الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 129
- بتاريخ: 23 - 12 - 1935
أبو الطيب المتنبي
بمناسبة ذكراه الآلف
في مثل هذا الأسبوع من سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة طل في سواد بغداد دم الرجل الطموح.
والبطل الشاعر أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، فهمدت بهموده نفس دائبة الشبوب وعزيمة دائمة الوثوب وهمة رفيعة المصعد! وكان المأمول أن يكون هذا العدد من الرسالة ديواناً لما يلقيه أساتذة الجامعة المصرية من المحاضرات في (أسبوع المتنبي)، ولكن العواصف الهوج التي ثارت بالبلاد فروعت قلوب الناس، وزعزعت سلام الجامعة، حالت من دون هذا الأمل. وأبو الطيب الذي رزق السعادة في شعره، وأوتي النباهة الخالدة في ذكره، لا يزال حظه العاثر لعبة الأيام وألهية القدر! هذا العراق الذي ولد به ودفن فيه قد أعرض بسمعه عن ذكراه، وهو المثل الذي يرتجيه لشبابه، والروح الذي يبتغيه لنهضته! وهذه حلبالتي جعلها نشيدا في فم الزمن، قدقسم الهوى رأيها على ذكراه فجاءت بما لا يتفق مع قدره، ولا يسمو إلى جلاله! وهذه مصر التي كان أول من أخذها بالخضوع الضارع، وعابها بالزهد الوضيع، ونبه عينها الوسنى إلى فساد الحكم قد دفنت ذكراه بين وعد من (رابطة الأدب العربي) عفى عليها النسيان، ونية من الجامعة المصرية ثبطت عنها الحوادث؛ فلم يظفر شاعر القوة وشهيد المجد إلا بحفلتين جديرتين بفضله: حفله قومية أقامها شباب العرب الأبرار في (سان باولو)، وحفلة رسمية سيقيمها رجال الأدب الأخيار في (دمشق)! وسان باولو لم تخلق في دنيا، ودمشق لم تذكر في شعره.
كان أول عهد بالمتنبي أن والدي - بقى الله ثراه - أهدى إلى في يوم من الأيام ديوانه، وكنت لا أزال غلاماً يافعاً قد ارتفع قليلاً عن سن الحداثة، فأنا إقراء القصص، وأحفظ المتون، وأتلقى الدروس الأولية في الأزهر، وأكثر من نظم الشعر في المناسبات المختلفة على معاناً سقيمة وقوالب مشوشة؛ فأراد أبي أن استعين بالنظر في هذا الديوان على تقويم ملكتي وتهذيب طبعي؛ فأقبلت عليه إقبال المنهوم المحروم، لأنه الكتاب الوحيد الذي أملك، والغذاء الشهي الذي احب، والحنان الأبوي الذي أقدس. أقرأه فأدرك موسيقاه بشعوري، وأن كنت لا أدرك معناه بعقلي، وأحس أن شعاعاً سحرياً ينبثق عن سطوره، فيغمر القلب
بالنشوة، ويرفع النفس بالحماس، كاللحن القوي ينساب في الأذان الأمية نغما من غير معنى، وجمالا من غير تحديد، ووحياً من غير بيان، ولذة من غير وعي.
ازداد على الدرس والأيام فهمي للمتنبي، فصار للذوق الساذج حجة من الفن، وللحب الذي صادف خلاء من القلب قوة من المنطق. وكان أستاذنا المرصفي - تغمده الله بالرحمة - لا يصح في رأيه أحد من الشعراء المولدين وبخاصة أبو الطيب، فدس في أذواق تلاميذه الكراهة له والنفور من شعره؛ وتأثر بذلك الإيحاء رفيقاي طه حسين ومحمود زناتي، وقاومه في نفس تلك العوامل الأولى فلم أر رأيهما فيه، ولم أمالي تعصبهما عليه؛ وكثر ما كنا نتمادى في أدبه، ونتهاجى بسببه! ولا زلنا نتذاكر تلك المداعبات الأدبية الأخوية فنستروح منها شميم الصبي الغريض، ونسيم العيش الأبله، ونفخ الولاء الخالص.
إن أبلغ ما أثر في نفسي من حياة المتنبي منذ عرفته هي هذه النفسية المعذبة بين الطموح والعجز، وتلك الشخصية المذبذبة بين الوسيلة والغاية: سمت نفسه منذ أيفع إلى معالي الأمور، ولم يجد معيناً عليها غير المال والقوة. أما القوة فقد ألتمسها في قيادة الأعراب باسم الدين أو باسم العدالة فأخفق، وأما المال فأحتال عليه بوحي العبقرية وقوة الشاعرية فأصاب. وكان الشاعر المغامر من هذه الوسيلة الأرضية، ومن تلك الغاية السماوية، بين عاملين مختلفين: عامل يرفعه فيدل على الملوك، ويتأبى على السوقة، ويتجافى عن الهون. ويقول لبعض الأمراء:
وفؤادي من الملوك وأن كا
…
ن لساني يرى من الشعراء
وعامل يضعه للهبة هشاشة السائل، ويحرص على المال حرص الشحيح، ويعفر خده الأصعر في البحث عن درهم، ويقول لبعض الأغنياء:
تهلل قبل تسليمي عليه
…
وألقى ماله قبل الوساد
ولكنه في كلتا الحالين كان طالب ملك، وعاشق مجد وخاطب دولة
(للكلام بقية)
احمد حسن الزيات
5 - المجنون
للأستاذمصطفى صادق الرافعي
ثم إن (نابغة القرن العشرين) استخفه الطرب لذكر صواحبه وجميلاته من فاطمة إلى رباب؛ ومن طبع المجنون أنه إذا كذب صدق نفسه، فان قوة الضبط في عقله إما معدومة وإما مختلة، وكلوجه تخيل منه خيالا فهو وجه من وجوه العالم عنده إذ كان عالمه أكثره في داخله لا في العالم، فإذا توهم أو أحس أو شعر فإنما يكون ذلك بطريقته هو لا بطريقة الناس العقلاء، فليس يحتمل عقله إلا فكرة واحدة تمضى منفردة بنفسها مستقلة بمعناها كأنها قدر غالب على جميع أفكاره الأخرى، فلا شأن لها بالواقع ولا شأن للواقع بها، وإنما هي تحقق معناها كما تخطر له لا كما تتمثل فيما حوله. فبين كل مجنون وبين ما حوله دماغة المتدجي بالغيوم القليلة، لا تزال تعرض له الغيمة بعد الغيمة من اختلال بعض المراكز العصبية فيه، وفساد أعمالها بهذا الاختلال، وقيام الطبيعة فيها على هذا الفساد. ومن ذلك تنقلب الكلمة من الكلام وإنها لحادثة تامة في عقل المجنون كالقصة الواقعة لها زمان ومكان وبدء ونهاية، لا يخامره فيهاالشك، ولا يعتريها التكذيب؛ وكيف وهي قائمة في ذهنه من وراء سمعه وبصره قيام الحقيقة في الأبصار والأسماع؟ ولحواس المجنون جهتان في العمل لأنها بين كونين أحدهما الكون الخرب الذي في دماغه؛ وفي هذا يقول (نابغة القرن العشرين): إن في داخل عينيه منظارا يرى به الأشياء في غير حقائقها، أي في حقائقها.
وحدثنا الدكتور محمد الرافعي قال: إن في دار المجانين بمدينة ليون بفرنسا نابغة كنابغة القرن العشرين ذكرت إمامه قيصرة روسية وخبر مقتلها، فأحفظه هذا وأرمضه وقال يا ويحهم! كذبوا عليها وعلي. . . فسأله الدكتور: وكيف ذلك؟
قال: كان من خبر القيصرة أنها رأتني فأحبتني وعلمت من كل وجه يمكن أن يعلم منه قلبها أني أنا رجلها لا القيصر.
فما زالت بعدها تناكد القيصروتلتوي عليه ولا تصلح له في شيء حتى يئس منها فطلقها. فحملت كنوزها وحلاها ولجأت إلى حبيبها. ثم تبعتها نفس القيصر ولم يطق العيش بعدها فانتحر. . . ثم طلبها الشيوعيون لما معها من كنوز فأخفاها هو في مكان حريز لا يعلمه إلا هو؛ ثم إنه هو لا يصل إلى هذا المكان الذي أحرزها فيه إلا إذا نام. . . كيلا يراه أحد من
الشيوعيين فيتعقبه فيعلم مقرها. ولهذا كان من الحكمة أن ينسى المكان إذا استيقظ. . . فقد يزل مرة فيخبر به أو يغلبه الشوق مرة على عقله. . . فيذهب إليه فعسى أن يراه من ينم بذلك فتفتضح الحبيبة وتؤخذ منه، قال: وإن القيصرة هي تحتاط أيضا مثل ذلك فتراسله كل يومباللاسلكي رسائل تقع من الجو في دماغه فيقرؤها وحده. وإن أخوف ما يخافه أنيغلبها جنون الحب يوما فتطيش طيش المرأة فتزوره في هذا المارستان. . . فقد تقتل إذا رآها الشيوعيون.
قال الدكتور: وهناك (نابغة) آخر ثبت في ذهنه أن امرأة من أجمل النساء قد استهامت به وأنها مبتلاة في حبها إياه بجنون الغيرة، وقد تناهت فيه حتى إنها لتقتل نفسها إذا علمت أن لصاحبها هوى في امرأة أخرى. وخبلته هذه الفكرة فاعتقد أنحبيبته من جنون غيرتها واقعة بين السلامة والتلف؛ ثم توهم ذات يوم أن واشيا قد أعلمها أن النساء افتتن به؛ فطار صوابها فهي آتية إليه في المارستان لتوبخه وتشفى غيظها منه ثم تنتحر إمام عينيه. وأدار (النابغة) الفكر في إقناعها لتعلم أنه لم يخنها بالغيب. . . فلم يهتد إلى مقنع تستيقن به المرأة أن لا أرب للنساء فيه إلا أن. . . ففعل وجب خصيتيه بيده ليقدمهما برهانا أنه لها وحدها. . .
قلنا: وطرب نابغة القرنالعشرين، لذكر صواحبه وجميلاته فجعل يترنم بهذا الشعر:
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم
…
ما لذة العيش إلا للمجانين
فقال المجنون الآخر: (مما حفظناه): ما لذة (الخبر) إلا للمجانين. . .
فضحك (النابغة) وقال: ما أسخفك من أحمق. إذا كان هذا هو المعنى فقل ما لذة (الكعك). ألم أقل لكم إن هذا الأبله لو تهجأ كلمة خبز لقال إنها ل. ح. م. ولو تهجأ كلمة لحم لقال ف. و. ل. . .
إنه طفل عمره ثلاثون سنة وفيه دائما غضب الطفل ونزقه وحماقته، وفيه كذلك سرور الطفل وطيشه وأحلامه؛ غير أنه ليس فيه عقل الطفل. وهو من الضعفوشدة الحادة إلى العناية في حياطته وسياسته والبر به كطفل صغير - بحيث يخيل إلى أحيانا أنني أمه. . .
قلنا: وتنسى في هذه الحالة أنك رجل؟
قال: وأنتم كذلك تهمونني بالنسيان وهو شرعا جهة ملزمة للحكم بالجنون. فما النسيان إلا
الكلمة الأخرى لمعنى ضعف العقل؛ وضعف العقل هو اللفظ الآخر لمعنى جنوني، وقد أعلمتكم ما أكره من الكلام.
قلت: لا، إن النسيان لا يكون منك نسيانا بمعناه في المجانين، بل بمعناه فيك أنت من تواثب الأفكار النابغة وتزاحمها في تواردها على العقل. فإذا تواثبت وتزاحمت كان أمرها إلى أن ينسى بعضه بعضا فلا ينطلق منها إلا القوي النابغ حق نبوغه، فيجيء كالمنقطع مما قبله، فيحسب ذلك نسيانا وما هو به. وقد تصطلح الأفكار في هذه المعركة الذهنية إذا كان النابغة مسرورا محبورا يرقص طربا. . . فيكون أمرها إلى أن تجيء كلها معا على اختلاف معانيها وتناقضها؛ فحسب ذلك ضربا من الذهول عند من يجهل العلة النبوغية؛ وعذره جهل هذه العلة وهي في دلالة العقل ليست نسيانا ولا ذهولا.
قال: فأعلمني كيف نسيان المجانين فقد خفي علي أن أدرك هذا الأمر العجيب فيهم، ولست أدري كيف يفوتهم ما استدنى لهم من الفكر بعد أن يكون قد استقر وحصل في عقولهم؟
قلت: لا يكون النسيان تهمة بالجنون إلا في أحوال ثلاث جاءت بكلها الرواية الصحيحة المحفوظة:
فأما الأولى فما يروى عن رجل كان سريا غنيا وعمر حتى أدركه الخرف؛ فجاء كاتبه يوما يستعينه على تجهيز أمه وقد ماتت فدفع إلى غلام له دنانير يشتري بها كفنا ودنانير أخرى يتصدق بها على القبر؛ ثم قال لغلام آخر: إمض إلى صاحبنا وغاسل موتانا فلان فادعه يغسلها. قال الكاتب: فاستحييت منه وقلت يا سيدي ابعث خلف فلانة وهي جارة لنا تغلسها. قال يا فلاناً تدع عقلك في حزن ولا فرح. كيف ندخل عليها من لا نعرفه؟ قال الكاتب: نعم تأذنبذلك. قال لا والله ما يغسلها إلا فلان.
فضاق الكاتب بهذا الحمق وقال: يا سيدي كيف يغسل رجل امرأة؟
قال: وإنما أمك امرأة.،.؟ والله لقد أنسيت
وأما الحالة الثانية فما يروى عن رجل كان نائما في ليلة باردة فخرجت يده من الفراش فبردت، فأدناها إلى جسده وهو نائم فأحس ردها فأيقظته، فانتبه فزعا فقبض عليها بيده الأخرى وصاح: اللصوص. اللصوص. . . هذا اللص قد قبضت عليه أدركوني لئلا تكون في يده حديدة يضربني بها، فجاءوا بالسراج فوجدوه قابضا بيده على يده وقد نسى أنها يده.
وأما الثالثة فهي رواية عن رجل قد ورث نصف دار، ففكر طويلا كيف تخلص الدار كلها له ثم اهتدى إلى الوسيلة؛ فذهب إلى رجل وقال له: أريد أن أبيعك حصتي من الدار وأشترى بثمنها النصف الباقي لتصير الدار كلها له. . .
قال (النابغة) لعمري إن هذا لهو الجنون، وما يذكر مع هؤلاء مجنون المتن ولا غيره. . .
فقال الآخر: تالله لولا أن (نابغة القرن العشرين) يدفع نفسه عن الجنون لجاء في الجنون بما يذهل العقول. . .
ثم نظر فإذا النابغة يتحفز له. . .؛ فأسرع يقول: (مما حفظناه) كنحذرا كأنك غر، وكن ذاكراً كأنك ناس. فهذا هو نسيان نابغة القرن العشرين، نسيان حكماء لا نسيان مجانين.
قال (النابغة) ولكن قد فسد قول الشاعر، ما لذة العيش إلا للمجانين؛ فما بقيت مع الجنون لذة.
قلت: إن الشاعر لا يريد المجانين الذين هم مجانين بالمرض وإنما يريد العشاق المجانين بالجمال؛ وجنون العاشق في هذا الباب كعيوب العظماء من أهل الفن، وهي عيوب تدافع عن نفسها بحسنات العظمة فليست كغيرها من العيوب.
قال: فيجب أن أصنع بيتاً آخر يفسرذلك الشعر ليستقيم لي التمثل به. ثم فكر وهمهم، ثم كتب في ورقة ثم طواها وقال: اصنع أنت أول، وسأئتمن س. ع. على شعري ودفع إليه الورقة.
فنظرت وقلت: يجب أن يكون الشعر هكذا:
قالوا جُنِنت بمن تهوى فقلتُ لهم
…
ما لذة العيش إلا للمجانين
العقلُ إن حَكَم العُشّاقأثقلُ من
…
فقرٍ تحكَّم في رزقِ المجانين
ونشر س. ع. الورقة فإذا فيها:
قالوا جُنِنت بمن تهوى فقلتُ لهم
…
ما لذة العيش إلا للمجانين
إن العيوب عن المجنون دافعةٌ
…
بأنه نابغ في القرن العشرين. . .
وضحكنا جميعا؛ فقال النابغة: أبعدك الله يا س. ع. إن من ائتمن المجنون على سر وقال له أكتمه فكأنما قال له انشره.
ثم قال: وددت والله أن يكون س. ع. هذا نابغة، ولكني سأجعله نابغة، فقد صار له علي حق الصديق وهو حق لا أضيعه ولا أخل به. فإذا احتجت يا س. ع إلى خطاب رنان تلقيه في حفل عظيم، أو قصيدة تمدح بها وزير المعارف، فالجأ إلي فإني ملجأ لك. ومتى انتحلت شعري كنتعند الناس المتنبي أو البحتري أو ابن الرومي، فان هؤلاء القدامى لم ينفعهم إلا أنني لم أكن فيهم، ولما لم أكن فيهم أعجبوا الناس إذ أنني لم أكن فيهم.
قلنا فما حكمك عليهم في الأدب؟
قال: إذا حكمت عليهم فقد جعلت نفسي بينهم، فمن الطبيعي إلا يعجبني منهم أحد. إن (نابغة القرن العشرين) لا يقول لمعنى هذا أحسن فانه هو فوق الأحسن، ولا يقول عننابغة هذا أشهر فانه هو فوق الأشهر.
قلت: كأن الدنيا تحت قدميك وأنت فيها الزاهد العظيم الذي لا يقول في حسن هذا أحسن لأنه فوق الشهوة، ولا في نعيم هذا أطيب لأنه فوق الطمع، ولا في مال هذا أكثر لأنه فوق الحرص. وأحسبك لو كنت ترعى غنما لكنت الحقيق في عصرنا بقول تلك الراعية الزاهدة: أصلحت شأني بيني وبين فأصلح بين الذئب والغنم.
قال: وكيف ذلك؟
قلت: حكي عنبعض الصالحين أنه فكر ذات ليلة فقال في نفسه: يا رب. من زوجتي في الجنة؟ فأرى في منامه ثلاث ليال أنها جارية سواء في أرض كذا. فجاء تلك الأرض فسأل عن الجارية، فقال له رجل ما هذا؟ تسأل عن جارية سوداء مجنونة كانت لي فأعتقتها؟ قال وماذا رأيتم من جنونها؟ قال: كانت تصوم النهار فإذا أعطيناها فطورها تصدقت به، وكانت لا تهدأ الليل ولا تنام فضجرنا منها.
قال: فأين هي؟ قال ترعى غنما للقوم في الصحراء.
فذهب إلى الصحراء فإذا هي قائمة في صلاتها، ونظر إلى الغنم فإذا ذئب يدلها على المرعى وذئب يسوقها. فلما فرغت من صلاتها سلم عليهافأنبأته أنه زوجها في الجنة وأنبأها أنه بشر بها؛ ثم سألها ما هذه الذئاب مع الأغنام؟ قالت: نعم أصلحت شأني بيني وبينه فأصلح بين الذئب والغنم.
قال (النابغة): هذا كذب لأنه عجيب، وهو عجيب لأنه كذب.
قلت: وأي عجيبفي هذا؟ إن الذئب والشاة، والأسد والغزال، والثعبان والعصفور، وكل آكل ومأكول من الأحياء، لو هي دخلت في دائرة الصلاة الحقيقية لانتظمت كلها صفا واحدا يركع ويسجد. فهذه الجارية نشرت روح الصلاة والتقوى علىكل ما حولها من قلبها الطاهر المطمئن بالإيمان، فوقع الذئب منها في دائرة مغناطيسية، فسلب وحشيته ورجع مسخرا لفكرة الصلاح والخير إذ تجانست فيه الحياة بما حولها، وانسجم النوع والنوع في حركة متجاوبة انسجام الرجل المغناطيسيهو ومن ينومه في إرادةواحدة وفكرة واحدة.
قال (النابغة): فإذا دخل الذئب مسجدا يرتج بالمصلين، أتراه يصف أربعته ويقف بينهم للصلاة، أم يصلي صلاته الذئبية في لحومهم؟
قلت: وأين هم الذين يصلون بحقيقة الصلاة فيخرجون بها من النفس إلى الكون، ومن الزمن إلى الأبد، ومن الأسباب إلى مسببها، ومما في القلب إلى ما فوق القلب؟ إن هؤلاء جميعا يصلون بجوارحهم وبينهم وبين أرواحهم طول الدنيا وعرضها؛ وما منهم إلا من يتصل فكره بما يغلب عليه كما يتصل فكر اللص بيده، وفكر العاشق بعينه، وفكر الطفيلي بمعدته. . .
فاسمعها عندهم الصلاة وحقيقتها عند الله كما ترى.
قال (النابغة) ولكنه ذئب من طبيعته أن يأكل الشاة لا أن يرعاها، فلا أفهم شيئا.
وقال الآخر: (مما حفظناه) رتع الذئب في الغنم، ولم يقولوا صلى الذئب في الغنم، فلا أفهم شيئا.
قلت: سأزيد كما عدم فهم. . . إن قلب تلك المرأة العظيمة الطاهرة متصل بالله، وليس فيه شيء من طباعها الإنسانية ولا ظل من ظلال الدنيا؛ وقد تجلى فيه سر الحياة، وهو السر الذي لا يطعم ولا يشرب ولا يلبس ولا يشتهى ولا يطمع في شيء ولا يحرز شيئا، وإنما طبيعته أشواقه الكونية واتصاله بنفحات القوة الأزلية المسخرة للوجود كله. فانتشرت هذه الموجة الكهربائية الأثيرية حول الجارية من قلبها، وجاء الذئب فلتج فيها وغمرته الروحانية الغالبة فإذا هو يفتح عينه على كون غريب قد تجلى السلام عليه، فليس فيه إلا قوة آمرة أمرها بائتلاف كل شيء مع كل شيء، واجتماع المتنافرين في حالة معرفة لا في حالة إنكار. فصار الذئب مستيقظا، ولكن في روح النوم، وشلت فيه الذئبية الطبيعية فإذا
هو يحمل الأنياب والأظافر وقد أنسى استعمالها، وبقيت حركته الحيوانية ولكن تعطلت بواعثها فبطل معناها.
ومن كل ذلك اختفى الذئب الذي هو في الذئب، وبقى الحيوان حيا ككل الأحياء، فناسب الشاة وفزع إليها إذ لم تعد العلاقة بينهما علاقة جس الآكل بجسم الأكيلة، بل علاقة الروح الحي بروح حي مثله. قال (النابغة): أما أنا فقد فهمت ولكن هذا المجنون لم يفهم. أكتب يا س. ع: جلس نابغة القرن العشرين مجلسه للفلسفة على غير إعداد ولا تمكن، وبدون كتب البتة. . . وكان هذا أجمع لرأيه وأذهن له وأدعى لأن يتوفر على الإملاء بكل مواهبه العقلية؛ ولما أن فكر النابغة وأعطى النظر حقه وجمع في عقله الفذ جزالة الرأي إلى قوة التفنن والابتكار، قال مرتجلا: إن فلسفة الذئب والشاة حين لم يأكلها ولم تنطحه، هي بالنص وبالحرف كما قال أستاذ نابغة القرن العشرين. . .
(حاشية) وإن مجنون المتن لم يفهم هذه الفلسفة.
فامتعض الآخر وقال: (مماحفظناه):
وبات يقدح طول الليل فكرته
…
وسر الماء بعد الجهد بالماء
فقال (النابغة): ويلك يا أبله! أما والله لو كنت نفطويه أو سيبويه لما كنت عندي إلا جحشوية أو بغلويه. . .
لقد كنت أرى الكلام في تلك الفلسفة طريقا نزها جميلا حفته الأشجار والأزهار عن جانبيه، واندفعت في سوائه (تمبيلات) الأفكار خاطفة كالبرق. فلما تكلمت أنت انتهينا من سخافتك إلى طريق حجري تقعقع فيه عربات النقل تجرها البغال البطيئة.
فقال الآخر وهو يتعذر إليه: ما أردت والله مساءتك ولو أردتها لقلت وفسر الماء بعد الجهد بالسبرتو. . . فهذا هوالخطأ، أما تفسير الماء بعد الجهد بالماء فهو صحيح.
قال النابغة: ولكنه تفسير مفرط السقوط كتفسير المجانين، فهو يقول إني مجنون.
قلت: كلا، إن تفسير المجانين يكون على غير هذا الوجه كالذي حكاه الجاحظ قال: سمعت رجلا يقول لآخر: ضربنا الساعة زنديقا. قال الآخر: وأي شيء الزنديقا؟ قال الذي يقطع المزيقا. قال: وكيف علمت أنه يقطع المزيقا؟ قال رأيته يأكل التين بالخل. . . .
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
إلى (الحضرمي): أنامن زمن لا اقرأ شيئا لهذا الزنديق الذي سميته في كتابك؛ وقد عرفته رجلا لو أيقن أن حبل المشنقة يرفعه مترين فقط في جو الشهرة لمد له عنقه. . . فكل ما تقرؤه له من الطعن في العربية والعرب والإسلام، فإنما نيته فيه أن يتناول الكتاب ولو بالصفع إذا رن الصفع في العالم العربي. . .
الرافعي
1 - بعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كان الخفاء وما يزال الفضول والروع، ومصدر الأساطير الغريبة الشائقة؛ وفي عصور ومواطن كثيرة كان الخفاء عماد دعوات وثورات سياسية واجتماعية خطيرة، وكان مبعث دول قوية قامت في ظروف غامضة، واستندت في قيامها إلى دعوات ومبادئ خفية؛ وكان هذا الخفاء نفسه مصدر قوتها وحياتها. وقد شغلت هذه الفورات والدعوات الخفية فراغا كبيرا في التاريخ الإسلامي، وخصتها الرواية الإسلامية بكثير من التفصيل والجدل؛ ومازلنا نلمس آثارها حتى اليوم في بعض الطوائف والمجتمعات التي تلوذ في عقائدها وتقاليدها بكثير من الغموض والخفاء.
وقد كانت قصة المهدي المنتظر بلا ريب من أشد مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي وكانت أخصبها موردا للأساطير، واحفلها بالدعوات والفورات الخفية؛ ويكفي أن هذه الأسطورة الغريبة كانت مبعثا لطائفة من الدول القوية التي كان لها أكبر الأثر في سير التاريخ الإسلامي كما أنها كانت مصدرا لطائفة من الدعوات والمذاهب الدينية والاجتماعية التي شغلت مكانا كبيرا في الكلام الإسلامي. كانت أسطورة المهدي عماد الدولة الفاطمية التي قامت في قفار المغرب الأوسط حول تلك الشخصية الخفية - شخصية المهدي المبعوث - وحول رسالتها وإمامتها؛ ثم افتتحت مصر والشام وبسطت سيادتها على قلب العالم الإسلامي فيما بين آسيا الصغرى والحرمين؛ وكانت عماد دولة الموحدين التي قامت في قفار المغرب الأقصى، وسادت بسائط المغرب والأندلس أكثر من قرن؛ وكانت عماد طائفة كبيرة من الثورات والفتن الدينية التي وقعت في مختلف العصور في أنحاء العالم الإسلامي. وكان الخفاء صفة ملازمة لأسطورة المهدي قبل البعث وبعده، يسبغ على القائم ودولته وخلفائه نوعا من القداسة الروحية أو السمو فوق بني الإنسان.
ومنذ عصر الإسلام الأول تتبوأ هذه الأسطورة مكانها في الكلام الإسلامي، وتقوم على عناصر الغموض والخفاء، فنرى من غلاة الشيعة من يقول إن عليا بن أبي طالب لم يمت، ولكنه حي غائب عن أعين الناس، مستقر في السحاب، صوته الرعد والبرق في سوطه؛ ونرى منهم من يقول مثل ذلك القول في ولده محمد بن الحنفية، وأنه مستقر في جبل
رضوى من أعمال الحجاز؛ ثم نرى الأسطورة تتخذ بعد ذلك صبغتها السياسية وتدعم بالأسانيد الكلامية والشروحي التاريخية، ولكن مع اقترانها بصفة الخفاء دائما. وخلاصة الأسطورة (أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من آل بيت يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويعيد مجد الإسلام ودولته ويسمى بالمهدي). أما هذا الإمام الخفي فمن هو؟ هو من ولد علي بن أبي طالب؛ ولكن يختلف الشيعة في مساق الإمامة أصولا وفروعا؛ وليس من موضوعنا أن نتعرض لهذا الجدل؛ ولكننا نذكر فقط أن أشهر فرق الشيعة الإمامية، وهم الاثنا عشرية، يقولون إن الثاني عشر من أئمتهم، وهو محمد بن الحسن العسكري، هو المهدي، وإنه لم يمت؛ ولكنه اختفى وغاب عن الأنظار، ولا يزال مختفيا إلى آخر الزمان، ولكنه اختفى وغاب عن الأنظار، ولا يزال مختفيا إلى آخر الزمان، ثم يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا؛ وزاد بعض الدعاة على ذلك فحددوا لظهروا المهدي تواريخ معينة، وكلهم يستتر لتأييد مزاعمه وراء الرموز والإشارات الغامضة، مما يسبغ على دعوتهم دائما لون السرية والخفاء.
وكما كان الخفاء مبعث القداسة والخشوع قبل تحقيق الظفر السياسي، فكذلك كان الخفاء بعد تحقيق هذا الظفر مصدر القوة والنفوذ للدولة أو الأسرة التي تتشح بثور الدعوة أو الإمامة أو الرسالة، ولنا أسطع مثل على ذلك في الدولتين، الفاطمية والموحدية. بيد أن هنالك أمثلة محلية كثيرة للاعتصام بهذا الخفاء المروع، وما كان يترتب على هذا الاعتصام من النتائج المادية والمعنوية المدهشة؛ ويكفي أن تكون هذه الغمر الخفية مبعثا لأكثر من دعوة بالنبوة، بل مبعثا لدعوة الألوهية ذاتها، وأن تقوم عليها عقائد ومذاهب كان لها أثر قوي في سير العالم الإسلامي وما زالت تمثل في عصرنا.
- 2 -
ويقدم لنا التاريخ الإسلامي أمثلة عملية مدهشة قوامها الخفاء المادي والروحي؛ ومن الصعب أن نستوعب هذه الأمثلة أو أن نحصيها جميعا في هذا المقام المحدود، ولكننا نقدم منها بعض أمثلة شهيرة.
ففي أواخر القرن الثالث من الهجرة ظهرت دعوة القرامطة مستظلة بالدعوة الشيعية والإسماعيلية وقوامها التبشير بالمهدي المنتظر؛ وظهر داعية القرامطة الأول الفرج بن
عثمان القاشاني الملقب بذكرويه في جنوب العراق، ولبث حينا يبث دعوته سرا وخفية؛ وتلاه تلميذه وصاحبه (قرمط) مؤسس المذهب الحقيقي يبث الدعوة جهرا، ويدعو إلى إمام من آل البيت هو المهدي الذي يظهر فيملأ الأرض عدلا، فلما ذاع أمره قبض عليه عامل الكوفة وألقاه إلى ظلام السجن، ولكنه استطاع أن يفر من سجنه في ظلام الليل بمساعدة جارية للحاكم؛ وكان هذا الداعية الجريء يدرك سر الخفاء وفعله في نفوس الكافة فاختفى على أثر فراره حينا، وألقى في روع أنصاره أنه رفع إلى السماء فازدادوا به فتنة؛ ثم ظهر بعد ذلك وكأنه قد بعث، ثم فر إلى الشام ولم يوقف له على خبر بعد ذلك، فكان هذا الاختفاء في ذاته عاملا في ذيوع الدعوة القرمطية واضطرامها.
ورأى الفرج بن عثمان أو ذكرويه أن يخوض أيضا غمر الخفاه، ليحدث مثل الأثر الذي أحدثه اختفاء قرمط، فنزح إلى القفر وتوارى عن الأنظار في مكان ناء، في مغار أنشأه لذلك، واستخلف أولاده للدعوة، ولبث أعواما طويلة يعمل ويدبر الخطط من وراء ستار، ويوجه أكابر أنصاره وخاصته حتى اشتدت دعوة القرامطة بعد قتال رائع، وجرح ذكرويه وأسر، وحمل إلى بغداد حيث توفى من جراحه بعد أيام، ومثل بجثته أشنع تمثيل (سنة 294هـ) بيد أن فورة القرامطة كانت قد اجتاحت يومئذ أنحاء البحرين، واستقرت هنالك قوية منذرة، واستمرت خطرا داهما على الشام ومصر وأطراف الجزيرة حتى أواخر القرن الرابع.
- 3 -
على أنا نجد أروع مثل للخفاء فيالدولة الفاطمية، في قيامها، وفي وسائلها، وفي خلفائها؛ فقد نشأت هذه الدولة القوية في قفار المغرب على يد دعاتها السريين وشيعتهم من القبائل البربرية المتعصبة الساذجة، وكان أول خلفائها عبيد الله المهدي شخصية خفية غامضة لم يستطع التاريخ أن يقف على حقيقتها أو يتقصى نسبتها؛ واستمر هذا الخفاء يغمر شخصية الخلفاء الفاطميين، وهذا الريب يغمر أصلهم ونسبتهم، حتى أننا نجد أشراف مصر يطلبون إلى المعز لدين الله حيث مقدمه إلى مصر أن يوقفهم على، نسبه، فيجمعهم في مجلس عام ويسل نصف سيفه ويقول لهم هذا نسبي، ثم ينثر عليهم ذهبا ويقول لهم هذا حسبي، ونجد خصوم الفاطميين ولا سيما بني يتخذون هذا الريب في نسبهم مثارا للطعن في إمامتهم وفي
ذممهم وعقائدهم مما لا يتسع المقام لبسطه؛ بيد أن هناك حقيقة تلفت النظر، هي أن الخلفاء الفاطميين، ولا سيما الأوائل منهم كانوا يزعمونعلم الغيبومعرفة الخفاء، ومما يروى في ذلك أن العزيز بالله الفاطمي صعد المنبر ذات فرأى رقعة مكتوب فيها.
بالظلم والجور قد رضينا
…
وليس بالكفر والحماقة
إن كنت قد أعطيت علم غيب
…
فقل لنا كاتب البطاقة
وذلك إشارة إلى دعواهم علم الغيب؛ وقد اتخذ تعلق الفاطميين بالخفاء واستظلالهم برموزه صورا واضحة لهم أثرها القوي في بناء الدولة الفاطمية وفي خططها ووسائلها؛ بل كان هذا التعلق بالخفاء سياسة مقررة للخلافة الفاطمية؛ فنراها منذ استقرت بمصر مجالس الحكمة الشهيرة في القصر وفي الأزهر وتعني بأن تكون هذه المجالس مبعثا لتعاليمها المذهبية؛ ثم نرى هذه المجالس يتسع نطاقها شيئا فشيا وتغدو، جزءا من نظم الدولة الروحية والاجتماعية، ونراها تعقد للنساء والكافة، وينصب للأشراف عليها رجل من أكبر موظفي الدولة هو قاضي القضاة، وينعث في هذا المنصب (بداعي الدعاة). وفي عهد الحاكم بأمر الله تتخذ الخطوة الأخيرة والحاسمة في تنظيم مجالس المحكمة، وتنظيم الدعوة السرية الفاطمية بصورة رسمية وتنشأ دار الحكمة الشهيرة، لتستأثر بتنظيم الدعوة وبثها على يد نخبة من الدعاة والنقباء (سنة 395هـ)؛ وقد اتخذت دار الحكمة منذ قيامها صبغة مذهبية واضحة قوامها بث الروح والمبادئ الدينية الفاطمية، وكانت هذه مهمتها الظاهرة؛ بيد أنها كانت تعمل في الظلام لغاية أخرى يغمرها الخفاء، هي بث الدعوة السرية الفاطمية. ولا يتسع المقام للإفاضة في تفاصيل هذه الدعوة الغريبة ورسومها، ولكنا نقول فقط أنها كانت من أغرب الدعوات السرية المذهبية؛ وكانت موزعة على مراتب تسع يتدرج فيها الطلبة على يد الدعاة، ويدفعون تباعا إلى حظيرة التعاليم الفلسفية والالحادية؛ ويبدأ الطالب في جو من الإيمان العيق، ولكنه لا يصل المرتبة السادسة أو السابعة حتى يكون قد انحدر إلى غمر الإنكار المطبق؛ ويبدو مما نقل إلينا من تفاصيل هذه الدعوة الغريبة ومن موضوعات مراتبها، أن الغاية الأخيرة التي كانت تعمل لها الدعوة السرية الفاطمية هي هدم كل اعتقاد وكل عقيدة دينية، والانتقال بالطلبة والصحب إلى حظيرة الإلحاد المطبق والترفع عن العقائد الروحية العامة التي تؤكد الدعوة أنها لمتوضع إلا
للكافة، ولا يلزم بها ذوو الإفهام الرفيعة وقد استمرت هذه الجامعة الغريبة، أعنى دار الحكمة، عصرا ثبت العقائد والمبادئ الفاطمية، الخفية والظاهرة، وكانت جهودها السرية أخطر وأشد أثرا في توجيه الحركة الروحية في مصر؛ بيد أنها لم توفق إلى تحقيق الغاية التي عملت لها، ولم تستطع أن تطبع المجتمع المصري بطابع عميق من الدعوة التي كانت مبعثها ومستقرها، وكانت جهودها بالعكس عاملا في بث أسباب السخط على تلك السياسة التي رسمت للاستئثار بتوجيه العقائد وبث الإنكار والإلحاد؛ واضطرت الخلافة الفاطمية غير بعيد أن تعدل عن هذا الإغراق في بث العقائد المذهبية، فتضاءلت أهمية دار الحكمة، ثم أغلقت بعد ذلك؛ بيد أن هذه الدعوة السرية ذاتها تمخضت كما سترى عن نتائج مدهشة سريعة الأثر.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان
المتنبي في ديوانه بمناسبة ذاكره الألفية
للأستاذ عبد الله كنون الحسني
اختلفت مذاهب الأدباء في المتنبي بين المدح والذم اختلافا شديدا منذ العصور الذي كان يحيا فيه إلى الآن، وقد مر على وفاته عشرة قرون كاملة. وانك لتجد اليوم بعد هذه الأجيال الطويلة من يتكلم عن المتنبي بلسان الصاحب بن عباد خصمه العنيدالذي جعل وكده النيل من المتنبي وإنكار فضائله بالحق أو الباطل، ومن يدافع عنه ويتعصب له أكثر من ابن جني وأبي العلاء. ولقد كان حريا أن تضيع حقيقة المتنبي بين التفريط والإفراط من الفريقين كما هو الشأن في كل ما يتعاوره هذان العاملان المختلفان، ولكن المتنبي كان شخصية فذة تأبى إلا الإعلان عن نفسها والظهور بمظهرها الحقيقة مهما حالت الحوائل بينها وبين الناس فالمتنبي لا يجهل أحد من المثقفين اليوم أنه من أكبر شعراء العربية إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق. رفع من شأن الشعر العربي فأحله مرتبة لم تكن له من قبل، بما نفى عنه من الزخارف اللفظية والأساليب التقليدية والأغراض السافلة، وما نفخ فيه من روح العظمة والابتكار والسمو إلى الغايات البعيدة المنال. حتى انه إذا مدح شخصا فان مدحه له يكون كالتلقين لمبدأ سام لا يجد الإنسان مندوحة عن الاستجابة له من أعماق نفسه. ولا نستدل على ذلك بأكثر من مطلع هذه القصيدة التي يمدح بها سيف الدولة، فان فيه وحده بلاغا لمن يتشكك في هذا القدر، وهو قوله:
على قَدْرِ أهلِ العزْمِ تأتي العزائم
…
وتَأتي على قَدْرِ الكِرَامِ المكارِمُ
وتَعْظَمَ في عَيْنِ الصَّغير صغارُها
…
وتصغُرُ في عين العَظِيم العَظاِئمُ
وكما يعرف الجمهور هذه الحقيقة من أمر المتنبي اليوم، فانه كان يعرفها بالأمس وفي نفس عصر المتنبي. يدلنا على ذلك هذه العناية الكبيرة من الأدباء بشعره؛ فمن شرح له، إلى انتقاد، إلى تقريظ، إلى غير ذلك مما لم ينله شاعر قبله ولا بعده. وفي حياة المتنبي قال ابن العميد لأحد خلصائه: (انه والله ليغيظني أمر هذا المتنبي واجتهادي في إخماد ذكراه، فقد ورد على نيف وستون كتابا في التعزية ما منها إلا وقد صدر بقوله:
طَوَى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ
…
فَزِْعتُ منه بآمالي إلى الكذبِ
حتى إذا لم يَدَعْ لي صدقه أملاً
…
شَرِقت بالدمع حتى كاد يَشرَقُ بي
ولاحظ الأستاذ العقاد عن المدة بين نظم القصيدة التي منها هذان البيتان وموت أخت ابن العميد التي كانت التعزية فيها، أنها لا تزيد كثيرا على سنة واحدة. فانظر كيف كان تلقف الأدباء لآثار المتنبي وتلقيهم لها بالقبول، برغم وجود كثير من المنافسين له والعاملين على إخماد ذكراه كما يعبر الرئيس ابن العميد!
فمقام المتنبي دائما أرفع من أن يتطاول إليه أحد، وشأنه أكبر من أن يؤثر فيه مقال أهل الحسد. وما كثرت هذه التبعات لشعره فكثرت بسببها العثرات التي يأخذها عليه خصومه، إلا لأن نبوغه كان أكمل وأتم، وعبقريته أجل وأعظم؛ والناس منذ كانوا مولعون بالعظماء يتلمسون عيوبهم فيظهرونها، ويتكشفون عوراتهم فلا يسترونها. على أن جل ما أخذ على المتنبي قد رده المحققون وبينوا أن الصواب ما ذهب إليه هو؛ وبعض الباقي هو مما لم يخل منه كاتب ولا شاعر في القديم والحديث، وأي صارم لا ينبو؟ وأين الجواد الذي لا يكبو؟
نعم، هناك هنات لا تزال لاصقة بالمتنبي فتزري بشخصه الكبير؛ ولا زال البحث العلمي بعيدا عن أن يصل فيها إلى نتيجة حاسمة، فنريد أن نلقي عليها بصيصا من نور التحقيقمعتمدين في الكثير على شعر المتنبي الذي هو أصقل مرآة لنفسيته وأخلاقه. وسيكون اعتمادنا في الأكثر على نسخة خطية عتيقة من ديوانه توجد بالخزانة الكنونية. وهذه الهنات التي نقصد إلى الكلام فيها هي تنبؤه وعقيدته وأخلاقه.
فأما تنبؤه فهو الزلة الكبرى التي تؤخذ على ذلك العقل الجبار، وهو في الحقيقة أمر لو صح لكان ذريعة إلى اتهامه في سلامة الادراك. ولكن من المعروف أن المعري كان يشك في صحة ذلك، ويقول في هذا اللقب الذي غلب على أبي الطيب: إن اشتقاقه من النبوة أي الارتفاع، لما كان من ترفعه على الخلق، لا من النبأ الذي منه اشتاق النبئ. وهذا الخبر وحده كاف في نفي هذه التهمة عنه، لا لتشكك المعري فيها، ولكن لما يتضمنه ذلك من إخفاء قضية التنبؤ وعدم شهرتها بين الخاصة فأبله بالعامة، وإلا لما سأل ابن القارح أبا العلاء عن حقيقتها فأجابه أبو العلاء بذلك الجواب. وهذا على أن ما بين المتنبي وأبي العلاء من الزمن لا يجاوز العقد الواحد من السنين. فكيف خفي هذا الأمر ودفن مع المتنبي حتى أن اثنين من كبار أدباء ذلك العصر لا يجدان سبيلا إلى التوثق منه، مع أن العادة في
مثله إذا وقع ولو ممن هو أدنى من المتنبي مقاما، أن يشتهر ويتعالم فيتناقله الناس ولا يبقى إحدى ليس عنده نبأ منه!
وأكثر من خبر المعري دلالة على هذا المعنى، خبر ابن جني الذي ذكر له أبو القاسم الشريف (الشريف الغرناطي) في شرح مقصورة حازم، قال: (وحكى أبو الفتح ابن جني قال: سمعت أبا الطيب المتنبي يقول: إنما لقبت بالمتنبي لقولي:
أنا تِرْبُ الندَى وربُّ القوافي
…
وسمامُ العدَى وغيظُ الحسودِ
أنا فِي أمةٍ تدارَكها الله
…
غريبٌ كصالح في ثُمودِ)
فهو لو كان تنبأ حقيقة لما جهل ذلك من أمره حتى يحتاج إلى البيان، وإلا كان كالمعتذر بأقبح من الزلة. وصفوة القول أن قضية تنبئه لم تثبت حتى في زمن حياته. وهي إن لم تكن من إشاعات خصومه الكاذبة فهي على الأرجح مما نبز به لتشبيهه نفسه بالأنبياء كما في البيتين السابقين والبيت الآخر الذي يقول فيه:
ما مقامي بأرض نخلة إلا
…
كمقام المسيح بين اليهود
وننظر في ديوانه فلا نجد ما يدل على هذه القضية لا تصريحا ولا تلويحا إلا ما كان من أمر سجنه في صباه بسبب وشاية بعض الناس به إلى الوالي. فنقول ما هي هذه الوشاية؟ أتراها مما له علاقة بهذا الأمر؟ وتجيب نسختنا عن ذلك بما كتب فيها على القصيدة التي مدح بها الوالي فتقول: (وكان قوم في صباه وشوا به إلى السلطان وتكذبوا عليه وقالوا له قد انقاد إليه خلق من العرب، وقد عزم على أخذ بلدك، حتى أوحشوه منه. فاعتقله وضيق عليه فقال يمدحه). فالوشاية إذا هي خروجه على السلطان لا ادعاؤه النبوة. واستمع إلى ما يقوله في استعطاف الوالي من تلك القصيدة:
أمالك رقي ومن شأنه
…
هبات اللجين وعتق العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجا
…
ء والموت مني كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلي
…
وأوْهن رجلىِ ثقلُ الحديد
وقد كان مشيهما في النعال
…
فقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفل
…
فها أنا في محفل من قرود
يريد المسجونين من اللصوص والجناة المختلفي الطبقات السيئي السلوك
تعجل فِيَّ وجوب الحدود
…
وحدِّيَ قبل وجوب السجود
يريد أنه صغير لم تجب عليه الصلاة فكيف يجب عليه الحد؟
وقيل عدوت على العالميـ
…
ن بين ولادي وبين القعود
يريد أنهم اتهموه بالعدوان على العالمين في حال الطفولة قبل أن يستطيع القعود. وليلاحظ القارئ نوع التهمة فهي منحصرة في الخروج، ولو كانت ادعاء النبوة لما قالت عدوت على العالمين:
فماَلك تَقبلُ زُ ورَ الكلام
…
وقدرُ الشهادة قدرُ الشهود
يريد أن الشهود من سفلة الناس فشهادتهم مردودة لعدم تورعهم عن الكذب:
فلا تسمعنَّ من الكاذبين
…
ولا تعبأنَّ بمحكِ اليهود
وكن فارقا بين دعوى أردت
…
ودعوى فعلتُ بشأو بعيد
وفي جود كفك ما جدت لي
…
بنفسي ولو كنت أشقي ثمود
فهذا كلامه في حال صباه قبل أن يناصبه العداء أحد من المنافسين له والحانقين عليه، لم يتضمن شيئا من الإشارة إلى دعوى النبوءة، ولا يمكن ان تفهم منه بحال. فلو كان قال هذه القصيدة في إبان شهرته وانتشار ذكره لقلنا إنه جمجمفيها ودارى عن نفسه، ولكنه كما علمت قالها في صباه، وهي من أوائل شعره بلا نزاع عليها وصحة الاستشهاد بها. بل نحن نسلم جدلا انه أدعى النبوة وبسببها سجن، فكيف يصح قوله حينئذ:
بين دعوى أردت
…
ودعوى فعلت بشأو بعيد؟
وهل من يريد إدعاء النبوة متنبئ بالفعل؟ وهل هذه الإرادة مما يمكن الاطلاع عليه قبل إظهارها حتى تأتي الوشاية به؟ وذلك بخلاف الخروج فان بوادره تظهر للناس قبل الإقدام عليه، لأنه لا بد له من دعاوة كبيرة، إذ أن الفرد لا يمكن أن يرفع وحده علم الثورة في وجه الدولة! ومع تأكيدنا أن الذين وشوا به لم يتهموه إلا بالخروج، لا نستبعد أنهم الذين لمزوه بذلك اللقب المشنوء لما رأوا تعاليه عليهم وتقريعه لهم مع تشبيههم باليهود وتشبيه نفسه بالأنبياء كما في قوله:
ما مقامي بأرض نخلةَ إلا
…
كمقام المسيح بن اليهود
وقوله:
فلا تسمعن من الكاذبين
…
ولا تعبأنَّ بمحك اليهود
بل إننا لا نكاد نميل عن هذا الرأي في سبب تلقينه بالمتني حتى تقوم الحجة، والحجة القاطعة على خلافه. وأما أقوال خصومه في ذلك فمرجد ادكار قوله انه سمام العدا وغيظ الحسود تضعف وتضمحل حتى لا يبقى لها اعتبار ما.
وأما عقيدته فهي مما كثر كلام الناس فيه؛ ولسوء حظ المتنبي لم يتناولها إلا منتقد، وليس هناك معتقد فيما نعلم تولي رد ما رمى به من الزبغ والإلحاد. فنحن نبين ما يعتمد إليه متهموه فيها ونعقب عليه بما يلوح لنا من ذلك صحيحا أو باطلا. غير أنه لابد من القول أن مثل المتنبي في أدبه وشعره وروحه الفلسفية لا يطمع منه أن يكون متدينا خالصا إلى حد التبتل والانقطاع للعابدة ومحاسبة نفسه على الخطرات وحبس لسانه عن فضول الكلام، فان التدين بهذه الصفة مما لا يكاد يفهمه إخوانه من الشعراء وأهل الأدب على وجه العموم. وقديما مثلوا برقة إيمان الأدباء، فكيف نريد منالمتنبي أن يتستر على جمهورهم ويقدم لنا من نفسه (أويسا) في ثوب شاعر، أو شاعار في ثوب (أويس)؟ ولئن قال علي بن حمزة عن المتنبي إنه ما صام ولا صلى ولا قرأ القرآن فلقد قال عنه إنه ما كذب ولا زنا ولا لاط. وهذه إن لم تقم بتلك فان تلك لا اعتداد بها مع هذه. وهل كان الشعراء الذين لم يتنزهوا عن الكذب والزنا واللواط يصمون ويصلون ويقرأون القرآن؟
وبهذا تعلم أن عدوان الخصومة على المتنبي قد ستر من محاسنه ما لو ظهر لكان له في النفوس مكان أسمى مما له فيها الآن ولأقص على سمعك بعد هذه المقدمة بعض الأبيات التي يزن بسبها بضعف العقيدة. قال يمدح بدر بن عمار:
تَتَقاَصرُ الأفهامُ عن إدراكه
…
مِثُل الذي الأفلاكُ فيه والدُّنى
فقالوا: لقد أفرط جدا لأنه شبه ممدوحة بالحق سبحانه وتعالى، لأن الذي فيه الأفلاك والدنى هو علمه عز وجل. ونقول إن هذا تعسف ظاهر، فمن الذي نقل عنه أنه يريد ما ذكرتم؟ وماذا حسن في بلاغتكم؟ التعبير عن علم الله بالذي الأفلاك فيه والدنى حتى رجحتموه على أن يكون المراد به هذا الفضاء الواسع الذي يحتوي الأفلاك والدنى حقيقة ممتدا وراء الآفاق التي تتقاصر عن إدراكها العقول؟
وقال المتنبي:
أنا مُبصرٌ وأظن أني نائمٌ
…
من كان يحلم بالآله فأحلما؟
فقالوا: هذه مبالغة مذمومة وإفراط وتجاوز حد، ثم هو غلط في إنكار رؤية الله تعالى في النوم فان الأخبار يقد تواترت بذلك ونقول: إن البيت رواية أخرى وهي الأشهر هكذا:
من كان يحلم ما يراه فاحلما، وهي كذلك في نسختنا، والمعنى عليها أظهر من الأولى فلا يبعد أن تكون تحريفا
(البقية في العدد القادم)
(طنجة)
عبد الله كنون الحسني
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
كوخ
رابع غزاة المكروب يكتشف مكروب السل
- 6 -
إن بشلات الجمرة بشلات في المكروبات كبيرة يسهل الكشف عنها إذا هي قورنت بمكروب السل، ذلك المكروب القتال الخداع. ومكروب الجمرة يكثر في أجسام الحيوان قبيل موته كثرةً هائلة، فلا يخطئه البصر ولو لم يكن حديدا، أما مكروب السل - ولم يكن كوخ على يقين من وجود مكروب له - فقد طلبه الطالبون وتقفاه الباحثون ولكن بغير جدوى. ولو أن لوفن هوك نفسه، وهو أحد البحاث عيناً، نظر في مائة رئة مريضة، ثم نظر، ثم أعاد النظر، ما خرج من نظراته الحديدة الكثيرة على شئ. ولو ان اسبلنزاني حاول ما حاول لوفن لعجزت مجاهره عن إبلاغه تلك الغاية. أما بستور، وهو الباحث القدير، فلم تكن طرائقه من الدقة بحيث ترفع الغطاء عن هذا الفاتك الغادر. أو لعل صبره كان ينقذه دون أن يحقق شيئاً.
ولم يكن يعرف قبل كوخ من داء السل شئ كثير، فكل ما عرف عنه أنه داء تنقله مكروبات، وذلك لأمكان نقله من حيوان سقيم إلى أخر سليم. سبق إلى هذا الدليل عالم شيخ اسمه فلمان وحققه من بعده كون هايم أستاذ برسلاوة الكبيرة، فاستطاع أن ينقل داء السل إلى الأرانب، إذ أخذ فتيتة من رئة مسلولة فأدخلها في الخزانة الأمامية لعين أرنب، فأخذت أنسجة العين تتدرن، وأخذ الدرن يتمدد ينذر الموت. وظل عالمنا القدير يرقب حوادثهذه التجربة البديعة من خلال أغنية العين الشفافة فكأنما يرقب دوراً على مسرح يلعب من وراء زجاج كان كوخ قد أطلع على تجربة كون هايم، ودرسها درساً طيباً.
قال: (ليس في المقدور أن أجرب تجارب السل في آدمي، وقد أمكن الآن نقل هذا الداء إلى الحيوان، فهناك يا نفس فرصة غالية لدراسته، لكشف مكروبه، فلا بد من مكروب ينشأ عنه هذا الداء. . . .).
وبدأ كوخ عمله، وكان لا يعمل إلا على خطه يرسمها، وكانت خططه قاسية لا صلةهلا بعاطفة بني الانسان، ولا تمت بسبب إلى الحنان القلوب. وأجرها ببرود قلب لو أطلعت عليه في تقاريره عنها لأقشعر بدنك منها. وحصل على مادة سله الأولى من عامل يفعل في الأرض؛ وكان رجلا قوي البنية، مفتول العضل شديداً، وكان عمره ستة وثلاثين عاماً، وكان منذ ثلاثة أسابيع في صحة هي الغاية مما يرجوه إنسان، فلم يلبث أن جاءته سعلة باغتة، اخترقت صدره الآم فاجئه، نفذ منه نفوذ السهام. وأخذ جسمه في الهزال السريع حتى أصبح كأنه الشمعة احترقت فأخذت تسيح. ودخل المستشفى ولم تظله سقفه أربعة أيام حتى صعدت روحه إلى السماء، وتخلف جسمه حيث هو من سريره، وقد عمه الدرن وتنقط كل عضو فيه بتلك الحبيبات الغبراء الصفراء كأنها الفلفل بعثره مبعثر فيها.
بدأ الكوخ عمله في هذه المادة الخطيرة وحيداُ، فمساعداه كانا قد افترقا عنه، أما لفلار فأخذ يتقفى مكروب الدفتريا، وأما جفكي فكانا ينقب عن مكروب التيفود. بدأ كوخ العمل وحده، فجمع الدرن الأصفر من جثة العامل المنكود بين مشرطين أحماهما في النار، ثم سحق الدرن، ثم حقن سحيقة بلطف في عيون طائفة من الأرانب، وحقن منه تحت جلود طائفة أخرى من الخنازير الغينية، ووضع الأرانب والخنازير في أقفاص نظيفة، وأخذ يعني بها ويلاطفها ويداعبها مداعبة الأم الرؤوم؛ وبينا هو ينتظر انبعاث السل فيها ملأ وقته بالنظر بأقوى مجهر في الأنسجة المريضة التي خلفها العامل المسكين.
نظر ثم نظر، ثم داوم النظر أياما بمجهر يكبر الأشياء مئات المرات، فلم يكشف بصره شيئاً إلا الحطام الذي تخلف من كبد تهدمت أورئةتخربت. قال كوخ:(إن يكن للسل مكروب فلا بد أنه يداورني ويغالبني حتى يفلت من عيني فلن أستطيع بعد الآن رؤية وهو حيث هو من الأنسجة بصبغة شديدة، فلعله يتراءى من بعد ذلك فيها. . .)
ومضى اليوم تلو اليوم، وكوخ قائم قاعد في صبغ الدرن الذي جمعه، يصبغه بالأسمر والأحمر، وبكل لون من ألوان الطيف استطاعه. كان ينشره على شريحة من الزجاج نظيفة، ثم يغمرها بما عليها فيمحلول صبغة قوية زرقاء، ويدعها الساعات فيها، ثم يعود إلى شريحة ثانية ويصنع بها ما صنع بالأولى، فيغمرها في صبغة أخرى، ثم يعاود ثالثة ورابعة، وكلما مست يداه شيئاً مستراباً غمسها في محلول مطهر من السليماني حتى تقشف
جلدهما وأسود.
واصبح صباح يوم، فقام كوخ إلى شرائحه الزجاجية فأخرجها من محلول الصبغات التي كانت بها، ووضعها واحدة بعد أخرى تحت مجهره،، واخذ يبؤئره عليها، فاخذ مجال بصره يتضح رويداً رويداً حتى خرج له من العلماء الأغبر صورة جلية بينة، وإذا عينه ترى بين خلايا الرئة التي تقوضت من الداء مجموعات غريبة من بشلات صغيرة كالعصي زرقاء، رقت في بصره فلن يستطع تقدير سمكها، أما طولها فأقل من جزء من خمسة عشر آلف جزء من البوصة الواحدة قال كوخ:(ما أجملها بشلات! إن بها انحناء قليلا والتواء، فهي ليست في استقامة مكروب الجمرة، وهناكأسرابا منها اجتمعت واكتنزت كأنها حزم السجائر، وهاك بسلةً عفريتة دخلت وحدها خلية من خلايا الرئة المتآكلة. . . أحقاً هذا مكروب السل وقعت عليه هكذا سريعاً؟) وواصل كوخ عمله بدقته المعهودة، فظل يصبغ الدرن يستخرجه من كل ناحية من نواحي جثة العامل، وحيثما صبغ أرته صبغته الزرقاء تلك البشلات الدقيقة الحنواء؛ تلك الخلاق الغريبة الجديدة وقد اختلفت عن كل ما كان رآه في أجسام ألوف الحيوان والإنسان سليمة وسقيمة.
ولم يلبث فيما هو فيه طويلا حتى بدأت الفاجعة المحزنة تقع في الخنازير الغينية والأرانب. أخذت هذه الخنازير يتزاحم بعضها لصق بعض في أركان القفص في كآبة بينة، وانتفش فروها، وأجسامها الصغيرة التي دأبت بالأمس على الوثب واللعب، آخذت تنهزل ويذوب عنها ما كساها من اللحم والشحم فصارت كأنها العظم حوته صرة من جلدها. ولزمتها الحمى فهمدت وتخاذلت عن طعامها من الجزر الطيب قد زها لونه، والحشيش الطازج قد فاح شذاه. ثم آخذت تموت واحدا فواحده، وكلما مات واحد منها إرواء لغلة عالنا من البحث، وافتداء لسلامة للاتسان، قام صاحبنا إليه فدبسه على لوحة تشريحه، وبلل جلده بمحلول السليماني ثم اخذ مشارطه فطهرها ثم شق جثة الخنزير وشرحها في دقة زائدة وعناية بالغة سكتت لها أنفاسه مخافة الزلل.
وفي بطون هذه الضحايا، التي جهلت بما ضحت، وجد كوخ نفس ذلك الدرن الأصفر الأرمد المرعب الذي امتلأت به جثة العامل. فقام يبسطه على لوائح زجاجه الذي لايفني، ثم يغمره في صبغته الزرقاء، وفي كل حالة وبكل جسم كشفت له الصبغة عن نفس تلك
العصي الحدباء التي أرته إياها أول مرة في رئة ذلك العامل فدعا عونيه الأقدمين - لفلار الشغال، وجفكي المخلص - فتركا ما هما فيه من مكروبات أخرى يبحثانها، فلما جاءاه أراهما ما وجد. قال:(انظر كلاكما فآني وضعت في هذا الحيوان منذ ستة أسابيع فتيتة صغيرة من الورق لا يتجاوز ما فيها مائة من هذه البشلات، وها هي اليوم قد تكاثرت فيه فبلغت البلايين. أي مخلوقات هذه! فلقد إنتشرت من حيث حقنت في فخذ هذا العيني إلى كل أجزاء جسمه، فنفذت كالأرضة إلى اقاصيه، واخترقت جوانب الشرابين. . . . وحملها الدم إلى عضامه. . . وحملها إلى ابعد زوايا في مخه. . . .) وذهبت إلى مستشفيات برلين، كائنة حيث ما كانت، يستجدي منها جثث الموتى رجلًا ونساءً من صرعى السل، واخذ يقضي أيامه وحيدا مستوحشاً بين هذه الجثة حيث هي من بيوتها، ويقي امساءه عند مكرسكوبه في معمله، وهو ساكن كالقبر إر من أصوات خنازيره الغينية وحركاتها، واستخرج من أجساد الموتى أنسجتها المريضة فحقن منها في مئات من هذه الخنازير، وفي كثير من أجساد الموتى أنسجتها المريضة فحقن منها في مئات من الخنازير، وفي كثير من الأرانب، وفي ثلاثة كلاب، واثنتي عشرة حمامة، ثلاثة عشرة قطة خداشة، دجاجات دفاقةقواقة؛ ولم يقف من جنونه إلى هذا الحد من جقن هذا العدد الكبير من الحيوانات، بل انه حقن هذه المادة الجبنية القاتلة في أنواع عدة من الجرذان والفئران أبيضها وأرمدها، وما يرتاد الجبال منها، بلغت دقة كوخ في صيد المكروب حداً لم يبلغه صائداً قبله.
وتفكر كوخ لما أجهده الحذر قال: (يا لله من عمل يهز الأعصاب هزاً). قال هذا وقد خال ما كان حاله لو أن مخلب هذه الهرة امتد كالبرق إلى محقنه فأرتشق في جلده بكروبها القاتل! لم يكن كوخ برغم هدوئه ووحدته وانفراده في محاربة هذه الأعداء الخفية خلوا من هزات الحياة وانفعالاتها، إلا أنها لم تكن انفعالات من التي تنعش وتسر، ولكن من تلك التي تنذر بالفواجع والمآسي.
وصمد صاخباً للمأساة المنذرة فلم تزل يده إنما ازدادت على الأيامجفافاً وتجعداً واسوداداً لغمسه إياها في محلول السليماني، هذا المحلول الطيب الذي وجد بحاث الكروب في تلك الأيام أمنهم فيه، فغمروا يه كل شيُ حتى أجسامهم. وتتالت الأسابيع وكوخ بين مواء القطط وقيق الدجاج ونباح الكلاب، وبشلته الحنواء تتكاثر تكاثراً سريعاً قاسياً فظيعاً في هذه
الحيوانات، ثم أخذت هذه الحيوانات تتساقط واحدة بعد اخرى، وتعجلها الموت فازدحمت بين يدي كوخ، فاشتغل من يومه ثماني عشرة ساعة قضاها في شق جثتها وتفحص ما بها، ثم في امتحان ما وجد فيها تحت المكرسكوب بعينه العمشاء.
قال كوخ لتلميذيه الأقدمين لفلا وجفكي: (إني لا أجد هذه العصي الزرقاء إلا في الرجل أو في الحيوان المسلولين. ولقد نظرت كما تعلمون في مئات من الحيوانات الصحيحة فلم أجد لهذه العصي أثراً).
فقال صاحباه: (ومعنى هذا يا سيدنا الدكتور أنك وجدت البشلة التي هي أصل هذا الداء).
فيقول كوخ: (لا. لا. للساعة لم يتم الأمر. . . إن الذي أتيته قد يقنع بستور، أما أنا فلم أقتنع بعد، فلا بد لي من استخراج هذه البشلات من أجسام هذه الميتات، ولا بد لي بعد ذلكمن زرعها في فالوذج حساء اللحم الذي كنا اصطنعناه. . . (لا بد من الحصول علة زريعات خالصه من هذه البشلات من أجسام هذه الميتات، ثم لا بد لي بعد نسل عدة اشهر، بعيدة عن كل مخلوق حي. ثم بعد ذلك أحقن النسل الأخير الخالص في حيوانات سليمة، فاذا جاءها السل. . . .) وعندئذ انبسطت أسارير كوخ وعلت فمه ابتسامة قصيرة. وعاد لفلار وجفكي إلى أبحاثهما، وفي قلبيهما روعة المعجب خجلة المتسرع الذي يجني النتائج فجة غير ناضجة.
ورسم كوخ في رآسة كل الصور الممكنة لزرع خذا المكروب وبدأ بزرعه على فالوذج حساء البقر. وصنع عشرات من مختلف الأحسية، وصبها في أنابيب وقنيناته ووضعها في درجات من الحرارة مختلفة؛ فبعضها في درجة حرارة غرفته، وبعضها في درجة حرارة جسم الإنسان السليم، وبعضها الآخر في درجة جسم الإنسان المحموم. وأتى ببشلاته من رئات خنازير غينيه فجاءت حالص من كل مكروب ضال يخشة منه أن يكاثرها وهي دقيقة فيسج عليها مسالكها. وزرع هذه البشلات النقية في مئات الأنابيب والقناني، ولكنه خرج من كل هذا - بالخيبة! فهذه البشلات الدقائق التي تتكاثر في أجسام حيواناته تكاثراً سريعاً ذريعاً، هذه البشلات التي تناسلت في أجسام المرضى من بني الإنسان حتى بلغت الملايين، هذه البشلات رفعت أنوفها - على فرض إن لها أنوفاً - عن طعام كوخ اشمئزازاً من احسائه وفواليذهذات يوم خطر لكوخ خاطر فيسبب إخفاقه قال: (إن بشلات السل لا
تنمو إلا في أجسام حية، فلعلها آذن تتطفل على هذه الأجسام، وعلى إذن أن أجهز لها طعاماً أقرب ما يكون إلى مادة جسم الحيوان).
هكذا اكتشف كوخ طعامه الشهير - فالوذ مصل الدم اكتشفه طعاماً لكل مكروب أرستقراطي مترف يعاف طعام السوق ' طعاماً لكل مكروب أرستقراطي مترف يعاف طعام السوقة من المكروبات، وذهب إلى القصابين وجاء منهم بدم طازج من أبقار قتلت لوقتها، فلما أنجمد وتجبن، شققه، فسال منه عصير زلالي يضرب إلى صفرة التبن. ثم سخن هذا المصل بمقدار يقتل ما سقط فيه من مكروبات الهواء الضالة، ثم صبه على حذر في عشرات من أنابيب اختبار ضيقة، أمالها في مواضعها إمالة كبيرة ليتسع سطح المصل الذي بها، فعلى هذا السطح سيبسط مادة المكروب. ثم سخن الأنابيب وهي على ميلانها تسخيناً يكفيلانعقاد مصلها وتحوله إلى مزاج فالوذي جامد جميل في روقانه.
ومات في صباح هذا الغد خنزير غيني خرمه السل تخريماً، فشرحه واستخرج منه درنة أو درنتين، نشرهما بعود من البلاتين على سطح فالوذ المصل وهو ندى، وانتقل منأنبوبة إلى أخرى حتى لقح الجميع. ثم استنشق نفساً كبيراً، ثم زفر زفرة طويلة فكأنما نفض فيها الهم الذي ملأه في هذه العسلية الدقيقة وقد نجحت بعد خشية الزلل، وقام كوخ فأخذ الأنابيب فوضعها في مدفأ درجة حرارته تعدل تماماً تلك التي في جسم الخنزير الغيني ومضت أيام ذهب كوخ فيها كل صباح إلى هذا الفرخ الدافئ، ورفع أنابيبه إلى نظارته في إطارها الذهبي، وحدق فيها وحملق، ولكنه لم ير شيئاً. قال كوخ:(هذه خيبة أخرى! كل المكروبات التي زرعتها تكاثرت في يومين، وهذا هو اليوم الرابع عشر، فما لهذا المكروب التعس لا يتكاثر أبداً. . .) لو أن رجلاً غير كوخ صادف ما صادفه من الخيبات لكب أنابيبه وسكب مصله، ورجع عما قصد إليه. أما كوخ طبيب القرية الأشوع، فله شيطان يحفزه ويغريه، فقام عندئذ يوسوس إليه من وراء عاتقه:(صيراً سيدي صبراً. أنسيت أن جرثومة السل بطيئة تستغرق في قتل الرجال الأشهر والسنين. فلعلها أذن بطيئة كذلك في تكاثرها في مصل أنابيبك) فأستمع كوخ لشيطانه، فلم يرم بأنابيبه وأمصاله، واستمهلها لليوم الخامس عشر. فلما كان صباحه نزل إلى مفرخة فوجد الفالوذج المصل قد تبعثرت على سطحه الناعم حبات صغيرة لامعة. فمد كوخ يده في لهفة إلى جيبه يستخرج منه عدسته وألصقها
بعينه وأخذ يحدق في الأنابيب أنبوبة أنبوبة، فلما كبرت هذه الحبات في عينه تراءت قشوراً جافة صغيرة فأمسك كوخ وهو ذاهل بإحدى الأنبوبات، فنزع عنها سداد القطن الذي يسدها، ووضع فاها وهو غائب الفكر في اللهب الأزرق لمصباح بنسن ليعقمه، وأدخل فيها عوداً من البلاتين فلقط على طرفه حبة من تلك الحبات التي ظهرت على الفالوذج المصل، وهو يكاد يوقن أنها مكروبات. فوضعها تحت مكرسكوبه، وهو لا يكاد يدري ما وضع، ونظر فعلم أن البحث تجري طريقه شاقه في صحراء لفاحة جرداء، لا زرع فيها ولا ماء، ولكن المسافر فيها يأتي الفينة بعد الفينة على واحة ظلها وارف، ونبعها بارد، وثمرها وفير مستطاب، نظر فعلم أنه هبط بعد الجهد والجلد على واحة من تلك الواحات، أفليست ملايين المكروبات هذه التي تكشف لبصره الآن هي عينها تلك البشلات الحنواء التي رآها في رئة ذلك العامل المسلول زمناً مضى، وتراءت له لا حراك بها، ولكنها حية بدليل تكاثرها، وتراءت له دقيقة صغيرة، رقيقة المزاج، أنيقة المطعم، سريعة الرغبة عما لا ترضاه منه، ولكنها مع هذا كبيرة النهم شديدة الفتك مخربة هدامة، أكثر تخريباً من غزاة التتر، وآكد في الموت من الحيات والأفاعي.
(يتبع)
احمد زكي
أبو الطيب المتنبي
شاعر الأدب القوي بمناسبة ذكراه الألفية
مهداة إلى الأستاذ الكبير أحمد أمين
بقلم السيد كامل حريري
في مثل هذا اليوم منذ ألف سنة خلت، فقدت آلهة الشعر والبيان رسولها الأمين ونبيها العظيم أبا الطيب أحمد المتنبي، بعد إذ أدى رسالتها ونشر دعوتها أربعين عاماً لا تأخذه كلالة ولا تتكاءده ملالة، وأنبياء البيان كأنبياء الأديان شديد عنتهم كثير اضطهادهم صعبة دعوتهم، وهممع ناكري رسالتهم في بلاء وجهد ما أنزلت عليهم إلهة الشعر رائع آياتها وخالد أبياتها، وما بي عرض رسالة المتنبي وما كان يلقى بسببها من كفر العبقرية وجحود الفضل ونكران العظمة، فكل أحس ذلك في شعر شوقي ورسالته، إن ما أخذت نفسي به هو ذكر أبى الطيب الفيلسوف المهذب، (كورني) العرب في القرن الرابع؛ وأنا إذ أقول هذا لا أقصد إلى قول الفيلسوف الشاعر أبى العلاء المعري:(إنما أبو تمام وأبو الطيب حكيمان والشاعر البحتري) بل أعني ناحية خطيرة في شعر المتنبي هي وحدها سر خلوده وعظمته وبقاء شعره على الزمن.
وما الدهر إلا من رواة قصائدي
…
إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مردداً
…
وغنى به من لا يغنى مفردا
ولكن هذا يقتضيني ذكر القرن الرابع الهجري، وقد تهاوى بناء الدولة العباسية، ورث حبل العروبة، وفشت فاشيةُ ملوك الطوائف في البلاد العربية الاسلامية؛ فآل بويه وبنو حمدان فيالعراق وفارس والشام، ودولة الأخشيديين وبنو رائق في مصر وفلسطين يتواثب بعض على بعض، وإن للفساد والرذيلة لسوقاً رائجة، وان للخيانة والنفاق لبضاعة نافقة؛ أما عن الأخلاق الواهية والعزائم الوانية والمروءات الساقطة فحدث ولا إثم.
فدهري ناسه ناس صغار
…
وإن كانت لهم جثث ضخام
أرنب غير أنهم ملوك
…
مفتحة عيونهم نيام
ذلكم القرن الرابع الذي ولد فيه فجر الشعراء أبو الطيب المتنبي قد عرضته عليك بعجره
وبجره وخيره وشره. لأن للعصر أثراً بيناً فيما ينظم الشاعر ويكتب الأديب، وهو عصر ما أخلقه بشاعر كالمتنبي ينشر بين أهله الضعفاء فرقان القوة ورسالة المجد والمثل الأعلى.
وكما ابتعث (جوبيتير) آله الحرب والقوة نيتشه فيلسوفا يوقظ بإنجيله همم الألمان الراقدة وعزائمهم الهامدة ويلقنهم آيات تنازع البقاء وبقاء القوي الغالب، ابتعث المتنبي قبله بثمانية عصور إلى الأمم الإسلامية يقول:
فالموت أعر لي والصبر أجمل بي
…
والبرُّ أوسع والدنيا لمن غلبا
تطاول العهد بالجاهلية الأولى، فنسى الشعراء نغمة التفاخر بالعديد، والتكاثر بالوليد، والاعتداد بالقوة، والاعتزاز بالمنعة، والتفاضل بمنع الجار وحفظ العشيرة، فأصبحوا وقد رقت حاشيةالحياة، ولانت أعطاف العيش، تشوقهم اللذة، ويروقهمالترف، ويستعبدهم الهوى، وتتصباهم الطريقة النواسية، فما منهم إلا عاشق مفتون، وقيس بليلاه مجنون، وما فيهم إلا نضو ردف ثقيل، وخصر نحيل، وطرف سقيم، وثغر نظيم؛ ومن لا يحب الخصور والنحور واللواحظ والثغور إذا كن مما يشتهي ويستملح!.
طغى سيل الأدب اللين بنوعيه الشعر والنثر على الحياة الإسلامية العربية في القرن الثالث والرابع حتى ماعت الأخلاق الصلبة البدوية، وذابت الرجولة القاسية الجاهلية، وتفككت الفضائل من رابطتها الوثيقة، وتحللت الأخلاق من أزمتها المتينة، وسرى داء الضعف والتخنث في نفوس الشيوخ والشبان بله الكواعب والغلمان. فكان من ذلك جيل مترف متنعم، مسخت الحضارة رجولته، وألان الترف شكيمته، وأماتت النعمة طموحه. فما تتراقى إلى مجد له همةٌ، ولا تتسامى إلى مثل أعلى له عزمةٌ، وما جنى على هذا الجيل ما جنى إلا شعراؤه الخليعون الماجنون وفي طليعتهم بشار وأبو نواس. فان من يقول:
ولو أن مالي يستقل بلذتي
…
لأنسيت أهل اللهو كسرى وقيصرا
لا يبشر إلا بجيل خائر ضعيف كهذا الجيل الذي ولد فيه المتنبي. وما لنا لا نقول في صراحة وصدق، إن الأدب القوي في غير عنف، الشديد في غير عسف، ظل يتيماً بعد الفرزدق وجرير حتى جاء أبو الطيب فرأب الصدع، وسدَّ الثأى وحمل الراية؛ ثم فتح للشعراء طرائق الخلد، وسنَّ لهم سنن المجد؟
ولا تحسبن المجد زقاً وقينة
…
فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الرجال وأن تُرى
…
لك الهبواتُ السود والعسكر المجرُ
وتركك في الدنيا دوياً كأنما
…
تدوال سمع المرء أنمله العشر
أنا لا أريد لهذا النشء المتفكك من شبابنا (الشيك) أن يقحم نفسه الحرب، ويحملها الطعن والضرب، كي ينشأ شجاع النفس شديد البطش منيع الجانب عظيم الرجولة، ولكني أنصحه بقراءة ديوان المتنبي شاعر القوة والبطش والرجولة الحق، وأنا زعيم له بعد ذلك بما يتطلبه من رجولة وإقدام.
ولو أن الحياة تبقى لحر
…
لعددنا أضلنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بد
…
فمن العجز أن تموت جبانا
أما أنتم أيها الذين أضلهم المجد وقعدت بهم الهمة عن طلب العلا، فأستوطأوا مهاد الضعة، وأساغوا صاب الذل، ورضوا بخطة الخسف، فإليكم أتوجه ببيتي شاعر المجد والعظمة
إذا غامرت في شرق مروم
…
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
…
كطعم الموت في أمر عظيم
وبعد: فأن في ديوان المتنبي جبهة حربية تعلم شبابنا الشجاعة والقتال، ومدرسة أسبارطية تنشئ أطفالنا على احتمال الشدائد والأهوال، وجماعة فلسفية توحي إلى رجالنا جلائل الأعمال. فلنمجد شاعر الأدب القوي الذي يدعو إليه نيتشه في عصره، والأستاذ أحمد أمين في عصرنا، والذي توجبه حالنا الاجتماعية والخلقية، وتفرضه سنة البقاء على الناس.
وليحْن قراء (الرسالة) معي رؤوسهم خشوعاً وإجلالاً لنبي الشعر، وفارس الدهر، وملء أذن العمر، وعبقري لو تقدم به الزمن في عهده الإغريق لخلده هومير مع الأبطال وسما به إلى سماء الآلهة! ولا عجب.
وأبو الطيب القائل عن نفسه:
وقت يضيع وعمر ليت مدته
…
في غير أمته من سالف الأمم
أتى الزمان بنوه في شبيبته
…
فسرهم وأتيناه على الهرم.
(حلب)
كمال حريري
أندلسيات:
4 -
قصة الفتح بن خافتان
للأستاذ عبد الرحمن البرقوقي
تتمة
تواليف الفتح وشئ من منظومه ومنثوره
الشائع المعروف أن ليس للفتح بن خاقان غير قلائد العقيان، ومطمح الأنفس، ولكن يجب أن يلحظ أن المطمح نسختان صغيرة وكبيرة؛ وقال أبن خلكان إن المطمح ثلاث نسخ صغرى ووسطى وكبرى. وللفتح غير قلائد العقيان والمطمح كتاب أسمه بداية المحاسن وغاية المحاسن، ذكر ذلك المقري وقال إن له أيضاً مجموعاً في ترسيله وتأليفاً صغيراً في ترجمة ابن السيد البطليوسي نحو الثلاثة كراريس على منهاج القلائد. . . ولمناسبة ذكر ابن السيد البطليوسي الأندلسي الأديب الكبير وصاحب شرح أدب الكاتب لابن قتيبة نقول: إنه كان بينه وبين الفتح علقة ومودة، ومن ثم قرظ ابن السيد كتاب القلائد بهذه الرقعة التي أرسلها إلى الفتح، قال:(تأملت - فسح الله لسيدي ووليي في أمد بقائه - كتابه الذي شرع في إنشائه، فرأيت كتاباً سينجد ويغور، ويبلغ حيث لا تبلغ البدور، وتبين به الذرى والمناسم، وتغتدى له غرر في أوجه ومواسم، فقد أسجد الله الكلام لكلامك، وجعل النيرات طوع أقلامك، فأنت تهدى بنجومها، وتردى برجومها، فالنثرة من نثرك، والشعرى من شعرك، والبلغاء لك معترفون، وبين يديك متصرفون، وليس يباريك مبار، ولا يجاريك إلى الغاية مجار، إلا وقف حسيراً وسبقت، ودعي أخيراً وتقدمت، لأعدمت شفوفاً، ولا برح مكانك بالآمال محفوفاً. بعزة الله. .). وقلائد العقيان كتاب قدمه الفتح لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أخي أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ونائبه في الأندلس، وقد ألمعنا فيما سلف إلى بعض صفات هذا الكتاب وأنه هو والذخيرة لابن بسام، واليتيمة للثعالبي، والخريدة للعماد، ونظائها، لا تعد كتب تراجم بالمعنى المتعارف؛ وإنما هي حليّ وصفات لبعض أفاضل العصر وبلغائه بأسلوب منمق بليغ. ومختارات من منظومهم ومنثورهم.
أما تاريخ المترجم له ومنشؤه ونسبه ومولده ووفاته وكيف تصرفت به الأحوال فهذا ما ليسوا منه بسبيل ولا هو من عملهم وإنما هو من عمل المؤرخ. أما هم فأدباء يحلون أدباء معاصرين أو قريبين من عصورهم. . . وأسلوب الفتح في كتبه أسلوب لاشك جزل متين وإن كان كله مسجعاً؛ ومن ثم قد يعلو وقد يسفل، وقد يرى مطبوعاً وقد يرى عليه أثر التكلف والتعمل. وقد كان بلغاء الكتاب في تلك الأعصر يظنون السجع عملا فنياً في الذروة من الفن تلي مرتبته مرتبة الشعر للموسيقية التي فيه وإن كان النقدة من المتقدمين ينكرون الولوع به والإفراط فيه كما ننكره نحن اليوم. وقد اشترطوا به شروطاً أهمها: أن يكون اللفظ فيه تابعاً للمعنى، ولم يشترطوا ذلك في السجع فحسب؛ وإنما اشترطوه في كل المحسنات البديعية، قالوا: إن هذه المحسنات ولاسيما اللفظية منها لا تحل محلها من القبول، ولا تقع موقعها من الحسن، حتى يكون المعنى هو الذي استدعاها وساقها نحوه، وحتى تجدها لا تبتغي بها بدلاً ولا تجد عنها حولاً؛ ومن هنا ذم الاستكثار منها والولوع بها، لأن المعاني لا تدين في كل موضع لها، إذ هي في الغالب ألفاظ، والألفاظ خدم المعاني مصرفة في حكمها، فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظبة من الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب والتعرض للشين. ولهذه الحالة كان كلام المتقدمين الذين تركوا فضل العناية بالسجع ولزموا سجية الطبع أمكن في العقول، وأبعد من القلق، وأوضح للمراد، وأسلم من التفاوت، وأبعد من التصنع الذي هو ضرب من الخدع بالتزويق. والرضا بأن تقع النقيصة في نفس الصورة وذات الخلقة إذا أكثر فيها من الوشم والنقش؛ وأثقل صاحبها بالحلي والوشم، قياس الحلي على السيف الددان والتوسع في الدعوى بغير برهان، كما قال المتنبي:
إذا لم تشاهد غير حُسن شياتها
…
وأعضائها فالحسن عنك مغيب
هكذا يقول إمام النقاد عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471هـ - سنة 1078 ميلادية - ويقول: وقد تجد في كلام المتأخرين كلاماً حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ماله اسم في البديع - ومنه السجع - إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليُبِين؛ ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده كمن ثقل على
العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها. . . ولن تجد أيمن طائراً، وأحسن أولاً وآخراً، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تلبس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأما أن تضع في نفسك أنه لابد من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه وعلى خطر من الخطأ والوقع في الذم الخ. (وبعد) فإن الكلام في هذا الموضوع يطول، ولنجتزئ بهذا المقدار. والآن، إلا يسمح لنا القارئ بأن نعرض عليه شيئاً من منظوم الفتح ومنثوره؟ وأنت تعلم أن شعر الكتاب في الأعم الأغلب إن هو إلا مقطعات من جهة، وليس من النسق العالي كشعر فحول الشعراء من الجهة الأخرى. ومن ثم كان ما رأيناه من شعر الفتح على قلته شعراً وسطاً كما قال لسان الدين بن الخطيب. فمن شعره مما لم يرد في كتبه:
لله ظبي من جنابك زارني
…
يختال زهواً في ملاء ملاح
ولي التماسك في هواه كأنه
…
مروان خاف كتائب السفاح
فخلعت صبري بالعرا ونبذته
…
وركبت وجدي في عنان جماح
أهدي لي الورد المضعف خده
…
فقطفته باللحظ دون جُناح
وأردت صبراً عن هواه فلم أطق
…
وأريت جدا في خلال مزاح
وتركت قلبي للصبابة طائراً
…
تهفو به الأشواق دون جَناح
ومنه قوله وقد أورده في قلائد يخاطب أبا يحيى بن الحاج:
أكعبة علياء وهضبة سؤدد
…
وروضة مجد بالمفاخر تمطر
هنيئاً لملك زار أفقك نوره
…
وفي صفحتيه من مضائك أسطر
وأين لخفاق الجناحين كلما
…
سرى لك ذكر أو نسيم معطر
وقد كان واش هاجنا لتهاجر
…
فبت وأحشائي جوى تتفطر
فهل لك في ود ذوى لك ظاهراً
…
وباطنه يندى صفاء ويقطر
ومن منثوره مما لم يرد في القلائد ولا في المطمح قوله:
معاليك أشهر رسوماً، وأعطر نسيماً، من أن يغرب شهاب مسعاها، أو يجدب لرائد مرعاها، فان نبهتك فإنما نبهت عمرا، وإن استنرتك فإنما أستنير قمراً؛ والأمير أيده الله
تعالى أجل من أعتصم في ملكه، وأنتظم في سلكه، فإنه حسام بيد الملك طلاقته فرنده، وشهامته حده، وقضيب في دوحة الشرق رطيب، بشره زهره، وبره ثمره، وقد توسمت نارك لعلي أفوز منها بقبس، أو تكون كنار موسى بالوادي المقدس. وعسى الأمل أن تعلو بكم قداحه، ويشف من أفقكم مصباحه. فجرد أيدك الله تعالى صارم عزم لا يفل غروبه، وأطلع كوكب سعد لا يخاف غروبه. . . (وأما بعد) فان أردت التروي من منثور الفتح وبدائعه، فعليك بالقلائد والمطمح، فهما بحق نهران يزخران بالمعجب والمطرب، رحمة الله على هذا الأديب الأندلسي العبقري المبدع. .
(تم البحث)
عبد الرحمن البرقوقي
بمناسبة ذكرى المتنبي الألفية
دنيا المتنبي
إن أهنت الدنيا فانك دنيا
…
كلها عزة ونبل وجود
للسيد أمجد الطرابلسي
هكذا المجدُ! هِمَّةُ وصُعودُ
…
وَحَياةٌ بعدَ الرّدى، وَخُلودُ
هكذا المجدُ! صَيْحَةٌ تَمْلأ الأر
…
ضَ كما تَملأُ الفضاَء الرُّعودُ
هكذا المجدُ! وَمْضَةٌ تَبْهَرُ العَي
…
نَ، وَتُجْلى بها اللَّيالي السّودُ
هكذا المجدُ! فَرحةٌ لِبَني الأَر
…
ضِ وللارضِ والسّماءِ وَعِيدُ
هكذا المجد مَجْدُ (أَحْمَدَ) لَحْنٌ
…
في سَماعِ الدّنيا لَهُ تَرْديد
نَفْحَةٌ مِنْ خَمائِلِ الخُلْدِ رَيّا
…
بِشَذاهُ، وَبُلْبُلٌ غِرِّيد
يا نَبِّي القَريض كَمْ لكَ بَيْتٍ
…
مَلأَ الخاِفَقْينِ وَهْوَ شَرودُ!
كم خطاب فَصْلٍ، وَكم مَثَلٍ سا
…
رَ فَأبلى القُرونَ وَهْوَ جَديد!
سائِلِ الأَعْصُرَ الطِّوالَ أَأَوْدى
…
لكَ فيها بَيْتٌ وماتَ قَصيد؟
يَتوإلى المَدى وشِعْرُكَ باقٍ
…
وَتَشيخُ الدّنيا وَأَنْتَ وَليد
شِعْرُكَ المُسْتَفيضُ في عُنُقِ الأَ
…
يّامِ دُرٌّ وَلُؤْلُؤٌ مَنْضود
أيُّ سَلْوى عَنِ الزّمانِ يَراها
…
في قَوافيكَ بائِسٌ منْكود
أي سَلْوى عنِ الحَبيبِ يَراها
…
في قوافيكَ ثاكِلٌ مفؤْود
شِعْرُك النارُ للجَبانِ سِلاحٌ
…
وَعَتادٌ وَعَزْمةٌ وَجُنود
وَهُتافٌ يُهيبٌ بالنِّكْسِ حَتى
…
يَرِدَ الكالِحات وَهْوَ جَليد
يَستَثِيرُ الاسْرى على الظْلمِ حَتى
…
يَتَبَزَّى المُقَيَّدُ المَصْفود
وَيَهزُّ الدنْيا على الجَوْرِ حَتى
…
تَتَفَرى سَلاسِلٌ وَقُيود
أَيُّها الشاعِرُ الذي أَطْرَبَ الأَجْ
…
يالَ مِنْهُ الإنْشادُ والتَّغْريد
وَغَدا الدهْرُ راوياً وَمُعيداً
…
لأَغاريدِهِ، وَجَلَّ المُعيد
أَيُّها الشّاعِرُ الذي سَحَرَ الأسْ
…
ماعَ حَتى كأنَّهُ داوُد
وَتَغَنَّى بِلَحْنِهِ الفَلَكُ الدَوَّا
…
رُ وَاليَمُّ وَالرُّبى وَالبِيد
مِلءُ صَدرِ الزَّمانِ حِكْمَتُكَ المُث
…
لى وَإرْشادُكَ القَويمُ السَّديد
(أَنْتَ في شِعْرِكَ العظيمِ نَبِيٌ)
…
مُرْسَلٌ مُلْهَمٌ وَأُفْقٌ مَديد
وَفُحولُ القَريضِ بَعْدكَ يَرْوي
…
هِمْ عَلى الدهْرِ بَحْركَ المَرْفود
هكَذا الشّعْرُ نِعْمَةُ اللهِ في الأَرْ
…
ضِ تَغَنَّى بِها الهُوى والنُّجُود
يَتَخَطَّى الزَّمانَ جيلاً فَجيلاً
…
وَيُبيد القرونَ وَهْوَ خَلود
يا ابْنَ حَمْدانَ أَنْتَ لَولا أبو الطِّيِّ
…
بِ أنّى لِذِكرِكَ التّخْليد
أَنْتَ أَوْلَيْتَهُ العَطايا جُزافاً
…
والعَطايا مَعَ الزَّمانِ تَبيد
وَحَباك الخُلودَ في مُصْحَفِ العِزِّ
…
م وَهذا هَو النَّدى والجود
أَنت لولاهُ ما رَأَيناكَ في السا
…
ح، وَلْلحَرْبِ ضَجَّةٌ وَبُنود
تَصدعُ الجَحْفَلَ الألَفَّ بِسيْفٍ
…
مُصْلتٍ حُرِّمتْ عَلَيْهِ الغُمود
باسماً تَطْلُبُ الرَّدى مُستميتاً
…
وَالرَّدى مِنْكَ خائِفٌ مكدود
وَفلولُ الأعداءِ تبَغْي عَنِ المْو
…
تِ مَحيداً وليس ثَمَّ مَحيد
كلهم يصرُخُ النجاةَ ويطوي
…
صفَحاتِ القِفِار وهْوَ شَريد
صورَةٌ للنِّضالِ عَيني تراها
…
في ارتِياعٍ، ومنْظرٌ مشْهود
ياأبا الطّيّبِ الزَّكِّي مِنَ الوَحْ
…
ى ويا أيها الحديثُ الفَريد
إنْ أهْنت الدُّنيا فإنَّكَ دُنْيا
…
كلها عِزَّة ونُبْلٌ وجود
قد أبيت الرِّياَء والكونُ خَتْلٌ
…
ورِياءٌ وخُدْعَةٌ وسجود
وحَقَرْتَ الدنيا يموجُ بها الش
…
رُّ وتَغْلي مطامِعٌ وحُقود
وسَئِمْتَ الحياةَ رَتَّقَها الظلْ
…
مُ وأَوْدى بصفْوِها التَّصْريد
يَتلوَّى النَّبيغُ فيها من الجو
…
عِ ويَعْلو عروشَها الرِّعديد
آفةُ المرءِ في الحياةِ شُعورٌ
…
مستفيضٌ وخافِقٌ مَجْهود
ونصيبُ الإنْسانِ بين الجلامي
…
دِ عذاب وحُرْقَةٌ ونكود
وأخو النُّبلِ والإباء بغيضٌ
…
تتجافى عنهُ الرِّفاقُ، وحيد
مُستضامٌ يطوى الحياةَ كميداً
…
وهْوَ في مُرِّ عيشِه محسود
ئِدُ العمرَ في تُرابِ التمني
…
والأمانِيُّ لَوْعةٌ وجهود
يا أبا الطيِّب السَّنيِّ منَ الذك
…
رِ ويا أيُّها الثَّناءُ الحميد
ما الذي أشتكى إليكَ وقَلبي
…
مُفْعَمٌ مُوجع، ودَمعي بدِِيد
قد شكوتَ الزَّمانَ والمجدُ مجد
…
عربيٌّ، وغُصنُه أُمْلود
وملِلْت الحياةَ في ظِلَّ (سيفٍ)
…
وهْوَ فَحْلُ العُروبةِ الصِّنْديد
فلعَمري ماذا نبُثُّ ونشكو
…
بعدَ أن صوَّح التراثُ المجيد؟
قد عفا المُلكُ وانطوى كلُّ عزٍّ
…
وهوى العرشُ والبناءُ المَشيد
(وغدا الحُرُّ من بني الصِّيد عبداً
…
بينما العبدُ سيِّدٌ معبود)
وتمشي الصَّغارُ فوق شبابِ ال
…
مجد يختال هازِئاً ويسود
وبنو الصِّيد نائمونَ على الضَّيْ
…
مِ فلا غُصَّةٌ ولا تنكيد
يا أبا الشِّعر أين منك دويٌّ
…
هو للظلْم والطغاةِ وعيد
أين صَيْحاتُكَ التي تتنادى
…
بصداها يومَ الزِّحامِ الأسود
قُم وصَرِّخْ بين الغُفاةِ مُهيباً
…
فلقد طالَ بالنِّيامِ الهجود
وأثِرْ نخوَةَ الضّراغِمِ حتى
…
يُرْخِصوا كلَّ مُهجةٍ ويجودوا
وصْمةٌ للخلودِ أن تمَّحى العُرْ
…
بُ، ويَبلى لِواؤُها المعقود
ويصيحُ العفاءُ في رَبْعِها القَفْ
…
رِ، ويُطوى حديثُها الممدود
يا أخا المجدِ والمكارِمِ ماذا
…
في حياةٍ نعيمُها تعقيد؟
لو تَركتَ الدنيا وأهْوالَها السُّحْ
…
مَ، فإِن الحياةَ فيها جُدود!
أنتَ تَبغي السماَء والجَدُّ يأبى
…
وتروضُ الزَّمانَ وَهْوَ عنيد
قد رَكبتَ الأهوالَ في دَرَكِ المُلْ
…
كِ فلا راحةٌ وَلا تهجيد
وقطعتَ القِفارَ يحمِلُك الشَّو
…
قُ ويحدوكَ حلْمكَ المنشود
عْزمةٌ دونَها السُّيوفُ المواضي
…
وإباءٌ، وَهِمَّةٌ لا تميد
وَمَضاءٌ يستعذِبُ الموت وِرْداً
…
ويفُلُّ الصُّروفَ وَهْو حديد
وإذا النفس دُلِّهت بمُناه
…
فالمنايا خمائلٌ ومُهود
حلُمُ يستيبك في أُفق المج
…
دِ بَهِيٌّ، لا أعيُنٌ وخدود
وقدود القَنا سَبتْكَ غراماً
…
لا قدود عاجِيّةٌ وَنُهود
رُضتَ صَعبَ الفلا وجُبْتَ الصحارى
…
ظامئاً يطَّبيك وِرْدٌ بَرُود
(وشَققْتَ النّوى إلى العِزِّ حتى
…
جاَءك الموت في المطاف يصيد
فرميتَ السِّلاح بعد حياةٍ
…
كلها ثورَةٌ وجَهد جهيد
ولقيتَ الجَمامَ في كنفِ المو
…
تِ وقد عزَّ في الحياة الهُمود
ثُم ضاقَ الثرى الرحيب وضقت
…
عنك يا ابْنَ الخلودِ هذي اللُّحود
فمحتْ قبرَكَ السِّنون المواحي
…
ومشى فوقُه الزمانُ المبيد
مُتَّ إلا صداك فَهْو مُرِنٌ
…
هازئٌ بالمَدى الطويل، شديد
إن عفا قبرُكَ الضئيل فأنت ال
…
يوم في كلِّ خافقٍ ملحود
أوْ خبا لحنُك الجميل فأنتَ ال
…
يوم في مِسمع الزمان نَشيد
(دمشق)
أمجد الطرابلسي
الشتاء في إنجلترة
(ذكرة)
للأستاذ عبد الرحمن شكري
مقدمة:
يسقط الثلج في إنجلترة شتاء على شكل حبات الدقيق فيعلو الأرض والمنزل والأشجار، فيخيل للرائي كأنما قد كسيت الدنيا كساء من القطن، وكأن النهار ليلة مقمرة، وكأنمابياض الثلج من أثر بياض أشعة القمر؛ وتذكى النار في المواقد في البيوت، فكأن ألوان النار ألوان الأزهار الزاهية في جنة الربيع؛ وتذكى نار المواقد وجنات الوجوه، فكأن في المواقد جمراً، وفي الوجوه جمراً؛ وتبحث في القلوب فترى نار الحياة وشرتها، وترى الحب والآمال لم يغض منها برد الشتاء وثلجه.
(الناظم)
نشر الضريبُ على البسيطة
…
حلة بيضاء تمحو غبرة الغبراء
يسعى على وَضَح النهار كأنما
…
يسري الفتى في ليلة قمراء
فكأنَّ نُورَ البدر ما حَلَّى الثرى
…
برواء تلك الحلة البيضاء
غلب البياض على اصفرار أشعة
…
تهب النهارَ من اصفرار ذُكاء
وعلى المساكن كسوة منه كما
…
تعلو المفارقَ شيبةُ الشمطاء
فإذا مشابهة المشيب كدعوةٍ
…
للنفس أن تنأى عن الأهواء
وإذا استراح لِمُقْمِر من لونه
…
راء ترى الأحلامَ عينُ الرائي
وكأنما زهرا أبيضاً غطَّى الثرى
…
برواء ثوب الروضة الغناء
ولكل لون حسنه كالليلة ال
…
ليلاء أو كالقبة الزرقاء
ولربما اختلف الجمال وفعله
…
متشابهٌ في أخذة الصهباء
وإذا المواقد في البيوت تضاحكت
…
من شدة الإيقاد والإذكاء
خلت الربيعَ سعى إليك بحلفه
…
والنارَ زهرَ الجنة الفيحاء
يُذكى الوجوهَ لهيبُها فتراهما
…
جمرين يشتعلان في الظلماء
ما غض من دفءِ الحياة ونارها
…
ثلج الشتاء على ثرى الغبراء
الحب والآمال فوق متونه
…
كالحب والآمال في الصحراء
والقلب قلبٌ حيث كان إذا ذكت
…
نار الشباب وشِرَّةُ الأحياء
عبد الرحمن شكري
مؤتمر القلوب
للأستاذ محمد السيد زيادة
بقية المنشور في العدد 127
وبقيت حزيناً مطرقاً أتفكر في أساليب الشقاء على الأرض حتى أخرجني من الحزن قلب رأيته حائراً بين القلوب موزعاً عليها مجنحاً فوقها!! يجد قلباً آسيا فيميل إليه مشفقاً عاطفاً يسأله عن قصته ثم يواسيه ويعزيه، ويظل مائلاً إليه بشفقته وعطفه حتى يتأكد أنه خفف عنه بعض ألمه. ثم يتركه ويمضي في المجتمع نائحاً يردد في نوحه صدى القصة التي سمعها من ذلك القلب، ويذيع سرها منمقا، ويصورها مجسمة ليتأسى صاحبها ويستعبر سامعوها. . ثم يصادف قلباً آخر متربة فيبذل له قسطه من دموعه ومن عزائه، ثم يمضي إلى سبيله في المجتمع موضحاً ما غمض شارحاً ما تعقد. وهكذا رأيته كالطائر الغريد يقضي كل وقته متنقلاً بين الأدواح والغصون يتسمع الهمس والنبض والأنين، ويتغنى بما يصل إلى حسه من شجو القلوب وأساها، فيصرف في ذلك راحته وهدوءه. ويتهافت على ذلك كأنما هو يؤدي وظيفة يحتم عليه الواجب أن يؤديها.
قلت: قلب من هذا القلب المؤمن العطوف الذي يعذبنفسهفي راحتنا، ويصب علينا من مشاعره حنانا ورحمة، وينساب بيننا كما ينساب الجدول في الحديقة بين مختلف الزهور يغيث منها الظامئ، وينعش الذابل، ويرقص المنتعش؟.
قالوا: هذا قلب شاعر. . . وما خلق الشعراء إلا رحمة للعالمين. . . قلب كريم يتعذب بين الناس بحنانه، ليزرع الحنان في قلوبهم بعذابه؛ فترينا حياته كيف تكون حياة الملائكة إذا صاروا من بني الإنسان. إن في أحنائه لعالماً فسيحاً تمتزج فيه آلام الناس بآلامه هو فتكون كتلة واحدة من الألم يتفجر من بينها ينبوع فوار من الرحمة ينهل منه كل بائس.
لكأنما هو مكلف باستخراج مصيبة لنفسه، من كل مصيبة تنزل بغيره، أو مرسل من عند الله لتخفيف أشجان مخلوقاته. فكم يفتش في مناحي الحياة عن مآسيها وعبرها ليتحمل نصيباً منها! وكم ينقب في أغوار الكيان عن خفاياه ومكنوناته ليحدثالناس عنها! وكم يكد ليخلق من كل ما حوله جنة لكل من حوله!.
ولما أنى للمؤتمر أن يبدأ عمله وجدت قلب الشاعر أظهرنا اهتماماً، وأشدنا فرحاً، وأكثرنا
حركة. وما كدت أعجب لهذا حتى عجبتُ لأكثر منه إذ علمت أنه هو الداعي إلى هذا المؤتمر.
وساد الكون فترة ثم وقف قلب الشاعر يقول: دعوتكم إلى هنا اليوم يا إخواني لأنادي فيكم بالوئام فهل أنتم مجيبون؟ إذا كان ذلك، وما أظن إلا ذلك، فلنجمع إذاً أمرنا على إقرار المحبة، وتبادل الوداد والإخلاص بيننا؛ ولنترك إذن كل ما يتعلق في أهداب الحياة من المساوئ والمكارة التي إذا وقع أحدنا في إحداهاوقعفي أخس الصفات وبات مذموماً ممقوتاً؛ ولنتنصُّل إذن من شئ بغيض اسمه البغض، ومن شئ كريه اسمه الكراهية؛ ولنتجنب الوضاعة في تجنب الحقد، ولننبذ الأنانية في نبذ الحسد. ْ
لنشرع لنا يا إخوتي سنناً جديداً، ونمشي في نوره إلى المثل الأعلى لنقاوة القلوب. كونوا جميعاً عصبة واحدة كلمتها الدائمة: نحن إخوة فليس بيننا إلا مافي الإخاء من إخلاص ووفاء - كونوا جميعاً قلباً واحداً لا يحمل غير الأيمان والحب.
قال قلب الشيخ المصلح: أكرم بك يا قلب الشاعر!! لقد قلت ما أحب دائماً أن أقوله وأن أعمل له. إنك لصورة مني في قالب الجرأة، وأنى لصورة منك في قالب الحياء.
ثم تحول إلى الجمع وقال: أنصتوا له يا أعضاء المؤتمر، وأطيعوه، إنه يدعوكم إلى السلام.
قال قلب الشاب الساذج المغتر وهو يرقص كالطفل يرى لعبة جديدة له في يد أمه: مرحى. . . مرحى. . . جاء السلام. . . نعم السلام؛ فلنتسارع جميعاً إليه ولنستبشر بالهدوء والطمأنينة.
قال قلب الرجل المفسد: كأن لك غرضاً خفياً من وراء ندائك هذا يا قلب الشاعر!! فأنت تدعونا الآن إلى الانصراف عما خلقنا له من عمل وجهاد، والركون إلى ما خلقنا لنحاربه من خمود واستسلام.
قال قلب الشاعر: صه يا هذا القلب المتكلم. . . ماذا في السلام من الخمود والاستسلام؟ وهل معنى العمل والجهاد أن نتسابق في الضغائن والأحقاد؟ أعملوا وجاهدوا ولكن فيما فيه الخير والنفع تعيشوا في حدود السلام سالمين.
قال قلب المفسد: وكيف نسلم إذا كانت نواميس الطبيعة تحتم علينا إن تختلف طباعُنا، فنختلف بها، فيأخذ كل منا منهجاً لنفسه، فتتعدد الأحوال بتعدد المناهج، فتنجم المشاكل
فتخلق العناد، وتستلزمالعمل والجهاد.
قال قلب الشيخ المصلح: ما أخطرك أيها القلب على كل محيط تندس فيه!! إنك لخبيث وتدافع عن الخبث بقوة هي فجور الخبث وتسلطه وانتقاله من طور الداء إلى طور الوباء.
لماذا لم يتكلم غيرك منابذاً دعوة السلام، محاولاً تفنيد الرسالة التي حملها ألينا قلب الشاعر؟ ولماذا لم تبدر من غيرك نذر الخلف ووسائل الشر؟ أليس هذا لأنك مجبول على الخسة وحقارة المبدأ؟. . . ما أقل شأنك عند الله، وماأبعدك عن رحمته، وما أحقك بأن تكون سخرية لكل ساخر!.
قال قلب الشاعر: لقد فسد خلقه، ثم أعلن في هذا المؤتمر فساده، ثم دافع عنه الصلاح، ثم أرادأن يجعله نهجاً نتسقل فنعمل به جميعاً. . . ليس بعد هذا حضيض لمنحط، أو قرار لنازل من مستوى الآدميين على دركات منها الوقيعة، ومنها النميمة، ومنها الدس، ومنها الرياء؛ وآخرها التبجح في كل ذلك!! أخرجوه عنا وأبعدوه.
فانقضضنا عليه وطردناه، وكان كل منا يشعر إذ ذاك بأن هذا القلب رذيلة تتحكك به، فاتحد شعورنا فشعرنا كلنا بأنه رذيلة تريد أن تسلك سبيلها المظلم في المجتمع، فوجب علينا أن نصدها، بل وجب علينا أن نمحوها. . . ولما طرد من بيننا ذلك القلب الشرير، أو ذلك الشر المتسلط، أو ذلك الخطر المتسلل، أسوأ الطرد كانت لا تزال بيننا قلوب من طبقته، تعمل على شاكلته، فتوجست خيفة، وتضاءلت، والتمست النجاة، وانتدحت المخابئ. ولكنها كانت مع هذا حريصة على أن تظل مدسوسة في المؤتمر، أو مخبوءةفي مسمع مما يدور فيه لتشبع غريزة الحب الاستطلاع التي هي إحدى لوازم عملها، وإحدى دعائم حياتها.
وعرفناها فألحقناها بزميلها الذي فضح نفسه حين تكلم، فكان شراَ على نفسه حين أراد أن يكون شراً علينا، وانقلبت عليه سيئات ما عمل قبل أن تصل إلينا.
ووقف قلب الشاعر يكرر نداءه، ويستكمل رسالته ويقول: أحسب الآن أننا نجونا من الرذائل بطرد دعاتها ومحبذيها، وأعتقد أننا سنحارب القلوب المضرة ما استطعنا حتى تصير مثلنا أو تنقرض، وأن كلاً منا قد آمن بنعمة السلام، وأننا قد أصبحنا أخوة، ولكن تظل أخوتنا ناقصة حتى نسبغ عليها شيئاً ضرورياً لها هو روح الاخوة. . . فينظر بعضنا إلى بعض دائماً نظرة الاحترام الخالية من الاستصغار أو الاستنكار أو الاستهتار، فليكن
بيننا كبيراً في مقداره، كثيراً في اعتباره، وليكن شعوره محترماً ككل شعور.
فاستاء قلب الجبار وقال: عجباً!! كيف يساغ أن نعامل الضعيف كما نعامل القوى؟؟ وكيف نجل ذاك كما نجل هذا؟ وكيف نعتبر ذاك في ضعفه كما نعتبر هذا في قوته؟ إلا يكون في ذلك خلط، وتزييف في حقائق، وغبن للكرامة، وتشويه للحياة؟. . . . . إنها لمساواة فاشلة باطلة، كالمساواة بين الخادم وسيده، أو بين الطفل وأبيه. فلا العقل يتصورها، ولا الطبيعة تقيمها، ولا ظروف المعايش تبيحها.
قال قلب الشاب الساذج المغتر: أجل. . . . أجل. . . هذا هو الصواب؛ فالقوي لا يمكن أن يقبل الضعيف عديلاً له أو شبيهاً به، لأن القوي لا يستطيع أن يهبط حتى عيشه الضعيف، والضعيف لا يستطيع أن يعلو حتى يعيش عيشه القوي، فليكن القوي فوق الضعيف، ولتكن القوة موضع الاحترام.
قلت أنا أخاطب قلب الجبار: أنت واهم أيها القلب المتجبر تحسب أن الصدارة للقوي يعمل ما يشاء فيرتاح الجميع لما يعمل؛ ثم يأبى عليك جبروتك أن تساوي بمن يقل عنك قوة ومكانة؛ ولكن هون عليك فانك لم تدع إلى ما فيه غبن لكرامتك أو حطم لكبريائك، وإنما دعيت إلى ما تعد كريماً لو فعلته.
دعيت إلى تبادل المحبة مع القوي والضعيف على السواء؛ فبقدر قوتك يحسب على الضعيف كرمك، وبقدر كرمك يعتبر تواضعك، وبقدر تواضعك يكون سموك.
نحن نعرف أنك قوي، ونعرف أنك لست وحدك القوي، فأكثرنا ذو قوة. . . وإن لم تكن قوته في بنيته ففي صلابة إيمانه، أو في طيبة عنصره، أو في طهارة نزوعه، أو في عزته وإبائه؛ وقد ينقصك شئ مما في غيرك من هذا كما ينقص غيرك شئ مما فيك من القوة. فلنقدر كل هذه الصفات، ولتعلم أن القوة ما هي إلا واحدة منها.
قال قلب الشاعر: ليس ذنب الضعيف أنه ضعيف، لأنه خلق كذلك فلم يدخل شيئاً جديداً على خلقته؛ والقوي يكون مذنباً إذا اختال بقوته، لأنه يدخل باختياله عيباً كبيراً على خلقته. . .
وكنت أظن أن عمل المؤتمر قد انتهى إلى هذا، ولكن وقف قلب الشاعر مرة أخرى يستكمل رسالته ويقول:
ما دمنا أخوة، ومادمنا نشعر بروح الأخوة. . فعلينا واجب هو آخر واجباتنا غير أنه أهمها، هو أن نقدم العون والمواساة لمن كان منا منكوباً أو مكروباً؛ فمثل هذا القلب - وأشار إلى قلب المومس بجانبي فيكي - كم بألم، وكم يكتم ألمه، لأنه لا يجد من يشكوه إليه، وإن وجد فأنه لا يجد من يواسيه فيه، فيكي وحده كلما انفرد فتذكر، أو كلما اجتمع فتفكر - بكاء الصابرين على غير أمل، والأحياء في غير رجاء.
فأقبلنا جميعاً على هذا القلب المسكين نواسيه، حتى انفرجت كربته؛ ثم أخذنا نتشاكى ونتناجى ونتواسى، ثم أقبلنا على قلب الشاعر نكبره ونصافحه ونحييه، ثم انفض المؤتمر.
ولما خرجت من التفكير والحلم، ثم عدت كما أنا شخصاً في صدره قلب، قلت: آه!! كم يعيش العالم سعيداً لو اتحدت قلوبنا فاتحدنا؛ وكان ٍأساس اتحادنا الإخلاص!.
(طنطا)
السيد محمد زيادة
بين المتنبي وسيف الدولة
للأستاذ أحمد أحمد بدوي
غادر المتنبي أرض مصر وشعوره لأميره السابق سيف الدولة نستطيع أن نجمله في بيتين قالهما المتنبي وهما:
فارقتكم فإذا ما كان قبلكم
…
قبل الفراق أذى، بعد الفراق يد
إذا تذكرت ما بيني وبينكم
…
أعان قلبي على الشوق الذي أجد
فهو قد خرج من مصر ونفسه تواقة إلى سيف الدولة، مشتاقة إلى الاستظلال بكنفه، لأن آماله التي غرسها عند غيره لم يجن منها غير الخيبة والندامة؛ ولم يكن اشتياق سيف الدولة إلى لقاء المتنبي بأقل من ذلك، فقد أحس بعد فرقته بفراغ لم يملأه شاعر ممن حوله، ورأى بلبله الغريد قد طار عن أبكته، وحط عند غيره، ولم يكن أحب إليه من عودته، كما دلت على ذلك فعال سيف الدولة بعد أن فارق المتنبي أرض مصر، وهو إحساس كان من السهل على المتنبي أن يستثمره وأن يقصد تواً أرض سيف الدولة، ولكنه لم يفعل لأمور نستطيع تلخيصها فيما يأتي:
أولاً ما فطر عليه المتنبي من سمو النفس والعظمة التي كانت تملأ جنبيه، فقد عز عليه أن يلجأ إلى من فارقه مغضباً منه، وأن يذهب إلى من فرّط فيه ولم يبق عليه، بل سمع فيه قول الوشاة.
وثانياً هذا الشعر الكثير الذي قاله مضطراً تحت عوامل نفسية، وعوامل خارجية وثورة واضطرام عواطف وسب فيه سيف الدولة، فلم يجد من اللياقة أن يقصد من هجاء، ورأى في ذلك غضاضة لا يسبغها ولا يقبلها.
لم يذهب المتنبي إذاً إلى سيف الدولة ولكنه قصد الكوفة، وهناك كثيراً ما ذكر أيامه السالفة لدى الأمير وعهده الغابر؛ أما سيف الدولة فقد نسى كل ما ذكره المتنبي عنه حينما كان بمصر وأرسل إليه ابنه بهدية، فلم نجد المتنبي ما يشكره به سوى شعره، فكتب إليه قصيدة بدا فيها ما يكنه من جميل الذكرى وفيها يقول:
كلما رحبت بنا الروض قلنا
…
حلب قصدنا، وأنت السبيل
والممَّون بالأمير كثير
…
والأمير الذي بها المأمول
الذي زلت عنه شرقاً وغرباً
…
ونداه مقابلي ما يزول
نقص البعد عنك قرب العطايا
…
مرتعي مخصب وجسمي هزيل
إن تبوأتُ غير دنياي دارا
…
وأتاني نَيْل فأنت المنيل
من عبيدي إن عشت لي ألف كافو
…
ر ولي من نداك ريف ونيل
ولا ينسى في تلك القصيدة أن يسمعه تلك النغمة القديمة التي كان يطرب بها مسامعه أيام كان في كنفه، فهو يحدثه عن حربه مع الروم وطول عراكه معهم، لأن تلك النغمة أعذب نغمة لدى سيف الدولة، فهو يقول له:
وموال تحييهم من يديه
…
نعم غيرهم بها مقتول
فرس سابق، ورمح طويل
…
ودلاص زُعف وسيف صقيل
أنت طول الحياة للروم غاز
…
فمتى الوعد أن يكون القفول
تلك القصيدة تشعرك حقاً بأن المتنبي يحفظ أجل الذكريات لأميره ولا ينساها. ثم لما ماتت أخت سيف الدولة وورد نعيها العراق وسمع به المتنبي أبت عليه نفسه إلا أن يكون له نصيب من الحزن عليها فرثاها بقصيدة تدلك حقاً على وجدان متألم، وأنه يحزن لحزن أميره القديم ويرثى لمصابه، وفيها يقول:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
…
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا
…
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
أرى العراق طويل الليل مذ نعيت
…
فكيف ليل فتى الفتيان في حلب
يظن أن فؤادي غير ملتهب
…
وأن دمع جفوني غير منسكب
بلى وحرمة من كانت مراعية
…
لحرمة المجد والقصاد والأدب
فأنت ذا تراه ينفى عن نفسه أنه لم يشارك أميره في الحزن ويقسم له بحرمة الفقيدة ثم يقول:
يا أحسن الصبر زر أولى القلوب به
…
وقل لصاحبه يا أنفع السحب
وأكرم الناس لا مستثنياً أحداً
…
من الكرام سوى آبائك النجب
ولعل رغبة سيف الدولة قد اشتدت في أن يكون المتنبي إلى جانبه فأرسل إليه كتاباً بخطه إلى الكوفة يطلب منه أن يسير إليه، فأجابه بقصيدة فيها عتاب جميل واعتذار عن التخلف،
ومدح لسيف الدولة؛ ولعل المتنبي بذلك المدح يريد أن يعوض على سيف الدولة فقده؛ واستمع إليه يعتذر ويقول:
وما عقني غير خوف الوشا
…
ة، وإن الوشايات طرق الكذب
وتكثير قوم وتقليلهم
…
وتقريبهم بيننا والخبب
وقد كان ينصرهم سمعه
…
وينصرني قلبه والحسب
وما قلت للبدر أنت اللجي
…
ن وما قلت للشمس أنت الذهب
فيقلق منه البعيد الأباة
…
ويغضب منه البطئ الغضب
ويمدحه ويقول:
وما لاقني بلد بعدكم
…
ولا اعتضت من رب نعماي رب
وما قست كل ملوك البلاد
…
فدع ذكر بعض، بمن في حلب
أفي الرأي يشبه أم في السخا
…
ء أم في الشجاعة أم في الأدب
ثم يمضي مادحاً معيداً على أذنه تلك النغمة القديمة - كما قلنا - نغمة مدحه بقتال الروم.
تلك علاقة المتنبي بسيف الدولة وهي علاقة لا تتعدى المراسلة، وقد يقال: أما كان من الخير للمتنبي أن يذهب إلى سيف الدولة بعد أن دعاه؟ ولكن إذا علمنا ما كان يخشاه المتنبي من الوشاة وأن المأساة ربما تتكرر خففنا من لومه والاعتراض عليه.
لم يلق المتنبي إذاً سيف الدولة بعد أن فارقه حتى قتل؛ أما شعور الأمير ساعة علم بمقتل شاعره القديم فان كتب الأدب إذا كانت لم تحدثنا عنه فمن السهل علينا فهمه، إذ ليس من اليسير على سيف الدولة تقبل مثل هذا الخبر من غير أن يحزن له وأن يتألم من أجله في صميم فؤاده.
أحمد أحمد بدوي
7 - معركة عدوى
للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي
رئيس أركان حرب الجيش العراقي
وكان لموقع عدوى خطورة خاصة من حيث الاحتشاد في (ادجرات) حيث يوجد طريق يربط عدوى بأسمرة تواً بعد أن يمر بغوندت ويقطع خط الاتصال على القوات في ادجرات، وإذا أرادت الانسحاب تكون القوة الحبشية في عدوى قد سبقتها إلى اسمرة، بينما موقع أسمرة خطير وهو واقع على عقدة الجبال ويستر ميناء مصوع.
نعم يوجد طريق آخر يربط ادجرات بزولا في جنوبي مصوع وتستطيع القوات أن تتمون وتنسحب بواسطته إلى الساحل عند الحاجة، بيد أنه لا يستر الميناء (مصوع)، وهذا الميناء هو القاعدة لجميع الحركات ومنه تتمون حاميات (كرن) و (كسلا)، ولم يكن البريطانيون راغبين في إخلاء كسلا قبل أن يقضوا على حركات المهدي تماماً.
وقد أدى جمع القوات في ادجرات إلى مجابهة القيادة الطليانية مشكلة التموين. وكان في عدوى مقدار كبير من الذخائر اضطر الطليان إلى إتلافه لما انسحبوا منها. ولم تكف وسائل النقل لنقل المؤن. وبدلاً من أن يمونوا الوحدات الأهلية أخذوا يدفعون إليها الدراهم بدلاً من الأرزاق، بينما كانت الأرزاق قليلة، وكانت الأحوال جميعاً تدل على أن الطليان وقعوا في مأزق لا يمكنهم الخروج منه إلا بصعوبة.
فأرادت الحكومة الطليانية أن تنقذ الموقف بإرسال قوات جديدة إلى أريترة، وقررت من جهة أخرى إنزال القوات في ميناء زيلع للتقدم نحو هرر واستمالة المسلمين إلى جانب إيطاليا وتهديد العاصمة (أديس أبابا)، فتضطر القوات الحبشية إلى الإنقسام. بيد أن حكومتي بريطانيا وفرنسا لم توافقا على إنزال القوات الطليانية في ميناء زيلع في الصومال البريطاني لأنهما كانتا قد اتفقتا على اعتبار مقاطعة هرر من الأملاك الحبشية. وهذه المقاطعة الكثيرة السكان تتجر مع المستعمرتين الفرنسية والبريطانية، ولكلتا الدولتين منافع خاصة فيها.
والذي زاد الطين بلة أن الخلاف ظهر بين القيادة الطليانية في أريترة وبين الحكومة الطليانية في رومة. وكانت البرقيات التي يرسلها رئيس الحكومة (كريسبي) تندد بأعمال
الجنرال باراتيري، وكلما ورد خبر مؤلم إلى إيطاليا تثور زوبعة في رومة تنتهي بإرسال برقية شديدة اللهجة إلى حاكم المستعمرة وقائدها.
ومن هذه البرقيات البرقية التالية التي أرسلها رئيس الحكومة إلى الحاكم العام بعد وصول أخبار نكبة (امبا - الاغي):
(أرسلنا إليك أكثر مما طلبت ولا نزال نرسل. وإذا كان سبب المصائب عدم كفاية وسائلك أو قلة كفايتك فالويل لك).
وفي البرقية الأخرى يذكر ما يلي:
(يظهر لنا أن في روحك شيئاً من الخيبة والتردد).
وطلب الجنرال إرسال أربعة عشر فوجاً وخمس بطريات جبلية؛ بيد أنه لم يفكر في كيف يتمكن من تموين هذه القوات بينما كانت القيادة عاجزة عن تموين أولئك الموجودين في المستعمرة، وكان يبحث في القيام بالهجوم من جديد. وكان جواب (كريسبي) إليه ما يلي:(أنا لا أريد منك خطط حركات، وإنما أرغب إلا تتكرر الهزائم).
وفي 8 يناير 1896 أبرق الجنرال (باراتيري) أنه لا يريد إرسال قوات لأنه لا يتمكن من تموين القوات الموجودة عنده. وبعد سقوط قلعة (مكلة) تأكد من كثرة قوات الحبشة التي عسكرت بين (مكلة) وادجرات، فقرر ترك مقاطعة (تيجري) والانسحاب بقواته إلى مصوع، وطلب الموافقة على ذلك من رومة، إلا أن الحكومة الطليانية لم تشاركه في هذا الرأي، وكان كريسبي يستهزئ بباراتيري مبرقاً إليه:(إنك مصاب بالتدرن).
فلم ير الجنرال بداً من رمي الجيش الإيطالي في النار
8 -
قبل معركة عدوى
لما حاصر ماكونين قلعة (مكلة) عسكر منليك بجيشه بين القلعة و (ادجرات)، ولما سقطت (مكلة) وافق على ذهاب الأسرى مقابل مال تدفعه إليه الحكومة الطليانية. وكان رسول كريسبي يفاوض منليك في هذا الشأن. وسافر الموظفون المدنيون أولاً إلى (ادجرات)، وبعد خمسة عشر يوماً سافر الجرحى والمرضى على البغال التي أخرجتها الحامية من القلعة لقلة الماء فيها
وقد أظهر النجاشي مقدرة حربية بالاستفادة من سوق الأسرى. ولم تكن القوة المحتشدة في
ادجرات قليلة، وكانت القلعة حصينة، والطريق الذي يصل مكلة بادجرات وعراً، ويمر بمضايق حصنها الطليان لسدها في وجه الأحباش. وكانت الجهة المعرضة للهجوم واقعة إلى الجنوب ومسيطرة على الوادي في انحدار شديد. وكان طول الخنادق حول القلعة 750 متراً، وكانت مواضع المدافع صالحة للرمي على مسافات بعيدة. وبلغت القوة المكلفة بالدفاع عن هذه الجبهة 000ر20 مقاتل، وكان التقدم في هذه الناحية يلقى عراقيل وموانع، وقد لا ينجح الهجوم على الطليان لمناعة مواضعهم وكثرة مدافعهم ووفرة سلاحهم. وإذا استطاع منليك أن ينقل جيشه من شمالي مكلة إلى عدوى دون علم الطليان فإنه يكون قد هدد طريق (اسمرة - مصوع) وألجأ الطليان إلى الانسحاب من ادجرات، لأن التقدم من عدوى في الجهة الشمالية الشرقية يقطع خط الرجعة على الجيش الطلياني
ولكن كيف يستطيع منليك القيام بالمسير الجنبي بهذا الجيش اللجب دون علم الطليان؟ والأمر يتوقف على الخدعة، والعرب يقولون:(رب حيلة تغني عن قبيلة). وسوق الأسرى وفيهم الجرحى والمرضى من مكلة إلى ادجرات هيأ هذه الخدعة، فأنبأ منليك القيادة الطليانية بأنه سوف يوفد قوة من جيش ماكونين مع الأسرى لحراستهم. فساقهم يوم 25 يناير على طريق (اندرثا) وفي اليوم الثامن غير طريقهم إلى (هوزن) بحجة أن الطريق الأول لا يصلح لسوق المرضى والجرحى؛ وهكذا قدم جيش ماكونين على طريق (مكلة - هوزن - ادجرات) وبحراسة هذا الجيش سير منليك جيشه من معسكره إلى عدوى. ولما وصل الأسرى إلى ادجرات كان جيش منليك في عدوى والتحق به بعد ذلك جيش ماكونين فأصبح مجموع القوة 000ر80 رجل
ولا ريب في أن منليك أهمل أمر (ادجرات) واهتم بعدوى. والحقيقة أن لخط (ادجرات - عدوى) خطورة عظيمة من حيث السيطرة على مستعمرة اريترة، أو سد الطرق في وجه المهاجمين لبلاد الحبشة، لأن الخط المذكور كما سبق القول يمر بذرى الجبال التي تؤلف الخط الفاصل بين حوضي نهر مارب ونهر تكاسا. واعتمد منليك على تفوق عدده وتيقن أن الضربة التي ينزلها في عدوى تفتح له الطريق. وما دام هو في عدوى فلا يجرؤ الطليان على التقدم في الجهة الجنوبية الغربية
ولما وصل الجيش إلى عدوى احتل الروابي الشرقية وتأهب للمعركة، فاضطر الجنرال
(باراتيري) أيضاً إلى تغيير وجهة جيشه. فبعد أن كان متوجهاً إلى الجنوب توجه إلى الغرب
ولم يستعجل منليك القتال، وكانت لديه مهمات أخرى يريد أن ينجزها قبل العمل، وهي إراحة الجيش، واحتلال المواضع المسيطرة، وتسليح الأهليين في المستعمرة، وحثهم على الثورة على الطليان. فتظاهر بأنه يريد الصلح، وشاغل الطليان بمفاوضات الصلح، فحملهم على البقاء في ادجرات. وطلب من الحاكم العام أن تجري المفاوضات على الأسس التالية:
اعتبار نهر مارب ونهر بلزة خط الحدود، وتصحيح معاهدة كسلا، والاعتراف باستقلال الحبشة. وهكذا أظهر للعالم أنه مسالم. بيد أن الجنرال (باراتيري) أنبأه بأنه غير مفوض بقبول هذه الشروط ما لم يقف على رأي رومة
وفي 13 فبراير سنة 1896 نجحت تدابير منليك بإغراء الأهليين الذين كانوا قد تطوعوا في الجيش الطلياني مقابل راتب. وفي 14 فبراير ترك المتطوعون الجيش الطلياني وانضموا إلى الجيش الحبشي وهاجموا قوة الستار الطليانية في مضيق (اليطا)
وحاول قائد القوة في هذه الجبهة أن يحول دون انضمام المتطوعين إلى الأحباش وأرسل وراءهم فصائل طليانية على التعاقب، إلا أن المتطوعين أحاطوا بهؤلاء واضطروهم إلى التسليم وساقوهم أسرى إلى منليك، فتشجع الأهليون بذلك وثاروا على الطليان، واستولوا على طريق (ادجرات - سنافه)، وقطعوا الأسلاك البرقية؛ وطفق الطليان يشعرون بحرج الموقف إذ قلت الأرزاق، لأن الثوار أخذوا يهاجمون القوافل على خط المواصلات؛ وكانت القوافل تسير بحراسة حاميات قوية ببطء. وأخذ بعض فصائل الجيوش يتقدم نحو أسمرة لعبور نهر مارب والوصول إلى (غودفلاسي)
(يتبع)
طه الهاشمي
شعر الديباجة
أدب البارودي وشعره
بمناسبة انقضاء مائة سنة على مولده
للأستاذ أحمد الزين
أما وقد تحدثت إليك في الفصول السابقة عن ألفاظ الشعر ومعانيه؛ وبينت أن للشعر ألفاظاً ومعاني مختصين به، لا يشاركه فيهما غيره من الكتابة والخطابة؛ وأوضحت الفرق بين المعاني الشعرية وغيرها من المعاني البسيطة؛ ومثلت لجميع ذلك بما أوضحت به الغرض من شعر القدماء والمحدثين؛ فإني متحدث إليك اليوم عن شعراء الألفاظ فأقول:
قد يفرط بعض الشعراء في تحسين الألفاظ وتجميل العبارات مع خلو الشعر من المعاني الحية، والأغراض الملائمة للبيئة، والتفكير المساير لثقافة العصر، فلا ترى في القصيدة على طولها، بل في الديوان على ضخامته صورة صادقة منتزعة من حياة الأمة ولا من حياة الشاعر نفسه، بل يعمد الشاعر إلى معاني سواه من الشعراء المتقدمين فيرددها في شعره، ويحشو بها قصائده، ويحاول أن يخدع القراء عن هذا التقليد بألفاظ يجيد تهذيبها، ويحسن اختيارها، ويجري فيها على مذهب القدماء من الفخامة والجزالة والمتانة، ومع هذه الفخامة وتلك الجزالة فإنك تشعر في مجموع القصيدة وفي كل بيت من أبياتها ببرودة الموت وسكون الفناء، كأنك ترى جسماً ميتاً يبدو الجمال على محياه، وما يجدي الجمال مع فقد الحياة؟ فإنه مما لا نزاع فيه أن للمعاني كما لذوات الروح أزمنة محدودة تحياها، وأعماراً معدودة تعيشها؛ وأن من المعاني ما ينقضي أجله بمجرد انقضاء الحادثة التي قيل فيها، فإذا قيل بعدها عدّ من المعاني الرثة البالية؛ ومنها ما يخلد على توالي العصور وتعاقب الأجيال ويظل جديداً على قدمه، يغالب الزمن بما فيه من عناصر القوة والبقاء، ويدافع العدم بما فيه من أسباب الحياة، وذلك إذا تعلق المعنى بغرض عام في حياة الإنسانية جمعاء، وصلح أن يتخذ مثلاً سائراً بين جميع الأحياء؛ ومنها ما يخرج من فم قائله ميتاً، كالسقط الذي لم يستهل صارخاً، لا يستحق غسلاً ولا تكفيناً، لأنه ولد دفيناً؟ وكثيراً ما ترى ذلك في شعر التقليد وقصائد المعارضات التي يجاري فيها الشعراء من تقدمهم ن فحول
الشعر وأعلام القريض.
وبالجملة فمن عيوب الشعر التي لا تغتفَر أن يُعنى الشعراء بالألفاظ دون ملاءمة المعاني للبيئة التي يعيشون فيها، ومسايرتها لثقافة العصر الذي قيل فيه الشعر
ومن هؤلاء المرحوم (محمود سامي البارودي) فقد كان رحمه الله غريباً في مصره، وصياغة عصر غير عصره، ومغرداً في روض العلويين بأغاريد العباسيين، ومُسمعاً دولة إسماعيل وتوفيق ما لا يطرب له غير الرشيد وأنداده من أمراء المؤمنين، فهو شاعر جاء متأخراً عن زمنه، بعيد العهد بينه مبين أقرانه وأساتذته من أوائل العصر العباسي إلى أواسط القرن الرابع، وهم الشعراء الثلاثون الذين اشتملت مختاراته الضخمة على كرائم قصائدهم، وعيون شعرهم في أهم أبواب الشعر وأجل أغراضه في تلك العصور وهي المديح والرثاء والأدب والصفات والنسيب والهجاء والزهد.
ولم يزل هذا الكتاب منذ طبع حتى اليوم ينبوعاً صافي المورد، ومنهلاً عذب الشريعة، يرده الأدباء والمتأدبون ظماء، ويصدرون عنه رواء، فكم من أديب نابغ في هذا الجيل قد تخرج عليه، وعلم من أعلام البيان العربي كان مرجع بيانه إليه، وشاعر فحل زكت شاعريته، ونمت موهبته بالرواية عنه، والأخذ منه، ولسان منعقد حلت عقدته بمطالعته، وانطلق من وثاق اللكنة بمذاكرته، وتعلم صقل الألفاظ، وعلو البيان، وإشراق الأسلوب بدوام النظر فيه، ومحاكاة ما يعلق بالذهن واللسان منه؛ وكم خابط في ظلمات العجمة استوضح معالم العربية الصريحة، وملامح الصور الشعرية الصحيحة بضوء مصباحه، فهذه المجموعة في حسن ما اشتملت عليه من قصائد المولَّدين وجدواها على الأدباء والمتأدبين، وكثرة من تخرج عليها من الشعراء المجوّدين، أشبه الكتب بحماسة أبي تمام وإن اختص كل منهما بشعراء عصر، فمختار أبي تمام مقطعات من شعر العربية الخالصة التي لم يشُبها توليد، وختار البارودي قصائد من شعر الموّلدين؛ فحيث انتهى أبو تمام في حماسته ابتدأ البارودي في مختاراته، فهو كالذيل له، وإن كان أضفى من الثوب، وقد كان يقال: إن أبا تمام في اختياره، أحسن منه في أشعاره.
وعندي أن البارودي يشبهه في ذلك، بل هو أولى منه بهذا الحكم الأدبي العادل.
فجميع شعره ليس إلا تقليداً لشعر هؤلاء الثلاثين الذين اختار لهم، ولا نزاع في أن الأصل
أقوى في بابه من التقليد مهما بالغ المقلد في أحكام عمله، وتنوق في تقليده.
أما أبو تمام فلم يقلد أحداً في شعره، بل كان إمام مذهب شعري خاص موسوم به، معزوٍّ إليه؛ لم يُسبق فيه بأحد قبله، وتابعه عليه كثيرون ممن عاصره أو جاء بعده.
وناهيك بما كابده البارودي رحمه الله من العناء والجهد في جمع هذه الدواوين التي كانت تعد في عصره من نوادر الكتب ونفائس الخزائن، وذخائر الكنوز الخطية التي لم تصل إليها يد النشر بطبع ولا نسخ، إذ كان بعضها في خزائن العظماء والسراة يتوارثونها فيما يتوارثون من ذخائر وطرائف لا يعرفون قيمتها، ولا يدرون ما يُفعل بها؛ وكان أكثرهم بل كلهم من أمراء الترك الذين استوطنوا هذه البلاد واتصلوا بملوكها، أما بالمودة أو بالقربى أو بالعمل، واستأثروا بالثروة الوافرة والجاه العريض؛ وكانوا يحشدون في خزائنهم تلك الكتب مباهين بعضهم بعضاً في جمعها، لا في نفعها، وقد آل بعض هذه الخزائن إلى دار الكتب المصرية من عهد قريب، كمكتبة المرحوم طلعت بك وحليم باشا وغيرهما، ويشهد الله ما فتح أكثر هؤلاء من كتبهم سِفراً، ولا قرءوا منها سطراً، وإنما كان يبهجهم ما يرون في بعض هذه الكتب من النقوش الفنية البديعة، والصور المتقنة الرفيعة، ويبهرهم من الكتاب ما يرون فيه من نفاسة الغلاف، والعلامات الذهبية في أواسط الصحف أو على الأطراف، وغير ذلك مما يسترعي الأبصار، دون الأفكار.
ولا يزال بيننا الآن من الناس من لهم كلَف شديد باقتناء الكتب: إما ببذل المال الكثير في شرائها، أو باستهدائها من مؤلفيها وجمعيات نشرها، ويتنوقون في تجليدها تجليداً حسناً، وينقشون أسماءهم عليها بالذهب، ويرتبونها في خزائنها ترتيباً متقناً، وينسقونها في مواضعها تنسيقاً فنياً يبهج الناظر، متوخين في ترتيبها التجانس في الألوان والأحجام، دون العلوم والموضوعات، إذ كانوا لا يفقهون من ذلك قليلاً ولا كثيراً، ولا يدركون من نفعها جليلاً ولا حقيراً؛ معتقدين أن حجرة الكتب مما تتم به مرافق البيت، كحجرة الزائرين وحجرة الطعام وما إليها، فإن قدم عليهم زائر أدخلوه حجرة الكتب ليرى أثر النعمة عليهم، بجمع هذه التحف لديهم.
وكان بعض هذا الكنز الثمين مدفوناً بين أنقاب المساجد وفي كوَى الزوايا في حراسة الجهلة من خدمها، يبيعونه لتجار الفرنجة بيع يوسف بثمن (بخس دراهم معدودة وكانوا فيه
من الزاهدين).
فتفرق أكثر هذه الكتب في العواصم الأوربية، إما في مكاتبها العامة، أو في الخزائن الخاصة، والأدباء والعلماء في الشرق يتلهفون شوقاً إليها، ويتحرقون أسفاً عليها، ويسمعون بها سماعهم بأصحابها، حاسبين أنها انقرضت بانقراضهم، وذهبت بذهابهم؛ وهي تختلس من بلادهم، وتنتهب من بين أيديهم؛ واللغة التي أشفت على الهوّة، وأشرفت على المنحدر، في حاجة ماسة إلى نهضة كبرى لإحيائها، وقِوام تلك النهضة هو إحياء تلك المخطوطات البالية، بل الآثار الباقية لأعلام البيان وأمراء الكلام من الكتاب والشعراء، فلبثت هذه الكتب في ظلمات الخزائن مئات من السنين تتعاقب عليها الحقب والأجيال، ويتضافر على تعطيل الانتفاع بها الجهل والإهمال، وتنتفع الجرذان والأرَض بأكلها، أكثر مما ينتفع الأدباء والعلماء بفضلها؛ حتى أتاح الله لها ذلك الأديب النابغ، والشاعر الفذ، فتولى نظارة ديوان الأوقاف، وجمع ما بقي من هذه الكتب في مخابئها؛ وكان هذا هو بدء العمل في إقامة دار للكتب في مصر.
ولا يغيبنّ عن ذهنك أن ما بذله ذلك النابغة رحمه الله من الجهود المضنية في الظفر بتلك الدواوين التي جمع منها مختاراته، لم يكن بأكثر مشقة مما عاناه من التعب المُمِض، والنصب المُقِضّ، في تصحيح ما أفسدته أيدي الجهلة من النسّاخ بل المسّاخ من ألفاظها، وإصلاح المحرّف من كلماتها، وتكميل الناقص من أبياتها، وإعادة البهاء والرونق إلى ما شوه الجهل من جمالها، ومسخ من صورها، وطمس من معالمها، وإن أيسر ذلك لمما يستنزف الجهود، ويستنفد الزمن المعدود، والعمر المحدود؛ فإنك لا تكاد تفتح أحد هذه الدواوين المخطوطة حتى ترى ظلاماً كثيفاً من التحريف والتصحيف قد غشي جميع صحفه، وخيّم على جميع سطوره، فلا يبدو لعينك في وسط هذه الظلمة من شعاع الصواب، إلا كما يبدو ضوء الشهب من خلل السحاب، ولا تكاد تقرأ سطراً خالياً من عدة كلمات محرفة، أو مصحفة، غير مستقيمة المعنى ولا واضحة الغرض، يحتاج إصلاحها إلى زمن طويل، وبحثٍ غير قليل، وذهن غير كليل؛ وتحفّظ من الخطأ، ودقة في الذوق الشعري ينفذ بها القارئ إلى وجه الصواب؛ وحسن اختيار في المحو والإثبات، وتفهّم دقيق لما يقتضيه سياق الكلام من المعاني والأغراض، ومعرفة بأساليب الشعراء ومصطلحاتهم في
كل عصر، ليكون المحو والإثبات تابعين لما تقتضيه هذه الأساليب وتلك المصطلحات وخبرة واسعة بالكتب اللغوية والأدبية، وأغراض كل منها، ومكان الفائدة منها، ثم إعمال الذهن بلا كلل، وإجهاد الفكر بلا سآمة في الألفاظ المحرفة، والعبارات المغلقة، التي لم يستقم معناها على وجه من الوجوه، بتقليب حروفها بين التحوير والتغيير، والتقديم والتأخير، والحذف والزيادة، والإعجام والإهمال، حتى يستقيم المعنى ويتضح الغرض مع الأمانة التامة على الأصول، وعدم الخروج عنها إلا بالقدر المعقول.
هذا قليل من كثير من المشتقات التي يعانيها الناظر في أمثال هذه الدواوين ليختار منها مجموعة ضخمة مصححة أقوم تصحيح كمختارات البارودي.
أما شاعرية البارودي فسنحدثك عنها في العدد المقبل.
احمد الزين
القصص
صور من هوميروس
18 -
حروب طروادةمصرع هكتور
للأستاذ دريني خشبة
اختلط حابل الطرواديين بنابلهم، وظلوا يهرعون إلى الأبواب حذر الموت الذي يتلقفهم عن شمائلهم وعن أيمانهم، ومن فوقهم ومن تحت أرجلهم، كأنما جثمت المنايا في كل خطوة فهي لهم بالمرصاد. . . طالما يكر أخيل هنا ويفر هناك، وتكر من خلفه وتفر شياطين الميرميدون، صائحين متهدجين:(يا لَثارات بتروكلوس!)
ووقف أبوللو وهو يتميز من الغيظ يشهد المعركة، ويرى إلى أخيل يحصد تلك الرؤوس اليانعة التي لم يحن بعد قطافها، فلم يملك أن دنا منه وقال:
(على رسلك يا ابن بليوس، فكأني بك ما كفاك من صرعت حتى لتحدثك نفسك بقتال الآلهة، ومحاربتي أنا من دون أرباب الأولمب خاصة! ولكن هيهات! فإنك لابد يوماً ذائق الموت الذي لن يذوقه إله في الأرض ولا في السموات. . . فاقصد في تقتيل هؤلاء الأبرياء، ولا يغرنّك نصر قد تكون في آثاره هزائم. . . . . .)
وعبس أخيل عبوسة قاتمة، ثم نظر إلى أبوللو مغضباً وقال:(حسبك يا سيد الشمس ما ضيعت من جهود، وما فوّت عليّ من ثارات. . . أعرج في سمائك الشاسعة، ودع بني الموتى يصطرعون من أجل المجد والشرف. . . لقد أنقذت خصمي من قتلة محققة، فهل يا ترى تظل يا سيد الشمس تعترض طريق الأقدار، ليمرح في كنفك الفجار الأشرار؟. . .)
وانطلق أخيل يعدو في أثر هكتور؛ وكان هكتور قد أخذته العزة فأبى أن ينجو بنفسه فيدخل المدينة مع الداخلين
وكان بريام، الملك الشيخ، يشرف على الساحة الحمراء من أحد أبراج مدينته، فرأى ابنه واقفاً في إحدى حنيّات الأسوار يستجم، ويرسل في رهج الميدان عينين سادرتين محزونتين، تشفان عن قلق عميق، واضطراب دوي، فريع الأب المفئود، وزلزل زلزالاً شديداً، وطفق يئن أنيناً عالياً، ويدرب صدره الموهون بيديه الواهيتين، ثم يصيح بابنه أن
يسارع إلى البوابة الإسكائية قبل أن يلحق به أخيل، عسى أن ينجو مما يتربص به من منون. . .
(أي بني! هكتور! فيم تقف في هذا الميدان وحدك تنتظر الطاغية أخيل عليه لعنة السماء والآلهة، بقتله بنيّ، وإهداره دماء مواطنيّ!
هلم يا بني فحسبي ما جزعت عن بوليدور، وحزنت أمض الحزن وأوجعه على ليكاون، وحطم قلبي من الأسى على أبناء اليوم!. . .
هلم يا بني فأنت أمل طروادة ومعقد رجائها، وليس لها بعدك من ولي ولا شفيع!
هلم فأبوك الشيخ قد صدعه الحزن، وأوقرت ظهره ويلات الحرب، وأغطشت عينيه أرزاء هذا البلاء، فلا تكن أنت محنة المحن التي تحل به، واستبق شبابك له يتسل بك، ولأمك المفجّعة تستلهم بقربك الصبر، على ما كرثها الزمن الصارم من نكبات يلاحق بعضها البعض، وتأخذ أولاها بتلابيب أخراها مشرق كل شمس، وكل مغيب شمس
هلم يا هكتور إليّ! إلى والدتك! إلى زوجك! إلى طفلك الذي تكاد تسلمه لليتم، وتدعه خلفك للشقاء!. . .
هلم وحسبنا أرامل شجعاننا اللائى يحلن إشراق أيامنا ظلمة، ويصيرون لألاء الحياة قتاماً. . . أو يرسفن في أغلال الاستعباد حيث يقمن في خدمة الإغريق اللؤماء. . .!
هلم إليّ يا بني! فو أرباب الأولمب إني لأرتعد فرقاً كلما خلتك كلقى بالعراء تنوشك سباع الطير، منبوذاً لضواري هذه البرية التي طالما أطعمتها وأكرمت مثواها. . .)
وصمت الملك، وراعه أن ابنه لم يتحرك لتوسلاته، بل لبث مكانه يرمق الميدان فراح يضرب يداً بيد، ثم انحنى فجعل يحثو التراب على رأسه المجلل بثلج الشيب، وندف الأيام، وبهذه الشعلة البيضاء التي زادتها أحداث الزمان اضطراماً. . .
وكان هيكوبا إلى جانبه. . . هيكوبا مليكة اليوم،. . . هيكوبا الأم. . . التي فجعها أخيل في عدد من أعز أبنائها، ويحاول اليوم أن يفجعها في هكتور، ابنها البكر، وتاج الأمومة الوضّاح، الذي تفخر به كل أم، وتدل به كل والدة!
وقالت الأم الباكية تخاطب هكتور: (هلم يا ولدي فإنك وحدك لا تستطيع أن تكبح جماح هذا البحر الزاخر من الجند، بل لو أن معك ألفاً من شجعان طروادة ما وسعهم أن يردوا عادية
هؤلاء الميرميدون المقنعين في حديدهم، الكثيرين في عديدهم.
هلم يا هكتور واستبق شبابك وعنفوانك لأمك المحزونة التي لم يبق لها من ولد غيرك، ولا عز إلا في جوارك، ولا حمى إلا في كنفك، ولا مجنّ يرد عنها عوادي الأيام إلا في ظلك، ولا فخر لها بين النساء إلا فخرك، وما تمد الآلهة في أيدك، وتشد به أزرك. . .
هلم يا بني فقد أزعجتني الرؤى، وروعتني الأحلام، وجثمت فوق صدري أشباح هذه الساحة التي تفتأ تلبس الحداد وتخلعه وتغري بالنصر ثم تنزعه، وإن سرت بطلاً بفوز تنكص فتفجعه، فتنقد أضلعه وتمتزج بدمي أدمعه. . .).
وكانت الملكة، كما كان الملك، تمزج توسلاتها إلى ولدها بأغلى الدموع، وأحر الآهات؛ بيد أن هكتور ظل مسمراً مكانه كالحية الرقطاء التي تتحوى وتتكوم في انتظار عابر تنقض عليه؛ وكان يمني أن يأخذ أخيل على غرة، فيريح طروادة منه، ويضفر لنفسه بنفسه إكليلاً من المجد لم يزن مفرق بطل من قبل.
وكانت توسلات أبويه تتناثر فوق أذنيه، ولا يصغي لها قلبه، بل هو ظل يحلم في يقظته أحلاماً معسولة، كانت تطن في خلده هكذا: (ضلة لي إذا ثنيت عناني إلى المدينة ألوذ بها من أخيل، فأرسف أبد الدهر في حضيض العار، واطأطئ حياء كلما رأيت طروادياً يهمس في أذن أخيه: إن هذا هكتور الذي ولى دبره، ونكص على عقبيه، ولم يجرؤ أن يلقى أخيل بمفرده في الميدان. . . وأين أذهب من غادات اليوم وحرائرها إذا أنا وليت الأدبار، وهاهن مشرفات على الساحة يرين ماذا يكون من أمري مع ابن بليوس الذي تفزع الآلهة من ضرباته، وتمور الأرض تحت عجلاته، وتنعقد عجاجة الوغى فوق رأسه في حين يبرز منها كالكوكب الدري! حاشاي أن أعود أجرر أذيال الخيبة، فأما أن ألقاه فأريح الدنيا قاطبة من شره، وإما أن يرحني هو من هذا الهم المقيم فأفضي في سبيل بلادي ومن أجل مملكتي. . .
ثم فيم صراخ أبي وعويل أمي؟ أيرجوان أن أدخل إلى المدينة فأكون بنجوة من الموت الشريف فوق أديم الميدان ساعة، ثم يفتحها أخيل عليّ، فيذبحني كما يذبح شاة لا حول لها ولا طول، أو يضع الأغلال في عنقي ويجرني في شوارع (إليموم) كما تكون أذن الجارية في يد النخاس بسوق الرقيق!؟
(حاشا. . . بل خير لي ألف مرة أن أخوض غبار المعمعة، مادام لن يضيرني إلا ما حتمت المقادير عليّ. . .)
وما كاد يفيق من أحلامه حتى كان أخيل أمامه وجهاً لوجه، وعلى كتفه الرحب الهرقلي رمحه الضامئ العتيد، وفوق صدره العريض الممرد سوابغ دروعه التي سردها الإله الحداد فلكان، تنعكس عليها آلاف وآلاف من أراد الشمس فتبهر الأبصار وتخلع الأفئدة، وتذيب في الجوارح كهرباء الرعب، وتشعل في الرؤوس ضرام الشيب!!
وزاغ بصر هكتور، واضطرمت مفاصله، ونُخِب قلبه، واستُطير لبه، وأحس كأن جبلاً ينحط عل روحه فلا يكاد يفلتها، وذاب الثلج في عروقه فجمدت من الروع والفزع، وهزته قشعريرة طفقت تعصف بكيانه الضخم، وتلعب بفؤاده الونى. . .
ثم بدا له أن يلهب جياده فتفر به من وجه أخيل، ولكن إلى أين؟ إنه حيثما تولى فثم وجه أخيل!! إن أخيل غدا آلافاً لا حصر لها من الأشباح المفزعة تملأ الساحة وتكظ الهواء، وتأخذ على الطرواديين أنفاسهم!
وانطلق ابن بليوس في أثر هكتور، وأشرف عذارى اليوم يطللن من أبراج المدينة الخالدة ويمسكن حبات قلوبهن أن تثب إلى الميدان فتطأها سنابك تلك الجياد الجوامح. وكان كلما أغذّ هكتور أوخف أخيل في أثره، فكانا كالأبردين: لا الليل يدرك النهار ولا النهار يستأنى فيدركه الليل، حتى نال منهما الجهد، وتفزعت الآلهة في علياء الأولمب إشفاقاً على ابن بريام العظيم، ورثاء لابن بليوس المتهدج، ورحمة لهذه الأرض لتضرجه بدماء الشهداء
وهم سيد الأولمب أن ينقذ هكتور لولا أن أقنعته ابنته، مينرفا ربة الحكمة والموعظة الحسنة، فنحّته عن طريق الأقدار وأخلت بين أخيل وخصمه. . .
وطافا حول طروادة ثلاثاً، وما كادا يبدآن طوافهما الرابع، حتى قبض زيوس إليه ميزان القدر، فهوت كفة الحق بقتل هكتور، وأربد وجه أبوللو وسقط في يده، وانطلق يضرب أخماساً لأسداس. . .!
وأسرعت منيرفا إلى أخيل تزف إليه بشرى السماء، وآثرت له أن يتلبث مكانه يستجم نشاطه، ويتنفس الصعداء، حتى تذهب هي إلى هكتور تغريه بلقاء خصمه، وتنفره من هذا الفرار الذي أضحك منه قيان إليوم وحسانها. . .
واستخْفت منيرفا، وبدت لهكتور في هيئة أخيه الأصغر ديفوبوس، ثم راحت تحضه على الحرب، وتحرضه على أخيل، وتهوّن له من شأن زعيم الميرميدون، وتعده أنها ستقدم له كل عون حتى يظفر به وتنصره السماء عليه نصراً عزيزاً. . .
ولم يشك هكتور في أن الذي يخاطبه هو شقيقه وحبيبه ديفوبوس، فوقف قليلاً يفرج عن قلبه بعض ما كرثه من روع، وراح يمزج شكرانه لأخيه بدموع الفزع، وذلة العبارات المنقطعة الحزينة، وخفقان القلب المضطرب ذي الوجيب!
وانثنى هكتور للقاء أخيل. . .
فما كاد ابن بليوس يشهده مقبلاً، بعد إذ كان مدبراً، حتى طرب قلبه، وشاعت بشاشة اللقاء في زنده القوي وسواعده المفتولة، ثم انقلبت هذه البشاشة إلى جهنم من الغيظ تستعر بالتشوّف إلى الانتقام في فؤاده، وتضطرم بلظى البطش في سويدائه؛ وتطل من عينيه تود لو تنقدح في أضلع هكتور. . .!
وقال هكتور: (تخدع نفسك يا أخيل إذا ظننت أني كنت ألوذ بأذيال الهرب منك، حين أجريتك هذه الأشواط الثلاثة حول إليوم. . .؟! لا. . . فإنني ما حاولت إلا إجهادك، وأن ينال الإعياء منك. . . والآن، هأنذا قد انقلبت للقائك فأما أن أقتلك، وأما أن تروي رمحك الضامئ من دمي. من يدري؟ أليست الأقدار مطوية عنا في صحائف الغيب، لا يعلمها إلا سيد الأولمب وكبير الآلهة: زيوس جل شأنه!
بيد أنني أطمئنك من الآن يا أخيل، إن أظفرتني السماء بك، فلن أفضحك في هذه العدة السابغة من فوقك، ولن أنزع عنك تلك الدروع الضافية التي لن تنفعك من المقادير من شئ. . . ثم أعدك أيضاً إلا أفضحك بعد موتك في هذا الجسم العزيز الذي سيكون بعد قليل جثة لا نأمة فيها ولا حياة. . . لن أرسل بك إلى عراء طروادة فأنبذك فتأكل الطير منك، زتنوشك سباع البرية الموحشة التي تعج بالضواري والكلاب. . . لا. . . لن أفعل من ذلك قليلاً ولا كثيراً. . . بل سأترك لجنودك البواسل أن يحملوك إلى سفائنك عزيزاً في قتلتك، كما كنت عزيزاً في معاشك
والآن يا ابن بليوس! هل تعدني الوعد الذي وعدتك، وهل تعاملني بمثل ما أنا معتزم أن أعاملك، إن أظفرتك السماء عليّ. . . . . . . .؟
وتزلزل الأرض تحت عربة أخيل مما سمع من مهاترة ابن بريام ويقذفه بشواظ من الكلم المحنق والقول المضطرم، ثم يقذفه بصعدته الظامئة التي تمرق إلى هكتور كالبرق الخاطف، لو أصابت منه عضواً لذهبت به إلى الجحيم. . .
ولكن هكتور العظيم ينفتل انفتالةً عجلى، فيهوي رمح أخيل إلى أرض الساحة، ويغوص ثمة إلى ثلثيه. . . إلا قليلاً
وكانت فرصة طيبة لهكتور ينفرد فيها بخصمه الأعزل، لو لم تكن مينرفا حاضرة، وعلى أهبة تامة لمعاونة أخيل. . . . فلقد سارعت إلى الرمح فانتزعته من الأرض وسلمته لصاحبه دون أن يلمحها هكتور. . .
وقبل أن يتهيأ لها أن تضع ذلك، قال ابن بريام: (أخيل! ها قد طاشت ضربت، وآن لطروادة التليدة أن تستريح منك يا ألد أعدائها!! لقد كنت تحدث نفسك برأس هكتور؛ غريمك وخصمك، فلتبحث الآن عن رأسك يا ابن بليوس. . . .
ولم يكد البطل المسكين يتم قولته، ويضيع بها فرصته حتى كانت مينرفا قد أعادت الرمح إلى أخيل. . . وحتى تبسم أخيل ابتسامة لاذعة ساخرة بما قال هكتور، الذي داعب هو الآخر رمحه، ثم أرسله كأنه الحتف فارتد على درع فلكان، ومنه إلى الأرض، فغاص فيها؛ وقبل أن يلحق به هكتور حال أخيل بينهما، وأصبح الموت أقرب إليه من حبل الوريد؛ وتلفت ابن بريام يبحث عن أخيه ديفوبوس فلم يعثر له على أثر، فصاح من الوجل يقول:(يا ديفوبوس! أغثني يا ديفوبوس! أدركني يا ديفوبوس! هات لي رمحاً يا ديفوبوس. . . . . .)
بيد أن ديفوبوس لم يغثه ولم يدركه ولم يحضر له رمحاً، وبدت له مينرفا وهي تبتسم له ابتسامة خبيثة زلزلت أركان هكتور، الذي فطن إلى الحيلة التي دخلت عليه، فقال يخاطب الربة الساخرة، وهو يكاد ينشق من الغيظ:(يا للسماء! أهكذا تخاتل الآلهة، فتقضي بموتي في معركة لا أحمل فيها سلاحاً. . . ولكنني سأقاومك يا ابن بليوس، فإذا سقطت فلن يكون لك في ذلك فضل ولا محْمدة، واذهب من بعدها فصلّ للخاتلة التي نصرتك وآزرتك. . .)
وامتشق المسكين سيفه، ولكن ماذا يصنع الجراز البتار في ملحمة لا يقطر الموت فيها إلا على أسنة الرماح!. . .
لقد انقضّ أخيل على فخر طروادة وأملها المذخور فعاجله بشكة من رمحه الظامئ نفذت في عنقه، وهوت به إلى أديم الأرض المقدسة التي يا طالما دافع عنها مع جنوده البواسل الكرماء. . .
. . . (هكتور! اليوم شفيت حزني الممض على بتروكلوس. . . واليوم تذهب روحك إلى ظلمات هيدز غير كريمة ولا محمّدة. . يا كلب طروادة المذؤوم!! كم كنت تمني نفسك لو تظفر بي فتنبذ جثتي بالعراء لوحوش طروادة وجوارح طيرها. . . إلا فحدث نفسك الآن مامذا صنع القدر بك. . .!)
ويتهدج هكتور قائلاً: (أخيل! يا ابن بليوس العظيم! استقسمك برأسك الرفيع، وأبويك الحبيبين، إلا تأخذ جثتي فتنبذها لكلابك، وتعفر جبيني الحر بثرى المذلة بين أصحابك، وحسبك أن الآلهة قد أظفرتك بي، وأن المقادير السوداء قد أفلذتك عليّ)
فيقول أخيل، وقد زهاه النصر على ألد خصمائه:(اطمئن يا هكتور، فكلابنا لا تستطيب إلا جزر الأبطال، وستكون لها وليمة فاخرة. . . فو رأس أبيك لو ملأ لي بريام هذه الدنيا ذهباً على أن أخلي بينه وبينك، ليعود بك إلى اليوم، ما رضينا بك بديلاً. . .)
وتكون سكرة شديدة من سكرات الموت جاثمة في صدر هكتور تعذبه وتضنيه، فيتأنى قليلاً حتى تنجاب عنه الحشرجة، ويفتح عينيه ويقول:(أخيل؟ لا تغتر بما تم لك من نصر؛ فباريس أخي سيقتص منك لي؛ وسيرميك من أبراج طروادة بسهم يعجل بك إليّ. . . في هيدز. . . وثمة سنلتقي!)
ويموت البطل. . .
وتنطوي صحيفة مجيدة من صحائف طروادة. بل تنطوي أنصع صفحاتها جميعاً، بموت هكتور.
يا عجباً!!
هل كان كتاب الغيب مفتوحاً أمام هكتور يقرأ منه عندما أنذر أخيل بسهم باريس؟!
وازدحم الهيلانيون حول الجثة يطعنونها ويصلونها كلوماً عجزوا عن إيصالها إليها حية فأبوا إلا أن يصلوها بها ميتة. . .
ونزل أخيل من عربته، فنحنى على الجثة، ونزع عنها تلك العدة العزيزة التي نزعها
هكتور عن جثة بتروكلوس. . . عدة أخيل. . . فلن تكون بعد اليوم إلا لأخيل!
واستل ابن بليوس خنجره، وأهوى على عقبي هكتور فخرمهما، وربط القدمين العزيزتين في مؤخر عربته الحربية، ثم ألهب جياده فهامت على وجوهها في الساحة، وطفقت تطويها مثنى وثلاث حول إليوم، والرأس العظيم يتعثر بثرى المعمعة الذاهلة، والطرواديون فوق الأسوار ينظرون ولا يحيرون. . . إلا هذا الملك الشيخ. . . بريام المذهول. . . الذي راح يملأ الفضاء أنيناً موجعاً، وشجواً مفزعاً،. . . وإلا هذه الأم المرزأة. . . هكيوبا الملكة. . . التي راحت تحثو التراب فوق رأسها، وتتقلب فوق الأرض كالطائر المذبوح. . .
أما أندروماك. . . فلها السماء. . . ولها الآلهة!!
لقد كانت تضفر أفواف الزهر للقاء هكتور، وترشق الورود في أرائك المخدع، وتعد الحمام الساخن لغسل ثرى الميدان. . . ولم تكن تفكر قط إلا في عودة البطل مخضّب الذيل بدماء الأعداء. . .
ولكنها سمعت لغطاً وضوضاء يرتفعان فجأة خارج القصر. . . وكأن هتافاً من السماء هتف بها أن تخرج لتستجلي النبأ. . . ولكنها أيضاً شعرت بقوة خفية تدفعها إلى البوابة الأسكاتية. . . حيث وقف بريام يبكي ولده. . . فما كادت تصل ثمة وتشهد هذا الجمع المحزون يذري دموعه. . . وما كادت تطل من شرفة البرج فترى إلى هكتور مربوطاً في عربة أخيل، وأخيل الجبار يطوي به الساحة، ويذرع به الميدان. . . حتى وجفت نفس الزوجة البائسة، وخرت إلى الأرض مغشياً عليها. . .
وأفاقت أندروماك التاعسة. . .
وطفقت تبكي زوجها وترثيه بالدم
وطفقت نفسها تساقط عليه أنفساً!؟
لها بقية
دريني خشبة
حادث انتحار
بقلم حسين شوقي
عندما دقت الساعة الثانية صباحاً، كان بار (الدب الأبيض) خالياً من خدمه ورواده، عدا رجلين: أدولف الخمار الشيخ الذي ذهب إلى داخل المحل لتصفية حسابات اليوم، وشاب جلس في ركن منزو يشرب ويكتب؛ ولم تمض فترة قصيرة على انزواء أدولف حتى سمع دويّ رصاص في البار، فعاد مهرولاً، فوجد الشاب قتيلاً على كرسيه، قتل نفسه بمسدس كان لا يزال بيده اليمنى. . . فحصه أدولف فوجده قد مات من فوره، بينما السيجارة التي كان يدخنها لا تزال مشتعلة. . وقع أدولف في حيرة من أمره، ثم أخذ يصخب ويلعن، ثم جعل يخاطب نفسه قائلاً: ألم يكن الأجدر بهذا الأبله أن ينتحر في بيته؟
علام يزعج الخلق هكذا؟
ثم فكر أدولف في النوم الذي لن يذوقه الليلة. إذ عليه أعمال كثيرة. . . إخطار البوليس بالحادث، وانتظار التحقيق القضائي الذي سوف يدوم ساعات. . . وعلى رغم هذا شعر أدولف بشيء من العطف عندما نظر ثانية إلى وجه القتيل لأنه كان شاباً بين العشرين والخامسة والعشرين، ثم تنهد قائلاً:
إنه لم يحن أوان موته بعد!
إن الشباب يجلب العطف دائماً، وبخاصة من جانب الذين فقدوه أمثال أدولف، أو من جانب الذين فقدوا أشخاصاً يعزونهم ماتوا في ميعة الصبا، أمثال أدولف أيضاً، الذي فقد في العام الماضي ابنة لم تبلغ العشرين بعد. . .
وبعد أن أخطر أدولف البوليس بالحادث رجع عند الجثة، ثم أخذ يحدق في وجه القتيل! إنه لا يعرفه أبداً، فلقد كانت هذه زيارته الأولى للبار. . . ثم رأى أدولف ورقة مكتوبة أمام الشاب فتناولها مدفوعاً بحب الاستطلاع، فقرأ ما يأتي:
الموقع على هذا (س). . المولود في. . والمقيم في. . يقدم اعتذاره إلى صاحب بار الدب الأبيض من القلق الذي سيسببه له بعمله هذا. إن (س) يأسف لأنه لم يستطع أن ينتحر في بيته كما كانت تقضي بذلك اللياقة، لأن صاحبة الفندق الذي يقيم فيه سيدة عجوز مريضة بالقلب، فأي انفعال يقضي عليها؛ وإذا كان (س) قد اختار البار لفعلته، فلكي يستطيع أن
يتناول بضعة أقداح من (الويسكي) تنعشه في رحلته الطويلة المظلمة. . ومع ذلك فإن (س) واثق من أن هذا الحادث سوف يعوض لصاحب البار ما أصابه من ضرر، يعوضه بالإعلان الذي يعمله هذا الانتحار للمحل. . إن (س) لا يأسف كثيراً على مفارقة الحياة لأنه لم يعد يملك شيئاً، والحياة بلا مال، أمرّ في نظره من جرعة ملح. . ثم (س) فوق ذلك لا يثق بالمستقبل، ولا بنفسه، فهو يعلم أنه لا شئ، وأنه لن يصير في يوم من الأيام رجلاً مثرياً. . ومع ذلك فإن (س) لم يخلف ديوناً. . بل لا يزال في حجرته بالفندق بضعة جنيهات، وهو يهديها إلى جمعية الرفق بالحيوان، لأنه لا يحب أن يخلف شيئاً لبني جنسه، إذ هو يحتقر الطبيعة البشرية، ولا يستثني منها نفسه. . إذ لم يكن ملاكاً في الحياة الدنيا، بل كان كغيره مخادعاً. . بل (س) يأسف لأنه لم يحسن الخداع في الحياة، لأن الحياة في نظره كلعبة (البوكر) لا يربح فيها إلا البارع في الخداع. .
ومن الأسباب القوية لانتحار س أيضاً، أن ضميره لم يكن مستريحاً، فقد كان سبباً في وفاة فتاة في العام الماضي في ريعان الصبا، ماتت كمداً لأنه وعدها بالزواج ولكنه لم يف بوعده، لأنه فقير لا يستطيع أن يتزوج، وهو لا يعترف بالحب مع البؤس. كم ودّ (س) أن يتناسى هذا الحادث! ولكن ماذا يفعل في ذلك الشيطان الصغير الذي يقطن داخل جسدنا والذي أخذ ينغّص عليه الحياة من أجل هذا الحادث؟. . . لهذا تجد (س) غير نادم كثيراً على مفارقة الحياة. . . وبهذه المناسبة يطلب (س) الصفح من هيلانة (وهو اسم الفتاة). . .
ولكن أدولف الخمار لم يكمل قراءة الورقة، بل قذف بها صارخاً: آه من الوغد! مسكينة هيلانة!
فلقد كانت هذه الفتاة ابنته. .
حسين شوقي
البريد الأدبي
كتاب عن التاريخ الحبشي
وهذا أيضاً كتاب جديد عن الحبشة. والحبشة ومسائلها ومصايرها تثير اليوم أعظم الاهتمام والعطف. وقد صدرت عن الحبشة في الآونة الأخيرة كتب ومؤلفات عديدة أشرنا إلى بعضها في هذا المكان من (الرسالة). واليوم نشير إلى مؤلف قيم جديد هو تاريخ الحبشة بقلم الأستاذ جونس والسيدة مونرو وهو عرض قيم جداً لتاريخ الحبشة منذ أقدم العصور إلى الآونة الحاضرة؛ ويمهد المؤلفان بوصف شائق للحبشة وشعوبها وأصولها؛ ويتلو ذلك الحديث عن عصر الأساطير في التاريخ الحبشي، وهو حديث يدعمه التدليل التاريخي؛ (كان ملوك الحبشة حتى القرن الرابع من الميلاد وثنيين، يرجعون أصلهم إلى (مهرم) وهو إله الحرب. أما أسطورة ملكة سبأ فقد نشأت بعد القرن السادس؛ ومن المرجح أنها نشأت في العصور المظلمة التي تلت قيام الإسلام في جزيرة العرب. وحرمت الحبشة من الاتصال بالعالم النصراني)
وقد اعتنقت الحبشة النصرانية في القرن الرابع؛ وكان ملوك الحبشة يومئذ يعيشون في بذخ همجي، وما زالت مسلات اكسوم تدل على ذلك العصر. وفي (عصر الحبشة المظلم) وهو الذي يعرضه القسم الثاني من الكتاب، احتل العرب والمسلمون شواطئ البحر الأحمر وسحقوا حركة القرصان الأحباش، وقطعوا الحبشة عن العالم الخارجي، وفي ذلك العصر ازدهرت أسرة (زاجوي) واستمرت في الملك حتى سنة 1270م، ثم عادت الأسرة السليمانية التي تزعم أنها سليلة ملكة سبأ وسليمان. وبدأ تاريخ الحبشة الحديث؛ وكان للحبشة ديوان تحقيق (محكمة تفتيش) تطارد الملاحدة ورئيسها زرعة ابن يعقوب
ويتناول القسم الثالث من الكتاب أسطورة (القس جون) وسفارة البرتغال، ووصف السفير البرتغالي الفاريز للحبشة يومئذ (سنة 1520) وهو أدق وأقيم وصف لحالة الحبشة في أوج مجدها وحضارتها قبل أن تنحدر إلى عصر من الضعف والفوضى. وكان ملك الحبشة يعيش يومئذ في معسكر متنقل وليس له عاصمة ثابتة؛ وقد انتهت هذه السفارة الشهيرة بتنازل الإمبراطور عن مصوع للبرتغال نظير توريد السلاح وإرسال الأطباء؛ ولكن النتائج المرغوبة لم تتحقق لأن الترك عبروا البحر الأحمر يومئذ، وغزوا الحبشة؛ ولكنه
غزو لم يطل أمده؛ ووقعت الحبشة في عصر من الفوضى
ويتناول القسم الرابع عصر (العزلة والفوضى) ثم يتناول القسم الخامس تاريخ الحبشة الحديث، ونزاع الأسر على العرش وظهور طلائع الاستعمار الأوربي، وحملة السير نابيير وانتحار الإمبراطور تيودور؛ ويتناول القسم السادس والأخير مسألة النزاع الإيطالي الحبشي في سنة 1935، وتطوراتها المختلفة حتى أغسطس الماضي
وقد كتب الكتاب بأسلوب سلس قوي يحفز القارئ؛ والكتاب قيم مدعم بالوثائق التاريخية، ويعتبر من أنفس ما كتب عن الحبشة في الآونة الأخيرة.
كتب بالمزاد!
أذيع أخيراً في القاهرة نبأ بيع مكتبة فخمة لأحد الكبراء، تحتوي على طائفة كبيرة من المجموعات والكتب القيمة، والمطبوعات النادرة، وكان البيع بالمزاد طبعاً، فهرع إلى مكانه حشد من العلماء وهواة الكتب والآثار النادرة، وبيعت في اليوم الأول طائفة حسنة من الكتب والمجموعات، ولكن لوحظ أنها بيعت بالأخص لجماعة من الهواة الذين يأسرهم جمال الطبع والرونق قبل أن تغريهم البواعث العلمية؛ ورأى الحاضرون من العلماء والخبراء الذين يعرفون قيمة الكتب ويحسنون تقدير أثمانها أنهم لا يستطيعون الشراء في هذا الجو المشبع بتنافس الهواة، فلم يشتروا سوى القليل. ذلك أن قليلاً جداً من الكتب المعروضة بيع بثمن المثل أو أقل قليلاً، ولكن معظمها رسا بأثمان فاحشة كانت تصل أحياناً إلى أضعاف القيمة الحقيقية؛ وكانت ثمة عوامل وأصوات مريبة تتدخل في المزايدة في ظروف ووقفات خاصة، فترفع الأثمان بنسب مدهشة حتى يتقدم أحد الفرائس من الهواة فيلقى عليه العبء المنشود
وبعد أيام قلائل كان بيع القسم الثاني من هذه المكتبة الشهيرة؛ فكان أول ما لوحظ أن معظم الذين حضروا في الدفعة الأولى لم يحضروا هذه المرة. ألم تتضح لهم الحقيقة بعد أن غادروا قاعة المزاد، وتساءلوا عن القيم الحقيقية للكتب التي اشتروها في هذا الجو المكهرب؟ وكان قد عُرف خلال ذلك أن المكتبة المعروضة ليست لكبير ولا وزير وإنما هي ملك لأحد تجار الكتب المعروفين الذين أزعجتهم الأزمة، فعمد إلى تصريف كتبه بهذه الوسيلة، وفي هذه الجلسة أيضاً ازدادت العوامل المريبة والمصطنعة ظهوراً، وتصاعدت
أثمان الكتب المعروضة إلى نسب فاحشة حتى أن كثيراً منها كان يباع بأضعاف ثمنه جديداً، وزاد يقين العارفين بأنهم يجلسون في شرك منصوب؛ ولكن حدث كما حدث في الجلسة الأولى أن توالى سقوط الهواة في هذا الشرك
ولقد كان درساً لمن حدثته نفسه بالظفر بنصيبه من هذا الكنز بالوسائل والأثمان المشروعة؛ وكانت خيبة أمل، ولكن الحقيقة ظهرت ناصعة، وهي أن شراء الكتب بالمزايدة وسيلة لا تصلح للعلماء، وأن المزايدة (ولاسيما في مصر) ليست دائماً وسيلة شريفة للتعامل. فحذار أن تشتروا الكتب بالمزايدات!
وفاة مؤلف موسيقي شهير
من أنباء النمسا أن المؤلف الموسيقي الشهير ماكس فون أوبرليتنر قد توفي في الثامنة والستين من عمره، فاختفى بوفاته أحد أساطين المدرسة الموسيقية القديمة، التي ازدهرت في أواخر أيام الإمبراطورية، وما زالت آثارها تخلب ألباب الشعب النمسوي. وقد تفرغ ماكس فون أوبرليتنر منذ شبابه للتأليف للأوبرا، وأحرز في هذا الميدان نجاحاً باهراً؛ وبزغ مجده في سنة 1912 حيث لحنت قطعته الشهير (افروديتي) وعزفت في الأوبرا الإمبراطورية بفينا، وغنتها يومئذ فنانة موهوبة كانت في مستهل حياتها الفنية وهي ماريا يرتزا التي تتبوأ اليوم مقاماً فنياً سامياً في نيويورك وتعتبر أشهر مغنية في أمريكا. وفي سنة 1916 عزفت قطعته (المسيح الحديدي) في (الأوبرا الشعبية)، فأحرزت نجاحاً باهراً، ثم عزفت بعد ذلك في عدة مسارح شهيرة نمسوية وألمانية، وانتهت إلى دار الأوبرا؛ ووضع فون أوبرليتنر بعد ذلك عدة مقطوعات وأوبرات كانت دائماً موضع التقدير والإعجاب
مدينة دولية للفنانين والكتاب
تألفت منذ حين في باريس جمعية اسمها (جمعية المدينة الدولية للفنون والتفكير) برئاسة مسيو جبراييل بواسي الكاتب الشهير ورئيس تحرير مجلة (كوميديا) الكبرى؛ وقد صرح رئيس هذه الجمعية أخيراً بأن الغرض من تأسيس هذه الجمعية هو السعي في إنشاء (مدينة دولية) بالقرب من محطة مونبارناس، يخصص سكناها للعلماء والفنانين من جميع البلدان،
وإن الجمعية تعلق أكبر الأهمية على الآثار المادية والمعنوية التي تترتب على تنفيذ مثل هذا المشروع الجليل. ومن المعروف أن الحي الذي تختاره الجمعية لإنشاء المدينة الجديدة، وهو حي مونبارناس، هو حي الفنون والآداب منذ بعيد، وله تقاليد فنية وأدبية مؤثلة، وقد بزغ فيه نجم مئات من الكتاب والفنانين، الذين تغص بهم دائماً ربوعه ومقاهيه
المعهد الإمبراطوري ومهامه
يذكر القراء تلك الأحاديث الشائقة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية وبعض أكابر الساسة أمام عصبة الأمم عن توزيع المواد الخام ووجوب توزيعها بين الدول الكبرى بنسب أكثر عدالة، وذلك لمناسبة النزاع القائم على توزيع المستعمرات واستئثار إنكلترا بأعظم نصيب منها. وقد وقفت في بعض الصحف على معلومات هامة عن المعهد الإمبراطوري الذي يعتبر في إنكلترا قلب الاستعمار النابض، والذي يسهر على مصاير المواد الأولية في جميع أنحاء العالم؛ فهذا المعهد قد أسس للعمل على تنمية الاستغلال الصناعي والاستفادة من المواد الأولية المختلفة، وجمع الإحصاءات البيانات الاستعمارية اللازمة؛ وقد زود المعمل بمعامل للأبحاث الكيميائية والفنية لبحث المواد الأولية وتعيين قيمتها ومدى الانتفاع بها ووضع التقارير الفنية عنها. ويصدر المعهد نشرات فنية محققة عن مختلف المواد الأولية وعلاقاتها بالصناعة، ومدى تقدم الاستغلال الاستعماري في ميادين الزراعة والمعارف وغيرها، ويعنى عناية خاصة بدرس المواد الأولية في الهند البريطانية والمستعمرات والأملاك المستقلة
النقد
4 -
تاريخ الإسلام السياسي
تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن
موضوع الكتاب، الثقافة الإسلامية، خاتمة
لأستاذ كبير
لست أدري لم قصر مؤلف (تاريخ الإسلام السياسي) وصف كتابه على (السياسي) فحسب، مع أنه عرض لنواح شتى من الحياة الإسلامية القديمة: عرض لنواحي الدين، والسياسة، والاجتماع، والعقل، والأدب. فبينا تقرأ له فصلاً في حكمة تشريع القبلة، إذا بك تنتقل إلى فصل آخر موضوعه فتح عمرو بن العاص مصر؛ وبينا تقرأ له فصولاً في عقائد الفرق الإسلامية القديمة ومذاهبها، إذا بك تقرأ له كلاماً في حال المرأة المسلمة في العصر القديم، ثم إذا بك تنتقل بعد إلى كلام مطول في صناعتي الشعر والنثر في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين.
أو ما كان أولى للمؤلف أن يقدر هذه المزايا قدرها، فيصوغ عنوان كتابه بحيث يدل عليها كلها مقتدياً في ذلك بالسيد أمير علي حين سمى كتابه الذي يعرفه المؤلف حق المعرفة (موجز تاريخ العرب). لاشك أن الصفة السياسية الصحيحة، كما يعرفها علماء التاريخ والعارفون بأصول علم السياسة، ليست أبرز نواحي الكتاب، وقد تكون عند التحقيق من أضعف نواحيه. ولكن من يدري؟ فلعل المؤلف قد لحظ هذه الحقيقة فنعت كتابه بأضعف صفاته تواضعاً منه! وإن كان التواضع خلة قلما يدل عليها كتابه. أو لعل له غرضاً آخر يعرفه ولا نعرفه.
والحق أن المؤلف أقدم على تأليف كتابه وليس له غرض واضح محدود يرمي إليه ويسير على هديه، إلا أن يكون كتابة تاريخ عام للإسلام من الطراز المألوف وهو ما لا يدل عليه عنوان الكتاب. وغموض الغرض الحقيقي أو انتفاؤه بالمرة أضر بالكتاب من عدة وجوه. فمن جهة أحال الكتاب كتلة ضخمة من الأخبار والحوادث المتعلقة بعصر معين، قد جمعت من هنا وهنا، ثم حشدت حشداً، وأزجيت على الورق إزجاء، فاقدة الوحدة المعنوية،
والاتصال الذاتي، اللذين يكسبانها الروح والحياة والحركة. ومن جهة ثانية فإن غموض الغرض قد لبس على المؤلف أمره، وجعله يضطرب بين طرائق المؤرخ المحقق، والمحامي المنافح عن الدين، والواعظ المبشر بالإسلام، الراد لشبهات المبشرين وتعسفات المستشرقين؛ فعدل في كثير من المواطن عما يحسن، وتكلف ما لا يحسن، وما ليس من شأنه من حيث هو مؤرخ فحسب. ومن جهة ثالثة فإن نشاط المؤلف وعنايته لم يوزع على أجزاء الكتاب توزيعاً يتكافأ وأقدارها من الوجهة التاريخية البحتة، فتشريع القبلة وحكمته يظفران بثلاث صفحات، في حين أن غزوة بدر التي تعتبر بحق أهم وقائع الإسلام ومن وقائع التاريخ الفاصلة، لا تكاد تظفر بصفحة واحدة! وأم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك تخص بصفحتين، في حين أن الأحداث الجسام التي وقعت في زمن الخليفة يزيد ابن الوليد بن عبد الملك تركز وتضغط في أسطر قلائل!
أوردها سعد وسعد مشتمل
…
ما هكذا تورد يا سعد الإبل
ومن الأمور التي أثرت في كتاب (تاريخ الإسلام السياسي) وقعدت به عن رتبة الجودة ما يدل عليه الكتاب نفسه من عدم وفور حظ المؤلف من الثقافة الإسلامية الصحيحة، والمطلع على الكتاب يرى أن المؤلف يحاول جهده أن يكتم هذا الضعف، ويستره بطلاء براق من الاقتباسات العربية الكثيرة التي يطالعك بها في كل صفحة، ولكن هذه المحاولة لا تروج حتى على من يقرأ الكتاب قراءة عجلى. فإن اللحن والتحريف الفاشيين في الكتاب واللذين أعرضا عن تتبعهما اختصاراً للقول، وتوخياً لصميم الموضوع، وإن المآخذ التي سردنا بعضها في بحوثنا الماضية، نقول إن ذلك كله كفيل بإثبات أن المؤلف غير موفور الثقافة الإسلامية. وقد أداه تفريطه في جانب الثقافة الإسلامية إلى الإفراط في الأخذ عن المصادر الأجنبية، فخرج كتابه حائل الصبغة، حائراً بين العروبة والفرنجة، لا ينتمي إلى واحدة منهما انتماء صحيحاً
والحق أن التاريخ الإسلامي من أشق فروع التاريخ مطلباً وأوعرها مذهباً، فهو تاريخ عالم بأسره؛ لا مجرد تاريخ إقليم معين أو أمة بعينها. وهو تاريخ عصور متطاولة تقرب من أربعة عشر قرناً، ثم هو تاريخ تختلط في الأحداث، والنظم، والآراء، والمذاهب اختلاطاً عجيباً، فإذا ما أريد تصنيفها وإفراد كل منها على حدته، وسوقه في مساقه الخاص، اقتضى
ذلك من الجهد والعناء الشيء الكثير. والمعاني لدراسته محتاج إلى وفور حظه من الثقافتين التاريخيتين العامة والإسلامية، فإن لم يفعل كان كمن يغشى الهيجاء بيد عزلاء، أو يتقحم المجاهل برجل عرجاء. من أجل ذلك لم ينهض بعد التاريخ الإسلامي في الشرق نهضته المستقلة المنشودة. مع أن التاريخ سجل أحداثه، وديوان مجده وفخاره، فهو لا يزال قصصاً يقص، وسيراً ساذجة تتلى. أما روح الجماعات، وأثر البيئة والتقاليد، وعمل المبادئ والعقائد، والقوى الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، فتلك كلها لا تزال في العربية أسراراً لم ترفع عنها الحجب. وقد يتعذر بعضهم عن هذه الحال بأن العوامل المذكورة ليست عند الشرقيين في مثل قوتها عند غيرهم ولكن الأمر هنا ليس أمر قوة وضعف، فهي موجودة في كل حال، والطبيعة البشرية واحدة، والناس هم الناس سواء أكانوا في شرق أم في غرب. ولو أنصف أولئك المعتذرون لقالوا إن الذي يحول دون نمو الروح التاريخي الصحيح في الشرق هو ما يعترض الباحث من وعورة المسلك، وبعد الشقة، وصعوبة المنال.
وبعد فقد آن أن نختم هذه الفصول التي لم يدفعنا إلى تسطيرها إلا ما أشرت إليه في كلمتي الأولى من توخي المصلحة العامة قبل كل شئ. فلعلي أكون قد وفقت فيما قصدت إليه.
ونصيحتي الأخيرة للدكتور مؤلف (تاريخ الإسلام السياسي) أنه إذا أسعده الحظ فأعاد طبع كتابه، ينبغي أن يعيد النظر في كل فصل من فصوله، وصفحة من صفحاته، فيصحح الخطأ، ويقيم المعوج، وإنه عندما يتولى إصدار الأجزاء الباقية ينبغي أن يكون أشد تحفظاً، وأكثر تثبتاً، فالناس لا يسألون عادة عن مقدار الزمن الذي ينفق في عمل من الأعمال، بمقدار ما يسألون عن حظ هذا العمل من التجويد والإتقان.
بقي أن أبرأ إليه مما عسى أن يكون القلم قد ناله به في هذه الكلمات من لفظ خشن، أو عبارة قارسة، فإن ذلك مما قد يحمل عليه مجرد الغضب للحق. أما المآخذ العلمية فلا حيلة لي فيها، وقديماً قالوا:(لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يؤلف كتاباً)، وقد ألف الدكتور كتاباً، وسمع فيه مديحاً عاطراً كيل جزافاً، فمن الحق عليه أن يسمع إلى جانب ذلك صوت النقد يكال بقدر وحساب.
(انتهى)
مؤرخ