المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 212 - بتاريخ: 26 - 07 - 1937 - مجلة الرسالة - جـ ٢١٢

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 212

- بتاريخ: 26 - 07 - 1937

ص: -1

‌جلالة الملك فاروق الأول

اجتمع لجلالة الفاروق أعز الله نصره ما لم يجتمع لملك قبله من المزايا والخصائص فأحببناه أكثر من أخ، وأجللناه أكثر من ملك: شباب كمنضور الربيع كله حياة وجمال وخصب، وخلق كعَبْهريِّ النسيم فيه الرَّوْح والريحان واللطف؛ ونشأة كنشأة الأخيار المصطفَيْنَ أقامها الله على أدب الدين وخلال الفتوة؛ وجاذبية كشعاع الروح الإلهي تجذب القلوب الصاغية بالهيام والحب؛ وشخصية على طراءة السن تبهر العيون بالجلالة وتملأ الصدور بالهيبة؛ وديمقراطية على عزة الملك كرحمة الله تُقر في الأذهان معنى السمو وسر العظمة؛ وعهد كإشراق الشمس قبله السرى المجهد والغسق الداجي، وبعده الصباح المسفر والضحى الماتع؛ وتاج كدارة النور أو هالة القدس حلاه (مينا) بالشمس وزينه (المعز) بالقمر، فهو يتألق على جباه العصور بالقمرين لا بماس الأرض ولا بلؤلؤ البحرين؛ وببعض هذه الخصائص والمزايا قدس الشعوب الملوك في الأمس البعيد، وفضل الناس الملكية في اليوم الحاضر

مَن مثل فاروق جمع أطراف المجد فورث ملك الفراعنة وخلافة الإسلام وسلطان العرب، فكان رمزاً لأول حضارة مدنت الإنسان، وأقوم رسالة هذبت الحياة، وأعدل أمة حكمت الأرض؟ أليس هذا التاج المعنوي الذي يضعه الشعب على مفرقه يوم الخميس المقبل خليقاً بأن يسامي أضخم التيجان ملكا وأرفعها مكانة؟ وهل يغض من خطر التاج أن انحسرت ظلال ملكه بعد أن ورفت على أكثر بقاع الكون؟ إن قيمة التاج في خلوص جوهره وأثالة مجده وسطوع تاريخه؛ وهذا التاج الذي له ملك مصر وهذه الملايين العرب والمسلمون ينظرون إليه نظرهم إلى الشعاع الهادي والأمل الباسم، هو من هذه الصفات الثلاث أعظم تاج على جبين ملك

لا جرم أن فاروقاً الأول هو أول ملك في تاريخ مصر القديم والحديث

نَشَّأته الأمة على طبعها وحسها، وأعدته لعرشها بنفسها، وتوجته

بطوعها ورضاها هذا التتويج الدستوري الشعبي الحر، ففتحت به عهداً

لم يسبق، وسنت به سنة لم تكن، وفصلت بالفاروق بين ماض كليل

بغى فيه الاحتلال على سيادتها واستقلالها، واعتدت فيه (الامتيازات)

ص: 1

على أنفسها وأموالها، وبين حاضر زاهر يزخر فيه النيل بالحياة،

ويجيش بالقوة، ويفيض بالأمل، ويقيم مُلكه على الديمقراطية، وعرشه

على الدستور، وحكمه على العدل، وصلته بالدول على المساواة. فهل

تعجب إذا انقلبت البلاد من ضفاف الشلال إلى أرياف الدال، بشراً

يتهلل في الوجوه، ومرحاً يتنزى في الأفئدة، وزينة تتخايل في الأرض،

وأعلاماً تخفق في الجو، ودعاء يصَّعَّد في السماء، استعداداً للاحتفال

بتتويج الفاروق سيد أعزاء مصر، وزين شباب الإسلام، وملك ملوك

العرب؟

إن لابتهاج الشعب بتولي الفاروق حقوقه الملكية بواعث شتى: بعضها يرجع إلى شخصه، فشخصه عذب الروح قوي الجاذبية؛ وبعضها يرجع إلى عهده، فعهده أول عهد مصر بالسيادة والحرية؛ وبعضها يرجع إلى حكمه، فحكمه حكم الدستور والديمقراطية؛ ولكل أولئك ملابسات ومناسبات توزعت عواطف هذه الأمة الوديعة المطيعة المخلصة، فغرقت كما ترى في نشوة من نشوات الروح، فيها بهجة القلوب بالحب، وغبطة النفوس بالعزة، ولذة الحواس بالطمأنينة.

مولاي الفاروق!

إن من دلائل الفوز التيسير. ومالك الملك الذي اصطفاك لخلافة هذا المجد العريق قد يسر لشعبك في مستهل عهدك ما تعسر عليه الحقب الطوال من سيادته على أرضه. فتول القيادة العليا للسفين على هدى من الدستور ووحي من شمائلك الحرة؛ وأفِض من شبابك الفردوسي على ما خمد من عزائم هذا الشعب لطول ما كابد من عنت الأحداث وطغيان الدخيل؛ واطبع النَّشء من شعبك الهين اللين على غرارك في ثقافة العقل وثقافة الطبع وثقافة الجسم، فإنك المثل الأعلى لكل ذلك. ومثلك الفريد يا مولاي هو ما تحتاجه مصر في تجديد ما رث منها، وتكميل ما نقص فيها، وتوفير مواهب الإنشاء بها، وتنظيم قوى الدفاع عنها، وتوثيق أسبابها العمرانية والاجتماعية والسياسية لتربط بين أملاك العروبة وملكك، وتصل

ص: 2

طرفي المجد بين عرش (مينا) وعرشك. ثبت الله ملكك بالسلام، ونضر عهدك بالوئام، وجمل حكمك بالرخاء والصفاء والسكينة

أحمد حسن الزيات

ص: 3

‌تاج مصر

من (مينا) إلى فاروق

للأستاذ عباس محمود العقاد

اسم الملك في مصر القديمة دليل على عراقة النظام الملكي فيها، لأنه دليل الرسوخ والتوطد والعمران المستفيض على حين يعرف الملك في البلدان الأخرى بأسماء قريبة من البداوة أو من حالة البداية الفطرية.

فالملك في اللغات اللاتينية مأخوذ من كلمة الراجا الهندية وهي في الأصل بمعنى الربان.

والملك في اللغات السكسونية مأخوذ من كلمة جناكا الهندية وهي بمعنى الوالد، ولعلها كما يرى بعض الباحثين في اللغات القديمة قريبة من كلمة الخان وما إليها.

والملك في العربية وأخواتها بمعنى الاستيلاء، والأمارة بمعنى الأمر، وكلاهما يتحقق لأصغر الحاكمين ولو كانوا من رؤساء العشائر، لأن المرجع فيهما إلى الرآسة حيثما كان رئيس ومرؤوسون.

أما (بارو) أو فرعون كما نعرفها الآن فمعناها (الباب الكبير) أو (الباب العالي) وهو الاسم الذي كان المصريون الأقدمون يعرفون به ملك البلاد، وتسمية الملك به دليل على (تطور) الحكم عندهم من حالة الأبوة أو الزعامة البدائية أو الرآسة المستمدة من أواصر القرابة إلى حالة السياسة وتدبير العمران وقيام الدواوين ومراسم السلطان.

كذلك كان المصريون يعرفون التيجان ومعانيها السياسية إذ كان لا يتجاوزون عهد العصابة أو عهد الإكليل من النسيج والزهر، ثم من المعادن والجواهر، فكان لملك الوجه البحري تاجه وشعاره، وكان لملك الوجه القبلي تاجه وشعاره، ثم اتحد الوجهان فاتحد الشعاران؛ وظل الملوك حينا يلبسون هذا أو يلبسون ذاك للدلالة على الحقوق السياسية التي تناط بكل تاج وكل شعار.

وعراقة النظام الملكي معقولة طبيعة في بلاد كالبلاد المصرية تحتاج إلى نظام واحد في الرأي ونظام واحد في الحكومة، ويد واحدة تشرف على سقيها وتدبير معيشتها؛ ويساعد على استقرار (النظام) فيها أن أمورها كلها مستقرة تجري على مثال واحد قليل التغيير والتبديل.

ص: 4

قال الأستاذ ألفرد فيدمان الألماني في كتابه (ديانة قدماء المصريين): (إن الهيمنة على جداول الأرض كانت بطبيعتها أقرب إلى التركيز والتوحيد من سائر المرافق الأخرى. إذ لا يتأتى تنظيم الري في مصر على نحو مضمون مكفول بغير هيمنة واحدة تمنع الأفراد أن يجوروا على المصلحة القومية في سبيل المنافع الفردية)

وتناول الأستاذ اليوت سميث هذا الرأي فشرحه وفصله في كتابه (التاريخ الإنساني) وأيد فيه ما سبقه إليه العالم الألماني من تعليل عبادة الملوك في مصر القديمة، إذ كان المالك عندهم لزمام النيل ومقادير الماء مالكا في ظنهم لمصادر الحياة، خليقاً أن يحاط بمظاهر من التعظيم ومناسك من التقديس لا يحاط بها الإنسان، ولا تكون لغير الأرباب.

ويزكي هذا الرأي أن (مينا) رأس الملوك الذين وحدوا البلاد وجمعوا بين حكم الوجهين إنما كان في معظم أعماله مهندساً يسوس الماء ويدري من ثم كيف يسوس البلاد، وإليه ينسب المؤرخون الأولون تحويل مجرى النيل وإقامة في أقاليم منف والفيوم.

ثم جاء عهد الحضارة العربية وهي الحضارة الثانية التي بقي لها بعد الحضارة الفرعونية أخلد الآثار في تكوين الشعائر وتقرير نظام الحكومة بين المصريين.

والفرق بين مظاهر الملك فيها ومظاهر الملك في الحضارة الفرعونية هو الفرق بين حاكم يقول: إنه (عبد الله) وحاكم يقول ويقال له: إنه هو الإله وسيد الخلق والأمر وباعث الخير من الأرض والسماء.

فليس للملك العربي (تاج) ولا يحب الملوك العرب أن يتشبهوا بالأعاجم في هذه المراسم. مدح عبد الله بن قيس الخليفة عبد الملك بن مروان بقصيدة من جيد شعره فيها.

إن الأغر الذي أبوه أبو العا

صي عليه الوقار والحجب

خليفة الله فوق منبره

جفت بذاك الأقلام والكتب

يعتدل التاج فوق مفرقه

على جبين كأنه الذهب

فقال له عبد الملك: يا ابن قيس! تمدحني بالتاج كأني من العجم وتقول في مصعب (ابن الزبير):

إنما مصعب شهاب من الل

هـ تجلت عن وجهه الظلماء

ملكه ملك عزة ليس فيه

جبروت وليس فيه رياء

ص: 5

أما الأمان فقد سبق لك، ولكن والله لا تأخذ مع المسلمين عطاء أبداً. . . هذا وعبد الملك بن مروان كان من ملوك العرب الذين أكثروا من اقتباس الأزياء والشارات الفارسية، إلا مراسم التيجان التي بغضتها إليه النعرة العربية كما بغضتها إليه موجدته علي ابن الزبير ومن مدحوه وجنحوا إليه!

وأيا كان سر الإنكار في نفس عبد الملك فقد ظل الملوك المسلمون يؤثرون العمامة على التاج ويتخذون آثار النبي عليه السلام ومنها البردة والخاتم - شعاراً للخلافة أعز عندهم وعند الرعية من كل شعار.

ثم جاء خلفاء الترك فاختاروا العمامة على التزين والترصيع، حتى لبسوا الطربوش وميزوه على سائر الطرابيش بحلية من حلي التجميل، كراهة منهم أن يتخذوا التاج ويتشبهوا بالملوك الأوربيين

أما ملوك مصر فقد لبثوا يتخذون الآثار النبوية شعاراً للخلافة حتى زالت عنهم هذه الآثار فعوضوها بما يشبهها، ثم جروا على سنة الولاة العثمانيين حين دخلت مصر في حوزة الدولة العثمانية.

ثم قامت الأسرة العلوية على أساس الانتخاب والتولية في وقت واحد: فقد أساء الوالي العثماني الحكم فاجتمع العلماء والنقباء بدار المحكمة واستقر رأيهم على اختيار محمد علي الكبير والياً عليهم وإبلاغه ذلك والكتابة إلى الآستانة في هذا المعنى. وانتقلوا إلى دار محمد علي باشا هاتفين: إننا لا نريد هذا الباشا - يعنون خورشيد باشا - والياً علينا. وقال السيد عمر مكرم: (إننا خلعناه من الولاية). . . فقال محمد علي باشا: ومن تريدونه والياً عليكم؟ فقالوا بصوت واحد: إننا لا نرضي إلا بك لما نتوسم فيك من العدالة. قال بعد تردد: إنني لا أستحق هذا المنصب وقد يكون في التعيين مساس بحق السلطان. فعاد العلماء والنقباء يقولون: إن العبرة برضى أهل البلاد وقد أجمعنا على اختيارك.

فقبل محمد علي وألبسه السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي الكرك والقفطان وهما خلعة الولاية. ولم يمض على ذلك شهران حتى جاء الفرمان من قبل السلطان بإقراره في منصبه وتعزيز ما اختاره الشعب لنفسه، فكانت هذه هي بيعة الشعب المصري لمحمد علي الكبير ولأسرته من بعده

ص: 6

وكانت النهضة المصرية وشاء الله لمصر أن تكون ولاية مليكها المحبوب (فاروق الأول) فتحاً جديداً في تاريخها لا مثيل له في جميع هاتيك العصور، وقدوة للاحقين جمعت كل حسن سائغ من الماضي وتنزهت عن كل ما يأباه المليك ويأباه رعاياه:

استقلال الفراعنة بغير شوائب الوثنية، وملك العرب بغير رعاية أجنبية، واختيار الشعب بغير الولاية العثمانية. وقد كانت الدولة البريطانية تزعم لنفسها المزاعم في إبان الحرب العظمى، فبطلت هذه المزاعم وقام الملك الفاروق بالأمر بيننا أول ملك خلص لمصر عرشه وخلص له حبها واختيارها. فلا نظير لهذا الملك في عهد الفراعنة ولا في عهد العرب ولا في دولة العثمانيين ولا في دولة الإنجليز. وهنيئاً لمصر هذه البداية، وهنيئاً للفاروق هذه المزية، وهنيئاً للمستقبل ما يرجى له من طوالع هذا الفأل الحسن وهذا البشير السعيد

وإن من الخير لمصر أن يكون تاجها هو التاج الذي اختاره الله للمليك الفاروق الفارق بين جيلين وعصرين:

تاج محسوس بالقلوب مثاله هو شخص المليك المحبوب، ورمز تراه الأفكار قبل أن تراه الأبصار، وطلعة كما قال عبد الله ابن قيس:

. . . شهاب من الل

هـ تجلت عن وجهه الظلماء

ملكه ملك عزة ليس فيه

جبروت وليس فيه رياء

عباس محمود العقاد

ص: 7

‌حديث الملك فاروق

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

عرفت فضل النظام الملكي ومزيته في ليلة صيفية كان هذا الموضوع آخر ما أتوقع فيها أن يجري لي في خاطر. وكنا نحو عشرين - ما بين كبار وصغار، ورجال ونساء، وشيب وأطفال - خرجنا في أربع سيارات إلى الصحراء - صحراء مصر الجديدة - ومعنا الطعام والشراب والسجاجيد والوسائد والأواني والأوعية وسائر ما يحتاج إليه مثلنا في مثل هذه الرحلة، إلا الأكواب فقد نسيناها على فرط حرصنا على تذكرها، فاضطر أحدنا أن يعود بالسيارة إلى حيث مساكن الأحياء ليشتري لنا كفايتنا من هذا الذي نسيناه. وفرشنا السجاجيد وأخرجنا الوسائد والحشايا وصففنا الأطباق ووزعنا الفوط والأشواك والملاعق والسكاكين - فقد أبى أكثرنا إلا أن يكونوا من أبناء المدنية وإن كان أصل الفكرة أن نجعلها ليلة (بوهيمية) وأن نطلق النفس على السجية وننفي التكلف - وشرعنا نأكل ونسمر ونضحك ونلعب ونتخاطف الطعام والشراب ويجري بعضنا وراء بعض. وكنت جالساً على حافة السجادة وساقاي ممدوتان أمامي - كأنما يمكن أن أمدهما ورائي! - وظهري إلى مؤخرة إحدى السيارات فأن إحدى ساقي مهيضة فليس في وسعي أن أجلس كما يجلس خلق الله. فأقبلت عليّ إحدى الفتيات وأراحت كفها على كتفي وقالت:(ولكن كيف نسينا الأكواب؟)

فهززت كتفي التي عليها راحتها - فقد كان الجو حاراً - وقلت: (وهل أنا أعرف؟)

فأبت إلا الإلحاح وقالت: (ولكنك كتبت كل شيء في ورقة وراجعت كل شيء على ما فيها؟)

فقلت بإيجاز: (صحيح)

فقالت: (إذن كيف حدث هذا؟. . لابد أنك تعمدت. .)

ولم تتمها فقد صاحت إحدى الفتيات في هذه اللحظة: (الملك فاروق!)

وإذا بالقاعدين والمضطجعين جميعاً يثبون إلى أقدامهم كأنما شكهم جميعاً حديد محمي، ولولا ساقي وصعوبة هذه الحركة المباغتة عليها، لكنت وثبت كما وثبوا، فإن للجماعة عدواها، وصارت كل يد على أقرب كتف، وجعلت العيون تدور في كل ناحية، والألسنة

ص: 8

تجري بالسؤال الطبيعي: (فين؟). وكانت الفتاة التي أطلقت هذه الصيحة تشير إلى سيارة تخطف بعيداً عنا، ولا يكاد يبدو منها شيء لكثرة الغبار الثائر وراءها. وسكنت الضجة أخيراً فقالت إحدى الفتيات:(هل سمعتم أغنية الملك فاروق؟) فقلنا جميعاً - أعني الرجال -: (لا) - بلسان واحد. فقالت: (أغنية جميلة) قلنا: (هات أسمعينا) فهزت كتفها، وأولتنا ظهرها، وأخفت وجهها في حجر زميلة لها. فسأل أحدنا:(هل فيها شيء يدعو إلى الحياء؟) فقالت بنته: (لا. إنما خجلها من أن تغني) قلنا: (إذن أسمعونا يا ناس)

فأبين أن يسمعننا شيئاً، وتركننا متلهفين على السماع الذي حرمناه. ولم أطق أنا صبراً فعدمت إلى الحيلة، وغيرت الموضوع تم ملت على جارتي وسألتها - فيما بيننا -:(هل تعرفين هذه الأغنية؟) فهزت رأسها أن نعم، فسألتها:(ماذا فيها؟) قالت: (لا شيء في الحقيقة وهي شائعة جداً)

قلت: (اهمسي بها في أذني) ففعلت وإذا بالأغنية كما يأتي:

(مصر فرحانَه بفاروقها

مصر فرحانة بحبيبها

كل بنت تستمنى

لو جلالته يكون خطيبها)

ففهمت لماذا خجلت الفتيات أن يغنينها وإن كان لفظها لا يراد به المعنى الحرفي ولا يدل على أكثر من الحب العام الذي فاز به هذا الملك الشاب السعيد الحظ. وخطر لي وأنا جالس أفكر في هذه الأغنية الشائعة أن ملكا مثله يسعه أن يثق بحب الشعب له وأن يطمئن إلى دوام هذا الحب، فإن المرأة تصنع بنا معاشر الرجال المغرورين ما تشاء

وقلت لنفسي وأنا أرمي بعيني هذه الصحراء المهولة التي يضيئها القمر: إنه ليس في وسع رئيس جمهورية أن يفوز بمثل هذا الحب، ولا يعقل أن يكون رئيس جمهورية شاباً في مثل سن الملك فاروق، وعلى أنه ماذا صنع الجمهوريون حين ألغوا الملكية واعتاضوا منها الجمهورية؟ لم يصنعوا شيئاً سوى أنهم قلدوا الملكية، واحتفظوا بكل مظاهرها، وحرموا الشعوب إمكان الحب لرؤساء دولهم، واتخاذ هؤلاء الرؤساء رموزاً لأوطانهم وأعلاماً عليها، وعناوين لها، وأفقدوها معنى قومياً تتعلق الشعوب به. والجمهوريون يشعرون بذلك ويفطنون إلى الزيف الذي تكلفوه، ولذلك يحفون رئيس الجمهورية بكل ما كان يحف بالملوك من المظاهر والمراسم. فله قصره، وحرسه، وحاشيته، وإنعاماته - كائنة ما كانت

ص: 9

- وله مقام كمقام الملك، واحترام كاحترامه، وتقاليد ملكية مقررة لا تختلف ولا يمكن التساهل في أمرها. وكل ما ذهب هو نظام الوراثة. هذا والملكية نشوءها طبيعي في الأمم، فقد كان الملك في العصور الأولى هو الأقوى أو الأقدر على العموم وبقدرته أو قوته الممتازة استحق التسويد. أما الجمهورية فنظام قائم على التكلف والمغالطة. والزعم فيه هو أن الأمر والرأي للأمة، ولا أمر ولا رأي للأمة في الحقيقة، وإنما الأمر والرأي لنفر ممن في أيديهم مقاليد الأمور، وأعنة الشئون. ومادامت الشورى هي نظام الدولة، والدستور هو الذي يجري على قاعدته الحكم، والملك لا يحكم إلا بواسطة وزرائه، فلماذا تتكلف الأمم عناء التبديل والتغيير والمغالطة لنفسها وتجيء برئيس جمهورية لا يختلف عن الملك في شيء، ثم تزعم أنها جاءت بجديد؟ كل ما تصنعه الأمم التي اعتاضت الجمهورية من الملكية هو أنها أفسحت المجال لأطماع وراء الأطماع العادية في مناصب الحكم أي في المناصب الوزارية. وقد يكون من عجائب الإنسان أنه لا يقنع بمنصب الوزارة - وهو منصب حكم فعلي لا وهمي - وأن يروح يطمع في منصب لا يكون لصاحبه وهو فيه من الأمر قليل أو كثير. وكل ما يفيده هو الأبهة التي ليس وراءها حقيقة. ومن مغالطات الإنسان لنفسه أن يدعي كره الملكية وأن يتخذ مع ذلك كل مظاهرها ما خلا الاسم، ويروح على الرغم من هذا يقنع نفسه أنه غير شيئاً حين أبدل الملك برئيس جمهورية. وقد تكون الجمهورية أو ما إليها معقولة في بلد حديث العهد بالوجود مثل الولايات المتحدة؛ أما في الأمم القديمة التي نشأت فيها الملكية وتقررت زمناً فإن التغيير لا يكون إلا مغالطة ولا يكون الباعث عليه إلا الأطماع الشخصية أو جنون الحركات الثورية التي يفقد فيها العقل اتزانه واستقامة نظره، وهدوءه

ولم أسترسل في هذه الخواطر التي لا أدري لماذا دارت في نفسي، فعدت إلى رفاقي أسألهم عن الملك فاروق وأحاول أن أعرف سر هذا الحب كله. فقالت فتاة صغيرة بسذاجة محببة: إنه شاب حلو. فقلت لنفسي: إن هذا معقول فإن الأمم تحتاج إلى الشباب لتجديد نفسها. ومجرد وجود ملك شاب على رأس أمته يشعرها بفيض جديد من الحياة والشباب على الخصوص، وينعش في نفوسها الأمل. ولعل فتاتنا الساذجة لا تدرك ذلك كله، ولكنها صدقت من حيث لا تدري. وقال رجل: إنه شديد التمسك بعادات قومه ودينهم. فقلت

ص: 10

لنفسي: وهذا أيضاً صحيح وهو من مزايا الملكية، والشعوب تحب أن ترى في ملكها رمزاً لكل ما تحرص عليه وتضن به، من دينها وعاداتها وتقاليدها وآمالها، ولا يتأتى هذا كما يتأتى في الملكية. وقال ثالث: إنه متواضع رقيق الحاشية والقلب. فحدثت نفسي أن هذا أيضاً، ومعقول أن يكون باعث حب، فما من أمة تحب العجرفة والشموخ والغطرسة والجبروت في حكامها، حتى ولو خضعت لهم مكرهة، وهي تؤثر الحدب والرعاية والعطف والعدل، وهذا كله حقها. وقال آخر: إن الأمل فيه عظيم، وإن البشرى به حسنة، وإن فاتحة عهده آذنتنا بالخير. ولا يكون مثل هذا الأمل الكبير في رجل عرفت حياته ونزعاته واتجاهاته، وأصبح ما يمكن أن يكون منه مما يسهل أن يعرف بالقياس على ما كان فعلا في ماضيه المعروف. وعظم هذا الأمل دليل على عظم الرغبة في الانتقال إلى ما هو خير. ودلالات هذا الأمل كثيرة وليس هنا مقام القول فيها. وقد كثرت في جلستنا الأسباب التي يعزى إليها حب الشعب لملكه الشاب، وكلها صحيح ولكني لا أذكر الآن أن واحداً منا أشار إلى جاذبيته الخاصة، وقد يكون مرجعها إلى الشباب، ولكني أحسبها هبة من الله، فما أكثر الشبان وما أثقل الكثيرين منهم!

وعدنا وما كان لنا حديث إلا الملك فاروق وحبه لأمته وحب الأمة له. وما أظن أن حديثاً آخر كان خليقاً أن يكون أشهى وأمتع. ومتى كان الحديث عن الملك في المجالس أشهى الأحاديث وألذها فإن للملك أن يبشر وللأمة أن تستبشر

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 11

‌لمناسبة تتويج الفاروق

خواطر تاريخية ودستورية

عن رسوم التتويج والتولية

للأستاذ محمد عبد الله عنان

تستقبل مصر بعد يومين حادثاً من أعظم الحوادث في تاريخها الحديث هو الاحتفال (بتتويج) جلالة مليكها فاروق الأول، أو بالحري ببلوغ المليك رشده الدستوري وتوليه مقاليد الشئون. وافتتاح عهده السعيد في ظل الاستقلال والحريات الدستورية؛ ويلاحظ أن هذا الحادث الذي هو الأول من نوعه في تاريخنا الحديث. سوف ينشئ سابقة دستورية ينسج على منوالها، وسف يكون هو الحجر الأول في صرح تقاليد الملوكية المصرية الدستورية

ولقد كان للملوكية المصرية في عصور الاستقلال والمجد رسوم وتقاليد مؤثلة؛ وكانت رسوم البيعة والتولية من أعظمها وأعرقها، وكانت تتشح بألوان ساحرة من الفخامة والبهاء، وتعتبر من الحوادث القومية الجليلة؛ ولو لم تنكب مصر بمحنة الفتح العثماني في سنة 1517، وينهار بذلك صرح استقلالها وملوكيتها التالدة، لكان عرش مصر اليوم أقدم عروش العالم وأعرقها

فالحادث العظيم الذي تستقبله مصر في الغد يعتبر من الوجهة التاريخية ذا أهمية خاصة في تاريخها: أولاً لأنه يصل ماضي الملوكية المصرية المستقلة بحاضرها بعد أن انقطع سيرها زهاء أربعة قرون؛ وثانياً لأنه يفتتح عهد الملوكية الدستورية في عصر الاستقلال؛ وهذا المعنى التاريخي المزدوج هو الذي يسبغ على تتويج مليك مصر الشاب خطورة قومية ودستورية ذات شأن

وسوف تتخذ إجراءات التتويج هنا صفة رمزية معنوية، فليس هناك تتويج بالمعنى الحقيقي، وليس لمصر الحديثة تاج موروث أو آلات وأزياء ملوكية خاصة يتقلدها المليك عند توليته؛ وإنما هنالك إجراء دستوري خطير هو في الواقع أسمى مظهر يبدو به الملك الدستوري لأمته، وأقدس عهد يقطعه لها حين تقلده لأمورها؛ وهذا الإجراء هو أداء الملك

ص: 12

لليمين التي نص عليها الدستور في مادته الخمسين، وذلك أمام البرلمان مجتمعاً بمجلسيه في هيئة مؤتمر ونصها:(أحلف بالله العظيم أني أحترم الدستور وقوانين الأمة المصرية وأحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه)؛ وسيتلو هذا الإجراء الخطير عدة حفلات واستقبالات عظيمة يتاح فيه للأمة أن تبدي عميق حبها وولائها لمليكها، ويستعرض فيها الجيش المصري الذي تؤمل مصر أن يستعيد في المستقبل القريب مجده العسكري التالد، ويغدو حصنها المكين، وحامي حمى استقلالها وذمارها

وإذا كان (تتويج) الفاروق سيقتصر على ثلاثة إجراءات ومظاهر رئيسية، هي أداء اليمين الدستورية يوم الخميس القادم، فأداء صلاة الجمعة في اليوم التالي في مسجد الرفاعي، ثم استعراض الجيش في اليوم الثالث؛ فإن هذا البرنامج على بساطته المؤثرة يحتوي جميع العناصر القومية والشعبية التي تأخذ بها جميع القصور والأمم العريقة، بل والتي عرفتها الملوكية المصرية في ظل الدولة الإسلامية؛ ذلك أن تبادل العهد بين العرش والأمة عن طريق اليمين الدستورية التي يؤديها جلالة الملك أمام ممثلي الأمة، والتي هي معقد رسوم التولية، ليست في الواقع إلا مظهراً جديداً من مظاهر نظام البيعة القديم تطور مع الزمن طبقاً لتطور الفكرة الدستورية؛ ففي العصور الوسطى كانت الخلافة أو العرش مصدر السلطات الروحية والزمنية، وكانت البيعة تعقد للخليفة أو صاحب العرش بهذه الصفة؛ أما اليوم فإن الأمة تغدو في ظل النظم الدستورية هي مصدر السلطات، ويغدو العرش رمزها الأسْمَى، وهي التي يدين لها الجميع بالولاء

أما التتويج بصورته الشكلية المعروفة عند ملوك النصرانية من وضع التاج على رأس الملك الجديد في حفل ديني على الأغلب فلم يتبع دائماً في الدولة المصرية الإسلامية، ولم يتبع إلا في دولة الخلفاء الفاطميين، فقد كان لخلفاء هذه الدولة ضمن آلات الملك تاج من الجوهر الثمين يعرف بالتاج الشريف وبه جوهرة عظيمة تعرف باليتيمة ومن حولها جواهر دونها، وله موظف خاص يوكل بوضعه على رأس الخليفة في المواكب والأيام العظام يعرف (بمتولي شد التاج). أما الدول التي تلتها كالدولة الأيوبية، ودولة المماليك البحرية، ثم دول السلاطين الشراكسة، فلم يكن التاج بين الآلات الملوكية التي اختصت بها، بل كان أهمها العرش (أو سرير الملك) وكان سلاطين هذه الدول يضعون على

ص: 13

رؤوسهم أيام التولية طرحة سوداء مرقومة بالبياض، أو عمامة سوداء مرقومة بالبياض، تنويهاً بشعار الخلافة العباسية القديمة وهو السواد، وقد كانت هذه الدول تنضوي من الوجهة الروحية تحت لواء الخلافة العباسية الذاهبة، على أنه لم يكن سوى انضواء شكلي فقط

ثم إن الحفلات القومية التقليدية كانت في هذه المناسبات العظيمة تحتوي دائماً على العنصر العسكري، وعلى بعض المظاهر الدينية؛ فكانت مواكب الخلفاء في الدولة الفاطمية تمتاز بروعة عسكرية، وكان يحف بالخليفة الجديد وينتظم في ركبه صفوة القادة والضباط والجند في أثواب وأزياء باهرة، ويشق هذا الركب الخلافي العسكري الفخم مدينة القاهرة فيعرض على أنظار الشعب المعجب طرفاً من قوة الدولة والجيش؛ وكانت مواكب السلاطين فيما بعد تمتاز أيام التولية أيضاً بهذا الطابع العسكري الفخم؛ ومازال الطابع العسكري في عصرنا أعظم مظهر للمواكب المشهودة في أرقى الدول وأعظمها

أما المظاهر الدينية فقد كانت تتخذ مكانتها دائماً في المواكب الخلافية والسلطانية، وكانت في ظل الدولة الفاطمية أشد ظهوراً وتمكناً منها في أية دولة مصرية أخرى؛ ذلك لأن الدولة الفاطمية كانت خلافة مذهبية وكانت الإمامة الدينية شعارها، وكان الخليفة يجمع بين يديه جميع السلطات الدينية والزمنية؛ وكانت مواكب السلاطين تحتوي أيضاً مثل هذا الطابع الديني؛ بيد أنه يجب أن نفرق بين هذه المظاهر التي كانت تتفق من الوجهة الشكلية مع روح العصر، وبين مسألة أخرى هي مدى مثول العنصر الديني في تولية الخلفاء والسلاطين المصريين. وقد أثيرت هذه المسألة أخيراً لمناسبة تتويج جلالة الملك فاروق، ورأى بعضهم أن تجري إلى جانب الحفلة الدستورية حفلة دينية في أحد مساجد القاهرة يتلو فيها شيخ الأزهر على جلالته صيغاً معينة يجيب عنها جلالته بما يناسبها، فيكون هذا بمثابة تتويج ديني لجلالته إلى جانب التتويج المدني؛ وكانت حجة هؤلاء أن مصر دولة إسلامية دينها الرسمي الإسلام؛ وقد اعترض على هذا الإجراء بحق بأنه ينافي الأوضاع الدستورية ويخلق في الدولة سلطة روحية لا وجود لها؛ على أننا نريد هنا أن هذا الإجراء لم تعرفه القصور المصرية فيما عرفت من رسومها وتقاليدها، ولم يحدث قط في تاريخ مصر الإسلامية، أن تلقى خليفة أو سلطان عهداً أو تفويضاً من زعيم ديني سواء أكان

ص: 14

قاضي القضاة أم شيخ الأزهر، ولم يتلق السلاطين مثل هذا التفويض إلا من الخليفة العباسي، الذي أقاموه هم بمصر بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد ليتخذوا من لوائها أداة من أدوات السياسة. بيد أنه كان إجراء شكلياً فقط؛ كذلك لم يحدث قط في تاريخ مصر الإسلامية أن توج خليفة وسلطان في مسجد من المساجد، بل كان التتويج يجري دائماً في مقر الملك، في القصر الفاطمي أيام الدولة الفاطمية، وفي دار الوزارة الكبرى ثم في قصر القلعة أيام الدولة الأيوبية والدول التي تلتها؛ أما العناصر والمظاهر الدينية في حفلات تولية الخلفاء والسلاطين فكانت تلخص فيما يلي: مثول قاضي القضاة وأكابر العلماء إلى جانب أقطاب الهيئات العسكرية والمدنية الأخرى، في حفل التولية، وفي الموكب الملكي؛ وأداء الخليفة لصلاة العيد أو الجمعة في الجامع الأزهر أو جامع عمرو أو جامع الحاكم أو غيرها من المساجد الجامعة؛ ولم يظهر نفوذ رجال الدين في مسائل العرش والتولية إلا في أواخر دولة الملوك الشراكسة حيث كان للعلماء والقضاة الأربعة نفوذ يذكر في تولية بعض السلاطين وعزلهم وتقرير رشدهم؛ بيد أن هذا النفوذ كان عارضاً يرجع إلى أحوال الدولة المصرية والمجتمع المصري يومئذ؛ ولم يكن من العوامل الأساسية في مسائل العرش والتولية.

والواقع أن إجراء رسوم التتويج بالمسجد هو أقرب إلى الشعائر الوثنية والنصرانية، والكنسية تؤدي مثل هذا الدور الذي يراد أن يؤديه المسجد - في الأمم النصرانية؛ وقد شهدنا هذا المنظر في تتويج جلالة ملك إنكلترا حيث جرى تتويجه في الكنيسة وتلا عليه مطران كنتربري صيغاً معينة أجاب عليها؛ ومع أن الدول الأوربية قد تحررت منذ بعيد من سلطان الكنيسة فإن هذه الإجراءات ما تزال تمثل في الاحتفالات القومية الكبرى كالتتويج وغيره، فنرى الإمبراطور نابليون بونابرت مثلا يجوز رسوم التتويج في كنيسة الأنفاليد في فاتحة القرن التاسع عشر، كما توج سلفه الإمبراطور شارلمان قبل ذلك بألف عام في إحدى كنائس رومة وتولى البابا ليون الثالث وضع التاج على رأسه؛ على أن هذه المظاهر النصرانية والمناظر الوثنية التي ترجع إلى روح العصور الوسطى أيام كان سلطان الكنيسة الروحي يغشى كل سلطة زمنية وتستظل بلوائه الملوكية لتدعم سلطانها الزمني، لم تعرفها الملوكية الإسلامية ولم تأخذ بها ولم يلعب المسجد في هذا الميدان مثل

ص: 15

هذا الدور الذي تلعبه الكنيسة في تتويج ملوك النصرانية، كذلك لم تعرف الدولة الإسلامية لرجال الدين سلطة خاصة كتلك التي يزاولها الأحبار النصارى في مثل هذه المناسبات السياسية والقومية.

وعلى ذلك فإن البرنامج الذي وضع لتتويج جلالة ملك مصر والذي يقوم على العناصر التقليدية الثلاثة: العنصر الدستوري وقوامه أداء جلالته لليمين الدستورية أمام ممثلي الأمة، والعنصر الديني ومظهره أن يؤدي جلالته صلاة الجمعة في اليوم التالي في أحد المساجد الكبيرة، والعنصر العسكري ومظهره أن يقوم جلالته باستعراض الجيش المصري الباسل في حفل فخم، هو في الواقع برنامج موفق، يتفق على بساطته مع الروح الدستورية الصحيحة، ويجانب تلك البدع والرسوم الوثنية التي زعم البعض أنها تسبغ على حفلات التتويج لوناً روحياً خاشعاً، وتنوه بصفة مصر الإسلامية في حين أنها تنافي الأوضاع الدستورية والتقاليد الملوكية الإسلامية؛ بل إن هذا العهد الدستوري المؤثر الذي يتقدم به المليك لأمته يوم توليه مقاليد أمورها، ليذكرنا كيف تمت ولاية جده العظيم محمد علي لمصر على يد زعماء الأمة المصرية في منظر من أعظم المناظر الديمقراطية التي يسجلها التاريخ المصري

محمد عبد الله عنان

ص: 16

‌عرش الشمس

يقدمه واحد وأربعون قرنا!

للأستاذ عبد المنعم خلاف

حينما أرسلت خيالي يرود لي ما يقع عليه (عرش الشمس) الذي يتبوأه اليوم الفاروق، من البحر فوق، إلى البحيرات تحت، عرفت في نفسي كلاماً يُوحِي إلي أن خذ قلمك وسر في موكب التتويج جندياً يحمي أو شاعراً يغني! فأنه موكب يسير فيه واحد وأربعون قرناً هي كل تاريخ الإنسانية الذي وعته ذاكرتها. . وتحتشد فيه الدنيا لرجوع شباب (أمِّها) في مَلِك نظيف المادة مكتمل، واسع الروح قِدّيس الحياة، قد صنعه الله على عينه، وآتاه البسطة في العلم والجسم، واختار له ذلك الاسم الذي يومئ الزمن به إلى تاريخ وقف وتاريخ أقبل، وخالطه بحكماء أذكياء على علم تام بكمالات النفوس وواجبات الملوك، وعبد له طريق الحكم وأزال منه الأشواك ورفعه على عرش لا تخفق فوقه راية أجنبية، وأعده ليكون ملكا بطلا ومربياً شعبياً وقائد جيل!

وهأنذا في الموكب أهتف: -

أشهد أن لا إله إلا الله يا مليكي! فلا أعبدك. . . ولا أنسى بك ملكك وبارئك وإلهك. . . كمن فتنوا بعبادة الملوك في الماضي، ومن لا تزال في قلوبهم بقية من هذه الجاهلية في الحاضر

ولكني أجد في قلبي سطوة الحب لمعناك الذي أخرجه الله على قلوب الناس إخراجاً مفاجئاً في ظرف غريب، كما يُخرِجُ الفجر فتطْرفُ له كل عين، ويتفتح له كل قلب، وتغسل الأرض به من الظلام!

ولمعناك يا مولاي في ذهني صورة تمتد امتداد النهار. . . فتقع على الزنجي في جنوب الوادي، وعلى الإسكندري ومن بينهما فحبك حب هؤلاء جميعاً، لأنك المعنى الندي الذي ينضح الله به قلوبهم الجافة، ويبثه فيها رحمة مهداة.

هي صورة مؤتلفة الأصباغ من ألوان برك الذي واليته على أمتك تقول به لها: أنا لك!

ومن كمالك الذي تستعلن به مصر في كل مكان وطئته قدماك وتقول للناس: أنا هو!

ومن دينك الذي نقول له: يا سلاماً من رحمة الروح لنا. . وظلا ظليلا من سلطان الله في

ص: 17

أرضه علينا. . . وهدىً ضاحياً على أعلى منارة!

ومن شبابك الذي يقول به الزمان لمصر: تجددي تجددي يا أم أبي الهول! تجددي في آمال قلبك أيتها العجوز. .!

كلا! ليس مصادفة ومحض اتفاق أن يضع أبوك العظيم اسمك الكريم على ذاتك المفداة. . . وإنما هو الإلهام والإرهاص الذي ترسله المقادير حين تريد أن تحدث انقلاباً تضطرب به أحشاء الزمن، وأن تحجز بين تاريخين بحاجز من قدرها. .!

كلا! ليس مصادفة واتفاقاً أن تخرجك المقادير على مسرحها هذا الإخراج الفني العجيب الذي استجمعت فيه كل براعتها وحسها وبلاغتها في التكميل والتجميل: فأفرغت ذاتك في نصاب الرجولة ووشتها بألوان الروض. . . وقدست روحك بدين السماح وأضاءت عقلك بنور العلم. . . وزينت قلبك بمختار الأخلاق ومصطفاها. . . وإنما يراد بك أن تكون صورة من صور الكمال الإنساني يراها شبان هذا الزمان فيسيرون إلى الكمال الأعلى وفيك لهم أسوة. .!

كلا! ليس صدفة أن يتكون قلبك في عهد ثورة الأمة وزلزلتها حين ذهبت تدق بيدها المضرجة باب الحرية الحمراء، تقرعه على مسمع (أسد) ظافر بما سلب، تياه بما غلب، بطاشٍ بمن يجأر أو يهمس بالكلمة المقدسة: الحرية! حتى ظفرت منه بما زلزلت الأرض له. . . وإنما كان ذلك من الأقدار صبّا لقلبك الملكي في القالب الذي صبت فيه قلوب شباب أمتك ليكون الإحساس الوطني تحت ضغط الثورة، على سواء في الأعلى والأدنى. . . وذلك هو المقياس الصحيح لوحدة الأمة وعرشها. .

فليكن هذا كله في موضع التأمل من عقول الشباب والأمل من صدورهم والعمل من أجسادهم؛ فأنها برسالة تطلب جنوداً ذوي أرواح من شعل، وقلوب من جبل، وأجسام من عمل!

ولتهنأ الأمة بملك يدرك الحرية ويعرفها معرفة الرأي الذي كان يدور في عقله حينما يرى تلاحم الحجج بين حُماتها وغُزاتها. . ويعرفها في قلبه معرفة الدم الذي كان يفور فيه حينما يسمع أن دما من دماء جنوده الشبان سفك على مذبحها. . .

وليهنأ الملك بالعرش الذي يقدمه إليه واحد وأربعون قرناً. . . ويحمله أربعة من أبطال

ص: 18

الدنيا: رمسيس وعمرو وصلاح الدين ومحمد علي. . . وتحوم حوله قلوب عشر مليوناً تصلي في ملكوت السموات إلى مالك الملك أن يجعل عينه الراعية على الملك الشاب الإلهي. . وأن يحدث به انقلاباً تحتاجه أوضاع الأرض!

(القاهرة)

عبد المنعم محمد خلاف

ص: 19

‌تولية محمد علي باشا الكبير

صفحة مصرية نبيلة

وضع الأستاذ المؤرخ القصصي الكبير محمد فريد أبو حديد قصة سينمائية عن قيام حكم محمد علي باشا الكبير سماها (ابنة الملوك) وعهد إلى الأديب يوسف تادرس الناقد المسرحي بكتابة (السيناريو) وفي هذه المناسبة السعيدة ننشر من مناظرها هذا المنظر الذي يصور كيف نصب الشعب المصري محمد علي باشا والياً عليه بحكم إرادته ومحض اختياره

المنظر: قاعة في قصر محمد علي باشا بالأزبكية. محمد علي باشا في ملابس الولاية واقف وأمامه أدهم أحد ضباط الأرنؤود.

أدهم:. . . وبعد قليل وصل السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي فلقيا عناء كبيراً في اختراق الكتل البشرية المجتمعة في ساحة بيت القاضي والطرق المؤدية إليها فقد كان عددها يعدو الأربعين ألفاً.

محمد علي: (في دهشة) أربعون ألفاً؟!

أدهم: أجل يا مولاي وقد بلغ بهم الحماس حداً لا مثيل له. . . كانوا يضربون على الدفوف ويهتفون من أعماق قلوبهم: (عايزين الحاكم اللي نرضاه)(عايزين الباشا بتاعنا)

محمد علي: (يبتسم) وبعد!

أدهم: صعد السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي والعلماء والأعيان إلى القاضي. . . حاولت الدخول فلم أستطع ولكني علمت أن كلمة الجميع اتفقت على خلع خورشيد باشا لأنه ظالم مستبد.

محمد علي: وهل انفض الاجتماع على هذه النتيجة؟!

أدهم: الاجتماع لم ينفض بعد. . . لقد غادرتهم مجتمعين وجئت مسرعاً لأتلقى تعليمات مولاي.

محمد علي: لا بأس سيقفنا الشيخ عبد المنعم على ما دار في الاجتماع. . . قل لي يا أدهم ماذا يقول الناس عني؟

أدهم: إنهم في حيرة يا سيدي. . . يقول البعض إنك ستسافر في الأسبوع القادم إلى جدة

ص: 20

لتقوم بأعباء الولاية، ويقول آخرون إنك تخشى السفر ولن تبرح القاهرة

محمد علي: (يبتسم ويهز رأسه)

أدهم: مولاي! أتسمح لي أن أسألك سؤالا؟

محمد علي: سل يا أدهم.

أدهم: كيف قبلت منصباً كهذا؟

محمد علي: لا يرفض المرء ترقية مهما كانت. . . لقد كان هذا المنصب وسيلة إلى الرتبة التي ساوتني بخورشيد. . . إنه اعتراف من الباب العالي بجدارتي لمنصب الولاية

أدهم: أتترك مصر إلى جدة؟! تغادر هذه الجنة الزاهرة إلى تلك الصحراء القاحلة!؟

محمد علي: ومن قال لك إني راحل أيها الغبي؟

أدهم: مولاي. . . لقد أحس رجالك بحيلة خورشيد لإقصائك عن القاهرة فتوسلوا إليك أن ترفض السفر فأبيت. فهل لي أن أتساءل. . .؟!

محمد علي: (مقاطعاً بإشارة من يده) لا نتساءل. . . لنترك كل شيء إلى الظروف. وما قدر فسوف يكون

(يدخل سرور ويؤدي التحية)

سرور: سليمان أغا وضابطان يطلبون الأذن على مولاي

محمد علي: (يبتسم) أدخلهم. وإذا جاء الشيخ عبد المنعم فأخبرني توا. (يخرج سرور) إذهب الآن يا أدهم وتسقط الأخبار في القلعة فلعلك تحمل إلينا شيئاً جديداً.

(يخرج أدهم - يدخل سليمان أغا وضابطان من الأرنؤود ويؤدون التحية)

محمد علي: خيراً.

سليمان أغا: جئنا يا مولاي لنعرف ماذا استقر عليه رأيك.

محمد علي: لقد أعلنتكم برأيي وإني مصر عليه.

سليمان: مولاي! ولكن مصلحة جنودك ورجالك لا يمكن إغفالها.

محمد علي: تطلبون إلي أن أخالف أوامر الباب العالي؟! إنكم تطلبون المستحيل. . . لقد قبلت المنصب والرتبة فلابد أن أرحل إلى جدة.

سليمان: وكيف تتركنا؟! ومن يهتم بنا إذا تخليت عنا؟. .

ص: 21

محمد علي: إن خورشيد باشا صاحب الأمر في البلاد وتستطيعون أن. . .

ضابط (1): نحن لا نقبل أن يتحكم خورشيد فينا.

ضابط (2): ألا من سبيل لتحقيق أمنية رجالك يا مولاي؟!

محمد علي: لا أظن، فأنها تتعارض وأوامر الباب العالي.

سليمان: يؤلمني يا سيدي أن أصرح بأن رجالك قد قر رأيهم على أن يحولوا بينك وبين السفر.

محمد علي: أجاد أنت فيما تقول؟!

سليمان: أجل يا سيدي سنمنعك بكل الوسائل.

محمد علي: كيف؟

ضابط 2: سنلجأ إلى القوة إذا أدى الأمر إليها.

محمد علي: وإذا صممت أنا على السفر؟

ضابط 1: تعرض نفسك للخطر.

محمد علي: إن ذلك تهديد!

سليمان: سيدي. . . إن خورشيد هو الذي سعى لإبعادك ليتحكم فينا ويستبد بنا.

ضابط 2: إنه لا يريد بنا الشر فحسب، بل بك أيضاً. . . إنك تدرك خديعته وتعرف أن سفرك الخطر كل الخطر ومع ذلك تصر على رأيك. . .

محمد علي: إذا نزلت على رغبتكم كنت في نظر السلطان ثائراً وحق لخورشيد باشا أن يلقي القبض علي ويرسلني إلى الأستانة.

سليمان: لن يستطيع هذا. . . إننا قوة كبيرة في البلاد. . . ثق يا سيدي أنه لن يصل إليك إلا على أجسادنا

محمد علي: (يبتسم ويقول ساخراً) وإذا بدأت الحرب وقفتم في وجهي بين يوم وآخر وجعلتم تطالبونني بالرواتب أليس كذلك؟! لا. لا. . . لن أقبل.

سليمان: مولاي. . . إننا لا نفكر الآن في الرواتب؛ نحن ننظر إلى كياننا، إلى الخطر الذي يهددنا. . سنكون طوع أمرك فهل تعطينا كلمة؟. .

محمد علي: لا أستطيع أن أفكر في الأمر إلا إذا وثقت من شيئين: ألا يطالبني الجنود

ص: 22

برواتب الآن، وألا يوقفوني مواقف حرجة فيما بعد.

سليمان: لك ذلك يا سيدي. لن تكون الرواتب مصدر قلق لك

محمد علي: (ساخراً) أحق هذا؟!

ضابط 1: أجل يا سيدي ولنقسم بين يديك

(يدخل سرور ويؤدي التحية)

سرور: مولاي. . . الشيخ عبد المنعم.

محمد علي: (لسرور) ادخله حالا (لسليمان أغا) لا أستطيع أن أعطي كلمة الآن. . . وسأرسل إليكم كلمتي في المساء؛ وعليكم أن تكونوا على استعداد.

سليمان: حسن يا سيدي

(يؤدي الثلاثة التحية ويخرجون)

(يدخل الشيخ عبد المنعم مسرعاً)

عبد المنعم: مولاي. . . إنهم في أثري إلى هنا.

محمد علي: من؟

عبد المنعم: السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي والأعيان وأولاد البلد.

محمد علي: وماذا حدث؟. . .

عبد المنعم: أوه يا سيدي. لقد كان يوماً عظيما. . . احتشدت الألوف. . .

محمد علي: (مقاطعاً) عفواً يا سي الشيخ أعرف كل هذا، أريد أن تقص علي ما دار في الاجتماع. أريد النتيجة فحسب.

عبد المنعم: وقف السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي ومن ورائهما العلماء والأعيان أمام منصة القاضي، وعرض السيد عمر مظالم الشعب فكان الجميع لساناً واحداً على خلعه

محمد علي: وما السبب الذي بني عليه قرار الخلع؟!

عبد المنعم: السبب أنه حاد عن سنن العدل وسار بالظلم فأصبح خارجاً على الشريعة.

محمد علي: وبعد؟

عبد المنعم: تحدث العلماء وأصحاب الرأي في اختيار وال جديد واقترح السيد عمر مكرم اسم مولاي فقال الشيخ الشرقاوي: (إننا لا نستطيع أن نجد خيراً منه) وقال آخر: (إنه

ص: 23

رجل ذكي محب للخير) وتبارى العلماء والتجار في ذكر مناقب مولاي.

محمد علي: ألم يعترض أحد؟

عبد المنعم: لم يعترض أحد على شخصك يا مولاي ولكن البعض رأى في التعيين دون الرجوع إلى الباب العالي افتئاتاً على حقوقه

محمد علي: وماذا قال السيد عمر؟

عبد المنعم: ثار وصاح قائلا: (أي حقوق؟ يجب أن يكون للشعب رأي في اختيار حاكمه. . . كفانا ما لقينا من حكامهم

محمد علي: (يبتسم) يا له من رجل جريء! - فما الذي كان؟

عبد المنعم: نزل الجميع عند رأيه في النهاية وقرروا أن يجيئوا إلى هنا ليعرضوا عليك الولاية

(تسمع ضجة وجلبة صادرة من بعد تقترب شيئاً فشيئا)

عبد المنعم: أتسمع يا مولاي؟. . إنهم قادمون

(يسير محمد علي إلى نافذة ويطل من خلف الستر وينصت قليلا ثم يلتفت إلى الشيخ عبد المنعم)

محمد علي: اذهب الآن. . . لا أحب أن يراك أحد هنا وتستطيع أن تدخل معهم

عبد المنعم: حسناً يا سيدي. . (يخرج)

(يعود محمد علي ليطل من خلف الستر. ترتفع أصوات الشعب ويسمع هتافات مختلفة وضرب بالدفوف)

(يدخل سرور ويؤدي التحية)

سرور: السيد عمر مكرم والعلماء يا سيدي

محمد علي: أدخلهم يا سرور

(يخرج سرور وبعد لحظة يفتح الباب على مصراعيه ويدخل السيد عمر مكرم ثم الشيخ الشرقاوي وكثير من العلماء والأعيان)

السيد عمر: السلام عليكم يا سيدي

محمد علي: عليكم السلام ورحمة الله. . .

ص: 24

(يتقدم محمد علي ويصافح الجميع)

محمد علي: تفضلوا. . . (يشير إليهم بيده فيجلسون) خيراً يا سيد عمر؟ لعل ما جئتم من أجله خير؟

الشيخ الشرقاوي: إنه خير بإذن الله يا سيدي

السيد عمر: سيدي. . . لقد خلعنا خورشيد باشا من الولاية على البلاد واخترناك والياً علينا وجئنا نعرض الأمر عليك

محمد علي: أيسمح لي صديقي أن أوجه إليه سؤالاً؟!

السيد عمر: تفضل يا سيدي

محمد علي: هل من سلطتكم أن تعزلوا الولاة وتقيموا غيرهم؟

السيد عمر: أجل يا سيدي. . . (إن للشعوب طبقاً لما جرى به العرف قديماً ولما تقضي به أحكام الشريعة الإسلامية الحق في أن يقيموا الولاة ولهم أن يعزلوهم إذا ما انحرفوا عن سنن العدل وساروا بالظلم لأن الحكام الظالمين خارجون على الشريعة. .)

الشرقاوي: ولقد انحرف خورشيد عن العدل وسار بالظلم، لذلك أجمعنا على عزله واختيارك مكانه فإننا نتوسم فيك العدالة وحب الخير وبعد النظر

محمد علي: ولكن خورشيد باشا لن يقبل القرار

السيد عمر: سواء علينا قبوله أو رفضه. . . فإن إرادة الشعب فوق إرادته

محمد علي: وإذا رفض النزول من القلعة؟

السيد عمر: نرغمه بالقوة

محمد علي: وإذا لم يرض الباب العالي أن يسلم لكم بحق اختيار الحاكم

السيد عمر: لا يهمنا سلم أم لم يسلم. . . يجب أن يخضع لرأي الشعب ويختار الحاكم الذي نرضاه

محمد علي: ولكن الأمر خطير. . . فهل قدرتم مبلغ خطورته

السيد عمر: أجل يا سيدي. . . الشعب يتمسك بحقه كاملاً ولن يقبل التفريط فيه وإن كلفه ذلك حياته

الشرقاوي: أجل. . . لن نقبل التفريط في حقوقنا وفيما تفرضه الشريعة علينا

ص: 25

السيد عمر: البلاد مصرة على تنفيذ إرادتها ولو أدى الأمر إلى استعمال القوة

محمد علي: أما من سبيل إلى الرجوع؟. .

السيد عمر: (مقاطعاً) عفواً يا سيدي. . . لقد جرب الشعب المصري في السنين الماضية أكثر ما يجربه شعب من المظالم والمتاعب وقد صحت عزيمته على ألا يرضى بحاكم (يشير بيده إلى محمد علي باشا) إلا الذي اختاره

العلماء: أجل. أجل. لا نرضى إلا به

السيد عمر: هل تقبل يا سيدي ثقة هذا الشعب الذي أحبك واختارك دون غيرك والياً عليه؟

محمد علي: إنني عالم بما في قبولي من خطورة، عالم به تماماً ولكنني أمام إجماع الشعب ونزولاً على رغبة ممثلي الأمة الكريمة لا يسعني إلا القبول

الشرقاوي: شكراً يا سيدي. . .

محمد علي: وإنني أشعر بثقل الحمل الذي تريدون وضعه على عاتقي

السيد عمر: نحن على يقين من أن الله سيعينك وأنت بلا شك عالم بما تمتلئ به قلوبنا من الآمال

محمد علي: أسأل الله أن يوفقني إلى تحقيقها بمؤازرتكم ومعونتكم

السيد عمر: سيطلع علينا عهد جديد بإذن الله تبطل فيه المظالم وتقام فيه الشرائع والأحكام

محمد علي: لن يبرم أمر إلا بمشورتكم ومعونتكم إن شاء الله

(يتناول السيد عمر مكرم والشيخ الشرقاوي صرة من أحد العلماء ويخرجان منها ملابس تشريفه وهي عبارة عن جبة عليها كرك ويقفان ثم يتقدمان إلى محمد علي باشا الذي يقف فيلبسانه الجبة بين سرور العلماء)

السيد عمر: مولاي. . . لقد اختارك الشعب لأنه رأى الخير في اختارك ولن يرضى بديلا منك. نسأل الله تعالى أن يسدد خطاك ويديم الملك فيك وفي بيتك

العلماء: (يقفون ويرفعون أكفهم بالضراعة) آمين. . .

محمد علي: أشكرك يا صديقي وأشكر السادة العلماء وأصحاب الرأي في البلاد. . . إنني سعيد بثقة هذه البلاد العزيزة وأسأل الله أن يعينني على خدمتها ورفع لوائها حتى تعيد مجدها الغابر وتصبح سيدة الأمم.

ص: 26

العلماء: (رافعين أكفهم بالضراعة) آمين.

(تسمع ضجة من الخارج عند باب القاعة ويرى حجاج الخضري يحاول الدخول ولكن الجنود يمنعونه ويمسكون به وسرور ينهره)

سرور: لا. لن تدخل.

حجاج: دعني. . . أريد أن أكلم الباشا.

محمد علي: دعوه. . . دعه يا سرور

(يترك الجنود حجاجاً فيتقدم خطوة نحو الباشا)

حجاج: مولاي. . . الشعب يريد أن يرى الوالي الذي اختاره

السيد عمر: أجل يا سيدي. . . يحسن أن تطل عليهم من الشرفة

(يسير محمد علي إلى الشرفة ويفتحها ويخرج ليطل منها وإلى جانبه السيد عمر وخلفه الشرقاوي وعندما يظهرون للجماهير ترتفع أصواتهم بالهتاف كالرعد)

أصوات: ينصر الله الوالي. ينصر الله مولانا عمر. ينصر الله الباشا.

(ستار سريع)

ص: 27

‌عاش الملك

بقلم السيد زيادة

أية قوة تنبعث في نفسي الآن لأكتب؟. . . ألا ما أشاهدها قوة نازية بالفرح أستغربها على نفسي أنا المخلوق لأحزن!! ولكني إذ أنتشي وإذ يستطيع الفرح أن يستأثر بنفسي إنما أراني فرداً ضئيلا من أمة فيه بعض ما فيها جماعات وأفراداً من صخب الفرح، ولاء للعرش القائم على دعائم المجد، وحفاوة بالملك القادم بين دعوات القلوب.

لقد دنت من الأفق شمس اليوم الضاحك الذي ينصرم فيه تاريخ مصر الممتحن ليبدأ به تاريخها السعيد. . .

اليوم الذي نظر إليه الشعب من بعيد كأول أيامه الخالدة، وميلاد حياته الزاهرة، وفاتحة عهده الجديد. . .

اليوم الذي تنتظره الأمة انتظار المحب الولهان ليوم اللقاء الموعود.

اليوم الذي تتقدمه الحياة منذ شهور ببشائر الخير، وتحفه بدلائل النعيم، وتزفه بآيات الفرح. . .

اليوم الذي يجلس فيه مليكنا الدستوري على عرشه المؤيد ليملك زمام شعبه المخلص له. . .

دنا اليوم الذي يتحقق به حلم الشباب في قلب مصر

وافتر ثغر الحياة عن بسمة الزمن

وتهاتفت القلوب من أعماقها بالولاء للملك

ورقص غصن النيل المديد المياس بحواشيه وأعطافه

ونادى المنادي بأن فاروق الحبيب مقبل بعد غيابه ليتلقى بكاهل الشباب أعباء الملك فهب الجميع يهتفون: عاش الملك. عاش الملك

مرحباً يا مرمق أبصار الأمة، ومبسم ثغر النيل، وحبة قلب الكنانة، وعنوان فخر الشباب. . .

مرحباً يا باعث المجد من مرقده، وناشر العز بعد انطوائه، ومطلق الشعب في هنائه. . .

مرحباً يا حجة الزهو حين تزهو، وقوة الأرواح حين تصبو ونور النفوس حين تسمو،

ص: 28

وحياة العزائم حين تتحد. . .

مرحباً يا قائد الأمة الحية، ومعجب ملوك العالم، وحامل لواء السلام. . .

أيها القادم من حيث فتن الغرب بجلاله، ليفتن الشرق بأعماله؛ هذه أرواحنا تناديك ظامئة إليك، تستقبل من صفو وجهك الريَّ والحياة

أيها المتهلهل بطلعة القمر من أبهة الملك فوق عرش الأفئدة. . هذه قلوبنا تحييك مصفقة لك خافقة بك تقتبس من حبك المرسل في نواحيها النور والأمل. . .

أيها المشرف على واديه السعيد به إشراف العاطف الكريم الحنون. . . هذه عيوننا تتطلع إليك مرقرقة فيها دموع الفرح متسامية إليك منها نظرات الحنين، تطالع في ركابك العالي بهجة العيد الدستوري المخلد. . .

يا أيها المِلكُ المَلكُ. . . إن لك في كل موضع من كل قلب صورةً تقدَّس واسما يُرَدَّد.

يا أيها العاهل العظيم، أقبل على وادي النيل الشاعر بأنك رمز آماله. . . إن لك فيه تاجاً سنياً عقدت نسجه العتيد مئات السنين بيد الخلود، وعرشاً جليلاً هيأتْ مجلسه الوطيد قلوب الشعب بأعظم الولاء. . . فما خلقت هامتك الشريفة إلا لتحمل أعرق تيجان الملوك، وما خلق مقامك السنيُّ إلا ليتبوأ أسنى عروش الدول.

يا فاروق! لقد أشرق في بدء عهدك تاريخ الفاروق، ومضيت على سنن أبيك لتتم نهجه، واتبعت في علاك مناهج الرسل؛ فما أسعد المُلْكَ الأشم بك، وما أكبر المثل الأعلى للملوك فيك!!.

ليست عابثةً هذه الأمة التي تعد نفسها لتحييك بتحية فاقت كل تحايا الأمم للملوك بروحها الدفاقة الزاخرة التي هي روح الحب في إيمان القلوب تحت إلهام الله. . . هذه الحماسة المتقدة في قلوب شعبك ما هي إلا تعلقه بك، وهذا البشر الشامل كل بقعة من وادي النيل ما هو إلا ولاؤه لك. . .

إن لنا من عبقرية شبابك آمالا شابة ناضرة ستحققها الأيام بيدك.

فامض بالأمة فيما شئت من سبل المجد، وضع مصر من حيث أردت لها من صفوف الدول الماجدة، وابسط علينا من ظلالك حياة العز والرَّغد. . . وعش لنا يا فاروق. . .

السيد زيادة

ص: 29

‌إلى سدَّة المليك الشاب

شعب يبايع

للأستاذ محمد غنيم

النِّيل تَحْمِلُ سِبْطَ إِسْماعِيلَا

أرأيتَ نِيلاً جاَء يَحْمِلُ نِيلَا

لو كانتِ الأملاكُ تَحْدُو مَرْكَباً

لرأيتَ بَيْنَ حُدَاتِهاَ جِبريلَا

سارتْ فغضَّ البحرُ من غَلَوَائه

ومَشَى كما تَمشي الجيادُ ذَلُولا

هبَّتْ عواصفُه فَكُنَّ حِياَلَها

رَهْواً كما هَبَّ النَّسيمُ عَليلا

ما لاطَمَتْ أمواجُه جَنَباَتِها

بَلْ أوسَعَتْ جنباتِها تقبيلا

لو أَنَّ زَاحِفَةً تَفُوهُ لكبَّرتْ

نِيناَنُهُ ولَهَلَّلتْ تهليلا

يا بحرُ فوقَكَ دُرَّةٌ هيْهات أَنْ

تَلْقَى لها فيما حَوَيْتَ مَثيلا

أَوَلَسْتَ تَعرِفُ فيه مَنْ أَجْدَادُهُ

قَطَعُوكَ عَرْضاً بالسَّفِينِ وَطُولا؟

فَلَطاَلَماَ مَلأُوا المياهَ مَراكباً

ولطالما ملأوا السهولَ خيولا

عَرَفَتْهُمُ الأيامُ إِنْ هُمْ حَارَبُوا

أُسْداً وَإِنْ حَكموا الأنام عُدُولا

أشْرِقْ بنُورِك في البلاد فإنَّما

صَبْرُ البلاد على فراقِكَ عِيلَا

الشَّعبُ يا فاروقُ صَادٍ. نِيلُهُ

مِنْ يوم بُعْدِكَ لا يَبُلُّ غليلا

ما كان يُسْعِدُهُ التجلُّدُ سَاعَةً

لو لم يكُنْ بِكَ قلبُهُ مأهولا

ما غبتَ عن بَصَرِ البلاد وسَمْعِها

يوماً وَلا بَعُدَتْ رِكابُكَ مِيلا

كانت تُطَالِعُ ما تقول فَتَنْتَشي

طرَباً. وَإِنَّ مِنَ المقالِ شَمُولا

وتَرى على القرطاسِ رَسْمَكَ زاهياً

غَضَّا فيُصْبحُ طَرْفُها مَكْحُولا

قد كنتَ أَنت حديثَها وسكُوتَها

حتَّى غدا بكَ وقتُها مَشْغُولا

زُرْتُ الممالكَ داعياً فكَشَفْتَ عَن

مِصْرَ الفتاةِ حِجابَهاَ المسْدُولا

أَنْعِم بِشَعْبٍ أَنْتَ عُنْوانُ لَهُ

وَكَفَى بُعنْوان الكتابِ دَليلا

تمشي الممالكُ في ركابك أينما

تمشي وتَحْني هاَمَها تبجيلا

سَمِعُوا بمجد الأقدمين وأبْصَرُوا

بعيُوُنِهم للأقدمين سَليلا

كيْ يَعْلموا أَنَّ الكنانَة أُمَّةٌ

طابت فروعاً في الورى وأُصُولا

ص: 31

إِنَّا لفي زَمَنٍ يفيض دِعايَةً

كادتَ تَدُقُّ به الشُّعٌوبُ طُبُولا

هم يُعْلِنون عن الشُّعُوب كأنها

سِلَعٌ وَنَرْضَى بالسُّكوتِ خُمُولا

مَنْ راح ينشُرُ للبلاد دِعايةً

فكأنه يَبنْي لها أُسْطُولا

وَليَ الأُمُورَ بمصرَ أَصْيَدُ ياَفِعٌ

بَزَّ الأوائلَ فِتْيَةً وكُهُولا

جَاشَتْ بِصَدْري يَوْمَ قُلِّدَ عَرْشَهُ

ذكرى فراعِنَةِ القُرُونِ الأولى

ما أبهجَ الإِكْليلَ فوق جبينهِ

هذا الجبينُ يُزَيِّنُ الإِكليلا

هذا هو الفاروقُ أشْرَق وجْهُهُ

فَسَل الغزَالةَ هل تُرِيدُ أُفُولا؟

أفديه منْ مَلِكٍ أغرَّ وراَءهُ

شَعبٌ يُرَتِّلُ حمدَه ترتيلا

يَعْنوا لطَلْعَتِهِ ويهتف باسمِهِ

ويكادُ يتلو قوْلًهُ إنجيلا

مَلِكٌ تواضُعُه يزيدُ جَلَالَهُ

ليس الغشومُ المستبدُّ جليلا

يُنسيك من فَرْط التواضُع تَاجَهُ

فتكادُ تحْسَبُهُ أخاً وزميلا

يَرْنو إليه الطَّرْفُ غيرَ مُنَكَّسٍ

والبدرُ يظهَرُ من سَناَهُ خَجَولا

يَقضي لُباَنَتَهَُ الغنيُّ ببابه

ويرى الفقيرُ دُعاَءهُ مَقبولا

لَبِقُ الحديث كأنما هو مُلْهَمٌ

وقد أدْرَكَ المعقولَ والمنقولا

لا تُحْصِ أعْمَارَ الملوكِ فإِنني

أجدُ الملُوكَ مَدَاركاً وعُقولا

ما قلتُ: قد بلغ الرشادَ بسِنِّه

فَعَلَيْهِ كان بطبعْه مَجْبولا

إِنَّا عَهِدْنا الرُّشْدَ فيه سجَّيةً

ما كان في يومٍ عليه دَخِيلا

ما ضَرَّ غَرْساً طاب قَبْلَ أوانِهِ

أنْ كان حُرّاً في النَّبات أصيلا

قد كان ذو القرنين مثلَكَ يافعاً

وأركما تَتَشاَبَهاَن مُيوُلا

هيهاتَ أنتَ أجلُّ منهُ حضارةً

وأعَزُّ أوطاناً وأكرَمُ جيلا

فاروقُ تلك عناية الله التي

قد حَقَّقَتْ في عهدِك المأمولا

إن الكنانَةَ ظنَّتِ اسْتِقْلَالَهاَ

حُلْماً فكنتَ لحُلْمها تأويلا

وهي المشاكلُ كلُّها وَجَدَتْ لها

في عهْدِك الزاهي السَّعِيد حُلُولا

عَهْدٌ قصيرٌ غيرَ أَنَّ غُضوُنهَ

في جَبْهَةِ التاريخِ صرْن حُجُولا

لو حاكت التِّيجاَنٌ تاَجَك لم يَجِدْ

يوماً إليها الثائرون سَبيلا

ص: 32

ليتَ الذينَ وَلُوا العُروشَ جميعهمَ

كانوا على حُكم الشُعوب نزولا

أسِّسْ على الدُّستور مُلكَ وَابْنِه

تَبلُغَ به الشُّمَّ الرَّواسيَ طولا

كم ثَلَّ الاستبدادُ عرشاً بعدما

أجرى حواليْه الدماَء سُيُولا

مَنْ لم يعزِّزْ تاجهَ وسريره

باللهِ والدستورِ كان ذليلا

إِنَّ الكنانَةَ بايَعَتْكَ فكُنْ لها

ظِلاَّ كما كان الجدودُ ظليلا

وَهَبَتْ لعرشِك مالها ودماَءها

إِنْ شئت تَلْقَ كِلَيْهما مَبذولا

فَامْلأَ بلادَك حكمةً وَمعارفاً

واجْعَلْ بلادَك في المناعَة غِيلا

لن يسْتقمَ لِشَعْبٍ اسْتِقلاله

يوماً إِذا حَمَلَ السِّلاحَ كليلا

أين المدافعُ كالرُّعود دَوِيُّها

والخيلُ تَصْهَلُ بالجنود صهيلا

يا رُبَّ طائرةٍ سمعتُ أَزِيزَها

فحسبته في مَسْمَعَيَّ هَديلا

فانهض بمصْرَ وجيشها حتى يرى

شَبَحُ المنيَّةِ طيْفهَا فيميلا

واكبحْ جِماحَ الطامعين وقُلْ لهم

لا تطمَعَوا في أُخت عِزْرائيلا

وهُنا تُعادي مَنْ تشاءُ عِدَاَءهُ

مصرٌ وتأْخُذُ من تشاءُ خليلا

فاروقُ يَفْدِيك الحمى بهلاله

وصليبه. وأرى الفداَء جليلا

أصبحتَ في مرح الشَّبابِ ولَهْوِهِ

عن خير شَعْبٍ في الورى مسؤولا

حَمَلَ الشبابُ يَرَاعَهُ وكتابهَ

وحملتَ عِبْئاً كالجبالِ ثقيلا

أوْلَتْكَ مِصْرُ قيادَها فأَعِدْ لها

مجداً بناهُ الأقدمون أثيلا

وسُس الأُمورَ إذا جَمَحْنَ بمُصْطفى

تَلْقَ الْحُزونَ إذا مشيتَ سُهولا

هو صارمٌ ماَضِي الغِرارِ أليِلُهُ

فاحِملْهُ عَضْباً في يديك صَقيلا

قد أفْرَغَتْ مصرٌ كنانَتهاَ فما

رضيت به بين السِّهام بَديلا

وإذا تحوَّلَتِ الجبالُ فمُصطفى

عن حقِّه لا يَقْبَلُ التَّحويلا

يا مصطفى لَهِجَتْ بذكرك أمَّةٌ

أَبناؤُها لا يَجْحَدُون جميلا

ولقد تولَّيتَ الأمورَ فلم تكنُ

سيفاً على رأس الحمى مَسْلولا

لا تَثْنِيَنَّكَ عن طريقك عُصْبةٌ

ملأت حَناجِرُها البلادَ عَويلا

إِنَّا بلوناهم فكانَ فَعَالُهُمْ

مُرَّا وكان كلامُهُمْ مَعْسُولا

ص: 33

فَلَيَنْصِبوُا في غير مصرَ شِباكهُمْ

حَسْبُ البلادِ وَحَسْبهُم تدْجِيلا

سِرْ في طريقك. لا تُعِرْهمْ مَسْمَعاً

واعْلَم بأَنَّ من الكلام فُضُولا

أنَّى اتَّجَهْتَ وَجَدْتَ خَلْفَكَ أُمَّةً

ورأيتَ رَبَّكَ بالنجاح كَفِيلا

(كوم حماده)

محمود غنيم

ص: 34

‌تتويج رعمسيس الثاني

فرعون مصر الشاب

للأستاذ عبد الرحمن صدقي

كانت وفاة الملك سيتي الأول والد رعمسيس فجيعة للبلاد جزعت لها ولبست من أدناها لأقصاها ثياب الحداد. وقد قضى نحبه في عنفوان العمر واكتمال الرجولة بعد حكم مجيد زاهر. فامتد سلطانه واتسعت رقعة ملكه شمالا حتى دانت له الشام كلها، وبلغ حدود الحثيين في آسيا الصغرى وممالك بابل وأشور إلى أعالي الفرات، واستتب له الأمر جنوباً في النوبة، وضرب على أيدي قبائل البدو في الصحراء الغربية فكف عن الوادي الخصيب غاراتهم المتكررة. ثم جعل همه إلى صلاح البلاد وعمرانها؛ وأمامنا حتى اليوم على علو همته شهود ناهضة ناطقة، منها ضريحه الرائع ومعبد العرابة وبهو الكرنك الشاهق مرفوع السمك على عُمُده الفخمة وقد ازدانت جوانبها بتهاويل منقوشة تمثل انتصاراته وتروي وقائعه تخليداً لعظمته ومجده.

ولكن كان العزاء عن فقده ما يبدو من المخايل على ولده وإن كان بعد في سن الحلم.

فانظر إلى المليك الشاب من ذا الذي لا يعنو لفتنة طلعته! فأنه ليروعك أول ما يروعك - بالقامة الفارعة وجمال الوجه واستواء الخلق، وهو ممشوق لطيف الأوصال لدن الأعطاف حلو الشمائل، ومع ما يلحظه المتأمل في ملامحه من القوة والتفاوت كضيق الجبين وقنى الأنف ومتانة الفك وشدة الذقن فإن هذه جميعاً تكسوها سماحة ودماثة. كما أنه ليس من ذوي الطبائع الحزينة المسترسلة في سبحات التفكير الهائمة في أودية الأحلام، وإن كانت له سيماؤها لفرط ما صقلته التربية وهذبت حواشيه، وإنما طبعه الغالب هو الإقدام والعزيمة يعمران هذا الجسد الذي ارتاض على المشقة والجهد من سباق العجلات إلى الرماية والصيد فضلا عن المعارك الحربية، فتوفرت له منها مزايا سرعة الحركة ورباطة الجأش والاستخفاف بالخطر. وشد ما كانت تستجيشه أوصاف الشعراء لوقائع أسلافه. ثم هو يحس منذ نعومة أظفاره بأنه مولود للرياسة الملك. وكان يطيب له أن يستذكر المراسم التي هيأته لوراثة السلطان، فيذكر شعائر التطهير وكيف ضمه والده إلى صدره على مشهد من كبراء الدولة ورجال القصر لتسري إليه نفحات الحياة، ثم نادى به ملكا من بعده في وسط الهتاف

ص: 35

المتصاعد والمديح المرتل.

ولقد كانت التقاليد الدينية والسياسية حافزاً للفراعنة على رعاية مملكتهم بهمة وصدق، فهم على العرش خلفاء الآلهة، وهم مسئولون عما يفعلون بين يدي أوزيريس في يوم الحساب. فلا جرم يكونون في مقدمة خدام الدولة الساهرين على تدبير شئون مصر وممتلكاتها وتفقد أحوالها. وإن رمسيس لم يكد يشب عن طوقه، ويتجاوز طور الطفولة حتى تولاه أبوه يدربه ويخرجه على يديه. فصحب الابن أباه في حرب الشام، وكان يعاونه في الحفلات الدينية ويطلع على كافة شئون الملك وتدبير إدارته. فهو لما توكله إليه الآلهة اليوم من واجبات وتبعات غير هياب.

ولقد انقطع بين عشية وضحاها عهده بالصبا الغرير حين اجتز حلاق القصر طرته المتهدلة على صدغه الأيمن شارة عليه. وعما قريب تضاف إلى قدرته الإنسانية على عظمتها قوى الهيبة تنتقل إليه مع شعائر الملك. وهذي رعاياه كبيرة الأمل كشأنها في مستهل كل عهد بأنه وإن كان الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل.

ولقد جرت العادة منذ ألفي سنة بأن تجري مراسم التتويج في منف عاصمة الوجه البحري بمقتضى احتفال مقرر منذ أقدم عصور المملكة المصرية المتحدة. ولكن فراعنة الدولة الحديثة قد آثروا أن يكون تتويجهم في طيبة عاصمة الصعيد وهو منشؤهم ومنبت أعراقهم تحت رعاية الإله آمون. فلما جاء رعمسيس عاود السنة القديمة لأن أسرته من الدلتا ولأنه فوق ذلك موقن بأن الوجه البحري يرتفع كل يوم شأنه ويعظم خطره من الناحيتين الحربية والاقتصادية.

وهكذا استهلت أعياد تتويج رعمسيس في منف بعد الفيضان. ومنف مدينة عريقة في القدم واقعة فيما يلي ملتقى فرعي الدلتا وهي عامرة بالأهلين تطوقها خمائل النخيل الباسقة، وتقوم في أفقها الغربي مثلثات الأهرام، وتسطع شمسها المتجددة على الحقول فتشيع في فلاحيها النشاط والطرب كما تهب من ناحية بحر الروم نفحة باردة تنعش الأبدان.

ولما كان المصريون الأقدمون يؤمنون بأن الاسم - سيان المنطوق والمكتوب - يقوم مقام المسمى وله قوة رهيبة تخلق الأحياء والأشياء، فقد عكف الكهان على اختيار الأسماء الملكية الأربعة ليكمل بها اسم الملك. وتم بسرها لرعمسيس سلطة الملوك وجبروت

ص: 36

الأرباب.

ثم تعاقبت المراسم تنقل للملك الجديد القوى السحرية المقترنة بتاجي مصر. فترى الملك بعد التطهر يتلقى على هذه المنصة التاج الأبيض شعار الوجه القبلي، وعلى منصة أخرى التاج الأحمر شعار الوجه البحري، ويسمون هاتين الحفلتين إشراق ملك الجنوب وإشراق ملك الشمال. ويقوم بالتتويج كاهنان مقنعان يمثل أحدهما الإله حوريس في صورة صقر، والآخر الإله ست في صورة سلوقي. ثم يتوج الملك بالتاج التؤام للوجهين القبلي والبحري معا، ويجلس على العرش وعلى جانبيه إله الجنوب وإله الشمال وقد وضع الكاهنان إلى دعامة العرش أزهار اللوتس وهو نبات جنوبي، والبردي وهو نبات شمالي، وربطا النباتين بعضهما إلى البعض بأربطة متقاطعة. وهما مع هذا لا ينفكان يشدان فضول الأربطة بيديهما ويسندان برجليهما عراها حرصاً على توثيقها؛ وأخيراً ينهض الملك والتاج على رأسه وهو متشح بالطيلسان وفي يديه المحجن المعقوف وسوط أوزيريس ويؤدي فريضة (الطواف بالحائط) حول المحراب إشارة إلى أنه يتسلم ملك حوريس وست ويتكفل بصيانته ودفع العدوان عنه.

ولم يبق بعد ذلك إلا اتخاذ الضمانات الرسمية. فإن الآلهة تتخذ سجلات مستوفاة تحصي فيها كل شيء تجنباً للملاحاة والخلاف. وهذان كاهنان يمثل أحدهما إله العلم تحوت، ويمثل الآخر إله الكتابة سخت، يحرران الصكوك بالصيغة الملكية ويودعانها ديوان السماء. وأخيراً يدونان اسم رعمسيس على ورقة من نبات السبط المقدس تخليداً لحكمه.

ولقد كان لتراتيل الكهنة في وسط السكون الرهيب فعل الرقى والتعازيم السحرية في نفس رعمسيس، فضلا عما كانت مصحوبة به من الحركات الموزونة والوقفات النبيلة والإشارات الملتوية في ترسل ويسر. فامتلأ يقيناً بالرسالة الموكولة إليه وبقدرته على تأديتها وبأن التوفيق ملازمه طيلة حياته. ونهض بعد انتهاء المراسم وقد سرت في أعطافه النفحة الإلهية.

وحكم رعمسيس فرعوناً على مصر.

وقد ذهب بعدها إلى طيبة حيث جرى شبه تتويج ثان له، وكان ثمة عيد الإله (مين) في آخر مارس عقب موسم الحصاد. وعبادة (مين) لها شأنها الأكبر في بلاد مصر الزراعية،

ص: 37

فهو إله الخصب وحامي الحقول والبساتين، وهو يقرن أحياناً بآمون إله طيبة الأعظم ورب الأرباب والبشر وأب الفراعنة. وفي هذا العيد قدم الملك إلى (آمون - مين) قربانا من الحصاد في ذلك الأوان

وقد غادر رعمسيس قصره في طيبة كما تطلع الشمس باهرة اللألاء من مشرقها، وشخص إلى هيكل (مين) في محفته الفاخرة يحملها ويحمل المراوح إلى جانبيها عظماء الدولة، ويتقدم المحفة الملكية كاهنان يمسكان مجامر البخور، وكاهن آخر يرتل الأناشيد وهو ممسك بيده قرطاساً من البردي. وفي طليعة الموكب تعزف الطبول والأبواق عزفها الهاتف الآمر، ويسير وراءه في نظام جليل رائع أكابر رجال القصر تتبعهم فيالق من جنود الحرس البواسل. ولكن الإله (مين) يخرج من محرابه محمولاً على أكتاف ثلاثين كاهناً يصحبه عجل أبيض باعتباره الصورة الحية التي يتجسد فيها، ويتقدمه صف طويل من الكهنة يحملون الشارات الدينية وتماثيل السلف الصالح من الفراعنة الراحلين، ويتقدمون إلى المذبح حيث الملك واقف. وهنا يتعرف الإله مين على ابنه فيدخله في عداد الأرباب كسائر أسلافه. وإنه لحدث عظيم. وإذ ذاك يطلقون طير الإوز في جهات الأفق الأربع لاذعة البشرى في أركان المعمورة كما فعل الإله حوريس نفسه عند تتوجيه. ويجري الاحتفال ويتم في وقار ودقة على حسب الأصول المرعية. وفي النهاية يقدم الملك القرابين لتماثيل أسلافه ويقتطع بمنجل قصير جرزة مصطنعة فيقدمها للآلهة باعتبارها باكورة الحصاد في عهده

ويعود فرعون إلى القصر، فيقبل عليه رجال البلاط ووزيره باسار وجميع الموظفين يحيون مليكهم وينشدون في مديحه: -

أقبل عليّ بوجهك أيها الشمس المشرقة

يا من تضيء القطرين بسنا جمالك

أنت شمس الورى

تنفي عن مصر الظلمات

ولك طلعة أبيك رع

الصاعد في معارج السماء

ص: 38

وإليك يوحي بكل ما يجري في بلدان الأرض

وأنت راقد في قصرك

وإنك لتسمع ما يدور في الخافقين من أحاديث

لأن لك الألوف من الأسماع

وعينك أنفذ من نجوم السماء

وتبصر ما لا تبصره الشمس

وكل ما يقال ولو كان همساً ونجوى

يقع لا محالة في سمعك.

وكل ما يفعله امرؤ في الخفاء

فإن عينك تراه.

يا رعمسيس يا رب الجمال ورب الحياة!

وكذا كانت أعياد التتويج عند قدماء المصريين تمتزج فيها عبادة فرعون بعبادة الآلهة لاعتبارهم أن الملك العظيم هو حمى الدولة وحمى الدين.

عبد الرحمن صدقي

ص: 39

‌إبراهيم باشا

موقعة نصيبين

في أواخر هذا الشهر يخرج الأستاذ محمد بدران ناظر مدرسة بنبا قادن الابتدائية ترجمة عربية لكتاب (إبراهيم) تأليف القاضي بيير كربتيس بتصريح خاص من شركة روتلدج الإنجليزية، والكتاب مثال من الدقة والأمانة في الترجمة. وإليك فصلا من فصوله ننشره بمناسبة تتويج الفاروق أعز الله ملكه.

لما علم محمد علي بأن الجيش التركي يستعد للزحف على بلاد الشام

ويحرض أهلها على الثورة أمر وزير حربيته أن يلحق بإبراهيم رغم

معارضة قناصل الدول

وأسرع وزير الحربية إلى مقر القيادة العليا لجيش إبراهيم. وكان الطريق أمامه طويلاً، ولا يستطيع هو السير فيه مسرعاً كما يسير الرسول. ولذلك سبقه مبعوث خاص يحمل إلى إبراهيم أوامر أبيه. ولم نستطع الاطلاع على نص هذه الأوامر، ولكن في مقدورنا أن نتكهن بمعناها لأن إبراهيم قد خول منذ يونيه سنة 1839 الحق المطلق في أن يفعل كل ما يراه صالحاً. فيبدأ الحرب أو يحافظ على السلم حسبما تمليه عليه الظروف

ولما ترك محمد علي لإبراهيم أن يتصرف في الأمر بحكمته وحسن تدبيره، كان يعرف أنه لن يهاجم العدو إلا إذا اضطر إلى ذلك اضطرارا، على الرغم من أن تركيا ومصر كانتا في حالة حرب فعلية في البر والبحر منذ شهر مارس من عام 1839، كما أنبأ القنصل الإغريقي العام بالقاهرة حكومته في 26 من ذلك الشهر. ولطالما استفز الأتراك إبراهيم بموقفهم العدائي؛ ولولا قدرته على كبح جماح نفسه لتكشف ستار السلم عن حقيقة الحرب العلنية. وقد كتب في ذلك القنصل اليوناني العام في الإسكندرية إلى وزارة خارجيته بتاريخ 18 يونية يقول:

(تدل الأنباء الواردة من المنطقة التي يعسكر فيها الجيشان في الوقت الحاضر على أن جيوش السلطان تواصل الزحف، وتشجع أهل البلاد على الثورة بتقديم الأسلحة وبذل الوعود لهم. وقد تقدم (سليمان باشا والي مرعش) في جيش مكون من نحو ثمانمائة فارس،

ص: 40

حتى بلغ عينتاب واستولى على المدينة، وإن كانت قلعتها لا تزال في أيدي المصريين. ويقال إن حافظاً باشا القائد العام للجيوش التركية كان مع هذه القوة، ولكنه تخلف عنها قبل أن تصل إلى عينتاب. ورأى جنود السلطان سكوت الجيش المصري وامتناعه عن القتال إطلاعه للأوامر الصادرة من الوالي إلى إبراهيم باشا، بعد أن هددته الدول الأوربية وأنذرته ألا يكون البادئ بفتح باب العدوان، فاغتنموا هذه السانحة وتوغلوا في البلاد من غير أن يلاقوا مقاومة، اللهم إلا مناوشة بين الفرسان السالفي الذكر وكتيبة صغيرة من البدو).

وقد أفصح هذا القنصل العام نفسه في رسالة سابقة بعث بها إلى حكومته عن حقيقة تهديد الدول الأوربية. وقبل أن ننقل إلى القارئ شيئاً من هذه الرسالة نقول إن ميخائيل توسزا الذي بعث بهذه المعلومات إلى أثينا، لم يكن من رجال الدبلوماسية الرسميين، ولا من رجال البحرية، بل كان تاجر استوطن الإسكندرية قبل أن تستقل بلاد اليونان، وكسب صداقة محمد علي، واحتفظ بهذه الصداقة. فلما أنشأت بلاد اليونان أول قنصلياتها في القطر المصري في عام 1833، عهدت بأمور القنصلية إليه. ولم يكن يرسل في أول الأمر تقارير منتظمة إلى وزارة خارجيته، كما أنه لم يبدأ الاشتغال بالمسائل السياسية إلا في سنة 1838. ولم يكتسب قط في حياته ذلك الأسلوب الخاص الذي تكتب به المراسيم والوثائق السياسية، بل كانت معانيه على الدوام واضحة كل الوضوح. ويمتاز ما كتبه توسزا بميزة أخرى غاية في الأهمية، وهي ناشئة من الصداقة الوثيقة التي كانت بينه وبين محمد علي. وقد كتب هذا القنصل إلى وزارة خارجيته في 23 يوليه سنة 1838 يقول:

(لقد أبلغ المستر كامبل وكيل إنجلترا السياسي الوالي بصفة رسمية أن بريطانيا العظمى تعارض أشد المعارضة فيما يطلبه من الاستقلال، وتصر على أن يبقى كما هو؛ وإلا فإن الدول الأربع: إنجلترا وفرنسا والروسيا والنمسا ستعمل مجتمعة لمنعه من نيل استقلاله، ولو أدى ذلك إلى استخدام القوة. وهذه الدول متفقة على ذلك، وقد قررت أن تزيد قوة الأسطولين البريطاني والفرنسي في البحر الأبيض المتوسط، وأن ترسل الجنود النمساوية إلى بلاد الشام إذا استلزم الموقف ذلك. ويلوح أن سمو الوالي سيجيب بأنه إذا عجز عن نيل رغباته بالرضا والمسالمة. فستلجئه الضرورة إلى أن يعمل لنيلها بوسائل أخرى؛

ص: 41

ومهما كانت العاقبة فسيكون من أكبر دواعي الشرف له أن تهزمه الدول الأربع الكبرى)

وكتب توسزا رسالة أخرى في 6 سبتمبر سنة 1838 يضم فيها بروسيا إلى جماعة الدول المتفقة. ولهذا الأمر أهميته، لأننا عرفنا من قبل أن هلمث فون ملتكه كان وقتئذ مع الجيش العثماني الذي كان يعمل بكل ما في وسعه ليستثير غيظ إبراهيم. وليس يخفى علينا أن ملتكه كان في ذلك الوقت رجلا لا خطر له، ولا يكاد يعرفه أحد؛ ولكن انضمام النمسا والروسيا وبروسيا كان مقدمة لحلف القياصرة الثلاثة الذي تم فيما بعد، ومضاعفاً للخطر الذي كان يتعرض له جيش إبراهيم. وقد أبلغ قناصل هذه الدول الثلاث محمداً علياً أن دولهم لا تسمح بأن يطرأ على العلاقة القائمة بينه وبين الباب العالي تغيير ما، وأنه إذا أقدم على عمل أيا كان نوعه فستنضم هذه الدول إلى تركيا لقتاله والتغلب عليه؛ فأجابهم الباشا عن ذلك بقوله:

(إنني لا أرغب في الحرب، ولن أقدم على عمل عدائي، ولكنني راغب في الاستقلال، ولن أتخلى عن هذه الغاية)

على أن هذا التحذير كان له أثره في نفس محمد علي؛ ورأى أن خير وسيلة لتجنب هذه الأحاديث البغيضة المنذرة بأسوأ العواقب، أن يرحل إلى الجنوب. وكانت الإشاعات متواترة بأن مناجم من الذهب صالحة للاستغلال قد كشفت في السودان. ورأى الباشا من مصلحته أن يتحقق من هذه الأنباء الهامة بنفسه، حتى إذا ما اضطر إبراهيم إلى الزحف على الأتراك، حلت بهذا الكشف مشكلة من أهم المشاكل. وزيادة على ذلك فإن غيابه يهيئ الظروف للمسألة التركية كلها أن تستقر على قرار ثابت مكين. لكن هذا الغياب المؤقت لم يكن ليفت في عضد الزمرة الدبلوماسية المتحدة التي ظلت تعارض محمداً علياً بعد رجوعه في 15 مارس سنة 1839

ولاشك في أن إبراهيم كان يعرف كل هذه الحقائق ويعرف أيضاً كيف يتعظ بعبرها؛ لأن أباه كان دائم الاتصال به لا يقطع عنه أخباره؛ وكانت معرفته بها وتقديره خطر الموقف الذي كان يواجهه سبباً في أنه لم يحرك ساكناً حينما استثار الأتراك غيظه؛ وذلك لأنه أيقن أن الأتراك يلقون معونة أوربا السياسية؛ وعرف الباب العالي ذلك فوقف من المصريين هذا الموقف المغضب. وكان فون ملكته وفون ملباخ وغيرهما من الضباط البروسيين لا

ص: 42

يفتأون يحرضون قواد الترك العسكريين، ويستعينون بما طبع عليه الألمان من اعتداد بالنفس ومغالاة في الاطمئنان إلى مقدرتهم، فيغرون حافظاً باشا بالاستمرار على مناوأة إبراهيم.

وصادف تحريض الضباط البروسيين هوى في نفس القائد التركي العام، فلم يشك قط في الظفر بأعدائه، لأن له جيشاً جراراً، وإدارة للمخابرات دقيقة النظام، وهيئة طيبة من الضباط نواتها مساعدوه الألمان.

وشجعه على الاعتداد بنفسه أن إبراهيم لم يقابل هجومه في 23 إبريل بهجوم مثله. ولما سقطت عينتاب في يده زاد اطمئنانه، ولم يساوره قلق ما حتى جيء إليه بأحد الأسرى الذين وقعوا في يد الأتراك عند استيلائهم على قرية تل باشر. وهذا الأسير هو فرجاني شيخ عرب الهنادي. وكان رجلا سواه الله وعدله ووهبه من الكبرياء بقدر ما وهبه من قوة الجسم. وأخذ القائد العام يسأل أسيره، لعله يعرف منه ما يفيده في موقفه، لكن الرجل كان عنيداً لا يلين فأجابه بقوله:(عن أي شيء تسألني؟ دونك رأسي فليس ينجيه منك لساني، بل ربما أوقعني في الهلاك وكان منطقي سبباً في إراقة دمي). فأجابه حافظ بقوله: (لن أمس شعرة من لحيتك إذا صدقتني القول). فقال له الأسير: (أقسم بالقرآن أني سأبرح هذا المكان حياً سليما من الأذى، أخبرك بما تريد)

فلما أقسم ضحك فرجاني ملء شدقيه وقال!

(أتريد أن أخبرك بالحق وأطلعك على رأيي في معسكرك ومعسكر إبراهيم؟ أتريد أن تعرف ما سيقع في المستقبل؟ ألا هل يستطيع أحد أن يتنبأ بما في عالم الغيب؟ لكنك إذ أصررت على معرفة الحقيقة فأني مبلغك إياها: إن معسكر إبراهيم معسكر جنود، أما معسكركم فمعسكر حجاج).

فقال له القائد التركي غاضباً: (وماذا تقصد بهذا القول؟) فرد عليه بقوله: (رأيت في معسكر إبراهيم أكداساً من الأسلحة وإلى جوارها كتائب من الجند المشاة مدججين بالسلاح؛ ورأيت المدافع وإلى جانبها رجال المدفعية؛ ورأيت الاصطبلات وبقربها الفرسان؛ ورأيت كل إنسان في موضعه متأهباً لأداء واجبه؛ ولم أر شيئاً من ذلك في معسكركم، بل رأيت فيه يهوداً وتجاراً وأئمة؛ رأيت فيه رجالا يقرضون المال، ورجالا يبيعون، وآخرين يصلون،

ص: 43

ولذلك قلت: إن معسكركم أشبه شيء بمعسكر الحجاج. وتسألني لمن سيكون النصر؟ فأقول إن هذا ما لا أعرفه، لأن علمه عند الله، وستعلمن نبأه بعد حين)

إن للأتراك أغلاطاً ولكنهم قوم كرام. ومع أن حافظاً قد تألم وكاد يصعق مما قاله العربي الصريح، فقد فك أسره وخلى سبيله، وقبل أن يعود إليه صوابه جاءه رسول ومعه خطاب من إبراهيم؛ ولم يكن هذا الرسول يحمل راية الهدنة لأن الحرب لم تكن أعلنت رسمياً بين الدولتين. وكان تاريخ الخطاب 8 يونيه سنة 1839 وقد جاء فيه:

(إن التعليمات التي أرسلتها الدول العظمى إلى قناصلها المقيمين في الإسكندرية قد أقنعتني بأنهن غير راضيات عن الحرب؛ وإني لأعرف أيضاً أن سمو مولاي المعظم غير راض عنها، ولكن على الرغم من هذا.

(1)

فإن سليمان باشا المرعشلي أرسل فصيلة من جنوده هاجمت جيوشنا في بولانق.

(2)

وأرسلتم فرقة إلى باياس لتحريض أهلها على الانتقاض علينا

(3)

وبعثتم بالحاج عمر أوغلو إلى كرد داغ للغرض نفس.

(4)

وغزوتم أرضنا وهاجمتم عرب الهنادي التابعين لنا.

(5)

ووزعتم الأسلحة على أهل ولاية عيتناب، ودخل سليمان باشا المرعشلي هذه المدينة ولا يزال باقياً فيها إلى الآن. وبالأمس هاجمت قوة من الفرسان تحت قيادة سعادتكم صفوفنا وأمرتم مدفعيتكم أن تصوب نيرانها على فرساننا الهنادي في مخافرنا الأمامية).

وبعد أن ذكر إبراهيم هذه الأسباب قال:

(ولقد صبرت إلى الآن على هذا كله ولم أقابله بمثله، لأنني كنت أحاول أن أقنع نفسي بأن هذه الأعمال العدائية تغضب السلطان مولانا المعظم. فإذا كنتم سعادتكم تعزون سكوتي عنها إلى الخوف فأنكم مخطئون في ظنكم، إذ ليس لسكوتي إلا سبب واحد هو حرصي على احترام رغبات سمو والدي وسيدي المعظم. وإذا كنتم سعادتكم قد تلقيتم الأمر باستئناف القتال، فما بالكم تنهجون هذا النهج وتدسون الدسائس. هلموا إلى ميدان القتال ولكن هلموا إليه بصراحة، وخوضوا غمرات الحرب كما يجب أن تخاض. وإلا أخالكم قد نسيتم ما حدث منذ بضع سنين، وستلقون رجالاً لا يعرف الخوف طريقة إلى قلوبهم؛ أما الدسائس فأننا لا نطيق احتمالها إلى الأبد. فهل أحظى منكم بجواب صريح؟ فإن فعلتم فسينقل ردكم

ص: 44

إلي إذا رغبتم حامل هذا الخطاب الأمير ألاي محمود بك).

(يتبع)

محمد بدران

ص: 45

‌مشروع تقسيم فلسطين وأخطاره

لباحث عربي كبير

جلس سكان فلسطين مساء يوم الأربعاء الواقع في 7 يوليو، أمام الراديو منتظرين سماع تقرير اللجنة الملكية. وكان السكون مخيما في معظم البيوت وفي المقاهي والأندية. وما كاد المذيع يفرغ من قراءة خلاصة التقرير واستنتاجات الحكومة المنتدبة حتى انتاب أهل البلاد ذهول دام بضعة أيام من شدة الصدمة. . وأراد فخامة المندوب السامي أن يتلطف بهم وبحالهم ويهون عليهم المصاب بدعوته أهل البلاد إلى إنعام النظر والتروي في إبداء الرأي، وأن يحكموا العقل على العاطفة في تقرير الحكم على مشروع اللجنة الملكية

اتبعنا هذه النصيحة وقرأنا بإمعان خلاصة التقرير، ثم أخذنا في قراءة التقرير نفسه. فما كان أشد دهشتنا عندما رأينا اللجنة الملكية تخالف في تقريرها جميع تقارير اللجان البريطانية، والخبراء الإنكليز، وكتب حكومة لندن البيضاء، ورأي عصبة الأمم، فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية، حتى أنها تخالف أيضاً صك الانتداب نفسه

تقول جميع هذه المستندات بأن التزامات الحكومة المنتدبة نحو العرب واليهود متساوية، فقالت لجنة اللورد بيل خلاف ذلك، وأوصت حكومة جلالة الملك بتنفيذ التزاماتها نحو اليهود أولا ثم النظر في التزاماتها نحو العرب. أي أنها توصي بإنشاء الوطن القومي اليهودي، ثم بالنظر في المحافظة على حقوق العرب!.

وصرحت حكومة جلالته وعصبة الأمم مراراً بأن ليس الغاية من تصريح بلفور إيجاد دولة يهودية في فلسطين، فقال اللورد بيل في تقرير لجنته بأن المراد من تصريح بلفور وصك الانتداب إيجاد دولة يهودية في الأراضي المقدسة عندما يصبحون أكثرية فيها

وينص صك الانتداب صراحة بأن واجب الحكومة ترقية الحكم الذاتي في فلسطين، فقالت اللجنة الملكية بأن إنشاء مجلس تشريعي مخالف لصك الانتداب!. .

ولم تكتف اللجنة الملكية بهذا، بل تهكمت في تقريرها بالعرب وزعمائهم، ولم تر فيهم إلا مثالب، ولم تر في اليهود وأعمالهم إلا محامد؛ وجمعت في تقريرها جميع الآراء والأقوال اليهودية التي تزعم أن ليس للعرب حق في فلسطين، وأن الأراضي المقدسة حق لبني إسرائيل! فكان تقريرها هذا مجموعة أضاليل يهودية. حتى أنه لو قيل للدكتور وايزمن،

ص: 46

زعيم الصهيونية، أن يكتب تقريراً عن القضية الفلسطينية ومطالب اليهود، لما جرؤ على كتابة مثل تقرير اللجنة الملكية!. .

إن تقرير اللجنة الملكية خطة سياسية مرسومة، يراد منها أولا إزالة مفعول التقارير البريطانية السابقة التي جاءت كلها منذ الاحتلال حتى الأيام الأخيرة لصالح العرب مثنية عليهم، ومظهرة سوء السياسة الصهيونية وخطرها على أهل البلاد ووخيم عواقبها، وثانياً تحقيق إنشاء (المملكة اليهودية)

إننا لا نبالي بحكم اللورد بيل على العرب لأن حكمه فريد، وطبيعي أن هذا الحكم الشاذ لا يؤثر في رأي المنصف العادل على حكم التاريخ، ولا على الأحكام البريطانية العديدة السابقة، ولا يقلل من أهميتها ومفعولها

والذي يهمنا في هذا المقال هو إظهار أخطار مشروع تقسيم فلسطين، و (المملكة اليهودية) التي تريد الحكومة البريطانية إيجادها في قسم فلسطين الطيب

تمويه التقسيم

قسم اللورد بيل فلسطين إلى ثلاثة أقسام، أعطى الأول إلى اليهود، واحتفظ بالثاني لدولته، وأبقى الثالث لأهل البلاد. أما قسم اليهود فيشمل جميع الفضاء الشمالي وسهل الحولة ومرج ابن عامر، والسهل الساحلي حتى 10 كليومترات جنوبي رخبوت، وتبلغ مساحته حوالي ثمانية ملايين من الدونمات (الدونم ألف متر مربع)، وفيه من المدن العربية صفد وعكا وحيفا وطبرية والناصرة، ومن القرى عدد عظيم، حكم عليها أن تصبح يهودية، وقضي على سكانها العرب البالغ عددهم أربعمائة ألف عربي بأن يرحلوا من وطنهم العزيز. أما القسم الذي سيوضع تحت انتداب بريطاني جديد فيشمل القدس وبيت لحم وضواحيها وجميع الأراضي التي تسير فيها طريق يافا - القدس، وسكة حديد يافا - القدس. ويدخل في هذه المنطقة الرملة واللد وقرى عديدة كلها عربية. وعلاوة على هذه المنطقة فالحكومة المنتدبة تحتفظ لها بمنطقة لم تعين حدودها على ساحل خليج العقبة، وستكون هذه المنطقة جميع ما يدخل فلسطين من صحراء سيناء وقسم كبير من فضاء بئر السبع إن لم يكن كله لأسباب سياسية

واعتاد الإنكليز واليهود القول بأن ما بقي من فلسطين خاص بالعرب ليوهموا العرب بأن

ص: 47

ما يبقى لهم قسم مهم عظيم. والواقع أن ما يبقى لهم من وطنهم حسب مشروع التقسيم، جبال نابلس وجبال الخليل والقسم الجنوبي من القسم الساحلي، وهذا القسم من السهل قاحل على أكثر السنين لعدم انتظام سقوط الأمطار فيه. وبعبارة أخرى إن ما يريد اليهود والإنكليز إبقاءه عربياً (مؤقتاً) جبال جرداء وصحراء محرقة. وهم يريدون إلحاق هذا القسم بشرق الأردن الفقير وتأسيس مملكة عربية منهما

أطلق على مشروع لجنة اللورد بيل مشروع تقسيم فلسطين، وكلمة تقسيم تخدع كثيرين من الذين لا ينظرون بعيداً أو الذين لا يعرفون طبيعة الأراضي في فلسطين. أما الحقيقة فهي أن مشروع اللجنة الملكية يعطي فلسطين كلها لليهود، لأن اعتبار البلاد هو بما فيها من أراض صالحة للزراعة، لا بجبالها الجرداء ولا بصحاريها الجدباء. وإذا علمنا أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في فلسطين لا تزيد على 6 ، 544 ، 000 دونم، حسب تقدير الخبير الكبير السير جون هون سمبسون، وإن هذه الأراضي الصالحة للزراعة مؤلفة من سهول فلسطين وهي: سهل عكا، وسهل الحولة، ومرج ابن عامر، والسهل الساحلي؛ وإذا علمنا أن جميع هذه السهول داخل ضمن القسم اليهودي، عدا جنوبي السهل الساحلي القاحل في أكثر الأوقات، رأينا بجلاء أن جميع فلسطين الصالحة للزراعة وهي فلسطين الحقيقية والتي من خيراتها يعتاش جميع سكان البلاد، داخلة ضمن القسم اليهودي، وما بقي من فلسطين قاحل لا يعول من فيه من السكان

إجلاء لا تبادل أراض وسكان

يريد اليهود ترحيل الشعب من فلسطين ليكونوا فيها وحدهم - فحقق لهم اللورد بيل قسما كبيراً من أمنيتهم، وذلك بقبوله هذا المبدأ، وإصراره على إرغام العرب الذين يعيشون في (مشروع القسم اليهودي) من فلسطين، على الرحيل إلى القسم الآخر منها، أو إلى حيث يشاءون، فيما لو قبل مشروع تقسيم فلسطين. ووضع اللورد بيل إصراره في عبارات كثيرة ما استعملها الدبلوماسي إلا لإخفاء الحقيقة والظهور بمظهر الشفيق العادل، فقال بأن (مصلحة الفريقين تقضي بأن يبذل أقصى ما يمكن من الجهد للوصول إلى اتفاق بشأن تبادل الأراضي والسكان).

ربما يخيل للقارئ من هذا القول أن هناك أقلية من العرب تملك أقلية من الأراضي في

ص: 48

(مشروع التقسيم اليهودي)، لا، إن هذا خطأ مبين، إذ أن كل ما تملكه اليهود من أراض في فلسطين منذ ابتداء - حركتهم الصهيونية، مليون وربع من الدونمات، بينما مساحة القسم الذي تريد اللجنة الملكية إنشاء مملكة يهودية فيه تبلغ حوالي ثمانية ملايين دونم. فمن هذين الرقمين يظهر أن (المملكة اليهودية) ستنشأ على أراض لا يزال العرب يملكون فيها ستة أضعاف ما يملك اليهود، كما أن عدد سكان العرب في هذه المنطقة لا يقل عن أربعمائة ألف، بينما عدد اليهود فيها لا يزيد على ثلاثمائة ألف.

وفي الواقع أن لجنة اللورد بيل تريد إخراج ما لا يقل عن أربعمائة ألف عربي من (مشروع القسم اليهودي) واستبدالهم باليهود القاطنين بما يسمونه (القسم العربي) البالغ عددهم 1 ، 250 فقط، والذين لا يملكون فيه إلا بضع مئات من الدونمات. فاستعمال تعبير تبادل السكان في هذه الحال غاية في الهزء والسخرية بالعرب. ليس الأمر أمر تبادل سكان، وإنما هو إجلاء العرب عن القسم الخصيب من بلادهم الذي منه يعتاشون والذي من دونه لا حياة لهم.

ويصحب جلاء العرب عن وطنهم استيلاء (الحكومة اليهودية) على أراضيهم، وهذا ما يريده اليهود. وما أوصت به اللجنة الملكية

أراد اللورد بيل مساعدة اليهود إلى أكبر حد، فقرر منع بيع الأراضي بيعاً حراً لتنزل أسعارها، وأعطي (الحكومة اليهودية) الحق في تعيين ثمن أراضي العرب ليوفر عليها مبالغ طائلة؛ وعليه سيستولي اليهود على أراضي العرب مقابل أثمان زهيدة. فالأفراد من العرب الذين لهم أراضي في (المنطقة اليهودية) ويمنون النفس بالثراء سوف لا ينالون الأسعار التي يمكن أن ينالوها فيها لو لم ينفذ مشروع تقسيم فلسطين.

الموت الاقتصادي

ربما يفكر البعض، متأثرين بما سمته اللجنة الملكية (فوائد التقسيم) وبالدعاية التي يقوم بها بعض موظفي الحكومة، في أن لا فائدة من رفض التقسيم مادام اليهود واصلين إلى أكثر من النتيجة التي يوصلهم إليها تقرير اللورد بيل، ويقولون متسائلين: ألم يحدد تقسيم فلسطين الأطماع اليهودية؟ فإذا لماذا نرفضه؟

غريب هذا المنطق! لنفرض (وهذا ليس بصحيح) أن ليس في إمكان العرب صد تيار

ص: 49

اليهود عن فلسطين، وليس في مقدورهم المحافظة عليها عربية، وأن سيأتي يوم يصبح فيه القسم المعطي لهم الآن يهودياً إن لم يكن فلسطين كلها، ولكن ذلك لا يتحقق غدا، ولا بد له على الأقل من خمسين سنة. وسيظل اليهود خلال هذه السنين في نضال عنيف، وسيبذلون خلالها جهوداً عظيمة وأموالا طائلة، حتى يصلوا إلى النتيجة التي يوصلهم إليها الآن مشروع التقسيم. فهل من الصواب إذن أن تنيلهم اليوم ما لعلهم ينالونه بعد مشقة وبعد جهاد يدوم نصف قرن؟ أو ليس من الحكمة السياسية، إن لم يكن من الواجب الوطني، أن نصبر ونناضل بالطرق المشروعة، ونتخذ الوقت عوناً لعله يأتي لنا بما يفرج؟ وما يدرينا أن تتغير الظروف الدولية فتكون لنا عوناً على المحافظة على عروبة فلسطين وعلى نيلنا حقوقنا فيها؟ أما إن تأسست اليوم مملكة يهودية في قسم من فلسطين فيكون الأمر قد انتهى، ولا نعود بقادرين، مهما أتت الظروف على إرجاع ما ذهب منا، وما تقسيم فلسطين، وتأسيس مملكة يهودية في قسمها الطيب إلا وسيلة يراد بها تسهيل استيلاء اليهود على جميع فلسطين وشرق الأردن دفعة واحدة.

إذا نظرنا نظرة اقتصادية إلى ما يريد اللورد بيل إبقاءه (مؤقتاً) للعرب من وطنهم وجدنا أن هذا القسم قاحل لا يعيش من فيه، وخير دليل على ذلك نزوح ألوف من سكانه إلى السهل الساحلي حيث الخصب وحيث بساتين البرتقال منتشرة، ثم إن ألوفاً عديدة من سكان هذه المنطقة مزارعون يعتاشون من أعمالهم في الأراضي التي يملكونها في السهول الداخلية في المنطقة اليهودية. ومثال ذلك جميع القرى الواقعة حتى على مسافات بعيدة من السهل الساحلي ومدن طولكرم والرملة واللد ويافا، فإن هذه القرى العديدة وهذه المدن الكبيرة تعتاش بما يعمل أهلها في أراضيهم ومزارعهم الواقعة في السهل الذي يريد مشروع التقسيم أن يستولي عليه اليهود؛ فمتى حرمت هذه القرى والمدن من أملاكها، أصبح لا عمل لأهلها إلا مكافحة الجوع والشقاء (فكيف تصبح حالة سكان هذا القسم من فلسطين متى رحل إليه الأربعمائة ألف عربي سكان القرى والمدن التي سيستولي عليها اليهود إن قبل العرب التقسيم أو مكنوا الإنكليز من تحقيقه؟

حرمت مدينة يافا، بموجب مشروع التقسيم من بساتين البرتقال التابعة لها والتي منها يعتاش سكانها، فمعنى ذلك أن أهل هذه المدينة سوف لا يجدون لهم مرتزقاً يمكنهم من

ص: 50

الاستقرار في مدينتهم. وسيأخذ اليهود الذين يحيطون بهم من كل ناحية في مضايقتهم، وستكون النتيجة حتما رحيل سكان يافا وتهويد المدينة، ومصير اللد والرملة وهما في منطقة الانتداب كمصير يافا، لأن هاتين المدينتين حرمتا أكبر قسم من أراضيها، وبغير هذا القسم من الأراضي لا حياة لسكانهما.

ستحل من غير شك (في المنطقة العربية) بل في (المملكة العربية) المنوي إقامتها في بلاد فقيرة، أزمة اقتصادية هائلة بل مجاعة شنيعة. وهذه الحالة ترغم الملاك فيها إلى بيع ما يملكون، أو رهنه، أو إيجاره على سنين عديدة، وليس في هذه البلاد من شار ولا مرتهن، ولا من مستأجر، غير اليهود. . . وهكذا يأخذ اليهود في وضع أيديهم على (القسم العربي) ويلحقوه بمملكتهم، فتصبح فلسطين برمتها في مدة وجيزة مملكة يهودية خالية من أصحابها العرب. ربما يعترض على هذا الحكم من لا يعرف السياسة وتلاعبها بأن ليس لليهود الحق في شراء الأراضي في القسم العربي من فلسطين. هذا صحيح، ولكن في إمكان من يضع هذا القانون أن يضع غيره، لاسيما وأنه غير قابل للتنفيذ، والقانون وحده لا يستطيع الحيلولة دون وضع اليهود أيديهم على البلاد بمختلف الطرق مادامت موارد البلاد الاقتصادية لا تفي بحاجة السكان.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن (المملكة العربية) الهزيلة سوف لا تعرف الاستقلال لأنها لا تقدر على حمل أعبائه الاقتصادية. والبلاد التي ليست مستقلة استقلالا اقتصادياً والتي تجاورها دولة غنية طامعة فيها، لا يمكنها المحافظة على استقلالها السياسي. . وستكون النتيجة التحاق الدولة العربية بالدولة اليهودية، سواء طلب العرب ذلك بدافع العوامل الاقتصادية، أم اضطروا إليه أمام حيل الدولة اليهودية، فتنتشر الملايين من اليهود في جميع أنحاء البلاد، ويصبح العرب فيها أقلية فقيرة لا شأن لهم يذكر، إن لم يرغموا على الرحيل إلى صحراء الجزيرة.

فمشروع التقسيم لا يحدد في الواقع المطامع الصهيونية، وإنما هو وسيلة لتحقيقها بمدة وجيزة، وهو حيلة يراد بها الوصول إلى تأسيس مملكة يهودية واسعة في فلسطين كلها، وفي شرق الأردن ذلك البلد العربي الذي لا يطبق عليه صك الانتداب، ولا يسري عليه تصريح بلفور، وفي ذلك ما فيه من الأخطار الفادحة لجميع البلاد العربية

ص: 51

دولة تولد مستعبدة

أقرت اللجنة الملكية أن الدولة العربية التي تريد إيجادها لا تستطيع الحياة حياة اقتصادية وحاولت تخفيف شدة الضربة على العرب بالمال، فرددت عبارة (إعانة مالية) مراراً، كأن المال هو كل شيء في الحياة، وكأنه أعز من الأوطان والمقدسات. وقالت:(بما أن ذلك القسم من فلسطين الواقع في منطقة الدولة العربية لن يستفيد فيما بعد من قدرة المنطقة اليهودية على دفع الضرائب، وبما أن مساحة الدولة اليهودية ستكون أوسع من مساحة المنطقة الحالية التي تضم أراضي اليهود ومستعمراتهم (بما لا يقل عن ست مرات) فينبغي أن تدفع الدولة اليهودية إعانة مالية للدولة العربية)

مما لا ريب فيه أن شعب الدولة العربية المنوي إنشاؤها سوف لا يقدر على دفع ضرائب تسد الأكلاف الضرورية لمسير أعمال الدولة كما هي حال شرق الأردن الآن، فإن حكومة هذا الشرق تتقاضى إعانة سنوية من الحكومة البريطانية تمكنها من استمرار وجودها. ولتمكين حكومة (الدولة العربية) من الحياة يريد اللورد بيل أن تدفع الدولة اليهودية للدولة العربية إعانة مالية. أي أن حياة المملكة العربية تتوقف على ما تجود به عليها الدولة اليهودية. . .

إن في إمكان الدولة اليهودية أن ترفض دفع هذه الإعانة المادية بعد أن تكون قد نالت ما تبتغي. فمن يضمن دفع هذه الإعانة؟ أهي الحكومة البريطانية؟ لقد رأينا قيمة ضمانات هذه الحكومة ولاسيما تجاه العرب. لا ينبغي إن تبهر هذه الإعانة من يوطنون النفس على الاستفادة منها. إن اليهود لن يدفعوها إذا وجدوا مصلحتهم تقضي بذلك. وسيجدون ألف عذر ليتملصوا من دفعها. لقد تعهدت ألمانيا بدفع تعويضات لفرنسا ولغيرها من الدول ولم يمض على تعهدها عامان حتى أخذت في تأجيل الدفع ثم النصل منه نهائيا، ولم تستطيع فرنسا القوية على إرغامها، فهل في مقدور الحكومة العربية الضعيفة إرغام اليهود على دفع هذه الإعانة؟

ولنفرض أن اليهود سيدفعون هذه الإعانة عن طيب خاطر فإن هذه الإعانة ضرب من استعمار اليهود للدولة العربية الفقيرة، ووسيلة إلى تدخل اليهود في سياستها وفي جميع أمورها. هناك قاعدة اقتصادية سياسية بسيطة تقول بأن الذي في يده ميزانية الدولة في يده

ص: 52

مصيرها. فلما كانت خزينة الدولة في العهد السابق في يد الملوك، كانت السلطة المطلقة في يدهم أيضاً، ولما انتقل حق فرض الضرائب من الملوك إلى البرلمانات، انتقلت السيادة معها. فأصبحت البرلمانات مصدر السلطات. ونرى في هذه الأيام، في البلاد الديموقراطية، أن نفوذ وزير المالية آخذ في الازدياد حتى أنه أصبح يتدخل في دوائر زملائه ويشرف عليها نوعا ما، لماذا؟ لأن في يده توزيع ميزانية الحكومة على دوائر الوزراء. فالإعانة المالية اليهودية ستمكن الدولة اليهودية من الحصول على امتيازات خاصة في الدولة العربية، ومن مراقبة ماليتها وسياستها. . . أي أن الدول العربية ستكون طوعا أو كرها المستعمرة الأولى للدولة اليهودية، وسوف لا يمر على ذلك مدة طويلة حتى تدمج الدولتان، ويتألف منهما دولة يهودية كبرى تهدد ما جاورها من البلاد العربية. . .

ورأت الحكومة البريطانية تحقيقاً للتقسيم صرفا لشرق الأردن عن المطالبة بحقوق العرب بأن تعده بثلاثة أمور: إلحاق القسم الباقي من فلسطين به، وتأسيس مملكة عربية (مستقلة) منهما، وإعطاء مليونين من الجنيهات لحكومة شرق الأردن بدل المنحة التي تدفعها سنويا لسد عجز ميزانيته. . .

(البقية في العدد القادم)

اقتصادي

ص: 53

‌الفلسفة الشرقية

بحوث تحليلية

بقلم الدكتور محمد غلاب

أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين

- 14 -

البوذية

نشأة الديانة والفلسفة البوذيتين

ذاعت في بلاد الهند قبل البوذية بزمن طويل أسطورة دينية مؤداها أن إنقاذ الإنسانية من آلامها سيكون على يدي شاب نبيل حسن الخلق والخلق، يولد بين أحضان النعمة ويشب بين أعطاف الترف والسعادة، ثم يتخلى عن المادة ويزهد في الشهوات فيصل إلى المعرفة الكاملة التي بها ينقذ الإنسانية من بين براثن الشر والألم. فلما ظهر بوذا وكان قد نشأ على النحو الملائم لبطل الأسطورة المتقدمة آمن الناس بأنه هو المنقذ المنتظر، وكان هو شخصياً يعرف هذه الأسطورة فآمن بأنه بطلها المنشود، فأعلن أنه لا شيء أنجع للوصول إلى النجاة من وسيلتين: أولاهما التخلي عن المادة، وثانيتهما المعرفة. ثم بدأ جهاده بتحقيق هاتين الوسيلتين في نفسه، فتخلى عن اللذائذ تخلياً عملياً، ثم لم يلبث أن أعلن أنه وصل إلى نهاية المعرفة كما أسلفنا

نشأت عن المبدأ الأول من هذين المبدأين الديانة البوذية التي هي وليدة الزهد والتقشف قبل كل شيء، وعن المبدأ الثاني وهو المعرفة نشأت الفلسفة البوذية. وسنحاول هنا أن نلم في شيء من الإيجاز بالديانة البوذية وأركانها وتطوراتها ثم بالفلسفة البوذية وعناصرها الأولية

الديانة البوذية

لم يشأ بوذا في أول أمره أن يقحم في مذهبه أي شيء له علاقة بما بعد الطبيعة، بل لم يتحدث عن الإله على أصح الأقوال، وإن كان بعض مؤرخي الفلسفة قد رووا عنه أنه تعرض للألوهية بالإنكار وصرح بأن ليس هناك إله على النحو الذي يصورونه به، وإنما

ص: 54

هناك روح عام متغلغل في كل شيء. ويروي البعض الآخر أن بين أقدم النصوص البوذية نصاً ينكر الألوهية أصرح الإنكار، إذ هو يتساءل قائلا: (ما هو الإله؟ هل هو نفس العناصر؟ إذا كان ذلك فلا يكون في الأمر جديد سوى وضع اسم مكان آخر

وإذا كان غيرها، ولها هي هذه الخواص التي نشاهدها، فقد ثبت خلوه هو من بعض الخواص الثابتة للعناصر، وهو نقص فيه. وإذا كان له كل خواصها فلم يكن في حاجة إليها، لاتخاذها وسيلة لإيجاد العالم. وإذاً فنحن أمام خلاء من الألوهية يؤيده المنطق)

وأنا شخصياً أستبعد هذا الإلحاد على ذلك المتنسك النوراني والمصلح الأخلاقي العظيم، ولعل هذا النص قد دُسَّ عليه في العصر الذي تلا عصره

وكان أهم ما يرمي إليه هو تخليص الإنسانية من آلامها المتوالية التي يجددها التناسخ بقدر ما يعدده من وحدات العودة إلى الحياة التي هي في كل مرة مليئة بالألم والشقاء. وقد اعتبر بوذا - كما أسلفنا - الجهل والشهوة الأساسين الجوهريين لهذا الألم، وأكد أنه لا خلاص للإنسانية إلا بالمعرفة والتخلي عن المادة، وهما وسيلتان متلازمتان أبداً، إذ لا توجد المعرفة الصحيحة حيث يحل التهالك على المادة، ولا تستقر الزهادة حيث يوجد الجهل

ولا ريب أن هذا الحط من شأن الحياة وما فيها من متع ولذائذ قد قسم البوذيين إلى قسمين: القسم الأول الدينيون، والقسم الثاني المدنيون أو الأحرار، ولكن ليس معنى هذا أن طائفة الدينيين من البوذيين كانت مكلفة بتأدية طقوس دينية خاصة. كلا، فبوذا لم يكلف أتباعه بأي نوع من أنواع العبادة، وإنما كل ما كان يمتاز به الديني على المدني من البوذيين هو أن الأول أكثر تنسكا وأقل تعلقاً بالمادة من الثاني، وهو لهذا كان نموذجا له في حياته العملية، لأنه أسرع منه خطى في السير نحو الخلاص من شوائب المادة المدنسة

غير أنه لا ينبغي أن يفهم من هذا أن جميع أفراد الطائفة الدينية البوذية كانوا بعيدين عن جميع مظاهر الحياة، لأن الواقع يخالف ذلك، إذ كان أكثرهم مع تنسكهم يتصلون بالناس في المعاملة وأحوال المعيشة، لكن في شيء من الاعتدال، بل من الحذر والاحتياط. أما أقلهم فكانوا رهابنة يعيشون في عزلة من الناس لا ينشغلون إلا بالتأمل في أسرار الكون والنظر في عظمة الوجود

كان الملك محرماً على البوذيين الدينيين كافة حتى الذين يتعاملون منهم مع الناس، وكان

ص: 55

الواجب على كل فرد منهم أن يتسول طعامه يوماً فيوما وألاّ يدخر شيئاً مهما قل إلى غده

أحس المدنيون من البوذيين في داخل أنفسهم بشيء من القلق المضني، فأيقنوا بأنهم لم يصلوا بعد إلى الهدوء النفساني المنشود الذي به وحده تتحقق السعادة، وبحثوا عن سبب ذلك فعلموا أنه التعلق بالمادة والتخلف عن الطريق القويم الذي سار فيه إخوانهم الدينيون، ولكنهم لم يستطيعوا أن يطبقوا على أنفسهم تلك المناهج الضيقة ولا أن يذعنوا لهاتيك القواعد التي كانت قد بدأت تقسو وتتشدد في جميع أساليب الحياة، فحظرت على البوذي أكل اللحوم والأسماك، وقيدته بأنواع محددة من الأطعمة والأشربة والثياب، ورسمت له الخطة التي يجب عليه أن يسلكها، فاكتفى أولئك الأحرار من البوذيين بالإيمان النظري ببوذا وباتباع الأخلاق البوذية السامية من: صدق وأمانة وحلم وحياء ووداعة وإيثار وتضحية وغير ذلك من جلائل الصفات، وجعلوا بيوتهم مأوي لإخوانهم الدينيين؛ أما مشكلة عدم وصولهم إلى السعادة النفسية، فقد وجدوا لها حلا طريفاً، وهو أن من آمن ببوذا وتخلق بأخلاقه وآوى رجال دينه وأكرم مثواهم وعاش عيشة مدنية، فإن روحه بعد موته تتقمص بوذ يادينيا، لتصل عن طريقه إلى الخلاص من المادة الذي يضمن لها السعادة والنجاة

مستحدثات البوذية:

أتت الديانة البوذية بمحدثات لم يكن للبراهمة بها عهد من قبل مثل نبع الوحي من داخل النفس بدل أن كان البراهمة يسندونه إلى الآلهة. ويعلق العلماء الأوربيون على هذا المبدأ بما يفيد عظمة بوذا وسموه على جميع سكان الهند وثقته بنفسه إلى الحد الذي لم يؤلف عند الشرقيين الذين وصلت ضآلتهم أمام أنفسهم إلى حد إسناد كل شيء إلى السماء، تلك الضآلة التي كادت تمحو منتجاتهم العقلية الخاصة من صحائف مجهودات الفكر البشري. وسنرد على هذه الحملة الجائرة حين نعرض للوحي والإلهام عند الكلام على الإشراقية إن شاء الله.

ومن الميزات التي اختصت بها البوذية إعلانها أن مهمتها نجاة العالم وإنقاذه من الألم والشقاء، وفي هذا الغيرية ما لم يخطر للبراهمة الأنانيين على بال، وبهذه النقطة يقترب بوذا من المسيح في نظر العلماء الذين يصدقون حادثة الصلب ويتخذون منها برهاناً على غيرية المسيح وتضحية نفسه في سبيل إنقاذ البشر من الخطايا والآثام.

ص: 56

ومن هذه المستحدثات البوذية إلغاء نظام الطبقات الذي مر بك مفصلا في البراهمية (الأرثوذكسية) ثم أقره عهد التطور حتى جاء بوذا فحرمه على جميع معتنقي ديانته، وإن كان الأستاذ (دينيس سورا) يرى أن بوذا لم يلغ نظام الطبقات، وإنما كانت المقاطعة التي نشر فيها ديانته خالية قبل وجوده من نظام الطبقات لأن من المسلم به أن البراهمة لم ينشروا ديانتهم في جميع بقاع الهند، ولكن هذا الرأي غير صحيح، لأن بعض النصوص البوذية روت لنا أن بوذا كان كثيراً ما يتلاقى مع بعض البراهمة يتيهون في البراري والقفار فلا يكترث بهم ولا يتلفت إليهم.

ومهما يكن في الأمر، فقد محا بوذا كل تلك الفروق التي كانت البراهمية قد وضعتها بين طبقات الشعب بزعمها أن الكهنة خلقوا من رأس براهما، والجند من ذراعيه ومنكبيه، وأرباب الحرف من ساقيه، والأرقاء من قدميه، فلما جاء هذا المصلح العظيم أعلن أن جميع بني البشر سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالزهادة والمعرفة.

الأخلاق البوذية

بدأ بوذا منذ فجر اليوم الأول لتبشيره بديانته يعلم تلاميذه الفضائل التي رأى أنها وسائل الخلاص والنجاة، ولكنه شاء أن يعلمهم هذه الفضائل عن طريق إنبائهم بأضدادها، فأعلن أن الرذائل الواجبة التجنب عشر، وهي: الشهوة والمقت، والعمى والجهل، والإدعاء والرأي، والشك والإهمال، والخلاعة والوقاحة.

كانت هذه الرذائل في أول الأمر تذكر في تعاليم بوذا على النحو المتقدم، دون ترتيب ولا تخصيص، أما بعد ذلك فقد قسمت إلى فصائل اختصت كل ناحية من الإنسان بفصيلة معينة منها بعد تطورها وتحديدها في مجموعتها. وهاك هذا التقسيم: إن الرذائل التي تهوي بالإنسان عشر، وإن نواحيه التي تأتي هذه الرذائل ثلاث اختصت كل ناحية منها بعدد من تلك الرذائل، فرذائل الجسم ثلاث، وهي: التعذيب والسرقة والزنى؛ ورذائل النطق أربع، وهي الكذب والنميمة والسباب والطيش؛ ورذائل التفكير ثلاث، وهي: الطمع والخبث والتزييف.

لم تكن البوذية تسوي بين هذه الرذائل، بل جعلتها متفاوتة في مراتب الإثم كما هي متفاوتة في سرعة الانمحاء عن مرتكبها، ولكنها صرحت بأن الندم هو من أهم وسائل الخلاص

ص: 57

منها

على أن الفضائل المضادة لهذه الرذائل المتقدمة ليست مجموعها من النوع العالي في رأي البوذية، وإنما هي فضائل سلبية لأن من تعفف عن السرقة مثلا لم يزد على أنه هجر رذيلة من شأنه أن يهجرها، وهو لهذا لا يسمو إلى درجة من يستعمل فضيلة الزهادة أو التضحية، أو ما شاكل ذلك.

وعندهم أن أهم تلك الفضائل الإيجابية ما يأتي:

(أ) حب الحقيقة.

(ب) الرأفة.

(ج) الطهر.

(د) الإحسان.

(هـ) مداومة التقوى.

(و) احتمال كل المؤلمات والمقززات. وغير ذلك مما يصادفه القارئ من أمثلة عالية في كل صفحة من صفحات السيرة البوذية الفاتنة.

(يتبع)

محمد غلاب

ص: 58

‌رسالة الفن

رفائيل

الفنان أبداً

للدكتور أحمد موسى

عرفنا من المقالات السابقة أن عصر الرفعة قد امتاز بعدد عظيم ممن توافرت فيهم الكفايات التي إذا قورنت بغيرها آمنا بإطلاق بعض المؤرخين على هذه المرحلة الزمنية (عصر النهضة)

وعرفنا بعض الشيء عن ليوناردو دافينشي، وتناولنا بالبحث ميكيلانجلو الذي اعتبرناه عبقرية ملهمة في عالم الفن، كما فحصنا اتجاهه ونواحي إنتاجه، ووصلنا إلى أنه كان أعظم فنان ظهر رغم ما بذله حاسدوه من مجهود لتدبير المكائد له حتى يقضوا على صيته وسمعته

واليوم نعالج شخصية أخرى على النقيض، غمرتها محبة الناس واستأثرت بإكبارهم وتدليلهم إلى حد بعيد. ومن تكون هذه الشخصية غير (رفايللو سانتي) الذي كان على أكبر جانب من جمال الطلعة وسمو النفس ودقة الشعور ورقة الشمائل؟

ولد رفايللو يوم 28 مارس (؟) سنة 1483 في أوربينو، وتلقى أول دروسه على والده المصور جيوفاني سانتي الذي مات عندما بلغ الابن الثانية عشرة من عمره، ثم على معلم آخر ربما كان تيموتيوفيتي الذي عاش في أوربينو في ذلك الحين أيضاً، والذي كان صديقاً حميما له فيما بعد

ولم يترك رفايللو مدينة أبيه إلا سنة 1499 عندما أراد الالتحاق بالعمل عند المصور المشهور بيروجينو في مدينة بيروجيا

وإذا رجعنا إلى مصوراته كلها نرى أن بينها واحدة أرّخها سنة 1504 وأسماها سبوساليزيو غير أن هذا لا يتخذ دليلا على أنه لم يقم بتصوير لوحات أخرى قبل هذا التاريخ، إذ المعروف أنه اشتغل بالتصوير في كنيسة بيروجيا وفي سيتا دي كاستيلا

ص: 59

وفي هذه السنة أيضاً (1504) سافر إلى فلورنسا وأقام فيها بضع سنوات لم يتركها أثناءها إلا عندما كان يذهب في بعض الآونة إلى بلدته أوربينو أو إلى بيروجيا حيث يقيم معلمه

وتأثر في فلورنسا بتراث ليوناردو (راجع الرسالة) وبفن فرا بارتولوميو فدقته في التصوير وعنايته المنهجية ترجع إلى ليوناردو، على حين ترى السيمتري وجمال التناظر وإبداع التقسيم ورشاقة الحركة إلى بار تولوميو

وصور في فلورنسا لوحة لأجل سان فاتشسكو في بيروجيا تمثل دفن المسيح، وهي القطعة التي لا تزال محفوظة بجاليري بورجيره في روما

واستدعاه البابا يوليوس الثاني سنة 1508 للتوجه إلى روما حيث زخرف وصور بعض غرف بالفاتيكان، وهنا بدأ اسمه ينشر، وما كاد يعمل لدى البابوين يوليوس الثاني وليو العاشر إلا وكانت الألسنة تلهج بذكره، وعم صيته إيطاليا وغيرها من البلدان المجاورة

وكلفه فرانس الأول ملك فرنسا بأعمال فنية كما تهافت عليه كثيرون من الأكابر، والتف حوله تلاميذ عديدون من المعجبين به والراغبين في فنه

ولم يكن مظهر رفايللو ليدل على أنه فنان، بل كان أقرب إلى مظهر الأمراء منه إلى رجال الفن. فتكوينه الجسماني الرقيق وملابسه الرائعة الاختيار، وشبابه الغض، إلى جانب أدبه الجم وحديثه الخلاب، كل هذا جعل الناظر إليه أو المتحدث معه يظن أنه في حضرة أمير أرستوقراطي

وكأن المشيئة أرادت ألا يكون بين ميكيلانجلو وبين رفايللو أي تشابه أو انسجام، حتى الاتجاه الفني عند كليهما كان مختلفاً، فالموضوع الإنشائي وطريقة الإخراج والتعبير تباينت عند كل منهما

وكان في الخمس السنوات الأخيرة من حياته الرئيس الأعلى لبناء كنيسة بطرس، وتعمق في دراسة علم الآثار ومعرفة أسرار الفن القديم، وفكر في رفع الأنقاض والأتربة عن آثار روما القديمة عندما كان محافظاً للآثار فيها

وبلغ الذروة في سن مبكرة وفجأة أصيب بحمى انتهت بموته، ولم يكن قد أكمل السابعة والثلاثين من عمره حين وافته المنية في 6 إبريل سنة 1520 ودفن في البانثيون بروما

يقول بعض المؤرخين بأن حزنه على خطيبته ماريابيبينا التي ماتت قبله بقليل كان من أهم

ص: 60

العوامل التي قربت منيته؛ فلقد كان على رقة إحساسه ودقة تكوينه الجسماني عاشقاً مخلصاً ومحباً متفانياً. فضؤلت مقاومته للمرض

وسجل جمال خطيبته في كثير من مصوراته وعلى الخصوص في لوحاته التي مثلت المادونا السكستينية ودونّا فيلاتا ولا يزال بعض هذه الصور محفوظاً في أوفيست بفلورنسا.

وأقيم له تمثال تذكاري من البرنز في أوربينو بارتفاع أربعة أمتار تقريباً، صنعه المثال الإيطالي المعروف لوريجي بللي سنة 1897، كما نحت المثال الألماني هانل تمثالاً له لا يزال من النماذج الفذة لطراز النحت الألماني.

هذه قد تكون أبسط قصة تقال عن فنان لا نظير له، عاش قليلا ولكنه أنتج كثيراً، وهو إلى جانب ميكيلانجلو لا يُعدان فقط ثروة الفن الإيطالي الحديث بل ثروة العالم أجمع.

ولم يشتغل رفايللو بالتصوير الجصي (الفرسكو) إلا بعد أن سافر إلى روما حيث قام بتصوير ثلاث غرف وردهة كبيرة في الفاتيكان، وفيها جمع بين التصوير الرمزي والديني.

وبعد أن كان البابا يوليوس الثاني عازماً على زخرفة الغرف بواسطة بعض المصورين المعاصرين أمثال بيروجينو وسودوما وغيرهما، تراه قد تحول اتجاهه إلى روفايللو بعد أن شاهد تصويره وتفوقه على معلمه، فكلفه القيام بإكمال العمل إلى نهايته.

أما عمله في الغرفة الأولى (1508 - 1511) فهو متجه في جوهره إلى الروح الفنية التي كانت لها الغلبة في ذلك الحين وهي روح من النهضة، ويتلخص موضوعها في التعبير عن قوة القوى المسيطرة على العقل الإنساني، المهيمنة على مصير الإنسان؛ فيرى المشاهد أمام عينيه صوراً رائعة للتعبير عن اللاهوت (الدين) والفن (الشعر) والفكر (الفلسفة) والقانون (الفقه)، صورها كلها على مساحات دائرية الشكل، وإلى جانب كل منها التفاسير المرتبطة بموضوع الصورة كالخطيئة والعقوبة والدنيا وحكم سالوم.

أما الصور الكبيرة في هذا المكان فقد جعلها تنطق بالحقائق التي ترمز إليها في عالمنا الدنيوي.

وفي الماكن المسمى ديسبوتا صور المسيحيين الصالحين مجتمعين حول الهيكل وقد فتحت فوق رؤوسهم أبواب السماء (النعيم). وفي بارناس صور الشعراء الأقدمين والمحدثين

ص: 61

ملتفين حول أبولو وآلهات الشعر من حوله.

أما الفلسفة فقد صور ما يعبر عنها بمدرسة أتينا الجامعة (الكارتون محفوظ بميلانو) وهي شاملة للمشتغلين بالعلوم العقلية أمثال أفلاطون وأرسطو طاليس وحولهم تلاميذهم، واتخذ الفنان الركن الأيمن من الصورة لتصوير نفسه مع معلمه بيروجينو.

أما الدين فهو ممثل في صورته بالبابا والقيصر وهما يصرّفان الأمور والشئون بموجب الكتب السماوية.

(له بقية)

أحمد موسى

ص: 62

‌القصص

شقاء

للأستاذ إسماعيل مظهر

هذه صورة من صور الريف، حملتها ذاكرتي مذ كانت شاباً في مقتبل العمر، وقد انتهيت من مجهود عام دراسي شاق في زمان كنا ندرس أكثر المواد باللغة الإنجليزية؛ وما كدت أنتهي من تاريخ رومية واليونان والحساب والهندسة والجبر وأدب شكسبير، حتى سارعت بالسفر إلى الريف أستجم بسكونه وسذاجته، وأطلب في حقوله وهوائه وشمسه راحة القلب وسلوى النفس ورخاء البال، وأسعد بالعمل في الحقول جهد استطاعتي لأشارك في عمل له نتاجه وثمره القريب. غير أني شعرت بعد قليل من الاستقرار في الريف أن الحياة قلما تهبنا الراحة التي نطلبها أو تحقق بعض ما نتمنى من الوحدة والاتساق يشيعان في نواحي العقل والنفس، ويعوضان على المرء بعض ما ينفق في حياة المدن من إرهاق يأنسه في تنافر الصور في المرئيات والمعقولات. ذلك بأن قريتنا الصغيرة كانت قد احتلت بكائن غريب الأطوار من نسل آدم وحواء، أجدر به أن يكون على نشوء الإنسان من صورة دنيا، المثل الأعلى والبرهان الصادق الملموس الظاهر للعيان

بمقربة من غدير يمر بجوار القرية. شجرة من الصفصاف تتدلى فروعها الطويلة فتمس صفحة الماء الجاري، حتى ليخيل إليك أن بين الماء وفروع تلك الشجرة صراعاً؛ كأن الماء يحاول أن يقتلعها ويجرفها بتياره، وكأن الشجرة تحاول أن تقاوم إرادته فتتشبث بالأرض. أما الغدير فيجري هادئاً مطمئناً بريئاً من فكرة العنف والفساد. وأما الشجرة فتطل بفروعها على صفحة الماء الهادئ، كأنها نرجس في خرافات الأقدمين.

فلا جلاد إذن ولا عراك، ولا تناحر ولا خصام، في ذلك العالم الجميل الذي يضم الشجرة والغدير، وما العاصفة والعراك إلا في خيالك وفي نظرك إذ يخدعك عن هذه الحقيقة، كما يخدعك عن كثير من حقائق الحياة.

وبين أصل الشجرة وحافة الماء منسطح صغير من الأرض كسته الأعشاب البرية، ونبتت فيه حشائش النجيل الجميلة وقليل من السعد، تناثرت من فوقه بضع شجيرات من عشب البرنوف الأخضر الزاهي. وقد هجر فتيان القرية وعذاراها الحسان هذه البقعة الجميلة،

ص: 63

شأنهم في هجر كل جميل، سعياً وراء العيش والضرب في مناكب الأرض، لعنة الله على مناكبها.

تلك بقعة من الأرض أصح ما توصف به أنها ملك الطبيعة على قلة ما تملك الطبيعة من وادينا العظيم، فلا محراث يبجُّ بطنها، ولا فأس تقلب طبقاتها، ولا منجل يحصد ما نبت فيها، بل ولا إنسان يحييها تحية الحب والجمال. فهي أحق بأن تدعى (الشقة الحرام) كما يسمون البقعة التي تكون بين جيشين متحاربين. '

وكنت أمر على هذه البقعة المهجورة عجلان مسرع الخطو فأحييها تحية صامتة، وأتمنى لو أن مشاغل الزرع والإنتاج، والحرث والحصاد، والري والصرف، تمكنني أن أسعد بيوم واحد أقضيه في ظل هذه الصفصافة، وفوق بساطها السندسي الجميل. وكانت هذه الأمنية تعاودني صبيحة كل يوم وأنا رائح إلى الحقل، وفي كل أمسية وأنا غاد إلى داري. ولكن الأمل باق مادامت هذه البقعة بكراً لم يغشها إنسان ولم يفكر مخلوق في أن يسعد بجمالها قبلي. ودرجت على ذلك الأيام. فالصفصافة واقفة مشرفة بهامة الجبار على مجرى الغدير، وغدائرها الطويلة يمايلها النسيم على الماء، وخيال العراك الدائم بين الشجرة والغدير قائم في وجداني، وأمل المتعة بيوم أقضيه في ظل الشجرة المحبوبة متجدد كل يوم.

ولكن لا فلابد من يوم تغشى فيه الآمال الحلوة الخلابة سحائب من الكدر. فإن مخلوقاً غريباً احتل البقعة الحرام، واستظل بالصفصافة المقدسة. وقد خلع رداءه وجلس على حافة الغدير ينظر في مائه المنساب الدافق كأنه يستوحيه الأسرار، مثبتاً ناظريه في نقطة واحدة كأنما جاذبية الأرض قد تجمعت فيها، والماء ينساب متحدراً إلى غاياته، والصفصافة قائمة بظلها الوارف ما يعنيها في هذه الحياة من شيء، استظل بها فيلسوف من طبقة أفلاطون، أو أبله (ممسوخ) شوهت الطبيعة من خلقه كذلك الشبح الذي رأيته على ما وصفت صبيحة ذات يوم.

هو مخلوق هبط هذه البقعة من عالم سحري عجيب، ضئيل الجسم نحاسي اللون صغير العينين أفطس الأنف دقيق الشفتين على غير قياس، بارز الذقن إلى غاية غير مألوفة، مكتل الرأس طويل الوجه بارز الصدر مخشوف الظهر، طويل الذراعين قصير الرجلين. وقد اندكت رقبته بين كتفيه، فقصرت قامته على قصرها، وغشيت نحاسية وجهه بقعة من

ص: 64

السواد الفاحم أتلفت مساحة منه غير صغيرة، ونبت فيها شعرات قصار ملس كأنها الحشائش الفطرية في حرجة كثيفة حجبت الأشجار الباسقة عن أرضها ضوء الشمس. وهو فوق ذلك أجرد، فلا شارب ولا لحية له، غليظ اليدين والقدمين واسع الشدقين بارز الأسنان إذا مشى فهو الهرة إذ تتلبث؛ وإذا نظر فكأنه يريد أن ينفذ ببصره إلى ما في سريرتك. وما تنم حدة نظراته وجمودها، إلا عن شدة ما قاسى من الزمن ومن الطبيعة ومن الناس.

مررت بهذا المخلوق محسوراً على أملي الذي سوف لا يتجدد بعد اليوم، وعلى البقعة الحرام يستبيحها هذا القزم الأسود العجيب. فكنت أراه كل صباح ثم أخلفه من ورائي في رواحي إلى الحقل وفي غدوتي إلى الدار وما رأيته يوماً بعيداً عن ظل الصفصافة أو غير ناظر إلى صفحة الغدير. وقد ألف المكان وألفه نظري، فكان يخيل إلي أن الصفصافة والغدير قد أصبحا له، على حد قول هوجو، بمثابة البيضة والعش والسكن والوطن والكون

ولقد هممت مرات عديدة بأن أسأل ما شأنه، وما حاله، وما الذي جعله يختار قريتنا دون القرى الأخرى. وكنت أقمع هذه الرغبة وأسلط إرادتي على حب الاستطلاع في نفسي. ولكني هزمت ذات يوم فوقفت إزاءه وأطلت النظر فيه، فأخذ يخالسني النظر وحول عينيه نحوي وما تزالان تنظران في الأرض وتتحركان حركة عصبية شديدة، حتى ليخيل إليك أن هذا الإنسان ما يظن فيك إلا أنك وحش مقدس يريد الانقضاض على الفريسة المسكينة الوادعة. ولم يكن في هذا غير مصيب. فقد هممت أولاً أن أقرئه السلام، ثم ترددت وقام في نفسي أن أجره من أذنه الغليظ لأريه الطريق المسلم إلى القرية الأخرى. ولكن لم كل هذا التعب؟ فهو جالس على حافة الغدير مستجمع كأنه النسر الأجرب العجوز وقدمي حاضرة. فركلة واحدة تسلم به إلى الغدير يتولاه برحمته الأبدية. ولأي شيء خلقت الرجل وفيها القدم، ولأي شيء زودت بهذه العضلات القوية، إن لم يكن لمثل هذا الظرف ولمثل هذا المخلوق الأشوه. فإن الطبيعة ما أبدعت من شيء إلا وأبدعت معه طريقة التخلص منه. وقد قام في نفسي أن الطبيعة لم تدربنا على العدو والقفز، والركل واللكز، والطفر والوكز، في طفولتنا إلا لتكون عدتنا لمثل هذه الساعة، وفي مثل هذا الظرف، ولمثل هذا القرد الأزعر العجيب

ولقد قويت في نفسي هذه الشهوة وخيل إليّ أن الأمر سهل هين والطريق مقفر والحقول

ص: 65

خاوية. وقد انحدرت الشمس فغابت في عينها الحمئة السحيقة. وما أجَّل لهذا المخلوق في الحياة بعد هذا كله إلا استيقاظه نفسية، سرعان ما تبخرت معها فكرة الثورة على النظام وعلى الطبيعة، وتحركت شفتاي على غير إرادة مني وقرأته السلام

يا لله! هاهو ذا قد نظر إليّ بكامل وجهه، وعيناه تبعثان بصيصاً فيه الرعب والوجل والألم والقسوة والجمود. وأخذ يجاهد جهاد المستميت ليرد تحيتي بأحسن منها، وأخذت الكلمات تخرج من شفتيه غير متماسكة الحروف، فكان فيها مد وغن، وقصر واستطالة، وعوج واستقامة، وإمالة وشمام، ومضت دقائق ما أعرف عددها قبل أن يتم رد السلام:

- وعليكم السلام. . . ورحمة الله وبركاته. . . إزاي حضرتك سلمات. . . أهلا وسهلا. . . يا مرحب

- اسم أخينا إيه؟

- اسمي. . .

- أيوه

- اسمي. . . والله اسمي. . . اسمي. . . محمد

- بتعمل إيه

- أ. . . نا

- أيوه أنت

- أنا. . . بشتغل. . . في غيط. . . عم حمدان. . . اللي. . . قصادك ده!

- وبلدك إيه؟

- أ. . نا

- أيوه إنت

- بلدي. . . بلدي. . . بعيد من هنا! بينا وبينها. . . تلاته تعريفه تمام. واسمها. . . اسمها. . . الخرابة

ولقد صدق المسكين. فأية بقعة من بقاع هذا العالم الواسع تقذف الإنسانية المسواة في أحسن تقويم بمثل هذا الشبح الممسوخ إلا بقعة خراب!

إذن فقط هبط علينا من الخرابة. وكيف يستوي أن يعيش في العمران والمدنية، من تلفظه

ص: 66

الخرائب الموحشة الجرداء. وبلدة الخرابة قرية لا يدور اسمها على ألسنة موظفي الحكومة إلا قليلا فهي في شمالي الدقهلية وفي أرض بور تبلغ مساحتها بضعة آلاف من الأفدنة كلها مرتفعات وأخاديد، وقد تجمعت المياه في بعض المنحدرات ونبتت فيها النِّسيلة والبَشْنين. أما المرتفعات فقد تجمع من فوقها السبخ الأحمر وتوجتها أدغال من الطرفاء، وما أن تبعث على هذا الخراب الشامل بنظرة حتى يخيل إليك أن الله قد أنزل على هذه الأرض حسباناً من السماء فأصبحت صعيداً زلقاً

وعلى تبة من تباب هذه الأرض السبخة المالحة تقوم أكواخ قرية الخرابة، وقد نبت عليها شوك العاقول الأخضر، وتسلقتها حشائش العليق، وامتدت الرطوبة إلى نصف ارتفاعها. وعقدت أسطح الحجرات باللبن النبيء، وفتحت في أعلاها النواريز بارزة من أواسطها، فيخيل إليك إذا نظرت فيها أنهن عجائز القرية المهجورات مسخن بكارثة، وهن يتطلعن جميعاً إلى الشمال. فإذا جن الليل وأرسل القمر أشعته الفضية على هذا الكون الميت العجيب، شبه لك أن القرية قطيع من الفيلة السود، تتساوق متزاحمة، ولكن في صمت كأنه صمت القبور

ومن حول هذه القرية تقوم بضعة شجيرات من السنط بهت لونها وامتقعت أوراقها، وما يغشاها من طرفي النهار إلا غربان تنعق، وما يألفها في الليل إلا البوم تنوح من حول القرية طيلة ساعات السواد، نادبة حظ الأحياء والأموات، مرسلة بأناتها الطويلة الشجية الحزينة، ترثي الطبيعة المجرودة الغبراء

وعلى مسيرة بضع دقائق تقع جبانة القرية، وقد انتثرت فيها القبور كأنها كثبان الرمل سفتها الرياح، فتجاورت مزدحة في بقعة من الأرض، والأرض من حولها فسيحة براح، كأن طبيعة الإنسان الاجتماعية قد أقسمت لتزحمنَّه في القبور كما تزحمه في الحياة. وقد ترى اللحد ومن فوقه ذلك الكثيب علاه السبخ الكئيب، ومن حوله نبت الشوك وحوَّط القبر من جميع جهاته، كأن الطبيعة قد أرادت أن تحدد تخوم كل قبر لتكفي الموتى مؤونة العراك على امتلاك القبور، وهنالك تقع على جحر ذئب، وهنا على نبيشة ثعلب، وقد تنتبه على حركة طائر في وحشة ذلك الصمت الأبدي، فترى قطاة أزعجها مسيرك في مدينة الأموات، فتركت عشها من فوق قبر لتثقل به على صدر ميت كان بالأمس جباراً لا يرحم،

ص: 67

عنيداً لا يلين، مشبوب الشهوات واسع الأمل مستثار الجنان

وإنك لتعجب كيف أن قزم الخرابة يترك تلك الجبانة التي نشأ بمقربة منها، بل وفي حضنها الرهيب، ليهبط قريتنا، فلا نراه إلا ونذكر الخراب والغربان والبوم، ولا نحييه إلا وفي مخيلتنا مجمل هذه الصور التي صورتها، يحييها منظره ويدعوها إلى الوعي مجرد الذكرى، بأن في بلدتنا شخصاً من الخرابة. وتداعي الأفكار صفة نفسية، ولكن لابد من باعث يحركها ويدعوها. فكان هذا سبباً في أن يبعد الناس عن طريق هذا الإنسان لئلا تقوم في مخيلتهم ذكريات الخرابة وذلك القفر المجذب الحزين والأكواخ تسلقتها الحشائش والأشواك والأشجار الميتة القائمة من حولها، والغربان والبوم، والجبانة والقبور، فتغشي الطبيعة المرحة الباسمة سلسلة من تلك الذكريات الباكية. فلا ريب إذن في أن الأقدار قد تناصرت على هذا المسخ المشؤوم. ولكن لم يقس عليه من الأقدار شيء بقدر ما قست عليه الطبيعة التي شوهت من خلقه، و (الخرابة) التي نبذته وقذفت به إلى الوجود.

وقد يولد بعض الناس مثقلين بأوزار، أو محكوماً عليهم بأن يعيشوا في جفوة عما يحيط بهم من الأشياء؛ فمنهم من تجني عليه الطبيعة، ومنهم من تجني عليه الأسرة، ومنهم من يجني عليه الناس، ومنهم من تجني عليه البيئة، وكثير منهم يجني على نفسه، ومنهم من يخرج إلى الدنيا حاملاً وزر أبيه، أو وزر أمه، أو وزريهما معاً. وهو بعد تلك الأداة الضعيفة، وذلك المخلوق البائس. الذي لا اختيار له فيما اختارت له الأقدار، ولا حيلة في ما مضت به الكلمة المبرمة في ألواح الأبد والأزل.

في الإنسان طبيعة مشتركة، من تفاسير الوجود ما ينم عنها، ومن الذكريات وتداعي الأفكار ما يرسم على وجوه أبناء آدم تعابير واحدة. فكنت إذا ذكرت (محمداً) مساعد حمدان العربي وبلدته (الخرابة)، أرتسم على الوجوه ما يدل على ما قام في النفوس من الاستيحاش والتشاؤم والاستفزاز.

وفي صبيحة ذات يوم، أشبه بذلك اليوم الذي احتل فيه ذلك القزم سيف الغدير المحبوب، اجتمع نفر من أهل القرية وقد ذر قرن ذكاء بأبهته السماوية، ينظرون في الماء ليتبينوا شيئاً يعلو ويهبط أمام قنطرة تحجز مياه الري

تلك جثة (محمد الخرابة)، فقد تولاه الغدير برحمته الأبدية، أما أهل القرية فقد ظهرت على

ص: 68

وجوههم تعابير الرحمة ممزوجة بالكثير من راحة البال والضمير. فلا الشوه يمازج ذكرياتهم، ولا الخرابة بغربانها وبومها وأشجارها الميتة وقبورها الموحشة وسكونها الرهيب الأليم، وليلها المربد الهادئ هدوء الموت، يمر على مخيلاتهم أو يلابس وعيهم من بعد ذلك

ولكن. . . هنالك بمقربة من الجثة المسجاة، جلست (فاطمة) ابنة حمدان، بوجهها الصبوح وعينيها الواسعتين، وبشرتها القمحية الجميلة وقوامها اللين المتعاطف، جلست وحدها بغير شريك من فتيان القرية وفتياتها، وهي أفتنهن جميعاً، تخالس الجثة النظرات صامتة مبهوتة، وترمق الجسد البارد بعينين حائرتين جامدتي النظرات، وقد تقاطرت منهما دموع انحدرن كالحمصات الكبار

إسماعيل مظهر

ص: 69

‌البريد الأدبي

الاحتفال بتولية جلالة الملك

أذاع مجلس الوزراء البرنامج الرسمي التالي للاحتفال بتولية صاحب الجلالة الملك وهو

الوصول إلى الإسكندرية

1 -

تصل الباخرة بمشيئة الله الساعة الثامنة من صباح يوم الأحد 17 جمادى الأولى سنة 1356 الموافق 25 يوليه سنة 1937 فيصعد إليها عضوا مجلس الوصاية والأمراء والنبلاء الموجودون بالإسكندرية، ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وكبار رجال القصر، ومحافظ الإسكندرية وقائد حاميتها المصرية ومدير الموانئ، ومدير البلدية، ومدير خفر السواحل

2 -

ينزل المستقبلون ماعدا رئيس مجلس الوزراء لانتظار جلالة الملك على رصيف محطة الإسكندرية

3 -

يقل جلالة الملك لنش المحروسة لتشريف سراي رأس التين وبمعية جلالته رئيس مجلس الوزراء وكبار رجال القصر

4 -

يعود لنش المحروسة إلى الباخرة فيقل جلالة الملكة وحضرات صاحبات السمو الملكي الأميرات وبمعية جلالتها ناظر خاصة جلالة الملك

5 -

يقوم ركاب جلالتها وسموهن الملكي إلى محطة الإسكندرية قبل قيام ركاب جلالة الملك وبمعية جلالتها ناظر خاصة جلالة الملك

6 -

يتحرك ركاب جلالة الملك إلى محطة الإسكندرية في الوقت المناسب لكي يقوم القطار الملكي الساعة 30، 9 صباحاً

7 -

يكون في مثول الاستقبال بالمحطة حضرات المستقبلين على ظهر الباخرة والمعتاد وجودهم عند تشريف جلالة الملك ثغر الإسكندرية سنوياً.

8 -

يقوم القطار الملكي إلى محطة سراي القبة رأساً ويقف في المحطات المعتاد وقفه ويكون الاستقبال طبقاً لما يتبع عند انتقال جلالته من الثغر إلى سراي القبة العامرة.

9 -

تعد دفاتر لقيد أسماء المهنئين في قصري رأس التين وعابدين.

حفلات مباشرة السلطة الدستورية

ص: 70

يوم الخميس 21 جمادى الأولى سنة 1356 - 29 يوليه سنة 1937.

1 -

يقوم الركاب الملكي من سراي عابدين العامرة الساعة 8 ، 30 صباحا إلى دار البرلمان عن طريق ميدان عابدين فشارع الخديو إسماعيل فميدان الفلكي فشارع الخديو إسماعيل فشارع قصر العيني فشارع مجلس النواب.

2 -

تكون العودة إلى سراي عابدين العامرة من طريق شارع قصر العيني فشارع سليمان باشا فشارع فؤاد الأول فميدان إبراهيم باشا فشارع إبراهيم باشا إلى السراي العامرة.

3 -

عقب عودة جلالة الملك إلى السراي الملكية العامرة تجري التشريفات العامة حسب الترتيب الذي سيعلن عنه وفي الوقت نفسه تقام استقبال في المحافظات وعواصم المديريات للموظفين والأعيان الباقين بها.

4 -

بعد انتهاء التشريفات يقدم وزير الحربية باسم الجيش المصري وبحضور كبار الضباط إلى حضرة صاحب الجلالة الملك عصا المشيرية هدية منهم لجلالته رمزاً لإخلاصهم وولائهم.

5 -

تجري تشريفات حضرة صاحبة الجلالة الملكة قبيل الظهر وبعده طبقاً لترتيب المقابلات الذي سينشر فيما بعد:

6 -

قبيل المساء يذيع جلالة الملك كلمة على شعبه في الراديو

7 -

تقام مأدبة عشاء بالسراي وتعقبها حفلة ساهرة

يوم الجمعة 22 جمادى الأولى سنة 1356 - 30 يوليو سنة 1937

1 -

يؤدي جلالة الملك فريضة الجمعة في مسجد الرفاعي، ثم يزور قبر المغفور له والده

2 -

قام مأدبة غذاء للعلماء في قصر عابدين يحضرها رئيس مجلس الوزراء ووزير الأوقاف

3 -

في الساعة الخامسة بعد الظهر تقام حفلة شاي بسراي عابدين العامرة

4 -

في الساعة 8 ، 30 مساء يشرف حضرة صاحب الجلالة الملك مأدبة العشاء التي يقيمها مجلس الوزراء بسراي الزعفران والحفلة الساهرة التي تليها

يوم السبت 23 جمادى الأولى سنة 1937

1 -

في الساعة 8 ، 30 صباحاً يستعرض حضرة صاحب الجلالة الملك الجيش

ص: 71

2 -

في الساعة الخامسة مساء تقام حفلة شاي بسراي عابدين العامرة يحضرها ضباط الجيش على اختلاف رتبهم وأسلحتهم، وكذلك الضباط المتقاعدون من رتبة أميرالاي فما فوقها

رسائل عن مصر في أواخر القرن الماضي

أصدر متحف برولكين الأمريكي أخيراً كتاباً عنوانه (رحلات في مصر) وذلك من ديسمبر سنة 1880 إلى مايو سنة 1891، وهي عبارة عن رسائل بقلم تشارلس أدوين ولبور، نشرها وعلق عليها العلامة الأثري الأستاذ جان كابار. ولمؤلف هذه الرسائل المصرية قصة مؤثرة فقد كان من علماء الآثار الأمريكيين. ووفد على مصر في أواخر القرن الماضي، وقضى بين أطلالها ومعابدها القديمة نحو عشرة أعوام في التنقيب والدرس، ثم توفي في سنة 1896، دون أن يتمكن من نشر شيء من مباحثه العديدة، وترك مجموعة أثرية فخمة ومكتبة نفيسة عن الأثريات المصرية وهبهما أبناؤه إلى متحف بروكلين تخليداً لذكراه. وفي سنة 1932 عثر الأستاذ كابار في هذه المجموعة على رزم من رسائل مهملة، وما كاد يتصفحها حتى أيقن بنفاستها وأهميتها من الوجهتين التاريخية والأثرية

ذلك أن تشارلس ولبور كاتب هذه الرسائل عاش في مصر في فترة وصلت فيها المباحث الأثرية القديمة إلى ذروة الازدهار؛ وكان بمصر يومئذ العلامة الفرنسي ماسبيرو يقوم بأعظم حفرياته ومباحثه، وكذلك العلامة الألماني هينريخ بروكش، والمستشرق الإنكليزي سايس، وكان ماسبيرو يومئذ قد وفق إلى أعظم اكتشافاته وهو اكتشاف الموميات الملوكية في الدير البحري؛ وكان مستر ولبور وثيق الصلات بأولئك العلماء الأعلام وبأعمالهم ومباحثهم، وكان أيضاً وثيق الصلات بالأهالي في المناطق الجنوبية التي يجري فيها الحفر، وقد وفق في حفرياته إلى اكتشاف بعض القطع الأثرية وأوراق البردي، وهي تحفظ الآن في المتحف البريطاني. فهذه الجهود والتطورات العلمية الهامة التي شهدتها مصر في أواخر القرن الماضي يصفها مستر ولبور في رسائله بإسهاب، ثم هو يصف خلالها حالة الريف المصري والمجتمع المصري يومئذ؛ وهذه الرسائل التي وجهها إلى أسرته وإلى بعض أصدقائه هي التي يضمها المجلد الضخم الذي أصدره متحف بروكلين وقام على

ص: 72

نشره الأستاذ كابار، وهي رسائل لها قيمتها في تاريخ مصر الأثري والاجتماعي في أواخر القرن الماضي.

جوجليلمو مركوني

في يوم الثلاثاء الماضي نعت أنباء رومة العلامة المخترع الأشهر جوجليلمو مركوني، الذي كان لاختراعاته في المواصلات اللاسلكية أعظم أثر في تطور الحياة البشرية في عصرنا، وكان مولد هذا العلامة الكبير في مدينة بولونيا (بإيطاليا) في 25 أبريل سنة 1874 في أسرة كريمة من أب إيطالي وأم ارلندية، وتلقى مركوني تربية حسنة في جامعة لجهورن ثم في جامعة بولونيا؛ وكان من أساتذته العلامة الرياضي الشهير روزا. وأبدى مركوني منذ حداثته عناية خاصة بكل ما يتعلق بالكهرباء، وشغلته فكرة نقل التموجات الكهربائية عن طريق الهواء فأجرى فيها تجارب لم تشجعه عليها الحكومة الإيطالية يومئذ؛ فذهب إلى إنكلترا واتصل بالسير وليم بريس كبير مهندسي التلغرافات يومئذ، وأجرى تجاربه بإشرافه، ونجحت التجربة لأول مرة فوق خليج برستول. وفي سنة 1899 تقدمت التجربة خطوة جديدة، واستطاع مركوني أن ينظم المواصلات اللاسلكية بين فرنسا وإنكلترا فوق القنال الإنكليزي. وفي سنة 1901 استطاع أن ينظم المواصلة اللاسلكية فوق المحيط الاطلانطيقي بين كورنوال في إنكلترا وجزيرة نيوفوندلند في أمريكا على مسافة 2100 ميل؛ وعلى أثر ذلك افتتحت المواصلة اللاسلكية بصفة رسمية بين أوربا وأمريكا، وكلل اختراع مركوني بالنجاح الكامل؛ وذاع الاختراع بسرعة، واستعملته السفن التجارية منذ أوائل هذا القرن، وكذلك نظم في جميع الأساطيل الحربية، وأضحى أداة سهلة سريعة للمواصلات البرقية؛ وخصص مركوني حياته لتحسين اختراعه المدهش؛ وأنشأ منذ سنة 1900 شركة للمواصلات اللاسلكية سميت باسمه ولها اليوم فروع في جميع أنحاء العالم. ولما دخلت إيطاليا في الحرب الكبرى تولى مركوني الإشراف على المواصلات اللاسلكية الإيطالية؛ وفي نهاية الحرب انتدب عضواً في الوفد الإيطالي لدى مؤتمر الصلح، وتولى عن إيطاليا توقيع معاهدات الصلح التي عقدت مع النمسا وبلغاريا؛ ومنح مركوني من ألقاب الشرف العلمية والأوسمة الرفيعة ما يضيق المقام عن ذكره؛ ومنح جائزة نوبل للعلوم في سنة 1909؛ وانتخب منذ سنة 1930 رئيساً للمجمع العلمي الإيطالي؛ وأنعم عليه بلقب

ص: 73

المركيز، وانتخب عضواً بمجلس الشيوخ

واليوم يغدو اختراع مركوني في المواصلات اللاسلكية وتبادل التموجات الأثيرية أعظم ما عرف العصر؛ ولم يحدث أي اختراع آخر مثل ما أحدث اختراع مركوني من ثورة في نظم الحياة البشرية، ولم يقرب مثل ما قرب بين أبعد أطراف العالم. وإذا كنا نستطيع اليوم في لمح البصر أن نتصل بأوربا أمريكا واستراليا ونحن جلوس في منازلنا، وأن نصغي إلى آخر الأنباء العالمية، وأن نسمع الموسيقى والغناء على بعد آلاف الأميال؛ وإذا كانت السفن في عرض المحيط، والطيارات في جوف الفضاء، تستطيع الاتصال والاستغاثة عند اللزوم، فالفضل في ذلك كله يرجع إلى عبقرية جوجليلمو مركوني

ولم ينبغ في عصرنا من المخترعين نبوغ مركوني في ميدانه سوى رجل واحد هو أديسون المخترع الأمريكي؛ على أن مركوني يتفوق على أديسون من الناحية العلمية، ويمتاز بسعة آفاقه التي لم يحد منها بحر ولا جبل ولا هواء. وقد عاش مركوني طول حياته في جو من الهدوء والثقة، يحمله النجاح إلى التماس النجاح؛ وكان مثل العلامة المتواضع يرتفع بالفكرة الإنسانية إلى ذروتها.

حرب الميكروبات

إذا كان عصرنا عصر المعجزات العلمية، فهو أيضاً عصر المهلكات. ولم يسبق في التاريخ أن سخر العلم لاختراع المهلكات البشرية كما سخر في عصرنا؛ فالأمم العظيمة كلها تسخر قوى العلم لاختراع الأسلحة الجديدة وصقل الآلات المهلكة، وتحسين الأسلحة الجوية والبحرية، وتحويل الحرب إلى عملية ميكانيكية مخربة؛ وأفظع ما في هذا النشاط المخرب هو الحرب الكيماوية التي يوجه اليوم لها نشاط العلم والاختراع؛ فالعلماء الذين يعتبر واجبهم المقدس أن يعملوا لخير الإنسانية ورفاهتها وصون الحياة البشرية من الأدواء والأمراض، يعملون اليوم لإفناء المجتمع الإنساني، وسحق المدنية، وقتل الإنسان بواسطة الغاز الخانق، والسوائل الملتهبة والجراثيم (الميكروبات) الفتاكة؛ وتشتغل المعامل الكيماوية في معظم الأمم الكبرى اليوم باختراع هذه المهلكات والعمل على مضاعفة قواها المهلكة؛ وقد كانت ألمانيا أول دولة لجأت إلى هذه الوسيلة المروعة، واستعملتها في الحرب الكبرى، فاستعملت الغاز الخانق وأنواعاً أخرى من الغازات الخطرة؛ وكانت هذه مفاجأة مروعة

ص: 74

لجيوش الحلفاء. بيد أنها لم تبلغ يومئذ مدى كبيراً. فلما انتهت الحرب فطن الحلفاء إلى هذا السلاح الجديد الخطر، وأدركوا ما للحرب الكيماوية من أثر عظيم في المستقبل، وانكب علماؤهم ومعاملهم على بحث السوائل والغازات والميكروبات المهلكة؛ وكانت ألمانيا التي وجدت في المباحث الكيماوية السرية ملاذها وسلامتها بعد هزيمتها الساحقة في الحرب - في مقدمة الدول التي خصت الحرب الكيماوية باهتمامها؛ ويقال إنها انتهت فيها إلى نتائج خطيرة. والمعروف أن ألمانيا حاولت في الحرب الكبرى أن تستعين على إهلاك أعدائها بالميكروبات وأنها حاولت تطبيق هذه التجربة في رومانيا. ومنذ سنة 1933، أعني منذ قيام النازي في الحكم تعمل المعامل الألمانية ليل نهار لابتكار وسائل الدمار البشري وتعنى عناية خاصة بمسألة الميكروبات. وقد وجه معهد كوخ إلى المعامل الألمانية منشوراً فيه بيان مفصل عن الميكروبات التي يمكن استعمالها في الحروب المقبلة، وعن أفضل الوسائل لاستعمالها. ويقول الدكتور ليفين الألماني الأخصائي الكبير في هذا الموضوع: إن الميكروب هو أفضل مهلك للجيوش، لأنه متى ارتفعت صيحة الذعر في الجيش فقد قضى عليه.

وتعنى الدول الكبرى الآن بهذه المشكلة الخطرة، وتجتهد في ابتكار وسائل الوقاية، إلى جانب ما تعنى به من اختراع المهلكات، وهي جميعاً تفطن إلى الكوارث المروعة التي تتعرض لها الشعوب والإنسانية من جراء هذا الخطر الشامل.

وفاة طبيب عالمي

نعت أنباء باريس الأخيرة الأستاذ الدكتور لابرسون العلامة الرمدي الشهير: توفي في الخامسة والثمانين من عمره بعد حياة علمية وطبية حافلة؛ وقد بدأ حياته أستاذاً للرمد في كلية الطب بجامعة ليل، ثم انتقل إلى باريس حيث عين أستاذاً للرمد في جامعتها، وعين مديراً لقسم الرمد في (أوتيل ديو) وانتظم عضواً في أكاديمية الطب، ثم انتخب رئيساً لها، وطارت شهرته كحجة عالمية في أمراض العين، ووضع كتباً ورسائل كانت مرجع الأطباء الرمديين في جميع أنحاء العالم، وكان لتعاليمه ومؤلفاته أثر كبير في تطور طب العيون بفرنسا، وقد تخرج على يده عدد كبير من أطباء العيون في فرنسا وفي خارجها.

تصويب

ص: 75

قرأت في عدد الرسالة الأخير في مقالة الأستاذ المؤرخ الجليل محمد عبد الله عنان في صفحة 1171 في الجانب الأيسر من الرسالة في السطر الرابع أن الملكة هورتنس ابنة الإمبراطورة جوزفين من زوجها الأول كانت زوجة القائد مورات. والذي قرأناه في الكتب هو أنها كانت زوجة لويس أخي نابليون الذي نصبه ملكا على هولندة، وولدت من نابليون الذي صار فيما بعد نابليون الثالث. أما زوجة القائد مورات الذي نصبه نابليون ملكا على نابل في إيطاليا فهي كارولين أخت نابليون. ويلاحظ أن الضمير في الفعل في الجملة مفرد مما يدل على أنه لا يتكلم على اثنتين فالمرجو إيضاح وجه الصواب للفائدة

(ش)

ص: 76

‌الكتب

المستشرقون

تأليف السيد نجيب العقيقي

للأستاذ الحوماني

يكاد يكون الاستشراق علماً بنفسه له أصوله وفروعه، وله مقدماته ونتائجه؛ ويكاد يكون رجاله، على رغم شتاتهم، شعباً خاصاً له أفقه الخاص به، وحياته القاصرة عليه، وقد مر بهذا الشعب وبرجاله في العالم قرون لم يكتشفه، كما هو، عالم ولا أديب ولكن هنالك بضعة من الكتاب نقلوا لنا وللغربيين نتفاً من أخبار هذا الشعب. . . في معرض النقد أو التقريظ، والناقل إما شرقي يشكر للمستشرق إنصافه أو ينعى عليه تعصبه، وإما غربي يشكر له عصبيته أو ينعى عليه إنصافه.

نقرأ في بعض الكتب وفي كثير من الصحف أشياء عن هذا الشعب شعب المستشرقين، ونقرأ أشياء لكثير من أفراد هذه الجماعة جماعة الاستشراق عما يكتشفون في عالمهم من آثارنا نحن الشرقيين.

أما أن نسمع بكاتب جميع شتات هذا الشعب في مختلف الأزمنة والأمكنة، ولم شعثه، ثم عن كشف آثاره بين جلدتين تشتملان على كتاب وبلسان شرقي عربي يصور لنا حياتهم قديمة وحديثة، ويبعث فينا آثارهم مكتسبة ومورثة، ويكشف لنا آراءهم خاطئة وصائبة، ويمحص لنا أقوالهم جائرة ومنصفة، ويمعن في البحث عن أغراضهم وأهوائهم، ويعلل أفعالهم وأقوالهم، ويحلل آراءهم وأفكارهم، بعيداً عنهم وهو في الصميم من جماعتهم، منصفاً في الحكم عليهم والقضاء لهم، أما هذا الكاتب فلم نسمع أو لم أسمع أنا به على الأصح فيمن غبر أو حضر من كتابنا ماخلا هذا الشاب المثقف (النجيب) صاحب كتاب (المستشرقون) المؤلف الحديث الذي أخرجته لنا في الأيام الأخيرة مطبعة الاتحاد البيروتية في مائتين وخمسين وجهاً من القطع الوسط يحمل اسم مؤلفه (نجيب العقيقي)

لا أحب أن أعرض لعروبة الكتاب والناحية البيانية فيه فإن مؤلفه واحد من هؤلاء الشباب الذين عمروا قلوبهم بالثقافة الأجنبية في معاهد إنما شيدت لقتل العروبة في بلادنا لغة وخلقاً

ص: 77

ومعتقداً، وإذا قرأت في الكتاب جملا فصيحة فإنما هي نتاج الغريزة العربية في المؤلف، وثمرة حبه للأدب العربي وغرامه بالديباجة العربية الذي حمله على إلا يدع مؤلفاً عربياً، قديماً أو حديثاً، سمع به واستطاع الوقوف عليه، إلا اتصل به وأخذ منه، فهو كاتب عربي في مؤلفه هذا بما قرأ لا بما درس. من أجل ذلك كانت ديباجته فيه عادية لا روعة فيها ولا سحر، وربما وقفت عند كثير من جملة تتبين ما تشتمل عليه من معان أبهمها الاعجام.

فالكتاب في لغته بسيط، وهذا لا يحط من قيمته العلمية، فإنما يؤخذ مؤلفه بما أودعه من فكرة لا بما نمق فيه من ديباجة.

ما أحببت أن أعرض في نقدي هذا لشيء من ذلك ولكني أحب أن أعرض لمواطن الجمال في الكتاب معللا ببضع خلال خبرتها في نفس الكاتب.

عرفت نجيباً منذ أنشأت عروبتي ولم أزل أعرفه حتى اليوم؛ ولأول نظرة ألقيتها عليه شربت روحه ولم أزل أشربها حتى الآن

قرأت في شمائله الحرية في غير أنانية ولا أثرة، والصراحة في غير مراء ولا صلف، ولمست فيه الروح الوثابة والعمل الجبار؛ قرأت في شمائله كل ذلك ولم أزل أقرأه فيها حتى ساعتي هذه

توسمت فيه إذ ذاك النجابة ولم يكن قد أنتج بعد، فكتابه هذا هو باكورة عمله، وإذا كان وليد أدبه الغض وشبابه الناضر فماذا نرقبه من أدبه الكهل؟ ثم ماذا سيطلع علينا به وقد أشرف على الأربعين سن الحكمة والنضج؟

الحرية في نجيب حملته على ألا يتقيد في كتابه بدين درج عليه في البيت وتلقنه في المدرسة حتى كان جزءاً من دمه الفائر ونفسه الجبارة، ولم يحل دون تحرير فكره في مؤلفه هذا هيبة المستشرقين في نفوس الضعفاء من كتابنا حتى تحامى أكثر هؤلاء إبرام ما نقض أولئك من حق أو نقض ما أبرموه من باطل.

عرفت العقيقي حراً في زيارته لي وتحدثه إلي؛ عرفته حراً في شمائله، حراً في جدله، حراً في رأيه. وهأنذا أقرأه اليوم في مؤلفه الجديد حراً في درسه وتفكيره، حراً في بحثه وتحليله، حراً في نقضه وإبرامه.

والصراحة في نجيب حملته على أن يكتب في الأدب للأدب، ويبحث في العلم للعلم،

ص: 78

ويجهر بالحق للحق.

فإذا نقم على المستشرق لتعصبه الذي يدفعه إلى الطعن على الإسلام (مثلا) فإنما ينقم عليه للحق الذي يراه دون رياء أو تزلف يتملق بهما المسلم حباً للمال أو سعياً وراء الشهرة التي يحسبها النفر الخامل من متأدبينا في الضجة الفارغة واللقب الكاذب.

العقيقي صريح في كتابه إلى أبعد حد في الصراحة لم يراع معه نعي الرجعيين من قومه عليه فيما يحمل على عصبية المستشرقين لدينهم أو عنصرهم، ولا حذر انتقام الجهلاء من غير قومه فيما يصوب من حملات الغرب على الشرق.

والروح الوثابة في نجيب حملته على ألا يترك أديباً إلا جلس إليه ولا كتاباً إلا وقف عليه، حدت به هذه الروح إلى أن يبحث ما اتصل به من علم، وأن يدرس ما استطاع درسه من فن، حتى بدا له أن يبدع فيما ينتج فولدت هذه الروح فيه فكرة الكشف عن هذا الشعب شعب الاستشراق المبعثر هنا وهناك.

ويهجر العقيقي أصدقاءه بضعة أشهر فلا يزورهم خلالها إلا لماماً، ويمعن في البحث والتنقيب، والكتابة والترجمة، ثم يطلع عليهم بعد عام وقد سهم وجهه وتغضن جبينه، فإذا به يتأبط كراريس تشتمل على قلب نابض بالحياة، وإذا بضربات هذا القلب تقرع الأسماع، وإذا بهذا القرع يملأ الأفق دوياً.

يتناول نجيب في كتابه رأي المستشرق في لغة العربي أو أدبه أو خلقه أو معتقده فيمر به في طريقه إلى الحكم على وطن المستشرق وعلى مدرسته وعلى كنيسته ثم على حكومته، فإذا توفر لديه البحث عن وطنه كيف غادره، وعن مدرسته كيف تخرج منها، وعن كنيسته كيف اعتنق دينه فيها، وعن حكومته وكيف كانت منزلته منها، استطاع إذ ذاك أن يمحض هذا الرأي فيرجعه إلى المستشرق نفسه مجرداً عن الأهواء أو إلى أحد هذه العوامل متأثراً به إذ قلما استشرق غربي دون أن يتأثر بواحد منها

وهو يثبت في كتابه أن الاستشراق غالباً مدفوع بسياسة الغرب ودينه لغزو الشرق واستعماره وقتل القومية فيه حتى تتوفر الغلبة للغرب عليه.

هذا ما أحببت أن أشير إليه من موضوعات الكتاب ويكاد يكون أروع موضوعاته، فالشرق جد محتاج إلى مثل هذا المؤلف وما أحوجنا إلى كتاب آخر من هذا النوع يخلقه قلم العقيقي

ص: 79

ويطلق عليه اسم (الغزاة) يعني فيه بالإرساليات التبشيرية عنايته بالاستشراق

وبعد فليس لي في ختام كلمتي هذه إلا أن أعلن إعجابي بهذا الأثر، وأدعو كل عربي أديب إلى الوقوف عليه والإمعان في درسه. فهل يرينا المستقبل من أبنائنا من يضرب على هذا الوتر فيحرر نفسه من العبودية بين يدي كل غربي مستشرق؟؟؟

(بيروت)

الحوماني

صاحب العروبة

في قصيدة الدكتور عزام

كان في قصيدة (دمشق) للدكتور عبد الوهاب عزام التي نشرت في العدد الماضي - كلمات يتعذر فهمها بغير الشكل، وقد أهمل شكل بعضها - فنعيد هنا نشر الأبيات التي وقع فيها ذلك:

حطّ الرحال فهذا جهرةً بَردى

وذي دمشق. هَناك الأهل والدار

نسرٌ يرى اللُّوح منه هامة عطلا

لكنه ذنبَ الطاووس جرار

وقد وقع تحريف في الأبيات الآتية وصحتها كما يلي:

خافي المطامع طماح المنى عزم

على الشدائد والسراء ثوار

شجا فؤادي عفاء في مدارسها

والدهر بالناس دولات وأدوار

إني أرى المجد قد أضفى أشعته

وأشرقت فيه دولات وأمصار

ص: 80