المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 207 - بتاريخ: 21 - 06 - 1937 - مجلة الرسالة - جـ ٢٠٧

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 207

- بتاريخ: 21 - 06 - 1937

ص: -1

‌الأدب وتحصيله

على ذكر مقال (أدب السندوتش)

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

نعي صديق الأستاذ الزيات - صاحب الرسالة - على أدباء هذا الجيل الجديد، جهلهم بلغتهم وتقصيرهم في تحصيل آدابها، وقال:(أن الواقع الأليم أن الذين درسوا لغتهم وفقهوها من الأدباء النابهين نفر قليل. فإذا استثنيت هؤلاء الستة أو السبعة وهم من الكهول الراحلين، وجدت طبقة الأدباء كطبقة الصناع والزراع والتجار يأخذون الأمور بالتقليد والمحاكاة، لا بالدرس والمعاناة) وقال أيضاً: (ولا تجد في تاريخ العربية قبل هذا العصر، ولا في تاريخ اللغات في جميع العصور، من يحسب نفسه أديباً في لغة وهو لا يعرف منها إلا ما يعرف العامي الألَفُّ).

وهذا صحيح. واحسبني من الستة أو السبعة الذين أشار إليهم الأستاذ؛ وإني لمن الكهول فقد جاوزت الأربعين وقاربت الخمسين، ولكني إن شاء الله من الباقين لا من الراحلين، فأني أحس من العزم والقوة والنشاط ما لو فرق بعضه على الأدباء النابتين أو الناجمين في زماننا هذا، لكفاهم وزيادة. ولست أكتب لأقول هذا، وإنما أريد أن أرسم للقراء صورة لأيام التحصيل الأولى. وأقول (الأولى) لأنا ما زلنا دائبين على التحصيل لا نعرف له نهاية إلا نهاية الحياة نفسها.

عرفنا القراءة والاطلاع ونحن تلاميذ في المدارس الثانوية؛ وأدع غيري وأتحدث عن نفسي فأقول إن مواردي كانت محدودة جداً؛ وكان حسبي أن أؤدي نفقات التعليم. وكنت أحمد الله إذا وجدت بعد ذلك قرشاً في اليوم. وكان من زملائي في مرحلة التعليم الثانوي الأستاذ حسن فهمي رفعت بك - وكيل الداخلية الآن - ولا أعرف كيف كان حاله، ولكني أعرف أنه كان يعيرني ما يشتري من الكتب بعد أن يفرغ منها؛ وقلما كان يسترد ما يقرضني من كتبه. وكان فريق منا يعني بأن يحضر دروس الأمام الشيخ محمد عبدة، والشيخ سيد المرصفي، وانتقلنا إلى التعليم العالي، وكتب الله لي - على خلاف ما كنت أريد - أن أدخل مدرسة المعلمين العليا، فكان مرشدي فيها وأستاذي، زميلي وصديقي الأستاذ عبد الرحمن شكري، فقد كان شاعراً ناضجا ذا مذهب في الأدب يدعو أليه؛ وكنت

ص: 1

أنا مبتدئا، فصرفني عن البهاء زهير وابن الفارض وابن نباتة ومن إلى هؤلاء، ووجهني إلى الأدب الجاهلي والأموي والعباسي، ودلني على ما ينبغي أن أقرأ من الأدب الغربي. وكانوا ينقدوننا في هذه المدرسة بضعة جنيهات في الشهر: ثلاثة في السنة الأولى، وأربعة في الثانية والثالثة، فكنت أقسم هذه الجنيهات قسمة عادلة، فأدفع للبيت نصفها وأستأثر بالنصف، وأذهب إلى مكتبة فأنتقي منها (مؤونة الشهر). وكنت أعود إلى البيت بهذا الحمل فتسألني أمي، (أنفقت فلوسك كلها! وتظل طول الشهر تقول لي: هاتي!. هاتي!. أي تدبير هذا؟)

فأقول: (يا أمي. . لك مئونتك من السمن والعسل والأرز والبصل والفلفل والثوم، ولي مئونتي من المتنبي والشريف الرضي والأغاني وهازليت وتاكري وديكنز وماكولي؛ ولا غنى بك عن سمنك وبصلك، ولا بي عن هؤلاء؟)

فتبتسم وتقول: (طيب. .) وتدعو لي بالتوفيق

وكنت أشتري ديوان الشعر ورقا، أعني بغير غلاف أو تجليد، ليتسنى لي حين أخرج من البيت أن أحمل معي ملزمة أو ملزمتين، أقرأ فيهما وأنا جالس في مقهى، أو إذ أتمشى على شاطئ النيل. وكان حديثنا إذ نجتمع في الأدب والكتب؛ وكانت رسائلنا التي نتبادلها في الصيف حين نفترق لا تدور إلا على ما نقرأ؛ وكان أحدنا يلقى صاحبه في الطريق اتفاقاً فيقول له:(لقد عثرت على كتاب نفيس بغلاف فتعال نقرأه) لا يدعوه إلى طعام، أو شراب، أو سينما، أو لهو، بل إلى قراءة كتاب. وكان كل من يقع على كتاب قيم يخف به إلى صاحبه فينبئه به ويخلصه له ويحضه على اقتنائه. وكان أساتذتنا في مدرسة المعلمين يحثوننا على التحصيل وييسرون لنا أسبابه، ما وسعهم ذلك، فلما تركنا المدرسة وفرغنا من الطلب (الرسمي) كنا قد عرفنا أمهات الكتب في الأدبين العربي والإنجليزي، وغيرهما أيضاً من الآداب، ودرسنا أكثر شعراء العرب والغرب، وكان لكل منا مكتبته الخاصة المتخيرة

وتزوجت. وفى صباح ليلة الجلوة، دخلت مكتبتي ورددت الباب. وأدرت عيني في رفوف المكتب، فراقني منها ديوان (شيللي) فتناولته وانحططت على كرسي وشرعت أقرأ، ونسيت الزوجة التي ما مضى عليها في بيتي إلا سواد ليلة واحدة؛ وكانوا يبحثون عني في

ص: 2

حيث يظنون أن يجدوني - في الحمام، وفي غرفة الاستقبال، وفي (المنظرة) - حتى تحت السرير بحثوا، ولم يخطر لهم قط أني في المكتبة، لأني (عريس) جديد لا يعقل في رأيهم أن يهجر عروسه هذا الهجر القبيح الفاضح! وكانت أمي في (الكرار) أو المخزن تعد مالا أدري لهذا الصباح السعيد، فأنبئوها أني اختفيت كأنما انشقت الأرض فابتلعتني، وأنهم بحثوا ونقبوا في كل مكان فلم يعثروا لي على أثر، فما العمل؟

فضحكت أمي وقالت: (ليس في كل مكان. . . أذهبوا إلى المكتبة فأنه لا شك فيها).

فقالت حماتي وضربت صدرها بكفها: (في المكتبة؟ يا نهار أسود! وهل هذا وقت كتب وكلام فارغ؟).

فقالت أمي بجزع: (أسمعي. . . كل ساعة من ساعات الليل والنهار وقت كتب. . . أفهمي هذا وأريحي نفسك، فأن كل محاولة لصرفه عن الكتب، عبث).

فقالت حماتي: (لو كنت أعرف هذا. . . مسكينة يا بنتي. . . وقعت وكان ما كان).

فقالت أمي: (هل تكون مسكينة إذا وطدت نفسها على هذه المعرفة؟ ويحسن أن تكبحي لسانك، وأن تدعي الأمر لبنتك فانه من شأنها).

فلم تكبح لسانها بل قالت: (لو كانت ضرة. . . لكان أهون!).

فقالت أمي: إنك حمقاء. . . وليس في الأمر ما يحوج إلى هذا الهراء. . . أذهبي إليه وناديه. . .).

فارتدت إليّ، وفتحت الباب علي، وكنت ذاهلا؛ فلما شعرت بالباب يفتح أزعجني ذلك، فأشرت إلى الداخل أن يرجع من غير أن أنظر إليه؛ وكنت مقطباً، وكان لساني يخرج أصواتاً كهذه:(شش! شش!).

فخرجت المسكينة وأغلقت الباب، وذهبت تقول لأمي والدموع تنحدر من عينيها إني طردتها وصحت بها:(هشش!) كما يصاح بالدجاج؟

وقد عرفت هذا كله فيما بعد، فطردتها، لأن خفت أن تخرب لي البيت؛ ثم إني تزوجت بنتها، ولم أتزوجها هي، فما مقامها عندي ولها بيت طويل عريض وزوج كريم؟ وكان رأي بنتها فيها مثل رأيي، فلم يسؤها مني ما فعلت. وأراحنا الله من دوشتها، ولكن زوجتي كانت تقول إلى آخر أيام حياتها رحمها الله:(ليس لي ضرة سوى هذه الكتب) - كانت تقول لها

ص: 3

مازحة، فقد راضت نفسها على احتمال هذا الجنون مني، واستطاعت أن تدرك أنه ليس لها ولا لسواها حيلة، وأن في الوسع صرفي عن أي شيء إلا الكتب والدرس.

ويا ما أذكى المرأة!! تكون لها حاجة تريد مني قضاءها، وتخشى رفضي وعنادي، فتكتمها ولا تكاشفني بها، وتنتظر حتى تراني غارقاً في كتاب، وذاهلا به عن الدنيا، وآية الذهول أن تدخل مرات فلا أشعر بها، فتقبل علي وتلاطفني وهي عارفة بما سيكون مني، فأعبس، كما كانت تتوقع، فتقول (كلمة واحدة. . . لن أعطلك. . .).

فأقول متململاً متأففاً: (لا حول ولا قوة إلا بالله! قوليها يا ستي ولا تعطليني) فتطيل عامدة لتضجرني: (كلمة واحدة بس. . . لماذا تغضب هكذا؟. . . ألا يتسع صدرك لكلمة ليس إلا؟)

فأكاد أجن وأقول: (يا ستي قوليها، وأريحيني!)

فتقول: (المسألة الفلانية. . .)

وأنهض، وأمضي بها إلى الباب وأنا أقول: اصنعي ما تشائين. كل ما بدا لك اصنعيه، ولكن لا تعطليني. . . أنا محتاج لعقلي كله الآن. . . ألا تفهمين؟ هذه نسخة مخطوطة، منسوخة. . . من ديوان أبن الرومي. . . نسخها حمار كلها غلط وتحريف وتصحيف،. . . ليس فيها بيت واحد له معنى. . . فكيف يمكن أن أصلح غلطة واحدة إذا كنت تطيرين لي عقلي بالفساتين والخياطة والركامة. . .؟؟. . .)

فتبتسم، فقد بلغت سؤلها، وتعدني أن تحرس هذا الباب فلا تترك أحداً يدخل منه أو يقربه.

ومن العناء الذي تكلفته أني اشتريت الأغاني الذي طبعه (الساسي) - اشتريته ورقاً على عادتي، فكنت أراجع الأبيات التي ترد فيه، في دواوين الشعراء أو كتب الأدب الأخرى، فأصلحها أو أتمم القصيدة - أنسخ ذلك في ورقة وألصقها في الكتاب، وكلما فرغت من جزء جلدته، وقد أصبح ضعف ما كان؛ وهذا هو الكتاب الوحيد الذي بعته بأضعاف ثمنه، فقد اشتريته بمائة قرش وخمسة قروش، فلما بعت مكتبتي في سنة 1917 أو 1918 - لا أذكر - ابتاعه مني وراق بخمسين وسبعمائة قرش، وقد ندمت على بيعه، فما أستطيع أن أصنع الآن ما صنعته قديماً، ولكن العناء الذي تكبدته نفعني، فقد أحوجني إلى مراجعات لا آخر لها، وأطلعني على ما كنت خليقاً أن أخطئه فيفوتني العلم به

ص: 4

وأنا مع ذلك أقل الثلاثة - العقاد وشكري - اطلاعاً وصبراً على التحصيل. وأدع للقارئ أن بتصور مبلغ شرههما العقلي؛ ولا خوف من المبالغة هنا، فإن كل ظني دون الحقيقة التي أعرفها عنهما. وأنا أجتر كالخروف، ولكنهما يقضمان قضم الأسود، ويهضمان كالنعامة، فليتني مثلهما!

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 5

‌كثرة البطولة أو ندرتها؟

للأستاذ عباس محمود العقاد

لخص العالم الفاضل الأستاذ أحمد أمين ما بيننا من خلاف على مسألة النبوغ والبطولة في ختام مقاله فقال:

(عصرنا الحاضر طابعه طابع المألوف والمعتاد لا طابع النابغة والبطل، وإن كان مألوفنا ومعتادنا أرقى من نابغة القرون الماضية وبطل القرون الماضية

(أن كان هذا - يا أخي - هو الذي أردتُ فأظن أنه لا يرد علي بمزايا العصر الحاضر، وعلم العصر الحاضر، وفن العصر الحاضر. وإذا كان النبوغ في السبق وكانت المقارنة بين عصرين بقياس مسافتي البعد، فأرجو أن نكون على وفاق فيما ذكرتَ وذكرتُ)

وموضع الوفاق بين ما قال الأستاذ وما قلت أننا لا ينبغي أن نقيس علم السابقين إلى علم المحدثين، فليست المقارنة بين مقدار ما نعلم ومقدار ما يعلمون، وإنما المقارنة بين الملكات في الزمن الماضي، والملكات في الزمن الحاضر، وهذا ما نختلف عليه؛ إذ لا موجب عندي لأن تكون ملكات النابغين في عصرنا أقل مما كانت في عصر الأقدمين

إن النبوغ صفة في أصحابها وليست صفة في غيرهم، فإذا تعلم غير النابغين أو لم يتعلموا فصفة النبوغ باقية في أصحابها سواء ظهروا بين المتعلمين أو ظهروا بين الجهلاء. وكل ما هنالك من فرق أن النابغة الذي يظهر بين المتعلمين أنبغ من زميله الذي يظهر بين الجهلاء، وتلك شهادة للنابغين في العصر الحديث تضاف إلى ميزان الحسنات والمرجحات

ومسافة البعد بين النابغ القديم ومعاصريه، هي مسافة البعد بين نابغينا وأبناء عصرنا إذا نحن تجاوزنا مسألة التعليم ووفرة المتعلمين، لأن النبوغ ملكة مطبوعة، والمسافة بين المطبوعين وغير المطبوعين اليوم هي هي المسافة بين الفريقين قبل مائة عام أو ألف عام. فليس فضل إديسون في زماننا أنه يعرف في علم الضوء وعلم الصوت ما ليس يعرفه أبناء عصره، ولكنما فضله أنه نابغ وهم غير نابغين، فأفاد بالعلم اليسير ما لم يفده الآخرون بالعلم الغزير، وظلت المسافة بينهم وبينه في النبوغ كالمسافة بين أرخميد ومن عاصروه من غير النابغين، وإن أختلف العصران في شيوع العلم وكثرة المتعلمين

يقول الأستاذ الفاضل: (مقياس النابغة في نظري أن يفوق أهل زمانه ويسبقهم في فنه أو

ص: 6

علمه أو أدبه حتى لا يدركوه إلا بعد أزمان، وعلى مقدار هذا السبق يكون النبوغ. فسيبويه نابغة في النحو، لأنه رأى من قواعده ما عجز أهل زمانه عن النظر إليه).

وأنا أقول كما يقول الأستاذ: إن النابغة يفوق أهل زمانه في معرض من معارض العلوم والفنون، ولكني لا أقول إن عصرنا لم ينجب أمثال سيبويه، بل أقول إن سيبويه لو عاش في عصرنا لما فاق نوابغه الأحياء. وإن نوابغنا الأحياء لو عاشوا في عصره لما قصروا عن شأوه، لأن الملكات التي تعرف وحدة الأسماء والأفعال بين لغات أوربا ولغات آسيا لا تقل عن الملكات التي تعرف الوحدة أو الاختلاف بين قبيلة وقبيلة من أبناء البادية، لا لأن الأمر يرجع إلى كثرة المتعلمين عندنا وقلة المتعلمين قبل نيف وعشرة قرون.

وعندي أن المعاصرين ينظرون إلى نوابغهم وأبطالهم كما كان الأقدمين ينظرون إلى النوابغ والأبطال في عصورهم إلا من كان منهم موسوماً بسمة الدين أو محوطاً بهالة الإيمان.

فالأستاذ يقول أن نابليون ظهر (فاستعبد الناس وأجرى الدماء أنهاراً وقلب الممالك رأساً على عقب ودوخ الدنيا فكان نابغة حقاً في ناحية. وبيننا الآن في عصرنا من هم أعلم منه بفنون الحرب ومن هم أقوى منه إرادة وأبعد نظراً، ولكن من الصعب أن نسميهم نوابغ، لأن الناس ليسوا مغفلين كما كانوا أيام نابليون. ولأنه وحده هو القاهر المريد ومن حوله كانوا المنفذين المأمورين، فظهر ولم يظهروا، ونبغ ولم ينبغ بجانبه إلا قليل).

فليت الأمر كما يبشرنا الأستاذ من هذه الناحية: إنما الواقع أن أحداً من أبناء القرن الثاني عشر لم يناد بأن الإمبراطور معصوم كما ينادي الفاشيون من أبناء القرن العشرين بعصمة (ألد وتشي) وطاعته بغير تفكير ولا امتعاض.

والواقع أن نابليون لم يجسر يوماً على صنيع كالذي صنعه (الفوهرر) قبل ثلاث سنوات من (تطهير) البلاد بلا محاكمة ولا سؤال.

وقد كان (لفين) ينحي على القديسين، ولا يعترف للعظماء بأثر في توجيه التاريخ إلى الأثر الذي يعترف به الشيوعيون، فلما مات أقاموا له ضريحاً لم يحلم به كاهن ولا راهب في عهد القياصرة أو عهد الكنائس والقديسين.

وإننا لنسمع كل يوم عن الألوف التي تندفع حول نوابغ الصور المتحركة للظفر بتوقيع

ص: 7

بطاقة أو صورة شمسية، كما نسمع بالألوف التي تتدفع من أجل هذا حول أبطال الألعاب الرياضية وأبطال السياحة والطيران وأشباههم من أصحاب الشهرة في كل ميدان يتصل بالجماهير. أما العلماء والأدباء فمن نبغ منهم وأشتهر فليس نصيبه من الإعجاب والجزاء بأقل من نصيب أمثاله قبل أجيال وأحقاب، ومن لم ينبغ ولم يشتهر فله قرناء يماثلونه بؤساً وغبناً وشظفاً في أقرب العصور وأبعد العصور.

لا، بل نحن لا نستثني أصحاب المكانة الدينية على إطلاق الاستثناء، فما يربحه الدعاة باسم الدين اليوم لا يقل عما كانوا يربحونه في الأيام الخالية؛ والثقة بأغاخان اليوم وهو يعيش في أوربا عيشة المترفين والمتطلقين لا تقل عن الثقة بإمام زاهد عاكف على العبادة كان يعيش في صومعته قبل عصر الكشف والاختراع.

ولم ننفرد نحن بإكبار البعيد في الزمان أو المكان وترجيحه على أنداده وقرنائه الذين نراهم رأى العين ونعرفهم بالمصاحبة واللقاء، فقديماً كانوا يقولون إن زامر الحي لا يحظى بإطراب، وقديماً كان الجاحظ يكتب الرسائل وينحلها الكتاب الأسبقين ليحظى بالإصغاء والتقريظ.

وأحسب أن إيثار الماضي على هذا النمط له علة شائعة بل علل شائعات لا تنحصر في وقت ولا يخلو منها قبيل.

فالماضي يشبه المثل الأعلى لأنه غائب عن الأنظار كالمثل الأعلى في هالاته وخيالاته، أما الحاضر فهو كالواقع المحسوس الذي نحب أبداً أن نتجاوزه ونطمح إلى ما وراءه.

ولقد كان المشركون ينكرون النبي عليه السلام ولا ينكرون منه إلا أنه (يأكل الطعام ويمشى في الأسواق). ترى هل كان الأنبياء فيما مضى لا يأكلون طعاماً ولا يمشون في سوق؟ كلا بل كانوا يأكلون ويمشون، ولكنهم بعدوا واحتجبوا فخيل إلى غير معاصريهم أنهم مختلفون.

ومن العلل التي تجنح ببعضهم إلى تهيب (السلف الصالح) أننا ننظر إليهم كما ننظر إلى الآباء والأجداد، كأنهم كبار ونحن صغار، لأنهم ولدوا قبلنا بمائة عام أو مئات من الأعوام، وينسى المتهيبون أن السابقين كانوا أطفالا في سن الطفولة وأننا سنصبح شيوخا مع السنين أو نربى في الشيخوخة على أولئك الآباء والأجداد

ص: 8

ومن تلك العلل ما أومأنا إليه في مقالنا الأول عن سهو الذين يقارنون بين الماضي والحاضر فيجعلونها كفتين تتساويان في نطاق الزمان والمكان، مع أن الحاضر زمن واحد والماضي حاضر قد تتكرر عشرات ومئات

وعندنا نحن الوارثين للثقافة العربية سببان آخران لا يلحظان بهذه القوة في جميع الشعوب: أحدهما أن العربي يعتز بالأنساب وينوط الفخر كله بماضيه، لأنه سلالة من القبائل التي تغلب فيها العصبية وترسخ فيها الأصول.

والثاني أن الماضي أقرب إلى منشأ الدين، فيخيل إلينا أن الأقدم فالأقدم هو الأصلح فالأصلح والأعلم فالأعلم، وإن لم تدلنا الدلائل على اطراد هذا القياس

تلك الأسباب كلها خليقة أن تضعف احتراسنا كلما عمدنا إلى الموازنة بين حاضر وغائب وقريب وبعيد. فهي صنجة تؤخذ من كفة الأقدمين وتضاف إلى كفة المحدثين في ميزان الأنصاف. ومما لاشك فيه أن ملكات النبوغ لا تقل في عصرنا بل هي أحجى أن تزيد وتنشط، بل هي قد زادت ونشطت فعلا باتساع مجال السعي والمنافسة والتفكير والاستنباط؛ ومما لا شك فيه أن الأقدمين لم ينظروا إلى معاصريهم إلا كما ننظر نحن إلى معاصرينا، وأنهم لم يشعروا قط بتلك المهابة التي نضفيها عليهم الآن ولا بذلك الترجيح الذي نمحضهم إياه. أما أنهم كانوا يرون نوابغهم وأبطالهم كما نراهم الآن فذلك ما نخالف فيه الأستاذ لأنه خلاف المعهود والمروي والمسطور. وهبهم أكبروا معاصريهم لأنهم قلائل، وأصغرنا معاصرينا لأنهم كثيرون لا نادرون كما يقول الأستاذ الفاضل، فإنما يكون ذلك كالذهب الذي يكثر تداوله فيرخص سعره وهو ذهب لا شك فيه. وإنما يكون النبوغ نبوغاً ولا يكون شيئاً آخر مهما يكن حظ الناس من التعليم، لأنه ملكة في الطباع لا يختلف كنهها وإن اختلفت أنظار الناس إليها، ولا تزال الإنسانية بحاجة إلى الكثير منهم والقليل

وخلاصة القول إننا نستطيع أن نقول مع الأستاذ الكبير إن النبوغ في عصرنا كثرة لا ندرة، ولا نستطيع أن نقول معه أن المسافة بين النابغ وسواد الناس تقترب في العصر الحديث، لأن ازدياد التعليم يزيد نصيب المتعلم من المعرفة ولا يخوله فطرة أخرى ولا ملكة مطبوعة كتلك التي يخلق بها النابغون الممتازون

عباس محمود العقاد

ص: 9

‌العلم والوطنية

إلى الأستاذ توفيق الحكيم

من الأستاذ أبي خلدون ساطع الحصري

مدير دار الآثار ببغداد

قرأت الكلمة الرشيقة التي دبجتها يراعتكم الفنانة، في صدد الرد على استفتاء الرابطة العربية حول مسألة (العلم للعلم أم العلم للوطنية؟)

قرأتها بإمعان واهتمام، وأعجبت بالأخيلة والتشبيهات التي تحلت بها؛ غير أنني لم أقتنع بصحة الأفكار والآراء التي تضمنتها

لقد قلتم بصيغة التأكيد الحاسم: (العلم والوطنية لا يمكن أن يتفقا. . .)

إذن فأنتم تعتقدون أن العلم والوطنية مختلفان؛ وزيادة على ذلك تقولون بأن اختلافهما هذا سيستمر إلى الأبد، ولن يزول في يوم من الأيام. . .

على أني أعترف أيها الأستاذ بأنني من الذين يدينون بدين العلم والوطنية في وقت واحد، ومن الذين يقولون على الدوام بوجوب (نشر الروح العلمي) من جهة، و (تقوية الشعور الوطني) من جهة أخرى

أفلا تعذرونني إذن إذا ما اعتبرت نظريتكم هذه من الخطورة بمكان، فأخذت على عاتقي مناقشتكم فيها مناقشة شاملة لإظهار الحقيقة التي اعتقدها؟

تقولون، أيها الأستاذ، بأن (العلم والوطنية لا يمكن أن يتفقا) وتحاولون أن تبرهنوا على هذه الدعوة بثلاث قضايا:

(إن الوطنية هي الأنانية في المجموع)

(والأنانية عمياء)

(والعلم هو البصر - المنزه - بحقيقة الأشياء. . .)

إنني لا أود أن ابدأ المناقشة بالبحث عن مبلغ صحة هذا القضايا؛ بل أود أن أسلم بها مؤقتاً، لأرى هل تكفي للدلالة على صحة رأيكم في هذا الصدد. . .

تقولون: (إن الوطنية هي الأنانية في المجموع) فهل تستطيعون أن تقولوا - في الوقت

ص: 11

نفسه - بأن العلم ينكر الأنانية على الإطلاق، ولا يعترف بأثرها في حياة الحيوان والإنسان؟

تقولون: (إن الأنانية عمياء) فهل تستطيعون أن تقولوا - في الوقت نفسه - إن العلم يخالف كل ما هو أعمى؟ أفتنكرون أن القوى الطبيعية أيضاً عمياء؟

تقولون: (إن العلم هو البصر المنزه بحقيقة الأشياء) فهل تستطيعون أن تأتوا ببرهان يدل على أن الوطنية (خارجة عن حقائق الأشياء)؟. . .

كلا. . إن الوطنية قوة اجتماعية فعالة، ليس إلى إنكارها من سبيل. . . آثارها تظهر دائماً، من خلال الوقائع التاريخية والحادثات الاجتماعية، بكل وضوح وجلاء فهي تدخل لذلك في نطاق (حقائق الأشياء). كما تدخل فيه سائر القوى والمؤثرات الطبيعية، كالوراثة والمناعة والمغناطيسية والجاذبية. . .

فإذا أردنا أن نجعل الوطنية موضوع بحث علمي، يجب أن ندرسها كما ندرس الحادثات والقوى الطبيعية بوجه عام، والحادثات والقوى الاجتماعية بوجه خاص. . .

ولا جدال في أن العلم يدرس الكون وحادثات الكون (بحياد تام). يدرس خواص الأشياء، ويتتبع سير الحادثات ويتحرى أسبابها، ويستقصي قوانينها؛ وقد يتنبأ في بعض الأحوال بمستقبلها أيضاً، استناداً إلى القوانين التي اكتشفها والعوامل التي أظهرها. . . إنه يفعل كل ذلك، دون أن يقدم على استحسان أو استهجان الحقائق الثابتة بوجه من الوجوه، دون أن يتأثر بموافقة أو مخالفة تلك الحقائق لمصالحنا المادية أو لنزعاتنا الفكرية بصورة من الصور. لأن مهمة العلم تنحصر في معرفة حقائق الأشياء واكتشاف قوانين الحادثات، ولا يتعدى ذلك إلى تحبيذ أو تقبيح تلك الحقائق أو استحسان أو استهجان تلك القوانين. . .

لنا أن نتخيل كوناً غير هذا الكون، ولنا أن نتصور (مجتمعاً غير هذا المجتمع)، ولنا ألا نكتفي بالتخيل والتصور بهذه الصورة، بل نوصل الأمر إلى درجة التمني، فنتمنى أن يتحول الكون إلى الحالة التي تخيلناها، وأن يتطور المجتمع إلى الهيأة التي تصورناها. . ولنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك أيضاً:

لنا أن نعتبر ما تخيلناه وتصورناه في هذا الباب مثلاً أعلى نسعى إلى تحقيقه بنشاط وحماس، وهدفاً أسمى نتجه نحوه بقوة واندفاع. . . لنا أن نفعل كل ذلك، على أن نعلم في

ص: 12

الوقت نفسه، بأن تفكيرنا وعملنا في هذا السبيل يكون من قبيل الشعر أو الفلسفة أو السياسة. . . فلا يدخل في نطاق (البحث العلمي) بوجه من الوجوه. .

لكم، أيها الأستاذ، أن تتمنوا زوال الأنانية من الأمم؛ ولكم أن تصبوا إلى رؤية مجتمع تتغلب فيه مصلحة الدول على مصلحة الدولة الواحدة، ولكم إذا شئتم أن تقوموا بدعاية ترمي إلى تضحية مصلحة الدولة الواحدة إلى مصلحة سائر الدول. . . فأني لا أناقشكم في كل ذلك في هذا المقام؛ غير أنني أقول بأنه لا يحق لكم بوجه من الوجوه أن تعزوا تمنياتكم ونزعاتكم هذه إلى (العلم) فتقولوا (العلم لا يتفق مع الوطنية)

فأن العلم لا يختلف الآن إلا مع ما يخالف الواقع. . وأننا مهما تعمقنا في تحليل طبيعة العلم من جهة وطبيعة الوطنية من جهة أخرى لا نجد بينهما ما يستوجب الاختلاف بوجه من الوجوه.

بعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة من المناقشة أرى أن نترك هذه (الأحكام الآنية) جانباً، لنستقرئ الوقائع التاريخية فننظر فيما إذا كان العلم والوطنية قد اتفقا أم اختلفا فعلاً في مختلف الأجيال. . .

إنني أستطيع أن أذكر وقائع تاريخية كثيرة تشهد على (اتفاق العلم مع الوطنية) و (خدمة العلم للوطنية) بصورة فعلية، لعل اقدم هذه الوقائع يعود إلى عهد (أرخميديس) الشهير، ويتعلق بقصة مقاومته للرومان، فأن هذا العالم الكبير الذي يعتبر من آباء علم الميكانيك، والذي يتردد أسمه حتى على ألسنة طلاب المدارس الابتدائية في دروس الطبيعة والأشياء، هذا العالم الكبير لعب (بعلمه) دوراً هاماً في تاريخ وطنه سيراقسة، فعندما حاصرها الرومان، وضع كل ما عنده من علم وقوة وتفكير واختراع إلى خدمة وطنه، فأستعمل المنجنيقات والمرايا المحرقة لتخريب أسطول المحاصرين، فمكن المدينة منَ الدفاع عن نفسها دفاع الأبطال، إذن، فالعلم والوطنية اتفقا في نفسية أرخميديس في أمر الدفاع عن الوطن المحصور، ولم يختلفا بوجه من الوجوه.

أن الثورة الفرنسية أيضاً تعطي لنا مثالاً بارزاً (لتعاون العلم والوطنية): عندما تألبت الدول الأوربية على فرنسا بقصد خنق الثورة في مهدها، جابهت الدولة المذكورة مشكلة كبرى، كادت تقضي عليها لولا مساعدة العلم والعلماء لها، فأن الحصار الذي أحاط فرنسا بالنار

ص: 13

والحديد من كل الجهات، حرم رجال الثورة إمكان استيراد المواد الأصلية الضرورية لصنع الصابون والبارود والمدافع والأسلحة، عندئذ فكرت لجنة الدفاع الشعبي في الاستفادة من علماء الكيمياء، فاستنهضت هممهم لتخليص الوطن من هذه المحنة. ومن هؤلاء العلماء (برتوله) و (فوركروا) وجهوا أبحاثهم العلمية وجهودهم الفكرية، نحو أيجاد الطرق التي تساعد على إحضار المواد المذكورة بصورة صناعية من المواد الموجودة داخل البلاد، فنجحوا في مسعاهم هذا وخدموا وطنهم بذلك أجل الخدمات.

وأما بعد ذلك فنستطيع أن نقول: إن (خدمات العلم للوطنية) أصبحت من الأمور الاعتيادية التي يصعب إحصاؤها فأن صحائف تاريخ العلوم من جهة وتاريخ الدول من جهة أخرى مملوءة بأمثلة دالة على ذلك، ولاسيما ما حدث منها خلال الحرب العالمية.

وربما تقولون أيها الأستاذ، (إن هذه كلها من الأمور التطبيقية) وستكررون في هذا المقام رأيكم في (العلم وتطبيق العلم) لأنكم قلتم في كلمتكم (فالعلماء الحقيقيون لا يطبقون العلم، إنما يعيشون حياتهم للمعرفة المجردة لا يبتغون من ورائها غير مجرد الدنو منها، تلك لذتهم الكبرى، أما رجال الأعمال الذين يأتون بعد ذلك لاستغلال نتائج هذا العلم فليسوا من العلماء وإن درسوا العلم دراسة عميقة)

فاسمحوا لي أن أقول: إن الطبيعة بعيدة عن مثل هذه التقسيمات القطبية في أمر (العلوم وتطبيقاتها) فأن استغلال نتائج العلوم - بعد اكتشافها - لا يكون دائماً من عمل رجال آخرين غير العلماء المكتشفين، بل كثيراً ما نشاهد في تاريخ العلوم أن العالم الباحث، بعد أن يتوصل إلى معرفة الحقائق واكتشاف القوانين ينتقل بنفسه إلى التفكير في النتائج المأمولة والفوائد المتوقعة منها، ويبحث عن تطبيقاتها فهل يحق لنا - في هذه الحالة - أن نخرجه من عداد (العلماء بحجة أنه لم يكتف باكتشاف الحقيقة، بل تعدى ذلك إلى التفكير في الاستفادة منها؟ فهل يحق لنا مثلا ألا نعتبر أرخميديس من (العلماء الحقيقيين) بالرغم من نظرياته واكتشافاته العلمية الكثيرة - لمجرد إقدامه على تطبيق بعض القوانين التي اكتشفها؟ وهل يحق لنا أن نخرج (برتوله) من عداد العلماء - بالرغم من نظرياته وقوانينه المشهورة - لمجرد عدم اكتفائه باكتشاف تلك القوانين - وإقدامه على توجيه بعض أبحاثه العلمية إلى الاتجاه الذي تتطلبه منه خدمة الوطن؟.

ص: 14

كلا. . . إن مبدأ (العلم للعلم) يتطلب البحث عن الحقائق لنفسها ولو لم ينتظر فائدة من وراء معرفتها، غير أنه لا يتطلب الامتناع عن الاستفادة منها.

إن هذا المبدأ يتطلب الاعتراف بالحقائق الثابتة، مهما كانت نتائجها؛ غير أنه لا يتطلب الامتناع عن توجيه الأبحاث العلمية نحو الحقائق التي ينتظر الحصول على فائدة وطنية من وراء معرفتها.

هذا وإتماماً لاستقراء الوقائع التاريخية، يجب عليّ أن أشير إلى بعض الحوادث التي تدل على حدوث شيء من المخالفة والمشادة بين رجال العلم ورجال الوطنية في بعض الأحوال: إن تاريخ الثورة الفرنسية يعطينا مثالاً بارزاً لذلك: فأن رجال الثورة أعدموا (لافوازييه) الذي يعتبر مؤسس علم الكيمياء الحديث، و (بايلي) الذي أشتهر بأبحاث فلكية هامة؛ وسجنوا (كوندورسه) الذي كان من كبار المفكرين، فاضطروه إلى الانتحار تخلصاً من المقصلة والعذاب. . .

كما أن الانقلاب الألماني الأخير أعطانا مثالاً جديداً لذلك: فأن الحكومة الوطنية، طردت من البلاد عدداً غير قليل من العلماء، وعلى رأسهم (إينشتاين) الشهير. . .

غير أنه يجب علينا أن نلاحظ أن هذه الوقائع لا تدل على خصام بين العلم والوطنية، من حيث الأساس. لأن العلم قلما يتفرغ إلى الأبحاث العلمية تفرغاً مطلقاً، فأنه لا يتجرد عادة عن الحياة الشخصية، بل كثيراً ما يقوم ببعض الأعمال السياسية أيضاً، كما أن تفكيراته لا تكون علمية في كل الموضوعات، إذ أنه قد يفكر كما يفكر سائر الناس في المسائل التي تخرج عن نطاق اختصاصه، ولا سيما في الأمور التي تدخل ساحة الدعايات الحزبية والأعمال السياسية. فإذا ما تحدث مخالفة بينه وبين رجال السياسة الوطنية، يكون قد حدث ذلك بالرغم من علمه لا بسبب علمه.

فأن (لافوازييه) مثلاً كان من النبلاء الذين يحملون لقب (المركيز) كما أنه كان من (الملتزمين) الذين كانوا يشتغلون بجباية الضرائب من الناس. فإذا ما اتهمه رجال الثورة الفرنسية - بحق أو بغير حق - بالخيانة للوطن، وحاكموه فاعدموه، إنما كان ذلك من جراء صفاته وأعماله هذه، لا من جراء أبحاثه وآرائه العلمية.

وكذلك الأمر في (إينشتاين): فأن أبحاثه العلمية ونظرياته الفلسفية لم تجرده عن النزعات

ص: 15

الطائفية ولم تبعده عن الأعمال السياسية. فإذا وجد رجال الحكومة الوطنية الألمانية - بحق أو بغير حق - في سلوكه وسلوك طائفته ما يضر بسلامة الوطن، كان ذلك من جراء أعماله وأعمال طائفته السياسية، لا من جراء أبحاثه وآرائه العلمية.

وربما كان من المفيد أن نذكر رأي بعض العلماء لإِيضاح هذا البحث أكثر مما تقدم. وربما كان رأي (باستور) الشهير من أبلغ الشهادات في هذا الباب:

إن هذا العالم الذي يعتبر بحق من العلماء الذين انتظمهم الروح العلمي بأكمل معانيه، والذي قام بسلسلة أبحاث تعد بحق من أبرز وأنجع الأمثلة للطريقة التجريبية. . . هذا العالم الكبير كان وطنياً متحمساً طول حياته؛ وقد قال في خطبة بليغة ألقاها في أحد المؤتمرات الأممية:

(لا وطن للعلم أو بالأحرى، وطن العلم يشمل العلم بأجمعه ومع هذا لكل عالم وطن وعلى كل عالم أن يهتم بكل ما يخدم مجد وطنه ففي كل عالم حقيقي كبير تجدون دائماً وطنياً كبيراً)

والآن بعد الانتهاء من هذه المناقشة، اسمحوا لي أن أعود إلى إحدى القضايا التي كنت سلمت بها جدلاً، وهي أولى القضايا الثلاث التي سقتموها للبرهنة على عدم إمكان اتفاق العلم والوطنية:

(الوطنية هي الأنانية في المجموع)

إنني لا أنكر صحة القضية من حيث الأساس، غير أنني أرى من الضروري أن نتبعها بقضية ثانية فنقول:

(الوطنية هي الأنانية في المجموع، غير أنها التضحية والإيثار في الفرد. . .)

نعم أن الوطنية هي التضحية والإيثار - بالنسبة إلى أفرد البشر، وإن كانت من قبيل الأنانية بالنسبة إلى الكتل البشرية. ونستطيع أن نقول: أنها أرقى أشكال التضحية والإيثار. فإن مظاهر التضحية والإيثار لا تتجلى في مجال من مجالات أعمال الإنسان بالتنوع والسمو والقوة التي تتجلى بها في مجال الوطنية. وأما مظاهر الإيثار التي تنشأ من الشعور الأممي فإنها لا تذكر بجانب ذلك. . .

إنني لا أود أن أتوسع في هذه المسألة الآن غير أنني أود أن أختم هذه الرسالة بإحدى

ص: 16

الكلمات التي قالها جان جاك روسو بأسلوبه الخلاب:

(بعض الناس يحبون أبناء الصين، وذلك لكي يتخلصوا من الواجبات الفعلية التي يتطلبها منهم حب أبناء وطنهم الأقربين)

(بغداد)

أبو خلدون

ص: 17

‌في التاريخ السياسي

الحرب الأهلية الأسبانية وخطرها على السلام

بقلم باحث دبلوماسي كبير

حينما اضطرمت الحرب الأهلية الأسبانية في أواخر يولية الماضي، لمحنا في حوادثها منذ البداية عوامل معركة دولية خطرة وكنا يومئذ نتلمس القرائن والأدلة لتأييد هذا الرأي، لأن العوامل الدولية التي كانت وراء هذه المأساة لم تكن قد وضحت بعد بصورة جلية، بيد أنه لم تمض عدة أسابيع على ذلك، حتى تكشفت هذه العوامل واضحة، وحتى بدأ إصبع إيطاليا وألمانيا ظاهراً وراء الثورة الأسبانية يذكى ضرامها ويمدها بكل صنوف المعاونة العسكرية والسياسية، وحتى بدت روسيا السوفيتية في جهة أخرى وراء الجبهة الجمهورية الأسبانية تؤيدها بكل ما وسعت وتمدها بالأسلحة والذخائر والفنيين، وحتى بدت إنكلترا وفرنسا أيضاً من وراء الجبهة الجمهورية تمدها بعونها السياسي والأدبي. وآثرت إنجلترا وفرنسا الأخذ بسياسة عدم التدخل في المشكلة الأسبانية ونجحتا في حمل الدول الأخرى أعني إيطاليا وألمانيا وروسيا والبرتغال على إقرار هذه السياسة، وتألفت لجنة عدم التدخل الدولية في لندن. وبينما كانت هذه اللجنة تسير في مباحثها وقراراتها ببطء وتسويف ظاهرين كانت المعركة الدولية في أسبانيا تتفاقم يوماً بعد يوم ويتوالى نزول القوات الإيطالية والألمانية في الثغور الأسبانية لتشد أزر الجبهة الثورية، وتتوالى الإمدادات الروسية لتشد أزر الجبهة الجمهورية ويتسع تدخل إيطاليا وألمانيا في أسبانيا نفسها، وفي جزر البليار ومراكش الأسبانية بشكل يزعج فرنسا وإنكلترا. عندئذ خطت السياسة البريطانية خطوة أخرى واستطاعت بعد مفاوضات ومباحثات طويلة أن تحمل الدول الممثلة في لجنة عدم التدخل على إقرار مشروع دولي لرقابة الشواطئ والحدود الأسبانية وذلك لمنع الإمدادات الأجنبية عن الفريقين المتحاربين، وتطبيق سياسة عدم التدخل بطريقة فعلية، وترك المشكلة الأسبانية يحلها الشعب الأسباني وحده، وبذلك تحصر الحرب في أسبانيا، ويحمى السلام الدولي من عواقبها.

وننفذ مشروع الرقابة الدولية منذ عدة أسابيع. واشتركت فيه إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والبرتغال، وحصرت الشواطئ والحدود الأسبانية على يد السفن الدولية والمراقبين

ص: 18

الدوليين. ولكن الواقع أن إيطاليا وألمانيا كانتا قد بعثتا إلى أسبانيا قبل تنفيذ مشروع الرقابة من القوات العسكرية والجوية - لمعاونة الجنرال فرانكو زعيم الثورة الأسبانية ما اعتقدتا أنه كاف لإحراز الجبهة الثائرة النصر النهائي على الجمهوريين وإقامة الحكم الفاشستي المنشود في أسبانيا على أنقاض الحكم الجمهوري، بل ظهر أن إيطاليا وألمانيا لم تكفا عن إرسال الإمداد حتى بعد أن نفذ مشروع الرقابة، على أن الرقابة الدولية أفادت في تضييق نطاق المعاونات الخارجية، وحصرت احتمالات الحرب الأهلية نوعاً.

وفي أثناء ذلك حاولت السياسة البريطانية أن تتقدم خطوة جديدة في تصفية المشكلة الأسبانية، فقدمت إلى الدول اقتراحها بسحب جميع الجنود الأجانب من أسبانيا سواء منهم من يحارب مع الجنرال فرانكو أو مع حكومة مدريد؛ فرفضت إيطاليا النظر في الاقتراح، وأجابت الصحف الإيطالية بأن الجنود الإيطالية لن تغادر أسبانيا قبل أن يحرز الجنرال فرانكو النصر النهائي. والمعروف المحقق أن لإيطاليا في أسبانيا جيشاً لا يقل عن مائة وعشرين ألف مقاتل، هذا عدا القوات الألمانية وهي تقدر بنحو ثلاثين ألفاً، وهذه القوى الأجنبية هي عصب الثورة الأسبانية وهي سند الجنرال فرانكو؛ وقد أبدت ألمانيا وإيطاليا في غير فرصة سواء في التصريحات الرسمية أو عن طريق الصحافة أنها لن تدخر وسعاً في تأييد الجنرال فرانكو حتى يحرز النصر النهائي، وحتى تقوم في مدريد حكومة فاشستية، ولم يبق ريب بعد أن الثورة الأسبانية إنما هي محاولة عسكرية فاشستية تدبرها الفاشستية الإيطالية والألمانية، وأن الجنرال فرانكو إنما هو أداة هذه السياسة الأجنبية؛ فالثورة الأسبانية تفقد بذلك كثيراً من صبغتها الوطنية، وتفقد عطف الديمقراطية، والعالم المتمدن الذي يعرف وسائل الفاشستية وأساليبها الهمجية وجنوحها إلى العنف والعدوان، ويقدر خطرها على السلام العام

ولكن هل تنجح الفاشستية في هذه المحاولة الدموية؟ لقد مضى على الثورة الأسبانية التي دبرتها الفاشستية وسلحتها أحد عشر شهرا، واستطاع الجنرال فرانكو بمؤازرة معاونيه الأجانب أن يستولوا على نصف الأراضي الأسبانية؛ ولكنه لم يحرز حتى اليوم أي نصر حاسم، بل فشل في كل محاولة خطيرة قام بها لتحطيم قوى الجمهورية، وكان مقدراً أن الثورة لن تستغرق في تنفيذ برنامجها أكثر من عدة أسابيع، ولكن مضت الأسابيع والأشهر،

ص: 19

وتحطم هجوم الجنرال فرانكو على مدريد ولقي الثوار أكثر من هزيمة شديدة أمام العاصمة ومزقت الوحدات الإيطالية في وادي الحجارة شر ممزق؛ وعندئذ فكر الحلفاء في مهاجمة ناحية أخرى من الجبهة الجمهورية، فنظم فرانكو هجومه على بلاد الباسك منذ أكثر من شهرين، حاول أن يطوقها من البر والبحر؛ ولكن قوات الباسك خيبت آمال الهاجمين، وردتهم غير مرة، وأنتقم فرانكو وحلفائه من الجمهورية الصغيرة الباسلة بتخريب بلادها وضياعها، وأحرق الطيارون الألمان المدن والقرى الباسكية من الجو بطريقة وندالية أثارت سخط العلم المتمدن وكان فرانكو يقدر أنه بحصار بلباءو من البحر يمهد لافتتاحها بسرعة وأنه كما حدث من الهجوم على مالطة يستطيع الاعتماد على معاونة الغواصات الإيطالية، ولكن إنجلترا التي خشيت على مصالحها ومناجمها العظيمة في هذه المنطقة بعثت بوارجها الكبرى إلى مياه بلباءو، وأنكرت حق حكومة فرانكو في محاصرتها وخرقت السفن الإنكليزية الحصار وأمدت المدينة المحصورة بالأطعمة، وعاونت على إخلائها من غير المحاربين؛ ومازالت قوات الباسك تصمد للمهاجمين وتكبدهم أفدح الخسائر، وأن كان في الأنباء الأخيرة ما يدل على أن بلباءو قد لا تستطيع المقاومة طويلاً.

قلنا أن الفاشستية الإيطالية تزعم أنها لن تتخلى عن الجنرال فرانكو حتى يحرز النصر النهائي، وتزعم إيطاليا وألمانيا معاً أنهما لن تسمحا، بإقامة حكومة بلشفية في أسبانيا تهدد السلام في غرب أوربا؛ وهما تصفان حكومة أسبانيا الجمهورية بالحكومة البلشفية لأنها تستمد العون من حكومة موسكو، وتلك دعاية مغرضة كما أسلفنا في فرص سابقة، فالجبهة الأسبانية الجمهورية هي جبهة الشعب الأسباني التي تحاول الفاشستية تحطيمها على يد الجنرال فرانكو، وإذا كان في الجبهة الجمهورية عنصر شيوعي فهو أقلية سياسية، كما هو الشأن في معظم الدول الديمقراطية؛ وإذا كانت الجبهة الجمهورية تعتمد على مؤازرة روسيا السوفيتية، فلأنها الدولة الوحيدة التي سارعت لنجدتها في محنتها، ولأن روسيا ليست لها مطامع استعمارية في أسبانيا بل يحدوها إلى هذا العون معركة المبادئ والمثل، فهي في أسبانيا تضرب الفاشستية ألد وأخطر خصومها على أنه إذا كانت الفاشستية تزعم أنها لن تتخلى عن فرانكو حتى يحرز النصر النهائي، فإن السياسة البريطانية من جهة أخرى تبدي صراحة أنها لن تسمح بانتهاك استقلال أسبانيا أو الاعتداء على سلامة أراضيها؛ ٍوهذا ما

ص: 20

صرح به أخيراً مستر ايدن وزير الخارجية في مجلس العموم، ومعنى ذلك أن بريطانيا لن تسمح بفوز الجنرال فرانكو، لأن هذا الفوز الذي تدعمه الحراب الأجنبية يعقبه بعض المطامع الإيطالية في جزر البليار وربما في مراكش الأسبانية؛ وإنكلترا مع تمسكها بسياسة الحيدة وعدم التدخل في المسألة الأسبانية، لا تخفي عطفها على حكومة بلنسية، وفي ذلك تؤازرها فرنسا بل ربما ذهبت فرنسا إلى اكثر من هذا العطف في معاونة الجبهة الجمهورية، وإذا كانت إنكلترا وفرنسا تقفان في الميدان الدولي إلى جانب أسبانيا الجمهورية، فإن ذلك لا يرجع إلى لونهما الديموقراطي ولا إلى معركة المبادئ فقط، بل يرجع بالأخص إلى خوفهما من غلبة الفاشستية في أسبانيا، ومما تهدد به مصالحهما الاستعمارية ومواصلاتهما في غرب البحر الأبيض المتوسط.

ومن جهة أخرى فإن إنكلترا وفرنسا تخشيان على مصير السلام من تفاقم الحوادث الأسبانية. ولقد تجلى هذا الحرص على السلام في حادثة البارجة الألمانية دويتشلاند، فقد ألقت طيارات حكومة بلنسية القنابل على هذه البارجة أثناء رسوها في ميناء أبيزا بجزيرة ميورقة فقتلت من بحارتها خمسة وعشرين وجرحت عدداً آخر؛ وثارت ألمانيا لهذا الاعتداء فلم يمض يومان حتى ضربت بوارجها ثغر ألمرية الأسباني على حين فجأة ضباً شديداً فقتلت وجرحت من أهلها المسالمين مئات وخربت قسماً كبيراً منها؛ وعلى أثر ذلك أعلنت ألمانيا وإيطاليا انسحابهما من لجنة عدم التدخل حتى توضع الضمانات الكفيلة بحماية بوارجهما؛ وكان لهذا الاعتداء الذي يشبه أعمال القرصنة من جانب البوارج الألمانية وقع عميق في الأوساط الدولية، لأنه حتى مع التسليم بأن ألمانيا قد اعتدي عليها في حادثة البارجة دوتشلاند، فإنها لم تتقدم بطلب الترضية الودية ولم تقدم إلى حكومة بلنسية إنذارا بها كما يقضي بذلك القانون الدولي، ولم يسبق في قانون الأمم أن اعترف بحق الانتقام من المدن الآمنة دون أن تكون هناك حرب شرعية بين الخصوم. خصوصاً إذا وقع الانتقام على النساء والأطفال كما حدث في ضرب المرية. ومن الغريب أن تنفرد ألمانيا بمثل هذا التصرف لاعتداء وقع على إحدى سفنها تبرره حكومة بلنسية بوجود هذه السفينة في إحدى الموانئ التي بيد خصومها الوطنيين، مع إن مثل هذا الاعتداء قد وقع من قبل في أكثر من فرصة على السفن الإنكليزية ولم تندفع في مثل هذا الانتقام الوحشي.

ص: 21

على أن إنجلترا رأت مع ذلك أن تتفادى عواقب هذا المشكل الخطر، وأن تعمل على رد ألمانيا وإيطاليا إلى لجنة عدم التدخل، فوضعت مشروعاً جديداً يقضي بتعيين مناطق أمينة تستطيع السفن المشتركة في المراقبة أن تلجأ إليها ويحترمها الفريقان المتحاربان، ويعترف المشروع فوق ذلك بحق الدفاع الشرعي للسفن التي يتعدى عليها وقت الاعتداء فقط، ولكن الإجراءات اللاحقة تكون موضع بحث بين الدول، وتدل الأنباء الأخيرة على أن ألمانيا وإيطاليا قبلتا هذا المشروع، وقررتا العودة إلى لجنة عدم التدخل، وبذلك تكون السياسة الإنكليزية قد استطاعت أن تتفادى عواقب هذا الاحتكاك الخطر بين ألمانيا وحكومة بلنسية.

على أن المأساة الأسبانية ما زالت مفعمة بالأخطار والمفاجآت. والخطر في هذه المأساة هي صبغتها الدولية، التي أشرنا إليها. فالصراع الدولي بين الجبهتين الأوربيتين الفاشستية والديموقراطية مازال قائماً، وإذا لم تبذل الدبلوماسية الأوربية جهوداً جدية لإخراج القوات الأجنبية من أسبانيا، وترك أسبانيا تقرر مصيرها بيدها، فسوف تبقى المشكلة الأسبانية خطراً دائماً على السلم الأوربي.

* * *

ص: 22

‌في الأدب المقارن

الحكمة في الأدبين العربي والإنكليزي

للأستاذ فخري أبو السعود

يولد المرء جاهلاً ثم لا تزال التجارب تبصره بحقائق الحياة ولا يزال الدهر يعلمه ويؤدبه، ولا يزال هو بثاقب فكره، يتعظ بماضيه وينتفع بمشاهداته، ويصوغ من جزيئات التجارب التي يمر بها كليات يلخص فيها نواميس الحياة وطباع الأشياء، التي يجدر بالعاقل أن يسايرها ويحتال لها، لا أن يصادمها ويجري على غير سننها، وتلك هي الحكم التي هي لباب التجارب وثمار المعرفة، والتي يغتبط الأديب أي اغتباط حين يستخلص عصارتها من مرير الشدائد وعصيب الأزمات، ويتجلى له ضياؤها بعد أن تنقشع غيوم المطامع وعواصف المخاوف، ويتوارثها الناس جيلاً بعد جيل، وتتشكل مع اختلاف بيئاتهم وتقاليدهم، ويشدو بها الصغار وهم ناشئون ولا يعرف صدقها إلا الكبار، بعد أن يخوضوا أتون التجارب الذي ينضج النفوس.

فالحكمة خلاصة التجربة العلمية، ولا تقرأ في الكتب ولا تؤخذ عن المؤدبين. ومن ثم يستوي فيها الخاصة المثقفون والعامة الأميون، إذ كان كلاهما يستقي من معين الحياة المشهودة؛ وتذيع بين العامة أمثال وحكم هي غاية في الصدق ونفاذ النظرة وبلاغة التعبير. وقد يطابق بعضها أمثال الخاصة والحكماء في كتبهم؛ وتدل تلك الحكم السائرة بين الشعب على الكثير من أخلاقه وأعماله، من سعي وتوان، ووقار واستهتار، وإمعان في الحروب واستراحة إلى السلم والدعة، ومن ثم نرى كثيراً من الأمثال المتخلفة عن جيل الانحطاط الماضي، رغم صدقها وعمقها مصوغة في أبذأ لفظ وأفحش صورة، ونرى كثيراً منها يحث على القناعة والتواكل والقعود.

ومن الحكم ما نرسل موجزة مستقلة كأنها القضايا المنطقية مبدوءة ببعض حروف الشرط أو أسمائه، ومنها ما تصاغ في قصة محكمة ذات مغزى، ومن تلك القصص ما ينسب إلى حكيم من الأقدمين كلقمان، أو إلى شخص خيالي مثل جحا الذي صاغ العمة حوله قصصاً بالغة غاية الحكمة والمتعة والفكاهة، ومن تلك القصص ما يجري على السنة الحيوان، ويقوم الأسد فيها بدور السلطان ويلعب الثعلب دور المكر والاحتيال، ويمثل الذئب دور

ص: 23

الغدر والافتئات، وقد كان للأمم القديمة كالمصريين والفرس والهنود، من كل هذه الضروب حظ وفير، وفيها يبسط الحكماء المجربون لأبناء جلدتهم ثمار تجاربهم، ويحضون على حسن المعاملة ويدعون إلى الفضيلة.

والشرق، مهد المدنيات القديمة والإمبراطوريات العظيمة، والملكيات المطلقة ذات الحول والأبهة والبذخ، والموارد الواسعة والكنوز الطائلة، هو مهد الحكمة ومطلع الحكماء والأنبياء، فيه تتجلى طباع الأشياء على جهارتها، ويتجاور البذخ المفرط والبؤس المرمض، وتتابع السعود والنحوس، وتتقلب الأيام والدولات وتعقب عصور الرخاء والازدهار عهود الشدائد والأدبار، ومن كل ذلك تستخلص عبر الحياة وعظاتها، ويتجلى لذوي النفوس العالية غرورها وبهارجها، وتنصرف همة الحكماء والفضلاء إلى هداية مواطنيهم إلى سبيل الخير والسلامة وتلقينهم كيف يعيشون في أمن من جور الغاشمين وبطش الأقدار ويسعون جهدهم لتخفيف ما حولهم من آثار البؤس والبلاء، وإصلاح ما يرون من أسباب الفوضى والفساد، وهكذا كان يظهر المصلحون والأنبياء بين اليهود والهنود وغيرهم من أمم الشرق، بين الفترة والفترة.

وللحكمة الصادقة المصوغة في اللفظ البليغ المحكم مكانها في أدب كل لغة: ففي كل أدب ما لا يعد من الحكم المتواترة يقتبسها الأدباء في مواطنها، وقد نسيت أسماء قائلها وضاعت نسبتها وصارت من تراث الأدب المشاع، وفيه كذلك ما لا يعد من آثار الشعراء والكتاب التي أساسها الحكمة وقوامها خلاصات التجارب التي عركتهم؛ وفي الأدبين العربي والإنجليزي تراث حافل من الحكم والأمثال، وفي كل منهما أدباء اشتهروا خاصة بصوغ الحكم وجرت آثارهم على الأقلام والأفواه، لما تمتاز به من صدق النظرة وشمول الفكرة وإيجاز اللفظ.

ففي الإنجليزية اشتهر شكسبير أولاً وبوب ثانياً بروائع حكمهما. وسارت كثير من أبياتهما مسير الأمثال، لما امتز به كلاهما من التمكن من اللغة وبلاغة الأداء ووجازة التعبير، رغم اختلافهما فيما عدا ذلك من نظرة إلى الحياة ومذهب في الفن؛ وندر من كبار أدباء الإنجليزية من لم يسر له مثل أو أكثر فيما توفر عليه من موضوع كالطبيعة والجمال والاجتماع والمرأة وهلّم جرا ومن الإنجيل سرت في اللغة الإنجليزية المكتوبة والمتكلمة

ص: 24

أمثال وحكم عديدة، لا تزال تحمل طابعها الإسرائيلي وتدل بأسماء أعلامها ومواطنها على نشأتها الشرقية؛ وسرت في الإنجليزية كذلك أمثال عديدة من الإغريقية واللاتينية يترجمها الأدباء إذا استعملوها وقد يثبتونها في لغتها الأصلية.

بيد أن ذلك هو كل ما هنالك، والحكمة في الإنجليزية نادرة إلى حد بعيد، وهي لم تكن من مطلوب أدبائها ولا من هم شعرائها يتوخونها عمداً ويودعونها اللفظ البليغ الموجز، ولم يكن الإيجاز من دأبهم كما كان من دأب شعراء العربية وأدبائها في أحسن آثارها وأزهر عصورها، فالأديب الإنجليزي إذا أخذ في الكتابة أرسل لخياله العنان، وأبرز فكرته الواحدة في شتى الصور متسلسلة متتبعة غيرها من الأفكار، أما الأديب العربي فيؤثر الإيجاز البليغ ويودع المعنى الواسع الشامل البيت الموجز أو العبارة المحكمة ويتجه إلى غيره، وهذا الإيجاز المشهود في جيد الشعر الجاهلي راجع بلا شك إلى أمية العرب وحاجتهم إلى الاستغناء بالقول الجامع، والاجتزاء بالحكمة الشاملة، وقد توورثت هذه الخلة من خلال الأدب الجاهلي فيما تلا ذلك من عصور الأدب العربي كما توورث غيرها من خلالّ.

ومما حبب العرب في جاهليتهم في الحكمة أخذهم بحياة الحل والترحال، واشتغالهم أبدا بالقتال وإدراك الثارات: فتلك حياة شديدة كانت تتطلب كثيراً من العمل وقليلاً من الكلام المفيد مع قلته. وكان الانتفاع بالتجارب من أكبر أسباب النجاح فيها، والاشتهار بالحكمة والدراية من صفات الشيوخ والرؤساء؛ ومنهم كان كثير من فحول الشعر ورجال البيان ومصاقع الخطباء كالأفواه الأودي وأكثم بن صيفي وقس بن ساعدة الأيادي. ومن ثم أثر عن الجاهليين ما لا يعد من روائع الحكم نظماً ونثراً. ومن أمثلتها خطبة قس بن ساعدة وحكم زهير بن أبي سلمى في معلقته.

وقد أعجب المتأخرون من الشعراء والأدباء بهاتيك الحكم أيما إعجاب، وشمروا عن ساعد الجد للإتيان بأمثالها، وعدوها محك قدرة الشاعر وبرهان الشاعرية الصادقة، وكاد يلهيهم الاشتداد في طلبها عن ابتكار شيء جديد في الشعر.

وكان العرب في الجاهلية لا يعدون الشاعر فحلا حتى ينطق بالحكمة، فما لم يأت بشيء منها فهو وبعد غر لم ينضجه تنور التجارب ولم تتكشف له حقائق الحياة؛ وظل الأعشى فيما قبل مزوياً عن مرتبة الفحول، رغم ضربه بسهم في مجالات المدح والهجاء والاعتذار

ص: 25

ووصف الخمر، حتى قال في مدحه سلامة ذو فائش:(والشيء حيثما جعلاً) فرفعته هذه الجملة الموجزة إلى مصاف النابغة وامرئ القيس. وتروى حكايات كهذه عن شعراء الإسلام: فقد قيل إن جريراً سمع دالية عمر بن أبي ربيعة التي يقول منها: (إنما العاجز من لا يستبد)، فقال:(ما زال هذا الفتى يهذي حتى قال الشعر)، فهو لم يحفل بكل ما قاله الفتى في التشبيب، حتى ضرب على وتر الحكمة فاستثار إعجابه.

وأدب الجاهلية وصدر الإسلام حافل بتلك الحكم البليغة المشتملة على تجارب قائليها من سادة القبائل وأشرافها، الجامعة لنظراتهم في الحياة وخطتهم وسننهم فيها، وتمدحهم بما رسموه لأنفسهم من مناهج وما أخذوها به من فضائل، وهذا الباب من أكرم أبواب الأدب العربي وادعاها إلى الإعجاب، ومن أجله كان العرب في تلك العهود يغالون بالشعر وينشئون أبنائهم على مدارسته، وكانوا يسمون هذا الباب من الشعر بالأدب، لأن حفظ آثاره والتمثل بها يؤدبان النفس ويهذبان الخلق، وذاك هو الاسم الذي أطلقه أبو تمام في حماسته على ذلك الضرب من القول الشامل للحكمة والتمدح بالفضيلة. وقد اتسع معنى هذا اللفظ فبعد أن كان اسم جزء صار اسم كل وأطلق على الشعر جميعه والنثر معاً. وليس شك في أن هذا التطور الطبيعي البسيط هو منشأ كلمة أدب اللغة، وإن يكن بعض المستشرقين قد تحذلق وزعم أنها مقلوبة عن كلمة دأب. فذلك من قبيل النظريات المحضة التي لا تبلغ مبلغ اليقين أبداً؛ وليست إلا من قبيل التظرف العلمي والتظاهر بالتعمق في البحث، وإن لم يجد ذلك العلم فتيلا، ولم يدرك يوماً منزلة الإقناع.

كانت الحكمة من أظهر أبواب الأدب في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان من أقطابها في الجاهلية من ذكر، وفي الإسلام الإمام علي والأحنف بن قيس وكثير من الصحابة، وبظهور الإسلام ثم توطد الدولة زاد العرب كلفاً بالحكمة وزاد الداعي إليها أهمية، فقد جاء في القرآن الكريم والحديث حافلين بروائع الحكم وجوامع الكلم، التي أربت على الغاية من البلاغة والسمو، وحثاً على طلب الحكمة التي هي ضالة المؤمن، وقد ظل الكتاب والحديث دائما نموذج الأدباء ومستقاهم؛ فلما فرضت الملكية المطلقة سلطتها كاملة، وأخرست الأفواه وأسكتت النقد، عادلة حينا وجائرة أحيانا، وجد الناس في الحكمة الشاملة المعممة سلوة للنفوس المقهورة، وعزاء عن المآرب المحظورة، وتنفيسا عن المطامح المستورة، واتقاء

ص: 26

لشبهات السلطان، فأجريت الأمثال والمواعظ على ألسنة السلف الصالح، وملوك الأمم الغابرة وحكمائها وفلاسفتها، ووضعت على أفواه الحيوان والأرواح، وأرسلت شعراً ونثراً، وترجمت عن اللغات، وكان من ذلك مترجمات ابن المقفع.

وكانت الصبغة الدينية التي لازمت توطد الدولة الإسلامية وتطور المجتمع الإسلامي، داعياً آخر إلى انتشار الحكمة في الأدب، وفي الحكمة كتب ونظم كثير من رجال الدين، ومن آثار الحكمة التي مبعثها الشعور الديني أشعار أبي العتاهية وأبن عبد القدوس والأمام الشافعي، ومما زاد هذه النزعة الدينية احتداد، وهذه الحكم الدينية ذيوعاً، ما كان يجاورها من مظاهر الترف المغرق وآثار اللذات والمفاسد، فكانت تلك رد فعل لهذه، وكان من الشعراء المغرقين في المجون والتبذل كأبي نواس وبشار، من تعاودهم رجعات من التبصر في الحياة وغرورها، حين تسئمهم اللذات ويرهقهم بشمها وخمارها، فيرسلون في أشعارهم من الحكم ما قد ينسب إلى أزهد الزهاد وأحكم الحكماء

وبدخول الأدب العربي طوره الفني طلب الشعراء البراعة والتفنن بصوغ الحكم وضرب الأمثال محاكاة للأقدمين وتوليدا من معانيهم، وكانوا يشفعون الحكمة الإنسانية أحياناً بمصداقها من عالم الطبيعة والحيوان والجماد، فإذا أرسل أبو تمام حكمة في ظهور فضل المحسود على يد الحاسد ضرب لذلك مثلاً اشتعال النار فيما جاورت وإعلانها بذلك طيب عرف العود، ويقول في موضع آخر منتزعاً مصداق كلامه من ظواهر الطبيعة:

وإذا رأيت من الهلال نموه

أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً

ويقول غيره:

يعيش المرء ما استحيا بخير

ويبقى العود ما بقي اللحاء

واشتغل المسلمون بدراسة الفلسفة اليونانية دون الأدب اليوناني، فتأثر أدبائهم بتلك الدراسة، وازداد ولعهم بالحكمة، واتخذت حكمتهم صبغة فلسفية أقرب إلى القضايا المنطقية وأشبه بالاستقراء العلمي، وذلك واضح في أشعار المتنبي والمعري اللذين انحرفا بذلك بعض الانحراف عن الأسلوب العربي الأصيل، الذي يمتاز بالبلاغة والوضوح والإطلاق، وبلغ من تأثر شعر الحكمة في العربية بروح الفلسفة اليونانية، أن أبا علي الحاتمي وضع رسالة يرد فيها أكثر حكم المتنبي إلى كلام أرسطو. وفي شعر المتنبي بلغت الحكمة العربية

ص: 27

أوج رقيها، أو بالأحرى بلغ الشعر العربي ذروة عظمته، وبلغ من احتفاء الشعراء بتضمين الحكمة أشعارهم أن قيل في الموازنة بين أبي تمام والمتنبي والبحتري إن الأولين حكيمان، والشاعر البحتري، لكثرة ما في شعرهما من الحكم، وأبو تمام هو القائل في ذلك الضرب من الشعر:

يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة

ويقضي بما يقضي به وهو ظالم

ولولا خلال سنها الشعر ما درى

بغاة العلا من أين تؤتى المكارم

فالولع بالحكمة ظاهر في الأدب العربي: فاقتباس المأثور من كلام المتقدمين أكثر ذيوعاً في العربية منه في الإنجليزية، والحكمة مادة جانب عظيم من كتب الأدب التي تحفل بما أثر عن الحكماء والخلفاء والفقهاء من جوامع الكلم، وهي موضوع مطولات كثيرة كمقصورة أبن دريد ولامية أبن الوردي وأرجوزة صاحب كتاب الصادح والباغم، وبها تمتلئ الخطب المنسوبة إلى وفود العرب إلى كسرى وإلى أهل بيت المهدي عند مشاورته لهم في حرب خراسان. وقد أولع الكتاب بنثر حكم الشعراء في رسائلهم مسجوعة منمقة، كما أولع الشعراء بنظم الحكم السائرة وأمثال العامة، وكان الشعراء أكثر لجوءاً إلى نظم الحكم وسرد العبر والاستشهاد بعظات التاريخ خاصة في قصائد الرثاء ورسائل التعزية وأشعار الشكوى والوجدانيات؛ وكثيراً ما كانت تساق الحكم في هيئة نصائح. ويقول أبن عبد القدوس (والنصح أغلى ما يباع ويوهب) ومن شعر النصيحة جيمية محمد لأبن بشير التي يقول منها:

قدم لرجلك قبل الخطو موضعها

فمن علا زلقا عن غرة زلجا

أم الموضوعات التي طرقتها الحكمة في الأدب العربي فلا تحصر، فقد جالت في شتى نواحي الحياة: من غرور الدنيا وتقلبها ووجوب الحذر منها وتوقع زوالها، إلى مزايا الشدائد وامتحانها للرجال، إلى ندرة الصديق الصدوق، ومن شؤون الحياة اليومية إلى سياسة الدول وحكم الشعوب، ومن آداب الحوار إلى آداب مصاحبة السلطان؛ وكان بعض الشعراء يتوفرون على ضروب دون غيرها من الحكمة، حسب ما توجههم إليه بيئاتهم ونفسياتهم؛ فأبو العتاهية كان دائم الذكر للموت، والمتنبي كان يشتق حكمه من حياة التناحر والمطامع والمعارك الأدبية والسياسية التي كان يحياها، والمعري كان يستقي حكمته

ص: 28

ويستخرج عبرة من ظواهر الكون التي كان دائم الاشتغال بها، فهذان البيتان من نظمه يحملان طابع تفكيره ولا يمكن أن ينسبا إلى سواه:

يغادر غابة الضرغام كيما

ينازع ظبي رمل في كناس

سجايا كلها غدر ولؤم

توارثها أناس عن أناس

فكثير من الظروف التي أحاطت بالأدب العربي في الجاهلية والإسلام كانت تدعو إلى انتشار آثار الحكمة فيه، فجاء حافلاً بها منثوره ومنظومه على متعدد الصور ومختلف الأوضاع، ومثل هاتيك الظروف لم تصاحب الأدب الإنجليزي، ومن ثم كانت الحكمة فيه أندر كثيراً، فلا البداوة ولا الملكية المطلقة ولا رد الفعل المنعكس من الترف المفرط، ولا الروح الديني المتغلغل في المجتمع، لم يؤثر شيء من ذلك في الإنجليزية تأثيره في العربية ولم يقتصر الإنجليز على دراسة الفلسفة الإغريقية بل درسوا معها الأدب الأغريقي، وعنه تلقوا رسالته وهي الجمال، فصارت هذه رسالة الأدب الإنجليزي أيضاً، فكان الأديب الإنكليزي يتوخى الجمال فيما يشاهد ويحس ويكتب، في حين كانت الحكمة والعبرة والموعظة قبلة الأديب العربي في كل ذلك، ومن الأدب الإغريقي تعلم الأديب الإنجليزي أيضاً أن يطلق لفكره العنان ويفسح لبيانه المجال، على حين ظل رائد الأديب العربي بلاغة الإيجاز، وكبح جمحات الخيال.

ومن ثم تمثل خير ما في الأدب العربي في حكم الشعراء والخطباء والكتاب، وجوامع كلهم وموجز بيانهم، وتمثل خير ما في الأدب الإنجليزي في سبحات الخيال المطلق المطنب، من درامات وملاحم وقصص، فالعيب الاجتماعي أو النقص السياسي الذي كان يراه الأديب العربي، فتحمله الظروف سالفة الذكر على أن يصوغه حكمة موجزة عامة لا تثير ريبة السلطان، كان يحوك حول الأديب الإنجليزي في قصة اجتماعية رحيبة الجوانب تشخص موضع الداء تشخيصاً؛ وتعين الدواء، ويتجلى الفرق بين الأدبين في هذا الصدد في نوع عبقرية شاعريهما الفذين: فقد بلغت العبقرية الشعرية الإنجليزية ذروتها في آثار شكسبير صاحب الدرامات العجاجة بالخيال المطلق، وبلغت العبقرية الشعرية العربية أوجها في قصيدة المتنبي الحافل بالحكمة البليغة.

فخري أبو السعود

ص: 29

‌البطولة وهل ندرت؟

للأستاذ فتحي رضوان

يحلو لي أن ادخل في المناقشة التي أدارها الكاتبان (النابغان) عباس العقاد وأحمد أمين حول النبوغ والبطولة. . . يحلو لي أن ادخل في هذه المناقشة خصماً ثالثاً، وإن كنت أكره لفظة (خصم) ولكن ما حيلتي وقد علمنيها القانون. . .!

لقد طالعت مقال الكاتب (النابغ) أحمد أمين، وأدركت نظريته التي بناها على أن النبوغ هو سبق النابغ لمعاصريه، حتى ليعجزوا عن اللحاق به، إلا بعد زمن قد يطول، وذلك حين يكون النبوغ عالياً ورفيعاً، وقد يقصر، وذلك حين لا يكون النابغ ممتازاً إلا بقدر. . .

ولقد ساقته هذه النظرية إلى نتيجة آمن بها، ودافع عنها، وضرب الأمثال العديدة على صحتها وسلامتها. والنتيجة هي التي استوقفتني، فدفعتني إلى التأمل فيما جاء بهذا المقال، ثم هي التي حفزتني على كتابة هذا الرد فالأستاذ أحمد أمين يرى أن نوابغ هذا العصر قلة، لأن أساليب التربية الحديثة، ونظام المجتمع الذي نعيش في ظله أشاع العلم، وأضعف الفوارق بين الخاصة والعامة، وأتاح فرصة التحصيل والتفوق للفقراء وذوي الثراء. وقد بلغ اقتناع الأستاذ أحمد أمين بهذه النظرية وبنتيجتها مبلغاً حمله على أن يضرب لنا الأمثال بالتلميذ في المدارس الثانوية، فهو بنظر إليه كل يوم، فيراه يطالع كتب الطبيعة التي تشرح قواعد الضوء والصوت، والحرارة والكهرباء، فيقول:(إنه يعرف ما يعرفه نيوتن، وأكثر مما يعرفه)، ثم يراه يقرأ كتب النحو والصرف، والبلاغة فيقوى يقينه بأن ما وصل إليه من نتيجة صحيح جداً فيقول:(إنه يدري من النحو ما لا يدريه سيبويه) ثم يطمئن إلى هذا الاستقراء فيقول لنا إذا كان محصول علمه يفوق علم جهابذة العلوم والآداب، وهو بعد تلميذ في المدارس، يخطئ ويصيب، وينجح ويتعرض للسقوط، ويذاكر ويشكو قسوة الامتحان، فكيف تظنون أن عهد النبوغ لم ينصرم بعد؟. وأين مجال التفوق أمام الموهوبين وذوي الجد ما دامت المدارس قد ذللت المعرفة وفتحت أبوابها على المصاريع؟

قد كان التفوق والنبوغ بالأمس ممكناً، لأن النابغة كان مبصراً وسط عمى، وصاحياً وسط مغفلين ومدركاً بين جهال، أما اليوم فأصغر علماء الطبيعة كأكبرهم، يعرفان من أمر هذا العلم وقواعده قدراً يكاد يكون متساوياً، فإذا وجد الفارق بين العالم الصغير والعالم الكبير

ص: 31

فليس هو بالفارق الذي يضفي على الكبير منها صفة النبوغ والتفوق. . .

وقد سألنا الأستاذ أحمد أن ندله على السياسي الذي يفوق أقرانه ويبذهم، وقد نبهنا إلى استنارة الشعوب وبصرها الآن بأساليب الحكم وفقهها لطرائق الإدارة؛ ثم سألنا أن ندله على العالم الذي يسبق جيله أو معاصريه، ونبهنا إلى أن العلوم اليوم والفنون كذلك قائمة على سنة التخصص، وأفهمنا أنه لا يوجد طبيب، وإنما يوجد أخصائيون في كل فرع من فروع الطب، ولا يوجد قانونيون، بل مطبقون لناحية واحدة من نواحي القانون. . .

والحق أننا نشكر للأستاذ هذا التنبيه، لأننا نستطيع بعده أن ندله على النابغين المتفوقين الذين يسبقون معاصريهم بالسنين ويفوتونهم بالمراحل، فالتاريخ لم يعرف حاكماً كموسوليني ينبعث من خنادق الحرب، ثم يشتغل سنين معدودة في الصحافة، ثم تدين له الدولة والأمة بالطاعة والانصياع، ويصبح البون بينه وبين أكبر رجال أمته شاسعاً، حتى لا يكاد يوجد في إيطاليا إلا موسوليني، الكلمة كلمته، وكلمته قانون، وقانونه مقدس أسمى من أن يشوبه خطاْ، ثم تتحالف عليه الدول وتطوق بلاده بحصار لا يرحم، فيجرح شجاعته، ويواجه العاصفة بسيل من الخطب ودنيا من التدابير. . . فالتخصص ومجانية المدارس وتذليل أساليب التحصيل، كلها لم تحل دون بروز شخصية سياسية طاغية في إيطاليا. وهذا البروز، هو النبوغ على الأقل كما وضح لنا الأستاذ أحمد أمين مقياسه - ولكن الأستاذ يريد أن ندله على نوابغ كثيرين وإلا كان محقاً فيما ذهب إليه من أن العصر الحديث لا يعتبر عصر النوابغ، بل عصر ارتقاء الجماعة الإنسانية ارتقاء لا يسمح بإيجاد الفوارق الواسعة بين العامة والخاصة، وبين الكبار والصغار، ولكن حسب الأستاذ الكبير أن يدير بصره في العالم بأسره ليعلم أننا نعيش في عصر النابغين فألمانيا يحكمها رجل واحد يتصرف في أمورها كما يحلو له، أو على الأقل كما يحلو له ومستشاروه الذين من حوله.

وروسيا على رأسها رجل يضع دستورها، وينفذ قانونها ويشرف على جيشها، والذين من حوله أقزام ينظرون إليه ولا يقوون على مقاومة إرادته. . . وعلى الأستاذ الكبير أن يسأل من اليوم صاحب النفوذ الذي لا يحد في تركيا، وفي بولندا - قبل وفاة سلسودسكي - وفي النمسا وفي تشكوسلوفاكيا في عهد مازاريك ليعرف أننا محكومون بالنابغين والمتفوقين في

ص: 32

عالم السياسة وليدرك أن بصر الشعوب بأساليب الحكم، وفطنتها الدستورية، لم تحل دون ظهور هذه الكثرة من ذوي السلطان المطلق. .

فإذا رجعنا إلى التاريخ القديم، وجدنا أن روما التي احتملت موسوليني أربع عشرة سنة متوالية، لم تستطع أن تحمل يوليوس قيصر مثل هذه المدة.

قد يعترض الأستاذ فيقول: ولكن من قال عن هؤلاء الحكام نابغون؟ وهو لا يحرجني بهذا السؤال، لأنه هو الذي ضرب لنا المثل (بنابليون) ولا أحسب أن نابليون من حيث معدن العظمة يبذ واحداً من هؤلاء الذين ذكرت أسمائهم

فإذا أدرنا وجهنا إلى ميدان العلوم والفنون ألفيناه ميدان العمالقة والأقزام، ميدان الذين تلامس هاماتهم السماء والذين تلاصق أسماؤهم التراب، على الرغم من أن هؤلاء وأولئك، حصلوا على نصيب واحد من العلم المدرسي، فالأستاذ أحمد أمين يصيب كثيراً من العناء إذا هو أراد أن يجد قريناً لرجل ككارل ماركس ألف كتاباً فثل هذا الكتاب عروشاً، وأزال دولا، وقلب وجهة التاريخ، ورجل كداروين لا يشابهه في ميدان الطبيعة أكثر الذين حوله، ولا نستطيع أن نقول إن كارل ماركس هو وحده النابغة في ميدان الاقتصاد، ولا أن داروين هو وحده المتفوق في ميدان الطبيعة، فإلى جانب ماركس برودون وبلاخانوف ويوخارين وغيرهم وغيرهم ممن كانوا إلى جانب طلاب الاقتصاد وأساتذته وكتابه والمشتغلين به نوابغ بل عباقرة. وفي الأدب يكتب الآن الكثيرون، والمطابع لا تنفك تخرج المؤلفات والمصنفات، ولكن ألا يوجد الكاتب الذي كلمته في حساب المادة عشرات الجنيهات، والكاتب الذي لا تساوي كتبه شروى نقير. . . ثم ألا يوجد الكاتب الذي تفعل بدائعه في النفوس وفي الشعوب فعلا تارة يدفع بها إلى العنف، وأخرى يميل بها إلى الرضا. . . فكثرة الكتاب في أوربا وفي العالم، وكثرة الموسيقيين وكثرة الاقتصاديين لم تحل دون النابغين، ولكن الأستاذ أحمد أمين يريد أن يرى هؤلاء النوابغ، ويريد أن يسألنا عن الفرق الكبير بين كاتب إنجليزي وكاتب إنجليزي آخر. . . والحق أننا لا نتعب كثيراً في أن ندله عليهم، لا بذكر الأسماء بل بوضع قاعدة تغير الموقف.

فالأستاذ لا يرى موسيقياً كالموصلي ولا كبتهوفن. ولا شاعراً كشكسبير، ولا كالمتنبي. ولا كاتباً كعبد الحميد ولا كابن المقفع ولا كما كولي، فيقول: لا نبوغ في هذا الأيام وينسى أن

ص: 33

الذين يتحدث عنهم جميعاً طواهم الموت وأحاطهم القدم بجلاله، ومحا أسماء منافسيهم الذين كانوا يعيشون معهم وبقيت أسمائهم وحدهم، وأن المعاصرين يعيشون معنا، ونحن نقرأ أسماء النوابغ وأسماء العامة، أقصد العاديين من الكتاب والفنانين، ولكن غداً سيموت الجميع، والأجيال القادمة هي وحدها التي ستدون أسماء المتفوقين الذين عاشت بدائعهم، وخلدت مؤلفاتهم، وظهرت آثارهم، عظيمة ومؤثرة وجليلة وستقول هذه الأجيال كما يقول اليوم الأستاذ أحمد أمين إن جيلها يخلو من النوابغ وإن الأجيال السابقة هي عهد المتفوقين والمبرزين.

فمثلنا مثل الذي يقف إلى جانب الجبل، لا يرى قممه، ولا سوافله، إنما يرى جسماً مسطحاً لا تضاريس فيه، فإذا بعد عنه ظهرت معالمه وبانت خطوطه واتضح له أنه عال في ناحية ومنخفض في ثانية، أو قل إن مثلنا مثل الوالد يعيش مع بنيه فلا يدري أنهم يزدادون طولاً مع مرور الزمن، فإذا غاب عنهم شهراً وعاد أدرك أن هذا أطول من ذاك، وأن أكبرهم أشد سمرة من أصغرهم، لأن طول النظر إلى الصورة لا يبرز معالمها.

المدارس انتشرت، والمعارف رخصت، ولكن النفس البشرية هي هي باستعدادها، سيبقى النبوغ فيها استعداداً لا يضعفه نظام، ولا يقويه نظام، إنما يغير فيه قليلاً.

لقد طرنا في السماء، وغصنا في الماء، ولكن لا يزال الواحد منا إذا ما خلا إلى نفسه في القمر، ثارت شجونه، وتحركت في عيونه شؤونه، تماماً كما يفعل أبن الصحراء وراكب الجمل.

وأحفادنا سيقولون - حينما يقرءون مقالنا - إننا تعجلنا الزمن، فقلنا عن عهدنا إنه عهد لا نبوغ فيه، وإنهم سيرونه عهداً ككل العهود، فيه النوابغ وفيه العاديون، فيه العمالقة وفيه الأقزام.

فتحي رضوان

ص: 34

‌على هامش رحلتي إلى الحجاز

ليلة في مكة

بقلم الدكتور عبد الكريم جرمانوس

أستاذ التاريخ الشرقي بجامعة بودابست

أخذ الغسق يهبط بسرعة في وادي مكة الضيق، المشبع بهواء الصحراء الجاف؛ وهنا بدأت خيوط الأصيل الذهبية تتلاشى ثم تختفي دفعة واحدة كأن ستارا أسدل عليها بغتة؛ وبعد فترة وجيزة أخذ الليل ينشر خيمته السوداء فنسينا حينذاك ذكريات الغروب الجميلة وأصبحت لدينا كحلم سافر بعيد، ثم خيم السكون وشمل المدينة كلها.

وكنت أشاهد منظر غروب الشمس من إحدى نوافذ بيتي الصغير في مكة، ولم ير الديك الذي كان يصيح طيلة النهار داعياً لإيقاف صياحه، كأن عظمة هذا الغروب لم تؤثر في نفسه، ولكن الدجاجات لاذت بالصمت وراحت تتسلق أقفاصها استعداداً للنوم.

وكان يقع في طرف فناء البيت الصغير الذي أعد لضيافتنا قسم خاص بالحريم تجلس في إحدى غرفه سيدة وقور اسمها سنية، تقرأ القرآن على ضوء مصباح خافت اللون، على حين كانت ابنتها فاطمة النحيلة الخصر منصرفة إلى أعداد طعام العشاء لإرساله إلينا مع إحدى العجائز، وحتى هذه العجوز الشمطاء كانت تتخذ كل الحيطة عند إحضارها الطعام بحيث لا يظهر وجهها، وكانت تحمل الصينية على يديها ثم تدفعها بحذر على عتبة الغرفة وتنسل راجعة، فأقوم بدوري لآخذ الصينية بمجرد وضعها على العتبة، أما الطعام فهو لا يخلو عادة من الأصناف العربية المشبعة بالتوابل

كانت هذه العجوز تحاول كما قلت أن تمنعني من رؤية وجهها، ولقد أفلحت في ذلك إلى حد كبير، فلم أر منها إلا ذلك الهيكل العظمي، ولم أسمع من حركتها إلا صوت ذلك القبقاب الخشبي الذي كنت أسمع طقطقته على الدرج حين صعودها وحين أوبتها إلى الحريم، فالمرأة في كل زمان ومكان، هي المرأة، أو ذلك اللغز الغامض، في الغرب وفي الشرق على السواء، فإذا ما دفعني حب الاستطلاع لرؤية فاطمة الجميلة، وليس هذا بمستغرب من رجل مثلي، أخذت أنظر إليها خلسة من إحدى الثغرات، ويلوح لي أن الفتاة الصغيرة كانت

ص: 35

تشعر أيضاً بأن العيون موجهة إليها من خصاص الشباك فكانت تتخذ كل حيطة وحذر فتقفل نوافذها وترخي السدول عليها حتى تمنع عنها تلك النظرات التي تخافها وتخشاها، ولكن فاتها أن في الفضاء تياراً خفياً ينشر جاذبية العواطف، وينبعث من شعاعه شرارة سرعان ما تكون سبباً في تأجج تلك النيران التي تضيء الحياة بلهيبها. هذه التيارات مخيفة في الواقع لأنه حين اشتعالها تزيد أوار الحب في القلوب البشرية، فتوقظ فيها وسائل الحياة ووسائل الموت دون تفريق بينهما. أما أنا فلا أخفي عنك أنني ارتعدت من هول ذلك التيار، فرميت رأسي إلى الوراء حياء مخافة أن يقع نظر الفتاة علي وأنا أتجسس عليها عن كثب، ومخافة العار والفضيحة ولا سيما وأنا غريب عن البلاد

ففي ارض الحجاز، تلك البلاد التي لا يوجد فيها من الجنس الأوربي غير شخصي الضعيف، مرتدياً تلك الملابس الإفرنجية، والذي تخرج من فمه رطانة لا يفهمها غيره، كنت مضطراً بحكم البيئة التي تربيت فيها أن ابحث وأدقق في كل ما يقع نظري عليه، ولكن بروح أجنبية، فكان شأني شأن اللص الذي يتسلل إلى بيت تحت جنح الظلام، في وقت هجوع سكانه، ثم يخشى أن يقوده سوء الطالع فتصدم رجله قطعة من الأثاث، أو يفتح باباً خلسة، بيد مرتجفة، بل قد تراه يتلفت ذات اليمين وذات اليسار خائفاً وجلاً، فإذا صادف أن شعوره الإجرامي لم ينبض في صدره، فحينذاك يكاد يطير فرحاً لاقتناصه فريسته، وإذا لم يجد وازعاً من ضميره فانه يفخر بانتصاره على ضحيته، ومن الأسف أن هذا الشعور الإجرامي يلازمنا من المهد إلى اللحد، فأمامنا الرجل العادي الذي يهرع إلى فراشه ليلاً على حين نقضيه نحن في مسامرة النجوم، وفي الوقت الذي يعود هو فيه إلى بيته بعد أن يكون قد أكتسب قوته بعرق جبينه فما علينا إلا أن نوجه أنظارنا إلى ألوان الشمس العظيمة ساعة غروبها، ونتعلم منها عن كثب طرق التحول ونعد قبلاتها الحلوة التي تطبعها على سطح الأرض من نعم الطبيعة، أجل يتحتم علينا أن نبحث بدقة وحذر خشية أن نتخبط في ديجور الظلام كما يتخبط اللص في الخفاء

انه لأحساس نبيل لو أتيح للإنسان أن يكون كشجرة الأرز الباسقة، تلك الشجرة المغروسة على أعالي القمم، تنقل عينها من حين إلى آخر على المروج الخضراء والكروم الزمردية، ولكن هذه الشجرة - وهي سيدة الأشجار - ستبقى على الدوام مهددة بميلها للسقوط في

ص: 36

وسط الأدغال، حيث الحركة والحياة بين الحشرات والأزهار وبين القطعان في مراعيها، وحيث الأطفال يضحكون وحيث تستغرق السعادة في سباتها العميق

هذه الأفكار مرت سراعاً بمخيلتي، عندما كنت انظر صفوف نوافذ منازل مكة التي تطل على هذا الوادي الضيق، ثم وقع نظري على المآذن الشامخة وقد فارقتها أشعة الشمس الذهبية، كأنها تناديني أن أقترب منها. وهذه الشمس التي غربت هي بغير نزاع ذلك الصاحب الأمين للأجنبي، فشمس الصباح وشمس الظهيرة بهما قوة واقتدار مثل قوة الشاب العاشق، ولكنها على الدوام واحدة لا تتغير، أي أنها لا لون لها، وتكاد تكون في الغالب وحشية شاحبة ومزعجة. إنها لاشيء سوى القوة الغشوم، فهي كالآلة، بيد أنه ينقصها الإحساس، والصوت والضمير، والشوق. فهذه الشمس التي تغرب، ليست سوى حب الرجل البالغ، فالضمير، والمعرفة، والفرح، والأحزان قد تغلبت عليها مئات المرات، وأخضعتها لسلطانها، وظلت للآن في كفاحها تغالبها، وستظل في هذا الكفاح الدائم راضية بالحياة، ممتزجة مع الموت

هنا سمعت المؤذن يدعو المؤمنين إلى الصلاة، وهنا يجب علينا أن نولي وجوهنا شطر الكعبة المقدسة لنسجد للحي القيوم، مالك الملك، الذي خلقنا فسوانا، وفي قدرته الحياة والموت، صاحب الأمر الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، إننا ندعوه ونبتهل إليه في قعودنا وقيامنا، إذا ليس أفضل من الابتهال إلى قدرته، تلك القدرة الدائمة الأبدية، فطوبى لمن يخشون ربهم. نعم طوبى لهم وحسن مآب

خيم الظلام المخيف على جميع أطراف مكة، وفي هذه البقعة الصحراوية الجرداء نرى بيت الله، ذلك البيت العتيق قبلة الشعوب الإسلامية، الذين ينسون حطام الدنيا ومتاعبها ويطئون المادة بأقدامهم ويستعيضون عنها بالأيمان المطلق، وهو لعمري أثمن من كل شيء في الوجود، فيتخلصون من شرور الجسد ويصعدون بأرواحهم إلى أعلى عليين، وما أحلى وأطيب سماعك آذان المغرب في بلاد العرب، أو على الأقل ما وجدت شيئاً أروع منه، خصوصاً وقد قدمت إلى هذه الأرض المقدسة لأتطهر من أدراني وأبغي الثواب والمغفرة، وسيعلم الإنسان عندما تصعد الروح إلى بارئها، وعندما تنهار أعمال الرجال، فأننا بفطرتنا

ص: 37

نلجأ إلى حماية الرب العظيم، حيث الماء والهواء يحركان الصخور؛ ولكن على الرغم من ذلك نحاول أن ننشل أنفسنا من وهدة القنوط بقوة الأيمان، تلك القوة التي تخفف عنا عذاب الضمير وتهدئ من ثورة عواطفنا الجامحة، فتطمئن قلوبنا بذكر الله وتجري على شفاهنا آيات الكتاب الكريم

أليست كلمات الله العذبة الفصيحة قادرة على أن ترشد الإنسان مهما كان زائغ العقيدة إلى الصراط المستقيم؟

ذلك الصراط الذي وعد الله به عباده المتقين فيرون ضوء الشمس الساطعة في كل جزء من أجزاء الحياة، وعندما تشعر النفس بالكآبة فلا عزاء لها إلا أن تيمم نحو الخالق العظيم لأن الله سبحانه وتعالى يحب من عباده التوسل والضراعة إليه، والكل يغترفون من فيض نعمائه لأنه رحيم رؤوف بعباده. على ضوء هذه العقيدة اضطجعت في غرفتي وأغمضت عيني فشعرت بازدياد ضربات قلبي ثم ألفيت نفسي أتلو آية الكرسي، وهناك شعرت بدمعتين حارتين تنحدران على خدي. ثم أسدل الليل ستاره وخيم السكون على أنحاء المدينة وبدأ القوم يوقدون مصابيحهم الزيتية، وحضرت الخادم تحمل طعام العشاء فسرعان ما شعرت بأني أهبط من طبقات السمو والتفكير في صفات الخالق إلى حضيض الأرض، وبعد أن تناولت عشائي نهضت فارتديت سروالي وعصبت رأسي بعصبة أحكمت فوقها عقالا، ثم يممت شطر جبل أبي قبيس لزيارة صديقي الأستاذ عبد الله رافع الذي دعاني مع آخرين لقضاء ليلة ساهرة في بيته، فاخترقت في طريقي سوق المدينة ورأيت الشوارع لا تزال مكتظة بالزوار وحجاج البيت الحرام. وكانت دار صديقي حافلة بالضيوف فما كدت أغشي الصالة الكبرى حتى أحسست أني في عزلة عن الضوضاء، وشعرت بالهدوء الشامل والطمأنينة المريحة

وأستطيع أن أقول إن جماعة الوهابيين في بلاد العرب يحرمون بتاتاً الاجتماع في الولائم وغيرها، وحجتهم في ذلك أنها مخالفة لنصوص الشريعة والسنة، ويقولون أن في التقشف الغذاء النفساني لكل طالب، ويعززون رأيهم بأن الإنسان ما خلق إلا للعبادة والتقوى، وليس له أن يتوغل في إعطاء النفس شهواتها لأن الحياة في ذاتها كلها تعب وقصيرة؛ وليس الغرض منها أن يتمتع الناس وينغمسون في شهواتهم. بيد أني أرى أنهم يبالغون في هذا

ص: 38

التحريم لأن الله حين نظر إلى التراب الذي خلق منه آدم والذي تكون منه العالم، سقطت من عينه دمعة، وهذه الدمعة كانت تحمل شطراً من القلب ومن طبيعته أن يوجد فيه الحب والأحزان وغيرها من الصفات الكامنة الآن في نفوسنا.

(البقية في العدد القادم)

ص: 39

‌أول مدرسة مصرية فرنسية

للدكتور زكي مبارك

هذه أول مرة تلقى فيها كلمة اللغة العربية، بجانب كلمة اللغة الفرنسية، في هذا المعهد؛ وذلك حق كسبته اللغة العربية منذ عامين، منذ إنشاء القسم المصري الذي تسود فيه اللغة العربية سيادة أصيلة، ويدرس فيه الأدب العربي دراسة مفصلة، على نحو ما يدرس في أرقى المدارس المصرية

والقسم المصري لم ينشأ في هذا المعهد لمجرد المجاملة، وإنما هي خطة تعليمية قضى بها المنطق السليم. وتوجيه صالح وفق إليه المشرفون على سياسة التعليم في هذا المعهد الذي يجمع بين القديم والحديث.

فأنا أيها السادة أتكلم باسم أساتذة اللغة العربية في القسم المصري كما تكلم زميلي المسيو بارال باسم أساتذة اللغة الفرنسية في القسم الفرنسي، وكذلك يأخذ الأدب العربي مكانه في تقاليد الحفلات السنوية منذ اليوم، ويصير من حظ هذا المنبر أن يطرب في كل عام وهو يستمع لغة القرآن.

وإنشاء القسم المصري في معهد الليسيه هو الذي أوحى إليّ موضوع هذه الخطبة، وهو الكلام عن أول مدرسة مصرية فرنسية في التاريخ الحديث.

والمدرسة التي أعنيها هي البعثة التي أرسلها محمد علي الكبير إلى فرنسا في سنة 1826 وقد كانت مؤلفة من اثنين وأربعين طالباً منهم ثلاثة من طلبة الأزهر الشريف.

وما سميت تلك البعثة مدرسة من باب المجاز فقد كانت مدرسة بالفعل، وكذلك سماها المسيو جومار في التقرير الذي نشره في الجورنال أزياتيك في سنة 1828.

ومن طريف التشابه أن أذكر أن المدرسة المصرية الأولى كانت مؤلفة من اثنين وأربعين طالبا ثم زاد طلبتها بعد ذلك وأن القسم المصري في الليسيه كان طلبته في الأسبوع الأول أثنين وأربعين طالبا ثم تكاثر العدد وازدحمت الفصول.

ولعل تشابه الحظوظ في هذه البداية يبشر بتشابه الحظوظ في التسامي والتفوق. والله بالتوفيق كفيل.

سافرت البعثة من مصر في يناير فوصلت إلى باريس في يوليو، وإنما كان السفر طويلا

ص: 40

لان المواصلات لم تكن سهلت إلى الحد الذي تعرفوه في هذه الأيام، وقد كانت تلك الرحلة المطولة سبباً في أن يتعرف الطلاب إلى الأقاليم الفرنسية، ويدرسوا ما ائتلف وما اختلف من أخلاق الناس.

ولما استقر الطلبة في باريس عاشوا تحت إشراف ثلاثة من الأساتذة المصريين، وكان لأولئك الأساتذة الثلاثة واجبات دراسية، ومن هذا ترون كيف كان المصريون يعرفون واجبهم في ذلك الحين

كان الطلبة يقيمون أول الأمر مجتمعين في بيت واحد يسمونه المركز، ثم رؤى أن يتفرقوا في المنازل الفرنسية ليتذوقوا الروح الفرنسي. فنظمت لهم لائحة مكونة من أربعة عشر مادة. وإليكم نصوص تلك المواد لتروا كيف كانت إدارة البعثة تفهم الواجبات التعليمية في تلك العهود

المادة الأولى: (1) إن يوم الأحد المقرر لهم الخروج فيه يلزم أن يخرجوا من البنسيونات في الساعة تسعة ويأتوا إلى البيت المركز من أول الأمر ويقدموا وقت الدخول ورقة معلمهم إلى الأفندي النوبتجي لأجل أن يعلم ساعة دخولهم في البيت، وبعد ذلك يذهبون إلى المواضع المعدة للفرجة بشرط أن يجتمع ثلاثة أو أربعة، ثم يرجعون إلى البنسيونات في أيام الصيف الساعة تسعة، وفي أيام الشتاء الساعة ثمانية

المادة الثانية: إن من لم يمتثل لخصوص ما سبق يمنع من الخروج من البنسيون بحسب الاقتضاء جمعة أو جمعتين

المادة الثالثة: إن كل من له شكاية من معلمه لا تسمع ولا تقبل حتى يكتبها في ورقة. ولا تسمع إلا إذا كانت من جهة التعليم أو جهة أخرى يحصل له منها ضرر

المادة الرابعة: إن جميع الأفندية يمتحنون في آخر كل شهر ليعرف ما حصلوه من العلوم في هذا الشهر ويسألون عما يحتجون إليه من الكتب والآلات ويكتب في آخر كل شهر كسبهم وتحصيلهم وأفعالهم على الوجهة الصحيح

المادة الخامسة: لو احتاجوا شيئاً من الكتب والآلات في أثناء الشهر يطلبونه من معلمهم بورقة يكتبونها له، ومعلمهم يخبر بذلك مسيو جومار، فأن رآه مناسباً يعطيهم ذلك بعد ما يخبر النوبتجي، فأن اشترى أحداً شيئاً من غير إجازة يلزمه أن يدفع ثمنه من عنده

ص: 41

المادة السادسة: إنه بعد الامتحان بما ذكرنا في المادة الرابعة إن أستحق أحد من الأفندية الهدية لنجابته تعطى له كتب وأدوات وسعة

المادة السابعة: في محل التفرج أو على الطريق لا ينبغي لأحد منهم أن يرتكب ما يخل بمروءته، وهذا الأمر هو أهم الجميع وممنوع أشد المنع

المادة الثامنة: إن كل الأفندية الذين في البنسيونات لا يدخلون البيت المركز إلا كل خمسة عشر يوماً مرة وهو يوم الأحد

المادة التاسعة: إن يوم الأحد الذي لا يأتون فيه إلى البيت يخرجون فيه مع أولاد الفرنساوية أو مع المعلمين إلى مواضع التفرج أو الرياضة أو ما ينبغي رؤيته، وكذلك يوم الخميس أو يوم التعطيل، أن لم يكن عليهم شغل فيذهبون مع من ذكر إلى المواضع المذكورة

المادة العاشرة: إذا خالف أحد هذا الترتيب يقابل بقدر مخالفته، وإذا اظهر عدم الطاعة يحبس بالخشونة، وإن كان يتشبث بأفعال غير لائقة وأطوار غير مرضية وجاءت تذكرة من معلمه تشهد عليه بقبح حاله وتبين عصيانه فمثل ما ذكر حضرة ولي النعم أفندينا في القوانين التي أعطاها لنا نتشاور مع المحبين لحضرة أفندينا من أهالي هذه المدينة ونرسل فاعل القبح والعصيان بنفسه حالاً إلى مصر من غير شك ولا شبهة.

المادة الثانية عشرة: إن جميع الأفندية يكونون في البنسيونات في هذا الترتيب على حد سواء، وإن كان في البنسيونات مائدتان إحداهما للمعلمين والأخرى للتلاميذ فأفنديتنا يأكلون مع معلميهم.

المادة الثالثة عشرة: إن الأفندية المذكورين يلزمهم جميع ما ذكر من القوانين من غير امتياز ولسبب ذلك أعطينا كل واحد منهم صورة ذلك

المادة الرابعة عشرة: كل المواد السابقة هي خلاصة أفكارنا ونتيجة أذهاننا وأذهان الأعيان الذين وصاهم علينا حضرة أفندينا، وبناء على ذلك كل أحد يلزمه أن يتبعها مع التنبيه لأجل تحصيل رضاء حضرة أفندينا ولي النعم. فمن لم يمتثل أو تعلل بشيء يجرى عليه ما هو مذكور في قانون حضرة أفندينا ولي النعم حفظه الله.

أيها السادة:

حدثتكم أن محمد علي الكبير وكل رعاية تلك البعثة إلى المسيو جومار، فاسمحوا لي أن

ص: 42

أشير إلى بعض النواحي من أخلاق ذلكم المربي العظيم.

كان المسيو جومار يحرص أشد الحرص على تذكير الطلبة المصريين بأنهم من شعب مجيد له فضل سابق على الإنسانية فقد قال في الخطبة التي ألقاها عليهم في حفل توزيع الجوائز في اليوم الرابع من يوليه 1828:

(أيها الشبان، هذه أول مرة بعد وصولكم إلى فرنسا تعطى لكم أمام الجمهرة المكافأة التي تستحقونها على عملكم الذي ثابرتم عليه، وهذا اليوم يعد من أفضل أيام حياتكم، والأكاليل التي ستتوج بها رءوسكم بعد هنيهة هي رمز فخر عظيم، لأنكم أتيتم في عاصمة العلوم والفنون، وفي وسط مدينة تجمع بين جوانبها كل ما وجد من عناصر المدنية اليونانية وكل ما وجد من العناصر الفخمة في طيبة ذات المائة باب.

أمامكم مناهل العلم فاغترفوا منها بكلتا يديكم، وهذا هو قبسه المضيء بأنواره أمام أعينكم، فاقتبسوا من فرنسا نور العقل الذي رفع أوربا على سائر أجزاء الدنيا، وبذلك تردون إلى وطنكم منافع الشرائع والفنون التي ازدان بها عدة قرون في الأزمان الماضية فمصر التي تنوبون عنها ستسترد بكم خواصها الأصلية، وفرنسا التي تعلمكم وتهذبكم تفي ما عليها من الدين الذي للشرق على الغرب كله)

ولم يقف المسيو جومار عند هذا الحد من التذكير بمجد مصر، بل يتحدث إلى الجورنال أزياتيك عن البعثة المصرية فأشار إلى ما أنشأ محمد علي الكبير من المدارس في وادي النيل فقال إنها ستكون عاملاً لرد النور إلى وطنه الأصلي، ذلك النور الذي يجب على كل من يعني بنشر العلوم والمعارف والمدنية أن يرده إلى مهده الأصيل

ولعلكم تسألون أيها السادة عن عناية محمد علي الكبير بتلك البعثة، وجواب ذلك عند الشيخ رفاعة الطهطاوي، فقد حدثتنا مذكراته أن محمد علي الكبير كان يبعث إليهم من وقت إلى أخر خطاباً يحضهم به على الجد والتحصيل، وأثبت شاهد لذلك نسوق منه طرفا للدلالة على مبلغ عناية ذلك الرجل العظيم بأولئك المبعوثين

قال طيب الله ثراه:

قدوة الأماثل الكرام الأفندية المقيمين في باريس لتحصيل العلوم والفنون، زيد قدرهم

قد وصلتنا أخباركم الشهرية والجداول المكتوب فيها مدة تحصيلكم، وكانت الجداول

ص: 43

المشتملة على شغلكم ثلاثة أشهر مبهمة لم يفهم منها ما حصلتموه في هذه المدة، وما فهمنا منها شيئاً، وأنتم في مدينة مثل مدينة باريس التي هي منبع العلوم والفنون، فقياسا على قلة شغلكم هذه المدة عرفنا عدم غيرتكم وتحصيلكم، وهذا الأمر غمنا كثيرا، فيا أفندية ما هو مأمولنا منكم، فكان ينبغي لهذا الوقت أن كل واحد منكم يرسل لنا شيئاً من أثمار شغله وآثار مهارته، فإذا لم تغيروا هذه البطالة بشدة الشغل والاجتهاد والغيرة وجئتم إلى مصر بعد قراءة بعض الكتب فظننتم أنكم مثلهم في العلوم والفنون فأن ظنكم باطل، فعندنا ولله الحمد والمنة رفقاؤكم المتعلمون يشتغلون ويحصلون الشهرة فكيف تقابلونهم إذا جئتم بهذه الكيفية وتظهرون عليهم كمال العلوم والفنون، فينبغي للإنسان أن يتبصر في عاقبة أمره وعلى العاقل أن لا يفوت الفرصة وأن يجني ثمرة تعبه. . .

فأن أردتم أن تكسبوا إرضاءنا فكل واحد منكم لا يفوت دقيقة واحدة من غير تحصيل العلوم والفنون، الخ، الخ

ويحدثنا الشيخ رفاعة أن هذا الخطاب كان له في أنفس الطلاب تأثير شديد، وكان من نتائجه أن صاروا يكتبون إلى مصر في كل شهر بياناً بما قرءوه وما تعلموه

أيها السادة، سمعتم اسم المسيو جومار في هذه الخطبة غير مرة، وعرفتم فضله على تلك البعثة، فمن الخير أن نشير إلى أن محمد علي حفظه له ذلك الجميل، فأرسل إليه خطاب ثناء في 10 يناير سنة 1834 وترون ذلك الخطاب في كتاب سمو الأمير عمر طوسون عن البعثات

أما بعد فقد كان المسيو جومار واثقاً كل الثقة وهو يلقي أول خطبة في توزيع الجوائز على أول مدرسة مصرية، وقد حققت الأيام ظنه فكان أولئك المبعوثون رسل علم وهداية وكانت معارفهم الأدبية والعلمية أساسا لما عرفت مصر من أصول التمدن الحديث

وأنا أيها السادة في أول خطبة لتوزيع الجوائز على طلبة القسم المصري أثق بتلاميذي أكثر مما كان يثق المسيو جومار بتلاميذه، وأعتقد أن القسم المصري بالليسيه سيخرج لكم نماذج جميلة من الشبان المثقفين الذين يعرفون واجبات الرجال

نحن نعرف تلاميذنا أيها السادة، وأؤكد لكم أننا وضعنا في صدورهم جذوة لن تخمد، وهديناهم إلى نمير من المعارف لن ينضب ولن يغيض

ص: 44

والتلاميذ الذين يفرحون اليوم بتسلم الجوائز خليقون أن ينسوا إساءتنا إليهم أيام الدرس، فقد أسرفنا في إثقالهم بالواجبات وعاقبناهم أحياناً على هفوات صغيرة لا تستحق العقاب، إنهم خليقون أن ينسوا عنفنا وقسوتنا في معاملتهم فقد كنا على يقين من أن الأبوة تبيحنا حق التحكم فيهم، وتفرض علينا أن نلقاهم بوجوه تمثل الحزم وقلوب تضمر العطف والوداد

إنما نمنحكم الجوائز أيها الأبناء النجباء لتنسوا هموم الدرس فماذا تصنعون أنتم لمكافأة أساتذتكم؟ إن لنا في ذمتكم جائزة واحدة فتفضلوا بها علينا

أو تدرون ما هي تلك الجائزة؟ هي أن تكونوا أبطالاً يرفعون الوطن ويخدمون الإنسانية

لقد منحناكم خير ما نملك، فامنحوا الوطن والإنسانية خير ما تملكون

أيها الأبناء النجباء

لقد شقينا لتسعدوا، فليس من الكثير أن نطلب منكم أن تشقوا ليسعد الوطن وتسعد الإنسانية

تذكروا يا أبناءنا الأعزاء أن الشقاء في سبيل الخير هو السعادة الغالية التي ينشدها أرباب القلوب

زكي مبارك

ص: 45

‌في الأدب الإنجليزي

شكسبير والأدب العربي

للأستاذ جريس القسوس

(مهداة إلى الأستاذ فخري أبو السعود)

يقف من يتعمق في دراسة الأدبيين العربي والإنجليزي على ظاهرة غريبة حرية باهتمام من يعنون بدراسة الآداب الإفرنجية، أعني بها التماثل الظاهر بين ما يرد في كلا الأدبين من قصص وحكم وآراء فلسفية: وهو تماثل يحمل المرء على الاعتقاد الجازم بأن أحد هذين الأدبين قد أقتبس من الآخر، أو تأثر به تأثراً بعيداً

وفي روايات شكسبير خاصة من القصص والحكم والكنايات والإشارات ما يثبت أن مؤلف هذه الروايات الخالدة كان ملماً بعض الإلمام بالأدب العربي، وخاصة القديم منه، ولا نقول العكس لأن هذه القصص المتشابهة وردت في الآداب العربية قبل الإنكليزية بعهد طويل.

وأنني لا أرى مبرر للزعم بأن شكسبير نقل حكمه وآراءه الفلسفية عن الأدب العربي، إذ أن الشاعر في كل آن ومكان وفي أية حالة أو ظرف من ظروف الحياة، لا يخرج عن كونه أنساناً يتألم ويحس بما يحس به غيره من الشعراء عند الأمم الأخرى، وإن اختلفوا لغة وجنساً، فالحياة والطبيعة البشرية، اللتان هما المصدران الرئيسيان واللتان يستمد منهما الشاعر المخلد وحيه، إنما هما ثابتتان لا تتغيران أصلاً في كل بيئة وزمان، فشكسبير والمتنبي، وبيرون وعمر بن أبي ربيعة، وشلي وموسيه، ودانتي وأبو العلاء، جميعهم حلقوا في سماء الشعر، واختلجت في صدورهم أحاسيس وأخيلة وفكر متماثلة بعض التماثل في المعنى، وإن كانت تختلف بما ألبسته هذه المعاني الرائعة من أثواب قشيبة منمقة. لهذا ترى العباقرة في كل باب وفن يتجردون من السفاسف البشرية التافهة والهنات السخيفة التي يتمسك بأذيالها فئة الجهال، كالفروق الدينية الجنسية واللغوية، إذ يتسامى العباقرة عن كل تعصب ذميم ممقوت وينضوون تحت لواء مملكة واحدة هي فوق هذه الممالك التي تظهر متباينة الألوان على المخططات الجغرافية

ولعل هذا القول يصدق على التشابه الظاهر بين الحكم والآراء الفلسفية الواردة في شكسبير

ص: 46

والأدب العربي، أكثر منه على الخرافات والقصص العامية

فهذه تتداولها الألسن من قطر إلى قطر وتتناقلها الأجيال من عهد إلى عهد؛ ولا حرج على الأديب المنتج من تضمين أدبه قصة عامية تلقاها عن أمة أخرى بالرواية أو المطالعة. وللعالم والأديب الكبير بيزا قنصل رومانيا السابق في فلسطين. أبحاث شيقة حول موضوع شكسبير والخرافات الشرقية، وقد سرد في محاضرة له قيمة سماها:

(شكسبير والقصص العامية الشرقية) طائفة من القصص والخرافات التي كانت تدور على ألسنة العوام والفلاحين في الشرق، وحين رجع الصليبيون إلى أوربا نقلوا معهم الشيء الكثير منها، فانتشرت تلك القصص بين الخاصة والعامة في الأوساط الأوربية، فكان شكسبير أحد أولئك الذين ذكروا هذه القصص في منتوجاتهم الأدبية، وأنا لا أدري إلى أي حد تبلغ هذه النظرية من الصحة، بيد أنني وقفت على قصص عديدة في روايات شكسبير، ذكرتني بأخرى في الأدب العربي، شبيهة بها بعض الشبه.

ولا أخال أحداً طالع رواية مكبث ولا يذكر لأول وهلة قصة زرقاء اليمامة، فشكسبير قد ضمن هذه الرواية فكرة الغاب المتحرك، إذ حينما عبأ مكدوف جيشه العظيم منتقماً لوالده المغدور به، ومستعيدا ملكه المغتصب من مكبث القائد الطاغية العنيد، بعث مكبث من يستطلع أمر العدو، فاعتلى أحد جنده ربوة عالية تشرف على جيش عدوه. وبدلاً من أن يرى جيشاً لجباً، رأى غاباً كثيفاً يتحرك نحوه رويداً رويداً، فعاد الرسول وأخبر مولاه بما رأى، فأيقن مكبث أنه لا محالة هالك، إذ بذاك تتحقق نبوة الساحرات الثلاث اللاتي ظهرن له في أول عهده، وتنبأن له باعتلاء العرش، وأنه لن يلقى حتفه حتى يرى غاب برنام يتحرك نحو مقاطعة دنسنان وما كان غاب برنام الذي شاهده جندي الطليعة يتحرك إلا جيش مكدوف متستراً بأشجار اقتطعها وحمل كل جندي منهم شجرة يسير تحتها متخفياً ليتمكنوا بذلك من مفاجأة العدو، والإيقاع به على حين غرة، وهكذا أسفرت المعركة عن انهزام مكبث ولقاء حتفه على يد الابن الثائر.

وصاحب الأغاني يذكر كيف كانت زرقاء اليمامة ترى الجيش من مسير ثلاثين ميلا، وكيف أن قوماً آخرين غزوا قبيلتها، فلما قربوا من مسافة منظرها، قالوا (كيف لكم الوصول مع الزرقاء)، فأجمعوا على اقتلاع أشجار تستر كل منها فارساً إذا حملها، ففعلوا

ص: 47

ذلك وساروا، فأشرفت الزرقاء كعادتها، فأجابت قومها وقد سألوها (ما ترى) قائلة:(أرى شجراً يسير) فقالوا: (كذبت أو كذبتك عينك) واستهانوا بقولها، فلما أصبحوا، صبحهم القوم، فاكتسحوهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقيل أخذوا الزرقاء فقلعوا عينيها

وقصة أخرى يشير إليها المستشرق الإنكليزي الشهير نيكلسون في كتابه في سياق البحث عن الحياة العامية في القسم الجنوبي من جزيرة العرب ولقد وردت هذه القصة في قصيدة (أسعد كامل أو أبو كرب) التي أطلق عليها نيكلسون أسم (قصيدة الساحرات الثلاثة) ذلك لما بينها وبين خرافة الساحرات الثلاثة. اللواتي يمثلن ذلك الدور المدهش في رواية مكبث، من تشاكل وتشابه عظيمين، والقصيدة كما سترى، موضوعة في قالب أقرب إلى العامية منه إلى الفصحى. وقد نقلها فون كريمر المستشرق الألماني إلى الألمانية مودعاً إياها كتابه وكذلك نقلها نيكلسون إلى الإنكليزية في كتابه المذكور

وفي هذه القصيدة يخاطب أسعد أبنه حسناً ويوصيه بالبطولة، ويسرد له في سياق الحديث قصة الساحرات الثلاث كيف صادفنه غلاماً، فمزجت له الكبرى أولاً دواء، وأعطته فشرب، وقدمت له الوسطى ضبياً برياً امتطاه وذلله، ثم جاءت الصغرى تمرّضه فتجنّبها، ولما أيقن في هذه الجرأة النادرة والقدرة على مقارعة الخطوب، تنبّأن له بعهد سعيد ومستقبل باهر، يتنسم فيه ذرى المجد، وهكذا تمت النبوة فقد أصبح أسعد، على ما جاء في القصيدة، قائد جيش مجر، ثم ملكا تهابه الأعداء.

وأنت تذكر أن مكبث كان في أول عهده قائداً مغواراً في عسكر الملك دانكين ولما عاد هو وبنكو مظفَّرين لقيا في طريقهما، ثلاث عجائز شمط، دأبهنَّ القيام بأعمال سحرية خارقة، ولهن القدرة على قراءة المستقبل، ومعرفة الغيب فتنبأن أن سيكون مكبث مبدئياً من الشرفاء، ثم يعتلي العرش، وبعد ذلك بقليل تحقق القسم الأول من النبوءة، فقد اختار الملك القائد مكبث ليكون شريفاً، ثم تعلم كيف سوّلت لمكبث نفسه التطلع إلى الملك، فدعا الملك (دنكن) إلى وليمة وقضى عليه ليلاً، ثم نصب نفسه ملكاً على الشعب

ومن يدرس ما جاء على لسان هؤلاء الساحرات في رواية مكبث من أقوال دقيقة معقدة ويقابل ذلك بحديث الساحرات في العقيدة العربية يلقي تشابهاً يدعو إلى الإعجاب الشديد، فساحرات مكبث من شأنهن طبخ الأدواء ومزجها واستعمالها في جميع أعمالهن السحرية،

ص: 48

وشبيه بذلك ما جاء عن ساحرة أسعد الكبرى، فقد ورد أنها

جاءت إليه الكبرى بأسقية

شتى وفي بعضها دم كدر

ثم إن الضبع الذي قدمته الساحرة الوسطى لأسعد هو من مطايا ساحرات أسعد؛ وفي رواية مكبث تشير إحدى الساحرات إلى اتخاذ زوجها النمر مطية تحمله إلى حلب العربية ولا أدري ما الذي حدا بشكسبير إلى ذكر حلب البلدة السورية العربية، ولو لم يكن بين هاتين الخرافتين من علاقة وثيقة وسبب متين

أما وقد بسطنا بعض وجوه الشبه بين الخرافتين، فمن المستحسن الإتيان بقصيدة أسعد بكاملها ليتسنى بذلك مقابلتها مع الخرافة الشكسبيرية بالتفصيل والتدقيق

الدهر يأتيك بالعجائب

و

الأيام والدهر فيه معتبر

بينا ترى الشمل فيه مجتمعا

فرقة في صروفه القدر

لا ينفع المرء فيه حيلته

فيما سيلقاه لا ولا الحذر

أتى زعيم بقصة (عجب)

عندي لمن (يسترد هذا) الخبر

يأتي بتصديقها الليالي

و

الأيام إن المقدور ينتظر

يكون في (الأسد) مرة رجل

(ثم) له في ملوكه الخطر

مولده في قرى ظواهر هم

دان بتلك التي اسمها (خمر)

يقهر أصحابه على حدث

السن (ويحقرهم) فيحتقر

حتى إذا أمكنته صولته

وليس يدري ما شأنه البشر

أصبح في هيوم على وجل

وأهله غافلون ما شعروا

رأوا غلاماً بالأمس عندهم

أزرى لديهم بجهله الصغر

أن يفقدوه لا در درهم

لو علموا العلم فيه لافتخروا

حتى إذا أدركته روعته

بين ثلاث وثلاثة صخروا

جاءت إليه الكبرى بأسقية

شتى وفي بعضها دم كدر

فقال هاتي إليّ أشربها

فقالت له ذر فقال لا أذر

فناولته فما تورع عن

حصاة حتى أماده السكر

فنهنهته الوسطى فنازلها

كأنه الليث هاجه (الزعر)

ص: 49

قالت له هذه مراكبنا

فاركب فشَّر المراكب الحمر

فقال حقاً صدقت ثم سما

فوق ضبيع قد زانه القمر

فدق منه جنباً فغادره

فيه جراح منها به أثر

ثم أتته الصغرى تمرضه

فوق الحشايا ودمعه درر

فمال عنها بمضجع ضجر

لا يتساوى الوطاء والزعر

كان إذ ذاك بعد صرعته

من شدة الجهل تحته (الإبر)

فقلن لما رأين جرأته

أسعد أنت الذي لك الظفر

في كل ما توجهه بوجهها

وأنت يشقى بحربك البشر

وأنت للسيف والسنان وفي

الأبدان تبدو كأنها الشمر

(وإن) أنت المهريق (كل) دم

إذا ترامى (بشخصك) السفر

فارشد ولا تستكن في (خمر)

ورد ظفاراً فإنها الظفر

فلست تلتذ عيشة أبداً

وللأعادي عين ولا أثر

نحن من الجن يا أبا كرب

يا تبع الخير هاجناً (الذعر)

فما بلوناه فيك من تلف

عن عمد عين وأنت مصطبر

ثم أتى أهله فأخبرهم

بكل ما قد رأى فما اعتبروا

فسار عنهم من بعد تاسعة

إلى ظفار وشأنه (الفكر)

فحلَّ فيها والدهر يرفعه

في عظم الشأن وهو يشتمر

حتى أتته من المدينة تش

كو الظلم شمطاء قومها غدروا

(أدت) إليه منهم ظلامتها

ترجو به ثأرها وتنتصر

فأعمل الرأي في الذي طلبت

(فكان) كل بذاك يأتمر

فعبأ الجيش ثم سار به

مثل الدبا في البلاد ينتشر

قد ملأ الخافقين عسكره

كأنه الليل حين يعتكر

تعمم أعداءه (كتائبه)

وليس يبقى فيهم ولا يذر

حتى مضى منه (لثانية)

وفاز بالنصر ثم ينتصر

إنا وجدنا هذا يكون معاً

في علنا والمليك مقتدر

ص: 50

فالحمد لله والبقاء له

كل إلى ذي الجلال مفتقر

(السلط - شرق الأردن)

جريس القوقس ب. ع

مدرس اللغة الإنجليزية في مدرسة السلط التجهيزية

ص: 51

‌نقل الأديب

الأستاذ محمد اسعاف النشاشيبي

90 -

من اكتتب ضمنا بعثه الله ضمنا

في (الفائق) للزمخشري:

قال عمر (رضى الله عنه): من اكتتب ضمناً بعثه الله ضمناً. وهو الرجل يضرب عليه بالبعث فيتعالَّ ويتمارض ولا مرض به. ويحكى أن أعرابياً جاء إلى صاحب العرض فقال:

إن تكتبوا الضمني فإني لضمن

من داخل القلب وداء مستكن

91 -

منذ ثلاثين سنة أنتظر

سئل الشاعر الأهوازي كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت (والله) أظرف الناس، وأشعر الناس، وآدب الناس،

فقال السائل: اسكت حتى يقول الناس ذلك.

فقال: أنا منذ ثلاثين سنة انتظر الناس، وليسوا يقولون.

وعزيز علي مدحي لنفسي

غير أني جشمته للدلاله

وهو عيب يكاد يسقط فيه

كل حر يريد يظهر حاله

92 -

حلقة، حلقة

في تاريخ ابن عساكر:

كان زريع على عسس بلال فقال له يوماً: يا بني، إن أهل الأهواء يجتمعون في المسجد ويتنازعون، فأذهب فتعرف ذلك، فذهب ثم رجع إليه، فقال: ما وجدت فيه إلا أهل العربية حلّقة، حلّقة.

فقال له: ألا جلست إليهم حتى لا تقول: حلّقة، حلّقة؟

93 -

الخاطر

قال ابن جني في (الخصائص):

ص: 52

حدثني أبو علي (الفارسي) قال: قلت لأبي عبد الله البصري: أنا أعجب من هذا الخاطر في حضوره تارة ومغيبه أخرى، وهذا يدل على أنه من عند الله، فقال: نعم، هو من عند الله إلا أنه لا بد من تقديم النظر، ألا ترى أن حامداً البقال لا يخطر له.

ومن ظريف حديث الخاطر أنني كنت منذ زمان طويل رأيت رأياً جمعت فيه بين معنى آية ومعنى قول الشاعر:

وكنت أمشي على رجلين معتدلا

فصرت على أخرى من الشجر

ولم أثبت حينئذ شرح الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرته، ثم إني الآن وقد مضى له سنون أعان، الخاطر واستثمده وأفانيه وأتودده على أن يسمح لي بما كان أرانيه من الجمع بين معنى الآية والبيت، وهو معتاص متأب، وضنين به غير معط.

94 -

أفضل الناس بعد رسول الله

أتى شيعي وسني أبا نؤاس فقالا: أي الناس أفضل بعد رسول الله؟

فقال: أفضلهم بعده يزيد بن الفضل.

فقالا: ومن يزيد بن الفضل؟

فقال: رجل يعطيني كل سنة ثلاثة آلاف درهم. . .

95 -

ريبة

في (الكشاف):

عن بعض العرب أنه سئل عن نسبه، فقال: قرشي والحمد لله!!

فقيل له: قولك: (الحمد لله) في هذا المقام ريبة. .

96 -

أستريح منه إليك

في (الصناعتين) لأبي هلال العسكري:

قال معاوية رضي الله عنه لابن أوس: ابغ لي محدثاً

قال: أو تحتاج معي إلى محدث؟!

قال: أستريح منه إليك، ومنك إليه، وربما كان صمتك في حال أوفق من كلامك.

97 -

والي شرطة بغداد وأهل السنة والشيعة سنة 442

ص: 53

في (النجوم الزاهرة) لابن تغري بردي:

في سنة (442) كان من العجائب أنه وقع الصلح بين أهل السنة والشيعة، وصارت كلمتهم واحدة، وسبب ذلك أن أبا محمد النسوي ولي شرطة بغداد، وكان فاتكا، فاتفقوا على أنه متى رحل إليهم قتلوه؛ واجتمعوا وتحالفوا، وأذن بباب البصرة بـ (حي على خير العمل) وقرئ في الكوخ فضائل الصحابة، ومضى أهل السنة والشيعة إلى مقابر قريش فعد ذلك من العجائب، فان الفتنة كانت قائمة، والدماء تسكب، والملوك والخلفاء يعجزون عن ردهم، حتى ولي هذا الشرطة

98 -

تغير شعره ورق طبعه

قال السمعاني: لما ورد علي بن حسن الباخرزي بغداد مدح (القائم بأمر الله) بقصيدته التي صدر ديوانه وهي:

عشنا إلى أن رأينا في الهوى عجبا

كل الشهور وفي الأمثال: عش رجبا

أليس من عجب إني ضحى احتملوا

أوقدت من ماء دمعي في الحشا لهبا

وإن أجفان عيني أمطرت ورقا

وان ساحة خدي انبتت ذهبا

وان تلهب برق من جوانبهم

توقد الشوق في جنبيَّ والتهبا

فاستهجن البغداديون شعره وقالوا: فيه برودة العجم، فانتقل إلى الكوخ وسكنها وخالط فضلاءها وسوقتها ثم أنشأ قصيدته التي أولها:

هبت علي صبا تكاد تقول

إني إليك من الحبيب رسول

سكري تجشمت لربي لتزورني

من علتي، وهبوبها تعليل

فاستحسنوها وقالوا: تغير شعره، ورق طبعه

99 -

خطباء الطير

قال الثعالبي: خطباء الطير هي الفواخت والقماري والراوشين والعنادل وما أشبهها، وأظن أن أول من اخترع هذا الاستعارة المليحة أبو العلا السروي في قوله:

أما ترى قضب الأشجار لابسة

حسناً يبيح دم العنقود للحاسي؟

وغردت خطباء الطير ساجعة

على منابر من ورد ومن آس

ص: 54

100 -

ما مدحته إلا ثقة بضمانك

مدح ابن نباتة الكبير فخر الدولة وزير بهاء الدولة ابن عضد الدولة بقصيدة قال فيها:

لكل فتى قرين حين يسمو

وفخر الملك ليس له قرين

أنخ بجنابه واحكم عليه=بما أملته وأنا الضمين

فامتدح بعض الشعراء فخر الدولة بعد هذه القصيدة، فأجازه بجائزة لم يرضها، فجاء الشاعر إلى ابن نباتة وقال له:

أنت غررتني، وأنا ما مدحته إلا ثقة بضمانك فتعطيني ما يليق بمثل قصيدي، فأعطاه من عنده شيئاً رضي به، فبلغ ذلك فخر الدولة، فسير لابن نباتة جملة مستكثرة لهذا السبب.

101 -

أحسنت والله! هذا أحسن

قال ابن الخطيب البغدادي: كان بين أبوي العباس (ثعلب والمبرَّد) منافرات كثيرة، والناس مختلفون في تفضيل كل واحد منهما على صاحبه. وقال محمد بن خلف: كان بين المبرَّد وثعلب من المنافرة ما لا خفاء به، ولكن أهل التحصيل يفضلون المبرَّد على ثعلب

قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: حضرت مجلس أخي محمد بن عبد الله بن طاهر، وحضره أبو العباس ثعلب وأبو العباس المبرَّد النحويان. فقال لي أخي محمد: قد حضر هذان الشيخان وأنا أحب أن أعرف أيهما أعلم، فاجلس في الدار الفلانية، ويحضر هذان الشيخان حضرتك ويتناظران ففعلت ما أمر، وحضرا فتناظرا في شيء من علم النحو مما أعرفه، فكنت أشاركهما فيه، إلى أن دققا فلم أفهم، ثم عدت بعد انقضاء المجلس، فسألني فقلت: إنهما تكلما فيما أعرف فشاركتهما في معرفتي، ثم دققا فلم أعرف ما قالا. ولا والله يا سيدي، ما يعرف أعلمهما إلا من هو أعلم منهما، ولست ذاك الرجل. فقال أخي: أحسنت والله! هذا أحسن

ص: 55

‌هكذا قال زرادشت

للفيلسوف الألماني فردريك نيتشه

ترجمة الأستاذ فليكس فارس

نشيد الرقص

ومر زارا بالغاب يوماً ومعه صحبه فاكتشف وهو يفتش عن ينبوع مرجاً منبسطاً بين الأشجار والأدغال، وكان هنالك رهط من الصبايا يرقصن بعيداً عن أعين الرقباء. وإذ لمحن القادم وعرفنه توقفن عن الرقص ولكن زارا اقترب منهن وخاطبهن قائلا.

- داومن على رقصكن، أيتها الآنسات الجميلات، فما القادم بمزعج للفرحين وما هو بعدو للصبايا. أنا من يدافع عن الله أمام الشيطان، وما الشيطان إلا الروح الثقيل فهل يسعني أن أكون عدواً لما فيكن من بهاء ورشاقة وخفة روح؟ وهل لي أن أكون عدواً للرقص الإلهي ترسمه مثل هذه الأقدام الضوامر الرشيقات. . .؟

لا ريب في أنني غابة اشتبكت فيها قاتمات الأشجار وساد الحلك على أرجائها ولكن من يقتحم ظلماتي بلا خوف ليجدن تحت سرواتي الرهيبات طرقاً تحف بجانبيه الورود، وليجدن أيضاً الإله الصغير الذي تشتاقه الصبايا منطرحا بسكون قرب الينبوع وقد أغمض عينيه

لقد نام في وقت الظهيرة، هذا الإله المتراخي، ولعله سعى طويلا ليصطاد من الفراشات عدداً كبيراً. .

لا يكدركن مني أيتها الراقصات الجميلات تأديبي لهذا الإله الصغير، ولعله يصيح ويبكي ولكنه إله يجلب المسرة حتى في بكائه. فلسوف اقتاده إليكن والدموع سائلة على خديه ليطلب إليكن أن ترقصنه، وإذا ما رقص فسأرافقه أنا بإنشادي فما تجيء نغماتي إلا هزيجاً أصفع به الروح الثقيل، روح الشيطان المتعالي الذي يقول الناس إنه يسود العالم

وهذه هي الأغنية التي رفع زارا صوته بها بينما كان (كوبيدون) إله الحب يرقص مع الصبايا الفاتنات:

(لقد حدقت يوماً في عينيك، أيتها الحياة، فحسبتني هويت إلى غور بعيد القرار، غير أنك

ص: 56

سحبتني بشابك من ذهب وأطلقت قهقهة ساخرة عندما قلت إن غدرك لا قرار له. وأجبتني: - هذا ما تقوله الأسماك جميعها، فهي إذ تعجز عن سبر الأغوار تحسبها لا قرار لها. وهل أنا إلا المتقلبة النفور؟ وهل أنا إلا امرأة، وامرأة لا فضيلة لها. لقد تقول الناس كثيراً عن صفاتي ولكنهم أجمعوا على أنني غير المتناهية، المليئة بالأسرار

أيها الرجال، إنكم ترون في فضائلكم، فأنتم لا قبل لكم بادراك شيء آخر غيرها أيها الفضلاء. . .

هذا ما كانت تقهقه به في سخريتها تلك الحياة، غير أنني لا أثق بها ولا أصدق ضحكها عند ما تهجو نفسها

وناجيت يوماً حكمتي النفورة فقالت لي غاضبة: - إنك تطلب الحياة وتشتاقها وتحبها وذلك ما يحفز بك إلى بذل الثناء عليها

ولولا أنني تمالكت نفسي لكنت رددت بعنف على حكمتي وأعلنت الحقيقة لها وهي تغاضبني وهل من جواب أشد وقعاً على الحكمة من أن تهتك سرائرها

ما أحب شيئا ًمن صميم الفؤاد إلا الحياة، ولا يبلغ حبي لها أشده إلا حين أكرهها. وإذا ما أنا اندفعت إلى الحكمة وأغرقت في الالتجاء أليها فما ذلك إلا لأنها تبالغ بتذكيري بالحياة. فان للحكمة عيني الحياة لها ولها ابتسامتها. بل لها أيضاً شابكها المذهب، فما حيلتي بهما إذا تشابهتا إلى هذا الحد؟

وعندما سألتني الحياة عن الحكمة أجبتها: هي الحكمة يشتهيها الإنسان بكل قوته ولا يشبع منها. فهو يحدق فيها ليتبين وجهها من وراء القناع ويمد أصابعه بين فرجات شباكها متسائلا عن جمالها وما يدريه ما هو هذا الجمال ومع هذا فان أقدم الأسماء لا تنفك عن الانجذاب إلى طعمة شباكها فهي متقلبة شديدة المراس. ولكم رأيتها تعض على شفتها وتسرح شعرها، ولعلها شريرة ومخادعة، بل لعل لها صفات المرأة بأجمعها فهي لا تبلغ أبعد مداها في اجتذاب القلوب إلا عندما تهجو ذاتها. . .

وبعد أن قلت هذا عن الحكمة للحياة، مرت على شفتيها ابتسامة شريرة وغضت من جفنيها قائلة: - عمن تتكلم. . . لعلك تتكلم عني أنا. . . وهل للإنسان أن يعلن مثل هذه الأمور بوجه من تعنيه حتى ولو كان محقاً. فما قولك الآن في حكمتك يا هذا. . .؟

ص: 57

وفتحت الحياة المحبوبة عينيها فحسبتني عدت إلى التدهور في الهاوية البعيدة القرار)

هذا ما يتغنى زارا به وما انتهى الرقص وتوارت الصبايا عن أبصاره حتى تملكه حزن عميق فقال: لقد اختفت الشمس وترطب المرج وقد بدأ الغاب يرسل لفحاته الباردات. أن شيئاً مجهولاً يدور حولي ويحدجني قائلاً: - ألم تزل على قيد الحياة، يا زارا؟ ولماذا أنت حي بعد؟ وما هي فائدة هذه الحياة؟ ما هو مصدرك وإلى أين مصيرك أفليس من الجنون أن تبقى في الحياة؟

ويلاه، أيها الصحاب، أن ما يتناجى فيّ إنما هو الغسق فاغتفروا لي شجوني. لقد جاء المساء فاغتفروا لي قدوم المساء. . .

هكذا تكلم زارا. . . . . .

الكهنة

وتمثل زارا مرور رهط من الكهنة أمامه، فقال لأتباعه: هؤلاء هم الكهنة؛ فعليكم - وإن كانوا أعدائي - أن تمروا أمامهم صامتين وسيوفكم ساكنة في أغمادها فإن بينهم أبطالاً ومنهم من تحملوا شديد العذاب فهم لذلك يريدون أن يعذبوا الآخرين.

إنهم لأعداء خطرون، وما من حقد يوازي ما في اتضاعهم من ضغينة، وقد يتعرض من يهاجمهم إلى تلطيخ نفسه. ولكن بيني وبينهم صلة الدم وأنا أريد أن يبقى دمي مشرفاً حتى في دمائهم.

وعاد زارا يتمثل أنهم مروا وانصرفوا، فشعر بألم شديد قاومه لحظة حتى سكن روعه، فقال: - إنني أشفق على هؤلاء الكهنة، وأنا لا أزال أنفر منهم ولكنني تعودت الإشفاق مرغماً نفوري منذ صحبت بني الإنسان، ومع ذلك فأنا أتألم مع هؤلاء الكهنة لأنهم في نظري سجناء يحملون وسم المنبوذين في العالم، وما كلبهم بالأصفاد إلا من دعوه مخلصاً لهم، وما أصفادهم إلا الوصايا الكاذبة والكلمات الوهمية، فمن لهؤلاء من يخلصهم من مخلصهم. . .

لقد لاحت لهؤلاء الناس جزيرة في البحر على حين ثارت عليهم زوبعة فنزلوا إليها فإذا هم على ظهر تنين نائم على العباب

وهل من تنين أشد خطراً على أبناء الحياة من تنين الوصايا والكلمات الوهمية وقد كمن

ص: 58

فيها المقدور طويلاً حتى حان وقت انتباه التنين؟ وهاهو يهب مفترساً جميع من بنوا مساكنهم على ظهره.

انظروا إلى المساكن التي بناها هؤلاء الكهنة، وقد أسموها كنائس وما هي إلا كهوف تنبعث روائح التعفن منها. وهل للروح أن ترتفع إلى مستواها تحت لآلاء هذه الأنوار الكاذبة وفي هذا الجو الكثيف، حيث لا يسود إلا عقيدة تصم الناس بالخطيئة وتأمرهم بصعود درجات الهيكل زحفاً على الركب

أنني لأفضل أن أنظر إلى اللحظات الفاحشة من أن أرى هذه العيون أطبقت أجفانها معلنة خشوعها واستغراقها.

من ذا الذي اخترع هذه الكهوف وهذه الدرجات يرقاها النادمون زاحفين، أهي من إيجاد من استحيوا من صفاء السماء فلجئوا إلى الاستتار؟

لن أعود بقلبي ألج مساكن هذا الإله إلا إذا انثلمت قبابها واخترقتها نور السماء الصافية لتتكشف عن الشقائق الحمراء النابتة على جدرانها المتهدمة.

لقد أراد هؤلاء الكهنة أن يعيشوا كأشلاء أموات فسربلوا جثثهم بالسواد فإذا هم ألقوا مواعظهم انتشرت منها رائحة اللحود.

إن من يجاور هؤلاء الناس فكأنما هو ساكن على ضفة الأنهار السوداء حيث لا يسمع إلا نقيق الضفادع الحزين

ليسمعني هؤلاء الناس نشيداً غير هذا النشيد لأمرن نفسي على الاعتقاد بمخلصهم، إذ لا يلوح لي أن أتباع هذا المخلص قد ظفروا بالخلاص.

لكم أتمنى أن أراهم عراة، وهل لغير الجمال أن يدعو الناس إلى التوبة، ولكنهم عبارة عن فجائع مستترة لا يسعها أن تجتذب إلى الإيمان أحداً.

والحق، أن مخلصي هؤلاء الكهنة أنفسهم لم ينحدروا من سماء الحرية وما وطئوا مسالك المعرفة قط، فما كانت حكمتهم إلا نسيجاً ملأته الخروق رقعوه بما أوجد جنونهم من آلهة. لقد أغرقتهم حكمتهم في بحيرة الإشفاق فهم كلما زفروا فيها أرسلوا بجثة عظمى تطفو على سطحها.

ولقد زعق هؤلاء الرعاة بقطعانهم فمضت متدافعة إلى فجوة واحدة وقد علا صراخها كأن

ص: 59

التوصل إلى مخارج المستقبل ممتنع من غير هذه الفجوة الضيقة. أما والحق ما هؤلاء الرعاة إلا فريق من هذه السائمة وقد ضاقت عقولهم ورحبت نفوسهم وسرعان ما تصغر العقول إذا كبرت النفوس.

لقد تركوا على كل معبر اجتازته أرجلهم آثار الدماء، إذ كانوا يستلهمون جنونهم ليعلموا الناس أن الدماء تقوم شاهدة للحق. وقد جهلوا أن أفسد شهادة تقوم للحق إنما هي شهادة الدم، لأن الدم يقطر سماً على أنقى التعاليم فيحولها إلى جنون وإلى أحقاد.

أفتقيمون للحق دليلاً من اقتحام أحد الناس للهب في سبيل تعاليمه. وهل لمثل هذا التعليم ما للعقيدة التي تتولد متقدة من لهبها نفسه؟ إذا ما تلاقى رأس بارد بقلب مضطرم نشأت من التقائهما تلك العاصفة التي يدعوها الناس مخلصاً. ولكم وجد على الأرض من رجل أعرق منشأ وأرفع مقاماً ممن يدعوهم الشعب مخلصين، وما كان هؤلاء المخلصون إلا عاصفات كاسحات تهب متوالية على الأرض

إذا ما كنتم تنشدون سبل الحرية، أيها الاخوة، فعليكم أن تنقذوا أنفسكم حتى ممن يفوقون هؤلاء المخلصين عظمة ومجداً. فان الإنسان الكامل لم يظهر على الأرض بعد. لقد حدقت بأعظم رجل وبأحقر رجل عن كثب وهما عاريان فظهرا لعياني متشابهين، بل رأيت أعظمهما أشد توغلا في المعائب البشرية من الآخرين.

هكذا تكلم زارا. . . . . .

ص: 60

‌رسالة الفن

في فن التصوير

يقف الإنسان أمام صورة من الصور ويلقي عليها نظرة عارضة عاجلة فيصدر في الحال حكمه عليها أعجب بها أم لم يعجب؟ أنالت من نفسه ارتياحا؟ أسكن وجدانه إليها؟ ولماذا أعجب بها؟ ولماذا لم يعجب؟ وما هي العاطفة الكامنة التي تصدر هذا الحكم بتلك السهو لها أو عليها؟ أهو الذوق؟ وما هو الذوق؟ أهو العقل؟ وعلام يستند العقل؟ هذا ما نحاول شرحه في هذا المقال متوخين الإيجاز في تناول موضوع التصوير بصفة عامة لأنه فن واسع الأفق لا يحيط به مقال واحد ولا كتاب واحد.

ليس التصوير إلا لغة للتغيير وأسلوباً من أساليب الوصف والإفضاء

عن الشعور والعاطفة، فكل مصور درس أصول التصوير وقواعده هو

ككل إنسان تلقن قواعد الكلام وأصول الصرف والنحو ليستطيع

التخاطب بلغة سليمة متآلفة، ولكن على قدر انتشار اللغة سليمة

صحيحة غير مشوبة باللحن لا نجد كل متكلم أديباً ولا شاعراً، فكذلك

ليس كل من تناول ريشة الفن وأتقن مزج الألوان فناناً موفقاً، وكذلك

على قدر التفاوت بين طبقات الأدباء والشعراء يتفاوت الفنانون مقدرة

وعجزاً.

فلغة التصوير على ذلك ليست إلا أداة أو وسيلة لغاية بعيدة يريد المصور أن يبلغها، ونحن إذ ننظر إلى الصورة يجب أن نبحث أولاً عن هذه الغاية - ماذا يريد صانعها أن يقول.

فإذا لم نجد من وراء صورته فكرة أو غاية مفيدة فالصورة لغو لا طائل تحته، إذ لكل صورة قصة يجب أن تقصها وإلا فهي بكماء صماء أو هراء من القول وهذر مخطوط ومضيعة للجهد والوقت بالغة ما بلغت أداة التعبير من إتقان. وأقل ما نلتمسه في صورة من الصور أن نستخرج لها ميزة تميزها وشخصية تتسم بها. هل سجلت شيئاً جديداً كان خافياً علينا؟ أو هل فسرت معنى مجهولاً؟ أو هل مهدت خطوة في سبيل غرض سام؟ أو هل

ص: 61

ألقت بصيصاً ولو ضئيلاً من النور على ظلام الحياة؟ أو هل أضافت نغمة ولو خافتة إلى موسيقى الكون؟ إذا التمسنا شيئاً من ذلك ووجدنا له أثراً يشير إليه أو لمسنا صدى له في نفس المصور كان لنا أن نأمل من هذا الفنان شيئاً.

المصور العبقري كالشاعر العبقري كلاهما كالنبي المعجز غرس الله في قلوبهم بذرة الخلود تجمع بينهم رابطة الروح السماوي والنور الإلهي وهم يصدرون عن إيمان صادق ووحي أمين وإن كان لكل وجهة يوليها وعالم يكشفه.

والمصور الصادق قطعة من الحياة تهذبت وتثقفت، يرتاد سبيله ملهماً ببصيرة سماوية وقلب دافق ألا حساس مرهفه، ومهجة فياضة الشعور، ووجدان بالغ الدقة منته في اللطف؛ فهو روح مجرد يطير في كل أفق، ويحوم في كل خميلة، ويرد كل غدير، ويعتلي كل فن، ويدوم فوق كل منظر بهيج فيحيطه بفؤاد خفاق، ويلتهمه بعين حديدة، ويحيله أشعة وظلالا ويحمله روحا بروح تسجله للأبصار في أسلوب ناطق وخفي، ويحده بإطار من شعوره وفيض إحساسه.

فإذا كان هذا قدر المصور الفنان الصادق الأمين. إنسان بالغ النبل نقي الروح زكي النفس عظيم السمو لزم أن يكون أسلوبه الذي يضمنه روحه نبيلاً على قدر نبله سامياً على قدر سموه، ولزم أن تكون موضوعاته التي يختارها لأداء فكرته وحكاية قصته ولشرح عاطفته أو غير ذلك من الأغراض، لزم أن تكون على قدر نبله وسامية على قدر سموه؛ فالفنان الذي يصور البعث أو الوحي أو الصلاة أو الحنان أو الحب أو الأمومة وما يدخل تحت فصل الجمال الروحي أنبل من المصور الذي يصور الحقد والدمامة أو التبذل والوحشية أو الرذيلة للاستمتاع بتصويرها لا للنهي عنها، هذا تدور خواطره على مشاغل الناس اليومية المادية، وذلك لا تتعلق نفسه ولا يحس في قلبه إلا بكل جليل الشأن. ويلي هذين من يعني بتصوير الصغير من الأمور والتافه الحقير كلعب الأطفال وأعمال المهرجين وما إلى ذلك ولا ينبغي أن تضيق هذه الحدود إلى أقصى تخومها فنحكم بمقتضاها حكماً قاطعاً لا نقض فيه، إذ أن الفنان النبيل قد يتناول موضوعاً يقل عن مستوى موضوعاته فيسبغ عليه من روحه ويفضي عليه من قدرته وبراعته، ولكن كثيراً ما يشرئب النقاش الصغير غير الموهوب والمشغول بحقير الأمور إلى تقليد جليلها فلا يبلغ منه مبلغاً ولا يخرج عن

ص: 62

الدائرة التي يدور فيها، وينتهي حيث يبتدئ، بل أنه يكشف عن عجزه ويدل على ضعفه ولا يتمخض بعد الجهد الشاق والعناء العنيف عن غير ما تطيقه مؤهلاته وما تنتجه قريحة مثله، ومثل هذا النقاش يحسب غروره وحياً وطمعه عظمة الروح وعلواً في النفس

وشتان بين الاثنين! إحداهما كالنحلة لا يغذيها إلا الرحيق ولا تهيم أو تسعى إلا وراء الشذى الذكي والعبق النقي والعرف الندي، ولا يستهويها إلا الزهر المنور والجو المعطر؛ والآخر كالزنبور الطنان يقع على الأقذار ويستطعم الأدران ويأكل الحشرات والديدان.

والنحلة تنتج رحيقاً من رحيق، والزنبور أذى وشرا. تلك رمز التضحية والغيرية، وهذا عنوان الأنانية والأثرة؛ تلك متواضعة خجولة تعمل في رصانة وسكون، وذلك مدّع مغرور صخاب طنان بهرجت الطبيعة من ألوانه وعددت فيها للنميمة عليه والإيقاع به أو لتفاديه

فلا تستصغرن من النحلة اندماج لونها وهدوئها؛ ولا يغرنك من الزنبور بروزه وطنينه.

وكذلك لا يغرنك من الصورة بهرجة الدعاية لها بل ابحث عن الغاية المجيدة وعن التعبير الصادق الجميل.

كثيراً ما يتفق الناس على أن هذه المرأة جميلة، وأن تلك دميمة، ويكادون لا يختلفون في حكمهم، فما الذي جمع بينهم على رأي واحد؟ قد يحتج بأن هذه هي أذواقهم وهذه أمزجتهم وأنهم يرون أنها جميلة لأن هذا إحساسهم فلا تطلب تعليلا ولا تحليلا، وفي الحق أن المرأة الجميلة تعجبنا لأول ما نراها لأن قلبنا يهفو إلى حسنها، ونفوسنا تصبو إلى جمالها، ولكننا نتفق في النزوع إلى جمالها والصبابة إليها بدافع من الغريزة فالغريزة هي في الواقع التي تؤلف بين الرجال على الإعجاب بجمال المرأة أو هي على الأصح التي كانت منذ الزمن الأول ترغب الرجل في المرأة؛ فلما ارتقى وهذب من غرائزه وتسامى بها عن أن تكون مطلقة الحيوانية تغير إلى حد كبير نظره إلى المرأة فأصبح يجل جمالها لذاتها مجرداً عن دافع الشهوة، وبعدت عن خياله تلك الصور التي كانت تجسمها الغريزة الجنسية وتمثلها الرغبة الحيوانية، فلم نعد نسمع شاعراً يتغنى بثقل الردفين وانقطاع الخصر وكثيب الرمل ولم نعد نسمع قول بشار بن برد:

أو عضة في ذراعها ولها

فوق ذراعي من عضها أثر

أو لمسة دون مرطها بيدي

والباب قد حال دونه الستر

ص: 63

ولم نعد نسمع تلك النواسيات الماجنة وما إليها من دلائل الاحساسات البهيمية، وإذا بنا تطرق قلوبنا هذه الأغاني الخالدة التي تسمو بأرواحنا، إذا بنا نسمع قول العقاد يقول:

أغلى جمالك في النواظر أنه

عوض لشين في النفوس كثير

وأنا له منها المقادة أنه

في الأرض رمز كمالها المحظور

وقوله: -

أن التعاطف بالأرواح بغيتنا

وفي القلوب على الأرواح عنوان

وقوله: -

فعش في جوار الناس شخصاً مجسماً

وعش في فؤادي صورة تتخيل

فالغريزة هي الأصل في الإعجاب بشيء دون شيء، ولما تهذبت وارتقت استحالت إلى ما نسميه نبلاً أو ذوقاً رفيعاً وإن بقيت للغرائز الأولى بعد نزعاتها.

ولكن هذا الذوق له فصول وأسس، وله قواعد وقوانين تظبطه وتحده، فلم يعد جمال الجسم الإنساني صباحة وجه، وسطوع جبي، وامتلاء جسم أو نحافته، أو غير هذه الأوصاف من المعاني المطلقة، بل وضعت له مقاييس وأطوال - وإلى هنا يكون للذوق ضابط يحفظه في حدود مرسومة، ولكنه لا يخضع لها خضوعاً مطلقاً ولا ينكمش بين تلك الأعلام والأوضاع الضيقة إذ أنه يكون بذلك جامداً كزاً ذا وجه واحد. ولكن ذلك الجمود يتحرك ويحيا بما ينفخ فيه من روح، وما ينفث فيه من سحر، فيتخذ صوراً متباينة مختلفة، وإن كانت كلها تدور في حدود هذه الأوضاع، ولكل وجه سيماه ضربت المثل بجمال الجسم الإنساني ممثلاً في المرأة لأنها مركز اهتمام الرجل، ولأن الاتفاق على مقياس الجمال فيها يكاد يكون مفروغاً منه. وكلما بعد موضوع الحكم عن أن يكون ذا صلة بغريزة من الغرائز، أو بعلاقة مباشرة بعاطفة فسيولوجية أو نفسية، تعقد الموضوع، وصعب الاتفاق على حكم واحد فيه، واختلفت الأذواق: فهذا ذوق جميل يصدر حكماً صائباً، وذلك ذوق فاسد مضطرب الحكم، ولهذا السبب كان لا مناص من أن يوضع لكل شيء حدود يصدر الحكم على أساسها، فالشجر والنبات، والنهر والشلال، والغدير والبحر، والمحيط والجبل، والسماء والسحاب، والأبنية والعمائر. لكل هذه المظاهر أصول وقواعد يؤدى الفن في حدودها، وكانت هذه الأصول على ذلك ضابط الذوق إلى حد محدود، فكأن الذوق الجميل لم ينشأ نشأة لدنية، بل

ص: 64

هو في الحقيقة غاية الثقافة والتهذيب، وهو عندما يقبل شيئاً أو يرفضه يظهر لنا أنه أتى ذلك في التو بغير سند واضح، ولكن عمل الذوق في الحقيقة نتيجة طبيعية لما وعته النفس وكسبه العقل من قضايا مختلفة ومقدمات منطقية وتاريخ حافل من تجارب الحياة

وليس من شأننا هنا أن نعدد الأصول التي تراعي في التعبير عن هذه المظاهر الطبيعية السالفة الذكر فلها مجال آخر نرجو أن يتاح لنا في المستقبل، ولكنا هنا سنبسط الشرائط التي يجب توفرها في الصورة، بوجه عام، وفي الفنان أيضاً والتي يمكن بمقتضاها أن نصدر حكماً أدنى للصواب فيما نشاهده من صور الفنون هذه الشرائط هي كما ذكرها جون راسكن:

1 -

الصدق والحقيقة

2 -

البساطة

3 -

نوع من الإبهام السحري

4 -

أيجاز التعبير

5 -

الجرأة

6 -

السرعة

هذا ولكي يكون تقديرنا لجمال المظاهر الطبيعية أتم وأوفى يجب أن نجردها من النفعية وننظر لها نظرة خالصة للفن ذاته وللجمال ذاته. فعندما نرى نهراً جميلاً يجري بين شاطئين بسقت عليهما الأشجار وغطاهما بساط سندسي من العشب يجب أن تقبل أذواقنا جمال هذا المنظر كما خططته يد الله بعيداً عن تدخل يد الإنسان في التحكم فيه والسيطرة على أجزائه - فنخفي عن ذوقنا أنه أقيم هنا سد اعترض من النهر انسيابه الجميل - وأن هناك آلة رافعة وضعت لتختلس من مائه بضجيجها وصريرها، وقامت على جانبه شوهاء كالقرحة في الجسم الغض. وننفي عنه أن هناك حطابا قويا يعمل فأسه في جذع شجرة ليسقطها وليأخذ خشبها ليصنع منه بابا أو نافذة.

الينبوع إذ يتسلسل ماؤه على الحصى ويتدفق على الثرى أجمل مما لو أحطناه بسور من البناء لنحصر ماءه، والسياج الحديدي حول مجموعة من الأشجار مشوه لجمالها، والعصفور الطليق أجمل من العصفور الحبيس في قفص ضيق. وهكذا فإن القلب يحس

ص: 65

إحساساً خالصاً بجمال الطبيعية ويندمج فيها ويخفق لها لأن طبيعة الإحساس العاطفي المحض في القلب وهو تامورة الحياة في الجسم الإنساني، أجل وهو الذي يستجيب ويلبي كل شيء جميل حي

وإذا أصاب القلب مرض أو تعطلت وظيفته النبيلة لسبب ما كأن كدر صفاءه غضب أو اهتياج أو حقد أو غيرها من الحالات التي تخرجه عن طبيعته انبتت علاقته بالحياة فلم يعد يستجيب لها ولا يحس بها إحساساً سليماً صحيحاً. وكذلك الحال عندما نرى مظهرا من مظاهر الطبيعة قد طرأ عليه ما يعطل من طبيعة الحياة فيه. فالزهرة النظرة يعجبنا منها رونقها واتساقها وزهاء لونها ونورها وهي بذلك حية سليمة، وهي لحياتها جميلة غاية الجمال، فإذا رأيناها ذاوية خبا رونقها ومالت إلى العدم؛ والظبي رشيق الحركة وهو سليم صحيح، فإذا أصيب في ساقه بعرج فهو سقيم ثقيل، والطير جميل وهو قوي الجناح سليمة، فإذا كسر جناحه فهو ضعيف ذليل - وكل هذه المخلوقات سعيدة ما دامت وافرة الحياة سليمة الوظائف وهي بذلك جميلة غاية الجمال

ولا ينبغي أن نقرن النظر لشيء الجميل بتحليله إلى عناصره وتعليل مظاهره فنبحث في أن ماء النهر يكون من عنصري الهيدروجين والأوكسجين، وأن النهر ينحدر ماؤه بالجاذبية، وأن الشجر يمتص بجذوره من الأرض عناصر التغذية، وأنه يحيل ثاني أوكسيد الكاربون إلى أوكسجين نهاراً والعكس ليلاً.

فالنظرة إلى الجمال يجب أن تكون مجردة من جميع هذه العوامل وإلا طغى الفكر المحلل على الذوق السليم وسكتت العاطفة وقد تكلم العقل وانتقلنا إلى عالم مادي وبعدنا عن عالم الروح والكمال.

ص: 66

‌البريد الأدبي

ربيعة الرقي رقصة الذئب والحمل

يعف كل متأدب الشاعر الفرنسي المشهور لافونتين ومنظومته المعروفة (الأمثال) ولكن من تتبع المصادر التي أخذ عنها هذا الشاعر أمثاله، يتبين أن معظم هذه القصص المنظومة التي حكى أكثرها على لسان الحيوان، مأخوذة من مصادر شرقية ولا سيما كتاب كليلة ودمنة وأشباهه. نقلت هذه القصص إلى أوربا قبل عصر لافوتين بالتراجم اللاتينية أو على ألسنة التجار والمسافرين، وتناولها هذا الشاعر فغيرها لتلائم أذواق بلاده، ثم صبها في قالب من الشعر الفرنسي السلس. وتبع هذه الطريقة شاعر فرنسي آخر أسمه فلوريان بعد لافونتين بنصف قرن.

وليس قصدنا أن نبحث في هذا الموضوع انكشف عن مرجع كل قصة من أمثال لافونتين، وإنما نريد هنا أن نقتصر على واحدة من أكثر هذه الأمثال ذيوعا، وهي قصة الذئب والحمل التي شاعت حتى طبقت الآفاق وصارت مثلا لتجني الأقوياء على الضعفاء.

وكان كاتب هذه السطور يصحح كتاب (طبقات الشعراء المحدثين) لأبي العباس عبد الله بن المعتز الذي تطبعه لجنة ذكرى جب في إنكلترا، وسيظهر عما قريب، فألفيت الحكاية نفسها في قصيدة لربيعة الرقي أحد الشعراء المحدثين، وعلمت أن هذه الحكاية أيضاً مقتبسة من القصص الشرقية القديمة التي كانت شائعة عند المسلمين في عصر ربيعة الرقي وعنهم نقلها أهل أوربا، فنظمها لافونتين واشتهرت في تلك الأقطار

وقد رأيت أن هذه المسألة لا تخلو من فائدة، وأن ديوان ربيعة الرقي أحد شعراء الغزل المشهورين في عهد هارون الرشيد غير مطبوع فاستحسنت أن أقدم إلى قراء الرسالة الكرام قصيدة ربيعة المشتملة على هذه القصة وهي هذه:

أعلل نفسي منك بالوعد والمنَى

فهلاّ بيأسٍ منك قلبي أعلّلُ

ومَوْعِدك الشهدُ المصفّى حلاوة

ودُون نجاز الوعدِ صاب وحنْظل

وأَمنحُ طرف العينِ غيرَكِ رقْبةَ

حَذارَ العدَى والطرفُ نحوكِ أميَلُ

لكيما يقولَ الناسُ أنَ امرَأ رَمى

رَبيعةِ في ليلَى بسوءٍ لمبطلُ

لقد كذب الواشونَ بغياً عليهما

وما منهما إلا برىٌ معقلُ

ص: 67

فلو كنت ذا عقل لأجمعت صرمكم

برأيي ولكني امرُةٌ لست أعقلُ

وكيف يصبر القلب لا كيف عنكم

وبابُ فؤادي دونَ صرمِكِِ مُقفَلُ

ومن أينَ لا من أين يَحْرم قتلُكم

وقتلى لكم يا أم ليلى محلّلُ

أغركِ أن لا صبرَ لي في طِلابِكم

وأن ليسَ لي إلاّ عليكِ معّولُ

ولما تبينتِ الذي بي منَ الهوَى

وأيقنتِ أني عنكِ لا أتحول

ظلمت كذئب السوء إذ قالَ مرة

لسَخلٍ رأى والذئب غرثان مرمل

أأنت الذي في غير جُرْمٍ شتمتني؟

فقال: متى ذا؟ قال ذا عام أوُّلُ

فقال وُلِدْتُ العامَ بل رُمْتُ غدرة

فدونك كلني لا هَنا لك مأكل

أتبكين من قتلي وأنتِ قتلتني

بحبِّك قتلاً بيناً ليس يَشْكل

فأنت كذبَّاح العصافير دائباً

وعيناه من وجد عليهن تهمل

فلو كان من رأف بهن ورحمة

لكف يداً ليست عن الذِّبح تَعطْل

فلا تنظري ما تهمل العين وانظري

إلى الكف ماذا بالعصافير تفعل

(باريس)

عباس إقبال

حمى السياحة

كانت السياحة إلى ما قبل جيل فقط نوعاً من الترف لا يتمتع به سوى الأغنياء؛ وكانت الرحلة إلى الشام أو إلى استانبول مثلاً بالنسبة لآبائنا وأجدادنا حادثاً عظيماً يتحدث به؛ وكان السفر إلى باريس أو الريفيرا متعة الأمراء والخاصة.

أما اليوم فان السياحة تغدو حركة ثقافية ورياضية عالمية، يستطيع أن يتمتع بنعمها جميع الطبقات المتوسطة، وغدت المواصلات البحرية والبرية والجوية ميسورة يطيقها ويستعملها جميع الناس؛ وفي عصر السرعة الذي تهب ريحه اليوم على جميع الأمم والمجتمعات يستطيع السائح أن يطوف قارة بأسرها في أيام معدودات، ويستطيع أن يقطع البحر إلى إيطاليا في سبعين ساعة فقط، وإلى فرنسا في أربعة أيام، ويستطيع أن يقطع ما بين الإسكندرية ولندن بالطيارة في عشرين ساعة. وقد نظمت جميع الأمم السياحية عواصمها

ص: 68

وربوعها ومنتزهاتها بصور وأساليب جذابة سواء في برامج الزيارة أو في تخفيض النفقات، وتسابقت معظم الأمم في تقرير الامتيازات للسائحين بتسهيل المواصلات ومسائل النقد وغيرها مما يغري السائح بتفضيلها، وتعنى الهيئات الثقافية والرياضية بتنظيم الرحلات الرخيصة للطلبة وأصحاب المهن وجماعات المثقفين وتعنى مكاتب السياحة نفسها بتنظيم الرحلات الرخيصة للطبقات المتوسطة بأجور مدهشة.

فالسياحة لم تبق اليوم أمنية المترفين ولا حكر الأغنياء، ولكنها تغدو في متناول معظم الطبقات؛ ويرجع الفضل في ذلك إلى تحسن المواصلات العالمية ورقيها السريع المدهش، وإلى تنافس الأمم السياحية في استثمار موارد السياحة إلى أقصى الحدود، ويرجع أيضاً إلى تقدم الصلات الدولية بين الشعوب المختلفة وإلى الرغبة في تبادل الاطلاع والمعرفة والتثقيف، وتبادل المزايا التجارية والاقتصادية، وقد هبت هذه الريح السياحية على مصر في الأعوام الأخيرة، وأتيحت الفرصة لطبقات جديدة من المتوسطين أن يقوموا برحلات بديعة بأجور زهيدة، وسرت الرغبة في جميع طبقات المثقفين ولا سيما الشباب أن يسافروا وأن يسوحوا وأن يتعرفوا أحوال الأمم الأخرى، وقد وصلت هذه الحمى السياحية إلى أقصاها في هذا الفصل حيث تعتزم ألوف عديدة من المصريين السفر إلى زيارة معرض باريس الدولي لا فرق في ذلك بين المترفين وصغار الموظفين والطلبة والمتوسطين؛ وهذه رغبة مشروعة لا اعتراض عليها، بيد أنه يخشى أن تؤدي المبالغة في تحقيقها إلى إسراف لا تحمد عواقبه، إذ تتسرب أموال المصريين إلى الخارج بكثرة، وتضطرب مالية كثير من المتوسطين وصغار الموظفين خصوصاً وأنه لا توجد بمصر قوانين لتقييد العملة أو تحديدها كما هو الشأن في معظم البلدان، ولهذا يحسن بولاة الأمور أن يبحثوا هذه المسألة وأن يضعوا لها بعض الحدود والقيود المعقولة

كتاب جديد لماريا ريمارك

صدر أخيراً في أمريكا كتاب جديد لماريا ريمارك عنوانه: (الرفاق الثلاثة) وريمارك كما نذكر هو مؤلف الكتاب الذي لقي أعظم نجاح في عصرنا وهو القصة المسماة (كل شيء هادئ في الميدان الغربي) التي تدور حوادثها على حياة الجندي أثناء الحرب الكبرى. والكتاب الجديد هو أيضاً قصة اجتماعية عسكرية من النوع الذي حذقه هذا المؤلف الذي

ص: 69

حباه الحظ بأكثر مما حبته مواهبه الكتابية

وريمارك الآن في التاسعة والثلاثين من عمره؛ وحياته قصة عجيبة، فهو ألماني من وستفاليا، وكان في حداثته يغني في جوقة بعض الكنائس؛ ولما نشبت الحرب كان جندياً يحارب في الميدان الغربي؛ ولما انتهت الحرب في سنة 1918 وعاد ريمارك إلى وطنه لم يجد سبيلاً للعيش؛ فاحترف مهنة البائع المتجول في القرى وأخذ يبيع السلع الرخيصة للنساء القرويات، ولكنه كان في خوف دائم من البوليس لأنه لا يحمل رخصة البائع، ثم ترك هذه الحرفة واشتغل صبياً لبناء أثري، ثم اشتغل عاملاً في أحد الملاجئ وبدأ حياته الكتابية بتحرير الإعلانات، وكان يحررها أحياناً بالنظم، ثم اشتغل كاتباً رياضياً لإحدى الصحف، ثم كتب قصته الشهيرة فلم تنل في البداية سوى قليل من النجاح، ولكن القدر كتب له بعد ذلك هذا النجاح العظيم الذي لقيه والذي أثري من جرائه وعرف الحياة الناعمة وهو ما يزال في عنفوان شبابه، وكان من حسن طالعه أيضاً أنه كسب على مائدة الميسر ذات يوم مبلغاً كبيراً من المال قبل أن يؤاتيه النجاح، فاستطاع بذلك أن يصلح من شأنه وأن يسيح في معظم بلاد العالم. ويعيش ريمارك الآن في منفاه في سويسرا كباقي الكتاب الألمان الأحرار الذين طاردتهم ألمانيا الهتلرية وأخرجتهم من أرض الوطن

قسم التفكير والآداب بمعرض باريس

أنشئ أخيراً في معرض باريس الدولي قسم للكتاب وإذاعة الفكر برياسة المسيو (جوليان كان) مدير المكتبة الوطنية. والمنتظر أن يكون هذا القسم نواة لمتحف الآداب الذي سينشأ في المستقبل القريب في أبنية (دار الصناعة)(الأرسنال) وسيكون متحف الآداب أكبر ما عرف من نوعه، ويضم مجموعات عظيمة من الصور والمخطوطات والطبعات النادرة والتجارب المصححة والوثائق المتعلقة بتراجم كبار الكتاب والمجموعات الخاصة؛ وهذه المجموعات والتحف توجد الآن مبعثرة في أقسام المكتبة الوطنية: ويتضمن القسم الأدبي بالمعرض تطور الآداب منذ عصر الإمبراطورية حتى الوقت الحاضر، ومنها معروضات كثيرة تخص الكتاب المعاصرين. والمقصود أن تعطى فكرة واضحة عن تطور الكتابة والطباعة والأعمال الأدبية، وأن تعرف أكثر الأوقات والمواسم الأدبية إنتاجا. ويشمل القسم الأدبي ما يتعلق بكتاب عظام مثل بلزاك وفكتور هوجو وفلوبير وستندال ورينان وبودلير

ص: 70

وبروست، ويقوم بعرض كل كاتب من هؤلاء كاتب من المعاصرين يختص بالتحدث عن حياته وآثاره وأسلوبه. ويشرف على عرض مخطوطاته وصوره وجميع الوثائق المتعلقة به ومنها تحفه وآثاره وتجارب المطبعة التي تحمل تصحيحاته، وطبعات كتبه وترجماتها. كذلك أعدت أقسام خاصة لكل نوع من المدارس الأدبية مثل المدرسة الواقعية والطبيعية والرمزية، وأدب المقاهي والأبهاء وغيرها، ولا ريب أن هذا القسم من المعرض سيجذب أنظار الكثيرين من الكتاب والأدباء من جميع الأمم

آثار فرعونية في خطر

من أنباء فينا أن الدكتور أرنست آبلت العلامة الأثري النمساوي والأستاذ بالمعهد المصري بجامعة فينا قد أعاد أخيرا إلى العاصمة النمسوية بعد أن قضى بمصر بضعة أشهر منقباً في بعض أنحاء الصعيد الجنوبية، ووقف على معلومات ومواد أثرية ثمينة ولا سيما بشأن المعابد والهياكل الجنوبية. وقد صرح الدكتور آبلت لبعض الصحف النمسوية أن تعلية خزان أسوان، وما يستتبع ذلك من غمر مياه النيل لبعض المناطق الأثرية المجاورة يهدد سلامة المعابد والآثار القائمة في هذه المناطق خصوصاً أن المياه تغمر بعضها الآن حتى القمة، وكانت البعثة النمسوية للحفريات قد توقفت عن العمل نحو ثلاث سنوات لحاجتها إلى المال ثم استأنفت عملها في الشتاء الماضي. وقد عثرت أثناء حفرياتها على عدة هياكل عظمية فرعونية وبعض تحف حجرية، وستعود في الشتاء القادم إلى استئناف أعمالها في منطقة بني سلامة من أعمال مديرية أسوان

كتاب فارسي قديم في الجغرافية

أصدرت مطبعة (بريل) في ليدن كتاباً فارسياً قديما في الجغرافية ترجمة المستشرق منورسكي ترجمة كاملة عن الفن الفارسي:

وهذا الكتاب - وأسمه (حدود العالم) - لمؤلف فارسي قديم لم يعرف، ألفه سنة 372 هـ. وكان قد عني به المستشرق الروسي بارتولد فكتب له مقدمة طويلة ونشره سنة 1930، غير أنه وجد صعوبة في تحقيق أسماء الأماكن والمدن الإنجليزية التي وردت في الكتاب فعمد إلى اختصار بعض موضوعاته.

ص: 71

كتاب المثنوى في الإنكليزية

أصدرت مطبعة بريل في ليدن الجزء السابع من سلسلة كتاب المثنوى لجلال الدين الرومي، وهي توالي إخراج هذا الكتاب سلاسل وأجزاء مع ترجمته إلى الإنجليزية وتعليقات عليه بقلم المستشرق رينولد نيكلسن

وكتاب المثنوى مؤلف قيم معروف، وقد قرظ صاحبه بهذه العبارة المأثورة:(أنه جاء بكتاب وإن لم يكن نبياً) وقد عرض فيه مؤلفه لمبادئ الصوفية وتعاليمها فشرحها شرحا مستفيضا.

ويتضمن هذا الجزء الذي صدر أخيرا تعليقات المستشرق نيكلسن على الجزء الأول والثاني من الكتاب، أما الأجزاء التي ظهرت من قبل فهي:

1 -

نص الكتابين الأول والثاني.

2 -

ترجمة الكتابين الأول والثاني إلى الإنجليزية.

3 -

نص الكتابين الثالث والرابع.

4 -

ترجمة الكتابين الثالث والرابع إلى الإنجليزية.

5 -

نص الكتابين الخامس والسادس.

6 -

ترجمتهما إلى الإنجليزية.

لجنة أحياء ذكرى المنفلوطي:

ناشدت لجنة إحياء ذكرى المنفلوطي أساطين الأدب وأعلام البيان في الشرق العربي على صفحات الجرائد والمجلات أن يتفضلوا بالكتابة عن أدب الفقيد الخالد من شتى نواحيه بمناسبة مرور ثلاثة عشر عاماً على وفاته وتمهيداً لإحياء ذكراه في 16 يوليو القادم، وكان ذلك في أول مايو غير أنه والأسف يحز في نفوسنا لم يتحرك قلم لأداء هذا الغرض النبيل كما أنه لم تصل السكرتارية حتى الآن أية رسالة في هذا الموضوع، ولقد قر الرأي - بناء على اقتراح الأستاذ توفيق حبيب - على وضع كتاب عن أدب المنفلوطي لتخليد ذكراه، تتبارى فيه جهابذة الأدباء في جميع أقطار الشرق العربي، وذلك بأن يختار كل من حضرات الأدباء والشعراء ما يروقه من الموضوعات فيكتب فيها بحثاً ضافياً يرسله إلى

ص: 72

السكرتارية قبل آخر يونيو الحالي حتى إذا تكامل لديها ما يكفي لمادة الكتاب قامت بطبعه وأنفقت ثمنه في تشييد قبر يتفق ومكانة المنفلوطي العالمية. واللجنة تتوجه بالرجاء الشديد إلى حضرات الكتاب والأدباء والشعراء ألا يضنوا بمجهوداتهم وأن يحققوا ما تعلقه عليهم من آمال.

سكرتير اللجنة

متولي حسنين عقيل

ص: 73

‌القصص

ممنون الفيلسوف

أو الحكمة الإنسانية

بقلم فولتير

ترجمة الأستاذ عبد اللطيف النشار

آلى ممنون على نفسه: أن يصير فيلسوفاً عظيماً في يوم من الأيام. وقليل من الناس هم الذين لم يعتزموا في وقت ما مثل هذا العزم الرائع.

قال ممنون في نفسه: إن بلوغ الكمال في الفلسفة معناه بلوغ الكمال في السعادة. وليس علي أن أعمل لكي أصير فيلسوفاً إلا التجرد من كل الشهوات؛ ولا شيء أسهل من ذلك كما يعرف كل إنسان. وسأبدأ بمقاومة الحب فإذا رأيت امرأة جميلة أقول في نفسي إن هذه الخدود ستدركها الغضون، وإن هذه العيون ستصبح طعاماً للدود، وإن هذا الرأس سيصبح جمجمة منخوبة. فإذا ما تصورت خيالها وهي كذلك فأن جمال وجهها لن يؤثر في نفسي

هذا من جهة. ومن جهة أخرى فأني سألزم القصد والاعتدال، فإذا ما وجدت من نفسي إغراء على شرب النبيذ الشهي أو الطعام المريء أو غيره مما يفتتن به المجتمع ذكرتها بآلام الرأس من التغالي في الشراب، وبآلام البطن من التغالي في الطعام، وحذرتها من فقدان العقل والصحة. ومتى تجنبت التغالي ظلت صحتي موفورة وظل ذهني نقياً وضاءً

وقال ممنون: كذلك يجب ألا أفكر كثيراً في الثروة لأن رغائبي معتدلة وما عندي من المال يكفي لأن أعيش مستقلاً وهذه أكبر نعمة في الوجود. ولن أجد ضرورة لحضور الحفلات الراقصة في القصر. ولن أحسد إنساناً ولن يحسدني إنسان، وهذا كله سهل. ولي أصدقاء، سأحتفظ بهم ولم ينشب بيني وبينهم خلاف فلم أعترض أحدهم في قول أو فعل وسيسلكون معي هذا المسلك، ولا صعوبة في ذلك. . .

وهكذا وضع ممنون خطة لفلسفته ثم أطل من النافذة فرأى امرأتين تسيران تحت الأشجار، وكانت إحداهما كبيرة تبدو عليها علائم الرضى، والثانية صغيرة جميلة، ولكن علائم التذمر بادية عليها. وكانت تبكي وتتنهد، فتأثر فيلسوفنا من رؤيتها - على أنه من المحقق أن

ص: 74

جمالها لم يكن له دخل في هذا التأثير - (لأنه آلى على نفسه ألا يزعجه شيء من هذا القبل) بل كان تأثره بسبب الحزن الذي رآها فيه، فنزل من المنزل ليعزي تلك السيدة بفلسفته، فروت له الجميلة بإبسط اللهجات وأشدها تأثيراً ما تتألم منه. وشكت له من عم تتخيل وجوده يريد أن يحرمها ثروة تتوهما. وقالت: يظهر أنك رجل حكيم، وإنك لتنقذني من متاعبي إذا أتيت إلى منزلي ودرست قضيتي وأشرت علَّى بالرأي الذي تراه

فلم يتردد ممنون في اتباعها لدرس قضيتها دراسة فلسفية وليشير عليها بالرأي الراجح

وقادته المرأة الجميلة إلى حجرة تفوح منها روائح العطر وأجلسته على نمرقة متسعة وجلست أمامه جلسة المتحدث إلى من يتحدث وقد تقاربت إقدامهما، وكان إحداهما يقص قصته والآخر يصغي إليه أتم الإصغاء

وكانت السيدة تتكلم وهي ناظرة إلى الأرض والدموع تنحدر من عينيها بين حين وحين. ثم ترفع بصرها لتنظر إلى وجه الحكيم ممنون. وكان الحديث في منتهى الرقة، وقد زاد عطف الفيلسوف وسر بأن يكون في وسعه تخفيف الألم عن مخلوقة بهذه الدرجة من الجمال، وهذه الدرجة من التعاسة. ولما اشتدت حرارة الحديث جلس المتحادثان المتقابلان جنباً لجنب، وتدانى الساقان، وكان ممنون يمنحها من نصحه الرقيق ومن عطفه حتى صار كلاهما لا يستطيع الكلام عن الموضوع الذي كانا يتناولانه. وحتى صار كل منهما لا يدري أين هو وفي مثل هذا الحين من الذي يظن أنه يأتي إليهما غير العم الذي كانت تشكوه؟ لقد جاء مسلحاً، وكانت أولى كلماته أنه سيضحي بالحكيم ممنون، وبنت أخيه، وقد أسرعت الأخيرة ففرت، وهي موقنة بأن صاحبها سينجو إذا اشترى حياته بكل ما معه من المال وقد اضطر إلى بذل ما معه ليفتدي نفسه وقد كان الناس في ذلك العهد سعداء لأنهم يستطيعون النجاة، بسهولة بمثل هذه الوسيلة. وكانت أمريكا لما تستكشف بعد، وكانت السيدات التاعسات أقل تعرضا للخطر مما هن عليه الآن

وخرج ممنون من المنزل متعثراً بأذيال الخجل فذهب إلى منزله. وهناك وجد دعوة لتناول العشاء من بعض أصدقاءه الخلصاء، فقال في نفسه إذا بقيت وحدي في المنزل فإن ذهني سيظل مشغولاً بالتفكير في حادثة اليوم، ولا أستطيع أن أتناول لقمة، وربما جلب إلى ذلك مرضاً، ولذلك سأذهب إلى أصدقائي، وسأنسى في مجلسهم ما ارتكبته اليوم من الحماقة

ص: 75

وذهب إليهم فوجدوا عليه بعض علائم القلق وحثوه على أن يشرب ليصرف عن نفسه الهم فقال في نفسه: (إن قليلاً من النبيذ لا يتنافى مع الاعتدال) وهكذا شرب ممنون حتى سكر.

ودعي إلى اللعب بالأوراق فقال إن اللعب بها مدة يسيرة مع صديق لا يتنافى مع الاعتدال، وهذا اللعب من خير الوسائل لتمضية الوقت.

ولعب حتى خسر كل ما معه وهو أربعة أضعاف ما كان مستعداً ليلعب به.

ولسبب ما نشأ خلاف بين اللاعبين واشتد الخلاف فصار مشاجرة، فرماه بعض أصدقائه بصندوق صغير جرح رأسه وإحدى عينيه، فحمل الفيلسوف ممنون إلى منزله سكران مفقود إحدى العينين.

نام، ولما أبل بعض الابلال أرسل إلى مدير المصرف الذي يودع فيه أمواله يطلب ما يفي به ديونه في اللعب، فعاد الخادم وأخبره بأن المصرف أفلس بالتدليس وأن مئات من الأسر قد أصبحت في أشد حالات البؤس والفاقة، فكاد يذهل ممنون، وذهب إلى البلاط لرفع قضيته، وهناك وجد عدداً من السيدات وآخر من القسس ورأته إحدى صديقاته فصاحت:(مالك يا مسيو ممنون! كيف فقدت إحدى عينيك؟) ثم جرت دون أن تنتظر الجواب، فانتظر ممنون حتى الساعة التي يستطيع فيها الارتماء على قدمي الملك لبث شكواه.

وأخيراً جاءت تلك الساعة فقدم إليه عريضته، واستقبله الملك استقبالاً حسناً. ولكن كبير الأمناء صاح به بعد ذهاب الملك:(كيف تقدم عريضتك إلى الملك مباشرة دون تقديمها إليّ؟ وكيف تطلب المقاضاة على تفليسة شريفة ضد ابن أخت وصيفة زوجتي؟ إن هذا التصرف يدل على أنك لا تحرص على عينك الأخرى)

فعندما سمع ممنون ذلك - وكان إلى الآن عازماً على هجر النساء والتقليل من الطعام والشراب وترك المشاجرة - عزم أيضاً على الكف عن دخول البلاط وعن طرق سبيل القضاء لأن هذا سبيل ألحق به الإهانة وحرمه الأنصاف

وتصدع قلبه من الحزن فعاد إلى المنزل يائساً. ولكنه وجد المحضرين يشرعون في بيع أثاثه وفاء لديون دائنيه فوقع على الأرض في حالة تشبه الإغماء، ورأى في الطريق السيدة التي قابلها في الصباح مع عمها فضحكا منه ضحكة عالية.

وفي المساء صنع ممنون لنفسه وسادة من القش ونام بجانب الحائط، فرأى في الحلم تلك

ص: 76

الروح الفلسفية التي كان يتعشقها وهي روح من النور لها ستة أجنحة جميلة، ولكن ليس لها رأس ولا قدمان وهي لا تشبه شيئاً مما سبقت له رؤيته، فقال:(من أنت أيتها الروح؟)

قالت: (أنا روحك) فقال: (ردي إلي عيني وصحتي وثروتي وعقلي)

ثم قص عليه قصة يومه فقالت: (هذه حوادث لا تحدث في الموطن الذي أنا فيه).

قال: (وأين ذلك الموطن؟ فأجابته: (هو على بعد خمسمائة مليون فرسخ من الشمس، وهو موطن جميل. وليس هناك شياطين تغري ولا أصدقاء يجالسون المرء ليسلبوا ماله، وليس هناك من يخرقون عيون الناس، ولا إفلاس بالتدليس، ولا أمناء ملوك يسخرون ممن يطلب العدالة؛ وليست تخدعنا النساء لأنه لا نساء بيننا، وليس عندنا طعام ولا شراب، وليس عندنا تفليس لأنه لا ذهب عندنا ولا فضة، وليس لنا عيون تقلع لأن أجسادنا نورانية ليست كأجسادكم. وليس عندنا بلاط لأن الكل متساوون).

قال ممنون الفيلسوف: (إذا لم يكن عندكم نساء ولا طعام ولا شراب فكيف تقضون أوقاتكم؟)

قالت: (نحن موكول إلينا مراقبة دنياكم وقد جئت إليك لأعزيك).

قال ممنون: (ولكن لماذا لم تأتي بالأمس لتمنعيني من اقتراف ما اقترفت؟).

فقالت: (لقد كنت مع أخيك الأكبر (حسن) الذي كان في بؤس أشد من بؤسك لأن سلطان الهند أمر بقلع عينيه وهو الآن في السجن ويداه ورجلاه في السلاسل والأغلال)

قال: (وهل من العدل أن يكون اثنان من أسرة واحدة إحداهما أعور والثاني أعمى، وإحداهما ينام على وسادة من قش والآخر في السجن؟).

فقالت الروح: (إن حظك سيتغير سريعاً. نعم أن عينك لن تشفى ولكنك ستصير سعيداً إذا نزعت عن فكرك الرغبة في أن تكون فيلسوفاً كاملاً)

قال ممنون: (إذاً فذلك مستحيل!) فقالت الروح: (إنه لمن المستحيل أن يصير المرء كامل العقل كامل السعادة، فنحن أنفسنا بعداء عن الكمال مع أننا أرواح، وسيأتي عالم غير هذا العالم يكون ذلك كله ممكناً فيه. ولكن بيننا وبين هذا العالم مائة ألف مليون من العوالم يتدرج فيها المرء إلى ذلك العالم الكامل. وفي كل درجة من تلك الدرجات العالية تنقص الفلسفة وتنقص المسرات بالتدريج حتى يصير الناس في العالم الكامل كلهم بلهاء)

ص: 77

قال ممنون: (أخشى أن تكون هذه العوالم التي نتدرج فيها إلى الكمال ليست إلا مستشفيات للمجاذيب وإن عالمنا هذا ليس إلا واحد منها)

فقالت الروح: (إذا لم يكن هذا الوصف منطبقاً فأنه ليس بالبعيد)

قال: (ولكن هل الشعراء والفلاسفة مخطئون إذ يقولون إن كل شيء في هذا الوجود آخذ في سبيل الارتقاء)

فقالت: (كلا ليسوا مخطئين ولكن لكي نتبين الصدق فيما يقولون يجب أن نراعي صلة كل شيء بمجموعة العالم فإنما كمال الأشياء أن يتم اتصالها بالعالم لصالح العالم)

فأجاب ممنون: (لست أستطيع تصديق ذلك إلا إذا رجعت إليّ عيني)

عبد الطيف النشار

ص: 78