المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 115 - بتاريخ: 16 - 09 - 1935 - مجلة الرسالة - جـ ١١٥

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 115

- بتاريخ: 16 - 09 - 1935

ص: -1

‌المسرح المصري

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

أخفق المسرح المصري، أو لم يقم، وهذا أصح، لأن الذين حاولوا هذا الأمر لم يجدوا من يسدد خطاهم، ويأخذ بيدهم، ويشد أزرهم، فخابت مساعيهم، وضاعت عليهم جهودهم وأموالهم، وتخبطوا حيناً، ثم يئسوا وانصرفوا عن أمر لا طائل تحته، ولا محصول وراءه، ولا خير فيه لا لهم ولا للأدب ولا للناس.

ويخطئ من يظن أن الذنب للحكومة وحدها، وأن تقصيرها في بذل العون للمسرح قعد به ثم قضى عليه، ولا ريب أن الحكومة أهملته وتركته للأقدار، حتى طار في النزع، ثم حاولت أن تدركه، ولكن بعد أن تفاقمت العلة وتعضَّلت المداوى، فلم ينفذه المال الذي بذل له، بل أزلفه إلى البوار الذي لم يبق منه مفر، ذلك أن المال لم يكن كل ما بالمسرح فقر إليه، فقد بدأ مستغنياً بنفسه عن مثل هذه المعونة، وكان في أول عهده يلقى من الإقبال والتشجيع ما ينفى عنه الشعور بوجود خلة تتطلب أن تسدّ، ثم فتر الإقبال وانصرف الناس لأنهم لم يجدوا ما يطلبون، وما كان خليقاً أن يؤدي إلى قيام مسرح مصري بالمعنى الصحيح، فقد كان المسرح معنياً بالترجمة والنقل والتمصير، فكان صدى للمسارح الغربية، ولم تكن له صبغة مصرية، وليس عندنا ممثلون في وزن ممثلي الغرب، والحياة المصرية لا تشبه الحياة الغربية إلا في بعض المظاهر المنقولة، ومجتمعنا يقوم على نظم تغاير نظم الغرب من وجوده شتى، على الرغم من كثرة ما أخذنا عنه واقتبسنا منه، وكذلك تختلف الروح والمزاج والطبائع والنزعات. فإنا شرقيون على فرط ما نحاول أن نتغرّب، ومازال صحيحاً أن الشرق شرقٌ، والغرب غربٌ، وأنهما لا يكادان يلتقيان، والشرق مهبط الأديان، والغرب مصانع آلات، والأديان لا تهبط الآن في شرق أو غرب، ولكن مزاج النفوس هو هو، كما كان، في الناحيتين، وتهيؤها واستعدادها واتجاهها، وأسلوبها في تلقي الحياة وتناولها، ولا عبرة بالتعليم أو الجهل في هذا الباب، وإنما العبرة بالروح العامة، قد يزوّرها التعليم ويخفيها أو يسترها، ولكنه لا يستطيع أن يغيرها.

لهذا كان ما يمثل على المسرح المصري من الروايات المترجمة أو الممصرة، لا يستولي على هوى الجمهور، ولا يشعره أن ما يراه يصور حياته كما بدت للكاتب، وبعد أن أفرغ

ص: 1

عليها صبغة الفن، فبقى المسرح غريباً أو أجنبياً وإن كانت لغته العربية حيناً، والعامية أحياناً، صار المرء يؤثر أن يقرأ هذه القصص في الأصل أو بإحدى اللغات التي نقلت إليها، أو أن يشاهد ما يعرض منها في دور السينما.

وقد قطع المسرح - أو باعد على الأقل - ما بينه وبين الأدب، فكانت تلك جناية ليس كمثلها جناية، ألوت به أشد الإلواء، وأتت عليه من قواعده، ولسنا نفرد رجال المسرح أو الأدباء باللوم، فان كلا من هؤلاء يحمل نصيبه، ولعل رجال الأدب قصراً في الاتصال بالمسرح، وعسى أن يكون الذنب للاتجاه العام الذي سار فيه الأدب المصري بعد نهضته الحديثة، فقد كانت العناية كلها - أو جلها - بالشعر والبحث والنقد، ولم تكن القصة تشغل حيزاً في هذه الحلبة الواسعة، ولكن رجال المسرح كانوا أشد تقصيراً، فقد كانوا يستطيعون أن يحولوا إليهم جدولاً من ذلك النهر الفياض، غير أنهم تهيبوه وأشفقوا من مطالبه، وظنوا في مقدورهم أن يستغنوا عنه، واجروا سفينتهم على العامية فجنحت بهم ولزقت بالأرض، وتحطمت على الصخر.

والعامية لفظة نطلقها هنا على اللغة وعلى أسلوب التناول أيضاً، فنحن نعنى بها الجمل باللغة، والجهل بالروح التي كان يجب أن يستوحيها المسرح، وهو توسع في التعبير نجيزه لأنفسنا في هذا المقام ولا نرى منه بأساً، ولا نخشى معه التباساً، والأدب وحده هو الذي يدخل في وسعه أن يهتدي إلى اللغة المرافقة لقصة المسرح، وهو وحده الذي يستطيع أن يستلهم روح الجماعة، فأما أنه هو الذي يقدر على الأداء الموافق، فلأن الأدب ذوق وبصر وسليقة وعلم وفن، فان لم يكن هذه فهو ليس بأدب، وأما قدرته على الاستيحاء فذاك لأنه فن، والفن ملكة يحصل بها إدراك الحقائق وإبرازها على نحو يصدق على العموم وإن كان يبدو أنه في أمر على الخصوص، ومن هنا فرق ما بينه وبين التجربة، فإنها معرفة بأحوال معينة وخبرة بها تقتصر عليها ولا تتسع حتى تكون شاملة، أما الفن فيتعاق بالحقائق العامة، وهو فطنة، لا علم، وملكة قد تساعدها الخبرة ولكنها لا تخلقها، وذوق تصقله وترهفه المرانة غير أنه لا يكتسب بها، وإن كانت المرانة تفيد الحذق والبراعة.

ولا يقل أحد إن الجماهير لا تقدر الأدب، وإنها يشق عليها أن ترتفع إلى طبقته كما يتعذر عليه أن ترتفع إلى طبقته كما يتعذر عليه هو أن ينزل إليها، فان القول بهذا اجهل وغفلة،

ص: 2

والذي يذهب إلى هذا الرأي إنما ينظر إلى الشكل والعبارة لا إلى الجوهر والموضوع، ثم هو يخلط بين ضروب متباينة من الأدب. نعم، يعسر على الجماهير غير المثقفة أن تنتفع أو تستمتع ببحث أو درس، أو أن تدرك القيمة الحقيقية لقصيدة، وأن تفطن إلى عناصر الجمال أو الجلال أو القوة فيها، ويعييها أن تبين لماذا يطربها الشعر أو يروقها الكلام ويطيب موقعه من نفوسها، أو يؤثر فيها، ولكنها تميز بغريزتها وإن لم تميز بعقلها، وتحس بروحها وإن عزها الاهتداء إلى السبب، والقصة، بعد، شيء لا عناء عليها في فهمه، لأنها حوادث ووقائع قد يكون أو لا يكون وراءها معنى عويص أو فكرة عميقة، على أن الوقوع على المراد لا يعجز الجمهور إذا سيق مساق القصة، وللناس نفوس، وفيهم نظر ولهم إدراك وإحساس إذا لم يكن لهم علم. وأسلوب القصة يسهل التلقف، ويقرب المغاص، وفي وسع القارئ أو المشاهد أن يعرف مبلغ الصدق في التصوير إذا لم يستطيع أن يقطن إلى دقائق الفن، كما يعجب بالصورة ويشهد لها بالصدق في التعبير، والقوة في النطق، وإن غابت عنه المزايا الفنية التي لا يراها أولا يستطيع الحكم عليها إلا أهل هذا الفن والعارفون به.

وقد تم هدم المسرح لما ظهرت السينما الناطقة، لأن مجالها أرحب، وميدانها لا تكاد تحصره الحدود، وقد تضعضع المسرح في أوربا من جرائها، فلا بدع أن قوضته في مصر، وهو هناك يعانى منها البرح، فغير مستغرب أن يدركه هنا الفناء، وعسير بعد السينما الناطقة أن يقوم في مصر مسرح إلا في ظل الحكومة وبمالها ورعايتها، ولكنه لا خير في هذه الرعاية إذا لم يقض عليه القائمون به الصبغة المصرية، ولم يخلعوا عنه ذلك الثوب المستعار الذي انتهى بأن صار كفناً له، وقد صار أمل المسرح المصري معقوداً الآن برجلين أثنين يتوليانه: حافظ عفيفي باشا، والشاعر خليل مطران، فإذا خاب هذان، فلست أرى أملاً للمسرح وراءهما.

وقد كانت عناية الحكومة - إلى الآن - بالأوبرا دون غيرها، وصحيح أنها اعتادت في السنوات الأخيرة أن تمنح الفرق إعانات، وأن تبذل للممثلين مكافآت، ولكن الإعانة كانت ضئيلة لا تغنى، والمكافأة كانت زرية، وكان الأسلوب الذي تجري عليه وزارة المعارف في منحها لا يخلو من استهان لكرامة الممثل. على أن هذا كله لم يكن إلا ستراً لجودها

ص: 3

على الأوبرا، وليست الأوبرا مصرية، ولا التمثيل فيها بلغتنا، ولعل مصر هي الدولة الوحيدة التي تبنى داراً للأوبرا لتستقدم إليها فرقاً من أمم شتى تمثل بلغاتها ويضمن لها الربح، وإن كان أبناء البلاد لا يذهبون إليها ولا يشهدون ما يمثل على ملعبها. وهو تكلف شديد انفرادنا به، ولا غاية منه إلا أن تجد السياح حين يفدون داراً للأوبرا، عامرة بمثل ما ألقوه في ديارهم، ولو أن هذه الأوبرا كانت مصرية والتمثيل فيها كذلك، لكان هذا أبعث على سرور السياح، لأنهم لا يجيئون إلى بلادنا ليروا فيها ما يرون في بلادهم، بل ليطلعوا على ما عندنا نحن، مما لعنا تميزّنا به وخالفناهم فيه، ولو وثقوا أن ما عندنا ليس إلا صورة لما تركوه لما جشموا أنفسهم عناء السفر ومشقات الرحلة ونفقاتها. وليت الفرق التي نبذل لها المال لنفاخر بها من الطراز الأول! والغريب بعد ذلك أن الفرق المصرية كانت تذاد عن دار الأوبرا إلا في الندرة القليلة والفلتات المفرده. وهذا حال يجب أن يقلب ليعتدل، وعار ينبغي أن يغسل عنا، ومهزلة يجب أن تقصر الحكومة عنها، وإلا صح فينا بعد ألف سنة أننا أمة تضحك من جهلها الأمم.

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 4

‌ثباتُ الأخلاق

للأستاذ مصطفى صادق الرافعى

لو أنني سئلت أن أُجمل فلسفة الدين الإسلاميَّ كلها في لفظين، لقلتُ أنها: ثبات الأخلاق، ولو سئل أكبر فلاسفة الدنيا أن يوجز علاج الإنسانية كله في حرفين، لما زاد على القول إنه ثباتُ الأخلاق، ولو أجتمع كلُّ علماء أوربا ليدرسوا المدنية الأوربية ويحصروا ما يعوزها في كلمتين لقالوا: ثباتُ الأخلاق.

فليس ينتظرُ العالمُ أنبياء ولا فلاسفةً ولا مصلحين ولا علماء يبدعون له بدعاً جديداً، وإنما هو يترقب من يستطيع أن يفسر له الإسلام هذا التفسير، ويثبتَ للدنيا أن كل العبادات الإسلامية هي وسائل عمليةٌ تمنع الأخلاقَ الإنسانية أن تتبدّل في الحي فيخلع منها ويلبس، إذا تبدلت أحوال الحياة فصعدت بإنسانها أو نزلت، وأن الإسلام يأبى على كل مسلم أن يكون إنسان حالته التي هو فيها من الثروة أو العلوم، ومن الارتفاع أو الضعة، ومن خمول المنزلة أو نباهتها، ويوجب على كل مسلم أن يكون إنسان الدرجة التي انتهى إليها الكونُ في سموهّ وكماله، وفي تقلبه على منازلة بعد أن صفى في شريعة بعد شريعة، وتجربة بعد تجربة، وعلم بعد علم.

انتهت المدنيةُ إلى الأخلاق بتبدل أحوال الحياة، فمن كان تقياً على الفقرة والإملاق وحرمه الإعسارُ فنون اللذة، ثم أيسر من بعدُ، جاز له أن يكون فاجراً على الغنى، وأن يتسمح لفجوره على مدَّ ما يتطوع به المال، وإن أصبح في كل دينار من ماله شقاءُ نفس إنسانيةٍ أو فسادُها.

ومن ولد في بطن كوخ، أو على ظهر الطريق، وجب أن يبقى أرضاً إنسانية، كأن الله سبحانه لم يبن من عظامه ولحمه وأعصابه إلا خربة آدمية من غير هندسة ولا نظام ولا فن. . . ثم يقابله من ولد في القصر أو شبه القصر فله حكم آخر، كأن الله سبحانه قد ركب من عظمه ودمه وتكوينه آية هندسة، وأعجوبة فن، وطرفة تدبير، وشيئاً مع شيء، وطبقة على طبقة ولكن الإسلام يقر ثبات الحلق ويوجبه وينشئ النفس عليه، ويجعله في حياطة المجتمع وحراسته، لأن هناك حدوداً في الإنسانية تتميز بحدود في الحياة، ولا بد من الضبط في هذه وهذه، حتى لا يكون وضعٌ إلا وراءه تقدير، ولا تقديرٌ إلا معه حكمة، ولا

ص: 5

حكمة إلا فيها مصلحة، وحتى لا تعلوا الحياة ولا تنزل إلا بمثل ما ترى منِ كفتى ميزان شدَّتا في علاقة تجمعهما وتحركهما معاً، فهي بذاتها هي التي تنزلُ بالنازل لتدلَّ عليه وتشيل بالعالي لتبين عنه. فالإسلام من المدنية، هو مدنية هذه المدينة.

إنها لن تتغيرَ مادة العظم واللحم ولدم في الإنسان فهي ثابتة مقدَّرة عليه، ولن تتبدل السنن الإلهية التي توجدها وتفنيها فهي مصرَّفة لها قاضيةٌ عليها، وبين عمل هذه المادة وعمل قانونها فيها، تكون أسرارُ التكوين، وفي هذه الأسرار تجد تاريخ الإنسانية كلة سابحاً في الدم.

هي الغرائز تعمل في الإنسانية عملَها الإلهي، وهي محدَّدة محكمةٌ على ما يكون من تعاديها واختلاف بينها، وكأنها خُلقت بمجموعها لمجموعها. ومن ثم يكون الخلق الصحيح في معناه قانوناً إلهياً على قوة كقوة الكون وضبط كضبطه. وبهذه القوة وهذا الضبط يستطيع الخلق أن يحوَّل المادة التي تعارضه إذا هو أشتد وصلب، ولكنه يتحول معها إذا هو قوةُ الفصل بين ضعف. فهو قدرٌ إلا أنه في طاعتك، إذ هو قوة الفصل بين إنسانيتك وحيوانيتك، كما أنه قوة المزج بينهما، كما أنه قوة التعديل فيهما. وقد سوَّع القدرة على هذه الأحوال جميعاً، ولولا أنه بهذه المثابة لعاش الإنسان طول التاريخ قبل التاريخ، إذ لن يكون له حينئذ كونٌ تؤرخ فضائله أو رذائله بمدح أو ذم.

فلا عبرة بمظهر الحياة في الفرد، إذ الفردُ مقيدٌ في ذات نفسه بمجموع وليس له وحده. فانك ترى الغرائز دائبة في إيجاد هذا الفرد لنوعه بسننٍ من أعمالها، ودائبةً كذلك في إهلاكه في النوع نفسه بسنن أخرى. فليس قانونُ الفرد إلا أمراً كما ترى، وبهذا يمكن أن يتحول الفرد على أسباب مختلفة. ثم تبقى الأخلاق التي بينه وبين المجموع ثابتةً على صورتها. فالأخلاقُ على أنها في الأفراد هي في حقيقتها حكمُ المجتمع على أفراده، فقوامها بالاعتبار الاجتماعيّ لا غير.

وحين يقع الفسادُ في المجْمع عليه من آداب الناس، ويلتوي ما كان مستقيماً، وتشتبه العاليةُ والسافلة، وتطرحُ المبالاة بالضمير الاجتماعي، ويقوم وزن الحكم في اجتماعهم على القبيح والمنكر، وتجري العبرة فيما يعتبرونه بالرذائل والمحزمات، ولا يعجبُ الناسَ إلا ما يفسدهم، ويقع ذلك منهم بموقع القانون ويحلَّ في محل العادة، فهناك لا مساكَ للخلق السليم

ص: 6

على الفرد، ولا بد من تحول الفرد في حقيقة إذ كان لا يجئ أبداً إلا متصدعاً في كل مظاهره الاجتماعية، فأينما وقع من أعمال الناس جاء مكسوراً أو مثلوماً، وكأنه منتقلٌ من عالم إلى عالم ثانٍ بغير نواميس الأول.

وما شذّ من هذه القاعدة إلا الأنبياء وأفراد من الحكماء، فأما أولئك فهم قوة التحويل في تأريخ الإنسانية لا يبعث أحدهم إلا ليهيج به الهيج في التاريخ، ويتطرق به الناس إلى سبل جديدة كأنما تطردهم إليها العواصف والزلازل والبراكين، لا شريعته ومبادئه وآدابه. وأما الحكماء الناضجون فهم دائماً في هذه الإنسانية أمكنةٌ بشريةٌ محصنة لحفظ كنوزها وإحرازها في أنفسهم، فلهم في ذات أنفسهم عصمةٌ ومنصة كالجبال في ذات الأرض.

الأخلاقُ في رأي هي الطريقة لتنظيم الشخصية الفردةِ على مقتضى الواجبات العامة، فإصلاح فيها إنما يكون فيها من عمل هذه الواجبات، أي من ناحية المجتمع والقائمين على حكمه. وعندي أن للشعب ظاهراً وباطناً، فباطنه هو الدينُ الذي يحكم الفرد، وظاهره هو القانونُ الذي يحكم الجميع، ولن يصلح للباطن المتصل بالغيب، إلا ذلك الحكم الديني المتصلُ بالغيب مثله، ومن هنا تتبينُ مواضع الاختلال في المدينة الأوربية الجديدة، فهي في ظاهر الشعب دون باطنه، والفردُ فاسدٌ بها في ذات نفسه إذا هو تحليل من الدين، ولكنه مع ذلك يبدو صالحاً منتظماً في ظاهره الاجتماعيّ بالقوانين وبالآداب العامة التي تفرضها القوانين، فلا يبرح هازئا من الأخلاق ساخراً بها لأنها غير ثابتة فيه، ثم لا تكون عنده أخلاقاً يعتدَّ بها إلا إذا درت بها منافعه وإلا فهي ضارةَّ إذا كانت منها مضرة، وهي مؤلمة إذا حالت دون اللذات. ولا ينفكُّ هذا الفرد يتحول لأنه مطلق في باطنه غير مقيدُ إلا بأهوائه ونزعاته، وكلمتا الفضيلة والرذيلة معدومتان في لغة الأهواء والنزعات إذ الغايةُ المتاعُ واللذة والنجاحُ، وليكن السببُ ما هو كائن. . . .

وبهذا فلن تقوم القوانين في أوربا إذا فني المؤمنون بالأديان فيها أو كاثرهم الملحدون، وهم اليوم يبصرون بأعينهم ما فعلت عقلية الحرب العظمى في طوائف منهم قد خرجت أنفسهم من إيمانها فتحولوا ذلك التحول الذي أومأنا إليه، فإذا أعصابهم بعد الحرب ما تزال محاربةً مقاتلة ترمى في كل شيء بروح الدم والأشلاء والقبور والتعفُّن والبلى. . . . وانتهت الحربُ بين أمم وأمم، ولكنها بدأت بين أخلاق وأخلاق.

ص: 7

وقديماً حارب المسلمون، وفتحوا العالم، ودوّخوا الأمم، فأثبتوا في كل أرض هدى دينهم وقوة أخلاقهم الثابتة، وكان من وراء أنفسهم في الحرب ما هو ورائها في السَّلم، وذلك بثبات باطنهم الذي لا يتحول، ولا تستخفه الحياةُ بنزقها، ولا تتسفّهُه المدنيات فتحمله على الطيش.

ولو كانوا هم أهل هذه الحرب الأخيرة بكل ما قذفت به الدنيا، لبقيت لهم العقليةُ المؤمنةُ القوية، لأن كل مسلم فإنما هو وعقليتهُ في سلطان باطنه الثابت القارَّ على حدود بينةٍ محصلة مقسومة تحوطُها وتمسكها أعمال الأيمان التي أحكمها الإسلام أشد إحكام بفرْضها على النفوس منوعة مكررة كالصلاة والصوم والزكاة ليمنع بها تغيراً ويحدث بها تغيراً آخر، ويجعلها كالحارسة للإرادة ما تزال تمرُّ بها وتتعهدها بين الساعة والساعة.

إنما الظاهرُ والباطنُ كالموج والساحل، فإذا جنَّ الموج فلن يضيره ما بقى الساحلُ رَكيناً هادئاً مشدوداً بإعضاده في طبقات الأرض. أما إذا ماج الساحل. . . فذلك أسلوب آخر غير أسلوب البحار والأعاصير، ولا جرمَ ألا يكون إلا خسْفاً بالأرض والماء وما يتصل بهما.

في الكون أصلٌ لا يتغير ولا يتبدل، هو قانون ضبط القوة وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الحكمة. ويقابلهُ في الإنسان قانون مثله لا بد منه لضبط معاني الإنسان وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الكمال. وكل فروض الدين الإسلاميّ وواجباته وآدابه، إن هي إلا حركةُ هذا القانون في عمله، فما تلك إلا طرقُ ثابتة لخلق الحسّ الأدبيّ. وتثبيته بالتكرار، وإدخاله في ناموسٍ طبيعيّ بإجرائه في الأنفس مجرى العادة، وجعله بكل ذلك قوة في باطنها، فتسمى الواجبات والآداب فروضاً دينية، وما هي في الواقع إلا عناصرُ تكوين النفس العالية، وتكون أوامر وهي حقائق.

من ذلك أرانا نحن الشرقيين نمتاز على الأوربيين بأننا أقربُ منهم إلى قوانين الكون، ففي أنفسنا ضوابطُ قوية متينة إذا نحن أقررنا مدنيتهم فيها - وهي بطبيعتها لا تقبل إلا محاسنَ هذه المدنية - سبقناهم وتركنا غبارَ أقدامنا في وجوههم، وكنا الطبقة المصفاةَ التي ينشدونها في إنسانيتهم الراهنة ولا يجدونها، ونمتاز عنهم من جهة أخرى بأننا لم ننشئ هذه المدينة ولم تنشئنا، فليس حقاً علينا أن نأخذ سيئاتها في حسناتها، وحماقتها في حكمتها، وتزويرها في حقيقتها، وأن نسيغ منها الحلوة والمرة، والناضجة والفجةُ، وإنما نحن نحصّلها ونقتبسها

ص: 8

ونرتجع منها الرجعةَ الحسنة، فلا نأخذ إلا الشيء الصالح مكان الشيء قد كان عندنا وندع ما سوى ذلك، ثم لا نأخذ ولا ندع إلا على الأصول الضابطة في أدياننا وآدابنا، ولسنا مثلهم متصلين من حاضر مدنيتهم بمثل ماضيهم. بيد أن العجب الذي ما يفرغ عجبي منه أم الموسومين منا بالتجديد لا يحاولون أول وهلةٍ وآخرها غلا هدمَ تلك الضوابط التي هي كل ما نمتازُ به، والتي هي كذلك كل ما تحتاج إليه أوربا لضبط مدينتها، ويسمون ذلك تجديداً، ولهو بأن يسمى حماقةً وجهلاً أولى وأحق.

أقول ولا أبالي: إننا ابتلينا في نهضتنا هذه بقوم من المترجمين قد احترفوا النقلَ من لغات أوربا، ولا عقل لهم إلا عقلُ ما ينقلونه، فصنعتهم الترجمة من حيث يدرون أو لا يدرون صنعة تقليدٍ محضٍ ومتابعةٍ مستعبدةٍ، وأصبح عقلهم بحكم العادة والطبيعة، إذا فكرَّ انجذب إلى ذلك الأصل لا يخرج عليه ولا يتحول عنه. وإذا صح أن أعمالنا هي التي تعلمنا كما يقول بعض الحكماء، فهم بذلك خطر أي خطر على الشعب وقوميته وذاتيته وخصائصه، ويوشك هو أطاعهم إلى كل ما يدعون إليه أن. . . أن يترجموه إلى شعب آخر. . . .

إن أوربا ومدنيتها لا تساوى عندنا شيئاً إلا بمقدار ما تحقق فينا من اتساع الذاتية بعلومها وفنونها، فإنما الذاتية وحدها هي أساس قوتنا في النزاع العالميّ بكل مظاهره أيها كان؛ ولها وحدها، وباعتبار منها دون سواها، نأخذ ما نأخذه من مدنية أوربا ونهمل ما نهمل، ولا يجوز أن نترك التثبت في هذا ولا أن نتسامح في دقة المحاسبة عليه.

فالمحافظة على الضوابط الإنسانية القوية التي هي مظاهر الأديان فينا، ثم إدخالُ الواجبات الاجتماعية الحديثة في هذه الضوابط لربطها بالعصر وحضارته، ثم تنسيق مظهر الأمة على مقتضى هذه الواجبات والضوابط، ثم العملُ على اتحاد المشاعر وتمازجها لتقويم هذا المظهر الشعبيّ في جملته بتقويم أجزائه. هذه هي الأركانُ الأربعة التي لا يقوم على غيرها بناءُ الشرق.

والحاد والنزعات السافلة وتخانيث المدنية الأوربية التي لا عمل لها إلا أن تظهر الخطر في أجمل أشكاله. . . ثم الجهلُ بعلومالقوة الحديثة وبأصول التدبير وحياطة الاجتماع وما جرى في هذا المجرى. ثم التدليس على الأمة بآراء المقلدين والزائفين والمستعمرين لمحق الأخلاق الشعبية القوية، وما اتصل بذلك. ثم التخاذل والشقاق وتدابر الطوائف وما كان

ص: 9

بسبيلها. تلك هي المعاول الأربعة التي لا يهدم غيرُها بناءَ الشرق.

فليكن دائماً شعارنا نحن الشرقيين هذه الكلمة: أخلاقنا قبل مدنيتهم

(طنطا)

مصطفى صادق الرافعي

ص: 10

‌طب النفس

للأستاذ أحمد أمين

لست أدري لماذا يؤمن الناس أشد الأيمان بمرض أجسامهم، ولا يؤمنون بمرض نفوسهم، فإذا شعر أحدهم بمرض جسمي أسرع إلى الطبيب يصف له أعراضه، ويستوصفه دواءه، وينفذ أوامر مهما دقت، ويبذل في ذلك الأموال مهما جلّت، ثم هو يمرض نفسياً، فلا يأبه لذلك، ولا يعيره عناية، ولا يستشير طبياً نفسياً، ولا يعني بدرس الأعراض ومعرفة الأسباب، وقد يلح عليه مرض النفس، ويصل به إلى اليأس، فلا يسمى لعلاج، ولا تجد في معرفة دواء، كأن نفسه أهون عليه من جسمه، وروحه أتفه من بدنه.

ومن أجل عناية الناس بأجسامهم دون نفوسهم، كان لدينا نظام شامل واف لطب الأجسام دون طب النفوس، فمدرسة لتخريخ الأطباء حتى للطب البيطري، ومعاهد للتشريح والتجارب، وتخصصُ في الأمراض، فهذا طبيب عين، وهذا طبيب أنف وحنجرة، وهذا طبيب أسنان، وهذا طبيب باطني الخ، وكان لكل حيَّ طبيب أو أطباء، ولكل مدرسة طبيب، وفي الأمم الراقية لكل أسرة طبيب، ووجدت المستشفيات في أنحاء الأقطار، وعدها الناس عملاً خيرياً يتبرعون لها بأموالهم، كما عدتها الحكومة ضرورة اجتماعية ترصد لها الأموال في ميزانياتها، وأنشئت الصيدليات في كل حي وكل شارع لتلبية طلبات الأطباء والجماهير في كل وقت إسعافاً للجسم في مرضه وفي ترفه.

وخضعت هذه النظم لسنة الارتقاء، فهي تساير الزمان، وتستفيد مما يؤدي إليه البحث والعلم، وتتكيّف حسب ما تقتضيه الأحوال، وتجهز بأحدث المخترعات.

والعقل عنى بعض هذه العناية، فكان أطباء للأعصاب، ومستشفيات للمجاذيب، وبحوث وتجارب في أمراض العقل وعلاجه أما النفس فحظها من ذلك كله حظ الأرنب بجانب الأسد، فلا الناس يقدرون خطورة أمراظها، ولا تنشأ المدارس لأطبائها، ولا تؤسس المستشفيات لعلاجها.

مع أني أعتقد أن آلام الناس مكن نفوسهم أكثر من آلامهم من جسومهم، وإضرار المجتمعات من مرضى النفوس تفوق أضرارها من مرضى الجسوم، وللنفس أمراض لا حصر لها، تختلف كاختلاف أمراض الجسم إلى مرض عين ومرض معدة ومرض أمعاء،

ص: 11

فهناك حميات نفسية متعددة كحميات الأجسام، وهناك تسمم نفسي يشبه التسمم الجسمي، وهناك ميكروبات نفسية كالميكروبات المادية، وهناك عدوى بها تصيب النفوس كعدوى الأجسام - وهناك انفعالات تحرق النفس وتضني البدن إلى آخر ما هنالك، ولكل هذه الأمراض علاجات تختلف باختلاف المرض وباختلاف الشخص ولها أدوية من جنسها، منها ما يسكن الألم، ومنها ما يشفي المرض - وهي في دراستها وتشخيصها وعلاجها أدق وأصعب منالاً وأغمض كشفاً، والفرق بينها وبين أمراض الجسم وعلاجه كالفرق بين الجسم والنفس.

فما أحوجها إلى أطباء مهرة، ومستشفيات صالحة معدة ودراسات عميقة منتجة، ونظم في ذلك ترقى مع الزمان رقي طب الأجسام.

لعل الذي صرف الناس عن علاج نفوسهم إلى علاج جسومهم أنهم أو الكثير منهم لا يزالون يسبحون في دائرة الحس وحده، ولم يرتقوا إلى ملاحظة النفوس وشؤونها، فإذا جرح الإنسان جرحاً بسيطاً في جسمه هرع إلى الطبيب يعالجه ويحتاط له، وإذا كسر عظمه ذهب إلى الطبيب ليجبر كسره، ولكن إذا جرحت نفسه ولو جرحاً عميقاً، وكسرت ولو كسراً خطيراً احتمل الألم من غير بحث عن علته أو نتائجه أو طرق مداواته لأنه لا يزال مادياً في إدراكه أولياً في تفكيره.

أو لعل السبب أن الناس لا يؤمنون بأطباء النفوس إيمانهم بأطباء الأجسام، فهم لا يعتقدون في صلاحيتهم، ويشكون كل الشك في قدرتهم على علاجهم، فيستسلمون للمرض النفسي كما يستسلمون لمرض جسمي استحال شفاؤه، ولم يستكشف دواؤه، إن كان هذا فعلى الطب النفسي أن يثبت أن قدرته، ويبرهن على نجاحه حتى يقبل الناس عليه ويؤمنوا به.

وقد يكون السبب أن الناس يؤمنون بسهولة أمراض النفس وقدرتهم على علاجها والإشتفاء من غير طبيب، فما عليه إن كان حزيناً إلا يضحك، أو منقبضاً إلا أن يتسلى، وهذا خطأ بين؛ فأمراض النفوس كأمراض الجسم فيها ما يداوى بحمية وفيها ما يستعصي على الطبيب الماهر والخبير الحاذق.

لعلك تزعم أن هذه الناحية من طب النفوس لم تهمل بتاتاً فهنالك المدارس للتهذيب، فيها إصلاح النفوس وفيها دروس الدين والأخلاق لمعالجة الأمراض، وهناك الوعّاظ لإرشاد

ص: 12

الناس وعلاج النفس، وهناك العرف والقوانين توجه الناس إلى الخبير وتجذرهم من الشر، وفي تهذيب لنفسهم وإصلاح لجوانب الشر فيهم.

ولكن يظهر لي أنها كلها مع فائدتها لا تكفي، لأنها - من ناحية - تكاد تكون علاجاً عاماً يقال لكل الأشخاص، وتخاطب بها كل النفوس، كالطبيب يذكر ضرر الإفراط في الأكل، وأضرار كثيرة التدخين، وفائدة الرياضة البدنية، وفائدة الاعتدال في المأكل والمشرب، وهي قل أن تتعرض للأزمات النفسية الخاصة بكل نفس وما أحاط بها من ظروف خاصة، ونوع النفس وما يلزم لها من علاج خاص بها، هي أقرب ما تكون إلى الوقاية لا إلى العلاج، وللاحتياط من الوقوع في المرض لا لعلاج المرض، فان تعرضت لعلاج وصفت علاجاً عاماً للناس على السواء، إذ ليس في استطاعتها - غالباً - أكثر من ذلك.

ومن ناحية أخرى أكثر ما بأيدينا منها اليوم يؤسس على ما وصل إليه العلم الحديث، ولم يبن على ما أستكشف من قوانين علم النفس على قلة ما أستكشف منها، فالدراسة الحديثة أبانت عن اتجاهات كانت غامضة، وأخطاء كانت ترتكب في تصور النفس وإدراكها وجرائمها وطرق تهذيبها، ولا يزال علماء النفس يقومون في أول مراحلهم، ولم يقولوا في النفس إلا الكلمة الأولى، فكان من المعقول أن يساير التهذيب ودراسة الأخلاق وعلاج النفس ما وصل إليه علم النفس وعلم الاجتماع، كما يساير علم طب الأجسام ما يستكشف من مخترعات. فآلات الجراحة اليوم غيرها بالأمس، والمادة الطبية اليوم غيرها بالأمس، والمادة الطبية اليوم غيرها بالأمس وهكذا ولكن ذلك لم يكن.

وربما كان أقرب المناحي إلى طب النفس منحى الصوفية، فقد كان لكل مريد شيخه يفضي إليه بدخائل قلبه وأزمات نفسه، ووسائسه وخطراته وآلامه وتوجهاته، والشيخ يصف لكل مريد ما يراه أنسب له وأقرب لعلاجه، ويصف له طرقاً يسلكها واتجاهات يتجهها وأوراداً يتلوها، يرى أنها تشفى مرضه، وتبرئ نفسه، وله في كل مريد نظرته وفراسته، بها يشخص وبها يصف، ولكن تكاد تقتصر هذه الحالة بين المريد والشيخ على الأزمات الدينية، أما ما عدا ذلك من أزمات دنيوية واجتماعية، فقلما يتناولها المريد والشيخ، على أنه، من لكل مريد بهذا الشيخ الدقيق النظر الصائب الفكر الصادق الفراسة الموفق في تبيُّن المرض ومعرفة العلاج.

ص: 13

وإذا عدمنا مثل هذا الشيخ وحرمت مجتمعاتنا من نظم وافية شاملة للطب النفسي كالنظم الوافية الشاملة للطب الجسمي فلا أقل من أن نوجه النظر إلى أن يعنى كل شخص بناحيته النفسية عناية لا تقل عن عنايته الجسمية. فضحايا أمراض النفوس كثيرون، وصرعى المرض لا يحصون، والالتفات إلى فتك هذا النوع من الأمراض ضعيف فاتر - فهناك صرعى الخوف من الموت ومن الفقر ومن الرؤساء، وهناك صرعى الشك في الدين وفي الحياة وقيمتها وفي كل ما يحيط بهم مما في الأرض وما في السماء، وهناك صرعى الحزن لا يسرهم شيء في الحياة، ويودون أن يبكوا دائماً ويسودون كل منظر يرونه، ويحزنون عند ما يحزن الناس ويحزنون عند ما يضحك الناس، فإذا عدموا أسباب الحزن حلقوها حتى من أعمق منابع السرور - وهكذا تتعدد الصرعى كصرعى السل والسرطان وما إليها - يبدوا فيهم مكروب النفس صغيراً ثم ينمو شيئاً فشيئاً حتى يفترسهم، ثم من العجيب ألا يتوجهوا قليلاً ولا كثيراً إلى قتلها قبل أن تقتلهم وهزيمتها قبل أن تهزمهم، كأنهم يظنون أن المرض فوق أن يعالج والأمر أيأس من أن يفكر فيه.

لأمراض النفس أسباب عدة: من حالة صحية، وبيئة اجتماعية، وبذور ميكوربات تسرب إليها من كتب قرأتها، ومقالات طالعتها، وأحاديث سمعتها، ومناظر رأتها إلى غير ذلك، ولعل أهم مرض نفسي يصيب طائفة المثقفين سببه أنهم لا يريدون أن يكونوا أنفسهم ويريدون أن يكونوا غيرهم.

لقد خلقت النفوس البشرية متشابهة في بعض جهاتها، مختلفة في بعض جهاتها، شأنها في ذلك شأن الوجوه، فكل وجه فيه عينان وأنف بين العينين وفم تحت الأنف وذقن تحت الفم ولكن مع هذا الاشتراك لكل إنسان وجهه الخاص به لا يشاركه فيه غيره، وكذلك النفوس تشترك في اللذة والألم، وتشترك في أهم منابع اللذة ومنابع الألم وتشترك في الغرائز الأساسية وما إلى ذلك، ومع هذا فلكل إنسان نفسه الخاصة، لا يساويها في جميع وجوهها غيرها.

ومما ألاحظه أن كل إنسان إن سارت على فطرتها، وعرفت أن تتغذى بما يناسبها، وطلبت لها مثلاً أعلى يتفق وطبيعتها، عاشت في الأغلب راضية مطمئنة، فان فطرتها وحاولت أن تكون غيرها أظلمت وأصابها الحزن والقلق والاضطراب، وفقدت سعادتها وهناءها،

ص: 14

واطمئنانها ورضاءها، ومحال أن تنال ما يخالف فطرتها، كما هو محال أن يكون الوجه الأسود أبيض، أو الأبيض أسود، أو الطويل قصيراً، أو القصير طويلاً.

يسعد الإنسان إذا عرف طبيعته وحدوده التي يستطيع أن يصل إليها، ونوع الرقى الذي يمكن أن يبلغه، فان حاول أن يكون غير ذلك كان في الحياة (ممثلاً) لا يعيش عيشته الطبيعية، فهو فقير يمثل دور ملك، وصعلوك يمثل دور وزير، وطفل يمثل شيخاً هرماً، ورجل يمثل دور امرأة، ومحال أن يوائم بين نفسه الحقيقية والدور الذي يمثله إلا بمقدار ما يظهر على المسرح، فان هو حاول أن يطيل ذلك بعد دوره فجزاؤه الهزؤبه، والسخرية منه، وقلق نفسه، واضطراب شأنه.

فأكثر أسباب اضطراب المثقف ناشئ من أنه غبي يريد أن يكون ذكياً، أو ميال بطبعه إلى العزلة والانكماش، يريد أن يكون وجيهاً شهيراً، أو عالم يريد أن يكون أدبياً، أو أديب يريد أن يكون وقحاً، أو متزن نواحي العقل يريد أن يكون نابغاً شاذاً الخ. فهو يحاول، ثم يفشل ويفشل، لأنه يكلف النفس ضد طباعها، وهذا الفشل يهز نفسه هزة عنيفة تسبب له القلق الروحي والاضطراب النفسي، هو بذلك يريد أن يكون إنساناً صناعياً وهو مخلوق إنساناً طبيعياً، فالتوفيق محال، فخير نصيحة لهذا وأمثاله أن تقول له:(كن نفسك، ولا تنشُد إلا مثلك).

أحمد أمين

ص: 15

‌أقطاب الرواية المصرية

عز الملك المسبحي جندي ومؤرخ وسياسي

للأستاذ محمد عبد الله عنان

كان المسبحي رجل حرب ورجل قلم، وكان سيل أسرة حّرانية نزحت إلى مصر قبل قيام الدولة الفاطمية، واستوطنت مصر وسطعت فيها؛ وكان إحدى هاته الشخصيات القوية البارزة التي كانت الدولة الفاطمية أبان قوتها وفتوتها تحشدها حولها، وتوليها ثقتها وعطفها، وتؤثر أن تختارها من غير المصريين البلديين. بيد أن المسبحي كان مصرياً بمولده، مصرياً بتربيته وبيئته، وقد خصص حياته ومواهبه الممتازة لدراسة مصر وأحوالها وتاريخها، ولو لم يذهب الزمن بآثاره ولا سيما بموسوعته الضخمة عن تاريخ مصر، لكان بين يدينا الآن أعظم أثر عن مصر وتاريخها في المرحلة الأولى من الحكم الفاطمي، أعني مرحلة العظمة والبهاء.

ولد المسبحي بمصر حسبما ذكر في تاريخه ونقل إلينا الرواة المتأخرون في العاشر من رجب سنة ست وستين وثلئمائة (977م)، وهو الأمير المختار عز الملك محمد بن عبد الله ابن أحمد بن إسماعيل المعروف بالمسبحي، ولم نعثر على تفاصيل عن حياته الأولى ولا تربيته وتكوينه، ولكن يبدو لنا من آثاره التي نسبت إليه، والتي انتهت إلينا شذور منها أنه تلقى ثقافة أدبية علمية واسعة متعددة النواحي، كذلك يظهر أن المسبحي بدأ حياته العامة جندياً ورجل ادارة، لأنه كان يرتدي زي الجند، ولأنه تقلد بعض المناصب الإدارية الهامة، وقد ذكر لنا المسبحي في تاريخه أيضاً، أن اتصاله بخدمة الحاكم بأمر الله يرجع إلى سنة 398هـ، بيد أنه تقلب قبل ذلك في بعض الوظائف الهامة، فتقلد أعمال القيس والبهنسا من أعمال الصعيد ثم تولى ديوان الترتيب وهو يومئذ من مناصب الوزارة الهامة، ثم اصطفاه الحاكم بأمر الله وعينه في بطانته الشخصية في سنة 398هـ وكان الحاكم يومئذ فتى في نحو الثالثة والعشرين من عمره، ولكنه كان في ذروة القوة والسلطان والبطش، وكانت هذه الفترة بالذات من أروع فترات حكمه، وفيها فتك بكثير من الوزراء ورجال الدولة (سنة 395 - 400هـ) ويروى لنا المسبحي نفسه في تاريخه طائفة من الحوادث الدموية التي شهدها في هذا العهد، وكان الحاكم دائم الفتك بالزعماء والكبراء لأسباب تتصل بسياسته

ص: 16

العامة أو لريب ومخاوف تساوره، ولكن المسبحي تبوأ لدى الحاكم مركزاً من النفوذ والثقة لا تتطاول إليه الشكوك والريب، ولا تتجه إليه النقمة الغادرة، بل يظهر أن المسبحي كان من أخص خواص الحاكم، حسبما تدلى به الواقعة الآتية التي يرونها لنا في تاريخه، قال:

(قال لي الحاكم، وقد جرى والده العزيز: يا مختار، استدعاني والدي قبل موته، وهو عاري الجسم، وعليه الخرق والضماد، قال فاستدعاني وقبلني وضمني إليه وقال: وأغمى عليك يا حبيب قلبي ودمعت عيناه، ثم قال: امض يا سيدي فالعب فأنا في عافية. قال الحاكم: فمضيت والتهيت بما يلتهي به الصبيان من اللعب إلى أن نقل الله تعالى العزيز إليه).

ويقول لنا ابن خلكان إن المسبحي نال لدى الحاكم حظوة وسعادة، وإنه كانت له مع الحاكم مجالس ومحاضرات حسبما يشهد بها تاريخه الكبير، وتبدو دلائل هذه الصداقة التي توثقت عراها بين الحاكم والمسبحي في كثير مما يرونه المؤرخ في تاريخه وينقله عنه الكتاب المتأخرون مثل المقريزي وابن تغرى بردى عن عصر الحكام بأمر الله، وعن أحواله وتصرفاته الشخصية، ففي كثير من هذه المواطن يبدو المسبحي الصديق المخلص والمستشار الأمين.

وهذه حقيقة تلفت النظر، فإن الحاكم كان أميراً خطر النزعات عنيف الأهواء، وقلما نجا من نقمته أحد من رجال الدولة الذين خدموه. بيد أن الذهبي يقدم إلينا في تاريخه تعليلاً لهذه الظاهرة، هو أن المسبحي كان رافضياً. والروافض فرقة من غلاة الشيعة تغلو في حب علي بن أبي طالب وفي بغض أبي بكر وعثمان ومعاوية ومن إليهم، وقد اختلفت في سبب تسميتهم بالروافض. وهنا نلمس سر هذه الصداقة التي توثقت بين المؤرخ وأميره، فقد كان الحاكم، جرياً على سنة آبائه، يصطفى غلاة الشيعة أبناء مذهبه ويوليهم مناصب النفوذ والثقة، وكان المسبحي يتمتع فوق صفته المذهبية بخلال باهرة تضاعف مكانته، فقد كان عارفاً بعلوم عصره، وكان راوية ومحدثاً ساحراً، وكان أيضاً شغوفاً بعلم النجوم الذي يشغف به الحاكم بأمر الله، وقد وضع فيه أكثر من مؤلف، وهذه كلها عوامل وظروف تلقي أكبر الضياء على طبيعة هذه الحظوة التي نالها المؤرخ في بلاط الحاكم بأمر الله.

وقد استطاعت هذه الخطوة حتى وفاة الحاكم بأمر الله سنة 411هـ، ولا نعرف ماذا كانت صلة المسبحي بالبلاط الفاطمي في الأعوام التالية، والظاهر أنه اعتزل الحياة العامة.

ص: 17

وانقطع للبحث والكتابة، ووضع كثيراً من مؤلفاته في هذه الفترة التي استطاعت تسعة أعوام أخرى حتى وفاته في شهر ربيع الثاني سنة 420هـ (1029م).

- 2 -

يقدم إلينا ابن خلكان ثبتاً حافلاً من مصنفات المسبحي، وفي هذا الثبت القوى المتباين معاً ما يدل على ما كان يتمتع به هذا الذهن الممتاز من نواحي التفكير والثقافة المتعددة، فقد ألف المسبحي في التاريخ والجغرافيا والأدب والاجتماع والفلك كتباً بل موسوعات ضخمة، وإليك مفردات هذا الثبت الذي يقدمة إلينا ابن خلكان: كتاب التاريخ الكبير في ثلاث عشرة ألف ورقة، كتاب التلويح والتصريح في معاني الشعر وغيره في ألف ورقة، كتاب الراح والارتياح في ألف وخمسمائة ورقة، كتاب الغرق والشرق في ذكر من مات غرقاً وشرقاً في مائتي ورقة، كتاب الطعام والأدام في ألف ورقة، كتاب درك البغية في وصف الأديار والعبادات ثلاث آلاف وخمسمائة ورقة، قصص الأنبياء عليهم السلام وأحوالهم ألف وخمسمائة ورقة، كتاب المفاتحة والمناكحة في أصناف الجماع ألف ومائتا ورقة، كتاب الأمثلة للدول المقبلة وهو في النجوم والحساب خمسمائة ورقة، كتاب القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم ثلاثة آلاف ورقة، ورقة، كتاب جونة الماشطة في غرائب الأخبار والأشعار والنوادر ألف وخمسمائة ورقة، كتاب الشحن في أخبار أهل الهوى وما يلقاه أربابه ألفان وخمسمائة ورقة، كتاب الشجن في أخبارأهل الهوى وما يلقاه أربابه ألفان وخمسمائة ورقة؛ كتاب السؤال والجواب ثلاثمائة ورقة؛ وكتاب مختار الأغاني ومعانيها، وغير ذلك من الكتب؛ ويقول لنا ابن خلكان أيضاً إن مصنفات المسبحي بلغت نحو الثلاثين

وهو تراث حافل ضخم ينم عن غزارة مدهشة ويشهد من حيث تنوعه لصاحبه بطرافة يندر توفرها في آداب هذا العصر؛ بيد أننا لم نتلق من هذا التراث شيئاً يذكر، ولا نكاد نظفر في عصرنا للمسبحي بأثر تام أو فصل تام، وقد اشتهر المسبحي بالأخص بتاريخه الكبير، الذي يصف لنا محتوياته في مقدمته فيما يلي:(هو أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية واختلاف أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال من حل بها إلى الوقت الذي كتب فيه، وأشعار الشعراء، وأخبار المغنين، ومجالس القضاة والحكام والمعدلين والأدباء والمتغزلين وغيرهم)، وإذن فقد كان

ص: 18

تاريخ المسبحي، سواء من حيث حجمه أو موضوعاته موسوعة قوية شاسعة؛ ولم يصلنا هذا الأثر الضخم الذي يلقى بلا ريب أعظم الضياء على تاريخ الدولة الفاطمية في عصرها الأول، ولا سيما عصر الحاكم بأمر الله، وشخصيته الغريبة الفذة التي درسها المسبحي عن كثب، ولكن الشذور القوية الممتعة التي وصلتنا منه على يد المقريزي وغيره من المؤرخين المتأخرين عن أحوال الدولة الفاطمية وقصورها وخزائنها وصروحها وبذخها وبهائها، تنوه بقيمة هذا الأثر ونفاسته وطرافته، وتدل أيضاً على أن مؤلفه قد تناول خطط وآثارها ومعاهدها في كثير من الإفاضة.

وقد لبث تاريخ المسبحي مستقى خصباً لمؤرخي مصر الإسلامية حتى عصر متأخر جداً؛ فالمقريزي وابن تغري بردي والسخاوي والسيوطي وغيرهم يقتبسون منه ويشيرون إلى وجوده؛ وكذلك يذكره حاجي خلفية في (كشف الظنون) بما يأتي: (ومنها تاريخ مصر لعز الملك محمد بن عبد الله المسبحي الحراني المتوفى سنة 420هـ، وهو كبير في اثني عشر مجلداً؛ واختصره تقي الدين الفاسي والذيل عليه لابن مُيَسّر)؛

وفي ذلك ما يدلي بأن تاريخ المسبحي كان موجوداً حتى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)؛ بل هنالك ما يدل على أنه كان موجوداً كله أو بعضه حتى القرن الثاني عشر (الثامن عشر)؛ فقد ورد في معجم مخطوطات الأسكوريال الذي وضعه الغزيري اللبناني باللاتينية في سنة 1770 بأنه يوجد في مكتبة الأسكوريال العربية (أربعة مجلدات من تاريخ مصر وأرضها وعجائبها مرتب حسب السنين لغاية سنة 414هـ، تصنيف محمد بن عبد الله بن عبد العزيز المسيحي (كذا)(معجم الأسكوريال رقم 531 فقرة 2)، وليس من شك في أن المقصود هو تاريخ مصر للمسبحي، وذلك رغم تحريف الاسم. على أننا عند مراجعة فهرس الأسكوريال الحديث الذي وضعه ديرنبورج، ثم ليفي بروفنسال (سنة 1928) لم نجد في كتب التاريخ ذكراً لكتاب المسبحي، مما يدل على أن ما كان موجوداً منه بقصر السكوريال في القرن الثامن عشر قد ضاع شأن كثير من الآثار التي اثبت الغزيري وجودها في معجمه بيد أنه

يبدو من هذا الوصف الذي أثبته الغزيري في معجمه أن المسبحي أستمر في تتبع حوادث مصر وحوادث عصره حتى سنة 414هـ، وربما أستمر إلى ما قبل وفاته في سنة 420هـ إذا

ص: 19

لم يكن الغزيري قد وقف على نهاية كتابه. وهذا وقد كتب ابن ميسر المصري المتوفى سنة 677هـ ذيلاً لتاريخ المسبحي، يبدأ فيه من حيث انتهى المسبحي، وسماه (أخبار مصر)، وانتهى الينا منه قسم يبدأ في سنة 439هـ وينتهي سنة 553هـ، وهذا الذيل هو الذي أشار إليه صاحب كشف الظنون فيما تقدم

هذا وقد كان المسبحي شاعراً رقيقاً وله شعر جيد نقل إلينا ابن خلكان شيئاً منه، ومن قوله يرثي أم ولده:

ألا في سبيل الله قلب تقطعا

وفادحة لم تبق للعين مدمعا

أصبراً وقد حل الثرى من أوده

فلله هم ما أشد وأوجعا

فيا ليتني للموت وقد قبلها

وإلا فليت الموت أذهبنا معاً

وقوله من قصيدة يرثى بها والده:

بأبي فجعت فأي ثكل مثله

ثكل الأبوة في الشباب أليم

قد كنت أجزع أن يلم به الردى

أو يعتريه من الزمان هموم

وقد رأينا أن المسبحي كتب فيما كتب كتاب (التلويح والتصريح في معاني الشعر وغيره) مما يدل على انه كان راسخ القدم في فنون الشعر رسوخه في النثر

(النقل ممنوع)

محمد عبد الله عنان

ص: 20

‌من تراثنا العلمي

3 -

كتاب في البيزرة

وصف وتحليل نسخة من كتاب مفقود، في علم ضائع، لمؤلف

مجهول

للأستاذ علي الطنطاوي

تتمة

وللصيد لذة مشتركة موجودة في طباع الأمم، وكأنها في سكان البدو والأطراف أقوى لمصاقبتهم ومنازلتهم إياها، فلا تزال تراهم ذاكرين وبها متمثلين، ومنها طاعمين، حتى أن نساءهم ليتصيدن على الخيل، ذكر ذلك بعض الرواة فقال: أتيت مكة فجلست في حلقة فيها عمر بن عبد الله بن غبي ربيعه المخزومي وإذاهم يتذاكرون العذريين وعشقهم وصبابتهم، فقال عمر: أحدثكم بعض ذلك: إنه كان لي خليل من بني عذرة (وقصّ قصة الدوحة، وهي على طولها، وعلى أنها أخذت من الكتاب نحواً من عشر صفحات من أجمل قصص الحب في الأدب العربي، وهي مشهورة لم نروها لطولها).

وربما ألث السحاب وجرت الأدوية وتتابع السيل، وثلجت الصحراء، حتى يعم ذلك معاقل الأروَ، وكناس الظباء، ومرابض المها، ومفاحص القطا، ومسالك الطير من الهواء، فلتجأ الصوار والسّرب والعانة والرعيل والرف إلى العمارة، فتؤخذ قبضاً وتكون حالها في استسلامها، وضعف من يقدر عليها في تلك الصورة كقول علي بن الجهم في وصف غيث:

وحتى رأينا الطير في جنباتها

تكاد أكف الغانيات تصيدها

ولا يكون لصيدها ذلك الموقع، على أن ناساً قد أمكنهم مثل ذلك فرأوا تركه، وقالوا إنما لجأت إلينا وعاذت بجوارنا، فنؤمنها ولا نروعها ولا نجور عليها، وفعل مثل ذلك مجبر الجراد واسمه حارثة بن حنبل من طيء، وكان الجراد قد وقع في أرضه، فبدأ بالوقوع حول خبائه، فخرج أهل الحي ليصيدوه، فركب فرسه واشرع إليهم صدر قناعة وقال: ما كنت لأمكنكم من جاري وفخر بذلك قومه، فقال هلال بن معاوية التغلبي:

ومنا الكريم أبو حنبل

أجار من الناس رجل الجراد

ص: 21

وزيد لنا ولنا حاتم=غياث الورى في السنين الشداد

وفعله رجل من بني عبد الله كلاب يقال له همام، وبات بأرض خلاء ليس معه أحد، فأوقد ناراً، وقد كان صاد صيداً، فلما رأى الذئب النار أتاها، وذلك من شأنه إذا رأى النار، فلما قرب الذئب منه وهو غرثان أقبل يتقرش ما يرميه همّام من العظام ولا يراه، فلما تبينه رمى إليه بقية صيده ولم يرعه، وأنشأ يقول:

يارب ذئب باسل مقدام

منجرد في الليل والأظلام

عاود أكل الشاء والأنعام

قد ضافني في الليل ذي التمام

في ليلة دانية الأرزام

يقرش ما ألقى من العظام

فبات في أمنى وفي ذمامي

مستدفئاً من لهب الضرام

آثرته بالقسم من طعامي

ولا يخف نبلى ولا سهامى

ولو أني غيري من الأقدام

من اللئام لا من الكرام

إذن للأقي عاجل الحمام

وأخبرني من وثقت بصدقه عن رجل من جله أهل همذان أن الثلج كثر في ضياعه حتى لجأت إليها عانات كثيرة، فأخذنا وكلاؤه ولم يحدثوا فيها حدثاً وكتبوا إليه بخبرها، فكتب إليهم أن أقيموا لها قضيماً وعلفاً إلى أن ينحسر الثلج، فإذا أنحسر الثلج فخلوا سبيلها واحموها حتى تصل إلى أبعد موضوع من العمارة ففعلوا ذلك.

وتلجأ أيضاً إلى الأنس والعمارة إذا أجدبت السنة وعدمت الكلآ، وذكر هذا المعنى إبراهيم الموصلى في قوله يرثى أخاه اسمعيل بن جامع المغنى، فقال:

وإني واسمعيل يوم فراقه

لكالغمد يوم الروع فارقه النصل

فان أغش قوماً بعده أوازورهم

فكالوحوش يدنيها من الأنس المحل

يذكرنيك الخير والشر والتقى

وقول الخنا والحلم والعلم والجهل

فألقاك عن مذمومها متزهاً

وألقاك في محمودها ولك الفضل

وقد زعم قوم أن هذا الشعر لمسلم بن الوليد الأنصاري

ومثله لآخر:

تخرم الدهر أشكالي فأفردنى

منهم وكنت أراهم خير جلاس

ص: 22

وصرت أصحب قوماً لا أشاكلهم

والوحوش تانس عند المحل بالناس

وأخبرني مخبر عن أبي العباس الخ

عن المعتصم أنه أوغل

يوماً في الصيد وحده، فبصر بقاض يصيد ظباءً فاستدناه وقال حدثني أعجب ما رأيت في صيدك، فقال:

خربقت المشارع التي تردها الظباء، فلما شمت الخريق صدرت عطاشاً، ثم عادت من غد فانصرفت أيضاً عطاشاً، ثم عادت في اليوم الثالث بأجمعها، فلما جهدها العطش رفعت رؤوسها إلى السماء فأتاها الغيث فما انصرفت حتى رويت وخاضت في الماء.

وذكرت العلماء بطبائع الحيوان أن الوحش ربما انحازت إلى العمران عن مواضعها من الجبال والبر الذي يتصل بفصل الشتاء، فيستدل برده وثلجه لأنها تحس في الجبال بتغير الهواء وبرد شديد، فتستدل بذلك على ما بعده من قوة البرد وتخاف الهلاك فتلجأ إلى العمارة.

(باب) من كان مستهتراً بالصيد من الأشراف: إسماعيل غبن إبراهيم الخ. . وحمزة بن عبد المطلب الخ. . ومن خلفاء بني العباس الخ. . الخ. . (وهو باب طويل حافل بالأخبار الممتعة، والأشعار المستملحة).

(باب) صفة البواشق وذكر ألوانها وشياتها وأوزانها وصفة الفاره منها: فالأحمر الأسود الظهر جيد صبور على الكد، والأحمر الظهر والبطن رخو ماله جلد الخ. . .

وأكثر ما رأيناه من أوزانها مائة وثلاثون درهماً، وأقله خمسة وتسعون الخ. . .

(باب) في ضراءة الباشق وفراهته وما يصيد من الطرائد المعجزة التي هي من صيد البازي وذكر علاجات البواشق وعللها وما خلص منها من العلل ونجب، وذكر القرنصة وذكر ما عاش عندي منها بالقاهرة حرسها الله، وذكر ما يحتاج إليه في القرصنة من الخدمة، وذكر السبب الذي استحقت به التقدمة على البزاة إذا كان مؤلفو الكتب يقدمون البازي على سائر الجوارح.

(فصل) صفة ضراءة الباشق وهو وحشي، يحتاج الباشق إلى أن يكون على يد رقيق من البيازرة يعرف ما يعمل هو، وهو أن يخيط عينه إلى أن يكلب على الطعم ومقدار ذلك سبعة أيام الخ. . . فإذا كلب كلباً تاماً على الطعم فأفتحه وأطعمه الخ. . . فإذا لم يبق عليك

ص: 23

من إجابته شيء على ما وصفنا، فخذ له من طير الماء الفرافير ولقفه إياها الخ. . . الخ. . .

(فصل) ذكر الضراءة على البيضاني والمكحل

إذا أردت أن يصيد الباشق البيضاني والمكحل الخ. . . وقد رأيت من فراهة البواشق ثلاثة لم يسمع بمثلها قط الخ. . . وكان لنا باشق وحشي الخ. . . ولم أر مثله إلا باشقاً قط الخ. . . وكان لنا باشق وحشي الخ. . . ولم أر مثله إلا باشقاً كان لمولانا صلوات الله عليه (يعنى العزيز الفاطمي)، فانه أمرني في بعض الليالي أن أشبعه وشغل هو صلى الله عليه بطير الماء الخ. . . وإنه كان لنا باشق يعرف بباشق ابن حوفية، وكان يكون على يد أمير المؤمنين صلى الله عليه الخ. . . وهذا لم أر مثله إلا من باشق كان الخ. . . وقد كان عندي باشق حوام الخ. . . الخ.

(فصل) صفة علاج القرنصة وذكر ما تحتاج إليه من آلتها.

(فصل) ذكر علاج القرح في جناح الباشق وكيف يخرج

(فصل) صفة علاج اللدود.

(باب) في صفة البزاة وذكر شياتها وألوانها وأوزانها وضراءتها والحوادث التي تحدث لها وعلاجاتها وما تحتاج إليه من الخدمة في قرنصتها.

(فصل) صفة شياتها

(فصل) ذكر أوزانها.

(فصل) صفة ضراءة البازي: إذا وقع البازي إلى الصياد فسبيله أن يخيط عينيه الخ. . .

وقد كان لي باز، وكان الخ. . .

وكان عندنا باز حمل إلينا من دمشق الخ. . .

ولقد بلغنا في صيد البازي خبر عجيب، لم نسمع مثله، وذلك أن مسلماً دخل إلى بلد الروم الخ. . .

(فصل) ذكر ما يحتاج إليه البازي في القرنصة.

(فصل) ذكر سياسة الذرق.

(فصل) ذكر الأدوية والعلاجات وما يستدل به من الذرق على كل علة.

ص: 24

(فصل) ذكر ما يحدث الجص وصفة علاجه

(فصل) ذكر علاج النفَس.

(فصل) ذكر علاج البشم.

(فصل) ذكر علاج البياض إذا أصاب عين البازي

(فصل) ذكر ما يولد القمل في البازي وصفة علاجه.

(فصل) ذكر علاج المسمار إذا أصاب كف الجارح

(فصل) ذكر ما يحدث الورم في الكفين وصفة علاجه.

(فصل) ذكر علاج القلاّع

(فصل) ذكر ما يتبين به كون الدود في البازي وصفة علاجه.

(فصل) صفة علاج الحرّ.

(فصل) صفة علاج مخاليب الجارح إذا تقلعت

(فصل) صفة علاج البرد.

(فصل) صفة علاج اعوجاج ريش الجناح

(فصل) صفة علاج العقر إذا أصاب كف البازي.

(فصل) ذكر ما يحدث السدة في المنخرين وصفة علاجهما.

(باب) في تفضيل الصقور على الشواهين لما فيها من الفراهة وهو السبب الموجب لتقديمها وذكر ألوانها وأوزانها وصفة ضراءتها، (وفي فصول طويلة كالذي مرّ في باب البواشق وباب البزاة).

(باب) في صفة الشواهق وذكر ألوانها وأوزانها وصفة ضراءتها.

(باب) السقاوات وذكر ألوانها وأوزانها وضراءتها، وما تصيده من الوبر والريش، وذكر ما يستدل به على جبدها ورديئها.

(باب) العقبان الخ. . .

(باب) الزمامجة الخ. . .

(باب) ما قيل في العقاب من الشعر المستحسن.

(باب) صيد الفهد الخ. . .

ص: 25

(ذكر) الصيد بالفهد وما يستحسن منه الخ. . . وقال بعض الشعراء الخ. . . (وفي هذا الفصل كثير من الأشعار والأشعار والأخبار الجيدة).

(ذكر) ما قيل في ابتذال الملك نفسه في الصيد بهذا الضاري ومباشرته له الخ. . . (وفي هذا الفصل أشعار كثيرة).

(باب) في صفة الظباء وذكر مواضعها التي تأويها وصيدها وما فيها من المنافع، وما قيل في ذلك من الشعر.

(باب) في ذكر كلاب سلوق وخصائصها وصيدها وعللها ودوائها، وما قيل فيها من الشعر (وفيه فصول وقد أورد المؤلف في بعضها طائفة صالحة من الشعر).

(باب) ذكر ما قيل في الجوارح وما وصفت به من الشعر المستحسن لمتقدم ومتأخر، (وفيه فصول).

(باب) صيد طير الماء في القمر بالبازي والباشق، وهو باب تفردنا دون غيرنا ولم نعلم أحداً سبقنا إليه من مؤلفي كتب البيزرة من المتقدمين (وهو آخر أبواب الكتاب) ثم تأتي الزيادات التي أشرنا إليها في صدر مقالنا السابق.

وهذا وصف موجز، وبيان لقيمة هذا الكتاب الجليل، وإنا لنرجو أن يهيء الله له ناشراً، يسرع إلى طبعه ليستفيد منه أهل الأدب، وأصحاب هذه الصناعة، ويأخذ مكانه في المكتبة العربية، فان مكانه لا يزال خالياً، ولا يسده اليوم في الدنيا كتاب غيره، وإنا لنرجو أن تعنى بأمره (لجنة التأليف والترجمة والنشر) ويكون لها في نشرة مأثورة جديدة، تضم إلى مآثرها الجمة وأياديها الكثيرة على الثقافة والأدب.

علي الطنطاوي

ص: 26

‌دراسيات في النقد

طريقة أرسطو في النقد الأدبي

بقلم محمد رشاد رشدي

كتب (أوسكار وايلد) مرة يقول: إن أنواع النقد هو سجل الروح. فالناقد لا يرى في العمل الفني أكثر من وحي يوحي إليه بعمل جديد شخصي قد لا يكون بينه وبين العمل المنتقد أي وجه من وجوه الشبه، هذا الرأي (لأوسكار وايلد) يصف لنا مدرسة بأجمعها من مدارس النقد - أعني بها مدرسة الشعوربين. وفي ضوء هذه المدرسة سأحاول أن أستخلص طريقة (أرسطو) في النقد ومدرسته. فإذا ما فرغت من هذا حاولت أن أناقش هاتين المدرستين مع أي مدرسة أخرى قد تمت إليها بسبب.

ولأجل أن يكون المناقشة جلية واضحة سأبدأ الآن بأن أقتطف من بعض النقاد نبذاً عن شكسبير.

كتب الناقد الفرنسي (تين) عن الشاعر الكبير فقال: (أظهر ما في شكسبير خياله القوى الذي لا يعرف قناعة أو راحة، فهو يبعثر الاستعارات فوق كل ما يكتبه، وفي كل لحظة تتغير خواطره إلى صور قوية واضحة، ويعرض لنا عقله رسومات وأشكالاً متتابعة، وشكسبير لا يرى الأشياء أبداً في هدوء. بل إن قوى عقله جميعاً تتركز في الصورة أو الخاطر الذي يعالجه تركيزاً يملك عليه كل نفسه ويمتص كل قواه الأخرى. إن كتابنا المتوسطين يجعلون كل همهم في أن تكون كتاباتهم منطقية واضحة جلية وهم في الغالب يصيبون ما يقصدون، بيد أن شيئاً واحداً يبقى بعيداً عن متناولهم. ألا وهو الحياة.

أما شكسبير فهو على عكس هذا يدع الوضوح والمنطق لنفسيهما ويجعل كل همه أن يصيب ما يكتبه الحياة والحركة. ولهذا السبب يبدو شكسبير لنا غريباً وقوياً، ومبدعاً وخالقاً أكثر من أي شاعر من شعراء عصره أو غير عصره. أبدع من وصف النفس البشرية، وأبعد الشعراء عن المنطق وتفكير القدماء المتزن، وأقدرهم على أن يثير في النفس دنيا من الأشكال والصور الحية التي لا تموت).

وكتب (كارليل) عن نفس الشاعر يقول: (إنه لفيما اسمه رسم الصورة - معالجة الرجال والأشياء تكون عظمة شكسبير. فعظمة الرجل تأتي يقيناً من هذه الناحية - من العين

ص: 27

المبصرة! تلك هي العين التي تكشف لنا عن الموسيقى الكامنة في الخلق. عن الفكرة الجليلة التي قد ضمنها الطبيعة مخلوقاتها جميعاً. على أن الشاعر لأجل أن تكون لديه هذه الهبة يجب أن يكون عنده من العقلية القوية ما فيه الكفاية. فان امتلك الرجل عقلية قوية كان شاعراً في كلامه. فان لم يستطيع هذا كان - وذلك أفضل وأجدى - شاعراً في أفعاله.

وكتب (سير والتر رولي) عن شكسبير فقال: (إن القوة خياله لا تسمح له بأن يجد الراحة في فكرة أو ناحية واحدة فهو في استطاعة أن يدرس حياة الرجال مثلما يدرس المرء الحياة على ظهر باخرة. وهو دائم الاهتمام بما يحدث يومياً بين أفراد العائلة الإنسانية، غير أن للصورة دائماً في عقله أساس واحدة تركيز عليه، ذلك أنه دائم التفكير في البحر - البحر الذي لا يعرف لقوته حداً والذي لا يسره عقل أو منطق، والآن من الواضح أن النقاد الثلاثة مشتركون جميعاً في تحديد الصفات الأساسية التي تكون عظمة شكسبير كما أنه من الواضح أيضاً أنهم يختلفون كل الاختلاف في الطرق التي سلكوها في نقدهم. فمع (تين) نرى أن شاعرية شكسبير إنما من أنه أبعد الناس عن المنطق العادي وتفكير القدماء المتزن، ومن (كارليل) نعلم أن ميزة الشاعر الأساسية في أن تكون عقليته ممتلئة ناضجة، ويبدو من هذا أن كلا من الناقدين يعتقد أن النقد إنما هو سجل روح الناقد ونفسه، (فتين) العاطفي القوى الخيال يزدري المنطق العادي، ويرى فيه عقبة في سبيل الشعر، و (كارليل) الذي كان اعتماده في حياته على فكره دون عاطفته يرى أن العقل وحده جدير بأن يخلق الشاعر وأن يجعله مبدعاً عظيماً.

أما (رولي) فهو لا يفعل شيئاً من هذا، فهو يهتم فقط بأن يوضح ويعلق، وأن يشرح ويعلل دون أن يعنى بالمدح أو بالخط من قيمة الأشياء، ونحن في الواقع لا نستطيع أن نحكم ما إذا كان تفكير شكسبير الدائم في البحر، البحر الذي لا يعرف لقوته حداً والذي لا يسيره عقل أو منطق، يزيد في شاعرية الشاعر أو ينقص منها. ونحن لا نرى النقد هنا سجلاً لروح الناقد ومشاعره، وإنما ما نراه هو وضوح في الأسلوب ودقة في الوصف وقوة في المنطق، وتلك هي مدرسة أخرى من مدارس النقد تختلف عن مدرسة (أوسكار وايلد) ينحو النقد فيها منحى البحث العلمي حيث لا نجد لمشاعر الناقد نفسه أو لإحساسه الشخصي إزاء ما ينتقده أثراً من الآثار.

ص: 28

تلك هي المدرسة الفكرية أو الاتباعية، وقد كان أول من أسسها الفيلسوف الأغريقي (أرسطو).

ونحن لا نحسن هنا أثراً لذات الناقد، فهو بعيد كل البعد لا نراه إلا كما نرى الرجل العلمي من خلال بحثه - الفكر والمنطق - ذلك هو الأساس الذي بنى عليه (أرسطو) طريقته في النقد، كان الرجل دقيق الملاحظة للطبيعة والفنّ، وإنه لمن هذين الينبوعين فقط نراه يستقى كل آرائه، يبنى كل نظرياته ويستنتج كل إستقراءاته.

وليس (لأرسطو) آراء شخصية يفرضها على القارئ، فهو إن مدح شيئاً فليس يمدحه لأن نفسه تتعشقه أو تميل إليه، ولكن لأن التجارب قد أثبتت أن هذا الشيء صحيح جدير بالتقدير. خذ مثلاً حديثه عن الشعر القصصي غذ يقول:

(أما عن البحر الذي يكتبه فيه هذا الشعر فهو (بحر الأبطال)، فان أراد شاعر أن ينظم قصيدة قصصية في غير هذا البحر، كان شعره شاذاً غير مألوف. إذ أن التجربة والطبيعة نفسها قد وقفت هذا النوع من الشعر على ذلك البحر).

(وأرسطو) لا يسمح لنفسه مطلقاً بأن تتمسك برأي من الآراء أو أن تمدح شيئاً أو تذم دون ذمّة، وأن يظهر الجميل دون مدحه، شانه في هذا شأن أصحاب المدرسة النظرية في النقد التي كتب عنها (أرنولد) يقول: (هي جماعة من النقاد ذات لون فلسفي باطل خداع، تجيش بنفوسها بعض الآراء الخاطئة التي لم تبنها التجربة والفكر، بل بنتها الأوهام والعواطف الذاتية تريد أن تفرضها على كل ما يقع في يدها من شعر أو فن.

والناقد من اتباع تلك المدرسة لا يمدح عملاً إلا إذا صادف هوى في نفسه وسدّ حاجة من حاجياتها، فان هو لم يفعل كان العمل باطلاً زائفاً، وكذلك من مميزات هذا الصنف من النقاد أنهم يعنون بمحتويات العمل الفني أكثر من عنايتهم بالفن نفسه - أعنى بالأسلوب والطريقة والجمال - كما انك كثير ما تسمعهم يقولون:(حبذا لو ترك الشاعر هذا الموضوع وكتب في موضوع كذا وكيت)، وذلك كما لا يخفى أردأ أنواع النقد وأحطها قدراً، إذ أن واجب الناقد الأول أن يفحص ويحكم على العمل الذيأمامه داخل دائرة العمل نفسه وحدوده لا خارجها محاولاً أن يتفهم ما يقصده الشاعر ويرمى إليه، والى أي مدى استطاع أن يبلغ قصده وأن يبرز فكرته للقارئ.

ص: 29

وقد يجدى أن نعطى هنا مثلاً من أمثلة هذه المدرسة النظرة الخاطئة لنرى إلى أي حدّ يبعد (أرسطو) عنها ويرتفع.

كتب (أوسكار وايلد) أحد نقاد هذه المدرسة - رأيي - يقول: (لأن نمضي من فن عصر من العصور إلى العصر نفسه هو أكبر خطأ يرتكبه المؤرخون جميعاً، فالفن الرديء الزائف كله إنما يأتي من الرجوع إلى الحياة والطبيعة والتساهل بهما إلى مراتب المثل العليا!).

من هذا النبذة نستطيع أن نحكم بأن (أوسكار وايلد) كان يدين بهذا الرأي الذي يعطينا إياه - ولكننا لا نستطيع القول بأن شيئاً أو سبباً معيناً أدى به إلى هذا الاعتقاد - أننا لا نستطيع أيضاً أن تحكم ما إذا كان هذا الرأي خاطئاً صحيحاً؟ وذلك لأن الناقد نفسه لم يخبرنا ولم يعلل ما يقوله: لم يكن (أرسطو) ليسمح لنفسه بأن ينفد بهذه الطريقة، ولكن تعال معي نرى كيف كان (أرسطو) يعالج مثل هذا الرأي لو أنه كان يدين به مثلما كان يدين الناقد الإنجليزي، فانه إذا قال إن الفن الزائف إنما يأتي من الرجوع إلى الطبيعة والحياة أتبع قوله: ذلك صحيح لأن (هوميروس) لم يذهب إلى الحياة في البحث عن مادته (هذه أمثلة فقط ولا تعتبر صحيحة)، وأن كل روعة فن (إيسكلس) إنما تأني من اعتماده على أساطير الآلهة كمادة لفن وأن فن (أريستوفانيس) كان أحط وأقل قيمة لأنه كان يصور الحياة ويستمد منها. ذلك أن (أرسطو) لا يسمح لنفسه بأن يكون نظرياً، بل يجب أن يعطيك براهين وأمثلة وأسباباً تعليل ما يقول

خذ مثلاً آخر حديثة عن طول القصيدة القصصية إذ يقول: (يمكن في هذا الصنف من الشعر أن تعالج جميع أجزاء القصة معالجة مناسبة من حيث الزمن يأخذه سير حوادثها في الحياة، أما في القصة المسرحية فالأمر يختلف إذ أنك لو عالجت حوادث القصة في مثل ما تعالجها من الطول في القصيدة القصصية، كان الأثر الذي تحدثه في النفس أثراً سيئاً يجلب الملل والسأم، قد يبدو هذا القول نظرياً ولكنه يتبعه بأن يقول: (إن صحة ما نقوله واضحة لأن كل من حاول أن يصوغ قصة سقوط (ترواده) صياغة مسرحية، ولم بأن يختصر في الحوادث أو يركزها قد فشل فشلاً تاماً).

كان (أرسطو) سريع الملاحظة، حاضر الذهن، يمقت النوع من القضايا الذي لا يبرزه

ص: 30

سبب أو يشرحه مثال، كما أن المنطق كان دائماً رائده في البحث والنقد - ذلك لأن طبيعة عقله كانت طبيعة عملية واقعية مثل طبيعة أهله وقومه الإغريق. وهو إن سرد لك قضية من القضايا، أو نظرية من النظريات سردها في بساطة وغير كلفة تشعرك بأنك كنت تعلمها من قبل، وأن عكس هذه القضية لا يمكن أن يوجد أو أن يكون صحيحاً، كما أن قضاياه تمتاز بأنها يمكن أن تستخلص منها قضايا أخرى صغيرة، وأن تبني عليها نظريات أكبر وأوسع أفقاً في رأي أرسطو كناقد أن الشعر نوع من التقليد والمحاكاة - تقليد الحياة والطبيعة - وفي رأي (شلي) كناقد أيضاً أن (الشعر هو ما يحيل الأشياء كلها جمالاً - فهو يزيد الجميل جمالاً ويزين القبيح ويجمله) - كلنا يعرف أن قول (شلي) هذا صحيح، وأن الشعر فعلاً يؤدي كل هذا، ولكن هل نستطيع أن نسمي هذا القول تعريفاً للشعر؟ هنا نشعر بالقارق بين الناقد الشعوري والناقد الفكري، فكلاهما يعبّر عن أشياء صحيحة حقيقية، ولكن الثاني يجعلك تلمس ما يقول وتبصره، بينما يسحر الأول سمعك ثم يتركك ويمض - وقد لا يكون تعريف أرسطو للشعر في جمال أو حلاوة تعريف (شلي) لكنه ملموس محسوس نستطيع أن نبصره في وضوح وأن نبني ونعتمد عليه.

وهناك فارق آخر بين الناقدين يبدو لنا أيضاً من خلال تعريفهما للشعر، فواضح من سطور شلي أن الناقد لا يعني فقط بطبيعة ما ينقده وماهيته، بل يعنى أيضاً بالغرض والرسالة التي عليه أن يؤديها الشعر - مما يجعل البحث بعيداً عن روح العلم - في حين أن (أرسطو) لا يتساءل مطلقاً عن رسالة الفن أو الشعر في الحياة، بل كل ما يهمه أن يهمه أن يبحث طبيعتهما وأن يشرحهما لنا - شان العالم الكيميائي أو الطبيعي -.

وقد كان (لأرسطو) وجهة نظر في نقده خاصة به، وأعنى بها أنه كان يرى أن لكل فنّ من الفنون، قصصاً كان أم شعراً غنائياً، نهاية طبيعية لا بد أن يصل إليها وألا يتعداها، فان أراد صاحب الفن أن يتعدى بفنه نهايته كان مآله الفشل ومصيره السقوط الذي لا نجاة منه، فقد يصل شعر شاعر مثلاً مرتبة النضوج والكمال، وهو في سن الثلاثين، غير أنه مهما عمّر الشاعر بعد ذلك من سنين ومهما زاده العمر من حكمه وتجارب، فان شعره لن يزيد ولن ينضج أكثر مما نضج - وقد لا يرى البعض هذا الرأي غير أنه - في اعتقادي - رأي لا باس به، ساعد على تكوينه لدى (أرسطو) حب الإغريق الغريزي للاعتدال

ص: 31

والوسيط، وخوفهم من بطش الآلهة وغيرتها إن اشتدَّ الرجل منهم أو زها وعظم أكثر من اللازم. وقد كان التوسط والاعتدال رائد الإغريق في كل شيء، ولم يكن التطرف عندهم ذنباً فحسب بل جريمة كبرى، ولذلك نرى الاعتدال أظهر ما يميز أدبهم وفهم، ولذلك أيضا ًكان (أرسطو) مؤسس المدرسة الفكرية التي تمنح نفسها للمنطق والعقل وتحاذر كل الحذر من الشعور والعاطفة.

والآن واحسبني قد بسطت طريقة (أرسطو) في النقد وقارنتها بالطريقة الشعورية الأخرى أحب أن أقول كلمة عن المذهبين.

إن كل ما يفعله (أرسطو) هو أن يشرح ويفصل ويرتب ويصنف ليعطينا في النهاية مجموعة من القوانين والقضايا ما أحسبها تخلق فناناً أو تصلح من شأن فنان آخر. وهو في هذا يخاطب الفكر لا العاطفة، وإني كلما تصورته يعالج (شكسبير) يضيق بي الخيال ولا أدري كيف كان يتيسر (لأرسطو) أن يفعل هذا.

قد كنا نفهم بعض صفات فن شكسبير ومميزاته من نقد (أرسطو) له. على أني أشك كثيراً في أنه كان يجعلنا نتفهم الشاعر نفسه ونعشقه مثلما فعل (كولريدج) و (هزلت) و (تين) وفي رأيي أن أعلى أنواع النقد ما كان يؤثر في النفس ويوحي إليها النقد الذي يشرح ويفصل دون أن يزج في دائرة الفن ودون أن يصبح علماً من العلوم. ذلك هو النقد الذي يعالج الأدب مثلما يعالج الأدب نفسه الحياة، أعني عن طريق الخيال والعاطفة.

كتب (تشارلس لام) يقول:

(إني أفضل العاطفة على العلم) وفي يقيني أن كل من له صلة بالأدب ولا يفعل (لام) يكون مخطئاً في حق نفسه وفي حق صناعته أو فنه.

محمد رشاد رشدي

بكلوريس بامتياز في الأدب الإنجليزي

ص: 32

‌2 - الدكتور محمد إقبال

أكبر شعراء الهند المسلمين في العصر الحاضر

(أن صوتي قد أوقد النار القديمة في بلاد إيران ولكن العرب

لا يعرفون شيئاً عن نغماتي الشجية)

(إقبال)

بقلم السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي

حينما ننعم النظر في شعر إقبال واتصافه بمميزات خاصة في الأزمان المختلفة نجد أنه يتمتع الآن بدور ثالث. فقد قطع قبله دورين: أولهما دور نشأته، حين كان إقبال لا يزال فتى يافعاً وطالباً بالمدرسة. فقد بدأ إقبال يقول الشعر باللغة الأردية وهو في صباه، فكان ينال به استحسان زملائه الطلبة، ويجمعهم حوله اغتباطهم بحدة ذكائه وتفوقه عليهم في الشعر. فكانت شهرة إقبال في الشعر بادئ ذي بدء محصورة بين أترابه وأقرانه، فلما انتقل من كلية سيالكوت إلى كلية الحكومة بلاهور بدأ يشترك في مجالس الشعراء ويقول القصائد للاحتفالات السنوية لجمعية حماية الإسلام الشهيرة بلاهور، فذاع صيته بين الخاص والعام.

ينتهي هذا الدور لشعر إقبال سنة 1905، أي قبل سفره إلى أوربا، ويمتاز شعره فيه بسعة الخيال، وابتكار المعاني، ولكنه مجرد عن دقة الفكر والتعمق بالنسبة إلى شعره في أدوار أخرى، ومعظمه باللغة الأردية، تتجلى فيه روح الحب وطلب الجمال وترحيب العشق، وأكبر ميزة لهذا الدور أنه دور أمل لشيء غير معلوم، ففيه تتوق روح الشاعر إلى المجهول، وتنزع إلى الغائب، وتضطرب، كما يظهر لك من ترجمته بيت من أبيات هذا الدور فيما يلي، قال:

(أنا طالب النور، أنا قلق في معمورة هذا العالم أنا مثل الطفل الصغير في ظلام الوجود الحالك مضطرب كالزئبق).

وأما الدور الثاني فهو الزمن الذي قضاه الدكتور في أوربا أي من سنة 1905 إلى سنة 1908. وهذا الدور من شعر الدكتور أقل إنتاجاً من الدورين الآخرين، ويمتاز من الأول

ص: 33

بأن أثر مشاهدات أوربا بادٍ فيه، ولكن روح الحب، وطلب الجمال، وترحيب العشق لا تزال متجلية فيه كما كانت في الدور الأول. وقد حدثت فيه حادثة، وهي أن الأبحاث العلمية سطت مرة بنفسية الشاعر، فأراد أن يترك الشعر ويتوب عنه وينصرف إلى العلم، فمنعه عن ذلك صديق قديم له كان حينئذ في لندن، وحاول إقناعه فلم يقتنع، وأخيراً اتفقا على أن يستشيرا فيه أستاذه السر آرنلد. فأيد آرنلد رأى صديقه فعدل عن إرادته. وأكبر ميزة لهذا الدور أن بدأت أفكاره الشعرية تعلو وتتسع حتى ضاق عنها نطاق اللغة الأردية الحديثة السن فمال إلى الفارسية وبدأ يعبر بها عن إلهامه الشعري.

وأما الدور الثالث فيبتدئ من بعد رجوع الدكتور من أوربا إلى الهند، أي من سنة 1908 إلى الآن، وهو الأهم، إذ فيه تدرج شعره في معارج الكمال وتسم سنام المجد وبلغ من دقة المعاني وعمق الفكر وحسن البيان غاية لم تبلغها الآمال ولا نالتها الأماني. وفيه حلت السكينة والطمأنينة في روح الشاعر محل التوقان والاضطراب، كأنها أدركت ذلك الغائب المجهول الذي حنت إليه طويلاً ونزعت إليه سنين، وفيه خف عن نفسيه الشاعر سلطان المحبة والجمال، وقام مقامه توقان الحكمة والكمال، وفيه جادت قريحة الشاعر بما لم تجد في الدورين السابقين، إذ ظهرت إلى الآن سبعة دواوين، ونحن ندعو الله أن يمد في حياته ويوفقه أكثر من ذلك، وفي هذا الدور أيضاً تمكن الشاعر من إبراز معالم فلسفته في شعره للعالم، وفيه تحققت رسالة شعره للعالم الإسلامي والشرق إذ كان في نفسه تتساجل روحان: روح المحب للجمال والمحبذ للعشق، وروح المسلم الشرفي المتحمس الثائر. فكان في الدورين الأولين الحظ الأوفر وفي هذا الدور للثانية.

حينما نحاول البحث عن العناصر التي تكونت منها نفسية الشاعر وشعره نجد أنهما قد تكونان من عناصر جمة، منها ما هو هبة من الله كالعبقرية والذكاء، ومنها ما هو وراثي غير كسبي، ومنها ما هو ثقافي كسبي، ومنها ما يرجع إلى البيئة سواء كانت جغرافية أم اجتماعية. فهذه الأصناف الأربعة من العناصر هي دعائم نفسية الشاعر ووطائد شعره.

أما العناصر الموهوبة مثل العبقرية وغيرها فلا يقدر الإنسان على الكشف عن حقائقها، ولا الفحص عن دقائقها، وما يقدر عليه هو وصف ظواهرها بالمقارنة. فإذا قارنا ظواهر عبقرية الدكتور وذكائه بالشعراء الآخرين نجد أنه فريد زمانه، وقريع دهره، قد أوتى

ص: 34

عبقرية شاملة لا يدرك شأوها ولا يلحق غبارها، وذكاءً متوقداً لا يجاري، وقلباً عقولاً لا يباري، وحذقاً حاداً مساماته وفكراً نافذاً مجاراته، وبصيرة قوية لا يجري في مضمارها.

أما العناصر الوراثية فالدكتور من نسل آرى. والآريون يمتازون بدقة الفكر وسموا الخيال عن الشعوب الإنسانية الأخرى. ثم الدكتور ينتسب إلى طبقة البراهمة منهم، وهي طبقة قد سادت ولا تزال تسود بحدة ذكاءها ورحابة عقلها وحصافة رأيها جميع الطبقات الاجتماعية الأخرى في الهند منذ آلاف من السنين، فدقة الفكر وسمو الخيال بالقوة عنصران وراثيان هامان في نفسية الدكتور وشعره.

وأما العناصر الثقافية الكسبية فهي التي يكسبها الإنسان بواسطة التربية والتعليم. فقد بلغ فيهما الدكتور رفعة لا تسامى ومنزلة لا تغالب، إذ تعلم في معاهد الشرق والغرب ونال منها أرقى الشهادات وأعلاها بالتفوق والامتياز وهضم الثقافتين - الشرقية والغربية - في معناها الحقيقي. فهو على اطلاع تام بالفكر الشرقي - الهند والإيراني - بجلبه وخفية وتأريخه وتقدمه، كما هو عالم متجر في الفكر الغربي بجميع أدواره وتحولاته، سواء كان عند اليونان أو الرومان، أو الإنجليز أو الألمان، أو فرنسا أو أمريكا. وقد سبر الدكتور غور الفكر السامي العربي أيضاً وبخاصة الإسلامي منه كما تميط اللثام عن ذلك مصنفاته، وقد أشار إليه هو أيضاً في خطاب حيث قال:

(أنا قد صرفت معظم حياتي في دراسة فقه الإسلام وسياسته وحضارته ومدنيته وأدبه، فبناءً على دراستي الطويلة هذه وعلى العلاقة الخاصة التي لي بروح تعليم الإسلام اعتقد أنني على بصيرة أقدر بها أن أحكم على منزلة الإسلام في العالم من حيث الحقيقة العامة).

والدكتور حائز في جميع هذه العلوم والمعارف درجة الاجتهاد وأما العناصر التي ترجع إلى البيئة فهي صنفان: الاجتماعية والجغرافية. أما الاجتماعية فقد ولد الدكتور في مجتمع إسلامي وتربي فيه ودرس حاضره وماضيه، فهو كأحد أركانه من محبيه الأوفياء، وعشاقه الصادقين، ومن أكبر الطامحين إلى خيره ومجده، كما هو من كبار العارفين بحقيقته وصلاحيته. وهذا الحب، والعشق، والطموح، والمعرفة كعناصر البيئة الاجتماعية متجلية في نفسه الشاعر وشعره، وليس هذا التجلي عن عاطفة وتعصب، بل عن علم وعقل، كما سيظهر لك من المقال الذي سنخصصه لذلك في المستقبل إن شاء الله.

ص: 35

وأما عناصر البيئة الجغرافية. فقد ولد الدكتور في مقاطعة بنجاب وتربي فيها. وبنجاب أخصب المقاطعات الهندية في سفح جبال همالايا تجرى من تحتها خمسة أنهار. فهي بهوائها المعتدل ومناظرها الجميلة التي تفرح قلوب الشاهدين وتؤنس أبصار المبصرين، تملأ النفس بالمؤثرات القوية التي تربي الذوق وتقوى ملكة الشعر، وتغذي الفكر. فحسن الذوق، وحب الجمال، والتصرف فنون الشعر، وجولات الفكر المتجلية في شعر الدكتور ونفسيته فيها أثر للبيئة الجغرافية.

أما شعر إقبال من حيث الفن فسنتحدث عنه في مقال تال

السيد أبو النصر أحمد الحسني الهندي

ص: 36

‌فلسفة الأسماء

بقلم ظافر الدجاني

إذا كانت اللغات من ألوان الفكرية الصريحة التي يتسم بها الإنسان وتميزه من سائر الكائنات الحية، فان الأسماء - أو ما يعبر عنه الصرفيون بأنه ما دل على معنى في نفسه غير مقترن وضعاً بأحد الأزمنة الثلاثة المعروفة - من وظاهر بيئاته الاجتماعية والطبيعية. فلسنا نبالغ إذن إذا بأن لعنصر الأسماء في اللغات فلسفة خاصة مستقلة، استطاع العلم الحديث مؤخراً أن يقتبسها ويستزيد منها بل يستغلها استغلالاً بالغاً يستحق عليه كل ثناء وإعجاب وإكبار. ومن الحق علينا القول بأن أقطاب اللغات في العالم لا يتفقون على أقدمية الأسماء وأسبقيتها في اللغة، فمنهم من يذهب إلى أنها أسبق مرتبة في الوضع والاستعمال من الحروف والأفعال، لأن منزلتها في النفس من حيث القوة والاعتقاد أن تكون قبل الفعل، والفعل قبل الحرف، ومنهم من يذهب - وهؤلاء معظمهم من أصحاب التوقيت ودعاة الإلهام - إلى أن جميع الأصول اللغوية إنما وقع الوضع فيها معاً فلا يجوز لك الاعتقاد بسبق الاسم على الفعل أو سبق الفعل على الحرف.

ومهما يكن من شيء فان بعض الأسماء - أعني أسماء الأعلام والأجناس بوجه خاص - تمتاز على سائر الأصول اللغوية بأنها وضعت للدلالة على الأشياء المحيطة بالإنسان في بيئتيه الطبيعية ولاجتماعية، وما عساه ينجم عنهما في حياته الفكرية، بعكس الحروف والأفعال - مثلاً - التي إنما وضعت لتدخيل بها (الأسماء في المعاني والأحوال)، أو بعبارة أخرى لتربط ما بين الأسماء في جمل مستقلة بدلالاتها اللفظية.

ومعنى ذلك أنه يتعذر على الإنسان مثلاً أن يستدل بالأفعال والحروف العربية على نوع الحياة الطبيعية والاجتماعية التي كان يحياها العرب قبل الإسلام، إن لم يكن ذلك مستحيلاً عليه، في حين أن استدلاله بالأسماء يكاد يكون في حكم الواجب الذي لا عدول عنه، لأنها تعكس لنا ألوانهً من البيئات المتنوعة التي كان العربي عرضة لها آنئذ، كأسماء الكائنات الحية وغير الحية التي كان على اتصال بها، وأنواع الأسلحة التي كان يستعملها في حروبه وغاراته، والموازين والأثقال التي كان يصطنعها في بيعه وشرائه ونحوه. كما أنها تعكس لنا أيضاً شيئاً من أثر البيئة الطبيعية في نفسه وإحساساته، ففي ميسورك مثلاً أن

ص: 37

تقربإحصاء الأسماء التي تعبر في العربية عن ضروب المصائب والرزايا من ناحية، والأسماء التي تعبر عن مظاهر اللهو والعبث من ناحية أخرى، ثم الموازنة بينها، وما إذا كانت بيئة العرب قبل بيئة قاسية مظلمة قاحلة أم بيئة مشرقة سمحة خصبة.

وليس ذلك وحسب، بل ميسورك الاستدلال بالأسماء العربية (العاربة) منها و (المعرّبة)، الأصيلة والدخيلة، على مختلف التقلبات السياسية التي طرأت على الوسط الإسلامي في غضون تاريخه الطويل الحافل، وبالتالي الاستدلال على مختلف الأدوار الاجتماعية التي تقلب عليه، ومقدار نفوذ كل من العناصر الفلسفية والجنسية فيه، فإذا كانت الأسماء الفارسية مثلاً في الآداب والفنون أغزر من الأسماء اليونانية دل ذلك على أن نفوذ الفرس من هذه الناحية كان أبعد من نفوذ اليونان، وإذا كانت الأسماء اليونانية في ميدان الفلسفة أوفر من الأسماء الفارسية والهندية دل ذلك على أن العرب قد تأثروا بالفلسفة اليونانية أكثر من تأثرهم بفلسفة الفرس والهند. بيد أنه بالأسف ليس الوصول إلى هذا الاستدلال باليسير الهين لأن المعجم العربي ناقص من وجوه كثيرة، أهمها الوجه التاريخي المدعم بالشواهد والأدلة مما لا يتسع المقام لذكره.

هذا إلى عثورك خلال أزمنة التيقظ الفكري والنهضات الدينية الحافلة على بعض أسماء الإعلام الذائعة بين الأوساط العامة لأنها غالباً هي أسماء بعض الزعماء أو القادة أو الأنبياء الذين لهم الفضل كل الفضل في بعث هذه النهضات وإحيائها، بحيث يستدل منها على ما لهؤلاء المصلحين من حظوة لدى الجمهور، وما لتلك النهضات من سحر في أفئدة العامة. ومن ثم كانت لبعض الملل أسماء خاصة تعرف بها ولا يصطنعها غيرها كعزرا وإسرائيل في اليهودية، وحنا وبطرس في المسيحية، ومحمد والحسين في الإسلام.

بل ترى في بعض أزمنة الاضطهاد والغلو الديني أن لفظ المولى عز وجل يشترك عادة في أسماء الملوك والأمراء من أولي الحل والعقد في تلك الأعصر الرهيبة. يتضح ذلك من أسماء الخلفاء من ولد العباس في أواخر أيامهم حين أمست الخلافة رمزاً للنفوذ الديني مجرداً عن السلطة الزمنية، وفي خلفاء الفاطميين وغير الفاطميين من السلالات الملكية التي قامت على الدعايات الدينية.

ومن ناحية أخرى ترى أن بعض الأسماء قد تضيع في زوايا الإهمال والنسيان، ولو إلى

ص: 38

حين، لأنها تكون عادة أسماء بعض الأفراد أو الجماعات المضطهدة، بحيث يستدل من ذلك على مبلغ غلو الدولة القائمة وشدتها على الفرق المناوئة فمثلاً إذا علم القارئ أن العلويين والشيعة كانوا مضطهدين في الدولة الأموية، فانه يستطيع أن يستدل على مقدار هذا الاضطهاد إذا ذكر أن الناس في أيامها كانوا كما يقول المستشرق (مارجليوث) يتحاشون تسمية الأبناء والأحفاد بأسماء علوية كعلي والحسن والحسين وأشباهها.

وبعد فقد أوردنا لك بعض فلسفة الأسماء موضحة بالأمثلة النظرية، ولكننا لم نشرح لك كيف كان استغلال العلم الحديث لها، لأن هذه الأمثلة على وفرتها قليلة النفع من ناحية عملية تطبيقية إن لم تكن عديمته، لأن الحياة العربية الجاهلية من الأزمنة التاريخية التي تتوفر فيها النصوص والوثائق والآثار. ومن هنا قطعنا بأن الحاجة غير ماسة إلى استيضاح الأسماء العربية وتفصيل ما تنطوي عليه من ألوان هذه الحياة المتنوعة.

وإنما تتبين فلسفة الأسماء الخاصة وترجح قيمتها العملية المحسوسة في الأبحاث الدقيقة المنعقدة حول حياة الإنسان الأولى، التي لا تجد لدرسها من المصادر الأولية سوى اللغات وبعض الآثار الجيولوجية التي نراها نكتشف بين حين وحين، وينفض الغبار عنها فتقيم المعوج من هذه الدراسات وتنير المهم المستغلين.

فمن ذلك أن اصل اللغات الأوروبية ظل إلى عهد قريب مجهولاً أو في حكم المجهول، فنشأت حول ذلك نظريات عديدة متباينة، لكل نظرية أنصار متحزبون وعلماء محققون، ثم إن بعض الثقات حاولوا درس هذه اللغات بطريق القياس والمقابلة فخرجوا من هذا الدرس بنتائج باهرة لم يتسق للمنطق والتاريخ أن يتوصلا إليها. إذ وجدوا أن بين اللغات الأوروبية على اختلافها من ناحية واللغة السنسكريتية - اقدم اللغات الهندية الموجودة - من ناحية أخرى كثيراً من الشبه في القواعد والأوضاع اللغوية، كما وجدوا أن فيها بعض الأسماء المشتركة كبعض أسماء الأعداد والأجناس ونحوها، فاستخلصوا من ذلك أنه لا بد من أن تكون اللغات الأوربية والهندية من فصيلة واحدة دعوها باللغات (الأندو أوروبية) -

وإذ انتهوا من ذلك فانهم حاولوا أن يستدلوا بهذه الأسماء على مواطن (الأندو أوروبين) الأصلي ووصف بيئتهم الطبيعية والاجتماعية، وما إذا كانوا يعرفون البحر والأحراج

ص: 39

والأنهار، وأي أنواع الحيوانات كانوا على اتصال وثيق بها، وهل عرفوا الحديد والبرونز قبل شتاتهم وانقسامهم قبائل وشعوباً، ثم هل كانوا على درجة كبيرة من التمدن والحضارة؟ أم كانوا بعد في طور الفطرة الإنسانية العريقة في البداوة، ولهم في ذلك أبحاث مطولة دقيقة تنطوى على كثير من قوة التحقيق والتحليل ورجاحة الفكر والنظر.

وقس عليه محاولات المستشرقين في الاستدلال ببعض الأسماء المشتركة بين الأقوام السامية على مواطن الساميين الأول ونوعه، وحضارة الساميين ومقدارها، بل قس عليه أبحاث المحققين في مختلف نواحي الحياة الإنسانية قبل الأعصر التاريخية حيث تنعدم الآثار والمنقولات، فلا تكاد تجد من مصادر درسها إلا اللغات التي نشأت مع الإنسان وسايرته في تطوره واستوائه.

فالعجب من العلم الحديث ونشاطه ومؤهلات البالغة التي لم تترك كبيرة ولا صغيرة من صامت الكون أو ناطقة دون أن تحاول استقراءها ونبش عسى أن يكون فيها ما ينير سبل القوم في تفهم أسرار الكون ومظاهر الحياة الإنسانية.

ظافر الدجاني

ص: 40

‌شكوى الشيخ إلى ابنه

للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي

أبوك بان يردى بنىَّ مهدُ

كأن الردى سيف عليه مجرد

ويشكو تباريحاً تكاد تهده

وشيخوخة ليست عن الموت تبعد

أحسُّ بقرٍ في عروقي وأعظمي

يكاد دمي منه بجسميَ يجمد

أقادُ إذا رمتُ المضيَّ لحاجة

وأمشي كما يمشي الأسير المقيد

كأنك بي شلواً على النعش سائراً

وعما قليل في التراب يوسَّد

وليس مخيفي الموت إن هو زارني

ولكن وراَء الموتِ شملٌ مبدَّد

تعال فقبلني بني مودَّعا

فانّ فراقي عنك يا ابني مؤبَّد

ولي من حياتي يا بُني بقيةٌ

ولكنها عما قليل ستَنْفُذ

بنيَّ أقم حيناً بجنبي فإنني

على غير ما قد كنتَ من قبل تعد

أبوك من الآمال جرَّد نفسه

وأنت فتى فيه المنى تتجدد

ولم يك حظاًنا من الدَّهر واحداً

فلي الأمس من أيامه ولك الغد

أنا اليوم أشقى بالمشيب ووهنه

وأنت بشرح من شبابك تسعد

لعمرك لا عهد المشيب الذي به

برمت ولا عهد الشبيبة سرمد

وما نحن إلا كالسيوف بحومةٍ

نجردُ حيناً للوغى ثم نغمد

ستحدثُ فوق الأرض أشياء جمةٌ

وأنت لها بعدي بنيَّ ستشهد

خلقت لعهد غير عهدي فلا تكن

جباناً إذا ما ضيمَ لا يتمرد

وما الشيب شعرٌ أبيض فوق مفرقي

ولكنه نار على الرأس توقد

وليست حياة بالأياس شقيةٌ

كأخرى بادراك الأمانيَّ ترغد

تفتح ورد السؤل إلا بروضتي

وما قيمة الروض الذي لا يورد؟

أغرّد في روض الحياة كبلبلٍ

ومن بعد حين موشك لا أغرّد

سأرحل عن دنيا إلىّ حبيبةٍ

بها هام حتى الزاهدُ المتعبد

تحاول نفسي بالحياة تمسكاً

ولكنما خيط الحياة معقَّد

بنيَّ وإني ذاهب غير أيبٍ

إلى حيث يبلى الجسم منى ويفسد

ص: 41

وما أنا وحدي هالك فيثور بي

على الموت حب للحياة موطَّد

فقبلي أجيالٌ ألمَّ بها الردى

وبعديَ أجيال سترْديَ كما ردؤا

نجئ ونمى زمرة بعد زمرة

وننْبُتُ مثل العشب والموت يحص

مقيدةٌ منا الجسومُ بأرضها

ولكنما الأرواح لا تتقيدَّ

ستذهب ذراتٌ لجسميِ ألفت

بداد وعلَّ الروح لا يتبدد

وقد تسبح الأرواح في ضوء أنجم

فيجمعها جنحٌ من الليل أسود

وما هذه الدنيا بدار سعادة وإن طاب فيها الأثرياء وأرغدوا

قفي كل يوم للتعاسة لوحة

وفي كل يوم للشقاوة مشهد

وإن فؤاداً لا يرقَّ لزفرة

يصعدّها قلب كسير لجلمد

ومن كان في بيداء يشكو لهاثه

فليس له غير المنية مورد

سئمت مِرَاس الحرب فالسلم بغيتي

ولكن باب السلم دونيَ موصد

بني لقد كانت حياتي شقية

وعلّك من بعدي بني ستسعد

قضيت حياتي كلها في تمردٍ

ومن ذا يرى خسفاً ولا يتمردَّ

لقد وُلدَ الإنسانُ حرَّا بطبعه

ولكنه للنفس منه مقيدَّ

أناخ عليها بالخرافات مثقلاً

وقيدها بالوهم والوهم مفسد

يلوذ بمن أثرى ويعنو لمن طغى

فيصبح عبداً صاغراً وهو سيد

تداولت الدنيا شعوبٌ كثيرة

وقد حبّذوا تلك القيود وأيدوا

أمَن كان حمّاداً لها فهو مؤمن

ومن كان نقاداً لها فهو ملحد؟

وإنك مني يابُني بقيَّة

أعيش بها في الموت أو أتجدد

بني أرى مستقبلي فيك ماثلاً

وفيك أقول الشعر غضَّا وأنشد

إذا متُّ فاذكرني بنيّ مكرراً

فبالذكر أحيا ثم بالذكر أخلد

(بغداد)

جميل صدقي الزهاوي

ص: 42

‌المساء

للدكتورابراهيم ناجي

يا غلَّة المتلهف الصادق

يا آيتي وقَصِيدَتِي الكبْرَى

زادي لقاؤك: طاب من زاد

وإذا نأيْتِ أعيِشُ بالذكرَى

يلْقي خَيَالَكِ كيفما باتا

صبٌ له لفَتَاتُ مسحوُرِ

يرْوَي ويشبَع منكِ هيهاتا

لا يرتوي بصر من النور

بعد الأوَارِ في الغرس

لَا يرْتوِي عودٌ من الطلّ

ومن احْتسى من لفحة الشمس

لا يرتوي أبداً من الظَّلَّ

ذقْتُ المنايا عدّ أنْفَاسي

والبعثُ كانَ شبابَكِ الزاهي

زمن ارْتوى من سخَط الناس

لم يرْوِه غير رضا اللهّ!

يا للمساء العبقريّ وما

مَنَحَتْ من النّفَحَات عيناكِ

أو كان رؤيا واهم حلما

ما كان أقدسَهُ وأسناكِ

يا للنسائم من مُسَبّحةٍ

خَشعت بهيكل ذلك الوادي

فحفيفها همساتُ أجنحة

ورفيفُها صلواتُ عبّاد

نمشى وقد طال الطّريق بنا

ونودّ لو نمشي إلى الأبدِ

ونود لو خلَتِ الحياُة لنا

كطريقنا وغدتْ بلَا أحدِ

نَبْني على أنقْاَضِ ماضينا

قصراً مِن الأوهامِ عِمْلاقاً

ونظلَّ ننشد مِنَ أمانينا

وشياً من الأحلامِ برَّاقاً

وأظل أسقيها وتملأ لي

من منبع فوق الظَّنون خَفِي

حتى إذا سكِرَت من الأمل

وترنّحتْ ماَلتْ على كتفِي

حَلَقتْ بأنّي أغْتدي معها

حيث اغتدت وهواي في دمها

فَمسحْتُ بالقُبلاتِ أدمعها

وطبْعتُ أقْسامِي على فَمِها

إنّا لقومٌ أنكَروا الجَسَدا

فاعجب لمفترقْينِ ما افترقاَ

أو ما ترى روحيهما اتحّدا

أو ما ترى ظليْهما اعتنقا

إبراهيم ناجي

ص: 43

‌حياة الأحلام

بقلم الياس قنصل

لستُ أرثى لمن يكونُ طَموحاَ

ذا أمانيَّ شِبهةٍ بالمحالِ

إن يُفْته تحقيقها لدواعٍ

تصرف العزمَ عن طلاب المعالي

لم يفْته تمثيل تحقيقها في

عالم الفكرِ تحت جوَّ الخيالِ

يقطع العمرَ بين رؤيا وحلمٍ

ليس فيها وفيه غير الظلالِ

خالقاً من أوهامه ما تمنّى

جاعلاً منها مسرحاً للكمالِ

لستُ أرثى لحالمٍ ليس يدري

رغم طول البقاء معنى الملالِ

إنما أرثى للذي يبتغي (الملمو

س) في دنيا أُبدعتْ للزوال

كل شيء - مهما غلا - إن ينَلْه ال

مرء أمسى في عرفه غير غالِ

أين من عاش نائلاً كلَّ ما

يطلبه ممن عاش بالآمالِ!

عاصمة الأرجنتين

الياس قنصل

ص: 45

‌11 - شاعرنا العالمي أبو العتاهية

للأستاذ عبد العال الصعيدي

منزلته في الشعر:

قد يكفى أبا العتاهية عندنا توجيهه الشعر هذه الوجهة الصالحة، وذهابه به في الحياة نحو تربية الشعوب وهدايتها، وإنارة السبيل أمامها، وتقويم عوجها؛ وهذا أبو نواس وهو من أعلام الشعر في عصره يشهد له بهذا الفضل، ويفضله به على نفسه. حدث هرون بن سعدان قال: كنت جالساً مع أبي نواس في بعض طرق بغداد، وجعل الناس يمرون به وهو ممدود الرجل، بين بني هاشم وفتيانهم، والقواد وأبنائهم، ووجوه أهل بغداد، فكل يسلم عليه فلا يقوم إلى أحد منهم، ولا يقبض رجله إليه، إذ قيل شيخ راكباً على حمار مريسى، وعليه ثوبان ديبقيان، قميص ورداء قد تقنع ورده على أذنيه، فوثب إليه أبو نواس، وأمسك الشيخ عليه حماره واعتنقا، وجعل أبو نواس يحادثه وهو قائم على رجليه، فمكثا بذلك ملياً، حتى رأيت أبا نواس يرفع إحدى رجليه ويضعها على الأخرى، مستريحاً من الأعياء، ثم انصرف الشيخ وأقبل أبو نواس، فجلس في مكانه، فقال له بعض من بالحضرة: من هذا الشيخ الذي رأيتك تعظمه هذا الإعظام، وتجله هذا الإجلال؟ فقال: هذا إسماعيل بن القاسك أبو العتاهية. فقال له السائل: لم أجللته هذا الإجلال؟ وساعة منك عند الناس أكثر منه. قال: ويحك لا تفعل، فوالله ما رأيته قط إلا توهمت أنه سماوي وأنا أرضي.

وقد يكفى أبا العتاهية أيضاً أنه هو الشاعر الشعبي الذي أمكنه أن يدنو بالشعر العربي إلى إفهام العامة، فوردوا مناهله العذبة بعد أن حرموا منها زمناً طويلاً بنزول لغتهم عن لغته، وانصراف الشعراء عنهم كأنهم عجماوات لا حظ لها من علم وأدب، وهذا كله مع احتفاظه للشعر بما يتطلبه منه الخاصة أيضاً، فأرضى بشعره الفريقين، ولم ينزل به عن مرتبة فحول الشعر في عصره وقبل عصره، وقد قلنا إنه يقصد إلى ذلك قصداً، ويثور به على الطريقة القديمة عامداً، وسقنا من قصته في ذلك مع سلم الخاسر ما يؤيده، وهذه هي قصته معه كاملة:

قال أبو الفرج: حدثني على بن مهدي، قال: حدثني أحمد بن عيسى. قال حدثني الجماز. قال: قال سلم الخاسر: صار إلى أبو العتاهية، فقال: جئتك زائراً، فقلت: مقبول منك

ص: 46

ومشكور أنت عليه فأقم، فقال إن هذا مما يشتد عليَّ، قلت: ولم يشتد عليك ما يسهل على أهل الأدب؟ فقال لمعرفتي بضيق صدرك، فقلت له وأنا أضحك وأعجب من مكابرته:(رمتني بدائها وانسلت)، فقال: دعني من هذا واسمع مني أبياتاً، فقلت: هات، فأنشدني:

نغًّص الموتُ كلَّ لذة عيش

يا لقومي للموت ما أوْحَاه

عجباً إنه إذا مات ميْتٌ

صدَّ عنه حَبيِبُه وجفاه

حيثما وجَّهَ أمرؤٌ ليفوتَ ال

موتَ فالموتُ واقفِ بحذاه

إنما الشيب لابن آدم ناعٍ

قام في عارضيه ثم نعاه

من تمّنى المُنَى فأغرق فيها

مات من قبل أن ينال مُنَاه

ما أذلَّ المقِلَّ في أعين النا

س لا قلاله وما أقْمَاه

إنما تنظر العيون من النا

س إلى من ترجوه أو تخشاه

ثم قال لي: كيف رأيتها؟ فقلت له: لقد جودتها لو لم تكن ألفاظها سوقية. فقال: والله ما يرغبني فيها إلا الذي زهدك فيها

وقد ذكر ابن رشيق القيرواني أبا العتاهية فيمن كان يذهب إلى سهولة اللفظ، ويعني بها مع الإجادة وملاحة القصد، وأنه اجتمع يوماً مع أبي نواس والحسين بن الضحّاك الخليع، فقال أبو نواس: لينشد كل واحد منكم قصيدة لنفسه في مراده من غير مدح ولا هجاء، فأنشد أبو العتاهية:

يا إخوتي إن الهوى قاتلي

فسيَّروا الأكفانَ من عاجل

ولا تلوموا في اتباعِ الهوى

فإنني في شُغُلٍ شاغل

عيني على عُتْبَةَ منهلَّهٌ

بدمعها المنسكب السائل

يا من رأى قبلي قتيلاً بَكى

من شدة الوجد على القاتل

بسطت كَفّي نحوكم سائلاً

ماذا تردُّون على السائل

إن لمُ تنيلُوُه فقولوا له

قولاً جميِلاً بَدَلَ النائل

أو كُنْتُم العام على عُسرةٍ

منه فمُنُّوه إلى قابل

فسلما له وامتنعا من الإنشاد بعده، وقالا له: أما مع سهولة هذه الألفاظ، وملاحة هذا القصد، وحسن هذه الأشارات، فلا ننشد شيئاً. قال ابن رشيق: وذلك في بابه من الغزل جيد أيضاً

ص: 47

لا يفضله غيره.

ولم يكن أبو العتاهية في ذلك يتكلف شيئاً لا تواتيه فيه سجيته، بل كان يجري فيه على سجية مواتية، وشعر مطبوع لا تكلف فيه ولا تصنع، وقد بلغ من سهولة الشعر عليه أنه كان يقول: لو شئت أن أجعل كلامي كله شعراً لفعلت، وقيل له: كيف تقول الشعر؟ قال: ما أردته قط إلا مثل لي، فأقول ما أريد، وأترك ما لا أريد. وحدث عبد الله بن الحسن قال: جاءني أبو العتاهية وأنا في الديوان؛ فجلس إليّ، فقلت: يا أبا إسحاق، أما يصعب عليك شيء من الألفاظ فتحتاج فيه إلى استعمال الغريب كما يحتاج إليه سائر من يقول الشعر، أو إلى ألفاظ مستكرهة؟ قال: لا، فقلت له: إني لأحسب ذلك من كثيرة ركوبك القوافي السهلة، قال: فاعرض عليّ ما شئت من القوافي الصعبة، فقلت: قل أبياتاً على مثل البلاغ، فقال من ساعته:

أيُّ عيش يكون أبلغ من عي

شٍ كَفافٍ قوتٍ بقدر البلاغِ

صاحبُ البغي ليس يسلم منه

وعلى نفسه بَغَى كلُّ باغي

ربَّ ذي نعمة تَعرَّض منها

حائلٌ بينه وبين المساغ

أبلغَ الدهرُ في مواعظه بل

زاد فيهنَّ لي على الإبلاغ

غبنتني الأيامُ عقلي ومالي

وشبابي وصحتي وفراغي

وكان أبو العتاهية مع هذا أراد تفخيم لفظة ومعناه لم يقصر به ذلك عن غيره، ومضى فيه كأنه من أولئك الشعراء الجاهلين أو المخضرمين أو الإسلاميين، وقد قال مسعود بن بشر المازني: لقيت ابن مناذر بمكة، فقلت له: من أشعر أهل الإسلام؟ فقال: أترى من إذا شئت هزل، وإذا شئت جد؟ قلت: من؟ قال: جرير حين يقول في النسيب:

إن الذين غَدَوْا بلبك غادروا

وشلاً بعينك ما يزال معينا

غَيَضْن من عَبراتهنَّ وقلن لي

ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا

ثم قال حين جد:

إن الذي حَرمَ المكارمَ تَغْلباً

جعل النبوةَ والخلافة فينا

مضرٌ أبي وأبو الملوك فهل لكم

يا آل تَغلبَ من أب كأبينا

هذا ابن عمي في دمشق خليفة

لو شئتُ ساقكمُ إلي قطينا

ص: 48

ومن المحدثين هذا الخبيث الذي يتناول شعره من كمه، فقلت: من؟ قال: أبو العتاهية، فقلت فيماذا؟ قال قوله:

الله بيني وبين مولاتي

أبدتْ لي الصدَّ والملَالاتِ

لا تغفر الذنب إن أسائت ولا

تقبل عذري ولا مُواتاتي

منحتُها مهجتي وخالصتي

فكان هجرانها مكافاتي

أقلقني حبُّها وصّيرني

أحْدُوثة في جميع جاراتي

ثم قال حين جد:

ومهمة قد قطعتُ طامسه

قَفرٍ على الهول والمحاماةِ

بحُرَّةٍ جسرةٍ عُذا فِرَةٍ

خوْصاء عَيْرَانهٍ عَلَنَدَاة

تبادِرُ الشمس كلما طلعتْ

بالسير تبغي بذاك مرضاتي

ياناق خُبَّي ولا تَعِدي

نفسك مما ترَيْنَ راحات

حتى تُناخِي بنا إلى ملك

تَوَّجه الله بالمهابات

عليه تاجان فوق مَفْرقه

تاج جِلال وتاج إخبات

يقول للريح كلما عصفت

هل لكِ يا ريح في مباراتي

مَنْ من عمُّه الرسول ومن

أخواله أكرم الخؤولات

وإذا كنت فيما سبق قد جعلت أبا العتاهية زعيم شعراء عصره، فهذا ابن مناذر يقضي له أيضاً بهذا السبق، وهذا بشار قد سئل من أشعر أهل زمانه؟ فقال: مخنث أهل بغداد، يعني أبا العتاهية، وكذلك كان يرى فيه هذا الرأي كثيرون مثل الفراء وجعفر بن يحيى وأبي نواس، قد وازن الحرمازي بينه وبين أبي نواس، فقال: شهدت أبا العتاهية وأبا نواس في مجلس، فكان أبو العتاهية أسرع الرجلين جواباً عند البديهة، وكان أبو نواس أسرعهما في قول الشعر، فإذا تعاطيا جميعاً السرعة فضله أبو العتاهية وإذا توقفا وتمهلا فضله أبو نواس، وقد يرجع هذا عندي إلى ما كان لأبي نواس من دراسة واسعة في اللغة وغيرها من العلوم، فلا يخفى أن مثل هذه الدراسة لم يتح مثلها لأبي العتاهية.

ولكنه يبقى بعد هذا ما قد يفيده ظاهر بعض ما رواه صاحب الأغاني من أن أبا العتاهية لم يكن يرى في شعره هذا الرأي، قال: نسخت من كتاب هرون بن علي، قال حدثني علي بن

ص: 49

مهدي، قال: حدثني ابن أبي الأبيض، قال: أتيت أبا العتاهية فقلت له: إني رجل أقول الشعر في الزهد، ولي فيه أشعار كثيرة، وهو مذهب استحسنه لأني أرجو ألا آثم فيه، وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه، فأحب أن تنشدني من جيد ما قلت، فقال: أعلم أن ما قلته ردئ، قلت: وكيف؟ قال: لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين، أو مثل شعر بشار وغبي هرمة، فان لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا يخفى على جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزهد، فان الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رواة الشعر، ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به، الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة، وأعجب الأشياء ما فهموه، فقلت: صدقت، ثم أنشدني قصيدته:

لِدوا للموت وابنوا للخراب

فَكلُّكُم يصير إلى تَباب

ألا يا موتُ لم أر منك بُدَّاً

أتيتَ وما تحيفُ وما تحابي

كأنك قد هجمت على مشيبي

كما هجم المشيب على شبابي

قال: فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا، فقال: والله ما احسب في شعره مثل ما أنشدك بيتاً آخر، فصرت إليه فأخبرته بقول أبي نواس، فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:

طولُ التعاشرَّ بين الناس محلول

ما لابن آدمَ إن فتشتَ معقولُ

يا راعِيَ الشاءِ لا تغفل رعايتها

فأنت عن كل ما أسترعيت مسئول

إني لفي منزل أعمره

على يقين بأني عنه منقول

وليس من موضوع يأتيه ذو نفَسِ

إلا وللموت سيفٌ فيه مسلول

لمُ يشغَل الموتُ عنا مذ أعدَّ لنا

وكلُّنا عنه بالذات مشغول

ومن يمت فهو مقطوع ومجتنب

والحيُّ ما عاش مَغشيٌ وموصول

كلْ ما بدا لك فالآكال فانية

وكلُّ ذي أكل لا بد مأكول

قال: ثم أنشدني عدة قصائد ما هي بدون هذه، فصرت إلى أبي نواس فأخبرته فتغير لونه، وقال: لم أخبرته بما قلت؟ قد والله أجاد، ولم يقل فيه سواءاً.

والذي أراه في ذلك أن أبا العتاهية كان يريد بهذا صرف هذا الرجل عنع، لأنه كان معتزا بشعره معتدا به، وقد قارع به بشاراً وغيره لدى الملوك والأمراء فخار به قصب السبق،

ص: 50

ونال من صلاتهم وجوائزهم ما لم ينله غيره، ولو كان يراه دون غيره من الشعر لقعد به في بيته، ولم يقو أن يقارع أحداً به.

عبد المتعال الصعيدي

ص: 51

‌فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

20 -

تطوير الحركة الفلسفية في ألمانيا

الناحية السلبية من مذهب نيتش

الإنسان

للأستاذ خليل هنداوي

كل جيل أو كل حضارة مرتبطة بسلسة من القيم الاجتماعية تؤمن بأن هنالك شيئاً أسمى من شيء، وأن عملاً أفضل من عمل، وترى أن الحقيقة أسمى من الضلال، وأن عاطفة الرأفة أفضل من عاطفة القسوة، وواجب التاريخ البشري هو تعيين هذه المقامات والفصل بينها، لأن هذه المقامات المنطوية على التقاليد الاجتماعية هي التي تسيطر على حياة الأفراد والجماعات، وتؤثر في كل أحكامنا ومناقشاتنا. وجدير بها والحالة هذه أن تشغل عقل الفيلسوف وأن تستبد بأكثر عقله وفراغه.

نظر نيتشه إلى هذه المقامات وتأملها ملياً، فجاءت نتيجة تأمله أن هذه المقامات التي تتعاقب عليها الحياة الأوروبية اليوم لهي مقامات فاسدة يجب تنكيسها لأنها لا تصلح للبقاء، وبهذا يتبدل مجرى حياتنا، وتبيد هذه العكازات التي تتوكأ عليها أحكامنا وأفكارنا. وقد نرى نيتشه - في أحد نوبات ألمه العنيف قبل ضياع عقله - ينذر بخراب مروع لهذه البشرية:(إنني أحلف لكم بأن الأرض ستتلوى متشنجة خلال عامين أثنين. . . إنني بنفسي قضاء وقدر)

إن الإنسان الحالي يضع في قائمة (القيم الاجتماعية) عدداً من القيم المطلقة العالية التي لا يمسها سوء ولا يشرف عليها عقل، ولا يتطاول إليها نقاش، وبواسطة هذه القيم يسعى إلى تبيين الحقيقة. من هذه القيم المعروفة مثلاً عنصرا الخير والحقيقة. وقديماً وحديثاً نرى أن تعبد الحقيقة والصدق هو رأس عقائدنا وإيماننا. ناهيك أن المفكرين أنفسهم وقفوا متهيبين إزاء مسألة الخير والشر حين عرضت لهم، وقد ظلموا مترددين أمامها، راعين للتقاليد التي توارثوها عنها. (فكانت) قد افترض وجودها.

وشوبنهاور وجد أن العقدة الأخلاقية إنما عقدة عامة، جميع الناس فيها سواء. (فلا تسئ

ص: 52

لأخيك، وأغث إخوانك ما استطعت). وهكذا تطامن الفلاسفة على هذه العقدة ولم يهزوا شجرتها. وكلهم تجمهروا ليدرسوا رأس الأخلاق وهذا الضمير الخلقي الذي أصطلح البشر عامتهم على احترامه والذي لا يزال يسيطر على الأجيال الحالية.

أعلن نيتشه الحرب على هذا التعبد للحقيقة وهذه العبادة لشريعة الأخلاق. وبدلاً من أن يتقبلها قبولاً لا مفر منه ولا وجه لمقابلته بجدل. رأيناه يقابلها كمسألة يدرس وجوهها ويحل مبهمها ويفترض ما يفترض في سبيل تفهمها. أليس من حقه أن يتساءل (ولماذا كانت الحقيقة خيراً وأحرى؟: ولماذا كان الخير أجدر من الشر بالأخذ؟) ثم حلّ هذه المسألة بذات الجرأة التي ظهر بها جاعلاً قاعدة الإنسان الحر هذه الكلمة المأثورة (لا شيء حقيقي في الوجود، كل شيء حلٌ للإنسان).

وما هذه الكلمات النظرية التي تتردد بحروف مختلفة وأسماء متباينة دون أن يخرج معناها بخروج مبناها إلا كلمات ابتدعها الخيال وثبتها الوهم. أما الحقيقة الجدير بالنظر، الحقيقة التي ينبغي لنا أن نعرفها فهي حقيقة عالم رغائبنا وأهوائنا. فكل ما تحتوي عليه حياتنا وإرادتنا وفكرتنا هو في الحقيقة نتاج ما فينا من الغرائز الحاكمة. وهذه الغرائز المتفرقة إنما تتشعب بها السبل إلى غريرة واحد، لا ترد إلا أليها ولا تصدر إلا عنها. هذه الغريزة هي إرادة القوة، هذه الإرادة التي تغنينا - لو رجعنا إليها في تحليل جميع مظاهر الحياة التي تحيط بنا ونحيط بها. فكل كائن - سواء كان من عالم الحيوان أو النبات أو الإنسان - يسعى إلى بسط سلطانه على غيره من الكائنات حتى يخضع له ما يخضع منها. وإن الحرب القائمة وهذه الجهود الدائمة، حيث لا تستقر حياة موجود إلا ببسط نفوذها ونشر قواها، هي الشريعة الأساسية في الوجود، وفي كل مظاهر الحياة - أنى كانت - ترى الغزيرة قائدها وهاديها: فإذا رأيت إنساناً ما يجنح بطبعه إلى حب الفضيلة والفن والحقيقة فهذا الجنوح إنما قام بفضل هذه الغريزة الطبيعية التي رأت من خيرها أن تسلك هذا السبيل، وهكذا قل في الفضيلة الدينية التي تجد بها بعض النفوس أقواتها وطعام غرائزها. وفي الحقيقة التي يضحي العالم في سبيلها بأزهى عمره تسوقه إليها إرادة القوة التي تعمل على بسط سلطانها، ولكن الإنسان مال إلى عبادة ما ابتدعه بنفسه (كمثل أعلى) ليشبع حاجة فيه من حاجاته. فبدلاً من أن يقول: سأحيا أنا لإشباع غرائزي، وسأتحرى عن الخير

ص: 53

والحقيقة تبعاً لهذه الشريعة حيث تدفعني إرادة قوتي: قال: إنما الخير والحقيقة شيئان ينبغي أن يطلبا لنفسيهما. . . يجب صنع الخير لأنه الخير. ويجب نشدان الحقيقة حباً للحقيقة. وحياة الإنسان ليس لها قيمة إلا بقدر ما تنكر من أنانيتها وذاتيتها في سبيل خدمة هذا المثل الأعلى، فلتقُتل إذن كل ميولها الغريزية في سبيل هذا الإنسان نفسه الذي قدر هذا التقدير إنما تسوقه غريزة - لأن الغريزة هي سائقة النفوس إلى ما تعمل - ولكن هذه الغريزة غريزة فاسدة.

على أن هذه الغرائز ليست في الناس سواء، فبعضها، فبعضها معتدلة تعمل على تغذية حياتها وصيانة نموها، وبعضها فاسدة معتلة تعمل على إخفاء مادتها الحيوية. وللعلل الجسدية تأثير كبير فيها قد يتداركها الطبيب قبل أن تضوي الجسد. وهنالك علل (الشخصية) ولهذه العلل أسباب طبيعية. وبحسب هذه الغرائز المختلفة المتسيطرة على الإنسان يأتي صاحبها صالحاً أو طالحاً، مثلاً عالياً أو مثلاً سافلاً.

إن - هنالك - رجالاً خالصي الأجسام والأرواح يقولون (نعم) للوجود! هم سعداء ناعمون بحياتهم، وهم ممن يجدر بالحياة أن تخلد لهم. وهنالك رجال منحطون ضعفاء مرضى قد أظلمت غريزتهم وماتت حيويتهم، يقولون (لا) للوجود! يجنحون إلى الموت والفناء، لا غاية لهم يتحرون عنها، وليس لهم - والحالة هذه - أن يتحروا عن بقائهم في الوجود، وهذه سنة طبيعية تنطبق على الحياة التي لا تتمرد، والحياة - في كل صقع - سائرة في طريق التقدم أو في طريق الانحطاط. والإنسان فيها مثل غرسة، طوراً تحيا ذابلة يائسة، وطوراً تتفتح مشرفة زاهية، تسمو منها فروع عالية.

يتبع

خليل هنداوي

ص: 54

‌القصص

صور من هوميروس

5 -

حروب طَرْوَادَة

أخيل

للأستاذ دريني خشبة

شده القوم، ونظر بعضهم إلى بعض، ونهض الكاهن الوقور ذو اللحية المرتعشة يضرب في غَبْشَةِ الصبح، متكئاً على عكازه الذي أحنته وأحنتْ صاحبه السنون، ولم يكد يتسم ذروة الجبل حتى أشرقت ذُكاء، فاختلط ذهب أشعتها بفضة لحيته، فزادته رهْيةً، وزاده البعد وقاراً، وملأ بهامته السامقة وطيلسانه القشيب، قلوب العسكر، وعيون القادة، ألغازاً وأسراراً. . .

عاشت ذيتيس في كنف بليوز قانعة راضيةً، لا يعنيها من هذا العالم الرحب إلا الجنين الحبيب الذي يتقلب في أحشائها، فتتقلب معه أكبر الآمال.

ومضت شهور. . . ووضعته غلاماً بكاءً كثير الصخب، يضرب الهواء برجليه الصغيرتين، فكأنما يضرب المشرقين والمغربين، وينظر في السماء العميقة بعينيه الزرقاوين، وكأنما يبحث في أغوارها عن جده. . ومجده! وترى إليه أمة وتبتسم!

وشبّ الغلام وأيفع؛ وتحدَّثت إلى أمه العرَّافات والكاشفاتُ الغيب أنه سيكون محارباً عظيماً، تتحدث بذكره الركبان، وتتعطر باسمة المحافل في كل زمن ومكان؛ وأن لا بد من رحلةٍ به إلى الدار الآخرة - هيدز مملكة بلوتو - حيث تستطيع الأم غَسلَ ابنها في أمواه ستيكس، نهر الخلود الزاخر، الذي أودعته الآلهة أسرارها، ونظمت فيه شعراء الأولمب أشعارها واشتهرت بركاته في العالمين.

حدثنها أنها إذا غسلت أبنها في أمواه ستيكس، فانها تكسب جسمة مناعةً ضد الموت، وحِفَاظاً من الفناء؛ لأن جلده يصبح كالدرعِ المسرودة من حديد، لا تنفذ فيه السهام، ولا يؤثر فيه طعن القنا، ولا ضرب المشرفيات البيض.

ووقفت به على شواطئ ستيكس!.

ص: 55

وهالها أن تنظر فترى إلى المنايا تقفز على غوارب الموج، وتثب فوق نواصي الثبج؛ تدمدم كأنها الذئاب، وتهوم كأنها البواشق، وترقص ظلالاً سوداء كأنها الجن!.

لقد ريعت الأم المسكينة، وكادت تنثني بطفلها المعبود، إشفاقاً عليه من هول ما شاهدت. . . بيد أن الطفل. . . بيد أن أخيل الصغير، كان يصرخ وينتحب كلما بعدت به أمه عن شواطئ النهر، في حين كان يهدأ وبتسم كلما اقتربت به منها. فتعجبت ذيتيس، وجلست ترقب من النهر فرصة هادئة فتغمر ابنها في مائه لحظةً وتمضى لشأنها. . .

وكأن الآلهة قد استجابت لتوسّلاتها. . . . فقد نامت الآمواج، واستقر سطح الماء، وقالت شياطين النهر المصطخب؛ فتقدمت الأم المضطربة، حاملة ولدها من إحدى رجليه، وذكرت أربابها، متبهلةٍ إليهم، وغمست أخيل في الماء الهادئ في أقل من لمح البصر، وعادت أدراجها فرحة متهللة. . .

جزء واد من جسم أخيل لم يغمره الماء!!

ذلك هو عقب قدمه اليسرى! فيا للهول!

لقد أسلمت ذيتيس ولدها الحبيب للسنتور العظيم شيرون، مؤدب هرقل ومدربه، يلقنه الفنون الحربية، وبنشئه على أعمال الفروسية، ويبث فيه من ذلك الروح الكبير، الذي بثه في سائر تلاميذه من قبل، فكانوا فرسان كل حلْبة، وصناديد كل ميدان، ولقد نبغ أخيل في استعمال السيف، والعب بالرمح وتوتير القسِي، وثقف حِيل المصارعة والملاكمة. . . . وقصارى القول، أصبح فتى زمانه، والهلع الملقى في قلوب أنداده وأقرانه. . . إن كان له أنداد وأقران.

وعاد إلى أمه فاحتفت به، وذهبت من فوْرها هذا إلى العرافات القُدامى، وكهنة المعبد، فاستوحتهم ما عسى أن يكون في كتاب الغيب من حظ لابنها في الميدان. . .

ولكنها حزنت، ودهاها من الهم ما دهاها، حين قال لها الكاهن الأكبر، مؤمَّناً على ما تنبأت به العرَّافات، إن أخيل سيدعى للقتال في صفوف الإغريق، وأنه سيلقى حتفه تحت أسوار طرواده، بسهم يرميه بع ألد أعدائه، يصيب منه مقتلاً في موضع دقيق من جسمه، هو، واأسفاه، عَقِبُ قدمه اليسرى، التي لم تغمرها مياه ستيكس!!.

حزنت ذيتيس، وتجهمت للحياة المشرقة، وتجهمت الحياة المشرقة لها، وآلت إلا أن تحول

ص: 56

بين أبنها وبين الحملة على طرواده التي كانت الصيحة لها تجوب آفاق هيلاس في تلك الآونة. . .

وجلست تفكر. . .

وبدالها أن ترسل بأخيل حيث يحل ضيفاً على ليقوميدس ملك سيروس الكريم المضياف، وان تنتحل الأعذار الواهية، فتعرض على الملك أن يسمح لولده بالتنكر، بأن يصفَّف طرته ويرسل غدائره، ويزجج عينيه وحاجبيه، ويصبغ خذيه وشفتيه ويضفي عليه من وشي العرئس، وأفواف الاناث، وحِبَرَ القيان الغيد، ما يبدو به كأنه واحدة من بنات الملك أو إحدى سراريه! تحسب المسكينة أنها تعفيه مما قدر له، وأينما كان يدركه القتل، ولو كان في برج مشيد!!.

واشتد طلب الإغريق لأخيل، ولبث الأسطول الضخم يرقب مجيئه في كل لحظةٍ عدة أيام، وخشى اجاممنون إن هو أقلع بالفلك، ورسا عند شطئان طرواده أن ترسل الآلهة ريحاً صرصراً تسخرها عليه فتأتي على أسطوله، أو يظل تحت أسوار أعدائه مرابطاً أبداً، لا يتقدّم. . . ولا يتأخر؛ وتكون إقامته ثمة بالهزيمة أشبه، وإلى الانخذال أقرب. فأخذ يبعث الرسول يتلو الرسول للبحث عن أخيل، الذي أنبأت الآلهة أن فتح طرواده مستحيل بدونه؛ ولكن عبثاً حاول أحد من الرسل العثور بأخيل أو بظل أخيل؛ بل كانوا يعودون جميعاً وهم يتعثرون في أذيال الخيبة، ويلملمون أطراف الفشل!.

وهنا، نهض البطل الملك، أوليسيز، فتى إيتاكا، وندب نفسه للبحث عن أخيل، وأقسم لا يعودن إلا به!.

ومع أن بعض القادة من أعضاء المجلس الحربي، أوجس خيفةً من أن يفر أوليسيز، وأن يكون ندبه لنفسه بحجة البحث عن أخيل، إن هو إلا حيلة يريد بها أن يفلت من تبعات الحرب وأهوالها، إلا أن أجا ممنون نفسه، وهو القائد الأعلى للجيوش والأساطيل، قبل أن يذهب أوليسيز كيما يقص أثر أخيل، بعد أن أخذ عليه (يميناً على حَدَّ الحسام المهنّد!).

استطاع اوليسيز أن ينفذ إلى مملكة بليوز في أعماق المحيط واستطاع أيضاً أن يختلط بالخدم والخول وحاشية القصر، وأمكنه أن يستدرج بعض الأمراء المقربين من رجال الأسرة المالكة فيعلم منهم أين يختبي أخيل، وكيف يمارس حياة العذارى في بلاط

ص: 57

ليقوميدس، ملك سيروس، كأنه إحداهن، وعلم أيضاً أن أخيل نشأ نشأة عسكرية على يدي شيرون العظيم، ومن كان تلميذ شيرون فأخلق به إلا يستنيم لهذه الحياة الناعمة التي لا تليق إلا بأبكار الخدور، وربات الحجال، لا بالأبطال وصناديد الرجال. . . . . . فانطلق إلى سيروس من فوره!.

انطلق أوليسيز إلى سيروس النائية، التي تكاد تكون منقطعة عن العالم، وقد حمل على ظهره العريض، وكاهله القوي حقيبة كبيرة جمع فيها من كتان مصر واصباغها، وعطورها وحِبَرَ الشام، وحريره وممُّوره، وتصاوير فارس، وقاقمها وسنجابها، ومشرفيات الهند، وتحف السند، وطرق الصقلب. . . . . . ومن كل ما غلا وارتفع ثمنه من أدق صناعات العالم جميعاً.

فلما كان في حاضرة المملكة، يمم شطر قصر الملك. . . وكان الوقت ضحى؛ ثم إنه طفق يصيح باللهجة السيروسية، معدَّداً أسماء السلع التي:(استحضرناها حديثاً من مصر الجميلة المتفننة، والهند العظيمة، والسند ال. . . ونحن لا نبيع إلا للملوك وأبناء الملوك، لأن الشعب فقير لا يقدَّر بضائعنا الغالية. . . ونحن معروفون في مصر، لا يشتري فرعون إلا منا، وفي الشام، وفي فارس، وفي الهند، حيث الأقيال العظام وال. . .).

وأرسلت بنات الملك فأحضرن هذا التاجر المفاخر بما معه واجتمعن حوله يتفرّجن ويتلَّهيْن؛ هذه تختار منديلاً من حرير الهند، أو منطقة من خز الشام، وتلك تشتري من أصباغ مصر وعطورها وخرزها، وثالثة تفتن بتصاوير فارس، فتشتري كل ما مع الرجل منها. . . . . .

ولكن فتاةً مُلَّثمة. . . وقفت وحدها ترمق سائر الفتيات بنظرات ساخرة، ولا تكاد تبين إلا عن عينين زرقاوين متألقتين، تقدمت في خطوات متزنة، ومشية منتظمة، وأخذت الحقيبة من الرجال فقلبتها، وما كادت ترى إلى المشرفيات الرقاق الظَّبي، حتى تهللت، وبدا البْشر في عينيها، وتناولت حساماً مرهفاً وشرعت تلعب به في الهواء، ههنا وههنا، كأنما تطيح به رؤوس أعدائها الذين تتصورهم في لوحة الخيال البعيد، المنطبع على أسوار طروادة!!. . .

وشُده أوليسيز مما رأى!.

ص: 58

إنه هو نفسه لا يستطيع أن يلاعب السيف كما تلاعبه هذه الفتاة!.

وإن فتاة تغازل السيف هكذا، لا يستطيع عشرة آلاف فارس أن يقفوا في وجهها؛ إذا جمعتهم وإياها حلبَةٌ للوغى!.

إنها تأخذ على الهواء مسلكه، فالهواء نفسه ذبيح هذه الضربات القاسيات!

وانقشع الشك من نفس أوليسيز، وأيقن أنه أمام البطل المنشود، فصاح بصوته الجهوري، وكأن الرعد ينبري من بين شدقيه:

(أخيل!. . . . . . . . .).

وكأن كل ما في الأرض والسماء راح يردد صيحة أوليسيز:

(أخيل. . . أخيل. . . أخيل. . .).

ووقف أخيل لحظة جامداً، شارد اللب، زائغ العينين، كأنه مستيقظ من حلم كريه مفزع؛ ثم ما هو إلا أن نثر لثامه ومزق الغلالة الحريرية التي تحبس جسمه العظيم في سجن امرأة، وصاح بأوليسيز وقد بدا في بُرْد الأسد.

(أنا هو. . . أنا أخيل. . . فمرحى يا رجل!).

- (أنت هو. . . .؟!)

- (أجل. . . أخيل بن بليوز. . . أبي إله عظيم وأمي بنت إله عظيم، فلبيك وسعديك!)

- (وأنت مختبئ هنا في خدور النساء خشية الحرب التي احتشد لها قومك دفاعاً عن الوطن؟)

- (أية حرب يا رجل؟)

- (بين هيلاس وبين طرواده!)

- (ومن أثارها؟)

- (لقد سرق باريس بن بريام، هيلين ملكة أسباطة)

- (سرقها؟ ولم لم تقتله الفاجرة؟)

- (فرَّت معه، ولم يُعنها أن تلقي شرف هيلاس في الوحل)

- (ولم لم تذهب أنت إلى الصفوف، ويبدو لي أنك محارب كبير؟)

- (بل أقبلت من الصفوف لا بحث عنك!!)

ص: 59

- (ومن أنت حتى ينتدبك الجيش للبحث عن أخيل؟)

- (ومن أنا؟ وماذا أسرك أن أكون؟)

- (ومن أنت يا رجل؟)

- (أيسرك أن ملكاً هو الذي يبحث عنك يا أخيل أبن بليوز؟)

- (ماذا تعني؟ أأنت ملك إذن؟ ملك ماذا؟)

- (ملكإيتاكا يا أخيل!!).

- (أنت ملك إيتاكا؟ أنت أوليسيز؟ هاها. . . وما تلك الحقيبة إذن؟)

- (هي وسيلتي اليك، لقد مزقت بها خمارك؛ وهتكت بما فيها براقعك!)

- (أنت تهيني!)

- (لا عليك، مادام محدثك أوليسيز!)

- (أفي الحق انك هو. . . . . .؟؟)

- (أقسم لك بالكُناس الذي آواك. . .)

- (وفيم كنت تحرث شاطئ البحر إذن؟ لقد ذُكر أنك زرعته ملحاً، فهل حصدت سرديناً يا أوليسيز؟.)

- (أخيل! الأسطول ينتظرنا، ألف ألفٍ يتحرقون شوقاً لرؤياك، وأنت أكرم من أن تفر من حرب. . . فهلم!.)

- (هلم إلى أين؟.)

- (إلى أوليس أيها العزيز. . إلى حياة البطولة والمجد والشرف!)

- (البطولة والمجد والشرف!! ماذا تقول؟.)

- (لم يخلق تلاميذ شيرون للتقلب في الراحة، في قصور الراحة، والتلذذ بما في العيش من طراوةٍ ونعومة. . . هلم يا أخيل نخض المعمعة، ونلق طروادة العاتية، ونُلَقّنهْا درساً دامياً في الذود عن كرامة الوطن! لا تقتل وقتنا فقد حرصنا جميعاً على أن تكون معنا، وتحدثت إلينا آلهتنا أن طروادة لا تُفْتَح إلا عليك، ولا تعنو إلا لك، وقد اتفقت المقادير أن ترميها بك. . . لا تترك لخصومك فرصة أن يقولوا فر أخيل وتقاعس، فأين أبطال هيلاس!! هلم هلم، فقومك بنو الكريهة وقروم الحرب وحتوف الأقران. . . لو رأيت إليهم مستلْئمين في

ص: 60

سلاحهم، مُقَنّعين في حديدهم، مُلملمين في سفينهم، لزهاك عسكرهم الجرار، وبهرك خميسُهم العرمرم! وتمنيت أن تكون أحدهم بالدنيا وما فيها.

دع الغيد يفاخرون بالقلائد والعقود، وتعال نحن ما في أجسامنا من ضربات السيوف، ووخزات الرماح، ومواقع السهام، فهذه أعز مفاخر الرجال يا أخيل!.

أخيل! ردّ علىّ! قل سأحضر معك! كلنا ننتظرك يا أخيل! لن تفتح طروادة إلا عليك! فأي فخر ينتظرك تحت أسوارها، وأي مجد يكلل هامتك يا بطلها الصنديد!.

تكلم، ولا تصمت هكذا. . . إن ملك إيتاكا يتوسل إليك أنا أوليسيز كله! سأكون خدنك في الحوْمة، وصديقك في المعمعة! وأجا ممنون! إنه قائدنا إلى الفخار، وصاحبنا في مصارع الشرف! وديوميديز! بطل الأبطال وفارس كل كريهة وقتال! سينسى شجاعته حين ينظر إليك تلاعب الأسنَّة، وتقّبل مراشف الرقاق البيض! وأجاكس يا أخيل! لقد بهره ما سمعه عنك، وهو يتمنى أن يراك، ويحارب تحت بند خفاق من بنودك! أجاكس نفسه، يود أن يكون جندياً من جنودك وهو أقوى وأبسل جنودنا جميعاً. . .!

ماذا؟ تبكي؟. . . لا لا يا أخيل. . . لترقأ دموعك فهي أغلى من أن تنسكب هكذا! أكرم بك هيلانياً رقيق القلب، باراً ببلادك، مناضلاً عن رايتها في ساحة المجد!.

لتشربْ من دموع أخيل يا ثري الوطن!

لتروك هذه العبرات الغاليات، فهي ترياقك إذا حزبك أمر، أو ادلهمت بك الخطوب!).

وهكذا كان أوليسيز ماهراً في إثارة النخوة في قلب البطل!

وهل أحلى من كلمات البطولة، وأوقع من حديث المجد، في نفس شاب مثل أخيل؟ لقد تقدم مختاراً طائعاً فقبل جبين أوليسيز، ولثم سيفه، ثم ودّع بنات الملك، وحيا القصر، وتزود من الحدائق نظرات

وأنطلق في إثر أوليسيز!

إلى. . .

أوليس!

(لها بقية)

دريني خشبة

ص: 61

أشكر الأستاذ الأديب محمد روحي فيصل، وأدع للرسالة أن تجزيه عني دريني

ص: 62

‌من الفن القصصي الحديث

المشعوذ

للقصصي الألماني أريش كستنر

ترجمة علي كامل

في ليلة من ليالي الصيف الماضي شوهد على شرفة مقهى (مجلس الوصاية) الواقع على رصيف مون بلان بجنيف منظر كان حقاً غير عادي، إذ قبل أن ينتصف الليل بقليل كان المقهى يفيض بالزبائن الوجهاء الذين كانوا يشربون قبل أن يذهبوا للنوم مختلف المشروبات المثلجة. فقد كان الجو ثقيلاً، ثقيلاً لدرجة أن رياح البحيرة لم تستطيع إحداث أقل إنعاش أو تخفيف.

وكان الأغنياء البرجوازيون من أهل جنيف يوقفون عرباتهم أمام الفندق ثم يبحثون بعد أن ينزلوا منها عن مكان وسط ذلك الجمع المختلف الأجناس المحتشد في ذلك المكان.

وكان فريق الأوركسترا يعزف في الهواء الطلق بضع مقطوعات من أوبرات شهيرة، وكان كل الجالسين يشعرون بأنه يحيط بهم جو على أتم ما يرام: فجوازات السفر تامة من كل الوجوه، والحقائب مهيأة للغاية، وأربطة الرقبة متفقة مع (البدل)، والقهوة المثلجة في درجة الحرارة التي يرغبونها، وأمواج الأوبرات التي يعزفونها جيداً تفتن جميع الآذان.

وفي هذا الجو المفعم بالنعيم والفخامة برز مرة واحدة وسط الشارع أحد حمالي البواخر، وكان أشبه ما يكون بمصارع، وكان جسمه كله برنزي اللون من أثر الشمس. وبدل القميص كلن يلبس (مايوه) بنفسجياً وحول فخذيه بنطلون أحمر متسخ. وكان يلّوح بيديه بكوبه من الجعة نصفها فارغ. محيياً - وهو يضحك - الجالسين في المقهى الذين لم يكن من السهل لعينيه أن تراهم جميعاً. ولقد كان يبدو من منظره أن الشراب قد أسكره قليلاً. وكانت ابتسامته تبدو غريبة، وبعد أن عبر شرفة المقهى عاد أدراجه وبدا على وجهه كأنه يريد أن يشرب في صحة الحاضرين. ثم أفرغ ببطء ما تحتويه كوبته ولم يظهر على من بالمقهى أنهم وجدوا في هذا المنظر تسلية كبيرة جداً، وأفرغ الرجل ما تبقى من الجعة على

ص: 63

الرصيف دون أن يبدو عليه أي أرتباك، ثم مسك الكوب بكلتا يديه وحطمها كاملاً بين أسنانه كإنسان عضه الجوع. وكان بالقرب منه فتاة أمريكية من اعظم الموجودات رشاقة فصرخت حين رأته يفعل ذلك وأصفر لونها مرة واحدة. أما جارتها ملكها الفزع وضعت منديلها سريعاً على فمها. ووقف عدد من الزبائن ودفعوا كراسيهم إلى الوراء وجروَا بأقصى سرعة. أما أفراد الأوركسترا أنفسهم فقد تحولت أنظارهم عن النوت إلى أمامهم وطاشت أنغام كل منهم

وفي أثناء كل ذلك الوقت كان الرجل يسحق قطع الزجاج بصوت مرتفع دون أن يتحرك من مكانه متابعاً بعينيه بكل هدوء عصبية المتفرجين المتزايدة، وكان صوت مضغ الزجاج - ذلك الأمر العجيب النادر - هو وحده الذي يزعج ذلك السكون الشامل. ثم أحنى الرجل رأسه كأنه يتحدث سراً مع أحد من الناس وتأرجح على ركبتيه ثم أتجه إلى مناضد أكثر بعداً وهز من جديد كوبه ونظر بهدوء شديد إلى الوجوه الخائفة وحطم قطعة أخرى بين أسنانه. وهرب هذه المرة أيضاً عدد من الجالسين بينما طلب عدد آخر - وقد أثارهم ذلك المنظر الغريب - من خدم المقهى أن يطردوا ذلك الرجل. على أن الخدم اكتفوا بهز أكتافهم، فقد كانوا على جانب من التعب الشديد غير قادرين حتى على جمع الحساب الذي لهم عند الزبائن. كما أن الفزع كان قد أخذ منهم كل مأخذ. ومن الحق القول أيضاً بأنهم كانوا لا يودون مطلقاً أن يتشاجروا مع (آكل الزجاج) وطلب رجل فرنسي - كان قد أصبح وجهه رمادي اللون من هول الرعب - مدير المحل كيما يوجه إليه اللوم الشديد. ووعد مدير المحل بأن يقدم مساعدته وتقدم خطوات نحو حمال البواخر، لكن شجاعته خانته حالاً فتقهقر. ذلك لأن المشعوذ لم ينقطع عن التردد بين طرفي المقهى وهو يمضغ على مهل بقايا كوبه الجعة، وبعد أن ازدرد جزءاً منها لفظ البقية على الأرض.

وبدا على جانب شفتيه مجرى رفيع من الدم انساب حتى ذقنه دون أن يشعر هو نفسه بذلك إذ كان منشغلاً تماماً بمضغ غذائه الوحيد.

ومر بالمكان مصادفة أحد رجال البوليس قادماً من رصيف و. ولسن وكان يرتدي (بدلة) زرقاء بأشرطة بيضاء، فعندما رأى ذلك المنظر الغريب انسل بهدوء إلى شارع الناقوس، واختفى دون أن يصرخ آمراً بعودة النظام.

ص: 64

ووقفت السيارات في عرض الطريق بينما جلس السائحون صامتين من الذهول، وقد اتجهت أنظارهم - دون أن تتحول مطلقاً - صوب النوافذ الزجاجية.

لقد فقد زبائن المقهى وعيهم كلية، وملكهم الرعب من جراء شجاعة ذلك الرجل الخارقة، ولقد دفعهم الخوف لأن يضعوا أيديهم على حقائبهم، فقد تكون هي احسن وسيلة لأبعاد ذلك الحمال الذي حمل إليهم الألم والأذى.

على أنه لم تكن هناك وسيلة ما!.

لم يبق من الكوبة شيء يذكر، كان الرجل يمضغ بهدوء البقايا الأخيرة ولم يقاومه إلا القاعدة لأن زجاجها أكثر سمكاً فلوح بها في الهواء وعليه إمارات النصر الممتلئ بالاحتقار.

كان السكون التام يسود المكان كله ولم يكن هناك إلا فتاة صغيرة - عيناها نصف مقفولتين - تبكي بوداعة. وفي تلك اللحظة اقترب رجلنا من المنضدة المجاورة وقبض - دون أن ينطق بكلمة واحدة - على آنية السكر المعدنية وأدارها على المنضدة ثم قدمها وهي فارغة مما كانت تحويه طالباً المعونة، وقد علت وجهه إمارات التهديد. وفي الحال انفتحت حقائب النقود كأن قوة سحرية فعلت بها ذلك. وتراكمت قطعه النقود في آنية السكر كأنها قطرات مطر هاطل، وتنقل الرجل من منضدة إلى أخرى وهو مالك نفسه أكثر من رجل مسلح من رجال العصابات. ماداً آنية السكر كأنه يصوت مسدساً. إنه لم يستجد بلسانه مطلقاً، كما أنه لم يشكر من أعطوه، على أنه لم يكن يغادر المنضدة إلا بعد أن يعطيه الجالسون عليها نقوداً.

وفي الطريق وقف المارون ينظرون في صمت ما يفعله الرجل وقد ظهر عليهم السرور واضحاً. لاحظ مدير المحل - ولكن بعد أن فات الأوان - أن سمعته في خطر كبير فانحنى يطلب بأدب جم إلى العامل أن يوقف هذه الشحاذة، لكن الرجل أبعد ذلك الشخص الذي يضايقه بأن هز كتفه هزة خفيفة ثم استمر في تكديس النقود كأن شيئاً لم يحدث قط، فقد كان يعتبر الجالسين في المقهى كأنهم أكياس منتفخة من الذهب.

لقد جاء إلى المكان وأطاعوه بسهولة! وفي اللحظة التي شعر فيها بأنه حصل على ما يريد أفرغ ما تحتويه آنية السكر في جيبه وألقى على الأرض - دون أي مراعاة - قاع الكوبة

ص: 65

الذي لم ينقطع عن التلويح به في الهواء حتى تلك اللحظة، ثم ارتدى بنطلونه بإهمال، كما هي حال الطبقات الدنيا، وسار في طريقه باحتقار وازدراء.

وبقي الزبائن المساكين جالسين في أماكنهم ذاهلين، أشبه ما يكونون بمرضى في دور النقاهة، محطمين من التعب والإرهاق والآن ما الذي حدث؟

الذي حدث أن رجلاً لا يلبس ياقة ولا رباطاً للرقبة ازدرد الزجاج. بيد أن وقع الحادث على المتفرجين كان أكثر من ذلك هولاً ورهبة.

وابتداء فريق الأوركسترا يعزف مقطوعات للموسيقي فيردي بينما كان أحد خدم المقهى يمسح جبهته خفية.

ص: 66

‌البريد الأدبي

مستعرب عظيم

يلومني بعضهم لتنويهي في كل مناسبة بفضل علماء المشرقيات في الغرب على حضارتنا وآدابنا، ولقولي إننا كنا نجهل كثيراً من علم أمتنا ومدنيتها لو لم يقم الغربيون يحيون كتب العرب منذ القرن السادس عشر من الميلاد؛ حتى طبعوا منها خزانة عظيمة بإتقان وضبط، مل برحت الدارسين والباحثين، وإذا أشرت إلى علماء أمتي بالجري في طريقة أولئك العاملين، فهناك الامتعاض، وهناك الغمز واللمز، وهناك الأعذار التي لا مبرر لها.

أنا لا أجادل إلا بإيراد مثال واحد على صحة مدعاي، والأمثلة متوفرة كثيرة. هذا الأستاذ كرنكو الألماني لم يجد منشطاً من دولة، ولا من جامعة، ولا من جماعة؛ ومع هذا طبع نيفاً وعشرين كتاباً من كتبنا لخدمة العلم والحضارة العربية. وترجمة الرجل طريفة عسى أن يكون في نشر طرف منها بعض العبرة لقومي، وألا يثقل عليهم إذا قلنا إنهم مقصرون عن اللحاق بغيرهم

ولد (فريتس كرنكو) أو (سالم الكرينكوي)، كما سمى نفسه بعد في قرية شونبرغ في شمال ألمانيا، وتعلم مع لغته الألمانية، وكان شاعراً، اللغات الإنجليزية والفرنسية واللاتينية واليونانية، فأتقنها اتقاناً جيداً، ثم بدأ وهو صبي يافع يتعلم اللغات الأوربية الأخرى واللغة الفارسية، وتعلم طرفاً صالحاً من الحميرية والعبرية والآرامية والتركية، ثم رحل إلى إنجلترا واشتغل بالتجارة حتى أسس مصنعاً للأقمشة في (لستر) كان يشغل فيه أكثر من ألف عامل وعاملة، ولم تفته مع كثرة أشغاله العقلية ساعة إلا طالع فيها الكتب العلمية، وسما له شوق إلى درس آداب العربية والحضارة الإسلامية، ولا سيما ما كان له علاقة بأوائل الإسلام والقرون التي سبقته، فتعلمها وأتقنها حتى أصبح يكتب فيها ويؤلف مثل أبناء العرب.

وفي الحرب نكب بفقد وحيده، ثم بخسارة كبرى في تجارته حدث به إلى تركها في سنة 1927. وتفرغ بعد ذلك للعلم، وهو اليوم يعرف لغات أوربا وثلاث لغات من لغات الشرق: العربية والفارسية والهندية معرفة جيدة، ودروس اللغات الأخيرة في الكتب من أستاذ، وهو اليوم لا منصف له يعيش براتبه، وماله مال أمثاله ممن يحترف الأدب، ولما

ص: 67

اشتدت به الضائقة كتب إليه أحد أصدقائه من مسلمي الهند أن ينسخ له من الكتب العربية ما يراه جديراً بالطبع من خزانة المتحف البريطاني في لندرا، وجعل له جعلاً سنوياً مناسباً. وقال لي الأستاذ: إني الآن أعيش بفضل لغتكم.

هذه جملة حاله، أما إنتاجه فكثير جداً، لا تكاد تقوم بمثله المجامع العلمية الكبرى، ورجائي أن يقتدي بسيرته رجالنا، فهي غريبة في بابها.

طبع الأستاذ كرنكو مجموعة من كتب العرب أعرف منها الكتب التالية:

(1)

قصيدة طفيل الغنوي البائية مع ترجمة إنجليزية

(2)

قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير مع مقدمة ألمانية

(3)

شعر أبي ذهبل الجمحي رواية الزبيري بكار مع زيادة وحواش وملاحظات

(4)

طبقات النحاة لأبي بكر الزُّبيدي مع مقدمة وشروح عليها باللغة الإيطالية

(5)

ديوان مزاحم العُقيلي بترجمة إنجليزية

(6)

كتاب المجتبي لأبي بكر بن دريد

(7)

ديوان النعمان بن بشير الأنصاري وفي ذيله ديوان بكر بن العزيز العجلي

(8)

حماسة هبة الله بن الشجري

(9)

ديوان طفيل الغنوي وديوان الطُّرماح بن حكيم مع مقدمة وترجمة وشروح وفهارس مطولة بالإنجليزية

(10)

الكتاب المأثور لأبي العميْثل الأعرابي عن نسخة قديمة كتبت سنة 280 مع مقدمة ألمانية وفهارس

(11)

جمهرة ابن دريد في ثلاثة مجلدات مع فهارس له في مجلد كبير

(12)

تنقيح المناظر لكمال الدين الشيرازي شرح كتاب المناظر لأبي الهيثم البصري

(13)

كتاب التيجان في تواريخ ملوك حمير لعبد الملك ابن هشام عن وهب بن منبَّه التابعي وفي ذيله ما بقي من رواية عبيد بن سَنْرِيةَ عن الأمم البائدة، وقد كتب في مجلة (مدنية الإسلام) الألمانية أن هذين الكتابين من أقدم الآثار المدونة باللغة العربية

(14)

(الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر العسقلاني في أربعة مجلدات. ويطبع الآن ويصحح كتاب (معاني الشعر الكبير) لأبن قتيبة، وهو في ألف صفحة و

ص: 68

(إعراب ثلاثين سورة لأبن خالوية) والمجلدات الثلاثة الأخيرة من (التاريخ المنتظم) لأبن الجوزي، و (المؤتلف والمختلف) للآمدي، وكتاب (نجاة البصرة) للسيرافي، و (الجماهر في معرفة الجواهر) لأبي الرَّيحْان البيروني، إلى غير ذلك مما يطبعه من كتبنا في الهند ومصر والشام والجزائر وأوربا.

وبعد هذا ألا نرى من الواجب أن نرسل من هذه الأقطار العربية تحيتنا إلى هذا العالم العامل الكامل في الديار الغربية، وندعو بطول بقائه ليخدمنا بعقله ونبوغه، وندعو أن يهيئ الله لأمتنا أمثلة من العلماء العاملين.

محمد كرد علي

كتاب الذخيرة لأبن بسام

تألفت أخيراً برياسة العلامة المستشرق الفرنسي الأستاذ ليفي بروفنسال لجنة من أفضل المستشرقين لتعني بإخراج أثر إسلامي أندلسي ضخم هو كتاب: (الذخيرة في التعريف بمحاسن أهل الجزيرة) لابن بسام، وهو من أكابر أدباء الأندلس في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري. ولم يكن موجوداً ولا معروفاً قبل بضعة أعوام من كتاب ابن بسام غير أجراء أو نسخ ناقصة، ولكن الأستاذ ليفي بروفنسال، وهو من خيرة المستشرقين الذين وقفوا على استقصاء تاريخ الأندلس المسلمة وآدابها وحضارتها، لبث يبحث وينقب أعواماً طويلة في خفايا المكاتب المغربية حتى ظفر بنسخة حسنة كاملة من كتاب:(الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة)؛ وساعده على ذلك وجوده بالمغرب الأقصى، مدى أعوام طويلة، مديراً لمعهد المباحث الإسلامية في رباط الفتح (مراكش)، وتجوله الدائم في أنحاء مراكش والجزائر، وتمكنه من معرفة الآثار والمخطوطات الأندلسية؛ وهو صاحب القسم الثاني من فهرس المكتبة العربية في الأسكوريال، وله عن أسبانيا المسلمة مؤلفات عديدة. منها:(أسبانيا في القرن العاشر) و (النقوش الإسلامية في أسبانيا المسلمة) و (وثائق جديدة عن تاريخ الموحدين) و (وصف لمدينة سبتة في القرن الخامس عشر) الخ. وقد طبع كتاب دوزي عن الأندلس طبعه جديدة منظمة منقحة؛ وكتاب الذخيرة الذي يعني الآن بإخراجه، أثر أدبي تاريخي ضخم ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول خاص بقرطبة

ص: 69

وأعيانها، والثاني خاص بغرب الأندلس وأعيانها، وأخبار اشبيلية وبني عباد؛ والثالث خاص بشرق الأندلس وبلنسية وأعيانها، والرابع بأخبار الجزيرة وأعيانها. وهو يلقي أعظم الضياء على تاريخ أسبانيا المسلمة وآدابها وأحوالها الاجتماعية في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أيام دول الطوائف. ويوجد بدار الكتب المصرية نسخة ناقصة من كتاب الذخيرة في مجلدين كبيرين، تحتوي على القسمين الأول والثاني فقط من الكتاب. ومن المحقق أن دوائر البحث الإسلامي سوف تنتظر بفارغ الصبر ثمرة الجهود المحمودة التي يبذلها الأستاذ ليفي بروفنسال وزملاؤه الأفاضل لإخراج هذا الأثر النفيس.

من آثار نابوليون

كشف البحث في مكتبة خاركوف العامة (روسيا) عن وجود اثر نفيس من آثار نابوليون، وهو عبارة عن كتاب منه بخطه إلى صديقه وعامله يوسف فوشيه، والكتاب مؤرخ في 11 مايو سنة 1811، وفيه يدعو الإمبراطور فوشية ليتولى إدارة شؤون بروسيا، ويحثه على القدوم إلى درسدن مع عدة من معاونيه الذين يعرفون اللغة الألمانية، وكان نابوليون في ذلك الحين قد غلب على بروسيا ومزقها، وأخذ يستعد لغزوته الروسية الشهيرة. أما يوسف فوشيه الذي يوجه إليه هذا الخطاب، فهو من اشهر الشخصيات في تاريخ نابوليون وتاريخ فرنسا في هذا العصر؛

وقد كان أقطاب الثورة وزعماء اليعاقبة، ولما بزغ نجم نابوليون عين مديراً لبوليس باريس، واستمر في هذا المنصب أعواماً طويلة ثم تولى بعد ذلك عدة مناصب في الإدارة وفي البطانة، وأشتهر فوشية بدسائسه الكثيرة التي جعلت منه شخصية روائية مدهشة، وكان داهية وافر الذكاء والخبث، وقلما تجد قصة من قصص هذا العصر لا تحتل فيها فوشية أعظم مكانة، وكان نابوليون يثق به وينتدبه لأخطر المهام السرية، ولكنه في أواخر أيامه أخذ يرتاب فيه ويقصيه عنه، وكان فوشية أديباً كاتباً، وقد ترك لنا عدة آثار ورسائل، وكتب عنه الكثيرون مؤلفات ضخمة، ولا سيما شتيفان زفايج الكاتب النمسوي، ولوي مادلين الكاتب الفرنسي.

وفاة فنان نمسوي

ص: 70

من أبناء فينا أن المهندس والفنان الأشهر الأستاذ أوسكار شترناد قد توفي في السادسة والخمسين من عمره في مصيفه في (أو سنري)، وقد كان الأستاذ شترناد أعظم أخصائي في فنه، وهو الهندسة الزخرفية، واشتهر منذ أواخر عهد القيصرية، وتولي زخرفة كثير من المنشآت الشهيرة، ومنها (الأوبرا) النمسوية. ولبث مدى أعوام طويلة أستاذ هذا الفن في مدرسة الزخارف الفنية.

الرقابة الأدبية في روسيا

تفرض روسيا السوفيتية على الكتب والصحف رقابة صارمة؛ وكما أنها ترعى هذه الرقابة وتنظمها داخل روسيا، فلا يكتب أو ينشر شيء ينافي المبادئ الشيوعية أو يتوجه إلى نقدها والطعن فيها، فكذلك تنظم هذه الرقابة على الحدود تنظيماً دقيقاً فلا يتسرب إلى الأرض الروسية من الكتب أو الصحف شيء يخشى منه على عقول النشء الروسي الذي نشأ وترعرع في ظل الثورة الشيوعية، وآخر نوع من أنواع هذا الحجر قانون أصدرته وكالة الشؤون التجارية الخارجية، يقضي بأنه لا يجوز لشخص داخل روسيا أن يستورد من الخارج كتباً أو صحفاً أجنبية إلا بتصريح خاص من المكاتب التي ستنشأ لهذا الغرض، وكل صحيفة أو كتاب لم يؤذن باستيراده يعتبر مهرباً ويحاكم محرزه ولا سيما إذا كان فيه طعن على الحكومة السوفيتية أو مبادئها أو وسائلها، وقد حملت السلطات السوفيتية على تشديد الرقابة على هذا النحو بما لاحظته في الأعوام الأخيرة من اشتداد الحملة على روسيا السوفيتية، وتصور نظمها وأحوالها في معظم البلدان الأجنبية، سواء بطريق الكتب أو الصحف، تصويراً منفراً تقشعر منه القلوب.

إلى صديقي الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي

كنت شديد الإعجاب بقصيدتك (عاصفة روح) التي سمعتك تنشدها قبل نشرها في العدد الأخير من (مجلتي) الصادرة في أول سبتمبر، ولكني لما خلوت إلى نفسي كنت كمن يفتش على مهل عن شيء ضائع في ذاكرتي!. . وأخيراً لقيت هذا الشيء الضائع. . . لقيت مطلع قصيدة من ذات العنوان والوزن، بل لقيت القصيدة كلها من نظم الشاعر الدمشقي مشيل عفلق منشورة في العدد السابع من مجلة الدهور الصادر في شهر سبتمبر سنة

ص: 71

1934 مطلعها:

أعصفي يا رياح

واهزئي يا سماء

من يكن ذا جناح

هل يهاب الفضاء؟

ولقيتك في المقطع الثاني من قصيدتك تقول:

أعولي يا جراح

اسمعي الديان

لا يهم الرياح

زورق غضبان

لقد أوغلت في قراءة قصيدتك، ووازنت بين أقوالك ومعانيك، وبين الأقوال والمعاني الواردة في قصيدة الشاعر الدمشقي، وأخيراً لقيت الأليق أن أسألك عما إذا كان هذا مجرد توارد خواطر، وقد ألفنا تعليل الاغارات الأدبية بتوارد الخواطر.

أريد أن أمضي معك في تعليلك، وأن أكتفي بنشر مقطع واحد من قصيدة ذلك الشاعر الدمشقي يتفق مع مقطع من قصيدتك، أريد ذلك حتى لا أضيف خسارة صديق جديدة إلى قائمة أولئك الضعفاء غير المأسوف على صداقتهم، فهل من تعليل؟. . . . إني لمنتظر.

حبيب الزحلاوي

ص: 72

‌الكتب

ثلاث رسائل

بخط ياقوت الحموي الرومي

للأديب الفارسي عباس إقبال

ترجمها الدكتور عبد الوهاب عزام

عند كاتب هذا المقال مجموعة صغيرة في ثمان وأربعين ورقة صفراء، طول ورقة 15 سنتيمتراً وعرضها 10، وهي بخط نسخ جميل، كتبها كلها الأديب العالم الكبير شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي، المؤلف ذائع الصيت صاحب معجم البلدان، ومعجم الأدباء، المولودة سنة 575 والمتوفىسنة 626.

في هذه المجموعة أربع رسائل صغيرة كتبها ياقوت نفسه في أوقات مختلفة، ثم جمعها في مجلد واحد. وهي كما يأتي:

1 -

كتاب الفصيح: لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب الشبابي (200 - 291) وهو 28 ورقة. وقد طبع مرات.

2 -

كتاب تمام الفصيح: لأبي الحسين أحمد بن فارس أبن زكريا اللغوي المتوفى سنة 395. وفيه 11 ورقة.

3 -

و 4 - كتابان لأبي الحسن عليَّ بن عيسى الرمَّاني الوراق (276 - 384) الأول منهما، لسوء الحظ، سقط من المجموعة. ومحي عنوانه من الغلاف. والكتاب الثاني كتاب الحروف. وقد سقط أوله، وبقي معظمه في 9 ورقات.

ولا شبهة في صحة نسبة هذه النسخة إلى ياقوت الحموي وأصالتها. فالخط والورق والتاريخ يؤيدها. ثم ياقوت نفسه يكتب هذا خمس مرات بالخط الذي كتبت به النسخة نفسها. ولدينا شواهد تاريخية أخرى نحصيها فيما يلي:

على غلاف هذه المجموعة، كما يظهر من الصورة هذه الكلمات:

كتاب الفصيح

تأليف أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب وكتاب تمام الفصيح

ص: 73

تأليف أبي الحسين أحمد بن فارس

وفيه كتاب. . . . . . . . . وكتاب الحروف

كلاهما عن عليّ بن عيسى بن علي الرماني

وفي الحاشية اليسرى إزاء اسم كتاب الرماني (ملك لكاتبه ياقوت الحموي عفا الله عنه) ثم في أسفل صفحة الغلاف كتب ياقوت نفسه في سطور رأسية رواة كتاب الفصيح إلى زمانه وبين كيف نسخ هذه النسخة من الفصيح وصحيحها. ونحن ننقل هنا بعض ما كتب:

. . . . . وصاحب هذا الكتاب عبد الله الفقير إليه ياقوت ابن عبد الله الرومي الحموي، بعد أن عارض بأصله هذا نسخة السماع وكتب ما كان فيها من. . . . . وما كان في هذه النسخة من الزوايد مخالفاً للأصل ضرب عليه بالحمرة. وذلك بأعلى. . . الآخر سنة عشرين وستمائة. وهذا خط صاحب الكتاب ياقوت الحموي عفا الله عنه. . .

وفي آخر نسخة كتاب الفصيح: (منقول من خط أبي الحسين عليّ بن عبيد الله السمسمي اللغوي بحواشيه حرفاً حرفاً، وكان على وجه نسخته، وفي الحاشية اليمنى بجانب هذه العبارة كتب بخط أحمر: (قوبل بالأصل المنقول عنه؛ فصح والحمد لله رب العالمين، وقوبل ثانياً وصح)

وكتب في هذه النسخة، كما يقول ياقوت في حاشية الغلاف: اختلافات النسخ فوق الكلمات بمداد أحمر، وزيدت في الحواشي زيادات وتصحيحات. وهذا برهان بمقابلة النسخة بنسخ أخرى وليس في الرسالة تاريخ نسخها، ولكن يؤخذ من حاشية الغلاف المكتوبة في ربيع الآخر سنة 620: أن مقابلة هذه النسخة بنسخة أخرى كان في هذا التاريخ، وقد حمل ياقوت هذه المجموعة معه حين فرّ من متوحشي التتار بين سنتي 617، 618. وكان من بركة هذا الفرار أن بقيت لنا هذه النسخة ولم يصيبها من أيدي هذه الجماعة الوحشية ما أصاب نفائس الكتاب فيما وراء النهر وخوارزم وخراسان.

وقد كتب على ظهر الورقة الأولى من كتاب تمام الفصيح لأحمد بن فارس: (كتاب تمام الفصيح تأليف الإمام أبي الحسين

احمد بن فارس بن زكريا رحمه الله. ومن خطه نقل)، وفي أول الكتاب (نقلت من خط أبي الحسين احمد بن فارس مصنف الكتاب) وتنتهي النسخة بهذه العبارة:

ص: 74

(وكتب احمد بن فارس بن زكريا بخطه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة بالمحمّدية. قال ناسخ هذه النسخة هذه جميعه صورة خط الإمام أبي الحسين بن فارس رحمه الله. فأما أنا فإني فرغت من نسخ هذه النسخة بكرة الأحد سابع ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة بمرو الشاهجان حامداً لله ومصلياً على نبيه المصطفى محمد وآله وصحبه الكرام، وكتب ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي).

وكتب في الحاشية مقابل كلمة المحمدية: (قلت المحمدية محلة بالري هي بين السور البرّاني والسور الداخلاني)، وهذه العبارة التي كتبها ياقوت في آخر نسخة تمام الفصيح علاوة على تصريحه بأن هذه النسخة خط يده، وأنه ختمها يوم الأحد سابع ربيع الآخر سنة 616 في مرو الشاهجان، ونقلها من نسخة المصنف التي كتبها بخطه في رمضان سنة 393 في المحمدية ترينا تدقيق ياقوت في ضبط أسماء البلدان. فإن هذا العالم الكبير الذي أمضى شطراً من عمره في تحقيق أسماء البلاد وتعيين مواقعها، وجمع المعلومات التي مكنته من تأليف كتابه البديع الخالد معجم البلدان رأى في نسخته حتى أبان عنه، وكان من قبل خفياً عليه نفسه كما يتبين مما يأتي:

وقد ذكر ياقوت في معجم البلدان، بمناسبة كلمة المحمدية، نسخة كتاب تمام الفصيح التي كتبها بخطه المصنف أحمد بن فارس، ووقعت في يده بمرو الشاهجان، ونقل العبارة التي ذكرها أحمد بن فارس في آخر نسخته ونقلناها هنا، وهذه من أقوى الأدلة على صحة نسبة النسخة الحاضرة إلى ياقوت، وهذه عبارته في معجم البلدان (ووقع لي بمرو كتاب أسمه تمام الفصيح لابن فارس وبخطه. وقد كتب في آخره: وكتب أحمد بن فارس بن زكريا بخطه في شهر رمضان سنة 395 (كذا بالرقم في النسخة المطبوعة في لايبسيك) بالمحمدية فغبرت دهراً أسائل عن موضوع بنواحي الجبال يعرف بهذا الاسم فلم أجده لان ابن فارس في هذه الأيام هناك كان حياً حتى وقعت على كتاب محمد بن أحمد بن الفقيه فذكر فيه. قال جعفر بن محمد الرازي: لما قدم المهدي الرّي في خلافة المنصور بنى مدينة الرّي التي بها الناس اليوم، وجعل حولها خندقاً، وبنى فيها مسجداً جامعاً، وجرى ذلك على يد عمار بن الخصيب. وكتب اسمه على حائطها، وتم عملها سنة 158. وجعل لها فصيلاً يطيف به فارقين آخر، وسماها المحمدية. فأهل الري يدعونه المدينة الداخلة المدينة،

ص: 75

ويسمون الفصيل المدينة الخارجة، والحصن المعروف بالزبيدية في داخل المدينة بالمحمدية.

(له بقية)

عبد الوهاب عزام

ص: 76

‌مطبوعات دار الكتب المصرية

للأستاذ محمد بك كرد علي

أصدرت دار الكتب المصرية الجزء الخامس من (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) لجمال الدين أبي المحاسن يوسف ابن تغري بردى الأتابكي في سنة 467 صفحة كبيرة، مشفوعاً بفهرس الولاة الذين تولوا مصر من سنة 428هـ إلى سنة 566هـ، وفهرس الأعلام، وفهرس الأمم والقبائل والبطون والعشائر والأرهاط، وفهرس أسماء البلاد والجبال والأودية والأنهار وغير ذلك. وفهرس وفاء النيل من سنة 428 إلى 566 وهي الأعوام التي استغرق هذا الجزء الكلام عليها. وأصدرت أيضاً الجزء الثاني من (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الأندلسي المتوفى بمنية ابن خُصَيب في الصعيد الأدنى سنة 617هـ، وهو تفسير جليل (أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ). وقد جاء الجزء الأول في 396 صفحة والثاني في 436، مصححاً بمعرفة الأستاذ السيد محمد الببلاوي مراقب إحياء الآداب العربية.

والدار آخذة في إتمام طبع كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني، وقد أنجزت إلى الآن جزأه السابع. و (نهاية الأرب في فنون الأدب) للنويري، وقد أتمت طبع السفر الحادي عشر منه. وانتهت منذ مدة من طبع (صبح الأعشى) للقلقشندي في أربعة عشر مجلداً، ولا ينقصه إلا الفهارس التي تحلى بها كل من النجوم الزاهرة والأغاني ونهاية الأرب. وأتمت طبع (عيون الأخبار) لأبن قتيبة، في أربعة مجلدات، ويحمل الرابع منها الفهارس المنوعة. وطبعت ديوان مهيار الديلمي في أربعة مجلدات، وديوان صرَّدُرّ، وديوان نابغة بني شيبان، وديوان علم الدين أيدمر المحيوي، وديوان جران العود النميري، إلى غير ذلك مما أحيته في عهدها الأخير على نفقتها وبعناية رجالها. كما طبعت في خمسة مجلدات قائمة الكتب العربية المطبوعة والمخطوطة التي دخلت الدار

وكانت طبعت طائفة من الكتب الجليلة، منها (الطراز) لأمير المؤمنين يحيى بن حمزة العلوي اليمني في ثلاث مجلدات، و (الاعتصام) للشاطبي في ثلاث مجلدات، و (الأحكام) للآمدي في أربعة مجلدات وغير ذلك. جرى طبع هذه الكتب بإشرافها قبل أن تنشئ الغنية

ص: 77

المتقنة، وكانت طبعت في دور آخر من أدوارها الماضية تاريخ مصر لأبن إياس في ثلاثة مجلدات مع الفهارس، و (التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية) لأبن جيعان، و (تاريخ الفيوم وبلادها) للنابلسي الصفدي و (الانتصار لواسطة عقد الأمصار) لابن دقماق وغيرها.

هذا عمل دار الكتب اليوم وأمس، ورأيت بعض الغيورين على العلم ينتقدون عليها بطأها في إخراج الكتب للناس، وما عمل هذه الدار بما تنشر من الأسفار الممتعة إلا عمل علمي محض يراد منه إحياء ما قد يتعذر على الأفراد إحياؤه من الأمهات العربية، على غاية من العناية بالتصحيح، مع معارضة النسخ المختلفة بعضها ببعض، والتعليق على محال الإشكال من النسخ الأصلية المعتمدة، وشرح ما يجب شرحه من المشكلات اللغوية والأدبية والتاريخية والجغرافية وغيرها، وهو عمل شاق لا يدرك مبلغ خطورته إلا من عاناه؛ فقد يتوقف الناشر في صفحة محيت بعض كلماتها، أو طمست بعض سطورها أياماً كثيرة ويتقاضاه إثبات الرواية الصحيحة أوقاتاً، لو كان له أن يصفها كما يشاء لكتب رسالة مطولة في فن من الفنون. فإحياء كتاب من هذا الطراز، فيه ما فيه من الغموض واللبس أصعب من تأليف كتاب، ذلك لأن مصححه مقيداً بالنص ومقيد بالرسم والخط ومقيداً بالأمانة، ليس له أن يبدل على هواه كلمة بكلمة، ولو رأى ما ذهب إلى ذهنه أحق بالاتباع والإثبات. ولو كان عمل الدار تجارياً لأخرجت كل شهر بضعة مجلدات، ولكن ماذا تكون قيمتها العلمية؟.

أما من يتبجحون بأن بعض منشورات الدار لا تخلو، مع هذه الغاية البالغة، من أغلاط وتهاون، فجوابنا لهم أن يتفضلوا وينشروا لنا رسالة صغيرة للقدماء، في مثل هذه الصورة اللائقة التي تصدر بها مطبوعات دار الكتب، وعندئذ يحكم العارفون لهم أو عليهم. والدعوى الطويلة العريضة في خلوة غير العمل السديد، والنقد سهل والصعوبة في الإبداع.

وأي خدمة أعظم من الخدمات التي تقوم بها دار الكتب المصرية للآداب العربية، وكثير مما طبعته مَعْلمات أو إنسيكلوبيذيات في الأدب والإنشاء والعلوم. فالشكر للأستاذ المربي محمد أسعد بك برادة مدير دار الكتب على عنايته بالدقيق والجليل في ديوانه، ولإخوانه ومعاونيه الأساتذة المحققون: السيد محمد الببلاوي، وزكي العدوي، والشيخ محمد عبد الرسول، والشيخ أحمد الزين وغيرهم من الناظرين في الكتب. والشكر الكثير لمجلس دار

ص: 78

الكتب الذي ما برح يقرر نشر كل مفيد من آثار السلف.

محمد كرد علي

ص: 79