المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 123 - بتاريخ: 11 - 11 - 1935 - مجلة الرسالة - جـ ١٢٣

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 123

- بتاريخ: 11 - 11 - 1935

ص: -1

‌في الجمال.

. .

- 2 -

لعل جمال المرأة أبرع مثل للجمال الطبيعي لو تدبرته؛ وسر الإعجاب

فيه هو سر الإعجاب في جمال الرجل: أعني الذكاء؛ والذكاء كما قلت

من قبل إبداع الوسائل الملائمة للغاية، ثم تطبيق هذه الوسائل على

غايتها في نظام دقيق محكم؛ فأنت لا تستطيع أن تفقه جمال المرأة إلا

إذا وقفت على حكمة الله فيها، وغرض الطبيعة منها، وأدركت ما بين

طبيعة خَلْقها وعلة وجودها من المواءمة التي تسترق الأفئدة وتدق على

إفهام البشر.

فالعلة الغائية لخلْق المرأة هي أن تكون زوجة وأُماً، وسبيلها أن تروق الرجل وتدمث خُلقه وترقق طبعه ليسكن إليها ويُشبل عليها بالمعونة والنجدة؛ وسكون الزوج إلى زوجه تدبير إلهي يقوم عليه بناء المجتمع وبقاء النوع، لأن المرأة وهي زوج تحمل، أو أم ترضع، لا تملك لنفسها ولأولادها غذاء ولا حماية؛ فما دام الولد في حاجة إلى أمه، فالأم في حاجة إلى أبيه. ولكن غريزة الاستقرار والاستمرار في الرجل ضعيفة، فلا بد لهذا الوحشي الشريد من صلة أخرى غير صلة الدم تحبسه على زوجه وتعطفه على بنيه؛ والحب وحده هو الذي مكن الطبيعة من هذه البُغية؛ فبفعل الجاذبية سكن النافر، وبسحر الجمال ثبت العَزوف. وللحب خصيصتان قويتان: الرغبة والحشمة؛ ومن ذلك كان جمال المرأة داعيَ الرغبة خافض الجناح حيي الطبع؛ والرجل مزهوٌّ على المرأة يُدل بحيازته لها، ويتعزز بقيامه عليها؛ فهو يريدها (ريحانة لا قهرمانة)، وحبيبة لا جليبة، لها سلطان ولكنه رفيق، وفيها إباء ولكنه رقيق.

ومن ذلك كان جمالها مزيجاً من الوداعة والعزة، وخِلطاً من الضعف والدلال، وطباقاً من الهيبة والنبل.

وجمال المرأة يحتفظ بدوامه وسحره ما دامت له روح من العاطفة تشع في نظراتها، وتنسم

ص: 1

في بسماتها، وتشيع في قسماتها، وتنشر أضواءها السحرية على أعصاب الرجل - وهو بطبعه ولوع - فيتمتع بنعمة اختياره ولذة إيثاره، ويجد في الضعف الذي يستلم ويستكين، الحبَّ الذي يطول ويحكم.

إن شبهة الخداع والتصنع تمحق كل شيء: لذلك كان في مخايل الطيبة والنزاهة، وفي سمات الظرف الغرير يتراءى وهو يختفي، وفي أسرار الهوى المكتوم تفضحه البسمة الحنون من شفة مطبقة، وتعلنه الومضة الخاطفة من نظرة حبية، وفي دلائل الملامح المعبرة في الوجوه والعيون تقول وهي تنصت، وتريد وهي ترفض: كان في كل أولئك بلاغة الجمال؛ فإذا أصيب الحب بالفتور ابتُلي الجمال بالخرَس.

وسلطان المرأة القوي على قلب الرجل إنما يأتيها من ذلك الذكاء المستسرِّ ترعاه معه وفيه على غير علمه؛ فكان من مزايا جمالها أيضاً أن تلوح هذه البصيرة الدقيقة على أسرَّة وجهها، وتشرق على الأخص في تلك النظرة الوديعة التي تتغلغل في طوايا القلب فتنسخ ظلال الفتور، وتبدد ظلام الكآبة، وتشعل خمود الحب. . . . . .

ومن خصائص جمال المرأة الاحتفاظ بالقلب الذي تصبَّاه وسباه؛ ووسيلته أن يطرد السأم عنه، ويجدد الشوق فيه، فيعير العادة المملة ألوان الجدَّة، ويقبس الحياة الرتيبة حرارة التنوع؛ وذلك هو السر العجيب الذي وضعه الله في الجمال النسوي، فيتكرر ولا يُمل، ويستعلن ولا يُفهم، ويتجدد ولا يتناهى، ويتنوع ولا يختلف، ويتولد ولا يبيد!!

إن في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس؛ وإن في تجميع النهر، وتكوين الجبل، وتصريف الريح، وإثارة البحر - لجمالاً رائعاً يجري في كل شعور، ويستولي على كل قلب، لأنه يعلن القوة الخارقة؛ والقوة أروع خصائص الجمال وأشدها أخذاً بمدارك الحس؛ كذلك تجد في صغار الأشياء مفاتن للجمال الطبيعي تهز النفس وتصبي المشاعر؛ فورقة الزهرة، وجناح الفراشة، يبعثان في قلبك من الإعجاب ما يبعثه الطود المتموج بالثلج، والمحيط الملفف بالعاصفة؛ ولكن خصيصة الجمال في الزهرة والفراشة هي فرَة الألوان، ونصاعة الأصباغ، وتعدد الصور؛ وخصيصة الفرة أضعف من خصيصة القوة لتأثرها بالذوق، وخمودها بالألف والعادة.

ولعل خصيصة الذكاء أخفى الخصائص الجمالية جميعاً، لأن مرجعها إلى التأمل والفهم،

ص: 2

وهذان لا يتيسران في كل وقت، ولا لكل شخص؛ فالبركان والإعصار يروعان القلب بالقوة المجردة، ولكن الجمال إذا قام على خصيصة الذكاء وحده، وهي الترتيب والمواءمة والإنتظام، خبا أثره في الناس إلا إذا كان محسوساً شديد الغرابة! أليس الواقع أن براعة القدرة وسر الإبداع سواء في العظاية والأسد، وفي القصبة والدوحة؟ ولكنك تعجب بالأسد والدوحة، ولا تكاد تأبه للعظابة والقصبة، لأن سلطان القوة غالب، وسحر العظمة عجيب.

فاجتماع الخصائص الثلاث إذن ضروري لحصول الجمال الصحيح في مشاهد الطبيعة وروائع الوجود.

(للبحث بقية)

أحمد حسن الزيات

ص: 3

‌اللون الأصفر

للأستاذ أحمد أمين

لفت نظري - وأنا أدرس الحياة الاجتماعية في العصر العباسي - ما رأيت من كثرة ما كتب عن اللون الأصفر في هذا العصر، وحلوله محلاً كبيراً غطى على كل الألوان الأخرى، وكثرة ما قيل فيه من أدب، فرأيت أن أعرض على قراء (الرسالة) شيئاً منه وأترك لعلماء الجمال ما يدل عليه انتشار اللون الأصفر في الشعوب من تحديد درجة الذوق في الرقي، وعلاقته بانتشار التهتك والخلاعة، ودلالته على مقدار ما وصلت إليه الأمة من حضارة.

رأيت العراقيين هاموا باللون الأصفر وتغزلوا بالوجوه الصفر، وصبغوا ثيابهم بالصفرة، وافتتنوا بالزهور الصفر، وأكثروا من اتخاذ الطعوم الصفر، ومدحوا الجواهر الصفر، وهكذا.

روى الجاحظ من الأمثلة المشهورة قولهم: (أهلك النساءَ الأصفران: الذهب والزعفران)، وهذا يدل على غرام النساء باللون الأصفر، وظهور هذا الغرام بحبهن للذهب والزعفران؛ أما حبهن للذهب فللونه ولأنه خير أنواع المال. وقد ظُلم النساء برميهن وحدهن بحب الذهب، فمن من الرجال كذلك لم يذله الذهب ويسترقه المال ويستعبده الدينار؟ ومن منهم لم يقس أخلاقية العمل بمقياس الذهب؟. . . لقد كان الحريري أصدق قولاً إذ يقول:

أكْرمْ به أصفرَ راقت صفرتهُ

جوّابَ آفاقٍ ترامت سفْرته

مأثورةً سمعتُه وشهرته

قد أودعت سر الغنى أسرَّته

وقارنت نجحَ المساعي خطْرته

وحُببت إلى الأنام غرَّته

لولا التَّقى لقلت جلت قدرته

وأما الزعفران (وهو نبت له أصل كالبصل وزهر أصفر إلى حمرة) فقد كان له سلطان في بغداد أي سلطان حتى لو سميْتَ بغداد في ذلك العصر مدينة الزعفران لم تُبعد؛ وقد جعلوا له قوة سحرية فقالوا: (إنه إذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص) وإذا حسن في عينهم شيء أصفر شبهوه بلون الزعفران كما قال آدم بن عبد العزيز:

شربت على تذكر عيش كسرى

شراباً لونه كالزعفران

ص: 4

وأكثروا من تلوين الطعام به؛ قال بديع الزمان في إحدى مقاماته: (ومعنا على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتأخذ وجوه الزعفران).

وكان البغداديون يلونون الطعام ويكرهون أن يقدموه بلا تلوين، ويسمون الطعوم غير الملونة (الطعوم المُعتدَّة) تشبيهاً لها بالمرأة في العدة، لأنهم يكرهون منها أن تلبس الثياب الملونة، فكانوا يلونون الطعام بالزعفران وبالعصفر وهو أصفر أيضاً.

قال ابن حمدون:

هاتوا أطايب ثورٍ فائق سمناً

كالفيل قدّاً وان عدُّوه في البقر

وسكْبجُوها ووفوها توابلها

وزَعفروُها وصفوها عن الغير

وصبغوا بالزعفران ملابسهم؛ حكى الأغاني أن الرشيد دخل على أخته علية بنت المهدي في يوم قائظ فوجدها قد صبغت ثياباً بزعفران وصندل وجعلتها على الجبال لتجف، فجعلت الرياح تمر على الثياب فتحمل منها ريحاً بليلة عطرة فوجد لذلك راحة من الحر.

وكتبت جارية على قباء معصفر:

وما البدر المنير إذا تجلى

هدوا حين ينزل بالعراق

بأحسن من بثينة يوم قامت

تهادَى في معصفرة رقاق

وقد كثرت أسماء الثياب الصفر فسموا

التَّخمَةَ: الثياب المخططة بالصفرة

والرَّادعة: القميص لُمّع بالزعفران والطيب

والسبنيّة: نسبة إلى سَبَن قرية بنواحي بغداد وهي ثياب من حرير فيها أمثال الأترجّ (الأصفر)

والثياب المحرَّضة: وهي المصبوغة بالاحْريض وهو العصفر.

والثوب المُمصّر: قيل هو المصبوغ بصفرة خفيفة

والثوب الموَرّس: المصبوغ بالوَرْس وهو نبت أصفر يصبغ به.

وأكثر ما كانت العصائب التي تتزين بها النساء عصائب مصبوغة بالزعفران وشيتْ بخيوط من حرير وطرزت بسلوك من ذهب.

وقالوا أجمل شيء غلالة معصفرة على جارية

ص: 5

ويروي الوشاء في كتابه الموشي أنه لا يحسن بالرجال لبس المصبوغ بالزعفران في مظاهر الجد لأن ذلك من لبس النساء والقيان؛ وقد يلبسه الرجال في أوقات الفصد والعجلات وأوقات الشراب، وربما استعملوا ذلك في وقت قصفهم وتظرفوا بها في مجالسهم. . . والظهور بها قبيح من السوقة مستحسن من أهل النعم وأبناء الخلفاء).

وحكى التنوخي في نشوار المحاضرة (أن الخليفة المتوكل اشتهى أن يجعل كل ما تقع عليه عينه في يوم من أيام شربه أصفر، فنصبت له قبة صندل مذهبة مجللة بديباج أصفر، مفروشة بديباج أصفر، وجعل بين يديه الدستنبور والأترج الأصفر وشراب أصفر في صواني ذهب، ولم يُحضر من جواريه إلا الصفر، عليهم ثياب قصب صفر، وكانت القبة منصوبة على بركة مرصعة يجري فيها الماء، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على قدر ليصفر الماء، ويجري من البركة أصفر، ففعل ذلك وطال شربه فنفد ما كان عندهم من الزعفران، فاستعملوا العصفر، ولم يقدروا أنه ينفد قبل سكره فنفد، فلما لم يبق إلا قليل عرّفوه وخافوا أن يغضب إن انقطع. . . فلما أخبروه أنكر أنهم لم يشتروا أمراً عظيماً، وقال إن انقطع هذا تنغص يومي، فخذوا الثياب المعصفرة بالقصب فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ. . . فحسب ما لزم ذلك من الزعفران والعصفر ومن الثياب التي هلكت فكان خمسين ألف دينار).

ونسبوا إلى أفلاطون أنه قال إن رائحة الزعفران تسكن الغضب، وإذا قرن اللون الأحمر بالأصفر تحركت القوة العشقية.

ولإعجابهم باللباس المعصفر أو المزعفر شبهوا به الخمر، فقال ابن وكيع:

فاشربْ مُعَصْفَرَةَ القميصِ سُلَافة

من صنعة البَرَدَان أو قُطْرَبُّلِ

وقال ابن المعتز:

لبسَتْ صفرةً فكم فتَنَت من

أعينٍ قد رأيْنَهَا وعقول

مثل شمس الغروب تسحب ذيلا

صبغته بزعفران الأصيل

وقال ابن الرومي في وصف شواء:

وسميطة صفراء دينارية

ثمنا ولونا زَفَّها لك جُؤْذر

وأكثروا من مدح المرأة الصفراء واستحسنوها، ففي الأغاني أن متَيَّم الهاشمية، ومحبوبة

ص: 6

المتوكلية، ودنانير البرمكية، كن صفراوات مولدات، وسميت دنانير لصفرتها. وقال بعضهم في وصف جمال الصفرة:

وعهدي بها صفراء رود كأنها

نضى عرق منها على اللون مجسدا

ومدحوا الزهور الصفر والثمار الصفر

فمدحوا الآذَرْيْون وهو زهر أصفر في وسطه خمل أسود، قال فيه ابن المعتز:

كأن آذَرْيُونَها

والشمسُ فيه كاليه

مداهنٌ من ذهب

فيه بقايا غالية

كما مدحوا (الخِيريْ) وهو المنثور الأصفر.

وكان عندهم نوع من الياسمين أصفر قال فيه الشاعر:

كأنما الياسمين حين بدا

يشرق من جوانب الكثب

عساكر الروم نازَلَتْ بلداً

وكل صُلْبَانها من الذهب

ومدحوا التفاح الأصفر والخوخ الأصفر:

وتغزلوا بصفرة الخمر فقال أبو نواس:

صفراءُ لا تنزل الأحزانُ ساحتها

لو مسها حجرٌ مسته سراء

ويقول آدم بن عبد العزيز:

إسقني واسقي خليلي

في مدى الليل الطويل

لونها أصفر صاف

وهي كالمسك الفتيل

وبالغوا في حب الصفرة حتى كانت القينة أحياناً تلبس الثياب المعصفرة أو المزعفرة وتطلي ما ظهر من يديها ومن عنقها بالورس.

روى بعضهم قال: (رأيت جارية ببغداد وقد طلت يديها بالورس وفي عنقها طبل وهي تنشد:

محاسنها سهام للمنايا

مُرَيَّشةٌ بأنواع الخطوب).

وكثيراً ما قرنوا هذا اللون بالدلالة على الميل إلى الشهوات والفجور، فقد رأينا ولوع القيان بهذا اللون؛ ورمزوا للخليع بقولهم إنه (يلبس المُوَرَّس) واعتقدوا أن الورس يزيد الميل إلى النساء؛ وقرر ذلك الفيروزآبادي في القاموس وهو المولع دائماً بالنص على ذلك.

ص: 7

هذه ظاهرة غريبة رأيتها وهي ظاهرة تستحق الدرس، وأحق الناس بالفتوى فيها علماء الجمال الاجتماعي.

أحمد أمين

ص: 8

‌المُشكِلَة

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

قالت لي صاحبةُ (الجمال البائس) فيما قالت: إن المرأةَ الجميلة تخاطب في الرجل الواحد ثلاثة: الرجلَ وشيطانه وحيوانه؛ فأما الشيطان فهو معنا وإن لم نكن معه. . . وأما الحيوان فله في أيدينا مقادةٌ من الغباوة، ومقادةٌ من الغريزة، إذا شمَسَ في واحدة أصحب في الأخرى وانقاد؛ ولكن المشكلة هي الرجل تكون فيه رجولة.

نعم إن المشكلة التي أعضلتْ على الفساد هي في الرجل القوي الرجولة يعرف حقيقةَ وجوده وشرفَ منزلته، ولهذا أوجب الإسلام على المسلم أن يكون بين الوقت والوقت في اليوم الواحد خارجاً من صلاة.

وإنما الرجولةُ في خلالٍ ثلاث: عمل الرجل على أن يكون في موضعه من الواجبات كلِّها قبل أن يكون في هواه؛ وقبوله ذلك الموضع بقبول العامل الواثق من أجره العظيم؛ والثالثة قدرته على العمل والقَبول إلى النهاية.

ولن تقوم هذه الخلال إلا بثلاثٍ أخرى: الإدراك الصحيح للغاية من هذه الحياة؛ وجعل ما يحبه الانسانُ وما يكرهه موافقاً لما أدرك من هذه الغاية؛ والثالثة القدرة على استخراج معاني السرور من معاني الألم فيما أحبّ وكره على السواء.

فالرجولة على ذلك هي إفراغ النفس في أسلوب قوي جزل من الحياة، مُتساوقٍ في نَمط الإجتماع، بليغ بمعاني الدين، مصقول بجمال الإنسانية، مسترسل ببلاغة وقوة وجمال إلى غايته السامية.

ولهذه الحكمة أسقطت الأديان من فضائلها مبدأ إرضاء النفس في هواها، فلا معاملة به مع الله إلا في إثم أو شر؛ وأسقطه الناس من قواعد معاملتهم بعضهم مع بعض، فلا يقوم به إلا الغش والمكرُ والخديعة، وكلُّ خارج على شريعة أو فضيلة أو منفعة اجتماعية، فإنما ينزع إلى إرضاء لنفسه وإيثاراً لها وموافقة لمحبتها وتوفيةً لحظها؛ وعمله هذا هو الذي يلبسه الوصفَ الإجتماعي الساقط ويسميه باسمه في اللغة، كالرجل الذي يرضي نفسه أن يسرق ليغتني، فإذا أعطى لرضاه فهو اللص، وكالتاجر في إرضاء طمعه هو الغاش، وكالجندي في إرضاء جبنه هو الخائن، وكالشاب في إرضاء رذيلته هو الفاسق، وهلمّ جراً وهلم

ص: 9

جرجرة. . .

وأما بعد، فالقصة في هذه الفلسفة قصةُ رجل فاضل مهذب قد بلغ من العلم والشباب والمال، ثم امتحنته الحياة بمشكلة ذهب فيها نومُ ليله وهدوءُ نهاره حتى كسفت باله وفرّقت رأيه وكابد فيها الموت ليس بالموت وعاش بالحياة التي ليست بالحياة.

قال: فقدت أمي وأنا غلام أحوجَ ما يكون القلب إلى الأم، فخشي عليّ أبي أن أستكين لذلة فقدها فيكون في نشأتي الذلُّ والضراعة، وكبر عليه أن أحس فقدَها إحساس الطفل تموت أمه فيحمل في ضَياعها مثل حزنها لو ضاع هو منها. فعلمني هذا الأب الشفيق أن الرجل إذا فقد أمه كان شأنه غير شأن الصبي لأن له قوة وكبرياء، وألقى في روعي أني رجلٌ مثله، وأن أمه قد ماتت عنه صغيراً فكان رجلاً مثلي الآن. . .

وكان من بعدها إذا دعاني قال: أيها الرجل، وإذا أعطاني شيئاً قال: خذ يا رجل، وإذا سألني عن شأني قال كيف الرجل؛ وقلّ يومٌ يمرُّ إلا أسمعنيها مراراً حتى توهمتُ أن معي رجلاً في عقلي خلقته هذه الكلمة: وتمام الرجل بشيئين: اللحيةُ في وجهه، والزوجة في داره، فتجيء الزوجة بعد أن تظهر اللحية لتكون كلتاهما قوةً له، أو وقاراً أو جمالاً، أو تكون كلتاهما خشونة، أو لتكونا معاً سوادين في الوجه والحياة. . .

أما اللحية لي أنا أيها الرجل الصغير فليس في يد أبي ولا في حيلته أن يجئ بها، ولكن الأخرى في يده وحيلته؛ فجاءني ذات نهار وقال لي: أيها الرجل! إن فلانة مُتسماةٌ عليك منذ اليوم فهي امرأتك فاذهب لترى فيك رجلها. وفلانة هذه طفلة من ذوات القربى، فأفرحني ذلك وأبهجني؛ وقلت للرجل الذي في عقلي: أصبحتَ زوجاً أيها الرجل. . .

وكان هذا الرجلُ الجاثمُ في عقلي هو غروري يومئذ وكبريائي، فكنت أقع في الخطأ بعد الخطأ وآتي الحماقة بعد الحماقة، وكنت طفلاً ولكن غروري ذو لحية طويلة. . .

ونشأتُ على ذلك صلب الرأي معتدّاً بنفسي إذا هممتُ مضيت، وإذا مضيت لا ألوي؛ وما هو إلا أن يخطر لي الخاطر فأركبَ رأسي فيه، ولأن تكسرَ لي يدٌ أو رجل أهونُ علي من أن يكسر لي رأي أو حكم؛ وأكسبني ذلك خيالاً أكذب خيال وأبعده، يخلط عليَّ الدنيا خلطاً فيدعني كالذي ينظر في الساعة وهي اثنا عشر رقماً لنصف اليوم الواحد، فيطالعها اثني عشر شهراً للسنة. . .

ص: 10

وترامت حريتي بهذا الخيال فجاوزت حدودها المعقولة. وبهذه الحرية الحمقاء وذلك الخيال الفاسد، كذبتْ علي الفكرة والطبيعة.

ولست جميل الطلعة إذا طالعتُ وجهي، ولكني مع ذلك معتقد أن الخطأ في المرآة. . . إذ هي لا تظهر الرجل الوضيءَ الجميل الذي في عقلي؛ ولست نابغة ولكن الرجل الذي في عقلي رجل عبقري؛ وهذا الذي في عقلي رجل متزوج فيجب عليَّ أنا الطفلَ - أن أكون رزيناَ رزيناً كوالد عشرة أولاد في المدارس العليا. . .

وذهبتُ بكل ذلك أرى زوجتي، فأغلقت الباب في وجهي واختبأت مني، فقلت في نفسي: أيها الرجل إن هذا نشوزٌ وعصيانٌ لا طاعةٌ وحب. وساءني ذلك وغمّني وكبر عليّ فأضمرت لها الغَدْر، فثبتت بذلك في ذهني صورةُ (الباب المغلق) وكأنه طلاق بيننا لا باب. . .

قال: ثم شب الرجلُ فكان بطبيعة ما في نفسه كالزوج الذي يترقَّبُ زوجته الغائبة غيبةً طويلة؛ كلُّ أيامه ظمأ على ظمأ، وكل يوم يمرّ به هو زيادة سنة في عمر شيطانه. . . وكان قد انتهى إلى مدرسته العالية وأصبح رجلَ كتب وعلوم وفكر وخيال. فعرضتْ له فتاة كاللواتي يعرضن للطلبة في المدارس العليا، ما منهن على صاحبها إلا كالخيبة في امتحان. . . بيد أن (الرجل) لم يعرف من هذه الفتاة إلا أوائل المرأة. . . ولم يكد يستشرفُ لأواخرها حتى سمِّيت على غيره فخطبت فزفَّت، زُفَّت بعد نصف زوج إلى زوج. . .

وعرف الرجل من الفلسفة التي درسها أنه يجب أن يكون حراً بأكثر مما يستطيع وبأكثر من هذا الأكثر. . . فقالها بملء فيه، وقال للحرية: أنا لك وأنت لي

قالها للحرية، فما أسرعَ ما ردت عليه الحرية بفتاة أخرى. . .

نقول نحن: وكان قد مضى على (الباب المغلق) تسع سنوات فصار منهن بين الشاب وبين زوجته العقلية تسعة أبواب مغلقة. ولكنها مع ذلك مسماةٌ له يقول أهله وأهلها (فلان وفلانة). وليس (الباب المغلق) عندهم إلا الحياء والصيانة؛ وليست الفتاةُ من ورائه إلا العفافَ المنتظِر؛ وليس الفتى إلا ابنَ الأبِ الذي سمَّى الفتاة له وحَبَسها على اسمه؛ وليست القربى إلا شريعة واجبة الحق نافذة الحكم.

ص: 11

وعند أهل الشرفِ، أنه مهما يبلغ من حرية المرء في هذا العصر فالشرفُ مقيَّد.

وعند أهل الدين، أن الزواج لا ينبغي أن يكون كزواج هذا العصر قائماً من أوله على معاني الفاحشة.

وعند أهل الفضيلة، أن الزوجة إنما هي لبناء الأسرة؛ فإن بلغ وجهها الغاية من الحسن أو لم يبلغ، فهو على كل حال وجهٌ ذو سلطة وحقوق (رسمية) في الإحترام؛ لا تقوم الأسرة إلا بذلك ولا تقوم إلا على ذلك.

وعند أهل الكمال والضمير، أن الزوجة الطاهرة المخلصة الحبِّ لزوجها، إنما هي معاملةٌ بين زوجها وبين ربه؛ فحيثما وضعها من نفسه في كرامةِ أو مَهانة، وضع نفسه عند الله في مثل هذا الموضع.

وعند أهل العقل والرأي، أن كل زوجة فاضلة هي جميلةٌ جمال الحق، فإن لم توجب الحبَّ وجبت لها المودة والرحمة.

وعند أهل المروءة والكرم، أن زوجة الرجل إنما هي إنسانيته ومروءته؛ فإن احتملها أعلن أنه رجل كريم، وإن نبذها أعلن أنه رجل ليس فيه كرامة.

أما عند الشيطان لعنه الله، فشروط الزوجة الكاملة ما تشترطه الغريزة: الحب، الحب، الحب.

قال الشاب: وإذا أنا لم أتزوج امرأة تكون كما أشتهي جمالاً وكما يشتهي فكري علماً، كنت أنا المتزوج وحدي وبقي فكري عزبَا. . . وقد عرفتُ التي تصلح لي بجمالها وفكرها معاً، وتبوَّأتْ في قلبي وأقمت في قلبها. ثم داخَلْتُ أهلَها فخلطوني بأنفسهم وقالوا شابٌ وعَزَبٌ. . . ومتعلم وسريّ. . . فلم يكن لدارهم (بابٌ مغلق) حتى لو شيءت أن أصل إلى كريمتهم في حرام وصلت، ولكني رجل يحمل أمانة الرجولة. . .

أما الفتاة فلست أدري والله أفيها جاذبية نجم أم جاذبية امرأة! وهل هي أنثى في جمالها أو هي الجمالُ السماوي أتى ينقح الفنونَ الأرضية لأهل الفن؟

إذا التقينا قالت لي بعينها: هأنذي قد أرخيتُ لك الزمام فهل تستطيع فراراً مني؟ ونلتصق فتقول لي بجسمها: أليست الدنيا كلها هنا، فهل في المكان مكانٌ إلا هنا؟ ونفترق فتحصر لي الزمن كله في كلمة حين تقول: غداً نلتقي.

ص: 12

كلامها كلامٌ متأدب، ولكنه في الوقت نفسه طريقة من الخلاعة تلفتك إلى فمها الحلو. والحركة على جسمها حركة مسْتَحِيَةٌ، ولكنها في الوقت عينه كالتعبير الفني المتجسم في التمثال العاري.

إنها والله قد جعلت شيطاني هو عقلي؛ أما هذا العقل الذي ينصح ويعظ ويقول هذا خير وهذا شر، فهو الشيطان الذي يجب أن أتبرأ منه. . .

قال: وألمَّ الأبُ بقصة فتاه، ويحسبها نزوةً من الشباب يُخمدها الزواج، فيقول في نفسه: إن للرجل نظرتين إلى النساء: نظرة إليهن من حيث يختلفن فتكون كل امرأة غير الأخرى في الخيال والوهم والمزاج الشعري؛ ونظرة إليهن من حيث يتساوَينَ في حقيقة الأنوثة وطبيعة الإحترام الإنساني، فتكون كل امرأة كالأخرى ولا يتفاوتن إلا بالفضيلة والمنفعة. ويقرر لنفسه أن ابنه رجل متعلم ذو دين وبصر، فلا ينظر النظرة الخيالية التي لا تقنع بامرأة واحدة بل لا تزال تلتمس محاسن الجنس ومفاتنه، وهي النظرة التي لا يقوم بها إلا بناءُ الشعر دون بناء الأسرة، ولا تصلحُ عليها المرأة تلد أولاداً لزوجها، بل المرأة تلد المعاني لشاعرها.

ثم احتاط في رأيه فقدَّر أن ابنه ربما كان عاشقاً مفتوناً مسحوراً ذا بصيرة مدخولة وقلبٍ هواء وعقل ملتاث، فيتمرد على أبيه ويخرج عن طاعته ويحارب أهله وربَّه من أجل امرأة، بيدَ أنه قال إنه هو والده وهو ربّاه وأنشأه في بيت فيه الدينُ والخلقُ والشهامةُ والنجدةُ، وأن محاربة الله بامرأة لا تكون إلا عملاً من أعمال البيئة الفاسدة المستهترة حين تجمع كل معاني الفساد والإباحة والإستهتار في كلمة (الحرية). وقال إن البيئة في العهد الذي كان من أخلاقه الشرف والدين والمروءة والغيرة على العِرض، لم يكن فيها شيء من هذا، ولم يكن الأبناء يومئذ يعترضون آباءهم فيمن اختاروهن، إذ النسل هو امتداد تاريخ الأب والابن معاً، والأب أعرفُ بدنياه وأجدر أن يكون مبرأ من اختلاط النظرة، فيختار للدين والحسب والكمال لا للشهوة والحب وفنون الخلاعة؛ ولا محل للإعتراض بالعشق في باب من أبواب الأخلاق، بل محلُّه في باب الشهوات وحدها.

ثم جَزَمَ الأبُ أن الولد الذي يجيء من عاشقين حريٌّ أن يرث في أعصابه جنون اثنين وأمراضهما النفسية وشهواتهما الملتهبة، ولهذا وقف الشرع في سبيل الحب قبل الزواج

ص: 13

لوقاية الأمة في أولها، ولهذا يكثر الضعف العصبي في هذه المدينة الأوربية، وينتشر بها الفساد فلا يأتي جيلٌ إلا وهو أشد ميلاً إلى الفساد من الجيل الذي أعقبه.

ولم يكد ينتهي الأبُ إلى حيث انتهى الرأي به حتى أسرع إلى (الباب المغلق) يهيئ للزفاف ويتعجل لابنه المطيع. . . . نكبة ستجيء في احتفال عظيم. . . .

قال الشاب: وجن جنوني؛ وقد كان أبي من احترامي بالموضع الذي لا يلقى منه، فلجأتُ إلى عمي أستدفعُ به النكبة وأتأيَّد بمكانه عند أبي، وبثثته حزني وأفضيت إليه بشأني، وقلت له فيما قلت: افعلوا كل شيء إلا شيئاً ينتهي بي إلى تلك الفتاة، أو ينتهي بها إليّ. وما أُنكر أنها من ذوات القربى، وأن في احتمالي إياها واجباً ورجولة، وفي ستري لها ثواباً ومروءة، وخاصة في هذا الزمن الكاسد الذي بلغت فيه العذارى سن الجدات. . . والقلب العاشق كافر بالواجب والرجولة، والثواب والمروءة، وبالأم والأب، فهو يملك النعمة ويريد أن يملك التنعم بها؛ وكل من اعترضه دونها كان كاللص. . . . . .

قال: قَبح الله حباً يجعل أباك في قلبك لصاً أو كاللص

قلت: ولكني حر أختار من أشاء لنفسي. . . . .

قال: إن كنت حراً كما تزعم فهل تستطيع أن تختار غير التي أحببتها؟ ألا تكون حراً إلا فينا نحن وفي هدم أسرتنا؟

قلت: ولكني متعلم، فلا أريد الزواج إلا بمن. . . . . .

فقطع علي وقال: ليتك لم تتعلم، فلو كنت نجاراً أو حداداً أو حوذياً لأدركت بطبيعة الحياة أن الذين يتخضّعون للحب وللمرأة هذا الخضوع، هم الفارغون الذين يستطيع الشيطانُ أن يقضي في قلوبهم كلَ أوقات فراغه. . . . . .

أما العاملون في الدنيا، والمغامرون في الحياة، والعارفون بحقائق الأمور، والطامعون في الكمال الإنساني، فهؤلاء جميعاً في شغل شاغل عن تربية أوهامهم، وعن البكاء للمرأة، والبكاء على المرأة: ونظرتهم إلى المرأة أعلى وأوسع؛ وغرضهم منها أجل وأسمى. وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله في النساء، أي انظروا إليهن من جانب تقوى الله فإن المرأة تقدِم من رجلها على قلب فيه الحبُّ والكراهةُ وما بينهما ولا تدري أي ذلك هو حظها، ولو أن كل من أحب امرأة نبذ زوجة لخربت الدنيا ولفسد الرجال، والنساء جميعاً.

ص: 14

وهذه يا بني أوهام وقتها وعمل أسبابها، وسيمضي الوقت وتتغير الأسباب، وربما كان الناضج اليوم هو المتعفِّن غدا، وربما كان الفجُّ هو الناضج بعد!

‌وهبك لا تحب ذات رَحِمك ثم أكرمتها وأحسنتَ إليها

‌وسترتها، أفيكون عندك أجمل من شعورها أنك ذو

‌الفضل عليها؟ وهل أكرم الكرم عند النفس إلا أن

‌يكون لها هذا الشعور في نفسٍ أحرى؟ إن هذا يا بنيّ

‌إن لم يكن حبا فيه الشهوة فهو حب إنساني فيه

‌المجد. ووقعت (المشكلة) وزفَّت المسكينة؛ فكيف

‌يصنع الرجل بين المحبوبة والمكروهة؟

(طنطا)

مصطفى صادق الرافعي

ص: 15

‌المأساة الفاشستية

بقلم باحث دبلوماسي كبير

في الثامن والعشرين من أكتوبر احتفلت إيطاليا باختتام العام الثالث عشر لظفر الفاشستية الإيطالية وقيام النظام الفاشستي؛ فمنذ ثلاثة عشر عاماً زحف موسوليني وأنصاره من ذوي الأقمصة السود على رومة، وانتزعوا مقاليد الحكم؛ ومنذ ثلاثة عشر عاماً يسيطر موسوليني وحزبه على مصاير إيطاليا ومصاير الشعب الإيطالي؛ ولكن الفاشستية الإيطالية تحتفل بعيدها لأول مرة في ظروف خاصة؛ فهي الآن في مأزق خطر، بل هي تجوز معركة الحياة والموت؛ وهي تشعر لأول مرة بمرارة الخيبة وانهيار الآمال، وترى مشاريعها الاستعمارية العريضة في ميزان القدر تكبدها من الخسائر والمشاق الفادحة ما لم تكن تحلم بتكبده ولا قبل لها باحتماله، وترى فوق ذلك نفسها تواجه كتلة عالمية من الأمم الناقمة الساخرة تحيطها بسياج من الحفيظة والبغض، وتنظم ضدها مقاومة مادية فعالة وتزمع أن تقضي على كل مطامعها وأحلامها.

والفاشستية هي التي جنت على نفسها وعلى إيطاليا، وهي التي زجتها إلى ذلك المأزق الذي تتخبط فيه ولا ترى سبيلاً إلى الخلاص منه؛ فهي التي أقدمت عامدة مصرة على غزو الحبشة وانتهاك المعاهدات الدولية؛ وهي التي لم تخجل أن تصرح في جرأة منقطعة النظير أنها تغزو الحبشة وتعتدي على استقلالها لأنها في حاجة إلى التوسع والإستعمار واستغلال الثروات الطبيعية التي تبطنها وهاد الحبشة؛ وهي التي أثارت بعدوانها وغرورها وقحتها السياسية إشمئزاز كل الشعوب المتمدنة؛ وهي الآن في محنتها ويأسها تحاول أن تتشح بثوب الظافر، لأن الجيوش الإيطالية استولت على بعض الأراضي الحبشية في الشمال وفي الجنوب؛ ولكن العالم يعرف جيداً أن هذا النصر اليسير لم يكن نتيجة معارك حقيقية ولا بطولة عسكرية، وأنه مع ذلك قد كبد إيطاليا أعظم الجهود والخسائر، وأن المعارك الفاصلة ما زالت تنتظر إيطاليا في الوهاد الحبشية السحيقة التي لن تبلغها إلا بأفدح تضحية من المال والرجال.

لقد كان قيام الفاشستية في إيطاليا أول ضربة حقيقية للديموقراطية والحريات الشعبية بعد الحرب الكبرى؛ وكانت الديموقراطية قد استطاعت غداة النصر أن تكتسح النظم

ص: 16

الإمبراطورية في ألمانيا والنمسا؛ ولكن الديموقراطية انساقت في فورة الظفر إلى ألوان خطرة من التطرف والفوضى؛ وكانت إيطاليا لهذا التطرف، ففي غمر الإضطراب العام وثبت الفاشستية تؤيدها العسكرية، وتؤيدها الصناعات الكبرى والمالية العليا، وقبضت على زمام الحكم بقوة؛ وظن خصومها في المبدأ أنها فورة الساعة وأن ريحها لن تلبث أن تركد، ولكن فورة الفاشستية كانت أشد وأقوى مما تتصوروا، وكانت المعركة قصيرة المدى، فلم يمض سوى قليل حتى سحقت الفاشستية خصومها، وسحقت الإشتراكية والديموقراطية، وكل النظم البرلمانية الحقيقية، وأخضعت الصحافة لصولها، ولم تبق متنفساً للشعب الإيطالي سوى طريقها، ولم تسمح له بأن يفكر إلا برأيها أو أن يرى إلا بعينها، وامتزجت الدولة بالحزب، فغدت الفاشستية هي الحكومة وهي الدولة، وهي مصدر السلطات وهي كل شيء في حياة إيطاليا العامة، وفي مرافقها ومصايرها.

كان ظفر الفاشستية سريعاً، وكان مطلقاً، ولكنها لم تدخر لتحقيق هذا الظفر أية وسيلة مثيرة؛ ولسنا نقف طويلاً بهذه الوسائل الهمجية التي أصبحت روح النظم الطاغية في عصرنا، سواء في روسيا البلشفية أو تركيا الكمالية أو إيطاليا الفاشستية أو ألمانيا الهتلرية، والتي تقوم على القتل والسجن والنفي والمصادرة وغيرها من أساليب العنف المنظم؛ ولكنا نقول أيضاً في إنصاف هذه الفاشستية الهمجية أنها لم تكن شراً مطلقاً، بل كانت لها آثار داخلية حسنة، وقد أسفرت جهودها في سبيل الإنشاء والتنظيم عن نتائج مادية ظاهرة الأثر في تكوين إيطاليا الحديثة وفي تطورها وتقدمها؛ فقد سحقت عوامل التفرق القديم الذي خسرت إيطاليا من جرائه مغانم الحرب في معاهدة الصلح، وسحقت عوامل الفوضى التي كادت تشل الحياة الإقتصادية في إيطاليا، وبثت في الشعب الإيطالي روحاً جديداً وعزائم جديدة في ميادين النشاط والتفكير والعمل، فخطت الزراعة والصناعة والتجارة إلى الأمام خطوات واسعة، ونظمت موارد الثروة القومية تنظيماً مدهشاً؛ وبذلت الفاشستية جهوداً محمودة لمعالجة الركود الإقتصادي والعطلة، وحماية الإنتاج القومي، وقامت بمئات المشاريع العمرانية النافعة، ولم تترك وجهاً من وجوه الحياة العامة إلا عملت لإصلاحه وتقويمه؛ ولم تقف عند العمل في ميادين النشاط المادي، بل عملت أيضاً في النواحي المعنوية، فطهرت الحياة الإجتماعية من كثير من أدرانها القديمة، وبثت في الشعب

ص: 17

الإيطالي روحاً جديداً من العزيمة والخلال الحسنة، وقد كان قبل قيام الفاشستية في حالة يرثى لها من الإنحلال الفكري والأخلاقي، ونظمت الشباب والنشء تنظيماً بديعاً؛ والخلاصة أنها من حيث الوجهة الداخلية، خلقت إيطاليا خلقاً جديداً، وسارت بها في سبيل التقدم شوطاً بعيداً. وأما من حيث الوجهة الخارجية فقد عملت الفاشستية أيضاً لتقوية إيطاليا في البر والبحر والهواء، ورفعتها من حيث القوة العسكرية والهيبة الدولية إلى مصافي الدول العظمى ذات الرأي المسموع.

كل ذلك عملته الفاشستية في أعوامها الثلاثة عشر؛ ولكنها عملته فوق أكداس من الجرائم والضحايا، وعلى أنقاض الحريات العامة والكرامة البشرية والاستقلال الروحي والفكري؛ والفاشستية مادية مغرقة في المادية، والمعنويات في نظرها وسيلة إلى تحقيق المصالح المادية؛ ومن ثم جعلت من الجبل الإيطالي الجديد، في تفكيره وعقليته وتصرفاته قطيعاً من البشر مسلوب الرأي والإرادة، توجهه الزعامة العنيفة أينما شاءت. وكان من أكبر وأخطر جرائم الفاشستية أنها بثت في الشعب الإيطالي روحاً خطرة هي روح الغرور المغرق؛ ولا بأس من أن يتصف الشعب بالكبرياء القومية وأن يستمد من ماضيه المجيد وعظمته الحاضرة أسباب العزة القومية، ولكن الفاشستية بثت في الشعب الإيطالي أخطر عوامل الكبرياء والتحدي الفارغة؛ فالإيطالي الجديد يعتبر نفسه اليوم أرقى الخليقة، وأنه خلع بارتداء الفاشستية أثواب أوربا البالية، وأنه غدا يشرف من ذروة عظمته الجديدة على بؤس القارة القديمة وتدهورها، وأنه سيقود أوربا الجديدة طبق مبادئه وآرائه؛ ثم هناك ما هو أخطر من هذه الأوهام المعنوية؛ فقد بثت الفاشستية في الجيل الجديد روح العداء لأوربا القديمة، وروح التطلع والتحفز والعدوان، ولقنته نظرية جديدة هي أن إيطاليا الفاشستية خليفة الدولة الرومانية القديمة وقرينتها؛ وأن موسوليني إن هو إلا قيصر يقودها في سبيل الفخار والمجد، وغمرت هذه الروح القيصرية ذلك الشباب المغرور المتحدي، فأصبح يتصور أنه سيعيد حدود الدولة الرومانية القديمة، وأنه سيفتح مصر والأناضول وسورية وشمال أفريقية، ويجعل من البحر الأبيض بحيرة رومانية؛ ومضت إيطاليا الفاشستية تسخر بلسان زعيمها من كل دعوة للسلام ونزع السلاح، وكل دعوة إلى تفاهم الأمم، وآثرت نغمة الوعيد والتهديد، والحرب والإنتقام.

ص: 18

غير أن ذلك الروح الحربي المضطرم لم يتمخض عن إحياء الدولة الرومانية، ولا استعادة شيء من حدودها أو أملاكها القديمة، ولكنه تمخض عن مشروع استعماري مثير وضيع معاً: ذلك هو غزو الحبشة وافتتاحها لاستخلاص ثرواتها الدفينة، وليكون منها ومن الصومال والأرترية لإيطاليا القيصرية إمبراطورية استعمارية ضخمة؛ وقد كان زعيم الفاشستية يحلم بأن جيوشه ستكتسح الفريسة في سيل من النصر الباهر يدهش العالم ويروعه معاً. ولكن الفريسة صمدت للمعتدين عليها وأفهمتهم أن دون إزهاقها أهوالاً وتضحيات فادحة؛ وقد كانت الفاشستية في ذلك معتدية أثيمة تنكر أبسط مبادئ الحق والعدالة، بل تنكر ماضيها وعهودها وتصريحاتها التي أذاعتها لأول عهدها بلسان زعيمها. وإليك مبادئ السياسة الخارجية الفاشستية كما أذاعها موسوليني في أول برلمان فاشستي:(لا نريد استعماراً، ولا نريد اعتداء، ولكنا سنتخذ موقفاً يقضي على سياسة الإذلال التي جعلت إيطاليا أقرب إلى وصيفة وخادمة ذليلة للأمم الأخرى؛ إحترام للمعاهدات الدولية مهما كلفنا ذلك؛ إخلاص وصداقة نحو الأمم التي تقدم لإيطاليا أدلة صادقة على مبادلة هذه العواطف؛ تأييد للتوازن الشرقي الذي يقوم عليه سلام الدول البلقانية، ومن ثم يقوم عليه سلام أوربا وسلام العالم)، ولكن الفاشستية وهي حركة عنيفة تقوم على القوة وتعتبر الحق للقوة، لا يمكن أن ترتبط بعهد أو ذمام، ولا يمكن أن تؤمن بالحق لذاته أو العدالة لذاتها؛ وقد نمت الفاشستية واشتد ساعدها بسرعة، واستطاعت أن تخلق من إيطاليا قوة يخشى بأسها. بيد أنها بدلاً من أن تقف هذه القوة لتأييد الهيبة والمصالح القومية المشروعة، اتخذت منها أداة لتهديد سلام أوربا وسلام العالم، وجعلتها وقفاً على تحقيق الشهوات الحربية والاستعمارية، ولم تحجم عن أن تعرض سلام العالم للخطر فغي سبيل شهواتها وغاياتها.

واليوم وقد انساقت الفاشستية إلى مغامرتها الخطرة، فإنها تشعر لأول مرة في تاريخها بصدمة حقيقية؛ وقد كان موسوليني يظن أنه يستطيع افتراس الحبشة بأيسر أمر وعلى مرأى ومسمع من العالم، وأن صيحات الوعيد المتكرر تكفي لإخماد كل معارضة وتدخل: ولم يكن موسوليني ليقيم وزنا لعصبة الأمم، وقد سحق مبادئها من قبل يوم احتل جزيرة كورفو ليرغم اليونان علة تنفيذ مطالبه لخلاف نشأ بينهما من جراء مقتل بعض الرعايا

ص: 19

الإيطاليين في الأراضي اليونانية؛ وكان موسوليني على حق في استخفافه بالعصبة وجهودها؛ ولكن من كان يظن أن عصبة الأمم ستضطرم فجأة بروح جديدة؟ ومن كان يعتقد أنها ستجرؤ على اتخاذ تلك القرارات التاريخية الشهيرة فتلقى تهمة الاعتداء العمد في وجه إيطاليا وتقضي عليها بالعقوبات الإقتصادية؟ ولكن عاملاً جديداً لم يكن يتصوره موسوليني قط هو الذي وثب فجأة ووقف للفاشستية ولإيطاليا بالمرصاد، واستطاع أن يقلب الأوضاع الدولية في أسابيع قلائل: ذلك هو تدخل إنكلترا وتحرك الإمبراطورية البريطانية. ولقد كانت إنكلترا تبغض الفاشستية منذ قيامها، وتعتبرها خطراً على السلم الأوربي؛ ولكنها مذ اشتد ساعد الفاشستية وذكا وعيدها وتدفقت جيوشها إلى شرق أفريقية، أدركت أن الفاشستية قد أصبحت بمطامعها ومشاريعها الاستعمارية خطراً داهماً على الإمبراطورية البريطانية، وعلى دولتها الاستعمارية في وادي النيل وشرق أفريقية، وعلى سيادتها في البحرين الأبيض والأحمر؛ ويجب لتأييد سلام الإمبراطورية وأمنها، أن تسحق هذه الفورة الخطرة؛ وهناك عامل معنوي آخر يقتضي في نظر إنكلترا الحكم على الفاشستية، هو أنها رمز النظم الطاغية العنيفة التي يمقتها الشعب الإنكليزي، ويراها خطراً على الديموقراطية التي غدت ملاذها وحصنها الأخير بعد أن اجتاحت معظم الدول الأوربية؛ وهكذا تستحيل المعركة اليوم إلى نضال خطير بين الفاشستية وبين الإمبراطورية البريطانية مستترة وراء عصبة الأمم؛ ولقد كان نجاح إنكلترا عظيماً في حشد أمم العالم ضد إيطاليا باسم العصبة، وفي تنظيم هذه العقوبات الاقتصادية التي ستشل عما قريب كل موارد إيطاليا وقواها المالية والاقتصادية؛ وهكذا تنهار تدابير الفاشستية فجأة، وترى نفسها وحيدة في الميدان، تواجه سخط العالم وتألبه، وتواجه الإمبراطورية البريطانية؛ وفي رأينا أنه ليس ثمة شك في نتيجة هذه المعركة، فالفاشستية تجوز معركة الحياة والموت، وهي تسير بلا ريب إلى انحلالها، وليس في وسعها أن تثبت طويلاً أمام هذه الصعاب الفادحة التي تواجهها في الخارج وفي الداخل؛ وتدل الطوالع على أن الحرب الحبشية التي أريد أن تكلل جبين الفاشستية بهالة من الظفر ستغدو قبراً للفاشستية؛ ومن المرجح أن يقترن فشل الفاشستية في مشروعها الاستعماري بانهيار سلطانها في الداخل، وعندئذ تختتم تلك المأساة الطويلة بانقلاب حاسم، وتتحرر إيطاليا من تلك الأغلال الحديدية التي صفدتها مدى ثلاثة عشر

ص: 20

عاماً، ويتنفس العالم سعيداً إذ يرى مصرع تلك الفورة الطاغية الخطرة التي مازالت منذ قيامها تهدد أمنه وسلامه.

ص: 21

‌كيف كسبت الرهان!

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

(تنبيه - الحادثة ليست شخصية - وليس لي أخت)

غام الزجاج أمامي من كثرة ما سقط عليه من ندى الفجر، وكنت - كلما قطعنا بضعة فراسخ - أمسحه بمنديل ثم أجلوه بورقة، وكان ذلك يحوجني إلى الوقوف ثم استئناف السير، وهذا مضيعة للوقت، والشقة بعيدة، والرهان جسيم؛ فقلت أرفع الزجاج، فإن التعرض للهواء البارد أيسر محملاً، وأهون من النظر من زجاج عليه ضبابة، وإن كانت رقيقة؛ وصحيح أن أختي كانت تصف لي الطريق وتسمي لي ما يعترضنا عليه، وتعين لي مواقع الأشياء، ولكن السائق لا يستطيع أن يعتمد على غير عينيه؛ ثم إن وصفها كثيراً ما كان يحيرني ويحدث لي اضطراباً، فقد كانت تقول مثلاً:(هذا رجل في وسط الطريق. . لا لا لا. . إنه أقرب إلى اليسار. . . إنتظر. . . بل هو يمشي يميناً. . . إمض على بركة الله. . . لا خوف).

فأتنهد، وأمضي على بركة الله، فما ثم شيء آخر أمضي عليه؛ وبودي لو تبين لي كيف أستطيع أن أتريث وأنتظر حتى تتثبت هي وتقطع الشك باليقين! ثم إني لم أكن أومن بأن نظرها أصح وأسلم وأقوى، وأنه يسعها ما أعياني من اختراق هذا الضباب - أعني النظر من خلال الزجاج المتغيم. لذلك توكلت على الله ورفعت الزجاج.

وقال زوجها: (لا بأس! ولم لا؟ إنه لن يصيبنا شر من الإلتهاب الرئوي.

فرمت إليه زوجته شيئاً وقالت: (تلفع بهذا).

فرده إليها وهو يقول: (الكلب لا يعض أذن أخيه. . . صدق والله!).

فثاروا به وشغبوا عليه، ولما قرت الضجة قلت:

(غط صدرك إذا كنت تخشى الهواء، وفمك أيضاً - فإني نويت أن أعوض ما خسرت الآن).

وضغطت بقدمي فانطلقت السيارة كالسهم، وانحنت أختي تنظر إلى العداد، وجعلت تعلن إلى الرقم كلما تغير، وتصيح:(40. . . . 43. . . . 47. . . . 50. . . . أوه! لقد وصل إلى الستين. . . .! السبعين. . . .).

ص: 22

ثم أمسكت، فقد كان الهواء قوياً، ودفْعُه في الصدر شديداً، فلولا أن النظارة على عيني لما وسعني الصبر عليه؛ وكان الطريق مستقيماً، والتراب راقداً لكثرة ما نزل عليه من الطل؛ وبدت لعيني مركبة فسألت نفسي: ترى على أي ناحية من الطريق هي؟ ولكني جزتها ومرقت كالسهم في نفس اللحظة التي رأيتها فيها، فلا جواب لسؤالي؛ وأحسست أن سيارة مقبلة علينا، ثم تبينت أنها ماضية في اتجاهنا فما عتمت أن صارت وراءنا، وأحسب أن سائقها قد أوسعني شتماً ولعناً، فما نبهته ولا حذرته؛ وظهرت ضيعة، ورأيت بيوتها الواطئة المبينة من الطين، وأخذت عيني الأشجار المغروسة أمامها - أو خلفها، لا أدري - فقد غابت عن عيني بأسرع مما بدت لها؛ وكنت لا أجرؤ أن أصوب لحظي إلى عداد السرعة، ولكني كنت أحس كل كيلو نقطعه ومضيفه إلى ما فرغنا منه؛ وزاد ضغط قدمي، فتجمعت أختي ونظرت ثم قالت:

(89. . . 90. . . 91. . . 92. . .)

ثم رأتني كالمسمر في مكاني، وكأنما أدركها العطف علي، أو قواها إصراري على الفوز، فعادت تنظر وتبلغني ما ترى.

(إلى اليمين شيء. . . عربة. . . خال. . . عربة. . . تتحرك. . . دراجة إلى يسارك. . . سيارة مقبلة. . . خال. . . لا. . . رجل يمشي. . . خال. . .)

فسألتها: (كم كيلو قطعنا؟ وكم الساعة الآن؟)

وكانت الساعة الرابعة صباحاً، ولا يزال أمامنا مائة وعشرة كيلومترات إلى دمنهور، ونحو ثلاثين أخرى إلى القرية، وثلاث ساعات نقطعها فيها.

فجعلت أدافع اليأس؛ ذلك أن الطريق إلى (بنها) واسع، ولكنه بعد ذلك يضيق، إلى قريب من طنطا، وسيزدحم بالجمال والأبقار والأغنام والدواب والسيارات، فسألت القوم:(هل ورد ذكر لدمنهور في الرهان؟).

فقالت أختي: (أظن. . . لا لا. . . لم يرد لها ذكر).

وقال زوجها: (أو ورد. . . . . . سيان. . . . . . . . . . . .).

فقاطعته ابنة عمه، وكانت معه على المقعد الخلفي وقالت:

لا، على التحقيق. . . كل ما اشترط هو الوصول إلى القرية الساعة السابعة صباحاً،

ص: 23

والأسبق هو الفائز. . . . . . ولكن لماذا تسأل؟).

قلت: لأن هناك طريقاً أخصر. . . . . . من طنطا إلى دسوق مباشرة).

قالت: (وما الفرق؟).

قلت: (ثلاثون كيلو. . . مسافة لا يستهان بها. . . والطريق أضيق ولكنه معبد).

قالت: (وهل تظن أنه يجهل هذا الطريق؟).

فهبط قلبي من صدري إلى حذائي، ولي العذر، فإن قريبنا هذا - ومراهننا، وصاحب الضيعة وداعينا إليها - أبرع مني وأعرف بالسكك المؤدية إلى قريته، ولاشك أنه أهمل النص على دمنهور في الرهان عمداً، لظنه أني لا أعرف غير سكة دمنهور، ثم لا أشك أنه تلكأ وراءنا ليغافلنا في طنطا، ويميل هو إلى الطريق الأخصر. . . . . . . . .

وزاد الطين بلة أني أحسست ونحن ندخل بنها كأن قدمي قد شكت بمسمار محمي، فصرخت، ورفعت رجلي، واضطررت أن أميل بالسيارة إلى الرصيف.

وخلعت الحذاء وجعلت أنظر، وأتحسس قدمي وأفركها، فقالت أختي:

(ماذا جرى؟).

وقال أخوها: (هل أدلكها لك؟ كلا، لا بأس! إذن لم يبق إلا العلاج بالإيحاء. إسمع! متى قلت: (واحد) فإن عليك أن تفرغ رأسك من كل شيء - وهذا سهل جداً ولن يكلفك عناء - ومتى قلتُ: (اثنين) فأعتقد أن الألم الذي لا تحسه، ليس إلا وهماً. . . ومتى. . .).

فصحنا به نسكته، ولما انقطع اللغط قلت:

(طول الضغط فعل هذا. . . على كل حال لا أظنني أستطيع أن أسوق السيارة، فعليك أن تتفضل وتجلس في مكاني، وأمرنا إلى الله، وأرواحنا في وديعته، وعوضنا الله خيراً، فقد ذهب الرهان والأمل في كسبه).

فصاحت أختي: (ولكنه لا يحسن القيادة. . .).

قلت: (وما الحيلة؟ سأجلس إلى جانبه - وأرشده).

فقالت: بنت عمه: ولكنه سيقصر عمرنا. . .).

فقلت: (وماذا نصنع غير ذلك؟).

وقالت زوجته: (ولكني أخاف. . . أعني. . . إنه. . .).

ص: 24

فقلت: (اطمئني. . . لا خوف عليه. . . ولا علينا، إذا كان هذا يعنيك).

فالتفت إلينا وقال:

(إن الذي فهمته هو أن هناك اقتراحاً منكم بأن تتمتعوا بقيادتي لهذه السيارة. . . حسن جداً. . . فلتبلغ الصحف، وليدع الشعراء).

فقلت: (إن المسألة لا تحتمل هذا المزح. . .).

وقالت أختي: لا تحتمله أبداً. . . عدني ألا تسرع. . . سر ببطء. . . على مهل. . . ولنصل بعد أسبوع. . . ماذا يهم؟ واحذر أن تسابق شيئاً. . .).

فقال: (لا تخافي يا نور عيني. . . إذا صادفت في طريقي سيارة فإني أعدك أن أعطل المحرك، وأذهب فأختبئ تحت شجرة).

ودخلت بينهما وقلت: (إن وعداً كهذا لا سبيل إليه، فإن علينا أن نصل إلى القرية في وقت معقول، إذا لم يكن علينا أن نكسب الرهان، ثم إني سأكون إلى جانبه وسأرشده، وسيكون هو السائق إسماً، فقط، فلا خوف.).

فالتفت إلينا، بعد أن قعد في مكاني وقال: ولكني أشترط أن يكون الإرشاد بلغة مفهومة، أما أن تصيح بي (الهوا) أو (اكسر). . . فلا يا صاحبي. . . قل كلاماً مفهوماً أطعك! ولا تقلد ذلك الذي علمني، وصاح فجأة:(حش. . . حش) فوثبت عن المقعد، ولم أدر ماذا أحوش، ووثب الرجل الذي دعاني معلمي أن أحوش السيارة عنه. . . وعلى ذكر ذلك أقول إني لم أر في حياتي أحداً يثب كما وثب ذاك الرجل يومئذ!).

فصاحت زوجته، وهي تنزل من السيارة:(إني لم أكن أعرف هذا الخبر، ويستحيل أن أدعك تسوق السيارة).

وقعدت على الرصيف.

وجعلت أنظر منها إليه، ومنه إلى بنت عمه، في صمت؛ ومضت دقائق كأنها الدهر طويلاً، مشيت بعدها إلى مقعد القيادة وقلت:

(إنزل من فضلك. . . فإنك مطرود) فنزل وهو يقول:

(ولكن رجلك. . . ثم إن هذا. . .).

قلت: (لا بأس، سأجرب على الأقل).

ص: 25

فدنت منا بنت عمه ووضعت كفيها على كتفينا وقالت لي (ألا تدعني أسوق؟. . . ربما. . . استطعت. . .).

قلت: (حباً وكرامة، ولكن كيف يمكن؟ إنك. . .).

قالت: (لست جاهلة جداً. . . وسأحتاج إلى إرشادك. . . والطريق خال).

فقال: (نعم خال. . . جداً، إلا من البقر والجمال. . .).

وركبنا جميعاً، وقلت لها:(الآن ضعي ناقل السرعة في. . . برافو. . . أنقليه برفق. . . برافو جداً. . . أظن أنه يحسن التأني حتى تبعد عنا هذه السيارة).

فقالت: وهي تحول ناقل السرعة إلى المكان الثالث: (كلا أظن أن الأوفق أن نمر به).

ومرقت كالسهم بجانبه، فالتفت إليها متعجباً، فما كنا نعرف أن لها دراية بالسيارات أو خبرة بقيادتها، ونظرت إلى العداد فإذا هو يشير إلى الخمسين. . . فالستين، فرفعت عيني إليها، فألقيت على ثغرها ابتسامة فاتنة، وقالت وهي تخطف بالسيارة:

(أظن أن الأمل في الرهان لم يذهب. . . على كل حال (عبده) لا يزال وراءنا).

فقالت أختي: (وراءنا؟ من قال هذا؟ لقد مرق وأنتم واقفون. . . رأيته بعيني).

فعدنا إلى اليأس بعد أن كاد ينتعش الأمل، ولكن الفتاة قالت:

(هذا أحسن. . . خيراً صنع. . . وأنا الآن مطمئنة).

قلت: (ولكن كيف؟ أليس قد سبقنا؟).

قالت: (سترى. . . معنا الله).

وشارفنا طنطا، ولمحنا سيارة (عبده)، فتباطأت، وأبت أن تسبقه كما أشرت عليها؛ فلما صرنا في قلب المدينة، إغتنمْتُ فرصة الزحام، وتركْته يمضي في طريق، وضربت هي في طريق غيره، وأطلقت للسيارة العنان.

وقالت بعد أن خرجت إلى السكة الزراعية: (إنه يعتقد الآن أننا وراءه، واعتقاده هذا ربح لنا، وبقي أن يغلط ويأخذ طريق دمنهور).

فسألتها: (ولكن من أدراك أنه لم يسبقنا؟).

قالت: (كلا. . . إن طريقي أخصر جداً. . . كن واثقاً).

ومضينا على سكة دسوق، وكنا لا ننفك نلتفت وراءنا لعلنا نرى سيارة (عبده)، فلما طال

ص: 26

ذلك علينا أيقنا أنه أخذ طريق دمنهور، فقد كان في وسعه أن يدركنا بسهولة.

وسكة دسوق ضيقة كما أسلفت، وكانت إلى هذا كثيرة الزحاليق، وكانت السيارة تتلوى على المواضع البليلة، كالحية، ولكن سائقتنا كانت حاذقة، فسكن روعنا جميعاً، ووسعنا أن نضحك ونمزح.

وقلت لها - همساً - (إني أحس غيرة. . . هنا) وأشرت لها إلى موضع القلب فابتسمت وقالت: (لماذا؟

قلت: (لأن على جبينك خصلة صغيرة جميلة يداعبها النسيم - أعني يقبلها - علناً وعلى مرأى منا جميعاً - وهذا. . . هذا. . . مخجل. . . فعسى ألا يُعديني بالجرأة).

فتكلفت الجد وقالت: (إذا فعلت، فسأمضي إلى هذه الترعة. . . مباشرة).

فهمست: (هش. . . لا تمزحي. . . إنها مسائل لا تحتمل المزح. . . ومن يدري؟؟ فقد تصيبك العدوى. . . ثم إنك لن تحسني التعبيس ما دام لك هذا المحيا الواضح الذي يضيئه الجمال، ويضحك فيه أيضاً).

فلوت مُوَجِّه السيارة بلا كلام فصاح ابن عمها:

(إلى أين بنا يا هذه؟).

قالت بابتسام: (إلى الترعة. . . إذا لم يسكت).

قال: (إذا كنت تريدين أن تستحمي فإن في البيت الذي نرجو أن نبلغه سالمين حماماً بديعاً، ولكن بغير ماء! على كل حال، أظن أن جارك مستعد أن يملأ لك الجرار، ويصبها عليك أيضاً).

قالت: (إذا وعد بأن يكون حسن السلوك. . .).

واستأنفنا السير بسرعة، ويطول بنا الحديث إذا أردت أن أسرد ما عانيناه من الغنم والبقر والجمال والسيارات؛ ولكن حادثاً واحداً وقع لنا لا أرى بداً من ذكره، ذلك أنا وقعنا في وحل عظيم، ولم يكن لنا مفر، ولا كان لنا مهرب، فقد كنا مقبلين بسرعة فإذا أمامنا - وإلى مسافة طويلة - ماء وطين ووحل شديد فارتطمنا فيه قبل أن ندرك ما حدث، وصارت العجلات تنزلق دائرة ولا تتقدم. فأوقفت المحرك وقالت:

(هل مع أحد منكم سيجارة؟)

ص: 27

وأشعلتها، ونفخت دخانها ثم قالت:

(هذا أوان الحاجة إلى الرجال. . . فأخرجا، وابحثا عن قش تلقيانه تحت العجلات، أو اجرفا الطين أمامها وشقا لها طريقاً).

فقال ابن عمها: (هذا بديع. . . لقد تركت أظافري تطول لمثل هذا اليوم. . . قم بنا يا أخي).

ولكنا فعلنا غير ذلك، ودعونا أحد الفلاحين إلى معونتنا، فزعق فاجتمع حولنا نفر من الرجال والنساء، أعملوا أيديهم في الطين حتى رفعوه من طريقنا، فشكرنا لهم مروءتهم ومددنا لهم أيدينا بنقود، فأبوها كل الأباء؛ وقال الذي جمعهم:(عيب يا أفندي) فألححنا، فأصر على الأباء، وعلى أن هذا عيب، فكررنا له الشكر، وصافحناه ثم نظرنا في أيدينا فإذا كلها طين! فاستحيينا أن نقول شيئاً على مسمع منه.

بلغنا البيت قبل صاحبه وقبل الموعد المضروب بنحو ربع ساعة، وكان الفضل لهذه السائقة البارعة التي كنا نجهل أن هذه من مزاياها؛ ولما أقبل مضيفنا بعد دقائق قال له نسيبي:

(ليكن هذا درساً لك. . . هات الرهان).

قال: (ولكن من أين جئتم؟) ثم كأنما تذكر فرفع يده إلى جبينه وصاح: (ما أغباني!) فقال نسيبي: (تمام. . . اعرف نفسك. . . هكذا قال الحكماء. . . وهذا هو ربحك اليوم. . . وأولى أن تسأل كيف جئنا. . . حدثه يا هذا، فإن بي كسلاً بعد الذي تجشمته من متاعب القيادة).

فصحنا به منكرين هذا الكذب. . .

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 28

‌حول السنيين والشيعة

للأستاذ محمد بهجة البيطار

قرأت ما كتبه العلامة الأستاذ أحمد أمين في الرسالة الغراء (عدد 121) تحت عنوان (السنيون والشيعة) فرأيته يدعو إلى نبذ كلام الطاعنين من الفريقين، وإلى عقد مؤتمر للوحدة الإسلامية، يمهد له بالتماس وسائل الوفاق من الآن؛ ولعمري أن السنة والشيعة هما أكبر مظهر للمسلمين اليوم، وهم الموجودون لوراثة تلك الوحدة الدينية، وتجديد ذلك المجد الدارس علماً وديناً وأخلاقاً؛ وإن أضر شيء علينا هو هذه العصبية الموروثة، والعداوة الممقوتة، والتفرق الديني الذميم، (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء).

أيها الشيعة الكرام: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أنتم تحبونها منا وهي تسرنا منكم، وهي أن نأخذ بأدب سيدنا علي وهديه، ونقف من محاربيه عند حدود أمره ونهيه، وإن لم تتجاوزا قوله ولا فعله، فأهل السنة معكم، وأنتم منهم وهم منكم، وها هي ذي أقواله وأعماله تعرض عليكم: لقد بايع الإمام علي للأمة الثلاثة من قبله، وتنازل ولده الحسن عن الخلافة لمعاوية من بعد، وأصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين طبقاً لما أخبر جده الصادق الأمين عليه وآله الطاهرين وصحبه الطيبين أفضل الصلاة والتسليم:

في نهج البلاغة أن علياً عليه السلام سئل عن الخوارج: أكفارٌ هم؟ قال من الكفر فروا؛ قيل: أفمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى؛ قيل فما هم؟ قال قوم بغوا علينا فقاتلونا وقاتلناهم. وفي نهج البلاغة أيضاً أنه عليه السلام قال وقد سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين:(إني لأكره أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر)

أقول ومعلوم من حال أهل السنة أنهم يقصون ما جرى بين الصحابة (رض) ويصفون أعمالهم، ويذكرون حالهم، ويرون أن الحق في جانب عليّ عليه السلام، وأن محاربيه هم الفئة الباغية على الإمام الحق، وهم المخطئون في اجتهادهم، ولكنهم يؤولون التشاجر بينهم تأدباً واحتراماً لصحبتهم، وحفظاً لكرامتهم، وحسن بلائهم في نشر الدعوة الإسلامية، ويقولون: الكل ينشدون مصلحة الإسلام.

ص: 29

أيها الأخوان الكرام: أليست الدعوة إلى عقد مؤتمر يعيد الوحدة الإسلامية على هذا الأساس الديني، السُّني العلَوي هو المطلوب ولا سيما في هذا الزمن العصيب؟

فنحن نعزز رأي الأستاذ الجليل أحمد أمين، ونرجو أن يعقد مؤتمر في الكنانة أو في دار السلام تزول به تلك الإحن، وتحول تلك المشاحنات إلى ما يعود على الأمة بالنفع العام من توحيد الكلمة، وتقوية الملة، وإنشاء دور العلم المشتركة، وإحياء ذكرى أئمة آل البيت عليهم السلام بتجديد هديهم وإصلاحهم.

(دمشق)

محمد بهجة البيطار

ص: 30

‌أثر تشجيع الأمراء

في الأدبين العربي والإنجليزي

للأستاذ فخري أبو السعود

نالت الآداب العربية من تشجيع الأمراء في مختلف العهود ما لم تكد تظفر به آداب أمة أخرى؛ ومن الأقوال المتواترة في كتب الأدب العربي وتاريخه أن ذلك التشجيع كان من أهم أسباب ازدهار الأدب، ولكن الحقيقة التي يراها المدقق أن ذلك التشجيع لم يكن له ذلك الأثر الطيب المعزوّ إليه، بل كان له في الأدب العربي أثر وخيم بعيد المدى.

ذلك بأن الأمراء حين شجعوا الشعر وقربوا الشعراء وأغدقوا عليهم لم يقصدوا إلى تشجيع الفن لذاته أو إكرام أصحابه، وإنما كانت لهم غاياتهم الشخصية ومأربهم السياسية المعروفة، فكانوا يريدون من أولئك الشعراء التزكية وإعلاء الصيت ومناضلة أعدائهم والذب عن دعواهم في الملك والسيادة، ولذلك لم يطلبوا عندهم سوى فن واحد من فنون الشعر هو المدح، ولم نعلم عن أمير أجاز شاعراً لنبوغه في الوصف أو النسيب أو قول الحكمة وصرب الأمثال.

فالشعر الذي شجعه الأمراء هو المدح دون غيره، وليس المدح بخير فنون الشعر ولا هو من الشعر على الإطلاق لمنْ طلب في الشعر تعبيراً عن شعور صادق قيم؛ وما كان المدح الذي أفشاه أولئك الأمراء في الشعر العربي إفشاء لا نظير له يحوي شعوراً صحيحاً ولا تفكيراً مستقيماً.

إن أول خصائص الشعر الجيد صدوره عن دافع وجداني داخلي، وهذه صفة كانت تنقص شعر المدح الذي كان لا يصدر إلا عن دافع مادي هو صلة الممدوح، وإن لم يحسَّ الشاعر بحب له ولا إعجاب به، حتى ولو أضمر له البغض والإزدراء. فلا غرو، وقد فقد شعر المديح هذه الصفة الأساسية أن خالطه الكذب وأسرع إليه التهويل والمبالغة والتهافت والإسفاف والإحالة، وأغرى معالجيه بسد نقص الشعور بالتلاعب باللفظ واصطناع محسناته، وأولعهم بالسرقة من متقدميهم وتعَاوُر معانيهم توليداً وتخريجاً وابتذالاً، حتى لم تَعُدْ غاية قرض الشعر التعبير عن الشعور الصحيح - لأنه لم يكن هناك في الغالب شعور - بل عادت الغاية إبداء البراعة ومعارضة المتقدمين واستدرار أكبر الصلات.

ص: 31

وشعر المديح استتبع ضرباً آخر من الشعر ليس أقل منه حطة في المرتبة وبعداً عن أغراض الشعر الصحيح، وهو الهجاء: لأن إرضاء الممدوح كان يستتبع ذم خصومه، ولأن المادح المخيَّب كان ينقلب في الغالب هاجياً مفحشاً لممدوحه أو للشاعر الذي زاحمه ونال الحظوة دونه، ولأن بعض الأمراء كان يشجع تراشُق الشعراء ببذيء القول شَغْلاً لأذهان الناس، وكان من ثمار هذه الخطة مقذعات جرير والفرزدق والأخطل.

واستتبع شعر المديح ضرباً آخر من النظم بعيداً عن الشعر الصحيح والشعور المستقيم امتلأ أيضاً بأنواع الأغراب والإغراق والإسفاف، ذلك هو النسيب الاستهلالي الذي ألتزمه الشعراء المدَّاحون من أهل الحضر تشبها بالمداحين من الجاهليين وإمعاناً في تقليدهم.

وكل هذه الرذائل التي تجمعتْ في شعر المديح - لخلوه من الدافع الوجداني والشعور الصادق - إنتقلت إلى ضروب القول الأخرى ففشت في الشعر كله عيوب التقليد والمبالغة والصناعة اللفظية ومحاولة إبداء البراعة.

واسترقَّت هباتُ الأمراء - للأسف الشديد - رِقَابَ معظم أقطاب الشعر العربي، فلم ينزِّه شعرَهُ عن طلبها إلا القليل جداً ممن أبت لهم ذلك ظروف خاصة، كالشريف الرضي وأبي العلاء، وأضِيعَ جانبٌ من عبقريات أبي نواس والطائي والبحتري وابن الرومي والمتنبي وغيرهم من الفحول في نظم الأكاذيب والمفارقات طلباً لجوائز الأمراء، فكان من أقوال هؤلاء الفحول:

تعود بسط الكف حتى لو أنه

ثناها لقبضٍ لم تطعه أنامله

تكاد عطاياه يجن جنونها

إذا لم يعوذها بنغمة طالب

وقد زعموا أن النجوم خوالد

ولو حاربته ناح فيها الثواكل

وكشفن عن بَرَدٍ خشيتُ أذيبه

من حر أنفاسي فكنتُ الذائبا

والمتأمل لهذه الأبيات يرى إلى أي حد من تفاهة المعاني وكذبها واستحالتها قد خرج المديح بالشعر وبفحول الشعر؛ بيد أن النُّقَّاد انساقوا في ذلك التيار، فعدُّوا هذا السفساف من غرر أولئك الشعراء وراحوا يقابلون بين هذه الأقوال ويفاضلون بين قائليها، والأديب الذي يريد من الشعر التعبير الصادق عن الشعور الصحيح لا يرى لأحدٍ من قائليها فضلاً بل يحذفها من عداد الشعر جملة.

ص: 32

ولو أعرض أولئك الشعراء عن تلك السبيل وقَصَرُوا القول على بيان شعورهم الصحيح وأفكارهم الصادقة وتوفروا على الفن الذي حبتهم به الطبيعة جاعليه غاية لنفسه، إذن لربح الشعر العربي ربحاً جزيلاً ولَوَسَّعُوا من أغراضه وأوضاعه ورحّبوا من أطرافه وآفاقه.

هذا أثر تشجيع الأمراء للشعر وصلتهم للشعراء: إدخالٌ لفارغ القول وكاذبه وسفسافه، وإزاغة للنظرة إلى الغرض منه، وتقييد لأغراضه ومذاهبه، وقعود بهمم رجاله عن استيفاء غاياته، وصرفٌ عن جِدِّ التفكير ونافعه؛ ولو أراد الأمراء بالشعر خيراً لكفُّوا عن رجاله صِلاتهم فطلب الشعراء الرزق من أبوابه التي يطلبه الناس منها، ونَّحوا الشعر عن المادة، وأبقوه كما يجب أن يبقى ترجمانا لمشاعر النفس ووصفاً لروائع الكون فجاء الأدب العربي أشد انطباعاً بطابع الصدق مما كان.

لم يكن للأدب الإنجليزي - لحسن حظه - مثل هذا الاتصال الوثيق ببلاط الأمراء، ولم يتخذ حلية من حلي القصور وآلة من آلات السياسة إلا فترة وجيزة في أواخر القرن السابع عشر خالطه فيها الضعف والاستهتار والمجون وملاحاة، ثم كانت للأدباء بالنبلاء في بعض القرن الثامن عشر صلة، ولكن شتان بينهم وبين صلة من تقدم ذكرهم من الشعراء بالأمراء من العرب: كان الأديب يؤلف فيما عنَّ له ونال اهتمامه من موضوع ثم يهدي كتابه عند نشره إلى النبيل الذي يتولاه برعايته، وليس في هذا ضرر يقاس بالأضرار التي تقدم ذكرها في الأدب العربي.

وقد نشأ منصب شاعر الملك في إنجلترا منذ زمان، ولكن الشعراء الذين شغلوه لم يتوفروا على الملوك توفر شعراء العربية، ولم يشغل المنصب من كبار الشعراء إلا القليل، وكان اختيارهم لملئه تقديراً صحيحاً لسالف جهودهم في عالم الأدب، ولم يكن ما قالوه بصفتهم شعراء الملك بخير ما قالوا، ولم يكن بالكثير، ولم تزل وظيفة شاعر الملك تتضاءل حتى صار المنصب إسمياً فخرياً لا أكثر.

وقد جاء الأدب الإنجليزي لخلاصه من لوثة تشجيع الأمراء - أو بالأحرى تسخير الأمراء - وزلفى الأدباء إليهم حرَّ النزعة طليق الفكرة بعيد المرمى صادق التعبير، يعبر عن إحساسات الفرد ويترجم عن عواطف الجماعة، وانفسحت أمامه الآفاق إذ خلا من القيود، فتعددت أغراضه وتكاثرت أوضاعه، إذ كانت وجهته دائماً وجهة كل الفنون الرفيعة:

ص: 33

التعبير الجميل عن شعور الإنسان الصحيح بروائع الحياة، بعيداً عن ذلك الغرض المادي الدخيل الذي تعثر الأدب العربي في قيوده طويلاً.

فخري أبو السعود

ص: 34

‌معركة عدوى

للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي

رئيس أركان حرب الجيش العراقي

ثانياً - الأوربيون والأحباش

وفي نهاية القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر إحتك الفرنسيون بالأحباش على عهد ملكهم (ياسو الأول) الذي أرسل سفيراً حبشياً إلى بلاط الملك لويس الرابع عشر. وفي سنة 1705 أرسل الفرنسيون المسيو رول سفيراً إلى الحبشة وتشجع الرهبان اليسوعيون الفرنسيون على الذهاب إلى بلاد الحبشة وأخذوا يحلون محل الرهبان اليسوعيين البرتغاليين.

ولما مات ياسو الأول ثار الأهلون وقتلوا رجال السفارة الفرنسية، وأراد خلفه أن يحمي اليسوعيين فلم يوفق؛ وحدثت إضطرابات داخلية في المملكة استمرت مدة طويلة فاستفاد الصوماليون والغالا المسلمون من ذلك وهجموا بقوات كبيرة علة بلاد الحبشة فتوغلوا فيها وأمعنوا فيها قتلاً وتخريباً. والذي زاد الطين بلة أن الرهبان الكاثوليك أرادوا الاستفادة من هذه الاضطرابات وسعوا سعياً حثيثاً لاستمالة الأحباش إلى مذهبهم طالبين منهم أن يتركوا المذهب اليعقوبي. وفي سنة 1838 إستولى رأس مقاطعة شوعا على العرش فأصبح ملكاً على البلاد وعقد معاهدة مع الفرنسيين.

ثالثاً - علاقات الدول المستعمرة

في سنة 1855 استولى (عالي) أحد أغنياء الغالا على مملكة شوعا ونصَّب نفسه ملك ملوك الحبشة. ولم يوطد عالي حكمه فعلاً في البلاد فاستفاد صهره من الموقف فأصبح عاهلاً على جميع بلاد الحبشة باسم (تيودوروس الثاني) بعد أن استمال قبائل الغالا والأمحرة والتيجري إلى جانبه ونقل عاصمته إلى أنكوبار ولبس تاج الملك في القاعدة الدينية (أكسوم) أعلن ذلك على أوربة وغدا ملك ملوك الحبشة. ولم يكن تيودوروس من سلالة الملوك؛ وكان الملك الشرعي (هاتيلو ملكوت) ملك شوعا ووالد (ساهالا مريام)(منليك الثاني المنتظر) وتغلب تيودوروس على هذا الملك وعامله بإحسان.

ص: 35

ومن الأمور الإصلاحية التي قام بها إلغاء المخصصات التي كان يتمتع بها الرؤوس بالإرث فلقي معارضة منهم واستطاع أن يقهرهم. وعاكسه الرهبان فتغلَّب عليهم، ولما علم بأن الرؤوس اجتمعوا في قصر خلسة ليدبروا ثورة عليه ذهب بنفسه إلى القصر المذكور وباغتهم وقتلهم جميعاً ما عدا الأمير الصغير (ساهالا مريام) الذي استطاع أن ينجو بنفسه فاراً.

وفي دور الإضطراب كان ملوك الحبشة قد حرموا على الأجانب دخول بلاد الحبشة، بيد أن تيودوروس ألغى هذا التحريم زاعماً أن دخول الأجانب الحبشة يفيد أهل البلاد. فأرسل وفوداً إلى ملكة إنكلترا فكتوريا وإلى إمبراطور فرنسا نابليون الثالث وكلف هذا الأخير بتجديد المعاهدة المعقودة سنة 1848.

وكان البريطانيون قد أرسلوا قنصلاً إلى الحبشة إلا أنه قتل في الاضطراب الذي حدث في سنة 1860. وفي سنة 1862 أوفدت ملكة بريطانيا قنصلاً مع الهدايا، كما أن نابليون الثالث أيضاً أوفد قنصلاً.

ولما رأى البريطانيون أن تيودوروس لقي مقاومة في الداخل وأن جيشه أخذ يضعف بالحروب المدبرة لم يميلوا إلى الاعتماد عليه، لذلك لما أراد إرسال سفير إلى إنكلترا لم يلب طلبه فضلاً عن أن القناصل البريطانيين أخذوا لا يعبأون به.

واشترى الفرنسيون جزائر دسس وزولا في سنة 1859 وميناء عبق في سنة 1862 وجعلوها قاعدة لتموين بواخرهم بالفحم، وأرادوا تيودوروس أن يرسل سفيراً إلى فرنسا فلم يتلق جواباً من إمبراطورها. ولما اطلع على مخابرات القناصل إغتاظ من الأوربيين جميعاً وحبسهم في قلعة (مجدلة).

فأرسل البريطانيون في سنة 1864 وفداً برآسة السر هرمز رسام ليطلق سراح الأجانب، إلا أن تيودوروس امتنع وحبس رئيس الوفد أيضاً؛ فلما رأى البريطانيون ذلك وسَّطوا الخديو إسماعيل باشا فأرسل كتاباً إلى ملك الحبشة ولكنه لم يتلق جواباً عنه. .

وفي سنة 1866 ترك العثمانيون ميناءي مصوع وسواكن لخديو مصر فأصبحتا بعد ذلك من الممتلكات المصرية، وأضاف المصريون إليهما منطقة زولا أيضاً.

واستفاد البريطانيون من هذا الحادث فقرروا الحملة على الحبشة فجهزوا جيشاً في بمبي

ص: 36

بقيادة السير روبرت نابر بقوة (16 ، 000) جندي وأنزلوها في زولا. وساعد الخديو البريطانيين في هذه الحركة وأمر محافظ مصوع بالمساعدة، كما أنه كلف أسطوله في البحر الأحمر بأن يكون بجانب البريطانيين وأمدهم بالسفن النقلية، وقوى البريطانيون هذا الجيش بجنود أهليين وجهزوه بالوسائط النقلية فبلغت قوته (40 ، 000) جندي.

ومال بعض رؤوس الأحباش إلى جانب البريطانيين فلم يساعدوا ملكهم على القتال وامتنع رأس شوعا من إرسال الجند. أما رأس تيجري فاتفق مع البريطانيين الذين طمأنوه قائلين له إنهم لا يقصدون الإستيلاء على الحبشة و؟ إنما جل ما يريدونه خلع تيودوروس وتنصيب رأس تيجري بدلاً منه وأنهم سوف ينسحبون بعد ذلك.

وساعد هذا الاتفاق على حركة الجيش فتقدم من طريق (سنافة - أدجرات - مكالو - انتالو) ووصل إلى أمام حصون مجدلة؛ ولما حبطت مساعي تيودوروس لاستمالة الرؤوس إلى جانبه التجأ إلى حصون مجدلة ولم يكن لديه سوى 7000 جندي وستة وعشرين مدفعاً.

وفي 13 نيسان سنة 1858 احتل البريطانيون حصون مجدلة واستمر تيودوروس على المقاومة في آخر حصن، ولما تيقن من أن المقاومة لا تجدي نفعاً مات منتحراً.

فأخذ البريطانيون تاج تيودوروس ومعطفه الملكي وحفظوهما في المتحف البريطاني في إنكلترا، وأعادوهما إلى الرأس تفري لما زار إنكلترا في سنة 1924. وانسحب الجيش البريطاني بعد أن أطلق سراح الأسرى الأجانب وأخذ معه ابن تيودوروس رهينة خشية أن ينتقم لأبيه وأرسله إلى إنكلترا فمات فيها.

وفي الملاقاة التي تمت بين قائد الجيش البريطاني ورأس تيجري أهدى السير روبرت نابر 900 بندقية إلى الرأس مكافأة له على صداقته.

بعد أن بقي هذا الأمير في الأسر سبع سنوات هرب من منفاه، وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، ودخل مملكة أبيه شوعا. وبعد حادثة مجدلة أعلن استقلاله فحذا حذوه رأس أمحرة، واستقل الغالا ببلادهم وأخذوا يغيرون على بلاد الحبشة الداخلية جرياً على عاداتهم. وهكذا تجزأت المملكة الحبشية التي استطاع تيودوروس أن يجمع كلمتها ويؤلف منها مملكة كبيرة في مدة قصيرة.

أراد رأس تيجري كاسيا أن يملك البلاد ويوحدها فتحرك على رأس جيشه البالغ 12 ،

ص: 37

000 جندي فتغلب في عدوى على جيش رأس أمحرة البالغ 80 ، 000 بفضل البنادق التي أخذها من البريطانيين.

وفي سنة 1872 أعلن نفسه إمبراطوراً على الحبشة باسم (يوحانس السادس) وبعد اثنتي عشرة سنة تفاهم مع رأس شوعا وزوج ابنه من ابنته. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح ساهالا مريام حاكماً على مقاطعة شوعا وجميع بلاد غالا، وذلك ما ساعده بعد ذلك على توحيد المملكة والقبض عليها بيد من حديد فاعترفت باستقلالها الدول الإستعمارية مرغمة.

رابعاً - المصريون والأحباش

وبعد تتويج يوحانس في أكسوم شرع الخديو إسماعيل باشا في التأهب للزحف على الحبشة جاعلاً سواكن ومصوع قاعدتين لحركته. ولعله كان يطمع في ضم مقاطعة هرر التي يكثر فيها المسلمون إلى أملاكه والاستيلاء على منابع النيل الأزرق، أو أنه فكر في أن توسع الحبشة وتقوية جيشها مما يضر بمصالح المصريين ويجعل بلاد السودان معرضة للغارات، أو أن الدول الطامعة في بلاد مصر أرادت أن تشغل الجيش المصري القوي بالفتوح في الحبشة وتقضي عليه بالتدرج، ويجوز أن رغبة الخديو الشخصية كانت ترمي إلى التوسع. والظاهر من مجرى الأحوال أن توجيه المصريين أنظارهم إلى الحبشة قربت النكبة التي أصابت المصريين بعد ذلك.

ولا شك في أن تجهيز الجيوش وإرسالها على التعاقب مما أحرج الموقف المالي الذي ساء من جراء بذخ إسماعيل باشا.

وفي سنة 1872 أنزل المصريون جيشهم إلى سواحل الصومال في زيلع، وتقدموا نحو مقاطعة هرر، ودخلوا شوعا، إلا أن الرأس ساهالا مريام أجلى الجيش المصري عنها وقضى عليه بالقرب من بحيرة (أوسة).

وفي سنة 1874 احتل المصريون هرر وأنزلو جيشاً بقوة 14 ، 000 في مصوع، فتقدم نحو عدوى، فتظاهر رأس تيجري في بادئ الأمر بالولاء له، وفي ليلة ظلماء باغته من كل جهة وقضى عليه، فلم يفلت منه إلا النزر القليل.

وفي سنة 1876 أراد الخديو أن ينتقم من الأحباش، فجهز جيشاً بقوة 20 ، 000، وناط قيادته بابنه الأمير حسين باشا وأنزله في مصوع؛ ولما تقدم قابله الأحباش بقوة 200 ،

ص: 38

000 جندي، وفي المعركة التي نشبت في جرة إنكسر الجيش المصري بعد أن خسر 13 ، 000 رجل، فوقع الأمير حسين باشا في الأسر مع هيئة أركانه، ولم يخل الأحباش سبيلهم إلا مقابل فدية من المال.

والغريب في هذه الحركات أن الأجانب كانوا يتولون قيادة الجيش كأن المصريين من أهل البلاد لا يستطيعون القيادة، بينما التاريخ يشهد لهم ببراعتهم في ذلك، فالجيش الأول كان قائده موزنجر باشا، وكان يقود الجيش الثاني ضابط دنمركي الأصل، أما رئيس أركان الجيش الثالث وأركانه فكانوا أميركيين.

وفي الوقت ذاته كان المسلمون في السودان بقيادة المهدي يهاجمون الحبشة من الشمال، فدخلوا جوندار وأحرقوها، وكان من أمر ذلك أن أرغم يوحانس المسلمين القانطين في الحبشة على الخروج منها، وأدى ذلك إلى هجرة كثير من المسلمين من الحبشة بعد أن كانوا متنعمين فيها، فتشتتوا هنا وهناك؛ أما الذين بقوا فيها فاضطهدهم الأحباش حتى اضطر بعضهم إلى التنصر، ولو لم ينزل الطليان إلى الساحة الإستعمارية في بلاد الحبشة لظل المسلمون مضطهدين، إلا أن محاولة الطليان التوغل في بلاد الحبشة اضطرت ملوك الحبشة إلى التساهل مع المسلمين تمهيداً لتوحيد المساعي إزاء هذا العدو الجديد.

وبعد أن احتل البريطانيون أرض مصر لم يتدخلوا في الحروب التي وقعت بين السودانيين والأحباش. ولكي ينتقم يوحانس لوقعة جوندار جهز جيشاً كبيراً وتقدم على رأسه نحو قوات المهدي، وفي المعركة التي وقعت في متمة 13 آذار أواخر (مارس) سنة 1889 وقع جريحاً ومات فانكسر جيشه.

والحقيقة أن قيام المهدي وبسط نفوذه على السودان وانتصاره على الأحباش جعل البريطانيين يفكرون في العاقبة، لأن القوات البريطانية والمصرية وحدها لم تكن كافية للتغلب عليه.

ولعل نزول الطليان إلى الساحة كان بتشويق من البريطانيين للتغلب على المهدي من جهة ولمشاغلة الحبشة بقوات جديدة من جهة أخرى لكيلا تسيطر دولة قوية على مياه النيل فتهدد مصالح البريطانيين المتوقعة في السودان.

(يتبع)

ص: 39

طه الهاشمي

ص: 40

‌مذاهب الفلسفة

المذهب الطبيعي

للأستاذ زكي نجيب محمود

هو ضرب من ضروب الفكر ونحو من أنحاء النظر، لا يذهب في بحثه وراء حجب الطبيعة وأستارها، بل يحصر نفسه في نطاق الطبيعة وحدها، يتقصى بالنظر ما شاء من وجوهها، ثم يقنع بهذا فلا يعدوه قيد أنملة. عنده أن الحقيقة التي لا حقيقة بعدها هي هذه الطبيعة التي تراها بعينك وتلمسها بيديك، وهي هذه الأرض وتلك السماء وما بينهما من أحياء وأشياء؛ أما أن تبعثك الطُّلَعة فتحاول أن تنفذ ببصرك إلى ما وراء ذلك، زاعماً أن ما تدركه الحواس عبث باطل، وأن الحقيقة الخالدة هي شيء مستور وراء هذه الحجب الصفيقة، فخداع وجهل في رأي هذا المذهب، إذ يرى أشياعه أن الطبيعة لا تبطن شيئاً وتظهر شيئاً آخر، بل هاهي ذي قد عرضت بضاعتها لمن شاء تحت السمع والبصر، وهي تسير وفقاً لقانون صارم جازم لا يشذ ولا يلين، فهو يسيطر بقوته على الكون بكل ما يحوي بين دفتيه؛ ثم ينهانا أتباع هذا المذهب أن نلقي بالا إلى ما قد يزعمه الزاعمون أن هنالك فوق الطبيعة حقيقة خالدة يدركها الفكر وتقصر عن إدراكها الحواس، فهم لا يصدقون أن يكون ثمت غير ما نرى أو أن يكون في الطبيعة شيء لا يخضع لقانونها خضوع الجماد الصامت، ولا يستثنون من قاعدتهم الإنسان بكل ما فيه من حياة وفكر وخيال لأنه في رأيهم هباءة في يد الطبيعة تطوح بها يمنة أو يسرة كيف شاء لها قانونها الجبار، وإن الإنسان ليخدع نفسه حين يوهمها أنها أرفع من الجماد منزلة وأسمى مقاماً؛ فإن اعترضت على رجال المذهب الطبيعي بأن قانون الطبيعة لا يفسر كل شيء، وأن هنالك آلافاً من الحقائق التي تنتظر الشرح والتعليل أجابوك أن ذلك رهين بالعلم وحده. فلن يفتأ العلم يجد في كشفها ويسعى، ولن تزال هي تبدو في ضوئه واحدة في إثر واحدة.

وينقسم المذهب الطبيعي إلى شعب تتعدد بتعدد إدراك الإنسان لماهية المادة التي تملأ الكون؛ فإن رأيتَ أن قِوام الطبيعة ذرات مادية تتحرك في المكان، وأن كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة لا تعدو أن تكون مجموعة متراكمة من تلك الذرات فذلك هو المذهب المادي؛ وإن اعتبرت المادة نفسها ضرباً من ضروب الطاقة والقوة، فذلك هو المذهب

ص: 41

الطاقي وأما إذا غضضت البصر عن أصل المادة الأول، ونظرت إلى الحقائق كما هي، مرتبطاً بعضها ببعض ارتباط العلة بالمعلول، فذلك هو ما يسمى بالمذهب الوضعي. . . وكثيراً ما يطلق اسم (المادية) على هذه الشعوب كلها. لأنها مهما اختلفت فهي لم تزد على أن تناولت ظواهر الطبيعة المادية بالشرح والتعليل.

وإن هذا المذهب الطبيعي ليبلغ أقصى قوته حينما يقف موقف الإنكار والرفض بإزاء ما يتعلق به الإنسان من صنوف العقائد وضروب الخيال، فهو لا يتردد في أن يتناول الأديان بكفه الباردة فيسحقها بين أنامله، لأنه لا يرضيه أن ينظر إلى الأشياء والحقائق نظرة مجردة عارية من كل ما ألبسها الإنسان من زخرف العقيدة وطلاء الخيال، فبقذفه واحدة ألقى في اليم كل ما أنتج الفكر البشري من آراء عن عالم الغيب المجهول، ولعله بذلك قد كفى نفسه مؤونة البحث في هذا المطلب الشاق العسير.

وما دام هذا المذهب الفلسفي قد رفض عالم الغيب رفضاً قاطعاً، فهو إذن لا يعترف بالله إلا أن يكون ذلك هو الطبيعة نفسها، أو الإنسانية، أو ما شئت من ظواهر الكون المحسوس؛ وهو كذلك لا يقر الخلود إلا إذا قُصد به آثار الإنسان الخالدة وظهوره في أعقابه وما إلى ذلك من ضروب البقاء؛ أما أن يذهب الظن بالإنسان أنه باق بعد الحياة بقاء روحانياً فوهم خاطئ في رأي هذا المذهب، إذ ما بقاؤه وهذا جسده قد تبدد أشتاتاً فكان منه الشجر والحجر؟ ستقول إنه باق بروحه دون جسده، ولكن ما هو ذلك الروح؟ أهو جزء من الطبيعة أو عنصر شاذ لا يستقيم مع مادتها ولا يخضع لقانونها؟ اللهم أن كان هذا فلا روح، لأنه ليس في الطبيعة إلا الطبيعة نفسها!

وهذه الطبيعة تسير وفق سنن معروفة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، فلكل ظاهرة من ظواهرها أسباب لا بد أن تنتج مسبباتها، دون أن تحول بينها وبين ذلك معجزة أو خارقة، ودون أن يكون في مقدور الإنسان أن يغير من مجراها بما يزعم لنفسه من إرادة حرة، فليس الإنسان حراً فيما يفعل وفيما يترك، إنما هو آلة مجبرة على السير في طريق رسمتها له الطبيعة كما رسمتها للأنهار والأشجار والأحجار والكواكب وسائر ألوان الجماد. ولكن الإنسان المغرور كثيرا ما يلقي في روع نفسه أنه حر التصرف برغم أنف الطبيعة، فيقول مثلاً: إني لم أقرر بعد ماذا أصنع في كذا وكذا، ونسي المسكين أن مجموعة الذرات التي تتكون

ص: 42

منها مادته قد قررت له ما يصنع - جهل بذلك أو علم - ولم تكن فيما قررت بمعزل عن سائر الكون، بل اشتركت في تقريره مع العالم كله، مع الطبيعة بأسرها. فخفف من غلوائك أيها الإنسان، واعلم أنك لا بد فاعل ما أريد لك أن تفعله، إذ ليس لك عن فعله منصرف ولا محيص.

ومن منا لا يلوي شفتيه من الغضب، كلا، بل من ذا الذي لا يبتسم ساخراً من هذا المذهب الذي يريد أن ينتزع من الإنسان أعز جوانبه وأنفس عناصره؟ إنه يريد أن يسلبه إرادته فإذا هو صخرة تتحدر من قمة الحياة إلى واديها مدفوعة بقوة القانون! وليس له أن يقف حيث شاء ولا أن يسلك من السبل ما يشاء! كيف أكون مكتوف الإرادة وهأنذا أحب هذا فأعمله وأكره ذلك فأتركه؟ فبماذا تسمي هذا إن لم يكن إرادة حرة مطلقة التصرف؟ ولكن هاك ما يجيبنا به (سبنسر): نعم إنك تعمل ما تحب وتترك ما لا تحب، ولكن هل علمت أنك لا تحب إلا ما رغبت فيه الطبيعة؟ أن مولاتك الطبيعة قد حببتك فيما تراه هي صالحاً لسيرها، ونفَّرتك مما رأته مضراً بها معطلاً لها عن المضي في سبيلها. فما أحببت أن تعمله إن هو إلا ما أرادتك الطبيعة على حبه:(إنك تستطيع أن تعمل كما تحب، ولكنك لا تستطيع أن تحب كما تحب). فاختيارك هذا الشيء ورفضك ذاك، هو الوسيلة التي تتخذها الطبيعة لتنفيذها إرادتها في سلوك الإنسان.

وأين المفر من الطبيعة وهي لا تني تذكرنا بما لها علينا من نفوذ وسلطان؟ فطر بالخيال إلى حيث شئت، فأنت مضطر آخر الأمر أن تنزل في معمعان الحياة لكي تضعك بين مطرقة الحقائق الواقعة وسندانها، تنظمك في سلكها، ولا تخلي بينك وبين خيالك! تحدَّ الطبيعة ما استطعت إلى تحديها من سبيل، وسترى نفسك بعد حين قصير مرغماً على التسليم والخضوع، وإلا فماذا أنت صانع أمام غائلة الجوع سوى أن تقتات بما يقيم الأود؛ ثم ماذا أنت صانع إذا أضناك الإجهاد وأعياك العمل إلا أن تسلم بضرورة النعاس؟ ثم ماذا تجدي إرادتك مهما بلغت قوتها أمام الموت إذا دنا الأجل؟ فالطعام والشراب والنوم والموت إعتراف متواصل بخضوع الإنسان لضرورات الطبيعية مهما يكن طاغياً جباراً.

وكأني بالعلوم جميعها تناصر هذا المذهب وتؤيده، وتكاد تضطر العقل اضطرارا إلى اليقين بأن ما يقع في الطبيعة من أحداث مهما اختلف لونها وتباين شكلها خاضع للعلم وقوانينه

ص: 43

التي تضرب بنفوذها على أطراف الكون فلا تدع جمالاً ينفذ إليه شيء من القوة المزعومة فيما وراء الطبيعة. وإن احتججت على العلم بأنه مبالغ في شأن نفسه مسرف في تقدير عمله، وأنه لا يزال قاصراً عن إدراك الحقائق كلها، فكيف يحق له أن ينكر شيئاً قد يكون جزءاً مما لم يدركه بعد؟ نقول إن احتججت على العلم بهذا أجابك في يقين ثابت، وكله أمل ورجاء: هأنذا أسير وأتقدم، ويستحيل ألا يؤدي هذا السير المطرد إلى حل ألغاز الكون كلها، ولا بد لي أن أصل يوماً إلى غاية الطريق، فإن لم يكن ذلك بعد حين قريب فامتداد الزمن كفيل بكل شيء، وإن العلم ليتمسك بتطبيق قانون (العلة الواحدة) الذي صاغه (وليام أوكام)، والذي مؤداه أن ما أمكن تعليله بعلة ما لا يجوز تعليله بعلة أخرى. وبناء على هذا القانون لا ينبغي أن نضيف إلى الظواهر الطبيعية التي أمكن تعليلها بقوانين العلم عللاً أخرى مما وراء الطبيعة، فإن تمكن العلم أن يتتبع حقائق الكون بالتفسير واحدة فواحدة وجب حتماً ألا نتردد في إنكار كل قوة أخرى.

ولكن إذا كان أنصار هذا المذهب يريدون أن يحتكموا إلى العلم في كل شيء، وأن يفسروا به كل ظاهرة من ظاهر الوجود، فماذا هم قائلون في تعليل ظاهرتي الحياة والعقل اللتين تبدوان كأنهما شاذتان نابيتان لا تخضعان لقوانين الطبيعة التي تنتظم الجماد؟ وأين الجماد من الحياة المتوثبة والعقل المفكر؟ إنه إن صح مذهبهم للزم أن تكون الحياة قد تفرعت من الجماد الذي لا حياة فيه، ويستحيل أن يتفرع شيء من أصل لا يحتويه! إنك تستطيع أن تعلل بالعلم كل ما هو آلي رتيب، ولكن كيف بالحياة عامة والعقل بنوع خاص، وبينهما وبين الجماد الآلي من مسافة الخلف ما يكاد يجعلهما ضدين نقيضين؟

إن للكائنات الحية طابعاً يميزها عن الجماد تمييزاً واضحاً، ولعل خير ما يوضح ذلك الطابع المميز هو كلمة (بنفسها). فالكائن الحي يبني نفسه بنفسه، ويصلح عطبه بنفسه، ويدبر أمره بنفسه، ويعمل على حفظ بقائه بنفسه؛ نعم هنالك آلات تطعم نفسها ولكنها لا تنمو بما تطعم، وهنالك آلات تكتب من تلقاء نفسها، وسابحات في الماء تقود نفسها، ولكن هذه جميعاً لا تصلح لنفسها ما يصيبها من عطب، ولا تستطيع أن تلائم بين دخيلة نفسها وبين الظروف الخارجية المحيطة بها كما يفعل الكائن الحي؛ وليس بين الآلات أو صنوف الجماد ما ينشئ في باطنه نواة في مقدورها أن تنمو إلى ما يشبه الأصل الذي تفرعت منه،

ص: 44

ثم يكون فيها بدورها قوة إنشاء نواة أخرى تعيد تاريخها وهكذا. . . . وأجدر من هذا كله بالذكر من خصائص الحياة التي تنفرد بها وتتميز عن الجماد هو أن الحياة في كل فرد من الأحياء لا تحصر عملها في حدود هذا الفرد الذي هي حالة فيه، بل يمتد نطاقها حتى يشمل النوع بأسره، أعني أن الحياة في كل فرد لا تكتفي بحفظ بقائها هي، بل تعمل على حفظ النوع كله.

تلك هي خصائص الحياة؛ أما العقل فطابعه الذي يميزه هو علمه بالنفع والضرر، وهما ما نسميهما باللذة والألم؛ فكل الكائنات الشاعرة تعرف ما ينفعها فتقبل عليه وما يضرها فتنفر منه، هذا عما لها من قوة التفكير التي تستطيع بها أن تكون آراء عن الأشياء الخارجية ثم اتخاذ تلك الآراء وسيلة إلى فهم حقائق تلك الأشياء والوصول إلى ما يسيرها من قوانين وما تقصد إليه من أغراض.

(يتبع)

زكي نجيب محمود

ص: 45

‌الذكرى الرابعة لشاعر البادية

الشيخ محمد عبد المطلب

للأستاذ فايد العمروسي

الذكرى لا تتسع لدراسة أو تحليل، وحسبها أن تكون للقراء خاطرة وفاء، ونفحة تقدير؛ وعبد المطلب أحد شعراء العربية الذين خلفوا لنا تراثا ممتازاً يضاف إلى تراثي المرحومين (شوقي) و (حافظ)؛ غير أن هذا الرجل عاش مغبوناً، ومات مغبوناً، شأنه شأن (حافظ) بعد موته، فلم يفز ديوانهما بما كان ينبغي من عناية وتقدير، اللهم إلا مقالات كتبها كاتب هذه الكلمة في جريدة البلاغ بعد صدور الديوان في الجو الأدبي، وليس هذا بكاف في تقدير الأدباء للشعر، وخاصة لأعلامه وفحوله النابغين. والناظر إلى عبد المطلب لا يعرفه في ديوانه فحسب، لأنه ديوان ذو روح خاص، واتجاه صبغته الصنعة في أكثر مقاصده من فخر وحماسة وشكر ومديح وغزل ونسيب. . الخ وهذه ظواهر ما كان له أن يتخلى عنها وأن حاول، وما كان للفترة التي عاش فيها غير هذه المقاصد الشعرية تمشياً مع ميول الحياة التي ترغم الشاعر أن يتلون بلونها، والتي تكوِّن العناصر الأولى لفكره وخياله!

وقد كان رحمه الله شخصية عربية صميمة، تنبئ مظاهره الخلقية أنه من سكان نجد أو الحجاز، في ضآلة من الجسم، وقليل من القصر المتزن، تنطوي هذه الضآلة على قوة الأسد في عرينه، تبدو بها عيناه الواسعتان البراقتان اللتان تفيضان قوة وثقة واعتزاز؛ وكان ذا نفس أبيّة، وضمير حي، وشعور متقد، وإحساس صادق، يهيج لأتفه أسباب الخلاعة أو اللهو، فينفجر بأشد ما تكون الخلاعة قسوة وإيلاماً؛ وكان رجلاً بأسمى ما تكون الرجولة صفاء ونبلاً، رجلاً جم العطف، وافر الرحمة فياض الحنان. ولقد رأيته رحمه الله أكثر من مرة يسكب الدمع من عينيه لأمور لا تهيج عواطف الناس، ولكنها تهيج ذوي النفوس السامية، والإحساس المرهف القوي.

وشخصيته على ما كان فيها من خشونة البداوة كانت تذوب رقة وحناناً، وتفيض عطفاً ووداعة؛ وديوانه حافل بصور من هذه العاطفة التي فتشت في نواحي المجتمع المصري فعالجته بأثمن النصائح وأغلى الحِكم؛ وكم ودَّ تطهير النفوس، وتهذيب الوجدان، وصقل الإدراك؛ وكم ودَّ الرقي بالإنسان إلى درجات العفة والصفاء. وما أشبه الثلاثة بعضهم

ص: 46

ببعض: (حافظ والمنفلوطي وعبد المطلب) في هذا المجهود! فترى الأخير يصف أسرة يتيمة بقطع من نفسه، وذوب من فؤاده، في قصيدته العصماء التي استهلها بقوله:

أسألت باكية الدياجي ما لها

أرقت فأرقت النجوم حيالها

باتت تكفكف بالوقار مدامعها

غلب الأسى عبراتها فأسالها

وفيها يقول:

ببعض: (حافظ والمنفلوطي وعبد المطلب) في هذا المجهود! فترى الأخير يصف أسرة يتيمة بقطع من نفسه، وذوب من فؤاده، في قصيدته العصماء التي استهلها بقوله:

أسألت باكية الدياجي ما لها

أرقت فأرقت النجوم حيالها

باتت تكفكف بالوقار مدامعها

غلب الأسى عبراتها فأسالها

وفيها يقول:

حتى إذا رقد الأسى بجفونها

وهفا النعاس برأسها فأمالها

خلب الطوى أحشاءها فتفزعت

حيرى تعاني سهدها وملالها

وله وطنيات حارة، ووصف رائع لمشاهد القومية المصرية، وله علويته المشهورة التي أنشدها على (جمل) متشبهاً بالشعراء في (عكاظ).

والشاعر على ما أعتقد ليس إنتاجاً من قصائد عريضة طويلة، تطن بالرصانة، وترن بجودة السبك والإيجاد، وإنما هو نفس قبل كل شيء، وشعور يصدق فيما يحس أو يشاهد، شعور يمتزج بالمظاهر فيصير جزءاً منها أو تصير هي مزيجاً منه، لا يتخللها التفريق، ولا تحتوي هذه المواهب إلا النفوس الممتازة التي لا تتفتح في دائرة ضيقة محدودة، ولا تحيط في نظرها السطحي من الكائنات. وعبد المطلب كان هذه النفس التي تضيق بما فيها من عوالم تائهة، فتنبعث على الكون طائفة سابحة، تستشعر ما فيه من جمال فتطرب، وتحس ما فيه من آلام فتألم؛ نفس خلقت لغيرها فنال منها كل شيء، وهي لم تنل من شيء أي شيء؛ وروح قسمته العاطفة، ومزقته الرحمة، فراح يوزع فيه كأنه نهب مستباح، وهو إلى ذلك مطمئن الخاطر هادئ البال. . . وإنه شخصية ممتازة في جوهرها، قبل أن تكون ممتازة في شعرها وصنعتها؛ وكم من قائل إن عبد المطلب قديم في شعره، قديم في عاطفته، جاهلي في جميع نواحيه؛ ولست أدري كيف تكون العاطفة قديمة، وهي شعور إنساني لا يتغير في ذاته وجوهره، وإن تغير في اتجاهاته وميوله، فالشعور الذي يتجه إلى الألم فيستعذبه، وإلى الدمع فيسكبه، هو الشعور الذي تطربه المسرات، ويثمله النعيم، إلا أن انفعالات الشعور الأول من نوع فاتر حزين، وانفعالات الشعور الثاني من نوع متفتح مرح، وكلا الشعورين له قيمته وخطره؛ فالشعور بالألم يكون معظم عناصر الحياة، كما أن الشعور بالنعيم يمس طبيعتها الأولى وحقيقتها الواقعة، وهما شعوران تخلقهما في النفوس

ص: 47

طبيعة الحياة التي تحياها. فليس في عبد المطلب قديم، إذ ليس هناك قديم أو جديد في الأدب، فهو فن والفن لا يتغير في قيمته الجوهرية، وإن تغير في عوارضه والمظاهر التي تسدلها عليه نوازع الإبتكار. وبعد، فتلك كلمة لذكرى شاعر البادية عبرة للشعراء، وتذكرة للأدباء الذين هم أحق بهذه الذكرى، وتلك الخاطرة. . . . . .

فايد العمروسي

من تراثنا الأدبي

ص: 48

‌3 - أبو العيْنَاء

بقلم محمود محمود خليل

لقد مات المأمون؛ ولقد حزن أبو العيناء حقاً عليه، حتى بكى بكاء مراً، وتقرحت عيناه؛ ويظهر من بكائه وحديثه عنه أنه راعا حق النعمة، وقام بإسداء الشكر لصاحبها، حتى بكاه بعد وفاته؛ وسواء أكانت خلة الوفاء موجودة فيه وهو ما لا أظنه، أم كان بكاؤه هذا لمنفعة شخصية فاتته، وخاف من انقطاع الرزق الذي أجراه عليه المأمون من بيت المال، فإن هَمَّ ضمان قوته كان يخالج فؤاده، ويخشى من يأتي بعده.

ولقد تحققت مخاوفه، فإن عهد المعتصم والواثق لم يظهر فيه شأن أبي العيناء كثيراً، ويرجع هذا إلى الخصومة التي كانت قائمة بين الوزير في ذلك العهد محمد بن عبد الملك الزيات، وبين القاضي أحمد بن أبي دؤاد، تلك الخصومة التي اشتدت إلى درجة كبيرة، حتى جعلت ابن أبي دؤاد يأنف أن يقوم عند دخول ابن الزيات، وكان قد أوجب الخليفة الواثق أن ينهض قياماً له جميع الحاضرين في المجلس، ولم يرخص في ذلك لأحد، فاشتد الأمر على القاضي، ولم يجد لمخالفة الواثق سبيلاً، فالتجأ إلى حيلة لطيفة تخلصه من ذلك الموقف الحرج، فوكل بعض غلمانه بمراقبته، وموافاته بخبر قدومه، فإذا أقبل نهض يصلي، فقال ابن الزيات في ذلك:

صلى الضحى لما استفاد عداوتي

وأراه يمسك بعدها ويصوم

لا تعدمَّن عداوة موسومة

تركتك تقعد تارة وتقوم

ويرجع سبب هذه العداوة إلى المنافسة في الرياسة التي كانت بين هذين الرجلين الفذين.

لم يقف أبو العيناء إزاء تلك العداوة موقف الحياد، بل انضم إلى القاضي ابن أبي دؤاد، فأبعده هذا إلى حد ما عن مجلس الخليفة المعتصم والواثق ووزيرهما ابن الزيات؛ وقد انقسم الأدباء أيضاً إلى حزبين، حتى رأينا الجاحظ يميل إلى ابن الزيات ويكون من حزبه. ولقد سأل أبو العيناء الجاحظ مرة أن يشفع لصاحب له عند ابن الزيات، فكتب الجاحظ الكتاب، وناوله الرجل، فسار به إلى أبي العيناء، وقال له: قد أسعف بالمراد، قال: فهل قرأته؟ قال: لا. إنه مختوم. قال: ويحك فُضَّه لا يكون صحيفة المتلمّس؛ ففَضَّه فإذا فيه: موصل كتابي هذا سألني فيه أبو العيناء، وقد عرفتَ سفهه وبذوء لسانه، وما أراه لمعروفك

ص: 49

أهلاً، فإن أحسنتَ إليه فلا تحسبه عليَّ يداً، وإن لم تحسن إليه لم أعده عليك ذنباً والسلام. فركب أبو العيناء إلى الجاحظ، وقال له: قرأت كتابك يا أبا عثمان، فخجل الجاحظ وقال: يا أبا العيناء هذه علامتي فيمن أعتني به، قال: فإذا بلغك أن صاحبي قد شتمك فاعلم أنها علامته فيمن شكر معروفه.

وصلت العداوة إذن بين الكاتبين القديرين الجاحظ وأبي العيناء، وكان هذا أثراً لتشيع الحاشية وانقسامها على نفسها كما سبق؛ وها نحن أولاء نرى أبا العيناء يغشى مجلس القاضي ابن دؤاد في تلك المدة، ويتودد إليه، ويروي عنه أحاديث كثيرة آثرنا أن نثبت منها شيئاً؛ قال أبو العيناء للقاضي: إن قوماً من أهل البصرة قدموا إلى (سُرّ مَنْ رأى) يداً على، قال: يد الله فوق أيديهم، فقلت: إن لهم مكراً، فقال: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقلت: إنهم كثير، فقال: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، فقلت: لله در القاضي، فهو كما قالت الصموت الكلابية:

لله درك أي جُنة خائف

ومتاع دنيا أنت للحدثان

متخمط يطأ الرجال شهامة

وطء الفنيق مدارج القِرْدان

ويكبهم حتى تظل رءوسهم

مشجوجة تنحطّ للغربان

ويفرّج الباب الشديد تاجُه

حتى يصير كأنه بابان

وقال أبو العيناء: كنا عند القاضي ابن أبي دؤاد في جماعة من أهل العلم والأدب، فوفد عليه رسول الحاجب أبي منصور يقرئه السلام ويبلغه ألا يقصد القاضي إلى الحاجب، لأن ذلك يضر بسمعته عند الوزير ابن الزيات، فقال القاضي: أجيبوه عن رسالته، فلم ندر ما نقول، ونظر بعضنا إلى بعض، فقال: أما عندكم جواب؟ قلنا: القاضي أعزه الله أعلم بجوابه منا، فقال للرسول: اقرأ عليه السلام، وقل له ما أتيتك متكثراً بك من قلة، ولا متعززاً بك من ذلهٍ، ولا طالباً منك رتبة، ولا شاكياً إليك كربة؛ ولكنك رجل ساعدك زمان، وحركك سلطان، ولا علم يؤلف، ولا أصل يعرف، فإن جئتك فبسلطانك، وإن تركتك فلنفسك. فعجباً من جوابه.

على أنه لا يغرنا مجالسه أبي العيناء للقاضي، فإنه قد وقعت بين الرجلين خصومة، فكان لا يرحمه فيها أبو العيناء، مما يدلنا على أنه كان من الرجال النفعيين الذين يؤثرون المنفعة

ص: 50

الشخصية على تلك الصداقة التي لا تفيده شيئاً من المال الذي يحبه ويفضله على كل عزيز وحميم. ولكن ينبغي إلا نفهم من هذا أن أبا العيناء انضم إلى حزب ابن الزيات. كلا. بل أبغض الرجلين جميعاً، وذمهما معاً، وهذا حديث طريف أتى به صاحب زهر الآداب وقد آثرت أن آتي بجزء صالح منه حتى يكون معيناً لنا على الوقوف على مقدار بلاغة الرجل وأسلوبه في الكتابة.

قال أبو العيناء: لما حبس الواثق إبراهيم بن رباح، وكان له صديقاً، صنعت له هذا الخبر راجياً أن ينتهي إلى أمير المؤمنين فينتفع به؛ ولقد سمعه الواثق فضحك واستظرفه، وقال ما صنع هذا كله إلا أبو العيناء بسبب إبراهيم بن رباح، وأمر بتخليته. والخبر هو: قال لقيت أعرابياً من بني كلاب، فقلت له ما عندك من خبر هذا العسكر؟ قال قتل أرضا عالمها؛ قلت فما عندك من خبر الخليفة؟ قال بخبخ في عزه، وضرب بجرانه، وأخذ الدرهم من مصره، وأرعف قلم كل كاتب بجنايته؛ قلت فما عندك في أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: عضلة من العضل لا تطاق، وجندلة لا ترام، ينتحي بالمدى لتنحره فيجوز؛ وتنصب له الحبائل، حتى تقول الآن، ثم يطفر طفرة الذئب، ويخرج خروج الضب؛ والخليفة يحنو عليه، والقرآن آخذ بضبعيه. قلت فما عندك من خبر ابن الزيات؟ قال ذلك وسع الورى شره، وبطن بالأمور خيره، فله في كل يوم صريع، لا يظهر فيه أثر ناب ولا مخلب، إلا بتسديد الرأي. قلت فما عندك من خبر إبراهيم بن رباح؟ قال ذاك رجل أوبقه كرمه، وإن بقره للكرام قدح، فلا عزّ بهجائه؛ ومعه دعاء لا يخذله، ورب لا يسلمه، وخليفة لا يظلمه. ثم يأخذ في الحديث عن شأن أناس كثيرين من رجال الدولة مثل الخصيب والحسن بن وهب وأخيه سليمان، وهذا لا يعنينا في شيء لأننا لا ندرس أولئك الرجال الآن، ثم يقول قلت له: أين نزلت فأؤمك؟ قال مالي منزل تؤمه، أنا أستتر في الليل إذا عسعس، وأنتشر في الصبح إذا تنفس.

ويلوح لي أن تلك الأحاديث هي التي فتحت باب المقامات، وأوجدت الفكرة الرئيسية فيها، حتى نسج على منوالها بديع الزمان الهمداني والحريري فيما بعد.

قد عادى أبو العيناء ابن أبي دؤاد، ولكنه لم يمض في الخصومة إلى حد كبير، بل حفظ له جميل كرمه وقضاء حوائجه التي كثيراً ما كان يضايقه بها إبقاء على وده وصداقته ما

ص: 51

دامت تجر عليه المنفعة حينا. قال له المتوكل يوماً: من أسخى من رأيت؟ قال ابن أبي دؤاد، فقال المتوكل تأتي إلى رجل رفضته فتنسبه إلى السخاء. قال إن الصدق يا أمير المؤمنين ليس في موضع من المواضع أنفق منه في مجلسك، وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود، لأن سخاء البرامكة منسوب إلى الرشيد، وسخاء الفضل والحسن ابني سهل منسوب إلى المأمون؛ فإذا نسب الناس الفتح وعبيد الله ابني يحيى بن خاقان إلى السخاء، فذلك سخاؤك يا أمير المؤمنين. قال صدقت.

فمن هذا نعلم مبلغ تلك الخصومة وأنها كانت طفيفة، ويظهر أن سببها كان عدم إجابة طلب لأبي العيناء أو قبوله شفاعته، أو نحو ذلك من الأشياء التي كان يتطاول بها أبو العيناء على الرؤساء.

دامت المنافسة على الرياسة بين ابن الزيات وابن أبي دؤاد مدة خلافة المعتصم والواثق حتى تولى المتوكل، وفي السنة الثانية من خلافته نكب ابن الزيات وأحرقه في التنور، وخلا الجو بهذا لحزب ابن أبي دؤاد، ووجد أبو العيناء الميدان أمامه فسيحاً، فاتصل بالمتوكل وحصلت له معه مجالس أدخل الرواة بعضها في بعض؛ ويظهر أن أعداءه قد وشوا به إلى الخليفة كي يوقعوه فيما وقع فيه ابن الزيات، ولكنه بفصاحته وذلاقة لسانه نجا. قال له المتوكل: بلغني أنك رافضي، فقال يا أمير المؤمنين وكيف أكون رافضياً وبلدي البصرة، ومنشئي في مسجد جامعها، وأستاذي الأصمعي، وليس يخلو القوم أن يكونوا أرادوا الدين أو الدنيا، فإن كانوا أرادوا الدين فقد أجمع الناس على تقديم من أخروا، وتأخير من قدموا وإن كانوا أرادوا الدنيا، فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين، لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك. وكانت تلك الوشاية كفيلة بأن تقضي عليه، لأن المتوكل كان يكره الرافضة الذين يدينون بحب علىّ بن أبي طالب (ض) ولكنه تخلص بذكائه.

ودخل أبو العيناء المتوكل في قصره المعروف بالجعفري فقال له الخليفة ما تقول في دارنا هذه؟ فقال يا أمير المؤمنين إن الناس بنوا الدور في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك. فاستحسن كلامه وقال: كيف شرابك للخمر؟ قال أعجز عن قليله، وأفتضح عند كثيره؛ فقال له الخليفة دع عنك هذا ونادمنا، فقال لا أطيق ذلك، وما أقول هذا جهلاً بمالي في هذا المجلس من الشرف، ولكني رجل مكفوف البصر، وكل من في مجلسك يخدمك، وأنا

ص: 52

محتاج أن أخدم، ولست آمن من أن تنظر إلي بعين راض، وقلبك علي غضبان، أو بعين غضبان وقلبك راض، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، فأختار العافية على التعرض للبلاء. قال صدقت، ولكن تلزمنا، قال لزوم الفرض الواجب اللازم. فوصلني بعشرة آلاف درهم.

تلك كانت منزلة أبي العيناء عند المتوكل يتمنى أن ينادمه، ويود ولو بجدع الأنف أن يتاح له حضور شخص فكه المحاضرة، عذب الحديث كأبي العيناء في مجلس شرابه، وقد كان المتوكل يمزح معه كثيراً قال له مرة: هل رأيت طالبياً حسن الوجه قط. قال يا أمير المؤمنين أرأيت أحداً قط سأل ضريراً عن هذا! قال لم تكن ضريراَ فيما تقدم، وإنما سألتك عما سلف؛ قال نعم رأيت منهم ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت أجمل منه. قال المتوكل: تجده كان مؤاجَرا، وتجدك كنت قوادا عليه، فقال أبو العيناء: أو فرغت لهذا يا أمير المؤمنين، أتراني موالي على كثرتهم، وأقود على الغرباء، قال اسكت يا مأبون! قال مولى القوم منهم، قال المتوكل أردت أن أشتفي منهم، فاشتفى لهم مني.

على أن عدم قبول أبي العيناء لمنادمة المتوكل قد عصمه إلى حد ما من القصف والمجون اللذين كان يجري في قصر الخلافة، وإن كنت أعتقد أن شخصاً متوقد الذكاء كأبي العيناء قد حمى نفسه من معاقرة الخمور، خوفاً من أن تضيع عقله، وتغلب على لبه، فيخرج عن صوابه، وهو ما كان يأباه على نفسه، فجوابه إذاً للمتوكل حين سأله عن الشراب بقوله: أعجز عن قليله، وأفتضح عند كثيره لم يكن للتخلص من منادمته، وإنما كان صادقاً في هذا القول، وإن كان قد ذهب إلى الإستمتاع بملذات الحياة من غير طريق الشراب، كلما حان له ذلك، ولكن ذهابي إلى هذا الرأي ليس معناه تنزيه أبي العيناء وجعله في عصمة الأنبياء والصديقين بل ربما يكون قد شرب ونادم وأفرط في الشراب وأخذ بحظه من اللهو والمجون مع غير المتوكل، لكنني لا أميل إلى اتهامه بأنه كان من المعاقرين للشراب والمدمنين على قرع الكؤوس، كالمتوكل أو وزيره الفتح بن خاقان مثلاً، كلا. وإنما كان لا يميل إلى تعاطي الكثير من الخمور لأنها تجره إلى الإفتضاح كما يقول.

(يتبع)

الزقازيقمحمود محمود خليل

ص: 53

‌1 - عمرو بن العاص

بقلم حسين مؤنس

أصبح الرجل محزوناً كاسف البال، لم يبرح غرفته بل لم يبرح مكانه، وإنما هو مقيم حيث تركه ابنه عبد الله أمس، ساكنا لا يريم، صامتاً لا ينبس؛ وقد ارتسمت على وجهه أسارير من الحزن لا تخفى، وتراءت في قسماته ملامح من القلق الممض المشجي. . . بل كانت لا تخفى في عينيه علائم السهر الطويل. . . ومن يدري فربما انقضت هذه الليلة ولم يغمض له جفن، وربما أرق ليلة الأمس كذلك، وربما طواهما مسهداً في هذه الغرفة التي لا يبرحها. . . إنه يفكر تفكيراً طويلاً. . يفكر ويخاطب نفسه ويقلب كفيه، ويهمهم وإنه لينظر نظر الشجي (استعملتك على ظلمك وكثرة القالة فيك. .) والله لقد خلتها يا عثمان. . .! ثم يعود فيردد:(لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت!). . إن الحزن ليشتد بالرجل وإن الدمع ليترقرق في عينيه وإنه ليحني رأسه ويصمت صمتاً طويلاً. . وبينما هو في ذلك إذا يد خفيفة تمر على كتفه في رفق، وإذا صوت رقيق يهتف به:(رويدك يا ابن العاص. .) فيلتفت إليه ويقول: (حتى نحن يا سلامة. .). فيجيبه: (لقد متع الضحى) فيسترسل الرجل مرة أخرى في تفكيره ثم يقول: (رحمك الله يا ابن حنتمة. . والله لقد كانت فيك على شدتك رقة، وعلى جفائك وداً. . أما هذا. . أما هذا. .) فيقاطعه سلامة قائلاً: فليغفر له الله. . . (فيرد عليه محتداً. .) لا يا ابن روح. . لا غفر الله له أبداً. . لا غفر الله له أبداً. . لقد وليها عامرة. . ولن يعفيها حتى ينعق عليها البوم. . لقد عملنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرضى عنا، وعملنا لخليفته فأكرمنا. . وعملنا لعمر فانصرف عنا قرير العين، ثم جاءت أيامك يا ابن عفان. .! ويصمت الرجلان صمتاً بليغاً، ويسرع بهما الفكر إلى الجزيرة التي فرا بنفسيهما منها. . واطمأنا إلى الراحة في هذا القصر الذي يملكه عمرو في فلسطين، فهذه جزيرة العرب تموج موجاً وتضطرب اضطراباً، وقد فوقت إليها الفتنة سهاماً صائبات. . واصطلحت عليها من الشر حادثات. . وهذا عثمان في بيته بالمدينة وحيداً لا يطرق بابه أحد، فريداً لا يذكره أخ ولا ناصح بعد الذي كان من تقريبه آل أمية وآل مروان، وبعد الذي كان من خصومته مع علي وازوراره عن طلحة والزبير وعزله الصالحين من ولاة عمر. . وهاهي ذي الفتنة تتحرك في

ص: 54

مضاجعها. . . والثائرون يتواصلون ويتابعون الشكوى ويجمع بينهم الظلم. . وهذا أبو ذر الغفاري يطوف ببلاد الإسلام يثير الفتنة ويقلب الأرض على عثمان. . . وهذا علي يباعد ما بينه وبين الخليفة مخافة أن يصيبه آل أمية بشر! وهم الساعة أصحاب الأمر وذوو السلطان على الخليفة الورع اللين الرقيق. . . وهم اليوم لبني هاشم بالمرصاد، وإن للبيتين فيما مضى لشأناً. وإن لهما فيما يقبل من الأيام لشأناً أكبر وقد أسخطته من عثمان أمور ونفرته منه شرور. وما يطيق الرجل صمتاً على ابن أبي سرح وآلياً على مصر، مكان ابن العاص القدير. فما زاد عثمان على أن قام على الناس رجلاً كرهه الرسول ولم يرض عنه إلا شفاعة وسماحة. . . ثم سكت طويلاً ثم أخذ يردد هذا الرجز الذي سيكون له في المحنة المقبلة أي شأن، والذي ستردده الجموع في الشام وتهتف به الجحافل في العراق. . . ويتردد صداه بعد ذلك على مدى الأيام:

أصبحت الأمة في أمر عجب

والأمر مجموع غداً لمن غلب

فقلت قولاً صادقاً غير كذب

إن غدا تهلك أعلام العرب!

ثم بدا له فقام من مجلسه. . وأطل من النافذة على فناء (العجلان) فإذا أعرابي يسعى على راحلته وهو يردى بها مسرعاً. فهتف به فوقف، وسأله كيف عثمان:

فقال الأعرابي: قد تركته محصوراً شديد الحصار

ثم تركه وتولى مسرعاً

وأي هلاك.! خليفة الله محصور. إن الأمر ليشتد وإن العاصفة لتنذر وإن العقبى لوخيمة. ترى أعيل صبر العرب فأتوا يقومون الخليفة بالسيوف. هنا أحس عمرو أنه لم يحسن الصنيع حين ترك عثمان وحده في المدينة، وأخذ يسأل: ترى ماذا يصنع علي وماذا تصنع البقية من الصحابة. إن فيهم لعصمة لابن عفان مما يراد به. . ولكن ما عساهم يصنعون وقد أبى عثمان أن يلقي لهم بالاً. فلتنفعه عصبية بني حرب لو كان فيهم خير. وليعصمه ابن أبي سرح لو كان يستطيع. أما الصحابة فها هم أولاء يعتزل منهم نفر فيهم سعد بن أبي وقاص، ويعلن العداء منهم نفر وفيهم أبو ذر الغفاري، ويشتد منهم نفر ولا يتحرج أن ينقد عثمان النقد الجارح الشديد وفيهم علي، وتنصرف منهم طائفة إلى ذات نفسها تجمع المال وتؤلف الأنصار وتعد العدة لما عسى أن يحدث من الأحداث وفيهم معاوية. ثم نظر

ص: 55

فإذا شرذمة من الأعراب على الخيل والجمال يسعون نحو الشمال. وكان انصراف العرب عن الحجاز قد كثر هذه الأيام، وإذا بهم يعلنون مقتل عثمان في شيء من الإنكار والخوف والهلع. فإذا استوقفهم وسألهم فوصفوا له الأمر وصفاً دقيقاً، ثم تولوا وتولى، فإذا سلامة قد ترك المصحف الذي كان يقرأ فيه ووقع الخبر في نفسه موقع الصاعقة. وريعت نفسه ولم يطلق على الأمر صبراً. فنهض من مجلسه ونظر إلى عمرو فإذا به شجى يشرق بالدمع فقال له وإنه ليعاني ألماً بليغاً:(يا معشر قريش! إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟) فقال عمرو وإنه لذاهل: (أردنا أن نخرج الحق من خاصرة الباطل ليكون الناس في الحق شرعاً سواء.).

وهل أصبح الناس الآن في الحق شرعاً سواء. .؟ أجل! وقد ذهب ولي الأمر وأصبح السيف بين الناس حكماً. . وليطلب الأمر من يجد في نفسه الإقتدار على النهوض به. . ترى من يكون هذا المقتدر الذي سيملك ناصية الأمر ويقدر له الفوز بهذا الغنم العظيم؟ كذلك كان ابن العاص يسائل نفسه. . وكذلك كان يمضي في نظر المسألة والتدقيق فيها. . . بدأ يستعرض جوانب القوة واحداً فواحداً ويوازن بين ما لديهم من (القدرة) لا من (الحق) موازنة طويلة حتى لا يخفى عليه منها وجه من وجوه الرأي. . وهذا رجل يتقن الحساب ويجيد المساومة. . . ولا يخطئ في تقدير ربحه من أي النواحي. . ولقد كان هذا موقفه في كل أزمة. . وتلك حالة قبيل كل عاصفة. . يقف ساكنا ويفكر طويلاً. . ثم يساوم في حرص. . وأخذ يستعرض ما انقضى من أيامه عسى يلقي الماضي على الحاضر ضوءاً. . . إنه ليذكر موقفه قبيل إسلامه. . . وقد بدأ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر شيئاً فشيئاً. . . وبدأ الخوف من ناحيته يدب في قلوب قريش. . . وإن طائفة منهم لتشتد في عداوته شدة جاهلية. . . وإن طائفة أخرى لتسرع إلى رايته فتنضوي تحتها. . . وإن طائفة ليثقل عليها الأمر فتدع الميدان وتعتزل الحياة. . . ولكن عمراً لا يميل إلى أحد الجانبين ولا يعتزل بل يزن كل ناحية على مهل. . . ويقدر تقديراً طويلاً بل هو يبتعد عن الميدان كله إلى بلاد الحبشة. . . وهناك يرقب الأمور في صبر وحرص كما يرقب التاجر أسعار السوق. . . فإذا استبان له رجحان كفة الإسلام. . . وإذ رأى كنوز النصر تخفق. . . في بدر وفي الخندق، فقد أقبل إقبال الواثق ليتمم الصفقة وليشتري عن ثقة. . . ولكنه

ص: 56

بعد ذلك كله يرجو أن يكون كسبه من الأمر أكثر من كسب الآخرين، إنه ليعود من الحبشة مسرعاً وقد حزم أمره على الدخول في الإسلام. . . ولكن انظر كيف أقنع نفسه بالبيعة للرسول، لقد بعثت إليه قريش تسأله ما عقد عليه النية. . . فلا يعلن إسلامه إعلان عمر، ولا يفسر إيمانه تفسير أبي بكر أو عثمان. . . وإنما هو يقول للرسول: أنحن أهدى أم فارس والروم؟ فيقول الرسول: (بل فارس والروم) فيقول عمرو. . . فما ينفعنا فضلنا عليهم في الهدى إن لم تكن إلا هذه الدنيا وهم أكثر فيها أمراً، قد وقع في نفسي أن ما يقول محمد من البعث حق. . . هذا منطق الرجل في الإيمان وهكذا يستوثق لنفسه من أنه لا (خسارة) عليها في ذلك، ثم يمضي حتى إذا أقبل على الرسول الكريم ومد يده فقد قبضها، فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:(أردت أن أشترط!) نعم يريد أن يشترط. . . يريد أن (يكسب) شيئاً في هذه البيعة الجديدة. . . فإذا سأله الرسول ما يشترط فقد تريث لحظة. . . وبدا له فطوى ما كان يريد أن يقول. . . وساعفته بديهته. . . فقال (يا رسول الله. . . إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمرو! بايع فإن الإسلام يجبُّ ما قبله وإن الهجرة تجبُّ ما قبلها). . . إنه يريد أن يشترط دائماً. . . هكذا كان موقفه في كل أمر.

(للبحث بقية)

حسين مؤنس

ص: 57

‌تحطّمي تحطّمي!

للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي

يا ليل للنجم اكتم

ويا نهار أَظلم

يا أدمعي فيضي ويا

نار فؤادي اضطرمي

نفسيَ لي قد آلمت

فقل لها تألمي

كمثل ما حطمتِني

تحطّمي تحطّمي

مسؤولةً يا نفس أن

تِ عن حياتي ودمي

ندمتِ مما جئتِه

ولات حين مندم

بكِ العِدى تهكمت

وأنتِ للتهكم

من قال إن لاقيت نا

راً تلتظي فاقتحمي

ألم أقل تريّثي

فيما عزمتِ تسلمي

مشيتِ بي في مزلق

صعبٍ فزلّت قدمي

ما أنتِ من دمي بري

ئةٌ فلا تختصمي

من ذا الذي أغراكِ يا

نفسي على التقحم

قولي، أجيبي، بيني

شيئاً، أزيلي تُهَمي

لا تلبثي ساكتة

تكلّمي تكلّمي

يا نفس هذا وقت إن

تبكي فلا تبتسمي

يا نفس من نفسِك قب

ل أن تموتي انتقمي

بالكف يا نفسيَ قد

صفعتِني في الهرم

للشيب في رأسيَ وال

قذال لم تحترمي

أصبحتُ من موتي قري

باً فأقيمي مأتمي

أنت حقيرة بعي

ن الفيلسوف الفهم

وإن تردّيتِ ثيا

بَ السيّد المحترم

أخرجتِني من ساحة ال

نور لساح الظلم

فصرتُ في مشيي على

وجهي اللطيم أرتمي

ص: 58

هل عائدٌ إليّ عه

دُ عيشيَ المنصرم

ماذا أقول والأسى

قيدُ لساني وفمي

وإن تكلمتُ فهل

تردَ حقي كلِمي

الهمُّ في رأسي كأن

هـ لظى جهنم

وهو إلى قلبي كجي

شٍ زاحفٍ عرمرم

نحسبه مخيّماً

وليس بالمُخيّمِ

لا أستطيع الخوضَ بع

د الشيب في الغطمطم

أخاف أن يبلعني الت

يّارُ بلعَ النَهِم

أإنني في يقظة

أم إنني في حُلُم

المرءُ بالأفعال لا

بالقول والتكلم

لقد رميتُ أسهماً

فارتدّ نحوي أسهمي

جرحن جلدي ثم لح

مي وبلغنَ أعظمي

فيا له من حادث

للروح مني مؤلم

أنتِ به مسؤولةٌ

ما أنا بالمتّهَم

في الموت كلُ راحتي

وبالردى مُعتَصَمي

إذا هلكتُ فادفنو

ني بالمكان الأشأم

قد عششت فيه على ال

أرماس أمّ قشعم

بغداد جميل صدقي الزهاوي

ص: 59

‌النجاح

للأستاذ عبد الرحمن شكري

أنت رب الأوشاب والأعلياء

وجماع الجهود والأهواء

تُلْبِسُ المرَء منك حُلَّةَ فضل

يلهج الناس حولها بالثناء

أي فضلٍ للمرء إنْ لم تَحُكْهُ

وذكاءٍ إنْ لم تكن في الذكاء

فُرَصُ العيش كلها لك جند

والعطايا مواثلٌ كالإماء

وصروف الأقدار طراً عبيد

للذي تصطفيه للآلاء

لا يضير الذي اصطفيت عداءٌ

لا ولا يُزدرى لفرط الغباء

ويود الذكي لو كان غِرّاً

ثم تكسوه حُلة الأذكياء

أنت سِحْرٌ يكسوه القبيح جمالاً

ويُنِيلُ الوضيعَ أُفْقَ العلاء

وينيل القَمِيَء أجنحة النس

ر فيغدو لقومه كسماء

يرتجي الناس غيثها وعلاها

بخشوعٍ وذِلة ورياء

إيهِ يا مالك القلوب قلوب ال

ناس طراً طوع اللُّهَا والعطاء

رُبّ قلبٍ مُمَاكِسٍ لك في البي

ع وذاك المِكاس غير الإِباء

تنثر التبر مثلما تبعث الشم

س بأضوائها على الأرجاء

فوق وغدٍ أو فوق غِرِّ حَظِيٍّ

أو على ظافر من الفضلاء

لك ثوب يُخفي العيوبَ ويحبو ال

فضلَ فضلاً من روقة اللألاء

قَدَرٌ حاكه وليس صَنَاعٌ

كصناع يدعونه بالقضاء

معدن الخير والفضيلة والحك

مة من يرتدي بذاك الرداء

أي فضلٍ تعطي القوىَّ قواه

إن عداه النجاح في الأحياء

أي صيتٍ يُجْدِي الذكيَّ بيانٌ

لم يُصِبْ نهزة من الإصغاء

أي فضلٍ تحبو الحكيمَ نُهَاهُ

وهو لولا الأنصار كالأغبياء

سَرَفٌ أنْ أضاعه الدهرُ لا يُفْ

قِر دهراً أضاعه من ثراء

أترى التبر لو يضل دفيناً

كان يجبي أطايب الأشياء

أترى الحسن كان يُعتدُّ حسناً

وهو في خفية عن البصراء

ص: 60

يغنم الظافر السعيد وإن ك

ذَّب منه النقاد بُطْلَ الطلاء

وهو في أعين الآنام نضار

وسواه في الخلق كالدقعاء

يغفر الناس شَرَّه وأذاه

ويمدونه بمحض الولاء

إنما الحق ما رأى الناس حقاً

ثابتاً في عقيدة الأهواء

والشريف الذي يرون شريفاً

نال أولم ينل مدى الشرفاء

والكريم الذي يرون كريماً

حاز أو لم يحز هوى الخبراء

صاحِ لو يُنْبَذُ المُزَيَّفُ طراً

حَرَبَ الناسَ كلُّ هذا الاباء

ثم باءوا بحيرةٍ وضلالٍ

في دعوى العقول والآراء

وإذا النجح لم يكن منه ميزا

نٌ فكلُ مُزَيَّفُ الأنباء

كن جديراً به وإنْ لم تنله

إنما الحقد آلة الأدنياء

ويضير الأنامَ كيْدُ حَقُودٍ

صد عن خير مطمح وعلاء

فدع الناس يكفلون بما شا

ءوا وَعِشْ في حقيقة الأشياء

إنْ تجدها أو لم تجدها فللع

يِّ وللجد نشوة الصهباء

نشوة النجح نشوة السعي والخا

سر من لم يَفُزْ له بطلاء

ولعل الأحقاد ما صَغَّرَ النج

ح وأنحى عليه بالإزراء

ورجاءُ للنجح خير من النج

ح فعش من طلابه في رخاء

إنَّ بَعْدَ الرجاءِ أَنْ تبلغ القص

د ولا قصد بعد نيل الرجاء

ولقد ينكب النجاح أُناساً

بالذي فاق نكبة للشقاء

والسعيد المحروم من أسلم الأط

ماعَ طُرّاً لصرف حكم القضاء

ويود الذي تود له الأق

دار يبغي فيها رخاء الرضاء

ذاك خُبْرٌ يغري الحكيم وإن شَقْ

قَ فَيُلْفِي رخاءه في العزاء

ولقد يحبط الطَمُوحُ إذا زح

زحه الهَمُّ عنه بالإعياء

وفُرُوضُ الحياة أخلق يالسع

ي وأحجى من اقتعاد السماء

إنَّ أعلى من العلاء خليقاً

بعلاء لا حائزاً للعلاء

والسعيد الحظيُّ من رُزِقَ الجدْ

دَ وفي الجد مصرع الثؤباء

ص: 61

هو طب الملال إنْ أعنت العي

شُ وغالت غوائل البأساء

وسواء نُجْحٌ وفوتٌ إذا أح

مدت ما في مسعاته من دواء

والشقي المحروم من لا يرى في ال

عيش فرضاً ينأى به عن شقاء

ذاك من مات قلبه وهو حي

وغدت نفسه كقفر خلاء

خاصمته النعماء في كل أمر

وبدت فيه وحشة البيداء

خيبة المرء أن يمل مُنَاهُ

لا تمادي الحرمان والإبطاء

ولعل الإبطاء في النجح أهنا

وقصارى المبذول للإزراء

ويمُلُّ العطاءُ بعد أوان

كعزوفٍ من طول بُعْدِ الغذاء

والذي لا يمل فرضاً مُعاداً

كل يوم مُوَفَّقُ السعداء

لا ينال البعيدَ من لا يرى الأد

نى سبيلاً يُدْنِي إلى البعداء

خطوة إثْرَ خطوة هكذا س

نة عيشٍ وسنةُ في الجراء

وامتناع الطليب أهون من أنْ

يندب المرء خيبة الأهواء

هو خطب أدهى من الفوت وقعاً

وهو داءُ أشد من ذا الداء

كالذي يستطب بالخطب من خط

ب ويُقْصِي الأدواء بالأدواء

ليس يُدْعَى الرضاء يأساً فكم را

ضٍ وفي سعيه دبيب الرجاء

والذي يستدر نجحاً من الخي

بة أحجى برفعةٍ وعلاء

فإذا ما نكصت في العيش فاعْلَم

ليس في العيش موطن للنجاء

يُدْخِلُ المرء نفسه في الرزايا

كي يُدَاوَى من رعدة الجبناء

مثلما أسمعوا الجيادَ صليلاً

كي يهون الصليل في الهيجاء

صاحٍ ما العيش بالمُخَلَّدِ في الده

ر فترتد ناكصاً للوراء

وإذا ما ارتخصتَ ما هو مبذو

ل ويا رُبَّ مُرْخَصٍ مِنْ سخاء

فالهواء الحياةُ وهو مُذَالُ

لو نأى كان مُنْيَةَ الأحياء

لا تَقلْ خيبة الرجاء سموم

فالشقيُّ الشقيَّ بالأسماء

إنَّ بعض السموم منه دواء

كدواء الرمداء بالظلماء

وإذا ما هممتَ بالخير لا تو

لعْ بكسب الإجلال والإطراء

ص: 62

ليس بين الإطراء والذم إلا

كانطباق الجفون في الإغفاء

واللبيب العليم بالناس لا يغ

تر بالمدح منهمُ والهجاء

غايظوا الراجح السعيد بمَنْ خا

ب ولو فاز كان في البغضاء

يزعمون الخُيَّابّ أحجى بفوزٍ

قد لواه القضاء ذو الأخطاء

زعموا الدهرَ يظلم الندب إذ يس

مو بشأو اللئام والأدنياء

فإذا الندب نال شأوأً أَعَدُّوا

ما أعدوا له من الإيذاء

ولعمري لو بُيِّنَ النقص والفض

ل لكانوا في النقص كالشركاء

باتِّفَاقٍ أو باقتدار نجاح

كان أو لم يكن لدى الفضلاء

ولو أن المفضولَ لم يُلْفِ نُجْحاً

ضاعف الفَوْتُ غبنَ صرف القضاء

نابَهُ النقص من قضاء فإن خا

ب فغبنٌ مضَاعَفٌ في الجزاء

ليس فوزُ الأباة قدرَ شقاء

هزم الذل نخوةَ الأحياء

لا بل الفوز صحة واقتدار

وببذلٍ للذخر أو للحياء

وبأَنْ تَطَّبى رضاء ذوي الجا

هـ وأهل الجدود والأقوياء

وبإحباط من يكيد بكيد

رب فوزٍ مستجلب بالدهاء

وبإطراء من ترى منه نفعاً

وبإرضاء كل دانٍ ونائي

واحتذاءِ الحياة ترضي الذي تر

ضاه من شيمة ومن سيماء

وَبِأَنْ لا تعاف كسباً ولا خُلْ

قاً يداني من مَطْلبٍ ورجاء

فإذا عفت كان سعدك في الخي

بة والنجح من صنوف الشقاء

رُبَّ قُوْتٍ للمرء منه سقام

وهو في جسم آخرٍ كالدواء

وكذا النجح منه عِزٌّ ونعما

ء ونجح يُلِمُّ بالبرحاء

عبد الرحمن شكري

القصص

ص: 63

‌صور من هوميروس

13 -

حُروب طَرْوَادَة

مقتل بتروكلوس

للأستاذ دريني خشبة

قتِل ساربيدون ملك ليسيا وقائد فرسانها، وأشجع مقاتل في جيش طروادة بعد هكتور؛ ووقف بتروكلوس على جثته يصليها سخرية وهزوا، ناسياً أنه إنما يهزأ بابن زيوس سيد الآلهة، من آثر زوجاته إليه، أوروبا الجميلة المفتان، التي وقفت من ذروة جبل إيدا تنظر إلى المعركة الحمراء، وتشهد مقتل ابنها. . . وتبكي!!

وتثور ثائرة الأم التاعسة، وتهيب بالإله الأكبر أن يحمي جثة ولدها، بعد إذ عجز عن حمايته حياً، إذ عجز عن دفع ما قضت به ربات القدر.

وينظر زيوس فيري إلى بتروكلوس واطئاً بقدمه صدر ساربيدون، عادةَ الجاهلية، ويسمع إليه يقذفه بأشنع عبارات التهكم والاستهزاء، غير راث لهذه الروح التي تفيض، أو معتبر جلال الموت الذي تخشع أمامه القلوب؛ فيثور الإله، ويحنق على بتروكلوس وجند بتروكلوس، ويأمر من لاتونا. . . أبوللو العظيم. . . فينطلق من فوره إلى معمعان الحرب، ويرسل إلهي النوم والموت فيحميان جثمان القتيل، ويدفعان عنه سباع الميرميدون التي تكاثرت حوله تريد لو تسبي سلاحه، وتستنقذ دروعه.

أما الجثة، فيحملها الإلهان الكريمان إلى ليسيا؛ وثمةَ، يخلطان بها حنوط المخلود، ويلفانها في ثوب سماوي من ثياب الرحمة، ويجمعان حولها عرائس الفنون تبكيها وتنشد لها أوجع ألحانها، وأشجى ما تكن موسيقاها.

ويبدو لبتروكلوس أن طروادة، بعد ساربيدون، لقمة سائغة، وغنيمة باردة، فيهتف بالإغريق مرة، وبالميرميدون مرة أخرى، أن يقاحموا نحو أسوارها، وأن ينتهزوا فرصة تفتح عليهم فيها المدينة الخالدة.

ولا تدري كيف يستيقظ الطرواديون وأحلافهم من سكرة الروع التي غشيتهم فينكشف لهم أن البطل الذي قتل ساربيدون وعشرات غيره من صناديدهم، ليس هو أخيل العظيم، وإن

ص: 64

يكن يحمل خوذته، ويقنّع في دروعه، ويذرع الساحة بعربته. . فتهدأ أعصابهم، ويثبت جأشهم، ويأخذون في مناهضة الميرميدون والإغريق جميعاً.

ولكن بتروكلوس يهجم غير هياب، ويجندل من حوله الأبطال المذاويد، ويقود جنده إلى البوابة الكبرى حيث وقف هكتور ينظر إلى المعركة بعينين مشدوهتين، ونفس مذهوب بها، وقلب حيران متصدع. . .

ووقفت الآلهة دون البوابة تحمي طروادة الخالدة. . .

ذلك أن بتروكلوس كان كلما بلغ ثمة. . . وجده وجنده ينسحبون إلى وراء بقوة خافية لا يدرون سرها، ولا يعرفون من أين تأتيهم فتتخطفهم، وتردي جحافلهم. . . وهي على قاب قوسين من داخل المدينة. . . أو أدنى!

وفي الهجمة الثالثة، سمع بتروكلوس إلى صوت إلهي يقول:(بتروكلوس! ليس على يديك تفتح هذه المدينة الخالدة! بل هي لن تفتح على أخيل العظيم الذي هو أقوى منك، ومن عشرة من أمثالك! عد من حيث جئت، واحذر أن تكون آخرتك اليوم، في هذا الميدان المضرج بدماء ضحاياك).

وتلفت بتروكلوس فرأى الهاتف هو إله الشمس، أبوللو، أيوللو بعينه، رب طروادة العظيم، واقفاً فوق برجها الباذخ يقلب قوسه في يديه الجبارتين، مرسلاً في عساكر الميرميدون والجنود الهيلانيين، نظرات تقدح الشرر، وتوري نيران الكيد والجبروت!

واقشعر جسم بتروكلوس، وأيقن أن أبوللو هو الذي رفع جثمان ساربيدون من مكانه من المعمعة، وأنه أيضاً أقبل ليلعب دوره ضد الميرميدون وضد الإغريق، وضد بتروكلوس قبل كل شيء!!

ولكن بتروكلوس محارب، وقلب المحارب العظيم لا يعرف الجبن، ولا يتلجلج لقصف المنايا في المعركة، فكيف به يخفق فرقاً إذا رأى الآلهة نفسها تحارب في صفوف الأعداء!

أقبل يا بتروكلوس وأقدم، ولا يهولنك أبوللو، وألف ألف أبوللو، مادام العمر واحداً، والساعة آتية، ولن يفلت أحد مما قدر له!

وبهت الجمعان المقتتلان حول جثمان ساربيدون حين رأوْا إليه يرتفع في الهواء، ثم يتهادى إلى جهة ليسيا، موطنه الذي يبكي عليه، فعلموا أن السماء تعمل!

ص: 65

وأحس الليسيُّون هذا الفراغ المفزع الذي خلفه ملكهم المقتول فيهم، فذهب رئيسهم المغوار، جلوكوز، نائب الملك وخير وجوه ليسيا، إلى حيث وقف هكتور ينظر إلى المعمعة قريباً من البوابة الكبرى، فوقف تلقاءه محطم القلب، دامع العين، موهون القوى، وقال: (يقف هنا بطل أبطال طروادة العظيم، ويدع أحلافه البواسل يجودون بأرواحهم من أجل اليوم، ويسيلون نفوسهم على ظبي الرقاق البيض التي يرهفها في وجوههم أعداؤكم! ولأي شيء!؟ لأنكم استجرتم بنا فأجرناكم وأسرعنا إليكم نفتديكم بالمهج الغالية والدماء الزكية! هكتور! لقد قتل ساربيدون، فهل علمت! هل علمت هذه النفوس التي يمضها الأسى، والعيون التي تقرحها الدموع، ويعصف بها الدم!؟ فيم وقوفك هكذا ترمق الساحة وقد رأيت من فتك الميرميدون بنا ما رأيت. هل فكرت في حماية مولانا الملك، أو على الأقل صيانة جثمانه العزيز؟! لقد سبوا دروعه وسلاحه، فأي عار يصمنا في طويل الأحقاب والآباد؟ يا لثأرنا. . . يا لثأرنا. . .؟

ولم ينبس هكتور!

ولكنه شاهد الميرميدون يعيدون الكرة بعد الكرة على الطرواديين، فينالون منهم ويمزقون صفوفهم، وشاهد البطل الإغريقي المشهور إيجيوس، يصول بين الجيشين ويجول، ويجندل الأبطال وببيد لها ميم الرجال، فأحذ هكتور حجراً كبيراً وانتهز فَرّة من إيجيوس، وقذف بالحجر فوق رأسه فشجعه، وبرز المخ، وتدفق الدم، وتردى البطل فوق الحدور حتى استقر في بسيط الساحة!

واستشاط بتروكلوس غضباً! ويود لو كان قريباً من هكتور فيضغط على عنقه ضغطة تذهب به إلى الجحيم! ولكنه لم يستطع إلا أن يثأر للقتيل بمثل ما صنع هكتور؛ فقد تناول جلموداً كبيراً، وقذف به ستينلاس الهائل، أشجع شجعان طروادة الأحياء، فأطاح جمجمته، وهوى الجلمود على مفرش جواده فقتله، بين عجب الطرواديين وشدة تحيرهم!!

ولكن جلوكوز - رئيس الليسيين - يرى إلى ذلك فيتسخط، وينقض على البطل الهيلاني الكبير باثيسيز، فيشكه برمحه شكة تذهب به، وتتركه يتشحط في دمه. وتستمر المعركة. . .

أما أبوللو! فيغيظه من هكتور هذا الجمود الذي استولى عليه، وذلك الموقف الجبان الذي

ص: 66

يحول بينه وبين الميدان، وفي الحق، لقد كان هكتور ينظر إلى شياطين الميرميدون ولا يصدق أنهم مقاتلة من البشر، بل وقر في قلبه أنهم زبانية من جحيم بلوتو سلطتهم المقادير على الطرواديين يسومونهم الخسف وسوء العذاب!

وتنكر أبوللو؛ فبدأ في زي محارب في عنفوان الشباب، ثم أجرى في عروقه من دماء بني الموتى، وغضَّن قليلاً من جبينه، وسوى من ساعديه، ونثر فوق عدته من ثرى المعمعة، ولوَّح وجهه بملامح (أسيوس) العظيم، أخي هكيوبا، وخال هكتور؛ وسار قُدُما إلى حيث وقف فتى طروادة المسحور بروع الساحة الهوجاء:

(هكتور! فيم إحجامك عن لقاء الأعداء يا بني؟ هلم، هلم! فَوَ أرباب الأولمب لو كان لي شبابك وعنفوانك، لصاولت هؤلاء الميرميدون الألداء، ولأخليت منهم تلك الحومة التي ملأتك هلعاً! أقدم يا هكتور ولا تحجم هكذا! إلق بتروكلوس فقد تصرعه، وإنك لصارعه، وإنك لعاقد إكليلاً من المجد فوق رأسك لا يذبل أبد الدهر، وحسبك أن أبوللو صاحبك وحاميك ومسدد خطاك، ومضاعفٌ بتأييده ضرباتك! هلم، هلم، وعش عزيزاً يا هكتور، أو مت كريماً يا بني، بين طعن القنا وخفق البنود!)

وانفتل أبوللو فانخرط في صفوف المقاتلين، وطفق يُصرع أبطال الهيلانيين ليضرب المثل لهكتور، وليشحذ من همته الخابية، وليوقظ شبابه النائم.

فلما رأى هكتور جلائل هذه الفعال التي أبداها خاله - وما هو بخاله - انكشفت عنه هذه الغمة التي غمرته، وأمر سِبْريونيس، سائق عربته، أن ينطلق به إلى الحومة. فانطلق السائق المسكين نحو بتروكلوس، حتى إذا كان على مقربة من شباة رمحه، ترك صاحبه وجهاً لوجه معه. وكان السائق من مغاوير أبطال طروادة، فأخذ يناوش بتروكلوس هو الآخر، فما كان من قائد الميرميدون العظيم إلا أن قذفه بحجر هشم رأسه، وصدع فقاره، وطار بروحه إلى هيذر.

واقشعر هكتور من هول الضربة، وعز عليه أن يودي سبريونيس وهو بين يدي مولاه، فلا يجد له حامياً. ولكن الطرواديين تكبكبوا حول القتيل، يذودون الهيلانيين الذين كان كل همهم أن يفوزوا بعدته، أثراً حربياً خالداً!!

واشتد صيال القوم حول جثمان السائق، وصخبت زوبعة القتال فوقه، واشترك هكتور

ص: 67

وبتروكلوس مع أجنادهما؛ فكان جماعة يشدون القتيل من قدميه، بينما جماعة أخرى تشده من الرأس، وهم يعفرونه فيما بين هذا وذاك بالتراب، ويلطخونه بالدم!

ووجد أبوللو فرصته!

أبوللو الخائن! أبوللو سيد الشمس الذي لا يستحي! أبوللو الإله الذي يفرق أن يلقى بتروكلوس وجهاً لوجه، فيأتيه من الظهر! كأجبن الجبناء!!

يا للآلهة! ومسكين يا بتروكلوس!!

لقد تقدم أبوللو، مستجمعاً كل قوته في قبضة يمينه الجبارة فأهوى على قفا بتروكلوس بضربةٍ خائنةٍ كضربات اللصوص، حين ينسلون تحت أستار الليل، فأطار صواب البطل، وأوقع الخوذة الأخيلية الهائلة، وغودر الرأس العظيم مكشوفاً في متناول كل ظباةٍ وكل سنان!

ولم يدع هكتور فرصته تمضي، بل سرعان ما أبصر بتروكلوس يتلفت يرى صافعه، حتى أرسل رمحه الرعديد الخائر، إلى الرأس العاري، فأقصده. . .

وسقط بتروكلوس المسكين. . . مضرجاً بدمه!!

ووقف هكتور يتشدق، ويفاخر تلك المفاخرة الكاذبة: (بتروكلوس! أرأيت؟ لقد انتهيت! ولقد طاحت آمالك وذهبت أمانيك فوق هذه الساحة أباديد! بتروكلوس! أكنت تحلم بأن تُفْتح طروادة عليك، فتسوق بيض خدورها إماء بين يديك إلى بلادك وتُقَرّن في الأصفاد أبطالها البهاليل!؟ أيها التاعس. لقد ترديت من عربة أخيل التي لم تكن يوماً أهلاً لها، وبعد قليل تنوشك سباع الطير، وتغادرك فوق ثرى طروادة صعيداً جرزاً ورفاتاً سحيقاً!!

بتروكلوس! يا أتعس قتيل في هذه الساحة الحمراء!

كم كنت تحدث نفسك أن لو كان هكتور، هكتور الحلاحل، قاتلك، وسافح دمك، هو الذي ينام تلك النومة الساعة بين يديك!!

وكم كنت تمني نفسك أن لوعدت بعدة هكتور وعتاده إلى مولاك، إلى أخيل الذي أرسلك إلى الحومة، ولم يجازف بنفسه فيها، وهو يعلم أن أسدها الهصور لا بد قاتله، فافتدى نفسه بك، وضحاك في سبيل خلاصه، من هذه الصرعة التي زلزلتك!

بتروكلوس!

ص: 68

أهكذا قد غرر بك أخيل، فأطلقك إلى حيث تلقى حتفك وتسبح في دمك، وتغص بآلامك؛ وإنه ليسبح الآن في شهواته ويقارف لذاته، ولا يدري مصيرك المحزن، ولا يعرف ما حل بك من موتة زؤام!!. . . . . .)

وكان بتروكلوس العظيم يجود بروحه، ويسمع إلى هذا الهذر، ويبكي! فلما انتهى هكتور تأوه القتيل آهة عميقة، وقال:

(هكتور!

حق لك أن تفتخر الآن)

أما قبل هذه اللحظة، فقد كنت تبحث عن قلبك الرعديد فلا تجده، لأنه طاش من شدة ما عاينت من ضربات الميرميدون!

على أنك لو كنت رجلاً، لآثرت أن تدفن وجهك في الرغام، دون أن تفخر بنصر ليس لك في أقله يدان!

لست أنت الذي رميت يا هكتور، بل هو سيد الأولمب، وولده أبوللو، هما اللذان رميا، وهما اللذان كتبا هذا القضاء، وأبرما هذا القدر!!

وإلا، فو أرباب هيلاس، لو صاولت عشرين كلباً مثلك، لما أفلت منهم أحد أبداً؛ ولأرسلت أرواحهم الخبيثة تتردى في نار جهنم!!

أجلي هو الذي أعجلني يا هكتور، وأبوللو هو الذي فتك بي تلك الفتكة البكر، أما أنت، فلم تصنع شيئاً، أكثر من أن رميت رمية الجبان!!

على أني أقولها لك قولةً غير كاذبة

إنك ستشرب بالكأس التي شرب بتروكلوس، ولن تبسم لك الدنيا أكثر مما فعلت، فانتظر، فسيأتيك عذاب يشقيك، وسينتفض أخيل العظيم حين ينتهي إليه نبأ مصرعي، فيهرع إلى هذه الساحة، والويل لك من رمحه الظامئ إلى دمك!)

وكانت هذه المقالة قد أجهدته، فسكت قليلاً، ثم أغمض عينيه إغماضة متعبة، وفتحهما فجأة، ونظر إلى جنوده، وقال:

(ميرميدون!

وداعاً. . . سلامي. . . إلى. . . أخيل!!)

ص: 69

وفاض الروح الكبير، وسكنت الساحة الحزينة كلها. . . كأنها تبكي. . .!

وكأنما هزت كلمات بتروكلوس فؤاد هكتور، وكأنما خشع بطل طروادة لجلال الموت، فصمت طويلاً. . . وقال، مخاطباً القتيل:

(بتروكلوس!

من يدري إذا كان أخيل هو الذي يقتلني، أو كنت أنا الذي أقتل أخيل!

هذه آجال يا أخي. . . فالسلام عليك!!)

ولم يتورع هكتور أن ينزع حربته من رأس البطل، ولم يتورع كذلك أن يأمر فينزع رجاله عدة أخيل. . .

تذكاراً حربياً!

وعتاداً مؤقتاً!

(لها بقية)

دريني خشبة

ص: 70

‌البريد الأدبي

مؤتمر الشباب الأخلاقي - نداء لسعادة رئيسه

إلى شباب مصر:

أبنائي الأعزاء. . .

كان بودي أن أجمعكم في صعيد واحد لأقص عليكم هذا النبأ السار الذي تلتقيه بالغبطة والسرور من شباب رابطة الشباب المصري. . . وعهدي بكم سباقين إلى طريق الخير، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وهانحن أولاء نتقدم إليكم بفكرة هي أساس لهذا المعروف الذي جبلتم عليه وتسعون إليه. . .

ما أطيب أن تدعوكم هذه الجماعة الفتية لوضع دستور للشباب يتمخض من بين جموعهم، فيدعوهم إلى توحيد الصفوف توحيدا يبشر بالنجاح، وينظم حياتهم الخاصة والعامة تنظيماً يهيئ منهم جيلاً صالحاً نحن في أشد الحاجة إليه - ذلك لأن هذا النقص الذي نراه في بعض البيئات منا هو نتيجة لعدم تركيز حياتنا على أسس يجب أن تتوافر فينا جميعاً في هذا العصر وفي جميع العصور، فتجعل منا رجالاً يشرفون أنفسهم ويشرفون بلادهم؟ فإذا ما فهم الشباب حقيقة المقصد ونبل الغاية، فقد قدر لنا أن نحقق رسالتنا على يديه، ذلك لأنه الروح الدافعة، والقلب النابض في الأمة.

أبنائي: من منكم لا يريد الهداية لهذا الخلق الحائر. . . . المغمور فيما لا يرضي نفوسكم الطاهرة، فضموا الصفوف وتعالوا إلى كلمة سواء لتسمعوا آراء كبار مفكريكم في مؤتمر الشباب الأخلاقي، ثم نتناقش معاً في جو من الحرية ونزاهة القصد حتى يستقر عزمنا على تحقيق ما قمنا من أجله من وضع دستور تهذيبي يهيئ للشباب سبل الرشاد؛ هدانا الله سواء السبيل.

رئيس مؤتمر الشباب الأخلاقي

الأستاذ ساطع الحصري

قدم القاهرة منذ يومين الأستاذ الجليل ساطع بك الحصري الوكيل الفني لوزارة المعارف العراقية ومدير دار الآثار ببغداد، ليتصل برجال العلم وقادة الفكر في مصر، ويقف على

ص: 71

نظم التربية وطرق التعليم ومناهج الدراسة في المعارف، فيقتبس من الأساليب ويختار من الكتب ما يلائم الحال في مدارس العراق، توثيقاً لرابطة الفكر وتحقيقاً لوحدة الثقافة بين البلدين الأخوين.

والأستاذ ساطع أحد الأعلام المعدودين في التربية؛ وقد كان عميد هذا الفن في تركية قبل الثورة العربية؛ فلما قامت الدولة الفيصلية في دمشق كان وزيراً للمعارف فيها، حتى إذا ما انتقلت إلى بغداد انتقل معها وتولى إدارة المعارف هناك، فوضع أساس التعليم للحكومة الجديدة على أساس الوحدة القومية وأحدث الطرق الفنية بالرغم من ندرة المعلمين ومشاكل الطائفية وعراقيل الإنتداب. وأفضل مزايا الرجل أنه صحيح المبدأ، منطقي الفكر، صليب الرأي، حي الضمير، يتقن العمل الذي يعمله، ويملأ المنصب الذي يَشغله.

له مؤلفات قيمة في التربية، ولكن أنفع آثاره وأخلدها مجلة التربية والتعليم التي كان يصدرها في بغداد، فإن مجموعتها سفر جليل حافل في التربية والأخلاق والأدب؛ وهو ولا شك ركن أساسي قوي من أركان النهضة العلمية في العراق؛ فأهلاً به وسهلاً.

حول قبر الصفدي

إلى الأخ (الصفدي) الفاضل، صاحب الكلمة الطيبة المنشورة في بريد الرسالة الحادية والعشرين بعد المائة. . . .

المعروف يا سيدي أن الصلاح الصفدي جاء إلى دمشق في آخر حياته، وتولى فيها وكالةً بيت المال وكتابة الدست وأقام عليهما إلى أن توفي سنة 764. فلما قرأت كلمتك شككت في ذلك ورجعت إلى ما في خزانتي من مراجع، فإذا الذي في طبقات السبكي (6: 94) والسبكي معاصره وصديقه، والشذرات (6: 201)، وتاريخ آداب اللغة العربية لزيدان (3: 161) والأعلام لخير الدين (1: 296) أن وفاته في دمشق، وزاد في الذرات أنه دفن بالصوفية، ومقبرة الصوفية قد درست وقام عليها بناء الجامعة السورية والمستشفى الوطني، ولم يبق منها إلا قبر شيخ الإسلام ابن تيمية قائما وسط المستشفى، وهي في أنزه موضع في دمشق معروف بمقبرة البرامكة.

فكيف يكون القبر الذي وصفت في صفد قبره؟ وعلام استند الأستاذ المحقق أحمد زكي باشا رحمه الله في تأييد ذلك؟ هل وجد نصاً يطمئن إليه الباحث، ويثق به المنقب، أم اكتفى

ص: 72

بالسماع، والشائع على ألسنة الناس؟

هذا وقد وقع لي مرة أني كنت ماراً في الزقاق الذي ينتهي إلى سوق الحميدية، وفيه دور المَرْدميين، والذي يسمى زقاق الفخر الرازي، فلمحت في خربة قذرة قد اتخذها الناس لمثل ما تتخذ له المراحيض. . . . . . لمحت حجراً أبيض مصقولاً عليه كتابة يبدو طرفه، وسائره غائص في الطين والأوساخ والتراب، فعالجته ودعوت من أعانني على استخراجه، فإذا هو الحجر الذي كان على قبر الإمام المصنف العظيم، علامة المسلمين، فخر الدين الرازي، وإذا عليه اسمه، فحملت الحجر إلى المدرسة التجارية، وذهبت مغتماً ثائراً، أقيم الأرض وأقعدها. . . ثم بدا لي فرجعت إلى ترجمته، فإذا من المتفق عليه أنه توفي رحمه الله ببلدة هراة يوم الاثنين في عيد الفطر سنة 606 ودفن فيها!

ولعل هذه من تلك؛ ولعل هذه المزبلة التي في صفد قبر رجل أخر غير الصلاح صاحب الوافي بالوفيات وتلك المصنفات. وإذن فلله الحمد، وإن كنا من قبل لفي خطأ مبين.

والسلام عليك أيها الأخ ورحمة الله وبركاته.

علي الطنطاوي

الشيخ عبد العزيز الميمني

قدم القاهرة الأستاذ العلامة الشيخ عبد العزيز الميمني الراجكوتي أستاذ اللغة العربية في جامعة عليكرة في الهند، وأحد أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وهو صاحب المصنفات والآثار الممتعة التي تمتاز بالتحقيق المنقطع النظير، ومنها:

(1)

أبو العلاء وما إليه، وفي آخره فائت شعره ورسالة الملائكة.

(2)

تنكيتات وتعقبات على خزانة الأدب للبغدادي ،

(3)

اقليد الخزانة، وهو فهرس لما تضمنته خزانة الأدب من الكتب المنسوبة.

(4)

تحقيق (ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد للمبرد).

(5)

تحقيق (أبواب مختارة للأصبهاني في مجازات العرب).

(6)

شرح (ما تلحن فيه العوام للكسائي ومقالة كلا لابن فارس).

(7)

النتف من شعر ابن رشيق وابن شرف.

ص: 73

(8)

ابن رشيق حياته والبيئة التي نشأ فيها.

(9)

زيادات ديوان شعر المتنبي.

(10)

تحقيق كتاب المداخل لأبي عمر الزاهد المطرز غلام ثعلب.

(11)

تحقيق كتاب جاويزان خِرَد (أي العقل السرمدي)، كان ترجم أيام المأمون من الفارسية القديمة إلى العربية، وهو أقدم كتاب في العالم على رأي الفرس إذ ينسبونه إلى حفيد آدم.

(12)

وقد عني في هذه السبع السنوات الأخيرة بكتاب اللآلئ في شرح أمالي القالي لأبي عبيد البكري فصححه على نسختين بألمانيا ومكة، ونقحه بما لا مزيد عليه من العناية، وخرج كل ما فيه، وشاطر المؤلف في جميع المباحث، وذيله بإتمام الكلام على ذيل الأمالي بطريقة البكري نفسه. والأستاذ الميمني بعمله هذا قد أتى بفلقة من الفلق في هذه الأزمنة المتأخرة، ودل على اطلاع واسع في آداب اللغة العربية في زواياها المترامية الأطراف، وقد سد الفراغات وما بيض له البكري في كثير من الأمكنة التي كانت تحتاج لمزيد بحث وتدقيق.

إلى غير ذلك من مباحث مفيدة ومقالات مستفيضة نشرت في مجلتي المجمع العلمي والزهراء. والله نسأل أن يمتع الأدب العربي بطول بقائه.

محمد شفيق

سرقة أدبية

نبهنا الأستاذ علي الطنطاوي والأديب محمد يوسف قوره إلى أن القصيدة التي نشرت في عدد الرسالة الماضي تحت عنوان: (حمامتي) وفوق إمضاء (عيسى وهب الله الشمبيري) هي للشاعر محمود حسن إسماعيل صاحب (أغاني الكوخ) ترجمها ونشرها في مجلة الأسبوع عدد 4 أبريل سنة 1934! وأعجب ما في الأمر أن هذا السارق أرسل إلينا قطعة أخرى، ويرجو أن نشير إلى أن اسمه (عيسى وهب الله عبد المسيح) لا عيسى وهب الله الشمبيري كما نشر، فكأنه ساعد الحق على فضيحته!!

السياسة والتاريخ

ص: 74

أضحى تعليم التاريخ في عصرنا من أكبر العوامل في تكوين العقلية والثقافات القومية. وقد لعبت الثقافة التاريخية أكبر دور في تكوين الجيل الألماني الذي قام بالحرب الكبرى، وكانت من أهم العوامل المعنوية في إذكاء الفكرة الجرمانية. وحيثما كانت السياسة تسيطر على سير الثقافة القومية نرى التاريخ يلعب دوراً كبيراً في تكوين النشء، ويصور بالألوان التي تلائم غايات الدعاية السياسية؛ ففي إيطاليا الفاشستية وفي روسيا البلشفية، وفي ألمانيا الهتلرية، يدرس التاريخ بالأساليب السياسية، ويستعمل أداة قوية لصوغ عقول الشباب وتوجيهها نحو الآراء والنقط الحساسة التي تستطيع السياسة متى حان الوقت أن تضرب على أوتارها. ولم ينس الدعاة الهتلريون في ألمانيا هذه الحقيقة بل عملوا علة استغلالها، وأنشأت الحكومة الهتلرية معهداً جديداً للتاريخ أسمته (المعهد القومي لتاريخ ألمانيا الجديدة) وفي أنباء برلين الأخيرة أن هذا المعهد قد أفتتح بالفعل في حفلة رسمية عقدت ببهو جامعة فردريش ولهلم، وشهدها جمهور كبير من زعماء الحزب النازي ومندوبي الجامعات الألمانية. وتحدث مدير المعهد الجديد الدكتور والتر فرانك عن (الوجهة الاشتراكية الوطنية لفهم التاريخ) وأفاض في استعراض المناهج السلبية القديمة لدراسة التاريخ وحمل عليها بشدة قائلاً:(إن صراعنا العلمي ممتزج بصراع أمتنا القومي، ولسنا نستطيع أن نكون في حياتنا وفي عملنا أكثر من تعبير عقلي عن التطور العظيم والعصر العظيم اللذين اضطلع بهما أدولف هتلر)

وشرح الدكتور والتر مهمة المعهد الجديد في ميدان الدراسة التاريخية ولخصها في أربع نقط هي:

أولاً - غزو الأفكار الغربية لألمانيا منذ سنة 1789 (أعني منذ الثورة الفرنسية) إلى سنة 1848.

ثانياً - الحركة القومية الدينية في القرن التاسع عشر.

ثالثاً - ألمانيا وتطور الفلسفة في القرن التاسع عشر.

رابعاً - المسألة الألمانية اليهودية منذ الثورة الفرنسية إلى الثورة الألمانية الوطنية الاشتراكية.

وظاهر من هذا الشرح أن مهمة المعهد الجديد هي توجيه الدراسة التاريخية بما يتفق مع

ص: 75

النظريات النازية في شرح التطورات القومية. فالأفكار الغربية التي غزت ألمانيا، كما غزت العالم كله، منذ الثورة الفرنسية هي أفكار خطرة منحلة لأنها تذهب إلى أبعد الحدود في تصوير الفردية والحقوق والحريات العامة، بينما تذهب المبادئ الهتلرية في الحكم وفي تصوير حقوق الفرد إلى أبعد حدود الطغيان وإنكار الفردية؛ والمبادئ النازية تصور بأنها أمثل طرق الحكم وتكوين الفرد. وأما فيما يختص بالتطور الديني والتطور الفلسفي، والمسألة اليهودية، فلا ريب أنها ستصور جميعاً بصور مغرقة تبرر سياسة النازي وتؤيدها، وتبرر بالأخص نظريات الجنس والتفوق العقلي الجرماني وغيرها.

وسيكون المعهد الجديد مصدر الوحي والإلهام لدراسة التاريخ وكتابته في جميع المعاهد والمدارس الألمانية.

كتاب جديد عن لورد بيرون

كانت حياة اللورد بيرون الشاعر الإنكليزي الأشهر موضع التأمل والدرس لأكثر من كاتب ومؤرخ، فصدرت عنها بالإنكليزية وباللغات الأحرى كتب لا حصر لها، ولكن حياة لورد بيرون ما تزال في عصرنا، أعني لأكثر من مائة عام على وفاته مادة شائقة للدرس؛ وقد صدر أخيراً عن بيرون كتاب جديد عنوانه (بيرون: أعوام الشهرة) بقلم الكاتب الإنكليزي بيتر كنيل؛ وهو كتاب ضخم يفيض بالعرض الشائق ويتناول حقبة صغيرة من حياة بيرون هي ما بين سنتي 1812 و 1816، وهي الفترة التي استقبل بيرون فيها مجده الباذخ وغدا عزيز المجتمع المدلل.

وقد ولد بيرون سنة 1788، من أسرة تشرفت بالنبل، ولكن عرف أفرادها بسوء الطباع وانحلال الخلق، ولم يكن بيرون يشذ عن هذه القاعدة؛ ولكن بيرون كان شاعر الطبيعة العبقري؛ بيد أن هذه العبقرية التي تفتحت بسرعة مدهشة، وغمرت كل ما حولها، لم تدم سوى فترة قصيرة هي التي اتخذها مستر كنيل موضوعاً لدراسته؛ ففي هذه الأعوام الأربعة أو الخمسة يبدو بيرون في ذروة قوته وخلاله، وقد استعرض المؤلف نفسية الشاعر وخواصه بإفاضة وبراعة، ونوه بنوع خاص بذلك المزيج المؤلم الذي يجثم في نفسيه بيرون وفي صفاته، والذي يجعل حياته الباهرة قطعة من العذاب المستمر؛ وذلك التباين المدهش الذي يجمع في صعيد واحد بين الخليع الصاخب والحيّ النقي، وبين المدنف الشره

ص: 76

والقنوع الزاهد.

ومنذ سنة 1816 يأخذ نجم بيرون في الأفول، ولكن شهرته تصمد ردحاً آخر، وتنتهي حياته المضطربة الصاخبة بأن برغم على مغادرة إنكلترا إلى إيطاليا ثم إلى اليونان؛ وقد كان اسم اليونان الطامحة إلى حرياتها يجذب يومئذ كثيراً من عشاق الحرية، وكان بيرون في طليعة أولئك الذين جذبهم وسحرهم ماضي تلك الأرض القديمة؛ فغادر إيطاليا إلى اليونان في أوائل سنة 1824 حينما علم بأن اللجنة الثائرة انتخبته عضواً فيها؛ وذهب إلى اليونان ليعمل في سبيلها بقلمه وماله وشخصه؛ ولكن جراثيم الداء الذي قوض حياة الشاعر كانت تعمل عملها، فلم تمض أشهر قلائل حتى توفي، واختتمت تلك الحياة الباهرة الصاخبة بسرعة، ولكن اسم الشاعر ما يزال بعد مائة واثني عشر عاماً من وفاته يفيض حوله أسمى معاني العبقرية والعظمة والخلود.

ص: 77

‌الكتب

(1)

المعجم الفلكي - للدكتور أمين المعلوف باشا

(2)

خصائص اللغة العربية - للأستاذ حبيب غزالة بك

(3)

الزراعة العملية الحديثة - للأستاذ الأمير مصطفى الشهابي

(4)

في أصول الأدب - للأستاذ أحمد حسن الزيات

(5)

تاريخ الأدب العربي - للأستاذ أحمد حسن الزيات

للأستاذ محمد بك كرد علي

- 1 -

بعد بحث الأستاذ أمين المعلوف في الحيوان سنين طويلة ألف كتاب معجم الحيوان، فوقع من نفوس العلماء أجلَّ موقع، وهاهو الآن ينشر المعجم الفلكي وهو يشمل الثوابت والكواكب السيارة والصور النجومية وبعض المصطلحات الفلكية. وقد جاءت فيه أسماء كثيرة أخذها الإفرنج عن العرب للدلالة على النجوم كانت على الدهر شاهدة بفضلهم في هذا العلم. وقد حقق الأستاذ المعلوف ألفاظاً لم يسبقه إليها أحد، وعلق شروحاً وحواشي مهمة وهو في 140 صفحة طبع في دار الكتب المصرية.

- 2 -

يكتب الأستاذ حبيب غزالة بين حين وآخر أبحاثاً صغيرة مفيدة، ومنها ما نشره في جزيرة رودس وتاريخها، ونشر اليوم رسالة في خصائص اللغة العربية قال فيها إن مما امتازت به اللغة العربية من الخصائص المترادفات والتفصيل والتقسيم والأسماء المشتركة والتضاد والاشتقاق والقلب والنحت والتجوز والتعميم والتخصيص والاستعارة والمقصور والممدود والمثنى ومزدوج الكلام والاتباع والتكرار والزيادة والتأكيد والتصغير والكتابة والكنية والتفاؤل والتمويه والأمثال والجزاء أو المشاكلة والتزويج والتعويض والإدغام والتخفيف والإضمار وجمع الجمع والتناسب بين المعنى والاسم والبديع والاعتراض والإعراب والتصريف والحروف وخصائص الحروف. وأورد لكل ذلك أمثلة. وقد شفع هذا البحث بدرس في اللغات العربية العامية.

ص: 78

- 3 -

عرف الأمير مصطفى الشهابي في الأندية العلمية بأبحاثه الزراعية والاقتصادية واللغوية. وقد نشر إلى الآن عدة كتب في الزراعة ومنها كتاب (الزراعة العملية الحديثة) في خمسمائة صفحة، طبعه طبعة ثانية منقحاً مزيداً مزيناً بالصور بعبارة سلسة قل أن كتب في الزراعة مثلها. وللمؤلف معجم مفيد في الألفاظ الزراعية، وضع لكل لفظ من الألفاظ بالإفرنجية ما يقابلها بالعربية، ومنها ما كان من وضعه خاصة وهو بضع مئات؛ فحبذا لو صحت عزيمته على طبعه خدمة للعلم.

- 4 -

أحسن الأستاذ أحمد حسن الزيات بنشر محاضرات له ومقالات في كتاب خاص؛ ومن أحق من بلاغة ابن الزيات بالتخليد؟ وقد درس في هذا الجزء عدة موضوعات ومن أهمها الأدب وحظ العرب من تاريخه والعوامل المؤثرة فيه، وتاريخ ألف ليلة وليلة، وبحثه في الروايات المسرحية كالمأساة والملهاة والدرامة والغنائية (الأوبرا)؛ ولاشك أن الكلام على ألف ليلة وليلة والروايات المسرحية من الأبحاث الممتعة التي وفق الأستاذ إلى وضعها ولم يسبقه أحد إلى تجليتها وتجويدها. وحبذا لو جمع أيضاً في كتاب بعض ما خطته أنامله على صفحات الرسالة من المقالات الممتعة، فإن الكتاب تتناقله الأيدي في كل زمان ومكان على صورة لم يكتب للمجلات حتى الآن مثلها.

- 5 -

قلَّ في الكتب حتى المدرسية ما طبع بعض طبعات. وصدور الطبعة السادسة من تاريخ الأدب العربي دليل بيِّن على احتياج الطبقات المتأدبة إليه، وقد زاده المؤلف إمتاعاً فنقحه وذيله بمعجم فسر ما غمض من الألفاظ والتراكيب، حتى لا يحتاج طالب هذا الفن إلى الرجوع إلى كتاب آخر. وحبذا لو صحت عزيمة المؤلف الكبير على البحث في سني ولادات من ترجم لهم من الأدباء والعلماء، فللولادات كالوفيات دخل كبير في تصوير المترجمين؛ مثال ذلك عبد الله بن المقفع، فقد ذكر أنه قتل في السادسة والثلاثين، وعلى هذا جرى كل من ترجموا له ومنهم كاتب هذه الكلمة في (رسائل البلغاء) (طبعت طبعة

ص: 79

ثانية في القاهرة سنة 1913م - 1324هـ)، وتبين بعد ذلك أن ابن المقفع عاش أكثر من ذلك، فقد ذكر الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب الذي طبعه في فينا السيد موجيك من علماء المشرقيات سنة 1345 - 1926 أن ابن المقفع كان يكتب لدواوين عمر بن هبيرة على كرمان؛ وعمر بن هبيرة عزله هشام بن عبد الملك عن العراق والشرق سنة خمس ومائة، وقال إنه كتب للمسبّح بن الحُوَّاري في نيسابور في ولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قبيل تقلص الدولة الأموية، وبهذا يصدق التخمين بأن عبد الله بن المقفع ولد في عشر التسعين ظناً، ولا يعقل أن يكتب لأحد قبل أن يتم له نحو خمس وعشرين سنة على الأقل، وإذا حسبنا ذلك كان ابن المقفع يوم قتل ابن ستين أو نحوها؛ وهذا هو المعقول لأنه كتب أكثر من عشرة كتب، والعمر الذي قال به من قال لا يتسع لكل هذا.

محمد كرد علي

ص: 80