الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 111
- بتاريخ: 19 - 08 - 1935
سعد باشا زغلول
بمناسبة ذكراه الثامنة
كان رحمه الله كالبحر! لا تطالعه من أي جهاته إلا غمر نفسك بجلال العظيم، وشغل رأسك بخيال الشاعر، وأخذ حسك بروعة المجهول! لم يكن إنساناً كسائر الناس عظمته موضع الشذوذ في بشريته، وعبقريته بعض الكمال في نقصه، وقوته عَرَض منتقل في ضعفه؛ إنما كانت العظمة أصلاً في طبعه، والعبقرية فطرة في خَلْقِه، والقوة جوهراً في إرادته. وإذا كان النبوغ قوة في مَلَكَةٍ على حساب ملَكات، وارتفاعاً في جهة بانخفاض جهات، فأن نبوغ سعد باشا كان نظاماً عدلا في نوعه: ظهر في كل موهبة من مواهبه بمقدار واحد، وبهر في كل أثر من آثاره بشعاع ممتاز. فهو في صرامة المنطق مثله في لطافة الشعر، وفي جرأة القلب مثله في رقة الشعور، وفي بلاغة اللسان مثله في براعة الذهن، وفي كيد الخصومة نفسه في شرف الرجولة، وفي قيادة الجمعية التشريعية عينه في قيادة الأمة المصرية!
سعد زغلول ومحمد عبده هما الآية الشاهدة على سمو الجنسية المصرية الخالصة، والحجة القائمة على فضل الثقافة العربية الصحيحة. نشأ كلاهما قرويين لم يَشُبْ دماءهما عنصر دخيل، أزهريين لم يشلَّ تفكيرهما تقليد عاجز؛ ثم مضيا على إلهام الجنس، ورسم التاريخ، وهدى العقيدة، يدعو أحدهما إلى إصلاح الدين، ويدعو الآخر إلى إصلاح الدنيا، برجولة الخلق، وفحولة التفكير، وبطولة التضحية؛ حتى كان من أثر جهادهما المباشر ما نحن والشرق فيه من انتباه العقل وانتعاش الوجدان وثورة الحميّة.
كانت معجزة الرجلين في رسالتهما الإنسانية، من نوع معجزة الرسول في رسالته الإلهية: رجولة قاهرة وفصاحة ساحرة وخلق عظيم. وتلك هي عناصر الشخصية الجبارة التي تأمرك وكأنها تستشيرك، وتقودك وكأنها تتابعك، وتتطامن إليك وأنت منها كما تكون من البحر أو الجبل أو العاصفة!!
إذا شئت أن تختصر رسالة في كلمة فهي (الدفاع عن الحق)؛ تطاوع له منذ شب بدافع من غريزته الحاكمة وطبيعته الناقدة؛ فكان في كل مرحلة من مراحل حياته يذود عنه طغيان القوة، وسلطان الهوى، وعدوان الرذيلة. عُيِّن بعد خروجه من الأزهر محرراً في الوقائع المصرية مع أستاذه الإمام، فكان يكتب في الاستبداد والشورى والأخلاق، وينتقد الأحكام
التي كانت تصدرها يومئذ (المجالس الملغاة)؛ ثم عين ناظراً لقلم قضايا الجيزة، وكان حكمه حكم القاضي الجزئي، فنزل الحق من عدله وعقله في حمى أمين؛ ثم أصغى لصرخة الحق في الغضبة العرابية ففصل من وظيفته، فزاول المحاماة، وهي يومئذ حيلة الباطل وخصيمة العدل وآفة الخلق؛ فأنقذها من هذه المراغة، وطهرها من ذلك الرجس، وردّها إلى طبيعتها مجلوة الصدر عفيفة الأديم، تساعد القانون وتؤيد الحق.
وكان سعد أفندي زغلول أول محام أقرته المحاكم الأهلية في مصر، فجعل دستور هذه الحرفة النبيلة هذا الجواب الجامع الذي أجاب به ممتحنه وقد سأله عن واجبات المحامي فقال:
(درس القضية، والدفاع عن الحق، واحترام القضاء).
ثم اختير نائب قاض في محكمة الاستئناف، ويومئذ درس الفرنسية ونال إجازة الحقوق، فبرع القضاة الأوربيين بالذهن الغواص، والدرس المحيط، والتوجيه النزيه، والاستدلال الصحيح، والاستنباط الدقيق، والحكم الموفق. ثم انتقل من القضاء إلى وزارة المعارف، وكان لدنلوب فيها استبداد الطاغية، وفساد المستعمر، وعناد القدَر؛ وكان لهذا الفاجر صرعى كثيرون أولهم اللغة العربية والكرامة المصرية؛ فطأطأ سعد بسطوة الحق علو المستشار، وأعز جانب العربية في وطنها فجعلها لغة الثقافة، ووضع الأقدار في مواضعها فرفع بذلك من قدْر الكفاية. ثم انتخبته الأمة نائباً في (الجمعية التشريعية)، فكان بشخصيته الغلابة ولهجته الخلابة وحججه المُلزمة وأجوبته المفحمة رهبة الوزراء، ودهشة النواب، ومُتجه الأفئدة؛ وكان مناهجه فيها قوله المأثور:
(الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة)
ثم أُعلنت الهدنة ووضعت الحرب العامة قضية العالم كله على مكاتب الغالبين في (فرساي)، فدوى في سمعه صوت الحق الصريع، وعصفت في رأسه نخوة الشعب المستذَل، فنهض للغاصب المزهوّ نهضته المعروفة، فحيّس بها أنف الجبار العنيد، وفتح بفصلها الدامي تاريخ مصر الجديد.
وهكذا اصطفى الله سعداً لرسالة الحق، في أمة سَفِهَتْه في نفسها فلا تأخذه ولا تعطيه، ثم ركَّبه على الصورة التي أرادها لتبليغ هذه الرسالة، ثم هدى به قافلة قومه إلى طريق
السلامة، وجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة!
(للكلام بقية)
أحمد حسن الزيات
أيها البحر!
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
إذا احْتَدَم الصيفُ، جعلتَ أنت أيُّها البحر للزمن فصلاً جديداً يسمى (الربيع المائي)
وتنتقل إلى أيامك أرواح الحذائق، فتنبت في الزمن بعض الساعات الشهية، كأنها الثمر الحلو الناضج على شجرة
ويوحي لونك الأزرق إلى النفوس ما كان يوحيه لون الربيع الأخضر، إلا أنه أرق وألطف
ويرى الشعراء في ساحلك مثلما يرون في أرض الربيع، أُنوثة ظاهرة، غير أنها تلد المعاني لا النبات
ويحس العشاق عندك ما يحسونه في الربيع: أن الهواء يتأوَّه. . . .
في الربيع، يتحرك في الدم البشريِّ سرُّ هذه الأرض؛ وعند (الربيع المائي) يتحرك في الدم سرُّ هذه السحُب
نوعان من الخمر في هواء الربيع وهواء البحر، يكون منهما سكرٌ واحدٌ من الطرَب
وبالربيعَيْن الأخضر والأزرق ينفتح بابان للعالم السحريِّ العجيب: عالم الجمال الأرضي الذي تدخله الروح الإنسانية كما يدخل القلب المحبُّ في شعاع ابتسامة ومعناها
في (الربيع المائي)، يجلس المرء وكأنه جالسٌ في سحابة لا في الأرض
ويشعر كأنه لابسٌ ثياباً من الظل لا من القماش؛ ويجد الهواء قد تنزه عن أن يكون هواءَ التراب
وتخفُّ على نفسه الأشياء، كأن بعض المعاني الأرضية انتزعت من المادة. وهنا يدركُ الحقيقة، أن الشرور إن هو إلا تنبُّهُ معاني الطبيعة في القلب
وللشمس هنا معنى جديد ليس لها هناك في الدنيا (دنيا الرزق)
تُشرقُ الشمس هنا على الجسم؛ أما هناك فكأنما تطلُعُ وتغرب على الأعمال التي يعملُ الجسمُ فيها
تطلع هناك على ديوان الموظف لا الموظف، وعلى حانوت التاجر لا التاجر، وعلى مصنع العامل، ومدرسة التلميذ، ودار المرأة
تطلع الشمس هناك بالنور، ولكن الناسَ - وا أسفاه - يكونون في ساعاتهم المظلمة. . .
الشمسُ هنا جديدة، تُثبت أن الجديد في الطبيعة هو الجديد في كيفية شعور النفس به
والقمر زاهٍ رفَّافٌ من الحسن؛ كأنه اغتسل وخرج من البحر
أو كأنه ليس قمراً، بل هو فجرٌ طلع في أوائل الليل؛ فحصرته السماءُ في مكانه ليستمرَّ الليل
فجرُ لا يوقظ العيونَ من أحلامها، ولكنه يوقظُ الأرواح لأحلامها
ويُلقي من سحره على النجوم فلا تظهر حوله إلا مُسْتبْهمة كأنها أحلامٌ معلّقة
للقمر هنا طريقةٌ في إبهاج النفس الشاعرة، كطريقة الوجه المعشوق حين تقبّله أول مرة
و (للربيع المائي) طيوره المغردة وفراشه المتنقِّل
أما الطيور فنساءٌ يتضاحكنَ، وأما الفراشُ فأطفالٌ يتواثبون
نساءٌ إذا انغمسن في البحر، خيِّلَ إليَّ أن الأمواج تتشاحنُ وتتخاصم على بعضهن. . . .
رأيت منهن زهراء فاتنة قد جلست على الرمل جلسة حواءَ قبل اختراع الثياب، فقال البحر: يا إلهي. قد انتقل معنى الغرق إلى الشاطئ. . . إن الغريق من غرق في موجة الرمل هذه
والأطفال يلعبون ويصرخون ويضجُّون كأنما اتسعت لهم الحياة والدنيا
وخيِّل إلي أنهم أقلقوا البحر كما يُقلقون الدار، فصاح بهم: ويحكم يا أسماكَ التراب. . .! ورأيتُ طفلاً منهم قد جاء فوَكَزَ البحر برجله! فضحك البحر وقال: انظروا يا بني آدم!!
أعَلى الله أن يَعْبأ بالمغرور منكم إذا كفرَ به؟ أعلىَّ أن أعبأ بهذا الطفل كيلا يقول إنه ركلني برجله. . .؟
أيها البحر. قد ملأتك قوة الله لتُثبت فراغ الأرض لأهل الأرض
ليس فيك ممالك ولا حدود، وليس عليك سلطانٌ لهذا الإنسان المغرور
وتجيش بالناس وبالسفُن العظيمة، كأنك تحمل من هؤلاء وهؤلاء قشاً ترمي به
والاختراع الإنسانيُّ مهما عَظُم لا يغني الإنسان فيك عن إيمانه
وأنت تملأ ثلاثة أرباع الأرض بالعظَمَة والهول، رداً على عَظمة الإنسان وهوله في الربع الباقي؛ ما أعظمَ الإنسان وأصغره!
ينزلُ الناسُ في مائك فيتساوَوْن حتى لا يختلف ظاهرٌ عن ظاهر
ويركبون ظهرك في السفن فيحنُّ بعضهم إلى بعض حتى لا يختلف باطنٌ عن باطن
تُشعرهم جميعاً أنهم خرجوا من الكرة الأرضية ومن أحكامها الباطلة
وتُفرقهم إلى الحب والصداقة فقراً يُريهم النجوم نفسها كأنها أصدقاء، إذ عرفوها في الأرض
يا سحر الخوف. أنت أنت في البحر كما أنت أنت في جهنم
وإذا ركبك الملْحِدُ أيها البحر، فرجفت من تحته، وهدَرْتَ عليه وثُرت به، وأريته رأى العين كأنه بين سماءين ستنطبقُ إحداهما على الأخرى فتقفلان عليه، تركته يَتَطَأطأ ويتواضع، كأنك تهزُّه وتهزُّ أفكاره معاً وتُدَحْرِجَهُ وتدحرجُها
وأطَرْتَ كل ما في عقله فيلجأ إلى الله بعقل طفل
وكشفتَ له عن الحقيقة أن نسيان الله ليس عمَل العقل، ولكنه عملُ الغفلة والأمن وطولِ السلامة
ألا ما أشبه الإنسان في الحياة بالسفينة في أمواج هذا البحر!
إن ارتفعت السفينةُ، أو انخفضت، أو مادت، فليس ذلك منها وحدها، بل مما حولها
ولن تستطيع هذه السفينةُ أن تملك من قانون ما حولها شيئاً، ولكن قانونها هي الثبات، والتوازن، والاهتداء إلى قصدها. ونجاتُها في قانونها
فلا يعتبنّ الإنسان على الدنيا وأحكامها، ولكن فليجتهد أن يحكم نفسه
كتبت في شاطئ سيدي بشر (إسكندرية)
مصطفى صادق الرافعي
مصر وقت الفتح الفاطمي
والعوامل التي مهدت لهذا الفتح
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت مصر وقت الفتح الفاطمي، فريسة هينة للفاتح؛ بيد أنها لم تكن كذلك قبل الفتح الفاطمي بنصف قرن فقط. وقد ثابت للفاطميين مذ شادوا ملكهم في إفريقية، نية في غزوها وامتلاكها، فغزوها أكثر من مرة، واستولوا على بعض نواحيها، ولكنهم ارتدوا عندئذ أمام جند الخلافة وجند مصر؛ ذلك أن مصر لم تكن فريسة هينة، وكان يشرف على مصايرها باسم الخلافة جماعة من الجند والزعماء الأقوياء ينظمون مواردها وقواها الدفاعية حين الخطر الداهم؛ وكان الفاطميون من جهة أخرى يغالبون في المغرب خطر الانتقاض المستمر، ويقوم ملكهم الفتي على بركان يضطرم بعناصر الخروج والثورة، حتى لقد كادت دولتهم الناشئة تنهار في المهد تحت ضربات القبائل البربرية الخصيمة وذلك في عهد ثاني خلفائهم القائم بأمر لله. على أن الخلافة العباسية التي استطاعت في فوره من القوة في عهد المكتفي بالله أن تسحق الدولة الطولونية وأن تسترد مصر منها، لم تستطع أن توطد سلطانها الفعلي في مصر، وإن كانت قد استعادت سلطانها السياسي والديني فيها، وكان الزعماء الأقوياء الذين يحكمونها باسم الخلافة مثل تكين الخزري، وذكا الرومي، وابن كيغلغ، وابن طغج، يتمتعون بكثير من الاستقلال، وربما نزع بعضهم إلى انتزاعها من يد الخلافة كما فعل أحمد بن طولون من قبل، وكما فعل محمد بن طغج (الأخشيد) فيما بعد، وكانت هذه النزعة الاستقلالية، ذاتها عاملاً في ضعف سلطان الخلافة في مصر، وفي المباعدة بينها وبين مصر، وقلة اهتمامها بشؤون هذا القطر النائي ومصايره؛ ولكنها كانت من جهة أخرى عاملاً في حرص أولئك الحكام والزعماء الطامحين على الدفاع عن مصر وحمايتها من غارات المعتدين عليها والمتطلعين إلى امتلاكها. وكان جل اهتمامهم في ذلك على جند مصر ذاته، ولكن الشعب المصري لم يكن يعطف دائماً على أولئك الحكام الأجانب خصوصاً ومعظمهم من الفرس أو الترك المستعمرين، فكان الزعماء المحليون ينزعون دائماً إلى منافستهم ومناوأتهم، وكان الجند كثير التمرد والثورة، يتبرم بأطماع أولئك الزعماء وجشعهم في استخلاص أرزاقه؛ فكان تعاقب الولاة ومنافساتهم في تلك
الفترة، وثورات الجند المتكررة، واضطراب الشؤون العامة، وفقدان الأمن، وغلبة الفوضى؛ هذه كلها تزيد مصر ضعفاً على ضعفها، وتدفعها إلى التطلع إلى مصير أفضل من هذا المصير
وبينما كانت الدولة العباسية تجوز مرحلة اضطراب وضعف، كانت دولة خصيمة فتية هي الدولة الفاطمية تسير مسرعة إلى النماء والتوطد؛ وكانت القبائل البربرية التي شدت أزر الفاطميين، وأقامت ملكهم فوق ملك الأغالبة، تحتفظ في هذا القفر بخشونتها وبأسها بعيدة عن تلك العوامل الرخوة التي تحمل عناصر الهرم والفناء إلى دول ومجتمعات يغمرها تيار الحضر والنعماء والترف؛ ولم تكن المعركة الهائلة التي اضطرمت مدى حين بين الدولة الفتية وبين القبائل الخصيمة، وكادت تسحقها في المهد، إلا لتذكى فيها رغبة الحياة وعزم النضال؛ وقد خرجت من المعركة ظافرة قوية، ولكنها أدركت في نفس الوقت فداحة الخطر الذي يهددها من تمرد أولئك الخوارج الأشداء؛ ومع أن الفاطميين استطاعوا فيما بعد أن يدوخوا قبائل المغرب كله وأن ينفذوا بفتوحاتهم في المغرب الأقصى حتى المحيط، فأنهم لم يطمئنوا إلى البقاء في تلك الوهاد الوعرة، ولم يعتبروا أنهم وصلوا بإقامة ملكهم في أفريقية إلى ذروة الأماني والغايات
كانت مصر تلوح لهم خلال هذا القفر النائي درة خضراء؛ وكانت مصر في نظرهم هي ميدان المعركة الحاسمة التي يضطرمون لخوضها مع الدولة العباسية - خصيمتهم السياسية والمذهبية - وقد حاولوا خوضها منذ الساعة الأولى، فزحفوا على مصر أكثر من مرة كما قدمنا، وكما سنفصل بعد؛ ولكن فرصة الظفر لم تكن قد سنحت بعد، واستطاعت مصر بجندها وجند الخلافة أن ترد الغزاة، وشغل الغزاة مدى حين بما يهددهم في أفريقية ذاتها من خطر الانتفاض والفناء. وفي تلك الفترة تطورت الحوادث في مصر وسارت إلى مرحلة جديدة من الاستقرار في ظل الخلافة أيضاً؛ وانتهت المنافسات والثورات العسكرية المتكررة بفوز محمد بن طغج الأخشيد بولاية مصر للمرة الثانية في سنة 323هـ (935م) من قبل الخليفة القاهر؛ وكان قد وليها لأول مرة قبل ذلك بعامين ولكنه لم يدخلها ولم تطل ولايته أكثر من شهر؛ فلما وليها من قبل القاهر سار إليها من دمشق في قواته، فتعرض له أحمد بن كيغلغ حاكم مصر وقتئذ وحاول رده عن ولايتها بقوة السيف؛ ذلك لأن ابن كيغلغ
كان من أولئك الزعماء الأقوياء الذين يطمحون إلى الاستقلال بمصر؛ ولكن ابن طغج هزمه ودخل مصر ظافراً وتقلد ولايتها، وأنعم عليه الخليفة بلقب الأخشيد أو (ملك الملوك)
وكان الأخشيد أميراً طموحاً، وافر الذكاء والشجاعة والعزم، فلم تقف همته عند استخلاص الولاية لنفسه على الشام ومصر؛ ولكنه رأى أن ينشئ فيهما لنفسه دولة مستقلة في ظل الخلافة، وأسرة ملوكية يتوارث السلطان من بعده، على مثل ما انتهى إليه ابن طولون بإنشاء الدولة الطولونية. وهكذا قامت بمصر دولة جديدة هي الدولة الأخشيدية؛ واستقرت الأحوال بمصر في ظل الدولة الجديدة، وانتظمت قواتها الدفاعية، واستطاعت أن ترد الغزاة الفاطميين كرة أخرى (سنة 332هـ) وسطعت الدولة الأخشيدية بمصر مدى حين، وكادت تتنافس في القوة والبهاء دولة بني العباس ذاتها، ولاح مدى حين أن أمل الفاطميين في فتح مصر قد خبا. ولكن قوة الدولة الجديدة كانت ترجع بالأخص إلى أهمية منشئها الأخشيد وإلى قوة خلاله؛ فلما توفي الأخشيد (سنة 334)، وخلفه ولده أنوجور على مصر والشام ثم أخوه علي بن الأخشيد (سنة 349)، وآل تدبير الأمور في عهدهما إلى كافور الأخشيدي خادم أبيهما، أخذ صرح الدولة الجديدة في التصدع؛ ولما توفي علي بن الأخشيد، انتزع كافور الإمارة لنفسه (سنة 355)؛ وقبض هذا الأسود الخصي مدى حين على مصاير مصر والشام؛ ومع أنه كان كثير الدهاء والعزم، فإنه لم يستطع لأن يحول دون تسرب العوامل المعنوية والاجتماعية الهدامة التي كانت تقضم أسس الدولة الأخشيدية، ولم تطل ولايته مع ذلك أكثر من عامين؛ وخلفه في الإمارة صبي حفيد للأخشيد هو أحمد بن علي بن الأخشيد، وتولى تدبير الأمور وزير مصر القوي جعفر بن الفرات؛ ولكن الأمور كانت قد ساءت يومئذ، فكثرت الأزمات واضطربت أحوال الجند والشعب، وظهرت امارات الذبول والهرم على الدولة الأخشيدية ولاح لها شبح الفناء جاثماً في الأفق
وشغلت الدولة الفاطمية في تلك الفترة بشؤونها الخاصة، فلم تعاود كرة الهجوم على مصر منذ سنة 332هـ؛ ومع ذلك فقد لبثت ترقب سير الحوادث في مصر بمنتهى العناية؛ وكانت تعتمد في تنفيذ مشروعها على الشعب المصري ذاته وعلى زعمائه الناقمين على بني الأخشيد، وعلى تمرد الجند الساخط لانتقاص أعطيته؛ وقد كان فريق من أولئك الجند هم الذين دعوا الفاطميين إلى غزو مصر وقت أن غادرها ابن كيغلغ منهزماً أمام الأخشيد
لسحق الدولة الأخشيدية. ولما توفي كافور، واضطربت أحوال الدولة، وتعارضت الآراء في مسألة الولاية والحكم، وكثر التنافس على السلطة، وقلت أعطية الجند، كتب بعض زعمائه إلى الخليفة الفاطمي المعز لدين الله يدعوه إلى فتح مصر؛ واشترك في هذه الدعوة رجل من أكابر رجال الدولة في عهد كافور، هو يعقوب بن كلس؛ وكان الوزير جعفر بن الفرات قد قبض عليه عقب وفاة كافور وزجه إلى السجن وصادر أمواله فما زال يسعى حتى أفرج عنه؛ وفر من مصر إلى المغرب ودعا المعز إلى فتح مصر، ووصف له خصبها وغناها، وضعفها واضطرب أحوالها؛ وقد كان لابن كلس هذا فيما بعد أعظم شأن في الدولة الفاطمية بمصر في عهد المعز وولده العزيز
وقد رأى الفاطميون في موت كافور خاتمة لذلك الاستقرار الذي تمتعت به مصر في عهد بني الأخشيد، ولم يفتهم أن يلاحظوا عوامل الانحلال والوهن التي سرت سراعاً إلى قوى مصر المادية والمعنوية. والواقع أن مصر كانت تعاني من تقلب الزعماء والدول أسوأ الآثار في مواردها وفي نظمها الاجتماعية وأحوالها المعنوية، وكانت تلك القوة التي تسبغها الزعامة المؤقتة على مركزها خلباً، وكان الشعب مطية المتغلب يسوقه إلى الحرب والسلام طبق أهوائه، ويستنفد موارده وأرزاقه في بذخه ومشاريعه، وكانت العاطفة القومية تتبرم بهذه السيادة الأجنبية التي تمثلها قصور لا تصطبغ بصبغة قوية من العروبة أو الزعامة الدينية، كذلك كانت الأزمات الاقتصادية الخطيرة التي تنتهي غالباً بالغلاء والوباء تفعل فعلها في إذكاء عواطف السخط والاستكانة واليأس؛ وقد كانت مصر وقت الفتح الفاطمي (سنة 358هـ) تعاني مصائب الغلاء والوباء، ويقال إنها فقدت من أبنائها في تلك المحنة زهاء ستمائة ألف وكان ذلك بلا ريب عاملاً في إضعاف قواها الدفاعية وفي زهدها في النضال والمقاومة. أضف إلى ذلك كله ما كانت تعانيه مصر يومئذ من ضروب الانحلال والفساد الاجتماعي الشامل؛ وقد انتهت إلينا في ذلك رواية إذا صحت فإنها تمثل ما كان لتلك الظاهرة يومئذ من أهمية في إذكاء همة لفاطميين لفتح مصر؛ وخلاصة هذه الرواية أن أم الأمراء (زوجة الخليفة المعز) أرسلت إلى مصر صبية للبيع فعرضها وكيلها في السوق وطلب فيها ألف دينار، فأقبلت إليه امرأة أنيقة فتية على حمار وساومته في ثمنها واشترتها منه بستمائة دينار، وعلم الوكيل أن هذه السيدة الأنيقة هي ابنة الأخشيد محمد بن
طغج وأنها اشترت الصبية لتستمتع بها لأنها تهوى الصبايا الحسان، فلما عاد إلى المغرب حدث المعز لدين الله بأمرها، فدعا المعز شيوخ القبائل، وروى الوكيل لهم حادث الصبية، وعندئذ قال المعز: يا إخواننا انهضوا إلى مصر فلن يحول بينكم وبينها شئ، فان القوم قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتع بها، فقد ضعفت نفوس رجالهم وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا بنا إليهم
وفي هذه الأقوال التي ينسب قولها عن مصر للمعز لدين الله صورة بارزة لما يسود المجتمع المترف الرخو من عناصر الهدم. وقد كان هذا شأن المجتمع المصري في خاتمة كل فترة من النهوض والقوة: ففي نهاية الدولة الطولونية انتهى المجتمع المصري، بعد فترة قصيرة من الفتوة والبهاء والقوة، إلى نوع من الانحلال والتفكك مهد لسقوط الدولة الطولونية وعود السيادة العباسية؛ وقد كان هذا شأنه في خاتمة الدولة الأخشيدية التي سطعت في عهد مؤسسها لمدى قصير فقط. وقد نشأت الدولة الفاطمية وترعرعت في قفار المغرب، في مهاد البساطة والخشونة والفتوة؛ وانتهت في هذا الوقت الذي أزمع الخليفة الفاطمي فيه فتح مصر، إلى ذروة القوة والفتوة والرجولة إذا صح التعبير. وإليك رواية عن المعز تقدم إلينا صورة قوية مؤثرة عن تلك الروح الخشنة الوثابة التي امتازت بها الدولة الفاطمية في تلك الفترة من حياتها: استدعى المعز في يوم بارد إلى قصره بالمنصورية عدة من شيوخ كتامة، وأمر بإدخالهم إليه من باب خاص، فإذا هو في مجلس مربع كبير مفروش باللبود وحوله كساء وعليه جبة وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب وبين يديه دواة وكتب؛ فقال يا إخواننا أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء، وإنها الآن بحيث تسمع كلامي: أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والخمر والقباء، كما يفعل، أرباب الدنيا، ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم، واحتجبت عنكم؛ وإني لا أفضلكم في أحوالكم إلا بما لا بد لي منه من دنياكم وبما خصني الله به من إمامتكم؛ وإني مشغول بكتب ترد علي من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطي؛ وإني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما يصون أرواحكم ويعمر بلادكم ويذل أعدائكم ويقمع أضدادكم، فافعلوا يا شيوخ في خلواتكم مثلما أفعله، ولا تظهروا التكبر فينزع
الله النعمة عنكم وينقلها إلى غيركم، وتحننوا على من ورائكم ممن لا يصل إلي كتحنني عليكم ليتصل في الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثر منهن، والرغبة فيهن، فيتنغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، وتضعف نحائزكم، فحسب الرجال الواحد الواحدة؛ ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم. واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به، رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب بكم؛ انهضوا رحمكم الله ونصركم
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان
(النقل ممنوع)
حول الأوزاعي (ثالثا)
للأستاذ أمين الخولي
. . . ولا مفر لي من أن أعد قراء الرسالة ألا أعود إلى هذا الموضوع بعدها؛ ثم سلام على الأخ السيد السنغافوري، وانتصاحٌ خير انتصاح بنصيحته في أن أعدل منطقي؛ وجزاه الله عن هذه النصيحة خير الجزاء؛ ولعله يعمل معي على هذا الإصلاح الرشيد الذي أبادر عليه، فيدعني أضع بين يديه هذه النقط ليصلحها كما يشاء، وله أن يبعث إلى هذا الإصلاح بأي طريق يؤثره. وربما لا يكون لقراء الرسالة بهذا الإصلاح اهتمام فليجعله - إن كان ذلك - بيننا خاصاً
يا سيدي؛ فسرت في حديث عن الأوزاعي التأثر الروماني، بالتأثر بالثقافة والبيئة الذي لابد من تقديره؛ فكتبت تقول لي إن القانون الروماني الحديث مأخوذ من الفقه الإسلامي؛ وإذ ذاك قلت لك هذا الرأي قديم نشر في مصر ولا يؤثر في قولي؛ فقلت لي إني أكتب ذلك للقراء، لا لك وحدك. والذي نشر في الكتب المطبوعة منذ ربع قرن؟ أليس هو للقراء؟ أم مهمة الرسالة أن تذيع ما في الكتب؟ أم أين منطقي. . . وأقول لك لا يؤثر على قولي ولا يتصل به من قرب، فترى من اللازم أن أجيب عن كل ما كتبت أنت وأبسط للقراء رأيي مدعماً ببراهين لا تنقص - على الأقل - عن براهين مناظري؛ ولكن لم أكن مناظرك في هذا، ولا عرضت له؛ وعنونت كلمتي الثانية أيضاً كما عنونت هذه الثالثة، حول الأوزاعي؟ فلا أنا فتحت البحث ولا أنا أردت الخوض فيه؛ وستعرف آخر الأمر لماذا ذلك؛ فالآن أين منطقي. . وأقول لك وقتي - وقتي أنا - وعملي وواجبي ومصالحي، فتقول لي لماذا يضيق الوقت ذرعاً بالخوض في هذا البحث وحده، فبربك أين منطقي؟. . . وأقول لك حين تسوي بين الأخذ والتأثر أنهما متغايران والثاني منهما قد يكون حاداً قوياً، وهو متاركة ومجانبة واحتياط من المخالطة، فلا يعجبك ذلك. وتحدثني عن سد الذرائع، كأنك تريد أن أخوض معك مناظرة أصولية، ولما نفرغ من المناظرة في تاريخ القانون، التي تجبرني عليها، حين تزعم أن أصل البحث الذي نحن فيه أنه وجد في الفقه الروماني تشابه مع الفقه الإسلامي فهم منه البعض وجود علاقة بين الفقهين، وعلم الله أني أرد العلاقة إلى أبسط من هذا التشابه وذاك الأخذ الذي تحب أن تتكلم فيه، فتجبرني على
المناظرة فيما لا أرى القول فيه أو أكون هارباً منك، فأين منطقي. . .؟
وأقول لك إن قانون البيئة والثقافة ينطبق على الإسلام تمام الانطباق، فتقول لي إنك تريد أنه خارق لا ناقض وتفرق لي بينهما، وفي منطقي - المريض - أن الناقض والخارق كلاهما مخالف وأنا أقول إنه موافق، فما التفريق بين الناقض والخارق؛ وأين منطقي. . .
وتقول إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة وفي زمن واحد. فأقول لك نمت وزادت وتغيرت بالزمان والمكان واختلف فيها اختلاف هائل؛ فتقول لي إنما أريد الأصول والحدود والفرائض؛ وهل وجود الأصول هو وجود فهم الأصول والاختلاف فيها، والتطبيق عليها؛ وأين منطقي. . .
وأقول لك إن بعد المرامي القرآنية سبب للاختلاف، فتحتج في الرد على هذا بأمر علي لابن عباس أن يتوخى الجدال بالسنة حرصاً على ألا يخطئوا في فهم القرآن وتأويله، وهو عين ما أقوله من تسبيب الاختلاف، فأين منطقي. . .
وأقول لك عدم صراحة النصوص من أسباب الاختلاف، فتقول السبب الأكبر هو كذا، وهذا عندي هو السبب الأكبر، وهل وجود السبب الأكبر - عندك - ينفي السبب، أو الأسباب الكبيرة، والصغيرة وو. . .، وأين منطقي
وأقول لك اختلف الأدباء في فهم معنى الكذب في القرآن واستعماله فيه، فتقول لي فرق بين رسوم الألفاظ وحدودها المنطقية وبين صرائح مؤدياتها اللغوية، وهل ليست مؤدياتها هذه هي معانيها وما يفهم منها، وهل ليس هذا هو ما يحدد ويقدر حين يراد التفريق الدقيق والفهم المحلل والمحرم، وإلا فما هذه الحدود المنطقية وما تلك المؤديات التي تختلف عند السيد. . . وأين منطقي. . .؟ إن منطقي لم يفهم مطلقاً أن خطبة حجة الوداع يفهمها المسلم اليوم بمثل ما فهمها المسلم سنة عشر من الهجرة دون خلاف، لأن الألفاظ يغيرها الاستعمال، وتوسعها وتضيقها الظروف الحيوية والأدبية وغيرها، وهذا معنى قاله قدماء أدبائنا وقاله أصوليونا حين طلبوا فهم القرآن بمثل ما كانت تفهم العرب وقت نزوله، لا بغير ذلك من المعاني؛ ثم منطقي هذا لم يفهم الكلام في التفريق بين العربية وما تطور من اللغات حتى كاد ينقطع عن أصله الأول قبل مائتي سنة، لأنّا لم نكن بصدد دراسة مميزات العربية، بل بصدد صراحة آيات الأحكام ووضوح مراميها أو وقوع المشترك فيها، لا لبعد
المرمى الدقيق الإعجاز فقط
وتقول إن أغلب النصوص الفقهية من السنة، فلا أفهم ذلك، فتحتج عليه بأن السنة مبينة للكتاب، فهل البيان يثبت الأغلبية والأكثرية وهي أمر إحصائي؟ ثم كيف غلبت وهي تابعة لأصل هو الكتاب لا تجئ بما ليس فيه، فكل ما فيها فيه، فما هذه الأغلبية، وأين منطقي. . . أصلح الله شأني وأصلح شأنك إن قبلت مني هذه الدعوة في غير غضب، وإلا فدع نصيبك منها لي كله
وأقول لك تتأثر الأمم بميراث بعضها؛ فتقول لي قد مضى على الرومان قرن وأكثر، ولم يبق من ثقافتهم عين ولا أثر؛ فرحم الله أسلافنا وعوضنا خير العوض في بعيد ماضينا الذي حالت عليه أحوال وتقلبت أزمان؛ ورحم الله منطقي مع هذا التراث، ما دام قرن أو أكثر لا يدع عيناً ولا أثراً، وما دامت الحياة في الدنيا جارية على القلع والغرس، بل ليتها جارية عند السيد على ذلك، فإن البرسيم يسمد الأرض عندنا للقطن؛ والغارس في مكان القلع مستفيد من المقلوع عند الفلاحين لا عند منطقي أنا. . .
وإذا رأيت أن الإسلام يؤثر ولا يتأثر، فتلك منك رغبة في إكرامه، لعله لا يحرص عليها، لأنه لا يحب أن يخالف سنن الله التي لا تتبدل
وقلت: (الواجب ألا يعتقد مسلم خلافه هو كذا وكذا) فقلت لك فهذا الاعتقاد أصل من أصول الإسلام لا يصح أن يجري فيه الخلاف إذن، فعجبت من ذلك، وسألتني بأي منطق استنتجت من قولك ذلك، وأقول لك إنه بهذا المنطق المحتاج إلى الإصلاح وقع هذا الكلام في عبارتك ففهمته، ثم كنت ذكرت يا سيدي في هذا المجال أول ما ذكرت: الضلال والزيغ ومحاربة الإسلام فتركت لك ذلك أولاً ثقة بجميل غيرتك؛ وأما الآن فأقول لك: إن هذا الكلام الذي كنت ذكرته عن عجبك من وزارة الأوقاف الإسلامية كيف تقول كذا وكذا في الفقه، ومني كيف أقرر هذه الضلالة وأفسرها؛ هذا الكلام كله هو الذي يجعلني أفهم - ولو لم تقل - أنك ترى هذا أصلاً من أصول الدين يكفر منكره؛ ولا تتأول للمخالف فيه حتى يهون أمره عليك ولا تغضب
وأخيراً أقول للسيد بجرأة المؤمن، وواجب النصح، ولو غضب أو قذف: أولى لي - أنا أولاً - ثم لحضرتك ثانياً، أن تدع المناقشة في تاريخ القانون الروماني لدراسة يحق لها أن
تتكلم في هذا أو ترتئي فيه؛ لا لمقال ينشر في سنغافورة بعد خمسة وعشرين عاماً من نشره في مصر؛ وهو كل بضاعتنا وما تدور عليه مناقشتنا. والأمثل لنا أن ندرس فقهنا درساً جيداً، وندرس تاريخه درساً عميقاً؛ ويدرس قوم منا الرومان وتاريخ قانونهم، ثم نلتقي بعد ذلك لنبحث عن الحقيقة، ونتعاون على الوصول إليها، لا لنكفر كل قائل، ونتهم كل متكلم، ونتحدث عن الرومان والإسلام واليونان والعرب والفرنجة والمستشرقين والمبشرين في صفحة وبقطرة مداد واحدة. تلك نصيحتي إليك يا سيدي أكررها جزاء لك على خالص نصحك لي بأن أغير منطقي؛ وإني لعلى أتم استعداد لتغييره لو كان منطقي أنا، لكنما المنطق وحده عقلية إنسانية لا يد لي فيها ولا يد لك بتغييرها. فنبهني أصلحك الله إلى ما أحيد عنه من منطق الإنسانية، ولا تخلق لنا منطقاً خاصاً بنا فننعزل عن الدنيا؛ وكفانا ما كان من عزلة وانقطاع. وهذا الذي بينت هو الذي منعني من الخوض معك في مناقشة العلاقة بين القانونين - الروماني والإسلامي - وهو الذي تجنبته منذ كتبت أول ما كتبت وحين كتبت آخر ما كتبت
وإذا كنت - وحق المنطق وكرامة العقل - لم أغالطك مطلقاً، فإني وحرمة الأخوة الإسلامية لم يدر بخلدي أن أحقرك بل أنا أحقر من ذلك، والحق أجلُّ مني ومنك. والسلام عليك ورحمة الله
أمين الخولي
إلى الشيخ اللغوي. . . و (فلان)
الوظيفة والموظفون
للأستاذ علي الطنطاوي
اعلم - أعزّك الله - أن الوظيفة ليست غُلاًّ في العنق، ولا قيداً في الرجل، وليست مقايضة أو مباددة، آخذ فيها الوظيفة باليمين، لأعطى الوجدان بالشمال؛ ولو أنها كانت كذلك، لعزفت عنها وأجوبتها، ونفضت يدي منها، ولآثرت أن أبيع خزانة كتبي كرّة أخرى، أو أقضي وأسرتي خمصا، على أن آكل خبزي مغموساً بدم الضمير. . . وعليّ أن أكفر بالفضيلة، وأومن بالمصلحة، فأزن كلّ شيء في الدنيا بميزان صنجاته الدنانير، وأبصر كلّ ما في الكون من ثقب القرش، وأفكر إذ أفكر بعقلي الذي في كيس نقودي، لا بعقلي الذي في رأسي، فاختزل المنطق كله في قضية واحدة، هي الأولى والأخرى، وهي الحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي الكتاب المعجز الذي لا يُفرط فيه من شيء، ولا يعجزه شيء، فيكون المنطق كله هذه القضية: تحصيل المال واجب، وفي هذا الأمر تحصيل مال، فهذا الأمر واجب. . وضَع مكان (هذا الأمر) ما تشاء من أفعال اللؤم والخسّة، والكذب والنّذُولة، والضّعة والفُسُولة، تنتظم القضية وتستقم، وتصح وتطرد. . . . . ولا يبقى في الدنيا رديء ولا فاسد، ولا منكر، ما دام معه المال!
لا - يا سيدي - لست أسلك هذه الطريق التي لا أزال أحذر منها من لم يسلكها، وأصرف عنها سالكيها، وإن كان السالكوها هم الكثرة من موظفينا وعلمائنا، ومن كل ذي وظيفة، أو صاحب صلة بالحكومة، حتى أن الرجل من هؤلاء ليأتي الأمر يعترف أنه مؤذٍ للأمة، منافٍ للفضيلة، مناقضٌ للشرف، فيحتج له بأن مصلحته تقتضيه، ومعيشته تستلزمه، وأنه رجل (عاوز يعيش. .) ولا يعيش من لا يساير وينافق، ويذل ويتزَلَّف، لا يدري الجاهل أن المعيشة على الصَّعتر مع الشرف، خير من حياة النعيم والترف، من غير فضيلة ولا شرف!
ومن أنبأك - أعزّك الله - أن الموظف لا يحق له أن يفكر إلا بعقل رؤسائه، ولا يرى إلا بعين امرأته، فلا يحقق من الآراء ما أبطلوا، ولا يقبل ما ردّوا، ولا يوقر ما سفّهوا، ولا يرى ما استقبحوا حسناً، ولا ما كتموا ظاهراً، ولا ما صغّروا كبيراً، ولا ما عظموا حقيراً؟
أو لو كان رؤساؤه مخطئين، أو لو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟
ومن ذا حظر عليه ما أبيح للناس، ومنعه ما منحوا من حرية التفكير، وحرية الرأي، وحرية القول، ولماذا يشتهي من الطعام ما يعافه رئيسه، ويستحسن من أبيات الشعر وأصوات الغناء ما يستهجنه ويستثقله، ولا يكون عليه في ذلك من حرج، ثم لا يتخذ له من الآراء غير رأيه، ومن المذاهب غير مذهبه؟ ولماذا لا ينشر هذا الرأي، ويؤيد هذا المذهب، ما دام لا يأتي محرماً في الشرع، ولا ممنوعاً في القانون؟. .
والوظيفة - يا سيدي - عقدٌ بين الدولة والموظف، على أن يعمل عملاً بعينه، على جُعْلٍ بذاته، أفهل يعمل الأجير في الدكان، والعامل في المصنع، والنادل في الفندق، والخادم في البيت، وكلُّ مأجور من الناس في عمل جلَّ أو قلَّ، علا أو سفل، فإذا أكمل عمله وجوّده، استحق الأجر، وانطلق حراً في وقته، يقضيه على ما أحب، حراً في ماله ينفقه على ما شاء، حراً في رأيه ينحو به النحو الذي أراد، ويسوقه المساق الذي اختار. . . ثم لا يكون الموظف حراً أبداً، ولا يملك من أمر نفسه شيئاً؟
وماذا عليّ وأنا مدرس إذا أنا أعددت درسي وألقيته، وقرأت وظائف تلاميذي وصحّحتها، وفعلت كل ما يوجب عليّ القانون أن أفعل وزدت على الواجب النوافل، أن أُؤلًّف وأكتب، وأنقد الأخلاق والكتب والعادات، وأساهم في الجهاد الإصلاحي، وأحمل القسط الذي أطيقه من أثقال الأمة، ومن ذا يحمله إذا لم أحمله أنا وأمثالي من الموظفين والمتعلمين؟ وكيف تتقدم الأمة وتسير في طريقها إلى غايتها، إذا لم تجد من أبنائها من يحمل أثقالها؟
أفهل يريد سيدي - أعزّه الله - أن أمحو ملكة الكتابة من رأسي، وأطمس نور البصيرة من قلبي، وأسدل على عيني حجاباً حتى لا أرى فأسرّ فأشكر، أو أبتئس فأنقد، وأهجر الكتب حتى لا أقرأ فيفتح على الكتاب طريقاً إلى مقالة، وأعتزّل الناس حتى لا أسمع حديثاً فأكتب هذا الحديث، أو قصة فأدون هذه القصة، وأدل على مكان العبرة منها، وموطن العظة فيها؟ أفهل يريد سيدي أن أذهب إلى غار في الجبل فأحبس نفسي فيه كيلا أكتب فأزعج حضرته؟
أو هل توجب الوظيفة على صاحبها أن يكون عبداً لرؤسائه، مسخراً لأغراضهم ساعياً في مصالحهم، ولو كانت الطريق إلى إرضائهم طريقاً ملتوية معوجة لا يسلكها رجل يعرف ما
هي الفضيلة، ويدري ما هو الشرف؟
وهل توجب الوظيفة على الموظف أن يكون مبتوراً من جسم الأمة، فلا يشعر بشعورها، ولا يألم لألمها، ولا يحس أنه منها، ولا يشاركها في شئ من عواطفها، في حين أن المفروض في الموظف أنه من أرقى أبناء الأمة فكراً، وأوسعهم اطلاعاً، وأشدهم شعوراً (بالواجب العام)؟
أو هل يأخذ الموظفون رواتبهم من صندوق الأمة، ثم ليناموا آمنين إذا هي خافت، ويضحكون فرحين إذا هي تألمت، وينعموا فارهين إذا هي شقيت، ويأكلوا مسرفين إذا هي جاعت؟
كلا! كلا يا سيدي، فالموظف من الأمة وإلى الأمة، وليس في البلد شعب وموظفون، ولكنّ فيه شعباً واحداً، يشعر بشعور واحد، ويصدر عن مبدأ واحد ويسعى إلى غاية واحدة، ولأن تعرف أنت هذه الحقيقة فتعمل بها، أولى من أن أنزل أنا على رأيك، وأخضع لإرادتك، فيما يؤذي الحقيقة وينافيها
كلا! لقد انقضى ذلك العهد كان الموظف فيه مسؤولا أمام رئيسه، وأصبحنا اليوم وكلنا مسئولون أمام الأمة والتاريخ؛ وليس هذا الراتب منحة منك حتى تمنّ به عليّ، ولكن راتبك أنت منحة من الأمة - التي أنا من أبنائها تمن هي بي - عليك!
وبعد؛ أفليس مما يجب على قادة الفكر، وأرباب الأقلام، أن يعرّفوا الناس حقيقة الوظيفة والموظفين، وحق الأمة عليهم، وأمل الأمة فيهم؟ أوليس يجب عليهم معالجة هذه النواحي من أخلاقنا، وبسط الكلام فيها، وتحذير السالمين منها، ومداواة المصابين بها؟. . .
علي الطنطاوي
إلى الأستاذ محمد كرد علي
أغراض الاستشراق
للأستاذ محمد روحي فيصل
العجالة التي أسوقها اليوم إنما كتبت منذ عهد بعيد، وهي كما ترى أو كما سترى تحكي أغراض المستشرقين الدينية والسياسية، وتبين البواعث النفسية التي قام عليها تاريخ الاستشراق، وتعدد ألوان التخاذل العلمي والوجداني التي خضعت لها هذه الطائفة منذ نشأتها الأولى! ولقد كنت أريدها دراسة قوية مستفيضة موفقة تشرح ما تتوغر به صدور القوم من الحقد والموجدة، وتفضح ما ألم بالقلوب من النزوات البشعة والأهواء المريضة؛ وأذكر أني ما قرأت كلمة في هذا الصدد لكاتب من الكتاب إلا أعادني الحنين إلى تكملة ما شرعت فيه قديماً، واستئناف تبيان ما عميت أو تعامت عنه البصائر والأفهام
كان يعوقني عن ذلك أمران، هما الدعامة التي ترتكز عليها أسباب الكتابة والنشر، أولهما فقدان الصحيفة العربية الإسلامية الشرقية التي ترحب ببحوث كهذه التي نعتزم إذاعتها في الناس، والتي تشجع الكاتب الباحث على المضي فيما أخذ به نفسه من الدراسة الحرة الخالصة؛ وثانيها غموض الحجة وهلهلة المنطق والتواء التاريخ للظهور على المستشرقين والتغلب على مزاعمهم ودحض آرائهم واثبات خطئهم؛ فليس يكفي عندنا أن نتهمهم في إبهام، ونبغضهم لغير سبب، ثم نحمل عليهم ونرشقهم بقارص الكلام وعنيف السباب؛ إذن لتجنينا عليهم فظلمناهم ظلماً كبيراً، ولكانت دعوانا التي نتقدم بها عاثرة خاسرة!!
أما الصحيفة العربية الإسلامية فقد عثرنا عليها واهتدينا إليها، و (الرسالة) السمحة لن تضيق أبداً بما تعتقد أنه الحق، أو تتبرم بنفي ما غشى العرب والإسلام من ضعة الخطأ والعدوان، وهي المجلة الراقية التي تعتز بالكرامة وتعتصم بالنبل ثم تصل الماضي بالحاضر وتربط الشرق بالغرب على هدى وبصيرة؛ وأما الحجة والمنطق والتاريخ فقد توفرت لدينا وأسلست عناصرها لنا واتضحت في ذهننا، وإنا لنرجو أن نؤثر في الأسلوب والعرض جانب الحق والإنصاف والهدوء على جانب التحامل والملامة والغضب
وأحب قبل كل شيء أن أقول لعلامة الشام الأكبر ومؤرخها البارع الأستاذ محمد كرد علي إنه إذا قدر أن ينشر المستشرق برتزل كتابي المقنع والنقط نشراً حسناً ويضع لهما فهرساً
خاصاً يسهل على المطالع أمر المراجعة والتنقيب، فما ينبغي أن توجه الشكر والثناء إلا للناشر الفاضل وحده، أما أن ترسل الكلام إرسالاً وتمتدح المستشرقين كافة فهذا ما ينكره العلم ولا يرضاه الحق، فتقول:(هذه عناية علماء المشرقيات بكتب الإسلام، أما خاصة أهله اليوم فساهون لاهون! وليت سادتنا علماء الأزهر والمعاهد المماثلة في القطر وأساتذة العلوم وغيرهم يتروون في عمل هؤلاء الأعاجم، وقد كان عليهم أن يأخذوا باليمين آثار السلف ليحيوها قبل أن تنتظر في الخزائن عطف الغرب. إننا مدينون لعلماء المشرقيات من الهولنديين والجرمانيين والفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين والأسبانيين وغيرهم من شعوب أوربا وشمالي أمريكا بما تفضلوا به علينا من نشر أسفارنا، أحسن الله إليهم بقدر ما أحسنوا لمدنيتنا وآدابنا)
لقد تعودنا أن نكيل المديح للمستشرقين كيلاً، وأن ننعت جهودهم بأنها بذلت لخدمة لغتنا وأدبنا وتاريخنا، وأن ما نشروه من البحوث والمخطوطات إنما كان لذات العلم خالصاً، ونرانا نرجع إليهم كلما اختلفنا في رأي أو حزَّ بنا أمر لنستوحي منهم الحكمة وفصل الخطاب. هم يتمتعون منا بثقة لا حد لها، ولكن هل عرفنا أغراضهم وغاياتهم؟ هل تبينا حقيقة مقاصدهم؟ ذلك ما نحاول الكشف عنه اليوم، وسيتضح لكل ذي عينين باصرتين أن وراء الأكمة ما وراءها. . .!!
ولسنا ننكر أن بين المستشرقين طائفة معتدلة قد أخلصت في دراستها الإخلاص كله، فنظرت إلى الأدب العربي والتاريخ الإسلامي وإلى كل ما أنتجه الشرقيون من دين وعلم وفلسفة نظرة مجردة عن الهوى كما يتطلبها البحث العلمي الحديث، وهي لذلك تستحق أجزل الثناء، بل إنها لما ينبغي أن نفاخر به أبد الدهر، إلا أن أفراد هذه الطائفة إذا عدُّوا لا يتجاوزون عدد الأصابع، وهم إزاء هذه الكثرة الهائلة المغرضة من المستشرقين لا يذكرون شيئاً؛ وقد قيل إن النادر لا حكم له. فأنت لو تصفحت هذه الأسماء: مرجليوث، لامنس، ماسبرو، دي ساسي، فلوغل، كارليل، كولنبرك، جنستون، ستونتن، هوغتن، غابلنتس، سيدليو، كوسان دي برسفال، كلابروت، جيب، دي لاغرانج رينو، مونك، يرون، كازميرسكي، كسغارتن، برنستين، فتزر، وولف، بورغستال، جونس، غوتوالد، كريستيا نوفتش، خانيكوف، بوتجانوف، سيانكوفسكي، سافلياف، غريغورياف، تورنبرغ، دوزي،
بروكلمان، غويدي، غولد زهير، هيار، فمبري، زترستين، ناللينو، هوداس، موسل، بيكر، دي فو، ماسينيون، هرغروني، فولرس، ارنولد، مورتمان، لشالتييه، بوفا، كاباتون، هاليفي، مكدوبل، دوفال، بارت، ليفي، كازانوفا، شوفين، كولينيون، دافيدس، لامبروز، نافيل. لشككت في حسن الغاية من أعمال الكثير منها، ولحرصت على أن تقصر الثناء على بعضها في تحفظ واعتدال!!
كان الباعث الأصلي للأوربيين على تعلم اللغات الشرقية دينياً محضاً. فقد هالهم أمر العرب، وأدركوا سريعاً أن هؤلاء القوم الفاتحين إنما يريدون فيما يريدون الاستيلاء على أوربا بأسرها لنشر تعاليمهم الجديدة والقيام بما أوصاهم به سيدهم الأعلى ونبيهم الكريم محمد بن عبد الله، والتاريخ يحدثنا أنهم امتلكوا حقاً أسبانيا الواسعة، وأجتاحوا جزءاً كبيراً من جنوب فرنسا حتى مدينة بواتيه أو بلاط الشهداء كما يطلق عليها مؤرخو العرب، ثم احتلوا جزيرة صقلية وشرعوا في بسط نفوذهم الأدبي على إيطاليا. . . وإيطاليا كما تعلم معقل المسيحية الحصين، ومصدر أشعة الدين، فعزم الغربيون على أن يحاربوا الإسلام والشرق بكل قواهم متخذين جميع الوسائل الفعالة
لجأوا إلى السيف أولاً فقاتلوا وقاتلوا حتى إذا لم يفلحوا كل الفلاح ولم ينالوا ما يبتغون عمدوا إلى وسيلة أخرى أمرُّ من تلك وأدهى! فقد عقدوا مؤتمراً كبيراً في فينا عام 1311 ميلادية ترأسه البابا كليمان الخامس، وقرروا أن تؤسس في باريس وبولون واكسفورد وسلمنكة مدارس خاصة تدرس فيها العربية والعبرانية والكلدانية لتخريج وعاظ أشداء يستطيعون تنصير المسلمين واليهود أو تشكيكهم فيما فيه مؤمنون. وأنشأ الدومينيكان والفرنسيسكان في أديارهم دروساً في هذه اللغات، فغدت إيطاليا في ذلك العهد موطن علم المشرقيات. على أنهم كانوا يعنون بصورة خاصة بالعربية والعبرية، يأخذون الأولى عن السوريين الموارنة كبني السمعاني، والثانية عن الأحبار الربانيين. فانتشرت العربية بين الطليان انتشاراً عظيماً، حتى أن تجار البندقية وجنوة وبيزا ونابولي كانوا ينظرون إلى أن تعلمها من الحاجات الماسة للحياة على نحو ما ننظر اليوم إلى اللغة الفرنسية أو الإنجليزية. وعقيب اختراع الطباعة كان قانون ابن سينا أول كتاب عربي طبع في روما. ولما قامت الحركة البروتستانية في القرن الخامس عشر وأمدها لوثر بروحه ازدادت عناية الغربيين
بالعبرية والسريانية والكلدانية للبحث عن النص الأصلي للتوراة، وتتبع ذلك قيام البابا غريغوار الثالث عشر وأُربان الثامن بتعليم اللهجات الشرقية عملياً ليستفيد منها المبشرون بالنصرانية. وفي عام 1627 أنشئت مدرسة (انتشار الإيمان) التي خرَّجت الألوف من علماء المشرقيات؛ وكذلك أنشئت في فرنسا على عهد الوزير كولبير مدرسة (الشبان) التي أذاعت الفارسية والتركية وكثيراً من القصص الشرقية كألف ليلة وليلة وغيرها من الرسائل. وفي نهاية القرن السابع عشر نشر اليسوعيون أتباع لوَيُّولا اللغتين اليابانية والصينية وثقافتهما
على أن الاستشراق بعد ذلك قد تبدلت بواعثه، فغدا يخدم السياسة بعد أن كان يخدم الدين، ذلك لأن في القرن الثامن عشر ظهرت طائفة من الكتاب كفولتير وغيره حملت على الدين ورجاله جملة منكرة، وتناولته بالسخرية والتهكم المر، غير مبقية على شيء من احترامه القديم وسلطانه النافذ؛ ولأنه قامت في ذلك الحين ضجة الاستعمار وثار الغرب على الشرق يريد استعباده. فوضع المستشرقون أنفسهم تحت تصرف رجال السياسة، يُدلون إليهم بما يعلمون عن الشرقيين لتتمكن أقدامهم في بلاد الشرق، وتكون لهم على أهله سلطة خالدة.!!
ونلاحظ في هذا الطور الجديد تأليف الجمعيات في مختلف المدن الشرقية، فقد أنشأ المستشرقون جمعية العلوم والفنون في باتافيا عام 1778، والجمعية الأسيوية في لبنغال عام 1784، والجمعية الأسيوية في بومباي عام 1805، والجمعية الأسيوية في باريس عام 1822؛ وقد بذلت هذه الأخيرة جهوداً جبارة في دراسة الشرق ولغاته وتاريخه لا سيما اللغة العربية والعقلية العربية والثقافة العربية وما يتصل بذلك كله من دين وفلسفة، وعلم وأدب، لتقدم للحكومة آخر السنة تقريرها المعروف الذي لا يضم بين جوانبه حقائق تمليها لعدالة ويبعثها الواقع، وإنما ينطوي على سموم من الحقد وأثر من المغالطة! وهذه المجلة الأسيوية التي ما تزال حتى الآن تصدر في باريس مرة كل شهرين إنما هي أثر من آثار هذه الجمعية. . .
لقد كان المستشرقون على اتصال دائم بوزارة الخارجية ووزارة المستعمرات، يترددون على رجالاتهما لمعرفة ما جدّ وتغير من القرارات، وأن هذه البعثات التي يقومون بها إلى بلاد الشرق بين حين وآخر ليست بعثات علمية كما يزعمون تقصد وجه العلم خالصاً؛
وإنما هي في الحقيقة بعثات سياسية مصدرها هذه الرؤوس المفكرة الماكرة الجاثمة في الوزارتين المذكورتين، تطوف أنحاء الشرق باسم منقبة باحثة، حتى إذا ما ملأت حقائبها بما تريد عادت إلى وزارة الخارجية ووزارة المستعمرات تصب فيهما معلوماتها طروبة فخورة! وكثيراً ما كانت هذه البعثات (العلمية) تمنع من دخول بعض البلاد الشرقية، وقد تطرد منها أحياناً على أسوأ حال!!
وبعد، فلو نظرنا إلى بحوث علماء المشرقيات التي خطوها عن الأدب العربي والعقلية العربية، وفلاسفة العرب لاستخرجنا من ثناياها براهين جمة تبين لنا بوضوح كيف تندفع هذه الطائفة وراء الهوى والغرض لتثبت قضية من القضايا على أساس تجاهل الواقع وطمس الحقيقة؛ هذه نظرية (السامية والآرية) التي يؤمن بها أغلب المستشرقين والتي تصبغ دراساتهم بلون خاص تصف العرب والجنس السامي على العموم بأنهم قوم غرباء عن العلم والفلسفة، لا يحسون بالجمال والفن، ولا يعرفون ما يسمى بالأنظمة السياسية والمدنية. يقول أرنست رينان في الفصل الأول من كتابه في تاريخ اللغات السامية:(إن اللفظين اللذين استعملا ولا يزال استعمالهما جارياً إلى الآن، للدلالة على سير العقل نحو الحقيقة، وهما علم وفلسفة، قد كانا غريبين عن الجنس السامي تقريباً. فالبحث التفكيري المستقل الدقيق العميق، أو بعبارة أخرى التفكير الفلسفي للبحث عن الحقيقة، يبدو أنه كان وقفاً على الجنس المسمى بالهندي الأوربي (الآري) الذي كان يبحث منذ أقدم العصور إلى الآن لتفسير الله والإنسان والعالم تفسيراً عقلياً، والذي ترك وراءه في كل مراحل تاريخه آثاراً فلسفية خاضعة لنواميس تطور منطقي، أما الساميون فإنهم بدون تفكير أو تدليل توصلوا إلى أصفى صورة دينية عرفها التاريخ فالمدرسة الفلسفية موطنها اليونان والهند، في وسط قوم طلعة يهتمون كثيراً بمعرفة أسرار الأشياء. أما المزامير والأناشيد والكتب المنزلة والحكم الرمزية أو الموضوعة في شكل ألغاز فهي من نصيب الجنس السامي
(والجنس السامي أدنى من الجنس الآري إذا قورن به، فهو - أي الجنس السامي - ليست له هذه الروحانية السامية التي عرفها الهنود والألمان فقط، وليس له الإحساس بالجمال الذي بلغ حد الكمال عند اليونان، وليست له هذه الحساسية الرقيقة العميقة التي هي الصفة الغالبة عند الكلتيين (فرنسا وجزء من البلجيك)، وإنما الساميون بديهتهم ولكنها محدودة،
وهم يفهمون الوحدة بشكل غريب، فالتوحيد هو أهم خصائصهم وهو الذي يلخص ويفسر جميع صفاتهم
(من آثار التوحيد عند الساميين التعصب، فعدم التسامح الديني عند الساميين هو نتيجة ضرورية لمذهبهم التوحيد، ومسألة النبوات والوحي هي من المسائل التي الساميين، حتى أن القرآن لم يجد تقسيماً للشعوب غير تقسيمهم إلى كتابيين وغير كتابيين
(والساميون تنقصهم الدهشة التي تدعو إلى التساؤل والتفكير، والتي تدعو إلى البحث عن الحقيقة، لأن اعتقادهم في قدرة الله يجعلهم لا يدهشون لشيء، فإذا رأوا شيئاً عجيباً قالوا: (ربنا قادر على كل شيء) كما أنهم في حالة الشك يختمون رأيهم بقولهم (الله أعلم) فإذا اعترض على ذلك بظهور حركة علمية فلسفية عند العرب في عصر العباسيين وجب أن يكون الجواب على ذلك إنه من الخطأ وسوء الاستعمال أن نسمي فلسفة منقولة عن اليونان بالفلسفة العربية، مع أنه لم تظهر لها أي مبادئ أو مقدمات في شبه جزيرة العرب مكتوبة بالعربية، وهذا هو كل ما في الأمر، كما أنها تزدهر إلا في الجهات البعيدة عن العرب مثل أسبانيا ومراكش وسمرقند، وكان معظم القائمين بها من غير الساميين وكثرتهم من الفرس
(والتوحيد له تأثير أيضاً في الشعر العربي، لأن الشعر العربي يعوزه الاختلاف والتنويع، فموضوعات الشعر أي أغراضه محدودة قليلة العدد جداً عند الساميين؛ والواقع أن هذا الجنس لم يعرف إلا نوعين من الشعر هما الشعر المجازي عند اليهود والشعر الشخصي الغنائي عند العرب، والأبطال في هذا الشعر هم نفس منشئيه. وهذه الصفة الشخصية إلى الغاية التي تجدها في الشعر العربي واليهودي ترجع إلى خصيصة أخرى من خصائص النفس السامية وهي انعدام المخيلة الخالقة عندهم، وتبعاً لذلك عدم القدرة على الاختراع. .!!
(والساميون ينقصهم الإحساس بالتنويع، فالتشريع السامي البحت لم يعرف مطلقاً إلا نوعاً واحداً من القصاص هو الموت. وملكة الضحك معدومة عند الساميين، حتى إن الفرنسيين وهم شعب ضحوك ينظر إليهم عرب الجزائر باستغراب، ويعتبرون ذلك منهم موضع دهشة بالغة
(والساميون عندهم نقص تام في كثير من الفنون الجميلة مثل صناعة التماثيل والتصوير،
وقد حال دون وجودهما عندهم تحريم الدين من جهة وانعدام الخيال والاختراع من جهة أخرى وهما شرطان لازمان لهذين الفنين. والموسيقى وهي الفن الشخصي إلى الغاية هي الفن الوحيد الذي عرفه الساميون
(والأخلاق نفسها ينظر إليها الساميون نظرة تخالف نظرتنا إليها، فالسامي لا يعرف مطلقاً أن عليه واجبات إلا لنفسه، وإذا طلبت إليه أن يحافظ على كلمته ويبر بوعده وأن يقيم العدل بلا تحيز فإنما طلبت إليه مستحيلاً، فالأنانية تتمثل فيهم بأجلى مظهرها)
لن نناقش الآن هذه النظرية أو نقول فيها رأياً، لأن ذلك مما يطول بنا، وحسبنا أن ندل على شيء مما يعتقد المستشرقون، ومع أن تسعين في المائة من هذه النظرية خطأ واختلاق فقد أحلها الغربيون من نفوسهم المحل الأرفع لأنها توائم نزعاتهم وتتفق وميولهم الطافرة إلى السيطرة والاستعمار
لست أدري ما الذي يرضينا في المستشرق!؟ العلم النزيه، وقد رأينا أنه إنما كان لأراب أخر، أم الذوق الأدبي، وليس من شك عندنا أنه بعيد عنه بعد الأرض عن السماء! فالمستشرق مهما تضلع من اللغة العربية، وأخذ من الثقافة الأدبية، وتغلغل إلى الروح الإسلامية فلن يدرك أبداً غاية الأدب وأثره وحدوده ولن يستطيع بحال من الأحوال أن يتذوق جمال قطعة أدبية أو قصيدة فنية على نحو ما يتذوقها العربي! هو يفهم القرآن ولكنه لا يخشع عند سماعه أو تلاوته، ويشرح القصيدة العربية غريبها وبديعها وعروضها ولكن أذنه لا تطرب لهذه الرنة الموسيقية المبثوثة في أطواء الشعر العربي.
حمص
محمد روحي فيصل
صورة وصفية
عبد السميع
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
كان كل امرئ يعرفه - أهل الحي، وزوّار الأمام الشافعي، والأجانب السياح الذين يجيئون إلى هذه الناحية، ليروا مقابر الخلفاء والمماليك ومدافن (الباشوات). وكان (عبد السميع) - كاسمه - سميعاً، ولكنه غير بصير؛ وكان له حجر عال عريض يقعد عليه، ولا يريمه، في الشتاء والصيف؛ ولم يكن يبالي لا الشمس ولا الرياح، ولا المطر ولا التراب؛ وكان يظل نهاره على هذا الحجر، فإذا غابت الشمس ودخل الليل، اختفى، كأنما ابتلعته الأرض، أو انشق له الحجر فغاب فيه، فكل ما يعرفه الناس من أمره أن هذا مكانه قبالة المسجد، وأن كل راكب يميل إليه ويترجل عنده، ويضع بين أصابعه زمام دابته، حتى يفرغ من الصلاة في المسجد أو غيرها مما جاء له، فينقده القرش أو المليم ويتناول منه العنان ويحييه ويمضي. وكان (عبد السميع) يعرف كل رجل وامرأة وطفل في الحي، وكل غريب ألقى إليه بزمام حماره أو بغلته أو فرسه أو مهره، من صوته؛ وكان من عجائبه أنه يعرف - وهو ممسك بالأعنة - حمار من الذي نهق، وأي هذه الدواب تعلك لجامها، وأي البغال مزنوقٌ فيرفه عنه ويرخي له الرباط الذي تحت حنكه، وأي حمار تفلتت الشكيمة من فمه، فينهض إليه ويردها إلى مكانها من فيه، وأي الأفراس انحل إبزيم منطقته فيعقده، أعني يدخل لسانه في طرفه الآخر. وكان كثيراً ما يشير على أصحاب الدواب باتخاذ المراشح تحت لبد السروج لتنشيف العرق، أو بتضمير الفرس إذا وجدها سمينة، أو برفع المهماز إذا أحس بيده آثار وخزه في جلدها، أو بتغيير السرج إذا وجد له عقراً بظهرها، فقد كان رحيماً رقيق القلب
وكان يأبى أن يتخذ عصاً يتوكأ عليها، ويجس بها الأرض ويقدر لرجله موضعها قبل الخطو، فكان يمشي مطمئناً واثقاً، كأنما يرى الطريق، ويلقي التحية إلى الناس بأسمائهم، في دكاكينهم حين يبلغها، بل كان يعرف المرء من دبة رجله على الأرض، فيقول له:(مالك مستعجلاً يا فلان؟ خيراً، إن شاء الله!) وكان - ولا يزال - هناك طريق أعلى من الميدان الذي أمام المسجد يؤدي إليه سلم، درجاته متهدمة، فكان إذا بلغها يرقى فيها كأنه
صبي في العاشرة من عمره؛ ولكن أعجب من هذا كله أنه كان يركب الخيل والحمير والبغال، ويركضها في الطرق والسكك التي ألفها، فإذا اعترضته زحام أو قطيع من الغنم، حبس الدابة، ثم أرخى لها اللجام، وتركها تتخلل الزحمة حتى إذا أحس خلو السكة نقرَ بها، ليزعجها ويستحثها؛ فقد كان كما أسلفت شديد الرفق بالحيوان، لا تطاوعه نفسه حتى على نَكْزِه بقدمه العارية
وكان دائم البشر، لا يتجهم ولا يكتئب، ولا يبدو للناس إلا طلق المحيا، ضحوكاً، طيب النفس، حلو الدعابة؛ ولكن غزله كان فيه بعض العنف، فقد كان إذا داعب فتاة لا يحلو له إلا أن يقبض على شعرها ويجذبه إليه بقوة فينتف بعضه؛ وكانت الفتيات يحذرن ذلك ويتقين أن يكن منه بحيث تنالهن يده
وجاء الشتاء، وجاء معه طبيب عيون ألماني، فأدار عينه في الصحراء فرأى على جبل المقطم شيئاً كالبناء فأشار إليه وسأل عنه فقالوا هذا قبر الجيوشي - أمير الجيوش - فرجا منهم أن يكون أحدهم دليله إليه، فقالوا:(بل يكون دليلك عبد السميع) وجاءوه به، فتعجب، ولو كان يعرف العربية معرفتها لتمثل بقول القائل:
أعمى يقود بصيراً، لا أبالكم
…
قد ضل من كانت العميان تهديه
ولكن عبد السميع لم يضله، ولم يندم الطبيب على ثقته به واطمئنانه إليه، ووجد في صحبة هذا الدليل الغريب كل ما طالعه به وجهه الصبيح من الأنس، فنشأت بينهما بعد هذه الرحلة صداقة فريدة، فكان الطبيب يزوره كل بضعة أيام، ويجلس إلى جانبه على حجره العالي، ويراعيه وهو يحرس الخيل والحمير لأصحابها؛ ووقع من نفسه رفقه بها وحسن تعهده لها، فقال له يوماً - بعربيته المحطمة - إنه يريد أن يعمل له في عينيه شيئاً، وإنه يرجو أن يرد بذلك بصره عليه، فضحك (عبد السميع) وقبل. وكان قد ألف أن ينظر الأطباء في عينيه وأن يسمعهم يتلاغطون بما لا يفهم، ثم يمضون عنه ويبقى هو على حجره
وجاء يوم نظر فيه الناس فإذا الحجر خال، ولا (عبد السميع) هناك، فصارت الأعنة تلقى إلى صبيان يشدونها إلى مسامير في الحائط، وينامون ويتركون الحمير تترافس
وكان (عبد السميع) راقداً على سرير نظيف في مستشفى، وعلى رأسه ووجهه - إلى أرنبة أنفه - الضمادات، وهو ساكن لا يقول شيئاً، ولا يبدي ألماً أو ضجراً، ولا يدع شكه يغلب
بشره أو شكره لصديقه، وكان من العسير أن يعرف أحد في أي شيء يفكر هذا الراقد المعصوب الرأس. ولعله - لطول صمته على خلاف عادته - كان يجاهد أن يتصور الدنيا الجديدة التي سيرثها حين يفتح عينيه عليها ويبصرها لأول مرة؛ ولعله كان يستهول أن يبصر كل ما عرفه وألفه بحواسه الأخرى، وكان كل ما يجيب به الطبيب حين يحدثه وهو يغير له الضمادات (إن شاء الله! إن شاء الله!) ثم يتحرك كالقلق المضطرب على هذا الفراش الناعم تحت الملاءة النظيفة
وكان الطبيب واثقاً من نجاحه، فجمع إخوانه - زملاءه - في صباح يوم، وحل الأربطة بعناية وحذر، ثم ترك ضوءاً خفيفاً يدخل في الغرفة، وتناول يد (عبد السميع) برفق، وهو أشد ما يكون اضطراباً وسأله (أترى شيئاً؟) فقال عبد السميع - وعلى فمه ابتسامته التي لا تزايله - (صبراً، صبراً)، فصبر الطبيب لحظة ثم فتح النوافذ فغمر النور الحجرة وملأتها الشمس ورقدت أشعتها على السرير والجالس عليه، والأطباء حافون به، منحنون إليه، يحدقون في وجهه وأنفاسهم مسرعة، وقلوبهم في حلوقهم، و (عبد السميع) ساكن، ووجهه الباهت من طول الرقاد، إلى النافذة التي تطل على النيل؛ ثم تحركت يداه، وارتفعت كفه إلى محياه، وجعلت أصابعه المرتعشة تتحسس عينيه، فأدرك القوم أن الطب أخفق، وتوجع الطبيب الألماني وارفض دمعه، فغطى وجهه بكفيه ليحبس عبراته أو يكتم نشيجه، وسمع (عبد السميع) ما يتردد من البكاء المكتوم فنهض، وعلى وجهه ابتسامة رزينة، وتحسس طريقه إلى صديقه المحزون، ومد يده الخشنة فلمست لحيته المبللة، فنقلها إلى كتفه وقال بصوت لا يشي بما عسى أن يكون مطوياً تحت ضلوعه
(لا تبك يا صاحبي! ازجر عينيك، إنه قضاء الله، ولا حيلة لنا فيه، ومن نكون نحن حتى ندفعه أو نغيره!) ثم تلفت، فأقبلوا عليه يسألونه هل يريد شيئاً؟ قال:(نعم - صبي يعود بي)
وعاد إلى حجره، وخيله وحميره، فلم يغب عنها بعد ذلك مرة أخرى، ولم يقل لأحد أين كان
إبراهيم عبد القادر المازني
من مشاهد الشرق
4 -
طائفة البهرا في الهند
ملاحظات في المجتمع البهري بقلم محمد نزيه
تتمة
يقول الكهل الوقور محمد علي بخش رئيس الوزارة البهرية في وصف طائفته، إنها (طائفة تجارية) لا يحيد عن سبيل التجارة واحد من أبنائها، فإذا تنكب أحدهم هذه الطريق أو ضلّها، فلاذ بكرسي للحكومة، أو زاول حرفة من الحرف لم تكن التجارة جل همه منها، فقد انحرف عن تقاليد الطائفة، وعق ديانتها، ورماها في أمنع حصونها، فأصاب منها منازل القدسية والحرية والجاه
هي جماعة أقسمت مذ وضعت في كف الحياة كفها، ألا تعرف خفض العبودية ولا يعرفها رق هذا الزمان، وإنهما ليقتحمان كل شيء إلا هذه الأمة التي أجمعت على ألا يكون الوطن المقدس رقعة من الأرض يهون امتلاكها، ولا يعز اغتصاب ما فيها ومن فيها، بل هم استغنوا عن الوطن المقدس بالعهد المقدس أن يكون صغيرهم ابن كبيرهم، وكبيرهم أبا صغيرهم، وكل كبارهم أشقاء وكل صغارهم أشقاء، وأولئك وهؤلاء كأنما انتظم أرواحهم جميعاً سمط واحد من شعاع الشمس لا يقطع أبداً. وإذ كان لا بد لهذا الجوهر الأحد من معارف وبواطن تفرقُ بينه وبين سواه، فإن أجلى معارف البهري ابتعاده عن مخالطة أي امرئ من غير طائفته؛ ومعظم بواطنه الحب والمودة والأهبة الدائمة لمعاونة أخيه في مذهبه، دون تفريق بمختلف الأجناس والمراتب، فاستغنوا بقوادهم عن كل حاجة إلى سواهم، حتى (الحكومة) يعزفون عن أعمالها، ترفعاً بأنفسهم عن شعور الحاجة إليها يوماً من الأيام
يقدم البهري من أقاصي إفريقية على بمبي، فينزل من قلوب أبناء الطائفة هناك، منزلة من عاد إلى أمه وأبيه من سفر طويل، كل بيت من بيوتهم هو ملك يمينه حتى تقر نفسه وتذهب وحشته، فينفح بما يحتاج التجارة إليه من مال، يبدأ به عمله، فإذا لمح وجه الفشل، أسرع فوضع أمره بين يدي طائفته، فلا يكاد ذلك يضح لهم، حتى ينهالوا على بضاعته ابتياعاً، إلى أن تروج سوقه، وتبدو طلائع نجاحه، فلن تجده مهما نقبت عنه، ذلك البهري
الذي لم يفيء الله عليه بنعمة السعة واليسار
وإذ كانت شؤون هذه الأمة الواحدة في حاجة إلى الراعي، يصرفها ويسهر على تدبيرها، فلا بد لها من قاض يفرق بالعدل بين أبنائها جميعاً فيرضيهم جميعاً، وهذا القاضي هو داعي الدعاة في بمبي، وهو نائبه في كل بلد اتخذها بعض هذه الطائفة منزلاً، يخولونه أمرهم فيقضي بينهم بما شاء، لا يرد له حكم ولا يراجع في أمر؛ ملك لا يملك من أسباب السلطان إلا عدل القاضي، فكيف يبرم عدله ولا ينال للمظلوم من ظالمه، وإنما يحكم بالعدل ويأمر ضمير الظالم أن يجزي صاحبه وأن يردعه، بل لعل المظلوم لا يشكو، وإنما ظالمهم هو الذي يشكو أن ضميره يخزه ويشتد عليه مذ ظلم، فيادعي القوم اكفني عذاب الضمير فإنه ليوشك أن يكون كالموت لا يُعتِبُ. . . هذا قاض أمره عجيب، وقضاؤه أعجب، أتراه يمضي على شرعة مدونة؟ أتراه يستلهم قانوناً بعينه ماله عنه من محيد؟ كلا، وإنما يستلهم قوة روحه، وقد استُمِدت من معالم الشيعة وأعلام كتبهم
يعدل الداعي بقوة الروح، ومن مظاهرها أنها تسترقُّ الناس حولها، مرتغبين لا مرتهبين، بدافع الحب، ومظهر الحب الخضوع، يسمو حتى يصير تفانياً. تتجه القلوب إلى الداعي، لأنه عظيم من عظمة الله عظمته؛ ثم تتعلق القلوب به، لأنه مقدس من قدسية الله قدسيته، ثم تتقبل ظلمه قبول الرضا، لأنه ولي المالك المتصرف - في رأيها - فإذا عدل، تفانت فيه، فإذا أحب فنيت في روحه، وذاك داعي الدعاة عند طائفة البهرا هو فرد ولكنه الجماعة كلها، وهم جماعة ولكنهم فرد واحد يقل ويقل حتى تتسع له سويداء قلب واحد كبير، هو قلب هذا الرجل، يحدب عليهم وما يحدب إلا على نفسه، ويحدبون عليه فهم على أنفسهم يحدبون. ولقد علمت أن الحب شريعتهم، فأعلم أن أول أحكام هذه الشريعة أن ما يحوزه كل بهري هو للشيخ قبل أن يكون لصاحبه، يتصرف فيه متى شاء أينما شاء كيفما شاء، وما جار. أليس رب الدعوة إلى التعاون والتساند والتعاضد وهي التي أثمرت كل ما أوتيت الطائفة من مال أو أكثره؟ نعم فلكم أغنت هذه المبادئ عائلاً، وأعزت يتيماً، وروّت صادياً! وهل يكون ساقي البذرة إلا رب ثمارها. . . وفيم ينفق الأمين العادل المحب ماله إلا على الأمانة والعدل والحب؟ إنه ليأخذها صاعاً فيردها بأمانته وعدله وحبه عشرة
على أن الشيخ لا يَهْنِئُه طعامه إلا إذا كان من كد يمينه؛ ولهذا يشتغل بالتجارة، ولأمر آخر
هو القدوة، ويربي تجارته كأي من أبناء طائفته، ولا ينسى حادث ذلك الشيخ الذي عاش في المدينة على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان لا ينقطع عن العبادة في ليله أو نهاره، إلا ريثما يتأهب لرجع ما انقطع، وإنه لراقد بالعراء لا يحمل لدنياه هماً، وإن حمل لأخرته هموماً، يخف الناس إلى تزويده بالطعام سراعاً وهم يغبطونه على تزوده للآخرة، حتى مر النبي به في بعض غدواته، فدنا ممن أحاطوا به، وسألهم ما خطبكم حتى تكأكأوا على هذا الشيخ، قالوا: رجل صالح يا رسول الله، نهاره وليله صيام وقيام، فعجب النبي عليه الصلاة والسلام! وأسرع يسأل، ومن يقوم بطعامه؟. من يقوم بطعامه؟! رسول الله يسأل؟ فيا فخرنا عند رسول الله إن كنا نطعم الشيخ الصالح، ويا حظنا من رضا رسول الله إن علم أننا نؤثره على أنفسنا بالطعام. . . لم يكد النبي يسأل، ومن يقوم بطعامه؟ حتى تسابقت أصوات كثيرة تقول، ترجو ثواب الله. . . كلنا نطعمه يا رسول الله، وأحاطت أبصارهم بوجه النبي ترصد ابتسامة الرضا، فإذا بالوجه المشرق الكريم يعبس، ويضطرب، ثم تجتمع في غضبته حكمة الأبد من قوله:(كلكم خير منه). داعي الدعاة الشيخ المسن لا ينسى هذا الحديث، وإن قومه ليقدسونه، وتطيب نفوسهم له بكل ما يملكون، ويبلغ من تقديسهم شخصه أن يستكبروا على الأرض أن تمسها قدماه، فيحملونه إذا أراد الانتقال من حجرة من قصره إلى أخرى، وهو على رغم ذلك كله حريص على أن يغدو إلى متجره كل يوم، فيقضي بعض نهاره عاملاً لدنياه، كأنه على شيخوخته وضعفه، يعيش أبدا
إن الدين لله، فما يحفظ رجل الدين عليه حرمته، إذا وزن الدعوة إليه بالدرهم والدينار، إنما يسمو رجل الدين، وتخلص روحه، وتصقل نفسه فلا تمسها شائبة من أكدار الدنيا، إن يلتمس على جهده مثوبة الله وحده، مزدرياً للوظيفة تجري عليه فتذكره كلما أوشك أن ينسى، بأن دعوته رهن بوظيفته، ووظيفته رهن بدعوته. . . . فهل نوجب على رجل الدين أن يكون زاهداً؟ كلا بل نريده مع ذلك مكفول الرزق موفوره، بادي النعمة واليسار، عالي الكف يعطي ويتعفف أن يأخذ، وكيف السبيل؟
سبيل واحد يسلكه داعي الدعاة البهري، وعماله في مختلف البلاد، وقد سلكه من قبله أشرف البشر وسيد سادتهم محمد عليه الصلاة والسلام، إذ كان تاجراً؛ وفي التجارة وهي أم
(المعاملات)، ألوان من الخير والأمانة والصدق والاستقامة والقناعة والدأب، ومن كل فضيلة في الأرض، وهي التي توجت (بالأمين) اسم محمد، و (بالصادق) أمانة محمد، فكانا شافعيه لدى الله في اختياره، ولدى الخلق في دعوته
وفي هامش هذا الحديث فلنذكر، أن داعي دعاة البهرا، أراد في العام الماضي، وكنت حينئذ في بمبي، أن يحج إلى كربلاء موطن قبر الحسين، ومفيض نفسه ودمه، وإذا سار الشيخ كانت الطائفة كلها تسير، فلا بد من مظاهر العظمة ومطالع الجلال، وأسباب التحدث بنعمة الله، وفي سبيل ذلك اكترى الشيخ باخرة من عظام البواخر، عبرت به إلى البصرة في ستمائة بهري، وما فتئ مذ وطئت قدماه أرض العراق يمجد الناس من عطاياه، بأكرم ما يتسع له كرم، وأكمل ما يفيض به جاه. . فمن أين؟ من تجارة الشيخ وكد يمينه وثانيهما
فلينته هذا الحديث الذي لا يفرغ منه، بأمرين، أولهما أن التعاون والمحبة هما روح الجماعة الصالحة المفلحة، وعلى قدر القلة في عدد الجماعة تكون قوة الروح، فكأن أجدادنا لم يخطئوا حين اتخذوا نظام القبيلة، وكأننا أحفادهم، لم نتقدم خطوة واحدة حين خلّفنا نظامها
وثانيهما أن التجارة أشرف حرفة وأعف حرفة، وأكفل حرفة بالنعمة واليسار، وأيسر حرفة مع الفضيلة، فإذا أهبنا برجل الدين، وإنه لأعظم الناس خطراً أن يعوّل عليها، ويلتمس شرفها، فأخلق بكل رجل أن يُحمِّلَها أمنيتيه من الغنى: غنى النفس وفي أعقابه غنى المال
القاهرة
محمد نزيه
النهضة التركية الأخيرة والموسيقى الشرقية
بقلم عبد الحميد رفعت شيحة
قرأت بشغف عظيم ما خطه يراع الأستاذ القدير الدكتور عبد الوهاب عزام عن (النهضة التركية الأخيرة) وما تناوله من بحث ونقد أبرز الإصلاحات الكمالية بقلم نزيه مخلص يظهر منه بجلاء الأسف الشديد الذي يشاركه فيه كل شرقي يعتز بشرقيته على ما قام به الترك من قطع كل ما يصلهم بالشرق، وتجنبهم كل ما يدنيهم منه كما يتجنب السليم الأجرب. .! معتقدين أنهم بذلك يضمنون عطف الغرب عليهم، في حين أنهم لن ينالوا إلا سخرية تلك الأمم التي تقدس الشخصية والجنس
ولما لم يشر حضرة الأستاذ الدكتور إلى حملة الكماليين على الموسيقى الشرقية رأيت أن أتناول هذه الناحية بهذه الكلمة:
للموسيقى الشرقية تاريخ مجيد لم يبق خافياً على أحد. إلا أنه من الإنصاف أن نعترف بفضل الأتراك وخدمتهم لها. . فإننا لم نعد نقرأ فقط ما استحدثوه من علوم وفنون فيها، ومن اشتهر بينهم من أعلام الموسيقى، بل حفظوا لنا ثمارهم الفنية بتدوينهم لها بعد استعمالهم (النوتة الغربية)
وهم وإن كانوا إلى وقت قريب يستعملون التدوين الموسيقي على أخطاء كثيرة، إلا أنهم على كل حال قد صانوا ثروة فنية عظيمة يحق لنا أن نفخر بها أمام الموسيقى الغربية
هذب الأتراك الموسيقى الشرقية وأحدثوا بها فنوناً لم يكن للشرق عهد بها، وتبحروا في علم الأنغام ووضعوا لكل نغم شروطاً دقيقة تميزه وتظهر شخصيته بجلاء، ولهم في هذا الميدان جولات موفقة، حتى أنهم استنبطوا كثيراً من الأنغام الشائعة بيننا، ووجهوا عنايتهم كذلك إلى علم الإيقاع ووضعوا لأوزانه طريقة حديثة تدون بها، كما أن لهم فضلاً لا يستهان به في ابتكار جملة ضروب زادت من جمال الموسيقى الشرقية. هذا إلى اهتمامهم بضبط مسافات السلم الموسيقي الشرقي وعدم تركهم كبيرة ولا صغيرة في الموسيقى النظرية أو العملية إلا قتلوها بحثاً وتمحيصاً
إنه حق وفضل لا ينبغي إنكارهما. . وقد كنا إلى عهد قريب نعترف فخورين بزعامة تركيا للموسيقى الشرقية
فلما قامت (النهضة التركية الأخيرة) تهللنا بشراً وقلنا لا بد أن القوم لن يقنعوا بما وصلت إليه موسيقاهم من تقدم ونجاح، وسيدأبون على البلوغ بها إلى أوج المجد والعظمة. . ولكن أحلامنا اللذيذة لم تلبث طويلاً عندما فوجئنا بقرارات الكماليين القاسية التي منها: استعمال الحروف اللاتينية بدل العربية، وهجر ألفاظ لغة الضاد، والترحيب بالمصطلحات اللاتينية و. . . وأخيراً. . عدم استعمال الأرباع الشرقية، وإلغاء الموسيقى التركية وإحلال الغربية محلها. .!
نزلت علينا تلك القرارات نزول الصاعقة وهدمت ما كنا نبنيه من آمال. . وظهر لنا ما يضمره الكماليون من إسراف في هجر الشرق والشرقيين، ومن رغبة في الفناء في الغرب والغربيين. .!
تتأثر موسيقى كل أمة - كما يتأثر أي فن - بعوامل شتى: منها الجو والأخلاق والعادات وغير ذلك. فليس من السهل أن نبدل بقرار ذوق أمة في غمضة عين، لأنها لم تكتسب هذا الذوق إلا بمرور الزمن وبفعل مؤثرات البيئة التي تعيش فيها. فقرار التركي الأب (أتاتورك) إلغاء الموسيقى التركية لا محالة خاطئ لأنه يجبر الأتراك على موسيقى لم يتذوقوها ولن يتأثروا بها مطلقاً. . فإذا سمع التركي مثلاً قطعة حماسية غربية فلن تهز مشاعره بقدر ما تفعل فيها قطعة تركية، لأن الأولى لم تصل إلى طريقة استفزاز شعور التركي، ولم تصدق في التعبير عن نفسيته، بعكس الثانية؛ وإذا كان الألماني مثلاً لا يتأثر بموسيقى الفرنسي أو الروسي كما تؤثر موسيقاه، فكيف بالتركي، والفرق شاسع جداً بين تقارب أمزجة هؤلاء وبُعد هذا الأخير عنهما. .!
كان الأجدر لو أريد قتل الموسيقى التركية أن تشجع الموسيقى الغربية ويشجع الاقتباس منها والتطعيم بها؛ فعلى مر الزمان تزول تلك الموسيقى التي لا نصير لها، بدل هذا التصرف الذي استعملت فيه الطفرة. ولكن من يجرؤ منهم على إعلان هذا الرأي يكون نصيبه شراً مما نال الأستاذ المدرس بالجامعة في المؤتمر اللغوي، وحسين جاهد، وقد أشار إليهما حضرة الدكتور عزام في إحدى مقالاته القيمة. .!
من هذا نلاحظ أن الديوان الموسيقي الغربي مكون من أصوات كاملة وأنصافها؛ بينما الديوان الشرقي يتكون من أصوات كاملة وأنصافها وأرباعها أيضاً. . ولكنهم مع ذلك آثروا
الديوان الأول لأنه غربي قبل كل شيء. .!
فإذا كان الديوان الغربي موجوداً بتمامه ضمن الديوان الشرقي، وبذا يتسنى عزف أية قطعة غربية على أية آلة موسيقية شرقية، مع أنه في كثير من الآلات الغربية لا يمكن عزف أغلب القطع الشرقية. . . وإذا كانت الأرباع الشرقية تتيح ثروة جديدة في علم الأنغام زيادة على الثروة التي نحصل عليها من الأنصاف وحدها، وبذا يتسع المجال أمام الملحن ويمكنه أن يعبر بلحنه عما يشاء. . . . فهل من الحكمة أن نلجأ إلى الديوان الناقص ونترك الديوان الكامل. . .؟
إن كل مزايا الديوان الغربي موجودة في ديواننا الشرقي، وفوق ذلك فإن لديواننا مزايا أخرى عندما نستعمل الأرباع الصوتية، فلا شك حينئذ في أن قرار الحكومة التركية إلغاء الأرباع الشرقية في الموسيقى لم يكن لعيب في هذه الأرباع بل إتماماً للخطة التي رسموها من البعد عن كل ما هو شرقي أو يمت للشرق بصلة. .
الآن. . وقد ظهر للملأ تصرف الحكومة الكمالية وتنصلها من كل ما يقربها من الشرق سواء كان ذلك في الدين أو العلم أو اللغة أو الفن أو الأخلاق والتقاليد، فليس من الخير أن يقتصر موقفنا على مراقبة أعمال هذه الحكومة وعلى مناشدة الكتاب والمفكرين أن يتعاونوا في هذه السبيل (حتى يجلوا عن الأمة هذه الغمة، ويدفعوا عنها هذه الفتن المدلهمة، والشُّبه المضلة، ثم يسيروا بها على المحجة البيضاء إلى الغاية المجيدة) كما يتمنى الأستاذ الفاضل الدكتور عزام، بل يجب أن نفكر تفكيراً جدياً في نقل الفنون الشرقية من تركيا كي نحافظ عليها قبل أن تعفو ويطويها البلى
فإلى مفكري الشرق العربي أرسل هذه الصيحة راجياً أن يولوها حقها من الاهتمام، وأهيب بوزارة المعارف المصرية أن ترسل إلى تركية بعثة من طلبتنا النجباء كي يدرسوا فنون الموسيقى الشرقية الصميمة، وينقلوا لنا كل ما تصل إليه أيديهم قبل أن تتلاشى هذه الفنون ويتم حلول الموسيقى الغربية محلها، وذلك أسوة بالبعوث التي ترسها إلى أوربا؛ وهناك يتشبع الطلبة بالموسيقى الغربية ولا يكونون في المستقبل حرباً على الموسيقى الشرقية التي من العار أن تنهض على حساب الموسيقى الغربية أو تتلوث بدماء دخيلة فيتعكر صفاؤها. .
إسكندرية
عبد الحميد رفعت شيحة
دراسات في الأدب الإنكليزي
3 -
وليم وردزورث
بقلم جرجيس القسوس
نظرة ونظرية في الأدب
ظهرت الطبعة الأولى من ديوانه سنة 1798 كما بينا سابقاً، أما الطبعة الثانية فقد نشرت سنة 1800 حاويةً مقدمته الشهيرة التي ضمنها نظريته في الأدب عامة وشعره خاصة دون خيفة أو تردد. ولكولردج في الطبعة الأولى من هذه المجموعة ثلاث قصائد. غير أنه أضاف إليها قصيدتين أخريين ظهرتا في الطبعة الثانية. وهذه القصائد الخمس هي (الملاح القديم، والعندليب، - والحبّ). وما كاد الأدباء والكتاب يطلعون على آراء وردزورث في مقدمة ديوانه ويقرأون أشعاره في ديوانه حتى تناولوه بأقلام نارية وألسنة حادة، فسخروا ما شاء الله لهم أن يسخروا بآرائه وأشعاره. ولم يبق ديوانه في شكل واحد بل ظهر في أوضاع شتى، وكان الشكل الأخير الذي ظهر فيه سنة 1845 جامعاً جزأين مع المقدمة ومذيلاً بملحق في (التعابير الشعرية)
أما النظرية التي أودعها المقدمة فتتلخص فيما يلي: -
(على الشاعر أن ينتزع موضوعاته من الحوادث العادية المألوفة، وأن يعبر عنها بلغة سهلة واضحة ليفهمها (الراعي والعالم) على السواء. أي لا تكون خلواً من البلاغة، ولا تهبط إلى درجة الركاكة والفهاهة. وعليه أيضاً أن يلبس الحوادث كساء من الخيال الرائع لكي تظهر وهي عادية مألوفة غير عادية ولا مألوفة، وأن يقف تجاه كل حادث موقف العالم المدقق المحقق، الذي يحلل الأمور تحليلاً علمياً منطقياً، فيبحث عن المسبَّبات ويرجعها إلى أسبابها، محكماً في كل حالة عقله في التحليل وعاطفته في التعبير. أما الشعر فهو الانبعاث الطبيعي للشعور القوي الزاخر؛ وما الشاعر إلا إنسان يخاطب بشراً، إنسان شديد الإحساس والغيرة متضلّع من درس الطبيعة البشرية، تنكشف له نواح في الحياة ومظاهر في الطبيعة تحتجب عن غيره، وهو يعبّر عن موضوعه بلغته ليتغنى بها الجميع. بهذا يمتاز الشاعر من سائر البشر عموماً ومن علماء الطبيعة بعض الامتياز خصوصاً)
ولقد نحا وردزورث في انتخاب موضوعات أشعاره منحى إسحاق ملتن ووليم بلايك وروبرت برنز وفراي وغيرهم، غير أنه لم يقتصر على أسلوب واحد في النظم، بل طرق معظم البحور والأوزان الشعرية التي سبقه إليها الشعراء قبله. أما سبكه اللفظي ففي غاية الدقة والبساطة، وتراكيبه خالية من الألفاظ اللاتينية التي يكتظ بها شعر ملتن، ومن قالكية بوب، أو إبهامية بروننج الناجمة عن تطرّفه في الإيجاز. ويندر أن تجد في شعره رجوعاً إلى الأساطير الأولى أو اقتباساً من الأدب (الأصولي) الكلاسيكي أو تقليداً له، ولقد أكثر من دراسة الشعراء الذين سبقوه وخصوصاً شكسبير، وملتن وجوسر وسبنسر وكونز وفراي وتشبع بآرائهم وأساليبهم فنسج على منوالهم في بدء حياته، غير أنه عاد فابتدع له أداة للتعبير خاصة به. أما ميزات شعره فتتلخص فيما يلي:
بساطة الأسلوب وسهولة التعبير، ووضوح المعنى في أغلب الأحيان
انتزاعه موضوعات أشعاره من الطبيعة والحوادث اليومية والأشياء العادية المألوفة. وقد ذكر هاتين الميزتين في الكلام على مقدمة ديوانه
تصوفه:
وهذه إحدى خصائص الحركة الأبتداعية التي كان يمثلها شاعرنا في بلاد الإنكليز أصدق التمثيل. ووردزورث يرى أن الله روحٌ تقطن في جميع مظاهر الكون أو الطبيعة الخارجية من هواء وجبال ورياح وصخور حتى الرعاة والحيوانات. وتظهر لنا هذه الفلسفة جليّة في قصيدته وتعرف عند أهل اللاهوت والصوفية (بشمول الألوهية) أو (وحدة الوجود)(أي أن الله إنما هو القوي والنواميس الطبيعية وأنه حال في كل شيء وليس مستقلاً). على أنه لم يتمسك بهذه العقيدة تمسكاً دينياً ذميماً كما يظن بعضهم، بل اتخذها عقيدة شعرية وقتية دفعته عاطفته وروحه الشعرية إلى إيرادها في سياق الكلام
ولعه بالطفولة والأطفال:
وهذا ظاهر في معظم قصائده مثل (نحن سبعة)، وفي القصائد التي ورد فيها ذكر الطفلة (لوسي). وتتجلى هذه الخاصية بوضوح في قصيدته (خواطر في الخلود من ذكريات الطفولة)؛ ففيها يرى أن الإنسان أقرب ما يكون إلى الله وإلى السماء في أوان الطفولة.
وهو يؤمن بسابق وجود الإنسان وأزليته أي أن الإنسان كان أصلاً في السماء فهجرتها روحه وظهرت في جسد بشري على الأرض. فالإنسان في عهد الطفولة يكون بحكم الطبع قريباً جداً من الزمن الذي قضته روحه في السماء، لهذا يفضل عهد الطفولة عهدي الكهولة والشيخوخة. إلا أنه يحسن بنا أن نرفق بالشاعر فلا نجري عليه الأحكام الجارفة في كل ما نعزوه إليه من العقائد. فهو - كما بينا سابقاً - لم يكن متعصباً لرأي أو لعقيدة واحدة منظمة شأن كبار الفلاسفة أو اللاهوتيين وإنما كان شاعراً يكتب عن عاطفة شديدة، فهو لا يستقر على رأي من الآراء ما دامت العاطفة لا العقل هي الدافع والمحرك له في أغلب منظوماته
الخيال الرائع
يمتاز وردزورث بإلباسه الأشياء الطبيعية المألوفة كساء من الخيال الراقي، وعنده أنه كلما ازداد الشاعر توسعاً وانطلاقاً في عالم الخيال ازداد لذة واستمتاعاً في الحياة. ويختلف عن كولردج باتخاذه عاديات الأشياء ومألوفها مواضيع تصويره وخياله متوخياً أن يبتدع مما هو عاديٌّ ومألوف شيئاً جديداً مبتكراً. فبينا كولردج يتدرج من عالم الروح والخيال إلى عالم المادة والحقيقة ترى وردزورث يشرع من عالم المادة وينتهي عند التصاوير الشائقة والأخيلة الرائعة
غموض معانيه
وهذه الميزة لا تلازم معظم أشعاره وإنما تصدق على البعض منها. وغموضه ناجم عن عجزه في بعض الأحيان عن التميز بين ما هو عادي مألوف وما يظنه غريباً نادراً؛ هذا عدا جنوحه إلى إلباس الأشياء العادية حلة من رائع الخيال مما يوقع القارئ في ارتباك شديد يجعله غير قادر على إدراك المعنى الصحيح وتفهم ما يتوخى الشاعر إفهامه
وعدا هذا يمتاز وردزورث بوصفه الحيوانات والطيور الأهلية منها والبرية. ويؤخذ عليه ندور ورود النكتة في أشعاره، وأن أشعاره لا تلهب الحماسة في نفس القارئ
ولكي يتم لنا البحث في أشعاره لا بد لنا من أن نقول كلمة في قصيدتين كبيرتين من قصائده ألا وهما الفاتحة والنزهة أما (الفاتحة) فهي ترجمة وافية لحياة وردزورث الشعرية، ففيها يبحث عن تطور نفسه الشعري ونمو سليقته منذ عهد الطفولة. في هذه
القصيدة ملتقى حاضره وماضيه، وفي هذا الملتقى مبعث لشعوره. إذ أنه كلما ذكر أيام الصبى اللذيذة اختلجت في نفسه عاطفة قوية وتملكه شعور لذيذ لا يتمالك من بعثه شعراً حياً لا أثر للكلفة فيه. وللذاكرة المقام الأول والفضل الأكبر في تصويره أحلام الطفولة وأيام الصبى، إذ لولاها لنضب معين شعوره وإنحبس لسانه عن التعبير عما يجيش في صدره من مشاعر وفي نفسه من خلجات، ووقف قلمه عن وصف الأويقات العذبة الهنيئة التي قضاها تحت كنف أمه الرؤوم: الطبيعة بأبسط معانيها وأجلى مظاهرها. وهذه القصيدة مهداة إلى صديقه الشاعر كولردج، وتقع في عدة أبواب يختص الأول منها بحياة الطفولة، والثاني بحياة المدرسة، والثالث بالسنين التي صرفها في كمبرج، والرابع في حياة لندرة ومؤثراتها، والخامس بزيارته الأولى لفرنسا والألب وإقامته في فرنسا خلال الثورة الفرنسية، غير ذاكر شيئاً عن علاقته بأنيت فالون معشوقته المعهودة
أما (النزهة) ففيها يحلق الشاعر ويسمو في عالم الروحيات إذ هي مجلي تأملاته في الفلسفة والاجتماع وعلم النفس والصوفية، وفيها يطرق شتى الموضوعات العلمية البحتة، كتركيب العقل ونشوئه، وفلسفة العواطف، والتأمل؛ غير أنه يكسوها حلة من الخيال، ويعبر عنها بأبسط التراكيب وأسلس العبارات وأوضحها، هذا إذا ضربنا صفحاً عن جنوحه في بعض الأحيان إلى الغموض في المعنى. (والنزهة) تقع في تسعة أجزاء مقتضبة، كل فصل منها حاو لقسم من أقسام القصة التي يسردها ويجعلها هيكل هذه القصيدة الكبرى
وهو في جميع مباحثه هذه لا يتوخى غير الصدق وإظهار عظمة الخالق. أما مدار بحثه في هذه المواضيع فنفسه، لا لأنه صنع من جبلة غير التي صنع منها سائر البشر، بل لأنه أكثر علماً بنفسه من غيرها من النفوس
ولقد أثارت نظريته هذه وأشعاره جدلاً عنيفاً وبحثاً متواصلاً في البيئات الأدبية، فمن الأدباء من حمل عليه وطعن فيه، ومنهم من انتصر له. ومن الذين انتقدوه فرنسيس جفري وبيرون وهزلت، ومنهم أيضاً صديقه كولردج في فصل من كتابه (تراجم أدبية)، بيد أنه لم يكن هدّاماً في نقده ولا شديد التحامل عليه في تعليقه على آرائه كغيره من النقاد. أما إمرسن الكاتب الأمريكي الشهير فينتصر له، ويعدّ قصيدته (خواطر في الخلود من ذكريات الطفولة) التي تمثل عقيدة شاعرنا الفلسفية ونظريته الأدبية بعض التمثيل، من أروع بل
أروع ما خلّفه لنا أدباء القرن التاسع عشر من القصائد. ولقد كان ديوان وردزورث معواناً للفيلسوف الإنكليزي الشهير جون ستوارت مِلْ على تخلصه في ربيع حياته من السويداء التي كانت تلازمه من حين إلى آخر، إذ وجد في قراءة القصائد الفلسفية والدينية منها راحة وعزاء بل خير شفاء له من دائه النفساني
ومؤرخو الأدب الإنكليزي يجعلون السنة التي ظهر فيها ديوان وردزورث لأول مرة، أي سنة 1798، فاتحة العصر الأبتداعي، لأن أشعاره تمثل الحركة الأبتداعية من الناحية الأدبية خير تمثيل. ولكي يتضح لنا معنى هذا القول علينا أن ننظر بعض النظر في خواص هذه الحركة، وخصوصاً الناحية الأدبية منها
(البقية في العدد القادم)
جرجيس القسوس
في اللغة والأدب
المثنيات
للأستاذ محمد شفيق
إن من خصائص اللغة العربية التي امتازت بها على غيرها من اللغات الحية هذه المثنيات. وقلما يخلو علم من علوم لغة الضاد من مثنيات إن قليلة أو كثيرة. وقد رأيت أن أقدم إلى قراء (الرسالة الغراء) أمثلة منها مرتبة على العلوم، مبتدئاً بالأدب واللغة لشدة علاقتهما بالرسالة، وإن كانت هي حفية بالثقافات الإسلامية والعربية وغيرها:
المثنيات في اللغة والأدب والنحو والعروض
(الأبردان) الغداة والعشيّ، والظل والفيء، وفي الصحاح: الأبردان: العصران. (الأبيضان) اللبن والماء، أو الشحم واللبن، أو الشحم والبياض، أو الخبز والماء، أو الحنطة والماء، أو الملح والخبز، قال الشاعر:
ولكنه يأتي إلى الحول كاملاً
…
وماليَ إلا الأبيضينِ شَرابُ
(الأجدّان) الليل والنهار، وكذلك الجديدان، والدائبان والطريدان، والعصران، والملوان، والأحدثان، والأصرمان
(الأحمران) الخمر واللحم، وفي المثل (أفسدَ الناسَ الأحمران) قال الشاعر:
إن الأحامرة الثلاثةَ أهلكتْ
…
مالي وكنت بهنَّ قدماً مولعا
الرَّاح واللحم السمين وأطَّلي
…
بالزعفران فلا أزال موَلعا
(الأخضران) النباتان القريب والبعيد، لأن القريب أخضر حقيقةً، والبعيد كما قالوا أسود؛ والأسود عند العرب أخضر، يقال فلان أحرق الأخضرين: يراد المبالغة في ظلمه وتعديه، كأنه يوصل الشرَّ إلى القريب والبعيد. وقيل الأخضران: النبات والإنسان من العرب؛ قال الفضل بن العباس:
وأنا الأخضرُ من يعرفني
…
أخضر الجلدةِ من نسل العربْ
(الأصرمان) الذئب والغراب لأنهما انصرما عن الناس، أي انقطعا، قال:
وموماة يحارُ الطرفُ فيها
…
إذا امتنعتْ علاها الأصرمان
(الأعميان) السيل والفجل، والسيل والحريق، والسيل والليل، والسيل والجمل الهائج: لأنها لا تتقي موضعاً ولا تتجنب شيئاً كالأعمى الذي لا يدري أين يسلك فهو يمشي حيث ذهبت رجله
(البازيان) الأعشى وجرير. كان أبو عمرو بن العلاء يقول:
الأعشى وجرير بازيان يصيدان ما بين العندليب إلى الكركي
(البردان) الغداة والعشي، قال ابن خالويه: حدثنا ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: دعا أعرابي لرجلٍ فقال: أذاقك الله البردين - يعني برد الغنى وبرد العافية - وأماط عنك الأمَرَّين، يعني مرارة الفقر ومرارة العري، ووقاك شر الأجوفين، يعني فرجه وبطنه
(الحكيمان) أبو تمام والمتنبي: سئل أبو العلاء عنهما وعن البحتري فقال: هما حكيمان والشاعر البحتري، كأنه يريد أنهما ينتزعان المعاني من كلام الحكماء ويراعيان الصناعات الشعرية التي أحدثها المتأخرون، وأما البحتري فإنه يجري على عادة العرب في ترك التكلف واختراع المعاني
(الخالدان) هما خالد بن نضلة بن الأشتر بن جحوان، وخالد بن قيس بن المضلل بن مالك، قال الشاعر:
فقبليَ مات الخالدانِ كلاهما
…
عميدُ بني جحوان وابن المضللِ
(الخالديّان) هما أبو بكر وأبو عثمان ابنا هاشم الشاعران المشهوران، قال الصابي:
أرى الشاعرين الخالديين نشَّرا
…
قصائدَ يفنَى الدهرُ وهي تقيدُ
تنازع قومٌ فيهما وتناقضوا
…
ومَرّ جدالٌ بينهم وتردُّدّ
فطائفةٌ قالتْ سعيدٌ مُقدم
…
وطائفةٌ قالت لهم بل محمدُ
وصار إلى حكمي فأصلحتُ بينهم
…
وما قلتُ إلا بالتي هي أرشدُ
هما لاجتماع الفضل روحٌ مؤلف
…
ومعناهما من حيثُ ألفيت مفردُ
كما فرقدا الظلماء لما تشاكلا
…
علاءً أشكا ذاك أم ذاك أمجدُ
فزوجهما ما مثله في اتفاقه
…
وفردهما بين الكواكب أوحدُ
فقاموا على صلح وقام جميعهم
…
رضياً وساوى فرقدَ الأرض فرقد
(السّببان) هما عند علماء العروض خفيف، وهو حرفان ثانيهما ساكن، وثقيل وهو حرفان
متحركان
(الصادان) هما الصاحب بن عباد والصابي، قال أبو الحسن البنداري: أكتب أهل العصر الصادان
(الجرادتان) هما قينتا معاوية بن بكر أحد العماليق واسمهما بعاد وثماد، وبهما ضرب المثل (ألحن من الجرادتين)
(الصناعتان) هما عند الأدباء صناعة الشعر وصناعة النثر، وللبلغاء فيهما مؤلفات كثيرة، وأما الصنعتان في قول الوراق يرثي أبا الحسين الجزار:
يا عيدنا الأضحى سقى
…
صوبُ الغمام أبا الحسينِ
لو عاشَ فيك لقد غدا
…
يشكو بوارَ الصنعتينِ
فالمراد بهما صنعة الجزارة لعدم من يتقدم إلى الله بالأضاحي، وصنعه الشعر لعدم الكرماء
(الفاصلتان) هما عند العروضيين صغرى، وهي ثلاثة أحرف متحركات على التوالي يعقبهن ساكن، وكبرى، وهي ما تجمع أربعة أحرف متحركة على التوالي يعقبهن ساكن
(رهين المحبسين) هو أبو العلاء المعري، سمى نفسه بذلك وكان لزم بيته فلم يخرج منه مطلقاً، فأراد بأحد المحبسين البيت وبالآخر العمى
(ملكا الشعراء) هما امرؤ القيس وأبو فراس الحمداني، قال الصاحب بن عباد: بدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس
(فعلا المدح والذم) و (جمعا التصحيح) و (اجتماع الساكنين على حدة) و (اجتماع الساكنين على غير حدة) عند النحويين مشهورة
محمد شفيق
صور من التاريخ الإسلامي:
عبد الله بن الزبير (1 - 73هـ)
بقلم محمد حسني عبد الرحمن
كان القرن الهجري الأول عامراً بالأبطال الذين ترتكز بطولتهم على العقيدة، وتقوم شخصياتهم على العزائم الثابتة، والمبادئ الواضحة القويمة. ولو أن مؤرخاً إسلامياً أراد أن يسجل صفحة ثبتاً بأسماء النابغين من رجالات قريش، في الصدر الأول من الدولة الأموية، لكان خليقاً به أن يضع في طليعتهم بطلاً فذاً، كان لا ينفك شوكة في جنب هذه الدولة، لسموّ نفسه، وطمعه في الخلافة، وعمله لتحقيق غرضه؛ حتى كاد ينتزع اللقمة لنفسه من فم تلك الدولة الفتية؛ كان يطمع في النجم، وكان يؤيد مطامعه عزمٌ قوي، وبأس شديد، ولسان ذربٌ، وشرف واضح، وهمةٌ قعساء، تعضُدها الشهامة والبطولة، ولقد تمت له بكل هذا أدوات الرجولة. ذلك هو عبد الله بن الزبير الأسدي القرشي
أنجبه أبوان كريمان؛ أما أحدهما فالزبير بن العوام بن خويلد من بني أسد بن عبد العُزى، حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية؛ ولم يكن الزبير مغموراً ولا وسطاً في الناس، وإنما كان رجلاً من الطراز الأول، ومن ذوي المقامات الممتازة الذين تقوم الدول على أكتافهم، ولا يُبَتُّ في أمر هام إلا بعد مشورتهم وبذل نصحِهم؛ ولقد كانت له اليد الطويلة في نجدة الإسلام أيام كان المسلمون قلة، كما كانت له مواقف مشهودة وآراء سديدة، في فتح البلدان، ونشر الإسلام؛ أرسله أميرُ المؤمنين عمر إلى مصر نجدة لابن العاص وهو يحاول فتحها، وقال له: إني أرسلت إليك رجلاً بألف! ولقد برهن الزبير بسداد رأيه، ومجيد أعماله أنه أهل لهذا التقدير العظيم. وفي الحق أن الزبير كان يُعدّ في الصف الأول بين أمجاد قريش، وذوي الثروة فيها، وقد رشّحه مركزه ونباهة شأنه، وقوة شخصيته للخلافة؛ فكان أحد الستة الذين عهد إليهم ابن الخطاب، أن يختاروا خليفة منهم بعد وفاته للمسلمين
هذا هو الزبير أبوه؛ أما أمه فحسب القاريء أن يعرف أنها أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأخت عائشة أم المؤمنين، وكانت مع شرف أرومتها، ذات حزم وفِكرٍ ثاقب، كما كانت صلبة العود، أبية النفس، لها عزمٌ جبّار؛ فلو أنها لم تكن أنثى، لكانت رجلاً ولا كالرجال!!!
من هذه الأنساب الواضحة، والدوحة الباسقة، خرج عبد الله وورَّثه آباؤه وأقرباؤه جُل الصفات الممتازة التي تغَذى الطموح وتذكيه؛ وساعدت بيئته التي نشأ فيها على تنمية خلال البطولة والإقدام في نفسه، فامتاز بالفصاحة، وذلاقة اللسان، وقوة الحجة، حتى كان يعد من خير خطباء الإسلام؛ واشتهر كذلك فضله وزهده، وطول صيامه وقيامه، بين الخاصة والكافّة. أما شجاعته فحدِّثْ عن الليث ولا حرج! فهو الذي يقول:(ما أبالي - إذا وجدت ثلثمائة من الرجال، يصبرون صبري - لو أجلب بهم على أهل الأرض!!) ويشهد له أبو عبيد بأكثر من هذا فيقول (إن عبد الله كان لا يُنازع في ثلاث: شجاعة، وبلاغة، وعبادة) وتلك عدةُ الرجولة الكاملة، وخاصة في ذاك العصر
كان عبد الله أول مولود للمهاجرين بالمدينة عام الهجرة، فدرج بها، ونشأ فيها، حتى نال من التعليم المنتشر في عصره ما أكسبه ثقافة دينيةً محضة، فعرف الكتابة والقراءة، على طريقة عصره، وحفظ الكتاب، وروى الأحاديث؛ واقتدى في حياته وعبادته بمن كان يخالطهم ويعاشرهم من جلة الصحابة الكرام؛ فأثر هذا في أخلاقه تأثيراً كبيراً، كان من ثماره تلك النزعة، نزعة العبادة وطول القيام والتهجد التي غلبت عليه فيما بعد. وكان أهم ما يجذب النظر إليه وهو صغير، جراءته النادرة، وميله إلى العناد، مع الثقة بنفسه، والاعتداد بقوته؛ (كان ذات يوم يلعب مع الصبيان، فمرّ رجل فصاح بهم، ففروا ومشى عبد الله القهقري (بظهره) ثم قال: يا صبيان اجعلوني أميركم، وشدوا بنا عليه فنهزمه!). ومرَ به عمر بن الخطاب، وكان عبد الله مع صبيان يلعبون، ففروا وبقي هو؛ فقال له عمر: لماذا لم تفر مع رفاقك؟ فأجابه بجراءة وفصاحة: (لم أُجرم فأخافك، وليست الطريق ضيقة فأوسع لك). هذه أمثلة صغيرة، ولكنا نلمس فيها روحاً متحركة وثابة، في زمن الطفولة والتنشئة، ونستنبط منها أن للعظمة بوادر تلوح في الحوادث الحقيرة، كأنها إرهاصاتٌ لظواهر أخرى كبيرة، تكون حينما تكون عظائم الأمور، ومن هذه المثل وأشباهها نعرف أيضاً مدى اعتداده بنفسه، وثقته بها؛ ولا ريب أن الحبّة الجيدة إذا صادفت أرضاً خصبة فإنها تشق الأرض شقاً، لتحيا على أنضر ما تكون النبتةُ الطيبةُ حياة وبهجة!
ولما بلغ أشده وأطاق حمل السلاح، ثقف صناعة الحرب، ثم صحب الجيوش الغازية، وأبلى في العدوّ بلاء محمودَ الأثر؛ روى الزبير بن بكّار (أنه - عبد الله - قتل بيده في
فتح إفريقية أميرَ جيوش الروم) فأرسله عبد الله بن أبي سرح (وكان قائد جيش المسلمين) بشيراً إلى أمير المؤمنين عثمان، فلما سمع بشارته أعجبه كلامه وشجاعة قلبه، ثم سأله: أيمكنه أن يخطب الناس بمثل ما أخبره به؟ فأجابه: وما يمنعني من ذلك؟ ثم قام خطيباً، وتدفّقت من فيه آيات البلاغة، وأطنب في وصف الفتوح، وفصّل هزيمته العدو، حتى أسر القلوب، وأدهش السامعين، بفرط بلاغته وقوة عبارته، وتمكنه من ناصية القول والموقف؛ فقام أبوه وقبله بين عينيه، وانفضّ الجمع، وليس فيهم إلا معجبٌ ببيانه، مثنٍ على شجاعته
ولم أطلع في وصف عبد الله على عبارة وافية موجزة أبلغ من قول أبي عمرو بن عبيد: (كان عبد الله شهماً ذَكَراً ذا أنَفَةٍ، وكان له لَسَنٌ وفصاحة، وكان كثير الصلاة والصوم والعبادة، شديد البأس، كريم الجدات والأمهات والخالات).
بهذا الوصف الكريم الجامع أستأهل ابن الزبير أن يكون في الطبقة العالية بين رجال عصره، وما فتئ عثمان يتفرس في مخايله قوة الشكيمة، وفرط النبوغ؛ ويرمقه بعين ملؤها الحبُّ والرضا، حتى كان يوم الدار، فاستخلفه عليها قبيل مصرعه. . .
ومن ثمَّ دبَّ الطمع إلى قلبه في طلب الخلافة لنفسه، وأبقى ذلك سراً مكتوماً، ولكنه لم يأل جهداً في تحقيق هذا الحلم الجميل، الذي يلائم طبعه ويشبع رغباته الكامنة؛ ولم لا يكون خليفة وقد استخلفه أمير المؤمنين عثمان على داره التي هي دار الخلافة؟ ولِمَ لا يكون خليفة وجدُّه أبو بكر أول الخلفاء؟ بمثل هذا تحّدث إلى نفسه، ولكن أنىَّ له هذا، وفي القوم كثيرٌ ممن يكُفُّونه بمجرد وجودهم عن ذلك المرتقى السامي؟؟ وإذن فليرتقب سنوح الفرصة، وليأخذ أهبته ريثما تواتيه الظروف المسعدة، عسى أن ينال ما يبتغيه!! وقد قضت عليه سياسة الترقب هذه أن يناوئ كل خليفة يلي الأمر من بعد عثمان، فما هو أن بويع عليٌّ بالخلافة حتى قام عبد الله يؤلب عليه أهل الحجاز بزعامة أبيه الزبير وطلحة بن عبيد الله، وتحت راية خالته عائشة، وما كانت أم المؤمنين لتخرج من تلقاء نفسها لملاقاة عليٍّ بالعراق، وإنما زجها عبد الله ودفع بها في هذا المأزق الحرج، بعد أن بين لها فظاعة الجريمة التي ارتكبها الثائرون ضد عثمان، وبعد أن هوّل ما بينها وبين علي من الأحن القديم، فاستجابت طبيعة المرأة لما أُلقي إليها من دواعي الإغراء، وأجمعت أمرها على النزال، فقامت تخطب المسلمين، تحرضهم على الانتقام لعثمان. . . . حتى كان ما كان يوم
الجمل. روى المسعودي (أن عائشة قالت يوماً: إذا مرَّ ابن عمر فأرونيه، فلما مرَّ قالوا هذا ابن عمر؛ فقالت: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أن تنهاني عن مسيري إلى العراق؟ قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك، ورأيتك لا تخالفينه!! (يعني عبد الله بن الزبير)
يؤخذ من هذا ومن قول الرواة أن عبد الله كان هو المحرك الخفي لجيش عائشة على علي، وأنه كان قطب الرحا يوم الجمل، والدافع له إلى هذا إنما هي نيته المستورة، ورغبته المكبوتة في أمر الخلافة
ثم تجري الأمور على قدر، ويتولى معاوية الأمر بعد مقتل علي، فيتمنى عبد الله أن لو كان معه جند يشد أزره أمام الخليفة الجديد! ولكن أنى له ذلك الآن! وقد انقسم المسلمون فرقتين، ظفرت سياسة إحداهما بزعامة معاوية، وخذلت الأخرى بمصرع ابن أبي طالب، فلم يبق إلا الإذعان للواقع، والحزم إذن في المداورة لمن يبغي أمراً جللاً كهذا، ولا بد حينئذ من المبايعة، مع الترقّب من جديد لفرصةٍ أخرى أمثل من هذه
بايع ابن الزبير معاوية، وفي نفسه غصة، ولقد كانت المطامع الكبيرة التي ينطوي عليها توقفه من معاوية موقف الند للند، بل موقف المشاكس المناقض، حتى ليهم الخليفة أن يبطش به، فلا يحجزه عن ذلك إلا مركز عبد الله من جهة، وخشية الانقلاب والفتنة من جهة أخرى، يروي أن معاوية حجّ سنة، ثم رحل إلى الشام ليلاً، فلم يعلم بسفره من غير خاصته إلا عبد الله، فقفا أثره على فرس ومعاوية نائم في هودجه، فانتبه على وقع الحافر، وقال من صاحب الفرس؟ قال أنا عبد الله! لو شئت يا معاوية قتلتك الآن!! (يمازحه بهذه الكلمة) قال معاوية لست هناك، ثم دار بينهما حوار طويل، وكان مما قال عبد الله: أفعلتها يا معاوية! أما إنا قد أعطيناك عهداً، ونحن وافون لك به مادمت حياً، ولكن ليعلمنَّ من بعدك!!! وفي هذا التهديد ما ينم عن ثورة عنيفة يتأجج بها صدر عبد الله، وإنما كان يكتمها إلى أجل؛ وكثيراً ما كان يضيق به معاوية فيغمز عليه عمرو بن العاص ليُحرجه ويستثير دفائنه، فيقع بينهما في مجلس الخلافة الجدال الشديد، والتفاخر بالآباء والأحساب، ولكن ابن الزبير كان يفحم عمراً بالقول الرادع، والحجة الدامغة. قال له مرة:(يا ابن العاص. إنما طال بي إلى الذُّرى مالا يطول بك مثله: أنفٌ حمي، وقلبٌ ذكي، وصارم مشرفي، في تليد فارع، وطريف مانع). فعبد الله - كما قلنا - يطوي نفسه على طلب الخلافة، ويستسر
الأمر، ولم يكن هذا ليخفى على أحد، حتى على الخليفة نفسه؛ وتتضح نيته، وتظهر مطامعه لمعاوية حينما يطلب منه أن يبايع لابنه يزيد. يروي الرواة أنه لما طلب منه ذلك أطرق مفكراً، فقال معاوية مالي أراك مطرقاً إطراق الأفعوان في أصول الشجر؟ قال:(أنا أناديك ولا أناجيك؛ أخوك من صدقك، ففكِّر في الأمر قبل أن تندم) فهو لم يرض البيعة ليزيد، ولم يوافق معاوية على ما أراد لابنه من المُلك؛ وبهذه اللهجة الحازمة جابه خليفة المسلمين، مع قدرته على الفتك به. ولقد حذّر معاوية ابنه يزيد منه، إذ كان لا يخشى عليه أحداً سواه؛ قال لابنه:(إياك منه - ابن الزبير - إنه الثعلب الماكر، والليث يصول بالجراءة عند إطلاقه، فوجَّه إليه كلَّ جدك وعزمك، وأما ما بعد ذلك فقد وطّأت لك الأمم، وذللت لك أعناق المنابر. . .). فمعاوية السياسي الخطير، والداهية العظيم، لم يكن يخشى على خلافة ولده إلا عبد الله؛ وإنما كان يتوقع الشر والوثوب من جانبه، لما يعهده فيه من قوة الشكيمة، وصدق العزيمة، وأنه لا يستكين ولا يستخذي، وأن صدرَه مطويٌّ على أمور جسام
ويلحق معاوية بربه، فيتجلى نزوع ابن الزبير للخلافة بصورة واضحة قوية، حيث يتولى يزيد الأمر، ويميل إلى السرف في المتع والشهوات، وينغمس في ملاذه، حتى لينسيه ذلك أن يعني بأمور المسلمين على الوجه الذي يرضي جمهرتهم في سائر الأمصار، ويضمن التفافهم حوله. حينئذ يغلي صدر عبد الله بمكنوناته، فيتحفز، وتزداد حرارة نفسه، ثم ينطلق إلى منبر المدينة، فيلقى من أعلى ذروته على أهل الحجاز كلمة الثورة على الخليفة الأموي؛ يخطب القوم خطبة حماسية حارة، يسب فيها يزيد، ويذكر مقابحه وعيوبه، ثم يبلغ كلامه مسامع يزيد، فيؤدي هذا إلى وقعة الحرَّة، التي انتهك فيها جيش الخليفة حرمات المدينة، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه نقطة سوداء أثيمة، كان من شأنها تحويل قلوب كثيرة من مختلف الأقطار الإسلامية عن الخلافة الأموية، وساعدت ابن الزبير كثيراً على مطلبه؛ وقد قلنا إنه كان يتطلع إلى منصب الخلافة وزعامة المسلمين منذ زمن بعيد، وكانت نزعته هذه تعتمد على عدة أمور: منها أن عثمان استخلفه على الدار يوم حصارها، فتدخَّله من هذا الاستخفاف طموح إلى الأمر، ولذا كان يقول لئن أُصبتُ بأبي فلقد أصبت بإمامي عثمان؛ وقوّاه على هذا أن طلحة والزبير قدّماه للصلاة بالناس أيام وقعة
الجمل، وكأني به يقول لنفسه: لم لا أكون خليفة المسلمين، والأمر لا يجري على ميراث ولا يتبع قانوناً؟ ولم لا يؤسس أسرة زبيرية، كما أراد معاوية أن يقيم دولة سفيانية؟ وقد نمى عنده هذه الخواطر ما أنسه من قوة الشخصية، وشدة الاعتداد، مع شرفه وجراءة قلبه. سأله ابن عباس مرة: بماذا تروم هذا الأمر؟ قال بشرفي!، وقد وجد في أهل الحجاز ضراماً لناره، فهم يؤيدونه على الأموية، ولذا اتخذ الحجاز مقراً لدعوته
(البقية في العدد القادم)
محمد حسني عبد الرحمن
الشباب
للأستاذ عبد الرحمن شكري
مقدمة
مستقبل الإنسانية رهن بطموح الشباب إلى المثل العليا وعزوفه عن حقيرات الأمور وإبائه الضيم للناس ولنفسه، وبألا يقنع من الحياة بما يرى، وبأن يحاول أن يبلغ من جليلات أمورها البعيد الداني إلى قلبه ونفسه، وبأن يحاول أن يقهر طاغوت الأمور وجبروتها، وأن يستنقذ الدهر من عبث العابثين الذين جعلوا الحياة مهزلة رخيصة ومأساة وضيعة
الناظم
إن الشباب حديقة الأزمان
…
عَطِر الروائح ناصع الألوان
مثل الربيع إذا جلوت بسحره
…
نَوْرَ الرُّبَى وأطايب البستان
روحٌ من الفردوس يُثمِل نَشْرُه
…
تغدو الحياة به رياض جِنَان
ما راعه حكم الحِمَام وصَوْلُه
…
إن الشباب من الخلود لَدَاني
لا اليأس يضنيه ولا جزع إذا
…
كثر العثار وزلت القدمان
ينسى الذي يمضي لينشد مقبلاً
…
مستأنفاً للعيش بالنسيان
ولو أن رفضا للقضاء يذيقه
…
كأْساً تذيب القلب من ذيفان
والشيب بالتسليم يكسر سمها
…
حيث الشباب لِغِرَّة الأسوان
وهو المغامر في الحياة بنفسه
…
نشوان لا من خمرة النشوان
نشوان من خمر الحياة وكأسها
…
تغنيه عن نشوات بنت الحان
فكأنما فك الزمانُ قيودَه
…
عنه وما للدهر من سلطان
ويصوغ من أحزانه نغماً له
…
فكأنه خلْوٌ من الأحزان
يسمو إلى الغرض البعيد طموحه
…
ويرد خطب الدهر بالإيمان
متحصن منه بأمنع معقل
…
متكفِّل إيمانه بأمان
ويكاد من فرط الهناءة والهوى
…
يدع الثرى ويهم بالطيران
والشيب يرسب في الحضيض تخلفاً
…
وترى الشباب كذروة الأكوان
ما أرَّقته ذكرة من أشيب
…
جم التردد خَطْوُهُ متداني
وله على إدبار دَهْرٍ عزةٌ
…
تنأى به عن ذلة وهوان
كِبْرُ الشباب ولا اعتداد مُسَوَّدٍ
…
بالجاه والأجناد والأعوان
إن كان صعلوكاً فليس بخانع
…
فكأنه ذو التاج والإيوان
إن العزيز هو العزيز على الصِّبى
…
والشيب مهما عز ذل جَنَان
ذل الجَنَان لوهن جثمان ولا
…
ذل كذل الوهن في الأبدان
ورث المراح ذخيرةً لمبذر
…
خال الحياة رخيصة الأثمان
لَذَّاتُه دَيْنٌ يؤديه إذا
…
حل المشيب وهد من جثمان
تتعادل اللذات في ريعانه
…
ولواعج للشيب في ميزان
عهد الصراحة والمروءة والندى
…
وتَألُّفِ الخلان بالخلان
عهد المحبة والأخاء وربما
…
تُلْفِيها في القلب يمتزجان
عهد إذا طلب الكرى لم يُعْيِه
…
وكرى المشيب مؤرَّق الأحزان
عهد الصِّبى عهد المنى، فإذا مضى
…
لم يبق الأمُرُّ سُؤْرِ دنان
وتكاد ذكراه إذا فات الصبى
…
تحيي الصبى وترد غرب زمان
أطماعه عُلْوِيَّةٌ، أحلامه
…
ذهبية الآمال كالعقيان
عهد الصيال ولا صيال لأشيب
…
هاب الحياة وصولة العدوان
والخطب أن يَهْوِي المشيب بصائل
…
ما كان يخشى جولة الحدثان
حتى تراه بالحياة مُرَوَّعاً
…
قلق الضلوع مؤرَّق الأجفان
والخوف طبع في المشيب وقلما
…
تلقى الشباب على غرار جبان
ولربما جمح الشباب بِسادر
…
عَبَدَ الحياة عبادة الشيطان
ولربما عبد الحياة أخو النهى
…
كعبادةٍ لله والأوطان
قال المشيب ورُبَّ قولة صامت
…
تعظ المصيخ له بغير لسان
ما سَرَّني أني فطنت وإنني
…
والحلم والتبيان في أكفان
ونسيت ما نَشْرُ الجنان وخلدُها
…
وذكرت أن العيش مهلة فاني
ولقد علمت الآن ما عهد الصبى
…
من بعد جهلي فيه والنسيان
والآن عالجت الحياة كما أرى
…
لا ما أريد من البعيد الداني
وعددت من سُنَنِ الحياة وحكمها
…
ما يفعل الإنسان بالإنسان
في حرصه أو قَسْوِهِ أو رِقِّهِ
…
من فتكه بالروح والأبدانِ
وفزعت من ظُلْمِ الحياة وطالما
…
ذَلَّلْتُ منها أيَّمَا طغيان
وتلوت في التاريخ آيات الأسى
…
مسطورةً بمدامع الأحزان
فعسى الشباب بمقبل من دهره
…
يبلو الحياة بعزمة وأماني
ويَسُنُّ للدنيا الوسيعة سُنَّةً
…
لا سنة للحرص والحرمان
يستنقذ الأزمان من عبث الورى
…
ويُطَهَّر الأحشاء من أضغان
ويُذِل طاغوت الأمور فيحتذي
…
شرعُ الحياة شريعةَ الرحمن
ويُحيلُ ظلم العيش عدلاً سائغاً
…
يُنسَى به ما كان من عدوان
عبد الرحمن شكري
ذكرى سعد
للأستاذ فخري أبو السعود
تهفُو لذكرِكَ أنْفُسٌ ومَشاعر
…
وتجود أفئدةٌ له وخواطر
ويُضيءُ شِعرٌ من عَلائك قابِسٌ
…
ويَتِيه فخراً في مديحك شاعر
وعلوتَ أنت فما يزيدك مادحٌ
…
مجداً ولا يُعلى مكانك ذاكر
يا فخر مصرٍ في الشعوب على المدى
…
ما قام فيها بالرجال مُفاخر
كانت حياتك صفحةً كم سُطِّرَتْ
…
فيها لمصرَ محامدٌ ومآثر
أنت الذي أعلَيْتَ خافتَ صوتها
…
والخصم يُرعِد والخطوبُ بوَاسِر
فَشَدَتْ بذكرك ألسُنُ وصحائفُ
…
وبذكرِ مصرَ عواصمٌ وحواضر
رَوَّعْتَ عنها غاصباً متجبراً
…
الموتُ من أسيافه متقاطر
ليثٌ يَرُوعُ العالمين مهابةً
…
قد راعهُ مِن ليث مصر زَماجر
لما رأَوك تُثير شعباً هامداً
…
وتمُجُّ سِحرَ القول قالوا: ساحر
لو أنصفوا قالوا: نبيٌّ مرسل
…
الوَحْيُ يَتْبَعُ خَطْوَهُ ويُساير
أدَّيْتَ أمس رسالةً عُلوِيَّةً
…
العِزُّ أولُ آيِها والآخِر
في عهدك الزاهي الأغَرِّ - ولم يَطُل -
…
يَنَعَتْ أمانٍ للبلاد زواهر
شَرَقَتْ لمصر سيادةٌ كانت خَبَت
…
من عهد فرعون وعزٌّ باهر
وطَلَعْتَ في دست الرياسة قائداً
…
في راحتيه أزمَّةٌ ومصائر
ومَثَلْتَ في دار النيابة مِدْرَهاً
…
شَخَصَتْ إليه جوارحٌ ونواظر
أنَّى حَللْتَ سما بمجدك منصبٌ
…
أن زانه سعد العظيمُ الكابر
اسُتقبلِتْ بك مصرُ سالفَ رفعةِ
…
وبدَتْ لمأْمُول النهوض بشائر
فأتتْ ثمان بعد ذاك كأنها=دهرٌ على الوادي المروَّع داهر
وئُدَتْ بها الآمال في إبَّانِها
…
وتَلَتْ سناك على البلاد دياجر
سَرَقتْ زمامَ الحكم فيها عصبةٌ
…
لا عاد عهدهم الأثيم الدَّاثر
من كان قاعُ السجن مأوى مِثلِهمْ
…
عَمَرَتْ محافل باسمهم ومنابر
أجْرَوْا على الأهلين ما لم يُجْرِهِ
…
في سالف الأحقاب غازٍ فاجر
وتحكموا والأجنبيُّ مُظاهرٌ
…
لهمُ وجُندُ الأجنبيِّ مُناصر
أوْهَى وَأوْهَنُ ما رأوه شرائعٌ
…
عَبَثوا علانية بها ودساتر
أعداءُ مِصرَ همُ كواشحُ سعدِها
…
قد شفَّهم حقدٌ عليه ساعر
نَقِمُوا عليه في النفوس مكانةً
…
مَسعاتهم عن دَرْكها تتقاصر
ضنُّوا على سعدٍ بتمثال وقد
…
ضَمَّتْ جوانحُ رَسْمَهُ وسرائر
في موطنٍ كم فاز بالأنصاب في
…
ساحاته عِلْجٌ دخيل ماكر
وحَموْا بَقِيَّتَه ضريحاً شادَهُ
…
لرُفاته الشعبُّ الحفِيُّ الشاكر
ولو استطاعوا فوق ذاك لما ثَوَى
…
في مِصرِهِ جسد الزعيم الطاهر
حَسَدٌ لعلياءِ الرئيس وفضلهِ
…
حيّاّ وميْتاً ما يزال، يُساور
إن يَمنعُوا عنه بناَء حجارة
…
فلهُ البناءُ المشمَخِرُّ الفاخر
بُنيان مجدٍ شادَهُ بيمينه
…
هيهاتَ يَبلُغه الحسود الخاسر
يمضون في غدهم حُطاماً مُغْفَلاً
…
وهو المخلَّدُ في العصور الظافر
فخري أبو السعود
راتبي
للأستاذ محمود غنيم
ولى راتبٌ كالماء تحويه راحتي
…
فيُفلت من بين الأصابع هاربا
إذا استأذن الشهر التفتُّ فلم أجد
…
إلى جانبي إلا غريماً مطالبا
فأمسيتُ أرجو نعيهُ يومَ وضعِه
…
وليس الذي يمضي من العمر آيبا
لعمرك ما فوق المكاتب راحةٌ
…
ولا تحتها كنز يدِرُّ المكاسبا
قضيت حياتي بين داري ومكتبي
…
فألفيتُ وجهَ العيش أصفر شاحبا
تشابهت الأيام عندي كأنما
…
مضى العمر يوماً واحداً متعاقبا
فقل لشباب النيل قالةَ ناصحٍ
…
تعاف له أخلاقه أن يواربا
إذا مصرُ لم ترفعْ قواعد مجدها
…
بساعدها لم تقض منه مأربا
وإن نَكُ في كل المرافق عالةً
…
على غيرنا عشنا بمصرَ أجانبا
أما من سبيل للحياة وغيرُنا
…
يرى سبلاً شتى ومذاهباً؟
محمود غنيم
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
17 -
تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
فرديدريك نيتشه للأستاذ خليل هنداوي
غزوات نيتشه
أثرت في نيتشة تعاليم شوبنهاور تأثيراً ظهر في كتابه (نشأة المأساة) وعنه اقتبس قواعد كتابه. فاتخذ الإرادة منه كشيء قائم بنفسه؛ والذاتية في الوجود مصدر كل ألم، والموسيقى كلغة أصيلة للإرادة. وفي الكتاب ذاته يرحب بشوبنهاور ويحييه تحية العبقرية، يرى فيه هاديه إلى الحقيقة، ويحلل تأثيره وما يمكن لهذا التأثير أن يفعله في الأرواح الحديثة. يقول:(إن الإنسان اليوم يتحرى عن ذاته، ولا يفتأ يتحرى حتى تهديه المصادفات إلى معلم نافع فيتبعه، لا يعمل هذا المعلم على تخطيط آثار وتعيين طريق من الطرق المختلفة، ولكنه يعمل على استنقاذه من كل ما يمسك عليه حريته ويحول بينه وبين الوصول إلى هذه (الذات) الغامضة المتوارية في أحناء كل إنسان)، ولم يكن معلمه إلا شوبنهاور
شاهد فيه للوهلة الأولى ذلك الفيلسوف الصادق المستقيم الذي يتحرى عن الحقيقة في كل ما حبر وسطر. وفي مدرسة شوبنهاور تعلم نيتشه أن يرى الحقيقة كما هي بما فيها من قبح وبما تنطوي عليه من ألم. وتعلم أن العبقرية يجب أن تناضل عصرها وأبناء عصرها حتى تحمل الناس على الاعتقاد بوجودها، فهي حين تناضل الضعف وتحارب الرذيلة، تحاول في هذا كله أن تطهر ذاتها من كل الأوضار التي دخلت عليها من مجتمعها
وأخيراً وجد نيتشه في شوبنهاور تعريفه لحياة البطولة؛ (أما الحياة السعيدة فهي ضرب من المحال. ولكن الذي يمسح الإنسان بمسحة الجلال هو أن يعتنق حياة البطولة، وأن يقضي وجوداً تزينه الرجولة. لا تحفل بأن تكافأ على حياتك، فخير ما تكافئ به نفسك أن تكون عظيماً ظافراً، ذكراك تبقى حية، وأنت تمجد تمجيد الأبطال؛ وإرادتك نثب من خطر إلى خطر. وتصعد من قدر إلى قدر، حتى تتلاشى في (النرفانا)) وهكذا خال نيتشه أنه وجد في شوبنهاور روح (ديونيزيوس) التي تعتمد على الإرادة وحدها
الغزوة الرابعة
وهناك صداقته القديمة للموسيقى الفنان (ريشادر فاجنر) هذه الصداقة التي يعود عهدها إلى أيام الحداثة، ما عمرها إلا إعجاب نيتشه بآثار هذا الفنان إعجاباً تسامى عن إعجاب فنان بفنان إلى امتزاج إنسان بإنسان؛ فقد تقاربا وتعاشرا ردحاً طويلاً من الزمن، كانا خلاله مثلين للثقة العمياء والمودة الراسخة؛ وظلا ثابتين على هذه الصداقة حتى شاءت الظروف أن تفرق بينهما فمضى (فاجنر) إلى (بابروت) حيث أسس فيها داراً للتمثيل، فكان نيتشه يعوده بذات الإعجاب؛ وفي إحدى مطالعاته الأخيرة وصف (فاجنر) كبطل من أبطال العبقرية على النحو الذي ذهب إليه في معلمه (شوبنهاور)، ولكن هذا أدى رسالته عن طريق الفلسفة، وذاك يؤديها عن طريق الفن بأسلوب حي يمازجه شيء من الغموض، هو ذلك العبقري (الديونيزوسي) الذي لا يستطيع أن يعبر عن عالم عواطفه الزاخرة في نفسه بطريقة الكلام والبيان الناقص؛ فهو عبقري جمع إليه جملة فنون متصاحبة: فيه براعة الممثل، وعبقرية الموسيقى، وسمو الشعر؛ تساعده كلها على التعبير عما يخالج نفسه ويغشي حسه، وقد كان هدف (فاجنر) من افتتاحه لدار التمثيل أن يخلق درامة موسيقية يحي بها عهد المأساة عند اليونان؛ وإن تحقيق هذه الدرامة لَيُعد أول محاولة من نوعها في تاريخ أدب الغرب الحديث؛ لأنها محاولة لا ترمي في الحقيقة إلا إلى إحياء العبقرية اليونانية الهامدة، ولو أن هذا العمل قُدر له الانتصار والبقاء، لاعتبر طليعة صادقة من فجر جديد في تاريخ الإنسانية
ولكن نيتشه بعد إنجازه ما كتب بأسابيع قفل راجعاً إلى أهله، وقد تراكم عليه اليأس والضجر، فجعته الأيام في أحلام صباه، وانتصر فيه إعجابه بفاجنر على كل شيء
هذا نيتشه الذي كان قذفه كل خاطرة طفق يدنو من استقلاله الفكري الذي قهره عليه سلطة هذين المعلمين، وهو أحد المتعصبين لأفكارهما وآرائهما، وأحد العاملين على بثها، لأنهما في اعتقاده أكمل ما جاد به المثل الأعلى. ولكن نيتشه أخذ يعمل بينه وبين نفسه على الانفصال من قيودهما. وقد عرفنا كيف انفصل عن (شوبنهاور) في مسائل واضحة من مذهبه. فقد أصبح يرتاب في كل ما ينطوي عليه هذا المذهب من المسائل التصورية، وفي الخاصيات التي يعزوها صاحبها إلى الإرادة، وفي الإرادة التي يزعم صاحبها أنها كنه أكناه الكون، وفي الشيء القائم وجوده بنفسه. وبعد قليل حمل على التشاؤم الذي يدعو إليه
شوبنهاور، فأبى الخضوع والاستسلام ورفض الجنوح للسكون الفلسفي. وبهذا قضى على فلسفة الحكمة (الراكدة) اللابسة لباس اليأس. هو يريد الحقيقة مهما كان ثمنها. ولو كان للعلم فوز في تضحية بني البشر لفعل. ويمدح الحكمة الممزوجة بالمأساة، التي تكفر بعلم ما وراء الطبيعة ثم تخضع المعرفة لها لتخدم أجمل شكل في أشكال الحياة، ويعيد للفن حقوقه التي انتزعها العلم منه، هذه الحقوق التي تخول الإنسان حق التخيل وحق التوهم
ولم يكن حكم نيتشه على (فاجنر) أقل جرأة وقسوة. فقد أخذ يبدي فيه مواضع ضعف يحسبها الناظر ذخائر جمال، ويظهر ما يطغى على روحه من روح الفوضى والاضطراب. ويقارن بينه وبين (باخ وبيتهوفن) اللذين هما أصفى مزاجاً منه. وأصبح في شك من قيمته الفنية التي تدس فيه الموسيقى والشاعر والمفكر. وأخذ عليه تشبثه بالقديم وعودته إلى الآراء القديمة. منها توقانه إلى القرون الوسطى وميله إلى المسيحية والذهول البوذي، وحبه للأشياء الغريبة. أصبح في شك من أي تأثير يحمله (فاجنر) إلى الشعب الألماني
هذا نيتشه الذي كان يرى في موسيقى (فاجنر) المثل لأسمى قد انقلب عليها وجحد بها، فما هي علة هذا الانقلاب؟
يقول نيتشه جواباً على هذا السؤال أثناء تحدثه عن شوبنهاور (إننا نخاله فيلسوفاً: ثم نرى: إذا خدع في الأسلوب الذي أبدى به ملحوظاته فإن هذه الملحوظات لا يشوبها خلل. لأن منازل هذه الملاحظات لا خلاف فيها، فهو كفيلسوف يُعلِّم قد يكون مخطئاً مائة مرة. ولكن شخصيته ذاتها لا تظهر إلا على حقيقة، مرتدية أزياء الحقيقة. . . وههنا مجال النظر والتأمل؛ ففي الفيلسوف شيء لا تنطوي عليه الفلسفة، هذا الشيء هو الذي يخلد الفلسفة ويولد العبقرية)، وفي هذا الرأي يكاد يتبين لنا هوى نيتشه وميله لهذين الرجلين، فهو قد مال إليهما بآثارهما والتعصب لهما. ثم انقلب هذا الميل والتعصب إلى الآثار إلى إعجاب مجرد بالشخصية، فأحبهما كرجلين عبقريين منفصلين عن آثارهما. ثم عمل على أن يتجنب كل ما يعكر هذه الصداقة أو يشوش أسبابها، ولكنه اضطر إلى نقد مالا يوائم فكرته نقداً عاماً، وأخيراً اقتربت تلك لساعة التي وجد فيها أن الفواصل التي تفصله عنهما هي أكبر من أن تُخنق
وألفى أن في سكوته عنها خيانة لنفسه، فبدأ ينقد آثارهما ويظهر أخطاءهما. وهو في كل
ذلك لا يحاول أن يفهمهما بحقيقتها ولكنه عامل على تفهم نفسه بالاتصال بهما؛ وهو بدلاً من أن يصور نفسه بصورتها رأيناه قد حوّل صورتهما إلى صورته، وأذاب ذاتهما في ذاته، كالحر الذي يحول فيه الفرات أجاجاً. وصورة (شوبنهاور) التي رسمها نيتشه ليس بينها وبين صورة الفيلسوف الحقيقية مشابهة، وإنما هي صورة للمثل الأعلى للفيلسوف (التراجيدي) كما يتخيلها نيتشه. وهكذا قل في صورة (فاجنر). وهو دائماً لا يعبر في كل ما يصف ويصور إلا عن حلمه الباطن
(يتبع)
خليل هنداوي
القصَص
صور من هوميروس
حروب طروادة
التفاحة المشؤمة
للأستاذ دريني خشبة
نشيد الزمان!
وقصيدة الماضي!
وغناء السلف!
وحُداء القافلة التي لا تفتأ تخب في بيداء الأزل، إلى الواحة المفقودة في متاهة الأبد؛ رُكبانها الآلهة، وأبوللو وكيوبيد ومَلؤهما وِلدانها المخّلدون!
أنشد يا هوميروس!
واملأ الأحقاب موسيقى!
واللانهاية جمالاً وسحراً!
فالأرواح ظامئة، والقلوب متعبة، والإنسانية واجفة، والآذان مكدودة من دويّ العصر، فهي أبداً تحنّ إلى سكون الماضي!
لن تصمت يا هوميروس!
فالقيثارة الخالدة ما تزال بيديك!
والقلوب هي القلوب!
فدع أوتارها تملأ الدنيا رنيناً، فلقد أوسعتنا هذه الدنيا أنيناً؛ ورنينك العذب أذهب لأنين الشاكين الباكين!
- 1 -
رآها تخطر فوق الثبج، وتميس على رؤوس الموج؛ فهام بها، وشغلته زماناً عن أزواجه في قصور الأولمب، فكان يقضي عند شاطئ البحر أياماً يترقب الفرصة السانحة، ويفتش في كل موجة عن حبيبته (ذيتيس). . . عروس الماء الفاتنة، (ذات القدمين الفضيتين)،
ابنة نريوس، رب الأعماق؛ الثاوي مع زوجته الصالحة دوريس، في قصور المرجان. . . هناك. . . هناك تحت العُباب. . .
ورقت له الفتاة، حين علمت أنه رب الأرباب، وسيد آلهة الأولمب، زيوس العظيم، فوصلت بحبالها حباله، تطمع الخبيثة أن تصبح زوجة أولمبية عظيمة، تصاول حيرا أم مارس وفلكان، وتفاخر لاتونا أم ديانا وأبوللو، وتدِل على ديون أم فينوس. . . وعلى سائر ربات الأولمب!
وابتسم لهما الزمان، وتساقيا كؤوس الغرام دهاقاً؛ وأوشك الإله الأكبر أن يبني بها لولا وسواس خامر قلبه، فآثر أن يستشير ربات الأقدار قبل أن يبت في الأمر أو يقطع فيه بشيء
ولقد شاء حسن طالع الإله الأكبر أن يفعل؛ إذ أخبرنه أن ذيتيس الجميلة التي يهواها سيد الأولمب، تلد غلاماً ما يزال يقوى ويشتد حتى يخلع أباه ويستأثر بالملك من دونه؛ أو على الأقل، تكسف شمسُ عظمته شمس أبيه، فيعيش إلى جانبه إمَّعةً لا شأن له. وهَو لن فحدثنه عما يكون للغلام من مقام حين يثأر النقع، ويستحر القتال، بين شعبه (الإغريق) وجيرانه (الطرواديين). . .
وخفق قلب زيوس، وذكر تلك الحرب الضروس التي انتصر فيها على أبيه ساترن بعد فظائع وأهوال، فأشفق أن يكون له ولد يصنع به ما صنع هو بأبيه
لذلك قصر هواه، وأصدر على غفلة من كل آلهة الأولمب إرادة سامية تقضي أن تتزوج ذيتيس من بليوس ملك فيتيا، الذي كان هو الآخر مولعاً بها، مشغوفاً بجمالها حباً. . . حتى لقد خطبها إلى أبيها غير مرة فرفض رب الأعماق أن تبني ابنته على بشريٍّ هالك واو كان ملكاً. بيد أنه صدع بأمر الإله الأكبر، وقبل بليوس لابنته بعلاً. . .
وحزنت ذيتيس، وانعكفت في غرفتها المرصعة باللآلئ تشكو وتبكي؛ فلما علم زيوس ما حل بها، زارها من فوره، وطفق يلاطفها ويترضاها، حتى رضيت أن تكون زوجة لبليوس الملك:(على أن تحضر بنفسك، أنت وجميع الآلهة ليلة الزفاف، وليعزف أبوللو على موسيقاه، ولترقص ديانا ربة القمر. . .)
- 2 -
ودُقَّت البشائر، واضطرب بطن اليم، وانشق الماء عن طريق رحب يتهادى فيه موكب الآلهة إلى قصر نريوس في أعماق المحيط، ووقفت الأوسيانيد والنيرييد وسائر عرائس الماء صفوفاً صفوفاً تحي الضيوف الأعزاء، الأودّاء الأحبّاء، وتغني وتنشد وترسل ألحانها الخالدة موقعة على الموسيقى المشجية
وانبرى أبوللو يوقع على قيثارته الذهبية. أبوللو!! الذي اشترك في بناء أسوار طروادة، فلم يكن يصنع شيئاً أكثر من أن يلعب بأنامله على أوتار القيثارة، فتقفز الحجارة مترنحةً من الطرب إلى مكانها من الأسوار!!
وانطلقت ديانا ترقص. . . فما علم أحد من الآلهة أخطرات نسيمتهبط من القمر الفضي، وتعلو في السماء، أم ديانا الهيفاء ترقص في القلوب والأحشاء!!
ونهض الجميع إلى المقصف الفاخر الذي تفننت في تنويع آكاله وأشرباته أيدٍ إلهية ماهرة، فأكلوا ما لذ، وشربوا ما طاب، وأخذوا في سمر جميل. وكان هرمز يرسل نكاته الطريفة فيقرقع المكان الحاشد بالضحك. وتُدَوّي الأكف بالتصفيق.!
وبينما الآلهة في قصفهم، لا يفكر أحدهم إلا في هناء العروسين، إذا بالرَّبَّة الخصيم أيريس تظهر فجأة في وسط الجماعة، ثم شرعت تقلب فيهم عينين تقدحان بالشرر، وتنفثان سم البغض، وعلى رأسها الفاحم الأسود تتلوى خِصَلٌ ثعبانية شائهة ذات فحيحٍ وصلصلة، وعلى صدغيها الأبرصين يخشخشن عقربان منكران لكل منهما ذُنَابَي يقطر الموت الأسود منها ههنا وههنا
ظهرت إيريس غاضبة حانقة، لأن القائمين بالدعوة إلى العرس أغفلوها فلم يرسلوا إليها بالدعوة التي أرسلت إلى الأرباب جميعاً. وهم قد قصدوا إلى ذلك عن عمد، لأنهم خشوا على العروسين من أذاها الذي ما تفتأ تثيره في كل مكان وطئته قدماها. أليست هي ربة الخصام، النافخة في نار العداوة التي تتضرم منذ الأزل في الجوانح والقلوب؟
لكنها لم تنس لهم هذا الإهمال، بل أقبلت، وهي تتميز من الغيظ، لتقلب هذا العرس الكريم إلى مأتم أليم
ولقد أوجس الآلهة جميعاً خيفةً حين رأوا إليها تُقلّب فيهم ناظريها المشتعلين، غير أنهم اطمأنوا قليلاً، حين رأوها تنصرف بعد إذ ألقت على الخِوان الفخم تُفَّاحةً كبيرة من الذهب،
نُقشت عليها هذه الكلمة المقتضبة: (للأجمل!)
- 3 -
باريس:
درجت عادة القدماء أنه كلما ولد لأحدهم غلام توجه من تَوّه إلى الهيكل يقدم القرابين ويزف الهدى، ثم يستوحي المعبود عما يكون من مستقبل ولده وما يفيض به من سعادة أو شقاء، ليأخذ للأمر أهبته، وليعد لكل شيء عدته
فلما وضعت هيكيوبا، ملكة طروادة، غلامها باريس، حمله أبوه الملك، بريام، إلى هيكل أبوللو، ليرى رأي الإله فيه
واربدّ وجه الملك الشيخ، وتغضَّنت أساريره، حين قال له كاهن المعبد: إن ولده سيكون كارثةً على قومه وعلى بلده! يأتي من الإثم ما يجر إلى قتل إله وبني جلدته، ويُفضي إلى سقوط طروادة في يد أعدائها
وتحدث بريام إلى هيكيوبا في ذلك، فصمما على الخلاص من الطفل بتركه في العراء، فوق واحدةٍ من جنبات الجبل، ينوشه طير جارح، أو تفترسه ذئاب البرية. وأنفذا فعلتهما الشنعاء! ولكن القضاء ينبغي أن يتم، والقدر يجب أن يأخذ مجراه! فلقد جاز بهذا المكان من الجبل أحد رعاة الأغنام فوجد الغلام وفرح به، واتخذه لنفسه ولداً؛ ثم سهر عليه واعتنى به، ونَشَّأه تنشئة الفروسية التي كانت أحب مزاولات الحياة هذا الزمن
وشب باريس فتى يافعاً، جميلاً ممشوقاً، فعمل مع الراعي الذي أنقذه. وكان مولعاً بالبحر، تشوقه أمواجه، وتفتنه أواذيه، فكان يختلف إليه ريثما تفيء الأغنام من الحر، يلهو بالسباحة، ويتربص بمصارعة الموج. وبدت له إحدى عرائس الماء - إيونونيه - وكانت قسيمةً وسيمة، فهويها وعلقها قلبه، وما لبثت أن أصبحت أعز شيء عليه في هذه الحياة
وعشقته إيونونيه، وأخلصت له الحب، وكانت تنتظر أوبته من رعي الغنم كما ينتظر الظمآن جرعة الماء، والعليل برد الشقاء
وا أسفاه!
لقد قضت ربات الأقدار - كلوتو وأختاها - ألا يدوم هذا الحب طويلاً!
- 4 -
اجتمع الغانيات حول التفاحة كل تريدها لنفسها، وكل تدعي أنها أجمل من في الحفل جميعاً. . . ثم ساد صمت عميق حين نهضت حيرا ومينرفا وفينوس، ميمماتٍ شطر الجهة التي يتنازع فيها الغانيات من سائر الربات على التفاحة الثمينة. . .
- (أنا حيرا العظيمة، مليكة الأولمب، وصاحبة الحول والطول فيه، وآثركنّ إلى قلب الإله الأكبر، أنا، أحقكن بهذه التفاحة العلوية، وأعرفكن بقدرها. . . سأضمها إلى تفاحات هسبريا، فهي بهن ألبق، وهن عليها أحفظ. . . سيعلقنها مع أخواتها الثلاث لتزدان بها حدائقهن. . .)
- (أنت تفاخرين بملك الأولمب، وبالجاه والسلطان؟ إذن أين جمال الحكمة، وأبهة الموعظة الحسنة، وجلال الرأي السديد؟ بل أنا. . . مينرفا. . . ربة الهدى والسبيل الحق. . . أحق منك بهذه التفاحة. . .)
- (فيم تختصمان يا أختي العزيزتين؟ أليس قد كتب الحكم على التفاحة نفسها؟ أليست هي للأجمل؟ أولست أنا. . . فينوس جميعاً. . . ربة الجمال؟ لِم تربعت على عرش الفتنة إذن؟ هي لي من دونكما!. . .)
واختلف الآلهة، وساد هرج ومرج، ولم يجسر أحد ممن احتشد حول الخوان أن يفوه بكلمةٍ يفضل بها إحدى الرَّبات الثلاث حتى لا يقع في سخط الأخريين، وحتى لا يكون أبداً عرضة لنقمتهما. . .
وتفرق الجميع بدداً
وقصدت الربات الثلاث جبلاً شامخاً يشرف على البحر فتلبَّثن به، واتفقن على أن يفصل أول عابر، مهما يكن شأنه بينهن في أمر التفاحة، وتعاهدن، بالإيمان المغلَّظة، أن يخضعن لحكمه، وأن تكون كلمته فصل الخطاب فيما اختلفن فيه
وتنظرن طويلاً؛ وكان البحر يضطرب من تحتهن فيقذف باللآلئ والمرجان، كأن إلهاً حاول أن يشبع نهم الربات بالجواهر الغالية فلا يتشاجرن من أجل تفاحة، ولكنهن ما كن يأبهن لحصباء الدر المنثور على الشاطئ، بل ما كانت أعينهن تريم عن لُقية إيريس!!
وكانت عروس فتانةٌ من عرائس الماء تعلو وتهبط مع الموج ولا تفتر تحدق ببصرها في الجهة التي جلست بها الربات يتربصن. . .
وكانت إيونونيه من غير ريب! وكان الجبل مُستراد باريس الذي يُريح فيه قُطعانه، ثم ينطلق للقاء حبيبته، فيتباثان ويتشاكيان
وأقبل باريس يشدو لشأنه ويغني، فزلزل قلب إيونيه، وهلعت نفسها، وفرقت على حبيبها فرقاً شديداً، ذلك أن أخبار النزاع الذي انتهى إليه يوم الزفاف من أجل تفاحة إيريس قد ذاعت وشاعت، وتسامع بها كل عرائس البحار؛ فلما عرفت إيونونيه ما اجتمع الربات في هذه الناحية من الجبل من أجله، اضطربت أيما اضطراب، وقلقت على باريس أيما قلق. لأنه وحده هو الذي يجوز بهذا الطريق، حين ينفذ إليها يحلمان ويتناجيان. وكان مصدر قلقها هو ما عساه أن يجره على نفسه - إذا قضى بينهن - من سخط الربتين اللتين لا يقضي لهما بالتفاحة. . .
- 5 -
وصاحت حيرا: (قف أيها الراعي الجميل فاحكم بيننا فيما نحن مختلفون فيه. تلك تفاحة من الذهب ساقتها السماء إلينا منحة منها لأكثرنا جمالاً وأسطعنا رونقاً، وأنا - حيرا - مليكة الأولمب وذات الحول والطول فيه، وربة التاج والصولجان، وصاحبة القوة والسلطان، وآثر أزواج ربك، كبير الآلهة؛ واحبّهن إليه. . . أنا - حيرا ذات الجبروت - وولدي مارس إله الحرب، ورب الطعن والضرب، أقوى أبناء زيوس العظيم. . . وولدي فالكان كذلك، إذا شئت سرد لك الدروع من حديد فتصبح سيد أبطال لعالم، لا يشق لك غبار، ولا يجري معك في مضمار! إذا خضت حرباً حماك مارس وأيدك، ونصرك فلكان وآزرك. . . ألست ترى أيها الراعي الجميل أنني أحق من هاتين بتلك التفاحة؟ أنا - حيرا مليكة الأولمب - سأمنحك الثروة التي لا تفنى، والسلطان الذي لا يبيد. . . سأجعلك ملك هذه الديار التي ترى. . . ستكون صاحب عرش وتاج، وستستريح إلى الأبد من هذه الحياة الضنك التي تحياها. . . أنت جميل يا فتى. . . وأنت بعرش عظيم أولى منك بهذا القطيع الذي يثغو. . .)
وصمتت حيرا. . . وجع باريس يقلب في التفاحة ناظريه، وفي قلبه مما رأى وسمع فرَقٌ عظيم. . .
لقد كانت حيرا تختال في ثوبها الأولمبي الموشى، وكان طاووسها الجميل - الذي اتخذته
منذ الأزل رمزاً لها - يتشبث بناصيتها ويميس، فيزيدها جلالاً وكبرياء
- وأوشك الفتى الراعي أن يقدم التفاحة لحيرا، لولا أن صاحت به مينرفا:
- (على رسلك أيها الشاب. . . اسمع منا جميعاً ثم اقض بيننا. . . أنا لن أزخرف عليك بملك ولا سلطان، فأنت أعقل من أن تنخدع للعرض الزائل، وأعلى من أن يهيمن جسمك على عقلك، وهواك على قلبك. . . أنا مينرفا ربة الحكمة وإلهة الروح الأعلى المقدس. . . سأمنحك السداد، وسأكشف لك حجب الجهالة، وسيضيء مصباح المعرفة بين يديك فتكون أهدى الناس، وأعلم الناس، وأحكم الناس. . .)
- وسكتت مينرفا؛ وسمع هاتف من جهة البحر يصيح:
- (باريس! أعطها لمينرفا يا باريس. . .)، وكانت أيونونيه ما في ذلك شك!!
وكاد باريس يلقي بالتفاحة في يدي مينرفا. . . لولا أن تقدمت فينوس الصنَاع. . . فينوس الحلوة. . . فينوس الساحرة. . . فينوس ذات الدل. . . فينوس التي تكفي غمزة ماكرة من طرفها الفاتر الساجي لإذلال ألف قلب. . . . . . لولا أن تقدمت فينوس كلها تطارد قلب باريس وتحاصر عينيه حتى ما يقعان إلا على عينيها. . . . . . . . . تقدمت فينوس ترنو وتبتسم، وتتبرّج وتهتز، وتشد هذا الثدي وتثني هذا الذراع، وتميل برأسها الذي كله خدود وعيون وأصداغ. . . تقدمت فينوس تبسم للراعي الجميل عن فم حلو رقيق، تتلألأ ثناياه، ويتضوع عبير خمره، وقالت:(باريس! هل لك عينان تعرفان الغزل، وقلب يعرف الحب؟. . . باريس! أنا فينوس التي صليت لها بالأمس، والتمست منها التوفيق. . . هاأنا ذي يا باريس. . . أليست التفاحة للأجمل! ألست تحب أن أهبك أجمل زوجة في العالم؟ ستكون زوجتك مثلي، تغمرك بجمال لا نهائي لا حدود له، ولن تشعر معها إلا أنك تعيش منها في جنة. . . قبل. . . نظرات حلوة. . . خدٌّ مورّد. . . أهدابٌ كظلال الخلد. . . ساق ملتفة عبلة. . . جسم ممشوق طوال. . . جيد مهتز ناضج. . . ثدي مثمر يتحلّب نعيما. . . . . . هاتها يا باريس. . . هاتها يا حبيبي. . .)
وقبل أن تتم الخبيثة سحرها، كان الفتى البائس قد ألقى التفاحة في يديها الجميلتين، برغم الصيحات المتتالية التي كانت تهتف به من البحر:(لا يا باريس. . . لا يا باريس. . . أعطها لمينرفا يا باريس. . .!)
وجر على نفسه غضب حيرا ومينرفا، وكتبت التعاسة عليه وعلى قومه. . . ولم يلق إيونونيه بعدها!!
(لها بقية)
دريني خشبة
البريد الأدبيّ
نصوص سريانية عن العلوم الإسلامية في بغداد
صدرت أخيراً في إنكلترا موسوعة نفيسة للعلوم العربية وأحوالها في بغداد في أوائل القرن التاسع الميلادي (أوائل القرن الثالث الهجري) وعنوانها: (موسوعة للعلوم الفلسفية والطبيعية كما كانت تدرس في بغداد حوالي سنة 817م) أو (كتاب كنوز أيوب الرهاوي)، وقد نشرت هذه الموسوعة بالسريانية وهو نصها الأصلي مقرونة بترجمة إنكليزية وملاحظات نقدية بقلم العلامة الشهير الدكتور منجانا صاحب مكتبة (رينولدز) الشهيرة لتي تحتوي طائفة كبيرة من أنفس المخطوطات الئرقية؛ وقد سبق أن نشر الدكتور منجانا بعض هذه النصوص والتراجم نقلا عن المخطوطات السريانية والجرشونية التي تحتويها مكتبته. وهو يقول لنا في مقدمته إن هذا الجزء هو المجلد الأول في سلسلة جديدة علمية يراد إصدارها
وأهمية النصوص السريانية في تفهم أحوال العلوم الإسلامية الأولى تبدو جلية متى ذكرنا أن العرب حينما بدأوا ترجمة العلوم اليونانية، استعانوا في نقلها بالسريانية، فكانت تنقل أولاً إلى السريانية ثم تنقل بعد ذلك إلى العربية، وكان أعظم أولئك المترجمين كما هو معروف حنين بن إسحاق، أما أيوب الرهاوي هذا صاحب (الكنوز) التي أصدرها الدكتور منجانا، فهو من أشهر المترجمين الذين نقلوا المؤلفات اليونانية العلمية إلى السريانية، وقد ذكره ابن النديم في كتابه (الفهرست)، وعرفه العرب بالأخص من تراجمه للكتب اليونانية الطبية؛ وقد انتفع حنين بن إسحاق بترجمة الرهاوي لمؤلفات جالينوس، وترجم الرهاوي أيضاً بعض مؤلفات أرسطو، وألف رسالة دينية عنوانها (كتاب الإيمان). وقد ولد هذا لعلامة في مدينة إذيسا أو (الرها) حوالي سنة 760م وتوفي حوالي سنة 840
ولا شك أن المجلد الأول الذي أصدره الدكتور منجانا من النصوص السريانية التي اتخذت واسطة لنقل العلوم اليونانية إلى العربية سيكون له شأن يذكر في درس الحركة العلمية الإسلامية في بغداد في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع أعني في أزهر عصور الدولة العباسية
لجنة الفتاوي في الأزهر والمعاهد الدينية
رأى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أن رسائل الاستفتاء عن مختلف المسائل الفقهية تنثال كل يوم على الرياسة الدينية من مصر ومن جميع الأقطار الإسلامية فأراد أن يجعل لهذا التثقيف المثمر جهة خاصة تتولى الفتوى على هذه الأسئلة وترجمتها إلى لغة المستفتى ثم عرضها على الرياسة العليا. فأصدر قراراً بتأليف لجنة تسمى (لجنة الفتاوي في الأزهر والمعاهد الدينية) وأسند رياستها إلى العالم الجليل الأستاذ حسين وإلى عضو هيئة كبار العلماء، وعضو مجمع اللغة العربية الملكي. وجعل أعضاءها أحد عشر عضواً يمثلون المذاهب الأربعة المشهورة، وسيكون دستورها في الفتوى أن تجب الطالب على المذهب أو المذاهب التي يريد الإجابة على مقتضاها. فإذا لم يعين المستفتى مذهباً أجابته بحكم الله المؤيد بالأدلة من غير تقيد بمذهب من المذاهب الشرعية
العارية الدولية للكتب
اجتمع في شهر مايو الماضي المؤتمر الدولي الثاني للمكتبات وفنونها بمدريد واشبيلية وسلمنكا وبرشلونة، وكان الغرض من اجتماعه إيجاد اتحاد أدبي بين الدول لنشر العلوم والثقافة بالتعاون بين مكتبات العالم. وكان من أهم ما نظر فيه مسألة (العارية الدولية للكتب) فاتخذ فيها قراراً ننقل خلاصته عن تقرير المندوب المصري فيما يلي:
1 -
أن تكون المعاملة بين الدول في مسألة العارية الدولية للكتب على قاعدة المثل في أوسع معانيها
2 -
أن تتعهد المكتبة المستعيرة بضمان كل ما ينشأ من ضياع أو تلف للكتب التي ترسل إليها
3 -
تتعهد المكتبة المستعيرة بأن تتحمل كل نفقات الإرسال والتأمين
4 -
أن تنفذ عملية الاستعارة بأسهل الطرق وأسرعها وبأقل النفقات الممكنة
5 -
أن تكون الاستعارة بين الدول بطرقة مباشرة
6 -
يجب على كل مكتبة قبل أن تطلب مؤلفات من الخارج أن تتأكد من عدم وجود هذه المؤلفات في بلادها
7 -
يحسن أن يعين في كل مكتبة موظف خاص باستعارة الكتب وهو الذي يرسل ويتسلم
الكتب المطلوب استعارتها
8 -
وعلى المكاتب المنضمة إلى الاتحاد أن تعمل إحصائية عن الكتب التي أعارتها أو استعارتها كل عام
الإنكليز واللغات الأجنبية
المعروف عن الإنكليز أنهم أقل الشعوب الأوربية ميلا إلى تعلم اللغات الأجنبية، وقد يرجع ذلك من وجوه كثيرة إلى انتشار لغتهم في كثير من البلاد والأمم التي يبسطون عليها سيادتهم أو نفوذهم؛ ولكن الواقع أن الإنكليز يرغب بطبيعته عن بذل أي جهد لتعلم لغة أخرى؛ بيد أنه لوحظ منذ بداية هذا القرن أن الشباب الإنكليزي قد أخذ يميل إلى تعلم لغة أجنبية، وأنه يؤثر الفرنسية في ذلك على كل لغة أخرى، وتليها اللغة الألمانية؛ وقد أذاع أحد كبار الأساتذة الفرنسيين الذين يتولون التدريس في جامعة لندن أخيراً تقريراً عن تقدم اللغة الفرنسية في إنكلترا وفيه يقول إنها أصبحت اللغة الأجنبية الوحيدة التي تدرس في المدارس الابتدائية الممتازة في إنكلترا وعددها نحو خمسمائة مدرسة؛ وأنه يوجد زهاء خمسين ألفاً من الشبان الإنكليز يتعلمون الفرنسية في المدارس الليلية، وعشرين ألفاً يتعلمون الألمانية، وتسعة آلاف يتعلمون الأسبانية. ويغلب تعلم الفرنسية في المدارس الابتدائية الحرة وفي المدارس الثانوية. ويختار الفرنسية كلغة أجنبية إضافية نحو تسعين في المائة من تلاميذ هذه المدارس. غير أنه يلاحظ من جهة أخرى أن الطلبة بعد تعلم الفرنسية في المدارس لا يجرؤن على التكلم بها بعد تخرجهم، لأنهم يجدون صعوبة كبيرة في التحدث بها سواء من جهة النطق أو النحو؛ ويلاحظ من جهة أخرى أنهم لا يقرأون بها سوى القليل من الكتب والنشرات السخيفة. وإلى جانب ذلك التقدم يتعلم اللغة الألمانية خصوصاً في الأقسام العلمية للجامعات
جائزة نوبل للسلام
من المعروف أن معهد نوبل يخصص جائزة سنوية لسلام يمنحها للشخص أو الأشخاص الذين يقدمون أعظم خدمات لقضية السلام العالمي. وقد منحت هذه الجائزة في العام الماضي للمستر ارثور هندرسون الوزير الإنكليزي السابق ورئيس مؤتمر نزع السلاح،
والسير نورمان آنجل الكاتب الإنكليزي الذي اشتهر بمقالاته وكتبه لتأييد قضية السلام. وفي أنباء (أوسلو) الأخيرة أنهم يرشحون لنيل جائزة السلام عن سنة 1935، المسيو مازاريك رئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا، والهير كارل فون اسيوتسكي. والأول معروف بحبه وخدماته للسلام، وأما الثاني فهو كاتب ألماني ذو نزعة ديموقراطية، كان يحرر صحيفة (دي فلث بينه)(المسرح العالمي)، وقد اشتهر بحملاته على الجمعيات الوطنية النازية السرية. فلما تولى النازي الحكم في يناير سنة 1933، قبض عليه وأودع في معسكر الاعتقال. ولا يزال معتقلاً حتى اليوم
مشروع أدبي ضخم
وضع أحد كبار الناشرين في السويد مشروع مباراة أدبية ضخمة، خلاصتها أن يتقدم اثنا عشر ناشراً يمثلون كبرى الدول الأوربية، ويقدم كل ناشر منهم أنفس ما لديه من مخطوطات كبار المؤلفين المعدة للنشر إلى لجنة من المحكمين من أكابر المفكرين؛ وتنتخب كل لجنة مما يقدم إليها أنفس وأجمل رواية؛ ثم ترسل الروايات الاثنتا عشرة المختارة إلى السويد وتعرض هنالك على لجنة عليا من المحكمين، وهذه تختار أنفس وأجمل رواية من الجميع؛ ويمنح مؤلف هذه القصة المختارة مكافأة مالية قدرها ثلثمائة ألف فرنك (نحو أربعة آلاف جنيه). ثم تترجم إلى معظم اللغات الحية وتنشر في مختلف بلاد العالم؛ ويقدر واضع المشروع أنه يمكن أن يجتني من تنفيذه نحو مليون فرنك. بيد أن المهم في ذلك كله هو ما يصيب المؤلف الذي يسعده الحظ بأن تفوز قصته بالجائزة الكبرى، فهو يغدو بالحصول عليها من أصحاب الثراء
الكتب
روض الشقيق في الجزل الرقيق
ديوان المرحوم الأمير نسيب أرسلان 1284 - 1346هـ
للأستاذ محمد بك كرد علي
بيت الأمراء أرسلان في لبنان عريق في النسب والأدب، وأشهرهم في هذا العصر الأمير شكيب أرسلان أحد من انبغتهم الشام من أرباب الأقلام، ويليه في الشهرة الأدبية شقيقاه الأمير عادل والأمير نسيب صاحب هذا الديوان. طبعه في دمشق شقيقه الأمير شكيب وقدم له مقدمة التزم فيها السجع على عادة أهل القرن الماضي، وعلق عليه حواشي وأردفه بترجمة الناظم ونسب العائلة الأرسلانية التي تنتسب إلى الأمير عون المتوفى سنة 13هـ. وكان قد حضر وقعة أجنادين، حضر مع خالد بن الوليد من العراق إلى الشام لنجدة أبي عبيدة بن الجراح، وحضر الأمير مسعود المتوفى سنة 45هـ وقعة اليرموك بألف وخمسمائة من أصحابه، وشهد وقعة قِنَّسرين. وأرومة هذا البيت ترتقي بعد ذلك إلى المنذر بن الملك النعمان الشهير بأبي قابوس ممدوح النابغة الذبياني. وقد فصل الأمير شكيب كل ذلك تفصيلاً وافياً استغرق أكثر من نصف هذا الديوان، وهو في 270 صفحة متوسطة القطع، وترجم لمن ورد ذكرهم من القضاة والعدول وغيرهم ممن شهدوا لهذا النسب، وردّ على بعض المؤرخين الذين أغفلوا لمقاصد حزبية ذكر آل أرسلان في بعض المواضع والمواقع، وقديماً قالوا: الناس مصدّقون بأنسابهم.
سمى الأمير أرسلان ديوان أخيه بروض الشقيق، في الجَزْل الرقيق، وذلك لجمعه بين متانة التركيب، ورقة الشعور؛ وفي لفظة الشقيق من التورية ما لا يخفى. وقد أشار إلى أصحاب الأدب الجديد، وهو من أنصار الأدب القديم بقوله: (لا ينبغي لناشئة العرب أن يعدلوا بهذه الأم العربية البرة أماً، ولا يجوز أن يجعلوا لها من بين اللغات نِداً، بل يجب أن يجعلوها قطب رحى المثافَنة، ويعلموا أنها نعم السند يوم المماتنة. فلا يرتبوا أفكارهم في لغة قبلها، ولا يضلوا في الأبانة عن ذات نفوسهم سبلها، حتى إذا صفت لهم مشارعها، وحنَت عليهم أجارعها، وصارت مَلَكتها جارية مجرى المهج من نفوسهم، نازلة منزلة
الأدمغة من رءوسهم، كان لهم أن يستزيدوا من آداب الغرب والشرق ما شاءوا وتطالت إليه عزائمهم، وأن يضموا إلى البلاد العربي القديم طريف البضائع، وأن يضيفوا إلى الإرث العُدُملي الكريم حديث البدائع، مشروطاً في نقلها إلى خزانة العربية، لأجل تمام المقصد واجتناب الهجنة، أن يكون الأسلوب العربي الأصيل ظلها وماءها، وديباجة النطق بالضاد أرضها وسماءها، وأن تكون لغة الكتاب المنزل على أفصح العرب ألفها وياءها. .).
وهاكم نموذجاً من شعر هذا الأمير الشاعر من قصيدة يصف الفقير في ضنكه ويحث الموسر على إعانته، (وهي قصيدة فذة في بابها في وصف الفقر وشدته على المرء واستجلاب الرحمة والتحنان على الفقراء والتحذير من مغبة إرهاقهم):
رأيت سليل الفقر يعمل في الثرى
…
مكباً على محراثه يتلهف
يخدُّ أديم الأرض خداً كأنه
…
له قِبَل الغبراء ثار مخلف
كأني به نادته للحرب فاغتدى
…
يكرُّ عليها بالحديد ويعطف
كأني به إذ فرق الترب والحصى
…
يفتش هل في باطن الأرض منصف
كأني به إذ خط في الأرض قبره
…
يهمُّ على جثمانه ثم يصدف
به آية الجهد الذي ليس ناهضاً
…
بهِ بشر غض البنان مهفهف
جبين بمرفضِّ الصبيب مضمَّخٌ
…
وشعر بملتصِّ الغبار مغلف
وجِيد خفوق الأخدعين كأنما
…
تبينت من أوداجه الدم ينطف
رثيت لمكروب سحابة يومه
…
إذا قرَّ منه معطف ماج معطف
إذا زلزلته سرعة الخطو أوشكت
…
أضالعه في زوره تتقصف
كأن أزيز الجوف عند وجيبه
…
حسيسُ هشيم والندى يتوكف
يشقق عنه الثوب فالريح قد غدت
…
تصافح منه جلده حين تعصف
وأثبت حَمْىُ الشمس في أم رأسه
…
نبالاً فراس العظم منها منقف
تبطن منثور الغبار جفونه
…
فضرَّج منها مقلة تتحسف
كأن حماة الشوك في ذيل برده
…
طراز حواه العبقري المفوَّف
يمدُّ إلى الجبار كفاً تكدحت
…
أناملها والله بالعبد أرأف
ومنها:
وصفت لك الضراء يا صاحب الغنى
…
وهل تعرف الضراء من حيث توصف
هي الفقر ما أدراك ما الفقر إنما
…
لهاث الردى منه أخف وألطف
حياة بلا أنس وعيش بلا رضى
…
فلا الرغد ميسور ولا العمر ينزف
بكيتك يا خلوَ اليدين بأدمعي
…
فأنت صريع النائبات المذفف
يروح كثير المال يسحب ذيله
…
وأنت المعِّني يا فقير المكلف
ألست الذي شاد الحصون بعزمه
…
وناط نجاد السيف للحرب يزحف
وأجرى سفين البحر في اللج ينثني
…
ومَّشى قطار النار في البيد يهذف
وقد ملأ الأنبار للخلق ميرةً
…
وحاك لهم موشية تتغضف
بلى إن من هان العسير بكده
…
على الأرض مفتول الشوى متقشف
أخو فاقة لم يدخل الطيب رأسه
…
ولا مسَّ كفيه القضيب المعقف
أفي الحق أن يشقى الفقير بعيشه
…
وذو المال في شر الغواية يسرف
وأن يدنف المثرى بأعقاب بطنه
…
غداة خفيف الحاذ بالجوع يدنف
أما في كبود العالمين هوادةٌ
…
ولا رحمة عند الشدائد تعطف
وهل فقدت بين الأنام قرابة
…
يحثُّ بها منهم عديم ومترف
أرى المرء لا يأسو جراحة مملق
…
ولو هزَّ فوْديه النصيح المعنف
أراه إذا ما نَعَّم الرغد جسمه
…
غدا قلبه يقسو لديه ويصلف
إليكم بني غبراَء تدمى عيونهم
…
وليس لهم إلا المياسير مسعف
يمدون نحو المحسنين أكفهم
…
وما يستوي المكفيُّ والمتكفف
سألت عزيز المال حين يغوثهم
…
من الرمل تحثو أم من البحر تغرف
ألا إنما الحسنى إليهم فريضةٌ
…
وفي ذلك الآيات لا تتحرف
فإن طلبوا الإنصاف قيل سماجة
…
ومن لك بالمظلوم لا يتنصف
عليكم بكشف العسر عنهم فإنما
…
أخو الضر يمسي ضارياً حين يهجف
فلا ترهقوهم بالشقاوة والطوى
…
فيبدو منهم بادر لا يكفكف
فإن لم ينالوا بالهوادة حقهم
…
ينالوه يوماً والصوارم ترعف
ولا تهملوا حسن الخطاب ولينه
…
فإن الخطاب العذب نعم المثقف
لكم عبرة في الغرب من كل فتنة
…
تهز الجبال الراسيات وتخسف
فلو كان عيش للمفاليس طيب
…
لما قام منهم قائم متطرف
وفي الديوان كسائر الدواوين الشعرية مديح وقصائد في التهنئات، ومقاطع في الغزل والنسيب، وكلها من الشعر الجزْل. رحم الله ناظم عقودها وأمد في حياة ناشرها.
إلى صديقي العلامة الأمير شكيب أرسلان
نعم شقّ عليّ يا أخي أن تلقى دلوك في الدلاء، وأن تكتب مقدمة كتاب (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) بهذا اللسان الذي ما عهده فيك من تأدبوا بأدبك، وأكبروا عظمة بيانك. بالأمس كتبت مقدمة (النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي) للأستاذ محمد أحمد الغمراوي، فمن منا لم يعجب بما كتبت وحبرت، وإن كنت أطلت وتوسعت؟ واليوم تكتب ما تكتب لقواعد التحديث، في فن لست منه ولا أنا في العير ولا في النفير، وجئت تغالي بكتاب ليس فيه من حديثه ولا أسلوبه أسلوب المؤلفين، ولا يستحق هذه العناية والدعاية وهذه الضجة؛ ولكل رأيه واجتهاده
أنا أجلك عن الدخول في هذه المآزق، لأنك في غنية عنها، ولست بحمد الله محتاجاً إلى مصانعة الناس، ولا نضبت أمامك الموضوعات، تحتاج لمعالجتها لتورثك شهرة وحسن ذكر؛ وما أخالك إلا كتبت ما طلب منك في غير وقت نشاطك، وليس لك من القول ما تقول فتبدع على عادتك. ومهما كانت منزلة الكتاب وكاتبه من نفسك، ما أرى لقلمك أن يجري إلا فيما يصلح أن ينسب إلى إحسانه؛ وحملة الأقلام مسؤولون إذا اقتصروا مع المؤلفين والطابعين على مقارضة الثناء، ولم يتعاودوهم بالنقد الصحيح؛ والإفراط في التقريظ شيمة المتأخرين من أهل عصور الانحطاط الأدبي في العرب؛ والنقد المفيد عادةُ نقاد الإفرنج في زماننا. ومن الأمانة للعلم والأدب أن يُدَلّ كل كاتب على مواضيع الخطل من كلامه، إلا أن نغشه ونغش قراءه، فنجسم ما صغر حجمه في العيان، ولا يشول مهما نفخناه في الميزان
وأكتفي الآن بجملة من مقدمتك، وقد بدأتها بقولك:(لا يخفى على أهل الأدب، أن الجمالَ والقسام في العربي (؟) واحد، وأن معنى القاسم هو الجميل، فلا يوجد إذن لتأدية هذا المعنى أحسن من قولنا (الجمال القاسمي) الذي جاء اسماً على مسمى، مع العلم بأن الجمال
الحقيقي هو الجمال المعنوي، لا الجمال الصوري، الذي هو جمال زائل؛ فالجمال المعنوي هو الذي ورد به الحديث الشريف: إن الله جميل ويحب الجمال. وعلى هذا يمكنني أن أقول إنه لم يُعط أحد شطر الجمال المعنوي الذي يحبه الله تعالى، ويشغف به عباد الله تعالى، بدرجة المرحوم الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي، الذي كان في هذه الحقبة الأخيرة جمال دمشق، وجمال القطر الشامي بأسره، في غزارة فضله، وسعة علمه، وشفوف حسه، وزكاء نفسه، وكرم أخلاقه، وشرف منازعه، وجمعه بين الشمائل الباهية، والمعارف المتناهية، بحيث أن كل من كان يدخل دمشق، ويتعرف إلى ذاك الحبر الفاضل، والجهبذ الكامل، كان يرى أنه لم يكن فيها إلا تلك الذات البهية، المتحلية بتلك الشمائل السرية، والعلوم العبقرية؛ لكان ذلك كافياً في إظهار مزيتها على سائر البلاد، واثبات أن أحاديث مجدها موصولة الإسناد. . . الخ)
بأبي أنت وأمي يا شكيب! هل هذا بيانك الذي عرفته وعرفه فيك قومك؟ أنا لا أطلب غير حكمك، فلا أحتكم إلا إليك. أهذا كلام ترضاه لنفسك في كتاب يبقى؟ وما هذا القلق في المعاني والمباني؟ ربما أغتفر صدور مثل هذا الصدر من فتى يشدو في الأدب، ولكن من شيخ كتاب العرب لا ثم لا! وحديث السجع أنت عرفت رأيي فيه، ولعلك تذكر أني كنت لفت نظرك إلى ما أسميت به كتاب رحلتك إلى الحجاز:(الارتسامات اللطاف، في خاطر الحاج إلى أسمى مطاف) وقلت لك يومئذ إن القارئ مهما بلغ من ثقوب ذهنه لا يدرك لأول وهلة معنى هذا العنوان المسجوع، إلا بكثير من إجهاد الفكر؛ وهكذا كدت باستحسانك السجع في بعض المقامات والغلو في تقريظ من ترى تقريظه، أن تنسينا حسناتك علينا في كلامك المرسل الكثير، وأنا على ما تعلم من أحرص الناس على تخليده وتأبيده
بحقك، هل رأيت لأحد من بلغاء القرون الأولى سجعاً في شيء من أسماء كتبهم؟ وهذا الجاحظ وابن المقفع، وهذه أسماء كتبهما ورسائلهما، هل وجدت لهما سجعاً تتقزَّز منه كصاحبك أبي إسحاق الصابي الذي أفسد اللغة على علو مكانته في الأدب بما سجع ورصع؟ وأظنك موافقي على رأيي في أن التسجيع أضعف ملكات المؤلفين من عهد ابن العميد إلى زمن أستاذنا الإمام الشيخ محمد عبده الذي قضى بقوة حكومته على استعمال السجع في الصحف والرسائل الرسمية، فعدّ عمله هذا أكبر حسنة منحسانته؛ ولولا عمله ما
دخلت اللغة في هذا الأسلوب الممتع الذي نقرؤه اليوم للمنشئين والمؤلفين؛ ونرجو أن تعود به اللغة إلى رونقها السالف من الرشاقة والجزالة، على نحو ما كانت على عهد سهل بن هرون والجاحظ وعمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف الكاتب وابن المقفع وإضرابهم. وما أظنك تنكر عليّ أن رصف أبي حيان التوحيدي في القرن الرابع، وابن خلدون في القرن التاسع، أرفع وأمتع من تعسف الصابي والصاحب بن عباد وأبي بكر الخوارزمي والقاضي الفاضل والعماد الكاتب وابن الأثير إلى آخر أعيان ذاك المذهب المتكلف.
وأظنك موافقي أن في قولك: (وإن كان يجب حذفه (السجع) من هذه اللغة من أجل كونه في طريقة قديمة، ومن أجل أنه عبارة عن زينة كلامية، فإن هذا يؤدي بنا إلى اقتراح حذف الشعر أيضاً) - إن في قولك هذا مغالطة لطيفة، وفي علمك أكرمك الله أن النثر غير الشعر، والكراهة آتية من التزيد والتكلف
لو كنت على مقربة منك ما تركتك تقول في مقدمة الديوان الذي نشرته بأخَرةٍ ودعوته: (روض الشقيق، في الجزل الرقيق) ما قلته في فاتحته: (. . . الذي لا أجد لشعره وصفاً أو في من عرضه على الأنظار، ولا لديوانه حلية أجمل من نشره في الأقطار؛ وخير وصف الحسناء جلاؤها؛ والجواد عينه تُغني عن الفُرار. ولعمري لو وصفته بأزهار الربيع، وأنواع البديع، وشققت في تحليته أصناف الأساجيع، وكان هو في الواقع دون ما أصف لما أغنيته فتيلاً، ولا رفعته عن درجته كثيراً ولا قليلاً؛ كما أني لو قدمته للقراء فريدة معطالاً، لا يرن له حجل ولا سوار، ولا يتلألأ عليه ياقوت ولا نضار، وكان هو في نفسه دراً نظماً، وأمراً عظيماً، وديواناً تتأرج أرجاؤه ندّاً ولطيماً، لما خفي أمره على ذوي الوجدان، ولا تعامى عن سبقه أحد ممن له عينان. .) ولو كنت مكانك لقلت وما باليت: (. . . الذي لا أجد لشعره وصفاً أوفى من عرضه على الأنظار؛ ولو وصفته بأزهار الربيع، وكان هو في الواقع دون ما أصف لما أغنيته فتيلاً؛ ولو قدمته للقراء فريدة معطالاً، وكان هو في نفسه دراً نظيماً، لما خفي أمره. .)
أليس هذا الإيجاز أوقع في النفس، وأجمل في أداء المعنى، وأدعى إلى الأفهام من أسجاع تثقل على الطباع؟ ونحن إنما نكتب لنُفهم، لا لنُعجم ونُبهم. وبعد فمالنا وللتقيد بما قاله بعض المتأخرين في معنى التعلق بأهداب السجع، ولدينا في أقوال المتقدمين والمأثور من
كتاباتهم ما يحملنا على تقليدهم في أساليبهم، يوم لا هذا الترصيع والتسجيع، ولا ذاك الضرب المستكره من أنواع البديع
محمد كرد علي