الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 130
- بتاريخ: 30 - 12 - 1935
أبو الطيب المتنبي
بمناسبة ذكراه الألف
- 2 -
ولد أبو الطيب في ذرور القرن الرابع عظيما بالاستعداد، قويا بالنشأة، طموحا بالفطرة؛ فلا تحاول أن ترجع هذه الصفات فيه إلى أحوال داعية وأسباب موجبة، فأن إعجاز القدرة أن يولد الملك في حجر السوقية، ويدرج العبقري في عش الفدم، ويظهر النبي في بيت المشرك؛ إنما العظمة خلقةٌ في العظيم، تقويها عوامل وتضعفها عوامل؛ فولادة المتنبي بالكوفة، وتجواله في البادية، وتنقله في القبائل، وكدحه الدائب أربعاً وثلاثين سنة وراء الرزق الشرود، يضرب من أفق إلى أفق، ويخرج من هول إلى هول، نمت فيه أخلاق الجرأة والصراحة والصدق والصبر والمغامرة واللسن؛ واتصاله بسيف الدولة الأديب الشجاع السمح، هذب فيه الشاعرية والفروسية، وهما غريزتا البداوة، وخصيصتا العروبة؛ ثم ظهوره في العصر الذي تحللت فيه روابط الخلافة، وتعددت حواضر الأدب، وتطاولت كفايات السيف والقلم إلى العروش المقدسة والمناصب الفخمة، وأثمر تداخل الثقافات المختلفة ما أثمر من شمول العلم، ونضوج العقل، واعتراض الشكوك، وتعدد الفرق، وسع في ذهنه أفق المعرفة، وقوى في نفسه الطموح إلى الرياسة، وهيج في رأسه الثورة على القدر، وأراه بعض الكتاب في بغداد يصل بالأدب إلى الوزارة، وبعض العبيد في مصر يصل بالحيلة إلى الإمارة، فطوع له رأيه في نفسه أن يبايع لها بالملك، ثم أخذها بسمت الملوك، وألزمها شارة الخاصة، وعاشر الدهماء معاشرة الأنوف المكره، وساير الرؤساء مسايرة الغريب الحاقد، وسخر قوته وعبقريته في طلب هذا (الحق) وتحقيق هذا المطلب، حتى ملأ الدنيا بذكره، وشغل الناس بأمره
المتنبي في كتاب الأدب العربي فصل قائم بذاته؛ لأن حياته التي اختلفت عليها العوامل، وازدحمت فيها الأحداث، واعتركت بها الآمال، وفاضت منها التجارب، أمكنته من نوع جديد في الشعر يتسم بالتفكير الحي، والابتكار الجرئ، والأداء الحر، فأقبل عليه عشاق الأدب وطلاب الشهرة من ذوي السلطان في خراسان والعراق والشام ومصر، يتسابقون إلى وده، ويتنافسون في رضاه، وربما توسل بعضهم بالشفاعة ليحطبه في حبله، وجلس
أحدهم بين يديه ليسمع مدحه فيه، وهو يتصون عن مدح السوقة، ويتكرم عن موقف الشاعر؛ فسعى إليه الرؤساء المحرومون بالعداوة، واجتمع عليه الشعراء المغمورون بالحسد، وتعاون هؤلاء وأولئك على تعقب سقطاته وجحود فضله؛ فكان من أثر الكتب التي ألفت في نقده، والقصائد التي قيلت في هجوه، والخصومة الأدبية التي أثيرت من حوله، والحركة الذهنية التي نشأت من شعره، أن سار ذكره مسير الشمس، وصار شعره سجل الخلود، وغدا مدحه مطمح الملوك، وأصبح أدبه وما اتصل به من النقود والشروح مكتبة!
عقلية المتنبي عقلية بدوية خالصة: تتعلق بالحس أكثر من تعلقها بالمعنى، وتعتد بالواقع أكثر من اعتدادها بالخيال، وتعتمد على القوة أكثر من اعتمادها على الحيلة. لذلك كان ذهول الصوفية نابياً في عقله، وشعور الجمال خابياً في قلبه، واثر الدين ضعيفاً في حياته؛ ثم كانت فلسفته حاجة الدنيا، وخطته سنة الطبيعة، وفكرته صورة الواقع، وغايته غاية الرجل الطماح: شخصيته تبغي الظهور، وشهوته ترغب المال، وحيوته تطلب الغلب، وعظمته تريد الحكم؛ لذلك كان أخص ما يميزه بروز شخصيته في شعره، وصدق إيمانه برأيه، وقوة اعتداده بنفسه، وصحة تعبيره عن طبائع النفس ومشاغل الناس وأغراض الحياة
عبقرية أبى الطيب سباحة الجناح، لماحة الطرف، مبسوطة الأفق؛ ولكنه قيدها بالمادة وحصرها في ما تدور عليه من كاذب المدح ولاذع الهجاء، فقرت قرار الطائر الحبيس، تخافت بالأغاريد المزورة على طبيعتها، وتكابد الشوق الملح إلى الهواء والسماء والروض؛ ثم تفلت أحيانا من ربقة القيد فتحلق في سماء الإلهام وتهتف بالمعجز من قلائد الحكم وشوارد الأمثال وطرائف الذهن، حتى في الأغراض المبتذلة والمواقف الوضيعة
وهكذا كانت قوى المتنبي ومواهبه مقهورة معذبة! ولعله كان أقسى ما يكون على قريحته وعبقريته! فقد أرادهما على الابتكار في مدح لا يعتقده، ووصف لا يحسه، فجاءت معانيه في أمثال هذه الأغراض توليداً في عقله، لا نقلا عن شعوره؛ ومن ثم كثر فيها الإغراق لقيامها على الدعاوى المرسلة، والغموض لانتزاعها من الخوالج المبهمة، والتناقض لتعبيرها عن غير كائن، والتشابه لتفصيلها على غير معين
أما في ما يشعر به كالهجاء والعتاب والنقد والفخر والشكوى، فسيل لا يحجزه سد، وبحر لا
يحصره ساحل. وهو في تدفع السيل وعمق البحر وسعة العباب، مثله في بطء الحركة واختلاج الأداء وضيق الفكرة: شخصية مفروضة على الذهن، وروح شعاعة على الإحساس، وزفيف في الارتفاع والإسفاف يدل على جناح النسر!
والحق أن المتنبي شاعر القوة، شاعر الحرب، شاعر المغامرة، شاعر المجد! فلو كان سياسيا لكان مكيافللي، أو قائداً لكان نابليون، أو فيلسوفاً لكان نيتشه!
أحمد حسن الزيات
المجنون
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
تتمة
وطال المجلس بنا وبالمجنونين، والكلام على أنحائه يندفع من وجهٍ إلى وجه، ويمر في معنى إلى معنىً؛ فأردت أن ابلغ به إلى الغاية التي جمعت من أجلها بين هذين المجنونين، بعدما انطلقا في القول وانفتح القفل الموضوع على عقل كل منهما وكان قد مر في الندى بائع روايات مترجمة (بوليسية وغرامية ولصوصية!) يحمل الرجل منها مزبلة أخلاقٍ أوربية كاملة لينفضها في نفوس الأحداث من فتياننا وفتياتنا، فقلت (لنابغة القرن العشرين): أتقرأ الروايات؟ قال: لا، إلا مرة واحدة ثم لم أعاود، إذ جعلتني الرواية روايةً مثلها قلنا: هذا أعجب ما مر بنا منذ اليوم، فكيف صرت رواية؟ قال: أنتم لا تعرفون طبيعة النوابغ، إذ ليس لكم حسهم المرهف، ولا طبعهم المستحكم، ولا خصائصهم الغيبية، ولا خواطرهم المتعلقة بما فوق الطبيعة. قلت: نعم أعرف ذلك؛ وما من (نابغة) إلا هو بين عالمين على طرف مما هنا وطرفٍ مما هناك، فهو خراجٌ ولاجٌ بين العالمين؛ وله نفسٌ مركبة تركيبها على نواميس معروفةٍ وأخرى مجهولة، فهي تأخذ من الظاهر والباطن معاٌ، ويحصرها المكان مرة ويفلتها مرة، وتكون أحياناً في زمان الأرض، وأحيانا في زمن الكواكب من القمر فصاعدا. . . ولكن. . .
فقطع علي وقال: أضف إلى ذلك أن هذه العقول التي تحصر من يسمونهم العقلاء في الزمان والمكان، لا توجد أهلها إلا الهموم والأحزان والمطامع السافلة والأفعال الدنيئة، فانهم يعيشون فوق التراب
قلت: نعم، وإذا عاشوا فوق التراب فباضطرارٍ أن تكون معاني التراب فوقهم وتحتهم ومن حولهم وبين أيديهم، فليسوا يقطعون على هذه الأرض إلا عمراً ترابياً في كل معانيه ولكن. . .
قال: وزد على ذلك أنهم مقيدون تقييد المجانين غير أن حبالهم وسلاسلهم عقلية غير منظورة؛ وبتغليلهم تغليل المجانين يسمون أنفسهم عقلاء، وأعقلهم أثقلهم قيوداً، وهذا من الغرابة كما ترى
قلت: نعم، أما العقلاء بحقيقة العقل فهم الذين يضحكون على هؤلاء ويسخرون منهم، إذ كانوا في حال كحالٍ المنطلق من المقيد، وفي موضع كموضع المعافى من المبتلى. ولكن. . .
قال: وفوق هذا وذاك، إنهم لا يملكون السعادة إذ ليس لهم العقل الضاحك الساخر العابث الذي خص به النوابغ وكان الأوحد فيه (نابغة القرن العشرين)
قلت: نعم وإذا ملكوا السعادة لم يشعروا بها؛ أما (النوابغ) فقد لا يملكونها ولكن لا يفوتهم الشعور بها أبدا فيجيئهم الفرح من أسبابه ومن غير أسبابه ما دام العقل الضاحك الساخر العابث الذي دأبه أبدا أن ينسى ليضحك، ولا قانون له إلا إرادة صاحبه، على مشيئة صاحبه، لمنفعة صاحبه. ولكن. . . . . . . .
قال: والذي هو أهم من كل ما سبق؛ أن أعظم خصائص هذا العقل الضاحك الساخر العابث أن يطرد عن صاحبه ما لا يحب ويجنبه أن يخسر شيئاً من نفسه، فهو لذلك يجعل حسابه مع الأشياء حساباً يهودياً لا بد فيه من ربح خمسين في المائة. . . . . . . .
قلت: نعم، وهو دائماً كالطفل؛ وما أظرف بلاهة الطفل وما أجداها عليه إذ يضع بلاهته دائماً في أرواح الأشياء وأسرارها فتخرج بلهاء مثله، وتنقلب له الدنيا كأنها أمٌ تضاحك ابنها وتلاعبه. ولكن. . .
قال: ولكن هذا مبلغ لا تبلغه الإنسانية إلا شذوذاً في أفرادها من جبابرة العقول (كنابغة القرن العشرين)
قلت: نعم ولكن كيف صار نابغة القرن العشرين روايةً حين قرأ الرواية!
قال: هذه نكتة النبوغ؛ فلو أن مؤلفها كان نابغةً مثلنا يتلقى في نفسه وحي الأثير وإشارات الروح الأعظم؛ لعلم من الغيب أن نابغة القرن العشرين سيقرأ روايته، فكان يتحرى معاني غير معانيه ويتوخى بهذه القصة وصفاً آخر لا تكون فيه حبيبةٌ خائنة، ولا لص عارم، ولا قاتل سفاح، ولا سجنٌ مظلم، ولا محكمة تقول حيث وحيث. . . . . .
قلت: وما عليك من حبيبة خائنة في الورق، ولص بين الحروف المطبعية، وقاتل لا يقتل إلا كلاما، وسجن ومحكمة على الصحيفة لا على الأرض؟
قال: هذه نكتة النبوغ، فما استوعبت القصة حتى عمرتني أشخاصها وأقحمت منها على
هول هائل، فخانتني الخائنة لعنها الله. ولولا خوف السجن والمحكمة لقتلتها أشنع قتلة ومثلت بها أقبح تمثيل. ويح الخائنة كيف استمالها ذلك الدميم الطويل العملاق المشبوح العظام المفتول العضل؟ ولكني لست عملاقاً ولا مبنياً ولا بناء الحائط؛ ثم كان مجنوناً بشهواته جنون الفيل الهائج وكنت في شهواتي عاقلا عقل الإنسان؛ ثم كان غنياً غنى الجهال وكنت فقيراً فقر العلماء؛ والنساء؛ قبح الله النساء. إنهن زينةٌ تطلب زينة مثلها. وإن المرأة لتمنح وجهها للقرد يقبله إذا كان الذهب يتساقط من قبلاته. أما من كان مثلي أمواله الشباب والجمال أو العقل والنبوغ، فهو مفلس عندهن إفلاس القرد في الغابة، فهو عندهن قرد لهذه المشابهة
قلت: هذا ليس عجيباً فان اللغويين يجرون على الشيء أسم ما يقاربه في المعنى
قال المجنون الآخر: (مما حفظناه) أن اللغويين يجرون على الشيء ما يقاربه في المعنى. . . . . .
فتربد وجه (النابغة) غضباً وقال: أبي يلعب هذا المجنون؟ إنه يزعم أن اللغويين يسمونني قرداً، فهاتوا القواميس كلها وارجعوا إلى مادة (قرد) ومادة (نابغة). . . سوأة عليك أيها الصبي المعمر. . . ألا فدعوني أؤدبه أدب الصبيان فأن اللطمة القوية على وجه الطفل المكابر في حقيقة، تلمسه الحقيقة التي يكابر فيها إذ تدخله إلى عقله من أقرب طريق. . .
قال ا. ش: أنت قلت لا هو. على أنك لست قردا أبداً إلا عند امرأة جميلة فاتنة متخيلة متامجنة قد تضع البرذعة على ظهر الأمير وتجعله حمارها، فيعجب الأمير أن يكون حمارها. ولست قردا مع قراد إلى جانب عنز وكلب. . .
قال: الآن علمت السبب فأن الخائنة كانت متخيلةً مؤلفة كتب، وروايات، والمرأة التي تؤلف الكتب، غير تؤلف الرجل أيضاً، وتجعله قصة فيها قرد. . . وهذا إن كانت جميلة كامرأة الرواية. أما إن كانت دميمة مجموعة من المتناقضات، أو عجوزا مجموعة من السنين؛ فهذه وهذه كل أيامها كيوم الأحد عند النصارى. . . يوم للعطلة لا بيع فيه ولا شراء ولا مساومة. هذه وهذه كلتاهما تجعل الرجل كالماء في سبيل التجمد. . . لا يشتعل، فضلا عن أن يستعر، عن أن يحترق
مؤلفة الكتب لا يكون وجهها إلا إحدى وثيقتين: فأما جميلة، فوجهها وثيقة بأن لها ديونا
على الرجال؛ وإما غير جميلة، فوجهها (مخالصة) من كل الديون. . .
قلنا: هذا في الخائنة. فكيف سرقك اللص ولست غنياً؟
قال: هذه هي نكتة النبوغ؛ وفي النبوغ أشياء لا ينكشف تفسيرها وليس في جهلها مضرةٌ على أحد، وجهلٌ لا يضر هو علم لا ينفع، لكنه علم. والبحث في بعض أعمال (النابغة) هو كالبحث عن سر الحياة فيه، إذ يعمل أعماله تلك بسر الحياة لا بسر العقل، أي بالعقل النابغ الخاص به وحده لا بالعقل الطبيعي المشترك بين الناس.
قلت: ومن عجائبك أنك لا تقرأ الروايات ولكنك مع ذلك تؤلفها. . .
قال: إن ذلك ليكون، وإن لم أؤلفها أنا تألفت هي لي. فإذا تقدم الليل ونام الناس جميعاً انتبهت أنا وحدي لرواية العالم فأرى ما شئت أن أرى. وفي ضوء النهار أجد الناس عقلاء ولكني في ظلمة الليل أبصرهم مجانين. فهذا الليل برهان الطبيعة على جنون الناس وضعف عقولهم إذ هو يثبت حاجة هذه العقول إلى ضربٍ من النسيان الأبله التام لولاه ما عقلت في نهارها ولا استقام لها أمر
يصرع الناس في الليل صرعة المجانين فيغمضون أعينهم ولا يرون شيئاً. أما أنا فأرى العالم في الليل مسرحاً هزلياً يضج بالضحك من الإنسان الأحمق الذي يقطع سراة نهاره وهو معتقد أنه قابض على الوجود بالأعين والآذان والآناف. . . أئن رأيت الأسد بعينك أيها الأحمق وسمعت في أذنيك زئيره؛ ادعيت الدعوى العريضة وزعمت أنك ملكته وقبضت عليه، ولا تدري في هذا أنك كالمعتوه إذا قبض على الضل بيده وصاح هاتوا الحبل لأقيده لا يفلت. . .؟
قلت: فإذا كان العالم كله روايتك فأخرج لنا فصلا من الرواية
قال: أيما أحب إليكم، أن أكتب أو أن أمثل؟
وقلنا: بل التمثيل أحب ألينا. فنظر إلى المجنون الآخر وقال: إن المجنون في طبيعته ينبوع من الأشخاص يفيض حالاً بعد حال، كينبوع الماء يسح الدفعة بعد الدفعة، فهنا المسرح، والرواية الآن رواية الطبيب والمجنون. . .
أنت يا س. ع. عم هذا المجنون، فإذا قال لك يا عم. قل له أنا لست عمك ولكني أخو أبيك. . . لننظر أيتنبه على الفرق بين الصيغتين أم لا؛ فأنه فرق عقلي دقيق تمتحن به العقول.
تعال أيها المريض فأني أرجو أن يكون شفاؤك على يدي، وفي يدي هذه لمسة من لمسات المسيح، لأن (نابغة القرن العشرين) هو الآن طبيب القرن العشرين
اتقوا أن تغضبوه أو تخيفوه، وأقيموا له كل ما يحتاج إليه، وتحروا مسرته دائماً فإن إدخال بعض السرور إلى نفس المجنون هو إدخال بعض العقل إلى رأسه. متى أنكرت يا س. ع عقل ابن أخيك وما كان السبب وكيف غلب على عقله. وهل ا. ش. هو خاله أو أخو أمه. . .؟
لطف الله لك أيها المسكين. قل لي: أتتذكر أمس؛ أتتذكر غداً. . . إن الأمس والغد ساقطان جميعاً من حساب المجانين؛ ومن الرحمة بهم أن الدنيا تبدأ لهم كل يوم فقد استراحوا من ثلثي هموم الزمن في العقلاء. وهم لا يصلحون أن ينفعوا الناس كالعقلاء، غير أنهم صالحون أكثر من العقلاء للانتفاع بأنفسهم في الضحك والمرح والطرب، وهذا حسبهم من النعمة عليهم
قل لي أيها المجنون: أتحس أن الدنيا تصنع لك نفسك أم نفسك هي تصنع لك الدنيا؟ إن هذه مسألة يحلها كل مجنون على طريقته الخاصة به، فما هي طريقتك في حلها؟
مالك لا تجيب أيها الأبله؟ (هذا من جهة ومن جهة) أعطوه قرشاً لينطلق لسانه، وآتوا الطبيب أجره وافياً وهو لا يقل عن قرشين. . .
ثم مال (النابغة) على مجنون المتن وسره بشيء. فقلنا ما أمر المال بسر؛ هذا قرش للمريض وهذان قرشان للطبيب. فقال المجنون: (مما حفظناه) كفى بالسلامة داء
قال الطبيب: هذا مريض بنوع من الجنون أسمه (مما حفظناه) وهو جنون النسيان الذي يضع في مكان العقل كلمةً ثابتة لا يتذكره إلا بها؛ ومن أعراضه جنون الشك فكل ما حول المريض مشكوك فيه، وقد يترامى إلى جنون اللمس، فلو لمسته بإصبعك توهمها عقرباً فخاف من الإصبع تلمسه خوفه من العقرب تلدغه، ولكن بقيت أشياء لابد من التدقيق في فحصها، فليس هذا من مجانين العبقرية التي انحرفت عن طريقها أو شذت في قوتها؛ ولا هو ممن يتجان ويتحامق التماساً للرزق والعيش كما قال بعضهم: حماقةٌ تعولني خير من عقل أعوله
فقال المجنون: (مما حفظناه) حماقة تعولني
فضحك (النابغة) وقال: هو كما بينت لكم مصاب بجنون (مما حفظناه) وهو أقل الجنون وأهونه، وعلاجه البسط والسرور والقرش؛ والضرب أحياناً. . . فإذا ثابر عليه الداء تحول إلى جنون (مما ضربناه). . . فيتعدى المصاب على كل من يراه أو يوقع به ضرباً، وعلاجه حينئذ القميص المرقوم؛ فإذا فدحت العلة انقلب المرض إلى جنون (مما قتلناه). وعلاجه يومئذ السلاسل والأغلال
والحق أقول لكم إن آخر ما انتهت إليه فلسفة الطب في القرن العشرين أن الناس جميعاً مجانين ولكن بعضهم أوفر قسطاً من بعض، كأن سلب العقل هو أيضاً حظوظ كحظوظ موهبة العقل. وأهل المريخ من أجل ذلك يسمون الأرض بيمارستان الفلك
ولكن بقيت أشياء لا بد من التدقيق في فحصها؛ وعندي في الدار عاطوسٌ إذا أشممته هذا المجنون عطس به عطسة قوية فخرج جنونه من أنفه. . . قل لي أيها المسكين: أتخاف إذا سرت وحدك في ميدان واسع كأن الميدان سيلتف عليك؟ أتضطرب إذا مشيت في مضيق كأن المكان سينطبق عليك؟ وإذا كنت في عربة القطار فهل يخيل إليك أن البيمارستان قد جره القطار وانطلق به هاربا؟ وهل شعرت مرة أنه أوحى إليك أن تنتحر؟
أرني هذا القرش الذي في يدك. فمد المجنون يده بالقرش
قال (النابغة): أنظر الآن هل تحدثك نفسك أن تغصبني هذا القرش أو تسرقه مني؟ قال: نعم
قال (النابغة): إذن يجب أن أحرزه في جيبي. . . وأسرع فأخفاه في جيبه
فصاح الآخر وشغب، وقال سلبني ونهبني. قلنا لا ينبغي أن يتصل بينكما شر في تمثيل الرواية فهذا قرش آخر، ولكن أفي الفلسفة عند (النابغة) إباحة السرقة والغصب؟
قال: فالرواية الآن هي رواية الفيلسوف العظيم أفلاطون وتلميذه أرسطو
قل لي ويحك يا أرسطو. أعلمت أن في المجانين أغنياء يسرقون الشيء القليل لا قيمة له وهم أغنياء وليست بهم حاجة إليه. فما علة ذلك عندك وما وجهه في مقولة الجنون؟
أعجزت عن الجواب؟ إذن فاعلم يا أرسطو أن المصاب بهذا الضرب من الجنون إذا اشترى هذا الشيء بدرهم كانت قيمته من الدرهم وحده، وهو غني لا قيمة للدرهم في ماله
فلا يحفل بالشراء. بيد أنه إذا سرقه كانت قيمته عنده من عقله وحيلته فيجيئه بلذة لا تشتريها كل أمواله ولا كل أموال الدنيا. فهذا جنون باللذة لا بالسرقة وهو بذلك ضرب من العشق يجعل الشيء إذا لم يسرق كأنه المرأة المعشوقة الممتنعة على عاشقها
والجياع إذا سرقوا ليأكلوا ويمسكوا الرمق على أنفسهم، لا يقال في لغة الفلسفة إنهم سرقوا بل أخذوا. . . فباضطرار جاعوا وباضطرار مثله أكلوا، والسارق هنا هو الفتى الذي منعهم الإحسان والمعونة. . .
فالدنيا معكوسة منقلبة أوضاعها يا أرسطو، ولو استقامت هذه الأوضاع لوجدت السعادة في الأرض لأهل الأرض جميعاً. وكيف لك بالسعادة والناس مخلوقون بعيوبهم؟ ويا ليتهم مخلوقون بعيوبهم فقط، ولكن الطامة الكبرى أن عيوبهم تعمل دائماً على أن ترى في الآخرين عيوبا مثلها
كل حمار فهو يريد أن يملأ جوفه تبناً وفولا وشعيراً، غير أني لم أر حماراً قط يريد أن يملأ لنفسه الإسطبل، فإذا وجد حمار هذه همته وهذا عمله فأسمه إنسان لا حمار. . . .
يا أرسطو إن معضلة المعضلات أن يحاول إنسان حل مشكلة داخلية محضة قائمة في نفس حمار أو ثابتة في ذهنه الحماري؛ ومثل هذا أن يحاول حمار حل مشكلة نفسية في ذهن إنسان أو في قلبه؛ فلا حل لمشاكل العالم أبدا ما دام كل إنسان مع غيره كحمار مع إنسان. . . .
والمعضلات النفسية من عمل الشياطين فكان ينبغي أن تجيء الملائكة لتحارب الشياطين بالبرق والرعد دفاعاً عن الإنسانية؛ ولكن الله تعالى منعها وأرسل للإنسان ملائكة أخرى إن شاء هذا الإنسان عملت، وإن شاء عجزت؛ وهي فضائل الأديان المنزلة فإذا منحها الإنسان إرادته وقوته فعملت عملها كان الإنسان هو الملك بل فوق الملك، وإذا أضعفها ومحقها كان الإنسان وهو الشيطان وأسفل من الشيطان
يا أرسطو (هذا العالم عندي كتلة من العدم اتفقت على الظهور وستختفي. والعالم عندي ضعف ركب وقوة ركبت. والعالم عندي لا شيء. والعالم بين بين. والعالم قسمان. منهم الفلاح الزراعي وذلك أفضل فلسفة طبيعية. . . والعالم في حاجة إلى الموت والموت في حاجة إليه. والأدب هو الحياة ولا حياة بلا أدب. والأدب ضربان: أدب نفساني وأدب
مكتسب. وقد يكون طبيعياً كما هو عند نابغة القرن العشرين. ومن هو نابغة القرن العشرين؟ وهو شخص مات بلا موت ويحيا بلا حياة.)
أتريد يا أرسطو أن تعرف سر تركيب العالم؟ الأمر يسير غير عسير، فان سر تركيبه كسر تركيب القرش الذي في يدك، فدعني أظهرك على هذه الحقيقة ومد يدك بالقرش لأبين لك سر التركيب فيه. . . .
ولكن المجنون الآخر أسرع فغيب القرش في جيبه. فقال (النابغة) هذا سياسي داهية خبيث. والرواية الآن رواية سياسي القرن العشرين
ليس في حقيقة السياسة إلا الرذل من أفعال السياسيين. والألفاظ السياسية التي تحمل أكثر من معنى هي التي لا تحمل معنى. فليحذر الشرق من كل لفظ سياسي يحتمل معنيين، أو معنى ونصف معنى، أو معنى وشبه معنى. فان قالوا لما (أحمر) قلنا لهم اكتبوه بهذا اللفظ؛ فإذا كتبوه قلنا لهم ارسموا إلى جانبه معناه باللون الأحمر لتشهد الطبيعة نفسها أن على معناه أحمر لا غير. . . . وعلى هذه الطريقة يجب أن تكتب المعاهدات السياسية بين أوربا والشرق
انهم يكتبون لنا جريدة بأسماء الأطعمة ثم يقولن: أكلتم وشبعتم. . . . ولقد رأيت (مظاهرات) كثيرة ولا كالمظاهرة التي أتمناه؛ فما أتمنى إلا أن يخرج كل الجانبين في مظاهرة. . . . . .
وهذا الأبله الذي أمامنا ليس وطنياً ولا فيه ذرة من الوطنية. فان كان وطنياً أو زعم أنه وطني، فليخرج القرش الذي في جيبه. . . . ليكون فألا حسناً لخروج جيش الاحتلال من مصر
ولكن المجنون لم يخرج القرش وترك جيش الاحتلال في مكانه
فقال (النابغة): الرواية الآن رواية الشرطي واللص. وبحقٍ من القانون يكون للشرطي أن يفتش هذا اللص ليخرج القرش من جيبه. . . .
غير أن المجنون أمتنع. فقال (النابغة): كل ذلك لا يجدي مع هذا الخبيث، فالرواية الآن رواية هارون الرشيد مع البرامكة. ويجب أن ينكب الرشيد هؤلاء البرامكة ليستصفي القرش. . .
بيد أننا منعناه أن ينكب (البرامكة) فقال: الرواية الآن رواية العاشق والمعشوقة، ونظر طويلاً في المجنون وصعد فيه عينه وصوب فلم ير إلا ما يذكر بأنه رجل فتهدى إلى رأي عجيب. فوقع على قدميه وتوهمه امرأةً في حذائها. . . وجعل يناجي الحذاء بهذه المناجاة:
إن سخافات الحب هي أقوى الدليل عند أهله على أن الحب غير سخيف؛ فكل فكرة في الحب مهما كانت سخيفةً، عليها جلال الحب؛ وللحذاء في قدميك يا حبيبتي جمال الصندوق المملوء ذهباً في نظر البخيل، وكل شيء منك أنت فيه سر جمالك أنت. والحذاء في قدميك ليس حذاء، ولكنه بعض حدود جسمك الجميل، فلا أكون كل العاشق حتى أحيط بكل حدودك إلى الحذاء
أن جسمك يا حبيبتي كالماء الجاري العذب؛ في كل موضع منه روح الماء كله. وحيثما وقعت القبلة من جسمك كان فيها روح شفتيك الورديتين. هذه قبلة على قدميك يا حبيبتي؛ وهذه قبلة على ساقك؛ وهذه على ثوبك، وهذه قبلة على جيبك. . .
وكادت يد (النابغة) تخرج بالقرش؛ فعضه المجنون في كتفه عضة وحشية فجأة الخوف منها فطار صوابه؛ فصرخ صرخة عظيمة دوى لها المكان وترددت كصرصرة البازي في الجو. ثم اعتراه الطيف، وأطبق عليه الجنون، فاختلط وتخبط. . . . . .
(والرواية الآن). . .؟ رواية عربة الإسعاف. . . . . .
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
2 - بعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- 4 -
وفي عصر الحاكم بأمر الله تدنو أساليب الخلافة الفاطمية، وتدنو شخصية الخلفاء الفاطميين من ذروة الخلفاء؛ وكما أن الدعوة السرية الشيعية لقيت على يد الخلافة الفاطمية أعظم مظاهر ظفرها الديني والسياسي، فكذلك تلقى الدعوة السرية الفاطمية في عصر الحاكم بأمر الله أغرب مظاهرها، وأشدها إمعاناً في الغموض والخفاء؛ وفي هذه الفترة بالذات ينفجر بركان الدعوات السرية التي لبثت تضطرم قبل ذلك بأكثر من قرن، وتحقق بعض غاياتها العملية بصور جريئة مروعة
ولقد كانت شخصية الحاكم بأمر الله مثال الخفاء ذاته؛ ولم تكن مظاهر الغموض والتناقض التي تنتاب هذه الشخصية الغريبة في كثير من المواطن، لتحجب مظاهر القوة المادية والمعنوية التي تتمتع بها في أحيان كثيرة، بيد أنا نلاحظ أن الخفاء يغمر هذه المظاهر جميعا، سواء في فترات قوتها أو ضعفها. كان الحاكم ذهناً هائماً، يشغف بنظريات الخفاء والعالم الآخر، وينكب على دراسة التنجيم والفلك، ويهم في ميدان المباحث الفلسفية والروحية؛ وكان هذا الخفاء المروع يصحب الحاكم في حياته الخاصة، وفي تصرفاته العامة، في أقواله وأعماله؛ وأي خفاء أشد من ذلك الذي تنفثه حولها شخصية ترتفع في سماء التفكير حتى لتزعم السمو فوق البشر، وتهيم في دعوى الألوهية، وتنحط مع ذلك في بعض نزعتها وتصرفاتها إلى نوع من الجنون الغامض؟ لقد يجرؤ الدعاة في كثير من المواطن على انتحال الرسالة أو النبوة، وقد يزعم المشعوذون المغامرون أنهم يتمتعون بمواهب خارقة، ولدينا من هؤلاء وهؤلاء ثبت حافل في جميع العصور والأمم، بل إنا لنراهم ينبثون في القرن الثامن عشر في المجتمعات الأوربية يزاولون السحر والتنجيم، ويعتصمون بأذيال الخفاء والروع؛ ولكنا لا نعرف مثلا عملياً ذهب فيه الداعي إلى انتحال الألوهية، وأثمرت فيه الدعوة ثمرتها العملية كمثل الحاكم بأمر الله
احتشد الدعاة السريون بمصر في عصر الحاكم، وازدهرت الدعوات السرية، واتخذت سبلا ومظاهر شتى؛ وكان المجتمع القاهري يعيش في الواقع على هامش تلك الدعوات الغريبة
التي تتخذ سبلها في الخفاء إلى أذهان الهائمين والمنافقين؛ وقد تمخضت هذه الحركة السرية الملحدة في عصر الحاكم ذاته عن نتائج مدهشة، ففي أواخر عصر الحاكم ظهر دعاة يدعون إلى ألوهية الحاكم بأمر الله؛ وزعم حمزة بن علي رأس أولئك الدعاة وأشدهم جرأة أن الحاكم ليس بشرا، وإنما هو (المولى سبحانه هو هو في كل عصر وزمان) ونعته بأنه (قائم الزمان)، وأنه هو أي حمزة نبيه ورسوله، وذهب الدعاة في جرأتهم إلى حد التبشير بهذا الهراء في جامع القاهرة (الأزهر) علناً، وكادت تضطرم من جراء ذلك فتنة خطيرة لولا أن بادر الحاكم بصرف الدعاة وإبعادهم إلى الشام، وهنالك أسفرت دعوتهم عن تأسيس مذهب الدروز الذي ما زال قائماً إلى اليوم، وقوامه القول بالتناسخ وحلول الأرواح، وأن الحاكم بأمر الله هو الإله، وهو قائم الزمان، تجسمت فيه روح آدم، بعد أن تجسمت من قبل في علي بن أبي طالب
وقد وضع أولئك الدعاة كتباً ورسائل سرية مدهشة انتهى إلينا بعضها؛ ولم يك ثمة ريب في أن الحاكم بأمر الله كان يرعى هذه الدعوة ويغذيها من وراء ستار، وأنه تأثر بها في أواخر عهده، وأذكت هيامه، واضطرام عقله وروحه، وكان لها أكبر أثر في تطور الدعوات السرية الإسماعيلية
- 5 -
وكان اختفاء الحاكم كحياته لغزا مدهشا، بل كان ذروة الخفاء والروع؛ وما زالت قصة هذا الاختفاء وظروفه وحقيقة عوامله مثار الريب والجدل. ركب الحاكم ذات مساء في بعض جولاته الليلية التي كان يشغف بها ولا يصبر عنها، وقصد ناحية في جبل المقطم اعتاد أن يرتادها لرصد النجوم، بعد أن صرف الحشم المرافقين له؛ ثم لم ير بعد ذلك قط لا حياً ولا ميتا، ولم يوجد له بعد ذلك أثر قط؛ ولم توجد جثته قط. ولم تقدم إلينا الروايات المعاصرة أو المتأخرة أية رواية حاسمة عن مصرعه أو اختفائه، ولكنا لا نتردد رغم خفاء الحادث وغموض ظروفه في الاعتقاد بأن الحاكم ذهب ضحية مؤامرة، وأن مقتله لم يك سوى جريمة سياسية ارتكبت لتحقيق شهوات الملك والسياسة؛ وهذا ما تقرره بعض الروايات المعاصرة على اختلافها في الشرح والتفصيل؛ وفي ظروف الحاكم، وفي عنفه واضطرام أهوائه، وغريب تصرفاته، وفي قسوته وصرامته نفسه ما يفسر مثل هذا الرأي، وما يسبغ
عليه مسحة من الرجحان. ومعظم الروايات المعاصرة على أن الذي دبر المؤامرة هي الأميرة ست الملك أخت الحاكم؛ وكانت تأخذ عليه عنفه وإغراقه، وتحذره من عواقب أهوائه؛ وكان الحاكم يشدد عليها الحجر والرقابة وينعى عليها سوء مسلكها وفضائحها الغرامية؛ وكانت تخشى بطشه وفتكه، وترقب الفرص لتدبير اغتياله؛ وكان حليفها وعونها في تدبير المؤامرة وتنفيذها، سيف الدولة بن دواس زعيم قبيلة كتامة القوية التي فقدت في ظل الحاكم ما كانت تتمتع به من النفوذ والجاه. وفي ليلة الاثنين 27 شوال سنة 411هـ (1020م) ركب الحاكم إلى المقطم، بعد أن طاف حيناً في أنحاء القاهرة، وسار إلى الجبل ومعه ركابيان فقط؛ وكان أبن دواس قد اتخذ أهبته ورتب للفتك بالأمير عبدين من أخلص عبيده؛ وتوغل الحاكم في الجبل إلى حيث اعتاد أن يرصد النجوم ومعه ركابي فقط؛ أما الركابي الآخر فصرفه مع بعض ذوي حاجة اعترضوه في طريقه، وهنالك في جوف الجبل تمت الجريمة وقتل الحاكم ووصيفه، وقطعت قوائم حماره الأشهب؛ وحملت جثة الحاكم في جوف الظلام إلى أخته ست الملك فدفنته في نفس مجلسها؛ واتخذت كل ما يجب لكتمان الجريمة، وأذاعت أن أخاه سيغيب أياماً؛ وخرج الناس إلى الجبل فلم يعثروا بأثر للحاكم أو حماره أو ركابيه؛ ورتبت ست الملك في نفس الوقت اغتيال أبن دواس وكل من اشترك في الجريمة أو وقف على السر، وذهب السر مع الجناة إلى القبر
وقضى رجال الدولة ثلاثة أيام متوالية يبحثون عن الحاكم دون جدوى، وفي اليوم الرابع توغلوا في الجبل فعثروا بحماره الأشهب وقد قطعت قوائمه، وتابعوا بحثهم حتى وصلوا إلى البركة الواقعة شرقي حلوان، فنزلها البعض، وعثروا فيها بثياب الحاكم مزررة لم تحل أزرارها وفيها أثر الطعان. فعندئذ أيقن الناس بقتله
كان مصرع الحاكم فيما يرجح إذاً جريمة سياسية دبرت ونفذت بأحكام؛ ولكن ذلك التعليل لم يكن حاسما في عصر ذاعت فيه الدعوات والأساطير السرية، ونودي فيه بألوهية ذلك الذي اختفى على هذا النحو الغامض. ومن ثم فقد زعم بعض الغلاة والمغامرين من الدعاة أن الحاكم لم يمت ولكنه اختفى وسيظهر آخر الزمان، أو أنه رفع إلى السماء كما رفع المسيح بل لقد وجدت هذه الأساطير المغرقة سبيلها إلى بعض دوائر البحث الحديث، فنرى المستشرق فون ميللر مثلا يعلق على اختفاء الحاكم بما يأتي: (أما أن أخته قد دبرت قتله
لخوفها من تنفيذ وعيده لها بالقتل، فهو حديث خرافة. والواقع أن مصيره لم يعرف قط. وعندي أنه طبقا لكل ما نعرفه من حياته، قد رأى استحالة تحقيق مبادئه في مصر، فاعتزال الحياة واختفى في مكان ما ليقضي حياته بعيداً عن الأنظار، لكي يعتقد أنصاره على الأقل أنه هو (الناطق) حقيقة (ناطق الزمان) وأنه سيعود من رمسه آخر الزمان في شخص الإمام أو المهدي؛ وهذا ما لا يزال ماثلا إلى اليوم في عقائد الدروز)
والواقع أن هذه الأساطير رغم بطلانها وإغراقها، كانت أخصب مستقى لمذهب الدروز. وإذا كنا لا نستطيع أن نؤمن بهذا التعليل الغريب لاختفاء الحاكم، ففي وسعنا أن نعتقد أن اختفاء الحاكم كان نتيجة جريمة دبرها الدعاة السريون لإذكاء دعوتهم، ولكي يسبغوا عليها بإخفاء الحاكم من هذا العالم قوة الدلائل المادية، فيقال إن ناطق الزمان قد اختفى ولن يظهر إلا في آخر الزمان. على أنه مهما قيل في مصرع الحاكم وفي تعليل اختفائه، فلا ريب أنه من أغرب حوادث التاريخ الإسلامي، وأشدها غموضاً وروعة وخفاء
- 6 -
هذه خلاصة منوعة لبعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي وهنالك الكثير منها مما لا يتسع المقام لذكره. ولا تقتصر هذه المواطن الخفية الغامضة على حوادث التاريخ الإسلامي؛ ولكنها تمثل في تواريخ معظم الأمم والعصور؛ فما من عصر إلا وله أساطيره، وما من أمة إلا ولها أساطيرها القومية، وقد كانت هذه الأساطير وهذه المواطن الخفية تمت في الغالب بصلة إلى الدين أو إلى الأطماع والمشاريع السياسية، وكان يستغلها دائما دعاة مهرة ومغامرون لهم من الجرأة والإقدام، ما يكفل تحقيق مشاريعهم؛ وكان السلطان الروحي أو السياسي دائما مطمح أولئك الدعاة أو المغامرين؛ وفي أحوال كثيرة نرى الأسطورة الدينية أو الدعوة الخفية تنتهي بانفجار تعقبه انقلابات سياسية واجتماعية خطيرة، وفي بعض الأحيان نرى الأسطورة أو الدعوة تفضي إلى قيام دولة جديدة أو مذهب ديني أو سياسي جديد
ولا ريب أن هذه الأساطير والدعوات والحوادث الخفية تبدو في عصرنا حديث خرافة، ومن المستحيل أن تشق طريقها بعد في أمة متمدنة أو مجتمع مستنير. ولكن يجب أن نذكر فوارق العصر والظروف، وأن نحكم على هذه الظواهر الغريبة بمعيار العصر الذي حدثت
فيه. على أننا نجد في التاريخ الحديث، وفي المجتمعات الحديثة المتمدنة أيضاً أمثلة مدهشة من هذه الأساطير والظواهر الخفية تشق طريقها إلى أرقى المجتمعات وتثير الدهشة والروع في نفوس الكبراء فضلا عن العامة؛ ففي القرن الثامن عشر ظهر في ألمانيا والنمسا وفرنسا عدة من الدعاة والمغامرين السريين مثل يعقوب فرنك (أو الكونت أوفناخ) والدكتور فوك، ويوسف بلسابو (أو الكونت كاجليوسترو)، والكونت سان جرمان وغيرهم، وجابوا المجتمعات الأوربية الرفيعة، وأثارت مزاعمهم ودعاواهم في الخلود وعلم الغيب، ومزاولة السحر، والخوارق، كثيراً من الدهشة والروع؛ بيد أن هؤلاء المغامرين الدهاة لم يحاولوا أكثر من تحقيق مطامع محلية وشخصية؛ وذلك أن العصر الذي كانت فيه جرأة الدعاة تتجه إلى إنشاء المذاهب الدينية أو الدولة السياسية، كان قد انتهى منذ بعيد، ولم يبقى أمام الأواخر من الدعاة والمشعوذين إلا أن يعملوا في ميدان متواضع جدا لتحقيق المآرب والأهواء الشخصية.
(تم البحث)
محمد عبد الله عنان
ذكرى زوجة
للأستاذ حسنين حسن مخلوف
حدث صاحبي قال:
عشر سنين سوياً هي مدى العيش بيني وبينها
هي قنطرة حياتها الجديدة اجتازتها عجلة إلى القبر
كانت تملأ بيتي نوراً، ونفسي حبوراً؛ بدلتني بالوحشة أنساً، وبالوحدة جمعاً. هؤلاء أولادها نجوم سماء أرسلتها العناية الإلهية لتكون معجزة الله في نظام الأسرة، وفي بعث الأمل الباسم، وفي سعادة الآباء والأمهات، ثم لم يمتعها الدهر بهم إلا قليلا، واستودعتني صغاراً كأفراخ الطير، وذهبت في عالم السماء. . . . . . . .
دعني يا أخي أخفف من برحاء حزني بقطرات من الدمع هي كل ما أملك عند ما يغلي مرجل قلبي بذكراها
دع دماء قلبي تتبخر فتستحيل دموعاً، ففي انبثاقها هدوء لوعتي وأشجاني، فقد انصبت أحزان الناس جميعاً في مصيبتي فما أطيق لها حملا
أفما رأيت المحزونين يتعزون بي، وينسون مصائبهم إذا رأوني، فيرثون لبلواي، ويمسحون بتعازيهم فيض عيني التي هي معاني دموعهم على موتاهم؟
يا لأيامها الحلوة، وسريرتها الطاهرة!!
أرأيت إلى البحر الصافي الساكن الذي لا يدس في قرارته شيئاً!! أرأيت إلى السماء الزرقاء الجميلة تزهر بالنجوم الوضّاءة، هي رمز السرور والطمأنينة!! ذلك هو قلبها: إخلاص وصدق، وأدب وحياء، وكل ما ترتجي في الزوجة الكاملة من سمو ووفاء. . . . . .
وكأن القدر أراد أن يسقيني كؤوس السعادة مترعة ثم يسلبنيها وشيكا ليطول حزني، وتدمى إلى الأبد جراح قلبي، فأنا منها في همٍ مقعد مقيم
قلت له: هوّن عليك يا أخي، فما لما قضى الله حيلة، وحسبك ما قدمت يداك، وما قمت به نحوها من تمريض، فقد كانت في أغلب سنيها معك بين الموت والحياة، تسعى سعي المجد لتدفع القدر عنها، فلم تدع طبيباً إلا استشرته، ولا صيدلية إلا أفرغت فيها كنوز حياتك
كنت في حياتها في فكر ممض، وقلق مستديم، وليس من الإنصاف لنفسك ولا لأولادك أن تظل هكذا شقيا بمماتها. .
فما استأذن حديثي على سمعه حتى ظل هنيهة مطرقاً مفكراً، وكأن أطياف الماضي تذهب وتجيء في رأسه، فلا يستطيع لها دفعاً، وكأن لوحة خيال تعرض حوادث حياته مشهداً مشهداً، وبعد أن تنبه إلي قال:
لست أنسى طول حياتي رزانة عقلها، واتزان كلامها، وجميل وفائها؛ وقصدها في الأمور كلها، حتى لقد حسبت أن الله مازها بذلك من دون النساء جميعا؛ وأن شمائل بنات حواء اجتمعت لديها ثم صارت وقفا عليها. أرأيت إلى قطرات من المطر تتحلب من أفواه السحاب، ثم يؤلف الله منها ماء رويا يحظى به فرد واحد من بني الإنسان؟ تلك هي فضائلها. فأن محي البر والمعروف والوفاء من نفوس الناس جميعاً فلن تبرح ذهني ذكراها، وهكذا تمر الأيام وروحها ماثلة أمامي، ومآثرها مشرقة إشراق الشمس؛ فهي باقية في معاني الكمال الإنساني، باقية في هؤلاء الصبية كلما خطروا أمام عيني، فهم بضعة منها، وأمثالها العزيزة على نفسي. . . . . . .
كان داء قلبها مبعث آلامها، فما تبرّمت لحظة في القيام بما تفرضه شركة الحياة بيني وبينها، ولأني أعلم أن صخرة عاتية تنتظرني بعد أن أنفض يديّ من تراب قبرها، فتحطم آمالي تحطيما، وتفرق أجزاء نفسي شعاعاً
وكم كنت أود إن لم يكتب الله لها السلامة أن تعيش هكذا في سريرها تنعم برؤية أولادها، وأنا كل يوم أزجي إليها كواذب الآمال في برئها، وأزور مع الطبيب في الطريق كلاماً نقوله عند لقائها، والطبيب يشفق علي ويقول: حسبك فقد أبليت، والطب ألقى سلاحه معترفاً بالعجز عند باب حجرتها؛ وأنا أجيبه: لا عليك أن تكرر الزيارة، وأن تذرع الأرض جيئة وذهوباً، وأجرك موفور، وعذرك في عدم الشفاء مذكور، رجاء أن تدخل شيئاً من برد الطمأنينة على قلبها
وقد والله كانت راضية بالقدر خيره وشره، وما ذاقت طعم النوم أشهراً إلا مثل حسو الطير ماء الثِّماد، وكانت لا تطيب نفسها أن أسهر بجانبها حتى أقوى على أسباب العيش طول النهار؛ فإذا نزلت عند رأيها انتابني الفزع في وهن الليل، فأراها جالسة مفتوحة العينين
تنتظر قضاء الله فيها، وقد تسمع المؤذن في الفجر يشق الفضاء بكلمة الحق:(الله أكبر) في سكون الليل وهدوئه، فتضرع إليه أن يحكم فيها بما يراه خيراً لها، ثم تدعو الذي لها كتب لها قصر العمر أن يكتب لي طول العمر جزاء ما أسديت إليها في أمراضها المتطاولة من برٍ ومجهود، فآسى لهذا القول، وأذكر الأمل في الشفاء، فتستبعد تحقيق ما أملت وتقول: أيقدر لي الشفاء فأقضي عمراً جديداً في شكر معروفك؟!
ثم اشتدت بها العلة، وبرحت بها الأوصاب. ومن عجائب القدر أن تكلفني وزارة المعارف مغادرة المدينة لأعمل في الامتحانات في مدينة أخرى، وليس من شرعة وزارة المعارف أن ترحم مثل الظروف المحيطة بي، أو تقبل عذري إلا إذا كنت أنا مدنفا عليلا، ويشهد جماعة من الأطباء جهد أيمانهم إنيل لا أطيق السفر، ولا أقوى على مكابدة الأعمال
سافرت متعب الفكر، مضطرب النفس، وبين جنبي من الهم ما لو كان بالجبال لاندكت، وبالبحار ما سمعت لرنات أمواجها زئيراً، ولا لشموخ أنفها عزّة وزفيراً
وقبل سفري تقدمت إلى أنجالي أن يراسلوني يوميا بحالتها، وأسررت إلى بعض أصدقائي إن حل المقدور أن يبادر باستقدامي برقياً، ومن عجب أن تترى الرسائل كل يوم بأن معجزة عيسى الباهرة ظهرت في زوجي، وأن المرض كادت تزول آثاره! فأحدث ذلك في نفسي حالة بين الشك واليقين. أذكر البرء فأقول:(آمنت بالله)، (يحي العظام وهي رميم)، هاهو ذا مجهودي الطويل تتوّج بالنجاح، وتا لله إن فرحي برؤيتها سليمة لينسيني كل عذاب تحملته صابراً محتسباً، ثم تخم علي سحب مظلمة تقترب من نفسي شيئاً فشيئاً فأنفجر باكياً في حجرتي بالفندق بعد أن أحكم رتاج الباب، وأشتفي ببلسم المحزون؛ هي تلك القطرات
يا لله للإنسان لو لم تكن دموع عيني أتراه ينشق فتطير أجزاء قلبه ورأسه فلذة في المشرق وفلذة في المغرب ثم يتناثر جسمه إرباً إرباً. ثم تعود إلي قوة نفسي فأحس حرارة اليقين في صدري، ويشع أمام عيني ضياء الأمل فأنتعش وأبني قصور الآمال من جديد بعد أن ضعضعتني الأسقام، وزعزعتني الوساوس والأوهام. وعدت من السفر ودخلت عليها مسلما لأبدل بالشك اليقين، فرأيتها جالسة في سريرها وقد امحت منها معالم الحياة إلا عيونا براقة وروحاً رضية تتحدث حديث الأحياء وجسمها في عالم الأموات، فعرفت زيف أحلامي التي
نعمت بها مدة غيبتي عنها، فسألت في شأن هذه الرسائل فاعتذرت لي بأنها شاءت أن أفرغ لعملي، وحسبي جهود الامتحان من آلام التذكر، فحاطت الرسائل بما يخفف عني، ويحي ميت الآمال من نفسي، فأكبرت هذه المروءة وذلك العقل الكبير من حيةٍ ميتةٍ تنتظر أياما أو ساعات لتودع الحياة الدنيا وقالت لي: إنها ابتهلت إلى الله ألا يحل بها ريب المنون حتى أعود من سفري، وهاهي ذي مشيئة الله كانت رحيمة بها كريمة عليها، وأعلمتني إن دلائل الموت تقترب منها ففاضت شئوني. أما هي فكانت الثقة بالله تملأ جوانب نفسها والتسليم للمقادير ما يلهج به لسانها في كل حين فكانت هادئة رزينة مكتملة العقل كعادتها
ثم عدت إلى المنزل في الظهيرة وقارورة الدواء الأخيرة في يدي فنظرت إليها كما ينظر الموتور إلى واتره فأجفلت منها وكأنها نذير الموت جاء يعجلها فقالت: في هذه الزجاجة بقية عمري فأبعدوها عني ولا تفضوا ختامها: ارحموني فقد تمزق جسمي بالحقن فلم يسلم جزء فيه من طعناتها، وتقطعت أحشائي بالعقاقير وأنا صابرة، فكم من طبيب كشف عن جسمي! وكم من دواء شقت مرارته مرارتي! أين أولادي؟ ليصنعوا مثل الحلقة حولي، وأخذت تقبل هذا، وتمسح بيدها رأس ذاك، وتبلل بالدموع وجوههم جميعاً، كل ذلك وهم في غفلة ساهون يفرحون ويمرحون إلا أكبرهم فكانت دموعه تسابق دموع أمه فيبكيان معا. وبعد قليل استنجدت بجرعات من الزجاجة فشربتها فنامت ثم أستيقضت بعد نصف ساعة وكأنما نشطت من عقال، فاستفاقت وعاد إليها برد الأمل، وما رأيتها في أوقات مرضها أسعد حالا وأعظم سروراً من تلك الساعة، وقلت لها: ألم أقل لك كثيراً إن الإنسان قد يصل به المرض إلى الغاية ثم يشفى، وأنا أعرف كثيراً من الناس بهذه المثابة
وما أنتصف الليل أو كاد حتى زلزلت الأرض زلزالها!! إنه موقف الموت الرهيب!! فرأيت نفسي في مأزق حرج لم أشهده طول حياتي. إنه رسول الموت جاء ليحسم الأمر بعد طول جدال! جاء (لقطع جهيزة قول كل خطيب)
ولتحط أم أولادي الرحال بعد طول تهجير فقد أضناها السرى وبرمت بالحياة الدنيا. رأيتها تسلم الروح إلى بارئها في يقظة وانتباه ونفسها معلقة بأولادها وكأنها تخاطب رسول الموت: قف قليلا لأشهد الكون إني ذهبت إلى الله وخلفت في الدنيا أطفالاً هم بهجة قلبي وحشاشة نفسي. قف قليلا لأودعهم الوداع الأخير
ثم مسحت آلام المرض الطويل وغسلت كل أسقامها المبرحة بكلمة لن أنساها طول حياتي كانت مفتاح الآخرة (دعوني أستريح. أشهد ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله) ثم صارت جثة هامدة
سهرت ليلة من ليالي العمر بيضت سواد شعري، وكلما دقت الساعة دقت معها شعرة من رأسي لنعلن استحالة السواد بياضاً حتى أدركني الصباح
أنا غريب في هذه المدينة التي صارت مثوى زوجي، ومرقد جزء من أجزاء نفسي، وقد غادرت أمي في العاشرة من عمري لأطوف في نواحي الأرض في سبيل المصير الذي بعض عواقبه اليوم
ولا والله ما شعرت بلذع الغربة يحرق كبدي إلا في هذا اليوم العصيب.
ذهبت مبكراً إلى منزل الصديق الصدوق الأستاذ (مصطفى صادق الرافعي) أحسن الله جزاءه فأيقظته من النوم فعرف سر البكور قبل أن يلقاني وأن قضاء الله قد حمَّ، فجاءني مذعورا فقلت له (أفي مقبرة آل الرافعي مكان للغريبة؟)
ومشينا والنعش أمامنا، فرأيت بعيني سياج حياتي يتحطم، وضياء بيتي ينطفيء، وزوجي في ظلمات القبور!
فيا قبر رفقاً بها فقد كانت عزيزة علينا!! ويا أحجاره كوني على جدثها أوراق الجنة
(القاهرة)
حسنين حسن مخلوف
المتنبي في ديوانه
بمناسبة ذكراه الألفية للأستاذ عبد الله كنون الحسني
بقية ما نشر في العدد الماضي
وقال المتنبي:
يَترَشفنَ من فمي رشفاتٍ
…
هنَّ فيه أحلى من التوحيد
فقالوا: لو كان يجد للإيمان في قلبه حلاوة لما جعل رشفاتهن من فمه أحلى من التوحيد. ونقول: إن البيت قد روى هكذا: هن فيه حلاوة التوحيد، وهي نسختنا أيضاً. وقد قيل إن أفعل غير مراد به التفضيل؛ وقيل أيضاً إن التوحيد نوع من التمر! وعلى الرواية الثانية يكون شبه الترشيف بحلاوة التوحيد ولا حرج في ذلك، ومثله مستساغ في مذهب الشعراء. هذه ثلاثة أبيات ليس في شعر المتنبي أكثر غلواً منها، ومع ذلك فهي لا ترد علينا كما رأيت. أما مذاهب عقليته فنشير إليها حيث يقتضي المقام ذلك؛ وليس هناك ما يدل على أنها من ذات نفسه ومضمر قلبه أصلاً؛ وأما مبالغاته في المدح فيصل بها إلى حد المقارنة بين نفسه وممدوحيه من الأنبياء
والأمر الأول لا شك لا يؤاخذ عليه لأنه حتى على فرض كونه مما يؤثر في صحة الإيمان فمن أين لنا أنه كان يعتقده؟ وإلا فحاكى الكفر ليس بكافر، وعلى أنه اعتقده فمن أين لنا أنه استمر على اعتقاده إلى أن مات؟ وعلى كل حال فالحكم على المتنبي بضعف العقيدة لبعض أفكار فلسفية تضمنها شعره يجعلنا لا نقبل في حظيرة الإسلام أكثر علماء الإسلام من الذين لهم مذاهب فلسفية وأفكار حكمية. على أنه ما من قول موهم في شعر المتنبي إلا وقد وجد في شعر غيره ما هو أكثر إيهاماً منه، فلماذا لم تحكموا على غيره من الشعراء بذلك الحكم الجائر؟ ولولا ضيق المجال لعقدنا مناظرة بين أقواله وأقوال غيره من الشعراء في هذا الموضوع حتى يرى القارئ أن المتنبي لا يزيد على غيره إن لم يقصر في ذلك. وإليك قوله مثلا في كافور:
ألا فتى يُورِدُ الهندي هامته
…
كيما تزول شكوك الناس والتهم
فأنه حجة يوذي القلوبَ بها
…
مَن دينه الدهر والتعطيل والعدم
فأنه هو عين قول أبن الرومي لصاحب لحية طويلة في صورة أخرى من السخرية:
أرْع فيها الموسَى فأنك منها
…
- يشهد الله - في أثام كبير
أيُّما كوَسج يراها فَيلقى
…
رَبَّه بعدها صَحيحَ الضميرِ
هو أحرى بأن يشكًّ ويغرَى
…
باتهام الحكيم في التقديرِ
فلماذا أخذ قول المتنبي دليلا على ميله للتعجيل دون قول أبن الرومي الذي منه استعار المتنبي ذلك المعنى؟
كذلك الأمر الثاني، لم يكن المتنبي بارعا فيه ولا بأول ولا آخر؛ فما زال الشعراء يشبهون ممدوحيهم بالأنبياء بل يجاوزون التشبيه إلى ما هو فوقه، وذلك معروف من مذهبهم قديماً وحديثاً، ولا نعني أنه لا بأس به شرعاً، ولكنا نريد أن نقول إن المتنبي لم ينفرد به ولم يطعن أحد بمثله على غيره من الشعراء في عقيدته؛ وقد وجد ذلك في صدر الإسلام ووسطه ويوجد الآن في هذا العصر، فمن قول جرير بمدح عمر بن عبد العزيز:
أتى الخلافة أو كانت له قدرا
…
كما أتى ربه موسى على قدر
ومن قول أبي نواس في الأمين:
سخر الله للأمين مطايا
…
لم تسخر لصاحب المحراب
ومن قول أمير الشعراء المرحوم أحمد شوقي بك يذكر طائرات فرنسا:
لسليمان بساط (واحد)
…
ولكم ألف بساط في الفضاء
فهل هؤلاء الشعراء لا يضربون مع المتنبي على وتر واحد في هذه النغمة؟
والخلاصة أن المتنبي كغيره من الشعراء صدرت عنه أقوال ظاهرها الاستخفاف بأمر الدين ولكن لا نحكم بمقتضاها أنه فاسد العقيدة حتى نحكم على غيره من الشعراء بله العلماء أنهم كذلك، فأن بعضهم أسوة بعض في هذا الأمر
وأما أخلاقه فلسنا بحاجة إلى التنويه بما كان عليه من علو الهمة والشجاعة والصدق والوفاء، فإن شعره مملوء بشواهد ذلك حتى لقد بلغ من علو الهمة أن عابه خصومه بهذا الخلق، فمنهم من لقبه بالمتنبي لتشبيهه نفسه بالأنبياء، ومنهم من جعل ذلك مرضا نفسيا أشبه ما يكون بالجنون. والواقع أن المتنبي كان يسرف في التعظم وإن كان له سلف في ذلك، فانظر إلى قوله:
أي محل أرتقي
…
أي عظيم أتقي
وكل ما قد خلق الله
…
وما لم يخلق
محتقر في همتي
…
كشعرة في مفرقي
فأنك لا تجده يختلف عن قول هبة الله بن سناء الملك:
وفرطُ احتقاري للأنام لأنني
…
أرى كل عار من حلي سودَدِي سدى
أرى الخلق دوني إذ أراني فوقهم
…
ذكاءً وعلماً واعتلاء وسؤددا
وبلغ من شجاعته أن لاقى الموت المحقق فراراً من الغدر. وبلغ من صدقه أن قال عنه بن حمزة إنه ما كذب قط، وقال هو:
ومِن هوى الصدق في قولي وعادته
…
رغبتُ عن شَعرٍ في الرأس مكذوب
وبلغ من وفائه أنه برغم ما عامله به سيف الدولة من سوء العشرة، لم يبح ذاكراً له متشوقا إليه؛ وقد كان يمدح كافورا فيصدر بمدحه ويكثر التأسف على فراقه. ومن شدة وفائه أنه وفى للشيب فلم يقدر على مفارقته إلا حزينا باكيا كما قال:
خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا
…
لفارقت شيبي موجع القلب باكياً
هذه أخلاق المتنبي ليس مغمز لأحد؛ وقد وصف به نفسه في شعره، وجاءت سيرته دليلا على صدقه في هذا الوصف. إلا أن الطاعنين عليه لم يعدموا ما يلمزون به أخلاقه أيضاً فقالوا: إنه كان بخيلا، وبخيلا جداً، واستدلوا على ذلك بحكايات ملفقة تشتم منها رائحة الوضع كما يقول المحدثون، وبأبيات من شعره إن لم نقل إنها محرفة عن موضعها فلا أقل من أن نقول إنها لا دلالة فيها على ما زعموه أصلا. فأما تلك الحكايات فقد كفانا الأستاذ المازني أمرها إذ بين ما فيها من زور وما تحتويه من بهتان؛ وأما أبيات الشعر فأنا ناقلون مما هو نص من شعره في نفي هذه التهمة عنه ثم مقارنون بينه وبينها ليظهر خطأ الاستدلال بها واضحاً لا خفاء فيه
قال المتنبي يستنجز كافورا ما وعده به من الولاية:
أبا المسْك هل في الكأس فضل أناله
…
فإني أُغَنى مُنذُ حين وتَشرَبُ
إذا لم تُنط بي ضيعةً أو ولاية
…
فجودك يكسوني وشغلك يسلب
وقال فيه أيضاً:
وهل نافِعي أن تُرفَعَ الحُجْب بينَنا
…
ودون الذي أمَّلتُ منْك حِجابُ
فهذا المتنبي يقول إن بغيته في فضلة من الكأس الذي يشرب بها كافور (يعني الولاية) لا المال. وإن كل ما وصل من عطاء كافور لم يرفع الحجب بينه وبين ما أمله منه، ولا شك أن ذلك شيء غير المال. ومن كانت هذه منزلة المال عنده، لا يحفل به ولا يجعله شيئاً مما أمله، فكيف يوصف بالبخل ويتهم بالحرص لو كان هناك إنصاف؟ وقد صرح به أخذ ضمناً من الأبيات في قوله
وما رغبتي في عسجد أستفيدُه
…
ولكنها في مَفخر أستَجدُّه
وقال في شكره لمن وهب له هبة:
وما شكرتُ لأن المال فرحني
…
سيّان عندي إكثار وإقلال
لكن رأيت قبيحاً أن يُجادَ لنا
…
وإننا بقضاء الحق بُخَّال
وفي مطلعها ما يشير إلى صدق قوله (فجودك يكسوني وشغلك يسلب) وهذا هو المطلع:
لا خيل عندي أهديها ولا مال
…
فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
ثم هل بقى من تقبيح البخل أكثر من جعله من مبطلات الصلاة كما قال:
فتى لا يُرجِّى أن تَتَّم طهارةٌ
…
لمن لم يطهر راحتيه من البخل
فهذه الأبيات وسواها كثير مما هو نص في المراد، كيف يصح إغفالها والتمسك بمثل قوله دليلا على بخله:
فلا مجدَ في الدنيا لمن قل ماله
…
ولا مال في الدنيا قل لمن مجده
فهل هو إلا مقرر لحقيقة واقعية، وهي أن المجد مهما كان رفيعاً لا اعتبار له إلا بالمال، وقد أجمع الناس على ذلك فما يحترمون إلا صاحب المال ولو كان دنيئاً؟ ولكن ألا تراه مع ذلك قد عقب بأن المال وحده لا اعتبار له عند العقلاء ولا بد من خصال المجد التي هي أساس الاعتبار؟
وأغرب من ذلك الاستشهاد على بخله بمثل قوله:
من يطلب المجد فليكن كعليَّ
…
م يَهبُ الألفَ وهو يَبتسم
وقوله:
تهللَ قبل تَسليمي عليه
…
وألقى مالهُ قبلَ الوسَاد
وهذا لو صح دليلاً على بخل الشاعر لعددنا كل شعراء العربية بخالا، فأنه لكثرة ما تدوول
هذا المعنى، صار لا يخلو منه ديوان شاعر
وإننا لا ننفي أن المتنبي كان جماعة للمال، ولكنه لم يكن يفعل ذلك إلا للاستعانة به على مقاصده كما يصرح هو بذلك في شعره لا سيما وهو يعلم من أحوال عصره أن الاعتبار كله إنما هو لأهل المال خاصة. وانظر إلى حكاية البطيخة التي أعطى صاحبها خمسة دراهم فلم يبيعها له وباعها بثلاثة لمن يملك مائة ألف دينار لمجرد كونه يملك مائة ألف دينار! فانصرف وقد علم أنه لا يتم اعتبار الناس له إلا إذا جمع مائة ألف دينار؛ وقد كان كذلك، وكل ما صدر عنه في هذا الصدد إنما هو من قبيل المثل الفرنسي ، وكم بين من يطلب المال ليستعين به على قضاء حقوقه - وأي حقوق هي! إنها لتزري بحقوق الطغرائي التي يقول فيها:
أريد بسطة كف أستعين بها
…
على قضاء حقوق للعلا قِبلي
وبين من يطلبه لمجرد الحرص عليه وشهوته التي هي مرض من الأمراض، فإن هذا هو البخيل حقاً لا ذاك!
والواقع أننا وجدنا المتنبي صادقاً في كل ما وصف به نفسه من خلال المجد، فلا يصح أن يكذب في هذا الأمر لمجرد حكايات الله أعلم بحالها وحال من نحله إياه! كذلك وجدنا شعره طافحا بمدح الكرم وذم البخل في أبيات صريحة لا غبار عليها فلا يجوز أن نغض الطرف عن ذلك ونلجأ إلى الفرض والتخمين محملين بعض ألفاظه ما لا دلالة لها عليه لنصحح تهمة أنه كان بخيلا!
وإذا فرغنا من الكلام في النقط الثلاث التي عنينا به هنا، فلنتساءل ماذا كان مطلب المتنبي في الحياة ما دام لم يكن يطلب المال لذاته؟
والجواب أن المتنبي كان طالب دولة ولا شك، وكان لا أعدي إليه من أصحاب الدول في عصره، فهو لو تمكن منهم لما رحمهم، بل نرحم شبابه من أن يرحمهم على حد تعبيره هو:
لا يخدعنك من عدُوٍّ دمعُه
…
وارحم شبابك من عَدُو ترحمُ
وقد كان يرى المجد في ضرب أعناق الملوك:
ولا تحسبنَّ المجد زقاً وقَينةً
…
فما المجد إلا السيف والفتكةُ البكر
وتضريبُ أعناق الملوك وإن تُرى
…
لك الهبواتُ الكثر والعسكر المجر
فلو أن الفلك جرى بموافقة سعيه لعصف بدول عصره جميعا ولو دولة الخلافة، وأقام على أنقاضها دولة متنبية من الطراز الذي يقول فيه أبو الطيب:
أعلى الممالكَ ما يبنى على الأسلِ
وما أصدق ذلك الذي قاله على لسان كافور وقد صوّر أنه سئل لماذا لم يُنلْ المتنبي ما طلب منه من الولاية: (يا قوم! من أدعى النبوّة بعد محمد صلى الله عليه وسلم كيف لا يدعى الملك بعد كافور؟)
وحينئذ فماذا كان يصير لو نجح المتنبي في مطلبه؟
إن الدولة العربية كانت قد شاخت في زمنه وتمكن الضعف منها فصارت هامة اليوم أو الغد، وقد رأى هو أن العرب أصبحت تدين للعجم بالطاعة وذلك أمر ليس من صالحهم في شيء:
وإنما الناس بالملوك وما
…
تَصلح عُرْبٌ ملوكها عجمُ
وإن المسلمين أصبحوا في كل جهة عبيد العصا يسوقهم المتغلب أمامه كما يسوق الراعي قطعان الماشية:
ساداتُ كلٍ أُناس من نفوسهمُ
…
وسَادَةُ المسلمين إلا عبدُ القزُمُ
وقد صار أمرهم مع المشركين بين العجز عنهم والرهب منهم:
أرى المسلمين مع المشركين
…
إما لعجز وإمَّا رهُبْ
فإذا قلنا إنه لو نجح في مطلبه لكان ذلك من الخير للعرب والإسلام. لم يكن في قولنا هذا شيء من المبالغة لأن الرجل كان قوة هائلة لا تقف عند حد ولا ترجع عن قصد، فكان ينفخ من روحه في جسم الدولة المتهالك ويهيب بالأمة إلى حياة المجد والعظمة فما يكون بأسرع منها إلى الاستجابة له والإقبال عليه صادعة بأمره صادرة عن قوله:
لا افتخارٌ إلاَّ لِمن لا يُضامُ
…
مُدركٌ أو محاربٌ لا يَنامُ
ليس عزماً ما عرَّض المرءُ فيه
…
ليس همّاً ما عاقَ عنه الظلامُ
واحتمالُ الأذى ورؤْية جانِ
…
يه غِذاءٌ تضوي به الأجسامُ
ذلَّ من يغبط الذليل بعيشٍ
…
رُبَّ عيشٍ أخفُّ منه الحمامُ
(طنجة)
عبد الله كنون الحسني
التضحية
للأستاذ محمد روحي فيصل
صلاح الأمة للبقاء أو قوة حيويتها إنما تظهر أشد الظهور إذا أصاب تلك الأمة شر، أو ألمّ بها خطب، أو انتابتها أزمة في السياسة أو في المال، أو في الأخلاق، مما يجل وقعه، ويشق احتماله؛ ذلك لأن جميع الأمم تستطيع أن تعيش في الرخاء، وتسمو بالنعيم، ولكنها لا تستطيع كلها أن تعيش وتسمو إذا أحدقت بها الشدة، وحفت بها المكاره، وتنكر لها الدهر، وعبست في وجهها الحياة
بلى! قليلة جداً تلك الأمم التي تستطيع أن تعيش وتسمو إبان المحنة والشدائد، لأن كل أمة من الأمم تحتاج حينئذ إلى أن تستمد حياتها من حياة أبنائها، وتعتمد في شفائها على سواعد أفرادها؛ فإذا كان خلق التضحية قويا فيهم، متأصلا في نفوسهم، مشتملا عليه كلهم أو جلهم، نجت تلك الأمة من الشر إن كان نازلا بها، أو تقدمت إلى غايتها إن كانت لها غاية عليا تعشقها وتطمح إليها
أما الأمة الأثرة التي لا تعرف من التضحية غير أسمها، فهي محكوم عليها بالفناء والموت، لا بد أن يخني عليها الذي أخنى على لبد
لما اشتدت الأزمة المالية أخيراً على الأمة الإنكليزية رأينا كيف أن مظاهر التضحية لم تنحصر في رؤساء الأحزاب فحسب، وإنما تعدتهم إلى الأفراد رجالا ونساء، فكانت الفتاة الفقيرة تهب سوارها الذهبي الذي أهدته إليها أمها قريرة العين طيبة الخاطر؛ وكانت العائلة الفقيرة تتنزل راضية عن جنيه من كسبها الذي لا تحصل عليه إلا بشق الأنفس وترفقه بكلمة كهذه:(مساعدة متواضعة لملكنا وشعبنا من أسرة (فقيرة))
كذلك كل أمة نالت شأوا بعيداً في المجد، وبلغت مكانة عالية بين الأمم، ما نالت ذلك الشأو وما بلغت تلك المكانة، إلا بتضحية أبنائها أمامها بالأنفس والأموال تضحية صادقة صحيحة! ولعمر الحق ما كانت تكون لأجدادنا العرب، أبناء الصحراء، وساكني الجزيرة، تلك السيادة الرفيعة، وذلك السلطان المرهوب، لو لم يكونوا متشبعين بخلق التضحية إلى أقصى مدى
ونحن، إذا كنا قد تنبهنا بعد الغفلة واستيقظنا بعد النوم، فاستأنفنا طريقنا إلى العلياء وطالبنا
بحريتنا المسلوبة واستقلالنا المفقود، فإنما يجب أن نتجشم تكاليف ما نطالب به ونضحي لنيله القليل والكثير، ونتحمل ما نلاقي في سبيله من ألوان المكاره وضروب المشاق، ونصبر على صنوف العقبات حتى يلين صلبها ويسهل صعبها، فأنه لا تنال المطالب إلا مكافحة ومغالبة، لأن الحياة معركة، فما لم يدرك فيها بالملاينة والمحاسنة، أدرك بالعنف والمخاشنة. . .!!
إن رجال هذه الأمة جميعاً ثلاثة: رجل لا علم له بما عليه من الواجبات نحو وطنه فلا يعنيه شأنه، ولا يهمه أمره، ولا يعبأ به ولا يحفله، فهو جاهل؛ ورجلٌ أخذ من الدين بقشوره، وشرب من مورده العذب مصة خفيفة ظنها غاية ما يرتوي به المرتوون، فقضى أوقاته في البحث في المحيرة والحيض والنفاس، ونصب نفسه لعداوة كل جديد وإنكار كل ما يألف، فهو جامد؛ ورجلٌ يجري وراء منافعه الشخصية أينما رآها وتخيلها، يراها في جانب مصلحة عامة فيظهر في زي المصلح الداعي إلى هذه المصلحة ويملأ الجو نداء للتعاون عليها، حتى إذا تراءت له منفعة خاصة لا يصل إليها إلا أن يقضي على ما ينفع الناس والوطن داسه بكلتا قدميه، وذهب إلى منفعته تواً لا يلوي على شيء، فهو خبٌ منافق
فإذا أزيل عن الأول جهله، وأزيح عن الثاني جموده، وشنًّع على الثالث خبَّه ونفاقه، وعمل على بث خلق التضحية فيهم وتقويته عندهم، مع تبصيرهم بمقتضيات الأحوال كما يقول البديعيون - إذا فعل هذا عظمت الفائدة، وتوفرت العائدة على الوطن، وسارت الأمة مسرعة إلى مطمحها
(حمص)
محمد روحي فيصل
السنيون والشيعة والمؤتمر
للأستاذ محمد رضا المظفر
لأول وهلة بدا لي أن أنسحب بعد مقال الأستاذ (أحمد أمين) المنشور في (عدد الرسالة 121)، ولا أدخل في هذا الموضوع من جديد، لأنه قرر أخيراً:(أنه سوف لا يرد على من يتخذ بعض ما جاء في مقالته وسيلة الأثارة النزاع من جديد إلا أن يفتح صاحبها مجالا للكلام في مشروع المؤتمر أو وسائل الوفاق) فخشيت أن أكون عند الناس أو عند نفسي (وهي لا تحب لي الرذيلة) ممن يتحبّب النزاع أو يسعى لتعكير صفو الأخوة التي ظهرت بشائرها في العالم الإسلامي، ولهذا - أو لشيء آخر لا أدري - وُضع هذا التقرير الصريح
ومن جهة أخرى، تخوّفت أن يكون حديثي هذا من (لغو الصيف) وإن كنا نستقبل الشتاء، فلا أجاب عليه بعد ذلك التقرير؛ وليست فكرة المؤتمر - وبالأصح حلم المؤتمر - تلك الفكرة الناضجة والحلم الصادق فيما أعتقد (وسأعود إليها)، حتى أستنزل بعلاجها طرف الأستاذ لميدان هذا الموضوع
كل ذلك دار في خلدي، وأكثر من ذلك صرفني عن كل هذا الحديث، حتى يمضي عليّ هذا الزمان، وأخيراً أتراجع إلى طوية نفسي فأجدها جد مؤمنة بوجوب السعي لتحقيق فكرة الاتفاق، وتوحيد كلمة المسلمين، مهما اختلفت وجهة النظر مع الأستاذ أو مع غيره، وهنا فليقرر الأستاذ ما يشاء؛ وليقل الناس ما يحبون!
ولعل الرسالة تفتح صدرها الرحب لكاتب يقف للفرص يتتبعها، لإزالة ما قد يسيء للاتفاق بين الطائفتين، ويشهد حديث كتابها أو غيرهم عن كثب، حتى لا يتكلموا عن الشيعة كأمة غائبة في مجاهل المفاوز، لا سمع لها ولا لسان، في حين أن رجال الشيعة تتبع الأحاديث عنها في الصحف والكتب بكل إصغاء، وقد لا تشاء الرد والجواب، كما وقع في العام الماضي في الرسالة بين الأستاذين، عبد الوهاب عزام، وأمين الخولي، في قضية مكة ومشهد الحسين
وكم يضحكني ما يكتب عن الشيعة كأنها من الأمم الخوالي (ولتعرف من الآن أنا لا نفهم من كلمة الشيعة إذا أطلقت غير الأمامية)، فتنسب لها عقائد وآراء لا نعرفها، وكثير من رجالها صامتون كأن الحديث مع غيرهم، ثم يحرقون الأرم من غير طائل، وليس من
الصحيح هذا التسامح الذي جر ما جر من تباغض وشنآن، وربا على ما خلفه لنا علماء أمس رحمهم الله، وزاد في الطين بلة، وربما تصبح الطريق بعد هذا زلقاً لا تصلح لسير الأقدام إلا بما لا يحمد، كما كان في العصور السالفة؛ وكان من الواجب أن يبادر إلى علاج هذه الناحية قبل فوت أوان العلاج، والحرية الصحافية ضربت أطنابها في البلاد، وخصوصاً في مصر، فأعجب أن يسأل صاحب المقتطف - مثلاً - عن الشيعة، فيجيب عنهم بما يعلم - وهو معذور - ولا يرد عليه واحد منهم وهو لا يأبى عن ذلك، ولا يأبى أن يزيد علمه فيهم. إذن بعد هذا لم لا أتقدم بنفسي لهذا الواجب؟
هذا سؤال وجيه، وعليّ أن أجيب عنه بكل صراحة وإخلاص: كم هناك من مباحث وددت كشف غطاء الحقيقة عنها - لو كنت من أهل ذلك - فأتقدم إلى القرطاس، وأحاول أن أجرد قلمي من لحاء التعقيب لعقيدتي التي نشأت عليها، وغذيتها في لبن التربية، لا أطلب الحقيقة بالبرهان، ولا أكون ممن يتطلب البرهان للعقيدة، ولكن أجد محاولتي الباطلة، فأبحث عن قلمي، فأراه قد تألف من مجموع قشور، وأخيراً لا أجد قلماً أحمله لأكتب به
وهكذا العقائد العامة ليس في وسع أحد أن يتجرد عن تبعتها مهما تخيل أنه سيذهب عنها ناحية، ولا بد أن تنزله لحضيضها، ويرغم على غذائها، فيما يكتب وفيما يعمل، فتتركز عليها أقواله وأفعاله، من حيث يدري ولا يدري؛ وعلم النفس يصدقني - وعلى الأقل لا يكذبني - في هذه الدعوى
ولا أعتقد أن امرءا استطاع أن يحرر نفسه من عقيدته، ما دامت له عقيدة يتمسك بها، أبى الأستاذ أحمد أمين أم لم يأب!
ولكني أرجو أن يوفقنا الله في جهاد سورة النفس في تعصبها، وقمع غلوائها، فيما إذا اعتقدنا بعظم النتيجة وفائدتها للجميع؛ وعسى أن نصيب هدف الحقيقة بعد حين بهذه الحيلة؛ وهذا هو الذي يطمئنني أن أنزل إلى هذا الميدان الوعر المسالك، ومن ورائي جمعية (منتدى النشر) تقبض على ناصيتي
ولقد كانت وجهة نظري القاصر - ولا بد أن تعرفها من حديثي المتقدم ومقالي السابق - أن نفتح لنا باباً للتفاهم في أصل عقائدنا وصحتها - مهما كان في ذلك من الخطورة - فندخل في بحث علمي أو تاريخي، كسائر أبحاثنا العلمية والتاريخية، ونتلقى النتائج بصدر
رحب، وذكرت في مقالي السابق: ما هي النقطة التي يجب اتباعها في البحث؟. وذاك هو الذي فهمته أيضاً من كلام الأستاذين محمد بك كرد علي وأحمد أمين في المرة الأولى، وعلى هذه النغمة حسست وتري، ومضيت مطرباً إلى حد بعيد وحقاً (إن البحث العلمي لا يمنع التفاهم والوئام، بل هو إذا نظر إليه النظر الواسع العالي سبب من أسباب الألفة)
إلا أني بعد هذا وجدتك - أيها الأستاذ - تذهب بعيدا وتنتقل مفاجأة إلى حديث عقد مؤتمر بين الطائفتين في العراق، فماذا تقصد من المؤتمر؟ وعلى أي خطة ولأي غاية يجب أن يسير؟ هذا الذي بعد لم أحط به علماً، ونزولاً عند رغبتك أدخل في الموضوع ما انفتح لي بابه:
لا شك أن عقد مؤتمر بين الطائفتين - على أي وجه يكون - لا يمكن التوصل إلى تحقيقه، بمجرد تفكير واحد واقتراح آخر وتأييد ثالث، مهما كان المفكر والمقترح والمؤيد فلابد أن يختمر في العقول بنقد ورد وبدرسه على جميع وجوهه حتى يستقر على فكرة واحدة ووجه واحد، ويعمم صوته الأسماع النائية والقريبة، ويساهم في درسه العالم والسياسي، ويقتنع به ولاة الأمور - ولا بد من اقتناعهم أو إقناعهم - كعمل لا بد منه، ثم تنتهز الفرص للعمل على تحقيقه، ويسعى بإخلاص لتأسيسه، على سنة الارتقاء والتدرج، أو كما قال معالي العلامة الشبيبي
خواطري اليوم أقوالي ومعتقدي
…
غَداً وغرّة أعمالي وراء غد
لقد سمعنا بحديث هذا المؤتمر وسعى بعض رجالات الطائفتين لتأسيسه وسمعنا باختلاف التفكير في خططه، كل هذا سمعنا، واتضح لي مما سمعت ومما قرأت أيضاً أنه ما زال أمنية لم تشبع درساً وتدقيقاً؛ وكل عمل كبير مثل هذا لا بد أن يكون كذلك وأكثر. فلنفرض أن المؤتمر انعقد في العراق، واجتمع أعضاؤه لدرس خططهم، فعم يتساءلون؟
يدرسون مذهب الشيعة وأهل السنة - وعلى الأصح مذاهب المسلمين - وأسباب الخلاف بينهم، كأجانب على المذهبين، ثم يتفقون على الصحيح، أو قل على جوهر الإسلام الحقيقي الذي جاء به الرسول عن الله، ويطوحوا بالقشور وبما ألصق بالحنيفة إلصاقا - ولا بد أن يكون هناك لباب وقشور وحق وباطل لا محالة - ليحملوا الأمة الإسلامية جمعاء على الإسلام الصحيح، الذي يفهمه روح الإخلاص والبحث النزيه
حلم لذيذ! لو صدقناه لكنا خيرا منه ونعم الخلف الصالح. ولاسترحنا من آلاف الكتب التي ألفت في هذه الشؤون، وجرت على المسلمين الويل والثبور، وأضاعت من أوقات العلماء كل غالٍ ونفيس درساً وتأليفاً، فصرفتهم عن كل عمل ينفع الأمة ويجر إليها المغنم، طيلة هذه القرون
ولكن - بالله عليك - هل رأيت حلماً أكذب من هذا في أضغاث الأحلام، وأمنية أبعد منها في الأماني؟ كيف يتفق أولئك على الصحيح؟ وبماذا يحملون الرأي العام على اعتناقه؟ أبالقوة يعتنق هؤلاء الدين الجديد عندهم؟ أم بالتقليد لأولئك النفر القليل؟ أم بطريق الحجة والإقناع؟ كلا! كل هذا ليس من السهل، أو ليس من المستطاع؛ وإذا جاز أن يقع مثله في أول الدعوة إلى الإسلام من نبينا وأصحابه، فليس من الجائز أن يقع في هذا العصر من مؤتمر يؤلف من علماء الطائفتين المتخالفين في بؤرة الخلاف، وهل يصح أن نكتفي بهم وحدهم أو بالخاصة معهم - لو جاز أن يتفقوا - ونستغني عن اتباع السواد لهم
وأكبر الظن أني تياسرت عن الغرض في تأويلي هذا للمؤتمر المقصود، إذن فعم يبحثون؟
لنتركهم يعملوا لإيجاد عوامل الألفة والصداقة الودية بين الفريقين، ولذبح النعرة الطائفية على أعتاب الأخوة الإسلامية ليدخلوها بسلام آمنين، ولتبق بعد هذا كل طائفة على عقيدتها وأعمالها، كمذاهب أهل السنة فيما بينهم، وكالشيعة لما يختلفون في تقليد مجتهديهم، وهناك تتجلى الكلمة الذهبية الخالدة:(إنما المسلمون إخوة)، وقوله عليه السلام:(المسلمون كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً). وينظر عندئذ للمؤتمر في دعوى من يدعي غمط حقوقه كمحكمة كبرى إسلامية، ويأخذ على الأيدي العابثة من كتاب وغيرهم بالوسائل التي يختطها ويستطيعها
وظني أن هذا المؤتمر هو الذي يرمي إليه إخواننا فيما فكروا وتحدثوا وكتبوا، وهناك ملحوظات يجب ألا نغفل عنها:
هذه الدعوة إلى الاتحاد ونبذ النزعات الطائفية، والتفرقة الشائنة، هي إحدى الأسس القويمة التي بنى عليها الحكم الوطني في العراق - كما ذكرت في مقالي السابق - ورؤساء الطائفتين يومئذ لم يقصروا في توجيه الرأي العام نحو هذه الفكرة الجديدة التي لم يدع لها العهد التركي البائد مجالاً للظهور أو لبذرها في العقول، واستطاعوا في اقصر وقت أن
يكهربوا الفكرة العامة بتيارهم، حتى إنك كنت تسمع الهتاف بالوحدة يبلغ عنان السماء في جميع محافلنا ومجالسنا، وكان الرجل يخسأ أن ينبس بكلمة واحدة تشتم منها رائحة الخلاف، وعلى ذلك أعوام - أو أيام - مضت، حتى تغير بعض النفوس، وتبدل كثير من النوايا، ولا ندري لماذا كان؟! وهل يجوز أن نقول لا ندري؟ لا أدري!
واليوم - بحمد الله - تجد الحال كما هي، لم تتبدل تلك الظاهرة المحبوبة؛ ولكنها فقاقيع على الماء من ارتفاع درجة الحرارة، وليست هي كل الماء - كما يقول الأستاذ أحمد أمين - أو ليس وجودها إلا لتظهر فقط لا لتنفع - كما يقول الأستاذ الرافعي - لأن هذه الظاهرة احتفظت بها السياسة وحدها واكتفت بها، ولم تأخذ بها الأمة عن طريق الرغبة فيها، والاقتناع بضرورتها وثمراتها، في حين أن العودة إليها قد تضاءل نبراسها إلى حد كاد معه ينطفي، وما أدل على هذا من أن السني الداعي إلى الوحدة يصبح متشيعاً في نظر أصحابه، والشيعي الداعي إلى الوحدة يصبح سنياً في دعوى إخوانه، وهذا ذنب كبير عندهم لا يغتفر!
ولذلك يسود الاعتقاد اليوم أن الدعوة الأولى كانت كلها خداعاً في خداع؛ ومن رجالنا من لا يزال مستمسكاً بها إلى اليوم، فينسب إلى غفلة أو سذاجة، وهذا هو الداء الدوي
فإذا أردنا أن نؤلف هذا المؤتمر في العراق، فإنما نريد أن نعيد تلك الكرة لتنفي العزة، وقد لاقت في مبدأ الأمر سوقاً رائجة، ثم كسدت تلك السوق، ويبيع فيها الرأي العام بأبخس ثمن، وبدراهم معدودة؛ ومن الصعب جداً أن نعمل عملاً مجرباً بتشاؤم منه؛ واعتقد أنه سيكبد القائمين مجهوداً كبيراً من هذه الناحية، ويحتاج إلى زمن ليس بالقصير، لتحوير الأفكار ورسوخ العقيدة من جديد، تتخلله الدعاية الواسعة من القادة وذوي العقول المخلصين: وتقريباً للمسافة أجد من الضروري أن تنضج هذه الفكرة خارج العراق أولاً، ثم تدخل العراق لتستطيع أن تهضمها الأفكار بسهولة
ومن المرجح أن هذا المشروع لا يلاقي الفشل بعد تشكيله في هذه المرة إذا كان القائم به مؤتمرا منظما يبنى على أسس متينة ونظم واضحة، وإذا كان مؤسسو المؤتمر يحملون في حقائبهم إخلاصاً صادقاً وعقيدة ثابتة ووطنية صحيحة، والعراق في دور الاستقلال، وما فشل لأول مرة إلا لأنه كان عملاً فوضوياً اندفع إليه المجتمع كسائر إندفاعاته التي لا
يقودها العقل والرأي - على حسب قانون المجتمعات - فاستغلته الساسة الوقتية، ثم لعب أهل الأغراض والمطامع ومن خلفهم الاستعمار أدوارهم - وبالطبع يتلاشى هذا الظل بعد حين، متى طلعت الشمس ولا بد أن تطلع -، ولا مؤتمر مسؤول ولا جمعية مخلصة تحاسب الناس على أعمالهم
النجف الأشرف
محمد رضا المظفر
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
كوخ رابع غزاة المكروب يكتشف مكروب السل
بدت لكوخ طلائع النجاح، فقضى أشهرا يؤكده بالعمل المتواصل، والتفصيل الممل، والصبر النادر، والدقة المتناهية، والحذر البعيد. تجد كل ذلك منه إذا أنت قرأت تجاربه المتكررة العديدة في تقريره التاريخي عن داء السل، وقد ولد من هذه البشلات ثلاثا وأربعين أسرة مختلفة، ولدها على فالوذج المصل في أنابيبه المائلة من القردة المسلولة والفئران والخنازير الغينية العليلة
ولم يستطع توليدها إلا من حيوانات أصابها السل أو ماتت من جرائه، وقضى أشهراً يرعى تلك القتلة الصغار رعى الحاضن ولدها، وكان أكبر همه ألا يدخلها من أخلاط المكروبات الضالة شيء
قال كوخ: (والآن إذ ولدت بشلاتي هذه خالصة، فلم يبق لي إلا أن أحقنها في خنازير غينية سليمة، بل في كل نوع من حيوان سليم. فإذا أصابها السل علمت علم اليقين أن هذه البشلات ضرورة لازمة لإحداثه، وأنها علته التي لا شبهة فيها)
وقام كالمجنون الذي يركب رأسه لفكرة ملكت عليه منافذ السبل، فقلب معمله فصار أشبه شيء بحدائق الحيوانات، وأصبح يتجهم للناس ويتهكم بزواره المتشوفين لما عنده حتى صار غولاً ألمانيا صغير الجرم حقوداً، وعقم عشرات المحاقن وحده، وزودها بمكروبه الأحدب من زريعاته التي على فلاذج أمصاله بعد أن دافه بقليل من الماء، ثم أطلق هذا المكروب من هذه المحاقن كالسهام في جلود الخنازير والأرانب والدجاج والجرذان والقردة والفئران. ثم زمجر فقال:(لا يكفي هذا. فلا بد من إطلاق هذا المكروب في أنواع من الحيوانات لا يعرف أن السل أصابها أبداً)، وخرج عن ألمانيا يطوف البلاد فجمع لمعمله. ثم عاد فحقن بشلاته، العزيزة عليه الشديدة على غيره، في سلاحف وعصافير وخمسة ضفادع وثلاثة من ثعابين الماء
وفي نوبة ذهب فيها عقله شاء أن يتمم تجريته الغريبة في سمكة مرجان
ومضت أيام تلو أيام، وتلاحقت الأسابيع، وفي كل يوم منها ذهب كوخ إلى (ورشته) في
الصباح واتجه تواً إلى أقفاصه وجراره التي احتوت هذه الحيوانات الخطيرة. أما سمكة المرجان فظلت تفتح فاها وتغلقه وهي تعوم عوم الوداع الآمن في طاسها الكبير ذي البطن العظيم. أما الضفادع فظلت تنق نقيق من لا يأبه لشيء. وأما ثعابين البحر فكانت على عهدها نشيطة رشيقة في انزلاقها على الماء، وأما السلاحف فكانت تخرج رأسها أحياناً من بيتها العظم وتطرف بعينها لكوخ كأنها تغمز به وتقول:(إن مكروبك يا سيدي العزيز غذاء صالح لنا، فهل لديك من مزيد؟)
سلمت هذه الحيوانات من محاقن كوخ، ولا عجب، فهي في حياتها العادية منيعة على السل. أما الخنازير الغينية فأخذت تميل ثم تتساقط على جنوبها تتلهف على الهواء وتستدر الرحمات ثم تموت وقد براها السل برياً شديداً
والآن وقد أتم كوخ آخر حلقة من البرهان الذي أراده، تهيأ ليعلن للدنيا أن البشلة التي هي سبب السل الحق قد اصطيدت، قد اكتشفت! وما كاد يهم بالإعلان حتى خطر له أن للبرهان ذيلاً لا بد من إتمامه. قال: إن الناس لا بد آخذة هذه البشلات استنشاقا مع تراب الهواء، أو لعلهم آخذوها من المسلولين إذ يسعلون. فليت شعري أتأخذه الحيوانات السليمة بهذه الطريقة أيضاً؟) وما عتم أن قلب وجوه الحيلة لإجراء هذه التجربة الخطرة. وارتأى أن يرش البشلات رشا في وجوه الحيوانات. وتلك مخاطرة من دونها فتح أبواب السجن لعشرات الألوف من القتلة السفاحين
ولكن كوخ كان مشبعاً بروح الصيد، فعرف أنه لا بد له من مواجهة الأخطار التي لا مندوحة لصياد عنها. فصنع صندوقا كبيرا في الجنينة ووضع فيه الخنازير الغينية والفئران والأرانب. وأوصل من شباك معمله خرطوماً ينتهي طرفه في الصندوق برشاشة. وقعد هو في معمله عند طرف الخرطوم الآخر يحرك مضخة ينبعث من تحريكها في الصندوق ضباب من البشلات قتال يستنشقه ما في الصندوق من حيوان، وقام كوخ يحرك المضخة نصف ساعة كل يوم طيلة ثلاثة أيام. وعند فوات عشرة أيام وجد ثلاثة من الأرانب تتنفس سريعاً في طلب هذا الهواء الغالي الذي عجزت رئاتها المريضة عن إعطائها إياه. ولم تمض خمسة وعشرون يوماً حتى كانت هذه الخنازير قامت هي أيضاً بنصيبها المتواضع من هذه المأساة المجيدة فمات الواحد تلو أخيه مسلولاً
ولم يذكر لنا كوخ كيف صنع لاخراج هذه الحيوانات من صندوقها وقد عمه وعمها الوباء، ولم يحدثنا ما الذي صنعه بهذا البيت الصغير الذي بناه بعد أن ابتلت حيطانه بهذا الرشاش الفتاك. ولعمري لقد أضاع هذا البحاثة الهادئ المتواضع بصمته عن ذكر هذا فرصة ثمينة لمن همه الفخر وطلب المباهاة
(يتبع)
احمد زكي
شعراء الديباجة
أدب البارودي وشعره
بمناسبة انقضاء مائة سنة على مولده
للأستاذ أحمد الزين
تتمة
أما شاعرية البارودي فقد قدمت لك أنها صياغة عصورٍ غابرة، ووليدة بيئات منقرضة، إذ لم يسبق بنهضة أدبية نما فيها ذوقه العربي، ولم ينشأ في بيئة عربية ترعرع فيها فنه البياني؛ بل كان هو باعث تلك النهضة بعد أن لم تكن، ومطلع ذلك النور بعد أن خبا، والمجلي في حلبة البيان الذي لم يسبقه أحد قبله وجاء على أثره من بعده، ومكون تلك البيئة بعد أن كانت مصر قبله وفي صدرٍ من عهده ممحلةً من الأدب والأدباء والشعر والشعراء إلا القليل ممن لا يعتد بشعرهم، ولا ينبغي أن تسجل أسماؤهم في الشعراء إلا تسجيلا تاريخياً لمن أراد أن يكتب سجلا جامعاً، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها
إلا أن تلك النهضة التي بعثها من مرقدها لم تكن نهضة تجديدية في الأفكار والمعاني؛ وتلك الوثبة التي وثبها لم تكن وثبةً انقلابية في تصوير ما حوله من المشاعر والاحساسات؛ وهذه الخطوة التي خطاها لم تكن خطوة تطويرية في مسايرة روح العصر وتوجيهه إلى ما يريده الشاعر لأمته وبلاده من المثل الأعلى في الآمال والأغراض، بل كانت نهضةً بيانية لا أكثر، متعلقة بجودة العبارات، واختيار الألفاظ، وإحكام النسج، ومتانة التركيب، والجري على مذهب القدماء في الفخامة والجزالة؛ فلا تكاد ترىفي شعره ما يعبر عما حوله من أحاسيس أمته وأوطانه، إلا القليل مما تراه منتثرا في ديوانه؛ وسبب ذلك يرجع إلى أن شاعريته كما قدمت لك من صياغة الكتب والدواوين، وصناعة هؤلاء الشعراء المتقدمين؛ فكان يعيش بشعره في عصرٍ غير عصره، وكان أشبه بالعاشق الموله الذي يجالس القوم بجثمانه، ويكلمهم بلسانه، وهو مع معشوقه وسالب لبه بروحه ووجدانه
وهنا ينبغي أن نشير إلى مخالفتنا لما رآه بعض كتاب النقد في شعر البارودي، فقد قسم الشعر إلى أربعة أقسام، وهي شعر التقليد الضعيف، وشعر التقليد القوي، وشعر الابتكار
الذي يوحيه الشعور بالحرية القومية، وشعر الابتكار الذي يوحيه الشعور بالحرية الفردية؛ وذكر أن شعر البارودي في طليعة النوع الثالث، وهو شعر الابتكار الذي يوحيه الشعور بالحرية القومية
وعندي أن شعره لا يعدو من هذه الأنواع الأربعة، وهو شعر التقليد القوي؛ وهذا هو سر شغفه بمحاكاة الفحول من شعراء المتقدمين ومعارضتهم في مشهورات قصائدهم كأبي نواس، والشريف الرضي، وأبي فراس، والبويسيري، وغيرهم؛ وفي رأيي أنه لم يبلغ أحدا من هؤلاء، وإن كان قد قاربهم بعض المقاربة، وذلك لأنه مقلد، والتقليد كما تحدثت إليك من قبل أضعف من الأصل مهما يبالغ المقلد في إحكام المشابهة وإتقان المحاكاة. وإنك لتقرأ القصيدة من شعره فلا توقظ عاطفة من عواطفك، ولا تحرك شجناً من أشجان نفسك، ويخيل لك أنك سمعتهاقبل عدة مرات؛ والحق أنك قد سمعتها، فإن لم تكن قد سمعتها بالفاظها، فقد سمعتها بمعانيها في شعر العباسيين وغيرهم من المتقدمين؛ حتى أن قصائده التي قالها في صفة الحروب وأهوالها، والميادين وأبطالها، وافتخاره بالإقدام إذا حمي الوطيس واشتد الخوف وجاشت نفس الجبان لا تراها تتميز إلا في القليل النادر بمعان جديدة وأفكار مستحدثة عن شعر المتقدمين في صفة ذلك، حتى إنك لو لم تعرف أن قائل هذا الشعر هو البارودي لحسبت أنه شاعر عباسي يصف إحدى غزوات الرشيد أو المأمون في خراسان أو بلاد الروم. وإلا فأي جديد مستحدث يلفت ذهنك إليه، ويجتذب قلبك نحوه، تراه في قوله:
فلا جوَّ إلا سمهريُّ وقاضِبٌ
…
ولا أرضَ إلا شَّمري وسابحُ
ترانا بها كالأسد نرصُد غارةً
…
يطير بها فنق من الصبح لامحُ
فلست ترى إلا كماةً بواسلا
…
وجُردا تخوض الموت وهي ضوابح
نُغير على الأبطال والصبح باسمٌ
…
ونأوي إلى الأدغال والليلُ جانح
بكى صاحبي لما رأى الحرب أقبلت
…
بأنيابها واليوم أعبر كالح
ولم يك مبكاه لخوف وإنما
…
توهم أني في الكريهة طائح
فقال اتئد قبل الصِّيال ولا تكن
…
لنفسك حربا إنني لك ناصح
ألم تر معقود الدخان كأنما
…
على عاتق الجوزاء منه سرائح
وقد نشأت للحرب مُزْنة قَسْطَل
…
لها مستَهلٌ بالمنيةِ راشح
فلا رأى إلاُ أن تكون بنجوةٍ
…
فأنك مقصود المكانة واضح
فقلت تعلّم إنما هي خُطّة
…
يطول بها مجدٌ وتخشى فضائح
فقد يهلك الرِّعديد في عقر داره
…
وينجو من الحتف الكَمِيُّ المشابحُ
الخ. . . . . .
وقد كان ينبغي أن يتميز شعره في صفة الحرب عن شعر المتقدمين، ولا يحاكيهم في كثير ولا قليل من معانيهم فيها، وذلك لما باشر من وقائعها، وخاض من غمراتها، وتعرض لمخاوفها، ولما امتلأت به نفسه من حبها، والتمدح بالإسراع إليها، ولِما تميزت به الحروب في عصره عن الحروب في العصور الماضية، واختلفتْ في صُورَها وآلاتها وترتيبها عن الحروب أيام تقسيم الغزاة إلى شاتية وصائفة
ومما يعاب على البارودي ويؤاخذ به قلة شيوع الشعور الوطني والإحساس المصري في شعره، وخلو قصائده إلا في القليل النادر من العاطفة القومية، وإنما استثنيت القليل النادر لما له في ذلك من القصائد اليسيرة التي قالها وهو في منفاه بسرنديب كقوله من قصيدة:
هل من طبيب لداء الحب أو راقي
…
يشفي عليلا أخا حزن وإيراق
قد كان أبقى الهوى من مهجتي رمقا
…
حتى جرى البين فاستولى على الباقي
وفيها يقول:
يا روضة النيل لا مسّتكِ بائقةٌ
…
ولا عدتك سماءٌ ذات إغداق
ولا برحتِ من الأوراق في حلل
…
من سندس عبقريّ الوشى برّاق
يا حبّذا نَسَمٌ من جوِّها عَبِقٌ
…
يسري على جدول بالماء دفّاق
مَرعَى جيادي ومأوى جيرتي وحِمَى
…
قومي ومنبتُ آدابي وأعراقي
أصُبو إليها على بُعد ويعجبني
…
أني أعيش بها في ثوب إملاق
وكيف أنسى دياراً قد تركتُ بها
…
أهلا كراماً لهم ودّي وإشفاقي
فيا بريد الصَّبا بلغ ذوي رحمي
…
أني مقيم على عهدي وميثاقي
وأنت يا طائرا يبكي على فنن
…
نفسي فداؤك من ساقٍ على ساق
أذكرتَني ما مضى والشمل مجتمع
…
بمصر والحربُ لم تنهض على ساق
الخ. . . . . . .
ولعل السر في عدم شيوع ذلك الشعور في شعره وقلة ظهور هذه العاطفة في قصائده يرجع إلى أنه سليل عائلة من الأتراك الذين يرون أن سيادتهم في مصر لا تتم إلا بالترفع عن مخالطة أهلها، وعدم مشاركتهم فيما يشعرون به من آلام وآمال، ويرون أن الاتصال بطبقات الشعب ثلم في غزتهم، وانتقاص من سيادتهم
وإليك طرفاً من قصيدته التي استقبل بها مصر حين عاد من منفاه، قال:
أبابلُ رأىَ العين أم هذه مصر
…
فأني أرى فيها عيوناً هي السحر
نواعِسُ أيقظن الهوى بلواحظ
…
تدين لها بالفتكة البيض والسمر
فإن يك موسى أبطل السحر مرة
…
فذلك عصر المعجزات وذا عصر
بنفسي وإن عزت عليّ ربيبةٌ
…
من العين في أجفان مقلتها فترُ
الخ. . . . . . . . . .
فأنت ترى أنه لم يزد في استقبال وطنه على ذكر ما فيه من الجمال النسوي الشائع بين جميع الأمم، والمشترك بين مختلف الشعوب، ولم يقل في قدومه إلى مصر إلا ما يقوله قادم على أي بلد من البلاد المشهورة بهذا النوع من الجمال، وإن لم يكن وطنه. ثم انظر هذا الإحساس الوطني المتدفق، والعاطفة المصرية الفياضة في قصيدة شوقي التي استقبل بها مصر حين عاد من منفاه بالأندلس، إذ يقول:
ويا وطني لقيتك بعد يأس
…
كأني قد لقيتُ بك الشبابا
وكلُّ مسافر سيؤوب يوماً
…
إذا رزُق السلامةَ والآيابا
ولو أني دُعيتُ لكنت ديني
…
عليه أقابل الختم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي
…
إذا فُهْتُ الشهادة والمتابا
هدانا ضوءُ ثغرك من ثلاثٍ
…
كما تهدي المنوَّرةُ الركابا
وقد غشُّى المنارُ البحر نورا
…
كنار الطور جلّلت الشعابا
وقيل: الثغر، فاتأدت، فأرست
…
فكانت من ثراك الطُّهر قابا
وقوله وهو في منفاه أيضا:
وطني لو شغلت بالخلُد عنه
…
نازعتني إليه في الخلُدُ نفسي
وهفا بالفؤاد في سلسبيل
…
ظمأ للسواد من (عين شمس)
أحرامٌ على بلابله الدَّوْ
…
ح حلال للطير من كل جنس
كلِ دار أحق بالأهل إلاّ
…
في خبيث من المذاهب رجس
وهنا قد يخطر بذهنك أن تسأل عن العوامل المؤثرة في شعر شوقي هذا الأثر الظاهر، وميزته من شعر البارودي هذا التمييز الواضح، وجعلتْه فياضاً بهذه العاطفة القومية، مفعما بتلك الاحساسات الوطنية، فلا تكاد تقرأ قصيدة من قصائده خالية من ذكر مصر والفخر بماضيها، والألم لحاضرها والأمل القوي في مستقبلها؛ ولا تبعد عن الحق كثيرا ً إن قلت إن شوقي لم يجد إجادة تامة إلا في هذه الأغراض؛ وأقول في جواب هذا السؤال إن سر ذلك يرجع إلى مخالطة شوقي لزعماء الوطنية المصرية وصلته القوية بهم، وحرصه على توثيق أسباب المودة بينه وبينهم، وملازمته لمجالسهم بالليل وانهار، فلا عجب إن شاركهم بعد ذلك في الآراء والأفكار، وشاطرهم في الآمال والأوطار. . .
أضف إلى ذلك خدمته الطويلة للخديو السابق عباس الثاني؛ وقد كان من كراهته للمحتل الغاصب، وحبه الاستقلال بالسلطة والانفراد بالحكم، ما هو معروف مشهور
وهذا جواب إجمالي أرجئ تفصيله إلى فصل آخر عند الكلام على شاعرية شوقي
أحمد الزين
سكان أعالي النيل
بقلم رشوان أحمد صادق
يسكن أعالي النيل ثلاث مجموعات أساسية تتفرع منها عدة مجموعات أخرى فرعية:
1 -
المجموعة النيلية، ويطلق عليهم أسم وهم خليط من الزنجي والحامي. نشأ هذا الخليط بالقرب من شرق البحيرات الكبرى في شرق أفريقيا ثم نبعت منه شعبتان:
الشعبة الأولى هي جماعة الدنكا وقد اتجهت شمالا ثم تكون منها الدنكا والنوير الحاليتان
والشعبة الثانية اتجهت شمالا أيضا ونتج عنها القبائل التي تتكلم اللهجة الشلك مثل جماعة الشلك والليو والأنواك
وهذه المجموعة تشغل أقاليم بحر الغزال وبحر الجبل وبحر الزراف والسوباط وجزءا من النيل الأبيض. أما مميزات هذه المجموعات الجنسية فهي قامة بائنة الطول، ورأس مستطيل، وبشرة سوداء جدا، وشعر مجعد؛ فهم يختلفون عن الزنجي البحت وكذلك عن الحامي البحت
أما جماعة الأشولي الذين يتكلمون لهجة الشلك فرؤوسهم مستديرة، وذلك يرجع إلى تأثرهم جنسياً وثقافة بعنصر مستدير الرأس جاء من الغرب إلى الشرق والتقى بهم أثناء هجرتهم من موطنهم الأصلي
2 -
المجموعة الحامية النيلية مثل الباري واللوتوكو وغيرهم، وهم يشبهون النصف حاميين الذين يوجدون في شرق أفريقيا وفي شرق أفريقيا الوسطى، ويكثر وجودهم في مستعمرة كينيا وأوغندا حتى حدود السودان وشمال تنجانيقا. وهم أيضا خليط من الحامي والزنجي، غير أنه يظهر تغلب الجنس الحامي في تكوينهم خصوصا من حيث التقاطيع مثل الأنف ولو أن البشرة سوداء اللون. ولقد تأثروا أيضا بالهجرات المستديرة الرأس الآتية من الغرب إلى الشرق، ولكن هذا التأثير كان ثقافيا لا جنسياً
3 -
مجموعة زنجية مستديرة الرأس لونهم أخف من لون النيليين وقامتهم أقصر. كانت أماكنهم بحيرة تشاد، ثم هاجروا جنوبا إلى أفريقيا الاستوائية الفرنسية، ثم شمالا إلى خط تقسيم المياه بين الكنغو والنيل. وأهم هذه المجموعة الأزندي، ويسكنون في أعالي بحر الغزال الآن
وبعض العلماء يظن أن لونهم الفاتح يرجع إلى اختلاطهم بجماعة البربر أو بعض الحاميين
ولقد اشتهر سكان هذه الجهات ومعظم سكان أفريقيا - سواء الزنجي البحت أو الخليط - بحب اللهو والطرب والرقص وكثرة شرب الخمور. ولقد تبارى العلماء في تعليل هذه الظاهرة التي تكاد تعم معظم بقاع أفريقيا
فابن خلدون يرجع ذلك إلى عوامل مناخية إذ يقول:
(من خلق السود على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب فتجدهم مولعين بالرقص على توقيع، موصوفين بالحمقفي كل قطر؛ والسبب الصحيح في ذلك أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه، وطبيعة الحزن بالعكس وهو انقباضه وتكاثفه. وتقرر أن الحرارة مفشية للهواء والبخار، مخلخلة له زائدة في كميته، ولهذا يجد المنتشى من الفرح والسرور ما لا يعبر عنه، وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة الغريزية التي تبعثها ثورة الخمر في الروح من مزاجه فيتفشى الروح تجيء طبيعة الفرح. وكذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها واتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت، لذلك حدث لهم فرح، وربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور. ولما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار واستولى الحر على أمزجتهم وفي أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم وأقاليمهم، فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع (المعتدل) أشد حرا، فتكون أكثر تفشياً، فتكون أسرع فرحا وسرورا وأكثر انبساطاً، ويجيء الطيش على أثر هذه. وتتبع ذلك في الأقاليم والبلدان تجد في الأخلاق أثراً من كيفيات الهواء والله الخلاق العليم.)
ولقد حاول كثير من العرب تعليل حب هؤلاء الأقوام للخمر واللهو والرقص، ومن هؤلاء المسعودي الذي ينسب ذلك إلى ضعف عقليتهم، كذلك يعقوب بن إسحاق الكندي ذكر ذلك التعليل الذي ربما يكون المسعودي قد نقله عنه
كذلك ذكر هذا الرأي جالينوس كما يقول ذلك أبن خلدون
وربما كان ذلك راجعاً إلى قلة العمل وطول الوقت، ولذلك يلهو الزنجي بمثل هذا النوع من الطرب. وربما يرجع حب الزنجي للرقص والخمر إلى التغلب على مناخ بلاده الذي يدعو إلى الكسل والخمول. كما يستعمل الأوربي مثلا المسكرات للتغلب على البرد في بلاده.
ويقول نعوم بك شقير في كتابه تاريخ السودان: (وهم مولعون بالرقص ولعاً شديدا، ولكل قبيلة منهم رقصة خاصة يرقصها الرجال والنساء على أصوات الآلات الموسيقية. وقد رأيت جماعة من رجال الشلك يرقصون رقصة حربية في الخرطوم أيام تشريف الخديو للخرطوم، وقد لبسوا شعورهم على أشكال غريبة وزينوها بالريش والخرز وصبغوا جفونهم بصباغ أبيض مشرب حمرة، ولبسوا أساور العاج والنحاس في أيديهم، والجلود أو الخرق في أصلابهم، وحملوا الحراب والنبابيت فمثلوا في رقصهم واقعة حربية وقفوا فيها صفين يهاجم أحدهما الآخر، وهم يقفزون كالقردة ويصيحون كالذئاب، وهم يهزون رماحهم وعصيهم فوق رؤوسهم، ويغنون أغاني لا تلحين فيها، ويصوتون بالقرون أصواتاً مزعجة تصم الآذان؛ وبالإجمال لم يكن في رقصهم طرب بل دل على الهمجية والخشونة)
وقد اشتهر الزنجي بجودة الرقص خصوصاً في عهد قدماء المصريين إذ استخدموا الأقزام لرقص الآلهة. وكثيرا ما نرى الآن في موسيقى الجاز الأوربية الراقصة أن يستخدم الزنجي للعزف. كما اشتهر بعض الزنوج نساء ورجالا بالرقص الأوربي
الزنوج النيليون
النوير
لم يتأثروا بالحكم الأوربي لأن أماكن سكناهم تجعلهم في عزلة إذ يتعذر اجتياز بلادهم في فصل المطار لكثرة المستنقعات كذلك في فصل الجفاف. لذلك لم يحاول جيرانهم الاعتداء عليهم، كما أن العرب الذين عرفوا هذه الجهات قديما اكتفوا بإنشاء محطات تجارية على المجاري الرئيسية. ولم تهتم بهم الحكومات الأوربية إلا منذ أربع سنوات عندما قاموا ببعض الاضطرابات. وكان لهذه العزلة الأثر الأكبر في عدم قبولهم الاختراعات الحديثة، وعدم تغييرهم لنظامهم الاجتماعي، كذلك لم يتأثروا بالمسيحية ولا بالإسلام؛ وتجد الحكومة صعوبة في جباية الضرائبمنهم أو إرغامهم على العمل
وتنقسم السنة عندهم إلى قسمين تبعاً لتغير الإنتاج الزراعي الذي يتوقف على هطول الأمطار. فمن ابتداء شهر مايو تهطل الأمطار وتستمر كذلك حتى أواخر نوفمبر، فتمتلئ الأنهار وتكثر الأخوار. ولما لم يكن هناك تصريف على السطح فإن هذه المياه تتجمع على
شكل مستنقعات تقوم في الأراضي المرتفعة. وفي هذا الفصل تكون الماشية على مقربة من هذه القرى لكي يمكن إيوائها مساء في الأماكن المخصصة لها لحمايتها من شر البعوض. كذلك يتمكن النوير في هذا الفصل من زراعة بعض الذرة. وفي هذا الشهر ديسمبر تبدأ الأمطار في القلة، ولذلك تساق الماشية إلى أماكن بعيدة عن القرى في الجهات الغابية حيث ترعى هناك، وبعد أن يجمع المحصول في القرى ترجع الماشية إلى القرى لتأكل بقايا النباتات؛ ثم بعد ذلك يحل فصل الجفاف وأهم شيء في حياة النوير خاصة، والزنوج النيليين عامة هو الماشية، فمنها يأخذون اللحم واللبن، وجلودها تستعمل فراشاً، وروثها يستعمل وقوداً، والرماد المتخلف يتخذ لدلك الجسم لحمايته من البعوض، ويصنع منه مسحوق للأسنان والشعر، وقرونها تستعمل ملاعق، وذيلها للزينة. والرجل الغني عندهم هو الذي يملك ماشية، فهي تقوم مقام الصداق في حفلات الزواج، ولذلك كان النويري شديد الاهتمام بتنمية القطيع من الماشية، لأنه مهم من حيث الزواج. والرجل عندما يريد الزواج لابد أن يوزع عشرين رأساً من الماشية على أهل زوجته ولابد من إهداء عشرة رؤوس لأقارب والدة عروسه، وعشرة أخرى لأقارب والد عروسه، فمن اللازم أن يأخذ القطيع في الزيادة حتى يصل إلى خمسين رأسا من الماشية. فإذا تزوج أبن فلابد أن يظل بقية الأبناء بدون زواج حتى يأخذ القطيع في الزيادة إلى أن يستعيد عدده قبل الزواج. فالزواج حسب الترتيب: الأكبر فالذي يليه وهكذا. وعلى نساء الأبناء الكبار أن يقمن بطهي الطعام وحلب الماشية للأخوة الذين لم يتزوجوا بعد؛ كذلك تستعمل الماشية في دفع الديات والتعويضات. والنويري يعتبر القتل كالزواج، أي أن الرجل إذا قتل شخصاً من عائلة أخرى كان كأنه تزوج فتاة من هذه العائلة؛ وذلك على قاعدة أن هذه العائلة ستفقد فرداً منها في حالة الزواج أو في حالة القتل. فعلى القاتل أن يعطي عائلة المقتول عشرين رأسا من الماشية: عشرة منها توزع على أقارب والد القتيل، وعشرة أخرى توزع على أقارب والدة القتيل. والفكرة في ذلك أن عائلة القتيل تحتفظ بهذه الماشية التي أخذتها دية لكي يمكنها أن تحصل بواسطتها على زوجة للرجل الميت لكي تلد هذه الزوجة أبنا يحل محل أبيه. وهذه الزوجة بعد الحصول عليها تعيش مع زوجة الرجل المقتول، والابن الذي يولد لها يعتبر كأنه للرجل المقتول.
يتبع
رشوان أحمد صادق
اندفاعات
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
يعيش القريعُ الحُّر في البلد الحِّر
…
فبالخير يجزى الخيرَ والشرَّ بالشرِّ
ويزري بعادات يراها مضرّة
…
وأمّا بما فيه انتفاعٌ فلا يزري
وأَكْثِرْ بمغُترّ بما كان ظاهراً
…
وأَقْلِلْ بمن قد كان ليس بمغتر
بمجتَمعٍ حّريةُ الفكر عنده
…
وما عنده حُريةُ القول والجهر
ولم يك أسراً منع حُرّية الورى
…
ولكنه شرٌّ عليهم من الأسر
وما خيرُ أرض هان فيها ذوو الحجا
…
وذو الأفْن موصول الكرامة والقدر
تحّملتُ أعباَء ثقيلة
…
فكانت كأخت الموت قاصمة الظهر
يعادونني من أجل تركي لمدحهم
…
ومَن كان حُراً عاش للأدب الحُر
ومالي وثوق في العراق بصاحب
…
مع المدّ يأتيني ويمضي مع الجَزْر
لقد نسبوا لي الوزرَ فيما أقوله
…
وهل مُثقِلٌ غيري إذا صدقوا وزري
وللكفر والإيمان تجمع لحمةٌ
…
وقد شرب الإيمان من منبع الكفر
ولو كنتُ أدري ما ألاقي من الأذى
…
أخذت من الأيام قبل الأذى حِذري
أعاتب أيامي على ما أصابني
…
وما في يد الأيام شيءُ من الأمر
ولست إذا لاقيتُ مكراً بنا كصٍ
…
ولكنني أستقبل المكرَ بالمكر
إذا رمتَ أن تلقى من الناس حرمةً
…
فكن سيداً للخير أو سيد الشر
وإن الفتى الخّوار في حومة الوغى
…
إذا لم يمت بالسيف مات من الذعر
وليس يردّ العسكرَ المجرَ غازياً
…
لمملكة مُثلى سوى العسكر المجر
وما أنس لا أنس الشبابَ فأنه
…
على ما به من خفة غرّةُ العمر
صبوتُ إلى غُرّ الوجوه مُتيماً
…
ومَن كان لا يصبو إلى الأوجه الغُرّ؟
وإني ليعروني اضطرابٌ لذكرهم
…
كما اضطراب العصفور في مخلب الصقر
وإني كسارٍ ضلّ ليلاً طريقه
…
بمذأبة خرقاء أو مهمةٍ قفر
ذكرتُ شباباً كان لي في زمانه
…
سوابق آثام فأخجلني ذكرى
أثمتُ وبالطيش اعتذرتُ مُبرّراً
…
وأكبرُ من إثمي الذي جئتهُ عذري
ألامُ على حبي لدنيايَ هذه
…
وما حيلتي إن كان قلبي بها يغري
صحوت غداةَ الشيب من سكرة الصبا
…
ويا رُبّ صحوٍ كان شراً من السكر
وكان نصيبي في الشباب ابتسامةً
…
تلوح على عين الحبيبة والثغر
قد ازدان بالألماس والزَهر فرعُها
…
كما ازدان ليل الصيف بالأنجم الزُهر
ولما تفارقنا شجاني بكاؤها
…
وما نثرت تلك المدامعُ من دُرّ
أذال هوانا الدمعَ والعقل صانه
…
فموقفُه بين المذلّة والكبر
وماذا لليلي جدّ حتى تغيرت
…
فأني وليلى كنت كالماء والخمر
تعيرني بالشيب وهو مصيرُها
…
كأني وإياها إلى غايةٍ نجري
أبالقلب مني تهزئين إذا صحا
…
ولكن هذا القلب ينبض بالشعر
منحتك حبي خالصاً فهجرتني
…
وأسرفتِ يا ليلى الجميلة في الهجر
وللبلبل الصداح في كل روضة
…
عرائسُ يبثثن الغرامَ من الزَهر
ويبسمن للصيداح من فرح به
…
ويرمينني للشيب بالنظر الشزر
وللزهر مثل الغانيات لواحظٌ
…
وفي تلكم الألحاظ شيءٌ من السحر
عيون رمتني بالسهام مريشةً
…
بأهدابها من حيث أدري ولا أدري
سأهبط قبراً بعد حُمّى تميتني
…
سلامٌ على الحمّى، سلامٌ على القبر
وإني لأخشى دفنهم لي بحفرة
…
فيدُفن للنسيان فيها معي فكري
تموت اعتبارات الفتى عند موته
…
فلا حسنَ في عُرفٍ ولا قبحَ في نكر
وأطْوِلْ بليل القبر والقبرُ ضيّقٌ
…
ونوميَ في جوف التراب مدى الدهر
وددتُ لو أني قد يقضتُ من الكرى
…
على صيحة الصيداح في مطلع الفجر
طريقُ حياتي لم يكن متساوياً
…
فوعرٌ إلى سهل وسهلٌ إلى وعر
أرى المرَء مضطراً لما هو فاعَل
…
وإن خال جهلاً أنه غير مضطرّ
ولستُ أخاف الشكَّ في كل ما رووا
…
ولكنّ بعض الشكّ يأكل من حِجري
لمن تكتب الأرواحُ في اليمّ مألكاً
…
فإني أرى الأمواجَ سطراً إلى سطر
مكانك لا تطلب من الدهر مخرجاً
…
فأنك أَني سرت في قبضة الدهر
وليس أنيناً ما له أنت سامعٌ
…
ولكنه شكوى الغريق إلى البحر
لقد جرّد الدوحَ الخريفُ وليته
…
لأطياره أبقى على الورق النضر
فَروضٌ ولكن لا رواء لزهره
…
فهل فيه لاقى الزهرُ شحّاً من القطر
إذا لم تكن تشكو الأزاهيرُ كربةً
…
فما بالها ليست بباسمة الثغر
بحر الحسد
للأستاذ عبد الرحمن شكري
مقدمة:
الحياة هي بحر الحسد، ويسعى الناس في الحياة لأرزاقهم وجاههم بالكيد والمكر كأنما يسبحون في بحر من الحسد، وقد يدفع بعضهم بعضاً كي يظهر الدافع على متون أمواجه، وقد يعين بعضهم بعضاً في الأحايين. أما المجاملة في الحياة والتحيات فقد تكون أشبه بلألاء الشمس على سطح الماء، يخفي بجماله ما في البحر من قبح وبلاء (الناظم)
يسبح الأحياء في بحر الحسد
…
فاعتصم بالصبر فيه والجلَدْ
واقتعد صهوته مستبشراً
…
سابحاً في الموج منه والزَّبد
ضاحكاً من عنت الأمواج لا
…
يُدفَعُ الغائلُ منها بالكمد
أنظر الأمواج في الشط تَجِدْ
…
لُجَّها منهزم الأمر بدد
إن علت موجة حقد فاصطبر
…
أي موج في ذرى اليمَّ خلد
وإذا ما رمَّة لاحت فلا
…
تحسب الرمة فيه كالسند
وإذا لألأت الشمس على ال
…
يمَّ أخفت قبح ما دون الزبد
كمقال الحب يُخْفى كَيدهُ
…
إن سطا في العيش في لؤم وحِقْد
وإذا غار بك الماءُ فقل
…
كم حسام في قراب قد غُمِد
رب دُرٍّ فيه لا تأمله
…
إن من غاص على الدر وجد
درة مخبوءة أنت إذا
…
ما طفا باللؤم إن أُغرِقْتَ وغد
أنجد السابح إن خار وكن
…
للذي أشفى على الهُلْكِ عّضُد
ليس مجد الغدر أحجى بالفتى
…
أي مجد ناله الأوغاد مجد
أحمق الناس جهول خائف
…
كلما لاح له برق ورعد
ليس في العيش ولا الموت أذى
…
إنَّ من سار على الدرب ورد
لا يلذ الموتَ إلا مُتْعَبٌ
…
سهر العيش وفي الموت رقد
رقدةٌ يا طيبها من رقدة
…
بعد أن عانى وأبلى وسهد
الشادوف
بقلم محمود حسن إسماعيل
دَعْ نايَكَ الشَّادي بلا تَعْزيفِ
…
طرِبَ الخيالُ لأنَّة الشادوفِ
عُرْيانُ جَرَّدَه الضحَى مِن سِتْرِهِ
…
فغدا يضِجُّ بدمْعِه المذْروف
لم يُرضهِ ثَوْبُ السَّنا سِدْلاً له
…
يخْتالُ في بَهجَ ولَمْحِ شُغوف
فبكى ونكّس رأسه مُتَذَلِّلاً
…
متحسَّراً كالعاشق الملْهوف
فإذا تقاعس خِلْتَهُ في صَمْتِهِ
…
جُثْمانَ مصلوبٍ بغَيْر كُفًوف
بَترَتْ سواعده الليالي، وانبرتْ
…
تُبْليه في سخَطٍ وفي تعْنيف
وإذا جَثا ألفَيْتَهُ متعِّبداً
…
طهُرَتْ سرائُرهُ من التّزييف
سجَداتُهُ في النّبْع قُبْلَةُ والهٍ
…
طبِعَتْ على سَلْساله المرشوف
صَدْيان قدَّم للوُرود شرابَهُ
…
وأّعارَ أدْمُعَهُ لقلب الرِّيف
فيظلُّ يَظمأ عارياً، والزَّهْر في
…
رِيٍّ، ونبْتُ الحقل في تفويف
ثاوٍ على الجُبًّ العَميق كأنّهُ
…
أَعمى على جُرُفٍ هنالكَ موفي!
جبارُ أفزعه الرَّدى فتقَلْصَتْ
…
أضلاعُه من صَرْعَة التخويف
فتخالُه في الوهْم جُثّةّ مارِدٍ
…
ضجِرَتْ لهوْلٍ في القبور مخيف
فأعارتْ الأكفان ثوْرةَ حانِقٍ
…
بَرِمتْ بِحَتفٍ فالتقتْ بحتُوف
يا صامتاً والريحُ تَخْفُقُ حَوْلَه
…
والنّبتُ يطربُه بسجْع حَفيف
وتصايحُ الغِرْبان يُنْذرُ مَرْجَه
…
بحَصيدِ سافَيةٍ، وجَدْب خَريف
وربابةُ الّراعي تُهدْهِدُ عِنْده
…
قلْباً يَهيم بلَحنِها المعْزوف
سَكْرَى من الأنْغام أسكَرَ شَدْوُها
…
آذان ثاغِيَةٍ وسمْع خَروف؛
هلاّ شَجَتْكَ نُفاثةٌ من بائِسٍ
…
لهفانَ في كنَف الأَسى ملْفوف
روّى الزُّروعَ بصَّيبٍ من دَمْعِهِ
…
وثوَى بقلب في الظلام لهيف!
محمود حسن إسماعيل
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
الناحية السلبية من مذهب نيتشة
الإنسان للأستاذ خليل هنداوي
يرى نيتشه شريعة العبيد ومثل الزهد وسلطة الكاهن تقوم أركانها على جملة أكاذيب فارغة؛ وهو لا ينظر إلى الشريعة المسيحية نظرة الرافض لها، وإنما يجد فيها خطراً كبيراً وتدميرا. إن قطيع المنحطين وقائدهم كاهنهم الزاهد تراهم وقد قضي عليهم بأن يغمضوا أعينهم عن بيان أصول الأشياء، لكي يضعوا - موضع الامتحان والحقيقة التجريبية - شريعتهم وقيمهم الوهمية الضالة التي عالجوا بها حل أسرار الوجود. لو أدرك المريض حقيقة أمره، وعرف مكان عافيته، وموطن شفائه، وعلم أن علاج الكاهن لا يزيح من ألمه الحقيقي شيئاً، وإنما هو علاج ظاهر يعمل على تشديد الألم بدلا من أن يعمل على تخفيفه وشفاء صاحبه؛ لو علم ذلك كله لرأيت العمارة المسيحية قد انهارت دعائمها واندكت صروحها. إن المنحط الضعيف يتحرى عن مخفف حقيقي لآلامه عند الطبيب أو عند الموت. وقد أحس الكاهن هذا الخطر فأخذ يحدث قرناءه دائماً عن الإيمان، وهو الاقتناع المبني على غير العقل، عن الإيمان الذي لا يحفل بحقيقة الأشياء، وهل الإيمان بحقيقته إلا أن تفرض وهما تشعر بضرورةوجوده في الحياة، تفرض وجوده بأي ثمن كان
في كل عصر يرى الكاهن في الحكمة الدنيوية والعلم الواقعي الذي يدرس الوجود للعلم، غير حافل بقواعد الدين، يرى الكاهن فيهما خصمين عنيفين، وهو يحلل كل وسيلة تصرف الإنسان عن التأمل في الأشياء بعين نفسه، وعن جلاء الحقيقة عارية مجردة من غير تشويه. وهذا ما لا يتساهل فيه نيتشه، ولقد يغفر للمسيحية ما تبث في الإنسانية من آلام، وما عسى يضر الألم الإنسان إذا كان الألم يصفيه؟ وفي الحقيقة نرى الإيمان الديني قد خلق أرواحاً كثيرة أفادت البشر؛ ولم يكلف نتشيه نفسه بيان الآلاء التي قامت بفضل ثورة العبيد فأغنت النوع الإنساني وظلت من الانقلابات المعتبرة في التاريخ. ونتشيه يعجب بالمنطق العظيم في المنطق الديني الكاذب، وبالمذهب الذي ابتدعه وظل يغذي الناس طيلة
عشرين قرناً بالأوهام الخيالية، وقد يعجب بالكاهن برغم أنه ينطوي على إرادة شريرة، لأن إرادته تستمد شعورها من نفسها، لا تحوك الأوهام حول الهدف الذي تقصده ولا حول الوسائل التي تصطنعها. وأما يستفز غضب نيتشه من العالم المسيحي فهو ذلك المحيط القدسي الذي يحيط به، وذلك المزيج من المكر والغباوة والطهارة الكاذبة التي يتظاهر بها رجال الإيمان. فاستفاق في نتشيه شعوره الوحشي وحبه للطهارتين المادية والروحية، وجرأته في الذهاب وراء أقصى ما أشرف عليه عقله، فثار وتمرد على هذا التدليس كله، ثم انصرف عن هذه الجماعة، وفي قلبه سأم من رجالها الذين غدا الوهم عندهم جزءا من الأجزاء التي لا يتم بدونها الوجود؛ وهم لا يعرفون أنفسهم حين يخدعون ويخادعون وحين يكونون صادقين، يعيشون أسرى أوهامهم حين يريدون أو لا يريدون؛ وأعلن بأن المسيحية هي المسئولة عن تسميمها للبيئة العقلية والأدبية في أوربا.
على أن جهود الكنيسة كلها في مناضلة العلم ذهبت عبثاً، ومقاومتها للعقل البشري انطلقت أدراج الرياح؛ فان في أوربا كثيرين من علماء الطبيعة - على اختلاف مناهجهم ومدارسهم - يعيشون في غير أكناف الدين والإيمان؛ هؤلاء هم أعداء الكاهن. ولكن سائلا يسأل: وما بال عقول هؤلاء لم تضع سداً يمنع تأثير الوهم المسيحي؟ وكيف لم يفلح أصدقاء الطبيعة والحياة والعافية في تحطيم القيم المسيحية؟
كان جواب نتشيه على هذا السؤال جواباً أدبيا، يقول: إن هؤلاء العلماء لا يؤمنون بعلمهم، ومعنى ذلك أنهم لا ينصرفون إلى تبديل المثل الأعلى الديني بمثل أعلى عندهم؛ أو أنهم يؤمنون بعلمهم ويأتون بحل جديد للحياة يستمدون مادته من المثل الأعلى المشيد على الزهد؛ أو أن رجال العلم هم رجال متوسطو الإدراك، عاجزون عن إبداع شريعة جديدة؛ أو أنهم قوم زاهدون محتالون عالمون؛ لا يختلف جوهر مثلهم الأعلى عن مثل الكهان
يشبه نتشيه هذا العالم (المتوسط) بامرأة عجوز لا تلد ولا تنجب. وهو قليل القناعة بنصيبه
ولآن فلننظر في تعريف رجل العلم!
إن رجل العلم يتصل نسبه بذرية بشرية غير شريفة. تنطوي نفسه على خلال ذرية غير شريفة، ذرية لا تأمر ولا تملك السلطة، ولا تغني شيئاً. إنه عامل دائب يدرك بشعوره حاجات قرنائه. إنه وارث أمراض ذرية غير نبيلة، ملك عليه الزهور ومشى لا يتحرى إلا
عن الأشياء السفلية في الطبائع. أما العظمة فهي بعيدة المنال عنه. وإن مما يجعل العالمجليل الخطر شعوره الباطن بأنه من ذرية متوسطة، فهو والحالة هذه يدأب عاملاً على إبادة الرجل (الشاذ)
ولا ريب أن العالم يحيا بعيداً عن كل إيمان؛ ألا ترى فطرته في كثير من المواطن توائم فطرة رجل الدين، ثم يخالفه ويفر من ملامسته وملامسة أمثاله، لأنه يعتقد كل الاعتقاد بأن رجل الإيمان هو نموذج سفلي في البشرية، وأن رجل العلم هو أسمى منه. على أن هنالك هوة سحيقة تفصل بين رجل الدين رجل الإرادة الكبيرة المريضة، المقاتل الظافر بفضل هذه الإرادة، والخالق قيماً يعتقد بصحتها، وبين هذا الرجل العالم الجريء، هذا القصير المعجب بنفسه وعلمه. يعمل كما تعمل الآلهة ليزداد ضلالاً، ولينعتق من التفكير، وليزيح من سبيله هذه المسائل المغلقة! قد يكون عمله حسناً لو كان يعمل مستوحياً نفسه، لكنه يعمل ليكون مأموراً عاجزاً عن إبداع قيمة جديدة عاجزاً عن أن يتذرع بإرادة
لنحكم العالم (غير الذاتي) الذي نضجت فيه الحاسة العملية قد ساد أمره فماذا ينتج منه؟ لا شيء إلا مرآة. . . وآلة لا إرادة لها. . . إنه يشبه المرآة التي تعكس الأشياء، ترتقب حتى تظهر عليها فتعكس مرآها، وإنما غناء في أن يكون معبراً تمر به الأشياء. لا يحس ولا يلمس آلامه الشخصية. يعمل ما يستطيع، ولكن ما يعطيه حقير لا قيمة له. هو لا يأمر ولا يخرب شيئاً، يقول مع (ليبينز):(أنا لا أحتقر شيئا). إنه آلة تتجلى فيها العبودية والخضوع والطاعة. مفتقر إلى معلم يهديه إلى الغاية المقصودة. وهو ليس بعلامة حركة جديدة، ولا بعلة أولى. إنه وا أسفاه ليس بمعلم. إنه وعاء فارغ يتخذ لون السائل المراق فيه، إنه فاقد الشخصية
ثم هاجم نيتشه الشكوكيين الذين يصل بهم علمهم إلى حيرة يتساوى فيها العود والهبوط، والعلم والجهل، وإنما يتميزون من رجال العلم بأن هؤلاء عاملون دائبون كالآلات؛ أما الشكوكيون فهم عقول أضعفها تريضها الزائد في العلوم، وهم ليسوا بشيعة واحدة، فمنهم المضطرب والمعتدل المزهو بنفسه، ومنهم النفس التي تبذل الجهد في كشف أسرار الوجود وقد دوختها أسراره حتى غدت تروح وتغدو كالخيال الدقيق ليس له من قرار
ألا ترى إلى زرادشت - نبي نيتيشه - المبشر بالسوبرمان قد سحب وراءه خيالا من هذه
الأخيلة الضالة، رافقته في كل مراحله، قد طلقت كل أيمان كان فيه عزاء، وحطمت كل الأوثان، وفقدت أيمانها بالأسماء الكبيرة والرموز الفخمة حتى أضاعت غايتها في النهاية، وضلت في زوايا الوجود الموحش هائمة بدون حب ولا رجاء ولا وطن. رآها زرادشت فلم يتمالك نفسه من الإشفاق عليها
- قال بكآبة: أنت ظلي!
إن الخطر الذي تفر منه ليس بحقير أيها المسافر!
إن أمامك نهاراً سيئاً فاحترس من أن يكون مساؤك أسوأ. إن السجن لأمثالك الطائشين قد يصبح نعمةً لهم
أرأيت هؤلاء العاتين المفسدين، يجرجرون في قيودهم!
هؤلاء ينامون نوماً هادئاً لأنهم مرتاحون بطمأنينتهم
أحترس في النهاية أن تغدوا سجين إيمان ضيق ووهم قاس مرعب. على أن كل ما هو ضيق قاس هو لك فيه إهواء وخديعة
أنك أضعت الغاية، وكذلك أضعت سبيلك
يالك من نفس ضالة طائشة! يالك من فراشة منهوكة القوى
ولكن رجال العلم ليسوا جميعاً على هذا النحو الذي صوره نيتشه، فهنالك رجال يقين من رجال العلم، علم هؤلاء لا يقف عند قولهم: ماذا ندري؟ هو علم وثاب يخلق إرادة ويبدع شريعة ومذهباً
(يتبع)
خليل هنداوي
القصص
في ذكرى بدر
أبو جهل. . . . لم أكتب رواية، ولكني عرضت مناظر من
بدر. . . . . (علي)
للأستاذ علي الطنطاوي
(المنظر الأول)
(في بيت عاتكة بنت عبد المطلب)
عاتكة - يا أخي! والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شرٌ ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثت، فانهم إن سمعوها آذونا، وأسمعونا ما لا نحب
العباس - حدثيني، فسأكتم الحديث
عاتكة - رأيت راكباً قد أقبل على بعير له، وحتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا فانفروا يا لَغدُرُ إلى مصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه؛ فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها؛ ثم مثل به على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها؛ ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت، فما بقيت دار من دور مكة إلا دخلها منها فلقة. . . .
العباس - إن هذه رؤيا حق، فاكتميها ولا تذكريها لأحد
(المنظر الثاني)
(في الحرم، وقد غابت الشمس، وجلست قريش في مجالسها من حول الكعبة)
(أبو جهل في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة)
أبو جهل - يا أبا الفضل! إذا فرغت من طوافك فأقبل علينا. . . .
(يقبل العباس)
أبو جهل - يا بني عبد المطلب! متى ظهرت فيكم هذه النبيّة؟
العباس (متجاهلاً) - وما ذاك؟
أبو جهل - الرؤيا التي رأت عاتكة!
العباس وما رأت؟
أبو جهل - كأنك لا تدري؟. . . ألم تحدث بذلك الوليد بن عتبة؟ أما رضيتم يا بني عبد المطلب بكذب الرجال، حتى جئتمونا بكذب النساء؟ زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث! فسنتربص بكم هذه الثلاث، فان بك حقاً فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب
العباس (وقد غضب) - هل أنت منتهٍ يا مصفّراً. . . .؟ فان الكذب فيك وفي أهل بيتك
(يهم به فيحول القرشيون بينهما)
القرشيون - ما كنت يا أبا الفضل جهولا ولا خرقاً
(المنظر الثالث)
(في بطن الوادي، صباحاً. . .)
العباس (لرجل معه) - لقد لقيت أمس من عاتكة أذىً شديداً لما أفشيت من حديثها، ولم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني تقول: أقررتم. . . أقررتم لهذا الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت. . . . . . . .
فو الله لأتعرضنَّ له؛ وإن عاد قاتلته، فلقد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه
الرجل - أنظر يا أبا الفضل! هذا أبو جهل خارجاً من باب المسجد يشتدَّ
العباس - ماله لعنه الله، أكل هذا فرقاً مني؟ اذهب فانظر ما شأنه؟
(يذهب الرجل ويرجع على عجل)
الرجل (مضطرباً) - ألا تسمع؟
العباس - ماذا؟
الرجل - هذا ضمضم بن عمرو الغفاري. يصرخ ببطن الوادي وقد شق قميصه، وحوَّل رحله، وجدع بعيره! اسمع
(يتقدمان ويصغيان)
ضمضم - يا معشر قريش! اللطيمة. . . اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه. . . لا أرى أن تدركوها. . . الغوث. . .! الغوث. .!
(حركة واضطراب ولغط وصيحات حماسية)
رجل - هذه والله رؤيا عاتكة!
آخر - والله إن أخذ محمد العير لا تفلح قريش أبداً
آخر - انفروا إلى مصارعكم في ثلاث. إن رؤيا عاتكة كأنها أخذ باليد
أبو جهل - هه! أيظنّ محمد أنها كعير أبن الحضرمي؟. . والله ليعلمنّ غير ذلك. . إنها قريش!
سهيل بن عمر - يا آل غالب! أتاركون أنتم محمداً والصُّباة من أهل يثرب يأخذون أموالكم؟ - من أراد مالا فهذا مالي؛ ومن أراد قوتاً فهذا قوتي. . .
(يتفرق الناس. يستعدون للخروج)
(المنظر الرابع)
(في الحرم، وقت الظهيرة)
أمية بن خلف وسعد بن معاذ سيد الأوس وهو ضيفه وخليله
أمية - تعال فطف بالبيت، فانه وقت الظهيرة ولا يراك أحد
(يطوف سعد بالبيت ويجلس أمية)
أبو جهل (قادماً) - من هذا الذي يطوف بالبيت؟
سعد - أنا. سعد بن معاذ!
أبو جهل - ماذا؟ أتطوف بالبيت آمناً، وقد آويتم محمداً وأصحابه، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟! أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً
سعد - أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك على المدينة
أمية (لسعد) - لا ترفع صوتك على أبى الحكم فانه سيد أهل الوادي
سعد (لأمية) - إليك عني، فأني سمعت محمداً يقول إنه قاتلك
أمية - إياي؟
سعد - نعم!
أمية - بمكة؟
سعد - لا أدري!
أمية - والله ما كذب محمد
(يسقط أمية خائر القوى)
إذن والله لا أخرج من مكة، إذن والله لا أخرج من مكة
المنظر الخامس
(في الحرم. مساء. قريش في مجالسها، عقبة بن أبي معيط قادم على مجلس أمية معه مجمرة فيها بخور. أبو جهل على أثره)
أمية - ويلك لمن هذا؟
عقبة - لك يا أبا علي. قم استجمره فإنما أنت من النساء
أمية - قبحك الله وقبح ما جئت به
(يصل أبو جهل)
أبو جهل - يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت، وأنت من أشراف قريش، فسر يوماً أو يومين
أمية - افعل!
(يمشي عقبة وأبو جهل إلى مجلس عتبة وشيبة أبي ربيعة وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام)
أبو جهل - أنتم سادة قريش، وأنتم قادة الناس، فمالكم لا تتجهزون؟
عتبة - لقد استقسمنا بالأزلام فخرج الناهي
عقبة - كلا. ولكنه الفزع من اللقاء
عتبة - ألمثلي يقال هذا؟ والله لولا أنك في بيت الله. . . .
أبو جهل - دعه يا أبا الوليد، فانك اليوم شيخ قريش، فإذا لم تخرج أقام الناس
عتبة - سأخرج
(المنظر السادس)
(يفصلون من مكة، وهم ألف رجل فيهم شيوخ قريش وأشرافها. وقد خرجوا على الصعب والذلول، ومعهم القينات يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين، وقد أرتج بهم الوادي)
(المنظر السابع)
(ماء في البادية، عليه خباء رجل، وعليه جاريتان تختصمان، يقف عليه رجلان من المسلمين فيستقيان)
الجارية - لا أدعك حتى تقضيني الذي لي
الأخرى - دعيني، فستأتي العير غداً أو الذي بعده، فاعمل لهم، فأقضيك
الرجل لقد صدقت، فستأتي العير غدا أو بعد غد
(يسمع الرجلان فيجلسان على بعيرهما ليلحقا بالمسلمين)
(أبو سفيان يأتي بعد قليل، يتقدم العير وحده)
أبو سفيان - هل أحسست أحداً أيها الرجل؟
الرجل - ما رأيت أحداً أنكره، إلا أن راكبين قد أناخا إلى التل، ثم استقيا في شنّ لهما، وانطلقا
أبو سفيان - أرني مبرك ناقتيهما
الرجل - هو ذاك. . .
(يأتي أبو سفيان المبرك، فيأخذ من أبعارهما في يده)
أبو سفيان - هذا هو النوى، هذه والله علائف يثرب
(ويمضي مسرعاً فينجو بالعير)
(المنظر الثامن)
(في جيش المسلمين، في ذفران، وقد جاءهم الخبر بمسير قريش ليمنعوا عيرهم)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن القوم قد خرجوا من مكة، على كل صعب وذلول، فما تقولون؟ ألعير أحب إليكم من النفير؟
رجل - عليك بالعير ودع العدو
آخر - هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له! إنا خرجنا للعير
(يتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
المقداد بن الأسود - يا رسول الله! امض لما أمرك الله، فنحن معك؛ والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن أذهب أنت
وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. والله الذي بعثك بالحق نبياً لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه نقاتل عن يمينك ومن خلفك حتى تبلغه
(يشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
المسلمون - كلنا ذاك الرجل يا رسول الله، ولكنا ظننا أن العير قوّة للإسلام
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ
عمر - يا رسول الله! إنها قريش وعزّها، والله ما ذلت منذ عزّت، ولا آمنت منذ كفرت؛ والله لتقاتلنَّك؛ فتأهب لذلك أهبته، واعدد له عدَّته
قال رسول الله (ص): أشيروا عليّ أيها الناس
سعد - لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله
قال رسول الله: أجل
سعد - قد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليك ألا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم، فصِل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت لنا، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع أمرك. فامض يا رسول الله لما أردت ونحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصُبُر في الحرب، صُدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينيك، فسر بنا على بركة الله
قال صلى الله عليه وسلم:
- سيروا وابشروا، فان الله وعدني إحدى الطائفتين، فو الله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم!
(المنظر التاسع)
ماء في البادية عليه شيخ من العرب، يقدم عليه رسول الله وأبو بكر مستخفيين فيسألانه عن قريش
- ماذا تعرف عن قريش؟
الرجل - لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما!
قال رسول الله (ص): إن أخبرتنا أخبرناك
الرجل - ذاك بذاك؟
قال الرسول: نعم
الرجل - بلغني أن محمداً وأصحابه، خرجوا يوم (كذا) فان كان صدق الذي أخبرني. فهم اليوم في مكان (كذا)
أبو بكر (لنفسه) - لقد عرف مكاننا
الرجل (متمما) - وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم (كذا) فان صدق الذي أخبرني فهم اليوم في مكان (كذا). فمن أنتما؟
قال النبي (ص): نحن من ماء!
أبو بكر (لنفسه) - فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق
الرجل (متعجبا) - من الماء؟ أمن ماء العراق؟ أمن ماء الشام؟
(المنظر العاشر)
(في بدر الماء الأدنى من المدينة)
الحباب - يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أهو منزل أنزلكه الله تعالى، ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: بل هو الرأي والحرب المكيدة؟
الحباب - يا رسول الله! إن هذا المنزل ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأنى أدنى ما من القوم فتنزله، ثم نغوّر ما عداه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه، فنشرب ولا يشربون
قال النبي (ص): لقد أشرت بالرأي
(يتقدم المسلمون)
(المنظر الحادي عشر)
(في بدر على الماء الأدنى من القوم)
سعد: يا نبي الله! ألا نبي لك عريشاً من جريد تكون فيه، وتعد عنك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فان أعزنا الله تعالى وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى،
جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حباً منهم، لهم رغبة في الجهاد ونية؛ ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك إنما ظنوا أنها العير،
يمنعك الله بهم ويناصحونك، ويجاهدون معك
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- أو يقضي الله خيراً من ذلك يا سعد
(المنظر الثاني عشر)
(قريش في الجحفة في طريقهم إلى بدر)
رسول - يا معشر قريش! قد أرسلني إليكم أبو سفيان إنه قد نجا بالعير، فارجعوا فأحرزوا عيركم
أبو جهل - سوءة لك! والله لا نرجع حتى نحضر بدراً فنقيم عليه ثلاثة أيام، ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، فلا يزالون يهابوننا أبداً
الرسول - هذا بغي، والبغي منقصة وشؤم
أبو جهل - صَه قطع الله لسانك
الأخنس - لقد صدق الرسول، وأنا راجع بقومي
(لقومه) - يا بني زهرة! قد نجى الله أموالكم وخلٌص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي حميتها، وارجعوا فانه لا حاجة بكم إلى أن تخرجوا في غير منفعة
(ضجة وهياج ولغط. . . ينفرد الأخنس بأبي جهل)
الأخنس - أترى محمدا يكذب؟
أبو جهل - ما كذب قط؛ كنا نسميه (الأمين)، ولكن إذا كانت في بني عبد المطلب السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء يكون لنا؟
الأخنس - أنت والله تحسده
(يرجع الأخنس وبنو زهرة)
عمير بن وهب (قادماً) - يا معشر قريش! لقد ذهبت في الوادي، أحزر أصحاب محمد،
أنظر هل للقوم كمين أو مدد فأبعدت فلم أر شيئاً، وأنهم لثلاثمائة رجل؛ يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكني رأيت البلايا تحمل المنايا: نواضح يثرب تحمل الموت النافع، ألا ترونهم خرساً لا يتكلمون؛ يتلمظون تلمظ الأفاعي، لا يريدون أن ينقلبوا إلى أهليهم؛ زرق العيون كأنهم الحصى تحت الجحف، ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم؛ والله ما نرى أن نقتل منهم رجلاً حتى يقتل رجل منكم، فإذا أصابوا منكم أعداها فما خير العيش بعد ذلك! فروا رأيكم
حكيم بن حزام (لعتبة) - يا أبا الوليد! إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟
عتبة - وما ذاك يا حكيم؟
حكيم - ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي
عتبة - هذا والله الرأي، فأدع لي الناس
(يدعوا الناس)
عتبة (خطيباً) - يا معشر قريش! أنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً؛ والله لئن أصبتموه لا يزال رجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل أبن عمه وأبن خاله، ورجلا من عشيرته. ارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فان أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك كفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون. أي يا قوم! إعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة، وانتم تعلمون أني لست بأجبنكم. . . . . .
يا قوم أطيعوني فأنكم لا تطلبون غير دم أبن الحضرمي وما أخذ من العير وقد تحملت ذلك. يا معشر قريش! أنشدكم الله في هذه الوجوه التي تضيء ضياء المصابيح أن تجعلوها أندادا لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات
(يسكت عتبة ويلغط القوم لغطاً شديداً)
رجل - نعما يقول أبو الوليد!
آخر - هو والله الرأي
آخر - عتبة سيد الناس فأطيعوه
عتبة (لحكيم) - انطلق إلى أبن الحنظلية
(يذهب حكيم)
حكيم (لأبي جهل) - إن عتبة أرسلني إليك لنرجع بالناس، وهو يحمل دم حليفة أبن الحضرمي
أبو جهل - أهو يقول هذا؟ والله لو قاله غيره لأعضضته إنتفخ والله سحره! كلا والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد
(يرسل أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي)
أبو جهل (لعامر) - هذا حليفك، عتبة بن ربيعة يريد أن يرجع بالناس، ويخذلهم عن القتال. وقد تحمل دية أخيك من ماله يزعم أنك قابلها، ألا تستحي أن تقبل الدية من مال عتبة، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فاذكر مقتل أخيك
(عامر يتكشف ويجثو عليه التراب)
عامر (صائحاً) - واعمراه. . . واعمراه!
(يهيج الناس ويتحمسون)
حكيم (لعتبة) - لقد أثارها
عتبة - دعه فسيكون شؤماً وبلاء على قومه.
(المنظر الثالث عشر)
(اشتعلت الحرب وقتل المسلمون عتبة وشيبة والوليد ورجع سراقة وكان قد أجارهم من كنانة)
أبو جهل - يا معشر الناس! لا يهمنكم خذلان سراقة فانه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة وشبيبة والوليد، فانهم قد عجلوا، واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه بالحبال. . . .
يا معشر قريش! لا تقتلوهم. خذوهم أخذ اليد
(يخرج رسول الله من العريش فيحض الناس على القتال)
- أما والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبرا، إلا أدخله الله الجنة
(عمير بن الحمام يأكل ثمرات بيده)
عمير - بخ بخ. . . ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ فان حييت حتى آكل ثمراتي
(يلقي الثمرات ويقدم)
عمير (هاجماً)
ركضاً إلى الله بغير زاد
إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
وكل زاد عرضه النفاد
غير التقى والبر والرشاد
(تزداد الحرب اظطراما)
(المنظر الرابع عشر)
(قريش تنهزم، أبن مسعود يفتش بين القتلى عن رجل)
عبد الله - هل أخزاك الله يا عدو الله؟
(يضع رجله على عنق أبي جهل وهو على آخر رمق)
(المنظر الخامس عشر)
أبو جهل - وبم أخزاني؟ أعار على رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن كانت الدبرة لنا أو علينا؟
عبد الله - بل لله ولرسوله!
(في الحرم وقد جلس أبو سفيان وأبو لهب في ناس من قريش ينتظرون الأخبار. . .)
أبو لهب. . . هذا أبن عبد عمرو! وما وراءك يا أبن عبد عمرو؟
أبن عبد عمر - فنيت قريش! قتل أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأمية بن خلف. . . . . . لقد ظهر الإسلام! فسيظل غالباً إلى يوم القيامة. . .!. . وذلت الأصنام فلا تعز إلى يوم القيامة. . . . .!
علي الطنطاوي
البريد الأدبي
آنساتنا والثقافة الأجنبية
ثار أخيراً في مجتمعنا الأدبي حوار طريف، بين الكاتب الفكه الأستاذ فكري أباظه وبين بعض آنساتنا المثقفات؛ فالأستاذ ينعى على أولئك الآنسات المثقفات أنهن برغم ثقافتهن الواسعة الفرنسية والأدب الفرنسي، لم يتزودن بأي قسط من العربية والأدب العربي، وأنهن يكدن يعجزن عن أن يعربن عن آرائهن بالعربية، وأنهن يبالغن في الانصراف إلى الفرنسية وإلى الكتابة بها. وقد حاولت إحدى الآنسات اللائي يوجه اليهن هذا اللوم، وهي من أعضاء الاتحاد النسائي المصري أن تدافع عن موقفهن، فضربت مثلاً بإحدى زميلاتها وقالت إنها تعلمت في باريس، ولم تعرف مصر إلا فتاة ناضجة فلا جناح عليها إذن، والتبعة في ذلك - إن كان ثمة تبعة - تقع على أسرتها، ثم قالت: إن أولئك الآنسات يكتبن بالفرنسية لكي يسمعن صوت المرأة المصرية إلى الخارج، وأن العربية لا تقرأ في باريس ولا لندن ولا برلين
ونحن نؤيد الأستاذ فكري أباظه في ملاحظته كل التأييد فأولئك الآنسات اللائي يعتصمن بالثقافة الأجنبية يذهبن في هذا الاعتصام إلى حد الإغراق، وإلى حد الانفصال عن البيئة المصرية والمجتمع المصري؛ وفي رأينا أن مثل هذه الثقافة الأجنبية تفقد كثيراً من قيمتها لأنها لم تقرن بقسط من الثقافة العربية السليمة؛ ولسنا ندري ما المانع في أن تمثل الثقافتان معاً، وذلك أن من المحزن أن نرى أولئك الآنسات يكدن يعجزن عن الإفصاح عن أفكارهن بالعربية العادية فضلا عن الكتابة بها، وليس صحيحاً أن قضية المرأة المصرية تخدم فقط عن طريق الكتابة بالفرنسية، لأن الفرنسية تقرأ في برلين ولندن، فالمرأة المصرية بحاجة إلى التحدث إلى أبناء جنسها أولا وقبل كل شيء، وقضية المرأة المصرية (إن كان ثمة لها قضية) يجب أن تبث في مصر أولا وباللغة العربية قبل كل شيء؛ ولسنا نعرف في الواقع مثلا لهذا النوع الغريب من الثقافة في أي بلد متمدين؛ ففي الغرب لا يمكن أن يحول أي عذر دون تذوق الثقافة القومية، وإذا نهل الراغبون من أية ثقافة أجنبية، فهي دائما إضافة فقط إلى جانب الثقافة القومية؛ ولم نسمع بأن مستشرقا ممن يفنون أعمارهم في دراسة اللغات والآداب الشرقية قد أعجزه تعلم العربية أو الفارسية عن الكتابة بلغته الأصلية؛
كذلك يجب ألا يغيب عن ذهن أولئك الآنسات أن هذا الاعتصام المحزن بثقافة أجنبية يجعلهن في شبه عزلة من المجتمع المصري الصحيح، ويحرم القضية التي يدافعن عنها من كثير من العطف القومي وهو ألزم لها من أي عطف أجنبي، وأن تلك الصلة الروحية التي أنشأتها الطبيعية بين المرء ولغته الأصلية وماضي أمته وتراثها العقلي وهو خير دعامة في صرح الوطنية الصحيحة والعزة القومية الأثيلة
تاريخ الأديب
كتب الكاتب الفرنسي الكبير بيير بنوا عضو الأكاديمية الفرنسية كلمة يصور فيها تاريخ (الأديب). وفي رأيه أن الأديب لم ينشأ محترفاً بطبيعته، ولكنه قطع زهاء عشرين قرنا قبل أن ينتهي إلى هذه النتيجة؛ فمنذ العصور القديمة، أعني منذ فرجيل وهوراس، وفي خلال العصور الوسطى والعصر الحديث نجد الأديب (هاويا) ينساق إلى ميدان الأدب بفطرته وذوقه، وتحقيقاً لهواه وشغفه؛ وقلنا نجد أدبياً أو مفكراً يعمل ليعيش من قلمه؛ بل كان كل هنالك من كتاب وشعراء ومؤرخين يعيشون في كنف الأمراء والكبراء ويلوذون جميعاً برعاية ملك أو عظيم من العظماء، يتخذون مكانهم في بطانته، ويعلمون له كمستشارين أو مدبرين، وإلا عاشوا على مديحه وملقه، أو يتخذهم معلمين لأولاده، أو بوقاً لوحيه؛ وقلما نجد كتاباً كتب في هذه العصور إلا وقد صدر بإهداء وتحية رقيقة لملك أو عظيم، وليس معنى ذلك أن الأديب لم يكن يكسب من قلمه، فقد كان ثمة أدباء يكسبون من ثمرات قرائحهم وأقلامهم، ولكنه كسب ضئيل جدا، لم يكن ليصلح لهم قوتاً أو حياة، ولنذكر على سبيل التمثيل أن راسين قد باع مخطوطة (أندروماك) بما يساوي ألفا ومائتي فرنك. ويستخلص مسيو بيير بنوا من ذلك أن الأديب المحترف لم يخلق مختارا في المجتمع، ولكنه بدأ (هاوياً)، لا تمنعه عبقريته من يكون من ذوي الهوى والشغف، وهذا الهوى ما زال يؤثر أكبر تأثير في تكوينه وفي مصايره
نقول، وهذه الصورة التي يقدمها بيير بنوا عن تاريخ الأديب في بلاد الغرب، ليست بعيدة عن الصورة التي يمكن أن نقدمها عن تاريخ الأديب المشرق؛ فقد نشأ الأديب فيه أيضاً هاوياً يعيش في كنف الأمراء والعظماء، ولم يتقدم في سبيل الكسب إلا بعد عصور؛ بيد أن الكسب الأدبي لم يكن أساسياً في عبقريته أو إنتاجه، ولم يكن قوام عيشه وحياته
ترجمة لجالسوير ذي
منذ نحو عام ونصف توفي جون جالسوير ذي عميد الكتاب القصصين الإنكليز ورئيس نادي القلم الإنكليزي؛ ومن ذلك الحين يعنى جماعة من أصدقائه بوضع كتاب جامع عن حياته، وقد صدر هذا الكتاب أخيراً بعنوان (حياة جون جالسوير ذي ورسائله) بقلم الكاتب والنقادة المعروف مستر هـ. ماروت، وهو مجلد ضخم في نحو تسعمائة صفحة، ولكنه ليس بالكثير على رجل كان طليعة القادة والزعماء في الأدب الإنكليزي المعاصر. وفي حياة جالسوير ذي ما يستوقف النظر، فهو لم ينشأ كاتباً ولا قصصياً، ولم ينزل ميدان الكتابة إلا بعد أن طوى مرحلة الشباب؛ وقد هام في صباه بالرياضة والرحلات، وكان أول عهده بهوى الكتابة رحلةٍ قام بها في البحار الجنوبية؛ وشاءت الأقدار أن يلتقي على ظهر السفينة التي أقلته ببحار فتى بولوني يدعى يوسف كونراد، وقد كان هذا البحار الفتى أديباً، وشاءت الأقدار غير بعيد أن يغدوا كاتباً شهيراً، وأن يكتب بالإنجليزية قصصاً رائعة؛ وكانت صحبة تاريخية بين الكاتبين العظيمين، وكان لقاء له أكبر الأثر في تطور حياة جالسوير ذي
وثمة ظرف آخر كان له في حياة جالسوير ذي وفي تكوينه الأدبي أكبر تأثير، وذلك هو حبه لزوجه، وهو حب كان يشوبه الحزن والألم لما كانت تلقاه هذه الزوجة العزيزة من صنوف الأوصاب المبرحة، وقد أذكى هذا الظرف المؤلم عاطفة الحب عند جالسوير ذي، وأذكى مشاعره الإنسانية، فغدا نصير المكلومين والبؤساء، وأضحى القلم في يده أداة للتعبير عن هذا الحب الإنساني؛ وهكذا أضحى جالسوير ذي مصلحاً وزعيما إنسانياً. ويقال إنه كان ينفق نحو نصف دخله لغوث المنكوبين والبؤساء
هذه الظروف والمواقف المؤثرة في حياة جالسوير ذي يعرضها مستر ماروت في عرضاً قوياً بديعاً، ويورد خلال حديثه للكاتب عشرات الرسائل التي لم تنشر من قبل
جائزة فمينا لسنة 1935
منحت جائزة (فمينا) الأدبية الشهيرة عن هذا العام لسيدة شاعرة، هي الكاتبة والشاعرة الفرنسية كلود سيلف أو الكونته دلافوريه ديفون، وقد نالت السيدة هذه الجائزة بكتابها
المسمى (البركة) وهو قصة شعرية لقصر قديم ترويها سيدة قارئة في زاوية سحيقة من زوايا القصر، وتذكر خلالها طائفة مدهشة من العجائب والخوارق، وقد وصف الكتاب بأنه قطعة من الأدب الساحر، وأنه صورة قوية للأدب النسوي، يفيض رقة ورشاقة، وهو مكتوب بالشعر الريفي القوي المؤثر، وقد صرحت مؤلفته مدام سيلف أنها ما كانت تنتظر قط أن يظفركتابها بمثل تلك الجائزة الخطيرة، لأنها تعتقد أن جمهور القراء قد انصرف منذ بعيد عن قراءة الشعر، أما الآن فهي تعتقد أن الجمهور ما زال يحتفظ بذوقه الشعري، وأنه في وسع المرء أن يكتب الشعر وأن يقدمه إليه
في أدب الشباب
جرت مجلة (آلاباج) الفرنسية على أن تخصص في ديسمبر من كل عام جائزة أدبية قدرها ألف فرنك (نحو خمسة عشر جنيهاً) تمنح عن أحسن قصة صغيرة يكتبها شاب دون الحادية والعشرين. وقد منحت هذه الجائزة هذا العام لطالب طب يدعى (آلان ليجيه) عن قصة كتبها وقدمها بعنوان (الخلاصة)، وتشرف على تخصيص هذه الجائزة لجنة أدبية مكونة من عدة من أعلام الكتاب مثل جورج دوهامل، وفرنسوا مورياك، وبونار. وقد صرح مسيو دوهامل للصحفين أن القصة التي منحت الجائزة هذا العام هي أحسن قصة للشباب قرأوها منذ أربعة أعوام. والظاهر أن سيكون لهذا الطالب القصصي مستقبل زاهر في عالم الأدب
الكتب
الجزء الثاني من شرح الإيضاح تأليف الأستاذ عبد المتعال
الصعيدي
أتمت المكتبة المحمودية التجارية طبع الجزء الثاني من شرح الإيضاح في علوم البلاغة للأستاذ عبد المتعال الصعيدي المدرس بكلية اللغة العربية، وقد نهج فيه نهجه الأول من العناية باللباب في هذه العلوم دون القشور التي يعنى بها فيها، وشرح شواهده، ونسبتها إلى قائليها، وبيان ما دخل هذه العلوم من الأخطاء التي وقعت فيها، ومن ذلك مسألة الوصل والفصل فقد جرى عبد القاهر على أنهما إنما يكونان في الجمل دون المفردات، وفي الواو دون غيرها من حروف العطف، وجرى المتأخرون على أنهما يكونان في الجمل وفي المفردات، وفي الواو وغيرها من الحروف العاطفة، فرد الأستاذ الشارح الحق في ذلك إلى نصابه، وذكر أن العطف في المفردات يجري وراء اشتراكها في الحكم ولو لم يكن هناك بينها مناسبة من المناسبات المعتبرة في مسألة الوصل والفصل، كما جمع بعض الشعراء بين الضب والنون في وصف واد جمع بينهما فقال
زُرْ وادي القصر نعم القصر والوادي
…
في منزل حاضر إن شئت أو بادي
ترقيَ به السُّفْنُ والظُّلمانُ حاضرةٌ
…
والضَّبُّ والنُّونُ والملاح والحادي
ولو جرت المفردات في ذلك مجرى الجمل لما صح لهذا الشاعر عطف النون على الضب، لأنهم يقولون في الجمل إن الجمع بين غير المتناسبين فيها كالجمع بين الضب والنون؛ وقد تحس مراعاة تلك المناسبات بين المفردات في الخيال الشعري، لأن الأمر فيه يجري على الخيال لا على الحقيقة. وقد اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة فأنشد الكميت:
أم هل ظعائن بالعلياء رافعة
…
وإن تكاملَ فيها الدل والشنب
فعقد نصيب واحدة؛ فقال له الكميت ماذا تحصى؟ فقال خطأك، فأنك تباعدت في القول! أين الدل من الشنب؟ ألا قلت كما قال ذو الرمة
لَمياءُ في شفتيها حوّةٌ لَعَسٌ
…
وفي اللثات وفي أنيابها بَرَدُ
فالدل يذكر مع الغنج وما أشبهه، والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه
وكذلك عيب على أبي نواس قوله:
وقد حلفت يميناً
…
مَبرورَةً لا تكذبْ
برب زمزم والحو
…
ض والصفا والمحصب
فإن ذكر الحوض مع زمزم والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان وما جرى مجراهما
وإنما يحسن من ذلك مثل قوله تعالى (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها) لما بين ذلك من تقابل التضاد، وكذلك قول البحتري في رثاء المتوكل:
ولم أنْسَ وحش القصر إذ رِيعَ سِرْبُهُ
…
وإذ ذُعِرتُ أطلاؤُه وجآذِرُهْ
تحمل عنه ساكنوه فجاءة
…
فعادت سواء دوره ومقابره
ولكن ذلك كله يرجع إلى محسنات بديعية، ولا يرجع إلى ما يجب في اعتبار الوصل والفصل بين الجمل
وقد جرى الأستاذ الشارح على هذا المنوال في تحقيق أمثال هذه المسألة، فجزاء الله خيرا، ومنح شرحه ذيوعاً.
(ص)