوب الغسل للمخرجين بالخرقة المذكورة إنما هو مع الإمكان، وأيضًا مع الاضطرار كما إذا لم يجد خرقة فإنه يباح له الإفضاء؛ أي مباشرة العورة من غير حائل، وظاهره يشمل ما إذا غسل المحرم المرأة من محارمه، أو غسلت المرأة الرجل من محارمها. قاله الشيخ الخرشي. وقوله:"إن اضطر"، هذا مثل قوله في المدونة: وإن احتاج أن يباشر بيده فعل. انتهى. قال اللخمي: ومنعه ابن حبيب وهو أحسن، ولا يكون الميت في إزالة تلك النجاسة بأعلى من الحي إذا كان لا يستطيع إزالتها لعلة أو غيرها، إلا بمباشرة غيره ذلك الموضع؛ فإنه لا يجوز أن يوكل من يمس فرجه لإزالة ذلك منه، ويجوز أن يصلي على حاله فهو في الموت أخف، ولا يكشف ويباشر ذلك منه. انتهى. نقله أبو الحسن. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

تنبيه: أعلم أن الضرورة تجيز النظر إلى عورة الحي للمداواة. والله سبحانه أعلم. وتوضئته؛ يعني أنه يندب توضئة الميت قبل الغسلة الأولى وبعد إزالة الأذى مرة مرة، ولا يكرر الوضوء، وقيل: يكرر بتكرر الغسل كما مر. وتعهد أسنانه وأنفه بخرقة؛ يعني أنه يستحب أيضًا تعهد؛ أي تفقد أسنان الميت وأنفه بخرقة مبلولة يزيل بها ما يكره ريحه أو رؤيته.

وأعلم أن الخرقة التي يتعهد بها الأنف خرقة أخرى غير خرقة الأسنان. ابن حبيب: ويدخل الماء في أنفه ثلاثًا. وإمالة رأسه لمضمضة؛ يعني أنه يستحب للغاسل أن يميل رأس الميت

ص: 93

للمضمضة برفق -كما في بعض النسخ- ليخرج الماء بما فيه من الأذى، واللام في قوله:"لمضمضة"، تعليلية، وفي بعض النسخ: وأمال؛ أي استحباباً. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وإمالة"، قال الشارح: إذ لا يمكن أن يمضمض إلا على هذا الوجه، وهكذا قال أشهب إنه يمضمض. انتهى. وقال الأمير: وإمالة رأسه لصدره بمضمضة، وتنشيفه.

وعدم حضور غير معين؛ يعني أنه يستحب أيضًا أن لا يحضر الميت إلا من يعين الغاسل، وحضور غير المعين مكروه. قال الشبراخيتي: وكلام المصنف لا يفيد ذلك؛ إذ لا يلزم من مخالفة المندوب الكراهة لأنه صادق به وبخلاف الأولى، ولو قال: وكره حضور غير معين لأفاد المراد. انتهى.

وقد قدمت عن الإمام الحطاب: أن نقيض المندوب بالمعنى الأعم الشامل للسنة وغيرها مرجوح مطلوب الترك، والأكثر من العلماء يعبر عن جميع ذلك بالكراهة، قال: وهو الظاهر لصدق حد المكروه عليه، وهو ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. غاية الأمر أن الكراهة تتفاوت على قدر تفاوت الطلب، ويحمل ما يقع في عبارة المصنف وغيره من نفي الكراهة على نفي الكراهة الشديدة، لا مطلق الكراهة لما تقدم. وقال في الطراز: وترك الأحسن من غير عذر مكروه، ومنهم من يقول: نقيض ما لم يتأكد طلبه خلاف الأولى، ونقيض ما تأكد طلبه مكروه، وقيل: ما طلب تركه بنهي مخصوص مكروه، وما طلب تركه بنهي غير مخصوص؛ وهو النهي عن ترك المندوبات خلاف الأولى. انتهى.

تنبيه: لا ينبغي أن يكون الغاسل إلا ثقة، أمينا، صالحا، يخفي ما يراه من عيب، وإن استغنى عن أن يكون معه أحد أحسن. وكافور في الأخيرة؛ يعني أنه يستحب في الغسلة الأخيرة أن تكون بماء وكافور إن تيسر، وصفة ذلك أن يأخذ شيئًا من الكافور فيجعله في إناء فيه ماء ويذيبه فيه، ثم يغسل الميت به، فإن لم يتيسر فغيره من الطيب. نقله الخرشي. وندب الكافور لسده مسام البدن لبرودته ومنعه سرعة التغير، ولتطييبه رائحة الميت للمصلين والملائكة عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه جمع بين العطرية، ومضادة العفن، وشدة الأعضاء، ومن هذا يؤخذ أن الأرض التي لا تبلي أفضل من غيرها، خلافًا للشافعية. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوب: وطيب بالأخيرة، وأفضله الكافور؛ لأنه أمسك للجلد، فاستنبط منه أن الأرض التي لا

ص: 94

تبلي أفضل وعكس الشافعية. وفي المدخل: ينبغي أن يشتغل بما ذكر من التغسيل وما يتعلق به عن سائر العبادات ذكراً كانت أو غيرها، وانظره مع قول ابن شعبان في الزاهي: ويكثر الغاسل من ذكر الله تعالى حال الغسل. قاله الخرشي. وقال الشيخ عبد الباقي: لا ينافيه لحمل ما لابن شعبان على ذكر لا يشغل عما يتعلق بالميت، وما في المدخل: على ما يشغل عن ذلك. انتهى.

وما تقدم أنه يؤخذ من التعليل في الكافور أن الأرض التي لا تبلي أفضل من عكسها، هو للشَّيخ الأجهوري، قال الشيخ عبد الباقي: فيه أن مجرد الأخذ من شيء لا يثبت به حكم حتى يقال فيه خلافًا للشافعية. انتهى.

والكافور نوع من الطيب شجرته عظيمة تظل أكثر من مائة فارس. قاله غير واحد. وفي القاموس: الكافور طيب معروف يكون من شجر من جبال الهند والصين يظل خلقًا كثيرا وتألفه النمورة، وخشبه أبيض هش يوجد في أجوافه الكافور؛ وهو أنواع، ولونها أحمر، وإنما بيض بالتصعيد. انتهى.

ونشف؛ يعني أنه يستحب تنشيف الميت بعد غسله، وقبل تكفينه، وهل ينجس الثوب المنشف به أم لا؟ قولان لابن عبد الحكم، وسحنون. والراجح طهارته، ولو قلنا: إن ميتة الآدمي نجسة؛ قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الخرشي: اللخمي: وعلى قول ابن القاسم بنجاسة الميت ينجس ثوب التنشيف. ابن عرفة: ونقل الشيخ: لا يصلى به ولا بما أصابه من مائة، خلاف قولهم في الغسالة غير المتغيرة. انتهى. التونسي ولا يصلي به؛ يعني الثوب المنشف به حتى يغسل، وكذلك كل ما أصابه ماؤه. نقله الحطاب.

واغتسال غاسله؛ يعني أنه يستحب لغاسل الميت أن يغتسل بعد فراغه من غسل الميت؛ وهو مذهب ابن القاسم. أبو محمد وقاله مالك في المختصر وروى عنه أنه رأى أن يغتسل وقال عليه أدركت الناس وقال ابن حبيب لا غسل عليه ولا وضوء وقاله جماعة من الصحابة والتابعين وقاله مالك قاله الشارح وقال غير واحد إن العلة في الاغتسال مخافة أن يتوقى ما يصيبه منه فلا يكاد يبالغ في أمره لتحفظه فإذا وطن نفسه على الغسل بالغ في تنظيفه فيكون تمكنه أكثر وليس المراد اغتساله كالجنابة بل المراد غسل جميع جسده للتنظيف فلا يحتاج لنية ولا دلك، وفي حاشية

ص: 95

الشيخ محمد بن الحسن أن هذه العلة ذكرها الشارح وغيره، قال: وفي المسألة خلاف ذكره ابن رشد في البيان ونصه

(1)

بعد كلام فمن أوجب الغسل على الغاسل جعل أمر النبي صلى الله عليه وسلم به كما في حديث أبي هريرة الذي جعله في الموطأ [من غسل ميتا فليغتسل

(2)

] عبادة لا لعلة وحمله على مقتضاه من الوجوب ومن استحبه ولم يوجبه جعل أمر النبي به صلى الله عليه وسلم لعلة واختلفوا ما هي، فمنهم من قال إنما أمره بالغسل ليبالغ في غسل الميت لأنه إذا غسل الميت موطناً نفسه على الغسل لم يبال بما ينتضح عليه منه فكان سببًا لمبالغته في غسله، ومنهم من قال: ليس معنى أمره بالغسل أن يغسل جميع بدنه كالجنابة وإنما معناه أن يغسل ما باشره أو انتضح عليه منه لأنه ينجس بالموت وإلى هذا ذهب ابن شعبان. انتهى. وما قاله ابن شعبان ظاهر. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أن اغتسال الغاسل كالعلة الغائية وهي التي تحمل على العمل، ويتقدم تصورها عليه ذهنا، ويتأخر وجودها عنه في الخارج كالجلوس على السرير، فإن تصوره ذهنا مقدم على السرير، ويتأخر الجلوس بالفعل عليه في الخارج. قال الشاعر:

نعم ما قال سادة الأول

أول الفكر آخر العمل

قوله: "واغتسال غاسله"؛ يعني ولو حائضاً كما في الخرشي، وفيه أيضًا: وجد عندي ما نصه: واغتسال غاسله بأن يغسل جسده، ولا يغسل ثيابه للمشقة. وفي الأمير: واغتسال غاسله بعده للنظافة، والماء طاهر.

ولما فرغ من مستحبات الغسل، شرع في مستحبات التكفين، فقال: وبياض الكفن؛ يعني أنه يستحب أن يكون كفن الميت أبيض، وقاله في الجواهر، والأصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (البسوا من ثيابكم البيض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم

(3)

). قاله الشارح. وقوله: "وبياض الكفن"، قال الشبراخيتي: وأفضله الأبيض من القطن أو الكتان، والقطن أفضل

(1)

فمن أوجب الغسل جعل أمر النبي صلى الله عليه وسلم به عبادة لا لعلة إلخ. البيان والتحصيل ج 2 ص 207. وانظر البنانى، ج 2 ص 96.

(2)

ابن ماجه، كتاب الجنائز، رقم الحديث:1463.

(3)

مسند أحمد، ج 1 ص 328.

ص: 96

من الكتان لأنه صلى الله عليه وسلم كفن فيه، لا لكونه أستر، خلافًا للطخيخي. انتهى. وفي الحطاب عن الطراز: وما كان في الثوب من علم أو حاشية فلا يخرجه ذلك عن جنس ثياب البياض، والأحسن في ذلك التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، إنما كفن في أثواب قطن لا حرير فيها، والكتان في معنى القطن، ولا يخرج عن هذين الجنسين، والقطن أفضل؛ لأنه أستر. انتهى. وقوله: لأنه أستر، فيه نظر؛ لأن من الكتان ما يكون أستر من القطن، والظاهر أن يقال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كفن فيه، وفهم من كلامه أن التكفين في الصوف غير مطلوب. انتهى. البساطي: وكان الأحسن أن يقول: وللكفن بياض، كما قال: للغسل سدر، وفي كلام بعضهم أنه: عدل عن ذلك لعدم حسنه فيما عطف عليه؛ وهو قوله: وتجميره، وفيه شيء. قاله الشيخ الخرشي والشيخ عبد الباقي.

وإتيان المصنف بمندوبات الكفن عقب مندوبات الغسل بديع في التَّرتيب، وعبارة الشيخ الأمير: وللكفن بياض وتجمير، (وقد كفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب [بيض سحولية

(1)

] قطن بيض سحولية

(2)

)، ولم يثبت خصوص عدد غسله إلا الوترية، والسحولية بضم الحاء المهملة وبفتح السين وهو قول الأكثر وبضمها نسبة إلى سحول: مدينة في ناحية اليمن يحمل منها الثياب، فيقال لها: السحولية.

وتجميره؛ يعني أن يستحب تجمير الكفن بالجيم؛ أي تبخيره وترا ثلاثًا أو خمسا أو سبعا بعود أو غيره مما يتبخر به، واستحبه بعضهم بعنبر، وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوبات: وتخمير بالخاء؛ أي جعل الثياب بعضها فوق بعض، ويدرج فيها لقوله في الحديث: (أدرج فيها إدراجا

(3)

). ويندب التبخير أيضاً حال الغسل ليلاً يشم أنَّه رائحة كريهة، ويزاد في البخور عند عصر بطنه. وقوله:"وتجميره"؛ أي بأن تجعل الثياب على شيء عال كعيدان مثلاً يقرن رؤوسهن بخيط وتنصب وتركب عليها الثياب. وقوله: "وتجميره"، قال أشهب في المجموعة:

(1)

الموطأ، كتاب الجنائز، الحديث:521.

(2)

الموطأ، كتاب الجنائز، الحديث:521.

(3)

المعجم الأوسط للطبراني، الحديث:8373.

ص: 97

يجمر وترا، وحكاه ابن حبيب عن النخعي، وعن ابن عمر: أنه كان يجمر ثيابه يوم الجمعة وترا، وأخذ ذلك بعض المحدثين من قوله صلى الله عليه وسلم: (من استجمر فليوتر

(1)

)، وإنما استحب أشهب إيتار التجمير لأن غسله وتر وكفنه وتر والتجمير يتعلق بذلك، فكان وترا. قاله الإمام الحطاب. وقوله:"وتجميره"، ضبطه البساطي بالخاء المعجمة، قال: والمراد منه أن تجعل الثياب بعضها فوق بعض، ويدرج فيها الميت، لقوله في الحديث: أدرج فيها. انتهى. وهو تصحيف ظاهر. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.

وعدم تأخره عن الغسل؛ يعني أنه يندب أن لا يؤخر التكفين، بل يدرج الميت في الكفن عقب التغسيل، وتأخر الكفن عن الغسل مكروه خوف التغير، والضمير في تأخره عائد على الكفن بمعنى التكفين؛ أي الإدراج في الكفن.

والزيادة على الواحد؛ يعني أنه تندب الزيادة على الكفن الواحد، فتكفينه في أكثر من كفن واحد مندوب، فالواحد مفضول بالنسبة لجميع المراتب، والاثنان فيها مستحب واحد من حيث الزيادة على الواحد، والثلاثة والخمسة فيها مستحبان الزيادة على الواحد والوترية وكذا السبعة بالنسبة للمرأة. قال مالك في المجموعة: وإذا لم تجد المرأة إلا ثوبين كفنت فيهما، وكذلك من لم يبلغ من صبى وصبية. أشهب وسحنون: هذا فيمن راهق، وأما الصغير فالخرقة تكفيه.

ولا يقضي بالزائد إن شح الوارث؛ يعني أنه لا يقضي على ورثة الميت بأن يكفن بما هو زائد في الصفة على ما يلبسه في جمعه وأعياده حيث شحوا؛ أي ضنوا بذلك الزائد، وأما الزائد على الواحد في العدد فيقضى به لثلاثة؛ أي يقضي للميت على الورثة والغرماء أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب كما يلبسه في جمعه وأعياده، وحملت المصنف على هذا لأن ابن عرفة نقل أن الورثة والغرماء يجبرون على ثلاثة أثواب، وكذا نقل ابن يونس أيضًا: أن الرجل لا ينقص عن ثلاثة أثواب إن شح الوارث، وهذا الذي حملته عليه هو المعتمد، وأما تمشيته على ظاهره فهو قول اللخمي: ولا يقضي على الوارث بما زاد على الثوب الواحد إن شح؛ وهو خلاف الراجح. وقوله: إن شح الوارث، "مستغنى عنه بقوله:"ولا يقضى بالزائد": إلا أن يوصي يعني أن محلَّ عدم

(1)

سنن أبي داود، كتاب الطهارة، الحديث:35.

ص: 98

القضاء مع شح الوارث إنما هو حيث لم يوص الميت بأن يكفن في أزيد من واحد وإلا كفن في أزيد من واحد، تنفيذًا لغرض الموصي. وقال عبد الباقي: ولا يقضي بالزائد في الصفة حيث لم يوص الميت بأن يكفن بزائد في الصفة على ذلك. انتهى. وأما إن أوصى أن يكفن بزائد في الصفة على ما يلبسه في جمعه وأعياده، فإنه يقضي عليهم بذلك الزائد لكن إنما يقضي به في ثلثه؛ أي الميت الموصي، فإن لم يحمل الزائد الثُّلث لم يقض عليهم بما لم يحمله الثُّلث. وقوله:"إلا أن يوصي ففي ثلثه": خلاف الراجح، والراجح بطلان الوصيَّة؛ وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب؛ وهو الصواب. فإن قيل الوصيَّة التي يحملها الثُّلث نافذة، فالجواب أنها إنما تنفذ إذا كانت بقربة، وهذا غير قربة هنا فإن أوصى بما نقص عن ثلاثة كواحد لم يعمل بوصيته عند ابن يونس وابن رشد، وعمل بها عند بعضهم. وعليه فلو زاد بعض الورثة على وصيّته بواحد بغير إذن باقيهم لم يضمن؛ لأن على وارث الميت في الواحد وصما؛ أي عيبا؛ قاله سحنون. فإن أوصى بأنقص في الصفة، فقد قال ابن رشد: وتتبع وصيّته إن أوصى بشيء يسير في قيمة الأكفان دون أن ينقص في العدد من الثلاثة، وقال ابن شعبان: إن أوصى بشيء يسير في كفنه لم يكن لبعض الورثة زيادة من غير ممالأة من جميعهم. ابن رشد: يريد في صفته. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الحطاب: عن سند عن سحنون في الذي يكون من الغرباء الذين لا يعرف لهم وارث: وترك شيئًا كالدينارين: فينبغي في مثل هذا اليسير أن يجعل كله في كفنه وحنوطه وقبره. انتهى. وظاهره أنه يصرف كله في ذلك وإن لم يوص به. انتهى. وقال الشيخ ميارة: قال ابن يونس: وجميع مؤن الميت في إقباره إلى أن يوارى من رأس المال، ويستحب له أن يوصي بأن يكفن في ثياب جمعته وإحرام حجة رجاء بركة ذلك، وقد أوصى سعد بن أبي وقاص أن يكفن في جبة صوف شهد بها بدراً.

وهل الواجب ثوب يستره؛ يعني أنه اختلف فيما يجب في تكفين الرجل، فمن الشيوخ من ذهب إلى أن الواجب أن يكفن الميت في ثوب يستر جميع جسده. أو ستر العورة؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الواجب من الكفن إنما هو ما يستر عورة الميت كالحي؛ أي ما بين السرة والركبة، وإذا قلنا بأن الواجب من الكفن ما يستر عورته، فالباقي من بدنه بعد العورة ستره سنة كما في التّقييد والتقسيم في ذلك خلاف، والأول هو المذهب؛ وهو ظاهر كلامهم، كما في

ص: 99

التوضيح. قال الشيخ علي الأجهوري: هما قولان لم يشهرا، فكان على المصنف أن يقول: قولان. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: أصله قول ابن غازي سلم في التوضيح أن الأول ظاهر كلامهم، ونسب الثاني للتقييد والتقسيم، ومقتضى كلامه هنا أن الخلاف في التشهير. انتهى. وقال ابن عرفة: قال أبو عمر وابن رشد: الفرض من الكفن ساتر العورة، والزائد لستر غيرها سنة، وقال ابن بشير: أقله ثوب يستر كله. انتهى. وصرح ابن بشير بنفي الخلاف عنه، وأنَّه بخلاف الحي.

وأعلم أنه قد مر قول المؤلف: والزيادة على الواحد عاطفا له على المندوب، وتقدم أنه يقضي بثلاثة أثواب، وقال هنا: وهل الواجب ثوب يستره أو ستر العورة؟ إلخ، وذكروا ما يشعر بأن الاقتصار على الواحد منهي عنه، فوقع في ذلك التَّدافع بحسب ظاهره، وتحرير ذلك ما ذكره الشيخ محمد بن الحسن بعد جلب نقول، ونصه: قال -يعني الرماصي-: فعلم منه أن ما يستره أو عورته حق لله -حسبما يأتي- لا يجوز تركه، والثلاثة حق للميت يقضي له بذلك على الورثة والغرماء عند التشاح. انتهى. فتبين أن الميت إن كانت له تركة تحمل ثلاثة أثواب، قضي له بها، ويجب على الورثة وغيرهم تكفينه فيها؛ لأن ذلك حق للميت في ماله، وهذا محل القضاء الذي ذكره، وإن لم يترك ما لا يكفن منه فالواجب على الناس لحق الله تعالى ثوب يستره أو عورته على الخلاف، ويستحب لهم الزيادة على الواحد، وهذا محل ما تقدم من استحباب الزيادة على الواحد، وما يأتي من قوله:"وهل الواجب ثوب يستره" إلخ. واندفع بذلك التعارض بين استحباب الزيادة والقضاء بها. والله الموفق. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. قاله عند قول المصنف: "ولا يقضي بالزائد".

قال جامعه عفا الله عنه: تأمل هذا التحرير الرفيع والإيضاح البديع، فلله در هذا الرجل ما أدق نظره وما أحسن ما سطره. وفي التيسير عن مالك عن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: الميت يُقَمَّصُ ويؤَزَّرُ ويُلَف في الثوب الثالث، فإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه

(1)

). ووتره؛ يعني أنه يستحب في الأكفان أن تكون وترا ثلاثة أو خمسة، كالسبعة في حق المرأة، ولا يتناول كلامه

(1)

التيسير، ج 4 ص 141.

ص: 100

الواحد، بدليل قوله: والاثنان على الواحد؛ يعني أن التكفين في ثوبين أفضل من التكفين في ثوب واحد، وقوله:"ووتره"، تكرار مع قوله:"كالكفن"، وقوله:"والاثنان على الواحد"، تكرار مع قوله:"والزيادة على الواحد"، إلا أن ما مر أعم. والله سبحانه أعلم. وفضل الاثنان على الواحد لأنهما أستر، وصرح الجزولي بكراهة الاقتصار على الواحد. قاله الإمام الحطاب.

والثلاثة على الأربعة؛ يعني أن التكفين في ثلاثة أثواب أفضل من التكفين في أربعة أثواب، لحصول الستر، والوترية، والعلة تقتضي أن الثلاثة أفضل من الستة؛ وهو الظاهر. قاله الشيخ إبراهيم. والخمسة أفضل من الستة، وفي كلام المصنف إشعار بأن في الأربعة فضيلة بالنسبة للاثنين، وأولى للواحد. قاله الشيخ عبد الباقي. وتقميصه؛ يعني أنه يندب تقميص الميت بأن يجعل له قميص من جملة أكفانه. وتعميمه؛ يعني أنه يستحب تعميم الميت الذكر، ويجعل للمرأة مكان العمامة خمار، قال فيها: والشأن في الميت أن يعمم؛ مطرف: ويعمم تحت لحيته، ويترك منها قدر الذراع تطرح على وجهه، ويترك من خمار الميتة كذلك، كذا نقله في النوادر. قاله الشارح. والمراد بالشأن: المستحب. (وقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب ليس فيهن قميص ولا عمامة

(1)

)، وهذا الحديث فهمه بعض الشافعية على نفيهما من أصلهما، وبعضهم على أنَّهما زائدان على الثلاثة. قاله الأمير.

وعذبة فيها؛ أي في العمامة المدلول عليها بتعميمه؛ يعني أنه يستحب أن تكون في عمامة الميت عذبة بالذال المعجمة يغطى بها وجهه، وعذبة كل شيء طرفه، مطرف: يجعل من العمامة تحت حلقه كالحي، ويكون منها قدر الذراع يغطى بها وجهه، وكذلك يترك من خمار الميتة. وأكثر العذبة ذراع، وأوسطها شبر، وأقلها أربع أصابع. انتهى. وفي الشبراخيتي: ولا يختص استحباب العذبة بالميت؛ إذ الحي كذلك، وقال بعضهم: صارت العذبة اليوم شعار قوم يسمون الصوفية فلا ينبغي أن يتخذها إلا من يكون على طريقتهم، وإلا كان كاذباً. انتهى.

وتحصل مما مر أن كل واحد من هذه الثلاثة مندوب مستقل، ونقل الشيخ محمد بن الحسن عن التوضيح أن المشهور من المذهب أن الميت يقمص ويعمم، قال: أما استحباب التعميم فهو في

(1)

الموطأ، ج 1 ص 168.

ص: 101

المدونة، وأما التقميص فتعقَّبه البساطي بقول ابن الحاجب: إنه مباح، ورواية يحيى بن يحيى: يستحب أن لا يقمص ولا يعمم، ورواية ابن القصار: كراهة التقميص عن مالك. نقله التتائي. وفيه: أن استحباب التقميص نقله المواق عن الواضحة. وأما قول المصنف: إنه المشهور من المذهب فهو في عهدته، لكن من حفظ حجة. انتهى. وأزرة؛ يعني أنه يستحب أن يجعل للميت إزرة في أكفانه، والأزرة بالضم عند الأكثر، وصوب الكسر المراد بها هنا: المئزر؛ وهو ما يستر من حقويه إلى أنصاف ساقيه، وتكون الأزرة تحت القميص، ولو جعل بدل الأزرة سراويل كان أستر، فالأزرة يحصل بها الندب، وكذا السراويل؛ وهو أستر.

واعلم أن ما مر من أن الأزرة بالضم عند الأكثر إنما ذلك في الأزرة: بمعنى ما يؤتزر به كما هو المراد هنا، وأما إذا أريد بها الهيئة فبالكسر لا غير. ولفافتان بالكسر تثنية لفافة بكسر اللام. والمراد بها هنا الثوب الذي يدرج فيه الميت، قال في القاموس: اللفافة بالكسر ما يلف به على الرجل وغيرها، جمعه لفائف؛ يعني أنه يستحب في حق الرجل لفافتان تتم بهما أثوابه الخمسة التي هي: قميص، وعمامة، وأزرة، أو سراويل، ولفافتان يدرج فيهما، وتجعل العليا أوسع من السفلى. وفي التيسير: عن أبي داود عن ليلى الثقفية رضي الله عنها، قالت: (كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الباب معه كفنها يناولنا ثوباً ثوباً، فأول ما أعطانا الحقو، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت في ثوب آخر

(1)

). والحقو: الإزار.

والسبع للمرءة؛ يعني أنه يستحب في أكفان المرأة أن تكون سبعة الخمسة المتقدمة في الرجل إلا أنه يجعل بدل العمامة خمار -كما مر- وتزاد لفافتان فأكفانها قميص وخمار، وتجعل منه عذبة يغطى به وجهها، وأزرة أو سراويل، وأربع لفائف، ولا يحسب في شيء من ذلك الخرق والعصائب التي تشد على الوجه والوسط وغيرهما، وتبسط اللفائف ويجعل أسفلها؛ أي الموالي للأرض أحسنها؛ لأن أحسن ثياب الحي يكون ظاهرها، ثم يعطف الثوب الذي يلي جسد الميت بضم الأيسر إلى الأيمن، ثم الأيمن إلى الأيسر، كما يلتحف في حياته يفعل هكذا في كل ثوب، ولا

(1)

التيسير، ج 4 ص 141.

ص: 102

تخاط اللفائف إجماعاً، خلافًا لابن شعبان. أشهب: يشد الكفن من عند رأسه ورجليه ثم يحل ذلك في القبر، وإن ترك عقده فلا بأس ما لم تنتثر أكفانه. انتهى. وقد مر قريبًا أنه يشد في الوسط.

وحنوط داخل كل لفافة؛ يعني أنه يستحب في الميت حنوط يجعل داخل كل لفافة يذر عليها، والحنوط بفتح الحاء كصبور وحناط كركاب: ما يطيب به الميت. وعلى قطن؛ يعني أنه يذر من الحنوط على قطن، وإذا ذر عليه فإنه، يلصق؛ أي ذاك القطن الذي ذر عليه الحنوط. بمنافذه؛ أي الميت بذال معجمة، عينيه، وأذنيه، وأنفه، وفمه، ومخرجي الذكر، ومخرجي الأنثى. وعبر بقوله:"يلصق"؛ لأنه لا يدخل في المنافذ. ففي التوضيح: الحذر الحذر مما يفعله بعض الجهلة من إدخال القطن داخل دبره، وكذلك يحشون أنفه وفمه، وذلك لا يجوز، ولا ينافيه قول سحنون: يسد دبره بقطن فيه ذريرة، وقول ابن حبيب: تسد أذناه ومنخراه بقطن بكافور؛ إذ لا يلزم من السد الإدخال. قاله الشيخ إبراهيم. والكافور فيه؛ يعني أنه يندب الكافور في الحنوط؛ أي يندب كون الحنوط كافورا كما في المدونة وغيرها، وليس معناه ما هو ظاهره، وعليه قرره التتائي: أنه يندب جعل الكافور في الحنوط، فلو قال: وحنوط وكونه كافورا داخل كل لفافة إلخ، كان أولى. وفي الشارح: وإذا فرغ الغاسل من غسله ذر على لفافته حنوطا، ويوضع الميت عليها، ويجعل قطن عليه كافور على المنافذ، ثم يلف الكفن عليه بعد أن يبخر. المازري: ومواضع الحنوط خمسة: [على

(1)

] ظاهر الجسد، وبين الأكفان، ومساجده السبعة: الجبهة، والأنف، واليدين؛ أي الكفين، والركبتين، وأطراف أصابع الرجلين، وهذا معنى قوله: وفي مساجده، ويكون الحنوط في المساجد من غير قطن، والاثنان الباقيان من كلام المازري: المنافذ والمغابن؛ أي المراق. وحواسه؛ يعني أنه يذر الحنوط على قطن يلصق في محل حواس الميت الأذنين، والعينين، والفم، والأنف، وهي أخص من المنافذ لشمول الأول للمخرجين، فلو اقتصر على الأول لكفى، ولا تدخل هنا حاسة اللمس، والحواس خمس: حاسة السمع، وحاسة البصر، وحاسة الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس، ومراقه؛ بفتح الميم وشد القاف: ما رق من جلده؛

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من شرح التلقين للمازري ج 3 ص 1141.

ص: 103

يعني أن الحنوط يجعل أيضًا في مراق الميت من غير قطن، كإبطيه ومرفقيه، وعكن بطنه، ومرجع ركبتيه. أبو عمر: وجميع جسده إن أكثر الحنوط، فإن ضاق الطيب، فالمساجد. قاله الخرشي. ومن المراق: الرفغان تثنية رفغ بضم الراء وفتحها، باطن الفخذ؛ وقيل: ما بين الذكر والدبر، ومنها ما خلف الأذنين، وما تحت الحلق والسرة وقعر القدمين، وما بين الفخذين. وإنما اختصت هذه المواضع بالحنوط على الوجه المذكور مع تعميم غسل جسده بالكافور لما فيها من إسراع التغير لها دون غيرها من باقي الجسد.

وبما قررت علم أن الحنوط يجعل في مساجده ومراقه من غير قطن، وبقطن في حواسه، وما بقي من منافذه. وإن محرما؛ يعني أنه يطلب تحنيط الميت بكلِّ نوع من أنواع الطيب، وإن كان الميت قد مات محرماً بحج أو عمرة. ومعتدة؛ يعني أنه يطلب تحنيط الميت بكلِّ نوع من أنواع الطيب وإن كان هذا الميت معتدة من وفاة.

وحاصل ما أشار إليه أن الإحرام والإحداد لا يمنعان من تطييب الميت الذي مات، وهو متصف بهما لانقطاع التكليف بالموت، وفي شرح عبد الباقي عند قوله:"وإن محرما ومعتدة"، للعمل، وهو مقدم عند مالك على خبر الآحاد وإن صح. ولا يتولياه، ضمير التثنية يرجع للمحرم والمعتدة، لكن هما ميتان في الأولى وحيان في الثانية، ففيه استخدام، ونظيره قول الشاعر:

وللغَزَالَةِ شيء من تَلَفُّتِه

ونُورُها من ضِيَا خديه مكتسَب

ومعنى كلام المصنف أن المحرم والمعتدة من وفاة إذا كانا حيين لا يتوليان تحنيط الميت لبقاء التكليف، ولو كان الميت زوج المعتدة؛ لأنها حاد، بل تغسله وتكفنه فقط، ويحنطه غيرها، وهذا إن لم تكن وضعت بعد موته، وأما إن وضعت بعد موته فتمسه وتحنطه وقوله:"ولا يتولياه"، محله أيضًا إن كان هناك من يتولى تحنيط الميت غيرهما وإلا حنطاه، واحتالا واحتاطا بعود أو غيره في عدم المس فإن لم يمكن عدم المس، مسته المعتدة دون المحرم. قاله الشبراخيتي. وذهب الشافعي إلى أن الميت إذا مات محرماً لا يطيب، لما رواه الخمسة: (أن رجلا وقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال عليه الصلاة والسلام: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا

ص: 104

تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا

(1)

). رواه في التيسير. ومعنى وقصته: ألقته عن ظهرها فوقع على الأرض واندقت عنقه، والتخمير التغطية، والحديث مع الشافعي لأن النهي عن مس الطيب إنما هو لكونه محرماً، والجواب ما تقدم من أن الإمام مالكًا استند للعمل وهو عنده مقدم على خبر الآحاد.

تنبيهات: الأول: قال في المدخل: فإذا فرغ من غسله فأول شيء يفعله أن يأخذ قطنة ويجعل عليها شيئًا من الكافور أو غيره من الطيب، والكافور أحسن لأنه يردع المواد فيجعلها أي القطنة المذكورة على فمه، ثم يأخذ قطنة أخرى فيفعل فيها ما تقدم ويسد بها أنفه، ثم أخرى من الناحية الأخرى ويرسلها في أنفه قليلًا، ثم يأخذ خرقة فيشدها على الفم والأنف، ثم يعقدها من خلف عنقه عقدا وثيقاً فتبقى كأنها اللثام، ثم يجعل على عينيه وأذنيه خرقة ثانية بعد وضع القطن مع الكافور على عينيه وأذنيه ويعقدها عقدا جيداً فتصير كالعصابة، ثم يأخذ خرقة ثالثة فيشد بها وسطه، ثم يأخذ خرقة رابعة فيعقدها في هذه الخرقة المشدود بها وسطه، ثم يلحمه بها بعد أن يأخذ قطنة ويجعل عليها شيئًا من الطيب والكافور -وهو أحسن لأنه يشد العضو ويسده- فيجعلها على باب الدبر ويرسل ذلك قليلًا برفق، ويزيد للمرأة سد القبل بقطنة أخرى، ويفعل فيه كما تقدم في الدبر سواء ثم يلحم عليه بالخرقة المذكورة ثم يربطها ربطا وثيقاً، وليحذر مما يفعلونه من إدخالهم في دبره، قلنا: وكذلك في حلقه وأنفه لما في ذلك من مخالفة السنة وإخراق حرمة الميت، ثم يأخذ في تكفينه فيشد على وسطه مئزرا، أو يلبسه سراويل وهو أستر له، ثم يلبسه القميص، ثم يعممه فيجعل له من العمامة ذؤابة وتحنيكا إلا أنها هنا لا ترخى بل يشد ذلك عليه ويستوثق في عقده ليلاً يسترخي من ذقنه وينفتح فوه، ثم يعممه بباقي العمامة ويشدها شدا وثيقاً، ثم يبسط الذؤابة على وجهه فيستر وجهه بها، ثم ينقله إلى موضع الكفن فيجعله عليه ويحنطه.

ومواضع الحنوط خمس: الأول: ظاهر جسد الميت، الثاني: بين أكفانه ولا يجعل على ظاهر الكفن، الثالث: المساجد السبعة؛ وهي الجبهة والأنف والكفان مع الأصابع والركبتان وأطراف

(1)

التيسير، ج 4 ص 141.

ص: 105

أصابع الرجلين. الرابع: المنافذ المتقدم ذكرها، الخامس: الأرفاغ؛ وهي مغابن الجسد خلف أذنيه وتحت حلقه وإبطيه وفي سرته وفيما بين فخذيه وأسافل ركبتيه وقعر قدميه وذلك بحسب ما يكون معه من الطيب، فإن قل عن استيعاب ذلك فيقتصر على الأرفاغ والمساجد السبعة المتقدم ذكرها، ثم يأخذ طرف أحد كميه فيربطه بطرف الكم الآخر ربطا وثيقاً، ثم يأخذ خرقة طويلة فيربطها في موضع رباط الكمين، ثم يمدها إلى إبهامي رجليه فيربطها فيهما ربطا جيدا وثيقا ليلاً تتحرك أطرافه وتتفرق، هذا إذا لبس القميص. وأما إن أدرج فلا حاجة إلى فعل ذلك، ثم يربط الكفن من عند رأسه وعند رجليه ربطا وثيقاً، ثم يأخذ في نقله وإخراجه من البيت إلى النعش وذلك كله برفق وحسن سمت ووقار. انتهى. قاله الحطاب.

الثاني: قال في النوادر: ومن الواضحة ونحوه لأشهب في المجموعة: فإذا فرغت من غسل الميت نشفت بلله بثوب وعورته مستورة، وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترا، وإن أجمرتها شفعا فلا حرج، ثم تبسط الثوب الأعلى، قال أشهب: اللفافة التي هي أوسع أكفانه، ثم الأوسع فالأوسع من باقيها، قال ابن حبيب: فيذر على الأول من الحنوط ثم على الذي يليه هكذا إلى الذي يلي جسد الميت فيذر عليه أيضًا، ثم ذكر صفة جعل الحنوط في مساجده ومسامه ومراقه، ثم قال: ثم يعطف الثوب الذي يلي جسده ويضم الأيسر إلى الأيمن ثم الأيمن عليه كما يلتحف الحي، وإن عطفت الأيمن أولاً فلا بأس، ويفعل هكذا في كل ثوب، ويجعل عليه الحنوط إلا الثوب الأخير فلا يجعل على ظاهره حنوط. انتهى المراد منه. نقله الإمام الحطاب.

الثالث: أعلم يا أخي أنك ميت، وأنك ستصير إلى ما صار إليه من تقدم من أسلافك، كما قال الشاعر:

فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب

لعلك تهديك القرون الأوائل

فسبحان من أسكنهم بعد ما حركهم، وسبحان من أسكتهم بعدما أنطقهم، وسبحان من صيرهم عظاما نخرة من بعد ما كانت أبدانهم بهجة نضرة، وسبحان من أوحشهم بعد ما أنسهم. ومشي مشيع؛ يعني أنه يندب لمشيع الجنازة أي الذاهب معها لمحل صلاة أو دفن أو لهما أن يمشي

ص: 106

على رجليه، ويكره له الركوب، وجاز أن يرجع راكبًا بعد الدفن، لخبر أبي داود: (أنه عليه الصلاة والسلام أتي بدابة ليركبها فأبى، ثم لما انصرف أتي بدابة فركبها

(1)

)، وفي التيسير عن أبي داود والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه، قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأى ناساً ركبانا، فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله تعالى على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب

(2)

)، وروى أيضًا عن الخمسة إلا البخاري عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: (اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة أبي الدحداح ماشيا ورجع على فرسه

(3)

)، وقوله:"مشيع"، بالكسر، قال، مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: الظاهر أنه وصفه باسم مفعوله المشيع بالفتح؛ بمعنى الملحق بمن تقدمه لا المشيع بالفتح بمعنى المتبوع. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المشيعة في الأضاحي بالفتح؛ أي التي تحتاج إلى من يشيعها

(4)

)، أي يتبعها الغنم لضعفها، وبالكسر وهي التي تشيع الغنم أي تتبعها. والله سبحانه. أعلم وإسراعه؛ أي عجلته في ذهابه؛ يعني أنه يندب إسراع المشيع حاملا للجنازة أم لا بلا خبب إن لم يخف بعدم الخبب تغير، وإلا كان الخبب أولى بل يجب إن غلب على الظن التغير بعدمه، وندب إسراع المشيع لخبر أبي هريرة: (أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خير تقدمونها إليه أو شر تضعونه عن رقابكم

(5)

)، وروى الطبراني في الكبير والبيهقي عنه عليه الصلاة والسلام أنه، قال: (عليكم بالسكينة عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم

(6)

)، فالمراد بالإسراع: ما فوق المشي المعتاد، ودون الخبب وهذا هو المراد بالقصد في حديث الطبراني والبيهقي، فلا منافاة بين الحديثين، وليس المراد بالإسراع ما يشمل الخبب لأن في شموله للخبب منافاة لحديث الطبراني والبيهقي؛ ولأن فيه إضرارا بالميت وإضرارا بالمشيعين. وفي المدخل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: السنة في المشي بالجنازة أن يكون كالشاب المسرع في حاجته. انتهى. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.

(1)

أبو داود، كتاب الجنائز، الحديث:3177. ولفظه: .. أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها فلما انصرف أتي بدابة فركب فقيل فقال إن الملائكة كانت تمشى فلم أكن لاركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت.

(2)

التيسير، ج 4 ص 142.

(3)

التيسير، ج 4 ص 142.

(4)

النهاية، ج 2 ص 520.

(5)

أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم. أخرجه الستة. التيسير، ج 4 ص 142.

(6)

سنن البيهقي، ج 4 ص 22.

ص: 107

وتقدمه؛ يعني أنه يندب تقدم المشيع للجنازة الماشي بأن يمشي أمام الجنازة؛ لأنه شفيع وحق الشفيع أن يتقدم، ولا يكره للمشيع الماشي أن يمشي خلف الجنازة، كما في الحطاب عن الطراز، ونظيره من قدر أن يجلس في الصلاة في الصف الأول فلم يفعل وجلس في غيره فإنه جائز، والأول أفضل، وفي التيسير عن الترمذي عن أنس رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم

(1)

)، وفيه أيضًا عن أصحاب السنن عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة

(2)

)، وإذا مشى المشيع وأسرع وتقدم أمام الجنازة، حصل له ثلاث فضائل. قال الإمام مالك: المشي أمامها هو السنة، زاد ابن شهاب: خلفها من خطإ السنة، وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل. وليس من شروط صحة صلاتها تقدم الميت على المصلي، بل شرط كمال فيكره لمنفرد أو إمام أو مأموم تقدمه عليها، فإن تقدم المأموم عليها وعلى إمامه المتأخر عنها فقد فعل مكروهين: تقدمه على الإمام وتقدمه على الجنازة، كما يستفاد من كلام الحطاب عن المدخل. قاله الشيخ إبراهيم.

وتأخر راكب؛ يعني أنه يندب للراكب المشيع للجنازة أن يتأخر حتى عن الجنازة؛ لأنه خالف شرعه، فحقه أن يتأخر، وقد تقدم أنه يكره ركوب المشيع. الشبراخيتي: يندب تأخر الراكب ليخفف عن الناس، ولخبر أبي داود: (الراكب يمشي خلف الجنازة

(3)

). ابن شعبان: ولأنَّه خالف السنة فلم يكن له أن يماشي من هو على السنة، فإن تأخر الراكب حصل له فضيلتان، وإن تقدم حصل له فضيلة التشييع. وامرأة؛ يعني أنه يندب تأخر المرأة المشيعة للميت حتى عن الراكب فيتقدم عليها، فتتأخر عن الجنازة والماشي والراكب، وعبارة الشبراخيتي: وامرأة عن الجميع. انتهى. وسترها؛ أي المرأة الميتة، والمتقدمة بلصقه حية، ففيه استخدام، كقول الشاعر:

إني على صافن آتيك مدرعا

بالسيف أقطعه ساقا من الشجر

(1)

التيسير، ج 4 ص 141.

(2)

التيسير، ج 4 ص 141.

(3)

أبو داود، رقم الحديث:3180. ولفظه: الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبًا منها

ص: 108

بقية، تقال للبناء المعروف، والمراد بها هنا ما يشاكله من حيث إنه يستر المرأة؛ يعني أنه يندب ستر المرأة الميتة بقبة تجعل على ظهر النعش؛ لأنه أبلغ في الستر، ولا بأس بذلك في نعش رجل، لكن فعله بالرجل يلبس على المصلي، وأول من فعل به ذلك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الواقدي وهو الصحيح؛ لأنها شكت لأسماء بنت عميس، وقالت: إن المرض أنحل جسمي ولا أحب أن يرى الناس شخصي، فقالت أسماء: إني رأيت شيئًا يفعل بالحبشة فلا يرى شخص المرأة، فأحبت فاطمة رؤية ذلك، فذهبت أسماء إلى البقيع وأتت بجريدة وشقتها نصفين ورشقت طرفي نصفها بالأرض ثم تباعدت قليلًا، وفعلت كذلك بالآخرين وألقت عليها ثوباً، فأمرتها فاطمة بفعل ذلك لها، وقيل: أول من فعل بها ذلك زينب بنت جحش، وسئل أحمد بن الحسن القاضي لم خصت المرأة بذلك وهي في حياتها لا يلزم إخفاء شخصها بل يستر جسدها؟ فقال: علة ذلك أنها لما حملت على الأعناق وتعين شخصها زيد في سترها حتى لا يعلم طولها من قصرها ولا سمنها من هزالها، وأجاب أبو عمران: بأنها لا تملك من أمرها شيئًا فجعل لها أتم الستر. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الشارح عند قوله. "وسترها بقبة": أي ومما يستحب أن يجعل على المرأة إذا جعلت في النعش قبة تسترها عن أعين الناس. ابن القاسم في العتبية: سواء كانت في حضر أو سفر، وقد صنع بزينب ذلك واستحسنه عمر رضي الله عنه؛ وهي أول من فعل بها ذلك. قاله مالك. وقال الواقدي: أول من فعل بها ذلك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي: وبينهما يسير مع تأخر زينب رضي الله عنهما، وفي المواق عن ابن حبيب: لا بأس أن يجعل على النعش للمرأة البكر أو الثيب إشاح ورداء الوشي ما لم يجعل مثل الأخمرة الملونة فلا أحبه، ولا بأس أن يستر الكفن بثوب ساج، وفي النوادر: ويستر قبرها بثوب، وكذلك فعل بزينب بنت جحش رضي الله عنها، وهي أول من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. أشهب: وما أكره أن يستر القبر في دفن الرجال، وأما المرأة فهو الذي ينبغي. وفي العتبية: وستر المرأة بثوب مما ينبغي. قاله الإمام الحطاب.

ورفع اليدين بأولى التَّكبير؛ يعني أنه يستحب رفع اليدين عند التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة، وقوله:"فقط"، معناه دون غيرها من باقي التَّكبير، فالرفع فيه خلاف الأولى، وسواء في ذلك

ص: 109

الإمام والمأموم والمنفرد، وما مشى عليه المصنف نحوه في المدونة، وعن مالك أنه: يعجبه الرفع في كل تكبيرة، وروي عن ابن القاسم أنه لا يرفع في شيء منها، وفي سماع أشهب: إن شاء رفع بعد الأولى، وإن شاء ترك. فتلك أربعة أقوال.

وابتداء بحمد؛ يعني أنه يستحب للمصلي على الجنازة أن يبتدئ بالحمد قبل الدعاء بعد كل تكبيرة، والمراد بالحمد: الثناء على الله تبارك وتعالى. وصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، عطف على قوله:"بحمد"؛ يعني أنه يستحب للمصلي على الجنازة الابتداء بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب كل تكبيرة، يفتتح بهما قبل الدعاء، وتكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الحمد، وقد مر كيفية الصلاة فراجعها إن شئت، وظاهر المذهب قراءة الفاتحة. القرافي: يقرؤها ورعا للخروج من الخلاف، وما مر من أن الابتداء بهما عقب كل تكبيرة هو المشهور، وفي الطراز: أنه لا يقولهما إلا عقب التكبيرة الأولى ويدعو في غيرها، قال الشيخ عبد الباقي: وعزاه في النوادر للصقلي، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا غلط واضح، فإن النوادر لابن أبي زيد، وقد تقدمت وفاته على وفاة ابن يونس الصقلى بأزيد من خمسين عاماً، والصَّواب لو عكس، وقال: عزاه الصقلي للنوادر.

وإسرار دعاء؛ يعني أنه يندب للمصلي على الجنازة من إمام ومأموم وفذ أن يسر بالدعاء. ابن شأس: ولا يجهر به في ليل أو نهار، وينبغي أن يسمع نفسه للخروج من خلاف الشافعي؛ لأنه يقول: إن ما لم يسمع نفسه فيه كالعدم. ابن عرفة: يدعى للميت ولو كان ابن زنى؛ لأن أمور الآخرة تنبني على الحقائق، وأمور الدنيا محمولة على الظواهر. انتهى. وقد جاء أن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم ليلاً يفتضحوا ولا يصح ذلك. البرزلي: الصواب يدعون بآبائهم لجري الأحكام كلها على ذلك من جهة ما يتعلق بالسنة. قاله الشيخ إبراهيم.

ورفع صغير علي أكف؛ يعني أنه يندب أن يحمل الصغير على الأكف. أشهب في سماع ابن غانم: وحمل جنازة الصبي على الأيدي أحب إلي من الدابة والنعش. الشبراخيتي: يندب رفع صغير في الذهاب إلى المصلى والقبر على الأكف، والمراد بالصغير من يمكن حمله على اليدين من غير مشقة فادحة، لا من لم يبلغ. قاله الشيخ إبراهيم. ولا يحمل على دابة أو نعش لأن في حمله

ص: 110

على النعش ضربا من المفاخرة، ولو ذكر قوله:"ورفع صغير على أكف" في مستحبات التشييع كان أولى. ابن حبيب: لا بأس بحمل الجنازة على الدابة إن لم يوجد من يحملها.

ووقوف إمام بالوسط؛ يعني أنه يستحب للإمام أن يقف حال صلاته على الجنازة عند وسط الميت الذكر، قوله:"بالوسط"، قال الشيخ: بفتح السين، وفي الحطاب: قال في المدونة: وكان ابن مسعود يقف عند وسط الرجل، وفي المرأة عند منكبيها. قال في التنبيهات: قيدناه عن بعض شيوخنا بسكون السين، وقال ابن دريد: وسط الدار ووسطها سواء، وفي النهاية: الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب وغير ذلك، وإن كان متصل الأجزاء كالدار فهو بالفتح، وقيل: كل ما يصلح فيه بين فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه بين فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر وكأنه الأشبه. انتهى. نقله الإمام الحطاب.

ومنكبي المرأة؛ يعني أنه يستحب للإمام حال الصلاة على الجنازة أن يقف عند منكبي المرأة؛ وهكذا قال في الرسالة إن الإمام يقف في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها؛ وهو المشهور، ودليله ما مر عن ابن مسعود. وعن مالك: أنه يقف عند وسط المرأة كالرجل، وفي الصحيحين: (أنه صلى الله عليه وسلم قام عند وسط امرأة

(1)

)، وقال ابن شعبان: وحيث وقف في الرجل والمرأة جاز، وقال أشهب: يقف عند وسط الميت أحب إلي وذلك واسع، والباء في قوله:"بالوسط"؛ بمعنى: عند؛ أي عند وسط الرجل ومنكبي المرأة. قاله الشارح. وفي الشبراخيتي عند قوله: "ومنكبي المرأة": ليلاً يتذكر إن وقف عند وسطها ما يشغله أو يفسد صلاته، ووقوفه صلى الله عليه وسلم بذلك لعصمته، وقوله:"ووقوف إمام"، أما الفذِّ فوقوفه كوقوف الإمام، وأما المأموم فوقوفه على ما تقدم في صلاة الجماعة عند قوله: كوقوف ذكر عن يمينه إلخ، وأما المرأة إذا صلت على امرأة فتقف حيث شاءت، وأما على الرجل فظاهر كلامهم أنها كذلك، والتعليل يقتضي أنها تقف عند منكبي الرجل، وقوله:"منكبي"، تثنية منكب بفتح الميم وكسر الكاف: مجمع عظمي العضد والكتف والجمع مناكب، وإنما حذف المصنف الرجل استغناء عنه بذكر مقابله؛ وهو المرأة، وقوله:"بالوسط ومنكبي المرأة"، أجمعوا على أن الإمام لا يلاصق الجنازة، بل تكون

(1)

البخاري، كتاب الحيض، الحديث:332. - مسلم، كتاب الجنائز، الحديث: 964.

ص: 111

بينهما فرجة، قيل: قدر شبر، وقيل: قدر ذراع، وليس بينهما كبير تفاوت؛ لأن المراد بالذراع عظم الذراع. قاله الشيخ الخرشي.

رأس الميت عن يمينه، جملة حالية؛ يعني أن رأس الميت ذكراً كان الميت أو أنثى يستحب أن يكون عن يمين المصلي عليه، فالضمير في يمينه للمصلي، ومحله في غير الروضة الشريفة، وإلا جعل رأس الميت عن يساره، لتكون رجلاه لغير جهة القبر الشريف كما يؤخذ من كلام أئمتنا. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله رأس الميت عن يمينه، "فلو صلي عليه منكوسا رأسه عند رجليه أجزأت لما علمت أن هذا على جهة الاستحباب، وفي المدخل: تقدم المصلي على الإمام والجنازة فيه مكروهان: أحدهما تقدمه على الإمام، والثاني تقدمه على الجنازة، فعلى هذا يكون التقدم على الجنازة مكروهاً فقط، وتصح الصلاة سواء كان المتقدم إمامًا أو مأموما، ومن سنن الصلاة أن يقوم الإمام وبينه وبين السرير فرجة. قاله القاضي عياض. نقله الإمام الحطاب. وسيأتي ما هو كالصريح في أن الميت يجعل في وضعه على السرير على ظهره فيكون وجهه إلى السماء، وحينئذ فيصلى على الميت مستلقيا على ظهره ووجهه إلى السماء، ولا يستقبل به القبلة بل رأيت لبعضهم أن ذلك بدعة. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: واستحب الشافعية القرب منه للاعتبار، والحنفية التأخر في صفوف الصلاة تواضعا في الشفاعة.

ورفع قبر؛ يعني أنه يندب رفع القبر عن الأرض ليعرف، ويكون الرفع كشبر؛ أي نحوه حال كون القبر مسنما؛ أي مجعولا له سنام عند وسطه كسنام البعير، وكراهة مالك لرفعه محمولة على رفعه بالبناء لا رفع ترابه عن الأرض، وعلى هذا تأول المدونة عياض؛ لأن قبره عليه الصلاة والسلام مسنم كما في البخاري

(1)

)، وكذا قبر أبي بكر وقبر عمر

(2)

؛ وهو أثبت من رواية تسطيحها لأنه زي أهل الكتاب وشعار الروافض. وفهم اللخمي المدونة على كراهة التسنيم، وإليه أشار بقوله: وتؤولت أيضا على كراهته؛ أي التسنيم؛ يعني أن المدونة كما تؤولت على استحباب التسنيم تؤولت أيضًا على كراهته على ذلك، تأولها اللخمي وضعف تأويلَه عياضٌ، وقال:

(1)

البخاري، كتاب الجنائز، الحديث:1390.

(2)

مصنف ابن أبي شيبة، ج 3 ص 215.

ص: 112

المعروف من مذهبنا جواز التسنيم بل هو سنة، ولم ينص في الأمهات على خلافه. فيسطح؛ أي فبسبب أن التسنيم مكروه يسطح القبر ولا يسنم وسطه وهذا من تتمّة تأويل اللخمي، وفي الجلاب: يسطح ولا يسنم لأنه سطح قبر ولده إبراهيم وقبور المهاجرين والأنصار مسطحة، وقوله:"فيسطح"؛ أي مع رفعه عن الأرض كشبر أيضًا على المذهب، وقيل: قليلًا بقدر ما يعرف. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "فيسطح": أي مع رفعه عن الأرض، وهل كشبر أو قليلًا بقدر ما يعرف، خلاف مستفاد مما ذكره المواق وحلولو. وقوله:"ورفع قبر كشبر" إلخ، هو المذهب دون قوله:"وتؤولت أيضًا على كراهته" إلخ، وحثو قريب فيه ثلاثًا؛ يعني أنه يندب أن يحثو القريب من القبر فيه ثلاث حثوات، والقريب من القبر من هو على شفيره، وليس المراد به قريب الميت، ويكون الحثو بيديه معاً، يقول في الأولى:{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} وفي الثانية: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} وفي الثالثة: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} ، لوروده في خبر

(1)

)، قاله الشيخ سالم. ابن حبيب، وقد فعله عليه الصلاة والسلام في قبر ابن مظعون، مالك: لا أعرف حثيات التراب عليها ثلاثًا، ولا أقل ولا أكثر، ولا سمعت من أمر به، والذين يلون دفنها يلون رد التراب عليها، فانظر كيف اقتصر المصنف على قول غير مالك؟ قال بعض: وإنما نفى مالك معرفته وسماعه فلو سمعه لم ينكره، وفي النوادر: من الشأن صب الماء على القبر ليشتد، وفعل ذلك بقبره عليه الصلاة والسلام، وقوله:"وحثو"، مصدر حثا يحثو وسمع حثى يحثي، وفي الخرشي والشبراخيتي: قال بعض: (ويكره مس القبر بعد رش الماء عليه

(2)

)، ونسبه الحطاب لابن أبي شيبة عن زياد بن جبير.

وتهيئة طعام لأهله؛ يعني أنه يستحب أن يهيأ لأهل الميت طعام لاشتغالهم بميتهم، قال الشيخ الخرشي ابن رشد: إرسال الطَّعام إلى أهل الميت لاشتغالهم بميتهم إذا لم يكونوا اجتمعوا للنياحة، من الفعل الحسن المرغب فيه المندوب إليه. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

مجمع الزوائد، باب ما يقول عند ادخال الميت القبر، ج 3 ص 46 - 47.

(2)

مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، ج 3 ص 255.

ص: 113

قال لأهله لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب: (اصنعوا لآل جعفر طعاما وابعثوا به إليهم فقد جاء ما يشغلهم عنه

(1)

)؛ ولأن ذلك من زيادة بر وتودد للجيران.

أما جمع الناس على طعام لبيت الميت فهو بدعة مكروهة لم ينقل فيه شيء وليس ذلك موضع ولائم، وأما عقر البهائم وذبحها على القبر فهو من أمر الجاهلية مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا عقر في الإسلام

(2)

)، قال العلماء: العقر الذبح عند القبر. انتهى كلام الخرشي. وفي المدخل: وليحذر من البدعة التي يفعلها بعضهم؛ وهي حمل الخرفان والخبز أمام الجنازة، ويسمون ذلك عشاء القبر فإذا جاءوا القبر ذبحوا ما أتوا به وفرقوه مع الخبز، ويقع بسببه زحام وضرب ومنع مستحقه، وأخذ من لا يستحقه وهو من فعل الجاهلية ورياء وسمعة ومباهاة وفخر، والمشي به أمام الجنازة جمع بين إظهار الصدقة والرياء، ولو تصدق في البيت سراً لكان عملًا صالحا لو سلم من البدعة، ومن أن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنه ليس بفعل من مضى، والخير كله في اتباعهم رضي الله عنهم. نقله الشيخ إبراهيم.

وبما مر علم أنهم إذا اجتمعوا لنياحة لا يندب تهيئة الطَّعام لهم. والله سبحانه أعلم. وقال الإمام الحطاب: "وتهيئة طعام لأهله": أي ويستحب أن يهيأ لأهل الميت طعام، قال في الطراز: ويجوز حمل الطَّعام لأهل الميت في يومهم وليلتهم، واستحبه الشافعي، والأصل فيه ما رواه عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمر شغلهم

(3)

)، خرجه أبو داود؛ لأن ذلك زيادة في البر والتودد للأهل والجيران، أما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه، فقد كرهه جماعة وعدوه من البدع، وأما ما يذبحه الإنسان في بيته ويطعمه للفقراء صدقة عن الميت فلا بأس به إذا لم يقصد به رياء ولا سمعة ولا مفاخرة ولم يجمع عليه الناس. انتهى.

(1)

الترمذي، كتاب الجنائز، الحديث:998. ولفظه: اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم. وأبو داود، كتاب الجنائز، الحديث:3132. وابن ماجه، كتاب الجنائز، الحديث: 1610.

(2)

أبو داود، كتاب الجنائز، رقم الحديث:3222.

(3)

أبو داود، كتاب الجنائز، رقم الحديث:3132.

ص: 114

وتعزية؛ يعني أن التعزية مندوبة، وقيل: سنة، والتعزية هي الحمل على العزاء؛ أي الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت وللمصاب، لخبر: (عظم الله أجْرَك وأحسن عزاءك وغفر لميتك

(1)

)، وندبت التعزية لخبر: إن الله يلبس الذي عزاه لباس التقوى، ولخبر: (من عزى مصابا فله مثل أجره

(2)

)، ولخبر: (من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة

(3)

)، وتكون في كل ميت صغيراً أو كبيراً، حرا أو عبداً، رجلاً أو امرأة، هذا هو المعتمد. ولمالك: يعزى من النساء بالأم خاصة والمعتمد خلافه كما قاله الشيخ عبد الباقي، ويعزى المميز صغيراً أو كبيراً لا غيره ولا الشابة. الشافعي: إلا أن تكون ذا رحم محرم. ابن عرفة: وتعزى المتجالة، وتركه أحسن كالسلام عليها، ويعزى الرجل بقرينه الصالح وزوجته الصالحة؛ لأنها من المصائب؛ ولا يعزى مسلم بكافر عند مالك خلافًا للشافعي، واختار ابن رشد تعزية المسلم بأبيه الكافر مخالفاً لمالك، قائلاً: ليس منع الدعاء للميت الكافر والترحم عليه والاستغفار بالذي يمنع من تعزية أبيه المسلم أو ابنه المسلم بمصابه؛ إذ لا مصيبة على الرجل أعظم من أن يموت أبوه الذي كان يحن عليه وينفعه في دنياه كافراً، فلا يجتمع به في الآخرة فيهون عليه مصيبته ويسليه عنها ويعزيه بمن مات للأنبياء والأبرار عليهم الصلاة والسلام من القرابة والآباء الكفار، ويحضه على الرضا بقدر الله ويدعو له بجزيل الثواب؛ إذ لا يمنع أن يؤجر المسلم بموت أبيه الكافر إذا شكر الله وسلم لأمره ورضي بقضائه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يزال المؤمن يصاب في أهله وولده حتى يلقى الله وليست له خطيئة

(4)

)، وهل يشك أحد في أن النبي صلى الله عليه وسلم أجر بموت عمه أبي طالب، لما وجد عليه من الحزن والإشفاق؟ انتهى كلام ابن رشد. قال الشيخ عبد الباقي: وقول مالك هو الأصح. ابن عرفة: في التعزية بمن مات للأنبياء نظر. انتهى؛ يعني بمن مات من قرابتهم كافراً، ويعزى الكافر الجار لحق الجوار حتى بكافر، قال مالك: يقول له: بلغني ما

(1)

الأذكار للنووي، فصل التعزية، ص 167.

(2)

الترمذي، كتاب الجنائز، رقم الحديث:1073.

(3)

الترمذي، كتاب الجنائز، رقم الحديث:1076.

(4)

الإتحاف، ج 9 ص 526.- الموطأ، كتاب الجنائز الحديث: 556. ولفظه ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحامته .. إلخ.

ص: 115

أصاب ابنك ألحقه الله بكبار أهل دينه وخيار ذوي ملته. ابن عرفة: فيه إيهام كون أهل ملته بعد هذه الملة في سعادة، وإلا كان دعا عليه. انتهى.

ويقصد بالتعزية من أهل الميت أجزعهم وأضعفهم عن احتمال المصيبة؛ لأن الثواب في تعزيتهم أكثر، والأولى في التعزية أن تكون في بيت المصاب، وواسع كونها عند القبر وتسوية التراب في الدين لا في الأدب. النخعي: كانوا يكرهون التعزية عند القبور، وتجوز بعد الدفن وقبله إن لم يحصل للميت بسببها تأخير عن مواراته، وقال الثوري: لا يعزى بعد الدفن، وما قاله رحمه الله مخالف لظاهر الحديث فإنه عام؛ أعني قوله عليه الصلاة والسلام: (من عزى مصابا كان له مثل أجره

(1)

)، قاله الإمام الحطاب. وندب لمصاب استرجاع للآية ولخبر: (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحا يرضيه

(2)

)، ويقول عقب الاسترجاع: (اللهم آجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها

(3)

)، لحديث في ذلك: وفي أجرني ثلاث لغات؛ مد الهمزة، وكسر الجيم، وسكون الهمزة مع كسر الجيم أو ضمها، وانظر ما الرواية. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: وانظر ما الرواية، في المشارق ما نصه: اللهم آجرني في مصيبتي، رويناه بالمد للهمزة وبكسر الجيم وبالقصر وتسهيل الهمزة أو تسكينها وضم الجيم. انتهى. منها بلفظها. قاله الرهوني.

واعلم أن الاسترجاع يندب عند المصيبة دينية أو دنيوية في نفسه أو من يعز عليه، وفي التعزية تهوين المصيبة والتسلية عنها والحث على الصبر والرضا بالقدر، وفي الحطاب عن ابن رشد: أن التعزية لثلاثة أشياء؛ أحدها: تهوين المصيبة على المعزى، وتسليته عنها، وتحضيضه على التزام الصبر واحتساب الأجر والرضا بقدر الله والتسليم لأمره. والثاني: الدعاء بأن يعوضه الله من مصابه جزيل الثواب ويحسن له العقبى والمآب. والثالث: الدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار له. انتهى.

(1)

من عزى مصابا فله مثل أجره. الترمذي، كتاب الجنائز، الحديث:1073.

(2)

الترغيب، ج 4 ص 173. - الكنز، رقم الحديث: 6650.

(3)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:918.

ص: 116

وألفاظ التعزية بقدر ما يحضر الرجل وأحسنها ما في الحديث: آجركم الله في مصيبتكم وأعقبكم خيرًا منها إنا لله وإنا إليه راجعون، ويجوز أن يجلس الرجل للتعزية، (وقد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف الحزن في وجهه حين جاءه خبر جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومن قتل معهم بمؤتة

(1)

)، وكان صلى الله عليه وسلم إذا عزى قال: بارك الله لك في الباقي وآجرك في الفاني، وقال صلى الله عليه وسلم لامرأة في ابنها: (إن لله ما أخذ وله ما أبقى ولكل أجل مسمى، وكل إليه راجعون فاحتسبي واصبري وإنما الصبر عند الصدمة الأولى

(2)

)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر المصيبة بي فإنها من أعظم المصائب

(3)

). ولما مات العباس رضي الله عنه عظم مصابه على ولده عبد الله، وأحجم الناس عن تعزيته فجاء أعرابي بعد شهر وسأل عنه، فقيل له: ما تريد؟ قال: أعزيه، فقاموا معه على أن يفتح لهم الباب، فلما رآه قال: سلام عليك يا أبا الفضل، فرد عليه، فأنشده:

اصبر نكن بك صابرين فإنما

صبر الرعية عند صبر الراس

خير من العباس أجرك بعده

والله خير منك للعباس.

فلما استوعب شعره سري عنه عظيم ما كان به، وكتب ابن عبد الحكم للشافعي يعزيه في ميت:

إنا معزوك لا أنا على ثقة

من الحياة ولكن سنة الدين

فلا المعزى بباق بعد ميته

ولا المعزي ولو عاشا إلى حين

وأمد التعزية ثلاثة أيام، ولا يعزى بعدها إلا أن يكون غائبا، ومن ألفاظ التعزية ما في الحطاب: أعظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاءك عنها وعقبك منها، غفر الله لميتك ورحمه، وجعل ما خرج إليه خيرًا مما خرج منه. وكان محمد بن سيرين إذا عزى قال: أعظم الله أجرك،

(1)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:935.

(2)

البخاري، كتاب الجنائز، رقم الحديث:1284. ومسلم، رقم الحديث: 926.- أبو داود، رقم الحديث:3124.

(3)

كنز العمال، رقم الحديث:6644. والموطأ، كتاب الجنائز، الحديث: 557. ولفظه: ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي.

ص: 117

وأعقبك عقبا نافعا لدنياك وأخراك، (وروي أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم سمعوا صوتاً من جانب البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب

(1)

). انتهى.

وعدم عمقه؛ يعني أنه يستحب عدم عمق أي بعد قعر القبر. مالك: أحب إلي أن تكون الحفرة مقتصدة لا عميقة جدا ولا قريبة من أعلى الأرض جدًّا. ابن حبيب: لا يعمق جدا ولكن قدر عظم الذراع. الباجي: لعله يريد اللحد، وإلا فالقبر أكثر من ذلك، وسيأتي أن أقل القبر ما منع رائحة الميت وحرسه، وقال عمر بن عبد العزيز: لا تعمقوا قبري فإن خير الأرض أعلاها وشرها أسفلها، قال العدوي: لأن أعلى الأرض محل الذكر والطاعات فيحصل للميت بالقرب منه بركة ذلك. واللحد؛ يعني أن اللحد مندوب فهو أفضل من الشق، واللحد هو الحفر في حائط قبلة الأرض؛ يعني قبلة القبر، والشق بفتح الشين أن يحفر أسفل القبر أضيق من أعلاه بقدر ما يسع الميت قاله الشبراخيتي. وقال ابن عرفة: اللحد الحفر في قبلة القبر، والشق في وسطه. انتهى. وقال الشيخ ميارة: قال ابن حبيب: اللحد أفضل من الشق إن أمكن، وقال مالك: كل ذلك واسع، واللحد أحب؛ وهو الحفر في قبلة القبر، والشق في وسطه. انتهى. وقال الشاذلي: وفسر اللحد؛ يعني أبا محمد، ولم يفسر الشق؛ وهو أن يحفر حفرة كالنهر، ويبنى جانباها باللبن أو غيره، ويجعل بينهما شق يوضع الميت فيه ويسقف قليلًا بحيث لا يمس الميت ويجعل في شقوقه قطع اللبن، ويوضع عليه التراب. انتهى. قوله: وهو أن يحفر لخ.

حاصله: أن يحفر في أسفل القبر أضيق من أعلاه بقدر ما يسع الميت. وقوله: ويجعل بينهما شق. لا حاجة له، قاله العدوي.

وإنما كان اللحد أفضل، لخبر: (اللحد لنا والشق لغيرنا

(2)

)، ولأن اللحد هو الذي اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم حين كان بالمدينة رجلان؛ أحدهما أبو عبيدة يلحد، والآخر أبو طلحة

(1)

الطبراني في الأوسط، ج 8 ص 109.

(2)

أبو داود، كتاب الجنائز، الحديث:3208. - النسائي، كتاب الجنائز، الحديث: 2011. - الترمذي، كتاب الجنائز، الحديث:1045.- ابن ماجه، كتاب الجنائز، الحديث: 1554.

ص: 118

يشق، فاتفق الصحابة أن يحفر له السابق منهما أي الذي يجيء أولا كما في الشاذلي، فسبق الذي يلحد. ومحل قوله:"واللحد"، في أرض صلبة لا يخاف تهيلها، وإلا فالشق أفضل.

سند: يوضع النعش على طرف القبر، يكون رأس الجنازة على جانبه عند رجل القبر، ويسل الميت من قبل رأسه لأنه أفضل الأعضاء، وبه قال الشافعي وأحمد ولا يدخل معترضا من قبلته خلافًا لأبي حنيفة، وظاهر المذهب: لا حد لمن يدخل الميت القبر بعدد مخصوص، بل بما تيسر، وقال الإمام الشافعي: يكونون ثلاثة أو خمسة إن احتيج إلى ذلك، لما روي أن الذين أدخلوا النبي صلى الله عليه وسلم قبره ثلاثة.

وضجع فيه على أيمن مقبلا؛ يعني أنه يستحب أن يوضع الميت في القبر لحدا أو شقا على جانبه الأيمن موجها إلى القبلة، هكذا في النوادر عن ابن حبيب، ونحوه في الرسالة: ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن. أبو الحسن. إلى القبلة وتمد يده اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالتراب أي ليلاً يتصوب ورجلاه برفق، ويجعل التراب خلفه وأمامه ليلاً ينقلب، فإن لم يتمكن من جعله على شقه الأيمن فعلى ظهره مستقبل القبلة بوجهه، فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان. انتهى.

ويقول واضع الميت: بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم تقبله بأحسن قبول. وإن دعا بغيره أو ترك فواسع، وذكر أبو حامد الأندلسي في كتاب تحقيق الألباب: أن في آخر بلاد الإسلام في الشمال بلدا يكون النهار عندهم في الصيف عشرين ساعة والليل أربع ساعات وتشتد الأرض عندهم في زمن البرد حتى لا يقدر أحد أن يدفن الميت ستة أشهر من شدة البرد؛ لأن الأرض تصير كالحديد لا يمكن أن يحفر فيها قبر، قال ولقد مات لي ولد بها في آخر الشتاء فلم أستطع دفنه إلا بعد ثلاثة أشهر. نقله الشيخ الخرشي.

وتدورك إن خولف؛ يعني أن الميت إذا خولف الوجه المطلوب في وضعه في قبره، كما إذا جعل في لحده لغير القبلة أو على شقه الأيسر، فإنه يتدارك ندبا بأن يحول إلى الحالة المطلوبة، فيوجه إلى القبلة ويجعل على شقه الأيمن، وإنما يتدارك بالحضرة؛ وهي عدم تسوية التراب عليه أو إلقاء يسير منه عليه قاله الشيخ عبد الباقي.

ص: 119

ومثل للمخالفة بقوله: كتنكيس رجليه؛ أي جعلهما موضع رأسه، ويلزم من ذلك أن يكون لغير القبلة، أو على شقه الأيسر فيتدارك فيهما بالحضرة لما في ذلك من مخالفة الندب، فالتدارك في ذلك مندوب -كما مر- واحترز بقوله:"بالحضرة"، عما لو طال الأمر بأن سوي عليه التراب، ويعبر عن ذلك بالفراغ من دفنه فإنه لا يتدارك بل يترك على حاله. قاله ابن القاسم وأشهب وسحنون. قال الشيخ عبد الباقي: وما في كفاية الطالب من جعل الطول بالفراغ من وضعه في قبره غير ظاهر، وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما في كفاية الطالب غير صحيح لقول ابن عرفة: سمع موسى: إن ذكروا بعد أن ألقوا عليه يسير تراب أن وضعه على شقه الأيسر لغير القبلة حُوِّلَ لها وبعد فراغ دفنه لم ينبش. ابن رشد: لأن وضعه للقبلة غير واجب. الشيخ: وقاله أشهب وسحنون. انتهى. ولم يقل المصنف: كتنكيس رأسه، ليلاً يحصل به التشاؤم، وفي وصف قوم إبراهيم، قال الله عز وجل:{ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} ، وكترك الغسل؛ يعني أن الميت إذا دفن بغير غسل، فإنه يخرج من قبره ويغسل ويصلى عليه إن لم يخف تغيره، وكذا لو دفن بغير صلاة، فإنه يخرج إن لم يخف تغيره ويصلى عليه. وكذا لو دفن بغير غسل وصلاة، فإنه يخرج إن لم يخف تغيره ويغسل ويصلى عليه. قال الشبراخيتي والخرشي: أعاد الكاف لأنها للتشبيه، ولا يغني عنها كاف التمثيل. انتهى. والتدارك فيما تقدم بالحضرة وهو مندوب، والتدارك في هذه يكون بعد الفراغ من الدفن ما لم يخف تغير الميت في قبره لوجوبها، فالتدارك فيها واجب -كما نصوا عليه- والله سبحانه أعلم. ودفن من أسلم بمقبرة الكفار، عطف على قوله:"كترك الغسل"؛ يعني أن المسلم إذا دفن بمقبرة الكفار فإنه يتدارك وجوبا بأن ينبش ويدفن في مقابر المسلمين إن لم يخف تغيره، وفي الشارح: أشار بهذا إلى ما رواه محمد بن خالد عن ابن القاسم في غائب يقدم فيجد امرأته النصرانية قد دفنت ولدها منه بمقبرة النصارى: فإن كان بحضرة ذلك ولم يخف تغيره أخرج إلى مقابر المسلمين وإلا ترك، وروى عيسى عنه في نصرانية عرض عليها الإسلام فأجابت، وقالت: كيف أقول؟ فلقنت كلمة الشهادة: فقالتها، ثم ماتت، فدفنت في قبور النصارى، فقال: أرى أن تنبش وتغسل ويصلى عليها وتدفن في مقابر المسلمين، إلا أن تكون قد تغيرت.

ص: 120

وبما قررت علم أن قوله: إن لم يخف التغير، قيد في كل من المسألتين؛ أي في قوله:"وكترك الغسل"، وفي قوله:"ودفن من أسلم بمقبرة الكفار"، كما قرر بذلك الشيخ عبد الباقي، قال الشيخ محمد بن الحسن: هو الصواب وعليه المواق؛ لأنه قول سحنون وعيسى، وروايته عن ابن القاسم. ابن رشد: ترك الغسل والصلاة معاً، أو الغسل دون الصلاة، أو الصلاة دون الغسل سواء في الحكم، وتقدم نقل ابن رشد: أن الفوات الذي يمنع من إخراج الميت من قبره للصلاة عليه هو أن يخشى عليه التغير. انتهى. قال الرماصي: والعجب من الحطاب كيف جعل القيد خاصا بالأخيرة، وأن بقية المسائل تفوت بالفراغ من الدفن. وقال: انظر ابن عرفة، ولم يتنبه أن ذلك قول ابن وهب فقط، وحمل عليه أيضًا قوله:"إلا أن يدفن بغيرها"، والله الموفق. وقال الرماصي: إنما كان قيد خوف التغير خاصا بالأخيرتين دون ما قبلهما للزوم التدارك فيهما واستحبابه فيما قبلهما. انتهى. وقوله: "إن لم يخف التغير"؛ أي تحقيقاً أو ظنًّا، واحترز بقوله:"إن لم يخف التغير"، عما إذا خيف التغير فإنه لا يخرج في المسألتين، ويصلى على القبر فيما إذا دفن بغير صلاة كما يأتي، قال الشيخ عبد الباقي: إن غسل وإلا فلا لقوله: وتلازما. انتهى. ورده الرماصي بما تقدم من أن المراد تلازمهما طلباً؛ أي من طلب غسله طلبت الصلاة عليه ومن لا فلا، لا أنَّهما إن لم يفعل أحدهما لعدم إمكانه لم يفعل الآخر. انتهى. وقال الشيخ الأمير: فإن دفن بمقبرة الكفار أو بلا غسل أو صلاة أخرج إن لم يتغير، فيصلى على القبر فيهما. انتهى.

وسده بلبن، اللبن ككتف: الطوب الني، قاله الخرشي والشبراخيتي. وفي القاموس: اللبن ما يعمل من الطين بالتبن، وربما عمل بدونه. ومعنى كلام المصنف أنه يندب سد اللحد باللبن، كما فعل به صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر

(1)

)، ويندب سد الخلل بين اللبن، وقد أمر به عليه الصلاة والسلام في ولده إبراهيم، وقال: (إن ذلك لا يغني ولكنه أقر لعين الحي

(2)

)، وقال: (إن الله يحب إذا عمل العبد عملًا أن يحسنه

(3)

)، وفي رواية: يتقنه.

(1)

مصنف ابن أبي شيبة، ج 3 ص 214.

(2)

أما هذا ليس بشيء ولكنه يطيب نفس الحي. مجمع الزوائد، باب ما يقول عند إدخال الميت القبر، ج 3 ص 46.

(3)

كنز العمال، رقم الحديث: 9128 - 9129.

ص: 121

ثم لوح؛ يعني أنه يلي اللبن في الندبية اللوح، فإذا لم يوجد لبن فإنه يندب سده بالألواح. ثم قرمود؛ يعني أنه يلي ما مر في الندبية القرمود، فإذا لم يوجد اللبن والألواح فإنه يندب سد اللحد بالقرمود واحد القراميد؛ وهي شيء يعمل من الطين يابس لم يحرق يشبه وجوه الخيل. ثم آجر؛ يعني أنه يلي ما مر في الندبية الآجر، فإذا لم يوجد اللبن والألواح والقرمود، فإنه يندب سده بالآجر بهمزة ممدودة فجيم مضمومة: الطوب المحروق. قاله الشبراخيتي وغيره. ويلي الآجر الحجر فمرتبته بين الآجر والقصب، وأسقطه المصنف. ثم قصب؛ يعني أنه يلي ما مر في الندبية القصب، فإذا لم يوجد شيء مما ذكر فإنه يندب سد اللحد بالقصب.

وسن التراب أول من التابوت؛ يعني أنه إذا لم يوجد شيء مما مر -كما في الشبراخيتي- فإن سد اللحد بالتراب أولى من الصندوق يدفن فيه الميت. ابن عات: التابوت مكروه عند أهل العلم وليس هو من عادة العرب، بل من زي الأعاجم وأهل الكتاب، قيل لسعد بن أبي وقاص: نتخذ لك شبه الصندوق من خشب، فقال: اصنعوا بي كما صنعتم بالنبي صلى الله عليه وسلم، انصبوا علي اللبن وأهيلوا علي التراب فليس جنبي الأيمن بأحق من التراب [بجنبي

(1)

] الأيسر. ويكره جعل مخدة تحت رأس الميت لأنه لم ينقل عن السلف، وما يروى من جعل قطيفة حمراء في قبره صلى الله عليه وسلم

(2)

)، فالأثبت أنها أخرجت.

وبما قررت علم أن قوله: "وسده بلبن ثم لوح" إلخ، كل مرتبة فيه بعد مرتبة تلي التي قبلها في الفضل، فالتراب يلي القصب في الفضل، وكذا قوله:"سن التراب"، بفتح السين مهملة ومعجمة وشد النون؛ أي صب التراب بباب اللحد عند عدم ما تقدم، أولى أي أفضل من جعل الميت في التابوت.

تنبيهات: الأول: قال الأبي عن عياض في شرح حديث عمرو بن العاصي: وسنوا علي التراب سناً، السن والشن: الصب، وقيل: هو بالمهملة الصب بسهولة وبالمعجمة التفريق، وهذه سنة في صب التراب على الميت، وكره مالك في العتبية الترصيص على القبر بالحجارة والطين والطوب، قال الإمام الحطاب: قلت سن التراب في القبر: صب فيه دون لحد يمنع من وصوله إلى الكفن، فإن عنى بكونه

(1)

في المواق: ما جنبي الأيمن بأحق بالتراب من جنبي الأيسر.

(2)

جعل في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء. مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:967.

ص: 122

سنة السنة عرفا، فلم يرد فيه إلا وصية عمرو هذه، وغايتها أنها مذهب صحابي، وقد يريد بالسن أن يصب التراب فوق اللحد لا أن يعقد القبر كله بناء، ويؤيده ما ذكره في العتبية من كراهة الترصيص. وفي طرر ابن عات: قال بعض الصالحين: ما شقي الأيمن أحق بالتراب من الأيسر، وأوصى أن يحثى عليه التراب دون غطاء. انتهى.

الثاني: أعلم أن سؤال الملكين حق، وأنَّه مما يجب الإيمان به، كما قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى:

اعلم هداك الله للرشاد

موفقا لطرق السداد

أن الذي عليه أهل السنة

لحجج أمضى من الأسنه

أن سؤال الملكين من قبر

حق والإيمان به فرض شهر

أتى به القرآن في الإشارة

ووافقت آياته الإثاره

(1)

تواترت به الأحاديث التي

قد بلغت سبعين عند العدة

والآية السؤال فيها كامن

يثبت الله الذين آمنوا

إلى أن قال:

وإنما المنكر للسؤال

ذوو ابتداع وذوو اعتزال

ومقتضى كلامه رحمه الله: أن المنكر للسؤال فاسق مبتدع، وأنَّه لا يبلغ به حد التكفير، ومقتضى ابن يونس تكفيره، ونصه: ابن حبيب: وفتنة القبر وعذابه قوي عند أهل العلم والسنة، وإنما يكذب به زنديق، ومن لا يؤمن بالبعث بعد الموت. انتهى. والله سبحانه أعلم.

وفي التيسير عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه -وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا- أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به

(1)

هذا البيت ساقط من خط المؤلف.

ص: 123

مقعدا من الجنة، فيراهما جميعًا ويفتح الله له من قبره إليه، وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطراق من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة فيسمعها من يليه إلا الثقلين

(1)

)، قوله: ولا تليت؛ أي ولا اتبعت الناس، فقلت مثل ما قالوا خرج من التصحيح إلى الإعلال للمجاورة.

وللسيوطي رحمه الله:

إذا تولى الناس من بعد الدفن

ردت إليه روحه إلى البدن

وكله يحيا لدى الجمهور

لا جزؤه لظاهر المأثور

وجاءه المنكر والنكير

وصفهما بين الورى شهير

جعدان أزرقان أسودان

شعرهما تصحبه الرجلان

صوتهما كمثل رعد قاصف

والعين يروى مثل برق خاطف

أو كقدور وهي من نحاس

وكاللهيب شبه الأنفاس

فينهرانه ويقعدانه

وبعد ما يقعد يسألانه

عن ربه ودينه سليبا

وعن نبيه لكي يجيبا

قد حفرا الأرض بأنياب ترى

مثل صياصي بقر قد أثرا

وليس عن غير اعتقاد يسأل

أتى بهذا خبر مفصل

وثرثراه ثم تلتلاه

ووهلاه ثم هولاه

وكررا سؤاله في المجلس

ثلاث مرات بلا تأنس

وهي أشد فتنة يلقاها

العبد طوبى للذي يوقاها

يبدو له هنالك الشيطان

يومي إليه قاله سفيان

(1)

التيسير، ج 4 ص 148.

ص: 124

الثالث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ما من أحد يموت إلا ندم، إن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع

(1)

)، رواه في التيسير عن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه

(2)

)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه

(3)

)، زاد رزين: قال: هانئ: سمعت عثمان رضي الله عنه ينشد:

فإن تنج منه تنج من ذي عظيمة

وإلافإني لا إخالك ناجيا

رواه في التيسير عن الترمذي عن هانئ مولى عثمان رضي الله عنه.

وقد علمت أن البيت من زيادة رزين، وفي التيسير أيضاً عن الترمذي عن علي رضي الله عنه، قال: (ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزل: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}

(4)

)، وفيه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أنها دخلت عليها يهودية فذكرت عذاب القبر، فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال: (نعم إن عذاب القبر حق وإنهم يعذبون في قبورهم عذاباً تسمعة البهائم، قالت: فما رأيته بعد صلى صلاة إلا تعوذ فيها من عذاب القبر. رواه عن الشيخين والنسائي. وفيه أيضًا: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه، ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين فغرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا، ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا

(5)

). رواه عن الخمسة. عن ابن عباس.

(1)

التيسير، ج 4 ص 149.

(2)

التيسير، ج 4 ص 147.

(3)

التيسير، ج 4 ص 147.

(4)

التيسير، ج 4 ص 147.

(5)

التيسير، ج ص 148.

ص: 125

وروى أيضًا عن الستة: إلا أبا داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة

(1)

)، وفيه أيضًا عن النسائي: عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه سمع صوتاً في قبر، فقال: متى مات هذا؟ قالوا: مات في الجاهلية، فسر بذلك، وقال: لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر

(2)

). وفيه أيضًا: أنه صلى الله عليه وسلم خرج بعد ما غربت الشَّمس، فسمع صوتاً، فقال: (يهود تعذب في قبورها

(3)

)، رواه عن الشيخين والنسائي عن أبي أيوب رضي الله عنه، وفيه أيضًا: عن مسلم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار ونحن معه؛ إذ جالت به بغلته وكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة، فقال صلى الله عليه وسلم: من يعرف أصحاب هذه القبور، فقال رجل: أنا، قال: متى ماتوا؟ قال: في الشرك، قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع منه، ثم قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا، نعوذ بالله من عذاب النار، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال

(4)

). وفيه أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (الميت مستريح أو مستراح منه، قالوا يا رسول الله: ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا ووصبها، والفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب

(5)

)، رواه عن الثلاثة، والنسائي. قوله: العباد؛ أي لأنه يظلمهم، وقوله: والبلاد؛ أي لأنه يغصب البقاع، وقوله: الشجر؛ أي لأنه يغصبها، وقوله: والدواب؛ أي لأنه يتجاوز حق الله فيها، وفيه عن مالك وأبي

(1)

التيسير، ج 4 ص 148.

(2)

التيسير، ج 4 ص 148.

(3)

التيسير، ج 4 ص 148.

(4)

التيسير، ج 4 ص 148.

(5)

التيسير، ج 4 ص 147.

ص: 126

داود عن عائشة رضي الله عنها أنها، قالت: (كسر عظم الميت ككسره وهو حي

(1)

)؛ يعني في الإثم، وفيه عن مالك: عن علي رضي الله عنه (أنه كان يتوسد القبور ويضطجع عليها

(2)

)، وفيه عن مسلم وأبي داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جسده خير له من أن يجلس على قبر

(3)

)، وفيه: عن البخاري عن زيد بن ثابت، (أنه قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليها

(4)

). وجاز غسلِّ امرأة ابن كسبع؛ يعني أنه يجوز أن تغسل المرأة صبياً ذكراً ابن ثمان سنين فأقل، فالكاف مدخلة للسنة الثامنة لا أزيد من ثمانية، وأما رواية ابن وهب أنها تغسل ابن تسع سنين فضعيفة، ويجوز لها أن تنظر الصغير ما لم يناهز، وأما المناهز فكالكبير. والفرق بين الغسل يمنع بعد ثمان، والنظر يجوز لها في حياته ما لم يناهز، المباشرة الحاصلة في الغسل دون النظر، والمناهز هو الذي قارب الحلم، وأما نظر غير المناهز لها ففي القرطبي ما يفيد أن له نظر ما عدا الوجه والكفين منها.

ورجل كرضيعة؛ يعني أنه يجوز أن يغسل الرجل الرضيعة، وأدخلت الكاف شهرين زائدين إما على الحولين وإما على الشهرين الملحقين بمدة الرضاع.

واعلم أنه يجوز للرجل نظر الصغيرة ما لم تطق، وفي التوضيح أنه: إذا كانت الصبية مطيقة للوطء لا يجوز للرجل تغسيلها اتفاقاً، وإن كانت رضيعة جاز تغسيله لها اتفاقاً، واختلف فيما بينهما فمذهب المدونة المنع، ومذهب أشهب أنه يغسلها. انتهى. قال الشيخ بناني، وهو مشكل مع نقل المواق عن ابن القاسم: لا يغسل الرجل الصبية وإن صغرت جدًّا، وقال عيسى: إذا صغرت جدًّا فلا بأس أن يغسلها الأجنبي، قاله مالك في الواضحة. انتهى. فتحصل ثلاثة أقوال: المنع لابن القاسم مطلقاً، والجواز ما لم تشته لأشهب، والتفصيل بين الرضيعة وغيرها لمالك. انتهى. وقال الشيخ الأمير: إن المحرم في الأنثيين أو الذكرين البلوغ أو فتنة بالغ، وقد مر أنه يجوز لغير

(1)

أبو داود، الحديث:3207. - والتيسير، ج 4 ص 147.

(2)

التيسير، ج 4 ص 146.

(3)

التيسير، ج 4 ص 146.

(4)

التيسير، ج 4 ص 146.

ص: 127

المراهق نظر بدن المرأة حتى ما بين السرة والركبة، ويجوز للبالغ والصغير نظر من لا تشتهى، ويمنع لبالغ نظر من تشتهى كمنع مراهق نظر بدن امرأة.

والماء السخن؛ يعني أن الماء السخن؛ وهو المحمى بالنار، يجوز أن يغسل به الميت، فلا فرق بينه وبين البارد عندنا، وليس أحدهما أولى من الآخر. الشافعي: البارد أحب إلي، وعلله أصحابه بأنه يمسك البدن والسخن يرخيه، أبو حنيفة: السخن أحب إلي لأنه أكثر إنقاء، وقوله: والماء السخن، ظاهر كلام الشافعية كعلمائنا عدم الفرق في ذلك بين الشتاء والصيف. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"السخن"، قال في القاموس: السخن بالضم: الحار، سخن مثلثة سخونة وسخنة وسخنا بضمتين وسخانة وسخنا محركة وأسخنه وسخنه.

وعدم الدلك لكثرة الموتي؛ يعني أنه يجوز في الغسل عدم الدلك، وتسقط ركنيته فيكتفى بالصب لأجل كثرة الموتى؛ أي الكثرة الموجبة للمشقة، وينبغي أن يقيد بالفادحة. أصبغ: يجوز عدم الدلك لكثرة الموتى كنزول أمر فظيع بالنَّاس من كثرة وباء، فإن لم يمكن مع عدم الدلك لكثرتهم يمموا وصلي عليهم، فإن لم يمكن التَّيمم صلي عليهم، كما مر ما يفيده.

وتكفين بملبوس؛ يعني أنه يجوز أن يكفن الميت بملبوس من الثياب إن لم يكن وسخا، وإلا كره ولم تظن نجاسته، وإلا كره أيضًا ولم يشهد به مشاهد الخير كالجمعة والجماعة والصلوات ونحوها، وإلا ندب وسلم من قطع يكشف العورة، وإلا منع لعدم الستر. وعبارة الشيخ إبراهيم: وسلم من قطع يكشف العورة، ووسَخٍ ونجاسَةٍ وإلا كره في الوَسِخِ والمتنَجِّس.

تنبيه: (دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مئزره لتشعر به ابنته؛ أي يجعل لها شعارا

(1)

)؛ وهو ما يلي البشرة، وقميصه لولد عبد الله بن أبي بن سلول لتكفين أبيه، وقال: لا يعذب ما دام عليه منه سلك، (وأوصى سعد بن أبي وقاص أن يكفن في جبة صوف شهد بها بدراً

(2)

)، وقال أبو بكر: الحي أحق بالجديد، إنما هو للمهنة والصديد، ولا يعلم من كلام المصنف هل هو أفضل

(1)

البخاري، كتاب الجنائز، الحديث: 1253/ 1350 - مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:939. ولفظه:

فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه فقال: أشعرنها إياه.

(2)

الاستيعاب الذي بهامش الإصابة، ج 2 ص 26.

ص: 128

أم الجديد؟ قال غير واحد: والمذهب أن الجديد أفضل؛ أي لأن الأموات يتباهون بأكفانهم ويتزاورون بأكفانهم، قاله الخرشي. وقوله:"وتكفين بملبوس"، قال الشيخ إبراهيم: ولو صوفا. انتهى. والظاهر أنه لا يخالف ما مر عند قوله: "وبياض الكفن"، من أنه لا يخرج عن هذين الجنسين؛ يعني القطن والكتان؛ لأن ذلك على سبيل الكمال. والله سبحانه أعلم. ثم أشار إلى مفهوم قوله:"وبياض الكفن"، وبين أن منه ما هو جائز وما هو مكروه، فقال: أو مزعفر؛ يعني أنه يجوز التكفين بالثوب المزعفر أي المصبوغ بالزعفران وإن كان غير أبيض لما فيه من الطيب، وسيأتي أن التكفين بما ليس أبيض مكروه مع إمكان التكفين بالأبيض؛ لأن ما يأتي لا طيب فيه. قاله الشبراخيتي، وغيره. أو مورس؛ يعني أن التكفين بالثوب المورس أي المصبوغ بالورس جائز، والورس نبت تتخذ منه الخمرة للوجه لما فيه من الطيب، وما ذكره المصنف في المزعفر والمورس، قاله اللخمي؛ فإنه قال: كل ما صبغ بطيب جاز للرجال والنساء، قال سند: وظاهر كلام أئمتنا أنه يكره كما يكره كل مصبوغ. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

وحمل غير أربعة؛ يعني أنه لا مزية في حمل الجنازة لعدد على عدد، فلا فرق بين حمل الأربعة لها وحمل غيرهم لها من عدد أقل من أربعة أو أكثر، وما ذكره المصنف أنه لا مزية لعدد على عدد هو في المدونة؛ وهو المشهور خلافًا لأشهب وابن حبيب في استحباب حمل أربعة ليلاً يميل بحمل ثلاثة، وأجيب بأنه يحمله اثنان بقائمتيه المتقدمتين أو المتأخرتين، ويحمله الثالث بين القائمتين، والحمل من باب البر وقضاء الحق. مالك: لم يزل من شأن الناس الازدحام على حمل جنازة الرجل الصالح، ولقد انكسر تحت سالم بن عبد الله نعشان، وتحت عائشة رضي الله عنها ثلاث. أبو الحسن: إنما انكسرت هذه الأنعاش من أجل الازدحام على الحمل لا ما يفعله العوام في وقتنا هذا من كسر نعش الرجل الصالح تبركا، وذلك غير جائز. انتهى. قال المناوي في طبقاته: وارتجت الدنيا بموت أحمد بن حنبل، وأغلقت بغداد لمشهده، ومسحت الأرض المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها، فحصر مقادير الناس بالمساحة ست مائة ألف، وكان يقول للمبتدعة: بيننا وبينكم الجنائز، وأسلم يوم موته من اليهود والنصارى والمجوس عشرة آلاف. انتهى. وفي حياة الحيوان في الإوز، عن ابن خلكان: حزر من حضر جنازة أحمد بن حنبل من

ص: 129

الرجال فكانوا ثمان مائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً، وأسلم يوم موته عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس. انتهى. وفي تهذيب الأسماء واللغات للنووي: أمر المتوكل أن يقاس الموضع الذي وقف الناس للصلاة فيه على أحمد بن حنبل، فبلغ مقام ألفي ألف وخمس مائة ألف، ووقع المأتم أي الحزن عليه في أربعة أصناف في المسلمين والنصارى واليهود والمجوس. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. ونقل النووي في شرح مسلم عن مذهبه كراهة حمل النساء للجنازة؛ وهو قضية قول المصنف فيما سبق:"وإسراع تجهيزه"، ويكره حمله على الدواب، ورأى الحسن البصري قوماً يزدحمون على جنازة رجل صالح، فقال: يزدحمون على نعشه ولا يزدحمون على عمله، وتقدم أن ابن حبيب وأشهب يقولان باستحباب حمل الأربعة، قال الشيخ محمد بن الحسن: وقع في الخرشي أن ابن الحاجب شهر قول أشهب وابن حبيب باستحباب حمل الأربعة، ومثله في الأجهوري وهو غلط منهما فإن ابن الحاجب لم يشهر إلا ما عند المصنف، ونصه: ولا يستحب حمل أربعة على المشهور فأنت تراه إنما شهر نفي الاستحباب. انتهى.

وبدء بأي ناحية؛ يعني أنه يجوز للحامل للنعش أن يبتدئ بأي ناحية شاء من اليمين أو اليسار، من مقدمه أو مؤخره، داخل عموديه أو خارجهما. وقوله:"بأي"، أعلم أن أيا تستعمل على خمسة أوجه تستعمل استفهامية، وتستعمل شرطية، وتستعمل موصولة، وتستعمل صفة، وتستعمل وصلة لنداء ما فيه أل. والظاهر أنها هنا موصولة بناء على قول ابن عصفور وابن الصَّائغ من جواز إضافتها للنكرة، وجعلا من ذلك قوله عز وجل:{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} والتقدير: وسيعلم الذين ظلموا المنقلب الذي ينقلبونه، وكذلك التقدير هنا؛ أي وجاز بدء بالناحية التي شاء الحامل -والله أعلم- قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني.

قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أنها صفة لمحذوف؛ أي وبدء بناحية أي ناحية، كقول الفرزدق:

إذا حارب الحجاج أي منافق

علاه بسيف كلما هُزَّ يقطع

ص: 130

أراد منافقاً أي منافق. والمعين مبتدع؛ يعني أن المعين للبدء لجهة مبتدع بدعة مذمومة. قاله مالك في المدونة. وهذا رد على ابن حبيب القائل: يبدأ بمقدم السرير الأيسر؛ وهو يمين الميت فيضعه الحامل على منكبه الأيمن، ثم بمؤخر السرير الأيسر، ثم بمؤخر يمناه، ثم بمقدمه وهو يسار الميت فيختم به، وعلى أشهب القائل: يبدأ بمقدم يمين السرير، ثم بمؤخره، ثم بمقدم يسار السرير، ثم يختم بمؤخره، وقال التتائي عن سند: مبتدع لتخصيصه في حكم الشرع ما لا أصل له ولا نص فيه ولا إجماع وهذه سمة البدعة، ولا ينافي المصنف رواية ابن عساكر عن معروف الخياط عن واثلة مرفوعًا: (من حمل جوانب السرير الأربع غفر له أربعون كبيرة

(1)

)؛ لأنها في حمله بنواحيه الأربع بحسب ما يتفق والمصنف في تعيين بدئه، وقوله:"والمعين مبتدع"، انظره مع نقل ابن حبيب ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين، قال الشيخ عبد الباقي، وغيره: فلعله لم يبلغ مالكًا أو بلغة ولم يصحبه عمل، قال ابن حبيب: وكان مالك يوسع في ذلك أن يبدأ بما شاء ويحمل كيف شاء، قال: والفضل فيما ذكرت لك. وفي الشبراخيتي. عند قوله: "والمعين مبتدع": أي المعين لعدد من الأعداد أو لجهة من الجهات، فهو راجع للمسألتين؛ أي لقوله:"وحمل غير أربعة"، ولقوله:"وبدء بأي ناحية".

واعلم أن يمين النعش ما كان مقابلا ليمين من استقبله من ناحية رجلي الميت، ويساره ما كان مقابلا ليسار من استقبله من الناحية المذكورة، وأن يمين الميت يكون في ناحية يسار النعش، ويساره في ناحية يمينه، وهذا على ما لابن حبيب، والله سبحانه أعلم. ومقتضى هذا أن الميت يجعل على ظهره في النعش، فيكون وجهه مستقبلاً للسماء، وقال الشيخ محمد بن الحسن عن الرماصي: اليمين واليسار للسرير على قول أشهب باعتبار استقبال الحامل له إذا أتى من جهة رأسه، هذا معنى قول أشهب في مدونته، ويلزم من هذا التفسير أن يكون يمين السرير هو يمين الميت، ويساره يساره، وعبر أبو الحسن عن قول أشهب بقوله: يبدأ بمقدم الميت الأيمن ثم بمؤخره إلخ. وأما قول ابن حبيب: يبدأ بمقدم السرير الأيسر؛ وهو يمين الميت إلخ، فيأتي على اعتبار استقبال الحامل له إذا أتى جهة رجليه؛ لأن يسار السرير حينئذ هو يمين الميت، وما

(1)

الجامع الصغير، رقم الحديث:8648.

ص: 131

ذكرناه في تفسير كلام أشهب نحوه لأبي الحسن في شرح المدونة، وبه تعلم أن ابن حبيب يتفق مع أشهب في البداءة ويختلفان في الختم، واعتراض الأجهوري غير صحيح. انتهى. وقد علِمتَ من كلاميهما أن الميت يوضع على النعش على ظهره وجهه مقابل للسماء، وقد مر أنه يصلى عليه في النعش ولا يلاصقه المصلي عليه، بل تكون بينهما فرجة، فمقتضى هذا: أن الميت إذا كان يصلى عليه يجعل على ظهره مقابلا للسماء -كما مر- وقد نص الاندزالي على أن رد وجه الجنازة للقبلة عند الصلاة أو حالة الممات بدعة، فقال:

ومن بدائعهم التهليل

بالجهر عند رفعها خليل

كرد وجهها لدى الصلاة

لقبلة أو حالة الممات

يعني قبل أن تزهق روحه. والله سبحانه أعلم. وخروج متجالة؛ يعني أنه يجوز خروج المتجالة في جنازة كل أحد قريبًا كان أو أجنبيا للصلاة عليها ولتشييعها. أو إن لم تخش منها الفتنة؛ يعني أنه يجوز خروج الشابة التي لا تخشى منها الفتنة في الجنازة، لكن لا يجوز خروجها إلا في جنازة من عظمت مصيبتها به، وذلك كأب، وأم، وزوج، وابن، وبنت، وأخ شقيق، أو لأب، أو لأم، وأخت كذلك. قال الشيخ علي الأجهوري: ظاهره كالمدونة عدم خروجها لجنازة عمها، مع أنه ورد في الكتاب والسنة أنه أب. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي مجيبا عن اعتراض شيخه ما ورد في التعظيم والاحترام، لا في الحنانة والشفقة كمن ذكر في خروجها لهم فعظم مصيبتها بهم أقوى عادة فلم تدخل الكاف سوى من ذكر من الأم والبنت: ويكره خروجها لغير من ذكر فإن خُشِيَ منها الفِتْنَةُ حرم مطلقاً. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: كونها لا تخرج في العم وإن كان ظاهر المدونة، لكن عزا لها ابن عرفة عدم الاقتصار على من ذكر، وعبارته عنها الشابة تمنع في غير الولد والوالد والزوج ونحوهم. انتهى. وهكذا في عبارة ابن رشد، ونصها: فالنساء في شهودها ثلاثة؛ متجالة، وشابة، ورائعة ضخمة، فالمتجالة تخرج في جنازة القريب والأجنبي، والشابة تخرج في جنازة أبيها وأخيها ومن أشبههما من القرابة، والمرأة الرائعة الضَّخمة يكره لها الخروج أصلاً والتصرف بكلِّ حال، هذا هو المشهور. انتهى من

ص: 132

البيان. لكن نقل ابن الحاجب في مخشية الفتنة الحرمة، فالكراهة في كلام ابن رشد لعلها للتحريم، ومن عبارة ابن عرفة وابن رشد تعلم أن العم تخرج له كغيره من الأقارب، وأن الكاف ليست استقصائية. والله أعلم. انتهى كلام الشيخ بناني. وفي الشارح: وإذا كانت المرأة من القواعد جاز لها الخروج في القريب والأجنبي، وإن كانت ممن يخشى منها الفتنة حرم عليها، وإن فقد منها الوصفان كره لها ذلك إلا أن تعظم مصيبتها بموت أبيها أو أختها أو زوجها، فلا كراهة؛ وهو قوله في المدونة. انتهى.

وعلم مما قررت أن كلام المصنف منطوقا ومفهوما اشتمل على أقسام النساء الثلاثة، اثنان بالمنطوق، وواحد بالمفهوم. وسبقها؛ يعني أنه يجوز لمن يشيع الجنازة أن يسبقها إلى موضع دفنها اتفاقا لا لموضع الصلاة عليها، فخلاف الأولى. ابن العطار: وإن طلب منه حضور جنائز متباعدة المقابر، فليشهد الأفضل منها، قال الحطاب: فظاهره أنه لو قربت يحصل له أجر دفن جميعها، ومعنى ذلك إذا نوى ذلك للجميع، وله أصل وهو اجتماع الجنائز في صلاة واحدة يحصل له فضل الجميع، قاله الخرشي والحطاب.

وجلوس قبل وضعها؛ يعني أنه يجوز لمن مع الجنازة من راكب وماش أن يجلس عند القبر قبل وضعها عن أعناق الرجال؛ وهو ظاهر المدونة والنوادر والجلاب، ولم يعول على تقييد ابن أبي زيد ذلك بالماشي، قال: وأما الراكب فلا ينزل حتى توضع؛ أي إكرامًا لها، وقال ابن شعبان: لا توضع عن الرقاب حتى يتكامل من يشيعها، ويفهم من المؤلف جواز البقاء على القيام حتى توضع. ونقل؛ يعني أنه يجوز نقل الميت من مكان لآخر قبل الدفن وبعده، ويُستَثْنى من قوله: ولا ينبش، وَيُشْتَرط في جواز نقله بعد الدفن أن يتم جفافه، ويشترط في الجواز أيضًا مطلقاً أي قبل الدفن وبعده أن لا ينفجر ولا تهتك حرمته، وأن يكون لمصلحة كأن يخاف عليه أن يأكله البحر، أو ترجى له بركة الموضع المنقول إليه ككونه بجوار صالحين، أو ليدفن بين أقاربه، بل يندب في هذا الأخير كما في التتائي عن الطراز، أو لأجل قرب زيارة أهله له، قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. وفي الشبراخيتي مشترطا في جواز النقل ما نصه: وبحيث لا ينفجر ولا تنتهك حرمته حين النقل أو قبل الدفن في المكان المنقول إليه؛ بأن تكون المسافة قريبة والزمان معتدلا،

ص: 133

وأن يتم جفافه. وانظر ما طينته من أي التربتين؛ لأنه ورد في الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه: (ما من أحد خلق من تربة إلا أعيد فيها

(1)

)، وينبغي أن تكون من الثانية لأنها التي استقر فيها، وقال الحافظ ابن حجر: يجوز أن تكون من التربتين جميعًا، قال: وهل يسأل فيهما جميعًا أو في الأولى فقط؟ والأظهر أنه إن وضع في الأولى على نيَّة النقل، فيجوز أن يسأل في الأولى فقط، وأن يؤخر سؤاله حتى يدفن في الثانية، وانظر ماذا تربة مأكول السبع ونحوه؟ قاله الشيخ عبد الباقي. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن تربة مأكول السبع: الموضع الذي يقع ثفله فيه. والله سبحانه أعلم. وما تقدم من أن النقل يجوز قبل الدفن وبعده هو الذي يدل له خبر البخاري: (أن جابر بن عبد الله قتل أبوه يوم أحد فدفنه مع رجل آخر، ثم لم تطب نفسه أن يتركه مع آخر في قبر، قال: فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه

(2)

)، وخص البساطي جواز النقل بما قبل الدفن، قائلاً: الراجح عدم جوازه بعد الدفن، وجوازه بعده هو الذي استظهره الشارح، وصدر به التتائي. وفي النوادر: أن طلحة أصيب يوم الجمل، فدفن، فرأى إنسان في المنام: انقلوه، فنقل، فدفن في مكان آخر. وفي الموطإ أن رجلين خرب السيل قبريهما فنقلا إلى مكان آخر. وإن من بدو؛ يعني أن النقل حكمه الجواز، ولا فرق في ذلك بين أن ينقل الميت من البدو للحاضرة وبين أن ينقل من الحضر للبدو، ورد المصنف بالمبالغة القول بأن النقل من البدو للحاضرة مندوب، قاله الجنان. وعلى هذا فمن على بابها لابتداء الغاية في المكان. والله سبحانه أعلم. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: قال صلى الله عليه وسلم: (لا غربة على المؤمن ما مات مؤمن بأرض غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه فيها السماء والأرض

(3)

)، وقال: (إذا مات في غير مولده قيس له في الجنة من موطنه إلى منقطع أثره

(4)

). انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذه الأحاديث رواها ابن حبيب، وذكرها عنه في النوادر كما نقله الحطاب، لكن قال بعض المحقّقين: إنها لا أصل لها في كتب الحديث، وأن ابن حبيب في رواية الحديث ضعيف،

(1)

انظر الجامع لأحكام القرآن، ج 6 ص 105.

(2)

البخاري، كتاب الجنائز، الحديث:1351.

(3)

تفسير ابن كثير، ج 4 ص 1694. ط دار الفكر.

(4)

سنن النسائي الصغري، الحديث:1832.

ص: 134

نعم روى الدارقطني عن ابن عباس وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (موت الغريب شهادة

(1)

)، نقله عبد الحق في الأحكام الصغرى آخر الجنائز. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. قال مؤلفه عفا الله عنه: انظر قوله: لا أصل لها في كتب الحديث مع ما أخرجه النسائي، عن ابن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما، قال: (مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، ثم قال: يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذلك؟ قال: إن العبد إذا مات بغير مولده قيس له بين مولده إلى منقطع أثره في الجنة

(2)

). رواه في التيسير.

وبكاء عند موته وبعده؛ يعني أنه يجوز البكاء على الميت عند موته، وبعد موته والأفضل تركه لمن استطاع، وإنما جاز البكاء بالدموع، لخبر. (مر النبي صلى الله عليه وسلم بنساء يبكين على ميت فانتهرهن عمر رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن يا ابن الخطاب فإن العين دامعة والعهد قريب

(3)

)، (ولبكائه صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم

(4)

)، وقال: (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صدق وقضاء مقضي وسبيل مأتي وأن الآخر منا لاحق بالأول لحزنا عليك ووجدنا بك أشد من وجدنا وحزننا هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون

(5)

)، ثم استرجع صلى الله عليه وسلم وأكثر من حمد الله، ونعي إلى عائشة بعض أهلها، فرفعت طرف خمارها ورداؤها على وجهها، وانتحبت ساعة ثم سكتت وقالت: لا بأس بهذه الدمعة أن تراق ما لم يقل معها ما لا يصلح ولا ينبغي، قال الشيخ بناني: إن قول المصنف: "وبكاء"، بالمد -والله سبحانه أعلم- والبكى والبكاء، قيل: مترادفان وهو الذي في القاموس، وقيل: إن ما كان برفع صوت لا يطلق عليه بكى بالقصر، وإنما يطلق عليه بكاء بالمد. والله سبحانه أعلم.

بلا رفع صوت؛ يعني أن البكاء على الميت إنما يجوز إذا لم يرفع الصوت به، وأما إن كان برفع صوت فإنه لا يجوز، فالجائز ما كان بلا صوت أو بصوت لم يرفع فلا يحرم إلا البكاء بالصوت

(1)

ابن ماجه، كتاب الجنائز، الحديث:1613. ولفظه: موت غربة شهادة. - الجامع الصغير، رقم الحديث:9118.

(2)

التيسير، ج 4 ص 147.

(3)

مسند أحمد، ج 2 ص 110. - النسائي، رقم الحديث: 1859.

(4)

مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، الحديث:12251.

(5)

مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، الحديث:12251.

ص: 135

العالي، قاله الشيخ بناني. والباء في قوله:"بلا رفع صوت"، الظاهر أنها للمصاحبة، والمجرور في موضع الحال فهو ظرف مستقر، والله سبحانه أعلم.

وقول قبيح؛ يعني أنه يشترط في جواز البكاء مع الشرط المتقدم أن لا يصاحبه قول قبيح، فإن صَاحَبَه قولٌ قبيحٌ حرم كما لو كان برفع صوت، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ويحرم برفع الصوت والقول القبيح أو بأحدهما، لخبر: (ليس منا من حلق ولا خرق ولا دلق ولا سلق

(1)

). الحلق: حلق الشعر، والخرق: خرق الثوب، والدلق: ضرب الخدود، والسلق: الصياح في البكاء وقبح القول. والصحيح أن ضرب الخدود حرام، وقال السهيلي: مكروه في حال المصيبة، وتركه أحمد إلا على أحمد صلى الله عليه وسلم:

والصبر يحمد في المصائب كلها

إلا عليه فإنه مذموم

واستدل بقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، فمن سفهي وحداثة سني أن وضعت رأسه صلى الله عليه وسلم على الوسادة، وقمت ألتدم مع النساء

(2)

). والالتدام: ضرب الخد باليد، وفيما قاله نظر لأنها دهشت، ولذلك قالت: فمن سفهي وحداثة سني فوصفت نفسها بالسفه، وهو فعل غير الصواب، وقد ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب

(3)

)، وقوله: ليس منا؛ أي ليس على سنتنا وطريقتنا، وربما ظن العوام ظاهره فزعموا أن من خرج من ثوبه بشقه خرج من دينه وهو ظن فاسد. الشيخ زروق: وكنت أسمع من القوري غير مرة أن معنى قولهم: ووه بالفارسية: لا أرضى يا رب، وهذا خطر عظيم نسأل الله العافية، لكن في زماننا لا يقصد قائل هذا ذلك المعنى، قاله الشيخ عبد الباقي، وقوله:"وبكاء عند موته"، محله حيث لم يكن مع اجتماع النساء، كما يأتي في قوله:"واجتماع نساء لبكى وإن سراً".

(1)

مسلم، كتاب الإيمان، الحديث:104. ولفظه: ليس منا من حلق وسلق وخرق. والنسائي، رقم الحديث:1863.

(2)

مسند أحمد، الحديث:26391.

(3)

البخاري، كتاب الجنائز، الحديث:1298. مسلم، كتاب الجنائز، الحديث: 103.

ص: 136

وجمع أموات بقبر لضرورة؛ يعني أنه يجوز أن يجمع أموات في قبر واحد يدفنون فيه اثنان فأكثر لأجل ضرورة من ضيق مكان أو تعذر حافر ونحو ذلك، وسواء كانت الضرورة بوقت واحد أو أوقات، وما يأتي من أنه لا ينبش مخصوص بغير الضرورة، وسواء كانوا أقارب أو أجانب ذكورا كانوا أو إناثاً أو مختلفين، ففي النوادر: ويجمع بين الرجل والمرأة للضرورة، واحترز بقوله:"لضرورة"، عما إذا لم تكن ضرورة، فإنه يكره الجمع وإن كانوا أجانب. قاله الشبراخيتي. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وكره لغيرها؛ يعني الضرورة وإن كانوا محارم. وفي الحطاب عن الجزولي: اختلف في دفن الجماعة في قبر واحد اختيارا، قيل: لا يجوز وهو المشهور، وقيل: يجوز. انتهى.

وَنَقل الكرَاهَةَ عن غير واحد عند عدم الضرورة، وقوله: وجمع أموات بقبر لضرورة، فإن أمكن جعل الأخير بجانب الأصل وجب ذلك، وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يجوز لم عظامه متصلة، أو منفصلة ولا تقطيع العظام المتصلة ولمها كما هو مقتضى كلامهم في غير موضع، ولما روي (أنه يؤذي الميت ما يؤذي الحي

(1)

). وقوله: وجمع أموات بقبر لضرورة، ويجعل بينهم حائل ولو بالتراب، ولا تتصف مصر القاهرة ونحوها بضيق لسعة مقابرها وتعددها، فلا يجوز شيء مما مر لعدم الضرورة فيها. ابن القاسم: لم أسمع عن مالك: يجعل بينهم حائل من التراب، وأنا أراه، ولأشهب: يكفي الكفن، وقوله: وجمع أموات بقبر لضرورة، وكذلك يجوز جمعهم بكفن لضرورة، وليس معنى كلام المصنف أن يجعل أموات بقبر واحد يكون واحد فوق آخر، بدليل قوله: وولي القبلة الأفضل؛ يعني أنه إذا دفن الأموات بقبر واحد، فإنه يجعل الأفضل منهم موالياً للقبلة، فإذا كانوا رجالا ونساء وصبيانا، ولي الرجال القبلة والصبيان من ورائهم والنساء من وراء الصبيان، لجمعه صلى الله عليه وسلم بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، ثم يقول: (أيهم كان أكثر أخذا للقرآن، فإن أشير إلى أحد قدمه في اللحد

(2)

). وسمع موسى الجمع في القبر للضرورة. فالرجل للقبلة ثم الصبي ثم المرأة.

(1)

كشف الخفاء، ج 1 ص 999. - الديلمى، رقم الحديث: 754.

(2)

البخاري، كتاب الجنائز، الحديث:1347. ولفظه: فإن أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد.

ص: 137

واعلم أنه يقدم في الإقبار أي الدفن في القبر الأفضل، وقوله:"وولي القبلة الأفضل"، يجري مثل ذلك في تعدد القبور بمكان واحد، فيجعل أفضلهم مواليا للقبلة، ولا بأس أن يجعل منفوس النفساء معها، فإن استهل جعل ناحية الإمام إن كان ذكراً، وإلا أخر عنها ونويت الصلاة عليها دونه إن لم يستهل ولا بأس أن يدفن معها ولو استهل أي ولو لغير ضرورة، فيستثنى هذا من قوله:"لضرورة"، أو بصلاة، عطف على قوله:"بقبر"؛ يعني أنه يجوز جمع الأموات اثنين فأكثر في صلاة؛ بأن يصلَّى عليهما أو عليهم صلاة واحدة، وليس المراد بالجواز في هذه الجواز المستوي الطرفين؛ لأن الجمع بصلاة مندوب كما في المدونة، ففيها لابن القاسم: إن اجتمعت جنائز لم يَنْبَغِ للإمام أن يصلي على بعضها، ويؤخر بعضها، وقول الرسالة: ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة، قال ابن ناجي: لا بأس هنا لما هو خير، فإن قيل تعدد الصلاة قربة، فالجواب أنه منع منه طلب الإسراع بالجنائز خوف التغيير، وأيضًا القصد بالصلاة عليها الدعاء للميت وهو حاصل بالصلاة الواحدة عليهم والثواب حاصل للمصلي، ويتعدد له القيراط بتعددهم كما قال أبو عمران والشيخ سليمان شارح اللمع.

ابن العطار: وإن طلب منه حضور جنائز متباعدة المقابر فليشهد الأفضل منها، قال بعض: الظاهر أنها لو قربت يحصل له أجر دفن جميعها، ومعنى ذلك إذا نوى ذلك للجميع وله أصل وهو اجتماع الجنائز في صلاة واحدة ويحصل له فضل الجميع، وينتهي اجتماع الجنائز في الصلاة لعشرين مرتبة اقتصر المصنف منها على اثنتي عشرة مرتبة، وترك مراتب المجبوب الأربع لفهمها من الخصي، وكونها عقبه لشرفه ببقاء إحدى آلتيه، وترك مراتب النساء الأربع أيضًا لتأخرهن عن الخناثى، وللاجتماع صفتان؛ إحداهما من الإمام إلى القبلة، وأشار لها بقوله: يلي الإمام رجل؛ يعني أنه إذا كانت الجنائز أصنافاً فإنهم يجعلون من الإمام إلى القبلة، ويقف الإمام عند أفضلهم، فيليه الرجل الحر الكبير الفحل، فإن تفاضل الأحرار البالغون في العلم والفضل والسن، قدم الإمام أعلمهم ثم أفضلهم ثم أسنهم، وقيل: يقدم الأفضل على الأعلم؛ وهو بعيد لأن فضل العلم مزية يطلع عليها، وزيادة الفضل لا يطلع عليها، قاله ابن رشد. وظاهر المصنف تقديم

ص: 138

الرجل ولو كان من بعده أعلم منه وأعبد وأسن، أو كان فيه بعض ذلك دون من قبله، وكذا يقال في الطفل والعبد.

ويقدم عالم على شريف عامي لظهور مزية العلم وتعدي نفعها للغير أي شأنها ذلك، وقدم حافظ قرآن على شريف عامي كما يؤخذ من قضية أحد، ومحدث على فقيه، ومفسر على محدث فيما يظهر لشرف كل عالم بشرف معلومه. الفاكهاني: فإن تساوى جماعة فالقرعة اتفاقاً إلا أن يتراضى الأولياء على أمر. قاله الشيخ سالم.

فطفل؛ يعني أن الطفل الحر الفحل يكون خلف الرجل الحر الذي يقف الإمام عنده، فإن تفاضل الصبيان في حفظ القرآن ومعرفة شيء من أمور الدين والمحافظة على الصلوات والطاعات والسن، قدم ذو المعرفة على الذي عرف بالمحافظة على الصلوات وفعل الطاعات، ويقدم من عرف بذلك على الأسن، فإن لم تكن مزية لأحدهم على الآخر قدم الأسن، فإن تساووا فالقرعة كما تقدم إلا أن يتراضى الأولياء على أمر.

فعبد؛ يعني أنه يلي الطفل الحر الفحل العبد الذكر البالغ الفحل، فيجعل من ورائه، والطفل العبد الفحل من وراء ذلك، فإن تفاضلوا سلك فيهم ما تقدم في الأحرار، وكذا يسلك فيهم عند التساوي ما تقدم في تساوي غيرهم.

فخصي؛ يعني أن الخصي بأقسامه الأربعة يلي العبد الصغير الفحل، فيليه الخصي الكبير الحر، ثم الخصي الصغير الحر، ثم الخصي الكبير العبد، ثم الخصي الصغير العبد، ثم مجبوب كذلك؛ أي كبير حر، فصغير حر، فمجبوب كبير عبد، فصغير عبد.

فخنثى؛ يعني أنه يلي المجبوبَ الصغيرَ العبدَ الخنثى الكبيرُ الحرُّ، فالصغير الحر، فالخنثى الكبيرُ العبدُ، فالصغيرُ العبدُ، فقوله: كذلك، راجع للعبد وللخصي والخنثى كما قررته؛ أي عبد فحل بقسميه، وحر خصي بقسميه، وعبد خصي بقسميه، وحر خنثى بقسميه، وعبد خنثى بقسميه، ويلي الخنثى الصغير العبد المرأة الحرة الكبيرة، فالحرة الصغيرة، فالأمةُ الكبيرةُ، فالأمة الصغيرةُ، فإن كان كل صنف متحدا فالأمر ظاهر، وإن تعدد وُلِيَ الإمام الأفضل ثم من يليه بعده، وهكذا على التَّرتيب السابق إلى القبلة: وقد مر شيء من هذا وتقدم حكم ما إذا تساووا مع التعدد.

ص: 139

واعلم أن الخنثى المتضح ذكورته من الذكور، والمتضح أنوثته من الإناث، وفي كتاب الشيخ الأمير: تقديم من قويت شائبة حريته ومن لا تخنث فيه على متضح ونحو ذلك، وها أنا أبين لك الكيفية لزيادة التوضيح، فأقول: قال الشيخ إبراهيم: وهذا التَّرتيب مندوب وإن حصل تساو من كل وجه أقرع إلا أن يتراضى الأولياء على أمر، ولا يقدم مرتبة لاحقة على سابقة كعبد على حر وأنثى على ذكر، ولو فضلت في العلم والعبادة والسن، وهذه كيفيتها:

|

وفي الصنف أيضا الصف؛ يعني أنه يجوز في المصنف أي الجنس المتقدم صفة ثانية غير الصفة التي مر بيانها؛ وهي مساوية للأولى في الندب عند غير الشاذلي ودونها عنده. قاله الشيخ عبد الباقي. والصفة الثانية هي أن تجعل هذه الأصناف صفا واحدًا من المشرق إلى المغرب، أو من الجوف إلى مقابله بحسب جهة القبلة، ويقف الإمام عند أفضلهم، وفي ذلك طريقان؛ الأولى: أن يقف الإمام عند الأفضل ويجعل عن يمين الإمام مفضول الأفضل، بحيث تكون رجلاه عند رأس الأفضل وباقي الأصناف تجعل كلها على يسار الإمام، وهذه الصفة ذكرها في التوضيح وتبعه الشارح. الطريقة الثانية: أن يجعل مفضول من على جهة اليمين جهة اليسار ومفضول من على جهة اليسار، على اليمين، وهكذا وهو الذي ذكره ابن رشد وابن عبد السلام، وقد اعترض الفيشي كلام الشارح بأنه تبع فيه التوضيح، قال: والظاهر ما قاله ابن عبد السلام.

ص: 140

|

ص: 141

واعلم أن هذه الكيفيات الثلاث تجري في الأصناف المتعددة كما مثلت لك، وفي المصنف الواحد من الرجال الأحرار فقط والصغار منهم فقط، وهكذا إلى أن تأتي على بقية الأصناف كما يفيده كلام ابن رشد والشارح. والله سبحانه أعلم.

وعلم مما قررت أن المراد بالصنف في كلام المصنف الجنس، فيشمل الأصناف المتقدمة، وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط

(1)

). واختار البغوي هذه الرواية في المصابيح، قال مخرجه: لنكتة حسنة؛ وهو التصريح بأن القيراطين عن الصلاة وحضور الدفن، بخلاف ما في مسلم فإنه ربما يتوهم متوهم منه أن القيراطين عن الدفن وواحد عن الصلاة. انتهى. ووقت استحقاق الأول: وقت الفراغ من الصلاة، ووقت استحقاق الثاني: الفراغ من الدفن، وتوابعه من صب الماء وغيره.

وأحد جبل بالمدينة؛ وإنما خص التمثيل به لأنه أكبر الجبال فإنه بلغ إلى الأرض السابعة، وإن كنت تراه صغيراً؛ لأن كل عرق منه يتشعب من عروق تتصل بكلِّ جبل من جبال الدنيا، والمعنى أنه لو كان هذا الجبل من ذهب أو فضة وتصدق به كان ثوابه مثل ثواب هذا القيراط، وهذا ما عليه الأكثر. ويحتمل أنه لو جعل هذا الجبل في كفة، وجعل هذا القيراط في كفة لكان يساويه، فالأول ناظر للتصدق بزنته نقداً، والثاني ناظر لعدله ثوابا، وقال الشيخ زروق. عن الشاذلي: ظاهر كلام الشيخ؛ أي صاحب الرسالة أن: القيراط في الدفن يحصل وإن لم يتبعها في الطريق؛ وهو ظاهر قول المدونة، وجائز أن يسبق وينتظر.

وحضور الجنازة إما رغبة في الآخرة، أو خوفًا من أن يعاقب، أو مكافأة؛ فالأول فيه الأجر والاخران لا أجر فيهما، ويدل له حديث البخاري المتقدم، وهذا يخالف ما لابن العماد، فإنه قال: لا يقدح في الأجر كون الإنسان يتبع الجنازة لأجل أقاربها؛ لأن ذلك مأمور به فلا يدخله الرياء كما توهمه بعضهم، وقد وجد في الحلية لأبي نعيم عن ابن سيرين: أنه سئل عن ذلك؟

(1)

البخاري، كتاب الإيمان، رقم الحديث:47.

ص: 142

فقال: إن فيه صلة الحي والميت، فيكون ذلك أعظم أجرًا، ولو صلى إنسان على جنائز دفعة لحصل بكلِّ ميت قيراط لأنه شفع ودعا له، ولأن الفضل الواحد إذا عم نفعه تعدد الأجر بتعدد أفراد ما عمة الفعل. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: الفاكهاني: في الحديث أي حديث مسلم: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان

(1)

). يحتمل عندي أن يكون له بالصلاة قيراط وبشهود الدفن قيراطان، فتكون ثلاثة، وقول الرسالة: وذلك في التمثيل مثل جبل أحد خصه بالتمثيل لأنه أكبر الجبال، وقيل: مثل لهم بما يعرفون، وقيل: لأنه متصل بالأرضين السبع، وقيل: لورود خبر فيه وهو: (أحد جبل يحبنا ونحبه

(2)

). وما تقدم عن الفاكهاني في تفسير الحديث متعقب، والصَّواب اثنان فقط بدليل خبر البخاري، وما تقدم عن ابن العماد. قال الشيخ عبد الباقي: لا ينافي خبر البخاري: (إيماناً واحتسابا

(3)

)؛ لأن صلة الحي تكون احتسابا أو مداراة لا لأجل دنياه، وكلاهما من عمل الآخرة. وفي حاشية الشيخ بناني أن ما كان من مداراة لأجل الدنيا لا يكون من عمل الآخرة، وقد قال ابن حجر: ما نصه: ترتب الثواب على العمل يستدعي سبق النية فيه، فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة، أو على سبيل المحاباة، والله أعلم. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ظاهر الخبرين توقف حصول قيراط الصلاة على اتباعها من بيت الميت، وترتب القيراط الثاني على الأول، فمن لم يتبعها لكن صلى عليها أو شهدها حتى تدفن ولم يصل عليها لم يحصل له قيراط الصلاة في الأول ولا قيراط الدفن في الثاني. قال الأجهوري على الرسالة: وذكر لي بعض الفضلاء أن الجزولي صرح بتوقف قيراط الدفن على الصلاة، وبه صرح الشافعية. انتهى. قوله: ظاهر الخبرين لخ، قال الشيخ بناني: فيه نظر؛ إذ ليس في الخبرين المتقدمين ما يدل على اتباعها من البيت، نعم وقع في رواية أبي سعيد المقبري ما يدل على ذلك؛ إذ قال: (من تبعها من أهلها حتى يصلي عليها

(4)

). الحديث وكذا في رواية حبان عند مسلم: (من خرج مع جنازة من بيتها

(5)

) لخ، ثم قال عن ابن حجر: والذي يظهر

(1)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:945.

(2)

البخاري، كتاب الجنائز، الحديث:1482.

(3)

البخاري، كتاب الإيمان، الحديث:47.

(4)

فتح الباري، ج 4 ص 171. ط دار الكتب العلمية.

(5)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:945.

ص: 143

أن القيراط يحصل أيضًا لمن صلى فقط؛ إذ كل ما قبل الصلاة وسيلة لها لا يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من تبع وصلى. انتهى. ثم ذكر رواية تشهد لما قال. انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن.

وزيارة القبور؛ يعني أن زيارة القبور جائزة، والمراد أذن فيها لأن زيارة القبور مندوبة كما صرح بذلك غير واحد لما فيها من التذكرة والاعتبار، لحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت

(1)

)، و (لخروجه صلى الله عليه وسلم بأمر ربه إلى البقيع، ولو شاء الله لاستغفر لهم مكانه

(2)

)، ولكن أراد الله تشريع الإتيان إليها، الباجي: إنما أمرت عائشة بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتدعُوَ له بحضرته؛ لأن مشاهدته تدعو إلى الإشفاق والاجتهاد له، ولذلك يسعى إلى الجنائز ولا يجتزأ بما يدعى لها في المنزل، وفي الحديث: (اطلع في القبور واعتبر بالنشور

(3)

). وذكر في المدخل في زيارة النساء للقبور ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، على ما يعلم في الشرع من الستر والتحفظ، عكس ما يفعل اليوم، والثالث الفرق بين المتجالة والشابة. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن، وغيره. وبالثالث جزم الثعالبي، ونصه: وأما النساء فيباح للقواعد ويحرم على الشواب التي يخشى عليهن الفتنة. انتهى. قاله الشيخ بناني وغيره. وقال في المدخل: الخلاف في نساء ذلك الزمان، وأما اليوم فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرهم في الدين بجوازه. وفي كلام بعضهم: أن ما ورد من النهي عن زيارتهن منسوخ. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (ارجعن مأزورات غير مأجورات

(4)

)، يقال: وَزَرَ يزِر ووُزِرَ يُوزَرُ وِزرا بالكسر والفتح، وَزِرَةً كعدة: أثمّ فهو موزور، وقوله مأزورات للازدواج، ولوأفرد لقيل: موزورات، وقوله: بلا حد، الظاهر أنه في موضع الحال من زيارة فهو ظرف مستقر، والباء للمصاحبة. والله سبحانه أعلم؛ يعني أن زيارة القبور لا تحد بيوم مخصوص، ولا بوقت دون وقت، بل تزار في كل الأوقات، وفي جميع الأيام، وليست محدودة بيوم في الأسبوع أو أكثر، ولا

(1)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:977. بدون قوله: فإنها تذكركم الآخرة.

(2)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:974.

(3)

الجامع الكبير للسيوطي، الحديث:49.

(4)

ابن ماجه، كتاب الجنائز، الحديث:1578.

ص: 144

تحد أيضًا بقدر في المكث عندها. وقال الشارح عند قوله: بلا حد أي بوقت من الأوقات مخصوص، ويحتمل أنه لا تحديد فيما يمكث عندها أو فيما يدعى به أو بعدد معلوم من الأسبوع أو الشهر أو العام أو العمر إلى غير ذلك. (وقد أذن عليه الصلاة والسلام في زيارتها بعد أن نهى عن ذلك

(1)

)، (وقد زار صلى الله عليه وسلم القبور وجلس إليها وسلم على أهلها

(2)

). انتهى. وقوله: "بلا حد"؛ أي ولكن الأفضل ليلة الجمعة ويومها، وينبغي لمن عزم على زيارة القبور أن يتأدب بآداب الزيارة ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه التطواف على الأجداث فإنها حالة تشاركه فيها البهائم، بل يقصد وجه الله وإصلاح قلبه ونفع الميت بالدعاء وما يتلو عنده من القرآن، وليجتهد له في الدعاء، وفي الإحياء: قال صلى الله عليه وسلم: (من زار أبويه في كل جمعة غفر له وكتب بارا

(3)

)، وعن ابن سيرين عنه صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله عز وجل من البارين

(4)

). نقله الحطاب، وغيره.

وكيفية الزيارة: أن يسلم إذا دخل المقابر ويخاطبهم خطاب الحاضرين، فيقول كما في خبر أبي داود: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون

(5)

). انتهى. وكنى بالدار عن أهلها، وأتى بالمشيئة للتبرك امتثالا لقوله تعالى:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ، وقيل: إن إن بمعنى: إذا، كقوله تعالى:{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} وقيل: لتعليق اللحوق بتلك البقعة، وإذا وصل إلى قبر يعرفه سلم عليه، ويأتيه من تلقاء وجهه، وإن شاء من ناحية رجليه إلى رأسه، ثم يثني على الله تعالى بما حضره، ويصلي على نبيه الصلاة المشروعة للميت، ويدعو للميت بما أمكنه. قاله الشيخ إبراهيم. وفي التنبيه: اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد الذي من صلى عليه عند دخول المقبرة، أوجب الله لأهلها الرحمة والمغفرة: وفي الشبراخيتي: عن بعضهم أن الموتى يعلمون بزُوَّارِهم يوم الجمعة ويوم السبت إلى طلوع الشَّمس، قال القرطبي: ولذلك تستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة وبكرة

(1)

كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:977.

(2)

الإتحاف، ج 10 ص 352.

(3)

الإتحاف، ج 10 ص 363.

(4)

الإتحاف، ج 10 ص 363.

(5)

أبو داود، كتاب الجنائز، الحديث:3237.

ص: 145

السبت فيما ذكر العلماء رحمة الله عليهم، وفي البيان: قد جاء: أن الأرواح بأفنية القبور وأنها تطلع بزُوَّارها، وأن أكثر اطلاعها يوم الخميس والجمعة وليلة السبت. وذكر (عن عاصم الجحدري أَنه سئل بعد موته، هل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ فقال: نعلم بها عشية الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى طلوع الشَّمس لفضل يوم الجمعة وعظمها

(1)

)، وقد قيل: إن الأرواح تزور قبورها كل جمعة على الدوام، وعن ابن حنبل: إذا دخلتم المقابر فاقرءوا الفاتحة والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم. وفي القرطبي من حديث علي رضي الله عنه: (أنه صلى الله عليه وسلم، قال: من مر على المقابر وقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات

(2)

). وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن، أنه قال: (من دخل المقابر، فقال: اللهم رب هذه الأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدْخِلْ عليها روحا من عندك وسلاما مني، استغفر له كل من مات منذ خلق الله آدم

(3)

)، وأخرجه ابن أبي الدنيا بلفظ: كتب الله له بعدد من مات من ولد آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات، انتهى كلام الشيخ إبراهيم، ونقله غيره. وقال الشيخ عبد الباقي: ظاهر الأول استغفار من لم يدخل مقبرتهم أيضًا، وظاهر الثاني العموم في عددهم أيضًا. انتهى. ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور أهل المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: (السَّلام عليكم أهل القبور ويغفر الله لنا ولكم أنتم سلف ونحن بالأثر

(4)

). رواه في التيسير عن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم في زيارته: (السَّلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين

(5)

)، وقال صلى الله عليه وسلم في الزيارة: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون

(6)

). انتهى. وروى مسلم

(1)

الإتحاف، ج 10 ص 366.

(2)

الإتحاف، ج 10 ص 371.

(3)

مصنف ابن أبي شيبة، ج 8 ص 257.

(4)

التيسير، ج 4 ص 146.

(5)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:974. ولفظه: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستاخرين.

(6)

النسائي، رقم الحديث:2039. - مسلم، رقم الحديث: 974.

ص: 146

والنسائي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كلما كانت ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد

(1)

). انتهى.

وفي الرياض: قال عبد الحق: اعلم أن الميت كالحي فيما يعطاه ويهدى إليه، بل الميت أكثر وأكثر؛ لأن الحي قد يستقل ما يهدى إليه ويستحقر ما يتحف به، والميت لا يستحقر شيئًا من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة أو وزن مثقال ذرة؛ لأنه يعسر قيمته، وقد كان يقدر عليه فضيعه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له

(2)

)، فهذا دعاء الولد يصل إلى والده وينتفع به، وكذلك: أمره عليه السلام بالسلام على أهل القبور والدعاء لهم، ما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل إليهم ويأتيهم والله أعلم. ويروى عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها

(3)

).

قال عبد الحق: وأعلم أن قبور الصالحين لا تخلوا من بركة، وأن زائرها والمسلم عليها والقارئ عندها والداعي لمن فيها لا ينقلب إلا بخير ولا يرجع إلا بأجر، وقد يوجد لذلك أمارة وتبدو له منها بشارة. انتهى. وروى ابن عبد البر عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل مر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام

(4)

)، ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم

(5)

). نقله في الرياض. ومن قرأ هذا الدعاء، وهو: اللهم إني أسألك بجاه نبيك نبي الرحمة، وترابه الطيبة الطاهرة، وما ضمه أن لا تعذب

(1)

النسائي، رقم الحديث:2039. - ومسلم، رقم الحديث: 974.

(2)

مسلم، كتاب الوصيَّة، الحديث:1631.

(3)

الإتحاف، ج 10 ص 367.

(4)

الاستذكار، ج 2 ص 165.

(5)

الإتحاف، ج 10 ص 365.

ص: 147

هذا الميت في قبره، ثلاث مرات عند وقوفه على القبر القديم والجديد، لا يعذب أبداً. قال بعضهم: نقلته من خط سيدي أحمد بابًا، ومن أخذ قبضة من تراب القبر فقرأ عليه سورة القدر سبعاً تحت رأس، أو قال عند رأس الميت في القبر، فإنه لا يعذب ولا يرى سوءًا، نقله صاحب كتاب البركة. ومن قرأ على الميت الفاتحة مرة، والإخلاص أحد عشر، ويبسمل أول كل مرة فهو خير عظيم. وعن عمر رضي الله عنه: من جلس عند رأس الميت حين يوضع في القبر وقرأ السور التي تقرأ في الوتر قبل أن يطرح عليه التراب، رفع الله عنه عذاب القبر وأدخل عليه ألف نور. وفي نقل الثعالبي: يستحب الوقوف بعد الدفن قليلا والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات، فيقال: اللهم هذا عبدك أنت أعلم به منا ولا نعلم أنَّه إلا خيرًا وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبته في الدنيا، اللهم ارحمه وألحقه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تضللنا بعده ولا تحرمنا أجره. وشهد أبو سعيد وأبو هريرة رضي الله عنهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال: (لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم مات لم تطعمه النار. يعقدهن خمسا بأصابعه. ثم قال: من قالهن في يوم أو ليلة أو شهر، ثم مات في تلك الليلة أو ذلك اليوم أو ذلك الشهر، غفر له ذنوبه. ومن قال هذا أول مضجعه نجاه الله من النار، وهو: لا إله إلا الله يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، سبحان الله رب العباد والبلاد، والحمد لله كثيرًا طيباً مباركاً فيه على كل حال، الله أكبر كبير كبرياء ربنا وجلاله بقدرته في كل مكان، اللهم إن أمرضتني لتقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم منك الحسنى

(1)

). ومما يدعو به العبد عند الموت فيخفف عنه كرب الموت: يا نور السماوات والأرض، ويا رافع السماوات والأرضين، ويا غياث المستغيثين، ويا منتهى رغبة الراغبين، ويا منفس عن المكروبين، ويا منقذ الهالكين، ويا ناصر من لا ناصر له، ويا مفرج عن المغمومين، يا مجيب دعوة المضطرين، ويا كاشف كل سوء، ويا أرحم الراحمين، اختم لي بالحسنى، وفرج عني كرب

(1)

سنن الترمذي، كتاب الدعوات، الحديث:3430.

ص: 148

الموت. وفي العلوم الفاخرة: أن من قال هذا في مرضه كان ملطوفا به، وهو:{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} إلى قوله: {سليم} ، ومن أكثر من قول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أربعين مرة مع سورة الإخلاص عشراً في مرضه الذي يموت فيه، خفف عنه وغفر ذنوبه إن مات في مرضه، وإن برئ كذلك، ولم يفتتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة على أكفها.

وفي كتاب سنن المهتدين: أن من قال هذا الدعاء ثم مات جعل الله روحه في الأفق المبين، وهو قاع بين يدي العرش فيه رياض وأشجار وأنهار، تغشاه كل يوم مائة رحمة؛ وهو: اللهم إنك برَأْتَ الخلق من غير حاجة بك إليهم بل مَنَّا منك عليهم فجعلتهم فريقين فريقاً للنعيم وفريقا في السعير فاجعلني للنعيم ولا تجعلني للسعير، اللهم إنك خلقت الخلق فرقاً وميزتهم قبل أن تخلقهم فجعلت منهم شقيا وسعيدا وغويا ورشيدا فلا تشقني بمعصيتك، اللهم إنك تعلم كل نفس قبل أن تخلقها فلا محيص لها مما علمت فاغفر لي ما علمته، اللهم إن أحداً لا يشاء حتى تشاء فاجعل مشيئتي أن أشاء لما يقربني إليك، اللهم إنك خلقت الخير والشر وجعلت لكل واحد منهما عاملاً يعمل به فاجعلني من خير القسمين، اللهم إنك خلقت الجنة والنار وجعلت لكل منهما أهلا وسكانا فاجعلني من ساكني جنتك، اللهم إنك أردت بقوم الهدى وشرحت صدورهم وأردت بقوم الضلال وضيقت صدورهم فاشرح صدري للإيمان وزينه في قلبي وكره إلي الكفر والفسوق والعصيان، اللهم إنك دبرت الأمور فجعلت مصيرها إليك فأحيني حياة طيبة وقربني إليك زلفى، اللهم ما أصبح بي أو بأحد من خلقك من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، اللهم من أصبح وأمسى وثقته ورجاؤه غيرك فأنت ثقتي ورجائي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وعن ابن عباس: من صلى كل ليلة جمعة ركعتين بالفاتحة والإخلاص فيهما فإنه يأمن من منكر ونكير إن شاء الله تعالى، ومن كتب أسماء هؤلاء الشيوخ الأربعة ومحا ذلك وشربه فإنهم يحضرون له عند موته؛ وهم: سيدي عبد القادر الجيلاني، وأبو يزيد البسطامي، طيفور بن عيسى، وأبو حامد الغزالي، ومعروف بن فيروز الكرخي.

ص: 149

تنبيهات: الأول: سهل صاحب المعيار في تصبيح المقابر محتجاً بما ذكره ابن طاووس أن السلف كانوا يفعلونه، وكذا ذكر أن ما يفعله الناس من حمل تراب المقابر للتبرك به جائز، قال: ما زال الناس يحملونه ويتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين.

الثاني: بقي على المصنف من الجائزات: الصلاة، والدفن ليلاً فإنه جائز، كما قاله مطرف عن ابن شهاب وأبي حازم. وقد دفن الصديق وفاطمة وعائشة ليلاً رضي الله عنهم، وبقي عليه أيضًا تقبيل الميت؛ وهو جائز، فقد فعله أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم بعثمان بن مظعون. قاله ابن حبيب. قاله الخرشي.

الثالث: أعلم أن الصدقة، والدعاء، والهدي، والعتق، تصل إلى الميت من غير خلاف، واختلف في الصلاة والصوم والحج والقراءة، ومذهب أحمد وصول القراءة.

ولما أنهى الكلام على ما أراد من جائزات الجنازة، شرع في الكلام على مكروهاتها، فقال: وكره حلق شعره؛ يعني أنه يكره للشخص أن يحلق شر الميت بعد موته الذي لا يحرم على الحي حلقه كرأسه وعانته، وأما ما يحرم على الحي حلقه فيحرم حلقه بعد موته كلحيته. وقلم ظفره؛ يعني أنه يكره قلم ظفر الميت بعد موته، وفي المدخل: وإذا فرغ من غسله ينظف ما تحت أظفاره بعود أو غيره ولا يقلمها، ويسرح لحيته بمشط واسع الأسنان، وكذلك يفعل برأسه ويترفق في ذلك، فإن خرج في المشط شعر جمعه وألقاه في الكفن يدفن معه.

ولما كان الحكم بالكراهة لا يفيد أنه بدعة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يفعل المكروه في حق غيره للتشريع، قال: وهو بدعة؛ يعني أن ما ذكر من حلق الشعر وقلم الظفر بدعة؛ أي لم يفعل في زمنه صلى الله عليه وسلم، فهذه فائدة زائدة على ما بَيَّنَه من الكراهة. وضم معه إن فعل: يعني أنه إذا فعل المكروه من حلق أو تقليم، فإن ذلك الشعر الذي حلق والقلامة يضمان وجوباً مع الميت؛ أي يجعلان مع الميت في كفنه؛ لأنه جزؤه، وكون ما ذكر من الحلق والتقليم مكروهاً مع وجوب الضم لا إشكال فيه، كما للشَّيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وقوله:"إن فعل"، وكذا لو سقط بنفسه أو خرج في تسريح لحيته أو رأسه، فإنه يضم معه.

ص: 150

وعلم مما قررت أن هذا فعل الغير به بعد موته، وأيضًا المريض يفعل ما ذكر، فإن قصد أن يكون موته على هذه الحالة كره، وينبغي ضمه قياساً على مسألة الغير، لا إن قصد إراحة نفسه، فيجوز. والله سبحانه أعلم. وقوله:"وضم معه إن فعل"، تقدم أنه واجب، وقال الشيخ الأمير: وكره إزالة شعره وندب ضمه. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: والقياس كما قال ق: ندب الضم. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: يتعين أن الإشارة يعني بالقاف في كلام عبد الباقي للقاني؛ لأن ما ذكره ليس في المواق. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم بعد أن ذكر وجوب الضم: وقال في الحاشية: على سبيل الاستحباب؛ لأن هذه الأجزاء لا تجب مواراتها. انتهى.

روى السيوطي في الجامع الصغير (أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان: بالشعر والسن والظفر والدم والحيضة والعلقة والمشيمة

(1)

). انتهى. والمشيمة: السلا؛ وهو وعاء الولد.

ولا تنكأ قروحه؛ يعني أنه يكره أن تنكأ قروح الميت، ومعنى تنكأ تقشر، وقوله:"ولا تنكأ قروحه"؛ يعني بعد موته لأن ذلك سبب لخروج ما فيها وقوله: "تنكأ"، بالهمز، قال في القاموس في باب الهمزة: نكأ القرحة كمنع: قشرها قبل أن تبرأ فنديت، والعدو نكأهم، وفلاناً حقه قضاه، وانتكاه قبضه.

ويؤخذ عفوها؛ يعني أنه يؤخذ أي يزال ما سأل من قروح الميت دما أو غيره مما تسهل إزالته، سواء سأل بنكإ أو غيره، فالمراد بالعفو: السهل الذي لا كلفة فيه، قال تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ} ؛ أي ما سهل على الناس من أموالهم، وقول التتائي: لأنه من النظافة يقتضي أنه يغسل بالماء؛ وهو خلاف ظاهر كلامهم. قاله الشيخ الخرشي، وغيره. وقال الشيخ عبد الباقي: ويؤخذ أي يزال بالغسل عفوها؛ أي ما سأل منها. انتهى. وقوله: "ويؤخذ عفوها"، دما أو قيحا -كما علمت- فيزال مطلقاً سواء كان درهما أو غيره، فليس كالحي يعفى له عما دون الدرهم، وعبارة الشيخ الأمير: وأزيلت مِدَّةٌ وإن عفي عنها. انتهى.

(1)

الجامع الصغير، رقم الحديث:6953.

ص: 151

وقراءة عن موته؛ يعني أنه يكره أن يقرأ بسورة: {يس} ، أو غيرها عند المحتضر. ابن رشد: إنما كره مالك ذلك إذا فعل استنانا وإلا فلا بأس به، ومثله لابن عرفة، واستحبه ابن حبيب، لخبر: من قرأ يس أو قرئت عنده وهو في سكرات الموت، بعث الله ملكاً إلى ملك الموت أن هوِّنْ على عبدي الموت. ابن يونس: وقد سئل عنه مالك فلم يكرهه، وإنما كره أن يعمل بذلك استنانا. وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: أن ظاهر السماع الكراهة مطلقاً، واقتصر اللخمي على استحباب القراءة ولم يعول على السماع، وظاهر الرسالة أن ابن حبيب لم يستحب إلا قراءة:{يس} ، وظاهر كلام غيرها أنه استحب القراءة مطلقاً. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

وللأندزالي مشبها على بدع الجنازة:

وكالفدا يجمع إثر الدفن

أو يقرؤون الحزب دون مين

كتجمير الدار؛ يعني أنه يكره تجمير الدار التي مات فيها أي تبخيرها بأن يطاف فيها ببخور بعد موته؛ لأن فاعله يقصد بفعله زوال رائحة الموت، وأما إن قصد إزالة رائحة ما يستكره فلا كراهة، كما لا يكره عند خروج روحه وغسله، بل يستحب فيهما كتجمير ثيابه. قاله غير واحد. وبعده؛ يعني أنه تكره القراءة بعد موته، فالقراءة بعد الموت ليست مشروعة.

وعلى قبرة؛ يعني أن القراءة عند القبر مكروهة، والأحسن الصدقة والدعاء. قاله الشيخ الأمير. التوضيح: مذهب مالك كراهة القراءة على القبور، ونقله سيدي ابن أبي جمرة في شرح البخاري، قال: لأنا مكلفون بالتفكر فيما قيل لهم وماذا لقوا، ونحن مكلفون بالتدبر في القرآن، فآل الأمر إلى إسقاط أحد العملين، وهذا صريح في الكراهة ولو لم يتدبر القرآن. قاله الشيخ بناني.

وفي القراءة ثلاثة أقوال: تصل مطلقاً، لا تصل، الثالث إن كانت عند القبر وصلت، وفي موضع غيره لم تصل، ويعني بكونها تصل في موضع القبر أنه يحصل له أجر مستمع، وفي آخر نوازل ابن رشد في السؤال عن قوله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ؟ قال: وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك وحصل للميت أجره. انتهى. وقال ابن هلال: الذي أفتى

ص: 152

به ابن رشد، وذهب إليه غير واحد من أئمتنا الأندلسيين: أن الميت ينتفع بقراءة القرآن العظيم، ويصل إليه نفعه، ويصل إليه أجره إذا وهب القارئ قراءته له، وبه جرى عمل المسلمين شرقاً وغربا، ووقفوا عليه أوقافا واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة، ثم قال: ومن اللطائف أن عز الدين بن عبد السلام الشافعي ريءَ في المنام بعد موته، فقيل له: ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قراءة القرآن للموتى؟ قال هيهات؛ وجدت الأمر على خلاف ما كنت أظن؛ انتهى. وقال الأبي: إن قرأ ابتداء بنيَّة الميت وصل إليه كالصدقة والدعاء، وإن قرأ ثم وهبه له لم يصل لأن ثواب القراءة للقارئ لا ينتقل عنه إلى غيره. انتهى. القرافي: الذي يتجه أن تحصل لهم بركة القراءة كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده، ووصول القراءة للميت وإن حصل الخلاف فيه لا ينبغي إهمال القراءة لعل الحق وصولها للميت، فإن هذه الأمور مغيبة عنا، وليس الخلاف في حكم شرعي إنما هو في أمر، هل يقع أم لا؟ وكذا التهليل الذي يعمله الناس اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله تعالى، ومن الله الجود والإحسان، هذا هو اللائق بالعبد. وبالله تعالى التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً. قاله الشبراخيتي. وغيره.

ويشير بالتهليل المذكر -والله أعلم- إلى ما ذكره الشيخ السنوسي في آخر شرح عقيدته الصغرى، وفي كتاب العلوم الفاخرة. قاله الإمام الحطاب. قال الشيخ إبراهيم: ولو آخر ذكر تجمير الدار عن هذه، أو قدمها عن التي قبلها لكان أحسن.

وصياح خلفها؛ يعني أنه يكره الصياح خلف الجنازة كان الصياح من رجل أو امرأة، لا فيه من إظهار الجزع وعدم الرضا بالقضاء، وهذا إذا كان بغير بكاء، وإلا حرم -كما مر- قال الشيخ عبد الباقي: ومفهوم خلفها جوازه عند الموت، وتقدم ما فيه. انتهى. قوله:"ومفهوم خلفها، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ لا مفهوم لقوله: "خلفها"؛ إذ الصياح منهي عنه مطلقاً. انتهى.

وقول استغفروا لها؛ يعني أنه يكره قول القائل: استغفروا لها؛ يعني للجنازة؛ لأنه ليس من عمل السلف، ولذا قال سعيد بن جبير لقائل ذلك القول لما سمعه: لا غفر الله لك.

ص: 153

قال مؤلفه عفا الله عنه: والظاهر أنه لا يعترض على هذا بخبر الجامع الصغير: (استغفروا الآن لصاحبكم واسألوا له التثبيت فإنه يسأل

(1)

)؛ لأن هذا الحديث فيما بعد الدفن حين انصرف عنه أصحابه وأجلس للسؤال، وكلام المصنف في الجنازة. والله سبحانه أعلم.

وانصراف عنها بلا صلاة؛ يعني أنه يكره الانصراف عن الجنازة بلا صلاة عليها، ولو طولوا أو انصرف لحاجة أو بإذن أهلها لما فيه من التأدية للطعن في الميت، وقوله: وانصراف عنها بلا صلاة، خلافًا لأشهب القائل: لا يكره ذلك. أو بلا إذن؛ يعني أنه يكره الانصراف عن الجنازة بعد الصلاة عليها حيث لم يأذن أهلها حتى تدفن؛ لأن لهم حقاً في حضوره ليدعو لميتهم ويكثر عددهم، ولأن فيه إبطال العبادة وهي حضور الدفن. الجلاب: من حضر جنازة فصلى عليها فلا ينصرف حتى توارى إلا أن يأذن له أهل الميت إلا أن يطول ذلك، فلينصرف قبل الإذن، ولهذا قال: إن لم يطولوا؛ يعني أن محل كراهة الانصراف عن الجنازة قبل الدفن وبعد الصلاة من دون إذن أهلها، إنما هو حيث لم يطولوا بتأخير الدفن، وأما إن طولوا بأن أبطئوا بالدفن فإنه يجوز له الانصراف قبل الدفن ولو لم يأذنوا له في الانصراف، قال الشيخ عبد الباقي: ولو قال: وانصراف عنها بلا صلاة كبعدها بلا إذن إن لم يطولوا كان أوضح. انتهى. وعبارة الأمير واضحة، فإنه قال: وانصراف قبل الصلاة كقبل الدفن إلا أن يأذنوا أو يطولوا، وقد مر الكلام على حديث: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط

(2)

إلخ، عند قول المصنف:"وفي المصنف أيضًا الصف"، فراجعه إن شئت.

وحملها بلا وضوء؛ يعني أنه يكره للشخص أن يحمل الجنازة وهو غير متوضئ إلى موضع الصلاة عليها إن علم أنه لا يجد بموضع الصلاة ما يتوضأ به؛ لأن ذلك مؤد إلى عدم الصلاة عليها، فإن علم أنه يجد ما يتوضأ به لم يكره حملها بدون وضوء. قاله ابن رشد. وبه قيد الشارح كلام المصنف؛ وهو تقييد حسن، قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله:"وحملها بلا وضوء"، هو قول ابن

(1)

أبو داود، رقم الحديث:3221. ولفظه: استغفروا لأخيكم واسألوا

إلخ.

(2)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:945. والبخاري، كتاب الجنائز، الحديث: 1325.

ص: 154

القاسم؛ لأنه يكره لمن حمل الجنازة أن ينصرف عنها بلا صلاة، وروى أشهب: لا بأس بحملها بلا وضوء؛ وهو لا يكره الانصراف عنها بلا صلاة، فكل جار على أصله. قاله الحطاب.

وإدخاله بمسجد؛ يعني أنه يكره إدخال الميت في المسجد ولو لغير صلاة، خوف انفجاره أو حصول نجاسة منه، ولو على القول بطهارته للعلة المذكورة ولمراعاة القول بنجاسته، ولم يحرم إدخاله على القول بنجاسته رعيا للقول بطهارته. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ومنع ابن شعبان وضعه بالمسجد؛ لأنه ميتة، والباء في قوله:"بمسجد"؛ بمعنى: في. والصلاة عليه فيه؛ يعني أنه تكره الصلاة على الميت في المسجد؛ أي يكره أن يكون المصلي حال الصلاة في المسجد، سواء كان الميت داخل المسجد أو خارجه، إلا أنه إذا كان الميت بالمسجد تتعلق بالحي كراهتان: الصلاة على الميت في المسجد، وإدخال الميت في المسجد، وكرهت والميت خارجه ليلاً يكون ذلك ذريعة لإدخاله فيه، إلا أن يضيق خَارِجُهُ بأهله فلا بأس أن يصلي من بالمسجد بصلاة الإمام. قاله الإمام في المدونة. وقوله:"والصلاة عليه فيه"، الأصل فيه خبر أبي داود: (من صلى على ميت في المسجد فلا شيء له

(1)

)، والعمل فإنهم كانوا لا يصلون على ميت في المسجد، وما ورد من (أنه صلى الله عليه وسلم صلى على سهل بن بيضاء في المسجد

(2)

لم يصحبه العمل. قاله الشيخ إبراهيم.

واعلم أن الصلاة على الميت في المسجد يثاب عليها من حيث كونها صلاة مأمورا بها، فلم يقع النهي عن ذات الصلاة، وحينئذ فإيقاعها في المسجد هو الذي فاعله لم يؤثم ولم يؤجر، وإن لم يفعله أجر لأن حد المكروه: ما تركه أفضل من فعله، فالكراهة إنما هي متعلقة بنفس الإيقاع في المسجد، فإذا فعل الصلاة خارج المسجد تاركاً لإيقاعها فيه حصل له ثوابان: ثواب الصلاة، وثواب ترك إيقاعها في المسجد. وإذا فعلها في المسجد فله ثواب الصلاة فقط، والإيقاع بالمسجد لا ثواب فيه ولا عقاب، وقوله:"فيه"، ظرف لغو متعلق بالصلاة. قاله الشيخ الخرشي.

(1)

أبو داود، كتاب الجنائز، رقم الحديث:3191. وفي عون المعبود شرح أبي داود (فلا شيء عليه) هكذا وقع في نسختين عتيقتين لفظة: عليه. ووقع في نسخة عتيقة لفظة: له. قال المنذري: قال الخطيب: كذا في الأصل انتهى. قلت: وكذا وجدت هذه العبارة في ثلاث من النسخ الحاضرة. قال العيني: قوله فلا شيء له، رواه أبو داود بهذا اللفظ ورواه ابن ماجه ولفظه: فليس له شيء.

(2)

الموطأ، كتاب الجنائز، الحديث:538.

ص: 155

قال مقيده: وفيه بحث لاقتضائه أن الصلاة للنافلة في وقت الكراهة يثاب عليها. والله سبحانه أعلم. وظاهر المؤلف الكراهة ولو في مساجد المقابر؛ وهو قول أبي عمران، وأجازه ابن الكاتب فيها لأنها إنما بنيت لتقيهم من الحر والبرد، وضعفه ابن محرز بأنها وإن بنيت لذلك فلا يمنع حرمتها.

وبما مر تعلم أن قول المواق: لا يأثم ولا يؤجر في صلاته ولو ترك الصلاة أجر؛ لأن هذا هو حد المكروه -انتهى- غير ظاهر. انظر حاشية الشيخ بناني. وروى أشهب: أكره الدفن في المسجد. قاله الحطاب. ثم ذكر الخلاف في نجاسة ميتة الآدمي، ثم قال: وبسبب ذلك اختلف في الصلاة عليه في المسجد، وسبب الاختلاف حديث سهل بن بيضاء: هل المسجد فيه ظرف للمصلي أو للجنازة فيكون كراهة الدفن لأجل كراهة دخوله في المسجد، وهذا على القول في جري بعض الأحباس في بعض: وبه عمل الأندلسيين خلافًا للقرويين، فعلى قولهم لا يجوز الدفن فيه بوجه، وهذا في المساجد التي بنيت للصلاة، فلو بنيت لوضع الموتى فيها صح إدخالها، والدفن فيها إن اضطروا إلى ذلك. انتهى. وقد مر الكلام على مساجد المقابر.

وتكرارها؛ يعني أنه يكره تكرار الصلاة على الجنازة؛ أي إذا صُلِّيَ عليها بإمام كرهت إعادتها لفذ أو جماعة، فإن صلى عليها فذ أو متعدد بغير إمام ندب إعادتها بإمام؛ لأن الجماعة فيها مستحبة، فيستحب تداركها ما لم تفت بالدفن لا بغيره، فالصور تسع؛ لأن المصلي إما فذ، أو متعدد بغير إمام، أو به والمصلي ثانيًا كذلك: فمتى صُلِّيَ عليها أولاً بإمام كرهت إعادتها لفذ ومتعدد بإمام وبغيره، فهذه ثلاثة. ومتى صلى عليها أولاً فذ أو متعدد بغير إمام كرهت إعادتها بفذ ومتعدد بغير إمام لا بإمام، فتندب؛ وهذه ست مضافة للثلاث قبلها، فالمكروه سبع والمندوب اثنتان. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو غاية في التحرير.

وتغسيل جنب؛ يعني أنه يكره أن يغسل الجنب الميت؛ لأنه يملك طهره، فالمصدر مضاف إلى فاعله، وسواء كان الجنب الغاسل رجلاً أو امرأة. كسقط؛ يعني أنه يكره أن يغسل السقط -وهو من لم يستهل- التغسيلَ الشرعيَّ، فلا ينافي ما يأتي من قوله: وغسل دمه، وسواء ولد قبل تمام مدة الحمل أو بعدها، فالسقط مغسَّل بالفتح في هذه، والجنب مغسِّل بالكسر في التي قبلها، فالمصدر المقدر قبل السقط مضاف لمفعوله، وقوله:"سقط"، بتثليث السين، وتحنيطه؛ يعني أنه

ص: 156

يكره أن يحنط السقط الذي لم يستهل. وتسميته؛ يعني أنه يكره تسمية السقط أبي بكره أن يوضع له اسم، فقوله:"تسميته"، مصدر مضاف إلى مفعوله. وصلاة عليه؛ يعني أنه يكره أن يصلى على السقط الذي لم يستهل. ودفنه بدار؛ يعني أنه يكره أن يدفن السقط في الدور.

وقد علمت أن السقط هو الذي لم يستهل، وعللت الكراهة بأنه لا يؤمن أن ينبش مع انتقال الأملاك. نقله الشيخ محمد بن الحسن عن القابسي.

وليس عيبا؛ يعني أن من اشترى دارا فوجد بها سقطا مدفونا، فإن ذلك ليس عيباً يوجب للمشتري الخيار في الرد والتماسك، فلا رد على المنصوص لأنه ليس له حرمة الموتى. بخلاف الكبير؛ يعني أن الكبير وهو من استهل ولو ولد قبل تمام مدة الحمل يخالف السقط في الأمرين المتقدمين، فلا يكره دفنه في الدور، بل يجوز إلا أن الأفضل مقابر المسلمين. قاله الشيخ الأمير. وإذا دفن؛ أي الكبير في الدار فهو عيب يوجب الخيار للمشتري في ردها والتماسك بها، فالحاصل أن الكبير يجوز دفنه في الدور وهو عيب. ابن سحنون: سئل مالك عمن يشتري دارا فيجد فيها قبرا قد كان البائع دفنه بها؟ قال أرى له أن يرد المبيع؛ لأن موضع القبر لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به؛ لأنه حبس، قيل لمالك: فإن وجد المشتري فيها سقطا؟ قال: لا أرى السقط عيباً، قيل له: أفيجوز الانتفاع بموضع السقط؟ قال: أكره ذلك، قال ابن سحنون: والقياس جواز الانتفاع به، ويكره دفن الميت في المسجد الذي بني للصلاة لا لغيرها، وعلى قول العراقيين: لا يجوز الدفن في المسجد بوجه. قاله الحطاب. وظاهر كلام الحطاب: ولو ضاقت المقبرة واتسع المسجد عن صلاة أهل محله. قاله الشيخ عبد الباقي.

لا حائض؛ يعني أنه لا يكره تغسيل الحائض للميت، بل يجوز رواه ابن القاسم عن مالك؛ لأنه لا قدرة لها على إزالة مانعها، بخلاف الجنب -كما مر- وهذا إذا كانت متلبسة بالحيض، وأما بعد انقطاعه عنها فهي كالجنب لقدرتها على رفع مانعها، مثله: وينبغي تقييد الكراهة بعدم خشية تغير الميت، فإن خشي تغيره بتشاغلهما بغسلهما غسلاه قبله حيث لم يوجد غيرهما، وتقدم ندب تجنب حائض وجنب له في مرضه لنفرة الملائكة حينئذ. قاله الشيخ عبد الباقي.

ص: 157

وقال قبل هذا معللاً لعدم الكراهة ما نصه: لعدم قدرتها على الطهر، فإن قدرت عليه برؤية علامته ووجود مطلق كاف كره تغسيلها كالجنب. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: يؤخذ من هذا أنه لو لم يكن عند الجنب والحائض بعد طهرها ما يغتسلان به لم يكره تغسيلهما. والله سبحانه أعلم. وقوله: "لا حائض"، عطف على جنب من قوله:"وتغسيل جنب". وصلاة فاضل على بدعي؛ يعني أنه يكره صلاة فاضل كإمام أو عالم أو صالح على بدعي كحروري وقدري وجبري ونحوهم ما لم يؤد ذلك إلى إبطال الصلاة عليهم وخوف الضيعة عليهم.

واعلم أنه تكره السكنى معهم في بلادهم ليلاً تنزل عليهم سخطة فتصيبه معهم، أو يظن أنه منهم فيعرض نفسه لسوء الظن، أو مخافة أن يسمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده لشبههم. قاله الزرقاني. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وكره صلاة فاضل بعلم أو إمامة أو صلاح على بدعي ردعا لمن هو مثله، وكذا يكره سلام عليه ومناكحته، وصلاة الجمعة أو غيرها خلفه ردعا له، وقول المدونة: يستتاب أهل الأهواء فإن تابوا وإلا قتلوا محمول كما لأبي الحسن على ما إذا دعوا الناس لبدعتهم. انتهى. وفي الحديث: (من أهان صاحب بدعة أمنه الله من الفزع الأكبر

(1)

).

أو مظهر كبيرة؛ يعني أنه تكره صلاة فاضل كإمام أو عالم أو صالح على مظهر كبيرة، كزنى وشرب خمر ومكس، وكذا إذا اشتهر بها وإن لم يظهرها كما في المواق، ردعا لأمثالهم ما لم يؤد ذلك إلى إبطال الصلاة عليهم، ويخاف عليهم الضيعة لأن فرض الصلاة لازم لا يسقطة كبائرهم، وبدعتهم ما تمسكوا بالإسلام. والأصل في ذلك ما روى جابر عن سمرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد قتل نفسه فلم يصل عليه

(2)

)، والحديث يفيد أن من اطلع عليه أنه فعل كبيرة لا يصلي عليه الإمام وأهل الفضل، فالمراد بمظهر كبيرة: من ظهر فعله للكبيرة، كما هو ظاهر الحديث. قاله الشيخ الخرشي. وقوله:"وصلاة فاضل على بدعي أو مظهر كبيرة"، هو قول

(1)

الإتحاف، ج 6 ص 196.

(2)

البيهقي، ج 4 ص 19.

ص: 158

مالك، خلافًا لابن حبيب. وقال الشيخ الأمير: وصلاة فاضل على معروف بمنهي، ظاهره ولو صغيرة فإن الشهرة تقتضي الإصرار. والإمام علي من حده القتل؛ يعني أنه تكره صلاة الإمام أي السلطان على من حده؛ أي شرعه القتل بسبب ترتب حد عليه كالزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة، أو كان شرعه القتل لأجل لزوم قود له لكون المقتول مكافئا له؛ لأنه منتقم لله بقتله، فلا يشفع بالصلاة عليه.

وعلم مما قررت أن الحد الأول معناه الشرع، فيشمل ما يفعل بالقاتل وغيره، وأن الثاني معناه ما يترتب على الزاني ونحوه. والله سبحانه أعلم. ومثل الإمام في كراهة الصلاة عليه أهل الفضل كما صرح به ابن يونس ونصه: ومن قتل في قصاص أو رجم لا يصلي عليه الإمام ولا أهل الفضل، وعليه يجري قول المصنف في تارك الصلاة:"وصلى عليه غير فاضل"، وعلى هذا فإنما خص المصنف الإمام هنا بالذكر لعود الضمير عليه. في قوله: وإن تولاه الناس دونه؛ يعني أنه تكره صلاة الإمام أي السلطان على من شرعه القتل بحد أو قود، سواء تولى الإمام قتله؛ أي أذن فيه، أو تولى الناس قتله دون الإمام؛ أي قتلوه دون إذنه، فقد نص في المدونة على أن المحارب إذا قتله الناس دون الإمام أن الإمام لا يصلي عليه، وأشعر قوله:"بحد أو قود"، أن من قتل في تعزير يصلي عليه الإمام، وحكى ابن عبد الحكم أن للإمام أن يصلي على المرجوم، واحتج (بأنه عليه الصلاة والسلام صلى على ماعز والغامدية

(1)

)، واحترز بقوله:"على من حده القتل"، مما إذا لم يكن حده القتل كالقاذف والزاني البكر إذا أقيم عليهما الحد فماتا من ذلك، فإنه يصلي عليهما الإمام. قاله في المدونة.

وإن مات قبله فتردد؛ يعني أن من وجب عليه القتل بقود أو حد؛ إذا مات قبل أن يقام عليه الحد أو القصاص، فقد تردد اللخمي وأبو عمران في كراهة صلاة الإمام عليه وعدم كراهتها، فقال اللخمي: لا يصلى عليه هو وأهل الخير والفضل ليكون ذلك ردعا لغيره من الأحياء، ونص أبو عمران على أن الإمام يصلي عليه، ومن قدم للقتل فمات خوفًا من القتل قبل إقامة الحد عليه فهو من محل التردد، فأبو عمران يقول: يصلي عليه الإمام، واللخمي يقول: يستحب للإمام أن

(1)

مسلم، كتاب الحدود، الحديث:1695. (حديث الغامدية). - البخاري، (حديث ماعز) الحديث:6820.

ص: 159

لا يصلي عليه، صرح به في التوضيح، فالتنظير فيه -هل هو من محل التردد؟ أو تكره صلاة الإمام عليه قطعا؛ لأن المتسبب كالمباشر- قصور. قاله الشيخ محمد بن الحسن. واقتصر الشيخ الأمير على قول اللخمي بالكراهة، فيفيد اعتماده، ولفظه: وإمام على من حده القتل وإن مات بغيره، ولا كراهة فيمن حده الجلد ولو مات به.

وتكفين بحرير؛ يعني أنه يكره التكفين بالحرير، وسواء في ذلك كان المكفن رجلاً أو امرأة، ومثل الحرير الخز والعلة في الكراهة فيما ذكر ظهور قصد الفخر والمباهاة والعظمة، وهذا حيث أمكن التكفين بغير الحرير، وإلا فلا كراهة كما في الخرشي وغيره. ونجس؛ يعني أنه يكره التكفين بالنجس حيث أمكن غيره، وإلا فلا كراهة، ويقدم الحرير على النجس عند اجتماعهما. قاله الشبراخيتي. ولم يمنع التكفين بالنجس لأن الكفن آئل إلى النجاسة، وأخذ من هذا أنه لا يشترط في الصلاة على الميت طهارة الميت، وإنما يشترط طهارة المصلي. وقوله:"ونجس"، ظاهره ولو نجس العين. وكأخضر؛ يعني أنه يكره التكفين بما ليس أبيض كأخضر أو أسود أو أزرق أو غيرها، ودخل بالكاف كل لون غير البياض، ومحل الكراهة في المصبوغ إذا كان بغير طيب وإلا جاز كمزعفر ومورس -كما مر- وعبارة الأمير: ومصبوغ بغير طيب وإلا جاز كمورس. انتهى.

ومعصفر؛ يعني أنه يكره التكفين بالمعصفر؛ لأنه زينة وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وأجازه في المجموعة مطلقاً، وابن حبيب للنساء فقط. وفي الشارح: الجزولي: والأزرق والأخضر مكروه، وأجاز ذلك ابن عتاب. والمعصفر: المصبوغ بالعصفر؛ وهو صبغ أصفر، وقوله:"وتكفين بحرير" إلخ، ولو بعض الأكفان. قاله الخرشي. أمكن غيره، راجع للحرير وما بعده؛ يعني: أن محل كراهة التكفين بالحرير والنجس والأخضر وما في حكمه والمعصفر إنما هو حيث أمكن التكفين بغير ذلك، وأما مع عدم القدرة على غير ما ذكر فلا كراهة. قاله غير واحد.

وزيادة رجل علي خمسة؛ يعني أنه يكره أن يكفن الرجل في أكثر من خمسة أثواب، فالمشروع تكفينه في خمسة: عمامة، ومئزر، وقميص، ولفافتين، كما مر. والزيادة على ذلك مكروهة. قاله سند. ونصه: وما زاد على الخمسة مكروه للرجل لأنه غلو، ففي الخبر: (لا تتغالوا في الكفن فإنه

ص: 160

يُسْلَبُه سريعا

(1)

)، وبتصريح سند بالكراهة سقط قول المواق: لم أر من صرح بالكراهة. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وتكره الزيادة على السبعة للمرأة؛ لأن سنداً قال في الطراز: والمرأة كالرجل. قاله الخرشي. وفي الحطاب عن ابن شعبان: أقله للمرأة خمسة وأكثره لها سبعة.

واجتماع نساء لبكاء وإن سراً؛ يعني أنه يكره اجتماع النساء للبكاء على الميت كان البكاء سراً أو جهرا بصوت غير عال، فما قبل المبالغة ما كان جهرا بصوت غير عال، والمحرم إنما هو بالصوت العالي.

وبما قررت علم أن "إن" هنا للمبالغة، وكره الاجتماع المذكور لهن لأن ذلك يؤدي إلى رفع أصواتهن، وإلى النياحة الممنوعة، وفي شرح الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: أن بكى هنا بالقصر، وأن "إنْ" في قوله:"وإن سراً"، للحال. قال الشيخ عبد الباقي: وهو تأكيد لقوله: بكى. حيث ضبط بالقصر لا للمبالغة لمناقضتها له، وناقشه الشيخ محمد بن الحسن في ذلك، وقال: إنها للمبالغة، وبذلك، قررت المصنف، وعليه فالظاهر أن قوله:"لبكاء"، بالمد. لكن قد نص الشيخ محمد بن الحسن على أن التفرقة بين المقصور والممدود هي أحد قولين في اللغة، والقول الآخر أنَّهما مترادفان؛ وهو الذي في القاموس، وعليه فيجوز في قول المصنف هنا لبكا المد والقصر. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (لعن الله الصالقة

(2)

)؛ أي الرافعة صوتها بالبكاء، قال بعض: ومن معناه ما يفعله النساء من التزغريت عند حمل جنازة الرجل الصالح، أو فرح يكون فإنه بدعة يجب النهي عنها. نقله الحطاب.

واعلم أن القول المفرق بين المقصور والممدود يجعل البكى بالقصر: إرسال الدموع من غير صوت، ويجعل الممدود: العويلَ والصراخَ. وفهم من المصنف أنهن لو اجتمعن لا لبكى فعرض لهن ما يوجبه فلا كراهة وهو كذلك.

(1)

أبو داود، كتاب الجنائز، الحديث:3154.

(2)

أنا بريئ ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. مسلم، كتاب الإيمان، الحديث:104. والبخاري، كتاب الجنائز، الحديث: 1296.

ص: 161

واعلم أن تحريم النوح كان عقب غزوة أحد، فلا يحتج بما ورد من إباحته قبل ذلك، فلا يحتج بما وقع في قصة حمزة رضي الله عنه كما صرح به الحطاب، والنهي عن النوح قائم سواء كان عند الموت أو بعده، قبل الدفن أو بعده، بقرب أو بعد.

واعلم أن المأتم اجتماع النساء في الموت، وأصله اجتماع النساء والرجال في الغم والفرح، وهو بالتاء المثناة فوق قبلها همزة ساكنة.

وتكبيرة نعش؛ يعني أنه يكره تكبير النعش؛ أي إعظامه فوق العادة بما فوق الحاجة بحيث يكون مظنة للمباهاة أو عظم المصيبة، فإن كانت زيادته ليست كذلك فلا كراهة. وفرشه بحرير؛ يعني أنه يكره فرشه أي النعش بالحرير، ولو لامرأة لما فيه من الفخر والخيلاء، وخص ابن حبيب كراهة ذلك بالرجل، ونص كلام ابن حبيب في النوادر: ويكره إعظام النعش وأن يفرش تحت الميت قطيفة حرير، أو قطيفة حمراء، ولا يكره ذلك للمرأة ولعل التفرقة بالنسبة للحرير فقط. قاله الشارح. ولعل قول ابن حبيب على أصله في جواز تكفينها بالحرير والفراش لباس، لقوله في الحديث: (قد اسود هذا الحصير من طول ما لبس

(1)

). ومفهوم فرشه أن ستره به جائز إن لم يكن أحمر ملونا، وإلا كره ولو لامرأة. قاله ابن حبيب.

واتباعه بنار؛ يعني أنه يكره أن يتبع الميت بنار بغير طيب، وإلا فكراهتان كما في شرح الشيخ عبد الباقي عن أبي الحسن، وقال الشيخ بناني: ونص الأمهات: وكره أبو هريرة وعائشة رضي الله عنهما أن يتبع الميت بالنار تفاؤلا في هذا المقام. انتهى. الشيخ أبو الحسن: وهذا إذا لم يكن فيه طيب، وأما إذا كان فيه طيب فيزداد وجها آخر وهو السرف، وهذا إذا كان طيب له بال. انتهى. وكما يكره أتباع الميت بنار، يكره أتباعه بالواعظ لأنه بدعة. قاله الشيخ إبراهيم.

ونداء به بمسجد، الضمير في به يعود على الميت كما في الشارح؛ يعني أنه يكره أن ينادى بالميت في المسجد بأن ينادى: ألا إن فلاناً قد مات لكراهة رفع الصوت بالمسجد، ولأنَّه من النعي المنهي

(1)

البخاري، كتاب الصلاة، الحديث: 380 - مسلم، كتاب الصلاة، الحديث:658. ولفظهما: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ..

ص: 162

عنه. أو بابه؛ يعني أنه يكره أن ينادى بالميت على باب المسجد، كرهه مالك في العتبية لأنه من النعي المنهي عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والنعي فإنه من عمل الجاهلية

(1)

).

والنعي أن ينادى في الناس: ألا إن فلانا قد مات، أما النداء بالميت في المسجد فلا خلاف في كراهته، وأما النداء به على بابه، فقد اختلف فيه، فكرهه مالك في العتبية للحديث، واستحسنه ابن وهب. لا بكحلق؛ يعني أن الإعلام لحلق من المسلمين بأن الميت قد مات لا يكره، بل يجوز حيث كان الإعلام. بصوت خفي؛ للاستكثار من المصلين عليه بل هذا يقتضي ندبه؛ لأن وسيلة المطلوب مطلوبة. وفي الخبر: (لا يموتن أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة إلا شفعوا فيه

(2)

)، وفي خبر البخاري: (أيُّ مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم يسأل عن الواحد

(3)

).

وشرط الثّناء أن يكون من عدل خير صالح للتزكية، وهو علامة على ما عند الله للعبد بإخبار الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فلا تشترط مطابقة الثّناء للواقع، وقوله:"لا بكحلق بصوت خفي"، هو جائز إجماعاً، ويقدر بعد "لا"، إعلام، كما في الشبراخيتي. وقدر الشيخ عبد الباقي بعدها: نداء، بمعنى: إعلام. انتهى. قال مؤلفه عفا الله عنه: والظاهر أنه أدخل بالكاف جميع الجماعات حلقا أو غيرها، والواحد والاثنين، وظهر مما مر أن الإعلام بالميت بصوت خفي يباح في المسجد، وغيره، وبصوت عال يكره في المسجد وغيره، إلا أن ذلك في المسجد متفق عليه بخلاف غيره. انتهى.

وقال الشيخ الأمير عاطفا على الجواز: وإعلام المحافل سرا وإلا كره. انتهى. قال الشيخ الخرشي، والشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: الحلق بكسر الحاء وفتح اللام جمع حلقة بفتح فسكون، وقيل: الجمع بفتحتين، وقيل: بفتحتين فيهما. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وحلقة الباب والقوم، وقد يفتح لامها ويكسر وليس في الكلام حلقة محركة إلا جمع حالق أو لغة ضعيفة الجمع حلق محركة، وكبدر وحلقات محركة وتكسر الحاء. انتهى.

(1)

الترمذي، كتاب الجنائز، الحديث:984.

(2)

من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له. ابن ماجه، كتاب الجنائز، الحديث:1488.

(3)

البخاريّ، كتاب الجنائز، الحديث:1367. ولفظه: أيما مسلم ....... ثم لم نسأله عن الواحد.

ص: 163

فائدة: من رأى جنازة فكبّر ثلاثا، وقال: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيماناً وتسليما، كتب الله له عشر حسنات من يوم قالها إلى يوم القيامة. نقله غير واحد. وقيل لها؛ يعني أنه يكره القيام لأجل الجنازة، قال الشيخ عبد الباقي: وهذا صادق بثلاث صور: إحداها جالس تمر به الجنازة فيكره له أن يقوم لأجلها، الثانية تابع لها سبقها لموضع الدفن وجلس عنده فيكره له أن يقوم حتى توضع عن الأعناق، الثالثة تابع لها يكره له أن يقوم أي يستمر قائماً حتى توضع. وكان القيام في الصور الثلاث مأمورا به ثم نسخ. انتهى. وعزاه لابن رشد، قال الشيخ محمد بن الحسن في ابن عرفة: أنه نسخ من الوجوب إلى الإباحة أو الندب، وهما قولان، قال الحطاب: وتفهم الكراهة من كلام الباجي وسند. ابن رشد: كان مأمورا به ثم نسخ بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يقوم في الجنائز ثم جلس وأمرهم بالجلوس

(1)

)، ولعل المؤلف فهم الكراهة من هذا. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

وأما القيام على الميت حتى يدفن فلا بأس به، وليس مما نسخ هذا حكم القيام في حق الميت، وأما القيام للحي فاعلم أن الترمذي أخرج عن أنس رضي الله عنه، أنه قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك

(2)

). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وَها أنا أنقل لك كلام العلماء لتتم الفائدة، فأقول: قال الشيخ عبد الباقي: القيام للحي وَاجِبٌ إن أدى تركه لمقاطعة أو خوف أذى، وَحَرَامٌ لمن يحبه تكبرا وتجبرا على القائمين إليه ولم يخش ضرره، وَمَكْرُوهٌ لمن يحبه إجلالا وتعظيماً ولا يتكبر على القائمين إليه، وَجَائزٌ لمن يقوم إجلالا لمن لا يريده وهذا معدوم من غير معصوم، وَمَنْدُوبٌ لأجل قادم من سفر أو بنعمة على الجالس أو ذي مصيبة ليعزى، نقله ابن رشد، ويوسف بن عمر على الرسالة. انتهى. قوله: واجب إن أدى تركه لمقاطعة، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، والذي نقله صاحب المدخل عن ابن رشد هو ما نصه: القيام للحي يقع على أربعة أوجه: الأَوَّلُ مَحظُورٌ؛ وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا أو تعاظما على القائمين

(1)

السنن الكبرى للبيهقي، ج 4 ص 28.

(2)

الترمذي، كتاب الأدب، الحديث:2754.

ص: 164

إليه، وَالثَّانِي مَكْرُوه؛ وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين إليه ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر لما فيه من التشبه بالجبابرة، وَالثَّالِثُ جَائِزٌ؛ وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة، وَالرابعُ مَنْدُوبٌ؛ وهو أن يقع لمن قدم من سفر فرحًا بقدومه ليسلم عليه وإلى من تجددت له نعمة ليهنئه بحصولها أو مصيبة فيعزيه بسببها. انتهى.

وفي الشبراخيتي: أنه يستحب القيام للعالم والصهر والوالدين، ولمن نزل به سرور فيهنأ أوهم فيعزى، وفي البيان والتحصيل لابن رشد: سئل مالك عن قيام المرأة لزوجها؟ فقال: لا تفعله، وتؤدي حقه في غير هذا لا أحبه، وفيه أيضًا: أنه ذكر القرافي ما يفيد وجوبه في زماننا هذا مطلقاً، فإنه قال: ولقد حضرت عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله، وكان من أعلم العلماء وأولي الجد في الدين، غير مكترث بالملوك فضلاً عن غيرهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقدم إليه فتيا ما يقول أئمة الدين وفقهم الله تعالى في القيام الذي أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف، هل يجوز أم لا يجوز ويحرم؟ فكتب رضي الله تعالى عنه في الفتيا: قال رسول اللّد صلى الله عليه وسلم: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا

(1)

)، وترك القيام في هذا الوقت يؤدي إلى المقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما بعد. انتهى. وقال في المدخل: قال بعض العلماء المتأخرين ممن كان يرى جواز القيام: هذا يعني حديث الترمذي المتقدم أقرب ما يحتج به للمنع، والجواب عنه من وجهين: أحدهما أنه صلى الله عليه وسلم خاف عليهم، وعلى من بعدهم الفتنة بإفراطهم في تعظيمه، كما قال: (لا تطروني

(2)

). الحديث. فكره قيامهم له لهذا، ولم يكره قيام بعضهم لبعض، بل قام لبعضهم وقاموا لغيره بحضرته ولم ينه عن ذلك بل أقرهم وأمر به، واستدَلَّ بسبعة أحاديث.

أولها ما في البخاري (أن ناسا نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه صلى الله عليه وسلم، فجاء على حمار، فقال صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى خيركم، أو قال: إلى سيدكم

(3)

(1)

مسلم، كتاب البر والصلة، الحديث:2561. ولفظه: لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله.

(2)

البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، الحديث:3445. مسلم،

(3)

البخاري، كتاب مناقب الأنصار، الحديث:3804.

ص: 165

قال: وقد احتج العلماء المحدثون والفقهاء على القيام بهذا الحديث، كأبي داود فترجم له (باب ما جاء في القيام

(1)

)، وكذا ترجم له غيره، واحتج به مسلم، وقال: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثًا أصح من هذا.

ثانيها ما أخرجه البخاري ومسلم (من قيام طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه لكعب بن مالك من المسجد، وفيه النبي صلى الله عليه وسلم والنّاس جلوس حوله، قال كعب: فقام إلي يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة

(2)

).

ثالثها: ما أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود عن عائشة (أن سيدتنا فاطمة رضي الله عنها كانت إذا دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها

(3)

)، قال الترمذي: حديث حسن.

رابعها: ما أخرجه أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم (كان جالساً، فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه

(4)

).

خامسها: ما رواه مالك من (أنه صلى الله عليه وسلم وثب إلى عكرمة بن أبي جهل فرحًا وما عليه رداء حين قدم عليه فأسلم وبايعه

(5)

).

سادسها: ما أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه فدخل بيوت بعض أزواجه

(6)

).

سابعها: (قيامه صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة حين قدم زيد المدينة فاعتنقه، وقبله

(7)

) وَاستَدَلَّ أيضًا بقول حماد حين جاء يونس: قوموا لسيدكم، أو قال: لسيدنا، وبقيام أحمد بن

(1)

سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب القيام، الحديث:5215.

(2)

البخاري، كتاب المغازي، الحديث:4415. مسلم، كتاب التوبة، الحديث: 2769.

(3)

الترمذيِ، أبواب المناقب، الحديث:3872. أبو داود، كتاب الأدب، الحديث: 5217. سنن النسائي الكبرى، رقم الحديث:8369.

(4)

أبو داود، كتاب الأدب، الحديث:5145.

(5)

الموطأ، ج 1 ص 351.

(6)

أبو داود، كتاب الأدب، الحديث:4775. والنسائي، الحديث: 4776.

(7)

الترمذي، كتاب الاستئذان والأدب، الحديث:2732.

ص: 166

حنبل لإبراهيم الزهري، فقال له ابنه: شاب تعمل له هذا العمل. فقال: ألا أقوم لابن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؟ وبقِيَامِ وكيع إلى سفيان، فأنكر عليه قيامه، فَاستَدَلّ بالحديث (إن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة المسلم

(1)

)، وبقِيَامِ بشر الحافي رضي الله عنه لرجل سلم عليه، وبما ذكره الإمام أبو عبد الرحمن السلمي، ويقوم لإخوانه إذا أبصرهم مقبلين ولا يقعد إلا بقعودهم. وأنشد:

فَلَمَّا بَصُرْنَا بهِ مُقبلا

حَلَلنا الحُبَى وابتدَرْنا القِيَاما

فلا تُنكِرنَّ قيامي له

فَإنَ الكَرِيمَ يُجِلُّ الكِرَاما

والجواب الثاني من الوجهين: أنه صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين أصحابه من الأنس وكمال الود والصفاء ما لا يحتمل زيادة بالإكرام بالقيام، فلم يكن في القيام مقصود بخلاف غيره، فإن فرض صاحب الإنسان قريبًا من هذه الحالة فلا حاجة إلى القيام. انتهى.

وَأجَابَ صاحب المدخل عن الأول بأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقيام إلى سعد لأن الذين أتوا به يمسكونه يميناً وشمالاً، فأمرهم بالقيام له لينزلوه وأمر جميعهم وإن كان يكتفى بالبعض منهم لأن إشارته صلى الله عليه وسلم وأمره من أكبر الخصوصية، فينكسر خاطر من لم يؤمر، وبأنه غائب والقيام للغائب مشروع، وبأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقيام له للتهنئة بما خصه الله به من هذه التولية، والقيام للتهنئة مشروع، قال: ودأب المحدثين النظر إلى فقه الحديث، فبوبوا عليه جملة من غير تفصيل والفقهاء يتعرضون لذلك، فعلى ما قاله ابن رشد في البيان يتخرج ما ورد في هذا الباب من الآثار ولا يتعارض شيء منها، وذلك أن ابن رشد قسم القيام للرجل على أربعة أوجه: محظور؛ وهو أن يعظم بالقيام من يحبه تكبرا وتجبرا على القائمين إليه، ومكروه؛ وهو أن يقام تعظيماً لمن لا يحب أن يقام إليه، ولا يتكبر على القائمين إليه فيكره للتشبه بفعل الجبابرة وما يخشى أن يدخله من تغيير نفس المقوم إليه، وجائز؛ وهو أن يقوم تعظيماً لمن لا

(1)

أبو داود، كتاب الأدب، الحديث:4843. ولفظه: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالى فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط.

ص: 167

يريد ذلك ولا يشبه حاله حال الجبابرة ويؤمن أن تتغير نفس المقوم إليه لذلك، وهذه صفة معدومة إلا فيمن كان بالنبوءة معصوما؛ لأنه إذا تغيرت نفس عمر بالدابة التي ركبها فغيره أحرى، وَمَنْدُوبٍ؛ وهو أن يقوم لقادم من سفر فرحًا بقدومه أو لمصاب فيعزيه وما أشبه ذلك. وَيُحْمَلُ فعل طلحة على خصوصية كانت بينه وبين كعب؛ لأن السنة قد مضت أن التهنئة والبشارة تكون بين الناس على قدر المودة والخلطة والمعرفة، ولو كان قيامه للبر والإكرام لكان كل من جلس قد زهد في فعل الخير وتمالؤوا على تركه والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم لم يرشدهم ولم يعلمهم وهو باطل، وَعَنِ الثَّالِثِ بأنه صلى الله عليه وسلم ندب إلى تنزيل الناس منازلهم وفاطمة بضعة منه فلا منزلة أعظم من منزلتها، وكانوا على ما هو معلوم من شظف العيش. ثم قال: وكيف يمكن أن يقعد على الأرض وهي على حائل؟ فاحتاجت إلى القيام من مجلسها حتى يقعد هو على الحائل وتقعد هي على طرف الحائل أو على الأرض، وَعَنِ الرابعِ بأن رداءه لم يسعهم، فقام للأخ ليوسع له لأنه أربعة أذرع ونحوها، ولو كان قيامه للبر والإكرام لكان الأب والأم أولى بذلك، وَعَنِ الخَامِسِ بأن القيام عند قدوم الغائب مشروع، وَعَنِ السادسِ بأن العالم إذا قام من مجلس العلم قام لقيامه من كان دائراً به لعبادتهم وحوائجهم، وبيوت النبي صلى الله عليه وسلم كانت إذ ذاكَ مفتحة إلى المسجد، والمسجد إذ ذاك في الصغر بحيث قد علم، والنبي صلى الله عليه وسلم في سرعة المشي كما علم، فما يمكنهم مع هذه الحالة أن يستووا قياماً إلا والنبي قد دخل في بعض بيوت أزواجه، وَعَنِ السابعِ أن قيامه صلى الله عليه وسلم كان لفتح الباب، وعماً بعده أن قيام أولئك الأئمة محمول على القيام الجائز والمندوب.

ثم قال: وَجَوَابُه الثاني يعطي أن من كان أقرب إليه كان أقل توقيرا لأجل الأنس وكمال المودة، وهذا خلاف الواقع، ألا ترى حديث ذي اليدين؟ قال فيه: وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، ومن المعلوم أن الأولياء مطالبون بآداب لا يطالب بها العوام. انتهى. وفي الحديث: (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار

(1)

)، وَأجَابَ عنه المجيز للقيام بأن معناه

(1)

أبو داود، كتاب الأدب، الحديث:5229. ولفظه: من أحب أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار. الترمذي، كتاب الأدب، الحديث:2756. ولفظه: من سره أن يتمثل له الرجال .. إلخ.

ص: 168

الزجر والوعيد للإنسان أن يحب قيام الناس له، وليس فيه تعرض للقيام بنهي ولا غيره وهذا متفق عليه، فمن أحب ذلك فقد ارتكب التحريم، وسواء قيم له أو لم يقم، فَإن قِيلَ: إن القيام سببٌ لوقوع هذا في المنهي عنه، قِيلَ: الوقوع في المنهي عنه يتعلق بالمحبة فحَسب. انتهى.

وأجاب صاحب المدخل عن هذا بأن معاوية الذي نقل الحديث نهى عن ذلك على العموم حين قام إليه ابن الزبير وعبد الله بن صفوان، فقال: اجلسا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: من سره أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار، وذلك الذي فهم، فينبغي أتباعه في فهمه وفقهه، ورواة الحديث بوبوا عليه باب كراهة القيام للرجل فصرحوا بالكراهة وذكروا الحديث، ووجهه أن الرجل إذا علم أنه لا يقام له لم تتشوف نفسه لذلك، وقد قيل من العصمة أن لا تجد، فإذا أحب ولم يجد سبيلا إلى ما أحب فقد عصم، ثم قال: وبالجملة فالإعانة حاصلة وهي على المعصية معصية. انتهى.

وتطيين قبر؛ يعني أنه يكره تطيين القبر بأن يلبس بالطين، قال الشيخ: أكثر عباراتهم تطيينه من فوق، ونقلُ ابن عاشر عن شيخه يشمل تطيينه ظاهراً وباطنا، وعلة الكراهة ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم:(إذا طين القبر لم يسمع صاحبه الأذان ولا الدعاء ولا يعلم من يزوره). انتهى. وكره مالك الترصيص عليه بالحجارة، وقال: لا خير فيه. وتبييضه؛ يعني أنه يكره تبييض القبر بالجير؛ وهو معنى التجصيص، يقال: جصص القبر إذا طلاه بالجير.

وبناء عليه؛ يعني أنه يكره البناء على القبور؛ أي يكره أن يبنى عليه بيت أو سقف أو قبة، وكذا حواليه لما فيه من التضييق على الناس. أو تحويز؛ يعني أنه يكره التحويز على القبر؛ بأن يبنى حوله حيطان تحدق به بأرض ملكه أو ملك غيره بإذنه أو بموات ولو كان البناء المذكور كثيرا بالأراضي الثلاثة المذكورة، كقبة أو مدرسة وبنيت بغير قصدِ مباهاةٍ، فلا يهدم كما أفتى به ابن رشد، وكذا ظاهر ما للمازري وصاحب المدخل، وقال ابن القصار: يجوز بناء البيوت على القبور في الأرض غير المحبسة في المواضع المباحة، وفي ملك الإنسان. وظاهر اللخمي المنع، ومحل كراهة ما ذكر ما لم يرفع بحيث يأوي إليه أهل الفساد، وإلا حرم كالأرض المحبسة.

ص: 169

واعلم أن محل ما ذكره المصنف من كراهة هذه الأمور من تطيين القبر وما بعده، حيث عريت عن قصد. وإن بوهي به حرم؛ يعني أنه إذا لم تَعْرَ هذه الأمور المذكورة من تطيين القبر، وتبييضه، والبناء عليه، والتحويز عن قصد بل قصد بها المباهاة، فإنها تحرم ولا يجوز شيء منها مع القصد للمباهاة، فتحرم بالأراضي الثلاث المتقدمة، وبموقوفة للدفن صرح بوقفيتها أو أرصدت له من غير تصريح، ووجب هدم ما حرم، وقوله:"وإن بوهي به حرم"، مثله ما إذا رفع بحيث يأوي إليه أهل الفساد -كما مر-. وجاز للتمييز؛ يعني أن هذه الأمور المذكورة من تطيين القبر وما بعده؛ إذا فعلت للتمييز فإنها جائزة. قاله غير واحد.

فتحصل من كلامهم أن الأمور المذكورة لها ثلاثة أحوال: تكره من غير قصد، تحرم مع قصد المباهاة، تجوز للتمييز. والله سبحانه أعلم. وقوله:"وجاز للتمييز"، سواء كانت الأرض مملوكة أو مباحة أو مسبلة للدفن؛ وهو الذي يفهم من كلام اللخمي وغيره. كحجر؛ يعني أن وضع الحجر على القبر ليعرف به صاحبه لا بأس به. أو خشبة؛ يعني أن وضع الخشبة على القبر ليعرف به صاحبه لا بأس به. فقوله:"كحجر أو خشبة"، تشبيه في الجواز -كما علم من التقرير- ومحل جواز وضع الحجر أو الخشبة على القبر حيث كان. بلا نقش؛ أي إنما يجوز وضع الحجر على القبر حيث كان لا نقش فيه، وكذا وضع الخشبة على القبر فإنما يجوز حيث كان الخشبة لا نقش فيه، وأما إن كان فيه نقش أي كتابة لاسمه أو صفته أو أخلاقه أو تاريخ موته فإنه يكره وضع ما ذكر عليه بسبب النقش، وإن بوهي به حرم. وفي الشارح: واحترز بقوله: "بلا نقش"، عما إذا وضع عليه حجر منقوش أو خشبة مكتوب عليها فإنه يكره. وقاله ابن القاسم. انتهى. فيشمل المنقوش بأي شيء، وكذا يفيده غير واحد.

وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة حجراً عند رأس عثمان بن مظعون، وقال: (أعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي

(1)

)، وفي الخرشي: وكما جاز البناء والتحويز للتمييز فأولى التطيين والتبييض، ويجوز وضع الحجر والخشبة والعود على القبر بلا نقش، وفيه أيضًا: ومفهوم قوله: "بلا نقش"، الكراهة مع النقش، وظاهره ولو قرآناً. وينبغي الحرمة لأنه

(1)

أبو داود، كتاب الجنائز، الحديث:3206. ولفظه: أتعلم بها إلخ وفي نسخة عون المعبود: أُعلِم بها إلخ.

ص: 170

يؤدي إلى امتهانه، وما بني في مقابر المسلمين ووقف فإن وقفه باطل وأنقاضه باقية على ملك ربها إن كان حيًّا أو كان له وارث، ويؤمر بنقلها عن مقابر المسلمين، وإن لم يكن له وارث استأجر القاضي على نقلها منها: ثم يصرف الباقي في مصارف بيت المال. قاله ابن رشد. وفي المدخل: ليس له أن يحفر قبرا ليدفن فيه إذا مات؛ لأنه تحجير على غيره، ومن سبق كان أولى بالموضع منه، ويجوز له ذلك في ملكه لأنه لا غصب. وفيه تذكرة لمن حفر له. انتهى.

وإذا رفع البناء بحيث يأوي إليه أهل الفساد حرم كما مر، ومن أهل الفساد النباشون، وإذا حرم ذلك لم تنفذ الوصيَّة به، قاله ابن عبد الحكم، فيمن أوصى أن يبنى على قبره بيت. ابن بشير: ظاهر هذا التحريم ولو كان مكروهاً لنفذت وصيّته؛ أي كما تنفذ وصيّته بضرب خباء على قبره، وضربه على قبر المرأة أجوز منه على قبر الرجل، وقد ضربه عمر على قبر زينب بنت جحش، وأما ضربه على قبر الرجل فأجيز وكره خوف الرياء والسمعة، وممن كرهه أبو هريرة وأبو سعيد وابن المسيب، وضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس رضي الله عنهما، وأقام عليه ثلاثة أيام. ابن حبيب: لا بأس بالبقاء عليه اليوم واليومين، ويبات فيه إذا خيف من نبش أو غيره. ابن عتاب: وتنفذ الوصيَّة به كوصية القراءة على القبور وإجارة الحج. انتهى. قاله الخرشي. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المكروه ونقشه: ويشتد النهي في القرآن وقد وقع التردد قديماً في الوصيَّة بوضعه في القبر، هل تبطل أو يرفع عن القذر. انتهى. وقوله: ونقشه؛ أي القبر، وعبارته حسنة فيفيد كراهة النقش للقبر كان النقش في حجر أو خشبة أو غيرهما وفي كتابه: وتحويز كثر وإلا جاز للتمييز، وفيه أن التحويز الكثير بالموقوفة حرام، وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: أن التحويز اليسير بالموقوفة جائز ودعَّمه بالنقل، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ووجب هدم ما حرم كقرافة مصر المحبسة لدفن أموات المسلمين، وفي كتاب الشيخ الأمير عن شيخه: ترب مصر كالملك فيجوز إعداد القبر بها، وفي منن الشعراني: أن السيوطي أفتى بعدم هدم شاهد الصالحين بالقرافة، قياساً على (أمره صلى الله عليه وسلم بسد كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر

(1)

) وهو فسحة لكن سياقه بعد الوقوع والنزول.

(1)

البخارى، كتاب الصلاة، الحديث:467. ولفظه: سدوا عنى كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر.

ص: 171

وفي الحطاب بعد جلبه للنقل: فتحصل من هذا أن البناء حول القبر إما أن يكون في أرض مملوكة للباني، أو مملوكة لغيره، أو في أرض مباحة، أو في أرض موقوفة للدفن مصرح بوقفيتها، أو في أرض مرصدة لدفن موتى المسلمين مسبلة لهم، فإن كان في أرض مملوكة للباني فلا يخلو البناء إما أن يكون يسيراً للتمييز كالحائط الصغير الذي يميز به الإنسان قبر أوليائه، أو يكون كثيرًا كبيت أو قبة أو مدرسة، والكثير إما أن يقصد به المباهاة أو لا؟ فإن كان البناء يسيراً للتمييز فهو جائز باتفاق، وإن كان كثيرا وقصد به المباهاة فهو حرام ولا أعلم فيه خلافًا، وإن لم يقصد به المباهاة، فقال ابن القصار: هو جائز وظاهر كلام اللخمي أنه ممنوع، وظاهر كلام المازري وصاحب المدخل أنه مكروه؛ وهو الذي يقتضيه كلام ابن رشد حيث أفتى بأنه لا يهدم، وأما الأرض المملوكة لغير الباني فحكمها كالأرض المملوكة إذا أذن ربها، وكذلك حكم الأرض المباحة إذا لم يضر ذلك البناء بأحد. وأما الأرض الموقوفة فإن كان جدارا صغيراً للتمييز جاز والحد فيه ما يمكن دخوله من كل ناحية، وظاهر كلام المصنف والفاكهاني أنه لا يجوز، وأما البناء الكثير كالبيت والمدرسة والحائط الكبير فلا يجوز باتفاق؛ والمرصدة للدفن كالموقوفة. انتهى. وبقي عليه من المكروهات لهو من حضر وضحكه، انظر القباب.

وَلما قدم الكلام على غسل الميت والصلاة عليه -وكانا متلازمين كما ذكر وكانا مطلوبين لكل مسلم تقدم له استقرار حياة غير شهيد معترك ولا فقد أكثره- شرع في الكلام على أضداد تلك الأوصاف استغناء بذكر أضدادها عنها، وبنفي أحد المتلازمين وهو الغسل عن نفي الآخر وهو الصلاة، وأطلق النفي من غير بيان لعين الحكم، وها أنا أبينه إن شاء الله، فقال: ولا يغسل شهيد معترك؛ يعني أن الشهيد الذي مات بالمعترك لا يغسل تحريما ولا يصلى عليه، والمراد بالشهيد الذي لا يغسل هنا: المسلم الذي مات بالمعترك وهو موضع القتال بين المسلمين والكفار، وصرح بحرمة تغسيله ابن رشد في المقدمات، فقول الشيخ عبد الباقي: أي يحرم، فيما يظهر قصور. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله:"ولا يغسل"؛ أي ولا يصلى عليه كما علمت. وقاله في المدونة.

ص: 172

والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (زملوهم بكلومهم فإنه يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك

(1)

)، وقوله:"ولا يغسل"، وكذا لا يحنط ولا فرق فيما ذكر بين الرجل والمرأة والبالغ والصبي، وقوله:"ولا يغسل"، سواء قاتل لدنيا كنية حمية أو غنيمة أو غلول أو إشهار لشجاعته، أو لدنيا وآخرة معاً كما إذا قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى وللغنيمة معاً. واحترز بقوله:"معترك"، عن الشهيد الذي قتل بغير معترك، فيغسل ويصلى عليه عند ابن القاسم؛ وهو مقتضى موضع من المدونة، وروى ابن وهب: لا يغسل شهيدُ كافرٍ حربي بغير معركة رجلاً أو امرأة أو صبياً لكونه له حكم من قتل بالمعركة وهو نص المدونة في محل آخر، وتبعه سحنون وأصبغ قائلاً: ابن وهب: أعلم بهذا وشبهه من الآثار من جميع أصحاب ملك، وإنما صلي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أنه مقتولُ كافرِ؛ لأنه رفع حيًّا وعاش ولم يمت بفور القتل، وليس قاتله بحربي قبل قتله، وتبعهم ابن يونس وابن رشد، ونحا القرطبي إليه فتمنى أنه لم يكن غسل أباه وصلى عليه حين قتله عدو كافر بقرطبة حين أغار عليها كفار والنّاس في أحراثهم على غفلة، ومن ذلك أسرى نصارى بأيدي المسلمين أغاروا بأسكندرية وقت صلاة الجمعة والمسلمون في صلاتها وقتلوا مسلمين سنة اثنين وخمسين وألف، كما أفتى بعدم غسلهم والصلاة عليهم علي الأجهوري. فقط؛ يعني أن الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه هو الذي مات في المعترك دون الذي قتله الكفار بغير المعترك، كما مر عن ابن القاسم، ويمكن تمشية المصنف على ما لابن وهب بجعل قتيل الحربي المذكور شهيد معترك مجازاً، وَيكون حينئذ قوله:"فقط"، محترزا به عن الغريق والحريق والمبطون وبقية شهداء الآخرة. قال الشيخ عبد الباقي: ولو قال: ولا يغسل قتيل كافر حربي ولو بغير مقاتلة أو على فراشه وإن أجنب على الأحسن، لجرى على ما لابن وهب صريحاً، ولا يرد على ذلك أنه يفهم تغسيل قتيل مسلم يظنه كافراً، مع أن المعتمد عدم تغسيله والصلاة عليه؛ لأن هذا تفصيل في مفهوم كافر فلا يعترض به، وأما قتيل كافر مضروب عليه الجزية فيغسل قطعا. انتهى. قوله: مع أن المعتمد عدم تغسيله؛ أي قتيل مسلم،

(1)

إني أشهدُ على هؤلاء، زملوهم بكلومهم ودمائهم. مسند أحمد، ج 5 ص 431. الموطأ، كتاب الجهاد، الحديث: 1001. ولفظه: والذي نفسي بيده لا يُكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثغب دماً اللون لون دم والريح ريح المسك.

ص: 173

وقوله بعده أو قتله مسلم يظنه كافراً أو درسته الخيل إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، ولم يقل المواق والحطاب في الصورتين إلا أنه يغسل ويصلى عليه، فهو المعتمد. انتهى.

والشهيد فعيل إما بمعنى فاعل لشهادته كرامة الله له، أو لشهادته الحساب فلا يحاسب، أو لشهادة روحه دار السلام وروح غيره إنما تشهدها يوم القيامة، أو بمعنى مفعول لقوله صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد: (أنا شهيد على هؤلاء

(1)

)، أو لشهادة ملائكة الرحمة له، أو لشهادة حاله بصدق نيته، أو لأن معه شاهدا وهو الدم فإنه يبعث وهو يثعب دماً، أو لسقوطه على الشاهدة وهي الأرض. قاله الشبراخيتي.

واعلم أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة خصوصية؛ (لأنه صلى الله عليه وسلم كبر عليه سبعين تكبير

(2)

) (وأباح النياحة عليه

(3)

) قاله الشبراخيتي أيضًا. وقال عند قوله: "معترك"، لا مفهوم له؛ لأن من قتله الكافر ولو غير حربي من غير مقاتلة كذلك كما في المدونة، فشمل من قتله العدو في منزلة من غير ملاقاة ولا عراك، ومن هجم عليه الكفار وهو نائم فقتلوه؛ وهو قول ابن وهب وأصبغ وسحنون، خلافًا لابن القاسم فالمراد بالمعترك ما هو مظنة الاعتراك لا حصوله بالفعل.

وأما الصلاة علي عمر وقد قتله كافر فلأنه عاش ولم يمت بفور القتل، وقال الرجراجي: إن عمر لم يصل عليه، وفي الخرشي ما يخالف ما مر عن الشبراخيتي أيضا؛ وهو أنه غزا المشركون المسلمين يوم أحد ولم يصل عليهم، وقيل لمالك: أبلغك أنه عليه الصلاة والسلام صلى على حمزة فكبّر سبعين تكبيرة؟ فقال: لا، ولا على أحد من الشهداء. انتهى.

وفي الشبراخيتي: واعلم أن الشهداء ثلاثة: شهيد دنيا وآخرة، وشهيد دنيا فقط، وشهيد آخرة فقط. فشهيدهما كمن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى صحبه قصد الغنيمة أم لا، وشهيد الدنيا فقط كمن قاتل لقصد الغنيمة فقط، أو ليظهر شجاعته، أو لحمية قومه، أو للذب عن ماله أو أهله، أو لصون عرضه، أو نحو ذلك؛ فهذان لا يغسلان ولا يصلى عليهما. والثالث يغسل ويصلى عليه، وذلك كالغريق أي الميت غرقا في الماء، والحريق أي الميت بحرق النار، والمبطون أي صاحب

(1)

البخاري، كتاب الجنائز، الحديث:1343.

(2)

الجامع الكبير للسيوطي، الحديث: 35716

(3)

سنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، الحديث:1591.

ص: 174

الإسهال أو القولنج، ومثله الميت بمرض بطنه، وكالميت تحت الهدم والمطعون أي الميت بالطاعون، وصاحب ذات الجنب وهو مرض معروف يعرض في الغشاء المتبطن الأضلاع، والمرأة تموت بجمع بضم الجيم وكسرها وفتحها والضم أشهر كما في النووي؛ أي التي تموت مع شيء مجموع فيها غير منفصل كالميتة عذراء، وقيل: الميتة من الولادة وولدها في بطنها وهو الأشهر، وقيل: الميتة من الولادة ألقت ولدها أم لا، وصاحب السل، والغريب، وصاحب الحصا، واللديغ، والشريق، والذي يفترسه الأسد، وساقط عن دابته، والمتردي. انتهى.

والميت دون أهله أو ماله أو بنيه، والميت دون مظلمة، والميت في السجن ظلماً، والميت عشقا أي عشق حتى مات، والميت وهو طالب للعلم، والميت على فراشه في سبيل الله، والذي يقتله اللصوص لا خلاف أنه شهيد، وسأذكر عدداً من جملة الشهداء عند آخر الكلام على شهيد المعترك.

وقوله: "شهيد معترك"، سند: قتله المشركون، أو سقط من شاهق أو من فوق فرسه، أو رجع عليه سيفه أو سهمه، أو وجد في المعركة ميتا ليس فيه أثر وسواء قتل بسيف أو عصى، وظاهره: ولو قتله مسلم يظنه كافراً وهو كذلك، قال سحنون: ويدل له قضية اليمان والد حذيفة، فإنه نزل يوم أحد فلم يعرفه المسلمون فاختلفت أسيافهم فيه حتى قتلوه، فجاء ولده وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: إن الله كتب الشهادة لأبيك ولك عليهم ديته، فقال: هي صدقة عليهم يا رسول الله. وما ذكرته من أن من قتله مسلم يظنه كافراً لا يغسل ولا يصلى عليه نحوه في التتائي، وفي المواق والحطاب عن ابن سحنون: أنه يغسل ويصلى عليه، وعليه فابن سحنون مخالف لأبيه: والمعتمد الأول. قاله الشبراخيتي.

وقد مر عن الشيخ محمد بن الحسن اعتماد الثاني، ومن مات في معصية بسبب من أسباب الشهادة فهو شهيد، كمن غرق في قَطْعِهِ فمات فهو شهيد وعليه إثم معصيته، وكذا لو قاتل على فرس مغصوبة أو كان في معصية مع قوم فوقع عليهم البيت فلهم الشهادة وعليهم إثم المعصية، وكل من مات بسبب معصية فليس بشهيد، كمن شرب الخمر فشرق فمات. قاله الشبراخيتي.

ص: 175

ولو ببلد الإسلام؛ يعني أن شهيد المعترك الذي قتله الحربيون لا يغسل، ولو قتل ببلد الإسلام؛ وهو الذي لا تصرف للعدو فيه، وأشار بلو لرد قول ابن شعبان: يغسل ويصلى عليه؛ لأن درجته انحطت عن درجة الشهيد الذي دخل بلاد العدو، والأول، أعني: ما مشى عليه المصنف هو قول ابن القاسم وابن وهب وأشهب، وهو ظاهر المدونة. ابن بشير: وهو المشهور.

أو لم يقاتل؛ يعني أن شهيد المعترك لا يغسل ولا يصلى عليه قاتل أم لا؛ بأن كان غافلا أو نائماً فمات فيهما بقتلهم، وكذا لو رجع سيفه أو سهمه عليه، أو حَمَل على العدو فتردى في بئر، أو سقط من شاهق جبل، أو سقط عن دابته، أو وجد ميتا ليس به أثر. كما مر. وقوله:"أو لم يقاتل"، قال الشارح: ظاهره ولو كان نائما وهو قول أصبغ وابن وهب وصححه ابن الجلاب. ابن يونس: وبه أقول، وقال ابن القاسم في العتبية: يغسل ويصلى عليه. وإن أجنب؛ يعني أن الشهيد لا يغسل ولو مات وهو جنب، وهكذا في النوادر عن أشهب وعبد الملك، وقال سحنون: يغسل ويصلى عليه والأول هو الأقرب، وإليه أشار بقوله: علي الأحسن. ابن ناجي: وهو الصحيح، وبه الفتوى.

واعلم أن ابن ناجي متأخر عن المصنف، وقوله:"على الأحسن"، قال فيه الشيخ محمد بن الحسن: رجح ابن رشد ترك غسل الجنب، فصوابه لو قال: ولو أجنب على الأظهر. انتهى. ومثل الجنب الحائض، ولا يغسل دم الشهيد لخبر: (زملوهم بكلومهم

(1)

)؛ لأن الدم شهيد له، وأما ما عليه من نجاسة غير الدم فيزال وينزع ما عليه من جلد الميتة والخنزير إجماعاً. وفي الطراز: أما إذا كانت عليه نجاسة من غير دمه كالروث وشبهه فإنه يغسل، وقال بعضهم: لا يغسل اعتبارا بالجنابة، وما قلناه أظهر؛ لأن الأصل في النجاسة الإبعاد. وقوله:"وإن أجنب"، شاهده قضية حنظلة، قتل يوم أحد شهيداً ولم يغتسل، ويسمى حنظلة: الغسيل بين السماء والأرض؛ لأنه كان ألم بأهله حين خروجه إلى أحد، ثم وقع النفير فأنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيداً، (أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة غسلته

(2)

)، وقال: (لقد رأيت

(1)

إني أشهد على هؤلاء، زملوهم بكلومهم ودمائهم. مسند أحمد، ج 5 ص 431.

(2)

البيهقي، كتاب الجنائز، ج 4 ص 15.

ص: 176

الملائكة تغسله

(1)

)، وغسل الملائكة ليس هو الغسل الذي أمرنا به، قال الشبراخيتي: فإن قلت رتبة النبوءة أعلى من رتبة الشهادة قطعا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل وصلي عليه، فالجواب أن النبوءة لا تنال بالاكتساب، بخلاف الشهادة فرغب فيها.

واعلم أن الشهادة فيها فضل كبير، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة

(2)

)، وفي رواية: (إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة

(3)

)، قال في التيسير: أخرجه الخمسة إلا أبا داود، وفي التيسير: عن المغيرة أنه قال: (أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة، فلنحن أحب في الموت منكم في الحياة

(4)

). وأخبر صلى الله عليه وسلم أن القتل في سبيل الله يكفر الخطايا إلا الدَّيْنَ، وفي مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين

(5)

)، ونقل الشيخ نور الدين الزيادي أن السؤال عام في كل مكلف ولو شهيداً إلا شهيد الحرب، ويحمل ما ورد من عدم سؤال الشهداء ونحوهم على عدم الفتنة في القبر، خلافًا للسيوطي، وقال رجلٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد، فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة

(6)

). رواه في التيسير عن النسائي. وقال صلى الله عليه وسلم: (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مسِّ القرصة

(7)

)، رواه في التيسير عن الترمذي والنسائي. وفيه: عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجب ربنا تبارك وتعالى من رجل غزا في سبيل الله تعالى فانهزم أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أريق دمه، فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما

(1)

البيهقي، كتاب الجنائز، ج 4 ص 15.

(2)

البخاري، كتاب الجهاد والسير، الحديث:2817. مسلم، رقم الحديث: 877. التيسير، ج 1 ص 171.

(3)

التيسير، ج 1 ص 171.

(4)

التيسير، ج 1 ص 171.

(5)

التيسير، ج 1 ص 171.

(6)

التيسير، ج 1 ص 172.

(7)

التيسير، ج 1 ص 172.

ص: 177

عندي حتى أريق دمه، أشهدكم أني قد غفرت له

(1)

). وقال صلى الله عليه وسلم لامرأة قتل ابنها في سبيل الله: (إن ابنك له أجر شهيدين، قالت: ولم؟ قال: لأنه قتله أهل الكتاب

(2)

)، والمرأة المذكورة هي أم خلاد رضي الله عنها، سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ابنها وهي متنقبة، فقالت: إن أرْزَإ ابنِي فلن أرزأ حياءي وفي هذا الحديث أن من قتله أهل الكتاب له أجر شهيدين، وروى أبو داود: (الغريق له أجر شهيدين

(3)

). ذكره في كتاب الجهاد. قاله الحطاب. وفي التيسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من يسأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه

(4)

). رواه عن الخمسة إلا البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (من فصل في سبيل الله تعالى فمات أو قتل أو وقصته فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله تعالى فمات، فهو شهيد

(5)

). رواه في التيسير عن أبي داود. ومما يجب اعتقاده حياة الشهداء المقتولين في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وأنهم يرزقون عند ربهم لقوله عز وجل:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، وقضية الآية الشريفة اتصاف هيكل الشهيد بالحياة حقيقة، وبه جزم بعض المحقّقين، كما أن ظاهره أنهم يرزقون مما يشتهون كما يرزق الأحياء بالأكل والشرب واللباس وغيرها وهو ممكن، فالعدول عنه من غير معارض غير لائق.

وقال بعضهم: الحياة للروح لا للجسد، وقال العلامة الجزولي: إن حياة الشهداء غير مكيفة ولا معقولة للبشر، يجب الإيمان بها على ما جاء به ظاهر الشرع، ويجب الكف عن الخوض في كيفيتها؛ إذ لا طريق للعلم بها إلا من الخبر، ولم يرد فيها شيء يتبين المراد منه. وقال الشيخ الأنصاري في حواشي تفسير البيضاوي: أكثر المفسرين أن حياة الشهداء ليست بالجسد، وقال ابن عادل: ويحتمل أن حياتهم بالجسد وإن لم نشاهد الجسد حيًّا، فلو لم تكن حياة الشهداء بالجسد لاستووا هم وغيرهم. انتهى. قال بعض المتأخرين: والنفس إلى ما قاله الجزولي أميل

(1)

التيسير، ج 1 ص 172.

(2)

التيسير، ج 1 ص 172.

(3)

سنن أبي داود، كتاب الجهاد، الحديث:2493.

(4)

التيسير، ج 1 ص 173.

(5)

التيسير، ج 1 ص 173.

ص: 178

والآثار الواردة في الشهداء كثيرة، وفي كل ما ليس في الآخر، وجمع بينها إبراهيم بن شبيب جمعاً حسنًا أنهم يتمتعون بضروب من النعيم مختلفة، فمنهم من هو طائر يعلق من شجر الجنة، ومنهم من هو في حواصل طير خضر، ومنهم من يأوي إلى قناديل تحت العرش، ومنهم من هو في حواصل طير بيض، ومنهم من هو في حواصل طير كالزرازير، ومنهم من هو في أشخاص وصور من صور الجنة، ومنهم من هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنهم من تروح روحه وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنهم من يتلقى أرواح المقبوضين، ومنهم من هو في كفالة آدم، ومنهم من هو في كفالة إبراهيم.

واعلم أن المراد من كون أرواحهم في حواصل طير أنها تركب تلك الطير، أو أن المراد بها كالطير في سرعة قطع المسافة البعيدة لأن أرواحهم لها أجنحة، أوأنها تعمر أجساما أخر غير أجسامها، فَتُدَبِّرهَا، ليلاً يلزم التناسخ. وقال ابن يونس بعد الرد على القائلين بالتناسخ -أبعدهم الله تعالى- ما نصه: وأما حديث في حواصل طير خضر فليس بصحيح إلى آخر كلامه. لا إن رفع حيا؛ يعني أن من رفع من المعترك حيًّا أي حمل وذهب به عن موضع القتال، ثم مات بعد ذلك فإنه يغسل ويصلى عليه، فمحل عدم تغسيل الشهيد إنما هو حيث مات بالمعترك، وأما إن لم يمت به فإنه يغسل ويصلى عليه ولو كان حين رفع منفوذ المقاتل، وإليه أشار بقوله: وإن أنفِذت مقاتله؛ يعني أنه إذا رفع حيًّا فإنه يغسل ويصلى عليه، وإن كان قد رفع منفوذ المقاتل. ومفهوم قوله:"رفع حيًّا"، أنه لو بقي مرميا بالمعركة حتى مات لم يغسل، وهو كذلك على المعتمد خلافًا لأشهب. وقوله:"وإن أنفذت مقاتله"، كأن قطع نخاعه، أو نثر دماغه، أو قطع مصيره. إلا المغمور؛ يعني أنه إذا رُفِعَ حيًّا وهو مغمور، فإنه لا يغسل، رفع منفوذ المقاتل أم لا، فهو مستثنى من قوله:"لا إن رُفِعَ حيًّا"، ومن قوله:"وإن أنفذت مقاتله"، والمغمور هو الذي لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم حتى مات.

واعلم أن الأقسام أربعة: رفع حيا؛ وهو مغمور لا يغسل ولا يصلى عليه، منفوذ المقاتل، أم لا، رفع حيًّا منفوذ المقاتل؛ وهو غير مغمور يغسل على ما قال المصنف، وقال الشيخ عبد الباقي والخرشي والشبراخيتي: إنه لا يغسل، وعبارة عبد الباقي: المذهب أن منفوذها لا يغسل رفع مغمورا

ص: 179

أم لا، وعبارة الخرشي: لا يغسل ولا يصلى عليه على المشهورِ ومذهب المدونة، وعبارة الشبراخيتي: وفي كلامه نظر لأن منفوذ المقاتل لا يغسل ولا يصلى عليه رفع مغمورا أم لا، وقال محمد بن الحسن بناني: كون منفوذها لا يغسل رفع مغمورا أم لا هو الذي نقله المواق عن الكافي والمعونة، ونسبه الباجي لسحنون، واعترضه بغسل عمر رضي الله عنه، ونقل ابن عرفة وابن يونس ما ظاهره يوافق المصنف، والذي اعتمده المصنف ما نقله في التوضيح عن ابن شأس من قوله: المشهور من قول ابن القاسم أنه يغسل ويصلى عليه، وجعل قول سحنون مقابلا للمشهور، فانظر قول الزرقاني: المذهب لا يغسل من أين أتى به. انتهى. والقسم الرابع: هو أن يرفع حيًّا ولم يكن مغمورا ولا منفوذ المقاتل، وقد مر في قوله:"لا إن رفع حيًّا".

ودفن بثيابه؛ يعني أن شهيد المعترك يجب أن يدفن بثيابه التي مات فيها ولو نفيسة، وتحرم الزيادة عليها، ومحل حرمة الزيادة على الثياب التي مات فيها إنما هو. إن سترته؛ أي جميع جسده، وقيل: لا بأس بالزيادة عليها، والقول الأول أحق بالاتباع، وليس لوليه نزع الثياب التي مات فيها ويكفنه في غيرها. وقوله:"ودفن بثيابه"؛ أي المباحة، وأما غير المباحة فتجري على قوله:"وتكفين بحرير".

وقد مر أنه ينزع ما عليه من جلد الميتة والخنزير إجماعاً، وأن النجاسة غير دمه تغسل، قال الشيخ عبد الباقي: فإن وجد عرياناً وجب ستر جميع جسده كما هو ظاهر كلامهم، ولا يجري فيه قوله. "وهل الواجب ثوب يستره" إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا غير صحيح، وما ذكره من الفرق لا معنى له، وما استدل به من ستره صلى الله عليه وسلم بقيته بإذخر لا يدل له؛ لأن ذلك إنما يدل على أن ستر جميع الجسد مطلوب، وهذا أمر متفق عليه، وكون الجميع واجباً أو الزائد على ستر العورة سنة أمر آخر زائد على الطلب، تأمله. انتهى. وقوله: وما استدل به؛ يعني من قضية مصعب بن عمير الآتية، والله سبحانه أعلم.

وإلا زيد؛ يعني أن الشهيد إذا لم تستره ثيابه التي مات فيها، فإنه يزاد عليها بما يستره، وأَجْرِ الزيادةَ على مَا مَرَّ يَا فَتَى، قوله:"وإلا زيد"، الأصل في ذلك قضية مصعب بن عمير لما لم تبلغه بردته زيد شيئًا من الإذخر غطيت به رجلاه، وذلك أنه رضي الله عنه قتل يوم أحد ولم يترك إلا

ص: 180

نمرة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: (غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر

(1)

)، والنمرة: شملة من صوف مخططة. بخف، الباء للمصاحبة، متعلقة بقوله:"دفن"؛ أي ودفن بثيابه مصحوبة بخف، ولا يصح كون قوله:"بخف"، بدلاً من قوله:"بثيابه"، كما لا يخفى لاقتضائه أنه لا يدفن بما مات فيه من الثياب إلا بالخف، وذلك باطل؛ لأن دفنه بها لازم. والله سبحانه أعلم.

وقلنسوة؛ يعني أن الشهيد إذا مات وعلى رأسه قلنسوة فإنه يدفن بها، قوله:"وقلنسوة"، عطف على قوله:"بخف"، قال غير واحد القلنسوة هي التي تسميها العامة الشاشية، لا البيضة فإنها تنزع، قال الشيخ عبد الباقي: أي الخوذة لأنها سلاح، وفي القاموس: القلنسوة والقلسية إذا فتحت ضممت السين وإذا ضممت كسرتها تلبس في الرأس، جمعها قلانس وقلانيس ومنطقة، عطف على قوله:"بخف"؛ يعني أن الشهيد يدفن بمنطقته التي مات؛ وهو لابس لها، والمنطقة هي المتخذة للخراج وهذا إذا كانت مباحة، وإلا لم يدفن بها. قل ثمنها، صفة لمنطقة؛ يعني أنه إنما يدفن بالمنطقة التي مات وهو لابس لها حيث قل ثمنها لا إن كثر، والقلة في المنطقة بالنسبة للمال لا بالنسبة للمالك نفسه. وخاتم؛ يعني أن الشهيد يدفن بخاتمه الذي مات وهو لابس له، ولا بد فيه من كونه على الوجه الشرعي، وإلا نزع. وقوله:"بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها وخاتم قل فصه"، دفنه بهذه الأربعة أو بعضها على جهة الندب كما صرح به الشيخ الأمير، وقوله:"وخاتم"؛ أي قل ثمنه؛ أي قيمته، وكذلك ثمن المنطقة المراد به قيمتها. وعبارة الشيخ الأمير: وندب بخف وقلنسوة ومنطقة وخاتم مباح قلا قيمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: "وخاتم"، وهو مقيد بقلة الثمن أيضًا، ونسخة البساطي: وخاتم فضة بالضاد المعجمة. انتهى.

قل فصه، صفة لخاتم؛ يعني أنه إنما يدفن بالخاتم حيث قل ثمن فصه، وفص الخاتم بتثليث الفاء: جوهرته، والقلة في هذا وفي المنطقة بالنسبة للمال نفسه كما يفيده نقل أبي الحسن لا بالنسبة للمالك قاله الشيخ عبد الباقي.

(1)

غطوا بها رأسه واجعلو على رجليه الأذخر أو قال القوا على رجليه من الإذخِر. البخاري، كتاب المغازي، الحديث: 4082 ومسلم، كتاب الجنائز، الحديث:940.

ص: 181

وقد علمت أن نسخة البساطي: وخاتم فضة، قال: ومفهومه أن الذهب لا يدفن معه ولا غيره أي كالنحاس والرصاص. انتهى. نقله الشيخ إبراهيم. قال مقيد هذا الشرح: يمكن أن يكون الفص للخاتم مأخوذ من الفص الذي هو ملتقى كل عظمين، والفص الذي هو حدقة العين. والله سبحانه أعلم. لا درع، عطف على قوله:"بخف"؛ يعني أن الشهيد إذا مات ومعه شيء من آلة الحرب فإنه لا يدفن معه، وذلك كالدرع وغيرها من آلة الحرب، ولهذا قال: وسلاح، كسيف ورمح ومغفر ومهماز، وما كان من حديد، والدرع اسم لما يتقى به، وقال أشهب: تنزع عنه القلنسوة والخفاف والجبة المحشوة. اللخمي: وليس بحسن، ولبعضهم رحمه الله ناظماً لعدة الشهداء:

الحمد لله العظيم المنه

داعي العباد لدخول الجنه

ثم الصلاة والسلام سرمدا

على النبي العربي أحمدا

وآله أهل التقى والمجد

وصحبه أهل الوفا بالعهد

وبعد نحن أمة مشرفه

بجاه من له كمال المعرفة

إذ جلنا في رتبة الشهيد

كما تري في ضمن ذا التّقييد

في شهداء أمة الإسلام

فهاكهم تترى على نظام

والأصل قول سيد الأنام

لصحبه ذوي التقى الأعلام

من عندكم شهيد خلق الله

قالوا القتيل في سبيل الله

فقال في جوابه لسادتي

إذا قليل شهداء أمتي

فعد أقوا ما لهم عنايه

فهاكها في عدة الرواية

فكل من وعى على مقاله

قال بها فصح ما قد قاله

ناتي بها محذوفة الإسناد

كما رواه قدوة السداد

فعن أبي هريرة الزكي

فيما رواه مسلم التقي

أن الشهيد كل قتلى الحرب

مع الذي خالف أمر الرب

ومثله الغريق والمطعون

وميت الهدم كذا المبطون

وزاد مالك وموت النفسا

شهادة وفيه بشرى للنسا

وميت ذات الجنب في الرواية

أيضًا شهيد خص بالعناية

ومن طريق الطبراني يا فتى

وميت الطاعون حقاً مثبتا

وميت السل وحرق النار

ممن ذُكِرْ في عدة الأبرار

زاد ابن ماجه ففي روايته

موت الغريب رحمة لغربته

ومن طريق الطبراني وحده

موت المسافر شهيد عده

ومن طريق الديلمي في سند

وميت الحمى فحقق ما ورد

زاد أبو يعلى وموت من سقط

عن مركب فهو شهيد لا شطط

والطبراني له زياده

موت الرباط قد رووا شهاده

ص: 182

والمتردي وقتيل أسْدا

كذا غريق البحر نال المجدا

وزاد أصحاب السننْ الأربعة

كل روى في نقل ما قد جمعه

أن الذي يقتل دون أهله

أو ماله أو ابنه أو دمه

أو طالبا لحقه من ظالمه

فكل ذا عن الرسول قال به

وقد روى البزار حبر الأمة

بسند إلى أمير الأمة

فيمن أتى إلى إمام جائرْ

ذكَّره أمر العليم القادر

فثار فيه جوره فقتله

فهو شهيد مكرم وحق له

وما رواه الطبراني في سند

وصحح الحاكم حكم ما ورد

أن الذي وقص من بعير

أو فرس أو طاغِيِ الحمير

كذا الذي يموت حتف أنفه

من بعد ما أوى إلى فراشه

أو لدغته هامة فمات به

فالكل في حكم الشهيد قال به

وعن أبي هريرة المرضي

فيما روى ابن ماجه الزكي

موت المريض كله شهاده

فخذ رعاك الله ذي الإفادة

زاد الخطيب في الذي رواه

عن ابن عباس فلا تنساه

أن الذي عف عن المعشوق

خوفًا من الخالق لا المخلوق

وثار فيه حبه فما اعتدى

فمات فهو والشريق شهدا

وقد روى البزار بالتعيين

من مات طالباً لعلم الدين

وصحح الحاكم في روايته

التاجر الصدوق في مقالته

ومن طريق الديلمي في أثر

عن ابن عبد الله جابر اشتهر

من عاش قل مداريا للناس

مات شهيداً من خيار الناس

وعن علي المرتضى المكين

عن النبي المصطفى الأمين

من مات في سجن بغير حق

أو مات من ضرب بغير فسق

فهو شهيد خص بالعناية

وها هنا انتهت بنا الروايه

انتهى من خط من عزاه لخط الشيخ ميارة، ناقلا من خط من نقل من خط الناظم رحمهم الله تعالى. ولا دون الجل، عطف على قوله: شهيد؛ يعني أنه كما لا يغسل شهيد معترك، لا يغسل ما دون الجل من الميت، ولا يصلى عليه. قاله في المدونة. لأن في الصلاة عليه صلاة على غائب، وسيأتي أن الصلاة على الغائب مكروهة، والجل ما زاد على النصف، وفهم من كلام المصنف أن الذي يغسل ويصلى عليه أكثر البدن وهو الذي في الرسالة والمدونة، قال الخرشي وقضيته أنه

ص: 183

يصلى على ما فوق نصف الجسد ودون ثلثيه، ونص ابن القاسم على ما نقل ابن عمر يفيد أنه إنما يصلى على ثلثي الجسد أو أكثر، ولا يصلى على ما نقص عن ثلثي الجسد، وزاد على نصفه ولو كان معه الرأس. انتهى.

وقال عبد الباقي: ولا يغسل دون الجل؛ أي دون ثلثي جسد ميت، والجسد ما عدا الرأس فإذا وجد نصف جسده ورأسه لم يغسل على المعتمد، وليس المراد جل الذات لاقتضاء ذلك تغسيل من وجد نصف جسده ورأسه وليس كذلك. ابن رشد: والعلة في ترك الصلاة على بعض الجسد عند مالك وأصحابه أن الصلاة لا تجوز على الغائب، واستخفوا إذا غاب اليسير منه: الثُّلث فدونه. انتهى. وقوله: فإن وجد نصف جسده ورأسه إلخ، فيه نظر فإن عدم الغسل في هذا إنما نقله في التوضيح على وجه يقتضي أنه مقابل للمشهور الذي هو غسل الجل. انتهى. لكن قال الرهوني: إن الصواب ما قاله الزرقاني، وإن ابن عرفة صرح بأن ما قاله أشهب وفاق للمدونة، ولقول ابن القاسم في سماع موسى: وإن المراد بالجل في كلام المدونة الثلثان فأعلى. انتهى.

وعلم مما قررت أن النهي في قوله، "ولا دون الجل"، على الكراهة. وقال ابن حبيب: يصلى على العضو الواحد بعد تغسيله، وقال عبد الملك: يصلى على الرأس إذا وجد. وقد مر أن قوله: "ولا دون الجل"، معطوف على:"شهيد"، وهذا على أن "دون" تتصرف؛ وهو لغة قليلة، ويحتمل أن المعطوف موصول محذوف؛ أي ولا ما دون الجل.

ولا محكوم بكفره؛ يعني أن الذي حكم الشرع بكفره كزنديق وكتابي ومرتد عن ملة الإسلام إلى غيرها ونحوهم، لا يغسل ولا يصلى عليه والنهي على سبيل التحريم. وإن صغيراً ارتد؛ يعني: أن الصغير المميز إذا ارتد ومات على ردته، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان لا يقتل قبل البلوغ، فإذا بلغ واستمر على ردته قتل. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

وفي المدونة: ومن ارتد قبل البلوغ لم تؤكل ذبيحته، ولا يصلى عليه ورد المصنف بالمبالغة قول سحنون: يصلَّى على من ارتد قبل البلوغ.

أو نوى به سابيه الإسلام؛ يعني أن من سبى صغيرا من أهل الكتاب، ونوى به الإسلام فمات ذلك الصغير قبل أن يجيب إلى الإسلام لا يغسل ولا يصلى عليه، وقال ابن وهب: إذا سباه

ص: 184

سيده ونوى به الإسلام فإنه يكون بذلك مسلما ويغسل ويصلى عليه، وفي الخرشي والشبراخيتي: أنه لا مفهوم لقوله: "سابيه"، فلو قال: أو نوى به مالكه الإسلام ليشمل ما ولد لمسلم من عبْدَيْه الكتَابيَّين، وما اشتُرِيَ ممن قدم إلينا بأمان لكان أولى. وقوله:"أو نوى به سابيه الإسلام"، معناه نوى إدخاله في الملة الإسلامية، كما يفيده ما يأتي. والله سبحانه أعلم.

قال جامعه عفا الله عنه: وجعلت كلام المصنف في الكتابي مميزا أم لا، وإن كان ظاهره العموم ليلتئم مع ما يأتي من قوله: وحكم بإسلام من لم يميز لصغر بإسلام سابيه، والحاصل أن الصغير المجوسي يحكم بإسلامه لإسلام سابيه، فيغسل ويصلى عليه إذا مات قبل الجبر، والصغير الكتابي لا يحكم بإسلامه إذا مات قبل الجبر، فلا يغسل ولا يصلى عليه.

قال الشيخ محمد بن الحسن بعد جلب أنقال: فتحصل أن الصغير الذي يجبر إذا مات قبل الجبر فالراجح أنه محكوم بإسلامه، والراجح في الكتابي أنه لا يجبر لرواية ابن القاسم فيها فهو محكوم بكفره، وعليه يحمل المصنف كما قرره الحطاب. انتهى. ويتحصل من كلام الخرشي هنا: أن الصغير الكتابي في جبره على الإسلام وعدمه أربعة أقوال: عدم الجبر لمالك وابن القاسم، وقيل: بالجبر مطلقاً، وقيل: إن لم يُسْبَ معه أبواه وإن فرقت بينهما الأملاك، وقيل: إن لم يسب معه أحدهما ما لم تفرقهما الأملاك. وعلى الجبر فهل هو محكوم له بالإسلام، أو حتى ينويه سابيه، أو حتى ترتفع عنه حداثة الملك، أو يزيا بزي الإسلام، أو حتى يجيب إليه بعد البلوغ أو بعد عقله الإجابة ببلوغه الإثغار؟ أقوال خمسة.

واتفق على جبر صغير المجوس، فإن مات قبل الجبر فعلى ما تقدم من الأقوال الخمسة في صغير أهل الكتاب، وفي جبر كبير المجوس قولان، ولا خلاف في عدم جبر كبير أهل الكتاب. انتهى. وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: أن محل الخلاف في الصغير الكتابي حيث لم يعقل دينه، فإن عقله لم يجبر ولا نص يخالف ذلك، وقد تقدم له أن الراجح عدم الجبر، وإذا تأملت كلام المصنف هنا وفيما يأتي علمت أن فيه تدافعا بحسب ظاهره؛ لأن ظاهره هنا العموم في الصغير الكتابي وغيره وكذلك ما يأتي له، فإما أن يحمل كلامه هنا أنه مشى على قول، وفيما يأتي على قول آخر حيث أبقيناه على ظاهره في الموضعين لكن يلزم منه أنه مشى على غير المشهور في

ص: 185

الموضعين مع أنه بصدد ما تجب به الفتوى، وإما أن يحمل كلامه هنا على الصغير الكتابي مميزا أم لا، وفيما يأتي على الصغير المجوسي وهذا هو الأحسن وهو الذي قررته به، أولاً؛ والله سبحانه أعلم. إلا أن يسلم؛ يعني أن الصغير الكتابي إذا مات قبل البلوغ لا يغسل ولا يصلى عليه، إلا إذا أسلم؛ أي أجاب إلى الإسلام بالفعل ويدخل فيه طائعا، فإنه يغسل ويصلى عليه لكونه مسلما تندب له الصلاة، وتجب الزكاة في ماله. كأن أسلم، ما تقدم في المسبي وما هنا إذا لم يسب؛ يعني أن الصغير إذا أسلم من غير سبي -والحال أنه نفر من أبويه الكافرين- ومات، فإنه يغسل ويصلى عليه، ولا مفهوم لهذا القيد؛ إذ لو أسلم وبقي بدار الحرب حتى مات غسل أيضًا. قوله:"كأن أسلم ونفر من أبويه"، هذا هو الذي صححه بعضهم، وقيل: لا يغسل ولا يصلى عليه. قاله الشارح.

وبما قررت علم أن قوله: "كأن أسلم" إلخ، لا فرق فيه بين الكتابي وغيره. وإن اختلطوا غسلوا وكفنوا؛ يعني: أنه إذا مات مسلمون وكفار واختلطوا، كما لو ماتوا في وباء أو غرقوا في سفينة، فإنهم يغسلون جميعًا ويكفنون ويدفنون بمقابر المسلمين، كان المسلمون أكثر أو الكفار أو استووا. وميز المسلم بالنية في الصلاة؛ يعني أن هؤلاء المسلمين والكفار الذين اختلطوا يغسلون جميعًا ويفعل بهم جميعًا ما يفعل بموتى المسلمين، إلا أنه ينوى المسلمون بالصلاة دون الكفار، وإنما غسل الجميع مع حرمة تغسيل الكفار والصلاة تعظيماً للمسلمين، كما أنهم يدفنون في مقابر المسلمين -كما مر- تغليباً للمسلمين، ومئونة غسلهم ودفنهم من بيت المال إن كان المسلم منهم فقيرا لا مال له، وأما إن كان له مال سواء كان معه أم لا فإن مؤنة جميعهم تؤخذ من مال المسلم، لقول ابن عرفة: وصلي عليهم ونوي المسلمون والنفقة عليهم أي على المسلمين المختلطين مع الكفار الذين ميزوا بالنية في الصلاة. قاله الرماصي. فإن اختلط كفار بمسلم لا يغسل كشهيد معترك، لم يغسل أحد منهم، ودفنوا بمقبرة المسلمين تغليباً لحق المسلم، فإن اختلط مسلم يغسل بشهيد معترك، غسلوا وكفنوا مع دفنهم بثيابهم احتياطاً في الجانبين وصلي عليهم، وهل يميز غير الشهيد بالنية أم لا؟ لأنه قد قيل بها على الشهيد. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: إذا وجد ميت لا يعرف، غسل وصلي عليه إن وجد ببلد لا يدخلها كافر غالباً كالمدينة المنورة على ساكنها

ص: 186

أفضل الصلاة والسلام، إلا أن يكون عليه زي كفار كما يفيده ابن عرفة وابن فرحون، وينبغي إلا أن يكون صغيراً فيغسل، فإن وجد ببلد يدخلها الكفار غسل وصلي عليه إن كان صغيراً ولو وجد بكنيسة عليه زي كافر، كما قاله ابن القاسم وغيره، لا كبير وجد بها ولو عليه زي مسلم لكنَّه يوارى، والفرق أن الصغير المنبوذ يجبر على الإسلام. قاله التتائي. قوله: ولو عليه زي مسلم لكنَّه يوارى، فيه شيء، بل متى كان عليه زي مسلم يعلم به كونه مسلماً فإنه يصلى عليه، قاله الشيخ علي الأجهوري. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: ولو وجد بكنيسة إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: ظاهر ما نقله المواق عن ابن القاسم أن من جُهِلَ دينه ووجد ميتا لا يصلى عليه، يشمل الصغير والكبير خلاف ما في الزرقاني، لكن وجدت في البيان في موضع آخر من الجنائز ما ظاهره يفيد هذا التفصيل، ونص السماع: وسألته أي ابن القاسم، هل يصلى على المنبوذ إذا مات قبل أن يَعْرِفَ الصَّلاةَ وفي البلد يهود ونصارى؟ قال: نعم يصلى عليه؛ لأن السنة ألحقته بأحرار المسلمين في تمام عقله على عاقلته. ابن رشد: هذا كما قال؛ لأنه على دين من التقطه. زاد ابن حبيب: وإن وجد في كنيسة، وإن كان عليه زي النصراني إذا كان في جماعة المسلمين، وذلك بخلاف الكبير يوجد ميتا، والغريب يموت ولا يعلم أنه كان مسلماً فلا يصلى عليه وإن كان مختونا. انتهى. وظاهره يشمل من مات بعد التقاطه ومن وجد ميتا، وبذلك صرح ابن عرفة عن ابن حبيب. انتهى. قوله: وإن كان مختونا؛ يعني لأن اليهود وبعض النصارى تختتن. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن اختلطوا غسلوا وكفنوا" إلخ، قاله ابن القاسم في سماع عيسى من العتبية، ونحوه لسحنون، ومثله لأشهب. قاله الشارح. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وإذا مات تحت هدم مسلم وكافر، واختلطوا ولأحدهما مال لا يعلم مالكه، غسلا وكفنا منه، وصلي عليهما بنيَّة المسلم، ووقف المال، فإن استحقه وارث أحدهما جبر له ما كفن به الآخر إن كان مسلما من بيت المال، وإن ادعاه ورثتهما ولا بينة حلفا وقسم بينهما. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله جبر له ما كفن به الآخر إن كان مسلما من بيت المال، صحيح إن كان المسلم فقيرًا وإلا جبر من ماله. ولا سقط؛ يعني أن السقط لا يغسل كراهة ولا يصلى عليه كراهة، وإنما كرر هذه المسألة ليرتب عليها ما بقي من أحكام المنفوس، والسقط هو الذي لم يستهل؛ أي لم يصرخ عند ولادته،

ص: 187

ولا وجد منه علامات الحياة، وأفهم كلامه أن الصراخ دليل الحياة ولو كان خفيا؛ وهو كذلك كما نص عليه ابن عرفة، فيغسل حينئذ ويصلى عليه. ولو تحرك؛ يعني أن المولود الذي لم يستهل إذا تحرك حركة قوية فإنه لا يحكم له بالحياة بسبب ذلك، فلا يغسل ولا يصلى عليه لأنه يتحرك في البطن وقد يتحرك المقتول، وإنما قيدت الحركة بالقوية لأنها هي محل الخلاف، وأما الحركة الضعيفة فلا تعتبر اتفاقاً. قاله الشيخ إبراهيم.

وعلم مما قررت أن قوله: "لم يستهل"، وصف كاشف لأنه إذا استهل لا يكون سقطا. قاله الشيخ إبراهيم. والسقط مثلث السين -كما مر- أو عطس؛ يعني أن العطاس لا يكون دليلاً على حياة المولود، فلا يغسل ولا يصلى عليه من أجل أنه عطس؛ لأن العطاس يكون من الرِّيح. أو بال؛ يعني أن المولود إذا بال فإن ذلك لا يكون دليلاً على حياته ولو كثر ذلك منه؛ لأنه قد يكون من استرخاء المواسك؛ وانظر لو اجتمع اثنان من الثلاثة، أو حصلت هي كلها. أو رضع من باب ضرب وعلم؛ يعني أن المولود إذا رضع يسيراً فإن ذلك لا يكون دليلاً على ثبوت الحياة التي يغسل ويصلى عليه من أجلها، وأما لو رضع كثيرًا فيعتبر اتفاقاً. اللخمي: اختلف في الحركة والرضاع والعطاس، فقال مالك: لا يكون له بذلك حكم الحياة، وعارضه المازري بأنا نعلم يقيناً أنه محال بالعادة أن يرضع الميت، وأجاب المواق بما حاصله أنه محكوم له بحكم الميت لا أنه ميت حين رضاعه حقيقة، قاله الشيخ بناني.

وقد مر أن الرضاع الكثير دليل على الحياة المعتبرة، والظاهر أنه ما يقول أهل المعرفة إنه لا يقع مثله إلا ممن فيه الحياة المعتبرة. إلا أن تتحقق الحياة؛ يعني أن الولد محل كونه لا يغسل ولا يصلى عليه إنما هو حيث لم تتحقق حياته، وأما لو تحققت حياته وإن مات فورا كما لو صرخ ولو خفيا -كما مر- أو رضع كثيرًا -كما مر- أو طالت مدته طولا لا يبقى معه إلا حي سالم من الإشكال، فإنه يغسل ويصلى عليه، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: إلا أن يتحقق استمرار الحياة؛ لأن المعتبر هنا استمرار الحياة لا الحياة المستقرة، والمعتبر في الذكاة الحياة المستقرة حالة الذبح. قاله الشبراخيتي، والخرشي. وغسل دمه؛ يعني أن السقط إذا عدمت منه علامات الحياة

ص: 188

-وقلنا إنه يكره تغسيله والصلاة عليه- فإنه يغسل دمه، قال الشيخ عبد الباقي: وجوباً كذا يظهر، وقال الخرشي: يغسل دمه عنه استحباباً.

وعلم من هذا أن المنفي إنما هو التغسيل الذي هو كغسل الجنابة إجزاء وإكمالا، وأما غسل الدم عنه فهو إما مندوب أو واجب. كما ذكرت لك. ولف بخرقة؛ يعني أنه يجب أن يلف السقط الذي لم يستهل بخرقة، ومعنى لفه بخرقة ضمها عليه وستره بها. وووري؛ يعني أن السقط يجب أن يوارى؛ أي يدفن. ولا يصلى على قبر؛ يعني أن الميت إذا دفن في قبره فإنه لا يصلى عليه كراهة حيث دفن بصلاة؛ لأن تكرار الصلاة على الميت مكروه. قاله الشيخ بناني.

قال مؤلفه عفا الله عنه: ويرد على ما قال أنه لو صلى عليه فذ لا تكره الصلاة على قبره؛ وهو خلاف ظاهر ما قالوه هنا، وصرح عبد الباقي والشبراخيتي بالمنع، ونازع بناني في ذلك وقال بالكراهة، وعلل بما ذكرت لك. إلا أن يدفن بغيرها؛ يعني أن الميت إذا دفن بغير صلاة فإنه ينبش ويخرج ما لم يخف تغيره ويصلى عليه كما مر، وأما إذا خيف تغيره فإنه يصلى عليه وهو مدفون في قبره وجوباً ما لم يطل، حتى يغلب على الظن فناء الميت، أو يذهب منه الميت كأكل السبع له. وقوله:"إلا أن يدفن بغيرها"، كذا في المدونة والرسالة؛ وهو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: لا يصلى عليه.

ولا غائب، عطف على "قبر"؛ يعني أنه تكره الصلاة على الميت الغائب كغريق، وأكيل سبع، وميت بمحل غائب، ونحوهم. قال الشيخ عبد الباقي: وأما صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي، فمن خصوصياته برفع الأرض [له]

(1)

، وعلم موته ونعاه لأصحابه وخرج معهم فأمهم، وصلى عليه قبل أن يوارى، ولم يفعل ذلك بعده أحد، ولا صلى أحد على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ووري، وفي الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أعظم رغبة، فدل ذلك على الخصوص. انتهى. قوله فمن خصوصياته برفع الأرض له إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذان جوابان جعلهما جوابًا واحدًا، وبيانهما أن تقول: الجواب الأول أنه من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، والآخر أن صلاته عليه لم تكن على غائب لرفعه له صلى الله عليه وسلم حتى

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من عبد الباقي، ج 2 ص 112.

ص: 189

رآه، فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها. انظر ابن حجر. ورد ابن العربي الجوابين معًا بأن كلا من الخصوصية والرفع يفتقر لدليل ولم يوجد، وما قدمته من كراهة الصلاة على الغائب هو للشَّيخ عبد الباقي، وقال الشيخ إبراهيم: المعتمد المنع واستدل على ذلك بقول ابن رشد: لا تجوز الصلاة على الغائب عند مالك وأصحابه، ونحو ما للشَّيخ عبد الباقي للشَّيخ الخرشي، قال: وما قلناه أن النهي للكراهة هو مقتضى كلام الزرقاني، لكن تقدم عن الأجهوري أنه اعترضه؛ بأن ابن رشد قال: لا تجوز الصلاة على الغائب عند مالك وأصحابه. انتهى. وقوله: ولا غائب. "قال الشارح: هو ظاهر الذهب. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إذا استوقن أن شخصا غرق أو قتل أوأكلته السباع ولم يوجد منه شيء، فإنه يصلى عليه. انتهى. ولا تكرر؛ يعني أنه يكره أن تكرر الصلاة على الميت إلا فيما إذا أعيدت بإمام بعد أن صلي عليه بغير إمام، وهذه مكررة مع ما مر، وقد استُوفِيَ الكلام عليها هناك. وقال غير واحد: ما مر فيمن قبر وما هنا فيمن لم يقبر، أو أن هذا من التكرير وهو كون المصلي ثانيًا هو المصلي أولاً، وما مر من التكرار وهو كون المصلي ثانيًا غير المصلي أولاً، وهذا على أحد قولين في الفرق بين التكرار والتكرير، والقول الثاني عكس ذلك.

قال مؤلفه عفا الله عنه: انظر هذا التفريق، فالذي يظهر أنه لا فائدة فيه. والله سبحانه أعلم. والأولى بالصلاة وصي؛ يعني: أن الأحق بأن يكون إمامًا في الصلاة على الميت كان أوصى الميت أن يكون إمامًا في الصلاة عليه؛ لأن ذلك من حقه وهو أعلم بمن يشفع له؛ أي هو أحق بالإمامة من الولي وذي السلطان.

وعلم مما قررت أن المراد بالوصي من أوصى الميت أن يصلي عليه إمامًا، ومحل كون الوصي أولى بالإمامة إنما هو حيث رجي خيره، صفة مشعرة بالتعليل؛ يعني أن محل كون الوصي أحق بالإمامة من الولي إنما هو إذا أوصي بأن يكون إمامًا لرجاء خيره، واحترز بذلك عما إذا أوصى بإمامته ليغيظ الولي فإنه لا تنفذ وصيته بذلك لعدم جوازها، والولي أحق حينئذ بالإمامة إن رجي خيره أيضا وإلا قدم الوصي. قاله غير واحد. مالك: إن علم أن ذلك من الميت لإغاظة وليه ذي الدين والفضل لعداوة بينهما قدم الولي حينئذ.

ص: 190

ومما قررت به قوله: "والأولى"، من أن معناه الأحق علم أنه يقضي له به، وليس المراد أنه مندوب كما لو أوصى أن يدفن بمكان فيجب أن يتبع، فلو دفن في غيره نقل ما لم تنتهك حرمته على ما تقدم، قاله الخرشي. ثم الخليفة؛ يعني أن الميت إذا لم يكن أوصى لأحد فإن الأحق بالصلاة عليه إمامًا هو الخليفة، والخليفة، هو أمير المؤمنين؛ أي فهو أحق بالصلاة إماما من الولي، لخبر: (لا يُؤَمُّ الرجل في سلطانه

(1)

). لا فرعه؛ يعني أن فرع الخليفة أي نائبه لا يكون أحق بالإمامة من الولي في الصلاة على الميت، وذلك كالأمير والقاضي ونحوهما. إلا مع الخطبة؛ يعني أن نائب الخليفة محل كونه لا يكون أحق بالإمامة من الولي إنما هو حيث لم يكن مولى على خطبة الجمعة وإمامتها، وأما إن كان مولى على إمامة الجمعة مع شيء آخر من أمور المسلمين فإنه يكون أحق بالإمامة من ولي الميت، فالقاضي مثلاً إنما يكون أحق بالإمامة من الولي إذا وكله الإمام على أن يكون إمامًا في الخطبة يخطب أي يتولى ذلك بنفسه، فإن وكل شخصا على صلاة الجمعة وخطبتها فإنه لا يكون أحق من الولي، ومثل القاضي غيره من النواب -كما قررت-.

فالحاصل أنه لا بد في الأحقية من اجتماع شيئين: التوكيل على إمامة الجمعة وخطبتها، مع التولية لأمر آخر كالقضاء والإمارة ونحوهما، فإن لم يكن إلا التوكيل على الإمامة فقط أو النيابة في غيرها فقط فلا يكون أحق من الولي بل الولي أحق منه. والله سبحانه أعلم. وقوله:"إلا مع الخطبة"، قال الشيخ عبد الباقي ما معناه: ظاهر تقريرهم أن المراد مباشرة إمامة الجمعة وخطبتها؛ لأن المراد توليته للغير كقاضي مصر، ويحتمل أنه مقدم. انتهى. وما مشى عليه المصنف من اشتراط اجتماع الأمرين المذكورين هو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقيل: من له الخطبة والصلاة أولى من الولي وإن لم يكن إليه حكم، وقيل: إن القاضي أحق بها من الأولياء وإن لم تكن الصلاة إليه، وقيل: لا حق لواحد منهم سوى الأمير الذي تؤدى إليه الطاعة. قاله مطرف وابن الماجشون. قاله الحطاب.

ثم أقرب العصبة؛ يعني أنه إذا لم يوجد وصي ولا خليفة ولا نائبه بشرطه، فإن الأحق بالصلاة على الميت إمامًا أقرب أوليائه كما في ولاية النكاح، فيقدم ابن فابنه، واستحب اللخمي أن يقدِّمَ

(1)

مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، الحديث:673. ولفظه: ولا يؤمن الرجل الرجلَ في سلطانه.

ص: 191

ابنُ الميت أباه، وأخوه جَده كصلاة الفرض، وما في شرح عبد الباقي عن البساطي قصور. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وهل محل تقديم أقرب العصبة على من بعده إن باشره؟ ورجحه ابن يونس أو ولو أراد التوكيل، ورجحه ابن رشد قولان، وعلى الأول فإن امتنع من التقدم بنفسه وأراد تقديم غيره انتقل الحق لمن بعده، وظاهر كلام المصنف أن أقرب العصبة أحق ولو كان عبداً؛ وهو مختار ابن محرز. وفي السليمانية: لا يتقدم إلا أن يكون الذين معه عبيدا، واستدل ابن محرز بأن رب المنزل إذا كان عبداً يؤم من غشيه، وقال التتائي: وظاهر كلام المؤلف أن العاصب يقدم في الرقيق على سيده، وظاهر قول ابن الحاجب: ترتيب الولاية كالنكاح أن السيد يقدم، فانظره. انتهى. وتعقبه بعضهم بأن قول ابن الحاجب: كالنكاح، مراده أن الأخ وابنه مقدمان على الجد، لا ما فهم التتائي. انظر الخرشي. وهل يجري القولان المتقدمان في الأقرب من العصبة فيما إذا أراد التوكيل في الخليفة أم لا قاله الشيخ عبد الباقي.

قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن الخليفة أحق مطلقا باشر أو أراد التوكيل. والله سبحانه أعلم. وقوله: "ثم أقرب أولياء العصبة"، فإن تساووا في القرب من الميت فكالإمامة؛ أي فيقدم الأفضل فالأفضل ثم القرعة. وقد مر في الجماعة:"ثم زائد فقه ثم حديث" إلخ، وقوله:"وإن تشاح متساوون لا لكبر اقترعوا"، وإلى تقديم الأفضل أشار بقوله: وأفضل ولي؛ يعني أنه إذا تعدد ولي جنازة واحدة أو أكثر فإنه يقدم أفضلهم بزيادة فقه أو حديث أو غيرهما من المرجحات المتقدمة في فصل الجماعة، ويندب تقديم أب وعم مفضولين على ابن وابن أخ، فإن تساووا في العلم والسن فأحسنهم خلقًا، لخبر: (إن المرء ليبلغ درجة القائم بالليل الصائم بالهواجر بحسن خلقه

(1)

)، فإن تساووا في المراتب وتشاحوا أقرع، كما مر قريبًا.

ولو ولي المرأة؛ يعني أنه إذا اجتمع جنازتان أو أكثر فإنه يقدم أفضل الأولياء حيث كان الأموات ذكورا فقط أو إناثاً فقط اتفاقاً، وكذا لو كان الميتان ذكراً وأنثى أو كان الأموات ذكورا وإناثا، فإنه يقدم أفضل أوليائهم ولو كان الأفضل ولي الأنثى منهما أو منهم، ولا يكون ولي الرجل أحق منه

(1)

بلغني أن المرء ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل الظامئ بالهواجر. الموطأ، كتاب حسن الخلق، الحديث:1675. وأبو داود، كتاب الأدب، الحديث: 4798.

ص: 192

بالإمامة حيث كان ولي الرجل مفضولا، فالمعتبر فضل الأولياء لافضل الجنائز. هذا هو الأصح، والمنقول عن مالك. ورد المصنف بلو على ابن الماجشون القائل: يقدم ولي الرجل ولو كان مفضولا اعتبارا بفضل الميت، واحتج بتقديم الحسين بن علي رضي الله عنهما حين ماتت أم كلثوم بنت علي امرأة عمر وابنها زيد في آنٍ واحد، وصلي عليهما معاً، فكان فيهما خمس سنن: لم يورّثا، وحُمِلا معاً، وجعل الغلام مما يلي الإمام، ودفنا في قبر واحد، وجعل الغلام مما يلي القبلة. فقدم الحسين عبد الله بن عمر للصلاة عليهما؛ لأنه أخو زيد. ابن رشد وغيره: لا حجة في القضية المذكورة، وإنما تحصل الحجة لو كان المقدم لعبد الله غير الحسين كالخليفة أو غيره من الصحابة، وإلا فالحسين لكماله في الفضل يرى لعبد الله فضلاً عليه ولا يرى لنفسه فضلاً، ويحضر في باله حينئذ سن ابن عمر وشهادته له عليه الصلاة والسلام بالصلاح، وحضوره المشاهد في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، وزهده في الخلافة بعد أن عرضت عليه مرتين. انتهى. وصلى النساء دفعة؛ يعني أنه إذا لم يوجد من يصلي على الميت إلا النساء، فمذهب المدونة أنهن يصلين عليه أفذاذا دفعة أي في آن واحد من غير ترتب، ولا ينظر لتفاوتهن في التَّكبير ولا يسبق بعضهن بعضا بالتسليم، وهذا القول هو الأصح. قاله الأمير.

وصحح ترتبهن أيضًا؛ يعني أنه قيل: إن النساء إذا لم يوجد غيرهن فإنهن يصلين أفذاذا واحدة بعد واحدة وهو المراد بترتبهن، وصحح هذا القول ابن الحاجب وغيره، ورد بأنه تكرار للصلاة عليه وهو خلاف المذهب، وبأنه يؤدي إلى تأخير الميت، والسنة التعجيل. قاله الشارح وغيره. وقيل: تؤمهن واحدة منهن كما نقله اللخمي عن أشهب؛ لأنه محل ضرورة أو مراعاة لما يقوله ابن أيمن من جواز إمامة المرأة النساء، وعلى القول بأنهن يصلين أفذاذا دفعة، الذي هو الأصح إذا فرغن من الصلاة ثم قدمت واحدة، فيكره لها أن تصلي بعدهن، وإذا صلى النساء أفذاذا دفعة فإنه يستحب إعادتها جماعة إذا وجد الرجال. كما مر.

والقبر حبس؛ يعني أن القبر الكائن في ملك الميت المدفون فيه أو في ملك غيره بإذنه أو في الصحراء حبس على الميت وعلى من دفن به؛ أي له حكم الحبس، فلا يجوز أخذ حجارة القبور العافية لبناء مسجد أو قنطرة، ولا كراهة في بناء المسجد على المقبرة العافية، قاله الشبراخيتي،

ص: 193

ونحوه للخرشي وزاد: قاله ابن القاسم؛ لأن ما هو لله لا بأس أن يستعان ببعضه في بعض مما نفعه أكثر. انتهى.

وفي الحديث: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد

(1)

)، وفيه: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد

(2)

)، وهذا النهي إنما هو مخافة أن تعبد، كما اتفق لمن سلف قبل هذه الأزمنة، فلا حرج إلا من ناحية نبش القبور خاصة كما في المعيار، وقد أباحوا بناءها على الداثرة دون الجديدة؛ لأنه يخاف في الجديدة نبش العظام، وذلك لا يجوز. انظر الرهوني.

قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: علم من هذا أن النهي في الجديدة إنما هو فيمن بنى على القبر، لا إن كان المسجد بناحية خارجة عن القبر، فمعاذ الله أن يقول أحد بكراهة ذلك أو حرمته؛ لأن مسجد النبيِّ صلى الله عليه وسلم مجاور لقبره الشريف وقبري الشيخين، وقد علمت أيضًا أن اتخاذ المسجد على القبر دون حفر يصل إلى موضع العظام جائز ولو جديداً، كما نقله الرهوني عن المعيار. وبالله تعالى التوفيق.

وقوله: "والقبر حبس"؛ يعني بمجرد وضع الميت فيه فلا يباع ولا ينتفع به، ولو نقل منه الميت أو بلي، فقوله:"حبس"؛ أي حبس على الدفن والميت، فلا ينبش ما دام به، وإن نبش أو نقل منه فلا يستعمل إلا في الدفن، وعبارة الشيخ الأمير: والقبر حبس على الدفن، فإن نقل منه أو بلي لم يتصرف فيه بغير الدفن. انتهى. وقوله:"حبس"؛ يعني في غير قبر السقط، وأما قبر السقط فليس حبسا لكن يكره الانتفاع به. قاله ابن عرفة. وعبارة الشبراخيتي: والقبر حبس على من دفن به. انتهى. وفي الحطاب عن المدخل: اتفق العلماء على أن الموضع الذي يدفن به المسلم وقف عليه ما دام منه شيء موجود فيه حتى يفنى، فإذا فني فحينئذ يدفن فيه غيره، فإن بقي شيء مَّا من عظامه فالحرمة قائمة لجميعه، ولا يجوز أن يحفر عليه، ولا يدفن معه غيره، ولا يكشف عنه اتفاقاً، إلا أن يكون موضع قبره قد غصب. انتهى.

(1)

البخاري، كتاب الصلاة، الحديث:435. ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، الحديث: 531.

(2)

الموطأ، كتاب قصر الصلاة في السفر، الحديث:416.

ص: 194

لا يمشي عليه؛ يعني أن القبر لا يمشي عليه كراهة، وهذا إذا كان مسنما والطريق دونه ودام به، وإلا جاز المشي عليه ولو بنعل كما قال ابن ناجي، وظاهره: ولو كانت النعل متنجسة. ابن ناجي: ويجوز الجلوس عليه أيضًا أي عند انتفاء القيدين المذكورين، وما ورد من النهي عن الجلوس عليه محمول على الجلوس لقضاء الحاجة. المازري: كذا فسره مالك، وروي ذلك مفسراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان علي رضي الله عنه يتوسدها ويجلس عليها. انتهى. الخرشي: قال ابن حبيب: يكره الدخول إلى المقابر بالنعال، ولا يكره بالخفاف. انتهى. وكره الشافعي أن يجلس على القبر، أو يطأه، أو يتكلم للنهي المذكور، قاله الحطاب. وفي الشبراخيتي: وانظر مشي الدواب على القبور. انتهى. وفي الحطاب: عن ابن ناجي: ويجوز المشي على القبور بالنعل وغيره، ولا يحتاج أن يكون عليه سراويل. والله أعلم. انتهى. وقال ابن العربي: يكره أن تتخذ القبور وطناً، وإذا لم تتخذ وطناً فأحرى أن لا تتخذ منزلا. انتهى.

ولا ينبش؛ يعني أنه يحرم نبش القبر، فالنهي في المشي على سبيل الكراهة، وفي النبش على سبيل التحريم، وقوله:"ولا ينبش"؛ يعني إلا للنقل بشروطه المتقدمة، وإلا في الأمور الآتية: ما دام به، راجع للنفيين؛ يعني أن محل كراهة المشي على القبر وحرمة نبشه إنما هو ما دام به الميت؛ أي ظن دوام شيء من عظامه بالقبر غير عجب الذنب. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: وهذا قيد في النفيين فقط، لا لقوله:"حبس"؛ إذ هو حبس أيضًا إذا لم يبق به إلا عجب الذنب، فلا يجوز بناؤه دارا ولا حرثه لزراعة، وإنما يجوز نبشه للدفن فيه حينئذ لعدم منافاته لكونه حبسا. انتهى. وقوله:"ما دام به"؛

علم مما قررت أن عجب الذنب غير مانع من المشي عليه، ونبشه للدفن فيه، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وقد سئلت عن تربة درست وصارت طريقا منذ ثلاثين سنة، ويريد شخص أن يبنيها بيتاً للسكنى، فهل يجوز؟ فأجبت بأنه: لا يجوز أي يحرم، ففي الطراز: سئل ابن عات عن مقبرة لها أربعون سنة لم يدفن فيها، فهل يجوز جعلها مساكن؟ فأجاب بأنها حبس. وقول ابن عبد السلام: وقع في كلام أهل المذهب عن بعضهم أنه يجوز حرث البقيع بعد عشرة أعوام

ص: 195

ضعيف، كما كتبه الوالد بطرة الشارح. وقال الإمام: موضع القبر لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به. انتهى.

واعلم أن الإنسان كله يفنى إلا عجب الذنب، وفي بقائه دون سائر الجسد سر لا يعلمه إلا الله عز وجل.

وقد مر أنه يجوز للشخص أن يعد الكفن قبل موته، وأن يحفر قبرا بملكه، وإن احتاج إليه انتفع به، وما تقدم من تفسير "دام": بظن، هو لعبد الباقي كما عرفت. وقال الأمير عند قوله:"ما دام"، ويكفي في ذلك غلبة الظن، ونحوه للخرشي. قال: وهذا يختلف باختلاف الأراضي. وسئل ابن رشد عمن دفن أربعة أولاد في مقبرة من مقابر المسلمين، فلما كان بعد عشرة أعوام من دفنه إياهم غاب الرجل عن البلد، فجاء الحفار فحفر على قبور أولئك الأطفال قبرا لامرأة دفنها فيه، ثم جاء الوالد من سفره بعد دفن المرأة بثلاثين يوما ولم يجد لقبور بنيه أثرا غير قبر المرأة، فأراد نبشها وتحويلها إلى موضع آخر ليقيم قبور بنيه على ما كانت؟ فأجاب: لا يجوز أن ينبشها، ولا أن ينقلها عن موضعها، ولا يحل له ذلك؛ لأن حرمتها ميتة كحرمتها حية، فلا يحل له أن يكشفها ويطلع عليها وينظر إليها ولو كان ذا محرم منها لَمَا ساغ له ذلك بعد هذه المدة؛ إذ لا يشك في تغيرها فيها. وبالله التوفيق. قاله الإمام الحطاب.

إلا أن يشح رب كفن غُصِبَه، بالبناء للمجهول والنائب ضمير يعود على الكفن، والضمير البارز عائد على رب الكفن؛ يعني أن القبر لا يجوز نبشه ما دام به الميت إلا أن يكون الميت مكفنا بكفن مغصوب غصبه الميت أو غيره. وشح رب الكفن؛ أي ضن بأن يترك الكفن للميت، فإنه حينئذ ينبش إن كانت لربه بينة عليه أو صدقه أولياء الميت، ولم يطل ولم يروح، وأما إذا طال بحيث يعلم فساد الكفن، أوأروح أي أنتن فلا ينبش، وليس لرب الكفن إلا قيمته لأنه حينئذ تبيّن أنه ما قصد إلا الضرر. وقوله:"غصبه"، وأما لو غصب ثمنه أو مطله بثمنه فلا يسوغ له ذلك.

وتحصل مما تقدم أنه لا يجوز أن يحفر عن الميت، ولا أن يدفن معه غيره، ولا أن يكشف عنه ما دام شيء منه في القبر غير عجب الذنب، وأنَّه إن فني كله غير عجب الذنب جاز أن ينبش للدفن فقط. أو قبر، عطف على"كفن"، وقوله: بملكه، صفة لقبر؛ يعني أنه يجوز نبش القبر

ص: 196

فيما إذا حفر لإنسان قبر بمكان يملكه الغير بغير إذن ذلك الغير، وشح رب المكان؛ أي لم يترك القبر للميت، فينبش ليخرج منه الميت. ابن بشير: إلا أن يطول، فقال ابن أبي زيد: له الانتفاع بظاهر أرضه. انتهى. أي ولا يخرج. ونقل في التوضيح عدم إخراجه مع الطول عن ابن هارون؛ وهو خلاف ما لابن رشد من إخراجه وإن طال. وأشار ابن عرفة لذلك بقوله: ومن دفن في ملك غيره بغير إذنه، ففي إخراج المالك له مطلقا، أو إن كان بالفور نقلا ابن بشير واللخمي. الشيخ: إن طال فله الانتفاع بظاهر أرضه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

أو نسي معه مال، هو أيضا مما استثني من النبش، فهو عطف على "يشح"؛ يعني أنه يجوز نبش القبر أيضا فيما إذا نسي مع الميت مال، كثوب سجي به الميت أو خاتم أو دنانير أو غير ذلك، فينبش إن كان للغير نفيسا أم لا، كثيرا أم لا، أو للميت، وشح الورثة؛ وهو نفيس أو كثير ولم يطل ولم يروح فيهما، وإلا بدئ بقيمته على الوارث وأعطيت للغير، ولا ينبش في يسير وغير نفيس له، ولو شح الوارث. قاله عبد الباقي.

ومن وافق قبرا عند حفره فليرد عليه ترابه ولا يزاد من قبر على قبر، وليتوق كسر شيء من عظامه. وقوله:"أو نسي معه مال"، محله إذا ثبت بالبينة أو بإقرار أهل الميت، وأسقط الغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ثلاثة دراهم، ونزل له في القبر الشريف، فكان آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار يفتخر بذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وفي المواق خلاف ما تقدم عن الشبراخيتي، فإنه قال في قوله:"أو نسي معه مال": أن له أن يستخرجه بمجرد دعواه من غير توقف على بينة أو تصديق، بخلاف الكفن المغصوب. فانظر الفرق بينهما. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

حكاية: وقع للولي الصالح أبي محمد سيدي عبد العزيز القروي بتقديم الراء على الواو -وكان معاصرا لأبي الحسن الصغير شارح المدونة- وكان ناظرا على المارستان بفاس يتولى تجهيز الموتى بيده، وقد جيء ذات يوم بميت غريب، فلما أراد غسله وجد بضاعة دراهم فوضعها بالأرض ليذهب بها إلى بيت المال، فلما كفنه اندرجت معه في الكفن فنسيها، فلما وضع عليه التراب

ص: 197

تذكرها، فنبش عليه لإخراجها، فوجد الدراهم مسمرة في بدنه من رأسه إلى قدمه، فرد عليه التراب، وقال: لعله من الذين يكنزون -نسأل الله العافية- نقله الشيخ محمد بن الحسن.

واعلم أنه بقي على المصنف من مسائل جواز إخراج الميت ما إذا اقتضت ذلك مصلحة للمسلمين، كفعل معاوية رضي الله عنه في شهداء أحد، لما أراد إجراء العين التي بجانب أحد أمر مناديا فنادى في المدينة: من كان له قتيل فليخرج إليه ولينبشه وليخرجه وليحوله، قال جابر: فأتيناهم فأخرجناهم من قبورهم رطابا يتثنون.

وإن كان، القبر أو الحفر بما؛ أي في مكان يملك فيه الدفن بقي؛ يعني أنه إذا حفر قبر بمكان يملك فيه الدفن لكل أحد، ودفن فيه ميت غير الميت المحفور له تعديا، فإن ذلك لا يجوز ابتداء، ولكنه إذا وقع لا يخرج منه الميت الذي دفن فيه تعديا، بل يبقى فيه وعلى ورثة الميت قيمة الحفر، وإلى ذلك أشار بقوله:"وعليهم"؛ أي على ورثة الميت الموضوع في ذلك القبر. قيمته؛ أي الحفر أي أجرته عند ابن اللباد، ابن بشير: وهو أصل المذهب، وقيل: عليهم حفر مثله، لأنه مثلي محصور بمساحة من الأرض كشبر أرضا، وقيل: الأكثر منهما لأنه ظالم بدفنه بعد تحويزه لآخر، والظالم أحق أن يحمل عليه، وقيل: الأقل منهما لأنه يخفف عن الظالم كثيرا، بدليل قوله في الغصب: المثليَّ: ولو بغلاء. وقوله: "بما يملك فيه الدفن"، يشمل الأرض الموقوفة للدفن وذلك ظاهر، ويشمل الصحاري كما قاله الشيخ عبد الباقي. كمن سبق إلى مباح. والله سبحانه أعلم.

وإذا تشاح الورثة في دفن الميت في ملكه أو في مقابر المسلمين، فالقول قول من طلب المقابر، بخلاف تشاحهم في تكفينه من تركته أو مال بعضهم، فإن القول لمن طلب تكفينه من تركته؛ لأن الدفن في مقابر المسلمين أمر عرفي، فكأنه أوصى به. قال الشيخ سالم: يؤخذ من هذا أن من أوصى بدفنه بمكان يعمل بوصيته، كما إذا أوصى بمن يصلي عليه.

وبما قررت علم أن الباء الداخلة على ما للظرفية، وأن ما نكرة موصوفة واقعة على مكان كما قرر به غير واحد.

ص: 198

قال جامعه عفا الله عنه: ولا مانع من كونها موصولة اسمية؛ أي بالمكان الذي يملك فيه الدفن. والله سبحانه أعلم.

وأقله ما منع رائحته وحرسه؛ يعني أن أقل القبر عمقا ما يمنع رائحة الميت أن تشم دفعا للأذى ويحرسه من السباع وغيرها، وأكثره لا حد له، وندب عدم عمقه -كما مر- وجاز اتخاذه قبل الموت بمملوكة لا محبسة كما في التوضيح، قال ابن عات: من رأى تعميقه القامة والقامتين إنما رآه في أرض الوحش، أو توقع النبش. قاله ابن عرفة.

وبقر عن مال كثر، البقر: عبارة عن شق الجوف؛ يعني أن من ابتلع مالا كذهب أو فضة أو جوهر أو غيرهما، ثم مات فإنه ينظر، فإن كان الذي ابتلعه كثيرا شق جوفه وأخرج منه، فإن لم يكن كثيرا فلا يشق جوفه، وسواء كان المال له أو لغيره. قاله أصبغ. وقاله ابن القاسم مرة، ومرة قال: لا يشق وإن كثر. وقال ابن حبيب: لا يشق ولو كانت جوهرة تساوي ألف دينار، وهذا كله مقيد بما إذا قامت على ذلك بينة، ولا يشق بمجرد الدعوى، فلو شهد بذلك عدل واحد فأجراه أبو عمران على الخلاف في القصاص في الجراح بالشاهد واليمين. ابن يونس: والصواب البقر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام (نهى عن إضاعة المال

(1)

)، وإليه أشار بقوله: ولو بشاهد ويمين؛ يعني أنه إذا شهد عدلان على ابتلاعه فإنه لا إشكال في البقر، وأما إن شهد عدل وحلف المدعي معه فيبقر أيضا، هذا هو الصواب عند ابن يونس، ومقابله القول الآخر المجرى على عدم ثبوت القصاص في الجراح بشاهد ويمين. وقوله:"كثر"؛ بأن كان نصابا، وهل نصاب الزكاة أو نصاب السرقة؟ قولان، وبين القولين في حده بعد كثير. قاله الشيخ إبراهيم. واقتصر الشيخ الأمير على حد الكثير بنصاب الزكاة، وقد مر ذكر الخلاف في مسألة بقر الميت عن مال كثر، قال في التوضيح: قال شيخنا: ينبغي أن يكون محل الخلاف إذا ابتلعه لقصد صحيح؛ أي لخوف عليه أو لدواء، وأما إن قصد قصدا مذموما أي كحرمان وارثه، فلا ينبغي أن يختلف في وجوب البقر لأنه كالغاصب. وقيد ابن بشير الخلاف بما إذا كان للميت مال يؤدى منه، وإلا فلا ينبغي أن يختلف في استخراجه. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ومحل تقييده بالكثير إذا لم يبتلعه

(1)

الموطأ، ج 1 ص 621. مسلم، رقم الحديث: 1715.

ص: 199

لقصد حرمان وارثه؛ بأن كان لخوف أو مداواة، وأما إذا ابتلعه لذلك، فإنه يبقر عنه مطلقا قل أو كثر، فإن تبين بعد البقر كذب الشهود بأن لم يوجد المال في جوف الميت، عزر المدعي والشاهد.

قال الشيخ الأمير: والظاهر أنه لا يتأتى هنا يمين استظهار لعدم تعلق المال بالذمة، فيلغز بها دعوى على ميت ليس فيها يمين استظهار ولا قصاص عند تبين الكذب بسبب البقر؛ لأن قوله تعالى:{وَوَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} في حال الحياة، كما يدل على ذلك مسألة التجهيز على منفوذ المقاتل من القول بعدم قتله، بل هذا أولى. قاله الشيخ عبد الباقي.

قال مؤلفه عفا الله عنه: ويدل لذلك قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} . لا عن جنين؛ يعني أن أم الجنين لا تبقر بطنها عنه لاستخراجه، تحققت حياته أم لا، لكن لا بد من تحقق موته قبل دفنها، فلا تدفن قبله ولو تغيرت ارتكابا لأخف الضررين وفي المدونة: لا يبقر عن جنين الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها، وظاهرها أنها لا تبقر ولو رجي خلاصه منها حيا، وظاهرها تأويل على اصطلاح المصنف. قاله الشبراخيتي، وغيره. وهذا الظاهر هو المشهور، وخالف أشهب وأصبغ وسحنون فيما إذا تيقنت حياته، وحمل عبد الوهاب قول سحنون على أنه تفسير للمدونة، وأن ابن القاسم إنما قال ذلك فيما إذا لم تتيقن حياته، وإلى تأويل عبد الوهاب أشار بقوله: وتؤولت أيضا على البقر إن رجي؛ يعني أن المدونة كما تؤولت على ظاهرها، فيكون قول أشهب وأصبغ وسحنون مقابلا لها تؤولت أيضا على أنها مفَسَّرَةٌ يقَوْلِ هؤلاء الأئمة، فلا خلاف بينهم وبين ابن القاسم على هذا التأويل، وعلى القول بأنها تبقر إن رجي خلاصه منها حيا، يكون البقر من خاصرتها اليسرى؛ لأنه أقرب للجنين. اللخمي: ويكون البقر في السابع أو التاسع أو العاشر، وحسنه سند. ابن عبد الحكم: رأيت رجلا مبقورا على رمكة مبقورة. ابن يونس: الصواب البقر؛ لأن الميت لا يؤلمه.

وقد نهي عن إضاعة المال، وأبيح قطع الصلاة خوف وقوع صبي أو أعمى في بئر، فبقر الميتة التي يتحقق موت ولدها لو تركت أولى، ويحمل قول عائشة: كسر عظام المؤمن ميتا ككسرها حيا على ما إذا فعل ذلك عبثا لا لأمر هو أوجب منه، ولو أصاب الحي أمر في جوفه يتحقق حياته باستخراجه لبقر عنه، ولم يكن آثما بفعله بنفسه ولا بولده أو عبده مع أن حرمة الحي أعظم.

ص: 200

قاله الخرشي. والفرق بين المال يبقر عنه والجنين لا يبقر عنه أن سلامة الجنين مشكوكة فلا تنتهك حرمتها له، والمال محقق بقاؤه وإخراجه على ما هو عليه، وينبغي أن محل الخلاف في جنين الآدمي، وأن غيره من الأنعام إذا رجي الولد يبقر عنه قولا واحدا، وما تقدم من أن البقر من خاصرتها اليسرى، قال الخرشي والشبراخيتي: حيث كان أنثى، وإن كان ذكرا فمن خاصرتها اليمنى. انتهى. وهو مشكل؛ إذ كيف يعلم أنه ذكر أو أنثى وهو في بطن أمه؟ وقد قال جل من قائل:{وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} . قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه.

وعلم مما قررت أن محل الضعيف إنما هو بعد موت المرأة، وأما قبل موتها فمحل اتفاق بين المشهور، ومقابله: وإن قدر على إخراجه من محله فعل؛ يعني أن المرأة إذا ماتت وجنينها يضطرب، فإن قدر على أن يخرج حيا برفق من المحل الذي يولد منه أخرج منه. قاله مالك في المبسوط؛ وهو متفق عليه. اللخمي: وهو مما لا يستطاع؛ أي لأنه لا بد له من القوة الدافعة؛ وهي شرطها الحياة.

والنص عدم جواز أكله لمضطر؛ يعني أن المنصوص في المذهب أن المضطر وهو الذي لم يجد ما يسد به رمقه لا يجوز له أن يأكل من ميتة الآدمي إذا وجدها، وسيقول المصنف: وللضرورة ما يسد غير آدمي، وسواء كان الميت مسلما أو كافرا؛ لأنه لا تنتهك حرمة آدمي لآخر. ابن رشد: الصحيح أن ميتة الآدمي لا تسمى ميتة، ولهذا لم يجز للمضطر أكله بإباحة الله تعالى لأكل الميتة على الصحيح من الأقوال، وليس برجس ولا بنجس، وإنما حرم أكله إكراما له لا لنجاسته، وقيل: يجوز للمضطر أكل ميتة الآدمي. ابن عبد السلام: وهو الظاهر، وإليه أشار بقوله: وصحح أكله أيضا؛ يعني أن بعض العلماء صحح أكل ميتة الآدمي؛ وهو ابن عبد السلام -كما علمت- خَرَّجَ جواز الأكل على القول بجواز البقر، قال: والجواز هنا أولى لأن حياة الآدمي محققة بخلاف الجنين، والضمير في أكله الأول عائد على الآدمي الميت المفهوم من السياق، وضمير أكله الثاني كذلك، ويحتمل أنه للمضطر الحي. والله سبحانه أعلم. وقوله:"والنص عدم جواز أكله لمضطر"، سواء كان المضطر مسلما أو كافرا، ولا يحل له أن يأكل بعض نفسه، قال عبد الباقي: ولا يرد ما يأتي عند قوله: ووجب إن رجا حياة أو طولها، من أن من أكلت الأكلة بعض أطرافه

ص: 201

وخيف سريانها في بقيته، وجب قطع المأكول حيث تحقق عدم السريان بقطعه؛ لأنه في نفسه، وما هنا يمكنه التحرز عن نفسه وعن الغير بميتة دابة، فيتحرز عن نفسه وعن إذاية الغير. انتهى. وفيه نظر، فإن الخلاف إنما هو حيث عدم غيره لا مع وجود غيره كما يوهمه كلامه. قاله الشيخ بناني. وقوله: وصحح أكله ظاهره ولو كان كافرا والميت مسلما، وقوله: وصحح أكله أيضا، وعلى هذا القول، هل يطبخ؟ استظهر بعض الشراح أنه يصنع به ما يصنعه بقوته، كما في الخرشي. وللشافعية: يحرم طبخه وشيه لما فيه من هتك حرمته مع اندفاع الضرر به، وقوله: وصحح أكله أيضا، ويتخير في الآدمي غير المعصوم. قاله عبد الباقي، وغيره.

ودفنت مشركة حملت من مسلم بمقبرتهم؛ يعني أن المشركة التي حملت من مسلم إذا ماتت وهي حامل منه، فإنها تدفن بمقبرة الكفار، هكذا في النوادر عن مالك، وزاد عنه: إذ لا حرمة لجنينها حتى يولد. ابن حبيب: لأنه عضو منها حتى يزايلها، وقوله:"مشركة"؛ يعني كافرة بأي أنواع الكفر. وقوله: "حملت من مسلم"؛ أي حملت منه بوطء شبهة مطلقا، أو بنكاح في كتابية، ويتصور بنكاح في غيرها حيث أسلم، ويتأول في قوله:"من مسلم"؛ أي ولو مآلا، وإذا زنى مسلم بكافرة فعلى قول من يقول إن حملها مسلم، كما لأبي الحسن في الكلام على الغرة يشمله المصنف. قاله الشيخ عبد الباقي.

ولا يستقبل قبلتنا ولا قبلتهم؛ يعني أن المشركة التي حملت من مسلم إذا ماتت نتركها لأهل ملتها، ولا نتعرض لهم في أنهم يستقبلون بها القبلة ولا في عدم ذلك، فيدفنونها على حكم دينهم، وأما إن تولينا دفنها لترك أهل ملتها لها فلا نستقبل بها قبلتنا؛ لأن جنينها لا حرمة له؛ إذ هو عضو من أعضائها، ولا نستقبل بها قبلة أهل الشرك؛ لأنا لا نعظم قبلتهم، فمحل قوله:"ولا يستقبل" الخ، حيث توليناها لترك أهل ملتها لها. النووي: الشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ويهودي ونصراني، وعلى هذا فلا يحتاج إلى قول من قال: لو قال المؤلف: ودفنت كافرة لكان أشمل.

ورمي ميت البحر به مكفنا، إضافة ميت للبحر على معنى: في، قاله غير واحد؛ يعني أن الميت في البحر من المسلمين يغسل ويحنط ويصلى عليه، ويرمى به البحر مستقبل القبلة على شقه

ص: 202

الأيمن، وعلى واجده بالبر دفنه، وقوله:"به"؛ أي فيه، وقوله:"ميت البحر"، قال الخرشي: أي الميت على ظهره. انتهى. ولا ينافي ما مر من أن الإضافة بمعنى: في. والله سبحانه أعلم.

إِن لَّم يُرْجَ البر قبل تغيره؛ يعني أن محل رمي الميت المذكور إنما هو حيث لم يرج البر قبل تغيره، وأما إن رجي قبل تغيره فإنه يجب تأخيره إليه. قال ابن القاسم: إن طمعوا في البر من يومهم وشبهه، حبسوه حتى يدفنوه بالبر، وإن أيسوا من البر في مثل ذلك غسل وكفن وحنط وصلي عليه ويلقونه في البحر، ولا يحبسونه أياما، ومثله لابن حبيب، قال: ويشدون عليه الأكفان ويلقونه في الماء مستقبل القبلة محرفا على شقه الأيمن، وقاله ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ، ولا يثقل بشيء في رجليه ليغرق. قاله ابن الماجشون، وأصبغ. وقال سحنون: يثقل، ولا يعذب ببكاء لم يوص به؛ يعني أن الميت إذا بكى عليه أهله بكاء حراما، كرفع صوت مثلا ولم يوص به، فإنه لا يعذب بذلك؛ أي لا يتألم به، فإن أوصى به عذب، وكذا إن علم منهم أنهم يبكون ولم يوصهم بتركه، ويجب عليه أن ينهاهم عنه إن علم امتثالهم لأمره، وإلا لم يجب عليه أن ينهاهم، والإيصاء الذي يعذب به هو أن يقول لهم: إذا مت فابكوا علي ونحو ذلك، كما قال طرفة:

إذا مِت فانعِيني بمَا أنَا أهلُه

وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يَابنَةَ معبد

وأما خبر المغيرة: (من ينح عليه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة

(1)

)، فمحهول عند الجمهور على من أوصى به، أو علم من حالهم أنهم يبكون ولم يوصهم بتركه. وقيل: معنى ذلك تعذيبه بسماع بكاء أهله والرقة لهم، وقد جاء مفسرا بذلك في حديث

(2)

)، وهو أولى ما يقال فيه. قاله الخرشي. وفي الشارح: وما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الميت ليعذب ببكاء الحي

(3)

)، محمول على ما إذا أوصى به. انتهى. وعبارة الأمير: ولا يعذب ببكاء لا ينفذ إيصاء بتركه. انتهى. أي لا يمتثل أهله فيه أمره. والله سبحانه أعلم.

(1)

مصنف ابن أبى شبية، كتاب الجنائز، ج 3 ص 263. ولفظه: من نِّيحَ عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة.

(2)

فتح الباري، ج 3 ص 123.

(3)

مسلم، كتاب الجنائز، الحديث:927. والبخاري، كتاب الجنائز، الحديث: 1290.

ص: 203

ولا يترك مسلم لوليه الكافر؛ يعني أنه يحرم أن يترك المسلم فيما يتعلق بمؤن التجهيز لوليه الكافر من غسل ودفن وغيرهما، لقوله عز وجل:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ} ؛ ولأنه لا يؤمن عليه من عدم الغسل، ومن الدفن في مقابرهم واستقبال قبلتهم إلى غير ذلك، وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة، وإذا لم يترك المسلم لوليه الكافر فإنه يليه وليه المسلم إن كان أو المسلمون إن لم يكن، وأما سيره معهم ودعاؤه له فلا يمنع منه. قاله أشهب.

ولا يغسل مسلم أبا كافرا؛ يعني أن المسلم لا يجوز له أن يغسل أباه الذي مات كافرا -نسأل الله السلامة- لذهاب حرمته بموته على الكفر، وأولى غير أبيه من قريب كافر أو أجنبي كافر؛ لأن الغسل تطهير والكافر ليس من أهل التطهير، ولا يصلى عليه؛ لأن الصلاة شفاعة وهو ليس من أهلها، وقد قال تعالى:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} ولا يدخله في قبره؛ يعني أن المسلم لا يتبع جنازة أبيه الكافر ولا يدخله قبره، وقاله في المدونة. وقوله:"ولا يدخله قبره"؛ أي لا يجوز له أن يدخله في قبره، بل يكله إلى أهل دينه يلونه. إلا أن يضيع، مستثنى من قوله:"ولا يدخله قبره"؛ يعني أن المسلم إذا خاف على أبيه الكافر الميت أن يضيع بسبب تركه له، فإنه يواريه وجوبا بالتكفين والدفن، وإلى هذا أشار بقوله: فليواره؛ أي فليستره وجوبا بالدفن والكفن، قال غير واحد: وحملناه على خوف الضياع لأنه بعد الضياع لا يتصور فيه مواراة ولا غيرها، وظاهر المصنف سواء كانت نفقته لازمة لابنه المسلم أم لا وهو كذلك، وإذا واراه فلا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم، وكذا يوارى وجوبا بالدفن وستر العورة كل كافر ليس معه أحد وخيف ضياعه ولو حربيا، وقال بعض: يترك الحربي. قاله الخرشي.

والصلاة أحب من النفل؛ يعني أن الصلاة على الجنازة أحب من النفل؛ أي أفضل منه وأكثر ثوابا، ومحل هذا إذا قام بها الغير؛ يعني أن محل كون الصلاة على الجنازة أفضل من النفل، إنما هو إذا قام بها الغير بأن شرع فيها، بناء على سقوط فرض الكفاية عن الغير بالشروع فيه وهو ضعيف، والمذهب أنه لا يسقط إلا بالتمام، وما ذكره المصنف هنا هو المشهور، وإن كان مبنيا على ضعيف. واحترز بقوله:"إذا قام بها الغير"، عما إذا لم يقم بها الغير، فإنها تتعين، وحينئذ فهي فرض، ولا إشكال في أن ثواب الفرض أكثر من النفل.

ص: 204

فتحصل من هذا أن معنى كلام المصنف أن الصلاة على الجنازة تندب إذا قام بها الغير، فلذلك كانت أحب من النفل.

واعلم أن محل كون الصلاة على الجنارة أفضل من النفل عند قيام الغير بها، إنما هو إن كان الميت له حق. كجار، وقريب وصديق وشيخ، أو كان ممن ترجى بركة شهود جنازته؛ بأن يكون صالحا.

والحاصل أن الصلاة على الجنازة أفضل من النافلة بشرطين: أَحَدُهُمَا أن يقوم بها الغير، ثانِيهِمَا أن يكون الميت له حق أو يكون ممن ترجى بركة شهوده، فإذا انتفى الشرط الأول تعينت، وإن وجد الشرط الأول وانتفى الثاني بوجهيه كان النفل والجلوس في مسجد أيِّ مسجد بنية الجوار أفضل، وخصه ابن العربي بالمسجد الجامع.

وفي المدخل: والاشتغال بالعلم أولى من الخروج مع الجنازة، وأورد على المصنف أن المصلي على الجنازة يحصل له ثواب الفرض؛ وهو أعظم من ثواب النفل، فكيف يكون النفل أفضل منه؟ وأجيب بما تقدم من أن هذا مبنيٌّ على سقوط فرض الكفاية بالشروع، قال الشيخ محمد بن الحسن: وفي هذا الجواب نظر لما تقرر في فرض الكفاية من أن اللاحق للداخل يقع فعله فرضا بالشروع فيه، فالبحث باق على كلا القولين.

تنبيهات: الأول: قال أبو الليث السمرقندي: وعن أبي هريرة بأسانِيدَ مختلفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن الله تعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصُّورَ فأعطاه إسرافيل عليه الصلاة والسلام؛ فهو واضع له على فيه شاخص بصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر، قال: قلت يا رسول الله ما الصور؟ قال: قرن من نور، قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحق نبيا لعظم دارته فيه كعرض السماء والأرض، وينفخ ثلاث نفخات

(1)

). وذكر في بعض الروايات (أنه ينفخ فيه نفختين)

(2)

؛ وهي رواية كعب، والأولى لأبي هريرة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. فيأمر الله تعالى إسرافيل عليه الصلاة والسلام في النفخة الأولى، فينفخ فيه، فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله تعالى، وتتزلزل الأرض:

(1)

تنبيه الغافلين، باب أهوال القيامة، ص 35.

(2)

تنبيه الغافلين، باب أهوال القيامة، ص 35.

ص: 205

وَ {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} . الآية. ويصير الولدان شيبا، وتطير الشياطين، فذلك قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} ، إلى قوله:{شَدِيدٌ} ، فيمكثون ما شاء الله تعالى، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل عليه الصلاة والسلام، فينفخ في الصور نفخة الصعق، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض؛ يعني يموت أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله تعالى؛ يعني أرواح الشهداء. وقيل: إنه يبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وهو قوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} ، ثم يقول الله تعالى لملك الموت: يا ملك من بقي من خلقي -وهو أعلم بذلك- فيقول: يا رب أنت حي لا تموت بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وحملة العرش، وبقيت أنا، فيقول الله تعالى: اقبض أرواحهم، هكذا روي عن الكلبي. وفي رواية مقاتل ومحمد بن كعب: عن رجل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى يقول: لِيَمُتْ جبريل وميكائيل وإسرافيل، وليمت حملة العرش، ثم يقول الله تبارك وتعالى لملك الموت: من بقي من خلقي -وهو أعلم- فيقول: يا رب أنت الحي الذي لا تموت، وبقي عبدك الضعيف ملك الموت، فيقول: يا مَلَكَ الموت، ألم تسمع قولي:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ؟ وأنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت فيموت. وفي خبر آخر أنه: يأمره الله تعالى أن يقبض روح نفسه، فيجيء إلى موضع بين الجنة والنار، ويجعل ينزع روحه فيصيح صيحة واحدة لو كان الخلق كلهم أحياء لماتوا من صيحته، ويقول: لو كنت أعلم أن نزع الروح بهذه الشدة والمرارة لكنت على قبض أرواح المؤمنين أشفق، ثم يموت فلا يبقى أحد من الخلق: فيقول الله عز وجل: يا دنيا دنية أين الجبابرة وأبناء الجبابرة؟ أين الذين كانوا يأكلون رزقي ويعبدون غيري؟ ثم يقول الله تبارك وتعالى: {مَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} ، فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه سبحانه لا إله إلا هو جل جلاله، فيقول:{لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} ، ثم يأمر الله تعالى السماء أن تمطر، فتمطر ماء كمني الرجال أربعين يوما حتى يكون الماء فوق كل شيء اثني عشر ذراعا، فينبت الخلق بذلك الماء كما ينبت البقل، حتى إذا تكاملت أجسامهم فكانت كما كانت، ثم يقول الله تبارك وتعالى: ليحي حملة العرش، فيحيون بإذن الله تعالى، ويأمر جل جلاله ويحيا إسرافيل بأمر الله تعالى، ثم يأمره الله

ص: 206

تعالى فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول ليحي جبريل وميكائيل فيحيون بإذن الله تعالى، ثم يدعو الله تعالى بالأرواح فيؤتى بها، فيجعلها في الصور، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل عليه الصلاة والسلام، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فتدخل في الأرض إلى الأجساد، فأول ما تدخل من الجسد في الخياشم، فتنشق الأرض عنهم، قال عليه الصلاة والسلام: (فأنا أول من تنشق عنه الأرض

(1)

).

وفي خبر آخر: أن الله تعالى إذا أحيا جبريل وميكائيل وإسرافيل، فينزلون إلى قبر محمد صلى الله عليه وسلم مع البراق وحلل من حلل الجنة، فتنشق الأرض عنه، فينظر إلى جبريل، فيقول: يا جبريل ما هذا اليوم؟ فيقول: يوم الحاقة ويوم القارعة، فيقول يا جبريل: ما فعل الله بأمتي؟ فيقول جبريل: أبشر فإنك أول من تنشق عنه الأرض، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور فإذا هم قيام ينظرون

(2)

).

وفي خبر أبي هريرة: فيخرجون منها سراعا إلى ربهم ينسلون؛ يعني يخرجون من قبورهم حفاة عراة، فيقفون موقفا مقدار سبعين سنة لا ينظر الله تعالى إليهم ولا يقضي بينهم، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون دما ويعرقون حتى يلجمهم العرق ويبلغ الأذقان، ثم يدعون إلى المحشر، فذلك قوله تعالى:{مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} ، فإذا اجتمع الخلائق كلهم الجن والإنس وغيرهم وقوفا؛؛ إذ سمعوا حسا من السماء شديدا فهالهم ذلك أي أفزعهم، فتنشق السماء وتنزل ملائكة سماء الدنيا بمثلي من في الأرض، وأخذوا مصافهم، فيقول لهم الناس: أفيكم ربنا؟ يعني أمر ربنا بالحساب، فيقولون: لا وهو آت؛ يعني يأتي أمر ربنا بالحساب، ثم ينزل أهل السماء الثانية، فيقومون صفا خلف أهل السماء الدنيا، ثم ينزل أهل السماء الثالثة حتى ينزل ملائكة سبع سماوات على قدر التضعيف، يقومون حول أهل الدنيا. انتهى. وبعض هذا الحديث نقلته بالمعنى؛ أعني من قوله: ثم ينزل أهل السماء الثالثة، لتصحيف في الكتاب الذي أنقل منه.

(1)

تنبيه الغافلين.

(2)

تنبيه الغافلين ص 37.

ص: 207

وروي عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: إن الله تعالى يأمر السماوات أن تنشق بما فيها من الملائكة، فيحيطون بالأرض ومن فيها إلى سبع أرضين حتى يكونوا سبع صفوف، وبعضها في جوف بعض: وأهل الأرض لا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا عندها سبع صفوف من الملائكة، فذلك قوله:{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا} ، الآية. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن الله تعالى يقول يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا لي، فإنما هي أعمالكم تعرض عليكم في صحفكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر الله تعالى جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، فيقول:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ، إلى قوله:{تُوعَدُونَ} . فتجثوا الأمم؛ وهو قوله تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} ، الآية. فيقضي الله تعالى بين خلقه، فيقضي بين الوحوش والبهائم حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر: {يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} ، ثم يقضي

(1)

).

وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة كما ولدتهم أمهاتهم عراة حفاة، فقالت عائشة رضي الله عنها: الرجال والنساء؟ قال: نعم، فقالت عائشة: واسوآه، ينظر بعضهم إلى بعض؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكبها، وقال: يابنة ابن أبي قحافة شغل الناس يومئذ عن النظر، وسَمَوْا بأبصارهم إلى السماء؛ يعني يرفعون أبصارهم، يقفون أربعين سنة لا يأكلون ولا يشربون، فمنهم من يبلغ العرق قدميه، ومنهم من يبلغ ساقيه، ومنهم من يبلغ بطنه، ومنهم من يلجمه العرق من طول الوقوف، ثم يقوم الملائكة حافين من حول العرش، فينادي مناد: أين فلان بن فلان؟ فيشرف الناس لذلك؛ يعني يرفعون رؤوسهم وأعناقهم لذلك الصوت، ويخرج ذلك المنادَى من الموقف، فإذا وقف بين يدي الله تعالى: قيل: أين أصحاب المظالم؟ فينادَوْن رجلا رجلا، فيؤخذ من حسناته ويدفع إلى من ظلم يوم لا دينار ولا درهم الأخذ من الحسنات والرد من السيئات، فلا يزال يستوفي حسناته

(1)

تنبيه الغافلين ص 37.

ص: 208

حتى لا يبقى له حسنة، فيؤخذ من سيئاتهم فترد عليه، فإذا فرغ من حسابه قيل له: ارجع إلى أمك الهاوية، فإنه لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب؛ يعني سريع المجازاة"

(1)

).

وفي حديث أنه: يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، فلا يبقى يومئذ ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا شهيد إلا ظن أنه لا ينجو مما يرى من شدة الحساب، وعن معاذ بن جبل أنه قال:(أول ما يسأل عنه العبد عن أربعة أشياء: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وما عمل فيما علم)

(2)

؟ وعن عكرمة أنه قال: إن الوالد يتعلق بولده، فيقول: يا بني إني كنت والدك في الدنيا فيثني عليه خيرا، فيقول يا بني: إني قد احتجت إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي أنجو مما ترى، فيقول له ولده: إني أتخوف من الذي تخوفت فلا أطيق أن أعطيك شيئا، ثم يتعلق بزوجته فيسألها كما يسأل ابنه فتجاوبه بمثل ما جاوب ابنه، قال الله تعالى:{وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا} ، الآية؛ يعني الذي أثقلته الذنوب لا يحمل عنه على أحد من ذنوبه شيء.

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الكافر ليلجم بعرقه من طول ذلك اليوم، حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار

(3)

)، وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لم يكن نبي قط إلا كانت له دعوة يدعو بها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، ألا وإني سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر، تحته آدم فمن دونه، قال: ثم يشتد غم يوم القيامة وكربه على الناس، فيأتون آدم عليه السلام إلى آخر الحديث

(4)

). وروى مسلم بسنده عن أنس بن مالك، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيقول: لست لها

(1)

تنبيه الغافلين ص 39.

(2)

ننبيه الغافلين ص 39.

(3)

تنبيه الغافلين ص 40.

(4)

تنبيه الغافلين ص 40.

ص: 209

ولكن عليكم بموسى عليه السلام فإنه كليم الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأُوتَى، فأقول: أنا لها، وأنطلق فأَستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيه ربي عز وجل، ثم أخِرُّ له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، واسأل تعطه، واشفع تشفع، فيقول: أي رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من بُرَّةٍ أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق، فأفعل، ثم أرجع إلي ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر ساجدا، فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع فيقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقول لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع، فيقول: يا رب إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله -قال: ليس ذلك لك، أو قال ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله

(1)

).

قال الشيخ الأكبر العارف بالله تعالى سيدي أحمد بن عطاء الله صاحب الحِكَمِ: انظر -رحمك الله- ما تضمنه هذا الحديث من فخامة قدره صلى الله عليه وسلم، وجلالة أمره، وأن أكابر الرسل والأنبياء لم ينازعوه في هذه الرتبة التي هي مختصة به؛ وهي الشفاعة العامة في كل من ضمه المحشر، فإن قلت: فما بال آدم أحال على نوح في حديث، وعلى إبراهيم في هذا، ودل نوح على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى على محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تكن الدلالة على محمد صلى الله عليه وسلم من الأول؟ فاعلم أنه لو وقعت الدلالة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأول لم يتبين من نفس هذا الحديث، أن غيره لا تكون

(1)

مسلم، كتاب الإيمان، الحديث:193.

ص: 210

له هذه الرتبة، فأراد الحق تعالى أن يدل كل واحد على من بعده وكل واحد يقول: لست لها، مسلما للرتبة غير مدع لها، حتى أتوا عيسى فدل على محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: (أنا لها

(1)

)، وفي هذا الحديث: من الفوائد أن المعارف لا تتناهى من قوله: لا أقدر عليه إلا أن يلهمنيه الله عز وجل، ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك

(2)

). انتهى. وفي بعض طرق هذا الحديث: (فيأتون آدم عليه الصلاة والسلام، فيقولون: يا أبا البشر اشفع لنا إلى ربك ليقض بيننا، فيقول: إني لست هناك إني قد أخرجت من الجنة بخطيئة، وأنه يدل على نوح فيقول لست هناك إني قد دعوت دعوة أغرقت أهل الأرض، فيدل على إبراهيم فيقول لست ويذكر أنه كذب ثلاث كذبات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه جادل بهن عن دين الله، قوله:{إِنِّي سَقِيمٌ} ، وقوله:{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ، وقوله لامرأته: إنها أختي، وأن موسى يقول: إني قتلت نفسا بغير حق، وأن عيسى يقول: إني اتُّخِذْتُ وأمي إلهين من دون الله، وإني لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن أرأيتم لو كان لأحدكم بضاعة فجعلها في كيس، ثم ختم عليها أكان يصل إلى ما في الكيس حتى يفض الخاتم؟ فيقولون: لا، فيقول: إن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وقد وفى اليوم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفيه أيضا: فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى مناد؛ أين محمد وأمته؟ فنحن الأولون والآخرون؛ يعني نحن آخر الناس في الدنيا وأولهم في الحساب، فأقوم وأمتي فتفرج لنا الأمم عن طريقنا، فنمر بيض الوجوه غرا محجلين من أثر الطهور، ويقول لنا الناس: كادت هذه الأمة أن تكون كلها أنبياء، ثم أتقدم إلى باب الجنة فأستفتح، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد صلى الله عليه وسلم، فيفتح لي فأدخل، فأخر ساجدا لربي وأحمده محامد لم يحمده بها أحد قبلي ولا يحمده بها أحد بعدي، فيقال: ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، واسأل تعط، فأرفع رأسي فأشفع لمن كان في قلبه مثقال شعيرة من الإيمان؛ يعني من اليقين مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال: إن

(1)

مسلم، كتاب الإيمان، الحديث:193.

(2)

مسلم، كتاب الصلاة، الحديث:486.

ص: 211

الدول ثلاث: دولة الحياة؛ وهي العيش في طاعة الله تعالى ودولة الممات؛ وهي خروج الروح مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ودولة القيامة حين يأتيه البشير عند خروجه من قبره بالجنة.

الثَّانِي قال يحيى بن معاذ: أيها الناس مَهْلًا مَهْلا غدا تحشرون إلى الموقف حَشْرًا حَشْرَا، وتوقفون بين يدي الله تعالى فَرْدًا فَرْدًا، وتسألون عما عملتم حَرْفًا حَرْفًا، وتساق الأولياء إلى الرحمن وَفْدًا وَفْدًا، ويرد العاصون إلى عذاب الله تعالى وِرْدًا وِرْدًا، ويدخلون في جهنم حِزْبًا حِزْبًا، وكل هذا إذا دكت الأرض دَكًا دَكًا، وجاء ربك والملك صَفًّا صَفًّا، وجيء يومئذ بجهنم وَيْلًا وَيلًا، فالويل ثم الويل لأهل الويل من يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، يوم الرادفة ويوم الآزفة ويوم الحسرة والندامة، وذلك يوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين، وهو يوم القيامة، ويوم المناقشة والمحاسبة، ويوم الموازنة والمساءلة، ويوم الزلزلة ويوم الصيحة، ويوم النشور ويوم ينظر المرء ما قدمت يداه، ويوم التغابن ويوم يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه، ويوم لا يغني مولى عن مولى شيئا، ويوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون، يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، يوما كان شره مستطيرا؛ يعني منتشرا فاشيا، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، ويوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارىَ ولكن عذاب الله شديد.

الثالث: اعلم أنه يبعث الأيام والليالي ويوم الجمعة، قال القرطبي في تذكرته: روى القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل ليبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها محفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها، تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان ما

(1)

(1)

مصدرية ظرفية كذا في الأصل.

ص: 212

يطوفون تعجبا، يدخلون الجنة لا يخالطهم إلا المؤذنون المحتسبون

(1)

). وروى أبو نعيم عن أبي عمران الجوني أنه قال: ما من ليلة تأتي إلا تنادي: اعملوا فِي ما استطعتم من الخير فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة. وروي عن الغاز بن قيدر أنه يقول: ما من يوم يأتي إلا ويقول: أنا خلق جديد وعلى ما فعل فِيَّ شهيد، خذوا مني قبل أن أبيد، فإذا أمسى ذلك اليوم خر لله ساجدا، وقال: الحمد لله الذي لم يجعلني اليوم العقيم. وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها

(2)

). وروى أبو نعيم عن معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه: يا بن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل غدا شهيد، فاعمل فِيَّ خيرا أشهد لك به غدا فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك

(3)

).

واعلم أن المحاسبة بمشهد من النبيئين وغيرهم، قال الله تعالى:{وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} ، وقال تعالى:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} . وشهيد كل أمة نبيها وقيل: إنهم كتبة الأعمال. وروى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب أنه قال: ليس يوم إلا يعرض على النبيء صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم. قال القرطبي: وقد جاء أن الأعمال تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ويوم الخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة -ولا تعارض- فإنه يحتمل أن يخص نبينا عليه السلام بالعرض كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء، وعن سليمان بن راشد أنه بلغه أن امرءًا لا يشهد على شهادته في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبدا في الدنيا إلا امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد.

واعلم أن الله تعالى يغفر لمن يشاء ويعفو عنه فيرضي عنه خصماءه، فقد روى القرطبي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالس إذ رأيته

(1)

التذكرة، للقرطبي، ص 168.

(2)

الترمذي، كتاب تفسير القرآن، الحديث:3353. النسائي في الكبرى، الحديث: 11693.

(3)

التذكرة، باب ما جاء في شهادة الأرض والليالي والأيام، ص 259.

ص: 213

ضحك حتى بدت ثناياه، فقيل له: مِمَّ تضحك يا رسول الله؟ قال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي ربي عز وجل: فقال أحدهما: خذ لي مظلمتي من أخي، قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، فقال: يا رب ما بقي من حسناتي شيء، فقال: يا رب فليحمل من أوزاري، وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم قال: إن ذلك اليوم ليوم يحتاج الناس فيه إلى أن تحمل عنهم أوزارهم، قال الله تعالى: للطالب حقه، ارفع بصرك فانظر إلى الجنان، فرفع رأسه فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: لمن يا رب؟ فقال: لمن أعطاني ثمنه، قال: ومن يملك ثمن ذلك؟ قال، أنت، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال يا رب: فإني قد عفوت عنه، قال: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة

(1)

). انتهى.

واعلم أن هذا لبعض الناس وقد يكون هذا في الظالمين الأوابين {إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} ، والأواب الذي أقلع عن الذنب فلم يعد إليه، كذا تأوله أبو حامد، وهو تأويل حسن، ولو كان ذلك في جميع الناس ما دخل أحد النار، قال الثعالبي: وكذلك ما جاء من هذا المعنى فهذا تأويله وفضل الله عظيم.

واعلم أن حوض النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بعد الصراط: وقيل: إنه قبله، وقيل: إنهما اثنان، قال الجزائري:

والحوض من بعد لا قبل الصرط أتى

وقيل قبل وقيل اثنان فلتسل

وقال القرطبي في تذكرته: والصحيح أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين، وكلاهما يسمى كوثرا، والكوثر في كلام العرب الخير الكثير، واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر، قال الثعالبي: وفي الحديث ما يومئ إلى أن الحوض قبل الصراط؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إني لكم فرط على الحوض

(2)

)، وقوله: (إني على الحوض أنتظر من يرد علي منكم

(3)

). وروى

(1)

التذكرة، باب إرضاء الله تعالى الخصوم يوم القيامة، ص 249.

(2)

رياض الصالحين للثعالبي.

(3)

رياض الصالحين للثعالبي.

ص: 214

مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لبعُقُر حوضي أزُودُ النَّاسَ لأهل اليمين حتى ترفض عليهم، فسئل عن عَرْضِهِ فقال: من مقامي إلى عمان، وسئل عن شرابه، فقال: أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يصب فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق

(1)

). وقوله: بعقر أي مؤخر، وروى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: (قلنا يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية

(2)

). وفي هذا الحديث: (من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل

(3)

)، وروى الترمذي وابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأكاويبه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدة

(4)

). وروى البزار عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حوضي من كذا إلى كذا، فيه من الآنية عدد النجوم، أطيب ريحا من المسك وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأبيض من اللبن، من شرب منه لم يظمأ أبدا ومن لم يشرب منه لم يرو أبدا

(5)

).

قال الإمام الثعالبي رحمه الله تعالى: تأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ومن لم يشرب منه لم يرو أبدا، ظاهره أن من لم يشرب منه يخلد في النار؛ لأن من يدخل الجنة بعد نفوذ الوعيد يروى وينعم، ومن هنا تعلم أن الذي يذاد عنه ويطرد إنما هو من وقع منه التبديل في دينه وحكم بكفره لفساد عقده عافانا الله من ذلك بكرمه، وهذا هو ظاهر الأحاديث، ونص صريح في البخاري وغيره. وروى الترمذي الحكيم، عن عثمان بن مظعون، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه

(1)

مسلم، كتاب الفضائل، الحديث:2351. ولفظه: أذود الناس لأهل اليمن .. الخ.

(2)

مسلم، كتاب الفضائل، الحديث. 2300.

(3)

مسلم، كتاب الفضائل، الحديث:2300.

(4)

الترمذي، أبواب صفة القيامة، الحديث:2444. ابن ماجه، كتاب الزهد، الحديث: 4303.

(5)

جمع الزوائد، ج 10 ص 364.

ص: 215

عن حوضي يوم القيامة

(1)

)، وروى القرطبي: (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الوقوف بين يدي الله عز وجل، هل فيه ماء؟ قال: والذي نفسي بيده إن فيه لماء، وإن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء يبعث الله تعالى سبعين ألف ملك بأيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء

(2)

)، وروى الترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجوا أن أكون أكثرهم واردة

(3)

)، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى القبرة، فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين يأتون

(4)

بعد، فقالوا: كيف تعرف من

(5)

يأتي بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض

(6)

). قوله: بُهْمٌ هي التي لا يشوب لونها لون سواه، وقيل بُهْمٌ سود فهي توكيد، وروى البزار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا فرط بين أيديكم فإن لم تجدوني فإني على الحوض، وسيأتي أقوام رجال ونساء ثم لا يذوقون منه شيئا

(7)

). وروى الترمذي: عن أنس رضي الله عنه، قال:(سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، قال: أنا فاعل، قال يا رسول الله: فأين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط، قال: قلت فإن لم ألقك على الصراط) قال: فاطلبني عند الميزان، قلت فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث مواطن)

(8)

). وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن لقيط بن عامر

(1)

نوادر الأصول، ج 7 ص 130.

(2)

التذكرة، باب ما جاء في حوض النبي صلى الله عليه وسلم، ص 271.

(3)

الترمذي، باب ما جاء في صفة الحوض، رقم الحديث:2443.

(4)

كذا في الأصل والذي في صحيح مسلم: من لم يأت بعد .. الخ.

(5)

في صحيح مسلم من لم يأت الخ.

(6)

مسلم، كتاب الطهارة، الحديث:249.

(7)

مجمع الزوائد، ج 10 ص 367.

(8)

الترمذي، أبواب صفة القيامة، الحديث:2433.

ص: 216

العقيلي، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبا، فقال (أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لأُسْمِعَكُمُ اليومَ، ألا فهل من امرئ بعثه قومه ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو الضلال، ألا إني مسؤول هل بَلَّغْتُ؟ ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا، فجلس الناس وقمت أنا وصاحب لي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله ما عندك من علم الغيب؟ قال: فضحك -لعمر الله- وهزَّ رأسه، وزعم أني أبتغي لسقطه، فقال: ضن ربُّك بخَمْسٍ من الغيب لا يعلمها إلا الله وأشار بيده، قلت: وما هن يا رسول الله؟ قال: علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني متى يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه، وعلم ما في غَدٍ قد علم ما أنت طاعم غدا ولا تعلمونه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلي فظل يضحك، وقد علم أن غَوْثَكُمْ قريب، قال لقيط: لم نعدم من رب يضحك خيرا: قال: وعلم يوم القيامة، قلت: يا رسول الله إني أسائلك عن حاجتي فلا تعجلني، قال سل عما شئت، قلت: يا رسول الله علمنا ما يعلم الناس فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا، قال: تلبثون ما لبثتم، ثم يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصيحة فما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك وخلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء بهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من قبل رأسه حتى يستوي جالسا، يقول ربك مهيم لما كان فيه، فيقول: يا رب أمتني أمس اليوم لعهده بالحياة بحسبه حديثا بأهله، فقلت: يا رسول الله، وكيف يجمعنا بعد ما تمزقتنا الرياح؟ قال: أنبنك بمثل ذلك الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية، فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك عليها الماء فلم تلبث عنها إلا أياما حتى أشرفت عليها، فإذا هي شربة واحدة فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء، وعلى أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأطواد ومن مصارعكم، فتنظرون إليه ساعة وينظر إليكم، قال: قلت كيف يا رسول الله ونحن ملء الأرض وهو واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: أنبئكم بمثل ذلك الشمس والقمر آية صغيرة ترونهما ساعة واحدة ويريانكم لا تضامون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه منهما أن تروهما ويريانكم ولا تضامون في رؤيتهما، قلت: يا رسول الله

ص: 217

فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه واحد منكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتصخمه مثل الحمم الأسود، ألا ثم ينصرف نبيكم ويفرق على أثره الصالحون، فتسلكون جسرا من النار يطأ أحدكم الجمرة، فيقول: حَسِّ

(1)

)، يقول ربك أوانه: ألا فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ -والله- ناهله، ثم قال لقيط عن النبي صلى الله عليه وسلم: وتخنس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا، قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبم نبصر؟ قال: بمثل ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أسفرته الأرض وواجهته الجبال، قال: قلت يا رسول الله فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يغفر، قلت يا رسول الله: ما الجنة النار. قال: لعمر إلهك إن لها لسبعة ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، قال: قلت يا رسول الله فعلى ما نطلع من الجنة؟ قال: أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها صداع ولا نزافة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن، وتفاكيه لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة، قلت يا رسول الله: إن لنا أزواجا، ثم قال لقيط: قال -يعني النبي صلى الله عليه وسلم الصالحات للصالحين تلذونهن ويلذذنكم مثل لذتكم في الدنيا غير أن لا توالد

(2)

). قال الثعالبي: وفي هذا الحديث أن الحوض بعد الصراط، وهو يشهد لما ذكره القرطبي من أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين، أحدهما في الموقف؛ وهو الذي يذاد عنه من بدل أو غير، والثاني بعد جواز الصراط وهذا لا يذاد عنه أحد بفضل الله تعالى، قال القرطبي: لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عنه، فمن جازه سلم من النار على ما يأتي. قال: وكذلك أحواض الأنبياء عليهم السلام تكون في الموقف

(3)

)، وروى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله، قال: نزلت

(1)

توجع كذا بخط المؤلف.

(2)

مجمع الزوائد، ج 10 ص 341. رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط) فصل في ذكر لقيط بن عامر.

(3)

تذكرة القرطبي، ص 271.

ص: 218

علي آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} ، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيخلج العبد منهم، فأقول: يارب إنه من أمتي، فيقال: ما تدري ما أحدث بعدك

(1)

).

وفي طريق آخر عن أنس أيضا: (نهر وعدنيه ربي في الجنة عليه حوضي

(2)

)، وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه الدر المجوف، قلت: يا جبريل ما هذا؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر

(3)

). وروى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكوثر نهر من الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج

(4)

).

الرابع: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء ينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها، روى سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال (توضع الموازين يوم القيامة فلو وضع فيهن السماوات والأرض لوسعتهن، فتقول الملائكة: يا ربنا ما هذه؟ فيقول: أزن بها لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة عند ذلك: ربنا ما عبدناك حق عبادتك

(5)

). وقد جاء أن كفة الحسنات من النور والأخرى من ظلام، فالكفة النيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات، قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، وروى أبو بكر البزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مَلَكا موكلا بالميزان فيؤتى بابن آدم، فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمعه الخلائق كلها: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت يسمعه الخلائق: شقي فلان شقاوة لا

(1)

مسلم، كتاب الصلاة، الحديث:400.

(2)

مسلم، كتاب الصلاة، الحليث:400.

(3)

البخاري، كتاب الرقاق، الحديث: 6581 ولفظه: حافتاه قباب الدر المجوف.

(4)

الترمذي، كتاب التفسير، الحديث: 3361

(5)

الحاكم، كتاب الأهوال، ج 4 ص 586. رياض الصالحين للثعالبي، باب ما جاء في الميزان. مخطوط.

ص: 219

يسعد بعدها أبدا

(1)

). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيآته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار، قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون، رواه خيثمة وابن المبارك. وفيه: أن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. الجوهري: الصؤابة بالهمز: بيضة القملة، والجمع الصئبان. قال القرطبي في تذكرته: وأما أصحاب الأعراف، فيقال: إنهم مساكين أهل الجنة، وروى هناد بن السري عن عبد الله بن الحارث، قال: أصحاب الأعراف ينتهى بهم إلى نهر يقال له الحياة حافتاه قصب الذهب، قال -أراه- مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون منه اغتسالة فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون فكلما اغتسلوا زادت بياضا، فيقال لهم: تمنوا، فيتمنون ما شاءوا، قال: فيقال لهم لكم ما تمنيتم وسبعين ضعفا، قالوا: فهم مساكين أهل الجنة. وفي رواية: فإذا دخلوا الجنة وفي نحورهم تلك الشامة البيضاء فيعرفون بها، قال: فهم يسمون في الجنة مساكين أهل الجنة.

الخامس: اعلم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أول من يحاسب، وأول من يدخل الجنة، روى ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون والأولون

(2)

)، وفي رواية عن ابن عباس: (فتفرج لنا الأمم، وتقول: كادت هذه الأمة أن تكون كلها أنبياء

(3)

)، وروى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون والأولون يوم القيامة، وفي رواية: السابقون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة، وفي رواية: نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق، وفي رواية: المقضي بينهم

(4)

)، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يكون الخلائق يوم القيامة مائة وعشرين صفا، طول

(1)

جمع الزوائد، باب ما جاء في الحساب، ج 10 ص 353.

(2)

ابن ماجه، رقم الحديث:4290. رياض الصالحين (مخطوط)، باب ما جاء في كثرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. أبو داود الطيالسي، ص 354. ولفظه: فنحن الآخرون الأولون أول من يحاسب وتفرج لنا الأمم عن طريقنا وتقول الأمم

(3)

مسند أحمد، الحديث:3707.

(4)

مسلم، باب هداية هذه الأمة يوم الجمعة، رقم الحديث: 855/ 856. البخاري، رقم الحديث: 238.

ص: 220

كل صف مسيرة أربعين ألف سنة، وعرض كل صف عشرين ألف سنة، قيل: يا رسول الله كم المؤمنون، قال: ثلاثة صفوف، فقيل له: والمشركون؟ قال: مائة وسبعة عشر صفا، قيل له: فما صفة المؤمنين من الكافرين؟ قال: المؤمنون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود

(1)

).

وروى مسلم والبخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: (يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول أخرج بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة، قال: فذلك حين يشيب الصغير "وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد"

(2)

). الحديث. وفيه: إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضا في جلد الثور الأسود. وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا

(3)

). وروى البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يأتي معي يوم القيامة من أمتي مثل الليل والسيل، فيحطم الناس حطمة، فتقول الملائكة: لما جاء معك أكثر مما جاء مع سائر الأمم والأنبياء؟

(4)

). وفي حديث ابن أبي شيبة: (أن أمة النبي صلى الله عليه وسلم ثلثا أهل الجنة، إن الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف وأمتي من ذلك ثمانون صفا

(5)

). وروى الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم

(6)

)، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عمر: يا رسول الله فهلا استزدته؟ فقال: قد استزدته فأعطاني مع كل واحد من السبعين الألف سبعين ألفا، فقال عمر: فهلا استزدته؟ فقال: قد استزدته فأعطاني هكذا، وفتح

(1)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط)، باب ما جاء في كئرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

(2)

البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، الحديث:3348. مسلم، كتاب الإيمان، الحديث: 222.

(3)

مسلم، كتاب الإيمان، الحديث: 196، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم.

(4)

رياض الصالحين، باب ما جاء في كثرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. - مجمع الزوائد، ج 10 ص 347.

(5)

مصنف ابن أبي شيبة، ج 7 ص 426.

(6)

الترمذي، كتاب صفة الجنة، الحديث:2546.

ص: 221

أبو وهب يديه، قال أبو وهب: قال هشام هذا أمر الله ما يدرى ما عدده

(1)

). وروى القرطبي في تذكرته: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب: رجل غسل ثوبه فلم يجد له خلفا، ورجل لم ينصب على مستوقده بقدرين قط، ورجل دعا بشراب فلم يقل له أيهما تريد وقال ابن مسعود: (من احتفر بئرا بفلاة من الأرض إيمانا واحتسابا دخل الجنة بغير حساب

(2)

).

السادس: روى مسلم (أن ناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تمارون

(3)

في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويبتع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيتَ الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها. الحديث. وفيه: (يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجوز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، أرأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم

(4)

).

واعلم أنه قد جاء في الصراط: أنه أرق من الشعر وأحد من السيف، وأنه سبع عقبات طول كل عقبة منه مقدار ثلاثة آلاف سنة. قاله ابن أبي جمرة. نقله الثعالبي

(5)

). وأن من استقام في الدنيا على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا، ومن أعرض عن الاستقامة في الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى عثر في أول قدم على الصراط، وروى الوائلي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على

(1)

نوادر الأصول، ج 2 ص 120. -رياض الصالحين (مخطوط).- مجمع الزوائد، ج 10 ص 413.

(2)

تذكرة القرطبي، أبواب الميزان، ص 338

(3)

كذا في الأصل والذي في مسلم تضارون.

(4)

مسلم، كتاب الإيمان، الحديث:182.

(5)

رياض الصالحين، باب ما جاء فيمن لا يوقف على الصراط.

ص: 222

الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدثن في دين الله حدثا برأيك

(1)

)، وقال القرطبي في تذكرته: اعلم -رحمك الله- أن في الآخرة صراطين أحدهما لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من يدخل الجنة بغير حساب أو التقطه عنق النار، فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه -ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله سبحانه منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم- حبسوا على صراط آخر خاص بهم، ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد بفضل الله؛ لأنهم عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، الذي سقط فيه من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات جرمه، فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقضى لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونُقُّوا أذن الله لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة من منزل كان له في الدنيا

(2)

). انتهى.

واعلم أن الناس متفاوتون في المرور على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يجوزه على مائة عام، ومنهم من يجوزه على ألف عام، ومع ذلك كله لن تحرق النار من رأى ربه عيانا لا يضام في رؤيته، وذلك أنه إذا لم يبق في الموقف إلا المؤمنون والمحسنون والمسلمون والعارفون والصديقون والشهداء والصالحون والمرسلون، تجلى لهم الرب سبحانه، فسجد له جميعهم، فقيل: أهلا بكم، فيمرون على الصراط والناس أفواجا: المرسلون ثم النبيئون ثم الصديقون ثم المحسنون ثم المؤمنون العارفون، ويبقى المسلمون، ومنهم المكبوب بوجهه، ومنهم المحبوس في الأعراف، ومنهم قوم قصروا عن تمام الإيمان، فمنهم من يجوز على الصراط على مائة عام، وآخرون يجوزون على ألف عام، ومع ذلك كله لن تحرق النار من رأى ربه عيانا لا يضام في رؤيته. قاله الغزالي.

وقال المحاسبي: واذكر الجسر بدقته وَهْوَلِه وزلته وعظيم خطره، وقد حل بفؤادك وجله حين رفعت طرفك فنظرت إليه مضروبا على متن جهنم، وجهنم تخفق بأمواجها من تحته، فيا له من

(1)

رياض الصالحين، باب ما جاء فيمن لا يوقف على الصراط.

(2)

البخاري، كتاب المظالم، الحديث: 2440 وكتاب الرقائق، الحديث:6335.

ص: 223

منظر ما أفْظَعَهُ وأهْوَلَهْ فتوهم نفسك، وقد قيل لك وللخلائق: اركبوا الجسر فطار قلبك فزعا ورعبا، فتوهم نفسك وقد رفعت إحدى قدميك لتركبه ووثبت بالأخرى لتستوي عليه، وقد أثقلتك أوزارك وأنت حاملها على ظهرك، وقد نظرت إلى الزالِّين والزالَّاتِ قد نكست رؤوسهم، وارتعدت على الصراط أقدامهم، ورمتهم الملائكة بالكلاليب فجذبتهم وهم يبكون وينادون بالويل والثبور، فتوهم ذلك بقلب فارغ وعقل جامع لِلْمَرِّ عليه، فإن أهوال يوم القيامة إنما خفت على الذين توهموها في الدنيا بعقولهم، فتحملوا في الدنيا الهموم خوفا من مقام ربهم فخففها عنهم يوم القيامة، فتوهم ذلك بقلب فارغ وهمة هائجة من قلبك بالرحمة لبدنك الضعيف، وارجع عما يكرهه منك مولاك إلى ما يرضاه عسى أن يرضى عنك، واستقِلْه عثراتك وابك من خشيته عسى أن يرحم عبراتك، فإن الخطر عظيم، والموت منك قريب، ومولاك مطلع على سريرتك وعلانيتك، فاحذر نظره إليك بالمقت والغضب، فإنه لا طاقة لك بغضبه، ولا صبر لك على عذابه. انتهى.

السابع: روى أبو بكر البزار عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه؛ فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين بعضَهم من بعض

(1)

). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لَتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء

(2)

)، وذكر أبو بكر الشافعي من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاتين تَنْتَطِحان فقال: يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطِحَان؟ قلت: لا أدري، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما، وقال: يقتص للخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة

(3)

). وقضية هذه الأحاديث أن لا يتوقف القصاص يوم القيامة على التكليف والتمييز، فيقتص من الطفل للطفل وغيره. قاله المحلي عند قول ابن السبكي: وله سبحانه إثابة العاصي وتعذيب

(1)

مجمع الزوائد، ج 10 ص 351.

(2)

مسلم، كتاب البر والصلة، الحديث:2582. بلفظ: "الجلحاء" بدل "الجماء".

(3)

مجمع الزوائد، باب ما جاء في القصاص، ج 10 ص 355.

ص: 224

المطيع وإيلام الدواب والأطفال. وروى أبو بكر البزار عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى، فيقول الله تعالى: لأصغر نعمه أَحْسِبُهُ قال في ديوان النعم: خذي ثمنك من عمله الصالح، فيستوعب عمله الصالح ثم تتنحى فتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا، قال: يا عبدي قد ضاعفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك، وأحسبه قال: وهبتك نعمتي

(1)

). وروى الترمذي عن عبد الله بن الزبير عن أبيه رضي الله عنهما: (لما نزلت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} ، قال الزبير: يا رسول الله أَتُكَرّرُ علينا الخصومة؟ قال: نعم، قال: إن الأمر إذا لشديد

(2)

)، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أتدرون ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار

(3)

). وروى النسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء

(4)

)، وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} ، قال: يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم، ويقول: أبشروا لكل واحد منكم مثل هذا

(5)

)، قال: وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد في جسده ستون ذراعا على صورة آدم، ويلبس تاجا فيراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من

(1)

الترغيب، كتاب البعث، ج 4 ص 223.

(2)

الترمذي، كتاب تفسير القرآن، الحديث:3236.

(3)

مسلم، كتاب البر والصلة، الحديث:2581. ولفظه: فقال إن المفلس من أمتى الخ.

(4)

النسائي، كتاب تحريم الدم، الحديث:3991.

(5)

سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، الحديث:3136.

ص: 225

شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا، قال: فيأتيهم، فيقول: اللهم خذه، فيقول: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا، قوله في الكافر: ويلبس تاجا؛ أي من العذاب. قاله الثعالبي. وفي حديث آخر أنه يعظم للنار، وتزرق عيناه، ويسود وجهه، ويكسى سرابيل القطران، ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا.

الثامن: قال المحاسبي رحمه الله: فتوهم نفسك وقد نوديت باسمك، يا فلان بن فلان، هلم إلى العرض على الملك الديان، وقد وكلت الملائكة بأخذك وقربك إلى الله تعالى لم يمنعها اشتباه الأسماء باسمك؛ إذ عرفت أنك الراد بالدعاء إذا قرع النداء قلبك، فعلمت أنك المطلوب فارتعدت فرانصك، واضطربت جوارحك، وتغير لونك وطارقلبك بتخطية الصفوف إلى ربك، للعرض عليه والوقوف بين يديه وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت في أيدي الملائكة، وقد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك، فتوهم نفسك وأنت بين يدي ربك، وفي يدك صحيفتك مخبرة بعملك لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل وقلب منكس ذليل، فليت شعري بأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك وعظيم جرمك، وأي قلب يحتمل كلام الملك الجبار في عظمته وقد سمعت كلامه فذكرت ذنوبك، فتوهم نفسك بهذه الهيبة والأهوال محدقة بك بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها: وكم من عمل طيب ظننت أنه قد سلم لك وخلص فرده عليك في ذلك الموقف، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها أظهرها وأبداها لك بعد أن كان أملك فيها عظيما؟ فيا حسرة قلبك وتأسفك على ما فرطت من طاعة ربك حتى إذا كرر السؤال تذكرت كل بلية ونشر كل خفية، فأجهدك الكرب وبلغ الحياء منك منتهاه لمخالفتك أمره وقلة حيائك منه وقلة اكتراثك باطلاعه عليك، وتوهم نفسك بعد المساءلة وقد بدا لك منه أحد أمرين إما العفو والرضا، وإما الغضب فإما أن يقول لك عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم وقد غفرت لك جرمك وتقبلت يسير إحسانك، فيستطير بالفرح والسرور قلبك، ويسفر بذلك وجهك، فتوهم نفسك وقد قالها لك فبدا إشراق السرور ونوره في وجهك، فابيض لذلك بعد كآبته، وتوهم فرحة قلبد برضائه عنك حتى سمعته يقول لك كدت أن تموت فرحا وسرورا، فكيف بك لو قد سمعت من الله الرضا، فأمن خوفك

ص: 226

وسكن حذرك وحقق أملك وأيقنت بفوزك ونعيمك؟ وتوهم نفسك وقد فرحت بوجه حل به الكمال والجمال والحسن، كتابك في يمينك أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، لقد شهرك الله سبحانه. جميع خلقه، وحقق حسن الظانين بك، وإن في هذه المنزلة غدا على رؤوس الخلائق لعوضا من المنزلة عند العباد بطاعتك والتصنع لهم في الدنيا، فإن زهدت في التصنع بطلب المنزلة عندهم بطاعة ربك وعاملته وحده عوضك المنزلة الكبرى على رؤوس الخلائق، فشهرك برضائه عنك وولايته إياك، فتوهم نفسك وأنت تتخطى الرقاب كتابك في يمينك بجمال وجهك ونوره، وفرحة قلبك وسروره، وقد شخصت الأبصار إليك، وغبطك ذلك الجمع فليعظم في ذلك أملك، فإنه إن تفضل عليك بذلك نلت الدرجة العليا، وإن كان غير ذلك فإني أخاف أن يقول لك: عبدي أنا عليك غضبان فلن أغفر لك عظيم ما أتيت، ولن أتقبل منك ما عملت، وأن يقول لك عند بعض ذنوبك العظيمة: وعزتي وجلالي لا تذهب بها مني، فتوهم نفسك إن لم يَعْفُ وقد قالها لك، وأمر الزبانية فابتدرتك بفظاظتها غضبا لغضب الله تعالى، مقربون إليه بالعنف وإدخال الذل والهوان عليك، فتوهم نفسك وأنت في أيديهم ذليلا موقنا بالهلاك وهم ذاهبون بك إلى النار، وقد اسود وجهك وأنت تنادي بالويل والثبور، وقد فضحك الله عند خلقه وعند من آثرته عليه بالمعاملة ورضيت بحمده على طاعة ربك عوضا من حمده، فتوهم ذلك واذكر هلذا الخطر وكن على حذر.

التاسع: روى القرطبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الكتب كلها تحت العرش، فإذا كان الموقف بعث الله ريحا فَتُطِيرُهَا بالأيْمان والشمائل، أول خط فيها:{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}

(1)

)، وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير

(2)

)، الحديث، ورواه ابن ماجة وأبو بكر البزار أيضا عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: وأما الثالثة فتطاير الكتب يمينا وشمالا،

(1)

التذكرة للقرطبي، ص 227.

(2)

الترمذي، أبواب صفة القيامة، الحديث: 242 ابن ماجه، كتاب الزهد، الحديث:4277.

ص: 227

ذكره الترمذي الحكيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الناس يعرضون ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة تطاير الصحف فالجدال لأهل الأهواء؛ لأنهم [لا]

(1)

، يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم، والمعاذير لله تعالى يعتذر الكريم سبحانه إلى آدم وإلى أنبيائه على جميعهم الصلاة والسلام، ويقيم حجته سبحانه [عندهم]

(2)

على الأعداء، ثم يبعثهم إلى النار، فإنه سبحانه يُحِبُّ أن يكون عذره عند أنبيائه وأوليائه ظاهرا حتى لا تأخذهم [الحيرة ولذلك]

(3)

قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، ولا أحد أحب إليه العُذر من الله سبحانه. والعرضة [الثالثة]

(4)

للمؤمنين، وهو العرض الأكبر يخلو بهم سبحانه يعاتب في تلك الخلوات من يريد أن يعاتبه حتى يذوق وبال الحياء، ويرفض عرقا بين يديه، ويفيض العرق منهم على أقدامهم من شدة الحياء: ثم يغفر لهم ويرضى عنهم

(5)

).

ونقل الثعالبي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (يدني الله العبد منه يوم القيامة ويضع عليه كنفه، فيستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يابن آدم كتابك، قال: فيمر بالحسنة فَيَبْيَضُّ لها وجهه، ويمر بالسيئة فيسود لها وجهه، قال: فيقول الله تعالى: فإني أعرف بها منك قد غفرتها لك، فلا يزال بحسنة تقبل فيسجد وبسيئة تغفر، فيسجد فلا يرى الخلائق منه إلا ذلك حتى ينادي الخلائق بعضها بعضا: طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ولا يدرون ما لقي فيما بينه وبين الله سبحانه مما قد أوقفه عليه

(6)

).

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ثلاث مرات، قال: وهو مقر ليس ينكر، قال: وهو مشفق من الكبائر أن تجيء، قال: فإذا أراد

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من التذكرة، ص 227.

(2)

التذكرة، ص 227.

(3)

التذكرة، ص 227.

(4)

التذكرة، ص 227.

(5)

التذكرة، ص 227.

(6)

رياض الصالحين (مخطوط).

ص: 228

الله به خيرا، قال: أعطوه مكان كل سينة، حسنة فيقول حين طمع: يا رب إن لي ذنوبا ما رأيتها ها هنا، قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم تلا:{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}

(1)

)، هذا حديث صحيح، قاله الثعالبي.

وفي صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة

(2)

). وروى: (من ستر على مسلم عورته ستر الله عورته يوم القيامة

(3)

)، قال أبو حامد: فهذا إنما يرجوه عبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم، واحتمل في حق نفسه تقصيرهم، ولم يحرك نفسه بذكر مساوي الناس، ولم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه، فهذا جدير بأن يجازى بمثله يوم القيامة. وفي حديث بعد الكلام على المؤمن: (وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين

(4)

). وروى أبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} ، قال: عن كل شيء من لذة الدنيا.

العاشر: قال المحاسبي رحمه الله تعالى: توهم ذلَّتَكَ وانفرادك وغربتك في القيامة وغمومك وأحزانك في زحمة الخلائق أذلاء مصمتون بالذلة والمسكنة والرهبة فلا تسمع إلا همس أقدامهم وهم مقبلون نحو المنادي ساعين إليه بالذلة والخشوع، وقد اجتمعت الأمم من الإنس والجن حفاة عراة أذلاء قد نزع الملك من ملوكهم، ولزمهم الصغار بعد عتوهم والذلة بعد تكبرهم، ثم أقبلت الوحوش من أماكنها منكسة رؤوسها بعد توحشها من الخليقة وانفرادها ذليلة من هول يوم النشور من غير ريبة أتتها ولا خطيئة أصابتها حتى وقفت من وراء الخلائق بالذلة والانكسار للملك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد تمردها وعتوها خاضعة ذليلة للعرض على الملك الديان حتى تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها، تناثرت نجوم السماء من فوقهم وطمست الشمس والقمر فأظلما عليهم، وصارت سماء الدنيا من فوقهم ثم انشقت بغلظها وهي خمس مائة عام، فيا هول انشقاقها في سمعك، ثم ذابت حتى

(1)

مسلم، كتاب الإيمان، الحديث:190.

(2)

مسلم، كتاب البر والصلة، الحديث:2590.

(3)

ابن ماجه، كتاب الحدود، الحديث:2546. - والإتحاف، ج 10 ص 569.

(4)

البخاري، كتاب التفسير، الحديث:4685. مسلم، كتاب التوبة، الحديث: 2768.

ص: 229

صارت مثل الفضة المذابة وهبطت الملائكة من حافاتها إلى الأرض بالتقديس لربها، فتوهم انحدارهم من السماء بعظم أجسادهم، وهول أصواتهم، وشدة فرقهم من خوف ربهم، فتوهم فزعك وفزع الخلائق عند نزولهم مخافة أن يكونوا قد أمروا بهم فأخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسي رؤوسهم لعظم هول يومهم، قد تسربلوا أجنحتهم ونكسوا رؤوسهم بالذلة والخشوع لربهم، وكذلك ملائكة كل سماء إلى السماء السابعة قد أضعف كل أهل سماء على أهل السماء الذين قبلهم في العدد وعظم الأجسام والأصوات، حتى إذا وافوا الموقف أهل السماوات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حر عشر سنين، ثم أدنيت من الخلائق قاب قوسين فلا ظل ذلك اليوم إلا ظل عرش رب العالمين، فكم بين مستظل بظل العرش وبين واقف لحر الشمس قد أصهرته واشتد فيها كربه وقلقه، وقد ازدحمت الخلائق وتضايقت وانقطعت الأعناق من العطش، قد اجتمع عليهم في مقامهم حر الشمس ورهج أنفاسهم وتزاحم أجسامهم، ففاض العرق منهم على وجه الأرض ثم على أبدانهم على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم من السعادة والشقاوة، فمنهم من يبلغ منه العرق إلى منكبيه وحقويه وإلى شحمة أذنيه، ومنهم من قد ألجمه العرق وكاد يغيب فيه، فتوهم نفسك في ذلك الموقف فإنك لا محالة واحد منهم، وتوهمها إذا علاك العرق وأطبق عليك الغم وضاقت نفسك وأنت منتظر لفصل القضاء إلى دار السعادة أو دار الشقاء -نجانا الله من سخطه- حتى تكون من رؤوسهم قاب قوس أو قوسين، فتعطى حر عشر سنين وليس على أحد طحربة ولا ترى فيه عورة مؤمن، ولا مؤمنة، ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة، وأما الآخرون أو الكفار فتطبخهم فإنما تقول أجوافهم: غِقْ غِقْ، قال نعيم: الطحربة الخرقة، ورواه هناد بن السري بسنده عن أبي عثمان النهدي عن سليمان، فذكره سواء إلا أنه قال: ولا يَجِد بَدَلَ وَلا يضر، وقال: وأما الكافرون أو الآخرون فتطبخهم طبخا حتى يسمع لأجوافهم غِقْ غِقْ. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة. وقال: حتى تقول أجوافهم غرغر، فإذا رأوا ما هم فيه، قال بعضهم لبعض: أما ترون ما أنتم فيه ائتوا أباكم آدم فيشفع لكم، الحديث. وقد مر. قال القرطبي: قوله لا يضر حرها مؤمنا ولا مؤمنة، ليس على عمومه، وإنما المراد -والله أعلم- لا يضر مؤمنا كامل الإيمان، ومن استظل بظل عرش الرحمان، كما جاء في الحديث. وقال بعض السلف: لو طلعت الشمس على

ص: 230

الأرض على هيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض وذابت الصخور وتنشفت الأنهار، وقال الغزالي: وكيف لا يكون القلق وقد قربت الشمس حتى لو مد أحدهم يده لنالها ويضاعف حَرُّهَا سبعين مرة؟ انتهى. فسبحان الذي حبس أرواحهم مع هذا البلاء العظيم، أعاذنا الله منه بجاه نبيه محمد الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم أفضل الصلاة والتسليم. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم

(1)

) قال ابن أبي جمرة رضي الله عنه: وهذه إشارة إذا نظرناها يزيد المرء بها تهويلا وتعظيما؛ وهو أنه أخبر صلى الله عليه وسلم: أن النار تدور بالمحشر كالخاتم بالإصبع وأن الشمس ينقلب وجهها إلى الناس وتدنى من رؤوسهم حتى يكون بينها وبينهم قدر الميل)

(2)

؛ وهو المرود الذي تكتحل به العين، فانظر كيف تكون حرارة تلك الأرض التي يكون الناس عليها؟ وماذا عسى أن يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعا ثم بعد ذلك يلجمهم؟ وكيف تكون حرارته؟ فسبحان الذي حبس أرواحهم مع هذا البلاء العظيم، أعاذنا الله منه. انتهى.

وقال عبد الحق: فتفكر في المجتمع، وكيف يقومون على أقدامهم قد جمعوا جمع النبل في الكنانة؟ وقد انشقت السماء فوقهم وذابت عليهم وسالت على رؤوسهم فطاشت الألباب وذهلت العقول، فيا له من هول تنهد منه الجبال. وقد جاء أن ثم من لا يحضر تلك المواطن مثل الشهداء؛ لأنه قد جاء أنهم يقومون من قبورهم إلى قصورهم، ومنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وَمَا جاء في حقهم أَنّهُم على كراسي وفي ظل عرش الرحمان، وأن العلماء هناك دون الأنبياء بدرجة، والصديقين دونهم، وهذه كلها أخبار والخبر لا يدخله النسخ، ويجوز الجمع بين ذلك بأن تقول قوله صلى الله عليه وسلم: يعرق الناس هو حال الأغلب. ونقل الثعالبي عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إذا كان يوم

(1)

البخاري، كتاب الرقاق، الحديث:6532.

(2)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط).

ص: 231

القيامة وضعت منابر من نور، عليها قباب من نور ثم ينادي مناد أين الفقهاء، وأين الأئمة، وأين المؤذنون؟ اجلسوا على هذه فلا روع عليكم ولا حزن حتى يفرغ الله فيما بينه وبين العباد من الحساب

(1)

). وروى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن داود، قال: (إذا كان يوم القيامة عزل الله تعالى العلماء عن الحساب، فيقول: ادخلوا الجنة على ما كان فيكم، إني لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أردته بكم، وزاد غيره في هذا الخبر: (إن الله يحبس العلماء يوم القيامة زمرة واحدة حتى يقضي بين الناس، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يدعو العلماء، فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع حكمتي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم، قد علمت أنكم تخلطون من العاصي ما يخلط غيركم فسترتها عليكم وقد غفرتها لكم، وإنما كنت أعبد بفتياكم وتعليمكم عبادي، ادخلوا الجنة بغير حساب، ثم قال: لا معطي لما منع الله ولا مانع لما أعطى الله

(2)

)، قال أبو عمر: وقد روينا نحو هذا بالمعنى بإسناد متصل عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يميز العلماء، ثم يقول لهم: يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم

(3)

)، وحدثنا عبد الرحمن بإسناده، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يبعث الله عز وجل العباد، فذكر مثله، وروى الثعالبي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر الله تعالى جبريل أن يأتيهم، فيسألهم من هم، فيأتيهم فيسألهم، فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول الله تعالى لهم: ادخلوا الجنة طال ما كنتم تصلون على النبي صلى الله عليه وسلم

(4)

)، وفي الجامع الصغير: (إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار، وإنه ليعلم ما فيها من العذاب

(5)

).

(1)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط). وتذكرة القرطبي، ص 340.

(2)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط). جامع بيان فضل العلم، ص 57.

(3)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط). جامع بيان فضل العلم، ص 57.

(4)

الإتحاف، ج 5 ص 55.

(5)

الجامع الصغير، رقم الحديث:2059. الحاكم، ج 4 ص 577.

ص: 232

واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته، وقال الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله: والعجب منك كيف تقر عينك أو يزايل الوجل قلبك، وقد عصيت ربك والموت لا محالة نازل بك بكربه وغصصه ونزعه وسكراته، فكأنه قد نزل بك، فتوهم نفسك وقد صرعت صرعة للموت لا تقوم منها إلا إلى المحشر إلى ربك، فتوهم نفسك إلى نزع الموت وسكراته وغصصه وكُرُبَاتِهْ، وقد استحث النزع وجذبت الروح وبلغ الكرب منتهاه، وقلبك وجل محزون منتظر للبشرى من ربك بالرضى أو بالسخط، فبينما أنت في كربك وغمومك وألم أوجاعك؛ إذ نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت في أحسن صورة أو أقبحها، وقد تعلق قلبك لما يفجؤك؛ إذ سمعت صوته: أبشر يا ولي الله برضائه وثوابه، أو أبشر يا عدو الله بسخطه وعقابه، فتستيقن حينئذ بفوزك ونجاتك أو بعطبك وهلاكك، فتوهم نفسك حينئذ وقد استطار قلبك فرحا وسرورا، أو ملئ غما وحزنا، واذكر القبر بهول مطلعه وعظيم روعه، وسؤال الملكين فيه إياك عن إيمانك، فمُثَبَّتٌ من الله بالقول الثابت، ومُحَيَّرٌ شاك مخذول، وتوهم أصواتهما إذ يناديانك فتجلس لسؤالهما إياك، فتوهم جلستك في ضيق لحدك وشخوصك ببصرك إلى صورتهما، فإن رأيتهما في أحسن صورة حس قلبك بالفوز والنجاة، وإن كان غير ذلك حزن قلبك وحس بالهلاك والعطب، وتوهم إقبالهما عليك إن ثبتك الله بالسرور وانفراج جوانب قبرك واتساعه عليك، وقولهما لك عند ذلك باللين واللطف: انظر إلى ما صرف الله عنك من عذابه فيزاد قلبك فرحا وسرورا بسلامتك من النار وتوهم ضربهما بأرجلهما جوانب القبر وانفراجه عن الجنة بزينتها ونعيمها، وقولهما لك: انظر يا عبد الله ما أعد الله لك فهذا منزلك وإليه مصيرك، وتوهم سرور قلبك وفرحك عندما عاينت من نعيم الجنان أنك سائر إليها، وإن تكن الأخرى فتوهم قولهما لك: انظر إلى ما حرمك الله عند معاينتك للجنة وقولهما لك: انظر إلى ما أعد الله لك من النار فهذا منزلك ومصيرك فيزداد غمك وحزنك، وتوهم الفناء والبلى إذا انقطعت أوصالك في القبر وفنيت عظامك وبلي بدنك، ولم يبل الحزن أو الفرح من روحك، فروحك متطلعة عند القيام للنشور إلى رضاء الله وثوابه، أو إلى غضبه وعقابه، فيا حسرة روحك وغمومك، أو يا غبطة روحك وسرورك، حتى إذا تكاملت عدة الموتى فصاروا خامدين بعد

ص: 233

حركاتهم، فلا حس يسمع ولا شخص يرى، وبقي الجبار عز وجل كما لم يزل أزليا واحدا منفردا بعظمته وجلاله، ثم يَفْجَأ رُوحك نداء المنادي للعرض على الله عز وجل. انتهى.

وروى أبو بكر بن الخطيب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قطُّ، وأظمأَ ما كانوا قطُّ، وأعرى ما كانوا، وأنصب ما كانوا، فمن أطعم لله أطعم، ومن سقى لله سقاه، ومن كسا لله كساه، ومن عمل لله كفاه

(1)

)، وقال محمد بن كعب: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوى السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يومئذ، فذلك قوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ} ، وقوله تعالى:{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} . الآية. الجمهور على أن النور هنا نور حقيقة، وقد روي عن ابن عباس وغيره آثار مضمنها أن كل مؤمن مظهر للإيمان يعطى يوم القيامة نورا، فيطفأ نور كل منافق، ويبقى نور المؤمنين حتى أن منهم من نوره يضيء كما بين مكة وصنعاء، رفعه قتادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من نوره كالنخلة السحوق، ومنهم من نوره يضيء ما قرب من قدميه، قاله ابن مسعود. ومنهم من يهم بالانطفاء مرة، ويبين مرة على قدر المنازل في الطاعة، والمعصية، قال قتادة: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة: يا فلان هذا نورك، يا فلان لا نور لك نعوذ بالله من ذلك، فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا، فمعرفة الله تعالى اليوم هي النور في القيامة، وقول المنافقين:{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} ؛ أي أخروا مشيكم حتى نلتحق فنقتبس؛ أي نأخذ من نوركم قبسا، والقبس: الشعلة من النار والسراج، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين، وهذا منهم جهل؛؛ لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا وهم لم يقدموها، قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله، ثم يؤخذ من حَجَرِ جهنم ومما فيها من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق، ثم تمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضوإ كوكب في السماء ثم على ذلك، ثم تغشاهم ظلمة تطفئ نور

(1)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط). والتذكرة للقرطبي، ص 180.

ص: 234

المنافقين، فهناك يقول المنافقون للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم، قال الغزالي في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة: فإذا استوى كل أحد قاعدا على قبره، فمنهم العريان، ومنهم المكسو والأسود والأبيض، ومنهم من يكون له نور كالصباح الضعيف، ومنهم من يكون كالشمس، لا يزال كل واحد منهم مطرقا برأسه ألف عام حتى تقوم من المغرب نار لها دوي، فيدهش منها الخليقة إنسا وجنا وطيرا ووحشا، ويأتي كل واحد من المخاطبين عمله، ويقول له: قم انهض إلى المحشر، فمن كان له حينئذ عمل جيد شخص له عمله بغلا ومنهم من يشخص له غير ذلك يحمله، ويجعل لكل واحد منهم نور شعاعي بين يديه وعن يمينه مثله يسري بين يديه في الظلمات؛ وهو قوله تعالى:{يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} ، وليس عن شمائلهم نور بل ظلمة حالكة لا يستطيع نفاذها، يحار فيها الفكر ويتردد المرتابون، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكتها وشدة حِندسها، ويحمد الله سبحانه على ما أعطاه من النور المهتدى به في تلك الشدة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم؛ لأن الله تعالى يكشف للعبد المؤمن المنَعَّم من أحوال العذب الشقي ليتبين له قدر النعمة، ومن الناس من يبقى على قدميه وعلى طرف بنانه، نوره يطفأ مرة ويشتعل أخرى، وإنما هم عند البعث على قدر إيمانهم وأعمالهم، وقوله تعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} ، اعلم أنه ورد في تبديل الأرض أخبار منها ما في صحيح البخاري عن سهل بن سعد، قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى

(1)

)، قال سهل وغيره: ليس فيها معلم لأحد، ومنها ما في الصحيح: (أن الله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه

(2)

)، ومنها: (أنها تبدل أرضا من فضة

(3)

)، وروي (أنها أرض كالفضة

(4)

)، وروي: (أنها تبدل نارا

(5)

)، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (المؤمنون في وقت التبديل في ظل العرش

(6)

)، وروي عنه أنه قال: (الناس وقت التبديل على

(1)

البخاري، كتاب الرقاق، الحديث:6521. مسلم، كتاب صفات المنافقين، الحديث: 2790.

(2)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط). التذكرة، ص 170. وتفسير ابن كثير، ج 2 ص 1010.

(3)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط).

(4)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط). التذكرة، ص 170.

(5)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط). التذكرة، ص 170.

(6)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط).

ص: 235

الصراط

(1)

)، وروي أنه قال: (الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزه ما لديه

(2)

)، والظاهر من هذا أن التبديل لكل فريق بما يقتضيه حاله، فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه، وفريق يكون على فضة، وفريق الكفر يكونون على نار، وأن التبديل بحسب مواطن الآخرة، ولا شك أن للآخرة مواطن وللناس أحوالا مختلفة فيها، كما أن أحوالهم في الدنيا مختلفة، وبهذا ونحوه يقع الجمع بين الآثار، والقاعدة والعقيدة أن كل ما أخبر الله به ورسوله حق لا تعارض ولا تناقض فيه بوجه، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} وروى البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول: ما شاء الله فسألنا يوما، فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد، قال بعض أصحابنا عن موسى أنه يدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر كذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا رجلا مضطجعا على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إليه حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه قلت ما هذا؟ قالا: انطلق فانطلق إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع تتوقد تحته نار، فإذا اقتربت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر، قال يزيد ووهب بن حربي بن حزام: وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فَجَعَل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان،

(1)

مسلم، كتاب صفة القيامة، الحديث:2791.

(2)

رياض الصالحين للثعالبي (مخطوط). وتفسير ابن كثير، ج 2 ص 1010.

ص: 236

وإذا برجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي الشجبرة فأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها فيها رجال شيوخ وشبان ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، فقلت: طوفتماني فأخبراني ما رأيت، قالا: نعم الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة لتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله تعالى القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثقب فهم الزناة والذي رأيته في النهر آكل الربا، والذى يوقد النار مالك خازن النار، وشيخ في أصل الشجرة: إبراهيم، والصبيان حوله: فأولاد الناس، والدار الأولى التي دخلت: دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فهي: دار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قال: ذلك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، فقالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته دخلت منزلك

(1)

).

وروى الحليمي بسنده عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه، قال: (إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، يؤذن المؤذن، ويلبي الملبي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم الخليل، ثم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم النبيئون والرسل عليهم السلام، ثم يكسى المؤذنون وتتلقاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر أزمتها من زبرجد أخضر رحالها من المذهب، ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر

(2)

)، وفي الحديث: (تحشرون حفاة عراة غرلا

(3)

)؛ أي غير مختونين. وفي كتاب أبي الليث السمرقندي ما نصه: وأول من يكسى يوم القيامة من كسوة الجنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم محمد صلى الله عليه وسلم، وروى في رواية أخرى: محمد: ثم إبراهيم: ثم يكسى الرسل والأنبياء، ثم المؤذنون المحتسبون، وتتلقاهم الملائكة بنجائب من ياقوت أحمر يشيع كل رجل منهم بسبعين ألف ملك من قبره، فيجاء به إلى المحشر، وقال الإمام الثعالبي: قال عبد الحق رحمه الله: اعلم رحمك الله أن أمر الخاتمة إذا ذكر حقيقة ذكره انفطرت له القلوب، وتشققت

(1)

البخاري، كتاب الجنائز، الحديث:1386.

(2)

تذكرة القرطبي، ص 185.

(3)

البخاي، كتاب الرقاق، الحديث:6526.

ص: 237

وانصدعت له الأكباد وتقطعت، ففي الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتم

(1)

)، وروي من طريق آخر وليس فيه فيما يبدوا للناس، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جف القلم بما أنت لاق

(2)

)، وقال عليه السلام: (رفعت الأقلام وجفت الصحف

(3)

)، ذكر هذه الأحاديث البخاري ومسلم والترمذي، وعند أحدهم ما ليس عند الآخر: فانظر رحمك الله كيف تقر عين عاقل في هذه الدار مع هذه الأحوال، وتوقع هذه الآمال. انتهى. ومن أجل هذا بكى سفيان وغير سفيان، وإنه للأمر الذي يبكى منه.

وقال عبد الحق رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منه- لا يكون لمن استقام ظاهرد وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به -والحمد لله- وإنما تكون لمن كان به فساد في العقد، وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل عليه الموت قبل التوبة، ويثب عليه قبل الإنابة، ويأخذه قبل إصلاح الطوية فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله ثم العياذ بالله، أو تكون لن كان مستقيما ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه ويأخذ في غير طريقه، فيكون ذلك سببا لسوء خاتمته وشؤم عاقبته والعياذ بالله {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} . انتهى.

قال جامعه الفقير رحمه الله تعالى: ليت شعري ما إليه موئلي، وما إليه موردي وموعدي؟ وروى الثعالبي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح الغداة: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، كانت له أمانا من الفقر وأمانا من وحشة القبر، واستقرع باب الجنة واستجلب الغنى

(4)

).

وقال عياض في المدارك: قال يحيى بن عمر: كان سحنون، يقول: ترك الحرام أفضل من جميع عبادة الله تعالى: وترك الحلال لله أفضك من أخذه، وإنفاقه في طاعة الله سبحانه، وقال: ترك دانق مما حرم

(1)

البخاري، كتاب الجهاد والسير، الحديث:2898. كتاب الرقاق، الحديث 6493. مسلم، كتاب الإيمان، الحديث:112.

(2)

البخاري، كتاب النكاح، الحديث:5076.

(3)

الترمذي، أبواب صفة القيامة، الحديث 2516.

(4)

رياض الصالحين (مخطوط).

ص: 238

الله سبحانه أفضل من سبعين ألف حجة يتبعها سبعون ألف عمرة مبرورة متقبلة، وأفضل من سبعين ألف فرس في سبيل الله بزادها وسلاحها، ومن سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت الله العتيق، وأفضل من عتق سبعين ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل، فبلغ كلامه هذا عبد الجباربن خالد، فقال: نعم، وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا وفضة كسبت؛ أي من حلال، وأنفقت في سبيل الله لا يراد بها إلا وجه الله تعالى. نقله الثعالبي. ونقل الثعالبي عن أبي حازم أنه قال: يا عجبا لقوم يتركون العمل والزاد لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة، ويعملون لدار يرحلون عنها في كل يوم مرحلة، ونقل عنه أيضا أنه قال: انظر الذي تحب أن يكون معك فقدمه اليوم، وانظر الذي تكره أن يكون معك في الآخرة فاتركه.

ولما أنهى الكلام على أعظم أركان الإسلام بعد الإيمان بالله تعالى، وهو الصلاة شرع فيما يليه رتبة؛ وهو الزكاة، ولم يفصل بينهما بفاصل لأنهما لم يقعا في كتاب الله إلا هكذا، فقال:

ص: 239

‌باب: ذكر فيه أحكام الزكاة وما تجب فيه،

وقدر الواجب وما يتعلق بذلك

وفي حديث الطليطلي أنه: لا صلاة لمن لا زكاة له ولا زكاة لمن لا صلاة له، والزكاة في اللغة النماء والبركة وزيادة الخير، يقال: زكا الزرع إذا نمى، وزكت البقعة بورك فيها، وفلان زاك كثير الخير، ومنه تزكية الشهود لأنهم رفعوا من حال السخطة إلى حالة العدالة، والزكاة شرعا اسما جزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابا، ومصدرا إخراج جزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابا، قاله ابن عرفة. قوله: شرط وجوبه لمستحقه، يخرج الخمُس وما أشبهه، وأورد عليه من قال: إذا بلغ مالي عشرين دينارا فعلي لله دينار منها -مثلا- فيصدق على هذا الدينار أنه جزء من المال شرط الخ.

واعلم أن في قول ابن عرفة: شرط وجوبه: تسامحا؛ لأن النصاب سبب لا شرط، وقول ابن عرفة: اسما منصوب على ما قيل في قولنا: الدليل لغة قيل على التمييز، وهو مردود، وقيل: على إسقاط الخافض وهو أقرب إلا أنه قليل، وإنما قلنا إن نصبه على التمييز مردود؛ لأن اللفظ المشترك لا يصح نصب التمييز بعده للفرق بين الإبهام الذاتي والرضي. قاله الشيخ الخرشي. وسميت الزكاة زكاة لأنها تعود في المال بالبركة والتنمية، أو لأن القدر الخرج ينمو عند الله ويزكو كما في الحديث: (ما تصدق عبد بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا كان كأنما يضعها في كف الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ أو فصيله حتى تكون كالجبل

(1)

). وفيه ولم يقل: ولده؛ لأن الولد ليس بمال يتصدق به، ولأن النفعة بالفلو والفصيل محققة إما بالركوب أو بالحمل أو بالثمن، ومن الانتفاع بالصدقة أنها تظله يوم القيامة من حر الشمس حتى يقضى بين الناس، أو لأن صاحبها يزكو بأدائها، كما قال تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} . انظر الشبراخيتي. وفي الحديث: (ما فرض الزكاة إلا ليطيب

(2)

ما بقي من أموالكم

(3)

). انتهى. فإذا لم تخرج منه كان خبيثا؛ ولذا سميت أوساخا.

(1)

مسلم، كتاب الزكاة، الحديث:1014. الترمذي، كتاب الزكاة، الحديث: 661.

(2)

في الأصل لتطيب، والمثبت من أبي داود، كتاب الزكاة، الحديث:1664.

(3)

أبو داود، كتاب الزكاة، الحديث:1664. ولفظه: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم.

ص: 240

تنبيهات: الأول: اعلم أن الزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر؛ أي في سنتها كما في الخرشي.

الثاني: اعلم أن الزكاة وردت في الشرع بألفاظ مختلفة منها الصدقة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} ، من التصديق الذي هو الإيمان؛ إذ دافعها مصدق بوجوبها. قاله الشبراخيتي. وفي الإكمال: أنها من الصدق؛ لأنها دليل على صدق صاحبها في الدين. انتهى. وهو حسن والله أعلم. ومنها الحق: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ؛ إذ هو لغة الثابت، فهي ثابت وجوبها، ومنها الإنفاق:{وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} ، ومنها العفو:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} إذ هو في اللغة الزائد، فكأنها زيادة على الغني، ومنها الماعون:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} .

الثالث: ذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في التنوير: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تجب عليهم الزكاة؛ لأنه لا ملك لهم مع الله، إنما كانوا يشهدون ما بأيديهم من ودائع الله لهم، يبذلونه في أوان بذله، ويمنعونه في غير محله، ولأن الزكاة إنما هي طهارة لا عسى أن يكون ممن وجبت عليهم، والأنبياء مبرؤون من الذنب لعصمتهم. انتهى. وقد قال تعالى:{وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} ، فانظر ما تأويلها عثدهم، أجارنا الله من السوء ببركتهم، وأفاض علينا مما منحهم، رضي الله عنهم آمين.

الرابع: اعلم أن متعلقات الزكاة شرعا ستة: الماشية، والحرث، والنقدان، والتجارة، والمعادن، والفطر. وقدم المصنف زكاة الماشية والحرث على العين مع أنه خلاف ترتيب المدونة وابن الحاجب ونحوهما؛ لشرف ما ينمو بنفسه، وقدم الحيوان لشرفه على الجماد، وبدأ منها بالإبل اقتداء بأبي بكر رضي الله عنه، ولأنها أشرف أموال العرب، فقال: تجب زكاة نصاب النعم؛ يعني أن الزكاة واجبة في النصاب من النعم، والنصاب هو القدر الذي إذا بلغة المال وجبت فيه الزكاة، والنعم: الإبل والبقر والغنم، وجمع النعم: أنعام، وجمع الجمع: أناعيم. قاله الحطاب. وسمي النعم نعما لكثرة نعم الله فيه على خلقه من النمو، وعموم الانتفاع به مع كونها مأكولة؛، ولذلك وجبت فيها الزكاة، وفي الذخيرة: والنعم والنعمة والنعيم والنعماء مأخوذ من لفظ نعم؛ لأن الجواب بها يسر غالبا، فاشتق منها ألفاظ هذه الأمور لكونها سارة، ولفظ الغنم مأخوذ من الغنيمة،

ص: 241

والبقر مأخوذ من البقر الذي هو الشق؛ لأنها تبقر الأرض أي تشقها، والجمل مأخوذ من الجمال؛ لأن العرب تتجمل بها. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب. وسميت الإبل إبلا لأنها تأبل بالرطب عن الماء؛ أي تجزأ وهو الحق، لا لأنها تبل ساقيها لعدم الوفاق في المادة، قال الشاعر:

لقد أبلت شهري ربيع كليهما

وقد تم فيه نسؤها واقترارها

فسود ماء المرد فاها فلونه

كلون النَّئور وهي أدماء سارها

ويقال: نسأت الإبل: بدا سمنها، والاقترار: السمن أو نهايته، والنئور كصبور: حصاة كالإثمد، والسار والسائر: البقية. والله أعلم. وقوله: "النعم"، احترز به من الخيل والبغال والحمير والعبيد، فلا تجب فيها الزكاة، وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة

(1)

).

واعلم أنه إذا كانت الخيل للتجارة وجبت فيها الزكاة إجماعا، وخالف أبو حنيفة في الخيل التي ليست للتجارة، فأوجب في كل فرس دينارا أو ربع عشر قيمتها على التخيير، وقوله:"زكاة نصاب النعم"، الزكاة فيه بالمعنى المصدري الذي هو الإخراج؛ لأن الوجوب من الأحكام التكليفية، ولا يكلف إلا بفعل اختياري.

تنبيه: قد علمت أن النصاب هو القدر الذي إذا بلغة المال وجبت فيه الزكاة، كما قاله الإمام مالك. وسمي نصابا لأنه كالعلم المنصوب لوجوب الزكاة، وفي الكتاب العزيز:{كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} ؛ أي شيء منصوب كعلم أو راية، ومعنى يوفضون يسرعون، أو لأن المال إذا بلغة نُصِبَ إليه ببعث السعاة من النصب بالتحريك بمعنى التعب، أو من النصيب بمعنى الحظ؛ لأن للمساكين فيه نصيبا حينئذ. المازري: النصاب لغة: أصل الشيء، فلما كان ما علق عليه الزكاة هو مبدأ الوجوب سمي نصابا لكونه أصلا في الوجوب، وقوله:"تجب"؛ يعني أن الزكاة واجبة كتابا وسنة وإجماعا، أما وجوبها بالكتاب، ففي غير آية، وأما وجوبها بالسنة فَلِمَا أخرجه الخمسة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى

(1)

البخاري، كتاب الزكاة، الحديث:1463. ومسلم، رقم الحديث: 982. ولفظه: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة.

ص: 242

اليمن، فقال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى، فإذا عرفوا عبادة الله تعالى، فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم إن هم أطاعوا لذلك، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب

(1)

). رواه في التيسير. وروى فيه أيضا عن الخمسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حق الله فيها إلا جاءت يوم القيامة أكبر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها وتنطحة بقرونها وتطأه بأظلافها، ليس فيها جماء ولا منكسر قرنها، كلما مرت عليه أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الخلائق، ولا صاحب كنز لا يعمل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه، فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني، فإذا رأى أنه لا بد له منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل

(2)

). انتهى. القاع: المستوي من الأرض الواسع، والقرقر: الأملس، والظلف للشاة كالحافر للفرس، والشجاع: الحية، والأقرع صفته بطول العمر؛ لأنه إذا طال عمره امَّزق شعره، فهو أخبث وأشد شرا.

وقد انعقد الإجماع على وجوبها فمن جحده فهو كافر، وفي الحطاب ما نصه: وعلم وجوبها لغير حديث الإسلام ضروري. انتهى. فما مر من كفر جاحد وجوبها في غير حديث عهد بالإسلام، وقد نص على ذلك الإمام الحطاب. بملك، الباء متعلقة بتجب؛ يعني أنه يشترط في وجوب زكاة نصاب النعم على الشخص أن يكون مالكا له، واحترز بذلك من الغاصب والمودع، فإنهما لا تجب عليهما الزكاة في المال المغصوب والمال المودع، لعدم ملك كل لذلك. وحول؛ يعني أنه يشترط أيضا في وجوب الزكاة مع اشتراط الملكية أن يمر على المال حول في ملك الشخص المذكور، فلا تجب قبل مرور الحول لخبر: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول

(3)

)، والباء في قوله:"بملك"، للسببية، وقوله: كملا، صفة لملك، وحول؛ يعني به أنه لا بد في الوجوب بالملك والحول من أن يكونا كاملين، واحترز بالملك الكامل من ملك العبد ومن فيه شائبة رق، فإنه لا

(1)

التيسير، ج 2 ص 87.

(2)

التيسير، ج 2 ص 87.

(3)

ابن ماجه، كتاب الزكاة، الحديث 1792.

ص: 243

تجب الزكاة في ماله حتى ينتزعه السيد، وعدم كمال الملك في العبد من جهة أنه لا يتصرف فيه التصرف التام، لا من جهة أن للسيد انتزاعه لعدم شمول العلة للمُكاتَب ومن في معناه ممن ليس للسيد انتزاع ماله.

واعلم أن المكاتب ليس للسيد انتزاع ماله، وكذا المبعض، وأما الخالص الرِّقِّية فللسيد انتزاع ماله، كالمدبر وأم الولد إن لم يمرض السيد، وكذا المعتق لأجل إن لم يقرب الأجل، وإلا فلا. والله سبحانه أعلم. واحترز بالحول الكامل من أن يمر أقل من الحول على النصاب في ملكه. أو يمر عليه الحول في ملكه قبل مجيء الساعي فلا تجب، بل لا تجزئ إن أخرجت قبل مجيئه -كما يأتي- وأما من لا ساعي لهم فتجب بمرور الحول، والمراد بالملك أن يملك عين الماشية، ويمر عليها الحول في ملكه، فأما من ملك ماشية في ذمة شخص وحال عليها الحول قبل أن يقبضها، فإنه لا يجب عليه زكاتها، قال مالك: من وجبت له دية من الإبل فقبضها بعد أعوام يستقبل بها، قال في الطراز: هذا متفق عليه؛ لأن الدية وجبت دينا مضمونا في الذمة، والحول إنما يراعى في عين الماشية على ملك من يزكى عليه، فإذا قبضت تعينت في ملكه، ولأنه إذا مر الساعي بأكمل الدية زكى ما بأيديهم من الماشية؛ لأن الدين لا يسقطها. قاله الحطاب. ومر أن مال العبد لا تجب زكاته قبل أن ينتزعه السيد، حيث يجوز له الانتزاع، فإن انتزع مال العبد الذي يجوز انتزاع ماله لم تجب عليه الزكاة إلا بعد حول من يوم انتزاعه، وفي الشاذلي على الرسالة، قال ابن عبد السلام: عندي أن مال العبد يزكيه السيد أو العبد لأنه مملوك لأحدهما قطعا، وقولهم: حول كمل، قال الشيخ الأمير: وإنما يتم بمجيء الساعي. انتهى.

تنبيه: اعلم أن الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وأن السبب هو ما يلزم من عدمه العدم ويلزم من وجوده الوجود لذاته، ووقع البحث في هذا بأن حد الشرط يصدق على السبب؛ لأن كلا منهما يلزم من عدمه العدم وقد لا يلزم من وجوده وجود لمصاحبة مانع. وحاصل ما أجابوا به في الفرق بينهما أن السبب أولى بالحكم من الشرط، وأن الشرط متمم له. والله سبحانه أعلم.

ص: 244

واعلم أن الزكاة أفضل من الصوم، ويدل لذلك تقديمها الذي رواه الشيخان والنسائي والترمذي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم ومضان

(1)

). انتهى.

فرع: قال ابن وهب عن مالك في الجزار يشتري الغنم ليذبحها فيحول حولها عنده: إنه يزكيها. انتهى. قاله الحطاب. وإن معلوفة؛ يعني أن المعلوفة من النَّعم تجب زكاتها كالسائمة، والمعلوفة هي المحبوسة في البيوت تعلف ولا تترك تسوم، وسواء علفت في الحول كله أو بعضه، ورد بالمبالغة على المعلوفة قول الإمام الشافعي: إن علفت، ولو جمعة في الحول لا زكاة فيها، وقال الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة: غالب الحول كالحول، قاله الشيخ إبراهيم. وعاملة؛ يعني أن النعم العاملة؛ أي المستعملة في حرث أو سقي أو حمل أو نحو ذلك تجب فيها الزكاة، خلافا لأبي حنيفة والشافعي عملا بمفهوم: (في سائمة الغنم الزكاة

(2)

).

واعلم أن ما قبل المبالغة في كلام المصنف هو النعم السائمة؛ وهي المرسلة لترعى النبات، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيها عند توفر الشروط فيها، وأما المعلوفة والعاملة فتجب الزكاة فيهما عندنا؛ لأن القيد في حديث: (في سائمة الغنم الزكاة

(3)

) عندنا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له نظير:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} ، فإنها تحرم ولو لم تكن في الحجر، وما يقال قدم عموم منطوق (في أربعين شاة

(4)

)، فيه أن هذا مطلق، فيحمل على المقيد. قاله الشيخ الأمير. وقال الشيخ العارف بالله تعالى عبد العزيز الدباغ: إن مفهوم السائمة في الحديث هي التي أضناها المرض أي أضعفها، فلا تقدر على السوم، وأما المعلوفة والعاملة فلهما القوة على السوم ومنعا منه، انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا غاية في الحسن. والله سبحانه أعلم.

(1)

مسلم، رقم الحديث:16. البخاري، رقم الحديث: 8. الترمذي، كتب الإيمان، الحديث:2609. النسائي، كتاب الإيمان وشرائعه، الحديث: 5001.

(2)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث 597.

(3)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث:597.

(4)

مصنف عبد الرزاق، الحديث 5792.

ص: 245

ونتاجا؛ يعني أن نصاب النعم تجب زكاته ولو كان ذلك النصاب نتاجا، والنتاج بكسر النون ولد الماشية، لخبر: (تعد صغارها وكبارها

(1)

)، وروي ذلك عن عمر وعلي من غير مخالف، وفي المدونة: وإن كانت الغنم سخالا أو البقر عجاجيل كلها أو الإبل فصلانا كلها، وفي عدد كل صنف منها ما تجب فيه الصدقة كلف ربها أن يشتري ما يجزئه، وحول النتاج حول الأصل، وحكى عبد الوهاب عن داود: لا زكاة في الصغار. أبو حنيفة: لا شيء فيها إلا أن تكون تبعا لنصاب الأمهات. قاله غير واحد. ويقال: نتجت الناقة والشاة بضم النون وكسر التاء تنتج نتاجا: ولدت، وقد نتجها أهلها بفتح النون نتاجا، وظاهر قوله:"ونتاجا"، ولو من غير جنسها كما إذا ولدت الإبل غنما وعكسه، فتزكى الغنم زكاة غنم بحول الإبل أمهاتها، وكذا العكس. والله سبحانه أعلم.

لا منها ومن الوحش؛ يعني أنه لا تجب الزكاة فيما تولد بين الأنعام والوحش، ظاهره كانت الأم وحشية والأب إنسيا، أو العكس، وظاهره مباشرة أو بواسطة واحدة أو أكثر، وقيل: بالزكاة مطلقا. ثالثها: الفرق بين كون الأم وحشية فلا زكاة، وإلا فالزكاة، وشهره الجزولي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وقوله أو بواسطة واحدة أو أكثر الخ، فيه نظر، بل ظاهر النقل خلافه. انتهى. والأول الذي مشى عليه المصنف لابن عبد الحكم. وصدر به ابن شأس، وصححه ابن عبد السلام، والقول بالوجوب مطلقا ذكره ابن بشير وابن الحاجب، قال الشارح: ونسبه بعض الأشياخ لابن القصار، قال الحطاب: وهو ضعيف، فقد قال اللخمي: لا أعلمهم يختلفون في عدم تعلق الزكاة بالمتولد من النعم والوحش إذا كانت الأم وحشية، وقطع بعضهم بنفي الخلاف، ونسب في الجواهر القول الذي شهره الجزولي لابن القصار؛ وهو الجاري على كلام المصنف في الأضحية.

وضمت الفائدة له؛ أي للنصاب السابق عليها، قال في القاموس: الفائدة ما استفدت من علم أو مال أو صلاح، واستفادة وتفيده: اقتناه، ويستفاد من كلامه صريحا: أن الفائدة من فاد المال يفود ويفيد: ثبت، والله سبحانه أعلم. والمراد بالفائدة هنا ما تجدد من النعم بشراء أو هبة أو صدقة أو

(1)

مصنف عبد الرزاق، الحديث:6792.

ص: 246

إرث أو غير ذلك؛ يعني أن الماشية الحاصلة بوجه من الوجوه المتقدمة تضم إلى ما بيد المالك من الماشية إذا كانت الأولى نصابا، ويزكي الجميع لحول الأولى حيث كانت الثانية من جنس الأولى، ولا فرق في ذلك بين أن تتجدد له الثانية قبل حول الأولى بزمن كثير، وبين أن تتجدد له قبله بزمن قليل، وإلى ذلك أشار بقوله: وإن قبل حوله بيوم؛ أي أنه يزكي الثانية لحول الأولى، وإن تجدد له ملك الثانية قبل حول الأولى بزمن قليل، فالمراد باليوم الجزء من الزمن، ولو قل كقوله تعالى:{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} ؛ أي كل وقت. قاله غير واحد. فيتناول قدر لحظة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن قبل حوله"؛ أي قبل مجيء الساعي ولو بعد مرور الحول حيث كان هناك ساع وإن لم يكن ساع، فالمراد قبل مرور الحول.

لا لأقل، بإعادة الجار وهذا مفهوم قوله: للنصاب السابق؛ يعني أنه إذا كانت الماشية الأولى أقل من النصاب فإنه لا تضم الثانية للأولى ليزكى الجميع عاجلا عند تمام حول ما هو أقل من النصاب، بل تضم الأولى للثانية، ويستقبل بالجميع حولا من يوم أفاد الثانية، وسواء كانت الثانية نصابا أم لا، وقوله:"وضمت الفائدة له"؛ أي للنصاب السابق حيث دام نصابا إلى تمام الحول، فلو استفاد ماشية قبل الحول وعنده نصاب من جنسها فنقص قبل الحول فلا تضم الثانية للباقي، بل يستقبل بالجميع، وقوله:"وضمت الفائدة له" الخ، هذا في الفائدة الحاصلة بغير ولادة، وأما الحاصلة بولادة فإنها تضم إلى أمهاتها وتزكى على حول الأمهات، وإن كانت الأمهات أقل من نصاب وتمت بالأولاد فلو ماتت الأمهات كلها زكى النتاج على حول الأمهات إذا كان في النتاج نصاب، ومن أفراد قوله:"وضمت الفائدة له"، مسألة الطراز؛ وهي من قبض دية وجبت له قبل مجيء الساعي وعنده خمس من الإبل حال حولها فإنه يضم الدية إليها ويزكي الجميع. انتهى. وقوله:"لا لأقل"، عطف على الضمير المجرور، وأعاد الخافض للزوم ذلك عند البصريين، قال الإمام محمد بن مالك:

وعود خافض لدى عطف على

ضمير خفض لازما قد جعلا

وليس عندي لازما إذ قد أتى

في النظم والنثر الصحيح مثبتا

ص: 247

وفي المدونة: ومن أفاد غنما إلى غنمه أو بقرا إلى بقره أو إبلا إلى إبله بإرث أو هبة أو شراء، زكى الجميع لحول الأولى إذا كانت الأولى نصابا تجب فيها الزكاة، وسواء ملك الثانية قبل حول الأولى بيوم أو قبل قدوم الساعي، وإن كانت الأولى أقل من نصاب استقبل بالجميع حولا من يوم أفاد الثانية، إلا أن تكون الثانية من ولادتها فيزكي الجميع لحول الأولى. انتهى. والفرق بين ضم الفائدة هنا للنصاب السابق واستقباله بالفائدة في العين -كما يأتي إن شاء الله- أن زكاة الماشية موكولة إلى الساعي، فلو لم تضم الثانية للأولى إذا كانت نصابا أدى ذلك إلى خروجه مرتين في العام، وفيه مشقة واضحة بخلاف زكاة العين فإنها موكولة إلى ربها. قاله عبد الحق. واعترضه اللخمي وغيره، بأن هذا الحكم جار فيمن لا سعاة لهم. أبو إسحاق: ولعله لما كان الحكم هكذا في السعاة جعل أصلا مطردا.

قال مؤلفه عفا الله عنه: وبهذا تعلم أن ما يأتي عن الأجهوري من أن حكم فائدة الماشية في البلد الذي لا ساعي له كفائدة الذهب غير صحيح. والله سبحانه أعلم. وبدأ المصنف رحمه الله بزكاة الإبل كما في كتاب أبي بكر رضي الله عنه، ولأنها أشرف أموال العرب، فقال: الإبل في كل خمس ضائنة؛ يعني أنه لا زكاة من الإبل في أقل من خمسة، فإذا بلغتها ففيها شاة ضائنة، والضائنة هي النعجة ذكرا أو أنثى، ولا تزال تؤدى فيها شاة واحدة عند كل حول بعد بلوغها خمسة، إلى بلوغها تسعة، والغاية داخلة؛ أي فاللازم في التسعة فما دونها إلى خمسة شاة واحدة، فإذا بلغت عشرة ففيها شاتان إلى أن تبلغ أربعة عشر بإدخال الغاية، فإذا بلغت خمسة عشر ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ تسعة عشر بإدخال الغاية، فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين بإدخال الغاية؛ أي فاللازم فيها هو اللازم في عشرين؛ وهذا معنى قوله:"في كل خمس ضائنة"، وأخبر المصنف أن الشاة اللازمة إنما تكون من الضأن بالشرط الآتي، وقوله:"ضائنة"، على وزن فاعلة بتقديم الهمزة على النون، قال في المحكم: الضائن من الغنم ذو الصوف، ويوصف به فيقال: كبش ضائن والأنثى ضائنة والجمع ضوائن. انتهى.

واعلم أن المعتمد أن الذكر والأنثى سواء في الإجزاء، فإن قلت يلزم على ذلك أن المصنف مشى على مقابل المعتمد فالجواب أن التاء في كلام المصنف للوحدة لا للتأنيث، فإن الضائنة تطلق على

ص: 248

ما يشمل الذكر والأنثى في عرف الفقهاء، وفي اللغة أيضا، لقول ابن الأثير في النهاية: الضائنة هي الشاة من الغنم خلاف المعز. انتهى. وإن كان صاحب المحكم والقاموس وغيرهما خصوها بالأنثى، ومحل لزوم الضائنة إن لم يكن جل غنم البلد المعز؛ بأن كانت غنم البلد ضأنا كلها، أو غلب الضأن، أو تساويا. فهذه ثلاث صور تلزم فيها الضائنة. وتحسب غنم المالك في غنم البلد، ومفهوم المصنف أنه لو كانت غنم البلد كلها معزا، أو غلب المعز لكانت الشاة اللازمة عنزا، فتلك خمس صور.

وإن خالفته، راجع للمفهوم والمنطوق؛ يعني أن المعتبر غنم البلد في الحالة التي تؤخذ فيها ضائنة، وفي الحالة التي تؤخذ فيها عنز، ولا عبرة بمخالفة غنم المالك للإبل المزكاة لغنم البلد في الحالتين. وما تقدم من أنه إذا تساوى الضأن والمعز يلزم الضائنة هو الذي تقتضيه عبارة المصنف، ونحوه في عبارة ابن الحاجب، واعترضه ابن عبد السلام، وقال: الأقرب في هذه تخيير الساعي، وكذا قال ابن هارون، وزاد: ويخير رب المال، ونقل ذلك في التوضيح، وارتكب مثل عبارة ابن الحاجب، فلو قال: شاة من جل غنم البلد، كما في المدونة والرسالة كان أولى. وصرح في الجواهر واللباب بأن الشاة المأخوذة في زكاة الإبل كالشاة المأخوذة في زكاة الغنم، وسيأتي للمصنف أنه يؤخذ في ذلك الذكر والأنثى، وهو مذهب ابن القاسم وأشهب، وشرط ابن القصار الأنثى في البابين. قاله الحطاب. قال ابن القاسم: يجزئ الجذع والثني من الضأن والمعز ذكرا كان أو أنثى، قال ابن حبيب: الجذع من الضأن والثني من المعز كالأضحية، وفي الجواهر: اختلف في صفة الشاة الواجبة في الغنم والإبل، فقال ابن القاسم وأشهب: يجزئ الجذع من الضأن، والثني من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى، وقال القاضي أبو الحسن؛ يعني ابن القصار: لا يجزئ إلا الأنثى جذعة أو ثنية من العز والضأن، وفي الأدوزي عند قول ابن عاشر:

.... .... بنت مخاض مقنعه

قال النفراوي: ويشترط فيها أن تكون سالة من العيوب التي تمنع الإجزاء في الضحية.

ص: 249

تنبيهات: الأول: قوله: "الإبل"، مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، وقوله:"ضائنة"، فاعل الجار والمجرور، أو ضائنة مبتدأ والجار والمجرور قبله خبره، والجملة خبر الأول. وعلى كلا التقريرين فلا بد من تقدير عائد؛ أي في كل خمس منها. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وقد مر الكلام على وجه تسمية الإبل إبلا عند قوله:"ئصاب النعم". فراجعه إن شئت.

الثاني: قال سند: يقال لما بين الثلاثة إلى العشرة: ذود، وقال ابن حبيب: إلى تسع، وما فوق التسع شنق إلى أربعة وعشرين، ولا ينقص الذود عن ثلاثة كالنفر

(1)

وقال عيسى بن دينار: يقال للواحد والجماعة ذود، قال: والأول هو المعروف في اللغة. انتهى. وفي الحديث: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة

(2)

)، قال النووي: الرواية المشهورة خمس ذود بالإضافة، وروي تنوين خمس فذود بدل منه، قال أهل اللغة: والذود من الإبل من الثلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه، إنما يقال في الواحد بعير، فقولهم: خمس ذود هو كقولهم: خمسة أبعرة وخمسة جمال وخمس نوق، وروي الحديث بإثبات الهاء في خمسة ذود، والأول أشهر. انتهى.

الثالث: قد علمت ما يؤخذ من الضأن والمعز حيث كان بالبلد غنم، فإن فقد الصنفان بمحله فنقل ابن عرفة عن بعض شيوخ المازري أنه يطالب بكسب أقرب بلد إليه. انتهى. قال الإمام الحطاب: والظاهر أنه يراعى في ذلك البلد جل كسبه كما في البلد نفسه كما تقدم، وهذا ظاهر. والله أعلم. انتهى.

الرابع: من لزمته معز فأعطى ضأنا فليقبل منه، وأما معز عن ضأن فلا، قال أشهب: إلا أن تبلغ لرفاهتها مثل ما لزمه من الضأن فلا بأس بذلك. قاله الحطاب. وقال الشيخ زروق: الضأن والمعز معلومان، وهل تلحق غنم الترك بالضأن أو بالمعز؟ لم أقف على شيء فيه. انتهى. نقله الحطاب.

(1)

الذي في خط المؤلف: كالبقر.

(2)

مسلم، كتاب الزكاة، رقم الحديث:979.

ص: 250

الخامس: اعلم أنه يشترط في وجوب الزكاة: الحرية، والملك التام، والنصاب، ومرور الحول فيما لا يخرج من الأرض، ومجيء الساعي في الماشية، وعدم الدين في العين. وقد علمت أنها لا تصح إلا من مسلم كغيرها من القرب.

والأصح إجزاء بعير؛ يعني أن من أخرج بعيرا عن الشاة الواجبة في الخمس من الإبل يجزئه ذلك؛ وهو قول عبد المنعم القروي، وصححه ابن عبد السلام، وإلى ذلك أشار المصنف، بقوله:"والأصح إجزاء بعير" الخ، وحكى ابن شأس عن الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي: عدم الإجزاء. قاله الشارح. وقال الشبراخيتي -وتعبيره يفيد أنه ليس بجائز ابتداء وهو الظاهر-: ولا بد في البعير أن تفي قيمته بقيمة الشاة، كما قيد بذلك ابن عرفة، وظاهره ولو كان سنة أقل من عام، خلافا لما عليه بعض الشراح من أنه لابد من بلوغه عاما، ولا يجزئ بعير عما يجزئ فيه شاتان، ولو وفت قيمته بقيمتهما كما هو ظاهر كلامهم.

واعلم أن البعير كالإنسان يطلق على الذكر والأنثى، سمع من كلامهم: حلبت بعيري وشربت من لبن بعيري. ابن عرفة: ولو أخرج عن الشاة بعيرا يفي بقيمتها، ففي إجزائه قولا عبد المنعم والباجي مع ابن العربي، وتَخريجه اللخميُّ على إخراج القيم في الزكاة بعيد؛ لأن القيم بالعين. انتهى. قال الإمام الحطاب: وفي قوله: بعيد نظر؛ لأنه ليس مراده حقيقة القيم، وإنما مراده أنه من هذا الباب، ألا ترى أنهم قالوا في باب مصرف الزكاة: إنه لا يجوز إخراج القيم، وجعلوا منه إخراج العرض عن العين؟ انتهى. وقوله:"والأصح إجزاء بعير"، فلو أخرج بعيرين قيمتهما قيمة شاة لم يجزه ذلك. قاله الشيخ الخرشي. وقوله:"إجزاء بعير"، قال الإمام الحطاب: واتفقت عبارة أهل المذهب في التعبير بالبعير؛ وهو إنما يطلق في اللغة على الجذع. كما قاله في الصحاح. والظاهر أن ذلك غير مراد، بل الظاهر أنه إذا أخرج عن الشاة أقل ما يجزئ من الإبل؛ وهو بنت المخاض أو ابن المخاض، أجزأه. انتهى.

إلى خمس وعشرين، قد علمت أن الإبل في كل خمس منها شاة على الوصف المتقدم تؤدى منها كل عام، ففي أربعة وعشرين منها أربع شياه، فإذا بلغت خمسا وعشرين، فالواجب فيها بنت مخاض، فقوله:"إلى خمس وعشرين"، غاية للزوم الشياه، والغاية خارجة، فالوقص في حالة

ص: 251

لزوم الغنم أربعة، والوقص واحد الأوقاص وهو بفتح القاف، والسكون خطأت وقال سند: بسكون القاف عند الجمهور: والوقص ما بين الفرضين من كل الأنعام، وهل هو مزكى أو لا؟ قولان تظهر فائدتهما في الخلطة. وقوله:"فبنت مخاض"، لقبت بذلك لأن أمها لحقت بالمخاض؛ أي الحوامل وإن لم تكن حاملا، وقوله:"فبنت مخاض"، هذا إذا كانت عنده ابنة مخاض سليمة من عيب يمنع الإجزاء.

فإن لم تكن له سليمة فابن لبون؛ يعني أنه إذا لزمت ابنة المخاض صاحب الإبل، وكانت عنده سليمة فالأمر واضح، فإن لم تكن في ملكه أو كانت في ملكه ولم تكن سليمة، بأن وجدت معيبة أو مشتركة بينه وبين غيره، فاللازم له ابن لبون إذا كان عنده.

والحاصل أنه إن وجد أحد السنين تعين، وإن وجدا معا تعينت بنت المخاض، وكذا إن عدما لكن إن أتى في هذا الأخير؛ أعني فيما إذا عدما بابن اللبون، فله أخذه إذا رآه نظرا. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. ووقع في الحطاب وتبعه السنهوري والخرشي ما نصه: فلو لم يلزم الساعي صاحب الإبل بالإتيان ببنت مخاض حتى جاءه بابن اللبون، فقال ابن القاسم: يجبر على قبوله ويكون بمنزلة ما لو كان فيها، وعلى قول أصبغ: لا يجبر، نص عليه اللخمي ونقله ابن عرفة عنه. قاله الرماصي. وهو غفلة لجزمه بكلام اللخمي؛ كأنه المذهب مع مخالفته لكلام المدونة، ومع إنكار المازري على اللخمي وجوده لابن القاسم نصا بل مخرجا. انتهى. قال الشيخ بناني: يمكن أن تحمل المدونة على أنه أتى بابن اللبون بعد أن ألزمه الساعي بنت المخاض، فيكون ما ذكره اللخمي غير مخالف لكلامهما، بل لظاهرها تأمل. والله أعلم. انتهى. وقوله:"سليمة"، حال من اسم تكن، والخبر له، قال عبد الباقي: ولا يجزئ عن بنت المخاض ابن المخاض، ويجزئ عن ابن لبون بنت لبون، وهل يجبر الساعي على قبولها، خلاف. انتهى. قوله: وحل يجبر الساعي على قبولها الخ؟ قال محمد بن الحسن: اقتصر في التوضيح على جبر الساعي عليها، ونسبه للمدونة، فإن كانت في ماله بنت مخاض كريمة، فهل ينتقل لابن اللبون للنهي عن أخذ كرائم أموال الناس أم لا؟ لإمكان الأصل، فلا ينتقل إلى بدله، فإما أن يدفعها أو

ص: 252

يبتاع ما يجزئ؛ الأمر محتمل. انتهى. قاله سند. قال الشيخ سالم: التناني ظاهر كلام المصنف. قاله الشيخ عبد الباقي.

واعلم أنه ليس لنا في الإبل أخذ الذكر عن الأنثى، إلا ابن اللبون عن بنت المخاض. قاله الشيخ إبراهيم. القرطبي: ولا يؤخذ الخنثى المشكل في الزكاة، وفي الحطاب: ولو وجبت بنت لبون فلم توجد ووجد حق لم يؤخذ ولو وجبت حقة فدفع بنتي لبون، فإن ذلك لا يجزئ خلافا للشافعي، وأما إذا رضي رب الماشية بإعطاء بنت لبون عن بنت مخاض أو حقة عن بنت لبون فإن ذلك يجزئ اتفاقا.

تنبيه: في الحديث: (فابن لبون ذكر

(1)

)، فورد سؤال عن قوله صلى الله عليه وسلم: فابن لبون ذكر، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم في المواريث: (فلأولى رجل ذكر

(2)

)، والرجل لا يكون إلا ذكرا، جوابه أنه إشارة إلى السبب الذي زيد لأجله في السن، فعدل عن بنت المخاض بنت سنة إلى ابن اللبون ابن سنتين، فكأنه قال: إنما زيد فضيلة السنة لنقيصة وصف المذكورة، وإنما استحق العصبة الميراث لوصف الرجولية التي هي مسمى الحماية والنصرة، فهو إشارة إلى التعليل في الصورتين. قاله القرافي. وقال القرطبي في شرح مسلم في كتاب الفرائض: وقيل أفاد بقوله: ذكر، هنا، وفي ابن اللبون التحرز من الخناثى، فلا يؤخذ الخنثى في فريضة الزكاة، ولا يحوز المال إذا انفرد، وإنما له نصف الميراثين. قاله الحطاب. وقوله:"فإن لم تكن له سليمة فابن لبون"، فيه إشارة إلى أن ابن اللبون حيث وجدت بنت المخاض لا يجبر الساعي على قبوله، ولا المالك على دفعه، وهو كذلك.

وفي التوضيح: واختلف إذا تراضيا على أخذه، فأجازه ابن القاسم في الموازية، ومنعه أشهب. اللخمي: والأول أصوب، وقد يكون في أخذه نظر للمساكين، إما لأنه أكثر ثمنا أو لنحره لهم يأكلونه لكونه أكثر لحما لأنه أكبر بسنة. انتهى.

(1)

الموطأ، كتاب الزكاة، الحديث:23.

(2)

البخاري، كتاب الفرائض، رقم الحديث:6746. مسلم، كتاب الفرائض، رقم الحديث: 1615.

ص: 253

وفي ست وثلاثين بنت لبون؛ يعني أن الواجب في الإبل إذا بلغت خمسا وعشرين بنت مخاض تؤدى كل عام، وكذا إن زادت على ذلك حتى تبلغ خمسا وثلاثين بإدخال الغاية، فالوقص هنا عشرة، فإن زادت على ذلك بواحدة بأن بلغت ستا وثلاثين فالواجب فيها بنت لبون تؤدى كل عام، وكذا ما زاد عليها حتى تبلغ خمسا وأربعين بإدخال الغاية، فالوقص هنا تسعة، ولا يجزئ عنها ابن اللبون ولا الحق، وتجزئ عنها الحقة كما مر، وإنما أجزأ ابن اللبون عن بنت المخاض لأنه يمنع نفسه من صغار السباع، ويرد المياه ويرعى العشب، فعادلت هذه الفضيلة فضيلة أنوثة بنت المخاض، والحق ليس فيه ما يزيد على بنت اللبون، فليس فيه ما يعادل فضيلة أنوثتها.

وست وأربعين حقة، قد تقدم أن فيها بنت لبون إذا بلغت ستا وثلاثين، وكذا ما فوقها حتى تبلغ خمسا وأربعين بإدخال الغاية، فإذا زادت واحدة بأن بلغت ستا وأربعين فاللازم فيها حقة تؤدى كل عام، ولا يجزئ عنها الجذع إذا لم توجد، ومر أنه لا يجزئ عنها ابنتا لبون خلافا للشافعي، ويستمر لزوم الحقة في ست وأربعين فما فوقها حتى تبلغ ستين، فوقصها أربعة عشر. وإحدى وستين جذعة؛ يعني أنه إذا زادت الإبل على الستين بواحدة، فإن الواجب فيها جذعة تؤدى كل عام، وكذا ما زاد عليها حتى تبلغ خمسا وسبعين بإدخال الغاية، فالوقص هنا أربعة عشر. وست وسبعين بنتا لبون؛ يعني أن الإبل إذا زادت على خمس وسبعين بواحدة؛ بأن بلغت ستا وسبعين، فإن الواجب فيها ابنتا لبون يوديان كل عام، وكذا ما زاد على ذلك حتى تبلغ تسعين، فالوقص هنا أربعة عشر أيضا.

وإحدى وتسعين حقتان؛ يعني أن الإبل إذا زادت على تسعين بواحدة بأن بلغت إحدى وتسعين، فإن الواجب فيها حقتان تؤديان كل عام، وكذا ما زاد على ذلك حتى تبلغ -أي الإبل- مائة وعشرين بإدخال الغاية اتفاقا، فالوقص هنا تسع وعشرون. ومائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين حقتان أو ثلاث بنات لبون الخيار للساعي؛ يعني أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة بواحدة، فإن اللازم فيها أحد أمرين: إما ثلاث بنات لبون، وإما حقتان يخير الساعي في أخذ ما شاء من العددين، إن وجد الصنفان أو فقدا، ويستمر التخيير المذكور فيما زاد

ص: 254

على ذلك حتى تبلغ تسعة وعشرين ومائة بإدخال الغاية، هذا هو المشهور، وهو قول مالك. وقال ابن القاسم: إن الواجب ثلاث بنات لبون ولا خيار للساعي، وقال أشهب: الواجب حقتان كما كان، ولا خيار للساعي.

والحاصل أن المسائل ثلاث: عشرون ومائة فيها حقتان باتفاق، ثلاثون ومائة فيها حقة وبنتا لبون باتفاق، مائة وإحدى وعشرون إلى تسع فيها ثلاثة أقوال. المشهور وهو قول الإمام: فيها ثلاث بنات لبون أو حقتان الخيار للساعي، كما قال المصنف. وقال ابن القاسم: الواجب ثلاث بنات لبون ولا خيار. وقال أشهب: حقتان، ورواه هو وعبد الملك عن مالك؛ وهو الذي اقتصر عليه في الرسالة، ثم إن قول أشهب مبني على أن قوله عليه الصلاة والسلام: (فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون

(1)

) محمول على زيادة العشرات، وقول ابن القاسم مبني على حمله على مطلق الزيادة، وقول الإمام مبني على الشك والتردد. والله سبحانه أعلم.

تنبيهات: الأول: اعلم أن المعتبر في الزيادة على المائة والعشرين زيادة واحدة كاملة، فلو زادت بجزء من بعير لم يؤثر ذلك، خلافا لبعض الشافعية في قوله: إن ذلك يوثر تمسكا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فما زاد)، وجوابه أن المراد بالزيادة الزيادة المعتادة، وقياسا على بقية الأوقاص فإنه لا يتغير فرضها بزيادة جزء. قاله الإمام الحطاب.

الثاني: لوأخذ المصَدِّق أفضل من الواجب، وأعطى عن الفضل ثمنا، أو أخذ أنقص وأخذ عن النقص فلا يجوز ابتداء، وأما إن وقع ونزل فالمشهور الإجزاء وقيل: يجوز ذلك ابتداء وقيل يكره قاله ابن القاسم في المجموعة فإن فعل أجزأ، انظر التوضيح. وإذا أخذ القيمة لا يجوز. وإذا وقع ونزل فالمشهور الإجزاء. انظر التوضيح عنلى قول ابن الحاجب: فإن أعطى عن الفضل. قاله الحطاب.

الثالث: ابن عرفة: ودفع أفضل سنا في توقف قبوله على رضى الصدق طريقا ابن بشير والأكثر. قاله الحطاب. وإذا اختار الساعي أحد الصنفين وعند رب المال أن المصنف الآخر أفضل، أجزأه

(1)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث 597.

ص: 255

ما أخذ الساعي، ولا يستحب له إخراج شيء زائد على ذلك. قاله سند في مسألة المائتين من الإبل. والظاهر أن الحكم هنا وهناك سواء. قاله الحطاب.

الرابع: قال ابن الكاتب: لم يرد مالك بتخيير الساعي أنه ينظر أي ذلك أحظ للمساكين فيأخذه، وإنما أراد أن الساعي إن كان مذهبه أن الواحدة توجب الانتقال أخذ بنات اللبون، وإن كان مذهبه أنه لا يوجب الانتقال أخذ الحقتين، قال عبد الحق في تهذيبه: ورأيت في كتاب ابن القصار أنه يخير فيما يراه صلاحا للفقراء، خلاف ما لابن الكاتب فاعْلَمْه. قاله في التوضيح. والظاهر هو الثاني. قاله الحطاب. ورد الخرشي ما لابن الكاتب.

الخامس: قد مر أن الخيار للساعي حيث وجد الصنفان أو فقدا في مسألة مائة وإحدى وعشرين إلى تسع، قال الحطاب: وكذلك في مائتين الخيار للساعي بين أربع حقاق وخمس بنات لبون، وفيها ثلاثة أقوال ذكرها ابن عرفة وغيره، وفي كون الخيار للساعي أو لربها، ثالثها إن وجدا. انتهى. ثم قال: قال المازري: إن وجد بها أحد السنين تعين، قال: وعلى المشهور لو لم يوجدا فأحضر ربها أحد السنين، ففي بقاء خيار الساعي ولزوم أخذه كما لو كان فيها قولا أصبغ وابن القاسم. انتهى.

وتعين أحدهما منفردا؛ يعني أنه إذا قلنا إن الخيار للساعي في أخذ الحقتين أو ثلاث بنات لبون، فإنما ذلك حيث وجد الصنفان أو فقدا، وأما إن وجد أحدهما فإنه يتعين على رب المال أن يدفعه للساعي، ويتعين على الساعي قبوله رفقا بأرباب المواشي.

تنبيهات: الأول: قوله: "وتعين أحدهما منفردا"، هو قول مالك وابن عبدوس؛ وهو الظاهر، وقال ابن المواز: يخير الساعي مطلقا. انتهى:

الثاني: اعلم أنه إذا وجد الصنفان وكان أحدهما معيبا كان المعيب كالعدم، وكذا إن كان أحدهما من الكرائم فإنه كالعدم إلا أن يشاء رب المال دفعه. قاله سند في مسألة المائتين من الإبل. والباب واحد. والله أعلم. قاله الحطاب.

الثالث: قد مر أن ابن القاسم يقول: الواجب ثلاث بنات لبون، ولا خيار للساعي أخذا بقول ابن شهاب، وهي إحدى المسائل الأربع التي أخذ ابن القاسم فيها بقول غير مالك. الثانية؛ إذا

ص: 256

ادعى الغرماء على الوصي التقاضي وأنكر، وطولب باليمين فنكل ضمن عند مالك في الكثير دون القليل، وعند ابن هرمز يضمن فيهما، وأخذ به ابن القاسم وخطأه أصبغ.

الثالثة: إذا خلط دينارًا لرجل بمائة دينار فضاع منها دينار، قال مالك: هما شريكان هذا بمائة جزء وهذا بجزء، وقال عبد العزيز ابن أبي سلمة: لصاحب المائة تسعة وتسعون جزءا، ويقتسمان الباقي نصفين، عملا بقاعدة من سلم له شيء اختص به، وصاحب الدينار سلم لصاحب المائة تسعة وتسعين، وصار النزاع في الدينار الذي تتم به المائة، فيقسم بينهما، وأخذ به ابن القاسم. الرابعة: من قال لعبده: أنت حر وعليك مائة دينار، فقال: هو حر وعليه المائة، وقال ابن المسيب: هو حر ولا شيء على العبد، وقال به ابن القاسم. قاله الشيخ إبراهيم. ثم بعد التسعة والعشرين بأن بلغت ثلاثين فأكثر، في كل عشر يتغير الواجب؛ يعني أن الإبل إذا بلغت ثلاثين فأكثر مع المائة فإن الواجب إنما يتغير عند تمام كل عشر أبدا، ولا يتغير الواجب قبل تمام العشر، فالوقص فيما بعد الثلاثين والمائة تسعة أبدا، فإذا بلغت ثلاثين بعد المائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فيكون فيها حقة وبنتا لبون، ولا يتغير ذلك القدر الواجب إلا بتمام الأربعين بعد المائة، فيكون فيها حينئذ حقتان وبنت لبون، ولا يتغير هذا الواجب إلا بتمام عشر؛ بأن تبلغ خمسين ففيها ثلاث حقق، فإن زادت عشرة ففيها أربع بنات لبون، فإن زادت عشرة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة، فإن زادت عشرة ففيها حقتان وبنتا لبون، فإن زادت عشرة ففيها ثلاث حقق وبنت لبون، فإن زادت عشرة وصارت مائتين ففيها أربع حقق أو خمس بنات لبون الخيار للساعي، فإن زادت عشرة على مائتين ففيها حقة وأربع بنات لبون، فإذا بلغت عشرين ومائتين ففيها حقتان وثلاث بنات لبون، فإذا بلغت ثلاثين ومائتين ففيها ثلاث حقق وبنتا لبون، فإذا بلغت أربعين ومائتين ففيها ست بنات لبون أو أربع حقق وبنت لبون الخيار للساعي، فإذا بلغت خمسين ومائتين ففيها خمس حقق أو خمس بنات لبون وحقة الخيار للساعي أيضا كما نص عليه الشيخ محمد بن الحسن. ويقال في كل موضع فيه الخيار، وتعين أحدهما منفردا، فإذا بلغت ستين ومائتين ففيها حقتان وأربع بنات لبون، وهكذا أبدا. وإلى هذا الضابط أشار بقوله: ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، واعلم أن هذا الضابط الذي

ص: 257

ذكره المصنف حسن، ولا يرد عليه شيء مما أورد على ضابط ابن بشير وابن عرفة. قاله غير واحد. فجزاه الله خيرا عن المسلمين.

واعلم أنه حيث حصل صنفان يجزئ إخراج أحدهما، فإن الخيار يكون للساعي كما علم مما مر والله سبحانه أعلم، وفي الطراز: فإن بلغت أربع مائة فإن الساعي يخير في: ثمان حقق، أو عشر بنات لبون، أو أربع حقاق وخمس بنات لبون. انتهى. ولما ذكر القدر المأخوذ في الإبل، شرع يبين سنة، فقال: وبنت المخاض الموفية سنة؛ يعني أن بنت المخاض هي التي أوفت سنة ودخلت في الثانية، وتسمى قبل تمام السنة حوارا كما في ابن الحاجب، وهي بضم الحاء وكسرها، وكلام الجوهري يقتضي أن سن الحوار لا يتصل بسن بنت المخاض، بل بينهما سن الفصيل، فإذا فصل الحوار سمي فصيلا، وسميت بنت المخاض بذلك؛ لأن الإبل تحمل سنة وسنة تربي، فأمها حامل أو في حكمها وقد مخض الجنين بطنها. ثم كذلك؛ يعني أن بقية الأسنان يرتفع ما فوق الأدنى منها على الذي دونه بسنة، فابنة اللبون ما أوفت سنتين ودخلت في الثالثة: والحقة ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، والجذعة ما أوفت أربع سنين ودخلت في الخامسة، وما بعد الجذعة لم يتعلق به حكم من أحكام الزكاة، وبعدها ثني ذو خمس سنين، ثم رباع ذو ست، ثم سديس ذو سبع، ثم بازل ذو ثمان؛ أي بزل نابه أي طلع، ثم مخلف وليس له اسم بعد ذلك، يقال: بازل عام أو عامين، ومخلف عام أو عامين، ونظم أبو محمد الونشريسي أسنان الإبل على ما عند الجوهري، فقال:

حوار فصيل ونجل مخاض

ونجل لبون وحق جذع

ثني رباع وبعد سديس

وزد بازلا مخلفا تتبع

ولما أنهى الكلام على زكاة الإبل، أتبعه بالكلام على زكاة البقر، فقال: البقر في كل ثلاثين تبيع؛ يعني أن البقر يجب في كل ثلاثين منه تبيع، وبينه بقوله: ذو سنتين؛ يعني أن التبيع من البقر هو ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة. وفي كل أربعين مسنة، يعني أن البقر كما يلزم في كل ثلاثين منه تبيع يلزم في كل أربعين منه مسنة، وبين المسنة بقوله: ذات ثلاث؛ يعني أن

ص: 258

المسنة من البقر هي التي أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وقوله:"تبيع"، لا خلاف في أن الذكر يجزئ، وأن لرب المال أن يدفع أنثى لأنها خير من التبيع لفضيلة الدر والنسل، فلرب المال دفعها وليس للساعي أن يمتنع منها ولا أن يجبر ربها عليها.

والحاصل أن الساعي يجبر على قبول الأنثى، وأما المالك فلا يجبر على دفعها ولو لم يكن عنده إلا الأنثى. هذا هو المشهور. وقيل: للساعي أن يجبر رب المال على الأنثى، وهو لابن حبيب، ومحل الخلاف حيث وجد التبيع والتبيعة معا، أو لم يكن عنده إلا التبيعة، وأما إن لم يوجد إلا التبيع فلا يجبره عليها اتفاقا، كما في الحطاب. وسمي التبيع تبيعا لتبعية أمه، وقيل: لتبع أذنيه قرنيه لتساويهما. والله أعلم. وأما المسنة، فلا يجزئ عنها المسن الذكر، وسميت السنة مسنة لأنها ألقت ثنيتها. الزهري: ابن السنة تبيع، وفي الثانية جذع وجذعة، وفي الثالثة ثني وثنية؛ وهي المسنة لأنها ألقت ثنيتها، وفي الرابعة رباع؛ لأنها ألقت رباعيتها، وفي الخامسة سدس وسدسة لإلقائها السن المسمى سدسا، وفي السادسة يقال له ضالع، ثم يقال ضالع سنة وضالع سنتين.

واعلم أن الوقص بين التبيع والمسنة تسع، وتستمر المسنة إلى تسع وخمسين، ثم في ستين تبيعان -كما مر- فيكون الوقص هنا تسعة عشر، وبعد كمال الستين لا يتغير الواجب في أقل من عشر، وإنما يتغير بتمام كل عشر، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة. ومائة وعشرون كمائتي الإبل؛ يعني أنه إذا حصل عند المالك عدد من البقر يجرى فيه كل من الصنفين؛ أعني الأتبعة والمسنات على سبيل البدلية، فإن الخيار للساعي في أخذ أيهما شاء -كما مر في الإبل- وذلك كمائة وعشرين من البقر، ففيها أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات فيخير الساعي في أخذ أي النوعين شاء، كما أن الإبل إذا بلغت مائتين فيها أربع حقات أو خمس بنات لبون الخيار للساعي كما مر، وتعين أحدهما منفردا وكذلك هنا. وفي الحطاب: ولم يذكر المصنف حكم مائتي الإبل، وفيهما أربعة أقوال: مذهب المدونة أنه إن وجد الصنفان أو فقدا خير الساعي، فإن وجد أحدهما تعين. انتهى. وقد مر قول ابن عرفة وفي كون الخيار للساعي أو لربها، ثالثها إن وجدا. انتهى المازري: إن وجد ربها أحد السنين تعين، وعلى المشهور لو لم يوجدا فأحضر ربها أحد السنين،

ص: 259

ففي بقاء خيار الساعي ولزوم أخذه كما لو كان فيها قولا أصبغ وابن القاسم. انتهى. ونص المدونة: فإذا بلغت مائتين كان الساعي مخيرا، إن شاء أخذ أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، كان السنان في الإبل أم لا، ويجبر رب المال على أن يأتيه بما شاء إلا أن يكون في المال سن واحد، فليس له غيرها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وشبه المصنف بمائتي الإبل ولو لم يتقدم له التخيير فيها؛ لأنه يؤخذ من الضابط الذي ذكره، وهو في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة لأنه يلزم منه أن الساعي يخير في جعلها حقاقا، فيأخذ أربعا أو بنات لبون، فيأخذ خمسات فليس فيه إحالة على مجهول. انتهى.

وبما قررت علم أن ما دون الثلاثين من البقر لا زكاة فيه، ولما أنهى الكلام على زكاة الإبل والبقر، شرع يتكلم على زكاة الغنم فقال: الغنم في أربعين شاة؛ يعني أنه لا زكاة فيما دون الأربعين من الغنم، فإذا بلغتها ففيها شاة؛ أي فإن اللازم فيها شاة، ولم يقل المصنف: في كل أربعين كما قال في البقر، لفساد المعنى؛ لأن الواجب فيها بعد الأربعين شاة إلى أن تبلغ واحدة وعشرين ومائة بإخراج الغاية، والشاة لفظ يقع على الذكر والأنثى من الغنم، فلذا أبدل منه قوله: جذع أو جذعة ذو سنة؛ يعني أن الشاة اللازمة في الغنم سنها جذع أو جذعة، فيلزم الساعي قبول ما دفعه له رب المال منهما، ويجزئ الجذع والجذعة إن لم يكن من المعز اتفاقا، بل ولو معزا، خلافا لقول ابن حبيب: إنما يجزئ الجذع من الضأن والثني من المعز، وقوله: جذع أو جذعة، بحث فيه المواق وغيره كالرماصي؛ بأنه سكت عن الثني، وهو مما يجوز للساعي أخذه كالجذع، ففي المدونة: ولا يؤخذ إلا الثني أو الجذع إلا أن يشاء رب المال أن يعطيه ما هو أفضل من ذلك، فليأخذه. انتهى. ابن عرفة: وفيها: ولا يأخذ إلا الثني أو الجذع، ثم قال: وفي كون التخيير بين الجذع والثني للساعي أو لربها قولا أشهب وابن نافع، والمصنف تبع عبارة ابن الحاجب وهي قاصرة. قاله الرماصي. والجذع من الضأن والعز ذو سنة تامة، وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن ستة أشهر، وقال الشيخ محمد بن الحسن: لا قصور في عبارة المصنف وابن الحاجب؛ لأنهما إنما تكلما على أقل ما يجزئ وهو الجذع، ثم قال:

ص: 260

وكلام المصنف ومتبوعه جار على قول ابن نافع: إن الخيار لربها ومر أن الشاة المأخوذة في الإبل كالشاة المأخوذة في الغنم من غير فرق، وقوله:"جذع أو جذعة"، بالذال المفتوحة فيهما.

وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان؛ يعني أن الغنم لا يزكى منها ما دون الأربعين -كما علمت- فإذا بلغتها ففيها شاة واحدة تؤدى منها كل عام، وكذا الحكم فيما زاد على ذلك حتى تبلغ مائة وعشرين بإدخال الغاية، فإن زادت على ذلك بواحدة فأكثر، فإن اللازم فيها شاتان يؤديان كل عام حتى تبلغ مائتين بإدخال الغاية.

وفي مائتين وشاة ثلاث؛ يعني أن الغنم إذا زادت على مائتين بواحدة فأكثر؛ فإن اللازم فيها ثلاث شياه تؤدى منها كل عام حتى تبلغ تسعا وتسعين وثلاث مائة بإدخال الغاية.

وفي أربع مانة أربع؛ يعني أن الغنم إذا زادت على تسع وتسعين وثلاثمائة بواحدة فأكثر؛ بأن كانت أربع مائة فأكثر، فإن اللازم فيها أربع شياه. ثم لكل مائة شاة؛ يعني أنه إذا تمت المائة الرابعة فلا يتغير الواجب إلا عند تمام كل مائة، ففي كل مائة شاة فتقررت النصب.

وتحصل مما مر أن الإبل تتقرر نصبها بمعنى أنه يكون لها ضابط عند تمام ثلاثين ومائة، فيكون الوقص بعد التقرر ما دون تمام العشر، وعند تمام العشر يتغير الواجب ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة إلى آخر ما مر، وأما قبل تقرر النصب فالأوقاص فيها على سبعة أحوال: أَوَّلُهَا: أربع أي منتهاه وهو فيما إذا كان الواجب فيها الغنم، ثَانِيهَا: الوقص بين بنت المخاض وبنت اللبون وهو عشرة، ثَالِثُهَا: الوقص بين بنت اللبون والحقة وهو تسع، رَابعُهَا: الوقص بين الحقة والجذعة وهو أربعة عشر، خَامِسُهَا: الوقص بين الجذعة وابنتي اللبون وهو أربعة عشر أيضا، سَادِسُهَا: الوقص بين ابنتي اللبون والحقتين وهو أربعة عشر أيضا، سَابعُهَا: الوقص بين الحقتين والتخيير وهو تسع وعشرون. وَأَنَّ البقر ثبت له الضابط من بلوغه الستين، والوقص فيه على ثلاثة أحوال؛ أوَّلُهَا: الوقص بين التبيع والسنة وهو تسع، ثَانِيهَا: الوقص بين المسنة والتبيعين وهو تسع عشرة، ثَالِثُهَا: الوقص بعد الستين وهو ما دون العشر أبدا. وَأَنَّ الوقص في الغنم على أربعة أحوال؛ أَوَّلُهَا: الوقص فيما بين الأربعين والواحدة والعشرين مع المائة وهو ثمانون، ثَانِيهَا: الوقص فيما بين الواحد والعشرين والمائة والواحد والمائتين وهو تسع

ص: 261

وسبعون، ثَالِثُهَا: ما بين الواحدة والمائتين وأربع مائة وهو مائة وثمانية وتسعون، رَابعُهَا: الوقص بعد تقرر النصب وهو تسعة وتسعون أبدا فلا يتغير الواجب إلا بتمام المائة أبدا. والله سبحانه أعلم.

ولما بين قدر الواجب في النعم وسنه، بين صفته بقوله: ولزم الوسط؛ يعني أنه يلزم الوسط دفعا وقبولا في زكاة الإبل والبقر والغنم، كانت في نوع أو نوعين، وقد مر أن الشاة المأخوذة في الإبل كالشاة المأخوذة في الغنم من غير فرق. والله سبحانه أعلم. ولو أنفرد الخيار؛ يعني أنه إنما يلزم رب المال الوسط، وهذا واضح حيث كان الوسط موجودا، وأما إن كانت الماشية الزكاة كلها خيارا فكذلك أيضا؛ أي فلا يلزم ربها إلا الوسط، فإن تطوع ربها بدفع ما هو من الخيار فبها ونعمت، وإلا فلا يُلْزَمُ إلا بالوسط، ورد المصنف بلو على ابن عبد الحكم القائل: إنه يؤخذ من الخيار حيث انفرد الخيار كأكولة؛ وهي التي تسمن لتؤكل ذكرا أو أنثى، وَرُبَّى بضم الراء وتشديد الباء الموحدة: ذات الولد تربيه، وماخض وفحل وذات لبن. قاله الشيخ إبراهيم. أو الشرار؛ يعني أن الماشية التي لزمت فيها الزكاة إذا كانت شرارا كلها، فإنه لا يأخذ الساعي منها شيئا، ويلزم ربها الوسط، ورد المصنف بلو على ابن عبد الحكم القائل: يؤخذ منها إذا انفرد الشرار، والحاصل أن ابن عبد الحكم هو الذي رد عليه المصنف بلو في الحالة التي انفرد فيها الخيار أو الشرار، وجعله ابن بشير مأخوذا من قوله: لولا خلاف أصحابنا لكان بينا أن يأخذ منها واحدة من أوسطها. وقيل: يؤخذ إلا أن تكون سخالا. انتهى. قاله الشارح. وقوله: "أو الشرار"، كالسخال جمع سخلة وهي الصغيرة من الغنم، ضأنا كانت أو معزا، ذكرا كانت أو أنثى. قاله الشادلي. وتيس ذكر معز غير معد للضراب، وعجفاء، وعوراء. وفي الرسالة: ولا تؤخذ في الصدقة السخلة، وتعد على أرباب الغنم، ولا العجاجيل في البقر؛ وهو ما دون السن الواجب، ولا الفصلان في الإبل؛ وهو ما دون بنت المخاض، وتعد عليهم، ولا تيس ولا هرمة. قال الشاذلي: وهي الكبيرة الهزيلة، وفي القاموس: الهرم أقصى الكبر، هرم كفرح، فهو هرم، وفسر غالب أهل المذهب التيس بأنه الذكر غير العد للضراب، وعبارة عياض: والتيس هو الذكر الثني من المعز الذي لم يبلغ حد الضراب فلا منفعة، وناقض بعضهم هذا بما تقدم؛ لأنه قال هنا: لا يؤخذ

ص: 262

التيس، وقال فيما تقدم يؤخذ الجذع من الضأن والعز، والجذع من المعز تيس. انتهى. نقله الإمام الحطاب. قال الشيخ الرماصي: والمعارضة ظاهرة إلا أن يحمل قولها، ويؤخذ الجذع من الضأن، والمعز على عمومه في الضأن، وخصوصه في المعز بالأنثى. فتأمله. ومر عن الأدوزي عن النفراوي: أنه يشترط في المأخوذة أن تكون سالمة مما يمنع الإجزاء في الضحية

(1)

).

إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة؛ يعني أن لزوم الوسط في المسائل الثلاث؛ أي فيما إذا وجد الوسط، وفيما إذا انفرد الخيار، وفيما إذا انفرد الشرار، محله حيث لم ير الساعي أخذ المعيبة أحظ للفقراء، وأما إذا رأى المعيبة أحظ للفقراء؛ أي رأى حظهم منها أو فر من حظهم من غيرها ككثرة لحم أو سمن فيما يريد ذبحه لهم فله ذلك. وعممت الاستثناء في الحالات الثلاث تبعا للشيخ محمد بن الحسن، فإنه قال: الذي يدل عليه كلام التوضيح والجواهر رجوع الاستثناء للحالات كلها، وقال: إن في كلام الشيخ عبد الباقي نظرا، حيث جعل الاستثناء راجعا للحالتين الأخيرتين، وهما ما إذا انفرد الشرار أو الخيار، قال: وأما لو وجد الوسط فلا تؤخذ المعيبة، ونحوه للشبراخيتي، وزاد: ولو كانت المعيبة أحظ للفقراء. انتهى. وقوله: "إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة"؛ أي ولا بد أن تكون المعيبة بالغة لسن الزكاة، وقوله:"إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة"، ظاهره أن للساعي أخذ المعيبة إذا رأى ذلك، وإن لم يرض ربها؛ وهو ظاهر المدونة. أبو محمد: ورضي ربها. ابن المواز: إنما ذلك بتراضيهما، وسبب الخلاف: اختلاف الرواية في قوله عليه الصلاة والسلام: (إلا ما شاء المصدق)

(2)

الرواية فيه بالكسر، وقاله أبو عبيدة، والصواب فيه الفتح. قاله ابن رشد، والصدق بتشديد الصاد وكسر الدال: رب المال، ويقال المصدق بتخفيف الصاد وكسر الدال مشددة: الساعي، ويؤخذ من الكلام المتقدم؛ وهو لأبي الحسن أنه يقال لرب المال المصدق بتخفيف الصاد وفتح الدال. قاله الخرشي.

لا الصغيرة؛ يعني أن الساعي ليس له أن يأخذ الصغيرة وهي التي لم تبلغ سن الزكاة، وفي المدونة: وإذا كانت الغنم ذات عوار أو سخالا، أو كانت البقر كلها عجاجيل والإبل فصلانا،

(1)

في نسخة ليست الأصل: لكن قال الزرقاني على الموطإ: إن الأكثر على أن عيب المزكى به ما ثبت به الرد في البيع وقيل ما يمنع الإجزاء في الضحية.

(2)

التيسير، ج 2 ص 89.

ص: 263

كلف ربها أن يشتري ما يجزئه، وإذا رأى الصدق أن يأخذ ذات العور أو التيس أو الهرمة أخذه إن كانت خيرا له، ولا يأخذ من هذه الصغار شيئا. انتهى. أبو الحسن: عن ابن رشد التيس المنهي عن أخذه، قيل هو الذكر من المعز دون سن الفحل فلا يجوز أن يرضى به الساعي؛ لأنه أقل من حقه وهو ظاهر المدونة لعده مع ذات العوار، ثم قال: وقيل هو الفحل الذي يطرق فينهى عنه لأنه فوق السن الواجبة، فلا يأخذه إلا برضى رب الماشية، قال: وناقض بعضهم هذا بما تقدم؛ لأنه قال هنا: لا يؤخذ التيس، وقال فيما تقدم: يؤخذ الجذع من الضأن والمعز والجذع من المعز تيس. انتهى. واستبعد بعضهم تفسير التيس بالفحل، بقوله في المدونة: إذا رأى المصدق أخذ التيس والهرمة وذات العوار فله ذلك، فهذا يدل على أنه ليس من كرائم الأموال. انتهى. وقد مر شيء من هذا.

ولما تكلم على زكاة النعم إجمالا، وكان تحت كل نوع منه صنفان، شرع في الكلام على حكم اجتماعهما وإكمال النصاب منهما، فقال: وضم بخت لعراب؛ يعني أن البخت يضم في الزكاة إلى العراب، والعراب من الإبل خلاف البخت، والعراب بكسر العين كجراب، والبخت بضم الباء وسكون الخاء: إبل ضخام مائلة إلى القصر، لها سنامان أحدهما خلف الآخر، تأتي من ناحية العراق. قال الشيخ زروق: وقد رأيناها بمصر والحجاز مع الأروام في حجهم، فسبحان الخلاق العظيم. وفي المصباح: البخت نوع من الإبل، الواحد بختي كروم ورومي، والجمع بخاتي يخفف ويشدد. انتهى. قاله غير واحد.

وجاموس لبقر؛ يعني أنه كما يضم البخت للعراب، يضم الجاموس للبقر، فمن عنده عشرون بقرة وعشرة من الجاموس -مثلا- يلزمه تبيع، كما أن من عنده ثلاث من العراب واثنان من البخت -مثلا- تلزمه شاة. والجاموس بقر سود، ضخام صغار الأعين، ضخام الخراطيم، مرفوعة الرأس إلى قدام، بطيئة الحركة قوية جدا، لا تكاد تفارق الماء، بل ترقد فيه غالب أوقاتها، يقال: إذا فارقت الماء يوما فأكثر هزلت. قاله الشيخ زروق. قال: وقد رأيناها بمصر وأعمالها. البساطي: الجاموس والحمر يشملهما اسم البقر، فلا يخفى أنه لو أتى موضع قوله: لبقر بالحمر، كان أحسن. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي مجيبا عن المصنف: تبع المصنف لفظ المدونة مع مراعاة ما

ص: 264

اشتهر عند الناس من مقابلة جاموس بلفظ بقر دون حمر. انتهى. والحمر بسكون الميم. وضُم الجاموس للبقر لوجوب الزكاة فيه ولإجزائه في الضحية مع تقارب المنفعة وتوحُّشُه الطارئ عليه مُلْغًى، ولذا لا يؤكل بالعقر. قاله الشيخ عبد الباقي.

وضأن لمعز؛ يعني أنه يضم الضأن للمعز في الزكاة، فمن عنده عشرون ضأنا وعشرون معزا يلزمه إذا حال حولها أن يزكيها بشاة، وقس على هذا المثال، والضأن ذو الصوف من الغنم والمعز ذو الشعر منها والغنم تشمل ذلك، وإنما ضم ما ذكر من البخت والجاموس، والضأن للعراب والبقر والمعز لتقارب المنفعة كما في أنواع الثمار، والذهب مع الفضة، وظاهر قوله:"وضم" لخ، يشعر بأن المضموم فرع، والثاني أصل، وليس بمراد وإنما كل منهما أصل. قاله الخرشي.

وَلَمَّا بين الضم في الأصناف المذكورة، أَخَذَ يبين المأخوذ منها من أي نوع يكون، فقال: وخير الساعي إن وجبت واحدة وتساويا؛ يعني أنه إذا وجبت واحدة في صنفين من الإبل أو البقر أو الغنم، فإن ذلك لا يخلو من أمرين: إما إن يتساوى الصنفان، أو لا، فإن تساوى الصنفان فإن الساعي يخير في أخذها من أي النوعين شاء، كعشرين ضأنا وعشرين معزا، وكثمانية عشر من العراب وثمانية عشر من البخت، وكعشرين بقرة وعشرين جاموسا. وإلا؛ أي وإن لم يتساو الصنفان -والحال أن الذي وجب واحدة- فإنها تؤخذ من الأكثر؛ لأن الحكم للغالب، كمن عنده ثلاثون بقرة وعشرة من الجاموس، فإنها تؤخذ من البقر، وبالعكس تؤخذ من الجاموس، وكثلاثين ضأنا وعشرين معزا، فإنها تؤخذ من الضأن، وبالعكس تؤخذ من المعز، وكعشرين من العراب وعشرة من البخت، فإنها تؤخذ من العراب، وبالعكس تؤخذ من البخت. وبالله تعالى التوفيق. واثنتان من كل إن تساويا؛ يعني أنه إذا وجب في الصنفين اثنتان -والحال أن الصنفين متساويان- فإنهما تؤخذان منهما؛ أي يؤخذ من كل صنف واحدة، كمائة ضأنا ومائة معزا، وثمانية وثلاثين بختا ومثلها عرابا، فتؤخذ ابنة لبون من البخت، وابنة لبون من العراب، وكثلاثين بقرة وثلاثين جاموسا، فيؤخذ من كل تبيع.

أو الأقل نصاب غير وقص؛ يعني أنه إذا لم يتساو الصنفان فيما إذا وجبت اثنتان، فإن ذلك لا يخلو من أربعة أوجه: أن يكون الأقل نصابا، أو لا، وفي كل إما أن يكون وقصا، أو لا. ومعنى

ص: 265

كون الأقل نصابا، أن يكون أربعين فأكثر في الغنم، وأن يبلغ ما تجب فيه بنت اللبون أو الحقة إذا كان الواجب حقتين، ومعنى كونه غير وقص أن يكون هو المُوجِبَ للثانية، ومعنى كونه وقصا أن الثانية واجبة بدونه، فإن كان الأقل نصابا غير وقص فإنهما تؤخذان من كل، كما إذا تساويا كمائة ضأنا وأربعين معزا، وكأربعين بختا وست وثلاثين عرابا، ولا يتأتى أن يكون النصاب في الأقل هنا وقصا، وإلا؛ أي وإن لم يكن الأقل نصابا سواء كان وقصا أم لا، أو كان نصابا ولكنه وقص. فالأكثر؛ هو الذي تخرجان منه، كمائة ضأنا وثلاثين معزا، وكمائة وثلاثين معزا وثلاثين ضأنا، فتخرجان من الضأن في الأول، ومن المعز في الثاني، وكمائة وثلاثين ضأنا وأربعين معزا، فتخرجان من الضأن وتؤخذان من الأكثر في الإبل أيضا، فيما إذا كان الأقل دون نصاب لبنت اللبون مثلا، كما إذا كان عنده ست وأربعون من البخت وثلاثون من العراب، ويستغنى في الإبل عن الشرط المذكور وهو كون الأقل نصابا غير وقص؛ إذ لا يتأتى أن يكون الأقل بعدد ما تجب فيه بنت اللبون أو الحقة ويكون وقصا. قاله الحطاب. وقوله:"وإلا فالأكثر"، محله حيث لم تقرر النصب، وحينئذ فإنما يبقى على عمومه في الغنم والإبل، إلا أنه لا يتأتى في الإبل كون الأقل نصابا وقصا، وإنما يتأتى فيها ما هو دون نصاب لبنت اللبون أو الحقة، ويكون وقصا وغير وقص، وأما البقر فلا يتأتى فيه قوله:"وإلا فمن الأكثر"، لتقرر النصب فيه عند وجوب اثنتين. وعلم مما قررت أن قوله:"وإلا فمن الأكثر"، تحته ثلاث صور، وقوله قبل:"أو الأقل نصاب غير وقص"، صورة واحدة، فتلك أربع صور.

وثلاث وتساويا فمنهما؛ يعني أنه إذا وجبت في الصنفين ثلاث، وتساوى الصنفان كمائة وخمسين ضأنا، ومثلها معزا فإنه يؤخذ من كل صنف واحدة، فتؤخذ في المثالين المذكورين ضائنة وعنز. وخير الساعي، في أخذ الثالثة من أي الصنفين شاء، وقوله:"وتساويا"، قال الشيخ بناني: المعتبر التساوي حقيقة أو حكما كتفاوتهما باثنين أو ثلاثة. قاله في التوضيح. انتهى. وإلا؛ أي وإن لم يتساو الصنفان، والحال أنه قد وجبت ثلاثة، فالحكم كذلك؛ أي كالحكم السابق في الاثنتين، فإن كان الأقل نصابا غير وقص أخذ منه واحدة، وأخذت الباقيتان من الأكثر كمائتين ضأنا ومائة معزا، وإن لم يكن الأقل نصابا سواء كان وقصا أم لا، أو كان نصابا

ص: 266

ولكنه وقص، أخذ الجميع من الأكثر كمائتين وعشرين ضأنا وثلاثين معزا، وكمائتين ضأنا وثلاثين معزا، وكمائتين وعشرين ضأنا وأربعين معزا، فتؤخذ الثلاث من الأكثر في الصور الثلاث. وقد علمت أن هذا وما قبله من قوله:. "وإلا فمن الأكثر"، إنما يكون حيث لم تتقرر النصب، فلا يتأتى في البقر والجاموس، وإنما يكون في الغنم، وكذا الإبل فيما هو أقل من نصاب لإحدى البكرتين إن كان الواجب بكرتين، ويتأتى أيضا فيما إذا وجبت ثلاث بنات لبون حيث اختار الساعي أخذها، لا في ثلاث حقق؛ إذ لا تجب ثلاث حقق إلا بعد تقرر النصب.

وقد علمت أنه لا يتأتى فيما إذا وجبت اثنتان فأكثر عن الإبل أن يكونَ عددُ ما تجب فيه إحداهما أو إحداهن ويكون وقصا. حققه الشيخ بناني. وبه تعلم ما في كلام الحطاب والأجهوري ومن تبعهما. والله سبحانه أعلم.

واعتبر في الرابعة فأكثر كل مائة؛ يعني أنه إذا تقررت النصب، فإن الأمر يتغير عما كان عليه، وذلك في الغنم عند وجوب أربع شياه فأكثر، فإنه يعتبر كل نصاب على حدته وهو مائة، فيؤخذ من كل مائة شاة ضائنة في الضأن وعنز في المعز، فإذا بقيت مائة اجتمع فيها الضأن والمعز، فإن تساويا خير الساعي وإلا فمن الأكثر، وفي الرابعة؛ أي في الشاة الرابعة. وكذا الحكم فيما إذا تقررت النصب في الإبل، فتعتبر كل أربعين على حدتها، وكل خمسين على حدتها، فإن بقي أحد العددين واجتمع فيه الصنفان خير الساعي إن تساويا، وإلا أخذت من الأكثر، وأما البقر فقد مر أنه تتقرر نصبه عند وجوب اثنتين فيه. وبالله تعالى التوفيق. فإذا كانت عنده ثلاث مائة وأربعون ضأنا وستون معزا أخذت ثلاث من الضأن وواحدة من المعز، لكونه هو الأكثر في المائة الرابعة من غير اعتبار ما قبلها، ولو كان عنده مائة من الإبل الراب وعشرون منها وثلاثون بختا، فإنه يأخذ حقتين من العراب والثالثة من البخت، لكونه هو الأكثر في الخمسين الثالثة من غير اعتبار ما قبلها، ومثل ذلك البقر كما علمت، ولهذا قال: وفي أربعين جاموسا وعشرين بقرة منهما؛ يعني أنه لأجل تقرر النصب يخرج من كل من الصنفين في هذا المثال الذي ذكر، وهو ما إذا كان لشخص أربعون من الجاموس وعشرون من البقر، فيخرج من البقر تبيع ومن الجاموس تبيع؛ لأنه ينظر لكل نصاب على حدته وهو ثلاثون جاموسا، وتبقى عشرة من الجاموس وعشرون من البقر الواجب فيها تبيع من البقر؛ لأن

ص: 267

البقر أكثر فيه من الجاموس، والنظر إنما هو لكل نصاب على حدته لما علمت من تقرر النصب، وعبارة الإمام الحطاب لأن من الستين تقررت النصب واتحد الوقص فيعتبر كل نصاب على حدته، كالأربع مائة في الغنم فيؤخذ من الجواميس تبيع على ثلاثين، ويبقى منها عشرة تضم إلى عشرين من البقر، فتكون البقر هي الأكثر، فيؤخذ منها تبيع. انتهى. سند: إذا كانت الماشية من صنفين إلا أن أحدهما فيه السن المفروض والآخر ليس فيه، قال الباجي: يؤخذ ما وجد عنده، وليس للساعي أن يلزمه ذلك السن من الجنس الآخر، فإن عدما فللساعي أن يكلفه ذلك السن من أي الجنسين شاء، وهذا نظير المائتين من الإبل.

والدليل على ما مر كتاب الصدقة الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل به بعده أبو بكر حتى قبض، وعمر حتى قبض، وكان فيه: (في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون، وفي الغنم في كل أربعين شاةً شاةٌ إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين، فإذا زادت [واحدة]

(1)

على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ المائة، ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان [بينهما]

(2)

بالسوية، ولا يؤخذ من الصدقة هرمة ولا ذات عيب. انتهى.

قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاء أثلاثا: ثلثا خيارا، وثلثا شرارا، وثلثا وسطا، فيأخذ المصدق من الوسط. رواه في التيسير؛ عن أبي داود والترمذي، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

(3)

). وَدَليل زكاة البقر ما رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من التيسير، ج 2 ص 90.

(2)

ساقطة من الأصل والمثبت من التيسير، ج 2 ص 90.

(3)

التيسير، ج 2 ص 90.

ص: 268

رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة

(1)

). رواه في التيسير. وروى في التيسير عن إمامنا مالك رحمه الله، عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه، أن عمر رضي الله عنه بعثه مصدقا، وكان يعد على الناس بالسخل، فقالوا: تعد علينا بالسخل ولا تأخذه منا، فلما قدم على عمر رضي الله عنه ذكر له ذلك، فقال: نعم تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا يأخذها المصدق، ولا يأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم، ولكن تأخذ الجذعة والثنية وذلك، عدل بين غذاء المال وخياره

(2)

). الأكولة: الشاة التي تؤكل والربى: التي تكون في البيت لأجل اللبن، وقيل: هي الحديثة النتاج والغذاء جمع غذي وهو الحَمَلُ أو الجدي، والمراد أن لا يأخذ الساعي خيار المال، ولا رديه، وإنما يأخذ الوسط. قاله في التيسير. قال: والماخض: الحامل إذا ظهر بها الطلق، وروى في التيسير عن البخاري وأبي داود والنسائي، عن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب له حين وجهه إلى البحرين هذا الكتاب، وختمه بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. (بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله تعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن سألها من المسلمين على وجهها فَلْيُعْطَهَا، ومن سأل فوقها فلا يُعْطَ؛ في أربعة وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا لم تكن ابنة مخاض، فابن لبون، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طُروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا

(1)

التيسير، ج 2 ص 90.

(2)

التيسير، ج 2 ص 90.

ص: 269

بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة -وصدقة الغنم في سائمتها- فإذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ففيها شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وفي الرِّقَةِ ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه الصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست ضنده وعندد ابنة لبون فإنها تقبل منه ابنة لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درحما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده بنت لبون وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء

(1)

). انتهى. قوله: طروقة الجمل؛ أي يطرقها أي يركبها، والسائمة، الراعية، والهرمة: الكبيرة الطاعنة في السن، والعوار بفتح العين وقد تضم هو العيب، والمصدق بتخفيف الصاد وتشديد الدال: عامل الصدقة، وفي هذا الحديث أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهما، وجواز النزول والصعود عند فقده إلى سن آخر يليه في الشاتين، والدراهم لدافعها سواء كان مالكا أو ساعيا. قاله القسطلاني الشافعي.

ومن هرب بإبدال ماشية أخذ بزكاتها؛ يعني أن من هرب من الزكاة؛ بإبداله لماشية كانت عنده نصابا بنوعها أو مخالفها، أو بعين أو بعرض -كما في الشارح- يؤخذ بزكاة الماشية المبدلة؛ أي التي خرجت من يده، ولا يؤخذ بزكاة ما أخذه عنها، ولو كانت زكاة هذا الذي صار بيده أفضل.

(1)

التيسير، ج 2 ص 89.

ص: 270

وبما قررت علم أن الهروب منه الزكاة، والباء في قوله:"بإبدال" باء الآلة، أو باء السببية، فالإبدال مهروب به، والهروب منه الزكاة، ومفهوم قوله:"هرب"، أنه لو أبدل غير هارب، فإنه سيذكره بقوله: كمبدل ماشية تجارة الخ. ومفهوم ماشية أنه لو أبدل نقده بعرض لا زكاة في عينه كعرض القنية، سقطت الزكاة إجماعا.

ولو قبل الحول؛ يعني أن من أبدل الماشية بعد مرور الحول وقبل مجيء الساعي يعد هاربا بذلك، وكذا لو أبدلها قبل الحول بيسير، كما نقله ابن يونس عن عبد الحق. وقال ابن الكاتب: إنما يعد هاربا إذا باع بعد مرور الحول؛ يعني وقبل مجيء الساعي. ابن يونس: وليس بصواب لأن بيعها بعد الحول وقبل مجيء الساعي كبيعها قبل حولها؛ إذ حلولها مجيء الساعي، فلا فرق، وإلى ترجيح ابن يونس لما نقله أشار بقوله: على الأرجح، ومقابله هو المردود بلو؛ وهو قول ابن الكاتب المتقدم. وَتَحْرِيرُ ما أشار إليه المصنف أن المسألة على ثلاثة أقسام: أَحَدُهَا أن البدل بالكسر إذا أقر بالفرار فإنه يعمل بإقراره مطلقا، أبدل بعد الحول أو قبله ببعد أو قرب، ثَانِيهَا أن تقوم عليه قرينة بالفرار كما إذا سمع يقول: يريد الساعي أن يأخذ مني الزكاة في هذا العام، وهيهات ما أبعده منها، والحكم في هذا كالذي قبله فيعمل بذلك مطلقا، أبدل بعد الحول أو قبله بقرب أو بعد. ثالثها مجرد التهمة العاري عن القرينة، فيعد هاربا إن أبدل بعد الحول وقبل مجيء الساعي، ولا إشكال في ذلك، وكذا لو أبدل قبل الحول بيسير على ما نقله ابن يونس ورجحه، خلافا لابن الكاتب القائل: إنما يعد هاربا إذا أبدل بعد الحول وقبل مجيء الساعي، وأما إبداله قبل الحول بكثير فلا يكون بمجرده دالا على الهروب، بل لابد من إقرار أو قرينة، وَقَوْلُهُ:"ومن هرب بإبدال ماشية"؛ أي ولابد أن تكون الماشية المبدلة نصابا، وأما إن كانت غير نصاب فلا يعقل الفرار بإبدالها، وأما البدل فلا يعتبر سواء كان نصابا أم لا.

وبما قررت علم أَن تعبير المصنف بالاسم جار على اصطلاحه، وَأَنَّهُ يقيد قوله:"قبل الحول"، بيسير كما مر التنبيه عليه، وفي كلام الشيخ عبد الباقي هنا تشويش، وَمِثْلُ هروبه بالإبدال ذبحه فرارا بعد الحول وقبل مجيء الساعي، وكذا قبل العام بقرب حيث لا ساعي وقصد به الفرار، وهبتها قبل العام لن يعتصرها منه ثم اعتصرها بعده، لا إن لم يعتصرها منه بعده، ولا هبتها

ص: 271

قبله لمن لا يعتصرها منه: فتسقط حيث قبض الموهوب الهبة قبل الحول لا بعده، وَقَوْلُهُ:"بإبدال ماشية"، سواء كانت للتجارة أم لا، وَقَوْلُهُ:"ولو قبل الحول"، المبالغة في الإبدال لا في الأخذ بالزكاة قبل الحول؛ إذ لا يزكى مال قبل الحول، وَحَدُّ القرب المشار إليه هنا كالقرب في الخليطين؛ ابن عرفة: في شرط الفرار بكونه بعد الحول أو بقربه كالخليطين، [قول]

(1)

ابن الكاتب والصقلي، وسيأتي الخلاف -إن شاء الله- في حد القرب في الخليطين، ولا يعترض بكلام ابن عرفة على المصنف في تعبيره بالاسم، كما قال الشيخ محمد بن الحسن: قال: لأن ابن يونس نقل [عن ابن عبد الحق]

(2)

مثل ما صوبه، كما نقله عنه في التوضيح. انتهى.

وبنى في راجعة بعيب؛ يعني أن من كانت عنده ماشية فأقامت عنده مدة، ثم باعها فأقامت عند المشتري مدة قلت أو كثرت، ثم رجعت إلى البائع بسبب عيب ظهر بها، فإن البائع يبني على حولها الذي عنده، فيزكيها عند تمام حول من يوم ملكها أو من يوم زكاها. "وفلس؛ يعني أن الحكم كذلك فيما إذا باعها بثمن في الذمة، وفلس المشتري قبل أن يقبض البائع الثمن، وأخذ البائع الماشية لكونها قائمة، فإنه يزكيها عند تمام حول من يوم ملكها، أو من يوم زكاها، وكذا الحكم لو باعها ورجعت إليه لأجل فساد البيع، فإنه يبني أيضا كان البيع متفقا على فساده أو مختلفا فيه، فإذا أقامت عنده أربعة أشهر من يوم ملكها أو زكاها، فأقامت عند المشتري شهرا مثلا، فرجعت إلى البائع لعيب قديم ظهر بها، أو لفلس من اشتراها، أو لفساد البيع؛ فإنه يزكيها لمضي سبعة أشهر في المسائل الثلاث، بنَاءً على أن الرد بهذه الأشياء نقض للبيع من أصله وهو المشهور وقيل: ابتداء بيع من الآن، وعليه فيستقبل بها حولا من يوم رجوعها له. قاله غير واحد. والقول بالاستقبال إنما هو تخريج كما قال ابن عرفة وغيره. قاله الحطاب. والقول بالبناء هو المنصوص، وَفُهِمَ من قوله: بنى، أنها رجعت قبل تمام الحول، فإن رجعت بعده زكاها حين الرجوع، فإن زكاها المشتري ثم ردها رجع على البائع بما أدى إن لم يكن دفع منها، وكذا يقال فيما إذا أقامت عنده حولين أو أكثر حيث كان للمشتري ردها، فإن لم يكن له

(1)

الذي في البناني، ج 2 ص 120 قولا.

(2)

الذي في البناني، ج 2 ص 120 عن عبد الحق.

ص: 272

ردها لكون البيع فاسدا فزكاته عليه؛ لأنها على ملكه من حين فوات الرد، ويأتي أن طول الزمن في البيع الفاسد يفيت الحيوان، وفي النوادر: ومن ابتاع غنما فأقامت عنده حولا، ثم ردها بعيب قبل مجيء الساعي فزكاتها على البائع، ولو ردها بعد أن أدى فيها شاة فليردها، ولا شيء عليه في الشاة التي أخذها المصدق، ولو فلس المشتري فقام الغرماء وجاء الساعي فالزكاة مبدأة، وما بقي للغرماء، ولو طلب رب الغنم أخذها في التفليس وقد أتى [المصدق]

(1)

فله أخذ شاة، ثم إن شاء ربها أخذها ناقصة بجميع الثمن. انتهى. قاله الحطاب. وقوله:"وبنى في راجعة بعيب" الخ، قال الشيخ بناني: وكذا الإقالة على الراجح، خلاف ما يأتي للمصنف إلا أن القول بالاستقبال فيها غير مخرج، بك منصوص لابن المواز -كما يأتي- وأما الراجعة بالعيب والفساد والفلس، فقد مر أن القول بالاستقبال فيها مخرج، خرجه ابن يونس على القول بأنها ابتداء بيع. وقوله:"وبنى في راجعة بعيب" الخ؛ يعني فارا أو غير فار، إلا أن الفار تلزمه الزكاة، وإن لم ترجع له الماشية بخلاف غيره.

كمبدل ماشية تجارة وإن دون نصاب بعين؛ يعني أن من عنده ماشية اشتراها للتجارة سواء كانت نصابا أم لا، فأبدلها بنصاب من العين، فإنه يبني على حول العين التي اشتريت بها الماشية، إن لم يكن زكى الماشية، وإلا بأن أبدل الماشية بنصاب العين بعد جريان الزكاة في الماشية، فإنه يبني على حول الماشية؛ لأن تزكيتها أبطلت حول الأصل، وإنما بنى على حول النقد الأول في العين المشتراة بالماشية؛ لأن ماشية التجارة كسلع من سلعها؛ وهي إذا بيعت روعي فيها حول الأصل، لتقدير الربح كامنا فيها. والله سبحانه أعلم.

أو نوعها؛ يعني أنه إذا أبدل الماشية المشتراة للتجارة بنوعها؛ بأن كانت إبلا مثلا فأبدلها بإبل، فإن حول الماشية التي صارت بيده حول الماشية التي كانت بيده، سواء أبدلها بها قبل جريان الزكاة فيها أو بعده لقرب النوع من النوع.

وبما قررت علم أن التشبيه في البناء، وأن كيفية البناء مختلفة، ففي كلام المصنف إجمال. وقوله:"كمبدل ماشية تجارة"، مفهوم قوله:"ومن هرب". ولما كان النظر هنا إنما هو في زكاة

(1)

في الأصل المتصدق والمثبت من الحطاب ج 3 ص 43 ط، دار الرضوان.

ص: 273

البدل، وأما المبدلة فلا زكاة فيها قطعا، لعدم قصد الفرار شَرَطُوا هنا في البدل أن يكون نصابا على عكس ما مر في الهارب؛ إذ لا زكاة فيما دونه دون المبدلة لكونها غير مزكاة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والله تعالى أعلم.

ولو لاستهلاكه؛ يعني أن من استهلك ماشية للتجارة، وأخذ ربها عنها نصابا من نوعها، فإنه يبني، وظاهره مطلقا، قامت بينة على الاستهلاك أو لا، وهي طريق ابن أبي زيد وسحنون أن ابن القاسم اختلف قوله في ذلك، سواء ذهبت العين أم لا، وقال سحنون: إن القول بالاستقبال أحسن، وأما العين فلم يختلف قوله فيها أنه يبني، وهي خلاف طريقة حمديس أن خلافه إنما هو في عيب يوجب الخيار في أخذ العين والقيمة، فَتَارَةً جعل المأخوذ عوضا عن القيمة، فلا زكاة كمن أبدل عينا بماشية، وَتَارَةً جعله عوضا عن العين فيبني لأنه كمن أبدل غنما بغنم، وأما لو ذهبت العين فلا يختلف قوله أنه لا زكاة فيها، وهذه طريقة ابن رشد وعليها اقتصر المواق؛ وهي طريق عبد الحق، وزاد وهذا إذا ثبت الاستهلاك ببينة، وإلا زكى الغنم التي أخذ لأنه يتهم أن يكون إنما باع غنما بغنم. وَتَحَصَّل مما مر أن المبالغة راجعة لقوله:"أو نوعها" فقط. وَأَمَّا لو أخذ النقد عن الماشية المستهلكة فهو مساوٍ لما إذا أخذ العين عن الماشية اختيارا فيبني، ولم يختلف في ذلك قول ابن القاسم، وأما لو أخذ النوع في الاستهلاك ففيه لابن القاسم في المدونة قولان، فلم يُرَ في صورة أخذ العين في الاستهلاك خلاف حتى يشير له بلو. انتهى. والقولان هما اللذان اختلف فيهما طرق الشيوخ، وتبين أن المصنف أطلق على طريق أبي محمد، ورجح -تبعا لابن الحاجب- القول بالبناء، مع أن القول بالاستقبال هو مختار سحنون. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وبهذا تعلم ما في كلام الشيخ عبد الباقي. والله تعالى أعلم. وقوله: تجارة بكسر التاء، يقال: تجر يتجر بضم الجيم تجرا بإسكانها وتجارة فهو تاجر، وقوم تجر كصاحب وصحب وتجار كصِحاب وصُحاب وصحاب، وتجار بالضم وتشديد الجيم كفاجر وفجار، وقوله:"كمبدل ماشية تجارة" الخ، اعلم أن الصور ثمانية؛ وذلك أن المبدل إما أن يكون نصابا أو أقل، والبدل كذلك وهو بالعين، أو بالنوع؛ فتلك ثمان، فيبني حيث كان البدل نصابا، سواء كان البدل نصابا أو لا وإلا استقبل، فاتضح من هذا أنه يبنى في أربع، ويستقبل في أربع، فيبني فيما إذا كان البدل نصابا،

ص: 274

وأبدل بنوع سواء كان البدل نصابا أو لا، وفيما إذا كان البدل نصابا وأبدل بعين سواء كان البدل نصابا أو لا، ويستقبل في الأربع الباقية. والله سبحانه أعلم.

ولما كانت ماشية التجارة تخالف ماشية القنية في اشتراط كون المبدل إذا أبدل بعين نصابا كبدله، بين ذلك بقوله: كنصاب قنية؛ يعني أن من عنده نصاب ماشية متخذ للقنية، فأبدله بنصاب عين أو بنصاب من نوعها، فإن المأخوذ يزكى على حول من يوم ملك رقاب الماشية أو زكاها، فالتشبيه في الصورتين، ولو أبدلها بدون النصاب من العين فإنه لا زكاة عليه اتفاقا، وكذا إذا أبدلها بدون نصاب من نوعها؛ فتلك أربع يبني على حول الأصل في اثنتين، ولا زكاة عليه في اثنتين،

ومفهوم نصاب أنه لو كان عنده دون نصاب من الماشية للقنية، وأبدله بنصاب عين أنه يستقبل، وأما إن أبدله بنصاب من نوعها، فإنه يبني، فإن أبدله بدون نصاب من نوعها أو من العين فلا زكاة عليه؛ فتلك أربع، والفرق بين ماشية التجارة يبنى في أربع، ويستقبل في أربع وماشية القنية يبنى في ثلاث ويستقبل في خمس، أن ماشية التجارة أصلها عين فباعها أي الماشية وهي مَنْوِيٌّ بها التجارة بعين وهي كسلع من سلعها، فروعي فيها أصلها كما هو معلوم، فيبني حيث كانت الماشية دون نصاب، وأبدلها بنصاب على حول النقد الذي اشتريت به الماشية، ولا كذلك نصاب القنية. والله سبحانه أعلم.

وأما لو كان عنده نصاب عين أبدله بعين بنى، كانت الأولى للتجارة أو للقنية، وإن كان عنده دون نصاب فكذلك إن كانت الأصلية للتجارة، فإن كانت للقنية استقبل بالبدل كما سيقول:"كثمن مقتنى" قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: وبكعيب بنى كمبدل بنوع كان الأصل نصابا أو لا. لا مخالفها؛ يعني أن من أبدل ماشية بمخالفها كإبل ببقر أو غنم، أو غنم ببقر يستقبل، سواء كانت الأولى للتجارة أو للقنية، وسواء كان الإبدال طوعا أو لاستهلاك. قاله الشبراخيتي. وقوله:"لا مخالفها"، فإن ردت الأصلية بكعيب بنى. كما مر.

تنبيه: قال غير واحد: إن الماشية إذا أبدلت بدون نصاب من نوعها أنه يستقبل بالبدل سواء كانت الأولى نصابا أم لا، وإذا أبدلت بنصاب من نوعها أنه يبني على حول المبدلة سواء كانت الأولى نصابا أم لا.

ص: 275

قال مؤلفه عفا الله عنه: ومقتضى هذا أو صريحه أن من أبدل شيئا من الإبل كان عنده بشيء من الإبل دون نصاب، ثم أبدله بنصاب من نوعه أنه يبني على حول المتوسط، وأن من عنده شيء من الغنم وأبدله بثلاثين مثلا من الغنم وكملت أربعين بولادة وحدث الحمل بعد الإبدال المذكور، يبني على حول الثلاثين؛ أي يزكي لحول من يوم ملك رقاب الثلاثين. والله سبحانه أعلم. وَقَوْلُه:"لا مخالفها"، عطف على قوله:"أو نوعها"، مع اعتبار قوله:"كنصاب قنية"، فهو مفهوم نوعها في مسألتي التجارة والقنية. والله تعالى أعلم.

أو راجعة بإقالة؛ يعني أن من باع ماشية كانت عنده، ثم رجعت إليه بإقالة لا يبني على حولها، بل يستقبل قاله ابن المواز، وهو خلاف قول مالك وأصحابه من أنه يبني على حول من يوم ملكها أو زكاها كالمردودة بعيب أو فساد أو فلس. وقال ابن عرفة: ولو باع بعين ثم ابتاع بها من صنفها، أو أقال بعد قبض الثمن أو قبله فَفِي بنائه وَاسْتِقْبَالِه.

ثَالِثُهَا إن اشتراها ممن باعها منه الأول. للباجي عن رواية الأخوين، والثاني لأشهب مع ابن القاسم، والثالث لابن زرقون عن رواية ابن حبيب عن مالك وأصحابه. وَاعْتَرَضَ المواق المصنف بأنه خالف قول مالك وأصحابه، ونقله الأجهوري وسلمه. قَالَ الرَّمَّاصي: وهو تهافت وإفساد لكلام الأئمة؛ لأن قول مالك وأصحابه إنما هو فيما إذا أخذ منه الماشية في الثمن أو اشتراها منه بعد قبضه لا في الإقالة. انتهى. قال الشيخ بناني: تهويل مصطفى؛ يعني الرماصي هو التهافت، وكلام ابن رشد صريح في أن الإقالة والشراء من المشتري سواء في الحكم، وأنهما محل البناء عند مالك وأصحابه؛ لأنهم إذا كانوا يقولون بالبناء فيما إذا اشترى من المشتري ماشية أخرى من صنفها بعد قبض الثمن أو قبله، فَلَأنْ يقولوا بالبناء فيما إذا أقاله في الأولى من باب أولى، وكلام ابن عرفة يدل على ذلك لأنه قال: ثالثها إن اشتراها ممن باعها، ومقابله في التفصيل إن اشترى من غيره كما هو مصرح به في كلام ابن رشد، ثم قال: والحاصل أن الإقالة إذا كانت بيعا فهي مسألة ما إذا اشترى منه، وإن كانت غير بيع فهي أولى منها بالبناء، ثم نقل عن ابن رشد أنه إذا اشترى الثانية بغير ثمن الأولى أنه يستقبل قولا واحدا، وإنما يختلف إذا اشترى الثانية بثمن الأولى على ثلاثة أقوال، أحدها أنها فائدة في الوجهين جميعا وهو مذهب ابن القاسم، قال ابن

ص: 276

المواز: وكذلك لو باعها ثم استقال منها لكانت فائدة لأن الإقالة بيع حادث، والثاني: أنه يزكي الثانية على حول الأولى في الوجهين وهو قول ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، والثالث: أنه يزكي الثانية إذا أخذها من الذي باع منه بالثمن، ويستقبل بها حولا إذا اشترى بالثمن من غيره، وهذا القول ظاهر ما حكاه ابن حبيب عن مالك من رواية مطرف وابن وهب، وعن أصحاب مالك إلا ابن القاسم. انتهى. وقوله:"أو راجعة"، عطف على قوله:"لا مخالفها"، فهو مشارك له في الاستقبال، لكن بالنظر لقوله:"بعيب".

تنبيه: قال ابن عرفة ما نصه: والمطلق قبل البناء ومجيء الساعي شريك فيما أصدق من نعم معينة، وفي بقاء حوله على حاله قبل العقد أو منه، ثالثها يستقبل، للخمي عن المذهب مع ابن بشير عن أكثر المتأخرين، والصقلي عن محمد عن ابن القاسم مع مالك، وعن محمد مع سحنون وأشهب. نقله الرهوني.

أو عينا بماشية؛ يعني أن من كانت عنده عين وأبدلها بماشية، يستقبل بتلك الماشية عند ابن القاسم، قال الشارح: وهو المشهور، وقال ابن مسلمة: يبني، وقد تقدم نقل ابن عرفة ولو باع بعين ثم ابتاع بها من صنفها، أو أقال بعد قبض الثمن أو قبله، ففي بنائه واستقباله، ثالثها: إن اشتراها ممن باعها منه، الأول للباجي عن رواية الأخوين، والثاني لأشهب مع ابن القاسم، والثالث لابن زرقون عن رواية ابن حبيب عن مالك وأصحابه. وقوله:"أو عينا بماشية"، هي عكس قوله:"كنصاب قنية". وقوله: "كمبدل ماشية تجارة بعين"، والفرق كما قال ابن يونس: أنه لما كان الأصل عندنا أن كل من اشترى بالعين شيئا للقنية ماشية أو غيرها، فقد أبطل حول العين فناسب استقبال مبدلها بماشية، وكان الأصل أن لا زكاة في سلع القنية، وأن من باع سلعة قنية يستقبلى بثمنها، وخرجت الماشية عن ذلك، فلم تقدح فيها القنية، بل تؤخذ زكاتها عند حولها، ولو كانت مقتناة فناسب أن يبقى ثمنها على حولها ولا يستأنف به. انتهى. وقوله: إن الماشية لا تقدح فيها القنية؛ أي إذا كانت نصابا فيستوي فيها التجارة والقنية، وإن كانت دونه فكغيرها. والقنية بكسر القاف وضمها وسكون النون: الادخار، قال الجوهري: قنوت الغنم

ص: 277

وغيرها، قنوة بكسر القاف وضمها وقنيت أيضا قنية بالكسر والضم إذا اقتنيتها لنفسك، قال الخطابي: كالدابة يركبها والعبد يستخدمه.

ولما تكلم على المبادلة، شرع في زكاة الخلطة وأفردها بالذكر؛ لأنها تشارك زكاة الانفراد في بعض شروطها وتخالفها في بعض، وعرف ابن عرفة الخلطة بأنها اجتماع نصابي نوع نعم مالكين فأكثر فيما يوجب تزكيتهما على ملك واحد. انتهى. واعترضَ بأن مفاده أن المجتمع نصابان، ولا يفيد أن لكل واحد نصابا لصدقه على أن لواحد نصابا ونصفا مثلا، وللاخر نصف نصاب مع أنه لا بد أن يكون لكل واحد نصاب كما يأتي، وأجيب بأن قوله: فيما يوجب، ظرف لقوله: اجتماع، فهو قيد فيد، والمالك لنصف نصاب مثلا لا يجتمع مع الآخر في ذلك، ففي كلامه ما يفيد أنه لا بد من أن يكون لكل منهما نصاب. والله سبحانه أعلم.

واعترض تعريف ابن عرفة أيضا بأن فيه دورًا؛ لأن قوله يوجب، هو حكم الخلطة وأثرها، فالحكم به يتوقف على تصورها وأخذه في التعريف دور، وللشيخ الأخضري:

وعندهم من جملة المردود

أن تدخل الأحكام في الحدود

وقول ابن عرفة: نوع هو شرط لابد منه ولم يذكره المصنف، وأجيب بأنه يؤخذ من قوله:"كمالك فيما وجب"؛ لأن الإبل والبقر لا تجمع في الزكاة ولو جمعهما ملك. فكيف بالخلطة والصنفية كالضأنين لا تشترط، والجنسية كإبل وبقر أو غنم لا خلطة فيها؟ ثم إن كانا من صنف واحد صح كون الفحل أحد الثلاثة الآتية وإلا فلا؛ إذ فحل الضأن لا يضرب في إناث المعز.

واعلم أن النصوص متواطئة على عدم اشتراط اجتماع النصابين، خلافا لتعريف ابن عرفة، فإذا كان المجتمع لهما نصابا فقط، وعند كل ما يوفي فإنها خلطة حقيقة، ووقع في التوضيح اشتراط اجتماع النصابين، كما قال ابن عرفة، ورد على ابن عبد السلام عدم اشتراط ذلك. والصواب مع ابن عبد السلام، فلا تغتر برده. قاله الرماصي. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقول ابن عرفة: تزكيتهما، ضمير التثنية يعود على المالكين أو على النصابين، وعليه فتكون على، بمعنى في. قاله الشبراخيتي؛ يعني على ملك واحد.

ص: 278

وخلطاء الماشية؛ يعني أن أرباب المواشي إذا خلطوا مواشيهم على الوجه الآتي يكونون في الزكاة كمالك واحد، فيما وجب عليه، وأقل ما تحقق فيه الخلطة اثنان ولا حد لأكثرهم، وقوله:"الماشية"، يريد أن الخلطة إنما هي في خصوص الماشية، وأما غيرها فالعبرة بملك كل، كما قاله الشيخ الأمير. من قدر، هو وما عطف عليه بيان لما؛ يعني أن الخلطاء إنما يكونون كالمالك الواحد، فيما يجب عليه من القدر الذي يخرجه في الزكاة لو كان مالكا للجميع، فإذا كان يجب عليه واحدة أو أكثر بتقدير كونه مالكا للجميع، يجب عليهم أن يخرجوا ذلك القدر سواء أفادت تخفيفا أو تثقيلا أو لم تفد شيئا، فمثال ما أفادت الخلطة فيه تخفيفا ثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة عليهم شاة واحدة على كل ثلثها، ولولا الخلطة لكان على كل واحد منهم شاة، ومثال ما تفيد فيه التثقيل اثنان لواحد منهم تسع من الإبل وللآخر ست عليهما ثلاث شياه، ولولا الخلطة لكان على كل واحد شاة واحدة، ومثال ما لم تفد فيه تخفيفا ولا تثقيلا اثنان لواحد مائة شاة وللآخر مائة شاة.

وسن، عطف على قوله:"قدر"، فهو أيضا بيان للواجب؛ يعني أنهم إذا خلطوا مواشيهم يكونون في السن اللازمة بمنزلة الواحد. المالك للجميع، فإذا كان اثنان لكل واحد ست وثلاثون من الإبل، فعليهما جذعة، ولولا الخلطة لكان على كل بنت لبون.

وصنف، هو كالذي قبله من بيان الواجب على الخلطاء؛ يعني أن الخلطاء في إخراج المصنف إذا كان لهم صنفان يجب عليهم من ذلك ما يجب على الواحد بتقدير ملكه للجميع، فيخرج من الأكثر إن وجبت واحدة، وإن تساوى الصنفان خير الساعي إلى آخر ما مر، فإذا كان اثنان لواحد ثمانون ضأنا وللآخر أربعون معزا عليهما جذعة ضأن، على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى الآخر الثلث.

وقد مر التمثيل لا تفيد فيه التخفيف والتثقيل، ولما إذا لم تفد شيئا، ومما تفيد فيه التثقيل اثنان لكل واحد مائة وشاة عليهما ثلاث شياه، ولولا الخلطة لكان على كل واحد شاة واحدة، واحترز المصنف بقوله:"من قدر وسن وصنف"، من غير ذلك من الوجوه التي يوجبها الملك، من نفقة وضمان وغيرهما، فإن كلا منهما لا يضمن ماشية الآخر، وينفق كل على ماشيته، ولكل منهما غلة ماشيته لا يخالطه الآخر فيها.

ص: 279

وقد مر لي التصريح بأن زكاة الخلطاء على الوجه المذكور واجبة، ويفيد ذلك ابن عرفة والمصنف. وصرح بالوجوب ابن هلال في نوازله تبعا للإمام وغيره، قال مالك ولا تجب الصدقة على الخليطين حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، فإن كان لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، جمعا في الصدقة ووجبت الصدقة عليهما جميعا. وبالله تعالى التوفيق.

ونص ابن هلال هو قوله بعد أن سئل عن الخلطاء في الإبل خمسة لكل واحد خمسة من الإبل، أيؤدون بنت مخاض أم لا؟ انتهى السؤال: فإن حصل شرائط الخلطة أو جلها وجبت عليهم جميعا بنت مخاض. انتهى الجواب.

إن نويت؛ يعني أنه لا بد في زكاة الخلطة المذكورة من كونها منوية من الخلطاء أو الخليطين، ونية أحدهما لغو، واعتبرها ملك لأنها معنى يوجب تغير الحكم كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وقيل: معنى نية الخلطة أن لا يقصد بها الفرار من تكثير الواجب إلى تقليله، فإن قصد ذلك فلا أثر لها، ويؤاخذان بما كانا عليه، وكما يشترط في الخلطة أن لا يقصد بها الفرار من تكثير الواجب إلى تقليله، يشترط أيضا أن لا يفرقوا أي الخلطاء بين المجتمع قصدا إلى تقليل الواجب، وإلا أخذا بما كانا عليه قبل الافتراق، وتقدم دليل ذلك، ويثبت الفرار في الأمرين بالإقرار، وكذا يثبت بالقرينة، فإن لم يكن إقرار ولا قرينة لم يتعرض لهما إن كانا صالحين وإلا استدل على الفرار بقرب الزمن، وهل حد القرب إذا أظلهم الساعي، كما قال ابن المواز؟ وقيل: الشهر، وقيل: أقل من الشهر والشهر فأكثر بعيد، وقيل: القرب شهر. انتهى ملخصا من الأجهوري والشبراخيتي. ابن عرفة: صح (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة

(1)

)، كخلطة ثلاثة لكل أربعون وافتراق اثنين لكل واحد مائة وشاة، والمنصوص الأخذ بما كان. فلو عدمت القرينة والزمان الدالان على الفرار، وأشكل الأمر فهل تتوجه اليمين على المالك أم لا؟ أو يفرق بين المتهم فتتوجه عليه اليمين دون غيره ثلاثة أقوال، ومذهب المدونة عدم توجه اليمين مطلقا. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: وفي حده -يعني القرب- بشهرين وشهر ودونه خلاف. انتهى. قال الشيخ بناني: هكذا قال ابن الحاجب، وظاهره أنه خلاف في

(1)

أبو داود، كتاب الزكاة، الحديث:1580. وابن ماجه، كتاب الزكاة، الحديث: 1801.

ص: 280

قدر الزمن الذي يستدل به على قصد الفرار، واعترضه في التوضيح بأن الذي تدل عليه النقول أن هذا خلاف في القدر الذي لا يكونان خليطين بأقل منه، فيستدل على قصد الفرار بما دونه. انتهى. وفي المدونة: ومن نزل به الساعي، فقال إنما أفدت غنمي منذ شهر، صدق ما لم يظهر كذبه. قاله مالك. ولا يحلف، وقد أخطأ من يحلف الناس من السعاة. انتهى. وقد نقل الحطاب عند قوله:"وخرج الساعي"، عن ابن رشد أن بعضهم تأول كلام المدونة هذا على غير المتهم، وأن المتهم يحلف. انتهى.

وفي الحطاب عن ابن عرفة: ويثبت الفرار بالقرينة والقرب على المشهور وفي القرب الموجب تهمتهما خمسة أقوال. ابن القاسم: اختلاطهم لأقل من شهرين معتبر ما لم يقرب جدا. ابن حبيب: أقله شهر وما دونه لغو. محمد: أقل من شهر معتبر ما لم يقرب جدا. ابن بشير: في كون موجب التهمة شهرين ونحوهما أو شهرا. ثالث الروايات: دونه والإحلاف عند الإشكال كيمين التهمة، ثالثها: يحلف المتهم.

وذكر الشيخ عبد الباقي أن الأقسام ثلاثة؛ فالصالحان يصدقان ومستورا الحال يصدقان بيمين حيث اتهما، فإن لم يحلفا أخذا بما كانا عليه قبلُ، ومعلومان بذلك ظهر فسقهما يؤاخذان بما كانا عليه قبل ولو حلفا. قاله عبد الوهاب.

وفي العتبية: سئل عن رجل تصدق على ابن له بغنم فحازها له، فإن ضمها إلى غنمه كان فيها شاتان، وإن أفردها كان فيها شاة؟ قال: لا يضمها إلى غنمه، قال: فلو ضمها وقال للمصدق لما جاءه، ليس لي إلا كذا وكذا وسائرها تصدقت به على ولدي؛ أيصدقه الساعي؟ قال: نعم يصدقه إذا كان على صدقته بينة. ابن رشد: يريد يصدقه على تعيين الغنم إذا شهدت البينة بالصدقة ولم تعينها، وظاهر قول سحنون: أنه يصدق وإن لم تكن له بينة، وهي استحسان على غير قياس؛ لأنه أقر أن الغنم كانت له وادعى ما يسقط زكاتها. انتهى. قاله الحطاب.

وإذا أصدق الرجل امرأته ماشية بعينها كثمانين شاة ولم تقبضها حتى تم لها حول عند الزوج، وطلقها قبل البناء وقبل مجيء الساعي، فإن الغنم المذكورة تزكى زكاة الخلطة وهو مذهب المدونة. قاله في التوضيح. وحينئذ فلو كان في نصيب أحدهما ما فيه الزكاة دون الآخر فلا زكاة

ص: 281

على الآخر كما في المدونة، واستشكل تصوير كون الزكاة في حظ أحدهما دون الآخر مع أن الماشية بينهما نصفين، وأجاب عن ذلك الشيخ أبو الحسن بما نصه: لعل نصيب كل منهما لا تجب فيه الزكاة، وعند واحد منهما ما يضيفه من غيرها. قاله غير واحد. وهذه المسألة من باب الشركة.

وبما ذكر عن أبي الحسن تعلم أن ما مر من أن الجزء لا يوجب شيئا، إنما هو فيما إذا لم تتعدد الأجزاء، وأما إذا تعددت بحيث يكون له نصف بعير مثلا ونصف بعير آخر، فإن هذا يعتبر كمسألة المدونة، وسيأتي ما هو صريح في ذلك إن شاء الله. وفي شرح الشيخ عبد الباقي عند قوله:"وراجع المأخوذ منه شريكه"، أنه عبر بالشريك عن الخليط مجازا، قال: إذ الخلطة كما قال ابن يونس: لا ملك رقبة فيها لهما وغنم كل متميزة، والشركة ملك الرقبة بين كل من غير تمييز، وإن كان حكم الشركاء كالخلطاء فيزكون زكاة الخلطة كما في أحمد عن ابن يونس، وذكر عن المدونة: أن الشركة تكون في غير الماشية أيضا، ففيها: والشركاء في كل حب يزكى أو ثمر أو عنب أو ورق أو ذهب أو ماشية، ليس على من لم تبلغ حصته منهم مقدار الزكاة زكاة. انتهى. وقد مر أن الخلطة إنما هي في خصوص الماشية، وأما في غيرها فالعبرة بملك كل، وما شرحت به قوله: إن نويت، هو الذي للمواق والشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير: ولم أذكر النية لأن النية الحكمية لا تنفك عن الشركاء عرفا. انتهى؛ يعني الخلطاء. والله سبحانه أعلم. وشرح المصنفَ غيرُ واحد بما هو ظاهره، فقال: إن نويت الخلطة المفهومة من خلطاء الماشية من كل منهما ونية أحدهما دون الآخر لغو. سند: اعتبرها مالك لأنه معنى يوجب تغيير الحكم، فيفتقر إلى النية كاقتداء المأموم، ولم يعتبرها أشهب، وبالتقرير الأول يجاب عما يقال: لم ترك المصنف الشرط المدلول عليه؟ بخبر: (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة

(1)

). وذكر ما لم يرد به نص صريح.

وكل حر؛ يعني أنه يشترط في زكاة الخلطاء على ملك واحد ستة شروط: أحدها النية وقد مر المراد بها، ثانيها أن يكون كل منهما أو منهم حرا، فإن كان أحدهما حرا والآخر عبدا فلا زكاة على العبد، ويزكي الحر زكاة الانفراد، ولو خالط السيد عبده فإن كانت حصة السيد والعبد

(1)

أبو داود، كتاب الزكاة، الحديث:1580. وابن ماجه، كتاب الزكاة، الحديث: 1801.

ص: 282

نصابا فلا زكاة على واحد منهما كأجنبيين، وكذا إن كانت حصة العبد نصابا وحصة سيده دونه، وبالعكس زكى السيد فقط -كما مر- قال ابن عرفة: وخلطة العبد وسيده وشركته كأجنبي، وقال ابن كنانة: يزكي السيد الجميع، وفي رسم الجواب من سماع عيسى من زكاة الحبوب: وسألته عن العبد يكون شريكا لسيده فلا يرفعان إلا خمسة أوسق، هل يكون فيها زكاة، أو يكون خليطا له في الغنم لكل واحد منهما عشرون، هل عليهما صدقة؟ قال ابن القاسم: قال مالك: ليس عليهما، ولا على أحدهما في ذلك قليل، ولا كثير في زرع ولا غنم، قال ابن القاسم: وهذا مما لا شك فيه ولا كلام، واحذر من يقول غير هذا أو يرويه، فإن ذلك ضلال. ابن رشد: من يقول إن العبد لا يملك، وإن ماله لسيده، يوجب الزكاة عليه في الزرع والغنم؛ وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وفي المدونة: لابن كنانة نحوه، قال: يخرج من ذلك ثم يصنع هو وعبده ما شاء. انتهى. قاله الإمام الحطاب.

ثالثها: أشار إليه بقوله: مسلم؛ يعني أنه يشترط في زكاة الخلطة أيضا أن يكون كل من الخلطاء مسلما، فلو كان أحد الخليطين كافرا فإنه يزكي الحر المسلم زكاة الانفراد، وأما الكافر فلا تصح منه الزكاة ولا غيرها من أمور الإسلام ما دام كافرا، لفقد الشرط الذي تنبني عليه أمور الإسلام؛ وهو الإيمان، فالذي يبني على غيره كالذي يبني في الهواء، فانظر هل يتم بناؤه أم لا؟ وقوله:"وكل حر" الخ، الجملة حال من الضمير في الخبر، أعني قوله:"كمالك".

رابعها: أشار إليه بقوله: ملك نصابا؛ يعني أنه لابد في الزكاة على الوجه المذكور من أن يكون كل من الخلطاء أو الخليطين ملك نصابا ولو لم يخالط بجميعه -كما مر- ولذا عبر بملك دون خالط، فإذا خالط أحدهما بأقل من النصاب وله مال مفرد يكمله ضم إلى مال الخلطة على المشهور، فيزكي الجميع زكاة الخلطة، واحترز بقوله:"ملك"، من الغاصب والمتعدي والمودع والمستعير ونحوهم، وبقوله:"نصابا"، عن المالك دون نصاب، فيزكي ذو النصاب زكاة الانفراد، ولا شيء على من لم يكن عنده إلا ما دون النصاب. وفي الشبراخيتي. ما يفيد أنه لا بد أن يكون فيما اجتمع بينهما نصاب، فإنه قال: وكذا لو كان عند كل نصاب، وخالط كل نصاب بعض نصاب الآخر، بحيث صار ما وقع فيه الخلط نصابا. انتهى. وكذا ما تقدم عن الشيخ محمد بن

ص: 283

الحسن من قوله: فإذا كان المجتمع لهما نصابا فقط، وعند كل ما يوفي فإنها خلطة حقيقة. انتهى. والله سبحانه أعلم.

وفي الحطاب، قال مالك: والزكاة واجبة على الشركاء في النخيل والزرع والكرم والزيتون إذا بلغ حظ كل واحد منهم ما فيه الزكاة، ومن لم يبلغ فلا شيء عليه. انتهى. وفي الشامل: ولا شيء على شريك حصته دون نصاب في عين وماشية وحرث، وفي المدونة: يعتبر النصاب في حصة كل واحد من الشركاء في جملة أموال الزكاة. قاله الحطاب.

خامسها: أشار إليه بقوله: بحول؛ يعني أنه لا بد في زكاة الخلطة من أن يتفق المالكان في الحول، ويحسب الحول من يوم الملك ومن يوم الزكاة، فلو حال على مال أحدهما الحول دون الآخر لم تؤثر الخلطة، فيزكي من حال الحول على ماشيته زكاة الانفراد، ولا زكاة على الآخر حتى يحول خليه الحول، فيزكى زكاة الانفراد إن لم يخالط آخر متفقا معه في الحول، ولا يشترط مرور الحول عليهما مختلطين، بل يكفي اختلاطهما أوله أو أثناءه ما لم يفهم بخلطهما الفرار -كما سبق- "والباء"، بمعنى: مع، متعلقة "بملك"؛ أي ملكا مصاحبا للحول، وعبارة الشيخ الأمير: والخلطاء كمالك في حول ابتداؤه بعد الخلطة أو قبلها متفقا، وإلا زكى كل ماله. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وقول الحطاب -يعني أن يتفقا في الحول- فيه نظر؛ إذ يوهم أو يقتضي أنه إذا حال الحول على مال أحدهما، ثم حال على مال الآخر ولم يأت الساعي إلا بعد مرور حول الثاني، أنهما لا يكونان خليطين، وليس كذلك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل لا يقتضي شيئا من ذلك؛ لأن الحول في الحقيقة هو مجيء الساعي، وقد اتفقا فيه في هذه الصورة، وعبارة الحطاب هذه مثل عبارة الجواهر. كما نقله الرماصي. وقال الشيخ الخرشي: ولابد من اتفاقهما في الحول، فلو لم يتفقا لم تصح خلطتهما. ابن رشد: لا يكون الرجلان خليطين، ويزكيان زكاة الخلطة حتى يكون الحول قد حال على ماشية كل منهما، فلو كانت ماشية أحدهما مائة وقد حال عليها الحول، وماشية الآخر خمسون لم يحل عليها الحول، فأخذ الساعي منهما شاتين، فإن أخذهما من صاحب المائة لم يكن على صاحب الخمسين شيء؛ لأن الواحدة واجبة عليه، والثانية مظلمة وقعت، وإن أخذهما من صاحب الخمسين رجع بالواحدة

ص: 284

على صاحب المائة، وكانت الثانية مظلمة وقعت عليه، وإن أخذ واحدة من غنم صاحب المائة وواحدة من غنم صاحب الخمسين لم يكن لصاحب الخمسين على صاحب المائة رجوع بالشاة التي أخذت منه؛ لأنها مظلمة وقعت عليه ولا ترادّ في هذا؛ إذ لا اختلاف فيه بخلاف ما إذا زكاها زكاة الخلطة وماشية أحدهما أقل من نصاب. انتهى. وهو يفيد أن الأخذ من غنمهما في الفرض المذكور بتأويل كالأخذ من غير تأويل، وليست كمسألة تأول الساعي الأخذ من نصاب لهما، الخ؛ لأن أخذ الزكاة في هذه لم يقل به أحد. انتهى. كلام الخرشي.

سادسها: أشار إليه بقوله: واجتمعا بملك أو منفعة في الأكثر؛ يعني أنه لابد في زكاة الخلطة من اجتماع الخليطين في ملك رقاب الأكثر من هذه الأمور الخمسة التي يذكرها المصنف، أو في ملك منفعته بإجارة أو إعارة، أو إباحة للناس كماء نهر ومراح، ومبيت بأرض موات، أو راع تبرع لهما بمنفعته، وكفحل يضرب في الجميع حيث كان من الأكثر، وجمع المصنف أولا وثنى الضمير إشارة إلى أنه لا فرق بين اثنين وأكثر منهما.

والحاصل أنه لا بد من اشتراكهما في ثلاثة فأكثر من الأمور الخمسة إما باشتراك في ملك للرقبة، وإما باشتراك في ملك المنفعة، والمراد بالاشتراك في المنفعة أن لا يكون في حوز أحدهما، وبين المصنف الأمور الخمسة التي لابد من اشتراك المالكين فأكثر في ملك رقبتها أو منفعتها؛ أي في الأكثر منها بقوله: من مراح؛ يعني أنه تشترط الشركة في المراح؛ أي موضع الرواح للمبيت بالملك لرقبته أو منفعته، بإجارة أو إعارة، أو كونه مباحا كموات إذا كان أحد الثلاثة التي لابد من الشركة في ملكها أو منفعتها وإلا فلا، وقوله:"مراح"، قال الشيخ عبد الباقي: بضم الميم على الأشهر، ويفتح وهو موضع اجتماع الماشية بقائلة، اتحد أو تعدد واحتاجت له. انتهى. قوله: اتحد أو تعدد، قال الشيخ محمد بن الحسن: صحيح، هكذا نقله المواق عن ابن بشير في المراح والمبيت. انتهى. وقال الشبراخيتي: ضبطه عياض بضم الميم، وفصل الجوهري بين المحل الذي تقيل فيه أو تجمع فيه ثم تساق منه للمبيت فبالفتح، وبين المحل الذي تبيت فيه فبالضم، وما قاله عياض لا يخالف ما قاله الجوهري؛ لأن ما قاله عياض مجمل، وما قاله الجوهري مفصل، فيحمل المجمل على المفصل، فيحمل ما قاله عياض على المحل الذي تبيت فيه، وكلام المصنف

ص: 285

يضبط بالفتح لأن المراد به المحل الذي تقيل فيه أو تجمع فيه، ثم تساق منه للمبيت، لا المحل الذي تبيت فيه، وإلا تكرر مع قوله: ومبيت. انتهى. وقال الإمام الحطاب: ضبطه عياض بضم الميم، والجوهري: إن كان بمعنى البيت فبالضم، وبمعنى موضع الاجتماع للرواح للمبيت بالفتح، والمعنى الثاني هو المراد في كلام المصنف لذكره المبيت. انتهى.

وماء، هو أحد الخمسة التي لا بد من الاشتراك في ثلاثة منها فأكثر؛ يعني أنه يشترط في زكاة الخلطة أن يكون الماء الذي تشرب منه مواشي الخلطاء مشتركا، ولو بإباحته للناس، هذا إذا كان أحد الثلاثة وإلا فلا، وقال الشيخ عبد الباقي: ماء مباح للناس أو ملك لهما أو لأحدهما، ولا يمنع ماشية الآخر منه. انتهى. ومبيت؛ يعني: أنه لا بد من اشتراكهما في ملك المبيت أو منفعته حيث كان أحد الثلاثة، وإلا فلا. والمبيت هو الموضع الذي تبيت فيه الماشية، وقوله:"ومبيت": قال الشيخ عبد الباقي: واحدا أو متعددا احتاجت له، ويقال للمبيت: المراح وموضع الحلاب. وراع؛ يعني: أنه لابد من اجتماعهما في الراعي بأن يكون ملكا بينهما، أو يؤاجراه واحدا يجمع الماشيتين، أو يكون لكل ماشية راع، وتعاونا عند ابن القاسم وابن حبيب، وإن لم يحتج لهما على المعتمد، خلافا للباجي. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما للباجي من اشتراط الاحتياج في تعدد الراعي هو الذي صححه في التوضيح ولم يذكر المواق غيره، لكن اعترض ابن عرفة كلام الباجي بأنه خلاف ظاهر نقل الشيخ عن ابن حبيب وابن القاسم من الاكتفاء بالتعاون في تعدد الراعي، كثرت الغنم أو قلت، فهذا مستند الزرقاني في خلاف الباجي. والله أعلم. وقوله:"وراع"؛ أي حيث كان أحد الثلاثة، وإلا فلا. بإذنهما؛ يعني أنه لابد في زكاة الخلطة المرتبة على اجتماع المواشي أن يكون ذلك الاجتماع حصل بإذن من المالكين للرعاة فيه، فإن اجتمعت رعاة مواش بغير إذن أربابها لم يصح عده من الأكثر. قاله الشيخ عبد الباقي. ومقتضاه أنه لو حصل اجتماع الرعاة بدون إذن أرباب الماشية، واجتمعوا في ثلاثة غير الراعي لزكوا زكاة الخلطة. قاله جامعه. والله سبحانه أعلم. وعلم من هذا ومما مر: أنه إذا لم يكن اجتماع من المواشي لا تصح زكاة الخلطة. والله سبحانه أعلم.

ص: 286

وفحل؛ يعني أن الفحل إذا كان من الثلاثة المذكورة لابد أن يشتركا في ملكه أو منفعته، ولابد أيضا أن يكون صنف ماشيتهما واحدا كضأن أو معز إن اتحد الفحل، فإن اختلفت ماشيتهما كضأن لأحدهما ومعز للآخر، فلا يصح أن يعد الفحل من الأكثر ولو اشتركا فيه؛ إذ لا يضرب فحل ضأن في إناث معز، فإن اعتبرت الثلاثة من غيره جاز كونهما من صنفين كضأن ومعز وجاموس وبقر، فاشتراط كونهما من صنف دائما فاسد، وإن تعدد الفحل بأن كان لكل ماشية فحل ويضرب في الجميع أيضا جاز ذلك إن اشتركوا فيه. على ما مر.

والحاصل أن الخمسة المذكورة لابد أن يجتمعا في أكثر من اثنين منها، ولا بأس أن يختص واحد منهما أو منهم بواحد منها أو اثنين، قال الإمام الحطاب: وزاد بعضهم اتحاد نوعي الماشية، وإنما تركه لوضوحه، وإلا فلا بد منه. وقوله: برفق، راجع للخمس أي لابد من قصد الترافق والتعاون في الجميع، لا يقَصْدِ الفرار من الزكاة، ففي هذا أيضا إشارة إلى ما في الحديث: (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة

(1)

)، وقد مر الكلام عليه عند قوله:"إن نويت".

ولما فرغ من الكلام على شروط الخلطة، بَيَّن كيفية مراجعة أحدهما للآخر عند أخذ الساعي أحدهما -وهي من ثمرات الخلطة- فقال: وراجع المأخوذ منه شريكه، المراد بالشريك الخليط؛ إذ الشركاء لا مراجعة بينهم؛ يعني أنه إذا أخذ الساعي من أحد الخليطين جميع ما عليهما أو أزيد مما على المأخوذ منه، فإن المأخوذ منه يراجع شريكه؛ أي يرجع عليه، وتكون المراجعة بنسبة عدديهما؛ أي بنسبة عدد كل منهما لمجموع العددين، ومعنى ذلك أن توزع قيمة المأخوذ على العددين، ويرجع المأخوذ منه على الآخر بما ينوب عدد ماشيته من القيمة.

أما إذا كان الوقص من الطرفين، فلا خلاف في ذلك كتسع من الإبل لأحدهما وللآخر ست، فعليهما ثلاث شياه تقسم على خمسة عشر بعيرا، فتجعل على خمسة أخماس، يخرج لكل ثلاثة من الإبل خمس بضم السين

(2)

)، فعلى صاحب التسعة ثلاثة أخماس من الشياه الثلاث؛ وهي شاة وأربعة أخماس من شاة، وعلى صاحب الستة خمسا الشياه الثلاث؛ وهما شاة وخمس شاة، وهذا

(1)

أبو داود، كتاب الزكاة، الحديث 1580. وابن ماجه، كتاب الزكاة، الحديث: 1801.

(2)

كذا في الأصل ولعل المقصود بضم الخاء.

ص: 287

إذا كان الوقص من الطرفين يؤثر في لزوم الزكاة كالمثال المذكور، وأما إن كان غير مؤثر كثمانية وست، فكما إذا انفرد وقص لأحدهما، فيجري فيه الخلاف الجاري فيما إذا انفرد وقص لأحدهما المشار إليه "بلو"، في قوله: ولو انفرد وقص لأحدهما؛ يعني أنه يرجع المأخوذ منه أيضا على الآخر بما ينوب عدد ماشيته من قيمة الزكاة التي أخذت منه، فيما إذا كان الوقص من طرف واحد، كما إذا كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر تسع من الإبل، فاللازم في ذلك شاتان ينوب كل سبعة منها قيمة شاة، فإذا أخذ الشاتين من صاحب التسعة رجع على صاحب الخمسة بخمسة أسباع من قيمة شاة، وإن أخذهما من صاحب الخمسة رجع على صاحب التسعة بقيمة شاة وسُبُعَيْنِ من قيمة الأخرى، وإن أخذ من كل منهما واحدة رجع صاحب الخمسة على صاحب التسعة بسُبْعَيْن؛ هذا هو المشهور. وبالغ المصنف "بلو"، لرد قول مالك المرجوع عنه، فإنه كان يقول أَوَّلًا: على كل واحد شاة، ثم رجع إلى هذا. قاله الشارح. ويجري هذا الخلاف أيضا فيما إذا لم ينفرد وقص لأحدهما، ولكنه غير مؤثر كما مر. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله. "وراجع"، لو قال: ورجع المأخوذ منه على صاحبه، كان أولى؛ إذ الفاعلة ليست على بابها من الجانبين. قاله الشيخ محمد بن الحسن.

والوقص ضبطه عياض بفتح القاف، أبو الحسن: وبعض المتفقهة يقولون بالسكون، وهو خطأ، ونقل في التوضيح الإسكان عن النووي، وقال سند: الجمهور على تسكين القاف. قاله الحطاب. والوقص هو ما بين الفريضتين في أنواع النعم.

واعلم أن هذه اللفظة معلومة قبل الشرع، فيجب أن تكون لمعنى لا تعلق له بالزكاة التي لم تعلم إلا من الشرع، واستعيرت من ذلك المعنى اللغوي لهذا المعنى الشرعي، وذلك يحتمل أن تكون من وقص العنق الذي هو قِصَرُهُ لقصوره عن النصاب، أو من وقصت به فرسه إذا قاربت الخطى؛ لأنه يقارب النصاب، ويقال بالسين والشنق بفتح الشين المعجمة والنون: ما يزكى من الإبل بالغنم. قاله مالك. قاله في التنبيهات. وذكر الجوهري أن الشنق مرادف للوقص. حكاه عنه القرافي، وفسره في النهاية أيضا بذلك، قال: وإنما سمي شنقا لأنه لم يؤخذ منه شيء فأشنق إلى ما يليه أي أضيف، ثم قال: والعرب تقول إذا وجبت على الرجل شاة في خمس من الإبل قد

ص: 288

أشنق أي وجب عليه شنق، فلا يزال شنقا إلى أن تبلغ إبله خمسة وعشرين، ففيها بنت مخاض، وقد زال عنه اسم الإشناق، ويقال له: معقل؛ أي مؤد للعقال مع ابنة المخاض، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين فمفرض؛ أي وجبت في إبله الفريضة. انتهى. فكأنه -والله أعلم- سمي شنقا لكونه أشنق إلى غيره؛ أي [أضيف]

(1)

الإبل إلى الغنم فزكيت بها. والله أعلم. قاله الحطاب. وقوله: في القيمة متعلق بقوله: "وراجع"؛ يعني أن المأخوذ يرجع على الآخر بنسبة عدديهما بما عرفت، وإنما يرجع بالقيمة اتفاقا إن كان الرجوع بجزء وكذا إن كان الرجوع بذات كاملة من إبل أو بقر أو غنم على المشهور، وهو قول ابن القاسم خلافا لأشهب القائل: إنه يرجع بمثل ما أخذ حينئذ، بناء على أن الرجوع عليه كالمتسلف، وقال ابن القاسم بالقيمة بناء على أنه كالمستهلك ونص ابن عرفة: وفي الرجوع بمثل المأخوذ إن كانت شاة وقيمته، نقلا الباجي عن أشهب وابن القاسم، قال: بناء على أنه سلف أو استهلاك، قال: وإن كان جزءا فقيمته اتفاقا منهما، وفي كون القيمة يوم الأخذ أو يوم القضاء، نقل الباجي عن ابن القاسم، وتخريج الشيخ عن أشهب. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن، واقتصر في الشامل على قول ابن القاسم: إن القيمة تعتبر يوم أخذ الساعي، واستظهره المصنف في التوضيح؛ وهو المذهب. قاله الشبراخيتي. وشبه في التراجع بنسبة العددين في القيمة. قوله: كتأول الساعي الأخذ من نصاب لهما؛ يعني أنه إذا كان بين الخلطاء أو الخليطين نصاب، فإنهما يتراجعان بنسبة عدديهما فيما أخذ الساعي بالقيمة، حيث كان الساعي متأولا في الأخذ؛؛ أي مقلدا لمن يرى تأثير الخلطة بما دون النصاب إذا كمل بينهم نصاب؛ وهو لابن وهب. وسواء كان لاثنين أو أكثر، كأربعة نفر لكل واحد منهم عشر شياه، فأخذ من الأربعين شاة، قومت بأربعة دراهم، فإن المأخوذ منه يرجع على كل من خلطائه بدرهم. قاله الشيخ إبراهيم.

أو لأحدهما وزاد للخلطة؛ يعني: أنه إذا كان لأحد الخليطين نصاب، وللآخر أقل من نصاب ولكنه إذا أضيف للأول بتقدير كونهما ملكا لواحد يحصل من ذلك ما فيه شاتان مثلا فأخذ الساعي من ماشيتهما شاة وزاد شاة أخرى لأجل الخلطة مقلدا لمن يرى ذلك؛ وهو ربيعة، فإنهما

(1)

في الحطاب ط دار الرضوان ج 3 ص 16: أضيفت.

ص: 289

يتراجعان فيما أخذ الساعي بالقيمة، فإذا كان لأحدهما مائة شاة وللآخر خمسة وعشرون فقط فأخذ شاتين، فإنهما يتراجعان في الشاتين على صاحب المائة أربعة أخماسهما؛ وهي قيمة شاة وثلاثة أخماس من قيمة شاة، وعلى صاحب الخمسة والعشرين خمسهما؛ وهو خمسا قيمة شاة هذا قول محمد وسحنون، وقيل: على صاحب المائة شاة، وتقسم الثانية على مائة وخمسة وعشرين على صاحب المائة أربعة أخماسها، وعلى صاحب الخمسة والعشرين خمسها؛ وهو مذهب ابن عبد الحكم. وإنما تراجع الخلطاء في المسألتين لأن أخذ الساعي بالتأويل يشبه حكم الحاكم في مسائل الخلاف فلا ينقض، وإذا أخذ الساعي في المسألة الأولى شاتين كانت إحداهما مظلمة وترادوا في الأخرى بينهم إن استوت قيمتهما، وإن اختلفت فنصف قيمة كل شاة مظلمة، وترادوا في النصفين الآخرين، ومثل تأول الساعي لو ظن أن الغنم كلها لواحد لأن اجتماعهما أوجب الخطأ عليهما. قاله الخرشي. ومفهوم زاد للخلطة أنه لو لم يزد لها كأن يكون لأحدهما سبعون من الغنم وللآخر ثلاثون، فأخذه زائدا عن شاة محض ظلم وغصب. والغصب هو ما أشار إليه بقوله: لا غضبا؛ يعني: أنه إذا كان أخذه -أي الساعي- في جميع ما مر على غير تأول، بأن لم يقلد من يرى ذلك وإنما أخذ ما أخذ غصبا أو جهلا، فإنه لا رجوع للمأخوذ منه على الآخر بشيء لأنه محض ظلم.

والحاصل أن هذه المسألة على أربعة أقسام: متأول وظان أن الماشية لمالك واحد يترادان على ما مر، وقد مر أن المتأول هو المقلد لمن يرى زكاة الخلطة في ذلك، وأما من ظن أن ذلك هو الحكم فإنه جاهل، والغاصب والجاهل لا تراجع فيما أخذاه والله سبحانه أعلم.

ولم يكمل لهما نصاب؛ يعني أن الخليطين أو الخلطاء إذا لم يكمل لهما أولهم نصاب وأخذ الساعي شاة من أحدهما، فإنه لا رجوع للمأخوذ منه على الآخر بشيء؛ لأن ما يأخذه إنما هو بطريق الغصب أو الجهل، قال غير واحد: وهذا يغني عنه ما قبله، ولو كان لأحدهما أربعون وللآخر ثلاثون فإنما تلزم شاة وهي على صاحب الأربعين، فإن أخذت من غنمه فواضح، وإن أخذت من غنم صاحبه رجع بها عليه، فإن أخذ شاتين من غنم صاحب الأربعين لم يرجع بشيء على صاحبه، وإن أخذهما من صاحبه رجع على صاحبه بقيمة واحدة، وإن أخذ من كل

ص: 290

واحدة فلا تراجع إن كانت المأخوذة من الأربعين مجزئة أو ليست واحدة مجزئة، وإن كانت المأخوذة من صاحب الثلاثين هي المجزئة رجع بقيمتها على صاحب الأربعين. قال بعض: وهذا إذا ابتدأ بالأخذ من الثلاثين، فإن ابتدأ بالأخذ من الأربعين لم يرجع صاحب الثلاثين عليه بشيء، كانت المأخوذة من الأربعين مجزئة أو لا؛ لأن بأخذ شاة من الأربعين رجعت إلى ما لا زكاة فيه، فالمأخوذة بعد ذلك من الثلاثين مظلمة. قاله الخرشي.

وذو ثمانين خالط بنصفيها ذوي ثمانين؛ يعني أنه إذا كان لشخص ثمانون من الغنم خالط بأربعين منها صاحب أربعين من الغنم، وبالأربعين الأخرى شخصا له أيضا أربعون من الغنم، فإنه يكون على صاحب الثمانين شاة، وعلى غيره نصف؛ أي على كل منهما نصف شاة.

والحاصل أن اللازم شاتان، على صاحب الثمانين شاة وعلى صاحبي الثمانين شاة بينهما بالسوية؛؛ أي فعلى كل منهما نصفها.

وعلم مما قررت أن صاحبي الثمانين لكل منهما أربعون. وعلم من قوله المار: "ملك نصابا"، أن ذا الثمانين الذي خالط بنصفيها مالك لها كصاحبيه، وقوله:"وذو ثمانين خالظ"، هو قول ابن القاسم وأشهب؛ وهو المبني على المشهور من أن خليط الخليط خليط، ومقابل القول بأن خليط الخليط خليط ثلاثة أقوال:

أحدها أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب بالآخر وإنما يحتسب بجميع غنم من خالطه خاصة وهي ثمانون، فيكون على كل من صاحبي الأربعين ثلث، شاة وعلى صاحب الثمانين ثلثا شاة،

ثانيها: أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب إلا بما خالطه به صاحب الثمانين وهو الأربعون، فيكون عليه نصف شاة وعلى صاحب الثمانين ثلثا شاة؛؛ لأنه يجمع جميع ملكه وهو الثمانون، ويضمها إلى كل واحد بانفراده، ويتفق هذا القول وما قبله على أن على صاحب الثمانين ثلثي شاة، ويختلفان فيما على كل من مالكي الأربعين، فعلى الأول على كل واحد منهما ثلث شاة، وعلى الثاني نصف شاة،

ص: 291

ثالثها: أن صاحب الثمانين لا يجب عليه ضم بعض ملكه إلى بعض، لكن يزكي كل مالك ما خالط به الآخر، كأنه لا يملك غيره، وهذا القول يوافق القول الذي مشى عليه المصنف في المثال المذكور، في أنه على كل من صاحبي الأربعين نصف شاة وعلى صاحب الثمانين نصفا شاة ويظهر الفرق في غير هذا المثال وهو رجل له خمسة عشر بعيرا خالط بخمسة منها رجلا صاحب خمسة وبالعشرة صاحب خمسة فعلى المشهور الذي مشى عليه المصنف على الجميع بنت مخاض وعلى الثاني عليهم خمس شياه على صاحب الخمسة عشر ثلاث شياه وعلى كل واحد من الطرفين شاة قاله الخرشي والأجهوري لخصته من كلامهما ومعنى خليط الخليط خليط مخالط المخالط مخالط قاله الشيخ علي الأجهوري ففعيل هنا بمعنى مفاعل أو بنصف فقط ذا أربعين يعني أن من كانت له ثمانون شاة وخالط بنصفها فقط شخصا له أربعون شاة وأبقى الأربعين بيده ببلد واحد أو بلدين فإن الواجب عليهما شاة واحدة على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى صاحب الأربعين ثلثها وقوله كالخليط الواحد خبر عن قوله وذو ثمانين وحينئذ فهو راجع للمسألتين ومعنى الخليط المخالط أما المسألة الأولى فوجه التشبيه فيها ظاهر أي يقدر ذو الثمانين الذي خالط بنصفها مالك أربعين وخالط بالنصف الآخر مالك أربعين كأنه خالط شخصا واحدا فهما كالشخص الواحد لأجل خلطته هو الحاصلة مع كل منهما لأن خليط الخليط خليط أي مخالط المخالط مخالط وأما المسألة الثانية وإن كان الخالط فيها واحدا فوجه ذلك أن قوله كالخليط الواحد يعني به الواحد الحقيقي الذي لم يخالط إلا واحدا ولم يبق عنده من ماشيته شيئا بدون مخالطة فلا يلزم منه تشبيه الشيء بنفسه قاله الشبراخيتي وفيه ما فيه كما لا يخفى. والله سبحانه أعلم. وقوله: عليه شاة وعلى غيره نصف تبيين لما يترتب على قوله كالخليط الواحد وفيه حذف الواو وما عطفت أي على صاحب الثمانين شاة في المسألة الأولى، وثلثا شاة في المسألة الثانية، وعلى غيره نصف ما عليه في المسألتين، فعلى كل من صاحبي الأربعين في الأولى نصف شاة، وعلى صاحب الأربعين في الثانية ثلث شاة؛ لأن الذي على صاحب الثمانين فيها ثلثا شاة. والله سبحانه أعلم.

وبما قررت علم أن قوله: "وعلى غيره نصف"، معناه نصف ما على صاحب الثمانين في المسألتين، وقوله: بالقيمة، يحتمل أن يريد أن تراجع الخلطاء يكون بالقيمة في هذه أيضا؛ وهو

ص: 292

تكرار لا كبير فائدة فيه، ويحتمل أن الساعي إذا وجب له جزء من شاة أو بعير يأخذ القيمة، قال ابن الحاجب بعد هذه المسألة: وإذا وجب جزء تعين على الساعي أن يأخذ منه قيمة ذلك، وهذا معنى قوله: تعين أخذ القيمة، قال ابن فرحون: يعني إذا وجب للساعي على أحد الخليطين جزء شاة أو جزء بعير، فإن على الساعي أن يأخذ منه قيمة ذلك، وهذا معنى قوله: تعين أخذ القيمة، وقيل: يأتي بشاة يكون للساعي جزؤها والأول أصح؛ إذ لابد للشاة من البيع، وليس هذا مثل من وجبت عليه شاة فدفع قيمتها؛ إذ لا ضرورة بخلاف هذا. انتهى. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. قال الشيخ عبد الباقي: وعلى الثاني فالباء زائدة وهو مشكل؛ إذ من ثمرات كونهما كمالك واحد أنه يأخذ ما وجب من مجموع المالين كأنهما مال واحد. انتهى المراد منه. وقال الرماصي: لعل المؤلف رحمه الله أراد ما قاله ابن عبد السلام في القول الذي اقتصر عليه المؤلف في المسألة الأولى أن الواجب على كل من الطرفين القيمة، وعلى الوسط شاة، وارتضاه في التوضيح، واستظهره واعترضه الزواوي قائلا: هذا غلط فاحش إذ لو كان الأمر كما قال لما كان تراجع بين الخلطاء؛ لأن من وجب عليه شاة دفعها، ومن وجب عليه جزء دفع قيمته، فلا تراجع وهو مخالف للحديث والقواعد. انتهى. فكلامه في التوضيح يدل على ما أراده هنا وإن كان غير صحيح؛ وهو الاحتمال الثاني، وأما الاحتمال الأول فتنبو عنه عبارة المؤلف؛ لأن كلامه فيما يجب على كل لا في التراجع. انتهى.

والحاصل: أن كون الساعي يأخذ القيمة ضعيف مخالف لمذهب المدونة. وخرج الساعي؛ يعني أنه يجب على الإمام أن يخرج الساعي لجباية الزكاة؛ أي لجمعها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا جلب ولا جنب في زكاة، لا تؤخذ زكاتهم إلا في دورهم

(1)

)، قال محمد بن إسحاق: لا جلب يعني لا تجلب الصدقات إلى المصدق، ولا جنب أي لا ينزل المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، فتجنب إليه ولكن تؤخذ من الرجل في موضعه. رواه في التيسير. عن أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وروى في التيسير عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبة

(1)

التيسير، ج 2 ص 91.

ص: 293

فليس منا

(1)

). ولو بجدب؛ يعني أن السعاة يخرجون كل عام، ولا فرق في ذلك بين عام الخصب وعام الجدب على المشهور، لكن إذا خرج بجدب فليرفق بالناس ويقبل منهم الشرار. قاله البدر. نقله الأمير. والله سبحانه أعلم.

وإنما أمر بخروج الساعي عام الجدب؛ لأن الضيق على الفقراء أشد فيحصل لهم ما يستعينون به، "والباء" في قوله:"بجدب"، يحتمل أن تكون للظرفية، وأن تكون للمعية، ومقابل المشهور أنه إنما يخرج الساعي سنة الخصب لا في سنة الجدب، والجدب ضد الخصب، وإذا فرعنا على مقابل المشهور فتؤخذ لماضي السنين عام الخصب. قاله مالك في الموازية. وقيل: تسقط بالكلية، حكاه ابن رشد. وما تقدم من أن أصل خروج الساعي واجب صرح به ابن رشد، لقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ، وصرح بأنه لا يلزم ربها أن يسوق صدقته إلى الساعي، قال: إلا أن يبعد عن محل اجتماع الناس على المياه، فيلزمه أن يسوقها إليه. انتهى. وقد مر حديث (لا جلب ولا جنب)

(2)

الخ، وعلق بخرج قوله: طلوع الثريا بالفجر؛ يعني أن خروج الساعي يكون عند طلوع الثريا بالفجر، "والباء" في قوله:"بالفجر"، بمعنى مع كما قال في المدونة: طلوع الثريا مع الفجر، ونفقة الساعي عليه لأنه أجير كما نص عليه ابن فرحون، وذكره التتائي. وخروج الساعي في الوقت المذكور سنة كما صرح به ابن شأس، وفي المدونة: سنة السعاة أن يخرجوا عند اجتماع أرباب المواشي بمواشيهم على الماء للتخفيف عليهم، وعلى السعاة لأنه قد يحتاج أحد إلى سن فيعسر عليه تحصيله عند الافتراق. انتهى. والسنة في المدونة منصبة على كون الخروج في الوقت المذكور، وأما أصل الخروج فقد مر أنه واجب، وأناط مالك الخروج بالسنين الشمسية، وإن كان الأصل إناطة الأحكام بالسنين القمرية، وبه قال الشافعي هنا: واختاره ابن عبد السلام، فقال: الظاهر أنه يطلب خروجهم في المحرم في أي فصل، ويلزم أهل المذهب سقوط زكاة عام في نحو ثلاثين عاما. انتهى. واغتفر مالك سقوط العام الزائد لمصلحة الفريقين: السعاة، وأرباب المواشي. قال في التوضيح: علق مالك الحكم هنا بالسنين الشمسية،

(1)

التيسير، ج 2 ص 91.

(2)

التيسير، ج 2 ص 92.

ص: 294

وإن كان يؤدي إلى إسقاط سنة في نحو ثلاثين سنة، لما في ذلك من المصلحة العامة؛ أي لأن الماشية كما في الذخيرة تكتفي في زمن الشتاء بالكلإ عن الماء، فإذا أقبل الصيف اجتمعت عند المياه، فلا يتكلف السعاة كثرة الحركة، ولأنه عمل أهل المدينة.

واعلم أن النصوص تواطأت على أن مجيء الساعي هو الحول، ولا عبرة بمرور الحول قبله، وقال الإمام الحطاب: مقتضى كلام غير واحد من أهل المذهب أن زكاه الماشية تؤخذ على هذا الوجه، ولو أدى إلى سقوط عام في نحو ثلاث وثلاثين سنة، وفي المدونة: من مات بعد الحول وقبل مجيء الساعي كأنه مات قبل حولها؛ إذ حولها مجيء الساعي مع مضي عام، وفي كتاب ابن المواز: له أن يذبح ويبيع بعد الحول قبل مجيء الساعي، وإن نقص ذلك من زكاتها إلا من فعل ذلك فرارا، فيلزمه ما فر منه.

وقال فيه أيضا: وقال مالك: وإذا تخلف عنه الساعي، فلينتظره ولا يخرج شيئا، وكذلك إن حل الحول بعد أن مر الساعي به بيسير إن كان الإمام عدلا، فإن لم يكن عدلا فليخرج للحول إن خفي له، فإن خاف أن يؤخذ بها انتظره، وفي ابن يونس: وما ذبحه الرجل بعد الحول أو مات قبل قدوم الساعي ثم قدم لم يحاسب بشيء من ذلك، وإنما يزكي ما وجد بيده حاضرا. وروى محمد: لربها الأكل منها والبيع والهبة بشرط حوزها بعد الحول قبل مجيء الساعي إن لم يرد فرارا فيحسب. وفي الذخيرة: لو مر الساعي بالوارث بعد بعض الحول تركه للحول الثاني. قاله مالك. ابن القاسم: إن عزل ضحايا قبل مجيئه، فإن أشهد عليهابم يريد أشهد أنها لعياله: لفلان كذا ولفلان كذا فلا زكاة فيها، وإن جاء وهي حية بعدُ إلا أن يكون لم يشهد فليزكها. قاله الإمام الحطاب.

واعلم أن طلوع الثريا بالفجر في منتصف شهر أيار؛ وهو مايه، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة وهذا على حساب المتقدمين، وطلوعها اليوم هو السابع والعشرون من بشنس، قاله الحطاب، وغيره.

قال مؤلفه عفا الله عنه: مقتضى هذا أو صريحه أن بشنس، هو مايه، وصريح كلام البناني: أن مايه هو بونة، وأن بشنس هو إبريل. راجع ما تقدم عند قول المصنف:"بغير ظل الزوال".

ص: 295

تنبيهات: الأول: قال في المدونة: ومن نزل به الساعي، فقال له: إنما أفدت غنمي منذ شهر، صدق ما لم يظهر كذبه، قال مالك: ولا يحلف، وقد أخطأ من يحلف الناس من السعاة، وفي الذخيرة، قال عبد الوهاب: المعروف بالديانة لا يحلف ولا يطالب بالزكاة، والمعروف بمنع الزكاة يطالب بها ولا يحلف، والمجهول الحال في الزكاة، ولو عرف بالفسق يحلف، وفيه خلاف، وذكر ابن رشد في تحليف من ادعى ما يسقط الزكاة ثلاثة أقوال: ثالثها يحلف المتهم، وتأول بعضهم أن الثالث تفسير، قال: وهذا التأويل صحيح فيمن ظهر له مال وادعى ما يسقط الزكاة، وأما من لم يظهر له مال وادعى عليه الساعي أنه غيب مالا، فإن كان لا يتهم لم يحلف باتفاق، وإن كان ممن يتهم فقولان.

الثاني: لا يحل للساعي أن يستضيف من يسعى عليه إلا من كان مشهورا بالضيافة لكل أحد، فيكره للذريعة، وخوفا من الزيادة في إكرامه للسعاية، ولا يستعير دوابهم، قال مالك: وشرب الماء خفيف. ابن عرفة: روى علي وابن نافع: وصديقه كغيره، وروى سحنون: لا بأس أن يحمل ما خف على بعير من الصدقة، وقال ابن رشد في آخر سماع أشهب: لِكُلِّ أَمِيرِ إقليمٍ قبضُ صدقات إقليمه دون من سواه من الأمراء، وليس لساعي المدينة أن يأخذ من مر به من أهل العراق، قال سحنون في رجل له أربعون شاة في أربعة أقاليم: يأخذ منه كل أمير ربع شاة يأتيه بشاة يكون له ربعها، وإن أخذ منه كل أمير قيمة ربع شاة أجزأه، وإن كان له خمسة أوسق، في كل إقليم وسق: أعطى لكل أمير زكاة وسق وإن كان الولاة غير عدول أخرج ما لزمه -كما ذكرنا-.

الثالث: إذا جاء الحول والإبل في سفر فلا يصدقها الساعي ولا ربها حتى تقدم، فإن ماتت فلا شيء عليه فيها، ولو علم أنها ماتت بعد الحول. ابن رشد: إنما لم يخرج زكاتها لأنه لا يدري ما حدث بها، وإذا ماتت فلا شيء عليه؛ لأنه لم يفرط، ولا يلزمه أن يخرج زكاتها إلا منها، وقال سند: تخرج السعاة للزرع والثمار عند كمالها، ونقله في الذخيرة.

الرابع: لا يجب على الساعي الدعاء لمن أخذ منه الصدقة، خلافا لداود. وفي القرطبي: أنه مستحب، وقال في الذخيرة: واستحبه الشافعي، لقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} ، إلى قوله:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} ؛ أي ادع لهم. لنا أنه عليه الصلاة والسلام والخلفاء بعده لم يكونوا

ص: 296

يأمرون بذلك السعاة، بل ذلك خاص به عليه الصلاة والسلام، لقوله تعالى:{إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} ، فهذا سبب الأمر بذلك. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقوله:"ولو بجدب"، مقابله قول أشهب في العتبية والمجموعة: لا تخرج السعاة سنة الجدب، وقد مر شيء من هذا. وقال المازري في المعلم: وللإمام تأخير الزكاة إلى الحول الثاني إذا أداه اجتهاده إلى ذلك. انتهى. وظاهره أنه يتفرع على المشهور من خروجهم سنة الجدب، ويؤخذ ذلك من كلام ابن رشد: وإذا خرج السعاة سنة الجدب، فيأخذون الواجب ولو كانت عجافا، خلافا لما اختاره بعض الشيوخ أنه لا يؤخذ منها، وقال ابن عبد السلام: هو الصحيح. والله أعلم. والجدب بفتح الجيم وسكون الدال المهملة: ضد الخصب بكسر الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة. قاله في الصحاح، والقاموس. قاله الحطاب. وقوله:"طلوع الثريا"، المضاف مصدر نائب عن الظرف، قال الشيخ محمد بن مالك:

وقد ينوب عن مكان مصدر

وذاك في ظرف الزمان يكثر

وهو شرط وجوب؛ يعني أن مجيء الساعي بعد مرور الحول شرط في وجوب الزكاة، فمن مر عليه الحول قبل مجيء الساعي لا تجب عليه الزكاة، كما أن مجيء الساعي قبل مرور الحول لا يوجبها، وإنما لم تجب في المسألتين لفقد شرط وجوبها؛ وهو مجيء الساعي بعد مرور الحول.

وبما قررت علم أن الضمير؛ أعني قوله: "وهوَ"، عائد على مجيء الساعي، إن كان؛ يعني أن كون مجيء الساعي شرطا في وجوب الزكاة، إنما هو حيث كان هناك سعاة. وبلغ؛ يعني أنه إنما يكون مجيء الساعي شرطا في الوجوب إذا كان يمكن بلوغه؛ أي وصوله إلى أرباب المواشي، فإن لم يكن سعاة أو كانوا ولا يمكن وصولهم إلى أهل الماشية، وجبت الزكاة بمرور الحول اتفاقا. ابن عرفة: فإن لم تكن سعاة أخرجت كالعين. اللخمي: اتفاقا، قال الشيخ عن كتاب ابن سحنون: وكذلك من لم تبلغه السعاة. انتهى. وقاله ابن الحاجب: قال في التوضيح: وما حكاه من الاتفاق حكاه اللخمي. انتهى. ونقل في الذخيرة عن سحنون: أنه يزكي بعد حول من مرور الساعي على

ص: 297

الناس، ويتحرى أقرب السعاة. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: لو قال المصنف: وبلوغه شرط وجوب إن كان ويحذف وبلغ كان أولى.

واعلم أنه قد زاد بعضهم في الشروط: عَدَّ وَأَخَذَ، وذلك لا يصح لأن ذلك يقتضي أن أخذها أخذ لها قبل وجوبها، فلا تجب إلا بعد الأخذ، وعبارة الأمير: وهو شرط وجوب إن كان وأمكن بلوغه، وزيادة: وعد وأخذ أصلها للسنهوري، والصواب عدمها كما للرماصي. إذ لو توقف الوجوب عليهما لاستقبل الوارث بعد مجيئه وقبل عده وأخذه، وليس كذلك، وأيضا الوجوب هو المقتضي للعَدِّ وَالأخذ فهو سابق عليهما، وأما الزيادة والنقص فمبحث آخر. انتهى.

وقد مر أن ما أحدث المالك من ذبح أو بيع أو هبة، ونحو ذلك من صنعه بعد الحول، وقبل مجيء الساعي بغير قصد فرار لا يؤخذ المالك بزكاته، وأما بقصد الفرار فيؤخذ به، وأما ما تلف أو ضاع بعد مجيئه بغير صنعه فلا يؤخذ به باتفاق. ابن عرفة وابن عبد السلام: في الأقسام الثلاثة، فإن تلف أو ضاع بصنعه بغير قصد فرار بعد مرور الحول ومجيء الساعي، فقد اختلفا فيه. ابن عبد السلام: لا زكاة، ابن عرفة: تجب والمذهب ما لابن عرفة، كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي حاشيته عن الرماصي: رد ما لابن عبد السلام والتوضيح، ثم قال: والحاصل أن يقال لا يصح عد وأخذ من الأخذ والعد شرطا، بدليل نصهم على عدم الاستقبال لوارث مات موروثه بعد مجيء الساعي وقبل العد والأخذ، وقد مر مفهوم قول المصنف:"إن كان وبلغ"؛ أي أمكن بلوغه، فإن كان وأمكن بلوغه ولم يبلغ لم تجب، بل ينتظر بها، وسيقول المصنف: فإن تخلف وأخرجت أجزأ، وسيأتي أنها تنقل للأحوج إن لم يكن في البلد مصرف، وإن لم تصل بيعت واشتري مثلها.

قال في سماع ابن القاسم: أو يدفع قيمتها للضرورة. قاله الحطاب. وقبله يستقبل الوارث؛ يعني أنه إذا مات رب المال بعد مرور الحول وقبل مجيء الساعي، فإن الوارث يستقبل بمال موروثه ولا يزكيه عند مجيء الساعي، لعدم تمام الحول وهذا إن لم يكن عند الوارث نصاب قد مر عليه الحول، وإلا ضم ما ورثه له وزكى الجميع، لقوله:"قبل"، وضمت الفائدة له، فإن مات بعد مجيئه وقبل عده أو بعده وقبل أخذه، أخذت الزكاة، ولا يستقبل الوارث لوجوب الزكاة في

ص: 298

المال، وهو في ملك الموروث. قال في التوضيح: وإذا مات رب الغنم بعد الحول وقبل مجيء الساعي لم يجب على الوارث إخراجها عنه، لكن يستحب لهم إخراجها.

وكان ينبغي للمصنف تفريع قوله: "وقبله"، بالفاء؛ لأنه مفرع على قوله:"شرط وجوب". ولا تبدأ إن أوصى بها؛ يعني أن من له ماشية مر عليها الحول، ومات قبل مجيء الساعي، وأوصى أن تخرج عنه الزكاة، تكون وصيته هذه في الثلث غير مبدأة، بل تكون في مرتبة الوصية بالمال، ويخرج قبلها: فك الأسير، وصداق المريض ونحوهما -كما يأتي إن شاء الله- في قوله:"وقدم لضيق الثلث فك أسير"الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: الصواب أن يقال: إن المصنف هنا أشار لقول المدونة: قال مالك: من له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها قبل مجيء الساعي وأوصى بزكاتها فهي في الثلث غير مبدأة، وعلى الورثة أن يفرقوها في المساكين الذين تحل لهم الصدقة، وليس للساعي قبضها لأنها لم تجب على الميت، وكأنه مات قبل حولها؛ إذ حولها مجيء الساعي بعد مضي عام. انتهى.

وحاصله: أنه إن أوصى بها ومات قبل مجيء الساعي، فهي من الثلث؛ لأنها لم تجب عليه، وإن مات بعد مجيء الساعي، فهي من رأس المال لأنها قد وجبت أوصى بها أم لا؛ إذ لا فائدة في الوصية حينئذ، وقيد إخراجها من الثلث في مسألة المصنف، بما إذا لم يعتقد وجوبها؛ لأن مراده حينئذ إنما هو الصدقة، فلذلك كانت في الثلث، وأما إن اعتقد وجوبها فإنها لا تُنَفَّذُ لأن الوصية حينئذ مبنية على نية فاسدة، فيقيد كلام المصنف بهذا كما في الحطاب. وأما التفصيل الذي ذكره الزرقاني فإنما هو في زكاة العين؛ لأنها موكولة إلى أمانة ربها، فما فرط فيه من زكاة العين وأوصى به فإنه يبدأ في الثلث على ما سواه من العتق والتدبير في المرض ونحوهما، وإن اعترف بحلولها عليه في مرضه وأوصى بإخراجها فهي من رأس المال؛ لأنه لم يفرط، وإن لم يوص بها لم يلزم الورثة إخراجها، لكن يستحب لهم. نص على ذلك كله في المدونة. ولو علم صدقه في التي فرط فيها لكانت من رأس المال، وأما الماشية في بلد لا سعاة فيها فإنها مثل العين في التفصيل. نقله المواق. ونقل الحطاب عن اللخمي: أنها تجري على زكاة الزرع والثمار، فتخرج الزكاة إذا مات بعد الحول، أوصى بإخراجها أم لا، قال الحطاب: وما قاله ظاهر، قال

ص: 299

الشيخ محمد بن الحسن: وعلى ما للخمي جرى المؤلف فيما يأتي، وما ذكره عبد الباقي من قوله: ولا تبدأ على ما يخرج، إلى قوله: بل تكون في مرتبة الوصية بالمال، إنما يصح في صورة المصنف، وذلك إذا أوصى بزكاة الماشية قبل مجيء الساعي. انتهى.

قال مؤلفه عفا الله عنه: قوله: فما فرط فيه، الظاهر أن المراد به ما فرط به في السنين الماضية قبل عامة، وقوله: وإن اعترف بحلولها؛ أي في عامة الذي مات فيه.

ولا تجزئ إن أخرجها؛ يعني؛ أن من أخرج زكاته بعد مرور الحول وقبل مجيء الساعي لا تجزئه، سواء فرعنا على المشهور من أنه شرط وجوب، أو على مقابله من أنه شرط أداء، كما بحثه المصنف وابن عبد السلام، وجزم به ابن عرفة، وقوله:"ولا تجزئ إن أخرجها"، هذا إذا كان الإمام عدلا، قال في المدونة: وإذا كان الإمام غير عدل فليضعها مواضعها إن خفي له ذلك، وأحب إلي أن يهرب بها عنه إن قدر، وإن لم يقدر أجزأ. ابن عرفة: وإن خاف أخذه انتظره، قاله الإمام الحطاب. ولو ذبح الشاة الواجبة عليه وصدقها لحما، فقال ابن القاسم: لا تجزئه، وقال أشهب وابن المواز: تجزئه، ونقله البساطي عن النوادر، وقال البرزلي: سئل ابن أبي زيد عمن وجبت عليه شاة في زكاة غنمه فذبحها وتصدق بها على المساكين؟ فقال: لا تجزئه لذبحه إياها، فكيف إن أمر رجلا فقال له: اذبحها وتصدق بها؟ قلت: فظاهره لا تجزئ؟ لأن يده كيد وكيله. قاله الحطاب. وقول المصنف: ولا تجزئ إن أخرجها، قال عبد الباقي عنده: وقوله: أو قدمت بكشهر فيمن لا ساعي لهم أو لهم ولم يمكن بلوغه. انتهى. وسيأتي البحث معه، وأنه يجري في من لهم ساع أيضا.

كمروره بها ناقصة ثم رجع وقد كملت، مشبه بقوله: يستقبل الوارث، فهو تشبيه في الاستقبال، وهو مفرع على قوله: وهو شرط وجوب؛ يعني أن الساعي إذا مر بالماشية حال كونها ناقصة عن النصاب، ثم رجع إليها -والحال أنها كملت بتثليث الميم كما في الشبراخيتي- فإنه لا يزكيها عند رجوعه إليها، بل يستقبل، أما إذا كملت بولادة أو إبدال من نوعها فإنه يستقبل عند مالك، وقال ابن عبد الحكم: لا أدري ما وجه قول مالك هذا: وعليه أن يزكي، وصوبه اللخمي، قال: لأنه نصاب حال عليه الحول، وعلى قول مالك الذي مشى عليه المصنف، فالحول من يوم

ص: 300

المرور؛ لأنه بمنزلة ابتداء حول، لا من يوم رجوعه، وأما إن كملت بغير ذلك كما إذا كملت بهبة أو صدقة أو إرث أو شراء أو نحو ذلك، فإنه يستقبل اتفاقا، والحول فيها من يوم التمام، وإذا جاء الساعي في العام القابل قبل مضي هذا الحول الذي هو من يوم التمام، فإنه لا يأخذ شيئا، بل يؤخره إلى العام القابل؛ لأن مضي الحول ومجيء الساعي كل منهما شرط وجوب، ففي الذخيرة: لو مر الساعي بالوارث بعد بعض الحول تركه للحول الثاني. قاله مالك في الكتاب. انتهى. نقله الحطاب. ومثله في سماع عيسى، ونصه: من أفاد غنما أو اشتراها فلبثت في يده ستة أشهر، ثم أتاه الساعي فلا زكاة عليه حتى يأتيه من سنة قابلة. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وبه تعلم ما في تنظير عبد الباقي، ولو ضل بعير من النصاب فمر الساعي بالمال ناقصا فلا زكاة، ثم إن وجد بعده، فهل يزكيه حينئذ ولا ينتظر الساعي؟ وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى، وقال محمد: أحب إلي أن ينظر، فإن كان صاحبه أيس منه فليجعل السنة من يوم وجده، وإن كان منه على رجاء فليزكه مع الأربعة للحول الأول، كزكاة الفطر عن العبد الآبق؛ يعني يزكيه قبل أن يجده، قال ابن رشد: فيه نظر، واختار أن ينظر، فإن كان راجيا له زكاه حين يجده، وإن كان آيسا استقبل به كالفائدة. ونقل ابن عرفة الثلاثة الأقوال، ونصه: ولو ضل بعض النصاب بعد حوله فمر به الساعي ناقصا، ثم وجده ففي زكاته وانتقال حوله ليومئذ لا ينتظر الساعي في الحول الثاني، أو إن أيس منه فالمرجو على حوله الأول.

ثالثها: المرجو على حوله والمأيوس منه فائدة فلا زكاة لابن القاسم ومحمد بن رشد. انتهى. قاله الحطاب. فإن تخلف وأخرجت أجزأ؛ يعني أنه إذا كان السعاة موجودين -وشأنهم الخروج- وتخلفوا في بعض الأعوام وأخرجت الزكاة، فإنها تجزئ، وهل يجوز الإخراج ابتداء أم لا؟ لم يصرح المؤلف بحكمه: ونقل عن الرجراجي ما يفيد الجواز؛ وهو صريح ابن عرفة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والضمير في قوله: "أجزأ"، يعود على الإخراج، وحيث قلنا بالإجزاء فلا يصدق على المشهور، ولابد من بينة على الإخراج، كما قاله ابن ناجي على المدونة. قاله الخرشي. وقوله:"فإن تخلف وأخرجت أجزأ"؛ يعني خلافا لابن الماجشون القائل بعدم

ص: 301

الإجزاء. اللخمي: والأول أحسن، وإليه أشار بقوله: على المختار، وذكر ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال:

الأول: جواز التأخير وعزاه لرواية اللخمي ونقله: إن أتاه بعد إخراجها لتخلفه أجزأه، الثاني: وجوب التأخير وعزاه لعبد الملك، وأنه إن أخرجها لم تجزه، والثالث: أنه لا ينظر ويزكيها أربابها وعزاه لاختيار اللخمي. قاله الحطاب. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما نقله المصنف عن اللخمي مثله نقله المواق والتوضيح عن اللخمي، وهو خلاف نقل ابن عرفة عنه، حيث عزا للخمي وجوب التقديم: إلا أن يجاب بأن ما لابن عرفة هو لاختيار اللخمي من عند نفسه، لما يظهر من كلامه، وما عند المصنف هو لاختياره من الخلاف كما يظهر منه أيضا، وكما في نقل المواق والتوضيح عنه. انتهى.

وفي النوادر: وليس على أهل الحوائط حمل صدقاتهم، ولتؤخذ منهم في حوائطهم، وكذلك أرباب الزرع، وعلى السعاة أن يأتوا أرباب المواشي على مياههم، ولا يقعدون في قرية ويبعثون إليهم، وأما من بعد من المياه التي يمر بها الساعي فعليه جلب ماشيته، فإن ضعفت فلا بد من ذلك أو يفقوا على قيمتها، ولا بأس بالقيمة في مثل هذا. انتهى. يريد إذا لم يكن بمحلهم فقراء. قاله اللخمي، والرجراجي، وغيرهما. وقوله:"فإن تخلف وأخرجت أجزأ"، لا يعارض قوله:"ولا تجزئ إن أخرجها"؛ قبله لأنه فيما إذا بلغ بعد ذلك في عامة، وما هنا تخلف كما هو مدلوله. وقوله:"فإن تخلف"، ظاهره: تخلف لعذر أو لغيره. الرجراجي: إن كان ذلك اختيارا لغير عذر فإنهم يخرجون زكاتهم، ولا ضمان عليهم فيما فعلوه، ولا ينبغي دخول الخلاف في هذا، وإن كان اضطرارا لفتنة، فهل يخرجونها؟ وهو قول قياسي، أو لا يخرجونها وهو قول عبد الملك؟ انتهى. وقال ابن راشد: إن تخلف لغير عذر وأخرجت لم تجز على المشهور، وهو ضعيف كما في الخرشي.

وإلا عمل على الزيد والنقص؛ يعني أنه إذا تخلف السعاة ولم تخرج الزكاة في مدة التخلف؛ فإن السعاة يعملون في المواشي على ما وجدوها عليه من الزيد والنقص عند مجيئهم؛ أي يعملون في زكاتها على الحالة التي وجدوها عليها من نقص أو زيادة، فإن رجعت إلى ما لا زكاة فيه فلا

ص: 302

زكاة فيها، لا في عام المجيء ولا فيما قبله من الأعوام، وسواء نقصت بذبح أو ببيع أو بغيرهما، ما لم يقصد فرارا بذلك، ويأخذ عما مضى من الأعوام على ما وجد من الزيادة، فلو تخلف عن الإبل وهي خمسة أربعة أعوام، ثم جاء فوجدها عشرين، فإنه يأخذ ست عشرة شاة، وكذا يزكيها أيضا على ما وجد من النقص، فلو تخلف عن الإبل وهي عشرون أربعة أعوام، ثم وجدها خمسة من الإبل: فإنه يأخذ أربع شياه "واللام" في قوله: للماضي، بمعنى: في، وهو متعلق بعُمِلَ؛ أي أن الساعي يعمل في ماضي الأعوام على ما وجد من زيادة أو نقص عما عهدها عليه؛ أي يأخذ زكاة ما مضى من الأعوام على ما وجد؛ أي يجعل الوجود عند مجيئه هو الموجود فيما مضى من أعوام التخلف، فيزكيه لها على القدر الذي وجد، وإذا عمل على ما وجد في الماضي فأحرى عام المجيء. بتبدية العام الأول، هذا بيان لكيفية الأخذ؛ يعني أنه يبدأ بالأخذ للعام الأول، ثم بما بعده لآخر الأعوام، فلو تخلف عن ثلاث وأربعين من الغنم ثلاثة أعوام، ثم جاء ووجدها كذلك، فإنه يأخذ لكل عام شاة.

وعلم من هذا أن الساعي يعمل على ما وجد، سواء بقيت الماشية بحالها أو زادت أو نقصت، فلو قال: وإلا عمل على ما وجد في الماضي لكان أخصر، وشمل ما إذا وجدت بحالها، وإنما سكت عنه لوضوحه. انتهى. قاله الشبراخيتي. وقوله:"بتبدية العام الأول"، رد به على القول بأنه لا يبدأ بالعام الأول، بل بالأخير، وعلية فلا يراعى كون الأخذ ينقص النصاب أو الصفة؛ لأن الأعوام الأول في ذمته. وفائدة التبدئة بالعام الأول اعتبار كون الأخذ ينقص النصاب أو الصفة، ولهذا قال: ألا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة فيعتبر؛ وهو مستثنى من قوله: "عمل على الزيد والنقص للماضي"؛ يعني أنه يأخذ الزكاة لماضي الأعوام على ما وجد مبتدئا بالعام الأول، إلا إذا نقص الأخذ النصاب، فيعتبر ذلك النقص وتسقط الزكاة من حينئذ، وإلا أن ينقص الأخذ الصفة أي صفة الواجب، فيعتبر ذلك النقص أيضا، ويؤخذ الواجب على الصفة المتجددة، مثال ما إذا نقص الأخذ النصاب ما لو تخلف عن الغنم وهي مائة وثلاثون شاة أربعة أعوام، ثم جاء فوجدها اثنتين وأربعين شاة، فإنه يأخذ للعام الأول والثاني والثالث ثلاث شياه، وتسقط زكاة العام الرابع لتنقيص المأخوذ للنصاب.

ص: 303

ومثال تنقيص الصفة تخلفه عن الإبل خمسة أعوام وهي ستون، ثم جاء ووجدها سبعا وأربعين؛ فإنه يأخذ حقتين عن العام الأول والثاني لبقاء نصاب الحقاق، وعن الثالث والرابع والخامس ثلاث بنات لبون لنقص النصاب عن الحقاق.

واعلم أن الاستثناء إنما يرجع لا قبل قوله: "بتبدئة العام الأول" -كما قررت- ولا يصح أن يرجع لقوله: "بتبدئة العام الأول"؛ إذ لا يتأتى فيه أن يقال: إلا أن ينقص الأخذ الخ. وإنما يتأتى فيه أن يقال: فإن نقص الأخذ النصاب أو الصفة اعتبر، لما مر من أن فائدة التبدئة بالعام الأول هي أن يعتبر النقص المذكور. وقد مر أن القول الذي لا يقول بتبدئة العام الأول؛ وهو القائل بتبدئة العام الأخير لا يعتبر النقص المذكور، فيبدأ الساعي بأخذ زكاة عام مجيئه، ثم يطالب بزكاة ماضي الأعوام من غير اعتبار نقص الأخذ النصاب أو الصفة؛ يعني أنه يزكي لعام مجيئه على ما وجد: وأما الأعوام الماضية فقد تقررت في ذمته، فلا يعتبر فيها النقص الناشئ عن الأخذ لهذا العام، وقوله. "وإلا عمل على الزيد" الخ، يريد: والماشية نصاب، بدليل قوله: كتخلفه عن أقل فكمل. قاله الحطاب. وقوله: "للماضي"، سواء عرف عدد الماشية في كل سنة أم لا، فلا عبرة ببينة رب المال.

وقوله: "إلا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة"، اعلم أنه لا يتصور اجتماع نقص النصاب والصفة: ويمكن ارتفاعهما بأن لا ينقص واحد منهما؛ كأن يتخلف عن الغنم أربع سنين ثم يجدها مائة وثلاثين، فيأخذ عن الأربع سنين ثمانيا، ولا ينقص الأخذ نصابا ولا صفة وهو واضح، وحيث أمكن ارتفاع نقص النصاب والصفة، ولم يمكن اجتماعهما تعين أن "أو" مانعة جمع لا مانعة خلو، عكس ما قاله الشيخ الخرشي. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ونحو ما للخرشي للشبراخيتي.

وعلم مما مر أنه متى نقص الأخذ النصاب سقطت الزكاة فيما بقي من الأعوام ولو في عام مجيء الساعي، ومن نقص الصفة ما لو تخلف عنها أي الإبل أعواما، ثم جاء ووجدها خمسا وعشرين، فإنه يأخذ للعام الأول بنت مخاض، ولكل عام من الأعوام الباقية، أربع شياه كما يفيده الشيخ محمد بن الحسن. وَجَعَلَه الشبراخيتي مما اجتمع فيه نقص النصاب والصفة، ولا يخفى ما في

ص: 304

كلام الشبراخيتي، وعلم أنه لو تخلف عنها أي الإبل أعواما، ثم وجدها خمسا، فإنه يؤدي لكل عام شاة ولو ببيع شيء منها، وفي المدونة: وإن غاب عن خمس وعشرين من الإبل خمس سنين، ثم جاء ووجدها كذلك، فليأخذ لعام بنت مخاض، ولأربع سنين ست عشرة شاة، أبو الحسن: ظاهر الكتاب أَخَذَ بنت المخاض منها أو من غيرها، وعليه حملها ابن يونس، فقال: يريد أخذ منها أو من غيرها، وقال عبد الملك: إنما هذا إذا أخذها من عددها، وإن لم يكن منها فليأت للعام الثاني بمثل ما أخذ منه في الأول. الشيخ: وقول عبد الملك خلاف، وهكذا قال اللخمي: وروى محمد: إن تخلف عن أربعين تيسا أو جفرة سنين فإنما عليه شاة، ولا حجة للساعي أن زكاتها من غيرها. انتهى؛ يعني أن الجفرة والتيس لا يؤخذان في الزكاة لكونهما من الشرار، وقوله:"ولا حجة للساعي"؛ أن زكاتها من غيرها، قال الإمام الحطاب: لأنها من نوعها، ولا يشكل تصورها بأن بقاءها ينقلها عن سنها لجواز بدلها كل عام بأصغر منها. انتهى. ولو تلف من الماشية شيء قبل مجيء الساعي لم يكن على المالك شيء في التالف ولا في الباقي حيث نقص عن النصاب، إلا لقصد الفرار -كما مر- وإذا غاب الساعي عن رب الماشية وعنده نصاب ثم باعه، ثم جاء الساعي بعد أعوام، فإن كان باعه بدون نصاب فلا شيء عليه قولا واحدا، فإن كان باعه بنصاب فأكثر فإنه يزكي الثمن عن كل سنة كان يلزمه أن يزكي الماشية عنها إلا أن ينقص الثمن عن النصاب. وقيل: إنما يزكيه لعام واحد، كذا نقل أبو الحسن وغيره، وعزا ابن عرفة الأول للقرينين، والثاني لمحمد، ونصه: ولو باع من تخلف عنه ساعيه سنين غنم تجر بنصاب عين، ففي زكاته لعام أو لكل عام تزكى له لو بقيت مسقطا من كل عام زكاة ما قبله ما لم تنقص عن نصاب، نقلا الشيخ عن القرينين ومحمد. قاله الحطاب. وقال في النوادر: والأسير بأرض الحرب يكسب مالا وماشية، ولا يحضره فقراء مسلمون فليؤخر العين حتى يخلص أو يمكنه بعثها إلى أرض الإسلام؛ وهو في الماشية، كمن تخلف عنه الساعي لا يضمن، فإن تخلص بها أي بالماشية أدى لماضي السنين إلا ما نقصت الزكاة. انتهى. ونحوه في الذخيرة، ولم يقيده بالأسير، بل قال: لو كان بأرض الحرب، فيشمل الأسير، ومن أسلم بها، ونحوه. والله أعلم. قاله الحطاب. وإذا غصبت الماشية وردها الغاصب ولم تكن السعاة تمر بها، فإنه يزكيها لما مضى

ص: 305

على ما يجدها إلا ما نقصته الزكاة، كالذي يغيب عنه الساعي، لا كالهارب، ولو غصب بعض الماشية، وبقي دون النصاب لم يزكه الساعي، فإذا عادت زكى الجميع لماضي السنين، على ظاهر المذهب، وعلى القول بتزكية المغصوب لعام يزكي الجميع لحول واحد. انتهى من الذخيرة. قاله الحطاب.

وإذا غاب الساعي عن الماشية وهي نصاب، ثم نقصت عن النصاب، ثم عادت إلى النصاب، ثم أفاد إليها فائدة أخرى حتى صارت ألفا، فإن كان عودها إلى النصاب بولادة أو إبدال من نوعها، فإنه يزكي الألف لجميع الأعوام على ما هي عليه اليوم وكذا في كتاب محمد: قال محمد لا آخذ بهذا، بل يأخذ منها يوم تمت ما فيه الزكاة، ويسقط ما قبله قال الرجراجي: والأول أصح، وأما إن كان عودها للنصاب إنما هو بفائدة، فإنما تزكى من يوم بلغت النصاب إلى مجيء الساعي اتفاقا. نقله ابن عرفة، والمصنف، وأبو الحسن، وابن يونس. وأصله في النوادر. قاله الحطاب. كتخلفه عن أقل فكمل، تشبيه، العمل على ما وجد، وتبدئة بالعام الأول مع اعتبار وقت الكمال؛ يعني أن الساعي إذا تخلف عن الماشية أعواما وهي أقل من النصاب، ثم جاء فوجدها قد كملت، فإنه يزكيها على ما وجد من الزيادة مبدئا العام الأول، فإن نقص الأخذ النصاب أو الصفة اعتبر ذلك على نحو ما مر، لكن إنما يخرج الزكاة من حين الكمال؛ أي كمال الماشية نصابا، وما قبل ذلك لا شيء فيه. وسواء كملت بولادة أو إبدال من نوعها أو بغيرهما، من هبة أو صدقة أو شراء أو نحوها، أما إذا كملت بولادة أو بإبدال من نوعها فإنما تزكى من يوم الكمال لبقية الأعوام. قاله مالك. وابن القاسم. وقال أشهب: تزكى على ما يجدها الساعي لجميع الأعوام، كالكاملة، وأما إذا كملت بفائدة من إرث أو هبة أو صدقة أو شراء أو نحوها، فالمعتبر من حين الكمال اتفاقا، ونص ابن عرفة: ولو تخلف عن دون نصاب فتم بولادة أو بدل، ففي عدد كاملا من يوم تخلفه أو كماله مصدقا ربها في وقته قولا أشهب وابن القاسم مع مالك، ولو كمل بفائدة فالثاني اتفاقا. انتهى. ولو تخلف عن نصاب ثم نقص ثم كمل، فكما مر في الصورتين، وفاقا وخلافا. قاله الحطاب. وإذا أتى الساعي بعد غيبته سنين، فقال له رجل معه ألف شاة: إنما أفدت غنمي منذ سنة أو سنتين، فهو مصدق بغير يمين، ويزكيه لما قال. قاله في

ص: 306

النوادر؛ يعني: يزكيه لما قال من السنين على ما يجده. وصدق؛ يعني أنه إذا تخلف الساعي عن الماشية وهي أقل من النصاب، ثم جاء فوجدها قد كملت -وقلنا إنها إنما تزكى من وقت الكمال- فإن المالك يصدق في تعيين وقت الكمال؛ أي وقت بلوغها نصابا، ويزكيها على ما وجد بتبدئة العام الأول؛ وهو العام الذي بلغت فيه نصابا، فإذا تخلف عنه الساعي أربعة أعوام؛ وهي ثلاثون شاة، ثم جاء وقد كملت فإنه يعتبر وقت الكمال، ويصدق فيه ربها بغير يمين، ويعمل على ما وجد إلا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة فيعتبر، فلو وجدها في المثال المذكور إحدى وأربعين، وأخبر ربها أنها كملت في العام الثاني، أخذ منه شاتين للعام الثاني والثالث، وتسقط زكاة الأول لعدم تمام النصاب، والرابع لنقص الأخذ النصاب. وقوله:"وصدق"؛ أي من غير يمين -كما مر- متهما أم لا، وقد مر أنه إن تخلل أعوام الكمال نقص عن النصاب أنه يعمل على الزيد والنقص لماضي الأعوام على الأصح بتبدئة الأول حيث كملت بولادة أو إبدال من نوعها، فإن كملت بفائدة فيعمل على ما وجد بتبدئة الأول، لكن من حين الكمال اتفاقا كما مر. لا إن نقصت هاربا، مخرج من قوله:"وصدق"؛ يعني أن رب الماشية إذا هرب بها خشية الصدقة وهي نصاب، ثم قدر عليه وهي ناقصة عما فر به، سواء كان ما معه الآن نصابا أم لا -كما قاله غير واحد- فإنه لا يصدق في وقت النقصان، ولا يعمل على ما وجد عنده عام القدرة، بل العمل على ما فر به، وإذا لم يصدق فإنه يزكّى مالُه على ما فر به لماضي الأعوام بتبدئة الأول، فإن نقص الأخذ النصاب أو الصفة اعتبر حتى عام الاطلاع، فإذا هرب بالماشية وهي أربعون شاة خمس سنين، ثم جاء الساعي وهي ثلاثون، فإنه تؤخذ منها شاة واحدة لتنقيص الأخذ النصاب، ولو فر بها وهي أربعون شاة خمس سنين، ثم جاء الساعي وهي بحالها لكان الحكم كذلك عند ابن القاسم؛ لأنه يبتدئ بأول عام والباقي تسع وثلاثون لا زكاة فيها. اللخمي: وهذا أحسن. انتهى. وهذا هو المشهور، وقيل: يبتدئ بآخر عام، فتؤخذ من الأربعين خمس شياه، ومثال تنقيص الأخذ للصفة أن يهرب بها وهي ست وثلاثون من الإبل، ثم قدر عليه بعد خمسة أعوام وهي خمس مثلا، فيؤخذ للعام الأول بنت لبون، ولبقية الأعوام عن كل عام بنت مخاض. والله سبحانه أعلم.

ص: 307

تنبيهات: الأول: قولهم: لا يصدق الهارب في النقص، يريدون إذا لم تقم به بينة، كما صرح به في النوادر. قاله الإمام الحطاب. فالهارب إذا قامت له بينة على كل عام بما فيه عمل عليها حتى في حالة النقص.

الثاني: قال الشيخ عبد الباقي وغيره: كون الهارب يعمل فيه على ما هرب به حيث لم تقم له بينة بالنقص، إنما هو فيما مضى من الأعوام لا في عام القدرة، فتخرج زكاته على ما وجد بيده إن بلغ النصاب، فإن لم يبلغه فلا يؤخذ له شيء. انتهى. وهو خلاف ما قررته به تبعا للشيخ بناني أنه يبدأ بالعام الأول حتى بالنسبة لعام القدرة عليه، وقوله:"لا إن نقصت هاربا"، سواء في ذلك قدر عليه أو جاء تائبا، كما اختاره ابن عرفة، خلافا لقول ابن عبد السلام: يصدق الآتي تائبا.

الثالث: قال في النوادر: قال ابن القاسم وأشهب: الفار عن الساعي ضامن لزكاة ماشيته، فأما من يتبع الكلأ أو من تخلف عنه الساعي فلا يؤخذ إلا بزكاة ما وجد. ابن الحاجب: وتتعلق بذمة الهارب من السعاة اتفاقا. ابن عبد السلام: المراد بتعلقها بالذمة وجوب أدائها لماضي السنين، لا تعلق الديون؛ لأنه سيأتي أن المشهور تعلقها بأعيان الماشية. وقبله في التوضيح، وقال ابن فرحون عن والده: بل تتعلق بالذمة تعلق الديون؛ وهو ظاهر المدونة، وقال ابن القاسم: لو هلكت الماشية بعد ثلاث سنين ضمن زكاتها ولم يضع عنه موتها ما وجب عليه، وأما ما ذكره ابن عبد السلام فإنما ذلك بالنسبة إلى القدر الواجب، فإذا علم بالنسبة إلى أعيانها تعلق بالذمة اللهم إلا أن يريد أنها لا تؤخذ من رأس المال إذا مات كالديون من هذا الوجه فصحيح. قاله الحطاب.

وإن زادت له فلكل ما فيه. هذا مفهوم قوله: "لا إن نقصت هاربا"؛ يعني أن رب الماشية إذا فر بها خشية الزكاة، ثم قدر عليه أو جاء تائبا -والحال أنها زادت له أي كثرت بعد عام الفرار- فإنه يزكي لكل عام ما فيه. بتبدئة الأول. راجع للهارب بوجهيه من نقص وزيادة. ومحل قوله:"وإن زادت له فلكل ما فيه"، حيث قامت البينة على كل عام بما فيه، وأما إن لم تقم له بينة فهو قوله: وهل يصدق؟ يعني أن الهارب إذا وجدناه -والحال أنه قد زادت ماشيته على ما فر به، وعين للزيادة عاما من أعوام الهروب، ولم تقم بينة بتعيين ذلك العام- فإنه اختلف، هل

ص: 308

يصدق في تعيين ذلك العام أو لا يصدق؟ ولابد من إثبات ما يدعيه ببينة، وعليه فإن لم يأت ببينة أخذ عن ماضي الأعوام على ما هي عليه الآن، وهل يكتفى بالشاهد واليمين على هذا القول، أو لابد من شاهدين؟ ومقتضى القواعد الأول. وقوله: قولان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك قولان، الأول لابن القاسم وسحنون وابن رشد واللخمي وابن حارث، والثاني لابن الماجشون. وتعتبر تبدئة العام الأول على كلا القولين، ومحل القولين فيما عدا العام الذي هرب فيه، وأما هو فيصدق في أنها لم تزد فيه باتفاق القولين، وهما فيمن جاء تائبا قبل القدرة عليه وغيره.

تنبيهات: الأول: الفرق بين الهارب ومن تخلف عنه السعاة -حيث جرى الخلاف في تصديق الهارب دون من تخلف عنه السعاة- أن الهارب ضامن زكاة كل سنة لتعديه، والذي تخلف عنه السعاة لا ضمان عليه؛ إذ لو تلفت كلها ما أخذ منه شيء، بخلاف الهارب. والله سبحانه أعلم.

الثاني: علم مما تقدم أن الراجح من القولين أنه يصدق؛ لأن الزكاة لا تجب عليه إلا بإقراره أو بينة تثبتها عليه، وليس فسقه بالذي يمضي عليه الدعاوي دون بينة. والله سبحانه أعلم.

الثالث: قوله: "بتبدئة الأول"، هو ظاهر في جميع الوجوه؛ أي حيث لم تقم بينة له بما في كل عام، أو قامت له بذلك بينة كما صرح به غير واحد. والله سبحانه أعلم.

وإن سأل فنقصت أو زادت فالموجود؛ يعني أن الساعي إذا سأل رب الماشية عن عددها، فأخبره بعدد، ثم عدها الساعي فنقصت عن العدد الذي أخبره به بذبح لم يقصد به فرارا أو بموت. قاله ابن المواز. ونحوه لابن عبد السلام، أو زادت عنه بولادة، فإن المعتبر في زكاتها العدد الموجود الآن، لا الذي أخبره به أولا. قاله في التوضيح. قاله الحطاب. ومحل كون الموجود هو المعتبر إن لم يصدق، بكسر الدال المشددة؛ أي الساعي رب الماشية، ويصح فتح الدال ويكون النائب رب الماشية. أو صدق ونقصت؛ يعني أن المعتبر الموجود أيضا فيما إذا سأل الساعي رب الماشية عن عددها فأخبره بعدد فصدقه، فنقصت عما أخبره به. وفي معنى التصديق أن يعد عليه ولا يأخذ. قاله الحطاب. قال الشيخ محمد بن الحسن: محل اعتبار الموجود فيما إذا صدق ونقصت حيث كانت الزكاة من عين الماشية المزكاة، فأما عشرون جملا صدقه في عددها ثم مات أحدها قبل الأخذ فلا بد من أربع شياه. راجع المواق. انتهى. ولو عدها ثم هلكت كلها بأمر من الله أو

ص: 309

بغصب، أو بقي ما لا زكاة فيه، قال ابن يونس: لا شيء على ربها لأنها ليست في ضمانه ولا هو أتلفها، قال: وقاله أبو عمران، وقد قيل ما عده المصدق وجبت زكاته وإن هلك بأمر من الله، ويأخذها مما بقي وليس ذلك بشيء. وقد قيل في العين تهلك ويبقى [بعضها]

(1)

إن المساكين شركاء معه، فما ذهب فمنهم وما بقي فبينهم، ويدخل هذا القول في الماشية وله وجه والأول أصوب؛ لأنهم ليسوا كالأشراك على الحقيقة لأن له أن يعطيهم من غير ذلك المال وليس له ذلك مع الشريك، فدل على أن حقهم لم يتعين فيه. وما صوبه ابن يونس جزم به اللخمي وقبله في التوضيح، وخبر عنه أبو الحسن الصغير بالمشهور، ومقابله الذي نقله ابن يونس أنه يأخذ الزكاة مما بقي. قال فيه ابن عبد السلام: إنه ضعيف خارج عن أصل ابن القاسم، والقول الثالث تخريج من ابن يونس، ونقل ابن عرفة الأقوال الثلاثة، ونصه: وفي كون ما هلك إثر عدها قبل أخذ زكاتها كهلاكه قبله: ولزوم أخذ ما وجب مما بقي، ثالثها: الساعي شريك فيما بقي كشركته في الجميع، لأبي عمران مع اللخمي والصقلي ونقله وتخريجه قاله الحطاب. ولو عد نصف الماشية فمنعه من عد باقيها ليل حتى تغير المعدود إلى زيادة أو نقص، فهل يستقر الوجوب فيما عُدَّ بعدده أو لا يستقر في ذلك؟ قولان؛ قاله ابن عبد السلام. وذكر ابن عرفة القولين، وعزاهما للمتأخرين، ونصه: ولو تغير شطرها المعدود بنماء أو نقص، ففي البقاء على عده الأول أو مآله قولا المتأخرين. انتهى. وقد علمت أن المشهور والأصوب: أنه إذا عدها كلها ثم هلكت لم يلزمه زكاتها، فأحرى إذا عد بعضها، وإنما يتأتى الخلاف على مقابل المشهور، وهذا في النقص، ويأتي الكلام في الزيادة. قاله الإمام الحطاب.

وفي الزبد تردد؛ يعني أن الساعي إذا سأل رب الماشية عن عددها، فأخبره بعدد فصدقه فيه، ثم زاد بولادة كما لابن بشير وابن الحاجب، أو بفائدة كما لابن عبد السلام، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك على طرق، فالأكثر على أن العبرة بما وجد. قاله ابن عرفة. وخبر ربها لغو، وذكر ابن بشير طريقين إحداهما أنه يعمل على ما صدقه، والثانية العمل على ما وجد. قاله الحطاب. وقال محمد بن الحسن: وذكر الحطاب أن التردد يجري في الزيادة بعد العد وقبل الأخذ، وأن العد

(1)

في الأصل بعضه، والمثبت من ابن يونس ج 2 ص 388. ط دار الكتب العلمية.

ص: 310

والتصديق سواء، ونسبه للخمي واعترضه الرماصي بأن اللخمي إنما جعلهما بالنسبة للنقص، ونقله عن كتاب محمد، وشبه النقص بعد العد بتلف جزء من المال بعد الحول وقبل إمكان الأخذ، وأما الزيادة بعد العد فلم يتكلم عليها.

والظاهر من كلامهم أنها لغو من غير خلاف، وأن التردد في التصديق فقط. انتهى. ورده الرهوني بأن الراجح أنه لا عبرة بالتصديق ولا بالعد، بل يعمل على ما وجد. انتهى. واقتصر في مختصر الوقار على أنه إذا عد بعضها ثم زاد ذلك البعض فلا تجب به الزكاة، ونصه: ولو كان لرجل تسع وثلاثون، وجاء عليها الحول، ونزل به الساعي، وشرع في عدها فوضعت منها شاة وهو يعدها، فإن كانت الشاة التي وضعت مما مضى عليها عد فلا زكاة عليه، وإن كانت مما لم يأت عليه العد فإنه يزكيها. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: فعلم أنه يعمل على ما وجد سواء ساوى عدد ما أخبره به ربها أو زاد أو نقص، وسواء في الثلاثة صدقه أو كذبه. انتهى. وقال الشبراخيتي: والراجح العمل على ما وجد، ولو اقتصر المصنف على قوله:"وإن سأل فنقصت أو زادت فالموجود"، وحذف ما بعده لطابق الراجح. انتهى. ولو عزل من ماشيته شاة مثلا للساعي فولدت، لم يلزمه دفع أولادها للساعي. قاله سند. أي لأن الواجبَ عليه الأصل لا الزائد، ولأنه لا يلزم الساعي أخذ ما عزله المالك، بل له أخذ غيره، قال سند: ولو عين طعاما أي مما يجب عليه من خمسة الأوسق، تعين ولا يبيعه، فإن باعه ضمنه بمثله، ولا يفسخ البيع لأن الزكاة في حكم الديون، فجاز لمن هي بيده التصرف فيها بشرط الضمان، كمتسلف الوديعة، وتسلف الوصي من مال محجوره، فإن قيل: لم تعين المثلي كالطعام دون القوم كالشاة؟ فالجواب أن المقوم لما كانت أفراده مقصودة لم يلزم الساعي ما عينه رب الماشية، فلم تتعين الشاة بتعيينه بخلاف المثلي. والله أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الخرشي، قال ابن المواز، قال مالك: وله أن يذبح ويبيع، وإن حال الحول ولم يأت الساعي وإن نقص ذلك من زكاتها إلا من فعل ذلك فرارا؛ أي بعد الحول وقبل مجيء الساعي، وأما قبل الحول فيلغى ولو قصد به الفرار، وأما الحاصل بعد تصديقه أو بعد عده فإن كان الموت من الله أو سرقة أو نحو ذلك فكذلك، وإن كان بذبح أو نحوه فإنه يؤخذ بزكاته، وإن لم يقصد به الفرار على ما ارتضاه ابن عرفة. وقال ابن

ص: 311

عبد السلام: إن قصد به الفرار أخذ بزكاته، وإلا فلا، وقد تقدم أن المذهب ما قاله ابن عرفة، وقوله: فيلغى ولو قصد به الفرار، مخالف لما مر عند قوله:"ومن هرب" الخ.

وأخذ الخوارج بالماضي؛ يعني أن الخوارج على الإمام إذا امتنعوا من إعطاء الزكاة أعواما، ثم قدر عليهم فإنه تؤخذ منهم زكاة تلك الأعوام الماضية من حين خروجهم ويعاملون معاملة من تخلف عنه السعاة، وقوله:"الخوارج"، جمع خارجة أي طائفة خارجة، فالخوارج صفة لمحذوف؛ أي الطوائف الخوارج؛ لأنه لم يسمع جمع خارج على خوارج، مع أن جمع فاعل صفة للعاقل على فواعل، شاذ كما قال في الألفية:

وشذ في الفارس مع ما ماثله

إلا أن يزعموا الأداء؛ يعني أن محل كون الخوارج يؤاخذون بزكاة الماضي من الأعوام، إنما هو حيث لم يدعوا أنهم أدوها أي أعطوها، وأما إن ادعوا أنهم أعطوها، فإنهم يصدقون في أدائها، ولو في عام أخذهم بعد حولها، ومعنى يزعموا هنا يدعوا، إلا أن يخرجوا لمنعها مستثنى من المستثنى؛ يعني أن تصديق الخوارج في الأداء مشروط بأن لا يكونوا خرجوا لمنع الزكاة، وأما إن خرجوا لمنع الزكاة فقط أو له مع غيره فإنهم لا يصدقون في إخراجها، ويعاملون معاملة الهارب حينئذ. والمتغلبون كالخوارج كما في النص أي المتغلبون على بلاد أخذوا الزكاة من أربابها قهرا عليهم وخروجا على السلطان، فلا يأخذها ثانيا من الناس وإنما يأخذها من المتغلبين كالخوارج. قاله الشيخ عبد الباقي.

ولما فرغ من الكلام على زكاة الماشية، أتبعه بالكلام على زكاة الحرث، وبدأ بها قبل زكاة العين؛ لأن الحرث ينمو، فقال: وفي خمسة أوسق فأكثر؛ يعني أنه لا يزكى من الحبوب والثمار ما هو أقل من خمسة أوسق، وأما ما بلغ منها خمسة أوسق ففيه الزكاة على الوجه الذي يذكره المصنف، فيؤدّى منه العشر أو نصفه، وفي قوله:"فأكثر"، إشارة إلى أنه لا وقص في زكاة الحب والثمر، والأوسق جمع وسق، والوسق بفتح الواو على الأفصح، وفيه الكسر مصدر بمعنى الجمع، ومنه:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} ؛ أي جمع ما دخل فيه من الدواب وغيرها، ومكيال معروف يسع

ص: 312

ستين صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أربعة أمداد بمده عليه الصلاة والسلام، والمد ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، فخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، ويقال: وسقه يسقه: جمعه، ووسَّق الحنطة توسيقا جعلها وَسْقا وَسْقا، فالوسق بمعنى المكيال المعروف مسمى لغوي، وقوله:"وفي خمسة أوسق"، جزم سند في الطراز بأنها للتقريب حتى لو نقصت اليسير وجبت الزكاة؛ لأن النقص اليسير كالعدم. وللشافعية في كونها تحديدا وهو الأصح عندهم أو تقريبا قولان، ومن المجموعة وكتاب ابن المواز، قال مالك: لا زكاة فيما يؤخذ من الجبال من كرم وزيتون وتمر مما لا مالك له، وأما ما أخذ من ذلك في أرض العدو ففيه الخمس إن جعل في الغنائم، وقال الشبراخيتي: ولا زكاة في العشب الجبلي على من أخذ منه خمسة أوسق؛ لأنه غير مملوك لأحد، قال مالك: ولا يكون قرية أهل ذلك الجبل أحق به؛ وهو لمن أخذه، والأرض كلها لله ولرسوله. انتهى.

وقوله: "وفي خمسة أوسق"، قال الحطاب: الظاهر أنه متعلق بقوله أول الباب: "تجب"، وقوله بعد هذا:"نصف العشر"، معطوف على قوله أول الباب:"تجب زكاة نصاب النعم"، والمعنى: ويجب في خمسة أوسق نصف العشر. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن قوله: "وفي خمسة أوسق"، خبر مقدم، ونصف عشرة مبتدأ مؤخر، وذكر ما قدمته عن الحطاب، وقال: إنه أولى لإفادته للحكم؛ وهو الوجوب صريحا. انتهى. والأصل فيما ذكر المصنف قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة

(1)

). انظر أبا الحسن على الرسالة.

وإن بأرض خراجية؛ يعني أنه لا فرق في وجوب الزكاة فيما تجب فيه من الحبوب والثمار، بين أن يكون في أرض خراجية؛ أي يؤدى منها الخراج، وبين غيرها من الأرض التي لا يؤدى منها الخراج؛ لأن الخراج الذي على الأرض لا يضع زكاة ما خرج منها، وفي المدونة: ومن اكترى أرض خراج أو غيرها، فزكاة ما أخرجت الأرض على المكتري، ولا يضع الخراج الذي على الأرض زكاة ما خرج منها عن الزارع، كانت الأرض له أو لغيره. وقوله:"وإن بأرض خراجية"، رد به على أبي حنيفة القائل: إن الخراج يسقط زكاة الأرض، وقال الشيخ محمد بن الحسن عن

(1)

الموطأ، كتاب الزكاة، الحديث 575.

ص: 313

الحطاب: والخراج نوعان، الأول ما وضع على أرض العنوة، والثاني ما يصالح به الكفار على أرضهم، فيشتريها مسلم من الصلحي، ويتحمل عنه الخراج بعد عقد البيع؛ وكذا ما وضعه السلطان ظلما. انتهى.

وقال القرافي: الخراج نوعان؛ أحدهما ما وضعه عمر رضي الله عنه على أرض العراق لما فتحها عنوة وقسمها بين المسلمين، ثم رأى أن ينزلوا عنها ليلا يشتغلوا عنها بالجهاد فتخرب أو تُلهي عن الجهاد، فنزل عنها بعضهم بعوض وبعضهم بغير عوض، وضرب الخراج عليها ووقفها على المسلمين، قال سند: هو أجرة عند مالك والشافعي، ولذلك منع مالك الشفعة فيها، وقيل: بل باعها من أهل الذمة بثمن مقسط يؤخذ في كل سنة؛ وهو الخراج، وجازت الجهالة فيه لكونه مع كافر للضرورة.

والنوع الثاني: ما يصالح به الكافر على أرضهم، فتكون كالجزية تسقط بإسلامهم، بخلاف الأول. انتهى. وكذلك الحكم في أرض العنوة كلها أنها توقف على المسلمين، وتترك بيد أهلها ليعملوا فيها، فإذا أسلموا لم يسقط الخراج لأنه أجرة والأرض للمسلمين، وقوله في المدونة: كانت الأرض له، فإن قيل: كيف يصح أن تكون الأرض له وعليها الخراج؟ أجيب بأنها من أرض العنوة، قال عبد الحق: أو وضعه السلطان عليها ظلما، أو اشتراها مسلم من صلحي وتحمل عنه الخراج بعد عقد البيع. والله أعلم. قاله الحطاب. ولو باع المسلم أرضا لا خراج عليها لذمي، فلا خراج على الذمي ولا عشر عند مالك والشافعي، خلافا لأبي حنيفة، قال: ليلا تخلو الأرض عن العشر والخراج، وقال أبو يوسف: عليها عشران، ومنع محمد بن الحسن صحة البيع لإفضائه إلى الخلو لنا أنما البيع ليس سبب الخراج في غير صورة النزاع، فلا يكون سببا فيها بالقياس، ويبطل قولهم ببيع الماشية من الذمي. قاله في الذخيرة عن سند. قاله الحطاب. ومن منح أرضه صبيا أو عبدا أو ذميا، أو أكراها فلا زكاة إلا على الصبي لقيام المانع فيما عداه عند مالك، خلافا لأبي حنيفة في العبد والذمي. قاله الحطاب. وقد مر قول مالك: لا زكاة فيما يؤخذ من الجبال من كرم وزيتون وتمر مما لا مالك له، وأما ما أخذ من ذلك في أرض العدو، ففيه الخمس إن جعل في المغانم. انتهى.

ص: 314

ألف وستمائة رطل؛ بالجر بدل من خمسة أوسق، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهي وزن ألف وستمائة رطل بفتح الراء وكسرها، ومعنى كلامه أن خمسة الأوسق إذا وزنت فإنها تعدل ألف رطل وستمائة رطل.

والرطل مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا؛ يعني أن كل رطل من الألف وستمائة يعدل مائة وثمانية وعشرين درهما مكيا منسوبا إلى مكة، والحاصل أن القدر الذي تجب فيه الزكاة يعرف بالكيل تارة وبالوزن أخرى -كما سيأتي قريبا إن شاء الله- والكيل كيل المدينة، والوزن وزن مكة، وذلك لأن المدينة محل الزروع والبساتين، فيعتنون بالكيل، ومكة محل التجارات الموزونة. قاله الشيخ الأمير. كل خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، هذا بيان لقدر الدرهم المكي يعني أن الدرهم المكي؛ هو الذي يعدل بخمسين حبة من الشعير المتوسط، وخمسا حبة منه لا من ممتلئه ولا من ضامره مقطوع من طرفيه ما امتد خارجا عن خلقته، ولو قال المصنف: من وسط الشعير لكان أحسن.

واعلم أن المعتبر في النصاب معيار الشرع في ذلك الشيء من كيل القمح أو وزن العنب، وإن لم يكن للشرع معيار فعادة محله، وما مشى عليه المصنف من أن الرطل مائة وثمانية وعشرون درهما هو أحد الأقوال، وقيل: مائة وثمانية وعشرون وأربعة أسباع درهم، وصححه النووي، ونقل ابن فرحون عن الثعلبي أنه صححه أيضا، وقيل: مائة وثلاثون درهما بكسر الدال وفتح الهاء، وقول المصنف: إن كل درهم خمسون وخمسا حبة من الشعير المتوسط هو الصحيح المعتمد، خلاف ما ذكره ابن شأس وتبعه القرافي وابن الحاجب: أن الدينار وزنه اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة، والدرهم سبعة وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة، وهذا القول أصله لابن حزم وقد خرق فيه الإجماع على عادته، واتباع أولئك له وهم، قاله الحطاب. وقوله:"من مطلق الشعير"، لا من القمح.

من حب؛ يعني أن الخمسة الأوسق التي تجب فيها الزكاة لا بد أن تكون من هذا الذي ذكره، بأن تكون من الحب ودخل فيه ثمانية عشر. القطاني السبعة، وهي: الجلبان والفول والحمص والعدس والبسيلة واللوبيا والترمس. والقمح والشعير والسلت والعلس والأرز والدخن والذرة وذوات

ص: 315

الزيوت الأربع، السمسم والزيتون وحب الفجل والقرطم، وعطف على قوله:"حب"، قوله: وتمر؛ أي وكذا تجب الزكاة في التمر إذا بلغ خمسة أوسق، ويلحق بالتمر الزبيب، فقوله:"تمر"، بمثناة لا بمثلثة ليلا يدخل غير المراد، ولا يقال سكت عن الزكاة في العنب؛ لأنه يقال في كلامه ما يفيد وجوب الزكاة فيه. بدليل قوله:"وإنما يخرص التمر والعنب". وقوله: فقط؛ يعني به أن الزكاة إنما تجب في هذه العشرين المذكورة، ولا تجب في غيرها إلا من باب عروض التجارة الآتي كما في الأمير، بل هي غير مطلوبة في غير العشرين المذكورة، وللشيخ علي الأجهوري ناظما لما تجب فيه الزكاة:

قمح شعير وزبيب سلت

تمر مع الأرز دخن ذرة

وعلس ثم القطاني العدس

ولوبيا وحمص وترمس

بسيلة والفول والجلبان لا

كرسنة وهي طعام اعتلا

أضف لها الزيتون حب القرطم

وبزر فجل مثلها مع سمسم

فهذه فيها الزكاة تجب

وليس في شيء سواها تطلب

وعلس حب طويل باليمن

مشبه برخلقة يا من فطن

وقوله: "فقط"، خلافا لابن الماجشون القائل: تجب في كل ذي أصل كرمان وتفاح. واعلم أن الزكاة تجب في القمح والشعير والتمر اتفاقا، والزبيب كالتمر، وفي السلت والعلس والزيتون على المشهور، وفي القطاني كالفول والعدس والحمص والجلبان والبسيلة والترمس واللوبيا على المنصوص، وفي الأرز والدخن والذرة وليست من القطاني على المشهور؛ والدخن البشنة، ولا تجب الزكاة في الكرسنة؛ وقال أشهب: من القطاني، ولا قصب وبقول، ولا في فاكهة كرمان وتين على الأشهر، وفي حب الفجل والعصفر والكتان، ثالثها: إن كثر وجبت، ورابعها إلا في الأخير، ولا زكاة في الخضر ولا في الحلبة ولا في الزعفران، ولا في العسل ولا في الخل ولا في شيء من التوابل، ولا في الفستق ولا في الخشب ولا في قصب السكر والتين والرمان والجوز واللوز والعناب وما أشبه ذلك.

ص: 316

وفي الذخيرة: ولا زكاة في التوابل، وذكروا في باب البيع أنها الفلفل والكزبرة والآنيسون والشمار والكمون والحبة السوداء والكروياء ونحو ذلك. نقله الحطاب. بعضه عن المدونة وبعضه عن النوادر وبعضه عن الذخيرة، وكلام البساطي في الأبازير يقتضي أنه لم يقف على ما تقدم. قاله الحطاب. وبما مر علم أن المصنف أطلق في قوله:"حب"، وشرطه أن يكون مقتاتا مدخرا للعيش غالبا، والذي تجب فيه الزكاة إنما هو حب وثمر، والحب نوعان: نوع لا زيت له كالقمح والشعير، والنوع الثاني له زيت كالزيتون ونوعه، والثمر يشمل نوعين: التمر والعنب، وقد مر حصر ما تجب فيه الزكاة نثرا ونظما. وبالله تعالى التوفيق. ابن الحاجب: ولا زكاة في القصب والبقول. التوضيح: يصح أن يقال بالضاد المعجمة؛ وهو نبت تأكله الدواب، وبالصاد المهملة وهو قصب السكر: وكلاهما ذكره ابن الجلاب. منقى؛ يعني أن الخمسة الأوسق إنما تجب فيها الزكاة حيث كانت منقاة؛ أي مصفاة مخلصة من التبن والصوان الذي لا يخزن الحب به، وأما إن لم يبلغ الحب الخمسة الأوسق إلا بما فيه من التبن أو الصوان الذي لا يخزن به ونحو ذلك، فإنه لا تجب فيه الزكاة لقصوره عن النصاب، وأما القشر الذي لا يزايل الحب فإنه يحسب كما يأتي في قوله:"وحسب قشر الأرز والعلس"، وما ذكره المصنف من اشتراط التصفية صحيح إلا في اليسير الذي لا ينفك عنه غالبا. قاله الشبراخيتي. وقوله:"منقى"، هو شرط في الحب والثمر، وأشار لما يشترط في بعض الحب والثمر، بقوله: مقدر الحفاف؛ يعني أن ما أكل من الحب والثمر قبل جفافه إن كان مما يجف، أو قبل يبسه إن كان مما يَيْبَسُ ويجف يُقَدَّر ما ينقص به بسبب الجفاف، فيقال: كم ينقص ذلك إذا جف؟ فإذا لم يبلغ خمسة أوسق بتقدير جفافه فإنه لا تجب فيه الزكاة، ولو بلغها بتقدير جفافه إلا أنه ينقص بتقدير جفافه عن القدر الذي يبلغه قبل جفافه، فإنه يحط من الزكاة إلى القدر الذي يبلغه بتقدير جفافه فهو المعتبر. وقوله:"مقدر الجفاف"، كفول وحمص أخضرين وكشعير زمن مسغبة ونحوها، فهو راجع لما يشمله قوله:"من حب"، ولما يؤكل من عنب وبلح قبل يبس كل واحد وبعد طيبه، وكذا زيتون بعد طيبه وقبل جفافه، وأما ما ييبس أو يجف بالفعل ولم يؤكل قبل يبسه وجفافه، فإنما يزكى بعد يبسه وجفافه من غير تقدير، وكلامه ربما يقتضي أنه يقدر جفاف ما يجف وإن لم يؤكل قبل جفافه،

ص: 317

وكذا يقال فيما يَيْبَسُ بالفعل وليس بمراد، فيحمل قوله:"مقدر الجفاف"، على ما يجف بالفعل، ومثله ما يَيْبَسُ بالفعل، وأكل كل قبل جفافه ويبسه. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: ويدل عليه فوله: وإن لم يجف؛ يعني أنه يعتبر ما ينقصه الجفاف مطلقا، سواء كان مما يجف أو ييبس، وأكل كل قبل جفافه أو يبسه، أو كان مما لا يجف ولا ييبس، فإذا نقصة الجفاف تقديرا بما ينقص به عن النصاب فلا زكاة فيه، وإن كان يبلغ خمسة أوسق بلا تقدير الجفاف.

ومثلوا لما لا يجف بعنب مصر وبلحها وزيتونها بعد الطيب، وقوله:"يجف"، بكسر الجيم وفتحها بنقل حركة العين إلى الفاء في الوجهين.

واعلم أن محل هذا بعد الإفراك، فلا ينافي أن ما أكل قبل الطيب لا زكاة فيه، كما يأتي بيانه إن شاء الله عند قوله:"والوجوب بإفراك الحب"، وعند قوله:"وفول أخضر"، وقوله:"مقدر الجفاف"، هذا التقدير هنا غير التخريص الآتي في قوله:"وإنما يخرص التمر والعنب"، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقوله: نصف عشرة، قد مر عن الحطاب أنه عطف على قوله:"زكاة نصاب النعم"، وأن المجرور -أعني قوله:"في خمسة أوسق"- يتعلق بتجب من قوله: "تجب زكاة نصاب النعم"، ويحتمل وجها آخر وهو أنه مبتدأ وخبره قوله:"في خمسة أوسق". ومعنى كلام المصنف أن الواجب إخراجه في الزكاة؛ أي زكاة الحب والثَّمَر يتنوع إلى ثلاثة أنواع في المسقي بالآلة، ومثلها في غيره كما يأتي، أحدها نصف العشر وهو واجب في التمر والزبيب الذين يجفان، والحب الذي لا زيت له كالقمح والشعير والسلت والدخن والذرة ونحو ذلك من الحب الذي له زيت، ثانيها أشار إليه بقوله: كزيت ما له زيت؛ يعني أن الحب الذي لجنسه زيت كالزيتون ونحوه مما مر، يجب أن يخرج من زيته نصف العشر حيث بلغ الحب خمسة أوسق، ولا يشترط في الزيت بلوغه ما يخرج من خمسة أوسق عادة، بل متى ما بلغ الحب خمسة أوسق أخرج نصف عشر الزيت قل أو كثر، خلافا لا جزم به اللخمي وساقه كأنه المذهب، من أنه: إذا قحطت السماء على الزيتون فحط زيته عن المعتاد بالشيء البين، فصار إلى النصف وما أشبه ذلك، لم تجب الزكاة في خمسة أوسق منه. انتهى من الرهوني. فإن لم يبلغ لم

ص: 318

يخرج منه ولا من زيته شيء، ولو خرج منه من الزيت بحسب العادة أكثر مما يخرج من الحب البالغ للنصاب.

وشمل قوله: "كزيت ما له زيت"، أربع صور: عصره، وأكله قبل عصره، وبيعه لمن يعصره، وبيعه لمن لا يعصره. والهبة للثواب كبيعه وغيرها كأكله، فإن عصره المزكي أخرج نصف عشر زيته، وإن أكله حبا تحرى قدر ما يخرج منه وأخرج بحسبه، فإن لم يمكن تحريه سأل أهل المعرفة، فإن لم يمكن أخرج من قيمته وإن باعه لمن يعصره، قال عبد الباقي: سأل المشتري إن وثق به، وإلا فأهل المعرفة، فإن تعذر سؤالهم زكى من ثمنه. وظاهر التتائي أنه لا يعمل بتحريه، وذكر بعض شيوخ علي الأجهوري أنه يعمل بتحريه، بل قدمه على سؤال المشتري. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: ما ذكره بعض شيوخ علي الأجهوري هو الصواب، وجلب على ذلك كلاما عزاه للمدونة. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: وإذا أكله تحرى قدر ما يخرج منه ويخرج بحسبه، فإن لم يمكن تحريه سأل أهل المعرفة، فإن لم يمكن أخرج من قيمته، وإن باعه قبل ذلك لمن يعصره سأل المشتري عن قدر ما يخرج إن وثق به، وإلا فأهل المعرفة كما قال ابن القاسم، فإن اختلفوا أخذ بقول الأعرف، وإلا فمن كل جزء على الظاهر، فإن تعذر ذلك زكى ثمنه، وظاهر التتائي أنه لا يتحرى.

وذكر بعض شيوخ شيخنا الأجهوري أنه يعمل بتحريه، بل قدمه على سؤال المشتري، وحكم ما وهبه للثواب حكم ما باعه، وأما حكم ما وهبه لغيره فالظاهر أنه حكم ما أكله. انتهى.

الصورة الرابعة: أن يبيعه لمن لا يعصره، فيتعين الإخراج من الزيت بأن يتحرى ولا بُعْدَ في ذلك؛ إذ لا فرق في تحريه بين أن يبيعه لمن يعصره، وبين أن يبيعه لمن لا يعصره، فإن لم يمكن أدى من ثمنه، كما يفيده كلام ابن يونس الآتي عقب قول المدونة: ومن باع زيتونا يُزَيَّتُ، أو رطبا يُتَمَّرُ أو عنبا يُزَبَّبُ فليأت بما لزمه زيتا أو زبيبا أو تمرا من عشر أو نصفه. انتهى. ابن يونس: قال مالك: وإن لم يضبط خرصه، ولا أن يتحراه أو يتحرى له فليؤد من ثمنه. انتهى. وظاهر المصنف تعين الإخراج من الزيت في الصور الأربع، وهو واضح إذا عصره أو أكله قبله أو باعه لمن يعصره حيث كان غير جلجلان، فإن باعه وهو جلجلان لمن يعصره، فهل كذلك، أو يجزئ

ص: 319

زكاته من حبة؟ ولو علم قدر ما فيه من الزيت لأنه يراد لغير الزيت من زراعة وأكله حبا فخف أمره كما فرق عياض بين الجلجلان وغيره قولان. قاله عبد الباقي. وفي الحطاب عن المدونة: فإن كان قوم لا يعصرون الجلجلان وإنما يبيعونه حبا ليزيت، فأرجو إذا أخذ من حبة أن يكون خفيفا. وقال ابن ناجي: وأشار بعض الأندلسيين إلى معارضة قولها بقولها؛ وقال عياض: وقد يفرق بينهما بأن الجلجلان لا يخرج منه زيت إلا ببلاد يعصر فيها. انتهى. ثالثها أشار إليه بقوله: وثمن غير ذي الزيت؛ يعنى أن الحب الذي لجنسه زيت، وكان هو في بعض البلاد لا زيت له يخرج من ثمنه إذا بلغ حبة خمسة أوسق قل الثمن أو كثر، فيخرج منه نصف العشر كزيتون مصر، وهذا إذا بيعت الأوسق، فإن لم تبع فنصف عشر قيمتها يوم طيبه أو إزهائه، ويصح أن يراد بالثمن العوض فيشمل المسألتين. كما قاله الشبراخيتي. وقوله:"وثمن غير ذي الزيت"؛ أي ولا يجزئ الإخراج من حبة. قاله الشبراخيتي.

وما لا يجف؛ يعني أن ما لا يجف كرطب مصر وعنبها إذا بلغ حبة خمسة أوسق يخرج نصف عشر ثمنه إن بيع، ونصف عشر قيمته إن لم يبع، وقد تقدم أنه يعتبر ما ينقصه به الجفاف تقديرا، وإذا كان في البلد ما يجف وما لا يجف، فلا يحكم على ما لا يجف بحكم ما يجف، بل كل على حكمه من لزوم نصف عشر الحب في الأول، ونصف عشر الثمن أو القيمة في الثاني. قاله الشيخ محمد بن الحسن شارحا به كلام الشيخ عبد الباقي. وقال عبد الباقي: وظاهر المصنف تعين الإخراج من الثمن في هاتين المسألتين؛ وهو كذلك. انتهى؛ يعني بالمسألتين قوله: "وثمن غير ذي الزيت"، وقوله:"وما لا يجف".

وقال الشبراخيتي: ولا يجزئ الإخراج من حبة بأن يخرج تمرا أو زبيبا، وأما رطبا أو عنبا فلا يتوهم، وقد قدمتُ عنه عند قوله:"وثمن غير ذي الزيت"، ما نصه: ولا يجزئ الإخراج من حبة. انتهى. وقال محمد بن الحسن: قال ابن عرفة: وما لا يتزبب، قال محمد: من ثمنه أو قيمته إن أكله لا من زبيب. التونسي: ولم يقل هل يجزئه إن أخرجه زبيبا أو لا؟ وروى علي وابن نافع من ثمنه إلا أن يجد زبيبا فيلزمه شراؤه. ابن حبيب: فإن أخرج عنبا أجزأه، وكذا الزيتون الذي لا زيت له، والرطب الذي لا يتتمر؛ أي إن أخرج من حبة أجزأه، والقول الأول

ص: 320

هو مذهب المدونة كما في المواق. انتهى. قال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "وما لا يجف"، أن ما يجف بالفعل لا يخرج من ثمنه، بل من حبة أكله أو باعه لمن يجففه، لا لمن لا يجففه، فيجوز أن يخرج من ثمنه. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ما تقدم من كلام المدونة وابن يونس يدل على أن ما يجف لا يخرج إلا من حبه إلا إن عجز عن التحري فمن ثمنه، ولا فرق بين بيعه لمن يجففه وبيعه لمن لا يجففه، وما ذكره من هذا التفصيل أصله في المواق أخذه من كلام ابن رشد، وهو لا دليل فيه لأن ما ذكره ابن رشد إنما هو باعتبار الغالب.

وفول أخضر؛ يعني أن الفول الذي بيع أخضر ولم يترك حتى ييبَس كالسقاوي بمصر؛ وهو الذي يسقى بالسواقي يخرج نصف عشر ثمنه، ونصف عشر قيمته إن أكله أخضر بلا بيع، قال عبد الباقي: وظاهره تعين الإخراج من قيمته أو ثمنه كالمسألتين قبله، وليس بمراد؛ إذ المعتمد فيه أنه يخير بين إخراج ثمنه أو قيمته، وبين أن يخرج عنه حبا يابسا بعد اعتبار جفاف الأصل. كما نقله ابن يونس عن مالك.

والفرق بينه وبين المسألتين قبله أنه لما كان يمكن فيه اليبس جاز النظر له، وإلى ما يشترى له من أكله أخضر بخلاف المسألتين قبله، فإن ترك السقاوي حتى يبس أخرج من حبه، وأما الفول الذي يترك دائما حتى ييبس بالفعل كالذي يزرع في موضع البحر بمصر، فيتعين الإخراج من حبه، ولا يخرج من ثمنه ولو أكل أو بيع أخضر، ومثل الفول الأخضر الحمص الأخضر والفريك، وما يشترى من ثمر النخل والعنب لا ييبس، فإنه يجزئ الإخراج من حبة كالبلح المسمى بالخضارى لطيبه، ومثل ذلك الشعير الأخضر، لكن إن كان [زمن]

(1)

مسغبة لأنه يقصد بزمنها أكلا أو ثمنا، فلذا جاز من حبه وثمنه لحظ الفقراء حينئذ بخلاف زمن غيرها لعدم قصده بالأكل حينئذ ولرخصه غالبا، فإنما يخرج من حبه وليس مثلها البلح الخضارى الرامخ إذا بيع أو أكل، فلا يحسب ولو كثر لعدم الزكاة فيه؛ إذ هو لم يطب فلم يتعلق به وجوب، ولا يقاس على الفول الأخضر ونحوه؛ لأنه تجب الزكاة فيه بالإفراك، وقد حصل. والبلح لا تجب الزكاة فيه إلا بالطيب وهو الزهو، وما في معناه ولم يحصل، ووجوب الزكاة في الفريك الأخضر والشعير الأخضر

(1)

في الأصل من، والمثبت من عبد الباقي ج 2 ص 133.

ص: 321

موافق لقول المصنف، والوجوب بإفراك الحب. انتهى. وقوله: المعتمد فيه، أنه يخير، قال محمد بن الحسن: في العتبية عن مالك: أنه يتعين الإخراج من الحب. ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الزكاة قد وجبت في ذلك بالإفراك، فبيع ذلك بمنزلة بيع الحائط والنخل أو الكرم إذا أزهى، ثم قال: ولمالك في كتاب ابن المواز في الفول والحمص: أنه إذا أدى من ثمنه فلا بأس به، ولم يقل ذلك في النخل والكرم، ثم نقل الفرق الذي في المواق، فتصديره بالأول مع توجيهه يفيد أنه المعتمد؛ وهو الذي صدر به ابن عرفة، فقال: قال مالك: ما أكل من قطنية خضراء أو باع إن بلغ حبة نصابا زكاه بحب يابس، وروى محمد: أو من ثمنه. أشهب: من ثمنه. انتهى. وقوله: وأما الفول الذي يترك دائما الخ، لا وجه لتفصيله في الفول الذي أكل أخضر بين ما شأنه ذلك أم لا، بل الحكم سواء كما يفيده النقل السابق. وقوله: وما يشترى من ثمر النخل والعنب الخ، اعتمد فيه كلام المواق، وتقدم ما فيه. انتهى.

وتحصل مما مر أنه يجب إخراج نصف العشر من الأصناف التي لا زيت لجنسها حيث بلغت النصاب، كالقمح والشعير وما أكل منها قبل جفافه أو يبسه يعتبر ما ينقصه الجفاف، ولابد من إخراج نصف العشر من الحب حيث كان يجف أو ييبس، باعه أولا إلا إذا عجز عن التحري، فيخرج من ثمنه باعه لمن يجففه أو لا، كما مر عن محمد بن الحسن، فإن تركه لليبس أو الجفاف فإنما يزكى بعد يبسه أو جفافه من غير تقدير، فإن كان مما لا يجف أخرج نصف عشر ثمنه إن بيع، أو نصف عشر قيمته إن لم يبع، ولا يجزئ الإخراج من حب يابس على المعتمد، وأما ما بجنسه زيت، فإن كان له زيت تعين إخراج نصف عشر زيته حيث بلغ حبة خمسة أوسق، قل الزيت أو كثر، فإن علم قدر الزيت فواضح، وإن لم يعلمه لكونه أكله قبل عصره أو باعه تحراه على ما مر وأخرج بحسبه، فإن تعذر التحري والسؤال أخرج قيمة نصف عشر الزيت أو الثمن على ما مر، وإن لم يكن له زيت في بعض البلاد أخرج نصف عشر ثمنه إن بيع، ونصف عشر قيمته إن لم يبع، وتقدم الخلاف في الجلجلان الذي له زيت، هل يجزئ الإخراج من حبه إذا بيع لمن يعصره، أو لابد من إخراج نصف العشر من زيته؟ وأن المعتمد في الفول الأخضر أنه يتعين فيه الإخراج من الحب حيث أكل قبل يبسه مطلقا، شأنه ذلك أم لا.

ص: 322

وقال الأمير: والإخراج من زيت الزيتون إن كان، وأمكن معرفة قدره ولو بالتحري، أو بإخبار موثوق به، وإلا فمن قيمته إن أكله أو ثمنه إن باعه، كان نصابا أم لا؛ إذ العبرة بنصاب الحب وجاز في بقية الزيتية من الحب أيضا، وتعين من ثمن ما لا يجف كرطب مصر وعنبها وحب غيره، كإن جف هوأي لو فرض أن ما لا يجف بقي حتى جف تعين حبة، وخير بين الحب والثمن في فول وحمص بيع كل أخضر مطلقا؛ أي ولو كان شأنه الجفاف كما أفاده الرماصي، خلافا لما في الخرشي وغيره من تعين الحب حينئذ، وقواه بناني. انتهى. وقوله:"وفول أخضر"، فإن قلت: وجوب الزكاة في الفول الأخضر والفريك يخالف قوله: "والوجوب بإفراك الحب"،. قلت: لا نسلم أنه يخالفه لأنه حصل في كل الإفراك، والدليل على أن الإفراك يكون قبل اليبس، قول المؤلف في باب تناول البناء والشجر الأرض ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه. قاله الشبراخيتي، والخرشي، ونحوه لعبد الباقي.

تنبيه: اعلم أنه اختلف في تعلق الوجوب بالإفراك أو اليبس، وسيأتي أن المشهور تعلق الوجوب بالإفراك، وهو للمصنف وابن الحاجب وابن شأس والمدونة، وصرح ابن الحاجب بتشهيره، وما لابن عرفة من تشهير تعلق الوجوب باليبس ضعيف، وقوله:"وفول". يقال له: الباقلى بالتشديد مع القصر، ويكتب بالياء وبالتخفيف مع المد ويكتب بالألف. قاله الشبراخيتي.

إن سقي بآلة، شرط في لزوم نصف العشر؛ يعني أن محل وجوب نصف العشر في الأقسام الثلاثة أي ما يجب فيه نصف العشر من الحب أو الزيت أو الثمن، محله حيث سقي الحب بآلة كالدواليب والدلاء، ومنها نقالة البحر كما في أحمد، ولو من متبرع له. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ولا يدخل في الآلات نقالات البحر، ابن أبي زمنين: ما يسقى باليد بالدلو بمنزلة ما يسقى بالسواني. وقوله: "بآلة"، آلة الشيء ما يئول إليه؛؛ أي لما كانت هي السبب في تحصيله كان أمره آئلا إليها، هذا ما ظهر لي والله سبحانه أعلم.

وفي أبي الحسن (أنه عليه الصلاة والسلام جعل فيما سقته السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر

(1)

). انتهى.

(1)

صحيح البخاري، كتاب الزكاة، الحديث:1483. وأبو داود، كتاب الزكاة، الحديث: 1596.

ص: 323

تنبيه: إذا أخرج من سقى بالآلة العشر جهلا وله زرع آخر فلا يحسب ما زاد عن زكاة الأول للثاني، بل يخرج ما وجب فيه ويرجع على الفقراء كما يرجع من دفع الكفارة أو الزكاة لغير مستحقها من عبد ونحوه. انظر حسن نتائج الفكر. قال محمد بن الحسن: أي إن وجدها بأيديهم استرجعها: وإن فاتت فلا. انتهى. ونحوه في الحطاب عن البرزلي: قال عنه إن وجد ذلك في أيدي الفقراء أخذه كما إذا دفع الكفارة أو الزكاة لمن لا يستحقها من عبد أو صبي، وإن فاتت فلا يسترجع كما تقدم، وكذا من عوض من صدقته ظانا أن ذلك يلزمه، وفي هذا الأصل اختلاف. انتهى. وهذه المسألة من فروع النية. انتهى. قاله الحطاب.

واعلم أن الحب يشمل الأصناف العشرين المتقدمة التي لا تجب الزكاة إلا فيها، فلو حذف وتمر لكفاه ذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وإلا فالعشر؛ يعني أن ما ذكر من الحب والثمر إذا لم يُسْقَ بالآلة بأن سقاه المطر أو الأنهار أو العيون أو كان بعلا؛ وهو ما يشرب بعروقه من غير سقي، فإن الواجب فيه العشر حبا أو زيتا أو ثمنا على ما مر، والعشر جزء من أجزاء العشرة فيجزأ الحب أو الزيت أو الثمن عشرة أجزاء، ويخرج منها جزء لمصرفه الآتي، ويقال في العشر عشر بفتح العين وكسر الشين بعدها تحتية، ومعشار قال في القاموس ويقع لهم في هذا الموضع ألفاظ منها: المغرب بالغين المعجمة وسكون الراء: الدلو الكبير، ومنها الدالية وهي أن تمضي الدابة فيرتفع فيفرغ ثم ترجع [فينزل]

(1)

، ومنها الناضح وهو الجمل الذي يجر حبل الدلو، ومنه الدواليب والنواعير. قاله الشبراخيتي.

ولو اشترى السيح بفتح السين وإسكان الياء: العيون والأنهار والسيل، وسقي السماء والمطر. قاله الحطاب. وجمعه سيوح، وقال الخرشي: السيح الماء الجاري على وجه الأرض، ومعنى كلام المصنف أن اللازم فيما سقي بغير الآلة العشر، ولو كان مالك الحب اشترى السيح الذي سقي به ممن هو بأرضه، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (فيما سقته السماء والعيون العشر وفيما سقي

(1)

في الأصل كلمة غير مقروءة والمثبت من الذخيرة ج 2 ص 451 والشبراخيتي ج 1 مخطوط.

ص: 324

بالنضح نصف العشر

(1)

). ورد بلو قول عبد الملك بن الحسن: إذا اشترى السيح له فليس عليه إلا نصف العشرة بعضهم: وهو أعدل لأن المشقة فيه كالسواقي.

أو أنفق عليه؛ يعني أن الحكم فيما سقي بالسيح وجوب العشر، ولو كان مالك الحب أنفق على إجراء السيح إلى أرضه، ورد بلو المقدرة في المعطوف قول اللخمي: إذا أجرى السيح بنفقة فالواجب العشر إلا في السنة الأولى فنصف العشر، قال الشارح: والمراد بالسيح النيل والسيل والعيون والأنهار، ووجب العشر فيما مر لقلة المؤنة، ومما فيه العشر ما يزرع من الذرة ويوضع عليه عند زرعه قليل ماء، قاله غير واحد. وإن سقي بهما فعلى حكميهما؛ يعني أن الحب إذا سقي بالسيح وبالآلة وتساوت مدة السقي أو قاربت التساوي؛ بأن لم يبلغ الثلثين والمسقي زرع واحد، فإن الزكاة تكون على قدرهما أي السقي بالآلة والسقي بالسيح، والمراد بكونهما على حكميهما أن يقسم الحرث نصفين، فيؤخذ من أحد النصفين العشر على حكم سقيه بالسيح، ومن النصف الآخر نصف العشر، ومجموع ذلك ثلاثة أرباع العشر. وهل يغلب الأكثر؛ يعني أنه إذا سقي الحب بالسيح وبالآلة ولم تتساو مدة السقي ولا قاربت التساوي، فإنه اختلف، هل يغلب الأكثر ويخرج منه الجميع؟ وشهره في الجواهر، أو لا يغلب الأكثر بل يبقى كل على حكمه، وشهره في الإرشاد.

وبما قررت علم أن المراد بالأكثر؛ الأكثر مدة ولو كان السقي فيها كالسقي في الأقل أو دونه، كما لو كانت مدة السقي ستة أشهر منها شهران بالسيح وأربعة بآلة، لكن سقيه بالسيح مرتان وبالآلة مرة، فإنه يكون كله كما سقي بالآلة، فيجب فيه نصف العشر. ولو كانت مدة السقي ستة أشهر منها شهران بالآلة وأربعة بالسيح لكن سقي بالآلة مرتان أو أكثر وبالسيح مرة، لكان كله كما سقي بالسيح، فيجب فيه العشر. والله تعالى أعلم. وعلى القول الثاني، ففي المثال الأول: يخرج من الثلث العشرون الثلثين نصف العشر، والمثال الثاني بالعكس، وما تقدم من أن ما بلغ الثلثين هو الأكثر وما دونهما مما زاد على النصف هو ما قارب التساوي، قال محمد بن الحسن: هو مثل الذي في

(1)

ابن ماجه، كتاب الزكاة، الحديث:1816. والبخاري، كتاب الزكاة، الحديث: 1483.

ص: 325

عبارة ابن رشد عن ابن القاسم: أن الأكثر ما بلغ الثلثين، والذي في عبارة ابن يونس عنه أن ما قارب الثلثين من الأكثر، وما زاد على النصف بقليل من المساوي. انظر ابن عرفة.

وما قررت به كلام المصنف من أن المراد بالأكثر: الأكثر مدة، قال محمد بن الحسن: هو الذي اقتصر عليه ابن عرفة والتوضيح والحطاب وغيرهم، وأما كون المراد بالأكثر الأكثر عددا، فقد قال عبد الباقي والخرشي والشبراخيتي: إنه قول الباجي، وظاهر أحمد ترجيحه، ولكن قال محمد بن الحسن: هو ظاهر فقط من كلام الباجي الذي في الحطاب: وليس بصريح فالصواب رده للأول؛ يعني الذي قررته به من أن المراد بالأكثر الأكثر مدة، قال: إذ هو الذي اقتصر عليه ابن عرفة والتوضيح والحطاب وغيرهم، وما رأيت من ذكر هذا الخلاف. اهـ. واعترض الشيخ بهرام قول المصنف. خلاف؛ أي في ذلك خلاف في التشهير؛ بأن القول الثاني لم يشهر، وأجاب الحطاب بأن المصنف في التوضيح نقل تشهيره عن صاحب الإرشاد، قال: ولعله سقط من نسخة الشارح من التوضيح. انتهى. قال محمد بن الحسن: وقد طالعت نسخا كثيرة من التوضيح فلم أجد فيها ما ذكره الحطاب عنه. انتهى. وقال الأمير: فإن سقي بهما فعلى حسبهما، فيقسم الحب نصفين يزكى أحدهما بالعشر والآخر بنصف العشر، إلا أن يكثر أحدهما مدة ففي تغليبه خلاف، وقولي: والمسقي زرع واحد، تبعت فيه عبد الباقي؛؛ أي فلو كان المسقى زرعين لكان كل على حكمه من غير تغليب كما هو ظاهر.

ولما ذكر ما تجب زكاته من النبات وهو الحب والثمر، وكان منه أجناس وأصناف؛ بين أن الأجناس لا تضم وأن الأصناف التي يجمعها جنس واحد تضم، فقال: وتضم القطانِيُّ، ومعنى كلام المصنف أن أصناف القطاني تجمع كلها في الزكاة كصنف واحد. ولا تجمع مع غيرها، فمن رفع من جميعها خمسة أوسق فليخرج من كل صنف بقدره، وقاله في المدونة. والمشهور من المذهب أن الجلجلان والأرز ليسا من القطنية، وإنما هما صنفان. قاله ابن رشد. وقال ابن الحاجب: والمشهور فيها الضم في الزكاة، بخلاف الربا لما ثبت من ضم العينين، وإن كانا في الربا جنسين، وقد عد الخرشي في القطاني الجلجلان وحب الفجل وهو غير صحيح. قاله بناني. والقطاني؛ هي المتقدمة وجمعها بعضهم في قوله:

ص: 326

جلبان فول حمص وعدس

بسميلة واللوبيا والترمس

وقد مر أنه إن رفع من أصناف القطاني خمسة أوسق أي فأكثر، يخرج من كل صنف بحسبه. الحطاب: ويجزئ إخراج الأعلى والمساوي لا الأدنى عن الأعلى. انتهى. وظاهره في القطاني وغيرها، لكن في المقدمات ما يفيد تخصيص الأعلى والأدنى بالصنف الواحد لا قمح عن عدس. والظاهر أن الأعلى والمساوي والأدنى تعتبر بها عند أهل محل الإخراج. قاله عبد الباقي.

وبما قررت علم أن معنى الضم في الحساب ليكمل النصاب، وليس معنى الضم الخلط، وكذا قوله:"فيضم الوسط"، وأما إن كان في كلٍّ نِّصابٌ فلا حاجة إلى الضم، بل يخرج من كل صنف بحسبه كما مر. وإنها ضم بعض القطاني لبعض لقرب منفعتها، ولأن العرب خصتها باسم واحد دون سائر الحبوب، ولأن الزكاة مواساة فيعان الفقراء بالضم ليكمل لهم النصاب، كمن حصل له من زراعته وسق من فول، ومثله بسيلة ومثله حمص ومثله عدس ومثله بين اللوبيا والترمس والجلبان، فليخرج الزكاة.

وقد مر أنه يجزئ الأعلى عن الأدنى، لكن يخرج من الأعلى بقدر مكيلة الأدنى لأنه عوض عنه. قاله الشيخ إبراهيم. قال: وهل يجزئ إخراج غيرها عنها كقمح عن قطنية أم لا؟ ورأيت في الحطاب ما يفيد أنه يجزئ إخراج المصنف الأعلى عن صنف آخر أدنى، وظاهره في القطاني وغيرها. انتهى. كقمح وشعير وسلت؛ يعني أن القمح والشعير والسلت يضم بعضها إلى بعض، فمن حصل له من حرثه وسق من قمح ووسقان من شعير مثلا، وثلاثة أوسق من السلت فليزك ويخرج من كل صنف بقدره، وقد مر أن الزكاة إنها تجب في العشرين المتقدمة لا في غيرها، وهذه عشرة منها أصناف القطاني السبعة يضم بعضها إلى بعض ولا تضم إلى غيرها، والقمح والشعير والسلت يضم بعضها إلى بعض ولا تضم هي لغيرها، والأصناف العشرة الباقية لا يضم بعضها إلى بعض ولا تضم هي لغيرها؛ وهي ذوات الزيوت الأربع: السمسم والزيتون وحب الفجل والقرطم، فلا يضم بعضها إلى بعض، كما لا تضم إلى غيرها وكل جنس منها يضم بعضه إلى بعض، ويؤخذ من كل صنف منها بحسبه، والستة الباقية التمر؛ وهو جنس يضم بعض أصنافه إلى بعض، ولا

ص: 327

يضم هو لغيره والزبيب كذلك، والدخن وهو البشنة والذرة والعلس والأرز، وكل واحد من هذه الأربعة جنس لا يضم إلى غيره، ويضم بعض أصنافه إلى بعض، وأخذ من كل بحسبه. كما يأتي والله سبحانه أعلم. وقوله: والسلت، بضم أوله وسكون ثانية.

وإن ببلدان؛ يعني أن الأصناف التي يضم بعضها إلى بعض كالقطاني والقمح والشعير والسلت يضم بعضها إلى بعض. ولو زرعت ببلدان شتى، كالماشية المتفرقة لمالك واحد وأولى في الضم ما هو من صنف واحد، وقد مر كلام ابن رشد لكل أميرِ إقليم قبضُ صدقات إقليمه دون من سواه من الأمراء. وليس لساعي المدينة أن يأخذ ممن مر به من أهل العراق، قال سحنون في رجل له أربعون شاة في أربعة أقاليم: يأخذ منه كل أمير ربع شاة يأتي بشاة يكون له ربعها، وإن أخذ منه كل أمير قيمة ربع شاة أجزأه، وإن كان له خمسة أوسق في كل إقليم وسق أعطى لكل أمير زكاة وسق، وإن كان الولاة غير عدول أخرج ما لزمه كما ذكرنا. إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر؛ يعني أن الضم في ما يضم فيه في بلد أو بلدان إنما يصح إن زرع أحد الصنفين قبل استحقاق حصاد الآخر؛ وهو وقت وجوب الزكاة فيه، ولو بقربه كما هو ظاهره كظاهر كلامهم، خلافا لرأي اللخمي أن ما زرع قبل الحصاد بقربه لا يضم، ورأيه ضعيف كما في الخرشي. وقوله:"حصاد"، بفتح الحاء لغة نجد وبكسرها لغة الحجازيين، وإنما اشترط زرع أحدهما قبل حصاد الآخر؛ لأن الحصاد في الحبوب كالحول، فإذا زرع بعد حصاد الآخر فلا ضم؛ إذ هما كمالين لم يجتمعا في حول. وقوله:"إن زرع أحدهما" الخ، عبارة الشبراخيتي عنده: والشرط لمطلق الضم؛ أي حيث قلنا بالضم كان ببلد أو بلدان. كما قاله بهرام في كبيره. وليس خاصا بالمبالغة خلافا للبساطي والتتائي. انتهى. وبقي للضم شرط آخر؛ وهو أن يبقى من حب الأول إلى استحقاق حصاد الثاني، وإن لم يحصد بالفعل ما يكمل به النصاب، كما ذكره ابن رشد عن ابن القاسم؛ لأنهما كفائدتين جمعهما ملك وحول، وكذا يقال في قوله: فيضم الوسط لهما؛ يعني أنه لابد في الضم من زرع الثاني قبل حصاد الأول كما عرفت، فبسبب ذلك يضم الوسط الذي زرع قبل حصاد الأول له، وللثالث الذي زرع قبل حصاد الوسط وبعد حصاد الأول، هذا إذا كان في الوسط مع كل منهما نصاب، مثل أن يكون فيه ثلاثة، وفي كل منهما وسقان، ولم يخرج زكاة

ص: 328

الأولين حتى حصل الثالث، فيزكى الجميع زكاة واحدة، فإن لم يكن في الوسط مع كلا الطرفين نصاب وفيه معهما على المعية نصاب، فقال اللخمي وابن رشد: لا زكاة في الجميع، وإليه أشار بقوله: لا أول لثالث؛ أي أنه لا يضم أول لثالث زرع بعد حصاده وقبل حصاد الوسط، مثل أن يكون في كل وسقان، وكذا لا يضم ثالث لثان زكي مع الأول حيث لم يبق من الثاني بعد الزكاة ما يصير به مع الثالث نصابا، وإلا وجبت الزكاة في الثالث، وإذا كان يَكْمُل من الوسط مع أحد الطرفين فقط نصاب، فإنه يضم له ما يكمله نصابا ولا زكاة في الآخر كما لو كان الأول ثلاثة والثاني وسقين والثالث وسقين، فيزكي الأول والثاني دون الثالث، واختار ابن عرفة من عند نفسه زكاة الثالث في الفرض المذكور، فإن كمل النصاب من الوسط والثالث فقط زكاهما دون الأول.

قال مفيد هذا الشرح عفا الله عنه: وتحرير المسألة أن تقول: الأقسام أربعة؛ أحدها: أن يكون في الوسط مع كل منهما نصاب، فإنه يزكي الجميع؛ وهذه هي قوله:"فيضم الوسط لهما"، بشرط أن يبقى من حب الوسط للثالث ما يتم به النصاب، وكذا يقال في ضم الوسط للأول. ثانيها: أن يكون في الوسط معهما على المعية نصاب، ولا يكون فيه مع واحد من الطرفين نصاب كما لو كان في كل وسقان فإنه لا زكاة في الجميع، وإليه أشار بقوله: لا أول لثالث. ثالثها: أن يكون في الوسط مع الأول نصاب، ولا يكون فيه أي الوسط مع الثالث نصاب، فيزكي الوسط مع الأول حيث بقي من حب الأول لحصاد الوسط ما يصير به معه نصابا، ولا زكاة في الثالث.

قال جامعه عفا الله عنه: وهذه يتناولها قوله: لا أول لثالث. والله سبحانه أعلم. مثال هذا الأخير ما لو كان للأول ثلاثة أوسق والثاني وسقين والثالث وسقين، فيزكي الأول والثاني دون الثالث، واختار ابن عرفة من عند نفسه زكاة الثالث في الفرض المذكور. رابعها: أن يكون في الوسط مع الثالث نصاب، ولا يكون فيه أي الوسط مع الأول نصاب، فيزكي الوسط والثالث دون الأول، ولو بقي لوجوب زكاتهما، ووافق ابن عرفة غيره على هذا ويشمله قوله: لا أول لثالث، كما قاله الشبراخيتي. فقوله:"لا أول لثالث"، شامل للأقسام الثلاثة الأخيرة. والله سبحانه أعلم. وقوله:"إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر"، هو قول ابن مسلمة، واقتصر عليه ابن رشد وصدر به اللخمي. وفي كتاب ابن سحنون عن مالك: أن المعتبر اجتماعهما في فصل من فصول

ص: 329

السنة، وفي النوادر قال مالك: ومن أخذت منه زكاة زرعه قبل حصاده وهو قائم في سنبله، فإنه يجزئه ولا أحب أن يتطوع بها من قبل نفسه. انتهى. قاله الحطاب. ومحل قوله:"لا أول لثالث"، ما لم يزرع الثالث بعد حصاد الثاني وقبل حصاد الأول، وإلا ضم الأول للثاني وللثالث كل واحد على انفراده، ولا يضم الثاني للثالث ويكون الأول بمنزلة الوسط، والثاني والثالث كالطرفين. قاله في المقدمات. قاله الحطاب. ولا يشكل هذا لأن من القطاني ما يتعجل، ومنها ما يتأخر كما قاله الحطاب. وقال في الجواهر: ولا يضم حمل نخلة إلى حملها في العام الثاني. قاله الحطاب. وفي الطراز: وإذا كانت الكروم والزيتون تطعم بطونا متلاحقة، ضم بعضها إلى بعض إذا كانت البطون في الصيف أو في الشتاء، وإن كان بعضها في الشتاء وبعضها في الصيف لم يضم. انتهى. قاله الحطاب.

لا لعلس، قال عبد الباقي: عطف على معنى كقمح؛ أي كضم قمح وشعير لا لعلس، ومعنى كلام المصنف أن القمح وما معه لا يضم للعلس، وهو قول ابن القاسم وابن وهب وأصبغ، وضم القمح للعلس هو قول مالك وأصحابه، إلا ابن القاسم؛ وهو قول ابن كنانة ومختار ابن يونس.

والعلس حب طويل باليمن يشبه خِلْقَةَ البر:

وعلس حب طويل باليمن

يشبه برا خلقة يا من فطن

ودخن؛ يعني أن الدخن وهو البشنة لا يضم إلى القمح، وقيل: يضم إليه، والدخن بدال مهملة. وقال الخرشي: الدخن قمح السودان، قال محمد بن الحسن: ما في الخرشي غير صحيح. وذرة، بذال معجمة، قال الخرشي: هي البشنة، ومر تفسيره للدخن بأنه قمح السودان، وفسر محمد بن الحسن الدخن بالبشنة، وقال: إن ما في الخرشي غير صحيح كما قدمته عنه، وعلى هذا فالذرة هي قمح السودان، وقمح السودان هو: مُتْرِ بالحسانية. وأرز؛ يعني أن الأرز لا يضم إليه القمح، وقيل: يضم له. قاله الشارح. وهي أجناس؛ يعني أن هذه الأربعة، وهي العلس والدخن والذرة والأرز، أجناس أي لا يضم بعضها إلى بعض في الزكاة لتباعد منافعها، والأرز بضم الهمزة والراء وبفتح الهمزة وضم الراء والزاي مشددة فيهما، وبضمهما وبضم الهمزة وإسكان الراء والزاي مخففة فيهما.

ص: 330

ولما كان الزيتون أشهر ذوات الزيوت وإدراجه في قوله: من حب أظهر من إدراج بقيتها فيه، نص على وجوب الزكاة فيها مشبها للخفي بالجلي، بقوله: والسمسم، بكسر المهملتين بينهما ساكن؛ وهو الجلجلان؛ يعني أن السمسم كالزيتون في أنه إذا بلغ حبة خمسة أوسق أخرج من زيته العشر أو نصفه، وإن لم يكن له زيت في بعض البلاد أخرج من ثمنه العشر أو نصفه إن بيع، قل الثمن أو كثر، وإن لم يبع أخرج من قيمته العشر أو نصف قيمته.

وبزر الفجل، البزر بكسر الموحدة أفصح من فتحها، والفجل بضم الفاء وسكون الجيم وضمها؛ يعني أن بزر الفجل كالزيتون في جميع ما مر في السمسم، إلا أنه إذا لم يكن فيه زيت لا زكاة فيه، كما نص عليه الحطاب. والمراد بزر الفجل الأحمر؛ وهو السيمقا على ما ارتضاه بعض شيوخ الأجهوري؛ أو هي موافقة للأحمر صفة وطعما ولونا وريحا متوافقة معه في الحكم، وأما بزر الفجل الأبيض فلا زكاة فيه لأنه غير طعام ولا زيت له. والقرطم؛ يعني أن القرطم كالزيتون في أنه إذا بلغ حبة خمسة أوسق يخرج من زيته العشر أو نصفه، وإن لم يكن له زيت في بعض البلاد أخرج من ثمنه أو قيمته على ما مر، والقرطم بضم القاف وكسرها مع شد الميم وتخفيفها قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي. بضم القاف والطاء وكسرهما وفتحهما، وهو حب العصفر. انتهى.

وعلم مما قررت أن قوله: كالزيتون خبر عن قوله: "والسمسم"، وما عطف عليه، ولا يخفى ما في كلام المصنف لأنه تقدم له ما يفيد هذا في قوله:"كزيت ما له زيت"، وقال الشيخ سالم: التشبيه في وجوب الزكاة، ولا يغني عن هذا قوله:"كزيت ما له زيت"؛ لأن ذلك إنما هو بصدد بيان كيفية الإخراج، وإلا بطل عمومه لشموله لزيت ما لا زكاة فيه، كزريعة الكتان وغيره، كزيت سلجم وجوز، وبهذا التقرير يخف الاعتراض. انتهى. قاله عبد الباقي.

وقد تقدم في صدر العبارة ما يخف به الاعتراض أيضا؛ وهو للشيخ عبد الباقي والله سبحانه أعلم. وقد تقدم أن ذوات الزيوت أجناس لا يضم بعضها إلى بعض، والأليق بسياق المصنف أن لو قال: والسمسم وبزر الفجل والقرطم أجناس؛ لأنه بصدد ما يضم مما لا يضم. قاله الشيخ سالم. نقله عبد الباقي.

ص: 331

وقال الحطاب: ليس فيه تكرار مع ما تقدم؛ لأن قوله: "من حب"، بيان لما فيه الزكاة من الحبوب، ودخل تحته الزيتون كما تقدم، وقوله:"كزيت ما له زيت"، بين فيه صفة المخرج فقط، وهنا تكلم على حكم ماله زيت غير الزيتون، فقال: إن السمسم وبزر الفجل؛ أعني الأحمر والقرطم حكمها كالزيتون، وما قاله هو التعين وهو حسن جدا، ولا يريد المصنف أنها كالجنس الواحد. الرجراجي: وأما الحبوب التي يراد منها الزيت فإنها أصناف مختلفة، ولا يضم بعضها إلى بعض كالزيتون والسمسم وغيرهما. اللخمي: لا تجب الزكاة في الجلجلان في المغرب؛ لأنه إنما يتخذونه للتداوي، والصحيح أنه تجب فيه الزكاة في كل بلد. قاله الحطاب. وقال الأمير: والإخراج من زيت الزيتون إن كان وأمكن معرفته، ولو بالتحري أو بإخبار موثوق به، وإلا فمن قيمته إن أكل أو من ثمنه إن بيع، وجاز في بقية الزيتية من الحب أيضا. انتهى.

لا الكتان؛ يعني أن بزر الكتان بفتح الكاف لا زكاة فيه، ولا في زيته، وليس واحد منهما بطعام. وحسب قفِ الأرز؛ يعني أن قشر الأرز الذي يخزن به يحسب في جملة النصاب، فإذا بلغ بقشره الذي يخزن به خمسة أوسق أخرج منه العشر أو نصفه بقشره، وله أن يخرج عشرَ أو نصف عشر ما أزيل قشره، وإن كان دون نصاب إذا كان بقشره نصابا كما في زيت ما له زيت، خلافا لما في أحمد عن بعض شيوخه مما يوهم تعين الثاني.

وَالْعَلَس، عطف على الأرز وهو بفتح العين واللام؛ يعني أنه يحسب قشر العلس الذي يخزن به في جملَة النصاب، ويخرج العشر أو نصفه بقشره، وله أن يخرج عشر أو نصف عشر ما أزيل قشره، وإن كان دون نصاب إذا كان بقشره نصابا، وقوله:"وحسب قشر الأرز والعلس"، قياسا على نوى التمر وقشر الفول الأسفل، خلافا للشافعي القائل: إنه لا يحسب قشر ما ذكر من النصاب. وما تصدق به، عطف على قشر؛ يعني أن كل ما تصدق به على الفقراء بعد الطيب يحسب من جملة النصاب، فتجب فيه الزكاة إن لم ينوبه الزكاة، وقوله: وما تصدق به، قال ابن يونس: قال مالك: ويحسب على الرجل كلما أهدى أو علف أو تصدق به أو وهبه من زرعه، بعد ما أفرك إلا الشيء التافه اليسير، ولا يحسب ما كان من ذلك قبل أن يفرك، وقال محمد بن الحسن عند قوله "وما تصدق به": واستثنى ابن يونس وابن رشد الشيء التافه اليسير فإنه لا

ص: 332

يحسب، قال أبو الحسن: وهو تفسير للمدونة، وفي المدونة: ويحسب على رب الحائط ما أكل أو علف أو تصدق به بعد طيبه، وقوله:"وما تصدق به"، قال الحطاب: أي ويحسب أيضا ما تصدق به، فما أكله أو علفه دوابه أولى.

واستأجر؛ يعني أن كل ما استأجر به مالك الحرث بعد طيبه في حصاده أو درسه أو جذاذاه أو لقط زيتون، يحسب في الزكاة كان ذلك المستأجر به. قتا؛ وهي الحزم التي تعمل عند الحصاد أو غيرها من كيل أو جزء، كثلث وربع، وقوله:"وما تصدق به"، فإذا نوى به الزكاة أجزأه، وهو ظاهر إذا كان يعلم كيله، وإلا فيقتصر منه على القدر المحقق، ولا يجوز له أن يحسبة من الزكاة إذا نوى به صدقة التطوع وكذلك لو أعطى ولا نية له في تطوع ولا زكاة. قاله الحطاب. ويحسب ما لقطه اللقاط الكائن مع الحصاد، فيزكي عنه لأنه في معنى الإجارة وإن كانت فاسدة. كما قاله الشبراخيتي والخرشي. وأما ما لقطه في غير الحصاد فلا يحسب حيث تركه ربه، على أن لا يعود إليه وهو حل لمن أخذه كما في الخرشي، وأما إن تركه على أن يعود إليه فإنه يحسب لأنه أفسده، فهو ضامن له كما في الخرشي والشبراخيتي.

قوله: "واستأجر"، صلة أو صفة لمحذوف معطوف وقتا، حال أي وحسب ما استأجر به حال كونه قتا وقد علمت أنه لا مفهوم لقوله:"قتا"، ولو حذفه ما ضره؛ وقال الشبراخيتي: ولو حذفه كان أخصر. لا أكل دابة في درسها؛ يعني أن ما أكلته الدابة في حال درسها لا يحسب في الزكاة، بل تسقط زكاته لشقة التحرز منه، فَنُزّل منزِلَةَ الآفات السماوية وأكلِ الوحوش والطيور، وأما ما أكلته في حال استراحتها فإنه يحسب ويزكى عنه إن تم النصاب، وقوله:"لا أكل دابة في درسها"، ولا يلزم بتكميمها لأنه يضر بها، وأكل بضم الهمزة، ولا زكاة فيما يعطيه للشرطة وخدمة السلطان، وهو بمنزلة الجائحة. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الأمير: وحسب أكل دابة لا ما تسترقه، ومن دفع زرعه كله للفقراء فلا زكاة عليه. انتهى. وهو بحسب ظاهره يخالف قول المصنف:"وما تصدق به"، إلا أن يحمل ما للأمير على ما إذا نوى به أو ببعضه الزكاة بحيث يفي البعض النوي به الزكاة بما يلزمه من الزكاة فيه. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. والوجوب بإفراك الحب؛ يعني أن وجوب الزكاة وهو المقتضي لحسب ما تقدم

ص: 333

من قشر الأرز والعلس، وما استؤجر به أو تصدق به أو غير ذلك، إنما يكون بإفراك الحب. وقد مر أن الإفراك قبل اليبس هذا هو المشهور.

قال محمد بن الحسن بعد جلب النقل: فتحصل أن المشهور تعلق الوجوب بالإفراك كما للمصنف وابن الحاجب وابن شأس والمدونة، وصرح ابن الحاجب بتشهيره. انتهى. وقال الأمير: والوجوب بإفراك الحب والمعول عليه أنه قبل اليبس كما حققه الرماصي. انتهى. وقال الرماصي: ابن الحاجب: وتجب بالطيب والإزهاء والإفراك على المشهور، وقال في الجواهر: فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وأفرك الحب واستغنى عن الماء واسود الزيتون أو قارب الاسوداد، وجبت الزكاة.

وقال في المدونة: ومن مات وقد أزهى حائطه وطاب كرمه وأفرك زرعه واستغنى عن الماء، فزكاة ذلك على الميت في رأس ماله. انتهى. فأنت ترى هذه النصوص متفقة على أن الوجوب في الحب بالإفراك. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن رشد: لا اختلاف في أن ما أكل من الثمار قبل طيبها كالبلح، ومن الزرع قبل أن يفرك لا يحسب في الزكاة، واختلف فيما أكل من ذلك كله أخضر بعد وجوب الزكاة فيه بالإزهاء في الثمار، والإفراك في الحب على ثلاثة أقوال: أحدها: قول مالك أنه يجب عليه أن يحصي ذلك كله ويخرج زكاته، والثاني ليس عليه ذلك وهو قول الليث والشافعي، والثالث يجب ذلك في الحبوب لا في الثمار. وقد روي عن مالك مثله. قاله في سماع يحيى من زكاة الثمار. وقال في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم: وما أَكَلَ بعد يبسه أو عَلَفَه فلا اختلاف في أنه يجب عليه أن يحصيه، وكذا ما تصدق به عند مالك انتهى وقال الحطاب شارحا لقول المصنف:"والوجوب بالإفراك"؛ يعني أن وجوب الزكاة في الحبوب يتعلق بالإفراك وفي الثمر؛ وهو التمر والزبيب بطيبهما، وهذا هو المشهور. انتهى.

قال: وحاصل كلامه -يعني التوضيح-: أن في الحبوب قولين، وفي الثمار ثلاثة أقوال: قول مالك إذا أزهت النخل وطاب الكرم واسود الزيتون أو قارب وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وجبت فيه الزكاة، والقول الثاني: أنها لا تجب في الزرع إلا بالحصاد ولا تجب في الثمر إلا بالجذاذ ونسبه

ص: 334

اللخمي وابن هارون وابن عبد السلام لابن مسلمة، والقول الثالث خاص بالثمرة وهو للمغيرة أنها تجب بالخرص ورأى الخارص كالساعي.

واعلم أن ابن رشد تعارض كلامه، فمرة وافق قولهم إن الزكاة تجب في الحب بالإفراك، وقال مرة لو أخذت زكاة زرع لم يبد صلاحه لوجب أن لا تجزئه باتفاق؛ إذ لا خلاف في الزرع أنها لا تجب حتى يبدو صلاحه. انتهى. قال: محمد بن الحسن: وقد علم أن بُدُوَّ الصرو في الزرع إنما هو باليبس. انتهى. قال: وقد صرح في الأمهات بأن الوجوب في الحب بالإفراك. ابن عبد السلام: القول الثاني أقرب إلى نص التنزيل، لقوله تعالى:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ، وقرئ بالفتح والكسر، وقد اختلف في تفسير الحق، هل هو الزكاة، أو أمر زائد عليها، أو أمر آخر نسخ بهالا، قاله الحطاب. ولو أخرج زكاة الزرع بعد الطيب وقبل الجذاذ أجزأت على المشهور، وعلى قول ابن مسلمة لا تجزئ كما صرح بذلك في النوادر، ونقله اللخمي وابن يونس. قاله الحطاب.

واعلم أن تناهي الإفراك هو اليبس، فكون تناهيه هو المعتبر في وجوب الزكاة -كما لابن عرفة- يقتضي أنه لا يحسب ما أكل أخضر، وهو خلاف المذهب، فالإفراك على حقيقته، وما لابن عرفة ضعيف، وأما قول المدونة: من باع زرعه بعد أن أفرك ويبس، فليأت بما لزمه حبا ولا شيء على المبتاع. انتهى. فإنه لا يدل على اشتراط اليبس لاحتمال أنه فرض مسألة. قاله الرماصي. وقال محمد بن الحسن: إنما ذكرت المدونة اليبس لأجل البيع؛ إذ اليبس شرط في جواز البيع.

وطيب الثمر، بالثاء المثلثة وفتح الميم؛ يعني أن الوجوب أي وجوب الزكاة في الثمر متعلق بالطيب، وعبر بالطيب ليشمل الإزهاء في ثمر النخل وحلاوة الكرم. كما في الشبراخيتي، واسوداد الزيتون أي مقاربته. قال عبد الباقي: فالطيب هنا هو الزهو وظهور الحلاوة، والتهيؤ للنضج. انتهى. قال محمد بن الحسن: لو أسقط ظهور الحلاوة والتهيؤ للنضج لكان أولى؛ لأنهما في المقاثي وليست من محل الزكاة.

واعلم أن فائدة الوجوب هي حسب ما تقدم من قوله: "وحسب قشر الأرز والعلس وما تصدق به" الخ، ما مر وما يأتي من قوله:"فلا شيء على وارث قبلهما لم يصر له نصاب". وقد مر قول

ص: 335

مالك: إنه يجب على الشخص بالإزهاء أن يحصي ما أكل أو أعطى أو باعه أو استأجر به، ويخرج زكاته. قول الليث والشافعي: إنه لا يجب عليه ذلك: وأما بعد اليبس فلا خلاف أنه يجب عليك أن يحصي ما أكله أو علفه، وكذا ما تصدق به عند مالك. وقد مر أيضا القول بأن الوجوب في الثمار بالجذاذ، والقول بأن الوجوب فيها أي الثمار بالخرص، وعلى مقابل المشهور في الحب والثمر لا يحسب ما وهب أو تصدق به ونحو ذلك بعد الإفراك وقبل اليبس في الحب، ولا ما فعل به ذلك قبل الجذ في الثمر على القول بأن الوجوب متعلق بالجذ، ولا ما فعل به ذلك قبل الخرص على القول بأن الوجوب متعلق بالخرص.

وقد مر أن هذا القول خاص بالثمرة، والجذاذ بفتح الجيم وكسرها وبالدال المهملة على ما ذكره صاحب الصحاح والقاموس. وذكز صاحب المحكم: أنه يقال بالذال المعجمة. قاله الحطاب. وسيأتي أن بيع الحب لا يجوز إلا بعد يبسه، فإذا بيع عند الإفراك على أن يترك حتى ييبس فلا اختلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز ابتداء، وإنما الخلاف إذا وقع، فقيل: يمضي بالعقد، وقيل: بالقبض: وقيل: لا يفوت بالقبض حتى يفوت بعده، وقيل: يجوز بيع الحب بالإفراك. ابن القاسم: وأنا أجيز البيع فيه إذا فات باليبس لما جاء فيه من الاختلاف، وَأرُدُّه إذا علم به قبل اليبس. ابن رشد: هذه أربعة أقوال، وهذا إذا اشتراه على أن يتركه حتى ييبس، أو كان العرف ذلك، وأما إن لم يشترط تركه ولا كان العرف فيه ذلك، فالبيع فيه جائزة وإن تركه مشتريه حتى ييبس. قاله الحطاب. وتشهير الأجهوري ومن تبعه أن الوجوب في الحب متعلق باليبس متعقَّب، فإن ذلك أي القول بالوجوب باليبس ضعيف. كما عرفت.

وبما مر علم أن قوله: "وحسب قشر الأرز" الخ، حقه أن يأتي به بعد قوله: والوجوب بإفراك الحب مفرعا له عليه؛ لأنه مرتب عليه. فلا شيء على وأرث قبلهما لم يصر له نصاب؛ يعني أن الشخص إذا مات قبل إفراك حبة، أو طيب ثمر، وكان في الحب أو في الثمر خمسة أوسق فأكثر، أو مات قبل إفراك حبة وطيب ثمره حيث كانا له معا، فإنه لا زكاة على ورثته حيث لم يصر لكل واحد منهم نصاب، وأم من صار له نصاب فإنه يزكي وإذا كان لا يحصل لأحدهم نصاب لكن عنده ما يكمله به فإنه يزكي، وهذا إذا مات الموروث قبل الإفراك والطيب كما

ص: 336

علمت، وأما إذا مات بعدهما فإن ذلك يزكى على ملك الموروث، فتجب الزكاة في الفرض المذكور، فإن كان المجموع أقل من نصاب فلا زكاة فيه، ولا يقال حينئذ إن حصل للوارث فيما نابه مع ما عنده نصاب تجب الزكاة؛ لأن هذا أي متروك الميت إنما يزكى بعد الإفراك والطيب على ملك الميت لا على ملك الوارث، كان عنده ما يضمه إليه أم لا، هذا الذي يفيده النقل. قاله محمد بن الحسن. وقوله:"فلا شيء على وارث" الخ؛ يعني لأن ما ناب الوارث حينئذ يزكى على ملكه لكون الموروث مات قبل الطيب والإفراك، وقيد هذا عبد الحق بما إذا كان يحصل للوارث شيء، وأما لو مات قبلهما وقد استُغْرِقَت ذمته بالدين لوجب أن يزكى على ملك الميت لتقديم الدين على الوارث. والله سبحانه أعلم. ولو اختلف زمن طيب زرع الوارث وزرع الموروث، فإنه يضم أحدهما إلى الآخر إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر، والظاهر أنه لا وجه للتنظير في ذلك. كما قاله محمد بن الحسن. وقوله:"فلا شيء على وارث قبلهما"، وكذلك إذا أعتق العبد قبلهما، أو أسلم الكافر، أو وهب الزرع، أو بعضه، أو تصدق به على معين، أو استحق النصف كما في الطلاق، أو انتزع السيد مال عبده فتجب الزكاة، وإذا وقع شيء من ذلك بعدهما لم يتغير الحكم عما كان عليه، وكذا لو أخرج زكاة الزرع حينئذ، فعلى المشهور تجزئ، وعلى قول ابن مسلمة لا تجزئ، كما مر؛ لأن مذهبه أن وجوب الزكاة بالحصاد في الحب وبالجذاذ في الثمر. وقد روى زياد وابن نافع عن مالك: أن من أخذت منه زكاة زرعه والزرع قائم في سنبله، فإن ذلك يجزئه إذا لم يتطوع بها عن نفسه، ومعنى ذلك إذا أخذها منه في المختلف فيه بعد أن أفرك وقبل يبسه، وكأنه إنما قال في الزرع يجزئه إذا لم يتطوع بها لأنه لا يعرف كيل الحب قبل حصده، ومراعاة لقول محمد بن مسلمة، وإلا فقد تقدم أن ما تصدق به بعد وقت الوجوب يحسبه إلا إذا نواه من الزكاة فإنه يجزئه، وأيضا لما نقل ابن يونس والشيخ أبو الحسن عن ابن مسلمة: أنه إذا أخرجها بعد الخرص وقبل الجذ لا تجزئه، قالا: لأنه أخرجها قبل وجوبها فمقتضاه أو صريحه أنه يجزئ على القول بوجوبها. قاله الحطاب.

وعلم من هذا ومن كلام النوادر المتقدم أنه لا يجب عليه أن يخرج من غير الزرع، قال ابن جماعة: ويجوز أن يعطي الزكاة إذا وجبت من عينها أو من غيرها إذا دفع مثلها أو أجود، ولا

ص: 337

يجوز أن يدفع أدنى مما عليه. انتهى. وإذا وهب الزرع بعد وجوب الزكاة فيه، ففي كون الزكاة على الواهب أو من الزرع بعد يمين الواهب ما وهب ليزكيها من ماله رواية أشهب، وقول ابن نافع: إن تصدق على فقير بزرع يبس فعشره زكاة، وباقيه صدقة. قاله الحطاب.

والزكاة علي البيع بعدهما؛ يعني أن البائع للحب أو للثمر، أولهما تجب عليه الزكاة فيما إذا كان البيع بعدهما أي بعد الإفراك والطيب، ولو باعه جزافا كبيعه قائما، ويزكى بإخبار المشتري بقدره لأنه مؤتمن على ذلك، فإن كان فاسقا أو كافرا حزر قدره. ودل كلام المصنف صريحا على أنه لا يجب إخراج زكاة الزرع من عينه، ونص عليه ابن جماعة أيضا، ويجوز اشتراطها على المشتري إن كان ثقة لا يتهم في إخراجها. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: فيما إذا باع الزرع لغير مأمون لا يقبل خبره بمقدار الزرع، فإن لم يكن مأمونا فعلى البائع أن يتحرى قدر ذلك، ويزيد عليه ليسلم كمن عليه صلوات ضيعها لا يرف مبلغها، فإنه يصلي حتى لا يشك أن قد قضى ما عليه، فإن باع ذلك من نصراني فإن البائع يتحفظ من ذلك حتى يعلم ما خرج منه ويزكيه من عنده. انتهى.

ويجوز بيع الحب واستثناء جزء الزكاة العشر أو نصفه، فإن وجبت كانت للمساكين وإلا كانت له، ولابد أن يعلم أنه العشر أو نصفه كما في الحطاب. وقوله:"والزكاة على البائع بعدهما"، ولو باع خمسة أوسق ثم أصابتها جائحة هي الثلث فأكثر فلا زكاة على البائع، وإلا فعليه. قاله الخرشي. وقوله:"والزكاة على البائع بعدهما"، وكذا الواهب والمتصدق بعدهما. وقد مر ذلك. وقوله:"بعدهما"؛ أي الإفراك والطيب كما مر، وقد مر أن محل جواز البيع إذا يبس الحب، وسيأتي أن بيعه إذا أفرك يمضي بالقبض.

إلا أن يعدم فعلى المشتري؛ يعني أن البائع إذا كان بيعه بعد الإفراك والطيب، وقلنا إن الزكاة تجب عليه، فإنه إذا كان موسرًا أخذت منه، وإذا أَعْدَمَ تكون الزكاة على المشتري نيابة إن بقي المبيع بعينه عنده أو أتلفه، ويرجع على البائع بما ينوب ذلك من الثمن، وبما ينوبه من النفقة في عمله؛ لأن العمل على البائع، فإن تلف بسماوي أو أتلفه أجنبي لم يتبع بزكاته المشتري، واتبع بها البائع إذا أيسر. وقوله:"والزكاة على البائع بعدهما"، قال الحطاب: ويجوز اشتراطها على

ص: 338

المشتري إن كان ثقة لا يتهم في إخراجها، وَعُلِمَ أن فيه الزكاة بأمر لا شك فيه، وفي البيان: وله أن يؤمن المبتاع في مبلغ ما وقع فيه إن كان مأمونا، وإن لم يكن مأمونا أو كان ذميا فعليه أن يتوخى قدره، ويزيد ليسلم. انتهى. وقوله:"يُعدم"، يقال: أعدم رباعيا، وعدم كعلم بمعنى افتقر فيهما، ويقال: عدم الشيء كعلم بمعنى فقده، والمصنف من الأول أو الثاني لا الثالث. والله سبحانه أعلم.

والنفقة على الموصى له العين بجزء؛ يعني أن نفقة الحب أو الثمر الموصى به قبل الطيب أو بعده على الموصى له بفتح الصاد بشرطين، أحدهما: أن يكون الموصى له بفتح الصاد معينا كزيد، ثانيهما: أن يكون الميت أوصى له بجزء شائع كربع أو ثلث أو نحوهما، ودخل في قوله:"بجزء"، وصيته بزكاة زرعه لزيد مثلا؛ لأنها إما عشر أو نصفه كما صرح بذلك في المدونة. لا المساكين، هذا محترز قوله:"المعين"؛ يعني أنه إذا أوصى للمساكين فإن النفقة أي نفقة الحب أو الثمر الموصى به من سقي وغيره تكون على الميت؛ وهو الموصي بالكسر، سواء كانت الوصية بجزء شائع أو بكيل.

أو بكيل، هذا محترز قوله:"بجزء"؛ يعني أنه إذا أوصى لعين كزيد مثلا بكيل كعشرة أقفزة من حبة أو ثمره، فإن نفقة ذلك الكيل على الموصي بالكسر وهو الميت.

والحاصل: أنه إذا أوصى بكيل؛ فإن النفقة تكون على الميت كانت الوصية لعين أو للمساكين، وإن أوصى بجزء كربع فإن كان الوصى له معينا فالنفقة عليه، وإن لم يكن معينا كالمساكين فالنفقة على الميت. فقوله: فعلى الميت، راجع للأمرين قبله، وهما ما إذا أوصى للمساكين أو بكيل، وإنما كانت على الميت فيما إذا أوصى للمساكين بجزء، لعدم تعيين من هي له ولا يملكها إلا بالقبض، ولم تكن على الموصى له العين فيما إذا كانت الوصية بكيل؛ لأن ذكر الكيل قرينة على القيام بالمؤنة من ماله وتسليمه للموصى له من غير نقص لما فيه من التوفية.

وعلم من هذا توجيه ما إذا أوصى للمساكين بكيل؛ أي توجيه كون النفقة على الميت. وبالله تعالى التوفيق. وإذا كانت على الميت في المسائل الثلاث، فإنها تحسب من ثلثه، والفرق بين المعين

ص: 339

وغيره أن المعين استحقه بالوفاة وله النظر فيه، وأما غيره فلا يتأتى له فيه نظر كما سبقت الإشارة إليه، فكان ذلك قرينة دالة على إرادة الموصي دفع الجزء الموصى به بعد طيبه.

وقد تقدم أن النفقة في المسائل الثلاث على الميت. تؤخذ من ثلثه، فإن وفى بها فواضح، فإن زادت النفقة على الثلث أخرج من مال الميت محمل الثلث، فإن لم يكن للميت مال غير الزرع قيل للورثة: أنفقوا عليه، وقاصوهم بنفقتكم في ثلث الزرع الموصى بعشره لهم، فإن بقي من ثلث المزرع بعد إخراج نفقتكم منه أكثر من عشر جميعه كان لهم العشر، وما بقي فلكم وإن بقي العشر فأقل لم يكن لهم غيره؛ لأنه باقي ثلث الميت بعد إخراج نفقتكم، وإن أبى الورثة أن ينفقوا أو لم يكن لهم مال دفعوه مساقاة، وكان للموصى لهم عشر الجميع يأخذونه من حصة الورثة التي وقعت لهم في المساقاة: فلا يزاد الموصى لهم على ثلث ذلك؛ أي يأخذ المساقى جزءه، وما بقي يأخذ الموصى لهم منه ما أوصى لهم به إن كان ما أوصى لهم به ثلث ما بقي بعد أخذ المساقى جزءه فأقلَّ، فإن كان أكثر فلا يأخذون إلا ثلث ما بقي من الزرع؛ إذ كأنه جميع ما خلفه الميت، وسكت المصنف عن الزكاة، وكان الأولى بالباب ذكرها، فإن كانت الوصية بعد الوجوب أو قبله ومات بعد الوجوب فعلى الموصي مطلقا، وإن كانت قبله ومات قبل الوجوب ففي ماله أيضا إن كانت بكيل لمساكين أو لعين، فإن كانت بجزء كربع لمعين زكاها العين إن كانت نصابا ولو بضمها لا عنده، ولمساكين زكيت على ذمتهم إن كانت نصابا، ولا يُرجَعُ على الورثة بما أخذ من الزكاة.

وما تقدم من أنه إذا كانت الوصية قبل الوجوب، ومات الموصي قبل الوجوب تكون في مال الميت إن كانت بكيل، لا يخالف ما مر من أنه لا زكاة على من مات قبل الوجوب؛ لأن ما مر لم يتعلق به وصية، وما هنا تعلق به وصية، فلذا زكي من ماله والدين كالوصية.

وَلَمَّا كَانَ الخرص -بفتح الخاء وسكون الراء مصدر خرص يخرص بضم الراء وكسرها وهو حزر ما على النخل من الرطب تمرا، وبكسر الخاء الشيء المقدر فيه، يقال: خرص هذه النخلة كذا وسقا، والخراص الكذاب، ومنه قوله تعالى:{قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} ؛ أي الذين يتكلمون بالظن من غير يقين -إنما يدخل في التمر والعنب دون غيرهما، أَفَادَ المصنف ذلك بصيغة الحصر مع بيان

ص: 340

وقته، مشيرا للعلة في ذلك، فقال: وإنما يخرص التمر والعنب؛ يعني أنه لا يجوز تخريص الحبوب؛ أعني الأصناف العشرين التي تجب الزكاة فيها، إلا التمر والعنب فإنه يجوز تخريصهما على رؤوس الشجر، فالتخريص خاصّ بهما. هذا هو المشهور. ومعنى التخريص أن يحزر ما على الشجر من التمر والعنب، بأن يجتهد العارفون في قدرهما، فإن بلغ القدر الذي رأوه ما تجب فيه الزكاة زكي وإلا فلا. وكلام المصنف يشمل ما يتتمر وما لا يتتمر، وما يتزبب وما لا يتزبب.

واعلم أن الذي لا يتتمر ولا يتزبب لا يتعين تخريصهما؛ إذ قد يستغنى عنه حيث لم يحتج لأكلهما؛ بأن يكال الرطب ويوزن العنب، نعم: الذي لابد منه تقدير جفافهما، وفرق بين تقدير الجفاف والتخريص، فالزيتون ونحوه لا يخرص ويقدر جفافه، فعنب مصر ورطبها إن خرصا فعلى رؤوس الشجر، وإن لم يخرصا فإنهما يكالان ثم يقدر جفافهما، وهذا كله إذا شك فيما لا يتتمر وما لا يتزبب، هل يبلغ النصاب أم لا؟ وأما إن تحقق بلوغه النصاب فلا يخرص أصلا، لأن المزكى حينئذ ثمنه كما مر. وأما ما تقدم في الفول الأخضر والشعير والحمص الأخضر حيث أفرك كل فإن الذقي تقدم هناك أنه يحسب ما أكل منه مثلا، وفرق بين إحصاء ما أكل بالتحري وبين تخريص الشيء قائما على أصوله، واقتضى المصنف أنه لا يخرص غير التمر والعنب. وقال ابن بشير: إن احتيج لأكل غير التمر والعنب، ففي خرصه قولان. ابن عبد الحكم: إن خيف على الزرع خيانة ربه جعل عليه حافظ، وفي أسئلة ابن رشد: وأما الزرع فلا يجوز خرصه على الرجل المأمون، واختلف إن لم يكن مأمونا على قولين أصحهما عندي جوازه إذا وجد من يحسنه. قاله الحطاب. ابن عرفة: وفي خرص الزيتون، ثالثها: إن احتيج لأكله أو لم يؤمن أهله عليه، لرواية أبي عُمَرَ وللمشهور وابن رزقون عن ابن الماجشون. سند: فإن كان الموضع لا يأتيه الخارص واحتيج إلى التصرف، دعا أهل المعرفة وعمل على قولهم، فإن لم يجدهم وكان يبيع رطبا وعنبا في السوق ولا يعرف الخرص، قال مالك: يؤدي منه، يريد إذا علم أن فيه نصابا أو جهل ما أفاد، فإن علم جملة ما باع ذكره لأهل المعرفة يحزرونه بما يكون من مثله تمرا أو زبيبا، فإن لم يتحقق النصاب لم يجب عليه شيء، واعتراض بعضهم على المصنف بالبلح

ص: 341

الخضارى فيه نظر؛ لأنه إن كان مزهيا دخل في كلام المصنف، وإن كان غير مزه فلا زكاة فيه أصلا حتى يحتاج إلى الخرص، واختص التمر والعنب بالخرص لوروده فيهما دون غيرهما. الشبراخيتي: التخريص رخصة وإن كان مأمونا فلا يخرص عليه، ووكل إلى أمانته، وفي التخريص عليه انتقال من معلوم لمجهول، وإن كان غير مأمون وجب التخريص، ولو ادعى رب الحائط أن الخارص جَارَ عليه لا يصدق لأنه حاكم، والشخص إذا ادعى أن الحاكم جار عليه لا يصدق. انتهى. منه عند قوله:"وإنما يخرص".

وبما مر تعلم ما في كلام عبد الباقي والشبراخيتي، وقوله:"وإنما يخرص التمر والعنب"، المناسب للعنب الرطب وللتمر الزبيب، وكأنه أراد ما يصير تمرا؛ لأنه بعد صيرورته تمرا لا يخرص؛ لأنه يقطع الآن، ففي تخريصه انتقال من معلوم لمجهول. انظر الخرشي. إذا حل ببيعهما؛ يعني أن محل جواز التخريص المعتمد عليه في الزكاة إنما هو إذا حل بيع التمر والعنب، وأشار لعلة جواز التخريص في التمر والعنب جاعلا لها شرطا، بقوله: واختلفت حاجة أهلهما؛ يعني أن التخريص جار في التمر والعنب؛ لأجل اختلاف الحوائج فيهما من أكل وإهداء وبيع آخر وتبقية آخر، والعلة الحاجة كما في المدونة وإن لم تختلف، وقال ابن غازي: ليس هذا شرطا، فلو قال لحاجة أهلهما لكان أصوب. انتهى. ويصح أن تكون الواو هنا للتعليل كما ذكره بعضهم فيها، وهو تعليل بالمظنة: فيتعلق الحكم بالحاجة وإن لم توجد بالفعل. قاله الرماصي. نقله محمد بن الحسن. وفي الشبراخيتي: الأظهر أن يقال: العلة التوسعة على أهلهما، واختصت التوسعة بهما دون غيرهما من الحبوب لما تقدم، وقد نص في التوضيح على أن علة التخريص فيهما التوسعة على أهلهما على مذهب المدونة والموطإ؛ أي لأن الحاجة داعية إلى أكلهما رطبين. انتهى. ففهم منه أن العلة هي التوسعة، والحاجة علة للتوسعة. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: وإذا تأملت ما تقدم من النقل علمت أنه يجوز التخريص، وإن لم تكن حاجة لأنهما مظنة الحاجة. والله سبحانه أعلم. وعلل اللخمي التخريص المذكور بقوله: لأنه عادة فيهما، ولا يكاد يعرف في غيرهما، وعلل الباجي بقوله: لأن حبهما ظاهر وغيره مستور، وشمل غيرهما الزيتون فلا يخرص قبل طيبه على المشهور، بل يبقى حتى يجف على قول أو

ص: 342

يتم جفافه على آخر، وما لابن رشد من أن ما أكل منه بعد طيبه وقبل جفافه يخرص ويزكى، موافق للمشهور من عدم جواز تخريص الزيتون؛ إذ معنى خرصه بعد أكله أن يتحرى قدره بعد أكله إن كان لم يحسبه، وهذا ليس هو التخريص على رؤوس الشجر المار. قاله محمد بن الحسن. نخلة نخلة، الأقرب أنه منصوب على الحال -قاله غير واحد-؛ يعني أن صفة الخرص هي أن يحزر الخارص كل نخلة على حدتها، ولا يجمع في الحزر أكثر من نخلة لأن الجمع أقرب إلى الخطإ، وكذا يحزر شجرة شجرة في العنب لا أزيد، ولو علم ما فيها جملة، قال عبد الباقي: إن اختلفت في الجفاف ولو في صنف واحد، فإن اتحدت في الجفاف ولو اختلفت الأصناف جمع في الخرص ولو عشرة. انتهى. ونحوه في الخرشي، وفيه: جَمَعَ مَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ. انتهى. وقوله: إن اختلفت في الجفاف الخ، قال محمد بن الحسن: أصل هذا القيد للحطاب، نقله عن سند، والصواب أن لا يقيد به كلام المصنف، بل يبقى كلامه على إطلاقه؛ لأن معنى ما نقله الحطاب أن النخيل أولا تخرص نخلة نخلة باعتبار ما فيها من الرطب، ثم يحزر ما تنقص حين تتمر جملة إن استوت في المائية واللحم، وحينئذ فالصواب إطلاق قول المصنف:"تخلة نخلة"، ويجعل هذا التقييد في قوله:"بإسقاط نقصها"، كما فعل السنهوري. وعيب على الحطاب نقل كلام سند عند قوله:"نخلة نخلة"، انتهى. وما قاله محمد بن الحسن ظاهر. قاله جامعه عفا الله عنه. وما أشار إليه عن الحطاب هو قوله: قال سند وصفة الخرص، قال مالك: يخرص نخلة نخلة ما فيها رطبا، فإن كان الحائط جنسا واحدا لا يختلف في الجفاف جمع جملة النخلات، وحزركم ينقص حين يتتمر وإن كان يختلف في المائية واللحم حزر كل واحد على حدته، وكذلك العنب ويكون الخارص عدلا عارفا. انتهى. قوله: في المائية واللحم، المراد باللحم شخصها، وبالمائية رطبيتها. قاله مقيده عفا الله عنه. وعلق "بيخرص". قوله: بإسقاط نقصها؛ يعني أن الخارص يقدر أنها تنقص بالجفاف إذا يبست، فيعتبر ذلك، فإن نقصت بتقدير الجفاف عن النصاب سقطت الزكاة، فيقبل قول الخارص العدل العارف قدرها كذا، وتنقص كذا إذا جفت فيكتفى بقوله: ويعمل عليه. لا سقطها؛ يعني أنه لا يعتبر النقص بسقوط الشيء من

ص: 343

الثمرة، وكذا ما يأكله الطير وما أشبه ذلك تغليبا لحق الفقراء، وسقطها بفتح القاف ويكون بمعنى مفعول، وبإسكانها ويكون بمعنى فاعل. قاله الشيخ إبراهيم.

واعلم أن التخريص يجب إذا كان صاحب الثمر غير مأمون فيخرص عليه. فإن كان أمينا وكل إلى أمانته كما مر. وكفى الواحد؛ يعني أن الخارص الواحد يكفي في الجواز والإجزاء؛ لأنه حاكم فيما ولي فيه من التخريص، ولا يكون الخارص إلا عدلا عارفا كما روى علي، ويفهم منه اشتراط إسلامه، والأصل في ذلك إرساله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة لتخريص النخل من خيبر

(1)

)، قال الشارح عند قوله:"وكفى الواحد"؛ لأنه عليه السلام كان يبعث ابن رواحة خارصا وحده. انتهى.

وإن اختلفوا الأعرف؛ يعني أنه إذا تعدد الخارصون واتفقوا على قدر فالأمر ظاهر، وإن اختلفوا عمل بقول أعرفهم إذا كان اختلافهم في وقت واحد، فإذا قال أحدهم في شيء واحد: هو ستة أوسق، وأحدهم: ثمانية أوسق، وثالث عشرة أوسق، فإنه يعمل بقول أعرفهم إذا كان فيهم أعرف، فإن اختلفوا بأوقات مختلفة عمل بقول الأول، مركب من إن الشرطية ولا النافية أي، وإن لا يَكُنْ فيهم أعرف بأن استووا في المعرفة، وكان اختلافهم في وقت واحد، فإنه يؤخذ من قول؛ أي كل واحد منهم، أخذ بنسبة عددهم، فإن كانوا ثلاثة أخذ من قول كل واحد الثلث وأربعة الربع واثنين النصف وخمسة الخمس وهكذا، فإذا كانوا ثلاثة، وقال واحد منهم: ستة أوسق، والآخر: ثمانية، والآخر: عشرة، أخذ ثلث الستة وهو اثنان، وثلث الثمانية وهو اثنان وثلثا وسق، وأخذ ثلث العشرة وهو ثلاثة أوسق، وثلث وسق فيكون المزكى ثمانية أوسق، وليس ذلك أخذا بقول من رأى ثمانية، وإنما هو لموافقته ثلث مجموع ما قالوه، ولو رأى أحدهم مائة والآخر تسعين والآخر ثمانين، زكى عن تسعين، وليس ذلك أخذا بقول من رأى تسعين، وإنما هو لموافقة تسعين ثلث ما قالوه، ولو رأى أحدهم مائة وآخر ثمانين وآخر ستين زكى ثمانين، وليس ذلك أخذا بقول من رأى الثمانين، وإنما هو لموافقته ثلث مجموع ما قالوه. والله سبحانه أعلم.

(1)

الموطأ، كتاب المساقاة، الحديث:1412.

ص: 344

وقوله: "وإلا فمن كل جزء"، اعلم أن عبارته رحمه الله تصدق بأخذ الثلث من قول أحدهم، والثلثين من قول الآخر، وربعا من قول الآخر، وليس ذلك بمراد، وتصدق أيضا بأنه لم يكن فيهم عارف، وليس بمراد أيضا، وإنما المراد أنهم استووا في المعرفة، وأنه يؤخذ الجزء بنسبة عددهم كما قررته به، ورد المصنف بقوله: فالأعرف قول ابن عبد السلام يعمل بقول الأعرف إن رأى الأكثر، فإن رأى الأقل ففي هذا الأصل اختلاف إذا أثبت شاهدان ونفى شاهدان. وما تقدم من أنه يعمل بقول الأول حيث اختلفوا في أوقات مختلفة. نقله الحطاب عن الزخيرة. وقد مر أن رب الحائط إذا ادعى حيف الخارص لا يصدق؛ لأن الخارص حاكم، فإذا ادعى حيفه وأتى بخارص آخر لم يُوَافَقْ.

وإن أصابته حائجة اعتبرت؛ يعني أن العنب والرطب إذا أصابتهما جائحة بعد التخريص وقبل الجفاف، فإن تلك الجائحة تعتبر بمعنى أنه ينظر في الذي وقعت فيه الجائحة، فإن بقي بعدها ما تجب فيه الزكاة زكي؛ أي زكي ما بقي فقط، ولا خلاف في ذلك، وإلا فلا، وسواء في هذين كان المجاح ثلثا أم لا؛ لأن الجميع على ملكه. وقال ابن الجهم: يخرج من الثاني بحسابه حيث لم يبق ما تجب فيه الزكاة. الباجي: ويصدق في الجائحة. أبو عمر: ما لم يتبين كذبه، فإن اتهم حلف، وأما إذا بيع بعد الوجوب فإن كانت الجائحة ثلثا فأكثر سقط عن البائع زكاة ما أجيح لوجوب رجوع المشتري بحصته من الثمن على البائع، ونظر لما بقي، فإن كان نصابا زكاه وإلا فلا، وإن كانت دون ثلث زكى الجميع أي جميع ما باع، وظاهره: ولو كان الباقي بعدها دون نصاب. وقولي: لوجوب رجوع المشتري، ظاهره: وإن لم يرجع بالفعل -قاله عبد الباقي- وهو ظاهر ما نقل المواق عن فتوى ابن القاسم، ووجهه: أن المشتري إذا لم يرجع بالفعل فكأنه قد وهب للبائع ذلك القدر الذي قد ملك الرجوع به، والتعليل الزي لابن رشد يوافقه. انتهى. انظر المواق. قاله محمد بن الحسن.

وإذا أخرج البائع زكاة الجميع، وحصل عند المشتري جائحة توجب له الرجوع: ورجع بالفعل، فالظاهر أن البائع يرجع حينئذ على الفقراء بثلث ما أعطاهم، وينزعه بالقرعة إن بين لهم حال الإعطاء قياسا على ما يأتي في اليمين. قاله عبد الباقي عن شيخه الأجهوري. اللخمي: فإن

ص: 345

سرقت الثمار بعد الخرص أو أجيحت لم يكن عليه شيء، وإن أجيح بعضها زكى عن الباقي إن كان خمسة أوسق فأكثر، وإن كان أقل لم يكن عليه شيء. قاله الحطاب.

وبما قررت علم أن الضمير في قوله: "أصابته"، راجع لما وقع فيه الخرص؛ أي أصابت التمر والعنب المخَرَّص جائحة. قاله الشبراخيتي. وقوله:"وإن أصابته جائحة اعتبرت"، شامل لما إذا بيع وما إذا لم يبع، كما في الشبراخيتي.

وإن زادت على تخريص عارف فالأحب الإخراج؛ يعني أن الثمرة إذا خرصها العارف بقدر ثم وجدت أكثر مما خرصها به، فإن الإمام مالكا قال: أحب إلي أن تؤدى الزكاة أي زكاة ما زادت به على تخريص العارف قال: لقلة إصابة الخراص، وهذا شامل لما إذا خرصها بما لم تكن فيه الزكاة، كأربعة أوسق فوجدت خمسة أوسق أو أكثر، ولما إذا خرصها بخمسة أوسق فوجدت ستة أوسق، والله سبحانه أعلم. وهل على ظاهره؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في فهم قول الإمام:"الأحب الإخراج"، فمنهم من حمله على ظاهره أي على أن المراد بالأحبية الندب، وهو فهم ابن رشد وعياض؛ لأنه حكم مضى، قال في التنبيهات: حمله بعضهم على الوجوب، وظاهر الكتاب خلافه، لقوله: أحب إلي، ولتعليله بقلة إصابة الخراص، فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى إصابة الخراص، ولا إلى خطئهم. أو الوجوب؛ يعني أن من الشيوخ من حمل الأحب على الوجوب؛ لأنه حكم تبين خطؤه وهو تأويل الأكثر، وصوبه ابن يونس وهو الراجح، واقتصر عليه المحقق الأمير، وعبارته: وإن زادت على خرص عارف وجب الإخراج، قال في الشرح: حمل أحب على الوجوب. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وسبب هذا الخلاف هل الواجب الاجتهاد أم الإصابة؟ قال في المنهج:

هل اجتهاد أم إصابة تجب

عليه قبلة كمسكين كذب

إن لم يل الوالي وإلا يجتزا

وراعف وخارص ذبح جزا

قوله: كمسكين كذب؛ أي في ادعائه الفقر، وقوله: وراعف أي ظن فراغ الإمام فأتم مكانه ثم أخطأ ظنه وبالعكس، وقوله: ذبح جزا؛ أي جزاء الصيد إذا حكم به عدلان ثم تبين أنه أكثر مما

ص: 346

حكما به، هل يجزئ ذبحه أم لا؟ والله سبحانه أعلم. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، تأويل ابن رشد وعياض، وتأويل الأكثر. ومفهوم قوله: عارف، أنه إن كان غير عارف عمل بما تبين اتفاقا، كما أنه لو لم يكن عدلا وجب الإخراج اتفاقا، كما في الشبراخيتي. ومفهوم قوله: زادت أنه لو نقصت لم يكن الحكم كذلك، وهو كذلك فيعمل بتخريصه لا بما وجدت عليه، هذا ما تجب به الفتوى؛ لأنه لم يتبين خطؤه لاحتمال كون النقص من أهل الثمرة، ولا يقبل قولهم.

قال الحطاب: فإن نقصت، فجزم في الجلاب بأن الزكاة لا تنقص، وظاهر كلام الجواهر أن في ذلك خلافا، وقال ابن جماعة: فإن وجد أكثر أخرج الزائد، فإن وجد أقلّ منه لزمه الأكثر في ظاهر الحكم، ولا شيء عليه فيما بينه وبين الله تعالى. انتهى. وهو ظاهر يجمع بين النقول، وما ذكره ابن جماعة نحوه لابن رشد. والله أعلم. انتهى. وقال الخرشي: ولا يدخل الخلاف المذكور فيما إذا تحقق النقص من غلط الخارص. انتهى. والضمير في زادت للثمرة وفي التوضيح: واعلم أن النقص إنما يتحقق مع قيام البينة. نقله الشيخ إبراهيم.

وَلَمَا قَدَّمَ أَن رب الماشية يكلف الوسط، وكانت زكاة الحرث تخالفها تارة وتوافقها أخرى، بَيَّن ذلك مبتدئا بما يخالفها، بقوله: وأخذ من الحب كيف كان؛ يعني أن الحب إذا وجب فيه العشر أو نصفه، فإن ذلك القدر الواجب يؤخذ من الحب كيف كان، رديا أو أعلى أو وسطا، نوعا واحدا كقمح. أو نوعين كقمح مع شعير، أو ثلاثة كهما مع سلت أو أكثر كأصناف القطاني، ويخرج من كلّ بقدره على حالته التي هو بها، وليس عليه أن يشتري الوسط فيعطيه عن الأدنى أو الأعلى. قاله عبد الباقي.

وقد مر أنه إن أعطى الأعلى عن الأدنى أجزأ لا العكس، وقال الحطاب: يعني أن الزكاة تؤخذ من الحب كيف كان، فإن كان جيدا أخذت منه وكذا إن كان رديا أو وسطا، فإن كان نوعين أو أنواعا فإنه يؤخذ من كلّ نوع عشرة أو نصف عشرة، قال اللخمي: إذا كان القمح مختلفا جيدا أو رديا أخذ من كلّ شيء منه بقدره، وكذلك أصناف الزبيب. انتهى.

ص: 347

وفي كتاب الأمير: أن الزبيب كالتمر، وشبه التمر بالحب في الحكم المذكور لكن على تفصيل بينه، بقوله: كالتمر نوعا أو نوعين؛ يعني أن التمر إذا كان نوعا واحدا، أخذت منه الزكاة كيف كان جيدا أو رديا أو وسطا، وكذلك إن كان نوعين كصيحاني وبرني، قال عبد الباقي: فإن كان النوع الواحد أصنافا أخذ من كلِّ صنف بحسبه، لا من وسط أصناف ذلك النوع الواحد. انتهى. قال محمد بن الحسن: هو غير ظاهر. انتهى. وإلا؛ أي وإن لا يكن التمر نوعا واحدا ولا نوعين، بل كان أنواعا: فإن الزكاة تخرج من أوسطها؛ أي الأنواع لا من أعلاها ولا من أدناها، قال الشبراخيتي: والمراد بالأنواع الأجناس، فالنوع الواحد كالبرني مثلا إذا تعددت أصنافه فإنه يؤخذ من كلّ صنف بحسبه. انتهى. وقد تقدم نحوه لعبد الباقي، وما ذكره المصنف ذكر عن أهل الذهب ما يوافقه، ورد تعقب ابن غازي عليه، وظاهر كلام المصنف مراعاة الوسط، سواء كانت الأنواع متساوية أو بعضها أكثر من بعض، تقارب اختلافها أو تباعد، وهو قول أشهب.

وقال عيسى بن دينار: يؤخذ من الأكثر، وكلام التوضيح الذي نقله بعض الشراح يفيد ترجيح قول عيسى، وانظر هزا مع ما تقدم من أن الأدنى لا يجزئ عن الأعلى، والفرق بين الحب والتمر أنه لو أخذ من كلّ صنف من التمر ما ينوبه لشق ذلك لاختلاف أنواع الحائط، قال سند: إن التمر يكثر اختلافه حتى أن الاختلاف يكون في ثمرة النخلة الواحدة. انتهى. وانظر إذا تعدد الوسط، كما إذا كان نوع أعلى ونوع أدنى، وثم نوعان كلّ منهما دون الأعلى، وفوق الأدنى وهما مختلفان جودة ورداءة، هل يخرج من كلّ إن تساويا قدرا وإلا فمن الأكثر؟ أو يخرج من كلّ مطلقًا؟ انتهى. قاله غير واحد. فإن كان الوسط ثلاثة أنواع، فمن وسطها؛ لأن وسط الوسط وسط، وهل الزبيب كالحب أو كالتمر؟ نقلا اللخمي وابن بشير عن المذهب، ولا يخفى أن في كلام الأئمة هنا إطلاق الجنس والنوع على المصنف وإطلاق المصنف عليهما، ولا مشاحة في ذلك.

واعلم أن الراجح في الزبيب أنه كالتمر، وفي الحطاب عن اللخمي: واختلف في التمر، فقال مالك: إن كان جنسا واحدا أخذ منه، ولم يكن عليه أن يأتي بأفضل منه، وإن كان أجناسا أخذ من الوسط، وقال في كتاب محمد: يؤخذ من كلّ صنف بقدره، وفي المقدمات: من أراد أن يخرج من صنف عن صنف آخر ما وجب عليه منه بالكيل، جاز من الأرفع ولم يجز من الأدنى.

ص: 348

وفي الحطاب بعد أن نقل عن المقدمات: فهذا يدلُّ على أنه إذا كان في الحائط من التمر نوع أو نوعان أخذ من كلّ بحسبه، فقول ابن غازي: لم أقف فيه على نص غير ظاهر.

ولما أنهى الكلام على زكاة الماشية والحرث، أتبعه بالكلام على زكاة النقد، فقال: وفي مائتي درهم شرعي؛ يعني أن ما دون المائتين من الدراهم لا زكاة فيه، فإذا بلغت الدَّرَاهِمُ مائتين ففيها ربع العشر، والدراهم من الفضة والدنانير من الذهب، والمعتبر من الدراهم هنا الدرهم الشرعي، وهو الدرهم المكي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير. ابن عرفة: ونصاب الفضة خمس أواق مائتا درهم وزنه خمسون حبة شعيرا وخمسان، والأوقية أربعون درهما والدرهم الشرعي هو المسمى بدرهم الكيل؛ لأنه تقدر به مكاييل الشرع من أوقية ورطل ومد وصاع. حكاه ابن راشد القفصي عن بعضهم. وقد ذكر المصنف قدره قبل هذا، حيث قال: كلّ خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، وبه يعلم أن الدينار اثنان وسبعون حبة؛ إذ الدرهم المعتبر في الزكاة هو من الدراهم التي وزن عشرة منها كوزن سبعة كما يعلم من عدد حبات كلّ، وقال ابن ناجي: سمي درهم الكيل لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان؛ أي بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها نوعان: نوع عليه نقش فارس، والآخر عليه نقش الروم. فكان الناس يتعاملون بالنصف من هذه والنصف من هذه عند الإطلاق، وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب، ذكر ذلك أبو عبيدة وغيره إلى زمن عبد الملك بن مروان. انتهى.

وقال غيره: كان أحد الدرهمين وزنه ثمانية دوانق، وكان وزن الآخر أربعة دوانق، فجمعهما عبد الملك وأخذ نصفهما، وضرب درهما وزنه ستة دوانق، والدانق ثمانية حبوب وخمسا حبة من وسط الشعير. أو عشرين دينارا؛ يعني أن الذهب لا يزكى منه ما دون عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا ففيه ربع العشر، والدينار هنا اثنان وسبعون حبة من وسط الشعير -كما تقدم- وفي المدونة: إذا كان عنده فلوس فيها مائتا درهم لا زكاة عليه فيها، والدنانير في الأحكام خمسة: ثلاثة كلّ دينار اثنا عشر درهما؛ وهي دينار الدية ودينار النِّكَاح ودينار السرقة، وتسمى دنانير الدم، واثنان كلّ دينار عشرة دراهم، وهما دينار الزكاة ودينار الجزية، وتسمى دنانير

ص: 349

الزاي. والله أعلم قاله الحطاب. فأكثر، قد تقدم أنه لا زكاة في الورق في أقلّ من مائتي درهم، ولا زكاة في الذهب في أقلّ من عشرين دينارا، فإذا بلغت الفضة مائتي درهم فأكثر ففي ذلك ربع العشر، قلت الزيادة أو كثرت، فلا وقص في الفضة، وإذا بلغ الذهب عشرين دينارا فأكثر ففيه ربع العشر، فلا وقص فيه، فقوله: فأكثر هو جار في الذهب والفضة، وهو إشارة إلى أنه لا وقص في زكاة العين، ويشترى بما زاد على النصاب، ولا يمكن إخراج ربع العشر منه طعام أو غيره مما يمكن قسمة على أربعين جزءا. قاله بعض شيوخ ابن عبد السلام. ولعل حكمة هذا العدد كونه له ربعُ عُشُرٍ صحيحٌ. قاله التتائي. قال عبد الباقي: ومن خطه نقلت، وصحيح بالرفع صفة لربع.

قوله: "فَأكثر"، قد تقدم أنه يشير به إلى أنه لا وقص في زكاة العين، ولم ينقل أهل المذهب خلافه إلَّا عن أبي حنيفة، قال: لا شيء في الزائد حتى يبلغ أربعة دنانير في الذهب وأربعين درهما في الفضة.

واعلم أنه وقع لعبد الوهاب، وما زاد بحساب ذلك ما أمكن، هكذا قال ابن الحاجب، والمرتضى أنه ليس بمخالف للمذهب من أن ما زاد فبحسابه، وإن لم يمكن قسمة كما تقدم فيشترى به ما يمكن منه إخراج ربع العشر، فبهذا يعلم أن أهل المذهب لم ينقلوا خلافا في أن ما زاد فبحسابه، وقال ابن عبد السلام: كان بعض أشياخي يرى ما لعبد الوهاب خلافا، ويرى أن الإمكان المراد به انقسام الزائد على النصاب إلى جزء الزكاة، وَتَأَتِّي ذلك فيه، قال ابن عبد السلام: ويحتمل أن يقال: الإمكان المأخوذ من القول الأول هو الذي أوجبه في الثاني؛ لأنه ربما زاد النصاب زيادة محسوسة لا يمكن أن يشترى بها ما ينقسم على أربعين جزءا، قال الشارح: والأصل فيما ذكر المصنف ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام (أن: في مائتي درهم خمسة دراهم وليس فيما دونها صدقة وأن في عشرين دينارا نصف دينار ولا زكاة فيما دونها

(1)

)، قال في الموطإ والسنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم.

(1)

أبو داود، كتاب الزكاة، الحديث:1573.

ص: 350

وقد تقدم أن المراد بالدرهم الدرهم الشرعي وهو الدرهم المكي، لقوله عليه الصلاة والسلام: (المكيال على مكيال أهل المدينة والوزن على وزن أهل مكة

(1)

)، وهو عند الكافة خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط، وتكون الحبة منه غير مقشورة وقد قطع طرفاها اللَّذان خرجا عن خلقتها.؟

ومجمع منهما بالجزء؛ يعني أن من عنده ذهب وفضة فإنه تجب عليه الزكاة فيما إذا حصل نصاب بينهما، ويعتبر حصول النصاب منهما بالجزء؛ أي يعتبر ذلك بجزء من نصاب الذهب المتقدم وجزء من نصاب الفضة المتقدم، بحيث يتكمل نصاب منهما كثلث من أحدهما وثلثين من الآخر ونحو ذلك، واحترز بذلك عما لو بلغ ذلك قيمة النصاب لا بالتجزئة، فمن كان عنده مائة درهم من الفضة وعشرة دنانير من الذهب أو خمسة عشر دينارا وخمسون درهما، وجب في كلّ من النقدين ربع العشر ونحوه في المدونة والرسالة وغيرهما. قاله الشارح. ومعنى قوله:"بالجزء"، أنه يجعل كلّ دينار في مقابلة عشرة دراهم، كانت قيمته أقلّ أو أكثر، فلهذا لو كان معه مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة درهم فلا زكاة. ولو كانت معه مائة درهم وعشرة دنانير تساوي خمسين درهما زكى، وكذا إذا كان معه الثلثان من هذا والثلث من هذا أو الربع من هذا وثلاثة الأرباع من هذا، فإنه يزكي. انتهى كلام الشارح.

وقوله: "بالجزء"؛ أي بالتجزئة والمقابلة بأن يجعل كلّ دينار في مقابلة عشرة دراهم بالوزن لا بالجودة والرداءة ولا بالقيمة، سواء كانت أقلّ من ذلك أو أكثر، فلا زكاة في مائة درهم، وتسعة دنانير قيمتها مائة درهم بخلاف ما لو كان عنده مائة وتسعون درهما ودينار واحد فإنه يزكي، والأحسن لو قال: أو مجمع بأو كالذي قبله. ربِع العشر، مبتدأ خبره في مائتي درهم، وأشعر اقتصاره على الورق والذهب بأنه لا زكاة في الفلوس النحاس، قال في الطراز: وهو المذهب. وفي المدونة: أن من حال الحول على فلوس عنده قيمتها مائتا درهم فلا زكاة عليه فيها إلَّا أن يكون مديرا. انتهى. وما يأتي في الصرف والسلم مبني على أن الفلوس نقود؛ وهو خلاف المذهب كما علمت. والله سبحانه أعلم.

(1)

النسائي، الحديث:2320. بدون لفظ "على". وأبو داود، رقم الحديث:3340.

ص: 351

وإن لطفل أو مجنون؛ يعني أن الزكاة تجب في النقدين وإن كانا لصبي أو مجنون، لقول عمر رضي الله عنه في الموطإ: (اتجروا في أموال اليتامى ليلا تأكلها الزكاة

(1)

)، وفيه: (أن عائشة رضي الله عنها كانت تخرج الزكاة من مال يتيمين كانا في حجرها

(2)

)، وهو قول مالك وجميع أصحابه خلافا لغيرهم، واتفقوا أن مواشيهما وحرثهما -أي الصبي والمجنون- تزكى لوجود النماء في ذلك. قاله الشارح وفي حاشية الرهوني: أن أبا حنيفة يوافق غيره من الأئمة على وجوب زكاة حرث الطفل والمجنون، وأن ماشيتهما عنده كالعين كما أفاده أبو البركات الحنفي في كنز الدقائق، وصرح به ابن يونس من أئمتنا، فقال: قال أبو حنيفة: ليس على الصبيان والمجانين زكاة مال ولا ماشية. انتهى. وقوله: "وإن لطفل"، قال الشبراخيتي: لخبر: (ألا من ولي مال يتيم فليتجر فيه ولا يتركه تأكله الصدقة

(3)

).

وقد ألغز بعضهم في ذلك، فقال:

وتركي له في الخد خال

كمسك فوق كافور ندي

تعجب ناظري لما رآه

فقال الخال صل على النبي

فقلت له ملكت نصاب

حسن فأد زكاة ذا الحسن البهي

فقال أبو حنيفة لي إمام

يرى أن لا زكاة على الصبي

فإن تك مالكي القول أو من

يكون يرى برأي الشافعي

فلا تطلب زكاة الحسن مني

فإخراج الزكاة على الولي

وأما البالغ السفيه فتجب في ماله إجماعا، نقله غير واحد. ووجبت الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنَّها من خطاب الموضع لا التكليف، والعبرة بمذهب الوصي في الوجوب وعدمه؛ لأن التصرف في المال منوط به لا بمذهب أبي الطفل لموته وانتقال المال عنه، ولا بمذهب الطفل؛ لأنه غير مخاطب بها أي خطاب تكليف، فلا ينافي خطابه بها من حيث الموضع، فلا يزكيهما أي

(1)

الموطأ، كتاب الزكاة، الحديث:586.

(2)

الموطأ، كتاب الزكاة، الحديث: 587

(3)

الترمذي، كتاب الزكاة، الحديث:641. ولفظه. إلا من ولى يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة.

ص: 352

الوصي إن كان مذهبه سقوطها عن الطفل، وإلا أخرجها إن لم يكن حاكم، أو ثم حاكم مالكي فقط، أو مالكي وحنفي وخفي أمر الصبي على الحنفي، وإلا رفع للمالكي، فإن لم يكن إلَّا حنفي أخرجها الوصي المالكي إن خفي أمر الصبي على الحنفي، وإلا ترك، ولا يلزمه الرفع إلى الحنفي؛ بل يؤخر إخراجها حتى يبلغ الصبي وينظر، فإذا قلد من يقول بسقوطها عن الأطفال لم يلزمه شيء، وإلا لزمه إخراجها. قاله الحطاب.

ونقل عن النوادر ما نصه: قال ابن القاسم وأشهب: وإن كان وصي اليتيم لا يزكي ماله، فيلزم اليتيم إذا قبضه الزكاة لماضي السنين، ولو كان الوصي أسلفه أو تسلفه سنين لم يزكة إلَّا لعام واحد من يوم ضمنه الوصي، وبه تعلم أن تنظير الزرقاني أولا وثانيا قصور. قاله محمد بن الحسن. وتنظير عبد الباقي الذي أشار إليه محمد بن الحسن: وانظر إذا كان مذهب الوصي وجوبها ولم يخرجها حتى بلغ الصبي رشيدا ومذهبه سقوطها، وانفك عنه الحجر، هل تؤخذ عن الأعوام الماضية من المال أو الولي، أو تسقط؟ وانظر في عكسه أيضًا، هل تؤخذ من المال أو تسقط؟ قاله علي الأجهوري. انتهى. ولقد صدق محمد بن الحسن في أن ما نظر فيه متضح حكمه بالنقل الذي جلبه، فجزاه الله بأحسن الجزاء؛ إذ قوله: هل تؤخذ عن الأعوام الماضية الخ، اتضح الحكم فيه بقوله، فإذا قلد من يقول بسقوطها عن الأطفال لم يلزمه شيء، فتبين منه أنَّها ساقطة عن الطفل في ذلك الفرض، فلا تؤخذ من ماله ولا من الولي، بل هي ساقطة. وقوله: وانظر في عكسه، هو ما إذا كان الوصي مذهبه عدم وجوبها على الصبي وبلغ الصبي رشيدا، ومذهبه الوجوب فتلزمه الزكاة لماضي السنين. والله سبحانه أعلم.

قال عبد الباقي: وأما إن كان مذهب الوصي وجوبها ولم يخرجها وبلغ الصبي وهو مالكي، فتؤخذ منه [عن]

(1)

الأعوام الماضية، وقال الشيخ سالم: وإذا رفع الولي لحاكم يرى سقوطها، فحكم بسقوطها ثم بلغ الصبي وقلد من يقول بوجوبها، فالذي يظهر أن ذلك لا يسقط الزكاة عنه. وقاله الحطاب. وإذا اطلع الحاكم الحنفي حيث لم يكن ثمَّ غيره على الوصي في الحالة التي يخرج فيها الزكاة؛ وهي خفاء أمر الصبي عليه، وحكم بردها له، فقال عبد الباقي: الظاهر أنَّها

(1)

في الأصل من، والمثبت من عبد الباقى، ج 2 ص 141.

ص: 353

تكون مصيبة بالوصي، وقال محمد بن الحسن: الظاهر الرجوع بها على الصبي، ويدل عليه كلام السنهوري المتقدم. انتهى. قال عبد الباقي: وانظر لو كان للصبي وليان مالكي وحنفي، والكلام في مجنون كالكلام على الصبي، ومبالغته على النقدين لرد قول أبي حنيفة بالسقوط تفيد أن حرثهما وماشيتهما [فيهما]

(1)

الزكاة اتفاقا؛ وهو كذلك لنمو ذلك بنفسه. انتهى.

وقوله: وانظر لو كان للصبي وليان مالكي وحنفي، الظاهر أنه إن لم يستبد واحد منهما بالتصرف عن الآخر أن الزكاة لا تخرج، وأنه إن استبد أو أخرجها المالكي قبل تنازعهما في إخراجها يمضي ذلك. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه.

وقال الحطاب عند قوله: "وإن لطفل أو مجنون": يعني أن الزكاة تجب في مال الطفل والمجنون، فأما إن كان الوصي يتجر في مال اليتيم، فتجب الزكاة فيه في المذهب قولا واحدا. قاله اللخمي وغيره. وأما إن كان لا يتجر فيه ولا ينميه فالمنصوص عن مالك وجوب الزكاة، بل حكى ابن الحاجب الاتفاق على ذلك، فقال: وتجب في مال الأطفال والمجانين اتفاقا عينا أو حرثا أو ماشية، وتخريج اللخمي النقد المتروك على المعجوز عن إنمائه ضعيف. انتهى. وأما نقل الشيخ يوسف بن عمر عن مالك أنه لا زكاة على الصغار في العين، فمردود. قال الحطاب: وهذا الذي نقله عن مالك غير معروف له ولم أر من نقله عنه، والنقول المتقدمة ترده. والله أعلم.

واعلم أن المخاطب بزكاة مال الصبي والمجنون وليهما ما داما غير مكلفين، قال في النوادر: قال ابن حبيب: وليزك مال اليتيم وليه ويشهد، فإن لم يشهد وكان مأمونا صدق، وفي الموازية: ويزكي ولي اليتيم ماله ويخرج عنه وعن عبده الفطر، ويضحي عنه من ماله. قاله الحطاب.

وقال بعد جلب نقول: فتحصل من هذا: أن الوصي إذا كان مذهبه وجوب الزكاة في مال الأطفال، إما باجتهاده إن كان مجتهدا أو بتقليد من يقول بوجوبها أنه يجب عليه إخراجها، ولا ينظر في ذلك إلى مذهب الصبي ولا إلى مذهب أبي الصبي؛ لأن المال قد انتقل عنه، فإن لم يكن هناك حاكم يقول بسقوطها لزم الوصي إخراجها، ولا يحتاج إلى الرفع للحاكم، نعم يشهد

(1)

في الأصل فيها، والمثبت من عبد الباقي، ج 2 ص 141.

ص: 354

على ذلك، فإن لم يشهد صدق إن كان مأمونا. وانظر إن كان غير [مأمون، هل]

(1)

، يلزمه الغرم أو يحلف لم أر فيه نصا؟ وإن كان هناك حاكم يرى سقوط الزكاة عن مال الأطفال، فإن خفي للوصي إخراج الزكاة لزمه إخراجها ولا يلزمه أن يذكر ذلك للصبي بعد بلوغه وإن لم يخف إخراجها، فإن تعدد الحاكم في البلد فكان بعضهم يرى وجوب الزكاة وبعضهم يرى سقوطها، فالذي يظهر من كلامهم أنه لا يلزم الرفع إليه، ولا يجب عليه ويؤخر إخراجها حتى يبلغ الصبي، فإذا بلغ الصبي فإن قلد من يقول بسقوط الزكاة عن مال الأطفال لم يلزمه شيء، وهذا ظاهر، وإن قلد من يقول بوجوبها في مال الأطفال لزمه إخراجها.

تنبيه: لا يلزم الوصي أن ينمي مال اليتيم، وقد صرح بذلك اللخمي، وقال في كتاب الوصايا: وحسن أن يتجر له وليس ذلك عليه، وإن استسلف الوصي مال يتيمه وَلَدَيْهِ مَلَاءٌ فلا بأس بذلك، وكان ابن عمر يسلفه ويتسلفه، وإذا لم يكن به ملاء فلا يتسلفه. قاله الحطاب. وقوله:"وإن لطفل أو مجنون"، قال الشبراخيتي: وقبل قوله يعني الوصي في إخراجها حيث وجب عليه بلا يمين إن لم يتهم وإلا فبيمين. انتهى.

أو نقصت، عطف على المبالغة؛ يعني أن العين إذا نقصت في الوزن عن النصاب نقصا قليلا كحبة أو حبتين، وهي تروج مع ذلك رواج الكاملة، فإن الزكاة تجب فيها، سواء كان التعامل بالعدد أو بالوزن، وإن لم يكن النقص قليلا سقطت الزكاة ولو راجت رواج الكاملة، هذا هو قول مالك وابن القاسم وسحنون؛ وهو المشهور. قاله ابن هارون. وجعل ابن الحاجب المشهور الوجوب مطلقًا قل النقص أو كثر، وليس كما قال. قاله ابن هارون. قال محمد بن الحسن: وبه تعلم أنَّ ما ارتضاه مصطفى من حمل المصنف على ظاهره من الإطلاق في النقص اعتمادا على تشهير ابن الحاجب، قائلا: لم أر من شهر القول بالتفصيل خلافُ الصواب، لاعتراض ابن هارون تشهيرَ ابن الحاجب كما علمت، وقصورٌ لعدم اطلاعه على ذلك. قال ابن ناجي: واختلف في حد اليسير، فقال عبد الوهاب: هو كالحبة والحبتين وإن اتفقت الموازين عليه، وقال ابن القصار والأبهري: إنما ذلك إذا اختلفت الموازين في النقص، وأما إن اتفقت عليه فهو كالكثير. انتهى.

(1)

في الأصل مومون هلا، والمثبت من الحطاب، ج 3 ص 26، ط دار الرضوان.

ص: 355

وقوله: "أو نقصت"؛ أي في الوزن كما قررت، وأما لو نقصت عددا والوزن كامل، فالزكاة وإن نقص الوزن والعدد فلا زكاة إن كان التعامل عددا باتفاق، وإن كان التعامل وزنا فعلى ما تقدم إن حطها عن الكاملة فلا زكاة وإلا وجبت الزكاة، وأنه بالضرورة يكون ذلك يسيرا. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وأما لو نقصت في العدد فإن كانت كاملة في الوزن زكيت، وإلا فلا. وقوله:"أو نقصت"؛ يعني مع ذلك أنَّها تروج برواج الكاملة كما قررت، وأما إن لم ترج كالكاملة فلا خلاف في سقوط الزكاة، سواء كان التعامل بالعدد أو بالوزن كما صرح ابن بشير بجميع ذلك، وإن حكى ابن رشد خلافا في ذلك. قاله الحطاب. والمراد بالكاملة، الموازنة السالمة من الغش، ومعنى الرواج أنَّها تبلغ مثمن الكاملة.

أو برداءة أصل؛ معطوف على محذوف؛ أي نقصت في الوزن أو نقصت في الصفة برداءة أصل؛ يعني أن العين إذا نقصت في الصفة بسبب رداءة أصلها في معدنها، فإن كانت لا تنقص بسبب رداءتها في التصفية عن النصاب فإن الزكاة تجب فيها كما تجب في الطيبة؛ أي سواء كانت تروج رواج الجيدة الكاملة أم لا: وأما إن كانت تنقص في التصفية بسبب رداءة أصلها فتجب فيها الزكاة أيضًا لكن بشرط أن تروج رواج الكاملة كما يقوله المصنف. أو إضافة؛ يعني أن العين إذا نقصت عن النصاب لسبب إضافة غيرها إليها كمغشوشة بنحاس أو رصاص؛ وهي مع ذلك تروج رواج الكاملة، فإنه تجب فيها الزكاة.

وبما قررت علم أن قوله: وراجت ككاملة، راجع للمسائل الثلاث؛ يعني أن محل وجوب الزكاة في العين الناقصة عن النصاب في الوزن على ما مر. وفي الناقصة في الصفة، وفي الناقصة بإضافة غيرها إليها إنما هو حيث كانت تروج رواج الكاملة، وأما إن لم ترج رواج الكاملة فإنه لا تجب فيها الزكاة في المسائل الثلاث، وقوله:"وراجت ككاملة"، معنى الرواج أنَّها تبلغ مثمن الكاملة، والمراد بالكاملة الوازنة السالمة من الغش، وقوله:"راجت ككاملة"، قد علمت أنه راجع للمسائل الثلاث: أما رجوعه للطرفين فواضح، وأما رجوعه لردية الأصل فإنما هو فيما إذا كانت ردية الأصل تنقص بالتصفية، كما مر قريبًا. وأما إن كانت لا تنقص بالتصفية فإنها تزكى مطلقًا حيث بلغت عشرين دينارًا أو مائتي درهم، راجت كالكاملة أم لا. الشبراخيتي: والظاهر أن قوله:

ص: 356

"وراجت ككاملة"، لا يرجع لردية الأصل لأن نقصها إنما هو برداءة الأصل، وما هو كذلك لا ينقص في التصفية، وأما ما ينقص بالتصفية فنقصه بإضافة، فيدخل في قوله:"أو إضافة"، وقوله:"أو نقصت"، ظاهر المصنف أنه لابد من رواجها رواج الكاملة، ولو كان النقص يسيرا، وهو كذلك كما مر عند قوله:"أو نقصت"، وذكر ابن المواز أنه إنما يعتبر فيما كثر نقصه، لا فيما قل فتزكى الناقصة نقصا يسيرًا، وإن لم ترج رواج الكاملة. وقد مر أن ابن بشير قال: لا خلاف في سقوط الزكاة في ذلك، وإن حكى ابن رشد فيه خلافا.

وإلا حسب الخالص، راجع للمضافة وللردية الأصل، حيث كانت تنقص بالتصفية؛ يعني أن العين المغشوشة إن لم ترج رواج الكاملة، فإنه يحسب الخالص منها بالتصفية، فإن لم يبلغ الزكاة كما هو الموضوع فلا زكاة، وإن بلغ الخالص النصاب زكي، فلا فرق حينئذ بين كونها تروج رواج الكاملة وأن لا تروج رواج الكاملة، وكذلك الردية الأصل إن كانت، تنقص بالتصفية وهي لا تروج رواج الكاملة، فإنه إنما يحسب الخالص بالتصفية، فإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة وإن بلغه زكي.

وقد مر أنَّها إذا كانت تنقص بالتصفية فهي مضافة، وحينئذ فقوله:"وإلا حسب الخالص"، راجع للمضافة فقط؛ أي وإن لا ترج المضافة رواج الكاملة، فإنه يحسب الخالص، وأما ردية الأصل فلا تنقص بالتصفية، ففيها الزكاة راجت رواج الطيب أم لا، وإذا اعتبر الخالص في المغشوشة اعتبر ما فيها من النحاس اعتبار العروض. قاله الحطاب.

وَتَحَصَّلَ مما مر: أن قوله: "حسب الخالص"، لا يتأتى في الناقصة الوزن ولا في الردية الأصل، وإنما هو في النقد المغشوش. اللخمي: وإذا كانت الدراهم غير خالصة مختلطة بالنحاس فإنه ينظر إلى وزن الفضة، وقيمة ما فيها من النحاس. انتهى. ومعنى ذلك أن ينظر قيمة ذلك النحاس، فيقومه المدير ويزكيه عنه المحتكر إذا باع ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. إن تم الملك، شرط في قوله:"وفي مائتي درهم شرعي"، وفي قوله:"وعشرين دينارا"، وفي قوله:"ومجمع منهما بالجزء"، فهو شرط في وجوب الزكاة في النقدين؛ يعني أن محل وجوب الزكاة في النقدين إنما هو

ص: 357

على من ملكهما أو أحدهما ملكا تاما، فلا زكاة على مودع لعدم ملكه، ولا على عبد لعدم تمام ملكه، ولا على سيده لأن من ملك أن يهلك لا يعد مالكا.

وقد مر أن الشركاء إن ناب كُلًّا منهم نصابٌ زَكَّوْا، وإلا فمن نابه نصاب زكى، ومن لا فلا، كانوا شركاء في الماشية أو في العين أو في الحرث. وقد مر أن من نابه منهم نصاب ولو بالضم لما عنده، يزكي ولا زكاة في الغنيمة قبل القسم لعدم قرار الملك، ولا زكاة على مدين لعدم تمام الملك. وقد علمت أن هذا في العين، ولا زكاة على غاصب لعدم الملك.

قال محمد بن الحسن: وقيده الحطاب بما إذا لم يكن عنده وفاء يعوضه به وإلا زكاه، وعلى هذا يحمل ما في المواق، ونصه: قال ابن القاسم: المال الغصوب في ضمان الغاصب حين غصبه، فعلى الغاصب فيه الزكاة. انتهى. وقد علمت أن هذا في العين.

وحولُ غير المعدن؛ يعني أن الزكاة إنما تجب في العين بعد تمام الحول، فقوله:"إن تم الملك وحول غير المعدن"، بمنزلة قوله في زكاة الماشية:"بملك وحول كملا"، وقوله:"وحول"، عطف على "الملك"، فلا زكاة فيما لم يحل عليه الحول من العين، وهذا في غير ما يخرج من المعدن، وأما المعدن فسيأتي التردد في تعلق الوجوب بإخراجه أو تصفيته، ويرد على المصنف الركاز في الصورة التي يؤخذ منه الزكاة فيها، فإنه لا يشترط فيه الحول، بل تتعلق الزكاة بوجوده، ولم ينبه عليه لندوره، ولأنه حينئذ يشبه المعدن. قاله الحطاب.

وتعددت، بتعدده في مودعة؛ يعني أن العين المودعة إذا قبضها ربها بعد أعوام، فإنه تعَدَّدُ عليه الزكاة بتعدد الأعوام، فقوله:"بتعدده"، الباء للسببية، والضمير عائد على الحول، وفاعل تعددت ضمير يعود على الزكاة؛ أي وتعددت الزكاة بسبب تعدد الحول وقوله:"وتعددت بتعدده"، قال عبد الباقي: وإنما يزكي المودعة بعد قبضها. انتهى. وقال محمد بن الحسن: استظهر ابن عاشر أن يزكيها لكل عام وقت الوجوب من عنده.

ومتجر فيها بأجر؛ يعني أن الشخص إذا آجر من يتجر له في نقد، فإن الزكاة تتعدد على مالك النقد بتعدد الأعوام فيزكيها؛ وهي عند التاجر حيث علم قدرها ولو بالتحري، وكان مديرا، ولو احتكر العامل وكان مال ربه أكثرت فإن العامل هنا أجير ويده كيده، فإذا احتكر العامل وأدار

ص: 358

رب المال؛ فإن تساويا أو كان ما بيد العامل أكثر فكل على حكمه، وإلا فالجميع للإدارة والعامل في القراض يزكي كالدين إذا احتكر، وإن كان ما بيد ربه أكثر بناء على ما صوبه ابن عرفة، وهو ظاهر إطلاق قول المصنف، وإن احتكرا أو العامل فكالدين، وأما على ما لابن محرز من أن ما بيد عامل القراض وبيد ربه كالمال الواحد، وبه قرر الأجهوري ومن تبعه فيما يأتي، فلا فرق بين البضاعة والقراض. قاله محمد بن الحسن.

وأما إن لم يعلم قدر المتجر فيها بأجر، فإنه يصبر لعلمه. وتقدم أن المتجر فيها بأجر تزكى لكل عام إن كان ربها مديرا، ويزكي المحتكر لعام واحد، قال الأجهوري: ويراعى في المودعة والمتجر فيها بأجر تبدئة العام الأول، إلَّا أن ينقص الأخذ النصاب بالأولى من الماشية. نقله عبد الباقي. وجزم الرماصي بأنه لا يعتبر فيها ذلك، قائلا: فيزكي لماضي السنين ولا يعتبر النقص لتعلق الزكاة بالذمة لا بعين المال، وهو مذهب المدونة، لكن هذا إذا كان عنده عرض يجعل فيه دين الزكاة، وإلا اعتبر النقص كما في المدونة. قاله محمد بن الحسن. وقال الرماصي بعد نقله كلام المدونة: فيظهر من هذا أن دين الزكاة يجعل في العرض، ولا تسقط به الزكاة، وهذا خلاف ما لابن القاسم في العتبية: أن دين الزكاة يسقط الزكاة كان له عرض أم لا، وجعل في التوضيح قول ابن القاسم هذا خلاف المشهور. انتهى. وقوله:"بأجر"، الصواب أنه لا مفهوم له كما يفيده كلام ابن رشد، ونقله المواق، وروى ابن نافع عن مالك أن المودعة تزكى لعام واحد بعد القبض، قال ابن رشد: هذا إغراق إلَّا أن يكون معناه أن المودع غائب عنه فيكون لذلك وجه، فالتفصيل لم يقع في الرواية، وإنما ابن رشد تأولها عليه. وقال ابن عرفة بعد ذكر الرواية: لعله يريد: تضيع ثم ترجع. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: وشمل المصنف من يبعث ببعض ماله ليشترى به طعام لعياله، فمر الحول قبل صرفها ولا تأثير لما نوى من صرفها لقوته، وإن بعث لشراء كسوة لعياله أو زوجته، فإن لم ينو تبتيلها وجبت عليه زكاته لأنه وعد، وإن نوى تبتيلها لم تجب، ثم محل المصنف ما لم يتداينها المودع بالفتح أو يداينها لغيره تعديا، أو بإذن ربها؛ فإنه إنما يزكيها كالدين لعام واحد بعد قبضه. انتهى.

ص: 359

وقال الحطاب: فإن تسلف المودع الموديعة أو أقرضها لغيره في أقامت، قبل ذلك، فعلى ربها زكاتها لكل سنة، وأما من يوم تسلفها أو أسلفها فإنما يزكيها لعام واحد، ويقبل قول المودع والملتقط إنه تسلف أو ترك، وأما المودع فإن تسلفها فيزكيها لكل عام إن كان عنده وفاء بها. قاله في سماع أصبغ وغيره. لا مغصوبة؛ يعني أن العين المغصوبة لا تتعدد فيها الزكاة بتعدد الأعوام، وإنما يزكيها لعام قبضها فقط، ولو رد الغاصب ربحها معها، وأما الماشية إذا غصبت ثم ردت بعد أعوام، فالمشهور أنه يزكيها لكل عام ماض إلَّا أن تكون السعاة قد زكتها. هذا ما رجع إليه مالك، ورجحه ابن عبد السلام. قال الشيخ عبد الرحمن: وصوبه ابن يونس، كما ذكره الواق.

وذكر ابن عرفة أنَّها تزكى لعام واحد، وعزاه لها، فقال: والنعم المغصوبة فيها لابن القاسم تزكى لعام فقط، وله مع أشهب تزكى لكل عام، وأما النخل المغصوبة سنين فيزكيها لكل عام بلا خلاف إن لم تكن زكيت، وردها الغاصب مع جميع ثمارها الحاصلة فيها سِنِي الغصب حيث علم أن فيها كلّ سنة النصاب، ولو أخذ قيمته لجذ الغاصب له بعد طيبه أو لجهل مكيلته زكى قيمته، لا إن جذه قبل طيبه؛ لأن قيمته حينئذ كبيعه قبل طيبه، فإن رد بعض ثمارها وكان حصل في كلّ سنة نصاب، ولم يرد جميعه بل رد منه قدر نصاب فأكثر، وكان بحيث لو قسم على سني الغصب لم يبلغ كلّ سنة نصابا، ففي زكاته قولان؛ ثانيهما لابن الكاتب ثم رجع ابن الكاتب إلى أنه لو قبض ثمانية أوسق زكى خمسة وترك الثلاثة حتى يقبض وسقين، فلو رد جملة النصاب ولم يعلم هل بلغ نصابه في كلّ سنة أم لا، فانظر هل يتفق على عدم زكاته أو يجري فيه الخلاف؟ قاله عبد الباقي.

قوله: فإن رد بعض ثمارها وكان حصل الخ، قال محمد بن الحسن: حاصل ذلك أن يقال إذا رد الغاصب بعض الثمار بعد سنين، فإما أن يكون حصل في كلّ سنة نصاب أم لا. الثاني: لا زكاة فيه، والأول إما أن يكون مجموع ما رده الآن نصابا أم لا، الثاني لا زكاة فيه، والأول إما أن ينوب كلّ سنة من هذا الردود نصاب لو قسم على سني الغصب أم لا، في الأول الزكاة، وفي الثاني القولان المذكوران: الأول لابن محرز والتونسي وابن عبد الرحمن، والثاني لابن الكاتب.

ص: 360

والحاصل: أن الثمار المغصوبة يزكيها ربها لكل عام مضى، والعين لا يزكيها ربها إلَّا لعام واحد، وفي الماشية قولان، المشهور أنَّها تزكى لكل عام مضى. قوله:"لا مغصوبة"، الفرق بينها وبين المودعة والمتجر فيها كونُها في الذِّمة، فلا تزكى إلَّا بعد القبض دون المودعة والمتجر فيها، فإنهما على ملك ربهما، ولهذا إذا كان الغاصب موسرا بحيث يكون عنده ما يجعله في مقابلتها غيرها فإنه يزكيها كما مر، وبهذا يظهر لك الفرق بين الماشية المغصوبة والعين المغصوبة. وبالله تعالى التوفيق. انظر الحطاب رحمه الله.

ومدفونة؛ يعني أن العين المدفونة، قال عبد الباقي والشبراخيتي: بصحراء أو بعمران إذا ضل صاحبها عنها، كان ذلك لأمر حدث كجنون أم لا، يزكيها ربها لعام واحد إذا وجدها، وأما لو كان عالمًا بها وتركها مدفونة اختيارا لزكاها لماضي الأعوام. انتهى. وقال محمد بن الحسن: ابن يونس عن ابن المواز: من سقط له مال أو ضاع أو غُصِبَهُ، ثم وجده بعد أعوام فليزكه لعام واحد. وقاله مالك وأصحابه. وأما لو دفنه فنسي موضعه ثم وجده بعد سنين، فليزكه لكل سنة، قال محمد: إلَّا أن يدفنه في صحراء أو في موضع لا يُحَلُّ فليزكه لعام واحد، كالمال المغصوب، ثم قال ابن يونس: ولا يختلف في المال في موضع يحاط به ثم يجده أنه يزكيه لسائر السنين. انتهى منه، فانظر مع هذا قول الزرقاني: بصحراء أو عمران الخ.

وقوله: "ومدفونة"، قال عبد الباقي: وفي بعض التقارير أن محل المصنف إذا ضل عنها لغير أمر حادث، فإن ضل عنها بجنون حدث فإنها تكون كمال جنون، وفيه نظر؛ إذ مال المجنون الذي تتعدد فيه بتعدد الأعوام ما يمكن تنميته لا مالًا تمكن تنميته. وضائعة؛ يعني أن العين الضائعة أي التي سقطت من ربها دون دفن ولم تلتقط، أو التقطت ثم أخذها ربها بعد أعوام، فإنها تزكى لعام واحد، ولا زكاة على الملتقط إن حبسها لربها أو للتصدق بها عنه ولم يتصدق بها، فإن حبسها بعد نية تملكها أو ليأكلها صارت دينا عليه، فيزكيها بعد عام من يوم نيته إن كان عنده ما يجعل في الدين، وقيل حتى يحركها. ابن عرفة: وفي صيرورتها دينا على ملتقطها بإرادة أكلها أو بتحريكها نقلا الشيخ عن سحنون مع المغيرة، وعن ابن القاسم: وعلة الثلاثة في المصنف عدم القدرة على تنميتها، وينبغي أن يكون حكم الماشية الضائعة حكم الماشية المغصوبة.

ص: 361

تنبيه: تقدم حمل قوله: "وضائعة"، على من سقطت من ربها دون دفن الخ، ليلا يكون تكرارا مع قوله:"ومدفونة"، وقول المصنف:"وضائعة"، يعم الملتقطة وغيرها، قال الحطاب: وقول البساطي: من شرط الضائعة أن تلتقط، ليس بجيد. انتهى.

وقال عبد الباقي: ومن قيد بالالتقاط فإنما هو ليلا يتكرر مع قوله: "ومدفونة"، مع أنه لا مفهوم لمدفونة؛ إذ المراد وضعها في محل وضل عنها، وأما الضائعة فلم يضعها في محل بل سقطت منه. ومدفوعة على أن الربح للعامل بلا ضمان؛ يعني أن الشخص إذا دفع عينا قراضا لمن يعمل فيها؛ أي يتجر فيها؛ وجعل ربها جميع الربح للعامل وأسقط عنه الضمان فيها؛ بمعنى أنه إذا تلفت لم يكن على العامل شيء في مقابلتها، فإنه إذا ردها العامل لربها يزكيها ربها لعام واحد، وإن أقامت عند العامل أعواما كالدين إن لم يكن ربها مديرا، وإلا فلكل عام ما عنده حيث علم بقاءها على حالها. وقوله:"على أن الربح للعامل" الخ؛ أي أن اشتراط جميع الربح للعامل لا يخرجها عن كونها قراضا، وإن كان إطلاق القراض على ذلك إنما هو مجاز، وهذا هو القراض الذي لا يفعله إلَّا كرام الناس. ومفهوم قاله:"على أن الربح للعامل"، أنه إن كان على أن الربح لربها، فهو قوله:"ومتجر فيها بأجر"، وإن كان على أن الربح بينهما، فسيأتي في قوله:"والقراض الحاضر يزكيه" الخ، ومفهوم قوله:"بلا ضمان". أنَّها مع الضمان ليس لها هذا الحكم، مع أن الحكم أنَّها تزكى لعام واحد أيضا؛ لأنَّها خرجت عن القراض إلى القرض وصارت سلفا في ذمته، ودين القرض لا يختلف فيه المحتكر والمدير -كما يأتي إن شاء الله- وقوله:"ومدفوعة على أن الربح للعامل"، ما الحكم في زكاة العامل؟ الحكم فيها أنه يستقبل بالربح بلا خلاف حيث لا ضمان، قاله محمد بن الحسن. وأما مع الضمان فإن كان عنده ما يجعله في الدين زكى الربح والأصل، وإلا استقبل. قاله الشبراخيتي. وقوله:"ومدفوعة على أن الربح للعامل" الخ، تقدم أن محل هذا إن لم يكن مديرا وإلا فلكل عام، كذا في السماع. كما نقله المواق. واعترض به الرماصي كلام المصنف، فقال: إن هذه المسألة مساوية، لقوله:"ومتجر فيها بأجر"؛ بأن المدير يزكي لكل عام دون غيره، فلا وجه لتفريق المصنف بينهما. انتهى. قال محمد بن الحسن: بينهما فرق، وذلك أن المدفوعة على أن الربح للعامل الخ، لا يعتبر فيها حال العامل من إدارة واحتكار، بل

ص: 362

هي كالدين، إن كان ربها مديرا زكاها على حكم الإدارة مطلقًا، وإن كان محتكرا زكاها لعام واحد على حكم الاحتكار مطلقًا، بخلاف السابقة فيراعى فيها حال كلّ منهما، هذا ما يدلُّ عليه كلام التوضيح: إعطاء المال للتجر على ثلاثة أقسام: قسم يعطيه قراضا، وقسم يعطيه لمن يتجر فيه بأجر -وهذا كالوكيل فيكون حكمه حكم شرائه بنفسه- وقسم يدفعه على أن الربح كله للعامل، ولا ضمان فيه؛ فهو كالدين يزكيه لعام واحد خلافا لابن شعبان. انتهى.

ولا زكاة في عين فقط ورثت ولم يعلم بها أو لم توقف؛ يعني أن من ورث عينا ذهبا أو فضة ولم يعلم بها، أو علم بها ولم يوقفها الحاكم له، وأولى إن لم يعلم بها ولم توقف، لا زكاة عليه فيها ولو مكثت أعواما قبل القسم أو القبض، ففي منطوقه ثلاث صوركما قررت، ومفهومه أنه لو وجد الأمران -وهما العلم والإيقاف- لزكاها، ومنطوق المصنف مسلم، وهو أنه لا زكاة في الصور الثلاث؛ وهي ما إذا انتفى العلم والإيقاف معا أو أحدهما، وأما صورة المفهوم وهي ما إذا وجد العلم والإيقاف معا فوجوب الزكاة فيها معترض؛ لأنه خلاف المشهور وخلاف مذهب المدونة؛ إذ مذهبُ المدونة وهو المشهور أنه لا تجب الزكاة ولو حصل الأمران. انظر حاشية الشيخ بناني.

وقال الإمام الحطاب: عبارة صاحب الشامل أحسن من عبارة المصنف، حيث قال: وإن ورث عينا استقبل بها حولا من قبضه أو قبض رسوله، ولو أقام -أي الموروث- أعواما أو علم به أو وقف له على المشهور، ويزكي الحرث والماشية مطلقًا. انتهى. لأن القيود التي في كلام المصنف رحمه الله غير معتبرة على المشهور، ونبه على ذلك ابن غازي. انتهى. واحترز المصنف بقوله:"فقط"، من الماشية والحرث، فإنهما يزكيان لكل عام، وذلك ظاهر في الماشية فتزكى لكل عام بعد الحول الأول قبل قبضها، ولا ينافي ذلك قوله:"وقبله يستقبل الوارث"، كما هو ظاهر، وأما الحرث فظاهر في الشجر كالنخل والزيتون؛ لأنهما يثمران كلّ سنة، فيزكيان لماضي الأعوام، وأما الحرث المزكى عند حصاده فلا زكاة فيه بعد الأولى، واستثنى من قوله:"ولا زكاة"، قوله: إلَّا بعد حول بعد قسمها؛ يعني أن العين الموروثة لا زكاة فيها إلَّا بعد حول من قسمها، فإذا اقتسمها الورثة، فمن نابه منهم نصاب إنما يزكيه بعد حول من القسم، هذا إذا تعدد الوارث، وأما إذا اتحد الوارث فهو ما أشار إليه بقوله: أو قبضها؛ يعني أن العين الموروثة إذا اتحد

ص: 363

وارثها فإن الوارث إنما يزكيها لحول بعد قبضها، وهذا الذي قررت به المصنف قرره به غير واحد. واعلم أن الأجهوري ومن تبعه جعلوا القبض غير كاف في الشركاء، بل لا زكاة عندهم فيها حتى تقسم ويستقبل بها حولا من يوم القسم، وأما إذا اتحد الوارث فيستقبل حولا من يوم قبضها بنفسه أو وكيله، قال علي الأجهوري وأحمد: هذا هو المعتمد من المذهب وليس الأمر كذلك، فالمذهب إنما هو اعتبار القبض فقط، فلا عبرة بالقسم، ويعتبر القبض، ولو كانوا شركاء وقبضوها من غير قسم كما يدلُّ عليه قول المدونة، وكذلك الوصي يقبض للأصاغر عينا أو ثمن عرض باعه لهم، فليزك ذلك لحول من يوم قبضه الوصي. انتهى.

وقبض الشركاء البالغين لأنفسهم كقبض الوصي لمن في حجره، بل هو أقوى -نعم- إذا كان في الورثة صغار وكبار فقبض الوصي كلا قبض: كما في المدونة. ابن عرفة: وفيها حول إرث الأصاغر من يوم قبض وصيهم، وإن كانوا كبارا وصغارا لم يكن قبض الوصي قبضا حتى يقتسموا فيستقبل الكبار بحظهم حولا، ويستقبل وصي الصغار بحظهم حولا من يوم القسم. ابن فرحون: والمشهور أن قبض وكيله كقبضه. قاله الحطاب. وفيه: وقبض رسول الوارث كقبضه، وفيه: اللخمي: ويختلف إذا حبسه الوكيل تعديا، هل يستأنف به حولا أو يزكيه لعام واحد؟ ولا خلاف أنه لا يزكيه لكل عام لأنه صار دينا. انتهى.

وَتَحَصَّلَ مما مر: أن المعتمد في العين الموروثة أنَّها إنما تزكى بعد حول من يوم قبضها، علم بها الوارث أم لا، أوقفها الحاكم أو لا، وأن القبض معتبر وإن لم يحصل قسم هذا، وقد مر قول صاحب الشامل، قال عبد الباقي: وعبارة الشامل في غاية الحسن، فإنه قال: وإن ورث عينا استقبل بها حولا من قبضه أو قبض رسوله، ولو أقام أي الوروث أعواما أي قبل القبض، أو علم؛ أي الوارث به أو وقف له على المشهور، ويزكى الحرث والماشية مطلقًا. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله عن الشامل أو وقف له على المشهور الخ، هذا ظاهر إن وقف للقسم، وأما إن أوقفه القاضي، فالذي صوبه ابن يونس: أنه يزكيه كما في المواق. انتهى. فانظره فإنه فيه مخالفة مع ما مر. والله سبحانه أعلم.

ص: 364

وقد تقدم أن قبض الوصي للصغار معتبر، وحينئذ فمن نابه منهم نصاب زكى له، فإن لم ينب واحدا منهم نصاب فلا زكاة ولو كان في المتروك بجملته نصاب، ومثل الصغار المحجور عليه، وليس صغيرا. قوله:"ولا زكاة في عين فقط ورثت"، وكذا لو وهبت أو تصدق بها أو أوصي بها أو أعطيت، كما قاله الشبراخيتي.

ولا موصى بتفرقتها؛ يعني أن العين الموصى بتفرقتها على معينين أو غيرهم، أوصى في الصحة أو في المرض؛ إذا مر عليها الحول بيد الوصي قبل تفرقتها؛ فإنه لا زكاة فيها، وأما الماشية فإن أوقفها لتفرق على غير معينين فلا زكاة فيها، ولمعينين يزكيها من نابه نصاب كالخلطاء، هذا هو قول أشهب، وهو مذهب المدونة كما نقله الواق وابن عرفة. وقد سوى الحطاب بين العين والماشية، وعزا ذلك لابن القاسم خلافًا لأشهب، وتبعه الأجهوري، قال الرماصي: وهو غير ظاهر لأنه خلاف مذهب المدونة، وإنما هو لابن القاسم في غيرها. انتهى.

وكلام الحطاب هو قوله عقب قول المصنف: "ولا موصى بتفرقتها"، الظاهر أنه أراد العين، ويحتمل أن يريد معها الماشية والحكم فيها كذلك، سواء كانت على مجهولين أو في السبيل، أو على معينين على مذهب ابن القاسم، خلافا لأشهب؛ يعني في الماشية. قاله الرجراجي في شرحه على المدونة. انتهى. وأما الحرث الموصى بتفرقته، فقد تقدم عند قوله:"والنفقة على الموصى له العين بجزء"، أنه يزكى، وهو الصواب، فإدخاله هنا لا يصح. والله أعلم. قاله محمد بن الحسن. ومن كتاب ابن المواز، وكتاب ابن عبدوس من رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك: وإذا كانت دنانير تفرق حتى أتاها الحول فلا زكاة فيها، قال في كتاب ابن المواز: كانت على معينين أو مجهولين أو في السبيل، كانت وصية في المرض أو فى الصحة، قال ابن القاسم: وكذلك الإبل والبقر والغنم تفرق رقابها في السبيل، أو تباع لتفرق أثمانها، فيأتي عليها الحول قبل أن تفرق، فلا زكاة فيها كالعين. قاله مالك. وقال أشهب في المواشي: إذا كانت تفرق على غير معينين فهي كالعين. وإن كانت تفرق على معينين فهم كالخلطاء، والزكاة على من في حظه منهم ما فيه الزكاة، وأما العين تفرق على معينين فلا شيء عليهم، وإن كان نصيب كلّ واحد منهم فيه الزكاة، وإن كانت تفرق على مجهولين فالعين والماشية سواء لا زكاة في ذلك. انتهى.

ص: 365

وقوله: "ولا موصى بتفرقتها"، قال الشبراخيتي: لا زكاة فيها إن مر الحول عليها قبل تفرقتها حيث مات الموصي قبل مرور الحول، فإن مات بعده وهي نصاب أو هي مع ما عنده نصاب، فإنها تزكى على ملكه. ذكره في شرح الشامل. والتعليل الذي ذكره الشارح، بقوله: لأنَّها خرجت عن ملكه بموته يفيده. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وهذا ليس من الوصية. والله سبحانه أعلم.

ولا مال رفيق؛ يعني أنه لا زكاة في مال الرقيق ولو ذا شائبة عينا أو حرثا أو ماشية أو تجارة لعدم تمام تصرفه، فإن أُعْتِقَ استقبل حولا بالنقد والماشية كسيد انتزعهما، وإن أعتق قبل وجوبها في الحرث زكى عند طيبه، وكذا إن انتزع منه سيده الحرث قبل وجوبه فيزكيه عند طيبه. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وأما الحرث فإن أعتق قبل وجوب الزكاة فيه زكى، وإلا فلا، ومثل العتق الانتزاع. ومدين؛ يعني أنه لا زكاة على الدين إذا كان ماله عينا، سواء كان الدين حالا أو مؤجلا، وهذا حيث لم يكن عنده بعد تقدير وفاء الدين من جميع ما عنده عرضا، أو عينا ما يتم به النصاب، فإن بقي بعد تقدير وفاء الدين من كلّ ما يملك حيوانا أو غيره ما يتم به النصاب وجبت الزكاة. وقوله:"ومدين"، بالجر عطف على رقيق؛ أي ولا زكاة في مال مدين، ويكون المال عاما أريد به خاص وهو العين، أو يجعل على تقدير مضاف أي ولا عين مدين، والقرينة على تقدير هذا المضاف قوله الآتي: ولا يسقط الدين زكاة حرث وماشية. وسكة؛ أي ولا زكاة في قيمة سكة، فإذا كانت الدراهم والدنانير ناقصة عن النصاب الشرعي، وبقيمة سكتها تبلغ النصاب، فإنه لا زكاة فيها.

وصياغة؛ أي وكذا لا تعتبر قيمة الصياغة؛ يعني أن من كان عنده من العين دون النصاب، ولصياغته يساوي نصابا لا زكاة فيه، وهذا إنما هو في الحلي الذي تجب فيه الزكاة، وسيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى. وجودة؛ يعني أن الإنسان إذا كان عنده من النقد دون النصاب كمائة وثمانين درهما مثلا ولجودتها تساوي نصابا، فإن قيمة ذلك لا تؤثر في وجوب الزكاة، فلا زكاة عليه في السكة والجودة والصياغة المحرمة، ولا في الجائزة على المشهور.

وقوله: "وسكة وصياغة وجودة"، هو تخصيص لقوله:"وراجت ككاملة"؛ أي أن محل كون الرائجة رواج الكاملة تزكى ما لم يكن رواجها بسبب سكة وصياغة وجودة، ولولا ذلك لاستغنى

ص: 366

عما هنا بقوله: "بالجزء"، ولا ينافي ما يأتي من قوله:"بصرف وقته مطلقًا"؛ لأنه في المخرج، وما هنا في المخرج عنه. قاله عبد الباقي. وقوله: هذا تخصيص لقوله: "وراجت ككاملة"، قال محمد بن الحسن: هذا -والله أعلم- أولى مما فهمه ابن عاشر، وحمل ما هنا على نقص العدد والوزن، وما مر على كامل العدد الناقص الوزن يروج رواج الكاملة، وأن الروجان فيما تقدم كان بسبب الصياغة أو غيرها؛ لأن إطلاقهم هنا يدلُّ على إلغاء السكة والصياغة والجودة. انتهى.

وقوله: "وسكة وصياغة وجودة"، كما لا تكمل بقيمة كلّ واحدة منها الزكاة لا تزكى زيادتها أي الزيادة على النصاب الحاصل، فإذا كانت العين نصابا ولسكتها أو صياغتها أو جودتها تساوي أكثر من نصاب، فإن تلك الزيادة ملغاة لا تؤثر، والمصنف شامل للمسألتين كما في شرح عبد الباقي وغيره. وقوله:"وسكة"، معطوف على "عين"، من قوله:"ولا زكاة في عين"، كما قال البساطي: لأن المعاطيف إذا تكررت كانت على الأول على الصحيح، وجعله الشارح معطوفا على ما قبله؛ وهو مبني على القول الضعيف؛ وهو أن كلّ واحد معطوف على ما قبله. قاله الشبراخيتي. وحلي؛ يعني أنه لا زكاة في الحلي من الذهب أو الفضة أو هما إذا سلم مما يأتي ذكره، والحلي منهما هو ما يتخذ للزينة، وقوله:"حلي"، بفتح الحاء وسكون اللام جمعه حلي بضم الحاء وكسرها وكسر اللام وتشديد التحتية، وقرئ بضم الحاء وكسرها قوله عز وجل:{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} . والمراد هنا المفرد بدليل تذكير الضمائر العائدة عليه.

وإن تكسر؛ يعني أن الحلي لا يزكى وإن تكسر، قال المازري: وهو ظاهر المذهب، واشترط بعض المتأخرين في التكسر أن لا يبلغ حد التهشم، وأما إن تهشم حتى لا يستطاع إصلاحه إلَّا بعد سبكه فهذا لا يزكى إذا حال عليه الحول بعد كسره كالتبر. قاله بعض أصحابنا. قاله ابن يونس. نقله الشارح. وإلى هذا أشار بقوله: إن لم يتهشم، وقال الحطاب: فإن تهشم فتجب الزكاة فيه بعد حول من يوم تهشم، هذا تأويل ابن يونس على المدونة، قال: وقاله بعض أصحابنا، وقوله:"إن لم يتهشم" إيضاح ذلك: أنه لا تجب فيه الزكاة وإن تكسر حيث لم يتهشم، وأما إن تهشم بحيث لا يستطاع إصلاحه إلَّا بعد سبكه فتجب الزكاة فيه يعد حول من تهشمه؛ لأنه انتقل

ص: 367

بالتهشم انتقالا بعيدا قرب به من التبر، وسواء نوى إصلاحه أو عدم إصلاحه أو لا نية له، فتجب الزكاة فيه في الصور الثلاث. والله سبحانه أعلم. وأما قوله: ولم ينو عدم إصلاحه، فهو شرط في المتكسر الذي لم يتهشم، والمعنى أن محل عدم وجوب الزكاة في الحلي المتكسر الذي لم يتهشم إنما هو حيث لم ينو ربه عدم إصلاحه؛ بأن نوى إصلاحه أو لا نية له، وأما إن نوى عدم إصلاحه ففيه الزكاة -هذا ظاهره- والمعتمد وجوب الزكاة فيما إذا لم ينو شيئًا، فلو قال: ونوى إصلاحه، لَحَسُنَ. والله سبحانه أعلم.

والحاصل: أن الحلي المتكسر إما أن يتهشم أولا، فإن تهشم بحيث لا يمكن إصلاحه إلَّا بعد سبكه ففيه الزكاة، نوى إصلاحه أو عدم إصلاحه أو لا نية، ويزكيه لحول من تهشمه لا قبل ذلك، وأما إن لم يتهشم بحيث يمكن إصلاحه بدون سبك، فإن نوى إصلاحه فلا زكاة فيه، وإن نوى عدم إصلاحه أو لم ينو شيئًا ففيه الزكاة. والله سبحانه أعلم.

وقال الحطاب عند قول المصنف: "ولم ينو عدم إصلاحه": هذا أعم من قوله في المدونة: ولا زكاة فيما انكسر من الحلي فحبس لإصلاحه، ومن قوله في النوادر: ولا زكاة في الحلي من ذهب أو فضة يتخذه الناس، وكذلك ما انكسر منه يريد أهله إصلاحه. انتهى. وكأن المصنف رحمه الله يرى أنه إذا لم يتهشم ولم ينو صاحبه عدم إصلاحه فكأنه حبسه لإصلاحه، فتأمله. والله أعلم. انتهى.

وقوله: أعم من قوله في المدونة الخ، يريد أن المصنف بحسب ظاهره شامل لصورتين: نية إصالاحه، وكونه لم ينو شيئًا، والذي نقل عن المدونة والنوادر إنما هو حيث نوى إصلاحه. والله سبحانه أعلم. أو كان لرجل، عطف على المبالغة، أعني قوله:"إن تكسر"؛ يعني أن الحلي لا زكاة فيه سواء كان لرجل أو امرأة، ومحل سقوط الزكاة في حلي الرجل إذا اتخذه لامرأته أو أمته أو ابنته الموجودات عنده حالا، وصلح كلّ للتزين به فلا زكاة حينئذ، فإن اتخذه لمن يحدث أو يصلح للتزين به بَعْدُ، لا الآن لصغره عن التزين به، فالزكاة عند مالك وابن القاسم، خلافا لأشهب، ويدخل ذلك في المعد للعاقبة، بخلاف اتخاذ المرأة ذلك لما يحدث لها من بنت أو حتى تكبر فلا زكاة عليها كما في الشامل، ويدخل في كلام المصنف ما اتخذه الرجل لنفسه من خاتم

ص: 368

وأنف وأسنان وحلية لمصحف أو سيف اتصلت بالنصل كالقبضة، أولا كالغمد، ولو كان السيف محلى واتخذته المرأة لزوجها، هل لا زكاة عليها فيه كما استظهره الناصر اللقاني؟ قياسا على ما اتخذه لنسائه أو عليها. قاله عبد الباقي.

وقال الحطاب: واعلم أن الزكاة تسقط عن حلي الرجل في وجه واحد باتفاق؛ وهو ما إذا اتخذه لزوجته أو أمته أو ابنته أو خدمه، أو ما أشبه ذلك إذا كانت موجودة واتخذه لتلبسه الآن، وكذلك خاتمه الفضة وحلية سيفه ومصحفه، وتجب في وجه واحد باتفاق وهو ما إِذا اتخذه للتجارة، ويختلف فيما عدا ذلك وتسقط الزكاة عن حلي المرأة في وجهين باتفاق، وهما ما إذا اتخذته للباسها أو لا بنة لها لتلبسه الآن، وتجب في وجه باتفاق وهو ما إذا اتخذته للتجارة. انتهى. وفي الشبراخيتي بعد كلام: ويؤخذ منه أن لا زكاة في تحلية الكعبة والمساجد بالقناديل والعلائق والصفائح على الأبواب والجُدُرِ، وما أشبهه بالذهب والفضة؛ وهو الصواب كما قال عبد الحق، وقيل: يزكيه الإمام لكل عام. انتهى. أو كراء، عطف على قوله:"لرجل"؛ أي أو كان لرجل أو كان لكراء؛ يعني أن الحلي لا زكاة فيه وإن كان متخذا للكراء أو الإعارة، وسواء اتخذه للكراء رجل أو امرأة. قاله عبد الباقي، ونحوه للخرشي. ومحل كلام المصنف إذا أبيح اتخاذه لمكريه من رجل أو امرأة، مثال ما يحل للرجل: السيف المحلى بالنقد والصحف المحلى به، وخاتم الفضة فهذا هو الذي إذا اتخذه للكراء لا زكاة فيه، بخلاف ما إذا اتخذ للكراء حليا لا يحل له استعماله فإنه تجب عليه الزكاة فيه، ومثال ما يحل للمرأة استعماله الملبوس مطلقًا، فإن اتخذته للكراء فإنه لا زكاة عليها فيه، بخلاف ما إذا اتخذت للكراء محلى غير ملائم لها كالمرآة والمدية؛ فإنه تجب عليها الزكاة في تلك الحلية. هذا تحقيق ما قاله عبد الباقي والخرشي. قاله جامعه عفا الله عنه.

قال محمد بن الحسن: ومعتمدهما في القيد المذكور ما في المواق، ونصه: والذي حكى ابن حبيب عن مالك وأصحابه أن الرجل يزكي والمرأة لا تزكي، قال: لأنه من لباسهن وهن لو شئن أن يلبسنه للبسنه؛ ومقتضى كلام الباجي أن هذا هو المشهور راعى الفرق بين أن تتخذه المرأة للكراء أو الرجل. انتهى. وهو خلاف ما في التوضيح عن الباجي، وذلك لما قال ابن الحاجب: وإن

ص: 369

اتخذ للكراء أو لصداق أو لعاقبة، فثالثها المشهور لا يزكى مال الكراء. انتهى. قال في التوضيح ما نصه: وحكى المصنف ثلاثة أقوال: سقوط الزكاة، ووجوب الزكاة، والفرق بين ما اتخذ للكراء فتسقط وبين غيره فتجب وهو المشهور وهو مذهب المدونة. والباجي يرى أن الخلاف في الكراء إنما هو إذا اتخذه لذلك من لا يحل له لبسه، كما إذا اتخذ الرجل حلي النساء. انتهى. لكن ما ذكره عن الباجي تيع فيه نقل عياض عنه، واعترضه ابن عرفة، ونصه عن الباجي عن ابن حبيب: سقوطها فيما هو من حلي لباس الحابس؛ أي حابس الحلي للكراء، وقول عياض عن الباجي إنما الخلاف في كراء النساء حلي الرجال والعكس لا أعرفه، إنما نقل قول ابن حبيب ولم يحك غيره. انتهى.

فَتَلَخَّصَ من هذا أن المعتمد ما عند هذا الشارح ومن وافقه، قاله المسناوي، وهو ظاهر المدونة، وبه تعلم أن ما ذكره مصطفى أن المعتمد هو الإطلاق غير صواب؛ إذ لا مستند له إلَّا ما في التوضيح وظاهر ابن الحاجب وأبي الحسن، وقد علمت ما في ذلك. والله الموفق. وظاهر المصنف هنا موافقة ما في التوضيح؛ إذ ظاهره أنه لا زكاة في الحلي العد للكراء، اتخذه له رجل أو امرأة، يحرم على المتخذ استعماله أم لا، قال مصطفى؛ أطلق المصنف تبعا لقول ابن الحاجب: المشهور لا يزكى ما للكراء، وأقره ابن عبد السلام، والمؤلف في توضيحه. انتهى.

قال مصطفى: والحاصل عنده يعني ابن حبيب -إذا أكرى كلّ ما يحل له فلا زكاة، وإن أكرى ما لا يحل له فالزكاة، فلا فرق إذا بين الرجل والمرأة، قال في الجواهر: وخصص ابن حبيب سقوط الزكاة بأن يصدر الكراء ممن أبيح له الانتفاع بما أكرى دون غيره. انتهى. إلا محرما، مستثنى من قوله:"ولا زكاة في حلي"؛ يعني أن الحلي المحرم فيه الزكاة، سواء كان ملبوسا كخاتم ذهب ودملج وسوار ذهب لرجل، وكذا مرود أو مكحلة لرجل أو امرأة، ويقع في كثير من النسخ: إلَّا محرم اللبس، وزيادة اللبس مضرة لقصور كلامه معها عن إفادة الحكم في الأواني وما أشبهها بطريق النص. قاله التتائي -وهو حسن- وما لأحمد من أن ما اتخذه الرجل للكراء لا زكاة فيه ولو كان مما يحرم استعماله عليه، وحمل قوله: إلَّا محرم اللبس، على ما إذا كان يلبسه، لا إن اتخذه للكراء غَيْرُ ظاهر لمخالفته للمعتمد أن المحرم المتخذ للكراء فيه الزكاة، كان

ص: 370

لرجل أو امرأة -كما مر- ومن المحرم تحلية غير المصحف من الكتب. ابن شعبان: وما جعل في ثوب الرجل أو الجدر من النقد، فإن كان يمكن أن يخرج منه قدر يفضل عن أجرة عامله زكي إن كان فيه نصاب، أو كمل به النصاب ذهبا، أو ورقا.

قال الحطاب: ودخل في كلام المصنف حلي الصبيان، فإنه على ما شهره في أول الكتاب محرم اللبس؛ إذ قال: وحرم استعمال ذكر محلى أعم من أن يكون صغيرا أو كبيرا، وقال الشيخ زروق: وحلية الصبيان من المباح على المشهور، والخلاف في الزكاة جار على الخلاف في جواز لبسه، ورجح في التوضيح في الحج عدم الجواز، ومن اتَّخذ أنفا من الذهب أو ربط به أسنانه لا زكاة فيه كما مر. وقد مر أن المصنف شامل لهذا لأنه من جملة الحلي الجائز، وأما تحلية الكعبة والمساجد بالقناديل وعلائقها والصفائح في الأبواب والجدر وما أشبه ذلك بالذهب والورق، فقال ابن شعبان: يزكيه الإمام لكل عام كالمحبس الموقوف من الأنعام، والموقوف من المال العين للقرض، قال عبد الحق: وأعرف في المال لإصلاح المساجد والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافا بين المتأخرين في زكاة ذلك كله، والصواب عندي أن لا زكاة في شيء موقوف على من لا عبادة عليه من مسجد ونحوه. والله أعلم.

وقال الشيخ زروق: ويزكى ما اتخذ لتجر وحلية كعبة ولو قنديلا ونحوه أو صفيحة بجدار ونحوه. انتهى كلام الحطاب. أو معدا للعاقبة عطف على قوله: "محرما"، فهو داخل في حيز الاستثناء؛ يعني أن الحلي المعد للعاقبة أي حوادث الدهر تجب فيه الزكاة على المشهور؛ وهو مذهب المدونة، وقيل بسقوط الزكاة في ذلك. قاله الشارح. ومفاد عبد الباقي أن ما أخذ للتزين مما هو مسكوك لا تسقط زكاته، بخلاف الحلي؛ لأن كونه مسكوكا يدلُّ على أنه معد للحاجة وإن لم ينوها، وقوله:"أو معدا للعاقبة"، قال الشبراخيتي: أي لحوادث الزمان، ولا فرق بين الابتداء والانتهاء، بأن طرأ ذلك بعد ما كان معدا للباس. أو صداق، عطف على قوله: لعاقبة؛ فهو مجرور؛ يعني أن الحلي إذا أعده صاحبه ليصدقه لامرأة يتزوجها أو يشتري به أمة يتسرى بها، فإنه تجب فيه الزكاة على المشهور. قال اللخمي: وكذلك إذا اتخذه ليلبسه لزوجة لم يتزوجها الآن، أو لجارية يتسرى بها بعد ذلك، أو لابنة له إذا كبرت أو إذا وجدت، فتجب الزكاة عند

ص: 371

مالك وابن القاسم خلافا لأشهب. قاله الحطاب. وعطف على قوله: "محرما"، قوله أو منويا به التجارة؛ يعني أن الحلي المتخذ للتجارة تجب فيه الزكاة إجماعا، سواء كان لرجل أو امرأة، يريد: ولو كان أولا متخذا للقنية، ويزكيه لعام من يوم نوى به التجارة؛ أي يزكي وزنه كلّ عام إذا كان فيه نصاب أو عنده من الذهب والفضة ما يكمله نصابا. قاله الخرشي. وقوله:"منويا به التجارة"، قال عبد الباقي: أي البيع لا الكراء، لما مر من أن ما للكراء لا زكاة فيه، وسواء في كلام المصنف اشتراه لها أو نواه بعد كونه للقنية أو موروثا، فالزكاة إذا مضى له حول من يوم نيته به التجارة بخلاف العرض، والفرق: أن الأصل في الحلي الزكاة، والأصل في العرض عدمها، والنية سبب ضعيف تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه، فإن نوى بالحلي القنية فلا زكاة، وإن لم ينو شيئا فالراجح وجوبها؛ وهو قول ابن القاسم خلافا لأشهب. انتهى.

قوله: فإن نوى بالحلي القنية فلا زكاة، قال محمد بن الحسن: أي نوى به القنية ابتداء، وأما إن كان منويا به التجارة ثم نوى به القنية فلا ينتقل بها، لقول التوضيح بعد أن ذكر أن النية تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه ما نصه: وينبغي على هذا إذا اشترى الحلي بنية التجارة ثم نوى به القنية أن النية لا تؤثر لكونها ناقلة عن الأصل. انتهى. قال التتائي: وربما أشعرت عبارة المصنف بعدم الزكاة فيما لو كبرت امرأة عن لبس حليها فنوت بيعه؛ وهو قول غير الصقلي، وللصقلي عن ابن حبيب: تزكيه احتياطا. انتهى. نقله عبد الباقي.

وقال الشبراخيتي عند قوله "أو منويا به التجارة": وإن لم ينو به تجارة ولا قنية زكاه على مذهب ابن القاسم، خلافا لأشهب، وظاهر المصنف متابعته، ولو قال المصنف: أو غير منوي به القنية لمشى على المعتمد. انتهى. وقال الحطاب: ولو ورث حليا ولم ينو به تجارة ولا قنية، قال اللخمي في تبصرته: يزكيه على مذهب ابن القاسم: ولا يزكيه على مذهب أشهب، فرأى ابن القاسم أنه كالعين تجب فيه الزكاة ما لم تكن نيته للقنية؛ وهي استعماله، ورأى أشهب أنه كالعرض لا زكاة فيه حتى ينوي به التجارة: وإلى هذا ذهب مالك في مختصر ما ليس في المختصر، وبالغ المصنف على وجوب زكاة الحلي، بقوله: وإن رصع بجوهر؛ يعني أن الحلي الذي تجب فيه الزكاة تؤخذ منه، ولا يسقطها كونه مرصعا أي ملزقا بجوهر، والجوهر هنا ما له

ص: 372

من الأجسام جوهرية كياقوت ولؤلؤ ونحوهما، وقوله:"رصع"، تصح قراءته بالتشديد والتخفيف على كلام الجوهري؛ لأنه قال: الترصيع التركيب، وقال: يقال رُصِعَ بالكسر. انتهى.

وزكى الزنة إن نزع بلا ضرر، هذه كيفية زكاة الحلي الرصع بالجوهر؛ يعني أن الحلي المرصع بالجوهر إذا كان يمكن نزعه من الجوهر المركب معه من غير ضرورة، ككسر بعض الجوهر أو غرم أي أجرة، فإنه ينزع منه وتزكى زنته؛ أي وزن ما فيه من العين كلّ عام إن كان نصابا أو دونه، وعنده من العين أو من عروض التجارة المدارة ما يكمل به النصاب، وسواء كان الجوهر تبعا للحلي أو غير تبع، وأما ما فيه من المعادن فإنه يزكى زكاة العروض إدارة واحتكارا. قاله الخرشي. وإلا تحرى، قوله:"وإلا"، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يمكن نزع الحلي من الجوهر أو أمكن مع ضرر، ظاهره ولو قل جدا فإنه يتحرى قدر زنته وتزكى كلّ عام، فإن استعمل وكان ينقصه الاستعمال تحرى قدر ما فيه كلّ سنة، وإلا اكتفى بتحريه أول عام وزكى، فإن أمكن تحقق وزنه كما ذكره القرافي عن أهل الهندسة أنهم يتوصلون إلى معرفة قدر ما فيه تحقيقا، لم يحتج للتحري. قال عبد الباقي: ولو بأجرة بلا مشقة. انتهى.

قال محمد بن الحسن: هذا ينافي ما ذكر أولا من أن الغرم من الضرر. انتهى. وقال عبد الباقي: قال التتائي: وسكت المصنف عن حكم الجوهر، وحكمه في المسألتين أنه يزكى كالعرض الدار والمحتكر، وظاهر كلامه كان الحلي تبعا للجوهر أو متبوعا وهو كذلك، وقيل: الأقل منهما تبع للأكثر. انتهى. وعبارة الخرشي: وقيل: الجميع عرض، وثالثها الأقل تبع للأكثر، وعلى المشهور فلو كان محتكرا ثم باع فض الثمن على قيمة الحلي، وقيمة الحجارة في ناب الحجارة زكاه الآن، ولا يزكي ما ناب الحلي لأنه زكاه أولا. عبد الحق: فتصير زكاته أولا على تحري الثمن، وفض الثمن حين البيع على القيمة لا على الوزن. انتهى. ويتضح ما قال بالمثال؛ وهو أن يكون الحلي خواتم ذهب أو فضة، اشتريت للتجارة فيها فصوص بيعت بمائة دينار، وزنة العين خمسون دينارا، فيقال: كم تساوي هذه الخواتم على ما هي عليه من صياغتها وصنعتها لو لم يكن فيها فصوص؟ فإذا قيل: ستون، قيل، فكم تساوي الفصوص على ما هي عليه إذا كانت

ص: 373

مفردة عن الخواتم؟ فإذا قيل: عشرون، علمنا أنَّها ربع الصفقة، فلها ربع الثمن خمسة وعشرون؛ فيزكيها. انتهى.

وقال عبد الباقي: ما ذكر من زكاة الجوهر في المسألتين ظاهر فيما نوى به التجارة، وأما ما زكى لكونه معدا للعاقبة، فحكم عرضه حكم عرض القنية، لا زكاة فيه. وضم الربح لأصله؛ يعني أن ربح المال -أي النقد- حوله حول أصله، فمن عنده عشرة دنانير دون حول، فباعها بسلعة، ثم باع السلعة بعشرين دينارا قبل الحول: فيزكيها لتمام الحول عند ابن القاسم؛ لأن حول ربح المال حول أصله: فإن حصل الربح بعد الحول ضمه أيضًا وزكى ساعتئذ، وصار حولها فيما يأتي من يوم التمام. قاله عبد الباقي. وقوله:"وضم الربح"، قال ابن عرفة: الربح زائد ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهبا أو فضة، واحترز بثمن من زيادة ذات البيع كنموه كما إذا اشترى صغيرا للتجارة ثم باعه بعد ما كبر، زكى من الثمن قدر ما يباع به الآن لو بقي صغيرا، وما بقي ينوب نماؤه لا يزكى لأنه غلة لا ربح. قاله محمد بن الحسن. وقوله:"وضم الربح"؛ أي والربح ذهب أو فضة، وإلا فلا ضم، ويجري على عرض الإدارة والاحتكار الآتي، ولذا قال ابن عرفة: الربح زائد ثمن مبيع تجر على ثمنه الأول ذهبا أو فضة. انتهى. وهو تعريف للربح الذي يزكى، وأما الربح مطلقًا فهو الزيادة على الأصل. قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: الربح ما زاد من ثمن سلع التجارة على ثمنها الأول ذهبا أو فضة، قال ابن الحاجب: ونماء النقد ربح وفائدة وغلة، واحترز ابن عرفة بقوله: مبيع تجر، عن مبيع قنية، وقوله:"وضم الربح لأصله"، هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وعن مالك: يستأنف أي يستقبل حولا من يوم حصول الربح، وقيل: يضم إلى الأصل بعد الشراء لا قبله؛ أي يستقبل حولا من يوم الشراء. انظر الشارح، والشبراخيتي.

تنبيه: قال عبد الباقي عند قول المصنف: "وضم الربح لأصله": أي ربح غير الفوائد؛ إذ ربحها يستقبل به كأصلها. كما يأتي في قوله: "وإن نقصتا فربح" الخ، قال محمد بن الحسن: مثله في الخرشي، وأصله للأجهوري، وهو وهم منهم أوقعهم في ذلك ما ذكره الحطاب هنا في التنبيه الرابع، وسيأتي عند قوله:"وتضم ناقصة"، من أن الفائدة إذا حال حولها دون نصاب ثم كملت

ص: 374

بعد شهر أو شهرين تزكى يوم التمام، ويكون حولها من يومئذ وهو صحيح ذكره ابن عرفة وغيره، فتوهموا منه أن الفائدة هي التي تضم لربحها؛ لأن حولها انتقل ليوم التمام وهو غير صحيح، بل ربحها هو الذي ضم لها، ولذا زكى الجميع يومئذ اعتبارا لحول الفائدة، وإنما انتقل لأنَّها لما مر عليها الحول أوَّلَا وهي دون نصاب لم يعتبر لعدم الوجوب حينئذ، فألْغِيَ واعتبر من يوم الوجوب. انتهى.

كغلة مكترى للتجارة، جعله عبد الباقي وغيره في حكم الربح، فتضم الغلة لأصلها فهو تشبيه في الضم للأصل، وقال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل هي ربح حقيقة عند ابن القاسم، خلافا لقول أشهب: يستقبل بها فهو مثال، فالأحسن لو قال المصنف: كربح مكترى للتجارة، ومعنى كلام المصنف أن من كان عنده نصاب زكاه في رمضان، أو ملك في رمضان دون النصاب ثم اكترى به دارا للتجارة في ذي القعدة فأكراها في ذي الحجة بأربعين دينارا مثلا، فالحول رمضان، ومفهوم قوله:"للتجارة"، أنه لو اكتراها للسكنى ثم أكراها لأمر حدث له فلا تضم الغلة للأصل وإن كثرت، بل يزكيها لحول من يوم قبضها، ومفهوم أيضًا أن غلة ما اشتري للتجارة لا يضم بل يستقبل بها كما يصرح به.

وقوله: "وضم الربح لأصله"، سواء كان نصابا أم لا، وقوله:"كغلة مكترى"، قد مر عن محمد بن الحسن: أنه ربح حقيقة، وأوضح ذلك بما في التوضيح، قال التونسي: وقول ابن القاسم أبين لأنه إنما اشترى منافع الدار بقصد الربح والتجارة، فإذا أكراها فقد باع ما اشتراه، بخلاف غلة ما اشترى. انتهى. قال: فقد بان به أنه ربح حقيقة لا حكما. انتهى. قوله: "كغلة"، قال في القاموس: الغلة الدخل من كراء دار، وأجرة غلام، وفائدة أرض. وأغلت الضيعة أعطتها، وقال في مادة دخل: والدخل الداء البطاء والعيب والريبة، ويحرك ما دخل عليك من ضيعتك. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: فظهر من هذا أن الغلة من غل في الشيء أدخل، أو من غل بمعنى دخل كانغل وتغلل وتغلغل. قاله في القاموس. انتهى. وبالغ على ضم الربح لأصله، بقوله: ولو ربح دين لا عوض له عنده؛ يعني أن الربح يضم إلى أصله، ولو كان الربح ناشئا عن دين لا عوض له عنده؛ أي ليس عنده ما يجعله في مقابلته؛ أي الدين أصل الربح، وما قبل المبالغة

ص: 375

حيث كان عنده ما يوفي به دينه، فإذا تسلف دنانير عشرين مثلا فباعها بسلعة، فباعها بعد حول بخمسين، فإنه يزكي الثلاثين الربح وينظر للعشرين الباقية، فإن كان عنده ما يجعله فيها زكى، وإلا فلا، وكذا لو اشترى سلعة بعشرين في ذمته فباع السلعة بخمسين بعد حول، فإنه يزكي الثلاثين الربح، وينظر للعشرين الباقية، فإن كان عنده ما يجعله فيها زكى وإلا فلا، وهذا بشمل ما إذا اشترى السلعة للتجارة أو للقنية ثم بدا له التجر فيها، وكذا لو تسلف عرضا للتجارة، ويشترط فيما يزكى من الربح كونه نصابا كما مثلت، وإلا لم يزكه، ولو كان الأصل المجعول في مقابلة الدين نصابا.

ابن رشد: حول الذي تسلف الدنانير وتجر فيها محسوب من يوم تسلف الدنانير؛ لأنه ضامن لها بالتسلف، وفي عينها الزكاة، وحول ربح الذي تسلف العرض وتجر فيه محسوب من يوم تجره في العرض، لا من يوم التسلف، من أجل أن العرض لا زكاة في عينه، وحول ربح الذي اشترى العرض وتجر فيه محسوب من يوم اشتراه إن كان اشتراه للتجارة، وإن كان اشتراه للقنية ثم بدا له فتجر فيه فهو محسوب من يوم باعه، وقيل: من يوم نض ثمنه في يده. قاله الحطاب. ومثل ما إذا اشترى العرض للقنية ما إذا تسلفه للقنية، وللشيخ علي الأجهوري:

وحول القرض من يوم اقتراض

إذا عينا يكون بلا خفاء

ويوم التجر أول حول عرض

تسلفه لتجر للغناء

ومن يكن اشترى عرضا لتجر

فإن الحول من يوم الشراء

وإن عرضا لقنية اشتراه

ويبدو التجر فيه للنماء

فأول حوله من يوم بيع

له فاحفظ وقيت من الرداء

ونظر محمد بن الحسن في كون حول عرض القنية من يوم البيع، وقال: إن حول عرض القنية إذا باعه بحالٍّ فمن يوم القبض اتفاقا، وإن باعه بمؤجل ففيه طريقان: إحداهما أن حوله من يوم القبض أيضًا وهو مذهب المدونة، والثانية أن حوله من يوم البيع وهذه طريقة ابن رشد في عرض القنية وهي ضعيفة؛ لأنَّها خلاف مذهب المدونة.

ص: 376

وقد خطَّأ ابنَ رشد بعضُ الشيوخ في هذه المسألة كما في المواق عند قوله: وإنما يزكى دين، وما في الزرقاني أصله في الحطاب، وقد أجاب بعض شيوخنا بأن ما ذكراه فيما إذا بدا له في العرض التجر وباعه بنيته، وما في الطريقتين وتخطئة ابن رشد إنما ذلك إذا باع عرض القنية غير ناو به التجارة، فبينهما فرق. والله أعلم. وقد تقدم أن من أعطي له مال يتجر فيه والربح له ولا ضمان عليه، يستقبل بالربح اتفاقا، وفهم من المصنف بالأحروية أنه إن كان عنده مثل الثمن الذي اشترى به ولم ينقده حتى حال الحول، أنه يزكي الربح لحول الأصل وهذا هو المشهور، وقيل: لحول الشراء، وقيل: يستقبل به حولا. قاله الحطاب. وإذا كان بيده دون النصاب وحال عليه الحول ثم اشترى به سلعة وباعها بعد يوم أو شهر أو شهرين، فإنه يزكي الجميع يوم يبيع، ويكون حوله من يومئذ، وأما لو كان عنده نصاب وحال عليه الحول ولم يزكه، ثم اشترى به سلعة فباعها بعد حول بيوم أو شهر أو شهرين، فإنه يزكي المال الذي حال عليه الحول، ولا يزكي الربح إلَّا لحول من يوم وجبت الزكاة في أصله. قاله في سماع ابن القاسم، من كتاب الزكاة. والله أعلم. قاله الحطاب. وما قاله ظاهر؛ لأنه لم يبع المال إلَّا بعد أن وجبت فيه الزكاة، وحول ربح المال حول أصله، وحول الأصل هنا هو وقت وجوب الزكاة فيه، وتأخير إخراج الزكاة لا ينقل عن الحول، فوجب تأخير إخراج زكاة الربح لحول الأصل الذي هو وقت وجوب الزكاة فيه. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.

ولمنفق بعد حوله مع أصله وقت الشراء، الظرف الأول يتعلق بمنفق، والأخيران يتعلقان بمحذوف، حال من منفق أو صفة له، وقوله: لنفق بفتح الفاء بصيغة اسم المفعول صفة لموصوف محذوف، والمعنى أنه كما يضم الربح لأصله، يضم هو أي الربح لمال منفق أي أُذْهِبَ في نفقة مثلا بعد مرور الحول عليه، حال كون المال المنفق موجودا مع أصل الربح وقت الشراء، وبالضرورة أنه إذا كان موجودا وقت الشراء كان إنفاقه موجودا بعد الشراء، ويوضح ذلك تمثيله في المدونة بمن عنده عشرة دنانير حال عليها الحول، فاشترى منها بخمسة سلعة، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بخمسة عشر، فإنه يزكي عشرين منها الخمسة المنفقة لمرور الحول عليها مع الخمسة التي هي أصل الربح تقديرا لوجود الربح يوم الشراء، فالشراء والإنفاق بعد الحول والإنفاق متأخر

ص: 377

عن الشراء، ومفهوم كلامه أنه لو أنفق الخمسة قبل مرور الحول أو بعده، وقبل شراء السلعة ثم اشتراها بالخمسة الباقية، فباع بخمسة عشر فلا ضم لأن المال المنفق والمشترى به في الأولى لم يجمعهما الحول، ولتأخر الشراء عن الإنفاق في الثانية، فلم يجتمع المال المنفق مع الربح المقدر وقت الشراء، وإذا انتفى الضم في الصورتين فلا زكاة كما هو واضح. والله سبحانه أعلم.

وبما قررت علم أن الضمير في "أصله"، للربح وما مشى عليه المصنف هو المشهور، وقيل: عليه الزكاة، أنفق قبل الشراء أو بعده، وقال أشهب وابن حبيب: لا زكاة عليه أنفق قبل الشراء أو بعده حتى يبيع بعشرين. قاله الشارح.

واستقبل بفائدة؛ يعني أن الفائدة لا تجب فيها الزكاة بمجرد ملكها، بل يستقبل بها حولا من يوم قبضها، قال الشارح: لا خلاف أعلمه أن الفائدة يستقبل بها حولا من يوم قبضها، وهو مروي عن عائشة وعلي وعثمان وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم. انتهى. وقال عبد الباقي: واستقبل بفائدة نصابا في مرّة أو مرات من يوم قبضه، أو من يوم تمامه، وبين المؤلف الفائدة بقوله: تجددت لا عن مال؛ يعني أن الفائدة هي المال الذي ملك لا عن عوض، فخرج بهذا القيد الربح والغلة. وقوله:"تجددت لا عن مال"، صفة كاشفة، ومثل لها بقوله: كعطية، من هدية وهبة لغير ثواب وصدقة وكميراث، ومن الفائدة نصاب ناشئ عن عمل يد زاد عن نفقته، فيستقبل به من حين تمامه ويدخل في قوله الآتي: وعن إجارة أو عرض مفاد قولان، والمذهب منهما الاستقبال، وما زاد على ذلك مما ذكر في وقت آخر أو أوقات، فإنه يضبطه ليمر حوله. وفي كلامهم [عند]

(1)

قوله: أو مر لكموجر نفسه الخ، ما يوافق هذا، فإن نسي أوقات ما زاد مما تقدم أنه يجعل فائدة جرى فيه قوله الآتي:"وضم لاختلاط أحواله آخر لأول عكس الفوائد".

وسئل سحنون عن الذي يتصدق على الرجل بألف درهم، وعزلها المتصدق فأقامت سنين فلم يقبلها المتصدق عليه أو قبلها، قال: إن قبلها استقبل حولا وسقط زكاة ما مضى من السنين، وإن لم يقبلها رجعت إلى صاحبها وأدى عنها زكاة ما مضى من السنين. وفي النوادر من رواية سحنون عن ابن القاسم: إن قبلها المتصدق عليه استقبل بها حولا ولم تسقط زكاتها عن المتصدق بالكسر،

(1)

ساقطة من الأصل والمثبت من عبد الباقي، ج 2 ص 147.

ص: 378

ووجه قول سحنون: أنه لما تصدق المتصدق بالدنانير -وللمتصدق عليه أن يقبل وأن لا يقبل- صارت الصدقة موقوفة على قبوله، فإن قبل خرجت عن ملك المتصدق يوم تصدق بها فلم تجب عليه زكاتها، ووجه قول ابن القاسم أن المتصدق عليه لما كان له أن يقبل وأن يرد بما أوجب له المتصدق على نفسه، وكان إن قبل وجبت له الصدقة بالقبول، وجب أن لا تخرج عن ملك المتصدق إلَّا بالقبول، فكان عليه زكاتها. قاله ابن رشد. ثم قال: ولو كانت هذه الصدقة مما له غلة لكانت الغلة على قول ابن القاسم للمتصدق إلى يوم القبول إن قبل، وعلى قول سحنون: تكون للمتصدق عليه إن قبل. ونقله ابن عرفة إثر كلامه على زكاة الموهوب، وفي الشامل: ولا زكاة في الغنيمة على المشهور. قاله الحطاب.

أو غير مزكى؛ يعني أن الفائدة كما في الشبراخيتي نوعان: أحدهما: هو الذي تقدم وهو المتجدد لا عن مال كعطية وميراث، والثاني: هو المال الذي تجدد عن مال غير مزكى وهي بهذا المعنى أعم منها الفائدة المتقدمة في قوله: "وضمت الفائدة له"، وقوله:"أو غير" عطف على معنى قوله: "لا عن مال"؛ أي تجددت عن غير مال أو عن مال غير مزكى. نقله بناني. ومثل للمتجدد عن مال غير مزكى بقوله: كثمن مقتنًى؛ يعني أن من عنده عرض للقنية لا زكاة فيه؛ أي لا تجب الزكاة في عينه كثوب أو عبد أو دار أو نحو ذلك فباعه بعين يستقبل بها حولا كاملا من يوم قبضها، فالمعتبر يوم قبض الثمن، سواء باع هذا المقتنَى بنقد وقبض ثمنه فورا. أو أخر قبضه ولو فرارا، أو باعه بمؤجل ولو أخر قبضه فرارا. هذا هو ظاهر المصنف هنا كظاهر المدونة. ويرد على حد المؤلف المعشرات بعد إخراج زكاتها، فإنها إذا بيعت ثمنُها فائدة، وهو ثمن مزكى إلَّا أن يقول بعد إخراج عشرة صار غير مزكى؛ لأن المراد بالمزكى ما تكرر زكاته كلّ سنة، وقول المصنف بعد لا عن مشترى للقنية وباعه لأجل الخ، طريقة لابن رشد مخالفة لظاهر المدونة. واحترز بثمن المقتنى غير المزكى عما إذا كان المقتنى ماشية وأبدلها بعين نصاب، فإنه يبني على حول الأصل إن كانت الماشية نصابا، فإن كانت الماشية دون نصاب وأبدلها بعين استقبل كما تقدم؛ أي لأنَّها ثمن غير مزكى، واحترز بثمن المقتنى أيضًا عما تجدد عن عرض التجارة فإنه يزكى لحول أصله

ص: 379

كما مر عند قوله: "وضم الربح لأصله"، وقال الأمير: واستقبل بفائدة، وهي متجدد لا عن متجر به. انتهى.

وتضم ناقصة وإن بعد تمام لثانية أو لثالثة، يعمي أن الفوائد إذا تعددت، فإن كانت الأولى ناقصة عن النصاب فإنها تضم للثانية، سواء عرض لها النقص بعد أن كانت نصابا تاما، أو كانت أول أمرها دونه، فإذا ضمت الأولى للثانية صارتا كأنهما فائدة واحدة، وتضم الناقصة للثانية سواء كانت الثانية نصابا أو دونه، وحصل من مجموعهما نصاب فيكون حولهما من يوم قبض الفائدة الثانية، وإذا استفاد ثالثة بقيت على حولها، فإن لم يحصل من مجموع الأولى والثانية نصاب ضمتا إلى الثالثة، ويكون الجميع كفائدة واحدة حوله من يوم قبض الفائدة الثالثة، وهكذا إلى أن يكمل النصاب. وقوله:"ناقصة"، حال؛ أي وتضم الفائدة حال كونها ناقصة، أو نائب فاعل تضم، أي فائدة ناقصة. قاله الشيخ إبراهيم. ومن أمثلة ما مر: ما لو ملك في رمضان عشرة دنانير بهبة أو نحوها أو عشرين، ثم نقصت حتى صارت عشرة، ثم ملك في شوال عشرة بنحو ذلك، فيكون حوله من يوم ملك العشرة الثانية، ولو ملك خمسة في رمضان ثم عشرة في ذي الحجة، ثم ملك خمسة في المحرم فإنه تضم الأولى والثانية للثالثة، وتصير الثلاث كفائدة واحدة ويكون حوله من المحرم.

إلا بعد حولها كاملة؛ مستثنى من قوله: "وإن بعد تمام"، يعني أن ما تقدم من ضم الأولى للثانية مع عروض النقص للأولى بعد تمامها إنما هو حيث لم تنقص بعد حولها كاملة وبعد تزكيتها، وفيها مع ما بعدها نصاب، وأما إن نقصت الأولى بعد مرور الحول عليها كاملة وبعد تزكيتها وفيها مع ما بعدها نصاب، فإنها تزكى على حولها الأول، لا تضم لما بعدها، وتزكى كلّ واحدة في حولها بالنظر للأخرى ما دام في مجموعهما نصاب، كعشرين دينارا محرمية، واستمرت بيده إلى أن حال عليها الحول، ثم نقصت وصارت عشرة فإنها تبقى على حولها، ولا تضم لما بعدها ناقصا كان أو كاملا، وتزكى كلّ واحدة بالنظر للأخرى، فتزكى الأولى عند حولها بالنظر للثانية، والثانية عند حولها بالنظر للأولى حيث كان في مجموعهما نصاب، كما لو كانت الثانية رجبية وهي عشرة، فإن في مجموعهما نصابا، فإن مر عليهما حول وهما ناقصتان كانتا كالناقصتين

ص: 380

ابتداء فتضمان لما بعدهما، وإن كملتا قبل مرور حول عليهما ناقصتين بربح، فإن كلّ واحدة تبقى على حولها. قاله الشيخ إبراهيم.

وقوله: "فعلى حولها"؛ أي ولا تضم الثانية الناقصة للثالثة؛ لأن الأولى لما استقر لها حول صار ما بعدها مستقلا في حوله لتقدم ملك النصاب، فلم يلزم اعتبار الحول فيما هو دون النصاب. قال عبد الباقي: ويشكل على مسألة المصنف أن الأولى والثانية لم يجمعهما ملك وحول، ولعله مبني على قول أشهب، وهذا غير ما للشارح، فإن نقص مجموعهما عن نصاب، فإن مر عليهما حول وهما ناقصتان فكالناقصتين ابتداء، فيضمان لما بعدهما، وإن كملتا قبل مروره بقيت كلّ على حولها، فعلم من هذا أن ضم الناقصة أصالة أو عروضا لما بعدها محله إذا استمر بها النقص حتى أتى حول الثانية، أما إن حصل فيها ربح تصير به نصابا قبل تمام حولها أو عنده، فلا ضم، ويجري فيها الأوجه الخمسة الآتية في الراجعتين. انتهى. قوله: ثم يشكل على مسألة المصنف أن الأولى والثانية لم يجمعهما حول؛ أي إذا تجددت الثانية بعد حول الأولى ونقصانها بعد الكمال، فتبقى الأولى على حولها، وتزكى في الحول الثاني باعتبار الثانية مع أنهما لم يجمعهما حول كامل، ولذا استظهر في التوضيح قول ابن مسلمة بضم الأولى للثانية، كما لو نقصت قبل حولها، قائلا: خلافا لما رجحه ابن راشد وابن عبد السلام؛ لأنا إذا لم نقل بانتقال الأولى إلى الثانية لزم أحد أمرين، إما زكاة ما دون النصاب أو زكاة المال قبل حوله، وكلاهما لا يصح، لأنهم إما أن يقولوا بزكاة الفائدة الأولى مع قطع النظر عن الثانية أو لا، فإن قالوا بها مع قطع النظر لزم زكاة ما دون النصاب، وإن قالوا بها لا مع قطع النظر لزم تزكية المال قبل حوله؛ إذ الفرض أن الثانية لم يحل حولها، وأجاب الشارح بأنا نلتزم الثاني، ولا تكون فيه زكاة قبل الحول؛ لأنا إذا أخرجنا زكاة الأولى إنما نخرج ما يخصها، فإذا جاء حول الثانية زكيناها، ولسنا نزكيهما في حول الأولى حتى يلزم ما قال التوضيح. انتهى. نقله محمد بن الحسن. وقوله: وهذا غير ما للشارح؛ أي هذا الجواب غير جواب الشارح، وأما الجواب بالبناء على قول أشهب فمعترض بأن أشهب يقول بتعجيل زكاة الأولى قبل حول الثانية كما هنا، وإنما يوجب الإخراج عن الأولى بعد مضي حول الثانية كما يأتي عنه، وقوله: فإن نقص مجموعهما الخ، هذا مفهوم

ص: 381

قوله: أوَّلًا: إلَّا بعد حولها كاملة، وفيها مع ما بعدها نصاب، وهو فقه حسن. وقوله: ويجري فيه الأوجه الخمسة الآتية، فيه نظر؛ لأن الأوجه الخمسة المذكورة إنما هي ظاهرة في الناقصتين بعد التمام والحول -كما يأتي-، وفي ذلك فرضها في المدونة وابن الحاجب وغيرهما، وأما الناقصتان ابتداء أو بعد التمام وقبل الحول فلا تجري فيها تلك الأوجه، إلَّا إذا حصل في الأولى من الربح ما كمل فيها نصابا؛ بأن تجر فيها وحدها أو فيهما ونابها في الفض ما كملها نصابا، وأما إن تجر في الثانية فقط أو ناب الأولى أقلّ من نصاب، فتضم للثانية قطعا.

تنبيه: كلام المصنف في العين -كما علمت- وأما الماشية، فقد مر أن الفائدة تضم للنصاب السابق، والفرق أن العين موكولة لأمانة أربابها فيزكونها بعد الحول، فلم يكن في تكرير إخراجها في العام أكثر من مرّة مشقةٌ، وأما الماشية فإنما يأخذ زكاتها الساعي؛ وهو لا يخرج في العام إلَّا مرّة واحدة لشقة تكرر الخروج عليه، فضمت فائدتها للنصاب. قاله عبد الحق. واعترضه اللخمي وغيره بأن هذا الحكم جارٍ فيمن لا سعاة لهم. أبو إسحاق: ولعله لا كان هكذا في السعاة جعل أصلا مطردا

(1)

).

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وبهذا تعلم أن قول الأجهوري هنا في الماشية، وأما من لا ساعي لهم أولهم ولا يصل إليهم، فحولهم في الماشية كحولهم في العين، ففائدة الماشية بالنسبة إليهم كفائدة العين في عدم الضم للنصاب، وفي الاستقبال بها إلى آخر كلامه باطل لمخالفته للمنصوص، فإنه استدل له بما لا دليل فيه. والله أعلم.

كالكاملة أولا، تشبيه في عدم الضم، ومعنى كلام المصنف أن الفائدة الأولى إذا كانت كاملة أي بالغة للنصاب أولا؛ أي عند القبض، واستمرت على كمالها بحولها، فإنها لا تضم لكاملة بعدها، وهذه كالدليل لما قبلها فلا يستغنى بالتي قبلها عنها، وقد اشتمل كلام المصنف على الفوائد الأربع التي في ابن رشد؛ وهي الكاملتان والناقصتان، والأولى ناقصة دون الثانية، والأولى كاملة والثانية ناقصة، فالكاملتان لا ضم فيهما، وكذا لا ضم فيما إذا كانت الأولى كاملة والثانية ناقصة، وأما الناقصتان فتضم الأولى لما بعدها، وكذا لو نقصت الأولى وتمت الثانية، واستفيد من

(1)

في الأصل مطرد.

ص: 382

قوله: "إلَّا بعد حولها كاملة"الخ، أن الكاملة لا تضم للتي بعدها، سواء كانت الثانية كاملة أو ناقصة، واستفيد ضم الأولى الناقصة للثانية سواء كانت الثانية ناقصة أو كاملة، من قوله: وتضم ناقصة الخ، وقوله:"كالكاملة أولا"، كمالها إما من أصلها كما إذا استفاد عشرين دينارا واستمرت بيده حتى حال عليها الحول، أو كانت دون النصاب وربح فيها ما كملت به نصابا قبل حولها؛ لأن الربح يضم إلى أصله، قال مالك: من أفاد خمسة دنانير ثم أفاد بعد خمسة أشهر خمسة أخرى، فتَجَرَ في الخمسة الأولى، فربح فيها نصابا زكى كلّ فائدة لحولها، ولو تَجَرَ في الخمسة الثانية قبل تمام حولها، فربح فيها خمسة عشر فأكثر، أضاف الخمسة الأولى إلى حول الثانية.

وحاصل في مر: أنه إن استمر كمال الأولى وما في حكمه للحول، يزكي جميع الفوائد كلّ على حولها، كان ما بعد الأولى بالغا للنصاب أم لا، نقصت الأولى بعد ذلك أم لا، ولابد أن يكون في مجموعهما نصاب -كما مر- وإلا ضما لما بعدهما إن مر عليهما الحول وهما ناقصتان، وأما إن نقصت الأولى ابتداء أو بعد تمام، وقبل مرور الحول عليها تامة، فإنها تضم لما بعدها إلى أن يتم النصاب، فيكون ذلك كفائدة واحدة، وبعد ذلك تزكى كلّ فائدة على حولها.

وإن نقصتا فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب عند حول الأولى أو قبله فعلى حوليهما؛ يعني أن الفائدتين إذا نقصتا أي نقص مجموعهما عن النصاب بعد التمام وجريان الزكاة في كلّ، ولم يستمرا على نقصهما، بل تجر فيهما أو في إحداهما، وحصل الربح فيهما أو في واحدة منهما بما يتم به النصاب، وعلم عين التي حصل فيها الربح حيث ربح في إحداهما، فإن كمال النصاب لا يخلو من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون عند كمال حول الأولى أو قبله، فإن الفائدتين في هذين الوجهين تزكى كلّ واحدة منهما على حولها، كما لو كانت عنده عشرون محرمية وعشرون بعدها رجبية، زكى كلا منهما لمرور الحول عليها تامة، ثم نقصتا أي نقص مجموعهما عن نصاب، فتجر فيهما أو في إحداهما ما يتم به النصاب فيهما، وحصل تمام النصاب عند حول المحرمية وهي الأولى أو قبله، فتزكى كلّ واحدة منهما على حولها، فتزكى المحرمية في المحرم والرجبية في رجب، وقوله:"وإن نقصتا فربح" الخ، تحته صورتان: إحداهما: هي التي ذكرتها لك،

ص: 383

ثانيتهما: أن تكون الأولى التي استفادها عشرين، والتي استفادها ثانيا عشرة، وحال حول الأولى وهي كاملة وزكاها، ثم بعد حول الثانية نقص كلّ منهما ولم يبق منهما إلَّا عشرة، فالدار على تقرر الحول لكل منهما فربح فيهما عشرة أو ربحها في إحداهما وعلم عينها، فإنه يزكي كلّ واحدة على حولها، فإذا علم ربح كلّ واحدة زكاه معها فيما إذا ربح فيهما، وإن ربح في واحدة منهما وعلم عينها زكاه معها: وإن جهل عينها جعله للثانية لا للأولى ليلا يلزم زكاته قبل حول محقق، كذا ينبغي. قاله عبد الباقي. فإن ربح في الفائدتين ولم يعلم ما يخص الأولى من الثانية بأن خلطهما، فإنه يفض الربح على حسب عدديهما، ويزكي ربح كلّ على حولها، وإلى هذا أشار بقوله: وفض ربحهما؛ أي إذا خلطهما وتجر فيهما مخلوطين فإنه يجعل الربح بينهما على حسب عدديهما؛ فإذا تساوى عددهما فلكل منهما نصف الربح، وإذا كانت إحداهما عشرة مثلا والأخرى خمسة كان للفائدة العشرة الثلثان وللأخرى ثلثه، وأشار إلى ثاني الأوجه الخمسة بقوله: وإن بعد شهر فمنه؛ يعني أنه إذا حصل الربح بما يتم به النصاب في الفائدتين، سواء ربح في إحداهما أو فيهما تمام نصاب، فإن كان ذلك عند حول الأولى أو قبله فهو ما مر، وأما إن حصل الربح فيهما أو في إحداهما بما يتم به النصاب بعد شهر من حول الأولى وقبل حول الثانية، فإن حول الأولى ينتقل لوقت تمام النصاب ويصير مبتدءا منه، فقوله: منه أي من تمام النصاب، وقوله:"وإن بعد شهر"، لا خصوصية للشهر، بل المراد أن يكون بعد حول الأولى وقبل حول الثانية، وأشار إلى ذلك في التوضيح. قاله الحطاب. وأما الفائدة الثانية، فإنها تبقى على حولها، وهو رجب في المثال المتقدم، وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: وعند حول الثانية؛ يعني أنه إذا تم النصاب عند حول الثانية بسبب ربح في إحداهما أو فيهما؛ فإنه يكون حول الفائدتين الأولى والثانية من حول الثانية، فيزكيان عند حول الثانية، وأشار إلى الوجه الرابع بقوله: أو شك فيه به لأيهما، اللام بمعنى: عند، قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أنه إذا شك في حصول الربح الذي تم به النصاب، هل حصل عند حول الأولى أو عند حول الثانية أو بينهما؟ فإنه يكون حول الفائدتين الأولى والثانية من حول الثانية، فيزكيان عند حول الثانية، وأما لو شك هل حصل الربح عند حول الأولى أو الثانية أو بينهما أو بعدهما؛ فإنه يجب انتقاله للأبعد.

ص: 384

وبما قررت علم أن قوله: فمنه؛ أي من حول الثانية، جواب عن الوجهين قبله، وهما قوله:"وعند حول الثانية"، وقوله:"أو شك فيه لأيهما"، معناه ما قررته به، وليس معناه أنه شك هل حصل الربح في الأولى أو في الثانية، فيزكيان عند حول الثانية؛ لأن في ذلك تفصيلا، ففي الناقصتين ابتداء أو قبل جريان الزكاة في واحدة منهما يجعل للثانية، ويكون الحول فيهما من حول الثانية، وأما الراجعتان للنقص بعد جريان الزكاة فيهما أو في الأولى، فإنا لو تحققنا أن الربح إنما نشأ عن الثانية لم يجعل حول الجميع من حولهما، بل ينظر متى حصل الربح بالأوجه المتقدمة. قاله الحطاب. ولو شككنا في الربح لأيهما لجعل للثانية، لكن الأولى لا ينتقل حولها. قاله الشبراخيتي.

واعلم أن هذه الأوجه الخمسة التي ذكر هنا في الناقصتين تجري فيما إذا نقصت الأولى فقط بعد جريان الزكاة فيها، واستفاد بعدها فائدة ناقصة لتقرر الحول لكل. واعلم أن هذه الأوجه الخمسة لا تجري في الناقصتين ابتداء، أو بعد التمام وقبل الحول إلَّا إذا حصل في الأولى من الربح ما كمل فيها نصابا، بأن تجر فيها وحدها أو فيهما ونابها في الفض ما كملها نصابا، وأما إن تجر في الثانية فقط أو ناب الأولى أقلّ من نصاب فتضم للثانية قطعا. واعلم أن قوله:"وفض ربحهما"، يجري في جميع وجوه هذه المسألة، وكذا قوله:"فربح فيهما أو في إحداهما تمام نصاب". واعلم أنه إذا شك في الربح لأي الفائدتين، فإنه يجعل للثانية، وسواء في ذلك الناقصتان ابتداء، فتضم الأولى للثانية، والراجعتان للنقص. والحول فيهما على ما قال المص. والله أعلم.

وإن حال حول الأولى وفيهما ما تجب فيه الزكاة، فزكى الأولى فنقصتا عما فيه الزكاة، فحل حول الثانية -وهما حينئذ ناقصتان- فلم يزك شيئًا ثم رجعا قبل أن يحول حول الأولى إلى ما فيه الزكاة، فإنه يصير يومئذ حول الثانية، وتبقى الأولى على حولها، ويصنع في الربح كما وصف، ولو زكاهما على حوليهما ما شاء الله، ثم رجعا إلى ما لا زكاة فيه إذا جمعا، ثم أتى حول الأولى وهما ناقصتان عما تجب فيه الزكاة فترك تزكيتهما، ثم بعد شهر وقبل أن يأتي حول الثانية ربح فيهما أو في إحداهما ما فيه النصاب، فإنه يزكي الأولى حينئذ ويترك الثانية إلى حولها، ثم بعد أن ترك الثانية إلى حولها نقصتا عما تجب فيه الزكاة، وأتى حول الثانية وهي ناقصة فترك

ص: 385

تزكيتها، ثم بعد أشهر رجعتا بالربح فيهما أو في إحداهما إلى ما فيه الزكاة، فإنه يزكي الثانية الآن وتبقى الفائدة على هذين الحولين، ولو زكاهما على حوليهما ما شاء الله ثم رجعتا بعد أن زكى إحداهما إلى ما لا تجب فيه الزكاة، ثم رجعتا جميعا إلى ما تجب فيه الزكاة بالربح فيهما أو في إحداهما قبل أن يأتي حول الثانية بقيتا جميعا على حوليهما المتقدمين بأعيانهما، تزكى كلّ واحدة على حولها بربحها الذي ربحه فيها، وإن كان قد خلطه فض الربح عليهما فزكى مع كلّ واحدة منهما ما ينوبها من الربح، وإن كان الربح في إحداهما زكاها بربحها وزكى الأخرى بغير ربحها. انتهى من البيان. نقله الحطاب.

وفي النوادر: ومن كتاب ابن سحنون: ومن أفاد خمسة عشر دينارا ثم إلى ستة أشهر أفاد ثلاثة دنانير فخلط المالين جميعا، ثم أخذ من جملتهما ثلاثة دنانير فتجر فيها فربح ثلاثة، فليقسم الربح على المالين فينوب الْخَمْسَةَ عشر ديناران ونصف، والثلاثة نصف دينار، ويبقى المالان [على حولهما]

(1)

، يريد حول آخرهما، ولو ربح ستة دنانير وقع للمال خمسة فيصير بربحه ما فيه الزكاة، فيزكيه لحوله والمال الثاني لحوله؛ يريد إذا كان هذا الربح قبل أن يضمهما حول آخرهما، ولو ضمهما حول آخرهما قبل الربح لم يرجعا إلى حولين، ويبقى حولهما واحدا، ولو تجر في المالين فربح ستة دنانير ثم لم يدر أيهما هو فليزكهما على حول آخرهما ولا يفضهما بالشك فقد يزكى الأول قبل حوله، وأشار إلى الوجه الخامس بقوله: كبعده؛ يعني أن الربح الذي تم به النصاب إذا حصل بعد حول الفائدة الثانية، فإن حول الفائدتين جميعا يكون من وقت التمام، فالتشبيه في مطلق الانتقال لا أن الحول ينتقل لحول الثانية، والمجرور بالكاف محذوف وبعد منصوب على الظرفية بالمجرور المحذوف، والتقدير كحصول الربح بعده أي بعد حول الثانية، والذي أحوج إلى هذا التقدير أن بعد من الظروف التي لا تجر إلَّا بمن، أو إلى، كما قاله الرضي. قاله غير واحد.

واعلم أن هذه الصور الخمس التي ذكر هنا في الناقصتين تجري فيهما إذا نقصت الأولى فقط بعد جريان الزكاة فيها، واستفاد بعدها فائدة ناقصة لتقرر الحول لكل، وقد مر هذا، وقول عبد

(1)

في الحطاب ج 2 ص 58 على حوليهما ط دار الرضوان.

ص: 386

الباقي: واعلم أن هذه الست صور، صوابه الخمس صور، قاله محمد بن الحسن. وقد مر أن الفائدتين لو استمرتا على النقص حولا كاملا فإن حولهما يبطل ويضمان لما بعدهما، وكذا إذا حصل ذلك في أكثر من فائدتين.

وإن حال حولها فأنفقها ثم حال حول الثانية ناقصة، فلا زكاة؛ يعني أن الفائدة الأولى التي لا تضم لما بعدها؛ إذا حال حولها ثم أنفقها قبل حول الثانية، أو ضاعت منه قبله، ثم حال حول الثانية ناقصة عن النصاب؛ فإنه لا زكاة فيها، قال الشبراخيتي ممثلا للمصنف: فإذا كان عنده فائدتان لا تضم إحداهما للأخرى، كما لو كان عنده عشرون محرمية حال عليها الحول وزكاها ثم صارت بعد الحول عشرة واستفاد بعد ذلك عشرة، فإنه إذا جاء المحرم وعنده العشرة يزكيها، فإذا أنفقها بعد الزكاة فلا زكاة عليه في العشرة الرجبية لقصورها عن النصاب، هذا هو الذي ينبغي حمل كلام المصنف عليه، وأما ما حمله عليه المواق من أنهما فائدتان تضم إحداهما للأخرى فغير جيد. انتهى. أي لأنه لا يقال في مثل هذا: حول الأولى؛ لأنَّها لا حول لها إلَّا حول الثانية، وجعل الحطاب كلام المصنف شاملا للصورتين.

وقال محمد بن الحسن: هو الصواب، ومعناه أنَّها مر عليها حول وإن لم يكن حولا شرعا، وفي المدونة: ومن أفاد ما فيه الزكاة ثم أفاد بعده بستة أشهر ما لا زكاة فيه فزكى الأول لحوله، ثم أنفقه قبل حول الثاني، فإذا حل حول الثاني لم يزكه إلَّا أن يكون عنده مال أفاده معه أو قبله وبعد الأول ولم يتلفه وفي هذا الأوسط مع المال الثالث ما فيه الزكاة، فليزكهما لحول آخرهما. انتهى. وقال في التوضيح: لو ملك عشرة في المحرم وعشرة في رجب، وحال حول المحرمية ثم أنفقها أو ضاعت، ثم حال حول الثانية ناقصة عن النصاب، فقال ابن القاسم: لا زكاة لأنه يشترط اجتماعهما في الملك، وكل الحول، ولم يحصل الاجتماع في كلّ الحول، وقال أشهب بوجوب الزكاة؛ لأنه إنما يشترط اجتماعهما في بعض الحول، قال: واحترز بقوله: ضاعت الأولى، عما إذا ضاعت الثانية، فإنهما يتفقان على سقوط الزكاة، ولو أنفق الأولى قبل حولها أي الأولى، فإنه لا خلاف في سقوط الزكاة إذ ذاك، ولو حال حول الثانية كاملة فإنهما يتفقان حينئذ على وجوب الزكاة في الثانية ويختلفان في الأولى. قاله الحطاب.

ص: 387

وقال عبد الباقي عند قوله "فلا زكاة": فيهما عند ابن القاسم، لاشتراطه اجتماع الفائدتين في الملك وكل الحول، وقال أشهب: يزكيهما لأنه يشترط اجتماعهما في الملك وبعض الحول. انتهى. وتقدم قول المدونة: إلَّا أن يكون عنده مال، أفاده معه أو قبله، قال محمد بن الحسن: معناه -والله أعلم- أفاده مع فائدة الثاني أو قبله لا مع حوله، ويدل على هذا قولها: وفي هذا الأوسط. تأمله. انتهى.

واعلم أن الخلاف جار بين ابن القاسم وأشهب في الثانية إن كانت الأولى فقط نصابا وأنفقها بعد حولها، وفي الأولى فقط إن كانت ناقصة والثانية كاملة، فأنفق الأولى بعد حولها وفيهما معا إن كانتا ناقصتين، وفي مجموعهما نصاب فأنفق الأولى بعد حولها، وفيما عدا ذلك الاتفاق. انظر حاشية الشيخ بناني.

ولما أنهى الكلام على الفوائد، أتبعه بالكلام على الغلة عاطفا على بفائدة، فقال: وبالمتجدد عن سلع التجارة بلا بيع؛ يعني أن الشخص يستقبل بالنقد المتجدد: أي الناشئ عن سلع التجارة أي السلع التي قصد بشرائها بيعها ليربح في ثمنها، حال كون هذا النقد المتجدد عنها أي الناشئ عنها حاصلا بلا بيع رقابها، وإيضاح هذا أن من اشترى سلعا ليتجر بها، ونشأ له عنها نقد بلا بيع لرقابها، بل بسبب كرائها، يستقبل بزكاته حولا من يوم أخذه؛ لأنه كفائدة، ولا يزكيه لحول الثمن الذي اشتريت به السلع، وأما لو بيعت سلع التجارة؛ وهو مفهوم قوله:"بلا بيع"، لكان الربح حوله حول الأصل، كما مر عند قوله:"وضم الربح لأصله"، وقال الحطاب شارحا للمصنف: أي واستقبل بالمتجدد عن سلع التجارة إن كان في عينه الزكاة كالدراهم والدنانير، وإلا استقبل بثمنه حولا كما صرح به في المدونة، وكأن ذلك فائدة أفادها، وفهم منه أنه يستقبل بالمتجدد عن سلع القنية بلا بيع من باب أحرى؛ وهو مفهوم قوله:"التجارة"، وكذا يستقبل بالمتجدد عن السلع المكتراة للقنية، وأما السلع المكتراة للتجارة بغلتها، فغلتها كالربح تضم للأصل، كما مر في قوله:"كغلة مكترى للتجارة". قاله الشبراخيتي، وغيره. وقوله:"عن سلع التجارة"، يشمل العبيد وغيرهم، ولهذا قال: كغلة عبد، مثال للنقد المتجدد عن سلع التجارة بلا بيع؛ يعني أن الشخص إذا اشترى عبدا للتجارة فاستغله بالكراء، فإنه يستقبل

ص: 388

بالعين التي أخذها في كرائه، ومن المتجدد عن سلع التجارة بلا بيع: صوف غير تام حين اشتراء الغنم للتجارة؛ ولبنها وسمنها، وكراء مسكن اشتري للتجارة. وكتابته؛ أي العبد المشترى للتجارة؛ وهو معطوف على قوله:"كغلة"؛ يعني أن الشخص إذا اشترى عبدا للتجارة فكاتبه، فإن نجوم كتابته من المتجدد عن سلع التجارة بلا بيع، فيستقبل به بناء على أن الكتابة عتق لا ثمن مبيع حقيقة، فلا ينافي قوله:"بلا بيع"؛ إذ لو كانت ثمنا لأخذها العبد عند العجز، وقوله:"وكتابته"، هو المشهور، وقيل: يبني على حول الأصل، وَالْفَرْقُ بين غلة المشترى للتجارة فيستقبل بها، وبين غلة المكترى للتجارة تضم للربح، أن المشتراة للتجارة المقصود نفسها فغلتها قبل التجارة بها محض فائدة، والسلع المكتراة للتجارة المشترى منها المنفعة، فربحها كربح السلع المشتراة للتجارة، فحولهما حول أصلهما.

وَثَمَرَةِ مُشْتَرًى، متعلقة محذوف؛ أي للتجارة؛ يعني أن الشخص إذا اشترى أصلا للتجارة، ولا ثمر فيه، فأثمر عنده، أو فيه ثمر غير مؤبر، ثم جذه فباعه منفردا أو مع الأصل، فإنه يستقبل بثمن الثمرة المذكورة؛ لأنه من المتجدد عن سلع التجارة بلا بيع لرقابها، وسواء كان هذا المشترى للتجارة مما تزكى ثمرته كنخل وعنب أو لا كخوخ ورمان وتفاح، فيستقبل بثمنها النقد سواء زكى عينها أم لا على المشهور، كما ذكره ابن عبد السلام وابن عرفة، ومقابله تخريج ابن بشير، شهره ابن الحاجب واعترضه ابن عرفة، ونصه: ولو كانت؛ أي الغلة مزكاة، ففي تزكية ثمنها لحول من يوم بيعها أو زكاتها، نقل الشيخ عن رواية محمد مع ظاهرها، وتخريج ابن بشير على كون ثمن غير مزكاها ربحا، فَجَعْلُهُ ابنُ الحاجب المشهورَ وهَمٌ. انتهى. نقله محمد بن الحسن.

واعلم أن الذي يستقبل به إنما هو ثمن ثمرة المشترى للتجارة فقط، وأما ما ينوب الأصل من الثمن حيث باع الثمرة معه فإنه يزكى لحول أصله، كما قال المصنف:"وضم الربح لأصله"، وأما إن لم يجد الثمرة ولم تفارق الأصول، فإن باعها مفردة فكذلك، وإن باعها معها فهي تبع للأصول إن باعها قبل الطيب، سواء كانت مما تزكى أم لا، أو بعده وهي مما لا تزكى كخوخ أو مما تزكى وقصرت عن النصاب، فإن بلغته فُضَّ الثمن عليها وعلى الأصول، فاستقبل بما نابها وزكى ما ناب الأصول لحول الأصل. انظر حسن نتائج الفكر. ونحوه في الحطاب، إلَّا أنه قال: وإن لم

ص: 389

تجب الزكاة في عينها فاختلف فيها، هل تكون غلة أو تكون تابعة لأصلها على الخلاف في الثمرة، بماذا تكون غلة هل بالطيب أو باليبس أو بالجذاذ؟ ثلاثة أقوال، ثم قال: وهذا إذا لم تجذ، وأما لو جذها فإنها فائدة بلا كلام، وفي الشبراخيتي عند قوله:"وثمرة مشترى"، للتجارة سواء اشترى أصول الثمر مع ثمر غير مأبور أو أثمرت عنده، ثم باع الثمرة مفردة أو مع الأصل، لكن إن باعها مفردة استقبل بثمنها، وإن باعها مع الأصل فض الثمن على قيمة الأصل والثمرة، فما ناب الأصل زكاه، وما ناب الثمرة استقبل به حولا من يوم قبضه، فيصير حول الأصل على حدة، وحول الثمرة على حدة، وهذا في الثمرة حيث لم تجر الزكاة في عينها، إما لكونها مما لا يزكى كالتفاح ونحوه أو لنقصه عن النصاب، فإن كان مما يزكى وهو نصاب زكاه، ثم إذا باعها استقبل بثمنها. انتهى.

وقول المصنف: "وبالمتجدد عن سلع التجارة"، هو المشهور، والشاذ أنه يزكى لحول الأصل كالربح، قال ابن عرفة: وفي كون ثمن غلة ما ابتيع للتجر ولا زكاة فيها لجنسها، أو عدم نصابها فائدة أو ربحًا قولا المشهور ونقل ابن بشير مع الصقلي؛ وهو رواية زياد، ولو كانت مزكاة ففي تزكية ثمنها لحول من يوم بيعها أو زكاتها، نقل الشيخ عن رواية محمد مع ظاهرها، وتخريج ابن بشير على كون ثمن غير مزكاها ربحا فجعْله ابنُ الحاجب المشهورَ وَهَمٌ. انتهى. نقله الحطاب. إلَّا المأبورة؛ يعني أن الشخص إذا اشترى سلعا للتجارة وفيها ثمرة مؤبرة في النخل أو حاصلة فيها يوم عقد الشراء في غير النخل، فيعم ثمرة النخل وغيره، فإن تلك الثمرة لا تكون غلة، بل هي من سلع التجارة، فيزكي ثمنها لحول الأصل، ويكون من أفراد قوله:"ضم الربح لأصله"، وقوله:"إلَّا المؤبرة"، هذا إذا لم تجب الزكاة في عينها لكونها من جنس ما لا يزكى أو دون النصاب، فإن وجبت الزكاة في عينها، فإنه يزكيها، ثم هل يستقبل بثمنها أو يزكيها لحول التزكية. الجاري على قولهم إنها كسلعة مشتراة أن يزكيه لحول التزكية؟ قاله الحطاب.

وفي التوضيح: وذكر ابن محرز أن أهل المذهب قالوا: يستقبل بثمن الثمرة وإن كانت مأبورة يوم عقد شراء الأصل. نقله الحطاب. والصوف التام؛ يعني أن الشخص إذا اشترى غنما للتجارة وعليها صوف تام؛ أي مستحق للجز يوم عقد الشراء، فإن ذلك الصوف التام من سلع التجارة

ص: 390

فهو كالثمرة المؤبرة يوم عقد الشراء، فإذا باع تلك الثمرة والصوف التام مفردين، أو مع الأصل فإنه لا يستقبل بثمنهما بل يزكيه لحول الثمن الذي اشترى به الأصول؛ أي الغنم وأصول الثمرة، لأن الثمرة والصوف التام كسلعة ثانية اشتراها للتجارة؛ إذ لهما حصة من الثمن، بل لا يصدق عليه متجدد عن سلع التجارة الخ، فثمنهما من أفراد قوله:"وضم الربح لأصله"، وقد مر أن هذا في الثمرة التي لم تجر الزكاة في عينها، لكونها من جنس ما لا يزكى، أو لكونها دون نصاب، والظاهر في الاستثناء -أعني قوله إلَّا المؤبرة والصوف التام- أنه منقطع؛ لأن ما ذكر لا يصدق عليه متجدد إلَّا أن يقال إنه متجدد باعتبار الأصل لا من حين الشراء، واعترض الرماصي المصنف بأن في ذكره في المأبورة إنما هو تخريج ذكره عبد الحق عن بعض شيوخه، قيَّدَ به المصنف كلام ابن الحاجب واعتمده هنا، والصواب خلافه لقول بعض المحققين من شراح ابن الحاجب: المؤبرة حين الشراء المنصوص أنَّها غلة. وقال ابن محرز: أهل المذهب، قالوا: إنه يستقبل بثمن الثمرة وإن كانت مؤبرة يوم الشراء، نعم إن كانت حين الشراء قد طابت، فقال بعض شراح ابن الحاجب: الظاهر أنَّها كسلعة. انتهى. وكذا ما ذكره في الصوف التام، قال الرماصي: هو أيضًا مخرج لابن يونس على قول ابن القاسم: إنه إن اشترى الغنم وعليها صوف تام فجزه ثم ردها بعيب أنه يرد الصوف معها، وقال أشهب: إنه غلة ولا يرده، قال: لكن يسهل للمؤلف الاعتماد على المخرج في هذه كون المسألة لا نص فيها، فلم يخالف النص بخلاف الأولى. والله أعلم. انتهى. نقله محمد بن الحسن. وقال عقبه: عبارة اللخمي التي في الحطاب تقتضي أن ما ذكره المصنف في الصوف التام منصوص لا مخرج، ونصها: اختلف إذا اشترى الغنم وعليها صوف تام فجزه ثم باعه، فقال ابن القاسم: إنه مشترى يزكيه على حول الأصل؛ وهو المال الذي اشتريت به الغنم، وعند أشهب: أنه غلة، والأول أبين لأنه مشترى يزاد في الثمن لأجله. انتهى.

وإن اكترى وزرع للتجارة زكى؛ يعني أن من اكترى أرضا للتجارة وزرع فيها بنية التجارة، يزكي ما حصل له من ثمن الزرع لحول أصله، وهو تزكية ما اكترى به الأرض إن كان زكاه، وإلا فمن يوم ملكه وهذا إذا لم تجب الزكاة في عين ما خرج من الأرض، وإلا فسيذكره بقوله: "وإن وجبت

ص: 391

زكاة في عينها زكى"، ومفهوم قول المصنف: "اكترى"، أنه لو اشترى للتجارة وزرع لها لاستقبل بالثمن حولا من يوم القبض، خلافا لابن الحاجب. قاله الشبراخيتي.

وهل بشرط كون البذر لها؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيمن اكترى أرضا للتجارة وزرع فيها بنية التجارة، كعل يزكي ما حصل له من ثمن الزرع على حول الأصل الذي اكتريت به الأرض، مطلقًا كان البذر -أي المبذور- لها أي للتجارة أي مما اتخذ للتجارة أو مما اتخذ للقوت؟ كما ذهب إليه أبو عمران، أو إنما يزكى ذلك على حول الأصل بشرط كون البذر من الحب المنوي به التجارة؟ وأما إن كان البذر مما اتخذ للقوت فإنه يستقبل بثمن ما حصل من الزرع حولا بعد قبضه، وإليه ذهب ابن شبلون وأكثر القرويين؟ في ذلك تردد، لهؤلاء الأشياخ، وقوله:"وإن اكترى وزرع للتجارة"، وقوله:"تردد" قال عبد الباقي: تردد للشيوخ في فهم المدونة، قاله البساطي. فحقه تأويلان، واعتراض التتائي عليه غير ظاهر، وأجاب أحمد عن المصنف، بقوله: وكأنه لما رأى تأويل ابن يونس كقول التهذيب بوجوب الزكاة، وتأويل أبي عمران إنما هو في الأمهات من عدم وجوب الزكاة، وكلام التهذيب عنده على ظاهره لم يجعلهما تأويلين؛ لأنهما لم يؤولا لفظ التهذيب ولا لفظ الأمهات، بل كلّ واحد أول كتابا، ولذا صرح في التوضيح بأنهما طريقتان، واختصره هنا بتردد. انتهى. قوله: كقول التهذيب بوجوب الزكاة، وكذا قوله: عدم وجوب الزكاة، فيه نظر، والصواب أن تأويل ابن يونس باشتراط البذر لها، وتأويل أبي عمران بعدم اشتراك ذلك كما عبر المصنف. قاله محمد بن الحسن.

لا إن لم يكن أحدهما للتجارة، هذا مفهوم قوله:"وإن اكترى وزرع للتجارة زكى"؛ يعني أنه إذا لم يكن اكترى الأرض للتجارة ولا زرعها لها، بأن كانا معا للقنية، فإنه يستقبل بثمن الزرع حولا من يوم قبضه، ومقتضى كلام المصنف أنه لو اكترى للتجارة وزرع للقنية، أو اكترى للقنية وزرع للتجارة، زكى على حول الأصل مع أن المعتمد أنه إنما يزكي على حول الأصل حيث كانا معا للتجارة كما يدلُّ عليه، قوله:"وإن اكترى وزرع للتجارة"، وأما إن كانا أو أحدهما للقنية، فإنه يستقبل، فلو قال: لا إن لم يكونا للتجارة فيصدق بما إذا كانا للقنية أو أحدهما لطابق المعتمد.

ص: 392

وعلم من هذا أنه إذا لم ينو شيئًا لكان الحكم في ذلك كالقنية لا كالتجارة. والله سبحانه أعلم. والضمير في "أحدهما"، للاكتراء والزرع المفهومين من قوله:"وإن اكترى وزرع للتجارة"، على حد قوله تعالى:{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ، فقوله عز وجل:{هُوَ} أي العدل المفهوم من اعدلوا. وإن وجبت زكاة في عينها زكى، الضمير في عينها للغلة المفهومة من السياق؛ يعني أن الغلة في جميع ما مر زرع للقنية أو للتجارة كانت الثمرة مؤبرة أم لا، كانت السلعة للقنية أم للتجارة إذا وجبت زكاة في عينها أي الغلة، بأن يبلغ الحب المزكى أو الثمر المزكى خمسة أوسق فأكثر، فإن الزكاة يجب أن تخرج من الحب أو الثمر، وعلم من هذا أن قوله: وإن وجبت زكاة في عينها يرجع لما قبل الاستثناء؛ أعني قوله: "إلَّا المأبورة"، ولا بعده كما هو ظاهر. وذكر هذا، وإن علم من قوله:"وفي خمسة أوسق" استيفاء للمسائل، وليرتب عليه قوله: ثم زكى الثمن لحول التزكية؛ يعني أنه إذا زكى الثمرة المؤبرة لوجوب الزكاة في عينها، فإنه إذا باعها يزكي ثمنها لحول من يوم زكى الثمرة المؤبرة، لا من يوم قبض الثمن، وكذا إذا اكترى أرضا للتجارة وزرع فيها أيضًا بنية التجارة؛ فإنه يزكي ما وجبت الزكاة في عينه من ذلك الزرع، فإذا باعه بعد ذلك فإنه يزكي ثمنه على حول من يوم تزكية الزرع، لا من يوم قبض الثمن.

وعلم مما قررت أن قوله: "وإن وجبت زكاة في عينها زكى"، عَامٌ في جميع المسائل المتقدمة، وأن قوله:"ثم زكى الثمن"، خاص بشيئين: أحدهما قوله: "إلَّا المؤبرة"، والثاني قوله:"وإن اكترى وزرع للتجارة"، حيث حصل من الزرع ما فيه نصاب، وأما غير ذلك مما وجبت الزكاة في عينه؛ إذا باعه بعد أن زكاه فإنه يستقبل بثمنه حولا من يوم قبض الثمن. وإنما اتبع حول الثمن هنا حول تزكية الثمرة؛ لأن زكاة عينها أبطلت حول الثمن، بخلاف ما مر. قاله عبد الباقي. أي لأن ذلك يستقبل به كما علم من قوله:"وبالتجدد عن سلع التجارة"، وقوله:"ثم زكى الثمن لحول التزكية"، كان مديرا أم لا.

تنبيهات: الأول: قال محمد بن الحسن عند قول المصنف: "وإن اكترى وزرع للتجارة زكى"، ما نصه: الظاهر أن هذه المسألة من أفراد قوله فيما تقدم: كغلة مكترى للتجارة، ويدل عليه كلام الحطاب. انتهى.

ص: 393

الثاني: قال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: علم مما تقدم أن الغلات إما أن تكون متولدة عن السلع المشتراة للقنية، أو المشتراة للتجارة، أو المشتراة للكراء، أو عن السلع المكتراة للقنية أو للتجارة، والحكم في الجميع مستفاد من كلام المصنف؛ لأنه قد ذكر أن غلات السلع المشتراة للتجارة يستقبل بها، فيستقبل بغلات سلع القنية من باب أولى، وأما المشتراة للكراء فهي كالمشتراة للتجارة أو للقنية. وقال في النوادر: من قول مالك وأصحابه: أن غلة ما اشتري للتجارة أو للكراء أو للقنية أو ورثه فذلك فائدة. انتهى. وأما غلات السلع المكتراة للتجارة فذكر حكمها بقوله: "كغلة مكترى للتجارة"، وقوله:"وإن اكترى وزرع للتجارة"، وأما غلات السلع المكتراة للقنية فمن مفهوم ما ذكر. والله أعلم. انتهى. أي فيستقبل بها كما هو واضح مما مر. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.

الثالث: في المدونة: ومن اكترى أرضا وابتاع طعاما فزرعه فيها للتجارة، أخرج زكاته يوم حصاده، فإذا تم له عنده حول من يوم زكاه قومه إن كان مديرا وله مال عين سواه، وإن لم يكن مديرا فلا يقومه، فإذا باعه بعد حول من يوم أدى زكاته زكى الثمن، وإن باعه قبل حول تربص، فإذا تم حول والثمن في يديه وفيه ما تجب فيه الزكاة زكاة. انتهى. وفي الجواهر: ومن اكترى ليكري زكيت أجرته لحول أصله، وغلة ما اشترى للكراء أو للقنية فائدة يستقبل بها الحول، وكذا غلة ما اشترى للتجارة، وروي أنَّها تزكى لحول أصلها، وأما غلة الأراضي فإن كانت مكتراة للتجارة زكى ما يخرج إن كان نصابا، وإن كان دونه زكى ثمنه، ثم يستقبل بالثمن حولا من يوم زكاة عينه أو ثمنه، وإن كان للقنية استقبل بالثمن حولا كان البيع نصابا أو دونه، وإن كان أحدهما للتجارة والآخر للقنية فذكر الخلاف الذي فيه، ثم قال: ولو اشترى أصولا للتجارة فأثمرت، فإن قلنا بأن الغلات فوائد استقبل بالثمن حولا، كانت مما تجب الزكاة في عينها أم لا، وإن أوجبنا الزكاة على حكم الأصول بنى أثمانها إذا باعها على حول الأصول إن لم تجب الزكاة في عينها، وإن وجبت عَدّ ابتداء الحول يوم زكاها. انتهى. نقله الحطاب. قال: وكلامه موافق لما قلناه، إلَّا قولى في اكتراء الأرض للتجارة: وإن كان دون النصاب زكى ثمنه ثم استقبل بالثمن حولا من يوم زكى عينه أو ثمنه، ولو قال: زكى ثمنه بعد حول الأصل المكترى به

ص: 394

ثم استقبل بالثمن حولا من يوم زكاة عينه فيما إذا كان نصابا أو ثمنه إن لم يكن نصابا، لكان أحسن. والله أعلم. انتهى. قوله: وإن أوجبنا الزكاة على حكم الأصول؛ يعني فرعنا على القول بأنها ربح. والله سبحانه أعلم.

ولما فرغ من الكلام على زكاة الربح والفوائد والغلة، شرع في الكلام على زكاة الدين، فقال: وإنها يزكى دين؛ يعني أن دين المحتكر؛ وهو الذي يرصد الأسواق سواء كان عينا أو عرضا، إنما يزكى لسنة من أصله بشروط تأتي، والمحصور قوله:"وإنما يزكى دين"، والمحصور فيه قوله الآتي: لسنة من أصله، والشروط ليست من المحصور، ولا من المحصور فيه. قاله الشبراخيتي. فالشروط ليست هي مصب الحصر، وأشار لاثنين من الشروط بقوله: إن كان أصله عينا بيده؛ يعني أنه يشترط في زكاة هذا الدين لسنة من أصله أن يكون أصله -أي الدين- بيد مالك الدين، والمراد بالأصل المال الذي نشأ عنه الدين، كما لو أقرض عشرين دينارا مثلا لشخص، والعشرون بيد مالكها الذي أقرضها لذلك الشخص، فإنه يزكي العشرين التي على المقترض إذا أخذها من المقترض، بشرط أن يكون قد مضى لأصلها سنة، وأصلها هو العشرون التي أقرضها، وإيضاح ذلك أنه يشترط أن تكون العشرون -مثلا التي أقرضها- بيده؛ أي بيد مالك الدين، واحترز بذلك مما إذا لم يكن أصل الدين بيد المالك، وإنما كان في يد موروثه، أو بيد من وَهَبَ له الدين، أو من يقوم مقامه، أو كان أصْلَه صداقٌ بيد زوج أو من يقوم مقامه، وأقرضته المرأة أو الوارث وهو بيد من ذكر، فإنه إذا أخذ من المقترض لا يزكيه لسنة من أصله، وإنما يزكيه لحول من يوم قبضه. والله سبحانه أعلم. ولو قدم المصنف قوله:"بيده"، بأن يقول: إن كان أصله بيده عينا أو عرض تجارة لكان أولى، قاله محمد بن الحسن. وقوله:"عينا"، معناه أن هذا الأصل الذي بيد المالك للدين لابد فيه أيضًا أن يكون عينا أقرضها، كما مثلت.

أو عرض تجارة، عطف على قوله:"عينا"؛ يعني أن هذا الأصل الذي نشأ عنه الدين لابد فيه من أحد أمرين، إما أن يكون عينا كالمثال المتقدم، وإما أن يكون عرض تجارة أي تجارة محتكر، فإذا كان كذلك فإنه يزكيه المحتكر بعد قبضه لسنة من أصله، وأما إن لم يكن الأصل عينا ولا عرضا من عروض التجارة؛ أي من احتكار بأن كان أصله عرضا من عروض القنية أو الميراث، أو

ص: 395

كان عرض هبة أو صدقة أو أرش جناية، فلا زكاة فيه إلَّا بعد حول من قبضه. قاله التتائي، وغيره. وقال الخرشي عثد قوله:"أو عرض تجارة"، سواء ملكه بهبة أو إرث أو غيرهما، وقصد به التجارة. انتهى. أي فإن لم يقصدها به فإنه لا زكاة فيه إلَّا بعد حول من قبضه، ولو أخره فرارا.

وقد مر أن العطية لو بقيت بيد معطيها سنين قبل القبول والقبض، لا زكاة فيها لماضي الأعوام على المعطي بالكسر، ولا على المعطى بالفتح عند سحنون حيث قبلها المعطى بالفتح، خلافا لرواية سحنون عن ابن القاسم: لا تسقط زكاتها عن ربها، فإن لم يقبل فالزكاة على المعطي بالكسر لماضي السنين.

وعلم مما قررت أن قوله: "إن كان أصله عينا بيده"، أو عرض تجارة مشتمل على شرطين، أَحَدُهُمَا أن يكون الأصل بيد مالك الدين، ثانِيهِمَا أن يكون هذا الأصل أحد شيئين، إما عينا وهي صورة القرض المتقدمة، وإما عرض تجارة.

واعلم أن صورة القرض المذكورة يستوي فيها المحتكر والمدير؛ لأن دين القرض لا يزكى إلَّا بعد القبض، وسيأتي الكلام على دين المدير إن شاء الله. وقوله:"عينا بيده"، قال الشبراخيتي: يصح في "عينا" أن تكون خبر كان، وأن تكون حالا، وبيده حال بعد حال، وقوله:"بيده"؛ أي بيد مالك الدين -كما علمت- ومثل يده يد وكيله كما نص عليه غير واحد، وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: إن قبض؛ يعني أنه يشترط في زكاة دين المحتكر أن يقبض، وأما قبل القبض فلا زكاة فيه، خلافا للشافعي، وأشار إلى الشرط الرابع، بقوله: عينا، حال من ضمير "قبض"؛ يعني أنه يشترط في زكاة دين المحتكر بعد القبض أن يكون هذا المقبوض عينا، فلو قبض عرضا فإنه لا زكاة عليه فيه حتى يبيعه، فإذا باعه زكى لحول من يوم قبض الأصل؛ أي العرض، وقوله:"قبض عينا"، ظاهره سواء كان الدين عرضا وأخذ عنه العين، أو عينا وأخذها كما أن ظاهر مفهومه أنه لا زكاة في العرض أخذ عن عين أم لا.

وبما قررت علم أن قوله: "قبض عينا" يتضمن شرطين: أحدهما قبضه فلا زكاة فيه حتى يقبض، ثانيهما: أن يكون المقبوض عينا. وفي الشبراخيتي: فإن قبضه عرضا لم يزكه إلَّا أن يكون

ص: 396

فارا. انتهى. وقال عبد الباقي: فإن قبض عرضا لم تجب فيه الزكاة، وظاهره ولو فرارا من الزكاة، وينبغي أن يجريَ فيه ما جرى في قبض ثمن عرض التجارة عرضا فرارا من الزكاة، وسيأتي.

ولو بهبة؛ يعني أن دين المحتكر لا زكاة فيه حتى يقبض عينا، فإن قبض عينا وجبت فيه الزكاة لسنة من أصله بالشروط المقررة، ولا فرق في القبض بين أن يكون حاصلا من مالك الدين مباشرة، وبين أن يكون حاصلًا بقبض الموهوب له الدين من رب الدين، فإن رب الدين لما وهبه لشخص وقبضه ذلك الشخص بواسطة الواهب كان ذلك بمنزلة قبض الواهب له مباشرة، فتجب زكاته على الواهب بقبض الموهوب، ويزكيه من غير الدين إلَّا أن يقول الواهب: إنما وهبت ما زاد على حق الفقراء فيصدق. وقوله: "ولو بهبة"؛ أي لغير المدين، وأما إن وهبه للمدين فلا زكاة على الواهب لأنه لم يقبض منه، وإنما هو إبراء. ولا على المدين إلَّا أن يكون عنده ما يجعله فيه. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: والزكاة على الموهوب له إن نوى الواهب ذلك، وإن لم ينو فالزكاة على الواهب. انتهى. وقال محمد بن الحسن: أشار بلو لرد قول أشهب: لا زكاة في الموهوب لغير من هو عليه، وقال الحطاب عند قوله:"ولو بهبة"؛ أي تجب الزكاة في الدين إذا قبض، ولو كان القبض بهبة؛ بأن يكون وهبه صاحبه لشخص غير من هو عليه وقبضه فيزكيه الواهب منه، وهذا هو المشهور، وقيل: لا تجب عليه زكاته، وكذا حله ابن غازي، ونصه قوله:"ولو بهبة": أي لغير من هو عليه؛ لأن قبض الموهوب، كقبض الواهب، وجعلة إغياء للقبض يدلُّ على مراده، فإن الموهوب للمدين لا قبض فيه أصلا. انتهى. وفهم منه أيضًا أنه إنما يزكيه بعد أن يقبضه الموهوب له، وهو كذلك، قال ابن الحاجب: فلو وهب الدين لغير المديان فقبضه، ففي تزكية الواهب قولان، قال ابن عبد السلام: وهما جاريان على الخلاف في الزكاة، هل هي واجبة في الدين، وإنما يمنع من إخراجها عدم الاقتضاء، أو إنما تجب بالقبض، وإن وهب الدين للمدين فلا زكاة على الواهب.

قال في المدونة: ومن كان له على رجل دين له أحوال، وهو قادر على أخذه منه، فوهبه له فلا زكاة فيه على ربه، ولا على الموهوب له حتى يتم له عنده حول من يوم وهب له، وهذا إن لم

ص: 397

يكن له مال غيره، فإن كان له عرض سواه فعليه زكاته وهب له أم لا، وقال غيره: عليه زكاته إذا وهب له كان لد مال أو لم يكن له. انتهى. ونقله في التوضيح. قال الحطاب: قولنا يزكيه الواهب منه؛ أي من الدين الموهوب. ابن عرفة: وفي زكاة واهب الدين لغير مدينه منه بقبضه وسقوطها قولا ابن القاسم وأشهب، وقال في التوضيح: وتؤخذ الزكاة منها أي من الهبة، لا من غيرها. ابن محرز: قال شيخنا أبو الحسن: إنما تؤخذ الزكاة منها إذا قال الواهب: أردت ذلك، وإن لم يكن أراد ذلك فقد قال ابن القاسم في بائع الزرع بعد وجوب الزكاة: إن الزكاة على البائع إن لم يشترط ذلك على المشتري. انتهى.

وقد مر الخلاف فيمن وهب زرعه بعد وجوب الزكاة فيه، فهل تجب الزكاة على الواهب، أو من الزرع الموهوب بعد يمين الواهب أنه ما وهبه ليزكيه؟ والله أعلم. نقله الحطاب.

أو إحالة، عطف على قوله:"بهبة"؛ يعني أن الإحالة قبض حكمي، فإذا كان للمحتكر دين من العين، وأحال عليه شخصا، فإنه بمجرد عقد الحوالة يخاطب المحيل بزكاته على المذهب، ولا يشترط قبض المحال للدين. ابن عرفة: وفي زكاة المحيل الملي ما أحال به بالحوالة أو قبض المحال، قول ابن القاسم، وتأويل ابن لبابة قول أصبغ وضعفه ابن رشد. انتهى.

قال ابن رشد: وتجب على المحيل الزكاة بنفس الإحالة، وتأول ابن لبابة أنَّها لا تجب حتى يقبضها؛ وهو تأويل فاسد لا وجه له، فقول المواق: على المحيل زكاتها إذا قبضها المحال، فيه نظر، قاله محمد بن الحسن. وعلى المحال زكاتها إذا قبضها أيضًا، وكذلك المحال عليه أيضًا، لأن الإنسان إذا كان عليه دين وعنده مال حال عليه الحول؛ وهو ملي فلا يعطيه في دينه حتى يزكيه، قال ابن الحاجب: وعلى تزكيته فهو مال يزكيه ثلاثة إن كانوا أملياء؛ يعني المحيل، والمحال، والمحال عليه. انظر الحطاب.

قال الحطاب: ولو في قول المصنف: "ولو بهبة أو إحالة"، إشارة لقول أشهب في الهبة، وتخريج اللخمي في الحوالة من قول أشهب في الهبة، ورده ابن عرفة بانتفاع المحيل في الحوالة، قال: ونَقْلُه ابْنُ الحاجب وابنُ بشير نصا لا أعرفه. انتهى. وقوله: "ولو بهبة أو إحالة"، هذا إذا كانت الهبة والحوالة بعد تمام حول، وإلا لم تجب على الواهب والمحيل زكاة، وهو ظاهر. وفي

ص: 398

كلام ابن يونس وابن عبد السلام إشارة إلى ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. وهو ظاهر من كلام المصنف أيضا. قاله جامعه. والله سبحانه أعلم.

وفي الشبراخيتي ما معناه: أن الدين المحال به يزكيه ثلاثة، أحدهم المحيل ويزكيه من ماله لا منه، الثاني المحال ويزكيه إذا قبضه منه، الثالث المحال عليه إذا كان عنده ما يجعله فيه. والمحال والمحال عليه مخاطبان بالزكاة فيه، والمحيل مخاطب بالزكاة عنه أي عن نظيره؛ لأن المحيل يجعل المائة التي له بالمائة التي عليه، ويزكي عنها لأنه ملكها، ولو شرط الواهب زكاته على الموهوب أو المحيل على المحال اتبع شرطه وأخذت منه، قيد به محمد خلاف ما يوهمه كلام التتائي أنه مقابل، ولو أعدم الواهب كانت على الموهوب، وأشار إلى الشرط الخامس، بقوله: كمل بنفسه؛ يعني أنه يشترط في زكاة دين المحتكر مع الشروط الأربعة أن يكون الدين أي المقبوض قد كمل بنفسه؛ أي بلغ النصاب، سواء كان الدين نصابا أو دون نصاب، فإذا أقرض عشرين دينارا أو عشرة دنانير، وأخذ في الصورتين مائتي درهم فليزكها لسنة من أصلها، وَكَأَن يقبض عشرين دينارا عن مائة درهم أو مائتي درهم فليزكها لسنة من أصلها، سواء قبض العشرين مثلا جملة، أو قبض عشرة فعشرة، فليزك الجميع عند قبض العشرة الثانية، واحترز بقوله:"كمل"، عما إذا أخذ عن عشرين دينارا مثلا أو عشرة دنانير مائة درهم مثلا، فإنه لا زكاة عليه، والمراد بالنفس هنا: الذات، وليس مراده بها التوكيدية.

ولو تلف المُتَمُّ، بفتح التاء اسم مفعول من أتم رباعيا، فاعل تلف؛ يعني أنه إذا بلغ المقبوض من الدين أي دين المحتكر نصابا، فإنه يزكى ولو تلف بعضه قبل كماله، كما إذا قبض من دينه عشرة دنانير، فتلفت بضياع أو أنفقها ثم اقتضى منه عشرة دنانير أيضًا، فإنه يزكي العشرين ولا يسقط الزكاة تلف العشرة الأولى؛ لأن العشرين جمعها ملك وحول، وإنما أخرت زكاة العشرة الأولى مخافة أن لا يقبض بعدها ما يتم به النصاب، فيكون قد خوطب بزكاة ما قصر عن النصاب.

واعلم أنه إذا تلف المتم -بالفتح- بإنفاق، قبل قبض المتم -بالكسر- أي ما يتمه نصابا، فالزكاة اتفاقا، وأما إذا تلف بضياع فالزكاة واجبة على المشهور. قاله الخرشي. وقال محمد بن

ص: 399

الحسن: رد المصنف "بلو"، قول ابن المواز بعدم الزكاة، واستظهره ابن رشد، لكن إذا تلف من غير سببه، وأما إذا تلف بسببه أو أنفقه فلا خلاف في وجوب الزكاة، وهذا الخلاف إنما يكون إذا تلف بعد أن مضى من المدة ما لو كان ما تجب فيه لضمنها، وأما إن تلف بفور قبضه فلا اختلاف أنه لا يضمن ما دون النصاب، كما لا يضمن النصاب.

والحاصل أنه إذا قبض نصابا وتلف بالفور قبل إمكان التزكية سقطت الزكاة اتفاقا، وأنه إذا قبض نصابا وزكاه واستمر في يده أو لم يزكه أو ضاع بتفريط أو أنفقه في حوائجه، فلا كلام في تزكية ما يقتضي بعده قل أو كثر، وإن تلف النصاب منه بغير تفريط؛ أي وبعد إمكان الأداء، فهل يزكى ما اقتضى بعده من قليل أو كثير؟ وهو قول ابن القاسم وأشهب، أو لا يزكي حتى يقتضي نصابا؟ وهو قول ابن المواز، ولو تلف بالفور فلا يزكي ما اقتضى بعد ذلك إلَّا إذا بلغ نصابا باتفاق، وأما إذا قبض دون النصاب وتلف بالفور بحيث لا يمكن الأداء لو كان نصابا، فلا يزكي ما يقتضي بعد ذلك إلَّا أن يكون نصابا، وإن أمكنه الأداء وتلف بسببة أو بتفريط فإنه يزكي إن اقتضى ما يتم به التالف باتفاق ابن المواز، وابن القاسم: وإن تلف بغير سببه ولا تفريط منه فالزكاة على المشهور، خلافا لابن المواز.

أو بفائدة جمعهما ملك وحول، هذا مفهوم قوله:"كمل بنفسه"، وقوله:"أو بفائدة"، عطف على قوله:"بنفسه"؛ يعني أن الدين المقبوض إذا لم يكن نصابا ولكنه حصل عند ربه منه ومن فائدة ما بلغ النصاب، فإنه يزكي ذلك لسنة من أصله، والمراد بالفائدة هنا ما تجدد عن مال أو غيره، فهي أعم مما مر، ويشترط في زكاة النصاب الحاصل من الفائدة والدين أن يجمعهما ملك وحول، بأن يحول الحول على الفائدة؛ وهي في ملك صاحب الدين، سواء كمل حولها قبل الاقتضاء أو معه، ومعلوم أن الدين لا يزكى حتى يكون قد مضى لأصله حول، فقد جمعهما الملك والحول، وأما لو لم يكمل حول الفائدة إلَّا بعد الاقتضاء فإنه لا يزكى الدين حين الاقتضاء، بل تؤخر الزكاة حتى يكمل حول الفائدة فَيزكَّي حينئذ، ولو مر للفائدة عنده ثمانية أشهر واقتضى من دينه ما يصيرها نصابا فأكثر، زكى ما اقتضاه إن بقي لتمام حولها، وبقيت لتمامه ليحصل جمع الحول والملك لهما.

ص: 400

وقوله: "وحول"؛ أي كلّ الحول. أو بمعدن، عطف على قوله:"بنفسه"؛ يعني أن الدين إذا لم يكمل بنفسه ولكن حصل في ملكه منه ومن المعدن نصاب -ولا يشترط في المعدن الحول كما يأتي- فإنه يزكي ما ذكر لسنة من أصل الدين، فإذا اقتضى من دينه عشرة دنانير وأخرج من معدنه تمام النصاب -وقد مر لأصل الدين سنة فأكثر- فإنه يزكي ما ذكر؛ لأن المعدن لما لم يعتبر فيه الحول، صار الخارج منه كمال حال حوله. قاله في التلقين. واستحسنه المازري، وإلى هذا أشار بقوله: على المقول: ومقابله عدم ضم المعدن للدين، عزاه ابن عرفة للصقلي عن المدونة.

وقال في التوضيح: لم أر القول بعدم الضم، لكنه يأتي على ما فهم ابن يونس من المدونة أن المعدن لا يضم إلى عين حال حولها، وليس هذا خاصا بالدين، ولذا قال ابن عرفة: وفي ضم المعدني لغيره مقتضى أو غيره، قولا القاضي والصقلي عنها. انتهى.

لسنة من أصله، متعلق بيزكى من قوله: وإنما يزكى دين إن كان أصله عينا بيده، وهو مصب الحصر -كما مر- يعني أن دين المحتكر إنما يزكى بالشروط المذكورة بعد أن يمر لأصله -أي الدين- سنة من يوم وجوب تزكيته؛ أي الأصل، أو من يوم ملكه إن لم تجب فيه زكاة، فقوله:"لسنة من أصله"؛ أي بعد مضي سنة مبتدأة من يوم ملك الأصل، أو من يوم زكاه، والمراد بالأصل ما نشأ عنه الدين، فلو كان عنده عشرون دينارا لها في ملكه ثمانية أشهر، ثم أقرضها لشخص، فأقامت في ذمته أربعة أشهر ثم اقتضاها، فإنه يزكيها بمجرد القبض، ولو أقامت عنده سنة فزكاها فأقرضها ثم اقتضاها، فإنه يزكيها لمضي سنة من يوم وجوب الزكاة فيها، فإن كان عنده ما تجب فيه الزكاة وأقام عنده حولا فأكثر ولم يخرج زكاته ثم أقرضه ثم اقتضاه، فإنه يخرج زكاته لماضي الأعوام التي قبل إقراضه، ويراعى فيه تنقيص الأخذ النصاب، كما ذكره التتائي عن ابن القاسم. وقوله:"لسنة من أصله"؛ أي لا من قبضه وقوله لسنة من أصله سواء أقام عند المدين سنتين أو سنة أو بعضها فتجب الزكاة بمضي سنة من أصله، سواء كانت السنة حاصلا بعضها عند رب الدين قبل أن يداينه، وبعضها في ذمة الدين، أو كان حين ملكه داينه وأقام في ذمة المدين سنة، وأولى لو أقام الأصل عند رب الدين سنة فأقرضه ثم اقتضاه، فإنه تجب عليه الزكاة بمجرد القبض في هذه الصور الثلاث.

ص: 401

وقد علمت أنه لا فرق في هذا المذكور بين أن يكون أصل الدين عينا أقرضها، أو عرض تجارة. والله سبحانه أعلم. قال الحطاب عند قوله "لسنة من أصله": أي يزكي الدين بعد مضي حول على أصل الدين، لا على الدين، فلو كان عنده نصاب ثمانية أشهر ثم داينه لشخص، فأقام عنده أربعة أشهر ثم اقتضاه، زكاه إذ ذاك. انتهى. وما اقتضاه قبل كمال الحول وتلف قبله لا يزكيه ولا يضمه لما يقتضيه بعده.

قال في المدونة: وكذا إذا أنفقه قبل الحول أيضًا، وأما لو اقتضى شيئًا قبل مضي الحول وبقي فإنه يضم لما قبض بعدها قطعا، ويزكيهما حيث كمل بهما النصاب. قاله محمد بن الحسن رادا على عبد الباقي، وقوله "لسنة من أصله"؛ أي ولو لم يبق في ذمة المدين إلَّا يومًا واحدا، وقوله:"لسنة من أصله"؛ أي لا من يوم المداينة، وقوله:"لسنة من أصله"، هو في دين المحتكر كما علمت، ومثله دين القرض ولو كان المقرض مديرا.

ولو فر بتأخيره؛ قرر على أنه مبالغة في المنطوق، قال الشارح: يريد أن الدين يزكيه ربه لسنة واحدة من أصله، ولو فر من الزكاة بتأخيره؛ أي بعدم قبضه من المدين. انتهى. وبهذا قرره الرماصي، فقال: قال ابن غازي مبالغة في دين المحتكر: وتقدم عن ابن عبد السلام أن الكلام هنا في دين المحتكر. ابن عرفة: ودين المحتكر ذهبا أو فضة من قرض أو ثمن ما ملك لتجر يزكى بقبضه لحول فصاعدا مرّة، ثم قال: ولو أخره فارا ففيها زكاه لعام واحد. انتهى كلام الرماصي. وقال الحطاب عند قوله "ولو فر بتأخيره" ما نصه: قال ابن عرفة: ولو أخره فارا: ففيها زكاه لعام واحد، وسمع أصبغ ابن القاسم: لكل عام. انتهى. وعلى هذا رد المصنف "بلو"، على ابن القاسم، قال: لما سئل ابن القاسم عن زكاة الدين، وأن ربه يزكيه عند اقتضائه لسنة واحدة بالشروط المذكورة؟ قال: هذا إن لم يفر بتأخيره، فإن فر فيزكيه لكل عام مضى وخالفه غيره، ورأى أنه لا فرق ولا يظن بعاقل أنه يترك قبض ماله فرارا من الزكاة؛ لأنه لو اشترى أي سلعة كانت ربح فيها مقدار حصة الزكاة وزيادة. انتهى. وقال الأمير: لسنة من أصله، ولو فر بتأخيره على المعتمد. انتهى.

ص: 402

وقال محمد بن الحسن عند قوله "ولو فر بتأخيره": يصح جعله مبالغة على دين القرض أو الاحتكار، كما قال ابن غازي. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله:"ولو فر بتأخيره"، شرط حذف جوابه، وهو استقبل إن كان عن كهبة الخ، ثم قال: ويحتمل أن يكون مبالغة في المفهوم كما قيل: وهو ظاهر أي وإن لم يكن أصله عينا بيده، ولا عرض تجارة استقبل، ولو فر بتأخيره إن كان عن كهبة الخ. انتهى.

إن كان عن كهنة أو أرش، أما على أن قوله:"ولو فر بتأخيره"، مبالغة في المنطوق؛ أي في قوله:"لسنة من أصله"، فالكلام على حذف لا النافية؛ أي لا إن كان الدين عن كهبة، ويكون هذا تصريحا بمفهوم قوله: إن كان أصله عينا بيده أو عرض تجارة، ولابد من هذا الحذف، وإن كان لا دليل عليه. ومعنى كلام المصنف على هذا: أن الدين إذا لم يكن أصله عينا بيد رب الدين ولا عرض تجارة، بل كان من دين الفوائد -أعني القسم الذي تجدد له الدين فيه لا عن مال كما لو ورث دينا لموروثه، أو وهب له دين، أو ترتب له أرش جناية على أحد، أو كان الدين مهر امرأة أو ثمن بضع أي خالعها على دين في ذمتها- فإن الحكم في ذلك كله أنه لا زكاة فيه. إلَّا بعد حول من يوم قبضه حالا كان أو مؤجلا، ولو فر بتأخيره. هذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله:"إن كان عن كهبة أو أرش". قاله الحطاب. قال: ولهذا قلنا إنه لو قال: لا إن كان عن كهبة، فيستقبل لصح كلامه. انتهى.

وقال محمد بن الحسن عند قوله: "إن كان عن كهبة أو أرش"، ما نصه: على تقدير لا النافية، أو على تقدير الكاف تشبيها في مجرد عدم اعتبار الفرار بالتأخير، كما قال ابن عاشر، لا فيما وراء ذلك من تزكيته لسنة من أصله. انتهى. وأما على أن قوله:"ولو فر بتأخيره"، مبالغة في مفهوم إن كان أصله عينا بيده أو عرض تجارة؛ أي وإن لم يكن أصله عينا بيده أو عرض تجارة، استقبل ولو فر بتأخير قبضه؛ أتي قصد بتأخير قبضه الفرار من الزكاة، ومحل استقباله إن كان عن كهبة أو أرش، وهو الاحتمال الثاني عند عبد الباقي، فالكلام لا يحتاج إلى تقدير لا النافية، ولا كاف التشبيه. وأما على أنه شرط حذف جوابه ولو فر بتأخيره استقبل إن كان عن كهبة أو أرش؛ وهو الذي صدر به عبد الباقي، ففيه حذف لا دليل عليه أيضًا. والله سبحانه أعلم.

ص: 403

قال الحطاب: واعلم أن المصنف حاول على اختصار [كلام]

(1)

، ابن رشد، فلم يتيسر له الإتيان به على وجهه، قال في المقدمات: الدين على أربعة أقسام: دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة؛ فهذه الثلاثة الأخيرة الحكم فيها سواء على المشهور تجب الزكاة فيها لسنة واحدة على حول أصل المال، ويؤخذ حكمها من كلام المصنف، أما دين الغصب فقد قدم المصنف أن المغصوبة يزكيها لعام واحد في قوله: لا مغصوبة"، وأما دين التجارة والقرض فمن هنا، وهذا في غير المدير -وسيأتي حكم المدير- فإن فر بالتأخير فالذي مشى عليه المصنف أنه يزكيه لعام وحد أيضًا، وأما دين الفائدة فقال ابن رشد: ينقسم أيضًا على أربعة أقسام:

أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية أو أرش جناية أو مهر امرأة أو ثمن خلع، وما أشبه ذلك، فهذا لا زكاة فيه إلَّا بعد حول من يوم قبضه حالا كان أو مؤجلا، ولو فر بتأخيره هذا هو الذي أشار إليه المصنف، بقوله:"إن كان عن كهبة أو أرش"، ولهذا قلنا إنه لو قال: لا إن كان عن كهبة فيستقبل، لصح كلامه. وفي بعض المصلحة: ولو فر بتأخيره إن كان عن كهبة أو أرش استقبل.

الثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفائدة، فإن كان حالا فيستقبل حولا من يوم قبضه اتفاقا. وإن كان مؤجلا ففيه قولان، المشهور أنه كالحال، والثاني لابن الماجشون والمغيرة: يزكيه لحول من يوم بيعه، ولو فر بتأخيره فيتخرج فيه قولان؛ أحدهما أنه يزكيه لكل عام، والثاني أن يبقى على حكمه، كما لو لم يتركه فرارا، وقال الرجراجي: إن القول بزكاتها هنا لعام واحد لابن القاسم، ومقابله لابن الماجشون، والقسم الثالث أن يكون الدين من كراء أو إجارة. فهذا إن قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة كان الحكم فيه كالقسم الثاني، وإلى هذين القسمين أشار المؤلف بقوله:"وعن إجارة أو عرض مفاد، قولان"، وإنما تكلم على حكم الفرار فقط. واستغنى عن أن يذكر الاستيفاء؛ لأنه إذا لم يتحقق الاستيفاء لم يتحقق الدين، واستغنى عن ذكر كون القولين مخرجين، وأنه يأتي فيه قول آخر بالاستقبال كما في كلام ابن رشد؛ لأن الرجراجي نقل هنا القولين نصا كما تقدم عنه ولم يذكر الثالث. والله أعلم. وإن كان قبل الاستيفاء، ففي ذلك ثلاثة أقوال يأتي ذكرها، والكلام عليها عند قول المصنف: أو مر لكموجر

(1)

ساقطة من الأصل وقد أثبتت من الحطاب ج 3 ص 68.

ص: 404

نفسه بستين دينارا ثلاث سنين، والقسم الرابع أن يكون الدين من ثمن عرض اشتراه للقنية بنَاضٍّ كان عنده، فإن كان حالًّا لم تجب زكاته إلَّا بعد حول من قبضه اتفاقا، وإن كان مؤجلا ففيه طريقان: طريقة اللخمي، قولان المشهور أنه كالحال، والثاني يزكيه لحول من يوم باعه، وطريقة ابن رشد: يزكيه لحول من يوم بيع اتفاقا، وإن فر بتأخيره زكاه لماضي الأعوام اتفاقا، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: لا عن مشترى للقنية وباعه لأجل فلكل، إلَّا أن في كلام المصنف رحمه الله أنه إنما يزكيه لكل إذا كان باعه لأجل ثم فر بالتأخير، وظاهر كلام ابن رشد أنه إذا فر بتأخيره مطلقًا سواء كان باعه بحال أو مؤجل يزكيه لكل عام. انتهى كلام الحطاب. ومعنى كلام المصنف أن من اشترى عرضا للقنية بنقد وباعه لأجل، وأخر قبض الدين فرارا من الزكاة، يزكي الثمن -أي دين العرض- لكل عام مضى من الأعوام التي حل فيها والتي لم يحل؛ لأن حوله من يوم بيعه لا من يوم استحقاق ربه قبضه.

وقوله: "فلكل"، طريقة ابن رشد. ومذهبُ المدونة وهو المعتمد خلاف ما لابن رشد، وهو أن ثمن المشترى للقنية إنما يزكيه إذا قبضه ومر عليه حول من يوم القبض، سواء باعه بنقد أو مؤجل، وسواء أخر قبضه فرارا أم لا. قاله عبد الباقي. وقلت بنقد تبعا له أيضًا. قال: وأطلق المصنف اعتمادا على قوله الآتي: "أو عرض مفاد". فإنه يدلُّ على أنه هنا مشترى بنقد؛ إذ من ملك عرضا من ميراث أو هبة أو غيرهما من وجوه العطية فاشترى به عرضا للقنية، ثم باع ذلك العرض بدين مؤجل وأخر قبضه فرارا، فإنه يستقبل بعد قبضه عاما حتى عند ابن رشد أيضًا. انتهى.

وحاصل طريقة ابن رشد التي أشار إليها: أنه إما أن يبيع عرض القنية بحال أو مؤجل، وفي كلّ إما أن يترك قبضه فرارا من الزكاة أم لا، فإن باعه بحال ولم يؤخره فرارا استقبل حولا من قبضه، وإن باعه بمؤجل ولم يؤخره فرارا زكاه لعام من يوم بيعه، وإن فر بتأخيره زكاه لكل عام من يوم بيعه مطلقًا باعه بحال أو مؤجل. قاله محمد بن الحسن. وقال: لكن ما قال ابن رشد في قصد الفرار، قال أبو الحسن: هو خلاف ظاهر كلام ابن يونس. وجزم ابن ناجي في شرح المدونة أن قصد الفرار كعدمه، وما قاله في البيع لأجل دون قصد فرار، قال ابن عرفة: طريقة وهو خلاف طريقة اللخمي: المشهور يستقبل بالثمن من قبضه. انتهى.

ص: 405

وعن إجازة؛ يعني أن الدين المأخوذ عن إجارة أو كراء إذا أخر ربه قبضه فرارا من الزكاة، فإنه قد اختلف في حكم زكاته: فقيل: لا يزكيه إلَّا بعد حول من يوم قبضه وهو المعتمد، وقيل: يزكيه لماضي السنين: فإن لم يؤخر فرارا استقبل به حولا من بعد قبضه اتفاقا، أو عرض مفاد؛ يعني أنه إذا كان أصل الدين عرضا مفادا بوجه من وجوه الفائدة، كميراث أو هبة فقبض هذا العرض المفاد وباعه بثمن ولم يقبضه، بك أخر قبضه فوارا من الزكاة، فإنه اختلف في حكم زكاته، فقيل: يستقبل بالثمن حولا بعد قبضه وهو المذهب كالذي قبله، وقيل: يزكيه لماضي الأعوام، ومحل الخلاف حيث أخر القبض فرارا كما قررت، وإلا استقبل بالثمن حولا من يوم القبض اتفاقا.

وبها قررت علم أن قوله: "عرض مفاد"، غيرُ قوله فيما مر:"إن كان عن كهبة"؛ لأنه هناك ورث دينا أو وهب له أو نحو ذلك، وهنا ورث عرضا فباعه بدين.

وقوله: قولان مبتدأ حذف خبره؛ أي ففي ذلك قولان، والفاء رابطة في جواب الشرط المتعلق بقوله:"عن إجارة"؛ أي وإن ترتب الدين عن إجارة أو عرض مفاد ففي ذلك قولان بالاستقبال من يوم القبض والتزكية بماضي الأعوام عند تأخير القبض فرارا.

وحول المتم من التمام؛ يعني أن رب الدين إذا اقتضى عشرة دنانير مثلا، ثم اقتضى عشرة دنانير بعد ذلك فإن الحول في المستقبل من يوم التمام، وهو يوم قبض العشرة الثانية، فلو اقتضى عشرة في المحرم ثم اقتضى عشرة في ربيع فقد تم النصاب، ويزكي وقت قبض الثانية والحول في المستقبل من يوم التمام وهو وقت قبض الثانية، فقوله فيما مر: ولو تلف المتم، تنبيه على زكاة ذلك النصاب لسنة من أصله، وما هنا تنبيه على أنه يصير حوله في ثاني عام من يوم التمام. قاله عبد الباقي. وقوله:"المتم"، بفتح التاء. قاله غير واحد. وقوله:"من التمام"؛ أي من وقت التمام.

لا إن نقص بعد الوجوب؛ يعني أنه إذا اقتضى من دينه نصابا وزكاه كعشرين في المحرم، ثم نقص عن النصاب بعد الوجوب، ثم قبض عشرة في ربيع مثلا وزكاها فيه، ثم حال الحول الثاني والأول ناقص عن النصاب لكنه مع ما بعده نصاب، فإنه لا يكون حوله من يوم التمام، بل يزكي كلا على حوله، ولو اقتضى عشرة في رمضان ثم مثلها في شوال، وزكى جميع ذلك عند اقتضاء

ص: 406

عشرة شوال، ثم نقص ذلك عن النصاب، فإنه يبقى على حوله شوال، ولا ينتقل حوله لا يتمه بعد ذلك، فالتمام المثبت غير التمام المنفي؛ إذ التمام المنفي هو التمام للنقص الحاصل بعد الوجوب، والتمام المثبت فيما قبل هو التمام الحاصل به الوجوب.

ثم زكى المقبوض وإن قل؛ يعني أنه إذا قبض من دينه نصابا في مرّة أو مرات زكاه أم لا، بقي أو أنفقه أو تلف بتفريطه أو بغيره حيث يمكن الأداء منه، فإنه يزكي ما قبض من دينه بعد ذلك قل أو كثر، ولو درهما إن أمكن إخراج ربع عشره وإلا اشتري له طعام ربع عشرة صحيح، كما مر في قوله:"وفي مائتي درهم".

والحاصل أنه إذا قبض نصابا أو دونه، وتلف ولم يمكن الأداء فيهما فلا زكاة فيما ضاع، ولا فيما يقتضي بعد ذلك حيث لم يبلغ نصابا، فإن بلغة زكاه فقط اتفاقا، وإن أمكنه الأداء في المسألتين زكى في مسألة النصاب ما اقتضى بعد ذلك قليلا أو كثيرا، وأما في مسألة ما دون النصاب، فإن اقتضى ما يتم به النصاب زكى وإلا فلا. هذا حاصل ما لهم هنا، تلف النصاب أو ما دونه، بتفريط أو بغيره أو بسبب رب الدين، لكن إن تلف بسببه أو بتفريط فالزكاة متفق على وجوبها، وإن تلف بغير تفريط ولا سبب منه فالزكاة واجبة على المشهور.

وقد علمت أنه إذا تلف ولم يمكن الأداء في المسألتين سقطت الزكاة فيما تلف اتفاقا، ولا زكاة فيما يقتضي بعد ذلك إلَّا إذا بلغ نصابا فيهما اتفاقا، هذا هو تحرير القول في هذه المسألة، وقد مر هذا وبالله تعالى التوفيق. وإن اقتضى دينارًا فآخر فاشترى بكل سلعة باعها بعشرين؛ يعني أنه إذا كان له دين لا يملك غيره أو يملك ما لا يكمل به النصاب، والحال أن دينه قد حال حوله أي مضت سنة لأصله عند رب الدين، أو في ذمة الدين أو بينهما فاقتضى منه دينارا واقتضى بعده دينارا آخر، فالفاء للتعقيب، واشترى بكل من الدينارين سلعة وباع سلعة كلّ من الدينارين بعشرين دينارا، فإن لذلك إحدى عشرة صورة أشار إلى ثلاث منها بقوله: فإن باعها؛ أي باع سلعة كلّ من الدينارين معا أي في وقت واحد، سواء اشتراهما معا أو اشترى بالأول قبل الثاني على ترتيب الاقتضاء أو بالعكس، فإنه يزكي الأربعين في وقت واحد، فتلك ثلاث صور، وأشار إلى ست صور بقوله: أو إحداهها بعد شراء الأخرى؛ يعني أنه إذا لم يبع السلعتين في وقت، لكن

ص: 407

باع إحداهما بعد أن اشترى الأخرى بحيث اجتمعا في الملك، ثم باع الأخرى فإنه يزكي الأربعين، وتحت هذا قسمان؛ لأن المبيعة أولا إما سلعة الدينار الأول أو سلعة الثاني، والشراء في كلّ من الصورتين إما بهما معا أو بالأول قبل الثاني، أو بالعكس، فهذه ثلاثة مضروبة في اثنين فتلك ستة مع الثلاث الأول، فهي تسع يزكي فيها الأربعين.

وبما قررت علم أن قوله: زكى الأربعين. جواب الشرط الأخير؛ أعني قوله: "فإن باعهما أو إحداهما"، فهو جار في المسألتين بصورهما التسع؛ إذ الأولى مشتملة على ثلاث والثانية مشتملة على ست. كما مر. أما كونه يزكي الأربعين في مسألة بيعهما معا بصورها الثلاث فواضح؛ لأنه ملك أربعين دينارا في وقت واحد وجبت فيها الزكاة فليزكها، وأما مسألة إحداهما بصورها الست فإنه يزكي حين بيع السلعة الأولى إحدى وعشرين، وحين بيع الثانية تسعة عشر كما في أحمد، فصدق عليه أنه زكى الأربعين لكن لا في وقت واحد وحول الجميع من وقت بيع الأولى، فلو كان الأول مع ربحه دون نصاب ضم للدينار الثاني مع ربحه، وزكى الجميع من يوم بيع الثاني، وصار الحول من يومئذ.

وأشار للصورتين الباقيتين من الصور الإحدى عشرة بقوله: وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يبع السلعتين في وقت واحد ولا إحداهما بعد شراء الأخرى، بأن باع إحداهما قبل شراء الأخرى، فإنه يزكي. إحدى عشرين دينارا حين بيعه للسلعة الأولى، أما كونه يزكي إحدى وعشرين فواضح لأن السلعة التي بيعت قبل شراء الأخرى بيعت بعشرين، وقد تم حولها كما علمت. ويضاف لها الدينار الذي اشتريت به بعد ذلك السلعة الأخرى؛ لأن الفرض أنَّها بيعت بعشرين قبل شراء الأخرى بالدينار، فصح أنه يزكي إحدى وعشرين، وأما الثانية فإنه يستقبل بثمنها حولا من يوم زكى الأولى لأنه ربح مال زكي فيعتبر حوله من يوم زكاته.

وعلم مما قررت أن قوله: "وإلا"، تحته صورتان وهما: ما إذا باع سلعة الدينار الأول قبل شراء سلعة الثاني؛ وعكسها، فقد اشتمل كلام المصنف على الصور الإحدى عشرة التي ذكر ابن عرفة، قال عبد الباقي: وتزكية الأربعين في التسعة تبع فيها المصنف ابن الحاجب والقرافي واللخمي وابن شأس وابن بشير، والذي لصاحب النوادر وابن يونس واختاره ابن عرفة: أنه إنما يزكي

ص: 408

الأربعين في ثلاث وهي: شراؤه لهما، وبيعهما معا، وبيع الأولى قبل الثانية وبيع الثانية قبل الأولى، وما عدا هذه يزكي فيها إحدى وعشرين. انتهى. قوله: تبع فيه ابن الحاجب والقرافي واللخمي الخ، قال فيه محمد بن الحسن مجيبا عن المصنف: اقتصر المصنف على هذه الطريقة لأن ابن بشير وابن شأس شهراها؛ وهو يتبع المشهور أينما وجده ووجها ذلك بحصول سبب الربح قبل وجوب الزكاة؛ لأن الزكاة لا تجب إلَّا بعد البيع، وسبب الربج -وهو الشراء- حاصل قبل بيعهما وبيع إحداهما، فمهما اجتمعت السلعتان عنده فكأنه اشتراهما معا، وبهذا تكون هذه الطريقة جارية على قول ابن القاسم لكن الطريقة الأخرى أرجح، فكان على المصنف الاقتصار عليها كما قال الرماصي؛ وهي مبنية على أصل ابن القاسم من تقدير الربح موجودا مع أصله وقت الشراء، وهو المشهور الذي بنى عليه المصنف قوله فيما مر: ولمنفق بعد حوله مع أصله، وأشهب يرى تقدير الربح موجودا مع أصله وقت البيع، والمغيرة يرى تقدير الربح موجودا وقت الحول، وينبني على قوله: "زكاة إحدى وعشرين في الجميع، كذا لابن عرفة، وتأمل بناء ذلك على قوله. وقال الأمير: وإن اقتضى دينارا فآخر، فاشترى بكل سلعة باعها بعشرين زكى الأربعين إن اشتراهما معا، وإلا إحدى وعشرين. انتهى. قال في الشرح بعد قوله: إن اشتراهما معا، ما نصه: على المعتمد كما حققه الرماصي وغيره، وما في الأصل ضعيف وسواء باعهما معا أولا؛ لكن إذا باع واحدة زكاها الآن وأصل الثانية. انتهى.

ولما قدم المصنف أن الاقتضاءات بعد تمام النصاب تبقى على أحوالها، وإن قلت نبه على أن محل ذلك ما دامت معلومة الأحوال لا إن التبست، فقال: وضم لاختلاط أحواله آخرٌ لأوَّلَ؛ يعني أن من التبست عليه أحوال الاقتضاءات؛ أي أعوامها يضم الآخر منها للأول كما لو اقتضى اقتضاءات ونسي أوقاتها، فلم يدر هل هي في المحرم أو بعده؟ أو اقتضى عشرين في المحرم؟ واقتضى اقتضاءات وشك، هل اقتضاها مع التي في المحرم أو بعدها؟ فإنه يضم الآخر للأول؛ أي يكون حوله من المحرم، سواء علم قدر ما اقتضى في كلّ واحد من الاقتضاءات أم لا، قال عبد الباقي: وأما إن علم زمن الاقتضاءات وجهل قدر ما في كلّ واحد منها، واختلف قدر ما اقتضى فيه أو علم قدر ما اقتضى في بعضها دون بعض، فحكم ما علم وقته وقدرُ ما فيه ظاهر، وأما ما

ص: 409

علم وقته وجهل قدر ما اقتضى فيه، فينبغي أن يجعل أكثرها لأولها وما دونه لثانيها، وما دون ذلك لثالثها وهكذا مراعاة لجانب الفقراء، وليس المراد بالأول والآخر في كلام المصنف الأول الحقيقي؛ وهو الذي لم يسبق بشيء، والآخر الحقيقي الذي ليس بعده شيء، وهذا معنى قول مالك: يضيف ما نسي منها لما قبله، وأما لو اقتضى نصابا في المحرم واقتضى بعد ذلك شيئًا، وشك هل في صفر أو ربيع؟ فإنه يجعل الحول أي حول الشكوك فيه صفرا، ولو شك هل ربيع الأول أو الآخر؟ جعل الحول الأول وهكذا ولا وجه لجعله المحرم. قاله الرماصي وغيره.

عكس الفوائد؛ يعني أن الفوائد في الحكم عكس الاقتضاءات، فلو شك هل استفاد ملكها في ربيع الأول أو بعده في رجب؟ فإنه يجعل الحول رجبا، ولو علم أنه ملك كذا منها في رجب وشك في غيره، هل معه أو قبله. في ربيع؟ فإنه يجعل الحول رجبا.

وقال ابن حبيب: الفوائد كالديون، والفرق أن الفوائد لم تجر فيها الزكاة، فلو ضم آخرها لأولها كان فيه الزكاة قبل الحول، بخلاف الدين فإن الأصل فيه الزكاة لأنه مملوك، وإنما منع منها وهو على الدين خوف عدم القبض، وإذا نسي آخر الفوائد فالظاهر أنه يحتاط لنفسه لعدم الوجوب في الأصل، وأما الاقتضاءات فيحتاط فيها للفقراء. كما مر.

وبما قررت علم أن التصوير في المسألتين -أعني مسألة الاقتضاءات ومسألة الفوائد- واحد، وكيفية التصوير فيهما، هل الحول هذا الشهر أو الذي قبله؟ فالمعتبر في الاقتضاءات المتقدم كما قررت، وفي الفوائد المتأخر كما قررت تبعا للرماصي ومحمد بن الحسن، وقال ابن حبيب: إن الفوائد كالديون، وليس معنى كلام المصنف في مسألة الاقتضاءات أنه تحقق حول الأول وتحقق أن الآخر بعده: ولكن لم يدر هل هو بعده بشهر أو شهرين؟ فيجعل الحول كله للأول، فإن هذا غير صحيح؛ إذ الأول حيث تم فيه النصاب لا يضم له ما بعده، بل يكون حول ما بعده في المثال المذكور بعد حول الأول بشهر، وليس معنى كلامه في مسألة الفوائد أنه تحقق حول بعض منها في رمضان مثلا، وشك في غيره، هل هو قبله في رجب أو قبله في جمادى؟ فإنه يكون في هذا حول الأول جمادى إن كان نصابا، ولا يضاف إلى الذي بعده في رمضان. والله سبحانه أعلم.

ص: 410

والاقتضاء لمثله مطلقًا؛ يعني أن الاقتضاء الناقص عن النصاب يضم لمثله أي للاقتضاء المكمل له نصابا، فالمراد مثله في كونه اقتضاء وليس المراد مثله في القدر، ومعنى قوله "مطلقًا"، سواء بقيت الاقتضاءات السابقة أو أنفقت أو ضاعت، تخللت بينها فوائد أم لا، وهذا الضم لتكميل النصاب، والضم فيما قبله لجمع، الأحوال، قال محمد بن الحسن: وليس هذا الكلام بضروري الذكر مع قوله قبل: "كمل بنفسه أو بفائدة جمعهما ملك وحول".

ثم الصور هنا أربع: ضم الاقتضاء لمثله ولو أنفق الأول أوضاع قبل قبض الثاني لكن بشرط أن يبقى الأول إلى حول الثاني، وضم الفائدة لمثلها إن بقيت الأولى بيده إلى حول الثانية كما تقدم، وضم الفائدة لاقتضاء المتأخر عنها إن تأخر عن حولها ولو أنفقها بعد حولها وقبل قبضه، وضم الفائدة للاقتضاء المتقدم عليها إن بقي بيده إلى حلول حولها فإن أنفق أو ضاع قبل حصولها فلا تضم اتفاقا، وإن أنفق أوضاع بعد حصولها وقبل حولها لم تضم إليه عند ابن القاسم، وضمت الفائدة إليه عند أشهب.

وحاصل ذلك: إن بقي الأول في الصور الأربع حتى حال حول الثاني فالزكاة، وإن ذهب قبل حول الثاني فلا زكاة. ونظم ذلك سيدي عبد الواحد بن عاشر في قوله:

فائدة والاقتضا كل يضم

لمثله أو غيره كيف انتظم

إن كان الأول لدى حول الأخير

باليد أو ضاع والاقتضا أخير

لا منفق لفائد تأخرا

لفقد جمع الملك حولا قررا

وها هنا لطيفة جليه

من نصهم إذ عللوا القضية

طردا وعكسا وهي أن المنفقا

لحول أصل الدين يبقى حققا

وكتب عليه الشيخ ميارة ما حاصله: وإذا قيدت هاتان المسألتان بكون إنفاق المال إنما كان بعد مرور حول الثاني، فقد رجعت المسألتان إلى الثانية والثالثة من الأربع الأول؛ أي وهما الاقتضاءان والفائدة، ثم الاقتضاء إذا كان الأول باقيا باليد إلى حول الثاني، وصار حاصل المسألة إن بقي

ص: 411

الأول حتى حال حول الثاني فالزكاة، وإن ذهب قبل حول الثاني فلا زكاة، وعلى هذا ففي نظم الشيخ رضي الله عنه طول قليل الجدوى فلو قال:

فائدة والاقتضا كل يضم

لمثله أو غيره كيف انتظم

إن يبق أول لحول الثاني

إلا فلا وتم ما تعاني

ولو قال عوض الشطر الأخير: وحال حول أول فعانى، لكان أولى ليفيد شرط مرور الحول في الأول أيضًا، فيخرج ما إذا أفاد عشرة في رجب أثناء حول الدين، ثم اقتضى عشرة من دينه في المحرم فلا زكاة حتى يمر حول الأولى كذا قيل وفيه نظر: فإن العشرة التي اقتضاها في المحرم هي الأولى بحسب الاستفادة وبحسب الحول، وليست المستفادة في رجب هي الأولى كما زعم هذا القائل، فلا بحث. انتهى كلام محمد بن الحسن. قوله: رجعت المسألتان إلى الثالثة والرابعة ظاهر، لأنه إذا استفاد فائدة ثم استفاد فائدة أخرى فلم ينفق الأولى حتى حال حول الثانية، فهذا لا فائدة لذكر كونه أنفق بعد حول الثاني؛ لأنه عنده مال نصاب حال عليه الحول، فتجب زكاته، وكذا لو اقتضى عشرة مثلا ثم استفاد بعد ذلك فائدة، وبقيت عشرة الاقتضاء عنده حتى حال حول الفائدة، وهي مكملة للنصاب، فلا فائدة لذكر كون العشرة بقيت عنده إلى حول الفائدة، وأما الاقتضاءان فالأمر فيهما ظاهر لأنه يقتضي عشرة مثلا، ثم يقتضي بعد ذلك عشرة فلا بد أن تبقى العشرة الأولى حتى يمضي لأصل الثانية حول، فإذا مضى له سنة وأنفق العشرة الأولى قبل قبض الثانية، فإنه إذا قبض الثانية يزكي العشرين، العشرة التي أنفقت والعشرة التي قبضها ثانيا، وكذا يقال فيما إذا استفاد فائدة عشرة مثلا،، ثم بعد ذلك داين بعشرة فلا بد أن تبقى العشرة الفائدة حتى تمضي سنة لأصل العشرة التي داين بها فإذا أنفق الفائدة بعد مضي سنة لأصل العشرة التي داين بها، ثم بعد ذلك اقتضى العشرة؛ فإنه يزكي العشرين. قاله جامعه عفا الله عنه.

والفائدة للمتأخر منه؛ أي من الاقتضاء؛ يعني أن الفائدة تضم للمتأخر من الاقتضاء عن حولها، وسواء بقيت أو أنفقت قبل الاقتضاء لا للمتقدم المنفق قبل حصولها أو بعده وقبل حولها، وأما لو استمر باقيا حتى حل حولها، فإنه يضم إليها كما مر في قوله: أو بفائدة جمعهما ملك وحول،

ص: 412

وهذا معنى قول المازري الذي يلهج به المدرسون يقولون: الفوائد تضاف لما بعدها من الاقتضاءات، ولا تضاف لما قبلها، والاقتضاءات يضاف بعضها إلى بعض. انتهى. وأوضح المصنف ما ذكر من ضم الفائدة للاقتضاء المتأخر عنها بالمثال، فقال: فإن اقتضى خمسة بعد حول ثم استفاد عشرة ثم اقتضى عشرة زكى العشرين؛ يعني أن رب الدين إذا اقتضى خمسة من دينه بعد مرور الحول على دينه وأنفقها، ثم استفاد عشرة وأنفقها بعد مضي حولها -وأحرى لو أبقاها ثم اقتضى أيضًا من دينه عشرة- فإنه يزكي العشرين، عشرة الفائدة وعشرة الاقتضاء التي بعدها، ولا يزكي الخمسة الأولى لعدم كمال النصاب بالاقتضاءين، والفائدة التي بعد الخمسة لا تضم لها، وأما لو كمل النصاب من الاقتضاءات فإنه يزكي الخمسة الأولى، وإلى ذلك أشار بقوله: والأولى إذا اقتضى خمسة؛ يعني أنه إذا اقتضى خمسة أخرى فإنه يزكي الخمسة الأولى والآخرة فقط إذا كان زكى قبل اقتضاء الخمسة الآخرة، وإلا زكى الجميع. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الإمام الحطاب: وما اقتضى بعد حلول حولها أو عند حلوله تضم له، وهذا معنى قول المصنف:"والفائدة للمتأخر منه".

ولما أنهى الكلام على زكاة العين، أتبعه بالكلام على زكاة العروض، فقال: وإنما يزكى عرض أبي زكاة في عينه؛ يعني أن العرض أي عوضه من قيمة في المدير وثمن في المحتكر، محل تزكيته إنما هي حيث لا زكاة في عينه كثياب وغيرها مما لا زكاة فيه، ودخل في ذلك ما كان دون نصاب من ماشية وحرث، وكذا نصاب حرث بعد تزكيته وقت حصاده، لصدق عدم زكاة عينه عليه ثاني عام مثلا، وخرج ما في عينه زكاة كماشية وحرث بلغ كلّ نصابا، فلا يقوم ولو كان ربه مديرا، سواء جاء وقت التقويم قبل حوله أو بعده، وإذا باعه بعد تزكية عينه زكى الثمن لحول التزكية، وإن باعه قبل جريان الزكاة في عينه زكاه لحول الأصل كما في ابن الحاجب، فإن قلت: تقدم عند قوله "وثمرة مشترى" أن الثمرة غير المؤبرة وقت الشراء إذا وجبت زكاة في عينها زكى ثم إذا باعها استقبل بثمنها حولا من قبضه ولا يزكي لحول التزكية، في الفرق؛ فالجواب: أن ما نشأ عن مشترى للتجارة بمنزلة فائدة، فإذا باعه يستقبل بثمنه حولا من قبضه، ولو زكى عينه بخلاف نفس المشترى للتجارة فإنه ليس بفائدة حتى يستقبل بثمنه بل كان الأصل أن يزكي ثمنه

ص: 413

لحول الأصل، لكن لما زكيت عينه نسخ بها حول أصله، فروعي الحول منها. انتهى ملخصا من شرح عبد الباقي وحاشية البناني.

تنبيه: مثل عبد الباقي لما في عينه الزكاة بالحلي المزكى إذا بلغ نصابا، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن الحلي لا تزكى إلَّا عينه ولو كان دون نصاب إذا كان عنده من السلع ما يكمل بقيمته النصاب، وقوله:"وإنما يزكى عرض"، اعلم أن زكاة العرض يشترط فيها ستة شروط: أحدها: أن يكون لا زكاة في عينه -كما رأيت-، ثانيها: أشار إليه بقوله: ملك بمعاوضة؛ يعني أنه يشترط أيضًا في زكاة عوض العرض من قيمة أو ثمن أن يكون قد ملك بمعاوضة مالية، لا موهوب أو موروث أو مملوك بمعاوضة خلع أو صداق أو جناية، فيستقبل بثمن كلّ حولا من يوم قبضه. ثالثها: أشار إليه بقوله: بنية تجر؛ يعني أنه يشترط في التزكية المذكورة أيضًا أن يكون مملوكا بنية التجارة، سواء كانت منفردة كأن يشتريه بنية أن يتجر به فقط، أو كانت غير منفردة، بل مع نية غلة كنية كرائه عند شرائه، وإن وجد ربحا باعه ففرق بين التماس الربح بالمنافع والتماسه ببيع الرقاب، أو مع نية قنية، معطوف على قوله:"مع نية غلة"؛ يعني أن نية التجر تعتبر أيضًا إذا حصلت عند الشراء مع نية قنية، كنية انتفاع بوطء أو خدمة مع نية بيعه إن وجد ربحا، وكذا لو ملكه بنية تجر مع نية غلة وقنية فانضمامهما لنية التجر كانضمام إحداهما لها، وانضمام إحداهما لها كهي مفردة. كما قال المصنف. وقوله:"أو قنية"، كون نية التجر معتبرة مع مصاحبة نية القنية لها هو قول أشهب وروايته، وخالف في ذلك ابن القاسم وابن المواز، واختار الأول اللخمي ورجحه ابن يونس، وإلى ذلك أشار بقوله: على المختار والمرجح، فالاختيار والترجيح يرجعان للتجر مع القنية كما في التوضيح، قال ابن غازي: وأما التجر مع الغلة فهذا الحكم فيه أبين، فكأنه قطع به من غير احتياج للاستظهار عليه بقول من اختاره؛ وهو اللخمي، وأما ابن يونس فلم يذكره أصلا. انتهى. قاله محمد بن الحسن.

وقال الشبراخيتي عند قوله: "على المختار والمرجح": وَاخْتِيارُهُمَا يحتمل في مسألتي: نية التجر مع الغلة، ونية التجر مع القنية، ويحتمل في الثانية فقط، والأول منصوص للخمي فيهما، ولابن يونس في الثانية كذا في التتائي شفي الحاشية. قوله:"والمرجح"، لا ينافي رجوعه للأول قول

ص: 414

المصنف قبل: وبالترجيح لابن يونس؛ أي وبالترجيح نصا؛ أي بالنص أو بقياس الأحروية. انتهى. وقوله: "أو قنية على المختار والمرجح"، قال الحطاب فيه: يعني إذا نوى بالعرض التجارة والقنية بأن يشتريه، وينوي الانتفاع بعينه وهو القنية، وإن وجد فيه ربحا باعه وهو التجارة، كذا فسره المصنف في التوضيح وابن عبد السلام، فتتعلق الزكاة به على المختار والمرجح. انتهى. لا بلا بنية؛ يعني أنه إذا ملك عرضا بمعاوضة مالية بغير نية أصلا لا نية تجر ولا غيرها، فإنه لا زكاة فيه لأن الأصل في العروض القنية، وقال الشبراخيتي: إن قوله: "نية"، مجرور بإضافة لا إليه؛ لأنَّها بمعنى غير. انتهى. وحينئذ فتكون باء الجر داخلة على اسم: وهو لا. أو نية قنية؛ يعني أنه لا زكاة في العرض المذكور حيث اشتراه بنية القنية فقط اتفاقا. أو غلة؛ يعني أنه إذا ملك العرض المذكور بنية الغلة فقط، كشرائه بنية كرائه فقط، فلا زكاة أيضًا على ما رجع إليه مالك وهو المشهور، وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب، خلافا لاختيار اللخمي الزكاة فيه: قائلا: لا فرق بين التماس الربح من منافع والتماسه من رقاب، وهو قول مالك الأول، وقول ابن نافع. أو هما؛ يعني أنه إذا ملك العرض بنية الغلة والقنية معا فلا زكاة عليه، قال عبد الباقي: اتفاقا، قال محمد بن الحسن: هو غير صحيح. انظر المواق والتوضيح. انتهى.

وقال الشارح عند قوله: "أو هما": وهو المشهور لأنَّها إذا سقطت مع نية الغلة فقط فلأن تسقط فيما إذا نوى الغلة والقنية أحرى. انتهى. فصح ما ذكره البناني من عدم الاتفاق، والله سبحانه أعم. وقوله "أو هما"، أصله أو نيتهما، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانفصل الضمير، وحينئذ فهو محل جر بطريق النيابة. قاله عبد الباقي عن أحمد، ونحوه للشبراخيتي. وقوله: بطريق النيابة، المراد بالنيابة حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، قاله الشبراخيتي. رابعها: أشار إليه بقوله: وكان كأصله، هو من عكس التشبيه؛ أي وكان أصله كهو؛ يعني أنه يشترط أيضًا في زكاة العرض المذكور واحد من أمرين: أحدهما: أن يكون أصل هذا العرض المزكى عوضه عرضا ملك بمعاوضة، سواء كان ذلك العرض الذي ملك بمعاوضة عرض قنية أو عرض تجارة، فإذا كان عنده عرض قنية ملك بمعاوضة فباعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه، فإنه يزكي ثمنه لحول أصله -أي العرض الذي نوى به التجر على المشهور- لإعطاء الثمن

ص: 415

حكم أصله. الثاني: لا حكم الأول، ومقابل المشهور أنه يستقبل بالثمن حولا من قبضه، وهو لا يكاد يقبل لشذوذه وضعفه. قاله ابن عبد السلام،

وبما قررت علم أن قوله: "وكان كأصله"، لا يصح بقاؤه على ظاهره؛ لأنه لم يذكر أصله حتى يشبهه، فهو من عكس التشبيه أي وكان أصله كهو، كما قال ابن غازي والشبراخيتي، قال: والقرينة الاستحالة؛ إذ يستحيل تشبيه معلوم الحكم بمجهوله، والمراد كهو في الجملة بأن يكون ملك بمعاوضة احترازا عن عرض كالهبة والميراث. قاله الشبراخيتي.

وقوله: "وكان أصله كهو"، أما إذا كان الأصل عرض تجر ملك بمعاوضة فالزكاة اتفاقا، وأما إذا اشترى الأصل للقنية ونوى التجر بهذا فالزكاة على المشهور -كما مر- وقد مر أن مقابله لا يكاد يقبل لشذوذه، وضعفه كما قاله ابن عبد السلام. والله سبحانه أعلم.

وقوله: "وكان كأصله" اعلم أن الصور ثلاث: عرض تجر أصله عرض تجر فيه الزكاة اتفاقا، عرض تجر أصله عرض قنية ملك بمعاوضة المشهور فيه الزكاة كما مر، عرض تجر أصله عرض مفاد فيه طريقان. وقد علمت أن المصنف باعتبار ما حملته عليه تبعا لغير واحد مشى على أنه لا زكاة فيه، ولا خفاء في أن الذي مشى عليه حينئذ هو المشهور، والطريقان المذكوران إحداهما للخمي، والأخرى لابن حارث.

قال ابن عرفة: وفي كون ما ملك لتجر بعرض قنية طريق ابن حارث إن كان أصل عرض القنية من شراء، فالقولان -أي المتقدمان- المشهور، ومقابله الذي لا يقبل لشذوذه. وإن كان بإرث فيكون العرض المشترى عرض قنية اتفاقا، وطريق اللخمي تحكي القولين من غير تفصيل؛ يعني بين كونه عرض قنية مشترى، وبين كونه من إرث أو هبة ونحوهما، ولكن يبعد ما حملت المصنف عليه من أن ذلك مراده أن عبارته كعبارة ابن الحاجب، وأقره في التوضيح. ومقتضى ذلك أنه إذا كان أصله عرض قنية ملك بمعاوضة لا زكاة، وقد علمت شذوذه، وقال الحطاب: اعتمد المصنف على ما حكاه سند كأنه المذهب من أن المشترى للتجارة بعرض القنية يبقى على حكم القنية، ولا تؤثر فيه التجارة، ويستقبل بثمنه إذا باعه بالعين حولا بعد قبضه، هذا قول مالك.

ص: 416

وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل: يجري في الحول من حين ملك عرض التجارة اعتبارا بما لو اشتراه بالعين. انتهى.

قال الرماصي: وفيه نظر؛ إذ لا يترك المشهور لغيره، واقتصاره عليه كأنه المذهب لا يصيره مشهورا. انتهى. وصوب الرماصي وغيره ما حملت المصنف عليه، قال: وإن كان يبعده متابعة المؤلف لابن الحاجب غالبا. انتهى.

وحد ابن عرفة عرض التجارة بقوله: ما ملك بعوض ذهب، أو فضة للربح، أو بدله إن حبس لارتفاع سوقه ثمنه كدين، قوله: بعوض، يخرج به ما ملك بغير عوض كالموهوب، وقوله: للربح، أخرج به عرض القنية والغلة، وقوله: أو بدله كما إذا اشترى به عرضا للتجارة وعاوض به عرضا آخر لذلك، فإن ذلك من عرض التجارة. قاله الخرشي. وقوله: إن حبس لارتفاع الخ، أي يزكيه المحتكر كالدين كما يقوله المصنف. قاله جامعه عفا الله عنه.

أو عينا، هذا هو ثاني الأمرين الذين لابد من أحدهما؛ يعني أن العرض الذي يزكى عوضه من قيمة أو ثمن؛ إذا لم يكن أصله عرضا ملك بمعاوضة، فلا بد من أن يكون أصله عينا اشتراه بها، واحترز المصنف بكون الأصل أحد الأمرين، مما إذا كان الأصل عرضا ملك بهبة أو إرث أو بمعاوضة غير مالية، كخلع وصداق وجناية، فإنه يستقبل بثمنه حولا من يوم قبضه.

واعلم أن الصواب أن يقول المصنف: وكان أصله كهو أو عينا والعين للتصويب، أمران: كون كلامه فيه تشبيه معلوم بمجهول وهو عكس ما تقرر عندهم، وعدم صحة قوله:"أو عينا"، عند عدم التصويب؛ إذ تقديره، أو كان العرض عينا، ففيه قلب الحقيقة. وإن قل راجع إلى قوله:"أو عينا"؛ يعني أنه لا فرق في العين التي اشترى بها العرض بين أن تكون قليلة لا تبلغ نصابا، وبين أن تكون كثيرة. قاله الشارح.

وقال البساطي: لو رجع إلى مجموع الشرطين لم يلزم عليه شيء، قال الحطاب: وهو كذلك، إلَّا أنه لا فائدة فيه. والله أعلم. خامسها أشار إليه بقوله: وبيع بعين؛ يعني أنه لا بد في زكاة العرض المذكور من بيع بعين.

ص: 417

واعلم أن هذه الشروط الخمسة تعم المدير والمحتكر، لكن المحتكر لا يزكي قيمة عرض، وإنما يزكى ثمن العرض من العين، ولابد أن تكون هذه العين التي بيع بها عرض التجر نصابا، باع بالنصاب في مرّة أو مرتين فأكثر، وبعد كمال النصاب يزكي ما بيع به العرض ولو قل، وأما المدير فيزكي قيمة العرض المذكور، وإن لم يبعه لكن بشرط أن ينض له شيء ما درهما أو أقلّ. قاله محمد بن الحسن. ورد على الأجهوري وأتباعه، قالوا: إذا نض للمدير أقلّ من درهم لا زكاة أي لا يقوم عروضه. انتهى. قال محمد بن الحسن: فهم الأجهوري من ذكرهم الدرهم كما في المدونة وغيرها أنه تحديد لأقل ما يكفي في النضوض، ونصها: وإذا نض للمدير في السنة درهم واحد في وسط السنة أو طرفيها، قوم عروضه لتمام السنة وزكى. انتهى. وفي فهمه نظر، فإن كلام أبي الحسن عليها صريح في أن ذكر الدرهم مثال للقليل لا تحديد، وأنه مهما نض له شيء وإن قل لزمته الزكاة، وهو الصواب. انتهى. وقال عبد الباقي: ثم إن الذي نض له شيء ما ولو درهما يخرج عما قومه من العرض ثمنا على المشهور لا عرضا بقيمتة، وسواء نض له أول الحول أو وسطه أو آخره، بقي ما نض أو ذهب، قال أحمد: ثم على المشهور إذا نض له شيء بعد الحول ولو قل، فإنه يقوم الجميع ويكون حوله من يومئذ، ويلغي الزائد أي الوقت الأول. قاله في المدونة. واحترز بقوله:"بعين"، عن بيع عرض بعرض، فلا زكاة عليه إلَّا أن يفعل ذلك فرارا، ويؤخذ من ذلك أن من ملَّك ماله قبل الحول لبعض ولده أو لعبده، ثم ينتزعه منه بعد الحول أنه لا ينفعه ذلك ولا تسقط عنه. قاله بعض الشارحين. انتهى. قوله: إلَّا أن يفعل ذلك فرارا؛ أي فيؤخذ بالزكاة كما نقله الحطاب عن الرجراجي وابن جزي. قاله محمد بن الحسن.

وقال الحطاب: قال الرجراجي في المدير إذا كان يبيع العرض بالعرض ذريعة لإسقاط الزكاة فلا يجوز ذلك باتفاق المذهب ويؤخذ بزكاة ما عنده من المال، وقال ابن جزي بعد ذكره للمدير والمحتكر: من كان يبيع العرض بالعرض ولا ينض له من ثمن ذلك عين، فلا زكاة عليه إلَّا أن يفعل ذلك فرارا من الزكاة، فلا تسقط عنه. انتهى. فيعم المدير والمحتكر، وذلك ظاهر. والله أعلم. انتهى. فإن قلت: قوله في بيع عرض بعرض فرارا فيه الزكاة، يعارض ما مر من أن من اشترى بنقد عرض قنية لا زكاة في عينه سقطت الزكاة إجماعا، فالجواب أن الفرق بينهما أن ما

ص: 418

أبدل بعرض القنية المذكور أبدل بما لا زكاة فيه، بخلاف ما أبدل بعرض تجر فإنه أبدل بما فيه زكاة. انظر حاشية بناني. وقال عبد الباقي: وقوله: "وبيع بعين؛ أي وقبضت العين لا إن باع بعين وقبض بدلها عرضا، قال عبد الباقي: ثم إن المصنف ترك من شروط زكاة عوض العرض أن يقبض عينا لاستفادته من قوله: فكالدين، وذكر قوله: "وبيع بعين"، إلى قوله: كالدين، وإن استفيد كلّ ذلك منه للإيضاح، قال أحمد: وقع السؤال عن محتكر لفلفل مكث عنده سنين كثيرة، ثم باع ذلك بعين في ذمة المشتري حالة وأخذ عوضها عرضا، هل تجب عليه الزكاة أو لا تجب عليه زكاة؟ ويؤخذ مما تقدم الوجوب. انتهى. أي إذا قصد بأخذ العرض الفرار من الزكاة، فإن لم يقصده فلا شيء عليه حتى يبيع العرض المذكور، كما في المدونة على ما في المواق، وأطلق فيها ولم يقيد بقصد فرار إلَّا أنه ينبغي حمل كلامها على من لم يقصده. قاله عبد الباقي.

وقال الحطاب عند قوله "وبيع بعين": هذا الشرط وما قبله يعم المدير والمحتكر، فأما المدير فالمشهور أنه لا يجب عليه أن يقوم عروضه ويزكيها -كما سيأتي- إلَّا إذا نض له شيء ما ولو درهما، خلافا لابن حبيب، ولا يشترط أن ينض له نصاب خلافا لأشهب، وعلى المشهور فلا فرق أن ينض له أول الحول أو وسطه أو آخره، قال في المدونة: وإذا نض للمدير في السنة درهم واحد في وسط السنة أو في طرفيها، إلَّا أنه لما تم الحول لم يكن عنده من الناض شيء، وكان جميع ما بيده عروضا

(1)

فليقومها لتمام الحول ويزكى، قال ابن نافع عن مالك: ويبيع عرضا منها ويقسمه في الزكاة أو يخرج عرضا بقيمته إلى أهلها من أي صنف شاء من عروضه، وقال سحنون: بل يبيع عرضه ويخرج عينا. انتهى.

وفرع ابن الحاجب هذين القولين على قول ابن حبيب: إنه يزكي ولو لم ينض له شيء، ويتأتى تفريعهما على المشهور كما في هذه الصورة، وفيما إذا كان ما بيده من العين لا يفي بزكاة قيمة ما معه من العروض، فالصواب ذكرهما مطلقين كما فعل ابن يونس والمازري على ما نقل عنه ابن عرفة، وشهر في الشامل القول الثاني إلَّا أنه إنما ذكر القولين على الشاذ كما فعل ابن الحاجب، ولكن المقصود أن الثاني هو الراجح. وفي الذخيرة: وإن لم يكن له ناض أوله ولكنه أقلّ من الجزء

(1)

في الأصل عروض بالرفع والمثبت من الحطاب: ج 3 ص 74، ط دار الرضوان.

ص: 419

الواجب، قال مالك: يبيع العرض لأن الزكاة إنما تجب في القيم فلو أخرج العرض كان كإخراج القيمة وهو المشهور، وقال أيضًا يخير بين البيع وإخراج الثمن، وبين إخراج العرض ولم يذكر ابن رشد خلافه، ونصه: وسئل عن رجل حلت عليه الزكاة وهو ممن يدير ماله في التجارة، فأتى شهره الذي يقوم فيه، هل يجب عليه أن يبيع عروضه بالغا ما بلغ؟ قال: عليه أن يبيع كما يبيع الناس لحاجتهم، ويؤدي زكاة ماله. قيل له: فإن لم يبع من العروض حتى تلفت بعد ما حال عليه الحول، هل يكون ضامنا للزكاة؟ قال: نعم، قال ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن للرجل أن يستقصي في سلعته ويجتهد في تسويقها ليؤدي منها الزكاة دون تفريط ولا تأخير، وليس يلزمه أن يبيعها من حينه بما يعطى فيها من قليل أو كثير؛ لأن ذلك من إضاعة المال فإن فرط في بيعها حتى تلفت لزمه ضمان الزكاة، وإن تلفت قبل أن بفرط لم يلزمه ضمان ما تلف، ويزكي الباقي إن كان مما تجب فيه الزكاة، وقيل: تلزمه الزكاة وإن لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة؛ لأن المساكين نزلوا معه لحلول الحول منزلة [الشركاء]

(1)

في تلف فمنه ومنهم، وما بقي فبينه وبينهم. انتهى. وقال في المدونة: فإن لم ينض له شيء في سنة فلا تقويم. ابن يونس: ولا زكاة، ثم قال فيها: إن نض له شيء بعد ذلك -وإن قل- قوم وزكى وكان حوله من يومئذ وألغى الوقت الأول. ابن يونس: قال ابن مزين: هذا قول ابن القاسم وغيره، وقال أشهب: لا يقوم حتى يمضي له حول من يوم باع بذلك العين؛ لأنه من يومئذ دخل في الإدارة، وقال في التوضيح: وإذا قلنا بالمشهور أنه لا تجب الزكاة إلَّا بالنضوض، وأنها لا تجب عليه إذا باع العرض بالعرض، فهل يخرج ببيع العرض بالعرض عن حكم الإدارة، قال في الجواهر: لا يخرجه ذلد عن حكم الإدارة، ورأى أشهب وابن نافع أن ذلك يخرجه عن حكمها. انتهى. انتهى كلام الحطاب. ابن بشير: وإن أقامت عروض الاحتكار أعواما لم تجب عليه إلَّا زكاة واحدة؛ لأن الزكاة كما يفهم من الشريعة متعلقة بالنماء أو بالعين لا بالعرض، فإذا أقامت أحوالا ثم بيعت لم يحصل فيها النماء إلَّا مرة واحدة، فلا تجب الزكاة إلَّا مرّة واحدة، ولا يجوز أن يتطوع بالإخراج قبل البيع، فإن فعل فهل

(1)

في الأصل الشراء وما بين المعكوفين من الحطاب ج 3 ص 75 ط دار الرضوان وغيره.

ص: 420

يجزئه؟ قولان، والمشهور عدم الإجزاء كما نص عليه المصنف فيما يأتي، وكذلك القولان في إخراج زكاة الدين قبل قبضه؛ يعني في غير المدير. قاله محمد بن الحسن.

وقال الحطاب: والمحتكر لا زكاة عليه في شيء من عروضه حتى يبيعه بالعين، وسيأتي بيان القدر الذي تجب فيه الزكاة إذا باع به، وكيفية ذلك عند قول المصنف: كالدين، فإن كان يبيع العرض بالعرض فلا تجب عليه الزكاة، بل قال في المدونة: ومن باع سلعة للتجارة بعد حول بمائة دينار فليزكها إذا قبضها مكانه، فإن أخذ بالمائة قبل قبضها ثوبا قيمته عشرة دنانير فلا شيء عليه في الثوب حتى يبيعه، فإن باعه فلا شيء عليه إلَّا أن يكون عنده مال قد جرت فيه الزكاة؛ إذا أضافه إليه كانت فيها الزكاة وإن باعه بعشرين أخرج نصف دينار. انتهى. وذكره القرافي: وقال: إن القيم أمور متوهمة، وإنما يحققها البيع.

وإن لاستهلاك، مبالغة في قوله:"ملك بمعاوضة"، وفي قوله:"وبيع بعين"؛ يعني أَنَّه لا فرق في وجوب الزكاة في عوض العرض الذي ملك بمعاوضة بنية تجر، بين أن تكون المعاوضة اختيارا كما إذا اشترى بعين أو بعرض ملك بمعاوضة عرض تجر. فيزكي عوضه من قيمة أو ثمن على ما مر، وبين أن تكون المعاوضة جبرية كما لو استهلك له شخص عرضا ملك بمعاوضة، وأخذ في قيمته عرضا ينوي به التجر، فإنه يزكي عوضه من قيمة أو ثمن على ما مر إدارة واحتكارا، وكذا لا فرق أيضًا في بيع عرض التجر بالعين بين أن يكون اختيارا، كأن يبيعه بعين اختيارا ويقبضها، وبين أن يكون شخص استهلك له عرض تجر، فأخذ قيمته فليزكها على ما مر من إدارة واحتكار، ويكون ضمن بيع معنى عُوِّضَ.

فكالدين؛ يعني أنه إذا توفرت الشروط المتقدمة فإنه يزكي العرض أي عوضه من قيمة أو ثمن كزكاة الدين أي لسنة من أصله مع قبضه عينا نصابا، كمل بنفسه أو بفائدة جمعهما ملك، وحول أو بمعدن إن تم النصاب ولو تلف المتم، فقوله:"فكالدين"؛ أي زكاة وحلولا، وقبضا واقتضاء، وضما واختلاطات وتلفا وإنفاقا، وفرارا وبناء، ولا يغني هنا عن ذكر عرض التجر ما مر في قوله: وإنما يزكى دين؛ لأن ما تقدم إن بيع العرض بدين، وما هنا بيع بنقد.

ص: 421

وبما قررت علم أن قوله: "فكالدين"، جواب شرط محذوف؛ أي أن العروض إذا اجتمعت فيها الشروط المتقدمة مع الشرط الآتي، وهو قوله: إن رصد به السوق، فإنه يزكي زكاة الدين، وقد تقدم أن قوله:"فكالدين"، زكاة، فيزكي إذا بلغ المقبوض نصابا، ويجري هنا ما مر فيما إذا تلف بسببه وبغيره بتفريط أو لا، والحاصل أنه لا فرق بين عروض التجارة ودينها بلا خلاف.

تنبيه: من كثرت عليه الفوائد وضاق عليه أن يحصي أحوالها، فليضم الأول إلى ما بعده حتى يخِفَّ عليه إحصاء أحواله حتى يصيرها إلى حولين أو ثلاثة ونحوه مما يقدر أن يحصيه، فإن لم يمكن ذلك وصعب عليه ضم جميعها إلى آخرها، وأما فيما يكثر من تقاضي الديون فليضم ذلك إلى أوله، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: والحاصل من كلامه أنه لا زكاة في دين حتى يقبض أو نصاب منه، ولا في عرض تجارة أي احتكار حتى يباع، فإذا بيع العرض أو قبض الدين وجبت زكاته يوم قبضه لعام واحد إن تم حوله ونصابه، ثم يكون ما يقتضي من الدين أو يباع بَعْدُ تبعا لا قبض أو بيع، يزكى معه كربح المال مع أصله، سواء بقي الأول أو تلف بنفقة ولو لم يكمل الحول استوفي إليه. انتهى. قاله الحطاب.

وقد مر أنه إن كثرت عليه الاقتضاءات، واختلطت، ضم الآخر للأول، قال مالك: من له دين وليس له غيره، وقد مضى له حول فأكثر فكان يأخذ منه دينارا فدينارا فينفقه أو يتلفه، فلا يزكي حتى يقبض تمام عشرين دينارا، ثم يزكي كلّ ما اقتضى وإن قل، ويكون حوله من ذلك اليوم، فإن كثرت عليه ولم يحصه فليرد ما شاء منه إلى ما قبله، وكذلك فيما يبيع من عرضه شيئًا بعد شيء فكثر ذلك فليرد الآخر إلى الأول. ابن حبيب: يرد الآخر إلى الأول في الفوائد والديون: وما تقدم أصح ليلا يؤدي إلى زكاة قبل حولها، وإذا اقتضى في مرّة أو مرار ما يحصل فيه النصاب، وقلنا إنه يزكيه واقتضى بعد ذلك شيئًا فليزكه حينئذ، ويكون كلّ على حوله كما تقدم ما دام النصاب في مجموع ذلك كما في الفائدتين، وأشار إلى الشرط السادس بقوله: إن رصد به السوق؛ يعني أنه يشترط في زكاة عوض العرض على الوجه المذكور أن يكون مالكه محتكرا؛ بأن يقصد بعروضه ارتفاع الأسواق، بأن يمسك عرضه إلى أن يجد فيه ربحا هذا هو المراد: وإلا فالمدير يرصد السوق أيضًا أي يأتي للسوق ليبيع فيه.

ص: 422

واعلم أن هذا شرط في قوله: "فكالدين"، ولذا أخره عنه وليكون محلا للإخراج الآتي.

وبما قررت علم أن المعنى يزكي كالدين بشرط أن يرصد بالعرض السوق، وفي بعض النسخ سقوط الفاء من قوله، "فكالدين"، فيكون معمولا ليزكى من قوله:"وإنما يزكى عرض" الخ، كالدين أي زكاة كزكاة الدين، وهذا بالنسبة للمسلم، وأما الكافر فسيأتي الكلام فيه. قاله الشيخ إبراهيم.

وقال الشيخ عبد الباقي: الشروط السابقة عامة، وهذا خاص بعرض الاحتكار، خلافا للشارح في جعل الجميع خاصا بالمحتكر تبعا لظاهر صنيعه في التوضيح.

قال جامعه عفا الله عنه: الذي يدلُّ له كلام المصنف هنا ما قاله الشارح، وإن كان ما قالوه صحيحا من جهة الحكم، وهو الذي قررت به قبل. والله سبحانه أعلم. واعلم أن بعضهم جعل قول المصنف:"لا زكاة في عينه" شرطا كما ذكرنا، وبعضهمْ كالشارح جعله موضوع المسألة، وبعضهم يعد قوله:"وبيع بعين"، شرطا واحدا، وبعضهم يعده شرطين، وذلك قريب بعضه من بعض، ولو قيل إن قوله:"فكالدين إن رصد به السوق"، جملة شرطية قدم جوابها على رأي، أو القدم دليل جوابها على رأي آخر لَمَا بَعُد. انتهى.

والحاصل أن الشروط السابقة شروط في وجوب الزكاة مطلقًا، سواء كان العرض عرض احتكار أو عرض إدارة، وأما هذا؛ أعني قوله:"إن رصد به السوق" فشرط في كون الزكاة كزكاة الدين، وأما ما يأخذه ظالم، فقال السوداني: كلّ ما يأخذه الظالم لا زكاة فيه؛ لأنه كالجائحة، وأجاب الناصر اللقاني بعد أن سئل عن ذلك، بقوله: ما ألجئ لبيعه في المكس لا تسقط الزكاة عنه فيه بذلك، وأجره فيما ظلم فيه على الله تعالى. وأجاب الحطاب لما سئل بأنهم إن أخذوا سلعا فلا يلزمه أن يقومها، وأما إن الزم بيع السلع وقبض ثمنها ودفعه لهم، فيلزمه أن يزكي ذلك، وبحث في جوابي الناصر والحطاب بأن هذا لم يفرط. والله سبحانه أعلم.

وإلا؛ أي وإن لم يكن التاجر يحبس سلعه لرفع الأسواق، بأن كان مديرا وهو الذي يبيع سلعه بالسعر الحاضر، ثم يخلفها بغيرها، بل ربما باع بغير ربح خوف كساد. زكى عينه، جواب إن الشرطية المقرونة بلا، وفعل الشرط محذوف كما يدلُّ عليه التقرير؛ أي وإن لا يرصد برضه السوق فإنه يزكي ما عنده من العين كلّ عام، فيزكي الحلي المدار أي يزكي وزنه تحقيقا أو

ص: 423

تحريا على ما مر، كما إذا كان عرض التجارة مرصعا بذهب أو فضة، ومثل عبد الباقي للمدير، فقال: كحَنَّاط وبزار وزيات، ومجهز السلع إلى البلدان، وكأرباب الحوانيت. انتهى. وقال محمد بن الحسن: قال ابن عاشر: الظاهر أن أرباب الصنائع كالحاكة والدباغين غير مديرين، وقد نص في المدونة على أن أصحاب الأسفار الذين يجهزون الأمتعة إلى البلدان أنهم مديرون، ومثل الشبراخيتي للمدير بقوله: كالحناط والبزار والزيات. انتهى.

وقال ابن لب: الحكم أن الصناع لا يقومون صِنَاعَاتِهِمْ، بل يستقبلون بأثمانها الحول لأنَّها فوائد كسبهم استفادوها وقت بيعهم. انتهى. وقال أبو إسحاق الشاطبي: الصانع المذكور حكمه حكم التاجر المدير؛ لأنه يصنع ويبيع أو يعرض ما صنعه للبيع، فيقوم كلّ عام ما يبده من السلع، ويضيف القيمة إلى ما بيده من الناض، ويزكي الجميع إن بلغ نصابا. انتهى. قال محمد بن الحسن: وظاهره يخالف فتوى ابن لب ويمكن رده إليه. ودينه؛ يعني أن المدير يزكي دينه أي عدده كلّ عام قبل القبض بثلاثة شروط: أحدها أشار إليه بقوله: النقد؛ أي دينه الذي هو عين، واحترز بذلك مما إذا كان عرضا، فإنه يقومه كما يأتي قريبا، ثانيها: أشار إليه بقوله: الحال يعني أن المدير إنما يزكي عدد دينه النقد إذا كان حالا، وإلا فسيذكره، ثالثها: أشار إليه بقوله: المرجو؛ يعني أنه يشترط في زكاة عدد دين المدير النقد قبل قبضه أن يكون مرجوا، ويشترط أيضًا أن يكون معدا للنماء، فإن لم يكن مرجوا فسيأتي أنه كالعدم، وهذا هو المشهور، وقال ابن حبيب: يزكي قيمة غير المرجو، وإن لم يكن معدا للنماء وهو دين القرض، فسيأتي أيضًا: وإلا، راجع لقوله:"النقد الحال"؛ أي وإن لم يكن دين المدير نقدا حالا؛ بأن كان عرضا مرجوا حل أم لا، أو كان نقدا مؤجلا مرجوا. قومه؛ أي فالحكم أنه يقومه بما يباع به على المفلس العرض بنقد، والنقد بعرض ثم بنقد وتزكى تلك القيمة. قاله الشبراخيتي، وغيره.

ولفظ عبد الباقي: وكيفية تقويم العين أن تقوم بعرض ثم العرض بنقد حال؛ لأن الدين إنما يقوم بما يباع به. قاله التتائي. انتهى. قوله: "لأن الدين" الخ، هو تعليل للأول من الأمرين. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: وأما كيفية تقويم العرض الدين فبنقد. انتهى المراد منه. ولو طعام سلم؛ يعني أن المدير يقوم دينه إذا كان عرضا، ولا فرق في ذلك بين أن يكون طعام سلم

ص: 424

وغيره؛ إذ ليس تقويمه لمعرفة قيمته بيعا له حتى يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه، وقد يقوم ما لا يجوز بيعه ككلب الصيد وأم الولد إذا قتلا لتؤخذ قيمتهما من القاتل، قوله:"ولو طعام سلم"، هو قول الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن، وصوبه ابن يونس، ورد بلو قول الأبياني وأبي عمران بعدم تقويمه، وقوله:"ولو طعام سلم"، هو المشهور كما نص عليه الخرشي، وفي المقدمات: وأما دين التجارة فلا اختلاف في أن حكمه حكم عروض التجارة يقومه المدير ويزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لا مضى من الأعوام، كما يقوم المدير عروض التجارة، ولا يزكيها غير المدير حتى يبيعها، فيزكيها زكاة واحدة لما مضى من الأعوام، وإذا قبض من الدين أقلّ من نصاب، أو باع من العروض بعد أن حال عليها الحول بأقل من نصاب، فلا زكاة عليه حتى يقبض تمام النصاب، أو يبيع بتمامه، فإذا كمل عنده تمام النصاب زكى جميعه، كان ما قبض أولا قائما أو كان قد أنفقه، واختلف إن كان تلف بغير سببه، فقال ابن المواز: لا ضمان عليه لأنه بمنزلة مال تلف بعد حلول الحول من غير تفريط، فعلى قياس قول مالك في هذه المسألة التي نظرها بها تسقط زكاة باقي الدين إن لم يكن فيه نصاب، وعلى قول ابن القاسم: يزكي الباقي إذا قبضه، وإن كان أقلّ من النصاب وهو الأظهر.

وقال ابن القاسم وأشهب: يزكي الجميع، ثم ذكر ما تقدم عند قوله:"ولو تلف المتم"، والمقصود أن حكم ما يقبض من ثمن العرض حكم ما يُقتضَى من الدين، فإذا اقتضى بعد تمام النصاب شيئًا زكاه وإن قل، ويكون حوله من ذلك اليوم. كسلعة؛ يعني أن المدير يقوم سلعه التي هي للتجارة، والذي يقومه المدير من سلعه هو ما دفع ثمنه، وما حال عليه الحول عنده، وإن لم يدفع ثمنه وحكمه في الثاني حكم من عليه دين وبيده مال، وأما إن لم يدفع ثمنه ولم يحل عليه الحول عنده فلا زكاة عليه فيه، ولا يسقط من زكاة ما حال حوله عنده شيء بسبب دين هذا العرض الذي لم يحل حوله إن لم يكن عنده ما يجعله في مقابلته، نص عليه ابن رشد في المقدمات. قاله محمد بن الحسن.

وقال الأمير: زكى محتكرٌ رصد الأسواق ثمن ما لا زكاة في عينه، كفلوس النحاس لسنة من أصله، وإن ملك بمعاوضة مالية بمملوك بها أو عين مع نية تَجْرٍ وإن مع غلة أو قنية وَبيعَ

ص: 425

بنصاب عين، وإن لاستهلاك لا بعرض إلَّا فرارا ومديرٌ قيمته، ودينٍ من التجارة رجي ولو طعام سلم إلَّا العين الحال، فعدده كلّ عام باع فيه بدرهم شرعي فأكثر. انتهى. قوله: بمملوك بها أي بمعاوضة، المجرور الأول: متعلق بمعاوضة. قاله في الشرح، والثاني متعلق بمملوك، وقوله:"أو عين": عطف على مملوك كما في الشرح، وقوله:"ومديرٌ"، عطف على محتكرٌ، فهو مرفوع، قال في الشرح عند قوله "ومدير": يبيع بما تيسر كما هو الأفضل، وقوله:"ومدير قيمته": أي قيمة العرض الموصوف بما سبق. قاله في الشرح. وقال: وإنما يقوم ما دفع ثمنه أو حال حوله، وإن لم يدفع ثمنه كمن عليه دين وله مال، وأما إن لم يدفع ثمنه ولم يحل حوله فلا زكاة فيه، ولا يسقط دين ثمنه زكاة غيره كما في المقدمات. أفاده بناني. انتهى.

وقوله: "ودين": عطف على الهاء من قيمته، قاله في الشرح وقوله: من التجارة لا دين القرض على المعتمد، قاله في الشرح. وقوله: كلّ عام، ظرف لزكاة المدير. قاله في الشرح.

قال جامعه عفا الله عنه: ظاهر هذا أو صريحه أن المدير إنما يزكي عروضه ودينه حيث باع بدرهم شرعي فأكثر، فإن لم يبع به فلا تجب عليه زكاة قيمة عروضه، ولا زكاة قيمة دينه، ولا زكاة عدده. والله سبحانه أعلم. وظاهر المصنف وجوب التقويم؛ وهو ظاهر المدونة، ونحوه لابن رشد. وقيل: مندوب فله أن يتركه ويزكي كلما نض له، ففي الذخيرة: وروى ابن القاسم: لا يقوم، بل متى ما نض له شيء زكاه ما صنع إلَّا خيرا، وما أعرفه من عمل الناس والتقويم أحب إليه. انتهى. وإذا قلنا بالتقويم، ففي الشامل: وقوم بالذهب ما يباع بالذهب غالبا كورق وخير فيما يباع بهما. قاله الحطاب. وفيه: فإذا كانت تباع بهما واستويا بالنسبة إلى الزكاة يخير: وإلا فمن قال: الأصل في الزكاة الفضة يقوم بها، وإن قلنا إنهما أصلان، فيعتبر الأفضل للمساكين، لأن التقويم لحقهم وتقوم السلعة بغير إجحاف، بل بما تباع به غالبا، ويقوم المدير رقاب النخل إذا ابتاعها للتجارة، ولا يقوم الثمرة لأن فيها زكاة الخرص، ولأنها غلة كخراج الدور وغلة العبيد وصوف الغنم ولبنها، وذلك كله فائدة، وإن كانت رقابها للتجارة وما باعه من هذه الفوائد، ومن عروض القنية يستقبل بثمنه من يوم بيعه، فإن أدار بها فيعتبر لها حول من ذلك اليوم، فإن اختلطت أحواله فكاختلاط أحوال الفوائد. قاله في الذخيرة. قاله الحطاب.

ص: 426

ولو بارت؛ يعني أن المدير يقوم سلعه التي للتجارة بارت أم لا، ومعنى بارت كسدت، ولابد من تقويمها، ولو طال بوارها أي كسادها، وما مشى عليه المصنف هو المشهور؛ أي أنَّها لا تنتقل للاحتكار بسبب البوار، ورد المصنف بلو القول بأن البوار ينقلها للاحتكار، وهو مقابل المشهور، وهو لابن نافع وسحنون، قالا: لا يقوم، وينتقل إلى الاحتكار، وخص اللخمي وابن يونس الخلاف بما إذا بار الأقل، قالا: فإن بار النصف فأكثر لم يقوم اتفاقا، وقال ابن بشير: الخلاف جار مطلقًا بناء على أن الحكم للنية؛ لأنه لو وجد ربحا لباع، أو للموجود وهو الاحتكار. قاله في التوضيح. وما لابن بشير هو ظاهر المصنف هنا، وقوله:"بارت"، في القاموس والصحاح: أن البوار بالفتح بمعنى الهلاك والكساد معا، وفي الصباح: البوار بالضم: الكساد؛ وبالفتح: الهلاك. قاله الشيخ إبراهيم. والفرق بين الاحتكار والبوار -وإن كان في كلّ منهما انتظار السوق- أن المنتظر في الاحتكار ربح خاص، وفي البوار ربحٌ ما أو بيع بغير خسارة، ومما يقوم المدير سفينة مشتراة للتجارة لا للكراء، وإن أجبر رب سلع تجارة على بيعها لأجل أن يعطي ثمنها ظلما كمكس، قال الناصر اللقاني: زكى عما باع وأجره على الله.

الحطاب: وإن ظلم في أخذ السلع نفسها لم يلزمه تقويمها ولا زكاتها، وقال السوداني والبرزلي: كلّ ما يأخذه الظالم لا زكاة فيه؛ لأنه كالجائحة. انتهى. قال محمد بن الحسن: قال بعض شيوخنا: هذا الذي قاله السوداني والبرزلي هو الصواب. انتهى. قال عبد الباقي: وبحث البدر في فتوى الناصر اللقاني بما يأتي من أن الجبر على سبب البيع كالجبر على البيع، فالجبر على بيع السلع بمنزلة أخذها بأعيانها، وزاد أنه وقع السؤال عما يدفع من جانب السلطنة من الفضة ليؤخذ بدله ذهبا، وفي التبديل زيادة، فهل يحسب له الزائد من الزكاة التي عليه؟ فأجبت بعدم حسبان ذلك. انتهى. وهو ظاهر، وإنما المتوهم، هل يزكي الدافع الزيادة أو تسقط؟ وظاهر فتوى الناصر والحطاب أنَّها لا تسقط، وأفتى ابن اللباد بإجزاء ما يأخذه بنو عبيد الذين لا يقرون بوجوب الزكاة من زكوات أموال الناس مع نية المأخوذ منه الزكاة بما يأخذونه، وقيد ابن أبي زيد الإجزاء بما إذا لم تصرف لكافر، وإلا لم تجز. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: أن هذه الفتوى ضعيفة: ونازعه بناني في ذلك.

ص: 427

لا إن لم يرجه؛ يعني أن دين المدير إذا كان لا يرجو قضاءه كما لو كان على ملد أو معدم أو ظالم، فإنه لا يزكيه، ولا يقومه، وينبغي أن تجب زكاته إذا قبضه لعام واحد كالعين الضائعة والمغصوبة، فإن رجاه بنقص زكى قدر ما رجا إن كان فيه زكاة، كما استظهره ابن رشد، ولم تجب الزكاة في غير المرجو لأن غير المرجو كالعدم. وقوله: لا إن لم يرجه، هذا هو المشهور، وقال ابن حبيب: يزكي قيمته، قاله الشارح. وقد مر أن المدير إنما يزكي دينه حيث كان معدا للنماء، وأما إن لم يكن معدا للنماء كدين القرض، فأشار إليه بقوله: أو كان قرضا؛ يعني أن دين المدير أي الدين الذي له على غيره إذا كان قرضا، فإنه لا يزكيه إلَّا بعد قبضه، ولو كان الذي عليه الدين مليا لأنه خارج عن حكم التجارة، ويزكيه لعام واحد إلَّا أن يؤخر قبضه فرارا من الزكاة، فيزكيه لكل سنة اتفاقا. قاله عبد الحق في تهذيبه. نقله في التوضيح. وإذا أخر القبض فرارا، فهل يزكيه قبل القبض؟ انظره، وقوله:"أو كان قرضا" تؤولت المدونة عليه، وعلى هذا التأويل يستوي في دين القرض المحتكر والمدير، ويشكل عليه ما تقدم من أن مذهب المدونة في دين المحتكر أنه يزكيه يوم القبض لعام واحدٍ، ولو أخر فرارا. انظر بناني. وتؤولت أيضًا على أنه يقوم دينه مطلقًا قرضا أو غيره، وإلى ذلك أشار بقوله: وتؤولت أيضًا بتقويم القرض؛ يعني أن المدونة كما تؤولت أن الدين الذي للمدير إذا كان من قرض لا زكاة فيه حتى يقبض، تؤولت أيضًا بأنه يقومه كدين البيع، وهذا التأويل الأخير لعياض وابن رشد؛ وهو ظاهر المدونة.

واعلم أن التأويلين في قول المدونة في زكاة المدير، فيزكي ذلك مع ما بيده من عين وماله من دين يرتجى قضاؤه. انتهى. واستدل الخرشي والتتائي والسنهوري للتأويل الأول بقولها: ومن حال الحول على مال عنده لم يزكه حتى أقرضه، ثم يقبضه بعد سنين زكاه لعامين. قال الرماصي، وهو استدلال غير صحيح؛ لأن هذا الكلام إنما ذكره في المدونة في زكاة الدين لسنة من أصله؛ وهو دين المحتكر. انتهى. قال محمد بن الحسن: وقد قال أبو الحسن في شرح هذا الموضع: وهذا في غير المدير. انتهى. وقوله: زكاه لعامين، قال أبو الحسن: لأن زكاة العام الأول قد تخلدت في ذمته لتعديه في ترك إخراجها عند وجوبها حتى أقرض المال، وزكاه العام الثاني زكاة من له دين

ص: 428

فقبضه بعد حول. انتهى. وإنما محل التأويلين هو قولها في زكاة المدير: فيزكي ذلك مع ما بيده من عين وماله من دين يرتجى قضاؤه. انتهى.

وقد علمت أن تأويل عياض وابن رشد بالتقويم هو ظاهر المدونة؛ إذ قولها: وما له من دين يرتجى قضاؤه يعم بحسب ظاهره القرض والسلم. والله سبحانه أعلم. وفي شرح عبد الباقي: أن المعتمد التأويل الأول؛ أعني قوله: ""أو كان قرضا".

وهل حوله للأصل؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الحول الذي يزكي منه المدير عينه ودينه وطعامه لسلعه، فمنهم من ذهب إلى أنه حول الأصل الذي اشتريت به العروض مثلا من يوم ملكه أو زكاه، فلو ملك نصابا وزكاة في المحرم، ثم أدار به عروضا في رجب، فعلى أن حوله حول الأصل يكون حوله المحرم، وهو تأويل الباجي، وهو الراجح عند جماعة من الشيوخ، وهو قول مالك، واستحسنه ابن يونس ويؤيد قولها: إن نض له شيء في وسط السنة، أو طرفَيْهَا ولو درهما قوم لتمامها، فكان من حقِّ المصنف الاقتصار عليه. قاله الرماصي.

وقال عبد الباقي: إنه أسعد بظاهر الشرع. أو وسط منه ومن الإدارة، الضمير في منه راجع لحول الأصل؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن حول المدير ليس هو حول الأصل الذي اشتريت به السلع مثلا، بل حوله متوسط بين انقضاء حول الأصل وانقضاء حول الإدارة، فيكون الحول في المثال المتقدم أول ربيع الثاني، فقوله:"أو وسط منه ومن الإدارة"؛ أي حوله وقت متوسط بين انقضاء حول الأصل وبين انقضاء حول الإدارة، وهوأول ربيع الثاني في المثال المتقدم.

تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي وغيره عند قوله: "ومن الإدارة"؛ أي من وقت الإدارة، ورده الرماصي والبناني بأن صوابه من حول الإدارة؛ إذ هو مدير في جميع السنة، وما قالاه هو الذي قررت به المصنف، وفي شرح عبد الباقي: أنه يخرج عن محل التأويلين ما إذا بلغ ناض المدير نصابا، فإن حوله حول الأصل قطعا. انتهى. قال محمد بن الحسن: بل التأويلان في الناض والعرض من كلّ ما يزكيه المدير، كما يدلُّ عليه عموم قولها السابق ولم تفصل هي ولا شراحها بين النصاب وغيره، وإنما يعرف هذا لأشهب، كما نقله اللخمي وابن عرفة وغيرهما. وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان: الأول للباجي كما عرفت، وقد علمت أنه

ص: 429

الراجح فكان اللائق بالمصنف الاقتصار عليه، والثاني للخمي وكطو ظاهر الروايات، ففيها يجعل لنفسه شهرا يقوم فيه عروضه، والعدل أن يكون الوسط.

ثم الزيادة ملغاة؛ يعني أن المدير إذا قوم سلعه بقدر، فلما باعها زاد ثمنها على ما قومها به، فإن تلك الزيادة ملغاة، فلا تؤثر وجوبا، كعا لو قوم عروضه بمائة أو بمائتين فباعها بمائتين في المثال الأول أو بثلاثمائة في المثال الثاني، فإن تلك الزيادة ملغاة، فلا تجب عليه زكاة في المثال الأول حيث كان ذلك ورقا، ولا يلزمه إلَّا زكاة مائتين في المثال الثاني: لاحتمال رفع سوق أو رغبة مشتر، فلذا لو تحقق الخطأ لم تلغ تلك الزيادة. قاله غير واحد.

بخلاف حلي التحري؛ يعني أن الحلي المرصع بعرض -أي الملزق به- إذا تحرى بعشرين دينارا -مثلا- لكونه لا يمكن نزعه إلَّا بتغيرٍ المحلى، ثم نزع حليه بعد أن زكى أو قبل ذلك. فوجد ثلاثين دينارا -مثلا- فإن تلك الزيادة لا تُلغَى لتبين خطإ التحري، فيجب إخراج الزكاة عن الجميع إن لم تخرج الزكاة عن القدر المتحري، وعن الزيادة فقط إن أخرجت عنه، وقوله:"بخلاف حلي التحري".

قال جامعه عفا الله عنه: إذا تأملت هذا علمت أن حلي التحري ليس مخالفا لما قبله؛ لأن هذا تحقق فيه خطأ التحري، وما تقدم لم يتحقق فيه. والله سبحانه أعلم. والقمح، مبتدأ، وقوله الآتي:"كغيره"، خبر عنه هو وما عطف عليه؛ يعني أن القمح والشعير والسُّلت والتمر والعنب، وغيرها من باقي المعشرات كغيرها من عروض التجارة، فيقومها المدير في العام الذي لا تجب الزكاة في عينها فيه، كما لو لم تبلغ نصابا أو بلغته وكان هذا غير العام الذي استحقت الحصاد فيه، وأما في العام الذي وجبت فيها الزكاة فيه فإنها لا تقوم فيه، بل تزكى من عينها، وكذا الماشية التي وجبت زكاة في عينها فلا تقوم، ويخرج الزكاة الواجبة فيها بخلاف ما لو لم تجب الزكاة فيها، فإنها تقوم، كما مر ذلك عند قوله:"وإنما يزكى عرض لا زكاة في عينه"، وفي بعض النسخ:"والفسخ بفاء وسين".

قال عبد الباقي: وهي المتوهمة، ومعناها أن ما وقع فيه البيع من سلع التجارة ورجع لبائعه كغيره مما لم يبع، فيرجع لما كان عليه قبل البيع من احتكار وإدارة: بناء على أن الفسخ نقض

ص: 430

للبيع، لا ابتداء بيع. انتهى. قال محمد بن الحسن: إنما تظهر فائدة التنبيه على الفسخ، والمرتجع من مفلس فيما إذا لم ينوبه شيئًا عند رجوعه إليه، فعلى أنه حل بيع يرجع للإدارة وهو المشهور، وعلى أنه ابتداء بيع يحمل على القنية، وأما إن نوى به التجارة أو القنية فالأمر واضح. انتهى.

والمرتجع من مفلس، عطف على قوله:"والقمح"؛ يعني أنه إذا باع عرض تجر لشخص، ثم فلس ذلك الشخص المشتري للعرض قبل أخذ البائع للثمن، فاختار البائع للعرض أخذ عرضه لأنه أحق بعين ماله إن لم يفت -كما يأتي- فإن ذلك العرض الذي رجع إليه من المفلس كغيره من العروض التي لم يبعها، فترجع لما كانت عليه من إدارة أو احتكار، وقد مر قول محمد بن الحسن: إنما تظهر فائدة التنبيه على الفسخ والمرتجع من مفلس الخ، فراجعه إن شئت. والمكاتب يعجز، عطف على قوله:"والقمح"؛ يعني أن الشخص إذا كاتب عبدا من عبيد التجارة، فعجز عن أداء الكتابة، فإنه يصير عبدا لسيده البائغ له، وحينئذ فيكون كغيره من عروض التجارة، فيرجع إلى ما كان عليه من إدارة واحتكار؛ لأن عجزه عن الكتابة ليس يحصل به استئناف ملك. كغيره، خبر عن المبتدأ، أعني قوله:"والقمح"، وفي عطف عليه فهو راجع للثلاثة، وظاهر المصنف على نسخة: والفسخ وإن لم يحصل واحد من الثلاثة إلَّا بعد عام أو أكثر فيزكيه لماضي الأعوام احتياطا للفقراء، كذا قرره الأجهوري.

قال عبد الباقي: وهو ظاهر في المكاتب يعجز، وكذا في الفسخ والمرتجع من مفلس إن كان دينهما غير مرجو لعدم زكاته حينئذ، لا إن كان مرجوا لتقويم المدير له عند غيبته، فلا يطلب عند رجوعه بزكاة ماضي أعوامه، ولو رجعت سلع التجارة بإقالة أو هبة أو صدقة بطلت نية التجارة وكانت قنية، إلَّا أن ينوي بالمُقال منها التجارة ثانيا. قاله الشيخ سالم. وأما بالهبة والصدقة فيستقبل لفقد شرط من شروط عرض التجارة، وهو كون أصله كهو. قاله عبد الباقي. والضمير في قوله:"كغيره"، يرجع لكل من الثلاثة: القمح وما بعده. انظر الشبراخيتي، وغيره.

وعلم مما قررت أن قوله: "كغيره"، معناه أنه لا يحتاج واحد من الثلاثة إلى نية تجارة به ثانيا؛ لأن نية التجارة به لا تبطل إلَّا بنية القنية. وانتقل المدار للاحتكار؛ يعني أن العرض المدار

ص: 431

ينتقل للاحتكار بنية الاحتكار، وإيضاح ذلك أن المدير أي الذي اشترى عروضا ناويا إدارتها إذا نوى أن يرصد الأسواق بسلعه التي كانت مدارة، فإن ذلك العرض ينتقل من الإدارة إلى الاحتكار، فلا زكاة حتى يباع، ويقبض ثمنه عينا؛ لأنه انتقل إلى حكم الاحتكار ولا يقوم، وقوله:"وانتقل الدار لاحتكار"؛ يعني إلَّا لقصد فرار ثبت بإقراره، فلا ينتقل للاحتكار، وأما مجرد تهمة الفرار فلا، كما إذا نوى بعرض الإدارة الاحتكار بقرب الحول، وقوله:"وانتقل المدار للاحتكار"، قال الشبراخيتي: الأولى حمله على العموم أي المدار بالنية أو بالفعل؛ أي الذي نويت إدارته أو أدير بالفعل، لا على أحدهما ليلا يفوته الكلام على الآخر، والحكم فيهما واحد. انتهى.

وهما للقنية: يعني أن العرض المشترى بنية الإدارة إذا نوى به صاحبه القنية فإنه ينتقل عن الإدارة للقنية بتلك النية، فلا زكاة فيه ولا في ثمنه إذا بيع إلَّا بعد حول من يوم قبضه، وكذا إذا اشترى عرضا بنية الاحتكار ثم بدا له، فنوى به القنية فإنه يكون من عروض القنية، فلا يقوم ولا يزكى ثمنه؛ إذا بيع إلَّا بعد حول من يوم قبض الثمن.

وبما قررت علم أن قوله: "وهما"، عائد على العرض المدار وعرض المحتكر، فقوله:"وهما"؛ أي العرض المشترى أو لا بنية الإدارة والمشترى بنية الاحتكار. وقوله: بالنية، متعلق بانتقل، فهو راجع لقوله:"وانتقل المدار للاحتكار"، ولقوله:"وهما للقنية"، لكن المراد بالنية في المسألة الأولى نية الاحتكار، وفي الثانية نية القنية، وقوله:"بالنية"، هو المشهور.

وفي الجلاب رواية بعدم النقل، وأنه يزكي الثمن. قاله الشارح. وقوله:"بالنية"، نقلت النية لذلك، وإن كان سببا ضعيفا؛ لأن فيه رجوعا إلى الأصل؛ لأن الأصل في العروض عدم الزكاة، وهل يقيد قوله:"وهما للقنية بالنية"، بغير قصد الفرار كما قيدت التي قبلها أم لا، وهو ظاهر بعض الشراح. قاله عبد الباقي.

لا العكس؛ يعني أن مال القنية لا ينتقل للتجارة إدارة أو احتكارا بالنية؛ لأن النية سبب ضعيف تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه، والأصل في العروض الاقتناء والاحتكار يشبهه لدوام العرض معه. قال عبد الباقي: وكذا المشترى للاحتكار لا ينتقل إلى الإدارة بالنية على الراجح؛ وهو داخل في

ص: 432

قوله: "لا العكس"، ويفيده تكميل التقييد، وجزم به في الشامل، فقول البساطي: لو ساعده النقل لرجع لقوله: "وانتقل المدار للاحتكار"، فيه قصور. انتهى.

قال محمد بن الحسن: وقوله: وجزم به في الشامل، فيه نظر فإن الذي في الشامل الجزم بالنقل، ونصه: والنية تنقل المدار للاحتكار، والعكس. انتهى. وهذا نقله الخرشي وابن عاشر. انتهى. وقوله:"لا العكس"، قال الشارح عنده: يريد أن العرض إذا كان للقنية فإنه لا ينتقل بالنية إلى الإدارة ولا إلى الاحتكار، وهو المشهور، وعن مالك أنه ينتقل بذلك إلى حكم التجارة. انتهى. وقال عبد الباقي: قال الشارح فيما إذا كان العرض للاحتكار ونوى به الإدارة: لا يبعد انتقاله كالأول لأن كلا منهما ضرب من التجارة، وهذا القسم لم يذكره الشيخ. انتهى. وما ذكره في هذا القسم فيه خلاف، والراجح عدم الانتقال.

ولو كان أولا للتجارة؛ يعني أن عرض القنية لا ينتقل إلى التجارة بالنية، ولا فرق في ذلك بين أن تكون نية القنية عارضة، كما لو اشتراه بنية التجر ثم نواه للقنية ثم نوى به التجارة، فإنه لا يقوم ولا يزكى ثمنه إلَّا لسنة من يوم قبضه، وبين أن يكون مَلكه بنية القنية هذا قول مالك وابن القاسم، ورد بلو قول أشهب: إذا اشتراه أولا بنية التجارة، ثم نوف به القنية ثم نوى به التجارة ينقله ذلك للتجارة؛ لأن في ذلك رجوعا للأصل الأول، قال محمد بن الحسن: هذا العزو يفيد أن ما درج كليه المصنف هو الراجح؛ إذ موافقة ابن القاسم لمالك كافية في الترجيح، فقول المواق: وانظر من رجح هذا القول، والذي لابن بشير وما نقل ابن عرفة أن في المسألة قولين -انتهى- غير ظاهر. انتهى.

وبما قررت علم أن قوله: "ولو كان أولا للتجارة"، مبالغة في قوله:"لا العكس". وإن اجتمع إدارة واحتكار وتساويا؛ يعني أن الشخص إذا اجتمع في عروضه الإدارة والاحتكار؛ بأن اشترى بعضها بنية الإدارة وبعضها بنية الاحتكار، فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن تتساوى قيمة عروض الاحتكار وقيمة عروض الإدارة، أو تكون قيمة عروض الاحتكار أكثر، أو قيمة عروض الإدارة أكثر، فأما إن تساوت قيمتهما فإن كلا منهما يزكى على حكمه فيقوم العرض المدار كل عام للزكاة، ويزكى ثمن عرض الاحتكار بعد قبضه عينا على ما مر.

ص: 433

قال الشارح: وقد أعرف ابن بشير هذا القسم عن الخلاف، وتأول ابن لبابة المدونة على إعطاء الجميع حكم الإدارة، وأما إن كانت قيمة عروض الاحتكار أكثر فكذلك أيضًا، وإلى ذلك أشار بقوله: واحتكر الأكثر؛ يعني أن من اجتمع له إدارة واحتكار في عروضه، بأن اشترى بعضها بنية الإدارة وبعضها بنية الاحتكار، وكانت العروض التي اشتراها بنية الاحتكار أكثر قيمة من التي للإدارة، فإن ما للإدارة يزكيه على حكم الإدارة، فيقومه كلّ عام للزكاة وما للاحتكار يزكيه على حكم عروض الاحتكار، فيزكي ثمنه بعد قبضه عينا على ما مر. هذا قول ابن القاسم.

وقال ابن الماجشون: يزكَّى الجميع على حكم الاحتكار. قاله الشيخ عبد الباقي، وغيره. وتأول ابن لبابة المدونة على إعطاء الجميع حكم الإدارة مطلقًا، احتكر الأقل أو الأكثر. قاله الشارح.

وبما قررت علم أن قوله: فكل على حكمه؛ جواب الشرط بقيده، فهو راجع للأمرين؛ أي فكل من عرض الإدارة وعرض الاحتكار يزكى على حكمه، فما للإدارة يزكَّى على حكم الإدارة في المسألتين، وما للاحتكار يزكى على حكم الاحتكار في المسألتين، وقوله:"فكل على حكمه"، مبتدأ وخبرة فلذلك دخلت الفاء على جواب الشرط، وقوله:"على حكمه"، يحتمل أنه خبر المبتدأ، فيكون ظرفا مستقرا، ويحتمل أنه متعلق بيزكى مضمرا، فيكون ظرفا لغوا، والله سبحانه أعلم. وأما إن كانت قيمة عرض الإدارة أكثر من قيمة عرض الاحتكار، فهو ما أشار إليه بقوله: وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف؛ أي وإن لا تتساو الإدارة والاحتكار، ولا احتكر الأكثر بأن أدار أكثر العرضين قيمة واحتكر أقلهما قيمة. فالجميع؛ أي جميع عروض الإدارة والاحتكار. للإدارة؛ أي يقوم الجميع المحتكرَ والمدارَ كلّ عام للزكاة، فيزكيها مع ما بيده من العين على ما مر، قال محمد بن الحسن: الأقوال إن لم تتساو قيمة العرضين ثلاثة: المشهور ما عند المصنف، وهو قول ابن القاسم وعيسى بن دينار، وفي العتبية: وقال ابن الماجشون: يتبع الأقل الأكثر مطلقًا، وقال: هو ومطرف كلّ على حكمه مطلقًا، وتأول ابن لبابة المدونة على أن الجميع للإدارة مطلقًا أدير الأقل أو النصف أو الأكثر؛ وهو ظاهر سماع أصبغ، فهو قول رابع. والله أعلم. انتهى.

ص: 434

ولا تقوم الأواني؛ يعني أن الأواني التي تدار فيها البضائغ، كأواني العطار والزيات لا تقوم على المدير لبقاء عينها، وكذا آلات الحائك، وكذا الإبل التي تحمل السلع المدارة، وكذا البقر التي للحرث لبقاء عينها فأشبهت القنية، ويزكي عينها إن كان فيها نصاب، ولا تقوم كتابة مكاتب ولا خدمة مخدم، وتزكى زنة أواني الذهب والفضة.

وقوله: "ولا تقوم الأواني"، بناء على أن لها حكم القنية، وقيل: تقوم بناء على أن لها حكم السلع. ابن رشد: في تقويم آلة الحائك وماعون العطار قولا المتأخرين. بناء على اعتبار إعانتها في التجر، وبقاء عينها. اللخمي: وَبقرُ حَرْثِ التجرِ وماعون التجر قنيةٌ، وإذا بعث المدير بضاعة وجاء شهر زكاته، فإن كان يعلم ذلك أو يتوخى قدره قومه وزكاه مع ما يزكي، وإلا أخر لقدومه فيزكيه لما مضى من الأعوام على ما يُخْيرُ به الذي هو في يده، قال في سماع سحنون: وهذا مما لا أعلم فيه خلافات لأنه ماله منه ضمانه وله ربحه، فلا تسقط عنه زكاته بغيبته، ولو كان للمدير مال غائب فحال حوله وزكى ما بيده، ثم قدم ماله الغائب سلعا قومها وزكاها حينئذ، لحول مضى أو أحوال، وإذا كانت للمدير سفينة فإن اشتراها للتجارة قومها، وإن اشتراها للكراء لم يقومها. نقله الحطاب. وقوله:"ولا تقوم الأواني"، قال الشبراخيتي: والمراد أواني غير الذهب والفضة وإلا زكى زنتها.

وفي تقويم الكافر لحول من إسلامه واستقباله بالثمن حولا قولان، مبتدأ وخبره قوله:"في تقويم الكافر"؛ يعني أن الكافر المدير إذا أسلم -وقد نض له شيء ما ولو درهما- فإن الشيوخ اختلفوا في حوله، فمنهم من قال: يقوم عروضه ودينه بعد حول من يوم إسلامه، وكان يوم إسلامه هو يوم شرائه، ومنهم من قال: إنه يستقبل بالثمن النصاب حولا من يوم قبض الثمن لا من يوم البيع، لأنه كفائدة على هذا القول، والدليل على أن المراد بالكافر الكافر المدير، قوله:"وفي تقويم"؛ إذ المحتكر لا يقوم، وأما لو أسلم الكافر المحتكر فإنه يستقبل بالثمن حولا من يوم قبضه اتفاقا، وحكى ابن حارث القول الأول عن محمد بن عبد الحكم، والقول الثاني عن يحيى بن عمر، وحكى المازري القولين أيضًا. ابن عرفة، قال ابن حارث: من أسلم وله عرض تجر احتكارا استقبل بثمنه حولا، وفي كون المدير كذلك أو يقوم لحول من يوم أسلم، قولا يحيى بن عمر

ص: 435

ومحمد بن عبد الحكم، وقولي: وكان يوم إسلامه هو يوم شرائه، تبعت فيه الشبراخيتي وعبد الباقي والتتائي، ولم يقيده بذلك الشارح ولا الأمير. والله سبحانه أعلم.

والقراض الحاضر يزكيه ربه؛ يعني أن مال القراض الحاضر يزكيه ربه كلّ عام، وهل جميعه ما بيده ويد عامله؟ كما قاله الشارح، أو إنما يزكي رأس ماله وحصته من الربح كلّ عام؟ وهو لابن يونس. قوله:"الحاضر" ولو حكما، كما إذا كان غائبا غيبة يعلم ربه حاله فيها من بقاء أو تلف أو ربح أو خسر، ونص ابن يونس: ويزكى رأس ماله وحصة ربحه، ويزكيه من مال نفسه ولا ينقص من مال القراض. ابن يونس: ولو أخر الزكاة انتظارا للمحاسبة، فضاع لضمن زكاة كلّ سنة. قاله الحطاب. قال عبد الباقي: وأما العامل فإنما يزكي حصته من الربح بعد المفاصلة لسنة، ولو كانا مديرين. انتهى. قال محمد بن الحسن: نحوه في المواق، وسيأتي ما فيه. انتهى. والذي يأتي أن المعتمد أنه يزكيه بعد المفاصلة لكل عام إن كان هو ورب المال مديرين، وقوله:"يزكيه ربه"؛ أي قبل المفاصلة -كما قررت- ويدل عليه ما بعده، قال محمد بن الحسن: وما ذهب إليه المصنف أحد أقوال ثلاثة، وهو طريقة ابن يونس، وعزاه اللخمي لابن حبيب كما في المواق. وقال في التوضيح: هو ظاهر المذهب، قال الرماصي: لا أدري كيف يكون ظاهر المذهب مع كون ابن رشد لم يعرج عليه، والثاني وهو المعتمد أنه لا يزكي إلَّا بعد المفاصلة، وحينئذ يزكي للسنين كلها كالغانب، فيأتي فيه قوله: فيزكي لسنة الفصل ما فيها، وهذا القول هو الذي اقتصر عليه ابن رشد، وعزاه القرافي للمدونة والواضحة، ولرواية ابن أبي زيد، وسماع عيسى عن ابن القاسم، وعزاه اللخمي لابن القاسم وسحنون كما ذكره ابن عرفة، قال الرماصي: وقد اشتهر عند الشيوخ أنه لا يعدل عن قول ابن القاسم مع سحنون. انتهى. والقول الثالث أنه لا يزكي إلَّا بعد المفاصلة، ولكن يزكي لسنة واحدة كالدين، حكاه ابن بشير وابن شأس. انظر التوضيح.

إن أدارا؛ يعني أن محل كون القراض يزكى على الوجه المذكور إنما هو إذا كان رب القراض والعامل مديرين، قال الحطاب: وظاهره -يعني المصنف- أنه يزكي جميع المال، وظاهر ابن يونس أنه إنما يزكي رأس المال وحصته من الربح، ونصه: ويزكي رأس ماله وحصة ربحه، ويزكيه من مال نفسه ولا ينقص من مال القراض. انتهى. وهو الذي قررته به أولا. أو العامل؛

ص: 436

يعني أنه إذا لم يكن رب المال مديرا، بل كان محتكرا ولكن العامل مدير فإنه يكون الحكم كما لو كانا مديرين، فيزكي رب القراض رأس ماله وحصة ربحه كلّ ضام، وظاهر المصنف سواء كان في بيد العامل أقلّ مما بيد رب المال أو أكثر أو مساويا له وهو كذلك. هذا هو الصواب.

وقوله: من غيره، متعلق بيزكِّي من قوله:"والقراض الحاضر يزكيه ربه"؛ يعني أن رب القراض إنما يزكي القراض من عنده، ولا يزكيه من مال القراض ليلا ينقصه على العامل، إلَّا أن يرضى، وفي كلام الناصر اللقاني ما يفيد أن له تزكيته من غيره وكذا منه، ويحسبه على نفسه، والظاهر أنه يكفي النضوض من أحدهما حيث كانا مديرين، وأنه إذا كان العامل مديرا فلا بد أن ينض له شيء. والله سبحانه أعلم.

وقال الأمير: والقراض يزكيه ربه لا العامل، وأراد بالقراض المال، ويخرج زكاته من غيره أو منه ويحسبه على نفسه، ولم يجعلوا ذلك زيادة في مال القراض بتوفيره، وهو ممنوع كالنقص إما ليسارة جزء الزكاة فتتسامح به النفوس، أو لأنه لازم شرعا فكأنه مدخول عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: الرجراجي: وزكاته من عند ربه أو من المال مشكلة؛ إذ في إخراجها من عنده زيادة في القراض، ومن القراض نقص فيه. قاله الحطاب. ويجاب بأن هذا أمر مدخول عليه شرعا، بدليل جواز اشتراط جزء الزكاة على أحدهما كما سيذكره المصنف في باب القراض، وإن اقتصر هنا على أن ربه هو الذي يزكيه من غيره. انتهى.

قال محمد بن الحسن: هذا الإشكال سبقه به ابن يونس، وأجاب عنه بأن الزيادة الممنوعة هي التي تصل ليد العامل وينتفع بها، وهذه بخلاف ذلك. انتهى. وصبر إن غاب، هذا مفهوم قوله:"الحاضر"؛ يعني أن مال القراض إذا لم يحضر حقيقة أو حكما بأن غاب بحيث لا يعرف حاله من بقاء أو تلف أو ربح أو خسر، فإن ربه يصبر أي لا يزكيه حتى يعرف حاله أو يرجع إليه، فإن تلف فلا تلزمه زكاته، فإن زكى قبل علمه فالظاهر الإجزاء، فإن تبين زيادة المال على ما زكى أخرج عن الزيادة، فإن تبين نقصه عما أخرج فالظاهر أنه لا يرجع به على من دفعه [له]

(1)

حيث لم يكن باقيا بيده، وإلا رجع به. قاله المسناوي. نقله محمد بن الحسن.

(1)

ساقط من الأصل، والمثبت من عبد الباقي ج 2 ص 161.

ص: 437

قوله: "وصبر إن غاب" قال في النوادر من المجموعة، قال ابن القاسم: ولا يزكي العامل في غيبته عن رب المال شيئًا، قال أشهب: إلَّا أن يأمره بذلك أو يؤخذ بذلك فتجزئه، ويحسبه العامل على ربه من رأس المال. قاله الحطاب، وغيره. وقال في الكافي: ولا يجوز للعامل أن يزكي المال إذا كان ربه غائبا: لأنه ربما كان عليه دين يمنع الزكاة، ولعله قد مات، ولا يزكى مال القراض حتى يحضر جميعه، وينض ويحضر ربه إلَّا أن يكون مديرا فيزكيه بحضرة ربه. انتهى. ونحوه في الذخيرة. قاله الحطاب.

وقال الأمير: والقراض يزكيه ربه، وصبر كإن غاب، قال في الشرح: تشبيه في مطلق الصبر؛ لأن الصبر في الحاضر للنضوض والتفاصل ثم ينزل عام ذلك منزلة الحضور في الفائت، ويجري على ما يأتي. هذا ما نقله الرماصي عن ابن رشد وغيره. ولم يرتض ما في الأصل والتوضيح من عدم الصبر في الحاضر. انتهى. وقوله:"وصبر إن غاب"، قاله ابن القاسم وغيره؛ إذ لا يدري هل هو باق بيد العامل أو هلك، وضلى تقدير بقائه فلا يدري أزاد أو نقص.

فزكى لسنة الفصل ما فيها؛ مرتب على قوله: "وصبر إن غاب"؛ يعني أنه إذا حضر مال القراض بعد غيبته سنين، فإن رب القراض يزكي للسنة التي علم قدر مال القراض فيها ما حصل فيها؛ وهي سنة الحضور، كما في كتاب الأمير. وإن لم تحصل مفاصلة، خلاف ما يعطيه كلام المصنف.

وقد علمت أن المراد بسنة الفصل: سنة الحضور، فيبدأ بزكاتها، سواء كان قد رما فيها من الزكاة أقلّ من السنين الماضية أو أكثر أو مساويا له، ثم إن كان ما قبل سنة الحضور مساويا لها زكى ما قبلها على حكمه، ولوضوحه تركه. إن كان ما قبل سنة الحضور أزيد منها، سقط عن رب القراض بالنسبة لزكاة الأعوام الماضية ما زاد قبلها؛ أي سنة الحضور؟ أي من السنين الماضية كما قررت، ولو زكاه العامل من عنده عن ربه لم يرجع به عليه؛ لأنه لما أذن له الشرع في الصبر ولم يصبر لم يكن للعامل رجوع به، وقد مر أنه يبدأ بالإخراج لسنة الفصل أي الحضور، فإذا بدأ بها بدأ بما قبلها مما يليها، وهكذا ويراعى في غير سنة الفصل تنقيص الأخذ النصاب، ويتضح لك ما ذكرت لك بالمثال، فلو غاب ثلاثة أعوام، وفي العام الأول أربعمائة دينار، وفي الثاني

ص: 438

ثلاثمائة دينار، وفي الثالث مائتان وخمسون دينارا؛ فإنه يأخذ لسنة الفصل -أي الحضور- ستة دنانير وربع دينار؛ لأنَّها هي ربع عشر مائنين وخمسين دينارا، وتسقط عنه زكاة الزيادة في العامين الماضيين، وهي مائة وخمسون دينارا في العام الأول وخمسون في الثاني. وقد علمت أنه يزكى في الأعوام الثلاثة عن مائتين وخمسين دينارا، إلَّا أنه يبدأ بعام الحضور فيأخذ له ما ذكر، ويزكى عن العام الذي قبله عن مائتين وخمسين دينارا إلَّا ستة دنانير وربعا، وعن العام الأول عن مائتين وخمسين إلَّا اثني عشر دينارا ونصف دينار. قاله غير واحد. وقال محمد بن الحسن: هذا ظاهر المصنف واعترضه مصطفى بأن الذي قاله ابن رشد وغيره أنه يبدأ بالأولى فالأولى، فيزكي عن الأولى في المثال المذكور عن مائتين وخمسين، ويسقط عنه في الثانية والثالثة ما نقصته الزكاة في العام الأول، قال محمد بن الحسن: والظاهر كما قال بعض الشيوخ أن المئال واحد، سواء بدأنا بالسنة الأولى أو بسنة المفاصلة أي سنة الحضور، ونحو هذا يقال في بقية الصور، والله أعلم. انتهى.

وما مر وما يأتي من أن المراد بسنة الفصل سنة الحضور، ظاهر فيما إذا أدارا، أو العامل أي ظاهر على ما مشى عليه المصنف من أن الحاضر يزكيه ربه إن أدارا أو العامل لا على مقابله المعتمد، وأما إن احتكرا أو العامل فسينص المصنف على أنه لا زكاة إلَّا بعد المفاصلة أي الحقيقية، وأنه إنما يزكي لسنة واحدة. وقد مر أنه يراعى تنقيص الأخذ النصاب في غير سنة المفاصلة، فلو غاب ثلاث سنين وهي في الأولى أربعون وفي الثانية ثلاثون وفي الثالثة وهي سنة المفاصلة أي سنة الحضور عشرون؛ فإنه يأخذ لسنة الحضور نصف دينار، وتسقط عنه الزكاة في السنتين الماضيتين؛ إذ الزيادة الحاصلة في المال في الماضي تسقط زكاتها كما عرفت، فإن قيل هذا حيث لم يكن له ما يجعل في مقابلة دين الزكاة، وإلا فيزكي عن الجميع كلّ عام كما هو المعهود في دين الزكاة، فالجواب أن ذلك لا يجري هنا؛ لأن هذا لم يقع فيه تفريط، فلم يتعلق بالذمة بل بالمال، فيعتبر نقصه ويدل على عدم تعلقها بالذمة وعلى اعتبار النقص قوله:"وسقط ما زاد قبلها"، وما ذكره الحطاب عن ابن القاسم وغيره من أنه إن تلف قبل عام المفاصلة فلا زكاة. انتهى. وأشار إلى الصورة الثالثة بقوله: وإن نقص فلكل ما فيها؛ يعني أنه إذا نقص مال القراض

ص: 439

فيما قبل سنة الفصل، عن سنة الفصل فإنه يزكي لسنة الفصل ما فيها؛ أي سنة الحضور على ما قاله غير واحد، ويزكي لكل سنة قبلها ما فيها أيضًا خاصة، كما لو غاب عنه ثلاثة أعوام، وفي الأول عشرون، وفي الثانية خمسة وعشرون وفي الثالثة ثلاثون، فيزكي لسنة الفصل ثلاثين، وللثانية خمسة وعشرين، وللأولى عشرين. قاله الشيخ إبراهيم. وهو ظاهر المصنف مع أن فيه نظرا لمخالفته لقول المدونة، فإن كان العامل مديرا زكى لكل سنة بقدر ما كان المال فيها من عين أو قيمة عرض، فإن كان أول سنة قيمة المتاع مائة والثانية مائتين والثالثة ثلاثمائة، زكى لكل سنة قيمة ما كان المبتاع يشتري فيها إلَّا ما نقصته الزكاة، ونحوه لابن رشد، فإن مقتضى ما فيهما أن الثلاثمائة يحط منها في العام الثالث بقدر ما أخرج عن العامين قبله، وأن المائتين في العام الثاني يحط منهما بقدر ما أخرج عن مائة دينار في العام الأول. والله سبحانه أعلم. وقوله:"فلكل ما فيها"؛ أي لكل من السنتين الماضية وكذا سنة لحضور كما مر.

وأزيد وأنقص قضى بالنقص على ما قبله؛ يعني إنه إذا كان في السنين الماضية أزيد مما قبل سنة الفصل أي الحضور وأنقص منها، فإنه لا يخلو النقص من أن يكون قبل الزيد أو بعده، فإن كان النقص قبل الزيد فإنه يزكي لكل سنة ما فيها، ويشملها قوله:"فإن نقص فلكل" الخ، وإن كان الزيد قبل النقص فإنه يقضى على الزيد بالنقص الذي بعده؛ أي يحكم على السنة التي فيها الزيد بأنها في الزكاة كالسنة التي فيها النقص الكائنة بعدها، وظاهره اتحد كلّ منهما أو تعدد، قال عبد الباقي: كما إذا كان في سنة الفصل أربعمائة، وفي التي قبلها مائتين، وفي التي قبلها خمسمائة، فيزكي لسنة الحضور عن أربعمائة ومائتين مائتين عن اللتين قبلها لأن الزائد لم يصل لرب المال. انتهى. وفيه نظر لأنه يجري هنا ما قدمته من أنه يراعى في كلّ عام ما نقصه زكاة ما قبله، فإذا كان في السنة الأولى مائة وفي الثانية مائتان وفي الثالثة ثلاثمائة، فالزكاة في المائة الأولى ديناران ونصف، فيسقط ذلك من السنة الثانية وهو مائتان فيبقى مائة وسبعة وتسعون ونصف، فيسْقُطُ الجميع من الثلاثمائة في السنة الثالثة، فيزكى ما بقي. كما نص عليه الرماصي. انتهى. وقولي: فإن كان النقص قبل الزيد فإنه يزكي لكل سنة ما فيها، كما لو غاب ثلاث سنين وفي الأولى عشرون وفي الثانية ثلاثون وفي الثالثة أربعون؛ فإنه يزكي لسنة الحضور عن أربعين إلَّا ما

ص: 440

نقصته الزكاة عن الأوليين، وللثانية عن ثلاثين، وللأولى عن عشرين. ومفهوم هذا أنه لو كان في الأولى ثلاثين وفي الثانية عشرين وفي الثالثة أربعين، فإنه يزكي لسنة الحضور عن أربعين إلَّا ما نقصته الزكاة للأوليين، وللأوليين عن عشرين. فإن قلت: هذا يخالف قوله: "وإن نقص فلكل ما فيها" فالجواب: أن ذلك يحمل على ما إذا كان ما قبلها مستويا في السنتين فأكثر أو مختلفا، وليس الناقص متأخرا عن الزائد، وهي الصورة الأولى من هاتين الصورتين. والله سبحانه أعلم. ويشملها قوله:"وإن نقص فلكل ما فيها"، كما مر.

وتَحَصَّلَ مما مر: أنه لو تساوى النقص فإنه يزكي لكل سنة ما فيها، كما لو كان في سنة المفاصلة مائتين، وفي التي قبلها مائة، وفي التي قبلها مائة، وأنه لو كان في سنة المفاصلة مائتي دينار، وفي التي قبلها مائة دينار، وفي التي قبلها تسعين؛ فإنه يزكي لكل سنة ما فيها أيضًا مع مراعاة ما تنقص الزكاة، فشمل قوله:"وإن نقص" هاتين الصورتين، وأنه لو كان فيما قبل سنة المفاصلة أي الحضور أزيد منها أو أنقص، فإنه يقضى بالنقص على ما قبله، كما لو كان في الأولى ثلاثمائة وفي الثانية مائتان وفي الثالثة مائتان وعشرون، وكذا لو كان في الثالثة وهي سنة المفاصلة ثلاثمائة، وفي التي قبلها مائتان، وفي التي قبلها مائتان وعشرون، فإنه يقضى بالنقص على ما قبل الثانية في هذا المثال ونحوه؛ وهو ما إذا كانت سنة المفاصلة أكثر مما قبلها، وما قبلها فيه أنقص وأزيد؛ أي بنسبة بعضه إلى بعض حيث كان الأقل متأخرا عن الأكثر، فشمل قوله:"أزيد وأنقص"، هاتين الصورتين. قاله عبد الباقي.

وقد علمت أنه يراعى فيما بعد العام الأول ما نقصته الزكاة كما قدمته في مسألتي: "وإن نقص فلكل ما فيها"، "وأزيد وأنقص"، فراعه يا فتى في جميع ما مر. خلاف ما يقتضيه عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: قال بعض الشراح: ينبغي أن يكون مرادهم بقولهم ما قبل الانفصال أزيد وأنقص قدر رأس المال، وحصة ربه من الربح فقط مما نض، ومن قيمة السلع لا جميعه؛ إذ لا زكاة في حصة العامل حضر أو غاب، وانظر بماذا يعرف ذلك، والظاهر أنه يعمل على قول العامل كان كذا؛ إذ لا سبيل إلى ذلك إلَّا بذلك. انتهى. وتنظيره في غير سنة الانفصال يفيد أنه إنما ينظر في سنته لجميع المال، ولعله لأن العامل لما زكى حصته فيها نظر جميعه دون

ص: 441

ما قبلها، وظاهر كلامهم خلاف ما استظهره. قاله علي الأجهوري. والظاهر ما استظهره الشيخ سالم، ويدل له ما يأتي في زكاة حصة العامل، وعلى بحث علي الأجهوري: يلزم رب المال زكاة ماضي السنين عن العامل، والأمر بخلافه. انتهى. قوله: قال بعض الشراح ينبغي أن يكون مرادهم الخ، قال محمد بن الحسن: هذا إنما يجري على ما لابن يونس، وأصله في العتبية من أن العامل إنما يزكي ربحه بعد المفاصلة لسنة واحدة كما في المواق، وظاهره في الحاضر والغائب محتكرا كان العامل أو مديرا: لكنه خلاف ما في المدونة، وكلام ابن رشد من أن ربح العامل يزكى لكل عام إذا كان مديرا، وحاصل ما له في البيان والمقدمات أنهما إن كانا مديرين أو العامل وحده مديرا زُكِّيَ جميع المال وجميع ربحه لكل سنة مضت، قال في البيان: فتكون الزكاة قد حصلت على العامل في ربحه، كما حصلت على رب المال في رأس ماله وحصته من الربح، وإن كان العامل وحده غير مدير وربه مدير -يعني وبيده أكثر- فقال ابن حبيب: يزكي ما بيد العامل لكل عام بجميع ربحه، وقال ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب الزكاة: يزكيه مع حصة ربه فقط من الربح، قال: ويخرج الزكاة على قوليهما جميعا من ماله لا من مال القراض. انتهى من البيان بلفظه. وقال في الصورتين الأوليين: إن القراض يزكى بجميعه لكل سنة منه أي لا من عند رب المال، وبه تعلم أن بحث الأجهوري مع السنهوري صحيح، وقول الزرقاني: وعلى بحث علي الأجهوري يلزم رب المال زكاة ماضي السنين عن العامل الخ، غير صحيح؛ إذ لا يلزم على ذلك إلَّا أن ربح العامل يزكى مع مال رب المال، لكن ما ينوبه من الزكاة على العامل على المشهور. انتهى.

وإن احتكرا أو العامل فكالدين؛ هذا مفهوم قوله: "إن أدارا أو العامل" يعني أن رب القراض والعامل إذا كان كلّ منهما محتكرا، أو كان العامل محتكرا -والمراد الاحتكار في مال القراض- فإن الحكم في زكاة مال القراض حينئذ كحكم زكاة الدين الذي للمحتكر، فلا يزكى قبل رجوع المال ليد ربه بالانفصال ولو نض بيد العامل، وإنما يزكى بعد الانفصال لسنة واحدة، فقد علمت أنه أفاد بقوله:"فكالدين"، فائدتين، كونه إنما يزكي بعد الانفصال، وكونه لا يزكي بعد الانفصال إلَّا لسنة واحدة، وقوله:"أو العامل" محله إذا كان ما بيد العامل من مال القراض

ص: 442

مساويا لما بيد رب المال منه أو أكثر، وأما إذا كان ما بيد العامل هو الأقل فإنه لا يكون كالدين، بل يكون الأقل تبعا للأكثر، فقد نص ابن رشد على أن الحكم فيه حينئذ كالحكم فيما إذا كانا مديرين؛ أي فالجميع للإدارة على ما قدمه المصنف، وإنما يعتبر ما بيد رب المال حيث كان يتجر، وإلا فالعبرة بما بيد العامل فقط، وما اقتصر عليه المصنف من قوله:"فكالدين"، عليه اقتصر صاحب المقدمات وغيره، وقيل: يزكيه لماضي الأعوام، وصححة ابن راشد القفصي، وكان ينبغي للمصنف أن يشير للثاني أيضًا، وقوله: وإن احتكرا أو العامل، فيه العطف على الضمير المتصل بلا فاصل وهو ضعيف في النثر وكثير في الشعر، لكن المصنف بنى تأليفه على الاختصار، وذلك يجري مجرى ضرورات الشعر، قال ابن الحاجب: والاختصار يجري مجرى ضرورات الأشعار. قاله الشبراخيتي.

وقال الحطاب: إذا تم الحول على المال بيد العامل؛ وهو عين قبل أن يشغله، قال سحنون: يزكيه ربه، وإن أشغل منه شيئًا فلا يزكيه حتى يقبضه، وإن كان معه في البلد وهو مدير قوم لتمام حوله على سُنَّة الإدارة، وإن كان محتكرا ورب المال مدير، قال ابن القاسم: يقومه مع حصة ربحه دون حصة العامل. انتهى من الذخيرة. وهذا مخالف لقول المصنف: "أو العامل"، فإنه يقتضي أن العامل إذا كان محتكرا فإنه يزكي كالدين. انتهى. المراد منه.

وعجلت زكاة ماشية القراض مطلقا؛ يعني أن زكاة ماشية القراض أي الماشية المشتراة بمال القراض أو منه، تعجل ولا تنتظر بها المفاصلة مطلقًا، سواء كانا مديرين أو محتكرين، أو أحدهما مديرا والآخر محتكر، كان مال القراض حاضرا أو غائبا، ومثل زكاة ماشية القراض في التعجيل زكاة حرثه من حب وثمر، فتعجل مطلقًا كانا، مديرين أو محتكرين، أو أحدهما، كان المال حاضرا أو غائبا.

وحسبت على ربه؛ يعني أن زكاة القراض إذا كان ماشية ولم يكن القراض حاضرا، فإن الساعي يأخذ الزكاة من رقاب الماشية وتحسب الزكاة على رب القراض من رأس مال القراض، فلا تجبر بالربح ولا تلغى كالخسارة، هذا مذهب المدونة. وقال أشهب وابن عبد الحكم: تلغى كالخسارة، فتجبر بالربح، وقيل: يكون على العامل قدر حصته من الربح، فإذا كان رأس المال أربعين

ص: 443

واشترى بها العامل أربعين شاة، وأخذ الساعي منها شاة تساوي دينارا، ثم باع الباقي بستين دينارا، فعلى المشهور -وهو مذهب المدونة الذي مشى عليه المصنف- تكون الشاة على رب المال، فيكون رأس المال تسعة وثلاثين والربح واحد وعشرون، وعلى قول أشهب وابن عبد الحكم: الربح عشرون ويجبر رأس المال أي تقدر الشاة كأنها ماتت، ويكون رأس المال أربعين لأن الربح يجبر الخسارة. وعلى الثالث يكون رأس المال تسعة وثلاثين ويقتسمان الفاضل، ثم يأخذ رب المال من العامل ما ينوبه فيقسم الدينار على ستين جزءا، يكون على العامل عشرة ونصف، وهذا القول ليس منصوصا، وإنما خرجه اللخمي. قال الشارح. وأما إن كان المال حاضرا، فهل كذلك؟ أي يأخذ الساعي الزكاة من الماشية وتحسب على ربها، أو يأخذها من ربها ابتداء؟ تأويلان. قاله غير واحد. والله سبحانه أعلم.

وهل عبيده كذلك؛ يعني أن زكاة عبيد القراض إذا غشيهم العيد بيد العامل، فإنها تعجل ولا ينتظر بها المفاصلة ولا حضور رب القراض، وإذا عجلت فإن الشيوخ اختلفوا؛ هل يكون الحكم كذلك -أي كما مر في زكاة ماشية القراض أي تحسب على ربه فتكون عليه ولا تجبر من رأس المال- أو تلغى؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن زكاة فطر عبيد القراض تخرج من القراض تلغى ولا تحسب على ربها بل تجبر بالربح فيكون رأس المال هو العدد الأول. كالنفقة، ليس هذا مما فيه التأويلان، بل معنى كلامه أن من الشيوخ من قال: إن فطرة العبيد المذكورين تلغى ولا تحسب على رب القراض، كما أن النفقة على عبيد القراض تلغى، ومثل النفقة الخسر. وبما قررت علم أن التأويلين متفقان على تعجيل الفطرة، وقوله. تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، وهذا الذي قررت به المصنف تقرير له بحسب ظاهره؛ وهو غير صحيح لقول المدونة، زكاة الفطر عن عبيد القراض على رب المال خاصة، وأما نفقتهم فمن مال القراض. انتهى. فهذا صريح لا يقبل التأويل، وإنما [التأويلان]

(1)

في زكاة ماشية القراض الحاضر، هل يزكيها ربها منها وتحسب عليه أو من ماله، وإن غاب أخرجها العامل وحسبها على ربها، كما مر فلو قال: وعجلت زكاة ماشية القراض مطلقًا، وأخذت من رقابها إن غاب، وحسبت على

(1)

في الأصل التأويلين، والمثبت من عبد الباقي ج 2 ص 162.

ص: 444

ربها، وهل كذلك إن حفر أو من عند ربه كزكاة فطر عبيدة؟ تأويلان، لوافق النقل. قاله عبد الباقي.

وقال: قال الشيخ سالم: انظر قد صرحوا في القراض غير الماشية بأن حصة العامل لا تزكى قبل المفاصلة مطلقًا، وعللوا ذلك بأنها لم تستقر، وأن الخسر يجبر بها وسكتوا عن ذلك في الماشية، بل ظاهر كلامهم زكاة جميع ماشية القراض من غير نظر إلى حصة العامل فيها، ولم يظهر في وجه الفرق بينهما. انتهى.

قلنا: الفرق أن زكاة الماشية تتعلق بعينها، فلا يسقطها الدين والفقد والأسر، بخلاف زكاة العين.

قاله علي الأجهوري. وهو ظاهر على أنه شريك لا أجير. قاله عبد الباقي، ونحوه للشبراخيتي، فإنه قال بعد تقريره للمصنف بحسب ظاهره: هذا تقرير للمصنف بحسب ظاهره، وهو غير صحيح، لقوله في المدونة: وزكاة الفطر عن عبيد القراض على رب المال خاصة، وأما نفقتهم فمن مال القراض، فهذا صريح لا يقبل التأويل، وإنما [التأويلان]

(1)

، في زكاة ماشية القراض الحاضر، هل يزكيها ربها منها أو من ماله؟ كما تقدم، فقال ابن حبيب: يزكى منها. ابن يونس: واختلف أصحابنا، هل هذا وفاق للمدونة؟ وعليه الأكثر، أو خلاف؛ والدليل على ذلك مساواة أبي محمد في المختصر والنوادر بين ماشية القراض وعبيدة، وعلى هذا فصواب عبارة المصنف أن يقال: وعجلت زكاة ماشية القراض مطلقًا، وأخذت من رقابها إن غاب، وحسبت على ربها، وهل كذلك إن حضر، أو من عند ربه كزكاة فطر عبيدة؛ تأويلان. وقوله: كزكاة فطر عبيدة؛ أي أنَّها من عند ربهم، إن حضر وإن غاب أخرجها العامل وحسبها على ربهم، وقال الحطاب عند قوله:"وهل عبيدة كذلك أو تلغى كالنفقة تأويلان". انتهى: يشير إلى ما قاله في التوضيح.

فرع: وأما عبيد القراض فيخرج زكاة فطرهم. ابن حبيب: وهي كالنفقة، ورأس المال هو العدد الأول، قال: وأما الغثم فمجمع عليها في الرواية عن مالك من المدنيين والمصريين، أن زكاتها على رب المال من هذه الغنم لا من غيرها، فتطرح قيمة الشاة المأخوذة من أصل المال، ويكون ما بقي رأس المال. قال: ويفارق زكاة الفطر؛ لأن هذه تزكى من رقابها، والفطرة مأخوذة من غير العبيد.

(1)

في الأصل التأويلين، والمثبت من الشبراخيتى ج 1 مخطوط.

ص: 445

ابن يونس: واختلف أصحابنا في قول ابن حبيب هذا، فقال أكثرهم: وفاق للمدونة، وظهر لي أنه خلاف، والدليل على ذلك مساواة الإمام أبي محمد بين ماشية القراض وعبيدة في المختصر والنوادر. انتهى. فكلام المصنف في المختصر والتوضيح يدلُّ على أن شيوخ المدونة اختلفوا في زكاة الفطر عن عبيد القراض، هل هي محسوبة على رب المال كزكاة الماشية، فيكون قول ابن حبيب خلافا، أو زكاة فطرهم كالنفقة بناء على أن قول ابن حبيب وفاق: وهو غير صحيح؛ لأنه صرح في المدونة في باب زكاة الفطر بأن زكاة الفطر عن عبيد القراض على رب المال خاصة، ونصها: وزكاة الفطر عن عبيد القراض على رب المال خاصة، وأما نفقتهم فمن مال القراض. انتهى. فهذا صريح لا يقبل التأويل، وإنما التأويل في زكاة ماشية القراض، هل يزكيها ربها منها أو من ماله؟ فتقدم في كلام ابن حبيب أنه يزكيها منها، فقال ابن يونس: اختلف أصحابنا في قول ابن حبيب: هل هو وفاق أو خلاف؟ ونصه في كتاب الزكاة الثاني، قال مالك: ومن أخذ مالًا قراضا فاشترى به غنما، فتم حولها وهي بيد المقارض، فزكاتها على رب المال في رأس ماله، وليست في مال القراض، ونحوه في كتاب ابن المواز، وظاهر ذلك المساواة بين الماشية وعبيد القراض، وأن ذلك على رب المال في رأس ماله، وليس في مال القراض. وقال ابن حبيب في عبيد القراض، إن زكاتهم كالنفقة تلغى، ورأس المال هو العدد الأول، قال: وأما في الغنم فمجمع عليها في الرواية عن مالك من المدنيين والمصريين أن زكاتها على رب المال من هذه الغنم لا من غيرها، وتطرح قيمة الشاة المأخوذة من أصل المال، ويكون ما بقي رأس المال الخ.

وزُكِّيَ، بالبناء للمفعول للعلم بفاعله وهو العامل؛ لأن من المعلوم أن المال إنما يزكيه ربه. قاله الشيخ إبراهيم. قال: ونائب الفاعل. ربح العامل؛ يعني أن العامل يزكي ربحه أي ما ينوبه من الربح، ولا يزكيه إلَّا بعد المفاصلة، والمشهور أنه يزكيه لكل عام بعد المفاصلة إذا كان هو ورب المال مديرين، وقيل: إنما يزكي حصته بعد المفاصلة لعام واحد، ولو أقام عنده أعواما. وإن قل؛ يعني أن العامل يزكي ما نابه من الربح مطلقًا، سواء قل عن النصاب أم لا، وقال محمد بن الحسن: لو قال المصنف: وزكى العامل ربحه ولو قل ليفيد صريحا أن ما ينوب حصته من الزكاة عليه أي على العامل -كما هو مذهب المدونة- لا على رب المال؛ لأنه خلاف المشهور

ص: 446

كما في الحطاب، ورد المصنف بالمبالغة قول ابن المواز: لا زكاة في ربح العامل حيث قل عن النصاب، فلو عبر المصنف بلو كان أولى.

واعلم أن أصل وجوب الزكاة في ربح العامل مع قطع النظر عن قلته مبني على أنه شريك، ووجوبها في القليل مع قطع النظر عن كونها على العامل مبني على أنه أجير، ويدل على ذلك أن الزكاة مبنية على أنه شريك، وبعض شروطها على أنه أجير وما ذلك إلَّا لقطع النظر عن كونها على العامل، قاله محمد بن الحسن. مجيبا عن بحث الناصر اللقاني في كلام التوضيح، والمشهور مبني على أنه أجير، ومقابله على أنه شريك. انتهى. قال الناصر: وفيه بحث ظاهر لأن كونه أجيرا يقتضي استقباله لا زكاته، وكونه شريكا يقتضي سقوط الزكاة أصلا عنه وعن رب المال في حصة العامل؛ إذ لا زكاة على شريك حتى تبلغ حصته نصابا. انتهى. قال محمد بن الحسن: قلت أصل الزكاة في ربح العامل مع قطع النظر عن قلته مبني على أنه شريك، ووجوبها في القليل مع قطع النظر عن كونها على العامل مبني على أنه أجير، هذا الذي عناه في التوضيح. والله أعلم. فلا بحث ويدل على ذلك أن الزكاة الخ.

إن أقام بيده حولا؛ يعني أن العامل إنما يزكي ربحه الذي نابه إذا أقام مال القراض لا الربح بيده حولا فأكثر من يوم التجر به، ووجبت عليه بناء على أنه شريك، قال في التهذيب: وإذا عمل المقارض بالمال أقلّ من حول ثم اقتسما فزكى رب المال لتمام حوله، فلا يزكي العامل ربحه حتى يحل حوله من يوم اقتسما، وفيما نابه الزكاة. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وكانا حرين؛ يعني أن العامل إنما يزكي ربحه الذي نابه إذا كان هو ورب القراض حرين. مسلمين؛ أي ولابد مع ذلك أن يكونا مسلمين، بلا دين؛ يعني أنه يشترط في زكاة ربح العامل أيضًا أن يكون هو ورب المال لا دين عليهما، قال في المدونة: وإن سقطت الزكاة عن رب المال لدين عليه فلا زكاة على العامل في حصته، وإن نابه ما فيه الزكاة، وإن كان على العامل وحده دين يغترق ربحه فلا زكاة عليه، إلَّا أن يكون عنده عرض يجعل دينه فيه. انتهى. نقله الحطاب. واشتراط هذه الثلاثة في رب المال بناء على أن العامل أجير، وفي العامل بناء على أنه شريك. قاله غير واحد.

ص: 447

وحصة ربه بربحه نصاب، جملة حالية؛ يعني أنه يشترط في تزكية العامل لربحه أن تكون حصة رب القراض أي رأس ماله مع ما نابه من الربح نصابا، فتلك خمسة شروط أن يقيم المال بيد العامل حولا من يوم التجر به، فضمير أقام عائد على مال القراض لا على الربح، وأن يكونا حرين، وأن يكونا مسلمين، وأن يكونا لا دين عليهما، وأن يكون ما عند رب المال من رأس المال وربحه نصابا، فاحترز بالشرط الأول مما إذا لم يقم مال القراض بيد العامل حولا، قال في التهذيب: وإذا عمل المقارض بالمال أقلّ من حول، ثم اقتسما فزكى رب المال لتمام حوله، فلا يزكي العامل ربحه حتى يحول حول من يوم اقتسما، وفيما نابه الزكاة، واحترز بالشرط الثاني؛ وهو كونهما حرين مما إذا كانا عبدين أو أحدهما عبدا، فلا زكاة على العامل فيما نابه إذا كان عبدا؛ لأن العبد لا زكاة عليه، وكذا لا زكاة على العامل إذا كان حرا ورب المال عبدا، بل يستقبل بما نابه، وكذا الكلام فيما لو كانا كافرين أو أحدهما كافرا، واحترز بالشرط الرابع مما لو كان عليهما أو على أحدهما دين، قال في التهذيب: وإن سقطت الزكاة عن رب المال لدين عليه فلا زكاة على العامل في حصته، وإن نابه ما فيه الزكاة، وإن كان على العامل دين يغترق ربحه، فلا زكاة عليه، إلَّا أن يكون عنده عرض يجعل دينه فيه، واحترز بالشرط الخامس مما إذا لم ينب رب القراض نصاب فإنه لا زكاة على العامل حينئذ؛ أي حين نقص مناب رب القراض عن النصاب، وإن ناب العامل نصاب فأكثر، ويستقبل حولا كالفائدة بناء على أنه أجير، فإذا كان رأس المال عشرة دنانير ودفعه للعامل على أن يكون لربه جزء من مائة جزء من الربح، وربح المال مائة، فإن ربه لا يزكي وكذا العامل. ابن القاسم: ولا يضم العامل ما ربح إلى مال له آخر، فيزكي بخلاف رب المال. انتهى. أي فيضم، فإذا كانت حصة ربه بربحه دون نصاب وعنده ما لو ضمه له لصار نصابا وقد حال حوله؛ فإنه يزكي ويزكي العامل ربحه، وإن قل في هذه أيضًا ففي مفهوم قوله:"وحصة ربه بربحه نصاب"، تفصيل، فلا يعترض به؛ لأن المفهوم إذا كان فيه تفصيل فلا يعترض به، وَبَقِيَ لزكاة العامل شَرْطٌ سَادِسٌ؛ وهو أن ينض ويقبضه، والعامل في المساقاة إن أصاب وسقين وأصاب في حائط له ثلاثة أوسق فلا زكاة عليه في حائطه، بخلاف رب

ص: 448

المال، وليزك في أصاب في المساقاة إن كان في نصيبه ونصيب رب الحائط في فيه الزكاة بخلاف القراض، فلا زكاة على العامل حيث لم ينب رب المال نصاب كما مر.

قال عبد الحق: وَالْفَرْقُ بين المساقاة والقراض أن الثمرة في المساقاة عينها لرب المال، وما يأخذه العامل منها فإنما يأخذه بعد توجه الزكاة على ربها بطيبها، فالذي يستحقه العامل بعد القسمة إنما هو من ضرب الإجارة، وأما المال القراض فالعامل قد تقلب فيه وصرف لنفسه ولرب المال، وذهبت عينه واعتاض بدلا منه فلما طلب منه النماء بالتصرف الذي فعله في عين المال أشبه الشريك.

ومر أن اشتراط الحرية والإسلام وَعَدَمِ الدَّيْنِ في رب المال مبني على أن العامل أجير، وفي العامل بناء على أنه شريك وأن الشرط الأول مبني على أن العامل شريك، وأن الشرط الخامس على أنه -أي العامل- أجير. أشهب: وإن أخذ أحد عشر دينارا فربح فيها خمسة ولرب المال مال حال حوله إن ضمه إلى هذا صار فيه الزكاة. ابن يونس: يريد، وقد مر على أصل هذا حول فليزك العامل حصته؛ لأن المال وجبت فيه الزكاة ولو أصاب أربعة أوسق ولرب المال حائط آخر أصاب فيه أوسقا، فليضم ذلك ويزكي ويقتسمان في بقي، وبه أخذ سحنون. انتهى من ابن يونس. ويجوز اشتراط زكاة المال على العامل، وأما زكاة الربح فيجوز اشتراطها على رب المال وعلى العامل، وأما المساقاة فيجوز اشتراط الزكاة فيها على رب الأصل وعلى العامل؛ لأن المزكى هو الثمرة وهو بمنزلة الربح. نقله ابن يونس والقرافي في الذخيرة. قاله الحطاب.

وفي الواضحة: وإذا اشترط أحدهما على الآخر زكاة الربح فتفاصلا قبل الحول، أو كان ذلك لا زكاة فيه، فلمشترط ذلك على صاحبه أن يأخذ ربع عشر الربح لنفسه، ثم يقتسمان ما بقي كما لو اشترط لأجنبي ثلث الربح فأبى من أخذه فهو لمشترطه منهما. وروى ابن وهب عن مالك: أنه إن اشترطت الزكاة في المساقاة على العامل فلم يصيبا خمسة أوسق، فإن عشر ذلك أو نص عشرة في سقي النضح لرب الحائط خالصا. انتهى. ويكره أن يقارض النصراني. قاله الحطاب.

قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: لابد من إيضاح في مر مما عسر فهمه من أحكام القراض وكلام المصنف فيه، فأقول وبالله تعالى أستعين ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم: قول المصنف:

ص: 449

"وزكي ربح العامل وإن قل إن أقام بيده حولا وكانا" الخ، هو تكلم منه رحمه الله على شروط زكاة ربح العامل، وما مر له في كيفية زكاته، فكيفيتها إما أن يكونا مديرين أو العامل، أو محتكرين أو العامل، وفي كلّ إما أن يكون المال حاضرا أو غائبا، فإن كان المال غائبا وهما مديران أو العامل، فقال المؤلف: وصبر إن غاب فزكى لسنة الفصل إلى آخر ما ذكره من التفصيل، والزكاة للسنين على التفصيل المذكور جارية في المال كله ربح العامل وغيره، هذا المأخوذ من كلام المدونة وكلام ابن رشد في مقدماته وإياه تبع ابن عرفة، قال في المدونة في كتاب القراض: ولا يزكي العامل رأس المال ولا ربحه، وإن أقام بيده حتى ينض بيده ويحضر ربه ويقتسمان، فإن كان العامل مديرا زكى لكل سنة بقدر ما فيها من عين أو قيمة عرض، فإن كان أول سنة قيمة المتاع مائة والثانية مائتين والثالثة ثلاثمائة زكى لكل سنة ما كان المبتاع يشري فيها إلَّا ما نقصته الزكاة كلّ عام. انتهى. وَكَذا قال ابن رشد في مقدماته فيما إذا كانا مديرين أو العامل: ومثل بمثال المدونة، وقال: يزكي لكل سنة قيمة ما كان بيده من المتاع إلَّا ما نقصته الزكاة، ثم قال: وإن كانا غير مديرين أو العامل غير مدير وبيده الأكثر فلا زكاة على رب المال فيما بيد العامل من مال القراض حتى يرجع إليه، فإن رجع إليه بعد أعوام زكاه لعام واحد، وإن كان رب المال مديرا والعامل غير مدير والذي بيده الأقل، فإن رب المال يقوم في كلّ سنة ما بيد العامل، فيزكي من ماله لا من مال القراض، قيل جميع المال بربحه كله، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقيل: ربح المال وحصته من الربح خاصة لا حصة العامل، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، وَإِنْ كَانَ المال حاضرا فقد علمت أن المعتمد أنه كالغائب، فلا يزكَّى إلَّا عند المفاصلة، فيأتي فيه: وفي ربح العامل ما تقدم في الغائب من التفصيل، وأما على ما درج عليه المؤلف من التقويم كلّ سنة ويزكَّى من غيره، فمذهب ابن حبيب زكاة جميع المال بجميع ربحه، لكن إنما قاله إذا كان رب المال فقط مديرا. كما تقدم.

وقد علمت من كلام العتبية زكاة ما عدا ربح العامل. والله أعلم، انظر الرماصي ومن تأمل علم أن مال القراض لا يزكى إلَّا بعد المفاصلة الحقيقية، سواء كان المال حاضرا أو غائبا، ويزكى لكل عام مضى وزكى لسنة الفصل ما فيها، هذا إذا أدارا أو العامل، فإن احتكرا أو العامل، فكالدين.

ص: 450

وفي كونه شريكا أو أجيرا خلاف؛ يعني أنه اختلف في كون العامل أجيرا أو شريكا، واختلف الشيوخ في أي القولين أشهر، هذا ظاهره، وفي الذخيرة ما يشهد لظاهر المصنف، وحينئذ فيندفع عنه الاعتراض بأن التشهيرين لم يقعا في كونه شريكا أو أجيرا، وإنما وقعا في المسائل المتفرعة على كونه شريكا أو أجيرا، أشار له الخرشي.

وقال عبد الباقي إن التشهير لم يوجد هنا. والله سبحانه أعلم. وَاحْتُجَّ للقول بأن العامل شريك بكونه يضمن حصته من الربح لو تلف ولا يرجع على رب المال بشيء، وبأنه لو اشترى من يعتق عليه عتق، ولا حد عليه إن وطئ أمة للقراض، ويلحق به الولد وتقوم عليه، ويشترط فيه أهلية الزكاة بالنسبة لزكاة حصته وغير ذلك، واحْتُجَّ لكونه أجيرا بأنه ليس له في أصل المال شرك، وحول ربح المال حول أصله، ويزكي نصيبه وإن قل، وتسقط عنه الزكاة تبعا لسقوطها عن رب المال وغير ذلك. قاله عبد الباقي وغيره. وقال الرماصي: ظاهره أن الأئمة اختلفوا منهم من شهر أنه شريك، ومنهم من شهر أنه أجير؛ وهو خلاف قوله في توضيحه: وهذا الفصل مضطرب؛ إذ يشهرون تارة ما يأتي على أنه شريك وتارة ما يأتي على أنه أجير فتأمله، وعليه فالخلاف في المسائل المبنية، وقد أشار لهذا السنهوري إلَّا أن يقال: يلزم من الخلاف في المبني. انتهى.

ولا تسقط زكاة حرث ومعدن وماشية بدين؛ يعني أن زكاة الحرث لا تسقط بالدين المستغرق للحرث، وأولى إن لم يستغرق، والمراد بالحرث الحبوب والثمار الزكاة حرثت أم لا، ولذلك ما يخرج من المعدن من النقود لا تسقط زكاته بالدين المستغرق، وأولى غير المستغرق، وفي حكم المعدن الركاز إذا وجبت فيه الزكاة، وكذلك الماشية من إبل وبقر وغنم، لا تسقط زكاتها بالدين المستغرق وأولى غيره. ابن المواز عن مالك: وإنما تسقط بالدين زكاة العين خاصة، ولا تسقط به زكاة ماشية ولا حب ولا تمر ولا معدن ولا ركاز. نقله الشارح. والباء في قوله:"بدين"، للسببية، ولا تسقط الزكاة في الحرث والمعدن بالدين، ولو كان عن تسلف لما أحيا به الزرع والثمرة وقوي به على المعدن والركاز. كما نقله ابن يونس. وقيل: إن الدين يسقط الزكاة، وإليه ذهب سليمان بن يسار وجماعة. نقله أبو الحسن.

ص: 451

تنبيه: قال مقيد هذا الشرح: وقعت نازلة في هذه البلاد السائبة، وهي أن أقواما تحت ظل أقوام وجاههم وبيد الأقوام المستظلين أموال وأهل الجاه والظل مختلفة دعاويهم في الأموال التي هي بيد المستظلين، فمنهم من يدعي أنَّها له وأن المستظلين استولوا عليها قهرا، ومنهم من يقول هي للمستظلين، ولكن لنا فيها ما هو معلوم بالذب عنها والمداراة عنها بالنفس والمال وبكل ما يمكن الدفع به والمستظلون ينكرون دعوى أولئك ويقولون: الأموال أموالنا، وقد أوليناهم ما هو واف بما يستحقون أو هو أكثر، ومع هذا لا يخرج من هذه الأموال حق الله من الزكاة الواجبة، وأفتى بعض أهل الجاه المستظل به بأن هذه الأموال المذكورة لا تجب زكاتها لما فيها من النزاع، واسْتُدِلَّ على ذلك بعدم وجوب الزكاة في الغنيمة، ومع هذا كلّ من المستظلين وأهل الجاه قائم بما يمكنه من تنمية تلك الأموال والذب عنها والدفع عنها غاية، وكل منهم يحصل للآخر غرضه، والذي يتضح أن تلك الفتوى غير صحيحة، وأن تلك الأموال زكاتها واجبة، ومعاذ الله أن يقول أحد بسقوط قاعدة من قواعد الإسلام في أفق من الآفاق، أو صقع من أصقاع الأرض، ولا وجه لسقوطها -أي هذه الزكاة- لأن الذي هو مقر بأن المال للمستظلين وأنه طالب لحقه فيه، إما أن يكون شريكا وكون الشريك تجب عليه الزكاة في الماشية والحرث والعين أمر لا يحتاج لإثباته، وإما أن يكون دينا يطالب به المستظلين، فالدين لا يسقط زكاة الماشية ولو استغرقها.

وأما ما استُدِلَّ به من عدم وجوب الزكاة في الغنيمة، فاعلم أن الغنيمة في وجوب زكاتها قولان، والمشهور أنَّها لا تجب فيها الزكاة، ولا يصح قياسه الأموال المذكورة على الغنيمة، لوجود الفارق القوي المبين؛ لأن الغنيمة لا تملك قبل القسم، كما قاله عبد الباقي، أو ملكها ضعيف كما في المواق، ولأن الغنيمة لابد فيها من إخراج الخمس وأهله غير معينين، فعلى من تجب الزكاة؟ وقد نصوا على أن الماشية إذا أوصي بها لتفرق على مجهولين لا تجب فيها الزكاة، فإن قلت مقتضى هذا الذي قلت أنه لو كانت عشرون من الإبل نصفها لمُعَيَّنَيْنِ ونصفها الآخر موصى به ليفرق على مجهولين أنه لا تجب الزكاة في حظ زيد وعمرو العينين، فالجواب أن هذا الذي أوردتم لا يرد هنا؛ لأن إخراج زكاة ما ينوب المعينين من الجيش قبل القسم، وتمييز الخمس ينقص الخمس ويحطه إلى أقلّ من الخمس، ففيه المخالفة لقوله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ

ص: 452

خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}، فتأمل قوله تعالى:{إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} ، والسارق من الغنيمة يقطع، ويحد واطئ أمة منها، وذلك يدلُّ على أنَّها محوزة لا مملوكة أو ملكها ضعيف. والله سبحانه أعلم.

وأما المدعون أن الأموال لهم وأنه لا شيء منها للمستظلين، ويزعمون أنَّها مأخوذة منهم قهرا، وأنهم لا يمكنهم أخذ أموالهم إلَّا بأمر يفضي إلى القتال أو ما يختل به النظام ومع ذلك يحبونهم كأحب الخلق إليهم من الأقارب أو أشد ولا يألون في الذب عنهم بالنفس والمال والحيل وغير ذلك مما يمكن به الذب، فالذي يظهر أن هذا أمر لا يعذرون به لوجوب الزكاة كتابا وسنة وإجماعا، ولأنه لا صلاة لمن لا زكاة له، ولا زكاة لمن لا صلاة له، هذا ويدل حالهم معهم أنهم غير معذورين في ذلك، كما لا يخفى ذلك على من تأملهم. وبالله تعالى التوفيق. وأيضا إن أدوا زكاتها إلى أحد غيرهم، فذلك هو ثالثة الأثافي بينهم، واستدلال ذلك الفتي أيضًا بقول المصنف كملا، وهو حجة عليه لا له؛ لأن ذلك مخرج لملك العبد، وأما الحر فكامل الملك، وبالجملة فجميع ما استانسوا به بواطل خوت أجوافها، وترهات بسابس تزري بقائلها لخرقه الإجماع، وإتيانه بما لا تألفه الأسماع وتأباه الطباع. وبالله تعالى التوفيق.

أو فقد؛ يعني: أن الفقد لا يسقط زكاة الحرث والمعدن والماشية، وفي حكم المعدن الركاز كما مر، فمن فقد تزكى ماشيته وحرثه وما يخرج من معدنه، وفي حكمه الركاز كما لوأصاب ركازا ثم فقد قبل إخراج زكاته؛ لأن غاية ما في الفقد أن يكون المفقود مدينا، وهذه لا تسقط زكاتها بالدين. أو أسر؛ يعني أن الأسير لا تسقط عنه الزكاة في ماشيته ولا في حرثه ولا فيما يخرج من معدنه، وقد مر أن الركاز في حكم المعدن لأن غاية ما في الأسر أن يكون الأسير مدينا، ولا يسقط الدين زكاة هذه الأشياء وتسقط العين بالدين وبالفقد وبالأسر، وفي حكم العين عروض التجر، قال ابن القاسم في المجموعة: وتزكى ماشية الأسير والمفقود وزرعهما ونخلهما، ولا يزكى ناضهما لما عسى أن يكون لهما عذر يسقطها، ولا تسقط بذلك في غير العين. انتهى.

ص: 453

وأما زكاة الفطر، فهل تسقط بالدين أو الفقد أو الأسر أو لا تسقط بشيء من ذلك؟ قولان مشهوران. قاله غير واحد. وفي الحطاب: إنما سكت عن الركاز لأنه في حالة الزكاة شبيه بالمعدن، وعن الفطر لأنه قال في بابها: وإن بتسلف. انتهى. وهو يؤيد القول بعدم السقوط، وإن كان مقيدا برجاء الوفاء كما يأتي، قال عبد الباقي: وانظر لو أخرجت زكاة ماشية أو حرث وهو مفقود أو مأسور، هل تجزئه أم لا؟ لفقد نية الزكاة منه. انتهى.

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: لا وجه للتوقف في ذلك لأنهم نصوا على أنه تخرج زكاة ماشية المفقود والمأسور وزرعهما ونخيلهما، فإن كان المخرج الإمام فالأمر واضح، وإن لم يكن إمام فإن الجماعة تقوم مقامه. والله سبحانه أعلم. وبالغ المصنف على عدم سقوط زكاة ما ذكر بالدين، بقوله: وإن ساوى؛ يعني أن زكاة ما ذكر من الحرث والماشية والمعدن والركاز لا تسقط بالدين، سواء ماثل ما عليه من الدين ما بيده كمن عليه خمسة أوسق وبيده مثلها، أو من عليه خمسة من الإبل وبيده مثلها، أو عليه عشرون دينارا وأخرج من المعدن مثلها، أو خالف كمن عليه حرث وبيده ماشية أو عكسه، ويصح أن يكون المراد بالمساواة قدر الدين وأحرى لو زاد، وإنما بالغ على المساواة بهذا المعنى ردا لقول اللخمي فيها: القياس سقوط الزكاة لأنه فقير أو غارم، وجواب المشهور أن ما ذكره اللخمي في بيان من تصرف له ولا يلزم منه عدم وجوبها عليه.

إلَّا زكاة فطر عن عبد عليه مثله، مستثنى من قوله:"ماشية"، استثناء منقطع؛ يعني أن من عنده عبد في ملكه وعليه في ذمته عبد مثله في صفته، وليس عنده شيء يجعله في مقابلة الذي في ذمته إلَّا ذلك العبد الذي يملكه، تسقط عنه زكاة الفطر عند ابن القاسم، خلافا لأشهب. قاله الشارح.

والفرق بينه وبين الماشية أن في عينها الزكاة، بخلاف العبد، قال فيها: ومن له عبد وعليه عبد مثله في صفته فلا يزكي للفطر عنه إن لم يكن له مال. انتهى. قال أبو الحسن: قولها إن لم يكن له مال ظاهرها ليس له مال يقابل به الدين، وإن كان له ما يخرج منه زكاة الفطر. عبد الحق: وفيه نظر؛ لأن العبد ليس كمستحق العين إنما عليه عبد في ذمته ولو هلك لطولب به، فيجب أن يكون عليه زكاة الفطر إن قدر أن يزكيها، وأما إن لم يكن عنده شيء فليس عليه شيء؛ لأنه إن

ص: 454

باعه ليؤدي عنه زكاة الفطر من ثمنه فالدين أولى به، وقد قال ابن القاسم في الذي جنى عبده فمضى عليه يوم الفطر قبل أن يسلمه: إن عليه زكاة الفطر مع كون عين العبد كالمستحقة لما كانت الجناية متعلقة به لا بالذمة، فلما لم يدفعه فعليه زكاة الفطر، فكيف هذا الذي هو غير مستحق؟ ولو هلك لبقي الدين في ذمته، ولعل ابن القاسم إنما أراد أنه ليس له مال يؤدي منه زكاة الفطر. انتهى. فقد ناقض كلام المدونة إن حمل على ظاهره بمسألة الجناية، ويظهر من كلامه وكلام المدونة أن المسألة مخصوصة بما إذا كان في ذمته عبد مثله، فأما إن كان في ذمته مثل قيمته فلا تسقط عنه زكاة فطره لما عللوه به من أن العبد الذي في يده كعين مستحقة، وليس كذلك إذا كانت عليه قيمته.

بخلاف العين؛ يعني أن زكاة العين تسقط بالدين والفقد والأسر؛ أي بكل واحد منها، فليست كالحرث والماشية والمعدن، قال الرماصي: أما سقوطها بالدين فظاهر، وأما الفقد والأسر فليسا بمسقطين وإنما يوجبان التوقف عن الزكاة مخافة حدوث دين أو موت، كما يدلُّ عليه كلام ابن رشد وغيره، فإن تبين انتفاء ذلك زكى لماضي السنين ولا موجب لسقوطها، خلافا لقول الأجهوري والسنهوري بسقوطها، ولا وجه له إلَّا أن يخرج على الخلاف في المال المعجوز عن تنميته كما علل به اللخمي، وهو تخريج ضعيف إلَّا أن السنهوري، قال: ينبغي أن يزكيا لسنة واحدة بعد زوال المانع، والأجهوري قال: ظاهر كلامهم يفيد سقوطها في كلّ الأعوام، وقد علمت أن ظاهر كلامهم يفيد الوجوب لكل عام. انتهى.

وإنما سقطت زكاة العين دون الحرث والماشية للعمل، ولأنها أموال ظاهرة، وقوله:"بخلاف العين"، يدخل في العين عرض التجارة؛ لأن المزكى ثمنه أو قيمته وكلاهما عين، قال غير واحد: وانظر لو أعطيت زكاة عين المفقود أو المأسور، هل يرجع بها على الدافع أو الآخذ إن كانت بيده؟ انتهى. وقوله:"بخلاف العين"، قال الشارح: والفرق أن زكاة الفطر والماشية إلى الإمام، ولم يؤتمن عليها أربابها، فلو قبل قولهم إن عليهم ديونا

(1)

لأدى إلى إسقاط الزكاة فحسم الباب، وزكاة العين موكولة إلى أمانة أربابها، فوجب قبول قولهم في الدين كما قبل قولهم في الإخراج.

(1)

في الأصل: دين، والمثبت من الشارح ج 2 ص 91.

ص: 455

ولو دين زكاة؛ يعني أنه لا فرق بين دين الزكاة وغيره في إسقاط زكاة العين، فكل منهما يسقطها، فإذا ترتب في ذمته دين زكاة وإن أخرج لم يبق عنده ما فيه الزكاة، فإنه لا يطالب بها خلافا لابن حبيب، ورد المصنف بلو عليه، فلو كان بيده عشرون دينارا وترتب عليه مثلها زكاة فإنه يخرجها، ولا يبقى في ذمته شيء وهو المشهور، وأما على مقابل المصنف وهو غير المشهور، فإنه يخرج أولا نصف دينار في الزكاة الحالة الآن، ثم يخرج الباقي في دين الزكاة المترتب في ذمته قبل ذلك، ويبقى في ذمته نصف دينار من الزكاة الأولى، وكما لو كان عنده مائتان وعليه مثلهما زكاة فلا يجب عليه شيء عند ابن القاسم، وهو المشهور كما علمت.

وقال ابن حبيب: يخرج منها خمسة ثم يخرج الباقي وتبقى عليه خمسة، وفي الموطإ عن عثمان: أن الدين يسقط الزكاة، قال صاحب اللباب: وكان ذلك بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد. ولو مؤجلا؛ يعني أن زكاة العين تسقط بالدين الذي على رب العين، ولا تبال على أي حال كان الدين عينا أو عرضا، حالًا أو مؤجلا، والمعتبر عدده كما صرح به اللخمي، فإذا كان بيده أحد وعشرون دينارا وعليه ديناران مؤجلان، فإن الزكاة تسقط عنه ولو كانت قيمتهما لتأجيلهما دينارا واحدا. قاله الشبراخيتي وغيره. وقوله:"ولو مؤجلا"، والعتبر عدده بخلاف دين له مؤجل على غيره، فإنما يجعل ما عليه في قيمته كما يأتي، وعلة ذلك أنه لو مات أو فلس لحل الدين الذي عليه وبيع دينه المؤجل لغرمائه. قاله بناني.

أو كمهر؛ يعني أن زكاة العين تسقط بالدين المترتب على ربها، ولو كان لا يطلب إلَّا لمشاحة كالمهر ودين الأب أو الابن أو الصديق، وقوله:"أو كمهر"، هذا قول مالك وابن القاسم، وهو المشهور.

وقال ابن حبيب: لا يسقط زكاة العين مهر التي في عصمته؛ إذ ليس من شأنها القيام به إلَّا لموت أو فراق أو تزويج عليها، وما قدمته من أن الكاف مدخلة للدين الذي لا يطالب به إلَّا عند المشاحة لابن عبد السلام، وأنكر ابن عرفة وجود القول الثاني في غير المهر، وقوله:"أو كمهر"، ولو مؤجلا بموت أو فراق على يد حاكم حنفي ولو باقية في عصمته. قاله عبد الباقي. وقال

ص: 456

الحطاب: قال الشيخ زروق

(1)

: والأشهر سقوطها بدين مهر المرأة، وإن كان يتأخر لموت أو فراق. قاله ابن القاسم. خلافا لابن حبيب واللخمي انتهى.

تنبيه: قد مر أن دين الزكاة يسقط زكاة العين على المشهور، وابن حبيب قال: لا يسقطها، ويتفرع على القولين أنه لو كان عنده عشرون دينارا حال حولها فلم يخرج زكاتها، واشترى بها سلعة في الحول الثاني فباعها بأربعين، فعلى الإسقاط يخرج نصفا من العشرين الأولى، ثم يخرج عن تسعة وثلاثين ونصف للعام الثاني، إلَّا أن يكون عنده عرض يساوي نصف دينار، فيزكي الأربعين وعلى عدم الإسقاط يخرج عن ستين، وإن لم يكن عنده عرض. وروى أشهب وابن عبد الحكم: أنه يزكي العشرين للعام الأول وعشرين للعام الثاني ويستقبل بالربح. نقله في التوضيح. أو نفقة زوجة مطلقا؛ يعني أن الدين يسقط زكاة العين ولو كان نفقة زوجة مطلقًا، سواء حكم بها أم لا، قال فيها: ومن معه عشرون دينارا حال حولها، وعليه نفقة شهر عشرة دراهم لزوجته قد فرَضَهَا القاضي عليه قبل الحول بشهر، أو أنفقتها على نفسها قبل الحول بشهر بغير قضية ثم طلبته بها، فليجعل نفقتها فيما بيده وتسقط عنه الزكاة ويلزمه ما أنفقت على نفسها كان حاضرا أو غائبا، أنفقت من عندها أو تسلفت، وإن كان معسرا فلا يضمن لها ما أنفقت. انتهى. وهذا صريح في جواز فرض القاضي نفقة الزوجة على زوجها أثمانا إذا رضي الزوجات بذلك، وقوله:"أو نفقة زوجة مطلقًا"، على ذلك اتفق ابن القاسم وأشهب، وهو مذهب المدونة. قال ابن المواز: اتفق ابن القاسم وأشهب على أن نفقة الزوجة تسقط الزكاة إن حلت وإن لم يحكم بها. نقله الشارح. أو ولد إن حكم بها؛ يعني أن نفقة الولد إذا فرضها الحاكم فإنها تسقط الزكاة في مال الأب باتفاق ابن القاسم وأشهب، فإن لم يفرضها لم تسقط بها زكاة مال الأب عند ابن القاسم؛ وهو المشهور، وقال أشهب: تسقط.

وبما قررت علم أن معنى الحكم هنا الفرض، كما قاله البساطي، وقرره الفيشي والخرشي والشبراخيتي وعبد الباقي، على أن المراد بالحكم أنَّها تجمدت في ذمته، وحكم حاكم يرى أنَّها لا تسقط بمضي زمنها، قال الفِيشِيُّ: لأن حكم الحاكم لا يدخل المستقبلات، ونحوه للشبراخيتي

(1)

الأصل: زرق؛ والمثبت من الحطاب ج 3 ص 85.

ص: 457

ففرضه لها وتقديره لها ليس حكما، فلا يسقطانها. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل قول البساطي: إن المراد بالحكم الفرض هو الصواب، كما يدلُّ عليه تعبيرهم. انظر مصطفى. وكذا قال الشيخ أبو علي: ظاهر كلامهم أو صريحه أن المراد بالحكم الفرض، خلاف ما ذكره الفيشي، فهو غير صحيح. انتهى.

وقال الرماصي عند قول المصنف: أو ولد إن حكم بها: التتائي: وقول البساطي مراده بالحكم هنا الفرض غير ظاهر. انتهى. وأنت إذا تأملت كلام الأئمة وجدت ما قاله البساطي صوابا؛ لأنهم تارة يعبرون بالحكم، وتارة يعبرون بالفرض، بل تعبيرهم بالفرض أغلب، فدل على أن المراد بهما واحد، قال أصبغ: نفقة الوالدين لا تجب إلَّا بفريضة السلطان، وقد عبر في المدونة تارة بالفرض، وتارة بالقضية. والتتاثي نفسه فسر قول المصنف إلَّا لقضية أو ينفق غير متبرع بالفرض، قائلا: لأن فرضه كالحكم، وقد عبر ابن الحاجب بالفرض، فقال: إلَّا أن يفرضها أو ينفق غير متبرع، وسلم شراحه وابن عرفة تلك العبارة، وقال ابن عرفة: كلامه يقتضي أن الأجنبي غير متبرع كحكم القاضي، فعبر بالحكم فيما عبر فيه ابن الحاجب بالفرض، ونسبها له أنه سوى بين حكم القاضي والأجنبي غير المتبرع، فهذا كله يدلُّ على أنهما سواء. انتهى.

وهل إن لم يتقدم له، أي للولد يسر، مفرع على مقابل المشهور؛ وهو قول أشهب: أن نفقة الولد تسقط زكاة مال الأب مطلقًا، حكم بها أم لا؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول أشهب: هل هو موافق لكلام ابن القاسم، فيحمل قول أشهب أن نفقة الولد تسقط زكاة مال الأب حيث لم يحكم بها على ما إذا لم يتقدم للولد يسر، وأما إن تقدم للولد يسر فإن الزكاة لا تسقط عند أشهب حيث لم يحكم بها، ويحمل قول ابن القاسم بأن الزكاة لا تسقط حيث لم يحكم بها على ما إذا تقدم للولد يسرفهما على هذا متفقان، أو مخالف له فيبقى كلام كلّ منهما على ظاهره. فابن القاسم يقول بوجوب الزكاة على الأب حيث لم يحكم بالنفقة مطلقًا، تقدم للولد يسر أم لا، وأشهب يقول بسقوطها مطلقًا، تقدم للولد يسر أم لا، وعلى هذا فالراجح كلام ابن القاسم في ذلك. تأويلان، فتأويل الوفاق هو التأويل المذكور؛ وهو لبعض القرويين، والتأويل المطوي هو تأويل الخلاف؛ وهو لعبد الحق، وتأويل الخلاف هو الإطلاق؛ أي وهل قول أشهب بالسقوط

ص: 458

مقيد بما إذا لم يتقدم للولد يسر، وأما إن تقدم له يسر فلا تسقط الزكاة عن الأب عند أشهب، وكذا يقول ابن القاسم، فيتوافقان كما تأول بعض القرويين أو سقوط الزكاة عند أشهب مطلق تقدم للولد يسر أم لا. وابن القاسم يقول: لا تسقط مطلقًا تقدم للولد يسر أم لا فيتخالفان؛ وهو لعبد الحق، والراجح حينئذ قول ابن القاسم، ومحل اختلافهما حيث لم يفرض الحاكم النفقة. والله سبحانه أعلم.

فرع: قال ابن عرفة: اللخمي عن محمد: أجر رضاع الولد حيث يجب على الأم في عدم الأب والولد ومثلها لا يرضع، أو في موت الأب ولا مال للولد مُسْقطٌ؛ وهو أحسن إن كانت استرضعت لهم أو امتنعت من رضاعه لشرفها، وإلا فلا. وقوله: مسقط، هو خبر قوله: أجر رضاع. قاله الحطاب. وقوله: مسقط؛ أي للزكاة عنها.

فرع آخر: قال ابن عرفة: وفيها أجر الأجير، والجمال مسقط إن عملا. اللخمي: وإلا فلا إن لم تكن في الإجارة محاباة لجعله دينه فيه. بعض شيوخ عبد الحق: ما لم يَعْمَلَاهُ أجرُه في قيمته وما بقي منه مسقط. انتهى. قاله الحطاب.

قال جامعه عفا الله عنه: أما كون أجرهما مسقطا للزكاة إن عملا فظاهر، وأما إن لم يعملا وحابى المستأجر فذلك ظاهر أيضًا اللزوم لأجر له وليس عنده ما يجعله فيه، وأما إن لم يعملا ولم يحابهما المستأجر فلا تسقط عنه الزكاة كما قال؛ لأنه يجعل ماله من عملهما في مقابلة الأجر الذي ترتب لهما في ذمته، هذا معنى ذلك. والله سبحانه أعلم. وقول بعض شيوخ عبد الحق: ما لم يعملاه الخ، تبيين لما قبله؛ أي ما لم يعملاه يجعله في مقابلة الدين الذي عليه، فإن وفى به فالأمر واضح، وإن لم يف ما لم يعملاه بالأجر فإن ما بقي مسقط للزكاة عن المستأجر. والله سبحانه أعلم. انتهى كلام جامعه عفا الله عنه.

ولما تكلم على نفقة الزوجة والولد، أتبع ذلك بالكلام على نفقة الوالد، فقال: أو والد بحكم؛ يعني أن زكاة العين تسقط بدين هو نفقة والد أب أو أم بشرطين؛ أحدهما: أن يحكم بها حاكم، الثاني: أن يتسلف الوالد ما أنفقه على نفسه حتى يأخذ بدله من ولده، فإن دين نفقته حينئذ يسقط زكاة مال الوالد باتفاق ابن القاسم وأشهب، وإلى هذا الشرط الثاني أشار المص بقوله: إن

ص: 459

تسلف، الوالد من أب أو أم ما أنفقه على نفسه، ومفهوم كلامه أنه إن لم يحكم بها للوالد ولو تسلف أو حكم له بها ولم يتسلف ككونه تحيل في الإنفاق على نفسه أو هبة لم تسقط الزكاة عن الْولدِ في ماله، وهو كذلك وأولى في لزوم الزكاة للولد لو انتفى الشرطان معا، وقال أشهب: إن حكم بنفقة الأبوين أسقطت، وإنما كانت نفقة الوالدين أخف من نفقة الولد؛ لأن الوالد يسامح ولده أكثر من مسامحة الولد للوالد. قاله في التوضيح. وأيضا نفقة الابن لم تسقط عن الأب الملي مذ كان حتى يبلغ، ونفقة الأبوين كانت ساقطة عنه وإنما تلزم بالقضاء. قاله في المدونة. فَإِنْ قِيلَ هذا يقتضي أن الولد الموسر إذا علم فقر والده وترك إعطاءه النفقة لا يأثم؛ لأنَّها إنما تلزمه بالقضاء مع أنه يأتي في باب النفقة ما يفيد أن نفقة الوالد تجب على ولده الموسر بمجرد عسر الأب وكذا عكسه وهو المعتمد، فالجواب أن الحكم إنما يعتبر في كون دينها يسقط الزكاة، لا في أن وجوبها يتوقف عليه.

لا بدين كفارة، الظاهر أنه معطوف على مقدر بعد قوله: بخلاف العين كما في الشبراخيتي؛ أي فتسقط زكاتها بدين غير كفارة أو هدي لا بدين كفارة أو هدي؛ يعني أن زكاة العين لا تسقط بدين هو كفارة، قال في التوضيح، وإذا كان عليه دين من كفارة لم تسقط الزكاة بلا خلاف أعلمه في المذهب، والفرق بينه وبين دين الزكاة توجه المطالبة به من الإمام العادل، وإن منعه أهل بلد قاتلهم عليها. والله أعلم. انتهى.

أو هدي؛ يعني أن دين الهدي في حج أو عمرة لا يسقط زكاة العين. ابن عرفة: المازري: الكفارة والهدي لغو. انتهى. والفرق بين ما ذكر من الكفارة والهدي والدين بعوض، أن الدين بعوض له مطالب به، ولا مطالب بدين الكفارة والهدي، وقد مر أن الزكاة تدفع للإمام العدل، ويقاتل عليها إن منعت منه، فهي مطالَب بها. قال محمد بن الحسن: هذا الفرق نُقِلَ عن ابن رشد، وسلمه غير واحد، وتعقبه أبو عبد الله بن عقاب من أكابر أصحاب ابن عرفة، قائلا: لا فرق بين دين الزكاة ودين الكفارة والهدي في مطالبة الإمام بهما، ونقل ذلك عن اللخمي والمازري كما في المعيار، قلت: ونص اللخمي: الذي يقتضيه المذهب أن الكفارة مما يجبر الإنسان على إخراجها، ولا توكل إلى أمانة، قال: وهذا هو الأصل في الحقوق التي في الأموال، فمن كان لا يؤدي زكاته أو

ص: 460

وجبت عليه كفارات أو هدي فامتنع من أداء ذلك فإنه يجبر على إنفاذه، وقاله ابن المواز فيمن وجبت عليه كفارات فمات قبل إخراجها أنَّها تؤخذ من تركته. قاله محمد بن الحسن. وفي الخرشي: أن من علم بالتساهل في الكفارة والهدي يطالب ويقضى عليه بما ذكر.

إلَّا أن يكون عنده معشر زكي، مستثنى من قوله:"بخلاف العين"؛ يعني أن محل سقوط زكاة العين بسبب الدين إنما هو حيث لم يكن عند ربها ما يجعله في مقابلة الدين، وأما إن كان عنده ما يجعله في مقابلة دينه فإنه يزكي، كما إذا كان عنده معشر قد زكي وكذا إن لم يزك، وإنما نص على المزكى لأنه يتوهم أنه لا يحسبه بعدها في دينه ليزكي ما معه من العين، قوله:"معشر زكي"، وكذا نعم زكي أم لا، وكذا إذا كان عند المدين ما يباع على المفلس حتى خدمة ولد أم ولده، قال الحطاب: ولو قال المصنف: إلَّا أن يكون عنده نعم أو معشر وإن زكيا لكان أبين وأشمل. انتهى.

ومنهم من فسر قوله: "زكي"، بتعلقت به الزكاة وأولى إن لم تتعلق به الزكاة. أو معدن، عطف على قوله:"معشر"؛ يعني أن من عنده معدن تخرج منه العين وعليه دين، لا تسقط زكاة عينه بذلك الدين لأنه عنده ما يجعله في مقابلة الدين، وهو ما يخرج من المعدن، قال محمد بن الحسن: ليس المراد ذات المعدن بل المراد ما أخرجه من المعدن يجعله في دينه. ابن القاسم: اتفاقا. أو قيمة كتابة؛ يعني أن المدين إذا كان عنده ما يجعله في الدين من كتابة مكاتب، فإنه يجعل قيمتها في مقابلة الدين ويزكى ما بيده من العين، ولا يحسب قيمة المكاتب مكاتبا ولا عبدا، وعلى المشهور تقوم الكتابة بعين إن كانت عرضا، وبعرض إن كانت عينا، ثم يقوم العرض بعين، فإن عجز فرقبته. ابن يونس: فإن عجز المكاتب وفي رقبته فضل على مذهب ابن القاسم القائل: بجعل قيمة الكتابة فيما عليه، فذكر عن أبي عمران أنه يزكي من ماله قدر ذلك الفضل. ابن يونس: صواب؛ لأنه كعرض أفاده، ولا خلاف في ذلك. قاله الحطاب، وغيره. وقوله: أو قيمة مكاتب هو المشهور، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: يجعل في الدين قيمته مكاتبا، وقال أصبغ: قيمته رقيقا؛ إذ قد يعجز فيرق. قاله الشارح.

ص: 461

أو رقبة مدبر؛ يعني أن من عنده مدبر وعليه دين، يلزمه أن يزكيَ ما عنده من العين لأنه يجعل الدين في قيمة رقبة المدبر، سواء تقدم الدين على التدبير أو تقدم التدبير على الدين، أما الأول فباتفاق، وأما الثاني فعلى المشهور؛ وهو قول ابن القاسم، قال ابن الحاجب: وفي المدبر قبل الدين قولان لابن القاسم وأشهب. انتهى. فدل على أن مذهب ابن القاسم جعل دينه في رقبة المدبر وهو المشهور، قال في التوضيح: وكأنه راعى في المشهور قول من قال بجواز بيعه؛ أي جواز بيع المدبر كالقن، وقال في التوضيح أيضًا: واحترز -يعني ابن الحاجب- بقوله قبل من المدبر بعد الدين، فإنه لا يختلف في أنه يجعل دينه في رقبته، فتبين أن قول المصنف:"أو رقبة مدبر"، على إطلاقه تأخر التدبير عن الدين أو تقدم عليه، أما في تأخر التدبير عن الدين فباتفاق، وأما في تقدمه عليه فعلى المشهور. قاله محمد بن الحسن. أو خدمة معتق لأجل؛ يعني أن من عليه دين وعنده معتق لأجل، فإنه يلزمه أن يزكي ما عنده من العين؛ لأنه يجعل دينه في قيمة خدمة المعتق لأجل.

وبما قررت علم أن قوله: "أو خدمة"، والذي قبله مجروران معطوفان على "كتابة"، وقيمة خدمة المعتق لأجل على الغرر، وقوله:"أو خدمة معتق لأجل". قاله أشهب وأصبغ. وقيل: لا تجعل في الدين. نقله الشارح. أو مخدم؛ يعني أن من أُخْدِمَ عبدا أي وهبت له خدمته سنين أو حياته أي حياة الموهوب، وعليه دين، يجب عليه زكاة ما بيده من العين، ولا يسقط الدين وجوب الزكاة عليه؛ لأنه يجعل دينه في قيمة تلك الخدمة، وهذا ظاهر فيما إذا وهبت له خدمة العبد سنين، وأما إذا كان الإخدام حياة الموهوب، فقد نص عليه ابن المواز كما في التوضيح، لكن قال اللخمي: قوله يجعل الدين في الخدمة إذا كانت حياة السيد، ليس بحسن؛ لأن ذلك مما لا يجوز بيعه بنقد ولا غيره، وأظنه قاس ذلك على المدبر، وليس مثله لأن الجواز في المدبر مراعاة للخلاف في جواز بيعه في الحياة، ولا خلاف أنه لا يجوز للمخدم أن يبيع تلك الخدمة حياته، فكذلك لا يجوز أن يجعل فيها الدين.

أو رقبته لمن مرجعها له؛ يعني أن من أخدم عبدا لإنسان سنين معينة، وجعل مرجعه بعدها لشخص آخر ببيع أو هبة إذا كان على الذي ترجع إليه دين، فإنه لا تسقط زكاة عينه بذلك

ص: 462

الدين؛ لأنه يجعل قيمة رقبة العبد في مقابلة الدين، وكذا لو رجعت للمخدم بالفتح أو للمخدم بالكسر، فقوله:"أو رقبته"، بالجر عطف على كتابة كالذي قبله؛ أي من عنده رقبة مخدم ترجع إليه إذا كان عليه دين، فإنه يجعل الدين في قيمة رقبة العبد الخدم، ويزكي عينه وهذا الحكم ثابت لمن ترجع الرقبة ملكا له بعد مدة الإخدام، سواء كان مخدما بالكسر أو مخدما بالفتح أو غيرهما، فيقال: كم تساوي هذه الرقبة بعد مدة الإخدام؟

تنبيه: قال الشبراخيتي عند قوله: "أو رقبته لمن مرجعها له"، ما نصه: وإنما يجعل في الدين من يملك رقبته إن مضى لرقبته حول في ملكه. انتهى. ويأتي قريبا أن كلّ ما يجعل في الدين لابد من مرور الحول عليه في ملك المدين قبل جعله في الدين، فإذا رجع للمالك الخدم بالكسر فلابد أن يمر له حول في ملكه قبل الإخدام أو بعده، وإذا رجع لغير الخدم بالكسر فلابد من مرور حول من وقت جعله له في ملكه قبل جعله في الدين، وإن لم يصل إليه حين الجعل.

أو عدد دين حل، هو بالرفع عطف على قوله:"قيمة"؛ يعني أن من له دين من العين مرجو بأن كان على ملي ويرتجيه وحل وعليه دين، لا تسقط زكاة ما عنده من العين بسبب ذلك الدين الذي عليه لأنه يجعل دينه الذي عليه في عدد دينه المرجو الذي حل، قال الإمام مالك في المدونة: ومن في يديه مائة دينار، وعليه دين مائة دينار وله دين على آخر مائة فيزكي المائة التي في يديه، ويكون ما عليه من الدين في الدين الذي له إن كان يرتجيه؛ وهو على ملي، قال ابن القاسم: فإن لم يرج قضاءه فلا يزكي شيئًا، انتهى. نقله الخرشي.

أو قيمة مرجو؛ يعني أن المدين إذا كان له دين مؤجل مرجو، سواء كان هذا الدين المؤجل عينا أو عرضا، فإنه يزكي ما عنده من العين لأنه يجعل الدين الذي عليه في قيمة ذلك الدين الذي له، فإن كان الدين عرضا قوم بعين، وإن كان عينا قوم بعرض، وحذف المصنف "ورجي"، من قوله:"أو عدد دين حل"؛ أي ورجي لدلالة هذا عليه. اللخمي: إن كان غريمه موسرا بنصف دينه جعل نصف ما عليه في نصف مَا لَهُ وزكى، وإن جهل منابه في حصاصه جعله في قيمة دينه، والقياس لغوه لأنه لا ينبغي بيعه لجهله. نقله الحطاب.

ص: 463

ومفهوم قوله: "مرجو"، أنه إن لم يكن مرجوا فكالعدم، قال الشارح: وأما لو كان على معدم فهو كالعدم على المشهور، وقيل: يحسب قيمته في ما عليه. نقله الشارح. أو عرض، بالرفع؛ يعني أن المدين إذا كان عنده عرض فإنه يزكي ما عنده من العين، ولا يسقط وجوب الزكاة عنه دينه الذي عليه لأنه يجعله في قيمة عرضه وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: إنما يجعل الدين في العين خاصة. نقله الشارح.

حل حوله؛ يعني أنه إنما يجعل الدين الذي عليه في قيمة العبد بشرطين: أحدهما أن يكون هذا العرض قد حال عليه الحول، وهو في ملك المدين، وهذا هو المشهور، وهو مذهب ابن القاسم، ولم يشترط أشهب إلَّا كونه مملوكا آخر الحول. محمد: وبه أقول، وبه قال أصحاب ابن القاسم، وحكى في الجواهر عن ابن القاسم: كقول أشهب. قاله الشارح. وقوله: "حل حوله"، ليس هذا خاصا بالعرض، بل كلّ ما يجعل في الدين من عين وغيرها شرطه مرور الحول في ملكه قبل جعله في الدين، ولهذا قال الشيخ سالم: ويمكن عود الضمير في حوله لجميع ما سبق، فأفرد وذكر لمراعاة ما ذكر.

وبما قررت علم أن المراد بحلول الحول، مرور العام عليه في ملك المدين، فلا يقال: حول كلّ شيء بحسبه، فحول العشر طيبه، وحول المعدن خروجه، فإن ذلك فيه نظر لأن فيه إحالة لكلام الأئمة عن وجهه؛ إذ كلامهم في الخلاف بين ابن القاسم وأشهب في العرض، هل يشترط فيه الحول أم لا؟ يدلُّ على أن المراد بالحول مرور السنة لأنهم بنوا الخلاف -كما في التوضيح- على أن ملك العرض في آخر الحول منشئ لملك العين التي بيده، فلا زكاة عليه فيها لفقد الملك قبل العرض، أو كاشف على أنه كان مالكا فيزكي، وذلك يوجب عموم شرط الحول في المعدن والعشر وغيرهما. قاله محمد بن الحسن وغيره. ثانيهما: أشار إليه بقوله: إن بيع؛ يعني أن المدين إنما يجعل الدين الذي عليه في العرض الذي عنده إذا كان العرض مما يباع على المفلس، قال ابن القاسم: ومن كان معه عشرون دينارا تم حولها وعليه دين وله عروض، فليجعل دينه في عروضه وداره وسرجه وسلاحه وخاتمه وفي كلّ ما يبيعه عليه الإمام في دينه، فإن كان في ذلك وفاء بدينه زكى العشرين الناضة، والإمام يبيع عليه إذا فلس داره وعروضه كلها، إلَّا ما لا بد له منه من

ص: 464

ثياب جسده، ويترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام، ويبيع عليه ثوبي جمعته إن كان لهما قيمة، وإن لم تكن لهما قيمة فلا يبيعهما، وسيأتي في باب الفلس مستوفى إن شاء الله تعالى. وقوم وقت الوجوب؛ يعني أن هذا العرض الذي يجعل في الدين قيمته إنما تعتبر تلك القيمة وقت وجوب الزكاة، وهو آخر الحول سواء نقصت قيمته أو زادت. على مفلس، متعلق بقوله:"إن بيع"، والجملة بينهما اعتراضية، وقوله:"إن بيع" الخ، أفاد به أن العرض الذي يجعل فيه الدين لا بد أن يكون مما يباع على المفلس، وأن قيمته التي تجعل في الدين تعتبر وقت الوجوب -أي وجوب الزكاة- وهو آخر الحول. لَا آبق؛ يعني أن العبد الآبق لا يجعل في الدين فتسقط زكاة العين التي للمدين؛ لأن الآبق لا يجعل في الدين لعدم جواز بيعه، فلا يرد المدبر لأنه يباع في بعض الأحوال، والآبق هو العبد الهارب، ومثل الآبق البعير الشارد. وقوله:"الآبق"، يقال: أبق العبد بفتح الهمزة وفتح الباء الموحدة وبالقاف يأبقُ بضم الباء وكسرها إباقا بكسر الهمزة، وأبق بكسر الباء يأبق بفتحها والآبق بالمد وكسر الباء. وإن رجي؛ يعني أن الدين إذا كان له عبد آبق، فإنه لا يجعله في مقابلة الدين الذي عليه، فلا يزكي العين التي بيده -كما عرفت- ولا فرق في ذلك بين أن يكون العبد مرجوا عوده له أم لا، ولو أدخل الكاف على آبق ليشمل البعير الشارد ونحوه كان أحسن. قاله الشيخ إبراهيم.

وقد مر أنه لم يجعل الآبق في الدين لعدم جواز بيعه، ولا يرد المدبر لأنه يباع في بعض الأحوال، وأيضا روعي فيه القول بجواز بيعه كالقن، وقوله:"وإن رجي"، هو ورهب المدونة، قال فيها: إذ لا يجوز بيعه، وقال أشهب: إن كان قريبا مرجوا قوم على غرر. أو دين لم يرج؛ يعني أن الدين إذا كان له دين لم يرج لعسر من هو عليه أو ظلمه، فإنه لا يحتسب به لأنه كالعدم كما مر، فلا زكاة في العين التي عنده. وقد مر عن الشارح ما نصه: وأما لو كان على معدم فهو كالعدم على المشهور، وقيل: يحسب قيمته فيما عليه. انتهى.؛ إن وهب الدين؛ يعني أن رب الدين إذا وهب لمالك نصاب العين الدين الذي يسقط بسببه زكاة العين، فإنه لا زكاة على الدين فيما عنده؛ لأن هبة الدين منشئة لملك النصاب الآن، فلا بد من استقبال حول من يوم الهبة، وبهذا تعلم أنه لو حال حول الموهوب فإنه يزكي، هذا مقتضى غير واحد، ويوضحه ما مر عند قوله:

ص: 465

"ولو بهبة" من أن من كان له على رجل دين له أحوال، ووهبه للمدين أنه يزكيه كان له مال أو لم يكن. انتهى. لكن مر ما يفيد أن المعتمد أنه لا زكاة فيه على ربه، ولا على الدين إلَّا أن يكون عنده ما يجعله فيه. قاله جامعه. والله سبحانه أعلم.

أو ما يجعل فيه ولم يحل حوله، هذا مفهوم قوله:"أو عرض حل حوله"؛ يعني أن المدين المالك للنصاب العين إذا وهب له شيء يجعل فيه دينه ولم يحل عليه الحول في ملكه، فإنه لا زكاة عليه فيما بيده من النصاب العين، وإنما لم يزك لأنه بالهبة أنشأ ملكه للعين التي كانت بيده فصارت كأنها فائدة، فلابد من استقباله بها حولا من يوم ملك مقابلها، وهذا مذهب ابن القاسم كما علمت، وقال أشهب: يزكي ولو لم يحل حوله.

وقد مر توجيه قوليهما فراجعه إن شئت عند قوله: "أو عرض حل حوله". قال الشبراخيتي وغيره: قال ابن غازي: قوله "ولم يحل حوله" منطبق على هبة الدين وهبة ما يجعل فيه، وإنما أفرده لأن العطف بأو. انتهى.

أو مر لكمؤجِرٍ نفسه بستين دينارا ثلاثَ سنين حولٌ: قوله: "أو مر"، عطف على "وهب" من قوله:"وهب الدين"، وقوله:"نفسه"، مفعول "مؤجر". "وحول"، فاعل "مر"، "وثلاث"، ظرف متعلق بمؤجر، "وبستين"، يتعلق بمؤجر أيضًا؛ يعني أن الشخص إذا آجر نفسه بستين دينارا ثلاث سنين، وقبض الستين معجلة ومر عليها حول عنده، فإنه لا زكاة عليه فيها؛ لأن العشرين المقابلة للسنة الأولى لم يتحقق ملكه لها إلَّا بعد مرور الحول، فلم يتم لها حول في ملكه، والباقي من الستين؛ وهو أربعون دينارا دين عليه وليس عنده في يجعله فيها، وإذا حال الحول الثاني زكى العشرين باتفاق، وإذا مر الحول الثالث زكى الأربعين إلا ما تنقصه الزكاة، وإذا مر الرابع زكى الستين. قال الشبراخيتي: وما مشى عليه المصنف ضعيف، والذي تجب به الفتوى كما يفيده كلام المواق: أنه تجب زكاة العشرين دينارا بمرور الحول الأول، ثم يزكي كلّ ما مضى له شيء من المدة له بال، كشهر ما ينوبه من الكراء إلى أن يزكي جميع الستين بانقضاء الأعوام الثلاثة" ولا مفهوم لقوله:"بستين"، ولا لقوله:"ثلاث سنين". انتهى. وسيأتي أن الصواب ما للمصنف. والله سبحانه أعلم.

ص: 466

وقال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "حول"، أنه إن مر له حولان فإنه يزكي عن عشري الحول الأول، فإن تمت الثلاثة زكى عن الحول الثاني واستقبل بعشري الثالث عاما، ومفهوم "مؤجر نفسه": أنه لو آجر عبده أو داره لكان له ما يجعله في الدين أو بعضه؛ يعني العبد أو الدار، فيزكي ما ينوب العام الأول، وهل بمجرد مضيه أو بمضي شهر من العام الثاني يزكي مناب الشهر الأول من العام الأول، وهكذا إلى تمام العام الثاني، فيتم عِشْرُو الأول، وهكذا يفعل في العام الثاني في دخول العام الثالث طريقان، ثم على الطريق الثاني إذا تمت زكاة العام الأول بفراغ العام الثاني فإنه يصير حوله في المستقبل بجملته من يومئذ، ولا يقال يزكيه في العام الثالث على حكم زكاته في العام الثاني؛ لأنه استقر له حول، وهكذا يقال فيما بعده، وتقوم الدار وقت الوجوب مهدومة عند ابن القاسم، بناء على مراعاة الطواري.

وقال سحنون: تقوم سالمة. عبد الحق على خلافهما في دار يخشى سقوطها في المدة، فإن لم يخش سقوطها اتفقا على تقويمها سالمة، وقد يبحث في هذا بأن الأولى تقويمها وسطا، وما ذكره المصنف من سقوط الزكاة عن الستين مشهور، وفي الشارح قال مالك: يزكي العشرين التي حصل حولها لأن الغيب انكشف عن أنه مالكها من أول الحول. انتهى. وفي المواق ما يفيد أنه هو الذي تجب به الفتوى، لا ما اقتصر عليه المصنف، ولا ما صوبه ابن يونس من زكاة الستين عند مرور حول، وإن صدر به ابن عرفة، ثم على القول بزكاة العشرين بعد مضي حول يزكي عن الأربعين الباقية كلما مضى شيء من المدة له بال، كشهر ما ينوبه من الكراء إلى أن يزكي جميع الستين بانقضاء الأعوام الثلاثة، ولا يشكل على هذا القول أنه مدين بأربعين، فكيف يزكي عشرين؛ لأنا نقول: بيده ما عليه. كذا ذكروا؛ وهو يقتضي أنه لو عدمت الأربعون لم يزك العشرين التي مر لها حول وهي بيده على هذا القول، قال البدر: الظاهر أن الكاف في كمؤجر داخلة على نفسه، فأدخل بها ولده، وأما إدخالها على مؤجر فلم يظهر لنا ما أراده به، فإن قلت أدخل مسألة الدار -وفيها الأقوال التي في مسألة إيجار نفسه- قلت: المذهب فيها عدم المساواة للمؤجر نفسه، انتهى.

ص: 467

وقال علي الأجهوري: أدخلت الجعل إذا حدد بثلاث سنين، واشترط له الترك متى شاء وجعل كلّ سنة تستحق بآخرها، وأما إن كان لا يستحق إلَّا بتمام الدة فإنه إذا مرت الثلاثة على الستين فلا تجب عليه زكاة في شيء من الأعوام المذكورة. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قوله: فإن تمت الثلاثة زكى عن الحول الثاني أيضًا الخ، الظاهر على قياس ما بعده أنه بمضي شهر من الثالث يزكي مناب مثله من الثاني، وهكذا، وقوله: فيزكي ما ينوب العام الأول الخ، وقع في هذا الكلام نقص، وذلك أنه عند العام الأول يزكي قدر قيمة الدار لأنَّها تجعل في الدين ثم ما بقي من الستين يزكي منه ما ينوب العام الأول، وكونه بمضي شهر من العام الثاني يزكي مناب مثله من العام الأول، قال ابن رشد: هو الآتي على قول مالك في المدونة. انظر المواق. وقوله: وما ذكره المصنف من سقوط الزكاة مشهور الخ، اعتمد المصنف في سقوط الزكاة قول ابن رشد في البيان: إن الذي يأتي على مذهب مالك في المدونة في الذي وهب له الدين بعد حلول الحول على المال الذي بيده أوأفاد مالًا أنه يستقبل. انتهى. نقله في التوضيح. وقوله: وفي المواق ما يفيد الخ، ما نقله عن المواق إنما وقع له في بعض نسخه، اعتمد فيه ما نقله عن المقدمات، وقد وقع له فيه تصحيف كما ذكره مصطفى، وفي كثير من نسخ المواق اقتصر فيها على نقل كلام التوضيح السابق عن البيان، وهو الصواب. قاله محمد بن الحسن.

وقال الحطاب: واحترز بنفسه مما لو آجر عبده أو دابته، فإنه يكون عنده ما يجعله فيه، وإذا حال الحول الثاني فإنه يزكي العشرين باتفاق وينتقل الخلاف إلى العشرين أجرة الحول الثاني. والله أعلم. انتهى.

وبما قررت علم أن قوله: فلا زكاة، جواب الشرط، أعني قوله:"وإن وهب الدين"، فهو راجع للمسائل الثلات، أعني قوله:"وإن وهب الدين"، وقوله:"أو ما يجعل فيه" الخ، وقوله:"أو مر لكمؤجر نفسه"، وعبارة الشارح جواب عن المسائل الثلاث. انتهى.

ومدين مائة له مائة محرمية ومائة رجبية يزكي الأولى؛ يعني أن الشخص إذا كان مدينا بمائة دينار، وفي ملكه مائتان إحداهما الأولى ابتداء حولها من المحرم وابتداء حول الأخيرة من رجب، يزكي الأولى المحرمية عند حولها، ويجعل الآخرة الرجبية في الدين على المشهور قبل حلولها،

ص: 468

قال عبد الباقي وغيره: بناء على ضعيف، وهو عدم اشتراط حلول حول ما يجعل في الدين. انتهى. قال محمد بن الحسن: هذا نحو ما تقدم قريبا عن ابن عاشر. انتهى. والذي أشار إليه عن ابن عاشر هو قوله: كأن المصنف حكى المسائل كما وجدها، مع أن بعضها مبني على اشتراط كمال الحول، وبعضها مبني على عدمه. انتهى. قال محمد بن الحسن: ويمكن إجراء هذه المسألة؛ يعني قوله: "ومدين مائة" الخ، على المشهور بأن يحمل على أنه تداين بعد أن ملك المائة الأخيرة. قاله بعض الشيوخ. ويشهد له ما تقدم عن المقدمات عند قوله:"كسلعه ولو بارت". انتهى. والذي تقدم عند قوله: "كسلعه ولو بارت"، هو أن الذي يقومه الدين من سلعه هو ما دفع ثمنه وما حال عليه الحول عنده وإن لم يدفع ثمنه، وحكمه في الثاني حكم من عليه دين وبيده مال، وأما إن لم يدفع ثمنه ولم يحل عليه الحول عنده فلا زكاة عليه فيه، ولا يسقط من زكاة ما حال حوله عنده شيء بسبب دين هذا العرض الذي لم يحل حوله إن لم يكن عنده ما يجعل في مقابلته. نص عليه ابن رشد في المقدمات. انتهى.

وزكيت عين وقفت للسلف؛ يعني أن العين الموقوفة أي المحبسة للسلف، بأن وقفها شخص على أن تُتسَلَّفَ ثم يَرُدُّ من تَسَلَّفَهَا مثلها، تزكى على ملك ربها إذا بلغت نصابا، وإلا فلا تزكى إلَّا أن يكون عند ربها ما يضمه إليها إن كان من أهل الزكاة، قوله:"وزكيت عين" الخ، وتخرج زكاتها منها سواء كانت على معينين أو مجهولين، وتزكى لحول من يوم زكاها الواقف أو ملكها، وَوَقْفُهَا لا يسقط زكاتها على ملك الواقف منها كلّ عام إن لم تسلف، فإن تسلفها شخص زكيت إن قبضت منه نصابا ولو بعد أعوام لحول واحد، ويزكيها المتسلف أيضًا إن كان عنده ما يجعل في الدين، ويزكي أيضًا ربحها إن مر لها حول عنده من يوم تسلفها، فحول ربحها معتبر من يوم تسلفها كحولها، ولو ردها قبل حولها لقوله فيما تقدم:"وضم الربح لأصله"، وهذا يخالف ما تقدم في القراض من أن العامل في القراض يستقبل بما نابه من الربح حولا بعد المفاصلة لأنه أجير على الخلاف المتقدم. واحترز بقوله: وقفت للسلف عن الموصى بتفرقتها على معينين أو غيرهم، فلا زكاة فيها كما مر في قوله:"ولا موصى بتفرقتها"، وكذا لا زكاة في الموصى بتفرقتها في سبيل الله. قاله عبد الباقي. قوله: وهذا يخالف ما تقدم في القراض من أن العامل في

ص: 469

القراض الخ، يريد حيث احتكرا أو العامل. والله سبحانه أعلم. وقوله:"وقفت" الوقف ما ينتفع به مع بقاء عينه حقيقة أو حكما كالدنانير والدراهم؛ لأن مثلها يقوم مقامها، وإذا أوصى بمال أو دفعه لشخص ليشتري به مالًا ويوقف فحال الحول على المال قبل الشراء زكى، قال في النوادر: ولو أوجب التحبيس في مال قاض فأوقفه إلى أن يشتري به أصلا محبسا، فذلك جائز إذا اشترط فيها ذلك وجعلها بيد غيره. قال: وفيها الزكاة، يريد منها إذا أتى لها حول. انتهى.

ويريد بقوله -والله أعلم-: فذلك جائز؛ أي إذا أشهد بذلك. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: زكيت عين وقفت للسلف على ملك ربها، فتضم لماله إن نقصت كلّ عام إلَّا أن تسلف وتقبض بعد أعوام فلواحد. انتهى. وقوله:"وزكيت عين وقفت للمسلف"، صريح في ضعف التردد. كنبات، المراد بالنبات الزرع والحوائط؛ يعني أن الشخص إذا أوقف زرعا أو حوائط على أن ما يخرج منها يعطى للفقراء -مثلا-، فإنه يزكى ما يخرج من ثمر أو حب إن كان في جملته نصاب، ويزكيه الواقف منه وإن لم يكن في جملته نصاب ضمه الواقف لما يكمله إن كان عنده ما يكمله. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الخرشي: وأما الزرع فهو أن يوقف الحب تحت يد شخص ليزرعه، ويفرق ما يخرج منه كلّ سنة ويبقي الزريعة، فيجب على المتولي أن يزكي الخارج كلّ عام، وأما لو وقف الحب على من يتسلف منه فلا زكاة كما يفيده مفهوم قوله:"وزكيت عين وقفت للسلف"، وقال عبد الباقي: وقوله: "كنبات"، فيه تصريح بضعف التردد الآتي في باب الوقف، وهو قوله: وفي وقف كطعام تردد. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل لا دليل فيه على ذلك أصلا، كيف ولم يفسر ابن غازي والمواق قوله:"كنبات"، إلَّا بقول المدونة: وتؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "كنبات"، ما نصه: وقف ليزرع ويفرق ما يخرج منه للفقراء أو لمسجد مثلا، وكذا حوائط وقفت لتسقى وتعالج وتفرق ثمرتها. انتهى.

قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: يتضح من كلامهم هنا أن معنى قول المصنف: "كنبات"، أنه أوقف حوائط تعطى ثمرتها كلّ عام للفقراء أو لمسجد أو في سبيل الله، أو أوقف مزرعة يزرع فيها ويعطى ما يخرج منها من الزرع كلّ عام للفقراء أو لمسجد أو نحو ذلك، فإنه يزكى ما يخرج من

ص: 470

ذلك كلّ عام على ملك الواقف؛ أي عند كلّ طيب إن بلغ جملة ما أخرج نصابا، فإن لم يكن نصابا زكي إذا كان الواقف حيا وعنده ما يكمله، وإلا فلا زكاة، وأما لو أوقف الحب أو الثمر للسلف فإنه لا زكاة في ذلك كما هو مفهوم قوله:"وزكيت عين وقفت للسلف".

وحيوان؛ يعني أن الحيوان الموقوف لينتفع بغلته من لبن وصوف وركوب أو للحمل عليه في سبيل الله، تجب فيه الزكاة ونسله تبع له، ولو سكت عنه. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله "وحيوان": أي نعم، ولو عبر به لكان أخصر وأحسن، وقف لينتفع بغلته من لبن وصوف وركوب أو به من حمل عليه في السبيل ونحوه. انتهى.

وقال الأمير: كنبات وحيوان، قال في الشرح: تشبيه في الزكاة على ملك الواقف كلّ سنة في الحيوان، وكل طيب في النبات كأن وقف حوائطه. انتهى. وقول الشبراخيتي: لكان أخصر وأحسن، ظاهر ولكن علم من إتيان المصنف بالحيوان في معرض الزكاة أن المراد به الحيوان الذي يزكى، وهو الإبل والبقر والغنم. وقوله:"وحيوان"، سواء كان الحيوان على هذه الصورة موقوفًا على مجهولين أو معيينين فيزكى على ملك الواقف اتفاقا، قال العدوي قال في المقدمات: وإذا كان المواشي محبسة للانتفاع بغلتها في وجه من وجوه البر، فلا اختلاف أن الزكاة تجب في جميع ذلك كلّ سنة على ملك المحبس، كانت موقوفة لمعينين أو في المساكين وابن السبيل. وحول أولادها حولها. قال اللخمي: لو حبس أربعين شاة على أربعة نفر لكل واحد عشر بأعيانها زكيت؛ لأنه إنما أعطى المنافع والأعيان باقية على ملكه. ابن القاسم: وإن وقفت الأنعام ليكون غلتها من لبن أو صوف ونحوه تفرق على معينين، أو على غير معينين فالزكاة في الأمهات والأولاد جميعها وحولها واحد؛ لأن ذلك موقوف. انتهى. ابن الحاجب: وتزكى الإبل الموقوف منافعها وأولادها اتفاقا، وأما إن وقفت لتفرق أعيانها، فقال في المدونة: وأما إن وقفت الدنانير والماشية لتفرق في سبيل الله أو على المساكين أو لتباع الماشية ويفرق الثمن، فلا زكاة فيما أدركه الحول من ذلك. قاله الخرشي.

وقال محمد بن الحسن: مذهب المدونة أن عدم زكاتها إنما هو إذا وقفت لتفرق على غير معينين، وأما إن وقفت لتفرق على "عينين فإن من نابه منهم نصاب زكاه، وقد مر أن قوله: "ولا موصى

ص: 471

بتفرقتها"، خاص بالعين، وقال الخرشي عن الزرقاني: وينبغي أن يكون الإيصاء بالتفرقة كالوقف، وفي الحطاب: وأما إن وقف لتفرق عينه، فقد تقدم حكمه عند قوله: ولا موصى بتفرقتها. انتهى. فأفاد أن الحيوان إذا وقف لتفرق أعيانه كما إذا أوصى به لتفرق أعيانه، وقد قدمت هنالك أن الحيوان الموصى به ليفرق على غير معينين لا تجب فيه الزكاة، وعلى معينين تجب على المعتمد على من نابه منهم نصاب، وأما على غير معينين فلا زكاة، وأما العين فلا زكاة فيها مطلقًا، كانت لتفرق على معينين أو غيرهم، ومقابل المعتمد أن الماشية كالعين لا زكاة فيها مطلقا، كانت لتفرق على معينين أو غيرهم.

أو نسله؛ يعني أنه إذا وقف نسل الحيوان لينتفع بغلته كصوف أو لبن أو ركوب أو حمل عليه، فإنه تجب فيه الزكاة فالنسل هو الموقوف، وأما إن كان النسل ليفرق، فإن كان على معينين فلا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة، وإن كان على مجهولين فالزكاة في جملة الأولاد إذا تم لها حول من وقت الولادة، كذا نقله ابن يونس. قاله الحطاب. وفي الشبراخيتي، وغيره: أن الحيوان الموقوف ليفرق نسله يزكى؛ أي الحيوان كأن يقول نسل حيواني، هذا في عام أو عامين، أو على الدوام يعطى للفقراء مثلا، وليس له التصرف في الأمهات ببيع ولا بهبة مثلا، وهذا لا يستلزم وقفها. والحيوان يقع على الواحد والجمع، وجمعه حيوانات وهو الجسم النامي المتحرك بالإرادة، والنسل الولد جمعه أنسال، وفي شرح عبد الباقي: وحيوان وقف لتفرقة لبنه وصوفه أو للحمل عليه في السبيل أو لتفرقة نسله، ويصح أن يكون المعنى أن الوقوف النسل الموجود. انتهى. قوله: أو لتفرقة نسله، قال محمد بن الحسن: هذا الحمل وإن كان صحيحا في نفسه إلَّا أنه في غاية البعد من كلام المصنف، فالصواب حمله على الوجه الثاني في كلامه. انتهى. على مساجد، راجع لقوله:"كنبات"؛ أي كنبات موقوف على مساجد؛ يعني أن ما يحصل من النبات الموقوف على مساجد أو مسجد يزكى على ملك الواقف؛ أي إن حصل في ثمره خمسة أوسق فأكثر زكي، وإلا فلا، إلَّا أن يكون عند الواقف ما يكمله نصابا.

أو غير معينين، عطف على مساجد؛ يعني أن النبات إذا كان موقوفًا على غير معينين كالفقراء والمساكين والغزاة وبني تميم وبني زهرة، فإن ما حصل منه يزكى على ملك الواقف أي إن بلغ

ص: 472

نصابا زكي، وإلا فلا إلَّا أن يكون عند الواقف ما يكمله نصابا، وذكر مفهوم غير المعينين، بقوله: كعليهم؛ أي المعينين؛ يعني أن النبات إذا كان موقوفًا على معينين أو معين كزيد، فإنه لا يخلو من أن يحوزوا الحبس، أو لا فإن لم يحوزوه فإن الحكم في زكاة ما حصل منه كالحكم في زكاة ما إذا كان على غير معينين، فيزكى على ملك الواقف، وإلى ذلك أشار بقوله: إن تولى المالك تفرقته؛ يعني أنه إذا لم يحز المحبس عليه النبات -وهو معين الحبس-، فإن ما حصل منه يزكى على ملك الواقف، كما لو كان على غير معينين، فالمصنف إنما عنى بقوله: إن تولى المالك تفرقته عدم حوز الموقوف عليهم المحَبَّسَ وإلَّا مركب من إن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف دل عليه قوله:"إن تولى المالك"؛ أي وإن لا يتول المالك تفرقة النبات على المعينين ولا سقيه ولا علاجه، بل تولى ذلك الموقوف عليهم؛ أي حازوا الحبس فإنه يعتبر ما ينوب كلّ واحد منهم، ولهذا قال: إن حصل لكل نصاب؛ يعني أنهم إذا كانوا معينين وحازوا الحبس، فإن من نابه منهم نصاب ولو بالضم لما عنده زكى ومن لا فلا.

وبما فسرت به المصنف من أن المراد بتولي المالك التفرقة وعدم توليه حوز الوقوف عليهم وعدمه، يندفع تنظير عبد الباقي حيث، قال: وانظر لو تولى المالك بعض هذه الثلاثة والوقوف عليهم بعضها، هل يغلب الأكثر إن كان، وإلا فهل يجعل في الزكاة نصفين لكل نصف، أم كيف الحال؟ انتهى. والتفسير المتقدم تبعت فيه الرماصي وبناني، وإذا تأملته علمت سقوط التنظير المذكور. والله سبحانه أعلم. وقوله: إن حصل شرط في جواب الشرط أي زكي إن حصل.

وبما قررت علم أن قوله: "على مساجد أو غير معينين كعليهم"، خاص بقوله:"كنبات"، لا بمسألتي الحيوان والنسل، خلافا لظاهر المصنف لأن الحيوان الموقوف للانتفاع بغلته إنما يزكى على ملك الواقف، كان على معين أو غيره، فيزكى على ملك الواقف، فإن بلغ نصابا أو كان دونه والواقف حي وعنده ما يصيره نصابا زكى، وإلا فلا، وكذا الحكم في النسل الموقوف للانتفاع بغلته، وأما لو وقف الحيوان لتفرقة نسله فإن النسل حينئذ كالنبات.

ص: 473

وفي الشبراخيتي: وأما إن وقف -أي الحيوان- ليباع ويفرق ثمنه، فمر حول قبل البيع فلا زكاة مطلقًا، كان على معينين أو غيرهم، وكأنه إنما أوصى بالثمن، وهذا ليس وقفا في الحقيقة. انتهى المراد منه.

وقد مر عن الحطاب: أن من أوصى بمال أو دفعه لشخص ليشتري به مالًا ويوقف، فحال الحول على المال قبل الشراء زكى. انتهى. وقال عبد الباقي: إن قوله: "على مساجد أو غير معينين" الخ، راجع للطرفين دون الوسط. انتهى؛ يعني بالطرفين النبات والنسل، وبالوسط الحيوان، قال محمد بن الحسن: يعني إذا حمل قوله: "أو نسله"، على الوجه الأول؛ لأن ابن رشد جعل أولاد الحيوان المحبس لتفرق أولاده كالنبات في التفصيل والخلاف الآتي، وأشار إليه ابن عرفة بقوله: ابن رشد: نسلها كثمر النبات. انتهى.

وقال الحطاب عند قوله: "على مساجد أو غير معينين كعليهم" لخ، هذا إنما يرجع إلى النبات فقط؛ لأنه هو الذي يطابق تفصيله فيه المنقول، وهو قوله: "كعليهم إن تولى المالك تفرقته، قال الرجراجي في شرح المدونة: وما تجب الزكاة في غلته دون عينه كالحوائط المحبسة، فلا يخلو من أن تكون محبسة على غير معينين أو على معينين، فإن كانت محبسة على غير معينين فلا خلاف أن ثمرها يزكى على ملك المحبس، وأن الزكاة تجب في ثمرتها إذا بلغت جملتها ما تجب فيه الزكاة، وإن كان الحبس على مُعَيَّنين مثل أن يحبس ثمر حائطه أو جنانه على قوم بأعيانهم، فلا يخلو من أن يكون رب الحائط هو الذي يتولى السقي والعلاج دونهم، ويقسم الثمرة عليهم: فإن الثمرة تزكى على ملك المحبس قولا واحدا من غير اعتبار بما يحصل لكل واحد من المحبس عليهم، وإن كان المحبس عليهم هم يسقون ويعملون لأنفسهم، فهل هم كالشركاء؟ وينظر إلى ما ينوب كلّ واحد منهم، فالمذهب على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أنهم كالشركاء، ويعتبر النصاب في حق كلّ واحد منهم فمن حصل عنده نصاب، إما من ثمر الحبس بانفرادها أو بإضافتها إلى ثمر جنان له، فإنه يزكي دون من لم يحصل له نصاب؛ وهو قول أشهب في كتاب الحبس من المدونة، والثاني: أنه يعتبر خمسة أوسق في جميع ثمرة الحائط، فإذا كان فيها خمسة أوسق أخذت منها الزكاة من غير اعتبار بما يصح لكل واحد من المحبس

ص: 474

عليهم، ويزكي على ملك المحبس الذي هو رب الحائط، فإن كان ثمرة الحبس دون النصاب أضافها إلى ما يتم به النصاب إن كان عنده، وهو قول ابن القاسم في كتاب الحبس من المدونة، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الزكاة. انتهى.

وقال الحطاب: التفصيل المذكور في الموقوف عليهم بين أن يكونوا مجهولين أو معينين، إنما هو إذا حيز الحبس، وأما إذا لم يحز فإنه يزكى على ملك ربه قولا واحدا من غير تفصيل، واستفيد من كلام الرجراجي أنه إذا لم يتول المالك التفرقة وحصل لكل واحد من المعينين ما لا زكاة فيه، وكان في ملكه جنان في ثمره ما يكمل له به نصاب، أنه يضم ما حصل له من ثمر الوقف إلى ثمر جنانه، ويزكي الجميع وإضافته إلى وقف عليه آخر مثل إضافته إلى ملكه فيكون مثله فتأمله. والله أعلم. انتهى.

وقد نقل الحطاب كلام المقدمات، وقال بعده: واستفيد من كلام المقدمات أنه حيث كانت الزكاة على ملك الواقف، فإنه يضم ثمر ما أوقفه إذا لم يكن فيه نصاب إلى ثمر ما يملكه من الحوائط أن ذلك إنما هو إذا أثمرت الحوائط في حياة المحبس. انتهى. وقال الحطاب أيضًا: تحصل مما تقدم أن الحبس إذا كان على غير معينين أو على معينين -إلَّا أن الواقف هو المتولي للحبس- يزكى على ملك واقفه قولا واحدا من غير خلاف، وإن كان على معينين وهم المتولون له ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الذي اقتصر عليه المصنف أنه يزكى على ملك المحبس عليهم، والثاني: يزكى على ملك المحبس، والثالث: إن كان الوقف على مستحق الزكاة سقطت زكاته. والله أعلم. وهذا تحصيل القول فيما إذا كان الوقوف عليهم مجهولين أو معينين، وأما الموقوف على مساجد فحصل فيه ابن عرفة ثلاثة طرق: الأولى للتونسي؛ وهي التي اقتصر عليها المصنف أنه يزكى على ملك الواقف، والثانية للخمي أنه لا زكاة فيه، والثالثة لأبي حفص أن ما على المسجد من الأوقاف يضم بعضه إلى بعض وإن تعدد واقفوه. انتهى.

وقال عبد الحق في التهذيب: أعرف في المال الوقوف لإصلاح المساجد والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافا بين المتأخرين في زكاة ذلك، والصواب عندي لا زكاة في كلّ شيء يوقف على ما لا عبادة عليه من مسجد ونحوه، وقد نقله صاحب الجواهر والتقييد. انتهى. نقله الحطاب.

ص: 475

تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: ثم ما ذكره المصنف من قوله: "على مساجد" الخ، من التفصيل ضعيف، والمذهب أن النبات كالحيوان تزكى جملته على ملك الواقف إن بلغ نصابا أو كان دونه، والواقف حي وعنده ما يصيره نصابا، سواء تولى تفرقته أم لا، وقف على معينين أو على غيرهم، فإن مات زكيت أيضًا على ملكه؛ إذ الملك للواقف حيث بلغت نصابا، فإن تطوع أحد بإخراج الزكاة عنهما أو كان في إجارة الإبل مثلا ما يُشتَرى منه زكاتها فعل ذلك بها وهو بمنزلة غلتها، وإن لم يكن لها إجارة ولا تطوع أحد بما يخرج عنها بيع منها واحد واشترى منه شاة، ويشترى بباقي الثمن بعير دون البعير أو يشارك به فيه. انتهى. وقال الشبراخيتي: ما ذكره المصنف من التفصيل ضعيف، والمذهب أن النبات كالحيوان لخ، ونحوه للأمير.

والحاصل أن الإبل المحبسة تزكى بالغنم إن تطوع أحد بإخراج الزكاة عنها، أو كان في إجارتها ما يشترى منه شاة فالأمر واضح، وإن لم يتطوع أحد بما يخرج عنها بيع منها ما يشترى به غنم يزكى بها عنها، وإذا بقي شيء من الثمن اشتري به بعير أو شورك به في بعير.

الثاني: إذا وقف نسل الحيوان قبل أن يوجد النسل، فليس للمالك التصرف في شيء من الأصول ببيع ونحوه إلَّا عند اليأس من نسله، وكذا الحكم فيما إذا وقف الحيوان لتفرقة نسله، فليس لمالكه التصرف في الأمهات ببيع أو هبة مثلا، إلَّا عند اليأس من نسله، وهذا لا يستلزم وقفها لأنه لا يلزم من منع التصرف الوقف. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: لم يتعرض المصنف لصحة وقف نسل الحيوان قبل وجوده، وربما يفيدها صريح ابن غازي والحطاب، وكذا يقال في وقف الثمرة قبل وجودها، وعلى مفاد كلامهما، فليس للمالك التصرف في شيء من الأصول ببيع ونحوه إلَّا عند اليأس من نسله، وأما قوله في الوقف:"كمن سيولد"، فكلام على الوقوف عليه لا على الموقوف.

وعلم مما مر أن قوله: "كحيوان"، معناه وقف للحمل عليه في السبيل ونحوه، قال أحمد: وأما إذا وقف ليفرق عَنْهُ أو ليباع ويفرق ثمنه فلا زكاة، كذا في المدونة، وينبغي أن يكون الإيصاء بالتفرقة -أي للحيوان- كالوقف أي في الجواز، وإن كان لا زكاد فيها. انتهى.

ص: 476

الثالث: من حبس ثمرة على شخصين ومات أحدهما قبل طيبها لم يورث نصيبه عنه ويرجع لصاحبه، وإن مات بعد طيبه ورثه عنه وارثه كما في المدونة، قال الشيخ سالم: ينبغي حمل هذا على ما إذا كان الحبس لا في مقابلة عمل، فإن كان في مقابلته فإنه يستحق على حسب عمله ويورث عنه. انتهى. قاله عبد الباقي.

الرابع: قول المصنف: "كعليهم"، قال ابن غازي أدخل: أداة الجر على أداة الجر إيثارا للاختصار، ومثله قول الشاعر:

غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها

تصل وعن قيض بزيزَاء مجهل

وفيه نظر؛ لأن على في البيت اسم بمعنى: فوق، كما صرح به أكثر النحاة، وأما كلام المصنف، فإما أن يحمل على قول من يجيز دخول حرف جر على حرف جر، وهذا القول نقله المحلي في شرح جمع الجوامع، وإما أن الكاف داخلة على مضاف مقدر؛ أي كالوقف أو الحبس. أو التحبيس عليهم انظر الحطاب، والشبراخيتي. الخامس: في حاشية بناني عن السنهوري أن اللخمي ذكر ما يوافق ظاهر المصنف من أن التفصيل المذكور جار في الحيوان والنبات معا.

وفي إلحاق ولد فلان بالمعينين أو غيرهم قولان؛ يعني أنه اختلف في الوقف على ولد فلان على قولين ذكرهما في المقدمات، أحدهما: أن الوقف على ولد فلان كالوقف على المعينين؛ لأن ولد المعين وإن كان مجهولا كالمعين لانحصاره في المعين، فيزكى على ملك الواقف إن تولى الواقف تفرقة الثمرت وإلا زكى منهم من حصل له نصاب، ثانيهما: أن قوله، وقف على ولد فلان، يلحق بغير المعينين، فيزكى جملة على ملك الواقف لجهلهم وإن انحصروا في معين، وأما بنو زهرة وبنو تميم ونحو ذلك، فمن غير المعين كالفقراء اتفاقا، ولذا قال المصنف: ولد فلان ولم يقل بني فلان، وأما جعل التتائي بني تميم مثالا لقول المصنف:"ولد فلان"، فسبق قلم. قاله غير واحد. والله سبحانه أعلم.

ولما سبق ذكر المعدن في قوله: "إن تم الملك وحول غير المعدن"، وقوله:"ولا تسقط زكاة حرث ومعدن وماشية بدين"، ذكر بقية أحكامه، فقال: وإنما يزكى معدن عين؛ يعني أنه إنما يزكى

ص: 477

مما يخرج من المعادن، الخارج من معدن العين لا غيره كنحاس ورصاص وحديد وعقيق وكحل وزئبق وزرنيخ وطين أحمر، فلا زكاة في شيء مما ذكر. وقوله:"معدن"، بفتح الميم وكسر الدال: المال المخلوق من الأرض تنبته بإذن الله تعالى، كالزرع من عدن يعدن كضرب يضرب عُدُونًا إذا أقام، ومنه:{جَنَّاتِ عَدْنٍ} ؛ أي إقامة، جعلنا الله تعالى من ساكنيها، وسمي المعدن معدنا لإقامة النقد به. قاله غير واحد. وفهم منه أن حقيقة المعدن هو موضع المال لا المال نفسه؛ وهو آت على القياس؛ إذ الذي في اللامية والتسهيل وغيرهما أن القياس في اسم الزمان والمكان مما مضارعه مكسور العين، مفعل بكسر العين والمصدر بفتحها، ولما ذكر في اللامية ما مضارعه غير مكسور العين قال:

في غير ذا عينه افتح مصدرا وسوا

هـ اكسر وشذ الذي عن ذلك اعتزلا

وتسميته المأخوذ مما يخرج من المعدن زكاة يؤذن بشروطها من حرية وإسلام ونصاب، ومقدارها وهو ربع العشر، ومصرفها وهو الأصناف الثمانية، وسيأتي قوله:"وفي ندرته الخمس"، فتستثنى كما يستثنى الحول، وقد مر أن زكاة المعدن لا يسقطها الدين والفقد والأسر، وما أفاده المصنف من أن المأخوذ من المعدن زكاة فيشترط فيه شروطها هو الذي اقتصر عليه ابن الحاجب وصاحب الشامل وغيرهما، وقيل: لا يشترط حرية ولا إسلام والشركاء كالواحد. الجزولي: الشركاء في المعدن كالواحد. والعبد كالحر والكافر كالمسلم على المشهور. ونقل ابن عرفة في اشتراطها قولين. قاله الحطاب.

وحكمه للإمام؛ يعني أن المعدن مطلقًا -معدن عين أو غيره- حكمه للإمام؛ أي الذي يحكم فيه ويتولى أمره إنما هو الإمام أو نائبه في ذلك، فيقطعه لمن يعمل فيه بوجه الاجتهاد حياة المقطع أو مدة من الزمان أو يوكل من يعمل فيه للمسلمين، ولا منافاة بين وجوب زكاته إذا كان عينا وكون حكمه للإمام؛ لأن المعنى إذا أقطع الإمام معدن عين لشخص وجب عليه زكاته إذا أخرج منه نصابا. ولو بأرض معين؛ يعني أن حكم المعدن للإمام سواء كان بأرض غير مملوكة لأحد كالفيافي وما انجلى عنه أهله من الكفار، أوأرض مملوكة لغير معين كأرض العنوة، أو كان بأرض مملوكة

ص: 478

لمعين مسلم أو عنوي، فما بعد المبالغة محل الخلاف، وهي أن يكون المعدن بأرض مملوكة لمعين فالنظر فيها للإمام عند ابن القاسم، وقال سحنون: النظر فيها لمالك الأرض، ودخل في غير المملوكة لعين أرض الحرب فيقطعها الإمام لمن شاء بعد فتحها، أو بتقدير فتحها عنوة، وبهذا يسقط استشكال بعضهم تصوير المسألة بأنها إن بقيت في حكم أهل الحرب، فكيف يتصور نظر الإمام فيها؟ وإن زال حكمهم عنها، فإما بصلح فسيأتي، أو عنوة أو انجلاء أهلها عنها فلا يخرج عما سبق، وجوابه أنا نختار بقاءها في حكم ملكهم، ولا يمنع ذلك تصرف الإمام وإقطاعها بتقدير فتحها. قاله عبد الباقي وغيره.

وذكر في التوضيح عن ابن يونس أنه حكى الاتفاق على أن ما ظهر من المعادن في أرض الحرب التصرف فيه للإمام، وقد تقدم أن من الأرض غير المملوكة ما انجلى عنه أهله الكفار بغير قتال، وأما ما انجلى عنه أهله المسلمون فهو باق على ملكهم، انجلوا عنه بغير قتال أو به، وحيث قلنا بأن النظر في المعدن للإمام فإنه ينظر فيه بالأصلح، وإنما يُقطعه انتفاعا لا تمليكا، فلا يجوز أن يبيعه، ولا يورَثُ عنه.

واعلم أن إقطاع الإمام في الأراضي المذكورة لا يحتاج لحيازة على المشهور المعمول به، قال أبو علي: وهو ظاهر؛ لأن الإمام ليس بواهب حقيقة إنما هو نائب عن المسلمين وهم أحياء، ولذا قالوا لا ينعزل القاضي بموت الأمير، وبهذا يسقط البحث المتقدم بأرض الحرب، ولا يحتاج إلى جواب، وقيل: يحتاج الإقطاع لحيازة.

واعلم أن مواضع المعدن خمسة: أرض غير مملوكة لأحد كالفيافي وما انجلى عنه أهله من الكفار، وأرض مملوكة لغير معين كأرض العنوة، وأرض الحرب، وهذان قسمان مضافان للأرض غير المملوكة لأحد، وأرض مملوكة لعين، وأرض الصلح، فالثلاث الأول داخلة فيما قبل المبالغة، والرابعة المبالغ عليها هي محل الخلاف المتقدم، والخامسة هي التي استثناها المصنف بقوله: إلَّا مملوكة لمصالح فله، هذا مستثنى من قوله:"يزكى"، ومن قوله:"وحكمه للإمام"؛ يعني أن الأرض المملوكة للمصالحين معينين أو غيرهم لا يزكى معدنها؛ أي معدن عين فيها، كما أن الإمام ليس له النظر في معدنها، وإنما أمر معدنها لمالكها المصالح أو لوارثه، وقيل: النظر فيه

ص: 479

للإمام. قاله في الواضحة. والأول هو الصحيح، وقوله: لمصالح بفتح اللام وكسرها وَعَدِّي لأَراضِي المعدن خمسة، أصله للشارح، لكن قد مر أن أرض الحرب تدخل في غير المملوكة، وأشعر قوله:"لمصالح"، بزوال ملكه عنه بإسلامه، ويرجع حكمه للإمام وهو مذهب المدونة؛ لأن العلة الصلح، وقد زال بالإسلام، وقال سحنون: تبقى له ولا ترجع للإمام. قاله التتائي. ونحو ما لسحنون لرواية ابن المواز عن مالك، ولظاهر قول ابن القاسم. قاله الحطاب. قاله عبد الباقي.

وقوله: بزوال ملكه عنه بإسلامه؛ أي بزوال ملك المعدن عنه بإسلامه؛ أي بزوال ملك المعدن عنه، فالمعدن هو محل الخلاف المذكور، وأما أرض الصلحي إذا أسلم فإنها له كما يأتي، قاله محمد بن الحسن. وقد مر أن للإمام إقطاعَ أرض الحرب، والدليل على ذلك إقطاعه صلى الله عليه وسلم تميما الداري بعض أرض بنواحي بيت المقدس قبل فتحه، وأمضاها له عمر رضي الله عنه: وكون ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم ليس هو مذهبنا، كما يدلُّ عليه ما تقدم عن ابن يونس أنه حكى الاتفاق على أن ما ظهر من المعادن في أرض الحرب أن التصرف فيه للإمام، ولذا جعله الشيخ سالم دليلا على ذلك، وفي خصائص السيوطي الصغرى: أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك مذهبنا كما علمت، وأفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم، وليس مذهبنا لمخالفته ما تقدم من أن المقطع لا يورث عنه المعدن، ولأنه لا يقطعه الإمام إلَّا انتفاعا لا تمليكا، إلَّا أن يكون هذا القدر من خصوصية تميم الداري.

وتحصل مما مر أن المعدن إما أن يظهر في أرض العنوة أو في أرض الإسلام أو في أرض الصلح، فالأول لا خلاف أن الحكم فيه للإمام، والثاني فإن ظهر في الفيافي فلا خلاف أن النظر فيه للإمام وإن ظهر في أرض مملوكة محوزة، فقال ابن القاسم: النظر فيه للإمام، وقال سحنون: النظر لمالكه، وقيل: إن كان عينا فللإمام، وإن كان غير ذلك من الجواهر فلمالك الأرض، والثالث فيه قولان: أحدهما أن النظر فيه لأهل الصلح؛ وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقول ابن نافع وهو الصحيح وهو الذي درج عليه المصنف، والثاني أن النظر للإمام وهو قوله في الواضحة: وعلى الأول -وهو الصحيح- فمن أسلم منهم وفي أرضه معدن فالنظر فيه للإمام، وهو ظاهر قول

ص: 480

ابن القاسم، ورواية يحيى بن يحيى. وقيل: يستمر له ملكا وهو ظاهر قول ابن القاسم أيضًا، ونص ابن المواز عن مالك أيضًا، وبقي ما إذا كان المعدن بأرض الحرب.

وقد مر أن ابن يونس حكى الاتفاق على أن التصرف فيه للإمام. وبالله تعالى التوفيق.

وقد مر أن المعدن لا يورث عن المقطع، قال ابن عرفة: وفي إرث نيل أدرك قول أشهب ونص شركتها. انتهى ملخصا من حاشية بناني والحطاب. وقال الحطاب: قال اللخمي: اختلف في معادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص تظهر في ملك الرجل، فقال مالك: الأمر فيها للإمام يقطعه لمن رآه، قال: لأن المعادن يجتمع لها شرار الناس، وقال في كتاب سحنون: هو باق على ملك ربه. انتهى. والأول هو الذي مشى عليه المصنف. وقد مر التمثيل للأرض غير المملوكة بالأرض التي انجلى عنها أهلها. قاله ابن عبد السلام وصاحب التوضيح وغيرهم، قاله الحطاب. قال: ويريدون به ما انجلى عنه الكفار، وأما المسلمون فهو باق على ملكهم. والله أعلم. انتهى. قال الرماصي: وفيه نظر، وكذلك الكفار أهل الصلح باق على ملكهم، ومراد العلماء -والله أعلم- بما انجلى أهله: انقرضوا؛ لأنهم مثلوا به لغير المملوك لأحد، وحينئذ فلا فرق بين المسلمين وغيرهم، فتأمله. انتهى.

وقال الأمير: زُكّيِّ مَعْدِنُ عَيْنٍ فَقَطْ، وهل بإخراجه فيحسب الذاهب قبل التصفية أو حتى يصفى؟ خلاف وللإمام التصرف فيهَ ولو بملك معين إلَّا مصالحا فله، فإن أسلم رجع للإمام. انتهى. قال في الشرح عند قوله: فقط لا كنحاس: فيشترط هنا وجوب الزكاة، وقال عند قوله: وللإمام التصرف فيه: والمعتمد أن عطية الإمام تفتقر لحوز وإمضاء عطية تميم مع أنه لم يحزها في حياته صلى الله عليه وسلم خصوصية، وقوى بناني عدم الافتقار، وقال عند قوله:"ولو بملك معين"، سدًّا لباب الهرج. انتهى.

وضم بقية عرقه؛ أي المعدن العرق هو المسمى بالنيل والنول والنوال، قال عياض: هو ما خرج من المعدن؛ يعني أن العرق الواحد من معدن واحد ذهبا كان أو فضة يضم بعضه إلى بعض إذا كان ذلك العرق متصلا بعضه ببعض، ومعنى الضم أنه إذا كمل النصاب بين أوله وبقيته فإنه يزكى، ولما كانت الأقسام أربعةً بالنظر إلى العرق والعمل، وهي اتصالهما وانقطاعهما، واتصال العرق دون

ص: 481

العمل وعكسه، أشار إلى الأول والثالث بقوله: وإن تراخى العمل؛ يعني أن بقية العرق تضم إلى الأول، أما إذا اتصل العرق والعمل فتضم اتفاقا، وإن اتصل العرق دون العمل فتضم بقية العرق أيضًا، قال في التوضيح عن المازري: فإن انقطع العمل كفساد آلة ومرض عامل فلا شك في الضم، وإن انقطع اختيارا لغير عذر فالظاهر عندي من مذهبنا أنه يبني بعضه على بعض؛ لأن النيل إذا ظهر أوله فكأنه كله ظاهر ومحوز، وقد أطلق أصحاب الروايات أن النيل المتصل يضم بعضه إلى بعض من غير تفصيل.

وفي الذخيرة: وإن اتصل النيل وحده فظاهر قول مالك أن الاعتبار بالنيل دون العمل، وعند الشافعي إن انقطع العمل بغير عذر استأنف، وإن اتصل النيل، لنا أن النيل هو المقصود دون العمل، فإن انقطع النيل فلا زكاة، وإذا اتصل لم يضر انقطاع العمل. انتهى.

ونقل الجزولي أيضًا عن غيره: أن ظاهر الرسالة والموطإ في هذا الوجه الضم، ولم يذكر خلافه، قال الحطاب: فأشار المصنف إلى هذين الوجهين بقوله: "وضم بقية عرقه وإن تراخى العمل"؛ ويعني أن عرق المعدن يضم بعضه إلى بعض ما دام موجودا ولو تراخى العمل بعضه من بعض، وحصل فيه انقطاع، فَقَوْلُ الشارح: يريد بقوله: وإن تراخى العمل أن يكون مسترسلا على هيئة العمل، وليس المراد أن يعمل تارة ويبطل أخرى، فإنه لا يضم بعضه إلى بعض غير ظاهر، ويتعين حمل كلام المصنف على ما تقدم. انتهى. وما قاله الحطاب هو الذي اقتصر عليه البساطي والأجهوري، ولو تلف ما خرج من النيل بغير سببه، فهل يضم ما خرج بعد ذلك إليه؟ قولان لابن القاسم ومحمد، وإنما هذا الخلاف إذا تلف بوقت لو تلف فيه المال بعد حوله لم يضمنه.

لا معادن؛ يعني أنه لا يضم ما أخرج من معدن لما أخرج من معدن آخر، فلا يضم بعضها لبعض في الزكاة ولو اتحد جنسها ووقت إخراجها؛ لأنَّها لم تكن في ملكه قبل إخراجها أما إذا لم يتحد وقت الإخراج فلا ضم بلا خلاف، وإن اتحد فلا ضم على المذهب، وقال ابن مسلمة بالضم حينئذ. ابن يونس: وهو أقيس، ابن رشد: وهو عندي تفسير المدونة، ويأتي عليه ما في الجلاب: من كان له معدنان ذهب وورق ضم ما خرج من أحدهما للآخر وزكاه.

ص: 482

ولا عرق آخر: يعني أنه لا يضم عرق لآخر في معدن واحد، اتصل العمل أو انقطع، وأما من معادن فقد مر أنه لا يضم بعضها إلى بعض، وهذان القسمان هما بقية الأقسام الأربعة، وفي الواضحة: إذا انقطع عرق المعدن قبل بلوغ ما فيه الزكاة، وظهر عرق آخر فليبتدإ الحكم فيه. قاله مالك وابن الماجشون. وفي الموطإ نحوه، وظاهره أنه لو انقطع العرق ثم وجد في تلك الساعة عرق آخر أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر، وإذا وجد عرق قبل أن ينقطع العرق الأول فظاهر إطلاقاتهم أنه لا يضم ما حصل من عرق إلى آخر، وأما على القول بضم ما حصل من المعدن إلى معدن آخر إذا ابتدأ في الثاني قبل انقطاع الأول فيضم هنا من باب أولى، وقوله:"ولا عرق آخر"، في المواق ما يفيد أنه يضم حيث بدأ قبل انقطاع الأول، وترك العمل فيه حتى أتم الأول.

وفي ضم فائدة حال حولها؛ يعني أنه اختلف في وجوب ضم الفائدة التي حال حولها نصابا كانت أو غيره لا خرج من المعدن دون نصاب، وهو الراجح وعدم ضمها له لاختلاف نوعهما باشتراط الحول فيها دونه، وهذا الخلاف من تردد المتأخرين، فالضم هو الذي نقله عبد الوهاب واللخمي، وعدم الضم خرجه اللخمي من القول بعدم ضم المعدنين، وفهم ابن يونس المدونة عليه قائلا: يلزم -على قول عبد الوهاب- ضم المعدنين وهو خلاف قول مالك، وفرق المازري بينهما بما حاصله: أن المعدن حوله حكمي لا حقيقي، فإذا انضم إلى ما حَوْلُه حقيقيٌّ تقوى جانبه، بخلاف ما إذا انضم إلى مثله، وما تقدم من أنه على القول بضم الفائدة للمعدن، سواء كانت الفائدة نصابا أو دونه صرح به في التوضيح وهو المفهوم من كلام غيره، لكنه خلاف ما في الذخيرة عن سند، من أن عبد الوهاب إنما يقول بالضم إذا كانت الفائدة دون نصاب، فإن كانت نصابا وأخرج من المعدن دون نصاب لم يزكه، وقوله:"وفي ضم فائدة"، قال الحطاب: القول بالضم هو النصوص، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي قوله: "ضم فائدة"، إشعار ببقائها بيده حتى يخرج من المعدن ما تكمل به. انتهى. ومحل الخلاف المذكور حيث كان في الفائدة عم ما يخرج من المعدن نصاب، وإلا فلا ضم اتفاقا. قاله الشبراخيتي. وقال: وفي قوله: "ضم"، إشارة إلى بقاء الفائدة بيده حتى يخرج من المعدن ما يكمل به النصاب؛ وهو كذلك؛ إذ لو تلفت قبل إخراج ما يكملها من المعدن فلا زكاة، ولا مفهوم لقوله:"فائدة"،

ص: 483

ولو قال: وفي ضم مال، لكان أشمل وأخصر. انتهى. وقال عبد الباقي: الفائدة هنا أعم مما مر، فأريد بها مال بيده نصابا أو دونه. انتهى. وقال الأمير: وضم بقية عرقه وإن انقطع العمل كفائدة حال حولها، على قول عبد الوهاب وهو الراجح من التردد في الأصل. انتهى.

وتعلق الوجوب بإخراجه أو تصفيته؛ يعني أن المتأخرين اختلفوا في وقت تعلق الوجوب أي وجوب الزكاة بالمعدن، فنقل الباجي أن الوجوب يتعلق بنفس خروجه من المعدن، فلا يتوقف على تصفيته وإنما يتوقف عليها الإخراج منه للفقراء، ونقل غير الباجي أن الوجوب إنما يتعلق بتصفية ما يخرج من المعدن من ترابه وسبكه لا إزالة التراب عنه فقط، وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا أنفق شيئًا بعد خروجه وقبل تصفيته، فعلى الأول يحسب عليه دون الثاني، وكذا لو تلف بعضه حيث كان التلف بعد إمكان الأداء، فإن كان قبله لم يزك على الأول، ومن ثمرة الخلاف أيضًا أنه لو أخرجه ولم يصفه وبقي عنده أعواما ثم صفاه، فعلى الثاني يزكيه زكاة واحدة، وعلى الأول يزكيه لكل عام، وقوله: تردد: مبتدأ وخبره: "في ضم فائدة" الخ، فهو راجع للفرعين.

وقد علمت أن القول بالضم في الفرع الأول نقله عبد الوهاب واللخمي، والقول بعدم الضم فيه خرجه اللخمي من القول بعدم ضم المعدنين، وفهم ابن يونس المدونة عليه، وقال الش: قال أبو الحسن الصغير عند قوله من المدونة: فلا زكاة: فيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة حتى يبلغ وزنه ما تجب فيه الزكاة، قال بعض الشيوخ: معناه بعد التصفية وهو ظاهر، وقال الباجي: يتعلق وجوب الزكاة بانفصاله من المعدن، وإنما يتعلق بتصفيته الإخراج، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أنفق قبل التصفية، هل يحسب عليه أم لا؟ انتهى، وقال الحطاب: اختلف المتأخرون في ذلك، فنقل الباجي أن الوجوب يتعلق بنفس خروجه من المعدن، ونقل غيره أنه إنما يتعلق به الوجوب بالتصفية، وفائدة الخلاف فيما إذا أنفق شيئًا قبل التصفية، هل يحسب جملته أم لا؟ وعزا الجزولي الأول لظاهر الرسالة، والثاني للسليمانية، قال: وينبني عليه إذا أخرجه ولم يصفه وبقي عنده أعواما ثم صفاه، فعلى ما في السليمانية يزكيه لعام واحد، وعلى ظاهر الرسالة يزكيه لكل عام. والله أعلم. انتهى.

ص: 484

وجاز دفعه بأجرة؛ يعني أنه يجوز لرب المعدن دفعه بأجرة معلومة للعامل في كلّ يوم مثلا، سواء كانت هذه الأجرة نقدا أو غيره، وما يخرج من المعدن في هذه الصورة لرب المعدن، وكذلك يجوز كراء المعدن بأجرة معلومة. غير نقد، وما يخرج من المعدن في هذه الصورة يكون للعامل والأجرة لرب المعدن، ومفهوم قوله:"غير نقد"، أنه لو آجره له بنقد فإن ذلك لا يجوز، كأن يقول رب المعدن لشخص: خذ هذا المعدن وادفع لي عشرة دراهم؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل في المعينين أو إلى الصرف المستأخر، وأما وجه الجواز إذا كانت الأجرة غير نقد فلأنه هبة للثواب وهي تجوز مع جهالة العوض. انظر الخرشي.

وقد علمت أن الكلام في معدن النقد، وأما معدن غير النقد كنحاس فيجوز دفعه بأجرة نقد، وتكون في إسقاط حقه من اختصاصه به، لا في مقابلة ما يخرج لجهله. قاله عبد الباقي. وقال: فإن قيل إذا كان الدفع لذلك فلم امتنع حيث كان العوض نقدا، قلت: نظرا إلى وقوعه مَرْفوعا في الخارج بحسب الصورة، ولذا لم يعبروا بعوض بل بأجرة؛ لأنَّها ليست في مقابلة ذات، بل في مقابلة الاستحقاق والاختصاص، وأما دفع معدن غير العين بنوعه فيمتنع لما فيه من معلوم بمجهول من جنسه، ولا يراعى فيه أن الأجر في مقابلة اختصاصه به، كما لا يراعى في معدن النقد دفع نقد في أجرة تغليبا لجانب المنع انتهى. قوله: نظرا إلى وقوعه مدفوعا؛ أي نظرا إلى وقوعه في الخارج عوضا عن المخرج، وقوله: ولذا لم يعبروا بعوض؛ أي لكونه لإسقاط حقه لم يعبر بعوض.

وعلى أن المخرج للمدفوع له؛ يعني أنه يجوز دفع المعدن لمن يعمل فيه مجانا، ويكون المخرج من المعدن للمدفوع له الذي هو العامل، ففيه حذف معطوف، وهو مجانا والمعطوف عليه قوله:"بأجرة"، وقررت المصنف بهذا ليلا يفوته التصريح بهذه الصورة، ويحتمل أن تكون الواو للحال فيكون من تمام المسألة قبله، وهذا حسن لما في التقرير الأول من التكلف بسبب حذف المعطوف، ولعدم توهم المنع في الصورة المذكورة، ولعدم توهم أنه يعد بذلك فارا من الزكاة.

وفي بعض النسخ على بدون واو؛ وهي موافقة لجعل الواو للحال، ويكون مفهوم المصنف أنه لو كان المخرج لرب المعدن لجازت الإجارة بالنقد وغيره، فعلى ما قررت به المصنف أوَّلَا يكون كلام

ص: 485

المصنف مشتملا على الصور الثلاث صريحا، وعلى أن الواو للحال أفاد واحدة بالمنطوق وواحدة بالمفهوم، وسكت عن واحدة لوضوحها؛ لأنه لا يتوهم فيها عدم المنع حتى ينص على جوازها. والله سبحانه أعلم.

واعتبر ملك كل؛ يعني أنه إذا تعدد العامل وكان المخرج من المعدن لهم، فإنه يعتبر ملك كلّ منهم على حدته، فمن بلغ حظه نصابا زكى وإلا فلا، وكذا يعتبر ما ينوب كلا من رب المعدن والعامل فيما إذا كان العامل مؤجرا بجزء من المعدن على القول بجوازه، فمن نابه منهما نصاب زكى وإلا فلا.

وعلى ما قررت به المصنف أولا من شمول قوله: "وجاز دفعه بأجرة غير نقد"، للصورتين الأوليين، وأن المراد بقوله:"وعلى أن المخرج للمدفوع له" الصورة الثالثة، يكون قوله: واعتبر ملك كلّ، مرتبا على قوله:"وعلى أن المخرج" له، ويتحصل من كلامهم هنا: أن من حصل له نصاب زكى، عاملا أو رب معدن اتحد أو تعدد، وعبارة عبد الباقي: واعتبر ملك كلّ من رب المعدن والعامل، واحدا أو متعددا، فمن بلغت حصته منهم نصابا زكى وإلا فلا، وعبارة الأمير: واعتبر ملك كلّ إن تعدد المستحق، وقوله:"واعتبر ملك كلّ"؛ أي حيث كان من أهل الزكاة؛ بأن يكون حرا مسلما، وقوله:"واعتبر ملك كل"، هو أحد قولين وهو الظاهر، وقيل: ما يأخذونه كالعامل في المساقاة، فيزكى الجميع على ملك ربه. قال الحطاب عند قوله "واعتبر ملك كلّ": هذا أحد القولين الذين ذكرهما ابن الحاجب، ونصه: ولو أذن لجماعة ففي ضم الجميع قولان، قال ابن عبد السلام: معناه إذا دفع المعدن لجماعة يعملون فيه، إما أن يكون جميع ما يخرج منه لهم، أو على أن له جزءا مما يخرج منه ولهم بقية ذلك على أحد القولين؛ يعني في دفعه بجزء، فهل يكونون كالشركاء يعتبر نصيب كلّ واحد منهم وهو الظاهر، أو يكون ما يأخذونه كالعامل في المساقاة ويزكى على ملك ربه؛ في ذلك قولان.

وبجزء؛ يعني أنه اختلف في جواز دفع المعدن لمن يعمل فيه بجُزءٍ مما يخرج منه ربع أو ثلث أو نصف أو ما يتفقان عليه. كالقراض؛ أي كما تجوز القارضة بجزء من الربح أي مسألة المعدن كمسألة القراض؛ أي جاز القراض بجزء، فيجوز دفع المعدن بجزء منه قياسا عليه، ومنع ذلك.

ص: 486

قولان؛ أي في ذلك قولان، قول بالجواز قياسا على مسألة القراض؛ وهو قول مالك وابن القاسم واختاره فضل بن مسلمة وصدر به في الشامل، وقول بالنبي وهو لأصبغ واختاره ابن المواز، قال في المقدمات: وهو قول أكثر أصحاب مالك، وعليه ففرق بينه وبين القراض بأن ما في القراض رأس مال وهو هنا منتف، وقوله:"كالقراض"، تشبيه غير تام لأنه في الجواز كما علمت؛ إذ العامل هنا لا يزكي إلَّا إذا بلغت حصته نصابا كالشريك فيزكي، وإن كانت حصة رب المعدن دون نصاب بخلاف القراض فإن العامل يزكي حيث ناب رب القراض نصاب، وإن كان ما ينوب العامل دون نصاب، وإن لم ينب رب القراض نصاب فلا زكاة على العامل، وإن ناب نصاب -كما مر- وبالله تعالى التوفيق.

وقوله: قولان، قال الشيخ إبراهيم: كلّ منهما مرجح، فكان المناسب التعبير بخلاف. انتهى. وحق قول المصنف:"واعتبر ملك كلّ" أن يتأخر عن قوله: "وبجزء كالقراض قولان"، كما فعل ابن شأس، وبه اعترض المواق على المصنف، ويظهر من كلام الشراح هنا أن قوله:"بجزء"، متعلق بدفعه مقدرا؛ أي وفي جواز دفعه أي المعدن بجزء والمحذوف المجرور بفي؛ وهو في جواز دفعه خبر المبتدإ الذي هو قولان، والدال على المحذوف قوله قبله:"وجاز دفعه بأجرة". والله سبحانه أعلم. ومقتضى كلامهم أنه على القول بالجواز يكون العامل كالشريك أنه على القول بالمنع يكون له أجر مثله، ويدل له التعليل بأنه غرر وكراء الأرض بما يخرج منها. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى نوع مما يخرج من المعدن لا يعتبر فيه شروط الزكاة؛ لأن ما يخرج منه من قبيل الركاز، فقال: وفي ندرته الخمس؛ يعني أن ندرة المعدن يجب فيها الخمس كان واجدها حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا، بلغت نصابا أم لا، والخمس حكمه للإمام، فيصرفه في مصرفه كما في خمس الغنيمة، والندرة بفتح النون وسكون الدال المهملة: القطعة من الذهب أو الفضة الخالصة من التراب التي لا تحتاج إلى تصفية، وأما إن كانت ممازجة بالتراب وتحتاج إلى تخليص فهي مما يعتبر فيه شروط الزكاة، وبهذا فسرها عياض وغيره، وفسرها أبو عمران بالتراب الكثير الذهب السهل التصفية، وليس بخلاف لذلك، بل المراد أن ما نيل من المعدن بسهولة فهو الندرة، وفيه الخمس، وعلى هذا يدلُّ كلامهم. قاله الرماصي. نقله محمد بن الحسن.

ص: 487

وفي الشبراخيتي عند قوله: "وفي ندرته الخمس"، سواء وجدها حر أو عبد مسلم أو كافر، بلغت نصابا أم لا، والخمس حكمه للإمام يصرفه في مصرفه كما يصرف خمس الغنيمة. انتهى. وقال الأمير: الندرة هي ما لا يحتاج لكثير عمل كالقطعة توجد خالصة. انتهى. وقال في التوضيح: المعتبر في تمييز الندرة من غيرها هو التصفية والتخليص لها دون الحفر والطلب، فإذا كانت القطعة خالصة لا تحتاج إلى تخليص فهي القطعة المشبهة بالركاز، وفيها: وأما إن كانت ممازجة للتراب وتحتاج إلى تخليص فهي المعدن، وتجب فيها الزكاة. حكاه الباجي عن الشيخ أبي الحسن. انتهى. وظاهره: سواء كانت نصابا أو دونه، وكذا قال ابن يونس: ولو قال قائل: لا يكون ندرة ولا يؤخذ منها الخمس حتى يكون نصابا لم أعبه. قاله الحطاب.

وقال الخرشي: قال صاحب التنبيه في فصل الدال المهملة: الندرة مأخوذ من الندور، وهي بفتح النون وسكون الدال، وفسرها في المدونة بالقطعة التي تندر من الذهب والفضة، ومنه نوادر الكلام وهو الخارج عن أسلوبه، وقال أبو القابسي: الندرة هي القطعة الخالصة التي لا تحتاج إلى تخليص ولا لكبير عمل. انتهى المراد منه. وما ذكره المصنف في الندرة هو المشهور، وروى ابن نافع عن مالك أنَّها ليس فيها إلَّا الزكاة، وبه أخذ سحنون. قاله الشارح. وقال: الندرة هي ما يوجد في المعدن من ذهب أو فضة خالصا غير محتاج إلى تصفية.

كالركاز؛ يعني أن ندرة المعدن كالركاز أي هي مقيسة عليه، فلا يشترط فيها شيء من شروط الزكاة، فيجب فيها الخمس كما يجب في الركاز الخمس من غير مراعاة شروط الزكاة وخمس الندرة، والركاز كخمس الغنائم يحل للفقراء وغيرهم، وحكمه للإمام يصرفه على ما ذكر في باب الجهاد، وليس مصرف خمس الركاز والندرة كمصرف الزكاة، فَفِي كَلَامِ عبد الباقي وغيره عند قول المصنف:"وفي ندرته الخمس": كالركاز فيه الخمس، ويدفع خمس كلّ للإمام العدل ليفرقه على المساكين. انتهى. نَظَرٌ لاقتضائه أن مصرف الخمس فيهما هو مصرف الزكاة، وليس كذلك، [أما مصرف الركاز]

(1)

، فقد قال اللخمي: إن مصرفه ليس كمصرف الزكاة، وإنما هو كخمس الغنانم يحل للأغنياء وغيرهم. نقله المواق. ثم قال: وأما مصرف خمس الندرة من المعدن فلم

(1)

في البناني ج 2 ص 171: أما خمس الركاز.

ص: 488

أجده، ومقتضى رواية ابن القاسم أنه كالمغنم والركاز. انتهى. نقله محمد بن الحسن بناني. وقوله:"كالركاز"، مأخوذ من ركز الشيء في الأرض: ثبت، ومنه ركزت إذا غرست، والجاهلية كانوا يثبتونه في الأرض حرصا على أن لا يأخذه غيرهم، ونقل الجلال السيوطي في حاشية الموطإ أن رجلا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: اذهب إلى موضع كذا فإن فيه ركازا فخذ ذلك ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى الموضع فحفره فوجد الركاز فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأنه لا خمس عليه لصحة الرؤيا. وأفتى الشيخ عز الدين بأن عليه الخمس، وقال: أكثر ما ينزل عليه منامه منزلة حديث روي بإسناد صحيح، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو المخرج في الصحيحين: (في الركاز الخمس

(1)

) فيقدم عليه. انتهى.

قال جامعه عفا الله عنه: ووجوب الخمس في مثل هذا ظاهر لا مرية فيه؛ لأن الأحكام الشرعية لا تنبني على المنام، وليس ذلك للشك في رؤيته صلى الله عليه وسلم، بل لأن النائم لا يضبط، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بمحرم.

وهو دِفْنُ جاهلي، الدفن بالكسر بمعنى المدفون كالذبح بمعنى المذبوح، والخرص بمعنى المخروص، وهو مضاف بلا تنوين؛ يعني أن الركاز هو دِفْنُ الجاهلي، وفيه الخمس كما مر، والجاهلي هو من قبل الإسلام، وفي كلام أبي الحسن أن الجاهلية أهل الفترة ومن لا كتاب لهم، وقال البخاري في كتاب الزكاة: قال مالك وابن إدريس: الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس، وليس المعدن بركاز، قال ابن حجر: الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي المال المدفون، مأخوذ من الركز بفتح الراء، يقال: ركزه يركزه إذا دفنه، وقوله:"دفن الجاهلية"، بكسر الدال وسكون الفاء: الشيء المدفون كالذبح بمعنى المذبوح، وأما بالفتح فهو المصدر، ولا يراد هنا. انتهى. قاله الحطاب.

(1)

البخاري، كتاب الزكاة، الحديث:1499. ولفظه: العجماء جبار والبير جبار والمعدن جبار وفى الركاز الخمس. ومسلم، كتاب الحدود، الحديث:1710.

ص: 489

وقوله: "وهو دفن جاهلي"، قال عبد الباقي، وغيره: وكذا ما وجد من ماله فوق الأرض أو بساحل بحر من تصاوير ذهب وفضة كما في المدونة، واقتصر على الدفن لأنه شأن الجاهلية في الغالب. انتهى.

واعلم أن رواية ابن القاسم أن الركاز ما وجد بالأرض من ذهب أو فضة مخلصا، كان قد دفن فيها أو خلق، ورواية ابن نافع أنه يختص من ذلك بما دفن ووضع، فالندرة عند ابن القاسم ركاز لأنه يقول فيها بالخمس؛ وهي عند ابن نافع غير ركاز، بل فيها الزكاة، وخصص الركاز بالمدفون، فالركاز على رواية ابن نافع: ما دفنه آدمي، وعلى رواية ابن القاسم: ما لم يتكلف فيه عمل تقدم عليه ملك أم لا. نقله محمد بن الحسن. وقال الأمير: مشبها على أن في الركاز الخمس، وكذلك غير المدفون، إلَّا أنه لا يسمى ركازا. انتهى، ونحوه للرماصي. وقال الخرشي: ولو قال: وهو مال كافر غير ذمي لشمل ما ذكر وشمل ما قبل الإسلام وما بعده من مال كلّ كافر كتابي أو غيره ليس من أهل الذِّمة.

وإن بشك؛ يعني أن الركاز يكون لواجده وعليه الخمس، ولو لم يعلم هل هو من دفن الجاهلية أو من دفن الإسلام؛ بأن لا يكون عليه علامة الجاهلي ولا علامة المسلم أو انطمست، أو عليه العلامتان لأن الغالب أن الدفن إنما يكون من فعلهم، وأما غير المدفون فلا يكون عند الشك ركازا ويحتمل، وإن بشك في أرض فلا يدري أهي صلحية أو عنوية فلواجده ويخمسه كما قال سحنون. قاله عبد الباقي.

قال: والجاهلية ما قبل الإسلام، والكنز يقع عليه وعلى دفن الإسلام، قاله في الواضحة. وهو مخالف لقول أبي الحسن في كتاب الولاء اصطلاحهم أن الجاهلية أهل الفترة ومن لا كتاب لهم، وأما أهل الكتاب فلا يقال لهم: جاهلية، قال الشيخ سالم: فلو قال: وهو مال كافر غير ذمي لشمل ما ذكر أي مما مر، وشمل ما قبل الإسلام وما بعده من مال كافر كتابي وغيره بدليل قوله: ودفن مسلم أو ذمي لقطة انتهى. انتهى. وقال الأمير في ندرته الخمس وإن قلت أو وجدها من لا زكاة عليه كالركاز: تشبيه في الخمس وهو دفن غير معصوم وكذلك غير المدفون منه إلَّا أنه لا

ص: 490

يسمى ركازا. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "وإن بشك"؛ أي كما لو لم تظهر عليه علامة تدل على أنه من دفن الإسلام أو الجاهلية؛ لأن الدفن في الغالب من شأن الجاهلية.

أو قل، عطف على المبالغة وهو راجع للركاز والندرة؛ يعني أن الندرة والركاز يجب في كلّ منهما الخمس، وإن لم يبلغ واحد منهما نصابا فالركاز لواجده، وفيه الخمس قل أو كثر، والندرة لواجدها ويخمسها قلت أو كثرت كما مر، وقال الشارح عند قوله:"أو قل" ما نصه: يريد أن الركاز لا يشترط أن يكون نصابا بل يخمس وإن قل، وهذا هو المشهور، وعن مالك أن اليسير لا يخمس والروايتان في الجلاب.

أو عرضا؛ يعني أن الركاز لواجده ويخمسه، ولو كان عرضا كلؤلؤ ورصاص وحديد ونحاس ومسك وغيره، ويدخل فيه العمد والرخام والصخور ما لم تكن مبنية، فإن كانت مبنية فحكمها حكم جدرها. قاله عبد الباقي، وغيره. وقال الشارح عند قوله:"أو عرضا"؛ أي أن الركاز يخمس ولو كان عرضا كالجوهر والنحاس والرصاص وغيره مما عدا العين، وهو مراده بالعرض، وهو قول مالك، وعنه أيضًا عدم تخميس ذلك، والأحسن أن يكون عرضا منصوبا خبر كان. انتهى.

أو وجده عبد أو كافر؛ يعني أن الندرة يجب فيها الخمس ولو كان الواجد لها ممن لا يزكي كعبد أو كافر، وكذلك الركاز يكون لواجده، ويجب تخميسه، ولو كان الواجد له عبدا أو كافرا وكذا الحكم، لو كان الواجد لذلك صبيا أو امرأة أو فقيرا أو مدينا. كما في التتائي. وحكى ابن يونس عن كتاب ابن المواز أن العبيد والنصارى إذا اجتمعوا لا يخمسون ما وجدوا. التونسي: ولا خلاف في تخميس ما وجده صبي أو امرأة. نقله الحطاب.

إلَّا لكبير نفقة ط؛ يعني أن الواجب في الركاز الخمس ما لم يحصل فيه كبير نفقة، وأما ما طلب بكبير نفقة بأن استأجر شخص بمال على حفره واستخراجه، فإنه تجب فيه الزكاة أي القدر الواجب وهو ربع العشر من غير اشتراط بلوغ النصاب، ولا غيره من شروط الزكاة. قاله ابن عاشر. قاله محمد بن الحسن.

أو عمل؛ يعني أن الواجب في الركاز الخمس ما لم يحتج في استخراجه إلى كبير عمل، وأما إن عمل فيه كبير عمل بنفسه أو بعبيده فإن الواجب فيه هو القدر الواجب في الزكاة، وهو ربع

ص: 491

العشر من غير اشتراط بلوغ النصاب، ولا غيره من شروط الزكاة. قاله ابن عاشر. وقال الخرشي:"إلَّا لكبير نفقة أو عمل": فالزكاة بشروطها.

في تخليصه؛ أي إنما يكون في الركاز الخمس حيث لم يحتج لكبير نفقة في تخليصه ولا لكبير عمل فيه، وأما إن احتاج لكبير عمل أو كبير نفقة في تخليصه أي في إخراجه من أرضه بالحفر، فالزكاة كما قررت، فالمراد بالتخليص إخراجه من الأرض بالحفر لا تصفيته، فلا تشترط في الزكاة، وفي بعض النسخ: تحصيله، وهي أمثل. قاله غير واحد. وقوله:"في تخليصه"، الظاهر أنه حال من قوله:"كبير نفقة أو عمل"، أو صفة له والله سبحانه أعلم.

فقط، راجع لما بعد إلَّا؛ أي إنما يخرج من التخميس إلى الزكاة بسبب كبير نفقة أو كبير عمل في إخراجه من أرضه بالحفر، واحترز بذلك عن كبير نفقة في السفر لوضع الركاز أو تكلف عمل في السفر إليه، فإن ذلك لا يخرجه عن التخميس.

وقال الأمير: كبير النفقة أو العمل وإن في السفر إلى موضعه يخرجه عن حكم الركاز، ويكون فيه ربع العشر، قال على المعول عليه كما في الرماصي خلافا لقول الأصل وشراحه في تخليصه فقط.

وبما قررت علم أن قوله: فالزكاة راجع للأمرين بعد الاستثناء، وهما قوله:"إلَّا لكبير نفقة"؛ أي حيث لم يعمل بنفسه أو كبير عمل بنفسه أو بعبيده. وما اقتصر عليه المصنف هو أحد تأويلين، وذلك أن ما حصل من الركاز بمال أو عمل في تخميسه وتزكيته تأويلان: الأول لابن يونس، والثاني للخمي، وعليه اقتصر المصنف، والمتبادر من قول المصنف في تخليصه التصفية وليس ذلك بمراد، وقد شرحته تبعا للحطاب وغيره بما هو صحيح، ويدفع الاعتراض، قال محمد بن الحسن: والمناسب للاختصار حذفه؛ يعني قوله: "في تخليصه"، كما قاله مصطفى. انتهى.

واعلم أن التأويلين هما في قول المدونة: إن في دفن الجاهلية الخمس، وقولها في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون: إنما الركاز دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال وكبير عمل أصيب مرّة وأخطئ أخرى فليس بركاز. انتهى. ومثله في الموطإ، ثم اختلف الشيوخ ففهمها ابن يونس على الوفاق، وأنه أراد بما طلب بمال وكبير عمل المعدن لا دفن الجاهلية، أراد أن يبين صورة الركاز وصورة المعدن، ومثله للباجي، قال أبو الحسن: وعليه فيجب في الركاز الخمس مطلقًا وليس في

ص: 492

المدونة خلاف، وفهمها اللخمي على الخلاف، وأن قولها: فليس بركاز؛ أي حكما، وأما تسمية الركاز فباقية عليه. انتهى. قاله محمد بن الحسن. وقال الخرشي: فإن قلت: النقل يفيد أن ما طلب بنفقة وإن قلت فيه الزكاة، والمصنف اعتبر كثرة النفقة، قلت يجاب عنه بأن شأن النفقة التي تصرف في تحصيل الركاز أن تكون كثيرة. انتهى.

وفي النوادر: وما كان في جدار من ذهب أو فضة لو تكلف إخراجه أخرج منه شيء بعد أجر من يعمله فليزكه، وإن لم يخرج منه إلَّا قدر أجر عمله فلا شيء فيه. قاله الحطاب. وأما الندرة ففيها الخمس لخفة الحفر عليها دون الركاز، فلذا كان في الركاز الخمس إلَّا في الحالتين المذكورتين. وكره حفر قبره؛ يعني أنه يكره حفر قبر الجاهلي لنجاسة ترابه أو خوف مصادفة نبي أو ولي، وأجاز ذلك أشهب قائلا: ليست حرمته ميتا أعظم منه حيا، وفي الحديث ما يؤيده

(1)

). قاله الأمير. وقوله: "وكره حفر قبره"، قال في الشامل: وما وجد فيه من مال ففيه الخمس. والطلب فيه؛ يعني أنه يكره الطلب للدنيا في قبر الجاهلي بغير حفر كعزيمة أو بخور، وبهذا التقرير لا يتكرر مع ما قبله، أو يحمل الأول على حفر لأجل شيء يعلم وجوده، والثاني على حفر لطلب في لا يعلم وجوده، وكره لإخلاله بالمروءة، ويخمس ما وجد كالركاز.

وبما مر علم أن الكراهة في كلّ بانفراده، ومثل حفر قبر الجاهلي حفر قبر الذمي بالأولى، ومثله أيضًا حفر قبر من لا يعلم أمسلم أو ذمي، وأما حفر قبر مسلم فحرام، فإن وجد في قبر المسلم مال فلقطة. قاله الخرشي، وقال الشبراخيتي وغيره: وأجاز أشهب نبش قبر الجاهلي وأخذ ما فيه من مال أو خرز أو ثوب، وفيه الخمس وليس حرمته ميتا بأعظم منها حيا، وهو مأجور في فعله بالحي منهم. الطراز: يعضده حديث قبر أبي رغال وهو قائد فيل جيش أبرهة، حيث قال عليه الصلاة والسلام:(إنه دفن معه غصن من ذهب فمن نبشه وجده، فابتدره الناس وأخرجوه)

(2)

ووجدوه مائة وخمسة وخمسين رطلا من الذهب؛ وهو من معجزاته صلى الله عليه وسلم. انتهى.

(1)

أبو داود، كتاب الخراج، الحديث:3088.

(2)

أبو داود، كتاب الخراج؛ الحديث:3088. ولفظه: هذا قبر أبي رغال وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن.

ص: 493

واختلف هل يكره الطلب في مواضع السخط أم لا؟ قاله الشبراخيتي.

وباقيه لمالك الأرض؛ يعني أن الركاز الذي فيه الخمس أو الزكاة إذا أخرج منه ما وجب فيه فإن الباقي منه يكون لمالك الأرض بإحياء مثلا، وأما المشتري من مالك الأرض فليس هو له نص عليه اللخمي: وقول المصنف في باب البيع: "ومدفونا" يرشد إلى ذلك التقييد. قاله عبد الباقي. عن الشيخ أحمد. وسواء كان مالكها حقيقة أو حكما، كما أشار إليه ولو جيشا، وإنما كان الجيش مالكا حكما لأن الأرض لا تملك للجيش؛ إذ بمجرد الاستيلاء عليها تكون وقفا على ما مر، ومعنى كلام المصنف أن الجيش إذا افتتحوا الأرض عنوة ووجد فيها ركاز فإنه يخرج منه الواجب، والباقي للجيش ثم لورثتهم، وقيل: لواجده وعلى المشهور إن انقرضوا فللمسلمين، وقيل: للفقراء، وقال عبد الباقي بعد قوله:"ولو جيشا": فيكون لمن وجده من الجيش أو ورثته، وإلا فللمسلمين. انتهى.

ولسحنون: كاللقطة، ولغيره: كمال جُهلت أربابه، فتلك ثلاثة أقوال فيما إذا لم يوجد الجيش، ولا ورثتهم. قاله محمد بن الحسن. وأما باقي الندرة فحكمة حكم المعدن، وشمل كلام المصنف المملوكة لعين، سواء وجده المالك أو غيره بناء على أن من ملك أرضا ملك باطنها، وفي الخرشي أن قوله:"ولو جيشًا": مبني على أن الأرض تقسم على الجيش كالغنيمة، وقوله:"ولو جيشا": الجيش واحد الجيوش، وهو الجند من جَاشَت القِدْرُ إذا غلتْ، ويقال: جَيَّشَ فُلَانٌ الجيوشَ إذا جمعها. قاله الشيخ إبراهيم. فإن لم يوجد مالك الأرض سواء كان معينا أو جيشا فإنه يكون لوارثه، فإن لم يوجد وارثه فهو مال جهلت أربابه، وقيل: لواجده، وقيل: إنه كاللقطة. وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف؛ أي وإن لا تكن الأرض مملوكة لأحد كالموات، فإن الركاز يخرج منه الواجب من خمس أو زكاة، والباقي بعد ذلك كله لواجده؛ أي لواجد الركاز، وقال مطرف وابن الماجشون وابن نافع: إن باقي الركاز لواجد الركاز مطلقًا، فهم مقابلون للمصنف وليسوا قائلين بالتفصيل الذي عنده. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: وإن لا تكن الأرض مملوكة لأحد كموات أرض المسلمين وأرض الحرب التي لم تفتح عنوة، ولا أسلم أهلها عليها فالباقي لواجده. انتهى.

ص: 494

وإلا دفن المصالحين فلهم، قوله:"وإلا دفن" عطف على قوله: "إلَّا لكبير نفقة". قاله عبد الباقي؛ يعني أن الركاز المدفون بأرض أهل الصلح، يجده غيرهم أو بعضهم بها يكون لأهل الصلح أي لمجموعهم بلا تخميس، فقوله:"المصالحين"، على حذف مضاف كما أشرت إليه في الحل؛ أي دفن أرض المصالحين ليشمل ما إذا كان الدفن منهم ومن غيرهم، قال في الشامل: ثم لورثتهم، فإن انقرضوا فكمال جهل ربه، فإن وجده من ملكها أي عنهم وعن أهل العنوة بشراء أو هبة فله أي لواجده على المشهور، وقيل: لهم ولا يخالف هذا ما يأتي في تناول البناء والشجر الأرض، من أن من اشترى أرضا أو دارا فوجد بها دفنا فإنه يكون لبائعها أو لوارثه إن ادعاه وأشبه، وإلا فلقطة لأن ما يأتي فيما إذا كان الدفن لمسلم أو ذمي، وما هنا في كافر غير ذمي، قاله عبد الباقي.

وقال الحطاب عند قوله: "وإلا دفن المصالحين فلهم": قال في الشامل: ثم لورثتهم، فإن انقرضوا فكمال جهل ربه، فإن وجده من ملكها عنهما فله، وقيل: لهم، وفي [الأخير]

(1)

، ثالثها لواجده فإن كان دفن صلحي فله إن علم وإلا فلهم، وذو علامتي إسلام وغيره فلواجده ويخمس، وما جهل لعدم علامة أو طمسها فلواجده وشهر، وقيل: إن وجد بفيافي الإسلام فلقطة، وأما من وجده في ملكه فله اتفاقا، وقال في التوضيح: ولو وجد الركاز في موضع جهل حكمه، فقال سحنون: هو لمن أصابه ويخمس. انتهى. قوله: جهل حكمه؛ أي جهل، هل الأرض التي وجده فيها صلحية أو مملوكة أو غير ذلك؛ كما مر ما يفيده. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.

وقد مر أن قوله: "وإلا دفن"، عطف على قوله:"إلَّا لكبير عمل"، ولا يصح عطفه على قوله:"وإلا فلواجده"؛ لأن إلَّا الاستثنائية لا تعطف على المركبة من شرط ونفي كما نص عليه الشبراخيتي.

إلَّا أن يجده رب دار بها، مستثنى من قوله:"فلهم"؛ يعني أن محل كون المدفون بأرض المصالحين لمجموعهم إنما هو حيث لم يجده رب دار منهم بداره، وأما لو وجده أحد المصالحين مدفونا بداره، فإنه يكون له بانفراده، وكذا يكون له على المعتمد دونهم إن وجده في داره غير

(1)

كذا في الأصل والحطاب، وفي الشامل ج 1 ص 174 "الأجير".

ص: 495

مالك الدار التي وجد بها، وهذا الذي ذكره المصنف إنما هو فيما إذا كان الذي وجده في داره من جملة المصالحين. كما قررت. فإن كان دخيلا فيهم فلهم لا له، وقوله:"إلَّا أن يجده رب دار بها فله": فإن أسلم رب الدار فلا يكون حكمه للإمام، والفرق بينه وبين المعدن أن المعدن مظنة التنازع لدوام العمل فيه بخلاف الركاز. والله أعلم. وقوله:"إلَّا أن يجده رب دار بها فله"، تظهر فائدته فيما إذا أسلم الصلحي رب الدار، وتنازع أهل الصلح معه، وفيما إذا لم يسلم وترافعوا إلينا؛ لا إن لم يترافعوا إلينا فيما إذا لم يسلم؛ لأنا لا نتعرض لهم. كما قاله بناني.

وتحصل مما مر: أن الدار إذا كانت لمصلحي فوجد بها ركاز فهو لربها مطلقًا، وجده هو أو غيره، وهذا هو تأويل عبد الحق وابن محرز، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، لكنه خلاف ظاهر المصنف؛ إذ ظاهره أن الدار إذا كانت لصلحي فإن وجده بها ربها فهو له، وإن وجده غيره فهو لجميع الصالحين، وهذا تأويل أبي سعيد وابن أبي زيد، وقد تقدم في أول الحل أن المعتمد خلاف ظاهر المصنف تبعا لعبد الباقي، وقال محمد بن الحسن: ولما لم يترجح عند المصنف التأويل الأول اتبع الثاني، فاعتراض الزرقاني عليه تبعا للأجهوري غير ظاهر؛ إذ الأول ليس بأولى من الثاني حتى يجب المصير إليه. انظر مصطفى.

وقوله: "فلهم"؛ أي للمصالحين، وقد قدمت أنه يكون لهم بلا تخميس تبعا لغير واحد، وفي التوضيح: وحيث حكمنا به لأهل الصلح، فقال في الجلاب: يخمس، وقال في المدونة: لا يخمس. قاله الحطاب. وفي كون ركاز الأرض إذا بيعت لمشتريها أو لبائعها قولان لابن القاسم ومالك. اللخمي: وقول مالك هو الصواب. انتهى. قاله ابن عرفة. نقله الحطاب، وقال عند قوله:"إلَّا أن يجده رب دار بها فله"، ما نصه: مراده من أهل الصلح وإن لم يكن منهم فهو لهم. نقله غير واحد. كابن عرفة وغيره. انتهى. وقال ابن عرفة: وفيها: ما غسل من تراب ساحل بحر وجد به ذهب أو فضةٍ مَّعدِنٌ. اللخمي: إن كان من بقية مال جاهليٍّ وقلت مؤنة غسله ركازٌ، واختلَف فيه قولُ مالك إن كثرت وإن أتت به سيول من معدَن احتمل كونه معدنا والأظهر فائدة قلت: الأظهر تخميسه. انتهى. نقله الحطاب.

ص: 496

ودفن مسلم أو ذمي لقطة؛ يعني أن دفن مسلم أو ذمي علم كونه لأحدهما بعلامة، حكمه حكم اللقطة، وألحق الذمي بالمسلم لحرمة الإسلام ودخوله تحت ذمتهم، وماله تابع في الحرمة لنفسه، ولا مفهوم لدفن، فلو قال: ومال مسلم أو ذمي لقطة، لشمل غير المدفون، وإنما اقتصر على الدفون لدفع توهم أنه ركاز، وفي التوضيح: قال ابن عبد السلام: وما لم تظهر [عليه أمارة الإسلام أو الكفر]

(1)

حمل على أنه من دفن الكفر؛ لأن الغالب أن الدفن والكنز من شأنهم؛ أي فيكون لواجده، وعليه الخمس.

وقال ابن [راشد

(2)

]: إن لم توجد عليه علامة الإسلام والكفر، أو كانت عليه وطمست، فقال سند: إنه يكون لمن وجده قياسا على قول سحنون المتقدم فيما إذا وجد في أرض مجهولة بجامع أنه لا يعرف المالك فيهما، قال سند: وقال بعض أصحابنا: هو لقطة إذا وجد بأرض الإسلام تغليبا للدار، قال: والأول هو المشهور، وقد اتفقوا على أنه يخمس، ولو كان لقطة ما خمس، قال: وهذا إذا وجد بالفيافي، وأما إذا وجد في ملك أحد فإنه له عندهم اتفاقا، وقد مر عن الشامل شيء من هذا. قاله الحطاب.

وما لفظه البحر كعنبر فلواجده بلا تخميس؛ يعني أن ما لفظه البحر -أي ألقاه من جوفه لساحله كعنبر ولؤلؤ وكل حلية مما ليس أصله ملكا لأحد. أو علم أنه ملك حربي -يكون لواجده أي آخذه لا رائيه؛ لأن الرؤية لا أثر لها في باب الاستحقاق بخلاف اليد، ولا يؤخذ من واجده خمس بل يفوز به كله، وأما ما علم تقدم ملك عليه ولفظه البحر أو غاص فيه وأخرجه، فإن كان لجاهلي أو شك فيه فهو ركاز، وإن كان لمسلم فلقطة، ولمشرك ينظر فيه الإمام لا لواجده. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي وغيره: وإن كان لمسلم أو ذمي فلقطة. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الذي في المدونة أنه إن كان لذمي نظر فيه الإمام لا لقطة. انتهى. وفصل ابن رشد فيما هو لمسلم، فقال: إن كان معطوبا فلقطة، وإن ألقاه ربه لنجاة نفسه فلواجده.

(1)

في الأصل عليه أهل الإسلام والكفر والمثبت من التوضيح ج 2 ص 268.

(2)

في الأصل رشد والمثبت من الحطاب ج 3 ص 98 ط دار الرضوان.

ص: 497

ونقل ابن بشير أن ما لفظه البحر من ملك مسلم أو ذمي لواجده مطلقا، خلاف تفصيل ابن رشد بين ما ألقاه لنجاة نفسه أو كان عطبا، وفيها: ما وجد على وجه الأرض من مال جاهلي أو ساحل البحر من تصاوير الذهب والفضة فلواجده مخمسا، وما لفظه لحربيٍّ إن كان معه وأخذ بقتال أو لخوفه من أخذه لعدم حصوله في قبضة الإسلام فله مخمسا، وإن لم يخفه لحصوله في قبضة الإسلام ففيء لا لواجده: وقول ابن الحاجب: إن أخذ بقتال خمس وإلا فلا، قاصر للغوه خوف أخذه. وفي الشامل: فلو رآه أحد فبادر إليه غيره أو واحد من جماعة فللسابق، فإن كان مملوكا فهل لمالكه أو لواجده؟ قولان، إلا لحربي فلواجده حيث كان أخْذُهُ منه بقتال هو السبب، وإلا فَفَيْءٌ، والله أعلم.

ولابن عاصم:

وما رمى البحر به من عنبر

ولؤلؤ واجده به حر

تنبيهات: الأول: قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم: لو أسلم دابة بسفره آيسا منها أخذها ممن أخذها وأنفق عليها فعاشت. ابن رشد: لمسلمها آيسا منها بنية ردها أخْذُها من آخذها إن كان أشهد بذلك أو لم يشهد وتركها بأمن وماء وكلإ، وإلا ففي تصديقه، ثالثها بيمين، وبنية عدم ردها لا يأخذها، وبغير نية في حمله على الأول أو الثاني قولان، وعلى أنه يأخذها فعلى ربها نفقة أخذها لا أجر قيامه عليها إن قام عليها لنفسه، ولو قام عليها لربها فله أجره إن أشهد بذلك، وإلا ففي تصديقه، ثالثها بيمين، وسمع أيضا لمن طرح متاعه خوف غرقه أخذه ممن غاص عليه وحمله بغرم أجرهما. ابن رشد: هي كالتي قبلها وفاقا وخلافا، ولسحنون: من أخرج ثوبا من جب وأبى رده لربه فرده فيه، فطلبه ربه فلم يجده فعليه إخراجه ثانية، وإلا ضمنه. محمد: إن أخرجه فله أجره إن كان ربه لا يصل إليه إلا بأجر، وسمع أيضا لمن أسلم متاعه بفلاة لموت راحلته أخذه ممن احتمله بغرم أجر حمله. ابن رشد: أخذه لربه أو تملكا لظنه تركه، ولو أخذه اغتيالا

(1)

فلا حمل له. ابن شأس: ما ترك بمضيعة فقام عليه غيره فأحياه ففي كونه لربه أو آخذه روايتان: والثانية أصح. قاله الحطاب.

(1)

انظر الحطاب ج 3 ص 99.

ص: 498

الثاني: ورد في صحيح مسلم: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات

(1)

عن ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا

(2)

)، ومعنى يحسر: ينكشف. قاله الحطاب. وشاهده قول ذي الرمة:

وإنسان عيني يحسر الماء تارة

فيبدو وتارات يجم فيغرق

قال القرطبي: نهي عن أصله من التحريم لأنه ليس ملكا لأحد وليس بمعدن ولا ركاز، فحقه أن يكون في بيت المال. وقوله: عن أصله، لعله على أصله. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب.

الثالث: عُلِمَ أن قوله: "كعنبر"، المراد به ما لم يسبق إليه بملك ولا خصوصية لما لفظه البحر بذلك، كما أشار إليه المصنف بقوله في باب الذكاة:"وملك الصيد المبادر"، فالمباحات كلها إنما تستحق بوضع اليد لا بالمعاينة، وفي خبر غير ثابت اللفظ: (من سبق إلى مباح فهو له

(3)

)، وقوله:"كعنبر"، العنبر خرء دابة في البحر، ويقال للحوت الذي في جوفه العنبر عنبر أيضا، قال الشيخ إبراهيم: وسمي هذا الحوت بالعنبر لوجوده في جوفه.

قال الشافعي: حدثني بعضهم أنه ركب البحر فوقع إلى جزيرة، فنظر إلى شجرة مثل عنق الشاة -وإذا ثمرها عنبر- قال: فتركناه حتى يكبر فنأخذه، فهبت ريح فألقته في البحر، قال الشافعي: والسمك ودواب الماء تبتلعه أول ما يقع لأنه لين، فإذا ابتلعته قلما تسلم لفرط حرارته، فإذا أخذ الصياد السمكة وجده في بطنها فيظن أنه منها، وإنما هو ثمرة تنبت. قاله القسطلاني في شرح البخاري. انتهى.

الرابع: علم مما تقدم أن الركاز دفن غير معصوم، فيدخل مال الحربي الوجود الآن وليس المراد خصوص الجاهلية -كما علمت- وقال الأمير: إن ما لفظه البحر إن تقدم له ملك فكالدفن المعصومُ منه لقطة، وغيره كالركاز وإن لم يتقدم عليه ملك فلواجده بلا تخميس. انتهى. وفيه موافقة مع ما مر عن عبد الباقي والشبراخيتي، حيث قالا: إن ما علم أنه لذمي لقطة، وهو مخالف لما مر

(1)

كذا في الأصل والذي في الحطاب طبعة دار الرضوان "عن جبل من ذهب".

(2)

مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، الحديث:2894. ولفظه: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب الخ. وفيه أيضا: يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا.

(3)

مشكاة المصابيح، رقم الحديث:1408. الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، رقم الحديث: 492.

ص: 499

عن ابن رشد، وعن محمد بن الحسن: أن ما لمشرك ينظر فيه الإمام وليس لواجده. والله سبحانه أعلم. وقال الأمير: وفي الحطاب وكبير التتائي: الخلاف فيمن ترك شيئه فأخذه غيره، هل هو لربه حتى لو رماه الآخذ في كالجب ثانيا ضمنه وليس له إلا أجرة تخليصه أو نفقته على كالدابة أو لآخذه مطلقا، أو إن تركه ربه معرضا عنه؟.

الخامس: قولهم: إن المعادن يجتمع لها شرار الناس، مما يزهد في الدنيا ويوجب الإعراض عنها بالكلية. وبالله تعالى التوفيق.

ولما بين ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب، شرع في الكلام على من تجب له، فقال:

ص: 500

‌فصل: في بيان مستحق الزكاة،

وما يتعلق بذلك، ومصرفها؛ المصرف هنا بكسر الراء اسم مكان ولا يصح الفتح هنا على أن المراد المصدر لفساد المعنى لأن المصدر لا يخبر عنه بالذات مع أن المحفوظ في المتن الكسر، ومعنى كلام المصنف أن الذي تصرف إليه الزكاة ثمانية أصناف؛ أحدها أشار إليه بقوله: فقير؛ يعني أن الفقير ممن يستحق الزكاة، والفقير من له بلغة لا تكفيه لعيش عامة. قاله الشبراخيتي وغيره. وهو من فقر ككرم وتعب، ومعناه في اللغة: المحتاج، ويقال للأنثى: فقيرة، وجمعها فقراء كالمذكر، ومثلها سفيهة وسفهاء ولا نظير لهما؛ وهو مشتق من فقار الظهر كأن صاحبه انكسرت فقرات ظهره فلم تبق له قوة. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: قال الأخفش: إن الفقير من قولهم: فقرت له فقرة من مالي؛ أي قطعت له قطعة فهو من له قطعة من المال. ومسكين، هذا هو الصنف الثاني من الأصناف الثمانية؛ يعني أن من المستحق للزكاة المسكين. وقوله: وهو أحوج، أشار به إلى أن الفقير والمسكين كل منهما صنف وليسا بمترادفين؛ يعني أن المسكين أحوج من الفقير؛ لأن الفقير هو من له بلغة لا تكفيه لعيش عامة، والمسكين من لا شيء له بالكلية، وهذا هو المشهور لقوله تعالى:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)} [البلد: 16]؛ أي بلغت به الحاجة أن لصق جلده بالتراب من غير حائل، فليس له علقة من المال؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ولا التمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا

(1)

). ولا شك أن من هذه الحالة حالته تناهت به الحاجة إلى غايتها، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا

(2)

)، فمعناه أنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل السكنة التي معناها يرجع إلى التواضع وإلى استكانة القلب لله عز وجل وأن لا يكون من الجبارين، لا المسكنة التي هي نوع من الفقر، وأما قوله تعالى:{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} حيث أثبت للمساكين شيئا فالراد أنهم مساكين القهر والغلبة فلا طاقة لهم بدفع المَلِك عن غصب سفينتهم

(1)

مسلم، كتاب الزكاة، الحديث:1039. ولفظه: ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان قالوا فما المسكين يا رسول الله قال الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا. والموطأ، كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث:1713.

(2)

الترمذي، كتاب الزهد، الحديث:2352.

ص: 501

كقوله تعالى {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} وذلك لا ينافي الغنى ويحتمل أن تكون مستأجرة لهم ويحتمل أنهم سموا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف وقوله وهو أحوج هو المشهور وعليه فالمشهور أن الفرق بينهما شدة الحاجة كما مر وقيل إن الفقير يسأل بخلاف المسكين وقيل الفقير يعلم به فيتصدق عليه بخلاف المسكين ومقابل المشهور أن المسكين والفقير مترادفان واستدل له بقوله تعالى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} ، وتقدم الجواب عن ذلك، وقوله:"أحوج"، فيه صوغ أفعل التفضيل من الخماسي.

سؤال عمن قبض زكاة بعض أصحابه لبعض المساكين ولم يعينه ونيته دفعها لعجوز كبيرة السن عاجزة عن التصرف، وكان يجري عليها النفقة من تلك الزكاة حتى ماتت وكفنها، وفضلت من تلك الزكاة فضلة وليس لها وارث حاضر إلا عصبة غيب، فهل تعطى تلك الفضلة للمساكين حين لم تقبض الزكاة ولا أعلمها القابض، أو ذلك لعصبتها؟ جوابه مقتضى ما أفتى به ابن رشد عياضا أن ذلك موروث عنها فيوقف لورثتها ويبحث عنهم، فإذا لم يظهر لهم خبر بعد البحث والاستيناء يتصدق به عنهم، والذي أفتى به ابن رشد عياضا هو عن سؤال له عمن أخرج مالا لصدقة فعزل منه شيئا، سماه بلسانه وميزه لمسكين معين، ثم بعد ذلك بداله فصرفه لمسكين آخر، هل يباح له ذلك أم لا؟ وهل يستوي في هذا ما أخرجه الإنسان على هذا الوجه من ماله وما ميزه لمسكين من صدقة غيره على يده؟ فأجاب ابن رشد: فإذا كان الرجل عزل من المال الذي أخرجه للصدقة شيئا لمسكين بعينه وبتله له بقول أو نية، فلا يجوز له صرفه إلى غيره وهو ضامن له إن فعل ذلك ويغرم، وإن لم يبتله له بقول ولا نية كره له صرفه إلى غيره. والله سبحانه أعلم، ونقل ابن هلال غير صحيح.

واعلم أن اللام في قوله عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} للاستحقاق، وهو لا يقتضي تعميم الأصناف الثمانية، وعند الإمام الشافعي أنها للملك فيلزم تعميم الأصناف، فإذا أعطى عنده من كل صنف ثلاثة أجزأت الزكاة، واحتج أهل الذهب بأن آية الصدقة ليس فيها قسم بل هي إعلام بأهلها، ولذلك لو لم يوجد إلا صنف واحد أعطيها. واعلم أنه إذا لم يوجد إلا صنف واحد

ص: 502

من الأصناف الثمانية، فالإجماع على أنها تعطى له وتجزئ، والمذهب أنه إذا اجتمعت الأصناف الثمانية وأعطيت لصنف واحد فإنها تجزئ، وسيأتي للمصنف دون عموم الأصناف.

وفي الشبراخيتي: ويكره إعلامه بأنها من الزكاة أو من حق الله؛ لأن فيه جرح القلوب، وينبغي للشخص أن يختار لصدقته أهل الفضل والصلاح، فإن سد خلتهم أولى من سد خلة غيرهم. انتهى. وفي الحطاب: وإذا اجتمعت الأصناف فالمذهب أنه لا يجب استيعابها، بل لو أعطيت صنفا واحدا أجزأ. نقله القرافي في الذخيرة. وقول ابن عرفة: صرفها في أحدها غير العامل مجزئ، خلاف إطلاق ابن الحاجب والشامل والقرافي وغيرهم، وسيأتي الكلام على ذلك في التنبيه الرابع في شرح قول المصنف:"وندب إيثار المضطر دون عموم الأصناف". والله أعلم. وصدقا؛ يعني أن الإنسان إذا ادعى أنه فقير فإنه يصدق في ذلك ويعطى من الزكاة، وكذلك إذا ادعى أنه مسكين فإنه يصدق في ذلك ويعطى من الزكاة.

إلا لريبة؛ يعني أن محل تصديق من ادعى الفقر أو المسكنة إنما هو حيث لم تكن ريبة أي أمر يخالف دعواهما بحسب الظاهر، وأما إن كانت هناك ريبة بأن يشهد ظاهر كل منهما بخلاف ما يدعيه كالسمن ولبسه الثياب الجميلة فإنه لا يصدق كل منهما فيما ادعى، ولابد من إثبات ما يدعيه بالبينة، وهل يكفي الشاهد واليمين؟ أو لابد من شاهدين كما ذكروه في دعوى المدين العُدْمَ؟ ودعوى الولد العدم ليلا تلزمه نفقة أبويه؟ قال عبد الباقي: وهل يحلف معهما كما في المسألة الأولى، أولا كما في الثانية؟ انتهى. قوله: أولا كما في الثانية، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، لأن المسألة الثانية فيها اليمين أيضا، وإنما نفوا اليمين في دعوى الوالد العدم لينفق عليه ولده، وسيأتي قول المصنف وأثبتا العدم لا بيمين، فحقه أن يجعل هذه هي المسألة الثانية.

ابن عرفة: وصدق مدعي عيال إن كان طارئا، فإن كان من أهل الموضع وقدر على كشف ذلك كشف عنه، فإن تعذر الكشف صدق، ومن كان معروفا باليسار كلف إثبات ذهاب ماله، وفي أحكام الشعبي: لا يقبل قول الرجل إن عنده من يستحق كفارة اليمين إلا ببينة وإن كان فاضلا دينا؛ لأن شهادته تجر نفعا إلى نفسه. انتهى. نقله عبد الباقي. قال: ويمكن حمله على غير الطارئ، ومن تعذر الكشف عليه فلا يخالف ما قبله. وفي الشامل: إن ادعى دينا أثبته مع

ص: 503

عجزه؛ أي مع إثبات عجزه. انتهى. وإثباته يحصل ولو بشاهد ويمين، وإثبات عجزه إنما يكون بشاهدين على ما مر. انتهى. قوله: لأن شهادته تجر نفعا إلى آخره، أطلق الشهادة على قوله إن عنده من يستحقون، وفيه مسامحة. وقوله: ويمكن حمله على غير الطارئ لخ، فيه نظر، بل الظاهر أن كلام الشعبي على عمومه وهو ظاهر المواق، ولذلك استدل به على أن الأمر في الكفارة أضيق، قال: لأنه إن أعطاه لرأسين وكان هو برأسه وحده لم تبرأ الذمة بخلاف الزكاة. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "وصدقا إلا لريبة"، ما نصه: وإن ادعى عيالا صدق إن كان طارئا، وإن كان غير طارئ صدق إن تعذر الكشف عليه وإلا كشف عنه، وانظر ابن عرفة وغيره، وإن ادعى دينا كلف إثباته والعجز عنه إن كان عن مبايعة لا عن طعام أكله، وإثباته يحصل ولو بشاهد ويمين، وأما إثبات العجز عنه فلا يحصل إلا بشاهدين. انتهى.

وقال الحطاب: قال في الشامل: وصدق من ادعاهما؛ أي الفقر والمسكنة إلا لريبة وَبَيَّنَ ذهاب مال عرف به، وإن ادعى عيالا ليأخذ لهم وهو من أهل المكان كشف عنه إن أمكن، وإن ادعى دينا بينه مع عجزه عنه. انتهى. وفي الجواهر: ما خفي من هذه الصفات كالفقر والمسكنة صدق ما لم يشهد ظاهره بخلافه، أو يكون من أهل الموضع ويمكن الكشف عنه فيكشف، والغازي معلوم بفعله، فإن أعطي بقوله ولم يوف استرد، ويطالب الغريم بالبينة على الدين والعسر إن كان عن مبايعة، لا إن كان عن طعام أكله، وابن السبيل يكتفى فيه بهيئة الفقر، وما ذكره صاحب الشامل أصله للخمي، وقبله في التوضيح وابن عرفة. والله أعلم. انتهى.

إن أسلم؛ يعني أنه يشترط في إعطاء الزكاة للمسكين والفقير أن يكونا مسلمين، سواء كانا صغيرين أو كبيرين أو سفيهين أو رشيدين، فلا يعطى منها كافر إلا أن يكون جاسوسا أو مؤلفا -كما يأتي- وإنما لم يعط الكافر منها لأنه ليس من أهل القرب، وهي قربة، وربما استعان بها على المسلمين، وثنى المصنف الضمير في قوله:"وصدقا"، ليلا يتوهم عوده على الأخير، فلما تقرر أنهما من أهل الزكاة واستويا في التصديق وعدمه، صح أن يرجع لهما الضمير حينئذ مفردا بتأويله بمن ذكر، أشار له عبد الباقي عن والده، وشمل المصنف الصبي -كما مر- والأرملة وصاحب هوى خفيف لا يخرجه عن الإسلام اتفاقا، كتفضيل علي رضى الله عنه على سائر

ص: 504

الصحابة، قال بعضهم: وهو ظاهر لأن من سب صحابيا لا يكفر فأولى التفضيل، وروي تفضيله عليهم عن جماعة من الصحابة. كما نقله السيد السمهودي. لكن على وجه يشعر بعدم ارتضائه، ودخل فيه كل من لا يكفر ببدعته على اختلاف، كخارجي ولا يعطى إجماعا من يَكْفُرُ ببدعته اتفاقا، كالقائل بنبوءة علي، وأن جبريل غلط، والقائل إن في الأمة رسولين: ناطق وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم، وصامت وهو علي رضي الله عنه، والقائل بأن الأئمة والأنبياء يعلمون ما كان وما يكون وشبههم. قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: عبارة ابن رشد: ومن يقول إن الأئمة أنبياء يعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. انتهى. وقال محمد بن الحسن: وكان الأولى للمصنف لو أخر الإسلام والحرية وعدم بنوة هاشم عن الأصناف الثمانية كما فعل ابن شأس وابن الحاجب؛ لأنها لا تختص بالفقير والمسكين، بل الإسلام شرط فيما عدا المؤلفة، والحرية شرط في غير الرقاب، وعدم بنوة هاشم شرط في الجميع. انتهى. وسيأتي لميارة ما يخالفه، وسيأتي أن الجاسوس يعطى منها ولو كافرا.

وتحرر؛ يعني أنه لا بد في الفقير والمسكين من أن يكون كل منهما حرا، فمن لم يكن حرا لا تعطى له الزكاة بوصف الفقر ولا المسكنة، فلا يعطى منها قن ولا من فيه شائبة حرية من كتابة أو تبعيض أو استيلاد أو تدبير أو عتق لأجل؛ لاستغنائهم بساداتهم، كالولد بوالده، والزوجة بزوجها، ولا يرد الكاتب لأن نفقته كأنها اشترطت عليه.

والحاصل: أنها لا تجزئ إذا دفعت لقن أو من فيه شائبة ولو مكاتبا على المشهور، ومقابله في المجموعة عن مالك أن المكاتب يعان بها في آخر كتابته إذا عجز، وعليه يجري ما نقله عبد الباقي عن اللخمي، وهو قوله: فإن ادعى أنه مكاتب كلف بيان ذلك لأنه على العبودية والصدقة لا تحل للعبد، وأرى أن يبحث عن الكتابة وعن قدرها، ثم القول قوله أنه عاجز. انتهى.

تنبيه: إن عجز سادات العبيد عن النفقة عليهم، بيع منهم من يباع، وعجل عتق غيره، وكذا لو امتنع ساداتهم من الإنفاق، فيباع منهم من يباع، ويعجل عتق غيره. قاله التتائي. وظاهره أنه لا يؤجر منهم من تجوز إجارته، ولو كان في أجرته ما يفي بنفقته، وأن أم الولد تعتق ولا تزوج،

ص: 505

ويأتي لبعضهم أنه يؤجر من يؤجر إن كان في أجرته ما يفي بنفقته، وأن أم الولد تزوج فإن تعذر ذلك بيع من يباع وعتقت أم الولد نقله الشبراخيتي، وعبد الباقي.

وعدم كفاية بقليل؛ يعني أن من عدم الكفاية بالقليل بأن يكون لا شيء له أصلا أوله قليل لا يكفيه، تعطى له الزكاة.

وبما قررت علم أن منطوقه صادق بأمرين، أن يكون لا شيء له أوله شيء قليل لا يكفيه فهو من مصارف الزكاة في كلا الحالين، واحترز بذلك عما إذا كان عنده ما يكفيه قليلا أو كثيرا، فإنه لا تعطى له الزكاة، وقوله:"بقليل"، متعلق بكفاية، "والباء" إما للسببية كما للخرشي، وإما باء الاستعانة كما في كتبت بالقلم، "وعدم"، فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على الفقير والمسكين. أو إنفاق، عطف على قوله:"بقليل"؛ يعني أن الذي يستحق الزكاة هو من عدم كفاية بإنفاق؛ بأن لا يكون له من ينفق عليه أو له من ينفق عليه نفقة لا تكفيه، واحترز بذلك مما إذا كان له من ينفق عليه بأن لزمت نفقته مليا ولو بالالتزام أو مقتضى الحال، فإنه لا تعطى له الزكاة. وقوله:"أو إنفاق"، النفقة تشمل الكسوة، وقوله: مقتضى الحال، كمعتق صغير غير قادر، وأفهم قوله:"أو إنفاق"، أن من لزمت نفقته مليًّا لا يعطى من الزكاة ولو لم يجرها عليه؛ لأنه قادر على أخذها بالحكم، وينبغي أن يستثنى من هذا ما لو كان اللي لا تمكن الدعوى عليه أو يتعذر الحكم عليه. البرزلي: من له ولد غني وأبى من طلب نفقته منه يعطى من الزكاة لأنها لا تجب إلا بالحكم، فكأنه لم يكن له ولد. وفي التوضيح عن ابن عبد السلام وغيره: فقر الأب ونحوه له حالان، الأولى أن يضيق حاله ويحتاج لكن لا يشتد عليه ذلك، فهذا يجوز إعطاؤه من الزكاة، ولا تلزمه نفقته بل تبقى ساقطة عنه كما كانت قبل ضيق حاله، الثانية أن يشتد ضيق حاله فيجب على ابنه أن ينفق عليه ولا يجوز له أن يدفع زكاته إليه، قاله ميارة.

واستظهر الحطاب أن من له من ينفق عليه وله ضروريات شرعية لا يقوم بها، يعطى له منها ما يسدها. قال في النوادر عن مالك: والمرأة يغيب عنها زوجها غيبة بعيدة ولا تجد مسلفا، تعطى ما تحتاجه؛ أي من الزكاة. قال بعضهم: معناه وزوجها موسر، ولو كان معسرا أعْطِيَتْه، ولو وجدت

ص: 506

مسلفا لأنه لا منفق عليها، ولا يعطى منها في شوار يتيمة لعدم شدة الحاجة لذلك، ولأنه ليس مصرف الزكاة. هذا هو الذي نقله المواق عن ابن الفخار، عند قول المص "ومالك نصاب".

وفي الحطاب عن البرزلي عن بعض شيوخه: الجواز، ومثله في المعيار عن ابن عرفة أنه سئل عن ذلك، وأجاب بأن اليتيمة تعطى من الزكاة ما يصلحها من ضروريات النكاح والأمر الذي يراه القاضي حسنا في حق المحجور. انتهى.

أو صنعة، عطف على قوله:"بقليل"؛ يعني أنه يشترط في كل واحد من الفقير والمسكين أن يكون عادما للكفاية بصنعة؛ بأن يكون لا صنعة له أو له صنعة لا تكفيه، واحترز بذلك مما إذا كانت له صنعة تكفيه فإنه ليس من أهل الزكاة.

تنبيهات: الأول: قوله "وعدم كفاية بقليل أو إنفاق أو صنعة"، الأولى حذفه لأنه حقيقة الفقير والمسكين، فلا معنى لذكره، ولم يذكره ابن الحاجب ولا ابن شأس الناسج على منوالهما غالبا. انظر الرماصي. فهذا الشرط المذكور إنما هو تحقيق لماهية الفقير والمسكين، والحاصل: أن الذي يستحق الزكاة هو الذي عدم الكفاية، وأما من لم يعدم الكفاية فإنه لا يعطى، سواء حصلت له الكفاية بقليل أو كثير أو إنفاق أو صنعة، وهذا هو الذي قررت به المصنف، وقرره به غير واحد. الثاني: قال الحطاب: قال ابن الحاجب: ويشترط فيهما -أي الفقير والمسكين- الإسلام والحرية اتفاقا، وأن لا يكون ممن تلزم نفقته مليا، وكذلك إن كانت لا تلزم ولكنه في نفقته وكسوته، قال في التوضيح: يعني أنه يلحق اللتزم للنفقة والكسوة بمن تلزمه في الأصل، وسواء كان التزامه لها صريحا أو بمقتضى الحال، وسواء كان من قرابته أو لا. قاله ابن عبد السلام. فإن انقطعت النفقة أو الكسوة على أحد الشخصين فإنه يجوز أن يدفع له من الزكاة ما تعذر عليه من النفقة والكسوة. انتهى.

الثالث: في المدونة: قال ابن القاسم: وإذا كان رجل فقير وله ابن غني لا يناله رفقه، فلا بأس أن يعطى من الزكاة، وإن كان يناله رفقه فغيره ممن لا يناله رفق أحد أولى أن يؤثر. انتهى. فقوله: أولى أن يوثر يدل على أنه يعطى؛ وهو موافق لما تقدم عن التوضيح؛ لأن قوله: يناله رفقه، يفهم منه أنه ليس ملتزما له بالكفاية، فلو التزم له بالكفاية لم يعط.

ص: 507

وسئل السيوري عن كافل يتيمة تخدمه وهو يطعمها ويكسوها، هل تعطى من الزكاة ما ترتفق به في كسوتها، أو تتجمل به في العيد، أو متى تزوجَتْ؟ فأحال السائل على ما عنده، قال البرزلي: لم يعطه جوابا، وأحاله على ما عنده، والذي سمعت عن بعض شيوخنا: أنها تعطى من الزكاة ما يصلحها من ضروريات النكاح والأمر الذي يراه القاضي حسنا في حق المحجور، قال: والصواب في هذه المسألة المفروضة أنه إن قابل شيء من الزكاة خدمتها فلا يجزئ لأنه صون بها ماله وإن لم يقابل ويعلم أنه لو لم تخدمه لم يعطها شيئا فلا يعطيها أيضا، وإن لم يكن شيء من ذلك فإن كان غيرها أشد حاجة منها فلا يعطها، وإن استوت الحاجة فغيرُها ممن يصرفه في أهم مما تصرفه هي فيه خيرٌ؛ وإن اشتدت حاجتها من غيرها أعطيت ما تدعو الضرورة إليه من أسباب النكاح. انتهى.

ويؤخذ مما يأتي عن النوادر في قوله: ودفع أكثر منه. قاله الحطاب.

الرابع: قال الحطاب: يعطى المحجور من الزكاة، وتدفع لوليه، ويدفع إليه القدر الذي يحتاج إليه في وقته، ومن فقد عقله يعطى لوليه من الزكاة ما ينفقه عليه، وقليل الصلاة لا يعطى من الزكاة. قاله السيوري. وقال البرزلي: ومن يفقد عقله في وقت دون وقت، إن كانت حاله وقت الصحو كحالة الصحيح الرشيد فإنه يعطى من الزكاة ولا يضرب على يديه، وإن كان بحيث لا يضبط حاله فحكمه حكم المحجور، ويعطى القليل الذي يضطر إليه في الحال، ويدفع لوليه الكثير يصرفه إليه في أوقات الضرورة، وجواب السيوري في مضيع الصلاة على وجه الشدة، فلو أعطاه لمضى. انتهى.

الخامس: قال الحطاب: قال في سماع عيسى: يعطى من الزكاة أهل الهوى الخفيف الذي يُبَدَّعُ صاحبه ولا يكفر، كتفضيل عَلِيٍّ عَلَى سائر الصحابة وما أشبه ذلك، وأما أهل الأهواء المضلة كالقدرية [والخارج

(1)

]، وما أشبههم، فمن كفرهم بمئال قولهم لم يجز أن يعطوا من الزكاة، ومن لم يكفرهم أجاز أن يعطوا منها إذا نزلت بهم حاجة وهو الأظهر، ومن البدع ما لا يختلف أنه كفر، كمن يقول: إن عليا هو النبي، وأخطأ جبريل، ومن يقول: الأئمة أنبياء يعلمون ما كان وما

(1)

في الحطاب "والخوارج" ج 2 ص 102 ط دار الرضوان.

ص: 508

يكون، فهؤلاء وما أشبههم لا يعطون من الزكاة بإجماع لأنهم كفار، وقد قال ابن حبيب: لا يعطى تارك الصلاة من الزكاة، وهذا على أصله أنه كافر وهو بعيد. انتهى. وقال في النوادر: ولم يجز ابن حبيب أن يعطاها تارك الصلاة، وقال: إن ذلك لا يجزئ من فعله، وهذا قول انفرد به، وإن كان غيرهم أولى فلا بأس أن يعطوا إذا كان فيه الحاجة البينة. انتهى.

وقال ابن عرفة: الشيخ عن محمد عن أصبغ: لا يعجبني إعطاؤها ذا هوى إلا خفيفه. الأخوان: لا يُعطِي ذا هوى، ومن فعله أساء وأجزأته، وسمع عيسى ابن القاسم: يعطى أهل الأهواء إن احتاجوا، هم من المسلمين. ابن رشد: إن خف هَوَاهُمْ كتفضيل عَلِيٍّ على كل الصحابة، والقدري والخارجي على القولين في تكفيرهم، ومنعها ابن حبيب غير المصلي على أصله. الشيخ: المصلي أولى منه، ويعطى [إن كان

(1)

]، ذا حاجة بينة. انتهى.

السادس: قد مر قول السيوري: إن قليل الصلاة لا تدفع له الزكاة، وقول البرزلي: إن ذلك على وجه الشدة ولو أعطي لمضى، وقال البرزلي بإثر هذا الكلام: ومثله أهل المجون والمعاصي إذا كانوا يصرفون الزكاة في محلها من ضرورياتهم، ولو كانوا يصرفونها حيث لا ترضى غالبا فلا تعطى لهم ولا تجزئ من أعطاهم؛ لأنهم يتوصلون بذلك إلى المعصية، وهذا على القول بأنهم مسلمون، وعلى مذهب من يكفر تارك الصلاة فلا تجزئ، ونص عليه ابن حبيب، وأهل الأهواء يسلك بهم هذا المسلك الذي أصَّلْناه نقله الحطاب.

السابع: دفع الزكاة إلى الأصلح حالا أولى من دفعها إلى سيء الحال إلا أن يخشى عليه الموت فيعطى، وإذا غلب على الظن أن المعطى ينفقها في المعصية فلا يعطى ولا تجزئ إن وقعت. انتهى. وقال في مسائل بعض القرويين في أيتام تحل لهم الزكاة لهم خادم غير متصل ولا متق، فهل يحرمون من أجله؟ فأجاب: يعطون من الزكاة ويأكل خديمهم منها بالإجارة، وقد بلغت محلها يتصرفون فيها كيف شاءوا. انتهى. وقال اللخمي: ولو أتلف غني ماله فيما لا يجوز لم يعط بالفقر؛ لأنه يصرفه في مثل الأول إلا أن يعلم منه توبة أو يخاف عليه.

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من الأصل والمثبت من الحطاب ج 2 ص 102 ط دار الرضوان.

ص: 509

الثامن: قوله: "وعدم كفاية بقليل"، هو شامل لمن عنده نصاب أو أكثر. ولكن لا يكفيه لكثرة عياله مثلا، قال الإمام مالك رضي الله عنه: يعطى من الزكاة من له أربعون دينارا إن كان أهلا لذلك لكثرة عياله؛ وتعطى لمن له دار وخادم وفرس لا فضل في ثمنها عن حاجته لها، أوله فضل ولا يكفيه لعامه ولو زاد الفاضل عن نصاب، وانظر هل يعتبر فضل ما ذكر عما يليق بحالته التي هو عليها أو عما تندفع به الحاجة وإن لم يكن لائقا به؟

التاسع: قوله: "أو إنفاق"، قد مر أن المراد إنفاق لازم، إما أصالة أو بالالتزام أو مقتضى الحال، وأما من كان له ملي ينفق عليه تطوعا من غير التزام فله أخذها من غير المنفِقِ، ولا يعطيها من في عياله غير لازمة نفقته له قريبا أو أجنبيا، فإن فعل جهلا أساء وأجزأته إن بقي في نفقته. ابن حبيب: إن قطعها بذلك لم تجزه، ونقله الباجي في القريب فقط ولم يقيد إجزاء إعطائه بالجهل. نقله غير واحد. وقوله:"صنعة"، قال عبد الباقي: أي كسب أو علم حاصل من التمرن على العمل، فيعطى له منها تمام كفايته، وإن كسدت صار من الزمنى، وإن ادعى كسادها صدق واستحسن أن يكشف عن ذلك، وإن لم يعلم هل فيها كفاية أو لا صدق. قاله اللخمي. وظاهره ولو كانت تزري به، وتعبيره بصدق أولا وثانيا يقتضي أنه بغير يمين كما هو القاعدة. انتهى.

البرزلي: وروى المغيرة: لا يجريها على الأيتام. البرزلي: قيدت عن شيخنا الإمام أن معناه أن يخرجها لهم كسوة وطعاما؛ لأنه من باب إخراج القيم في الزكاة: وأما لو أخرجها لهم بعينها أو عَيَّنَهَا لهم صح له صرفها عليهم. انتهى. وإذا كان زوج المرأة معسرا أعطيت الزكاة حيث كانت معسرة، وفي الشبراخيتي ما نصه: وذكر الحطاب أيضا ما نصه ظاهر ما تقدم عن التوضيح أن من له من ينفق عليه ويكسوه لا يعطى من الزكاة ولو احتاج إلى ضروريات أخر لا يقوم له بها المنفق، والظاهر أنه يعطى ما يسد ضرورياته الشرعية. كذا في شرح شيخنا. انتهى.

الْعَاشِرُ: لا تدفع الزكاة للأجَرَاءِ، كالمؤذنين، ومعلمي القرآن وغيرهم، وذلك فاش بالبادية؛ وهو خطأ صراح وغلط فاحش ونبذ للشريعة نسأل الله العافية، ولا يجوز إعطاؤها في حق وجب عليه، كدفعها لصاحب هدية ثواب أو لمن يخدمه، ونحو ذلك من دفع مؤنة. قاله ابن عبد الصادق. وعدم بنوة لهاشم؛ سقط يعني أنه يشترط فيمن تعطى له الزكاة أن لا يكون ولدا لهاشم ثاني أجداد

ص: 510

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابنه عبد المطلب وهو أول أجداده صلى الله عليه وسلم، اسمه شيبة وهو ابن أخي المطلب، ولما كان لونه السمرة وكان عمة يردفه خلفه سمي عبد المطلب، قال ابن رشد في أجوبته: لم يعقب من ولد هاشم غيره.

واعلم أن هاشما له ثلاثة إخوة: المطلب، وعبد شمس، ونوفل، وهاشمٌ والمطلب وعبد شمس أشقاءُ، أمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان السلمية، وأما نوفل فأمه واقدة بنت عمر من بني مازن بن صعصعة، وكان هاشم وعبد شمس توأمين وخرج عبد شمس في الولادة قبل هاشم، ولم يبق لهاشم نسل إلا من عبد المطلب فقط، وكان يقال لهاشم والمطلب: البدران، ولعبد شمس ونوفل: الأبهران، وهذا دال على أن بين هاشم والمطلب ائتلافا سرى في أولادهما من بعدهما، ولهذا لما كتبت قريش الصحيفة بينهم وبين بني هاشم وحصروهم في الشعب، دخل بنو المطلب مع بني هاشم ولم يدخل بنو نوفل وبنو عبد شمس. نقله بناني. والمراد ببنوة هاشم، كل من لهاشم عليه ولادة من ذكر أو أنثى بواسطة غير أنثى، فلا يدخل في بني هاشم ولد بناته لأنهم ولد للغير، فتعطى لشريف من أمه ولأولاده.

واعلم أن هذا الشرط أي قوله: "وعدم بنوة لهاشم"، عام في جميع الأصناف الثمانية. ذكره القرافي، وغيره. وكذا الحرية والإسلام إلا المؤلفة قلوبهم على القول المشهور فيهم. قاله الحطاب. وقوله: وكذا الحرية أي إلا، {وَفِي الرِّقَابِ} كما هو ظاهر. قال عبد الباقي: ومحل عدم إعطاء بني هاشم منها إذا أعطوا ما يستحقونه من بيت المال، فإن لم يُعْطَوْهُ وأضَرَّ بهم الفقر أعطوا منها، وإعطاؤهم حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم. ذكره الحطاب في الخصائص. وظاهره وإن لم يصلوا إلى إباحة أكل الميتة، وقيد الباجي إعطاءهم بوصولهم لها، ولعله الظاهر أو المتعين؛ لأن الانتقال من تحريم الصدقة عليهم الثابت بالخبر إنما يكون بحل الميتة، ويمكن حمل ما للحطاب عليه بأن يفسر إضرار الفقر بهم بوصولهم لحل الميتة. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: ومنع منها كفر إلا ما سبق من المؤلفة ورقٌّ وبنوةٌ لهاشم فقط لا المطلب على المذهب إلا أن يمنعوا حظهم فبالفقر، ولا يشترط حل أكل الميتة على المعول عليه، وفي عبد الباقي: يشترى بها رق هاشمي لأن تحريره أولى، ونازعه بناني تبعا لابن عبد السلام، وقال ابن الحاجب: وفي إعطاء آل الرسول

ص: 511

صلى الله عليه وسلم الصدقة، ثالثها: يعطون من التطوع دون الواجب، ورابعها: عكسه، الأول للأبهري، قال: لأنهم منعوا في زماننا من حظهم من بيت المال، فلو لم يجز أخذهم من الصدقة لضاع فقيرهم، والثاني: وهو المنع مطلقا لأصبغ ومطرف وابن الماجشون وابن نافع، وهو المشهور، والثالث لابن القاسم، والرابع رأى أن الواجب لا منة فيه، بخلاف التطوع. انظر التوضيح. والمطلب؛ يعني أنه يعطى من الزكاة لمن عدم بنوة لهاشم والمطلب، فلا يعطى من الزكاة لبني المطلب أخي هاشم كما لا يعطى لبني هاشم، وهذا الذي ذكره المصنف من مساواة بني المطلب لبني هاشم، في تحريم الزكاة هو قول عزاه في الإكمال لبعض شيوخ المالكية، وذكره الرجراجي ولم يعزه، واقتصر عليه عياض في قواعده، وقال الشيخ زروق في شرح الوغليسية: هو المذهب، وكأنه اعتمد كلام المصنف هنا، ولكن الذي عليه مالك وأكثر أصحابه أن آله الذين لا تحل لهم الصدقة بنو هاشم فقط.

واعلم أن نسبَه صلى الله عليه وسلم الصحيح المجمع عليه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، واختلفوا فيما بين عدنان وإسماعيل بن إبراهيم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وفيما بين إبراهيم وآدم عليهم الصلاة والسلام اختلافا كثيرا.

والحاصل: أن بني هاشم آل، فلا تحل لهم الصدقة، وأن بني المطلب مختلف فيهم، والمشهور من مذهب مالك أن الزكاة تعطى لهم خلاف ما مشى عليه المصنف، وأن بني عبد شمس وبني نوفل ليسوا بآل فالصدقة حلال لهم، وقال ابن الحاجب: وبنو هاشم آل وبنو غالب غير آل، وفيما بينهما قولان: القول بالاقتصار على بني هاشم لابن القاسم، والآخر لأصبغ، وعليه فلا يعطى منها آل أبي بكر ولا آل عمر ولا آل عثمان. انظر التوضيح كحسب على عديم، تشبيه في مفهوم الشرط؛ أي فإن لم يعدم بنوة لهاشم لم تجزِ الزكاة إن أعطيت له، كما لا تجزئ إذا حسبت على عديم؛ يعني أن من له دين على شخص عديم ليس عنده ما يجعله في دينه، فحسب رب الدين عليه دينه في الزكاة بأن يقول رب الدين للمدين: أسقطت ديني الذي عليك

ص: 512

من زكاة مالي لا يجزئه ذلك؛ لأن دينه تاو أي لا قيمة له، أو قيمته دون خلافا لأشهب، القائل: يجزئ ذلك وإن علم من حال من تجب عليه الزكاة أنه إن لم يحسب ما على العديم من زكاته لم يزك، فإنه ينبغي العمل بما قال أشهب؛ لأن إخراج الزكاة على قول أحسن من لزومها على كل قول. قاله الشبراخيتي.

وعلى المشهور فالظاهر أنه لا يسقط عن المدين ما حسب عليه؛ لأنه معلق على شيء لم يحصل، وأما من عنده ما يجعله في دينه أو بيد رب الدين رهن فيجوز حسبه عليه؛ لأن دينه ليس بتاوٍ، بمثناة فوقية أي هالك. ابن عرفة: وكذا عندي لو أعار رجل شيئا ثم يرهنه في دين عليه، أنه يجوز له أن يعطيه من الزكاة ما يفك به ما أعاره، ولا يتهم أنه قصد نفع نفسه لأنه فعل معروفين، ومثل حسبه على ملي من له على امرأة مائة دينار -أي مؤجلة- فله أن يتزوجها ويحسبها عليها من مهرها، فلو كان له عليها ربع دينار مؤجلا لم يحسبه عليها في مهرها؛ لأنه يؤدي إلى أن يتزوجها بأقل من ربع دينار؛ إذ المعتبر في المؤجل قيمته لا عدده. قاله عبد الباقي. وما مر من أن من له ما يجعله في دينه يجزئ رب الدين أن يحسب الزكاة عليه، اعترضه أبو الحسن بأنه وإن لم يكن تاويا لكن قيمته دون فلا يجوز حسبه، وأجاب عبد الباقي بما تقدم من أن الذي يحسب قيمته لا عدده.

وقال الأمير عاطفا على ما لا يجزئ: وحسبها على مدين، وهل وإن مليا قولان؟ وقوله:"كحسب على عديم"، قال في المدونة: ومن كان له دين على رجل فقير فلا يعجبني أن يحسبه عليه في زكاته، قال غيره: لأنه تاوٍ لا قيمة له أو له قيمة دون، قال في التوضيح: وقد صرح ابن القاسم بعدم الإجزاء، وقال أشهب: يجزئه، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: ولا تحسب في دين على فقير، ومن فعل لم يجزه خلافا لأشهب، بناء على الكراهة والمنع، وبه أفتى ابن رشد. والله أعلم. نقله الحطاب.

وجاز لمولاهم؛ يعني أنه يجوز إعطاء الزكاة لموالي بني هاشم؛ ويعني بمولاهم المولى الأسفل؛ وهو العتيق وولده؛ هذا قول ابن القاسم وهو المشهور، والشاذ لمطرف وابن الماجشون وأصبغ وابن نافع

ص: 513

أنها لا تحل لمولى بني هاشم لخبر: (إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا

(1)

)، قال أصبغ: احتججت على ابن القاسم بخبر: (مولى القوم منهم

(2)

)، فقال: قد جاء (ابن أخت القوم منهم

(3)

)، وإنما تفسير ذلك في الحرمة والبر، واختار اللخمي المنع، وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه وهو من إجماعاته المحذر منها: وسيأتي حرمة الصدقتين على آله؛ وهو المشهور كما في التوضيح عن ابن عبد السلام، وإن كان التفصيل؛ أي بين صدقة التطوع فتكره لهم، والواجبة فتحرم عليهم لابن القاسم، وصححه القرطبي وابن عبد البر، ونسبه لجمهور أهل الذهب، فقول عبد الباقي: وكذا تجوز لآله صدقة التطوع مع الكراهة، وما يأتي في الخصائص من حرمتها عليهم ضعيف -انتهى- فيه نظر، بل ما يأتي في الخصائص هو المشهور. انظر حاشية بناني. قال عبد الباقي وغيره: وأما مواليه صلى الله عليه وسلم ففي جواز دفع الزكاة لهم ومنعه، لخبر: (إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا

(4)

) خلاف. انتهى. يشير إلى حديث أبي رافع، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، فسأله، فقال: (إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا

(5)

)، وهو صحيح ذكره الترمذي في مسنده، انتهى كلامه في التوضيح. قاله الحطاب.

وفي الحديث المذكور أن الصدقة حلال لمُرَّة فمن بعده إلى غالب؛ لأن مخزوما يجتمعون معه صلى الله عليه وسلم في مرة. انتهى. قاله في التوضيح. وقادر على الكسب؛ يعني أنه يجوز إعطاء الزكاة للقادر على الكسب بصنعته، ونقل المواق عن اللخمي أن للصحيح ثلاثة أحوال: أحدها أن تكون له صنعة يقوم بها عيشه، فهذا إن كانت تكفيه وعياله لم يُعْطَ، وإن لم تكفه أعطي تمام كفايته، وإلى هذه الحال أشار بقوله:"أو صنعة"، الثانية أن لا تكون له صنعة أو تكون وكسدت ولم يجد ما يحترف به فهذا يعطى، الثالثة أن يجد ما يحترف به لو تكلف ذلك وهذه هي محل

(1)

الترمذي، كتاب الزكاة، الحديث:657. ولفظه: إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالى القوم من أنفسهم.

(2)

النسائى، كتاب الزكاة، الحديث:2609.

(3)

البخاري، كتاب المناقب، الحديث:3528. ومسلم، كتاب الزكاة، الحديث: 1059.

(4)

الترمذي، كتاب الزكاة، الحديث:657. والنسائي، كتاب الزكاة، الحديث: 2609.

(5)

الترمذي، كتاب الزكاهَ، الحديث:657. والنسائي، كتاب الزكاة، الحديث: 2609.

ص: 514

الخلاف فتعطى له على المشهور، وهو قول المصنف:"وقادر على الكسب"، ومقابله: لا تعطى له. وفي الحطاب أن مقابل المشهور ليحيى بن عمر، وعلم من هذا أن محل الخلاف في القادر على الكسب الذي له صنعة غير كاسدة، وأما العاجز ومن لا صنعة له أو كسدت فيعطاها باتفاق، وقال الأمير: ومصرفها فقير ومسكين وإن قدرا على الكفاية بصنعة لم يشتغلا بها؛ وهو قول الأصل: "وقادر على الكسب"، وقال الشيخ إبراهيم عند قول المصنف "وقادر على الكسب": بصنعة أو غيرها مع تركها اختيارا، كما يدل عليه كلام الحطاب، وهذ! حيث كان التارك لها اختيارا عليه في فعلها كلفة كما يفيده كلام المواق. انتهى. ابن الحاجب: وفي اشتراط عجز التكسب قولان، قال في التوضيح: المشهور أنه لا يشترط، واشترطه يحيى بن عمر وهو أظهر، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ

(1)

). انتهى.

والحاصل: أن الصحيح على خمسة أقسام: أحدها أن يكون له قدرة على الكسب بصنعة مثلا واستعملها وفيها كفاية له ولعياله، فهذا هو ومن عنده ما يكفيه من المال سواء في الحكم فلا تعطى لهما الزكاة، ثانيها أن يستعمل صنعته ولم يكن فيها ما يكفيه فيعطى لتمام كفايته، ثالثها أن تكسد صنعته فهو كالزمن، رابعها أن لا تكون له صنعة فإنه يعطى كالذي قبله، خامسها أن تكون له قدرة على التكسب بصنعة مثلا وترك ذلك اختيارا مع أنه يجد ما يَحْتَرِفُ لو تكلف، وهذه هي محل الخلاف، والمشهور أنه يعطى كما علمت. وقال يحيى بن عمر: لا يعطى، قال اللخمي: يجوز الأخذ بالقرآن ويمنع بالسنة.

ومالك نصاب؛ يعني أنه يجوز دفع الزكاة لمالك نصاب أو أكثر حيث كان ما ذكر لا يكفيه، وهذا هو المشهور. قاله في التوضيح، فإن من الناس من لا يكفيه ذلك لكثرة عياله، ومنهم من يكفيه لعدم ذلك فيه، وقيل: لا يعطى لمالك نصاب؛ لأنه قال: تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فجعل مالك النصاب غنيا، رواه المغيرة عن مالك. وروي عن مالك أنه يجوز إعطاء من له أربعون درهما، وقال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطى من له الدار والخادم والفرس، والظاهر أنه يجوز الإعطاء للفقيه الذي عنده كتب، قياسا على قول عمر، وقاله أبو الحسن

(1)

أبو داود، كتاب الزكاة، الحديث 1634. الترمذي، كتاب الزكاة، الحديث 652.

ص: 515

الصغير، وقال اللخمي: واختلف في قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تحل الصدقة لغني

(1)

)، فقيل: من كانت له كفاية وإن كانت دون النصاب، وقيل: من كان له نصاب لحديث: (أمرت أن آخذها من أغنيائهم وأردها على فقرائهم

(2)

)، وقيل: من كان له أكثر من نصاب ولا كفاية له حلت له؛ وهو ضعيف لأنه غني تجب عليه الزكاة، فلم يدخل في اسم الفقير؛ ولأنه لا يدري، هل يعيش حتى يفرغ ما بيده أم لا؟ ولا خلاف بين الأئمة فيمن له نصاب وهو ذو عيال ولا يكفيه ما بيده أن الزكاة واجبة عليه؛ وهو في عدد الأغنياء. قاله في التوضيح. وقال الشبراخيتي عند قوله:"ومالك نصاب"، ما نصه: لا يكفيه لبقية سنته فيعطى ما يكفيه لمنتهاها. انتهى. قال: وظاهر المصنف أنه لا يجوز دفعها لمالك أكثر من نصاب، ولو كان لا يكفيه لعامه وهو خلاف ما عليه ابن عبد البر، وعليه فقوله:"ومالك نصاب"، لا مفهوم له، وكذلك مالك أكثر منه إذا كان لا يكفيه. انتهى. وقال: وجاز دفعها لمالك نصاب أو أكثر منه حيث كان لا يكفيه لعامه. انتهى. وسيأتي عند قوله: "وكفاية سنة"، ما يفيد أن المراد بقولهم: جاز دفع الزكاة لمالك النصاب -حيث كان النصاب لا يكفيه لعامه- ما يكفيه إلى الوقت الذي ينال فيه عطية مثلا، وليس المراد حقيقة السنة، وبهذا يعلم أن قوله: وعدم كفاية بقليل لخ، معناه ليس عنده ما يكفيه لوقت ينال فيه عطاء؛ بأن يكون لا شيء له أوله ما لا يكفيه لذلك الوقت والله سبحانه أعلم.

تنبيهات: الأول: قال في المدونة: ومن له دار وخادم لا فضل في ثمنهما عما سواهما أعطي من الزكاة، وإن كان فيهما فضل لم يعط، ويعطى منها من له أربعون درهما إن كان أهلا لذلك لكثرة عيال ونحوه. أبو الحسن: قوله فيهما فضل، يريد فضل يغنيه لو باعهما واشترى غيرهما، وقال المغيرة: إن كان يفضل عن ثمنهما عشرون دينارا لم يعط. انتهى. وهذا على أصله من أن مالك النصاب لا يعطى. أبو الحسن: انظر جعله هنا إذا كان له دار وخادم يعطى من الزكاة، وفي الأيمان: من له دار وخادم عليه أن يكفر ولا يجزئه الصوم، والفرق أن الكفارة حق عليه، وأخذ الزكاة حق له، والغِنَى الراعى: العين وعروض التجارة أو فضلة بينةٌ عن القنية، فإن كانت له

(1)

أبو داود، كتاب الزكاة، الحديث:1634. والترمذي، كتاب الزكاة، الحديث: 652.

(2)

مشكاة المصابيح، ج 6 ص 411.

ص: 516

دار وخادم ولا فضلة فيهما أو كان فيهما فضلة يسيرة أعطي من الزكاة، وإن كانت فضلة بينة لم يعط. انتهى. وقال في النوادر في آخر كتاب الهبات: ولا بأس أن يعطى من الزكاة من له المسكن والخادم، إلا أن تكون كثيرة الثمن فيه فضل. انتهى. وفي ابن يونس عن المدونة: قال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطى منها من له الدار والخادم والفرس، أبو الحسن عن بعض أشياخه: هذا في بلد يحتاج فيه للفرس. انتهى. قاله الحطاب.

الثاني: قال أبو الحسن الصغير: هل يعطى منها الفقيه إذا كانت له كتب يحتاج إليها، كما يحتاج المجاهد للفرس؟ وهذا الذي يقتضيه النظر. انتهى. نقله الحطاب. وفي التوضيح: خليل: والظاهر أنه يجوز الإعطاء للفقيه الذي عنده كتب، قياسا على قول عمر، قاله أبو الحسن؛ يعني به أبا الحسن الصغير. وفي البرزلي في جملة سؤال سأله ابن أبي زيد ما نصه: فلو كانت له كتب فقه قيمتها كثيرة، فقال هذا لا غنى له عنها. البرزلي: كان شيخنا يقول: إن كانت فيه قابلية فيأخذها ولو كثرت كتبه جدا، وإن لم تكن له قابلية فلا يعطى منها شيئا إلا أن تكون له كتب على قدر فهمه خاصة فتلغى، وهذا كله على القول بجواز بيعها، وعلى المنع فهي كالعدم، وعلى مذهب المدونة من الكراهة، فقال بعض المغاربة: فلا تمنعه من أخذ الزكاة ولا تباع عليه في الدين لأنه مكروه، والشرع لا يجبر على مكروه. البرزلي: ولعلها تجري على تزويج أم ولده في غيبته، وعدم وجود من ينفق عليها. انتهى.

وفي شرح الرسالة للجزولي: الشيخ: وإذا كانت عنده كتب، هل يعطى أو تباع عليه؟ فإن كانت كتب التاريخ تباع عليه، وإن كانت للطب نظر، فإن كان في البلد طبيب غيره بيعت عليه ولا يعطى من الزكاة، وإن لم يكن في البلد طبيب لا تباع عليه ويعطى من الزكاة، وإن كانت للفقه نظر، فإن كان ممن ترجى إمامته أعطي من الزكاة ولا تباع عليه، وإن كان ممن لا ترجى إمامته تباع على القول بجواز بيعها، وعلى القول بالمنع لا تباع، ويعطى من الزكاة. انتهى. وقال الثعالبي بعد ذكره كلام أبي الحسن: وَقَدُ اختلف فيه، ذكر الخِلافَ فِيهِ ابن رُشْدٍ، والقياس على من له خادم ودار وفرس أنه يأخذ، وهذا فيمن كانت في عقله فطنة

(1)

، وكان مدرسا مفتيا لا

(1)

الذي بخط المؤلف فضلة والمثبت من الحطاب ج 3 ص 106 ط دار الرضوان.

ص: 517

يستغني عنها، والأحسن في هذا أن يأخذ، وأما كتب النحو والأدب فليست مثلها. انتهى. قاله الحطاب.

الثالث: تقدم عن البرزلي أن اليتيمة تعطى من الزكاة ما تصرفه في ضروريات النكاح، والأمر الذي يرى القاضي حسنا في حق المحجور، فعلى هذا فمن معها من الأمتعة والحلي ما هو من ضروريات النكاح، تعطى من الزكاة من باب أولى. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب.

الرابع: ما حكم السؤال؟ قال عبد الباقي: هو مكروه. انتهى. وفي الحديث: (من سأل وله أوقية فقد سأل الناس إلحافا

(1)

)؛ أي إلحاحا، قال ابن عبد البر: السؤال لمن ملك هذا القدر مكروه، وليس بحرام، والمراد أوقية الفضة؛ وهي أربعون درهما. انتهى. وقال الأجهوري بعد نقله كلاما لابن عبد البر: فقد استفيد منه أن في سؤال صدقة التطوع قولين بالكراهة والنع، وفي تبصرة ابن محرز ما ظاهره الحرمة، فإنه قال: أبو الحسن القصار: من كان معه ما يقوم به لأدنى عيش لم يجز له أن يسأل، وإن لم يكن له شيء فالمسألة له حلال، فقوله: لأدنى عيش، ظاهره: ولو قل زمنه. انتهى. وهذا الذي ذكرته إنما هو في سؤال ما يحل، وأما ما لا يحل كسؤال الغني للزكاة فإن سؤاله حرام، وقال الفاكهاني: -يتعجب ممن قال بكراهة السؤال مطلقا مع وجود السؤال في زمنه صلى الله عليه وسلم ثم السلف الصالح من غير نكيح- فالشارع لا يقر على مكروه. انتهى. وفي قوله: من غير نكير، نظر ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك. قاله ابن زكري. وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم

(2)

)، قال القسطلاني: بل كله عظم، ومزعة بضم الميم أي القطعة من اللحم أو النتفة منه؛ وهي بضم الميم كما علمت وسكون الزاي وفتح العين المهملة، وزاد في القاموس كسر الميم، وحكى ابن التين فتح الميم والزاي، وفي العارضة: وقد يكون السؤال واجبا أو مندوبا، فأما الواجب فللمحتاج، وأما المندوب فلمن تُعِينُهُ وَتُبَيِّنُ حاجته إن

(1)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث:1884. ولفظه: من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل الناس إلحافا.

(2)

البخاري، كتاب الزكاة، الحديث:1474.

ص: 518

استحيا هو من ذلك أو رجا أن يكون بيانه أنفع وأنجع من بيان السائل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل لغيره في أحاديث كثيرة.

وفي الحطاب: ورأيت بخط بعض المغاربة ما صورته، قال بعضهم: الإنسان بالنسبة إلى أخذ الصدقة على قسمين: طالب، وغير طالب، فالطالب لها على قسمين: محتاج وغير محتاج، فالمحتاج يجوز له الأخذ مطلقا، وغير المحتاج يحرم عليه الأخذ مطلقا؛ وأعني بالمطلق سواء كان ما يأخذه من المتصدق واجبا عليه كالزكاة أو تطوعا، وأعني بغير المحتاج من عنده قوت يومه بالنسبة إلى طلب المتطوع، أو قوت سنة بالنسبة إلى طلب الواجب، والمحتاج عكسه، والقسم الثاني وهو غير الطالب لها على قسمين أيضا: محتاج وغير محتاج، فالمحتاج يجوز له الأخذ مطلقا: وغير المحتاج يجوز له الأخذ من التطوع دون الواجب، وأما قدر المأخوذ لمن يجوز له الأخذ فلا حد له ولا غاية. انتهى ما رأيته وهو حسن إلا أنه غير معزو. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. قوله: وهو حسن أفاد به أنه مرضي عنده، ومن تأمل ما مر علم أن هذا يعتمد عليه وأنه صحيح، إلا أن قوله: وأما قدر المأخوذ لمن يجوز له الأخذ فلا حد له ولا غاية، خاص بصدقة التطوع كما هو ظاهر، ويأتي ما يدل له عند قوله:"وكفاية سنة"، لكن نقل الحطاب ما يفيد أنه يعطى الفقير من الزكاة ما يزيد على غناه. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وإلا أن قوله أن غير المحتاج حيث لم يكن طالبا يجوز له الأخذ من التطوع، قال فيه علي الأجهوري: ما لم يعلم أو يظن أن الدافع دفع له على ظن صفة ولم يكن متلبسا بها، وانظر إذا شك في ذلك هل يكون الحكم كذلك فيحرم الأخذ أم لا، وأما الطالب غير المحتاج فإنما حرم عليه الأخذ من صدقة التطوع؛ لأن طلبه مظنة أن الدافع يعتقد أو يظن أنه محتاج. انتهى. قوله: وانظر إذا شك في ذلك لخ، الظاهر جواز الأخذ حينئذ، والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وقال النووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، قال: واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين: أحدهما التحريم لظاهر الأحاديث، والثاني يجوز مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يُلِحَّ، ولا يذل نفسه زيادة على ذل السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فقد شرط من ذلك حرم. انتهى. واعلم أن ما أتى من غير مسألة ولا

ص: 519

استشراف نفس أي تطلعها يسوغ أكله وقبوله، أما المسألة وما أتى عنها فقد مر حكمهما، وأما ما لم يأت عن مسألة لكنه استشرفت نفسه إليه، فالذي يفيده كلام الشيخ العارف بالله تعالى ابن عباد رضي الله عنه أنه مكروه، أو خلاف الأولى، فإنه قال رضي الله عنه في شرح الحكم: الاستشراف إلى الناس مذموم وقادح في التوحيد، فلا ينبغي أن يأخذ المريد عطاء على هذا الوجه، وفي حديث مسلم والبيهقي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمر رضي الله عنه العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله من هو أفقر إليه مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذه فتموله أو تصدق به، وما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك

(1)

). قال سالم بن عبد الله: فمن أجل ذلك كان عمر لا يسأل الناس شيئا، ولا يرد شيئا أعطيه. وفي الحديث أيضا: (ما جاءك من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه فإنما هو رزق ساقه الله إليك

(2)

). الإشراف: التعرض للشيء والحرص عليه، قال أبو داود: وسألت عنه أحمد، فقال: هو بالقلب، وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه، فقال: هو أن يقول في نفسه يبعث إلي فلان بكذا، نقله ابن زكري.

وعلم مما مر مصرف صدقة التطوع؛ فهي مباحة لكل أحد من غير طلب إن لم تكن على صفة مفقودة في المتصدق عليه حيث لم يكن محتاجا: ومع الطلب تجوز للمحتاج ولا تجوز لغير المحتاج، وقد مر حديث: (من سأل وله أوقية فقد سأل الناس إلحافا

(3)

)، قال ابن عبد البر: المراد أوقية من الفضة لأن الأوقية إذا أطلقت فإنما يراد بها الفضة دون غيرها، والأوقية أربعون درهما، فمن سأل وله هذا القدر من الفضة أو ما يقوم مقامه فهو مُلْحِفٌ، والإلحاف في كلام الرب الإلحاح باتفاق جميع أهل اللغة، والإلحاح على غير الله مذموم؛ لأنه قد مدح الله بضده، فقال:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ، والسؤال لمن ملك هذا القدر مكروه وليس بحرام، وأما ما يحرم فيحرم الإلحاح فيه وغير الإلحاح والتعرض له، وما جاء من غير مسألة فله أكله إن كان من غير الزكاة بلا خلاف؛ لأنه يجوز أكل الصدقة غير الزكاة للغني والفقير، وقد جاء في

(1)

مسلم، كتاب الزكاة، الحديث:1045. ولفظه: وما جاءك من هذا المال وأن غير مشرف .. الخ. والبيهقي، ج 4 ص 198.

(2)

انظر موسوعة الموطأ، ج 3 ص 667. مجمع الزوائد، ج 3 ص 132.

(3)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث:1884. ولفظه: من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل الناس إلحافا.

ص: 520

الحديث: (أعطوا السائل وإن جاء على فرس

(1)

)، وقال في محل آخر: إن صدقة التطوع غير محرمة على أحد غير من ذكرنا، إلا أن التنزه عنها أحسن وقبولها من غير مسألة لا بأس به، ومسألتها غير جائزة إلا لمن لا يجد. انتهى. ويجوز أن يعطى في صدقة التطوع لأحد ما يقوم بعيشه إلى آخر عمره، وفي الموطإ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أرسل إلى عمر رضي الله عنه بعطاء فرده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم رددته؟ فقال: يا رسول الله أليس قد أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عن المسألة، وأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله، فقال عمر رضي الله عنه: والذي بعثك بالحق نبيئا لا أسأل أحدا شيئًا ولا يأتيني من غير مسألة إلا أخذته

(2)

).

وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما الذي يعطي من سعة بأعظم أجرا من الذي يقبل إذا كان محتاجا

(3)

).

الخامس: في الحديث: الصدقة لا تحل لغني يريد المفروضة، والمعروف من مذهب مالك أنه لا يحد في الغني حدا لا يتجاوز إلا على قدر الاجتهاد المعروف من أحوال الناس. نقله ابن زكري. قال: وإلى عدم التحديد في الغنى ذهب الشافعي وغيره من أهل العلم. انتهى.

السادس: اعلم أن للسائل حقا فلا ينبغي رده، ولا سيما وقد ورد في فضل الصدقة ما ورد، فقد روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاءه سائل، فقال له ابن عباس: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتصوم وتصلي؟ قال: نعم، قال: سألت وللسائل حق، إنه لحق علينا أن نصلك فأعطاه ثوبا، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله تعالى ما دام عليه منه خرقة

(4)

)، وروى إمامنا مالك والشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا

(1)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث:1876.

(2)

الموطأ، كتاب الصدقة، ص 626.

(3)

الطبراني الأوسط، رقم الحديث:8235.

(4)

الترمذي، كتاب صفة القيامة، الحديث:2484. ولفظه: ما من مسلم كسا مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله ما دام عليه منه خرقة.

ص: 521

أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فَلُوه أو فصيله

(1)

)، قوله: فتربوا؛ أي تكبر، وكف الرحمن هنا كناية عن محل قبول الصدقة [الذي

(2)

] توضع فيه، وإلا فلا كف لله تعالى ولا جارحة، تعالى الله عما يقول الظالمون والمجسمون علوا كبيرا، والفلو المهر أول ما يولد، والفصيل ولد الناقة أول ما يفصل من أمه. قاله في التيسير. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا رجل في فلاة من الأرض إذ سمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء فتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له يا عبد الله: ما اسمك؟ قال: فلان، الاسم الذي سمع في السحابة، فقال له يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟ قال: سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه

(3)

). الحرة بفتح الحاء: الأرض ذات الحجارة السود، والشرجة واحدة الشراج وهي مسائل الماء إلى السهل من الأرض، والمسحاة: المجرفة من الحديد.

وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: كان لرجل درهمان فتصدق بأحدهما، وانطلق الآخر إلى عُرْض ماله وأخرج منه مائة ألف درهم فتصدق بها

(4)

). وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه أن أعرابيا، قال: يا رسول الله أخبرني عن الهجرة، قال: (ويحك إن شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تمنح منها؟ قال: نعم، قال: فتحلُبها يوم ورودها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا

(5)

)، وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله

(1)

التيسير، ج 3 ص 3.

(2)

كذا في الأصل: التي.

(3)

مسلم، كتاب الزهد والرقائق، الحديث:2984.

(4)

التيسير، ج 3 ص 4.

(5)

البخاري، رقم الحديث:1452. مسلم، رقم الحديث: 1865. أبو داود، رقم الحديث:2477. النسائي، رقم الحديث: 4164.

ص: 522

عليه وسلم: (الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء

(1)

)، وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان من السماء، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا

(2)

)، وفي أخرى يقول الله تعالى: (يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك

(3)

)، وروى النسائي عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله إلا استقبلته صحبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إن كان إبلا فبعيرين وإن كان بقرا فبقرتين

(4)

)، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دينارا أنفقته في سبيل الله، ودينارا تنفقه في رقبة، ودينارا تصدقت به على مسكين، ودينارا تصدقت به على أهلك

(5)

)، وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة

(6)

)، وأخرج رزين عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا فيوشك الرجل أن يمشي بصدقته، فيقول الذي يعطاها: لو جئت بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي فيها فلا يجد من يقبلها منه

(7)

)، وروى الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء

(8)

).

(1)

الترمذي، رقم الحديث:664.

(2)

البخاري، رقم الحديث:1442. ومسلم، رقم الحديث: 1010. ولفظه: دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك.

(3)

البخاري، كتاب النفقات، الحديث:5352. ومسلم، الحديث: 993.

(4)

النسائي، رقم الحديث:3185.

(5)

مسلم، رقم الحديث:995. لم نعثر على الحديث في البخاري. التيسير، ج 3 ص 4.

(6)

البخاريِ، رقم الحديث:55. مسلم، رقم الحديث: 1002. الترمذي، رقم الحديث:1965. النسائي، رقم الحديث: 2545.

(7)

التيسير، ج 3 ص 5.

(8)

البخاري، رقم الحديث:1414. مسلم، رقم الحديث: 1012.

ص: 523

وفي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عَدْلٌ، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه

(1)

). قوله: سبعة يشمل النساء فيما يمكن أن يدخلن فيه شرعا، فلا يدخلن في الإمامة العظمى ولا في ملازمة المسجد؛ لأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، وقوله: في ظله إضافة الظل إليه سبحانه إضافة تشريف، كناقة الله: والله تعالى منزه عن الظل؛ إذ هو من خواص الأجسام، والمراد ظل عرشه كما في حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن، وقوله: يوم لا ظل إلا ظله؛ أي يوم القيامة، وقوله: عدل، بسكون الدال هو الذي يضع الشيء في محله، يقال: رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل، أو العدل الجامع للكمالات الثلاثة: الحكمة والشجاعة والفقه؛ أو العدل المطيع لأحكام الله، والمراد به من له نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام، ولابن عساكر: إمام عادل اسم فاعل، وفي حديث سلمان: (أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله تعالى

(2)

)، وقوله: تحابا في الله أي لا لغرض دنيوي، وقوله: اجتمعا عليه؛ أي على الحب في الله أي لم يقطعهما عارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة أم لا، وقوله: وتفرقا عليه؛ أي لم يزالا على ذلك حتى فرقهما الموت. والله سبحانه أعلم. وقوله: منصب بكسر الصاد أي صاحبة نسب شريف، وقوله: دعته أي إلى نفسها للزنى كما يدل عليه السياق، وقوله: فقال، أي بقلبه أو لسانه ليزجر نفسه، وقوله بصدقة أي تطوعا وقوله: فأخفاها حتى لا تعلم لخ؛ أي لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء، وصور بعضهم إخفاء الصدقة، بأن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له مثلا درهما فيما يساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة، وقوله: ففاضت عيناه. أسند: الفيض إلى العين

(1)

البخاري، رقم الحديث:1424.

(2)

الإتحاف، ج 6 ص 176.

ص: 524

مع أن الفائض هو الدمع لا العين، مبالغة لأنه يدل على أن العين صارت دمعا، ونظم العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل السبعة المذكورة، فقال:

وقال النبي المصطفى إن سبعة

يظلهم الله الكريم بظله

محب عفيف ناشئ متصدق

وباك مصل والإمام بعدله

وزيد ثامن؛ وهو رجل كان في سرية مع قوم بلغوا العدو فانكشفوا فحمى آثارهم، وفي لفظ أدبارهم حتى نجوا ونجا أو استشهد، وتاسع، وهو رجل تعلم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبره، وعاشر وحادي عشر، وهما رجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة، ورجل إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت عن حلم، وثاني عشر: رجل تاجر اشترى وباع فلم يقل إلا حقا، وثالث عشر ورابع عشر: من أنظر معسرا أو وضع له، وخامس عشر: أو ترك لغارم، وسادس عشر: من أنظر معسرا أو تصدق عليه، وسابع عشر: أو أعان خُرِقا؛ أي الذي لا صنعة له ولا يقدر أن يتعلم صنعة، وثامن عشر وتاسع عشر والعشرون: من أَعان مجاهدا في سبيل الله، أو غارما في عسرته، أو مكاتبا في رقبته، الحادي والعشرون: من أظل رأس غاز، والثاني والثالث والرابع والعشرون: الوضوء على المكاره، والمشي إلى المساجد في الظلم، وإطعام الجائع؛ ومعنى الوضوء على المكاره أن يكره نفسه على الوضوء كما في شدهّ البرد، والخامس والعشرون: من أطعم الجائع حتى يشبع، والسادس والعشرون أن سيد التجار رجل لزم التجارة التي دل الله عز وجل عليها من الإيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله، فمن لزم البيع والشراء فلا يذم إذا اشترى ولا يمدح إذا باع، وليصدق الحديث ويود الأمانة، ولا يتمنى للمؤمنين الغلاء، فإذا كان كذلك كان أحد الذين في ظل العرش، وسنده ضعيف. والسابع والعشرون: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، وإن كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأسقيه من حظيرة قدسي، وأدنيه من جواري. والثامن والتاسع والعشرون: من كفل يتيما أو أرملة، الثلاثون والحادي والثاني والثلاثون: أتدرون من السابق إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (الذين إذا أعطوا الحق قبلوه،

ص: 525

وإذا سُئِلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم

(1)

). وفي سنده، ابن لهيعة: والثالث والثلاثون: وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله، والرابع والثلاثون: الوالي العادل ظِلُّ الله، فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والخامس والثلاثون: من أراد أن يظله الله بظله فلا يكن على المؤمنين غليظا وليكن بالمؤمنين رحيما، والسادس والثلاثون: من يصبر عند الثكل، والسابع والثامن والثلاثون: عن فضيل ابن عياض، قال: بلغني أن موسى قال: أي رب، من يظل تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: يا موسى الذين يعودون المرضى، ويشيعون الهلكى، والتاسع والثلاثون: شيعة علي ومحبوه: وهو حديث ضعيف، والأربعون: والحادي والثاني والأربعون: عن أبي الدرداء أن موسى قال: يا رب من يساكنك في حظيرة القدس. ومن يستظل بظلك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: أولئك الذين لا ينظرون بأعينهم الزنى، ولا يبتغون في أموالهم الربا: ولا يأخذون على أحكامهم الرشا، والثالث والرابع والخامس والأربعون: رجل لم تأخذه في الله لومة لائم، ورجل لم يمد يده إلى ما لا يحل له، ورجل لم ينظر إلى ما حرم عليه وفيه عنبسة وهو متروك، والسادس والأربعون: من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من سورة الأنعام إلى: {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} وهو ضعيف، والسابع والثامن والتاسع والأربعون: واصل الرحم وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتاما صغارا، فقالت: لا أتزوج على أيتامي حتى يموتوا أو يغنيهم الله، وعبد صنع طعاما فأطاب صنعته وأحسن بضعته ودعا عليه اليتيم والمسكين فأطعمهم لوجه الله، والخمسون والحادي والخمسون: رجل حيث توجه علم أن الله معه، ورجل يحب الناس لجلال الله وفيه متروك، والثاني والخمسون: المؤذن في ظل رحمة الله حتى يفرغ من أذانه وفيه متهم بوضعه، والثالث والرابع والخامس والخمسون: من فرج عن مكروب من أمتي، وأحيا سنتي، وأكثر الصلاة علي، والسادس والسابع والثامن والخمسون: حملة القرآن في ظل الله مع أنبيائه وأصفيائه، والتاسع والخمسون: المريض، والستون: أهل الجوع في الدنيا، والحادي والستون، الصائمون، والثاني والستون: من صام من رجب ثلاثة عشر يوما وهو شديد الوهاء، والثالث والستون: من صلى ركعتين بعد ركعتي المغرب

(1)

مسند أحمد، الحديث:23823.

ص: 526

قرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة؛ وهو منكر، والرابع والستون: أطفال المؤمنين. والخامس والستون: ابن الرجل الذي مات ابنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(أما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش)؟، والسادس والستون: من ذكر بلسانه وقلبه، والسابع والثامن والتاسع والستون: رجل لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. انظر القسطلاني

(1)

).

السابع: روى رزين عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها

(2)

)، وروى الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه، قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكفأ، فأرساها بالجبال فاستقرت، فتعجبت الملائكة عليهم السلام من شدة الجبال، فقالت: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الماء، قال: نعم الريح، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم إذا تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله

(3)

).

ولله در الجزائري حيث يقول:

فاعجب لقدرة مولانا التي بهرت

إذ زاد ما في الهوى ثقلا على ثقل

وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي النفقة والسفلى هي السائلة

(4)

)، رواه في التيسير عن الستة إلا الترمذي، ومراده بالستة: الشيخان مسلم والبخاري، وإمامنا مالك رحمه الله وأصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي.

(1)

القسطلاني، ج 3 ص 543. الإتحاف ج 4 ص 113/ 114.

(2)

كشف الخفاء، ج 1 ص 329.

(3)

الترمذي، كتاب التفسير، الحديث 3369.

(4)

التيسير، ج 3 ص 5.

ص: 527

وروى الشيخان والنسائي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة

(1)

)، وفي رواية: (من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تعغ فليفعل

(2)

)، وروى الخطيب عن أبي هريرة رضي الله عنه: (لو مرت الصدقة على يد مائة لكان لهم من الأجر مثل أجر المبتدئ من غير أن ينقص من أجره شيئا

(3)

)، رواه في الجامع الصغير، وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قيل يا رسول الله: (أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل وابدأ بمن تعول

(4)

)، الجهد بالضم الطاقة، والمقل: الذي له مال قليل؛ فهو يعطي بقدر ماله، وروى أبو داود أن سعد بن عبادة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء

(5)

)، وروى إمامنا مالك عن زيد بن أسلم رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطوا السائل ولو جاء على فرس

(6)

)، ولأبي داود عن علي رضي الله عنه: (للسائل حق ولو جاء على فرس

(7)

)، وأخرج مالك ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله

(8)

).

وروى أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما وبيده عصا فقد علق رجل قِنْوَ حَشَفٍ، فجعل يطعن فيه ويقول: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا إن رب هذه الصدقة يأكل حشفا يوم القيامة

(9)

)، القنو: العذق بما فيه من الرطب، وروى البخاري ومسلم والنسائي عن جرير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ليتصدق الرجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره

حتى قال: ولو بشق تمرة، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، ثم تتابع الناس

(1)

التيسير، ج 3 ص 5.

(2)

التيسير، ج 3 ص 5.

(3)

الجامع الصغير، رقم الحديث:7492.

(4)

التيسير، ج 3 ص 5.

(5)

التيسير، ج 3 ص 6.

(6)

التيسير، ج 3 ص 6.

(7)

التيسير، ج 3 ص 6،

(8)

التيسير، ج 3 ص 6.

(9)

التيسير، ج 3 ص 6.

ص: 528

حتى رأيت كومين من ثياب وطعام، حتى تهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء

(1)

).

وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية، لأتصدقن بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، أما السارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى

(2)

). انتهى. وهذه الأحاديث في التيسير، وفيه عنه صلى الله عليه وسلم: (خير الصدقة ما كان على ظهر غنى وابدأ بمن تعول

(3)

)، رواه البخاري وأبو داود والنسائي.

الثامن: اعلم أنه لا ينبغي لك أن تنفق ما بيدك وتبقى تتكفف الناس، فإن ذلك مذموم، فقد روى أبو داود والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه (أن رجلا دخل المسجد بهيئة بذة -والنبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالصدقة- فتصدق فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين، ثم قال: تصدقوا فطرح الرجل أحد [ثوبيه

(4)

]، فقال صلى الله عليه وسلم: أترون إلى هذا الذي رأيته بهيئة بذة فأعطيته ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه خذ ثوبك وانتهره

(5)

)، وروى أبو داود عن جابر رضي الله عنه، قال: (جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله أصبت هذه من

(1)

التيسير، ج 3 ص 6.

(2)

التيسير، ج 3 ص 7.

(3)

التيسير، ج 3 ص 7.

(4)

في الأصل ثوبه، والمثبت من النسائي، كتاب الزكاة.

(5)

التيسير، ج 3 ص 7.

ص: 529

معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه فأتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه فأتاه من قبل ركنه الأيسر، فقال مثل ذلك فأعرض عنه، فأتاه من قبل خلفه فقال مثل ذلك، فأخذها صلى الله عليه وسلم فخذفه بها فلو أصابته لأوجعته، وقال: (يأتي أحدكم بجميع ما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان على ظهر غنى

(1)

) يتكفف الناس: يسألهم ويطلب منهم ما يأخذ ببطن كفه، وروى النسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الصدقة على المسكين صدقة: وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة

(2)

). ودفع أكثر منه؛ يعني أنه يجوز أن يدفع للفقير والمسكين أكثر من النصاب؛ أي القدر الذي تجب فيه الزكاة بشرط أن لا يزيد على كفاية سنة. قاله غير واحد.

وكفاية سنة هذا هو الذي عليه المدار، ومعناه أن الفقير والمسكين إنما يعطيان كفاية سنة ولا يعطيان ما زاد على كفاية سنة؛ لأنهما إذا أخذا كفاية سنة زال عنهما الفقر والمسكنة، فصارا غنيين، والزكاة لا تدفع للأغنياء، فمتى أخذ واحد منهما ما يكفيه لسنة بنصاب أو دونه فإنه لا يأخذ بعد ذلك منها شيئا، وليس المراد بالسنة حقيقتها، وإنما المراد إعطاؤه بقدر ما يغنيه إلى وقت يعطى فيه، فإذا كانت الزكاة تدفع في السنة مرتين فإنه يعطى من كل واحدة ما يبلغه للأخرى. قاله الشيخ إبراهيم. وإذا كانت الزكاة لا تفرق كل عام فيأخذان أكثر من كفاية سنة كما في حاشية البناني؛ أي لأن المراد بكفاية السنة ما يغنيه إلى وقت يعطى فيه، ومنع المغيرة أن يعطى الفقير أو المسكين النصاب، ولم يحك ابن رشد غيره، وفي كلام المصنف بحث؛ إذ قوله: ودفع أكثر منه"، إن أراد به كفاية سنة فالواجب حذفه والاقتصار على قوله: "وكفاية سنة"، وإن أراد به ما يشمل الزيادة على كفاية سنة فليس له سند في ذلك. قاله الأجهوري. وقال الخرشي: ولا يعطى أكثر من كفاية العام حيث كان يرجى له شيء، وإلا أعطي ما يغنيه حيث كان حَالَ الأخذ فقيرا. انتهى.

(1)

التيسير، ج 3 ص 7.

(2)

التيسير، ج 3 ص 8.

ص: 530

وقال الأمير: وإنما يأخذان أي الفقير والمسكين كفاية سنة، ولم يبق بعدُ وَصْفُهُمَا حتى يأخذان زيادة. انتهى. وقال الحطاب: قال في الذخيرة: وإذا أعطي المحتاج، فروى ابن نافع: ذلك غير محدود ويعطيه قوت السنة بقدر المقسوم، وقد تقل المساكين وتكثر، وروى المغيرة: لا يعطى نصابا، وقاله أبو حنيفة؛ لأن الدفع بوصف الفقر فلا يخرج به عنه، وعلى الأول يعطيه قوت السنة، وإن اتسع المال زاد ثمن العبد ومهر الزوجة، وفي الجواهر: يعطى الغارم قدر دينه والفقير والمسكين كفايتهما وكفاية عيالهما، والمسافر قدر ما يوصله إلى مقصده أو موضع ماله، والغازي قدر ما يقوم به حالة الغزو، والمؤلفة بالاجتهاد، والعامل أجرة مثله، ومن جمع وصفين استحق سهمين، وقال سند: قال ابن القاسم: يعطى منها العامل بقدر كثرة عمله وقلته. انتهى. ويأتي الكلام في دفعها جميعها للعامل عند قوله: "وندب إيثار المضطر"، وفي النوادر عن علي وابن نافع: كم أكثر ما يعطى الفقير منها والصدقة واسعة؟ قال: لا حد فيه وذلك على قدر اجتهاد متوليها، قيل: فيعطي قاسمها للفقير قوت سنة ثم يزيد الكسوة؟ قال: ذلك بقدر ما يرى من كثرة الحاجة وقلتها، ثم قال عنهما: قيل والفقير يعطى منها الشيء الكثير مثل العبد أو ما ينكح به؟ قال: إن كان يسع ذلك للمساكين فيعانوا بذلك لم أر بها بأسا، ولكن أكره أن يأخذ هذا حظ مساكين كثيرة بهذا التفضيل الواسع. انتهى.

وفي البرزلي: وسئل اللخمي عن شيخ زمن له بيت يكريه بنحو الدرهمين في الشهر، وغرفة تصدق بها على ولده وهو يسكن معه، أترى أن يعطى من الزكاة والكفارة وليس له ما يعيش به إلا من كراء ذلك البيت ولا يكفيه؟ فأجاب: إذا كان كسب الشيخ ما ذكرت فهو في عداد الفقراء، فيأخذ الزكاة والكفارة والفطرة. البرزلي: لم يوجب عليه بيع البيت وأكله لأنه عنده لا يكفيه، فأشبه الفقير الذي له القليل. انتهى.

وفي جواز دفعها لمدين؛ يعني أنه اختلف فيما إذا دفع شخص الزكاة لآخر عليه دين للدافع، ثم بعد أن دفعها أخذها الدافع لها من الدين في دينه أخذها مع تراخ أم لا، فأجاز ذلك ابن عبد السلام، وقال: تجزئه، والذي يفهم من كلام الباجي منع هذه الصورة، وقوله: تردد، مبتدأ

ص: 531

خبره في جواز؛ أي في الجواز والمنع رأي ابن عبد السلام، وكلام الباجي، فهو من تردد المتأخرين في الحكم لعدم نص المتقدمين.

قال محمد بن الحسن: الظاهر من كلامهم أنه لا فرق بين أن يأخذها من حينه أم لا، ولم أر من شرط التراخي. قاله مصطفى. فَقَوْلُ من قال: عبر بثم المقتضية للتراخي يرشد إلى أنه لو لم يكن تراخ بأن أخذها عقب دفعها لا يكون الحكم كذلك غير ظاهر، وقوله:"تردد"، محله أي التردد حيث لم يتواطآ على ذلك وإلا منع قطعا، كما جزم به ابن عرفة واستظهره في التوضيح، وفهم من كلام المصنف أنها تجزئ إن أخذ غيرها أو دفعها ولم يأخذ شيئا، أو أخذ دينه ثم دفعها. كما قاله الأجهوري. وقال ابن عرفة: الأظهر إن أخذه بعد إعطائه بطوع الفقير دون تقديم شرط أجزأ، وكرها كذلك إن كان له ما يواريه ويعيشه الأيام وإلا فلا وبشرط كما لم يعطه. واعلم أن الراجح من التردد القول بالجواز؛ لأنه قد رجحه المصنف في التوضيح وابن عرفة، وقال الحطاب: إنه أظهر. ابن عبد السلام: فلو أعطاها له جاز أخذها منه في دينه. انتهى. وهو ما قدمته عن الأجهوري. وجاب، هذا هو الصنف الثالث من الأصناف الثمانية، وتقدم الكلام على اثنين منها وهما الفقير والمسكين؛ يعني أن الجابي من الذين يُعْطَوْن من الزكاة، وقوله:"وجاب"، معطوف على فقير؛ وهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين وهما الياء والتنوين، والجابي اسم فاعل من جبى المال يجيبه إذا جَمَعَهُ، فالجابي هو الذي يجمع الزكاة ومن أصل هذا المعنى قوله عز وجل:{يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} ، ومنه أيضا: الجابية وهي الحوض الكبير يجتمع فيه الماء، قال تعالى:{وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} ، وقال الشاعر:

نفى الذم عن آل المحلق جفنة

كجابية الشيخ العراقي تفهق

وقال طرفة:

بجفان تعتري نَادِيَنَا

من سديف حين هاج الصِّنَّبرْ

كالجوابي لا تني مُتْرَعَةً

لقرى الأضياف أو للمحتضر

ص: 532

قوله عز وجل {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} الجفنة الواحدة منها يجتمع عليها ألف رجل يأكلون منها، وقوله عز وجل:{وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} : ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بالسلاليم. ومفرق؛ يعني أن المفرق للزكاة من الذين يعطون الزكاة، والمفرق للزكاة هو القاسم لها على أهلها ممن تعطى لهم الزكاة، والجابي والمفرق هما المشار إليهما، بقوله تعالى:{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} ، وهم السعاة المتقدمون في قول المصنف، وخرج الساعي، وقوله:"ومفرق" مرفوع معطوف على فقير.

وقوله: "وجاب": مثل الجابي في إعطاء الزكاة الكاتب وهو الذي يضبط الزكاة بالكتابة، والحاشر وهو الذي يجمع أرباب الأموال لأخذ ما عليهم، ولا يرد على الحاشر ما تقدم من أن السعاة عليهم أن يأتوا أرباب الماشية على مياههم، ولا يقعدون في قرية ويبعثون إليهم لأنه هنا يحمل على الذي يجمعهم من مواضعهم في قريتهم إلى الساعي بعد أن يأتيهم إليها، ولا يعطى منها راع أي الذي يرعاها، ولا ساق أي الذي يسقيها فهو اسم فاعل من السقي، ونحوه للتوضيح والشارح، وروي عن مالك أن العاملين هم سقاتها ورعاتها، ولا يعطى منها -أي من الزكاة- حارسها، وعبارة الأمير: وعامل إلا راعيا وساقيا وحارسا؛ لأنهم لا عمل لهم في جبايتها، بل أجرتهم من بيت المال، ولا مفهوم لحارس في الأصل. انتهى. ولعل الفرق أن شأن الزكاة الاحتياج إلى الأربعة الأول بخلاف الثلاثة الأخيرة لكونها تفرق غالبا عند أخذها، والمراد بالأربعة الأول: الجابي والمفرق والمكاتب والحاشر، وبالثلاثة الأخيرة: الراعي والساقي والحارس.

وفي الحطاب عن الشامل أن: الحارس كالكاتب والقاسم، وروى أبو داود والترمذي عن رافع بن خديج رضي الله عنه: (العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته

(1)

)، ولا يعطى من الزكاة المفتي والقاضي والعالم؛ لأنهم يعطون من بيت المال، قال عبد الباقي: ولذا إن لم يعطوا منه أعطوا منها. انتهى.

وقال الشبراخيتي: وأما الفقيه والمفتي والقاضي فرزقهم من بيت المال، فإن لم يكن أو كان ولم يعطوا أعطوا منها. انتهى. ونحوه للخرشي، قال محمد بن الحسن: ظاهر هذا أنهم حينئذ

(1)

الترمذي، كتاب الزكاة، الحديث:645. أبو داود، كتاب الخراج والإمارة، الحديث: 2936. ولفظهما: العامل على الصدقة بالحق كالغازي الخ.

ص: 533

يعطون من الزكاة لو كانوا أغنياء، وليس بصحيح لأن آية الصدقة محكمة لم ينسخها شيء بإجماع، قال في المعيار: لا يجوز إعطاء الزكاة لأهل الفقه أو الجاه أو غير ذلك، وإنما تعطى كما أمر الله للفقراء والمساكين. انتهى. وما نقله الجنان عن الحفيد ليس هو المذهب، ولا تجوز الفتوى به على أن الحفيد إنما حكى الخلاف فقط، ولم يقل الإعطاء هو المذهب ولا رجحه كما نقل عنه الجنان، وقوله:"وجاب ومفرق"، قال في الشامل: ولا ينبغي له أن يأكل ولا ينفق إن كان الإمام غير عدل، وإلا جاز. انتهى. وقال في العتبية: قلت: فإن كان العامل عليها مديانا أيأخذ منها مثل ما يأخذه الغارمون؟ قال: لا، إلا أن يعطيه السلطان منها على وجه الاجتهاد، قال ابن رشد: إنما قال إن العامل على الزكاة إذا كان مديانا لا يأخذ منها كما يأخذ الغارمون من أجل أنه هو الذي يقسمها، فلا يحكم لنفسه، ويجوز للإمام أن يعطيه من أجل دينه سوى ما يجب له لعمالته. انتهى. قاله الحطاب. خبر مبتدإ محذوف؛ أي وكل منهما حر؛ يعني أنه يشترط في الجابي والمفرق أن يكون كل منهما حرا، فلا يستعمل عليها عبد.

واعلم أن المراد بالجابي من له عمل في الزكاة كما تقدمت الإشارة إليه، فيشمل الكاتب والحاشر، فلابد من حرية كل، ابن القاسم: ولا يستعمل على الصدقة عبد ولا نصراني، فإن فات ذلك أخذ منهما ما أَخَذَا وَأُعْطيَا من غير الصدقة بقدر عنائهما. انتهى. قاله في النوادر. قاله الحطاب. وقال في الشامل: ولو استُعْمِلَ عَبْدٌ أو نصراني فأجرته من الفيء لا منها على الأصح، ويرد ما أخذ منها. عدل؛ يعني أنه يشترط في العامل على الزكاة أن يكون عدلا أي سالما من الحيف فيما ولي عليه: فعدالة الجابي في جَبْيهَا، وعدالة المفرق في تفرقتها، وليس المراد عدل الشهادة، وإلا كان قوله وكافرٍ مكررا، واقتضى أنه يعتبر فيه أن يكون ذا مروءة بترك غير لائق إلى آخر ما يعتبر فيه، وليسَ كذلك ولا عدل رواية وإلا كان قوله: وكافر مكررا أيضا، ولم يصح قوله:"حر"؛ لأن العبد عدل رواية. قاله الشبراخيتي.

عالم بحكمها؛ يعني أنه يشترط في العامل على الزكاة أن يكون عالما بحكمها أي يعرف قدر ما يؤخذت والقدر الذي تؤخذ فيه، ومن تدفع له، ومن تؤخذ منه ليلا يأخذ غير حق أو يمنع مستحقا أو يضيع حقا، وقال الأمير: إن تولية العامل الفاسق فسق.

ص: 534

غير هاشمي؛ يعني أنه يشترط في العاملين على الزكاة أن يكونوا من غير بني هاشم -أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لحرمتها على آله صلى الله عليه وسلم؛ إذ هي أوساخ الناس؛ وهي تنافي نفاسة أهل البيت، فإن قيل: يأخذونها على أنها أجرة عمل لا على أنها زكاة، بدليل أنه يستعمل عليها الغني؟ فالجواب: أنهم ينزهون عنها ولو أخذوها أجرة لأنها أوساخ الناس وهم يجنبون ذلك، وبهذا اتضح الفرق بين الهاشمي والغني، كما قاله أحمد.

وقوله: "غير هاشمي"؛ أي فلا يستعمل جابيا أو مفرقا ونحوهما مما يعد به عاملا، أما في غير ذلك فيجوز. الباجي: يجوز أن يستعمل في الحراسة والسوق الهاشمي والذمي؛ لأنها إجارة محضةٌ انتهى. قاله الرماصي. وكافر؛ يعني أن العامل على الزكاة يشترط فيه أن يكون غير كافر، فيشترط فيه أن يكون مسلما حرا ذكرا بالغا غير فاسق وغير هاشمي، وقد أشعر إتيانه بالأوصاف مذكرة باشتراط ذكوريته، وقد نص ابن عرفة على اشتراط الذكورية. قاله عبد الباقي.

ويستفاد من كلام المصنف في المفقود حيث جعله حاكما أنه لابد من بلوغه، واشتراط كونه غير فاسق كما في الشبراخيتي لأن الفاسق لا أمانة له، وعلم من تفسير العدل بأنه العدل فيما ولي فيه أنه لا يستغنى عن قوله: وكافر، وقال الخرشي: ولا يستعمل عليها عبد، ولا كافر، ولا امرأة، ولا صبي، ولا فاسق، فإن استعملوا أعطوا أجر مثلهم من غيرها أي من حيث يعطى العمال والولاة، وذلك من الفيء. انتهى. وقال الشارح؛ لا يجوز استعمال عبد ولا كافر فيها. محمد: إذ لا حق لهما في الزكاة، فإن استعملا رُجِعَ عليهما بما أخذاه وأعطيا أجرتهما من الفيء، وقال محمد بن نصر: يجوز، وقد نص اللخمي وغيره على منع استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم في الزكاة. انتهى.

وإن غنيا، مبالغة في أن الجابي أي العامل على الزكاة من مستحقي الزكاة فقيرا كان أو غنيا، يعني أن العامل على الزكاة لا يشترط فيه أن يكون فقيرا، بل يجوز أن يكون العامل عليها غنيا كما يجوز أن يكون فقيرا، ويعطى منها في الحالتين؛ لأنها أجرته فلا تنافي الغنى.

وبدئ به؛ يعني أنه يبدأ بالعامل في إعطاء الزكاة؛ أي يقدم في الإعطاء ويدفع له جميعها إن كانت قدر عمله فأقل، ثم بالمساكين والفقراء على العتق لأن سد خلتهم أولى، ولا يستأجر العامل

ص: 535

عليها بجزء منها كربع أو خمس لما في ذلك من الجهل بقدر الأجرة. قاله الشيخ ميارة. وتقدم المؤلفة إن وجدوا على الفقراء؛ لأن الصون من النار مقدم على الصون من الجوع، كما يبدأ بالغازي أي حتى على العامل إن خشي على الناس، ويقدم ابن السبيل إذا لحقه ضرر على الفقير لأنه في وطنه. قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره.

وأخذ الفقير بوصفيه؛ يعني أن العامل إذا كان فقيرا، فإنه يأخذ بوصفيه؛ وصف الفقر، ووصف العمل حيث لم يغنه حظ العمل، وكذا كل من جمع بين وصفين، ولا يأخذ منها العامل إذا كان مديانا إلا بإعطاء الإمام. ابن رشد: لأنه يقسمها فلا يحكم لنفسه، قاله الحطاب. وتعليله يقتضي أنه لا يأخذ منها بوصف الفقر إلا بإعطاء الإمام. قاله الشيخ سالم. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: وأخذ ذو أوصاف بها إلا فقيرا كفاه وصف آخر لسنة لزوال الفقر. انتهى.

وبما قررت علم أن قوله: "الفقير"، صفة لموصوف محذوف؛ أي أخذ العامل الفقير؛ واعلم أن من له وصفان فأكثر يأخذ بهما أو بها عاملا أو غيره، وقوله:"وأخذ الفقير بوصفيه"، هو المشهور، قال الشارح: يريد أن العامل إذا كان فقيرا فإنه يجوز أن يأخذ الزكاة بوصفي العمل والفقر، وهو المشهور، وقيل: إنما يأخذ بأكثرهما استحقاقا، فإن كان بوصف الفقر يستحق أكثر أخذ به فقط، وإن كان بوصف العمل يستحق أكثر أخذ به وصار غنيا، وقيل: يعطى بحسب اجتهاد الإمام. انتهى. وقال الشبراخيتي: "وأخذ الفقير بوصفيه"؛ أي وصف الفقر والعمل إذا لم يغنه حظ العمل، وكذا كل من جمع بين وصفين، وينبغي إلا أن يكون الأخذ بأحدهما يغنيه، وإذا كان العامل مديانا فلا يأخذ لغريمه منها إلا بإعطاء الإمام بالاجتهاد، ولا مفهوم لقوله:"بوصفيه"، وكذلك بأوصافه إذا كان في المال سعة، ولم يكن ما يأخذه بأحد الأوصاف يكفيه.

ولا يعطى حارس الفطرة منها؛ يعني أن الحارس لزكاة الفطر -أي الحافظ لها- لا يعطى أجرة على حفظه لها منها أي من الفطرة، بل يعطى أجرته من بيت المال، وقوله:"حارس الفطرة"، وكذلك جباتها، ولا مفهوم للفطرة، وكذا زكاة المال لا يعطى حارسها منها، وقد تقدم عن الحطاب قول: بأن حارس المالية يعطى منها. نقله عن الشامل. وقوله: "ولا يعطى حارس الفطرة منها"؛ أي بوصف الحراسة، وأما بغيره كالفقر فيعطى منها. قاله الشيخ إبراهيم. ويتحصل من

ص: 536

كلامه وكلام الشيخ عبد الباقي أن حارس المالية كذلك؛ أي إن أعطي بوصف الفقر جاز. والله سبحانه أعلم. ومؤلف، هذا هو المصنف الرابع المذكور، بقوله عز وجل:{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} ؛ يعني أن من المستحق للزكاة المؤلفة قلوبهم، تستمال قلوبهم بإعطاء الزكاة لهم ليركنوا إلينا ويألفونا وفسرت الآية بأنهم كفار نتألفهم بإعطائها ليسلموا، وهذا التفسير هو الذي ذكره المصنف بقوله: كافر ليسلم؛ أي المراد بقولي مؤلف كافر يتألف؛ أي تطلب مؤالفته؛ أي ركونه إلينا بإعطاء الزكاة، فيميل قلبه إلى الإسلام، فقوله:"كافر"، إما خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهو، أو عطف بيان. والله سبحانه أعلم. وظاهر التعليل عدم اشتراط الحرية في المؤلفة قلوبهم، سواء فرعنا على أن المراد بهم الكفار ليرغبوا في الإسلام أم لا. قاله الشيخ ميارة. وما مشى عليه المصنف هو أحد أقوال ذكرها ابن عرفة، والثاني أنهم حديثوا عهد بإسلام لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، والثالث أنهم مسلمون لهم أتباع كفار، ومقتضى عزو ابن عرفة أن الثاني هو أرجح الأقوال؛ لأنه عزاه للباجي عن أهل المذهب، ولابن زرقون عن ابن مزين عن ابن القاسم، وعزا ما مشى عليه المصنف لابن حبيب، وعزا الثالث لنقل اللخمي، وإذا أعطى الكافر للتألُّف ولم يسلم، فينبغي أن يرجع عليه لأنه أعطي على معنى لم يحصل، وإذا علمت هذه الأقوال وعزوها علمت أن في اقتصار المصنف على ما لابن حبيب تبعا لتصدير ابن الحاجب به نظرا. قاله بناني.

وحكمه باق؛ يعني أن هذا الحكم أي جواز إعطاء الزكاة لهذا الكافر ليسلم باق؛ أي لم ينسخ، وهذا قول عبد الوهاب، وصححه ابن بشير وابن الحاجب، والراجح خلافه. ابن عرفة وفي انقطاعهم بفشو الإسلام فلا يعود حكمهم، وعوده إن احتيج إليهم قول أصبغ مع الباجي عن المذهب؛ ورواية ابن رشد وابن زرقون عن القاضي. انتهى. وقال القباب في شرح قواعد عياض: والمشهور من المذهب انقطاع سهم هؤلاء بعزة الإسلام، وقال عبد الوهاب: إن دعت الحاجة إلى استيلافهم في بعض الأوقات رد إليهم سهمهم، وهذا هو الذي رجحه اللخمي وابن عطية، فكان على المصنف الاقتصار على المشهور أو يذكره وينبه على ترجيح اللخمي. نقله محمد بن الحسن. وقوله:"وحكمه باق"؛ أي لم ينسخ، قال عبد الباقي: خلافا لأبي حنيفة إن احتيج له كما في ابن الحاجب، وانظر هل المراد بالحاجة له دخوله في الإسلام لإنقاذهم من الكفر أو إعانته لنا؟

ص: 537

فعلى الثاني لا يعطون الآن، وعلى الأول يعطون إن علم من حال المعطي التألف للإسلام بالإعطاء، وهذا هو مقتضى الشارح وهو الملائم لجعله شرطا، ثم إذا أعطي ولم يسلم نزعت منه. انتهى.

قوله: هل المراد بالحاجة الخ هذا الاحتمال غير ظاهر بل غير صحيح، فتأمله إذ لا يليق أن يكون بهذا المعنى شرطا لأنه حينئذ محتاج إليه دائما، وكلام الأئمة كالصريح في الثاني. قاله محمد بن الحسن. وقوله:"مؤلف كافر ليسلم"، فيه أن القلوب تميل إلى من أحسن إلى أهلها وتحبه، فقد قال صفوان: (أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبغض الخلق إلي فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي

(1)

)، وأعطى نوفل بن مخرمة والحارث بن بشير في حالة الكفر، وأعطى بعض رجال من قريش ومن العرب، ولم يزل ذلك في حياته صلى الله عليه وسلم وحياة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر حتى كثر المسلمون فقطعه عنهم، فكلمه في ذلك أبو سفيان بن حرب وكان معهم، فقال عمر: قد أغنى الله عنك وعن أصحابك فأعز الإسلامَ وأهلَه. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الجلال السيوطي عند قول الله عز وجل: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} ؛ أي الصدقة من جاب، وقاسم، وكاتب، وحاشر، والمؤلفة قلوبهم ليسلموا أو يثبت أو يسلم نظراؤهم أو يذبوا عن المسلمين أقسام، والأول والآخر لا يعطيان اليوم عند الشافعي لعز الإسلام، بخلاف الآخَرَيْنِ فيعطيان على الأصح. انتهى. وأشار إلى المصنف الخامس من الأصناف الثمانية بقوله: ورقيق مؤمن يعني أن من الذين تصرف لهم رقيق أي إعتاق رقيق، بشرط أن يكون مؤمنا ففيه حذف مضاف فهو كقوله:"وراكد يغتسل فيه"، ولا فرق بين الرقيق المعيب وغيره عند ابن القاسم، خلافا لأصبغ القائل بعدم إجزاء الرقيق المعيب، وعليه رد المصنف بالمبالغة في قوله: ولو بعيب، قال الشارح: والأول أظهر لأن المعيب أحوج إلى الإعانة، وقوله:"ورقيق مؤمن"، هو المراد بقول الله عز وجل:{وَفِي الرِّقَابِ} ، ومعناه عندنا الرقيق يشترى من الزكاة. ويعتق، فقوله: منها، أي من الزكاة متعلق بيشترى مقدرا كما أشرت إليه في الحل، وهو الذي يدل عليه

(1)

الترمذي، كتاب الزكاة، الحديث:666. ولفظه: أعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلى فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي.

ص: 538

تقرير الشارح، فإنه قال عند قوله "يعتق منها": أي يشترى منها ويعتق وهو ظاهر، وقوله:"يعتق"، يحتمل كونه حالا وهو قول الخرشي، ويصح أن يكون صفة ثانية لرقيق.

وعلم مما قررت أنه لابد أن يشترى الرقيق من الزكاة ويعتق، وأما لو أعتق رقيقا لم يشتره من الزكاة ونوى به الزكاة فإنه لا يجزئه، وقال الأمير: وهل لابد أن يشترى منها أو يكفي عتق من عنده؟ خلاف حكاه الرماصي، وإيضاح كلام المصنف أن من مصارف الزكاة رقيقا مؤمنا وكيفية ذلك أن يشتري الوالي أو من ولي زكاة نفسه بمال الزكاة رقيقا مؤمنا ويعتقه، وبنى المصنف يعتق للمجهول للإشارة إلى أنه لا فرق بين أن يعتقه الإمام والمتصدق، وما فسر به المصنف الرقبة من أن معناها أن يشترى بالزكاة رقيق ويعتق هو المشهور، وقيل: المراد بذلك إعانة المكاتبين في آخر كتابتهم بما يعتقون. قاله الشارح. وقوله: "مؤمن"، هو المشهور؛ لأنها تقوية للمسلمين فلا يُقَوَّى بها كافر. ابن الحاجب: بشرط الإسلام على المشهور، وفي إجزاء المعيبة قولان، وقوله:"ولو بعيب"، نكره ليشمل الخفيف وغيره، كالعمى والزمانة، ورد المصنف بلو قول أصبغ بعدم اغتفار العيب مطلقا، وقول ابن القاسم باغتفار الخفيف فقط، وما اختاره المصنف وهو قول ابن حبيب باغتفار العيب مطلقا عزاه اللخمي لمالك وأصحابه، ونقله الباجي عن ابن حبيب عن مالك وأصحابه. قاله محمد بن الحسن. فقد اقتصر عليه المصنف، وقوله:"ورقيق مؤمن"، قال عبد الباقي: وظاهر المصنف ولو هاشميا وهو كذلك فيما يظهر. انتهى.

قال محمد بن الحسن: أي كما لو تزوج هاشمي أمة غيره فولده هاشمي رقيق لسيدها، وقوله: وهو كذلك غير صحيح، لما تقدم أن كونه غير هاشمي شرط في الجميع، نص عليه ابن عبد السلام. انتهى. وقوله:"منها"، قد مر الكلام على أنها متعلقة بيشترى مقدرة، وفي حاشية الرماصي ما يخالف ذلك كما مرت الإشارة إليه، ونصه: عبارة أهل الذهب يشترى ويعتق، وحاد المؤلف عن تلك العبارة فَعَمَّمَ لقول أبي الحسن سَوَّى اللخمي بين شرائه منها وعتق المالك له بقيمته عن زكاته، ويدخله ما يدخل من أخرج عن زكاته عرضا، وقد يقال: هذا أخف لأن الرقبة مما تصرف فيه الزكاة وهو ظاهر، وبهذا يندفع قول الأجهوري: أخل المؤلف بقيد؛ وهو أن يشترى فلا يجزئ أن يعتق ما ملكه بغير شراء منها. وقال الرصاع في قول ابن عرفة شراء

ص: 539

الرقيق يعتقون: تأمل قوله شراء فلو كان عنده عبد فأعتقه عن الزكاة فليس من الرقاب، وقد وقع ما يوهم الخلاف فيه. انتهى. وعلى هذا التقرير تكون "منها"، متعلقة بيعتق.

لا عقد حربة فيه؛ يعني أنه يشترط في الرقيق الذي يشترى من الزكاة ويعتق أن يكون لا عقد حرية فيه؛ أي يشترط فيه أن لا يكون ذا شائبة حرية من كتابة أو تدبير أو إيلاد أو عتق لأجل أو تبعيض. وفي النوادر: ومن ابتاع مدبرا أو مكاتبا فأعتقه، فعلى قول مالك الأول: لا يجزئه ويرد، وعلى الآخر لا يجزئه ولا يرد، وكلام المصنف يحتمل الرد وعدمه؛ إذ ليس فيه تعرض لرد العتق وعدمه وإنما فيه التعرض لعدم الإجزاء. كما قاله عبد الباقي عن الشيخ سالم. وانظر لو اشتراه على وجه يعتق فيه بمجرد الشراء كقوله: إن اشتريته فهو حر عن زكاتي، هل يجزئ أم لا؟ والظاهر الأول، واستظهر بعض مشايخي الثاني، وينبغي فيه جري التأويلين الآتيين في قوله: وفي إن اشتريته فهو حر عن ظهاري تأويلان، فإن دفعها للحاكم فاشترى بها من يعتق على الدافع بالشراء وأعتقه الحاكم جاز لأنه فك رقبة والولاء للمسلمين. قاله اللخمي. كما في أحمد، وهو ظاهر لأن شراءه كالحكم، ولأنها دخلت في ذمته بإعطائها له، فشراؤه اجتهاد وحكم، ولذا بنى المصنف يعتق للمجهول ليفيد أنه لا فرق بين أن يعتقه الإمام أو المتصدق، ولا يقاس عليه ما إذا اشترى به المزكي من يعتق عليه بنفس الشراء لأنه قياس فاسد لوجود النص، بخلافه لنقل الجزولي عن مالك المنع، والفرق ظاهر مما تقدم. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني وشرح عبد الباقي.

وقال ابن الحاجب: وفي المكاتب والمدبر والمعتق بعضه، ثالثها إن كمَّل عِتقَه أجزأ وإلا فلا. انتهى. ووولاؤه للمسلمين؛ يعني أن هذا الرقيق الذي أعتق من الزكاة ولاؤه للمسلمين وليس للمزكي؛ لأن المال للمسلمين فالولاء لهم، وإن اشترط المزكي الولاء لنفسه فالشرط باطل والزكاة مجزئة والولاء للمسلمين.

وإن اشترطه له؛ الضمير في له للمزكي، واللام فيه بمعنى: عن، والضمير البارز في الفعل -أعني اشترطه- عائد على العتق، والمستتر عائد على المزكي والجملة شرطية استينافية، وجوابها قوله الآتي: لم يجزه؛ يعني أن الشخص إذا اشترى من الزكاة رقيقا وأعتقه، واشترط أنه معتق له عن نفسه: فإنه لا يجزئه، وصورة هذا أن يقول: أنت حر عني وولاؤك للمسلمين، فلا يجزئه العتق

ص: 540

عن زكاته الواجبة عليه، ولكن يمضي عتقه ويكون الولاء له أي للمعتق نفسه؛ لأن الولاء لمن أعتق، وقوله:"وإن اشترطه له"، هذا هو المشهور، وقال أشهب: يجزئه وشرطه باطل وولاؤه للمسلمين، وجعل اللخمي المسألة على ثلاثة أوجه، فقال: من اشترى رقبة من زكاته ثم قال: هي حرة عن المسلمين وولاؤها لي كان ولاؤها للمسلمين وشرطه باطل وهو مجزئ عنه، واختلف إذا قال: حر عني وولاؤه للمسلمين، ثم ذكر القولين واختار الإجزاء، ثم قال: ولو كان له عبد يملكه، فقال: هو حر عني وولاؤه للمسلمين لم يجزه قولا واحدا. قاله الحطاب. وجعلي قوله: "وإن اشترطه"، شرطا وجوابه:"لم يجزه"، هو الصواب كما قاله الرماصي. ونصه: والصواب أنه شرط، جوابه: لم يجزه، والضمير للعتق، وعليه الشراح كلهم، قال في المدونة: وإن أعتق عن نفسه أعاد ولم يجزه؛ لأن الولاء له، وأما جعله مبالغة ويكون الضمير البارز في الفعل للولاء فإنه -وإن كان صحيحا في نفسه- لا يلتئم مع ظاهر المصنف؛ إذ يصير قوله:"أو فك أسيرا"، محذوفة منه أداة الشرط.

أو فك أسيرا، قوله:"أو فك" عطف على اشترطه؛ يعني أن من فك بزكاته أسيرا من المسلمين في أيدي العدو لا تجزئه زكاته، والفك ماض، وهذا هو المشهور، ومقابله لابن حبيب قائلا: هو أحق وأولى من فك الرقاب التي بأيدينا، ووافقه ابن عبد الحكم، قال الحطاب: ولو أخرجها فأسر قبل صرفها جاز فداؤه بها، ولو افتقر لم يعطها، وفرق بعودها له وفي الفداء عادت لغيره. قاله في الشامل. ونقله ابن يونس. انتهى.

قال محمد بن الحسن: هذا لابن عبد الحكم، ومذهبه جواز فك الأسير بالزكاة مطلقا كالعتق فهو مقابل، وبهذا يسقط تنظير الشيخ سالم، هل هذا وفاق أو مقابل؟ ولو أطلق أسير بفداء دين عليه أعطي اتفاقا لأنه غارم. قاله ابن عرفة. عن ابن حارث. نقله الحطاب. قال: ونقله ابن فرحون في شرح ابن الحاجب، ونصه: قال أبو علي ابن قداح: وأما إن قاطع الأسير على نفسه وخرج إلى أرض المسلمين وطلب منهم، فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم، والظاهر أنه إذا أطلق في بلاد الكفار وطلبها من المسلمين المتأخرين

(1)

في تلك البلاد أنه يعطى، كما يؤخذ من لفظ ابن عرفة، ومن

(1)

كذا في الأصل والذي في الحطاب: ج 3 من 115 ط دار الرضوان المتاجرين.

ص: 541

التعليل بأنه غارم. قاله الحطاب. ولا تصرف في كفن ميت، ولا بناء مسجد، ولا لعبد، ولا لكافر -كما مر- ولا لقاض، ولا لإمام مسجد، ولا لفقيه، ولا لقارئ لأن رزقهم من بيت المال، فعلى هذا التعليل إذا انقطع ذلك عنهم من بيت المال يجوز صرفها لهم. قاله الحطاب. وظاهره أنهم يعطون وإن كانوا أغنياء، قال محمد بن الحسن: وليس بصحيح لأن آية الصدقة محكمة لم ينسخها شيء بإجماع، قال في المعيار: ولا يجوز إعطاء الزكاة لأهل الفقه أو الجاه أو غير ذلك، وإنما تعطى كما أمر الله للفقراء والمساكين، وقد مر هذا وقد مر أنه نقله الجنان عن الحفيد، وأنه ليس هو المذهب، وأنه لا تجوز الفتوى به على أن الحفيد إنما حكى الخلاف فقط، ولم يقل: الإعطاء هو المذهب ولا رجحه، قال عبد الباقي: وأشعر قوله: "أو فك أسيرا"، بجواز دفعها لمن اشتراه من الكفار بفداء في ذمته -أي الأسير- وهو كذلك لأنه غارم. انتهى.

وقد مر هذا عن الحطاب وهو متفق عليه،

وبما قررت علم أن قوله: لم يجزه، جواب الشرط، فهو راجع للمسألتين، أعني قوله:"وإن اشترطه له"، وقوله:"أو فك أسيرا"، وقد مر أن الأسير إذا أطلق بدين عليه فإنه يعطى من الزكاة؛ لأنه غارم، وظاهر ذلك أنه يشمل زكاة نفسه وزكاة غيره، وبه صرح عبد الباقي. وأشار إلى المصنف السادس بقوله: ومدين. وهو المشار إليه بقوله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} ؛ يعني أن من مصارف الزكاة المدين فيعطى منها ما يوفي دينه، والمدين من عليه دين بفتح الدال؛ وهو ما أجل كالمدينة بالكسر، وجمع الدين أَدْيُنٌ وَدُيُونٌ ودنته بالكسر، وأدنته: أعطيتة إلى أجل، ورجل داين ومدين ومديون ومدان وتشدد داله: عليه دين أو كثيرة، وادان وأدان واستدان وتدين: أخذ دينا، ورجل مديان: يقرض كثيرا ويستقرض كثيرا ضد، ويشترط في الدين الإسلام والحرية وعدم بنوة لهاشم كما في الفقير.

ولو مات؛ يعني أن الزكاة تصرف للمدين فيقضى بها دينه حيا كان أو ميتا، وقوله:"ولو مات" هو قول ابن حبيب وهو الأصح، وقال محمد: لا يقضى منها دين الميت، وعليه رد المصنف بلو، وقوله:"ولو مات"؛ أي لأن الميت أحق بالقضاء، وكان امتناعه صلى الله عليه وسلم من الصلاة على المدين قبل نزول الآية؛ يعني آية الصدقة:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} . الآية. ثم

ص: 542

صار قضاؤه على السلطان. يحبس فيه، الجملة صفة لمدين، والضمير المجرور بفي عائد على الدين؛ يعني أنه يشترط في إعطاء الزكاة للمدين أمور ثلاثة: أحدها أن يكون هذا الدين يحبس فيه؛ أي شأنه أن يحبس فيه الدين، فيدخل دين الولد على والده فتدفع الزكاة للوالد ليقضي بها دين ولده، وإن كان الولد لا يحبس والده؛ لأن الدين دين لآدمي، وذلك شأنه أن يحبس فيه، وإنما منع من الحبس هنا مانع العقوق. والله سبحانه أعلم. وفي الفيشي على العزية: أنه لا يعطى الوالد من الزكاة ليقضي دين ولده، ويدخل أيضا في قوله:"ومدين"، الدين على المعدم الثابت عدمه؛ لأن شأنه أن يحبس فيه كدين الولد على والده، إلا أنه عرض عن الحبس عارض الأبوة، وعارض العدم في المعدم الثابت عسره، واحترز بقوله:"يحبس فيه"، عن دين الكفارات والزكاة، فإنه لا يحبس فيهما كما في الشارح في الصغير، وقيل: إنها تعطى لن ترتب في ذمته دين زكاة وكفارة. قاله الشيخ ميارة.

وقال الإمام الحطاب: وانظر قوله: إن دين الزكاة لا يحبس فيه مع ما نقله صاحب الشامل وغيره، ونصه: وإن عرف بمنعها ولم يظهر له مال حبس. انتهى. وقال غير واحد: إنه لا يعارضه كما ظنه الحطاب؛ لأن حبسه ليس لدين الزكاة، وإنما هو لامتناعه من إخراج ما وجب عليه من الزكاة زمن وجوبه، كما قالوا في امتناع الوالد من إنفاقه على ولده إنه يحبس لامتناعه من النفقة. انتهى. قال محمد بن الحسن: وفيه نظر، والظاهر ما ذكره الحطاب كما يدل عليه ما تقدم عند قوله:"لا بدين كفارة أو هدي"، وبه تعلم أن الأولى لو عبر بكونه دين آدمي. انتهى. والذي أشار إليه هو كلام أبي عبد الله بن عقاب من أكابر أصحاب ابن عرفة، قال: دين الزكاة ودين الكفارة يطالب بهما الإمام، ونقل ذلك عن اللخمي والمازري، ونص اللخمي: الذي يقتضيه المذهب أن الكفارة مما يجبر الإنسان على إخراجها ولا توكل إلى أمانته، وهذا هو الأصل في الحقوق التي في الأموال، فمن كان لا يؤدي زكاته أو وجبت عليه كفارات أو هدي فامتنع من أداء ذلك فإنه يجبر على إنفاذه. وقاله ابن المواز فيمن وجبت عليه كفارات فمات قبل إخراجها أنها تؤخذ من تركته. انتهى. واستظهر الحطاب أن المُصَادَرَ غارم، قال الأجهوري: كالمتعقب له. وقد مر أن المشهور أن الأسير لا يفك بالزكاة، وأشار إلى الأمر الثاني بقوله: لا في فساد؛ يعني

ص: 543

أنه يشترط في إعطاء الزكاة للمدين مع ما مر أن يكون تداين هذا الدين في غير معصية، وأما إن تداينه -أي تحمله- في معصية وهي المراد بالفساد كزنى وشرب خمر وقمار، فإنه لا يعطى منها، وكذا لا يعطى منها من أنفق ماله فيما لا يجوز؛ لأنه يصرفه في مثل ما صرف الأول إلا أن يتوب أو يخاف عليه. قاله الشيخ إبراهيم. ونحوه لعبد الباقي، ونسبه للخمي، وأشار إلى الثالث بقوله: ولا لأخذها؛ يعني أنه لا يعطى من الزكاة من كان عنده كفاية سنة، فاتسع في الإنفاق بالتداين لأجل أن يعطى من الزكاة لأنه تحيل وقصد ذميم فعومل بنقيضه، بخلاف ما إذا كانت عنده ضرورة أي حاجة غير الاتساع، فاستدان لها ناويا أداءها من الزكاة فلا يمنع منها لأنه قصد صحيح، فيوفى له بقصده بأن يعطى منها. قاله عبد الباقي.

إلا أن يتوب، راجع لقوله: لا في فساد؛ يعني أن الشخص إذا تداين في فساد وتاب فإنه يعطى من الزكاة، قال الشارح مفسرا للمصنف: أي فلو تاب من تداين في فساد، كما إذا اشترى من أهل الذمة خمرا بدين في ذمته فإنه يعطى، ولم يحك بعض الأشياخ غيره، وأطلق ابن شأس الخلاف فيه، وحكى اللخمي جواز الإعطاء عن ابن عبد الحكم إذا حسنت حالته واستقربَهُ ابن عبد السلام؛ لأن المنع كان لحق الله تعالى، وهو مما تؤثر فيه التوبة، وإليه أشار بقوله: على الأخص. ومقابله ما تقدم عن ابن شأس فإنه أطلق الخلاف ولم يقيده بالتوبة؛ أي فلا يعطى منها إن تداينه في فساد تاب أم لا، وفيه الخلاف أنه يعطى منها تاب أم لا.

وتقدم أن الاستثناء راجع للأول وهو قوله: "لا في فساد"، وهل يجري في الثانية أو يقال التداين لأجل أخذ الزكاة ليس محرما حتى يحتاج إلى التوبة؟ قاله الشيخ أحمد. وعليه فمن تداين على الوجه المذكور لا يعطى منها بحال. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وقد يقال: يمكن رجوعه للثانية أيضا؛ لأنه لما تداين وعنده كفايته كان سفها، والسفه حرام. انتهى.

وعلم مما قررت أنه يشترط في الدين الذي تستحق الزكاة من أجله ثلاثة شروط: أن يكون لآدمي، وأن يتداين في غير معصية، وأن لا يتداين لأخذ الزكاة. وذكر شرط دفع الزكاة للمدين الذكور بقوله: إن أعطى ما بيده من عين؛ يعني أن الزكاة إنما تدفع للمدين بشرط أن يعطى ما بيده من العين فعلا أو تقديرا كعشرين وبقي عليه مثلها فتدفع من الزكاة ليوفي بها بقية دينه.

ص: 544

وفضل غيرها؛ يعني أنه كما يشترط أن يعطي ما بيده من العين، يشترط أيضا أن يعطي ما بيده من الفاضل عما لابد له منه من غير العين حيث كان فيه فضل، كما إذا كان الدين الذي عليه ألفين وله دار وخادم يساويان ثلاثة آلاف، ويكفيه استبدال غيرهما بألفين فيباعان وَيُعْطَى الألف في دينه، ويعطى من الزكاة الألف الأخرى، ويكفي الاستبدال بما يصلح للسكنى والخدمة، وكذا المركوب وإن لم يناسب حاله كما هو ظاهر عباراتهم، فإن ساوى الفاضل دينه لم يعط من الزكاة بوصف الدين. قال ابن عرفة: صار فقيرا لا غارما. انتهى.

وقوله: "إن أعطى ما بيده من عين وفضل غيرها"، اعلم أن الذي حوم عليه المصنف بهذا الكلام، أن المدين الذي تدفع له الزكاة يقابل ما عنده مما يباع على المفلس بدينه، فإن لم يف بدينه قضى من الزكاة ما بقي من دينه، وإن وفى بدينه لم يعط من الزكاة على أنه مدين، وأما ما يترك للمفلس فلا يؤخذ منه بل يبقى له، ويصير فقيرا تدفع له الزكاة بوصف الفقر، وقال الأمير: ومدين آدمي لا يجد ما يدفعه مما يباع على المفلس، وهو معنى قول الأصل:"إن أعطى ما بيده" لخ، وليس بلازم الدفع بالفعل، كما أفاده شيخنا، قال: ومما يباع على المفلس دار سكناه، وليسكن بالكراء، وكتب طالب العلم ينتفع بها كآلة الصانع. انتهى.

وتقدم أنه يشترط في المدين: الإسلام، والحرية، وعدم بنوة لهاشم، وفي كلام الأجهوري نظر، حيث قال: والظاهر أن الدين يعطى منها لدينه ولو كان هاشميا؛ إذ لا مذلة عليه في ذلك، ولأن مذلة الدين أعظم من مذلة إعطاء الزكاة في دينه. انتهى. إذ هذا لا يقاوم حرمتها على بني هاشم، ويرد كلام الأجهوري ما تقدم عن القرافي وغيره المنقول في الحطاب. وقال عبد الباقي: ومن المدين المصادر من ظالم إن فكه منه شخص بدين في ذمة المصادر بالفتح، قياسا على ما مر في دفعها لأسير فك من الكفار بدين في ذمته، فكل منهما غارم بخلاف الفاك بها نفسها من الكفار والظالم فلا تجزئ. انتهى. وقد مر أن إعطاء ما بيده من العين وفضل غيرها بالفعل ليس بشرط، بل يكفي التقدير، ذكره الخرشي والأمير، وأشار إلى المصنف السابع المذكور، بقول الله عز وجل:{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، بقوله: ومجاهد؛ يعني أن المجاهد في سبيل الله من مصارف الزكاة، والمجاهد هو الغازي فتصرف له فيما ينتفع به في غزوة من نفقة وغيرها قال عبد الباقي عند قوله

ص: 545

"ومجاهد": أي وجب عليه الجهاد لكونه حرا مسلما ذكرا قادرا، والراد به المتلبس، ولا ينافيه أنه إن جلس نزعت منه -كما يأتي- لأنه كلام على الحكم بعد الوقوع، والظاهر أن التلبس به يحصل بالشروع فيه أو في السفر، حيث احتيج له، ويدخل فيه الرابط التلبس بالرباط. انتهى. قوله: والمراد به المتلبس بالغزو، قال محمد بن الحسن: مثله في التوضيح، وهو غير ظاهر، وفي المواق عن ابن عرفة: تعطى لن عزم على الخروج. تأمله. انتهى. وكلام التوضيح الذي أشار إليه هو قوله: تنبيه: لا يعطى الغازي إلا في تلبسه بالغزو، فإن أعطي برسم الغزو فلم يغز استرد، نص عليه اللخمي وغيره. انتهى. وقوله:"ومجاهد"، ولابد من أن يكون غير هاشمي -كما مر- وآلته؛ يعني أن الزكاة يشترى بها للمجاهد ما يحتاج إليه من آلة الحرب من سيف ورمح وغيرهما، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن المشار إليه بقول الله عز وجل:{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} الحج، والمراد به عندنا الجهاد؛ لأن هذا اللفظ إذا أطلق يتبادر منه إلى الذهن الغزو. قاله في التوضيح. وقوله:"وآلته"، من عطف على مجاهد أي ومصرف الزكاة مجاهد وآلته.

ولو غنيا؛ يعني أن الزكاة تصرف في المجاهدين ولو كانوا أغنياء، هذا هو المشهور، ومثله في المدونة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:(لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، وذكر منها الغازي)، ورد المصنف بلو قول ابن دينار: إن كان معه في غزوة ما يغنيه وهو غني ببلده فإنه لا يأخذ منها. انتهى.

واعلم أنه يشترى من الزكاة خيل وسلاح، ويبعث ذلك لمن يغزو به، وقال اللخمي: ابن عبد الحكم: وفي صلح العدو، ونقله ابن عرفة، وقبله الشيخ بهرام، والشيخ زروق في شرح الإرشاد وضيرهم. قاله الحطاب. وقوله:"ولو غنيا"؛ أي بشهادة حال، أو علم بمال. وفي التوضيح أن المجاهد الغني من أهل الزكاة، قال: لأنا لو اشترطنا عدم الغازي لدخل في القسم الأول -يعني الفقراء- ولأنه عليه الصلاة والسلام استثنى الغازي من الغني الذي تحرم عليه الصدقة، إلا أن مالكا والشافعي كرها ذلك للغني، ولعله على طريق الأولى. انتهى.

كجاسوس؛ يعني أن الجاسوس وهو الذي يرسل للإطلاع على أخبار العدو ويعلمنا بذلك لنكون على بصيرة، يعطى من الزكاة لسعيه في مصالح المسلمين، فهو في معنى المجاهد، ويشترط أن لا

ص: 546

يكون هاشميا، وبهذا التفسير فسره الخرشي، فقال: وهو شخص يرسله الإمام ليطلع على عورات العدو ويعلم حالهم، ثم يعلمنا بذلك لنكون على بصيرة؛ وهو من قولهم: جسست الخبر وتجسسته فحصت عنه، ثم إن الجاسوس يعطى من الزكاة ولو كافرا، ووقع في عبارة غير واحد أن الجاسوس يعطى من الزكاة ولو هاشميا كافرا؛ لأن الكفر منع حرمته فيعطى أوساخ الناس، بخلافه إن كان جاسوسا مسلما، فيشترط أن لا يكون هاشميا. انتهى. قال محمد بن الحسن: وهو غير صحيح؛ إذ لا يتصور ذلك إلا مرتدا وهو لا يقر على ردته.

لا سور؛ يعني أن الزكاة لا تصرف في السور المتحفظ به من الكفار، فلا يبنى منها وهذا هو المشهور، وقال محمد بن عبد الحكم: تبنى منها حصون المسلمين. انتهى. والسور هو البناء المحيط بالقرية، وهو من أعظم الحصون، ولا يطمع العدو في القرية بحسب العادة ما دام سورها حصينا، وحكى ابن الحاجب في السور قولين، قال في التوضيح: والمشهور المنع، وقد علمت أن مقابل المشهور قول ابن عبد الحكم.

ومركب؛ يعني أن الزكاة لا تصرف في عمل مركب يركب فيه المسلمون ويقاتلون فيه الكفار، وهذا هو المشهور، وقال محمد بن عبد الحكم: يعمل منها -أي الزكاة- المركب للغزو، ويدفع منها أجر النواتية. قاله الشارح. وإنما لم تصرف الزكاة في السور، وإن كانت القرية لا يطمع فيها العدو حيث لم يختل سورها وفي المركب للغزو لأن منفعتهما أعم مما هو المقصود الآن. قاله الشبراخيتي. ولا تصرف الزكاة في عمارة المساجد وبناء القناطر وتكفين الموتى، وما تقدم من أن قول ابن عبد الحكم تبنى منها حصون المسلمين، ويعمل منها المركب في الغزو، ويدفع منها أجر النواتية مقابل للمشهور هو الذي قاله الشارح، ومثله للمصنف في التوضيح.

وقال محمد بن الحسن: إن قول ابن عبد الحكم لم ينقل اللخمي غيره، واستظهره في التوضيح، وقال ابن عبد السلام: هو الصحيح، ولذا اعترض المواق المصنف وقال: إنه لم ير المنع لمن قبل ابن بشير فضلا عن تشهيره. وأشار إلى المصنف الثامن بقوله: وغريب محتاج لما يوصله؛ يعني أن الغريب -أي الذي تغرب عن وطنه- من المستحقين للزكاة، وهو المراد بقوله تعالى:{وابن السبيل} ، فتعطى له الزكاة بشروط ثلاثة: أحدها أن يكون محتاجا لما يوصله إلى بلده، فلو كان

ص: 547

معه ما يوصله إلى بلده لم يعط منها حيث كان غنيا ببلده، وإلا فسيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى، ثانيها أشار إليه بقوله: في غير معصية؛ يعني أنه يشترط في إعطاء الزكاة للغريب أن يكون قد تغرب في غير معصية، فلا يعطى مسافر لمعصية، كقتل إنسان ظلما، وهتك حرمة لا فيه من إعانة على الفساد.

وبما قررت علم أن متعلق قوله: "يوصله"، محذوف تقديره، لبلده، وأن قوله:"في غير معصية"، متعلق بقوله:"وغريب"، وقد مر أنه إذا تغرب في معصية لا يعطى من الزكاة، قال عبد الباقي: ولو خيف عليه الموت في بقائه إلا أن يتوب فيعطى منها، ولو لم يخف عليه الموت بعد التوبة كما استظهره بعض أشياخ علي الأجهوري، وهذا كله حكم العاصي بسفره، وأما العاصي فيه فلا ينبغي أن يمنع إعطاؤه كما في التيمم والقصر، وظاهر قوله:"محتاج لما يوصله"، أنه غير محتاج لا ينفقه؛ وهو كذلك، فإن احتاج لما ينفقه أعطي أيضا، وانظر هل مطلقا أو يجري فيه قوله: ولم يجد مسلفا؟ انتهى قوله: ولو خيف عليه الموت في بقائه، قال محمد بن الحسن: فيه نظر لقول اللخمي: لو كان في سفر معصية لم يعط إلا أن يتوب أو يخاف موته. نقله ابن عرفة.

وتقدم للزرقاني عنه مثله فيمن تداين لفساد، لكن نقل أبو علي عن التبصرة ما يفيد تفصيلا، ونصها: ولا يعطى منها ابن السبيل إن خرج في معصية وإن خشي عليه الموت نظر في تلك المعصية، فإن كان يريد قتل نفس أو انتهاك حرمة لم يعط، ولا يعطى منها ابن السبيل ما يستعين به على الرجوع إلا أن يكون قد تاب، أو يخاف عليه الموت في بقائه إن لم يعط. ففصل بين المسير والرجوع وهو ظاهر. انتهى. وقوله:"وغريب"؛ أي ولا بد أن يكون حرا مسلما غير هاشمي. وقوله: "محتاج لما يوصله في غير معصية"، هذان الشرطان وجوديان، وثالث الشروط عدمي، وإليه أشار بقوله: ولم يجد مسلفا وهو ملي ببلده؛ يعني أن ابن السبيل إنما تعطى له الزكاة حيث لم يجد مسلفا، أو وجد من يسلفه ما يوصله لبلده لكنه معسر في موضعه، وأما إن وجد من يسلفه ما يوصله لبلده وهو ملي في بلده فلا تعطى له الزكاة، فالصور ثلاث، فالمنطوق صورتان، والمفهوم صورة واحدة، وقال أصبغ عن ابن القاسم: يعطى منها الغازي وابن السبيل

ص: 548

وإن كانا غنيين بموضعهما ومعهما ما يكفيهما، ولا أحب أن يقبلا ذلك، فإن قبلا فلا بأس، قال أصبغ: أما الغازي فلا بأس أن يعطى وإن كان مليا وهو له فرض، وأما ابن السبيل فلا يعطى إذا كان معه ما يكفيه لأنه حينئذ لا يعد من أبناء السبيل، قال ابن القاسم: وابن السبيل هو الذي في غير بلده، وقد فرغت نفقته، وليس معه ما يتحمل به إلى بلده، وإن كان في غير غزو ولا تجارة فهو ابن السبيل كائنا مَّا

(1)

كان من المسلمين. انتهى. قاله الخطاب.

وصدق؛ يعني أن من ادعى أنه ابن السبيل ليعطى من الزكاة يصدق في ذلك؛ أي يصدق في أنه غريب ويعطى من الزكاة، وظاهره أنه يصدق بغير يمين. قاله غير واحد. وإن جلس نزعت منه؛ يعني أن الغريب المحتاج لا يوصله لبلده إذا وهبت له الزكاة وجلس ولم يسافر، فإنها تنزع منه إن كانت باقية، كما يشعر به تعبيره به بنزعت، فإن ذهبت لم يرجع عليه بها، ولكن مقتضى التعليل بأنه أخذها لشيء ولم يحصل اتباعه بها دينا عليه، ويجري مثل ذلك في قوله:"كغاز"، وفهم من قوله:"وإن جلس نزعت منه"، أنه معه شيء ينفقه، وأما إذا لم يكن معه شيء ينفقه فإنه فقير، فلا ينزع منه ما يستحقه بوصف الفقر. قاله اللخمي. وقال أيضا: من أخذ زكاة لفقره لم يردها إن استغنى قبل إنفاقها. قاله الخطاب وقوله: "وإن جلس نزعت منه"، قال الشبراخيتي: إلا أن يسوغ له الأخذ من الزكاة لأجل الفقر، وقال الأجهوري: وإن كان محتاجا لا ينفقه فإنه يعطى بوصف الفقر، وسيأتي عند قول المصنف "وتفرقتها بموضع الوجوب أو قربه"، التصريح بأن ابن السبيل إذا كان فقيرا يعطى من الزكاة ويكون من فقراء البلد، وليس ذلك من نقل الزكاة، والسفر لأجل الزكاة سفر معصية على ما نص عليه العلماء، ولا تجزئ دافعها إن علم. نقله ابن عبد الصادق عن الأخضري الكبير. والله سبحانه أعلم.

كغاز؛ يعني أن الغازي إذا دفعت له الزكاة، ثم إنه جلس ولم يغز فإنها تنزع منه. الشبراخيتي: وتعبيره في ابن السبيل بنزعت يقتضي أنها باقية، فلو ذهبت لم يرجع عليه بها، وهذا بخلاف الغازي فإنها تنزع منه إذا كانت موجودة، وتكون عليه إن تلفت؛ لأن الغزو في معنى المعاوضة.

(1)

في الحطاب ج 3 ص 111 ط دار الرضوان: من كان.

ص: 549

انتهى. ونحوه للأجهوري، وقوله:"وإن جلس نزعت منه كغاز"، محل نزعها منهما ما لم يكن ذلك القدر الذي أخذا يسوغ لهما لفقرهما، وإلا فلا ينزع منهما كما في الخرشي.

وقال الخطاب: قال اللخمي: ومن أخذ زكاة لفقره لم يردها إن استغنى قبل إنفاقها، ثم ذكر الغازي وابن السبيل كما قال المصنف، وقال فيه: إلا أن يكون ذلك القدر يسوغ له لفقره، وإن لم يكن ابن السبيل. انتهى. والظاهر أن الغازي كذلك. قاله جامعه والله أعلم.

وفي غارم يستغني تردد؛ يعني أن الغارم. -أي المدين- إذا استغنى قبل دفع الزكاة في دينه، فإن اللخمي تردد في أمره أي توقف فيه، ونصه على ما نقله الخطاب: وفي الغارم يأخذ ما يقضي به دينه قبل أدائه إشكال، ولو قيل تنزع منه لكان وجها، ونقله المواق وغيره فالتردد هنا للخمي وحده. قاله غير واحد.

فقوله: "وبالتردد"،: لتردد المتأخرين، قد تقدم في شرح الخطبة أن المراد جنس المتأخرين، فيصدق بالواحد كما هنا، ويتبين من كلام اللخمي أنه اختار أنها تنزع فلا وجه لحكاية التردد، وكان المناسب أن يقول: واختار أخذها من غارم يستغني. قاله الشبراخيتي. وقال الأمير: فإن جلس نزعت. اللخمي: كغارم يستغني، وتعقب ما في الأصل من التردد. انتهى. وقال عبد الباقي: والمعتمد نزعها من غارم يستغني قبل دفعها في دينه. انتهى. وقال الأجهوري بعد ما نقل كلام اللخمي ما نصه: فقد اختار أنها تنزع منه، فلا وجه لحكاية التردد، فكان المناسب أن يقول: واختار أخذها من غارم استغنى، وقال التردد للخمي وحده، فتحصل مما مر أنها تنزع من الغارم يستغني.

وندب إيثار المضطر؛ يعني أنه يندب لمتولي تفرقة الزكاة مالكا أو غيره أن يوثر المضطر؛ أي يفضله في الإعطاء على غيره، فيوثر المسكين على الفقير، قال في المدونة: ومن لم يجد إلا صنفا واحدا مما ذكر الله تعالى في كتابه أجزأه أن يجعل زكاته فيهم، وإن وجد الأصناف كلها آثر أهل الحاجة منهم، وليس في ذلك قسم مسمى. انتهى. وقال في الذخيرة: إن لم يجد إلا صنفا واحدا أجزأ الإعطاء له إجماعا، وإن وجد الأصناف كلها أجزأه صنف عند مالك وأبي حنيفة، وقال الشافعي: يجب استيعابهم إذا وجدوا، واستحسنه أصبغ ليلا يندرس العلم باستحقاقهم، ولما فيه

ص: 550

من الجمع بين مصالح سد الخلة والإعانة على الغزو ووفاء الدين وغير ذلك، ولما يرجى من بركة دعاء الجميع ومصادفة ولي فيه، وانعقد الإجماع على عدم استيعاب آحادهم. قاله الخطاب. تنبيهات: الأول: قال ابن عبد السلام: وأما إجزاؤها إذا دفعت إلى صنف واحد من الثمانية، أو إلى شخص واحد من ذلك المصنف، ففيه الاضطراب العلوم بين علماء الأمصار، والذي تسكن النفس إليه هو تعميم الأصناف بحسب الإمكان، وقد استقرئ

(1)

ذلك من المذهب -انتهى- فيفهم منه أن دفعها إلى الشخص الواحد من المصنف كدفعها إلى المصنف في جري الخلاف، فيكون المذهب فيه الإجزاء وهو ظاهر. قاله الخطاب. وهو ظاهر كما قال. والله أعلم.

الثاني: قال اللخمي: يبدأ من الزكاة بأجر العاملين، ثم بالفقراء والمساكين على العتق؛ لأن سد خلة المؤمن أفضل من ذلك؛ لأن من حق من وجبت عليهم الزكاة ألا تصرف زكاتهم لغير الفقراء إلا بعد سد خلتهم؛ لأن صرفها إلى غيرهم يوجب عليهم المواساة لأولئك قبل العام الثاني، وإن كان هناك مؤلفة بدئ بهم لأن استنقاذهم من النار بإدخالهم في الإسلام أو تثبيتهم عليه إن كانوا قد أسلموا أفضل الأعمال، وذلك أولى من إطعام الفقير، وقد يبدأ بالغزو إذا خشي على المسلمين، ويبدأ ابن السبيل على الفقير إذا كان يدركه في بقائه، وتأخره ضرر، والفقير في وطنه أقل ضررا، وذكره القرافي وصدره بقوله: الحكم الثاني الترتيب، ولا شك أن هذا لبيان ما هو أولى أن يفعل، ولعله مراد المؤلف بقوله:"وندب إيثار المضطر"، ولم يذكر اللخمي تبدئة المساكين على الفقراء؛ لأن المشهور أن المساكين أحوج، ومعلوم أن الأحوج مقدم. قاله الخطاب.

الثالث: قال سند: إن استوت الحاجة، قال مالك: يُوثِرُ الأدين ولا يَحْرِم غيره، وكان عمر رضي الله عنه يوثر أهل الحاجة، ويقول: الفضائل الدينية لها أجور في الآخرة، والصديق رضي الله عنه يوثر سابقة الإسلام والفضائل الدينية لأن إقامة بنية الأبرار أفضل من إقامة بنية غيرهم، لما يترتب على بقائها من المصالح. انتهى. ونحوه في النوادر، وما ذكره عن العمرين رضي الله عنهما عكس ما نقله ابن يونس وأبو الحسن وغيرهما عنهما، إلا أنهما نقلا عن عمر أنه قال: لو

(1)

في الأصل: استقر، والمثبت من الخطاب ج 3 ص 112 ط دار الرضوان.

ص: 551

استقبلت من أمري ما استدبرت لقسمت ذلك قسما واحدا، ولئن بقيت إلى قابل لألحقن الأسفل بالأعلى. والله أعلم. قاله الخطاب.

الرابع أطلق القرافي وابن الحاجب وصاحب الشامل وغيرهم القول بأن دفعها لصنف مجزئ، قال في التوضيح: وقيد ذلك ابن عبد السلام وابن هارون بما عدا العامل، قالا: إذ لا معنى لدفعها جميعا له، قال المصنف: ولعل هذا إنما هو إذا أتى بشيء له بال، وأما إن حصلت له مشقة وجاء بالشيء اليسير فينبغي أن يجوز إعطاؤه الجميع، وهو مقتضى كلام الباجي، ثم وما قاله ظاهر، وجزم به الشارح في شرحه الكبير، وقال ابن عرفة بعد ذكره الأصناف الثمانية: وصرفها في أحدها غير العامل مجزئ. انتهى. ويقيد بما قاله صاحب التوضيح، والحاصل: أنها لو دفعت لصنف واحد أجزأ إلا العامل، فلا تدفع له إلا أن تكون قدر عمله. والله أعلم. قاله الخطاب. وقال عبد الباقي: فلا تدفع إلى العامل إلا إن كانت قدر عمله. وفي التوضيح والشارح: إنما تدفع له إن كانت شيئا يسيرا لا يساوي عمله، وقال الشارح عند قوله "وندب إيثار المضطر": يعني أنه يستحب في تفريق الزكاة إيثار المضطر أي المحتاج، وكذا قال مالك: ابن القاسم: ولا يرضخ لغيرهم ممن لا يستحق الزكاة. انتهى.

دون عموم الأصناف؛ يعني أنه لا يندب استيعاب الأصناف الثمانية بإعطاء الزكاة، فيجوز دفع جميعها لصنف واحد إلا العامل، فلا تدفع له إلا إذا كانت قدر عمله كما تقدم، وما ذكره المصنف يفيد أنه لا يستحب مراعاة الخلاف، وفي ذلك خلاف، والراجح منه استحباب مراعاته كما ذكره غير واحد. قاله الشبراخيتي. وتقدم أن أصبغ يقول بندب تعميم الأصناف وهو الذي رد عليه المصنف بقوله: دون عموم الأصناف، وقال عبد الباقي: ثم محل عدم ندب عموم الأصناف، إلا أن يقصد لرعي خلاف الشافعي، فيعمم لندب مراعاته كما ذكره غير واحد. انتهى. والاستنابة، عطف على قوله:"إيثار المضطر"؛ يعني أنه يندب لرب المال أن يستنيب؛ أي يوكل وكيلا يتولى عنه إخراج الزكاة ودفعها، وكره له توليها خوف قصد المحمدة أو خوف الوقوع فيها. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي في كبيره: خوف وقوع المحمدة أي حصولها غَيْرُ خوف قصدها؛ الأول محمود، والثاني مذموم، ويشهد لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مدح المؤمن

ص: 552

في وجهه ربا الإيمان في قلبه

(1)

). انتهى. وقال الخرشي في صغيره: يعني أن الاستنابة في تفرقة الزكاة تستحب، ويكره أن يليها بنفسه خوف المحمدة والثناء، وعمل السر أفضل.

ومن آدابها دفعها باليمين، ودعاء الْمُصَدِّقِ والإمام لدافعها، والصلاة عليه، وأوجبه داود. انتهى، وقد قال عياض في قواعده: ومن آداب الزكاة أن يسترها عن أعين الناس، وقد قيل الإظهار في الفرائض أفضل ونحوه لسيدي زروق، قال: إلا أن يكون الغالب تركها، فيستحب الإظهار للاقتداء به. انتهى. وقال في المدونة: ولا يعجبني أن يلي أحد تفرقة صدقة ماله خوف المحمدة والثناء، وعمل السرّ أفضل، ولكن يدفع ذلك إلى رجل ينوبه فيقسمه. أبو الحسن: قال صاحب التقريب: لا أحب، وهذا يبين أنه حمل لا يعجبني على معنى الكراهة، وأراد خوف قصد المحمدة، ولو جزم أنه قصد المحمدة لصرح بالمنع، ولو جزم أنه يسلم من ذلك لصرح بالجواز، ولابد أن يكون عالما بأحكامها ومصرفها، وإلا وجب عليه أن يتعلم ذلك أوأن يستنيب من يعلم ذلك. قاله الخطاب.

تنبيهات: الأول: قال عياض في قواعده: من آداب الزكاة أن يسترها عن أعين الناس، قال: وقد قيل الإظهار في الفرائض أفضل، قال شارحه: قال ابن بطال: لا خلاف بين أيمة العلم أن إعلان صدقة الفرض أفضل من إسرارها، وأن الإسرار بصدقة النوافل أفضل من إعلانها، ثم ذكر عن ابن عطية وغيره خلافا في صدقة الفرض، لكن ضعف القول بإسرارها، ثم قال: وما بدأ به المؤلف هو القول المرجوح المطعون عليه، وإنما قدمه لأنه مذهب مالك. انتهى. قاله الخطاب.

الثاني: قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: فأما سترها فمستحب لما يعرض من الرياء إلا أن يكون الغالب على الناس تركها، فيستحب الإظهار للاقتداء. انتهى. وهذا عكس ما قال ابن عطية على ما نقل القباب، فإنه قال: كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء. انتهى. قاله الخطاب. قال: وهذا -والله أعلم- يختلف باختلاف الأحوال، فمن أيقن بسلامته من الرياء وحسن قصده في الإظهار استحب له، ومن غلب عليه خوف الرياء استحب له الإسرار، ومن تحقق وقوع الرياء وجب عليه الإخفاء والاستنابة. والله أعلم. انتهى.

(1)

الإتحاف، ج 4 ص 182.

ص: 553

الثالث: عد عياض في آدابها: دفعها باليمين، وقال: ويستحب للمتصدق وللإمام الدعاء والصلاة على دافعها. انتهى. وفي الذخيرة: ولا يجب على الساعي أن يدعو لصاحب الصدقة، خلافا لداود، واستحسنه الشافعي. انتهى. وفي الجواهر: ولا يجب على الإمام ولا على نائبه أن يَدْعُوَ لصاحب الصدقة إذا أخذها منه لكن يندب إلى ذلك. انتهى. قاله الخطاب.

الرابع: قال في التمهيد في شرح الحديث الثاني عشر لزيد بن أسلم لما أن قال الأعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنك لتعطي لمن شئت

(1)

): يحتمل أن يكون هذا من الأعراب الجفاة الذين لا يدرون حدود ما أنزل الله على رسوله، وفي هذا الحديث دليل على ما قال مالك من أن من تولى تفريق الصدقات لم يعدم من يلومه، قال: وقد كنت أتولاها بنفسي فأوذيت وتركت ذلك. انتهى. قاله الخطاب. الخامس: قال سند في الكلام على مصرف الزكاة: من دفعت إليه زكاة ليفرقها في أهلها وكان هو من أهلها، جاز أن يأخذ منها بالمعروف، قال مالك في الموازية: فيمن أعطي مالا في خروجه لحج أو غزو ليصرفه على من قطع به فقطع به هو فليأخذ منه بالمعروف، وهذا بين لأن علة الاستحقاق قائمة، فلا فرق بينه وبين غيره من المستحقين. انتهى. وما ذكر عن الموازية نحوه في كتاب النوادر في كتاب الزكاة، وفي كتاب الحج الثاني فيمن بعث معه جزاء أو فدية أو جزاء صيد أنه لا يأكل منه، قال: إلا أن يكون الرسول مسكينا فجائز أن يأكل منه، قال في الطراز في شرحه: ونظيره الكفارة والزكاة تدفع لبعض المساكين، ليفرقها على المساكين فله أن يأخذ نصيبه منها بالعدل. انتهى. وقال أبو الحسن الصغير: يؤخذ من شرح هذه المسألة أن من أعطيت له صدقة يفرقها أنه يجوز له أن يأخذ مقدار حظه إذا كان مسكينا، وهي مسألة فيها قولان، وسببها الوكيل هل هو معزول عن نفسه أم لا؟ وهل المأمور بالتبليغ داخل تحت الخطاب أم لا؟ ويقوم منه أن من جعل ماء له في العطاش أنه يشرب منه إن عطش. انتهى. قاله الخطاب. وفي رسم البز من سماع ابن القاسم: أجاز لمن بعث معه بمال في حج أو غزو ليفرقه على المنقطعين أن يأخذ منه إذا احتاج بالمعروف، والمعروف ألا يحابي نفسه فيأخذ أكثر مما يعطي غيره، واستحب له إن وجد من يسلفه أن يتسلف ولا يأخذ منه شيئا، واستحب له إذا رجع أن يعلم

(1)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث:11.

ص: 554

ربه بذلك، فإن لم يمضه وجب غرمه له، وإن فات ولم يمكنه إعلامه لم يكن عليه أن يتمحص منه؛ لأنه أجاز له الأخذ ابتداء، وإن قال له صاحبه إن احتجت فخذ جاز له أن يأخذ باتفاق مثل ما يعطي غيره، ولا يجوز له أن يأخذ لنفسه أكثر إلا أن يعلم أن صاحب المال يرضى بذلك. انتهى. قاله الخطاب. وفي رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس فيمن حبس على ذوي الحاجة أنه يعطى منه ورثته إن احتاجوا. والله أعلم. قاله الخطاب.

وقد تجب؛ يعني أن الاستنابة قد يعرض لها الوجوب كما إذا تحقق وقوع الرياء منه، وكالجاهل بأحكامها. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: فتجب إذا جزم بقصد المحمدة، أو جهل كيفية تفرقتها، فإن جزم بعدم قصد المحمدة ولم يخف الوقوع فيها، جاز. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقد تجب الاستنابة إذا علم من نفسه الرياء أو لا يعلم من يستحقها. انتهى. وقال الحطاب: ولابد -يعني- في الندب أن يكون عالما بأحكامها ومصرفها، وإلا وجب عليه أن يتعلم أو أن يستنيب من يعلم ذلك. انتهى. وقال عن أبي الحسن: ولو جزم أنه قصد المحمدة لصرح بالمنع، ولو جزم أنه يسلم من ذلك لصرح بالجواز. انتهى. فبقي قول الإمام لا يعجبني أن يلي أحد تفرقة صدقة ماله على ما إذا خيف قصد المحمدة. والله سبحانه أعلم.

وكره له حينئذ تخصيص قريبه؛ يعني أنه يكره حين الاستنابة للنائب أي الوكيل على دفع الزكاة أن يخص بها قريب رب المال المستنيب له، وكذا إيثاره، وأما تخصيص النائب قريب نفسه فالظاهر أنه ممنوع لأنه خلاف ما استنابه عليه، بخلاف إعطائه شيئا أو أخذه هو منها بوصف الفقر، فيجوز. قاله عبد الباقي. وأما تخصيص رب المال قريب نفسه فيمنع ولا يجزئه حيث كانت تلزمه نفقته وإلا كره كما رواه ابن القاسم، وروى مطرف أنه يجوز، وروى الواقدي أن إعطاءهم أفضل. قوله: وأما تخصيص رب المال، قال محمد بن الحسن: الذي في المواق والتوضيح أن التفصيل والخلاف في الإعطاء لا في خصوص التخصيص كما يوهمه الزرقاني، تأمله. قاله محمد بن الحسن. وقوله: لأنه خلاف ما استنابه عليه، يؤخذ منه أنه لو علم من قرينة حاله أو مقاله أنه آذن في صرفها لقريب النائب كلها، لجاز للنائب تخصيص قريب نفسه بها لأجل ذلك.

ص: 555

واعلم أنه ينبغي للشخص أن يختار لصدقته أهل الفضل والصلاح؛ لأن سد خلتهم أولى من سد خلة غيرهم،

وبما قررت علم أن الضمير المجرور باللام للنائب، وأن الضمير في قريبه لرب المال، وقوله "حينئذ"؛ أي حين الاستنابة، والظرف متعلق بكره، وقد مر عن ابن القاسم على نقل محمد بن الحسن عن التوضيح والمواق أنه: يكره لرب المال إعطاء زكاته لقريبه الذي لا تلزمه نفقته، قال بعض: إنما كره إعطاء قرابته خوفا من أن يحرمهم صلة القرابة اتكالا لهم على الزكاة، قال مطرف: وحضرت مالكا يعطي زكاته قرابته. وفي شرح الشيخ ميارة أنه يعطيهم لكن يستحب أن لا يباشر ربها إعطاءهَا لَهُمْ. انتهى. وقال الشبراخيتي: وسئل ابن رشد عمن يخص قرابته بزكاته، فأجاب: إن فعل أجزأه، وإن وجد أحوج منهم فالاختيار أن لا يخصهم، وقال أبو الطيب: إعطاء القرابة أولى ممن يساويهم في الفقر. انتهى. وقال ابن الحاجب: فإن كانوا قرابة لا تلزمه نفقتهم وليسوا في عياله، فثلاثة الجواز والكراهة والاستحباب، قال في التوضيح، الكراهة للمدونة، قال فيها: وأما من لا تلزمه نفقته من قرابته فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم، ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره، كما يعطي غيرهم، وإن كانوا لها أهلا، قال اللخمي: فكرهه فيها خوفا أن يحمد عليها، والإباحة رواها مطرف عنه في كتاب ابن حبيب، قال: لا بأس بذلك، وحضرت لمالك يعطي زكاته قرابته، والاستحباب رواه الواقدي عن مالك، قال مالك: أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول. وذكر المازري أنها: صدقة وصلة. الباجي: ولم يختلف قول مالك في الجواز إذا ولى غيره إخراج زكاته. انتهى.

وهل يمنع إعطاء زوجة زوجا أو يكره؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول المدونة، وقال ابن القاسم: ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها، هل هو محمول على المنع، وإليه ذهب اللخمي؟ أو الكراهة، وإلى هذا التأويل ذهب ابن القصار وبعض أشياخه؟ وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، تأويل المنع للخمي -كما عرفت- وتأويل الكراهة لابن القصار وبعض أشياخه.

ص: 556

وقال أشهب: أكره ذلك، فإن أعطته ولم يرد ذلك عليها فيما يلزمه من نفقتها أجزأها، وإن رد عليها فيما يلزمه من نفقتها لم يجزها، وفرق ابن حبيب بين صرفه عليها مطلقا أي فيما يلزمه وفيما لا يلزمه فلا يجزئ، وبين أن يصرف ما تعطيه في مصلحته فيجزئه، ونص ما قاله اللخمي عن ابن حبيب إن يستعن بما تعطيه في النفقة عليها فلا يجزئها، وإن كان في يده ما ينفق عليها وهو فقير ويصرف ما تعطيه في مصلحته وكسوته أجزأها، قال اللخمي: فإن أعطى أحد الزوجين الآخر ما يقضي منه دينه جاز؛ لأن النفقة في ذلك لا تعود على المعطي. نقله في التوضيح. وقوله: وهل يمنع إعطاء زوجة؟ لخ، وأما إعطاء الزوج زكاته لزوجته فممنوع بلا كلام، قاله الشبراخيتي. قال: ومحل هذا ما لم يكن إعطاء أحدهما للآخر ليدفعه في دينه ولينفقه على غيره، وإعطاء الولد لوالده حيث تجب عليه نفقته، وعكسه ليدفعه في دينه جائز أيضا. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "تأويلان": وأما عكسه؛ يعني إعطاء الزوج للزوجة فيمنع قطعا، ومحل المنع والتأويلين ما لم يكن إعطاء أحدهما الآخر ليدفعه في دينه أو ينفقه على غيره وإلا جاز كإعطاء الولد لوالده حيث تجب نفقته عليه، وعكسه ليدفعه في دينه فإنه جائز أيضا. انتهى.

وقال الحطاب: قال ابن فرحون: وفي التبصرة أن الرجل إذا أخرج من زكاته ما يقضي به دين أبيه، وأبوه فقير تلزمه نفقته جاز؛ لأن المنفعة لا تعود على المعطي. انتهى. وانظر ما مراده بالتبصرة، فإني لم أره في اللخمي، وقال الشيخ أبو الحسن. في شرح هذه المسألة: في المدونة ويؤخذ منه أن من دفع إلى أبويه الفقيرين لقضاء دين عليهما أن ذلك يجزئه، وذكر كلام اللخمي المتقدم. والله أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي: ذكر السيوري أن إعطاء الولد لوالده الفقير قبل الحكم بالنفقة عليه ولو لينفقها على نفسه يجزئه؛ لأنها إنما تجب بالقضاء، ونحوه تقدم عن المدونة عند قوله: أو والد بحكم إن تسلف.

قال البرزلي: وأما عكس هذا وهو إعطاء الوالد زكاته لولده الفقير ففيه نظر على مذهب ابن القاسم وأشهب. انتهى. قال بعض الشراح: والجاري على قول المصنف: أو ولد إن حكم بها، أن لا فرق بين الوالد والولد في شرط الحكم؛ وهو مذهب ابن القاسم. انتهى المراد منه. وذكره الخطاب عند قوله: أو إنفاق، قلت: الحكم إنما يعتبر في كونها تسقط الزكاة وفي وجوب نفقة

ص: 557

الوالد، وليس في كلامه دلالة على أنه يتوقف وجوب نفقة الولد على والده على الحكم. انتهى كالأم عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: قول الزرقاني: "ذكر السيوري" انظر هذا النقل، والذي في الحطاب عند قول المصنف: أو إنفاق، ما نصه: في البرزلي عن السيورى: من له ولد غني وأبى من طلب نفقته منه يعطى من الزكاة. البرزلي: لأنها لا تجب إلا بالحكم، فكأنه لم يكن له ولد، فإن كان الأمر على العكس ففيه نظر على مذهب ابن القاسم وأشهب. انتهى. فتأمله فإنه ليس صريحا فيما زعمه الزرقاني من أن الأب يأخذها من ولده ولا في عكسه، بل الظاهر أن مراده الأخذ من الغير، وحينئذ فلا دليل لما زعمه. انتهى. وقوله: تقدم عن المدونة لخ، لم يتقدم له عن المدونة ما يفيد شيئا من ذلك قاله محمد بن الحسن. أيضا.

تنبيه: ذكر ابن زرقون عن عياض أنه روي عن مالك جواز إعطاء الرجل زكاته لمن تلزمه نفقته. ابن عبد السلام: ورأيت بخط الرجل الصالح أبي العباس أحمد بن العجلان رحمه الله على هذا الموضع من كلام ابن زرقون ما معناه أنه عارض هذا النقل بما نقله عياض في الإكمال، فإنهم أجمعوا على أنه لا يدفعها إلى والديه وولده في حال يلزمه الإنفاق عليهم، وجمع الشيخ أبو العباس بين نقلي عياض بحمل الأول على أن ذلك في حال لا تلزمه نفقتهم، ويرى أن فقر الأب ومن في معناه له حالتان: الحالة الأولى: أنه يضيق ويحتاج لكن لم يشتد عليه ذلك، فهذا يجوز إعطاؤه من الزكاة ولا تلزمه نفقته، بل تبقى ساقطة عن ابنه كما كانت قبل ضيق حاله، والحالة الثانية: أن يشتد ضيق حاله ويصير فقره إلى الغاية وهذا يجب على ابنه أن ينفق عليه، ولا يجوز لابنه أن يدفع زكاته إليه. والله أعلم. انتهى. قاله في التوضيح.

وجاز إخراج ذهب عن ورق؛ يعني أن من لزمته الزكاة في الورق يجوز له أن يخرج عما لزمه في الورق من ربع العشر ذهبا وعكسه؛ يعني أنه يجوز عكس ما ذكر أي أن من له نصاب من الذهب حال حوله، يجوز له أن يخرج عما لزمه في الذهب من ربع العشر فضة، ومقتضى كلام المصنف أنه يجوز إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب من غير أولوية لأحدهما عن الآخر؛ وهو كذلك، وهذا هو مذهب المدونة وهو المشهور، وعن ابن لبابة وسحنون: لا يخرج الذهب عن الورق ولا الورق عن المذهب، وظاهره المنع، وحكى ابن بشير في ذلك قولين، ثالثها: يجوز إخراج الورق

ص: 558

عن الذهب بخلاف العكس. قاله الشارح. وأما إخراج الفلوس عن أحد النقدين فالمشهور فيه الإجزاء مع الكراهة؛ لأن من أخرج القيمة أساء وأجزأه كما شهره غير واحد، ونقله في التوضيح خلاف ما يفهم من كلام المصنف الآتي من أن القيمة لا تجزئ حيث قال: أوطاع بدفعها لجائر في صرفها أو بقيمة لم تجز. والله أعلم. قاله الخطاب. وهذا في إخراجها عن أحد النقدين كما هو الموضوع، وأما لو أخرجها عن نفسها بأن تعطى عن الواجب فيها فلا يختلف في الإجزاء، وليس من إخراج القيمة. قاله محمد بن الحسن عن أبي زيد الفاسي. انتهى. قوله: وأما لو أخرجها عن نفسها لخ.

قال جامعه عفا الله عنه: يعني فيما إذا كانت للتجارة. والله سبحانه أعلم. وقال في النوادر في ترجمة قدر ما يعطى من الزكاة: ولا بأس أن يجمع النفر في الدينار أو يصرفها دراهم إذا كانت الحاجة كثيرة، وإن زكى دراهم فلا يصرف ما يخرج عنها دنانير ولا يصرفها بفلوس لكثرة الحاجة ليعمهم، ولكن ليجمع النفر في الدرهم إن شاء، وإن صرفها فلوسا وأخرجها فقد أساء وأجزأه. انتهى.

بصرف وقته، الباء متعلقة بإخراج، وهي باء الملابسة أي متلبسا بصرف وقته، أو المقابلة أي مقابلا بصرف وقته أي المذهب مقابل بصرفه من الفضة والفضة، مقابلة بصرفها من الذهب. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى كلام المصنف أن من أراد أن يخرج ذهبا عن فضة أو فضة عن ذهب يراعي في ذلك ما يتعامل به الناس في بيع الذهب بالفضة، وقته أي وقت إخراج أحد النقدين عن الآخر في الزكاة، فالمعتبر في ذلك وقت الإخراج ولو بعد وجوب الزكاة. مطلقا؛ يعني أن المعتبر صرف وقت الإخراج مطلقا، سواء كان مساويا للصرف الأول أو أنقص أو أزيد، والصرف الأول كل دينار بعشرة دراهم؛ وهو المشار إليه بقوله:"وفي مائتي درهم شرعي وعشرين دينارا ومجمع منهما بالجزء ربع العشر"، وهذا هو المشهور. وقيل: المعتبر الصرف الأول وهو في العونة، وقيل: المعتبر صرف وقت الإخراج ما لم ينقص عن الصرف الأول؛ وهو لابن حبيب. قال في الواضحة: يخرج على صرف يومه ما لم ينقص عن عشرة دراهم في الدينار، فليخرج على صرف عشرة. بقيمة السكة، الباء بمعنى: مع، متعلقة "بصرف"، ومعنى كلام المصنف أنه إذا أخرج الذهب

ص: 559

عن ورق مسكوك، أو الورق عن ذهب مسكوك، فإنه تعتبر قيمة السكة في المخرج عنه اتفاقا، وأما سكة المخرج فلا شك في اعتبارها إن كان المخرج من غير نوع المخرج عنه، فلو وجب عليه من الفضة وزن عشرة دراهم وأراد إخراج قيمتها من المذهب فإنه يراعي في الذهب المخرج قيمته إن كان مسكوكا، وكذا لو وجب عليه نصف لقوم بما يعدله من الفضة على حالها من سكة وغيرها. قاله الشبراخيتي.

فتحصل من هذا: أنه إذا أخرج نوعا عن نوع آخر فإنما يعتبر ما يتصارف عليه الناس وقت الإخراج، فإذا أخرج عن المسكوك غير مسكوك اعتبر ما يعدل المسكوك من غير المسكوك إذ ذاك، وإن أخرج المسكوك عن المسكوك فإنه يعتبر ما يعدل المسكوك من المسكوك إذ ذاك، وإن أخرج المسكوك عن غير مسكوك اعتبر ما يعدل غير المسكوك من المسكوك، وكذا لو كانا غير مسكوكين فالمتبر ما يصارف عليه وقت الإخراج مطلقا أي سكا أو أحدهما أم لا، وقد علمت أن هذا إذا كان المخرج من غير نوع المخرج عنه، وكذا لو اتحد نوع المخرج والمخرج عنه، ولهذا قال: ولو في نوع؛ يعني أن قيمة السكة معتبرة في المخرج عنه، ولا فرق في ذلك بين أن يختلف نوع المخرج عنه والمخرج كما مر وبين أن يتحد نوعهما، فإذا وجب نصف دينار في عشرين دينارا مسكوكة ووجد ذلك النصف مسكوكا أخرجه ولا إشكال، وقد اعتبرت السكة هنا في المخرج والمخرج عنه، وإذا لم يجد نصف دينار مسكوكا وأراد أن يخرج عنها تبرا أو مكسورا فلا يراعي في المخرج وزن نصف دينار فقط، بل يراعي وزنه وقيمة سكته لأنه بسكته أزيد في الصرف من وزنه تبرا أو مكسورا لأنه لما ثبت للفقراء حق في سكة الذهب حين أخرج عنه ورقا، وجب أن يثبت مثله في إخراج نوعه عنه من تبر أو مكسور احتياطا للفقراء، ورد المصنف بلو قول ابن حبيب: لا تعتبر قيمة السكة في إخراج النوع عن نوعه.

والحاصل: أنه إن اتحد نوع المخرج والمخرج عنه، وكان كل منهما مسكوكا، فالأمر ظاهر -كما مر- وإن كان المسكوك هو المخرج عنه اعتبرت قيمة سكته -كما مر- وإن كان بالعكس اعتبر وزن المخرج عنه، كمن وجب عليه مثقال تبر فلا يخرج عنه دينارا مسكوكا، وإن كانت قيمته تزيد على مثقال التبر لأن وزن الدينار أقل من مثقال التبر، بل يخرج عنه وزنه من المسكوك ولا تعتبر

ص: 560

قيمة زيادة سكته، وكذا من وجب عليه ربع عشر قطع فضة عنده وزنها مائتا درهم شرعي، فلا يخرج عنها من الفضة المسكوكة إلا وزنها، ولا تعتبر زيادة قيمة سكتها. وقوله:"ولو في نوع"، مثله لابن الحاجب وابن بشير وابن عبد السلام والتوضيح وغير واحد. قال الرماصي: وفيه نظر، وذلك أنهم نسبوا إخراج الجزء مع قيمة السكة للقابسي، ومقابله لابن حبيب مع أن القابسي لم يقل: يخرج النوع مع قيمة السكة، قال ابن محرز: لما ذكر قول ابن حبيب: يخرج الجزء فقط، عارضه شيخنا القابسي، وقال: قد وجب للمساكين في الدنانير ربع العشر مسكوكا شركة معه، فمتى أخرج قطعة تبر أخرج أقل مما يجب عليه، والصواب أن يخرج قيمة ذلك دراهم. انتهى. وذكر أن ابن إدريس الزواوي اعترض بمثل هذا على ابن الحاجب، وعلل منع إخراج النوع مع قيمة السكة بأنه ربا، قال: لأن أبا الحسن نص على أن المساكين وجب لهم الجزء شركة، فيجري الربا بينهم. انتهى. وأشار ابن عرفة إلى ذلك بقوله: فإن وجب في مسكوك ذهب جزء لم يوجد، ففي إجزاء قدره غير مسكوك ولزوم قيمته مسكوكا دراهم نقلا ابن محرز عن ابن حبيب والقابسي، ولم يحك غيره معزوا، كأنه المذهب. ونقل ابن بشير قول القابسي: والمخرج ذهب وَهَمٌ وَرِبًا. انتهى. فاعتراضه على ابن بشير يرد على ابن الحاجب والمؤلف. انتهى. نقله محمد بن الحسن.

وأما لو أخرج الردي عن الجيد أو الجيد عن الردي، ففيه ثلاثة أقوال: المنع مطلقا وانظر ما وجهه، والثاني الجواز مطلقا واختاره المصنف في التوضيح، قائلا: إذا جاز إخراج الذهب عن الورق وعكسه فإخراج الذهب عن مثله أجوز، والثالث جواز إخراج الردي عن الجيد بخلاف عكسه، وذكره ابن المواز، وظاهر كلام غير واحد ترجيحه، وذكره ابن عرفة. قاله الشبراخيتي. لا صياغة؛ يعني أن قيمة الصياغة غير معتبرة، فليست كقيمة السكة، فلا تعتبر في المخرج عنه وأولى المخرج، هذا إذا كان المخرج من نوع المخرج عنه، كما أشار إلى ذلك بقوله: فيه؛ أي في النوع الواحد أي لا تعتبر الصياغة فيما إذا اتحد نوع المخرج، والمخرج عنه والصياغة هي جعل النقد حليا، كما لو كان عنده ذهب مصوغ وزنه عشرون دينارا شرعية وقيمة صياغته خمسة

ص: 561

مثلا، وأراد أن يخرج عنه ذهبا مكسورا أو تبرا، فإنه يخرج عن عشرين فقط ولا تعتبر الخمسة التي هي قيمة الصياغة على المشهور.

والفرق بين المصوغ والمسكوك بعد أن نقول إن كلا منهما زيادة، أن المصوغ لصاحبه كسرد وإعطاء الجزء الواجب بعد الكسر، فلم يكن للفقير حق في الصياغة، والمسكوك ليس له كسره فلم يأخذ الفقير ما نابه بل دونه. قاله في توضيحه. نقله عبد الباقي. وقوله:"لا صياغة"، بالجر عطف على السكة، وأطلق المصنف ليعم الحلى المحرم وغير المحرم، وقوله:"فيه"، الظاهر أنه متعلق بالاعتبار المقدر قبل "قيمة"؛ أي باعتبار قيمة السكة لا باعتبار قيمة الصياغة في النوع الواحد، ويحتمل أن يكون صفة "لصياغة". والله سبحانه أعلم.

وفي غيره تردد، مبتدأ وخبر؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في إلغاء قيمة الصياغة فيما إذا اختلف نوع المخرج والمخرج عنه واعتبارها حينئذ، فذهب أبو عمران ومن تبعه إلى إلغائها وهو الراجح، وذهب ابن الكاتب ومن تبعه إلى اعتبارها، فلو كان عنده وزن عشرين دينارا مصوغا وأراد أن يخرج عنه فضة، ولصياغة الذهب يساوي وزن ثلاثين دينارا، فعلى الأول يخرج من الفضة ما يعدل ربع العشر من العشرين من غير اعتبار ما زادته الصياغة فيها، وعلى الاعتبار يخرج من الفضة ما يعدل ربع العشر منها مصوغة، فإن قلت: قدم المصنف أن السكة والصياغة والجودة لا زكاة فيها، وقد ذكر هنا أنه يخرج عن قيمة السكة مطلقا، وقيمة الصياغة فيما إذا أخرج ذهبا عن ورق، وعكسه على أحد قولين وهو خلاف ما قدمه؟ فالجواب أن مراده بعدم زكاة السكة والصياغة والجودة أنه: لا يكمل بقيمتها نصاب، كمن عنده عشرة دنانير وقيمتها لسكتها عشرون فلا تجب عليه فيها زكاة، وكذا إن كان عنده وزن عشرة دنانير يساوي لصياغته أو لجودته عشرين فلا زكاة عليه، فلو بلغت الدنانير مثلا النصاب لوزنها لاعتبرت سكتها، وكذا صياغتها على أحد القولين. وللشيخ عبد الباقي هنا كلام فيه نظر.

الحطاب: لا يجوز إخراج العرض والطعام عن الورق أو المذهب لأنه من باب إخراج القيمة، ولا يجوز إخراجها ابتداء، فلو أخرج عرضا أو طعاما رجع به على الفقير ودفع له ما وجب عليه، فإن فات في يد الفقير لم يكن عليه شيء لأنه سلطه على ذلك، وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته وإن

ص: 562

لم يعلمه لم يرجع مطلقا فات أم لا؛ لأنه متطوع. قاله مالك. نقله في التوضيح وابن يونس. وقال ابن عرفة: ولا يخرج غيرهما عن أحدهما، فإن وقع فالمشهور لا يجزئ. ابن حارث: قاله أصبغ عن ابن القاسم، وقال أشهب: إن أعطى عرضا أجزأ وأعاده في باب المصرف بلفظ: وفي إجزاء عرض عن عين كقيمته نقلا ابن حارث عن أشهب وابن القاسم. انتهى. وقال الخطاب أيضا: وإذا وجب جزء ذهب أو فضة فأخرج أدنى أو أعلى بالقيمة، فقال ابن الحاجب: فيه قولان تبعا لابن شأس، وقبلهما ابن عبد السلام والشيخ في التوضيح، وقال ابن عرفة: ونقل ابن الحاجب جواز إخراج أدنى أو أعلى بالقيمة لا أعرفه، بل قول محمد: لا يخرج عن ردي قيمته من نوعه جيدا، بل قيمة ردي الذهب فضة أو عكسه أو منه. انتهى.

وسئل ابن أبي زيد عمن وجبت عليه زكاة فاشترى بها ثيابا أو طعاما وتصدق به؟ فقال: ابن القاسم يقول: لا يجزئه، وأشهب يقول: يجزئه، قلت: أجراها على ما لو أخرج ذلك من عنده، واختار اللخمي فيما إذا كان ذلك خيرا للفقراء جوازه، بل هو محسن. انتهى. قاله الخطاب.

لا كسر مسكوك، عطف على فاعل "جاز"؛ وهو "إخراج"؛ يعني أنه لا يجوز للشخص أن يكسر المسكوك ولو كان ليخرج منه قدر ما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه من الفساد في الأرض، وأفاد بعض المفسرين في قوله تعالى:{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48)} ، أن إفسادهم كان قطع السكة قاله الشبراخيتي. وظاهر المصنف سواء كان كاملا أو رباعيا، أما الكامل فباتفاق، وأما الرباعي ففيه قولان، وكأنه رجح المنع في توضيحه، واحترز بالمسكوك من غيره، فإنه يجوز. قال ابن عرفة: وسمع القرينان: له إخراج زكاة حلي التجر منه. ابن رشد: لا كراهة في قطعه، قلت: إن كان فسادا ففيه نظر. انتهى. والله أعلم. قاله الخطاب.

إلا لسبك؛ يعني أن محل منع كسر المسكوك إذا كان كسره لغير سبك، وأما كسره لأجل سبك أي تذويب بأن يجعله حليا أو سبائك للحاجة إلى ذلك فإنه جائز. قاله الشارح. وظاهره أنه لا بد من الحاجة إلى سبكه، وأن السبك ليس هو الحاجة. قاله ابن غازي. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله:"إلا لسبك": بأن يجعله حليا وسبائك لن يجوز له لبسه كزوجة فيجوز، ولا يشترط شيء زائد على السبك فقول الشارح: أي فيجوز للحاجة إلى ذلك، وظاهره: أنه لا بد

ص: 563

من الحاجة إلى سبكه، وأن السبك ليس حاجة، وليس كذلك إلا أن يقال: إنه بيان للعلة لا للاحتراز. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي مختصر البرزلي إن كان ليجعل حليا لبناته، ففي سماع عيسى: لا بأس به. ابن رشد: اتفاقا، قال علي الأجهوري عقبه: وأما قطعها ليجعلها سبائك، فأول كلامه يفيد جواز ذلك، ويدل عليه التعليل، وهو ظاهر المصنف، وينبغي التعويل عليه لا مفهوم قوله: ليجعلها حليا؛ لأنه خرج مخرج الغالب. انتهى. انتهى.

ووجب نيتها؛ يعني أن الزكاة تجب نيتها بأن ينوي إخراج ما وجب عليه في ماله، ولو نوى زكاة ماله أجزأته ويطالب بها أي بالنية الزكي عن نفسه إن كان مكلفا. وإن كان مجنونا أو صبيا فالمطالب بها الولي. قاله الشبراخيتي. سند: إن نوى عند عزلها كفاه ذلك عن النية عند دفعها، وإن لم ينو عند عزلها وجبت النية عند دفعها، قال بعض الشيوخ: ويفهم من كلام سند أنه لا يشترط إعلام المدفوع له أنها زكاة وهو ظاهر. قاله محمد بن الحسن.

وقال عبد الباقي: ووجب على مزك عن نفسه أو عن صبي أو مجنون نيتها عند عزلها أو إخراجها للفقير؛ يعني دفعها له. والله أعلم. وإن لم يعلمه أو يعلم بأنها زكاة كما يفيده التوضيح في محل وهو ظاهر المصنف هنا، وقيده في التوضيح، وفي محل آخر كالجواهر باشتراط إعلامه بها أي أو علمه، وبه أفتى بعض شيوخ البرزلي، واستظهره الناصر اللقاني، وعلى هذا فمن أراد إخراج الزكاة مع عدم الشرط المذكور قلد من لا يشترط. وقول إبراهيم اللقاني على ما نقله عنه تلميذه عند قوله ومصرفها فقير، يكره إعلامه بأنها من الزكاة أو من حق الله؛ لأن فيه جرح القلوب. انتهى. انظر ما سنده في الكراهة. انتهى.

وقوله: "ووجب نيتها"، فإن أخرجت بغير نية لم تجز، قال عبد الباقي: إلا من وكيل على ما يأتي في قوله: إن لم يكن مخرج ولو حكما، على ما يفيده القرافي من جريان تفصيل الأضحية هنا، وهو قوله: أو بعادة كقريب وإلا فتردد، ولا تجوز سرقة من مال من لا يزكي بقدر ما عليه لفقد النية، وإذا نوى رب مال بما سرق منه الزكاة لم تفد هذه النية؛ لأن شرطها عند عزلها أو دفعها -كما مر لكن ينبغي في المسألة الأولى الجواز إذا علم من شخص أنه لا يخرجها بحال، وليس ثم حاكم يُكرهه على إخراجها أو يتحيل ربها على منعه من أخذها؛ لأن براءته منها على

ص: 564

قول خير من بقائها بذمته على كل قول، وظاهر المصنف عدم إجزاء فاقد النية ولو نسيانا أو جهلا، ونقل الشيخ كريم الدين الإجزاء فيمن نسي النية أو جهلها؛ وهو خلاف ظاهر المصنف. انتهى كلام عبد الباقي. ونحوه للشبراخيتي إلا أنه جزم بأنه إذا علم من الشخص أنه لا يخرج الزكاة وليس ثم حاكم يكرهه على إخراجها، فإنه تجوز السرقة منه بقدر ما عليه، ولم يقل: ينبغي، قال: لأن براءة ذمته على قول خير من بقائها في ذمته على كل قول، وقال الشبراخيتي: قال القرافي: فإذا أخرجها أحد من غير علم من هي عليه وغير إذنه، فمقتضى قول أصحابنا في إجزاء الأضحية بذبحِها صديقُ ربها، ومن شأنه أن يفعل ذلك بغير إذنه، أن الزكاة من هذا القبيل. انتهى. قال شيخنا في شرحه: قلت فيجري في الزكاة ما جرى من التفصيل في الأضحية المشار إليه بقول المصنف: "أو بعادة كقريب وإلا فتردد". انتهى.

وقوله: "ووجب نيتها" اعلم أن وجوب النية في الزكاة هو المشهور، لقوله صلى الله عليه وسلم:(إنما الأعمال بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وقال ابن بشير: إن قلنا: إن الفقراء شركاء بمقدار الزكاة، وأنها تكون كرد الوديعة فلا تفتقر إلى نية، وإن غلبنا عليها حكم العبادة افتقرت إلى النية. انتهى. وقال الشارح عند قوله:"ووجب نيتها": لأنها عبادة متنوعة إلى فرض ونفل، وحكم إيجاب النية التمييز بين مراتب العبادات أو بين العادات والعبادات، وقد قال صلى الله عليه وسلم:(إنما الأعمال بالنيات)، وقيل لا تفتقر إلى النية.

ويتحصل من كلام القرافي: أنها على القول بوجوب النية فيها يجري فيها ما يأتي في الضحية من قوله: "أو بعادة كقريب وإلا فتردد"، فإن لم يكن الفاعل لها عن ربها من هذا القبيل، فإنها لا تجزئ عن ربها لافتقارها لنية على الصحيح من المذهب لأجل شائبة العبادة، وعلى القول بعدم اشتراط النية فيها فينبغي أن يجزئ فعل الغير مطلقا، كالدين والوديعة ونحوهما، قال القرافي: وهذا القول قاله بعض أصحابنا وقاسها على الديون، وباشتراطها قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم: لما فيها من شائبة التعبد من جهة مقاديرها في نُصُيهَا ونحو ذلك، ولا يقال في كلام القرافي، الفرق بين الأضحية والزكاة أن الأضحية تعينت لأن المشهور أنها لا تتعين إلا بالنذر والذبح، فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب.

ص: 565

وإذا أخرج الأب زكاة الفطر عن ولده أجزأ ذلك إن كان صغيرا، وإن كان كبيرا لم يجز على القول باشتراط النية في الزكاة وهو المذهب. قاله ابن الحاجب. نقله الخطاب. وقال: يريد -والله أعلم- إذا لم يعلمه الأب بذلك؛ وهو ظاهر من كلامه، فتأمله. والله أعلم. وفي الذخيرة: ولو تصدق بجملة ماله، فإن نوى زكاته وما زاد تطوع أجزأه وإلا فلا خلافا لأبي حنيفة، محتجا بأنه لم يبعد عن المقصود، ويشكل عليه بما لو صلى ألف ركعة ينوي اثنتين للصبح والبقية للنفل، فإنها لا تجزئ. انتهى. ونحو هذا ما ذكره البرزلي عن بعض الإفريقيين، أنه لو دفع مستغرق الذمة حائطه بعد الخرص للمساكين عن تبعاته وليست التبعات لشخص معين، ونوى دخول الزكاة فيه أن ذلك يجزئه عن الزكاة لأنها قد حضرت، وعما في ذمته عينا كان أو عرضا. والله أعلم. سند: والنية واجبة في أداء الزكاة عند كافة الفقهاء، وقال الأوزاعي: لا تجب لأن ذلك دين كسائر الديون. واعلم أن الأفعال المأمور بها على ثلاثة أقسام: قسم اتفق الناس فيه على صحة فعل غير المأمور، به عن الأمور كدفع المغصوب للمغصوب منه، ودفع النفقات للزوجات والأقارب. وقسم اتفق على عدم إجزاء فعل غير الأمور به وهو الإيمان والتوحيد والإجلال والتعظيم لله عز وجل. وقسم اختلف فيه، هل يجزئ فعل غير المأمور به ويسد المسد أم لا؟ ومنه الزكاة. وقد علمت المشهور فيها. وبالله تعالى التوفيق.

وتفرقتها بموضع الوجوب؛ يعني أنه يجب أن تفرق الزكاة؛ أي تدفع لمستحقيها فورا بموضع وجوب الزكاة، قال الشيخ عبد الباقي: وموضع الوجوب هو في الحرث والماشية الموضع الذي جبيت منه مع وجود مستحق به وفيمن لا ساعي لهم، وفي النقد موضع المال والمالك والمستحق. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: موضع الوجوب هو الموضع الذي جبيت منه كما في المدونة، وهذا في الحرث والماشية بشرط وجود المستحق به، وأما النقد ومنه عرض التجارة لأنه إنما يزكى عوضه من العين فهو موضع المالك والمال والمستحق، فإن كان المالك ببلد والمال ببلد فإن كان قراضا فقد تقدم حكم زكاته، وكذا إن كان بضاعة، وإن كان عينا مودعة فتقدم أنها إذا قبضت بعد أعوام تزكى لماضي الأعوام. انتهى.

ص: 566

وقال الأمير: ووجب نيتها وتفرقتها على من بموضع الوجوب ولو سافر لها، وليس انتقاله كنقلها له على أظهر الطرق، ولو لم يقم أربعة أيام. انتهى. وفسر موضع الوجوب، بقوله: مكان الحرث والماشية إن كان ساع، وإلا فمحل المالك كالعين. انتهى. قوله: مكان الحرث لخ؛ أي موضع الوجوب هو مكان الحرث لخ، وقال الخرشي: ويجب تفرقة الزكاة على الفور بموضع الوجوب؛ وهو الموضع الذي يجبى فيه المال وفيه المالك والمستحقون، وبعبارة أخرى المراد بموضع الوجوب: موضع المالك، وهذا في العين كالحرث والماشية إن لم يكن ساع، وإلا فالعبرة بموضعها. وقال محمد بن الحسن: قول الزرقاني: موضع المالك والمال لخ، فيه نظر، بل موضع المالك والمستحق فقط كما في الخرشي، وسيأتي: وزكى مسافر ما معه وما غاب لخ، ونص ابن شأس: وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول، أو مكان المالك قولان. انتهى.

وقال الحطاب: مسألة: سئل السيوري عن قادمين إلى أهل بلد، هل يعطون من الزكاة كما يعطى فقراء البلد، أو يختص بها أهل البلد؛ فأجاب: أهل البلد هم الذين يعطون. البرزلي: كان أكثر من لقيناه من الشيوخ يقول: يعطون كأهل البلد، وبعضهم يفرق بين أن يقيم أربعة أيام فأكثر فيعطى والمختار

(1)

لا يعطى، ويجريها على مسألة قرطبة إذا حبس على مرضاها: هل يعطى منه من أقام أربعة أيام فأكثر أم لا؟ والصواب الإعطاء مطلقا؛ لأنه إما من أهلها أو من ابن السبيل، وكل واحد منهما له حق بنص التنزيل. انتهى من البرزلي. انتهى.

قال علي الأجهوري: وفي قوله: ابن السبيل، شيء لأنه يقتضي أنهم يعطون ما يعطاه ابن السبيل؛ وهو قدر ما يوصله. انتهى. وقال التتائي: وأفتى الشبيبي بأن الفقير. إذا جاء من بلد فوق مسافة القصر لبلد الزكاة، فإنه يعطى وليس من نقلها، وأفتى السيوري والغبريني بأنه من نقلها.

قال جامعه عفا الله عنه: الذي يتحصل من كلامهم هنا أن الفقير الذي يأتي من بلد فوق مسافة القصر لبلد الزكاة أنه يعطى من الزكاة، وأنه صار من فقراء البلد بمجرد حضوره، وأما كون ذلك نقلا للزكاة فغير ظاهر. والله سبحانه أعلم.

(1)

انظر الحطاب ج 3 ص 118 ط دار الرضوان.

ص: 567

أو قربه؛ أو هذه تنويعية؛ يعني أن تفرقة الزكاة يجب فيها أحد أمرين: إما أن تفرق بموضع الوجوب، وإما أن تفرق بقربه؛ وهو ما دون مسافة القصر على الراجح. وقال الناصر اللقاني في قول سحنون إن القريب هو ما لا تقصر فيه الصلاة وأما ما تقصر فيه الصلاة فلا تنقل إليه. انتهى. والمراد ما لا يقصر المسافر حتى يجاوزه كالبيوت والبساتين المسكونة. انتهى. وهو مردود بأنه تأويل للعبارة من غير احتياج إليه، وفي كلامهم ما ينافيه. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: والمراد به يعني بقربه ما دون مسافة القصر، سواء كان في موضع الوجوب غير مستحق أو كان، وفضل عنه أو أعدم أو مثل أو دون؛ لأن هذا في حكم موضع الوجوب. انتهى.

وقوله: "أو قربه"، قال الخطاب: كما لو كان زرعه على أميال من البلد، فإنه يجوز له أن يحمله إلى فقراء الحاضرة. انظر فرض العين لابن جماعة. فإنه ذكر أنه يستأجر على نقلها منها، وقد ذكر هذا صاحب الطراز عن أبي حنيفة، فانظره. انتهى. ابن عرفة: ما على أميال من محلها كمحلها. سحنون: وكذا ما دون مسافة القصر. انتهى.

واعلم أن الزكاة تجزئ إذا نقلت ولم تفرق بموضع الوجوب أو قربه، أما إذا نقلت للأعدم فالأمر ظاهر، وأما إذا نقلت لمثل فقراء البلد، فقد نص المؤلف على الإجزاء، وإن كان ذلك لا يجوز ابتداء، وأما إن نقلت لدونهم في الفقر فالمذهب الإجزاء وإن كان ذلك لا يجوز ابتداء، خلافا لما مشى عليه المصنف من عدم الإجزاء، وأجاز نقل الزكاة الليث وأبو حنيفة، ونقله ابن المنذر عن الشافعي، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل، فلو خالف فنقل أجزأ عند المالكية على الأصح ولم يجز عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها.

إلا لأعدم؛ يعني أن الزكاة تجب تفرقتها بموضع الوجوب أو قربه، ولا تفرق في غير ذلك إلا لأجل شخص أعدم؛ أي أفقر ممن هو بموضع الوجوب أو قربه كائنا على مسافة أربعة برد فأكثر، فإنه ينقل أكثرها أي الزكاة، له أي لذلك الأعدم، ويقدم الأقرب فالأقرب كما في الأجهوري وغيره.

وقال الشيخ عبد الباقي والشيخ الخرشي: ينقل للأعدم أكثرها وجوبا على ظاهر المدونة. انتهى. وقال الشيخ المحقق الأمير: والأعدم له أكثرها قال عبد الباقي: وجوبا، ويرد عليه أنه سبق أن

ص: 568

إيثار المضطر مندوب فقط، وأفهم الأكثر وجوب البعض في الموضع، فإن نقل الكل صح. انتهى. وقال غير واحد من شراح المصنف: وفهم من قوله: "فأكثرها له"، أنه لابد من تفرقة الأقل بموضع الوجوب، وإذا نقل للأعدم الكل فإنها تجزئ، وأما إذا فرق الكل بموضع الوجوب مع وجوب النقل للأعدم فالظاهر الإجزاء، ومفهوم قوله:"إلا لأعدم"، نقلها لدون أو مثل، فلا يجوز ولا تجزئ في الأول بخلاف الثاني. كما يأتي. بأجرة من الفيء؛ يعني أن نقل الأكثر من الزكاة للأعدم يكون بأجرة من الفيء؛ أي من بيت المال؛ أي كراء نقل الأكثر إلى الأعدم من بيت المال لا من عند مُخْرِجِ الزكاة. وقوله:"بأجرة من الفيء"، قال عبد الباقي: في معشر وماشية. انتهى. وقوله: "فأكثرها له بأجرة من الفيء"، في المدونة: إن فضل ينقل إلى أقرب البلدان. قاله الشارح. وقوله: "بأجرة من الفيء"، وعن ابن القاسم أنه يكري عليها من عند المالك قاله الشارح وقوله: بأجرة من الفيء هكذا روى ابن القاسم أن الإمام يكري عليها إذا نقلها من الفيء، وقال ابن القاسم: لا يكري عليها ولكن يبيع ذلك ويشتري مثلها بالموضع الذي أريد نقلها إليه. قاله الشارح، ونحوه للأجهوري. وزاد عن ابن القاسم: إلا أن يؤدي إلى ذلك اجتهاد. ابن رشد: ما قاله ابن القاسم هو ما أراده مالك. انتهى.

وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف للعلم به؛ أي وإن لا يكن فيء، أو كان وتعذر. بيعت؛ أي فإن الزكاة تباع في بلد الوجوب، وإذا بيعت فيه اشتري بالثمن الذي بيعت في الموضع الذي نقلت إليه، مثلها، قال عبد الباقي: إن أمكن وإلا فرق الثمن عليهم كالعين. انتهى. وقال الخرشي: اشتري مثلها في الموضع الذي تنقل إليه إن كان خيرا، ولا يضمن إن تلفت، وإن شاء فرق ثمنها. والحاصل أن الإمام يفعل للفقراء المصلحة، فإن رأى المصلحة في نقلها أو شراء مثلها أو بيعها وتفريق ثمنها فعل. انتهى. وقال الشبراخيتي: قوله: واشتري مثلها؛ أي إن شاء، وإن شاء فرق ثمنها، وهذا إذا استوت المصلحة فيهما، وإلا تعين ما فيه المصلحة.

واعلم أنه إذا كانت المصلحة في نقلها أو شراء مثلها أو بيعها وتفريق ثمنها تعين ذلك، والظاهر أنه عند استواء المصلحة في النقل بالأجرة، وفي البيع بوجهيه يخير فيهما، كما يخير عند استواء

ص: 569

المصلحة في تفرقة الثمن وفي اشتراء أصلها. انتهى. وقوله: "وإلا بيعت واشتري مثلها"، قال الشبراخيتي: قال أبو الحسن: ولا يضمنها إن تلفت. انتهى. وقد مر ذلك عن الخرشي، وقوله:"واشتري مثلها"، قال الشبراخيتي: وليس المراد بالمثلية هنا حقيقتها، بل المراد بالمثلية الجنس. انتهى.

وفي الأجهوري: والحاصل أنه إذا كانت المصلحة في وجه من الوجوه الثلاثة تعين، وإن استوت فيها خير في واحد منها. انتهى. وقوله: الثلاثة؛ يعني تفرقة الثمن، واشتراء مثلها، ونقلها بأجرة من الفيء. وقد مر أن الزكاة إذا نقلت من موضع الوجوب لقربه، تنقل بأجرة منها. كعدم مستحق؛ يعني أن موضع الزكاة إذا لم يكن فيه مستحق لها فإنها تنقل كلها بأجرة من الفيء إن كان وأمكن، وإلا بيعت واشتري مثلها؛ فهو تشبيه تام.

تنبيه: إذا أفضت الحال في المال إلى أن لا يقبله أحد كما يقع بعد نزول السيد عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، فقال الأبي: قال الشيخ -يعني ابن عرفة- لا تسقط الزكاة، وإذا لم يجد الإنسان من يستأجر لعمله عمل بنفسه، فإن عجز وجبت إعانته؛ لأن المواساة كما تجب بالمال تجب بالنفس. الأبي: وما تقدم للنووي من نسخ الجزية حينئذ لا يبعد أن تكون الزكاة كذلك؛ وهو في الزكاة أبين؛ لأنها إنما شرعت لإرفاق الضعفاء، فإن قلت إنما أسقط قبول الجزية نسخها لما ذكر من الأحاديث، قلت: وهذه أيضا كذلك، لقوله: (ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها

(1)

). انتهى. ثم ذكر في شرح هذه الجملة عن عياض؛ أي لا يبعث لأخذ زكاتها سعاة زهادة فيها لفيض المال مع أنها أنفس مال العرب. والقلاص جمع قلوص، وهي من الإبل كالفتاة من النساءة والحدث من الرجال. قاله الخطاب.

وقدم ليصل عند الحول؛ يعني أنه إذا لم يكن في موضع الزكاة مستحق لها، فإن الزكاة تقدم وجوبا أي يجب أن تخرج قبل الحول، ويبعث بها إلى موضع المستحق لتصل إلى الموضع الذي فيه المستحق عند الحول، وهذا في العين والماشية، وسيأتي أنها إن تلفت في هذه الحالة قبل الوصول إلى المستحق لا ضمان عليه فيها، والضمير للإمام أو الزكي على أن قدم بالبناء للفاعل،

(1)

مسلم رقم الحديث: 155.

ص: 570

وعلى أنه مبني للمفعول فالضمير للمال المنقول وهو الزكاة المقدمة قبل الحول لتصل عند الحول، كذا يفيده غير واحد؛ وهو صريح في أن كلامه شامل للماشية بموضع الإمام وغيرها، وكذا يجب تقديم أكثرها قبل الحول ليصل للأعدم عند الحول، فكلامه شامل للأمرين كما يفيده غير واحد. انظر كتاب الأمير، وغيره.

ابن عرفة عن مالك: إذا نقلت الزكاة وجب أن يبعث بها بقدر تمام الحول بوصولها، خلافا للباجي أنه لا يبعث بها حتى يتم حولها، وعبارة الشارح عند قوله:"وقدم ليصل عند الحول"؛ أي أن الزكاة إذا نقلت إلى غير بلد مالكها فإنها تقدم قبل الحول بمقدار ما يكمل عند وصولها إلى ذلك البلد؛ وهو قول محمد. قال الباجي: لا تقدم ولا يرسلها إلا بعد وجوبها؛ وهو الظاهر، انتهى.

وإن قدم معشرا، تقدم حكم زكاة العين والماشية وهذا في زكاة المعشر؛ يعني أن من قدم زكاة شيء من المعشر قبل وجوبها بأن قدمها قبل الطيب لا تجزئه، سواء كان بموضعه مستحق أم لا. وقد مر قول المصنف:"والوجوب بإفراك الحب وطيب الثمر"، والمراد بالمعشر ما يجب فيه العشر أو نصفه من حب أو تمر على ما مر بيانه، وظاهره ولو كان التقديم يسيرا، وفهم من قوله:"وإن قدم معشرا"؛ أي زكاة معشر، أنه لو أخرج زكاة المعشر بعد الوجوب لأجزأت وهو كذلك، قال في الطراز: لو عجل زكاة زرعه قبل حصاده وهو قائم في سنبله، قال مالك عند ابن سحنون: تجزئه ولا أحب له أن يتطوع بها من قبل نفسه، يقول: لا يفعله أحد إلا أن يلجئه الساعي إلى ذلك، وإن فعل جاز لأن الزكاة قد وجبت بطيب الزرع. انتهى. وقال اللخمي لما ذكر الخلاف في تقديم الزكاة: وهذا في العين، ولا يصح في زكاة الحرث والزرع والثمار؛ لأنها زكاة عما لم يملك بعد ولا يدري ما قدرها، ويجوز في المواشي إذا لم يكن ثم سعاة على مثل ما يجوز في العين، وقوله:"معشرا"، على حذف مضاف؛ أي زكاة معشر، وكذا يقال في قوله:"أو دينا أو عرضا".

أو دينا؛ يعني أن المحتكر إذا زكى دينه أي دين النقد الذي مر عليه حول قبل أن يقبضه، فإن زكاته لا تجزئه، فإذا قبضه وجب عليه أن يزكى، وأما المدير فقد مر أنه يزكي دينه، فليس بمراد هنا إلا أن يكون دينه على معسر أو من قرض، فإنه حينئذ يكون كدين المحتكر؛ أي لا يجزئه زكاته قبل قبضه أو عرضا؛ يعني أن المحتكر إذا كان عنده عرض فزكى ثمنه بتقدير أن

ص: 571

يبيعه، فإن تلك الزكاة لا تجزئه كما أنها لا تجزئه إذا أخرجها بعد أن باع العرض ولم يقبض الثمن النقد، فقوله: قبل القبض، ظرف للمسألتين، لكن معناه في الدين قبل قبض الدين، ومعناه في العرض قبل قبض ثمنه النقد، فيشمل صورتين ما إذا زكاه أي ثمنه قبل بيعه، وما إذا باعه وزكى الثمن قبل القبض، ومفهومه أنه لو قبض الثمن لزكاه على ما مر.

وعلم مما قررت أن هذا في المحتكر، وأما المدير فقد مر أنه يزكي العرض؛ أي قيمته. راجع ما مر إن شئت.

ولما كان قوله: "إلا لأعدم"، يفيد منع نقلها للمساوي في الحاجة والأدون، ولا يلزم من المنع عدم الإجزاء بل فيه تفصيل ذكره بقوله: أو نقلت لدونهم؛ يعني أنه إذا كان في موضع وجوب الزكاة مستحقون لها ونقلت الزكاة لمن دونهم في الحاجة على مسافة القصر، فإنها لا تجزئ، وأما إن نقلت لدون مسافة القصر فقد مر أنها في حكم موضع الوجوب، فقوله:"لأعدم"، له مفهومان هذا أحدهما. والآخر هو قول المصنف الآتي: أو نقلت لمثلهم. والله سبحانه أعلم. وقوله: "أو نقلت لدونهم"، خلاف المعتمد، والمعتمد الإجزاء فيما إذا نقلت لدون فقراء موضع الوجوب، وإن كان ذلك لا يجوز ابتداء كما في الأمير وحاشية بناني، فإنه قال عند قوله:"أو نقلت لدونهم": اعترضه المواق بأن المذهب الإجزاء، نقله عن ابن رشد والكافي.

أو دفعت باجتهاد لغير مستحق؛ يعني أن المزكي إذا اجتهد في دفع زكاته لمن هو مصرف لها في زعمه، فتبين أنه دفعها لغير مستحق في نفس الأمر كغني وعبد مع ظنه أولا أنه مستحق، والحال أنه تعذر ردها؛ أي الزكاة المدفوعة بالاجتهاد لغير المستحق؛ أي تعذر ردها منه، فإنه لا تجزئه، فإن لم يتعذر ردها ردها وصرفها في مصرفها وأجزأته، قال الشبراخيتي: وكذا إن فاتت ورد عوضها ثم إنه يرد عوضها؛ إذا أكلوها أو صرفوها فيما يتعلق بهم على المستحسن؛ لأنهم صانوا بها أموالهم، وأما إن تلفت بأمر من الله: فإن غروا من أنفسهم فكذلك، وإن لم يغروا لم يغرموا، ثم اختلف هل يغرمها ربها أم لا؟ انظر المواق. انتهى. وأما لو دفعها لمن ظنه غنيا فإذا هو فقير فإنها تجزئه ويأثم. قاله ابن العربي في عارضة الأحوذي في شرح الترمذي. قاله الحطاب.

ص: 572

وقوله: "أو دفعت باجتهاد" لخ؛ أي هذا في المزكي نفسه، وأما الولي فتجزئ حيث تعذر ردها ولا ضمان عليه، قال ابن رشد: وأما الذي زكى مال يتيمه ثم انكشف أنه أعطاها غنيا وهو يظنه فقيرا، فلم يكن عليه أكثر مما صنع لأن الذي تعبد به إنما هو الاجتهاد في ذلك، ألا ترى أن من أهل العلم من يقول إنه: إذا أعطى زكاته لغني وهو لا يعلم أجزأته زكاته، ولا خلاف في أنه يجب أن ترد من عنده إذا علم به وقدر عليه. انتهى. قاله الخطاب. ويأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله. إلا الإمام؛ يعني أن الإمام إذا دفع الزكاة باجتهاده لمن يظنه فقيرا -مثلا- ثم تبين خلاف اجتهاده، فإن الزكاة تجزئ عن ربها، فلا يطالب بإخراجها ثانية لأنه حكم لا يتعقب، وأما الوصى ومقدم القاضي يدفعانها باجتهاد لغير مستحق، فإن تعذر ردها أجزأت، وإلا فلا. قال عبد الباقي: ونحوه للخرشي الأقسام ثلاثة: المزكي لا تجزئه تعذر ردها أم لا، والإمام تجزئ مطلقا، ومقدم القاضي والوصي فيهما التفصيل؛ إن تعذر ردها أجزأت، وإلا فلا. انتهى. وقولهما: إن الإمام تجزئ ولو لم يتعذر ردها، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل في كلام ابن عرفة والتوضيح وغيرهما أنها تنزع ممن دفعها له الحاكم إق أمكن وهو ظاهر؛ إذ كيف تكون الزكاة بيد الأغنياء ولا تنزع من أيديهم، ويدل على ذلك ما في المواق عن اللخمي وهو ظاهر المصنف. وقوله:"وتعذر ردها"، هذا الذي ذكره المصنف هو المشهور، وقيل: تجزئ بناء على أن المطلوب الاجتهاد وقد حصل.

وقال الشارح عند قوله: "أو دفعت باجتهاد لغير مستحق وتعذر ردها"؛ أي فلا يجزئه إذا دفعها لغني أو لعبد أو كافر، وتعذر أخذها منهم وإن اجتهد في دفعها وهو المشهور، وقيل: يجزئ بناء على أن الواجب عليه الاجتهاد وقد حصل، أو الإصابة ولم تحصل، وقيل: لا يجزئ في العبد والكافر، ويجزئ في الغني؛ لأن حاله يخفى غالبا. ابن رشد: وهذا إذا دفعها لهؤلاء أربابها، وأما إذا دفعها لهم الإمام فإنها تجزئ ولا غرم عليهم ولا على ربها؛ لأنه محل الاجتهاد واجتهاده نافذ. وقد علمت أن الوصي ومقدم القاضي كذلك، وقوله:"باجتهاد"، فهم من كلامهم أنه لو دفعها بغير اجتهاد لكان متعديا.

ص: 573

أو طاع بدفعها لجائز في صرفها؛ يعني أن الشخص إذا طاع بدفع زكاته لإمام يجور في صرف الزكاة، وجار في صرفها بالفعل، فإن هذه الزكاة لا تجزئ، وكذا إذا أخذها منه طوعا لأنه مع الطوع في الدفع أو الأخذ من التعاون على الظلم، والواجب عليه جحدها والهرب بها ما أمكن، فإن طاع بدفعها له ولكن صرفها لمستحقها أجزأت، ومفهوم في صرفها أنه لو طاع بدفعها لجائر في أخذها، كأخذه أكثر من الواجب، ولكن يصرفها في مصرفها، فينبغي أن تجزئه البتة. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: وإذا كان الإمام جائرا فيها لم يجزه دفعها إليه، قال في التوضيح: أي جائرا في تفرقتها وصرفها في غير مصارفها لم يجزه دفعها إليه لأنه من باب التعاون على الإثم، والواجب حينئذ جحدها والهروب بها ما أمكن، وأما إذا كان جوره في أخذها لا في تفرقتها؛ بمعنى أنه يأخذ أكثر من الواجب فينبغي أن يجزئه ذلك على كراهة دفعها إليه. انتهى. انتهى كلام الخطاب.

أو بقيمة؛ يعني أن من دفع في الزكاة غير عينها؛ بأن دفع قيمتها من عين أو عرض طائعا، فإن ذلك لا يجزئه، وظاهره أن ذلك لا يجزئ مطلقا، وفصل عبد الباقي تبعا للأجهوري، فقال: لا تجزئ العروض عن العين ولا عن الحرث، ولا عن الماشية، وكذا لا يجزئ حرث أو أنعام عن عين، ولا حرث عن أنعام أو عكسه، وأما دفع عين عن حرث أو ماشية فيجزئ مع الكراهة، فتأمل تلك الصور المتعلقة بقوله:"أو بقيمة". انتهى.

قال محمد بن الحسن: تأمل هذا التفصيل، وقد اعترض الشيخ أبو علي ما ذكره المصنف من عدم الإجزاء في القيمة طوعا؛ بأنه تبع ابن الحاجب وابن بشير، ومثلد قول ابن عرفة: إن أخرج العرض عن أحد النقدين لا يجزئ على المشهور. انتهى. مع أنه في التوضيح اعترضه بأنه خلاف المدونة، ونصه المشهور في إعطاء القيمة أنه مكروه لا محرم، قال في المدونة: ولا يعطي فيما لزمه من زكاة العين عرضا أو طعاما، ويكره للرجل شراء صدقته. انتهى. فجعله من شراء الصدقة، وأنه مكروه، ومثله لابن عبد السلام، قال ابن ناجي: قال ابن عبد السلام: ظاهر المدونة وغيرها أنه من باب شراء الصدقة، والمشهور فيه أنه مكروه لا محرم، ذكر هذا تعريضا بكلام ابن الحاجب. انتهى. فقول:"المصنف أو بقيمة"، خلاف ما اعتمده في التوضيح. قال أبو علي:

ص: 574

وظاهر كلامهم أن ما في التوضيح وابن عبد السلام هو الراجح، ويدل له اختيار ابن رشد أن الإجزاء هو أظهر الأقوال وتصويب ابن يونس له كما نقله الشيخ أحمد، قال أبو علي: وأما تفصيل علي الأجهوري فلم أره لأحد. انتهى.

ويشهد للقول الأصح الذي هو إجزاء القيمة ما في صحيح البخاري عن طاووس، قال: قال معاذ لأهل اليمن: ايتوني بعرض ثياب خميص، أو ليس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة؟ رواه في التيسير، وقد تأول الخبر على أنه أخذ نفس الواجب وأبدله بما ذكر.

وفي الخطاب: لا يجوز إخراج العرض والطعام عن الورق والذهب؛ لأنه من باب إخراج القيمة، ولا يجوز إخراجها ابتداء، فلو أخرج عرضا أو طعاما رجع به على الفقير، ودفع له ما وجب عليه، فإن فات في يد الفقير لم يكن عليه شيء؛ لأنه سلطه على ذلك وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته، وإن لم يعلمه لم يرجع مطلقا فات أم لا؛ لأنه متطوع. قاله مالك. نقله في التوضيح وابن يونس.

وقال ابن عرفة: وفي إجزاء عرض عين كقيمته نقلا ابن حارث عن أشهب وابن القاسم. انتهى. وقال الخطاب أيضا: وإذا وجب جزء ذهب أو فضة فأخرج أدنى أو أعلى بالقيمة، فقال ابن الحاجب: فيه قولان تبعا لابن شأس، وقبلهما ابن عبد السلام والشيخ في التوضيح، وقال ابن عرفة: ونقل ابن الحاجب جواز إخراج أدنى أو أعلى بالقيمة لا أعرفه، بل قول محمد لا يخرج عن ردي قيمته من نوعه جيدا، بل قيمة ردى الذهب فضة أو عكسه أو منه. انتهى. وسئل ابن أبي زيد عمن وجبت عليه زكاة فاشترى بها ثيابا أو طعاما وتصدق به فقال: ابن القاسم يقول: لا يجزئه، وأشهب يقول: يجزئه، قلت: أجراها على ما لو أخرج ذلك من عنده، واختار اللخمي فيما إذا كان ذلك خيرا للفقراء جوازه، بل هو محسن. انتهى. قاله الحطاب أيضا.

وقوله: لم تجز بسكون الجيم وضم التاء وكسر الزاي، جواب الشرط؛ أعني قوله:"وإن قدم معشرا"، فهو راجع للمسائل السبع، وفي الخرشي أنه إذا أخرج عن العين أو الحرث أو الماشية عرضا أنه لا يجزئ عند ابن القاسم، ويجزئه عند أشهب. انتهى. وقال الحطاب عند قول

ص: 575

المصنف: "حقتان أو ثلاث بنات لبون الخيار للساعي"، ما نصه: لو أخذ المصدق أفضل من الواجب وأعطى عن الفضل ثمنا، أو أخذ أنقص وأخذ عن النقص فلا يجوز، وأما إن وقع فالمشهور الإجزاء، وكذا أخذ القيمة لا يجوز إذا وقع ونزل فالمشهور الإجزاء. انتهى كلام الحطاب. وقال عند قول المصنف:"والأصح إجزاء بعير"، ما نصه: ولو أخرج عن الشاة بعيرا يفي بقيمتها ففي إجزائه قولا عبد المنعم والباجي مع ابن العربي، وتخريجه المازري على إخراج القيم في الزكاة بعيد؛ لأن القيمة بالعين. انتهى. قلت: وفي قوله: بعيد نظر؛ لأنه ليس مراده حقيقة القيم، وإنما مراده أنه من هذا الباب، ألا ترى أنهم قالوا في باب مصرف الزكاة إنه لا يجوز إخراج القيم، وجعلوا منه إخراج المرض عن العين؟ انتهى.

وقال الشارح عند قوله: "أو بقيمة لم تجز"، ما نصه: هو إشارة إلى المسألة السابعة؛ وهي إذا دفع القيمة عن الواجب لم تجزه، ونقل غيره في ذلك الإجزاء. ابن يونس: وهو الصواب، وقيل: يكره ذلك، وشهره بعض الأشياخ. انتهى.

لا إن أكره، هذا مفهوم قوله: أو طاع بدفعها لجائر في صرفها أو بقيمة، فهو محترز الأمرين الأخيرين؛ يعني أن الشخص إذا أكرهه الأمير الجائر في صرف الزكاة على أن يدفعها له فإن الزكاة المدفوعة على هذا الوجه تجزئ، أما إن عدل في صرفها فلا إشكال في الإجزاء، وأما إن لم يعدل ففي الإجزاء قولان، والمشهور الإجزاء، ورد المصنف المقابل بقوله:"لا إن أكره"، ومحل الإجزاء إذا أخذها أوَّلًا ليصرفها في مصرفها، وأما لو علم أنه إنما يأخذها لنفسه فلا. قاله في التوضيح، وأصله لابن عبد السلام. قال بعد أن شرح كلام ابن الحاجب: وهذا إن صح فيكون مقصورا على ما إذا أخذها ليصرفها في مصارفها، أما إذا كان أخذه أولا إنما هو لنفسه كما يعلم قطعا من بعضهم، وكما هو في عامة أعراب بلادنا، فلا يتمشى ذلك فيهم. انتهى. قال الخطاب: وظاهر كلام أبي الحسن أن الخلاف جار ولو أخذها وأكلها، ونقله عن أبي إسحاق التونسي. فتأمله. والله أعلم انتهى. ما قاله الخطاب.

وكذا تجزئ لزكاة فيما إذا أكره المصدقُ ربَّ المال على أن يدفع له القيمة عرضا أو نقدا، وقوله:"لا إن أكره"؛ أي ولو حكما كخوفه أن يحلفه الإمام الجائر عليها. قاله عبد الباقي. وقال محمد

ص: 576

بن الحسن عند قوله: "لا إن أكره": أي فإنها تجزئ ولو أخذها لنفسه، كما يدل عليه كلام أبي الحسن، وصرح به ابن رشد، وقال البرزلي: إنه المشهور الذي عليه العمل، وإن كان في ابن عبد السلام ما يخالفه، وهذا كله إذا أخذها باسم الزكاة، وإلا فلا تجزئ كما صرح به البرزلي والشيخ زروق وغيرهما.

وقد مر عند قول المصنف: "فإن تخلف وأخرجت أجزأ على المختار"، ما يفيد أن من تعذر عليه نفس الواجب يخرج القيمة. والله سبحانه أعلم. أو نقلت لمثلهم، هذا أحد مفهومي قوله:"إلا لأعدم "، والآخر هو قوله:"أو نقلت لدونهم"، وقد مر الكلام عليه وأن المعتمد فيه الإجزاء، وإن كان لا يجوز ابتداء. والله أعلم. ومعنى كلام المصنف أنه إذا كان في الموضع الذي وجبت فيه الزكاة مستحقون لها ونقلت منه لمثلهم في الحاجة وهم على مسافة أربعة برد فأكثر، فإن ذلك يمنع ابتداء، وإذا وقع فإن الزكاة تجزئ. وفي الخرشي: ويجوز من غير كراهة شراء زكاة الغير. وهذا إذا كانوا يصرفونها في مصارفها وإلا فلا يجوز لأنهم غصاب، كما قال ابن رشد. كمن تعدى على سلعة رجل فلا يحل لأحد شراؤها. ابن المواز: الإمام إذا كان غير عدل لا يحل للعامل عليها الأكل منها ولا يعمل إلا مكرها.

أو قدمت بكشهر في عين وماشية؛ يعني أن زكاة العين والماشية إذا قدمت قبل الحول بيسير فإنها تجزئ، وإن كان ذلك لا يجوز ابتداء وهذا هو المشهور، وسواء كان لهم ساع أم لا، ففي الطراز أنها: إذا دفعت للساعي قبل الحول بكشهر أجزأت، ومقابل المشهور قول أشهب: لا تجزئ قبل محلها كالصلاة قبل وقتها رواه عن مالك، ورواه ابن وهب، قال ابن يونس: وهو الأقرب وغيره استحسان. وقال في البيان: وحمل ابن نافع قول مالك عليه؛ وهو رأى أنها لا تجزئ قبل محلها بيوم ولا بساعة واحدة، وهو ضامن لها حتى يخرجها بعد محلها. انتهى. وفي كتاب الزكاة الأول من المدونة: ولا ينبغي إخراج شيء من عين أو حرث أو ماشية قبل وجوبه، إلا أن يكون قبل الحول بيسير فيجزئه، ولا يجزئه فيما بعد، قال أبو الحسن الصغير: قوله ولا ينبغي، هنا بمعنى لا يجوز، ثم قال: وقوله: إلا أن يكون قبل الحول، راجع للعين والماشية، وقوله:"بكشهر"، هو في نسخة الشبراخيتي، قال: وفي بعض النسخ: أو قدمت في

ص: 577

عين وماشية، ولم يذكر مقدار ما يجزئ تقديمها فيه. انتهى. وهذه هي نسخة الحطاب، فإنه قال: لم أر في شيء من النسخ تقييد التقديم بالزمن اليسير، ولا بد منه كما تقدم في لفظ المدونة. ونقل أبو الحسن الاتفاق على أنها لا تجزئ فيما بعد، وهو ظاهر كلام اللخمي، فإنه قال: ومن عجل زكاته لعام أو لعامين أو في العام [نفسه]

(1)

قبل أن يقرب الحول لم تجزه، واختلف إذا قرب الحول. انتهى قال الخطاب: ولا أعلم في عدم الإجزاء إذا قدمت قبل الحول بكثير خلافا في المذهب، وصرح الرجراجي بذلك في شرح المدونة. انتهى.

تنبيهات: الأول: لم يبين في المدونة حد اليسير وذكر ابن رشد في حده أربعة أقوال: أحدها أنه اليوم واليومان ونحو ذلك؛ وهو قول ابن المواز، الثاني أنه العشرة الأيام ونحوها وهو قول ابن حبيب في الواضحة، الثالث أنه الشهر ونحوه وهو رواية عيسى عن ابن القاسم، الرابع أنه الشهران ونحوهما، وقع ذلك في المبسوطة. هكذا في البيان. وفي المقدمات: الرابع أنه الشهران فما دونهما، وهي رواية زياد عن مالك، ونقل اللخمي الأقوال الثلاثة الأول، ولم يقل فيها: ونحو ذلك، كما قال ابن رشد، بل قال محمد: إذا كان في مثل اليوم واليومين أجزأه ولا يجزئه ما فوق ذلك، ونقل الأقوال الأربعة عياض، وزاد هو واللخمي خامسا ولم يعزواه، وهو نصف شهر. ونقل ابن بشير وابن الحاجب في حد اليسير قولين آخرين: أحدهما أنه خمسة أيام، والثاني أنه ثلاثة أيام، قال ابن عرفة: ولا أعرفهما. انتهى.

قلت: القول بالثلاثة يشبه قول ابن المواز، واليومان ونحوهما. قاله الخطاب. ونقله الشبراخيتي، وقال: وحينئذ فالأقوال ستة قال الخطاب: ووجه صاحب الطراز قول ابن القاسم: إن حد اليسير الشهر، بأنه إذا بقي لحوله ثلاثون يوما ونحوها، فقد دخل شهر زكاته وكان ذلك أول وقت الأداء، وقد يكون بالفقراء حاجة مفدحة فيسامح في إخراجها ويكون ذلك أصلح للفقراء، وفي كلامه ميل إلى ترجيح هذا القول، فإنه فرع عليه وهو الظاهر، وقال الشريف الفاسي في تصحيح ابن الحاجب: وعليه اقتصر خليل في مختصره، فلعله وقع في نسخة من المختصر كذلك، ولو قال

(1)

في الأصل والحطاب ج 3 ص 121: بنفسه، والمثبت من تبصرة اللخمي ج 3 ص 942.

ص: 578

المصنف: أو قدمت بكشهر في عين وماشية لأفاد المسألتين؛ أعني التقييد باليسير وتحديده. والله أعلم. انتهى. وهذا التصويب هو النسخة التي شرحت عليها.

الثاني: قال الخطاب: إن "في"، في قول المصنف:"في عين"، للظرفية فهي ظرف للتقديم، ونقله عن البساطي وقال الشارح في الكبير: الذي يظهر لي أن حرف الجر في قوله: "في عين وماشية"، للسببية، كقوله عليه السلام: دخلت امرأة النار في هرة، والتقدير: أو قدمت إذا وجبت بسبب عين وماشية. انتهى. والظاهر ما للحطاب والبساطي، لا ما للشارح.

الثالث: يفهم من كلام المصنف أن الخلاف إنما هو في الإجزاء بعد الوقوع، لا في الجواز ابتداء وهو كذلك، فقد اعترض المصنف على ابن هارون في قوله: المشهور الجواز بأنه إنما نقل صاحب الجواهر والتلمساني الخلاف في الإجزاء، قال في التوضيح: وهو الأقرب لأنه لا شك أن المطلوب ترك ذلك ابتداء. انتهى.

وقد تقدم في لفظ المدونة أنه لا ينبغي، وقال أبو الحسن: إن معناه لا يجوز، وفي سماع عيسى: وأرى الشهر قريبا على زحف وكره، وقوله: على زحف بالزاي والحاء المهملة أي استثقال. والله أعلم. قاله الحطاب. والمراد بالتقديم هنا وفي قوله: "وإن قدم معشرا"، الإعطاء للمساكين قبل الوجوب، والمراد به في قوله: وقدم، ليصل عند الحول تقديم النقل لتصل للمساكين عند الحول. الرابع: وقع في شرح عبد الباقي وغيره كالحطاب وغيره أن قوله: "في عين وماشية"، محله في الماشية إذا لم يكن سعاة، وقال محمد بن الحسن: لا فرق في ذلك بين ما إذا كان لها سعاة وما إذا لم يكن لها ساع، قال: فإذا دفعت للساعي قبل الحول بكشهر فإنها تجزئ كما في الطراز، ونقله الحطاب عند قول المصنف:"فإن ضاع المقدم" لخ، وقوله:"أو قدمت بكشهر"، قد مر أن ذلك لا يجوز ابتداء وهو المشهور، أو المتفق عليه على ما قال الخطاب، وقد مر ذلك. ومر قول ابن هارون: والمشهور الجواز والاعتراض عليه، وفي التيسير عن أبي داود والترمذي ما يؤذن بالجواز، فقد روي عنهما عن علي رضي الله عنه، قال: سأل العباس رضي الله عنه رسول الله

ص: 579

صلى الله عليه وسلم في تعجيل الزكاة قبل أن يحول الحول مسارعة إلى الخير فأذن له في ذلك. فإن ضاع القدم فعن الباقي؛ يعني أن الشخص إذا قدم زكاته أي أخرجها قبل الحول، فضاعت قبل أن تصل إلى المساكين -مثلا- فإنه يزكي عن الباقي؛ أي يخرج زكاة ما حال عليه الحول من ماله إن كان فيه نصاب، ولا يزكي عما أخرجه في الزكاة، وظاهر المصنف سواء قدمها بكثير بحيث لا يجزئ إخراجها، أو بيسير بحيث يجزئ إخراجها لو وصلت لمستحقها، وظاهره أيضا يشمل التقديم الواجب وغيره، وحينئذ فأقسام تقديمها قبل الحول ثلاثة: أحدها: أن يقدمها قبل الحول بكثير فلا إشكال في عدم إجزائها، ضاعت قبل الوصول لمستحقها أو بعد الوصول إليه، ثانيها: أن يقدمها فتضيع قبل الوصول للمستحق، وقد كان قدمها في الزمن الذي لو وصلت فيه للمستحق لأجزأت، وهذا ظاهر المصنف أنها لا تجزئ، وهو الذي جزم به ابن رشد وذكره القاضي عياض عنه في التنبيهات، وقال ابن المواز: تجزئه ولا يضمنها، وذكر في الطراز أنه مقتضى المذهب، قال: لأنها زكاة وقعت موقعها، وذلك الوقت في حكم وقت وجوبها. انتهى. نقله الخطاب. قال الحطاب: وظاهر المذهب أن الزمن اليسير هنا يجري على الخلاف السابق فيه، وقيده ابن المواز باليومين والثلاثة. قاله محمد بن الحسن. ومفهوم قوله:"فإن ضاع المقدم"، أنه لو أخرجها بعد الحول وضاعت من يد الرسول قبل وصولها للمستحق لأجزأت، أما على قول ابن المواز من إجزائها حيث قدمت بالزمن اليسير فلا إشكال في ذلك وهو بين ظاهر؛ لأن قوله: وذلك الوقت في حكم وجوبها صريح أو كالصريح في أنه إذا أخرجها بعد الوجوب وأرسلها لمستحقها فضاعت قبل أن تصل إلى مستحقها فإنها تجزئه ولا ضمان عليه، وأما على ما جزم به ابن رشد وهو ظاهر المصنف فمقتضاه أنها تجزئه ولا ضمان عليه. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. ثالثها: التقديم الواجب وهو المشار إليه بقول المصنف: "وقدم ليصل عند الحول"، ولا شك أنها إذا قدمت هذا التقديم الواجب تجزئ إذا ضاعت من يد الرسول قبل الوصول للمستحق، فلا يشمله كلام المصنف لأنها إذا قدمت قبل الحول لتصل عند الحول فضاعت قبل وصولها للمستحق فإنما فعل واجبا فتجزئه، وأما حمل المصنف على ما يشمل التقديم الواجب

ص: 580

وغير الواجب كما فعل الخرشي فمردود بما نقله التتائي عن أبي الحسن عند قول المصنف: "إلا لأعدم"، أنها إن تلفت حينئذ فلا ضمان، ومثله في نقل ابن عرفة عن النوادر، قال محمد بن الحسن محتجا على تصحيح ما لعبد الباقي من أن المصنف لا يشمل التقديم الواجب: فدل على أن كلام المصنف مقصور على غير الواجب. انتهى. قوله: فدل أي ما في النوادر وما في التتائي عن أبي الحسن. والله سبحانه أعلم.

وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أنه إذا عجل الزكاة بالزمن اليسير، وضاع ما عجله قبل وصوله لمستحقه، فهل يجزئه وهو ظاهر كلام صاحب الطراز وكلام ابن المواز؟ إلا أن اليسير عند ابن المواز اليومان والثلاثة وظاهر كلام صاحب الطراز أنه على الخلاف السابق فيه، أو لا يجزئه؟ وهو الذي جزم به ابن رشد، وظاهر المصنف أنه مشى عليه. والله أعلم.

وفي الجواهر: ولو عجل الزكاة قبل الحول بالمدة الجائزة على الخلاف فيها ثم هلك النصاب قبل تمام الحول أخذها إن كانت قائمة بعينها وَعُلِم أي هلاك النصاب إن بَيَّن أنه زكاة معجلة وقت الدفع، وإن لم يبين ذلك لم يقبل قوله: وأما لو دفع الزكاة معجلة ثم ذبح شاة من الأربعين فحال الحول ولم ينجبر النصاب لم يكن له الرجوع؛ لأنه يتهم أن يكون ذبح ندما ليرجع فيما عجل. قاله الخطاب. ونقل نحوه عن ابن العربي، فقال: قال ابن العربي في عارضته: إذا قدم زكاة العين في الوقت الجائز ثم هلك المال قبل الحول فإنه يرجع في زكاته إن كانت قائمة وبين أنها زكاة، ولو قدم زكاة الغنم ثم ذبح منها ما نقصها عن النصاب لم يرجع لأنه يتهم، نعم لو ضاعت بأمر من الله تعالى رجع. انتهى.

وفي الذخيرة: لو عجل بالمدة الجائزة فهلك النصاب قبل تمام الحول أخذها إن كانت قائمة إن ثبت ذلك، وإلا فلا يقبل قوله. انتهى. وقال صاحب الطراز: وإذا جوز دفعها قبل الحول بنحو الشهر على قول ابن القاسم في العتبية، فدفع نصف دينار عن عشرين دينارا أو شاة عن أربعين، وبقي بقية ماله بيده حتى تم الحول، فهل يكون ذلك زكاة مفروضة، أم لا؟ ظاهر كلام ابن القاسم أنها زكاة، وهو قول الشافعي في الزكاة المعجلة، وقال أبو حنيفة: لا تكون زكاة، ثم قال: فلو تلف ذلك من يد الساعي قبل كمال الحول وقبل أن يدفعه للمساكين لم يضمنه على مقتضى

ص: 581

المذهب؛ لأنها زكاة وقعت موقعها، وذلك الوقت في حكم وقت وجوبها، وعند المخالف لا يقع ذلك موقع الزكاة بنفسه، بل يقف على مراعاة شرائط الأداء عند انفلات الحول، ثم قال: واختلفوا إذا تغيرت أحوال رب المال قبل الحول فمات أو ارتد أو تلف ماله، هل له أن يسترد ما دفع، فقال أبو حنيفة: إن كان ذلك قائما بيد الإمام استرجعه، وإن وصل إلى الفقراء لم يكن له إليه سبيل، وقال الشافعي وابن حنبل: له استرجاعه بكل حال وهذا إذا بين عند الدفع أنها زكاة معجلة، ثم قال: ولو تغير حال الفقير عند الحول فارتد أو مات أو استغنى بغير الزكاة، فقال أبو حنيفة: قد وقعت موقعها ولا تسترد منه وهو وَفْقُ مذهب ابن القاسم في العتبية، ثم ذكر مذهب الشافعي وابن حنبل وفيه تفصيل، فليراجعه من أراده.

وقال ابن العربي في عارضته: فإن قدمها لشخص فقير ثم استغنى عند الحول، فإن كان غناه من الزكاة فَلَا كَلَامَ في الإجزاء، وإن كان بغيرها فيتخرج فيها القولان فيما إذا أعطى لشخص ظنه فقيرا فتبين غنيا، قال ابن القاسم في الأسدية: تجزئه، وقال في المدونة: لا تجزئه. انتهى.

قلت الجاري على قول صاحب الطراز إنها زكاة أنه لا ينظر إلى تغير الأحوال، والجاري على ما قاله ابن رشد أنه ينظر إلى تغير حال المال وربه والفقير، وقد جزم في الجواهر بأنه إذا قدمها قبل الحول ثم تلف المال أنه يستردها، ونصه: ولو عجل الزكاة قبل الحول بالمدة الجائزة على الخلاف فيها لخ، وقوله:"فإن ضاع المقدم"، فعن الباقي قد علمت أن المصنف مشى فيه على مذهب ابن رشد، ومذهب ابن رشد في ذلك أنها لا تجزئه إذا ضاعت قبل الوصول للرسول ولو قدمها بيسير، قال: كذا يأتي عندي على جميع الأقوال المتقدمة وإنما تجزئه إذا أخرجها قبل الحول ونفذها، لا فيما إذا ضاعت ولم تصل إلى أهلها ولا بلغت محلها.

وإن تلف جزء نصاب ولم يمكن الأداء سقطت؛ يعني أن الشخص إذا كان عنده نصاب حال عليه الحول وتلف جزؤه أي بعضه -والحال أنه لم يمكنه الأداء أي إخراج زكاته- سقطت عنه الزكاة؛ لأنه لما لم يمكنه الأداء كان كما لو تلف قبل الحول: قوله: "جزء نصاب"، وكذا لو تلف كله. والحامل: أن ما تلف بعد الحول بغير تفريط ولا إمكان أداء تسقط زكاته لأنه في حكم ما تلف قبل الحول، ومثلوا لعدم إمكان الأداء بعدم المستحق وبعدم إمكان الوصول إليه، وبغيبة

ص: 582

المال. قاله الشبراخيتي. وأما تلف المال قبل الحول فلا يفصل فيه بين إمكان الأداء وعدمه كما في الشبراخيتي؛ لأنه غير مخاطب بها. ومفهوم قوله: "ولم يمكن الأداء"، أنه لو تلف مع إمكان الأداء ضمنها وهو كذلك، ومثله ما تلف بتفريط بعد الحول حيث لم يمكن الأداء، فلو قال المؤلف وإن تلف جزء نصاب بعده بلا تقصير سقطت، لكان أشمل، ويدخل في التفريط ما إذا أمكن الأداء وأخر. قاله الخرشي. وقوله:"سقطت"؛ أي حيث لم يبق نصاب، فإن بقي نصاب لم تسقط زكاته، وسقطت حصة ما قابل التالف إن كان يزيدها، ويشمل ذلك قوله:"وإن تلف جزء نصاب ولم" لخ، والله سبحانه أعلم.

وقوله: "سقطت"؛ أي بناء على أن الفقراء ليسوا شركاء، خلافا لقول ابن الجهم إنهم شركاء، وعليه فيكون لهم في العين ربع عشر ما بقي ولو درهما. كعزلها فضاعت؛ يعني أن الشخص إذا عزل زكاته عن ماله بعد الحول لمستحقها أو قبله، حيث يطلب بالتقديم بأن نوى بهذا الذي عزله من ماله الزكاة فضاعت أو تلفت بغير تفريط وغير إمكان أداء، فإنه تسقط عنه أي لا يلزمه إخراجها ثانية، فإن وجدها بعد أن ضاعت لزمه إخراجها ولو كان فقيرا مدينا، وأما لو عزلها قبل الحول فضاعت فإنه يضمنها -قاله مالك- لتنزل عزلها منزلة العدم، ويعتبر ما بقي. قال عبد الباقي، وقيده ابن المواز بما إذا عزلها قبل الحول بكثير، وأما بيوم أو بيومين أو في الوقت الذي لو أخرجها فيه لأجزأته فلا ضمان. انتهى.

قال محمد بن الحسن: اعتمد هنا تقييد ابن المواز ولم يعتمده فيما تقدم عند قوله: "فإن ضاع المقدم" لخ، وما كان ينبغي له ذلك. انتهى. وقال الشيخ سالم: تقييد ابن المواز ضعيف، وقوله:"كعزلها فضاعت"؛ أي ضاعت بغير تفريط.

وبما قررت علم أن التشبيه في سقوط الضمان مع عدم إمكان الأداء، وقوله: كعزلها فضاعت"، محله كما علم من التشبيه حيث لم يفرط ولم يمكن الأداء، فلو كان معه مستحق يمكن أن يؤديها له وترك تأديتها له اختيارا فتلفت، فإنه يضمنها. والله سبحانه أعلم. وفي القلشاني: أن الزكاة لو ضاعت بعد الإخراج بغير تفريط أجزأ، وفي الكفارة لا يجزئ لأن المطلوب في الزكاة الإخراج. لا إن ضاع أصلها؛ يعني أن الشخص إذا عزل زكاته بعد الحول ثم ضاع أصلها؛ وهو المال المزكى

ص: 583

وبقيت هي فإنها لا يسقط عنه وجوب إنفاذها، بل يجب عليه إنفاذها لمستحقها، ولا يمسكها لأجل تلف المزكى تلف بتقصير أم لا، أمكن أداء الزكاة منه قبل ضياعه أم لا، وأما لو عزلها قبل الحول وتلف الأصل أو ضاع فإنه لا يلزمه إنفاذها، ثم صرح بمفهوم قوله:"ولم يمكن الأداء"، فقال: وضمن إن أخرها عن الحول؛ يعني أن الشخص إذا وجبت عليه الزكاة بمرور الحول وأخر إخراجها بعد الحول فتلف المال مع إمكان أداء الزكاة، فإنه يضمن زكاة ماله، وتصير حينئذ دينا في ذمته يجب قضاؤه.

قال عبد الباقي، والخرشي عند قوله "وضمن إن أخرها عن الحول": أياما، ومقتضاه أن من أخرها يومين لا ضمان عليه، وصرح بذلك الأجهوري، فقال: وضمن إن أخرها أياما لا فيما إذا أخرها أقل من ذلك. انتهى. وقال الخرشي وعبد الباقي والشبراخيتي: فإن أخرها يوما ونحوه لم يضمن. انتهى. وقد تقدم أنه إذا لم يمكن الأداء بعد الحول لا ضمان عليه إلا أن يقصر في حفظ المال حتى تلف فإنه حينئذ يضمن الزكاة ولو مع عدم إمكان الأداء، وقال في المعلم: وللإمام تأخير الزكاة إلى الحول الثاني إن أداه اجتهاده إليه. قاله في أوائل الزكاة في حديث العباس رضي الله عنه. انتهى. نقله الخطاب.

وقوله: "وضمن إن أخرها عن الحول"؛ أي مع إمكان الأداء كما علمت، فإن لم يمكن الأداء لم يضمن إلا أن يقصر في حفظها، فيضمن ولو بتأخير يوم ونحوه، أمكن الأداء أم لا. قاله عبد الباقي. وقوله:"وضمن إن أخرها عن الحول"، يجري في الحرث والماشية حيث لا ساعي، وفي العين وما بعده في الحرث فقط. قاله عبد الباقي. وقوله:"وضمن إن أخرها عن الحول"، قال الشارح: يريد مفرطا في التأخير، وقاله في آخر زكاة الفطر من المدونة. وزعم ابن رشد أن المشهور إذا ضاعت بغير تفريط لا شيء عليه، وهو مخالف لا في المدونة. انتهى. والله سبحانه أعلم.

وقال الخرشي بعد جلب كلام: فتلخص من هذا أنه إذا تلف جزء النصاب بعد الحول أو تلف ما عزله من الزكاة بعد الحول وما في حكمه، فإن كان بتفريط في حفظها ضمن مطلقا، وإن كان تأخيرها مع إمكان الأداء ضمن أيضا فيما إذا أخرها أياما، لا فيما إذا أخرها أقل من ذلك. انتهى.

ص: 584

أو أدخل عشرة مفرطا؛ يعني أن الشخص إذا عزل زكاة حرثه عشرا أو نصفه في بيته، ولم يمكنه إعطاؤه للمستحق لعدمه أو بعدم إمكان الوصول إليه، وفرط في حفظه حتى تلف، فإنه يضمن ذلك، ويدخل في المصنف ما لو أدخل عشرة أو نصفه في جملة حبة بيته وفرط في حفظه فتلف ذلك؛ فإنه يضمن زكاة ما تلف كلا أو بعضا، وأما إن أدخل عشرة أو نصفه بيته مفردا أو في جملة حبة مع إمكان الأداء فإنه يضمن، لكن هذه يشملها قول المصنف:"وضمن إن أخرها عن الحول". قاله محمد بن الحسن.

وقال الشبراخيتي: وأما لو ضاع بالجرين فلا يضمن نص عليه في المدونة، وفي الرجراجي: إذا أدخل

(1)

بيته على وجه الضمان فتلفت ضمنها، أمكن الأداء أم لا، فرط في الحفظ أم لا. قاله عبد الباقي. لا محصنا؛ يعني أنه إذا أدخل عشرة أو نصفه مفردا أو في جملة زرعه بيته محصنا له؛ بأن لم يمكنه الأداء وتلف بغير تقصير في حفظه فلا ضمان عليه، والتحصين الحفظ عن الضياع. وإلا؛ أي وإن لم تعلم كيفية إدخال ما ذكر بيته، هل أدخله على جهة التحصين أو التفريط وادعى التحصين، ففي تصديقه في دعواه تردد؛ أي قولان للمتأخرين حكاهما القاضي في التنبيهات، فعلى التصديق لا يضمن وعلى عدمه يضمن، ووجه التصديق أن الغالب التحصين في إدخال البيت، ووجه عدم التصديق أن الأصل بقاء الضمان وقال غير واحد: وليس هذا خاصا بمسألة الإدخال، بل هو جار فيها وفي مسألة التأخير، وقال الخرشي: إن قوله: "وإلا فتردد"، خاص بالثانية. انتهى.

وقال الأمير مشبها في الضمان: كأن أدخل عشرة البيت مثلا مفرطا لا محصنا لعدم وجود مستحق، وفي تصديقه في ادعاء التحصين قولان. انتهى. وأخذت من تركة الميت؛ يعني أن الزكاة تؤخذ من تركة الميت، وكيفية الأخذ هنا مجملة بينها في باب الوصية بأنها مقدمة عند ضيق الثلث على الفطرة، وعلى عتق الظهار إن أوصى بها إلا أن يعترف بحلولها ويوصي، فمن رأس المال كالحرث والماشية، وإن لم يوص فلا اعتراض عليه هنا في إجماله، وإذا مات ميت لا وارث له وهو ببلد سلطان وما له ببلد سلطان آخر، ورثه سلطان البلد الذي مات فيه. ذكره ابن رشد في

(1)

في عبد الباقي ج 2 ص 184: أدخلها.

ص: 585

أجوبته. قاله الطخيخي. والذي لابن رشد أن ماله لسلطان البلد الذي استوطنه ولو مات بغيره، وأما إن لم يستوطن بلدا له سلطان -والحال أنه مات بغيره- فهل يعتبر البلد الذي مات به أو البلد الذي المال به قولان مخرجان. واقتصر ابن رشد على الأول. قاله الشبراخيتي. وكرها؛ يعني أن الشخص إذا امتنع من أداء الزكاة فإنها تؤخذ منه كرها أي قهرا.

وإن بقتال؛ يعني أنه إذا لم يقدر على أخذ الزكاة ممن امتنع من أدائها إلا بقتال فإنه يقاتل عليها. قاله مالك. وقال أشهب: يحسن أدبه إن كان الوالي يقسمها، وإن كان على غير ذلك فلا يتعرض له. قاله الشارح. وقوله:"وكرها وإن بقتال"؛ أي وتنوب نية الإمام عن نيته. الفاكهاني: واختلف هل تجزئه نية الإمام والصحيح الإجزاء؟ ابن شعبان: ولا يقاتل أهل البلد إن منعوا زكاة الفطر. انتهى. وروى محمد: كالموطإ كل من منع فريضة عجز المسلمون عن أخذها منه وجب جهاده لأخذها. انتهى. قاله علي الأجهوري.

ابن عرفة: وفي تصديق من قال: ما معي قراض أو وديعة، أو علي دين، أو لم يحل حولي دون يمين طرق. اللخمي وعبد الحق: في المتهم روايتان لها ولغيرها الصقلى: ثالثها غير المتهم لها ولنقله وابن مزين. اللخمي: يسأل أهل رفقة القادم فإن لم يوجد مكذب صدق، ولا يصدق مقيم في دعوى حدوث عتقه أو إسلامه لظهوره، ويكشف في دعوى القراض والدين، ويصدق في دعوى عدم الحلول. انتهى. قاله الخطاب.

وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: اختلف فيمن أخذت منه كرها ثم تاب، هل تلزمه إعادتها لفقد النية أم لا؟ انتهى. قاله الخطاب. وقوله:"وإن بقتال"؛ أي لقول الصديق رضي الله عنه: والله لو منعوني عَنَاقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها. ابن شعبان: ظاهره كان الممتنع معاندا أو متأولا قاله الشيخ إبراهيم. وأدب؛ يعني أن من امتنع من أداء الزكاة تؤخذ منه كرها ويؤدب. فقوله: "وأدب"، راجع لقوله:"وكرها"، ولا يرجع لقوله:"وإن بقتال"؛ لأن من أخذت منه بقتال لا يؤدب وكفى قتاله. قاله الشيخ إبراهيم.

ص: 586

وتؤخذ من الممتنع من أدائها كرها وإن بقتال، سواء كان امتناعه منها عنادا أو تأويلا كما مر، لقول الصديق رضي الله عنه: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، قال في التيسير: والعقال حبل معروف، وقيل صدقة عام، ولاختلاف الرواية أعدت هذا الأثر. والله سبحانه أعلم. سند: وإن لم يظهر للممتنع مال وهو معروف بالمال فللإمام سجنه حتى يظهر ماله؛ لأنه من حق الفقراء والإمام ناظر فيه، وإن ظهر له بعض المال واتهم بإخفاء غيره فظاهر المذهب لا يحلف. مالك: أخطأ من يحلف الناس من السعاة، وليصدقوا بغير يمين. وقوله:"وإن بقتال"؛ أي ولا يقصد قتله، فإن قتل فهدر. قاله الشيخ الأمير. وقال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أنه إن قَتَلَ أو قُتِلَ فحكمه كالباغية لصدق حدها عليه. انتهى. ودفعت للإمام العدل؛ يعني أن الزكاة يجب دفعها للإمام العدل حيث كانت ماشية أو حرثا، بل وإن كانت عينا؛ يعني أنه لا فرق في وجوب دفع الزكاة للإمام العدل بين أن تكون عينا وبين أن تكون غير عين، وهذا هو مذهب المدونة، وقيل: يخرج العين ربها، وهذا إذا لم يطلبها الإمام، فإن طلبها لم يحل منعها. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وقوله:"للإمام العدل"، هو ظاهر إذا كان عدلا في صرفها وغيره، وأما إذا كان عدلا في صرفها جائرا في غيره فلا يجب دفعها له، خلاف ما تقتضية عبارة الشيخ عبد الباقي، بل يكره دفعها له حينئذ كما في الخطاب والتوضيح، ونصه: وأما إن كان جوره في أخذها لا تفرقتها -بمعنى أنه يأخذ أكثر من الواجب- فينبغي أن يجزئه ذلك على كراهة دفعها إليه. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "للإمام العدل"، أراد به المحقق عدالته، ولا يجوز الإفتاء بأن الإمام يأخذ الزكاة حيث شك في عدالته، كما يفيده كلام الأبياري، فإنه أفتى حين طلب الإمام المعونة من الرعية أنه لا سبيل لذلك؛ لأن عدالته مشكوك فيها، والمفتون بأن عمر قد اقتضاها يبعثون من قبورهم في النار بلا زبانية. انتهى. أي لأنه لم يصل إليه أحد في العدالة، ولإيهام أن المشكوك في عدالته عدل. قاله عبد الباقي.

قوله: فإنه أفتى حين طلب الإمام المعونة لخ، قال محمد بن الحسن: مثل هذا وقع لسلطان المغرب يوسف ابن تاشفين حين مر إلى الأندلس بقصد غزو الإفرنج، فقاتلهم في موضع يسمى

ص: 587

الزلاقة قرب بطليوس، قال ابن خلكان: روي أن يوسف حينئذ طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه في ذلك إلى المرية، وذكر فيه أن جماعة قد أفتوه بطلب ذلك اقتداء بعمر رضي الله عنه، فقال أهل المرية لقاضي بلدهم وهو أبو عبد الله بن البراء، وكان من أهل الدين والورع على ما يجب: لا بد أن تكتب جوابه، فكتب إليه: أما بعد ما ذكره أمير المؤمنين في اقتضاء المعونة، وأن أبا الوليد الباجي وجماعة القضاة بالعدوة والأندلس بأن أفتوه بأن عمر رضي الله عنه اقتضاها، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره، ولا شك في عدله فليس أمير المسلمين ممن لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك منزلته من العدل فالله سائلهم عما تقلدوه فيها، وما اقتضاها عمر رضي الله عنه حتى حلف في المسجد أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال المسلمين، فلتدخل أنت المسجد الجامع وتحلف بحضرة أهل العلم وحينئذ تستوجب ذلك. انتهى.

ومفهوم قوله للإمام العدل أن الإمام إذا كان جائرا في صرفها لم يجز دفعها له طوعا، بل يجب الهروب بها أو إخفاؤها، ولو طلبها الإمام العدل فادعى إخراجها لم يصدق. قاله مالك. وابن القاسم. وقال أشهب: يصدق؛ أي إن كان صالحا. قوله: "ودفعت للإمام العدل". ابن عرفة: فيها إن غلبوا على بلد وأخذوا زكاة الناس والجزية أجزأتهم. الصقلي: روى محمد: والمُتَغَلِّبُونَ كالخوارج. ابن عبدوس عن أشهب: إن طاع بدفعها لخارجي أجزأته، التونسي: إن طاع بدفعها لوال جائر لا يضعها موضعها لم تجزه. قاله الخطاب.

وقد مر قول المصنف: أو طاع بدفعها لجائر في صرفها، وفي الخرشي: وإذا عدل الإمام فلا يسع أحدا تفرقة زكاته دونه، وليدفع إليه زكاة العين وغيرها، وأما من لم يعدل فإن قدر أن يخفي عليه زكاة الماشية والحب فعل إن لم يحلفه، فإن لم يقدر فلا يحلف وليجتز بما أخذ، ويخرج ما فضل عنده. انتهى. وقال ابن الحاجب: وإذا كان الإمام جائرا فيها لم يجزه دفعها إليه طوعا، فإن أجبره أجزأته على المشهور وكذا الخوارج، وقال ابن رشد عن سحنون في ذي أربعين شاة تحت كل أمير عشرة بالأندلس وإفريقية ومصر والعراق: إن كانوا عدولا أخبرهم وأتى كلا منهم بشاة لكل أمير ربعها، فإن أخذه كل منهم بربع قيمتها أجزأه. انتهى.

ص: 588

وإن غر عبد بحرية فجناية؛ يعني أن العبد إذا غر مفرق الزكاة إماما أو غيره بأنه حر، فدفع له الزكاة، ثم ظهر أنه رقيق، فإن وجدت معه كلها أو بعضها أخذت منه، وإن أتلفها أو بعضها فإنها تكون جناية في رقبة العبد، فيخير سيده بين إسلامه وفدائه فيباع فيها، وقيل: تكون في ذمته لأنه متطوع بالدفع. ابن يونس: والأول أصوب لأنه لم يتطوع إلا لما أعلمه أنه حر ثم غره، وإليه أشار بقوله: على الأرجح. قاله الشارح، وغيره. وبه يتضح لك صحة تعبير المصنف بصيغة الاسم. وفي حاشية بناني: مقتضى نقل المواق أن هذا ترجيح لابن يونس من عند نفسه، فيكون الأولى لو عبر بالفعل ثم رأيت لفظ ابن يونس، ونصه: قيل فإن غر عبد، فقال إني حر، فأعطاه من زكاته ففات ذلك، فقال بعض أصحابنا: في ذلك نظر، فيكون في رقبته كالجناية لأنه غره، أو في ذمته لأن هذا متطوع بالدفع. ابن يونس: والصواب أنه جناية لخ، وبه يظهر صحة تعبيره بالاسم دون الفعل. انتهى. وتأمله. اللخمي: إن أعطاها لعبد أو غني أو نصراني؛ وهو عالم لم تجز، وإن لم يعلم وكانت قائمة بأيديهم انتزعت منهم وصرفت لمستحقها، فإن أكلوها غرموها على المستحب من القول لأنهم صانوا بها أموالهم، وإن لم يغروا لم يغرموها. قاله ميارة.

وقوله: "وإن غر عبد بحرية"، فجناية قد مر أن ذلك يشمل ما إذا كان المفرق للزكاة إماما أو غيره، وقال الأجهوري: إنها إذا دفعت للعبد من الإمام باجتهاده فإنه لا يباع فيها لأنها إن تلفت فإنها تجزئ وإن كانت باقية، وقلنا إنها تجزئ كما هو أحد التقريرين السابقين، فكذلك ولا تنزع منه، وإن قلنا إنها لا تجزئ فتنزع منه ولا يباع. فتأمله. انتهى.

وزكى مسافر ما معه؛ يعني أن المسافر يزكي ما حال عليه الحول من ماله الذي معه لاجتماع المال وربه اتفاقا. وما غاب؛ يعني أن المسافر كما يزكي ما معه من ماله الذي حال عليه الحول، يزكي أيضا ما غاب عنه من ماله الذي حال عليه الحول كلا أو بعضا، ولا يؤخر الإخراج إلى أن يرجع اعتبارا بموضع المالك.

قال مالك: وهو أحب إلي، وقال أيضا: يؤخر اعتبارا بموضع المال. قال عبد الباقي: وشمل قوله: "غاب"، الماشية، وظاهره ولو لم يعلم ما بقي. ولعلي الأجهوري فتوى بالصبر حيث لم يعلم قدرها في غيبتها. انتهى. قوله: وشمل قوله: "غاب"، الماشية لخ، قال محمد بن الحسن:

ص: 589

يعني إذا لم يكن لها ساع، وأما إن كان لها ساع فإنها تزكى في محلها، فلا يشملها كلامه. انتهى. اللخمي: وعلى من أراد سفرا أن يوكل من يخرج عنه عند حوله إن علم أنه لا يعود إلا بعده، فإن لم يفعل صار متعديا فتصير الزكاة في ذمته، فحينئذ يجب عليه إخراجها وإن كان محتاجا على أحد قولي مالك في اعتبار موضع المالك، وكذا على القول بجواز نقلها، وأما على قول سحنون فيؤخر حتى يصل إلى بلده. قاله أبو الحسن. وتقدم أن الإبل إذا كانت في السفر وربها في البلد لا تجب عليه زكاتها حتى ترجع.

وقال الحطاب: إذا جاء الحول والإبل في سفر فلا يصدقها الساعي ولا ربها حتى تقدم، فإن ماتت فلا شيء عليه لأنه لم يفرط، ولا يلزمه أن يخرج زكاتها إلا منها. انتهى. وقوله:"وما غاب"، يخرج عن ذلك القراض والبضاعة والودعة، فقد تقدم الكلام عليها.

إن لم يكن مخرج، شرط في قوله:"وما غاب"؛ يعني أنه يشترط في زكاة ما غاب عن المسافر من ماله أن لا يكون هناك مخرج يخرجها عنه في غيبته، وأما إن كان هناك مخرج يخرجها عنه بتوكيل أو لكون الإمام يأخذها ببلده، فإنه لا يزكي ما غاب عنه، وقد مر أنه يجب على من أراد سفرا أن يوكل من يخرج عنه عند حوله إن علم أنه لا يعود إلا بعده فإن، لم يفعل صار متعديا لخ. وقد مر أيضا أن إخراج من له عادة بالإخراج مجزئ على ما في الأضحية، وعليه فالمراد الوكيل ولو حكما. قاله علي الأجهوري.

ولا ضرورة؛ يعني أن المسافر يزكي ما غاب عنه من ماله حيث لم تنله ضرورة فيما يحتاج إليه من نفقة وغيرها، وأما إن نالته ضرورة فيما يخرجه مما معه عن الغائب، فإنه يؤخر إلى أن يجد من يسلفه ما يحتاج إليه ويزكي، ولا يؤخر إلى بلده وهو الذي رجحه اللخمي أو إلى بلده، ولو زال احتياجه أثناء السفر. ومقتضى كلام المواق عنها ترجيحه.

وعلم مما قررت أن الشرطين، أعني قوله، "إن لم يكن مخرج، "وقوله": ولا ضرورة، إنما هما فيما غاب من مال المسافر لا ما حضر منه مع المسافر، ففي كلام عبد الباقي نظر حيث جعل الشرط الأول خاصا بقوله: "ما غاب"، وجعل قوله: "ولا ضرورة"، عاما في الحاضر والغائب،

ص: 590

والصواب أن الشرطين إنما هما في الغائب فقالا في الحاضر مع المسافر. والله سبحانه أعلم. قاله محمد بن الحسن، وما قاله عبد الباقي نحوه للشبراخيتي والأمير.

ولما أنهى الكلام على زكاة الأموال، أتبعه بالكلام على زكاة الأبدان، وهي زكاة الفطر، واختلف في وجه إضافتها للفطر، فقيل: من الفطرة وهي الخلقة لتعلقها بالأبدان، وقيل: لوجوبها بالفطر، فقيل: الفطر الجائز عقب الغروب من آخر يوم من رمضان، وقيل: الواجب بفجر يوم العيد، أشار إلى ذلك ابن العربي، وينبني عليه الخلاف الآتي في قوله: وهل بأول ليلة العيد أو بفجره خلاف؟ وفي الحديث: صوم رمضان معلق بين السماء والأرض حتى يؤدي زكاة الفطر، وحكمة مشروعيتها الرفق بالفقراء في إغنائهم عن السؤال، وقد مر أنه لا يقاتل من منع زكاة الفطر، ومر أيضا أن من منع فريضة عجز المسلمون عن أخذها منه وجب جهاده، وهو يفيد أنه يقاتل عليها من امتنع من أدائها ولم يقدر على أخذها منه إلا بالقتال، وإنما قدم المصنف زكاة الأموال على زكاة الفطر، وإن كان متعلقها أشرف من متعلق زكاة الأموال وهو الأبدان فإنها أشرف من الأموال؛ لأن زكاة الأموال دعامة من دعائم الإسلام مجمع على وجوبها، وأما هذه فقد اختلف في وجوبها وسنيتها، والمشهور الوجوب، وإليه أشار بقوله:

ص: 591

‌فصل: ذكر فيه حكم زكاة الفطر

وما يتعلق بذلك، والفطرة بكسر الفاء خاصة لفظة مولدة اصطلح الفقهاء عليها، وليست عربية ولا معربة؛ وهي كون الكلمة عجمية فساقها العرب على منهاجها؛ وهي من الفطرة التي هي الخلقة أي زكاة الخلقة، وهي المُخْرَجُ الآتي بيانه.

واعلم أن الفطرة فرضت في السنة الثانية من الهجرة في ثالث عشر من شعبان عام فرض رمضان. ابن عرفة: هي مَصْدَرًا إعطاء مسلم فقير لقوت يوم الفطر صاعا من غالب القوت أو جزءه المسمى للجزء المقصور وجوبه عليه، ولا ينتقض بإعطاء صاع ثان لأنه زكاة كأضحية ثانية، وإلا زيد مرة واحدة. واسْمًا صاع من غالب القوت أو جزؤه المسمى للجزء المقصور وجوبه، يعطى مسلما فقيرا لقوت يوم الفطر. انتهى. أما الحد المصدري فيناسب الإعطاء؛ لأنه مصدر، وإنما احتاج إلى ذكر رسمين لأن الزكاة الشرعية تطلق على أمرين؛ على الشيء المخرج، وعلى الإخراج. وقوله: مسلم، أصله مفعول فأُضيف إليه المصدر اختصارا، وقوله: لقوت، يظهر أن اللام لام علة للإعطاء ليخرج به إذا أعطى لغير قوت يوم الفطر، وإنما كان كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (أغنوهم عن سؤال ذلك اليوم

(1)

). وقوله: صاعا، هو المفعول الثاني للمصدر، أعني قوله: إعطاء، وقوله: من غالب، صفة للصاع. وقوله: أو جزؤه، معطوف على الصاع المفعول، ليدخل في الحد صورة الشركة في العبد إذا كان لرجل فيه نصف ولآخر ثلث ولآخر سدس، فمذهب المدونة أن الزكاة فيه واجبة على الحصص، والضمير في جزئه يعود على الصاع والمسمى صفة لجزئه وللجزء متعلق بالمسمى، ومعنى المسمى المنسوب والمقصور صفة لقوله: للجزء، جرت على غير من هي له، ووجوبه نائب فاعل المقصور، والضمير في قوله وجوبه عائد على جزئه الموصوف بالمسمى، وضمير عليه عائد على الجزء المجرور باللام، والضمير في جزئه عائد على الصاع، وقوله: للجزء المراد به جزء الرقيق، فالجزء الأول مخرج، والجزء الثاني مخرج عنه؛ أي أن زكاة الفطر مصدرا إما إعطاء صاع فقط أو إعطاء جزئه المسمى للجزء الذي قصر وجوب الجزء المسمى عليه، فلو كان المالك للعبد ثلاثة، فالجزء المسمى ثلث من صاع، ولو قال: الموافق للجزء المخرج عنه لكان أوضح، ولو أطلق في قوله أو جزءَه لكان أحسن ليشمل ما إذا لم يقدر إلا على بعض صاع عن

(1)

البيهقي، ج 4 ص 175. ولفظه: أغنوهم عن طواف هذا اليوم.

ص: 592

نفسه مثلا، وقوله: يعطى بالبناء للمفعول ونائب الفاعل مستتر يعود على الصاع أو جزئه، وأشار المصنف إلى بيان الحكم والسبب والقدر، بقوله: يجب بالسنة صاع؛ يعني أن زكاة الفطر واجبة على المشهور، ومقدارها صاع، ووجوبها بالسنة أي بالحديث لا بالقرآن على المشهور، والدليل على وجوبها ما في الموطإ عن ابن عمر:(فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان)، ومقابل المشهور في الوجوب قول أشهب: إنها سنة أَوَّل قوله في الخبر: (فرض)؛ بمعنى قدر، وهو بعيد لما في الترمذي:(بعث النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم)، ولِمَا قاله ابن دقيق العيد أنه وإن كان أصل فرض في اللغة قدر، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى، وقوله: في فجاج مكة، هو الصواب، كما ذكره غير واحد، وهو الواقع في سنن الترمذي. وَوهِمَ بعضهم من أن فرضها في السنة الثانية ومكة حرب، فجعلها المدينة زاعما أن بعث المنادي إنما يكون عقب الفرض، قال: ولو قلنا إن البعث بعد فلم خصها مع أنه فرض في الثانية أمورا كثيرة كزكاة المال والصوم. انتهى. وهذا توهيم للرواية بمجرد توهم العارضة، وهو معيب عند المحدثين، وأما ما زعم أنه إنما يكون عقب الفرض فغير لازم؛ إذ لم يقل بعث حين فرضت، وكذا لا يشكل عدم بعث المنادي في غيرها للفرق بين الصلاة والصوم لعلم حكمهما من القرآن دونها، وبعث النادي يحتمل سنة الفتح أو سنة حج أبي بكر بالناس، أو سنة حجة الوداع والأول أظهر، وقد تقرر أن الدليل إذا عارضه غيره وجب تأويله، فيجب تأويل قوله: في فجاج، بأحد ما قلنا ولا تُوهَّمُ الرواية على أنه لا يلزم بعث المنادي في كل حكم، وما سأل عنه هذا البعض يسأل عنه على ما قاله من المدينة. وقوله:"صاع"، فاعل "يجب"، وما ذكره المصنف من أن زكاة الفطر واجبة بالسنة هو المشهور كما مر؛ لأن آية الزكاة العامة سابقة عليها، فعلم أنها غير مرادة بها أو غير صريحة في وجوبها. قاله الأمير. وقيل: واجبة بالكتاب، فقيل: من عموم آيات الزكاة، وقيل: بدليل خاص؛ وهو قوله تعالى: {قد أفلح من تزكى} ؛ أي أخرج زكاة الفطر، {وذكر اسم ربه فصلى} ؛ أي صلاة العيد، والمشهور كما قال اللخمي أن: معنى تزكى: تطهر، وإنما يقال فيمن يزكي زكى أي أدى الزكاة، ومعنى {صلى} ، أتى بالصلوات الخمس على أنه ليس في الآية أمر،

ص: 593

وإنما تضمنت مدح من فعل ذلك، ويصح المدح على المندوب، والأعم لا دلالة له على الأخص، ولعل وجه استدلال الغير بذلك مع ظهور ما للخمي أن المدح يقتضي الطلب، والأصل فيه الوجوب حتى يثبت دونه. وقوله:"صاع"؛ أي إخراج صاع، والصاع أربعة أمداد، كل مد ملء اليدين المتوسطتين. لا مقبوضين ولا مبسوطتين قاله عبد الباقي.

وقال الخرشي والشبراخيتي: الصاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث بالبغدادي، وتقدم أن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا. انتهى. وتقدم أن الدرهم المكي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، وقد حُزِرَ الصاع فَوُجِدَ أربع حفنات بكف الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، هذا هو قدره الذي لا يختلف، فليس كل مكان فيه مد النبي صلى الله عليه وسلم.

ونقل الرجراجي عن أبي محمد أنه قال: بحثنا عن مد النبي صلى الله عليه وسلم فلم نقع على حقيقته؛ يعني حقيقة قدره، وأحسن ما أخذناه عن المشايخ أن قدر مد النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يختلف أو لا يعدم في سائر الأمصار أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط، لا بالطويل جدا ولا بالقصير جدا، ليست بمبسوطة الأصابع جدا ولا بمقبوضتها جدا؛ لأنها إن بسطت فلا تحمل إلا قليلا، وإن قبضت فكذلك. قال الرجراجي: وقد عارضته بما يزعم الناس أنه مده صلى الله عليه وسلم، فوجدناه صحيحا لا شك فيه. وكان عند شيخ الطريقة وإمام الحقيقة أبي محمد صالح مُدُّ عُبِّرَ يمُدِّ زيد بن ثابت رضي الله عنه، مكتوب عنده بسند صحيح، فعبرناه على هذا التعبير فكان مده ذلك القدر. وقوله:"صاع"؛ أي يجب إخراج صاع كامل في حق المسلم الحر القادر عليه عن نفسه وعن كل مسلم تلزمه نفقته بسبب من الأسباب الآتية.

واعلم أن أركان الفطرة أربعة: المخرج بفتح الراء، والمخرج عنه، والوقت المخرج فيه، ومن تدفع إليه، وتكلم المصنف على جميعها، فبدأ بالكلام على الركن الأول، وهو المخرج بفتح الراء، وَيُتَكَلَّمَ عليه باعتبار قدره ونوعه، فبدأ بالكلام على قدره، فقال: إنه صاع.

أو جزؤه؛ يعني أن الواجب في زكاة الفطر قدره صاع في حق المسلم القادر عليه الحر عن نفسه وعن كل مسلم تلزمه نفقته على ما يأتي، أو جزء صاع في عبد مشترك ومعتق بعضه كما يأتي، وفي حق من لم يجد غيره فيخرجه الشخص عن نفسه أو عمن تلزمه نفقته، لقول سند: من قدر

ص: 594

على بعض الزكاة أخرجه على ظاهر المذهب، لخبر: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم

(1)

): وكلام سند ودليله شامل للمخرج عن نفسه وعمن تلزمه نفقته. قاله الشيخ سالم. فالمصنف أشار لمسألته ومسألة الرقيق الشاملة لصورتين، فالصور ثلاث، ولا يرد على تعميمه في المسألتين تكرار العبد المشترك أو المبعض مع ما سيذكره لأن ما هنا في بيان الوجوب، وما يأتي في بيان القدر كما هو مدلول قوله: بقدر الملك، وأشار إلى الركن الثاني وهو على قسمين: مخرج عن نفسه، ومخرج عن غيره. وبدأ بالأول فقال: عند؛ يعني أنه يجب إخراج ما ذكر من الصاع أو جزئه عنه؛ أي عن الشخص الحر المسلم القادر على ذلك، والوجوب يتعلق بالمكلف وبالولي، فيجب عليه إخراجها من مال الصبي والمجنون، والظاهر أن حرف الجر الذي هو عن على معناه الحقيقي وهو المجاوزة، وأنه متعلق بإخراج المقدر قبل صاع؛ أي يذهب بالصاع عنه إلى غيره، قاله جامعه عفا الله عنه. وقال الشيخ إبراهيم: إنه متعلق بيجب، وأنه بمعنى على؛ لأن عن معناها المجاوزة، فيصير المعنى يجب وجوبا مجاوزا له وهو فاسد، ولو عبر بعلى لأعادها مع المعطوف أيضا، فكان يقول: وعلى كل مسلم لخ، فيوهم أن الزكاة واجبة على القرابة والزوجية والرق بطريق الأصالة وليس كذلك. انتهى.

فضل عن قوته وقوت عياله، فضل بمعنى زاد من باب قتل وبمعنى بقي، مضارعه مثلث وماضيه بالكسر وبالفتح؛ يعني أن محل لزوم إخراج الصاع أو جزئه له إنما هو حيث فضل عن قوته إن كان وحده، أو قوته وقوت عياله إن لم يكن وحده، والمراد بعياله من تلزمه نفقته؛ وهو الآتي في قوله:"وعن كل مسلم يمونه بقرابة أو رق أو زوجية"، وشمل الزوجة المدخول بها والمدعو إلى الدخول بها، والمراد بقوله:"فضل عن قوته وقوت عياله": أنه فضل عن قوت من ذكر يوم الفطر، فإذا كان عندهم ما يقتات به يوم الفطر وزيادة وجب إخراجها من الزيادة، ولو خشي الجوع بعد يوم الفطر بسبب إخراجها مما زاد.

وبما قررت علم أن فاعل "فضل"، ضمير يعود على ما ذكر من الصاع وجزئه. والله سبحانه أعلم. واعلم أن تقدير الفطرة بالصاع في جميع الأنواع هو المعروف من المذهب؛ لأن ظاهر الحديث

(1)

البخاري، كتاب الاعتصام، الحديث:7288. مسلم، كتاب الحج، الحديث: 1337.

ص: 595

العموم، وقال ابن حبيب: تؤدى من الْبُرِّ نصف صاع، وبه قال أبو حنيفة وجماعة من الصحابة، وروى الستة عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من بر أو صاعا من شعير على كل عبد أو حر أو صغير أو كبير، ذكرا أو أنثى من المسلمين

(1)

). وفي رواية: فعدل الناس به نصف صاع بر، وكان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة التمر، فأعطى شعيرا. وقوله:"فضل عن قوته وقوت عياله"؛ أي في يوم الفطر -كما مر- خلافا لقول الحنفية إنها لا تجب إلا على من يملك نصابا خارجا عن مسكنه وأثاثه، بل تجب عندنا على من له دار أو عبد أو كتب [يحتاج كل]

(2)

لذلك فيبيعه لأدائها، وهذا هو المشهور، وقيل: تجب على من لا تجحف به في معاشه، فعلى هذا لو فضل عن قوته صاع أو أكثر وكان إذا أخرجها يحدل له الإجحاف في معاشه لا يجب عليه إخراجها قاله في التوضيح. وقيل: تجب على من ملك قوت خمسة عشر يوما، وقيل: تجب على من لا يحل له أخذها، وسيأتي الكلام على من لا يحل له أخذها.

وقال في التوضيح: وذكر صاحب اللباب أن المذهب لم يختلف في أنه ليس من شروطها أن يملك المخرج نصابا، وعلم من هذا أن المذهب لا يعتبر ما قالته الحنفية من أنها لا تجب إلا على من ملك نصابا خارجا عن مسكنه وأثاثه، وقال اللخمي: واختلف هل تجب على من له عبد ولا شيء له سواه: أو يعطاها؟ فقال مالك في المبسوط فيمن له عبد لا يملك غيره: عليه زكاة الفطر، ورآه موسرا بالعبد، وقال في موضع آخر: لا شيء عليه، وقال أشهب في مدونته: ورأى أنها مواساة، وسبيل المواساة أن لا يكلفها من هذه صفته. انتهى. ونقله عنه ابن عرفة، ويأتي الخلاف في إعطائها لمالك العبد. قاله الخطاب. والقول بوجوبها على من له عبد لا يملك غيره يصدق به المصنف هنا، ويوافقه قوله فيما تقدم:"إلا زكاة فطر عن عبد عليه مثله"، وإذا لم يوجد عنده بعد ما يجب عليه من قوته وقوت عياله إلا صاع أو بعضه، وعنده من تلزمه نفقته بالزوجية والقرابة قدم الزوجية لتقديمها في النفقة، وجرى خلاف في تقديم الولد على الوالد،

(1)

التيسير، ج 2 ص 94/ 95.

(2)

ما بين المعقوفين ساقط من الأصل والمثبت من عبد الباقي ج 2 ص 186.

ص: 596

فَيُقدِّمُ فطرته واستوائهما فيخرج عند الضيق الموسر به عنهما، وكذا الحكم في تعدد الزوجات، فيخرج الموسر به عنهما أو عنهن، وكذا لو تعدد الولد، وكذا يصنع مع الأم والأب عملا في الجميع بقوله:"أو جزؤه"، هذا هو الظاهر، لا ما لعبد الباقي. والله سبحانه أعلم.

وعلم مما مر أنه لو قدر على إخراج صاع عن نفسه وعلى إخراج بعض صاع عمن تلزمه نفقته لزمه ذلك، وقوله:"قوته"، القوت بالضم في يقوم به بدن الإنسان من الطعام، يقال: قات أهله يقُوتُهُم قوتا وقياتة، ويقال في عنده قوت ليلة، وقيتة بكسر القاف وإبدال الواو ياء، وقوله:"عياله"، عيال الرجل من يعوله؛ أي من يقوم بنفقته، وواحد العيال عيل، ويجمع أيضا على عيائل، مثل جيد وجياد وجيائد، وأعال الرجل: كثر عياله فهو مُعِيلٌ والمرأة معيلة.

وإن بتسلف؛ يعني أنه يلزم إخراج في ذكر من الصاع أو جزئه حيث فضل عن قوته وقوت عياله، وإن كان لا ينال هذا الصاع أو جزءه إلا أن يتسلف، فيجب عليه أن يتسلف ليؤدي زكاة فطره إلى الفقراء، وهذا هو المشهور. وقال ابن المواز وابن حبيب: لا يلزمه أن يتسلف؛ لأنه ربما تعذر وجود القضاء فتبقى في ذمته، ولو قال: ولو بتسلف لكان أجرى على عادته؛ لأن الخلاف مذهبي. قاله الحطاب. وفي المدونة: ويؤديها المحتاج إن وجد أو وجد من يسلفه، فإن لم يجد لم يلزمه إن أيسر بعد أعوام قضاؤها لماضي السنين. انتهى. قاله الحطاب. وقوله:"وإن بتسلف"، إنما يلزمه أن يتسلف إذا كان يرتجي وجود القضاء، قال أبو الحسن: قوله في المدونة: أو وجد من يسلفه، معناه إذا كان يرتجي القضاء، وقال ابن القصار: وسمعت من يقول إنه إنما يتسلفها من كان له من حيث يؤديها ويبين لمن يتسلفها منه أنه يخرجها زكاة عنه، فمتى فتح له رد. انتهى. قاله الحطاب. وقال:

فرع: اختلف في زكاة الفطر، هل يسقطها الدين؟ قال اللخصي: قال أشهب: لا تسقط بخلاف العين، وقيل: تسقط كالعين. انتهى. والقول الثاني لعبد الوهاب، وقال الشبيبي: الظاهر أن الدين لا يسقطها. انتهى. وقال أشهب: ظاهر الكتاب يسقطها الدين. انتهى من الذخيرة. وقال ابن فرحون: القول بالسقوط لابن القاسم، وقال أبو الحسن: اختلف، هل يسقطها الدين أم لا؟ قولان مشهوران. انتهى. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.

ص: 597

وقال: محمد بن الحسن: ظاهره -يعني المصنف كظاهر المدونة- وجوب التسلف، وصرح ابن رشد بالاستحباب، قاله محمد بن الحسن. وقول ابن رشد هذا لا ينافي قول محمد وابن حبيب: إنه لا يلزمه أن يتسلف. والله سبحانه أعلم. واعلم أن قول المصنف: وإن بتسلف كالصريح في أنها لا تسقط بالدين؛ لأنه إذا وجب تداينها فأحرى أن لا تسقط بالدين وهو المذهب. قاله الشيخ إبراهيم. ومر قول الخطاب: لو أتى بلو لكان أجرى على عادته لخ، وأجاب التتائي بأنه قد يشير بإن للخلاف المذهبي. قاله عبد الباقي.

وهل بأول ليلة العيد أو بفجره خلاف؛ هذا هو الركن الثالث، ويتعلق الكلام به من أربعة أوجه ستأتي قريبا إن شاء الله؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الوقت الذي يتعلق الخطاب بزكاة الفطر فيه، فمنهم من ذهب إلى أن الخطاب بها يتعلق بأول ليلة العيد؛ أي يحصل وجوبها عند أول ليلة العيد، وهو لابن القاسم في المدونة، وشهره ابن الحاجب وغيره، وذلك إذا غرب جميع قرص الشمس من آخر يوم من رمضان، فمن كان موجودا في ذلك الوقت تعلق به الخطاب بها، فلو مات بعد ذلك أخرجت عنه: ومن ولد بعد الغروب أو أسلم أو أيسر بعده لم تجب عليه، ومنهم من ذهب إلى أن الخطاب بها إنما يتعلق بطلوع الفجر من يوم الفطر؛ وهو المراد بالعيد فمن كان موجودا في ذلك الوقت، تعلق به الخطاب؛ أي وجب عليه، ومن مات قبل طلوع الفجر أو ولد بعده أو أسلم أو أيسر بعده لم تجب عليه وهذا القول شهره الأبهري، وقال ابن العربي: إنه الصحيح. وصححه أيضا ابن رشد، ورواه ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون عن مالك.

وقوله: "خلاف"، مبني على الخلاف في المراد بالفطر المضاف إليه زكاة، هل هو الفطر الجائز بعد الغروب من آخر يوم من رمضان، أو الواجب بفجر يوم العيد. في الموطإ عن ابن عمر رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان

(1)

).

وعلم مما قررت أن وقت الوجوب لا يمتد على كلا القولين، فمن أيسر بعد الغروب وأعسر قبل الفجر، أو ولد بعد الغروب ومات قبل الفجر لا تخرج عنه باتفاق القولين: وكذا عبد ملك بعد الغروب وزال ملكه قبل الفجر وكذا امرأة تزوجها بعد الغروب وماتت أو بانت منه قبل الفجر،

(1)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث:627.

ص: 598

ومن غربت عليه الشمس وهو في ملكه أو في عياله أو في عصمته وخرج عن ذلك قبل الفجر تجب عنه على الأول لا على الثاني، ومن طلع عليه الفجر وهو في ملكه أو في عصمته أو في نفقته ولم يكن وقت الغروب عنده وجب إخراجها عنه على الثاني لا على الأول.

والحاصل: أن من ليس من أهلها وقت الغروب وطلع عليه الفجر وهو من أهلها يجب عليه إخراجها على الثاني لا على الأول، ومن طلع عليه الفجر وليس هو من أهلها وكان من أهلها وقت الغروب يجب إخراجها عنه على الأول لا على الثاني، ومن ليس من أهلها وقت الغروب ولا وقت انصداع الفجر لم يجب إخراجها عنه اتفاقا ولو كان من أهلها فيما بينهما. والله تعالى أعلم. وعلم من هذا أنها تجب على المطلق، والمعتق بالكسر، والبائع، ومن حدث إسلامه، ومن ولد له، والميت فتؤخذ من تركته، وأنها تسقط عن المطلق فتجب على المطلقة، وتسقط عن المعتق بالكسر فتجب على المعتق بالفتح، وتسقط عن البائع فتجب على المشتري، وأنها تسقط عمن حدث إسلامه أو حدث له ولد.

قال عبد الباقي: والظاهر أن من قارنت ولادته وقت الغروب أو طلوع الفجر ومات حينئذ، بمنزلة من ولد وقتهما ومات بعده لا بمنزلة من ولد بعدهما، وأن من فقد وقتهما كمن فقد قَبْلُ. انتهى. وقوله:"وهل بأول ليلة العيد أو بفجره" اعلم أن في المسألة خمسة أقوال، المشهورين الذين ذكر المصنف، وبقي ثلاثة أقوال آخر؛ أحدها: أن الوجوب يتعلق بطلوع الشمس من يوم العيد وصححه ابن الجهم وأنكره بعضهم، وقال: لا خلاف أن من مات بعد الفجر تجب عليه الزكاة، وصوب القاضي عياض قول هذا المنكر. الثاني: أنه يمتد من غروب الشمس ليلة الفطر إلى غروب الشمس من يوم الفطر. الثالث: أنه يمتد من غروب الشمس ليلة العيد إلى زوال يوم العيد. ذكره في التوضيح. وعزاه لابن الماجشون. ويتعلق الكلام بالوقت في زكاة الفطر من أربع حيثيات: الوقت الذي يتعلق به الوجوب وهو المشار إليه بقوله: "وهل بأول ليلة العيد أو بفجره"، والوقت الذي يستحب إخراجها فيه؛ وهو المشار إليه بقوله وندب إخراجها بعد الفجر لخ والوقت الذي يجزئ إخراجها فيه وهو المشار إليه بقوله:"وإخراجه قبله بكاليومين"، والوقت الذي يحرم تأخيرها إليه، وهو ما بعد يوم الفطر، كما لسند ولابن الماجشون: آخر وقت أدائها الزوال. من

ص: 599

أغلب الفوت. هذا تبيين منه رحمه الله للنوع الذي يخرج منه الصاع، والقوت ما تقوم به البنية؛ يعني أن المخرج في زكاة الفطر من صاع أو جزئه إنما يكون من أغلب القوت؛ أي قوت البلد لا قوت المؤدي، بدليل ما يأتي. قال محمد بن الحسن: المعتبر الأغلب في رمضان على ما يظهر من الخطاب ترجيحه، لا في العام كله، ولا في يوم الوجوب. انتهى. وقال الأمير: من أغلب القوت عند الإخراج على الظاهر، وقال الشيخ يوسف بن عمر: ويعتبر في الجل العام كله. وقال بعض الفقهاء: إنما يراعى يوم الوجوب. انتهى. والمعتبر في المخرج عنه قوت بلده.

وقوله: "من أغلب القوت"، يصح تعلقه بيجب، ويمكن أن يكون صفة لصاع أو حالا منه، فيتعلق بالكون أو الاستقرار. وقال الشبراخيتي عند قوله:"من أغلب القوت": والمعتبر في الغالب فيما يخرجه في شهر رمضان لا ما قبله، وكان يعجب شيخنا. نقله عن ابن ناجي.

من معشر؛ بيان لقوله: "من أغلب القوت"؛ يعني أن زكاة الفطر إنما تخرج من أغلب القوت حيث كان معشرا، وأما إن كان أغلب القوت غير معشر مع اقتيات المعشر لكن الغالب اقتيات غيره وأولى مع التساوي، فإنها لا تخرج إلا من المعشر، ولا تخرج من غيره الأغلب أو المساوي، والمراد بالعشر ثمانية أصناف منه، فهو عام أريد به خاص، والأصناف الثمانية هي:

قمح شعير وزبيب سلت

تمر مع الأرز دخن ذرة

ولا يتناول كلام المصنف هنا -أعني قوله: "من معشر"- غير هذه الأصناف الثمانية، ويلحق بهذه المعشرات الثمانية الأقط، كما أشار إلى ذلك بقوله: أو أقط؛ يعني أن أغلب القوت إنما تخرج منه زكاة الفطر إذا كان معشرا؛ أي من هذه الأصناف الثمانية، أو أقطا، فإذا كان الأقط هو أغلب العيش أخرجت منه، كما أن هذه الأصناف الثمانية إذا كانت هي أو أحَدُها الأغلبَ أخرجت من ذلك الأغلب. والأقط: لبن جامد، كما في الشبراخيتي، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف وبكسر الهمزة وسكون القاف، ونحوه في الحطاب. وقال إن الأقط جبن اللبن المخرج زبده. غير علس، صفة لقوله:"معشر"؛ يعني أن العلس إذا كان هو الأغلب في اقتيات أهل البلد فإنه لا تخرج منه زكاة الفطرة ولا مفهوم للعلس عن غيره من الأصناف سوى الثمانية المذكورة، وإنما

ص: 600

أخرج المصنف العلس دون غيره من بقية الأصناف غير الثمانية للاعتناء بالرد على ابن حبيب الذي زاده على التسعة.

وقال أشهب: إنها لا تخرج من الدخن والذرة والأرز، وإنما تخرج من الستة الباقية. إذا عرفت هذا فالذي تخرج منه حيث كان أغلب القوت إنما هو تسعة فقط؛ الأصناف الثمانية والأقط، فتخرج من واحد منها إن انفرد، ومن الغالب عند التعدد، ومن كل واحد إن لم يغلب شيء منها، فإن غلب غير هذه الأصناف التسعة مع اقتياتها فإنه لا يخرج من ذلك الغير، وإنما يخرج منها. إلا أن يقتات غيره؛ يعني أن غير المعشر أي غير الأصناف التسعة لا تخرج منه الزكاة إلا أن يكون هو المقتات وحده مع عدم اقتيات شيء من الأصناف التسعة.

والحاصل: أنه إذا وجدت التسعة مع اقتياتها سوية خير في الإخراج من أيها، فإن لم يكن ذلك على السواء فمن الأغلب، وعلم من هذا أنه إذا لم يكن المقتات منها إلا واحدا تعين الإخراج منه، وإذا كان المقتات غيرها من بقية المعشر أو غيره ولم يقتت شيء من التسعة جاز الإخراج من التسعة ومن ذلك الغير، فإن كان الغير هو الأغلب مع ندور الاقتيات بالتسعة أو بعضها تعين الإخراج من التسعة، فعلم من هذا أن غير التسعة إذا كان هو العيش تخرج منه مع وجود التسعة أو بعضها كما حرره الرماصي ومحمد بن الحسن وغيرهما، خلاف ما في الحطاب ومن تبعه من أنه إذا كان غير التسعة هو المقتات ولم يقتت شيء من التسعة مع وجودها أو بعضها لا تخرج إلا من التسعة.

واعلم أن ما تؤدى منه زكاة الفطر على ثلاثة أقسام: قسم تؤدى منه زكاة الفطر سواء كان جل العيش أولا، وكحو القمح والشعير والسلت إذا كان جل عيشهم غير هذه الثلاثة تؤدى من الثلاثة وتجزئه، والثلاثة فيما بينها يخرج الأعلى عن الأدنى ولا ينعكس، وغير هذه الثلاثة التي هي الستة الباقية من التسعة لا يخرج إلا من الأغلب منها، فإن لم تكن التسعة مقتاتة ولا بعضها أخرج من المقتات غيرها ولو مع وجود التسعة أو بعضها.

ص: 601

وفي الحطاب عن الفاكهاني. والأفضل القمح، وقاله الأئمة والسلف، والسلت يلحق به لأنه من جنسه وأفضل من الشعير، وفي الخرشي عن أشهب: القمح أحب إلي ثم السلت، ثم الشعير أحب إلي من الزبيب، والزبيب أحب إلي من الأقط.

تنبيهات: الأول: اعلم أنها إنما تخرج من غير التسعة حيث كان الغير يقتات بزمن الرخاء والشدة معا، لا زمن الشدة فقط كما قيد بذلك ابن رشد وأبو الحسن. وغيرهما قاله محمد بن الحسن ونحوه للرماصي، وعزاه لابن رشد وأبي الحسن، وقوله:"إلا أن يقتات غيره"، وإذا أخرجت من هذا الغير فمما غلب إن كان، فإن لم يكن أغلب خير في واحد منه قاله عبد الباقي. وفي الحطاب: وإذا اقتات أهل بلد نوعين أو ثلاثة على حد سواء ولم يكن في البلد جل، فالظاهر أنه يخرج كل واحد من قوته.

الثاني: شمل قول المصنف غيره اللحم واللبن، وأفتى الشبيبي بأنه يخرج منهما مقدار عيش الصاع ولم يرتضه البرزلي، وقال. الصواب أنه يكال كالقمح وهو بعيد؛ لأن اللحم وشبهه أي كاللبن لا يكال. قاله ابن ناجي. قال الحطاب: وما قاله الشبيبي ظاهر. انتهى. وقال عبد الباقي: ويجاب عن البرزلي بأنه أراد بالكيل الوزن، كما وقع للفقهاء إطلاقه على الوزن في السلم والقرض وغيرهما. انتهى. وقال الأمير: وهل يقدر غير القمح بجرم المد أو شبعه، وصوب كما في الحطاب أو وزنه، خلاف. انتهى.

الثالث: لا يجوز إخراج قيمة زكاة الفطر عينا ولا عرضا، ولا يجزئ دقيق، وفي ابن الحاجب: وفي الدقيق بزكائه قولان. انتهى. قال محمد بن الحسن: هما تأويلان كما لابن عرفة، ونصه: وفيها لا تخرج من دقيق. ابن حبيب: وكذا الخبز. الصقلي، وبعض القرويين: قول ابن حبيب تفسير، الباجي: خلاف. انتهى. وفي الأمير: وجاز دفع دقيق صاع حب، ووجه بعضهم عدم الإجزاء في الدقيق، بأن الحب يصلح لما لا يصلح له الدقيق ففي الدقيق تحجير ولو جاز الدقيق لجاز الخبز. انظر التوضيح. وقول ابن الحاجب بزكائه أي بزيادته، قال في التوضيح: احترز بذلك مما لو أخرج الدقيق بغير زكائه فلا يجزئ اتفاقا. انتهى. وقال ابن عبد الصادق: وهل يجوز أن يدفع عنها ثمنا أم لا؟ قولان. انتهى. ونقل الفاكهاني عن ابن القاسم أن: القطنية إذا

ص: 602

كانت جل عيش قوم أجزأتهم، قال الخطاب: وهو مخالف لما في المدونة من أنه لم يقل بالإجزاء إلا إذا كان ذلك عيشهم، ولم يقل إذا كان جل عيشهم. فتأمله.

الرابع: علم مما مر أن قول المصنف من معشر فيه بحث؛ إذ المراد به الأصناف الثمانية كما عرفت، وكذا قوله: غير علس فيه بحث أيضا لأنه لم يستثن إلا العلس فقط، وقد قدمت في أول الحل الاعتذار عنه. واعلم أن قوله:"إلا أن يقتات غيره"، معناه إذا لم يكن مقتاتا إلا ذلك الغير، ولم يكن غيره من الأصناف التسعة مقتاتا لا غالبا ولا نادرا ولا على السواء، فإنه حينئذ يجزئ إخراج زكاة الفطر من ذلك الغير، وهذا هو المشهور. ومقابله عدم الإجزاء. ووجه المشهور أن في تكليفه غير قوته حرجا عليه، ورأى في القول الآخر الاقتصار على ما ورد في الحديث، ورواه ابن القاسم في القطاني أنها لا تخرج، وإن كانت قوته. قاله الحطاب. وأشار إلى القسم الثاني من المخرج عنه، بقوله: وعن كل مسلم يمونه. قوله: "وعن كل" عطف على قوله: "عنه"؛ يعني أنه كما يلزم الشخص إخراج الصاع أو جزئه عن نفسه، يلزمه أيضا إخراج ذلك عن كل مسلم تلزمه نفقته بوجه من الوجوه الآتية. قوله:"يمونه" من مانه مونا إذا احتمل مؤنته كما في الصحاح. فهو بالتخفيف فقط؛ أي تلزمه نفقته، وهو من باب يقول. وأما مان يمين من باب يبيع فمعناه: كذب، كما في حاشية الأمير.

بقرابة، متعلق بيمونه، والباء سببية؛ يعني أنه يلزم الشخص أن يخرج زكاة الفطر عن كل من تلزمه نفقته من المسلمين بسبب القرابة، وذلك محصور في الأبوين دنية والولد مباشرة؛ أي الذين لا مال لهم، فيخرجها الأب عن ولده، وإن لم يعلمه بها إن صغر، فإن بلغ فلا بد من إعلامه لأنه لا بد في الزكاة من النية على المذهب قاله ابن فرحون. وإعلامه قائم مقام النية، ومقتضى المذهب أنها لا تجب على كافر عن مسلم يمونه كعبد أسلم عند سيده الكافر قبل دخول وقت وجوبها عليه، واستمر بيده لوقت مضي وجوبها حتى نزع منه، أو أسلمت أم ولده، أوله قرابة مسلمون في نفقته كأبويه وولده الكبير الزمن. قاله في الطراز، وكذلك قال أبو حنيفة.

وقال أحمد بن حنبل: تجب، وللإمام الشافعي قولان، قال عبد الباقي؛ وظاهر قول المصنف هنا "بقرابة"، وقوله الآتي:"أورق"، موافق لأحمد، وإن كان خلاف قول سند: مقتضى المذهب لا

ص: 603

تجب: ولا ينافي ذلك قوله يجب بالسنة صاع؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. أو زوجية، يعني أنه يجب على الشخص أن يخرج زكاة الفطر عمن ينفق عليه بسبب الزوجية على المشهور إلحاقا لها بالقرابة لا بالأجراء، وقال ابن شأس: لا تجب على الزوج عن زوجته، وكلامه يشمل الزوجة الأمة؛ لأن نفقتها على الزوج، فلو كانت الزوجة حنفية والزوج مالكيا، فهل يخرج عنها مدين من القمح على مذهبها، أو أربعة أمداد على مذهبه؟ قولان. كما في شرح الإرشاد للشيخ سليمان البحيري. وينبغي أن يكون الراجح منهما اعتبار مذهبه قياسا على ما إذا اختلف مذهب الوصي والصغير، وهل يراعى في وجوب إخراج الزوج عنها كونه مالك نصابٍ فاضل عن داره وخادمه؟ لأنه لا تجب عليه الفطرة إلا بمراعاة ذلك كما تقدم، أو يراعي مذهبه؟ قاله عبد الباقي. وقوله:"أو زوجية". قال عبد الباقي وغيره: ظاهره شموله للزوج العبد، ففطرة زوجته ولو حرة عليه لوجوب إنفاقه من غير خراج وكسب: وليست فطرتها على سيده. قوله: وظاهره شموله للزوج العبد لخ، قال محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ شرط من تجب عليه أن يكون حرا، فكيف يخاطب بها العبد؟ وفي الحطاب عن الجواهر: أن الذي تجب عليه هو الحر المسلم الموسر. انتهى.

(وإن لأب) يعني أن الولد إذا لزمه إعفاف أبيه بزوجة، فإنه يجب عليه إخراج زكاة فطرتها للزوم نفقتها له، سواء كانت أمه أم لا؟ خلافا للمغيرة القائل إنه لا تلزمه فطرتها، حيث لم تكن أمه، عليه رد المصنف بالمبالغة. وقوله:"وإن لأب"؛ أي وإن تعددت على ما يأتي.

والحاصل: أنه تلزمه فطرة ما يعف به أباه للزوم نفقتها له، فإن كانت تعفه واحدة لم يلزمه إلَّا نفقة واحدة وفطرتها، وإن كان لا يعفه إلا أكثر لزمه نفقته وفطرته.

وخادمها؛ أي خادم كل واحدة ممن ذكر من ذي قرابة أو زوجة له أو لأبيه، حيث كانت الخادم المذكورة رقيقا لمن ذكر من ذي القرابة والزوجة، لا إن خدمه بأجرة وإن لزمه نفقته، وهذه من المسائل التي تجب فيها النفقة، ولا تجب فيها زكاة الفطر كمن التزم نفقته، والحامل البائن، والأجير بطعامه، وعبد عبده، وعبد مكاتبه، وكذا لا تلزم السيدَ العبدَ أو المكاتب، ونظمها من قال:

ص: 604

عبد لعبد وأجير مخدم

والحامل البائن والملتزم

وقوله: مخدم، صفة لأجير أي آجر أجيرا يخدمه بنفقته، ولو أعسر الزوج بنفقة الزوجة واختارت البقاء لزمها النفقة عن نفسها والفطرة حتى يوسر، فإن قدر على النفقة فقط لم يلزمها إخراج الفطرة، بل تسقط عنها ويستحب لها إخراجها، فإن أرادت الإخراج عن نفسها وأبى الزوج وهو موسر لم يجزه إخراجها قاله سند قال بعض: مفهوم قوله وأبى الزوج، أنه إن لم يأب جاز. قاله الخرشي. وإذا كان لكل من أبويه خادم لا يستغنى عنهما وهما فقيران، أدى عنهما وعن خادميهما إذا لم تكن الأم في عصمة الأب، فإن كانت في عصمته وكانا يستغنيان بخادم الأب عن خادم الأم أداها عن الجميع إلا خادم الأم، وإن استغنيا بخادم الأم لم يؤد عن واحد منهم ليسر الأب بخادمه، فعليه بيعها ويؤدي من ثمنها عنه وعن زوجته وعن خادمها، والولد يكون له الخادم كذلك. قاله في التبصرة. قاله الخرشي. ويخرج عن خادم واحد لزوجته إذا كان لابد لها منه، فإن كان لابد لها من اثنين فأكثر، بأن كانت ذات قدر أخرج عن ذلك. قاله الشبراخيتي. ومثله للحطاب وجَدِّ علي الأجهوري ناقلا له عن أبي الحسن، واعترضه الرماصي بأنه خلاف مذهب المدونة، وإنما هو قول أصبغ، وجعله ابن رشد وابن عرفة وغيرهما خلافا لها، وما نسبه لأبي الحسن ليس هو كذلك، وإنما نقله عن أصبغ مقابلا لها، ونص ابن عرفة: وفي وجوبها عن أكثر من خادم إلى أربع أو خمس إن اقتضاه شرفها، ثالثها عن خادمين فقط، الأول للعتبي عن أصبغ مع ابن رشد عن رواية ابن شعبان والمبسوط، والثاني ليحيى عن ابن القاسم مع ابن رشد عن ظاهرها، والثالث لسماع أصبغ عن ابن القاسم، قال الرماصي: وما يأتي في النفقة من قوله وإخدام أهله ولو بأكثر من واحدة، لا يأتي على مذهب المدونة، وهذا كله في التي هي أهل للإخدام، وإلا فلا يلزمه لخادمها نفقة ولا زكاة فطر. انظر حاشية الشيخ بناني أو رق؛ يعني أنه يجب على الشخص إخراج زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته بسبب الرقية أي الملك، فيخرج زكاة الفطر عن عبيدة وعن إمائه المسلمين صغارا أو كبارا، ولا فرق في ذلك بين القن ومن فيه شائبة، كالمدبر، وأم الولد، والعتق لأجل، وسواء كان رقيقه للتجارة أو للقنية،

ص: 605

كانت قيمتهم نصابا أو أقل أصحاء أو مرضى. وقوله: "أو رق"، خرج به رقيق رقيقه؛ لأنه لا يمونهم؛ إذ نفقتهم على سيدهم. قاله في المدونة. قاله أحمد. نقله عبد الباقي.

ولما كان الكاتب أحرز نفسه، وماله ونفقته على نفسه فربما يتوهم متوهم أن زكاة فطره ليست على السيد، أشار إلى وجوبها عليه، وللخلاف فيه بقوله: ولو مكاتبا؛ يعني أن السيد يلزمه أن يخرج زكاة الفطر عن عبده المكاتب على المشهور، مع أن السيد لا يمونه إذ نفقته على نفسه؛ لأن الأصل أن السيد يمونه، ولكنه كأنه بكتابته اشترط عليه ما هو لازم للسيد، فلم تسقط زكاة فطره عن السيد. قاله عبد الباقي. ورد المصنف "بلو" القول بأن المكاتب لا تجب على السيد زكاة فطره، نظرا إلى أنه ينفق على نفسه، وهما روايتان. قاله الشارح. وقوله:"ولو مكاتبا"، قال الخرشي: اسم كان المقدرة بعد لو، ضمير يعود على الرقيق لا بقيد كونه يمونه.

وآبقا رجي، عطف على المبالغة، ففيه الخلاف أيضا؛ يعني أنه يلزم السيد أن يخرج زكاة الفطر عن عبده الآبق إذا كان مرجوا، قال سند في الطراز: كعبد خاف من سيده بجريمة ارتكبها فهرب منه ولم يعرف له بذلك سابقة، ولا هو ممن يتغرب ويصبر على الأسفار، أو يكون ذلك فعله كل حين يهرب ثم يعود فهذا على حكم المسافر والغائب الذي ينتظر قدومه، وحكم المغصوب حكم الآبق إن رجي خلاصه وجبت زكاة فطره وإلا فلا، انتهى.

ومفهوم قول المصنف: "رجي"، أنه إن لم يرج الآبق ومثله المغصوب كما علمت، لم تلزم فطرة واحد منهما، فإن قبض بعد أعوام فلا زكاة فطر عليه في المغصوب لماضي الأعوام، وكذا الآبق، وأما قياس المغصوب على النعم المغصوبة فقياس مع وجود الفارق؛ لأن الماشية تنمو بنفسها. وقد من أن النعم المغصوبة تزكى بعد قبضها لماضي الأعوام على المعتمد، هذا هو الذي رجع إليه مالك ورجحه ابن عبد السلام، وصوبه ابن يونس: ولابن القاسم تزكى لعام واحد.

تنبيهات: الأول: قوله: "وعن كل مسلم يمونه بقرابة" لخ، الأصل فيه حديث ابن عمر: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون

(1)

)، رواه الدارقطني والبيهقي مع حديث ابن عمر أيضا: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة

(1)

الدارقطني، كتاب زكاة الفطر، رقم الحديث: 12، ط دار المحاسن. البيهقي، ج 4 ص 161.

ص: 606

الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين

(1)

).

الثاني: إنما تجب الفطرة عن الزوجة إذا دخل بها الزوج، أو دعى إلى الدخول -كما مر- وأما إن كان ممنوعا من الدخول بها فلا تجب عليه، وأما مع المساكنة ففيه قولان: أَحَدُهُمَا أنه كالمدعو للدخول فتجب عليه النفقة والفطرة، والثاني أنه كالممنوع فلا تجب عليه، ونقله ابن بشير. قاله الحطاب.

الثالثُ: قد مر أن زكاة الفطر تجب عن الرقيق المسلم، فتجب عن المدبر وعن المعتق لأجل، وعن المكاتب على المشهور، وقيل: لا تجب، وقيل: تجب على المكاتب نفسه، وتجب عن العبد المرهون: والأعمى، والمجنون، والمخدم. قاله في الطراز. ولو غاب العبد غيبة طويلة في سفر من غير إباق ولم يعرف موضعه، فليود عنه زكاة فطره، وتجب عن العبد الموروث إذا لم يقبض إلا بعد يوم الفطر. قاله الخطاب. ويدخل في كلام المصنف من أعتق عبدا صغيرا، فإنه تلزمه نفقته والزكاة عنه، وذلك بسبب الرق. قال في مختصر الوقار: ويخرج زكاة الفطر عن الرضيع إذا أعتقه حتى يبلغ الكسب على نفسه، فتسقط عنه نفقته. انتهى. ومثله من أعتق زمنا، فقد ألزموه النفقة عليه، واختار سند سقوط النفقة بعتق الزمن.

الرابع: احترز المصنف بقوله: "بقرابة أو زوجية أو رق"، عما إذا كان يمونه بغير هذه الأسباب الثلاثة، فإنه لا تجب عليه زكاة فطره، كمن التزم نفقة ربيبه أو غيره، وكمن استأجره بنفقته من حر أو عبد، فإن من التزم نفقة من ليس بقريبه كالربيب، أو قريب لا تلزمه نفقته بالأصالة فإنه لا يلزمه أن يخرج عنه زكاة الفطر باتفاق. قاله الخطاب. والمستأجر بنفقته نص عليه صاحب الذخيرة وغيره، وكذلك البائن إذا كانت حاملا بخلاف الرجعية؛ لأن الطلاق الرجعي لا يمنع العصمة، وإنما يهيئها للقطع، فالعصمة باقية قاله الخطاب.

وقد مر أن رقيق الرقيق لا تجب على السيد الأعلى فطرتهم؛ لأنه لا يمونهم؛ إذ نفقتهم على السيد العبد، ومر أيضا أنه لا تجب فطرتهم على السيد العبد.

(1)

الموطأ، كتاب الصدقة، الحديث:627.

ص: 607

الخامس: لو ارتد مسلم فدخل وقتُ الزكاة وهو مرتد تم تاب سقطت عنه، وإن جنى عبد جناية عمد تؤخذ فيها نفسه فلم يقتل إلا بعد الفطر ففطرته على سيده، ولو كان صبي في حجر رجل بغير إيصاء وله بيده مال رفع أمره إلى الحاكم، فإن لم يرفع وأنفق عليه وأخرج عنه زكاة الفطر فهو مصدق في الزكاة وفي نفقة المثل، ويؤديها الوصي عن اليتامى وعن رقيقهم من أموالهم. قاله الحطاب. وإذا أمسك عبيد ولده الصغار لخدمتهم ولا مال للولد سواهم، أدى الفطرة عنهم مع النفقة: ثم يكون له ذلك من مال الولد وهو العبيد؛ لأنهم أغنياء. قاله الحطاب.

وقد مر عن الحطاب وغيره: أنه يجب على المرأة الفقير زوجها وهي موسرة أن تؤدي زكاة الفطر عن نفسها حيث أحبت المقام معه، وأنه إن قدر على أن ينفق عليها دون فطرتها تسقط عنه فطرتها كما تسقط عنها، ويستحب لها إخراجها عن نفسها في هذه الحالة، فإن أرادت المرأة أن تخرج زكاة الفطر عن نفسها والزوج موسر لم تجز؛ لأن الخطاب متوجه عليه دونها، ويختلف في هذا الفرع. انتهى. ومثله لو تطوع شخص غيره بزكاة الفطر وهو موسر، هل تسقط زكاة الفطر عن المخرج عنه إذا أعلمه بذلك أم لا تسقط عنه؟ قياسا على ما ذكره في الزوجة، وما جزم به هنا من عدم الإجزاء مخالف لما سيأتي له في الكلام على إخراج أهل المسافر عنه، حيث قال: وإذا لم يأمرهم ولم يكن ذلك عرفه معهم، فهذا يختلف فيه على الخلاف فيمن كفر عن غيره من غير علمه وإذنه، وأن يجزئه أحسن لأنه حق مال، فيسقط عنه إذا أدي عنه وإن لم يعلم به. انتهى. وهو خلاف ما في التوضيح في الكلام على إخراج أهل المسافر عنه، ونصه: وهذا ظاهر إذا كانت عادتهم أو أوصاهم، وإلا فالظاهر عدم الإجزاء لفقد النية. انتهى. انظر الحطاب.

ومبيعا بمواضعة؛ يعني أن الأمة المبيعة بمواضعة زكاة فطرتها على بائعها إذا غشي الفطر قبل رؤية الدم لوجوب النفقة والضمان على البائع. أو خير؛ يعني أن الرقيق المبيع بخيار زكاة فطرته على بائعه حيث غشي الفطر قبل انقضاء أمد الخيار، كان الخيار لهما أو لأحدهما، أو لغير لوجوب النفقة والضمان على البائع ولانحلال بيع الخيار. وقوله:"ومبيعا"، عطف على المبالغة، وقوله:"أو خيار"، عطف على قوله:"مواضعة"، فالبيع بالمواضعة أو الخيار فيه خلاف أيضا، قال الشارح معللا كون فطرة المبيع بمواضعة أو خيار على بائعه: لأنَّ ضمانه منه

ص: 608

حتى يخرج العبد من الخيار والأمة من الاستبراء. سند: ومن قال إن الملك ينتقل بالعقد جعل الزكاة على المشتري انتهى والمشهور ما ذكره المصنف في الرقيق البيع بمواضعة أو خيار. ومخدما، بفتح الدال؛ يعني أن من أخدم عبده لشخص مدة طويلة أو قصيرة، زكاة فطره على مالك رقبته من سيده الذي وهب خدمته، أو من يكون له بعد الإخدام إذا قبل لوجوب نفقته على من ذكر. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: وأما المخدم فنفقته على من له الخدمة. قاله ابن يونس. وحكى أبو الحسن قولين، قيل: على مالك الرقبة، وقيل: على المخدم، وقال ابن عرفة: روى الباجي المخدم يرجع لحرية على ذي خدمته ولربه في كونها عليه أي على ربه أو على المخدم، ثالثها إن قلت خدمته وفي نفقته الثلاثة، وعلى الأول مشى المصنف حيث قال:"ومخدما". إلا لحرية؛ يعني أن العبد المخدم؛ أي الذي وهبت خدمته لشخص آخر إذا كان يرجع للحرية بعد زمن الخدمة؛ بأن قال سيده: أخدمت عبدي هذا زيدا مثلا سنة أو أكثر أو أقل، وهو حر بعد ذلك، فإن زكاة فطرته تكون على مُخْدَمِه، بفتح الدال؛ أي الذي وهبت له خدمة العبد، وكذلك نفقته فإنها حينئذ على من وهبت له خدمته، طالت المدة أو قصرت كما علمت، وقال الشبراخيتي عند قوله:"فعلى مخدمه": لأن نفقته، عليه على المشهور ولم يبق للسيد فيه منفعة وظاهره أنه إذا جعله بعد الخدمة للشخص أنها تكون على سيده المخدِم بالكسر؛ وهو أحد أقوال ثلاثة، ولكن مذهب المدونة أنها تكون على الشخص في مدة إخدامه إن قبل، وتكون نفقته عليه أيضا في هذه المدة؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة. انتهى.

والمشترك والمبعض بقدر الملك؛ يعني أن العبد المشترك بين مالكين فأكثر تكون زكاته عليهما، أو عليهم بقدر الحصص، فمن له نصف العبد عليه نصف الفطرة، ومن له سدس العبد عليه سدس الفطرة، ومن له ثلثه عليه ثلث فطرته، وكذا الذي بعضه حر وبعضه مملوك، فعلى مالكه بقدر ماله منه، إن نصفا فنصف، وإن ثلثا فثلث، وإن خمسا فخمس. . . . وهكذا. قال في المدونة: وإذا كان عبد بين رجلين ودى كل واحد منهما نصف صدقة الفطر عنه، وإن كان لأحدهما سدس فسدس الزكاة عليه وخمسة أسداسها على شريكه، وهذا الذي مشى عليه المصنف هو المشهور.

ص: 609

وعن مالك أن على كل واحد منهما زكاة كاملة، وقيل: على العدد فيكون على صاحب السدس نصف صاع، وعلى الآخر نصف صاع. قاله الشارح. وقال محمد بن الحسن عند قوله "والمشترك والمبعض بقدر الملك": مقابل هذا أنها على عدد رؤوس المالكين، ولهذه المسألة في هذا الخلاف نظائر أشار في الجواهر إلى ضابطها، بقوله: كل ما يجب بحقوق مشتركة، هل يكون استحقاقه بقدر الحقوق أو على عدد الرؤوس؟ قولان، لكن الراجح منهما متخالف، فالراجح الثاني في مسائل كأجرة القسم، وأجرة المراحيض، والسواقي، وحارس أعدال المتاع، وبيوت الطعام، وكذا صيد الكلاب. قال أبو عمران: لا ينظر إلى رؤوس الكلاب إنما ينظر إلى رؤوس الصيادين. انتهى. وكذا حارس البستان، وكتب الوثيقة، والراجح الأول في الفطرة والشفعة ونفقة الوالدين. قاله محمد بن الحسن. قوله: وكذا صيد الكلاب؛ أي إذا أرسل أحد الصائدين كلبا، وأرسل الآخر كلبين، فلو اشترك اثنان في كلب وتفاوتت حصتاهما فانظر ما الحكم؟ والمناسبُ أن يكون الصيد لن صاد بالكلب ويغرم لصاحبه أجرته وسيأتي في الوصية:"وضرب لمجهول فأكثر بالثلث"، وهل يقسم على الحصة؟ قولان، وقوله: وأجرة السواقي؛ أي كنس السواقي، وقوله: بيوت الطعام؛ أي أجرة حارس بيوت الطعام، وأما المبعض فالمشهور فيه ما ذكر المصنف، فلا شيء على العبد في جزئه الحر، وقيل عليهما فيؤدي السيد من زكاة فطره بقدر ما يملكه منه، وعلى العبد بقدر ما هو حر منه، وقيل: على السيد جميع فطرته، والقول الثاني رواه ابن حبيب عن أشهب، وهو في المبسوط، والثالث لعبد الملك نظرا إلى أنه لو مات ورث جميع ماله. انظر التوضيح.

وقال أبو مصعب: لا شيء على السيد ولا على العبد من ذلك. قاله الشارح. ولا شيء على العبد؛ يعني أن المبعض لا شيء في بعضه الحر من زكاة الفطر، لا عليه هو ولا على سيده المالك لبعضه الآخر؛ وهو المشهور كما علمت، وكذا الحكم لو كان العبد مشتركا بين حر وعبد، فعلى الحر من فطرته بقدر ما يملكه منه، ولا شيء على السيد العبد فيما يملكه منه، وكذا لا شيء على العبد في رقيقه -كما مر- قال مالك في المدونة: ومن له نصف عبد باقيه حر فليؤد الذي له نصفه نصف صدقة الفطر عن حصته، ولا شيء على العبد لأنه لا زكاة عليه في ماله. ابن يونس: ولأن أحكام

ص: 610

الرق جارية عليه بدلالة منع شهادته وميراثه ونقصان طلاقه وحده وسقوط الحج عنه، فكذلك الزكاة ساقطة عنه. انتهى. قاله الخرشي. وكذا لا يلزم العبد زكاة فطرة زوجته كما مر، ولنا عبد لا زكاة فطر عليه ولا على أحد عنه، وهو العبد الموقوف على مسجد، وفي الولد الذي ألحقته قافة بأب متعدد قولان للحنفية، فلأبي يوسف: على كل أب صاع لأن الزكاة لا تتبعض عنده، ولمحمد على كل واحد نصف صاع إن كانا اثنين، وثلث صاع إن كانوا ثلاثة، وهكذا نقله سند. ومقتضى كلامه أن الثاني موافق لمذهب مالك، وكذا يقال في زكاة فطر الأب على متعدد من أولاده حيث تجب نفقته على جميعهم، فإن وجبت على واحد لعجز غيره وجبت عليه فطرته. قاله غير واحد. وسيأتي قول المصنف:"ووزعت على الأولاد" الخ.

والمشترى فاسدا فعلى مشتريه؛ يعني أن العبد المشتري شراء فاسدا زكاة فطرته ثابتة على مشتريه، كنفقته حيث قبضه لأن الضمان منه حينئذ، كما سيذكره المصنف بقوله:"وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض وسواء رده يوم الفطر أو بعده"، وقوله:"والمشترى فاسدا وأولى منه المعيب".

وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة؛ يعني أن زكاة الفطر يندب للمزكي أن يخرجها يوم العيد بعد طلوع فجره وقبل صلاة العيد، هذا هو ظاهر المصنف. وقال محمد بن الحسن: الذي يدل عليه كلام المدونة وغيرها أن المندوب إنما هو الإخراج قبل الغُدُوِّ إلى المصلى، وصدق في أن الذي يدل عليه كلام المدونة وغيرها أن المندوب إنما هو الإخراج قبل الغدو إلى المصلى؛ (لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بأدائها قبل الغدو إلى المصلى

(1)

). وقال أبو الحسن: محل الاستحباب إنما هو قبل صلاة العيد ولو بعد الغدو إلى المصلى، وهذا هو ظاهر المصنف.

وفي الحطاب عن أبي الحسن: كره تأخيرها لطلوع الشمس، فعلى هذا ففي كلام أبي الحسن تدافع، قال أبو علي: ولم أجد في أبي الحسن ما نسب إليه من كراهة تأخيرها إلى طلوع الشمس، وفي الحطاب: قال في المدونة: ويستحب أن تؤدى بعد الفجر من يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، فإن أداها بعد الصلاة فواسع. انتهى. ونحوه في الجلاب واللخمي وابن الحاجب

(1)

البخاري، كتاب الزكاة، الحديث:1509. مسلم، كتاب الزكاة، الحديث: 986.

ص: 611

وغيرهم، وقال في الشامل: واستحب إخراجها بعد الفجر وقبل صلاة العيد إن وجبت. انتهى. وقال أبو الحسن: قوله في المدونة قبل الغدو إلى المصلى، هو صفة للفعل، ومحل الاستحباب إنما هو قبل الصلاة، فلو أداها قبل الصلاة بعد الغدو إلى المصلى فهو من المستحب. انتهى بالمعنى. وقال اللخمي: وقوله الأول في المدونة أحسن، وقال القباب: فجعله اللخمي اختلافا، والظاهر أنه ليس باختلاف، وأن الأولى عنده قبل الصلاة، وإن أداها بعد الصلاة فليس بآثم لأن وقت الأداء باق. انتهى. وما شرحت به قول المصنف من أن مراده بالصلاة صلاة العيد. قاله غير واحد. وقال الجزولي في شرح قول الرسالة: ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر، إخراجها بعد الفجر وقبل صَلاةٍ أَحْسَنُ. انتهى.

وقال في مختصر الوقار: أفضل الأوقات لإخراجها في صبيحة الفطر بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح. قاله الحطاب. ونقل الحطاب أيضا عن أبي الحسن أنه قال: قال القاضي أبو بكر: ولا تكون طهرة للصائم إلا إذا أديت قبل الصلاة. انتهى. وقال في الذخيرة: قال سند: ولا يأثم بالتأخير ما دام يوم الفطر قائما، فإن أخرها عنه أثم مع القدرة. انتهى. ونقله في الشامل وغيره، قاله الحطاب.

وإنما استحب إخراجها قبل أن يخرج إلى المصلى ليأكل منها الفقير في ذلك الوقت، قبل غدوه إلى صلاة العيد، لقوله عليه الصلاة والسلام: (أغنوهم في مثل هذا اليوم

(1)

). وقد (أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجها قبل الغدو إلى المصلى

(2)

)، وفي المدونة ومن مات ليلة الفطر أو يومه ممن يلزمك أداء الفطرة عنه لم يُزِلْهَا موته، وإن مات رجل يوم الفطر أو ليلة الفطر فأوصى بالفطرة عنه كانت من رأس ماله، وإن لم يوص بها لم يجبر عليها، ويؤمرون بها كزكاة العين تحل عليه في مرضه، [وإنما]

(3)

تكون من الثلث في ذلك كله ما فرط فيه في صحته ثم أوصى به، فإنه يبدأ في ثلثه على سائر الوصايا إلا المدبر في الصحة. انتهى. ونحوه في مختصر الوقار، وقال إن أوصى بإخراجها عنه وعمن يلزمه إخراجها عنه أخرجت من ماله، وقضي بذلك عليهم. انتهى. قاله

(1)

البيهقي، ج 4 ص 175. ولفظه: أغنوهم عن طواف هذا اليوم.

(2)

مسلم، كتاب الزكاة، الحديث:986. والبخاري، كتاب الزكاة، الحديث: 1509.

(3)

لفظ الحطاب: فإنما يكون في الثلث من ذلك كلهما فرط فيه الخ، ج 3 ص 136. ط دار الرضوان.

ص: 612

الحطاب. وقوله: "وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة"، فإن وجد مستحق لها في ذلك الوقت المندوب فالأمر ظاهر، وإن لم يوجد مستحق فيه فعزلها فيه كإخراجها في تحصيل الندب. قاله عبد الباقي، وغيره. ومن قوته الأحسن؛ يعني أن الشخص إذا كان يقتات أحسن غالب قوت البلد، فإنه يستحب له أن يخرج زكاة الفطر من قوته الأحسن، ولا يجب عليه ذلك، فإن كان غالب القوت الشعير وهو يقتات القمح فالمستحب له أن يخرج من القمح، فإن أخرج من الشعير أجزأه. قاله غير واحد.

وقال عبد الباقي: ومن قوته الأحسن من قوت أهل البلد أو من أغلب قوتهم، لا الأحسن من قوته إذا اختلف، ورد بقوله: لا الأحسن من قوته إذا اختلف على الشارح، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند قوله:"ومن قوته الأدون". وقي مختصر الوقار: ومن كان عنده قمح في منزلة وأراد شراء الفطر من السوق، فإن كان إبقاء الذي في منزلة صيانة لجودة ما عنده فلا يفعل ذلك -ولله الفضل والخيار- وإن كان لأن الذي عنده قوت أهله فلا بأس بذلك. انتهى.

وغربلة القمح؛ يعني أنه تندب غربلة القمح الذي يخرج في زكاة الفطر؛ أي إزالة ما فيه من تراب ونخالة ونحو ذلك، ولا خصوصية للقمح بندبية الغربلة، بل مثله في ذلك كل ما يخرج من الفطرة، فلو قال: وغربلة لكان أشمل. إلا الغلث؛ يعني أن محل ندب الغربلة في المخرج في الفطر إنما هو حيث لم يكن غلثا، وأما الغلث بالمثلثة وهو ما كثر من إضافة غيره إليه من تراب ونحوه، فإنه تجب غربلته حيث زاد غلثه على الثلث، فمحل ندب الغربلة حيث لم يزد الغلث على الثلث، بأن كان الثلث فدون. هذا هو الذي ذكره ابن رشد، وعلى ما استظهره ابن عرفة تجب غربلته حيث كان الثلث وما قاربه بيسير، وهذا الذي قررته به هو الذي يفيده النقل. قاله علي الأجهوري. قال: وقرر -يعني المصنف- على أنه تجب غربلته حيث كان غلثه ينقصه عن النصاب، ولا يتقيد ذلك بالثلث ولا بغيره. انتهى. والغربلة مصدر غربله، والغلث بفتح اللام وسكونها خلط الجيد بالردي، قال الجوهري: يقال: غلثت القمح بالشعير إذا خلطته به. القرافي: ولا يجزئ المسوس الفارغ بخلاف القديم المتغير الطعم عندنا، وعند الشافعي.

ص: 613

ودفعها لزوال فقر؛ يعني أنه يستحب لمن زال فقره يوم الفطر بعد طلوع فجره أن يخرج زكاة الفطر. وإن زال فقره قبل الفجر من ذلك اليوم تجب عليه على أحد القولين المتقدمين. أو رق؛ يعني أن من زال رقه يوم الفطر بعد طلوع الفجر، بأن عتق العبد يستحب له أن يخرج زكاة الفطر، وإن زال رقه قبل فجر يوم الفطر وجبت عليه على أحد القولين المتقدمين، فقوله:"لزوال"؛ أي لأجل زوال فقره أو رقه. وقوله: يديه. أي العيد؛ أي الفطر متعلق بزوال؛ أي يستحب لمن زال فقره أو رقه يوم العيد بعد طلوع الفجر أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه، ويجب على سيده إخراجها عنه في الثانية، فقد طلبت مرتين في هذه الحالة. وقوله:"ودفعها"، عطف على فاعل "ندب".

ويلغز بمسألة الرق، فيقال: زكاة فطر أخرجت عن واحد مرتين في عام واحد، وكذا بائع عبد بعد غروب آخر يوم من رمضان، ودخل وقت الفجر؛ وهو في ملك المشتري على أحد القولين المارين في تعلق الخطاب. قاله عبد الباقي. فتجب على البائغ على أن الوجوب متعلق بأول ليلة العيد، وعلى المشتري على أن الوجوب متعلق بفجره.

وقوله: "ودفعها لزوال فقر أو رق يومه"، وكذلك يستحب إخراجها لمن أسلم بعد وقت الوجوب. قاله في المدونة. وكذلك يستحب أن يخرج عن المولود بعد وقت الوجوب. قاله في الطراز. قاله الحطاب. وللإمام العدل؛ يعني أنه يندب دفع زكاة الفطر للإمام العدل، وظاهر المدونة الوجوب، قال فيها: ويفرقها كل قوم في أمكنتهم من حضر أو بدو أو عمود، ولا يدفعونها إلى الإمام إذا كان لا يعدل، وإن كان عدلا لم يسع أحدا أن يفرق شيئا من الزكاة، وليدفعها إلى الإمام فيفرقها في مواضعها، ولا يخرجها منها إلا أن يكون بموضع محتاجٌ، فيخرجها إلى أقرب المواضع إليهم فيفرقها هنالك. انتهى. ونحوه في مختصر الوقار، وزاد: وأهل السفر في سفرهم، قال في الذخيرة: وليس للإمام أن يطلبها كما يطلب غيرها. انتهى. قاله الحطاب.

واعلم أن زكاة الفطر لا تؤدى عن الحمل إلا أن يولد ليلة الفطر حيا أو يومه، فتؤدى عنه. ابن يونس: ولم يختلفوا عن مالك فيمن ولد قبل الفجر أو بعده، أنها على الأب. قاله ابن حبيب. وقال ابن الماجشون: هو فيه بعد الفجر مستحب، وقاله أشهب. وقوله فتودى عنه، الظاهر أنه

ص: 614

على جهة الاستحباب إن ولد بعد الفجر كما قال عبد الملك. انظر أبا الحسن. وقال الخرشي: قال في المدونة: ولا تخرج عن أماكنها، فإن فعل أجزأ مع الكراهة عند ابن القاسم، خلافا لسحنون إذا نقلها إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وهذا إذا كان بموضعهم محتاج وإلا فليخرجها إلى أقرب المواضع، أبو الحسن: إن كان ربها هو المخرجَ فحملها عليه لا منها، ليلا يخرج أقل من صاع، وإن كان الإمام، فقيل: الأجرة منها، وقيل: من الفيء ولو طاع بدفعها لجائر لم تجزه، ولو أخذها الفقير ثم استغنى بها فله أن يخرجها عن نفسه؛ لأنه ملكها، لكن إن ملكها قبل الغروب يجب عليه الإخراج، وبعده يستحب له. انتهى. قوله: يستحب له، يريد على أحد القولين المتقدمين. قاله جامعه عفا الله عنه. والله أعلم.

وعدم زيادة؛ يعني أنه يندب عدم الزيادة، يحتمل أن يكون مراده عدم الزيادة على الصاع، ويشير لقول القرافي: قيل لمالك: أتؤدى بالمد الأكبر؟ قال: لا بل بمده عليه الصلاة والسلام، فإن فعل خيرا فعلى حدة سدا لذريعة تغيير المقادير الشرعية. انتهى. ويحتمل أن يكون مراده عدم زيادة المسكين على صاع كما ذكر ابن يونس، ولا يعارضه قوله بعد:"ودفع صاع لمساكين أو آصع لواحد"؛ لأن المراد هنا بيان المستحب، وهناك بيان الجائز، ويمكن أن يكون المصنف أرادهما معا، فيحمل كلاهه على عدم زيادة على الصاع، وعلى عدم زيادة المسكين على صاع مشيرا به لكلام القرافي وابن يونس. قاله الحطاب.

قال جامعه عفا الله عنه: وهذان الاحتمالان الثاني والثالث أولى منهما الأول، لما سيأتي عند قول المصنف:"وآصع لواحد". والله سبحانه أعلم.

وقال عبد الباقي: وندب عدم زيادة على صاع، بل تكره الزيادة عليه؛ لأن التحديد به من الشارع، والزيادة عليه بدعة كالزيادة في التسبيح على ثلاث وثلاثين. قاله القرافي. أي حيث تحقق الزيادة، وأما مع الشك فلا. قاله الأجهوري. أي كما تقتضيه قاعدة أن الشاك غير المستنكح يبني على الأقل. انتهى. وهذا الذي حمله عليه عبد الباقي هو الاحتمال الأول عند الحطاب وقد تقدم أنه أولى، بل هو الصواب كما يعلم مما يأتي عند قول المصنف:"وآصع لواحد". وإخراج المسافر؛ يعني أنه يندب للمسافر أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر في الحالة التي

ص: 615

يخرج عنه أهله فيها؛ بأن ترك لهم ما يؤدونها منه، وهذا ظاهر إذا كان ذلك عادتهم أو أوصاهم، وإلا فالظاهر عدم الإجزاء لفقد النية،: وقال في سماع أشهب في الرجل يغيب عن أهله: أرى أن يؤدي زكاة الفطر عن نفسه؛ لأنه لا يدري أتؤدى عنه أم لا؟ وقولي في الحالة التي يخرج عنه أهله فيها: أي وأما في الحالة التي لا يخرجها أهله عنه فيجب عليه أن يخرجها.

وجاز إخراج أهله عنه؛ يعني أن المسافر يجوز أن يخرج أهله عنه زكاة الفطر، قال ابن راشد في في اللباب: المخرج فيه موضع المالك، وإن أدى أهل المسافر عنه أجزأته، فإن لم يكن في مكانه محتاج ففي أقرب المواضع إليه. انتهى. قاله الحطاب. وقال في التوضيح عند قول ابن الحاجب: وإذا أدى أهل المسافر عنه اجزأ: هذا ظاهر إذا كانت عادتهم ذلك أو أوصاهم، وإلا فالظاهر عدم الإجزاء لفقد النية. وقال في سماع أشهب في الرجل يغيب عن أهله: أرى أن يؤدي زكاة الفطر عن نفسه؛ لأنه لا يدري أتؤدى عنه أم لا؟ وأما أهله فأرى أن يؤخرهم لعلهم أدوا عن أنفسهم. ابن رشد: هذا إن ترك عند أهله ما يؤدون منه الزكاة ولم يأمرهم فهو إذا لم يدر ما يفعلون يؤدي عن نفسه، ولا يؤدي عنهم؛ لأن الأقرب أن يؤدوا عن أنفسهم، ولا يؤدوا عنه، ولو أمرهم أن يؤدوا عنه في مغيبه لم يكن عليه أن يؤدي عن نفسه، ولو لم يترك عندهم ما يؤدون منه الزكاة لزمه أن يؤدي بموضعه عنه وعنهم؛ لأن الزكاة عليه.

وقال اللخمي في تبصرته: وإن أخرج -يعني المسافر- عن أهله أخرج من المصنف الذي يأكلونه، وإن أخرجوا عنه فمن المصنف الذي يأكله. انتهى. وقال الأقفهسي: ولو كان مسافرا أخرج عن نفسه من المصنف الذي يأكل منه أهل البلد أو يأكه هو لا لشح، واختلف إذا أراد أن يزكي عن أهله أو أراد أهله أن يزكوا عنه، هل المعتبر موضعه أو موضع أهله؟ قولان. انتهى. قاله الحطاب.

وقال الشبراخيتي بعد أن نقل كلام اللخمي: فإذا لم يعلم المخرج بالكسر صنف ما يأكله المخرج عنه آخر الإخراج حتى يعلم، كذا ينبغي، ونحوه للخرشي وغيره، وقوله:"وجاز إخراج أهله عنه"، قال في الطراز: أما إن أمرهم بذلك أو كان هو عرفهم معه فذلك يجزئ بلا إشكال، وكانه استنابهم وإن لم يأمرهم ولم يكن ذلك عرفه معهم، فهذا يختلف فيه على الخلاف فيمن كفر عن غيره بغير علمه وإذنه، وأن يجزئه أحسن لأنه حق مالي فيسقط عنه إذا أدي عنه، وإن لم يعلم

ص: 616

به كالدين. نقله الحطاب. وتقدم أنه يجزئ إخراج الأب الزكاة عن ولده الصغير، وإن لم يعلمه بذلك، بخلاف الكبير فلا بد من إعلامه؛ لأنه لا بد في الزكاة من النية على المذهب، وإعلامه قائم مقام النية. قاله ابن فرحون. وقال عبد الباقي عند قوله:"وجاز إخراج أهله عنه": إن اعتادوه عنه أو أوصاهم، وتكون وصيته بمنزلة النية، وإلا لم تجز عنه لفقد النية، كذا استظهر المصنف، وكذا يجوز إخراجه عنهم، والمعتبر في القسمين أغلب قوت المخرج عنه، فإن لم يوجد عند المُخرِج أو لم يعلم به أخر الإخراج -كذا ينبغي- انتهى.

ودفع صاعٍ لِمَسَاكِين؛ يعني أنه يجوز دفع صاع واحد من زكاة الفطر لجماعة مساكين. قاله ابن يونس، عن ابن المواز. قاله الشبراخيتي. وقوله:"ودفع صاع لمساكين"؛ أي وجاز بالاجتهاد كما في الإرشاد: دفع صاع لمساكين. قاله الشبراخيتي. وآصع لواحد؛ يعني أنه يجوز دفع آصع من زكاة الفطر لمسكين واحد، قال الخرشي: وإن كان خلاف الأفضل، قال محمد بن الحسن: وفيه نظر؛ فإن ما ذكره رواية مطرف؛ وهي مقابلة لمذهب المدونة، قال أبو الحسن: ويجوز أن يعطيها عنه وعن عياله لمسكين واحد، هذا ووهب ابن القاسم، وقال أبو مصعب: لا يجزئ أن يعطي مسكينا واحدا أكثر من صاع، ورآها كالكفارة. وقد روى مطرف عن مالك أنه: استحب لمن تولى تفرقة فطرته أن يعطي لكل مسكين ما أخرج عن كل إنسان من أهله من غير إيجاب. انتهى. وناقشه الرهوني، وقوى ما ما للخرشي، وقوله:"ودفع صاع لمساكين أو آصع لواحد"، نبه به على مخالفة هذه لكفارة اليمين، والظهار، والصيام. وقال الأمير:"ودفع صاع لمساكين أو آصع لواحد"، إلا أن يخرج عن الفقر، وإن قدر عليها بها أخرجها، ولعطيه الظاهر تخريجه على ما سبق من دفع الزكاة لغريم، وأخذها منه. انتهى. وقوله: إلا أن يخرج عن الفقر؛ أي بحيث يستغني بما دفع له، فلا يدفع له بعد أن يستغني، وقوله: وإن قدر؛ أي الفقير عليها؛ أي على إخراج الفطرة بها أي بسبب الفطرة التي أعطيت له، متعلق بقدر.

وقوله: "آصع"، بهمزة ثم ألف ثم صاد مهملة مضمومة ثم عين مخففة جمع صاع، وهذا الجمع من باب القلب، فإن جمع صاع أصوع، ثم قلب الواو همزة ثم نقلت الهمزة إلى موضع الفاء، فصار أَأْصُعًا، ثم أبدلت الهمزة الثانية ألفا فصار آصعا. وأنكر ابن مكي هذا الجمع، وقال: إنه

ص: 617

من لحن العوام، وهذا الذي قاله ابن مكي خطأ صراح وذهول بين، بل لفظة آصع صحيحة فصيحة مستعملة في كتب اللغة والأحاديث الصحيحة. انتهى. وإنما قلبت الواو همزة في أصوع لثقل الضمة على الواو. قاله ابن مكي. وفي القاموس: الصاع والصواع بالضم والكسر والصوع ويضم: الذي يكال به وتدور عليه أحكام المسلمين، والجمع

(1)

أُصُعٌ وأصْؤُعٌ وأصْوَاعٌ وصيعان، أو هذا جمع صواع. قاله الحطاب.

ومن قوته الأدون؛ يعني أن الواجب إخراج زكاة الفطر من أغلب قوت أهل البلد، ويستحب إخراجها من قوته إن كان أعلى -كما مر- فإن كان قوته أدنى، فإن كان ذلك لأجل عجز أي فقر أجزأه الإخراج من ذلك القوت الأدون اتفاقا، وإن كان لأجل عادة كبدوي يأكل الشعير بالحاضرة وهو ملي ففي الإجزاء وعدمه قولان، واعتمد المصنف الإجزاء، وهو ضعيف، والذهب القول بعدم الإجزاء كما ذكره ابن عرفة، خلاف ما اعتمده المصنف، ونص ابن عرفة: وفي كون المعتبر مما تؤدى مقتاته لا لبخل ومقتات أهل البلد نقلا ابن رشد عن محمد، والمذهب قائلا: إلا أن يعجز عن قوت بلده فمن قوته. انتهى. إلا لشح؛ يعني أنه إذا اقتات الأدون لشح أي بخل عن نفسه وعياله؛ فإنه لا يجزئه الإخراج من الأدون اتفاقا.

وحاصل هذه المسألة: أن من كان يقتات أعلى من قوت أهل البلد أو من غالبه، يندب له أن يخرج زكاة الفطر من قوته الأعلى؛ وهو الذي تقدم في قول المصنف ومن قوته الأحسن، ومن كان قوته مساويا لقوت أهل البلد فأمره واضح، وَمَنْ قوته أدونُ من قوت أهل البلد فإن اقتاته لعجزه عن قوت أهل البلد أجزأه الإخراج من قوته اتفاقا، وإن اقتات الأدون مع القدرة على قوت أهل البلد إن كان لشح أي بخل -كأن يريد الأعلى للبيع مثلا- لم تُجْزِ من الأدون اتفاقا، وإن كان ذلك لعادة، كبدوي يأكل الشعير بالحاضرة وهو ملي لم يجزه الإخراج من الأدون على المعتمد، وما في كلام بعضهم من أن فيه قولين من غير ترجيح مردود بأن مفاد ما ذكره ابن رشد وابن يونس أن المعتمد القول بعدم إجزاء الإخراج منه، وأما من يقتات الأدون لكسر نفسه مع قدرته على قوت أهل البلد الأعلى فإنه لا يجزئه الإخراج من الأدون، فلا يجعل احتمالا لكلام المصنف. هذا هو تحرير المسألة.

(1)

في القاموس: أصوع وأصوع وأصواع وصُوع وصيعان.

ص: 618

وظاهر قوله: ومن قوته الأدون"؛ أي أدنى من قوت أهل البلد، يشمل ما إذا كان له هو قوتان أعلى وأدنى. قاله جامعه عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم. كما أن قوله: ومن قوته الأحسن؛ أي أعلى من قوت أهل البلد يشمل بحسب ظاهره من كان له قوت أعلى وأدنى؛ أي قوتا المخرج أحدهما أعلى من الآخر في المسألتين. والله سبحانه أعلم.

وعلم مما مر أنه لو حذف المصنف قوله: "ومن قوته الأدون"، وزاد عقب قوله:"من أغلب القوت"، ما نصه: إلا لعجز فمن قوته الأدنى، لطابق المعتمد. وقال الأمير: ومن قوته الأدون عن قوت البلد إن كان لفقر لا شح أو كسر نفس أو عادة، على المعتمد. وبما مر علم أن ما استظهره التتائي من الكراهة في الأدون حيث اقتات الأدون لشح فيه نظر، ولذا اعترضه الرماصي بأن ابن عبد السلام صرح بعدم الإجزاء، وكذا الحطاب؛ وهو يدل على المنع.

وإخراجه قبله بكاليومين؛ يعني أنه يجوز إخراج زكاة الفطر قبله أي قبل وجوب زكاة الفطر بثلاثة أيام، فالكاف مدخلة لليوم الثالث كما قررت، ونحوه في الجلاب، وفي المدونة: بيوم أو يومين، وانظر لم تبع الجلاب دون المدونة؟ قاله عبد الباقي. اللخمي: لو قدمها قبل وجوبها فضاعت عنده أو عند الإمام لم تجز، ولو أخرجها بعد وجوبها فضاعت قبل وصولها للمساكين، فقال ابن القاسم: تجزئه، ولو دفع ذلك للإمام لم يكن عليه شيء؛ لأنه وكيل. انتهى. نقله عبد الباقي عن أحمد.

قوله: "لو قدمها قبل وجوبها" لخ، ما ذكره اللخمي من عدم الإجزاء اعترضه التونسي، واختار أنه متى أخرجها فضاعت في وقت لو أخرجها فيه لأجزأت، أنها تجزئ في هذا. انظر التوضيح. قال محمد بن الحسن. وقوله:"وإخراجه قبله بكاليومين"، خلافا لابن الماجشون وابن مسلمة القائلين: لا يجوز تقديمها قبل وجوبها.

وهل مطلقا؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول المدونة: وإن أداها قبل ذلك بيوم أو يومين فلا بأس به، هل ذلك على إطلاقه فيجوز؟ سواء كان ربها هو المتولي لتفرقتها أو الإمام، أو غيرهما؟ وإليه ذهب اللخمي وهو المذهب، وهو الذي عليه الأكثر. أو لمفرق؛ يعني أن من الشيوخ من تأول المدونة على أن محل الجواز إذا أخرجت قبل وجوبها بيوم أو يومين إنما هو إذا دَفَعَ زكاة الفطر

ص: 619

لمن يفرقها على الفقراء، وأما إن دفعت للمسكين أي دفعها ربها له فإنه لا يجوز تقديمها عن وقتها، ولا يجزئ إن وقع، وإليه ذهب ابن يونس. تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان.

واعلم أن كل واحد من هذين التأويلين قول مشهور، والأرجح الإجزاء مطلقا لأنه ظاهر المدونة، ولأن صاحب الشامل بعد أن ذكر تشهير القولين، قال: وعليه -أي على الإجزاء مطلقا- الأكثر. انتهى. قاله الحطاب.

وقد تقدم أن القول بالإجزاء مطلقا هو المذهب، واعلم أن محل الخلاف إنما هو إذا أتلفها الفقير قبل وقت الوجوب، وأما إن علم أنها قائمة بيد من أخذها إلى الوقت الذي تجب فيه فإنها تجزئ قولا واحدا؛ لأن لدافعها إن كانت لا تجزئ أن ينتزعها، فإذا تركها كان كمن ابتدأ دفعها حينئذ: ولأنه مستغن ببقائها في يده عن طواف ذلك اليوم. والله أعلم. قاله الحطاب.

واعلم أن التأويلين على كلام المدونة؛ وهو ما إذا أداها قبل الوجوب بيوم أو يومين، وأما اليوم الثالث الذي دخل بالكاف فالمؤلف تبع فيه الجلاب. والله سبحانه أعلم. وفي الخرشي: أن إخراج الفطرة قبل وقتها بأقل من يومين، كإخراجها قبله بكاليومين. انتهى.

ولا تسقط بمضي زمنها؛ يعني أن زكاة الفطر لا يسقط طلبها وجوبا فيما يجب، وندبا فيما يندب بسبب مضي زمنها الذي تعلق الخطاب بها فيه عمن كان موسرا بها فيه. قاله عبد الباقي. وقال في المدونة: وإن أخرها الواجد فعليه قضاؤها لماضي السنين. انتهى. وفي مختصر الوقار: ومن فرط فيها سنين وهو واجد لها أخرجها عما فرط فيه من السنين عن نفسه وعمن كان يجب إخراجها عنه في كل عام بقدر ما كان يلزمه، ولو أتى ذلك على ماله إذا كان صحيحا، وإذا كان مريضا وأوصى بها أخرجت من ثلثه. ابن يونس: ولو تلف ماله وبقيت لزمه إخراجها. القرافي. وحيث أخرجها ثم ذهبت أو ذهب ماله، أو لحقه دين ثم وجدها، قال سند: قال ابن المواز: ينفذها، ولا شيء عليه لأهل الدين كمن أعتق عبده ثم لحقه دين، ووجب قضاء الفطرة دون الأضحية؛ لأن الفطرة واجبة بخلاف الأضحية، والقضاء من شعار الفرائض، ولأن المقصود في زكاة الفطر سد

ص: 620

الخلة وهو حاصل في كل وقت، والمقصود في الأضحية إظهار الشعائر

(1)

وقد فات، وقال الشاذلي في تحقيق المباني وتحرير المعاني من رسالة ابن أبي زيد القيرواني: ولا تسقط زكاة الفطر بمضي زمنها؛ لأنها حق للمساكين ترتب في ذمته ولا يأثم ما دام يوم الفطر باقيا؛ فإن أخرها عنه أثم مع القدرة بأن يكون متمكنا من إخراجها ويتعمد الترك، فإن لم يقدر على ذلك لعدم التمكن كالمسافر إذا كان ماله غائبا عنه ولا يجد من يسلفه فإنه لا يأثم. انتهى.

قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: كلام هذا الرجل كالصريح في أن من كان له ما يؤدي منه زكاة الفطر إلا أنه لم يكن عنده وقت الوجوب ما يؤدي منه، لكونه غائبا عنه ولم يجد من يسلفه، يجب عليه قضاء زكاة الفطر وهو ظاهر المصنف. والله سبحانه أعلم.

وإنما تدفع لحر مسلم فقير، هذا بيان لمصرف زكاة الفطر؛ يعني أنه يشترط فيمن تدفع له زكاة الفطر ثلاثة شروط: الأول الحرية فلا تدفع للعبد ولو ذا شائبة، الثاني: الإسلام فلا تدفع للكافر، الثالث: الفقر فلا تدفع لغني وَلَا خِلَافَ في ذلك عندنا. قاله الحطاب. قال في المدونة: ولا يعطاها أهل الذمة ولا العبيد، قال أبو الحسن: يريد ولا الأغنياء، فإن أعطاها من لا يجوز له أخذها عالما بذلك لم تجزه ولا ضمان عليهم، وإن لم يعلم نظرت فإن كانت قائمة بأيديهم استرجعها، وإن أكلوها وصانوا بها أموالهم ضمنوها، وإن هلكت بسبب من الله تعالى نظر، فإن غروا ضمنوا وإن لم يغروا لم يضمنوا. انتهى. وقوله:"فقير"، المراد به فقير الزكاة هذا هو المشهور، ومقابله لأبي مصعب، قال: لا يعطاها من أخرجها ولا يعطى فقير أكثر من زكاة إنسان. قال اللخمي: وهذا هو الظاهر لقوله عليه الصلاة والسلام: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم

(2)

)، فالقصد إغناؤهم ذلك اليوم، والقصد بما سواها من الزكاة ما يغنيه عما يحتاج إليه من النفقة والكسوة في المستقبل. انتهى.

تنبيهات: الأول: قال الحطاب قال اللخمي: واختلف في صفة الفقير الذي تحل له، فقيل: هو من تحل له زكاة العين، وقال أبو مصعب: لا يعطاها من أخرجها، ولا يعطى فقير أكثر من زكاة

(1)

الذي في الأصل الشرائع والمثبت من (عب) ج 2 ص 195.

(2)

البيهقي في السنن الكبرى، ج 4 ص 175.

ص: 621

إنسان وهو صاع، وهذا هو الظاهر لقوله عليه الصلاة والسلام: أغنوهم عن طواف هذا اليوم، فالقصد إغناؤهم ذلك اليوم، والقصد بما سواها من الزكاة ما يغنيه عما يحتاجه من النفقة والكسوة في المستقبل. انتهى المراد منه. ثم قال الحطاب بعد جلب أنقال: فالذي يظهر من كلامهم أن الفقير الذي تصرف له الفطرة هو فقير الزكاة على المشهور على ما قاله الجماعة، ويقيد على ما قاله اللخمي بأن لا يكون مالكا للنصاب. والله أعلم. انتهى؛ يعني أن اللخمي قال: لا أعلمهم يختلفون أنها لا تعطى لمالك نصاب. انتهى. وفي كلام اللخمي تدافع؛ لأنه قال في أوله من تحل له زكاة العين، ويمكن أن يقيد أول كلامه بآخره. كما قاله الحطاب.

الثاني: علم مما مر أن مصرف زكاة الفطر ليس كمصرف زكاة الأموال؛ إذ تلك تصرف إلى الأصناف الثمانية كما مر، وهذه لا تصرف إلا إلى اثنين منها وهما الفقير والمسكين، ويعطى منها ابن السبيل إذا كان فقيرا بموضعه ولو كان غنيا ببلده، لقوله عليه الصلاة والسلام: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم

(1)

)، وهذا إذا كان محتاجا لم يستغن عن ذلك انتهى. قاله الحطاب. ولو كان ابن السبيل معه ما يكفيه وهو محتاج إلى ما يوصله فلا تصرف له، وعلم من قول المصنف:"فقير"، أنها تدفع للمسكين بالأولى، ولا تصرف في شراء رقيق يعتق منها، ولا لغارم، ولا لمؤلف كافر، وقوله:"فقير"، قد قَدَّمْتُ عند قول المصنف:"وإن جلس نزعت منه"، ما يفيد أن من كان له مال ولم يمكن وصوله إليه أنه فقير، فتعطى له الزكاة فراجعه إن شئت، وفي كلام الحطاب هنا ما يفيد ذلك؛ أغني ما قدمته من قوله: ويعطى منها ابن السبيل إذا كان فقيرا بموضعه لخ.

الثالث: قال في الشامل: ولا بأس بدفعها لأقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم على الأظهر، وللمرأة دفعها لزوجها الفقير، ولا يجوز له هو دفعها لها ولو كانت فقيرة؛ لأن نفقتها تلزمه، ومن أيسر بعد أعوام لم يقضها، وقال عبد الباقي: وأفاد المصنف بالحصر أنها لا تدفع لمن يليها ولا لمن يحرسها، ولا لبقية الأصناف الثمانية، ولا جابي لها، ففي الذخيرة: ليس للإمام أن يطلبها كما يطلب غيرها. انتهى. ولا يأخذها كرها وإن بقتال، فلا يقاتل عليها أهل البلد، كما قال ابن يونس وابن شعبان بخلاف الأذان، ولعل الفرق بينهما تكرره وشهرته، وتوقف معرفة الوقت عليه لجميعهم. وروى محمد كالموطإ: كل من

(1)

البيهقي في السنن الكبرى، ج 4 ص 175.

ص: 622

منع فريضة عجز المسلمون عن أخذها منه وجب جِهادُه، وهو يؤذن بقتال من منع زكاة الفطر كما مر. والله سبحانه أعلم. وقد مر الجزم بإعطاء المرأة زكاة الفطر لزوجها الفقير، ومر الخلاف في دفعها زكاة المال له بين المنع والكراهة، والفرق بينهما، قلة النفع بزكاة الفطر بالنسبة لزكاة المال انظر حسن نتائج الفكر. وفيه عند قوله:"وإنما تدفع لحر مسلم" غير هاشمي فقير الزكاة على المشهور، فتدفع لمالك نصاب لا يكفيه لعامه. وقال اللخمي: لا تدفع له، ويؤيده خبر: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم

(1)

)، وروي: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم، وروي: أغنوهم في هذا اليوم، وتدفع للمسكين بالأولى، فإن لم يوجدا ببلدها نقِلَت لأقرب بلد فيها هما أو أحدهما بأجرة من غيرها لا منها، ليلا ينقص الصاع، هذا إن أخرجها المزكي: فإن دفعها للإمام ففي نقلها حين فقدهما بالبلد للأقرب لها بأجرة منها أو من الفيء قولان. انتهى. وقد مر هذا.

وفي الشبراخيتي: وإنما تدفع لحر مسلم فقير؛ أي والمسكين أولى، والمراد فقير الزكاة على المشهور، وعلى ما قاله الجماعة: فتدفع لمالك النصاب؛ لأن فقير الزكاة من عنده بلغة لا تكفيه لعيش عامة وإن ملك نصابا، وقال اللخمي: إنها لا تدفع لمالك النصاب اتفاقا. ذكره الحطاب. لكن في الحاشية: والذي يتحرر من الخلاف أن الفقير هنا هو الفقير في باب زكاة المال، وكلام اللخمي طريقة وظاهر كلام المصنف أنها لا تدفع لغير من ذكر وهو كذلك، فلا تدفع لمن يليها، ولا لمن يحرسها، ولا يعطى منها المجاهد، ولا يشترى له بها آلة، ولا للمؤلفة، ولا للجاسوس، ولا لابن السبيل إلا إذا كان فقيرا بالموضع الذي هو به، فيعطى منها بوصف الفقر، ولا يعطى منها ما يوصله لبلده، ولا يشترى منها رقيق يعتق، ولا لغارم. انتهى.

الرابع: قال الحطاب: الحديث المذكور، أعني قوله صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم

(2)

)؛ يعني المساكين عن طواف هذا اليوم، هكذا رواه البيهقي وابن سعد في الطبقات بهذا اللفظ، وروي: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم، وروي: أغنوهم في هذا اليوم. والله أعلم. انتهى.

(1)

البيهقي في السنن الكبرى، ج 4 ص 175.

(2)

البيهقي في السنن الكبرى، ج 4 ص 175. ولفظه: أغنوهم عن طواف هذا اليوم.

ص: 623

الخامس: قال الخرشي: قال سفيان الثوري: أعز الخلق خمسة أنفس: عَالِمٌ زَاهِدٌ فِي الدنيا، وفَقِيهٌ صُوفِيٌّ، وغَنِيٌّ مُّتَوَاضِعٌ، وفَقِيرٌ شَاكِرٌ، وشَريفٌ سُنِّيٌ. انتهى.

ولما أنهى الكلام على الصلاة والزكاة الذين

(1)

لم يقعا في القرآن إلا مقرونين، شرع في الكلام على الثالث من أركان الإسلام، فقال:

(1)

كذا بخط المؤلف.

ص: 624