المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 134 - بتاريخ: 27 - 01 - 1936 - مجلة الرسالة - جـ ١٣٤

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 134

- بتاريخ: 27 - 01 - 1936

ص: -1

‌ملك وشاعر

حل أصدق المواعيد في يومين متعاقبين بالملك جورج الخامس، وبالشاعر رديارد كبلنج، فأرفضّ لخطبهما الصبر الإنجليزي الذي يتماسك بطبعه على مض النوازل، وتجاوبت بأصداء الأسى الوقور أقطار المُلك البريطاني الشامل، وشعر القلب الإمبراطوري برجفة صماء لموت الملك، وأحس اللسان الاستعماري بعقدة بكماء لموت الشاعر؛ ذلك أن صاحب الجلالة كان يمثل شعبه في نبله وديمقراطيته، وصاحب العبقرية كان يمثله في طموحه ووطنيته؛ فأولهما كان رمز السمو الخلقي في طبع السياسة، وثانيهما كان لحن الغرور القومي في معنى الأدب!

كان الملك جورج معنى جديداً من معاني الملكية الجديدة؛ وفق بين غطرفة الملك وتواضع الديمقراطية، وألف بين قيود الحكم ونوازع الحرية، وصالح بين حفاظ التقاليد وطبيعة التطور، ولاءم بين إرادة العاهل وسلطة الدستور، وواءم بين سياسة الدولة ورغبة الأمة، واستبدل بالسلطة الزمنية التي أماتها فيه الزمان، وورثها عنه البرلمان، سلطة روحية أحلته من شعبه محل القداسة، ورفعته في أفقه مكان العلم، وجعلته في حكمه سلام الحزبية إذا احتدمت، وقرار السياسة إذا اضطربت، وصلة الإمبراطورية إذا تقاطعت، ومواساة المرضى من برح الألم، وتعزية البؤس من مس الحاجة؛ ثم تكرم عن أثرة الملوك وتميز السادة، فكان في الحرب يأكل ما يأكل الناس، وفي الأزمة ينفق ما ينفق الأوساط، وفي المحنة يكابد ما يكابد الشعب، وفي الرخاء يكاد الإحسان العام لا يترك في يديه من مخصصاته النصف مليون إلا قرابة الألفين

كانت ملكية الملك جورج كما رأيت لفظاً معناه الحب والخير والواجب؛ ومن هنا وجدت الأحزاب على اختلافها مضامينها فيه؛ فهي تثور فيما بينها وتسكن إليه، وتختلف في رأيها وتتفق عليه، وتفترق في طرقها وتلتقي عنده، حتى قال زعيم من زعماء الأحرار هو مستر اسكويث:(إن العرش لَتَهَاوى حولنا، لأن بعضها قائم على أساس من الظلم، وبعضها مرفوع على غثاء من التقاليد، ولكن عرش هذه البلاد محمول على مشيئة الشعب البريطاني، فهو مستقر لا يتزعزع، راسخ لا يميد)، وحتى قال زعيم من زعماء العمال هو مستر استافورد:(إن الملكية الدستورية ستظل طويلاً في هذه الأمة خير أداة لاختيار رأس الدولة)

ص: 1

من أجل ذلك الخلق الأقوم كان حزن الإنكليز على مليكهم خالصاً من الرياء الرسمي، صادراً عن الشعور الصادق بالحب لرجل غلّب الأبوة على المُلك، واستغنى بالطيبة عن البراعة، وسد بكمال الخلق نقص القدرة

وكان الشاعر كبلنج مفتوناً بعظمة الإمبراطورية؛ صاغ من نسبها النضار شعره، وألف من لجبها المتناسق أغاريده؛ ثم شدا بالمجد الطوّاف على أثباج الماء، وهتف بالنصر الرفاف على وجوه الأرض، وجعل من شعره الجواب نشيداً قومياً تردده الآفاق البريطانية كما تردد نشيد الملك!

ولد كبلنج في بلاد قال فيها: (إنها أعجب بلاد خضعت للمخلوق وفتحت للخالق): ولد في الهند ببمباي كما يولد الهنود، ولكنه وعى فوجد نفسه سيداً، ووجد الهندي الذي ولد معه عبداً، يعيش على كده وهو ناعم بين وِسكبِه وحسانه، ويرقى على ظهره إذا همّ بركوب حصانه! الخلقة هي الخلقة، والبيئة هي البيئة، والطبقة هي الطبقة، ولكن كبلنج رأى بشرته ودمه من لون العلم الخفاق، ورأى بشرة الهندي ودمه من لون الأرض المستغلة، فأدرك علة الامتياز وسر التفوق: عرف أن البريطاني بحكم الجنس قد يدعى ذكياً وهو فدْم، وكيّساً وهو أخرق، وكافياً وهو عاجز، وسابقاً وهو متخلف، فاستهام بهذه القوة التي تشع مع الشمس في كل أفق، وتنتشر مع الحياة في كل قطر، وتنبسط على حواشي البر والبحر أمناً وحماية، فحبس على إعلان مفاخرها لسانه، ووقف على تسويغ عدوانها عقله؛ فموه حجج الاستعمار بالشعر، وألهب سعار العصبية بالحماسة، وشوه جمال الوطنية بالأثرة، وجعل الأدب وهو شعاع الروح دليلاً لبغي القومي ولؤمه، ومهد لأساطيل الطغيان، استبعاد الإنسان للإنسان، بحجة (أن الشرق شرق والغرب غرب فلا يلتقيان) إلا على شر، ولا يفترقان إلا على ثأر!

من أجل ذلك الإخلاص الملهم كان مرض كبلنج تحت الرعاية الملكية، وكانت جنازة كبلنج جنازة (شبه رسمية)!

إن في مثل سياسة الملك جورج لأماناً من طغيان الرءوس وثوران النفوس، وقيام الدعوات الباطلة، وشيوع المذاهب الجريئة، وانقلاب الحكم في الدولة، واضطراب السلم في الأمة، واغبرار العيش في أوجه العامة. إن في مثل أدب الشاعر كبلنج لروحاً مزهوة تعتلج

ص: 2

بالشعور الوطني، وتختلج بالغرور القومي، وتدفع بالهمم الوانية إلى اللحاق، وتنزع بالنفوس الضارعة عن المذلة، وتكشف للقلوب المنخوبة عن معاني الرجولة!

إن في كل حادث ذكرى؛ وإن في كل حديث بلاغا!

احمد حسن الزيات

ص: 3

‌4 - المشكلة

تتمة

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

صاحب هذه المشكلة رجل أعور العقل. . . . يرى عقله من ناحية واحدة، فقد غاب عنه نصف الوجود في مشكلته؛ ولو أن عقله أبصر من الناحيتين لما رأى المشكلة خالصةً في إشكالها، ولوجد في ناحيتها الأخرى حظاً لنفسه قد أصابه، ومذهباً في السلامة لم يخطئه؛ وكان في هذه الناحية عذاب الجنون لو عذبه الله به، وكان يصبح أشقى الخلق لو رماه الله في الجهة التي أنقذه منها، فتهيأت له المشكلة على وجهها الثاني

ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن زوجتك هذه المسكينة المظلومة التي بنيت بها، كانت هي التي أُكرهت على الرضا بك، وحُملت على ذلك من أبيها، ثم كنت أنت لها عاشقاً، وبها صبّاً، وفيها متدلهاً؛ ثم كانت هي تحب رجلاً غيرك، وتصبو إليه، وتفتتن به، وقد احترقت عشقاً له؛ فإذا جلَوَها عليك رأتك البغيض المقيت، ورأتك الدميم الكريه، وفزعت منك فزعها من اللص والقاتل؛ وتمد لها يدك فتتحاماها تحاميها المجذوم أو الأبرص، وتكلمها فتُحَمّ برداً من ثقل كلامك، وتفتح لها ذراعيك فتحسبهما حبلين من مشنقتين، وتتحبب إليها فإذا أنت أسمج خلق الله عندها، إذ تحاول في نذالة أن تحل منها محل حبيبهاً وتقبل عليها بوجهك فتراه من تقذّرها إياك واشمئزازها منك وجه الذبابة مكبّراً بفظاعة وشناعة في قدر صورة وجه الرجل ليتجاوز حد القبح إلى حد الغثاثة، إلى حد انقلاب النفس من رؤيته، إلى حد القيء إذا دنا وجهك من وجهها. . . .؟!

ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن مشكلتك هذه جاءت من أن بينك وبين زوجتك الرجل الثاني لا المرأة الثانية؟ ألست الآن في رحمة من الله بك، وفي نعمة كفّت عنك مصيبة، وفي موقف بين الرحمة والنعمة يقتضيك أن ترقب في حكمك على هذه الزوجة المسكينة حكم الله عليك؟

تقول: الحب والخيال والفن، وتذهب في مذاهبها؛ غير أن (المشكلة) قد دلت على أنك بعيد من فهم هذه الحقائق، ولو أنت فهمتها لما كانت لك مشكلة ولا حسبت نفسك منحوس الحظ محروماً، ولا جهلت أن في داخل العين من كل ذي فن عيناً خاصة بالأحلام كيلا تعمى

ص: 4

عينه عن الحقائق

الحب لفظ وهمي موضوع على أضداد مختلفة: على بركان وروضة، وعلى سماء وأرض، وعلى بكاء وضحك، وعلى هموم كثيرة كلها هموم، وعلى أفراح قليلة ليست كلها أفراحاً؛ وهو خداع من النفس يضع كل ذكائه في المحبوب، ويجعل كل بلاهته في المحب، فلا يكون المحبوب عند محبه إلا شخصاً خيالياً ذا صفة واحدة هي الكمال المطلق، فكأنه فوق البشرية في وجود تام الجمال ولا عيب فيه، والناس من بعده موجودون في العيوب والمحاسن

وذلك وهم لا تقوم عليه الحياة ولا تصلح به، فإنما تقوم الحياة على الروح العملية التي تضع في كل شيء معناه الصحيح الثابت. فالحب على هذا شيء غير الزواج، وبينهما مثل ما بين الاضطراب والنظام؛ ويجب أن يُفهم هذا الحب على النحو الذي يجعله حباً لا غير، فقد يكون أقوى حب بين اثنين إذا تحابا هو أسخف زواج بينهما إذا تزوجا

وذو الفن لا يفيد من هذا الحب فائدته الصحيحة إلا إذا جعله تحت عقله لا فوق عقله فيكون في حبه عاقلاً بجنون لطيف. . . . ويترك العاطفة تدخل في التفكير وتضع فيه جمالها وثورتها وقوتها؛ ومن ثم يرى مجاهدة اللذة في الحب هي أسمى لذاته الفكرية، ويعرف بها في نفسه ضرباً إلهياً من السكينة يوليه القدرة على أن يقهر الطبيعة الإنسانية ويصرّفها ويبدع منها عمله الفني العجيب

وهذا الضرب من السمو لا يبلغه إلا الفكر القوي الذي فاز على شهواته وكبحها وتحملها تغلي فيه غليان الماء في المرجل ليخرج منها ألطف ما فيها ويحولها حركة في الروح تنشأ منها حياة هذه المعاني الفنية؛ وما أشبه ذا الفن بالشجرة الحية، إن لم تضبط ما في داخلها أصح الضبط لم يكن في ظاهرها إلا أضعف عملها

ومثل هذا الفكر العاشق يحتاج إلى الزوجة حاجته إلى الحبيبة، وهو في قوته يجمع بين كرامة هذه وقدسية هذه لأن إحداهما توازن الأخرى، وتعدّلها في الطبع، وتخفف من طغيانها على الغريزة، وتمسك القلب أن يتبدد في جوه الخيالي

والرجل الكامل المفكر المتخيل إذا كان زوجاً وعشق، أو كان عاشقاً وتزوج بغير من يهواها استطاع أن يبتدع لنفسه فناً جميلاً من مسرات الفكر لا يجده العاشق ولا يناله

ص: 5

المتزوج، وإنه ليرى زوجته من الحبيبة كالتمثال جمد على هيئه واحدة، غير أنه لا يُغفل أن هذا هو سر من أسرار الإبداع في التمثال إذ تلك هيئة استقرار الأسمى في سموه؛ فإن الزوجة أمومة على قاعدتها وحياة على قاعدتها؛ أما الحبيبة فلا قاعدة لها، وهي معان شاردة لا تستقر وزائلة لا تثبت، وفنها كله في أن تبقى حيث هي كما هي، فجمالها يحيا كل يوم حياة جديدة مادامت فناً محضاً ومادام سر أنوثتها في حجابه

ومتى تزوج الرجل بمن يحبها انهتك له حجاب أنوثتها فبطل أن يكون فيها سر، وعادت له غير من كانت، وعاد لها غير من كان؛ وهذا التحول في كل منهما هو زوال كل منهما من خيال صاحبه؛ فليس يصلح الحب أساساً للسعادة في الزواج، بل أحْرِ به إذا كان وجداً واحتراقاً أن يكون أساساً للشؤم فيه، إذ كان قد وضع بين الزوجين حداً يعين لهما درجة من درجة في الشغف والصبابة والخيال، وهما بعد الزواج متراجعان وراء هذا الحد ما من ذلك بد، فإن لم يكن الزوج في هذه الحالة رجلاً تام الرجولة - أفسدت الحياة عليه وعلى زوجته صبيانية روحه فالتمس في الزوجة ما لم يعد فيها، فإذا انكشف له فراغها ذهب يلتمسه في غيرها وكان بلاءً عليها وعلى نفسه وعلى أولاده قبل أن يولدوا، إذ يضع أمام هذه المرأة أسوأ الأمثلة لأبي أولادها ويفسد إحساسها فيفسد تكوينها النفسي؛ وما المرأة إلا حسها وشعورها

فالشأن في تمام الرجولة وقوتها وشهامتها وفحولتها إن كان الرجل عاشقاً أو لم يكنه. وما من رجل قوي الرجولة إلا وأساسه ديانته وكرامته؛ وما من دين أو كرامة يقع في مثل هذه المشكلة ثم تظلم به الزوجة أو يحيف عليها أو يفسد ما بينه وبينها من المداخلة وحسن العشرة، بَلهْ أن يراها كما يقول صاحب المشكلة (مصيبة) فيجافيها ويبالغ في إعانتها ويشفي غيظه بإذلالها واحتقارها

وأي ذي دين يأمن على دينه أن يهلك في بعض ذلك فضلاً عن كل ذلك؟ وأي ذي كرامة يرضى لكرامته أن تنقلب خسة ودناءةً ونذالةً في معاملة امرأة هو لا غيره ذنبها؟ إن أساس الدين والكرامة ألا يخرج إنسان عن قاعدة الفضيلة الاجتماعية في حل مشكلته إن تورط في مشكلة؛ فمن كان فقيراً لا يسرق بحجة أنه فقير، بل يكد ويعمل ويصبر على ما يعانيه من ذلك؛ ومن كان محباً لا يستنزل المرأة فيسقطها بحجة أنه عاشق؛ ومن كان كصاحب

ص: 6

المشكلة لا يظلم امرأته فيمقتها بحجة أنه يعشق غيرها؛ وإنما الإنسان من أظهر في كل ذلك ونحو ذلك أثره الإنساني لا أثره الوحشي، واعتبر أموره الخاصة بقاعدة الجماعة لا بقاعدة الفرد. وإنما الدين في السمو على أهواء النفس؛ ولا يتسامى امرؤ على نفسه وأهواء نفسه إلا بإنزالها على حكم القاعدة العامة، فمن هناك يتسامى، ومن هناك يبدو علوّه فيما يبلغ إليه. . . . . .

وإذا حل اللص مشكلته على قاعدته هو فقد حلها، ولكنه حل يجعله هو بجملته مشكلة للناس جميعاً حتى ليرى الشرع في نظرته إلى إنسانية هذا اللص أنه غير حقيق باليد العاملة التي خلقت له فيأمر بقطعها.

وعلى هذه القاعدة فالجنس البشري كله ينزل منزلة الأب في مناصرته لزوجة صاحب المشكلة والاستظهار لها والدفاع عنها مادام قد وقع عليها الظلم من صاحبها، وهذا هو حكمها في الضمير الإنساني الأكبر وإن خالف ضمير زوجها العدو الثائر الذي قطعها من مصادر نفسه ومواردها. أما حكم الحبيبة في هذا الضمير الإنساني فهو أنها في هذا الموضع ليست حبيبة ولكنها شحّاذة رجال. . . . . . . . .

لسنا ننكر أن صاحب هذه المشكلة يتألم منها ويتلذع بها من الوقدة التي في قلبه؛ بيد أننا نعرف أن ألم العاقل غير ألم المجنون وحزن الحكيم غير حزن الطائش؛ والقلب الإنساني يكاد يكون آلة مخلوقة مع الإنسان لإصلاح دنياه أو إفسادها، فالحكيم من عرف كيف يتصرف بهذا القلب في آلامه وأوجاعه، فلا يصنع من ألمه ألماً جديداً يزيده فيه، ولا يُخرج من الشر شراً آخر يجعله أسوأ مما كان. وإذا لم يجد الحكيم ما يشتهي أو أصاب ما لا يشتهي استطاع أن يخلق من قلبه خلقاً معنوياً يوجده الغنى عن ذلك المحبوب المعدوم، أو يوجده الصبر عن هذا الموجود المكروه، فتتوازن الأحوال في نفسه وتعتدل المعاني على فكره وقلبه. وبهذا الخلق المعنوي يستطيع ذو الفن أن يجعل آلامه كلها بدائع فن وما هو فكر الحكماء إلا أن يكون مصنعاً ترسل إليه المعاني بصورة فيها الفوضى والنقص والألم، لتخرج منه في صورة فيها النظام والحكمة واللذة الروحية

يعشق الرجل العامي المتزوج، فإذا الساعة التي أوبقَته في المشكلة قد جاءته معها بطريقة حلها؛ فإما ضرَب امرأته بالطلاق، وإما أهلكها باتخاذ الضرة عليها، وإما عذبها بالخيانة

ص: 7

والفجور، لأن بعض العبث من الطبيعة في نفس هذا الجاهل هو بعينه عبث الطبيعة بهذا الجاهل في غيره، كأن هذه الطبيعة تطلق مدافعها الضخمة على الإنسانية من هذه النفوس الفارغة. . .

وليس أسهل على الذكر من الحيوان أن يحل مشكلة الأنثى حلاً حيوانياً كحل هذا العاميّ، فهو ظافر بالأنثى أو مقتول دونها مادام مطلقاً مخليً بينه وبينها. والحقيقة هنا حقيقته هو والكون كله ليس إلا منفعة شهوانية؛ وأسمى فضائله ألا يعجز عن نيل هذه المنفعة

ثم يعشق الرجل الحكيم المتزوج فإذا لمشكلته وجه آخر، إذ كان من أصعب الصعب وجود رجل يحل هذه المشكلة برجولة، فإن فيها كرامة الزوجة وواجب الدين وفيها حق المروءة، وفيها مع ذلك عبث الطبيعة وخداعها وهزلها الذي هو أشد الجد بينها وبين الغريزة. وبهذا كله تنقلب المشكلة إلى معركة نفسية لا يحسمها إلا الظفر ولا يعين عليها إلا الصبر، ولا يفلح في سياستها إلا تحمل آلامها، فإذا رزق العاشق صبراً وقوةً على الاحتمال فقد هان الباقي؛ وتيسرت لذة الظفر الحاسم، وإن لم يكن هو الظفر بالحبيبة، فإن في نفس الإنسان مواقع مختلفة وآثاراً متباينة للذة الواحدة، وموقع أرفع من موقع، وأثر أبهج من أثر؛ وألذ من الظفر بالحبيبة نفسها عند الرجل الحكيم الظفر بمعانيها، وأكرم منها على نفسه كرامة نفسه. وإذا انتصر الدين والفضيلة والكرامة والعقل والفن، لم يبق لخيبة الحب كبير معنى ولا عظيم أثر، ويتوغل العاشق في حبه وقد لبسته حالة أخرى كما يكظم الرجل الحكيم على الغيظ، فذلك يحب ولا يطيش، وهذا يغتاظ ولا يغضب. والبطل الشديد البأس لا ينبغ إلا من الشدائد القوية، والداهية الأريب لا يخرج إلا من المشكلات المعقدة، والتقيّ الفاضل لا يعرف إلا بين الأهواء المستحكمة. ولعمري إذا لم يستطع الحكيم أن ينتصر على شهوة من شهوات نفسه أو يبطل حاجة من حاجاتها فماذا فيه من الحكمة وماذا فيه من النفس؟

وما عقّد (المشكلة) على صاحبها بين زوجته وحبيبته إلا أنه بخياله الفاسد قد أفسد القوة المصلحة فيه، فهو لم يتزوج امرأته كلها. . . وكأنه لا يراها أنثى كالنساء، ولا يبصر عندها إلا فروقاً بين امرأتين: محبوبة ومكروهة، وبهذا أفسد عينه كما أفسد خياله؛ فلو تعلم كيف يراها لرآها، ولو تعوّدها لأحبها

إنه من وهمه كالجواد الذي يشعر بالمقادة في عنقه؛ فشعوره بمعنى الحبل وإن كان معنى

ص: 8

ضئيلاً عطل فيه كل معاني قوته، وإن كانت معاني كثيرة. وما أقدرك أيها الحب على وضع حبال الخيل والبغال والحمير في أعناق الناس.!.

وقد بقي أن نذكر توفية للفائدة أنه قد يقع في مثل هذه المشكلة من نقصت فحولته من الرجال فيدلس على نفسه بمثل هذا الحب ويبالغ فيه ويتجرّم على زوجته المسكينة التي ابتليت به، ويختلق لها العلل الواهية المكذوبة ويبغضها كأنه هو الذي ابتلي بها وكأن المصيبة من قبلها لا من قبله؛ وكل ذلك لأن غريزته تحولت إلى فكرة فلم تعد إلا صوراً خيالية لا تعرف إلا الكذب. وقد قرر علماء النفس أن من الرجال من يكره زوجته أشد الكره إذا شعر في نفسه بالمهانة والنقص من عجزه عنها، فهذا لا يكون رجلاً لامرأته إلا في العداوة والنقمة والكراهية وما كان من باب شفاء الغيظ، وامرأته معه كالمعاهدة السياسية من طرف واحد. . . لا قيمة ولا حرمة؛ وإذا أحب هذا كان حبه خيالياً شديداً لأنه من جهة يكون كالتعزية لنفسه، ومن جهة أخرى يكون غيظاً لزوجته ورداً بامرأة على امرأة. . . . .

(طنطا)

مصطفى صادق الرافعي

ص: 9

‌ريح التعصب الجنسي تهب على أوربا

بقلم باحث دبلوماسي كبير

مضى الآن أربعة أشهر على نشوب تلك الحرب البربرية التي تضرم إيطاليا نارها في الحبشة باسم الاستعمار والمدنية؛ والحبشة ترد هجمات المعتدين عليها بشجاعة وجلد يثيران إعجاب العالم وعطفه؛ والعدو المغير يتخبط في غمر فادحة من الصعاب والخيبة واليأس، ويرتد شيئاً فشيئاً عن الأرض التي احتلها في البداية دون مقاومة، وظن أن احتلالها مقدمة للظفر الشامل

وقد سنحت لإيطاليا المعتدية أكثر من فرصة للفوز بقسط معقول من أسلاب الفريسة، قبل أن تصطدم بأية مقاومة حقيقية، وقبل أن ينكشف ضعفها وعجزها عن تحقيق أطماعها الفادحة بالقوة القاهرة؛ ولكنها لم تحسن انتهاز الفرصة وذهبت بعيداً في غلوائها وتحديها، ولم تحسن تقدير المقاومة السلبية الدولية التي استطاعت السياسة البريطانية أن تنظمها ضدها على يد عصبة الأمم، والتي أملت تنظيمها على السياسة البريطانية بواعث حيوية خطيرة تتعلق بسلامة الإمبراطورية وتأييد سيادتها في البحر الأبيض المتوسط، وفي وادي النيل وشرق أفريقية؛ بيد أن إيطاليا استطاعت بسياستها العنيفة وما تحمل في ثنيتها من احتمال إضرام نار حرب أوربية، أن تحمل السياستين الفرنسية والبريطانية على وضع مشروع للصلح، يقضي في الواقع على الحبشة بالإعدام كأمة مستقلة، ويحقق لإيطاليا السيادة الفعلية على معظم أراضيها، ويتوج حملتها الاستعمارية بظفر شامل لم تستطع أن تنال منه شيئاً بالحرب؛ ولكن المقاومة الحبشية كانت قد بدأت عندئذ تحدث أثرها في وقف الزحف الإيطالي، وظهر عجز إيطاليا وضعفها جلياً، واستقبل العالم مشروع الصلح بالاستنكار والسخط، ورفضته الحبشة بتاتاً، فلم يلبث أن قضي عليه في مهده؛ وكانت فضيحة دولية حقيقية أصابت هيبة السياسة البريطانية، واضطرت أن تتراجع أمامها بسرعة وأن تعود إلى موقفها الأول

وقد عرضنا من قبل إلى ذلك التطور المدهش في سير الحرب الحبشية، وأشرنا إلى بعض العوامل التي يظن أنها كانت سبباً في تحول السياسة البريطانية؛ ومنها ما يقال من أن مسيو لافال رئيس الوزارة الفرنسية استطاع أن يقنع السير صمويل هور وزير الخارجية

ص: 10

البريطانية المستقيل بأن تعريض الحملة الإيطالية للفشل، وتمكن الأحباش من إحراز نصر حاسم على البيض مما يعرض سيادة الدولة الأوربية في أفريقية للخطر، ويصدع من صرح أوربا الاستعماري كله، ويبعث في الشعوب السوداء أو الملونة رغبة الانتقاض والمقاومة، وذلك ليس من مصلحة بريطانيا التي تحكم مئات الملايين من الشعوب الملونة في أفريقية وأسيا

ومما يلاحظ أن هذه النغمة الجنسية تقوى وتشتد في أوربا يوماً عن يوم، وأن الدوائر والصحف الاستعمارية أخذت تضرب عليها بطريقة منظمة، وخصوصاً بعد الانتصارات المتوالية التي أحرزها الأحباش على الإيطاليين في الأسابيع الأخيرة، مما يدل على إنها قد أخذت تحدث أثرها في تكييف السياسة الاستعمارية الأوربية: بيد أنه مما يلاحظ أيضاً أن هذه النغمة التي بعثتها الحرب الحبشية من رقادها ليست سوى ناحية واحدة من نواحي الفورة الجنسية العامة التي اشتدت بوادرها في أوربا في الأعوام الأخيرة، والتي ظهرت بصورة جلية في كثير من المناسبات السياسية والدولية

وقد نرجع إلى الوراء قروناً إذا حاولنا أن ندرس كل التطورات التي مرت بها تلك النزعة الجنسية الأوربية؛ فتاريخ هذه النزعة هو تاريخ الصراع بين الشرق والغرب وبين الإسلام والنصرانية؛ ولكننا نكتفي بأن نعرض إلى أحدث طور من أطوارها، وهو الذي نرى اليوم آثاره ماثلة في سياسة أوربا العامة، وفي السياسة المحلية لبعض الدول الأوربية. وفي وسعنا أن نقول إن هذا الطور الحديث من هذا الصراع الجنسي يرجع إلى الحرب الروسية اليابانية في سنة 1904، فقد كانت الفكرة الجنسية تجثم قوية وراء هذا الصراع بين دولة أوربية عظمى وبين دولة آسيوية استطاعت أن تنفض عنها غبار الماضي بسرعة وأن تتبوأ مكانتها بين الدول القوية؛ ومع إن أوربا كانت تسيء الظن بمقدرة روسيا القيصرية واستعدادها، فإنها لم تكن تتوقع أن تصاب الجيوش والأساطيل الروسية بمثل ما أصيبت به من الهزائم الساحقة، وأن تحرز اليابان ما أحرزت من نصر باهر

ولكن اليابان خرجت من تلك الحرب ظافرة قوية، وكان من نتائجها أن بسطت سيادتها على أقاليم شاسعة من الصين؛ وحدث لأول مرة في التاريخ أن انتصرت دولة آسيوية على دولة أوربية عظمى؛ ولهذا استقبلت أوربا انتصار اليابان في دهشة وروع، واستقبلته

ص: 11

مقروناً بصيحة الخطر الأصفر؛ ولما سما شأن اليابان بعد الحرب الكبرى وضاعفت جهودها في سبيل التوسع الاستعماري في الصين، وكشفت عن نيتها في مقاومة النفوذ الأوربي في الشرق الأقصى، مستترة بشعار الجامعة الآسيوية، واستطاعت في الأعوام الأخيرة أن تبسط سيادتها تباعاً على منشوريا وأقاليم أخرى من الصين؛ زادت أوربا شعوراً بما تسميه الخطر الأسيوي، أو الخطر الأصفر إشارة إلى تفوق اليابان أو الجنس الأصفر؛ وما ينذر به من تحطيم النفوذ الأوربي في الشرق الأقصى، والحلول مكان الدولة الأوربية في استعمار الشعوب الآسيوية التي وقعت تحت سيادتها.

وهذه النعرة الجنسية تشتد اليوم في أوربا وتتخذ صوراً محلية إلى جانب صورتها العامة. ففي ألمانيا الهتلرية مثلاً تتخذ نظريات الجنس والسلالة أهمية خاصة، وترتب عليها مزاعم مدهشة، ويبدو أثرها جلياً في اضطهاد اليهود ومطاردتهم بأساليب عنيفة منظمة، وفي الدعوة القوية إلى بغض الأجناس السامية والشرقية واحتقارها واعتبارها أجناساً منحطة لا يليق أن تتبوأ مكانها مستقلة أو حرة، ووجوب إخضاعها واستغلالها بواسطة الشعوب الآرية الأوربية؛ ويزعم هتلر ودعاته أن الجنس الجرماني هو أشرف أجناس الخليقة، وأعظمها في الخواص والخلال، وينكرون على الشعوب السامية والشرقية بوجه عام أنها ساهمت أو تستطيع أن تساهم في إنشاء الحضارة؛ بل يذهبون في غلوهم إلى اعتبار أن اليابان أمة مقلدة لا يصح أن توضع في مصاف الشعوب العظيمة المبتكرة، إلى غير ذلك من المزاعم التي تنم عن تعصب جنسي عميق؛ ونرى مثل هذه الريح الجنسية تعصف بأمم ثانوية مثل بولونيا والمجر ورومانيا، وتتخذ صورتها في اضطهاد اليهود ومطاردتهم. أما الصورة العامة التي تتخذها النعرة الجنسية اليوم في أوربا، فتظهر جلياً في أمرين: الأول صيحة الخطر الأصفر، وذلك لمناسبة توغل اليابان في الصين وتوجس الدول الأوربية من مطامع اليابان وخوفها من انهيار سيادتها الاستعمارية في الشرق الأقصى، وقد أخذت تنهار فعلاً بتخلي روسيا عن مصالحها القديمة في منشوريا؛ والثاني في صيحة البيض والسود التي ذاعت لمناسبة الحرب الحبشية الإيطالية، وقصور إيطاليا في إدراك غايتها الاستعمارية بعد أن لبثت طويلاً تنظم قواها وبعد أن جردت على الحبشة نحو ثلث مليون جندي مجهزين بأحدث الأسلحة والمخترعات المهلكة؛ وهذه الصيحة تشتد اليوم في البيئات

ص: 12

والدوائر الاستعمارية كلما اشتدت مقاومة الأحباش وزاد عجز إيطاليا وضوحاً، وبدا إزاء ما يحرزه الأحباش من انتصارات متوالية أن مغامرة إيطاليا الاستعمارية ستمنى بالفشل الذريع. وهذه النغمة هي التي يضرب عليها اليوم غلاة الاستعماريين الذين يشدون بأزر إيطاليا تحقيقاً لغايات السياسة القومية، مثل مسيو لافال رئيس الوزارة الفرنسية الذي يحاول أن يستبقي الصداقة الإيطالية بأي الأثمان ويخشى أن يؤدي انتصار الأحباش أعني السود على الإيطاليين إلى كارثة استعمارية تهز الأمم السوداء والملونة إلى الأعماق، وتعصف بنير الاستعمار الأوربي في أفريقية، ولفرنسا في أفريقية الشمالية والغربية والوسطى إمبراطورية استعمارية ضخمة؛ ومثل زعماء ألمانيا الهتلرية الذين يرون في سياسة إيطاليا الاستعمارية، وفي تحقيق غايات الاستعمار الإيطالي سنداً جديداً لمطامع ألمانيا الاستعمارية في استرداد بعض مستعمراتها القديمة تحقيقاً لنفس الغايات الاقتصادية التي يزعم موسوليني أنه يعمل لتحقيقها بالقضاء على حريات الحبشة واستقلالها

وهذه النعرة الجنسية حرية بأن تحدث أثرها في السياسة الإنكليزية؛ فإنكلترا كفرنسا تسيطر على إمبراطورية شاسعة من الشعوب الملونة ولاسيما في شرق أفريقية حيث تضطرم الحرب الحبشية، وسحق إيطاليا في الحبشة يحدث بلا ريب أثراً عميقاً في عقلية هذه الشعوب ويذكي فيها روح التمرد والمقاومة للنير الأجنبي؛ ولكن الظاهر أن إنكلترا مع تقديرها لهذا العامل ترى أن تضعه في المحل الثاني بالنسبة لعوامل جوهرية أخرى تضطرها أن تعمل في وجهة أخرى. ذلك أن إنكلترا ترى في العسكرية الفاشستية خطراً داهماً على سيادتها في البحر الأبيض، وترى في ظفر إيطاليا باجتياح الحبشة خطراً داهماً على أملاكها في شرق أفريقية وعلى سيادتها في وادي النيل؛ وترى على الجملة في استمرار هذه الفاشستية الطامحة المتجنية المشبعة بروح الاعتداء والتحدي، خطراً على سلامة إمبراطوريتها وسلامة مواصلاتها الإمبراطورية، وخطراً على السلم الأوربي بوجه عام؛ والمسألة الحبشية ثانوية في نظر السياسة الإنكليزية كما بينا أكثر من مرة، ولكنها تغدو في يد إنكلترا وسيلة ناجعة لمحاربة الفاشستية وتقويض دعامتها العسكرية والسياسة

على أن الذي نريد أن نلفت النظر إليه هو أن هذه النعرة الجنسية التي تهب ريحها اليوم على أوربا وتروجها الدوائر الاستعمارية، ليست جديدة ولا حادثة في أوربا، إنما هي نزعة

ص: 13

أصيلة في هذه الشعوب الأوربية التي استطاعت بأساليب العنف والغدر والخديعة أن تفرض سيادتها على معظم الأمم الأفريقية والآسيوية، والتي تحرص كل الحرص على استغلال هذه الأمم واستصفاء ثرواتها لكي تزيد بها في قوتها وفي نعمائها ورخاء بنيها على حساب هذه الأمم المهيضة؛ وأوربا اليوم هي كما كانت بالأمس، وكما كانت منذ العصور الوسطى مهد التعصب الجنسي والديني؛ وليس من الضروري أن نعود إلى أيام الحروب الصليبية لكي نصور أوربا المتعصبة على حقيقتها، وإنما يكفي أن نذكر أن الاستعمار العسكري والسياسي الذي تفرضه أوربا على الشعوب الشرقية باسم المدنية والتهذيب والتفوق الجنسي والثقافي والاجتماعي، تؤيده في نفس الوقت حملات البعثات التبشيرية، وتمهد له بالعمل على تقويض العقائد الدينية الشرقية؛ فإذا كنا نسمع في أوربا اليوم صيحة الخطر الأصفر لمناسبة التقدم الياباني في الصين؛ وصيحة البيض والسود لمناسبة انهيار مشروع إيطاليا الاستعماري في الحبشة، فإنما ذلك يتفق تمام الاتفاق مع ماضي أوربا وتقاليدها في الاضطرام بنزعات التعصب الجنسي والديني وخصوصاً كلما خشيت على صرحها الاستعماري من الانهيار.

(* * *)

ص: 14

‌في الحب أيضاً

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

كتبت إليّ سيدة أعرفها فاضلة لبيبة تسألني عن الحب كيف أقول فيه ما قلت؟ وعن المرأة كيف أبسط لساني فيها كل هذا البسط؟ وعن الحب الأفلاطوني ماذا ترى رأيي فيه؟ وختمت كتابها باتهام الرجال بقلة الوفاء، وبالغدر وكثرة التقلب

وقد استخلصت من كتابها أن مقالي الذي تفضلت بنشره (الرسالة) لم يصادف منها ارتياحاً ولم يلق قبولاً. ولست استغرب هذا، أو أنكر عليها امتعاضها، فإني أعرف أن كل رأي فيه من الهوى أثر؛ والمرء يميل بمزاجه إلى ما هو أحب إليه من الآراء وأكثر موافقة أو مجاراة لهذا المزاج؛ وما يزال الإنسان يوحي إلى نفسه حتى يصير الأمر عنده عقيدة راسخة لا تتزعزع ولا يسهل زحزحته عنها؛ ولو أن إنساناً استطاع أن يتبين مبلغ أثر الإيحاء الذاتي في آرائه لهاله ذلك، ولذهب إيمانه بالعقل وقدرته على النظر المجرد، ولأيقن أنه ما من رأي إلا وهو وليد عاطفة، فمولد عاطفة؛ والإنسان يعيش بالطبع أكثر مما يعيش بالعقل. واحسبني لا أخطئ جداً حين أقول إن عقل كل فردٍ يصب في قالب من طباعه، فليست هذه التي نفكر بها (عقولاً)، وإنما هي طباع وأمزجة اتخذت صوراً مزورة؛ وأصل الخطأ أنّا سميناها (عقولاً) فصار لها في وهمنا، على الأيام، استقلال لا وجود له

وليس الذي نشرته لي (الرسالة) رأياً في الحب، وإنما هو بيان لحالات يجر إليها، ومواقف يستدعيها، ولا أرى لي صبراً عليها؛ أما الحب فليس لغزاً، وما على من يريد فهمه على الوجه الصحيح إلا أن ينضو عنه كل ما خلع عليه الشعراء ولفوه فيه، حتى أخفوه وحجبوه؛ وليس هذا كل ما جنى الشعر، وما هو إلا بعض ما مسخ من حقائق الحياة. والشعراء كالكهان الأقدمين - دأبهم التهويل على الناس وإيهامهم أنهم وحدهم دون خلق الله أهل العلم والإحاطة والبصر والاتصال بالحقائق العليا والأسرار المحجوبة - لا، بل الشعر ضرب من الكهانة، ومظهر من مظاهرها - أي نوع من الدجل. ولا نكران أن الشاعر والكاهن يبدأن مخلصين صادقي السريرة - وكذلك كل غرير قبل أن يجرب - ولكن الأمر يتحول شيئاً فشيئاً إلى صناعة، فلا تصدق من يقول لك إن الشاعر يظل عمره - إلى آخره - طفلاً كبيراً، فإن هذا ليس إلا بعض دجل الشعراء - أو هو بعض ما يوحون إلى

ص: 15

نفوسهم ويلحون به عليها ليكونوا أقدر على الدجل، والدجال يحتاج إلى اكتساب (مظهر) الإخلاص ليستطيع إقناع الناس. وقد رأيت في زمني دجالين كثيرين كان أبرز صفاتهم قدرتهم على مغالطة أنفسهم بالإيحاء إليها؛ والشعراء أبرعهم جميعاً لأنهم ألح على نفوسهم، وأكثر استلهاماً منها، وسبباً للتأثير فيها، ودؤوباً على مناجاتها

أعود إلى هذا الحب فأقول إنه ليس فيه سر، فهو ضرب من الجوع، أو هو إذا شئت نوع من التنبيه تلجأ إليه الطبيعة لتغرينا بما يكفل المحافظة على النوع كما تنبهنا بالجوع، فنبغي ما نحافظ به على ذواتنا. وعلى ذكر الجوع أقول إني أذكر أني أيام كنت أقول الشعر نظمت قصيدة نشرت في الجزء الأول من ديواني وفيها أن الحب أصاب مني (شبعه) فاستبشعها صديق لي أكبر رأيه وذوقه، وأنكر عليّ أن أذكر (الشبع) في معرض كلام على الحب، فوافقته على رأيه، ولكني تركت البيت على حاله، عجزاً عن تنقيحه، أو إهمالاً؛ ولولا أني أرفض شعري كله لقلت إني الآن أراني أحسنت

فالحب - كالجوع - اشتهاء، أي إيذان بأن الجسم يطلب أن تسد له حاجة، وليس الطعام هو الغاية من الأكل، بل ما يفيده من الصحة والقوة واستمرار الحياة؛ كذلك ليست المرأة هي الغاية من الحب، بل ما تعين عليه من بقاء النوع بالإنتاج؛ وكما أن المرء يغلط فيأكل ما لا خير فيه ولا صحة تستفاد منه ولا قوة، بل ما لعله يضر ويورث المرض، كذلك يغلط الإنسان فيحب ما لا يحقق الغاية التي ترمي إليها الطبيعة. والمرء يكون مترفاً في حبه كما يكون مترفاً في طعامه وملبسه وما إلى ذلك؛ ومن الناس من يأكل طعامه جرفاً، والمبطان الذي لا ينتهي منه، والمخلّط من صنوفه والمستقصي لها، والقَرون الذي يأكل لقمتين، والذي يكره معدته على الزيادة بعد الشبع، والذي يسرع في الأكل كراهة لطول الجلوس له، والذي يضع يده على ما أمامه لئلا يتناوله الغير، والذي يجيل اللقم ولا يمضغها، والذي يلوك، والذي يأكل نصف اللقمة ويرد نصفها، والزهيد القليل الأكل، والمريض، والضعيف الاشتهاء، والمتعجّف. وكذلك أرى الناس يكونون في حبهم، بل الإنسان الواحد يكون مرة هكذا، ومرة هكذا؛ والتوابل وما إليها لازمة للحب أحياناً لزومها للطعام؛ واللحم هو هو كيفما طبخته، ولكنه تارة يكون أشهى مشوياً، وتارة أخرى يكون ألذ وهو مسلوق، أو مقدد أو مشرح أو معلق في السفود، أو مخلوط بالرز أو البيض أو الخضر أو غير ذلك؛ وقل

ص: 16

مثل ذلك في غير اللحم من الآكال فما أردنا إلا التمثيل؛ وكذلك المرأة، فمن كانت يعنيها أن يبقى حب الرجل لها أطول زمن ممكن، فلتكن على كل لون وعلى كل صورة تُشتهى

ولا أحتاج بعد هذا أن أقول: إني لا أومن لا بالحب الأفلاطوني ولا بالوفاء، ولست أعني أني استهجنهما أو أعيبهما، فليس الأمر أمر استهجان أو عيب، وإنما أعني أنهما لا يوجدان مع الصحة والسلامة؛ وإذا كان من الممكن أن يشبع الجائع بالنظر إلى الطعام في أطباقه على السفرة، وأن يحيا المرء بأن يأكل بعينه أو خياله، فإنه يكون من الممكن أيضاً إرضاء عاطفة الحب عند الرجل السليم المعافى بالنظر إلى المرأة والاستماع إلى حديثها والتمتع بابتسامتها ورشاقة وقفتها أو حسن جلستها. والذي يقنع من المرأة بذلك يكون أحوج إلى الطبيب المداوي منه إلى المرأة.

أما الوفاء فأكرم به وأنعم! ولكن أين في دنيانا من يصبر على طعام واحد وفي وسعه ألا يفعل؟ وأقول (من يسعه ألا يفعل) وأنا أعني ما أقول، فما يلتزم الوفاء إلا من يعجز - بسبب ما - عن خلافه. وأسأل القارئ وأعفيه من الجواب العلني: أي رجل لم ينقض عهداً بالوفاء بالفعل أو بالنية أو بالخاطر أو بالخيال - على حسب الأحوال؟ والمرأة كالرجل وشأنها كشأنه. وكذاب من يقول - وكذابة من تدعي - غير ذلك. ولست أدعو إلى شيء - وحاشا أن أفعل - ولكني أصف واقعاً، وأقر حقاً لا يكابر فيه إلا منافق يريد أن ينتحل فضلاً على حسابي وحساب الحقيقة. والذي يجعل الوفاء مستحيلاً في الواقع أن الحياة قائمة على التحول لا على الثبات، والمرء يتغير حتى ليمكن أن يقال أنه يخلق كل يوم خلقاً جديداً مولداً من الخلق السابق أو أنه يموت ويجيء غيره باسمه؛ وكل يوم يحياه هو يوم ماته، وبعث بعده كرة أخرى في صورة تخالف الأصل من بعض الوجوه. وقد شرحت هذا من قبل في مقالات شتى في (البلاغ)(والأهرام) ولا أذكر أين أيضاً، فلا أعيد هنا ما قلت. . . . . .

وليس هذا رأياً جديداً لي، فقد نظمت فيه شعراً كثيراً نشر بعضه، ولن ينشر البعض الآخر؛ وأذكر مما نشر هذه الأبيات:

أكلما عشت يوماً

أحسست أنيَ متُّهْ

(من قصيدة الملل من الحياة)

ص: 17

إني أراني قد حلتُ وانتسخت

مع الصبي سورة من السور

وصرت غيري فليس يعرفني

- إذا رآني - صباي ذو الطرر

ولو بدا لي لبت أنكره

كأنني لم أكنه في عمري

كأننا اثنان ليس يجمعنا

في العيش إلا تشبث الذكر

مات الفتى المازني ثم أتى

من مازن غيرُه على الأثر

(من قصيدة كأس النسيان)

هذه كفي على خون العهود

لا على الرعى - فهذا لا يكون

إنها دنيا كِذاب وجحود

ولصدق النفس أولى - لو يهون

هذه كفيِ على وشك الملال

كل نار سوف يعلوها رماد

آهِ لو أستطيع تصديقَ الخيال!

أو يكون الجهل شيئاً يستفاد

يا عقيدي طامن الله حشاك!

لن تراني شاكياً وهْيَ حبالك

أين من طينتنا - أين - الفكاك؟

أنت إنسان على فرط جمالك

(من قصيدة معاهدة غرامية)

وحسبي هذا القدر، وعسى أن يكون كافياً في جواب السؤال

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 18

‌رفعة المرأة

للأستاذ محمد بك كرد علي

تحارب فرنسا فكرة إعطاء الحقوق السياسية للنساء ومساواتهن بالرجال؛ وقد جعلت ألمانيا وإيطاليا في جملة نظمها الجديدة أن تعود بالمرأة إلى سالف عهدها من التزام البيوت والقيام على تربية الأطفال ومنعهن ما أمكن من معاطاة أعمال الرجال؛ وتكتب في هذا الشأن كتب ورسائل، وتنشر صحف ومجلات. ومن الكتب التي ظهرت مؤخراً في فرنسا فأحدثت دوياً في الأوساط المعتدلة وأظهرت المرأة بمظهرها الحقيقي كتاب (رفعة المرأة) للدكتور روبرتوتش بدأه بكلام لثلاثة من مشاهير الكتاب أحدهم تيودور جوران قال: إن رفعة المرأة بلية صدرت إلينا من البلاد الأجنبية ولاسيما من أمريكا وجرمانيا وبلاد الشمال. وكان هذا النفوذ المتألف من كل غريب يكفي أن يكون منه نتاج قد لا يتلاءم كثيراً مع تركيبنا الفرنسي. وقال روبر كييو: من السهل الدلالة على أن دعوى رفع شأن المرأة كانت أبداً وليدة المذهب الاشتراكي، فأنّا نرانا نسقط فيها على أفكار اشتراكية بعينها، وعلى معان لهم وتعبيرات وعلى كلمات ما برح الاشتراكيون يرددونها مع سفسطات كانت ولا تزال مألوفة لهم؛ وما المرأة إلا أعدى عدو لرفعة شأنها، فهي موقنة بأنها تخسر من نفوذها الخاص أربعة أضعاف ما تربحه من نفوذها العام، ولا يتأتى مما ترمي إليه إدخال أدنى إصلاح على النظام الاجتماعي. وقال الثالث مارسل تينابر: إن حقوق النساء وتحريرهن الأدبي وطموحهن إلى الحياة السياسية، كل هذا حسن وجميل، ولكن يا سيدتي حررن أنفسكن أولاً من الخياط، فإن لم تكن لكن هذه الشجاعة فلا تتطاللن إلى أن تحصلن على ما بقى

قال المؤلف: إن مسألة إعطاء المرأة حقوقها ما زالت منذ ثلاثين سنة من الموضوعات الطريفة، ولو كان الأمر يقف على إعطاء المرأة جميع حقوقها ولاسيما السياسية التي لم تهيئها لها لا طبيعتها ولا عملها الخلقي لهان الأمر، ولكنهن يرمين من المطالبة بذلك إلى التفلت من كل قيودهن ولاسيما قيود البيت والأمومة. تريد إنقاص شأن الرجل وتطمح إلى الاستيلاء على كل عمل لم تخلق هي له. تريد الابتعاد عن المنزل وعدم المبالاة بأعماله والإقلال من الأولاد والقضاء على الأسرة وينتهي ذلكبانقراض العنصر والجنس. وبتأثير

ص: 19

الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في معظم البلاد الممدنة ولاسيما في فرنسا، راجت دعاية المفرطين ثم دعاية الرجال والنساء في هذه الحرب الحديثة، فكان من تلك الدعاية إخراج المرأة عن طورها وحملها على أن تتناسى أو تستنكر عملها، فصبغت المرأة بصبغة بشعة من محاكاة الرجل ليكون منها شريكة مبغضة له أحياناً، ومنافسة وخصيمة يخشى بأسها. ومن العدل ألا نغفل عن التصريح بأن أسباب حياة المرأة بعد الحرب الكبرى قد تبدلت تبدلاً خاصاً فيه كثير من القسوة، لأن أجور كثير من الرجال لم تعد كافية لإعاشة البيوت فاضطرت المرأة بكسل الرجل أن تدخل أحياناً لتعمل في البيوت التجارية والمعامل والمصانع لتكتسب ما تستلزمه حاجتها أو حاجة ذويها، مما لم تحتج إليه فيما سبق من الأيام، اللهم إلا إذا كان زوجها مصاباً بعلة طال أمرها، أو بعاهة في جسمه تمنعه العمل؛ وعلى ذلك كثر عدد العزبات المتجردات، والمعوزات والأيامى المطلقات، ممن لا معرفة لهن بصناعة؛ وكثيراً ما يكون لهن أولاد يضطررن لإعالتهن. وإذا لم ترغب فيهن النفوس أو كن بشعات ممسوخات يعشن خليلات للرجال أو يتدهورن في العهر السافل. ولطالما كان من الفتيات من جمعن شيئاً من المال، وانتظرن السنين خاطباً أو راغباً! ومن هذه الطبقة أيضاً عوانس خرجن عن طبائعهن، وحاولن أن يعشن عيشة جديدة، ويخرجن من افقهن الضيق فاستلزم ذلك اختلاطهن بكثيرات من بنات جنسهن وغير أبناء جنسهن، فتيسر لهن إيجاد علائق كان من أثرها زواجهن؛ وشق على كثيرات منهن لما أخفقن في الحصول على عروس لهن أن يبقين بلا حب، فاخترن خليلهن بحسب أذواقهن، وكل أولئك كان يحسن ويحب لو وقف الأمر عنده، ولكن هناك نساء سطا عليهن الكبر والحقد، فاحتقرن الرجل والزواج والولد، وهن قادرات على أن يكن طاهيات ووصيفات وساعورات ودلاكات ومنظفات أيد ومنظفات أرجل وحاسبات وخزانات وكاتبات ومدرسات وبائعات وسمسارات بل وقصصيات ومحاميات وطبيبات، ويتوهمن أنهن أسمى من الرجل أو على الأقل مساويات له، ويحاولن أن يقمن مقامه في معاناة سامي الأعمال مما لسن له خليقات

بهذه الصفحة وصف المؤلف ما تحاول المرأة بلوغه في بلاده، أو تنزعه من قيودها الطبيعية لتتلبس طبائع غير جنسها. وقد قال في وظيفة الحيض: ما برح دعاة تحرير

ص: 20

المرأة منادين صاخبين أن المرأة مساوية للرجل، وما كان تشريح الجنسين ونفسيتهما وطبيعتهما متشابهة قط؛ وإذا كان الحال كما يدعون، فلماذا نرى البقرة غير الثور، والنعجة غير الخروف، واللبوة غير الأسد؟ ولماذا يتناسى دعاة هذا التحرير العمل العظيم الذي يؤثر في طبيعة المرأة وعقليتها وما كتب عليها من الحيض فيخرجها إلى طور غريب، وتفعل أيام الحيض في خلقها، وبعض الصحيحات منهن أو المريضات تعاودهن العادة مرتين في الشهر، فيدفق الدم منهن في الشهر الواحد مرتين، وينقطع مرتين، فيتأثر المجموع العصبي فيهن من هذه الموجات الدموية. وأسهب في شرح هذه الحال على ما يجوزه لسان الطب، ولا يجوز نقله لسان الأدب الحديث في صحيفة سيارة، مستشهداً بآراء أعاظم الحكماء والأطباء؛ ونقل عبارة أحدهم من أن المرأة لا تشعر بالحرارة ولا بالبرودة، والدليل أنها تتدثر بالفرو في الصيف؛ وإذا قيل إن ذلك من جملة الأزياء الحديثة، فأنّا نشهدها تتعرى في الشتاء إلى خاصرتيها، دون أن تحس بما يضرها؛ فالمرأة ما بردت قط، وإن أظهرت أنها صردة تتأثر من البرد، وأنها تضع الفرو عليها فذلك لأن هذه الحركة هي من الحركات الجميلة فيها. وعرض لغرامهن بالأزياء من كشف الأيدي والأرجل والسوق والصدور والظهور على ما تأباه قواعد الحشمة قال: ولو عقلن لسترنها، لأن في سترها مصلحة لهن على خلاف ما يعتقدن، وبذلك إغواء الشباب إلى ما يحمل ذلك من الموبقات المخجلة

إن إعطاء الحقوق السياسية لم ينتج منه الإصلاح المدهش في شمال أوربا وفي أمريكا وأوستراليا، حيث أخذن يتمتعن بحقوق الناخب والمنتخب؛ ففي الدانمرك لم يأت النساء بشيء أحسن مما كان للبلاد يوم كان نساؤها يسلمن للرجال الأعمال، ولم يُقض على الغول (أو الكحول) في بلاد السويد والنرويج وفنلندا وأوستراليا والولايات المتحدة؛ أما الفحش فكثير جداً في هاتيك الممالك، وهو مشوب برياء وتصنع

خرج المتعلمات في الجامعات الأمريكية من البيوت الفقيرة؛ وأظهر الفتيات في فرنسا وغيرها اجتهاداً في طلب العلم؛ وقد يتعلمن بدَعة وسرعة كل ما يتطلب إجهاد الذاكرة؛ وقد يبرزن في المسابقات، ولسن كذلك عندما يخرجن إلى الحياة، عندما يضطررن إلى القيام بمسألة تحتاج إلى تفكير وشخصية وحكم؛ وقل فيهن من ينجحن في المحاماة والطب، وقل

ص: 21

أن يقبل أرباب المصالح على توكيلهن في القضايا أو استشارتهن في الأمراض؛ ومن تزوج منهن من رجال لهم مثل صنعتهن، كأن تتزوج الطبيبة بطبيب، والمحامية بمحام، لم يحمدن غبّ زواجهن، لأن التفاوت في قريحتي الزوجين يؤدي إلى أن تحسد الزوجة زوجها على توفيقه في عمله، فتبغضه وتشنأه؛ وثلث المتعلمات في أمريكا لا يظفرن بأزواج، وكلما أحرزن شهادات تخوف الرجل الإقدام على التأهل بهن، ولذلك يحببن الانطلاق بأفكارهن أن أسفن لما صارت إليه حالتهن؛ وثبت أن من تزوجن في فرنسا لم يقدمن على الزواج إلا بعد الثلاثين، وأحياناً في الأربعين، وكان معدل العقم من هذا الزواج تسعة وثلاثين في المائة لا تنسل فيه صاحبته ولا تلد

فتحت في الحرب معظم الأعمال في فرنسا أمام النساء، فأثبت لهن الاختبار أن من الأعمال ما هو من شأن الرجال كقادة الترام، وسوق السيارات، والمحاماة، والطب، فأخذ يرجع بعضهن عن تعاطي هاتين الصناعتين؛ وأثبت النساء الموظفات في الإدارات الحكومية والخصوصية أن امرأة عندما تجلس من وراء كوة أو نافذة للقيام بعملها، تصبح أشبه بالحيوانات المفترسة، وكانت خارج عملها من الساحرات الفاتنات بلطفها وظرفها. قالوا إن النساء إذا شاركن في السياسة يدمثن الأخلاق، ويبطلن الحروب، ويشرعن تشريعاً إنسانياً أكثر من تشريع الرجل، والواقع خلاف ذلك، لأن من الموظفات من إذا رضخ لهن بشيء من المال يبسمن ويغيرن معاملتهن، فما بالك بهن إذا قبضت الواحدة المئات؟ ومن تولين أعمالاً لا شأن لها كثيراً لم ينجحن النجاح المطلوب؛ ومن نجحن كن بتراكيبهن الجسمية أشبه بتراكيب الرجال، من حيث العضلات والقوى. وما نجح النساء في تولي الحكومات لو لم يكن لهن مؤازرون عظماء من الرجال يعملون كل شيء وينسبون ما عملوا للملكات، وإذا رجعنا إلى تراجم الملكات والأميرات نجد كثيرات منهن على جانب من التهتك والخلاعة، وما تعففن عن غمس أيديهن بالدماء - ويكون ذلك أحياناً لمآرب لهن - أو للتخلص من رجال تمتعن بهن، ثم أردن إطفاء ذكرهم. وإذا أردنا أن نذكر شهيرات النساء في الأدب لا نرى غير الرجال يعملون لهن من وراء ستار على الأكثر، وما تركت فيه المرأة وشأنها من الآثار الأدبية كان إلى التفاهة والفهاهة

وعدد المؤلف المساوئ التي تنتج للمجتمع من إعطاء النساء حق الانتخاب وما يتبع ذلك

ص: 22

من شرور تنبعث من الناخبات، وفسوقهن وفجورهن كثير. وعقد فصلاً طويلاً في آراء عظماء الرجال منذ القديم في النساء ورفعة شأنهن، وفي الأبناء والشباب. قال بركليس: إن خير النساء من لا يتحدث الناس في أمرها. وقال موليير: إن النساء أتين العالم لعمل الحساء وإنسال الأولاد، وما عدا ذلك فإنهن يظهرن بمظهر مزعج خطر. وقالت مدام دي منتنون: ما عرفت النساء قط إلا نصف معرفة، والقليل الذي يكتب لهن معرفة يصبحن به متعجرفات هزّاءات مهذارات بعيدات عن الرصانة والرزانة. وقالت الآنسة دي سكودري: إن فتاة تنسى النظر إلى السماء لا تحسن شيئاً على الأرض. وقالت مدام دي دوفان: إن النساء يحرصن على الاضطرابات حتى إن معظمهن يؤثرن البؤس على الراحة. وقالت الآنسة دي لسيناس: متى تعلمت المرأة الإملاء يأخذها العُجب، فالواجب تعليم النساء لا تخريجهن عالمات. وقالت العقيلة دي بوز يولكس: مهما بلغ من خبث الرجل لا يقل في النساء من المقابح أكثر مما يتصورن بأنفسهن. وقالت مدام دي ستال: لما لم يكن في النساء تعمق في نظرهن ولا تسلسل في أفكارهن، كان النبوغ متعذراً عليهن وإذا كتب للنساء أن اتسعت أفكارهن فلا يتم لهن ذلك إلا بألم شديد. وقالت إن مجد المرأة حداد ظاهر على سعادتها

وقال برودون: إن المرأة التي تبتعد عن جنسها تسقط إلى مستوى أنثى مهذارة وقحة كسلانة قذرة خائفة قوادة مسممة، هي طاعون أسرتها والمجتمع. وقال لوكوفيه: إن المرأة الطبية يتقزز منها، والمرأة التي تتولى كتابة الصكوك يضحك منها، والمرأة المحامية يفزع منها. قال: كان أوجست كونت يعرف النساء كثيراً ويغرم بهن كثيراً، ويخالف في تحريرهن، ويعرف أنهن ماعدا القليل منهن جداً لم يخلقن للعمل ولا للحرية ولا لتحمل التبعات

(البقية في العدد القادم)

محمد كرد علي

ص: 23

‌في مقبرة جنوى حيث تتجاور الحياة والموت

للأستاذ فتحي رضوان

الساعة العاشرة في الصباح. . . . . .

وجنوى تشملها شمس إيطاليا الهادئة، ونحن على أبواب مقبرة جنوى

يا عجبي! لم أسمع من قبل أن أجمل ما في مدينة مقبرتها، وأن السياح والراغبين في التفرج عن النفس، والجارين وراء لذائذ العقل والفكر، يهبطون جنوى، فلا يطلبون حدائقها، ولا يقصدون متاحفها، ولا يسألون عن حماماتها أو أسواقها، بل يستحثون الخطى وغايتهم (المقبرة)!!

فأي مقبرة هذه التي يهواها الناس؟ أليست مكاناً اضطجع فيه الناس بعد هذه الرحلة الطويلة التي يقطعونها في الدنيا، بحثاً عن المال، أو هياماً بالجمال، أو عدواً وراء جاه المنصب. . .؟ أما تضم الرفات بعد أن ذاب عنها اللحم الوردي؟ أما تجمع العظام بعد أن تشتتت وانتثرت وانحلت روابطها؟ أما تفوح منها رائحة الذكريات الحزينة: ذكريات الحبيب الذي ترك وراءه قلباً دامياً وعيناً دامعة، وذكريات الولد الذي خلف الأم الولهة، وذكريات الزوج الذي من ورائه أرملة ثكلى. . .؟

أتكون مقبرة جنوى شيئاً يمحو من صدور اليتامى والأيامى والبؤساء والحزانى أحزانهم ويهدئ آلامهم؟ إن تكن كذلك فهي أعجوبة أحْرِ بالناس أن يقصدوها لا ليفرجوا عن أنفسهم برؤيتها، بل ليحملوا إليها كل من فارقهم وكان عندهم عزيزاً، ليشعروا ببرد العزاء وحلاوة السلوان

دلفنا نحو المقبرة؛ ولست أعرف إحساسي وقت أن دنونا من بابها، فقد وقفت بنا السيارة أمام باب ضخم مفتوح على المصاريع، وإلى جانبه حارس؛ فلما اقتربت من الباب نظرت إلى الحارس، وقد حسبت أن طول اقترابه من قبور الموتى جعل له مظهراً خاصاً به، فإذا هو رجل عادي، يرى كل يوم النعوش الرخيصة تتبعها أسر فقيرة، والنعوش الغالية الثمينة، ووراءها الأغنياء الذين يتأنقون في الموت كما يتأنقون في الحياة، والموت يهزأ بهم، وإن كانت الحياة تدللهم!

لقد تعود حارس المقبرة أن يرى أحزان الناس وصور شقائهم، فبردت أعصابه، وتفهت

ص: 24

مآسي الناس عنده، إذ رأى المتباكين الذين لا يحسون بألم، والمفجوعين الذين لا يجدون دمعة يلطفون بها نار صدورهم. . .

ولكن يا ترى ماذا يفعل الحارس إذا أصابه القدر في ابنه أو زوجته أو أمه أو حبيبته؟ أتبقى أعصابه في برودتها، ونفسه في شدتها، ودموعه في تحجرها؟ أم أنه سيفهم آلام الناس من جديد على ضوء النيران المشبوبة في صدره، الملتهبة في قلبه؟

تركنا حارس المقبرة، ورأينا في طريقنا عشرات من الحراس يلبسون على أكتافهم مآزر زرقاً من الصوف، تقيهم برد الشتاء، وتكسبهم وجاهة القواد والوجهاء، وهم يتبخترون في مشية عسكرية وخيلاء، وقد جملوا شواربهم ورفعوها، وحلقوا لحاهم وعطروها، فما عاد هيناً أن تعرف إذا كان هؤلاء حكاماً جاءوا يتنزهون، أم هم أشباح موتى ثقلت عليهم رقدة الموت، فخرجوا يتمشون ويتنفسون. . . إي وربي إنهم أشباح! فالواحد منهم على جلال مظهره، وجمال ملبسه، لا يعدو أن يكون تمثالاً؛ فالأيام تذوب وتدور، وهم في مماشي المقبرة واقفون، يرفعون رؤوسهم إلى السماء، ويخفضونها إلى الأرض، ويضعون خناصرهم وبناصرهم في خواصرهم، لا يشغلهم شاغل! حسبهم من الحياة أنهم وقفوا على أبواب الموت، تاركين وراءهم ضجات الناس وصيحاتهم. . . بل حسبهم من الحياة أنهم يحملون أقل أعبائها، ويرون أصدق حقائقها، فإذا جاءهم بعد ذلك الموت، وجدهم كالموتى، لا أوزار ولا أطماع، ولا ماض يحاسبون عليه؛ ثم وجدهم في المقبرة، يعرفون لحودها ويحفظون حدودها، ويدركون مكانهم اللائق بهم فيها

لقد قسوت على حراس المقبرة! وأحسب أن مظهرهم قد غرني وخدعني. . فكم تخفي الوجوه الهادئة نفوساً ثائرة! وكم يحترق الذين يحسبهم الناس كسالى ونائمين! ومن يدري؟ فلعل أحد هؤلاء الحراس شاب مغامر طاف بالأرض وجازف بالمال القليل الذي كان بين يديه، وبالحياة الغالية التي بين جنبيه، ثم قذف به القدر حارساً لمقبرة، وهو أبعد الناس عن الموت وفكرته، مشغولاً بالحياة ولذتها. . ولكنه يسير كما يسير بقية الحراس، مطرقاً متأملاً، شمخاً، متألهاً، وهو مستغرق في أفكار نفسه وبوده لو يواتيه القدر فينطلق من جديد. . .

لقد طالت وقفتي بحراس المقبرة. . .

ص: 25

هذه هي المقبرة، وقد لاحت من بعيد شواهد القبور، فأفلتت مني ضحكة أعرفها من نفسي كلما جاشت فيها خواطر، واحتدمت ضحكة يحسبها الذين معي أنها استخفاف بالذي أرى أو انصراف عما أرى، وهي ضحكة النفس التي أسأمتها صور الحياة المتشابهة، وقد أفرحها أن ترى الحياة والموت متجاورين، فلا الموت جعل مظهر الحياة عابساً، ولا الحياة جعلت مظهر الموت تافهاً. . . ضحكة الذي رأى الحياة وقد حنت على الموتى، فجملت لهم مساكنهم وزينت لهم حدائقهم، بل ضحكة الذي سره أن يرى مظاهر الحب الإنساني وقد تجسدت تماثيل وشواهد. . بل وقد تضوعت زهوراً وعطوراً. . .

هذه هي مقبرة جنوى. فأي فرحة شملت نفسي! وما بالي أرى الدنيا من حولي ضاحكة؟ هل أستخف أمام الموت بالموت الذي جمع في هذا المكان مئات الألوف من الموتى: صبياناً لم يتجاوزوا العقد الأول من أعمارهم، وفتيات صبايا أرى صورهن على قبورهن فأرى وجوهاً تترقرق بماء الحياة وتفيض بفتنة الأنوثة. . . ورجالاً قصف القدر عمرهم وعلى أكتافهم عبء عمل ناضج؟. . .

الشمس في السماء شمس رحيمة لا تحرق البدن، ولا تلفح الوجه؛ تحف بها السحب، والمكان هادئ لا جلبة حتى ولا بكاء. . وأنا مستغرق في تأملاتي، وأخواني قد سبقوني وأصواتهم تصل إليّ من بعيد! لقد هدأت نفسي، وذابت في أعماقها الضحكة التي كنت أسمعها بإذني صوتاً، ويراها صحبي بشراً. . . ما بال الدموع قد ملأت عيني؟ ما بالي لا أرى شيئاً، ولا أسمع شيئاً. .؟

لقد أفقت على وقع أقدام من بعيد: أقدام تطرق الأرض طرقاً حاداً، ولكنه رفيق. . . عالياً، ولكنه موزون. . فما تحركت ولا تركت مكاني، بل بقيت مسترسلاً في هذه الخواطر التي لم أكن أعرف لونها ولا سرها، لأنها كانت تبدو لتختفي، وتتعارض وتتقابل، وتجتمع وتفترق، وتهدأ وتشتد. . خواطر أشبه بهواجس النائم الذي شغلت ذهنه قبل نومه ألف فكرة، فتحركت جميعاً حينما أغفى

لعلي لمت نفسي وأنا مطرق على قسوتها على الذين أحبوني وأخلصوا الحب، فشغلتني عنهم شواغل الحياة، فتألموا صامتين، وودعوني عند السفر باكين، بل صابرين. . . أو لعلي لمت نفسي إذ رسمت لنفسي طريقاً محفوفاً بالصعاب، فوهنت حيناً، وأغفيت حيناً،

ص: 26

وجدفت وتشككت أحياناً. . ولعلي لمت نفسي لأني أحببت ألوان الجمال جميعاً، فما تغذيت بلون منها، ولا شبعت بها جميعاً. . .

لعلي لم ألم نفسي. . .

اقتربت الأقدام مني، فإذا بشبح أسود يمر سريعاً دون أن أراه. . ولكني أفيق فأتبين في الشبح فتاة تلبس الرداء الأسود الحزين وفي يدهاطاقة ورد، وعلى وجهها مسحة ألم، وهي في مشيتها لا تلقي بالاً لما حولها

هذه الفتاة ليست إلا قصة حزن من قصص الحزن التي سجلها الحفار تمثالاً، والتي سجلها الزمن أجساداً تسير في الدنيا بلا أرواح، مشغولة بالذين راحوا، ولا عودة لهم بعد الرواح. .

تبعتها، ولم أر بعد وجهها، وقد أحسست أن نصف حزنها قد خف ولطف، فقد قاسمتها الهم الذي تنوء من تحته، والألم الذي تشكو من وخزه، والحرمان الذي تبكي لطوله وعنفه. لقد بدت لي هذه الفتاة في ثوبها الأسود، ووشاحها المسدل، وإطراقتها الطويلة، الإنسانية التي تنبعث آلامها من آمالها، فقد تكون هذه الفتاة قد أقبلت لتضع على قبر حبيبها طاقة زهر، أو تنثر فوقه دموع عينيها، وقد كانت بالأمس تمني نفسها أن تكون له ويكون لها. . .

انطلقت الفتاة وكأنها تعدو؛ واخترقت الدهاليز، واجتازت الأبهاء؛ وبعدت عن صحبي، ولعلي بعدت عن نفسي، وخيل إليّ أن الفتاة لا تقصد قبراً، وأن القبور تساوت أمامها فكلها من الحجر الغالي، وكلها منقوش ومصور، وكلها أصم أبكم، بارد جامد لا يلين تحت يد، ولا يلتهب لوقع قبلات المحزونين المكروبين.

أتقودني هذه الفتاة إلى مجهول، أم أن دنيا الأحزان هكذا متسعة، والطريق إليها يطول ويطول. . .؟ ولكن الفتاة لم تلبث أن انحرفت إلى دهليز ضيق، ثم خطت خطوتين، وركعت أمام قبر من الرخام الأسود، ورسمت الصليب، وأغمضت عينيها. . . كان النور ضعيفاً، باهتاً، وكان المكان ساكناً ساكتاً، فابتعدت عنها خطوتين ووقفت أتأملها، ولكن الشمس لم تلبث أن خطت في السماء خطوتين، ثم سقط نورها من نافذة من الزجاج زرقاء، فرأيت هذه الفتاة تمثالاً افتنت فيه يد صانع الطبيعة، فاجتمع فيه ألف معنى، فلو سألتني أهذه الفتاة طفلة تتشبث بصدر أمها، ولم تتجاوز بعد الأعوام الأولى من عمرها، لقلت

ص: 27

(نعم!). ثم لو عدت وسألتني: أهذه الفتاة صبية لاهية تائهة في الدنيا ساهية، لقلت (نعم!). ثم لو رجعت إلى السؤال فقلت: أهذه الفتاة شابة اكتملت أنوثتها، ونضجت فتنتها، لقلت (نعم!) ثم لو ألححت في السؤال فقلت: أهذه الفتاة امرأة أثارت الدنيا شهواتها، ولم تضعف الأيام نزواتها، لقلت (نعم!). ثم لو كان بعد ذلك في مكنتك أن تسأل فقلت: أهذه عجوز شيبت السنون رأسها، وهدت البأساء نفسها، لقلت (نعم!). لقد أطلت النظر إلى وجهها، فرأيت الرجاء والتوسل، والبكاء والتهدم، والاطمئنان والاستسلام، والثورة الجائحة، والشك في رحمة الرحمن. . .

لمست القبر وقبلته، واقتربت منه وعانقته، وأسلمت رأسها وقد انسدل وشاحها على ظهرها، وبدا لي أنها شرقى تطلب ماء لغصة في حلقها، ولكنها رنت إلى السماء بوجهها، فرأيت أنها تطلب من الله ماء العيون. . فلقد تحجرت عيناها فلا بكاء ولا دموع. . .!

انتصبت الفتاة واقفة، ثم رفعت من فوق القبر قنديلاً صغيراً كادت تخبو شمعته إذ أوشك زيته على النفاد، وملأت القنديل بزيت من زجاجة كانت معها فاشتعل القنديل وتوهج، ثم ذهبت إلى الناحية الأخرى من القبر وملأت القنديل الموجود هناك، ثم رفعت طاقة الزهر التي كانت معها فوضعتها على القبر وتمتمت ثم رسمت الصليب وانطلقت وقد زاد وجهها شحوباً، ووقفت حيث كنت متأملاً في نور هذا القنديل، مشفقاً على هذه الإنسانية التي لا تدري كيف تعبر عن حزنها ولا عن ألمها. . . ماذا يفعل هذا النور الخافت في هذا الدهليز الضيق؟ وما الذي يفيده الفقيد الراحل من الزهر المنثور على القبر ومن القنديل ومن تجديد الفتيل. . . إنه ذهب ولن يعود. . . ولكن الحياة لا تعترف بأنها فقدت من الموتى كل شئ، فهي تحدثهم بلغة الأنوار والأزهار، وهي تناجيهم بالتماثيل والتهاويل، وهي تسمعهم الأغاني والتراتيل. . . . أهي تفعل ذلك كله من أجل الموتى؟ أو من أجل نفسها؟ أهي تتشبث بالذين ذهبوا أم تتعلق بالدنيا التي تتجدد وتتطور وتزداد كل يوم جمالاً وافتناناً؟. . . وما أقوى الحياة في بدايتها وما أقواها في نهايتها!

لكن هذه الخواطر الغامضة لا تنتهي، لأن كل شيء في المقبرة يفجر في النفس ينابيع التأمل والاستذكار، فلابد لزائر المقبرة من شيء أو شخص ينتزعه من هواجس نفسه وخواطرها. وقد كان الذي انتزعني دليلاً من إدلاء المقبرة، تقدم إليّ وعلى عينيه مناظر

ص: 28

لامعة، وسألني كم من الوقت أريد أن أقضي في المقبرة. قلت لأصرفه عني:(دقائق قليلة)؛ فقال حسناً. اتبعني. فتبعته وأنا أسائل نفسي ماذا يستطيع أن يقول هذا الدليل وقد تكلمت التماثيل والأحجار، ونطقت القبور والأنوار، وسالت الفجيعة من كل ركن من أركان المقبرة؟ ولكنه قادني إلى تمثال أنيق لراهب وانطلق يذكر صانع التمثال وشهرته، وتاريخه وبدائعه، فأحسست أن الجو الشعري الذي اشتملني قد تبدد أرجه وعطره، وشعرت أنني خرجت إلى دنيا التوافه. . . دنيا الأرقام والإحصاء، الدنيا التي لا ترى فيها إلا مكافحاً في سبيل الرزق، أو مدجلاً من أجل الشهرة، أو مغلوباً على أمره، يبغي البقاء ويخشى أن يدهمه الفناء. . .

قل أيها الدليل كل الذي في جعبتك فإنك لا تهوى الفن ولا تعشقه، وليست هذه التماثيل في حسابك إلا بقدر ما تدخل الجثة المسجاة في سرير في حساب (النادبة) التي تؤجج نيران الأسى في قلوب ذوي الفقيد وهي لا تحس ألماً، بل تنتظر لعويلها ثمناً. مرّ بي على تمثال الجندي الشاب الذي صرع في ميدان القتال فأقامت له أمه نصباً خلدت به ابنها، فأبرز المثال صورته، وقد أصابته الرصاصة في صدره، فوضع يده حيث اخترقته القذيفة ووقفت أمه من ورائه تحنو عليه. . .

مر بي أيها الدليل على تمثال الفتاة التي زفت إلى خطيبها، فماتت في شهر عسلها؛ وعلى تمثال الغواص الذي هبط إلى أعماق البحر ولم يخرج. . .

مر بي أيها الدليل في الدهاليز. . . وأشر بإصبعك إلى القطع البارعة التي أحرقت أعصاب أصحاب الفن قبل أن تبرز إلى الوجود. . . لخص أيها الدليل أجمل معاني الدنيا في عباراتك الباهتة وقل هنا (قبور الأغنياء)، وهنا قبور القرن الماضي، وهنا قبور المتوسطين من الناس. . . كأني جئت هنا لأضع الموتى في مراتبهم الاجتماعية، ولأسأل عن وظائفهم ومقادير ثرواتهم وما حصلوا من مجد، وما لاقوا من عنت. . . قف أيها الدليل أمام أجمل فتنة فنية؛ ثم لا تدعني أتأملها لأنك تحسب أنك قلت لي عنها كل شيء إذ تقول إنها تكلفت أموالاً كثيرة. . .

ولتدخل بي أيها الدليل إلى دهليز طويل، لأرى في جداريه أدراجاً فأحسب أنها أدراج مكتبة وقفها بعض ذوي الثراء على الراغبين في العلم الباحثين عن المعرفة حتى في

ص: 29

المقبرة، ثم قل لي إن في كل درج جثماناً. . . وأن الأدراج امتلأت بالموتى ولم يبق إلا اثنان ينتظران ميتين. . .

إنها لمكتبة حافلة! ولكن من يستطيع فك مغاليقها وفض أختامها؟ واخرج بي أيها الدليل إلى مقبرة الفقراء والمساكين الذين لا يقيمون لموتاهم نصباً ولا تماثيل. ولا تقل لي عدد الموتى ولا أعمارهم. . . فإني هنا في حديقة جميلة غناء، بودي أن أقف فيها والشمس الهادئة تغمرني، والجبل الأشم يطالعني، والموتى الساكنون يغسلون بسذاجة قبورهم نفسي. . .

ولكن قل لي أيها الدليل ما بال هذا القبر يبدو عاطلاً من كل حلية.؟ (نعم يا سيدي لأنه قبر رجل غريب!)

أيتها الإنسانية المسكينة! تشبثي بالفروق، وتأنقي في الموت، وتأنقي في الحياة، وأقيمي لموتى الأغنياء قباباً، واحفري لموتى الفقراء لحوداً، ثم انظري آخر الأمر ماذا بقي لديك في يديك؟ الموتى جميعاً أصبحوا (معروضات) في متحف، يرتزق بالتحدث عنهم دليل جاهل، ويتسلى بالنظر إلى صورهم زائر عابر، ولا تبقى وراءهم إلا عبرة في عين، وحسرة في قلب، وعبرة لمن أراد أن يعتبر!

(جنوى)

فتحي رضوان المحامي

ص: 30

‌قصة المكروب كيف كشفه رجاله

ترجمة الدكتور احمد زكي

وكيل كلية العلوم

بستور والكلب المسعور

وأخذ بستور ورجاله الخلصاء يصوبون مجاهرهم على مواد يستخرجونها من أجسام موتى من الإنسان والحيوان. ماتت بأمراض مختلفة الأجناس بلغت العشرات عداً، وقضوا في هذا ما بين عام 1878 وعام 1880. كان بحثهم في هذه الفترة به شيء من التخليط، وتحسسهم فيها على غير هدى. ثم شاء القدر أو إرادة الله أن تضع تحت أنف بستور طريقة رائعة للتحصين من الأدواء، ذلك التحصين الذي حلم به طويلاً. ليس في استطاعتي أن أؤدي قصة ما جرى في ذلك بالضبط، لأن الذين كتبوا عن بستور اختلفت رواياتهم فيها، ولأن بستور نفسه لم يشر في كتاباته العلمية إلى الذي حدث، ولم يقل قط إن الذي جرى له في ذلك كان حظاً واتفاقاً. ومع هذا فأنا أقصها على أحسن ما أستطيع، وأسد خللها على قدر الإمكان

ففي عام 1880 كان بستور يلهو بتلك المكروبة الصغيرة البالغة الصغر التي تصيب الدجاج فتميته بالداء المعروف بكوليرا الدجاج، وكان الدكتور بيروُنسيتو اكتشفها فوجدها ضئيلة بالغة في الضآلة فلا تُرى المكروسكوب منها غير نقطة صغيرة ترتعد تحت أقوى العدسات، وكان بستور أول باحث استطاع تربيتها نقية، وذلك في حساء صنعه لها من لحم الدجاج، وبعد أن راقب هذه النقطة الراقصة، وهي تتكاثر في هذا الحساء فتبلغ الملايين الكثيرة في الساعات القليلة، قام فأخذ من الحساء قُطيرة فأسقطها على فُتيتة خبز ألقمها دجاجة، فلم تمض ساعات حتى انتهت وقوقة هذا الطائر المنكود ورفض الطعام وانتفش ريشه واستدار فكان ككرة من العِهن. فلما أصبح الصباح جاءه بستور فألفاه يترنح على رجلين ضعيفتين، وعيناه في اغتماض من نوم غامض انقلب سريعاً إلى نوم أبديّ عميق

وقام رو وشمبرلاند على هذه المكروبات الصغيرة يربيانها ويرعيانها تربية الحاضن ورعايتها. فكانا يغمسان عوداً من البلاتين في حساء يعجّ بها، ثم يغمسانه بما حمل من البلل

ص: 31

ويحركانه في حساء جديد خال من الأحياء، فلا يلبث أن يعجّ هذا بالخلائف الجديدة من ذلك المكروب. وقاما على هذا يوماً من بعد يوم، ويكثرون من القليل الذي على العود البليل العدد الهائل الكبير من هذه المكروبات، حتى ازدحمت مناضد المعمل بزريعات متروكة قديمة بلغت أعمار بعضها أسابيع كثيرة، وتفكر بستور فيها فقال:(غداً نُنحّي كل هذا الركام وننظف المناضد)

وهنا جاء الحظ يهمس في إذن بستور، فما كان من صاحبنا أن غيّر رأيه، فقال لرو:(نحن نعرف أن مكروب كوليرا الدجاج لا يزال حياً في هذه القبابة. . . نعم إنه قديم، فقد تركناه في مكانه بضعة أسابيع. . . ولكن برغم هذا أرى أن تحقن قطرات قليلة منه في بعض الدجاج. . .)

وأنفذ رو ما سأله بستور، وإذا بالدجاجات يجيئها المرض فيذهب عنها المرح والخفة والنشاط، وتهوّم كأنها تطلب النعاس. وأصبح الصباح فأتى بستور يطلبها في المعمل لتشريحها وفحصها مؤقتاً أنها لاشك ماتت كالعادة، فإذا بها تجري على عينه هنيئة سعيدة. قال بستور:(هذا عجيب إن المكروب من زريعاتنا كان قبل الآن يحقن في العشرين دجاجة فتموت العشرون كلها، أما هذه. . .!) على إنه لم يكن قدّر لبستور في هذا اليوم أن يكشف كشفه الخطير المنظور؛ ففي الغد قام هو وأسرته ورو وشمبرلاند لقضاء عطلة الصيف، وقبل سفره أودع الدجاجات التي برِئت ذمة حارس المعمل ونسي أمرها

وعاد بستور من سفره. وذات يوم طلب إلى خادم المعمل أن يحمل إليه بعض الدجاج الصحيح الجديد، وأن يجهزه للحقن، قال الخادم:(ولكن يا سيد بستور لم يبق من دجاجنا الجديد الذي لم يحقن غير زوج أو زوجين، أما البقية فأنت تذكر إنك حقنتها قبل سفرك بمكروب من زريعات قديمة فمرضت ولكنها لم تمت). فتسخط بستور على الخدم الذين يهملون فلا يحتفظون بوفرة من الدجاج لتكون دائماً كافية حاضرة، ثم قال:(إذن فأحضر ما عندك من دجاج جديد، وزوّدنا كذلك بزوج أو اثنين من الذي حقناه فأبى أن يموت. . .)

وأحضرت الدجاجات وهي تملأ الجو صياحاً، فضرب أحد الأعوان محقنه في عضلات صدورها بملايين المكروب في صدور تلك التي كانت حقنت من قبل، وكذلك في صدور الجديدات، ومضى النهار؛ وأصبح صباح الغد، فأقبل رو وشمبرلاند إلى المعمل، وبينما

ص: 32

هما يدخلان سمعا صوت بستور خافتاً يأتي من تحت السلم من بيت الدجاج وهو يصيح بهما: (رو! شمبرلاند! انزلا إليّ وأسرعا!) وكان بستور يسبقهما دائماً إلى المعمل بساعة أو نحوها

ونزلا إليه فوجدا أمام الأقفاص يذرع الأرض بخطواته. فقال لهما: (انظرا! إن الدجاج الجديد الذي حقناه أمس مات. وكان يجب أن يموت. ثم انظرا إلى هذا الدجاج القديم الذي كنا حقناه من شهر مضى، فمرض ثم طاب، هذا الدجاج أخذ بالأمس نفس الحقنة القاتلة التي أخذها ذلك الدجاج الجديد، ولكنه لم يمت. . . لقد قاوم فعل الحقنة أتمّ مقاومة، إنه فرح مرح. . . إنه يأكل!)

فاختبل رو وشمبرلاند، وانبهم عليهما الأمر حيناً. فقال بستور:(ألا تدركان مغزى هذا؟ مغزاه أني وجدت كل ما أردت! لقد وجدت الآن كيف أعطي الداء قليلاً إلى الحيوان - قليلاً بحيث يمرضه ولا يميته فيشفى وشيكاً. . وكل الذي علينا أن نعمله هو أن ندع هذه المكروبات الحادة القاسية تشيخ في زجاجاتها. بدل أن نستخرج منها بالزرع أنسالاً كل يوم. . . إن المكروبات تَقدُم فتشيخ فتهدأ حدتها، وتضعف ثورتها، فإذا أنت حقنتها في الحيوان أعطته مرض الكوليرا، ولكن بعضاً قليلاً منه لا كله، فإذا طاب استطاع بعد ذلك أن يصمد لأخبث مكروب في العالم. . . فإنما تريان أن فرصتنا في هذا عظيمة؛ وأن هذا أخطر اكتشافاتي، هذا اللقاح الذي كشفت، وهو أكثر تأكدا من لقاح الجُدري وأكثر منه حظاً من العلم، فالجدري لم ير أحد له جرثومة. . . فهيا بنا نطبق هذا على داء الجمرة. . . وعلى كل الأدواء الخبيثة. . . ونخلّص حياة الإنسان والحيوان!)

- 3 -

لقد كان الذي وجده بستور مصادفة واتفاقاً، فلم يكن من تدبير العقل الإنساني. ومع هذا فلو أن رجلاً دون بستور قدراً وقع على الذي وقع عليه لقضى السنين الطويلة يحاول تفسير هذه الظاهرة الخفية لنفسه دون أن يأتي أمراً مذكوراً، أما بستور فما كاد يقع اتفاقاً على حماية دجاجتين حقيرتين من جرثومة قتالة حتى رأى في هذا فرصة سانحة عظمى لحماية بني الإنسان من الموت، فابتدع عقله الوثاب طريقة جديدة يختل بها الطبيعة التي شاءت أن يستسلم بنو الناس كلما هبت عليهم تلك بالعداء أحياؤها الصغيرة

ص: 33

كان بستور بلغ الثامنة والخمسين من عمره، فلم يبق فيه من الشباب بقية. ولكن هذا اللقاح الجديد الذي اكتشفه بغير قصد فنجا به الدجاج من الكوليرا، هذا اللقاح نفخ في جمرة حياته فاستعرت، فعاش من بعد ذلك ست سنوات هي أملأ سنواته بالحركة وأشدها احتداماً بالحياة، سنوات امتلأت بحجاج شنيع، وانخذال فظيع، ونصر غير منظور. في هذه السنوات الست صب بستور من الطاقة ما يصبه مائة رجل، وأحدث فيها من الحوادث ما يحدثه هذا العدد من الرجال متظاهرين

وقام بستور وصاحباه يؤكدون أمر هذا اللقاح، فتركوا مكروباً للكوليرا يقدُم في حسائه وزجاجته، فلما ضعفت شرته حقنوه في عشرات من الدجاج الصحيح، فمرضت سريعاً، واشتفت سريعاً؛ وبعد أيام قلائل حقنوها بذريعة خبيثة من المكروب نفسه تكفي لقتل العدد الوفير من الدجاج الصحيح الذي لم يحقن بعد، وأخذ ثلاثتهم يرقبون هذا الدجاج تياهين معجبين باحتماله تلك الملايين من المكروبات وصموده الغريب لها

هكذا أغرى بستور بذكائه مكروباً بمكروب. بدأ بتأنيسه، فلما تم له ذلك حشده وسلطه بأسلوبه الغريب على مكروب من جنسه

ولو أنه لم يكن عندئذ فعل ذلك في غير مكروب كوليرا الدجاج، فقد اندفع على عهده في غطرسته وتعجرفه على الأطباء، وفي حملته على آرائهم العتيقة، وهزئ برطانتهم اللاتينية، وسخر بوصفات جرّت بها أقلامهم على الورق سريعة كالبرق الخاطف، وانعقدت الجمعية الطبية فقام يخبر الأطباء في أدب جم أن لقاح الدجاج الذي كشفه يفوق كثيراً لقاح الجدري الخالد الذي كشفه يينار قال لهم:(فأنا الآن قد دللت على لم يكن يينار ليستطيع التدليل عليه، وذلك أن المكروب الذي يقتل الحيوان هو نفسه الذي يقيه من الموت!)

وضجر الأطباء ذوو الآراء القديمة والأزرّة الزرقاء ببستور أن نصّب نفسه إماماً ليينار العظيم. وقام الدكتور جول جيران يسخر من بستور أن أثار هذه الثائرة كلها من أجل تخبيص في دجاج - واستمرت الحرب في استعارها. وقام بستور في غضبة ثائرة، وأعلن على رؤوس الأشهاد رأيه في سخافة إحدى العمليات الجراحية التي يقوم بها جيران ويُعجب ويُغرم بها. فتلا ذلك منظر من أقبح المناظر وأفضحها يسوؤني أن أصفه وتضيق نفسي لاضطراري لذكره. نهض جيران من مقعده، وكان شيخاً في الثمانين من عمره،

ص: 34

وأراد أن ينقض على بستور ذي الستين، وما كاد يفعل حتى صوب إليه لكمة، ولكن تدخل بينهما الأصحاب فمنعوا اشتباك هذين الشيخين اللذين حسبا أن الحقيقة تظهر باللكم والرفس وبكسر العظام وخمش الوجوه

وفي الغد أرسل جيران العتيق شاهديه إلى بستور يتحداه إلى المبارزة. ولكن يظهر أن بستور لم يشأ أن يخاطر بحياته وأن يموت على هذا النحو، فأعطى صديقَي جيران رسالة يحملانها إلى كاتب الأكاديمية، وقال فيها:(لم يبق لي الواجب من سبيل أسلكها إلا أن أعرب عن استعدادي إلى تغيير كل ما قلته فيما يرى المحررون أني خرجت به عن حدود النقد المباح والدفاع المعقول عن النفس). وبذلك هرب بستور من النزال فأثبت مرة أخرى أنه إنسان ولو فاته أن يكون ما نسميه في العادة رجلاً

(يتبع)

احمد زكي

ص: 35

لفكتور هوجو

ترجمة السيد فؤاد نور الدين

وا حسرتاه! ما أكثر ما رأيت من غادات هصرتهن يد المنون!

هذه سنة القدر! الفريسة ينتظرها الهلاك،

والعشب تنتظره المناجل المشحوذة القاطعة،

والزهور توطأ تحت أقدام الراقصين الناعمين في الحفلات،

والماء ينفد من وديانه، والبرق لا يومض إلا قليلاً،

وأبريل الحسود يحرق بصقيعه أشجار التفاح المزهوة ذات الأزاهير الفواحة، التي تتساقط كأنها ثلج الربيع.

نعم، هذه سنة الحياة. يعقب الليل الشاحب النهار الضاحك. وتعقب اليقظة كل شئ، إما في النعيم وإما في الجحيم.

ويلتف المدعوون الجشعون حول المائدة الكبيرة،

إلا أن كثيراً منهم يهجرونها قبل نهاية الطعام

- 2 -

ما أكثر ما رأيت من غادات يمُتن! إحداهن وردية اللون بيضاء البشرة؛ وأخرى كأنها لم تنصت إلا للألحان السماوية؛ وأخرى ناحلة قد أسندت جبينها المحنّى على ذراعها؛ ثم فارقتها الروح كما يفارق العصفور غصن الدّوح وفنن الروض

إحداهن شاحبة ضالة، استولى عليها الهذيان فما تنطق إلا اسماً لا يدّ كره أحد، وثانية تفنى كما يفنى النشيد على الأوتار، وثالثة كانت تحتفظ بابتسامة الملاك الجميل الرحيم، لما لفظت نفسها الأخير

فما أشبههن جميعاً بالزهور المرتجفة التي أعجلها القدر إلى الموت!

وبالطيور الحائمة التي غمرتها الأمواه مع أعشاشها الطافية!

وبالحمائم الوديعة اللطيفة التي وهبها الله العالم!

ص: 36

فوا لهف نفسي عليهن! طواهن الثرى في غياهبه، وما قضيْن بعد من العمر لبانة!

دعوني أتيه في ظلمات الغاب الدامسة، وأطأ بأقدامي أوراق الشجر اليابسة، فأنا لا أصدق أن جميع هؤلاء الفتيات الساحرات قد متن، وذوت نضرتهن وخمدت أصواتهن؛ ولا أكاد أصدق أن هذه المشاعل البراقة قد خبت أنوارها، وتلك الورود الزاهية قد هصرت أعوادها

ما نفسي إلا أخت لهذه الطيوف الجميلة، أما الحياة والموت فلا يفصلهما فاصل ولا قانون

فأنا طوراً أساعد خطواتهن وطوراً آخذ أجنحتهن فأموت مثلهن أو يعشن مثلي في رؤى عجيبة لا توصف

وتلبس أفكاري أشكالهن وصورهن ويخاطبنني قائلات: تعال!

ثم يتراقصن متشابكات مترابطات حول رموسهن ويتوارين عن عياني بهوادة، لا يخلفن لي غير الحلم والذكرى

- 3 -

إنما أذكر منهن واحدة أسبانية: ملاك غض الصبى؛ أبيض اليدين. قد رفعت النهدين وعقدتهما زفرات بريئة. العين حوراء تلمع فيها نظرات فتنة وسحر

والجمال مجهول أمره، هذا الجمال الذي يتوج بهالة من النور والضياء جبين من بلغت الخامس عشر ربيعاً.

لم يقض الحب عليها، فالحب لم تخطر بعد لذائذه ومعاركه في فؤادها العاصي بالرغم من هتاف الناس عند مرورها: ما أجملها! كانت تهوى الرقص وهذا الرقص قضى عليها

فرفاتها لا يزال يرتعش رعشة الهدوء والسكون كلما رقصت حول كوكب السماء في الليلة المصحية غيمة بيضاء

كانت تعشق الرقص أشد العشق، وكانت تظل قبل كل حفلة ثلاثة أيام ولياليها تفكر فيه وترى من أجله أحلاماً زاهية، وترى نسوة وعازفين وراقصين كلهم يحفون بها

وترى الحلي اللامعة، والعقود الساطعة، وهذه النسائج الرقيقة الناعمة، وتلك النفائس البراقة المتلألئة، وهذه الشرائط الخفيفة التي تشبه أجنحة النحل اللطيفة: كلها وزهور وورود كانت تملأ في الحلم عينيها وتسحر نفسها

فإذا كانت الحفلة، ألفيتها لاهية ضاحكة مع رفيقاتها، تقبل حيناً وتدبر حيناً في المخامل

ص: 37

الحريرية

والمروحة بين أصابعها تضغط عليها والألحان المرحة تنتشر من حنجرتها

فتوافقت الموسيقى الصادحة ونغمات البيانة السابحة

لله ما أبهج النفس التي تتمتع برؤية هذه الكاعب ترقص وتزهو!

ثوبها يهتز بنجومه المتلألئة اللازوردية، وعيناها السوداوان النجلاوان تلمعان تحت خمارها الحريري الرقيق لمعان نجمتين تضيئان على جبين الليل من خلف سحابة مظلمة

كل ما كان يكمن فيها كان رقصاً ضحوكاً ومرحاً متوثباً.

ما أشبهها بالطفل! - كنا نبتهج بالنظر إليها في دعتنا الكئيبة؛ لأن القلب لا يجد متعة في الرقص فحسب، فالرماد يعلو حول الألبسة الحريرية

والسأم يظهر وسط اللذائذ السماوية

أما هي فكان الرقص يهيجها ويثيرها، وكانت تحلق - وهي نشوى بنفحات القيثارة الفخور - في فضاء من الحبور، وفي جو من السرور

وكانت الزهور الجميلة، ومصابيح الذهب المتوهجة، وجلبة الأصوات المرتفعة، وضجيج الخطوات المنتقلة، تستهويها وتلذها

ما أسعدها وهي تثب وسط الجمع، كأن مشاعرها تضاعفت وازدادت ونمت!

فلا تدري حينذاك أتتدحرج خلال السحب، أم تصطاد خلال الغاب، أم تطأ بأقدامها أمواج البحار؟

وا حسرتاه! إذا ما قرب انبثاق الفجر وجبت العودة إلى القصر

وهنا تضطر الراقصة الساذجة إلى الوقوف على عتبة الباب منتظرة المعطف

وهنا تحس وهي ترتجف أن نسيم الصباح الندي يلامس كتفها العاري الفضيّ

فيعقب الغد الحزين واليوم الكئيب ليلة الرقص الهائجة!

وداعاً أيتها الرقصات الصبيانية، وداعاً أيتها الزينة؛

أيتها الحفلات الجميلة، أيتها الأغاني العذبة، واللذائذ الحلوة، والعيون المشرقة!

فلقد خلفتكنّ جميعاً عيون منطفئة، وأدواء معضلة

- 4 -

ص: 38

ماتت فتاتنا - وما جاوزت ربيع الخامسة عشرة من عمرها!

ماتت في وفرة شبابها، وروعة جمالها، بين نظرات تعبدها، وعيون تقدسها

ماتت على أثر خروجها من حفلة راقصة، فتفتت أكبادنا حسرة عليها؛ ولبسنا لباس الحداد من أجلها

ماتت وا أسفاه! بين ذراعي أم ضاع صوابها وغاب رشادها،

لم يرحمها الموت فانتزعها انتزاعاً بيديه الباردتين لكي يضعها في القبر، وهي ما تزال في أهبة لحضور حفلات تالية

لله ما أسرع الموت في اختطاف تماثيل الجمال!

أما تلك الزهور التي كانت تزين بالأمس رأسها، وتتفتح أكمامها على صدرها، فلقد ذبلت في الرمس، قبل أن تنشد فتاتنا نشيد الهوى والعرس

- 5 -

وا رحمة لأمها التاعسة! إنها تجهل حظها العاثر

تلك الأم التي أضمرت لابنتها من الحب والحنان شيئاً عظيماً؛

ألم ترع طفولتها الشاكية الحزينة؟

ألم تقض لياليها ساهرة تهدهد لها المهد لتغفو وتنام؟

رحماك رب! لم يفدها ذلك.

فالفتاة ماتت، وهي ترقد الآن في تابوتها القاتم شاحبة اللون، كاسفة الوجه، فريسة للحشرات والديدان

فإذا ما أيقظتها في ليلة جميلة من ليالي الشتاء حفلة خاصة بالموتى، تقدم إليها - ليتولى أمر زينتها - شبح رهيب ذو ضحكة مروعة

فيقول لها: هلمي حان وقت الرقص!

ويطبع على شفتها البنفسجية قبلة باردة جليدية، ويمر أصابعه العقداء، أصابع هيكل عظمي، على خصلات شعرها الطويلة المتموجة، ثم يسوقها مرتجفة مهتزة، إلى الرقص النادب المشؤوم، إلى تلك الموسيقى الجوية المتصاعدة في الظلام، حيث يكون القمر في

ص: 39

الأفق القاتم شاحباً عريضاً، وقوس قزح مصبوغاً ببريق الياقوت والعسجد، وتكون الغيوم ذوات أهداب من لجين

- 6 -

يا أيتها الفتيات اللواتي تشوقهن ملاهي الرقص الضاحك!

لا تنسين تلك البنت الأسبانية التي انطفأت شعلتها إلى غير عودة! ولا تنسين أنها كانت تنتقل من حفلة إلى حفلة باشة فرحة، فتقتطف بيد مسحورة، أزاهير العمر العبقة، وتكسب روحها لذائذ الحياة الطاهرة، وتملأ عينها بزاهي الألوان الساحرة

على إنها مضت إلى عتبات الموت سريعاً، فقضت كما قضت أوفيليا التي جرفها السيل وهي تقطف الورد والزهور، فراحت غريضة الشباب والجمال في ظلمات القبور

حلب

فؤاد نور الدين

معلم الترجمة بمدرسة الزهراء النسائية

ص: 40

‌فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

27 -

تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا

الناحية الإيجابية من مذهب نيتشه

السوبرمان أو الإنسان الأعلى

للأستاذ خليل هنداوي

- 1 -

إن أوربا الحاضرة قد انسل إليها الداء، ترى فيها حيث نظرت مظاهر العلة والانحطاط. فكأن نصباً بالغاً حل على الإنسان فكبّل قواه وأضوي عزمه. وهو بعد أن قطع سبيله من دودة أرضية إلى قرد، ومن قرد إلى إنسان أصبح يجنح في هذه الساعة إلى راحة بعد هذا التطور الذي شقي فيه. لا يحفل إذا كانت الراحة في الوقوف أو في الموت، وهنالك مذاهب كثيرة تتعلق بأطراف ثوبه تغريه بعوامل جميلة وآفاق مطرزة. هذا يعده بالمساواة المطلقة، وهذا يعده بحياة ما أجمل أفقها! المذهب الديموقراطي مذهب منحط في الجماعات، ومذهب ديانة الألم هو مذهب الضعفاء. وأولئك الشكوكيون الناقمون المارقون الذين ألفوا (مثوى) لهم عند زرادشت، هم منحطون يتألمون من وجودهم، ويكادون يختنقون سأماً من أنفسهم واحتقاراً لها كلما وقعت أنظارهم على الإنسان الحاضر

أليس هذا هو الإنسان المتشائم الإلهي الذي ينطق بمواعظ الموت قائلاً: (كل شيء باطل الأباطيل)(لا شيء يجدي! السعي باطل). (لا جزائر سعيدة وراء المحيط)!. هنالك متشائمون كثيرون أووا إلى كهف زرادشت، منهم الملكان اللذان هجرا مملكتهما لأنهما لم يخلقا أول الرجال، والآن يريدان ألا يأمرا ولا ينهيا أحداً. وهنالك العالم الذي يعكس صور الأشياء، ويضحي بحياته ابتغاء أن يدرس دماغ علَقة. وهنالك الساحر المشعوذ الذي يعبث كثيراً بحقائق الأشياء ويخدع كل الناس دون أن تجوز عليه خدعة. ثم يتحرى - وقلبه مفعم سأماً وكآبة - عن مجد مشروع صحيح. وهنالك (البابا الأخير) من لم يستطع أن يجد لنفسه عزاء عن موت الإله. وهنالك أقبح الرجال، قاتل الإله، لأن الإله خنق إشفاقه على

ص: 41

بؤس الناس وشقائهم. وهنالك السائل الذي مقت الإنسان المتمدن، يتحرى إزاء قطعان البقر السارحة في المروج، يتحرى عن السعادة. وهنالك الشكوكي الذي قذف به جموح عقله إلى إضاعة نفسه، فضل وغوى وانطلق - بدون أمل - يسبح في أرجاء الوجود. كل هؤلاء يئنون من داء عميق يحز في قلوبهم حزاً. فهم يطوفون في الآفاق وقد أخذ القلق منهم كل مأخذ. فالناس وكل ما يؤمن به الناس من السعادة لا يزيدهم إلا سأماً. فهم أمسوا ولا إيمان لهم بكل الرموز التي يقدس الشعب ألفاظها ومعانيها. فلا ما وصلت إليه المادة بمغنيهم نفعاً، ولا الإيمان بالمثل الأعلى يغمر قلوبهم، فماذا يجب على الإنسانية إذاً أمام هذه الهاوية؟ فهل تقف مشيها وتطلب نفي الحياة وتنشد العدمية؟

يجيب نيتشه: لا! لأن الانحطاط لا يؤول إلى العدم، بل قد يكون الانحطاط بشائر حياة جديدة وعافية قوية، وإن مما لا ريب فيه أنه لا يمكن الرجوع بالإنسانية إلى الوراء. (يجب الإقدام، الإقدام إلى أمام. . . تقدموا رويداً رويداً في الانحطاط، وكما أن أوراق الأشجار تصفر في الخريف وتتناثر على الحضيض، كذلك الانحطاط قد يكون طليعة سلالة جديدة، والإنسانية تهب باحتضارها حياة سامية، إن الإنسانية تتمخض وتتألم من أوجاع الولادة؛ ولذلك لم يحمل زرادشت تعاسة الرجال السامين إذ يعتقد بأن الإنسان ينبغي له أن يتألم كثيراً ليستطيع الوثوب على القمم العالية. أن شقاء الرجال السامين وسأمهم من الناس ومن أنفسهم ضروريان، ليصرفاهم إلى المواطن العالية وليزيداهم جرأة وإقداماً على الوثوب. وإذا كان هؤلاء الرجال السامون هم بأنفسهم نماذج ناقصة للإنسانية فما همّ ذلك؟ يجب أن يكون هنالك انحطاط ونقص حتى يجيء النموذج كاملاً من كل وجه. إن الإنسان السامي هو كالإناء، يتهيأ فيه مستقبل الإنسانية، وفيه تتألف وتتجاذب وتعمل كل الجذور التي ستظهر يوماً لمعانقة أشعة الشمس، على أن أكثر من إناء واحد ووعاء واحد بين هذه الأوعية سيتصدع وسيتحطم! ولكن ما هم ذلك؟ أإذا ساءت ولادة فرد ما فهل ساءت الإنسانية كلها؟ وإذا ساءت ولادة الإنسانية كلها فما هم ذلك؟ إن الإنسان خاضع لهذا التشبيه الذي فرضه نيتشه. (إن الإنسان هو حبل ممدود بين الحيوان والسوبرمان، ليس الإنسان بغاية، إنما الإنسان مجاز وممر، وليفن الإنسان في سبيل حياة السوبرمان). يقول زرادشت للشعب الحاشد حوله:

ص: 42

(إني أعلمكم السوبرمان؛ الإنسان يجب أن يفوق الإنسان! ماذا فعلتم لتفوقوا الإنسان؟

كل الكائنات سارت في طريق الإبداع إلى ما هو أسمى: وأنتم يا بني الإنسان شئتم أن تكونوا من الموجة جزرها لا مدها، بل آثرتم العودة إلى الإنسانية على السمو فوق الإنسانية

ما هو الفرد في عين الإنسان؟ إنه لخزي وعار. وهذا ما يجب أن يكون الإنسان في عين السوبرمان: خزي وعار. ها إنني أعلمكم السوبرمان:

إنه هو ابن الأرض، فلتقل إرادتكم، بلى. ليكن السوبرمان ابن الأرض)!

- 2 -

من هو السوبرمان؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يكونه؟ يمكننا تحديد السوبرمان بأنه هو الإنسان الذي يصرف عن نفسه كل التقاليد الموروثة من مذاهب وشرائع سارية في جسد أوربا. يصرفها عن نفسه ليعود إلى تقاليد وضعها رجال نبلاء وأسياد خلقوا بأنفسهم هذه القيم ولم يقتبسوها من غير أنفسهم. وليس معنى ذلك أن نعود بالإنسان إلى الوراء - إلى عصر الوحشية - وإنما نريد من الإنسان أن يبقى محتفظاً بمعارفه وبتجاربه التي شقي فيها أدهاراً طويلة. . . ولكنه يجب عليه أن يحطم مجموعة التقاليد والشرائع التي تعوق سيره وتحول بينه وبين التقدم المنشود

إن الإنسان بذهابه من الوجود يفتح الطريق للسوبرمان. وما أشبه هذا الاجتياز بالحركة التي تولد الرجل الزاهد عند (شوبنهاور). يعتقد المتشائم الكبير بأن الألم قد يقود الإنسان إلى الانعتاق من إرادته الشخصية، ويسير به إلى الانتحار في النهاية. ولكن هذا لا يغني وحده في نقله، وإنما لا ينبغي له إذا أراد الخلاص أن يقنع بالتنازل عن حياته الخاصة التي يحرزها، بل أن يتنازل عن الحياة عامة، وبهذا الثمن يستطيع أن يحس بالهدوء. أما عند نيتشه فإن الألم هو الواخز الذي يخز الإنسان فيقوده إلى السلام. إن الإنسان يتألم من كل شيء ذاتي، فيدرك السآمة الحادة الفاشية في نفسه، وهذه السآمة هي التي تسوقه إلى طلب الزهد والتشاؤم. وهذه هي حالة الرجال السامين الذين جمع بينهم (زرادشت) في كهفه. ولكن النبي يعظهم قائلاً لهم (إنكم لم تبلغوا في الألم الدرجة التي أريدها. لأنكم ما زلتم تتألمون من حالتكم وما أنتم عليه. إنكم لم تتألموا من حالة الإنسان الحاضر!) فإذا بلغ

ص: 43

الإنسان هذه الدرجة البالغة من الشقاء والسأم توارى وأباد نفسه تاركاً الأرض للسوبرمان. إن التشاؤم الحاد العنيف هو الذي سيولد التفاؤل الظافر

(يتبع)

خليل هنداوي

ص: 44

‌أشبعوا غيرهم وباتوا جياعا!

للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي

إن مَن كدّوا يزرعون البقاعا

أشبعوا غيرهم وباتوا جياعا

ربحَ المالكون للأرض غصباً

ومضى كدُّ الزارعين ضَياعا

يُفقِرُ الدهرُ ألفَ بيتٍ ليغني

واحداً من أفراده جمّاعا

لا ترى بين أوَّليهم ثرياً

كانزاً للأموال أو منّاعا

ومن العدل أن يكون نتاج ال

أرض بين المستثمرين مشاعا

إن بين الحق المحصحِصِ والبا

طل منذ الدهر القديم نزاعا

والآلي قد حسبتَهم بَشَرَاً إن

ظفروا كانوا أذؤباً وضباعا

عرفتكم عيونُ من أبصروكم

لو رفعتم عن الوجوه القناعا

وعسى أن يغير الله ربُّ الن

اس في القوم الظالمين الطّباعا

رضى العاملون بالوهد مأوىً

وأبى المالكون إلا اليفاعا

أفريقٌ يفوز بالعيش رغداً

وفريقٌ يكابد الأوجاعا

إنما الدين وهو أكبر هادٍ

لا يراعي الألوانَ والأوضاعا

وكتاب الله العظيم يساوي

بين من كانوا سادة ورعاعا

ما بكم من جبن ولكنكم لم

تستطيعوا عن الحقوق الدفاعا

مشهد يملأ العيونَ دموعا

وأحاديث تجرح الأسماعا

إن للباطل الذميم لأشيا

عاً وللحق لا ترى أشياعا

يتنزى قلبي الجريح بصدري

موشِكاً أن يحطم الأضلاعا

وإذا الأرض زُلزلت فترقّب

أن تكون الوهاد منها تِلاعا

إنما الآمر الذي يُلزم الأحَ

رارَ بالإثم لا يكون مطاعا

أيها العدل أنت شمسٌ فأرسل

لعيونٍ تبغي الضياَء شعاعا

لقد امتاز بالشجاعة ناس

صارعوا الفقرَ يحسنون الصراعا

والذي كان في الحياة قوياً

كال للمعتدين بالصاع صاعا

وإذا لم ترهف حسامك للذو

د فأَرهف إذا استطعت اليراعا

ص: 45

أيها المبتغي انتحاراً تأخر

فمن الجبن أن تكون شجاعا

بئس قلباً ما كان بالصادق الودّ

وعقلاً ما إن يجيد الخداعا

وإذا ما أتت صر وف الليالي

فهي تأتي بالرغم عنك تباعا

أيها القوم إن أردتم لحاقا

بالألى أَبْعَدُوا فكونوا سراعا

إنني قد دعوتكم للذي في

هـ لكم خير إن أردتم سماعا

فسلاماً إذا رضيتم سلاما

ووداعاً إذا أبيتم وداعا

لا يرى مشرق السعادة رحباً

غيرُ من كان للعُلا طلاّعا

رُبّ أرضٍ تشكو الصدى وسماءٍ

لا ترى فيها كوكباً لمّاعا

كبرت جرأتي فجئت بشعر

أنا فيه أخالف الاجماعا

حاسباً أن ما بنيتُ جدار

ليس في الظن أنه يتداعى

(بغداد)

جميل صدقي الزهاوي

ص: 46

‌الغابة

للأستاذ عبد الرحمن شكري

قد حكيت الآباد كالبحر والصح

راء من طول أرضك الشجْرَاءِ

وحجبت الأفق البعيد عن الطر

ف فأنسيت منتهى الأشياء

فكأْنْ لا مَدَى لدوحك يرجى

حين تُدْحَى مطارح الغبراء

ورياح تشدو على ورق الدو

ح بألحانِ شدة أو رخاء

منطق لم يدع لنفس شجوناً

لا يُحاكى صفاتها في الغناء

ثم تبدو الغصون في هدأة الري

ح كنايٍ معلق بالهواء

وكأني أصغي إلى غابر الده

ر وما كان فيك من أرزاء

وكأن المساء ظلَّل دوحاً

يتسامى ولات حين مساء

وكأن الظلام دس كميناً

رابضاً في آجامك الدكناء

خطرت في ظلام دوحك أروا

ح وناجت مسامع القدماء

لبث القوم فيك دهراً فناجا

هم سِرارُ الفنون بالإيحاء

عُمُداً شيَّدوا وسقفاً كَبَهْوٍ

واستمدوا من غابة وسماء

حين شادوا للدين بيْعة إيما

نٍ تبدت كالغابة اللّفْاءِ

صرتِ ملهى وكنت غيلا مخوفا

وملاذ اللصوص والطرداء

وارتضيت الأمان من بعد ذعر

لم يزل في المدينة الشماء

غابة شادها ابن آدم نزلا

دوحها من قصورها الزهراء

ربما عرّشت وضاقت فلا شم

س لديها ولا مراح الهواء

ومَخُوفٍ من الفجاءة فيها

كمخوف في الغابة القتماء

واحتيال ليُقْنَصَ الرزقُ والصي

دُ سواء في مكرة كسواء

كم وحيد لا يعرف الأنس فيها

أصبحت نفسه كقفرٍ خلاء

ضاق ذرعاً بنفسه فغدا ين

شد طباً في معرض الأحياء

عذبته لو احظ الشمس حتى

أخذته لوا عج الظلماء

وأفاعٍ في دورها وقرود

ووحوش - من ناسها بالعَرَاء

ص: 47

وغريب ومعدم وطريد

قد عداه حتى خداع الرجاء

فكأنَّ الأقوام لم يخرجوا من

ك ولا زال عهدك المتنائي

سُنَّةٌ قد سننتها في نفوس

إنْ دعتها كانت جواب النداء

عبد الرحمن شكري

ص: 48

‌تحية يا شباب!

للأستاذ إبراهيم إبراهيم علي

دعنا نحييكَ يا شبابْ!

تحيةَ المعجَب الفخورْ

ونجمع الأهل والصحاب

نطرب في غمرة الشعور

أنت مجيبٌ ومستجاب

وأنت نار بها نور

دعنا نحييك يا شباب

تحية العاجزِ المدين

لآخذي النصر باليمين

تحيةً يا شبابَ مصرا

يا فتيةَ النيل يا جنود

وذخرنا إن عدمتِ ذخراً

يا مصر في ذلك الوجود

يا فيضة النيل بعد أخرى

تمضي، ولكنها تعود

دعنا نحييك يا شباب

تحية العُرف للأمين

وفاتحي فتحها المبين

تحيةً للدم الصبيبِ

إلى الردى. أو إلى الحياه

يجري هنا من فتىً حبيبِ

أو يخضب الوجه من فتاه

في ساحة الملتقى العصيبِ

شلت من المعتدي يداه!!

دعنا نحييك يا شباب

يا ضاربَ الشك باليقين

وقاطعاً ذلك الوتين

وفادياً مصر بالغوالي

وبالأمانِيِّ، والرجاء

وخائض النار والعوالي

لتستوي مصر في العلاء

لا بغيةَّ الجاه، أو لمال

لكنها نفحة السماء

دعنا نحييك يا شباب

يا فاتح الصدر للمنون

وباذلاً كل ما يكون

المجد! يا غبطةَ الضمير

والمجدُ لله والبلاد

وشعلةَ الروح في الصدور

ورفعةَ الرأس بالجهاد

ونشوةَ المدمع الغزير

وغرةَ الحق والجلاد

ص: 49

دعنا نحييك يا شباب

قولوا هنا: مصرُ لا تليني

فلعنة الذل أن نلين

تحيةً! صخرة الأساسِ

مصر على الرأس واليدين!!

تجهل ما الحكم والكراسي

وتذكر الدين أيَّ دَيْنْ

وتبتغي شدة المراس

فما سبيل الهوى بِهَيْن

دعنا نحييك يا شباب

تحية الليث للعرين

لا يُظلمِ القلب أو يرين

نحب مصراً ومن عليها

وإنما مصر في بنيها

صعيدَها قبل شاطئيها

قبطيَّها قبل مسلميها

ومن أعزُّ الورى لديها

إلا الشباب الأعزُّ فيها

دعنا نحييك يا شباب

ابن بلادي هو ابن ديني

وإنما بالهوى أدين

جهدَك يا جندُ لا يمارى

مجدك يا جندُ لا يرام

خصمك يا جند لا يجارى

في سطوة الحرب والسلام

لكنها مصر! من أغارا

على حمى مصر لن ينام

دعنا نحييك يا شباب

اللهُ. في ركنها الركين

وحصنها الراسخ المكين

الحق والنصر صاحبانِ

وما من الحق أن نذلاّ

وليس في الحق من توان

ولا على الحق أن نضلاّ

إن لم أصن مصر عن هوان

وأبذِل الأعظمَ الأجلاّ

نعم وحاشاك يا شباب

خسئتُ من كاذبٍ مهينٍ

أعرف ما الكاذب المهين

أجل، وحاشاك يا شباب

يا نجدةَ الحق يا نصير

حييتمو أيها الصحاب

جهادكم ههنا كبير

(القوم) دعواهمو اغتصاب

وأمرهم في الهوى غرور

ص: 50

أجلْ! وحاشاكَ يا شباب

فاضربه في سره الدفين

فكم له ثمَّ من كمين

كن واحداً يا شباب مصرا

وادع إلى وحدة اللواء

ولا تكن للذئاب سخراً

ولا تكن سلّماً لشاء

يا جند في مصر: لن تفرَّا

حتى يقروك في السماء

دعنا نحييكَ يا شباب

في صرخة الدهش والسكون

أوْلا! فمن ذا إذن نكون

يا باذلَ المهجةِ احتساباً

والرأسَ. والعينَ. والشبابا

وحامياً ذلك الجنابا

وفاعلاً ههنا العجابا

دعنا نحييك يا شباب

إبراهيم إبراهيم علي المحامي

ص: 51

‌القصص

تتمة من فرجيل ولمعة من يوريبيدز

22 -

حروب طَروادة

1 -

الحصان الخشبي

2 -

سينون

3 -

مصير لاوكون

4 -

رؤيا إيناس

5 -

نهاية بربام

6 -

أنخيسيز

7 -

العاصفة

سقوط إليوم

للأستاذ دريني خشبه

لم يبرح فيلوكتيتس يرسل سهامه على الطرواديين، ولم تبرح المنايا تتخطفهم. . . ولكن المدينة ذات الكبرياء ما برحت أمنع من عقاب الجو على الغزاة الجبارين. . .

وذهب كالخاس عراف الحملة، إلى آلهته يستوحيها، ثم هرع إلى سادته قادة الجيش فذكر لهم أنه ما دام تمثال منيرفا المقدس - البالاديوم المشهور - في طروادة فلن يفتحها على أهلها فاتح، ولو عاونته الأرباب جميعاً!

وانطلق أوليسيز، وانطلق معه ديوميديز، فتنكرا واحتالا على حارس البوابة الاسكائية الكبرى ففتحها لهما، وذهبا قدماً إلى هيكل مينرفا، وسرقا البالاديوم المقدس، وعادا به، وكل همهما أن تبطل نبوءات العم كالخاس التي أخذت تترى، ويأخذ بعضها برقاب بعض. . . . وكرت الأيام. . . . ومع ذاك لم تفتح طروادة!؟

ص: 52

ثم بدا لأوليسيز أن يصطنع الحيلة. . .

فعرض على زعماء الحملة أن يدعى مهرة النجارين والمثالين فيصنعوا حصاناً هُولةً كبير الحجم. . . خاوي الجسم، فيكون بداخله جمهرة من أقوى شجعان الهيلانيين وأبسلهم، ثم يوهم الأسطول أنه أبحر بجنود الحملة، فإذا مضى شطر من الليل، وأقبل الطرواديون على الحصان فأدخلوه مدينتهم تذكاراً لهذه الحرب الضروس التي أكلت أخضرهم، وأحرقت يابسهم، وذهبت بالزهرة اليانعة من شبابهم. . . ثم إذا كان الهزيع الأخير من الليل. . . خرج الأبطال المختبئون ففتحوا أبواب إليوم، وينقض الجيش المرابط، فيحتل المدينة العاتية التي رغمت تحت أسوارها أنوف، وذلت جباه، وذابت أنفس، وذهبت أرواح، دون أن ينال منها أحد. . . .

وطرب القادة لهذه الحيلة التي بدههم بها أوليسيز. . . . وانصرفوا عن القتال وهم له كارهون. . . وانصرف الطرواديون فاعتصموا بأسوارهم، ورابطوا داخل صياصيهم، ومهرة النجارين وكبار المثالين دائبون على حصانهم الهولة حتى فرغوا منه. . .

وأقلع الأسطول. . .

وانكشفت الساحة من هذا الجراد المنتشر الذي لبث ينوء فوقها عشر سنين. . .

واختبأ أوليسيز داخل الحصان ومعه نخبة من شياطين الميرميدون، وعلى رأسهم ببيروس النجيب، ابن أخيل الخالد، وعصبة قوية من فرسان الإغريق البواسل. . .

ودق الطرواديون البشائر. . .

وجاءوا يُهرعون إلى الساحة، ويتكبكبون حول الحصان الهولة، ويكلمون سينون الذي تركه الهيلانيون عند الحصان ليخدع الطرواديين ولينصح لهم بنقله إلى المدينة ليكون آخر الدهر تذكاراً لهذه الحرب التي شنها قومه على طروادة ظلماً، فباءوا منها بالبوار. . .

(. . . . . . هؤلاء الهيلانيون اللؤماء، الذين انصبت عليهم أحقاد الآلهة، وثار بهم كبير الأولمب وسيده الأعظم، وسلطت عليهم الزوابع والأنواء حتى كادت تفنيهم، لولا أن أمروا بتضحية قربان بشري ينجيهم من غضب السماء. . . ولكن؟. . . من منهم أصاخ إلى الأمر المقدس؟ ومن منهم سمع إلى هتاف الأولمب؟ لقد جبنوا جميعاً! ولم يشأ واحد منهم أن يضحي بنفسه لينقذ الجميع، حتى أوليسيز! أوليسيز نفسه؟ هذا الداهية المغفل! لقد جبن

ص: 53

هو أيضاً! وفي الوقت نفسه حاول أن يرغمني أنا! أنا سينون المسكين، على أن أقبل التضحية، وأن أهب دمي للآلهة لتهدأ ثورتها. . .

ولكني رفضت في شمم، وامتنعت في إباء. . . لا خوفاً من الذبح؛ ولكن ضناً بدمي النقي الطاهر عن أن يهرق في سبيل هؤلاء الجبناء. . . الذين تكأكأوا وفزعت نفوسهم من صيحة السماء. . .!

وهربت يا مولاي! يا مولاي بريام العظيم. . . ولذت بظلال طروادة الخالدة، طروادة المنيفة القوية، وجعلت أصلي لأربابي حتى استجابت لي، وأرسلت إليهم من أنذرهم بسوء المنقلب إذا هم لم يقلعوا هذا المساء. . .!! قاتلهم الله السند! وقاتلتهم الآلهة جميعاً!!. . .

والآن!. . . هاهم أولاء قد تركوا هذا التمثال الرائع الذي أعدوه ليوم نصرهم، فجعلته الآلهة آية فشلهم!. . . انقلوه يا مولاي إلى المدينة، واجعلوه تذكار هذه النوبة الجنونية التي شنوها عليكم، فحاق بهم سوء ما كانوا يمكرون. . . ألا فليكن قربة لمنيرفا. . .!

ولقد سمعت هاتفاً في صلاتي يقول: (. . . الويل لمن يصيب هذا التمثال بشر! تنقض عليه رجوم السماء، وتنخسف من تحته الأرض، وتميد من فوقه الجبال!. . . وطوبى لمن احتفظ إلى الأبد به!. . . إذن يحميه شر حدثان الزمان وعوادي الأيام. . .)

وكان سينون يمزج كلماته بدموع الصلاح والورع، ويشعل فيها جمرات الإخلاص والصدق. . . وكان يرسل آهاته من الأعماق. . .! حتى استطاع أن ينفذ إلى سويداء الملك، ويستولي على مشاعر الطرواديين؛ وحتى ثار الطرواديون أنفسهم على قديسهم الوقور لاوكون، راهب نبتون الأكبر حين نصح ألا تجوز عليهم هذه الكلمات المعسولة، والنفثات السحرية التي يتلجلج بها لسان سينون، وأن يدعوا الحصان مكانه (فإنه إن دخل طروادة جلب عليها الشر وكان فأل السوء للضحايا والشهداء. . . ولا تصدقوا أن الهيلانيين قد تركوا هذا الحصان تكرمة لنبتيون كما يدعي هذا الأفاقي المأمون، بل هم قد صنعوه حيلةً منهم لغرض سيئ. . . وهاهي ذي ابنتك أيها الملك. . . كاسّندرا العزيزة فاسألها. . . فإن لديها سر السماء. . .)

وسأل الملك كاسندرا فأفتت بما أفتى به لاوكون. . .

ولكن. . . من يصدق كاسندرا وما تزال نقمة أبوللو تنصب فوق رأسها. وقد جعلها إله

ص: 54

الشمس عرضة لكل مستهزئ وضحكة كل ساخر لعّاب!

وزاد الناس استهزاء بالقديس لاوكون، حين رأوا إليه تفترسه حيتان عظيمتان على سِيف الهلسبنت إذ هو يقدم قربانه لربه لنبتيون فنقنلانه وولديه، عقب تحذير الطرواديين ألا يقربوا الحصان المشؤوم وألا يدخلوه مدينتهم!!

وتعاون الطرواديون جميعاً فجروا الحصان الهولة، وهدموا بأيديهم جزءاً كبيراً من سور إليوم المنيع لتتسع البوابة للتمثال الهائل فكانوا كالتي نقضت غزلها أنكاثاً!!. . .

وكان الأسطول قد اختبأ في ظلال الأيك النامي فوق جزيرة تندوس، فلما كان النصف الثاني من تلك الليلة الخرافية الحالكة، وكانت طروادة كلها قد استسلمت للنوم العميق الذي يسبق القضاء الصارم عادة في مثل هذه الأحوال، هب سينون الخبيث ففتح الباب السري الذي لا يعرف إلا هو مكانه من الحصان، وخرج الأبطال فقتلوا الحراس النائمين لدى الأبواب، وأشعلوا النيران فرآها الجنود الذين عاد بهم الأسطول في دجى الليل، فانطلقوا سراعاً إلى إليوم الخالدة. . . المستسلمة. . . فدخلوها. . . وأعملوا السيف، وشرعوا الرماح، واستباحوا المدينة، وهتكوا الأعراض النقية، وأحلوا حرمة الهياكل، وأضرموا النيران في القصور، وأتلفوا الحدائق الفينانة، وهشموا تماثيل الآلهة في الميادين العامة، وقتلوا الصبية والأطفال، وجعلوا المدينة أطلالاً في أطلال!!

وهكذا!! وفي سكرة الليل، وهدأة الظلام، تم للهيلانيين الاستيلاء على تلك المدينة العتيدة وهبت من تحت الثرى عشرة أعوام طوال مضرجة بالدم، ملطخة بالإثم، حافلة بالذكريات، غارقة في الدموع. . . تشهد إلى الفتح المجرم، وترى إلى المأساة الظالمة في آخر فصولها!!

وكان إيناس اليافع ابن فينوس الهلوك من أنخيسيز، فتى طروادة وأميرها الجميل ذا القسمات، يغط في نومه العميق، ملء سريره الذهبي الوثير. . . مطمئناً آمناً. . . لا يدور بخلده أن تحل تلك الكارثة بإليوم هذه الغفوة من الفجر. . .

وكان إيناس محبباً إلى الآلهة. . . ولم يكن قد جاء أجله بعد. . . فسخرت إليه ربات الأقدار طيف هكتور يزوره في نومه، ويريه حلماً مفزعاً. . . وينذره. . . (أن هب إيناس فقد سقطت طروادة، وانج بنفسك وبأهلك فالأسطول ينتظرك، واستنقذ التحف المقدسة

ص: 55

والآثار العلوية. . . فقد دنسها الفاتحون!!)

وذعر إيناس، وهب من نومه لهفان صعقاً. . . وفزع إلى سلاحه ثم أشرف على المدينة المروعة فشهد المأساة تحل بها. . .

وهاله أن يرى الوحوش الضواري من بغاة الميرميدون، وغزاة الهيلانيين، يسوقون أتراب طروادة وبيَّض خدورها المكنون. . . عاريات أو نصف عاريات. . . إلى الأسطول. . . ليكنّ إماء في بيوت هيلاس. . . ورقيقاً في أسواقها!؟

وكاسندرا؟! كاسندرا نفسها!! ابنة بريام الملك. . . حبيبة السماء وصفية الآلهة!! التي حذرت أباها يوماً من قبول باريس. . . أن يحل البلاء بالمملكة وينزل الشؤم بالناس!! هاهي ذي مسوقة في قبضة أجاممنون نفسه. . . أجاممنون سيد القوم وقادهم العام. . . إلى. . . سفينته!!

وفكر إيناس، فلم يجد لإنقاذ المدينة وأهلها من سبيل. . . فأشار إلى بعض رجال قصره فقتلوا نفراً من جند الإغريق المتخلفين عن الجيش الغازي، كانوا مشغولين بالسلب والنهب في متجر قريب، ثم نزعوا عنهم ثيابهم فلبسها إيناس وصحبه ليستخفوا بها عن أعين المغيرين؛ وانطلقوا إلى القصر الملكي، وبودهم لو استطاعوا أن يحموا الملك في هذا الروع الأكبر. . . ولكن وا أسفاه!! لقد كان ببروس بن أخيل قد سبقهم إليه في عسكر مجر من أبالسة الميرميدون؛ وكان بوليتيس بن بريام، وآخر فرع من دوحته الباسقة آبقاً أمامه، مكروباً مفزعاً، فاراً إلى ذراعي أبيه الضعيف الشيخ، يلتمس الحماية في أوهى حمى. . . فلم يزل ببروس ينهب الأرض في أثره. . . حتى قتله بين يدي أبيه، وانقض على الملك التاعس فوضع حداً لهذه الحياة الطويلة المملوءة الشقية التي لطخها الدم البريء وصهرتها جحيم الشدة. . . ولم يغن عن بريام المسكين توسلات هذه الزوجة المعذبة التي وقفت بينه وبين بيروس. . . هكيوبا!! الملكة المرزأة! التي بقيت وحدها لتجرع الثمالة الباقية في كأس الحياة. . . مراً وعلقماً. . .

وهكذا صعدت روح الملك إلى سماء طروادة تتلفت حولها! ترى إلى المدينة الخالدة تضطرم النيران في جنباتها. . . وتندك صروحها العزيزة في الرغام. . . وتتهاوى أبراجها المنيفة التي كانت تسجد تحتها آسيا الجبارة. . . والآن! هاهو ذا على ثرى إليوم

ص: 56

لقيً لا نَفَس فيه! وجثة هامدة لا تحمل اسمها بعد. . . ورأساً معفراً. . . . . . من غير جسد!!

وزاغ بصر إيناس حين شهد هذا المنظر الرهيب، ووقر في نفسه أن مثل هذه النهاية المحزنة قد تحل بأبيه الشيخ، أنخيسيز؛ وبزوجته الهيفاء كروزا، وبطفله المعبود أيولوس. . . فلم يبال أن يقتحم صفوف الأعداء إلى قصره الذي خلا غابه اليوم من أسْده، وبُدل الشوك من ورده، وعاث فيه جنود الهيلانيين فأصبح قاعاً صفصفاً. . . كأن لم يشدُ في دوحه بلبل. . . ولم يحن في فؤاد إلى فؤاد!

وهناك. . . في إحدى الردهات المنعزلة. . . وجد هيلين!! نعم، هيلين! سبب هذه الكوارث المتلاحقة التي حلت بطروادة والطرواديين. . . هيلين التي لم تبال أن تتزوج ديفبوس - أخا باريس - عقب مقتل حبيبها بأيام معدودة!!

وجدها هنالك. . . تنقدح المصائب شرراً من عينيها، وتتدجى غواشي الكروب فوق هامتها، وتنعقد ظلمات الكوارث على جبينها المغضن الكريه. . . . . . الجميل!!

وهم إيناس أن يفتك بها، لما ذكر من الأرزاء التي حاقت بطروادة من جرائها. . . لولا أن بدت له أمه. . . فينوس!. . . فأنذرته ألا يفعل. . . ثم كشفت له حجاب الغيب المحرم على أعين البشر، فرأى إلى الآلهة أنفسهم يعملون بأيديهم في تخريب طروادة، وتدمير الطرواديين، وعلى رأسهم شيخ الأولمب وسيده. . . زيوس. . . كبير الأرباب!!

(. . . فانج بنفسك يا بني. . . ولذ بالبحر. . . ولتنزح عن هذه الديار. . .)

وانطلق إلى أبيه فنصح له أن يهرب معه. . . ولكن أباه استكبر وأبى. . . بحجة أنه ينتظر نبوءة من السماء توحي إليه بما توحي. . . فغيظ إيناس وأغلط لوالده القول؛ ثم أمره أن يقبض بيديه اللاريتس والبينيتس، وأن يركب كاهلي ابنه وإلا قتلوا في الحال!

فلم يسع أنخيسيز إلا أن يطيع. . . فسار ابنه يحمله، وسار ولده الصغير أيولوس بجانبه، وتبعتهم زوجه الجميلة كروزا. . .

وكان قد أتفق مع أتباعه، قبل أن يقصد إلى قصر الملك، أن ينتظروه في هيكل خرب قريب من مياه الهلسبنت. . . فلما أقبل نحوهم يحمل أباه اتفقوا على أن يبحروا في الحال. . . ولكنه. . . وا أسفاه! افتقد زوجه فلم يجدها. . . زوجه كروزا التي كانت الساعة فقط

ص: 57

تتبعه!! لقد قتلها كلب من شياطين الميرميدون. . .! ولما رجع إيناس ليبحث عنها لقيه طيفها الجميل. . . عند تمثال مينرفا. . . فخاطبه قائلاً. . . (هلم يا إيناس! غادر هذه الديار في الحال. . . واذهب إلى شطئان التيبر. فإن الآلهة قضت أن تبني بيديك. . . رومة أم القرى!!) وأبحر إيناس. . . وأبحرت فلول الطرواديين معه

وفي غبشة الصبح المضطرب، كان صوت الطبل الكبير يقصف كالرعد في خرائب طروادة. وكانت الجموع الحاشدة تهرول نحو الأسطول، وكان السبي الكثير عذارى من طروادة وسائر نسائها يهرولن هن الأخريات نحو البحر. . . فكنت ترى هكيوبا الملكة. . . واندروماك الحزينة التي اغتصبها بيروس لنفسه. . . وكاسندرا. . . تلك النبية التي أحبتها السماء. . . فأصبحت في جملة السبي من سريات أجاممنون وغانياته. . . وكنت ترى غيرهن يهرولن في الصباح الباكي إلى شاطئ الهلسبنت، ليركبن البحر فيغبن عن أرض الوطن إلى الأبد. . .

وكانت كاسندرا تنظر إلى المأساة وتبتسم. . .

وكانت أمها ترمقها بعينين دامعتين. . . وتسألها عن سبب ابتساماتها. . . فتفتر كاسندرا وتقول. . . (أماه ليس حظ هؤلاء الغزاة المنتصرين بخير من حظ أبطالنا. . . هأنذى أقرأ ألواح القضاء. . . انظري. . . هاهو ذا مصرع أجاممنون بيد زوجته كليتمنسترا العاشقة. . . إنها تفضل اليوم حضن عاشقها الآثم على جنة يكون فيها زوجها. . . إنها ستقتله، ستذبحه بيديها. . . حينما تطأ قدماه أرض الوطن. . .!

وانظري يا أماه. . . هاهو ذا أوليسيز تعصف به الريح. . . ويلعب به الموج. . . ويؤرجحه البحر المجي. . . عشر سنين يا أماه يقضيها ملك إيثاكا في تيه هذا الماء. . . والعشاق يتقاتلون من حول زوجته. . . وتليماك المسكين يضطرم غيرة ولا يستطيع أن يفعل شيئاً. . .

وانظري يا أماه. . . هاهو ذا منلايوس. . . بائس. . . كم أنت بائس يا منالايوس. . . لقد ظن المسكين أن هيلين نقية كما هي!. . . لقد نسي التاعس أنها تقلبت في أحضان أزواج غيره!. . . انظري إليه يقذفه البحر إلى شطئان مصر. . . وانظري إليه ذليلاً بين يدي هيلين يتوسل إليها وكان أحرى لو أنه قتلها. . . . . . . . .

ص: 58

ونسي الهيلانيون في نشوة النصر أن يقربوا القرابين للآلهة التي نصرتهم وأيدتهم وأظفرتهم بأعدائهم؛ قبل أن يبحروا. . . فأثاروا غضب الأولمب. . . واستنزلوا لعنة السماء واستحقوا حنق حيرا ونبتيون ومينرفا. . . ونقمة زيوس!!

لقد ثارت ثائرة مينرفا. . . فانطلقت إلى أبيها وشكت إليه ما فرط هؤلاء الجاحدون في جنبها وجنب الآلهة. . . واتفق الجميع على أن يسخر نبتيون الجبار. . . إله البحر. . . أرياحه العاتية على أساطيلهم فتمزقها. . . وتضلها تضليلاً. . .

فما كادت الأساطيل تمخر عباب الماء. . وما كادت تبتعد عن شواطئ إليوم. . حتى بدأت العاصفة تدوّم. . وحتى أخذت الأمواج ترسل أعرافها حول السفائن، وحتى نثر الثبج حبابه فوقها. . . وحتى ارتعدت فرائص القوم. . . ونظر بعضهم إلى بعض. . . كأنهم في يوم حشر. . . ولا يتساءلون

ولقد صدقت كاسندرا!

فهاهي ذي الأساطيل الكثيفة تتمزق فوق سطح البحر. . . وهاهي ذي جواري منالايوس المنشئات تدفعها العاصفة في طريقها إلى. . . مصر. . . وهاهي ذي مراكب أجاممنون تتكسر على الصخور الناتئة في عرض اليم. . . وما كاد يصل هو إلى مملكته أرجوس حتى تقتله زوجه العاشقة. . . مؤثرة عليه أحضان عاشقها الأثيم إيجستوس. . . وهاهي ذي سفين أوليسيز تضل في البحر الشاسع، وتتكسر بما عليها من سلب،. . ويظل البطل المغوار في نقلة وترحل. . . عشر سنوات. . . وتظل زوجه بنلوب تنتظره. . . وعشاقها يقتتلون حول قصرها. . . وتليماك البائس ابنها ينتظر أوبة أبيه. . . حتى يعود بعد شدة وبعد لأي فيدمر العشاق الآثمين. . .

وهاك بيروس بن أخيل يعود ومعه أندروماك التي تظهر له الحب، عاملة بنصيحة هكيوبا لها. . . حتى تنشئ ابنها. . وكانت تعتزم مضايقة بيروس ومناوأته ليقتلها. . . . ولتستريح بالقتل من عذاب العيش بعد هكتور. . . .

دريني خشبة

قصة

ص: 59

‌الرجوع

إن ما ندعوه (قضاء) ليس إلا ما نقضيه على أنفسنا

(ميخائيل نعيمة)

بقلم الأديب عبد الوهاب الأمين

لم يكن صبياً غراً عندما فتنته تلك الغادة، بل لقد حاول جهده أن يسيطر بعقله على جموح تلك العاطفة، فغره لأول وهلة شيء من النسيان أحس به، وظن أن الوقت قمين باستئصال ذلك الحب الفاسق، وطاوعته نفسه بعد أسابيع أن يمزق صورتها ليلقيها في الموقد أمامه، وقد عاوده طيف (العائلة) والزوج الحنون، وأطفاله في الغيب، وبسمة السعادة التي ستشيع على الوجوه، فتنهد!

وكان دائم اللجاجة في (التحليل)، فخيل إليه أن الأمر بلغ نهايته، وإن جذوة الشباب فيه قد قرت، وما عليه إلا أن يحنو على زوجته فتحنو عليه، فيثمر ذلك الحنو حباً شريفاً. . . لا ذلك الحب المجهد، حب المومس الذي تثيره غلمة وتقتله كلمة! وأنه بعد هذه السنين الثلاثين جدير به الإقلاع عن إجهاد نفسه وعاطفته الجامحة بالتطوح في مثل هذه المجازفات!

وماله قد فتنه تصوير! ألا يجوز أن يكون ليد المصور الفنانة فضل في هذه الفتنة وهذا السحر؟ بل هذا هو المنطقي المعقول، فليس لإنسانة أن تمتلك مثل هذه النظرة المغرية، وهذا السحر الفاتن! إنها ولاشك فعلة الرسام!

وأطل عليه وجه زوجته في تلك اللحظة، فتمثل فيه الطهارة والإخلاص، وابتسم على رغمه لأن روحه الشابة المرحة لم تطق أن تقاوم البشر المنطلق من عينيها، والطرب الشائع في نظرتها! ورمته بقشر وهربت! وانهزم معها فرحها الحي الطروب! فتمثل لخياله الفرق بين هدوء حياته هذه التي سيقبل عليها، وجموح تلك التي عزم على فراقها، فاستشعر شيئاً من الحزن طاف به على هذا الفراق، وسرت في ذهنه صور سريعة من ساعات اللذة واللهو يكاد ينسخها مر الأيام. . . غير أنه عاوده شعوره بقوة عزمه السابق ومسؤولية الرجل الرزين الذي سيكونه عما قريب، فمزق بقايا الصورة ورماها في الموقد ونظر إلى اللهب الصغير المتصاعد منه، وشرد ذهنه

ص: 61

تقدمهم الصبي بخفة إلى باب المقصورة وفتحها بتؤدة وعلى فمه ابتسامة متكلفة. وأخذ يفرك يده متظاهراً بالبشر لقدوم (سيده) الذي طالما نفحه بالعطايا الصغيرة التي كانت تتسع وتكبر حسب ما يقوم به من خدمة! وكان يبتهج كلما أبصر (سيده) بصحبة امرأة، فإن وجودها معه يعني ضرورة الحاجة إلى خدمته ورعايته اللتين يستدرهما عند ارفضاض السيد نقوداً يطبق عليها أنامله بخفة، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي لقيه مساء اليوم بها، والتي يكرهها (سيده) منه فلا يرفع بصره إليه!

وكان (العِرض) مهماً. والمقاصير كلها ملأى بالمخلوقات الجميلة، وكانت عين الناظر تلقف في كل ثانية وأخرى عضواً بارزاً نسوياً جميلاً بين تلك المناظر السينمائية الخلابة والإعلانات الملصقة على الجدران، وتعلو بين تلك الضجات المختلطة بضعة أصوات ناعمة تتطور بعض الأحيان إلى قهقهات صافية الجرس، تعلوها رنة النعيم!

وكان وهو ينزع عن كتفيه معطفه الثقيل ويدير عينيه بين المقاعد يلحظ أن صوتاً في المقصورة إلى جانبه يرن في أذنه فيترك صدى غير اعتيادي. . . جذاب! ساحر! غير إن انتقاء المقعد شغله وصرف ذهنه هنيهة عن تتبع أثر ذلك الصوت في روحه، ولما جلس أخيراً لم يكن في ذهنه غير ذلك الصوت وصاحبته اللعوب! وبدرت منه - من غير قصد - إلتفاتة إلى المقصورة فاصطدم نظره المستريح بها. . .! نعم هي! وقد ظهرت في ثوبها البهيج أشد فتنة من صورتها، وزاد في جمالها الأخاذ سحر التجمل، فأدرك أن قوته تخونه، وأنه أمام شخص يملك سحراً يزيد على سحر المرأة، فعادت إليه فجأة وبسرعة كل خيالاته التي نسختها عزيمته أولاً، واستعادت مخيلته أويقات التأمل التي كان يقضيها في مناجاة تلك الصورة على أشد وأقوى حالاتها، وأحس وهو يدير نظره عن وجهها الذي بدت عليه البغتة أنه يقتلعه اقتلاعاً، وأن شيئاً من قلبه وحسه قد تعلق بتلك الأهداب السحرية التي زاد جمالها الطبيعي الأخاذ اعتناء خاص بتنسيقها وتجميلها، وأدرك في قرارة نفسه أن سيطرة هذه المرأة عليه أمر محتوم وقضاء لا يرد!

وانتهز فرصة (الفاصلة) فاحتج برغبته بالتدخين وأصر عليها، ثم حسم المشكلة بخروجه من المقصورة، وكان شيء في رأسه يدور ويدور! وهو عراك نفسي بين عاطفتين قويتين لا يكاد يركن لإحداهما حتى تبرز نتائجها ملموسة لعينيه! أيحب هذه المومس وهو يعلم أن

ص: 62

حبها يفقده أشياء كثيرة وعزيزة عليه؟ أيتركها ولا يلتفت إلى تلك النظرة الصارخة في عينيها، وقد بدت الليلة بوضوح في ملامح وجهها وشفتيها، ولم تستطع البغتة أن تخفيها من عينيها الأخاذتين! وهل هو قادر على أن يهمل اهتمامها الظاهر به، وهو الذي كان يقضي الساعات في مناجاة صورتها؟ وما يدريه! لعلها تصطنع كل ذلك لاستمالته! إنها خبيرة ولاشك بفعل هذه النظرات في القلوب! إنها تاجره تريد أن تغبنه بصفقة خاسرة، تريد منه قلباً بروح، لتعطيه قلباً بلا روح! كلا إن ذلك لن يكون!

ووقف ذهنه عند هذا الحد، فقد بدت من مقصورتها ومشت إلى ناحيته بتؤدة، ولما وصلت إليه أسرت قائلة:

- كازينو أنترناسيونال، منتصف الليل

ومنحته فوق ذلك ابتسامة!

عاد بسيارته بعد أن أخبر زوجته أنه سيقضي السهرة مع صديق له، وأنه سيتأخر عن وقت قدومه المعتاد، وانطلق كالسهم بها على غير قصد، ثم خطر له أن يشرب فوقف عند أول حانة!

وبعد الكأس السادسة نظر إلى الساعة فوجد أن بينه وبين الموعد ما يقارب الساعة، فخطر له أن يقضيها متجولاً لأنه شعر بالاكتفاء من الشرب وقام

ولم يكن (التجول) في مخيلته غير السير إلى طريق الكازينو! فوقف على بابه وفي صدره عراك، وفي خطواته تردد وإحجام، وألقى نظرة تائهة على الوجوه فلم يجد بينها غادته، فساقته قدماه إلى الباب وعاد إلى مقعده في السيارة وقد خطر له أن موقفه ناطق بالذل والعبودية، وأنه يسيء إلى نفسه بذلك العمل، وأن شعوره بكرامته وكبريائه قد ثلم، وبدت على وجهه غضون وغيوم!

وفي تلك اللحظة فقط شعر أنه تعب منهوك، وأن حاجته إلى النوم شديدة، فقبض على محرك السيارة وأداره بخفة ولباقة، وشعر أن كل ما فيه في تلك اللحظة عزيمة قوية! وأن في تلك العزيمة قضاء لا يرد!

واختلطت في ذهنه الأفكار والصور وعجز عن متابعة نتيجة عمله، وشعر بشيء من الكلال والفتور والإعياء، وكانت ابتسامته لزوجته جامدة، وكان على غير عادته في النوم

ص: 63

السريع بدون مزاح ولا دعابة

ولما سيطر سلطان الكرى على جفنيه كانت الساعة تؤذن بانتصاف الليل، وكان ذهنه الكليل يدرك أن في دقاتها أمراً!

غير أنه لم يدرك دقاتها الأخيرة!

عبد الوهاب الأمين

ص: 64

‌البريد الأدبي

وفاة روديارد كبلنج عميد الشعر الإنكليزي

منذ أسابيع قلائل كان عميد الشعر الإنكليزي المعاصر روديارد كبلنج يحتفل ببلوغه السبعين من عمره؛ ولكن الشاعر الأشهر لم يلبث أن مرض بعد ذلك بقليل، ثم توفي في الثامن عشر من يناير الجاري

وقد ولد روديارد كبلنج في الهند بمدينة بومباي سنة 1865 وكان أبوه جون كبلنج فناناً أديباً؛ وكان وقت مولده يشغل منصباً في مدرسة الفنون الجميلة ببومباي؛ وتلقى كبلنج تربيته في إنكلترا في كلية ديفون؛ ثم عاد إلى الهند في سن السابعة عشرة؛ واشترك في تحرير صحيفة إنكليزية تصدر في لاهور. وفي سنة 86 أخرج كبلنج أول آثاره الشعرية في مجموعة سماها (الأغاني الإقليمية)؛ وأعقبها بمجموعة قصصية عنوانها (قصص من التلال) وتوالت آثاره القصصية بعد ذلك فأخرج منها، (الأبيض والأسود) و (الشبح ركشو) و (وي ولي وتكي) وغيرها؛ فذاعت هذه القصص في الهند والصين واليابان، وطارت شهرة كبلنج إلى ما وراء البحر، واستقبل كبار النقدة فيه قوة أدبية جديدة، وتجول كبلنج في بضعة الأعوام التالية في الهند والصين واليابان وأمريكا، ثم عرج على إنكلترا حيث سبقه صيته، واستقبل بما يليق بأدبه وشعره من التجلة والتكريم؛ وتجول بعد ذلك حيناً في أفريقية، ونشر عن سياحاته العديدة كتاباً سماه (من بحر إلى بحر) وفي سنة 1890 أخرج كبلنج مجموعة قصصية عنوانها (نضال الحياة) وأتبعها بأخرى اسمها (النور الذي خبا) بيد أن عبقرية كبلنج الأدبية تصل الذروة في كتابيه الشهيرين:(كتاب الغابة) وكتاب (الغابة الجديدة)، وهما كتابان قصصيان عن حياة الحيوان في الغابة على مثل كتاب (كليلة ودمنة) في أدبنا العربي، وعلى مثل بعض قصص الحيوانات والطيور التي وردت في ألف ليلة وليلة؛ وفيها يعرض كبلنج بعض خواص الحيوان الطبيعية والنفسية عرضاً رائعاً ساحراً؛ وكان ظهور هذين الكتابين الأول في سنة 1895 والثاني في سنة 1896، أعني حينما بلغ كبلنج الثلاثين من عمره. ويعتبر النقدة كتابي (الغابة) أروع ما في أدب كبلنج وإنتاجه.

واستمر كبلنج في إنتاجه الأدبي يخرج المجموعات القصصية والشعرية تباعاً، ويرتفع باستمرار في سماء المجد والشهرة. ومن مجموعاته الشعرية الشهيرة غير ما تقدم (الأمم

ص: 65

الخمس) (سنة 1903) و (أناشيد من الكتب)(سنة 1913) و (الديوان الشامل)، وفيه يجمع طائفة كبيرة من شعره المتفرق. وكتب كبلنج أيضاً (تاريخ إنكلترا) بالاشتراك مع صديقه فلتشر؛ وفقد كبلنج ولده في الحرب الكبرى، فرأى أن يخلد ذكرى الفرقة التي حارب معها في كتاب عنوانه (الحرس الأرلندي في الحرب الكبرى)(سنة 1923)؛ وكتب كبلنج غير ذلك كتباً أخرى من القصص والشعر يضيق المقام عن ذكرها

ويلقب كبلنج في الأدب الإنكليزي بأنه (شاعر الإمبراطورية)؛ وهذه في الواقع أبرز خواص الشاعر الأكبر؛ وربما كان في هذه الخاصة ما يباعد بين أدبه وبين العقلية الشرقية؛ فقد كرس كبلنج كثيراً من نظمه ونثره للإشادة بعظمة الإمبراطورية البريطانية وما أحرزت من سيادة واسعة على كثير من الشعوب، وما أصابت من النعماء والغنى، وما يجب عليها أن تتذرع به لاستمرار هذه السيادة الشاملة على الشعوب المحكومة؛ وفي هذه المواطن يبدو كبلنج استعمارياً مغرقاً في القومية. بيد أن كبلنج، فيما عدا ذلك، يتمتع بخواص أدبية وشعرية باهرة؛ وأسلوبه قوي ساحر يفيض بياناً وبلاغة؛ وقد انقسم النقدة في شأنه إلى فريقين، فريق يرتفع بأدبه إلى الذروة، ويرى فيه المثل الأعلى للشعر المعاصر، ومن هؤلاء روبرت لند الذي قال عن كبلنج (إن عبقريته تشرق على جيله في البلاغة والفكاهة) وفريق وهو الأقلية ينتقص من مكانة كبلنج، ويرميه بأنه سطحي في شعره وفي نثره، وأنه يكتب بأسلوب براق يرضي الجماهير فقط. وزعيم هذا الفريق جورج مور. بيد أنه مهما قيل عن كبلنج وعن مواهبه وخلاله، فلا ريب أنه يتبوأ أرفع مقام في الأدب الفيكتوري

وقد نال كبلنج طائفة كبير من الجوائز والأوسمة الأدبية الرفيعة، فنال جائزة نوبل للآداب في سنة 1907، ونال الوسام الذهبي لجمعية الآداب الملكية، ومنح عدة إجازات فخرية من الجامعات الكبرى، ولبث مدى أعوام مديراً لجامعة سنت أندروز

قضايا التاريخ العظمى

أصدر الأستاذ هنري روبير المحامي الفرنسي الكبير جزءاً جديداً من كتابه الشهير (قضايا التاريخ العظمى) ' وهو الجزء العاشر من ذلك الأثر الحافل الممتع؛ ويعرف عشاق الأدب الفرنسي كتاب الأستاذ هنري روبير حق المعرفة ويقرءون أجزاءه المتوالية بشغف

ص: 66

ولذة، وهو كتاب يفيض في الواقع طرافة وقوة وسحراً، وفيه يتناول المحامي الأشهر طائفة كبيرة من أشهر القضايا التاريخية والجنائية المروعة، ومعظم هذه القضايا والحوادث معروف للقارئ المثقف، ولكن الجديد فيها حقاً هو الأسلوب الرائع الذي يعرضها به الأستاذ هنري روبير على قارئه؛ فهو محام بارع تخرج على يد الأعلام من أقرانه السابقين مثل لاشو وديمانج ولابوري أعلام البيان والدفاع في القرن الماضي، ثم هو كاتب من الطراز الأول يتشرف بالانتماء إلى الأكاديمية الفرنسية والانخراط في سلك الخالدين؛ وهو بهاتين الصفتين يقدم إلى القارئ تحفة قضائية وأدبية رائعة، عرضت في أسلوب قضائي وتاريخي واضح، ونظمت فيه الأدلة والفروض القضائية إلى جانب التعليلات التاريخية والاجتماعية البارعة. وربما كان عيباً في هذا الأثر الحافل أن يخصصه هنري روبير كله تقريباً لاستعراض قضايا التاريخ الفرنسية (وإن كان يقص فيه قليلاً جداً من القضايا الأخرى) ولكن ربما كان ذلك أيضاً من عوامل قوته ودقة معلوماته ووثائقه

ويتناول الجزء الجديد الذي أصدره هنري روبير عدة فصول أولها فصل خصص لحوادث السموم والنسوة المسممات في القرن السابع عشر، وهي حوادث تناولها من قبل المؤرخ البارع فونك برنتانو في كتاب قوي ساحر؛ وفصل خصص لفضيحة بناما الشهيرة التي انتهت بإفلاس الألوف وضياع مئات الملايين، ومحاكمة نفر من كبار الممولين والساسة يومئذ والحكم على بعضهم بالسجن؛ ثم فصل خصص لحياة كاترين دي مديتشي ملكة فرنسا ووالدة هنري الثالث وفرانسوا الثاني وشارل العاشر ملوك فرنسا، وهي امرأة رائعة وافرة الدهاء والخبث؛ ولكن الأستاذ هنري روبير يحاول أن يخفف عنها حكم التاريخ القاسي، ويتلمس لها أعذار السياسة والملك

والأستاذ هنري روبير يخرج فصوله الساحرة دون نظام معين، ففي كل جزء من كتابه أربعة فصول أو خمسة لا تجمعها رابطة العصر أو النوع؛ ولهذا لا يعتبر الجزء الجديد خاتمة الكتاب، وليس يعرف من جهة أخرى أنى يقف الكتاب وأيان ينتهي

شكسبير والسينما

سنرى قريباً أول رواية لشكسبير على ستار السينما؛ وهي فكرة جريئة للفنان المشهور مكس رينهارت، فهو يعمل الآن لإخراج شريط مصور من رواية شكسبير المسماة: (حلم

ص: 67

ليلة صيف)؛ وقد سبق أن عمل رينهارت لإخراج روايات شكسبير الكبرى على المسرح، ونجح في ذلك نجاحاً عظيماً؛ فهو الآن يعالج إخراجها على ستار السينما؛ وكذلك عمل رينهارت لإخراج روايات أعظم كتاب المسرح مثل موليير، وابسن، وبرناردشو، وشترندبرج وغيرهم؛ وكان مكس رينهارت أول فنان وأول مخرج مسرحي في ألمانيا حتى جاء الهتلريون في الحكم فلم يشفقوا على علم ولا فن، وأطلقوا العنان لتعصبهم الجنسي الشنيع، وشردوا أقطاب الفن لأنهم يهود؛ وكان رينهارت في مقدمة أولئك الذين رفضوا البقاء في ظل هذا النظام البربري؛ وهو يتجول الآن في عواصم القارة فيلقى فيها أعظم حفاوة وتقدير

ومكس رينهارت نمسوي الأصل؛ وقد ولد في سالزبورج سنة 1873، فهو الآن في نحو الثانية والستين من عمره؛ وقد شاءت بلدية مدينة سالزبورج أخيراً أن تكرمه وأن تخلد ذكراه فأطلقت اسمه على شارع من أهم شوارعها، وسالزبورج هي مدينة الفن والموسيقى

ص: 68

‌النقد

رد على نقد

4 -

كتاب تاريخ الإسلام السياسي

للدكتور حسن إبراهيم حسن

تتمة

ومن الغرابة أيضاً أن نجد الناقد يأخذ علينا أننا كثيراً ما نستمد ونقتبس من كتب (تاريخ العرب) لسديو، و (موجز تاريخ العرب) للسيد أمير علي، و (الحضارة العربية لجوستاف لي بون، و (أتباع محمد) لواشنجتن أيرفنج، لأنها في نظره أصبحت قديمة قاصرة من حيث المستوى العلمي في الوقت الذي نراه فيه يشيد بمدح المستشرق مرجليوث، ويستدل به في نفي الكتاب عن ابن قتيبة. وقد يدعوه الإعجاب بمرجليوث فيدافع عنه ضمناً بأننا لم نحسن الرد عليه حين قال:(في صدد الرجلين اللذين أرسلهما عامل كسرى على اليمن ليأتياه بالرسول، فلما قدم الرجلان على الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهما بأن كسرى قتل وأن ابنه هو الذي قتله)، أن الرسول كان له من يأتيه بالأخبار!! أما والله لولا أن الناقد مسلم كما نعتقد!! لضننا أنه يردد صدى هذا المستشرق الذي ينكر كل معجزة للرسول ويذهب في التأويل بعيداً بحجة المعقول وغير المعقول، ولو كان حصوله أوضح من الشمس في وضح النهار

انظر إلى هذا الناقد يجعل من عيوب كتابنا أننا لم نبطل هذه الرواية الدالة على المعجزة أو نتأولها على الرغم من تعرض كتب السنة الصحيحة لها وإثباتها، وعلى الرغم من أنه يعلم كيف يتغلب التعصب الديني أحياناً على روح العلم والبحث عند بعض المستشرقين، فينظرون إلى ما ورد عن الرسول من خلال مذاهبهم الدينية لا أبحاثهم التاريخية، ولسنا في حاجة لإيراد الأمثلة والشواهد على ذلك، فهي في متناول كثير من الناس

ولشد ما أعجب من حضرة الناقد حين يأبى أن يكيل لنا المدح جزافاً، ولكنه لا يأبى أن يكيل الذم كذلك ويخطئنا تخطئة لا حق له فيها، من ذلك أننا لما روينا قول بعض المؤرخين أن بعض الخوارج كانت تصدر منهم أمور متناقضة تدل على أنهم يخبطون

ص: 69

خبط عشواء، كلومهم آكل الرطبة بدون دفع ثمنها، واسترضائهم أ

ذمياً بدفع ثمن خنزير له قتلوه، وقتلهم عبد الله بن خباب وزوجه وبعض النساء - علقنا على ذلك فقلنا إن هذا ليس من التناقض في شئ، وإنما هو أقرب إلى أن يكون غلواً في تطبيق مذهبهم، وحجتنا في هذا أن الخوارج يرون وجوب قتل المسلم الذي لا يدين برأيهم لأنهم يعتبرونه مرتداً؛ وحروبهم المتعددة مع علي بن أبي طالب ومع الأمويين، بل وأشعارهم وأراجيزهم تنطق بذلك. أما الذمي فلا سلطان لمذهبهم عليه، كما إنهم كانوا لا يستحلون أكل المغصوب أياً كان صاحبه، ولو أنهم يستحلون قتل النفس التي حرّم الله قتلها. فمن أين يأتي التناقض يا ترى؟ حبذا لو أرشدنا الناقد إلى وجه آخر في هذه المسألة خلاف ما ذهبنا إليه! فليس إلقاء الكلام على عواهنه مما تُخدم به (المادة الناشئة في معاهدنا العلمية أو يحفظ لمصر سمعتها في الأقطار الشرقية!)

لا يقل خطأ الناقد في هذا عن خطئه في دعواه، بأننا مع استشهادنا ومباهاتنا بتلمذتنا لبعض المستشرقين ننسى ما ننقله عنهم أحياناً وننسبه لنفسنا، وأننا جرينا على ذلك في الفصل الذي عقدناه لمكتبة الإسكندرية، ويكفي في الرد على هذه الدعوى الجريئة أن يرجع القارئ إلى كتابنا عمرو بن العاص فيجد أننا ذكرنا هناك رأي (بطلر) مفصِلاً في إحراق هذه المكتبة، وعلّقنا عليه بما يستحق من تقدير. فإذا أحلنا القارئ إلى كتابنا المذكور، فذلك لأنه يعتبر خاصاً بهذه المواضيع مدوناً فيه آراء بعض العلماء منسوبة إليهم عن هذه الحادثة العظيمة الشأن

ولقد كنا نربأ ببعض الأقلام أن تنزلق عن منهج النقد الخالص إلى إلقاء التهم والظنون بين الناس وغرس ما لا يستحسن غرسه بين التلميذ وأستاذه أو بين المؤرخ والمؤرخ. وحاشا لله أن ندعي ما ليس لنا أو أن نجهل فضل من جلسنا أمامه مجلس التلميذ، فإذا رغبت بعض الأقلام في أن تتهمنا بالتدليس مع بعض الأساتذة المستشرقين، أو بالعقوق مع أستاذنا المرحوم الشيخ محمد الخضري بك الذي نقدره ونجله، فإنما تحاول عبثاً هذه الأقلام وتمكن من نفسها وتدل على مصرعها. إن المتصلين بنا يعرفون أن ليس من خلقنا إنكار الجميل. ونحمد الله أنه في الوقت الذي كان الناقد يفكر في هذه الوقيعة بيننا وبين أستاذنا المرحوم الشيخ محمد الخضري بك كان أحد أفراد أسرته يتكرم بزيارتنا ويعرض علينا أن نشرف

ص: 70

على نشر ما خلفه المرحوم من الكتب التي لم تنشر في حياته. ويا للعجب إذا كانت الجرأة والضمير يطوحان ببعض الناس إلى إثارة الضغينة بين الحي والميت، فكم تبلغ عفتها في أن توقع بين الحي والحي!! ألا فليرح الناقد باله من هذه الناحية فلن يجد غرسه أرضاً خصبة ولا يشفي به غيظاً

كيف يمكن أن يوفق القارئ بين قول الناقد إن هذا الكتاب عرض لنواح شتى من الحياة الإسلامية القديمة: عرض لنواحي الدين، والسياسة، والاجتماع، والعقل، والأدب، وبين قوله - عفا الله عنه - (إن المؤلف غير موفور الثقافة الإسلامية وقد أداه تفريطه في جانب الثقافة الإسلامية إلى الإفراط في الأخذ عن المصادر الأجنبية)، ومن يدري؟ فلعل هذا تقريظ قلعت عيناه فأبصر

جرت العادة أن يسمى الكتاب بأبرز نواحي موضوعاته، اللبيب يدرك بداهة أن فتح عمرو بن العاص مصر مما ينطبق عليه انطباقاً كلياً لفظ السياسة ومعنى السياسة، ويدرك كذلك أنه كان لعقائد الفرق الإسلامية ومذاهبها المكان الأول في إحلال دول مكان دول، وتقويض عروش وتدعيم عروش. فهذه الدولة العباسية استطالت أعاليها بسبب انتشار العقائد الشيعية وتغلبها؛ وتلك دولة الفاطميين خلقتها المذاهب الدينية أيضاً. ودع عنك القرامطة، والباطنية، والخوارج وغيرهم؛ فتلك أمور يطول شرحها. فأنت ترى مبلغ تأثير تلك العقائد في الاتجاهات السياسية ركوداً وهبوباً، وماذا تكون السياسة إذا لم تكن هي خلق منشآت جديدة، وتنظيم أمور الناس وفق مشارب ملوكها وأمرائها، وطبع المجتمع على غرار ما يراه الحاكمون سواء بسواء؟ لكن ناقدنا يأتي مع هذا معنفاً بأن عنوان الكتاب قاصر لا يجمع مثل هذه البحوث، فما كانت تصح نسبتها إليه ولا وضعها فيه، ويتعطف فيرشدنا إلى أنه ينبغي - إذا لم تكن مندوحة عن ذكر هذه الأبحاث - أن نصوغ عنوان كتابنا بما يدل على الشمول، ويزداد تعطفاً فيذكرنا بكتاب (موجز تاريخ العرب) للسيد أمير علي الهندي الذي نعرفه حق المعرفة! ولقد كان بودنا أن نتبع نصحه - ولو مرة واحدة - تشجيعاً للنقد، وثقة بنية صاحبه، لولا أنه سها عن أننا بسبيل وضع جملة أجزاء لكل جزء عصر خاص به. فإذا اقتدينا بمن ذكره لحق علينا قوله ليس لدينا غرض واحد محدود نرمي إليه ونسير على هديه، ولعله تذكر أخيراً أن هناك خمسة أجزاء باقية ستصدر بعد هذا الجزء - إن شاء الله

ص: 71

- فلم يشأ إلا أن يزودنا - كعادته - بنصحه، وبأن نكون في وضعها أشد تحفظاً وأكثر تثبتاً

على أننا نضحك أشد الضحك حيث يرشدنا الناقد إلى الاقتداء يوضع السيد أمير علي لاسم كتابه (موجز تاريخ العرب) ذلك الكتاب الذي وصف مؤلفه بأنه (متوسط المكانة التاريخية) كما وصف أيضاً المؤرخ المشهور السير وليام ميور الذي خلف لنا كتابه في سيرة النبي وكتابه الآخر في الخلافة بأنهما قديمان. ونحب - قبل أن نترك هذه النقطة - أن نهمس في إذن الناقد بأن المؤلف الأول السيد أمير علي، الذي لم يرق في نظره أن أخذنا عنه بعض ما أخذنا، يقول عنه الأستاذ أدوارد براون في كتابه تاريخ الفرس الأدبي ، ، 4 188) في سياق كلامه على مبدأ ظهور الإسلام ما نصه:

(هذه المسائل قد ناقشها في مؤلفاتهم بكفاءة ولباقة كل من سيل، وسبرنجر، وميور، وكرهل، ونلدكه، وبوزول سميث، والسيد أمير علي

والسيد أمير علي هو ذلك المسلم العصري الواسع الفكر والاطلاع، جمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، وهو حقيق بأن يطلع على كتابه كل من يرغب في تفهم ذلك النفوذ القوي الذي لا يزال يتمتع به الإسلام ونبيه، حتى في نفوس هؤلاء الذين أشربوا روح الثقافة الأوربية)

ونعود إلى بعض ما أورده حضرة الناقد - أستغفر الله! بل إلى الإرشاد ما نقده - ليعدل في المستقبل عن تكلف ما لا يحسن - على رأيه فينا - وليستوعب ما يقرأ ويصرف نشاطه في مدارستها، فما يكون الإنسان كاتباً إلا بعد أن يكون قارئاً، وإنها لكبيرة أن يعمد واحد إلى كيل التهم والتشكيك غير مراع للتاريخ حرمته، ولا للقارئ عقليته، ولا للحق كلمته

يقول: (إن تشريع القبلة وحكمته يظفران في كتابنا بثلاث صفحات، في حين أن غزوة بدر التي تعتبر بحق أهم وقائع الإسلام، ومن وقائع التاريخ الفاصلة لا تكاد تظفر بصفحة واحدة؛ وأم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك تخص بصفحتين، في حين أن الأحداث الجسام التي وقعت زمن الخليفة يزيد ابن الوليد بن عبد الملك تركز وتضغط في أسطر قلائل)

وبحسبنا أن يرجع القارئ إلى كتابنا ليرى كيف تفتل بعض الأقلام من الهواء حبالاً،

ص: 72

وتخلق من الواقع محالاً. إن غزوة بدر ومقدماتها ظفرا وحدهما من صفحات الكتاب بنحو ثلاث عشرة صفحة (صفحة 136 - 148)، وإلا فهل كان الناقد يظن الكلام في الجهاد وأسبابه، والغنائم وشرعيتها، وهل الدعاية إلى الدين كانت من طريق السلام أو الحسام - كل هذا يظنه بمنأى عن غزوة بدر ولا يتعلق بها، وأننا لم نفصل الكلام على هذه المواضيع بمناسبة تخالف تلك الغزوة الخالدة؟ وهل كان يريد أن نستبدل هذه الأحداث الهامة بذكر ما قيل في رثاء قتلى المشركين، وما تقدمت به قتيلة تعاتب الرسول لقتل أخيها النضر، وما وقع في قتل أبي جهل مما تختص به كتب السير؟ أما إن الأحداث الجسام التي وقعت زمن يزيد بن الوليد ركزت وضغطت في أسطر قلائل فدعوى غريبة، يكفي لوأدها صفحات الكتاب من 523 إلى 550، وفيها أسباب سقوط الدولة الأموية، والتعرض بالتفصيل لهذه الأحداث الجسام التي وقعت أيام يزيد وغيره

إنما اللوم على من يحسبها

ظلمة من بعد ما يبصرها

في الأمثال (لا يشكر الله من لا يشكر المحسن من الناس) وإذا كنا في كلمتنا السابقة أخذنا على بعض المستشرقين أنهم أحياناً ينظرون إلى تاريخ الإسلام من خلال مذاهبهم الدينية، لا أبحاثهم التاريخية، فإننا لا نكتمهم حق الشكر على إنهم عاونوا في رفع الحجب التي أسدلتها العصور المظلمة على تاريخنا، وسلوكه في سلسلة تصل أوله بآخره، وتمد القابض عليها السائر حذاءها بما يمكنه من إدراك ما فيه من قوة وضعف واعتلاء وابتلاء. هذا ما كتبه فون كريمر، وبروان، وكرهل، والسير توماس أرنولد، وأميل درْ منجم وغيرهم، يدل على توفيق كبير في استخراج الوقائع والعبر التاريخية واضحة جلية بعد أن اختلطت أحداثها وتعددت نظمها وآراؤها، وبعد أن كان التاريخ سيراً يتفكه بها الخالون ويحتقرها العالمون، صار بفضل تلك الأبحاث العلمية الحديثة فناً كريماً تقرن فيه الموقعة بالموعظة، وتلحق فيه البينات والشواهد آثار رجالاته وبيئاته، حتى غدت منابعه عذبة للواردين وطرقه معبدة للمدلجين. فليس من الأصناف ما ذهب إليه الناقد من أن التاريخ الإسلامي لم ينهض بعد في الشرق نهضته المستقلة المنشودة، وأنه لا يزال قصصاً يقص وسيراً ساذجة تتلى. أجل! كان من حسن الحظ - أو من سوئه - أن الناقد بعد أن نعى علينا ما نعى، وبعد أن ملأ مقالاته الأربع بما يستر هب بعض الألباب حتى ظنته إمام هذه الصناعة،

ص: 73

ذهب بعيداً جداً في الاعتداد والإرشاد، وعمم بعد تخصيص، وألقاها كلمة داوية بأن التاريخ الإسلامي في الشرق لم ينهض نهضته ولمّا يجد من يقيل عثرته، وأن روح الجماعات وأثر البيئة والتقاليد وعمل المبادئ والعقائد، والقوى الاجتماعية والاقتصادية لا تزال في العربية أسراراً لم ترفع عنها الحجب. فهذا الكاتب يرى أن كل ما ألف أو درس في التاريخ الإسلامي من أصول وفروع وبيئات وتقاليد لغو وباطل، سواء أكان الدارسون شرقيين أو مستشرقين

كان الظن بمن ينقد شيئاً أن يرينا مثلاً أعلى لما ينبغي أن يكون عليه طريق البحث ويدلنا عما صنع هو للاحتذاء والأسوة، فالنفس دائماً مولعة بأن تتبع ذا الفعال، وقلما تفيدها الأقوال (ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتعظيم من معلم الناس ومؤدبهم). ويظهر أن الناقد استشعر هذا الإشكال الجديد، فهو يحاول النجاة بأن الذي يحول دون نمو الروح التاريخي الصحيح في الشرق هو ما يعترض الباحث من وعورة المسلك وبعد الشقة وصعوبة المنال. مرحى مرحى!! كأنه يعتذر عن عدم إخراجه ولو مؤلفاً واحداً بما ذكر، ويتهم كل المؤرخين بأن التاريخ في كتبهم لا يزال قصصاً يقص وسيراً ساذجة تتلى، ويكتب أربع مقالات ينقدنا فيها نقداً لاذعاً، ويدعونا إلى الأخذ من هذا وترك الأخذ من ذاك. وما عهدنا واعظاً حكيماً يهدي إلى طرق لم يسلكها، ويكلف الناس بواجبات لم يتذوقها، أو يثقل عاتق الناس بما عجز عن حمله، أو يسهو عن أن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره. عفا الله عن ابن المقفع، فقد ذكر في ترجمة (كليلة ودمنة) أمثالاً صالحة لمن يغشى حلبة السباق وهو مقعد، أو يتولى سدة الوعظ وهو محتاج إلى الرشد

وبعد فما كان أغنى قراء (الرسالة) عن هذا كله، وما كان حق النقاد ألا يشرعوا قلمهم إلا لله والمصلحة العامة، لا تنزو بهم نازية من خوف أو طمع. ولكن هكذا قدر (ولو شاء ربك ما فعلوه)

ولقد رأى حضرات القراء أن هذه الزوبعة التي هول في أمرها وأطال بذكرها لم تكن بذات خطر تمد له في تجريحه مداً. ولله الحمد قد آن لنا بعد أن حصحص الحق أن نمسك القلم شاكرين (للرسالة) والقراء، معتذرين - بدورنا - عما عسى أن يكون يدر به القلم - فالبادئ أظلم. ومن لا يغار على الحق وكرامته يتهم في رجولته. (فأما الزبد فيذهب جفاء،

ص: 74

وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)

انتهى

حسن إبراهيم حسن

ص: 75

‌الكتب

مفتاح كنوز السنة

من عمل الأستاذ ا. ي. فنسنك

ترجمة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي

بقلم الأستاذ محمد حامد الفقي

مطبعة مصر: ثمنه ستون قرشاً مصرياً

كان الباحث الذي تتوجه نفسه إلى معرفة علم الحديث والاشتغال به يجد نفسه أمام كنوز ملأى بالجواهر النفيسة، فإذا ما حاول فتح مغلقها أخذه من العناء والمشقة الشيء الكثير المضني، لأنها جمعت على طرق من التأليف كانت آخر ما وصل إليه تفكير المتقدمين حين لم تكن مطابع، ولم تخرج العقول هذه الفنون المدهشة من الفهارس، والمفاتيح التي وصل إليها عقل العلماء اليوم بكثرة المران

كان يجد أمامه هذه الصعاب، فيضرع إلى الله تعالى أن ييسر بفهرس يكون مفتاحاً لهذه الكنوز، يهون عليه الوصول إلى بغيته؛ ولقد طال أمد هذه الضراعة حتى خرج علينا الأخ الفاضل محمد فؤاد عبد الباقي بهذا المفتاح المبارك الذي ما ترك كنزاً مغلقاً إلا فتحه على مصراعيه، ونثر دره بين يدي الطالب يأخذ منها حاجته التي يبتغيها

فالكاتب، والخطيب، والمدرس، والفقيه، والمحدث، وكل من تعوزه صنعته، أو تقواه وعبادته، إلى شيء من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفزع إلى هذا المفتاح فيضع في يده بسخاء كل ما يبتغي ويريد. وقد قدم له الإمام الكبير محدث عصره السيد رشيد رحمه الله، والمحدث الفاضل الشيخ احمد شاكر بمقدمتين، نقتطف منهما جملاً تنبئ القارئ الكريم عن عظيم الحاجة إلى هذا المفتاح إذ قال السيد رشيد رحمة الله عليه ورضوانه:

(ولو وجد بين يدي مثل هذا المفتاح لسائر كتب الحديث لوفر عليّ أكثر من نصف عمري الذي أنفقته في المراجعة. ولكنه لم يكن ليغنيني عن هذا الكتاب (مفتاح كنوز السنة) فإن ذاك إنما يهديك إلى مواضع الأحاديث القولية التي تعرف أوائلها، وهذا يهديك إلى جميع

ص: 76

السنن القولية والعملية، وما في معناهما، كالشمائل والتقريرات والمنقب والمغازي وغيرها، فلو كان بيدي هو أو مثله في أول عهدي بالاشتغال بكتب السنة لوفر عليّ ثلاثة أرباع عمري الذي صرفته فيها)

وقال الأستاذ الشيخ احمد شاكر (وقد عني الصديق فؤاد أفندي بالدقة في الترجمة أتم عناية، فإنه لم يترجم معنى من المعاني حتى رجع إلى الأحاديث في مصادرها التي أشار إليها المؤلف وعبر عنها بالعبارة الصحيحة التي تدل عليها الأحاديث. ولذلك مكث في ترجمته أربع سنين ثم لم يضن على طبعه بالمال، فاختار أرقى المطابع في القاهرة وانتقى له أجود أنواع الورق، فأبرز الكتاب كاملاً. . .)

(هذا الكتاب جعله مؤلفه فهرساً لثلاثة عشر كتاباً من أمهات كتب الحديث. وهي: مسند الإمام احمد بن حنبل. صحيح البخاري. صحيح مسلم. سنن الدارمي. سنن أبي داود. سنن الترمذي. سنن النسائي. سنن ابن ماجه. وهذه الثمانية هي أصول السنة ومصادرها الصحيحة الموثوق بها. ويندر أن يكون حديث صحيح خارجاً عنها. ثم موطأ الإمام مالك. ومسند أبي داود الطيالسي. . . ثم سيرة ابن هشام. ثم كتاب المغازي للإمام محمد بن عمر الواقدي. . . ثم أعُظم كتاب جمع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتراجم الصحابة والتابعين فمن بعدهم وهو كتاب الطبقات الكبير لابن سعد. والكتاب الرابع عشر المسند المنسوب إلى زيد بن علي بن الحسين. . . وقد رتب الأستاذ فنسنك كتابه على المعاني والمسائل العلمية، والأعلام التاريخية، وقسم كل معنى أو ترجمة إلى الموضوعات التفصيلية المتعلقة بذلك، ثم رتب عناوين الكتاب على حروف المعجم، واجتهد في جمع ما يتعلق بكل مسألة من الأحاديث والآثار الواردة في هذه الكتب. . . . . ولعل نشر هذا الكتاب بلغتنا العربية الشريفة يكون سبباً في إقبال المتعلمين من جميع الطبقات على الاشتغال بالسنة النبوية، وعلى الاستفادة من كتب الحديث التي هي كنوز العلم والحكمة التي أعرض عنها أكثر الناس، إما جهلاً بفائدتها، أو عجزاً عن المراجعة فيها عند الحاجة)

وقد وضع الأستاذ فؤاد عبد الباقي لهذا المفتاح فهارس أخرى تيسيراً للمنفعة به وبالمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، صدر منها فهرس البخاري ومسلم والترمذي. ولعلنا نتكلم عنها وعن المعجم المفهرس في فرصة أخرى

ص: 77

محمد حامد الفقي

ص: 78

‌القصص المدرسية

يصدرها الأساتذة سعيد العريان - أمين دويدار - محمود

زهران

المدرسون بالمدارس الأميرية

ماذا يقرأ الطفل في وقت فراغه؟

بل ماذا يقرأ الطفل في مدرسته؟

ولماذا ينقطع أكثر شبابنا الذين أتموا دراستهم، عن المطالعة والدرس فلا يتذوقون لذة القراءة، ولا يلتمسون متاع الروح ورياض العقل بالاطلاع والنظر في الكتب؟

هذه أسئلة تعرض لكل ذي رأي في هذا البلد، فيذهب يلتمس الجواب، ويعرض الرأي، ويناقش الفكرة، فلا يهتدي إلا إلى رأي واحد: هو أن الطفل العربي لا يجد ما يقرأه فيلذه ويفيده في وقت معاً؛ فما بين يديه من الكتب واحد من ثلاثة: كتاب مدرسيّ يراه همّ النهار والليل، وكتاب في مكتبة أبيه يعيا من دونه فكره ويقصر إدراكه، وصحيفة بين هذين أو في مذهب ثالث، ليس من الحكمة أن تصل إليها يده. والطفل بين ذلك كله لا يجد ما يجذبه إلى القراءة أو يحببه إلى الاطلاع فينشأ نشأته كما نرى أكثر شباب هذا الجيل

ومن هنا بدأ تفكير بعض أدباء العربية في تلافي هذا النقص فاتجهوا بعنايتهم إلى محاولة إيجاد (أدب الطفل)، ويعنون بأدب الطفل، ذلك الأدب السهل الذي يلذ الطفل ويشوقه، ويحمله - بالرغبة والميل الطبيعي - على المطالعة وحب الكتب، منبثاً في ثناياه ما يُراد أن يزود به الطفل من علم وفن ومعرفة وبيان، فيتناوله مقبلاً عليه بقلبه وعقله وطبيعته؛ وكانت محاولات مجدية، أضافت إلى العربية فناً جديداً، وأوجدت بينها وبين نفس المتعلم سبباً وثيقاً

على أن هذه (القصص المدرسية) التي نتكلم عنها اليوم - اتجاه جديد في هذا الباب من الأدب؛ فلم يقتصر مؤلفوها على الترجمة من أدب الغرب، أو النقل من كتب الأدب القديم، كما فعل من سبقهم إلى هذا الباب؛ بل تراهم يحاولون أن ينشئوا (أدب الطفل) أصيلاً في العربية، مصوراً من هذا الجو الذي يعيش فيه طفل اليوم؛ وبذلك أوجدوا الصلة بين الطفل

ص: 79

ولغته، وبينه وبين أهله، وبينه وبين الجو الذي يعيش فيه، فلا يعييه بعد إذ أن يتابع القصة بخياله، كأنه بطل فيها، مؤثر في حوادثها؛ وهذا - لعمري - نهج سديد، خليق بأن ينشئ من أطفالنا جيلاً جديداً، له مُثُله العليا على مقداره، وله رأيه فيما يحيط به

وقد استقبلنا هذه القصص لأول ظهورها منذ عام، فرحين آملين، مشفقين على مثل هذا المشروع أن يقف في طريقه ما يقف في سبيل أكثر الجهود النافعة في بلدنا فيحول دونها أن تبلغ التمام. ولكنا اليوم إذ تطالعنا القصة الخامسة من هذه القصص الدورية - نستبشر ويزايلنا الإشفاق على مصير هذا العمل النافع. على أن جهداً كهذا الجهد الذي يبذله مؤلفو القصص المدرسية صامتين - جدير بأن يلقى ما يستحق من عناية الآباء والمعلمين ليدلوا تلاميذهم عليه، ويرشدوهم إلى سبيل الانتفاع به. لينجح المشروع ويؤتي ثمرته في أولادهم وتلاميذهم

وما نحاول أن نصف هذه القصص بأكثر مما وصفها الأستاذ الرافعي في رسالة كتبها إلى المؤلفين بخطه يقول فيها: (إنها رجولة عالية تساق إلى التلميذ في أسلوب التلميذ!)

(م)

ص: 80