المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 113 - بتاريخ: 02 - 09 - 1935 - مجلة الرسالة - جـ ١١٣

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 113

- بتاريخ: 02 - 09 - 1935

ص: -1

‌مصر والأمم الشرقية

أثارت زيارة سمو الأمير سعود ولي عهد المملكة السعودية لمصر مسألة قديمة لا تزال منذ أعوام موضع الدهشة والتساؤل، هي مسألة العلائق الرسمية بين مصر والمملكة السعودية؛ فمصر لم تعترف حتى اليوم بصفة رسمية بالمملكة السعودية، أعني بحكومة نجد والحجاز، كما أن المملكة السعودية لا تعترف من جانبها بالدولة المصرية؛ ولا توجد دولة أخرى من دول العالم لا تعترف بها مصر سوى روسيا السوفيتية

وقد كشفت الحفاوة الودية الرائعة التي استقبل بها الأمير سعود في مصر، واشتركت فيها الحكومة بصفة غير رسمية، عن مبلغ ما يعتور العلائق بين مصر والمملكة السعودية من شذوذ ونقص؛ وكانت حماسة الأمة المصرية في استقبال ضيفها العظيم أكبر دليل على ما تكنه مصر للأمة العربية الشقيقة من صادق الحب والإخاء، وعلى مبلغ ما تشعر به من بواعث الأسف لهذا الوضع الشاذ الذي ما زال يغشى صفاء العلائق الرسمية بين الدولتين

لماذا لا تبادر مصر بالاعتراف بالحكومة السعودية، وقد اعترفت بها

دول العالم جميعاً؟ هذا ما نتساءل عنه منذ أعوام. إن مصر تستطيع

أن تبرّر عدم اعترافها بروسيا السوفيتية، وهي الدولة الوحيدة الأخرى

التي لا تعترف بها، بما شاءت من الحجج والمعاذير؛ ولكن موقفها من

المملكة السعودية مما يصعب فهمه وتعليله. وإذا لم يكن ثمة موضع

للتحدث عن التبعات في هذا المقام، فانه مما يجدر ذكره أن جلالة ابن

السعود قد أبدى في كل فرصة استعداداً يحمد لتنظيم العلائق بين مملكته

وبين المملكة المصرية. وقد تكون ثمة مسائل وتفاصيل لابد من

تسويتها لإقامة الروابط الرسمية بين الحكومتين على أسس وطيدة

مرضية؛ ولكنا لا نعتقد أن هذه المسائل من الخطورة بحيث يتعذر

تذليلها وحلها

ولسنا في حاجة لأن تنوه في هذا المقام بما يجمع بين الأمتين من الروابط التاريخية

ص: 1

القديمة، ولا بما يوثق بينهما من أواصر الدم والدين واللغة ومختلف المصالح المعنوية والمادية؛ وإذا كان مما يدعو إلى الغبطة أن الأمتين رغم هذا الشذوذ القائم في علائقهما الرسمية، تقدر كلتاهما واجبها نحو الأخرى، وتعاملها معاملة الأخت الشقيقة، بل وتبعث إليها بممثل غير رسمي يتمتع فعلاً بجميع المجاملات الممكنة، فإنه لابد من تتويج هذه الحالة الفعلية القائمة بالصبغة الرسمية الصريحة حتى يزول كل ريب والتباس في علائق الدولتين

وثمة ملاحظة أخرى في موقف مصر من الأمم الشرقية الشقيقة هي تصرفها في مسألة تبادل التمثيل السياسي مع أفغانستان؛ فقد أنشأت أفغانستان لها في مصر منذ أعوام مفوضية خاصة وبعثت إليها بوزير مفوض؛ ولبثت أفغانستان تنتظر مدى أعوام أن تعاملها مصر بالمثل، وأن تقوم في كابول مفوضية مصرية يتولى أمرها وزير مصري مفوض؛ ولكن الحكومة المصرية رأت أخيراً أن تكتفي بأن تنشئ في كابول مفوضية اسمية يتولى أمرها (قائم بالأعمال) وأن تسند إلى وزير مصر المفوض في طهران، فاضطرت الحكومة الأفغانية إزاء ذلك أن تلغى مفوضيتها في مصر، وأن تبعث بوزيرها المفوض إلى جهة أخرى، وأن تكتفي كالحكومة المصرية بمفوضية اسمية يتولاها (قائم بالأعمال) وتسند إلى وزير أفغانستان المفوض في تركيا

وهذه نتيجة يؤسف لها؛ خصوصاً إذا ذكرنا أن مصر في الوقت الذي تقدم فيه على هذا التصرف إزاء أفغانستان، وفي الوقت الذي تكتفي فيه بأن يمثلها في العراق (قائم بالأعمال)، تنشئ لها مفوضية جديدة في النمسا يتولاها وزير مفوض خاص

هذه مآخذ في سياسة مصر الخارجية نحو الأمم الشرقية، كنا نود أن تنزه عنها وأن ترتفع فوقها؛ فمصر وحدة بارزة في هذه الكتلة الشرقية التي تضطرم اليوم بروح جديدة، وتحفزها آمال وأماني مشتركة، وتجمع بينهما جميعاً صلات التاريخ والأجيال، وسياسة مصر نحو هذه الأمم الشقيقة يجب أن تقوم على اعتبارات معنوية سامية ترتفع فوق كل الاعتبارات المادية

ويجب أن تذكر مصر دائماً أنها تضطلع بتبعات خاصة نحو العربية والإسلام؛ فهي تحمل رسالة الثقافة العربية، وإليها تتجه أنظار الأمم العربية، تقفوا أثرها وتتعاون معها في إحياء

ص: 2

الآداب العربية، ثم هي تحمل زعامة الإسلام الدينية والاجتماعية، وإليها تتجه أنظار الأمم الإسلامية لتتعاون معها في حماية التراث الإسلامي المشترك؛ وفي تضامن مصر مع الأمم العربية والإسلامية في بصوره الممكنة قوة لا يستهان بها؛ وهذا المركز الخاص الذي تتبوأه مصر بين الأمم العربية والإسلامية يحتم عليها أن تكون قدوة في حسن التفاهم مع هذه الأمم الشقيقة التي تلتف حولها وتحبوها بعطفها وتقديرها

فهل لنا أن نؤمل أن تتجه سياسة مصر الخارجية إلى تقدير هذه العوامل والاعتبارات الخطيرة؟ وهل نشهد في القريب العاجل عقد معاهدة الصداقة المصرية الحجازية؟ هذا ما نرجو لخير مصر، وخير العروبة والإسلام

ص: 3

‌في الربيع الأزرق

خواطر مرسلة

للأستاذ مصطفى صادق الرفاعي

ما أجملَ الأرضَ على حاشيةِ الأزرقَيْن البحر والسماء؛ يكادُ الجالسُ يظنُّ نفسَه مرسوماً في صورة إلهية

نظرتُ إلى هذا البحر العظيم بعينَيْ طفلٍ يتخيل أن البحر قد مُلئَ بالأمس، وأن السماءَ كانت إناءً له، فانكفأ الإناء فاندفق البحر؛ وتَسرَّحْتُ مع هذا الخيال الطفليَّ الصغير فكأنما نالني رشاشٌ من الإناء. . . .

إننا لن ندركَ رَوعةَ الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفسُ قريبةً من طفولتها، ومرَح الطفولة، ولعبها، وهَذَيَانها

تبدو لك السماءُ على البحر أعظمَ مما هي، كما لو كنتَ تنظر إليها من سماءٍ أخرى لا من الأرض

إذا أنا سافرتُ فجئتُ إلى البحر، أو نزلتُ بالصحراء، أو حللتُ بالجبل؛ شعرتُ أولَ وهلةٍ من دهشة السرور بما كنت أشعر بمثله لو أن الجبلَ أو الصحراءَ أو البحرَ قد سافرت هي وجاءت إليّ

في جمال النفس يكون كلُّ شيء جميلا إذ تُلقي النفسُ عليه من ألوانها، فتنقلب الدارُ الصغيرةُ قصراً لأنها في سَعِة النفس لا في مساحتها، وتَعرفُ لنور النهار عذوبةً كعذوبة الماء على الظمأ، ويظهر الليل كأنه معرضُ جواهر أقيم للحُور العِين في السماوات، ويبدو الفجرُ بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنةٌ سابحة في الهواء

في جمال النفس ترى الجمالَ ضرورةً من ضرورات الخليقة وَيْ كأن الله أمرَ العالَم ألَا يَعبسَ للقلب المبتسم

أيامُ الَمصِيف هي الأيامُ التي ينطلق فيها الإنسان الطبيعيُّ المحبوسُ في الانسان؛ فيرتدُّ إلى دهرِه الأول دهر الغابات والبحار والجبال

إن لم تكن أيامُ المصيف بمثل هذا المعنى، لم يكن فيها معنى

ليست اللذة في الراحة ولا الفراغ، ولكنها في التعب والكَدْح والمشقة حين تتحولُ أياماً إلى

ص: 4

راحة وفراغ

لا تتمُّ فائدةُ الانتقال من بلد إلى بلد، إلا إذا انتقلت النفس من شعور إلى شعور؛ فإذا سافر معك الهمُّ فأنت مقيمٌ لم تَبرحْ

الحياةُ في المصيف تثبت للإنسان أنها إنما تكونُ حيث لا يُحْفَلُ بها كثيراً

يشعر المرءُ في المُدُن أنه بين آثار الإنسان وأعماله، فهو هناك في رُوح العَناء والكَدْح والنزاع؛ أما في الطبيعة فيحُسُّ أنه بين الجمال والعجائب الإلهية، فهو هنا في روُح اللذة والسرور والجلال

إذا كنت في أيام الطبيعة فاجعل فكرك خالياً وفَرِّغْه للنَّبت والشجر، والحجَر والمَدَر، والطير والحيوان، والزهر والعُشْب، والماءِ والسماء، ونورِ النهار وظلام الليل، حينئذ يفتح لك العالَم بابَه ويقول: ادخل

لطْفُ الجمال صورةٌ أخرى من عظَمَة الجمال؛ عرفتُ ذلك حينما أبصرتُ قطرةً من الماء تلمعُ في غصن، فخيِّل إليّ أن لها عظمة البحر لو صَغُر فعُلِّق على ورقة

في لحظة من لحظات الجسد الروحانية، حين يفورُ شِعرُ الجمال في الدم - أطلتُ النظرَ إلى وردة في غصنها زاهيةٍ، عطرة، متأنقة، متأنثة؛ فكدت أقول لها: أنتِ أيتها المرأة، أنت يا فلانة. . .

أليس عجيباً أن كل إنسان يرى في الأرض بعض الأمكنة كأنها أمكنةٌ للروح خاصة؛ فهل يدلّ هذا على شيء إلا أن خيالَ الجنة منذ آدمَ وحوَّاء، لا يزال يعمل في النفس الإنسانية؟

الحياةُ في المدينة كشرب الماء في كوب من الخزف؛ والحياة في الطبيعة كشرب الماء في كوب من البلُّور الساطع؛ ذاك يحتوي الماءَ وهذا يحتويه، ويُبدي جمالَه للعين

واأسفاه، هذه هي الحقيقة: إن دقَّةَ الفهم للحياة تُفسدها على صاحبها كدقة الفهم للحب؛ وإن العقل الصغير في فهمه للحب والحياة، هو العقلُ الكاملُ في التذاذه بهما. واأسفاه، هذه هي الحقيقة

في هذه الأيام الطبيعية التي يجعلها المصيفُ أيامَ سرورٍ ونسيان يشعرُ كلُّ إنسان أنه يستطيع أن يقول للدنيا كلمةَ هزلٍ ودُعابة. . .

من لم يرزق الفكرَ العاشقَ لم ير أشياءَ الطبيعة إلا في أسمائها وشِياتها، دون حقائقها

ص: 5

ومعانيها؛ كالرجل إذا لم يعشق رأى النساء كلَّهن سواءً؛ فإذا عشق رأى فيهن نساءً غير من عرَف، وأصبحن عنده أدلةً على صفات الجمال الذي في قلبه

تقوم دنيا الرزق بما تحتاجُه الحياة؛ أما دنيا المصيف فقائمةٌ بما تلذُّه الحياة؛ وهذا هو الذي يغير الطبيعة ويجعلُ الجوَّ نفسه جوَّ مائدة ظُرفاء وظريفات. . .

تعمل أيام المصيف بعد انقضائها عملاً كبيراً، هو إدخالُ بعض الشعر في حقائق الحياة

هذه السماءُ فوقنا في كل مكان، غير أن العجيبَ أن أكثر الناس يرحلون إلى المصايف ليروا أشياءَ منها السماء. . .

إذا استقبلتَ العالم بالنفس الواسعة رأيتَ حقائقَ السرور تزيد وتتسع، وحقائق الهموم تصغُرُ وتضيق، وأدركتَ أن دنياك إن ضاقت فأنت الضيَّقُ لا هي

في الساعة التاسعة أذهبُ إلى عملي، وفي العاشرة أعملُ كيت، وفي الحادية عشرةَ أعملُ كيتَ وكيت؛ وهنا في المصيف تفقد التاسعةُ وأخواتها معانيَها الزمنيةَ التي كانت تضعها الأيامُ فيها، وتستبدلُ منها المعانيَ التي تضعها فيها النفسُ الحرة

هذه هي الطريقة التي تُصنع بها السعادةُ أحياناً؛ وهي طريقة لا يقدر عليها أحدٌ في الدنيا كصغار الأطفال

إذا تلاقى الناسُ في مكان على حالة متشابهة من السرور وتوهمه والفكرة فيه؛ وكان هذا المكانُ مُعَداً بطبيعته الجميلة لنسيان الحياة ومكارهها - فتلك هي الرواية وممثلوها ومسرحها أما الموضوعُ فالسخريةُ من إنسان المدنية ومدنية الإنسان

ما أصدَق ما قالوه: إن المرئيَّ في الرائي. مرضتُ مدةً في المصيف، فانقلبت الطبيعةُ العروسُ التي كانت تتزينُ كل يوم إلى طبيعة عجوز تذهب كل يوم إلى الطبيب. . .

ص: 6

‌حول النزاع الإيطالي الحبشي

عصبة الأمم

وما تستطيع أن تفرضه من العقوبات

بقلم باحث دبلوماسي كبير

تعاني عصبة الأمم أزمة دقيقة من جراء تعرضها للنزاع بين إيطاليا والحبشة؛ ولم يكن في وسع العصبة أن تقف جامدة أو أن تتنحى عن بحث مشكل يقع في صميم اختصاصها بمقتضى (الميثاق) وتثيره دولتان كلتاهما عضو في العصبة، وعصبة الأمم تعرف من البداية أنها تواجه في المشكلة الإيطالية الحبشية أزمة خطيرة، بل تواجه محنة قد يقوض الفشل في درئها صرح العصبة، وكل المبادئ الدولية التي يقوم عليها، وتعرف منذ البداية أيضاً أنها لن تستطيع أن تقوم في معالجة هذه الأزمة بدور فعال، أو بإجراء حاسم، ولكنها أيقنت في نفس الوقت أن قليلاً من الشجاعة في مواجهة الموقف، وأن تطبيق بعض الإجراءات النظرية التي ينص عليها ميثاق العصبة في مثل هذه الأحوال، وأخيراً أن محاولة اكتساب الوقت في بعض المجادلات الفقهية قد ينتهي بإنقاذها من مأزق الحياة والموت

وقد أبدت العصبة هذا القليل من الشجاعة فاستمعت إلى نداء الحبشة في بحث النزاع، وإن لم تبحثه إلا في الحدود الضيقة التي ارتضتها إيطاليا، وسعت إلى تطبيق المادة الثالثة عشرة من الميثاق، واتفق الطرفان على محاولة إجراء نوع من التحكيم، وألفت بالفعل لجنة تحكيم مشتركة تمثل الفريقين المتنازعين؛ ولكن الحوادث تطورت بسرعة، وأكدت إيطاليا وما تزال تؤكد بمنتهى الصراحة أنها لا تبغي بديلا بافتتاح الحبشة والاستيلاء عليها، وأنها سوف تلجأ لتحقيق غايتها بالقوة القاهرة، وأنها لن تني عن مشروعها أمام أي تدخل أو أية قوة في العالم؛ وهكذا تحطمت جميع الآمال التي علقت على تدخل العصبة، وعلى لجنة التحكيم، ولن يحول دون اضطرام الحرب في شرق أفريقية سوى معجزة، أو تطور في الحوادث لا يخطر ببال إنسان، ولن تحدث هذه المعجزة أو هذا التطور الخارق

ونحن نعرف كيف حاولت السياسة البريطانية جهد استطاعتها أن تحول دون اضطرام

ص: 7

الحرب في هذه المنطقة التي تجاور عدة من الأملاك البريطانية، ويهدد حلول إيطاليا فيها وادي النيل من منبعه إلى مصبه، ويضع السودان ومصر في مأزق خطر، ويجعلها عرضة لأخطار النزعة الاستعمارية التي تضطرم في إيطاليا، ويهدد من جهة أخرى مواصلات الإمبراطورية البريطانية في البحر الأحمر، وفي عدن وباب المندب بصفة خاصة؛ ولكن السياسة البريطانية لم توافق رغم ما بذلته من الجهود وما عرضته من الحلول إلى إقناع السياسة الإيطالية الجامحة المتوثبة بالعدول عن مطامعها وأحلامها العريضة في إقامة إمبراطورية استعمارية ضخمة في شرق أفريقية

والآن، وقد فشلت كل محاولة للتسوية السلمية، ولم يبق سوى اضطرام هذه الحرب الهمجية التي تصر الفاشستية على إضرامها تحقيقاً لمطامعها ومشاريعها المثيرة في افتراس الشعوب الآمنة، تحاول السياسة البريطانية أن تجد سبيلاً لمقاومتها وتحطيم مشاريعها، لا حباً بالحبشة، أو نصرة لقضية السلام في ذاتها، ولكن توسلا إلى درء الأخطار التي تتهدد سيادتها ومصالحها الإمبراطورية في البحر الأبيض المتوسط وفي شرق أفريقية إذا استطاعت الفاشستية أن تفوز ببغيتها في افتتاح الحبشة. وقد تستطيع السياسة البريطانية أن تشل حركة الفاشستية ببعض الإجراءات والمساعي التمهيدية، وقد لا تحجم عن أن تخوض معها غمار الحرب إذا لم تجد مناصاً من خوضها

ومن هذه الإجراءات والمساعي التمهيدية التي تفكر إنكلترا في التذرع بها لرد الفاشستية عن عدوانها، محاولة توقيع العقوبات الدولية التي ينص عليها ميثاق الأمم. وقد كثرت الإشارة أخيراً إلى هذه العقوبات ومداها ومبلغ ما ينتظر من تأثيرها إذا طبقت. ولهذا نرى مناسبة لأن نتناولها بشيء من الشرح والتفصيل، فنقول إن المادة (15) من ميثاق العصبة تنص على الإجراءات والقرارات التي يمكن اتخاذها لتسوية المنازعات الدولية التي قد تقع بين أعضاء العصبة عن يد العصبة ذاتها وما يمكن أن يقوم به مجلس العصبة في هذا السبيل. وتنص المادة التالية أي المادة (16) على العقوبات الدولية التي يمكن توقيعها على الدولة التي تخالف تعهداتها وتلتجئ إلى الحرب، وإلى القارئ نص هذه المادة الشهيرة كاملاً:

(إذا التجأ عضو من أعضاء العصبة إلى الحرب خلافاً للتعهدات المنصوص عليها في

ص: 8

المادتين 12 و13 أو المادة 15، فانه يعتبر فعلاً قد ارتكب عملاً حربياً ضد كل أعضاء العصبة الآخرين. ويتعهد هؤلاء أن يقطعوا في الحال معه كل علائقهم التجارية والمالية، وأن يحظروا كل علائق بين رعاياهم وبين رعايا الدولة التي خرقت الميثاق، وأن يقطعوا كل المواصلات المالية والتجارية والشخصية بين رعايا هذه الدولة وبين رعايا أية دولة أخرى سواء أكانت عضواً في العصبة أم لا

(وفي هذه الحالة يجب على المجلس (مجلس العصبة) أن يوصي إلى الحكومات المختلفة ذات الشأن بتقديم القوى العسكرية أو البحرية أو الجوية التي يساهم أعضاء العصبة في تقديمها للقوى المسلحة التي تقوم بالعمل على احترام تعهدات العصبة

(ويتعهد أعضاء العصبة أيضاً أن يعاونوا بعضهم بعضاً في تطبيق الإجراءات الاقتصادية والمالية التي تتخذ طبقاً لهذه المادة والتي يراد بها أن تخفض إلى أدنى حد ما يمكن أن يترتب عليها من الخسائر والمضار. ويتعهدون بالتعاون أيضاً في مقاومة كل إجراء خاص يوجه إلى أحدهم من جانب الدولة التي خالفت الميثاق؛ ويتخذون الإجراءات اللازمة لكي يسهل المرور في أراضيهم لقوات أي عضو من أعضاء العصبة يساهم في العمل المشترك الذي يقصد به العمل على احترام تعهدات العصبة

ويمكن أن بفصل من العصبة كل عضو ينتهك أحد التعهدات المترتبة على هذا الميثاق. ويصدر قرار الفصل بموافقة جميع أعضاء العصبة الآخرين الممثلين في المجلس)

هذا هو مجمل الإجراءات التي سجلها ميثاق العصبة لتوقيع العقوبات الدولية على العضو المعتدي أو المنتهك لميثاق العصبة. وظاهر أن هذه العقوبات ذات صبغة اقتصادية محضة؛ ويمكن وصفها بأنها نوع من الحصار الاقتصادي. ولهذا الحصار الاقتصادي إذا طبق على دولة من الدول أكبر الأئر في الضغط عليها وشل مشاريعها العسكرية، خصوصاً إذا كانت مثل إيطاليا تعتمد على الخارج في كثير من المواد الأولية الأساسية. بيد أن هذه النصوص التي سجلتها عصبة الأمم في ميثاقها لا تزال نظرية محضة، ولم يجر تطبيقها حتى اليوم بصورة فعلية، وإن كان ذكرها قد جرى في بعض الأزمات الدولية، ولا تزال أكبر نقطة ضعف فيها خلوها من أي ضمان فعلي للتنفيذ؛ فليست لعصبة الأمم أية قوة أو أية سلطة فعلية تمكنها من تطبيق مثل هذه العقوبات، وليس في وسع مجلس العصبة إلا أن (يوصي)

ص: 9

إلى الحكومات ذات الشأن بتقديم القوى اللازمة، فإذا رفضت هذه الحكومات أن تقدم هذه القوى، فماذا عسى أن يستطيع مجلس العصبة إزاء الدولة (المعتدية)؟ هذا ومن جهة أخرى فان صفة (الاعتداء) لم تعرف حتى اليوم تعريفاً كافياً؛ وربما كان من الميسور أن يعرف (المعتدي) حالاً في مسألة النزاع الإيطالي الحبش، إذ لا ريب في أن (المعتدي) هو إيطاليا؛ ولكن ليس من السهل في كثير من المنازعات الدولية أن يقطع في أمر (المعتدي) قطعاً لا مرية فيه

وقد كان هذا النقص في ضمان التنفيذ وما زال أعظم نقط الضعف في مواثيق السلام والتحكيم الدولية، وهو أعظم نقط الضعف في ميثاق تحريم الحرب (ميثاق كلوج) الذي اغتبط اعقده أنصار السلام أيما اغتباط، ثم لم يلبث أن ظهر عقمه حين الحاجة إلى تطبيقه. وقد كان اعتداء اليابان على منشوريا أعظم صخرة ارتطم بها ميثاق عصبة الأمم وميثاق تحريم الحرب. والآن يبدو عقم هذه المواثيق الدولية مرة أخرى إزاء النزاع الإيطالي الحبشي؛ وحيثما كان الفريق الأقوى يعتبر المواثيق الدولية قصاصات لا قيمة لها، كما هو الشأن في حالة إيطاليا التي ترتبط مع الحبشة ومع فرنسا وإنكلترا بأكثر من معاهدة لاحترام استقلال الحبشة وسلامة أراضيها، فان المناقشات الفقهية في احترام مواثيق السلام لا تجدي ما لم تكن مؤيدة بالقوى الفعلية لتنفيذها

ولكن السياسة الإنكليزية ما زالت تعول على دستور عصبة الأمم في سعيها لرد عدوان السياسة الفاشستية. وهي تشير إلى مسألة العقوبات الاقتصادية التي نصت عليها المادة السادسة عشرة كوسيلة من وسائلها. والواقع أنه ربما كان لهذا السعي أثره المادي إذ أيدته الدول. فقد حدث في سنة 1921، حين غزت يوجوسلافيا الأراضي الألبانية، أن هددت عصبة الأمم بتطبيق العقوبات الاقتصادية، فكان ذلك كافياً لوقف الاعتداء. وقد عجزت العصبة في سنة 1923 أن ترد السنيور موسوليني عن احتلال جزيرة كورفو البونانية تنفيذاً للبلاغ النهائي الذي وجهه إلى اليونان، ولكنها استطاعت بعد ذلك بعامين أن تحول دون اضطرام الحرب بين اليونان وبلغاريا من جراء النزاع بينهما على الحدود. وقد فطنت عصبة الأمم نفسها إلى هذا النقص الذي يعتور نص المادة (16)، وبحثت في أمره، وقررت في شأنه بعض التعديلات التي من شأنها أن تسهل الإجراءات في حالة الأزمات

ص: 10

الخطيرة؛ ويقضي هذا التعديل (بأنه يجب على مجلس العصبة أن يقرر ما إذا كانت قد ارتكبت مخالفة للميثاق) ولكن العصبة صرحت أيضاً أن المجلس لا يستطيع أن يفعل أكثر من أن يدعو الأعضاء إلى تطبيق العقوبات الاقتصادية، وقد يستطيع بعد ذلك أن يطالب الدول بتقديم المعاونة العسكرية التي يمكن استخدامها ضد الدولة المعتدية. بيد أن هذا التعديل لم تصدقه عليه الأغلبية المطلوبة من الأعضاء حتى اليوم

وقد تستطيع السياسة الإنكليزية أن تقنع عصبة الأمم بتوقيع العقوبات الاقتصادية على إيطاليا، وهذا الإقناع ميسور إذا استطاعت أن تجذب السياسة الفرنسية إلى جانبها وأن تقنعها بضرورة العمل معها لدرء الأخطار التي تهددها وتهدد أوربا من جراء الحرب التي تعمل الفاشستية لاضرامها. وعندئذ يمكن أن تؤدي إنكلترا في هذا الحصار الاقتصادي الذي ينص عليه ميثاق العصبة أكبر دور، هذا فضلاً عن الدور الذي تؤديه باقي الدول المؤيدة لإنكلترا ضد إيطاليا، وذلك بقطع المواد الأولية عن إيطاليا ورفض التعامل معها في كل ما يمكن أن يسهل استعداداتها الحربية؛ أما إنكلترا ففي وسعها أولاً أن تلجأ إلى إغلاق قناة السويس بالاستناد إلى نص المادة (20) من ميثاق العصبة، وهي التي تنص على إلغاء جميع المعاهدات السابقة التي لا تتفق مع نصوص الميثاق وغاياته، باعتبار أن معاهدة سنة 1888 التي تضمن حيدة القناة وفتحها في كل وقت من أوقات السلم أو الحرب ولسفن جميع الدول أضحت مناقضة لميثاق العصبة، وهذا ما تنكره إيطاليا على إنكلترا كل الانكار، لأن معاهدة سنة 1888 ما تزال قائمة في نظرها ويجب احترامها طبقاً لنص المادة 282 من معاهدة فرساي (بند 11)، حيث ينص على تعداد المعاهدات التي تبقى نافذة المفعول مع ألمانيا، وميثاق عصبة الأمم ليس إلا فصلا من فصول معاهدة فرساي. وفي وسع إنكلترا أن تلجأ أيضاً إلى إغلاق جبل طارق في وجه السفن الإيطالية، كما أنها تستطيع أن تغلق في وجهها بوغاز باب المندب فتقطع بذلك على إيطاليا كل سبيل للاتصال بالإرترية أو السومال. على أن إيطاليا ترى في هذه التصرفات كلها أعمالاً عدائية وإعلان حرب تقابله بالمثل، ومن المحقق أن إنكلترا ستفكر طويلا قبل أن تقدم على شيء منها

وهناك مسألة تصدير السلاح إلى الحبشة، وهذه أيضاً وسيلة ناجعة في يد إنكلترا؛ وقد ألغي

ص: 11

تصدير السلاح إلى الحبشة مؤقتاً في انتظار نتيجة المساعي السلمية، فإذا أصرت إيطاليا على موقفها، وهو الأرجح، فان إنكلترا ستعود إلى تصدير السلاح إلى الحبشة؛ وتزويد الحبشة بالسلاح يطيل أمد الحرب، ويزيد في متاعب إيطاليا إلى حدود قد لا تقوى على مغالبتها

وسنرى على أي حال ما إذا كانت عصبة الأمم، أو بعبارة أخرى ما إذا كانت الدول التي تسيطر على مجلس العصبة، تستطيع في هذه الدورة القريبة التي ستعقد بعد يوم أو أثنين، أن تذهب في الشجاعة والحزم إلى حد المطالبة بتوقيع العقوبات على إيطاليا

ص: 12

‌بين ثقافتين

يتَّجه الناقد الأدبي بنظره إلى مختلف النوازع الفكرية والمتَّجهات الأدبية في هذا البلد، فلا يلبث أن يرتدّ إليه الطرف حيران؛ فما نستطيع أن ندّعي عن يقين أن لهذا العصر اتجاهاً أدبياً يُنسب إليه ويعرف به ويتسم بطابعه. ولكنها تيارات مختلفة يتنازعها الضعف والوهن، وتتوزَّعها الأهواءُ والشِّيع؛ وبين دُعاة الجديد وأنصار القديم حرب مشبوبة ومعركة هدّامة، لا نراها سيُؤذن لها أن تهدأ فتستقر إلا أن نعرف مدى هذا الجديد، وماهية ذلك القديم

ولن يتأتى لنا أن نعرف ذلك أيضاً، مادامت مناهج الدراسة الأدبية في مصر لا تعرف لها مُتجهاً ومذهباً، وعندنا عديدٌ من معاهد الأدب، يذهب كل منها مذهباً في تخريج طُلابه، ويُمثل في منهاجه الدراسي صورة مصغرة للصراع الأدبي المختلف النزعة والاتجاه بين أدبائنا الكبار!

فعندنا الأزهر، قديمٌ موغلٌ في القدم، لا يرى العلم والأدب والثقافة إلا كما كان يراها القُدامى الأولون من علمائه؛ وهو مذهبٌ في الإعداد الأدبي له قيمته وأثره، ولكن له إلى جانب ذلك عيوبه وخطره - وما نعني الأزهر الجديد الذي يخطو اليوم إلى التجديد خُطاه الأولى، بحنكة شيوخه وهمة شبابه، فانه ما يزال على الطريق، ولا نعرف أين تستقر به الغاية من الهدف الذي يرمي إليه

ولو أنا تركنا الأزهر وولينا النظر شطر الجهة الأخرى، لرأينا منهجاً جديداً في كلية الآداب، بينه وبين منهج الأزهر ما بين طرفيْ خيطٍ طويل يصل أول التاريخ بما بعد التاريخ؛ فهناك القديم الغارق في القدم، كأنما يحاول أن يقف خطْو الزمان، وهنا الجديد الغالي في الجدَّة، كأنما يحاول أن ينسلخ من ماضي التاريخ. وهناك في الأزهر يُدرس القديم ويُعنى بالقديم، بعيداً من روح العصر وسنة التطور؛ وهنا في كلية الآداب يُحاول الجديد من غير أن يستند إلى أساس من العلم القديم، وهو بذلك كذلك، بعيدٌ من روح العصر وسنة التطور؛ ومن ثم ترى في أكثر ما ينتج أدباؤنا لهذا العهد نوعين من الأدب، لو وضعت أولهما في الذروة من بلاغة الوضع وحسن الأداء، لوضعت ثانيهما في المنحدر؛ على أنك لو نظرت إليهما من ناحية الموضوع والفكرة لجعلت أعلاهما أسفل وصعدت بالثاني. . . ولكنك لن تجد في واحد منهما - على الأكثر - ما يبعثك على

ص: 13

الإعجاب بالفكرة والأسلوب معاً، ومن هذا لا ترضى عن أحدهما في ناحية إلا أغضبك في الأخرى، ومنه جاءت الدَّعويان اللتان تسمعهما دائماً عند ما يستحرُّ الجدل بين دعاة الجديد وأنصار القديم:(هذا أدب فارغ أكثر عنايته بأسلوب الأداء دون المعنى) أو (هذا أدبٌ ساقط يتحيفُ اللغة ويُهمل الجمال الفني في اللفظ)

وكلتا هاتين الدعويين صادقة من وجه؛ لأن الأدب فكرةٌ وبيان، لا يتم تمامه إلا بهما معاً؛ وأنت قلما تجد بين الكاتبين والشعراء من أدبائنا من بجمع إلى جمالِ الفكرة جمال الأسلوب

ولو قد تركنا الأدب في ناحية وأردنا أن نعرف اتجاه الثقافة في مصر بوجهٍ عام، وأثر ذلك في أخلاق أبنائها وفي المثُل العليا التي ينشدونها - لوجدنا مثل هذا الاضطراب وتلك الفوضى، ففي الأزهر ثقافة دينية، ولكنها جامدة لا تتطور، واقفة لا تتحرك، مغلقة من دونها الأبواب فلا تؤثر تأثيرها إلا في أبناء الأزهر وحدهم، أو في المحيط الضيق الذي يضطربون فيه من قسُراهم

على أن في جمود الأزهر مدى طويلاً، قطعاً بين الأزهريين وبين عصرهم، ومن ثم أخذت الثقافة الدينية تتقلص رويداً رويداً، حتى غدت مقصورة على طائفة قليلة من أبناء الريف، وبدأ تأثير الأخلاق ينحسر تبعاً لذلك حتى نوشك بعد قليل ألا نرى أثراً له في نفوس الكهولة والشباب منا

إلى جانب ذلك أخذت الثقافة المدنية في مدارس التعليم العام تفتن أبناءنا بالمناصب والوظائف والسلطان المرموق، فاتجهوا إليها بعقولهم وأفرغوا لها أنفسهم، حتى ما يكاد أبٌ يفكر في تعليم بنيه وبناته إلا ذهب إلى هذه المدارس المدنية

ومنهاج التعليم في هذه المدارس هو ما نعرف، وهو ما يشكو منه واضعوه والقائمون عليه، ولعل شر عيوبه انه لا يرمي إلى غرض عام من أغراض التربية الصالحة، وأنهُ يُعنى أكثر ما يُعنى بتلقين المعلومات وتحفيظ النظريات، فلا الدين، ولا القومية، ولا الأخلاق، ولا المثُل العُليا؛ ومن ثم كانت القومية مريضة، والدين الزائغ، والأخلاق المنحلة، والأمثلة الدُّنيا

هذان نوعان من التربية وأساليب التعليم في مصر، يكاد الشعب بهما أن يكون طائفتين مختلفتي الخلق والثقافة والتفكير كأنما تعيشان في عصرين مختلفين، وهاتان الطائفتان من

ص: 14

متعلمينا وهذان المذهبان في التربية المصرية، هما اللذان يكشفان عن سر الاضطراب في الثقافة المصرية، كما يكشفان عن مقدار الفوضى في اتجاهنا الأدبي

وإننا بسبيل هذا البحث لنُحاول أن نتعرف أي هذين المذهبين ستكون له الغلبة، وأي هاتين الثقافتين أجدر بالبقاء؟

إن تيار العصر يجرفنا في مسراه فما يدع لنا الفرصة أن نتلبث قليلاً لنعرف موقفنا، على أن كلتا التربيتين لا تجديان علينا الجدوى التي تقربنا إلى المثل الأعلى الذي ننشده؛ ولسنا بمستطيعين أن نظل أبداً نحلم بالماضي والحياةُ تتقدم، ولسنا بقادرين على أن ننسلخ من هذا الماضي ونخلع قوميتنا لنعدو في غبار الأوربيين، فلا غنى لنا عن المزاوجة بين هاتين الثقافتين والمزج بينهما، لنخرج من ذلك بمنهج تعليمي صالح، يحفظ علينا قوميتنا، ويصل بين ماضينا والعصر الذي نعيش فيه

على أن فوضى الأدب ودعوى الجديد والقديم، يجب أن ينتهيا إلى غاية؛ فما في اللغة والأدب جديد ولا قديم، وما حسن أن نتنكر لتراث أدباء العربية الماضين بدعوى التجديد، ولا أن ننكر حكم العصر وسنة التطور بالدعوة إلى القديم؛ فما ينهض هذا إلا بذاك، وما يستطيع بانٍ أن يبني على غير أساس، ولابد لمن يتهيأ لحمل رسالة الأدب لينشئ فيه الجديد الذي تُنصت له الدنيا ويفاخرُ به العصر، أن يأخذ لهُ عدته ويتزود بزاده: فيتوفر على دراسة الأدب القديم، ويستمع إلى أئمته، ويروى عيونه، ويستظهر من روائعه، ثم يأخذ بسببٍ من كل علمٍ وفن مما يعرفه عصرُه، فإذا اجتمعت له الأسبابُ واستكمل الأهبة، عاد إلى دنياه التي يعيش فيها، وإلى عصر الذي يتصل به، وإلى الأحداث التي تنفعل بها نفسهُ، وإلى عواطفه التي انطبعت فيها صورة دنياه؛ ثم ليُنشئ ما ينشئ، فسيأتي بالجديد في الديباجة الصافية، وبالمعنى البكر في العبارة المستقيمة، وبالشعر الرائق في اللفظ الجزل، وبالفكر العميق في البيان الساحر

ولكن أين نجد هذا مما يدرس هنا وهناك، وما نجد هنا وهناك إلا فكراً بلا بيان، أو بياناً بلا فكر؟ وما نرى هناك وهنا إلا رطانة مستعربة، أو عربية فارغة، نسميها الجديد والقديم!

على أن في مصر مدرسة نحمد أثرها، ونذكر يدها على الأدب والثقافة العربية، هي مدرسة دار العلوم، فهي الصلة بين الثقافتين، والملتقى بين الغريبين؛ جمع منهجها بين

ص: 15

الثقافة العربية والإسلامية التي تدرس في الأزهر، والثقافة المدنية التي تدرس في المدارس العامة؛ فإلى جانب دراسة الدين، ونصوص اللغة، وتراث السلف من أدباء هذه الأمة وعلمائها - يدرس التاريخ، والفلسفة، وأشتات من الرياضة والعلوم والفنون والآداب؛ فمن أجل ذلك كان لدار العلوم هذا الأثر القوي في النهضة الأدبية الحاضرة، وكان لأبنائها السبق في كثير من ميادين الإنتاج؛ وأنت ترى فيما يبدعه الكتاب والشعراء من أبناء دار العلوم، طابعا خاصا قلما تراه فيما ينتجه غيرهم من الكتاب والشعراء؛ ذلك لأنهم درسوا القديم دراسة روية وفهم، وعاشوا في عصرهم كما يعيش أهله؛ فلم ينسلخوا عن ماضي أمتهم، ولم يتخلفوا عن عصرهم، فكانوا بذلك صلة التاريخ بين ماضيه وحاضره

تلك شهادة الحق لهذه الدار التي أنشأها إسماعيل منذ ستين عاماً ونيف، فنهضت بتبعاتها على أكمل وجه، وأدت أمانة العلم أحسن أداء، نذكرها لها منصفين في الوقت الذي تحاول فيه أحداث الزمان أن تنال منها وتنكر جدواها

على أن فضل هذه الدراسة ليس مقصوراً على أثرها في اللغة والدين؛ فلعلها المدرسة الوحِدة التي تخرج المدرس القومي، والمدرسُ في بلدنا - كمناهج التعليم في مدارسنا - لا يراد منه أن يمثل الروح القومي أكثر مما يراد منه أن يكون مدرس مادة بعينها، ولكن خريج دار العلوم بحكم ثقافته وتربيته، هو وحده يمثل الروح القومي أصدق تمثيل، بعربيته، ودينه، وخلقه، ومكانه من زمانه؛ فليت وزارة المعارف عرفت له ذلك فلا تدعه في هذه الدائرة الضيقة من برنامج عمله المحدود، فان مصر في حاجة إلى هذا الروح القوي ليبعث في التلاميذ من أبنائها معنى القومية وينشئهم التنشئة القويمة التي تؤهلهم لحمل تبعات الجهاد في المستقبل القريب

ونحن مستيقنون أن دار العلوم يوم ينفسح لها الميدان لتؤدي رسالتها ويمكن لها لتنهض بما استعدت له، ويزاد في مناهجها ما يؤهلها لأن تنظر في كل جديد فتتبع أحسنه - نكون قد عرفنا الاتجاه الأدبي الذي نسير إليه، ورسمنا لنا في الثقافة منهاجاً صالحا، لا يمكن للأجانب أن يغزونا في آدابناً وعقولنا، بعد أن نالوا منالهم من أرضنا وأموالنا.

ص: 16

‌من تراثنا العلمي

كتاب في البَيْزَرَة

وصف وتحليل لنسخة فريدة من كتاب مفقود، في علم ضائع،

لمؤلف مجهول

للأستاذ علي الطنطاوي

البَيْزَرَة (أو البَزْدَرَة): علم يبحث فيه عن أحوال الجوارح من حيث حفظ صحتها، وإزالة مرضها، ومعرفة العلامات الدالة على قوتها في الصيد، وضعفها فيه - قاله في كشف الظنون

والكلمة معرّبة، وهي من قولهم (بَيْزار) معّرب (بازْدّار) و (بازْيار)، أي حافظ البازي وصاحبه، والجمع (بيازرة) كما في التاج واللسان، قال الكُميْت:

كأن سوابقها في الغبار

صقور تعارض بيزارها

وجاءت بالدال في قول أبي فراس:

ثمّ تقدمت إلى الفهّاد

والبازداريين باستعداد

قال الشيخ داود الأنطاكي: وغايته اقتناص ما يشق اصطياده واللهو والرياضة، وشرح الصدور، وتسكين نحو الجذام والنقرس والمفاصل لتوالى الفرح، وسكون الغضب الخ

وقد سموه علم البزدرة (أو البيزرة)، إضافة له أشرف أنواعه وأخفها، وهي البزاة

ولخصه في (التذكرة) في مقدمة وثلاثة مباحث:

فالمقدمة في كيفية اهتداء الناس إلى اتخاذ الطيور، وأول متخذ لها، وما هو المعتبر منها

والمبحث الأول في كيفية الاستدلال على الجيّد منها باللون والصفة، وفي ذكر طرق التعليم

والمبحث الثاني في أوقات الإرسال وكيفية الصيد، واختلاف حال الطيور

والمبحث الثالث في علامات الصحة والمرض وطب الجوارح

وقد كان هذا العلم مزدهراً معروفاً أيام عز العرب وازدهار مدنيتهم، ثم ضاع فيما ضاع من تراث الأجداد، وفقدت كتبه كلها، ونسيه الناس، فلم يكد يذكره أحد ممن ألفّ في تاريخ الثقافة الاسلامية، ولم بيقى بين أيدينا من المراجع في هذا العلم إلا هذا الفصل الذي كتبه

ص: 17

الشيخ داود الانطاكي في كتابه تذكرة أولي الألباب وكلمة في كشف الظنون للحاج خليفة لا تعدو الأسطر الثلاثة، نقلا عن جامع السعادة لكاشكري زاده، وكلمة في مُعْلم (دائرة معارف) البستاني تحت عنوان: بزدرة

على أن للمتقدمين كتباً كثيرة في هذا العلم عدّ منها أبن النديم في الفهرست: كتاب الجوارح لمحمد بن عبد الله بن عمر البازيار، وكتاب البزاة للفرس، وكتاب البزاة للروم، وكتاب البزاة للترك، وكتاب البزاة للعرب، وكتاب البزاة واللعب بها لأبي دلف العجلي وسماه أبن خلكان كتاب البزاة والصيد

ومن الكتب المؤلفة في هذا العلم كتاب (القانون الواضح) ذكره في كشف الظنون نقلا عن جامع السعادة لكاشكري زاده ووصفه بأنه كاف في هذا العلم ولم يسم مؤلفه

وذكر الشاعر الكبير الأستاذ الشيخ رضا الشبيبي (وزير المعارف العراقية اليوم) في مجلة المقتبس أن في الخزانة التيمورية كتاباً اسمه (القانون في البيزرة) ولعله هو

وذكر أن من كتب هذا العلم كتاب (أنس الملا بوحش الفلا) تأليف محمد بزمنكلي نقيب الجيش المصري في أواخر القرن الثامن، وهو في خزانة باريز تحت الرقم 2834، والقواعد المحبرة في البيطرة والبزْدَرَة للأنطاكي

وهناك آثار تعم الصيد بالكلاب والنبل والنشاب وهي كثيرة منها: كتاب المصائد والمطارد لكشاجم ذكره أبن خلكان في الوفيات، وانتهاز الفرص في الصيد والقنص للشيخ تقي الدين الناثري ألفه بزبيد سنة 910، ذكره الحاج خليفة في كشف الظنون وغيرها

وقد تكلم في طباع الجوارح وأحوالها كثيرون منهم: الدّميري في حياة الحيوان. والقزويني في عجائب المخلوقات وغيرهما

وفي الأدب العربي أدب للصيد قائم برأسه، يعرف بالطرديات نبغ فيه جماعة منهم: أبو نواس، وأبو فراس، وكشاجم، والحلي وغيرهم

وفي سنة 1332هـ وجد الأستاذ الشيخ رضا الشبيبي بين (نفيسات آثار شعثها الإهمال، وطمسها الابتذال، منبوذة في ناحية غامضة، نبذك سقط المتاع، ملقاة نالت منها الأرضة والحشرات، أضعاف ما اقتبسه منها العقول النيرات. قد علاها من الزبل وسلح الطيور ونحوها ما غير محاسنها، وأخلق كريم ديباجتها) وجد بين هذه الآثار كتاباً في البيزرة،

ص: 18

وأول شيء في هذا الكتاب إغفال تسمية مؤلفه فيه، وأنه خالٍ من البسملة والحمدلة، عار من تقديم مقدمة قبل الشروع في المقصود، وعلة ذلك انقطاع دابر هذا الفن وأهله حتى لم تتألف من مشاهيرهم إلا طبقة محدودة. . . وليس هذا الكتاب مما ألف للإسكندر الرومي ثم نقل إلى العربية كما يظهر مما جاء على ظهره وهذا نصه:(كتاب البيزرة صنفه الحكماء المتقدمين (كذا) للملك الاسكندر الرومي؛ وهو كتاب عجيب مما يصلح بالملوك إذ لابد لكل ملك من مسير إلى صيد بأحد هذه الطيور الجوارح)، والذي أوقع الوراقين في هذا الوهم ما ورد في نحر الكتاب من أن ثقات الروم من أهل المعرفة؛ ذكروا أن الاسكندر الرومي قال للحكماء المحتفين بخدمته:(أريد أن تعرفوني بطبيعة البازي وأمراضه وعلامة كل مرض ودائه وهل طبيعته تقارب طبيعة الآدمي أم لا؟) وأنت تعلم قصور هذه العبارة عما يدعون، كيف وفي الكتاب نقل كثير عن حكماء العرب والمستعربين، ومنهم من صحب الرشيد!! فالكتاب إذن من طرائف عصر عربي راقٍ كما يظهر أيضاً من أسلوب إنشائه السهل الممتنع البليغ. ولا يبعد أن يكون مؤلفه من رجال أواخر القرن الثالث أو الرابع للهجرة. يدلنا على ذلك أن المسعودي المتوفى سنة 346 أورد في مروج الذهب عن الجوارح فصلين ترجح - بقول الأستاذ - أنهما منقولان عن هذا الكتاب باختلاف يسير

وروى لنا خبير أن في خزانة باريز كتاباً رقمه 2831 بدون اسم إلا أنه كتب على ظهره بخط غير خطه: (كتاب الجوارح والبزدرة تصنيف الفيلسوف (أبو) بكر بن يوسف بن أبي بكر أبن حسن بن محمد القاسمي القرشي العلوي الأشعري) تاريخ كتابته سنة 848هـ

فاسم هذا الكتاب طبق المحز وأصاب المفصل من الكتاب المماثل أمامي الآن، لكن لا تزال حقيقة مؤلفه مبهمة مجهولة. هذا وكتابنا جزآن أو مقالتان، في المقالة الأولى 52 باباً في تاريخ الصيد بالجوارح وتقسيمها إلى أقسامها وكيفية ترتيبها وسياستها ثم إرسالها إلى غايتها

وفي المقالة الثانية 63 باباً في أدواء الجوارح وعللها وما يتخذ لعلاجها من المركبات فجملة الأبواب 115 باباً في حجم 145 قائمة أو 290 صحيفة صغيرة مخطوطة خطاً واضحاً متأخراً، أغاليطه يخطئها العد، وفي آخره:(وقع الفراغ من كتابة هذه البيزرة نهار السبت 12 جمادى الأخرى سنة 1201 من الهجرة على يد ملامط ابن عبد الله الطرفي) اهـ.

ص: 19

كلام الأستاذ الشبيبي

أما الكتاب الذي أصفه اليوم فقد وقع عليه صديقنا الوراق العالم الشيخ حمدي السفرجلاني في خزانة قديمة في دمشق فعرف قدره فاشتراه. ثم كانت له قصة انتهت بأن بيع الكتاب إلى أحد المولعين بالكتب القديمة من الإفرنج وبقيت منه النسخة الفوتوغرافية التي أصفها عند الأستاذ السفرجلاني

وكتابنا - وإن لم يعرف مؤلفه - من أقدم الكتب المصنفة في هذا العلم وأجلها. فقد وضع للعزيز بالله أبي منصور نزار بن المعز معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدي العبيدي الفاطمي صاحب مصر والشام المتوفى في الحمام يوم الثلاثاء 28 رمضان سنة 386هـ

وكانُ مغرى بالصيد، يصيد بالحبل والجارح من الطير ويصيد بالسباع. وكان مؤلف الكتاب كما يتحدث عن نفسه من بيازرة العزيز والمقربين إليه، وكان غالباً في التشيع لا يذكر العزيز مرة إلا صلى عليه وسلم! ومن قوله وهو يتحدث عن بازٍ:(ولم أر في المدة التي لزمت فيها الصيد ومبلغها عشرون سنة إلى أن صنفت كتابي هذا في علم البيزرة مثل هذا البازي على كثرة ما رأيت منها. ولقد وصل إلينا في ليلة واحدة مائة باز من الشرق والغرب. فكم تراه يصل في كل سنة محمولاً إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، مما لم يحمل إلى ملك قبله كثيرة وجوده، وكل ذلك أتولى تدبيره، وأمارس تضريته، والاصطياد به الخ)

وقال في آخر الكتاب:

(وقد كان مؤلف هذا الكتاب في جملة البيازرة متقدماً عليهم - لا في جملة واحد منهم لا يحسن شيئاً من البيزرة، ثم أفرده أمير المؤمنين صلى الله عليه عنهم، وله من العمر إحدى عشرة سنة، وعلمه وهو لا يملك عشرة دراهم وعليه ثواب - ثم خرج في صناعته إلى ما قد شاهده الناس وعرفوه، ورقى أمير المؤمنين صلى الله عليه منزلته إلى أن صار اقطاعه عشرين ألف دينار، وبلغ المنزلة التي لو رآها في النوم لما صدقها، فلا يخْف عن الناس ما كان فيه، وما صار إليه)

والكتاب كله من النمط العالي في إنشائه وأسلوبه، وهو مشحون بالفوائد والأخبار الأدبية،

ص: 20

والأشعار المستملحة، والقصص اللطيفة، ويقع في 300 صفحة مكتوبة بخط قريب من النسخى، قليلة أخطاؤه، مشكول شكلاً لا يعتمد عليه دائماً، فيه إشارات خاصة كانت توضع على الحروف المهملة ثم أهملت، ومقدار المكتوب من الصفحة (18 - 10) سنتيمترا، وفيه 13 سطراً وفي آخره: (وقد وصينا بما فيه الصلاح لمن انتهى إليه وعمل به، وبالله نستعين وعليه نتوكل

تم الكتاب والحمد لله رب العالمين، كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على نبيه محمد خاتم النبيين، وعلى الأئمة من عترته الطاهرين الأخيار وسلم تسليماً)

وبعد ذلك ست صفحات يختلف خطها قليلاً عن خط الكتاب فيها:

باب النفقة على البيازرة وما يصل من أموال أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين إليهم في كل سنة

وباب في أحكام الصيد الشرعية وما يحل من ذلك وما يحرم في خمس صفحات في الثلاث الأخيرة منها خرم يصعب معه قراءتها وقد صرح بأن هذه الأحكام على المذهب الشيعي وعرض بالمذاهب الأخرى

وليس في أول الكتاب أو آخره ما يدل على تاريخ كتابته ولكني عثرت في وسطه على جملة مكتوبة تحت (باب ذكر ما يحتاج إليه البازي في القرنصة) بخط الناسخ هذا نصها:

(وكتب هذا الكتاب تاريخ سنة خمسمائة في شهر شوال) وإذن فيكون عمر النسخة التي نصفها أكثر من ثمانية قرون

هذا وسنعرض على القراء خلاصة أبواب الكتاب، ونماذج منه صالحة في مقالة أخرى، فقد طال بنا نفس الكلام، والله المستعان

علي الطنطاوي

ص: 21

‌في الكتب

ما كنت أتمنى أن أقرأ

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

ليس أكثر من الكتب في الدنيا، ولعلها الشيء الوحيد الذي يزيد ولا ينقص، ولو أن ما كتبه الناس من أقدم العصور التي بقى لنا منها أثر - ودع ما نقل بعضهم عم بعض - جمع في مكان واحد، لملأ المدينة واسعة كالقاهرة ومعها ضواحيها التي تزحف بها على الريف من ناحية، وعلى الصحراء من نواح، وليس أشد شرها ممن يستقل ذلك، أو لا يرى فيه غناء، وهنا موضع التحرز أو التنبيه إلى وهم قد يسبق إلى بعض الأذهان، فما أعني أن في الموجود من الكتب ما يغني عن الاستزادة أو يصدّ عن التطلع؛ أو ما يكتفي به العقل الإنساني عن المضي في البحث والتقصي، وإنما أعني أنه حسب من شاء أن يقرأ، فما يتسع عمرٌ - مهما طال - للإلمام ببعض هذا الموجود من ثمار العقول، ولو أن أعمار الذين لا خير فيهم أضيفت إلى عمر الواحد منا (!!) وزيدت عليه، لما كانت كافية لتحصيل ذلك كله، ولكني، مع ذلك، أراني أحياناً - وأنا جالس بين ما بقى لي من كتبي - أتحسر وأتمنى: أتحسر لأن مطبوعاً من هؤلاء المؤلفين، على الشعر، أبى إلا أن يكون جاهلا نفسه، وتوهم أنه ناقد أو فيلسوف أو غير ذلك، وذهب يكتب. أو أن كاتباً فذاً غالط نفسه فراح يقرض الشعر، ويجئ بالغث ويحسب أنه صنع شيئاً، وأتمنى لو أن بعضهم نظم قصيدة في معنى يخطر لي، وأراه كان أقدر على صوغه، أو وضع كتاباً في بحث معين، أو كتب قصة مثلا، أو أردف ما كتب بشرح ما يعني، كأنما كل هذه الكتب لا تكتف ولا تقنع!

وأتساءل أحياناً - لو أن أبا العلاء لم ينظم أكثر سقط الزند وبعض اللزوميات، وزادنا من مثل رسالة الغفران، أكان هو ينقص شيئاً أم كان يزيد؟؟ وهل كنا نحن القراء نخسر أم نكسب؟؟ كنا نربح فيما أعتقد، ولم يكن يضيع علينا شيء من نظمه لا نهمله الآن، ولكن أبا العلاء غلط وآثر التكلف، ليرضي غروره، وليتعزى أيضاً بإظهار اقتداره. وإنه لفحل عظيم، وما يطيب لي أن يظن أحد أني أغمطه أو أنزله دون منزلته، وإني لأعلى به عيناً من أن يخطر لي أن في وسعي أن أظلمه، ولكني كنت أود لو زادنا من مثل الرسالة، وفي

ص: 22

يقيني أنه لو كان فعل، لبلغ الذروة واستولى على الأمد

ويؤسفني أحياناً أن الجاحظ لم يكتب قصة. أما لو كان فعل!؟ أين بين كتاب العرب، من كان أقدر على ذلك منه، وأولى بأن يكون أبرع فيه، وأسحر وأفتن؟؟ من له مثل قدرته على الكتابة ووفاء التعبير بلغته؟ من له مثل فطنته ونفاذ نظره، وفكاهته، وحسن تأتيه، ولطف مداخله، وحذقه في التناول والعرض، ودقة في فهم الناس واستبطانهم، والإحاطة بجوانبهم المتخلفة، والتفطن إلى نواحي الجد والهزل فيهم، وإلى مبلغ اختلاط هذا بذاك، وإرباء ذاك على هذا؟؟

أوليت الجاحظ كان مصوراً!؟ أترى كان يستطيع - لو ساعفته الأحوال وتاحت لذلك فرصة - أن يحول مواهبه إلى هذه الجهة؟؟ أكان يسعه أن يسخر قدرته اللفظية على البيان إلى قدرة من نوع آخر، على الأداء، فيثبت ما يريد على اللوح ويدعه، وهو ساكن لا حركة فيه ولا تتابع للحظاته ومناظره، ينطق بما حمله من المعاني؟ ومن يدري؟ إن مطلب الكاتب غير مطلب المصور، وأداة هذا غير أداة ذاك، وأقل ما بينهما من الفروق ووجوه الاختلاف أن الكاتب يقوم أسلوبه على الحركة والتعاقب، وأن المصور لا يسعه إلا أن يثبت لحظة ويعرضها ساكنة، والسكون لا ينفي التعبير والنطق، وقد يكون أنطق وأبلغ في نطقه من الكلام. فهل كان بيان الجاحظ - وهو فيض لا تصده السدود - يستطيع أن يحتمل الحصر والتجمد والتجمع، والنطق بقوة الإبراز لا بفضل الانسياب أو التدفق؟ أعود فأقول، لا أدري؟

وتمنيت، وأنا أدير عيني في كتبي على رفوفها، لو أن هؤلاء الألمان الذين يتفلسفون علينا بما لا نفهم، بينوا لنا - أو لي أنا على الأقل - ماذا يريدون أن يقولوا. عجيب أمرهم والله! قرأت مرة لأحدهم - وأظنه (هجل) فما أذكر الآن بعد هذا الزمن كله - كتاباً في (فلسفة التاريخ) فخرجت منه كما دخلت، وقلت لنفسي: إما إني أنا حمار، وإما أن هذا الرجل لا يحسن العبارة عما في رأسه، ولكني أفهم عن غيره فلماذا أراني لا أفهم عنه؟؟ وكيف يعقل أن أعجز عن فهم ما أخرجه عقل إنسان مثلي؟ وكان في هذا الكتاب فصل عن المدنية الإسلامية أو عن تاريخ العرب - فقد نسيت - خيل إلى أني فهمت أقله، ودارت الأيام، ووقع في يدي كتاب لرجل أمريكي اسمه (دريبر) عن المدنية ونشوئها، يكتب كما يكتب

ص: 23

خلق الله - لا الألمان - فإذا فيه فصل طويل عن العرب يعد تطبيقاً لنظرية هجل التي لم أفهمها، فسألت نفسي: لماذا لم يكتب هجل كما يكتب هذا الرجل؟؟ ثم عدت أسألها وأتعجب: لماذا فهم (ديبر) عن (هجل) ولم أفهم أنا عنه؟ وأسأت الظن بنفسي واعتقدت أن بي نقصاً في التدريب العقلي، وراجعت (هجل) وكررت إلى هؤلاء الألمان المعوصين كرة المصمم المستميت، ولكن مضغ الجلاميد أعياني، فنفضت يدي منهم - ومن نفسي - يائساً، وقلت: يا هذا، لقد صدق القائل: كل ميسر لما خلق له، وأنت لم تخلق لتقرأ فلاسفة الألمان، فارجع عنهم، وانج بنفسك منهم

ولست أعرف أن للمتنبي نثراً، وإن شعره لحسبه، فما يحتاج بعد أن قال هذا الشعر أن يصنع شيئاً آخر، أو يجشم نفسه جهداً في باب غيره، ولكني مع هذا أحس بحسرة لأنه لم يشأ أن يترك لنا كتاباً عن مقامه في مصر ورحلته إلى (الأستاذ) كافور! ألا يشعر القارئ معي أن كنوز الأدب العربي ينقصها هذا الكتاب من قلم المتنبي في (كافور)؟ يا لها من تحفة نادرة، ضن بها علينا المتنبي؟؟ أتراه لم يخطر له هذا قط؟ فماذا كان يصنع يا ترى حين لا يعالج النظم؟؟ لقد كان مقلا، وليس ديوانه الذي خلفه بالذي يستنفذ عمر مثله أو جهده، فلماذا يا ترى لم يشغل فراغه الطويل بالكتابة؟ أكان الكلام الجيد لا يؤاتيه إلا منظوماً، لأن عواطفه لا تتدفق إلا على لحن؟ وخواطره لا تنتظم أو تتسق إلا على النغم؟ ربما

وينقص الأدب العربي - في رأيي - اعترافات رواته، فقد ملأوا عالمه بالدخيل والمنحول والمخترع؛ وتركوا لنا نخل ذلك كله وغربلته، فليت واحداً منهم كانت له جرأة (روسو) إذن لارتفعت عن الباحثين تكاليف ثقيلة، ولاستغنوا عن هذه الغرابيل التي لا نراها تغربل شيئاً، ولأمكن أن تنفق الأعمار التي تضيع في هذا البحث، فيما هو أجدى. لو أن الرواة كتبوا اعترافات لخلفوا لنا قصصاً من أمتع ما في الآداب، غربيها وشرقيها، ولكشفوا لنا عن خصائص، نفسية وعقلية، ينفع الناس العلم بها، ولتسنى أن نعلل هذه الفوضى التي أغرق فيها الرواة أدبنا، ولاسيما القديم منه. ومن الذي لا يشتاق أن يعرف لماذا كان الواحد منهم ينظم الأبيات ثم يحشرها في قصيدة لشاعر قديم، أو يخترع القصة أو النادرة ويعزوها إلى هذا أو ذاك من الأولين، ويصر على أن الأمر حق وأنه صادق، ويزعم أنه أخذ ذلك

ص: 24

عن فلان وعلان، أو تلقفه من أفواه البدو الضاربين في الصحراء؛ والغريب من أمرهم أنهم ينزلون عن مزية كبيرة في سبيل مزية أصغر منها، ذلك أن اختراعاتهم وتصنيفاتهم تدل على خصب في القريحة، وعلى قوة الخيال ونشاطه، بل على وجود ملكات كافية لأن يكون الواحد منهم شاعراً مجيداً أو قصاصاً بارعاً؛ ولكنهم يزهدون في ذلك، ويظلمون أنفسهم، ويقنعون بأن يكونوا رواة فحسب؛ أي حفاظاً ليس إلا؛ أي خزانة مفتاحها في لسانهم؛ وأغرب من ذلك أنهم لو قنعوا بما حفظوا، وتوخوا الأمانة في الحفظ والرواية، لعدوا علماء، ولكانوا محل الثقة والاطمئنان؛ ولكنهم يأبون لأنفسهم منازل الكرامة، ويروحون يزورون ويفترون ويلفقون، ويظهرون في ذلك من الحذق والبراعة ما لو أظهروا بعضه في غيره لرفعهم مقاماً عالياً. فلابد أن يكون هناك عوج في طباعهم والتواء في عقولهم يزينان لهم الطريق الذي سلكوا، ويعدلان بهم عن المنهج الأقوم، ويغريانهم بإهمال مواهبهم، أو سوء استخدامها

وعلى ذكر الاعترافات أقول إني لا أحب أن أقرأ اعترافات لذلك النواسي الفاجر، وليس هو بأفجر من سواه من أصحابه في زمانه، ولكنه أظهرهم لأنه أعلاهم لساناً وأقواهم بياناً، ومثل سيرته لا يزيد الناس فهماً للحياة وحسن إدراك لها، وما في الأمر إلا أنه كان أجرأ فلم يكتب نقائصه، كما يفعل غيره، ولم يحاول أن يستتر لما ابتلى، ولولا أنه شاعر لما شغل بقصصه أحد، والشهرة هي التي جنت عليه فأبرزت جانب السواء والاستهتاك من حياته، ولولا ذلك لكان شأنه كشأن سواه من أمثاله الذين لا يخلو منهم عصر أو شعب. فلو أنه كتب اعترافات لما كانت لها مزية يفيدها الناس، وماذا كان يمكن أن يكون في اعترافاته مما يجهله الناس، وإن كانوا لا يجاهرون بالعلم به. كل ما كنا خلقاء أن نستفيده هو صورة الحياة، كما عرفها وعاناها، فاسق عظيم

وليت دعبلاً ترك لنا مذكرات! فانه متمرد ظريف، وليس أحب إلى المرء من الوقوف على مظاهر التمرد، ولكن التمرد صنيعه في حياته، وصنيع شعره معه - أو أكثره - فلو أنه كتب مذكرات لما أعوز خصومه الحطب

لو ذهبت أذكر ما كنت أتمنى أن أجد فيه كتاباً، لما فرغت، فما لهذا آخر، فحسبي ما بينت، وليكن كإشارة الفهرس

ص: 25

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 26

‌الدكتور محمد إقبال

أكبر شعراء الهند المسلمين في العصر الحاضر

(إن صوتي قد أوقد النار القديمة في بلاد إيران ولكن العرب

لا يعرفون شيئاً عن نغماتي الشجية)

(إقبال)

بقلم السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي

شدا صديقنا المفضل الشاعر الفيلسوف الدكتور السر محمد إقبال بهذا البيت في ديوانه (بيام مشرق)(أي رسالة الشرق) منذ ثلاث عشرة سنة، ولكنه لم يسمع صدى المعرفة الحقيقة (لنغماته الشجية) من العرب إلى اليوم. وثلاث عشرة سنة مدة طويلة. لأن الشيء إذا مر عليه زمن قليل يقال إنه مضى ودخل في ذمة التاريخ، وليس كل ما دخل حصن الماضي نال رعاية التاريخ. لأن مخالب التاريخ الحديدية لا تقتطف إلا ما هو مؤثر مباشرة في الحوادث المادية ولا تهتم بوجود الكائن الحي بنفسه أياً كان، ولكن هناك أشياء خارجة عن وصول مخالب التاريخ ومؤثرات الزمن مع كونها مؤثرة في الحوادث المادية. وتلك الأشياء هي الحقائق الملهمة، ومنها الشعر أو (النغمات الشجية) كما عبر الدكتور. فالحقيقة الملهمة شيء خالد بعيد المرام عن تلاعب الزمن، وعزيز المنال من مخالب التاريخ، تظمأ الحياة الإنسانية إلى مناسمته في كل زمان، وتتطلع إلى مؤانسته في كل مكان

وعلى هذا أريد أن أعرف إخواني الناطقين بالضاد بتلك (النغمات الشجية) وأن أكون على الأقل ترجماناً لها إن لم أكن راوية، فأقدم اليوم إليهم على صفحات (الرسالة) ترجمة حياة الدكتور بالإيجاز، وسأتبع ذلك بحديث عن شعره وفلسفته وآرائه في نواحي الحياة المختلفة إذا وفقني الله لذلك

انحدر الدكتور السر محمد إقبال من سلالة وثنية عريقة في المجد والشرف من طبقة (بَنْدِتْ) القاطنة ببلاد كشمير في شمال الهند. و (بندت) لقب يلقب به أهل العلم والفضل من طبقة البراهمة التي هي أرفع الطبقات وأعلاها شرفاً وعلماً ونفوذاً في النظام

ص: 27

الاجتماعي الوثني في الهند، وقد أشار الدكتور إلى ذلك إذ قال:

مرا بنكَركه درهند وستان ديكَرنمي بينى

برهمن زاده رمزآ شناى روم وتبريزاست

(انظر إلي لا تجد في الهند مثلي

من سلالة برهمن ولكنه يعرف رموز روم وتبريز)

تشرفت عائلة الدكتور باعتناق الإسلام قبل مائتين وخمس وعشرين سنة. وذلك أن أحد أجداده اتصل بولي من أولياء الله من الصوفية المسلمين فأشرب قلبه حب الإسلام فأسلم. وكان من آثار تلك الحادثة أن حسن الاعتقاد في الصوفية المخلصين لا يزال من الأوصاف المميزة لعائلة الدكتور إلى اليوم

ولد الدكتور محمد إقبال في سنة 1876 ميلادية في بلدة سيالكوت مسقط رأس فيلسوف الإسلام العلامة الشهير عبد الحكيم السيالكوتي من إقليم بنجاب في شمال الهند. فلما بلغ سن التعليم أدخله أبوه في مكتب من المكاتب الإسلامية في تلك البلدة، ومن وهبه الله الذكاء المتوقد والحذق الحاد ظهرت بوادره منذ نعومة أظافره. كذلك الدكتور إقبال فانه لم تمض عليه مدة قليلة حتى أتم دراسة المكتب فأدخله أبوه في المدرسة، وفي المدرسة أيضاً بقى مثالاً لحدة الذهن وموضع الإعجاب من جميع أساتذته. فانه لم ينتقل من فصل إلى فصل ولم ينل شهادة بعد شهادة إلا بتفوق على أقرانه وباستحقاق مساعدة مالية شهرية من قبل الحكومة جائزة لنبوغه إلى أن أتم دراسته الثانوية، وبعد إتمام الدراسة الثانوية دخل الدكتور كلية في نفس البلدة، وكان في تلك الكلية أحد كبار العلماء الدين أستاذا للغة الفارسية والعربية وهو شمس العلماء مولانا مير حسن الذي كان يشار إليه بالبنان في الأدب الفارسي والعربي فتتلمذ له الدكتور ونبغ في الفارسية كما تعلم منه العربية أيضاً. وبعد إتمام دراسة الكلية انتقل الدكتور إلى كلية الحكومة ببلدة لاهور حاضرة إقليم بنجاب ونال منها شهادة بتفوق حيث استحق مداليتين ذهبيتين والمساعدة المالية الشهرية من قبل الحكومة. وفي هذه الأثناء انتقلت خدمات المستشرق الشهير السر توماس آرنلد من كلية عليكره إلى كلية لاهور. وكان السر آرنلد هذا مشهوراً بسعة اطلاعه في علوم الفلسفة، وكان عند الدكتور إقبال أيضاً ميل غريزي إلى الفلسفة حيث لم يترك دراستها في نيل

ص: 28

جميع شهاداته الماضية فتتلمذ للسر آرنلد. فكان السر آرنلد يعترف دائماً بذكاء تلميذه المتوقد واستعداده للفلسفة ويفتخر به إلى أن أتم الدكتور دراسة الجامعة ونال شهادة مع مدالية ذهبية

عين الدكتور بعد إتمام دراسته مباشرة أستاذاً للفلسفة والسياسة المدنية في الكلية الشرقية بلاهور ثم أستاذاً للفلسفة واللغة الإنجليزية في كلية الحكومة بلاهور. فصنف في أيام تدريسه كتاباً في السياسة المدنية باللغة الأردية. وكان الدكتور طول مدة التدريس في الكليتين حسن الصيت في العلم والفضل عند أساتذتهما، وممدوح الخلال مأثور المحامد عند تلاميذه

لم يسمح للدكتور عشقه للعلوم وطموحه إلى التوسع فيها بأن يقنع بتلك الوظيفة؛ فهجر في سنة 1905 وطنه وأقاربه ثلاث سنوات طلباً للتوسع والمزيد في الفلسفة والقانون وللتحقيقات العلمية الأخرى إلى إنجلترا والتحق بجامعة كمبردج ونال منها شهادة في فلسفة الأخلاق، ثم انتقل إلى ألمانيا والتحق بجامعة مونيخ فيها ونال منها شهادة الدكتوراه في الفلسفة، ثم رجع إلى إنكلترا والتحق بجامعة لندن ونال منها شهادة المحاماة -

إن كثيراً من طلاب الشرق حينما يذهبون إلى الغرب يجدون أنفسهم في عالم جديد لم يخطر ببالهم ولا هجس في ضمائرهم، إذ الفوضى الأخلاقية قد استحكمت عراها، والإباحية قد شيدت وطائد رباها، وأبواب المفاسد المفتوحة، ودواعي الخلاعة مسروحة. فيندفعون في تياره ويضيعون فيه أوقات فراغهم حتى أوقات أشغالهم، ولكن الدكتور لم يضع أوقاته، بل كان يستغل حتى وقت فراغه فقد سعى فيه لخدمة الإسلام بتبليغه إلى العوام، إذ ألقى في غضون قيامه في إنجلترا ست محاضرات في الإسلام بين حشد الخاص والعام. وقد منح الله الدكتور العبقرية الشاملة وأسبغ عليه جميع مزايا النبوغ، فهو ناثر بليغ كما هو ناظم مطبوع، وكاتب بارع كما هو خطيب مصقع فكان لمحاضراته رنة بين الناس ووقع حسن في أوساط العلم والأدب

وإذا كان غاية ما يبتغيه الأستاذ من تلميذه ويتمنى له، لعكوفه على تعليمه ومكابدته في تهذيب نفسه وتنوير عقله، أن يبلغ منزلة في العلم والأدب، وأن يقوم بمهمته أتم قيام، وأن ينوب عنه أحسن مناب لا يشوبه خلل، ولا يعتريه أود ولا يخالطه وهن ولا أمْت. فقد بلغ

ص: 29

فيه صديقنا الدكتور إقبال حيث لم تبلغ الآمال والهمم، إذ الدكتور بذكائه المتوقد، وفكره الحاد، وحصافة رأيه، وطول باعه في العلوم والصناعات نال أجل مكان وأخص محل في أنظار جميع أساتذته فكانوا يتباهون به في السر والعلن، ويذكرونه فخراً في مسامرات الأدب وأندية العلم. وهذا هو الذي حفز أستاذه السر توماس آرنلد أن يفوض إليه القيام بأعمال وظيفته بجامعة كمبردج لستة أشهر عند غيابه عنها فخلفه الدكتور أستاذاً بالجامعة، وقام بالمهمة خير قيام تناقلته ألسنة المديح وناطه الذكر الجميل

رجع الدكتور من أوربا إلى الهند في سنة 1908 مزوداً بالعلوم والصناعات ومتأهباً لخدمة وطنه وأبناء دينه، فاستقبله حشد كبير من جميع الأجناس والطبقات والأديان والملل. وأقيمت في تكريمه مأدبة فاخرة ليلة وصوله إلى لاهور هنأه فيها أعيان البلد ورؤساء القوم بسلامة وصوله إلى وطنه، كما اعترف غير واحد من الشعراء والأدباء والعلماء والفضلاء بالقصائد والخطب فيها بعلمه وفضله. ومن ذلك الحين اختار الدكتور لنفسه الحياة الحرة ولم يقبل مناصب الحكومة لكي يجد مجالاً واسعاً لبحوثه العلمية، وميداناً أوسع لخدمة إخوانه ودينه. فبدأ يمارس مهنة الإرشاد القانوني للطالبين

والدكتور بنفسه رجل قنوع، نزيه، عزيز النفس؛ يقنع بالكفاف ويرضى بالميسور، كما عبر عن ذلك في بيت من ديوانه:(رسالة الشرق) قال:

ناز شهان نمى كشم

زخم كرم نمى خورم

درنكَراى هوس فريب

همت اين كَداى را

(أنا لا أتحمل دلال الملوك، ولا جرح الإحسان

يا من انخدعت بالطمع! انظر إلى همة هذا الفقير)

فقد رفض غير واحد من مناصب الحكومة التي قدمت إليه وآخرها منصب ممثل الحكومة الهندية لدى حكومة جنوب أفريقيا وهو منصب ذو مرتب باهظ وشرف عظيم

اشتغل الدكتور بعد رجوعه من أوربا في تصنيف ديوانين (أسرار خودي) و (رموز بيخودي) على الترتيب باللغة الفارسية. فنالا إعجاب الجميع من ذوي الفضل والعلم، وترجم الأول الدكتور نكلسن إلى الإنجليزية فذاع به صيت الدكتور في أوربا وأمريكا فمنحته الحكومة في سنة 1923 لقب (السير) اعترافاً بفضله في الشعر وطول باعه في

ص: 30

العلوم

وفي سنة 1926 أجبره أحبابه وأصدقاؤه وأهالي لاهور على أن يرشح نفسه لعضوية المجلس التشريعي في إقليم بنجاب. فلم يقبل أولاً. فلما ألحوا عليه كثيراً قبله. فانتخب عضواً بأكثرية ساحقة. فسعى الدكتور سعياً حثيثاً لتخفيف الضرائب الفادحة عن كاهل الفلاح الهندي، ولسن قانون العقاب لكل من يطعن في شارع الدين أو أحد رؤسائه من غير دينه هو، وقد سنّ فعلاً، ولتقرير غاية الإصلاح لإدمان الخمر عند الحكومة حرمتها التامة تنفذ في مدة خمس عشرة سنة. وفي سنة 1928 أثار الدكتور في مجلس بحثاً طريفاً استوقف الأنظار، وهو هل الأراضي من ملكية الحكومة أو ملكية الشعب؟ وفي سنة 1932 عند انتقاد ميزانية الحكومة أثبت بالدلائل الناطقة والشواهد الصادقة أن الأراضي ليست من ملكية الحكومة فلا يجوز للحكومة جمع المال بالضرائب الفادحة على أراضي الفلاح

وفي سنة 1931 انتخبه الحكومة عضواً في مجلس المائدة المستديرة المنعقدة في لندن لإصلاح الهند الدستوري فسافر إلى لندن وعند الرجوع لبى دعوة المؤتمر الإسلامي بالقدس وزار مصر أيضاً وألقى على طلبي منه محاضرة قيمة فلسفية دقيقة في جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة موضوعها (الإسلام كالتحول في التاريخ) باللغة الإنجليزية، ولكن من الأسف لم يقدر أحد من السامعين ولا من أركان إدارة الجمعية أن ينتقل تلك المحاضرة القيمة المفيدة إلى العربية للحاضرين أو يكتبها على الأقل وينشرها على صفحات الجرائد للإفادة

وفي أواخر سنة 1928 دعي الدكتور من قبل جمعية إسلامية ببلدة مدراس حاضرة إقليم جنوب الهند لإلقاء محاضرة في الإسلام، فلبى الدعوة، فلما وصل إلى مدراس احتفل به أهالي مدراس من جميع الأجناس والملل احتفالاً باهراً، وأقيمت في تكريمه مآدب كثيرة من قبل جمعيات مختلفة منها جمعية العلماء البراهمة وغيرها من جمعيات الوثنيين؛ ومن مدراس توجه الدكتور إلى حيدر آباد تلبية لدعوة صاحب السمو نظام حيدر آباد فمر بأمارة ميسور، وهي أمارة وثنية كبيرة في جنوب إمارة حيدر آباد، فلما وصل بنجلور بلدة من بلادها استقبله حشد كبير من الطلبة والعلماء والوجهاء، وكان بينهم رئيس الوزراء لأمارة ميسور أمين الملك ميرزا إسماعيل (وهو مسلم) فسافر معهم إلى بلدة ميسور حاضرة إمارة

ص: 31

ميسور، ونزل ضيفاً على الأمير الوثني مهراجا ميسور، وأقيمت في تكريمه مآدب كثيرة أهمها مأدبة جامعة ميسور التي خطب فيها الدكتور، وفي هذه المأدبة خطب عالم وثني كبير وهو أستاذ الفلسفة بالجامعة فقال:(إن المسلمين مهما قالوا إن الدكتور إقبال منهم، فان الحقيقة أنه منا جميعاً، هو ليس من ملك دين واحد أو جماعة واحدة، فان افتخر المسلمون بأنه من أبناء دينهم، فلسنا نحن الوثنيين بأقل فخراً منهم بأنه من أبناء وطننا الهند). ومن ميسور توجه الدكتور إلى حيدر آباد، فاستقبله جمع غفير من جميع الأجناس والملل، بينهم أركان الحكومة وأساتذة الجامعة وطلبتها وغيرهم من ذوي الجاه والشرف، وكان طلبة المدارس مصطفين في الشوارع والمحطة ويغنون بأصواتهم الشجية (نشيد المسلم) الذي صنفه الدكتور باللغة الأردية وأوله:

جين وعرب همارا، هندوستان همارا

مسلم هين هم وطن، هي سارا جهان همارا

(إن الصين والعرب لنا، (كما) أن الهند لنا

إننا المسلمون، فالعالم كله وطننا)

نزل الدكتور ضيفاً على سمو نظام حيدر آباد وحظي بالمثول في حضرة سموه، وألقى محاضرات عديدة بالجامعة العثمانية بحيدر آباد، ثم توجه من حيدر آباد إلى الجامعة الإسلامية بعلي قره تلبية لدعوتها، فألقى فيها أيضاً غير محاضرة؛ وجميع هذه المحاضرات التي ألقاها في مدراس، وحيدر آباد، وعلي قره، ست تحتوي على أعمق الأفكار وأدق المعاني، في فلسفة دين الإسلام، وقد سعى الدكتور فيها لتشكيل علم الكلام الجديد على ضوء الفلسفة الحديثة، وقد نشرت في شكل كتاب ونحن مستعدون أن نتحف قراء الرسالة بشيء منها لو تحملوا جفاف الفلسفة في جنب حلاوة الأدب

وفي سنة 1933 دعا الدكتور المغفور له جلالة الملك نادر شاه خان ملك أفغانستان مع عالمين كبيرين هنديين وهما الافوكاتو السيد راس مسعود رئيس الجامعة الإسلامية بعلي قره، وصديقي صاحب الفضيلة الشيخ السيد سليمان الندوي من كبار علماء الدين للاستشارة في تأسيس جامعة بكابل، وفي أمور تعليمية أخرى. فلبى الدكتور الدعوة، وفي هذا السفر صنف الدكتور ديوانه المسمى (مسافر) باللغة الفارسية

ص: 32

وفي سنة 1934 سافر الدكتور لزيارة البلاد الإسلامية في المغرب ولمشاهدة الآثار الإسلامية في الأندلس وصنف في هذا السفر ديوناً باللغة الأردية مسمى (بال جبريل) وفي أواخر نفس السنة دعي الدكتور إلى إنجلترا لإلقاء محاضرات في فلسفة الدين في سلسلة محاضرات هيبرت فلبى الدعوة

هذه هي ترجمة حياة الدكتور بالاختصار وموعدنا بالحديث عن شعره المقال الآتي إن شاء الله.

السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي

ص: 33

‌من بدائع شكسبير

حلم منتصف ليلة صيف

'

بقلم محمد رشاد رشدي

يحملنا جو القصة أجيالاً عديدة إلى الوراء حيث (ثيزيوس) دوق أثينا يعد قصره للاحتفال بقرانه بملكة الأمازون الساحرة. أما أسلوب القصة فهو ملئ بالصور الخلابة التي تشيع في الذهن جواً يشبه جو الحلم الغريب. كذلك تنشر أشخاص الجن التي ما تزال تظهر ثم تختفي في القصة روحاً غريبة نائية حالمة. . . . والحب - سيد خالقي الأحلام والخيالات - هو موضوع القصة. . . بيد أن ليس بالحب المداعب اللاهي تحمله السطور في خفة ورشاقة مقبلاً حيناً مدبراً حيناً آخر. بل هو حب قوي قاهر يبهر النظر والسمع ويأبى إلا أن تعبر عنه الاستعارة والمجاز واللغة الشعرية الحارة. تبعثه من الصدر مثلما تبعث ليلة مقمرة هادئة من ليالي الصيف شعر شاعر من صدره، أو زفرة عاشق من حنايا ضلوعه

(ليساندر) و (هرميا) يتفاقان على اللقاء:

ليساندر: في مساء الغد عندما تبصر (نيبي) طلعتها في البحيرة ناشرة على العشب الأخضر لباساً من اللؤلؤ السيال - في ذلك الوقت قد اتفقنا على أن نجتاز أبواب أثينا ونمضي هاربين

هرميا: وفي نفس الغابة حيث اعتدنا اللقاء، وحيث كنا أحياناً نرقد على العشب اللين الرخص ونشم أنفاس الزهر الوحشي. هناك يلقى أحدنا الآخر، أي ليساندر!

ويضل كل من العاشقين سبيله وينهكهما البحث والفكر فيرقد كل تحت شجرة من أشجار الغاب ويغلب عليهما النعاس فما يدريان من أمرهما شيئاً، ويأتي (بَكْ) رسول ملك الجان فيهصر في عيني الفتى زهرة من أزهار الغاب سحرية تغير قلبه حتى إنه إذا ما صحا من نومه وقع في حب أول امرأة يلقاها. . . وفي نفس الوقت يهيم في الغاب الفسيح (يمثريوس) عاشق (هرميا) المنبوذ منها تتبعه (هيلينا) التي ينبذها هو ولا يصغي لما تريد أن تصل أذنه من ألفاظ الحب والتوسل. بيد أن (بَكْ) سرعان ما يأتيه هو الآخر بالزهرة

ص: 34

السحرية فيغير قلبه، ويصبح فإذا به مدله في حب (هيلينا)، ويهيم العشاق في الغاب كل يبحث عن أليفه تارة متباطئاً وأخرى مسرعاً. تراقبهم من علٍ أشجار البلوط الشاهقة ويظلهم الليل في ردائه الهادئ. ونبسم نحن إذ نرى كيف يتغيرون. كيف يشكون وكيف يتدلهون - على أننا لا يسعنا إلا الاشتراك في كل ما يفعلون

هذه العاطفة هي حلم، غير أنه حلم يحركنا، فان الشاعر يلعب بالعواطف فيخلطها ويمزجها سوياً ثم يثنيها ثم يعود فيفصلها ويقيم كلا منها على حدة كأنما هي خليات رقصة جميلة، ونشاهد نحن الوجوه الغضة الوديعة تمر سريعة إلى جوار الشجيرات الخضراء وتحت أبصار النجوم اللامعة، تبللها حيناً دموع الشوق والألم ويشيع فيها حيناً آخر بريق الحب والأمل. . .

أولئك قوم قد وهبوا أنفسهم للحب خالصة لا يبغون من عطائهم هذا جزاء ولا مقصداً، وإنما هي هبة نقية خالصة لأنها موجهة لله لا للشيطان، وللحب الخالص لا لشهوات البدن

هي - في الحق - هبة للجمال الذي يخالج مشاعرهم ويملك عليهم حسهم وفكرهم - وإن مرآهم يألمون ثم يسعدون - يشكون ثم يفرحون، يطربهم التافه من الخير، ويعصف بهم خالج الفكر البسيط، تحنو عليهم بنات الغاب ساعة مداعبات، ثم تسخرن بهم ساعة أخرى لاهيات - لهو نوع من السحر المبين. . .

ونشاهد بين الحين والآخر جماعة من القرويين يتدربون على تمثيل قطعة مسرحية يحيون بها حفل زواج أميرهم (تينريوس) - أولئك قوم بسطاء يعيشون مثل كل أهل الريف يعيشون عيشة طبيعية بسيطة لا يشغل فكرهم خاطر ولا يعذبهم شك لاهين قانعين مؤمنين كل الأيمان بالحياة، بعيدين كل البعد عن بحثها والتأمل فيها. ويفزعهم مرآى رفيقهم (بوتوم) وقد أتاهم يحمل فوق عنقه رأس حمار فيصيح أحدهم:

(يا للشيطان! يا للغرابة! لقد زارنا إبليس

صلّوا أيها الرفاق - اهربوا أيها الرفاق - المعونة!)

كان هؤلاء رجالاً من المحتمل أن يكون شكسبير قد رأى وخبر أمثالهم في بلدته، لأن الدرامة لم تعد بعد مقصورة على بلاط الملوك والأمراء، بل عمت البلاد والقرى جميعها، وأصبحت وكأنها ضرورة من ضروريات العيش ومرفقاً من مرافق الحياة لا ينفصل عنها،

ص: 35

ولقد كان كل عيد من أعيادهم مهرجاناً عظيماً يشترك فيه الصغير والكبير ويتعاون على إقامته الجميع، إذ أن القوم في ذلك العهد كانوا يعشقون التمثيل ويجيدونه بالطبيعة، لأن الروح إذا ما كانت ناضجة ممتلئة فهي لا تميل إلى التعبير عن خواطرها بالأرقام والمنطق، بل تعمد إلى تصويرها فتقصها وتقلدها، تلك هي لغة الأطفال، لغة الفن والخلق والسرور

وفوق كل هؤلاء العشاق والممثلين البسطاء تلهو وترفرف بأجنحتها جماعة الجنّ وبنات الغاب. هم أيضاً يعشقون (فتيتانيا) ملكتهم التي تحب صبياً صغيراً أتت به من بلاد الهند، ويغار زوجها (أوبرُن) منه فيريد أن يبتاع الصبي منها على أنها لن تنيله ما يريد:

تيتانيا: لو اجتمعت الجن كلها لما استطاعت أن تبتاع مني هذا الصبي، كانت أمه من أتباعي ولكم جلسنا جنباً إلى جنب على رمال نبتون الصفراء في الليل الهادئ، تهب علينا نسمات الهند العطرة، نرقب السفن يحملها الفيضان فوق تياره سريعة تتسابق - وكم كنا نضحك عندما نرى الشراع وقد حملت وانتفخت منها البطون، وكانت الريح العابثة هي الزواج أو العاشق المسئول

ويتشاجر (أوبرن) مع زوجته فتهرع الجن خائفة إلى أكمام الزهر تختبئ فيها وتتخذ منها ملجأ يقيها غضب الملك والملكة

ويريد (أوبرن) أن يثأر لنفسه، فيرسل خادمه (بَكْ) يلمس بالزهرة السحرية أجفان زوجه، حتى إذا ما صحت أجمل بنات الغاب وأرشقهن من سباتها وجدت نفسها مدلهة بحب مخلوق عجيب له رأس حمار وجسم رجل، هو (بوتوم) القروي الممثل

وتركع الملكة أمام المريض المسحور، وتضع فوق كتفه المليء بالشعر إكليلا من الزهر النضر، ثم تنادي أتباعها وتخاطبهم:

(ترفقوا بهذا الرجل وأحسنوا مثواه، غنوا له وارقصوا أمامه كلما مشى خطوة، أطعموه المشمش، والعنب، والتين الأخضر والتفاح)

كان لزماً على (تيتانيا) أن تفعل هذا، لأن حبيبها كان ينهق نهيقاً فاحشاً، وكان إذا ما قدمت له الزهور والفاكهة هز رأسه في طلب الهشيم والبرسيم!

أهناك أعذب وأمر من سخرية شكسبير هذه؟ أي هزء بالحب، وأي حدب عليه! العاطفة في

ص: 36

نفسها نبيلة، بيد أن موضوعها تافه حقير، هي فراش ذهبي لكنه يطير في الوحل، فراش أعمى لا يدري أين يسير

وشكسبير إذ يصف كل آلامها يحتفظ أيضاً بكل ما هو حلو وجميل فيها

تيتانيا: تعال نجلس فوق هذا الزهر، دعني ألمس وجنتيك الجميلتين وأرشق الورد في رأسك الناعم، وأقبل أذنيك الطويلتين الحلوتين

لقد طمس الحب عيني ملكة الغاب فباتت ترى في صدغي الحمار جمالاً، وتلمس في رأسه نعومة، وتحس في أذنيه حلاوة وطراوة

وينقضي الليل، ويأتي الصباح فيبطل السحر ويزول، وتفيق (تيتانيا) إلى نفسها فتبدو لها ذكريات الأمس (مثل أشياء صغيرة يصعب تمييزها، فكأنها رؤوس جبال نائية يراها الإنسان عن بعد كالسحب الكثيفة قد تجمعت فوق الأفق)

هذه هي القصة، فهل لنا أن نناقشها جدياً مثلما نناقش (هملت) أو (عطيل)؟ هل لنا أن نفرض منطق الحياة على حوادثها وأسلوبها وأشخاصها، أو أن نبحث عن الجمال والانسجام في كيانها وتركيبها؟

لا، فنحن إن فعلنا ذلك بعدنا عن الروح التي يجب أن نتفهمها فيها

هذه القصة لا تصور الحياة بل تمثلها - هي تمثل الناحية الحلوة الناعمة السهلة الهادئة من العيش مثلما تصور قصة (لير) الناحية الأخرى العاصفة، المظلمة، المريرة، الموحشة

على أن الحياة ليست دائماً عاصفة موحشة؛ كما أن القبرة لا تنشد كل يوم ألماً ونحيباً، فهناك في حياة الرجال لحظات يحسون فيها بجسومهم، وأرواحهم، وقد رقت وصفت وارتفعت فأصبحت في صفاء نسمات الخريف تهب عند الأصيل، وفي هذه اللحظات يكفي أن يثلج أفئدتهم ويملأها طرباً وحبوراً أن يشاهدوا زهرة جميلة قد تفتحت أكمامها، وتلألأ على أوراقها ندى الشروق، وأن يحرك مشاعرهم ويملأها عطفاً ورقة وحناناً، مرأى كلب بائس ينبح ألماً ويتضور جوعاً

ذلك لأن في النفس حينذاك لحناً ونشيداً يعزف، فإذا كل ما بالعيش قد أصبح بهياً جميلاً، وإذا كل ما يدب على الأرض قد أمسى طيباً وديعاً كالحمل، ذلك أن بالروح موسيقى تسبغ الدفء والسلام والحب على كل شيء خارج الروح: موسيقى (أحلى من نغم الكروان،

ص: 37

يسمعه الراعي وقد ترعرع قمحه ومشى النضوج في سنابله)؛ فهل نترك تلك الأوقات السعيدة دون أن نسجلها

إن أكثر الواقعيين تطرفاً، وأشدهم تشاؤماً وانقباضاً لا يستطيع أن ينكر وجود أمثال تلك اللحظات، فان هو فعل فقد ترك إنتاجه ناقصاً مبتوراً ونفسه ضيقة يعوزها الاتساع والبسطة، على أن شكسبير الكامل لم يكن يستطيع أن يكون ناقصاً، فلم تكن تلك الأوقات النادرة لتمر دون أن يرقبها ويسجلها معاً

لقد سجلها الشاعر كما يجب أن تسجل - أعني أنه لم يصورها كما هي في الحياة - لم يرسم لنا أحلام الشباب نفسها، يحلمها وهو يقظان فتسعده وتزكي خياله، بل صور لنا عالماً جميلاً غريباً حتى إذا ما تعرفنا إليه ودخلناه أحسسنا نفس ما يحسه الشباب الحالم من سعادة ودفء وسلام، وكانت المشاعر التي تختلج بها نفوسنا حينذاك هي نفس المشاعر التي تنتجها هذه الأوقات السعيدة في حياة الرجال

أقول إن شكسبير كان واقعياً حتى في أحلامه وخيالاته وقد يبدو هذا القول غريباً، على أنه شرحه سهل بسيط؛ فكثير من الناس يحسب أن الفنان ساعة الخلق يقلد مظاهر الطبيعة نفسها ويصورها فان هو قلد - في زعم هؤلاء - شيئاً لا يراه الجميع في الطبيعة ويحسونه - كان تقليده خاطئاً وخلقه وهماً باطلا، وعندي أن هذا الرأي خاطئ من أساسه؛ فالحق أن الفنان لا يقلد مظاهر الطبيعة نفسها، بل يدرس ويقلد السبيل الذي تسلكه الطبيعة في خلق مظاهرها، وإنما هي الآلة المصورة التي تعنى بتصوير هذه المظاهر دون أن يهمها تقليد السبيل الخالقة وتصويرها. ومن هذا يكون الحكم على العمل الفني من حيث قربه من الواقع والحق لا يتعلق بمحتويات العمل نفسه بل بالإحساس الذي تنتجه هذه المحتويات على القارئ أو المشاهد أو المستمع

فشكسبير هنا لا يعطينا هذه اللحظات السعيدة في حياتنا نفسها بل ما قد تنتج هذه اللحظات أو ما يقرب منها

إن ما يعطينا الشاعر هو حلم حلمه ساعة منصف ليلة صيفية حيث يرق النسيم ويصفو، ويهدأ الفكر ويرتاح البدن، ذلك هو كائن دقيق يهيم وينتقل من حلم إلى حلم، له أجنحة فضية رقيقة تتكسر جميعها وتتلاشى إذا ما حاولنا أن نحبسه أسيراً في سجن العقل

ص: 38

والمنطق وأن نضيق الخناق عليه هناك. فليس من الواجب أن نخبر طبيعة هذا الكائن ولا أن نديم البحث في حقيقته بل ندعه يمضي أمام أبصارنا ترفرف فوقه أجنحة الجميلة، فيبهر منا البصر ويحملنا معه إلى عالم الأحلام من حيث أتى. وهل هناك أحلى من أن نترك حياة الحقيقة هذه وراءنا لحظة لنريح الفكر في حياة اللاحقيقة؟

لقد يسعدنا أن نتحرر من أسر المنطق الثقيل لنمضي ونحيا حياة المغامرة والغرابة والشعر حيث لا قيد ولا شرط - مثل هذه الحياة للعقل تريحه وتجدد نشاطه، وللنفس تنقيها وتنضجها، ولكننا يجب أن نصدق ما نراه لكي نستمتع هذه المتعة ونستريح هذه الراحة

نعم. إن بالقصة ما لا يمكن تصديقه وما لا يمكن وقوعه في الحياة، لكن عدم الإمكانية هذا هو الذي قد يمد العقل بالراحة والهدوء إذ أنه يجرد العواطف من حرارتها فلا يجعل المشاهد يتألم أو يشقى؛ فإذا ما جاءت اللحظة التي يقوى فيها إحساسه بالقصة ويشتد عطفه يذكر نفسه بأن الموضوع كله حلم وخيال فقط، فتهدأ نفسه ويبدأ يرى حوادثها مثل أشياء بعيدة نائية يكسوها البعد لباساً من الهواء أزرق شفافاً

ولكن أترى ينقص عدم الإمكانية هذا من قيمة القصة أو يحط من مغزاها؟ ثم ترى هل الحياة خالية كل الخلو من الجني المداعب (بك) ورفقائه؟

لا! إن بنات الغاب يعشن فوق أرضنا هذه من وقت لآخر مداعبات حيناً نفوس الشباب وقلوبه، حدبات حيناً آخر على عقول رجال الأعمال الجامدة وأفئدتهم الصلدة، وأحياناً مشفقات منشدات للفقير والمكلوم أناشيد الراحة والأمل، ونحن نخشى (بك) الساحر ولكنا لا نراه - نحسه يسير معنا في حياتنا، ونحس سحره الفعال كما صوره شكسبير بغير رؤوس الرجال: إلى رؤوس الحمير والبغال - بيد أن سحره قوي لا يقاوم مرغوب من الناس محبوب من الشعراء. . .

أحب أن أقول إنه برغم كل ما بهذه القصة من شذوذ وغرابة فإنها تطابق الحياة والواقع، ولا تقل في هذا عن قصة (لير) أو (هملت) - تطابق الحياة فقط في أن الإحساس الذي تنتجه في النفس هو إحساس صادق حقيقي كثيراً ما نحسه في حياتنا، العادية ونحتاج إليه، ولو أن ما بالقصة نفسها يختلف عن الحياة وذلك نوع من أنواع الخلق الفني النادر، ومثل من أمثلة الفن الإيعازي الذي ما أحسب أحداً غير شكسبير يستطيعه بسهولة ووضوح

ص: 39

لقد نحلم أحياناً عند ما نسمع لحناً شجياً أو نرى وجهاً بهياً. بيد أن الشاعر هنا يدعونا لأن نحلم عندما نقرأ شعره. فهل نرفض الدعوة؟ إن الحلم الهادئ الجميل نادر في هذا العيش، وإن الإحساس بالراحة والطمأنينة وحلاوة الحياة الذي يعقب الحلم ويقطن النفس بعد رحيله عنها أندر من الحلم نفسه وأثمن. . .

فلزم علينا إذن أن نقبل دعوة الشاعر، وأن نقبلها فرحين شاكرين

محمد رشاد رشدي

بكالوريوس بامتياز في الأدب الإنجليزي

ص: 40

‌10 - شاعرنا العالمي

أبو العتاهية

للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

حماقاته: روى صاحب الأغاني عن الحسن بن علي قال: حدثنا محمد أبن القاسم قال: حدثني إسماعيل بن عبد الله الكوفي قال: حدثني عمروس صاحب الطعام، وكان جار أبي العتاهية قال: كان أبو العتاهية من أقل الناس معرفة، سمعت بشراً المريسي يقول له: يا أبا إسحاق لا تصل خلف فلان جارك وإمام مسجدكم فانه مشبه، قال: كلا إنه قرأ بنا البارحة في الصلاة (قل هو الله أحد)، وإذا هو يظن أن المشبه لا يقرأ قل هو الله أحد

وقد ذكرنا عن مخارق فيما سبق ما جرى لأبي العتاهية معه حينما دعاه فغناه وشرب معه ثم أمر غلامه فكسر كل ما بين أيديهم من النبيذ وآلته والملاهي، قال مخارق: فظننت أنها بعض حماقاته، فانصرفت وما لقيته زماناً، ثم تشوقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فإذا هو قد أخذ قوصرتين وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها، وأقامها مقام القميص، وثقب أخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل، فلما رأيته نسيت كل ما كان عندي من الغم عليه والوحشة لعشرته، وضحكت والله ضحكاً ما ضحكت مثله قط، فقال: من أي شيء تضحك؟ فقلت: أسخن الله عينك هذا أي شيء هو؟ من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء والزهاد والصحابة والمجانين؟ انزع عنك هذا يا سخين العين، فكأنه استحيا مني؛ ثم بلغني أنه جلس حجاماً، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره، ثم مرض فبلغني أنه اشتهى أن أغنيه، فأتيته عائداً، فخرج إلي رسوله يقول: إن دخلت إلي جددت لي حزناً، وتاقت نفسي من سماعك إلى ما قد غلبتها عليه، وأنا أستودعك الله وأعتذر إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به

وذكر بشر بن المعتمر أنه قال يوماً لأبي العتاهية: بلغني أنك لما نسكت جلست تحجم اليتامى والفقراء للسبيل، أكذلك كان؟ قال: نعم، قال له: فما أردت بذلك؟ قال: أردت أن أضع نفسي حسبما رفعتني الدنيا ليسقط عنها الكبر، وأكتسب بما فعلته الثواب، وكنت أحجم اليتامى والفقراء خاصة، فقال له بشر: دعني من تذليل نفسك بالحجامة، فانه ليس بحجة لك أن تؤديها وتصلحها بما لعلك تفسد به أمر غيرك، أحب أن تخبرني هل كنت

ص: 41

تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحجمه إلى إخراج الدم؟ قال: لا، قال: هل كنت تعرف مقدار ما يحتاج كل واحد منهم إلى أن يخرجه على قدر طبعه مما إذا زادت فيه أو نقصة منه ضر المحجوم؟ قال: لا، قال: فما أراك إلا أردت أن تتعلم الحجامة على أقفاء اليتامى والمساكين

قالوا وإنه من أجل هذا وأشباهه غلب عليه هذا اللقب (أبو العتاهية) وقد أخبر ميمون بن هارون عن بعض مشايخه قال: كني بأبي العتاهية أن كان يحب الشهرة والمجون والتعته. وأخبر محمد بن موسى بن حماد قال: قال المهدي يوماً لأبي العتاهية أنت إنسان متحذلق معته، فاستوت له من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه وكنيته وسارت له في الناس، قال: ويقال للرجل المتحذلق عتاهية، كما يقال للرجل الطويل شناجية، ويقال أبو عتاهية بإسقاط الألف واللام

ومن المحتمل عندي أن يكون تلقيته بذلك من أجل ابنه عتاهية الذي روينا عنه فيما سبق بعض أخبار أبيه، وأن تلك الأمور التي نسب إليه من أجلها هذا الحمق كان يتحامق بها لأغراض له فيها، وقد تحمل الأغراض بعض ذوي العقول على هذا التحامق فلا يكون لهم منه بد، كما قال الشافعي رحمه الله وقد جرى بينه وبين بعض من صحبه مجانة:

وأنزلني طولُ النوى دارَ غربة

إذا شئت لاقيتُ امرأ لا أشاكلهْ

أحامقه حتى يقال سجية

ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

ويمكن أن يكون من تلك الأغراض التي حملت أبا العتاهية على ذلك اتقاء ما كان يدبر له من ضروب الكيد، ومحاولة الإيقاع به، وأخذه بتهمة الزندقة وما إليها، فان ظهوره بهذا المظهر يهون من أمره، ويجعله امرأ لا يخاف شره

ويؤيد هذا ما رواه أبو الفرج قال: أخبرني محمد بن الصولي قال: حدثنا أبو ذكوان قال: حدثنا العباس بن رستم قال: كان حمدويه صاحب الزنادقة قد أراد أن يأخذ أبا العتاهية ففزع من ذلك وقعد حجاماً

وإذا كان خوفه من حمدويه هو الذي حمله على أن يحترف هذه الحرفة التي ليست من شأنه، لا ما تظاهر به من إرادة تذليل نفسه، فيمكننا أن نحمل على ذلك كل تلك الحماقات التي تؤثر عنه، ونخرجها على ذلك التحامق الذي يقصد به مداراة أهل الظلم والحمق

ص: 42

وقد كان أبو العتاهية يعتمد في هذه الحياة المضطربة التي عاش فيها على ضروب من الحيلة كان يجيد تمثيلها، ولولاها لطاحت رقبته فيمن طاحت رقابهم ممن لم تساعفهم الحيلة في تلك البيئة، ولأبي العتاهية في ذلك نوادر لطيفة كان يتوصل بها إلى ما يعجز عنه غيره، ويحوز بها القبول لدى أرباب الحل والعقد في عصره من رجاله ونسائه، ولنختم هذا الفصل بتلك النادرة الظريفة من نوادره

ذكر أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي أن أبا العتاهية لما ألح في أمر عتبة لأول دخوله بغداد ولم ينل منها شيئاً، وجدها يوماً قد جلست في أصحاب الجوهر، فمضى فلبس ثياب راهب، ودفع ثيابه إلى إنسان كان معه، وسأل عن رجل كبير من أهل السوق، فدل على شيخ صائغ، فجاء إليه فقال: إني قد رغبت في الإسلام على يدي هذه المرأة، فقام معه وجمع جماعة من أهل السوق وجاءها فقال: إن الله قد ساق إليك أجراً، هذا راهب قد رغب في الإسلام على يديك، فقالت هاتوه، فدنا منها فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، وقطع الزنار ودنا فقبل يدها، فلما فعل ذلك رفعت البرنس فعرفته، فقالت نَحُّوهُ لعنه الله، فقالوا لا تلعنيه فقد أسلم، فقالت إنما فعلت ذلك لقذره، فعرضوا عليه كسوة فقال ليس لي حاجة إلى هذه، وإنما أردت أن أشرف بولائها، فالحمد الله الذي من علي بحضوركم، وجلس فجعلوا يعلمونه الحمد وصلى معهم العصر، وهو في ذاك بين يديها ينظر إليها لا تقدر له على حيلة

عبد المتعال الصعيدي

ص: 43

‌أسطورة يونانية (اورفيوس وبوريديس)

الألم

(مهداة إلى شاعر يتألم: إلى الصديق محمد الفراتي)

للأستاذ خليل هنداوي

(أعيدوه إلى أرض الحياة وحده! إن عوده سيسكت إذا عادت معه، وان قيثارة الأرض ستنقص وتراً، إني أريده يغني فلا تعطوها له. نحن في السماء كما على الأرض نتلذذ بالآلام المولدة)

قد أَطرَبَ الطيرَ بأَنغامِه

وسهَّدَ الوحشَ بألحانِهِ

يغيبُ عن إحساسهِ ذاهلاً

منتقلاً في غير أوطانه

يشكو إلى القيثارِ أشجانَه

فيملاُّ الكونَ بأشجانِهِ

سكرانُ! لا يُدرك ما مسَّه

نشوانُ! لا يَخرجُ من حانِه

البحر والأمواجُ تصغي له

والليلُ إن أَسبلَ أستارَه

يأوى إلى عزلتِه حائراً

يُذيعُ في العزلةِ أسرارَه

ما باله يُعول قيثارُه

فحطموا الليلةَ قيثارَه

هو الهوى امتدَّ إلى قلبه

وأضرمَ الحبُّ به نارَه

وهذهِ من أيقظَتْ روحَه

تسرَحُ في الغابةِ كالحالمه

خاليةُ القلبِ، تلاقي الفتى

معرضةً عن حِّبه، واجمه

لا تفهمُ اليومَ نداء الهوى

لا توقظوها! إنها نائمه

يا هائماً قد لجَّ منه الجوى=إنهَدْ إلى غانيةٍ هائمه. . .

سيفُتح القيثارُ من نفسِها

ما تعجِزُ الأزهارُ عن فتحِه

ويفتحُ الألحانُ محزونُها

جرحا بها أعمقَ مِن جرحهِ

وينقلُ النَّغمُ إلى سمعِها

ما راحَ يشكو الصبُّ من برحهِ

لا تُنزِلي الرأفة في قلبها!

فانما الإبداعُ في نوحهِ. . .

طفا على الكون سكونُ الدجى

وقد غفا غيرُ عيونٍ الزهرْ

ص: 44

وخفَّ في الأجواءِ عبقُ الشذا

ونامتِ الأكوانُ إلا القَدَرْ

هبَّا إلى الرقص يُحيَّيهما

في صفحةِ المشرقِ ضوءُ القمر

من يُنبئ الإلفينِ أن القضا

مُبدِّلٌ صفوَهما بالكدر؟

تسلَّل الصلُّ إلى جسمِها

بوخزةٍ من وَخَزاتِ المنونْ

فلم يكن في عمرها فسحةٌ

فخاطَبتْ محبوبَها بالسكونْ

يا ليلةً ضلَّتْ مسراتُها!

وما اهتدَتْ إلا عيونُ الشجونْ!

زَفوا عروسَ الموتِ يا ويلتا!

للموتِ، ما تُغني فتاها الشئون

استنطَقَ القيثارَ لكنما

قيثارُه المحزونُ لا يُسعدُ

سعى إلى وادي الردى ذاهلاً

لكي يناجي روحَ من يعبُد

أصغى إليه الموتُ في فترةٍ

فجاَءه يسألُ ما يقصدُ؟

فقال: والقيثارُ في شجوِه

لي عندكم محبوبةٌ ترقدُ

يأيها النادي إلى عالمٍ!

داخلُه المفقودُ لا يرجعٌ

ليس شفيعٌ للذي جاَءنا

بمهجةٍ محزونةٍ يشفعُ

أجابَ عندي لكَ أغنيةٌ

أنشدَها قلبي، فهل تسمعُ؟

ثم انبرى يَنفُثُ من حزنهِ

ما تنهمي حزناً له الأدمعُ

رقت له زوجُ الردى فانثنت

تستعطفُ الموتَ على من نزلْ

قالت له: عطفاً على هائمٍ

ليس له من بعدها من أملْ. . .

أرجع إليه من سَبت عقله

نوَّارةَ الوادي، ونورَ المقل

قد أرعنَ الوادي برناته

ألم يُلن قلبك هذا الغَزَلْ؟

قال له الموتُ وقد راقُه

ورق، والقلبُ أسيرُ النغمْ

أُخرج من الوادي، ولا تلتفت!

إني معيدٌ خلقها من عَدَمْ

فحطَّمَ القيثارَ من بشرِه

وخفَّ جذلانَ، سريعَ القدمْ

يسبق من تسري بأعراقها الروحُ وتهتزُّ اهتزَازَ النَّسَمْ

مشى وئيداً مرهفاً سمعه

لعله يُصغِي إلى جرسها

أصغى إلى الأزهار من حولهِ

أصغى، فلم يسمع سوى همسها

ص: 45

الزهرُ والأعشابُ في يقظةٍ

كأنها تمشي إلى عرسِها

أَوَقْعُها أَلينْ من وقعِها؟

أم حُّسها أرفقُ من حسِّها؟

رنا إلى خلفُ على رقبةٍ

وقد عراه الشكُّ من عودِها

إن لم تعد حيةً فلأَعد!

إنَّ الردى أهونُ من فقدِها

فأبصَرَ الغادةَ شفافةً

كشعلةٍ تَسطعُ من وقدِها

ولمعةُ الأحلاِم في عينهِا

وجذوةُ الأشواقِ في خدِّها

تقابلا! لكنَّ صوتَ الردى

صاحَ، فحالَت كُتلةً من ترابْ

فلم يعانِقْ غير أحلامِه

ولم يُشارِفْ غيرَ لمعِ السرابْ

وهاتفٍ صاح به: يا فتى

عُدْ للهوى الباكي، وعُدْ للعذابْ

واحمل بقايا العود، لا تمتهِلْ

حَرَقْتَهَا: ليس لها من إيابْ

غداً إذا آبَ وآلامهُ

هادئةٌ، يسكُتُ قيثارُه

غذوه بالآلام لا ترأَفوا

تَرِنُّ بالآلام أوتارُه

لا تقتلوا الأشجانَ في نفسِه

تفيضُ بالأشجانِ أشعارُه

لولا الذي تسكُبُه يا ندى!

ما ضحِكَتْ في الروضِ أزهارُه

لنا بآلامِ الورى لذةٌ

وبالنَّدَى يُشرِقُ لونُ الزهَرْ

نريدُه يشدو لنا فليعدْ!

حليفُه الهمُّ وطولُ الضجرْ

نريده يشدو فلا تَقطعوا

من مِعزَف الألحانِ هذا الوترْ

قد يَطرَبُ اللهُ وأملاكُه

لنكبةٍ تُنطِق قلبَ البشرْ

لِلأرضِ من قلب الفتى مِزقةٌ

ومزقةٌ يرفعها للسماءْ

فوزعِ القلبَ على أهلهِ

وامنحْ من الآلاِم معنى الهناءْ

خُلقتَ هتافاً فلا تبتئسْ=هل نتاجُ الطيرِ إلا غناءْ؟

إن تَبقَ منه بضعةٌ فلتكنْ=هديةً مشكورةً للفناءْ. . .

دمشق

خليل هنداوي

ص: 46

‌ظمأ على ظمأ

بقلم فريد عين شوكه

ظمأ على ظمأ وليس لمهجتي

رِيٌّ سواك يَبُلُّ حَرَّ ظِمائي

يا مهد أحلامي ومُتعة خاطري

ومناط آمالي وفيض رجائي

أنت الحياة ولا أزيدك بعدها

وصفا، فذلك منتهى إيفائي

كم ذا تشعُّ بخاطري فأغيب عن

صحبي ولا أصغي إلى خلصائي

وأظل أسبح في هواك وألتقي

بك في الخيال وأنت عنيَ نائي

وأراٍجع العهد الحبيب المشتهَى

فلعل في ذكراه بعض عزائي

والصحب من حولي عيون تجتلى

حالي وتلحظني على استحياء

حتى إذا جمح الحنين ولج في

خلدي وألهب بالأسى أحشائي

مدُّوا إليَّ عيونهم وتساءلوا

عما يغُول بشاشتي وصفائي

فأحار ثم أجيب غيرَ موفَّق

مع وفرة الأعذار في حوبائي

يا غائباً عن ناظريّ وليس في

قلبي سواه يرِفُّ بين دمائي

كم أشتهي برح الضنى لتعودني

وأراك رأي العين في جلسائي

يا مستريح البال من عبث الهوى

لو كنت تعلم في نواك شقائي

الفرقة الهوجاء قد رانت على

كبدي فيا للفرقة الهوجاء

شتان ما بيني وبينك في النوى

كالبعد بين قراراتي وسمائي

ما أبعد الحالين! أنت منعَّم

غافي العيون على رضىً وهناء

تسعى لك الدنيا وتحتشد المنى

للقاك كل صبيحة ومساء

وتعيش في وادي الهوى متفيئاً

أندى الظلال وأكرم الأفياء

وأنا، وقاك الله من سَرَف الجوى

وكفاك ما ألقى من الأعباء!

وأنا - كما تدري - أهيم بمهمه

قفر الجوانب موحش الأرجاء

حَرَّانُ تلفحني الهواجر باللظى

حتى تذيب عزيمتي ومضائي

ظمآن أستسقي الغمام وإنه

ليضن أن يهمى بقطرة ماء

حيران ما أرتاح لحظ بصيرة

حتى أعاف إقامتي وثوائي

ص: 48

وا لوعة المهجور في وادي النوى

مما يساوره من البرحاء

يا جنة السلوان، ناءت عزمتي

من فادح الذكرى وخار بنائي

فمتى أفيء إلى ذَراك وأستقي

بَرْد العزاء ونشوة التأساء

فريد عين شوكه

ص: 49

‌فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

18 -

تطور الحركة الفلسفة في ألمانيا

فريدريك نيتشه

للأستاذ خليل هنداوي

الآن تبين لنيتشه أن هاوية سحيقة تفصل بينه وبين شوبنهاور وفاجنر، وقد تقبل مذهب التشاؤم من قبل ليتخذه سلاحاً يصرع به التفاؤل الخادع، وقد بدا له أن نقد الوجود نقداً مصحوباً بالتشاؤم هو من واجب كل نفس خالصة، ولكنه لم يتقبل تلك النتائج السلبية التي استخلصها شوبنهاور من نظراته، ولم يتقبل العدم وسلب الحياة كغاية منشودة في الوجود. ولكن هذا المذهب العدمي الذي يستسر فيه الخطر، قد لا يكاد يقل مذهب التفاؤل المطلق عنه خطراً، فان جيلنا إذا نمت فيه الروح الراضية القانعة والذات الخانعة، كان هذا منه علامة الوهن والضعف والانحطاط. تنشأ في جيل تعب من الحياة وتصدع من الألم، ويرتاح إلى الراحة المتمثلة في العدم، وهكذا بدرت لنيتشه مسألة جديدة شغلته طيلة حياته. . . ما هو منشأ هذا الانحطاط الحديث؟ ما هي العلامات التي ساعدت على نشره. وما هو داء العدمية؟ وما هو دواؤه؟ ولم يكد يبلغ هذه النقطة حتى وجد أن حكمه على ذينك المعلمين قد تحول من الكل إلى الكل. وإذا برفيقيه اللذين كانا عدته في مكافحة التفاؤل يغدوان خصمين عنيفين له تثقل عداوتهما عليه وعلى المجتمع. وأدرك في النهاية أن ثباته على صداقتهما فيه خطر عليه كبير، فإذا لم يبرأ من هذه الصداقة ويخلص من تأثيرها ومرضها فانه لن يتاح له أن يقف أمام نفسه واعياً همسها فاهماً نجواها لابساً لباسها، ولن يتاح له أن يأتي الناس بإنسانه الكامل الذي أوحته إليه تعاليمه الجبارة فيما درس من عبقريات اليونان، فنفض عنه هذه الزخارف الصبيانية التي يتحلى بها أسلوب (فاجنر) ووجد فيه ذلك الدليل الأمين الذي ينفع المفكر الذي يبغي أن يدرس هذه النفس وينحدر إلى أعماقها. فهو اعتنق مذهب (فاجنر) بادئ ذي بدء ليصل إلى هذه النفس. والآن يحاول أن ينجو من حبائل هذا الساحر. (إن ما يشغلني الآن هو الشقاء. . . لم يكن (فاجنر) إلا علة من عللي). . على أن الأندية الأدبية قد ارتاعت لهذا الانقلاب وهذه المفاجأة. وأجمعت كلها

ص: 50

الحملة على نيتشه العقوق الذي رأت فيه الناكث للعهود. وأخذت الأندية تبعث بتآويل شتى لمعنى هذه الانفصال. وكلها أزمعت القول بأن نيتشه كان في الحالة الأولى خير من تفهم (فاجنر) ووقف على دقائق مذهبه، وكان تحليله الأول له خير ما أخرجه ناقد محلل عن هذا الفنان. وعللت بأن ما عراه من مرضه العقلي الذي ساقه إلى قطع علاقاته مع المجتمع، هو الذي ساقه إلى التنكر لأصدقائه، ولكن هذا التعليل تعليل فاسد يفسد على الرجل كل فلسفة، وهو الذي كتب نظراته وأعطى مذهبه حراً مفكراً مختاراً. لم يكن مجنوناً ولا مخبولاً يوم طعن (فاجنر) ونال من مذهبه. أما أصدقاء نيتشه فهم يعزون ذلك إلى انخداع نيتشه بهذا الفنان. وهنالك آراء تقاربت تجئ طوراً مع نيتشه وتارة عليه. أما الذين يمقتونه فهم ينقمون منه هذه الشخصية أو هذه الأنانية التي قادته إلى نكران الصداقة، زاعمين أن شخصية نيتشه لا تود أن ترى ظلاً لشخصية غيرها، وشخصية نيتشه في الحقيقة شخصية ذاتية قوية، لأن الرجل يرى أن الشخصية هي كل شيء، يضحي في سبيلها بكل شيء ولا يضحي بها في سبيل أي شيء. فوجد نيتشه أن شخصيته تكاد تفنى في شخصية (فاجنر) وهو الذي التصق به واتصل لمجرد الوصول إلى نفسه وتفهمها. ولم يجعل منه رسولاً هادياً ولا مثلاً سامياً. . وهكذا أخذت هذه الشخصية الغالبة تضيق عليه ويضيق بها، وتخفي صوته الحقيقي، فليضح بكل شيء في سبيل ذاته. ولعل نيتشه أدرك أن القوم سيختلفون في تعليل هذا الانقلاب فكتب هذه الرسالة التي تنطوي على صفاته ولون تفكيره. (كنا صديقين غريبين. . . . . كنا كمركبين. كلاهما له غايته وله سبيله. . . . قد نتلاقى ونرفع أعلام اللقاء كما فعلنا. . . وفي هذه اللحظة ذاتها قد رسا المركبان في مرفأ واحد، يغمرهما شعاع واحد، كأنهما مقدمان على هدفهما، وكأن هذا الهدف واحد عندهما، ولكن الضرورة التي لا تُدفع قد تقذف بمركبينا قذفة جديدة نحو بحار مختلفة وأنواء متباينة. وقد نتراءى ولكن لا نتلاقى. كم لوحتنا الشمس والأمواج! نظل غريبين لأن الشريعة الغالبة تريد ذلك. . ولكن صداقتنا القديمة تبقى شيئاً قدسياً. . . وهكذا نريد أن نؤمن بصداقتنا (في النجوم) حتى في العهد الذي يجب أن نكون فيه خصمين علٍى الأرض)

أليس في هذه الكلمة ما يجعل نيتشه بريئاً شريفاً بازاء خصميه وأنصار خصميه؟

نيتشه الفيلسوف!

ص: 51

- 1 -

لم تكن نهاية عمر نيتشه إلا معركة متصلة الأسباب، يشنها صاحبها على الداء الذي خامره، يصرعه حيناً وحيناً يصرعه. وهو خلال ذلك يطول صراعه ويمتد نزاعه، يحول الداء بينه وبين إتمام عمله الذي تصدى له، ولا يشعر بالمجد الذي صار يركض إليه في أصقاع العالم

هذه الفلسفة الغريبة الشاذة قد شك عند مناقشتها النقاد الذين لم تتسع لها عقولهم، فقالوا عنها: إنها فلسفة طائشة جاء بها مجنون، قد تمخض بها الجنون فناً من قبل! وهؤلاء قد ظلموا الرجل ميتاً كما ظلمته الطبيعة حياً، على أن شذوذ هذه الفلسفة لا يدعو إلى حسبانها فلسفة مجنونة، فقد كتبها صاحبها واعياً وغالب بها ألمه قبل أن يستحيل إلى جنون، ومهما ذهب النقاد في تعليل جنون نيتشه: أهو جنون اكتسابي أم وراثي، فان الرجل قد استطاع بما أوتي من عبقرية سامية أن يحدث في صفحة الحياة أمواجاً عنيفة بالحجر الذي ألقاه. وبهذا لا ينبغي لنا أن نعتقد أن الجنون أثر في آثاره وهو الذي دل على وعي خارق في أحدِّ نوباته وأعنف آلامه

- 2 -

أراد نيتشه آلامه، وعمل على تحملها غير مستثقل ولا مستضعف، يحولها إلى الحاجة التي يريدها ويستخلص منها ما يلائم حياته. فإذا لم يكن هذا الرجل جديراً بالرأفة والشفقة لأنه لا يريدهما؛ فهو جدير بالاحترام. والبطل يحترم مستلئماً ومكفَّناً

أول نعمة احتسبها للألم أنه أنقذه من مهنة التعليم ودراسة اللغات المندثرة، إذ أخذ يحس أن هذه المهنة برغم شرفها لا تتلاءم والغرض الذي تتوق إليه روحه. فهو فيلسوف قبل أن يكون عالماً بدراسة اللغات. وأخذ يشعر بأن وفاءه لهذه المهنة دفعه إلى قتل أزهى أيامه وتعطيل دراساته، فما أثقل اليوم على ظهره هذه الأعباء! فجاء الداء وأجبره على تحطيم كل حلقة تربطه بالماضي الذي أصبح يعده غريباً عنه وهو منه. جاء فبدل حياته بحياة ثانية تختلف مظاهرها، وألقاه في عزلة عميقة لا يقر فيها إلا إلى نفسه لأنها حرمت عليه الانكباب على المطالعة والانصراف إلى الدرس. فهو اليوم وحيد مع نفسه، أمام نفسه. يسمع نداء من كان في أذنه وقر عنها. فرحت اليوم نفسه بعودته إليها، بأوبته إلى العزلة

ص: 52

والراحة الخالدة: هذه النفس التي كادت تقتلها الحادثات وتطغي عليها جبلة المجتمع قد نفضت عنها الأكفان ورفعت صوتها الرنان (ما تذوق يوماً من السعادة ما تذوقه خلال أيام دائه لأنه عاد إلى نفسه. وهذه العودة إليها كانت شفاءه. وهذا الشفاء يتلوه شفاءه المادي)

على أن الداء لم يزد نيتشه إلا احترازاً في النظر إلى مسائل الكون والحياة، وهو عاكف على التطلع إلى هذه المبادئ الفلسفية، ولكن يراها بمجموعها جملة مبادئ هي حقائق بعينها؛ اطلع إليها كأنها ابنة طبع مبدع وشخصية مبدعة، ومما ينبغي أن ينظر إليه بعين الاعتبار مسألة تأثير الصحة والسقم في العقل البشري، فإذا تألم جسدنا - وهو العقل الأكبر - فالعقل الصغير لابد متأثر بما نزل بالعقل الكبير، وإذ ذاك يسأل السائل: هل هذا المذهب علامة من علامات صحة صاحبه أو انحطاطه؟ وقد أيقن نيتشه بأن السقم زاده احتراساً وانتباهاً من سلطة الأخلية والأوهام التي تتولد عادة عند من راقت لهم صفحة الحياة وبهجة الدنيا (بلى! إنني أدرك أن الألم لا يحمل الإنسان إلى المقام الأحسن، ولكن الألم ينحدر بنا إلى أعماقنا!)

والإنسان الذي يريد أن يناضل ما ينتابه من قلق جسماني متسيطر ينبغي له أن يفرض على نفسه قوة يقهر بها نفسه، تخرج منها إرادته المتمرنة ظافرة كما يصنع الهندي المستسلم لألوان من العذاب، أو أن يستسلم لزهد مطلق واعتزال كامل وهجر للإرادة، والإنسان الذي يتمكن من هذا الامتحان يقضيه من غير ضعف، يتعلم منه أن يتأمل مسائل الحياة بوضوح وجلاء، لا يخدعه عن حقيقتها شيء؛ فهو يأبى أن تصرفه عن حقيقة الوجود هذه التشابيه والخزعبلات المغرية، وكأن دافعاً للانتقام والثأر من الحياة يتحرك في طوايا نفسه، يريد أن يستبدل بها آلاماً تتولد له حين يقابلها وجها لوجه يميط عن وجهها النقاب. وينزع كل زينة خادعة تتبرج بها لإغواء الناس؛ وهو إذا أحب الحياة بعد ذلك فانه يحبها كالعاشق الغيور المتحرز، حبك لامرأة خدعتك وأصبحت مثار الشك عندك

يلاحظ نيتشه أن الألم هو الذي جعله متفائلاً، والسقم قد علمه ما يبلغ تأثير الانحطاط الجسماني في عقل المفكر، ولاحظ به كيف يسعى الألم إلى قهر عزة النفس العقل الفلسفي ورد هذه العزة ضعفا وذلة وحزناً وكآبة. وأدرك ما هي المواضيع والزوايا السماوية التي يلجأ إليها عقل المرضى والمنحطين سعياً وراء ما يخفف عنهم من فاقتهم وكآبتهم. وأدرك

ص: 53

بعد هذا كله أن كل فلسفة تضع السلم فوق الحرب، وكل فضيلة تعطي للسعادة تحديداً سلبياً، وكل علم من علوم ما وراء الطبيعة يرى أن في مراحل الاعتدال والراحة التامة والأمل الديني في عالم خير من هذا العالم، وفي برزخ غير هذا البرزخ، يرى في هذا كله حداً للرفعة والسمو؛ إن هذه الفلسفة مهما كانت مظاهرها فهي تحمل طابع الفساد والانحطاط؛ وآمن بأنه فهم أن كل هذه المذاهب الداعية إلى التشاؤم والركون المطلق تدل على أن أصحابها الواضعيها كانوا في حالة مرض عضوي؛ ولما أراد هذا المريض أن يشفى ركن إلى التفاؤل؛ وقد نفعته أيام البلاء بالوقوف على أسباب التشاؤم، فانصب على الداء بكل ما يحوي جسده ونفسه من عزم، يقاومه في معركة لا هوادة فيها ولا رحمة، وبقوة روحه قد انتصر في عالمي جسده ونفسه؛ عاد متفائلاً، وعادت إليه العافية، (ألا إنني اكتشفتُ حياة جديدة؛ اكتشفتُ نفسي. إنني قد جرعتُ الأشياء الكبيرة كما رشفت الصغيرة منها، وجعلتُ من رغبتي في الشفاء والحياة كل فلسفتي، حذار جميعاً؛ إن الأعوام التي انحطت فيها حيويتي، هي الأعوام التي طلقتُ فيها تشاؤمي، وغريزة الوقاية هي التي صرفت عني فلسفة اليأس والفاقة)

(يتبع)

خليل هنداوي

ص: 54

‌القصص

صور من هوميروس

3 -

حروب طَرْوَادَة

إلى أسبارطه!

للأستاذ دريني خشبة

- (سمعت يا أبي قصة أختك المعذبة (هسيونيه) إذ أنا أرعى الشاه والبهم، فكان قلبي ينفطر أسى، كيف يسكت شعب عظيم كشعب طروادة على إهانة تصيبه في الصميم من شرفه، وعار ليس أيسر من دفعه، لكنه يغضي عليه، وينام عنه، كأن العزة القومية عند أهل هذا البلد ليست إلا أسطورة قديمة، أو حلماً لا يدور لهم بخلد!؟)

- (حسبك يا باريس! حسبك يا بني! إنها محنةٌ كتبت على طروادة،، صنعها جدك بيديه!)

- (جدي؟)

- (أجل! جدك. . . أبي. . . أبي لا يوميدون! هو الذي نكث بعهده لبطل الأبطال هرقل. . . الرجل العظيم الذي أنقذ هسيونيه من براثن هذا الوحش البحري الهائل. . . الوحش الذي فتك بعذارى طروادة. . . لقد أعلن أبي أن من يقتل هذا التنين فانه يتزوج هسيونيه. ولما قتله هرقل العظيم. . .

- (رفض والدك أن يزوجها منه!)

- (هو ذاك!)

- (لم أسمع بهذا من قبل. . . ولكن كيف سمحتم لهرقل وملئِه أن يستبيحوا طروادة ويذهبوا ببعض الأعزاء من أفراد البيت الملكي!

- (كنت طفلاً. . . وقد كنت بعض هذا السبي. . . ثم من كان يستطيع دفع هرقل، أقوى أبناء زيوس، وصاحب المجازفات الخرافية! من كان يستطيع حماية طروادة منه، بعد أن نكث الملك بوعده؟

أنت كنت بعض السبي؟ أنت يا أبي؟

- (أجل يا باريس! وقضيت في أيدي أعدائنا الشرفاء أجمل حقبة من شبابي! لله كم كانوا

ص: 55

كرماء حقاً؟. . .)

- (وكيف عدت إلى طروادة إذن؟)

- (مات أبي بعد حياة مفعمة بالمتاعب، ولم يكن له ولي عهد غيري، فتوجه الطرواديون إلى الأعداء يطالبونني ملكا لهم، بأي ثمن. . . ولكن أعداءنا كانوا أكرم من أن يسترقوا الملوك أو يبيعوا الأمراء. . . لقد أعادوني معززاً مكرماً إلى وطني، بعد إذ أخمد خصومتهم موت هرقل. . .

- (ولم لم تعد عمتي هسيونيه يا أبتاه؟)

- (لقد تزوجها تيلامون يا بني، وأحسبها الآن أيما)

- (ذلك أدعى لعودتها. . . إنها لا شك تتعذب في دار غربتها. . . مسكينة!! إن حدائق الخلد لا تجدي نفعاً إذا كانت سجناً لأحدنا!

- (هذا حق يا بني. . . ومثله القفص من ذهب يحبس فيه البلبل المحزون!

- (أنا حزين يا أبتاه. . . لابد أن تعود عمتي. . . أفتأذن لي في الإبحار إلى هيلاس؟ إذا أذنت، فلن أعود إلا بها

الآلهة لا تكذب!

هكذا قالت فينوس! وإذا كانت الآلهة لا تكذب، فلن يكذب أبوللو! لابد أن تصدق النبوءة القديمة؛ لابد أن يبحر باريس إلى هيلاس ليجر الخراب على طروادة، وليخيم الموت في داراتها جميعاً. . .

الآلهة لا تكذب!

لقد أبحر إلى إسبارطة في يوم عاصف؛ أسود من جبين الموت! وأبرد من بطون القبور! ولقد كان أسطوله اللجب يرقص على نواصي الموج، كما يرقص الطائر المذبوح في قبضة الفناء. . .

هيلين

ثمرة الحب الأولمبي الساحر. . . ابنة زيوس، الغزل، زير النساء؛ من ليدا الفاتنة، التي حولها حبيبها كبير الآلهة، وسيد أرباب الأولمب؛ إلى بجعة بيضاء تتهادى في مرايا المستنقعات والغدران، ليسهل عليه لقاؤها دون عزول. . . أو رقيب! ولقد ولدت له هذه

ص: 56

الطفلة التي كانت كقطرة المداد يمهر بها إعلان الحرب!

شبت هيلين وشبت في أثرها شياطين الفتنة؛ وكبرت، وكثرت تحت قدميها مصارع العشاق!

لقد كان جمالها أسطورةً مصورةً في السحب، موشاةً بذهب الأصيل! كانت نظراتها تغتذي بأرواح المحبين في غير شره، وترتوي بماء حياتهم في غير نهم. . . وإن كان محبوها يحصون بالآلاف. . .!

وهي لم تعمد يوماً إلى قتل هذه الأرواح المظلومة؛ ولم يكن ذنبها كذلك أن تنظر فتصرع، أو تنعس فتُصمي. . . ولكن القتل كان يذهب بأرواح عاشقيها عفواً كلما نظرت هنا أو هنا. . . وذاك هو القتل البريء. . .!

وكان لها فم شَتيتٌ حلو، أودعت فيه السماء أسرارها، وصبغته عرائس الفنون بحمرة القبل؛ فهو دائماً يبتسم، وكل ابتسامة منهُ تحي وتُميت!

وخداها الأسيلان كذلك! لقد كانت لهما نعومة ولمعة، و (نونةٌ) خلابة، هي ملتقى الفتنة بين الخد والفم والعين والأنف!!

ثم عنقها الطويل البلوري الشفاف، وجيدها الممتلئ الخصب! وجسدها الرخص المرمري! وساقاها الملتفتان، يختلط في بشرتهما بياض الندف بحمرة الورد!

هذه هي هيلين!

فإذا فترت العينين؛ وأرخيت الأهداب الكحيلة السوداء، ذات الوطف؛ وأرسلت نظراتك المذهولة ترف بالخد والجيد، والفم النضيد، فترتد إلى فؤادك بأحمال الحب، وأثقال الهوى. . . رأيت التمثال المعبود الذي خلب ألباب أمراء هيلاس، وأجج قلوبهم بالفتنة، وقرح أجفانهم بالسهاد!

لم تنشأ هيلين مع ذاك في حجور الآلهة، إذ تزوجت أمها، بعد أن هجرها زيوس، من تنداريوس، أحد أمراء هيلاس، فترعرعت الطفلة في مهاد النعمة، وسعدت بالهناءة والعيش المخفرج حتى كانت هيلين التي رأيت!؟

وقد تقدم إلى خطبتها كثير من سادة الإغريق ونبلائهم، ولكن أحداً منهم لم تقبله هيلين بعْلاً لها. . . لا لعيب فيهم. . . ولكن القلب!!

ص: 57

أجل، لم يكن يتفتح قلب هيلين الأولمبية الرائعة، إلا لكل جميل رائع! ولما لم يكن في كل من تقدموا لخطبتها من هو سليل الآلهة مثلها، فقد رفضتهم جميعاً، وعلة ذاك هذا الدم المتكبر الذي يتدفق في عروقها، وذلك الجمال المعبود الذي كان أكثر من أن يحصر في امرأة واحدة!!

وجرت الألسن في هيلين، وجمال هيلين، وعشاق هيلين. . والساخطين على هيلين ممن جرحت كبرياءهم لرفضها إياهم، ولقي زوج أمها من جراء ذلك هولاً شديداً ورهقاً. . .

تحدثوا أن عشاق هيلين، ومنهم أبطال هيلاس وشجعانها وذوو الصولة والجبروت فيها، كانوا يضربون معسكراتهم حول بيت زوج أمها، يطمع كل منهم أن يفوز هو بيد هذه الغادة ذات المفاتن، التي أذلت الأعناق العزيزة، ورغمت بها الأنوف الإغريقية الشماء!

وخشي تنداريوس أن تشب الحرب بينهم، لو أن هيلين قبلت أحدهم زوجاً لها دون الآخرين. . . وأسقط في يده حين تقدم منالايوس، ملك أسبارطة، وسليل الآلهة أيضاً، إلى هيلين يطلب يدها. . . فلما أسرت الفتاة إلى زوج أمها أنها ترضى ملك إسبارطة بعلاً لها، تضاعف فزعه، وازدادت خشيته، وأيقن أنه لو أنفذ من أمر ذلك الزواج شيئاً، فان أمراء هيلاس بأسرهم يصبحون له أعداء ألداء، وهو لا حول له بعداوة أحدهم بمفرده ولا طول!!

ولجأ تنداريوس إلى الحيلة. . .

لقد أقام حفلاً شائقاً دعا إليه كل من تقدموا لطلب يد هيلين، وبالغ في إكرامهم والاحتفاء بهم، ثم خطبهم فتحدث عن فتاته وما كان من أمر خطبتهم لها وعدم التوفيق في إنجاز شيء مما أقدموا له واختلفوا فيه. . .: (أفأن بدا لهيلين يا سادة أن تختار أحدكم ليكون لها زوجاً من دونكم انقلبتم على أعقابكم وثرتم بمن يقع عليه اختيار الفتاة فقتلتموه أو فضحتموه في عرضه، وجعلتم اسم هذا البيت الكريم مضغةً في أفواه الهيلانيين وجيرانهم؟؟ إنما نريد أن نتقي هذا الشر فلا يستطير، ونتدارك الأمر؛ فلا ندعه همجية بيننا؛ ولن أكلفكم في سبيل ذلك شططاً. . . يمين، يا سادة، صادقة، تقسمونها فتكون عهد الوفاء بيننا، أن ترتضوا جميعاً ما ترتضيه هيلين، وأن تكونوا يداً على من يحنث ولو كان أعزكم جانباً وأكثركم قوة. . . بل لنتفق جميعاً على أمر يكون أعم مما أشرت إليه، أن نكون يداً على من تحدثه نفسه بالأضرار بهيلين أو بِسَبْيها، فقد تحدث إلي من عنده علم أن بعضكم ينتوي هذه النية

ص: 58

السوداء. . . ينتوي أن يسرق هيلين إذا لم يكن من حظه أن يقع اختيارها عليه ليكون بعلاً لها، وأنتم السادة النُّجب من علية الإغريق وجيرة الأولمب، أفترضون أن يحدث هذا الحدث في أمر كلكم شاركتم فيه من قبل؟. . .)

ويجيب المدعون في صوت واحد: (حاشا حاشا! لنقسم جميعاً. . .) وأشرقت هيلين على الملأ، وكادوا يفتتنون بعد إذ أقسموا، لولا أن أرسلت الفتاة صوتها الموسيقي الرنان. . . تختار ملك إسبارطة، الملك منلايوس، ليكون زوجها الوفي الأمين!!

وطأطئوا رؤوسهم. . . وانصرف أحدهم في إثر الآخر. . .

رسا أسطول باريس في مرفأ ليسديمونيا الأمين، وخرج الإسبارطيون وعلى رأسهم ملكهم ومليكتهم للقاء أبن بريام العظيم، حيث شاع أنه ينزل ضيفاً كريماً على صاحبي العرش، فيلبث أياماً في ضيافتهما، ثم يعود أدراجه إلى طروادة مصطحباً عمته الأيم هسيونيه!

وتقدم الملك والملكة فسلما على الضيف الشاب، وتحرك الموكب الكبير في طريق حُفت بالشعب الطروب، وفُرشت بأوراق الورد، وتأرجت في جنباتها أنواع الرياحين. وكانت فرق من الموسيقيين تعزف هنا وهناك، فتراقص ألحانها العذبة حبات القلوب. وكم كان جميلاً رائعاً إنشاد الجنود وقد وقفوا صفوفاً صفوفاً، كلما مر الموكب الملكي بفرقة منهم دوى هتافها حتى يبلغ عنان السماء. . . فإذا فرغوا وصلت هتافهم فرقة تالية. . . وهكذا. . .

وكان سرب من أجمل قيان اليونان وحسانها يحيط بالملكة الجميلة، وقد قصرن ثيابهن وأرسلن شعورهن، فبدون فتنة الركب، وكن سحر الموكب، ولفتن من باريس بصره وسمعه وفؤاده!

وكان الفتى يخالسهن نظرات مشغوفةً، وكن بدورهن يبسمن له ويتبرجن، حتى التقت عيناه بعيني الملكة. . . فنسى نفسه!!

لقد خُيل له أن قلبه انخلع من مكانه الذي بين جنبيه، ليتأرجح في مقلتيه! أين رأى هذه الملكة من قبل يا ترى؟ إنه لم يذهب إلى الأولمب قط، وهل لبشري أن تطأ قدماه أرض الأولمب فيرى مثل هذا الجمال الساحر، والحسن الفتان؟

الحق أن هيلين تعمدت أن تشك قلب باريس في قوة وعنف، حين أدركت رُسُل العيون

ص: 59

تنتقل بسرعة بينه وبين قيانها وحسانها! فلما التقت عيناها بعينيه غمزت قلبه الضعيف الغض بسهمٍ مُراش من عينيها الساجيتين، انطلق إلى جوانحه في بروقٍ من بسماتها. . . ورعود!

لقد زلزل قلبه. . .

وأحس كأن قوى خفية تجذب روحه لتمرغها تحت قدمي هيلين! وطفق يفكر ويفكر أين رآها من قبل. . . ولكن بلا جدوى. . .

ثم بدت له فينوس بحيث لا يراها أحد غيره. . . وقالت له: (هِيَ. . . هي. . . كن شجاعاً!). . . ثم غابت ربة الحسن. . .

فذكر ماضيه القريب، وذكر ما وعدته به فينوس، وذكر أن هيلين إن هي إلا صورة أرضية. . . سماوية. . . من ربة الحب، وأنها مخلوقة كخلقها، عذوبة روح، ورقة نفس، ودفء دم، وسحر عيون. . .

فصمم على أن تكون له!!

ولبث باريس في ضيافة الملك أياماً كانت تتصرم كأطياف الأحلام! ثم حدث حادث جلل في أطراف المملكة استلزم وجود الملك نفسه ليرى رأيه فيه، فلما كان يوم السفر ودع منلايوس زوجته الحسناء، وأوصاها بإكرام ضيفه العظيم، باريس، (ابن صديقي ملك طروادة!). فطمأنته هيلين، وخرجت تودعه، حتى إذا كانت عند أسوار ليسديمونيا، حيته تحية فاترة. . . وعادت لترعى عصفورها الغِرّيد. . .!!

أقبلت هيلين على ضيفها غير هيابة، وأقبل هو عليها في غير وجل. أقبلت عليه تؤانسه كما أوصاها زوجها! وأقبل هو عليها يغازلها، ويبحث فيها عن أجمل امرأة في العالم كما وعدته فينوس!

(هيَ هيَ. . . كن شجاعا!). وهكذا كانت تتردد هذه العبارة المقتضبة في أذني باريس كلما ذكر الوفاء وشكران الجميل؛ وكلما هم أن يبتعد بقلبه عن زوجة الملك الكريم المضياف الذي احتفى به وأكرم مثواه. . .

(هيَ هيَ. . . كن شجاعاً!) إذن فليكن باريس شجاعا كما أمرته فينوس! ليقترب من هيلين في هذه الخلوات الحلوة التي تمن عليه بها، فتستطيل كل مرة إلى ساعات وساعات؟

ص: 60

ليقترب منها، ولتصب هي سلسبيلاً من الموسيقى في أذنيه المرهفتين لكل كلمة من كلماتها. . . وليرشف هو هذه الخمر التي تتدفق من عينيها وأهدابها. . . ليرشف من هذه الخمر حتى تثمل روحه، ويسكر قلبه، وتزيغ عيناه!

ليقترب! ليقترب كثيراً! ليمس جسده المشتعل، جسدها المعطر الفينان! إنها لا ترفض أن يكون ذراعه فوق كاهلها! بل هي أيضاً تنثر ذراعها فوق كاهله؟ هاهما يتخاصران! الخبيث يضغط ثديها الأيسر بشدة! هل يبحث عما يكنه قلبها؟ أم يفتش عن شيء مفقود في نفسها؟ إن عينيه ما يتحولان عن عينيها! إنه يحملق فيهما بشراهة!

قُبلة. . .

هي القبلة الأولى من غير شك! هي الاعتراف الصريح بنضوج الحب!

وقبلة ثانية. . .

وهي القبلة المؤكدة لأختها الأولى! هي عدم المبالاة بما عساه أن يكون! هي أول شرط في عقد هذا الغرام الأثيم. . .! هي الاعتداء الصارخ على عرض منالايوس. . . منالايوس العظيم ملك إسبارطة. . . وسليل الآلهة!!

- (ألا يسرك يا هيلين أن نعيش سوياً أبد الدهر!. . .)

- (ألا يسرني! ما السرور إذن يا حبيبي باريس؟)

- (إذن فلنرحل في ظلام الفجر!)

- (إلى أين؟)

- (إلى طروادة؟)

وأقلع الأسطول في غبشة البكور يحمل. . .

هيلين!!

وعفا الحب عن عمة باريس! عفا الحب عن الأيم هسيرنيه!

(لها بقية)

دريني خشبة

ص: 61

‌من أساطير الإغريق

المحسن

(مهداة إلى الأستاذ دريني خشبة)

للأستاذ محمد روحي فيصل

منذ آلاف السنين، بينما الناس في اللهو والضلال كانوا منغمسين، سُمع من جانب السماء صوتٌ هائل كأنه الرعد القاصف قد اهتزت له أطباق الفضاء ومادت منه جوانب الأرض؛ فإذا بميازيب النور تجف على أثر ذلك، والظلام يغمر الدنيا كلها؛ كأنما الشمس الحبيبة - أمُّ الحياة - قد غاضت أشعتها الزاهية وانطفأ معناها الحي، وإذا بالأنهار والينابيع والغدران تجمد وتكف عن السعي، وقد استحال خريرها المؤنس الجميل إلى صمت كئيب موحش كصمت القبور، وإذا بريح صرصر عاتية تهب مجنونة على الأرض فتقتلع الأشجار بأصولها وفروعها وتهيج الغبار، وتخطف المنازل من أماكنها، وإذا بالضواري المروعة تنفر من مكامنها هائجة غاضبة تزأر. . .!!

وريع الناس وجبنوا فما يدرون ماذا دهاهم من الخطوب، ثم أقبل بعضهم إلى بعض يتساءلون: أي ذنب اقترفناه، وأية فريضة لم نقم بها حتى صب علينا الإله العظيم غضبه وويله؟

وكانت قافلة الحياة يومئذ من الشر والضلال في منزلة لم يعرفها التاريخ في أدنى عهوده، تسير على غير هدى وإلى غير غاية في معمعهٍ من الفساد وطريق من الرذيلة، وكان رجال الفن أدق الناس شعوراً وأرهفهم إحساساً. فقال الشاعر:(إني نظمت في مديح الإله قصيدة رائعة منتزعة من النفس؛ لا صادرة عن اللسان، ما احسب أن أحداً من الشعراء سبقني إلى مثلها على كثرة المادحين، أودعت فيه قلبي ودمي، وحرقت لها مخي وكبدي، ثم صغتها في لفظ عذب جميل! فأنا أسبح بحمده ما نطقت، وأنشر روحه أنى حللت ولقد أجثو في محرابه خاشعاً متصدعاً، أتلو آي التمجيد والاجلال، فكيف يغضب مني وينقم علي؟)

وقال الموسيقي: (وأنا أيضاً لحنت أنشودة قوية تحكي هديل الحمام وتغريد العنادل، ورجعتها ترجيع عاشق محزون، ثم قدمتها هدية حقيرة للإله الجبار، فلماذا غضب.؟)

ص: 62

وقال النحات: (أما أنا فقد صنعت له تمثالاً عظيماً يجمع إلى معاني الجبروت تهاويل الجمال، وإلى قوة البنية رشاقة القسمات تُرى أيغضب الإله مني وأنا مجسَّده؟)

وانتفض المصور وقال: (أأنا مغضب الإله إذن؟ لقد أخذت زرقة السماء وخضرة الأوراق واحمرار الشفق، ونزعت من الورود ألوانها، والتمست من ذلك كله صورة لألهنا الكبير فما زلت أعمل فيها وأنسقها حتى برزت حية ناطقة في إطار واضح مشرق. . .)

ويضطرب الناس، وتطغي عليهم حيرة جاهلة عمياء؛ تتبينها في الوجوه الواجمة، والنظرات الحائرة، والخطى الثقيلة! ويتداولون الأمر همسا ويلتمسون الخلاص من الخطب ويجمعون رأيهم على الذهاب إلى وادي عبقر، موطن الوحي والإلهام. فراحوا جميعاً إلى حيث يلاقون إلههم الغاضب، يتقدمهم الشاعر ساهم الوجه، تائه البصر، وحمل المصور لوحته وريشته العذراء، وتأبط الموسيقي قيثارته المشدودة الأوتار، وجمع النحات إزميله ومنقاشه وحجره. . .

وفي لمحة خاطفة، طلعت الشمس، وغردت الطيور، واستأنفت الأنهار سعيها، ثم لامست الوادي غيمة كبيرة بيضاء هبط منها الإله الجبار!!

وخر الناس من الخشية سُجداً يلتمسون البركة والضراعة والغفران! وكما يسمع الحالم في النوم سمعوا صوت إلههم يقول:

لقد بعثت فيكم رسولاً كريماً ينشر الرحمة ويعلمكم العطف والتقدير فتجاهلتموه!

بعثته والإخلاص ملء برديه وفيض إهابه فلم تقدروه!

هو خادمكم الأمين يبذل عرق جبينه لصلاح مجتمعكم الواهي وينفق المال الذي بين يديه دون أجر غير أجري؛ لأنه يعطيكم أكثر مما يأخذ منكم، ويبني المستشفيات والملاجئ، ويقيم دوراً للعلم فنسيتموه أو تناسيتموه!

وحق عظمتي، لولا رحمتي التي وسعت كل شيء لجعلت الأرض فوقكم قاعاً صفصفاً. . .

عند ذلك صاح الساجدون كلهم:

ما اسم هذا الرسول الكريم؟

فأجاب الإله الجبار: المحسن

حمص

ص: 63

محمد روحي فيصل

ص: 64

‌الهدية

للأستاذ بشير الشريقي

حدثني صديق لي وهو في مقتبل عمره، وأول عهده بالوظيفة، قال:

في صباح أحد الأيام، وأنا متهيئ للخروج إلى عملي، إذا بباب غرفتي يطرق، وإذا بالطارق فتى جميل المحيا، يقظ الملامح، يحمل على يديه سفطاً مستطيل الشكل، كبير الحجم، فما وقع نظري على الفتى والسفط بين يديه حتى تولاني الانقباض، لأنني عرفته من هو؟ وأين يشتغل

تمتم الفتى: لقد عاد عمي الشيخ من دمشق مساء أمس وهو يهديك تحياته، وقد أرسلني بهذا السفط هديته من دمشق إليك

ولكن عقلي كان قد اهتدى إلى أني موظف، وأن لصاحب هذه الهدية مصالح كثيرة عندي يهمه قضاؤها

فبادرت الفتى بتؤدة: ما هذا؟ ليس من الضروري. . . . له مني الشكر. . . أعد السفط إليه. . . ليس من الضروري. . . ولكنه قاطعني بأدب: لقد بعث به الشيخ إليك. . وهو هديته من دمشق. . . وسيغضب علي إن رجعت به

قلت بلهجة الآمر: أرجعه. . . سوف لا آخذه

عاد الفتى بالسفط وهو لا يصدق أني رفضت قبوله؛ وعدت فأغلقت علي باب غرفتي أفكر في الذي صنعت: لولا أنه صاحب حاجة عندي لما خطرت هذه الهدية له على بال ولما فكر في لحظة، إذ لا صداقة بيني وبينه، وأنا لا أراه إلا في الدائرة حين يريدني في أمر رسمي، أو في الطريق فنتبادل التحية من بعيد، وفوق ذلك فهو من التجار الذين يحاسبون على السحتوت والقطمير، والذين يعطون القرش ليستردوه قرشين؛ وهكذا كان الظاهر محاطاً كله بالريب فلم يدخل في نفسي أن هدية الشيخ منزهة عن الغرض

وبينا أنا على هذه الحال، إذ أرى الشيخ من نافذة غرفتي قادماً إلي، فأسرعت وفتحت له الباب:

أهلاً وسهلاً بحضرة الشيخ، الحمد لله على سلامتك، تفضل. . . جلس فإذا به قد تجاوز الخامسة والخمسين، ولكنه لا يزال محتفظاً بقوته ونشاطه، قد تدلت من ذقنه لحية كبيرة

ص: 65

بيضاء، يرتدي سروالاً وجبه، نظيف البزة، وسيم الطلعة، حسن القيام على نفسه

- ماذا فعلت يا ابن أخي، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية

قلت: ويرد الصدقة

قال: ويرد الصدقة؟! ولكن قسما بهذه اللحية - وقبض على لحيته - إن الهدية قد صنعت على اسمك وحملتها من دمشق إليك

قلت: أشكرك. . . أشكرك. . .

قال: ولا أزيدك علماً أنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه: (من أُهدي إليه شيء ورده فكأنما ردّه على الله)

قلت: صدق رسول الله الكريم. . أنا لا أشك في حسن نية الشيخ، ولكن القانون يا عم. . . هذا القانون المكلفون نحن قبل غيرنا بحفظه واحترامه ينهانا عن أخذ مثل هذه الهدية، فهي في عرفه رشوة والعياذ بالله، يستحق معطيها وآخذها شديد العقاب - إليك المواد - 67 و68 و69 و76 من قانون العقوبات العثماني - وقرأت له نصوصها - إنه لأمر خطير

وقلت له:

ولكي تثق بواسع علم المشرع الذي سن لنا قانون العقوبات وببعد نظره أروي لك هذا الحديث الشريف المثبت في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن النبيه على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي فقال النبي: ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي فهل قعد في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا!)

وهنا صمت الشيخ ولكن لسان حاله كان يقول:

- لقد عرفت كثيرين غيرك من الموظفين كباراً وصغاراً فلم يحدثني واحد منهم عن مواد قانون العقوبات ولا عن حراسة القانون، لم يذكر لي واحد منهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع عامله على الصدقة بل كان أمري معهم ولا يزال على عكس تماما فأنا مكلف عند كل خطوة وعند كل حاجة أن أقدم الهدايا وألبي الطلبات. . .

وإلى هنا انتهى حديث الصديق فوجدته جديراً بالتدوين؛ فدونته في الحال؛ وهاهو كما سمعته بلا زيادة ولا نقصان.

ص: 66

(شرق الأردن)

بشير الشريقي

ص: 67

‌البريد الأدبي

جورج رسل عميد الشعر الارلندي

من أنباء ارلندة أن شاعرها الكبير جورج وليم رسل قد توفي في الثامنة والستين من عمره. وكان رسل عميد الشعراء الأرلنديين منذ أوائل هذا القرن، كما كان السير وليم وطسون عميد الشعراء الإنكليز، وقد توفي كلاهما هذا الصيف، ففقد الأدب الإنكليزي بذلك آخر زعماء المدرسة الشعرية القديمة؛ وكان مولد جورج رسل في لورجان سنة 1867؛ وتلقى تربيته في دبلن ودرس التصوير ومارسه؛ ثم غدا زعيما لحلقة أدبية كانت تنشر صحيفة عنوانها (الثيوسوفي الأرلندي)، وفيها نشر أشعاره الأولى التي جمعت بعد ذلك في ديوان سمي (أغنية وطنية متناثرة)(سنة 1894) وفي مجلد آخر سمي (أنفاس الثرى)(سنة 1897). وكان رسل إلى جانب مواطنه الشاعر ييتس زعيما للأحياء الأدبي في أرلنده؛ ودرس رسل التصوف الشرقي، وتوثقت أواصره بزميله ييتس؛ وكان يعمل مدى أعوام طويلة كاتباً في شركة للأقمشة، فقدمه صديقه ييتس إلى الزعيم والمثري الأرلندي الكبير السير هوراس بلانكيت وأوصاه به خيراً، فألحقه بالشركة الزراعية الكبيرة التي ألفها لمعاونة المزارعين؛ وتولى رسل الطواف على دراجة في القرى الأرلندية يستفهم من السكان عن أحوالهم ورغباتهم. وفي سنة 1905 اختار السير بلانكيت لتحرير صحيفة الجمعية، وهي صحيفة سياسية تعاونية، فاستمر في تحريرها حتى سنة 1923. وفي ذلك العام أصدر رسل لنفسه صحيفة جديدة عنوانها (السياسي الأرلندي) فاستمرت حتى سنة 1930. وأصدر خلال هذه الفترة عدة مؤلفات شعرية ونثرية منها كتاب (لب المعرفة)(سنة 1903) ورواية مسرحية عنوانها (ديدري)(1907) وكتاب (مثل المجتمع الأرلندي الريفي)(1911) وقصيدة كبيرة عن ثورة سنة 1916 عنوانها (التحية)، وديوان عنوانه (السحر وقصائد أخرى) وغير ذلك مما يضيق بذكره المقام

وقد كان رسل وطنياً كبيراً، يشتغل بالسياسة إلى جانب الأدب، ويسخر الأدب لخدمة وطنه، وتأييد مثله العليا في الحرية والاستقلال، وكان أيضاً إنسانا عظيما يبذل وسعه لمعاونة البائس وغوثه، وانتشال الطبقات الدنيا من وهدتها

فكتور هوجو الصحفي

ص: 68

كان فكتور هوجو شاعر فرنسا الأشهر صحفياً كبيراً؛ وقد تناول هذه الناحية من حياة الكاتب الكبير، مسيو بول سوشون، بمناسبة الذكرى الخمسينية لوفاته، فقال: إن هوجو قد مارس خلال حياته ثلاثة أنواع من الصحافة: الصحافة الأدبية، والصحافة السياسية، والصحافة الخبرية. وقد بدأ هوجو حياته الصحفية في جريدة (كونس فاتير لترير)، وكان يكتب فيها فصولاً نقدية، أثارت إعجاب النقدة يومئذ، ووصف ادموند بيريه يومئذ كاتبها بما يأتي:(صحفي وناقد، كانت لذعاته الأولى لذعات أستاذ مبرز؛ وعند هذا الفتى الذي لم يجاوز الثامنة عشرة موهبة نثرية لا تقل عن موهبته الشعرية. ومما يلفت النظر لأول وهلة سعة معارفه الأدبية، فهو يكاد يستوعب كل شعراء العصر القديم. ثم الشباب! وهذا هو الذي يفيض على صحف (الكونسر فاتير لترير) سحراً لا يقاوم)

ولما صدرت في سنة 1809 أول طبعة من مؤلفات شينيه، كتب هوجو في التعليق عليها أن نزعة شعرية جديدة قد ولدت، ولما صدر ديوان (التأملات) استقبله بحماسه وترحاب

أما في الصحافة السياسة فان هوجو لم يرتفع إلى هذا المدى وقد أبان مسيو سوشون في بحثه وجوه الضعف التي كانت تغلب على الشاعر الكبير في هذا المضمار. بيد أن هوجو كان من الناحية الخبرية صحفياً لا يجارى. وقد كان يقدم أخباره للجمهور تحت عنوان (أشياء رؤيت). وقد ظهرت مجموعة منها بعد وفاته تحت هذا العنوان، وفيها يقيد الحوادث التي شهدها خلال حياته وخواص العظماء الذين لقيهم

تلك صفحة من حياة هوجو لم تأخذ حقها من التعريف في حياة الشاعر الكبير

آثار قديمة في سوريا

كشفت الحفريات الأثرية التي يقوم بها العلامة الأثري الفرنسي أندريه بييرو في سوريا على مقربة من بلدة أبي كمال عن آثار هامة ترجع إلى نحو ثلاثة آلاف عام قبل المسيح، وتدل على أن حضارة زاهرة قامت في ذلك العهد في تلك الانحناء، وتدل النصوص والنقوش التي عثر عليها أن هذه المنطقة كانت منزل الحيثيين الذين استطاعوا أن يقاوموا طويلاً غزوات البابليين والمصريين، أما الآثار المكتشفة فهي عبارة عن بقايا قصر تبدو منه مراكزه الوسطى، ويلوح أنه كان مقراً ملوكياً، وملاذاً للكبراء ومركزاً لبعض

ص: 69

الصناعات التي كانت زاهرة في ذلك العصر، وهنالك ما يدل على أن حصونه التي كانت محيطة به قد قوضت، وأن حمورابي زعيم البابليين قد اقتحمها وأحرق القصر

ومن الآثار الغريبة التي اكتشفت فصل حقيقي من فصول التعليم بمقاعده وأدراجه، مما يدل على أنه كان مدرسة يؤمها الشباب. وتدل مواقع القصر في مجموعها على أن كبراء هذا العصر كانوا يتمتعون بضروب من الرفاهية والترف، لم تعرفها العصور الوسطى في أوربا؛ وتتخلله طرق مستقية ذات زوايا قائمة، وسلالم داخلية كبيرة، ومخازن للمؤن، ومجار منظمة تحمل المياه والفضلات إلى خارج المدينة، ووجدت في معظم الأبنية المجاورة آثار حمامات وأحواض للاستحمام صنعت من الفخار المحروق

برناردشو في التاسعة والسبعين

احتفل الكاتب الإنكليزي الأشهر جورج برناردشو أخيراً ببلوغه التاسعة والسبعين من عمره، وذلك في بلده ومسقط رأسه هرتفوردشير. وفي يوم الاحتفال بمولده اعتكف الكاتب الشهير واحتجب طول الصباح في مكتبه؛ وعند الظهر أعلن انه قد انتهى من كتابة الفصل الأول من قطعة مسرحية جديدة، وقال انه سيعالج فيها موضوعا جديدا هو (الحب)

حول كتاب قواعد التحديث للقاسمي

أليس من الحق وقد كتب عن هذا الكتاب كاتبان من أكبر كتاب العربية في كبرى مجلاتها، وكان السبب في هذه الفصول الممتعة، وهذه المساجلات الأدبية الطريفة بين أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، ومؤرخ الشام وكاتبها العلامة محمد بك كرد على أن ننوه في (الرسالة) بفضل هؤلاء الشباب الغير على الدين واللغة والثقافة الإسلامية الذين ألفوا (مكتب النشر العربي) ونشروا طائفة صالحة من كتب الفلسفة والحديث للغزالي وابن الطفيل والقاسمي وغيرهم، وأنجزوا في مدة قليلة ما لم ينجز مثله سواهم في برهة طويلة؟

أليس من الحق أن نشكر للسادة الأذكياء المثقفين العاملين: ظافر القاسمي، وداود التكريتي، وعصام الإنكليزي، أعضاء (مكتب النشر العربي) قيامهم بهذا الغرض الذي قصرنا جميعاً في القيام به؟ وثباتهم على تأدية على قلة التشجيع، ورقة الحال، وشدة الزمان؟

(متأدب)

ص: 70

ملكة الجمال في سوريا ولبنان

تقوم الزميلة جريدة ليزيكو الغراء بتنظيم مباراة الجمال التي كلفت القيام بهذه المهمة لتشترك ملكة الجمال في سورية ولبنان بمباراة الجمال في مدينة بروكسل وقد تقرر أن تقام حفلة كبرى في فندق بلودان يوم الخميس المقبل لهذه الغاية وتألفت لجنة من السيدة عقيلة رئيس الجمهورية والسيدة عقيلة وزير المعارف والسيدة عقيلة مدير البرق والبريد العام على أن يقوم بسكرتارية اللجنة السيد باسيل مكرديج مدير المطبوعات في وزارة الداخلية لانتخاب ثلاث أوانس واحدة من دمشق والثانية من حلب والثالثة من اللاذقية من بين المتباريات ثم تشترك الأوانس الثلاث في حفلة مباريات الجمال في صوفر مع الأوانس اللبنانيات اللواتي ينتخبن فيها الآنسة التي تتربع على عرش الجمال في سوريا ولبنان

وستكون هذه الحفلة تحت رعاية رئيس الجمهورية.

(الأيام)

أقول: هذا بعض ما أنشئ له فندق بلودان الذي لم يُعص الله في الشام بمثل إنشائه نبعث به إلى (الرسالة) بلا تعليق

(متأدب)

ص: 71

‌الكتب

كتاب الأموال

في 616 صفحة

لأبي عبيد القاسم بن سلام

للأستاذ محمد بك كرد علي

ولد أبو عبيد في هراة وأبوه مملوك رومي، وتخرج في بغداد على أئمة وقته وروى عنه أئمة مذكورون، وكان آية في النحو واللغة والحديث والفقه، وعدَّ أعلم رجال عصره بلغات العرب، قال إبراهيم الحربي:

رأيت ثلاثة تعجز النساء أن تلد مثلهم: رأيت أبا عبيد ما أمثله إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحرث فما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلاً، ورأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله قد جمع له علوم الأولين من كل صنف، يقول ما يشاء ويمسك ما يشاء. وروى الناس من الكتب المصنفة لأبي عبيد بضعة وعشرين كتاباً في القرآن والفقه وغريب الحديث والغريب المصنف والأمثال ومعاني الشعر وكتاب الأموال، والغريب المصنف زعموا أنه أجل كتبه

كان أبو عبيد خاصاً بعبد الله بن طاهر الوزير المشهور أغناه بما أعطاه، ولقد بعث أبو دُلف إلى عبد الله بن طاهر يستهديه أبا عبيد شهرين، فأنفذه إليه فأقام شهرين، فلما أراد الانصراف وصله بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها. وقال: أنا في جنبة رجل لم يحوجني إلى صلة غيره، فلما عاد إلى ابن طاهر وصله بثلاثين ألف دينار. فقال: أيها الأمير قد قبلتها، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحاً وخيلاً وأُوجه بها إلى الثغر ليكون الثواب متوفراً على الأمير ففعل، وهذا من العلم الحقيقي والخلق الكامل، وعزة النفس إذا فقدت من العلماء خاصة صار العلم تهريجاً ومهزلة

قالوا: ولما عمل أبو عبيد كتاب الغريب عرضه على عبد الله ابن طاهر فاستحسنه وقال: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألا يخرج عنا إلى طلب المعاش. فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر، قال أبو عبيد: كنت في تصنيف هذا الكتاب

ص: 72

أربعين سنة؛ وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في مواضعها من الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني فيقيم عندي أربعة أشهر أو خمسة أشهر فيقول قد أقمت الكثير. وكان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثا فيصلي ثلثه وينام ثلثه ويصنف ثلثه. وذكر من ترجموا له أنه كان فاضلاً في دينه وفي علمه، ربانياً متفننا في أصناف علوم الإسلام، صحيح النقل لم يطعن عليه في شيء من أمره ودينه

غلب على أبي عبيد جمع المتفرق في الكتب وتفسيره وذكر الأسانيد، وصنف المسند على حدته، وأحاديث كل رجل من الصحابة والتابعين على حدته، وأجاد تصنيفه، فرغب فيه أهل الحديث والفقه واللغة لاجتماع ما يحتاجون إليه فيه، وكتابه الوحيد الذي ظهر بالطبع كتاب الأموال وهو كما وصفوه من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده. جرى فيه على أسلوب قدماء المؤلفين من إيراد الرواية والسند في الأحاديث، لكنه لا يطيل في ذكر الرواة وينسب الحديث إلى آخر راوية معتمد، ثم يشرع في شرح ما أبهم وتفسير ما أعضل من الأحكام، يرجح ما هو أولى بالترجيح، ويبين عن رأيه بصراحة. بأسلوب محكم سلس ينم عن إحاطته بالأقوال الصحيحة المأثورة عن صاحب الشرع، ثم يشير إلى عمل الصحابة والتابعين من بعده في أحكام الأموال وصنوفها والفيء والصدقات والجزية وفتوح الأرضين صلحاً أو عنوة، وما يتبع ذلك من الأحكام التي قال بها القرآن أو فسرتها السنة أو عدلها بعض الصحابة بحسب الحال

فقد ذكر في باب ما لا يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في أرض العنوة وفي أمصار المسلمين وما لا يجوز قول عمر (ض)(لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء) وقول عمر بن عبد العزيز: (لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار، ولا تحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار)، فقال أبو عبيد: أُراه يعني الكنائس والبيع وبيوت النيران يقول: لا ينبغي أن تكون مع المساجد في أمصار المسلمين. قال أبو عبيد، فهذا ما جاء في الكنائس والبيع وبيوت النار، وكذلك الخمر والخنازير قد جاء فيهما النهي عن عمر، ثم قال: وأما وجوه هذه الأحاديث التي منع فيها أهل الذمة من الكنائس والبيع وبيوت النيران والصليب والخنازير والخمر أن يكون ذلك في أمصار المسلمين خاصة، وبيانه في حديث ابن عباس. حدثنا أبو عبيد قال: سمعت علي بن عاصم يحدث عن أبي علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس قال:

ص: 73

أيُّما مِصرٍ مَصّرَته العرب؛ فليس لأحد من أهل الذمة أن يبنوا فيه بيعة ولا يباع فيه خمر، ولا يقتنى فيه خنزير ولا يضرب فيه بنقوس، وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يوفوا لهم به. قال أبو عبيد: وقوله كل مصر مصرته العرب يكون التمصير على وجوه: فمنها البلاد التي يسلم عليها أهليها مثل المدينة والطائف واليمن، ومنها كل أرض لم يكن لها أهل فاختطها المسلمون اختطاطاً، ثم نزلوها مثل الكوفة والبصرة وكذلك الثغور، ومنها كل قرية افتتحت عنوة، فلم ير الإمام أب يردها إلى الذين أخذت منهم. ولكنه قسما بين الذين افتتحوها كفعل رسول الله (ص) بأهل خيبر. فهذه أمصار المسلمين التي لا حظَّ لأهل الذمة فيها، إلا أن الرسول كان أعطى أهل خيبر اليهود معاملة لحاجة المسلمين وكانت إليهم، فلما استغنى عنهم أجلاهم عمر وعادت كسائر بلاد السلام: فهذا حكم أمصار العرب، وإنما نرى أصل هذا من قول رسول الله (ص) أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وفي ذلك آثار ثم ساق الأحاديث، والمأثور عن عمر في جلاء غير المسلمين من جزيرة العرب، وذكر بلاد الصلح كهَجر والبحرين وأَيلة ودومة الجندل وأَذْرُح. وذكر أحكام البلاد التي فتحها عمر كالشام ومصر والعراق الخ

ومما ذكر، وهو ما نطيل بنقله إرادة الوقوف على طريقته في تأليفه، (ص 169) أن عمر بن الخطاب استعمل عُمَيْر ابن سعد أو سعد على طائفة الشام، فقدم عليه قَدمة فقال: يا أمير المؤمنين، إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها عرب السوس وإنهم لا يخفون على عدونا من عوراتنا شيئاً، ولا يظهروننا على عوراتهم، فقال له عمر: فإذا قدمت فخيرهم بين أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بعير بعيرين، ومكان كل شيء شيئين فان رضوا بذلك فأعطهم وخَرّبها، فان أبو فانبذ إليهم وأجلهم سنة ثم خرّبها، فقال: اكتب لي عهداً بذلك فكتب له عهداً، فلما قدِم عمر عليهم عرض عليهم فأبوا، فأجلهم سنة ثم أخَرّبها. قال أبو عبيد: وهذه مدينة بالثغر من ناحية الحدث يقال لها عرب سوس وهي معروفة هناك - ومعروفة لعهدنا بهذا الاسم أيضاً - وقد كان لهم عهد فصاروا إلى هذا. وإنما نرى عمر عرض عليهم ما عرض من الجلاء، وأن يُعْطَوْا الضعف من أموالهم، لأنه لم يتحقق ذلك عنده من أمرهم، أو أن النكث كان من طوائف منهم دون إجماعهم، ولو أطبقت جماعتهم عليه ما أعطاهم من ذلك شيئاً إلا القتال والمحاربة، وقد كان نحوٌ من هذا قريباً الآن في

ص: 74

دهر الأوزاعي بموضع بالشام يقال له جبل لبنان، وكان ناس من أهل العهد فأحدثوا حدثاً، وعلى الشام يومئذ صالح بن علي فحاربهم وأجلاهم، فكتب الأوزاعي فيما ذكر لنا محمد بن كثير برسالة طويلة منها:(قد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان، مما لم يكن تمالأ عليه خروج من خرج منهم، ولم تُطبق عليه جماعتهم، فقتل منهم طائفة ورجع بقيتهم إلى قراهم. فكيف تأخذ عامة بعمل خاصة فيخرجون من ديارهم وأموالهم. وقد بلغنا أن من حكم الله جل وعز أنه لا يأخذ العامة بعمل الخاصة ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة، ثم يبعثهم على أعمالهم، فأحق ما اقتدى به ووقف عليه حكم الله تبارك وتعالى، وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول الله (ص)، وقوله:(من ظلم معاهداً أو كفله فوق طاقته فأنا حجيجه، ومن كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها، فانهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة، ولكنهم أحرار أهل ذمة الخ). وكتاب الأوزاعي هذا نقله البلاذري في فتوح البلدان مع اختلاف يسير

وهكذا يمضي المؤلف في تأليفه ومعالجة فصول كتابه الممتع. يأتي بالآثار المشهورة الصحيحة على مثل هذه الطريقة السهلة، وفيها جمل من الأحكام التي استخرجها الحكام بعد عهد صاحب الشرع الأعظم. وقد أورد كثيراً من الكتب والمعاهدات والعقود والاقطاع، وذكر فصولاً في الصدقات والغنائم والزكوات وثمار الأرضين وما يجبى منها وما لا يجنى والمعادن والركاز والمكاييل والمكوس والعشور ومخارج الصدقة وسبيلها التي توضع فيها والوقف، إلى غير ذلك من الأبواب بحيث لم يترك شيئاً مما يحتاج إليه من يريد الوقوف على أحكام كل ذلك في الإسلام، وإن كان أكثره، ويا للأسف أصبح يتلى اليوم للعلم به فقط، أو التربك بسيره السلف الصالح وترداده لمعرفة تاريخ تشريعهم

ومما قال في إسقاط الجزية عمن أسلم: وإنما احتاج الناس إلى هذه الآثار (عن الصحابة وغيرهم) في زمن بني أُمية، لأنه يروى عنهم أو عن بعضهم أنهم كانوا يأخذونها منهم وقد أسلموا، يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد، يقولون فلا يسقط إسلام العبد عنه ضريبته، ولهذا استجاز من استجاز من القراء الخروج عليهم، وقال إن عمر بن عبد العزيز فرض على رهبان الديارات على كل راهب دينارين، ولا أرى عمر فعل هذا إلا لعلمه بطاقتهم له، وأن أهل دينهم يتحملون ذلك لهم، كما أنهم يكفونهم جميع مؤوناتهم! وقال

ص: 75

إن رسول الله (ص) استحل دماء بني قريظة لمظاهرتهم الأحزاب عليه، وكانوا في عهد منه، فرأى ذلك نكثاً لعهدهم وإن كانوا لم يقتلوا من أصحابه أحدا، ونزل بذلك القرآن في سورة الأحزاب، قال وكذلك آل أبي الحقيق رأى كتمانهم إياه فاشترطوا له ألا يكتموه نكثاً، وقد حكم بمثل ذلك عمرو بن العاص بمصر

وقال في القريات التي أقطعها الرسول لتميم الداري في فلسطين: إنها أرض معمورة لها أهل فإنما ذلك على وجه النفل له من رسول الله (ص)، لأن هذا كان قبل أن تفتح الشام، وقبل أن يملكها المسلمون، فجعلها له نفلا من أموال أهل الحرب إذا ظهر عليها، وهذا كفعلة بابن بقيلة عظيم الحيرة حين سأله إياها الشيباني، فجعلها له بمثل افتتاح الحيرة، فأمضاها له خالد ابن الوليد حين ظهر عليها، وكذلك إمضاء عمر لتميم حين افتتح فلسطين. ومما قال في الإقطاع:(وأما إقطاع أبي بكر طلحة وعيينة، وما كان من إنكار عمر ذلك وامتناعه من الختم عليه، فلا أعلم له مذهبا إلا أن يكون رأي عمر أنه كان يومئذ يكره الإقطاع ولا يراه، ألا تسمع قول طلحة: (أهذا لك دون الناس) ثم رأى بعد ما أفضى الأمر إليه غير ذلك، فقد علمنا أنه قد أقطع غير واحد في خلافته، وهذا كالرأي يراه الرجل ثم يتبين له الرشد في غيره فيرجع إليه، وهذا من أخلاق العلماء قديما وحديثا)

ومما قال في السبب الذي دعا إلى ضرب الدراهم: (قال أبو عبيد: سمعت شيخا من أهل العلم بأمر الناس، كان معنياً بهذا الشأن، يذكر قصة الدراهم وسبب ضربها في الإسلام، وقال: إن الدراهم التي كانت نقد الناس على وجه الدهر لم تزل نوعين: هذه السود الوافية، وهذه الطبرية العُتُق، فجاء الإسلام وهي كذلك، فلما كانت بنو أُمية وأرادوا ضرب الدراهم نظروا في العواقب فقالوا: إن هذه تبقى مع الدهر، وقد جاء فرض الزكاة (إن في كل مائتين أو في خمس أواقيَّ خمسة دراهم) والأوقية أربعون، فأشفقوا إن جعلوها كلها على مثال السود؛ ثم فشا فشواً بعد لا يعرفون غيرها، أن يحملوا معنى الزكاة على أنها لا تجب حتى تبلغ تلك السود العظام، مائتين عدداً فصاعداً، فيكون في هذا بخس للزكاة؛ وأشفقوا إن جعلوها كلها على مثال الطبرية أن يحملوا المعنى على أنها إذا بلغت مائتين عدداً حلت فيها الزكاة، فيكون ذلك اشتطاطاً على رب المال، فأرادوا منزلة بينهما يكون فيها كمال الزكاة من غير إضرار بالناس، وأن يكون مع هذا موافقا لما وقت رسول الله (ص) في الزكاة؛

ص: 76

إلى أن قال بعد شرح ما عملوه بشأن الدراهم: فمضت سنة الدراهم على هذا واجتمعت عليه الأمة فلم تختلف أن الدرهم التام هو ستة دوانيق، فما زاد أو نقص قيل درهم زائد أو ناقص، فالناس في زكاتهم بحمد الله ونعمته على الأصل الذي هو السنة والهدى لم يزيغوا عنه ولا التباس فيه، وكذلك المبايعات والديات على أهل الورق، وكل ما يحتاج إلى ذكرها فيه، هذا كما بلغنا، أو هذا معناه اهـ)

ومما روي في صدقة الحلي من الذهب والفضة: (إن عبد الله ابن عمرو حَلّى ثلاث بنات له بستة آلاف دينار، فكان يبعث مولى له جليداً كل عام فيخرج زكاته منه)، ومما قال:(وشرائع الإسلام أُمهات لا يقاس بعضها ببعض، لأن لكل واحدة حكماً غيرُ الأخرى)، ونقل كثيراً من كتب عمر بن عبد العزيز تأييداً للأحكام التي وردت في القرآن وفسرتها السنة، وكان عمل الراشدين ومن بعدهم سنة متبعة في الأموال، ومنها كتب عمر بن عبد العزيز: أن اقضوا عن الغارمين، فكتب إليه: إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث. فكتب عمر: لابد للمرء المسلم من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته، نعم فاقضوا عنه فانه غارم)

ويغتبط قارئ كتاب الأموال أن يرى نور العقل يتخلل كلام أبي عبيد، وأن يقرأ فيه صورة جميلة من تأليف القوم في القرن الثاني وأوائل الثالث بهذه البلاغة الخالية من التكلف. ولو كتبت العلوم الإسلامية كلها على المثال الذي كتب به علماء القرون الأولى لاقتصرت على طالبها طرق التعليم. ولنجا الناس من استظهار تلك الدساتير التي جمد من اقتصر عليها، وسار من تفلت من قيودها سيراً متساوقاً وصل به إلى الغاية، ويشبه كتاب الأموال في تأليفه تأليف يحيى بن آدم في الخراج، ولا يشبه كتاب الخراج لأبي يوسف بأسلوبه، لأن هذا عبارة عن رسالة شرعية سياسية إدارية كتبها إمام عظيم لإمام عظيم في إصلاح مملكته، وأورد له الأحكام للتدليل على ما يقول، ولم يكتبها للتعليم والتفقيه، وفي كتاب الأموال كثير من الفصح والشوارد اللغوية وألفاظ يمكن إحياؤها وهي اليوم منسية أو في حكم المنسي

ويسرني أن ناشر كتاب الأموال الأستاذ محمد حامد الفقي هو من علماء الأزهر، وقد جوّد في التصحيح والتعليق عليه، وإيراد الروايات المختلفة، وطبعه على نسختين مصرية

ص: 77

وشامية، على ما كان وقف على طبع غيره مثل:(تيسير الوصول إلى جامع الأصول من حديث الرسول) لابن الديبع الشيباني (944هـ)، ويلاحظ أنه كان من المفيد للكتاب لو أن ناشره الأستاذ الفقي وضع له فهارس على نحو ما فعل الأستاذ أحمد محمد شاكر لما أعاد نشر كتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي، فانه حلاه بالفهارس على مثال علماء المشرقيات عندما يعانون نشر كتبنا، فيقربون فوائدها بما يؤلفون لها من فهارس بأسماء الرجال والبلدان وغير ذلك، وقد يضعون للكتاب الواحد خمساً أو سبعاً من الفهرستات المختلفة تيسيراً على القارئ، وهذا ما بدأت به دار الكتب المصرية في مطبوعاتها في الأمهات المعتبرة التي تتحف بها العالم العربي الحين بعد الآخر

محمد كرد علي

ص: 78