الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 100
- بتاريخ: 03 - 06 - 1935
مأساة الآثار المصرية
اكتشفت أخيرا عدة حوادث جديدة تسربت فيها آثار مصرية إلى الخارج بطرق غير مشروعة، ومن ذلك مجموعات ثمينة من أوراق البردي المصري القديمة ظهرت في لندن وبرلين. ولتسرب آثارنا القديمة، أو بعبارة أخرى لسرقة آثارنا، حديث قديم مؤثر، فليس بين بلاد الأرض بلد نكب في آثاره كما نكبت مصر؛ ونكبتنا في آثارنا فادحة مضاعفة، لأن القدر شاء أن تتلقى مصر من أجيالها الغابرة المجيدة أقدم تراث أثري وأنفسه، ولأن هذا التراث مازال مطمع أنظار المتربصين من الهواة والعلماء. .
ليس بين متاحف العواصم الأوربية الكبرى متحف لا يضم بين أبهائه
مجموعة كبيرة من آثارنا المصرية؛ ففي لندن وباريس ورومة وفينا
وبرلين وغيرها أقسام خاصة للآثار المصرية، ومن هذه الأقسام ما لا
يقل كثيرا في ضخامته وتنوعه عن متحفنا المصري؛ هذا عدا المتاحف
الامريكية، وعدا المجموعات الخاصة التي تسربت إلى أيدي الهواة.
وإن المصري الذي يتاح له أن يزور هذه المتاحف ويرى كل هذا
التراث المصري المنهوب يزين هذه الأبهاء الشاسعة كلها لتأخذه دهشة
يمازجها الألم والحسرة لفداحة الخطب الذي نزل بتراثنا الأثرى.
ومن الحقائق المؤلمة أن تكون مصر هي أول مسؤول عن هذا الخطب، وأن تحمل فيه اكثر تبعة؛ فهي التي أسلمت تراثها الأثرى منذ أواخر القرن الماضي إلى طائفة من البعثات الأجنبية تعمل في أرضنا باسم العلم والاستكشاف الاثري، ولكنها لم تكن دائما حريصة على مبادئ العلم ونزاهة العلم، ولم تكن بالأخص جديرة دائما بالثقة التي وضعت فيها، فلم ترع حرمة الأمانة والذمة، بل كانت تتربص دائما لما تعثر عليه من آثارنا، فتهرب منه إلى بلادها بمختلف الوسائل ما استطاعت، ثم تعود فتتقسم ما تعف عنه من البقية الباقية مع حكومتنا وتفوز دائما في ذلك بالنصيب الأوفر.
ومصر هي التي وضعت لنفسها تلك اللائحة السخيفة التي تسمح للبعثات الأجنبية والمكتشفين الأجانب باقتسام آثارنا المكتشفة معنا؛ ومصر هي التي تقصر في حراسة
مناطقها الأثرية؛ ومصر هي التي تسلم إدارة مصلحة الآثار والمتاحف المصرية إلى الأجانب، وهي التي لا تسمح لأولئك الأجانب بأن يعتقدوا أن هذا الأشراف على آثارنا ميراث لهم يدخل في منطقة نفوذهم وحقوقهم في بلادنا.
لقد وقعت حوادث مثيرة في انتهاب الآثار المصرية كانت حرية أن تنبه الحكومة المصرية إلى خطورة هذا التقصير المؤلم؛ منها حادث تمثال الملكة نفرتيتي الذي يعتبر اجمل قطعة آثار في مصر القديمة، والذي استطاع عالم ألماني أن يستلبه بوسائل غير شريفة مازالت وصمة في جبين العلم الألماني؛ ومنها حادث أوراق البردي التي وجدت منذ أعوام في الفيوم وتسربت إلى متحف برلين ووجد أنها من انفس ما وجد من أوراق البردي القديمة، لأنها تحتوي على نصوص كاملة لبعض كتب ماني الفيلسوف الفارسي وصاحب المذهب المشهور؛ ومنها حادث أوراق البردي الأخيرة التي ظهرت في لندن؛ ومنها كثير غير ذلك مما لم يذع أمره.
كل ذلك ونحن سكوت؛ نشهد هذا الانتهاب لآثارنا تحت ستار العلم والبحث لا ساخطين، ولكن مستسلمين؛ وإذا اهتمت حكومتنا فكل مظاهر اهتمامها أن تدعو لجنة الآثار لبحث الأمر، كما فعلت أخيرا؛ ثم يطوى أمر اللجنة وأمر الآثار.
الواقع أنها مأساة، ومأساة أليمة لا تحتمل السكوت بعد؛ فإذا كانت مصر تحرص على آثارها حقا، وإذا كانت تريد أن تعتبر بالحوادث وأن تعمل لصون تراثها الاثري، فعليها أن تبادر قبل كل شيء إلى إلغاء هذه اللائحة الأثرية العتيقة التي تنص على اقتسام الآثار، وهو نص لا نظن له نظيرا في أي بلد متمدين يحرص على تراثه القومي، وان تستبدل بها لائحة جديدة تناسب روح العصر، وتكفل نصوصها المشددة صون الآثار المكتشفة وبقائها في مواطنها؛ وعليها بالأخص أن تحرم المباحث الأثرية على البعثات الأجنبية بعد أن أثبتت الحوادث منذ نصف قرن أن هذه البعثات هي أساس الشر، وأنها لم ترع حقوق الأمانة التي ألقيت إليها؛ ولتكن المباحث الأثرية في المستقبل مهمة حكومية أو مهمة جامعية تتولاها الحكومة أو الجامعة المصرية بمعاونة بعض الخبراء الأجانب الذين يعملون بإشراف الحكومة مدى حين، حتى يجيء الوقت الذي يستطيع الأخصائيون المصريون فيه أن يستأثروا بالبحث عن كنوز بلادهم، وهو فيما نعتقد غير بعيد.
وليترك ولاة الأمر تلك النظرية العتيقة التي ترى في الأجانب وحدهم الأهلية لإجراء المباحث الأثرية، فقد دلت الاكتشافات الأثرية الباهرة التي وفق إليها الأساتذة المصريون في منطقة الأهرام وفي بعض مناطق الوجه القبلي بإشراف الجامعة المصرية على خطأ هذه النظرية المجحفة، وعلى أن الشباب المصري إذا مهدت له سبيل الدرس والتخصص استطاع أن يضطلع بجلائل البحوث والمهام.
وليعمل ولاة الأمر أخيرا على انتزاع مصلحة الآثار والمتاحف المصرية من تلك الأيدي الأجنبية التي ما زال تراثنا يبدد في ظلها، ولتسلمها إلى الأيدي المصرية، فهي ابر بتراثها القومي واكفل بصونه وحمايته من عدوان الطامحين والمتربصين.
(ع)
6 - الانتحار
تتمة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
قال المسيب بن رافع: وانفض مجلس الشيخ، ودرجت بعد أعوام في عدة شهور من حمل المرأة، بلغت فيها أمور الناس مبلغها من خير الدنيا وشرها، مما أعرف وما لا اعرف؛ ودخلت البصرة وأنا ومجاهد الأزدي، نسمع الحسن
ونأخذ عنه؛ فإنا لسائران يوما في سكة بني سمرة، إذ وافقنا الفتى صاحب النصرانية مقبلا علينا، وكنا فقدناه تلك المدة، فأسرع إليه مجاهد فالتزمه وقال: مرحباً مرحباً بذي نسب إلى القلب؛ وسلمت بعده وعانقته؛ ثم اقبلنا نسأله، فقلت له: ما كان آخر أو لك؟ قال مجاهد: بل ما كان آخر أولها هي؟
فضحك الرجل وقال: النصرانية تعني؟ قال: نعم. قال: آخرها من أولها كهذا مني؛ وأومأ إلى ظله في الأرض ممدودا مشبوحاً مختلطا غير متميز؛ كأنه ثوب منشور ليس فيه لابسه، وكنا في الساعة التي يصير فيها ظل كل شيء مثليه فهو مزج المسخ بالمسخ. .
قال مجاهد: ما أفظ جوابك وأثقله يا رجل؟ كأنك والله تاجر لا صلة له بالأشياء إلا من أثمانها؛ فنظره إلى فراهة الدبة من الدواب وإلى فراهة الجارية من الرقيق سواء: قال الرجل: فأنا والله تاجر، وأنا الساعة على طريق الإيوان الذي يلتقي فيه تجار العراق والشام وخراسان؛ وقد ضربت في هذه التجاراات وحسنت بها حالي وتأثلت منها؛ غير أن قلب التاجر غري التاجر، فليس يزن ولا يقبض، ولا يبيع ولا يشترى. أما (تلك) فأصبحت نسيانا ذهب لسبيله في الزمن!
قال مجاهد: فكيف كنت تراها وكيف عدت تنظر إليها؟
قال: كنت انظر إليها بعيني وأفكاري وشهواتي؛ فكانت بذلك اكثر من نفسها ومن النساء، وكانت ألونا ألوانا ما تنقضي؛ فلما دخل بيني وبينها الزمن والعقل، أبعدها هذا عن قلبي وأبعدها ذاك عن خيالي؛ فنظرت إليها بعيني وحدهما، فرجعت امرأة ككل امرأة؛ وبنزولها من نفسي هذه المنزلة، رجعت اقل من نفسها ومن النساء، وهذه القلة فيما عرفت لا تصيب امرأة عند محبها إلا فعلت بجمالها مثل ما تفعله الشيخوخة بجسمها، فأدبرت به ثم أدبرت
واستمرت تدبر!
وأنت إذا أبصرت امرأة شيخة قد ذهبت التي كانت فيها. . وأخطرت في ذهنك نية مما بين الرجال والنساء، فهل تراك واجدا للشهوة والميل، إلا النفرة والمعصية؟ إن هذا الذي كان الحب والهوى والعشق، هو بعينه الذي صار الإثم والذنب والضلالة!
قال مجاهد: كأنك لما ذهبت تقتل نفسك من حبها قتلتها هي في نفسك؟
قال: يا رحمة قد رحمت بها نفسي يومئذ! أما والله إن الذي يقتل نفسه من حب امرأة لغبي. ويحه! فليتخلص من هذا الجزء من الحياة لا من الحياة نفسها. وقد جعل الله للحب طرفين: أحدهما في اللذة، والآخر في الحماقة؛ ما منهما بد. فهذا الحب يلقي صاحبه في الأحلام ويغشى بها على بصره، ثم إن هو اتجه بطرفه السعيد إلى حظه المقبل واتفقت اللذة للمحب - أيقظته اللذة من أحلامه؛ وإن اتجه الحب بطرفه الشقي إلى حظه المدبر وقعت الحماقات فنونا شتى بين الحبيبين، وفعلت آخراً فعل اللذة فأيقضت العاشق من أحلامه أيضاً. وهذا تدبير من الرحمة، في تلك القسوة المدمرة المسماة الحب. أفلا يدل ذلك على أن اللذة وهم من الأوهام مادام تحققها هو فناءها؟
خذ عني يا مجاهد هذه الكلمة: (ليس الكمال من الدنيا ولا في طبيعتها، ولا هو شيء يدرك، ولكن من عظمة الكمال أن استمرار العمل له أو إدراكه)
قال مجاهد: لقد علمت بعدنا علما، فمن أين لك هذا، وعمن أخذت؟
قال: عن السماء؟
قال: ويلك! أين عقلك، فهل نزل عليك الوحي؟
قال الرجل: لا، ولكن تعاليا معي إلى الدار فأحدثكما
قال المسيب: وذهبنا معه؛ فآتينا بطعام نظيف فأكلنا، وأشعرتنا الدار أن ربها قد وقع فيما شاء من دنياه وتواصلت عليه النعمة؛ فلما غسلنا أيدينا قال مجاهد: هيه يا أبا. . يا أبا من؟ قال: أبو عبيد. قال: هيه يا أبا عبيد. .
ففكر الرجل ساعة ثم قال: عهد كما بي منذ تسع في مجلس الإمام الشعبي بالكوفة؛ وقد كنت في بقية من النعمة أتجمل بها، وكانت تمسكني على موضعي في أعين الناس؛ فما زالت تلك البقية تدق وتنفض حتى نكد عيشي ووقعت في الأيام المقعدة التي لا تمشي
بصاحبها، وانقلب الزمن كالعدو المغير جاء ليصطلم ويخرب ويفسد، فأثر في اقبح آثاره، فبعت ما بقي لي وتحملت عن الكوفة إلى البصرة، وقلت: إن لم تتغير حالي تغيرت نفسي، ولا أكون في البصرة قد انتهيت إلى الفقر، بل أكون قد بدأت من الفقر كما يبدأ غيري، وأدع الماضي في مكانه وامضي إلى ما يستقبلني.
فالتمست رفقة فالتأمنا عشرين رجلا، فلما كنا في الطريق، سلبنا اللصوص وحازوا القافلة وما تحويه، ونجوت أنا راكبا فرسي وعمري، وأدركت حينئذ أن الحياة وحدها ملك عظيم، وأنها هي الأداة الإلهية، والباقي كله هو من أنفسنا لأنفسنا والأمر فيه هين والخطب يسير.
وقلت: لو أن اللصوص قد مروا بنا كما يمر الناس بالناس لما نكبونا، ولكنهم عرضوا لنا عروض اللص للمال والمتاع لا للناس فوضعوا فينا الأيدي الناهبة، ومن هذا أدركت أن ليس الشر إلا حالة يتلبس بها من يستطيع أن يتخلص منها. فإذا كان ذلك فاصل السعادة في الإنسان ألا يعبأ بهذه الحالات متى عرضت له؛ وهو لا يستطيع ذلك إلا إذا تمثل الشر كما يراه واقعا في غيره؛ فالمرأة العفيفة إذا عرضت لها حالة من الفجور ونظرت إلى نفسها وحظ نفسها فقد تعمى وتزل، ولكنها إذا نظرت إلى ذلك في غيرها وإلى أثره على الفاجرة كانت كأنما زادت على نفسها نفسا أخرى تريها الأشياء مجردة كما هي في حقائقها.
قال: ومضيت على وجهي تتقاذفني البقاع والأمكنة، وأنا أعاني الأرض والسماء، وأخشى الليل والنهار، وأكابد الألم والجوع، حتى دخلت البصرة دخول البعير الرازح قطع الصحراء تأكل منه ولا يأكل منها، فأنضاه السفر وحسرة الكلال ونحته الثقل الذي يحمله، فجاء بينية غير التي كان قد خرج بها. وكانت أيامي هذه عمرا كاملا من الشقاء جعلتني أوقن أن هؤلاء الناس في الحياة إن هم إلا كالدواب تحت أحمالها، لا تختار الدابة ما تحمل ولا من تحمل، ولا يترك لها مع هذا أن تختار الطريق ولا مدة السير وليس للدابة إلا شيئان: صبرها وقوتها؛ إن فقدتهما هلكت، وإن وهنا فيها كان ضعفها بحسب ذلك
إن هناك أوقاتا من الشقاء والبؤس تقذف بالإنسان وراء إنسانيته وإنسانية البشر جميعا لا تبالي كيف وقع وفي أي واد هلك، فلا ينفع الإنسان حينئذ إلا أن يعتصم بأخلاق الحيوان، في مثل رضاه الذي هو احكم الحكمة في تلك الحال، وصبره الذي هو أقوى القوة، وقناعته التي هي أغنى الغنى، وجهله الذي هو اعلم العلم، وتوكله الذي هو إيمان فطرته بفطرته.
لا يبالي الحيوان مالا ولا نعيما ولا متاعا ولا منزلة ولا حظا ولا جاها، ولن تجد حمار الملك يعرف من الملك اكثر مما يعرف حمار السقاء من السقاء؛ ولعلك لو سألتهما وأطاقا الجواب لقال لك الأول: إن الذي فوق ظهري ثقيل مقيت بغيض؛ ولقال لك الثاني: إن الذي يركبه خفيف سهل سمح!
ولكن بلاء الإنسان أنه حين يطوحه البؤس والشقاء وراء الإنسانية، لا ينظر لغير الناس؛ فيزيده بؤسا وحسرة، ويمحق في نفسه ما بقي من الصبر، ويقلب رضاه غيظا، وقناعته سخطا، ويبتليه كل ذلك بالفكرة المهلكة أعجزها أن تهلك أحدا فلا تجد من تدمره غير صاحبها؛ فإذا هي وجدت مساغاً إلى الناس فأهلكت وعاثت وأفسدت جعلت صاحبها إما لصا أو قاتلا أو مجرما أي ذلك تيسر!
وقال: وكنت اعرف في البصرة فلانا التاجر من سراتها ووجوه أهلها، فاستطرقته فإذا هو قد تحول إلى خراسان، وليس يعرفني أحد في البصرة ولا اعرف أحدا غيره؛ فكأنما نكبت مرة ثانية بغارة شر من تلك، غير أنها قطعت علي في هذه المرة طريق ايامي، وسلبتي آخر ما بقي لنفسي وهو الأمل!
ورأيت أنه ما من نزولي إلى الأرض بد، فأكون فيها إنسانا كالدابة أو الحشرة، حياتها ما اتفق لا ما تريد أن يتفق؛ وأنه لا رأي إلا أن اسخر من الشهوات فازهد فيها وأنا القوي الكريم، قبل أن تسخر هي مني إذا جئتها، وأنا الطامع العاجز!
وفي الأرض كفاية كل ما عليها ومن عليها ولكن بطريقتها هي لا بطريقة الناس؛ وما دامت هذه الدنيا قائمة على التغيير والتبديل وتحول شيء إلى شيء، فهذا الظبي الذي يأكله الأسد لا تعرف الأرض أنه قد أكل ولا أنه افترس ومزق، بل هو عندها قد تحول قوة في شيء آخر ومضى؛ أما عند الناس فذلك خطب طويل في حكاية أوهام من الخوف والوجل؛ كما لو اخترعت قصة خرافية تحكيها عن أسد قد زرع لحما. . . فتعهده فأنبته فحصده فأكله، فذهب الزرع يحتج على آكله، وجعل يشكو ويقول: ليس لهذا زرعتني أنت، وليس لهذا خرجت أنا تحت الشمس، وليس من اجل هذا طلعت الشمس عليّ وعليك!
والإنسان يرى بعينيه هذا التغيير واقعا في الإنسانية عاميتها وفي الأشياء جميعها؛ فإذا وقع فيه هو ضج وسخط، كأن له حقا ليس لأحد غيره؛ وهذا هو العجيب في قصة بني آدم، فلا
يزال فيها على الأرض كلمات من الجنة لا تقال هنا ولا تفهم هنا؛ بل محل الاعتراض بها حين يكون الإنسان خالدا لا يقع فيه التغيير والتبديل. ومن هذا كان خيال اللذة في الأرض هو دائما باعث الحماقة الإنسانية.
قال أبو عبيد: وذهبت أعتمل بيدي وجسمي على آلام من الفاقة والضر، ومن الخيبة والإخفاق، ومن إلجاء المسكنة وإحواج الخصاصة؛ فلقد رأيتني وإن يدي كيد العبد، وظهري كظهر الدابة، ورجلي كرجل الاسير، وعنقي كعنق المغلول، ويطلع قرص الشمس على الدنيا ويغيب عنها وما اعتمل إلا بقرص من الخبز، ولقد رأيتني أبذل في صيانة كل قطرة من ماء وجهي سحابة من العرق حتى لا أسأل الناس، ويا بؤسا لي إن سألت وإن لم أسأل
وما كان يمسكني على هذه الحياة المرمقة، تأتي رمقاً بعد رمق في يوم يوم - إلا كلام الشعبي الذي سمعته في مسجد الكوفة، وقوله فيمن قتل نفسه، فكان كلامه نورا في صدري يشرق منه كل يوم مع الصبح صبح لأيماني. ولكن بقيت أيام نعمتي الأولى ولها في نفسي ضربان من الوجع كالذي يجده المجروح في جرحه إذا ضرب عليه، فكان الشيطان لا يجد منفذا إلى إلا منها. وفقدت الصديق وعونه، فما كان يقبل عليّ صديق إلا في أحلامي من وراء الزمن الأول
قال مجاهد: والحبيب؟
فتبسم الرجل وقال: إذا فرغت الحياة من الذي هو أقل من الممكن، فكيف يكون فيها الذي هو اكثر من الممكن؟ إن جوع يوم واحد يجعل هذه الحياة حقيقة جافية لا شعر فيها، ويترك الزمن وما فيه ساعة واحدة معطرة. . والبؤس يقظة مؤلمة في القلب الإنساني تحرم عليه الأحلام؛ وما الحب من أوله إلى آخره إلا أحلام القلوب بعضها ببعض!
قال أبو عبيد: وتضعضعت لهذه الحياة المخزية وأبرمتني أيامها، وحملت في الميت والحي، ورأيت الشيطان لعنه الله كأنما اتخذني وعاء مطرحاً على طريقه يلقي فيه القمامة. .؛ وظهر لي قلبي في وساوسه كالمدينة الخربة ضربها الوباء فأعمر ما فيها مقبرتها؛ وعاد البؤس وقاح الوجه لا يستحي، فلا أراه إلا في أرذل أشكاله وأبردها؛ ولقد يكون البؤس لبعض الناس على شيء من الحياة فيأتي في أسلوب معتذر كالمرأة الدميمة في نقابها.
وقلت لنفسي: ما هو والله إلا القتل، فهذا عمر أراه كالأسير أقيم على النطع وسل عليه السيف، فما ينتقم منه المنتقم بأفظع من تأخير الضربة، وما يرحمه الراحم بأحسن من تعجيلها!
وبت أوامر هذه النفس في قتلها وأحدثها حديث الموت فسددت رأيي فيه، وقالت: ما تصنع بجسم كالمتعفن اصبح كالمقبور لا أيام له إلا أيام انقراضه وتفتيته؟ بيد أني ذكرت كلام (الشعبي) في ذلك المجلس وأنا أحفظه كله، فجعلت أهذه ما أترك منه حرفا، واتخذته متكلما مع نفسي لا كلاما، وكنت كلما غلبني الضعف رفعت به صوتي وأصغيت كما أصغى إلى إنسان يكلمني؛ فرأيت الشيطان بعد ذلك كاللص إذا طمع في رجل ضعيف منفرد، ثم لما جاءه وجد معه رجلا ثانيا قويا فهرب!
قال أبو عبيد: ونالني روح من الاطمئنان وجدت له السكينة في قلبي فنمت، فإذا الفزع الأكبر الذي لا ينساه من سمع به فكيف الذي رآه بعينيه؟
رأيتني ميتا في يد غاسله يقلبه ويغسله كأنه خرقة؛ ثم حملت على النعش، كأن الحاملين قد دفعوني يقولون: انظروا أيها الناس كيف يصير الناس؛ ثم صلى عليّ الإمام الشعبي في مسجد الكوفة؛ ثم دليت في قعر مظلمة وهيل التراب عليّ، وتركت وحيدا وانصرفوا!
وما أدري كم بقيت على ذلك؛ ثم رأيت كأنما نفخ في الصور وبعثرت الأموات جميعا، فطرنا في الفضاء، وكانت النجوم غباراً حولنا كتراب العاصفة في العاصفة؛ وإذا نحن في عرصات القيامة وفي هول الموقف!
وتوجهت بكل شعرة في جسمي إلى الرجاء في رحمة الله؛ ورأيت أعمالي رؤية احزنتني، فهي كمدينة عظيمة كل أهلها صعاليك إلا قليلا من المستورين، أرى منهم الواحد بعد الواحد في الساعة بعد الساعة، ندروا وتبعثروا وضاعوا كأعمالي الصالحة!
وذكرت أني كدت اقتل نفسي فرارا بها من العمر المؤلم، فنظرت، فإذا الزمن قد ظهر في أبديته، ورجع الماضي حاضرا بكل ما حوى كأنه لم يمض، وإذا عمري كله لا يكاد يبلغ طرفة عين من دهر طويل، فحمدت الله أني لم أفتد ألم اللحظة القصيرة القصيرة، بعذاب الأبد الخالد الخالد الخالد.
وجيء على أعين الخلق بأنعم أهل الدنيا وأكثرهم لذات في تاريخ الدنيا كله، فصاح صائح:
هذا أنعم من كان على الأرض منذ خلقها الله إلى أن طواها. ثم غمس هذا المنعم في النار غمسة خفيفة كنبضة البرق، واخرج إلى المحشر، وقيل له الناس جميعا يسمعون: هل ذقت نعيما قط؟ قال: لا والله
ثم جيء بأتعس أهل الأرض وأشدهم بؤسا منذ خلقت الأرض، فغم في الجنة غمسة أسرع من النسيم تحرك ومر، ثم أخرج إلى المحشر وقيل له: هل ذقت بؤسا قط؟ قال: لا والله.
وسمعنا شهيق جهنم وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ؛ فأيقنت أن لها نفسا خلقت من غضب الله. وخرج منها عنق عظيم هائل، لو تضرمت السماء كلها نارا لأشبهته، فجعل يلتقط صنفاً صنفا من الخلق؛ وبدأ بالملوك الجبابرة فالتقطهم مرة واحدة كالمغناطيس لتراب الحديد؛ وقذف بهم إلى النار؛ ثم انبعث فالتقط الأغنياء المفسدين فأطارهم إليها؛ ثم جعل يأخذ قوماً قوما وقد ألجمني العرق من الفزع؛ ثم طرت أنا فيه ونظرت فإذا أنا محتبس في مظلمة نارية كالهاوية، ليس حولي فيها إلا قاتلوا أنفسهم. ولو أن بحار الأرض جعل فيها البحر فوق البحر فوق البحر، إلى أن تجتمع كلها فيكون العمق كبعد ما بين الأرض والسماء، ثم تسجر نارا تلظى لكانت هي الهاوية التي نحن في أعماقها، وكنت سمعت من إمامنا الشعبي أن عصاة المؤمنين الموحدين إذا ماتوا على إيمانهم كانوا في النار أحياء وجوارحهم وينتظرهم إيمانهم على باب النار، فكان إلى جانبي رجل قتل نفسه، فسمع قائلا من بعيد يقول لمؤمن: أخرج فإن إيمانك ينتظرك. فصاح الذي إلى جانبي: وأنا، أفلا ينتظرني إيماني؟ فقيل له: وهل جئت به؟
ورأيت رجلا ذبح نفسه يريد أن يصرخ يسأل الله الرحمة، فلا يخرج الصوت من حلقه، إذ كان قد فراه وبقى مفريا! وأبصرت آخر قد طعن في قلبه بمدية، فهو هناك تسلخ الزبانية قلبه تبحث هل فيه نية صالحة، فلا تزال تسلخ ولا تزال تبحث!
ورأيت آخر كان تحسّى من السم فمات ظمآن يتلظى جوفه، فلا تزال تنشأ له في النار سحابة روية تبرق بالماء، فإذا دنت منه ورجاها انفجرت عليه بالصواعق ثم عادت تنشأ وتنفجر!
وقال رجل إنما كنت مجنونا ضعيفا عاجزا فأزهقت نفسي فنودي: أو ما علمت أن الله يحاسبك على أنك عاقل لا مجنون وقوي لا ضعيف، وقادر لا عاجز؟ كنت تعقل بالأقل أنك
ستموت، وكنت تقوى على أن تصبر، وكنت تقدر أن تترك الشر.
وقال رجل عالم قد حز في يده بسكين فمات: (لم يكن الكمال من الدنيا ولا في طبيعتها ولا هو شيء يدرك.) فصرخ فيه صوت رهيب: (ولكن من عظمة الكمال أن استمرار العمل له هو إدراكه!).
قال أبو عبيد: ثم انتصب بازائي شيطان مارد أحمر، يلتمع التماع الزجاج فيه الخمر، فقام في وجهي وقال: بماذا جئت إلى هنا يا عدو الخمر؟ فما كان إلا أن سمعت النداء: شفعت فيك الخمر التي لم تشربها، أخرج إن إيمانك ينتظرك!
فصحت الحمد لله! وتحرك بها لساني فانتبهت. لقد علمت أن الصبر على المصائب نعمة كبرى لا ينعم الله بها إلا في المصائب.
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
2 - لوكريسيا بورجيا
صور من عصر الأحياء
للأستاذ محمد عبد الله عنان
أقامت لوكريسيا في رومة مدى حين، أداة لمشاريع أبيها البابا وأخيها شيزاري، ومستودعا لدسائس البلاط الروماني؛ وكانت تشعر أنها في هذا المعترك تعيش في نوع من الأسر؛ وقد قالت فيما بعد:(إن رومة كانت سجني). وكان زواجها من جان سفورزا كما رأينا، لبواعث سياسية ترجع إلى رغبة اسكندر السادس في تقوية التحالف بينه وبين لودفيكو سفورزا طاغية ميلانو وعم جان. ولكن لودفيكو لم يلبث أن ارتد عن هذا التحالف إلى محالفة شارل الثامن ملك فرنسا وتحريضه على غزو إيطاليا، والاستيلاء على مملكة نابل اعتمادا على زعم قديم بوراثة عرشها. عندئذ رأى البابا أنه لم يبق حكمة لبقاء هذا الزواج، فاعتزم إلغاءه حتى يستطيع بعد أن تسترد لوكريسيا حريتها أن يتخذها أداة لعقد صفقة أخرى.
ولكن جان سفورزا لم يقبل الانفصال عن زوجته الحسناء طوعا، فهدده شيرازي بالقتل وفر إلى بيزارو؛ ولجأت لوكريسيا حزينة باكية إلى دير القديس سكستوس لأنا كانت تحب زوجها؛ وعمد البابا لإبطال الزواج إلى إجراء مدهش، فانتدب لجنة مؤلفة من كردينالين لتهيئة أسبابه، ورأى الحبران أن يسندا الفسخ إلى أن لوكريسيا ما تزال بكرا عذراء، وأن زوجها جان سفورزا كان عنينا ولم يكن رجلا كاملا؛ وأرغم البابا ابنته على أن توقع إقرارا بأنها ما تزال بكرا عذراء كيوم مولدها. وعلى ذلك أعلن فسخ الزواج؛ ودهشت رومة، ودهشت إيطاليا كلها لهذا الزعم، لأن جان سفورزا كان فتى متين البنية، وكان أرمل توفيت عنه زوجته الأولى بعد أن رزق منها طفلة. وحاول جان أن يثور على هذا القرار وأن يقاوم، ولكنه أذعن لنصح عمه لودفيكو وعمه الآخر الكردينال اسكاينو وكيل الكرسي الرسولي، وارتضى مصيره صاغرا؛ وكان ذلك في ديسمبر سنة 1497؛ وكانت لوكريسيا عندئذ في عامها السابع عشر. وهنا يصيح مؤرخ معاصر هو (جيشا ردينو):(لم يحتمل البابا أن ينافسه في ابنته أحد حتى زوجها!). وثار حول لوكريسيا سيل من أروع الإشاعات والأقاويل.
وحدث في ذلك الحين أيضاً حادث اهتزت له رومة، هو مقتل جان دوق جانديا ابن البابا؛
وكان إلى جانب الطلاق مستقى خصبا لهذه الإشاعات الغريبة التي تصور الأسرة البابوية عرينا من الضواري التي جردت من كل عاطفة بشرية. وكان دوق جانديا أكبر أبناء اسكندر السادس، في الرابعة والعشرين من عمره، وأخاه شيزاري في الحادية والعشرين؛ وكان البابا يعتبر ابنه البكر عميد أسرته من بعده، ويرشحه دون شيزاري لكل مشاريعه السياسية العظيمة. أما شيزاري فقد زجه أبوه إلى الحياة الكنسية، ورقاه بسرعة كردينالاً لبلنسية؛ ولكن شيزاري كان بطبيعته الوثابة المغامرة، وأطماعه الدنيوية البعيدة يزهد في الحياة الكنسية ويتلمس الفرار منها؛ وكان يرى في أخيه الأكبر دوق جانديا حائلا دون أطماعه. ففي ربيع سنة 1497، كان البابا قد عاد إلى التفاهم مع مملكة نابل (نابولي) واتفق مع ملكها الجديد فردريك الأرجوني على أن يتلقى التاج من قبل الكرسي الرسولي، وأن يقطع بعض ولاياتها الجنوبية لدوق جانديا ولد البابا؛ وانتدب البابا ولديه جان وشيزاري للسفر إلى نابل، الأول ليتسلم إقطاعه الجديد، والثاني ليمثله في تتويج ملك نابل. وفي مساء 14 يونيه، قبيل رحيلهما، أقامت لهما والدتهما فانوزا مأدبة عشاء حافلة في قصرها المتواضع؛ وبعد العشاء انصرف دوق جانديا مع أخيه شيزاري، ثم افترق الاثنان في منتصف الطريق، وسار الدوق مع تابع له واختفى في جوف الظلام؛ ولم يعرف قط ما حدث له بعد ذلك؛ ولكن تابعه وجده ملقى في صباح اليوم التالي على شاطئ التقيري (التيبر) جثة هامدة، وانتشلت جثة الدوق بعد ذلك من النهر، وقد أثخنت طعنا، ولم يكشف سر الجريمة قط.
وطار الخبر في رومة بأن دوق جانديا قد قتل، وحزن البابا لمصرع ولده الأكبر أيما حزن، ولبث يذرف الدمع الثخين مدى يومين وهو معتكف في غرفته لا يتذوق طعاما ولا يرى أحدا. من اجترأ على ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء؟ ولأي الأسباب؟ كثرت في ذلك الظنون والريب، وتنوعت التهم والبواعث؛ فقيل إن الجريمة من تدبير جان سفورزا انتقاما للتفريق بينه وبين زوجته، وقيل إنها من تدبير عمه الكردينال اسكانيو انتقاما لشرف الأسرة، وقيل إنها من تدبير آل أورسيني ألد خصوم البابا؛ ولكن هذه التهم لم تلق كبير سند؛ أما أولئك الذين يعرفون آل بورجيا فقد ألقوا تبعة الجريمة على شيزاري بورجيا نفسه.
أجل، قتل شيزاري أخاه جان دوق جانديا لأنه يفوز دونه بعطف أبيه، ويخصه أبوه دونه
بمشاريعه السياسية، ويعتبره لسنه زعيم الأسرة. وشيزاري لا يطيق أن يرى دون أطماعه عقبة إلا ويسحقها. ولذلك التعليل الظاهر من الوجاهة. ولكن الرواية تذهب إلى أبعد من ذلك، فتقول إن شيزاري قتل أخاه لأنه ينافسه في غرام أختهما لوكريسيا!
أرأيت كيف تميل الرواية دائما إلى تصوير هذا الغادة الفاتنة آلهة للحب الأثيم والفجور في أروع مظاهره؟ كانت لوكريسيا خليلة أبيها، خليلة أخويها! وكان ثمة معارك خفية تضطرم في ذلك العرين بين عباد الجمال والهوى المحرم؛ وكان جان سفورزا زوج لوكريسيا اشد الناس تأييدا لهذه التهم، يؤكد لزملائه الأمراء ولصحبه وللناس جميعا أنه إذا كان البابا قد عمل على تمزيق العلائق التي تربطه بزوجته لوكريسيا، فذلك بسبب الهوى الأثيم الذي تبثه إلى أبيها، وإنه إذا كان شيزاري قد دبر مقتل أخيه وألقاه في التفيري، فذلك بسبب المنافسة بينهما على حب لوكريسيا. وكانت الفضيحة رائعة، والتهم أروع، تجوب إيطاليا من أقصاها إلى أقصاها، وتجوب قصور أوربا كلها! ويتناولها الرواة والسفراء والشعراء بالتدوين نثرا ونظما باعتبارها من أهم حوادث العصر وأعجب السير.
وهنا يرى بعض النقدة المحدثين الذين يميلون إلى تبرئة لوكريسيا من هذه التهم الشنيعة، أن هذه الخصومة الزوجية هي أصل هذه التهم وهي روحها، وأن هذه التهم قد تلقاها المعاصرون من الأفواه الخصيمة، ثم زادوا عليها وبالغوا في تصويرها، ثم تناقلتها أجيال الخلف، واستمرت على كر العصور مستقى خصبا للشعراء وكتاب القصص.
لم تمض أشهر قلائل حتى وضع مشروع جديد لزواج لوكريسيا، وكان اسكندر السادس يتجه يومئذ نحو مملكة نابل، ويلتمس وسيلة لبسط نفوذه عليها؛ وكان يرى هذه الوسيلة في تزويج ابنه شيزاري من ابنة فردريك ملك نابل؛ ولكن ملك نابل أبى أني يزوج ابنته (لقس ابن قس) بيد أنه ارتضى أن يتخذ ابنة البابا زوجة لألفونسو ولد أخيه غير الشرعي، وعقد الزواج الجديد في قصر الفاتيكان في يولية سنة 1498 وكان الزوج الجديد فتى حديثا لا يجاوز السابعة عشرة؛ وكان جميلا، حلو الشمائل، تصفه الرواية المعاصرة بأنه أجمل فتى في رومة؛ وكانت لوكريسيا عندئذ في الثامنة عشرة؛ ومنح الفونسو دوقية بيزيليا، وغدت لوكريسيا دوقة بيزيليا؛ واشترط أن يقيم الفونسو مدى عام في رومة، وألا تغادر لوكريسيا رومة إلا بعد وفاة أبيها؛ وشغفت لوكريسيا بزوجها الفتى النضر، وعاشت مدى حين في
نوع من السعادة والسلام.
ولكن هذه السكينة لم يطل أمدها. ذلك أن اسكندر السادس ألغى فرصة جديدة للعمل السياسي؛ وكان ملك فرنسا الجديد لويس الثاني عشر يتوق إلى التخلص من زوجته جان دوقة بري، والتزوج من الدوقة حنه أرملة سلفه شارل الثامن لكي يستطيع أن يضم إمارتها بريطانيا إلى مملكته؛ وكان لابد له لإجراء الطلاق من مرسوم بابوي؛ فرأى اسكندر السادس أن يجيز هذه الرغبة، وبعث ولده شيزاري إلى فرنسا، ليلقي صيغة الطلاق، فاستقبله ملك فرنسا أعظم استقبال، وأنعم عليه بلقب دوق فالنتنوا؛ وعندئذ خلع شيزاري ثوبه الديني، وزوجه لويس الثاني عشر من أميرة فرنسية هي شارلوت دالبير أخت ملك نافار؛ وبذلك وثقت أواصر التحالف بين فرنسا والفاتيكان، وكلاهما خصم لمملكة نابل وكلاهما يدعي فيها حقوقا.
وهنا فكر شيزاري في التخلص من زوج أخته الجديد إذ غدا يراه عقبة في سبيل مشاريعه؛ وشعر الفونسو دوق بيزيليا بحرج مركزه في الفاتيكان إزاء تطورات الحوادث على هذا النحو، وخشى بالأخص غدر شيزاري وعدوانه، ففر من رومة والتجأ إلى ال كولونا في جينازارو، تاركا زوجه الفتية حاملا تبكي فراقه؛ واستمر يكاتب لوكريسيا ويتوسل إليها أن تلحق به، ولوكريسيا مستسلمة إلى حزنها لا تجرؤ على تلبية دعوته. فلما رأى البابا يأس ابنته، فكر في وسيلة للجمع بينها وبين زوجها، لا تؤذي كرامته في نفس الوقت، فعين ابنته حاكمة لسبوليتو؛ وسافرت لوكريسيا إلى سبوليتو مع أخيها الأصغر جوفروا؛ وهنالك لحق بها زوجها؛ وأقاما هناك مدى حين حتى هدأت العاصفة؛ ثم عادا معا إلى رومة؛ ولم تمض على عودتهما أيام قلائل حتى وضعت لوكريسيا غلاما سمى رودريجو باسم جده البابا رودريجو بورجيا (31 أكتوبر سنة 1499).
واحتفل البابا بمولد حفيده في حفلات شائقة، وغدت لوكريسيا كأنها ملكة رومة يحف بها الحب والعطف والإجلال أينما حلت؛ وأقطعها والدها حكم عدة مدن وجهات من أملاك الكرسي الرسولي.
ولكن القدر المروع كان جاثما يتربص. ففي مساء 15 يوليه سنة 1500، بينما كان الفونسو دي بيزيليا زوج لوكريسيا يصعد درج الفاتيكان المفضي إلى الجناح البابوي، إذ
فاجأه عدة رجال مقنعين وأثخنوه طعنا بالخناجر حتى خر صريعا يتخبط في دمه؛ ثم فر الجناة دون أن يراهم أو يظفر بأثرهم أحد.
ولكن الفونسو لم يمت على الأثر؛ بل استطاع أن يجرجر نفسه حتى الجناح البابوي؛ وهناك تلقاه البابا ولوكريسيا في دهشة وانزعاج؛ وأغمى على لوكريسيا وأصابتها الحمى؛ وحمل الجريح إلى إحدى القاعات، ولزمته زوجته تعني به، وأقام البابا حرسا خاصا على غرفته؛ وأخذ يتماثل إلى الشفاء سريعا.
ولم يك ثمة ريب في مدبر هذه الجريمة الشنعاء؛ فقد كان شيزاري؛ وكان يرى بعد أن رزقت أخته بهذا الغلام، أنه لا سبيل إلى فسخ زواجها، وأنه لا سبيل إلى التخلص من الفونسو غير الجريمة، ولما لم تحقق هذه الجريمة الأولى غرضها، قرر شيزاري أن يعيد الكرة، فدخل ذات يوم إلى حيث يرقد الجريح ومعه ميشليتو وصيفه وساعده الأيمن في مشاريعه السوداء؛ وأبعد أخته عن غرفة زوجها، وأمر ميشليتو فأجهز على الفتى الجريح خنقا.
هكذا يقول لنا بور كارت مدير التشريفات البابوية في مذكراته. بيد أن شيزاري لم ينكر الجريمة بعد أن حققت غايتها؛ وكان يقول إن الفونسو كان يزمع قتله فسبقه هو إلى القصاص. ولم يفه البابا بكلمة احتجاج أو تذمر خشية بطش ولده الأثيم.
أما لوكريسيا الزوجة الثاكل، والأم الأرمل، فلم تستطع البقاء في رومة، وذهبت بإذن أبيها تجرجر أذيال الحزن والعزلة في قصر نيبي على مقربة من سبوليتو، وهنالك فعل النسيان فعله سريعا، فلم يمض عام حتى استعادت الأرمل الفتية كل بهجتها، وعادت مسرعة إلى رومة تخوض غمار هذه الحياة العنيفة الباهرة التي كأنما خلقت لها.
وفي يوليه سنة 1501، غادر اسكندر السادس رومة على رأس حملة عسكرية ليتم الاستيلاء على بعض المناطق والحصون المجاورة للولايات البابوية والتي يزعم للكنيسة حقا في انتزاعها، وهنا وقع حادث فريد من نوعه ومغزاه. ذلك أن اسكندر السادس انتدب ابنته لوكريسيا للقيام بالشؤون البابوية أثناء غيابه، ويقول لنا بور كارت إن قداسته (عهد بالقصر كله، وتصريف الأمور الجارية إلى ابنته السيدة لوكريسيا، وفوض إليها أن تفتح كل الرسائل التي ترد لقداسته، وأن تستعين في المسائل الصعبة برأي كردينال لشبونه)
وفي ذلك ما يدل على تقدير خاص من البابا لمواهب ابنته ومقدرتها على الاضطلاع بمهام الأمور. والواقع أن لوكريسيا بورجيا كانت فتاة وافرة العقل وافرة الذكاء، تتبع سير الشؤون العامة بدقة، وتفهم بالأخص آراء والدها واتجاهاته المختلفة؛ وكانت عند ثقة أبيها حيث قامت بمهمتها زهاء شهرين بفطنة وذكاء.
ثم عاد البابا إلى رومة، واستأنف بلاط الفاتيكان حياة البذخ والحفلات الشائقة، وكانت لوكريسيا يومئذ قد ناهزت عامها الحادي والعشرين، واكتملت زهرة شبابها وجمالها.
وهنا، وفي تلك الفترة، تقدم لنا الروايات المعاصرة، أغرب الصور وأروعها عن تلك الحياة الأثيمة الفاجرة التي كانت تنتظم وراء جدران الفاتيكان، وتخوض لوكريسيا بورجيا غمارها إلى جانب أبيها الحبر المتهتك وأخيها الطاغية الفاجر.
ومن ذلك تلك الحفلة الراقصة الشهيرة التي تفيض في تفاصيلها روايات العصر وتسميها (مرقص الكستنة) والتي كانت مسرحا لأسفل ما يتصور الذهن الخليع من مناظر التهتك والفحش.
ويقول لنا بور كارت في مذكراته إن تلك الحفلة الشهيرة كانت في مساء 31 أكتوبر سنة 1501؛ وفيه استقدم البابا خمسين غانية من أجمل نساء رومة؛ ومثلن جميعا عاريات أمام البابا وابنه شيزاري وابنته لوكريسيا، وقمن بأفحش المناظر الراقصة والجنسية التي يمكن تصورها؛ ومن ذلك أنهن كن يركضن عاريات على أربع وراء حبات الكستنة التي كان يلقيها البابا وابنه وابنته تحت الأضواء الساطعة، وتعطى الجوائز للسابقات، كما تعطى لأبرعهن في عرض افحش المناظر والأوضاع.
هذا ما يرويه بور كارت مدير التشريفات البابوية في مذكراته الشهيرة بإفاضة مثيرة تحمر لها الوجوه وتندى الجباه حياء وخجلا، وهذا ما ترويه معظم الروايات والتواريخ المعاصرة مع فرق في بعض الوقائع والتفاصيل.
كانت هذه الحفلات والمناظر الشائنة تتكرر وراء جدران الجناح البابوي في الفاتيكان؛ في تلك الأبهاء الشهيرة التي أنشأها اسكندر السادس، وأفاض عليها أقطاب الفنانين والمصورين أروع بدائعهم، والتي ما زالت تعرف حتى اليوم (بجناح آل بورجيا) وتعرض لأنظار السائح المتجول، فيحمله التأمل والخيال إلى تلك الأيام والذكريات المرحة البعيدة.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان المحامي
الخرافة
للدكتور إبراهيم بيومي مدكور
الخرافة حليفة الجهل، وأليفة الأوهام، عنوان ناقصي الثقافة، ورمز ذوي العقول الضعيفة؛ كالحشرات الدنيئة، لا يحلو لها العيش إلا في الأماكن المظلمة، أو كالحشائش الضارة، لا يعظم نموها إلا في التربة الفاسدة؛ تقف في طريق الحق، وتقاوم كل تفكير. وكأنها ذات قوة سحرية تغشى الأبصار، وتصم الآذان، وتقضي على كل ما في المرء من عقل وروية؛ أو كأنها مظهر لوحي خفي يستولي على النفوس والأفئدة. وكيف لا والسحر خرافة لبست ثوب الفن؟ والخرافات في أغلبها اكتست بكساء الدين، لذلك لبى نداءها معتنقوها، ونزل عن إرادتها من آمن بها، ولو أدى ذلك إلى ارتكاب جرائم شنيعة، وإزهاق أرواح بريئة، وتبديد ثروات طائلة. وكم باعدت الخرافة بين الصديق وصديقه، والمرء وزوجه، والأخ وأخيه، والابن وأبيه. وقد لا يقف عدوانها عند الأحياء، بل يتعداهم إلى الأموات، فخرجت من جرائها قبور، وانتهكت حرمات. وبذا كانت من أشد أخطار الإنسانية وأكبر أعداء الحضارة والمدنية. وما أصدق مونتيسكيه حين يقول:(أعد نفسي أسعد الأحياء إذا استطعت أن أبرئ الناس من خرافاتهم).
بيد أن الخرافة ليست شرا كلها؛ ففي حجرها درج العلم، وتحت كنفها نما كثير من النظم الاجتماعية. فالعلوم في نشأتها كانت سلسلة خرافات متصلة، وطائفة غير ملتئمة من الظنون والأوهام؛ وما الكيمياء الحقيقية إلا وليدة الكيمياء الصناعية وما الفلك في قواعده وأصوله إلا ربيب العرافة والتنجيم، وما الطب إلا نتيجة وصفات بلدية هذبت، وتجارب عادية سلك بها سبيل البحث والتمحيص؛ وما طبيعة اليوم المملوءة بالأصول والقوانين إلا الثمرة الناضجة للآراء الخاطئة المشحونة بالأوهام والخزعبلات، والتي أدلى بها فلاسفة الإغريق الأول أمثال طاليس وأنكسمندر. والحكومة في سلطانها، والأسرة في نظامها، والملكية في احترامها مدينة للخرافة إلى حد كبير: فالملك مسموع الكلمة مطاع الأمر، لأن الخرافة شاءت قديما أن تضعه في صف الآلهة والأرباب؛ والزواج محترم لأن الزنا والفسوق ما كانت لتغضب الله والناس فقط، بل وربما استتبعت هلاك الحرث والنسل وخراب القرى والأمصار؛ والملكية مقدسة لأن الاعتداء عليها كان يثير غضب المردة
والشياطين والقوى الخفية المتصرفة في هذا العالم؛ وإذا بحثنا عن منشأ كثير من عاداتنا الاجتماعية وجدناها ترجع إلى أصل خرافي: فتفضيل اليد اليمنى على اليد اليسرى يفسر في غالب الظن مبدأ من مبادئ السحر والشعوذة؛ والعطلة الأسبوعية التي ننعم بها الآن لم تكن إلا لأن الإنسان اعتقد أن هناك أوقات نحس وأوقات سعادة وفوق هذا وذاك فالخرافة تغذي ناحية نفسية لا يصح تجاهلها، ذلك لأن الإنسان لا يلبي داعية العقل والمنطق فقط، بل هو خاضع لخياله وعواطفه. وللخيالة ميادين تسبح فيها، وعالم يتفق مع ميولها وأهوائها؛ وما الخرافة إلا مظهر من مظاهر هذا العالم وأثر من آثار هذا الصنع، وحياة لا تعتمد إلا على الأسس الطبيعية والبراهين العقلية - كما ينادي بها أصحاب الرواق - جافة قطعا ولا وجود لها إلا في أدمغة زينون وكريزيب.
ليس هناك شك في أن الإنسان مستعد بطبعه لقبول الخرافة؛ فهو ميال دائما لأن يعرف أكثر مما يرشده إليه بصره وعقله، ولأن يخلق بجانب الحقائق الحسية والفكرية صورا أخرى تحقق رغبة من رغباته، أو تسد ناحية من نواحي نقصه. هذا إلى أنه في ضعفه يحاول أن يعتز بقوى خفية - وإن تكن خيالية - في التغلب على مشاق الحياة. ومن هنا كان التعلق بالخرافات عالميا، وكان قدر منها مشتركا لدى عامة الشعوب. فالسحر والتنجيم والشعوذة من خرافات الإنسانية بأسرها، قام عليها معظم تقاليد الأمم المتوحشة، وتشبث بها الناس بعد أن خطوا خطوات فسيحة في سبيل العلم والمدنية، ولا يزالون خاضعين لشيء من سلطانها إلى اليوم. وحديث القصور الزبرجدية والآرائك المسجدية التي بناها المردة والشياطين في أرض نائية وجزر منقطعة، بهر الإنسان الهمجي وشغل عقول بعض أبناء القرن العشرين. والتفاؤل والتشاؤم والطيرة كانت من خرافات الإغريق والرومان والعرب، وحتى الساعة يقول عاميتنا:(خذوا فألكم من قبالكم)، وإذا سمعوا نعيق غراب رددوا الجملة المشهورة:(اللهم اجعله خيرا). وبديهي إن انتشار الخرافة يختلف من بلد لآخر تبعا لدرجة الثقافة، ونمو التربية الدينية، وطرق الحكم السياسية من ديمقراطية واستبدادية، ولظروف اجتماعية أخرى متعددة. ويحاول بعض الباحثين أن يعقد موازنات بين الأمم في هذا المضمار، فيزعم مثلا أن المشاهد السينمائية في إنجلترا وفرنسا تؤذن بأن الشعب الإنجليزي إلى الغريب أميل، وفي الخرافة أرغب. وهذه الموازنات وإن تكن مثار شك
كبير، ربما وصلت إلى نتائج شيقة إن عني بضبطها وصحتها. وإذا كنا نتحدث عن الأفراد والشعوب واستعدادهم لقبول الخرافة، فيجدر بنا أن نشير إلى ملاحظة هامة، وهي أنه لا يوجد شخص يسلم بالخرافة التي يعتنقها في حين أنه متيقظ دائما إلى خرافات الآخرين. وقد يصل بنا الأمر إلى أن نقيس الشيء الواحد بمقياسين مختلفين، وننظر إليه بمنظارين متباينين، فإن كان مما عرفناه وألفناه أضحى دينا وعقيدة؛ وإن اتصل بتقاليد غريبة عنا استنكرناه وتبينا ما فيه من تضليل وتخريف: وكأن ما هو دين في رأيك خرافة في رأي غيرك وبالعكس: وعل ذلك راجع إلى أن الخرافة تسلب معتنقها قوة النقد والحكم الصحيح؛ هذا إلى أنها نسبية وصعبة التحديد: فما كان عقيدة بالأمس أصبح خرافة اليوم؛ وما هو صواب شرق جبال البرانس يعد خطأ غربها؛ ومقياس الخرافة - كمقياس الحق والباطل - يتغير بتغير الظروف والأزمنة.
يعز علينا حقيقة أن نعرف الخرافة تعريفا شاملا، وأن نضع لها حدا ثابتا. فلا يمكننا أن نقول إنها كل ما خالف العلم الصحيح، فإن هذا العلم نفسه لما يحدد تماما؛ على أنه قد يقصد أمورا يصعب علينا أن نخرج بها عن دائرة الخرافة. فكثير من المثقفين يؤمن اليوم بتحضير الأرواح، ويجتهد في أن يفسره تفسيرا علميا. ولا نستطيع أن نقول إن الخرافة كل ما ناقض الدين، فإن هناك أشياء اكتست بكساء ديني كامل في حين أنها خرافة صريحة. وفي شيء من التقريب يمكن القول بأن الخرافة كل فكرة أو عقيدة فردية أو جمعية تفسر ظواهر العالم على نحو لا يلتئم مع العقل ولا مع درجتنا العلمية الحاضرة. وعلى في سرد بعض الأمثلة ما يعيننا على تفهم الخرافة في حقيقتها ومدلولها. من ذلك أن بعض الأوربيين يرى أن كب الملح نذير سوء. وأن اجتماع ثلاثة عشر شخصا على مائدة واحدة مؤذن بأن واحدا منهم سيموت في العام نفسه، وأن تقديم السكين يقطع المودة، وأن وضع المكنسة في الماء مجلبة المطر. وخرافاتنا المصرية التي هي ميدان فسيح للدراسة غير متناهية العدد؛ ومن أشهرها حديث (الشمامة) ورعراع أيوب وأكل البصل أيام شم النسيم، وصناعة التبخير أو (الزار) والرقى والتعاويذ. وعبثا نحاول إن شئنا أن نأتي هنا على مختلف الخرافات العالمية أو المصرية. وفي مقدورنا أن نلاحظ بوجه عام أن الخرافات تكاد تتمركز حول نقطتين هامتين: المعتقدات والعبادات الدينية؛ وهذا ما سماه
الألمان
لقد شغل الباحثون بالخرافة منذ زمن بعيد؛ فبينوا مضارها السياسية والدينية والاجتماعية، وعملوا على إحصاء الخرافات المتعددة وإثباتها في قواميس خاصة (نذكر من بينها: وتقسيمها إلى فصول وأنواع مختلفة. ومن أقدم من كتب في هذا الباب؛ لكريس + 51 - وفلوطرخس + 125 والأخير بوجه خاص هو أول باحث درس الخرافة في شيء من التوسعة ونقدها نقدا مرا؛ وربما كان متأثرا في ذلك بما ساد عصره من خرافات لا حصر لها إلا أن الفضل في دراسة الخرافة دراسة علمية منظمة يرجع إلى علماء الاجتماع المحدثين الذين تولوها بالشرح والتحليل. فبحثوا عن أصلها، وسبيل انتشارها، وأثرها في المجتمع، وطريق علاجها. وكان لهم في ذلك مؤلفات قيمة جذابة نخص بالذكر منها كتاب فريزر الذي سنعرض له بالتفصيل في فرصة مقبلة إن شاء الله.
إذا تصفحنا التاريخ وجدنا الإنسانية نشأت حاملة معها خرافاتها. فالأمم المتوحشة الأولى خضعت للخرافة خضوعها لدين ثابت وأصل مقرر؛ ولا زلنا نرى أثر هذا الخضوع لدى القبائل الهمجية المعاصرة. وإذا جاوزنا هذه الأمم إلى الشعوب التي أخذت من الحضارة بنصيب، لاحظنا أنها تعلقت بقسط وافر من الأوهام والخزعبلات. وخرافات قدماء المصريين أعرف من أن ينوه عنها. والإغريق الذين بهروا العالم بعلمهم وثقافتهم لم يكونوا أقل اعتناقا للخرافة من غيرهم، وتاريخهم الديني مجموعة خرافات سخر منها فلاسفتهم غير مرة. وربما كان اللاأدريون من أول من رفع الصوت جهرة في وجه الخرافة والانقياد الأعمى، ودعا إلى تحرير الفكر الإنساني. كذلك حاربت الديانات السماوية بعض الخرافات وقضت عليها. غير أن رجال القرون الوسطى عادوا - تحت تأثير الجهل وعاطفة دينية عمياء - فارتطموا في بؤرة الخرافة، وتفننوا فيها أيما تفنن. ثم جاء عصر النهضة والإصلاح الديني فسلكا بالعقل الإنساني مسلكا جديدا وآثارا على الخرافة حربا شعواء. ولا تزال العلوم الحديثة تنكل بها يوما بعد يوم، وتطاردها في كل مكان.
والآن يحق لنا أن نتساءل هل الخرافة في سبيل الانقراض؟ وهل تأمل الإنسانية أن تتخلص منها بتاتا؟ ليس بيسير أن نجيب إجابة شافية على السؤال الأول، فإن الإحصاءات في هذا الميدان ناقصة وغير دقيقة؛ والخرافة، وقد تمكنت من نفوسنا وأضحت جزءا من
عاداتنا وتقاليدنا، صعبة التمييز وكثيرا ما بدت بمظهر الشيء المعقول والمسلم به. ولكن مما لاشك فيه أن الفكر الإنساني تبرأ من خرافات كثيرة كان يرزح تحت نيرها آباؤنا الأقدمون. وكلما بسط العلم نفوذه بدد غياهب هذه الترهات والأباطيل، فهو من الخرافة كالنور من الظلمة بكشف دخيلها وبين ما اشتعلت عليه من خطر وأضرار. ومع هذا يخيل إلينا أنه لن يتمكن من انتزاع جرثومتها والقضاء عليها تماما، وستبقى الخرافة ما بقى الإنسان لتسد حاجة من حاجاته النفسية والاجتماعية.
وها هي ذي خرافة تفنى لتحل محلها خرافة أخرى، فلئن بادت الخرافات الوحشية لقد أعقبها خرافات حضرية. على أنه ليس ثمت ضير - على ما يظهر - في أن تتعلق أمة من الأمم بقدر محدود من الخرافات، فإن فشت الخرافة وسدت طريق التفكير والحكم الصحيح فهنا الداء القاتل والخطر المحدق.
وكأني بهذه الحال تنطبق تماما على ما يعانيه بلدنا اليوم. فنحن فريسة للخرافة في طعامنا وشرابنا، في ملبسنا ومسكننا، في حركاتنا وسكناتنا، في مختلف عاداتنا وتقاليدنا، بل وفي آرائنا ومعتقداتنا، وكثيرا ما وقفت الخرافة عقبة كأداء في طريق تقدمنا العقلي والجسمي، والخلقي والاجتماعي. وفي رأينا أن خرافاتنا المتفشية ترجع إلى أسباب كثيرة أهمها:
(1)
طريقة الوعظ والإرشاد والتربية الدينية الفاسدة، (2) حياة القهر والاستبداد، (3) الفقر، (4) والجهل. لقد سلكت طائفة من وعاظنا مسلكاً خاطئاً للغاية، وأرسلت لنفسها العنان - طمعا في الترغيب أو الترهيب - في سرد خرافات يأباها العقل والدين، وخاصة ما اتصل منها بالحشر والنشر واليوم الآخر وعمدتها في ذلك مجموعة ضارة من كتب القصص والتفسير المملوءة بالإسرائيليات والآثار الضعيفة أو المكذوبة. وكأن علم هؤلاء الوعاظ خرافة كله، أو كأنهم يحيون على حساب الخرافة فهم يثبتون دعائهما ويبالغون في نشرها. وليست حياة القهر والاستبداد بأقل آثراً في نشر الخرافة من هذا الوعظ الفاسد، فالمغلوب على أمره يبحث عن قوى خفية يزعم أنها تعينه على التخلص مما هو فيه. كذلك تمني الخرافة الفقراء بأحلام ذهبية وآمال خلابة، وتسبغ عليهم من الخيال ما عجزت الحقيقة عن الوفاء به. ويحرم الجهل أخيرا عامة الناس من أن يفتحوا أعينهم للضياء، وقلوبهم للرجاء، لذلك كانت الخرافة والجهل نوعين متلازمين، وأخوين لا ينفصلان، وقديماً قالوا: الخرافة
عمياء تخشى ما تحب، وتحب ما تخشى. وإذا كنا قد شخصنا الداء فلنعالج أسبابه الدفينة وعوامله الخفية وحذار أن نحارب الخرافة وجها لوجه ونقتصر على تسفيه أحلام معتنقيها، فإنه قد يكون أيسر أن نصرف الملحد عن إلحاده من أن نحول المخرف عن خرافته.
إبراهيم بيومي مدكور
دكتور في الآداب والفلسفة.
حول الأوزاعي (ثانياً)
للأستاذ أمين الخولي المدرس بكلية الآداب
كنت كتبت في العدد 91 من الرسالة، كلمة عن الأوزاعي، قصدت فيها أول ما قصدت إلى ملاحظات في أسلوب تفكير الكاتب، وعرضت في ذلك لإنكاره تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني في الشام. ودار حول ذلك كلام، آخره ما كتبه الأديب الفاضل صالح بن علي الحامد العلوي في العدد 97 من الرسالة، تحت عنوان:(هل تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني أو الحقيقة هي العكس)؛ وإني أشكر لحضرته غيرته الدينية، وجميل أدبه في نقاشه، ثم أعود إلى الموضوع من الناحية التي عرضت له منها أول ما عرضت: ناحية أسلوب التفكير، وصحة الانتقال والاستنتاج.
ويبدو لقارئ مقال الأديب السنغافوري أنه متأثر بمقال نشر في مجلة النهضة الحضرمية بعنوان: (من أين أخذ الإفرنج قوانينهم) وقد نقل منه قدرا كبيرا. ولعله يسر حضرته أن أبلغه أن هذا الموضوع نفسه نشر في مصر - وربما بنصه - منذ ربع قرن مضى، ملحقا بكتاب مقدمة القوانين للأستاذ عبد الجليل سعد، وقد طبع سنة 1910م. وقرأت هذا الموضوع منذ بضعة عشر عاما، ولا أزال أذكره جيدا، ومع ذلك كله قلت فيما قلت عن تأثر الأوزاعي بالفقه الروماني تلك الكلمة المتواضعة العلمية وهي: مع عدم تعصبي للقول بهذا التأثر، ومع القصد في بيانه فإني أرى هذا الاستدلال على عدم تأثر الأوزاعي غير مقبول من الوجهة الاجتماعية والنفسية. . . الخ) ولا أزال أقول للكاتب إن ما نقله عن مجلة النهضة الحضرمية لا يؤثر في هذا الرأي كما لم تؤثر فيه قراءتي لهذا الموضوع في مصر منذ عهد بعيد؛ ولا أجعل موضوع الأخذ أو التأثر هنا محل بحث جديد ومناقشة على صفحات مجلة سيارة، لأنه أوسع من ذلك وأعمق، ولأن ملاحظاتي لا تتوقف عليه، كما لن أعمد في تعليق على ذلك المقال إلى الإطالة والإسهاب نزولا على حكم الوقت الضيق الآن، ثم نزولا على حكم البتة، إذ لا أرى قراء الصحف الأسبوعية ينشطون لتلك المناقشة الفنية الطويلة. وسأكتفي بأن أضع بين يدي السيد العلوي والقراء ما أراه موضع ملاحظة في إجمال تام.
1 -
قال السيد: ومهما قلنا بالفرق بين الأخذ والتأثر لكلا المعنيين بجريان إلى مدى واحد،
وهو أن يكون في أصل الفقه الإسلامي ومزاجه شيء من الفقه الروماني)، ومع صرف النظر عن مسألة الفقهيين لا نرى محلا للتسوية بين التأثر والأخذ هذه التسوية، لأن التأثر قد يكون سلبيا صرفا، فنقول إن الوثنية العربية قد أثرت في تحريم الإسلام للتصوير والنحت، ولن ينتهي هذا إلى أن في مزاج الإسلام وأصله شيئا من الوثنية الجاهلية. والنظر يقضي بأن التأثر السلبي قد يكون أقوى أنواع التأثر وأشدها، فلا محل للتسوية بين التأثر والأخذ.
2 -
وقال: إن الإسلام في ذاته جاء خارقا لقاعدة البيئة والثقافة، إذ قام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو النبي الأمي الذي نشأ أبعد الناس عن أن يطلع على قانون روماني أو حكمة منقولة، وأتى بهذا الدين الأقدس مناقضا كل التناقض لما عليه قومه،. . . الخ. وغريب هذا القول من السيد، لأنه لا يصح إلا على تقدير أن هذا الدين من صنيع الرسول نفسه، وهو أمي. . الخ فعمله ناقض لقاعدة البيئة والثقافة، أما على أن الإسلام - كما هو في حقيقته - وحي إلهي فلا يستقيم هذا التمثيل مطلقا في نقض قاعدة البيئة والثقافة، لأنا لم نقل إن الله خاضع للبيئة والثقافة، بل نقول إن الله أجرى الحياة على نواميس منها تأثير البيئة والثقافة. . . الخ. وعلى وفق هذه النواميس جاء الإسلام العرب موافقا لحالهم معالجا لأمراضهم، جاريا على أسلوب تعبيرهم محكما له في فهم القرآن الكريم دستور العربية، ولم لم يجيء الإسلام بحيث تتقبله النفوس العربية، وتفهمه العقول العربية لكان عبثا - تعالى الله عنه - ولم يعش ولم ينجح.
3 -
وقال: (إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة، أو بعبارة أصح جاءت في زمن واحد،. . الخ) وهذه العبارة أوضح من أن تحتاج مخالفتها إلى دليل، ويتجلى ذلك في قوله بعد، (وهيأ لنا شريعة كاملة وقانونا ربانيا منظما يصلح لأن يطبق على أي جيل وعلى أية أمة، ولم يزد فيه الفقهاء بعده شيئا قط إلا تصنيفه ونقله. .) فهذا الكلام ليس أحسن حالا من سابقه، فالفقهاء قد فهموا وطبقوا، واستنتجوا واستنبطوا، وخلفوا كل هذا المجهود الفقهي الكبير الهائل مبنيا بيدهم على الأصول العامة التي جاء بها الوحي، ولم يكونوا مصنفين وناقلين فقط، على أن حضرته يقول (. . . والنصوص الفقهية كلها صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي) وهذه العبارة بنفسها ينقضها هو في الصفحة ذاتها حين يقول
عن القرآن: (على أن الاختلاف في تفسيره. . . ليس إلا لإيجازه المعجز مع بعد مراميه الغيبية) فإن هذا الإيجاز المعجز لم يفت آيات الأحكام كذلك، وبعد المرامي يشملها أيضاً؛ وإذا كانت النصوص صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي ففم اختلف فقهاء المذاهب الكثيرة المتعددة، وفيم اختلف فقهاء المذهب الواحد في الزمنين المختلفين، وفيم تغايرت الأحكام في المسألة الواحدة هذا التغاير البين؟ والطريف في ذلك أن السيد يمثل لهذه الصراحة والوضوح بقولك مثلا لا تكذب، وأنه ليس معناه إلا لا تخبر بغير الواقع في كل زمن ومكان، وفات السيد أن هذه المسألة الخلقية نفسها على وضوحها الشديد عنده محل خلاف طويل تعدى حتى إلى كتب البلاغة، فقيل الصدق مطابقة الخبر الواقع، وقيل مطابقته للاعتقاد، وقيل مطابقته للواقع مع الاعتقاد؛ وعلى هذا يختلف كذلك تفسير الكذب، فحبذا لو كان الأمر من السهولة والصراحة والوضوح على مثل ما يراه السيد.
4 -
ويقول حضرته في النصوص الفقهية (. . . أما الأغلب منها فمن الحديث والسنة، وبعضها عن الكتاب مفسرا بالسنة) ولا نعرف وجها للحكم بأن أغلب النصوص من السنة لا من الكتاب، ولا يفهم أن الأغلب ما هو من السنة والكتاب معا إذ ليس هناك مصدر للنصوص سواهما.
5 -
ويقول (ولا يجوز أن يقاس الفقه بالتفسير) ولا أدري كيف لا يقاس الفقه بالتفسير في الاختلاف والفقه ليس إلا تفسير آيات الأحكام!!
وعندي أن الكاتب الفاضل يحسن أن يعدل رأيه في هذه الأشياء قبل أن يهتم بمسألة الفقه الروماني وأخذه أصوله عن الفقه الإسلامي، أو تأثر للفقه الإسلامي به، فتلك مسائل متأخرة.
ويلي ذلك في مقال السيد ما نقله عن مجلة النهضة الحضرمية وأشرت إلى أنه منشور في مصر منذ زمن طويل؛ وقد وعدت ألا أحمله ولا أحمل القراء مؤونة مناقشته - على كثرة مواضع ذلك فيه - وإنما أقول للسيد إن كلمتي في التأثير والتأثر لا تتوقف على البت في تاريخ أصول القانون الروماني الحديث، وإنما ترجع إلى مسلمات لا محل لاختلافنا فيها: تلك هي أن الرومانية حكمت الشام قطعا، وكان ذلك الحكم لقرون كثيرة قطعا، وكانت الدولة الرومانية التي ورثت حضارة اليونان نظم للحكم قطعا، وكانت لها شرائع مدنية
وعسكرية ومالية قطعا، وكان الإسلام هو الذي خلف على ذلك كله بلا شك، - وكان لهذا على طول الزمن أثره الذي تختلف به الشام عن الحجاز مثلا ولا بد، والأوزاعي ابن هذه البيئة الحديثة العهد بهذه الحال الرومانية، فلتلك البيئة وهاتيك الثقافة أثرهما المحتوم في تكوين الأوزاعي، ولهذا التكوين أثره في فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما - ولا يتوقف شيء مما قلنا على درجة رقي الفقه والنظام الروماني، ولا على أن الحديث منه مسروق من الإسلام أو مقتبس منه أولا.
لكني حينما أترك هذا المقال في الفقه الروماني الحديث دون مناقشة لا أدع منه عبارة ختامية للسيد في مقاله، تلك هي قوله (. . . إن الفقه الروماني جديد لفقه جماعة من العلماء وتحقق أنهم أخذوه من الفقه الإسلامي، وهذا ما يجب ألا يعتقد خلافه كل مسلم). بل أقول للسيد لسنا في شيء من المطالبة بهذه العقيدة المعروفة ثم سرقة الفقه الروماني من الفقه الإسلامي. وحرام علينا في الدين والعقل أن نعتقد ما نشاء ونلزم بما نشاء، فدع يا سيدي هذا لمثله من الرأي والبحث. ولا تتوجس خيفة من كل شبح، ولا تعدن كل رأي دسيسة، ولا تتهمن كل مسلم بالضعف والانخداع، فالأمر أخطر من ذلك كله، وأهون من ذلك كله أيضاً.
أمين الخولي
التربية الخلقية والاجتماعية في المدرسة
للأستاذ فخري أبو السعود
أدخلت الإصلاحات والتغييرات العديدة على أنظمة مدارسنا، ولكنها كانت دائما تدور حول طرق تدريس العلوم ومناهجها، ولم تتجه إلى الناحية الخلقية - كما أشار إليه صاحب المعالي وزير المعارف في تقريره عن التعليم الثانوي - والحقيقة التي لا شبهة فيها أن مدارسنا لا تهتم بغير المواد المدرسية ولا تعمل شيئا في سبيل تربية أخلاق الطلاب.
بل الحقيقة التي يعترف بها الخبير المنصف أن مدارسنا كانت بنظمها سببا في نشر الفوضى الخلقية بين الشبان: لقبولها الطلاب من جميع الطبقات، ووضعها أبناء الطبقات المحترمة بجانب أبناء الطبقة الوضيعة في المدرسة الواحدة بلا تمييز؛ وقد دلت المشاهدات على أن الطالب المهذب يكتسب أخلاق زميله الوضيع التربية ولا يحدث العكس؛ وقد زاد هذا البلاء استفحالا في السنين الأخيرة بإقبال الطبقة السفلى على تعليم أبنائها لتأهيلهم للوظائف واكتظاظ المدارس بطلابها.
مع أن إنجلترا - على عراقتها في الحرية والديمقراطية - مدارس لا تقبل إلا أبناء الطبقات المحترمة التي تستطيع دفع المصروفات العالية، فيظل أبناؤها بمنجى من مخالطة أبناء السوقة، ذلك بان الحرية والديمقراطية يجب ألا تتعارضا مع الأمر الواقع، أو تتجاهلا وجود الطبقات المتفاوتة.
لا تعمل مدارسنا شيئا لتهذيب أخلاق أبنائها مع أننا أحوج من غيرنا إلى التربية الخلقية في مدارسنا: إذ لا يجد ناشئتنا هذه التربية غالبا في بيئة غير بيئة المدرسة: فلا في البيت ولا في الشارع ولا في المجتمع: فالتربية المنزلية عندنا ناقصة، ومعظم الآباء لا يوجهون إلى تربية أبنائهم من وقتهم وعنايتهم ما يجب، وهم يتقادون لحنانهم الأبوي فيسمحون لأبنائهم بكل ما يريدون وإن عارض مصلحتهم وجنى على تنشئتهم؛ وطبقة العامة التي يصادفها الناشئ في غدواته وروحاته فاسدة تعم فيها رذائل الكذب والغش والقحة وجرأة اللسان مما لا مثيل له في بلد راق؛ والحجاب الذي فرضته التقاليد على المرأة يحرم المجتمع من اختلاط الجنسين وهو عامل كبير في تهذيب الخلق وترقيق الطبع وتنمية الذوق وتربية الرجولة الصحيحة.
ومصر التي جربت في مراكز الحكم زمرا من أبنائها لا يشك أحد في عظيم ذكائهم وكبير مواهبهم وواسع تعليمهم وثقافتهم، ومع ذلك كانوا عليها سوط عذاب وبثوا فيها فساد الأخلاق، مصر هذه يجب أن تنتبه إلى النقص الجسيم في نظم تربيتها، وأن تعرف جيدا قلة جدوى التعليم بدون التربية الخلقية الصحيحة التي تقوم الطباع وتبعث الاستقامة وتشعر الفرد بمسئوليته أمام ضميره وواجبه نحو مجتمعه ووطنه.
فمدارسنا اليوم تجعل واجبها الأول التربية العقلية، على حين يجب أن تكون التربية الخلقية أول مراميها، وأن يأتي تزويد الناشئ بالعلوم بعد ذلك في المحل الثاني: فتختلف برامج التعليم زيادة ونقصا وتعديلا كما تدعو الحاجة أو تشير التجارب. ووظيفة المدرسة الخلقية هي هي في مكانها الأول، وهي هي الغرض الأسمى من كل تربية وفي كل معهد، وهي عدة الناشئ وكفيلة بالنجاح في حياته مهما زادت معلوماته أو نقصت أو تنوعت.
ومن المسائل المفروغ منها بين المشتغلين بالتربية والتعليم أن التربية الخلقية لا تأتي بالتلقين ولا تكون باستظهار فوائد الفضائل ومضار الرذائل، وإنما العامل الأكبر في تشكيل أخلاق الناشئ وتوجيهها إما إلى الحسنى وإما إلى الخسران، هو الوسط الذي يعيش فيه، والناس الذين يخالطهم في ذلك الوسط، والأعمال التي يزاولها فيه كل يوم؛ فأخلاقنا تنمو نموا غير مقصود ولا متعمد ولا سيما في عهد نشأتنا، وتتشكل بالمحاكاة والاقتداء ومسايرة الغير، فالطفل الناشئ في وسط راق ينشأ فاضلا دون أن تلقى إليه كلمة واحدة في مزايا الفضيلة، والناشئ في بيئة مسمومة يشب دنيئا مهما أسمع من عظات الحكماء، ووضع بين يديه من كتب الفضلاء.
فإذا هيأنا في المدرسة للناشئ جوا نقيا صالحا نمت أخلاقه نقية صالحة دون بذل جهد ما من جانبه أو من جانب المدرس أو إدارة المدرسة؛ ولكن جو مدارسنا ليس من النقاء والصلاح بحيث ينشئ الطلاب تلك النشأة، ومهما فرض المدرس وإدارة المدرسة بعد ذلك من أنظمة وقواعد وعقوبات فعبث ليس وراءه طائل.
فقد تقدم كيف يختلط في المدرسة ابن الأسرة الطيبة بابن الأسرة الوضيعة فتسود الفوضى الخلقية الجو المدرسي، ثم إن ازدحام ساعات المدرسة بالمواد الدراسية يحول دون توثق الحياة الاجتماعية المدرسية، ويجعل الطلاب في حالة من الإرهاق والملال تحفزهم إلى
التمرد والإخلال بالنظام وإساءة المسلك كلما لاحت لهم الفرصة لذلك، وكل المواد الدراسية تتطلب منهم إجهاد عقولهم وتقييد أبدانهم، فتنوء عقولهم بالمجهود المتواصل العقيم، وتضيق أبدانهم بالتقييد، ويتجمع نشاطهم الجثماني المكبوح الذي لا يجد منصرفا في وجهة الخير فينصرف إلى ضروب الفساد والعبث بالنظام ومشاكسة الغير والتفكير في أنواع الإثم أو اللهو الفارغ.
ومن هذا تتضح الوسائل التي يجب أن تتذرع بها مدارسنا لتربي أخلاق أبنائها؛ وهي: تنقية الجو الدراسي، ووضع التربية البدنية في مكانها الذي هي جديرة به بجانب التربية العقلية، وتوثيق عرى الحياة الاجتماعية في المدرسة:
(1)
فيجب أن تراعى طبقة الطالب الاجتماعية قبل أن يقبل في المدرسة، وأن يكون لهذا شأن في توزيع الطلاب على المدارس بل على الفصول، وتخصيص مدارس في البلدان المختلفة لأبناء الطبقات الممتازة والأسر الطيبة. وليس هذا بدعا: ففضلا عن وجود هذا التفريق في إنجلترا كما سبق كان بمصر ذاتها شيء منه فيما مضى: إذ كانت بعض المدارس كالخديوية والسعيدية تكاد تختص بأبناء الأسر الراقية، ولكن المدارس التي كانت لها هذه الميزة قد فقدتها أخيرا، وصار بعض المصريين يحجم عن إلحاق الأبناء بالمدارس المصرية مخافة أن يختلطوا بمن لا تحسن مخالطتهم ويفقدوا ما شبوا عليه في بيوتهم من طيب العادات والأخلاق.
(2)
وأن تختصر برامج التعلم اختصارا كبيرا وتقلل ساعاتها في اليوم المدرسي، ويخصص جانب كبير من الوقت للألعاب الرياضية التي يجب أن يمارسها جميع الطلاب في كل يوم، فإن هذه الألعاب هي أساس كل تربية صحيحة شاملة ترمي إلى تكوين الفرد والمجتمع، ولا نعلم أمة بلغت شأوا كبيرا من العظمة والرقي في ماض ولا حاضر إلا كانت التربية البدنية المكان الأول في تنشئة أبنائها.
فرياضة البدن ضرورية لنموه وصحته، وصاحب الجسم الصحيح أقدر على تلقي العلوم وأداء الأعمال، ونظرته إلى الحياة نظرة تفاؤل وإقدام ورغبة في العمل وعزيمة واعتداد بالنفس، والناشئ الذي ينمو سليم البدن كذلك ينمو سليم النفس مستقيم الطبع متجها إلى الخير يؤثر من أنواع الترويح والاستجمام والسرور ضروب الألعاب الرياضية وصنوف
اللهو البريء، ولا تنحصر معظم أفكاره في مسائل الجنس ومرذول العبث كما يرجح أن تنحصر أفكار صاحب الجسم البليد الخامل.
من ذاك ترى أن الألعاب الرياضية هي قوام التربية البدنية والعقلية والخلقية، ويكفي دليلا على فشل طرق التعليم عندنا أن الزمن المخصص في المناهج لهذا العامل الحيوي في التربية هو دون الساعة في الأسبوع، وأن تعليم الرياضة البدنية في مدارسنا منوط بالجنود القدماء، وأنها لا تحسب من المواد الأساسية، وكل أولئك يزيد الطالب استخفافا بها.
(3)
كذلك يجب أن يصرف جانب كبير من أوقات المدرسة في الألعاب والأعمال الجمعية والحفلات لشتى المناسبات: من ابتداء العام المدرسي أو انتصافه أو انتهائه أو توزيع الجوائز أو تكريم أبناء المدرسة أو خريجيها أو زوارها أو المحاضرات المشوقة الممتعة: ففي قيام الطلاب بتنظيم هذه الجماعات واشتراكهم فيها واهتمامهم بنجاحها خير تربية لأخلاقهم الاجتماعية، وأحسن تدريب لهم على حسن المسلك بين الجماعة، وأفضل تهذيب لذوقهم العام، وهم بأشد حاجة إلى ذلك: فما يقول مطلع منصف إن مسلك شبابنا المتعلمين في أغلب مجتمعاتهم مما يشرف. فأغلبهم يعوزهم التعقل، وحسن الذوق، والتمييز بين مقام ومقام، وما يقال هنا ويفعل، ومالا يقال أو يفعل هناك؛ وكثير منهم يعجزون عن استشعار الجد ومواصلة الرزانة في أمر من الأمور، وبهم نزعة إلى الهزل لا تقاوم ولا يكاد يطيب لهم مجتمع حتى يهبطوا به إلى قرار بعيد من التبذل والإسفاف.
نعم إن بالمدارس المصرية أنواعا من الجمعيات العلمية والعملية، ولكنها مقصورة على عدد محدود من الطلاب بينما يجب أن تكون شاملة للجميع، ويعد الالتحاق بها أمرا إضافيا على حين يجب أن يكون أساسيا، وما دامت لا تدخل في المنهاج ولا يمتحن في أعمالها الطلاب المرهقون خارجها ببرنامج حافل فإنها لا تجتذب إلا القليلين، وأغلبهم ممن لا يحفلون بالمواد الدراسية وكان يجدر الجمع بين الأمرين.
فبتطهير الوسط المدرسي من أوشاب السوقة، ولإعطاء الرياضة البدنية مقامها اللائق، وخلق الحياة الاجتماعية الجذابة بالمدرسة مكان الحياة المقفرة المنفرة، تهيئ المدرسة الجو النقي الصالح الذي يبعث الطالب على مكارم الأخلاق، ويهديه إلى القدوة الحسنة، ويسموا به إلى احترام النفس والمجتمع، وبذلك تؤدي المدرسة واجبها الأول، وتحقق التربية
غرضها الأسمى.
وهذه بعينها هي السنة التي درجت عليها المدارس الإنجليزية من قديم، ولاشك أن المدرسة الإنجليزية تفوق غيرها من المدارس، ولم يبلغ الإنجليز ما بلغوا من العظمة بتزويد أبنائهم بمقدار من المعارف أكبر مما يناله غيرهم، بل بالرياضة البدنية والحياة الاجتماعية المدرسية، وهذه هي وسيلة التربية الخلقية وهي أداة الكفاح والنجاح في الحياة للأفراد والأمم. ومن المأثور المشهور قول ولنجتون إن معركة واترلو كسبت في ملعب كلية إيتون، فهو لم يقل إنها كسبت في حجرات الدراسة أو معاملها، بل في الملعب حيث تخرج الرياضة البدنية جسما سليما وعقلا سليما وخلقا قويما وفردا ينفع نفسه والمجتمع.
الإسكندرية
فخري أبو السعود المدرس بالعباسية الثانوية
هراقليوس في المعبد
البطل
للأستاذ المعروف الأرناءوط
(أي صديقي معروف! إنك لتغمر أشخاص عالمك الذي صغت في هذه الرواية البارعة، بشعاع رقيق يحفل بالطيوب واللحون والألوان والصور.
إنك تفيض على كل ما تكتب بركة الحياة والنور، فالأشكال تتكلم، والصور تغني، والأخيلة تتفتح عن ألوان لماحة كالطيف، مفترة كالصباح.
فهنا حياة كاملة لجبل من الناس تنبسط وتأتلق حتى تملأ الأكوان بسعتها وإشراقها.
وهنا الحدائق تتدفق بأنهار كأنهار الجنة تتنهد وتغرد، وتتلفت وتزهى، وتعبق حافاتها بخمائل الحلد وأزاهير النعيم، ثم تذوب في الجو الساهم الهائم أنفاسا مشبوبة بالعطر، لاهبة بالغناء طافحة بالشوق.
فمن أحب أن يشعر بهنائة الفن، ورغادة الأدب فليقرأ (عمر بن الخطاب).
ومن فاته أن يرى إلى جنائن عبقر، وحدائق الشرق المسحورة، ويتسمع إلى حكايات الحب وأناصيص الحرب، وينظر إلى مواكب المجد وكتائب النصر فيلتمسها في هذه الملحمة الكبرى!)
أنور العطار
سرب (هراقليوس) في أنحاء الكنيسة بين العمد والأقواس والحنايا والقناطر والتصاوير والشموع، فكأنه في سروبه طائف ألقت به دنيا الأموات إلى دنيا الناس، وما كان قاهر الفرس وسيد الكتائب الظافرة في أفريقية وأوربة ليستطيع أن يكافح شجونا علقت في نفسه وملكت عليه إحساسه وشعوره، وتلك هي شجون لم يحسر عنها أمام خلصائه وأصفيائه استبقاء لزهوه وكبره، وحرصا على ذلك المجد الذي بلغ نواحيه في عمره الطويل، ولكنه أحب أن يلقي بحزنه وشجوه إلى هذا الليل الغاسق الذي بسط جناحيه على غابة تمور بالصور والدمى والمرمر والبرفير واللآلئ واليواقيت، وقد يكون من الخير لنفسه أن تطفو روحه على هذه المشاهد والاشياء، فكان كلما مر برواق من هذه الأروقة الممتعة هتف الجرح بقلبه وحسه، فترسل في مشيته، وأقبل إلى العمد المرمرية الماثلة فترفق على
جذوعها وجعل ينظر إلى أضواء الشموع، ثم إلى هذه الصور التي قبست شحوبها من نفوس عمرت بالألم والتقى والورع، فإذا صدف عن العمد المرمرية ونازعته نفسه إلى الطواف بالأماكن المقدسة، انبسط أمامه فضاء الكنيسة واتسع، وخيل إليه أن الحوائط والجدر تفر منه وتنأى عنه، فما يستطيع لحاقا بها، ولا تستطيع أن تسايره في منازعه فتسكن وتستريح؛ وكان في بعض الأحايين لا يجد معدى من الوقوف أمام هذه الصور الملونة رجاة أن يتعرف إلى أصحابها، فيفتح عينيه ويمد يده إلى مذبح صغير ازينت أطرافه وجنباته بالذهب، ويأتي إلى الصور ويقرأ أسماء الرسل على الضوء، ثم لا تعجبه هذه الأسماء فيرتد عنها في مثل خفة الوميض، ويطرح الشمعة إلى حضيض البيعة، فيخبو نورها، ثم لا يغمه ويحزنه أن يستأنف طوافه في ليلين راعبين: ليل نفسه، وهذا الليل الذي يغشى المعبد!
وربما كان من أحب أمانيه ألا يقول شيئا لأصحاب التصاوير، وقد يكون من أرضى هذه الأماني أن يلقي بدخيلة نفسه إلى المسيح وحده، وذريعته في الحرص على صمته حتى يخلو إلى صورة السيد المسيح أنه ناضل ونافح في سبيله، فأولى للنبي الذي نصره على الوثنية وبارك سلاحه في سوق الوغى أن يفزع إلى الرسول العبقري، وإنما يضيره أن يقص حياته على صور مكان أصحابه من طرازه وعنصره!
ولقد وقف (هراقليوس) بعد إفلاته من القبر المقدس بجوار صخرة قيل إن ملكا من السماء وقف عليها ليتحدث إلى العذراء مريم، فتهافت عليها وتمسح بها، ثم دخل إلى بيعة صغيرة أسماها نصارى القرون العافية (معبد الملائكة)، ثم لم يلبث أن ازور عنها وجاء إلى بيعة محاذية في رحبتها قطعة كبيرة من المرمر الرمادي قيل إن السيد المسيح صعد عليها وتراءى لمريم المجدلية، وعليه لباس جنان يحمل الورد، وكانت البيعة الصغيرة تسبح في ظلام شديد، فثنته الجهمة الراعبة عن شعور الرجل التقي، فجثم مصليا على المرمر وحدق إلى سماء المحراب كأنه يريد أن يتعرف المكان الذي خرج المسيح منه بعد دفنه، ولم يطل مكثه في المحراب، فعافه وغشى المعبد الذي ظهر فيه السيد للعذراء بعد بعثه، فطاف بودائعه طوفة الحاج المنيب، وكانت المصابيح المذهبة الملونة تضيء جوانب المعبد، فرأى هراقليوس على وميضها صورة تمثل المسيح ووالدته، فرق للصورة وابتسم، ولكن
ذلك العزاء الذي تمناه لم يخالط نفسه، فجمع ذيول ردائه وخرج من المعبد ليدأب في طوافه، فاستقبلته العمد المرمرية الرفيعة، كأنها خيالات الموتى، فأخافه ما عليها من سعف النخيل وورق الغار، وأنمى مخاوفه احتراق البخور في كل ناحية من نواحي البيعة الكبرى، وإطلال الصور على الحوائط والجدر، وكان يخيل إليه أن حجه قد انتهى، فينبغي له وقد بلغ غايته من زيارة الأماكن الطاهرة أن ينقلب إلى أحراسه الذين أبوا مفارقة أبواب الكنيسة قبل فراغه من حجه، فلما هم أن يخرج لم يستطع أن يتعرف الأبواب، فقد امتد صحن الكنيسة وفاح حتى مائل الحرجة الغبياء، فألقى بنفسه إلى تيه راعب، وبلغ به المطاف محراب القديسة (هيلانة) المائل إلى يساره، فشخص إليه وقرأ اسم هيلانة منقوشا على المرمر بحروف إغريقية، وهو لا يجهل أمر هذه المرأة التي لبست التاج في كنيسة الرسل، وابتعثها شغفها العنيف بقصة حياة المسيح على فراق القصر، فجاءت إلى بيت المقدس لتبحث عن خشبة الصليب، فلما عثرت عليها بالغت في تكريمها، ثم رفعت هذه الكنيسة تخليدا لذكريات تلك الحياة الماجدة!
لألأ الفرح على جبين هراقيلوس فتشاجى ورق، وجعل يستعرض تاريخ تلك المرأة التقية التي أزجاها الورع الشديد العنيف إلى الإيغال في منافحة الوثنية، فأكبر حياتها. ثم فاضل بين هذه الحياة وحياته، فراقه تساوق عجيب في الحياتين، ولذه أن تبدأ المرأة العاقلة أمرها في البحث عن الصليب حتى حصلت عليه، وأن يبدأ هراقيلوس أمره في إرجاع الصليب إلى مكانه الأصيل بعد انتصاره على جيوش ملك الملوك كسرى!
وكانت هذه المفاضلة التي ذهب إليها ساعة وقف إلى جانب المحراب مثارا لذكريات نبيلة في نفسه، فاطمأن البطل المقارع إلى خاتمة حياته، ووثق بقدرته على اجتناء النصر حتى يغيب في رمسه! وما عاد يخيفه هذا البغض الذي يشعر به الناس في الشام وفلسطين ومصر، بل عاد هراقيلوس يخاف أمر هذه الصحراء التي أخرجت الأبطال والمساعير إلى مشارف الشام للثأر بدم الرسول الذي قتله أمير من غسان! ومن أين لهذه الصحراء الغارقة في الرمال، والتي لا يسمع لها نشيد في البلاد الوارفة الظل، حظ هراقيلوس اللامع وجده الساطع؟ وهذا الملك الطويل العريض الذي استعبد الشعوب وأذل الملوك؟ بل من أين لهذه الصحراء الغطشاء السادرة في حر الهاجرة، هذه الأنهار الجارية، وهذه البحار الطاغية،
وهذه الشطآن التي لا حد لها ولا انتهاء!
قد تغري الحماسة فرسان الصحراء بالوثوب على القرى والمسالح، ولكن دون وصول هؤلاء الفرسان إلى المدن الضاحكة على ضفاف الأنهر وشواطئ البحار، حمية هؤلاء الملوك الذين مشوا في ركاب قيصر لقتال كسرى في مدائنه! وبسالة الجيش الذي ظفر بأسلاب العدو في جبال الألب وفي سهول مقدونيا، وعلى شواطئ البحر اليوناني!
وماذا يستطيع (فروة بن عمرو) الذي ثار على سيده ومولاه أن يفعل، وفي جيش هراقيلوس قواد ما تزال صدورهم تخفق بتلك الأناشيد التي سمعها العراق وسمعتها فارس، ولا يزال صليلها الراعب يرعد في سمع هذه الدنيا التي لا يرتفع لها علم بجوار علم قيصر!.
لقد همس هراقيلوس باسم فروة، وهو منحدر إلى الهاوية العميقة التي نقرت على جلامدها كنيسة القديسة هيلانة، همس الساخر العابث، ولما جاز السلاليم إلى ذلك المنحدر الأوهد رفع يده إلى الفضاء كأنه يتوعد الفيلارك فروة بن عمرو الجذامي، ثم تضاحك، حتى لقد رن ضحكه في جوف الهاوية وأردف صائحا:(ما أنا بحاجة إلى قتالك أيها الفتى الذي ابتعثته أماني الشباب على الزراية بسيد الجيوش وأمير الجحافل! فمثلك لا يقاتله رجل إلا من طرازه ونوعه، وقد وفقت في العثور على الرجل فاليكه، فأنه الحارث الغساني أمير دمشق وسيأتيك من حيث لم تحذر، ويقاتلك من مأمنك).
جاز قيصر السلاليم في رفق وهوادة، فاستقبلته الظلمة الفاحمة، وارتمت على جبينه الرطوبة، وسرت إلى نفسه عفونة ما كان يستطيع عليها صبرا، ومع هذا كله مضى هراقيلوس لما شاء، ودأب في انحداره حتى انتهى إلى الهاوية، فإذا عليها سحب من ليل صارد، وإذا الرطوبة التي استقبلته على وصيد الباب تستقبله عند كل خطوة، وإذا هو لا يبصر غير بريق الفسيفساء على الحياط والجدر والحنايا، فانكمش وتقاصر وردت إليه هواجسه، وثابت إلى قلبه وساوسه، وامتلأ رأسه بالتهاويل والتصاوير، فاطرح عبقرية الرجل الأريب، وأخذته جنة الرجل السروب، وفكر في الرجوع على عقبيه فما جرؤ على رجعة وشيكة، فقد سالت نفسه على الحياط والجدر، وأنمى مخاوفه بصيص من ضياء يتسرب إلى حضيض البيعة من ثقوب في قبتها السامقة، وقد تسايل على الجدر والحياط
فضوءها، فنظر هراقيلوس إليها فإذا عليها تصاوير غاتمة شاحبة تمثل أشخاصا ذوي وجوه كامدة، وقد قعد هؤلاء القرفصاء، وحسروا عن صدورهم فإذا هي قد أكلتها القروح وأثخنتها الجروح، فسال صديدها على أطمار بالية عافية، وبين هؤلاء المناكيد المشائيم فقراء متسولون يغشى وجوههم الناصلة أثر غير يسير من بؤس ويأس، ومن حولهم فتى رائع الجمال، ضاحك الأسارير قد سدر شعوره الشقر على منكبيه حتى ماثل المسيح في ملامحه البارعة؛ ولكنه ضرير لا يبصر ما حوله!
خيل إلى هراقيلوس وهو ينظر إلى هذه التهاويل أنه في مكان يسوده العذاب، فتلطفت نفسه ورجفت أسنانه ووضع يده على عينيه كأنما هو يحاول ألا يرى إلى هذه الأشياء الجاهمة، ثم فكر في الرجوع إلى المعبد، ليلحق برجاله الذين ينتظرون معاده على الأبواب فما استطاع إلى ذلك سبيلا، فلقد أمالته مخاوفه إلى الإيغال في الطواف فمشى بين صفين متقابلين من أشباح وصور ثم لم يعد في ميسوره أن يدأب في طوافه، فوقف تحت قنطرة المعبد وجعل يستمع لفحام مؤلم ينبعث من صدره.
ليس بين هذه المحاريب التي غصت بها أنحاء كنيسة القبر المقدس ما يماثل محراب القديسة هيلانة في ظلمته وروعته، وفي ذكرياته الحافزة المثيرة، فلقد يستطيع الإنسان أن يمر بالمعابد جميعا وينسل إلى الأروقة جميعا، ويتجسس العمد والتصاوير جميعا فلا يحس خوفا، فإذا ألقت به حظوظه العاثرة إلى معبد القديسة هيلانة بدت له نواحيه وأطرافه صامتة ذاهلة، فإذا تدفق في سيره ألفاه خياليا عاطلا إلا من هذه الأشباح والأطياف الجاثمة على سلاله ودرجاته وعند مداخله، وإلا من هذه التصاوير التي لا تفارق جدره وحياطه، فإذا طاف بهياكله ومنابره لم تتبدل في عينيه هذه الصور التي أبصرها على عمده وحناياه وأقواسه، ثم لا يلبث أن يفر من هذا المكان الراعب الذي يماثل في تهاويله وتصاويره معابد الوثنية.
لم يجد هراقيلوس معدى عن الصلاة فخافت بصوته لعل صلاته تنسيه هذا الضجر الأحمق الذي علق بنفسه، أو لعل هذه الصلاة التي همس بها في الراموس الراعب ترجع به إلى حزمه ومضائه فينقلب على أحلامه وهواجسه، ويجفو هذه العزلة الجاهدة، ويفيء إلى سريه صحيح العقل موفور الذكاء، ولكن الرجل الذي أوفى لنصرانيته وبر بمسيحه ما كان
يجد في هذه الصلاة التي رددها أمام التصاوير، ذلك الصفاء الذي كان يشتاقه، وذلك لأن ماضيه مثل له في الراموس النابي، فزحمته طيوفه وأشباحه، وخرجت على فمه أسماء معاركه وملاحمه، وانفلتت من صدره ذكريات مخازيه ومساويه، فوازن بين انتصاره على الوثنية وبين إيغاله في تنكيد أبناء الشيع النصرانية، فرجحت كفة رذائله على كفة فضائله، فتشاجى ورق وهام على وجهه في فضاء المعبد حتى بلغ هيكله المرمري، فوقف خياله كأنما هو يريد أن يعترف بذنبه، أو كأنما هو ينزع إلى إلقاء جرائمه في هذا المكان المخوف، فذكر أمام الهيكل اسم:(مارتينا) زوجه، وقد نهاه البطريرك (سرجيوس) عن مخالطتها، فأبى ذلك مسايرة لميول قلبه، ثم تزوجها وألبسها لباس القياصرة ومشى بها إلى كنيسة أيا صوفيا من غير أن يفطن إلى عظيم ذنبه عند ربه.
وكان كلما طافت به هذه الذكر الشجية لا يمنع عينيه البكاء حتى لقد استفاض أنينه في أنحاء المعبد، فاستمعت لها التصاوير ووعتها السدفة، ثم غشيته ذهلة قاتلة، فجعل يهذي هذيانا بليغا، وانكفأ يخلط ماضيه بحاضره، وقذف فمه أسماء ضحاياه، وبين هذه الأسماء التي لا تحصى اسم فتاة وطئ قيصر عفافها في ليلة عاصفة بالبروق والرعود، وأرادها على فراق وطنها فخرجت منه إلى ربوع الشام وفي نفسها المحطمة من الذكر الراعبة ما ليس في كتاب.
وكان هذا الخوف الذي تولاه ساعة نظر إلى صورة الأعمى مبعث حيرته ومصدر وساوسه، فسأل نفسه عن هذا الجزع الذي غشيها وهو الزعيم الكمي الذي جاز بفرسانه شواهق إنطاكية وسهولها ليلحق بجيوش (كسرى) عند (تدمر) فتنة الصحارى، فلما فرت جيوش كسرى أمام كتائبه ثارت حميته واستأنف زحفه في أرض محصبة واعرة، حتى لقى كسرى عند دجلة فنهد إلى مقارعته وحمله عار الانكسار، ولحق به إلى المدائن وأقسره على إرجاع الصليب الذي حمله ملك الملوك من بيت المقدس.
وليس هذا كل ما فكر فيه، بل لقد ذهب في تفكيره إلى أبعد مدى، فتمثل دخوله إلى هياكل الوثنية في موكب ضاحك ينس تلك الحماسة البالغة التي لقيها في معابد (جوبيتير) و (منرفا) فوازن بينها وبين هذا الفتور الذي استقبلته به معابد النصرانية! وعيناه لا تزالان تنظران إلى صورة الفتى الأشقر الذي لا يبصر!
(البقية في العدد القادم)
معروف الأرناءوط
-
شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
ويجب أن نضيف إلى تلك الأدلة على أن حب أبي العتاهية لعتبة جارية المهدي لم يكن حبا صادقا، دليلا آخر هو ذلك الشكل الذي ابتدأ به حبه لها، وحب صاحبه لخالصة صاحبتها، فإن وقوف كل واحد منهما في الطريق لتمر عليه أي امرأة كانت، فيتفق أن تمر عليهما هاتان الجاريتان، فيقول أحدهما قد عشقت عتبة، ويقول الآخر قد عشقت خالصة، لا يدل إلا على أنهما كانا يريدان حبا كيفما اتفق، حبا يتخذانه وسيلة للظهور والمران على الشعر، لا حبا صادقا يملك عليهما حياتيهما وشعريهما، كما ملك ذلك على الشعراء العشاق قبلهما.
ولم يكتف أبو العتاهية باتخاذ عتبة وسيلة له إلى الاتصال بالمهدي، بل اتصل أيضاً بيزيد بن منصور خال المهدي، وكان بارا بأبي العتاهية، كثيرا فضله عليه، وكان أبو العتاهية منه في منعة وحصن حصين، مع كثرة ما يدفعه إليه، ويمنعه منه من المكاره، ومن أجله كان أبو العتاهية يتعصب لليمانية أخوال المهدي، ويمدحهم فيما يمدحه به من شعره، ومن ذلك قوله:
سُقيت الغيثَ عليك نورا
…
فنعم محلَّةُ الملك الهمام
لقد نشر الإله عليك نوراً
…
وخفَّك بالملائكة الكرام
سأشكر نعمة المهديَّ حتى
…
تدور عليَّ دائرة الْحِمَام
له بيتان، بيتٌ تُبَّعِيُّ
…
وبيت حَلَّ بالبلد الحرام
وقد اتصلت مدائحه بالمهدي فقربه منه، وعظم مقامه في دولته، ونال من جوائزه ما لم ينله غيره، وكان الأمر يصل بينهما أحيانا إلى التبسط في أوقات اللهو إلى حد تسقط في الكلفة، وينسى الفارق بين المهدي وبينه، ومن ذلك أنه خرج معه يوما إلى الصيد في بعض من حاشيته، فوقعوا منه على شيء كثير، وتفرقوا في طلبه، وأخذ المهدي في طريق غير طريقهم وكان معه أبو العتاهية، فعرض لهم واد فسيح، وتغيمت السماء وبدأت تمطر، فتحيرا في أمرهما، وأشرفا على الوادي، فإذا فيه ملاح يعبر الناس، فلجأ إليه وسألاه عن الطريق، فجعل يضعف رأيهما، ويعجزهما في بذلهما أنفسهما في ذلك الغيم للصيد؛ ثم ادخلهما كوخا له، وكاد المهدي يموت بردا، فقال له الملاح: أغطيك بجبتي هذه الصوف؟
قال: نعم، فغطاه بها فتماسك قليلا ونام، فافتقده غلمانه، وتبعوا أثره حتى أتوا إليه، فلما رأى الملاح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب، وتبادر الغلمان فنحوا الجبة عنه، وألقوا عليه الخز والوشى، فلما انتبه قال لأبي العتاهية: ويحك ما فعل الملاح فقد والله وجب حقه علينا، فقال: هرب والله خوفا من قبح ما خاطبنا به، فقال إنا لله، والله لقد أردت أن أغنيه، وبأي شيء خاطبنا؟ نحن والله مستحقون لأقبح مما خاطبنا به، بحياتي عليك إلا ما هجوتني، فقال: يا أمير المؤمنين كيف تطيب نفسي بأن أهجوك، فقال: والله لتفعلن فإني ضعيف الرأي مغرم بالصيد. فقال:
يا لابس الوشى على ثوبه
…
ما أقبح الأشيب في الراح
فقال له زدني بحياتي فقال:
لو شئت أيضاً جُلتَ في خامة
…
وفي وشاحين وأوضاح
فقال له: ويلك هذا معنى سوء يرويه عنك الناس وأنا أستأهل، زدني شيئا آخر. فقال: أخاف أن تغضب، فقال لا والله، فقال:
كم من عظيم القدر في نفسه
…
قد نام في جُبةِ ملاَّح
وهذه حادثة أخرى له مع المهدي تدلنا على أن اتصاله به لم يكن اتصال الشاعر المستجدي الخانع، بل اتصال الشاعر الذي يعرف لنفسه قدرها، فإذا رأى شيئا أمامه من ممدوحه لا يرضى عنه، نسى فيه ماله وجوائزه، ولم يذهب فيه معه على ما يرضى هواه، بل يذهب فيه على ما يرضى نفسه هو، وإن كان يتلطف في ذلك بقدر ما تسمح به ظروف عصره في مخاطبة الملوك، وتهدئة ثائرتهم عند غضبهم.
دخل على المهدي وزيره أبو عبد الله، وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر مجلسه، فجعل المهدي يشتم أبا عبيد الله ويتغيظ عليه، ثم أمر به فجر برجله وحبس، ثم أطرق المهدي طويلا فلما سكن أنشده أبو العتاهية:
أرى الدنيا لمن هي في يديه
…
عذاباً كلما كبرت عليه
تهين المكرمين لها بصُغر
…
وتكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه
…
وخذ ما أنت محتاج إليه
فتبسم المهدي وقال لأبي العتاهية: أحسنت، فقام أبو العتاهية ثم قال: والله يا أمير المؤمنين
ما رأيت أحدا أشد إكراما للدنيا، ولا أصون لها، ولا أشح عليها، من هذا الذي جر برجله الساعة؛ ولقد دخلت إلى أمي المؤمنين، ودخل هو، وهو أعز الناس، فما برحت حتى رأيته أذل الناس، ولو رضى من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت. فتبسم المهدي ودعا بأبي عبيد الله فرضى عنه، فكان أبو عبيد الله يشكر ذلك لأبي العتاهية.
فإذا قيل لنا كيف صار الفتى بائع الجرار إلى هذه المنزلة من علو النفس، بحيث يسمو ذلك السمو على وزير المهدي، إذا بدا للناظر غريبا أن ينقلب هذا الشاعر الماجن ذلك الانقلاب الذي يتنافى مع ماضيه كل المنافاة، فإن هذا لا يجعلنا نتعجل درس هذا الشاعر العظيم، ولا بد أن ننتظر ذلك الإرهاص إلى غايته، ونمضي في درسه مرحلة مرحلة.
ومن مدائحه في المهدي تلك القصيدة التي مدحه بها أمام بشار وأشجع السلمي وغيرهما من الشعراء، وقد إذن لهم المهدي فجلسوا وسكت أهل المجلس، فسمع بشار حسا، فقال لأشجع: من هذا؟ فقال أبو العتاهية، فقال: لا جزي الله خيرا من جمعنا معه، ثم أمره المهدي فأنشد:
ألا ما لسيدتي ما لها
…
أدَلاَّ فأحمل أدلالها
وإلا ففيمَ تجنَّت وما
…
جنْيتُ سقى الله أطلالها
ألا إن جارية للإما
…
م قد أسكن الحب سربالها
مشت بين حور قصار الخطى
…
تجاذب في المشي أكفالها
وقد أتعب الله نفسي بها
…
وأتعب باللوم عذالها
فقال بشار لأشجع: ويحك يا أخا سليم! رأيت أحر من هذا؟ ينشد مثل هذا الشعر في هذا الموضع! حتى بلغ قوله:
أتته الخلافة منقادة
…
إليه تجرر أذيالها
ولم تك تصلح إلا له
…
ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره
…
لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلو
…
ب لما قبل الله أعمالها
فقال بشار: أنظر ويحك يا أشجع، هل طار الخليفة عن فراشه طربا لما يأتي به هذا الكوفي؟
والناظر في هذه القصيدة يرى أبا العتاهية إلى هذا العهد يبتدئ مدائحه بالنسيب على
عادتهم في ذلك، ولكنه لا ينسب بليلى ولا هند كما كان ينسب الشعراء قبله، وإنما ينسب بالجواري البغداديات الحسان، ليجاري في ذلك عصره الذي يعيش فيه، ولا يجمد على ما كان يجمد عليه غيره، ولم يكن مع هذا يعني بتطويل النسيب أمام المديح حتى يستفرغ فيه وسعه، بل يلم به إلماما، ثم يدخل في مقصده. قال صاحب الأغاني حدثنا الصولي، قال حدثنا الغلابي، قال حدثنا عبد الله بن الضحاك أن عمرو بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهدي كان ممدحاً، فمدحه أبو العتاهية، فأمر له بسبعين ألف درهم، فأنكر ذلك بعض الشعراء وقال: كيف فعل هذا بهذا الكوفي! وأي شيء مقدار شعره؟ فبلغه ذلك، فأحضر الرجل وقال له: والله إن الواحد منكم ليدور على المعنى فلا يصيبه، ويتعاطاه فلا يحسنه، حتى يشبب بخمسين بيتا، ثم يمدحنا ببعضها، وهذا كأن المعاني تجمع له، مدحني فقصر التشبيب وقال:
إني أمنت من الزمان وريبه
…
لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله
…
لحذوا له حر الوجوه نعالا
عبد المتعال الصعيدي
24 - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
فلو لاحظ شخص أن (أ) أطول من (ب) بمقدار رأس، وأن ب أصغر بمقدار رأس، فسترفض أن تسلم له بهذا، وستزعم بقوة أنك لا تعني إلا أن الأكبر أكبر بالكبر، وبسببه، وأن الأصغر ليس أصغر إلا بالصغر، وبسببه، وهكذا تجنب نفسك خطر القول بأن الأكبر أكبر، وأن الأصغر أصغر، بمقياس الرأس، الذي هو هو في كلتا الحالتين، وستجنب نفسك كذلك ما في افتراض أن الرجل الأكبر أكبر بسبب الرأس الذي هو صغير، من سخف فظيع. ألم تكن لتخشى ذلك؟
فقال سيبيس ضاحكا: كنت لأخشاه حقا
وكنت تخشى، بنفس الطريقة، أن تقول إن عشرة تزيد على ثمانية بأثنين، وبسببها، ولكنك كنت تقول إنها تزيد عليها بالعدد، وبسببه، أو أن ذراعين يزيدان على ذراع واحد بنصف بل هما يزيدان عليه بالكبر - ذلك ما كنت تقوله لأن الخطر بذاته موجود في كلتا الحالتين.
قال: جد صحيح
- ثم ألم تكن لتحذر من التأكيد بأن إضافة واحد إلى واحد، أو قسمة واحد، هي سبب اثنين، وكنت لتقسم أمام الملأ بأنك لا تدري طريقة يجيء بها أي شخص إلى الوجود، إلا مشاطرته لجوهره الأصلي، فينتج أن سبب الاثنين الأوحد هو - في حدود ما تعلمه أنت - مشاطرة الأثنينية، فهذه المشاطرة هي طريقة عمل أثنين كما أن مشاطرة الواحد هي طريقة عمل الواحد؛ وكنت ستقول إني مطرح ألغاز القسمة والإضافة جانبا - فقد تجيب عنها رؤوس أبلغ من رأسي حكمة، وما دمت كما أنا عديم الخبرة، أفزع من ظلي كما يذهب المثل، فلست أقوى على أن أتناول بالهدم مبدأ ذا أساس مكين. فإن هاجمك في ذلك مهاجم، لم تحفل به، أو أجبته حتى ترى إن كانت النتائج الناجمة متفقا بعضها مع بعض أولا، فإن طلب إليك بعد ذلك أن تتناول هذا المبدأ بالشرح، مضيت تزعم مبدأ أسمي، فأسمى المبادئ
السامية، حتى تجد لنفسك مكمنا، ولكنك لم تكن لتخلط في تدليلك بين المبدأ والنتائج، كما فعل الأرستيون على الأقل إذا أردت أن تستكشف الوجود الحقيقي. لا لأن هذا الخلط كان سيتبين لهؤلاء الذين لا يعنيهم الأمر إطلاقاً ولا يفكرون فيه، فلديهم من الذكاء ما يكفي أن يجعلهم يغتبطون بأنفسهم غبطة عظيمة، مهما يكن ما تحويه أفكارهم من عناء كبير، ولكني أعتقد أنك فاعل كما أقول إن كنت فيلسوفا.
فقال سيمياس وسيبيس في صوت واحد: إن ما تقوله لحق بالغ اشكراتس - نعم يا فيدون، وليس يدهشني منهما هذا التسليم، فكل إنسان له من الفكر أدنى حدوده ليقر بما في تدليل سقراط من وضوح عجيب.
فيدون - يقينا يا اشكراتس، بلى، وهو إحساسنا أيضاً، نحن الذين نصغي الآن لروايتك ولم نكن من الرفاق، ولكن ما الذي أعقب هذا؟
فيدون - بعد أن سلموا بهذا كله، ووافقوا على وجود المثل، وعلى مساهمة سائر الأشياء فيها، تلك الأشياء التي اشتقت أسماؤها من تلك المثل، قال سقراط ما يأتي، إن كنت مصيبا فيما أتذكر:
تلك هي طريقتك في الحديث، ومع ذلك فحين تقول إن سمياس أكبر من سقراط وأصغر من فيدون، ألست بذلك تضيف إلى سمياس الكبر والصغر معا؟
- نعم إني أفعل ذلك
- ولكنك على رغم هذا تسلم بأن سمياس لا يزيد في الحقيقة عن سقراط بسبب أنه سمياس، كما قد يدل عليه ظاهر العبارة، ولكنه يزيد عليه بسبب ما له من حجم. فليس يزيد سمياس على سقراط لأنه سمياس أكثر مما يزيد عليه لأن سقراط هو سقراط، إنما بسبب الزيادة أن فيه صغرا حينما يقرن إلى كبر سمياس؟
- حقاً
- وإذا كان فيدون يربي عليه حجما، فليس ذلك لأن فيدون هو فيدون، بل سببه أن في فيدون كبرا بالنسبة إلى سمياس الذي هو أصغر بالمقارنة؟
- هذا حق
- وإن فسمياس يقال عنه إنه كبير كما يقال عنه إنه صغير لأنه في موقف وسط بينهما،
فهو يزيد بكبره على صغر أحدهما، وهو يسمح لكبر الآخر أن يزيد على صغره. ثم أضاف ضاحكا: ما أشبهني فيما أقول بكتاب، ولكني أعتقد أن ما أقوله حق
فوافق سمياس على هذا
- والسبب في هذا القول مني هو رغبتي في أن تروا معي أنه ليس الكبر المطلق وحده هو الذي يستحيل عليه أن يكون كبيرا وصغيرا في آن واحد، بل إن ما فينا من كبر، وكذلك ما في المحسات، لن يقبل كذلك الصغير بتاتا، ولن يرضى أن يربي عليه، وسيحدث بدلا من هذا أحد شيئين - إما أن الأكبر سيزول أو يتراجع أمام ضده، وهو الأصغر، أو أنه سيتلاشى بازدياد الأصغر، لكنه لو قبل أو سلم بالصغر فلن يتغير ذلك منه، كما أني لا أزال كما كنت تماما الشخص الصغير بذاته مع كوني قد تلقيت الصغير وقبلته حينما قرنت إلى سمياس. فكما أنه يستحيل قطعا على مثال الكبير أن يتنازل ليكون أو ليصير صغيرا، كما يستحيل على أي ضد آخر كما هو، أن يكون أو يصير ضد نفسه ابدا، فهو إما أن يزول أو يمحى أثناء التغير
أجاب سيبيس: هذا عين ما أرتئيه
فلما أن سمع ذلك أحد الرفاق، ولست أذكر على التحقيق من هو، قال: بحق السماء، أليس هذا هو النقيض تماما لما سبق التسليم به - ذلك أن من الأكبر جاء الأصغر، ومن الأصغر جاء الأكبر، وإن الأضداد إنما تولدت من أضداد، فأحسبكم الآن منكرين هذا إنكارا قاطعا.
فمال سقراط نحو المتكلم برأسه منصتا، ثم قال: تعجبني جرأتك في تذكيرنا بهذا، ولكنك لم تلاحظ أن هنالك اختلافا بين الحالتين، فقد كنا نتحدث فيما سلف عن الأضداد في المحسوسات، أما الآن فحديثنا عن الضد في الجوهر الذي يستحيل عليه - كما هو مقطوع به - أن يكون على خلاف مع نفسه سواء أكان هذا الضد فينا أو في الطبيعة. إذن فقد كنا يا صديقي نتحدث عن الأشياء التي تكون الأضداد فطرية فيها، والتي سميت تبعا لها، أما الآن فنحن إنما نتكلم عن الأضداد التي تكون فطرية فيها (في الأشياء) والتي تخلع اسمها عليها، فلن تقبل قط هذه الأَضداد الجوهرية، فيما نعتقد، التوليد أو الخروج بعضها من بعض. وهنا التفت إلى سيبيس وقال: هل أدخل اعتراض صاحبنا شيئا من الحيرة في نفسك يا سيبيس؟
فأجاب سيبيس: لم أشعر بذلك، ولكني لا أنكر أني أوشك أن أحس الارتباك
فقال سقراط: إذن فنحن بعد هذا كله متفقون على أن الضد لن يكون مضادا لنفسه بأية حال؟
فأجاب: إننا في هذا على اتفاق تام
- ولكن اسمح لي أن أطلب إليك مرة ثانية أن تنظر إلى المسألة من وجهة أخرى، لترى إن كنت متفقا معي: أهنالك شيء تسميه بالحرارة وشيء آخر تطلق عليه اسم البرودة؟
- يقينا
- ولكن أهما النار والثلج ذاتهما؟
- كلا، بغير شك
- ليست الحرارة هي النار، ولا البرودة هي الثلج؟
- لا
- ولكنك لن تتردد في التسليم بأنه إذ يكون الثلج تحت تأثير الحرارة، كما سبق القول، فلن يلبثا ثلجا وحرارة، بل كلما ازدادت الحرارة، تراجع الثلج أو أدركه الفناء؟
أجاب: جد صحيح
(يتبع)
زكي نجيب محمود
أرض النبوة
مهداة إلى الصديق النابغة علي الطنطاوي بمناسبة عودته من
الديار المقدسة
للسيد أمجد الطرابلسي
حَدِّثْ رِباعَكَ عن أفياءِ عدنان
…
يا شِبْلَ غَسّانَ هِجْ أشبالَ غسانِ
هاتِ الأحاديث عنها فَهْيَ شيقَةٌ
…
تَشفى بها النفسُ من سُقْمٍ وأحزانِ
أرضُ النبوةِ ماذا في أباطِحِها
…
ماذا أجَدَّ بأهليها الجديدان
ومبعثُ النورِ هل تدوي كَأمْس بهِ
…
آياتُ (أحمدُ) أو أشعارُ (حسّان)
ومَهِبطُ الوحيِ، والذكرى مُواسِيَةُ
…
ماذا تُحَدِّثُ عن وَحيِ وفُرْقان!
حَدِّثْ عنِ المُلْكِ في أرضِ النبيِّ وعنْ
…
عَرْشِ هناكَ وريفِ الظلِّ فَيْنان
تَهْفو الملائِكُ فَرْحى حول سُدَّتِهِ
…
مثلَ الحمائِمِ تهفو فوق أفنان
حَفتْ به مُهَجُ الإسلام تَكْلؤهُ
…
ورفْرَفَتْ فوقَهُ آمالُ عدنان
حدث عن القَبْرِ! هل أشجَتهُ مائجِةً
…
أنباءُ (جِلَّقَ) أو أرزاءُ (تَطْوان)
لهفي عليهِ يُقِضُّ اليومَ مضْجَعَهُ
…
ما يُرهقُ العُرْبَ من بَغْيٍ وعدوان
مَهْدَ النبي! يكادُ الشوق يَحملُني
…
إليك مستيِقظا أو غير يَقظان
ماذا أُرددُ عن وجدٍ يساوِرُني
…
قلبي لهيفُ وَطَرفي جِدُّ هَتّان
أرضُ عليها جرى الإسلامُ مندفِقاً
…
ليغسل الأرضَ من رِجْسٍ وأدران
أهفو إليها لعلَّ العيشَ يَهْنَأُ لي
…
ما بين أهلي وأرحامي وإخواني
مُلَّ المُقامُ بأرْضِ الشام في زمَنٍ
…
طغى به الجوْرُ فيها شَرَّ طُغْيان
عفا بها كلُّ مَجْدٍ بعد عزَّتِها
…
واندكَّ لْلعُرْبِ فيها كلُّ سلطان
لا الزهرُ في (نَيْرَبَيْهاَ) باسِمُ أرِجُ
…
ولا البَلابِلُ تَشْدُو فَوْقَ (كيوان)
يا من رأى (تَرَدى) والحزنُ يُثقِله
…
يجرى مع الدهرِ شَأْنَ المُتْعبِ الواني
أسْوانُ تَغْشاهُ سُحْبُ الهمِّ داجِيَةً
…
فيقطعُ الليل في بَثٍّ وأشجان
تمشي المُسوخُ على جنبيهِ معجَبَةً!
…
يا لَلْبَهاليلِ من فِهْرٍ وعدنانِ
يا شامُ لولا ضحايا جِدُّ غاليَةٍ
…
زانَتْ بِطاحَكِ من شِيبٍ وشُبَّان
لولا ثَرًى طَيِّبُ كالمِسكِ تُرْبتُهُ
…
جرتْ عليهِ دماهُمْ مثلَ غُدْران
لَسِرتُ عنكِ إلى أرضِ النبي هوًى
…
أليس كلُّ بلادِ العُرْبِ أوطاني؟
لكن أأنسى بلادي وَهْيَ داميةُ
…
تَئِنُّ من عَسفِ أعلاجٍ وَذؤبان
حسبي فَخارا وحسبي عِزّةً وَطَنُ
…
في كلِّ شِبْرٍ بهِ أشلاءُ قُربان
يا فتَيةَ العُرْب والإسلامِ قاطِبَةً
…
كونوا على النصْرِ طُرا خير أعوان
دعوا التخاذُلَ إنّا كلَّنا عرَبُ
…
هل نابنا منه إلا كلُّ خذلان؟
ماذا تُرَجُّونَ من دُنياكُمُ فِرَقاً
…
مصَفًّدينَ بها أشْبَاهَ عبدان
تِلْكُمْ جزيرتُكُم يا عُرْبُ باسِمةُ
…
ترْنو إليكمْ وتحنو أي تحنان
سيروا إليها نُعيدُ البَعثَ ثانيةً
…
ونملأَُ الأرضَ من عدلٍ وعُمْران
أليس مِنّا الأولى قادوا جَحَافِلَهُمْ
…
وأخضعوا الأرضَ من فُرْسٍ ورومان
مشوْا لنصرِهُم والأرضُ تحتهمُ
…
فرحى تمايَلُ تِيهاً مثل نَشوان
ساسوا الأنامَ بعدلٍ غير ذي وهَنٍ
…
وأنطَقوا الدهرَ من بِرٍ وإحسان
شادوا على جبْهِة الدنيا عروشهمُ
…
ولو أرادوا بَنْوها فوقَ كيوان
تباركَ المُلْكُ في (الفَيْحاَءِ) منبسطاً
…
لا الملك دامَ ولا أسادُ مروانِ
تباركَ العرشُ في (بغْدانَ) مزدَهِراً
…
يا أرضُ أين تولَّى عرشُ (بغدان)
يا ليت شعري أطيْفُ ذاك مرَّ علي
…
وجهِ البسيطةِ أم أحلامُ وَسُناَن؟!
أرضَ النُبُوّة، والأيامُ جاهِمَةُ
…
ماذا أُردَّدُ من بثِّي وأشجاني
دارَ الزمانُ، وللأزمانِ دورتُها،
…
والدهرُ - مُذْ كان هذا الدهر - يومان
فلا (الوليدُ) وعرشُ الشامِ مبتسم
…
يشيدُ لْلمجْدِ فيها خيرَ بٌنيان
ولا (الرشيدُ) على بغدانَ في يدهِ
…
دهرٌ يُصرَّفُهُ كالموثَقِ العاني
يا دهرُ ويحَكَ! رُدَّ العرشَ ثانيةً
…
فكم عروشٍ مَلَكناها وتيجان
لنا نفوسٌ أبيّاتٌ تُهَيَّجُها
…
ذكرى جدودٍ كنُورِ الشمس غُران
يشُوقُها المجدُ وضّاَء بقُرطُبةٍ
…
والعزّ منبسطاً في ظِلّ (بْغدان)
أراجعٌ أنت ذَيّاكَ الزمانِ لنا
…
أم لا رُجوعَ لأيام وأزْمان
سنرجع المجدَ أو نقضي بساحتِهِ
…
ذُلّ الحياةِ وطعمُ الموتِ سِيّان
دمشق
أمجد الطرابلسي
الحياة
للأستاذ محمود غنيم
حرةٌ لا تزور إلا لِماما
…
تيّمَ الشيخَ حبُّها والغلاما
تيم النملَ حبُّها فتولّى
…
يطلب الماَء مثلَنا والحطاما
كشرت عن أنيابها لِلْبرايا
…
فرأوْا ذلك القطوبَ ابتساما
كم سقتهم من الجفاء زعافاً
…
وسقَوْها من الوفاء مداما
قد يراها السعيد حلماً لذيذاً
…
ويراها الشقي موتاً زؤاما
أنا لولا الحياة ما بت أخشى
…
شبح الموت أو أهاب السقاما
قال بالجنّ معشرٌ وأرها
…
وحدها جنَّا يلبس الأجساما
أوليست تحزُّ لحم البرايا
…
مثلَ حزّ المُدى وتبرى العظاما
قسما لو أَنَّ الأجنة تدري
…
كنهها لم تفارق الأرحاما
أيهذا الجمادُ حسبُك ألا
…
تصحبَ الشيب أو تذوقَ الحِماما
صاح أن الحياة لغز إذا ما
…
زدتُه بحثاً زادني إبهاما
ليت شعري ماذا تكون، أحسَّا
…
أم خيالاً ويقظة أم مناما؟
أم طريقاً إلى الفناء قصيرا
…
قد ركبنا لطَّيه الأياما؟
كل حي له كتابٌ، ولكن
…
أعجم اللهُ خطَّه إعجاما
لو عرفنا متى تكون المنايا
…
لانتظرناها مذ بلغنا الفطاما
أيها العلم كم هتكت حجابا
…
فأمط عن سر الحياة اللثاما
تلك آثارها إذا عرضت لي
…
ألهمتني وجودها إلهاما
فإذا رمتُ وصفها بلساني
…
ألجمتني فلا أحير كلاما
هي كالكهرباء لستُ أراها
…
وأرى ضوءها يشق الظلاما
هي من روح الله وهو خفيٌّ
…
ذو صفاتٍ دلت عليه الأناما
يا ابنة الشمس وجهُ أمك بادٍ
…
فعلام احتجبتِ أنت علاما؟
عرف الناس فضل أمك قِدْما
…
فتلقّوْها سجَّداً وقياما
حدثينا كيف ابتدأتِ على الأر
…
ض وحرّكتِ هذه الأجراما؟
وأرينا متى ظهرت عليها
…
وإلى م البقاء فيها إلى ما؟
أخذ الناس في التكاتف حتى
…
باتت الأرض وهو تشكو الزحاما
ليث شعري أضل (دَرْون) بحثاً
…
حين آخى الوحوش والأنعاما
قال قوم هلا شهدنا ذبابا
…
في الحياة ارتقى فصار حَماما
وغلا آخرون فيه فقالوا
…
كان في مذهب النشوء إماما
قد عرفنا أبا الأنام جميعا
…
فهل الطير والوحوش يتامَى؟
وهل الجن تنتمي كالبرايا
…
لأبٍ يُدعى يافثاً أو حاما
سائل البحر كيف أنبت لحما
…
من أواذيَّة وسوّى عظاما
وتأملْ بين الحقول نباتا
…
سوت الأرض سوقَه فاستقاما
علَّ من بارد النمير شرابا
…
وتغذى من الهواء طعاما
ولقد يولد النباتُ ويفنى
…
ويعاني مثل الأنام سقاما
حكمة تملأ النفوس يقينا
…
بإله يدير هذا النظاما
سائل الشمس عن بنيها لماذا
…
كانت الأرض وحدها مِتآما
ليت شعري ألْلكواكب نسل
…
يشبه الناس أم تُراها عِقاما
ليتني أركب الرياح إلى الأف
…
لاك أو أمتطي إليها الغماما
أيُّهذا الأثيرُ إن كان في المر
…
يخ حيٌّ فأحمل إليه السلاما
حيَّ أهليه إن مررت عليهم
…
إن للجار حرمة وذماما
محمود غنيم
القصص
من أساطير الإغريق
فينوس ربة الجمال والحب
مولدها، نشأتها، إحدى مغامراتها الغرامية
للأستاذ دريني خشبة
تعالوا يا أعزائي المحبين نسمع أغنية الجمال والحب، من ربة الجمال والحب، بارزة من الثبج، فوق الموجة الكبيرة وسط اليم.
لقد كانت السماء زرقاء صافية، ولكنها لطفت ورقت، وتضاعف صفاؤها، عندما ذاع في ملكوتها النبأ العظيم، وبشرت بمولد فينوس!
ابتسمي أيتها الشفاه الحزينة، وانبسطي أيتها الأسارير المقطبة، وأثلجي يا صدور المكلومين!
وأنت أيها القلب الملتاع قف خفقانك، وأنت أيها الطرف الساهم كفكف عبرتك، ويا نفوس العاشقين اطربي، فقدت ولدت فينوس!
برزت عرائس البحار يصلين في بكرة الصباح لأبوللو، فما راعهن إلا الطفلة المعبودة تخرج من الزبد الأبيض كما تخرج من الصدفة لؤلؤة غالية؛ وتتهادى على رؤوس الموج كطيف نوراني فيسجد الماء تحت قدميها الصغيرتين، متمما بصلاة الحب لربة الحب، مرتلا أنشودة الجمال لربة الجمال!
وافتر فم الدنيا عن ابتسامة سعيدة حلوة، يحيي الفم السعيد الحلو، الذي سيملأ قلوب العالمين رضى وسعادة!
وأشرقت ذكاء حمل أبوللو فلمح السوسنة الوردية تخطر على لازورد الماء، فترك عربته المطهمة بالذهب تعرج وحدها في القبة الزرقاء، وانثنى هو يزف البشري إلى آلهة الأولمب!
وهرعت عرائس الماء إلى فينوس الطفلة فرقصن وزغردن وتغنين وحملنها إلى قصورهن المرجانية في الأعماق، حيث أرضعنها لبان الهوى، ولقنها كلمات المحبة، ونشأنها على
أساليب الصبابة والغرام، حتى أينعت وترعرت، فأزمعن المسير بها إلى الأولمب حيث يتلقاها الآلهة، فتأخذ مكانها بينهم. . .
وكم كان جميلا رائعا أن يصطف التريتون والأوسيانيد والنيريد من حولها؛ وكم كان جميلا رائعا رقص التريتون على صفحة الماء الجياش بالزبد، وتغريد الأوسيانيد كأنهن بلابل الروض الأخضر ترسل في هدير المحيط شدوها فيحور غناء كله!
وكم كان جميلا رائعا من النيريد أن يتضاحكن مترنمات في الحلقة الأولى حول فينوس فتستجيب السماء لهن، ويميد البحر من طرب بهن!
كم كان جميلا رائعا أن يخب موكب الحب فوق الماء حتى يكون على فراسخ من قبرص معدودات، فينثني الجميع إلا فينوس التي يهدهدها زفيروس الطيب، رب النسيم الجنوبي، حتى يصل بها إلى الشاطئ، حيث يكون في انتظارها بنات ثيميز ربة العدالة، وبنات يورينوم ربات الفضيلة والخلق الحسن، فيتقدمن إلى ربة الحب، فيصلين لها، ويجففن شعرها الذهبي المتهدل فوق كتفيها العاجيتين؛ ثم تدلف بينهن، لفاء هيفاء غراء غيداء مهتزة الجيد وضاحة الجبين، كلما خطت خطوة قبلت الأرض قدميها المعروقتين، وكلما مرت ببلقع اهتز وربا، واعشوشب وأزهر، حتى يلقاها آلهة الحب الأربعة، رب الشهوة هيميروس، ورب الغزل سواديلا، ورب الألفة بوثوس، وهيلين رب الزواج؛ فينخرطون في الجماعة، ويهطعون إلى الأولمب!
وتكون الأنباء قد تواترت عن قدوم الربة الجديدة، فيصنع لها عرش عتيد ما تكاد آخر ياقوتة تركب فيه حتى تصل فينوس فجأة فتستوي عليه، وتتصارع أبصار الآلهة العطشى حول جسمها الخصب، المترع بالمفاتن، وتتلمظ الشفاه الجائعة تود لو تفترس هذا الفم الأحوى الجميل، وتسري كهرباء الاشتهاء في الأذرع القوية، والصدور الهرقلية، تحلم بضم الجيد الناهد، ومخاصرة الوسط المياس، و. . . تثور الرغائب، وتفور الشهوات. . . . وفينوس ممتلئة كبرياء. . . كأنها العنقاء. . . ترسل اللمحة عن طرفها الساجي فتصرع هؤلاء وهؤلاء!!
وتقدم الآلهة كل بدوره يطلب يد فينوس، وكان كل إله يفاخر أخاه بما لديه من نعم وآلاء. وكان مضحكا أن يسفه الآلهة بعضهم بعضا بين يدي ربة الجمال والحب حتى ازدرتهم
جميعا، وخبرت حماقاتهم مالا يتفق وهذا الورد المتفتح في خديها، والسحر النائم في مقلتيها، والفتنة الثاوية في كل جارحة من جارحاتها؛ فرفضتهم أجمعين، وإن تكن برفضها قد أغضبت أباها كبير الآلهة وسيد أرباب الأولمب.
ولم يغض الآلهة عن تحقير فينوس لهم، بل انقلب إعجابهم ثورة، وارتد افتتانهم نقمة، وود كل منهم لو خلى بينه وبينها فيبطش بها بطشا شديداً
وأجمعوا أمرهم ضحى، وذهبوا إلى زيوس يطالبونه بالإثئار لكرامتهم كأرباب مرهوبي الجانب مخوفي الشيطان، من ابنته ربة الحب الطائشة!!
وخاف زيوس ثورة الآلهة، وأفزعه تجمهرهم في ردهة الأولمب يتصايحون ويصخبون، فخرج إليهم هاشا باشا، ودق بصولجانه على الأرض المرمرية وقال: إخواني. . أبنائي:
(لستم أنتم وحدكم تنقمون على فينوس الجميلة ما بدر منها في حضرتكم من زهو وخيلاء، بل أنا معكم ناقم على هذه الابنة العاقة التي صعرت في حضرتي خدها، وشمخت بأنفها، وحسبت أنها خير من الآلهة درجة وأعلى مقاما. .
لتطب نفوسكم يا إخواني ويا أبنائي! لقد أصدرت الساعة إرادة أولمبية تقضي بأن تتزوج فينوس المتكبرة المتغطرسة المختالة، من فلكان الحداد صانع دروعكم ولجم خيولكم!).
وما سمعها الآلهة حتى صاحوا لسانا واحدا: (ليحي زيوس العادل! تقدست يا زيوس! طوبى لك يا أولمب!)
وكان فلكان بين الجماعة وهي تهتف، ولكنه كان مشغولا عنهم بتلك السعادة التي هبطت عليه من السماء، وكان يحمل إرزبته الهائلة، فلما سمع النطق الأولى، ضرب بها الأرض ضربة راجفة، أحس بها بلوتو في أعماق الجحيم. . .
- (يحسب الآلهة أننا معشر الربات ملك أيمانهم دائما، يتصرفون بنا كما يحلو لهم! ما عليهم إلا أن يأمروا، وما علينا إلا أن نطيع! لقد كنت أؤثر أن ألبث في القصور المرجانية في أعماق الأعماق، على أن تشرق علي شعاعة من الشمس الدافئة التي يرتع فيها أولئك الآلهة العتاة الظالمون!)
- (هوني عليك يا مولاتي فقد يصفح غدا سيد الأولمب!
- (يصفح أو لا يصفح. .
- (يا للهول!. . .
- (أي هول يا فتاة. . .
- (ينبغي ألا تعرضي نفسك لغضب رب الأرباب. . .
- (رب الأرباب! أنت تضحكينني يا أجمل العرائس الأوسيانيد!
- (مولاتي. . . .!
- (إن رب الأرباب يحكم دنيا من الخزعبلات. . أما القلوب. . أما قلوب العذارى. . فالحب وحده يتولاهن، ويهيمن عليهن. . .
- (إلهتي فينوس. . .
- (لا تنزعجي هكذا يا عروس الماء. . . لقد ولدت لأكون ربة الجمال والحب. . فأولى لي ثم أولى، أن أسعد بالحب، وأن أختار من ذوي الحسن متعتي الغالية ونعيمي الأوفى. . . فلكان!! أنا أقسم أن هذا الحداد لا يفرق بين القبلة والجذوة، ولا بين نشوة الحب وزفير الكير!! وأخشى أن يغازلني يوما فيحذفني بإرزبته، يحسبها ريحانة أو زنبقة!! يا للحداد القذر!!).
- (ولكن زواجكما تسجل في السماء يا ربتي!
- (إن كان سجل السماء مدنسا بكل هذه المقابح الاستبدادية، فأنا. . فينوس ربة الجمال والحب والزواج. . آنف أن يدرج في صفحاته اسمي!
والآن اسمعي يا أوسيانة، اذهبي إلى حبيب مارس فبلغيه أنني منتظرته الليلة، بعد مغيب الشفق، تحت السنديانة الكبرى في أول منعرجات الغابة. . .)
وهكذا أقبلت ربة الحب على كؤوس الحب تنهل منها ما تشاء، وتستعرض الآلهة وأنصاف الآلهة تقبل منهم على من تشاء وتعرض عمن تشاء. . وما أكثر القطيع وما أنهم الذئب!
لقد علقت مارس القوي، إله الحرب، ورب الدمار، ولم تبال بزوجها الفظ القذر المنتن، الذي لا يميز جرس الموسيقى من طرق الحديد، ولا نسيم الجنة من زفرات الجحيم!
وعلقها مارس وافتتن بها، حتى لكان يعد دقات قلبه دقة فدقة، حتى يلقاها، فتهدأ أعصابه، ويطمئن قلبه، ويثوب إليه رشده
ولقد كان اللعين إذا خلا إلى فينوس، يذهب في الاستمتاع بها إلى أقصى حدود الطاقة؛
وكان يبهره منها ألا يلقاها إلا متجردة، فيجس هذه الذراع، ويتحسس ذلك الثدي، ويرشف ذياك الفم، ويرتع في هذه الجنة ذات الثمر التي نسميها الجيد، ويخضع لرقي السحر النافذة من جفنيها المدججين بالسهام؛ ثم يضل في تلك الظلال الشفقية التي يعكسها عليه شعرها. فإذا أفيق زودته بابتسامة تظل ترقص على الخدين والشفتين، وشكت فؤاده بغمزة من طرفها تتركه بين الحياة والموت. . . وهكذا حتى يرضى!!
وكان لا يخشى من أعين الرقباء مثل ما يخشى من عين أبوللو، ولذا كان إذا وافى فينوس في هذا المنعزل الغرامي السحيق، في أعمق أحشاء الغابة، ترك خادمه أليكتريون عند أول الشعب المؤدي إلى الطريق العام، يلحظ المارين وينبه إلى خطر الأعداء والناقمين، حتى يكون الأليفان بنجوة من الفضيحة، وفي حرز من ألسن الكاشحين. فإذا تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ذهب أليكتريون فأيقظ العاشقين الآثمين، فينهضان من غفوة الهوى إلى يقين الفراق، قبل أن تشرق الشمس ولكن! وما أقسى ولكن هذه إذا لم تكن سعودا على المحبين!! لقد ذهب العاشقان يتراشفان كؤوس الهوى دهاقا، ويلتذان بكل مأثم ومحرم، حتى إذا نال منهما الجهد، وترنحت أعينهما تحت عبء السهاد الطويل، انبطحا على الحشيش الأخضر، هو إلى جانبها، وهي إلى جانبه، غارقين في سبات هنيء! ولمح أليكتريون ظبيا نافرا، يتفزع في ظلام الغابة؛ فتبعه، وطفق يدور وراءه حتى لحق به بعد عناء شديد، فاحتمله وعاد به إلى مركزه من مكان الحراسة. . ولكنه ما كاد يصل ثمة، حتى تساقط متهدما من التعب، وغلبه نعاس عميق. . .
وأشرقت الشمس!! وبرزت المركبة الذهبية حاملة أبوللو، رب هذا الكوكب المشرق المتأجج، وبدأت رحلتها السماوية، وأخذت ترتفع في العلاء رويدا، حتى إذا كانت بمنزلة الضحى، أطل أبوللو فرأى مارس الأثيم، وفينوس الغاوية، متعانقين على الحشيش الأخضر، وكانت بين أمه لاتونا، وأمها ديون ما يكون عادة بين (الضرائر) من بغضاء ومشاحنات؛ وكانت ديون تفخر على زوجات زيوس جميعا بأنها أم فينوس وحسب!
وكانت لا تعدل بابنتها واحدة من جميلات الأولمب، بما فيهن ديانا أخت أبوللو، وابنة لاتونا
انطلق أبوللو والشماتة تضطرب في قلبه الناقم على فينوس، يحمل الخبر الفاجع إلى فلكان، فألفاه مستغرقا في صنع شبكة حديدية هائلة، والنار تتلظى في أتونها الكبير، والدخان ينعقد
في جو المصنع كأنه ينقذف من بركان، والملاقط والمبارد والمخارط متناثرة على الأديم المعفر القذر كأنها أعجاز نخل. . .
- (فلكان!. . .)
- (هلا. . . أبوللو. . ماذا جاء بك في هذه الضحوة. . . وأني غادرت عربتك؟)
- (أثرت أن أطأ ثرى هذه الأرض بقدمي على أن تحملني يوح، وقد تدنس شرف الأولمب بالفضيحة المزرية!. . .)
- (الفضيحة المزرية؟ ماذا وراءك يا أبوللو؟. . .)
- (فلكان! أين زوجتك؟. . . هل أويت إليها الليلة؟)
- (زوجي؟ فضيحة مزرية؟. . . ماذا تعني أيها الأخ؟)
- (أولم تفقه بعد؟. . . ولكن قل لي: ماذا تصنع بكل هذه الأسلاك الغليظة؟)
- (أصنع شبكة كبيرة. . .)
- (ولمة؟)
- (لقد لاحظت النجس مارس يحوم حول حماي. . وأنا لا بد صائده)
- (هلم، هلم. . .)
- (وإلى أين؟. .)
- (تصيده. . ألم تنته من صنعها بعد؟)
بل انتهيت. . . وأين مارس؟. . .)
- (على الحشيش الأخضر، في أول شعاب الغابة، مما يلي الطريق العام)
- (ومع من؟. .)
- (مع. . . . . . . إنه قطعة واحدة مع. . . . فينـ)
- (معها؟. . . يا للهول؟. . . هلم. . . . يا للعرض الأحمر؟. . . .)
واحتمل شبكته العظيمة، وانطلق الإلَهان إلى حيث. . . النائمان الحالمان الآثمان!
لقد كان ملتصقين التصاقا تاما. . حتى ما يكاد ينفذ الماء بينهما ونسى كل إلف شفتيه في شفتي إلفه، فهما جلنارتان تبثان نجوى الهوى إلى جلنارتين!
يا لله!
ليس هذا فسقا أيها الآلهة، بل هو التمازج الذي سميتموه الزواج!
وانقض فلكان كالمذنب المدمر، فألقى شبكته على الخائنين!
وانتفض مارس وهو يكاد يصعق من الذعر، وانتفضت فينوس وهي تكاد تذوب من الخجل! ولكن! أي ذعر وأي خجل وهذه الشبكة قد أمسكت بهما كسمكتين!!
لقد مضى فلكان، بعد إذ ربط الشبكة بما كسبت في أصل دوحة كبيرة، وعاد بكل الأسرة الأولمبية (لضبط الحادثة!)
وكانت ساعة رهيبة، انصبت فيها لمزات الآلهة الناقمين على رأس فينوس، وراح كل منهم ينتقم لكرامته المهدورة من كبريائها وصلفها، وهي ما تكاد تبين!!
وأطلق فلكان سراحهما؛ أما فينوس فذهبت تنشد عشاقا آخرين!
وأما مارس، فمضى إلى حيث خادمه الأحمق أليكتريون، فألفاه ما يزال يغط في نومه غطيطا مزعجا، فركله ركلة أطارت صوابه، وأخذ بتلابيبه فخضضه تخضيضاً!
ثم إنه أقسم لينتقمن منه انتقاما يكون أحدوثة الآباد وضحكة العباد، فنفث في أذنيه نفثتين، ارتد بهما الخادم المسكين ديكا عجيب الصورة، أرجواني التاج، طويل الجناحين، عظيم الذل!
وركله مارس ركلة ثانية، وقال له: (اذهب إذن فلن تذوق عيناك غفوة الفجر أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وستصحو قبل كل الخليقة لتصيح في النائمين:
ويحكم أيها الغفاة، هبوا فقد كاد أبوللو يقطر مركبة الشمس!. . .
وما يزال أليكتريون، ديكنا المحبوب، يوقظنا قبل الشروق إلى اليوم!. . .
دريني خشبة
من الأدب الإيطالي
الليالي العشر
ترجمة اليوزباشي الأديب احمد طاهر
يعد جيوفاني بوكاشيو زعيم النثر الإيطالي غير منازع في زعامته، وكانت رسائله نبراسا يستضيء به الكتاب من بعده، ونذكر منهم بترارك، شوسر، دريدن، كيتس، تنيسون. أولئك وغيرهم كانوا فيما يخرجون للناس من كتب يغترفون من بحر بوكاشيو ويستلهمون وحيه ويتقفون أثره.
ولد في قرية سرتالدو التي تبعد عشرين ميلا عن فلورنسا ونشأ بها. ولما جاوز الحول السادس والعشرين رحل إلى نابولي وكانت مهد غرامه ومهبط وحي الحب على قلبه، فشغف بحب (ماريا داكوينو) فبدأت من حياته صفحة جديدة فياضة بالخير سيالة بالنفع. فلقد كان حبها حبا كريما: بسط على نفس الفتى فضله فلقي فيه ما لقي المحبون من سعادة ونعيم، وفاض على نفوس الناس أجمعين بما أوحى إلى الفتى، فتلقوا منه نثرا هو أبدع ما أخرج للناس من أقلام الكاتبين، فيه دقة، وفيه روعة، وفيه جمال، على نحو ما خلقت الفتاة من دقة وروعة وجمال. حتى لقد زعم الناس أن هذا البيان إن هو إلا وحي يوحي من الفتاة إلى هذا المحب المختار، ثم اصبح زعمهم يقينا فأغمضوا العين عن تلك الصلة الوشيجة بين المحبين، وانصرفوا إلى فضل الفتاة على رسائله، فما يذكرونها إلا برسائله وما يذكرون رسائله إلا بها، وغالوا فيما انصرفوا إليه فسموا الفتاة (صاحبة رسائل بوكاشيو).!!
وعاد الفتى إلى فلورنسا عام 1350 وكان قد انتهى من كتابة الليالي العشر أو كاد، وأخرجها إلى الناس عام 1353م. ولقد دفعه إلى كتابتها عاملان ألحا عليه: رغبته في إخراج شيء بديع قيم يزجيه إلى محبوبته، ولا أبدع لدى الكاتب من ثمرات قلمه، والزلفى إلى ملكة نابولي، وكانت تشتهي أن تقرأ للفتى خير ما ينتجه يراعه.
وكانت عودته إلى فلورنسا في الوقت الذي أفلتت فيه المدينة من براثن الطاعون، ونضت عنها قميص قيصر بعد أن لم يترك فيها موضعا بغير قرح، ولا عضو بغير جرح. وكان
هذا الوباء على ما روى لنا الكتاب حديث الناس في تلك السنين العجاف، فما كان عجبا أن يصدر بوكاشيو كتابه بوصف هذه المحنة التي تزلت بالبلاد. ولقد وصفها في بيان فصيح، وأسلوب صريح، ثم تخلص من وصف الوباء إلى سرد قصصه المائة في الليالي العشر التي قدر لها أن تكون من اكبر كتب العالم مدى الدهر
الفتيات السبع
هذه إحدى قصص الليالي العشر، أو هي مقدمة قصص الليالي نوردها في اختصار وتلخيص، لا نحاول أن نتسامى إلى منزلة الكاتب في براعة الأسلوب، ولا ندعي القدرة على مجاراته في ميدان البلاغة، ولكن حسبنا الأمانة في النقل والدقة في التعبير عما أراده الكاتب مما كتب، أمانة ودقة لا ينقص منهما ما يقتضيه الأسلوب العربي من أحكام وأوضاع.
فلورنسا اجمل مدائن إيطاليا، وأبهاها، وأغناها، تصبح ما بين عشية وضحاها أفقر البلاد واشدها بؤسا وفاقة بما أصابها من كارثة الوباء التي نزلت بها عام 1348م. لقد كان هذا الوباء مرضا ملحا جبارا لم تفلح فيه عقاقير الأطباء ولا اعتصام الناس بالعزلة والفرار. وماذا تعني العزلة وماذا يفيد الفرار؟ والوباء ينساب بين الناس انسيابا تحمله أنفاسهم حين يتحدث بعضهم إلى بعض، ويسري بينهم إذا لمس السليم ثياب الموبوء. حتى إذا بدت على الجسم علامات حمر كانت نذيرا بالموت لا مفر منه، ودليلا على انقضاء الاجل، وتصرم أسباب الأمل، إن هي إلا أيام ثلاثة ثم ينتهي كل شيء إلى ما تنتهي إليه كل الأشياء.
وغشي الناس من هول الكارثة فزع وجزع. وإذا فزع الناس فما ايسر خروجهم على القوانين الوضعية، وإذا خلت قلوبهم من طمأنينة الثقة فما أيسر خروجهم على الشرائع السماوية، فإن تحرروا من هذه وتلك فليفعل كل امرئ ما شاء. وإنهم لواجدين في هذه الفوضى متسعا لإشباع الشهوات، ورضاء النزوات، ومتى لم يكن من الموت بد ففي رأيهم أن من الخرق أن تموت عابسا كئيبا، وهذه قصور الأغنياء وخدور الغانيات فلنقتحمها وردا، ولننعم فيها قبل الموت بما حرمنا منه في الحياة، ولنمت وعلى وجوهنا ابتسامة اللذة ومخاييل السرور!! كذلك كانوا يقولون. على أن بعض الناس أقام بينه وبين الناس سدا وحسب أن الحمية تعصمه من فتك المرض وظن بعضهم أن في الاعتصام بالجبال والتأبد
في الخلاء، منجاة من الوباء، ففروا تاركين وراءهم حطام الدنيا ومتاع الحياة، وما يغني متاع الحياة وحطام الدنيا إذا فر الأخ من أخيه، وفصلت الزوجة عن زوجها، وأفزع الآباء والأمهات عن فلذات الأكباد؟ هذه جثث الموتى متناثرة في الطرق رأيتها بعيني ورأيت الكلاب تدس أنوفها في الأجساد فيسري إليها الداء، فتخر صريعة على الأرض وتقعد مكانها بين ضحايا الوباء.
في خمسة اشهر من العام بين مارس ويوليو فتك الطاعون بمائة ألف من الأنفس، وما كنا نحسب أن في فلورنسا هذا العدد من الناس.
ولكن! مالي اردد ذكرى هذه الفاجعة، ولقد برمت بها وبذكراها! أليس الخير كل الخير في أن يجتنب المرء ذكر ما تسوئه ذكراه، وينسى ما يجد السبيل إلى أن ينساه؟
فلأذكر إذا أنه عندما أصبحت فلورنسا قفرا من الأهل والسكان جمعت البأساء بين فتيات سبع لهن من الجمال حظ وافر، وعليهن من الثياب سواد، واجتمعن يوم الثلاثاء في كنيسة سنت ماري، ولم تحو الكنيسة غيرهن من شهود الصلاة. وكانت تربطهن فوق رابطة البأساء صلة القرابة الوشيجة، وصلة أوثق من هذه وتلك هي صلة الصداقة والوفاء. شهدن الصلاة ثم انتبذن ناحية من الكنيسة خلصن فيها نجيا يتدبرن فيما يجمل بهن أن يتخذن من سبيل في الحياة وقد تخلين عن متاع الدنيا وتخلى عنهن الأهل والخلان. قالت كبراهن - يامبينيا:(الرأي عندي أن نرحل عن فلورنسا فننجو بأنفسنا من خطرها المحدق وشرها المحيق، وأي خطر اشد من الطاعون، وأي شر أسوء من أولئك المارقين يجوسون الطرق ويقتحمون الدور؟ هيا إلى الريف نجد فيه مراغماً، وهواء طلقا، وحياة وادعة، في كنف التلال الخضراء والمزارع تموج فيها الحنطة كموج البحر، ولا يرى البصر إلا نعيماً، مالنا ولهذه المدينة الخاوية على عروشها تبعث في النفس أمض الذكريات وأقساها؟).
- قالت فلومينا (وكيف السبيل إلى هذه الرحلة وليس لنا ساعد من الرجال؟).
- قالت أليزا (وأين الرجال يا أختاه، وكل أترابنا منهم قد تبدد شملهم، وانصدع جمعهم، فمنهم من فتك به الطاعون، ومنهم من ضرب في الأرض لا يعرف له مستقر فهم لا يرجعون).
وفيما هن يقلبن الرأي على وجوهه إذ وفد عليهن ثلاثة فرسان: فتيان في ميعة الصبى
وروعة الجمال، خرجوا يلتمسون بين الناس فتيات لهم بهن صلة، وما كانوا يبحثون إلا عن (نيفيل) و (يامبينا) و (فيلومينا) من فتياتنا السبع.
صاحت يامبينا (لقد ابتسمت لنا الأقدار فساقت إلينا ثلاثة رجال أكفاء أشداء وأنا زعيمة لكن بأنهم سيلبون دعوتنا إذا دعوناهم) ثم أقبلت على الفرسان تقص عليهم ما كان فيه يتحدثن، وطلبت إليهم في توسل ورجاء أن يكونوا عونا لهن ونصراء، وأن يصحبوهن إلى حيث أردن.
ضحك الفرسان منهن وتندروا على هذا الرأي ما شاء لهم أن يتندروا، ثم أنسوا من الفتيات جدا في الرأي وصلابة في العزم، فأذعنوا راضين، وتقدموا غير هازلين، وافترق الجمع على أن يكون الرحيل عن فلورنسا في صبيحة اليوم التالي.
وذر من الشمس شعاع، فهب الفتيات والفرسان ومعهم الوصفاء وساروا على هدى العزيمة فرسخا ألقوا بعده عصا الترحال، وكان ذلك عند شَرَف من الأرض يشبه التل، تجلل هامته غابة باسقة الرماح، ممتدة الصفاح، يقوم في جوفها صرح شاهق يعجبك رواؤه، ويبهرك بناؤه، قد انبسط تلقاءه سرح فسيح، وتشعبت في أنحائه أبهاء واسعة، وفي مقاصيره من دلائل العز والميسرة، تحف مثورة، وصور مشهورة، وحاطت بالقصر حدائق ذات أشجار وأثمار تقوم على ريها نافورات تقذف بسهام الماء، فكأنما يصب على الأرض من السماء. وكان كل ما في القصر متسقا منضوداً، كأنما أعد لاستقبال الوافدين، واسترواح المتعبين؛ وظل الفتيات والفتيان يمشون في سروحه وارجائه، وأفنيته وأبهائه، ويقطفون من زهوره وأثماره، ويتغنون في هذه الجنان، بأعذب الألحان، حتى حان موعد الغداء فمد سماطه في بهو الولائم. وما انتهوا منه حتى تناول (ديونيو) أحد الفرسان آلة من آلات الموسيقى، وأمسكت (فيامتا) إحدى الفتيات بآلة أخرى، وواءمتا بين نغمتين طرب من مزاجهما الجميع حتى غنى ورقص ما وسعه الجهد.
وظلوا كذلك حتى أدركهم الليل وهم في طربهم ماضون، وأسلمهم التعب إلى نوم عميق، وكانوا قد اتفقوا فيما بينهم على أن ينصبوا (يامبينيا) أميرة عليهم في الغداة، ولها عليهم حق الامر، وعليهم لها واجب الطاعة، على أن تدبر لهم شأن المحافل والجلسات وما يتخللها من الملاهي والمسرات.
وفي ضحوة اليوم التالي لبوا دعوة الأميرة وانتظموا حولها فحيتهم تحية جميلة، وأخذت عليهم في رفق ولين تكاسلهم عن النهوض مبكرين، وفي نوم الضحى مضرة للأبدان تشفق منها عليهم وتعيذهم من إذا ها. ثم سارت أمامهم إلى واد ذي زرع أخضر تقوم على عطفيه أشجار باسقة، وقالت:(هنا الشمس مشرقة مشرفة، ترسل علينا أشعة حامية محرقة، فليس من الرأي أن نواصل المسير ضنا راحتنا وحرصا على هنائنا، فلنجلس إلى ظل هذا الوادي الوادع تحت أغصان الزيتون، ولتكن جلستنا على نحو دائرة لا يلتقي طرفاها، وليقصص كل واحد وكل واحدة منا قصة شيقة، فإن هدأت الشمس وانكسرت حدتها اتخذنا في اللهو سبيلا آخر؛ ولتكن أنت يا (بامفيلو) أول من يقص علينا قصته:
واستوى الفتى في جلسته وقص القصة الآتية: -
(يتبع)
اليوزباشي احمد الطاهر
البريد الأدبي
ذكرى العلامة روبرت كوخ
احتفل أخيرا في ألمانيا بذكرى روبرت كوخ أحد أقطاب العلم الألماني، وذلك بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاما على وفاته؛ وقد خلد كوخ اسمه في عالم الطب بما وفق إليه من الاكتشافات الطبية والبكترلوجية الباهرة؛ ولاسيما في شأن السل والكوليرا؛ وكان مولد هذا العلامة في سنة 1843. وفي سنة 1876 بدأ اكتشافاته البكترلوجية باكتشاف (البشيل) وطريقة الحقن باللقاح، وفي سنة 1882 كان اكتشافه الباهر (لبشيل) السل الذي يفتك بعشرات الملايين، فكان ذلك بدء تلك الجهود الطبية الجاهدة التي تبذل منذ كوخ إلى عصرنا لمكافحة هذا الداء الوبيل؛ وفي العام التالي زار كوخ مصر والهند على رأس بعثة لبحث أسباب الكوليرا، ثم عين أستاذا في جامعة برلين، ومديرا لمعهد الأمراض المعدية. وكان من رأيه أن هناك فارقا بين السل الذي يصيب الإنسان، والسل الذي يصيب الماشية، وأن المرض لا ينتقل من هذا الجنس إلى ذاك، ولكن الجمعية الملكية البريطانية عارضت هذه النظرية بمباحثها وتقاريرها. وفي سنة 1896 زار كوخ أفريقية الجنوبية ليدرس طاعون الماشية، وفي العام التالي زار أفريقية الشرقية الألمانية ليدرس خواص الملاريا ومرض النوم. وله عدة مؤلفات عن السل والملاريا والتيفوس تعتبر حجة في موضوعها، وكانت وفاة كوخ في 1910.
وقد احتفل العلم الألماني بتكريم ذكرى هذا العلامة في احتفال رسمي أشيد فيه بعبقرية كوخ وفضله على الإنسانية كلها بما وفق إليه من الاكتشافات العظيمة التي مازالت أساساً لبحوث الطب في عصرنا؛ وأعلن بهذه المناسبة أن الحكومة الألمانية قررت إنشاء (معهد كوخ) الذي تقرر إنشاؤه قبل الحرب لتخليد ذكرى كوخ ثم حالت الحرب دون إنشائه؛ ثم رأى العلم الألماني أن ينتهز فرصة هذه الذكرى ليعمل بمعونة الحكومة الألمانية على تحقيق هذا المشروع الإنساني الجليل.
موسم الكتب في فرنسا
يعاني الأدب وتعاني الكتب في مختلف الفنون أزمة ظهرت آثارها واضحة في كثير من الأمم الأوربية؛ ولهذه الأزمة أسباب كثيرة أهمها الإذاعة اللاسلكية والسينما وطغيان
الترجمة الرخيصة على الأدب المحلي، ومنافسة الصحافة للكتب بما تخرجه من الصحف العلمية والأدبية والفنية وغيرها وتعرضه بأبخس الأثمان؛ وقد نشطت السلطات والهيئات المختصة في فرنسا لمحاربة هذا الركود الفكري، وبث الدعاية لنشر الكتب بمختلف الوسائل المرغبة؛ فأقامت نقابة الناشرين وغرفة المكاتب معرضا كبيرا في حي سان جرمان أطلق عليه (عشرة أعوام من الطباعة الفرنسية)، وعرضت فيه الكتب في سائر العلوم والفنون من أرخص الطبعات إلى أغلاها وأثمنها، بطريقة تبين تطور الطباعة وأساليب النشر في عشرة الأعوام الأخيرة؛ وصفت كتب الفلسفة والدين والعلوم والآداب والمباحث الروحية والقصص كلها جنبا إلى جنب. وأقيم في بهو خاص منصة فخمة خصصت للجوائز الأدبية التي منحت منذ سنة 1925، وأسماء الفائزين وأنواع الجوائز؛ وقد أم هذا المعرض الحافل جماهير غفيرة من الزوار، وأحدثت أقامته حركة كبيرة في اقتناء الكتب.
وفي الوقت نفسه أقامت نقابة الناشرين مظاهرتها السنوية التي تعرف (بيوم الكتاب) وهي مناسبة تتخذها المكاتب كل عام لتعرض في واجهتها أكداسا من الكتب الجديدة الخلابة بأثمان معتدلة، وقد أصبح يوم الكتاب (أسبوعا) كاملا يجرى فيه هذا العرض في جميع مكاتب باريس الشهيرة ومكاتب المدن الكبيرة، وتقدم فيه بهذه المناسبة فرص حسنة للشراء، وفي كل عام تصدر نقابة الناشرين مؤلفا نفيسا يهدى إلى من يشتري كتبا قيمتها عشرون فرنكاً. وأسبوع الكتب يعتبر من المواسم الأدبية الحافلة، التي تدر الخير على الناشرين والمؤلفين.
فمتى نفكر في مصر في تنظيم مثل هذه الحركات والمعارض المفيدة، ومتى نفكر في محاربة ذلك الركود الأدبي الذي يكاد يشل عندنا كل تقدم فكري وأدبي؟
بلسودسكي الشاعر والكاتب
لم يكن المارشال بلسودسكي بطل بولونيا القومي الذي توفى منذ أسابيع قلائل جنديا وسياسيا عظيما فقط، ولكنه كان كذلك شاعرا وكاتبا له آثار في الشعر والنثر، والمعروف عن المارشال أنه تربى وتكون في معترك الصحافة، وكان في شبابه يحرر جريدة ثورية سرية، كان ضبطها سببا في الحكم عليه بالنفي إلى سيبيريا؛ ولما قبضت القيادة الألمانية
على بلسودسكي أثناء الحرب الكبرى حينما ارتابت في حركاته وخشيت من نفوذه على الجيش البولوني، وزجته في قلعة مجدبرج لم يجد المارشال وسيلة لتخفيف آلام الأسر سوى الكتابة، فوضع كتابا سماه (معاركي الأولى)، وصف فيه ما خاضه من المعارك الثورية ضد جنود القيصر، ثم المعارك الأولى التي خاضها عند نشوب الحرب الكبرى بأسلوب بليغ ينم عن مقدرته الكتابية، وأصدر بعد الإفراج عنه كتابا آخر عنوانه (سنة 1920) وصف فيه الحرب الروسية البولونية، وكان المارشال ينظم الشعر، ويشغف بقراءة دواوين أكابر الشعراء الفرنسيين، مثل لامرتين وهوجو وبودلير، وفيريلين ومالارميه. ومما يؤثر عنه قوله:(إن الشعراء هم أقرب الناس إلى رجال العمل!).
مركز هوجو في النثر
مازالت الصحف الأدبية الفرنسية فيض في الحديث عن فيكتور هوجو، وعن نظمه ونثره ورفيع منزلته في الأدب الفرنسي، وذلك لمناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسينية لوفاته حسبما أشرنا بالعدد الماضي، وليس بين النقدة خلاف في المنزلة الرفيعة التي تبوأها في الشعر؛ بيد أن هنالك من يقول بأن هوجو يتبوأ في النثر أرفع من هذه المنزلة. وقد شهد لهوجو بالعظمة في النثر كتاب عظام مثل بلزاك صديقه ومعاصره، ثم جاء موريس باريس بعد ذلك فقال:(إن هوجو أعظم ناثر في القرن التاسع عشر). وقد وصفه أخيرا كاتب كبير في إحدى المجلات الأدبية، فقال: إن هوجو الناثر يتفوق في تحليل أشد عواطف الروح وأحوالها تعقيدا، وأعمق أزمات الضمير، ومعارك الإنسان والقدر. ولمناسبة الاحتفال بذكرى الشاعر الكبير أصدرت إحدى دور النشر الباريسية الكبرى طبعة كاملة من جميع مؤلفاته تقع في 82 مجلدا.
الكتب
ضحى الإسلام
الجزء الثاني تأليف الأستاذ أحمد أمين
للأستاذ عبد الوهاب حمودة
لقد أخرج للناس الأستاذ الجليل (أحمد أمين) كتابه ضحى الإسلام، الجزء الثاني منه، فقرأته قراءة ناقد متفحص؛ فألفيته قد هوى جهدا محمودا، ونهج منهجا جديدا. استقصى الأستاذ فأحسن الاستقصاء، وقرأ فأجاد القراءة، وفهم فأتقن الفهم، واستنبط فوفق إلى الصواب، في حسن ترتيب، وجمال تصوير، وقدرة على الإحاطة، وصبر على التفصيل.
وصف الأستاذ في الفصل الأول من (الضحى) قوانين الرقي العقلي، ثم طبقها على الفكر العربي، وتدرج من ذلك إلى انقسام العلوم عند العرب في العصر العباسي، ثم ختم هذا الفصل بالكلام على حرية الرأي في ذلك العصر، فكان الأستاذ في هذا نسيج وحده، مبتكرا لمنهج جديد في البحث، وأسلوب طريف في التعليل.
وفي الفصل الثاني والثالث تكلم الأستاذ على معاهد التعليم ودرجات التدريس، وعلى المكتبات والمناهج، ثم انتقل بعد إلى الحديث عن مراكز الحياة العقلية، فأبدى في مطاوي هذا البحث عن شخصية قوية، ورأي مستقل. وقد وفق الأستاذ التوفيق كله في المقابلة بين الروايات المختلفة عن (بيت الحكمة) وفي الاطمئنان إلى نتيجة معقولة حسنة، ولاسيما عند استخدام الأستاذ في تحقيقه (فقه اللغة) وتاريخ الألفاظ. فهو طرافة في التفكير، وجدة في الأساليب. وما أجمل الأستاذ وهو يعلل ضعف الفن في الحجاز في عصر الدولة العباسية تعليلا متواضعا مقنعا. أما كلامه عن (المربد) في هذا الفصل، فكلام المستقصي الدارس. ولست مغاليا إذا قلت إن باحثا لم يسبق الأستاذ في إلقاء نور وضاء قوي على هذا (المربد) وبيان أثره في الحياة العقلية عامة، واللغوية خاصة، بل كان المؤلفون يمسونه مسا رقيقا، ويمرون به في أبحاثهم مرا رفيقا.
وجاء الأستاذ أيضاً في هذا الصدد بنظرية العصبية للقطر، ثم للبلد، ثم تدرج بعد ذلك إلى نشوء مدارس النحو المختلفة حتى وقف بمصر فإذا بالشعور القومي الخالص يملك على
الأستاذ عواطفه، وإذا بالوطنية الصادقة تأسر عليه مشاعره، فيأبى إلا أن يجلي مصر في مضمار النهضة العلمية تجلية مشرقة، فينصفها في البحث وإن لم ينصفها الدهر في الحظ، في غير محابة ولا تحيز، شأن العالم الورع، والمحقق العادل.
أما في الفصل الرابع والخامس فقد تكلم الأستاذ عن الحديث والتفسير والتشريع. ومن أجدر من الأستاذ (أحمد أمين) بتوفيه هذه البحوث والقيام بواجب تحقيق هذه المسائل، فهو ابن بجدتها، وأبو عذرتها. ولا يرضيني في الكشف عن محاسن هذين الفصلين إلا أن أشير على القارئ الكريم بقراءتهما، وأرغب إليه في دراستهما حتى يتذوق جمال حقائقهما بنفسه؛ ويقف على بديع تنسيقهما بدرسه. إذ هما يقعان فيما يقرب من مائة وخمسين صفحة من الكتاب. فجزى الله الأستاذ عن الحديث والقرآن خير الجزاء.
أما في الفصل السادس من الكتاب، وهو الفصل الذي يمت إلى الأدب في صميمه، ويرتبط في اللغة في أصولها. فقد بحث فيه الأستاذ اللغة والأدب والنحو، فتراه في هذا الفصل أمينا محافظا على طبيعة هذه العلوم من الوقوف عند النقل والاقتصاد في الرأي والنقد في غير ما سرف ولا إفراط.
أما الفصل السابع وهو الأخير في الكتاب فكان الكلام فيه عن التاريخ والمؤرخين. أتى فيه الأستاذ بتقسيم جميل لأنواع التاريخ، من تاريخ في السيرة، وتاريخ للحوادث، وتاريخ للأنساب، وتاريخ للرجال، وأخبار وقصص. فكان موفقا جد التوفيق في تحليله لمغازي ابن اسحق تحليل المنصف الدارس في بصيرة نافذة ورأي حر طليق. ثم ختم الأستاذ هذا الفصل بالكلام على عيوب المؤرخين الإسلاميين ومزاياهم فأنصفهم ووفاهم حقهم.
وبعد، فسأذكر ما أخالف الأستاذ فيه من الرأي، وهي مخالفة يسيرة واختلاف هين. وقد عودنا الأستاذ تقبل ذلك بما عهدناه فيه من سمو في الخلق ونبل في القصد.
أولا: أحصى الأستاذ في ص (173) المذاهب الفقهية التي ظهرت في العصر العباسي سوى المذاهب الأربعة، ولكنه أغفل مذاهب الشيعة. مع أنها مذاهب لها قوتها ولا يزال بعضها منتشرا كمذهب الزيدية في اليمن والإمامية في العراق وإيران. فلهذا المذهب أئمة ومؤلفون وكتب فقهية تطبع وتدرس.
إلا إذا كان الأستاذ قد رأى تأخير ذلك إلى الكلام على عقائد الشيعة في الجزء الآتي بعد من
الضحى.
ثانيا: ذكر الأستاذ في ص (245) أن من نتائج الاختلاف بين القبائل كثرة المترادفات في اللغة العربية ثم ساق مثلا لذلك فقال (إن السُّكّر اسمه المِبرَت بلغة اليمن).
ولي على هذا اعتراضان: الاعتراض الأول أن لفظ السكر ليس بعربي بل هو تعريب للفظ شكَر الفارسية وهي قريبة جدا في نطقها من لفظها في اللغة الإنجليزية (راجع ص 92 من كتاب الألفاظ الفارسية المعربة للسيد أدّي شير. وص 8 و105 من شفاء الغليل للخفاجي. والقاموس للفيروز أبادي وص 326 من مجلة مجمع اللغة العربية الملكي. وجـ 6 من اللسان وص 166 جـ1 من المزهر لليسوطي).
والاعتراض الثاني هو أنني كنت أود أن يذكر الأستاذ من آثار ذلك الاختلاف بين القبائل، المشترك من الألفاظ بقسميه لأن هذا النوع له أثر واضح في اختلاف المذاهب في التشريع كلفظ القروء في قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء).
ثالثا: ذكر الأستاذ في ص (248) أن استعمال الكلمات المعربة كثر بعد الإسلام والفتح، ثم أخذ يسرد أمثلة للألفاظ التي تغلغلت في اللغة إثر الفتح.
واعتراضي أن بعض تلك الألفاظ التي ساقها الأستاذ كان قد دخل اللغة العربية وعُرّب منذ عصر الجاهلية فلم يكن دخوله إذن نتيجة للفتح الإسلامي. مثال ذلك لفظة (الفلفل) قال امرؤ القيس في معلقته:
ترى بعر الآرام في عرصاتها
…
وقيعانها كأنه حب فلفل
وقال أيضاً:
كأن مَكاكِيَّ الجواء غُدَيّةٌ
…
صبحن سلافا من رحيق مفلفل
وجاء في اللسان خمر مفلفل ألقى فيه الفلفل.
مثل آخر لفظة (الورد)
فقد جاء في اللسان ص (470) من الجزء الرابع (الورد ببلاد العرب كثير ريفية وبرية وجبلية. قال الزجاج في قوله تعالى: فكانت وردة كالدهان: أي صارت كلون الورد). وقد جاء في القاموس أن أم طرفة سميت بوردة.
ومثل ثالث وهو لفظة (مسك) ويكفي في إثبات جاهليتها في التعريب ورودها في القرآن
الكريم قال تعالى (ختامه مسك).
رابعا: لقد استقصى الأستاذ الكبير الفروق في اللغة والنحو بين مدرسة البصرة والكوفة.
وودِدتُ لو أنه أعقب ذلك بذكر خصائص المدرسة البغدادية في النحو أيضاً. وهو قد ألمع إلى هذه المدرسة في ص (83) حيث قال: ثم تظهر في النحو مدرسة بغدادية لها طابعها الخاص ولها لونها ولها متعصبوها.
ومهما يكن من شيء فهذه هنات يسيرة لا خطر لها ولا أثر في حسن الكتاب وقيمته. وإني أشهد مع الدكتور طه بحق أن الأستاذ (أحمد أمين) قد وفق في هذا الكتاب إلى الإجادة العلمية والفنية، وكشف عن الحياة العقلية الإسلامية كشفا، ثم عرضه عرضا هو أبعد شيء عن جفاء العلم وجفوته، وأدنى شيء إلى جمال الفن وعذوبته. فلينعم القراء بفصول هذا الكتاب ولينعم المؤلف بما ينعم به الظافر الموفق.
عبد الوهاب حمودة
الدسائس والدماء أو علي بك الكبير
كتاب للأستاذ خيري سعيد
للأستاذ محمود تيمور
إنها لصفحة مروعة تلك التي قرأناها في هذا الكتاب. صفحة الدسائس والدماء حقا. صفحة تصور لك في أسلوب روائي أخاذ ذلك العصر الدامي الفاجر الذي عاشت فيه مصر حقبة من الزمن، وهي ترى بعيون ذاهلة وقلب ينبض حسرة وألما، ونفس صابرة هذه المشاهد الجهنمية التي تمثل على مسرحها. ذلك هو عصر المماليك الذي أحياه أمامنا في لباقة صديقنا القصصي الأستاذ خيري سعيد، فاستطعنا ونحن نقرأ كتابه أن نحيا في ذلك العصر نعاشر أهله ونصاحب حكامه ونشهد مواقعه المتلاحقة، ونحضر حفلاته الرائعة - حفلات الانتصار والاندحار - استطعنا أن نعيش في ذلك الجو الغريب نشم فيه رائحة البخور ممزوجة في الدم، ونصغي فيه إلى صوت المؤذن يطغي على أنات المحتضرين وصليل السيوف، وهي تهوى على الرقاب. أجل لقد استطاع الأستاذ خيري بأوصافه الدقيقة وخياله الواسع أن ينقلنا إلى ذلك العصر ويتركنا فيه برهة من الزمن، شعرنا أثنائها أننا رجعنا القهقري إلى القرون الوسطى، وأن الدنيا غيرها بالأمس، فلا كهرباء ولا قهوات ولا ولا. . فإذا أردنا أن ننتقل فعلى الدواب ذات السرج المفضضة والبراذع المنقوشة تخترق بنا الحارات الضيقة. نذهب بها في نزهة إلى الخليج. أو في مهمة إلى بركة الفيل حيث قصور الأمراء. أو في أمر بيع وشراء إلى ساحل بولاق، ذلك المرفأ النيلي العظيم المزدحم بخيرات البلد. . وإذا أردنا أن نعلم شيئا مما هو جار من الحوادث تسقطناه لماما من أفواه الناس. فهناك فتنة تختمر، أو مجزرة تستعر، أو حرب على الحدود تدور رحاها. وإذا أردنا أن نريح أعصابنا ورغبنا في الترويح عن أنفسنا قصدنا إلى دور أصدقائنا العلماء فنحظى بجلسة هادئة نشرب فيها القهوة الفاخرة، ونتناول العشاء السخي، ونستمع إلى مسامرتهم الجميلة أو إلى أناشيد المنشدين. . أجل لقد عشنا حقا في مصر في ذلك العهد القاسي المضطرب. رأينا الأمة منقسمة إلى طبقات لا يتعدى أهل الواحدة على الأخرى. فهناك طائفة الفلاحين تعمل طيلة العام لتمون الكُشاف والسَّناجِق (الأمراء المماليك) إذ أن الحكم حكم إقطاع. الفلاح آلة نشطة طيعة ليس لها إلا أن تعطى. ولكنها كانت في الوقت
نفسه آلة ماكرة تعلمت الخبث من هؤلاء السادة الطغاة فاستطاعت أن تراوغهم هازئة بهم. ترشو هذا لتبعد ذاك، وتعطي جزءا لتحتفظ لنفسها بأجزاء. ثم هناك الطبقة الحاكمة وهي المماليك، تلك الطائفة الغريبة التي امتهنت الحكم ورضيت بما يحفه من خطر دائم. طائفة كانوا يشترونها في الأسواق أطفالا أرقاء يأتون بهم من مواطنهم في بلاد الشركس وأواسط آسيا، وينشئونهم نشأة حربية، فإذا ما نما المملوك واكتمل أصبح فارسا يجيد الحرب كما يجيد الحكم. وهو في الحالتين غدرا خبيث يعمل بقول القائل: الغاية تبرر الواسطة. يعيشون طول حياتهم والسيف لا يهمد لحظة في يدهم. وانك لترى على ملابسهم المزركشة المقصبة المحملة بالخناجر والسيوف بقعا من الدم كأنها أوسمة فخار. . وإذا ما دخلت دورهم عثرت قدمك برأس أو بضعة رؤوس بشرية تعترض طريقك. فإذا ما أغضيت النظر وتابعت سيرك دوى في أذنك صراخ مستغيث، فإذا بهارب يهوي أمامك متخبطا في دمه. . هؤلاء المماليك وعلى رأسهم شيخ البلد كانوا حكام مصر الحقيقيين في تلك الحقبة الرهيبة التي زعم العثمانيون أن البلد فيها إيالة تركية لا أكثر ولا أقل. ولكن أين مظهر تلك التبعية؟ أفي الباشا الوالي ذلك الحاكم المسكين الذي كان يوليه السلطان حكم مصر فلا يتعدى حكمه دائرة القلعة المسجون فيها؟ وليته كان يُترك سعيدا بحكم هذه المنطقة الصغيرة. إنه كان فيها أشبه بالطرطور يلبسه شيخ البلد. ليس عليه إلا أن يصدر الفرمانات التي يطلبها منه هذا الشيخ، فإذا عصى فإلى العزل أو الحبس أو القتل!! أم في تلك الحامية التركية الضعيفة التي نقص أفرادها على توالي الزمن فاستعيض عنهم بنفر من أهل البلد؟. . وهناك غير هاتين الطائفتين طائفة قوية تحتكم في ثروة البلد هي طائفة التجار، تلك التي كانت كلها من أبناء البلد والتي عاشت بالرغم مما انتابها من عسف كان يهد في ثروتها، عاشت في شيء من الرخاء والهدوء؛ وبجانب هذه الطائفة كانت طبقة العلماء - شيوخ الأزهر - تلك التي كانت تسيطر على البلاد بقوتها الروحية. وكانت الأمة كلها وحكامها على رأسها تضمر لها الاحترام وتعمل بنصائحها. ولكن هذا لم يكن يمنع عنها في بعض الأحيان بطش هؤلاء الحكام وغدرهم.
. . . أجل لقد استطاع الأستاذ خيري سعيد أن ينقلنا إلى ذلك الجو وكأنه أركبنا طيارة وطار بنا على صعيد مصر كلها فإذا بنا نرى النار تشتعل في كل مكان: حكام القاهرة
يريدون أن يسيطروا على الأرياف، وحكام الأرياف يريدون أن يحتفظوا باستقلالهم الإداري يستمتعون بما جنوه من أموال وخيرات، وبين هؤلاء الحكام وبعضهم حروب لا يخمد لها لهيب، والناس لا تعرف من الأمن إلا اسمه. فإذا ما سار التاجر بأسطوله النيلي المحمل بخيرات البلد من منطقة إلى أخرى وجب عليه دفع الإتاوة إلى شيوخ قطاع الطرق - طائفة أخرى مستقلة عن كل الطوائف امتهنت السلب وتفننت فيه وأثرت منه - وإلا أصاب أسطوله النهب والتحطيم.
في ذلك الجو الخانق ظهر علي بك الكبير. وكان كبقية المماليك. عاش منذ نعومة أظافره بين مؤامرات الخيانة تطيح برؤوس الأمراء. عاش مملوكا طيلة حياته تتمثل في سياسته أساليب القسوة والغدر. ولكنه كان مملوكا أكثر ذكاء وأشد صلابة وأكبر أطماعا من غيره. تمثلت فيه صفات الملك فاستطاع أن يستخلص لنفسه حكم مصر فاستغنى عن الباشا الوالي وأخضع سائر المماليك لحكمه وضرب على أيدي قطاع الطرق. فاستمتعت البلاد في عهده بالأمن وبشيء من الطمأنينة لم تستمتع بهما في عهد غيره. وأحست بنوع من الكرامة الوطنية تذكو في فؤادها. فقد رأت حاكمها العظيم يقطع صلته بالدولة العثمانية ويجعل لمصر مركزا ممتازا بين الدول. . . ولكن هذا العهد لم يدم طويلا، فقد تألب المماليك المدحورون برياسة محمد بك أبي الذهب مملوك علي بك وساعده الأيمن فيما مضى - وشقت عليه عصا المطاعة وقاتلته حتى دحرته، ومن ثم أرجعت الباشا الوالي إلى عرشه الواهي المتآكل. . . وعادت الحياة كما كانت قبل أن يحكمها ذلك العاهل الكبير.
صور عنيفة جبارة، يعرضها أمامك المؤلف في دقة غريبة وتنسيق جميل في كتابه الدسائس والدماء، وإنك لتعجب وأنت قرأ هذه الصحائف الممتعة كيف استطاع الكاتب أن يجمع لك في كتاب لا يتعدى المائة والخمسين صفحة، هذه الحوادث الجسيمة والشخصيات المعقدة في شبه ملحمة لم تدع كبيرة ولا صغيرة عن هذا العهد إلا سجلته. ولعلك تعجب أيضاً إذا علمت أن كل فصل من فصول هذا الكتاب يصح أن يكون قصة مستقلة يستطيع مؤلفها أن يملأ بها عشرات الصفحات. . .
فإلى صديقي خيري تهنئتي الخالصة وتقديري الكبير.
محمود تيمور