المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 18 - بتاريخ: 01 - 10 - 1933 - مجلة الرسالة - جـ ١٨

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 18

- بتاريخ: 01 - 10 - 1933

ص: -1

‌فرعونيون وعرب!

عفا الله عن كتابنا الصحفيين! ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح، ويبعثوا حربا من غير جند!! حلا لبعضهم ذات يوم أن يكون بيزنطيا يجادل في الدجاجة والبيضة وأيتهما أصل الأخرى! فقال على هذا القياس: أفرعونيون نحن أم عرب؟ أنقيم ثقافتنا على الفرعونية أم نقيهما على العربية؟! نعم قالوا ذلك القول وجادلوا فيه جدال من أُعطى أزمةَّ النفوس وأعنة الأهواء يقول لها كوني فرعونية فتكون! أو كوني عربية فتكون! ثم اشتهر بالرأي الفرعوني اثنان أو ثلاثة من رجال الجدال وساسة الكلام فبسطوه في المقالات، وأيدوه بالمناظرات، ورددوه في المحادثات، حتى خال بنو الأعمام في العراق والشام أن الأمر جد، وأن الفكرة عقيدة، وان ثلاثة من الكتاب أمة، وأن مصر رأس البلاد العربية قد جعلت المآذن مِسلات والمساجد معابد والكنائس هياكل والعلماء كهنة.

مهلاً بنو قومنا لا تعتدوا بشهوة الجدل على الحق ورويدا بني عمنا لا تسيئوا بقسوة الظن إلى القرابة أن الأصول والأنساب عرضة للزمن والطبيعة؛ تواشج بينها القرون وتفعل فيها الأجواء حتى يصبح تحليلها وتمييزها وراء العلم وفوق الطاقة. فاذا قلنا فلان عربي أو فرنسي أو تركي فإنما نعنى بهذا النسبة انطباعه بالخصائص الثقافية والاجتماعية لهذا الشعب كاللغة والأدب والأخلاق والهوى والدين فبديع الزمان عربي وأصله فارسي وروسو فرنسي أصله سويسري والأمير فلان تركي وأصله مصري لان كلا من هؤلاء الثلاثة اصبح جزء من شعبه ينطق بلسانه ويفكر بعقله ويشعر بقلبه فبأي شيء من هذا يتمارى إخواننا الجدليون وهم لو كشفوا في أنفسهم عن مصادر الفكر ومنابع الشعور ومواقع الإلهام لرأوا الروح العربية تشرق في قلوبهم دينا وتسري في دمائهم أدبا وتجري على ألسنتهم لغة وتفيض في عواطفهم كرامة. لا نريد أن نحاجهم بما قرره المحدثون من العلماء من أن المصرية الجاهلية تنزع بعرق إلى العربية الجاهلية فان هذا الحجاج ينقطع فيه النفس ولا ينقطع فيه الجدل:. . وكفى بالواقع المشهود دليلا وحجة هذه مصر الحاضرة تقوم على ثلاثة عشر قرنا وثلثا من التأريخ العربي نسخت ما قبلها كما تنسخ الشمس الضاحية سوابغ الظلال. . . وذلك هو ماضي مصر الحي الذي يصبح في الدم ويثور في الأعصاب ويدفع بالحاضر إلى المستقبل ثابت الأساس شامخ الذرى عزيز الدعائم.

أزهقوا أن استطعتم هذه الروح وامحوا ولو بالفرض هذا الماضي ثم انظروا ما يبقى في يد

ص: 1

الزمان من مصر هل يبقى غير أشلاء من بقايا السوط وأنضاء من ضحايا الجور وأشباح طائفة ترتل (كتاب الأموات) وجباه ضارعة تسجد للصخور وتعنو للعجماوات وقبور ذهبية الأحشاء ابتلعت الدور حتى زحمت بانتفاخها الأرض وفنون خرافية شغلها الموت حتى أغفلت الدنيا وأنكرت الحياة؟ وهل ذلك إلا الماضي الأبعد الذي تريدون أن يكون قاعدة لمصر الحديثة تصور بألوانه وتشدو بألحانه وتحيا أخيراً بروحه؟ ولكن أين تحسون بالله هذه الروح؟ أن أرواح الشعوب لا تنتقل إلى الأعقاب ألا في نتاج العقول والقرائح، فهل كشفتم بجانب الهياكل الموحشة والقبور الصم مكتبة واحدة تحدثكم عن فلسفة كفلسفة اليونان، وتشريع كتشريع الرومان وشعر كشعر العرب؟ أم الحق أن مصر القديمة دفين فنيت روحه مع الآلهة، وصحائف موت سرها مع الكهنة، والخامد لا يبعث حياة والجامد لا يلد حركة؟!

لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلا من كتاب المجد العربي، لأنها لا تجد مدداً لحيويتها، ولا سندا لقوتها، ولا أساساً لثقافتها ألا في رسالة العرب. أمَّا أنْ يكون لأدبها طابعه، ولفنها لونه، فذلك قانون الطبيعة ولا شان لمينا ولا ليعرب فيه: لأن الآداب والفنون ملاكها الخيال، والخيال غذاؤه الحس، والحس موضوعه البيئة، والبيئة عمل من أعمال الطبيعة يختلف باختلافها في كل قطر. فإذا لم يوفق الفنان بين عمله وعمل الطبيعة، ويؤلف بين روحة وروح البيئة، فاته (اللون المحلى) وهو شرط جوهري لصدق الأسلوب وسلامة الصورة. وقديما كان لون الأدب في الحجاز غيره في نجد، وفي العراق غيره في الشام. وفي مصر غيره في الأندلس، دون أن يسبق هذا التغاير دعوة ولا أن يلحق به اثر! انشروا ما ضمنت القبور من رفات الفراعين، واستقطروا من الصخور الصلاب أخبار الهالكين، وغالبوا البلى على ما بقى في يديه من أكفان الماضي الرميم، ثم تحدثوا وأطيلوا الحديث عن فخامة الآثار وعظمة النيل وجمال الوادي وحال الشعب، ولكن اذكروا دائماً أن الروح التي تنفخونها في مومياء فرعون هي روح عمرو، وان اللسان الذي تنشرون به مجد مصر هو لسان مضر، وان القيثار الذي توقعون عليه الحان النيل هو قيثار أمرىء القيس، وأن آثار العرب المعنوية التي لا تزال تعمر الصدور وتملأ السطور وتغذي العالم، هي أدعى إلى الفخر وأبقى على الدهر، وأجدى على الناس، من صفائح الذهب وجنادل

ص: 2

الحجارة. إنما تتفاضل الأمم بما قدمت للخليفة من خير، وتتفاوت الأعمال بما أجدت على الإنسان من نفع. أليس (الخزان) خيراً من الكرنك، والأزهر افضل من الأهرام، ودار الكتب أنفس من دار الآثار؟ وبعد فان ثقافتنا الحديثة إنما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحية، وفى أدبها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على القرائح الأوربية الخالصة. أما ثقافة (البردى) فليس يربطها بمصر العربية رباط، لا بالمسلمين ولا بالأقباط

أحمد حسن الزيات.

ص: 3

‌عدل السماء

للأستاذ حسن جلال. القاضي بالمحاكم الأهلية

الفرق بين عدل السماء وعدل الأرض هو بعينه فرق ما بين السماء والأرض. .!

فأما أهل الأرض فقد سلك كل منهم طريقا لتحقيق العدل في بلاده. فهذه دولة محاكمها تطبق قوانينها على الناس كما هو الحال في فرنسا وفى مصر. وتلك دولة أخرى تجري محاكمها على سنن الأحكام التي أصدرتها المحاكم من قبلها كما هو الحال في إنجلترا. وهؤلاء قوم لهم عادات مقررة وعرف موروث فتنعقد مجالسهم كلما دعا الحال لتحكيم تلك العادات وذلك العرف بين المتقاضين، وهذا هو شأن العرب المقيمين في مناطق الحدود المصرية. وأولئك قوم غيرهم يلجئون إلى السحرة والكهان للفصل في قضاياهم كما هو الحال عند بعض قبائل أفريقيا الوسطى. . . وكل هذه الهيئات إنما تجرى على النظام الذي اختارته، لأنها تعتقد أنه اكفل الطرق للوصول إلى العدل. وليس من شك في أن كلا من هذه النظم له نقائصه. ولكنه على كل حال آخر ما وصلت إليه الهيئة التي اختارته في سبيل تحقيق العدالة بين أفرادها. والخلاصة أن الإنسان لم يصل بعد إلى درجة الكمال في تشريعه، وانه بحاجة إلى موالاة الجهود في سبيل بلوغ هذا الكمال. والسؤال الذي يجيش بالنفس بعد هذه المقدمة هو: هل يستفاد مما سبق أن الظلم يملأ هذا العالم. وان العدالة فيه مستحيلة التحقيق؟ الواقع غير ذلك! بل أن المشاهد في معظم الأحوال أن العدالة محققة في هذه الدنيا. وان الناس راضون عن طريقة توزيعها بينهم. ومهما يكن من أمر الحالات التي يدل ظاهرها أحيانا على إنها لم تتوفر فيها عناصر العدالة فان (عدل السماء) غلاب. وهو الذي يتولى في هذه الحالات إقامة الميزان بين الناس. وما ربك بظلام للعبيد!

حدثني أحد الزملاء المحامين قال: وقعت جناية قتل في البلدة التي أعمل فيها، واتهم في تلك الجناية شاب من خيرة شبانها. ينتمي إلى أسرة من كبار الأسر فيها. فجاءني عمه يوكلني بالدفاع عنه. وأقسم لي أغلظ الأيمان أن أبن أخيه بريء وان أهل القتيل اتهموه لضغينة قديمة بينهم وبين أسرته، وإن القاتل معروف في البلد. وإن أهل القتيل هم أول من يعرفه. ولكنهم إمعاناً في الانتقام يريدون أن يأخذوا في قتيلهم رجلين. . واحداً يأخذه لهم القضاء بحكمه. وواحداً يقتصون منه بانفسهم كما هي العادة عند معظم أهل الصعيد. ولما

ص: 4

كان القاتل الحقيقي هينا عليهم فإنهم استبقوه لأنفسهم وتركوا أمر هذا الشاب للقضاء. قال صاحبي: فلما وقفت على هذه المعلومات حفزني الأمر إلى مضاعفة العناية بالقضية. فاطلعت على أوراقها بكل دقة ويقظة، فوجدت أدلة الاتهام فيها قوية ناطقة. ورأيت جملة من شهود الإثبات تطابقت أقوالهم في محاضر التحقيق، وقد عجز المحقق عن أن يحدث ثغرة فيهم تدل على تلفيقهم. إذ قرروا جميعاً انهم رأوا المتهم وهو يطلق النار على القتيل. وانهم شاهدوه عقب ذلك وهو يفر. ووصفوا اتجاه سيره أدق وصف، ونوقشوا في ألوان ملابسه وفى نوع سلاحه وفى غير ذلك من التفصيلات فكانت أقوالهم دائما واحدة لا تحريف فيها ولا تبديل! إزاء ذلك استولى اليأس على صاحبنا المحامى، ولم يبق له من القوة على الدفاع ألا قوة يقينه هو بان المتهم بريء بناء على تأكيدات عمه. . وحل موعد المحاكمة فتوجه إلى المحكمة. ونودي على القضية، وسئل المتهم عن تهمته فأنكرها بكل شدة. وسمعت أقوال الشهود فاذا هي نفس أقوالهم في التحقيق. فترافعت النيابة فقالت أن القضية لا تحتاج إلى نور جديد وأن أقوال الشهود قاطعة في الإدانة. ونهض الدفاع وحاول أن يثير ما استطاع من الشكوك حول موقف المتهم، ولكن الحكم صدر في النهاية بمعاقبة المتهم بالأشغال الشاقة المؤبدة. . . عاد المحامى في ذلك اليوم إلى مكتبه مكتئبا حزينا على ما حل بهذا الفتى التعس. ولقيه هناك عمه فألفاه على هذه الحال. فابتدره المحامى بالسؤال عن كيفية اتفاق الشهود على كل تلك التفصيلات التي شهدوا بها أن صح ما يدعيه هو من انهم ملفقون. فقال له الرجل: أن الشهود قد شاهدوا القاتل الحقيقي فعلا وهو يرتكب جريمته. واتفقوا فيما بينهم لارتباطهم بأسرة القتيل على أن يرووا كل ما شاهدوه ولكن منسوبا إلى المتهم الحالي بدل أن ينسبوه إلى فاعله الأصلي. ومن هنا جاءت أقوالهم كلها متطابقة، لأنهم إنما يقرون من الوقائع ما وقع فعلا تحت سمعهم وبصرهم! وهنا يقول صاحبي أن ثورة عنيفة أدركت نفسه ضد هؤلاء المزورين الذين تمكنوا من مخادعة القضاء إلى هذا الحد، والتوسل به إلى إنزال العقاب الذي يشاءون على من يشاءون. ولكنه آنس شيئاً من الاستسلام غير عادى يغلب على نفس عم المتهم، بينما هو يعانى من ثورة النفس شدتها وغليانها. فلم يكتم صاحبه ما يجول بخاطره. وهنا رفع عم الفتى رأسه وقال: الحق يا أستاذ أن الفتى يستحق العقاب الذي أنزله به القضاء فسأله المحامي في دهشة:

ص: 5

وكيف يتفق ذلك مع ما قدرته الآن من أنه لا يد له في هذه الجريمة؟ فقال الرجل: إنه وان كان لا يد له حقيقة في هذه الجريمة ألا انه في الواقع هو الذي قتل (فلانا) من أهل البلدة المجاورة لبلدتنا، ولكنه ظل أمره مجهولا من رجال الحفظ حتى هذه الساعة! فإن كان القضاء قد أدركه اليوم فإنما هو (عدل السماء) قد حققته قدرة الله الذي هو من وراء كل شيء محيط، وبما تخفى كل نفس عليم!

ص: 6

‌في الخريف

كل شيء في الكون ران وقرا

وسرى في جوانح النفس سحرا

أسفر الجو وانجلت صفحة الأف

ق وفاحت مناكب الأرض نشرا

في ربوع يطول عمر شتاها

إذ يوافي ويقصر الزهر عمرا

نحمد الشمس يوم تطلع فيها

بضياء، ونحمد الله عشرا

رف فيها الخريف حسنا وطيباً

فتسامى على الربيع وأزرى

نفضت نومها الحياة وقامت

بعد طول الحجاب ترفع سترا

أبرزت من جمالها وحلالها

كل سر فما تكتم سرا

ذهبت تنثر الجمال فلم تس

تثن في الماء أو على الأرض شبرا

نثرته بلا نظام فأرضى ال

فن فوضى واعجب العين نثرا

أودعت سحرها هواء وحصبا

ءً وماءً يسرى وعشباً وصخرا

يسرح الطرف حيث شاء فما يس

رح ألا من فتنة صوب أخرى

مزج حسن ورقة وبهاء

الفته لونا وضوءاً وعطرا

هو في العين ما أرقّ وأندا

هـ وفي الصدر ما ألذّ وأطرى

ترتوي الروح منه نهلاً وعلا

فهي نشوى أنى تنقل سكرى

كست الأرض خضرةً وتغشت

ربوةً ربوة ًوغوراً فغورا

فزكا النبت في تلاع وقيعا

ن توالى في الأفق طياً ونشرا

راق منه ما تهادى على الأر

ض نديا وما تشامخ كبرا

وذكاء وسط الفضاء توارى

خلف غيم يمر في الجومرا

ثم تبدو فتغمر الكون إينا

ساً إذا الغيم عن سناها تفرى

في سماء نقية تاخذ العي

ن إغتراقاً وتفعم الكون بشرا

معرض النور سرت فيه الهوينى

مطلقاً في الخيال نفسي حيرى

تتملى بدائع الكون أو تن

ظم في صفحة الخواطر شعرا

عند نهر عذب التسلسل ماتا

بعته بالمسير ألا اسبطرّا

حفه العشب كاسياً ضفتيه

مطلعاً حوله قتاداً وزهرا

أرسل العين تجتلى الحسن صفواً

أو تقصى من سالف العمر ذكراً

ص: 7

فهي في مسرح الطبيعة جذلى

آنة أو مع التذكر عبرى

ورفيقي في السير سفر بكفي

لم أطالع مما يحدث سطرا

من تهادي سفر الطبيعة مبسو

طاً إليه فكيف يحفل سفراً؟

فخري أبو السعود. أكسترا. إنجلترا.

ص: 8

‌ثروة تضيع

للأستاذ أحمد أمين

هي ما خلفها لنا الجيل الماضي القريب، وتسلمناها منه يداً بيد، ولست اعني ما خلفه من شعر ونثر وكتب في مختلف العلوم والآداب، فهذه قد حفظناهاونشرنا بعضها وعنينا بها إلى حد ما، إنما أعنى ما صدر عنهم من قول وعمل، وما كان يدور في مجالسهم من حديث طريف أو نافع، وما وقع لهم من أحداث، وكيف تصرفوا فيها، وأنماط مجالسهم وأحاديثهم ومجتمعاتهم، ونحو ذلك مما يدلنا على حقيقة شخصيتهم، ويفيدنا في تعرف مجتمعهم، ويعين المؤرخ بعد على رسم صورة صحيحه صادقه لحال المجتمع في ذلك العصر وقدر نابغيه كان لعلى باشا مبارك (صالون) كبير في بيته بشارع المضفر يغشاه عظماء الرجال والشبان وطلبه المدارس. وكان يدور فيه كل ليله من ألوان الحديث وشتى المقترحات ما ينبغي أن يسجل، ومثل ذلك في منزل عبد الله باشا فكري ومحمد باشا قدري ورفاعه بك ومثالهم، وكان نوع أحاديثهم ومباحثاتهم شيقاً ممتعا يصور عصرهم خير تصوير، ثم كان صالون كصالون الأميرة نازلي هانم (بعابدين) يختلف إليه قاده الفكر وعظماء الرجال في العصر القريب، يتحدثون فيه عن الشرق والغرب، وتثار فيه أفكار لها قيمتها وخطرها، وكان نمطهم في أحاديثهم يخالف ما كان عليه رجال على باشا مبارك وأمثاله. وكان غير هذه الصالونات مجتمعات وأحاديث ونوادر وفكاهات في البيئات المختلفة من بيئة فلسفيه كبيئة السيد جمال الدين، أو دينية اجتماعية كبيئة الشيخ محمد عبدة، أو فكاهية كبيئة الشيخ حسن الآلاتي، أو بيئة المغنين أمثال الحامولي ومحمد عثمان، وكان يجري في جميعها أقوال وأفعال هي أدل على الذوق المصري والخلق المصري من كل ما خلفوا من مؤلفات ومجلات وصحف. هذه الثروة التي لا تقدر، آخذه مع الأسف الشديد، في الضياع، وليس يدون منها فيما أعلم شيء يذكر، واكثر الذين عنوا بترجمة هؤلاء الرجال أساءوا إليهم والى التاريخ كل الاساءة، اذكانت ترجمتهم (ترجمة رسمية) اقتصروا فيها على اسم المترجم له والمولد وتاريخ الولادة، والمعاهد التي تعلم فيها والأعمال التي تولاها، والكتب التي ألفها وغير ذلك مما يعد من الأغراض، فأما الجوهر، واما شخصية الرجل، وأما حياته الاجتماعية التي تدلنا على من هو من قومه، ومن هو في نفسه، فلا يعرضون لها بشيء.

ص: 9

وقد كان السابقون الأولون على تقدم عصورهم، اصح نظراً، وأحسن أداء، وأوفى للتاريخ فبين يدي الآن جزء من كتاب الأغاني فتحته حيثما اتفق فوقع نظري على ترجمة إبراهيم الموصلي، فذكر نسبه ونشأته، وذكر حكايات عدة حدثت له مع غلمانه وجواريه وأصحابه، وما وصل إليه من الأموال وما ورثه أهله، وأحاديث عن مروءته، وأحداثا حدثت له مع الرشيد ويحيى بن خالد، وكيفية تعليمه الغناء للجواري، واتصاله بالخلفاء وسيرته معهم، وعدد الأدوار التي غناها، وعشقه ومن عشق، وأثر أصواته في الناس، إلى آخره مما يستطيع الأديب أو المؤرخ أن يضع له صورة دقيقة تمثله، ويضع لمجتمعه رسماً واضحاً يبينه، وبين يدي كذلك الجزء الأول من كتاب جامع التواريخ المسمى (نشوار المحاضرة) للتنوخي، يقول في سبب تأليفه: انه قد اجتمع قديماً مع مشايخ فضلاء، علماء أدباء، قد عرفوا أحاديث الملل، وأخبار الملوك والدول، وأحاديث البخلاء والظرفاء، والعلماء والفلاسفة، والأغبياء وقطاع الطرق والمتلصصين، (وعدد كل أصناف الناس)، وكانوا يوردون كل فن من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة، وتبعثه المفاوضة، فلما تطاولت السنون، ومات المشيخة الذين كانوا مادة هذا الفن، ولم يبق من نظرائهم ألا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه، مات بموته ما يرويه، عمد من أجل ذلك إلى تدوين هذه الأحاديث في كتابه، والتزم أن يذكر فيه فقط ما يدور في المجالس مما لميذكر في كتاب ويقرؤه القارئ فيجده يصور عصره أجمل تصوير، وكتب الجاحظ لم تترك صغيرة ولا كبيرة من أخبار عصره وأحداثه، الاجتماعية من الخصيان والغلمان، والبخلاء والظرفاء، والنبات والحيوان، ألا أحصته وشرحته في دقة وإسهاب، ومالنا نذهب بعيداً والعصر الذي نسميه مظلماً أنتج مثل (الجبرتي) الذي دون من الأحداث وتاريخ الرجال في عصره ما لم نفعله نحن لعصرنا أما كتبنا نحن فقد عمدت إلى خيرها وأخرجت منه ترجمه رفاعه بك، فوجدته يسرد ولادته وتاريخها والمدارس التي دخلها ورحلته إلى أوربا، والوظائف التي تولاها بعد عودته، وأسماء الكتب التي ألفها أو ترجمها، وسنة وفاته ولكنك تتساءل بعد قراءتها: من رفاعه بك؟ ما معيشته الاجتماعية؟ ما شخصيته؟، ما علاقته بقومه؟ فلا تجد شيئاً من ذلك. هذا حال رفاعه بك الذي ملاْ اسمه كل مكان، فما بالك بأمثال المغمورينظلماً، أمثال الشيخ حسن الطويل والشيخ حسين المرصفي وأمثالهما بل بالأمس القريب مات

ص: 10

حافظ إبراهيم، وكانت حياته الاجتماعية أغنى ما تكون حياة، كل ليلة، يغشى جمعا أو يغشى بيته جمع، فيملاْ المجلس بأحاديثه العذبة، وفكاهته الحلوة، وهى في كثير منها تفوق ما دونه الأقدمون من ملح ونوادر، ولعلها أن جمعت ودونت أفادت تاريخ الاجتماع اكثر ما يفيده ديوانه، ومع هذا لم ينشط أحد لتدوينها، ولم يلتفت لقيمتها، وسيعفى عليها الزمن الذي عفى على ملح المويلحي والبابلي، وفي ذلك خسارة لا تقدر. ولقد حدثت بعض الأدباء في ذلك ورجوته في هذا العمل، فاعتذر بأن أكثر النوادر إنما تحسن ذا أديت باللغة العامية، وتفقد قيمتها إذا حكيت باللغة الفصحى، ولكن ما هذا الكبر على اللغة العامية، والسابقون من أعلام الأدب لم يكونوا يتحرجون من ذكر النادرة الحلوة باللغة العامية، إذا لم يحسن الأداء إلا بها، كما فعل الجاحظ في البيان والتبيين، وابن زولاق في أخبار سيبويه، والابشيهي في المستطرف. أن في ذمتنا للجيل القادم عهداً أن نسلم إليه تاريخه كاملاً متصل الحلقات كما تسلمناه، فاذا نحن لم نفعل فقد أضعنا الأمانة وخنا العهد، وفينا بحمد الله رجال شهدوا الجيل الماضي، وكان لهم من المنزاة ما استطاعوا معها أن يخالطوا البيئات المختلفة، ويطلعوا على خفاياها ودخائلها، ولهم من الذكاء وحسن النظر وصدق الرواية وقوة الحافظة وبلاغة اللسان والقلم، ما يمكنهم من الأداء على أحسن وجه، أمثال الهلباوي ولطفي السيد في نوع من الأوساط، والنجار والسكندري في نوع آخر، والسيد محمد الببلاوي وكبار علماء الأزهر في أوساطهم، وهكذا، فهل يشاركوننا في الشعور بما لديهم من ثروة حافلة، وفي الشعور بما عليهم من تبعة، فيقدمون للجيل الحاضر والقادم أثمن عمل تاريخي؟ فأن لم يفعلوا فهل للشبان أن يدركوا قيمة ما عندهم فينشطوا للاتصال بهم، وتدوين ما يأخذون عنهم، قبل أن تضيع الثروة، وتفلت الفرصة، أطال الله في أعمارهم.

العام الدراسي الجديد

مما أملاه علينا أساتذتنا في دروس التربية انه كان الغرض من إنشاء المدارس في مصر أعداد الموظفين الذين تحتاج إليهم الحكومة في دواوينها.

فلهذا أنشئت وعلى هذا كان نهجها. ولقد نجحت مدارسنا في ذلك نجاحا مشكورا.

تخيلت لها الحكومة الموظف الذي ترجوه. فأعدت المدارس للحكومة التلميذ الذي يكون منه ذلك الموظف، تخيلت الأولى في موظفها أن يكون في عمله من غير بصر ولا سمع ولا

ص: 11

إحساس، فجاءت الثانية إلى عين التلميذ ففقأتها. والى أذنه فاصمتها. والى إحساسه فأماتته. حتى أنه ليسير في طريقه على أعين الناس وأفئدتهم، وبين أنينهم وعويلهم ثم تسأله: ماذا رأيت أو سمعت؟ فلا يكاد يذكر لك شيئاً. ذلك لأن مدرسته أخذته بالانقطاع عن كل شيء مهما صادفه. وهو يرجو أن يكون عندها محمودا.

تخيلت الأولى في موظفها حينذاك أن يكون غمرا خاملا جبانا، يرى في رئيسه ما يراه الجهلاء في آلهتها. فجاءت الثانية بحولها وطولها تفرغ فيه كل هذه، إفراغا، مرة باسم الأخلاق! وأخرى بالقهر والعسف. حتى تم لها ما أرادت، وأمتعت تلك الحكومات بهذا النوع من الموظفين. والآن وقد غصت الدواوين بالموظفين وفاض المتخرجون في المدارس، حتى أصبحوا عيالاً على ذويهم. وكلاّ على أهليهم إلا القليل منهم ممن اشتغل بعمل ما كان يخطر له على بال. فهل آن لرجال التربية والتعليم أن يعلنوا انقضاء أجل ذلك الغرض. وينادوا بالغرض الصحيح الذي يقّوم الأخلاق والعقول والأجسام ليأخذ الأبناء قسطهم من الحياة كاملا، ويؤدوا ما عليهم لبلادهم أحسن أداء؟؟ ذلك ما ننتظره.

إيرادات الدقهلية. إبراهيم مصطفى ناصف

ص: 12

‌الرسالة الثانية:

من الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين

عزيزي الدكتور

قرأت الرد، ومرة أخرى أتأمل ما بيمينك. هذه العصا عجيبة التركيب، إنك لا تلمس شيئاً حتى ينقلب إلى الحق، حق كبير يبتلع كل رأي، ويلقف كل حجة. تلك عصا الأستاذية. ما كنت اجهل أنك حاملها في هذا العصر. نحن متفقان. ولا خلاف بيننا في الغاية. وهو مطلبنا. هنالك تفاصيل افترق فيها عن الدكتور ولن أعود اليها. فأنا أفزع من النظر إلى الوراء، خشية أن أتحول إلى تمثال من الملح، أو حتى إلى تمثال من الذهب. نفسي تصدف أحيانا عن الفكرة الجامدة مهما تكن خالدة، ويحلو لي أحيانا أن انثر الأفكار عابثا من نافذة قطار. أن رسائلنا في حقيقتها لا تعني أكثر من إثارة الغبار في أرض ناعمة مفروشة بالحصى. لسنا نصدر أحكاما بهذه الكتب السريعة. إنما نحن نطرح مسائل ونلقى بفروض سوف يلتقطها ويجمعها الباحثون المنقطعون يوم تستيقظ الأجيال. اتفقنا إذن. أو ينبغي لنا أن نتفق على أي حال، حتى ننصرف إلى شيء جديد. أن البحث عن الجديد هو الخليق عندي بالمجهود. ولقد فتح لنا اليوم باب الجديد الأستاذ احمد أمين. قال لي ذات مساء أنه يضع كتابا في أصول النقد، ويود أن يوليني شرف المشاركة في البحث من بعض وجوهه. النقد؟ لفظ رن في أذني. وذكرت للفور أن رسالتي الأولى للدكتور كان موضوعها (الخلق). وقلت في نفسي ما يمنع من إتمام الكلام في رسالة ثانية يكون موضوعها (النقد) وإذا الأمر ينكشف لي عن قضية كبيرة: أنعد النقد كالخلق خاضعا لسلطان التيارات الفكرية الثلاثة التي ذكرها الدكتور: التيار المصري القديم، والتيار العربي، والتيار الأوربي؟ أم نعد النقد كالعلم لا يخضع لمثل هذه المؤثرات؟ أما أنا فلن أجيب عن فوري عن هذا السؤال. فأنا أكتب ولا أدري أين يحط بي القلم. دعني أولا أنشئ على هذا النغم بعض (تقاسيم) دون أن أعني الآن بالغاية. أن الغاية أحيانا رخيصة بجانب الوسيلة على الأقل في نظر الفن. لأن الغاية في الفن لا تبرر الوسيلة. الحياة كذلك، تلك القطعة الفنية التي أبدعها الخالق، أهي شيء غير وسيلة متينة التكوين؟ ألها معنى في غير ذلك الطريق المبين الذي أوله ضباب وآخره ضباب؟ خط هندسي رسم على لوح الوجود، كيف أبتدأ، كيف انتهى؟ لا يعنى ذلك

ص: 13

علم الهندسة. انه خط بين نقطتين وكفى. ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم. أن الغاية لا تهم. إنما المعنى كله في الوسيلة. الحياة هي الطريق. العلم هو الطريقة. الفن هو الأسلوب. أما الغاية فلا غاية. وهل يترجى من العلم أو من الفن أو من الحياة غاية مطلقة يوما من الأيام؟ محال. ما نحن ألا أسلوب الخالق. ما الكون ألا أسلوب. الأسلوب كل شيء عند كل خالق وفي كل خلق. أن الخالق اعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود، غاية، لفظ يدل بذاته على معنى الانتهاء. في اعتقادي أن كلمة (غاية) هي من صنع العقل البشرى الصغير. هذا العقل المحدود الذي يضع كل شيء دائماً داخل حدود، ويأبى ألا أن يكون لكل شيء أول وآخر. إنما الخلود في الأسلوب. لأن الأسلوب لا أول له ولا آخر، فهو شيء كائن دائماً، لا علاقة له بالزمن. أن رجل الفن، وهو المقلد الأصغر للمبدع الأكبر، يدرك أن الفن لا يعيش بالغاية. لأن الغاية فانية كاسمها. وانما يعيش الفن بالأسلوب. لقد انقضت الغاية من تشييد الأهرام، وفنيت الغاية من بناء البارتينون. دفن الموتى أو عبادة الآلهة الغابرين غاية قد ماتت وبقى أسلوب الفن وحده خالداً في الأهرام والبارتينون. خدمة الإنسانية غاية العلم في نظر البسطاء. لو سئل عالم في ذلك لابتسم:(مالي وللإنسانية! إنما أنا أبحث عن سر أسلوب الصانع الأعظم. إنما هي لذة البحث وحدها. إنما هي طريقة البحث وأسلوبه. ولولا ذلك السرور الذي يملأ نفسي إذ ينكشف لعيني الباحثة عن جمال أسلوب الله لما تجشمت النصب في سبيل العلم، ولما كان للعلم هذا المعنى الرفيع.) المخترعات كذلك ليست غاية العلم. هي تطبيق للعلم. إنما العلم هو البحث الخالص المجرد عن كل غاية وعن كل استغلال. لقد كان الإغريق يبحثون ولا يطبقون. فيثاغورس مثل من أمثلة الأسلوب الخالد للعلم الخالص. الأسلوب إذن هو محور النقد كما هو عماد الخلق، وكلمة الأسلوب رحبة عميقة كالبحر، في جوفها كل كنوز المعرفة التي يصبوا اليها البشر. ولعل كل ما أوتيه الإنسان من سليقة سامية منذ أول الأزمان ليس ألا انعكاس أسلوب الخالق في نفس الإنسان. هذا المنطق الذي نشأنا عليه، ونرجع إليه في كل حياتنا، هذا الإحساس بالنتيجة والسبب، هذا الشعور بالتناسق والتناسب، هذا الإدراك للصلة التي تربط الشيء بالشيء، من أين جاءنا هذا نحن البشر؟ أهناك مصدر آخر غير أسلوب الخالق؟ فتحت البشرية عينيها فالفته حولها. فهو موجود

ص: 14

قبلها وقبل الخليفة كما يوجد الرسم والتصميم قبل البناء. أن أسلوب المبدع في صنع الخليقة هو وحدة المنبع الأزلي لهذه الصفات كلها: المنطق، ارتباط السبب بالنتيجة والشيء بالشيء. والجزء بالكل، والتناسق والتناسب. صفات هي بعينها صفات الأسلوب السليم لكل عمل فني عظيم. أسلوب الله هو المعلم الأول والأخير. وما أول صورة رسمها الإنسان على الأحجار وعظام الحيوان سوى إعلان شعوره الخفي بتلك الصفات، أن رجل الفن الأول هو أول إنسان عرف (المنطق) صفة فنية بعد أن كان المنطق سليقة سامية تسبح في أنحاء نفسه ولا يعرف ما هي. أن المنطق الذي شيد الأهرام صورة محكمة لهو المنطق الذي شيد الكون. ما المنطق؟ ما معنى المنطق؟ سره في تلك المرآة العظيمة الصافية التي تحيط بنا كالجدران: الوجود، أجمل مثال للمنطق في الأسلوب ينبغي لرجل الفن والأدب والعلم أن يطيل فيه النظر. كل شيء في هذا الوجود مصنوع على طريقة واحدة وعلى قاعدة واحدة. ما القاعدة التي بني عليها الوجود؟ هي القاعدة التي بنيت عليها الأهرام. هي قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء في كل واحد متسق. هذا التماسك ما علته وكيف يكون؟ قانون أستطيع أن أفرغه كما يفعل الرياضيون في صيغة بسيطة من لفظين: (الأخذ والعطاء). كل شيء في هذا الوجود يحيا على نمط واحد. وكل حياة في هذا الوجود لها مظهر واحد: اخذ وعطاء في حركات متصلة متشابهة: زفير وشهيق عند الإنسان والأحياء، اكتساب وإشعاع عند النجوم والأشياء. الأخذ والعطاء قانون التماسك والاتصال في حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم. وفى حياة الأخلاق والسياسة والاقتصاد. وفي حياة المادة والروح. وفي حياة الأرض والأجرام والسدم. ليس في الوجود شيء لا يأخذ ولا يعطى. وليس في الوجود شيء يعطى ولا يأخذ. كل شيء يعتمد على كل شيء في هذا الكون. بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا.

وكل خلق بنيان. ولا بنيان بغير وحدة شاملة، ولا وحدة شاملة بغير تضامن بين الحجر والحجر، وبين الجزء والجزء. هذا التضامن وليد ذلك القانون:(الأخذ والعطاء) وليس هذا كل المنطق في صنع الوجود وانما المنطق في تركيب ذلك القانون. ما قوام الأخذ والعطاء؟ هل يكون اخذ وعطاء إلا بين كائنات متشابهة؟ ما الحال لو أن الخالق أبدع في وجودا آخر على أسلوب آخر، فصنع أناسا يعيشون بالزفير ولا يعرفون الشهيق، ومخلوقات تأكل ولا

ص: 15

تصرف، وأجراما تكتسب الحرارة والضوء ولا تشع؟ أي اتصال يمكن أن يقوم بين كائنات خلقت على غير أسلوب واحد؟ لا اتصال، وحيث لا اتصال لا بناء. لا خلق ولا بناء. أي اتصال بيني وبين أخي وابني لو أن الخالق صنعني من عناصر غير عناصرهما فجعلني من يابس ورطب وجعلهما من نور ونار وغاز وبخار؟ أي ارتباط لو انه جعل كل مخلوق منفردا بمادته وهيئته وعناصره عن كل مخلوق. وأي هرم يمكن أن يشيد بأحجار، أحدها من صخر، وآخر من عجين، والثالث من ورق، والرابع من طين؟ لا ارتباط من غير تشابه وتماثل. ولا تضامن بين أجزاء غير متجانسة في التركيب. إن كل ما نحس بوجوده يتحد معنا في بعض العناصر. بغير هذا ما كنا نعترف له بوجود. إنا نعرف الأجرام لأن أجسامنا تعرف الحرارة والضوء والحديد. التشابه شرط الأخذ والعطاء. الاختلاف كذلك شرط آخر. هل يقوم آخذ وعطاء إلا بين كائنات مختلفة؟ ما الحال لو أن الخالق صنع كل شئ ككل شئ، فجعل كل رجل ككل رجل، وكل جرم ككل جرم؟ طبع واحد، ومنظر واحد، وحجم واحد. أليس هذا التشابه المطلق ينفي الشخصية؟ وحيث لا شخصية فلا أخذ ولا عطاء، ولا تماسك ولا اتصال، وهل من صلة بيني وبين غيري إلا الاختلاف شخصه عن شخص وما عنده عما عندي؟ وهل رابطة الأجرام إلا اختلافها في الأحجام؟ الجاذبية، الحب، هل علتهما اختلاف النسب في القوى والأشكال؟ أن مثل هذا الكون المتماثل لا يمكن كذلك أن يشيد أو يوجد. مثله مثل قصة تمثيلية أشخاصهم لهم عين الاسم والجسم والطبع والحظ، يتكلمون عين الكلام، ويتحركون عين الحركات، ويتصرفون عين التصرفات! أي علاقة يمكن أن تنشأ بين هذه المخلوقات؟ وهل يشعر أحدهم بوجود الآخر؟ وهل يدرك أحد منهم معنى كلمة (أنا)؟ لا بد من بعض الاختلاف بين الكائنات حتى يتميز كل كائن من الآخر. ومتى تميزت الأشخاص والأشياء والأجزاء نشأ بينها الأخذ والعطاء، سر تماسك في كل بناء. . . ها هنا إذن قوام التناسق:(التشابه لا كل التشابه، الاختلاف لا كل الاختلاف!) بيتهوفن الذي كشف لي منذ ست سنوات عن سر التأليف بين صوتين في عين الوقت. لاحظت انه يجمع بين صوتين متشابهين لا كل التشابه مختلفين لا كل الاختلاف. وأدركت انه لا تناسق بغير هذا. فلو انه جعل الصوتين متشابهين كل التشابه لفنى أحدهما في الآخر. وما يميزنا شيئاً غير صوت واحد. ولو انه جعلهما مختلفين كل

ص: 16

الاختلاف لاستحال على الأذن أن تصل بينهما وهما متباعدان متنافران. فأساس (التناسق) في الموسيقى والفن كأساس التناسق في الحياة والكون: ائتلاف بين الأجزاء لا كل الائتلاف واختلاف بينهما لا كل الاختلاف. ملاحظة أخرى داخل القوسين: كلامي عن المصرية والعربية في رسالتي الأولى ليس ألا رغبة مني في فرز خصائص أمم هذا العالم العربي الذي أخشى انحلال آدابه إنما الحب والتضامن في اختلاف ما عندنا عما عند إخواننا الجيران بعض الاختلاف. إن التشابه مضمون باللغة الواحدة والتراث الواحد. فليبحث كل منا عن شخصيته المميزة في ماضيه الطويل بأكمله. المصري في مصر القديمة وما بعدها من عصور. والسوري في فينيقيا وما بعدها. والعراقي في بابل وما بعدها وما قبلها من تواريخ الخ الخ. . . كل يستخرج من بطن الأرض التي يحيا عليها كل محاسن طبيعتها وكل كنوز ماضيها. أن الفن أبن الأرض. الولد للفراش والفن للأرض. أني أقول بالمصرية والعراقية والسورية الخ الخ لا للانفصال بل للاتصال، لا للتعصب بل للحب. أن اليوم الذي تزهو فيه لكل منا شخصية قوية هو اليوم الذي يكثر فيه التعامل بيننا والارتباط. أما فناؤنا جميعا في شخصية العرب الغابرين فأمر لا يمكن أن يكون، لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. أن لكل ارض صفات من التاريخ سابقة على عهد العرب. ماذا نفعل بهذه الصفات؟ أنمزقها كما يصنع البرابرة المتوحشون أم نطالعها ونستخرج منها ما يفيد الإنسانية؟ لا بد أن يكون لكل ارض لون. ولكل ارض اسم ورسم وجسم. ولقد كان الأمر كذلك حتى أيام دولة العرب. فكانت الشام غير العراق غير مصر غير الأندلس. والفن والشعر والأدب اظهر دليل على وجود الفروق الجلية، وعلى صدق ذلك القانون: تشابه بين تلك الأقطار لا كل التشابه. واختلاف بينهما لا كل الاختلاف. فكيف يكون الأمر غير ذلك؟ ونغضب إذ تكون هناك مصر وهناك شام وهناك عراق؟ مثل ما كانت دولة العرب أمس. ينبغي للعالم العربي اليوم أن يكون: (وحدة شاملة وكتلة بنيان في شئون السياسة والذود والدفاع، وشخصيات منوعة الألوان في شئون الفن والخلق والإبداع.) جملة القول عندي أن أسلوب الله في صنع الكون هو وحده منبع الفن، هو وحده مصدر ذلك الإدراك الإنساني للجمال منذُ مبدأ الأجيال. أما نقاد القرن التاسع عشر فلا احسبهم رفعوا أبصارهم إلى هذا الأسلوب مستلهمين. إنما هم قد خروا أمام تمثال العلم ساجدين، أنظارهم

ص: 17

خاشعة ترنو في رجاء إلى شعاعين من الكهرباء صادرين من عدسات عينيه الجامدتين. القرن التاسع عشر قرن تأليه العلم. فلقد بهر العلم العالم بانتصارات حاسمات متواليات، فاذا الأدب والفن والفلسفة كلها تهرع إليه تقرى له بالغلبة والسلطان. وإذا كل شئ يطلب إلى العلم تفسيرا. وإذا العلم في نشوة الظافر وبسمة الواثق لا يأبى أن يقضى فيما يعنيه وفيما لا يعنيه. وإذا العلم وهو علم المادة يريد أن يتحدث في شئون الروح. وإذا سئل عن الروح قال دونكم هذا الطريق وأشار إلى عين الطرائق التي أدت إلى الفوز في شئون المادة: التحليل والتركيب والتجربة والقياس والاستنتاج والاستقراء الخ. بهت العالم لنظرية النشوء والارتقاء. وآمن الناس أن أصلنا من ماء وخلايا حية وحيوان ظل يسمو في المرتبة على مدى الأزمان حتى بلغ القرد جد الإنسان! نظرية جميلة، خلب جمالها اللب على الرغم من بشاعة ذلك الجد الغول. أما صدقها فجائز من حيث المادة والأجسام. وهنا تبدو قضية: أتصدق هذه النظرية على الروح أيضا وشئون الروح؟ الإحساس بالجمال: أيخضع أيضا للنشوء والارتقاء؟ نعم، نعم، نعم. كذلك قالت المدرسة الإنجليزية (سبنسر، جرانت الن، رسكن). وكان لا بدلهذه العقول التي فتنتها نظرية التطور في المادة أن تبرز للإنسان نظرية التطور في الجمال.

وعجب الناس لنظريات علم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم الحياة وأبحاث (لامارك) في تأثير البيئة والمناخ وظروف الحياة على طبيعة الأجسام، فقامت المدرسة الفرنسية (هيوليت تين) تخرج للفكر والأدب نظرية للجمال والفن: الوحي فيها والإلهام مقاييس الحرارة وموازين الأحجام! بل إني لأرى إصبع العلم قبل ذلك بقرن يقود المدرسة الألمانية إلى نظريتها في الجمال. ولم يكف العلم هذا التوجيه والتأثير بل تناول بيديه في هذا العهد الحديث جسم الجمال: واعمل فيه المشرط والمسبار (علم النفس الحديث) قضى الأمر، وخرج الجمال من حدائق الفلسفة إلى معامل العلم. .! لست ارزى على طرائق العلم. فهي وسائل البشرية التي لا تملك غيرها. واذكر يوم كنت ارصد وقتا للتفكير في هذه المسائل أني بسطت أمام نفسي هذا السؤال الساذج: الحيوان ما علمه بالجمال؟ حصان بين مهرتين أحدهما جميلة مليئة شهباء والأخرى قبيحة هزيلة عرجاء، إلى أيتهما يميل؟ ما ترددت يومئذ أن أقول في ثقة واقتناع: (إلى الجميلة يميل، ما وجه الترجيح؟ لست أدري، وحبذا

ص: 18

التجربة فهي الحكم الفصل!). لكنى يومئذ كنت أفكر تفكيرا صرفا في قهوة صاخبة اعتقدت أن آوى اليها للتفكير الهادئ، فأين لي بالخيول والأفراس أجري عليها التجاريب؟ فهاأنذا أقر بأن التجربة وسيلة بشرية طبيعية للوصول إلى المعرفة. واقر باني شعرت يوما بالحاجة إلى ممارستها في شئون الجمال. غير أني على الرغم من هذا لا احب أن اعتقد ببساطة أن نظريات العلم في شئون المادة تصدق دائما في شؤون الروح. لا شيء يستطيع أن يقنعني بأن إحساس الجمال وليد تطور ونشوء. بي رغبة أن أصيح بغير دليل في يدي أن إدراك الجمال ولد كاملا في قلب الإنسان منذ رفع بصره وبصيرته إلى أسلوب الله فرعاه. إني أخشى أن نقع في الغلط إذ نطبق نظرية المادة في مسائل الروح، وهل يستطيع الدكتور أن يجيز قول رسكن وجرانت الن في الإلياذة:(. . . ما كان يعنى الأقدمون بالطبيعة ولا بجمالها ألا حين يتصلان بعيش الإنسان. ففي الإلياذة ما كان يوصف منظر طبيعي لذاته، بل لنفعته للإنسان، كان يكون مكانا خصيبا يفيض بالحنطة أو تكثر فيه الجياد. ما كانت الطبيعة سوى إطار للحوادث والاشخاص، لا انها لذاتها محل للوصف. أن الطبيعة لم تحب لذاتها ألا في العصر الحديث، حيث استيقظ الإحساس بها، إحساس صافي خالص لا تشوبه شائبة النفع أو المصلحة. . .) ماذا أقول في هذا الكلام؟ اهو جهل بمشاعر الأقدمين؟ أم تورط في تطبيق نظرية التطور والنشوء؟ أنصدق حقا أن الشعور الرفيع بجمال الطبيعة لم يعرفه القدماء خالصا لدنوهم من الحيوانية؟ أنصدق أن (هومير) لم يحس جمال الطبيعة لذاتها؟ أهذا رسكن يقول هذا الكلام أما أنا فقد مضى كلامي في الطبيعة والقدماء. ورأيي الذي أبديته في رسالتي الأولى أن الأقدمون كانوا أقرب منا إلى الطبيعة والى فهمها. لقد كان الأقدمون يحسون إنهم جزء من الطبيعة ونغم من أنغامها. أما رسكن وألن أو الإنسان الحديث فلا يحس ألا ذاته الآدمية منفصلة عن الطبيعة وعن كل شئ. دليلي فن القدماء من مصريين وإغريق. أهذا فن قوم لا يحسون الطبيعة لذاتها ولا يدركون قوانينها وأساليبها؟! إلى هذا الحد يصل الانقياد إلى النظريات؟ من اجل هذا لا أريد التمكين للعلم حتى يجلس على عرش النقد دون شريك. احب طرائق العلم. لكنى أخشى نتائج العلم. فلنرتفع بالروح قليلا. لست أريد أن أضع الروح تحت مبضع العلم، رهبة منى أن يشقها فيجدها غلافا أجوف. وإني لا أنسى يوم شاهدت تشريح جثة آدمي

ص: 19

للمرة الأولى. أي قلق يومئذ مزق إيماني بقيمة الإنسان! كلا. أني كرجل من رجال الروح لا أريد أن افجع في خير ما أعيش به وله. يريح نفسي دائما أن أقول أنى عقل العلم لا يكفي. ولا بد دون إدراك الجمال والروح من العودة إلى القلب. أريد ألا يخرجني العلم من ذلك الإيمان الذي كان يضيء في قلوب المصريين القدماء إيمان قربهم من الخالق، فإذا هم ببصائرهم العميقة العجيبة أول آدميين استطاعوا فهم أسلوب الله والنفوذ إلى قوانين إبداعه. أن أقصى العلم الإيمان. احب ذلك العلم المؤمن الشاعر الذي عرفه أيضا الفلكيون العظام في القرنين السادس عشر والسابع عشر: كوبرنيك، وجاليليه وكبلر، آخر قطرة من ذلك العلم الممزوج بالإيمان كانوا ينظرون إلى الكواكب كما نظر اليها من قبل المصريون الأقدمون. لا بعين العقل، بل بعين القلب أيضا. كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية. كانوا أيضا يحسون في كتلة النجوم وفي هذا الكون بأكمله الروح الخالقة ويد المبدع الأعظم. ما أروع هذه العبارة من كبلر، فيها تلخيص جميل لكل ما يملأ نفسي:(. . . كل الخليقة ليست إلا سمفونية عجيبة في مجال الروح والأفكار كما هي في مجال الأجسام والأحياء. كل شئ متماسك مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم. كل شئ يكون كلا متناسقا. أن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الإحساس بالتناسق. كل ما يوجد حي متحرك، لأن كل شئ متتابع متصل. كل كوكب وكل نجم أن هو ألا حيوان ذو نفس. أن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك الحب الذي يربط بعضها إلى بعض وتعليل ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية. .) أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب. أولئك هم العلماء العظام! أرى الدكتور قد استشف رأيي بعد هذا التمهيد. نعم ولا أخشى أن أجيب ألان عن السؤال فأقول أن التيارات الثلاثة التي ذكرها الدكتور تصدق أيضا في النقد. كما تصدق في الخلق. أما التيار الأوربي في النقد فهو المرتكز على العلم. ولقد وصل إلينا هذا التيار بالفعل وتأثرنا به. وإن بعض كتب النقد التي طهرت في مصر الحديثة تنم على هذا الاتجاه العلمي. وهو أمر لا بأس به، بل هو واجب محتوم، على شريطة أن نقرن به. نظيف إليه عناصر جديدة ووسائل أخرى مستخرجة من أرضنا وتراثنا إذا أردنا أن ننشئ لآدابنا طريقة شخصية كاملة في النقد. فأما التيار المصري القديم فهو النقد المعتمد على الذوق، أي سليقة المنطق والتناسق. وهو عند المصريين القدماء

ص: 20

سليقة المنطق الداخل للأشياء والتناسق الباطن أي القانون الذي يربط الشيء بالشيء. أي جمال للأهرام غير ذلك التناسق الهندسي الخفي وتلك القوانين المستترة التي قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار! جمال عقلي داخلي. كذلك أسلوب الخالق لا يعني بالجمال الظاهر وحده في خلق الطبيعة. فأي جمال للثعبان والجعران؟ أن الجمال الظاهر نسبي لا يقدره غير الإنسان. إنما المنطق الداخليللأشياء هو كل جمالها الحقيقي. هذا المقياس المصري القديم للجمال ما احسبه قد أثر بعد في حياتنا الفكرية أو في أحكامنا الفنية. أما التيار العربي القديم فهو النقد الذي قوامه ذوق الحس. أي سليقة المنطق الظاهر والتناسق الخارجي. الجمال عند العرب هو الجمال الظاهر الذي يسر العين ويلذ الأذن. أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالا؟ لقد جاء العرب مصر وتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها ولم يروا في الأهرام ألا شيئا قد يحوي نقودا مخبوءة، أما بناؤه فشيء لا يحسب في الفن. إنما الحسن عند العرب حسن الهيئة قبل كل شيء. المساجد كالعرائس تكاد تخطر حسنا بزخارفها، زينة للناظرين. بغير هذا فلا عمارة ولا فن. الشعر رنين لذيذ، وخيال جميل، ومعان لطيفة، وألفاظ مختارة ظريفة، بغير هذا فلا شعر ولا فن. الجمال عند العرب جمال إنساني. والفن عندهم شيء صنعه الإنسان لنفسه وللذته. الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي. والفن المصري القديم فن إلهي ديني. لهذا اختلفت المقاييس في الجمال بين الفنين. أحدهما يعنى بالتناسق الذي يروق الإنسان، والثاني يعنى بالتناسق الخفي بغير التفات إلى الإنسان. ولعل المقياس العربي القديم هو في مصر المنفرد حتى اليوم بالحكم في قضايا الشعر والأدب. ولعل اقرب مثل إلى الذاكرة ذلك الحكم الذي أصدره الدكتور على بيت للأستاذ العقاد:

هي كأس من كؤوس الخالدين

لم يشبها المزج من ماء وطين، ألم يكن مقياس الدكتور في

التقدير ذلك الذوق الحسي وذلك المنطق الخارجي الذي يربط الألفاظ، فوجد اتصالا غير متسق بين الكؤوس والطين سمع له شيئاً كالطنين يشوب صفاء الرنين؟ هذا المقياس العربي ذو الإبرة الدقيقة عجيب في تسجيل كل انحراف عن منطق الألفاظ. إنما هنالك في اعتقادي منطق آخر مستتر أمره يعنى المقياس المصري. ترى لو أن الدكتور رجع إليه أما كان يحكم لبيت العقاد لا عليه؟ أما كان يرى فيه تناسقا داخليا محكما هو كل ما عنى بأدائه

ص: 21

الشاعر؟ إني يوم قلت بمزج الروح بالمادة في آدابنا. كان يجب على أيضاً أن أقول بوضع المقياس المصري في النقد بجانب المقياس العربي. وبعد، فإني ولا ريب قد استأثرت منك ومن وقتك مقدار لاحق لي فيه. غير أنى لولاك ما وضعت أفكاري في رسائل. إنما أنا اكتب لك. أي ضمان أنت في الشرق لحياة الفكر والبيان! وهل أستطيع أن أنسى ما كنت لي وما تكون؟ إني أضع بين يديك كل إخلاص؟

كوم حمادة في 14 سبتمبر سنة 1933. توفيق الحكيم

ص: 22

‌من فخري بك البارودي. عضو مجلس النواب

‌بدمشق

إلى الأستاذ احمد أمين

(والضحى والليل)(يا احمد أمين)

أنت في التاريخ ذخر الباحثين

أنت في الآداب ركن ثابت

أنت في (الأخلاق) نور المهتدين

أنت مهدت سبيلا واضحا

كان وعراً مرهقاً للسالكين

أن ما جئت به معجزة

ذكرتنا معجزات المرسلين

(فجرك) الباسم أحيا أملا

كاد يذوى في صدور الناشئين

(وضحاك) الضاحك اليوم بدا

مثل بدر في ليالي التائهين

قل لعبادي وطه تمما

نشر أجزائكما للقارئين

أن وعد الحر دين فإلى ال

وعد واشفوا غلة المرتقبين

نحن والإخوان في الشام على

مثل حر الجمر في المنتظرين

ص: 23

‌البطل في صورة ملك

للمهندس الشاعر على محمود طه

تألق كالبرقة الخاطفة

وجلجل كالرعدة القاصفة

مبين من الحق في صوته

صدى البطش والرحمة الهاتفة

يخوض الغمار دماً أو لظى

ويركب للمأرب العاصفة

يطير على صهوات السحاب

ويمشى على اللجنة الراجفة

ويقتحم الموت في مأزق

ترى الأرض من هوله واجفة

تمزق في جانبيه الرياح

وتنفطر السحب الواكفة

وتشتجر الرجم الهاويات

وتعتنق الظلم الزاحفة

عشية لا القلب طوع النهى

ولا العقل تأسره العاطفة

ولكنها وثبات الجريء

على عثرات المنى الخائفة

شعوب تعالج أصفادها

وتأبى الحياة بها راسفة

صحت بعد إغفاءة الحالمين

على لجة الزمن الجارفة

وحسبك بالدهر من منذر

كرب يعاقب من خالفه

رأيت السفينة في بحره

تنازعها اللجج القاذفة

مددت يديك فأرسلتها

أماناً من الغمرة الخائفة

وخلفك من (يعرب) أمةٌ

إلى النور فازعةٌ شاعفة

نضَت (فيصلاً) من صقال السيوف

يُقبِّل فيه الضحى شارفة

أعدت لها مجدها المجتبى

وبواتها الذروة الشائفة

بناء من السؤدد العربي

دعمت بتالده طارفه

جلت فيه (بغداد) عهد الرشيد

وأحيت لياليها السالفة

وارسلتها بعد نسيانها

حديث النباهة والعارفة

فوا أسفا كيف روعتها

بفقدك في الليلة السادفه

صحت (برن) منك على نبأة

تسيل البروق بها راعفه

رمى الغرب بالشرق إيماضها

فرد الشموس به كاسفه

ص: 24

أناخ على سروات العراق

فقصف أفنانها الوارفه

طوى فجرها بسمات المنى

واسكت أوتارها العازفه

ومصطبحين هوت كأسهم

حطاماً على الشفة الراشفه

أفاقوا على حلم رائع

كأن بهم فزع الآزفه

يردون بالشك صوت اليقين

وتصدقه الأعين الذارفه

وأني لأسمع ما يسمعون

صدى الويل في صخب العاصفه

وكيف؟ وقد كنت نجم الرجاء

إذا قيل ليس لها كاشفه

وما عرفوا عنك نقص التمام

بيع الصحيحة بالزائفه

تحفك ابهة المالكين

ونفسك عن زهوها صادفة

سرت بالوداعة في بأسها

سرى النسيم في الليلة الصائفه

وتحمل عنهم من العبءِ ما

تخر الجبال له خاسفه

وتهزأ من صرعات الردى

وتمسى على أمرهم عاكفه

إلى أن طوتها وأودت بها

غوائل تطوى الدجى خاطفه

فراحت ترف على كفها

رفيف الندى في اليد القاطفه

وما هي ألا دموع الأسى

همت من جراحاتها النازفه

وما نسيت (دجلةٌ) إنها

بشطيه حائمة طائفه

تباركهم من سماء الخلود

وتدعو (لغازيهم) هاتفه.

ص: 25

‌مناظر من موقعة صفين

للأستاذ محمد فريد أبو حديد

وكان معاوية معروفا بالمغالاة في التوسل بهذه المكائد في سبيل الانتصار، فاذا أردنا أن نعرف سبب نجاح مكيدة المصاحف فلا بد لنل من أن نفترض أن صفوف علي لم تكن خالية من عيون معاوية، وليس التدليل على ذلك ببعيد المنال. فقد ارتفع في أثناء القتال صوت بعد صوت يحاول إحداث الفشل في صفوف المقاتلين. غيران الظروف لم تكن قد تهيأت لذلك بعد. فقد قام شيخ من شيوخ الأزد في أثناء المعركة فجعل يرثى قبيلته وينعى من مات منها في سبيل نصرة على وجعل يقول:(والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا وما هي إلا أجنحتنا نجذها بأسيافنا. . . الخ) غير أن صيحته اضمحلت في حماسة إخوانه وماتت في جلبة المعركة. وكان رئيس ربيعة متهما بالميل إلى معاوية، وقد حدث في أثناء القتال أن انهزم بعض الضعفاء من ربيعة مع ثبات أهل الرايات والشجعان. وقد انصرف ذلك الرئيس منهزما عندما شهد فرار أول المنهزمين، فلما رأى ثبات سائر أصحابه عاد واعتذر عن هربه قائلا انه كان لا يريد إلا إرجاع المنهزمين. فلا بد لنا من أن نفترض وجود هذه التيارات الخفية التي كانت تعمل في جيش على حتى تستقيم الصورة وتصبح ملائمة لطبيعة الأمور. وكان علي لا يحفل بالبحث عن مثل هذه الدسائس. بل لقد كان إذا عرفها ورأى عند صاحبها شبهة البراءة لم يمد إليه يدا بسوء. وكان علي من الشجاعة والاستهانة بالموت في المحل المعروف، وكانت شجاعته هذه تجعله يرتفع عن أن يعبأ بكشف هذه المكائد أو مقابلتها بمثلها. فقد كان رجل كفاح صريح. على أن هذه التيارات الخفية لم تكن بأدعى إلى فشل علي من اضطراب الأهواء تعصف ببعض قلوب من معه، وكان مسلكه الحر لا يكبح هذه الأهواء بل كان يكتفي بأن يشير إلى المبدأ السامي الذي يسعى إليه، ويحض الناس على التمسك به، ويكلهم بعد ذلك إلى نفوسهم ومقدار ما فيها من الإيمان والحرص على الحق. فكان بعض قواده يتنافسون فيما بينهم فلا يعبأ بأن يلتفت إلى تلك المنافسة، بل يحاول أن يصرف حماستهم إلى مقصدهم الأسمى. وإنا ضاربون هنا مثلا بصاحبين من أصحابه كان بينهم تنافس خفي أدى إلى نتائج جليلة في وقعة صفين، ونعني بهذين: الأشعث بن قيس والأشتر النخعي وهو مالك بن الحرث. وكان الأشعث بن قيس

ص: 26

كما تقدم حاكما على أذربيجان في مدة خلافة عثمان، فلما قتل عثمان وتولى علي لم يخرج عليه، بل بقى على عمله وأخذ البيعة له، واما الأشتر فقد كان من أهل العراق وكان رئيسا له شهامة وفيه صرامة، وقد غضب على حكام العراق في أيام عثمان وثار بهم حتى كان يمنعهم من الاستقرار والحكم، ثم سار إلى المدينة مع جماعة من أصحابه فكان من رؤساء الثوار الذين حاصروا عثمان بالمدينة. ولما قتل عثمان كان هو متكلم القوم والساعي في اختيار الخليفة الجديد حتى اختير علي، فكان من أكبر قواده، وكان الأشتر من اصلب قواد علي عودا وأحصفهم رأيا ولعله كان من أكبرهم إخلاصا في رغبة الإصلاح العام والعدل في حكومة الدولة العربية. غير أنه كان صارما لا يقبل هوادة، ولا يداري في رأيه. وكان يأخذ على علي إنه قدم الأشعث بن قيس وجعله من قواده. لأنه كان من أكبر رؤوس الثوار على عثمان فلا يثق فيمن سبقت لهم ولاية الحكم في أيام عثمان. فلما كانت موقعة صفين تقدم الأشعث في يوم القتال على الماء فأبلى أحسن البلاء حتى تصايح الجنود أن الأشعث هو صاحب الفخر في ذلك اليوم، وكان المنتظر بعد ذلك أن نراه في طليعة القوم في كل المواطن. غير إنا لا نكاد نسمع له بعد ذلك ذكرا في مدة القتال العظيم بين الجيشين وقد دام اكثر من عشرة أيام، في حين إنا نجد بطل القتال هو الأشتر مالك بن الحرث، نراه في يمين القتال وقلبه، وأنى سار نجد النصر والحماسة. أكان هذا عفوا غير مقصود؟ إذن فاسمع ذلك الانفجار الذي حدث بين الأشتر والأشعث لتعلم مقدار ما كان في أعماق نفسيهما من الحقد والكراهية. لما رفعت المصاحف وطلب معاوية التحكيم انقسم الرأي في جيش علي. ولسنا بسبيل عرض هذا المنظر وإنما نقصد أن نقول أن الأشعث بن قيس كان من أول القواد الذين رضوا بالتحكيم وإيقاف الحرب، وسعى في ذلك سعيا كثيرا إلى حين كان الأشتر قد قرب بجنوده من قلب جيش معاوية حتى أصبح على وشك الوصول إلى شخصه، وحتى فكر معاوية في الانهزام والهرب، وقد اضطر علي عندما رأى انقسام أصحابه وفشله إلى أن يرسل إلى الأشتر يأمره بإيقاف القتال والانصراف عن العدو، وقد آبى الأشتر وتردد ثم اضطر إلى الطاعة وهو كاره ساخط، فلما عاد الأشتر إلى علي ورأى ما رأى من سعي الأشعث في تضييع النصر من يده ثارت حفيظته وكان بينه وبين الأشعث منظر عاصف. قال الأشتر (أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور؟)

ص: 27

فقال الأشعث حانقا (إنك والله ما رأيت ظفرا ولا جورا) ثم تدارك الأمر بعد ذلك وعلم انه قد أنكر أمرا عرفه الجميع. فخاطب الأشتر موادعا. قال (هلم إلينا فانه لا رغبة بك عنا) فقال الأشتر غاضبا (بلى والله لرغبة بي عنك في الدنيا للدنيا والآخرة للآخرة. ولقد سفك الله عز وجل بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خير منهم ولا أحرم دما) فسكت الأشعث (وكأنما قصع على انفه الحمم) غير إنه استمر على سعيه في إيقاف القتال حتى تم الأمر وأعلن للجند، وكان الأشعث هو الذي سار في إعلانه. ثم أن الأشعث كان له صولة أخرى عند كتابة الصحيفة التي كتب فيها التعهد، والتي ذكر فيها اسم الحكمين، وموقفه ذلك يدل على ما كان في قلبه من الحقد والحفيظة على علي والأشتر. أراد علي أن يختار عبد الله ابن عباس ليكون الحكم المختار من جانب علي فثار الأشعث ومعه جماعة فقالوا لا نرضى بغير أبي موسى الأشعري وهو رجل غير موال لعلي، وليس من الذين نهضوا معه إلى حرب معاوية. فراجعهم علي في ذلك وقال إذا لم ترضوا بابن عباس فأني اختار الأشتر. فثار الأشعث عند ذلك ثورة عظيمة وقال (وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ وهل نحن إلا في حكم الأشتر؟) قال علي مراجعا:(وما حكمه؟) قال: (أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد) لم تكن هذه لغة الأشعث يوم القتال على الماء. فما أشد ما حقد على علي والأشتر في أثناء الإقامة عند صفين. أليست الحرب جهد المستميت؟ وهل يستميت مثل الأشعث إذا كان قلبه مليئا بمثل هذا الغيظ؟ لا نستطيع أن نقول أن الأشعث باع نفسه إلى لمعاوية على إحداث ما كان، ولكنا لا نستطيع ألا أن نلمح ما تولد في قلبه من الحقد والكراهية، فأما حقده فعلى ذلك المنافس الناجح وهو الأشتر، أما الكراهية فكانت للخليفة الذي لم يتح له فرصة التصدر والرياسة بعد أن اطمع في ذلك منذ يوم القتال على الماء. لقد كانت صفين مسرحا لعوامل خفية. وأهواء قوية، لم تذهب هذه العوامل وتلك الأهواء سدى، بل قد عصفت بحزب علي في اشد المواقف وأحرجها.

دراسة في التصوف

الأصل في دراستي لهذا الموضوع، هو الإعجاب المطلق، ولقد أدى بي هذا الإعجاب، ومبعثه شوق روحي غامض إلى إجتلاء بعض الحقائق السامية، إلى التفرغ لدراسة التصوف الإسلامي في كتب عدة لبعض أئمة الصوفيين وأخص بالذكر منهم الأمام أبا حامد

ص: 28

الغزالي والاطلاع على بعض الديانات الهندية وأهمها الديانة الوثنية التي يمثلها نبيهم كرشنا، ولمذهب كرشنا وتعاليمه (بنوع خاص) أثر بارز في دراستي لأصول التصوف. وينحصر مذهب كرشنا في أن الإنسان، يعزف عن الخير لمجرد الوهم والخداع في الدنيا وينصرف إلى الدنيا لأنه لا يعني كثيرا بحقيقة الآخرة. وهو يدعو إلى محاسبة النفس، والقيام بالواجب بدون هوى ذاتي، ومجاهدة الروح، والفناء في محبة الله، وهو يشبه الجسم للروح بالثوب للجسم، ومعنى هذا انه يؤيد فكرة التناسخ. ويقول بأن الروح تنتزع نفسها من الجسم المتداعي إذ لا يعود صالحا لها. لتنتقل إلى جسم جديد، ومعنى هذا أن الروح خالدة. وهو يعزو أعمال الإنسان إلى الروح ، ويرى أن ثمة قوة عليا هي التي تحرك الإنسان. . وتسيره، أي أن كل ما يفعله الإنسان مسوق إليه بقدرة الله، وأرادته العالية، ولذلك فأن الإنسان يجب أن يؤدي واجبه دون أن يفكر فيما إذا كان هذا الواجب سيجلب إليه الخير والشر. ولقد عمدت أيضا إلى دراسة الديانة السيخية وأود أن أذكر أن اهتمامي هذا كان مبعثه الأول إلى دراسة التصوف، إحساس روحي عميق، في داخل نفسي، كان يذهب حينا، ثم يعود قويا متجددا فلما تناولت بعض المسائل الروحية بالدرس والتجربة واطلعت على آفاق جديدة في الثقافة الآسيوية، وهي في جملتها روحية أصيلة ألفيت نفسي مقودا إلى استكمال وسائل البحث والدرس. . . وقد يبدو مثل هذا الولع بدراسة المسائل المتعلقة بالروح، شيئا يناهض معنى المدنية القائمة اليوم، وهذا ظن خاطئ فأن المدنية التي ترتكز عظمتها على الآلات ليست كل شيء في سبيل إسعاد الإنسان كما يقول الفيلسوف الروسي ليون شستوف. وهذا الرجل يندد بمساوئ المدنية الحديثة لما فيها من الاندفاع المطلق نحو اجتناء اللذات المادية، حتى صار الإنسان في بعض البيئات الصناعية أشبه بالآلة أو الحيوان أن تجرد من الصفات العليا. وشستوف يدعو إلى تنمية العواطف الإنسانية الكريمة، وتذكية الروح في سبيل الارتفاع بالإنسان، والحيلولة بينه وبين طغيان الشهوات الدنيا والمطامع الوضيعة حتى لا تفسد روحه وتخمد المشاعر السامية في نفسه. والواقع أن هذه الدعوة ليست سوى ترديد لما يعتلج في صدور الكثيرين ممن سئموا طغيان المادة على الحياة، وعادوا يحنون حنينا قويا إلى العناية بالروح، كما يعني بالجسم؛ فأن الإنسان ليكاد لفرط ما يحفه من مظاهر الترف والإغراء يعبد الجسد عبادة وثنية. وحدث

ص: 29

منذ عامين تقريبا أن اهتممت بالطريقة الروحية التي غاندي في جهاده الوطني، وهي التي يسميها السياسيون بالطريقة السلبية، أقول: إن اهتمامي بفلسفة غاندي جعلني أتجرد لمعرفة قوة الروح والاطلاع على ما يتصل بها وبالجسم. ومن هذه الأشياء التي سبقت، مجتمعة، تكونت عندي فكرة قوية لمعالجة هذا الموضوع، راجيا أن أكون قد وفقت فيه بعض التوفيق بقدر ما يتسنى ذلك في رسالة قصيرة، ولست أستطيع أن ادعي إنني بلغت فيه كل ما أرجو، فأن هذا الادعاء لا قيمة له لنفسي ولا للقارئ، فأنني متصل بهذه الحياة كالآخرين، اتصالا ماديا، هذا الاتصال الذي اشعر بثقله كلما رأيت الإنسان كم يكذب ويخدع، ويحتال، وينافق. . لكي يعيش. أو بمعنى آخر إن قوة المدنية ومادياتها قد طغت على أرواحنا طغيانا جارفا، فأفسد اكثر النواحي الإنسانية فينا، ونمت الروح الحيوانية في سائر أعمالنا، أو كما يقول برناردشو في كتابه الأخير:(مخاطرات الفتاة السوداء) أصبح الإنسان الحديث عبد الخمر والبندقية. ولست في ذلك بالجاحد لقيمة المدنية، فأن التطور الاجتماعي الذي نلمسه في القرن العشرين كنتيجة لجهود العلماء المتصلة لخير الإنسانية قد أفاد الإنسان في حياته فوائد جليلة، ولكن الانتفاع شيء والاستمتاع شيء آخر. . وإطلاق الشهوات هو طريق الانحدار والانحطاط، وأننا لنرى أكثر علماء هذا العصر قد شغلوا جميعا على الرغم من اختلاف اتجاههم في البحث وتباين ثقافتهم بتوحيد القوى الإنسانية، والتغلب على الشهوات التي تثير في النفس التطلع إلى القهر والإذلال والاستعمار والاستغلال والتمرد على الأمم الصغيرة الوادعة كما يتمرد الرأسمالي على العامل. أن التصوف رياضة نفسية عنيفة، وليس من السهل أن يروض الإنسان نفسه عليها، بل أن وضع المدنية لا تكاد يجعلنا نرى في الصوفية المطلقة كل الخير، وخاصة لما تقتضيه الحياة أن يعيش فيها كعضو عامل منتج، إنما يعني اكثر المشتغلين بالتصوف في هذا العصر بإنقاذ الروح كجوهر. وقد قسم العلاقة توماس باتريك هيوز صاحب الموسوعة الإسلامية حدود الصوفية إلى تسعة أقسام أهمها: أن الله في كل شيء، وكل شيء مستمد منه سبحانه وتعالى، وأن كل شيء مرئي أو غير مرئي خاضع لقدرة الله، وان هناك مقاومة بين الروح والجسد ينهيها الموت. فيذهب الجسم، أما الروح فتبقى. وأساس الاعتقاد عند الصوفيين أن الخلود للروح. ولهذا فأنهم يسلكون طريق التعبد والرياضة النفسية تزكية

ص: 30

للنفس والخلق، وتحسينا للشمائل وتبغيضا في الدنيا، واستعداد للرحيل إلى الدار الباقية. . حتى تصفو العقيدة وتنقى السريرة وتصفى من أكدار التكلف والنفاق. ومثل هذه الرياضة تتطلب الخلوة والعزوف عن الأشياء البراقة ومجاهدة النفس وتصعيد الغرائز والارتفاع بالفكر إلى أسمى مكانة، وقد قال الإمام الغزالي في ذلك:(ثم دخلت الشام وأقمت فيه قريباً من سنتين لا شغل لي ألا الغزالة والخلوة والرياضة والمجاهدة اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية، وكنت اعتكف مدة بمسجد دمشق اصعد منارة المسجد واغلق بابها على نفسي، ثم تحرك بي داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه وسلم، ثم سرت إلى الحجاز ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن، وعاودته بعد أن كنت ابعد الخلق عن أن ارجع إليه) وللتصوف مراحل لا بد أن يجتازها الصوفي مرحلة وراء مرحلة، وليس من السهل اجتياز كل منها فأنها تحتاج إلى جهد فائق، وجلد كبير، وقوة مدخرة، وأهم تلك المراحل: العبودية والعشق والزهد والمعرفة والوجد والحقيقة والكشف والوصول إلى الفناء. فأذا أشرقت روح الصوفي، ارتفعت به إلى حيث تكشف له السعادة المطلقة، فيبلغ مرتبة الفناء المطلق للفكرة، وتفهم سر الحياة والموت، والصوفي الذي يجتاز تلك المراحل هو الكامل في إخلاصه وتعبده، وقلما يصل اليها متصوف، بل أننا لا نكاد نحصى ألا طائفة صغيرة ممن استطاعوا السمو إلى هذه المنزلة أولئك الذين خلت نفوسهم من الشوائب وتخلصوا وتطهروا وأقاموا حاجز منيعا بين رغباتهم المادية وغايتهم الروحية العليا. وهناك وسائل يتبعها المجتهدون في التصوف أهمها ثلاث: الانجذاب والعبادة والعروج، ومن يقرأ الشعر الصوفي يذهل لفرط ما يرى. فأن الشعراء الصوفيين يصورون حالتهم النفسية تصويرا رائعاً، ففي شعرهم من الهيام والوجد والعشق ما يكاد يحسبه القارئ لأول وهلة لشاعر أغرم اغراما أفلاطوينا بفتاة. والواقع أن انحدار تلك المعاني لا يكاد يختلف عند الاثنين في شيء ما، فبينما نرى الصوفي يتجه مخلصا نحو ذكر الله بالتوسل والدعاء والابتهال، نرى الآخر يقدس الجمال في معناه الأسمى. لا شك أن الصوفي المنصرف عن الدنيا بكل ما فيها. المتجه إلى الآخرة اتجاها تاما إنما يبالغ في فكرته إلى حد الفناء في اعتناق الفكرة

ص: 31

فإذا أردنا أن ندرس التصوف على انه تزكية للروح وتنقية له من الشوائب فأن هذا حسن، ولكن من الخطأ أن يكون الإنسان سلبيا بحتا، فأن الحياة قوامها العمل والكتب السماوية كلها تحث على العمل والمثابرة والاجتهاد في سبيل العيش بينا نرى التصوف بمعناه الدقيق يدعو إلى الزهد المطلق والانكسار في جهة ضيقة للتعبد والتقشف، وهذا ما في رأينا إخلاص إلى حد الجنون بالفكرة والتعصب لها، فأننا لنرى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وهو روح الحب والحنان والتسامح قد حمل مصباح الهدى ومشعل الحق وجاهد في سبيل الله بلسانه ويده حتى عمت دعوته، لقد كان النبي الكريم يشتغل بالتجارة ولكن ذلك لم يصرفه عن استخلاص نفسه والتوجه نحو الخالق بالعبادة والصلاة دون أن يعتكف في مكان ضيق من الأرض.

وإننا لنرى العلماء اليوم وخاصة من تشربوا بالثقافة السلافية، يدعون الناس مخلصين إلى تطهير نفوسهم وعدم الانغماس في ملذات المدنية تنزيها لجوهر الروح عن الفساد وخوفا على البشرية من الانزلاق في مهاوي الشهوات والترف كما ذهبت في الماضي بعض المدنيات العريقة طعمة لجنون الشهوات والطمع والفساد الاجتماعي.

محمود عزت موسى.

ص: 32

‌حول الإشعاع النفسي

قرأت بإعجاب هذا المقال الممتع الذي دبجه أستاذنا الكبير أحمد أمين عن النفوس وإشعاعاتها الغامضة المعقدة التي تشعر بها وقد لا نستطيع التعبير عنها، والتي تختلف باختلاف النفوس وتتعدد بتعدد نواحيها وطبائعها، فملك علي هذا البحث مشاعري وألقى بي في ذلك العالم الروحي الذي يقوم وراء هذا الحجاب الكثيف من المادة، حتى خلت نفسي أسبح في عالم من الأرواح أو أن حجرتي كما يقول الأستاذ (ملايين وأكثر من الملايين من إشعاعات نفسية تشع من السماء ومن الأرض ومن النفوس البشرية ومما لا يعلمه إلا الله).

على أنني ما كدت أعود إلى هذا العالم المادي وأقرأ المقال بعين الناقد المتدبر وأتحلل من هذا التأثر العميق بشخصية الأستاذ الكبير حتى أدركت السبب الحقيقي لهذا الأثر النفساني الذي يعزوه الأستاذ إلى أشعة تنبعث من النفوس والعقول لا تقل جمالا عن (إشعاعات النجوم والكواكب) وتختلف في القوة، اشد من اختلاف المصابيح الكهربائية، يقول الأستاذ:(إن هذا الإشعاع هو السر في أنك تلقى عظيما فيملؤك أثرا ويملؤك قوة بهيئته، بنبرات صوته، بطريقة تعبيره، بنظراته، بإشاراته، بهزة رأسه، بحركة يديه، فكأن في كل عمل من هذه الأعمال يوصل بينك وبينه تيارا كهربائيا قويا يهزك هزا عنيفا، قد لا يحدثك طويلا وقد لا يكون لكلامه في الواقع قيمة ذاتية، ولكنه يوقظ نفسك ويحيي روحك وتبقى رنات كلماته في الأذن الأيام والليالي تعمل عملها في هدوء حينا وعنف حينا)، كلام بديع يستهوي اللب ويخلب العقل ولكنك إذا أعملت فيه الروية والعقل وباعدت بين نفسك وبين أسلوب الأستاذ الأخاذ وشخصيته الجذابة أدركت غير ما يدرك، ووقفت على سبب آخر لهذا الأثر النفسي الذي يسميه الأستاذ إشعاعا ونسميه نحن:(شعورا بالعجز والضعة)، وذلك إن الإنسان لا يتأثر بعظمة عظيم، ولا خطابة خطيب، ولا حديث محدث، إلا لسبب واحد لا ثاني له، وهو شعور بعجز نفسه وانحطاطها عن مستوى هذا العظيم، وهذا الخطيب وهذا المحدث، قد يكون عاجزا أو ضعيفا، وقد يكون قويا أو رفيعا، ولكن شعوره بعجزه وضعته هو على كل حال السبب الوحيد في إكباره للعظيم وتقديسه للخطيب وإنصاته للمحدث وتأثره بغيرهم من الناس.

قد تكون درة عمر أهيب من سيف الحجاج لدى الناس، ولكن السبب في ذلك لا يرجع إلى أن أشعة قد انبعثت من نفس عمر فغمرت الناس بموجة من الجلال والعظمة. وأن أشعة

ص: 33

من نفس الحجاج قد غمرت أجسام الناس بالخوف والرهبة، ولكن السبب هو أن الناس كانوا يشعرون بشيء من الاستكانة أمام بطش عمر وجبروته، فاذا ما ذهبوا يحاولون النيل منه وتلمس سيئاته لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم يجدون فيه الرجل المتمسك بالشريعة الذي لا تصدر أفعاله عن هوى، وإزاء هذا الشعور بالعجز المضاعف أمام هذه الشخصية يحس الناس بشيء من الخشية المشوبة بكثير من التعظيم والإجلال. أما الحجاج فكان الناس يشعرون بكثير من الخوف والهلع أمام سيفه نتيجة لشعورهم بالعجز عن مجاراته في أسباب بطشه للسلطة المخولة له عليهم، ولكنهم من جهة أخرى كانوا يستطيعون إحصاء ما كان يقترفه من السيآت والمنكرات، وما كان يقدم عليه من الإجرام والظلم، وهكذا كانوا يخافونه ويرهبوا جانبه لشعورهم بالعجز عن مقاومته، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يكرهونه ويشتد مقتهم له لاعتقادهم بأنه متخلف عنهم في الرحمة والعدل والإنسانية، وبالجملة فإن عمر والحجاج لم تنبعث من نفسيهما أشعة تؤثر في الناس، ولكن الناس هم الذين خلقوا هذا التأثير بهذا الشعور السلبي الذي استولى على نفوسهم، ولو أن حياتهم الاجتماعية والسياسية كانت تصبغهم بغير هذه الصبغة، ولو أن شعورا بالقوة والعظمة والرفعة استولى على نفوسهم لما ملأت نفوسهم عظمة عمر وجلاله، ولما ضربت عليهم الذلة والمسكنة وانكمشت قلوبهم خوفا ورعبا من الحجاج وسيفه وصولته.

قال الأستاذ: (وحدثني من أثق به أن الأستاذ جمال الدين الأفغاني كان يرتطن عجمة ولم يكن فصيح اللسان، ولا سلس القول، ولكن تجلس فيشعلك نارا دونها فصاحة الفصيح وبلاغة البليغ، لأنها النفس مستودع كهربائي قوي يصعق أحيانا، ويضيء أحيانا، ويدفع للحركة أحيانا) وهذا أيضا ينضوي تحت لواء ما قلناه، فقد كان المصريون في أيام الأستاذ جمال الدين بعيدين عن هذه الحرية الفكرية الغربية، وإن كان بعضهم يطمح إليها ولا يجد في هذا الجو المصري الخانق الرجعي مسعفا له على بلوغ مأربه، فلما حط الأستاذ رحاله في هذا البلد، هرع إليه بعض من هذه الفئة العطشى، ولشعورهم بالعجز في مضمار الفلسفة وما إليها مما كان يلقيه عليهم الأستاذ جمال الدين، ولموقفهم منه موقف الطلبة من أستاذهم كانوا يشعرون برهبة ورغبة في مجلسه، وتبدو لأعينهم وقلوبهم هذه التعاليم الجديدة التي يتلقونها نارا تلهب النفس وتشعلها وتتأجج في جوانبها حتى لتدفع بها إلى

ص: 34

الثورة، ولو كان فيهم رجل يأنس من نفسه قوة تدفعه إلى الوقوف مع الأستاذ موقف الند للند، لا الطالب أمام معلمه لتغيرت الحال وأحجم الأستاذ احمد أمين عن أن يضرب هذا المثل للتدليل على وجود هذا الإشعاع النفسي موضوع مقاله.

وأن اختلاف تأثير الخطيب باختلاف السامعين والممثلين باختلاف النظارة، لينهض دليلا على ما نزعمه من أن تأثير الأشخاص في بعضهم ليس مرجعه إلى قوة نفسية تشع من نفس إلى أخرى فتؤثر فيها تأثيرا قويا أو ضعيفا، حسنا أو سيئا، ولكن هذا يرجع إلى شعور النفس المؤثر فيها بتخلفها (بحكم طبيعتها أو العوامل المحيطة بها) عن النفس التي أثرت فيها في الخطابة أو الكتابة أو ما شاكل ذلك.

من هذا كله نستطيع أن نقول إننا لا نتأثر بعظيم فنرهبه ونرتعد من الخوف بين يديه، أو خطيب فنصفق له ونحمله على الأعناق، أو محدث فنرهف آذاننا له ونعجب به، إلا لأننا قابلنا العظيم وفي قرارة نفوسنا من شعور بسموه عنا، وسمعنا الخطيب ونحن نشعر بأننا عاجزون عن الوقوف مثل موقفه، والتعبير بمثل تعبيره، وأنصتنا إلى المحدث وقد غمرنا شعور بالقصور عن لباقته، أو مجاراته في حججه، أو الإتيان بمثل حديثه الذي يحمل بين طياته من المذاهب الجديدة والعلوم الحديثة ما نجهل. وليس هذا الأثر ناتجا من صدور أشعة من نفس العظيم أو الخطيب أو المحدث إلى نفوس الناس.

وخلاصة القول إننا لا نقول بحدوث تأثير المؤثر من قوة إيجابية تنبعث، ولكنه يكون بشعور سلبي أو قوة سلبية يحس بها المؤثر فيه حتى ليتوهم أنها آتية إليه من خارج نفسه، والحقيقة أنها تصدر عن نفسه وتنبع منها.

الإسكندرية - عبد الحليم محمد حمودة

(الرسالة)

من أين يأتي شعور العجز والضعة، وقد تلقى الرجل لأول مرة فيثير فيك شعور البطولة والإعجاب، بل قد تراه أو تسمعه وقد سبقت إلى أذنك أخبار وضعت من شأنه، وحطت من قدره، فما هو إلا أن تراه وتسمع له حتى يتغير رأيك ويختلف تقديرك. هل سمعت قول القائل:(تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) أو هل علمت أن الناس لما رأوا الحجاج يصعد على المنبر أخذوا الحصى ليحصبوه، فما استهل خطبته حتى تساقط الحصى من أيديهم

ص: 35

وهم لا يشعرون؟ ما ذلك إلا الإشعاع.

ص: 36

‌لم لا تقول الشعر؟

للدكتور عبد الوهاب عزام

كتبت ألي أيها الأخ الكريم تسألني (لماذا صمتَّ بعد تغريد، ونضبت بعد فيض، وسكنت بعد المرح، واكتأبت بعد الفرح؟ وما هذا الوجوم والإطراق بعد التهلل والإشراق؟ أين قلبك الهدار، وقلمك المكثار؟ وأين شعرك الشاعر، ونظمك الساحر؟ ليت شعري، وقد أمكنك القول، لم لا تقول الشعر؟)

يا أخي بماذا اجيبك؟ لقيت الحياة مبتسما، ونشأت مرنما، أطالع تباشير الصباح مرحا كالأطيار، مترنحا مع الأشجار، تروقني ألوان الأفق، وتدهشني طلعة ذكاء في مواكب الضياء، أراقب الأضواء، في الصباح والامساء، وأساير الظلال، بالغدو والآصال. وأخلو إلى القمر أشرب ضياءه، وأحس في نفسي صفاءه، وأقول:

البر والبحر ذوبٌ من سنا قمر

تردد الطرف فيه فهو حيران

وأتأمل الأزهار في شعاعه، واقبِّل الورد في لآلائه وأساير النيل أجري مع مائه. واضطرب مع أمواجه، وأقف على البحر فرحا بآذيِّه المهتاج، معجبا بسلاسل الأمواج، أرقب العراك المتواصل، بين الماء والساحل.

وكم طربت لزقزقة العصافير في نور الصباح، وتنزيها على متون الرياح، وضحكت لبكور الغراب، سابحا في الضباب.

وكم فتنني الوجه الجميل والخلق النبيل فقلت:

في كل حسن أرى سراً يجاذبني

نفسي، ومالي بهذا السر عرفان

أرى الجمال فتطبعه زجاجة العين على صفحة القلب فاذا هو على لساني وقلمي. فانطلق قائلا معجبا. ومنشداً مطرباً.

وكل شيء يبعث الأمل، ويحدو إلى العمل، وكأن القضاء طوع الخيال، وليس في الدنيا محال. وكأن الإنسان يستطيع أن ينحت الجبال بقلمه، وينزف البحر بفمه. والمستقبل وضاء، وكل ما في العالم ضياء.

ثم نفذ إلى الفكر إلى ما وراء الظاهر، وتطلع إلى ما في السرائر، وجاوز القشر إلى اللباب، وخاض الضحضاح إلى العباب، وكشف المجاز عن الحقيقة، وطالع ضمائر

ص: 37

الخليقة. فأنبهم العالم واستعجم، فاذا كل شيء مبهم، فالفكر فيما وراء الحجب جائل، وكل سر هنالك هائل. الضوء هنالك ضباب، والبصر حجاب.

فامحت الأشكال وخفيت الألوان، وعيّت الريشة في يد الراسم، وحار القلم في بنان الشاعر، وبُهِت المنطق دون البيان، وجمد اللفظ على اللسان. ويبقى السر المحجَّب آبيا على كل مطلب، أو يبصَّ من الحقيقة حاجب يعظم عن ضيق الألفاظ ويكبر على سلاسل القوافي والأوزان.

ورحم الله الشاعر سنائي إذ يقول: (رجعت عما قلت إذ ليس وراء الألفاظ معان، وليس لما ندرك من المعاني ألفاظ).

أهم بالأمر الصغير فإذا هو حلقة في سلسلة، وطريق إلى كل معضلة، وجزء من كل حقيقة هائلة.

وأحاول الأمواج فتنفتح عن الأعماق، فيضل الفكر وتزيغ الأحداق. وأعالج حمرة الشفق، فاذا وراءها خبيئات الأفق، وإذا الأفق صلة الأرض والسماء، وكيف بما فيهما من حقائق، وكيف بما أستسر من أسرار الخالق؟

وأهم بالكلام عن الحيوان فاذا أنا في لجة الحياة، وهي السر العجاب، وسطها فوق الأرض وطرفاها في التراب.

وأريد أن اصف الذرة فاذا هي والشمس سواء، باهرة الحقيقة رائعة الضياء. أنظر إلى الصغير فيكبر، وأعمد إلى الواضح فيستعجم.

والأمل تكسرت أمواجه على صخور الحقائق، وضل سرابه في صحاري الحياة.

يا أخي: ها أنا على ساحل المحيط الأعظم حائر الطرف بين اللجة والشاطئ، مقسم الفكر بين الظاهر والباطن. ولست أدري أأبقى صامتا مبهوتا، أو أهجم على الأهوال، وأغوص في الأعماق، ثم أبين عن عرفاني وجهلي، وإدراكي وعجزي، أو أرجع إلى العهد القديم أصف الألوان والأشكال والضياء والظلال. . . .؟

ص: 38

‌الحمى داء ودواء

تحت هذا العنوان وفي العدد الرابع عشر من مجلة الرسالة الغراء عقد العالم البحاثة الدكتور النابغة احمد زكي وكيل كلية العلوم بالجامعة المصرية فصلا قيما وبحثا ممتعا. عن الحمى وفوائدها، قال في بدايته (الحمى من قديم الزمان عرض مخوف وطارق مرهوب وكثيرا ما كانت رسول الموت وقائد الحي تحدو ركبه إلى وادي الفناء. ولكن في هذه الأيام القريبة الماضية. نشأت فكرة أخذت تحل محلا ذا بال في رؤوس البحاثة من الأطباء أو في رؤوس القليل منهم الذين لا تزعجهم غرابة الخاطر، ولا يصرفهم عن أمره خروجه عن المألوف، ومحصول هذه الفكرة أن الحمى ذلك العدو القديم للحياة، قد تنقلب، أو يمكن تأليفها وقلبها إلى صديق نصير، فبدل أن تكون عونا على الداء، تصبح عونا على الشفاء، في بعض الأمراض التي عجز عنها الطب وحار فيها الأطباء).

ونحن نقول للدكتور الفاضل بكل تواضع واحترام إن هذه الفكرة التي انتهى اليها الباحثون والأطباء الغربيون اليوم. وقف عليها أطباء العرب من عشرات القرون الماضية، حينما كان آباء هؤلاء العلماء يسكنون المغاور، ويلجئون إلى الكهوف. فقد جاء في الصفحة الأولى بعد السبعين من كتب (زاد المعاد في هدى خير العباد للإمام الحافظ أبي عبد الله بن نعيم الجوزي) ما يأتي:

(وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعا عظيما لا يبلغه الدواء، وكثيرا ما تكون الحمى سببا لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها وسببا لتفتح سدد لم تكن تصل اليها الأدوية المفتحة. وأما الرمد الحديث والمتقادم فأنها تبريء أكثر أنواعه برءا عجيبا سريعا، وتنفع من الفالج واللقوة والتشنج الامتلائي وكثير من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة، وقال لي بعض فضلاء الأطباء أن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمى أنفع فيه من شرب الدواء بكثير، فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن، فاذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببا للشفاء).

وفيما تقدم دليل جديد يشهد بما بلغه العرب في الطب من المنزلة العالية والمكانة التي لا تدانى، كما يشهد لهم بفضل السبق إلى كثير من نظرياته الحديثة التي ينسبها علماء اليوم إلى أنفسهم زورا وبهتانا، والفضل كل الفضل للمتقدمين.

ص: 39

والقود. سودان

محمد محمود الجندي. طالب بالتجارة العليا بالقاهرة

ص: 40

‌أعلام الفلسفة الفرنسية

تين

منذ سنوات خلت، نشرت الصحف خبر احتفال الفرنسيين في بهو السربون، بذكرى الفيلسوف الفرنسي الكبير (تين) وقد كان الاحتفال فخما للغاية، يناسب مكانة الفيلسوف العظيم؛ وقد رأسه المسيو إدوار هريو وزير المعارف والفنون الجميلة، وشرح بمحاضرته التي ألقاها منهج تين في النقد الأدبي، وفي العرض التاريخي. ويرى بعضهم أن مؤلفات تين خير ما أخرج التفكير الفرنسي في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، ويرون انه أبرع نقاده في ذلك القرن! وقد كان تين فوق ذلك فنانا بارعا يعشق فن الموسيقى، وأما نظرياته الفلسفية فإنها تميل على الأغلب إلى الناحية المادية.

العبقرية الحق هي التي تعمل ولا تشبع، وتجد في الألم لذة، وفي الموت من أجل العمل حياة، ولا تحسب يوماً أنها وجدت ما تنشد وتصبو إليه! كان تين لا يكل ولا يتعب، بل كان يقوم في الليل ليستأنف عمله، وكان (اسكوت) الكاتب الإنجليزي الكبير مصنوعاً من العمل، كما كان يقول، وحسب (بتهوفن) انه لم يبرز ما يصبو إليه، ومات (فولتير) وهو معتقد انه لم يعمل عملا واحدا يرضي ذوقه!

العبقرية الحق، هي التي تخلق وتنشئ وتنظر دائما إلى الممكن وإلى المستقبل، هي باذرة بذور الخير والحب والطيبة والجمال في الوجود، والطامحة دائما إلى الأحسن، والآخذة بالناس من الظلمات إلى النور، ومن العبودية إلى الحرية، ويخلد العبقري بقدر ما تترك رسالته من أثر على وجه البسيطة؛ فكلما كانت رسالة العبقري إنسانية كان الإعجاب بها شديداً والثناء عليها قويا.

ولد هيبوليت أدولف تين في 21 أبريل سنة 1828 بفوزييه بمقاطعة الوارون في فرنسا، وكان أبوه من أسرة قليلة المال قصيرة الباع. وكان لأبيه (جان باتيست تين) اتصال بالقضاء، لذلك استطاع تين أن يتلقى عليه النظم والقوانين إلى جانب دراساته بمدرسة (مسيو بيرس) الصغيرة. حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، وقد مرض أبوه فأرسله في سنة 1839 إلى مدرسة دينية في (رتل) أقام بها ثمانية عشر شهراً، وبعد وفاة أبيه سافر إلى باريس فالتحق بمعهد (ماتيه) وكان طلاب هذا المعهد يدرسون بكلية بوربون وفيه

ص: 41

ظهرت بوادر كفايته النادرة. لقد امتاز تين لأول دخوله المدرسة بمقدرة على العمل مدهشة، وبجلد متين لا يقل إثارة للدهشة، وكان كثير التحصيل، كثير التعليق على ما يحصل، كثير التفكير فيه، مما جعل له على أصدقائه جميعاً نفوذاً معترفاً به، اعترافهم بفضله ومقدرته على الكتابة نظماً ونثراً في اللغتين الفرنسية واللاتينية. وبعد انتهاء دراسته الثانوية انتقل إلى مدرسة المعلمين ' وفيها قرأ افلاطون، وارسطو، ودرس الإنجليزية فبرع فيها وأتقن آدابها. وقد لاحظ عليه أساتذته مبالغته في الحرص على السلوك بالمنطق مسلكا رياضياً والوصول به دائما إلى قاعدة ثابتة على نحو ما يصل الرياضيون في مسائل الحساب والهندسة والجبر. وقد تنبأ له أساتذته بمستقبل باهر، وقالوا سيكون تين أستاذاً ممتازاً، بل سيكون أكثر من ذلك، وسيكون عالما من الطراز الأول، وسيكون شعاره شعار سبينوزا (يعيش ليفكر).

ومع ما عليه تين من رقة في الخلق عظيمة، ومن طباع غاية في الطيبة، كان لذهنه قوة جبارة لا تلين لا يستطيع ان يكون لأحد على تفكيره أي تأثير. وجماع ما يقال عن (تين) انه ذهنية جبارة منقطعة النظير!

كان تين أقوى أثراً في نشر الفلسفة الواقعية من صاحبها اغست كونت نفسه، وبرغم تثبيته قواعد هذه الفلسفة الوضعية في ذهن أهل عصره والعصور التي خلقته، قد فتح لها ميادين جديدة في الفن وفي الأدب وفي الشعر، وفي صور نشاط العقل الانساني، وفي النفس الإنسانية، مما جعل للعلم الوضعي وللفلسفة الوضعية من متانة الأركان ما لا يزال حتى اليوم وطيدا قويا غاية القوة، برغم موجات الروحية (والتيوزوفية) وغيرها مما سبق الحرب وشجعته الحرب ومما لا يستطيع أن يقاوم (حتى في الميادين الفلسفية البحتة) تيار العلم الجارف، الذي يدل الناس كل يوم على أن العلم إذا اخطأ في تقرير نتائج معينة، فهو وحده قمين بإصلاح هذا الخطأ من طريق الاستقراء والملاحظة والتجارب، وما يترتب على هذه من تبويب ينتهي إلى استنباط القوانين العلمية الصحيحة التي يمكن أن تكون أساسا لارتكاز الفلسفة الواقعية الصحيحة، فهذا الرجل الذي حاول، ونجح في محاولته، هدم الفلسفة الكلامية التي كان الأستاذ فيكتور كوزون عميدها في عصره، والذي حاول ونجح في أن يقر إلى جانب التفكير الواقعي المذهب الجبري وأن يطلق هذا المذهب على

ص: 42

النمسان ويخضعه له، بمقدار ما تخضع له الأفلاك والموجودات كلها، هذا الرجل كان صاحب أسلوب في الكتابة له من البهر ما يسحرك كما لو كنت تستمع إلى ألحان أركسترا بيتهوفن! ولعل أبرع ما كتبه تين في الناحية الأدبية، هو ما كتبه في الوصف والسياحة، ولقد بلغت براعة الوصف فيهما مبلغا قل أن يجاريه فيه كاتب.

وليس فضل تين مقصوراً على فلسفته وأدبه فحسب! فهو إلى جانب ذلك مؤرخ من أكبر المؤرخين لم يقتصر على كتابة تاريخ بلاده، بل تناول عصر ما قبل الثورة، وتناول عصر الثورة والعصور التي بعدها، وتناول بحوثا أخرى في التاريخ القديم وفي التاريخ الحديث، تناولها بدقة في العبارة، ودقة في البحث، وقوة في الأسلوب، جعلت له كل هذه المكانة التي تسنم ذروتها في عصره، وكل هذا المجد الذي يشهد له به اليوم حتى ألد خصوم نظرياته. ورسائله في التاريخ وفي النقد جعلته منه نقادة معترفاً بنبوغه وبفضله، وقد أقامت له مذهبا في النقد يتسق ومذهبه في الأدب، وفي التاريخ، وفي الفلسفة، وفي كل ما تناوله من مباحث؛ والذي يقرأ كتابه (الفلاسفة الإنشائيون في القرن التاسع عشر) وكتبه (رسائل في النقد وفي التاريخ) يرى اتجاه مجهوده العقلي في السنوات الخصبة من حياته، ويرى المجهود الهائل الذي تناول به بحث اليونانيين القدماء وكتاب فرنسا وفلاسفتها وكتاب إنجلترا ومفكريها، تناول ذلك في دقة وإحاطة قل نظيرهما. يعرض أمامك فكرة كل كاتب وفلسفته وأسلوبه ويحلل ذلك ويرده للبيئة وللجنس اللذين نشأ الكاتب فيهما، ويدلك على ما يراه النقاد ويراه هو في الكاتب وفكرته من قوة ومن ضعف، ومن كمال ومن نقص. ومن دقة في بلوغ الغاية التي قصد إليه الكاتب، أو اضطراب في نهج السبيل إلى تلك الغاية، وهذه طريقته التي سار عليها في النقد، وهي الطريقة العلمية الصريحة التي لا تعرف الميل ولا المواربة، ولا تعرف مذاهب الشك والتردد، والتي تقفك من كل كاتب ومن كل موضوع على خلاصة الموضوع وعلى صورة واضحة من الكاتب على نحو ما رآه تين؛ أول أستاذ (لتين) أثر في تفكيره أعمق الآثار وهو (كوندياك)، وتين لا يفهم كيف ينسى في فرنسا منهج كوندياك الذي هو (أحد المثل العليا للذهن البشري) ويستبدل بفتات الاقتباس والمزج، ثم هو يأخذ على كوزين وتلاميذه قبل كل شيء انحلال المنطق، لأنهم يرون انهم فلاسفة، ولكنه يرى انهم خطباء يعنون بالأثر الذي يحدثونه اكثر مما يعنون بالحقائق التي

ص: 43

يبحثونها! ثم يقول: انه تجب العودة إلى كوندياك وهو ذهن لا نظير له في الاستنارة والدقة، وقد وهب كل المسائل العظيمة أجوبة ثارت عليها التقاليد الكلامية المبعوثة، ونظريات ما وراء الطبيعة الألمانية في فرنسا في بدء القرن التاسع عشر! بيد أنها سوف تعود بالرغم من كل هذا، ويعود (تين) بدوره قدوة في استئنافها والتمسك بها.

وكما أن تين كان تلميذاً لكوندياك كان كذلك تلميذاً لأسبينوزا وهيجل فقد شعر مثل (جيته) بسمو الفكرة الاسبينوزية، ورأى أن مفكراً لا يستحق أن يسمى بالفيلسوف ما لم تطبع نظريته الخاصة بطابعها. واسبينوزا هو الذي أوحى إليه باعتبار الوجهين: الوجه الطبيعي، والوجه الخلقي، صورتين لحقيقة جوهرية واحدة، وقال تين عن هيجل متحمساً:(ليس بين جميع الفلاسفة من سما إلى ما سما إليه (هيجل) أو من تدنو عبقريته من ذلك الصرح الشامخ! فهو مزيج من اسبينوزا وارسطو). وقد اتسع مدى عمل (تين) الفلسفي والتاريخي بالاستناد إليه.

يقول (تين) عن الفلسفة الإنجليزية أنها قد انتهت إلى اعتبار الطبيعة اجتماعا للوقائع، أما الفلسفة الألمانية فترى فيها مجموعة من القوانين، فإذا كان ثمة مكان بين الأمتين فهو مكاننا نحن معشر الفرنسيين! لقد وسعنا الآراء الإنجليزية في القرن الثامن عشر، واستطعنا في القرن التاسع عشر أن نضبط الآراء الألمانية، ومهمتنا الآن هي تهذيب الذهنين أحدهما بالآخر ومزجهما في ذهن واحد، وأن نصوغهما في أسلوب يتذوقه العالم كله، وان نخرج منهما بذلك الذهن العام.

ولقد عين تين مدرساً في وزارة المعارف بمدرسة (نفير) في أول سنة 1851 الدراسية، لكنه لم يمكث في هذه المدرسة إلا شهوراً نقل بعدها إلى مدرسة دونها في الدرجة، وذلك لأغراض سياسية. ومن ثم نقل إلى (ابوانيه)، ومنها نقل مساعد مدرس إلى بزانسون في سبتمبر 1852. وعلى رغم تنقلاته الكثيرة، قد وضع رسالة عن المشاعر ورسالة لاتينية تقدم بها إلى السوربون لنيل جائزة الفلسفة، ولما كانت هذه الجائزة قد ألغيت فقد أراد تين أن ينال جائزة الأدب العليا - ولكن رسالته لم تقبل، فوضع رسالة عن لافونتين فنال بها دكتوراه الآداب في 30 مايو سنة 1853، وعل أثر حصوله على الدكتوراه اقترحت الأكاديمية الفرنسية موضوعاً لجائزة تمنح في سنة 1855 على احسن رسالة تكتب عن

ص: 44

(تيت ليف) الكاتب والمؤرخ الروماني الكبير، فعرض لها (تين) وكتبها ثم تقدم بها فكانت الأولى بين كل الرسائل التي قدمت!

وكان تين قد رشح نفسه سنة 1862 لتدريس الأدب في مدرسة الهندسة ولكن مسيو دي لموني انتخب بدلا عنه، على أن وزير الحربية عينه في مارس من السنة التالية ممتحنا في التاريخ وفي اللغة الألمانية بمدرسة سان سير - الحربية. وفي سنة 1864 عين مدرسا لتاريخ الفن والجمال في كلية الفنون الجميلة؛ فكان تعاقبه في وظائف الدولة سببا في إثارة الخوف في نفس رجال الدين، مما دفع المونسينير دوبانلوا إلى كتابة منشور وجهه إلى الشبيبة وإلى الآباء يطعن فيه على تين ورنان ولتريه وندد فيه بنزعاتهم الإلحادية مما كاد يزعزع مركز تين لولا تدخل البرنسيس ماتيلدا وبسط حمايتها عليه. وفي سنة 1864 قدم بعض كتبه إلى الأكاديمية ليحصل على جائزة بوردان. فانبرى له مونسينير دوبانلوا من جديد، واشترك معه آخرون ليحولوا بينه وبين الجائزة. على أن المسيو جيزودافع عن تين بكل إخلاص واستمرت المناقشة أمام الأكاديمية فيمن يستحق الجائزة ثلاثة أيام متوالية، استقر الرأي بعدها على أن الجائزة لا تمنح لأحد ما دامت لا تمنح لتين!. . . على أن هذه الخصومات المتتابعة وهذا التجني على ذلك الكاتب الفيلسوف لم يحل دون حصوله على وسام اللجيون دونور في سنة 1866 وعل شهادة من جامعة اكسفورد بعد محاضرات ألقاها بها عن راسين وكورني في سنة 1871. وتزوج تين في سنة 1868 فلم يغير زواجه شيئا من حياة الجد والعمل التي كان يحياها، على انه منذ سنة 1870 على أثر الحرب الفرنسية الألمانية قد حز في نفسه ألم هزيمة بلاده فأجهد نفسه في أن يقف على أسباب ضعفها، وكان هذا هو الدافع الذي دفعه إلى وضع كتابه الأكبر (أصول فرنسا الحديثة) الذي عمل فيه منذ سنة 1870 والذي اضطر من اجله أن يتخلى عن مهنة التدريس منذ سنة 1884 لينقطع له انقطاعا تاماً. وقد توفي في الخامس من شهر مارس سنة 1893 وهو في الخامسة والستين من عمره.

وقد ألقى الأستاذ ليفي بريل المحاضر بالسوربون خطابا في شرح نظريات تين الفلسفية بمناسبة الاحتفال المئوي لميلاد (تين) نترك الأستاذ نفسه يحدثنا عنه إذ يقول: لنذكر اليوم ألقاب مجده ومناحي نبوغه! ولئن كان علم النفس وعلم الاجتماع قد وصلا بفروعهما

ص: 45

المختلفة في فرنسا إلى ما وصلا إليه من التقدم فان تين هو أحد الذين يرجع إليهم الفضل في ذلك، وقد كان من الممكن أن يترك عمله، ولكن الروح الذي بعثه ما زال يضطرم إلى اليوم، وكان الطريق الذي سنه هو طريق الإرشاد، وأن فضله ليبدو أشد بهاء، إذا ذكرنا الوسط الفلسفي الذي تخرج منه، ولكن تين غلبت عليه روح الفلسفة الحق فاعتزل أولئك المبشرين بأفقر ضروب التحكم، وبحث عن الحقيقة دون أن يعني بادئ بدء بما إذا كانت ستتفق وهذه العقيدة أو تلك، أو هذا الحزب أو ذاك. وبذا وصل تين بين التقاليد الفلسفية للقرن الثامن عشر، وهي التقاليد التي اعتقد الجيل الذي قبله أنها قطعت نهائيا. وهكذا كان مستحقاً لإعجاب كل مفكر حر في عصرنا، فلنحمده لأنه جاهد من أجل مثل أعلى للعالم والفلسفة النزيهة. ولعل هذا خير مديح كانت تتأثر به عزته. ولقد أبى أعز أصدقائه (أميل بوتمي) الذي ساعده على تأسيس المدرسة الحرة للعلوم السياسية والذي كان أمينا لأعمق اسراره، ان يكتب على قبره سوى هذه العبارة البسيطة:(أحب الحقيقة قبل كل شيء).

حلب. صبحي العجيلي

ص: 46

‌7 - بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام

للأستاذ محمد عبد الله عنان

قال ابن عبد الحكم وهو من اقدم رواة الفتوح الإسلامية وأقرب من كتب عن فتوح الأندلس ما يأتي:

(وكان عبيدة (يريد والي أفريقية) قد ولى عبد الرحمن بن عبد الله العكي على الأندلس وكان رجلا صالحا فغزا عبد الرحمن إفرنجة وهم أقاصي عدو الأندلس فغنم غنائم كثيرة وظفر بهم. . ثم خرج إليهم غازيا فاستشهد وعامة أصحابه، وكان قتله فيما حدثنا يحيي عن الليث في سنة خمسة عشر ومائة). ولم يذكر الواقدي والبلاذري والطبري وهم أيضا من أقدم رواة الفتوح شيئاً عن الموقعة وقال ابن الأثير في حوادث سنة ثلاثة عشر ومائة مرددا لرواية ابن عبد الحكم (ثم إن عبيدة استعمل على الأندلس عبد الرحمن ابن عبد الله فغزا إفرنجة وتوغل في أرضهم وغنم غنائم كثيرة، ثم خرج غازيا ببلاد الفرنج في هذه السنة (اعني 113هـ) وقتل سنة أربع عشرة ومائة وهو الصحيح، فقتل هو ومن معه شهداء) وينسب ابن خلدون الموقعة خطأ لأبن الحبحاب والي مصر وأفريقية فيقول:(وقدم معه (أي بعد الهيثم) محمد بن عبد الله بن الحبحاب صاحب أفريقية فدخلها (أي الأندلس) سنة ثلاثة عشر وغزا إفرنجة وكانت لهم فيهم وقائع وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة، فولي سنتين) ولدينا من الرواية الأندلسية ما قاله صاحب (أخبار مجموعة) عند ذكر ولاة الأندلس وهو (ثم (أي وليها) عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي وعلى يده استشهد أهل البلاط الشهداء، واستشهد معهم واليهم عبد الرحمن) ونقل الظبي في ترجمة عبد الرحمن ما ذكره ابن عبد الحكم عن الموقعة. وقال ابن عذارى المراكشي (ثم ولي الأندلس عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة 115 بموضع يعرف ببلاط الشهداء) وقال في موضع آخر، ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا (أي الغافقي) ثانية وكان جلوسه لها في صفر سنة 112، فأقام واليا سنتين وسبعة اشهر وقيل وثمانية اشهر، واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة 114. وقال المقري فيما نقل (ثم قدم عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب أفريقية فدخلها (أي الأندلس) سنة ثلاثة عشر وغزا الإفرنجة وكانت لهم فيهم وقائع وأصيب عسكره في

ص: 47

رمضان سنة أربع عشرة في موضع يعرف ببلاط الشهداء وبه عرفت الغزوة (ونقل في موضع آخر) وذكر انه قتل (والإشارة هنا خطأ إلى السمح ابن مالك) في الواقعة المشهورة عند أهل الأندلس بوقعة البلاط، وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه فأحاطت بالمسلمين فلم ينج من المسلمين أحد. قال ابن حيان، فيقال أن الآذان يسمع بذلك الموضع إلى الآن (ونقل عن ابن حيان) قال دخل الأندلس (أي عبد الرحمن) حين وليها الولاية الثانية من قبل ابن الحبحاب في صفر سنة ثلاث عشرة ومائة وغزا الإفرنج، فكانت له فيهم وقائع جمة إلى أن استشهد وأصيب عسكره في شهر رمضان سنة 114 في موضع يعرف ببلاط الشهداء، قال ابن بشكوال (وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط)

هذه الفقرات والإشارات الموجزة التي تكاد تتفق جميعها في اللفظ والمعنى هي ما ارتضت الرواية الإسلامية أن تقدمه إلينا في هذا المقام، وان كان في تحفظها ذاته ما ينم كما قدمنا عن تقديرها لرهبة الحادث وخطورته، وبعد آثاره. وإذا كان صمت الرواية الإسلامية تمليه فداحة الخطب الذي أصاب الإسلام في سهول تور فان الرواية النصرانية تفيض بالعكس في تفاصيل الموقعة إفاضة واضحة، وتشيد بظفر النصرانية ونجاتها من الخطر الإسلامي، وترفع بطولة كارل مارتل إلى السماكين. وتذهب الرواية النصرانية، ومعظم كتابها من الأحبار المعاصرين في تصوير نكبة المسلمين إلى حد الإغراق فتزعم أن القتلى من المسلمين في الموقعة بلغوا ثلاثمائة وخمس وسبعين ألفا في حين انه لم يقتل من الفرنج سوى الف وخمسمائة. ومنشأ هذه الرواية رسالة أرسلها الدوق أودو إلى البابا كريكوري الثاني يصف فيها حوادث الوقعة وينسب النصر لنفسه، فنقلتها التواريخ النصرانية المعاصرة واللاحقة كأنها حقيقة يستطيع العقل أن يسيغها. بيد أنها ليست سوى محض خرافة فإن الجيش الإسلامي كله لم يبلغ حين دخوله إلى فرنسا على أقصى تقدير اكثر من مائة الف والجيش الإسلامي لم يهزم في تور ولم يسحق بالمعنى الذي تفهم به الهزيمة الساحقة، ولكنه ارتد من تلقاء نفسه بعد أن لبث طوال المعركة الفاصلة يقاتل حتى المساء محتفظا بمراكزه أمام العدو ولم يرتد أثناء القتال ولم يهزم. ومن المستحيل أن يصل القتل الذريع في جيش يحافظ على ثباته ومواقعه إلى هذه النسبة الخيالية. ومن المعقول أن تكون خسائر المسلمين فادحة في مثل هذه المعارك الهائلة، وهذا ما تسلم به الرواية الإسلامية

ص: 48

ولكن مثل هذه الخسائر لا يمكن أن تعدو بضع عشرات الألوف في جيش لم يزد على مائة الف. وأسطع دليل على ذلك هو حذر الفرنج وإحجامهم عن مطاردة العرب عقب الموقعة وتوجسهم أن يكون انسحاب العرب خديعة حربية، فلو أن الجيش الإسلامي انتهى إلى أنقاض ممزقة لبادر الفرنج بمطاردته والإجهاز عليه، ولكنه كان ما يزال من القوة والكثرة إلى حد يخيف العدو ويرده. على أن خسارة المسلمين كانت بالأخص فادحة في نوعها تتمثل في مقتل عبد الرحمن ونفر كبير من زعماء الجيش وقادته؛ بل كان مقتل عبد الرحمن أفدح ما في هذه الخسارة، فقد كان خير ولاة الأندلس وكان أعظم قائد عرفه الإسلام في الغرب، وكان الرجل الوحيد الذي استطاع بهمته وقوة خلاله أن يجمع كلمة الإسلام في إسبانيا فكان مقتله في هذا المأزق العصيب ضربة شديدة لمثل الإسلام ومشاريع الخلافة في افتتاح الغرب.

ويعلق النقد الحديث على هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية أهمية كبرى، وينوه بخطورة آثاره وبعد مداها في تغيير مصاير النصرانية وأمم الغرب، ومن ثم تغيير تاريخ العالم كله. واليك طائفة مما يقوله أكابر مؤرخي الغرب ومفكريه في هذا المقام:

قال ادوار جيبون: (إن حوادث هذه الموقعة أنقذت آبائنا البريطانيين وجيراننا الغاليين (الفرنسيين) من نير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال روما، وأخرت استعباد قسطنطينية، وشدت بأزر النصرانية، وأوقعت بأعدائها بذور التفرق والعطب).

ويعتبر المؤرخ آرنولد الموقعة (إحدى هاته المواقف الرهيبة لنجاة الإنسانية وضمان سعادتها مدى قرون).

ص: 49

‌في الأدب العربي

من طرائف الشعر

آثار شوقية

- 1 -

كوميديتان لم تنشرا

بقي من المجموعة الشعرية لشاعر الخلود شوقي بك روايتان كوميديتان تهيئان الآن للطبع وهما: (الست هدى) و (البخيلة).

ومن قرأ الشعر الفكاهي للأمير يتصور الروح الخفيفة المرحة التي تشيع في هاتين الروايتين. وفيما يلي منظر من رواية البخيلة يلهب النفوس شوقا اليها:

(الست نظيفة وخادمها حُسْنى، حُسنى تدخل وبيدها شيء)

الست نظيفة: تعالَي يا ابنتي جيئي=بماذا جئتني حُسْنَى؟

حسنى: لقد جئتُ بفنجانٍ=خذيه جربي البُنَّا

السيدة: وهذا شُبُكي. هاتِ

حسنى:=اجل بالعود قد جيتُ

حُسنى: وفي الكيس مع الدخا_ن زنداني وكبريتُ

السيدة: سَلِمت حُسْنَى يداك =

حسنى: أنا مولاتي فِداكِ

السيدة: والآن هل آخذُ خَرْج النهار؟ =امضي خذيه إنه في الكرار

حسنى: هيأته سيدتي؟

السيدة: أجل!

حسنى: وما أخرجتِ لي؟

السيدة: رأسٌ من الثوم وخمسٌ من صغار البصل

حسنى: والسمن مولاتي تُرى

السيدة:=كأمس لم أُقلل

ص: 50

أوقية

حسنى: والأرز؟

السيدة: لا. لا يدخلنَّ منزلي

لقد غلا سعراً ولا

يُعجبني السعرُ الغلي

حسنى: ليتكِ بالزيتِ افتكر_تِ والدقيق والعسل

السيدة: ولِمَ يا حُسْنَى؟ أرا_ك اليوم عادَكِ الخَبَلْ

نسيتِ أن ههنا

وتحت هذي الكنبَهْ

العشراتُ من قدي

م الكعك والغريِّبه

حسنى: لم أنس يا سيدتي

السيدة:=أنت إذن مخربة

حسنى: قد اشتهيتُ لقمة القاضي

السيدة:=اشتهتك عقربة!

السيدة: وما الذي اشتريت يا=حسنى لنا من الخُضَرْ؟

حسنى: الباميا! كأنها الزُ_مرُّدُ الخام الحجر

السيدة: الباميا منذ متى=هذا الخضار قد ظهر

حسنى: جديدة قلتُ عسى=سيدتي بها تُسَرَّ

نادى المنادون علي

ها منذ أسبوع غبَرْ

ترفُلُ من شوكتها

وفي شبابها النضر

السيدة: أجل لقد أكلتُها=في منزل الشيخ عمر

كالذهب الإبريز

والثومُ عليها كالدُرَرْ

حسنى: واليوم تأكلينها

السيدة:=أمر من طعم الصَّبِرْ

اشتريتْ غاليةً

مثل البواكير الأُخَرْ

حسنى: هدية تلك

السيدة: وممن؟

ص: 51

حسنى:=من قريبٍ لي حضر

السيدة: من أين جاء ومتى؟

حسنى:=من الصعيد قد بكر

السيدة: وبم ترى جزيته؟ =بقبلةٍ مستعجلة!

حسنى: سيدتي!

السيدة: امضي اطبخي=دقّيةً مكمّلة

كأنها خليةً

من عسلٍ مجمّلَة

والثوم فيها لؤلؤ

وهي به مكللة

والعظم

حسنى: واللحم

السيدة: إحذري يتعبني أن آكله

حسنى: اللحم يا سيدتي في الباميا ما أسهله

السيدة: حُسنى انظري

حسنى: سيدتي

السيدة: على البلاط وسخُ

حسنى: الآن اغسلُ البلا_ط ثم امضي اطبخُ

(وتخرج حسنى الخادم)

- 2 -

جبل الدروز

مشروع قصيدة لم تتم كان ينظمها المرحوم شوقي بك وهو بعالية من لبنان في أسود الجبل وقد اخرجوا من ديارهم ففروا بحريتهم وكرامتهم إلى الصحراء.

ألا بديارهم جنَّ الكرام

وشفَّهم بليلاها الغرام

بلادا أسفر الميلاد عنها

وصرَّحت الرضاعة والفطام

وخالط تربها وارفض فيه

رفات من حبيب أو عظام

بناء من أبوّتنا ألاوالي

يتمم بالبنين ويستدام

ص: 52

توالى المحسنون فشيدوه

وأيدي المحسنين هي الدعام

وأبلج في عنان الجو فرد

كمنزلة السموءل لا يرام

يبيت النجم يقبس من ضياه

ويلمسها فيرتجل الجهام

له في الأعصر الأولى سمى

إذا ذكر اسمه ابتسم الذمام

كلا الجبلين حر عبقري

لدى محرابه ملك همام

أُزيلوا عن معاقلهم فأمسى

لهم في معقل الصخر اعتصام

الذكرى

مرت بي الذكرى فعا

ود قلبي المضني أساه

ولمحت عهدا خاليا

ووجدت في الذكرى شذاه

أيام روضُ اللهو غض

والهوى دان جناه

والعيش مُخضر الحوا

شي والمنى تُندى ذَراه

والقلب يمرح هائماً

نشوان ما يدري هداه

كم لذَّ تقبيل الخدو

د وشاقه لثم الشفاه

واليوم صوَّحه القنو

ط فشاخ منضورا صباه

في هدأة الذكرى وأح

لام الشباب بكى هواه

وطوى بساط اللهو في

شرخ الصبا وا لهفتاه!!!

أوَّاه من عبث الزما

ن وآه من كيد الحياة!

دمشق - حلمي اللحام

قلب!

لشاعر الشباب السوري أنور العطار

يا قلب! يا هيكل قدس الهوى

ويا مطاف الذكريات العِذاب

اضممُ على الحب شراع المنى

فهو طعام الروح وهو الشراب

تالله لولا حرمةٌ للهوى

لكنتُ أصليتك مُرُّ العذاب

أمضَّني حملك طفلاً وها

لما تزل طفلاً كثير الشغاف

ص: 53

تملك أطراف السماء التي

لم يمتلكها الدهر، طيف التَّباب

تفتُّن في الضحك وما تأتلي

تلعب حتى يتعايا اللعاب

صبَّرت عنك الروح لكنما

أضجرها منك مرادٌ عُجاب

أضعت من أجلك زهو الصبا

فضاع ريحاني، وضاع الشباب

لم يبق لي من مأمل يرتجى

في راحة الأحلام غيرُ السراب

يَرِفُّ، والروح شديد الصدى

يُعِله في العمر ماء كذاب

قيثارتي تمعن في نوحها

ونوحها شطرُ فؤادي المذاب

أشعارها في ذي الدُّنى نفحة

تائهة في عالم من ضباب

تضيع في غيهب هذا الورى

ضيعة طفل في فسيح الرحاب

يا غيبُ! هذا الطفل جمُّ الرؤى

مفضض الأفياء، نضْر الشعاب

مُخْتَطَفٌ، شاردة روحه

وشارد الروح طويل الغياب

غلغل في دنيا الهوى فارتمى

حيران قد ضل سبيل المآب

خذه إلى ساحك تغنم به

أغرودة حالية بالرغاب

أيها النيل

أيها النيل أنت روح البلاد

ورسول المنى وكل المراد

لست ماء في أرضنا بل دماء

تتمشى بين الحشا والفؤاد

فاجْرِ يا نيل بالحياة إلينا

وابعث الخير في بطون الوادي

واملأ القطر من ترابك تبراً

وابق يا نيل رغم أنف العوادي

أيها النيل لن تذل مدى الده

ر وفينا ذخيرة للجهاد!

مصر تفديك بالدماء وبالنف

س إذا عز في الخطوب الفادي

فهي لولاك لم تكن منشأ النو

ر ومهد الحجى وكهف الرشاد

وهي لولاك لم تكن ذات مجد

ثابت الأس مستقر العماد

وهي لولاك لم تخلّد بذكر

في جميع العصور والآباد

وهي لولاك لم تكن منية الغر

ب حديثاً وكعبة القصاد

أيها النيل بلغ الغرب أنَّا

قد صحونا من الكرى والرقاد

ص: 54

وسعينا إلى النهوض لنُحْيي

لك عهد الأبوة الأمجاد

محمد فريد عين شوكة

الوداع الأخير

أغداً يا هاجري موعدنا؟

ردَّت الموعد أيامي عليك!

ها أنا الساعةَ في مُنعزلي

أُسلم الروحَ وأُزجيها إليكْ

كم تمنيتُ إذا أسلمتُها

لو أتَتْ خاتمتي بين يديكْ

يا ضنيناً باللقا. . . . حتى اللقا

ساعة الموت من الحرمان؟ ويْك!

أيها القاتل. . . . إني مشفق

لك (إن تلق الردى) من ملكيكْ!

بيَ أوجاع قد استعصت على

حكمة الآسِي. . وما استعصت عليكْ

في سرير الموت جسم دارس

ذو فؤاد ذائب من ناظريكْ

أيها القلب. . . . سألقَى خالقي

ما جوابي أن يسل عن قاتليك؟

لست بالخائف في أخراي من

لهبٍ ألفيْتُه برداً لديك

كنت في الدنيا مجوسياً صبَا

للهيبٍ موقد في وجنتيك

لكأني كنت مثلوجاً. . . . وكم

أدفأتني قبلةٌ من شفتيك!

يا شقيق الزهر والطير أما

سألت نفسك عني أخويك؟

أنا في روضك أرويه بما

فاض من دمعي مدى العمر عليك

في سرير الموت أغفَى شاعرٌ

عبقري. . . وحيهُ من مقلتيك

يا ضنيناً باللقا. . . حتى اللقا

ساعة الموت من الحرمان؟ وَيْك!

صالح جودت

ص: 55

‌في الأدب الشرقي

من أحدث الشعر التركي

قصيدة لمحمد عاكف بك

للدكتور عبد الوهاب عزام

كنت عزمت على أن أنتقل من الشعر التركي الحديث إلى موضوع آخر من الشعر الشرقي، ولكنني حينما عدت إلى حلوان في آخر الشهر الماضي وجدت الصديق الفاضل محمد عاكف بك قد فرغ من نظم قصيدة طويلة من روائع شعره يتجلى فيها بعض ما يحسه عظماء الشرق، من الآلام والأحزان في أيامنا الحاضرة، فاستحسنت أن اجعلها ختاماً للكلام عن الشعر التركي وكان من توفيق الله أن ظفرنا بمثل هذه الخاتمة.

الفنان

قصة، سمعتها منذ ثلاث سنين فلعل لها سامعاً واعياً.

. . . . فصَل القطار من بوستون بعد الزوال بخمس دقائق. وتفرق المودعون، وآوى إلى المقاصير المسافرون. فها أنا مستبدٌّ بهذه المقصورة الثمانية وقد أمكنت الراحة فما يمنعني أن استلقي فأريح فكري وجسدي. لتدر السماء والأفق والأرض وجداً فلست أبالي ما استقرت بي هذه الزاوية.

لله أي أشجار من الزمرد!. . وأي لجج من المروج!. . أزهور هذه أم قصور؟. . ما هذه القرى في حلل المدن وأبهتها؟. . ما أجمل الطريق وما أبهر مناظرها!. . . وما أكثر هذه المصانع!. . . .

أخذتني سنة فانمحت هذه الخاطرات كلها. وبينما أطفو وأرسب في آفاق النوم إذا أنا مشارك في مقصورتي: وإذا كوكب في ميعة الصبا قد طلع أمامي. كلما طمح البصر إليها أزاغه لألاؤها فخر ساجدا على قدميها. وإلى جانبها (ولا ريب انه حبيبها) رجل نجيب، محبب إلى الرائي، طويل القامة، رزين، مهيب، تشهد كل أسارير وجهه أنه فنان.

أشفقت أن أروع هذين القمريين، فعلقت أنفاسي ولبثت قابعا في زاويتي. ثم شرعت أرقبها إذ لم أر حاجة إلى هذا الإشفاق: أما الفتاة فكانت عيناها الذاهلتان مستغرقتين في حبيبها

ص: 56

حتى لتحسب أن لو انقضَّت أجرام السماء لم تفق ولم تشعر. وأما العاشق (وقد غشى الحزن أسارير جبهته الوقور) فقد غابت نظراته العميقة في اجواز الفضاء البعيدة. كيف يحسَّ ظلَّ وجودك وهو يرمي الغيوب بعينيه وبجانبه ليلاه، وأمامه صورة المستقبل الذي طمحت إليه عيناه؟ فانس نفسك ثم انظر ماذا تقول الفتاة:

أيها الأمير! أرأيت ثلاث القطع الأخيرة؟ إنها لساحرة جدّ ساحرة. ما أصاخ المسرح في حياته إلى مثل هذه البدائع، أرأيت شمس الصيف حين تطعن بأشعتها في السحب فتحرق السماوات نيران البروق الخاطفة؟ كذلك كانت أصابعك التي لم تضرب، بل أحرقت العود النائح تحت خطوات الضياء! لو علمت كيف أنَّت تلك الصدور التي كانت أمامك! ربّ! ماذا كانت هذه النوَّحات الداخنة لحناً بعد لحن كما تدمى وتحترق مئات من قلوب البلابل وأنت تصب شآبيب اللهب على الأوتار كلها جملة واحدة! إن هذا النفس المنبعث إلينا من قلب الصحراء المحترق (هذا الخطاب الذي يحشر الأجيال كأنه نفخة الصور هو أوّل ما سمعه غربنا المدنيِّ، علم الله لقد كنت، وصواعق المضراب تتساقط، أتمثل سراب الماضي، ماضي مصر والعراق، وإيران والحجاز، واليمن وغزنة وبخارى، والسند والهند) كنت أتمثل هذا السراب صاعداً من كل خربة دخاناً بعد دخان!

- ولكن كيف يحتمل عجزي هذه الكلمات؟ إني لأخجل أن أشكرك.

- ماذا تقول؟ إن للتواضع حداً فاعرف قدرك.

- أنا لا أعرف إلاّ قدري:

كلا كلا! حتَّام تخفي نبوغك؟ ألم تر إلى الذين استمعوا لعزفك اليوم؟ وهم شياطين الصناعة في هذا العصر بلا ريب ألم ترهم جميعاً قد أحنوا رءوسهم إكبارا وإعجابا. ولا سيما مشاركة غودسكي في عصفات التصفيق الثائرة بين الحين والحين، وتهنئته إياك وقوله:(أيها الأمير! لا أدري أين نظير هذا الاعجاز، ما أبهر عزفك! أني بك جد مفتون، وإنك اليوم فوق كل ثناء) إنها كلمات أخذت أنفاس الحاضرين.

- لأنه يحب الفقير.

- كلا. إن هذه الديار، ما لم تغير شعارها، لا تحب الفقير أبدا، وإنما تحب الدولار، ولست أعرف ديارك، ولعلها على غير هذا.

ص: 57

- إن يكن بيننا فرق فمقدار رأس فرس في حلبة الرهان.

- نحن إذن شركاء في الفاقة، وأنها لبليَّة.

- ولكن ما كان ينبغي أن يغض من قدر غودسكي، فإن كل قريب يعرف شرف نفسه؛ دع عبقريته التي سيطرت على كل بعيد. فان لم يكن في صدره قلب حساس فانشري على الخليقة كلها كفناً من المعدات.

- حسن! والآخرون؟ أهم كذلك أصدقاؤك؟

- لا!

- هل نسيت ما قالوا: (أيها الأمير! ما سمعنا قط فيولنسل كهذه، قد تسخّر العبقريات الكبيرة، هذه الآلة الثائرة المستعصية التي تزلزل العبقريات الصغيرة، ولكن المعجزة في عودك هذا. نعم إن فيولنسل عندنا آلة أبيَّة مرهفة ولكنها كملت على مر الزمان. وما هكذا عودك، انه آلة ساذجة تأبى كل كمال. إن هذه الأصوات الزاخرة كالشلال لا تفيض من مثل هذا الصدر. كنا نظن هذا فاذا بك قد أخرست الفضاء وظهر بين الحين والحين عودك اللانهائي. . .) أهذه مجاملة؟

- أليست مجاملة؟

- رحماك! أني لأخشى أن يكون تواضعك أشبه بالرياء! لقد آن أن نعترف بنبوغك.

- إن مقاربة الكمال بعيدة عن آمالي فدعي النبوغ الآن!

- ما هذه النغمة الباردة المعادة؟ وهذا القرار المكرر؟

- ذلك إن الفنان لا يعلو بذراعيه، ولا بد للنبوغ من جناح، ولا جناح لي.

- أأنت لا جناح لك! اجهر بصوتك فما فهمت! انك منذ قليل جاوزت شواهق الصناعة ثم حلقت حتى تخطيت حدود الإمكان، أنَّى اهتديت إلى هذه السبل المختلفة للإيغال في هذا الطيران؟ لا ريب انك لم تطوِّف في عالم اللانهاية راجلا. وأن لك في هاتين الآلتين الخافقتين في ذكراي جناحين آخرين. فليت شعري أفي العالم عبقرية كهذه تسمو بها أربعة أجنحة باحثاً خيالها في سماء الالهام؟ إن الدم الذي في عروقك لمن دم الأنبياء، وأن غلياناً في هذا الدم لجدير أن يبعث في الشرق أزكى حماس؛ إن وراءك جدوداً قد تصرف بالدهر سلطانهم، وأن أمامك ذكراً قد ضمن لك المستقبل منذ اليوم، فهل جاء أحد إلى هذه الديار

ص: 58

في هذه السعادة؟

- أهكذا السعادة؟ كلا! لا تخدعي نفسك بالسراب. أجل نشأت في طفولة سعيدة أتبجح في دار كأنها الفردوس. ولكن اكفهر الجو منذ تخطيت عتبة الدار؛ أحاط اللهيب والدخان بالشرق الممزق، وكيف ينهض من تلقفت داره النار فانقضت في التراب كل مفاخره حتى لم تبق خربة من هذا الماضي المجيد؟ وبينما تململ تحت هذه المصائب تقطعت الديار فذهبت واحدة بعد أخرى، فلما نظرت ورائي لم أر داراً ولا ديَّاراً: ذهبت بها جميعاً أيدي الأجانب! فلم يبق في هذه القبة إلا يأس أمة خاسرة!

- أليس هو اليأس الذي كان يئن به عودك؟

كلا! لو أنَّت الكائنات كلها بَلْهَ العود ما ترجم النواح عن ألم متقد في الجوانح. يقول شاعر الهند الفيلسوف محمد إقبال: (احترقت من نغماتي المضطربة قلوب الأصدقاء، وإنما يحترق قلبي من النغمة التي يعجز عنها الغناء.) وكذلك أنا. فما سمع بعد من لسان مضرابي صوت الألم الذي يدوي في قلبي الخرِب! ذلك سموم، فكيف تبين عنه بضع آهات؟ نعم لم تبن عنه فما كنتِ الآن عارفة أمري إذ تغنيت بأغاني سعادتي! فلا تغضبي إن عجبت لظنك بي. لا تغضبي واعلمي أني نِضْو مصائب، أجالد هذه الأحداث التي تسمى القضاء. وقد عيَّ رأسي وذراعي بالجلاد المحتدم ليل نهار، لا أزال أتحامل وانهض. ولكن الشباب قد انهدم! وا حسرتاه! على أي حين قد انهدم: حين يئست من الظفر ونأى عني أمل النجاة وذهب الهلاك بكل خطوة خطوتها إلى المستقبل. وإلا فأية بلية لم تنل مني؟ أصورة وطني الذي انقلب كثباناً من الرماد؟ أم تعاسة أمتي الهائمة بغير وطن؟ أم عشي اليتيم الذي عصفت به ريح الخريف؟ أم أسرتي المرزأة، التي ذرتها الرياح في الأرجاء؟ أم معابدي ومقابري التي طمسها البلى؟ أم حرم كعبتي الذي أقفر إقفار البيداء؟ أم ديني الذي دمى قلبه دهراً حتى وقع؟ أم نعيب البوم على هذه الخرائب خرائب الإحساس؟

وبعد فأية فاجعة لم أصل بنارها؟ لست اعلم ما طواه لي الغد فهو الآن سر محجب، ولكن إن تسأليني عن مصائب اليوم فأليك إجمالها:

ارتمت بي في اليم سفينة بالية. فاكبر ظني أن لن أعاود الحياة، وكنت أعزي نفسي حين أرى أساطين عشيرتي بجانبي تتقلب بنا الخطوب معاً. فثارت العاصفة ومزقت أضلاع

ص: 59

السفينة وتفرقت الأمواج بالألواح، فلتصارع القضاء هذه السفينة التي انقلبت خيالاً، بل لم يبق منها الخيال! لماذا أكافح أنا في هذا البحر؟ قد اعتصمت بلوحين تعسين، وما بقاؤهما في مصارعة جبال من الموج؟ والسماء تحجبها ظلمات من السحب متراكمة: ويجثم على الفضاء اشد الليالي حلكا وهولاً، فأكوام الظلام عن يميني وشمالي وأمامي وخلفي. لا أعرف المكان ولا الغاية ولا الجهة ولا الوجهة، أضطرب يائساً وأدور التمس الفروج فلا أظفر بها، فأراني مسكينا يدفع إلى القبر حياً! حينا تقذفني الأمواج الثائرة! وحينا تهبط بي هوة جهنمية يرعد بها الفضاء! وحينا تنشق السحب عن البرق الخاطف يمزق أحشاء الظلام، فاذا مرأى هائل لا يذر للحياة الرجاء! أقول مرة:(إن القضاء لا يصارع. فان لم يكن من الأجل بُد فما تمسكي بهذين اللوحين؟ حسبي جلاداً وكفاحاً!) وأقول أخرى: (كلا! لا أستسلم! لأصدم برأسي الصخرة ولا أصدم به الانتحار!) ثم أمضي طافياً راسباً.

- ألم أقل الآن أيها الأمير! أن الذي يتحكم في نفسك دم الأنبياء؟

أجل، أطفو وأرسب وأخالني لا أتقدم، بهذين اللوحين اللذين سميتهما جناحين! بهذين اللوحين وهما البقية من أنقاض شبابي المهدَّم إن تكن له بقية!

- أما كنا نريد أن نشهد الغروب منذ حين؟ واأسفاه قد ذهبت حتى حمرة الشفق! وجثم على الآفاق اليتيمة حزن المساء فانقلبت صدراً حزيناً. ألا تراها؟

- هذه (الآفاق اليتيمة) تمسح عليها الآن يد الشفق؛ فاذا انطفأ الشفق مسحت عليها أيدي النجوم. واما (الصدر الحزين) فان غده مشمس. ولكن آفاق ليلي ليس لها من هذه القبة ضوء ولا صدى، وانما حظها هذا الظلام الصامت، هذا الظلام السرمدي! كلما هبطت إلى ساحة قلبي أخذتني الرعدة والوجل: أرى في كل خطوة أثر غروب. نعم أثر غروب، ولكنه عميق كالعدم! فإنما موعد شموسي الغاربة يوم المحشر!

- ولكن ما هذا الحزن وما هذه الدمعة على وجهك؟ لا تختمي بتعذيب مسافرك أيتها الرفيقة الجميلة! يعلم الله لو أن قلباً قدَّ من صخر ما احتمل انهمار هذه الشآبيب الغائمة في عينيك! لا! لا! إنه ليحرقني أن تحسي آلامي. فدعيني أبكي وتنحي عني! قد قاسيت مصائب الدنيا جميعاً، ولكن دعيني أمضي دون أن أرى هذه الدموع!

ص: 60

‌العلوم

عيد الكهارب

للدكتور احمد زكي

امتلأت الطرقات وسدت المسالك بالمشاة والراكبين وتكدست العربات الخاصة والعامة من فوق الأرض وتحتها بحمولاتها الإنسانية وكلها وجهتها اوليمبيا، ذلك القصر الواسع في الحي الغربي من لندن حيث يقام كل عام مهرجان كبير، يعرض فيه كل جديد في عالم اللاسلك، وما انتصف النهار حتى أخذ البهو الكبير من القصر السقيف يضيق بمن فيه، وأخذت الخطوات تقصر قي سبيلها بين المعروضات حتى كادت تنعدم الحركة، ولما بلغ الداخلون خمسين ألفا صدر الأمر إلى الأبواب أن تمنع الدخول، وكان على الأبواب الألوف من الناس في صفوف كالجند منتظمة، كل ينتظر دوره واقفا، لا يزحم رجل امرأة ولا يافع شيخا، ونمت الصفوف ذيولا، وتفرعت الذيول وطال الانتظار، ونفد الصبر، وكان اليوم مشمسا حاراً، فأخذت تشيع في الجمهور الصامت بطبيعته أصوات القلق، وأخذ يتبدل النظام السائد بالهرج، وتبدل الهرج بزئاط صارخ واحتجاج منذر، دوت على أثره في داخل القصر الشاسع ثلاثمائة من نواعق اللاسلك ترجو ممن أتم طوافه بالمعروضات أن يغادر بسلام، وخرج من المعرض ممثلون وممثلات من المشهورين في عالم الراديو والمشهورات يعرضن على أرصفة الطريق من ألعابهن وأغانيهن ما يسلي الجمهور ويطيب خاطره، ولكن القدر كان قد غلى وأوشك أن يفور. وبدرت بوادر العنف. فلما تحطمت ألواح الزجاج من بعض المداخل تُلْفِن البوليس فجاء لساعته بركبه ورجله وملك ناصية الموقف في دقائق، واحتبس رجل واحد. وعُدَّ من بخارج البناء عدا تقريبيا فكانوا خمسا وعشرين ألفا.

دخلنا البناء حيث المعرض فوجدناه يتألف من الصالة الكبرى قد بعد طولها، وامتد عرضها، وسما ارتفاعها، وعلى أرضها موائد متطاولة عليها أجهزة اللاسلكي الكاملة قد صفت في خطوط متوازية تستطيل تارة وتستعرض أخرى، وبينها الناس يسيرون كالنمل في بطء وكثرة. وفي الوجه المقابل للداخل سلم عريض قد تغطى بالزائرين وهم في طريقهم إلى الدهاليز العليا، والشرفات الجانبية حيث اكثر المعروضات للقطع المفردة التي

ص: 61

تتألف منها الأجهزة الكاملة. وقد راعى المنسقون والعارضون جميعا في تفريق الأماكن وتخصيص المناضد، وكذلك في المعروضات وأنواعها وأحجامها وألوانها وزينتها، أن تتألف من الجميع وحدة كاملة جميلة تسترعي عين الزائر وهو لا يزال على الاعتاب، وكأنهم خشوا أن يكون جمال التنسيق ضعيفا فاترا فرسموا بأنابيب الكهرباء الحمراء في قبالة الداخل على الجدار العريض العالي الذي يهيمن على الدار رسما كبيرا عظيما رائعا يجمع إلى الجمال القوة والفتوَّة. وبلغ عدد العارضين نحوا من ثلاثمائة، وبلغت المبيعات نحوا من ثلاثة ملايين من الجنيهات ستجعل المصانع في شغل شاغل مدى أشهر الشتاء القادم.

وامتنع العارضون عن إدارة الأجهزة والتقاط أمواج الأثير خشية أن يتصدع الجمهور بمئات الأبواق فلم يكن لغير الفني في المعروض مأرب، إلا أن يستمتع ببريق الصمامات وجِدَّة المكثفات وسواد الحُوَيَّات ودقة النجارة في صناعة الأبواق والخزانات. أما الفني فلم يكن هناك حد لنهمه فقد امتاز هذا العام بتقدم في كل قطعة من مستقبلات الراديو أفسد على الكثيرين اغتباطهم بالأجهزة القديمة التي لديهم، وحركهم وسيحركهم لا شك، أما إلى استبدال قديم بجديد، وأما إلى الاقتصار على الترقيع لتنال أجهزتهم حظا من الجدة. ولكن في كثير من الأحوال يتناول التجديد أساس الجهاز من حيث النظام الذي بني عليه ونوع الأجزاء التي تستخدم فيه. ففي هذه الحالة قد يتكلف الترقيع أكثر من شراء الجديد. ولعل هذا هو السبب في أن كثيرا من مخازن لندن كانت تعرض قبيل ابتداء المعرض أجهزة كثيرة هي لا شك من الطرازات القديمة بأثمان بخسة بلغت النصف فما دونه. وهذه حال لا تسر مقتني الراديو. ومن المؤسف إنها ستتجدد كل عام ما فتئ العلماء يبحثون وما ظلت الشركات وهي عديدة وغنية تتنافس في تجويد المحصول. إلا أن صنفا من المستهلكين لا يفتأ يجد لذته في هذا التغيير والتبديل بحلول كل عام جديد. ذلك فريق الهواة الذين يركبون أجهزتهم بأنفسهم، ويفقهون كيف تعمل فهؤلاء يرحبون بكل جديد للمتعة التي يجدون في الحل والربط وفي ترقب التحسن الناشئ في استقبال للأثير أدق. والتقاط للكلام والنغم أصفى وأروق. ومن الغريب أن كثيرا من الهواة هَوَاهُم يقف عند هذا الحد. أو إن هو تعداه أصبح رغبة عادية لا يتحرق لها إرَم ولا يغلي معها دم. هواهم في الآلة المعدنية الزجاجية

ص: 62

الخشبية التي تلعب فيها أصابعهم وفي النتائج التي تأتي به من حيث الأداء. أما ما يحمله الأثير من جملة بديعة أو نغمة مشجية فله عندهم المحل الثاني. ولكم سر الزائر الغريب للمعرض أن يرى شبانا هواة لم يعدوا بعد العشرين ينسلون كالسحالي من خلال هذا الزحام يجمعون في أكياس من الورق بأيديهم نشرات العارضين وكتيباتهم وقد حوت كل طريف حادث.

وتتناول التحسينات المعروضة الاستقبال وحده، أي تحسين الآلة من حيث حسن أدائها، وحمايتها من البيئة التي تعمل فيها. مثال ذلك أن حسّ الآلة زاد، أي أنها تستطيع أن تلتقط أضعف الموجات في الأثير وان تكبرها دون أن تفقد منها شيئاً لا من النغم العالي ولا النغم الواطئ، أو دون أن يضعف هذا أو ذاك، فان قيمة ذلك كبيرة في إذاعة الموسيقى، ولو انه ليس له مثل هذا الخطر في إذاعة الكلام. كذلك زادت في الآلة القدرة على الاختيار، فكثيرا ما أراد الإنسان مناغمة محطة فهوّشت عليه محطة أخرى موجتها قريبة من تلك، فاصبح الآن يستطيع أن يحجب المحطة التي يريد حجبها. كذلك كان السامع يستمع إلى المحطة التي يشاء في اغتباط وهدوء فلا يلبث أن يرى الأصوات تضعف حتى تكاد تنعدم ثم تهجم على أذنه في قوة ثم تتقهقر فلا تترك في نفسه لذة من سماع، فاصبح بالآلات الجديدة في مأمن من هذا يستمتع لنغم ذي قوة مضطردة واحدة. كذلك كانت الآلات تتأثر بما في البيت أو الطريق من الكهرباء، كأن يكون بالمسكن مصعد أو بالشارع ترام، أما الآن فقد حاطوا الآلة (أو الأصوب بعض أجزاءها) بما يصد عنها كل هذا الأذى. حدثني صديق انه الآن لا يجد للمصعد هذا الأذى مع أن جهازه لا يفصله عنه غير سمك حائط. كذلك كنت تتطلب استماع محطة فتدير اللولب فيمر بك على محطات أخرى منها القريب القوي الذي يصرخ في البوق ذلك الصراخ المؤلم المعروف، أما الآن فتضبط الآلة كل هذا من نفسها. بل من الآلات ما لا تسمع له صوتاً وأنت تدور باللولب تطلب المحطة التي تريد. وانما ترى مصباحاً ينير ويظلم كلما مر بمحطة، فاذا أضاء عند موجة المحطة التي تريدها خفضتَ زرا فجاءك النغم والصوت على أشده، هذا إلى كثير من التغييرات التي لا يمكن ذكرها دون الدخول في معقدات الفن، ودون ذلك حوائل منها اللغة العربية، ولقد جازفت في هذا المقال فقلت (المكثف) و (الحَوِيَّة) و (المناغمة) و (المستقبِل) وفي نفسي شك كبير فيم يفقه

ص: 63

القارئ من ذلك.

أما من حيث أحجام الأجهزة وشكلها فلم تبق الشركات رغبة لراغب إلا قضتها، فالجهاز الكبير الذي يملأ الحائط كأنه قطعة من الأثاث موجود، والجهاز الصغير الذي تربطه إلى قائم عجلة الإدارة من سيارتك موجود، والجهاز الذي تستقي له من كهرباء المنزل موجود، والذي تستقي له من كهرباء البطاريات موجود، ومهما شئت من أشكال أو ألوان لخزانة الجهاز تتوافق مع شكل الحجرة التي تضعه فيها ولونها فموجود كذلك، ما وُجدت في كيسك الجنيهات. أما الذي خُيِّبت آمالنا فيه بحق فالأجهزة التي تنقل لك صور الرجل المذيع وهو يتكلم أو يمثل أو يغني فقد أقامت شركة ماركوني جهازا كبيرا من تلك الأجهزة عرفناه من بعيد لأنه كان حجر عثرة في سبيل سيل الزحام المتدفق لأنه كان ينجمد هناك. وصبرنا حتى بلغناه وإذا بوسطه لوحة سوداء طولها قدمان في مثلهما عرضا هي التي تركزت اليها الأنظار. أخذنا ننظر مع الناس فلم نر شيئا، وكنا على ساحل الصخرة الآدمية في قبالة اللوحة، وبعد لأي ضُغطنا من حيث لا ندري إلى مكان أحب واقرب، فعندئذ تبينا أشباح الممثلين وتتبعنا حركاتهم وهي متصلة حقا كاتصالها على شاشة السينما، إلا أننا خلناهم من ظلمة المنظر يلعبون في ليلة مقمرة قد حجب بدرها سحاب قاتم. على أنها بادرة حسنة وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

لندن في 30 أغسطس 1933

ص: 64

‌القصص

ابن فرعون يتعلم

للأديب حسين شوقي

كان الأمير الصغير (مري آمون) ولي عهد فرعون (ولم تكن سنه تربو على العاشرة) يتلقى دروسه الدينية في حجرته. . وكان معلمه الكاهن الكبير (حوتيب) يشرح له الأسرار السماوية العميقة في أوراق البردي المنثورة أمامه. . وكانت لحية الكاهن الطويلة تروح وتغدو في الفضاء كلما تكلم، كأنها الآلة الكهربائية التي تمسح زجاج السيارة أمام السائق في أيام المطر حتى لا يحجب عن نظره الطريق.

كان الكاهن يقص على الأمير كيف تكون العالم وكيف خلق الإله رع هذا الفضاء، ثم الأرض، ثم السماء، ثم النيل، ثم التربة الخصبة، ولكن مري آمون كان يستمع إلى معلمه في سآمة وضجر، ويود لو شارك الأطفال الذين شاهدهم من النافذة يمرحون في الحقول طلقاء سعداء في مرحهم ولهوهم، بينما هو يقضي العمر سجينا بين جدران أربعة! فاذا ذكر الكاهن جهنم وأخذ يصف الشياطين المكلفين فيها بعذاب من أذنب في الحياة الدنيا، أحس مري آمون برعدة تسري في جسمه الضئيل. . وكان الكاهن يرمقه بابتسامة صفراء كأنه مغتبط لخوف الأمير. . كم ود مري آمون في تلك اللحظة لو دق عنق معلمه!.

وفي أثناء ذلك، ازداد ضجيج الأطفال في الخارج، فنظر الأمير إليهم مرة أخرى من النافذة، فإذا بهم يطاردون جحشاً فر من صاحبه. . عندئذ استولت الحماسة على قلب الأمير، واشتدت به الرغبة في الانضمام إلى أولئك الصبيان، فصاح بمعلمه قائلا: سيدي أرجو منك أن تدعني أهب لمساعدة هؤلاء الأطفال في القبض على الجحش الهارب. . فكان جواب الكاهن أن غلق النافذة واستمر في القراءة كأن لم يقع شيء. .

تقلب الأمير المسكين في سريره تلك الليلة، ولم تذق عينه النوم لأنه كان جد غضبان. . ولو نظر مري آمون وجهه في المرآة في ذلك الحين لشاهد تلك الحمرة الجميلة التي علت خدوده ذات الصفرة الذهبية من جراء انفعاله!. . حقا! لقد مل الأمير الحياة، وسئم استبداد معلمه! صحيح أن بالقصر أطفالا كثيرين من أبناء الأشراف يستطيع الأمير مشاركتهم في ألعابهم، ولكن هؤلاء لا يعاملونه معاملة الند للند بل يهابونه ولا يخاطبونه إلا في كلفة

ص: 65

وحياء!.

رب كيف يتخلص الأمير من نير الكاهن حوتيب؟ انه طالما شكاه إلى فرعون والملكة في الأوقات القصيرة التي يسمح له فيها بمقابلتهما ولكن من غير جدوى. . فقد كانا يردانه دائما خائبا كأنه ارتكب جرما. . لم لا يرفع الأمر إلى الآلهة الفخام وهم من أقاربه كما يزعمون؟ ولكن هؤلاء هل يعينونه؟ انه يشك في ذلك، انظر إلى صورهم المخيفة!. ذاك (سوبك) اله الماء، له صورة التمساح الذي يخطف الأطفال على ضفاف النهر، وذلك (أنوبيس) في شكل الذئب وقد أكل في العام الماضي غزال الأمير المحبوب. . وتلك (هاتور) على هيئة بقرة، فهي لا شك بلهاء لا تستطيع نصرته. . إذن من يخف منهم لنجدته؟ ايزيس؟ أجل! هي الأم البرة. كم مرة سكب الأمير دموع الرحمة والحنان إزاء تمثالها وهي جالسة تضم إلى صدرها ولدها المحبوب هوروس! وفي تلك الليلة نفسها دعاها الأمير لنصرته فاستجيب دعاؤه! ربما تكون ايزيس بعيدة النظر في استجابتها دعاء الأمير؛ أليس مري آمون ولي عهد الملكة؟ لو آل إليه الملك بعد موت أبيه إذن سوف يتذكرها فيفضلها على سائر الآلهة ويبني لها شاهق القصور ويقيم لها أعظم التماثيل، ويغدق عليها الهدايا والقرابين. واليك كيف استجابت دعاء الأمير:

لاحظ الأمير أن من عادة الكاهن ملازمة حجرته في كل احتفال ديني يقام بالقصر، فكثيرا ما بحث عنه الأمير بنظره في مكان الاحتفال فلم يجده فيه، بينما يحضر هذه الاحتفالات الملك والملكة والكهنة الآخرون، وجميع رجال القصر. . فكان مري آمون يتعجب من أمر معلمه ولا يفهم سبب احتجاب الرجل وتخلفه عن حضور مثل هذه الاحتفالات العظيمة. . وفي يوم عيد دفع الأمير حب الاستطلاع إلى أن يختبئ في حجرة الكاهن حتى يدرك السر، ففعل ذلك قبل وصول الكاهن إلى حجرته بقليل، وما كاد حوتيب يدخل ويغلق خلفه الباب حتى ضغط على زر في الحائط فانفتح فيه ثقب دخله الكاهن على الفور. . وقد أراد الأمير أن يتبع حوتيب في الثقب ولكنه أحس الخوف يتملكه، فعاد مهرولا إلى حجرته الخاصة. . وفي المرة الثانية تغلبت الرغبة على الخوف فاستطاع الأمير اتباع الكاهن داخل الثقب فاذا به في دهليز مظلم انتهى منه إلى مكان ضيق يقع خلف الحائط المستند إليه تمثال آمون الكبير القائم في قاعة الاحتفالات، وإذا بالكاهن يقف خلف التمثال المذكور

ص: 66

ويتناول من الأرض بوقاً ثم يتكلم منه بصوت متغير مقلداً صوت التمثال، فيردد الألفاظ التي طالما سمعها الأمير في تلك الاحتفالات بنصها، وكان يظن هو وسائر الحاضرين بطبيعة الحال، إنها صادرة عن الإله. . حقاً! إن دهشة الأمير كانت عظيمة بمقدار خوفه، لذلك هرول مسرعا إلى الخارج. . ولكن قلبه كان يفيض سرورا لاكتشافه العظيم الذي سوف يشتريه منه الكاهن بثمن غال. . وفي اليوم التالي انتهز الأمير فرصة غياب الكاهن عن القصر فقصد حجرته، وهناك ضغط الزر ثم دخل في الثقب وعاد منه بالبوق. . بعد ذلك، عندما أزفت ساعة الدرس واقبل المعلم يتهادى في رزانته المعتادة، دنا الأمير منه قائلا:

سيدي أظن انك فقدت هذا البوق في الثقب! عندئذ أحمر وجه الكاهن حتى عاد (كالطماطم) ثم مد يده ليأخذ البوق صائحا في غضب: أعطني هذا البوق!

ولكن الأمير وضع يده خلف ظهره وقال في ابتسامة الظافر: سوف افعل يا سيدي إذا أذنت لي في اللعب حيث أشاء ومع من اختار من الرفاق. . فتردد الكاهن ملياً ثم قال في يأس، وهو يطأطيء رأسه: لك يا بني ما تريد!.

ص: 67

‌قصة مصرية

الطامع. . .

لقد واتاه الحظ، ومشى إليه السعد، وحفلت حيلته الجديدة بما تحفل به

حياة رجل عظيم!. لم يعد الشيخ (ياقوت) رجلاً عادياً في القرية، بل

أضحى رجلاً مرموقاً. فأنت ترى الجلوس في آخر الطريق ينهضون

على أقدامهم عندما يبدو في أوله في جبة من الجوخ. وقفطان من

السكروتة، وعمامة متقنة يبدو شاشها دائماً ناصعاً مزهراً. وبين أنامله

مسبحة من الكهرمان متألقة الحبات، وشفتاه لا تفتران عن تسبيح

الخلاق القدير فتنيران وجهاً جميلاً مشرباً بالحمرة.

وإن منظرته لتحفل بالأضياف في الشتاء وتذكو في موقدها جمرات الأثل ويشرق من سقفها على الجالسين نور جميل يرسله مصباح في (فانوس) من الزجاج الملون. وفيها يشيع صوته الحلو الحنون يردد آي القرآن أو فقرات الحديث، وأصوات الأضياف ترتفع بتلك الجملة الأبدية: صدق الله العظيم. . . صلى الله عليه وسلم!

فأذا ما حل الصيف أنتقل المجلس إلى (المصطبة) المستندة إلى واجهة الدار حيث يحلو السمر تحت ضوء القمر، وحيث جرت العادة أن تعقد حفلات الذكر والختان، وحيث كان أصحاب الربابة والمزمار. ومنشدو أبي زيد، والقصاصون يجلسون فيطربون حلقة المستمعين من شيب وشبان، وسيدات جالسات، خلف الأبواب ووراء النوافذ.

لم تكن للشيخ ياقوت هذه المكانة في أول الأمر. كان في المبدأ مأذوناً للقرية. فاذا ما كان يوم الجمعة واجتمع الناس في المسجد وعظهم بلسان فصيح وكلمات زاجرات، وأراهم الطريق إلى الجنة ورغبهم فيها، والطريق إلى النار وحذرهم منها. . . فإذا ما انتهت الصلاة تقدم إليه الجمع يستفتيه في أمور الدين والدنيا ويستلهمه النصح والإرشاد.

ولقد أهم الشيخ ياقوت ضيق رزقه وقلة ما تجديه عليه وظيفته فتفتق ذهنه عن فكرة صائبة. وسرعان ما ظهر في القرية دكان مزين الجدران ترتفع فوق بابه لوحة كتب عليها

ص: 68

(راجي عفو المنان، الشيخ ياقوت عثمان)!. .

ونفقت تجارته، واقبل الناس عليه. فهم يجدون عنده ما لا يجدون في حانوت القرية الآخر، وسرعان ما أخذ الناس يتحدثون عن جودة بضائعه وطرافتها. ويطرون ما عنده من تمباك ودخان. وسور مكتوبة، وأوراد، وتعاويذ تخاط في الاحجبة فتقي الناس شر العين وكيد الحسود!. . ولم ينس الشيخ أن يستحضر ألوانا مختلفة من المسهلات، والرشام فلم يعد يتكبد الممعود أو موجوع الرأس أو الأمعاء عناء الذهاب إلى المدينة لالتماس هذه الأشياء.

كان صاحب الحانوت الآخر مستبداً بأهل القرية لا يؤجل لهم ثمن ما يشترون على رداءة بضائعه وشحه، فلم يقو على منافسة الشيخ ياقوت فأدركه الإفلاس. والحق أن الشيخ كان دمث الأخلاق من أرباب السياسة والكياسة. وكان يسخو في البيع ويمهل في الدفع، وهو فضلا عن ذلك من حفظة القرآن فالشراء منه بركة، والتمسح به وهو من أصحاب المراكز فيه نفع لا مضرة. وهو يعطي المشتري المواظب من حين إلى حين شيئا من بخور السيدة الذي أحضره من القاهرة.

وعند الدكان مقعدان طويلان تجدهما أبدا مشغولين بالجلوس من المشترين الذين يرغبون البقاء لاستماع الشيخ وهو يقرأ الجريدة ويقص عليهم الأخبار وما يحدث في بلاد الكفار.

وقد كان اليهودي ينزل القرية بين الحين والحين يحمل بضائعه على كتفه ويصيح (شيت يا بنات. مناديل. روايح. حراير أمشاط. مرايات يا بنات. . .). لكن هذا الصوت قد اختفى ونفض اليهودي حذاءه من تراب القرية، فقد كرههم الشيخ ياقوت في معاملته، واستحضر لزوجته تلك البضائع. فكانت تبيعها في المنزل بالسعر المعتدل المقسط، وانتشر خبرها في القرية فأصابت من الرزق أكثر مما يصيب الشيخ من حانوته، واخذ الشيخ يكثر من تسبيح الله وترديد اسمه والثناء عليه، وابتدأت الحمرة تنتشر في وجهه. .

ومضى الحول فاذا به يخرج على الناس بمشروع جديد، فقد كبر عليه أن تظل القرية بلا كتاب، فشمر عن ساعد الجد، واشترى الخشب وكان في صباه نجارا فلم يلبث أن سواه مقاعد يجلس عليها صبية (الكتاب) الذي افتتحه.

وكان (الكتاب) بجوار الدكان في الطابق الأول من الدار فأخذ يوزع نشاطه بين العملين ويراوح بينهما في المجهود. وكانت بضائع الحانوت تنفق سريعا، فان أولاد النجوع

ص: 69

المجاورة صاروا يعودون في المساء بعد الدرس بما يحتاج إليهم ذويهم من بضائع الشيخ. فاذا ما كان الصباح وابتدأ الدرس وأخذت عصا الشيخ ترقص في يده ذهبوا إلى الدكان يحاولون الإكثار من ابتياع الحلوى وما اليها ابتغاء مرضاته حتى تقصر عنهم عصاه.

وأثمرت جهود الشيخ الجديدة فصارت القرية تفاخر بعدد من الصبية حفظوا القرآن. وذاعت شهرة الكتاب فوفد إليه أبناء الكفور القريبة يتتلمذون على الشيخ ومضت الأيام فاذا بكتاب الشيخ ياقوت من كتاتيب الإعانة التي تتقاضى تسعة جنيهات في السنة!. .

فتح الله عليه أبواب الرزق فصار يتاجر، ويغامر، ويكسب، ويستأجر الأرض ويزرعها. وجعل يتغنى صباح مساء (وأما بنعمة ربك فحدث) غير أن هماً دفينا كان يقلق الشيخ ويقض مضجعه، فقد مضت خمس سنوات وزوجه لم تعقب له ولدا غير (حسان). وهو رجل يطمع في كثرة النسل ويريد أن يرى أنجاله يرتعون في هذا الرزق الواسع والخير العميم.

أما أن يمني بقلة الذرية فقد كان شيئا ثقيلا على نفسه. كان الناس يتهامسون رثاء له وإشفاقا. والأعداء يشمتون ويودون لو يخطف الموت حسانا فلا يبقى للرجل من زينة الحياة غير المال، والمال بلا بنين كالشجر بلا ثمر.

كلما مر بالشيخ ياقوت هذا الخاطر ارتاع وابتأس. وماذا يدعو إلى الارتياع أكثر من شماتة الأعداء نار الحساد التي لا تجد لها وقودا غير كارثة تلم به وبلاء يقع فيه!. .

كان يفكر أن يتزوج بأخرى، لكنه كان رجلا شهما، تأبى رجولته أن يتزوج على أم حسان، فيؤلم نفسها، ويجزي إخلاصها وصبرها شر الجزاء. كان يحبها حبا خالصا، ويجد فيها الزوجة الصالحة المطواع، والمرأة الجميلة الصبوحة.

كانت أم السعد تشعر بهذا الخطر الذي يهددها وبأيدي السوء التي تدأب على إفساد حياتها الزوجية ووضع النار في بيت هنائها، فكانت تصبر على وشايات أم الشيخ وأخواته اللواتي امتلكتهن رغبة محرقة في أن يتزوج الشيخ من بنت العمدة، فقد وصل رجلهم إلى الدرجة التي تؤهله إلى نيل هذا الشرف. . .

كانت أم السعد تداريهن، وتصبر على ما يصيبها منهن طمعا في أن تظل وحدها حليلة زوجها. أما هن فقد غلون في اضطهادها والإساءة اليها بعد أن عرفن موطن الضعف فيها،

ص: 70

ووقفن على تلك الغيرة المستترة خلف قلبها. وأضحت لهن أمَة ضارعة ذليلة تفزع إذ يلوح لها شبح (الضرة) وتضع إصبعيها في أذنيها حين تسمع كلمة الطلاق، فقد كانت تعرف إنها سائرة إلى أحد الطريقين.

صارت تنذر النذور وتستصرخ الأولياء، وتهب إلى قبور الصالحين تستمد منها البركة. يأتي عليها الليل وينام القوم فتصعد إلى السطح وتكشف رأسها وتسخر كل قوى روحها في التوسل إلى الله أن يرزقها ولداً آخر. وقد تسترسل في بكائها وهي تتذكر آلام النهار والتعيير، والكيد، فلا تمسح دمعها حتى تظهر نجمة الصبح فتعود لتنام عند قدمي زوجها.

فإذا كان شهر رمضان صامته من غير سحور وبذلت الإحسان من غير حساب.

وبلغ حسان العاشرة من عمره والأم لم تظفر بالأمنية. . . ونفد صبر الزوج فخطب ابنة العمدة لنفسه.

وابتدأ البيت يمتلأ بالضوضاء ويستعد لاستقبال الأفراح والليالي الملاح. فكانت أم السعد تنسل إلى غرفتها كما ينسل إلى وكره حيوان مضطهد مجروح. . . كانت تعيش من فكرها في مأتم، وكلما اقترب يوم العرس انقطع بين يديها خيط من خيوط الهناء، حتى صارت تفتقد مسرات حياتها فلا تجد بين يديها إلا خرقة مهلهلة.

وماذا بقي لها بعد أن صارت المرأة المنبوذة؟! كيف تطيق أن ترى المرأة التي تتوج بدلها بعد أن كان التاج لها، تتخطر مزهوة مختالة يزري جمالها الفتي الجديد بجمالها الذي فقد الجدة والفتنة!. .

لقد شادت هي كل شيء وتعبت في كل شيء، فاذا بامرأة غريبة تتسلم البضاعة وتأمر وتنهي! ليتها لم تفعل شيئا. ليتها لم تدبر ولم تقتصد! كانت تشقى في حاضرها لتسعد بمستقبلها فاذا بالمستقبل يضيع وبالأمل يتحطم!. .

وحسان العزيز! إن أمره ليدمي فؤادها. لقد اشترى له أبوه أثوابا جديدة بمناسبة قدوم العروس، وأمرها أن تخيطها له! إن ثياب الحداد أولى به فقد دالت دولته. ولن يدلل فيما بعد! سيصبح ابن المرأة القديمة. . . . وسيتحول قلب أبيه عنه إلى أولئك الأطفال الصغار الذين طال إليهم اشتياقه. كيف تستطيع احتمال هذا؟ إنها لترسل بصرها في المستقبل فترى ابنة العمدة جالسة في رحبة الدار تخرج ثديها فخورة مباهية لترضع طفلها. كأنها تتعمد

ص: 71

إغاضتها والحط من شأنها! وستنكس هي بصرها خجلا وسيندي جبينها خزيا! إن ثديها العاطل المحروم ليحن للإرضاع! بل انه ليهتز شوقا إلى طفل. وهي تخرجه في وحدتها وتتأمله بحسرة حرّى وعين أسيفة. وتعصره لعله يبض له بقطرة تكون نذيرا بالحمل!. . فلا تظفر بغير الخيبة، ولا يلوح على وجهها غير ظل ابتسامة كسيرة مهزومة. . .

مضى شهر على الزواج الجديد. . . وكانت أم السعد قد سئلت أن تخلي غرفتها للعروس، ووعدها زوجها أن يرد الغرفة اليها بعد أيام، لكنه حنث في وعده، وتركها تقيم مع أوعية اللبن والجبن في هذه الغرفة القائمة فوق السطح. . . وهي الآن جالسة تخطط في التراب وتحدق فيما تخط بعين ذاهلة. وقد مسح الحزن عن وجهها ضياءه وإشراقه. ولم يبق من محياها الجميل غير معارف امرأة محطمة، ناقمة، متجددة السخط والغضب.

وكيف لا يتجدد سخطها وغضبها!. . ها هي ضوضاء الدار تصعد إلى أذنيها فتنبئها أن القوم لاهون بينا هي وحدها تتعذب. والدخان يرتفع من أسفل فيضايقها ويؤذي رئتيها ويحمل إلى خاطرها صورة (الوليمة)، ووجه زوجها وهو يضحك في وجه العروس ويداعبها.

وإذا هي تعض أناملها، حانت منها التفاته فرأت أثواب حسان البيضاء التي غسلتها في الصباح تخفق تحت أشعة الشمس، فقامت اليها متثاقلة وجمعتها. وأخذت تخيط ما بها من ثقوب وفتوق.

وظلت تنتظر عودته من الكتاب لكنه لم يعد. ثم عضها الجوع فقامت إلى الطعام لكنها لم تصب منه غير قليل ثم عافته.

وصعد اليها حسان وفي حجره ألوان من الحلوى، وحدثها انه تناول الطعام مع العروس. . . وثارت نفس الأم، فلطمته ودفعته بعيدا، فتبعثرت حلواه وطفق يبكي. لكن حنانها عاودها فذهبت اليه، ومسحت دمعه وأجلسته في حجرها، وسألته ان يسمعها ما حفظ في يومه. فأنشأ الصبي يرتل، وأسارير الأم تنبسط كأن شعاعا من العزاء يتسلل إلى قلبها، ويبدد شيئا من ظلمته الحالكة.

وأخذه النوم فألقى رأسه الصغير إلى كتفها، وغلبها الحنان فتناولت كفه وأدنتها من شفتيها. لكنها عافت اليد الصغيرة عندما رأت عليها لون (الحناء) الذي أباحت جدة الصبي لنفسها

ص: 72

أن تخضب به يدي حفيدها. فجفل صدرها بالغيظ، وملأ الحقد قلبها وملأ الدمع عينيها. . .

وتبكي الأم بحرقة. ويستيقظ الصبي مرتاعا، ويملأ الدمع عينيه البريئتين وهو يسأل أمه أن تكف، فتحاول لكن أساها يغلبها، فتعتذر إليه بأن هناك ناراً تسري في احشائها، وتعتلج في صدرها. وتحدثه وهي تحدق في وجهه بجزع وقد وقفت على شفتيها ابتسامة مشلولة: إنها لن تعيش طويلا. لأن تلك النار لم تبق شيئاً. .

من هذا اليوم سقطت أم حسان مريضة وتضافرت عليها أوجاع الجسد والروح. فأخذت تتقهقر من ميدان الحياة على عجل.

أما الشيخ ياقوت فيأبى أن يدعو الطبيب ويزعم انه خبير بدهاء النساء، ويتهم زوجته بأنها تتمارض، ويهددها بأن عصاه كفيلة بمداواة الغيرة التي تأكل قلبها، وينذرها بأنه لن يسمح لها أن تجعل بيته جحيما، وان كلمة (الطلاق) مختبئة خلف شفتيه يلفظها إن سولت لها نفسها الأمارة بالسوء إعادة هذه اللعبة المفضوحة للتنصل من الخدمة!. .

وتنسحق روح أم حسان تحت عبء هذه الكلمات كما تنسحق قطعة الفخار تحت ضربات المطرقة. وكأنها تؤثر ألا تضايق قرينها فتغادر الحياة بعد أيام قلائل!. .

كانت هناك نفس واحدة حزينة لفراقها هي نفس حسان، لكن حزنه إنجاب سريعاً كغمام الربيع. . .

لم يطل عهد حسان بالحلوى والتدليل، وتقدمت به الأيام فإذا به يلطم ويزجر! وتنكر له الجميع. وقوي إحساسه باليتم. واكتأبت روحه الظمأى للحنان فذبل كما يذبل لحظ النرجس من كثرة العطش. وفقد النصير. ولم يعد يملك إلا أن يطوف بمقبرة القرية يرمق منزل أمه فيها ويود لو تناديه اليها ليقيم معها.

أما الشيخ ياقوت فقد اطمأن إلى الثروة التي اجتمعت له فأغلق الدكان وأهمل الكتاب، وركن إلى حياة مترفة، لاهية، موزعة بين أحضان الزوجة ودوار العمدة. . .

ومضت الأعوام والزوجة لا تنجب ولداً ولا بنتاً، وثروة الشيخ تتبدد في الإنفاق على القابلات، والزلفى إلى أصحاب الكرامات. وكبر على ابنة العمدة أن تبقى عاقرا، وشعرت أن (أم السعد) وهي في القبر قد غلبتها وهي في الحياة. وخالت أن روح المرأة الشامتة تطوف بها، وتسخر منها!. .

ص: 73

وذهبت تنشد غاية تفني فيها غيظها فلم تجد أمامها غير حسان، فأنشأت تضطهده وتسخره، وتنكل به.

ويستنصر حسان الأب فيخذله أبوه، وينصر المرأة الجميلة، وتضيق الدنيا في عيني الفتى ويطلب النجاة لنفسه فيهجر القرية.

وتمضي الأعوام ولكن الابن المفقود لا يعود. . . وتستيقظ روح الشيخ ياقوت فلا يجد بين يديه أطفالا يمرحون ويصخبون، ويبلغ به الأسى فيوشك أن ينادي (حسانا) ليعينه على الحياة لكن الكلمة تختنق فوق شفتيه. . .

وضاعت الثروة كما ضاع الشباب وأضحى رجلا مقلا، فلم تعد هناك حلقات ذكر ولا حفلات سمر، وإنما كانت أجنحة الخيبة ترفرف صامتة حول البيت.

فقد الرجل مركزه، فلم يعد الوجه محمرا، ولا الشاش مزهرا، ولا الجبة زاهية. . . ولم يعد الناس يقفون عندما يبدو في أول الطريق، بل صاروا يغمغمون بما يشبه التهكم:(مسكين. سي الشيخ)!. .

وكان هذا ينال من نفس الشيخ، ويدمي فؤاده، فلا يكاد يقطع الطريق حتى يتهالك على عتبة الدار.

ويطول به الجلوس وهو يتذكر الماضي ويخطط في التراب ويرسل بصره نحو (مقبرة القرية). . .

يوسف جوهر

ص: 74

‌بلياس ومليزاند

للفيلسوف البلجيكي موريس ماترلنك

ترجمة الدكتور حسن صادق

مليزاند - إن شكلي بشع في هذا الموقف

بلياس - أوه مليزاند!. . . ما أجملك!. . . ما أروع منظرك في مكانك هذا!. . . أنحن. . . أنحن. . . دعيني أقترب منك أكثر من ذلك.

مليزاند - لا أستطيع أن اقترب منك اكثر مما فعلت. . . هذا آخر ما أستطيع من الانحناء.

بلياس - ليس في مقدوري أن أرفع نفسي إليك اكثر مما ترين. . . اعطني على الأقل يدك في هذا المساء. . . قبل ذهابي. . . إني راحل غداً. .

مليزاند - لا. لا. لا

بلياس - نعم. نعم. أني راحل غداً. . . اعطني يدك. . . يدك الصغيرة أضعها على شفتي

مليزاند - لا أجيب سؤالك إذا أصررت على الرحيل

بلياس - اعطني. . . أعطني. . .

مليزاند - أعدلت عن السفر؟

بلياس - سأنتظر. . . سأنتظر. . .

مليزاند - أرى وردة في جوف الظلام

بلياس - أين هي؟. . . أني لا أرى إلا أغصان شجرة الصفصاف التي تفوق في علوها البرج

بلياس - ليست بوردة. . . أني اذهب لأرى حقيقتها بعد هنيهة، ولكن اعطني يدك. . . يدك أولاً. . .

مليزاند - ها هي ذي. ألا تراها؟. . . لا أستطيع أن انحني اكثر من ذلك

بلياس - شفتاي تعجزان عن بلوغ يدك

مليزاند - لا أستطيع أن أنحني اكثر من ذلك. . . كدت اسقط. . . أوه! أوه! شعري، امتهدل على حائط البرج

(يسقط شعرها دفعة واحدة وهي منحنية ويقفز بلياس)

ص: 75

بلياس - أوه! ما هذا؟. . شعرك يسعى إلى كل شعرك يا مليزاند سقط من البرج!. . . أني اقبض عليه بيدي. . . وأطبق فمي. . . وألف به ذراعي وعنقي. . . لن افتح يدي الليلة. . .

مليزاند - خل سبيله. . . أطلق سراحه. . . كدت تسبب لي السقوط!

بلياس - كلا. كلا. لم أر قط شعرا مثل شعرك يا مليزاند انظري! انظري! انه يأتيني من عل ويغمرني إلى القلب. . . لقد بلغ ركبتي. . . انه رائع عذب. . . عذب كأنه هبط علي من السماء لم أعد أرى السماء خلاله. أترين لم يعد في مقدور يدي القبض عليه. . امتدت شعرات منه حتى بلغت أغصان الصفصاف. . . انه حي في يدي كالأطيار. . . انه يحبني. . . يحبني أحسن منك ألف مرة!

ص: 76

‌الكتب

عودة الروح

- 2 -

ما أظن إننا نغالي إذا اعتبرنا قصة (عودة الروح) للأستاذ توفيق الحكيم مؤلف (أهل الكهف) القصة المصرية الأولى في أدبنا المصري الصميم، بل هي في الحقيقة لا نعددها ولا نجد مفرا من الاعتراف بها، فعودة الروح مصرية بأبطالها، بموضوعها، بما فيها من عادات وطباع وخلق مصرية صميمة، بذلك الطابع المصري الصميم الذي يطالعك في كل صفحة منها بل في كل سطر وكل كلمة تضمنتها. وانك لتحس إذ تقرأ هذه القصة وتمضي في القراءة وتمضي فيها انك تعيش في جو تألفه، وبين قوم سرعان ما تشعر بالرابطة القوية التي تربطك بهم، رابطة المصرية المتينة التي تحجبهم إليك وتجعلك تحسهم أحياء يتحدثون ويتحركون، لا أبطال قصة من صنع الخيال من ورائهم المؤلف يفتعل لهم المواقف، ويفتعل لهم الحديث والحركة، وانك لتهم أحيانا أن تشترك معهم في الحوار وتشاطرهم حياتهم ودنياهم الزاخرة بشتى الانفعالات المليئة بألوان من الشقاء واليأس حينا، والسعادة والأمل حينا آخر.

وهذه المصرية الصحيحة، وهذه الحياة القوية الفياضة، هما سمة هذه القصة وطابعها البارز، وهما قد جعلاها في الطليعة بين كل ما كتب من القصص المصري منذ عرف أدبنا القصة إلى اليوم.

يروعك من هذه القصة لأول وهلة دقة تصوير شخصياتها على اختلاف كبير بينهم في النشأة والعلم والاستعداد الشخصي، وانك لواجد في كل منهم شخصية تخالف الأخرى وتفترق عنها في الكثير والقليل، تجمعهم أحيانا وحدة الحادثة، ولكن ما أشد تباينهم تجاهها في الشعور والحس والإدراك الصحيح، وما أشد هذا التباين في الاندماج في الحياة والانفعال بمختلف ما تأتي به من خير أو شر، من رجاء أو خيبة، وتكاد تحس فيهم جميعا طيبة القلب، وسذاجة الفطرة، والتبسط في الحياة، وتقبل ما تأتي به صروفها من ألم أو أمل، في رضى واستسلام، أو في غضب هو بالرضى أشبه، ولكن كل وحده وكل له بعد ذلك خلقه البارز وطبعه المغاير وشخصيته الفذة التي تترسمها ولا تكاد تخفي على ناظريك

ص: 77

طوال القصة في معالمها الكبرى واسطرها الواضحة، بل في تفاصيلها الدقيقة وما بين هذه الأسطر، وما بين تضاعيف القصة من حوادث وصروف.

كلهم يحب وكلهم يعمر بالأمل قلبه حتى (زنوبة) هذه العانس التي فاتها سن الزواج فما تجد حيلة إلا الاستعانة بالسحر والسحرة في خفاء وحذر، خشية أن يعلم أهلها عليها أمراً لا يناسب الوقار والاحتشام، وما يجب أن تتصف به من الرزانة والأدب، كلهم يحب حتى (مبروك) الخادم أو من هو كالخادم، وما أشبهه بزنوبة في بساطة العقل أو قل في تفاهته، وانه ليسرع في شراء (نظارة) لتتم له الصورة التي تخيلتها له الفتاة التي أحبها الجميع، وساهم هو في حبها ولو بقسط ضئيل. وهذا (محسن) بطلنا الأول، الطالب في مستهل دراسته الثانوية، الناشئ في مستهل شبابه، وفي أول خطى العمر الغض، ما أجدره بالحب وأخلق بقلبه الفتي أن يفتح مصراعيه لأول طارق وأن يصيبه السهم الأول فيدميه ويجرحه جرح الأبد. ذلك هو الجرح الأول الذي لا يفتأ على الأيام يؤلم ويدمي. (محسن) يحب ولكن على استحياء وخجل. وفي صمت وكتمان. فاذا لمح بادرة أمل راح والدنيا لا تتسع لنشوته. وإذا داخله اليأس أفعم نفسه وروحه وضاقت الدنيا في عينيه، لا يعرف مداخل الرجل إلى قلب المرأة، ولا يدري كيف يغزو الغزاة هذا الحصن ويحسنون الطرق على أبوابه حتى تتفتح لهم عن جنات ورياض من الأمل الباسم والسعادة الشاملة، وما أروع هذا الاستسلام يطغى على قلبه، وهذا الألم يحز في قرارة نفسه، وتجده في ضريح السيدة يمسك بقضبان الضريح النحاسية ولا تنفرج شفتاه إلا عن هذه الصرخة المكتومة والضراعة اليائسة وملؤها الرجاء والإيمان المطلق (يا سيدة زينب!) ثم يطفر الدمع من عينه ويبكي ما شاء الله له أن يبكي، وما شاء له الحب اليائس والنفس الحزينة، والأمل المقطوع. وما ادري كيف كان يمكن أن يشعرك المؤلف بكل ما يختلج في صدر محسن من ألم محض وأسى قتال بأكثر من أن ينطقه بهذا ولا شيء غيره. فنتضمن الجملة القصيرة أو هذه المفاجأة الرائعة إذا أردت، كل ما تسعه المخيلة القوية الوثابة من اليأس والرجاء، والأمل والفشل، ثم الإيمان الذي يعمر القلب ويتغلغل إلى أعمق نواحيه وأغواره.

ولو شئت أن اضرب لك الأمثال على قوة تصوير المؤلف لمواقف أبطال قصته، وعلى دقته في الصور التي يعرضها عليك لشتى ضروب انفعالات النفس الإنسانية، وعلى

ص: 78

مهارته الحاذقة في استخلاص الصميم الرائع من حقائق الحياة الخالدة، وتعمقه في تحليل كل ذلك تحليلا صادقاً كل الصدق، دقيقاً بارعاً إلى ابعد حدود الدقة والبراعة، لو شئت أن اضرب لك مثلا على هذا لما تخيرت إلا هذا الموقف. وانك إذ تسمع (محسن) يقول هاتين الكلمتين في ذلك الوقت، تبرز أمام عينيك فجأة صورة ذلك المنكوب الحزين، ذلك اليائس كل اليأس، المكروب كل الكرب، ذلك الذي تألبت عليه النوب واصطلحت عليه الأرزاء، فيرفع رأسه في هدوء وتلمح على وجهه ما يروعك من آيات القنوط وتحس ما يجيش به صدره من الانفعالات ومختلف عوامل النفس الثائرة كأنها الأتون يصهر الحديد أو البركان يقذف بالحمم، ثم لا تسمع منه إلا كلمة (يا رب. . .) وعليها مسحة الإيمان الذي لا حد له ولا وصف يوصف به، وانك لمأخوذ بسحر هذه الكلمة، مأخوذ بروعتها في بساطتها وقصرها، وكأنها تعويذة فيها من الروعة والجلال ما يأخذ على الفكر مسالك الفكر، ولو استمعت إلى شكوى الناس طرا من عهد آدم إلى اليوم لما كان لذلك في نفسك بعض هذا التأثير أو بعض هذا السحر المبين.

وتلك ناحية من نواحي هذا الكاتب القدير توفيق الحكيم لا تخطئها في (عودة الروح).

وأحب لك أن تقرأ الفصل الثالث عشر من القصة عند وداع محسن لسنية فهو من أحسن فصول القصة، وهذا الموقف بين الاثنين من أروع المواقف واصدقها وأدقها0 تصويراً، على أني لا أحب أن تفهم أني أفضل مشهدا في القصة على مشهد ولا فصلا فيها على فصل، فهي كلها قوية رائعة، وفيها كلها تلمس قوة الحبكة ودقة التصوير ومهارة الكاتب وخياله الخصب المؤاتي، وذلك التلوين العجيب لشخصيات أفراد القصة في مواقفهم العديدة المتباينة، ودونك الفصل الرابع والثلاثين عندما يتجه نظر سنية لقهوة الحاج شحاتة وتتأمل طويلا في مصطفى وما يختلج في قلبها من الانفعالات المختلفة المتضاربة، فليس أبلغ من قوة التحليل في هذا الفصل لقلب العذراء الخلي عندما يداخله الحب وينفعل بالجو الذي يحيطه في أول خطاه في هذه التجربة القاسية، فهو راض حينا، ساخط حينا آخر تتجاذبه عوامل الأمل واليأس، وتلمح كل هذا في الحركة المضطربة، وفي المفاجأة التي لا تترجم عنها الألفاظ، ولكن دقات القلب ونظرات العين ووجوم الوجه، وآية هذا الفصل أسطره الأخيرة التي تقدم لك لوحة من الفن بارعة كل البراعة صادقة كل الصدق، دقيقة أبلغ

ص: 79

الدقة.

وبرغمي أن أترك حديث هذه الناحية من القصة لأتحدث إليك عن ناحية أخرى لا تقل عنها بروزا وقوة: وفيها الفكرة الكبرى التي أرادها المؤلف من كتابة قصته وعناها بتسمية القصة (عودة الروح) ودعك من ناحية تمجيده الفلاح، أو بمعنى آخر للمصري الصميم، وإنها لصفحة ناصعة خالدة من صفحات هذه القصة وانك لتحس في تضاعيفها حرارة المصري الصميم يمجد مصر وطنه ويمجد المصري ابن وطنه، ودعك من تلك الصور الصادقة واللوحات الفنية الرائعة عن الريف وأهل الريف وعن حياتهم وعاداتهم والاتحاد القوي المتين بين أفرادهم، وروح الجماعة التي تبرز في شخصياتهم واضحة منيرة، دعك من هذا ودونك فاسمع ما يقوله أوربي عن مصر وعن شعبها في الفصل الخامس والعشرين واقرأ هذه الفقرات وارجع إلى الفصل المشار إليه إذا أردت أن تقرأها كاملة.

(إن هذا الشعب الذي نحسبه جاهلا ليعلم أشياء كثيرة، ولكنه يعلمها بقلبه لا بعقله. . . . جيء بفلاح من هؤلاء واخرج قلبه تجد فيه رواسب عشرة آلاف سنة من تجاريب ومعرفة رسب بعضها فوق بعض وهو لا يدري. . . .)

(قوة أوربا الوحيدة هي في العقل تلك الآلة المحدودة التي يجب أن نملأها نحن بإرادتنا، أما قوة مصر ففي القلب الذي لا قاع له)

(إن هذا الشعب المصري الحالي ما زال محتفظا بتلك الروح. . . روح المعبد. . . إن القوة كامنة في هذا الشعب ولا ينقصه إلا شيء واحد. . . المعبود. . . نعم ينقصه ذلك الرجل منه، الذي تتمثل فيه كل عواطفه وأمانيه ويكون له رمز الغاية. . . . عند ذاك لا تعجب لهذا الشعب المتماسك المتجانس المستعذب والمستعد للتضحية إذا أتى بمعجزة أخرى غير الأهرام)

فاذا انتقلنا إلى الفصل الثالث والأربعين قرأنا (في شهر مارس. . مبدأ الربيع. . فصل الخلق والبحث والحياة. . اخضرت الأشجار بورق جديد وحبلت وحملت أغصانها الأثمار. .

(كذلك مصر أيضاً. . حبلت، وحملت في بطنها مولوداً هائلاً. وها هي مصر التي نامت قرونا تنهض على أقدامها في يوم واحد. لأنها كانت تنتظر ابنها المعبود ورمز آلامها

ص: 80

وآمالها المدفونة يبعث من جديد. . وبعث هذا المعبود من صلب الفلاح)

وتبرز أمامك فجأة صورة رائعة لثورة مارس سنة 1919، وامض في القراءة.

(ما غابت شمس ذلك النهار حتى أمست مصر كتلة من نار. وإذا أربعة عشر مليونا من الأنفس لا تفكر إلا في شيء واحد. الرجل الذي يعبر عن إحساسها. . والذي نهض يطالب بحقها في الحرية والحياة، قد أخذ وسجن ونفي في جزيرة وسط البحار)

وتبرز أمامك صورة رائعة للمولود الهائل. . . للمعبود رمز الآلام والآمال. . للمعبود الذي بعث من صلب الفلاح. . لسعد

(كذلك اوزوريس الذي نزل يصلح أرض مصر ويعطيها الحياة والنور أخذ وسجن في صندوق ونفي مقطعا إربا في أعماق البحار. . .)

هذه مصر، وهذه ثورتها أو معجزتها الثانية بعد الأهرام، وهذا سعد رمز العبود والقدس، بعض ما يبرزه لك توفيق الحكيم إبرازا قويا واضحا فتكاد يستخفك مجد تليد وتاريخ مجيد فتصيح وتهتف بحياة مصر، الوطن العزيز المفدى، وتكاد من فرط ما يشملك من الفخار والعزة أن تدمي هذه الصفحات المقدسة تقبيلا وإجلالا، وهاك فاسمع ما يقول المؤلف عن لسان ذلك الأوربي، وأن أربعة عشر مليونا ليرددون هذه الجملة وأنها لتصبح وتمسي نشيدهم المختار ومثلهم الأعلى.

(بلد أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى. . . أو معجزات!! بلد يزعمون أنها ميتة منذ قرون، ولا يرون قلبها العظيم بارزا نحو السماء من بين رمال الجيزة! لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش الأبد. . . . .)

أجل. . . لقد عاشت مصر الأبد، وتخطت القرون والعالم يظنها هامدة ميتة، والنار كامنة تحت الرماد، وما هي إلا نفخة أو شبهها حتى ظهرت النار متأججة، تصهر الحديد وتكوي الجباه، وحتى قام ذلك الفلاح المستكين وأعلن غضبته للعالم أجمع والتفت العالم وأنصتت الدنيا.

وهذا ابن لمصر بار، هذا مصري صميم، هذا توفيق الحكيم جاء فسجل مجد تلك الثورة وأشاد بذكرها.

وبعد، فلنذكر للمؤلف الفاضل هذا الجهد البارز، وهذا العمل الخالد ولنعترف مخلصين بما

ص: 81

بذل وما أوتي من مقدرة فائقة واستعداد هو مبعث التقدير والإجلال.

محمد علي حماد

ص: 82