المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 170 - بتاريخ: 05 - 10 - 1936 - مجلة الرسالة - جـ ١٧٠

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 170

- بتاريخ: 05 - 10 - 1936

ص: -1

‌سعد زغلول

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

وقال صاحب سرّ (م) باشا: ألقى إليّ الباشا ذات يوم أن (سعداً) مصَبِّحُنا زائراً، وكانت بين الرجُلين خاصة وأسباب وطيدة. وللباشا موقع أعرفه من نفس سعد كما أعرف الشعلة في بركانها؛ أما سعد فكان قد انتهى إلى النهاية التي جعلته رجلاً في إحدى يديه السّحر وفي الأخرى المعجزة، فهو من عظماء هذه البلاد كقاموس اللغة من كلمات اللغة يردُّ كلُّ مفردٍ إليه في تعريفه، ولا تصح الكلمة عند أحدٍ إلا إذا كانت فيه الشهادة على صحتها.

وجاءنا سعدُ غُدْوَةً فأسرعتُ إلى تقبيل يده قبلةً لا تشبهها القبلات، إذ مُثلت لي من فرحها كأنها كانت منفية ورجعت إلى وطنها العزيز حين وُضعت على تلك اليد. إن ابن الرجل العظيم إذا كان باراً بأبيه عارفاً قدره مدركاً عظمته، يشعر حين يقبِّل يده كأنه يسجد بروحه سجدة لله على تلك اليد التي يقبلها، ويجد في نفسه اتصالاً كهربائيا بين قلبه وبين سرّ وجوده، ويَخُصُّه العالم بلمسة كأن قُبلتَه نبضت في الكون؛ وكل هذا قد أحسسته أنا في تقبيلي يد سعد، وزدت عليه شعوري بمثل المعنى الذي يكون في نفس البطل حين يقبل سيفه المنتصر.

وضحك لي سعد باشا ضحكته المعروفة التي يبدأها فمه، وتتممها عيناه، ويشرحها وجهه كلُّه، فتجد جوابها في روحك كأنه في روحك ألقاها.

والرجل من الناس إذا نظر إلى سعد وهو يتبسم، رأى له ابتسامةً كأنها كمال يتواضع، فيُحس كأن شيئاً غير طبيعي يتصل منه بشيء طبيعي، فينتعش ويثب في وجوده الروحي وثبةً عالية تكون فرحاً أو طرباً أو إعجاباً أو خشوعاً أو كلَّها معاً. غير أن الرجل من الحكماء إذا تأمل وجه سعد وهو يضحك ضحكته المطمئنة المتمكنة من معناها المقِر أو المنكِر أو الساخر أو أيِّ المعاني - حسب نفسَه يرى شكلاً من القول لا من الضحك، وظهرت له تلك الابتسامة الفلسفية متكلمة كأنها مرة تقول هذا حقيقي، ومرة تقول هذا غير حقيقي.

إن سعداً العظيم كان رجلاً ما نظر إليه وطنيٌّ إلا بعين فيها دلائل أحلامها، كأنما هو شخص فكرة لا شخص إنسان؛ فإذا أنت رأيته كان في فكرك قبل أن يكون في نظرك،

ص: 1

فأنت تَشهده بنظرين: أحدهما هذا الذي تُبصِر به والآخر ذاك الذي تؤمن به.

عبقريٌّ كالجمرة الملتهبة لا تحسبه يعيش بل يحترق ويُحرق؛ ثائرٌ كالزلزلة فهو أبداً يرتجُّ وهو أبداً يَرُجُّ ما حوله؛ صريح كصراحة الرسُل، تلك التي معناها أن الأخلاق تقول كلمتها.

رجلُ الشعب الذي يُحس كلُّ مصري أنه يملك فيه مِلكا من المجد. وقد بلغ في بعض مواقفه مبلغ الشريعة فاستطاع أن يقول للناس: ضعوا هذا المعنى في الحياة، وانزعوا هذا المعنى من الحياة.

قال صاحب السر: وانقضت الزيارة وخرج سعد والباشا إلى يساره، فلما رجع من وداعه قال لي: والله يا بني لكأنما زاد هذا الرجل في ألقاب الدولة لقباً جديداً؛ ثم ضحك وقال: أتدري ما هو هذا اللقب؟ قلت: فما هو يا باشا؟

قال: والله يا بني ما من (باشا) في هذه الدولة يكون إلى جانب سعد إلا وهو يشعر أن رتبته (نصف باشا). . .

هذا رجل قد بلغ من العظمة مبلغاً تصاغر معه الكبير، وتضاءل العظيم، وتقاصر الشامخ؛ نعم وحتى ترك أقواماً من خصومه العظماء كفلان وفلان وإن الواحد منهم ليلوح للشعب من فراغه وضعفِه وتَطَرُّحه كأنه ظلُّ رجلٍ لا رجل.

وقد أصبح قوةً عاملة لا بد من فعلها في كل حيّ تحت هذا الأفق حتى كأن معاني نفسه الكبيرة تنتشر في الهواء على الناس فهو قوة مرسلة لا تُمسك، ماضية لا تُرد، مقدورة لا يحتال لها بحيلة.

هذا وضع إلهي خاص لا يشبه أحد في هذه الأمة كميدان الحرب لا تشبهه الأمكنة الأخرى؛ فقد غامر سعد في الثورة العرابية وخرج منها ولكنها هي لم تخرج منه بل بقيت فيه. بقيت فيه تتعلم القانون والسياسة وتُصلح أغلاطها ثم ظهرت منه في شكلها القانوني الدقيق. وبهذا تراه يغمُر الرجال مهما كانوا أذكياء لأن فيه ما ليس فيهم؛ وتراهم يظهرون إلى جانبه أشياء ثابتة في معانيها، أما هو فتراه من جميع نواحيه يتلاطم كالأمواج العاتية.

وتلك الثورة هي التي تتكلم في فمه أحياناً فتجعل لبعض كلماته قوة كقوة النصر وشهرة كشهرة موقعة حربية مذكورة.

ص: 2

ولما كان هو المختار ليكون أباً للثورة - حرمته القدرة الإلهية النسل وصرفت نزعة الأبوة فيه إلى أعماله التاريخية، ففيها عنايته وقلبُه وهمومُه، وهي نسل حيٌّ من روحه، ويكاد معها يكون أسداً يزأَرُ حول أَشباله.

ولن يُذكَر السياسيون المصريون مع سعد، ولن يذكر سعد نفسُه إذا انقلب سياسياً، فإن المكانَ الخالي في الطبيعة الآن هو مكان رجل المقاومة لا رجل السياسة. وهذا هو السبب في أن سعدا يُشْعِر الأمة بوجوده لذةً كلذة الفوز والانتصار وإن لم يفز بشيء ولم ينتصر على شيء؛ فاطمئنان الشعب إلى زعيم المقاومة هو بطبيعته كاطمئنان حامل السلاح إلى سلاحه.

وسعد وحده هو الذي أفلح في ن يكون أستاذ المقاومة لهذه الأمة، فنسخ قوانين وأوجد قوانين، وحمل الشعب على الإعجاب بأعماله العظيمة، فنبَّه فيه قوةَ الإحساس بالعظمة فجعله عظيماً، وصرفه بالمعاني الكبيرة عن الصغائر، فدفعه إلى طريق مستقبله يُبدع إبداعه فيه.

إن هذا الشرق لا يحيا بالسياسة، ولكن بالمقاومة مادام ذلك الغربُ بازائه؛ والفريسة لا تتخلص من الحلق الوحشيّ إلا باعتراض عظامها الصُّلبة القوية.

وكم في الشرق من سياسي كبير يجعلونه وزيراً فتكون الوظيفة هي الوزير لا نفس الوزير، حتى لو خلعوا ثيابه على خشبة ونصَّبوها في كرسيه لكانت أكثر نفعاً منه للأمة بأنها أقل شراً منه. . . .

يا بني كل الناس يرضون أن يتمتعوا بالمال والجاه والسيادة والحكم، فليست هذه هي مسألة الشرق، ولكن المسألة: من هو النبي السياسيُّ الذي يرضى أن يُصْلَب. . . .؟

(طنطا)

مصطفى صادق الرافعي

ص: 3

‌صور سياحة

2 -

صروح باريس وطرف من معالمها وآثارها

بقلم سائح متجول

دار الحديث على ظهر السفينة بيني وبين صديق ممن درسوا في باريس وعرفوا كثيراً من معالمها وأحوالها، فقال لي حين أعربت له عن آرائي في باريس ومجتمعاتها وخواص حياتها الاجتماعية:(خذ باريس وحده، واترك من فيها).

وهي تفرقة في موضعها؛ ففرق بين باريس العاصمة التالدة التي تزخر بالربوع والمعاهد الأثرية والعلمية الجليلة، وبين المجتمع الباريزي وخلاله ومظاهر حياته.

وسنخص باريس بالحديث في هذا الفصل، ونحاول أن نعرض لمحة من معالمها ومعاهدها وآثارها العظيمة.

باريس عاصمة القرون والأجيال المتعاقبة؛ وإنك لتلمح في ربوعها ومعاهدها هذا التعاقب في القرون والأجيال، فمن آثار رومانية وقوطية، إلى آثار العصور الوسطى، ثم عصور الملكية الزاهرة وآثار الثورة ثم الإمبراطورية والعصر الحديث؛ وهذه الأجيال المتعاقبة هي فخر العاصمة الفرنسية، وتراثها من أجل ما عرفت الأمم والعواصم التالدة.

وهذا التعاقب في العصور ظاهر الأثر في باريس وفي أحيائها، فباريس مدينة عظيمة شاسعة الأرجاء ولكنها تبدو كأنها عدة مدن متباينة شيدت في عصور وظروف مختلفة؛ فمن أحياء قديمة تغص بالشوارع الضيقة والمباني العتيقة وتحمل أسماء تاريخية لا شك في قدمها، ومن أحياء جديدة تلمح أثر التجديد في شوارعها وميادينها الشاسعة، ومن أحياء مزجت بين القديم والجديد؛ وهذا التباين في تخطيط العاصمة الفرنسية وفي أحيائها يجعل منها مدينة قليلة التجانس والتناسق، بيد أن مسحة من الجلال والعظمة تطبع هذه المجموعة الضخمة المتباينة من المعالم والربوع.

وفي باريس من المشاهد التاريخية الجليلة ومن المواطن والأحياء العظيمة ما يقتضي وصفه فصولاً بأسرها؛ ولقد خصت هذه المواطن ببعض الكتب الساحرة من قلم المؤرخ لينوتر وغيره؛ وسنحاول أن نمر مسرعين بطائفة من هذه المشاهد والمواطن التي كتب عنها الكثيرون من قبل.

ص: 4

ن أروع المشاهد التاريخية الباريزية في نظرنا هو قصر اللوفر وذخائره الفنية الجليلة؛ فهذا القصر القديم الذي يجثم كالخلود على ضفاف السين، يمثل أجيالاً من عظمة فرنسا وعظمة الملوكية الفرنسية، وفي أبهاء اللوفر وقاعاته الرائعة تذكر عصور آل فالوا وآل بوربون: عصور فرانسوا الأول وكاترين دي مديتشي، وهنري الرابع، ولويس الرابع عشر، بكل ما فيها من روعة ودسائس ومنافسات، ومآس دموية، وأيام زاهرة.

وتضم أجنحة اللوفر اليوم عدة من المجموعات الفنية الجليلة، ولا ريب أن متحف التصوير الذي يشغل عدة أبهاء شاسعة من اللوفر هو أعظم هذه المجموعات وأغناها؛ فهنالك تمثل أقدم مدارس التصوير منذ بدء عهد الأحياء إلى أحدثها، وهنالك مجموعات حافلة لأعظم أساتذة التصوير الإيطاليين مثل ليوناردو دافنشي، ولي تسيان، ورافائيل سانزيو، وبورجينو وغيرهم، وأعظم الأساتذة الأسبانيين مثل موريليو وفيلاسكيز، وهنالك أيضاً مجموعات حافلة لأعظم المصورين المحدثين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ وربما كانت مجموعات عصر الأحياء التي يحتويها اللوفر أعظم وأغنى مجموعات من نوعها بعد مجموعات قصر الفاتيكان، بل يلوح لنا أن في اللوفر مجموعات لبعض الأساتذة أغنى من نظائرها في الفاتيكان: وفي اللوفر أيضاً مجموعات فاخرة من التحف والحلي الملوكية التي تبهر الأبصار بجمالها وروعتها؛ وبه أجنحة ومجموعات فنية أخرى تقتضي عدة زيارات لاستعراضها وتأملها.

وما زال قصر اللوفر يحتفظ بروعته الملوكية سواء في أبهائه وغرفه الداخلية أو في واجهاته الخارجية، وما زالت ساحاته الشاسعة وأبراجه القاتمة تحتفظ بجلالها القديم؛ ومما يبعث إلى الأسف أن ساحة اللوفر الكبرى مفتوحة من جانبيها لمرور السيارات الضخمة (الأومنبوس) ذهاباً وإياباً، وفي ذلك تشويه للساحة وللقصر ذاته، وإن كان فيه تسهيل للمرور، واختصار للطريق.

وفي قلب باريس عدة قصور تاريخية شهيرة أخرى نذكر منها قصر اللكسمبور الذي يقع في حديقة اللكسمبور الشهيرة، ويشغله الآن مجلس الشيوخ (السينا)، وقصر بوربون الذي يشغله الآن مجلس النواب؛ والقصر الملكي (الباليه رويال) الذي بناه الكردينال ريشليو لإقامته، وتركه بعد وفاته للملك، وسمي الباليه رويال؛ وقصر التويلري الذي بدأته كاترين

ص: 5

دي مديتشي، وأتمه هنري الرابع؛ ولهذه القصور التاريخية كلها سير وذكريات شهيرة تملأ صحفاً حافلة من الأدب الفرنسي؛ وهنالك أيضاً قصر (الأليزيه) الذي يرجع إلى القرن الثامن عشر، والذي جعل مقراً لرآسة الجمهورية في العصر الأخير.

وثمة أثران يحوطهما جلال مؤثر، ويبثان إلى المتأمل شجناً خاصاً، هما (دار الانفاليد) و (البانتيون)؛ وتحتوي (دار الانفاليد) أو دار العجزة، التي تقع في شمال غربي باريس في ميدان شاسع جداً، فضلاً عن المستشفى الذي يخلد اسمها وصفتها، على (قبر الإمبراطور) أو قبر نابليون. ويقع القبر في طرفها الشمالي، وهو عبارة عن حظيرة مستديرة تغطيها قبة عظيمة، وقد نصبت في وسطها منصة رخامية عالية، ووضع فوقها تابوت فاخر من المرمر الأحمر القاتم يحوي رفات الإمبراطور؛ ونصبت حول المنصة مجموعة من الأعلام التاريخية التي غنمها الإمبراطور في مختلف المواقع الشهيرة؛ مارنجو، فاجرام، أوسترلتز، إيلو، يينا وغيرها؛ ومن بين هذه الأعلام علم كتب عليه (موقعة الأهرام)، ولكن ليست عليه كتابة عربية تدل على أصله؛ والحق ن منظر قبر الإمبراطور يبعث إليك كثيراً من الروع والإجلال لذكرى ذلك الذي ملأت حياته وأعماله العسكرية الباهرة مرحلة كاملة من تاريخ أوربا بأسرها.

وأما البانتيون، فهو كما تعلم مقبرة الخالدين؛ وقد كان في الأصل كنيسة تسمى (سانت جنفياف)، حولت أيام الثورة إلى مقبرة قومية للعظماء؛ ويقع البانتيون في شارع سوفلو في الحي الجامعي على مقربة من الكليات؛ وما زال البانتيون على وضعه الأول كنيسة فخمة تزين جدرانها طائفة من الصور الدينية البديعة؛ ولكن جلال البانتيون في أقبيته السفلى؛ ففي تلك الأقبية التي قسمت إلى أروقة وحظائر مختلفة يرقد عدة من أبناء فرنسا الخالدين من القواد والكتاب والمفكرين؛ وربما كانت أسماء فولتير، وروسو، وديدرو، وزولا، وجوريس، هي أعظم الأسماء رنيناً في أقبية البانتيون؛ بيد أن هنالك أسماء كثيرة من القادة والزعماء السياسيين أيام الإمبراطور الأولى والإمبراطور الثانية: هذا تابوت المارشال ناي، وهذا إناء يحتوي قلب ليون جامبتا. . . وهذا تابوت جان جوريس الذي اعتبر يوم مقتله في سنة 1914 خائناً للوطن، واعتبر بعد ذلك بعشرة أعوام من أبطال الوطن ونقلت رفاته إلى البانتيون؛ وهذا تابوت فولتير؛ ولكن هل عثر الخلف حقاً برفات فولتير؟ لقد ثار

ص: 6

حول ذلك جدل منذ أعوام، وقرأنا في بعض الصحف الفرنسية الكبرى أنه قد عثر على هيكل عظمى في بعض أقبية كنيسة في روان، يظن من شكل جمجمته وفكيه أنه هيكل فولتير، خصوصاً وأنه يروي أن الذي تولى دفنه هو عمه راعي هذه الكنيسة، وأنه دفنه في بعض أقبيتها، ولكن دليل البانتيون يرفض أن يستمع إلى هذه الرواية ويؤكد بكل قواه أن رفات فولتير ترقد في التابوت المرقوم باسمه!

وكما أن باريس غنية بالقصور الملوكية القديمة، فهي غنية أيضاً بالكنائس الأثرية؛ ومن أقدم وأشهر كنائس باريس كنيسة (نوتردام) التي يرجع بناؤها إلى القرن الثاني عشر، والتي يقترن اسمها وسيرتها بكثير من الحوادث التاريخية؛ وكنيسة (سانت شابيل) التي تقع في (الباليه دي جستيس)(دار العدل)، والتي بناها لويس التاسع في القرن الثالث عشر؛ وهذه الكنيسة الصغيرة هي حلية ساطعة بين الآثار الباريزية، وقد بنيت على الطراز القوطي بافتنان بارع، وزينت بنقوش ذهبية رائعة، وجعلت من طبقتين؛ وكنيسة المادلين الفخمة التي تقع في الميدان الشهير المسمى باسمها، والتي ترجع إلى القرن الثامن عشر؛ وكنيسة سان سلبيس التي تقع في نهاية حي سان جرمان على مقربة من الوكسمبور، وقد أقيمت أمامها في الميدان المسمى باسمها نافورة أثرية تحوطها تماثيل أربعة لبوسويه وفنيلون وفلشييه وماسيون؛ وهنالك غير ذلك من الكنائس الأثرية مما يضيق المقام عن ذكره.

وهنالك، على مقربة من (سانت شابيل)، في الناحية الأخرى من دار العدل يوجد صرح يثير اسمه وذكرياته في النفس شجناً وأسى: ذلك هو سجن (الكونسير جيري) الشهير الذي كان أيام الثورة مسرحاً لطائفة من المآسي المؤثرة. كم شهدت تلك الأبراج والغرف الحجرية الضيقة من محن وآلام، وكم سكبت بين تلك الجدران القاتمة من دموع؟ أجل هذا هو سجن (الكونسير جيري) الرائع الذي نقلت إليه ماري انتوانيت لتمضي أيامها الأخيرة قبل المحاكمة؛ لقد كانت هذه الكهوف المظلمة تغص أيام الثورة بالمحكوم عليهم، ومنها ينقلون إلى العالم الآخر. هذه غرفة ماري انتوانيت، وهذا هو الأثاث الحقير الذي استعملته ملكة فرنسا زهاء شهرين، وهذا هو مخدع الزينة الأخيرة الذي قص فيه شعرها وأعدت لتنفيذ حكم الإعدام: وهذه هي بعض مراسلات ووثائق رسمية تتعلق بالمحاكمة. . . . أجل

ص: 7

هذه هي الآثار المادية لمأساة من أروع وأشنع مآسي التاريخ! وإن القلب لينكمش أسى حينما يتأمل هذه الآثار المحزنة ويذكر ذلك العهد الدموي - عهد الإرهاب - بكل محنه وجرائمه وفظائعه.

وماذا نذكر أيضاً من صروح باريس العظيمة؟ هنالك الأوتيل دي فيل، أو (دار البلدية) بماضيها الحافل؛ ولقد كانت (الأوتيل دي فيل) في مستهل الثورة مستودعاً للسلاح، فاقتحمها الثوار يوم 14 يوليه، وأخذوا منها السلاح الذي هاجموا به الباستيل: غير أن الدار التي تقوم اليوم ليست هي الدار القديمة، وإنما هي دار جديدة أنشئت في مكانها وباسمها؛ وهنالك دار الأوبرا، وهي محدثة ترجع إلى نحو سبعين عاماً فقط؛ ولكن توجد ثمة طائفة أخرى من المسارح القديمة أشهرها مسرح (الاوديون) الذي أنشئ في أواخر القرن الثامن عشر، والذي ما زال يحتفظ بطابعه القديم، ويشرف بحناياه وأعمدته القصيرة القاتمة على الميدان الذي سمي باسمه من ناحية، وعلى اللوكسمبور من الناحية الأخرى.

وأما ميادين باريس فهي من أعظم وأروع ما تزدان به العواصم الجليلة:؛ وربما كان أعظمها وأبدعها ميدان (الشانزليزيه) الذي لا تكاد تلم العين بجنباته الشاسعة، والذي تنساب من إحدى ضفتيه حدائق الشانزليزيه الرائعة؛ وميدان (الأتوال) المستدير الشاسع الذي يقوم في وسطه قوس النصر، وتنساب من أطرافه عدة شوارع هامة سميت بأسماء قادة فرنسا، مثل لازار هوش، وكليبر، وفوش؛ وقوس النصر من أعلام الآثار الباريزية يثوي تحت ظلاله (الجندي المجهول)، ويحج إليه الزائرون أفراداً وجماعات في خشوع وإجلال؛ وميدان الشان دي مارس حيث يقوم برج إيفل الشهير، وميدان الكونكورد حيث تقوم مسلتنا المصرية، وميدان فندوم الذي يقع بجواره ويزينه عمود من أعمدة الحرية، وميدان المادلين الذي تتفرع منه أهم الشوارع التجارية؛ وميدان الباستيل الذي كان يشغله سجن الباستيل قبل الثورة، ويدل الآن عليه عمود الحرية القائم مكانه.

وتزدان باريس بعدة من الحدائق والبساتين الشهيرة، وفي مقدمتها حديقة اللوكسمبور الشاسعة، التي تزينها بعض البحيرات الصغيرة وتماثيل لملوك فرنسا وملكاتها؛ وبستان مونصو؛ وحدائق الاليزيه وغيرها؛ وأروع من ذلك كله غابة بولونيا التي تقع في غربي باريس، وهي بسيط شاسع من الأحراج النضرة تتخللها طرق نظمت أبدع تنظيم، بعضها

ص: 8

للسيارات، وبعضها للفرسان، وبعضها للسائرين؛ وتقدم هذه الغابة الشهيرة بطرقها ومتنزهاتها منظراً يأخذ باللب، ويذكي الخيال، وينعش المشاعر؛ ولقد كانت غابة بولونيا وما زالت متنزه الأرستوقراطية، وملتقى المحبين، يؤمون طرقاتها وأحراجها الساكنة في أمن وطمأنينة؛ ولم نر فيما رأينا من متنزهات أوربا وأحراجها النضرة، أبدع منظراً من هذه الغابة الساحرة التي تحمل طابع العناية الشاملة في سائر أنحائها.

هذه لمحة سريعة عن صروح باريس ومواطنها الأثرية العظيمة، ولسنا ندعي أنها لمحة شاملة، وكل ما هنالك أننا ذكرنا أهم ما يسترعي عناية السائح المتجول؛ أما الحديث عن الصروح والمعاهد العلمية فقد رأينا أن نستبقيه إلى فصل خاص.

(يتلى)

(? ? ?)

ص: 9

‌الجانب الصوفي في الفلسفة الإسلامية

للدكتور إبراهيم بيومي مدكور

مدرس الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب

- 4 -

لم يقف تصوف الفارابي عند المدرسة الفلسفية، بل تعداها إلى مدارس أخرى صوفية في الإسلام. وعلى رأس هذه المدارس يجب أن نضع مدرسة الإشراقيين التي عاشت في بلاد الفرس إلى القرن السابع عشر. ومؤسس هذه المدرسة هو السهروردي أو الشيخ المقتول المتوفى سنة 1191م. وكان ذا اطلاع واسع وخبرة تامة بالفرق الفلسفية التي تأثر بها عامة وبرجال مدرسة الإسكندرية وفلاسفة الإسلام السابقين بوجه خاص. ويظهر ن سعة اطلاعه ولدت فيه رغبة التوفيق بين الفلسفات والفلاسفة المختلفين. فالفلاسفة عنده رجال أسرة واحدة وفروع شجرة مباركة تمد الإنسانية بما فيها من ثمار وخيرات. أميدوقل وفيثاغورس وأفلاطون وأرسطو طاليس وبوذا وهرمس ومزدك وماني، وإن انتسبوا إلى شعوب مختلفة، هم أبناء الإنسانية أولاً وبالذات ورسل السلام والإصلاح. وعلى الجملة زهاد الهند وفلاسفة الإغريق وحكماء العراق يسعون وراء غاية واحدة، ويعملون على نشر نظرية ثابتة، وينطوون تحت لواء فلسفة واحدة، هي الفلسفة اإأشراقية. ومبدأ هذه الفلسفة وأساسها الأول أن الله نور الأنوار ومصدر جميع الكائنات. فمن نوره خرجت أنوار أخرى هي عماد العالم المادي والوحي. والعقول المفارقة ليست إلا وحدات من هذه الأنوار تحرك الأفلاك وتشرف على نظامها. فالفلسفة الإشراقية تعتمد إذن على نظرية العقول العشرة الفارابية مختلطة بعناصر مزدكية ومانوية.

وإذا كان العالم في جملته قد برز من إشراق الله وفيضه، فالنفس تصل كذلك إلى بهجتها بواسطة الفيض والإشراق. فإذا ما تجردنا عن الملذات الجسمية تجلى علينا نور إلهي لا ينقطع مدده عنا. وهذا النور صادر عن كائن منزلته منا كمنزلة الأب والسيد الأعظم للنوع الإنساني؛ وهو الواهب لجميع الصور ومصدر النفوس على اختلافها. ويسمى الروح المقدسة أو على لغة الفلاسفة العقل الفعال. ومتى ارتبطنا به أدركنا المعلومات المختلفة

ص: 10

واتصلت أرواحنا بالنفوس السماوية التي تعيننا على كشف الغيب في حال اليقظة والنوم. وليس للتصوف من غاية إلا هذا الارتباط؛ والإشراقييون يسعون إليه ما استطاعوا وكثيراً ما ينعمون به. أما لأنبياء فهم في اتصال دائم وسعادة مستمرة. يقول السهروردي: (إن النفوس الناطقة من جوهر الملكوت، وإنما يشغلها عن عالمها هذا القوي البدنية ومشاغلها، فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوي البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر تتخلص أحياناً إلى عالم القدس، وتتصل بأبيها المقدس وتتلقى منه المعارف، وتتصل بالنفوس الفلكية العالمة بحركاتها وبلوازم حركاتها، وتتلقى منها المغيبات في نومها ويقظتها كمرآة تنتقش بمقابلة ذي نفس).

فالفلسفة الإشراقية التي دعا إليها السهروردي متأثرة في بدئها ونهايتها بتعاليم الفارابي، ذلك لأنها مؤسسة على نظرية الفيض الفارابية ونزَّاعة إلى العالم العلوي؛ غير أن هذه الفلسفة صوفية كلها أو التصوف هو كل شيء فيها، في حين أنه لدى الفارابي ليس إلا قطعة من مذهب متنوع الأجزاء. هذا إلى أن الإشراقي لا يقنع بالاتصال بالعقل الفعال وحده، بل يطمع في الاتحاد بالله مباشرة والامتزاج بنور الأنوار؛ فكأن السهروردي حين دعي للاختيار بين تصوف الحلاج وتصوف الفارابي رأى أن يجمع بينهما، وأن يقول بالاتصال والاتحاد معاً؛ وهذه نزعة توفيق أخرى تتفق مع روحه العامة.

هذا التصوف العقلي المبني على فكرة الفيض يبدو كذلك عند صوفي وفيلسوف آخر من رجال القرن الثالث عشر. ونعني به ابن سبعين المفكر النقادة الذي لم يُدرس بعد دراسة كافية، ولا ثقة به على الرغم مما في آرائه من حصافة وفي أفكاره من عمق ودقة. وعل أكبر مصدر نعتمد عليه في تعرف نظرياته هو المراسلات التي دارت بينه وبين فردريك الثاني ملك ألمانيا وإمبراطورها المتوفى سنة 1250. وقد بقيت هذه المراسلات مجهولة إلى أن اهتدى إليها المستشرق الإيطالي أَمرِي سنة 1853 في مخطوطة من مخطوطات أكسفورد تحت عنوان: الرسائل الصقلية. وبعده بنحو عشرين سنة قام بتحليلها في الصحيفة الأسيوية الفرنسية المستشرق الدنمركي المشهور مهرن. وقد وقفنا بأنفسنا على هذه المخطوطة فوجدناها مملوءة بالعلامات والملاحظات الدقيقة، وما أجدرها بأن تطبع وتنشر. وكلنا يعلم ما كان عليه فردريك الثاني من رغبة في العلم وحب للأدب والفلسفة

ص: 11

العربية. لهذا وجه إلى ابن سبعين عالم صقلية وفيلسوفها في ذلك العهد أربعة أسئلة متعلقة بقدم العالم، والمقولات العشر وما وراء الطبيعة في غايته ومبادئه، وطبيعة النفس. وهذه الأسئلة تلخص تماماً المشاكل الهامة التي كانت تشغل المفكرين عامة وتلاميذ أرسطو على الخصوص في ذلك العصر. وقد أجاب عليها ابن سبعين إجابة موسعة مستفيضة بحيث ضمنها كل مذهبه وآرائه الخاصة؛ وفي مقدور من يرجع إليها معتمداً على بعض المصادر الأخرى أن يكوِّن فكرة كاملة عن نظرياته الصوفية والفلسفية. ولسنا هنا بصدد هذا العرض المطول؛ وسنكتفي بأن نشير إلى ما يتصل منه بموضوعنا. فالله في رأي ابن سبعين أصل العقول المنصرفة في الكون، صدرت عنه بمحض الفيض والأنعام، والعقل الفعال وهو أحدها يدير شؤون الأرض ويمد الكائنات بصورها النباتية، فهو مصدر النفوس البشرية على الإطلاق؛ وإذا كانت النفوس صادرة عنه فهي ميالة دائماً إلى الاتصال به؛ ولا يحول دونها وذلك إلا أدران الجسم وشهواته. فإذا ما تفرغ الإنسان للدراسة والنظر فاز بالمعرفة الكاملة والحقيقة المجردة، وسما إلى درجة العقل الفعال.

هذه النظرية، كما نرى، تكرار حرفي لما قاله الفارابي وابن سينا، وصاحبها نفسه يصرح بأنه أرسطي كسابقيه من فلاسفة الإسلام وإن كان ينقدهم نقداً مراً. وقد بنى تصوفاً عقلياً على أساس فلسفي فهو على طريقة الفلاسفة؛ وفيما يتعلق بمشكلة الجذب والإلهام يخيل إلينا أنه أميل إلى الفلاسفة منه إلى الصوفية؛ فهو يرفض الحلول والاتحاد اللذين ذهب إليهما الحلاج ويقصر السعادة على مجرد اتصالنا بالعقل الفعال وارتباطنا به ارتباطاً روحيا معنوياً.

فتصوف السهروردي وابن سبعين مؤسس على دعائم فلسفية. وفي رأيهما أن الكائن الممكن يستلزم كائناً آخر واجب الوجود بذاته ليمنحه الوجود ويفيض عليه بالخلق والإبداع. وهذا الكائن الواجب الوجود هو لله جل شأنه؛ فهو موجود أزلاً بنفسه ودون حاجة إلى أي موجد آخر وإلا امتدت السلسلة إلى ما لا نهاية. والكائنات الأخرى جميعها مظاهر لعلمه وإرادته، ومنه تستمد الحياة والوجود؛ فوجودها إذن عرضي وبالتبع. وعلى هذا ليس ثمة إلا كائن واحد موجود حقيقة وضرورة، بل هو الوجود كله، والكائنات الأخرى لا تسمى موجودات إلا بضرب من التوسع والمجاز. هذه هي نظرية وحدة الوجود التي اعتنقها جماعة من

ص: 12

الصوفية بعد انحطاط الدراسات الفلسفية في الإسلام. وقد تكونت في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وانتشرت بعد ذلك في بلاد الأندلس والمشرق. ومن أكبر أنصارها محي الدين بن العربي المتوفى سنة 1240 ميلادية، وجلال الدين الرومي المتوفى سنة 1273، وشعراء آخرون من متصوفة الفرس. ويصعد مذهب الوحدة هذا كما لاحظ ابن تيمية إلى ابن سينا، أو كما نلاحظ نحن إلى الفارابي. وإذا كان الله هو الموجود الحق وجب أن تتلاشى فيه سائر الموجودات الأخرى. وهنا يختلط التصوف بالفلسفة اختلاطاً كبيراً. فكأن مذهب المشائين من العرب لما حورب في شخص الفلسفة وجد ملجأ لدى الصوفية. وكثير من الأفكار الفلسفية الممقوتة تبناه الصوفية وأبرزوه في صور أخرى مقبولة ولو إلى حين. وفي رأينا أنه لا يمكن ن يدرس تاريخ التفكير الفلسفي الإسلامي في العصور الأخيرة دراسة كاملة منعزلاً عما كتبه المتصوفة وعلماء الكلام.

بيد أن الصوفية بدورهم لم يسلموا من شرور الفلسفة وويلاتها، وما أن تفلسفوا حتى أضحوا عرضة للمحاربة والانتقام. فالسهروردي قتل بأمر صلاح الدين؛ وابن سبعين انتحر في مكة بسبب مهاجمات وجهت إليه في الغالب؛ واتهم معاصره ابن العربي بالإلحاد والزندقة من كثير من أهل السنة.

(يتبع)

إبراهيم مدكور

ص: 13

‌في الأدب المقارن

الفكاهة في الأدبين العربي والإنجليزي

للأستاذ فخري أبو السعود

إذا انطوت الفكاهة على صادق حكمة أو نافذ نظرة، وأُودعت العبارة المحكمة اللائقة بها، كانت في الفرد دليل صفاء الذهن ولطافة الحس، وفي الأدب مظهر الرقي والحيوية، وفي الأمة عنوان التحضر ورقة الطبع. والفكاهة عند ذلك لا تقل مكانة عن أرزن الجد، بل ربما بذته وكانت مرآة لميول الفرد والمجتمع أصدق تصويراً من مرآة الجد المحض؛ والأدبان العربي والإنجليزي حافلان بضروب الفكاهة وأوضاعها، يتفقان في بعضها ويفترقان في بعض آخر، تبعاً للأحوال الاجتماعية.

وإذ كانت الفكاهة كما تقدم دليل التحضر ورقة الحاشية قلَّت آثارها في الأدب العربي حين كان أقرب إلى البداوة زمن الجاهلية ومستهل الإسلام. ففي أدب ذلك العهد نرى آثار اللَّسَن وحضور البديهة وقوة العارضة، ونخطئ مظاهر الدعابة الدمثة والعبث الرقيق. وما نحسب إلا أن الرسول (ص) الذي كان يمزح ولا يقول إلا حقاً كان يمتاز من معاصريه - في جملة ما امتاز - بلطف الروح وعذوبة الدعابة، فقد أُثِرَتْ عن صحابته المقربين وخلفائه الراشدين أخبار تنبئ عن متانة الخلق وحرارة الإيمان وقوة الجلد والكفاح، ولم يُؤْثَرْ عن كثير منهم براعة الدعابة ولا الميل إلى الفكاهة.

فلما استوطن العرب الأمصار، واصطنعوا حياة الدعة والاستقرار، وتذوقوا الحضارة والترف، ظهرت نتائج كل ذلك في أدبهم، وكثرت الفكاهة في الشعر والنثر، بل ظهرت طوائف من المجان المتظرفين الذين يصطنعون خفة الروح ويتهكمون بالجد والجادّين من رجال العلم والدين، جاعلين شعارهم قول حدهم ابن هانئ:

دع عنك ما جدوا به وتبطل

وإذا لقيت أخا الحقيقة فاهزل

ومن أظهر مواضيع الفكاهة في العربية التبرم بالثقلاء، والنيل من البخلاء، ووصف الأكولين والمطفلين، والتهكم بمدّعي العربية من الموالي، وعبث المجان بالمتخشعين المتورعين، والسخرية بالمنهزمين من القواد والمقاتلين؛ وكل هذه أبواب من القول منتزعة من حياة العرب في ذلك العهد، وكلها صفات مضادة لما كان الرجل ذو المروءة الحريص

ص: 14

على حسن الأحدوثة يتحلى به أو يحب أن يعرف عنه.

وتفنن المتهكمون بالبخلاء، فتحدثوا عن وعودهم الممطولة، وحجابهم الغلاظ، وهباتهم الضئيلة: كالطيالس التي تتجنى الذنوب على الرياح، وتعرف الطريق إلى الرفاء، من كثرة تردادها عليه صباح مساء.

ومن بارع التهكم بأدعياء النسبة العربية قول بشار:

أرفق بعمرو إذ حركت نِسْبَتَهُ

فإنه عربي من قوارير

ما زال في كير حداد يردده

حتى غدا عربياً مظلم النور

ويشترك الأدبان العربي والإنجليزي في أبواب من الفكاهة خاصة، لعلها تستثير روح العبث في النفس الإنسانية على اختلاف الأجيال والأمم، كالمتحذلقين من أهل الفنون من شعراء وممثلين ومغنين والمدعين لتلك الفنون وأشباهها. فالتحذلق والادعاء سببان خالدان من أسباب ولوع الناس بالمتصفين بهما، وما يزال المرء بخير حتى يدَّعي ما ليس له ويتكلف الأغراب؛ والنفس الإنسانية بطيئة متثاقلة إلى الاعتراف بفضل الأغيار، دع عنك الاعتراف بالفضل لمن يدعيه وليس من ذوبه؛ هناك تثور النفوس وتلجأ إلى أقسى أسلحتها وهو التهكم.

فشكسبير يسخر على لسان هملت من متحذلقي الممثلين في عصره، ويجعل الثائرين المطالبين بدم قيصر ينصرفون هنيهة عن وجهتهم إلى مهاجمة شاعر لغثاثة شعره؛ والجاحظ يقول في صاحب له متحذلق متعالم:(يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلق منهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلا الانتحال لاسم الأدب)، وابن الرومي أوْسَعَ من لم يَحمَدْ من المغنين والمغنيات تهكما، وصوّر أحدهم أقبح صورة في قوله:

وتحسب العينُ فكّيه إذا اختلفا

عند التنغُّم فكَّيْ بغل طحان

وفي الأدب الإنجليزي ضروب من الفكاهة منتزعة من مجتمعِهِ الخاصة: كالتهكم بالمدعين النبل الاجتماعي، والمحْدَثي النعمة، والمتشدقين بضخم الكلمات لا يفقهون معانيها؛ ذلك أن المجتمع الإنجليزي - على كون نظامه الحكومي ديموقراطياً - هو أرستقراطي شديد التفريق بين الطبقات، يتعالى النبلاء فيه عن الدهماء تعالياً لا يقل عن ترفعهم عن أبناء

ص: 15

الشعوب الأخرى، ويكاد يجعلهم أمة داخل أمة؛ وبعض العصاميين الذين يؤثّلون ثرواتهم في ميادين الأعمال أو في المستعمرات يتطلعون إلى الانغمار فيهم، ويتشبهون بهم تشبهاً يتعلق بالظواهر ويستثير السخرية. أما التشدق بضخم الكلمات فمرجعه إلى تكوُّن اللغة الإنجليزية من أصول كثيرة أبرزها اللاتينية الوعرة الألفاظ الكبيرة المشتقات.

ففي كثير من القصص والروايات الإنجليزية يظهر الأشخاص المتصنعون السمو الاجتماعي المتكلفون رقة المظهر ودماثة الحديث، والآخرون المكاثرون باطلاعهم على اللغات الكلاسية المقحِمون لجافي الألفاظ في أحاديثهم، خالطين صحيحها بخطئها، حتى ليقولون عكس الذي يقصدون أحياناً.

وللفكاهة مجال رحب في القصة، حيث يتحرك الأشخاص ويعملون أعمالهم ويتبادلون الأحاديث؛ ومن ثم تحفل القصص والروايات الإنجليزية ببارع النكات، وفكه اللفتات، ومضحك المواقف والشخصيات؛ ونجد الكثير من ذلك فيما قارب القصة من أوضاع في الأدب العربي: ففي مقامات بديع الزمان ورسالة الغفران للمعري فكاهات وسخريات هي غاية في الإمتاع والبراعة.

والفكاهة من أمضى أسلحة الإصلاح الاجتماعي؛ وقد استخدمها لهذا الغرض بعض فرسانها من الأدباء الإنجليز. والمجال لها متسع في الأدب الإنجليزي، حيث التمثيل والقصص يصوّران المجتمع وينقدانه، وفي المجتمع الانجليزي، حيث النقد النزيه مباح وحيث للرأي العام القول الفصل في الحكم على الأنظمة والتقاليد. أما في الأدب العربي فقلما اتجهت الفكاهة اتجاهاً اجتماعياً، بل ظلت فردية كغيرها من أغراض الأدب، إذا لم يكن الحكم المطلق الذي خضعت له الدولة العربية بمساعد على نمو النقد واشتداد ساعد الرأي العام.

وهناك لون من الفكاهة يرمي به المتفكه إلى ضد ما يقول: فيتقنّع بالجِد وهو يبغي الهزل، ويبدي الوقار ويخفي العبث، ويتظاهر بالمدحِ والقدحَ يريد، ويغالي في التفخيم قاصداً التهوين. ويُدعى هذا الضرب من الفكاهة بالإنجليزية وربما أمكن تسميته (التَّنَدُّر)، والأدب الإنجليزي حافل به، ولعله يناسب الطبع الإنجليزي، وهو شديد المضاء في أيدي الناقدين لأحوال المجتمع. ومن فرسانه المجلين (سويفت). أما في العربية فهذا النوع من الفكاهة نادر؛ ولعل أصلح مثال له مقطوعة المتنبي التي نظمها حين رأى أعرابيين

ص: 16

يتفاخران بقتل جرذ، ومنها يقول:

وأيكما كان من خلفه؟

فإن به عضة في الذنَب

وقول بشار وقد تفاخر أمامه رجل بأنه شاعر من نسل شعراء: (إذن أنت من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً).

ويشترك الأدبان في ضرب من الفكاهة هو هجاء المرء نفسه وضحكه من عيوبه. على أنه في كلا الأدبين غرض من القول متكلف، يُطلب به التظرف ويعوزه الصدق والعمق. فالانحناء على النفس بالتثريب ليس خلقاً في الإنسان بله الأديب، والذي يتصنع نقد نفسه لا يضع يده على مغامزه وعوراته الصحيحة، ولا يسطر لنفسه إلا مدحاً بما يشبه الذم، ولو رماه غيره بما يرمي به نفسه طلباً للظرف لثار به وأنكر مزاعمه أشد إنكار.

ولما كانت المرأة الإنجليزية أكثر بروزاً في المجتمع والأدب من المرأة العربية، فقد نالت دونها حظاً عظيماً من مداعبة الأدباء الذين أوسعوا غرائزها ومتناقضات أفعالها درساً وتصويراً. ومن أبرع من كتبوا في ذلك (بوب) الذي نظم قصيدة طويلة على طراز الملاحم الكلاسية أودعها وصفاً دقيقاً لأحوال فتاة جعلها نموذج المرأة في مجتمعِه، من احتفالها بالأزياء وتذبذبها بين المعجبين بها، إلى كل صغيرة وكبيرة في حياتها المنزلية والخارجية في أسلوب متهكم شائق.

ومن الفكاهات ما قوامه التلاعب بالألفاظ المتشابهة في النطق أو الكتابة؛ وقد كان هذا العبث اللفظي شائعاً على عهد شكسبير الذي ضرب فيه بسهم، ثم أهمل بعد ذلك في الإنجليزية واستثقل. مّا في العربية - حيث كانت للألفاظ عند الأدباء دائماً مكانة عالية - فظل هذا الضرب من التفكه مألوفاً. فأبو نواس يوافق مدعياً للنسبة العربية على انتمائه إلى طي، ولكن مع إضافة نون وباء في أول الكلمة. ويقول في بخيل:

وما خبزه إلا كآوى يُرَى ابنه

ولم يُرَ آوى في حزون ولا سهل

وقد ازدهرت الفكاهة في الشعر العربي في صدر العصر العباسي، وبرز في مضمارها في أجيال متتالية طبقاتٌ على رأسها بشار فأبو نواس فدعبل فابن الرومي؛ وتمتاز في شعر الأوَّلَيْن بالاستهتار، وفي شعر الثاني بالصرامة ولذع السخرية، وفي شعر الأخير ببراعة التصوير. وازدهرت الفكاهة في الشعر الإنجليزي في العهد الكلاسي في أواخر القرن

ص: 17

السابع عشر وأوائل الثامن عشر، وهو العهد الذي اشتد فيه الأثر الفرنسي في الأدب والمجتمع الإنجليزيين، وكان من فحول الفكاهة فيه سويفت وبوب ودريدن.

والحق أن ذلك العهد هو أشبه عهود الأدب الإنجليزي بالأدب العربي؛ ففيه انضوى الأدب حيناً تحت جناح الملكية وسار في ركاب الحاكمين، واختلط بالسياسة وخاض غمارها، وانغمر في جو المدينة وأهمل جانب الطبيعة، وتأنق في اللفظ وأغرب في المعنى، واحتدمت الخصومات الأدبية السياسية بين رجاله مماثلة لما كان بين جرير والفرزدق، وبشار وحماد، والبديع والخوارزمي، من مصاولات ومقارعات؛ وولِعَ الأدباء بالوزراء والقواد، وفشت الفكاهة واتخذها فريق سبيلا للمجون، وفريق ذريعة للنقد الاجتماعي والإصلاح.

وقد نظم دريدن أحد فحول ذلك العهد قصيدة هجاء لشاعر مزاحم له أفعمها بالتهكم المكسو بثوب الجد، وبوّأ غريمه (عرش الغباوة) في جو من الجلبة والمراسيم والمواكب والشارات مماثل لتتويج الملوك، وجعله يلي ذلك العرش معهوداً إليه من شاعر غبي من شعراء الجيل السابق لجيلهما. ولهذا القصيد الساخر مماثل في النثر العربي شديد الشبه به، وإن يكن قد كُتب قبله بنحو ثمانية قرون، أعني العهد الذي كتبه الصابي على غرار عهود الخلفاء والأمراء إلى عمالهم، على لسان مطفل أكول إلى آخر هو المقصود بالدعابة، وقد بدأه بقوله:(هذا ما عهد به علي بن أحمد المعروف بعليكا، إلى علي بن عرس الموصلي حين استخلفه على إحياء سننه، واستنابه في حفظ رسومه، من التطفل على أهل مدينة السلام وما يتصل بها من أرباضها وأكنافها، ويجري معها في سوادها وأطرافها، لما توسمه فيه من قلة الحياء، وشدة اللقاء، وكثرة اللَّقم، وجودة الهضم).

وتتسم الفكاهة في الأدب الإنجليزي على العموم بالعفة التي هي سمة الأدب كله كما سبق ذكره في كلمة سالفة؛ أما في الأدب العربي فتهوي أحياناً في يد الهجائين إلى حضيض السباب، وفي يد المجان المستهترين إلى وهدة الأفحاش. وتتعلق الفكاهة الإنجليزية بالصفات والأخلاق والأعمال وتكشف المتناقضات من آراء الناس وأقوالهم؛ وفي العربية يتناول العبث الخَلْقَ بجانب الخُلُق. فدعابات ابن الرومي ملأى بذكر أعضاءِ الجسم من أنوف وأقفية ولحى، وعيوبه من حدب وصلع وعور. ويُشَبَّهُ المعبوثُ بهم بالحيوان، فيقول

ص: 18

حماد وقد زعم بشار أن له جنّياً يُوحي إليه:

إذا خاطب الجني قرداً مشنَّفاً

فقل لخنازير الجزيرة ابشري

وفي كلا الأدبين فحول من الأدباء نأى بهم طبعهم عن الفكاهة، وسما بهم قصدهم في الحياة عن العبث واتسمت آثارهم وحياتهم بالجد والعبوس، منهم في الإنجليزية ملتون ووردزورث وتنيسون، وفي العربية المتنبي والشريف الرضي وأمثال أولئك عادة ذوو مطامع بعيدة يستغرق نشدانُها أنفسهم. ورسالات لا ينفكون عن النظر إليها، أو مُثُلٌ عليا يُحسون أن التفكه يهبط بهم من عنانها.

فخري أبو السعود

ص: 19

‌نابليون وخطواته الأولى في سبيل المجد

للأستاذ عبد المجيد نافع

لا يعرف التاريخ رجلاً اختلف الناس في تقديره والحكم عليه، مثل نابليون بونابرت. كان ولا يزال له أنصار ومعجبون يضعونه في طليعة العظماء الذين أنجبهم العالم، ويسبغون عليه أثواب الفضائل الإنسانية التي ينبغي أن يتحلى بها الرجل العظيم. وكان ولا يزال له خصوم وحاقدون يجردونه من جميع الفضائل، أستغفر الله بل يخرجونه من صفوف الإنسانية ويسلكونه في عداد الوحوش. فإذا كان (تين) يعترف له بالعبقرية الحربية، والقدرة الإدارية، وينادي بأنه صب في قالب لم يصب فيه أحد من قبل في التاريخ الحديث، وأن لا سبيل إلى وجود ضريب له إلا بأن نعود بالذاكرة إلى شخصيات الاسكندر وهانيبال ويوليوس قيصر - بعد أن يعطيك (تين) هذه الصورة الرائعة عن نابليون تراه يسارع إلى إدراجه في عداد الوحوش الخارجة عن دائرة الإنسانية. وإذا كان بعض مؤرخي الإنجليز ينادي بأعلى الصوت وملء الفم أن نابليون كان أعظم قائد حربي، وأعظم رجل إداري عرفه التاريخ، فإن بعض المرضى بمخالفة الإجماع، والمولعين بالآراء الغربية، يجحدون عبقرية نابليون الحربية، ويجترئون على الدعوى بأن جميع المعارك الحربية التي عقد له فيها لواء النصر، إنما يرجع الفضل فيها إلى قواده، بل إلى رجال مغمورين كانوا يعملون تحت رايته، وأن التاريخ هو الذي أضفى عليه ذلك المجد الحربي، حتى جعله أشبه الناس بالشخصيات الخيالية، بل أقرب إلى الأساطير منه إلى الشخصيات التاريخية؛ بل ترى نفراً يمعنون في الأغراب فيزعمون أن نابليون لم يوجد، وأن الأساطير هي التي خلقت تلك الشخصية الخيالية، وصاغت تلك الخرافة النابليونية، وأن شيئاً من التحقيق التاريخي لا يلبث أن يمزق الأستار عن تلك الأوهام العالقة بالأذهان!

ومهما يكن من شيء، فليس في التاريخ شخصية شغلت أذهان الكتاب والباحثين مثل شخصية نابليون. وعلى الرغم من وفرة ما كتب عنه، فإن البحث في تاريخه لم تخلق جدته؛ ذلك بأن حياته العاصفة الحافلة بالعظائم تجمع بين روعة القصص وجلال الحقائق التاريخية.

على أن ذلك الرجل العظيم لم يجد طريق المجد أمامه معبدة، بل اجتاز الصعاب، وتخطى

ص: 20

العقبات، وخاض غمرات الأهوال. ولقد تجهمت له الأقدار في أول مرحلة من مراحل حياته، ولم تبتسم له إلا بعد أن كاد يهوي في غمرة اليأس، ولم يفرض وجوده وكفايته على خصومه إلا بعد أن لقي منهم شتى ضروب العنت والمناهضة.

ولا يتورع خصومه عن اتهامه بمجافاة وسائل الشرف في سبيل بلوغ غاياته، وتحقيق لباناته؛ بل لا يتعفف الوالغون في عرضه عن الجهر بأنه توسل بزواج جوزفين لتسلم قيادة الحملة الإيطالية.

هل وصل نابليون بكفايته وحدها أم نه كان يدين بمبدأ: الغاية تبرر الوسائل؟ وزواجه بجوزفين. هل أملته المصلحة، أم كان مبعثه الحب؟

مهما يزعم الذين يشوهون نابليون ويهدرون آدميته، فقد كان إنساناً بأوفى معاني الكلمة، له قلب يصبو للنساء، وعواطف تهوي إليهن؛ وإذ كان في ربيع العمر، فقد ترجم عن هذه العاطفة بإعلان رغبته في الزواج؛ وكان يغبط أخاه جوزيف على توفيقه في الزواج، وطلب يد أخت زوجته فلم تبادله حبا بحب، فتولاه اليأس منها؛ على أنه لبث يحمل لها في صدره أصدق عواطف الحب، فلما بات رب التاج والصولجان، وصاحب الهيل والهيلمان، زوجها ببرنادوت، وبوأ ديزريه كليري التي أخفق في حبها، عرش هولندا.

واستطاع نابليون أن يندمج في الأعمال الحربية، ويعمل في قسم الطبوغرافيا بلحنه السلام العام؛ فكيف كان سبيله إلى الوصول؟

لا نكتم الحق، ولا نكذب التاريخ، فقد دفع ثمناً غالياً في سبيل ما وصل إليه، وتوسل بذوي النفوذ وأصحاب السلطان وأقوياء الساعة لبلوغ ما بلغ؛ ولعله بذل من عزة نفسه، وطامن من كبريائه، وأراق من ماء وجهه، رجاء أن يطفئ شهوة الطموح التي كنت تضطرم نيرانها بين جوانحه.

ومهما حاول في رسائله أن يكتم آلام نفسه ويخفي جروح قلبه، فقد كان بائساً من الوجهتين الأدبية والمادية. ولقد طالما رآه الراءون يضرب على غير هدى في طرقات باريس، يسير بخطى هوجاء مضطربة، يحمل فوق رأسه قبعة تكاد تحجب عينيه، ويرتدي سترة رمادية أخذت فيما بعد مكانها في التاريخ. وإذ رأيت ثم رأيت ذراعين طويلتين تجنحان إلى الطول، وتضربان إلى السمرة، وقد جردهما صاحبهما من القفاز زعماً منه بأن تلك نفقة لا

ص: 21

غناء فيها ولا طائل تحتها، ورأيت في قدميه حذاء قد أسرع إليه البلى، وما كان يروعك منه إلا النظرة الهائلة، والابتسامة الخلابة اللتان تشرقان على مظهر ينم على مرض في الجسم والنفس معاً.

وكذلك كان نابليون يتهادى ببؤسه وحزنه في الطرقات. ولقد قالت مدام بورين إنه شهد معهم رواية في مسرح، وكان النظارة جميعاً ينفجرون بالضحك، فما راعها من نابليون إلا أن تراه وحده في مثل صمت القبور.

نعم، فلقد كان في ذلك الحين يحلق بخياله في جو غير جو المسرح، ويجهد قريحته في ابتكار وسيلة للعيش، ذ كان يرقب من ساعة لأخرى فصله من عمله. ولقد خيل إليه أنه شق طريقاً جديدة بالاتجار بتصدير أدوات المكاتب؛ على أن تصدير صندوق كتب إلى مدينة (بال) ما لبث أن أيقظه من حلمه اللذيذ إيقاظاً خشناً! ثم داعب الأمل بأن يأذنوا له في الشخوص إلى تركيا لتدريب جيش السلطان.

وما كان يلمح في الأفق بارقة أمل، وذهبت جهوده في تولون وإيطاليا أدراج الرياح، لأنه مني بوزير للحربية اسمه (أوبري) لا يقوى على فهمه، ولا يدري من الأمور الحربية كثيراً أو قليلاً. فأما الذين كنوا يظللونه بحمايتهم وهم (باراس) و (فربرون) و (مارييت)، وقد حارب تحت لواء الأولين، وانتشل الأخير من بين مخالب الدهماء في مدينة تولون، فقد كانوا يغذونه بالوعود.

على أن بارقة النجاح كانت تبدو في الأفق الذي لا يرقبه نابليون؛ وكان (بواسي دنجلاس) هو الذي أخذ بيده فرضعه في الموضع الذي تتجلى فيه مواهبه لتولي القيادة العامة.

وفي شهر يونيه من عام 1795 ضاق (بونتيكولان) ذرعاً باضطراب إدارة الحرب في لجنة السلام العام، فأشار عليه (بواسي دنجلاس) أن يستعين بخبرة جنرال عائد من إيطاليا وهو كفيل بأن يبذل له أثمن النصائح وأغلاها.

فلما كان الغد قصد إليه نابليون، فما هاله إلا أن يرى الضعف والهزال ماثلين في شخصه. ولقد وعي التاريخ قوله:(رأيت شاباً أصفر اللون، مكفهر الوجه، مقوس الظهر، تبدو عليه مظاهر الضعف والمرض). على أن (بونتيكولان) قد استرعى نظره أن ذلك المخلوق الضعيف المهزول بصير بشؤون الحرب، فطلب إليه أن يدون كتابة ما ألقاه أمامه شفهياً،

ص: 22

وأن يرفع إليه تقريراً. وكرت أيام، والتقى (بونتيكولان) (ببوسي دنجلاس) فقال له:(لقد رأيت رجلك الذي بعثت به إلي، ويلوح لي أنه مجنون، إذ لم تحدثه نفسه بالعودة إلي، وأكبر الظن عندي أنه وقع في روعه أنك تسخر منه. كلفه بالحضور إلي غداً).

وتحت ضغط (بواسي دنجلاس) وإلحاحه قدم نابليون تقريره عن الحملة الإيطالية، فما راع (بونتيكولان) إلا علو كعبه في الفنون الحربية، فطلب إليه أن يعمل معه؛ ولما سأله عن مطلبه أبدى رغبته في العودة إلى جيش المدفعية برتبة قائد فرقة، فأنكروا عليه الطموح إلى تلك القيادة وما يزال في الخامسة والعشرين من عمره.

وقد كان (ليتورنير) هو الذي وقف عقبة في سبيل تولي نابليون ذلك المركز، ومع ذلك لم يحمل له حفيظة في قلبه؛ فما لبث أن أصبح إمبراطوراً حتى عينه مديراً ثم مستشاراً.

وإن شئت أن ترى آية حية على وفاء نابليون فاذكر أنه ما كاد يصير قنصلاً حتى استقدم (بونتيكولان)، فلما قدم إليه قال له: إنك اليوم المستشار، فاعتذر بعدم بلوغه الأربعين، فقال إذن فأنت مدير في بروكسل أو في أي بلد تختاره، ذلك بأني حريص على ألا أنسى خدمة قدمت إليّ.

وكان (بونتيكولان) ضامناً كفيلاً لأحد أصدقائه، فلما أفلس تحمل بدين يبلغ ثلاثمائة ألف فرنك؛ فلما بلغ سمع نابليون ضيقه استقدمه إلى قصر التويلري ولامه في رفق على كتم ضيقه عنه، ثم ما لبث أن وفي له دينه.

ولا نملك أن نترك تلك الصورة الرائعة للوفاء دون أن نضع إلى جانبها صورة للجحود والكنود والعقوق الأسود؛ أجل ففي جلسة 22 يونيو من عام 1815 كان (بونتيكولان) الذي أغدق عليه نابليون، بل الغارق إلى أذنيه في نعيم نابليون، أول من خذل نابليون، وعارض في بقاء الإمبراطورية!!!

وبينا كان بونابرت يرقب بفارغ الصبر أن تعينه لجنة السلام العام على رأس البعثة الحربية المزمع إرسالها إلى تركيا، إذا به يتلقى والدهشة ملء نفسه، والأسى ملء فؤاده، خبر تجريده من رتبته العسكرية، تحت ستار الدعوى بأنه رفض قبول المركز المعين له في جيش الغرب.

وكذلك تكون سخرية الأقدار!

ص: 23

وآمن نابليون بأن من المستطاع إلغاء قرار التجريد، لكن لا مندوحة له عن التماس المعونة من أقوياء اليوم، المسموعي الكلمة والإشارة، فجد في طلبهم، وتلمس العون من جانبهم.

والتمس نابليون العون عند مدام تليان فحملته كتاب توصية إلى المسيو لوفوف، فأجاب سؤلها وأذن لنابليون بالقماش الذي يصنع منه سترته التي أخذ منها البلى كل مأخذ.

وطوع لنابليون ضميره أن يتوسل بمدام تليان لينتفع بجاه (باراس) ونفوذه. وإن تنس فلا ينبغي أن تنسى أن تلك لسيدة كنت متبوئة عرش الجمال في باريس، وأن صالونها كان الكعبة التي يحج إليها العظماء والكبراء، وأن نابليون كان زري الهيئة تكاد تقتحمه العيون؛ ولذلك لم يكن يسترعي نظر أحد، أو يلقي إليه المجتمعون بالاً، وما كان يخوض معهم في الحديث إلا نادراً؛ على أنه إذا تكلم تكشف عن بديهة حاضرة وذكاء متوقد.

وفي ذات مساء اشتغل نابليون في صالون مدام تليان عرافاً! أي والله عرافاً (يشوف البخت) ويجري على سبيل العرافين ولهجتهم! نعم لقد أخذ نابليون بيد مدام تليان يقلب النظر في كفها وينبئها بالمستقبل، ويفيض عليها بطائفة كبيرة من الخيالات.

وكم كانت صورة رائعة تحتاج إلى ريشة المصور! فهذا عاهل فرنسا في المستقبل، والرجل الذي دانت له أوربا وثل عروشها عرشً فعرشاً، ودك حصونها حصناً فحصناً، وقوض ممالكها واحدة بعد أخرى؛ هذا الضعيف المهزول، الأنكد الأغبر، الزري الهيئة، الخلق الثياب، يقرأ المستقبل في كف ملكة الجمال في ذلك العصر! فما أبعد الفارق وأعمق الهوة بين تلك المرأة المشرقة التي تخطر في مطارف النعيم، وبين ذلك البائس الذي لا يكاد يخفى بؤسه، ولا يستطيع أن يكتم حزنه وبثه من سخرية الأقدار! وأية فكرة كانت تجول في ذلك الرأس المتعطش للمجد وصاحبها (يشوف البخت) التماساً لوجوه المعونة! وإذا رأيت ثم رأيت جمعاً من السيدات يشهدن هذا المنظر وهن يضحكن ملء أفواههن من النبوءات التي يرتجلها نابليون ارتجالاً ومظهره الذي يدعو إلى الرحمة ويبعث على الرثاء! نظر إلى تلك السمراء الجميلة إنها جوزفين بوهارنيه. . . ولن تمضي خمسة شهور حتى تصبح قرينة للعراف الذي (يشوف البخت). ولن تمر ثلاث سنين حتى تمسي شبه ملكة لفرنسا، وما تلبث غير بعيد حتى يهرع البابا إلى باريس ليضع على رأسها تاج الإمبراطورة على الفرنسيين! تلك هي جوزفين التي ارتسمت صورتها في أفق المستقبل

ص: 24

النابليوني من الليلة التي كان القائد الصغير يشتغل فيها عرافاً (ويشوف البخت).

كل أولئك لم ينفذ إليه نظر نابليون، وهو يقلب كف مدام تاليان، على رغم بعده ونفوذه، ولو استطاع أن يشق حجب المستقبل، وينبئ حقاً بم سيكون، لملأ قلوب الحاضرات سروراً وأفواههن ابتسامات.

لكن المستقبل علمه عند ربي، والغد لله لا لنابليون ولا لغير نابليون.

(البقية في العدد القادم)

عبد المجيد نافع المحامي

ص: 25

‌قصة المكروب كيف كشفه رجاله

ترجمة الدكتور أحمد زكي

مدير مصلحة الكيمياء

- 7 -

وأخيراً بدأت السعادة تدخل إلى قلب متشنيكوف، فخصماؤه كانوا اقتنعوا بنظريته ولو بعض اقتناع، والبعض كفّ عن مخاصمته لقلة جدواها؛ ذلك أنه كان أصبر على التجربة منهم وأبعد عن الملل فيها، وأنه كان أقدر على الكلام وأطول نَفَسا فيه؛ ثم هو في حجاجه أعلى صوتاً وأبعد صدى. فلما طلع عليه القرن العشرون استطاع أن يجلس في سلام ويقعد إلى مكتبه في اطمئنان فيكتب كتاباً كبيراً ضمنه كل الذي وجده في أمر الحصانة. فكان رسالة ضخمة تحسبه قضى عمره في إنجازها. وكتبها بأسلوب رائع يحسده عليه فلوبير وجاء فيه بآلاف الحقائق، وصوّر كل حقيقة منها تصويراً واضحاً جذّاباً؛ ولوي تلك الحقائق لية جميلة ظريفة لتجتمع كلها عند قصد واحد هو تدعيم نظريته وتعزيز آرائه فيها. كانت رسالته أشبه بقصة أبطالها الألوف المؤلفة من تلك الخلايا الأفّاقة التوّاهة - فاجوساتِ حيواناتِ الأرض جميعاً.

وحبّبه صيته الذي كسبه في الحياة، فصار يلتذّ لذة عميقة بكونه حيّاً، وقد كان قبل ذلك بعشرين عاماً يعاف الدنيا ويبغض العيش، ويكره لناس أجداداً وأحفاداً، ويرثي لنفسه أنه كائن، حتى كان من ذلك أن قال لزوجته أُلْجا:(إن من الإجرام طلب النسل، وأن آدمياً يَمُدّ في حبل الوجود بما يخلّفه من آدميّين لا يفعل ذلك وهو خالص الذمّة بريئها). أما الآن وقد ابتسمت له الحياة فقد عطف على أطفال القرية: قرية سفر عاش بها، وربّت على رؤوسهم وفرق فيهم الحلوى فأسموه (بابا نوئيل). قال:(ما ألطف العيش وما أجمل الوجود!) ولكن ما السبيل إلى استبقائه، ما السبيل إلى التشبّث به وهو يُفلت من يديه هكذا سريعاً؟ سبيل ذلك واحدة وحيدة - سبيل ذلك لا ريب العلم.

كتب يقول: (ما المرض إلا حادث عارض من أحداث الحياة). وقال: (إن العلاج لا يكفي (وهو لم يكتشف قط علاجاً). . . فلا بد من تفهّم هذا المآل الذي يؤول إليه الناس تلك

ص: 26

الغاية التي ينتهون إليها جميعاً. لا بد من تفهّم ذلك الدافع القاهر الذي يدفع بالإنسان إلى الشيخوخة فالموت على حين هو أحب ما يكون للعيش وأكثر تشبثاً بالحياة). عندئذ نفض متشنيكوف يده من الفاجوسات وأخذ يبتدع علوماً جديدة يكون من غرضها فهم غاية الحياة وتفسير الموت، وإن أمكن فالإفلات منه؛ وكان أحد هذه العلوم يبحث في الشيخوخة فطلب له اسماً طنّاناً فكان جيرنتولوجيا وأسمى علم الموت تانتولوجيا وما كان أفظعها من علوم. ولكن الآراء التي تضمنتها كانت مما تتفتح به الآمال ويزدهر عليها الرجاء في الأيام. وأجرى متشنيكوف فيها تجاريب، وسجل فيه أموراً كانت بعيدة عن الصحة، قليلة الحظ من الدقة، بحيث يتحرك لها لوفن هوك قَلقَا في مضجعه، ويرغي بستور منها ويزبد في قبره أسفاً على أن كان أَذنَ لهذا الروسي المتبجّح أن يخطو خطوة واحدة في معمله. ومع هذا، ومع كل هذا، فإن طريقة استئصال داء أقبح الأدواء المكروبّية إنما اهتُدي إليها من هذه التجارب غير الدقيقة.

خشي متشنيكوف الموت خشية شديدة، ولكنه استيقن كارها أن الموت حتم لا مفر منه، فانصرف يبحث عن أمل في موت سهل يسير. وكان واسع القراءة شديد النهم فيها، فذكر أنه جاء في قراءاته على تقرير عن سيدتين عجوزين بلغت بهما الشيخوخة حداً رغبتا فيه عن الحياة وتمنتا الموت كما يتمنى أحدنا ويطلب السرير بعد يوم مجهود مكدود. فصاح متشنيكوف:(هذا يدل على أن الإنسان في غريزته ميل إلى الموت كما فيها ميل إلى النوم. فالمرجو الآن أن نبحث عن طريقة تطيل الحياة في صحة وقوة حتى تنكشف فينا هذه الغريزة فنطلب القبر طوعاً).

وأخذ يَذْرع الأرض ويَشْبُرها بحثاً عن أمثال أخرى لهاتين السيدتين المبخوتتين، فزار عجائز في بيوتهن، وجرى وراء شيخات درداوات صمّاوات يمتحنهن تسآلا وهن لا يكدن يسمعن ما يقول. وذهب مرة كل المسافة من باريس إلى روان من أجل شائعة أشاعتها الجرائد ليلقَى سيدة قيل إنها بلغت الستة بعد المائة من عمرها. ولكن للأسف لم يلق فيمن لقي إلا كل امرأة تقوى على الحياة وتعتزّ بها، ولم يجد أحداً يشتهي الموت اشتهاءَه النوم كما اشتهته السيدتان في الأقاصيص التي قرأها، وبرغم هذا صاح قائلاً:(إن في غريزة الخلْق حبَّ الموت واشتهاءَه)، أما الوقائع التي تنقض دعواه فما كانت تقلق باله أبداً.

ص: 27

ودرس الشيخوخة في الحيوانات، وأرسل له الناس كلاباً شيباً وقططا هدّها الكِبَر، ودأبوا على إرسالها إليه، ونشر بحثاً جِدّيا في بَبّغاء خرق العادةَ فعاش سبعين عاماً. وكان يملك سلحفاة ذكرا من سلاحف البحر أسكنه حديقة داره، وكان له من العمر ستة وثمانون عاماً، فألّف بينه وبين سلحفاتين أنثيين في مقتبل شبابهما فنتج عن هذا التأليف نسل عديد من سلاحف صغيرة، ففرح متشنيكوف بذلك وامتلأ سروراً حتى فاض، فقد كان دائم الخوف أن تذهب الشيخوخة بلذائذ الحب. وقد ذكر ما وقع من السلاحف:(إن الشيخوخة لا تتضمن هذا الضعف البالغ الذي يتصوره الناس).

ولكن لا بد من مدافعة الشيخوخة على كل حال فكيف السبيل إلى صدّها؟ وكان عالمٌ اسكندنافيّ يُدعى إدجِرن درس تصلّب الشرايين، فاقترح أن هذا التصلب هو علة الشيخوخة، وارتأى أن من أسبابه شربَ الكحول وداءَ الزّهري وطائفة أخرى من الأدواء.

وحدّث متشنيكوف نفسه: (إن تصلب الشرايين علّة الشيخوخة، وما عمر المرء إلا عمر شرايينه! هذا حق لا مرية فيه). اعتزم أن يدرس كيف أن داء الزهري يصلب الشرايين وكان ذلك عام 1903. وكان متشنيكوف قبض جائزة مقدارها 5000 فرنك. وكان رو نال جائزة أوزيرس الكبرى ومقدارها 100 ، 000 فرنك. وكان الفرق كبيراً بين الرجلين، والبون واسعاً بين طرائقهما في البحث، وكان رو أقوم الرجلين طريقة، ولكنه لزم متشنيكوف دائماً وربط حبله بحبله واطمأن إليه رغم جموحه. اختلف الرجلان اختلافاً كبيراً، ولكنهم كانا سيَّين في قلة حرصهما على المال، فاتفقا على أن يضمّا كل هذه الفرنكات، وثلاثين ألفاً أخرى ابتزّها متشنيكوف تملّقاً وملاطفة من بعض أثريا الروس، وأن ينفقاها جميعاً في بحث هذا البلاء التناسليّ المسمَى بالزُّهريّ ذلك بأن يصيبا به بعض القردة ثم يبحثا فيها بعد ذلك عن جرثومته ثم يتدرّجان من هذا إلى طريقة لمنعه فعلاجه إن وجدا إلى ذلك سبيلاً. وفوق كل هذا أراد متشنيكوف أن يدرس فيه كيف تتصلب منه الشرايين.

واشتريا بالمال قردة، وأعانهما الحكام الفرنسيون بالكنغو الأفريقي على صيد القردة فبعثوا أولاداً من أهل السواد يجوبون الغاب ويمشطون الأحراج في طلبها، ولم يمض طويل من الزمان حتى امتلأت حجرات واسعة في معهد بستور بأصوات الشمبانزي والأُوران أُوتان،

ص: 28

وامتزج صراخ هذه بصريخ قردة الهندوس المقدسة ومواء الماكاكس المضحك الصغير ولم يلبثا أن وقعا على أمر خطير. وكانت تجاربهما لبقة بارعة، وكان بها حسن نظام ووضوح لم يعهدا في تجارب متشنيكوف. وأخذ يتردد على معملهما طائفة من مناكيد الناس أصابها الزهري حديثاً، ومن أحد هؤلاء لقّحا قرداً فنجحت فيه التلقيحة الأولى وسرى فيه الداء. ثم قضيا بعد ذلك أكثر من أربع سنين في عمل شاق ينقلان الداء من قرد إلى قرد، ويبحثان عن مكروبه الصغير الدقيق الخدّاع فلا يجدانه. ثم أخذا يُضْعفان سمّ الداء الذي استخرجاه وفشلا في رؤية المكروب فيه، وأخذا يضعفانه بالأسلوب الذي اتبعه بستور في إضعاف جرثومة الكلب رجاء أن يَخْرجا من ذلك على لقاح يقي منه. وماتت القردة من النيومونيا وبالسل موتة شنيعة، ووجد بعضها الفرصة إلى الهرب فهرب. وبينا متشنيكوف يجرح القردة لينقل سم الزهري إليها في غير خفة يد كبيرة انقضت عليه تعضّه وتجرحه. ثم قام متشنيكوف بتجربة غريبة إلا أنها تَنُمّ عن ذكاء كثير: خدش أذن قرد وسقاه في هذا الخدش من سمّ الزهري، وتركه أربعاً وعشرين ساعة، ثم عاد إليه فقطع أذنه، ثم امتحن جسمه فلم يجد بأي عضو منه أثراً من داء الزهري.

عندئذ صاح متشنيكوف: (إن معنى هذا أن جرثومة الداء تتريّث ساعات في الموضع الذي تدخل منه إلى الجسم، وفي الإنسان نعلم من أي عضو من أعضائه يدخل الجرثوم، ونعلم فوق ذلك متى يدخل فيه، إذن فلعلنا نستطيع أن نقتل الجرثوم، عند مدخله من جسم الإنسان قبل أن ينتشر فيه).

ثم قام فأجرى تلك التجربة الكبرى ذات الأثر العمليّ الواسع في أبحاث المكروب، أجراها بعد كل هذا الكلام الطويل العريض الذي قضى السنين يقوله ويكتبه في تعليل حصانة الإنسان، وأجراها وإلى جانبه رو يؤازره ويلح عليه بإعادة كل اختبار يأتيانه للتأكد منه. وفي هذه التجربة اخترع متشنيكوف مرهم كلورور الزئبق الذي به اليوم يطارد داء الزهري في جيوش البر وجيوش البحر في كل قطر من أقطار الأرض: أخذ قردين وجرحهما، ثم أعداهما حيث الجرح بمادة للزهريّ جاء بها صبيحةً من إنسان، وبعد ساعة دلك جرح أحد القردين بالمَرهم وترك الآخر، وأخذ بقية زمنه يرقبهما، فسَلم المرهوم وظهرت أعراض الداء فظيعةً بشعة على الآخر المتروك.

ص: 29

ثم عاود متشنيكوف جنونه الغريب القديم، فلما تملكه نسي نَذْره الذي كان وأغرى طالب طبّ شاب يُدعَى مازونيف بأن يتطوع له، فلما رضي جاء به في مجتمع محكّم من أكابر رجال الطب وعلمائه في فرنسا، وفي وسط هذا الجمع الموقّر وقف هذا الطالب المقدام ونظر إلى جلده وهو يجرح ست جراحات طويلة، ونظر إلى هذه الجراحات الخطيرة وجرثوم الزهريّ الخطير يُحَكُّ فيها. وكان مقداراً من الجرثوم أكثر كثيراً من المقدار الذي يدخل جسم الرجل الذي يصاب بالداء بالطريقة المألوفة في الحياة. واحتمل الطالب بقوة مصيره المخوف: رجلاً بشعاً مبثوراً منغّظ الجسم مأكوله، ثم يجيئه الجنون، ثم يجيئه الموت.

وجَرح متشنيكوف في الوقت نفسه وأعدى بالداء قرداً وشمبانزي، واصطبر ساعة يملؤه إيمان قوي، فلما انتهت قام يحكّ المرهم في جراح الشاب، ولم يفعل ذلك لا في الشمبانزي ولا في القرد. فأما الشاب فنجا فلم تظهر عليه بثرة واحدة من بثور الداء، وأما القردان فجاءتهما العاقبة المحتومة بعد ثلاثين يوماً: نتيجةُ لا ريبة فيها ونصر مبين.

وقامت قيامة الأخلاقيين ومنهم بعض الأطباء يَلْحَون متشنيكوف فيما صنع. قالوا: (إن داء لزهريّ عقوبة ينالها الآثم تكفيراً عن إثمه، وخشيتها تردع المتردّدين. فهذا العلاج الهيِّن السهل لهذا الداء يُزيل العقوبة ويذهب بالخشية فلا يكون منه إلا إشاعة الخطيئة في الناس). فأجابهم متشنيكوف: (إني حاولت فوجدت السبيل إلى منع هذا الداء أن يمتدّ، فقيل إني أسأت إلى الأخلاق، ولكن الأخلاق والأخلاقيِّين عجزت رُقاهم عن منع الداء أن ينتشر، وأن يصاب به بطريق العدوى البريئة أبرياء منه لم يَجنوه، فصار من الإساءة إلى الخُلُق الكريم أن نجد السبيل فلا نمنع انتشار هذا الداء الوبيل. .).

- 8 -

وبنا هو في هذا كان يتلمّس الطرق ويختط الخطط ويحلم الأحلام عسى أن يجد سبباً آخر لتصلّب الشرايين، وإذا به يخترع هذا السبب الآخر - ولا أظن أن أحداً يود أن يقول اكتشفه. قال إن هذا السبب هو:(تسمم الجسم من ذات نفسه بانحلالات تعفّنية تحدثها بشلات وحشية في أمعائنا الغلاظ. هذا هو سبب لا شك فيه لتصلب شراييننا ولشيخوختنا قبل الأوان). ودبر اختبارات كيميائية يستدل بها على التسمم الذاتي للأجسام، وكانت

ص: 30

اختبارت فظيعة. قال: (إن أعمارنا تطول كثيراً لو لم يكن لنا هذه المعي الغليظ، بل إن سجل الطب يخبرنا أن رجلين قطعت منهما هذه الأمعاء فعاشا أطيب العيش بدونها). والغريب بعد هذا أنه لم ينصح بقطعها للناس، وإنما أخذ يفكر كيف السبيل إلى تعكير الصفو وتنغيص العيش على البشلات الوحشية التي تسكن هذه الأمعاء.

وجاء بنظرية غريبة أثارت الضحك منه والسِّخرية به، وأخذت توقعه في المتاعب من جديد. وكتب إليه بعض الناس يذكّره كأنما نسي بأن الفيلة لها أمعاء غليظة هائلة، وهي مع هذا تعيش مائة عام. وكتب آخرون يقولون إن الجنس الإنساني من أطول الأجناس أعماراً برغم هذا المُصران. ثم دخل في حوار واسع بذيء عن الحكمة في أن سنة النشوء أَذِنت للحيوانات أن تحتفظ بالمصارين الغليظة، وبغتةً وقع على دوائه الكبير للتسمم الذاتي: تحدّث بعضهم قال إن في بلاد البلغار قُرى يعيش أهلها أكثر من مائة عام. ولم يكن متشنيكوف ذهب إليها ورأى هذه الأعمار الطويلة بعينه، ولكنه برغم ذلك صدّق ما سمع، وعلم أن هؤلاء المعمّرين يعيشون على اللبن الرائب، فأسرّ لنفسه:(أي والله! هذا هو السرّ في طول هذه الأعمار)، ولم يلبث ن كلّف بعض الشبان البحّاث في معمله دراسةَ المكروبة التي تُرِيب اللبن، ولم تلبث هذه المكروبة الشهيرة - البشلة البلغاريّة - أن اتخذت مكانها رفيعاً بين المستحضرات الطبية.

وفسّر متشنيكوف عملها فقال: (ن هذه الجرثومة تصنع حامض اللبن الرائب وهي بذلك تطرد البشلات الوحشيّة من الأمعاء). وبدأ بأن شرب هو نفسه مقادير هائلة من اللبن الرائب ثم عقّب بأكل زريعات من البشلة البلغارية ويظل يأكل منها سنوات. وألّف كتباً كبيرة في هذه النظرية الجديدة، وأشادت بهذه المؤلفات صحيفة إنجليزية لا يُعرَف الهزل منها فقالت إنها أخطر الكتب الطبية منذ ظهور كتاب (أصول الأجناس) لداروِنْ. وشاع أكل هذه البشلات السخيفة في الناس، وتألفت شركات لصناعتها أَثْرَى أصحابُها إثراء كبيراً من بيعها، وأذن لهم متشنيكوف أن يكتبوا اسمه عليها ولو أن زوجته تؤكد أن لم يُفِدْ من ذلك قرشاً.

وعاش عشرين عاماً عيشة صارمة على الأسلوب التي تقضي به هذه النظرية. وجانب الطبّاق ولم يذق كحولاً في شراب ولم يأذن لنفسه أن تستمتع بشهوةٍ داعرة، وامتحنه أشهر

ص: 31

أطباء العصر وأداموا امتحانه، وجاءه الخبز في أكياس معقمّة من الورق حتى لا تَعْلَق به هذه البشلات المعوية التي يتسمم الجسم من فعلها. واختبر دائماً عصارات جسمه وإفرازاته. وشرب في هذه السنوات الأخيرة جالونات لا عدّ لها من اللبن الرئب وبلع الملايين من البشلات البلغارية النفّاعة. . .

ثم مات في عامه الواحد والسبعين.

(انتهى متشنيكوف)

أحمد زكي

ص: 32

‌خواطر سياسية يثيرها يوم 14 سبتمبر

للأستاذ محمد محمود جلال

نزلنا (برتشاخ) في أوائل أغسطس المنصرم نستجم بعد الاستشفاء في (بادجاستين)، وبرتشاخ محلة تمتاز بالهدوء وتوسط الارتفاع عن سطح البحر فلا تكاد تصل إلى خمسمائة متر، وهي واقعة على بحيرة (فرتر) التي تعد من أجمل البحيرات في أوربا.

وهناك تقوم البواخر والزوارق من بخارية وشراعية مقام الترام والعربة والسيارة من وسائل النقل.

ففي أصيل أحد الأيام نهم لنستقل أحد تلك الزوارق التي تسير (بالبنزين) لمحنا في الأفق وعلى بعد نحو ميلين أو ثلاثة قوساً يعلو البحيرة ويبدأ من الشاطئ الأيمن، فصاح ولدي وهو بجانبي:(هذا ماء وكأنه يخرج من مضخة) قلت كلا، وكيف ذلك وليس فيما نرى مساكن وهذا موضع بحذاء الطريق المعد للسيارات، ولولا أن القوس لا تظهر معها ألوان لقلنا إنه قوس قزح الذي نسميه في ريفنا المبارك (قصعة الرخاء) ونعده فألاً حسناً للعام.

طلبنا إلى السائق أن يتجه إلى هذا المكان المنبهم علينا وهناك سألناه الإيضاح، قال: إن إلى يميننا بحيرة صغيرة تعلونا بكثير، ويزداد ماؤها بين وقت وآخر بحيث يخشى طغيانه، فأقامت له الحكومة محطة كهربائية تنقل منه جانباً في يوم معين من الأسبوع وقد يتكرر ذلك في أيام أخرى غير معينة.

قلت: ولم تعملون على أن يتخذ في تصريفه هذا الوضع وفي الإمكان صرفه دون أن يرى وعلى وضع مستقيم.

قال: (إن أسماك بحيرتنا تموت من قوة الاندفاع، فحرصاً عليها لجأ المهندسون إلى هذه الطريقة).

قلت: (أهكذا دائماً قوانين الطبيعة لا تتغير؟ فالغريب من الماء كالغريب من الناس حين ينزل على غير بلاده مغيراً أو محتلاً غاصباً يخرب ويدمر ويعصف بالأوضاع كما يعصف بالأرواح، ولو رد جميع الناس إلى آدم وحواء كما يرد أصل هذه الأنهار والبحيرات إلى المطر!!

ذكرت على التو بلادي وما عانت منذ أكثر من خمسين عاماً في نظمها وأوضاعها وأخلاقها

ص: 33

وأموالها، ومضت برغمي فترة طويلة منصرفاً إلى ما اكتنفني من هم مسخ النزهة وكاد يعفي أثر العلاج وأنا مطرق. . مستعبر.

قبع جنود الاحتلال في قصر النيل ووصل أثرهم إلى أقصى الوجه السوداني جنوباً والبحر الأبيض شمالاً. وجلس عميده الأول بقصر الدوبارة ونغص عيشنا في ريفنا وصعيدنا، وانساب كالأفعى إلى عقل الطالب بما قدم من كتب ممسوخة وإلى الزراع بامتصاص دمه وإلى الدوائر العليا يخضد من شوكتها ويعلن أوامره فأفسد الأخلاق، وإلى الجيش فجعله لا يشعر بوجود ولا يتقدم خطوة ولو في الدراسة النظرية.

ولقد أراد الله أن تصل بنا الباخرة في العودة إلى الوطن في السادسة من صباح 2 سبتمبر، وما كدنا نفرغ من الاستعداد حتى قاربت الثامنة، وإذا بأحد الخدم يطرق الباب، وكم كان سروري عظيماً حين سلمني جوازات السفر فأراحني بذلك من المشهد المؤلم الذي كان علي كالضربة الثقيلة، إذ شاء الاحتلال أن تكون الأمرة في بوليس الموانئ للإنجليز! فلكم كنت أشعر بالتنغيص المفاجئ في الذهاب والعودة حين أرى المسيطر الباحث في جواز مصري ولمسافر مصري غير مصري.

فتحت الخادم وتناولت الجوازات مغتبطاً، وطرت مع الفأل فرحاً وقلت في نفسي يحقق الله للبلاد بجهودها ما حققت لي المصادفة اليوم.

وهكذا يشاء الله أن يمر 14 سبتمبر وأنا بعيد عن القاهرة، كما تمنيت من قديم، وكما أنالني الله وقد عودني جميله.

عدنا إلى الوطن ونزلنا منازلنا والموسم الزراعي في أحفل مراحله، إذ تموج الحقول في جميع أرجاء البلاد بالعديد من أبنائها يجمعون بأيديهم ثروتها، وإنهم بذلك يتظاهرون للجهاد لا في سبيل العيش فقط، ولكن في سبيل سمعة الوطن في جانب غنائه؛ وليس أقوى من مظهرهم حفزاً للهمم بين وهج الشمس وأثر الرطوبة المتخلفة عن الفيضان. فلا يحسون سوءاً من الأولى ولا من الثانية، لأن وهج الهمة أقوى، وسورة الجهاد أطغى وأعم.

ويتفق أن يحفل الموسم مبكراً فيتفق واليوم المنكود الذي طلعت على رحى الاحتلال شمسه، وخيمت على عاصمة سحب الشر فيه مختلطة بغبار الخيل قادمة في غير حرب، وشامخة كأنما انتهت من فتح، وهو الغصب الصارخ يؤيده العذر الذي لا يعدو خيوط

ص: 34

العنكبوت في قوته، ثم تدرج عليه سنون فوق الخمسين.

انظر واعتبر! ثم انظر وأمل في الله الخير، فأن العب الذي تعركه المحن وتنغصه الذكريات يكون أقوى الشعوب حينما يستفيد من ماضيه، وأقدرها على السير ناضجاً بفعل الأيام وهي خير مرب.

وإذا كان الزمان استدار فظهرت العزائم متجهة والقوى متراصة جهاداً في سبيل العيش، فعما قريب هذه العزائم في العمل في كل ميدان للتخلص مما أصاب البلاد.

وكان أول كتاب للمرحوم مصطفى كامل إلى مدام جوليت آدم في 12 سبتمبر وكان كتاباً له ما بعده. وكان ما تلاه بادرة ظهور القائد الشاب وبادرة الأمل، وأول العمل المستمر الذي أفنى فيه حياته.

ولئن كانت الصحف اليومية وأكثر الهيئات لم تعر هذا اليوم ما يناسبه من عناية، فقد يكفل الأدب للأمم استخراج العبرة البالغة من المأساة، والمفخرة الغالية من الحادث الصغير. وقديماً قام الأدب أميناً على تراث الماضي وتأثراً للفضل والفضائل. ولقد صدق المرحوم شوقي بك حين رأى كسرى وإيوانه في سفينة النجوى أبقى على الزمن من الإيوان في فخامته وبنيانه. فكيف به أمام يوم غير من حال أمة ورزأها أكبر الرزء؟

كنت إلى أمس أقرأ تعليقاً قيما للكاتب الكبير أناطول فرانس على بحث فني بصدد أحد القصور التاريخية في فرنسا وهو قصر الوزير (فوكيه) وزير المالية في عهد لويس الرابع عشر، فحين عرض لمحنته ثم لمصرعه ذكر تنكر الأيام للوزير وتغير صحبه وخلانه، وحتى ذلك الجمع الذي لا يحصى ممن له عليهم أيد وآلاء ولم يقم بالواجب نحوه ويذكره في محنته، ويفصل بين السيئة والحسنة، ويمنع طغيان الشهوات على قديم مآثره، إلا الأدباء، فتسابقوا دفاعاً عنه نظماً ونثراً ومن بينهم كورنيل والرئيس هينو

وهل أقرب إلى الحق من الأدب؟ ومن يحمل عبء الإيقاظ للخير غيره؟ وهل يصرع الظلم سواه؟

والحقِ عرض الله، كل أبية

بين النفوس حمى له ووقاء

محمد محمود جلال

ص: 35

‌حول (نبوة المتنبي)

للأستاذ سعيد الأفغاني

كنت عائداً من جولةٍ في قرى (البقاع) حين قرأت كلمة الأستاذ الفاضل محمود محمد شاكر في العدد (167) من الرسالة الغراء، التي كتبها رداً على حاشية بحثنا في دين المتنبي المنشور في العددين (161، 162) من المجلة المذكورة.

وكانت قراءتي لرده، بعد عشرة أيام من صدوره. فإذا تأخرت في التعليق عليه فهذا عذري أبسطه للقراء الكرام؛ وأنا عوذ بالله من الغرور والذهاب بالنفس ومن الجهل بمقدارها والمكابرة في العلم والعصبية للرأي والهوى، فما يزال الناس - ولله الحمد - يقيسون فضل المرء بخضوعه للحق وإتقانه لعمله لا بدعواه وتبجحه؛ وقد ولى زمن كان فيه الولوع بالأغراب والإتيان بالجديد - ولو تافهاً - سبيلاً إلى الشهرة وذيوع الصيت وأقبل زمان فيه للتفكير حرمة وللعقل وزن، وكفى فيه المؤلفون مؤونة الثناء على النفس والتحدث إلى القراء بمزايا آثارهم وما تفردت به من معجزات.

وهؤلاء ذوو البصيرة من القراء يقلّبون ما يطالعون كل مُقلّب؛ يقع إليهم الكتاب فيمحصونه ويفلونه ويتدبرون ما فيه حتى تنكشف لهم منه مواطن الحسن والقبح، ويلمسون فيه آثار العجلة كما يلمسون مواضع التؤدة والروية.

وفي هذا ما كاد يصرفني عن الرد، سيراً على قاعدتي في ألا أحفل نقداً ولا رداً إذا كان حقاً؛ وسبيلي حينئذ أن آخذ نفسي به وأشكر لصاحبه، وإلا فإن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس فيمكث في الأرض. وخروجي اليوم على قاعدتي إنما كن لمنزلة الكاتب الفاضل لا لما في الرد نفسه. وليس في الأمر كل ما ظنه الأستاذ شاكر: فلا إثارة ولا إغراء ولا سلاح ولا استعداد لمعارك؛ إنما هي حاشية على كلام له المحل الثاني من بحثي، لم أرد بها نقد كتاب ولا التعرض لمؤلف؛ وشتان بين أسطر علقت عرضاً في حاشية وبين كلام مطول أنشئ للنقد خاصة.

أنا أدري - والإنصاف شريعة - أن الكلام على كتاب الأستاذ شاكر لا يكفيه فصل كبير، ففي الكتاب إحسان، وفيه إصابة واجتهاد، وفيه أماكن جديرة بالثناء حظيت بجهود حالفها التوفيق مرة وأخطئها مرة.

ص: 36

وبعد، فإني أشكر الأستاذ على نقله كلامي بحروفه، لأن عمله هذا سمح للقراء أن ينظروا: هل بلغ الأستاذ في الجواب على أسئلتي ما يريد من إزالة الشبهات الواردة عليه أم قصر دون هذه الغاية؟ أما أنا فقد عدت إلى كتاب الأستاذ كما طلب إليّ (وأنعمت - ثانية - في تدبر الأسباب الحادية على نفي تنبؤ أبي الطيب فلم أجد فيها مقنعاً) كما لم أعثر في رده الذي تفضل به علي شيء من الحجة؛ وإليك البيان:

(1)

وهّن الأستاذ رواية التنوخي لأنه صاحب الوزير المهلبي، ولأن المهلبي عدو المتنبي، فلا يبعد أن يكون التنوخي تحامل على أبي الطيب إرضاء للمهلبي. فنحن نسأله: هل يكفي هذا الاحتمال في تبرير رد رواية التنوخي وهي كما يراها المنصف تحمل في مطاويها دليل الصدق والأمانة في نقل الحديث، لا دليل الوضع والكذب؟ سأل التنوخي أبا الطيب عن معنى (المتنبي) فأجابه:(إن هذا شيء كان في الحداثة). وظاهر أنه يعني التلقيب لا التنبؤ، فجوابه غير صريح، وهو كما قال الراوي جواب مغالط، وكان في وسع التنوخي أن يحمّل المتنبي - لو أراد وضعاً وتحاملاً - جواباً صريحاً في ادعائه النبوة، ولو استقام هذا الأصل الذي بنى عليه الأستاذ رواية التنوخي لجاز لكل من أراد نفي خبر أن يورد عليه مثل هذه الاحتمالات الخيالية فيسقطه. وما أحسب أن خبراً - مهما كان صحيحاً - يستعصي إسقاطه على هذا الأصل!

إنما السبيل ن ينقّب الأستاذ عن نص صحيح صريح في تجريح الراوي التنوخي وأنه عهد منه وضع الأخبار ودسّ الروايات، أو أن يلجأ إلى حجةٍ - لا إلى احتمال - قوية يرضاها العقل والمنطق السليم.

(2)

استهل الأستاذ كتابه بفرضٍ فرضه، وخلاصته أن المتنبي علوي صحيح النسب، وأنه أخذ بكتمان هذا النسب لعداوة بينه وبين العلويين زعمها الأستاذ ولم يعرفها التاريخ. ثم ذهل حضرته عن أن هذا كان منه فرضاً ودعوى فراح يعده بعد صفحات حقيقية واقعة يبني عليها ويشرح بموجبها أبيات الديوان ويكذب مستنداً إليها الروايات، ويتهم الراوين. وهو بذلك يخرج على أصول سنها هو لنفسه وأخبر عنها في رده علينا حين قال: (ولا بد لمن يريد أن ينقد ناقداً أو يكتب فيما يتناول الروايات والأخبار أن يتحقق بدءاً بمعرفة الأصول في علم الرواية، وأن يستيقن من قدرته على ضبط الفكرة حتى لا تنتشر عليه

ص: 37

وتتفرق ويقع فيها الاختلاف والتضارب والمناقضة.) ونحن ننقل للقارئ أدلة على هذا الذهول من مواضع متفرقة من كتابه ليستبين أن الكاتب لم يتمكن من ضبط فكرته فانتشرت عليه وتفرقت. قال في ص48: (بينا لك فيما مر ما بين أبي الطيب وبين العلويين، وأن صاحبنا كان له عندهم ثأر قديم. . .) يقصد بما مر احتماله الذي لخصناه آنفاً. وقال في ص52: (وبينٌ على مذهبنا في نسب المتنبي أن الرجل حبس من أجل دعوى العلوية) وقال في ص58: (وكأني بالمتنبي في طريقه يظهر في القبائل والمدن أمر نسبه ويذيع بينهم أنه علوي الأصل شريف النسب محتالاً لذلك بالدهاء. .!) فأنت ترى أن هذا النسب العلوي وعداء العلويين كانا فرضاً أول الكتاب ثم صارا حقيقة مقررة في وسطه.

وماذا في أن يكون المتنبي علوياً حتى يهتم به العلويين هذا الاهتمام، وحتى يحتال هو لإذاعته في القبائل والمدن بالدهاء والبلاد تعج عجيجاً بالعلويين والأشراف؟

والغريب أن يتخذ الأستاذ من نظريته هذه التي افترضها برهاناً يضرب به كل الروايات والأخبار التي تحمل أمر تنبئه ويشغل الأمراء والناس والعلويين ودعاتهم بأمر فتى دون العشرين يدعي العلوية فقط، فيقول في رد رواية اللاذقي ص48:(أما اللاذقي فمجهول ولا يتيسر نقد سنده، ولكن مما لاشك فيه أن اللاذقية التي نسب إليها كانت لوقت أبي الطيب موطناً لفئة من العلويين ومحطاً لكثير من كبار الدعاة العلويين الذين حدثوا أحداثاً عظيمة في التاريخ العربي كله) هل اهتمامهم بفتى دون العشرين من عمره من الأحداث العظيمة التي أحدثوها في التاريخ العربي كله أيها الأستاذ؟! ولم لا يغتالونه مرة واحدة ويريحون أنفسهم من وضع الأخبار والدس عند الحكام؟ إن في الأمر مطامح لنفس هذا الفتى جعل سلمه إليها شيئاً آخر مع العلوية هو أكبر منها وأخطر.

وقد رددت أنا قسماً كبيراً من رواية اللاذقي هذا، ولكن لشيء غير ما ذهب إليه الأستاذ الكريم وسأبينه قريباً. وما أكثر ما يبين الإنسان لنقسه الخطة في البحث ثم (تنتشر عليه الفكرة) فيبنى على ير أساس. ولست أجد كلاماً في تصوير عمل الأستاذ وأصوله في بحوثه أصدق من قول الجاحظ في إبراهيم النظام وهو هذا: (وكان عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنه وجودة قياسه على العارض والخاطر السابق الذي لا يوثق بمثله، فلو كان بدل

ص: 38

تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه لكان أمره على الخلاص، ولكنه يظن الظن ثم يقيس عليه وينسى أن بدء أمره كان ظناً).

(3)

يورد الأستاذ على حديث أبي علي بن أبي حامد شبهة واحدة بعد أن يقر بأحكامه، ويقول عنه ص49:(فهو حديث محكم لا يأتيه التوهين إلا من قبل غرابته عما جرت عليه الأحكام في شأن من يدعون النبوة. . . الخ) وقد أطال في بيان وجه الغرابة بما لا فائدة بنقله هنا. والذي في كلام أبي علي هو هذا: (فاستتابه وكتب عليه وثيقة وأشهد عليه فيها ببطلان ما ادعاه ورجوعه إلى الإسلام) وجلي أنهم استتابوه من دعوى النبوة فرجع بذلك إلى الإسلام. أما الوثيقة فهي ببطلان علويته وبهذا تزول شبهة الأستاذ، فأن من المألوف أن تكتب الوثائق في إثبات الأنساب ونفيها.

(4)

عرض الأستاذ لرواية الهاشمي التي فيها: (كان أبو الطيب لما خرج إلى كلب وأقام فيهم ادعى أنه علوي، ثم ادعى النبوة، ثم عاد يدعي أنه علوي إلى أن أشهد عليه في الشام بالتوبة وأطلق) وهذه الرواية تعني أنه ما تخلى عن دعوى العلوية، وحين ترك ادعاء النبوة بقي على دعواه الأولى. ومنها ومن الرواية التي قبلها نفهم أنه لما أطلق ترك الدعويين معاً، فتاب من تنبئه، وكتب وثيقة ببطلان انتسابه للعلويين. وليس في الأمر مشكلة ولا تناقض ولا داع لأن يرجح الأستاذ ص49 إقحام لفظ النبوة بين العلويتين في حديث الهاشمي، وليقول:(إن المراد بالنبوة في حديث أبي علي بن أبي حامد العلوية) فعلوية أبي الطيب التي أراد أن يفسر بها النبوة الواردة في الروايات على اختلاف مصادرها لم تسلم له من الأصل وبقي المتنبي جعفياً يمنياً. وإذا كان لا بد من إيراد احتمال فالأولى أن تجعل العلوية الثانية من زيادات النساخ وإقحامهم. على أن الرواية في غنى عن هذا الفرض أيضاً وليس فيها داع إلى الشك أو تأويل. فمن الغريب جداً أن ينكر أبو الطيب دعوى النبوة من ساعة القبض عليه وأن يظل على العلوية طول أيام سجنه حتى كتابة الوثيقة.

(5)

بقيت رواية الناشئ القائلة: (كنت بالكوفة سنة 325 وأنا أملي شعري في المسجد الجامع بها والناس يكتبونه عني، وكان المتنبي إذ ذاك يحضر معهم وهو بعد لم يعرف ولم يلقب بالمتنبي). هذا الخبر هو مظنة أن يكون فيه بعض الحجة فلنفرضه صحيحاً ولننظر

ص: 39

ماذا تحته: إن فيه نصاً على أن أبا الطيب لم يلقب بعد بالمتنبي ولم يعرف في الكوفة، وإذا شئنا الدقة في التعبير قلنا إنه لم يبلغ أهل الكوفة أمر هذا اللقب، فيجوز أن يكون لقب به في الشام ويجوز ألا يكون. وليس في خبر الناشئ شيء آخر غير هذا. وبيان ذلك أن أبا الطيب ادعى النبوة للأعراب ثم سجن ثم أطلق وانتهى أمره ونسيه الناس، ثم حصل في الكوفة سنة 325 وحضر مجلس الناشئ فتى في الثانية والعشرين؛ ولما عاد إلى الشعر واتصل بالأمراء وبسيف الدولة وناوش الناس وناوشوه، وصاول الشعراء وصاولوه، وتفاقم الشر بينه وبين الناس نبشوا تاريخه - وهو هناك معروف - فأذاعوا منه هذه الزلة التي كانت في حداثته وتعلقوا بها وسار له في الناس هذا اللقب:(المتنبي).

لهذه الأسباب - وهي للقارئ معروضة - لم أجد في كلام الأستاذ شاكر (مقنعاً به من القوة ما يقف لهذه الروايات الصحيحة) وأظن أني أبنت له - كما أحب هو - وجود الضعف في قوله، وسواء علي وعلى الحق: أستبرأ الأستاذ من قوله أم لا. ولا بد أن يكون القارئ شعر بحرصي على وزن كلامي حرفاً حرفاً، وأني لم أسرف ولم أرسل القول على عواهنه. وقد عجبت كل العجب من الأستاذ - وهو الناقد الأصولي الفنان - حين لم يدر لم اختصرت حديث اللاذقي؟ إذ أن الأمر ظاهر، فإن الزيادات التي أهملتها يرفضها العقل ويكذبها الواقع، ولم تكن ثمة حاجة لأدل القراء على سبب إهمالها لأن تهافتها بين. وكثير أن تجرد عليها حملة كالتي نزل بها الأستاذ الميدان فخصص لها صفحتين من كتابه القيم. وهو يعلم - حفظه الله - أن من أدلة الوضع عند المحدثين مخالفة الواقع والمعقول كما هو مستوفي يكتب مصطلح الحديث. وأنا أستحيي من شرح هذا في مجلة (الرسالة) على رغم أن الأستاذ لم يجد بأساً في أن يعرفنا أن الخبر ما يحتمل الصدق والكذب، وأن وأن. . . الخ الخ مما يدرسه الطلاب المبتدئون. وأنا قد عملت بما أعرف من أصول البحث والتمحيص من دون أن أمن على قرائي. أما أستاذنا الفاضل فقد ملأ رده من مثل هذه الألفاظ: رواية، دراية، أصول نقد. . الخ وكلامي وكلامه أمام القارئ، وله وحده أن يحكم أين الرواية والدراية والأصول حقيقة لا ادعاء، وما التهويل بمغن عن أحدنا فتيلاً.

كنت أتوقع أن يتحفنا الأستاذ بالبراهين التي سوغت له رد الروايات فلم يفعل. أقول لم يفعل لأن أقواله: (رفضناه ورددناه وأسقطنا الثقة به والاعتماد عليه)، (إن هذا الخجل الذي

ص: 40

يزعمونه إنما هو من أباطيل الرواة)، (أخبار متداولة تهور كثير من الأدباء في التسليم بصحتها)، (أما كلمة كافور فمفتعلة)(وأسخف من هذه الرواية رواية من يروي. .) إن أقواله هذه ولو اتبع كل كلمة منها بجميع مرادفاتها ومؤكداتها اللفظية والمعنوية. . هي أليق بمظاهرها هتافية ينادي فيها بسقوط فلان وفلان منها ببحث علمي العمدة فيه الحجة والبرهان. وأي شيء في أن ينبز كاتب روايات التاريخ بالبطلان والكذب، ثم لا يكون دليله عليها إلا أنها كذب وبطلان!!

هذا وقد حمل الأستاذ أقوالي ما ليس تحمل: فأنا لم أدع للمعري تنزهاً عن الخطأ، ولم أقل بأن (ورود خبر في كتب العلماء هو الدليل الذي لا دليل غيره)، وما جعلت قرب الزمن دليلاً على الصحة بل هو مما ييسر للمحقق وسائله. كما أني لم أسلم بكل الروايات ولم أعدها صحيحة ابتداء، فقد رددت منها ما وجدت فيه إلى الرد سبيلاً، ونقدت حكماً أدرج في مصدر من أمهات المصادر وأجلها وهو خزانة الأدب حين وجدت للنقد مجالاً؛ ولكل من النقد والرد والتسليم مواطن. وكيف تريدني أن أقنع قرائي بأمر لم أقتنع به، وإلى أشياء أخرى يتحقق من رجع إلى مقالي أني لم أذهب إليها؟

ونحن لم نتهم الأستاذ بالعصبية للمتنبي ولكنه هو هو قدم لنا في رده دليلاً على عصبيته لرأيه، وليس لنا في هذا الأمر يدان. ولما قلت عن كافور:(وكافور ليس من الذين يختلقون على شاعر، ولا ممن يروّج الاختلاق) خُيِّل للأستاذ أن ثمة نصراً مؤزراً فقال: (إن الأستاذ قد حكم على كافور حكماً لم يرد له ذكر في كتاب، فهل يستطيع أن يؤيد هذا الحكم بالدليل التاريخي والبرهان العقلي أن كافوراً لم يكن يختلق على الناس ولا يروج الاختلاق؟ لقد أتينا نحن (بارك الله) بالروايات ونقضناها بالدليل - ضعيفاً أو قوياً - أم أستاذنا فقد حكم على رجل بغير دليل ولا بينة من التاريخ أو غيره) اهـ. وعلى رغم أن الدليل على المثبت لا النافي - كما لا يخفى على الأستاذ الأصولي - وأن على من يدعي على كافور الاختلاق وترويجه أن يقيم البينة، على رغم هذا نحيل الأستاذ على الذهبي الذي وصف دينه وتواضعه فقال:(وكان يداوم الجلوس غدوة وعشية لقضاء حوائج الناس، وكان يتهجد ويمرغ وجهه ساجداً ويقول: اللهم لا تسلط علي مخلوقاً)، و (كان يرسل كل ليلة عيد وقر بغل دراهم في صرر بأسماء من أرسلت إليهم من العلماء والزهاد والفقراء. .) ونحيله

ص: 41

أيضاً على الذهبي وغيره من المؤرخين الذين أجمعوا على وفور عقله وحسن تدبيره وصلاحه. . ويرى الأستاذ معنا أن فقه هذه الروايات - وهو الخبير بالرواية والدراية - يجعل كافوراً بمنجاة من النزول إلى هذا الدرك، وإن في أمور ملكه وبعد غوره ما يشغله عن الاختلاق على شاعر تكفي إشارة منه لتذهب برأسه. إن ما يسبغه المؤرخون على كافور من الصفات يكفي ليقول ببعده عن جميع السفاسف جملة وحدة. ففي التاريخ بينة وفيه دليل ولكن للعجلة في الحكم آفات.

هذا وفي نفسي مما أورده الأستاذ المحقق شيئ؛ فهل يسمح لي أن أطالبه بالدليل العلمي على قوله الجازم: (أعلم أن أكثر ما يروى في ترجمة هذا الرجل (المتنبي) وغيره من الرجال، إنما كان من الأحاديث التي تتناقلها مجالس الأدباء ولا يراد بها التحقيق، ولا ينظر فيها إلى صدق الرواية وسياق التاريخ وما إلى ذلك، بل إن كثيراً مما يروى في تراجم رجالنا كان مما يراد به مضغ الكلام في مجالس الأمراء أو في سامر الأدباء. . . الخ) وهل يتفضل فيبين لنا البرهان القاطع في قوله جواباً على سؤالي:(إن هذا الخجل الذي يزعمونه إنما هو من أباطيل الرواة الخ) فمن هم هؤلاء الرواة الذين لفقوا الأباطيل؟ إني متى أعرفهم يسهل علي من دون شك أن أسأل عن الأسباب الحادية لهم على التلفيق.

وأنا غير مطمئن إلى قول ابن جني في سبب تلقيب أبي الطيب بالمتنبي، فإن جني مفرط في حبه لصاحبه والدفاع عنه وهو متهم فيه. فهل لأستاذنا أن يعزز قوله بروايات أخرى سبيلها على غير ابن جني وعلى غير ما حوله؟ فإن تعذر هذا فلا عليه أن يؤيدها بأدلة لا اعتراض للفكر السليم عليها. ولا بأس أن نقول له وقد قرأنا ختام رده الذي أثنى فيه على نفسه وعلى كتابه بما هو له أهل: أنت كما أثنيت على نفسك، ولكن إذا كان كتابك قد اتخذه - كما زعمت - بعض الكتاب (مصدراً استنبطوا به أصول النقد) فلسنا بالذين نسمي الطعن المجرد للروايات أصولاً في النقد، وما لهذا أيضاً علاقة بالبحث. وهلا إذ ذكرت ذلك دللتنا على أسماء هؤلاء الكتاب والمجلات التي نشورا بها والمواطن التي قلدوك فيها لنهنئك على شيوع مذهبك وكثرة المؤمنين به؟ ولعلك فاعل عن قريب إن شاء الله.

أما أنا فما كنت أظن قط أن أسطراً تذكر عرضاً في رد فكرة، تثير مثل هذا الفاضل فيحمل منها هماً يجد وقره وعنته اثنين وأربعين يوماً ثم ينفثه في رده الذي تكرم به على مثل هذا

ص: 42

الشكل.

لقد وددت والله لو أن الأستاذ شاكراً نقّب عن الحجة وتحرى الحق لأعترف له به وأرجع إلى قوله. وصحف (الرسالة) أحوج إلى أن تملأ بالحقائق والبرهان منها إلى الدعوى والانتقاض. وأتمنى للأستاذ أن يهجر هذا الأسلوب في الجدال، فما هو بمغنيه عن الحق شيئاً كما لم يغن طنين الأستاذ صروف بالإشادة بمزايا الكتاب في مقدمته. والمأمول من الله أن يأخذ بيد الأستاذ شاكر فيتمم لنا كتابه الضخم عن المتنبي الذي قُدِّرَ بأربعة مجلدات؛ وأتمنى أن أراه قريباً، وأن أرى فيه حقائق الرواية والدراية وأصول النقد لا ألفاظها فقط. وليس بمهم بعد ذلك أن تكون هذه الأصول حديثة يخترعها الأستاذ أو قديمة على غرار ما تألف عقول هذا الناس، إنما المهم أن تكون صحيحة سوية.

وسأكون سعيداً حقاً يوم ينقد الأستاذ الأخبار خبراً خبراً، فيعارض بينها ويقابل، ويمحصها تمحيصاً يرضيه هو ويستفيد منه القراء الذين لا يخفى عليهم وجه الحق في كلام اثنين، ولا يصرفهم عنه نيلٌ من صاحبه ومراوغة في الحط منه؛ فإن هذا هو الأشكل بالأستاذ الكريم والأليق بفضله والأولى بسجاياه، وله - في الختام - شكري وخالص تقديري والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

(دمشق)

سعيد الأفغاني

ص: 43

‌وحي الدم المتحد

للأستاذ عبد المنعم محمد خلاف

لم تعد الوحدة العربية خيالاً تغازله الأحلام في أفق بعيد، ولا فكرة سطحية تطفو على عقل ضحْلٍ كما تطفو الفقاقيع. . . وإنما صارت كوناً موجوداً وأمراً مجسداً له ذرية وأنسال يتوادون ويتظاهرون في المأساة وفي فرح الحياة. . . وله دماء قرب منها مزيجاً مزجته الأقطار العربية وقدمته لحماية فلسطين من عابدي الذهب. . . فللعروبة من ذلك قرة عين لأنها رأت على صفحة الدم المتحد صورة المجد القديم الذي أوشك الزمان أن يستدير بجدته ويقبل بدولته.

أجل! سلوا أشجاراً يابسة وجذوعاً جافة بشعاب فلسطين وبطون وديانها، وقد حالت إلى الإيراق والحياة: ما الذي نضَّرَ عودك ورد عهودك وأطال عمودك؟ وستجيب: إنها الدماء التي لم أُسْقَها من عهد صلاح الدين. . . الدماء التي مزجت أمشاجها فكرة إلهية فجعلت فيها إكسير الحياة حتى للأحجار والأشجار والمدر والوبر. . الدماء التي تسيل من الأسود والأبيض والأصفر والأحمر فتجمع خلاصة ما في الإنسانية من إخاء، وسر ما في المسلمين من توحيد. . . الدماء التي تطفئ ما للظالمين من نار، وتجرف مالهم من آلات الهول والدمار. . . الدماء التي تدخرها الحياة ثم تطلقها سيّالاً طهوراً هدّاراً رجافاً يغسل الأرض ويحدث الانقلاب وينقل الإنسانية إلى الأمام. . . الدماء التي تحمل عناصر إخصاب الإنسانية بالفكرة الإلهية والحرية والإخاء والمساواة والعدالة والرحمة والسلام والبر والتعاون حتى تلد الأمهات أمثال ابن الخطاب وابن عبد العزيز والرشيد وصلاح الدين. . .

يا فلسطين يا أرض النبوات! تلك رسالة جديدة تهبط من شعاب جبالك ومن بين (التين والزيتون) مرة أخرى على قلوب العرب والمسلمين، وقد كتبت بالدم الممزوج من نفوس تمثل أربعة أقطار من ميراث محمد بن عبد لله. . . تحدث أهل الأرض الذين استحالت حياتهم إلى نوع من حياة الأوابد والفواتك لقبح الثقة وسوء الظن، وشر المعاملة، أن لأخوة الإنسانية لا زال لها تحت جناح تعاليم محمد مكان تأرِزُ إليه وتلوذ به، وأن الأسرة التي كان يبغيها أبو البشر آدم على وداد وترابط وتضامّ حتى يكون له من ذلك معنى السمو على

ص: 44

الأفق الحيواني. . . لا زالت هي الأمة العربية المطبوعة على إجابة الصريخ وتلبية الدعاء ونصرة اللهيف واحترام الجامعة ومعنى الدم. . .

يا أهل فلسطين! إنكم عرفتم كيف تموتون عند الاقتضاء، ولذلك لم تموتوا! بل ضوعف فيكم سر الحياة لأنكم أمددتموه بالدم وفعال المجد وحسن البلاء. . بل لقد ضوعف بعملكم سر الحياة في العرب والمسلمين جميعاً، وصار منكم مثل جديد يضربونه مفتخرين بين يدي هذا الزمان على مسمع الأمم وبصر التاريخ. . وقد غدوتم في فم الزمان مثلاً شروداً وحديثاً مُرَدَّداً أنسى التاريخ خبر الإسبرطيين وأجناد الرومان والجرمان وغير أولئك من العصبة أولي القوة! وقد أضفتم إلى مكتبة البطولة كتاباً ضافي الصفحات واضح الغرات فرح به عشاق الأبطال وعارفو أقدار الرجال.

ومهما يكن عدد مستشهديكم الذين ساقوا إلى المعالي مهرها من صبيب الدم ومسفوك النجيع. . . ومهما يكن من سطوة القوة، وعنف الظلم، ووقاحة الطاغوت. . فأن الدرس الذي تلقونه على المتآمرين على كسر شوكتكم وازدرادكم وهضمكم، درس هائل مزق أعصابهم، وأطار صوابهم، ومحا خططهم، وأفهمهم أنكم أعظم بأساً وأشد مراساً وأطول أنفاساً.

(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قَرح فقد مس القوم قرح مثله).

يا صهيونيون! كذبٌ من الأحلام وخُدعة من الأماني أن تملكوا أرضاً تنكركم وتلفظكم. لقد سخرتم إلهكم الذهب في شراء سطوة أمة مخدوعة بكم أو خادعة لكم تتخذون منها آلة تهدم وطناً على أهله لتبنوا لكم على أنقاضه وطناً في عالم الأحلام. . . وسنبصر وتبصرون: أينا المحروب المغلوب. فارتقبوا إنا مرتقبون، (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتُهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار)، ففروا من مجزرة أنتم شاؤها وأرانبها. . وكونوا أكيس من أن تبنوا لكم عشاً في طريق الفيل. . أو تناموا بين فكي الأسد. . .!

ثم هبوا أنكم غصبتم فلسطين من العرب، فما هي ضمانات دوامها لكم وسط هذا البحر

ص: 45

العربي الذي يكنفها ويلفها ويقذفها بموجه من الشمال والجنوب والشمال واليمين؟ هي الحراب الحليفة لا شك. ولكن الحماة مواطنهم في شمال الأرض، وهم أمة لا مناص من أن يلحقها داء الأمم وتدركها عقابيل الشيخوخة، وحينذاك أو قبله بكثير يستيقظ الثأر الراقد، وينهض الوتر الرابض، ويتنادى أبناء الشرق عليكم، فلو نفخوكم لأطاروكم. . . فأيما أمانٍ وقرارٍ وقيمةٍ لبلد فقد أهم عناصر الاستيطان وهو الدوام؟!

ألا إنها خدعة عبقرية، أو قل هي عصا القدر تسوقهم إلى شبكة محبوكة فاغرة لتصديق نبوءة النبي العربي الكريم. (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين).

أيها المؤتمرون بتراث العروبة! كلمة من شباب العرب والإسلام: إننا اعتزمنا أن نحيا أعز حياة وأمجدها، مدفوعين إلى ذلك بوحي أرضنا أرض التاريخ والرسالات، والميراث الروحي، وبهتاف أبطالنا وأعلام تاريخنا، تحيط بنا أفواج مجندة من أرواح الشرق التي نعيش معها ونلقَن عنها؛ ولن يعوق اندفاعنا عائق، لأن عجلة الفلك تدفعها يد القدر، وهي التي تدفعنا لنأخذ دورنا الثاني في تنمية الميراث الإنساني وغسل الأرض. . .

ألا فأفسحوا الطريق ولكم حسنة، قبل أن تفسحوه وعليكم كلمة السوء! فأننا عما قليل سيلٌ يتحدر من صبَب، ونار تشتعل في حطب! (ومنذا يرد على الله القدر)!

عبد المنعم محمد خلاف

ص: 46

‌جولة ريفية

صحبة النهر المقدس

في الطريق الريفي الملوّن بالأضواء والظلال لا تجد أجمل من رؤية النهر المقدس، يشق الوادي الجميل، فيُنَضرُ بالخضرة طلعته، ويزين بالعشب والشجر حافته، وينفث من روحه في الطير الحياة، ويطيف من حوله أرواحاً تغني بجماله وتبتسم في عذوبته!

ولقد مرَّت قرون وقرون، ومياه النهر تغني للوجود أغنية الخلود، وتفني المخلوقات في كر السنين، ويبقى وجه الماء العذب الطهور تصافحه أضواءُ الشمس الذهبية، وتباركه أنفاس الهواء، فيملأ هذا الثالوث الطبيعي القلوب والعقول بشراً وصفاء وذكاء وحياة!

ويا لها من قوى سحرية تُقوي الإيمان بالخلود، وتزيد الحب للوجود، وتبعث الزهد في الحياة، وتعلن في الدنيا مجد الله!

ومن ذا الذي يمكنه أن يصف سحر النهر؟ وكيف لأديب أو مفتنّ أن يصور روحاً من الأرواح عاشت من جودها الحقول، وطفرت في براءتها الطيور، ورقصت في دلالها الهوام رقصات الجنون!

ومن الغريب أن آلاف الأناسيَّ تسير إلى جوار هذا الروح الهائل، كظل من الظلال العابرة، لا تهتز لجوده، ولا تنحني لبره، ولا تهتف بجماله، كأنما نضبت فيهم عاطفة الاعتراف بالجميل، على حين كان الآباء الأولون يقْدرُون للنهر أياديه، فيقدمون له الهدايا، ويحملون لصدره أعز الأرواح!

فلماذا لا نُزجي لهذا الماء الغني هدايا الفن الحديث، وقرابين القلب العارف النبيل؟ وهاهي ذي روح النهر تشدو بأنفاس الحنان، وهاهي ذي أمواجه تتنفس البهجة والفرحة في الحياة!

(ميت غمر)

مصطفى عبد اللطيف السحرني المحامي

ص: 47

‌مشرقيات

في الأدب العربي الحديث

للأستاذ أغناطيوس كراتشقويفسكي

الأستاذ بجامعة ليننجراد

تمهيد: امتاز الأستاذ أغناطيوس كراتشقويفسكي صاحب هذا البحث بدقته وسعة مداركه، وتساميه عن المواضيع المطروقة؛ وهو لا يفرق مطلقاً بين الآداب العربية وبين الأمة التي أنتجت هذه الآداب.

وقد لا أعرف بين علماء المشرقيات في أوربا من توفر على دراسة الأدب العربي الحديث غيره وغير البروفيسور جب صاحب الدراسات الوافية في القصة المصرية والأدباء المعاصرين، والأستاذ كامفماير الألماني مؤلف كتاب (قادة الأدب العربي الحديث)، والمستشرق السويسري الدكتور ويدمار الذي يذيع دراسات مستقلة عن الأدباء والشعراء المعاصرين، كمحمود تيمور والزهاوي، والمستشرق نيفل باربور الذي كتب دراسة وافية عن المنفلوطي وعن تاريخ المسرح المصري، وكذلك المرحوم مارتين هارتمان المتوفى لأعوام قلائل، فإليه يعود الفضل في تنبيه علماء أوربا إلى الأدب العربي الحديث.

وقد زار العلامة كراتشقويفسكي مصر وسوريا وفلسطين عام 1908، وانكب في خلال إقامته بهذه الأقطار على دراسة آدابها الحديثة، ومكث بها فترة طويلة بمدرسة اليسوعيين في بيروت. وظهرت نتيجة زيارته ودراسته في بحث ممتع قرأته له منذ أعوام ناشد فيه الأدباء المعاصرين أن يدونوا تراجمهم ويدرسوا آثارهم.

وللأستاذ أيضاً يعود الفضل في تعريفنا بالعالم المصري المرحوم الشيخ محمد عياد الطنطاوي المدفون في مدينة بطرسبرج (لينجراد)، فقد نزح هذا العالم الأزهري منذ نحو قرن تقريباً إلى روسيا ليدرس الأدب العربي في جامعاتها، ووافاه الأجل وهو هناك فدفن في الأراضي الروسية، ويوجد رسم فوتوغرافي لقبره في الخزانة التيمورية، وقد نقشت بعض عبارات بالعربية على شاهد القبر هذا المعنى.

وقد ظهر أول بحث علمي للأستاذ كراتشقويفسكي عن (شاعرية أبي العتاهية) وضعه عام

ص: 48

1906، فرسالة (خلافة المهتدي) التي تقدم بها إلى الجامعة للحصول على درجة علمية، فكتاب (المتنبي وأبو العلاء المعري) وهو بحث ممتع دقيق فيما كان للمتنبي من التأثير في فلسفة أبي العلاء وشعره وبالأخص فلسفة التشاؤم الغالبة في شعر فيلسوف المعرة وفي آرائه الدينية، ودراسة عن شعر الشاعر الدمشقي (أبي الفرج الوأواء)، وترجمة ديوانه، وكتاب (البديع لابن المعتز)، ودراسة عن (الرواية التاريخية في الآداب العربية العصرية)، ثم هذا البحث الممتع الذي نشره في الملحق الأول من دائرة المعارف الإسلامية.

ومما يجدر بنا ذكره أن العلامة كراتشقويفسكي أشرف على ترجمة كتاب (الأيام) لطه حسين، و (عودة الروح) لتوفيق الحكيم إلى الروسية، وهو يشغل الآن كرسي أستاذ الأدب العربي بجامعة لينجراد، تعاونه في مهمته سيدة فلسطينية هي كلثوم فاسيلفا التي وقفت جهودها على نقل الآثار النفسية في الأدب العربي إلى الروسية.

(المترجم)

1 -

لمحة عامة - عوامل التقدم - العصور

ليس من اليسير على الباحث المحقق أن يعثر على بعض آثار النهضة الأدبية في العصور السابقة للقرن التاسع عشر. فإنها كانت مجرد مظاهر فردية الغرض منها إحياء الفنون اللغوية القديمة، دون محاولة التجديد في الأدب؛ وكان من جراء الروابط المتينة التي نشأت بين الأقليات المسيحية في سوريا ودوائر روما واستامبول أن بزغت مدرسة أدبية خاصة، يتصدرها مطران حلب الماروني السيد جرمانوس فرحات (1670 - 1732)؛ إلا أن العرب لم يتأثروا بالتيارات الفكرية في أوربا إلا بعد الحملة الفرنسية (1798 - 1801). فإذا أردنا أن نبين مظاهر الثقافة الأوربية التي تركت أثراً أعمق من غيرها في التفكير العربي، ألفيناها في الوصف الذي أورده الجبرتي لأول مطبعة حروف، ورأيناه في أول مكتبة نظمت على النمط الأوربي في دار الشيخ حسن العطار (1766 - 1834) الذي أصبح فيما بعد شيخ الجامع الأزهر. وإن في هذين المثلين فكرة عن بعض العوامل التي قامت بدور هام في تكوين الأدب العربي الحديث، وقد أنشئت في ذلك الحين دور جديدة للعلم على الطراز الأوربي، فأنشأ محمد علي الكبير مدارس لتعليم الطب والعلوم الفنية

ص: 49

بنوع خاص، لكنها خصصت أيضاً لتدريس فن الترجمة. أما في سوريا فقد عملت الرسالات الأوربية والأمريكية العديدة عملاً مجدياً في هذا السبيل، فأسست مدارس منوعة، وراح الأهلون ينسجون على منوالها في إنشاء دور العلم، فكانت مدرسة بطرس البستاني (1819 - 1883) أولى المدارس الوطنية. وفي خلال القرن التاسع عشر أدخلت على تلك المدارس تعديلات عدة، فأصبح للبلاد العربية الآن مجموعة رائعة من المعاهد العلمية الكبرى التي أحدثت أثراً مباشراً أو غير مباشر في تقدم الأدب الحديث. وإنا نذكر منها الجامعة الأمريكية، وجامعة القديس يوسف ببيروت، والجامعة المصرية بالقاهرة. ثم انتعشت حركة البعثات العلمية فأكملت ما قامت به المدارس من الخدمات. وهناك وصف طريف لأولى البعثات التي أرسلها محمد علي الكبير، وهذا الوصف الشائق بقلم أحد المبعوثين، رفاعة بك الطهطاوي (1800 - 1873) الذي أصبح فيما بعد مترجماً مجتهداً، واحتل مكانته الأدبية كزعيم من زعماء الاتجاه الجديد. وقد اتخذت تلك البعثات صبغة منظمة ابتداء من مستهل القرن العشرين. ومن السهل استجلاء أهميتها في تكوين الثقافة العربية إذا اطلعنا على الرسائل التي قدمها شباب العلماء العرب في جل السنوات (خصوصاً إلى الجامعات الفرنسية). وفيما عدا الطباعة التي كانت معروفة في سوريا منذ فجر القرن الثامن عشر، دون أن يكون لها أثر كبير، فقد أدخلت الحملة الفرنسية إلى مصر عنصراً جديداً وهو الصحافة الدورية. لكن أثرها ظل في حيز ضيق إلى أن كانت سنة 1828 حين أعاد تنظيمها محمد علي الكبير. وكان لها الفضل العميم في تقدم الأدب الحديث، إذ وجهت بعض الأنواع الأدبية وجهات جديدة كما ساعدت على ظهور أنواع أخرى. وكان الإقبال المتواصل على الترجمة مرتبطاً تمام الارتباط بالطباعة. واستهلت الحركة بترجمة الكتب العلمية ثم شرع في نقل الكتب الأدبية البحتة. وكما أن بعض الكتب القديمة كمؤلفات ابن المقفع والجاحظ كان من الصعب نقلها إلى اللغات الأخرى لولا مترجمو العصر العباسي، فإن الأدب العربي الحديث كان مستحيل النشوء لولا مترجمو القرن التاسع عشر. وللمرة الأولى في التاريخ أصبح الأدب القديم في متناول القراء بفضل الطباعة. وقد شرع في خلال العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة في دراسة هذا الأدب دراسة صحيحة مؤسسة على القواعد الحديثة. وقد قامت هذه الحركة على أساس أنه لا

ص: 50

يجوز نبذ الأدب القديم كله لتشييد أدب عربي حديث، بل يتعين الاحتفاظ بجزء كبير من الأدب القديم وإعادة تنظيمه. وقد تأسست دور كتب على النمط الأوربي فسهلت تلك الدراسات المنظمة وساعدت على نشر الكتب القديمة. وإلى جانب الصحافة الدورية، قامت المنتديات والجماعات العلمية والسياسية والأدبية تدريجياً منذ منتصف القرن الماضي فأحدثت أثراً عميقاً في الجو الأدبي. بل إن النثر الخطابي نشأ وتدرج في تلك المنتديات. أما المسرح فلم يكن له حظ يذكر، فقد ظهرت بواكيره في النصف الأخير من القرن التاسع عشر بفضل جهود بعض الهواة، لكنه لم يعتبر مظهراً جدياً من مظاهر الفن إلا في القرن العشرين إذ برزت طائفة من الممثلين الأكفاء يرشدهم فريق من النقدة المسرحيين.

وللهجرة أهمية خاصة ترجع إلى تقلبات مصير العرب في القرنين التاسع عشر والعشرين، وذلك لاعتبارات متنوعة من سياسية واقتصادية. ولقد سارت الهجرة جنباً لجنب مع الأدب العربي الحديث منذ فجره حتى اليوم، سارت منذ غداة الحملة الفرنسية إذ نزحت بعض الأسر عن مصر وأقامت في فرنسا، كميخائيل صباغ (1784 - 1816) والياس بقطر (1784 - 1821). وكثير من أولئك المهاجرين كانوا أساتذة الآداب العربية في جامعات أوربا كالشيخ الطنطاوي المدفون ببطرسبرج (1810 - 1861) وكان جل اهتمامهم موجهاً إلى إحياء الأدب القديم، إذ أن الأدب العربي الحديث كان في مستهل نهضته فلم يثير اهتمام المستعمرين وعلماء المشرقيات. لكن الحالة تطورت بعد سنة 1870 إذ تدفق سيل المهاجرين تدفقاً كبيراً (خصوصاً النازحين من سوريا) لا إلى أوربا فحسب، بل إلى أمريكا الشمالية والجنوبية. وكان لهجرة هذه العناصر أهمية عظمى في تكوين الأدب العربي الحديث، إذ ظهر جيل من الكتاب بدءوا دورهم على مسرح الأدب وإن لم يتموه إلى الآن.

استناداً إلى هذه العوامل يمكن القول بأن تاريخ الأدب العربي الحديث ليس إلا تاريخ النفوذ الأوربي، فقد اتجه هذا الأدب اتجاهين رئيسيين: النضال بين الأفكار القديمة وبين الأفكار الحديثة، والمشكلات التي نشأت من طابع الفن الأدبي الحديث. وقد اتخذ هذا النضال أشكالاً متباينة في المضمار الأدبي، فشوهدت في كل مرحلة تقلبات تختلف عن الأخرى. وأهم الميول التي ظهرت بجلاء هي أولاً: الاحتجاج على كل جديد ومحاولة البقاء في دائرة القديم، وإحياء الأساليب القديمة. ثانياً: السير سيراً سطحياً على منوال الأوربيين

ص: 51

وتقليد أفكارهم، واحتقار الماضي العربي بأسره. ثالثاً: محاولة صبغ الأصول الصحيحة للأدب العربي بأشكال جديدة مبتكرة من أساسها، مع اتخاذ الطرق الأوربية والثقافة الغربية وسيلة للوصول إلى هذا الغرض. ولا تزال هذه الميول قائمة حتى الآن جنباً لجنب.

ويلاحظ أن الفريق الأخير هو الذي فاز بأوفى عدد من الأنصار. وبديهي أن مصير العرب السياسي في القرن التاسع عشر والقرن العشرين أثر تأثيراً كبيراً في التيار الأدبي. فتاريخ هذا العصر هو تاريخ الانفصال تدريجياً عن تركيا (سواء من الوجهة السياسية أو الأدبية) ونشأة الروح القومية العربية التي اجتازت مراحل نموها بخطوات تختلف سرعتها باختلاف البلاد. وقد شاهدنا في الأيام الأخيرة أن تقدم الروح القومية أدى إلى نزعة فردية عند بعض الأمم العربية. أما في ميدان الأدب فإن تلك النزعة تنمو وتقوى في مصر حيث يدعو بعض المفكرين إلى تمصير اللغة وإحياء الأدب القومي.

إن من الصعب تقسيم الأدب العربي في القرن التاسع عشر إلى عصور تميزه تمييزاً واضحاً، فقد كان الإنتاج الأدبي في حد ذاته إلى عام 1880 تافهاً نوعاً، بل إن العرب أنفسهم كانوا لا يذكرون أسماء كتابهم، ذلك لأن مؤلفات هؤلاء الكتاب لا قيمة لها إلا في نظر معاصريهم، فهي مرآة لأفكار عصرهم ومشكلاته، وأهميتها اليوم لا تعدو أن تكون تاريخية بحتة. بل هو عصر بحث واستطلاع أكثر منه عصر إنشاء أدبي.

ويمكن تحديد هذا العصر بخمس قرن، أي من سنة 1880 إلى 1890، ثم من سنة 1890 إلى سنة 1900، وهي الفترة التي اختفى فيها من المضمار الجيل الأول لناشري النور الجديد ودعاة الأدب الغربي، وكانت كل من سورية ومصر تعملان وقتئذ مستقلتين، فالتفتت مصر إلى المضمار بنوع خاص، أما سوريا فوجهت اهتمامها إلى ميدان اللغة والأدب، وبرز في كل من البلدين رجال عظماء كبطرس البستاني في سوريا، ورفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك (1824 - 1863)، وعبد الله فكري (1834 - 1890) بمصر، وفي البلاد غير العربية امتاز العصر بظهور بعض الكتاب النوابغ كأحمد فارس الشدياق (1804 - 1887).

في هذه الفترة أنشئت الصحافة الدورية وتكون الأسلوب الصحفي، وشهدت السنوات العشر المتخللة بين سنة 1860 و 1870 تغيرات خطيرة في مركز الأدب العربي الحديث،

ص: 52

فحوادث دمشق في سنة 1860، واستقلال لبنان استقلالاً داخلياً من جهة، وافتتاح قنال السويس (1869)، ثم نشوب الثورة العرابية (1882) أدت إلى احتلال القطر المصري من جهة أخرى؛ كل هذه العوامل ساهمت في تعديل الطرق التي سار عليها الأدب. ولقد اتسع نطاق الهجرة السورية إلى مصر اتساعاً كبيراً في الفترة من سنة 1890 إلى سنة 1900، فانتقلت إلى أيدي السوريين جميع الصحف الإصلاحية القوية النفوذ.

(يتبع)

ترجمة محمد أمين حسونة

ص: 53

‌الطيف.

. .

للأستاذ فليكس فارس

يا جيرةَ الحيّ هل في الحيّ من آسِ

يردُّ ذكري وآلامي ووسواسي؟

سلختُها عن شغَافِ القلب فاقتلعتْ

جُذورُها من صَميم القلبِ إِحساسي

أعلو المنابرَ طلاَّباً بنشوتها

بعثَ القديمِ بأفكاري وأنفاسي

فتنجلي بيَ نفسي وهيَ خافيةٌ

عني لتبدو لَمنْ حولي من الناسِ

أُنير نبراسَ شعري أستبيحُ به

ما يَهتكُ السترَ للمُستَذكرِ الناسي

فيجتلي شاهدي روحي بروعتِها

ويحجبُ الشعرُ عني نورَ نبراسي

نشدتُ نفسيَ في الإعصار أَقحمها

نشدتُها في ظِلالِ الوردِ والآسِ

نشدتُها في عيونِ الغيدِ طامِعَةً

مني بإحياءِ تدليهي وإِيناسي

فروَّعتني شَرارات الحياةِ بها

ورَاعها في عيوني أَربدُ الياسِ

يخَالني الناسُ أَمشي في ربوعهم

ولم أَكن غيرَ طيفٍ بين أَرماسِ

فإن جلستُ إلى الإخوانِ مؤتنِساً

لمحتُ ذاتيَ وهماً بين جُلاَّسي

أُراود الكأسَ عن سكرٍ تجودُ بهِ

فلا أرى غيرَ وهمِ السكرِ في الكأسِ

يا جيرةَ الحيّ هل في الحيّ من آسِ

يردُّ ذكري وآلامي ووسواسي؟

سلختُها عن شغَافِ القلب فاقتلعتْ

جُذورُها من صَميم القلبِ إِحساسي

(إسكندرية)

فليكس فارس

ص: 54

‌الشاعر وسريره

للشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير

- 2 -

في غرفة واجمةٍ قفرةٍ

ليست بها بارقة للمُنى

هادئة لا عن طمأنينة

ساكنة مثل سكون الفنا؟

النور في أرجائها حائر

يصيح من يأسٍ: أقبري هنا؟!

ولا جواب غير همسٍ بها:

ويْبَكَ يا ابن الشمس أين السنا؟

لا ذنب للنور ولا غيره

في غرفة خالية مِن (أنا)!

ثاقبة السمع، تكاد الرؤى

تُسمَعُ فيها وخُطا الأزمنة!

كأنما كل جدار بها

أُبدل آذاناً عن الألسنة

ضلّت بها الأشياء ناموسها

فما لها من صِفَةٍ أوزِنة!

يمتدّ فيها الزمن المنقضي

حتى كأن اليوم فيها سَنة

كأنما الدهر بها مُتعب

أوغل في غيبوبة من سِنة!

ثَمَّ (سرير) مُفرد، لاغِب

ممتَقَع الوجه، كليم الفؤاد

ينتحل البشر إذا جئتُه

وهمُّه ما بين خافٍ وباد

يرثي لقلبٍ في ضجيج الدُّنَى

يشكو من الوحشة والانفراد

واضيعةَ الجمر بلا مُصطلٍ!

وليس بعد الجمر إلا الرماد!!

ينشد قلباً واحداً عاطفاً

من ضعضعت شكواه هذا الجماد!

رَق لحالي، وهو أحرى بأن

يبكيني العطف على حاله!

كأنه في شعثِه راهب

لا تخطر الدنيا على باله

يحمل مني جسداً مائراً

طول الدُّجى يمطَى بسرباله

يقوم عنه وهو مستنفدٌ

قواه، ملْعوبٌ بأوصاله

يكفيه بؤساً صاحبٌ فوقه

يطرقه الليل بأهواله

من لسريري بيدٍ عَذبةٍ

تنفخ فيه الرَّوح والعافية؟

تجولُ فيه إذا جَهُمه

أريكة منضودة زاهية!

ص: 55

ينتشر الريحان في جوها

وتنتشي في ظلها الفاغية!

آوي بها من غرفتي جنةً

يمر فيها الدهر كالثانية

رُبَّ سرير حسُنت حاله

يعود بالحسنى على حالية!!

عي أحمد باكثير

ص: 56

‌وداع صديقين

للأستاذ أمجد الطرابلسي

عِندي التهاني عذبة لكما

فرْحي، فما لي اليومَ عندكما؟

ومعي التهاني الطيباتِ أسىً

وار يجوبُ الصدْر مُضطرما

إمّا انْتَشي قلبي لمجدكما

ذكر النوى فهفا لبُعدكما

فرح وتحنان، فأيُّهما

أُخْلي له الخفَّاق، أيهما؟

قد حارَ قلْبي قبلَ بينكما

ما يفعل المِسكين بعدكما!

أخَويَّ سِيرا واتركا كبدي

تَلْهو بها الأشواقُ إثْركما

تَبّاً لها مكلومة أبداً

ما إن تُسيغ الأعْذب الشما

أو تُنكران أساي في عُرسٍ

رن السرور بساحِهِ نغما

إن الوفاء يهزُّ بي شجناً

جمَّ اللهيب ويَنْظم الكلما

ويهيجني قسراً فمعذرةً

تَسَع الوفاَء البرَّ، أو كرما

أخويَّ سيرا للفخار معاً

إن القلوبَ تحوط ركْبكما

لا تأسيا لملاعبٍ كرُمت

نبت الصِّبا في قدْسها ونما

أو ترْهبا الصحراء قاحلة

لجُّ الرِّمال طغى بها وطما

فالمجد والذكْرُ الجميل لمن

يجري على الأرماح مبتسٍما

كم أطْلعت صحراؤنا قمراً

حول النبي، وعلمتَ أُمما

وعلامَ ظعنكما يُروّعني

ومرابضُ الأحرار قصدكما!

إن العراق على الجِوارِ أخٌ

بَرٌّ كريم يكلأ الرَّحِما

في رأسه من هاشمٍ أسدٌ

يرعى العرينَ ويحرس الأجما

غازي بن فيصل جلَّ مَحْتِدُ

شرفاً، وطابَ أُبُوَّةً وحمى

ملكٌ به تزْهو العروش، جرى

نحو العلاءِ بِشعبه وسما

فخر الشباب، وحسن طلعتِه

وضياَءه إذ يكشفُ الظّلما

للهِ هَمكما، ودركما

من كوكبين توهَّجا هِمما

قلبا كما قد أُتْرِعا أملاً

وعزائِماً، وتوقَّداً شمما

ص: 57

أصبحتُما مثلاً فَمِثلكما

من سارَ في طلبِ العلى قُدُما

نِضْوانِ، والقلبُ الكبير لظىً

تضوي به الأجسام ما اضطرما

خاضاً عُباب الجد مُضطرباً

صخباً: ودرب المجد مزدحما

ملآ الصحائفُ كلَّ مفخرةٍ

وتشاطرا الأمجاد واقتسما

فإذا سألت المجدَ، أي فتى

نزهو به في الشام؟ قال: هما!

ثملان بالعزِّ التليد فكم=بعثا محاسِنه، وما كرُما

طَرِبان لم ذا مجّداً ظفراً

أو ردَّدا نغما، وما سئما

أوَ يسأمانِ، ومجُدنا زهرٌ

في مَفرِق التاريخ قد نظما

مجد العروبةِ ساطعٌ أبداً

لا يرْهبُ الأحقَابَ والقدما

تعنو له الأجيالُ خاشعةً

وتخُصُّه التبجيلَ والعِظما

يا مَجْدَنا الماضي تحيَّتنَا

اليومَ ثُرْنا نبعَثُ الرِّممَا

سنُعيد صوتك داوياً غرداً

في الخافقَيْنِ وننشُر العلما

نحنً الشِّبالُ فداءُ رايتنا

سنُحَطمُ الأصفادَ واللُّجما

آمالُنا وخيالُنا وطنٌ

سُقِيت دُموعاً أرضُه ودما

جُبِلت من الشُّهداءِ طينَتُه

فغدا لقُدْس تُرابه حرما

وطني تخِذْتُكَ في الصبا أملاً

حُلْواً يرفُّ، وفي الكرى حلُما

وطني عبدْتُ ثراك مِن وَلْهِي

لو كنت مِمَّن يعبدُ الصنما

يا صاحبيَّ ستنزلانِ حِمىً

شَب الفخارُ لديهِ واحتلما

بغدادَ أم المجدِ من ولدتْ

للمجد مأموناً ومُعتصما

إن تأتياها، فاذكرا زمناً

كلُّ العصور غَدت له خدَما

ثم اسقِيَا العَبراتِ تُربتها

قد جلَّ دمعٌ للوفاءِ همى

البصرتَان هناك كم ولدا

حبْراً وكم ذا أطْلعا علما

والرّافدان هُنَاك كم حملا

عرشاً، أظلَّ العُرْب والعجما

أيُّ العروشِ يظلُّ منبسطَا

أي الجديد من البِلى سلِما

هذي دمشقُ، فكم بها أثر

من عبدِ شمسِ شارف العدما

ص: 58

كم جرَّ ذيلاً في حدائِقِها

مروانُ أو كم نقّل القدما

جبّارة في الخطبِ باسمة

لا تشتكي لجراحِها ألما

سخِرت من الطُّغيانِ فاغرةً

قبراً لكلِّ مدجَّج ظلما

دامٍ حشاها، وهي عابثة

كالغيدِ، تضحكُ مُقْلةً وفما

لا تنسياها صاحِبيَّ غدا

أو تنسيا شملاً بها التأَما

أو تنسيا بردّى وواديَهُ

والغُوطَة الغنَاء والنَّسما

مالي أُذكرُ! أين مثلكما

من يحفظ التذكار والذّمما؟

(دمشق)

أمجد الطرابلسي

ص: 59

‌من وراء القرون

هذه الأحداث تتوالى، والمصائب تتعاقب، والأمم الإسلامية

تخوض كل يوم بحراً من اللهيب، فأين الأدب الذي يصف

الأحداث، ويصور آثارها؟ وأين الشعر الذي يشحذ الهمم،

ويستثير العزائم؟ وأين الأدباء والشعراء الذين يشعرون بشعور

الأمة ويألمون لآلامها. ويشاركون في بناء مستقبلها؟. . .

أما حركتكم أيها الشعراء نكبة فلسطين؟ أما هزت قرائحكم؟ أما هاجت عواطفكم؟ اقرءوا الآن هذه الأبيات من قصيدة الأبيوردي في استيلاء الإفرنج على بيت المقدس في سنة اثنين وتسعين وأربعمائة. ثم افتتحوا (ديوان فلسطين) الذي ستؤلفونه من قصائدكم في فلسطين بمعارضة هذه القصيدة، عل قصائدكم تهز الأمة الغافلة فيخرج منها صلاح الدين جديد.

(ع)

قال الأبيوردي المتوفى سنة. . .

مزجنا دماءً بالدموع السواجم

فلم يبق منها عرضة للمزاحم

وشرّ سلاح المرء دمع يفيضه

إِذا الحرب شبت نارها بالصوارم

فإيها بني الإسلام! إن وراءكم

وقائع يلحقن الذُّرى بالمناسم

أتهويمة في ظلّ أمن وغبطة

وعيش كنوّار الخميلة ناعم

وكيف تنام العين ملء جفونها

على هبوات أيقظت كل نائم

وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم

ظهورَ المذاكي أو بطون القشاعم

يسومهم الروم الهوان وأنتم

تجرون ذيل الخفض فعل المسالم

وكم من دماء قد أبيحت ومن دُمىً

تواري حياء حسنها بالمعاصم

بحيث السيوف البيض محمرة الظبى

وسحر العوالي داميات اللهاذم

وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة

تظل لها الولدان شيب القوادم

ص: 60

وتلك حروب من يغيب عن غمارها

ليسلم يقرع بعدها سن نادم

سلَلن بأيدي المسلمين قواضباً

ستغمد منهم في الطُّلى والجماجم

يكاد بهنّ المستجنّ بطيبةٍ

ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشم!

أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا

رماحهم والدين واهي الدعائم

ويجتنبون النار خوفاً من العدا

ولا يحسبون العار ضربة لازم

أترضى صناديد الأعاريب بالأذى

وتغضي على ذلّ كماة الأعاجم

فليتهم إذ لم يذودوا حمّية

عن الدين ضنّوا غيرة بالمحارم

وإن زهدوا في الأجر إذ جمّش الوغى

فهلاّ أتوه رغبة في المغانم

لئن أذعنت تلك الخياشيم للثرى

فلا عطسوا إلا بأجدع راغم

دعوناكم والحرب ترنو ملحّة

إلينا بألحاظ النسور القشاعم

تراقب فينا غارةً عربيّة

تطيل عليها الروم عضّ الأباهم

فإن أنتم لم تغضبوا عند (هذه. . .)

رمتنا إلى أعدائنا بالجرائم

ص: 61

‌القصص

ليلة. . . من عمر فتاة!

للأستاذ محمد شوكت التوني

منذ الساعة الثالثة بعد الظهر وأمينة في عراك بينها وبين نفسها. فمرة تقوم لترتدي ثيابها وتعد نفسها لملاقاة (صادق). ولكنها لا تلبث حتى تلقي الملابس وترمي أدوات الزينة مهتاجة الأعصاب ثائرة النفس. فإنها لا تريد لقاءه ولا تبغي أن تشاهد وجهه ولا أن تستمع إلى حديثه، ولا أن تبادله ذياك الحديث. فقد أصبح بغيضاً لديها، كريهاً في عينها، منبوذاً من كل عواطفها إلا عاطفة الحقد. لقد عرفته أول ما عرفته شاباً وادعاً رقيقاً ملأ أذنيها بأحاديث الهوى، وصور لها دنياها زهوراً ورياحين، وأضاء في قلبها نور الأمل، وأشعل في نفسها جمرة الحياة الحلوة الهنيئة، وحسبته صادقاً في قوله مخلصاً في حبه، وفياً بعواطفه، يريدها شريكة له تقاسمه نعماء الحياة وبأساءها، يبنيان معاً كالعصفورين عشاً يتذوقان فيه جمال الدنيا وينعمان فيه بسقسقه صغارهما زينة الحياة وذخر الباقية.

وكانت قد اطمأنت إليه وأنست لحبه، وبادلته النجوى كما بادلته رسائل تفيض سطورها بأشد العواطف، وتسجل في كلماتها خفقات قلبها.

وكان لقاؤهما أول العهد نادراً لا يستطيعانه، فكانت الرسائل عزاءهما وسلوتهما، ورسول قلبيهما؛ وكان والدها رجلاً شهماً قوي الشكيمة، يحيط منزله بعنايته ويتعهده برعايته، فكان الإفلات من حضانته عسيراً: ولكن الشباب لا يُغلب والعاطفة في زمنه لا تقهر، تستطيع أن تنفذ ولو في الصخر الصلد. وعلى ذلك فقد تقابل العاشقان بعد طول البعد. وبعد أن ربط بين قلبيهما مجرد النظر والميل الغريزي والخيال البارع، ووثقت الروابط والعلاقات الرسائل التي كانا يتبادلانها، والتي كانت ألفاظها تحمل من المعاني ما هو أبعد ما يكون عن الحقيقة لأنه نضح الخيال وثمرة الأمل الواسع والرجاء الفسيح.

ولكن المقابلة وتكرارها مرة أخرى باعدت بين العاشقين، فقد عرفت من أمره ما غاب عنها بين سطور الرسائل، فهو يريدها كما يريد الرجل المرأة، تدفعه شهوة الشباب الغلابة التي تتشكل في صورة العاطفة وقد تسمو وترقى، وتأخذ هيكل المثل الأعلى ولكنها لا تلبث عند اللقاء واللمس وتذوق القبلة والعناق أن تنكشف وتتساقط جافة صفراء من فوقها ومن حولها

ص: 62

الأوراق التي كانت تسترها مخضرة منداة، عليها طلاوة الغضارة ورونق النضارة. ويصفق في ذلك الكيان البشري كفّا الرغبة فيزلزل الجسم ويخون اللسان صاحبه، وتكشف النظرات خديعة الخيال.

أدركت (أمينة) كل هذا، وكشفت من أمر صاحبها ما رابها أول الأمر، فتعللت بالآمال واستنجدت بخداع نفسها، ولكنها لم تستطع الثبات وأيقنت في آخر الأمر أنه باطل ما أملت، وخيبة ما رجت، ووهم ما تخيلت، وأن العش الذي بنته في سبحات الروح إنما هو في الحقيقة كهف مظلم ينتظرها فيه إنسان في صورته الوحشية الأولى، أو بالحري حيوان على أديمه طيف إنسان! فجفلت ونفرت وارتاعت، وكان عنصر نفسها قوياً فلم تستسلم أو ترتمي حطاماً وتتكسر هشيماً، فأعرضت وصدت عن (صادق) وأرسلت إليه تعلنه بالقطيعة وتحول بينه وبين قلبها وبين جسمها، وتحذره أن يعاود أمره معها أو يحاول الاتصال من جديد بها.

ولكن الوحش الذي كان ينظر فريسته في الكهف المظلم هاجه أن تفلت في لحظة قد أعد فيها الوقود، وتلهب سعير ذلك الوقود في كل قطعة من كيانه، ونادته غريزته أن لا بد من الفوز ولو بارتكاب الجريمة، فعمد إلى تهديدها وسطر لها الخطاب الآتي:

(أمينة)!

(لا تحسبي أمري من الهون بحيث تنقضين وتبرمين في حياتي بمجرد رغبتك وحسب إرادتك. أنت لي، قلباً وجسماً، ولو اصطف أهلك جيشاً، وأعدوا من السلاح أشده وأقتله. فارجعي إليّ وعودي إلى أحضاني، وإلا فليس في يدي غير الانتقام، وعدته جاهزة، وسلاحه مرهف، وخطاباتك أمامي الآن بخط يدك، أرسل بعضها إلى أبيك، وأضعها في يد زملاء أخيك بالمدرسة، وأذيعها على صفحات الجرائد، وفي كل صالون من جيرتك، فتنهال فوق جسمك الذي تضنين به على قبلاتي ومتعتي، العصي والسياط، وينتشر العار حول اسمك، فينالك من رفيقاتك الخزي ومن الراغبين في زواجك الصد والبعد.

إني أنتظرك في الساعة الخامسة من مساء ليوم في مكان لقائنا المعروف. فإن لم تحضري ففي الساعة الثامنة غداً صباحاً سأبدأ انتقامي وتكون في يد أبيك رسائلك، ولقد أنذرتك فأعذرت)

ص: 63

(صادق)

لم تكن أمينة تترقب وقوع هذه الكارثة، وكانت تحسب أنه يكفي أن تعلنه بالقطيعة حتى ينقطع، وأنه حسبها ما تعاني من ألم الخيبة وصدمة الفشل.

لقد كن أول حب نما في قلبها، وكانت فجيعتها فيه لا تقل عن فجيعة الأم الشابة في وليدها الأول الذي لم تكن تصدق أنه يموت من بين يديها، فأعدت الآمال وحاطته برجاء نفسها المطمئنة.

ولقد كان صادق في نظرها شاباً وادعاً هادئاً، ثم رأت منه جنوحاً إلى تكييف العلاقة التي بينهما بصورة لا تريدها. ولم يكن يخطر ببالها أنه سوف ينحط عن هذا درجة بله درجات فيهبط من السماء التي كان يتيه فيها ملكاً فيصبح مجرماً كملايين المجرمين الذين يملئون فجاج الأرض!

إنها نادمة على ما فرط منها من التسرع في مبادلتها الحب لشاب عرفته بالنظر ولم تعرفه بالفكر ولا التجربة، ورأت في نفسها مجرمة في حق نفسها، فهي تريده عاشقاً روحياً عذرياً، ينظر إليها كزوجة المستقبل، مع أن حبهما كان وليد النظرة، ولم يكن ثمرة التعاطف الروحي. . .

إذن هي لم تحبه؛ لم تعشق هذا الإنسان المدعو (صادقاً)، ولكنها أحبت (محبوباً)، رجلاً، لأن (سالبها) الروحي كان معداً (لموجب)، بصرف النظر عن شخصية من يمثله، فأي شاب كان قد حل محله جديراً بأن ينال مركزه في قلبها.

وهذه هي الخفقة الأولى للحب، تتكون عناصرها بسرعة البرق، وتعيش في قلب صاحبها بلهاء! والسعيد من فارقته وشيكاً، والشقي من أطالت رفقتها معه وأثمرت له زواجاً، أو عشرة محرمة، كلاهما يفضي بحياة صاحبه إلى التعاسة.

مرّ كل هذا بخاطر أمينة، ولكنها تذكرت أن هذا الشاب الذي يكتب مثل هذا الكتاب ويتقلب مثل هذا التقلب، لا يحجم عن تنفيذ تهديده، فهو لابد فاعل ما انتوى؛ وغداً في الصباح ستقع في يد أبيها رزمة من الأوراق بخط ابنته التي يعتقد أنها قديسة، والتي يعيش من أجل رفاهتها وسعادتها، ويحوطها بحنانه وشدته كي يبعد عنها عناصر الشر والسوء.

إن التفكير في هول السعير كان ألطف وقعاً عندها من التفكير فيما عسى أن يفعل أبوها،

ص: 64

وهو ذلك الرجل القوي الذي يبعث الرعب في نفس كل من حوله من نظرته، والذي إذا قدم البيت شاع فيه السكون وعقد الصمت ألسنة سكانه، والذي يضرب المثل بالمصلحة الحكومية التي يديرها من حيث إنجاز العمل فيها والهدوء الذي يهيمن على نواحيها، والذي يخافه أهل العزبة خوفاً لعلهم - بينهم وبين أنفسهم - لا يخافون الله مثله.

العزبة! لقد مرت على رأسها ذكريات ذلك الشاب القروي الذي يسكن العزبة، والذي اتهمه شيخها بأنه يتصل بفتاة قروية مثله، فأحضره أبوها وجلده بالسوط حتى كاد أن يموت، وأجبره على الزواج منها والرحيل عن العزبة!

ترى إذا كان هذا فعله بالقروي الحقير، الغريب عنه، فماذا هو فاعل بابنته، عرضه، دمه ولحمه؟!

أتراه إذا قرأ خطاباتها إلى صادق، وهي تدعوه فيها (حبيبها) و (أملها)، والتي تسهب فيها في شرح عواطفها وما يخالج فؤادها من عشق مبرح وهوى جائح، والتي تصف فيها سهرها الليل ومناجاتها إياه، وتفكيرها في السعي إليه وهجران الدار إلى لقائه، لولا ما وضع أمامها من موانع، والتي تذكر في بعضها كيف حطمت هذه الموانع ولاقته؟!. . .

وكانت كلما تذكرت أباها عندما يدرك أن ابنته الصغيرة كانت تخدعه وتسخر من قواعده المقررة في الدار، وتعصي أوامره، وتتستر بالأعذار الكاذبة لتلاقي. . . عشيقاً لها! ينتصب شعر رأسها فزعاً وترتعش كمن مسه تيار كهربائي، وتتساءل: يا ترى إذا رحم شبابها، وذكر أنها كبده وثمرة حشاه، هل يكتفي بقتلها برصاصة تودي بحياتها دون أن يطيل عذابها؟!

عند هذا الخاطر كانت تضعف أمينة، فتقوم من نورها إلى ثيابها ترتديها تنوي الذهاب لملاقاته والتوسل إليه كي يقلع عما قطع فيه بعزمه، لعله يلين ويرفق بحالها، ولكنها سرعان ما ترجع عما نوت، وتظهر لها خسة هذا الشاب وحقارته، وكيف أنه لجأ إلى التهديد بدل أن يلجأ إلى الرجاء، (وهذا الخلق من شأنه) أن يجعل صاحبه يتمادى لا يرق للرجاء والتوسل! ثم. . كيف ترجو وكيف تتوسل؟ وترجو من؟ هذا الوضيع؟ إن الموت أحب إليها من أن تفعل، وملاقاة حتفها أيسر من تحطيم كبريائها وعيشها ذليلة يتصرف في شأنها رجل تكرهه، بل ذئب يشتهيها، وهي كالأمة، لا تملك إلا الرضاء والتسليم.

ص: 65

ترجع فتخلع ما لبست وترتمي محطمة على الأريكة وحياتها أمامها مظلمة لا ينبثق منها نور ولو من بعيد.

ثم تتذكر تهديد صادق لها بأن يعرض رسائلها على زملاء أخيها في المدرسة، وتتصور أخاها الشاب الكامل، البسام، المرح، المعتز بقوة عقله وقوة جسمه، فهو الأول بين أقرانه، وهو بطل المدرسة في الملاكمة، وهو يعد نفسه ليدخل مدرسة البوليس ليصبح ضابطاً. كيف يكون حاله لو شاع هذا الأمر بين زملائه وأصبح عرضة للازدراء والتحقير والتعيير؟ ستتحطم كبرياؤه ويمشي بينهم منكس الرأس عاني الجبين. . .

يا ترى هل ينتقم منها هو الآخر، أم يكفيه ما يحل به هو نفسه؟ إذن جنايتها مزدوجة. لقد حطمت نفسها وقتلت أخاها! ما أكره هذا الحب. ما أبعده عما يصور الكتاب والشعراء وينطق الممثلون ويرسم المصورون! إنه خداع وكذب ووهم يعيش في ظلمات الرؤوس والنفوس، حتى إذا ما برز إلى ضوء الحياة ظهر كالمسيخ المجذوم المهزول!

وكان الليل يهبط، وظلامه ينبث في الكون، ونافذتها المطلة على الخلاء البعيد تسرق لها كثيراً من جمال الليل وجلاله، ولكنها كانت ترى كل جمال مشوهاً وكل جلال حقيراً.

لم تتناول طعاماً، ولم تخرج من غرفتها. فهي تروح فيها وتجيء، وترتمي على الأرائك والحشايا، ثم تهب مذعورة كأن في هذه المقاعد جمرات تتوقد ثم لا تلبث أن تسرع فتجلس مرة أخرى وتستسلم للتفكير. . . والليل يوغل في المسير، وكأنه يسير على صدرها بكلكله، والأفكار تتوالى على رأسها سوداء فتاكة. . .

إنه قد ينفذ تهديده الأخير وينشر أمره وأمرها في الصحف، والصحف أصبحت ميداناً لنشر فضائح الناس حقيقها ومكذوبها، ويعرف هؤلاء الناس عندئذ أن هذا (البك) الجبار الذي يشمخ بأنفه ويعتز بكرامته إنما هو أب فاسد عربيد لم يستطع أن يحتفظ بعرضه، فما باله يريد أن يملي إرادته على الناس أجمعين؟! ياله من أبله ذي غفلة!!

وأهلها وأصدقاؤها الذين يتوددون إليها ويبدون لها الزلفى، ويسعون لها بالحب سيزدرونها ويتنكرون لها ويصبحون ألسنة تذيع ما قد يستطيع أن ينشئه الخيال من قصتها.

لقد فقدت الأب والأخ والأهل والأصدقاء، وفقدت الكرامة، وفقدت آمالها وسوف تعيش منعزلة منبوذة - إن عاشت - وسوف تموت ذليلة مزدراة إن عالجها الموت فأراحها،

ص: 66

وسوف تتقلى ذكراها على جمر القول السيئ ما دام في الزمن أيام تمر وليالي تعقبها. . .

لا مفر إذن من الموت. فلتعجل به لنفسها لعل موتها يدفن كل هذه المصائب، وتفتدي به حياة أبيها وأخيها، ولعل الذئب عندئذ تأخذ روعة الموت وجلاله بسفالته عن أن يستمرئ السير في انتقامه إلى النهاية. . وقامت عندئذ إلى (صيدليتها) الصغيرة فانتقت منها (اليزول)(واليود). ولكنها تراجعت تفكر. وهل من الصواب أن تثير فتنة نائمة؟ وهلا يتساءل الناس عما حدا بها إلى الانتحار ودفعها إلى معالجة شبابها الغض بهذا الدواء النكد المشئوم؟ وهلا يقول الناس أكثر من الحقيقة؟ وهل تضمن هي أن يكون لدى صادق ضمير يوقظه موتها فيستحي عن الاستمرار في سفالته؟

الأوفق إذن أن تسعي إلى قتله. . . هل تقتله حقيقة؟ هل تستطيع؟ إن سلاح أبيها في متناول يدها. ولكن هل تقوى على ارتكاب هذه الجريمة؟ أتحتمل أعصاب ساقيها السير إلى داره وارتقاء درجات مسكنه؟ وهل تقوى أعصاب يدها على حمل السلاح وإطلاق الرصاص؟ وهل تستطيع مواجهة ما يعقب الحادث؟؟

لا، إن هذا فوق الطاقة!

إذن أين المفر؟ وأين المهرب؟ لا منقذ اليوم!

اندفعت إلى النافذة، وكان الليل قد انتصف ودلف بنصفه الثاني إلى الفجر، وسكن الكون وسجا الليل، وكان يخيل للإنسان البائس الشقي أن الله مستمع إليه.

وقفت أمينة في النافذة وساءلت ربها: (يا ترى يا إلهي كم فتاة وقفت موقفي وسقطت من تأثير هذا الهول، ولم تعرف الناس أمرها، فراحوا يستعدون عليها انتقامك، ولو دروا لرحموها كرحمتك).

يا ترى يا رب أنت منقذي أم يشاء قضاؤك وقدرك أن أنحدر كالحصاة الضئيلة عندما تراوحها الريح، ثم تقذفها إلى المجرى ويلمها الخضم في أحشائه؟

إنك يا رب أنزلت المعجزات في زمن الطغيان والعصيان، وكم أريت الإنسان عجزه أمام قدرتك، من حيث لم يكن يتصور وجودك ولا يخشى بطشك. فهل تتركني يا إلهي فريسة أمام إنسان عاجز وأنت القوي الجبار؟

إنني أريد أن أعيش. وأنت يا رب قدرت لي العيش. أريد أن أسعد، ولا أريد أن أشقي أبي

ص: 67

وأخي. وأحب أن أقضي عمري شريفة لزوج كريم وأولاد أحباء. . عاوني يا إلهي واشملني برحمتك، إنني أمد لك يد الضراعة وقلبي يسبقني إلى ملكوتك باكياً مسترحماً.

أنت يا إله الضعفاء، يا نصير البائسين، يا رب هذه المخلوقات جميعها أدركني برحمتك فقد شملت رحمتك كل كائن حتى هوام الأرض وحشراتها تقدر لها الرزق وتعد لها الحماية والحصانة).

. . . ومرت نسمة رطبة باردة على وجهها المحتقن المتوقد فبعثت الراحة إلى أعصابها وأفسحت مكاناً للإيمان بالله والاطمئنان إلى قدرته تسري إلى قلبها الخافق المعذب ونفسها الممزقة حسرات. .

وكان الفجر بدأ يشرق بضوئه الشعري الرقيق يحمل في جبينه ابتسامة، ويخفي في يده وراء ظهره الشمس المضيئة وهي قادمة تحمل الحياة، وتحمل الأمل الجديد لكل يائس حزين.

اغرورقت عينا الساهرة المسهدة المضناة وغسلت دموع اضطرابها. وارتاحت أعصابها ولمعت في رأسها فكرة كادت أن تثب بقلبها من صدرها.

إنها سترمي آخر سهم، فأما فازت وإما يئست - واليأس إحدى الراحتين - فبقيت تنتظر مصيرها الذي يحمله له الغيب المحجب.

قامت تحمل هذه الفكرة مندفعة إلى غرفة أخيها الشاب فأيقظته ورجته أن يستعد لسماع حديث لها هام. فقام مرحاً كعادته واغتسل وجاءها طلقاً ضاحكاً. فجلست إلى جواره وأخذت تسرد عليه كل أمرها، صريحة واضحة، فعرفته كيف ابتدأت علاقتها بصادق، وكيف استمرت، وكيف كشفت حقيقة نواياه وكيف هددها، وكيف قضت ليلتها. . . وسألته أن يقوم بواجبه كأخ وكصديق ومنقذ فوضت إليه أن يفعل شيئاً. ولو أن. . . يقتلها!

وكأن الموضوع قد أحال هذا الشاب المرح رجلاً قوياً يستمع في جد ورزانة، ووجهه ينم على أن قراره يتكون في نفسه وفي رأسه.

وما إن أتمت حديثها حتى قام يربت على كتفها بيده وكأنه يعدها بإنجاز ما سألته. وارتدى ثيابه في صمت وخرج من الدار ولم تكن الشمس قد برزت في السماء.

وانتظرت أمينة المصير مستسلمة لحكم الله أعدل الحاكمين. .

ص: 68

وبعد نصف ساعة رجع أخوها إلى غرفتها وسألها.

- (كم عدد رسائلك؟)

- (عشرون. . .)

- (هاك العشرين رسالة)

وألقى بين يديها عشرين رسالة أخذت تقلبها باكية مضطربة فرحة. حتى إذا ما اطمأنت إلى أن رسالة منها لم تغب أخذت تمزقها وترميها وقوداً لنار أشعلتها لتدفن فيها ماضيها الصغير!

وبعد ساعة كانت العربات تنقل أثاث منزل صادق وهو يسير وراءها مذعوراً لا يكاد يستطيع أن يرفع جبينه إلى منزل أمينة، فقد هاجمه أخوها بقوته وبسالته وأرغمه على تسليم الرسائل وإخلاء سكنه والابتعاد عن الحي بأكمله وإلا فهو قاتله، وارتاع الجبان وخضع وفنيت قوته الكاذبة أمام قوة الرجل الباسل. وأدرك أن الرجل الذي لا يستطيع أن يواجه رجلاً مثله أحرى به ألا يقف في وجه امرأة!

محمد شوكت التوني

ص: 69

‌السعادة

(لا أراك إلا مكباً على كتب الدراسة فلهذه وقت وللراحة أويقات، وهذا انهماك قد يودي بصحتك وأنت ما تزال طفلاً، هلا تذهب معي إلى الشيخ، إني أعتزم زيارته الآن).

هكذا فاجأني أخي الأكبر، ولم تكد شفتاه تنفرجان عن آخر كلمة حتى ألقيت ما بيدي جانباً، وسارعت للحاق به نطوي سهولاً واسعة نغذّ السير على الأقدام، بينما ترسل الشمس علينا شواظها لهيباً لافحاً، وقدماي تغوصان برمال محرقة تجعل مشيتي بخطوات لا اتزان بها.

وما إن تراءت لنا تلك البناية، وهي تقوم على أكمة جرداء تشرف على جانب من سهول قفراء حتى عاودني نشاطي، بيد أن أخي استحثني أيضاً فلوح إليّ بالشجرة التي تبدو إلى جانب الدار وإلى اللجوء إليها من شعاع الهاجرة اللاذع.

وبرز إلينا رجل استفزه هرير الكلب الملح، وإذ عرفنا أومأ إلى كلبه فتنحى إلى ركن أقعى خافتاً عواءه، كأنه يتلمس عذراً.

رحب بنا مضيفنا العجوز واحتوانا مجلس وثير، وثير بفراش يتألف من حصير تعلوه وسادة ومخدتان، فتراخت أعصابي بهدوء حيث الاستمتاع بفيء عميق، تلاشى معه عنت السفر.

وانطلقت عيناي كأنهما تبحثان عن شارد في نواحي هذا المنزل الظليل وفيما احتواه من أثاث بسيط، وإلى هدوء هذا الشيخ ووقاره. إنه منزل رحيب ولو أنه مكون من غرفة واحدة تحيط بها أكوام الأحجرة الدائرة من آثار القرون الأولى، لا يتصل بها من عمران سوى هذا المغار المعد لمأوى عنيزاته، وهي تبلغ العشر عداً.

وفي نشوة هذا الاستمتاع أدركت مغزى إطلاق البدو اسم القصر على أي كوخ يقوم في عرض الصحراء، وأقرر أنهم على حق.

فأية فخامة تحلم بها في غبراء يابسة تعدل هناءك حين تحضنك جدران أربعة تغدق عليك فيئها وتطمئن إلى سلامتك فيها. إذن هو قصر باذخ. ويزيده رواء هذه الشجرة التي لا ثانية لها فهي تخلع على هذا الكوخ ترفاً يتضاءل معه ترف القصور. هي مخضرة الأوراق وارفة الظلال وهي أبداً باسمة مادام كل ما يكتنفها قاتماً، ويرحب بنا المضيف في جلال الشيوخ مخاطباً إيانا في حكمة من وقرت ظهره السنون فتخرج كلماته متزنة في حين تلمع أسنانه البيضاء التي لم يسقط منها سن واحدة على ما أظن.

ص: 70

وقلما يتزحزح من متكئه، فإلى جانبه إناء الماء البارد وأمامه معدّات القهوة العربية ويرتفع قريباً منه رف مصنوع من أعواد غير متناسقة يحمل أكواماً من المخطوطات عبث البلى بأكثرها. فهذه كتب يدعوها أسفار الحكمة، وتلك وريقات يزعم أنها تضاهي صحف موسى، ولماذا؟ فهي اتصلت به من جامع قرطبة بواسطة المغاربة الجوّابين.

وذلك كتيب يقول إنه توارثه عن آبائه الأقدمين وهو يقسم أن القلم الذي بين أصابعه مضي عليه زهاء ثلاثين عاماً لم يبره مرة ثانية بل زامله في عزلته طيلة هذه السنين في حالته الراهنة. وهو يجري عليه رزقاً متواصلاً، إنه رائد الخير، به يكتب الرقي للبدو ويحبر الرسائل الخاصة ويثبت به كل ما اختُزن في المغار، وهو لم ير سبباً لتجهيز هذا المغار بباب يحول دون سرقة ما احتواه من سمن وحبوب وصوف ائتمنه عليها البدو مقابل جعل خاص.

وهؤلاء البدو تغمرهم الطهارة. هكذا يوجه كلامه إلى أخي لأنهم لا يسألونه عن زيادة أو نقصان في أماناتهم ولا يأخذون بها مستنداً منه. وهم إذ ينسابون مع مواشيهم في عرض الصحراء طلباً للكلأ والماء ويمنعون في توغّلهم بأطرافها المترامية يرسلون قوافل تمدهم بالمؤونة مما ادّخروه واختزنوه عنده.

وما يدرّه عليه القلم إذا أضيف إلى هذا الجعل عن الخزين هي الثروة التي يقنع بها ويحرص على الشكران عليها.

واندفع يسرد علينا اطمئنانه إلى عيشه ووجهه يطفح إيناساً وملامحه تفيض بشراً وهناء واعتدل في متكّئه كمن يحاول أن يحاضر في موضوع فكرر الشكر لله إذ هيّأ له حياة وادعة ويقول: لم لا أكون مرتاحاً وهذا رزقي يأتيني رغداً، وهذه عنيزاتي تدر علينا حليبها، ولنا دجاجات تغذينا ببيضها، ونستقي ماءنا عذباً بارداً من البئر القريبة لمنزلنا؟

أما زوجي فهي تشاطرني هذا العناء وهي وأنا عجوزان طال بنا انتظار الموت وهو إذ يغشانا أحدنا أو كلينا ألفانا على أهبة للقاء الله

يا ولدي (يخاطب أخي) إذا حان وقت الصلاة انزوي إلى محرابي هذا، وإذا شعرت بالسأم فها هي ذي كتبي. إنها تحوي كل شيء. إنها عندي بمثابة عالم كامل

وأزيدك اطمئناناً عليّ بأنني لم أشك مرضاً ولم ألقى ولم أتعرف قط إلى رجل السراي في

ص: 71

كرسيه وزهوه حتى ولا أدري شيئاً عن أحوال ما يطلقون عليها من أسماء، حكومة أو دولة أو حكومات وعساكر فأنا بعيد عن الناس قريب إلى الله سعيد بلقائه

وفي عودتنا رأيت أخي يهز رأسه غير مرة يردد كلمتي: إنه سعيد! إنه سعيد!

(عمان)

(جار الصحراء)

ص: 72

‌البريد الأدبي

المؤرخ الألماني كونراد بورداخ

من أنباء ألمانيا الأخيرة أن المؤرخ الكبير كونراد بورداخ قد توفي في السابعة والسبعين من عمره. وبورداخ من أعظم مؤرخي ألمانيا المعاصرين، وقد اشتهر بالأخص بمباحثه وآرائه في تاريخ العصور الوسطى ونظمها وخواصها الفكرية والاجتماعية، وكان مولده بمدينة كونجزبرج في سنة 1859، ودرس دراسة حسنة في جامعتها ونال إجازة الفلسفة؛ وفي سنة 1884، انتدب للدراسة في جامعة هاله واستمر بها حتى عين أستاذا لتاريخ الأدب الألماني في سنة 1892. وفي سنة 1893 ظهر أول جزء من كتابه الشهير في تاريخ العصور الوسطى المسمى (من العصور الوسطى إلى عهد الإصلاح) فأثار ظهوره اهتماماً عظيماً في دوائر البحث؛ واستمر في إصداره أعواماً عديدة وترجم إلى عدة لغات أوربية؛ وتوفر بورداخ على دراسة هذا العصر دراسة مستفيضة. وكتب عن (لوثر) بطل الإصلاح الديني مباحث عديدة؛ وقام بعدة سياحات ومباحث مختلفة في دور المحفوظات الألمانية لحساب أكاديمية العلوم البرلينية، وأصدر لحسابها أيضاً مؤلفات همبولد، وله في الأدب والحياة الفكرية عدة مؤلفات هامة نذكر منها كتابه عن (فالتر فوجلفايدة) وكتاب (علم الحياة الألمانية) وغيرها.

وفي سنة 1927 أخرج بورداخ أعظم كتبه وأهمها وهو كتاب (الإصلاح والأحياء والحركة الإنسانية) ، ، ولبورداخ رأي جديد في نشأة حركة الأحياء فهو يرى أنها ثورة عقلية ترجع إلى بواعث روحية عامة، وأن هذه البواعث ترجع إلى الاعتقاد الديني في السمو الإلهي للعالم والحياة، وترجع أيضاً إلى نفوذ الكنيسة وإلى مؤثراتها؛ وفي رأيه أن الكنيسة قد لعبت دوراً عظيماً في تهيئة أسباب الإحياء الفكري؛ وقد تناول بورداخ في كتابه بالبحث المستفيض خواص الحياة العقلية في القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، وألقى ببحثه كبير ضوء على سير حركة الإحياء الأوربي.

كتاب جديد عن مصر

المسيو كلود آفلين من كتاب فرنسا الشبان، وهو السكرتير المساعد لنادي القلم الفرنسي؛ وقد زار مصر منذ نحو عامين، ورأى أن يكتب عما شاهده في هذه البلاد، فوضع عن

ص: 73

مشاهداته كتاباً صدر أخيراً في باريس وعنوانه: (النزهة المصرية)

ومسيو آفلين كاتب ذلق خفيف الروح، ولكن الوقار يطبع أسلوبه؛ فهو قد كتب عن مشاهداته في مصر مجلداً يبلغ نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة، وضمنه كثيراً من الملاحظات والنكت الظريفة، ولكنه لم يدع في كتابه أنه أصبح بهذه الزيارة أعرف الناس بمصر والمصريين، بل هو يصارحنا في مقدمته بأنه يكتب متهيباً لأنه لم يحسن معرفة مصر، وأن مصر لا تعرف في زيارة أو زيارات، وإنما لا بد لمعرفتها من وقت ودراسات كثيرة.

ومما يجدر ذكره أن مسيو آفلين لم ينحدر إلى شيء من ذلك الإسفاف الذي رأيناه في كتابات بعض الفرنسيين الذين زاروا مصر في العهد الأخير، ولا سيما فرانسيس كاركو الذي يصور مصر في كتاباته أقبح تصوير، ويزعم أنها من أكبر مراكز البغاء في العالم، ولا يجد لأحاديثه سوى المواخير والمنازل السرية والمقابلات الغرامية المزعومة مع بنات الباشوات. . . الخ؛ هذا الإسفاف الذي ينحدر إليه فرانسيس كاركو وأمثله يتعفف عنه مسيو آفلين غاية التعفف، ولا يطالعنا إلا بأحاديث شائقة ظريفة تفيض عطفاً وحباً.

سفينة جوية هائلة

يظهر أن عجائب الاختراع البشري لن تقف عند حد، وأننا قد نشهد في المستقبل القريب سفناً جوية جبارة تشق جو المحيط، كما نشهد اليوم السفن المائية الجبارة تشق عباب المحيط؛ ففي أنباء أمريكا الأخيرة أن المستر شولر كلنهانز مهندس الشركة الجوية الكبرى التي أنشأت أهم وحدات الأسطول الجوي التجاري الأمريكي، قد وضع تصميماً جديداً لسفينة هوائية جبارة لا تقل في حجمها عن سفينة بحرية حقيقية.

وقد شرح المستر كلنهانز تصميمه أمام مجمع العلوم الجوية في سان فرنسيسكو، وقال إن تكاليف السفينة الجديدة تبلغ نحو أربعة ملايين جنيه، وأنها تستطيع أن تخترق المحيط من نيويورك إلى ليفربول في إحدى عشرة ساعة فقط، ويستغرق صنعها على الأقل أربعة أعوام من العمل المتواصل.

ويقول المستر كلنهانز إن الأمر ليس خيالاً وإنما هو مشروع علمي قتل بحثاً ودرساً من الوجهة الفنية، وتأكدت صلاحيته وإمكان تحقيقه بالتجارب العلمية، وسيكون وزن السفينة

ص: 74

الجديدة نحو 1500 طن، وطولها نحو 375 قدما، ومحيطها نحو 550 قدماً، وسيجهز محركها بقوة مائتي ألف حصان، ويمكن أن تحمل مائة عامل ومهندس، وخمسمائة راكب، وخمسمائة طن من الوقود لتكفي اختراق المحيط، وخمسة وعشرين طناً من العفش.

وتطير هذه السفينة الجبارة بسرعة ثلاثمائة ميل في الساعة، وعلى ارتفاع اثني عشر ألف قدم.

ويقول مستر كلنهانز في ختام تقريره إنه يكفي وجود المال اللازم ليخرج مشروعه في الحال إلى التحقيق العملي.

وفاة كاتب روسي كبير

توفي أخيراً في براج عاصمة تشيكوسلوفاكيا الكاتب والقصصي الروسي الكبير فاسيلي نميروفتش دانشنكو بعد حياة طويلة حافلة؛ وكان مولد هذا الكاتب الذي يمثل العهد القديم بكل ما فيه منذ ثلاثة وتسعين عاماً؛ وكان بدء ظهوره في عالم الأدب منذ خمسة وستين عاماً أيام الحرب الروسية التركية، إذ كان جندياً ملتحياً، وكان يكتب في الصحف الروسية فصولاً شائقة عن الحوادث العسكرية التي شهدها؛ واستمر دانشنكو أعواماً طويلة على وصف الأحداث والمغامرات العسكرية حتى أصبحت له في هذا النوع من الكتابة براعة خاصة؛ وكان له في النظم جولات حسنة؛ حتى كان يلفت الأنظار بقصائده الحربية، وكان مثله الأعلى في الشعر الشاعر الإنجليزي الكبير (بيرون) حتى سمي فيما بعد (بيرون روسيا) وذاعت شهرة دانشنكو بنوع خاص حينما أخرج قصته (نسر الجبل)

وكان لدانشنكو في بلاد البلقان شهرة خاصة لأنه حارب من أجل حرياتها ضد الترك؛ وفي سنة 1923، ذهب إلى بلغاريا لمناسبة احتفالها بعيد استقلالها الخمسيني، فاحتفت به احتفاء عظيماً، وكان يومئذ في الثمانين من عمره، ولكنه كان شيخاً وافر النشاط والإنتاج.

وكان دانشنكو يعيش في أيامه الأخيرة في تشيكوسلوفاكيا متريضاً متشفياً حتى وافاه الأجل المحتوم.

أسبوع المؤلفين

قام نادي القلم في زيلندة الجديدة بمشروع طريف لترويج الكتب، سماه (أسبوع المؤلفين)

ص: 75

وخلاصة المشروع أن تعرض مؤلفات الكتاب وصورهم مدى أسبوع في المدن الهامة مثل ولنتون العاصمة وكريستشرشي ودندين وغيرها. وقد افتتح الحاكم العام هذا المعرض الأدبي وألقى خطاباً رسمياً؛ وألقى آخرون من أكابر الكتاب خطباً أخرى؛ وكانت النتائج باهرة، إذ كانت المعارض في جميع المدن تغص بالزائرين والمشترين؛ وقد بيعت كميات كبيرة من الكتب في مختلف الفنون.

وتلاحظ جريدة التيمس الأدبية التي ننقل عنها هذا الخبر، أن لهذا المشروع فوائد معنوية عظيمة فوق فوائده المادية؛ ذلك أنه يبث إلى الجمهور روح التشجيع للحركة الفكرية، ويعاونه على الاطلاع على مداها وعلى حسن تقديرها. فهل لكتابنا أن يفكروا في تنظيم أسبوع (للمؤلفين المصريين)؟

معركة العقائد في ألمانيا

تضطرم في ألمانيا منذ قيام الحكم الهتلري معركة دينية خفية بين النظم الجديد وبين الكنيسة البروتستانتية؛ ذلك أن شعائر النظام الألماني الجديد تميل إلى الوثنية والجرمانية القديمة، ويرى قادة ألمانيا الجدد أن يسحقوا كل نفوذ للكنيسة في حياة ألمانيا العامة. وترى الكنيسة من جانبها أن هذه السياسة خطر على نفوذها وعلى العقائد التي يرتكز إليها هذا النفوذ، وتحاول أن تقف في وجه النظام الجديد. وفي أنباء ألمانيا الأخيرة أن السلطات الكنسية في بروسيا وبافاريا وبعض أقاليم أخرى أذاعت من منابرها خطاباً على المؤمنين تطلب فيه إليهم ألا ينزلوا عن تعاليم النظام الهتلري وأن يحرصوا على عقائدهم من الفساد والدنس. وقد وقع هذا الخطاب الأسقف كوخ أسقف أومينهاوزن والأب مولر رئيس كنيسة دالهم. ويقول الخطاب إن التعاليم الهتلرية تنافي تعاليم الإنجيل والمسيح. وقد اهتمت الحكومة لهذه الحركة الجديدة من جانب الأساقفة وذاع أنها تنوي دعوة البرلمان إلى الانعقاد في مدينة ورمس حيث ظهر لوثر أيام اتهامه بالكفر، وحيث أحرق الأوامر البابوية. وهكذا نرى أن المبادئ الهتلرية ما زالت تصطدم من بعض نواحيها بالمبادئ والعقائد القديمة.

دور العذاب

تعتبر ملاجئ الأحداث والعجزة في الأمم المتمدنة من مظاهر الرقي الإنساني. وفي فرنسا

ص: 76

كثير من هذه الملاجئ. ولكن كاتباً كبيراً هو مسيو الكسي دنان نشر أخيراً كتاباً عن هذه الملاجئ. سماه (دور العذاب) ذلك لأن الملاجئ تعتبر في نظره جحيماً للأحداث، ولا تشرف السلطات التي تقوم على إدارتها، وهو يصف لنا النظم العسكرية الشائنة التي تفرض على الصغار في هذه الدور، ويقول إنها أشنع ما يمكن ما تصوره، وأسوأ ما يمكن أن يؤثر في هذه النفوس الناشئة؛ ويقارن المؤلف هذه الحالة السيئة بما تتخذه بعض الأمم الأخرى ولا سيما بلجيكا لتقويم الأحداث وإصلاحهم. وقد كان لنشر هذا الكتاب وقع عميق لدى السلطات ذات الشأن.

جبل الأهرام

تكاد لا تجد في مصر مثقفاً يجهل قرية من قرى لبنان، ولا خميلة من خمائله، ولكنك تجد في إخواننا أدباء لبنان مَن لا يعرف إلى اليوم أن كانت الأهرام جبالاً أو قبوراً! فقد قرأنا للسيد فاضل سليم عقل مقالاً يتهم فيه أديبين مصريين بأنهما سرقا في مقدمتهما لرحلة ابن بطوطة مقدمة كتبها الأستاذ فؤاد البستاني لهذه الرحلة. ويقول في آخر مقاله:(وقد كنت أرغب شخصياً من كل قلبي أن أنقل نص المقدمتين إلى هذه الصفحة، حتى يطلع القراء كلهم على هذه الجناية. . . ويحكموا بأنفسهم، بعد التفكير والاختبار، لا بعد الهوس والتطبيل، في المستوى الأدبي، والزعامة لأدبية، التي لا تزال حائرة بين جبل الأهرام الخجول وقمم لبنان الشامخة. . . .).

وحسبنا من التعليق على هذا الكلام أن نعتب على السيد الكاتب أنه لم يقرأ تاريخ مصر، ومصر على (ضعفها في الأدب) لا تزال أقوى جزء من أجزاء الوطن العربي الأكبر!!

ص: 77

‌الكتب

التربيب

تأليف الأستاذ حسن نبيه المصري بك

وكيل مجلس الشيوخ

بقلم الأستاذ عبد الفتاح السرنجاوي

يصرح الأستاذ الفاضل مؤلف هذا السفر أن كتابه مجرد ملاحظات استنتجها من التجارب الشخصية وخبرة من يعول على رأيهم وصحة حكمهم؛ ويبدي صراحة أنه لا يبرز للناس قواعد جديدة في التربية. وكنا نود أن لو كفانا تصريحه هذا مؤونة التعليق الفني على الكتاب لولا مقام المؤلف الفاضل في المجتمع المصري، ذلك المقام الذي يحملنا - كمربين قبل كل شيء - على أن نتفهم الكتاب ونقول فيه كلمة نقر بها الحق ونرضي بها الضمير.

إن مجمل ما يقوله الناقد في ذلك الكتاب أنه يشمل عدة مقالات كتبت في ظروف مختلفة عنونها كاتبها بعنوانات وثيقة الاتصال بالتربية، بينما المقالات نفسها لم تعالج علاجاً فنياً دقيقاً أي ناحية من نواحي التربيب؛ وأرى فوق ذلك أن هذه المقالات مجتمعة لا تكوّن وحدة علمية جديرة بالعنوان الذي جعله المؤلف لكتابه، وأقصد بذلك أنها تفقد أسباب الاتصال بعضها ببعض على نحو يجعلها بحثاً جديداً يهم المشتغلين بشئون التربية. ولقد لفتَ نظري أن يفرد الكاتب فصلاً عن التربية والتعليم يقول فيه أن المعلومات التي يتلقاها التلاميذ في المدارس لا تؤثر في سلوكهم، فهي في نظرة تعليم بعيد عن التربية. ويقول كذلك إنه قد استفاض خلط التعليم بالتربية، وكأنه بكلامه هذا يريد أن يقيم سداً منيعاً بين التعليم والتربية.

والحقيقة أنه لا يوجد حد جلي بين التعليم والتربية، وأن ما يقول به البعض من أن التربية تشمل التعليم كما يشمل الكل الجزء، إنما يحتاج إلى تدليل وتدعيم. أما الواقع والمعقول فهو أن كل من يعلم غيره فهو يربيه في نفس الوقت؛ ونحن لا نستطيع بأي حال أن نعلم دون أن نكون مربين إلى حد معين، ولكننا نستطيع أن نربي دون أن نباشر عملية التدريس مباشرة فعلية. والآراء الحديثة أميل إلى تحديد التربية بغاياتها لا بوسائلها التي منها

ص: 78

التدريس. والواقع أنني وأنا أعلم تلاميذي إنما أترك بطريقة غير مباشرة آثاراً خطيرة في خلقهم، وطرق تفكيرهم ومثلهم العليا دون أن أقول لهم أني أربيكم وأعدكم إعداداً خاصاً. ذلك أن سلوكي معهم وموقعي إزاء سلوك بعضهم مع بعض، وتعليقي على بعض الدروس الوجدانية كالتاريخ والتربية الوطنية لا شك تؤثر في المتعلمين بحيث تكون وسائل لإعدادهم لغايات بعيدة هي السلوك الطيب القويم في الحياة المستقبلية.

لنترك ذلك الخلاف ولنعرض لأمر آخر هو أن المؤلف لم يعالج الموضوعات علاجاً فنياً دقيقاً، ولست أجد في التدليل على ذلك أبلغ من تلخيص فصلين من الكتاب تلخيصاً أميناً دقيقاً؛ الأول عنوانه (كيفية التغذية) يقول في أوله إن غذاء الطفل يبتدئ وهو جنين في رحم أمه بالسُّحد والحولاء والغرس. وبعد الوضع يكون الغذاء بالرضاع سنتين، (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)، والتغذية بعد الفطام يشترك فيها الوالدان حتى يبلغ الطفل أربع عشرة سنة. وسنة الكون لا تكلف الإنسان اختيار المأكولات، فنظامها الدقيق ينتج الأشياء في وقت حاجة الناس إليها. ويختلف بعض الأطباء والفلاسفة في نوع غذاء الطفل، فمنهم من يحرم عليه الحلواء والفطير والفاكهة ومنهم من يحض عليها، وإني لا أرى مجالاً لهذا الاختلاف الذي ينحسم باتباع الاعتدال والقسط ومراعاة الظروف والأحوال، وأما من أشار منهم بإعطاء القليل من الأنبذة فإني لا أرى رأيه، وأما المشروبات الروحية الأخرى فإنها تهدم الجسم وتسلب العقل. وهنا يقول المؤلف كلاماً طويلاً في مضار الخمر ويستشهد بالآية الكريمة:(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) وبعد هذا يقول ما يأتي: (حسنوا تقويم الولد جنيناً، وأنشزوا عظامه وأنبتوا لحمه رضيعاً، وعللوا بالغذاء ليجزأ عن اللبن فطيماً، وناولوه الأكل أدنى تناول فصيلا، وأحسنوا غذاءه اللَّذ صبياً، وأترفوه يافعاً، وأعظموه مراهقاً، ثم ألقوا حبله على غاربه) وبعد أن فصلنا للناس نختم المقال بهذه اللآلئ القرآنية:

(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).

(قل من محرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الخ).

(والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون).

ص: 79

(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً).

هكذا يعالج الأستاذ الفاضل موضوعاً خطيراً كهذا، فيقول كلاماً هو بعينه ما يعرفه المتعلمون وغير المتعلمين والمتربون وغير المتربين، مع أن البحث العلمي يستلزم الإجلاء عن الوسائل المؤدية إلى هذه الغايات التي ذكرها المؤلف، فيبين لنا بطريقة عملية كيف ننشز عظام الولد وننبت لحمه رضيعاً إلى آخر ما ساقته هذه الوصايا الذهبية والحكم البالغة في ذلك اللفظ الخالب والسحر الغالب. عفواً سيدي الفاضل، فالتربيب شيء عملي يضعه أهله بعيداً عن استمراء الألفاظ وإضاعة الوقت في صناعة العبارات، الأمر يا سيدي أخطر من هذا وأدق، والتخصص وحده هو الذي يخرج للناس الكتابة الفنية التي يحتاجون إليها في الحياة حاجة عملية.

وثَمَّ فصل آخر عنوانه (الغريزة)، يعالجها الكاتب الفاضل في صحيفة واحدة من ذلك السفر الضخم، فلا يعدو أن يحددها بأنها الأعمال غير الإرادية، ثم يفرق بين العقل والغريزة في هذا الكلام المنمق الجميل:

(العقل حر والغريزة عبد، العقل علم والغريزة حدس، العقل بصير وهي شعور، العقل نور يتدرج والغريزة برق يخطف، العقل ضوء النفس وهي سنا الحس، وإذا العقل وقف للتدبير فهي تقفز للوثب والمسير).

فهل يكفي ذلك القصيد المنثور لبحث الغريزة في كتاب عنوانه (التربيب)، وأين يا سيدي علاقة الغرائز بالتربية وأثر التربية في تعديلها وعلاقة ذلك كله بحياة الأطفال؟؟

وأخيراً لا بد من الإشارة هنا إلى أن الكاتب الفاضل يهتم اهتماماً شديداً بحشر الكلمات اللغوية في كتابه كما يصنع كتاب المقامات، ثم يجاوز هذا إلى شرح هذه الألفاظ والتعليق عليها، وهذه المحاولات لا شك تجعل الموضوع مفككاً وتصرف الكاتب عن المعاني، ولا سيما إذا عرفنا أن الأسلوب العلمي يتميز عن الأساليب الأدبية الأخرى بالسهولة وعدم التكلف في البحث عن الألفاظ.

هذا ما نقوله عن الكتاب، أما شخصية المؤلف ذاته فإنها تبدو من خلال كتابه رزينة وقورة رائدها الخير وغايتها إسعاد المجتمع.

عبد الفتاح السرنجاوي

ص: 80