المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 215 - بتاريخ: 16 - 08 - 1937 - مجلة الرسالة - جـ ٢١٥

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 215

- بتاريخ: 16 - 08 - 1937

ص: -1

‌فلسطين المنكوبة

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

أعجب أعاجيب الاستعمار في هذا الزمان مشروع التقسيم الذي اقترحته لجنة (اللورد بيل) للتوفيق بين العرب واليهود في فلسطين - أو على الأصح للتوفيق بين العهود المتناقضة التي قطعتها بريطانيا للعرب أولاً ثم لليهود من بعد ذلك. وتزعم بريطانيا الآن أن فلسطين لم تكن داخلة في ما عنته بالبلاد العربية التي وعدت بمساعدتها على الاستقلال. وقد فند الأمير عبد الله هذا الزعم بمذكرة بعث بها إلى المندوب السامي في فلسطين وأورد نصوص الرسائل والتصريحات البريطانية التي لا يبقى معها ظل من الشك في أن فلسطين كانت داخلة في جملة البلاد العربية الموعودة بالاستقلال والحرية. على أن الأمر ليس أمر رسائل أو ما يجري مجراها وإنما هو أمر بلاد لا شك في أنها عربية من قديم الزمان وأن حق العرب فيها وهم أهلها لا ينكره إلا مكابر ذو غرض، أو كما قال الأمير عبد الله في مذكرته:(إن حق العرب في بلادهم فلسطين صريح لا يحتاج إلى وثيقة أو وعد، فهم أهلها منذ أجيال، وفي إقامة متصلة بها، وهم على الرغم مما اجتاحهم من حروب وتكابدهم من خطوب لم يفرطوا فيها ولم يتحولوا عن شبر منها). ومن غرائب ما تجئ به الأيام أن اليهود عاشوا في كنف العرب أحراراً آمنين على أموالهم وأرواحهم لا يتقون شراً ولا يخشون أذى ولا يتعرضون لاضطهاد ولا يسامون تضييقاً ولا حجراً، على حين كانوا في أوربا يعدون (أنجاساً) منبوذين، لا يواكلهم أحد ولا يشاربهم ولا يجلسهم إلا دونه. فإذا احتاج إلى مال يقترضه منهم دعاهم إليه وعنف بهم وبسط فيهم لسانه أقبح البسط وأبذأه وأخذ المال وركلهم. ومن شاء فليقرأ رواية السير (وولتر سكوت) عن عصر ريتشارد قلب الأسد وليتأمل كيف كان القوم يعاملون اليهود وبأي عين كانوا ينظرون إليهم. فإن قيل هذا كان عصر جهالة وعماية قلنا فما الرأي في هذا العصر وما يلقى فيه يهود أوربا من العنت والعسف والجور والتحقير والمهانة؟ - كتبهم تحرق، وأموالهم تصادر، وعماؤهم ينفون من الأرض، وجنسهم يعير بأنه دون الجنس الآري، ومعاملتهم ومخالطتهم ومصاهرتهم محرمة، حتى اتخاذ الخدم منهم جريمة تستوجب العقاب. وأوربا التي تنكبهم هذه النكبة وتسومهم هذا الخسف ولا يرتفع فيها صوت بالدفاع عنهم واستهجان ما يحل بهم من

ص: 1

العذاب الغليظ والمقت الشديد هي التي تريد أن تتخلص منهم فلا تجد إلا فلسطين المسكينة تقذف بهم عليها وتقول: اتخذوا لكم وطناً قومياً هنا. . .

ومن سوء حظ اليهود أن لا وطن لهم، ولكن العرب لا ذنب لهم في ذلك ولا كانوا هم الذين حرموهم أن يكون لهم هذا الوطن. وما تعلق اليهود بالوطن القومي و (صهيون) إلا من طول ما قاسوا من العذاب في أوربا وهول ما صبه أهل هذه القارة عليهم من البلاء. وإنك لتجد اليهود القدماء في فلسطين لا يحلمون بهذا الوطن القومي إلا مجاراة وتقليداً لليهود الأوربيين وخوفاً من أن يتهموا بالخروج على ملتهم، لأنهم كانوا حتى على أيام الحكم التركي يعيشون في بلهنية ورخاء، بل كانت حياتهم أهنأ وأرخى من حياة أبناء البلاد العربية

فلولا وعد بلفور ما حلت الجفوة ولا وقعت النبوة بين العرب واليهود، ولكن إنجلترا التي تعهدت للعرب أن تؤازرهم على الفوز باستقلالهم وحريتهم فثاروا لهذا على دولتهم رمتهم بالوطن القومي والهجرة اليهودية فلم يسعهم إلا أن يتدبروا ما هددوا به؛ وهل هو إلا الجلاء عن وطنهم؟ وإلا أن يكرهوا ذلك ويثوروا عليه، ومن الذي لا يثور على من يبغي إخراجه من دياره وطرده من وطنه. .؟

والآن تجئ بريطانيا فتقول دعوني أقسم بينكما البلاد فلليهود شطر وللعرب شطر، ولتكونوا بعد ذلك إخواناً وجيراناً متوادين. تأخذ مني أرضي وتعطيها لأجنبي وتقول لي كن أخاً له وأصغ إليه بالود! وبأي حق تخول نفسها أن تفعل ذلك؟ لا حق إلا أنها وعدت اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين. ولكن من خولها أن تبذل لهم هذا الوعد؟ لا أحد. . . هي خولت نفسها ذلك وانتحلت الحق فيه وعدت نفسها ملزمة بالوفاء، والعرب ملزمين بالإذعان لقضائها فيهم. ولو أنها كانت تُقطع اليهود من بلادها هي لما كان لأحد وجه اعتراض على ما تصنع، فإن الأرض أرضها وهي حرة في أن تجود بها على من تشاء من خلق الله. ولكن البلاد ليست بلادها ولا تزعم قط أنها مستعمرة لها وإنما هي فيها بما سموه (الانتداب) والانتداب معناه أن البلاد أمانة في عنق الدولة التي ندبتها العصبة لإصلاحها وترقيتها وإعدادها لحكم نفسها بنفسها ولنفسها، ولم نكن نعرف قبل اليوم أن من معاني أداء الأمانة تضييعها والتسخي بها على غير أصحابها. . .

ص: 2

وانظر كيف تقسم البلاد بين العرب واليهود!. . تأخذ الساحل كله - ما خلا يافا فقد أنقذتها جارتها تل أبيب وأن ميناءها شر ميناء في البحر الأبيض - تقول تأخذ الساحل والأرض الخصبة وتهديها إلى اليهود، وتعمد إلى الجبال الجرداء، والفيافي التي لا شجر فيها ولا ماء، وتقول للعرب هذا نصيبكم ولن يضيركم محلها وخرابها فان لكم الجنة في الآخرة فطيبوا نفساً وقروا عيناً واحمدوا الله واشكروني. ولا تنسى بريطانيا نفسها فإن لها حظاً من الغنيمة. . .

وفي الرقعة التي جعلتها من نصيب اليهود كثرة عربية فهؤلاء سيجلون عنها ويخرجون من ديارهم لأن بريطانيا شاءت هذا. وفيها ثروة العرب جلها إن لم تكن كلها وليس لليهود من المزارع إلا حوالي العشر، فهذه الثروة أيضاً تنتقل إلى اليهود ويفقدها العرب ويرحلون إلى الصحراوات والجبال العارية. ولا منفذ للعرب إلى البحر إلا من يافا، والطريق إلى يافا مما تحتفظ به بريطانيا لنفسها؛ ومؤدى هذا أن تخرب تجارة العرب بعد أن تخرب زراعتهم ويضيع مالهم كما ضاع وطنهم.

وتقول بريطانيا إن هذه هي الوسيلة الوحيدة للسلام والوئام بين العرب واليهود في فلسطين، فلو أنها تعمدت أن تثير بين الشعبين العداوة والبغضاء وأن تبذر بذور الحرب في فلسطين لما فعلت غير ذلك. فلن يكف اليهود عن التطلع إلى ما بقي في أيدي العرب من البلاد، لأن دولتهم ستضيق بهم لا محالة، ولأن مالهم وعلمهم وما يحسون من العطف البريطاني عليهم - كل ذلك خليق أن يغريهم بالطمع في بقية فلسطين. وأما العرب فغير معقول أن يصبروا على هذا الظلم، أو أن يكفوا عن الحنين الطبيعي إلى ما فقدوا، أو أن يرغبوا في استرداده، فهي الحرب بين الأمتين لا مفر منها ولا هوادة فيها ولا حيلة لأحد في اجتنابها. فإذا كانت الحرب ما تبغي بريطانيا فالمشروع يبلغها مأربها على التحقيق.

ووراء فلسطين - أو ما يبقى منها في أيدي العرب - شرق الأردن يغرون أميره بالإمارة على البلاد كلها؛ ومن وراء شرقي الأردن العراق وفلسطين طريقها إلى البحر الأبيض، وبين العراق وفلسطين أواصر عروبة لا انفصام لها، وبعيد أن تنام العراق على هذا؛ ومصر جارة فلسطين وشقيقتها، وقد تكون اليوم ذاهلة عما يجره عليها هذا التقسيم العجيب من المتاعب وما يهددها به من الأخطار، ولكن الغفلة تزول وسيجيء يوم قريب تدرك فيه

ص: 3

مصر أنها لا تستطيع أن تغض عما يجري على حدودها، أو تستخف بالأثر الذي يكون لإنشاء دولة يهودية على الساحل الشرقي القريب من ساحلها، وسترغمها الحوادث على أن تدرك القربى بينها وبين فلسطين أجدى عليها وأربح لها من هذه العزلة التي يحملها على الإخلاد لها الجهل وقلة الفطنة وضيق أفق النظر. وكل آت قريب، ولكن الشيء في أوانه خير منه بعد الدرس القاسي والامتحان الأليم والتجربة المرة.

وإن عصبة الأمم لتنظر الآن في أمر فلسطين ولكنه لا إيمان لنا بالعصبة التي لا خير فيها فما أجدت شيئاً على الحبشة المسكينة ولا هي تجدي فتيلاً على الصين. فليوطن العرب أنفسهم على الاستغناء عن كل عون من غير أنفسهم وليعلموا أن الذي يسعهم وحدهم بلا معونة من أوربا كثير لا يستهان به؛ وإذا كان سبعون مليوناً من العرب لا يدخل في طوقهم شيء فماذا يرجون؟.

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 4

‌مصر مجاز الشرق

عامل يعيد الأثر في تأريخها

للأستاذ محمد عبد الله عنان

من الحقائق الجغرافية والتاريخية ما يلازم حياة الأمم حتى ليغدو من صميم هذه الحياة، بل يغدو أحياناً عاملاً حاسماً في تكوينها وتطورها؛ فعلاقة النيل بحياة مصر مثلا علاقة أزلية خالدة لم يفصمها تعاقب الدهور والعصور؛ وإذا كانت هيرودوت قد ذكر منذ ألفين وثلاثمائة عام أن مصر هبة النيل، فان هذه الحقيقة لا تزال ماثلة إلى اليوم بكل قوتها وروعتها، وقد كانت ماثلة راسخة قبل هيرودوت بآلاف السنين. وقد كان النيل منذ أقدم العصور حياة الأمة المصرية المحتشدة حول ضفافه الخضراء، وسيبقى أبد الدهر مصدراً لهذه الحياة؛ وكان منذ فجر التاريخ عاملاً أساسياً في تكوين هذه الحياة وفي تطور مظاهرها وأساليبها مدى العصور والدهور. كذلك كان موقع مصر الجغرافي وما يزال عاملاً جوهرياً في تطوراتها التاريخية وفي مصايرها السياسية والاجتماعية، فقد كان هذا الركن الذي تشغله مصر صلة الوصل بين قارات العالم القديم، وكان لهذه الحقيقة الجغرافية في تطور تاريخها القديم والحديث أعظم تأثير.

بل إن هذه الحقيقة الراسخة لتغدوا في تاريخ مصر الحديث والمعاصر أشد وضوحاً وتأثيراً؛ ذلك أن القدر شاء أن تحفر مصر قناة السويس وأن تغدوا مرة أخرى طريق الهند والشرق الأقصى. وهل ينسى مؤرخ ما كان لقناة السويس من أثر عظيم في مصاير مصر في العصر الأخير وفي وضعها السياسي الحاضر؟ وهل ينكر إنسان أن القناة ستبقى عصراً هي العامل الفصل في مصير مصر ومستقبلها الدولي؟ ونقول إن مصر قد غدت كرة أخرى طريق الهند والشرق الأقصى، لأن مصر كانت منذ أقدم العصور حلقة من أهم حلقات الوصل بين الشرق والغرب، وكانت خلال العصور الوسطى حتى أواخر القرن الخامس عشر طريق الهند المختار، وكانت ثغورها دائماً سواء في البحر الأبيض المتوسط أو في البحر الأحمر قواعد رئيسية لتجارة الغرب مع الهند والشرق الأقصى؛ ونحن نعرف إن مصر والشام كانتا منذ القرن التاسع وحدة جغرافية وسياسية متحدة، وكانت حدود مصر منذ الدولة الطولونية تصل حتى أقاصي الشام؛ وكانت هذه المياه كلها على طول ساحل

ص: 5

الشام وسواحل مصر حتى برقة تقع تحت السيادة المصرية؛ كذلك كانت مياه البحر الأحمر حتى ثغور الحجاز. وكان للهند والشرق الأقصى في تلك العصور طريقان رئيسان: الأول طريق قسطنطينية، والثاني طريق المياه والأراضي المصرية؛ ولكن الطريق الأول لم يكن دائماً خير الطريقين، لأنه بعد اجتياز أراضي الدولة البيزنطية، ينحدر إلى مسالك وعرة في أرمينية وفارس وما وراء النهرين، وكان أيضاً أطول الفريقين شقة؛ ولهذا كان طريق الثغور المصرية هو طريق الهند والصين المختار؛ وكانت جمهورية البندقية لتفوقها البحري في البحر الأبيض المتوسط تستأثر في تلك العصور بأعظم قسط من تجارة الشرق الأقصى؛ وكانت مصر، سيدة الطريق إلى الهند، تستأثر بأعظم قسط من أرباح هذه التجارة ومكوسها، وكانت المكوس التي تفرض في ثغور مصر والشام على التجارة الصادرة إلى الشرق الأقصى من أعظم موارد الخزينة، هذا إلى ما تجنيه التجارة المصرية من أرباح الوساطة وأعمال النقل وغيرها.

كانت مصر إذاً في تلك العصور كما هي اليوم طريق الهند والشرق الأقصى؛ بيد أنها كانت عندئذ سيدة هذا الدرب والمتحكمة في مصايره، تدعم إرادتها وصولتها بقوات برية وبحرية يخشى بأسها. ولما غزى الصليبيون سواحل الشام في نهاية القرن الحادي عشر واستقروا حيناً في فلسطين وبعض ثغور الشام اضطربت مواصلات الهند من هذه الناحية حيناً، ولكنها تحولت إلى الإسكندرية ودمياط وإلى القلزم وعيذاب ثغري البحر الأحمر؛ وكانت القوافل التجارية تخترق مصر من الإسكندرية ودمياط براً إلى ثغر القلزم (وموقعه القديم مكان ثغر السويس)، أو في النيل حتى قوص، ثم إلى عيذاب؛ وتسير بعد ذلك بحراً إلى الهند والصين؛ وكانت ثمة طريق برية أخرى تخترق الشام والجزيرة ثم فارس وخراسان والسند، أو تنحرف شمالا إلى بخارى ثم الصين؛ وهذه الطريق الأخيرة هي التي سلكها ماركو بولو الرحالة البندقي الشهير في القرن الثالث عشر والتي وصفها لنا في رحلته أبدع وصف؛ ثم سلكها من بعده في أوائل القرن الرابع عشر إلى الهند الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الطنجي. والواقع أن فكرة قطع طريق الهند وحرمان مصر من مغانمها لم تكن بعيدة عن أفكار الصليبيين؛ فلما انهارت حملاتهم ومشاريعهم واستطاعت مصر أن تردهم نهائياً عن الشام وثغوره، استردت مصر كل سيادتها

ص: 6

وسيطرتها على طريق الهند؛ ومن جهة أخرى فإن جمهورية البندقية لم تكن كباقي الدولة النصرانية متحدة الرأي مع الصليبيين دائماً، وكانت في معظم الأحيان تؤثر مصالحها التجارية وتؤثر البقاء على صداقة مصر.

ولبثت مصر تسيطر على طريق الهند والبندقية تستأثر بمعظم مغانم التجارة الهندية حتى أواخر القرن الخامس عشر؛ وكانت علائق مصر والبندقية دائمة التوثق تنظمها دائماً معاهدات متوالية تسعى جمهورية البندقية دائماً إلى عقدها مع حكومة السلاطين. ولكن حدث في أواخر القرن الخامس عشر أن حاول البحارة البرتغاليون اكتشاف طريق جديد للهند؛ واستطاع فاسكودي جاما في سنة 1497 أن يكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، وأن يصل عن هذا الطريق إلى ثغر قاليقوط في غرب الهند؛ ولم تمض أعوام قلائل حتى أنشأ البرتغاليون في هذا الثغر مستعمرة برتغالية، وأخذت بعوثهم البحرية تتردد إلى الهند عن هذا الطريق الجديد. وفي الحال شعرت مصر بالخطر الذي يهدد طريقها الهندية ومواردها التجارية، وشعرت البندقية حليفتها وشريكتها بما يهدد تجارتها مع الشرق الأقصى من الخراب والإمحال؛ وظهر هذا الخطر بصورة واضحة حينما أخذت التجارة الهندية التي كانت تسير إلى مصر عن طريق عدن وجدة وسواكن تتحول إلى الطريق البحرية الجديدة، وأخذت السفن البرتغالية تطارد السفن المصرية التي تشق هذه المياه؛ عندئذ هبت مصر تدافع عن مواصلاتها الهندية وامتيازاتها التجارية التي استأثرت بها مدى القرون؛ وكان ذلك في عهد السلطان الغوري الذي شاء القدر أن يكون آخر ملوك مصر المستقلة؛ فبادر السلطان بإنشاء أسطول مصري جديد في مياه البحر الأحمر ليقاتل أولئك الخصوم الجدد. وفي بعض الروايات أن البنادقة أمدوا السلطان بالأخشاب والذخائر لتجهيز هذا الأسطول؛ وعلى أي حال فقد التقى الأسطول المصري بسفن البرتغاليين في البحر الأحمر أكثر من مرة وأحرز قائده أمير البحر حسين على الأسطول البرتغالي بقيادة الأميرال لورنزوالميدا في سنة 1508 انتصاراً حاسماً؛ ولكن البرتغاليين عادوا فهاجموا الأسطول المصري وهزموه في العام التالي؛ ولم يك ثمة شك في مصير هذا النضال، فإن البرتغال كانت يومئذ في مقدمة الدول البحرية التي يخشى بأسها، وكانت مصر من جهة أخرى ترقب خطراً آخر أعظم وأجل، هو خطر الترك العثمانيين. أما البندقية فقد حاولت

ص: 7

من جانبها أن تتأهب للنضال محافظة على تجارتها، ولكن الدول الأوربية الكبرى، فرنسا وأسبانيا والبابوية، اتحدت في مجمع كامبري لمقاومة البندقية والقضاء على محاولاتها.

وهكذا فقدت مصر طريق الهند في نفس الوقت الذي فقدت فيه استقلالها، وفقدت كل ما كانت تجنيه من وراء هذا الامتياز القديم من المغانم الطائلة. ومنذ أوائل القرن الخامس عشر يغدو طريق رأس الرجاء الصالح، هو الطريق المختار للهند والشرق الأقصى؛ ومن ذلك الطريق سارت البعوث البحرية المتوالية لاكتشاف مجاهل المحيط الهندي والمحيط الهادئ.

على أن القدر شاء القدر أن تسترد مصر طريق الهند في ظروف لم تكن تحلم بها، وكانت بالنسبة إليها مفتتح عصر من الكوارث والمحن؛ أجل كان افتتاح قناة السويس في سنة 1869 نذيراً بفاتحة الدور الخطير المحزن الذي قضى على مصر أن تؤديه في ربط الشرق بالغرب وتوثيق المواصلات بين بريطانيا العظمى والهند وأستراليا؛ بل لقد ظهر هذا النذير واضحاً منذ أيام الحملة الفرنسية حيث شعرت إنكلترا بالخطر الذي يهدد مواصلاتها المستقبلة من استقرار الفرنسيين في مصر، فبذلت كل ما في وسعها لتحطيم الحملة الفرنسية وإجلاء الفرنسيين عن مصر؛ وكأنما استطاعت إنكلترا يومئذ أن تنفذ إلى حجب الغيب، وأن تتصور قيام هذه القناة تشق الصحراء بين البحرين الأبيض والأحمر؛ وكانت القناة منذ افتتاحها شراً مستطيراً على مصر، لأنها لفتت أنظار الدول الأوربية إلى هذا الشريان الحيوي الجديد في طريق الشرق الأقصى، وأذكت أطماع السياسة الاستعمارية. ولم تلبث مصر أن سقطت فريسة هذه السياسة المتجنية؛ وكانت محنة فقدت مصر فيها استقلالها؛ ومهما كانت البواعث التي تذرعت بها السياسة البريطانية لاحتلال مصر في سنة 1882 فإن حراسة القناة، وهي شريان حيوي لطريق الهند، كانت بلا ريب أهمها وأخطرها؛ وقد غدت هذه الحقيقة فيما بعد شعار السياسة البريطانية ومحورها الأساسي في التمسك باحتلال مصر.

ولما وقعت الحرب الكبرى ظهرت أهمية القناة كطريق حيوي للمواصلات الإمبراطورية البريطانية، ولعبت دوراً خطيراً في حمل القوات والمؤن من أنحاء الأملاك والمستعمرات إلى ميادين القتال الأوربية؛ وازدادت السياسة البريطانية اقتناعاً بأهمية هذا الشريان

ص: 8

الحيوي في مواصلاتها الإمبراطورية، وازدادت تمسكاً بحراسته والسيطرة عليه، حتى إنها رأت يومئذٍ أن تعلن حمايتها على مصر تمهيداً إلى ضمها إلى أملاك التاج. فلما لم تقبل مصر هذا المصير، واضطرت أن تشهر النضال في سبيل حريتها واستقلالها، وأعلنت إنكلترا في سنة 1922 إلغاء الحماية والاعتراف باستقلال مصر، كانت مسألة المواصلات الإمبراطورية أو بعبارة أخرى مسألة قناة السويس من المسائل المحتفظ بها؛ ولما آن للمسألة المصرية أن تحل أخيراً بعقد معاهدة الصداقة المصرية الإنكليزية في أغسطس الماضي، كانت مسألة المواصلات الإمبراطورية وحماية قناة السويس عقدة العقد، وكانت بالنسبة للسياسة البريطانية غاية الغايات؛ وقد جاءت نصوص المعاهدة منوهة بأهميتها وخطورتها بالنسبة لمصاير العلاقات بين مصر وإنكلترا.

على أن المستقبل فياض بالاحتمالات؛ وقد حمل تطور فنون الحرب الحديثة وتقدم التسليحات الجوية بعض الخبراء على الشك في مستقبل قناة السويس كشريان للمواصلات الإمبراطورية؛ وقد أيدت ظروف الحرب الحبشية وتطوراتها هذه النظرية؛ ومع أن السياسة البريطانية مازالت على تمسكها بأهمية القناة وخطورتها بالنسبة للدفاع الإمبراطوري، فإنها تتوجّس اليوم من حركات إيطاليا الفاشستية ومطامعها الاستعمارية، وتتوجس بالأخص من تفوق تسليحاتها الجوية، وتنظر دائماً إلى احتمال العود إلى طريق رأس الرجاء الصالح، إذا وقع ما يهدد سلامة القناة؛ وهكذا نرى أن التاريخ قد يعيد نفسه، وأن أحداث الحرب والسياسة قد تؤثر في أهمية القناة كطريق للهند والمواصلات الإمبراطورية؛ على أنّه إذا شاء القدر أن تفقد مصر طريق الهند مرة أخرى، وأن تغدو القناة في عرف السياسة والحرب بل وفي عرف التجارة كما مهملا، فإن مصر تكون آخر من يأسف لضياع هذا الامتياز المحزن، وإنها لترى فيه يومئذ بشير الخلاص والرضى.

محمد عبد الله عنان

ص: 9

‌هل أسلوب الحكم وحده كافي في تطور الشعب

‌ورقيه؟

للدكتور محمد البهي قرقر

بتطور العلم الطبيعي ومراعاة الحقائق الراهنة والدنو من الواقع تغير مقياس الحكم على النظريات العلمية الفلسفية. فبعد أن كان أساس الحكم عليها تعمق صاحب النظرية في الفكر وتشعب تفكيره في فروض متعددة وخيالات مظنونة، أصبح إمكان استخدامها أو عدم إمكانه في حياة الإنسان العملية ميزان الصحة أو الخطأ في الحكم على نظرية من النظريات الفلسفية. ففلسفة العصر الحديث توجه عنايتها إلى الواقع وإلى الناحية العملية والسلوك النفسي للفرد والجماعة أكثر من النظر فيما وراء الطبيعة والبحث عن معنى النفس وهل هي جوهر أو عرض، أو غير ذلك من الأسئلة التي تحوم حول ماهية النفس وكيفية تركيب الوجود على العموم.

وأسلوب الحكم ونوع النظام الذي تسير عليه أمة من الأمم خاضع لهذه القاعدة، لأنه لا يخرج عن أن يكون عملاً عقلياً له صدى نفسي عملي أيضاً في تلك الأمة. فهو من أهم موضوعات الفلسفة الواقعية الحديثة؛ يلقى استحساناً في كل مكان إذا برهن على يد قائد سياسي إمكان استخدامه والانتفاع به في الحياة العملية للشعب، ولكن ربما يكون طالع نحسه في سوء استخدامه لا في ذاته نفسه.

فالحياة العملية هي في الواقع محك أية نظرية فلسفية؛ فان لم تتفق النظرية معها أو لم تجد نفعاً لها فهي إما خيال مفروض أو لم يئن الأوان لها بعد ولم يدن وقت استخدامها، لا لأنها لم تنضج - فقد تكون في ذاتها ناضجة - ولكن لأن الحياة العملية للشعب ربما لم تتطور نسبياً بما يدانيها.

صلاحية نظام أي حكم أو عدم صلاحيته مرتبط بحال الأمة التي ينفذ فيها. وكونه عاملاً من عوامل رقي الشعب يتوقف إلى حد كبير على موقف الشعب العملي نفسه منه ومن مبادئه، وعلى تأثره به.

وكل أنظمة الحكم في العصر الحديث تدعي أنها تقصد إلى تحقيق فضيلة خلقية، يكون من ورائها رفاهية الشعب ورقيه، وشعور كل فرد بمعنى السعادة.

ص: 10

فالنظام الشيوعي يزعم أنه يريد تحقيق العدالة ومعنى المساواة في كل ناحية من نواحي الحياة وبالأخص في الناحية الاقتصادية التي لم يمسها بالتعديل نظام حكم قبله. وحينما كان نظرياً لقي أتباعاً كثيرين ولاسيما بين الطبقات الفقيرة والعاملة. فلما نزل به زعماؤه في الحياة العملية وحاولوا تطبيقه أثبت أنه خيال مفروض ووهم لا يمكن أن يساير الحقيقة. ولم ينل الشعب الذي رغب في الأخذ به من ورائه إلا الفوضى والشقاء. ومع ذلك لم يحكم الشعب نفسه، وإنما تحكمت فيه فئة قليلة منه ضمنت لها السيطرة بالقوة والعنف، فهو حكم استبدادي لا شعبي.

والنظام الديمقراطي (الهادئ الرزين)، الذي لا يتشدد في معنى الوطنية - أو على الأصح الذي لا يعرف وطناً -، والذي هو مفعم بحب (الإنسانية)، يبغي أيضاً الوصول إلى العدل، يبغي إعطاء الشعب حقه بتسليمه مقاليد أمره. ولخلابته - لأنه يحض على محبة الإنسانية والعمل على (السلام)، وفي الوقت نفسه يتملق الشعب ويدعي أنه في خدمته، مع المحافظة على نشاط الفرد المالي - لقي أنصاراً عديدين وأضحى أمنية لكثير من الأمم الضعيفة التي لم تزل في سن الطفولة بعد خلقها ونشأتها، لأنها تحب العمل للإنسانية المزعومة وتميل للسلام العالمي - بمقتضى ضعفها - وتود أن تخرج عن حكم الفرد أو الهيئة الأرستقراطية.

والحياة العملية لمثل هذه الشعوب أصح مقياس للوقوف على حقيقة هذا النظام وعلى مبلغ حصته في رقيها، لأنها تفهم (الديمقراطية) فهماً ساذجاً فطرياً، فهماً لغوياً لا سياسياً، فالمعنى السياسي وملكة التلاعب بالسياسة لم تتكون عندها بعد، ولأنه ليس من إنتاجها العقلي بل اقتبسته وآمنت به، فأثره حينئذ، إيجابا أو سلباً، أظهر، والحكم له أو عليه أصح وأقرب للواقع.

ومصر دولة من الدول العربية التي تغرم بالديمقراطية، ونظام حكمها ينص على أنها (دولة ذات سيادة، وهي حرة مستقلة وحكومتها ملكية وراثية، وشكلها نيابي - المادة الأولى من دستور سنة 1923)، وهو مظهر لا اعتراض عليه من ناحيته الشكلية والقانونية، ولا من ناحية ما إذا كانت هناك رقابة أجنبية فعلية، أو سياسة مجاملة، تقيد في الواقع بعض الشيء من هذه السيادة، فالدول الصغيرة تتمتع دائماً من الوجهة الدولية باسم السيادة التامة وإن

ص: 11

كانت تسير في سياستها العملية طبقاً لخطة دولة أخرى ذات نفوذ أكبر تحت ستار (الصداقة) أو (المحالفة) لغرض مزدوج: لوقاية الدولة الصغيرة من اعتداء أجنبي - وما هو في الواقع إلا اعتداء على نفوذ الدولة الكبرى في سياسة الدولة الصغرى - ولمنفعة الدولة الحليفة الكبرى اقتصادياً وأدبياً في السياسة العالمية. ولكن الشيء الذي يرغب الآن في بحثه هو: هل من الممكن بواسطة هذا النظام نقل مصر من حالتها الراهنة إلى حالة أرقى، وما مبلغ أثره في تطور الشعب؟

وبحث هذا يتطلب الوقوف على السلوك العملي للشعب إزاء هذا النظام، ثم على مقدار استفادته منه. ولبيان السلوك العملي له وموقفه تجاه هذا النوع من الحكم أود أن أقتبس من دستوره بعض المواد التي لها صور عكسية بارزة في حياة الأمة العملية والتي يقابلها بعض الظواهر النفسية التي لها صفة الأغلبية في الشعب، وبعبارة أخرى المواد التي لها مساس كبير بهذا السلوك النفسي.

(1)

في الفصل الثالث من الدستور يقضي أسلوب الحكم بتأليف هيئة شعبية نيابية، لها صفة الرقابة على القوة التنفيذية بطريق الاقتراع العام. وصاحب الأغلبية في هذه الهيئة يتولى رياسة تلك القوة.

ومن خصائص الشعب المصري وألزم صفاته للآن السير وراء العاطفة والرغبة في التصديق، والتمسك بالعقيدة، فهو سريع التأثر بالوعود الخلابة، وخصوصاً بالتي على وفق رغباته المتخيلة، لا يضعف تأثره بذلك إرهاب أو اصطدام بالواقع، وهكذا شأن العاطفة إذا هي احتلت من النفس مكاناً واسعاً، يكاد يكون لها كل سلطان على السلوك النفسي.

لهذا لم تتحلل نتيجة الانتخاب بعد من أثر الدعاية المنظمة - التي تسير طبق رغبات الشعب - ومن قوة العاطفة الحساسة الخارجة عن الاعتدال التي هي أميل بكثير إما إلى الانفعال والقابلية (في حالة التصديق) وإما إلى الرفض والمعارضة (في حالة الجحد والإنكار).

وزيادة على ما للشعب من هذه العاطفة فهو لم تتكون عنده بعد الملكة السياسية، أو بعبارة أخرى لم تتميز عنده قوة الحكم المبنية على الروية والتفكير من قوة العاطفة الثائرة التي لم تهذب بعد. ولعل ذلك يرجع إلى جهلة وتركه مدة طويلة إلى الطبيعة التي كانت تكتنفها

ص: 12

عوامل متناقضة.

الأكثرية النيابية إنما تعبر عن قوة العاطفة المصدِّقة التي تغلب على الشعب وتكون الجزء الأعظم من نفسيته. ولهذا يصح أن يقال إن الحكم الديمقراطي الصادر عن ملكة سياسية والمرتكز على قوة شعبية لا تغلب عليها العاطفة لم يتحقق للآن، وإن وجد أسلوبه ورسمت مبادئه النظرية.

(2)

ينص الدستور أيضاً على الحرية الشخصية، على حرية الاعتقاد، وعلى حرية إبداء الرأي والنقد.

(المواد 4، 12، 14). حرية الفكر والاعتقاد، حرية إبداء الرأي والنقد يتمتع بها إذن، قانونياً، كل فرد يعيش في مصر. والمصري طبعاً يفكر ويبدي رأيه وينتقد ككل إنسان لأن هذه معان عامة، ولكن طريقته في التفكير وفي إبداء الرأي وفي النقد ربما تنم عن فهم آخر لمعنى الحرية فيها: تنم إما عن سوء في الفهم أو قصر في إدراك ما هي الحرية في شيء من الأشياء، وربما لم يفهم بعد أن الحرية معنى محدود غير مطلق، حرية في شيء مقيدة بجواز استعمال شيء آخر ربما يكون مضاداً للأول ونقيضاً له.

حرية التفكير ما زالت تستخدم في مهاجمة الدين وجرح العاطفة الدينية للشعب، بل أظهر صورها التهكم بمعتقدات الأمة والسخرية بعاداتها، حرية إبداء الرأي تستعمل في الخروج عن المألوف للأمة والاستخفاف بما هو مقدس عندها، حرية النقد سبيله العملي جرح الكرامة الشخصية أو الجدال للجدل في غير طائل.

حرية التفكير، حرية إبداء الرأي وحرية النقد حق سام من حقوق الشعوب المتمدينة، ولكنه لا يصح أن يتخذ أداة للهدم، فوظيفته يجب أن تكون إيجابية لا سلبية. جعلته بعض الدول الراقية حقاً شرعياً لأفرادها بعد ما شعر الشعب من نفسه بقدرته على كظم شهوته العقلية وحاجته إلى تقرير ذلك ضد حاكم مستبد أو ابتغاء المساواة بالفئة الأرستقراطية التي كفلت لنفسها هذا الحق منذ زمن بعيد.

فتقرير حرية الفكر وإبداء الرأي والنقد لكل فرد من أفراد الشعب حق إنساني فطري جميل، وأجمل منه استعداد الشعب وإعداده لاستخدام ذلك في طريقه الطبيعي وتشريعه له من نفسه، لا إعطاؤه له منحة أو فرضه عليه فرضاً، فالطفل إذا ما أفسح له الطريق ربما

ص: 13

يلقى حتفه في هاوية.

(3)

كذلك المساواة أمام القانون. المساواة في وظائف الدولة مبدأ شريف نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المصري، (المصريون لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية. . . .)

المساواة في الحقوق العامة مزية من مزايا الحكم وظاهرة من ظواهر عدله، ولكن أساس التفضيل وقاعدة الاختيار لوظائف الدولة في الأمم الراقية الجدارة الشخصية وإمكان القيام بالواجب نحو الأمة؛ ومقياس تلك الجدارة الإنتاج العملي لا الهوى الحزبي؛ وما شرعت المساواة وجعلت حقاً من حقوق الشعب إلا لإفساح المكان للجدارة والكفاية لا للنسب والعائلة. وكلما كان الشعب إلى الفطرة أقرب كانت لعلاقة النسب والقرابة في التمييز بين فرد وآخر وتخصيصه بمنصب من مناصب الدولة الكبرى الأثر الأول، لأن قوة الحكم في الشعب حينئذ ما زالت تعتمد على العصبية، فإذا ما تطور الشعب بعوامل التهذيب جُعلت القاعدة في الاختيار والتفضيل الكفاية الشخصية وتُنوسيت عصبية القرابة الضيقة، لأن مجموع الشعب أصبح حينئذ يعتبر كمجموع أفراد لعائلة واحدة.

ومن هنا تغلب الظاهرة النفسية التي تسمى (المحسوبية) - والتي تعد مرضاً اجتماعياً خلقياً في الشعب - في الشعوب الفطرية أو فيما هي أقرب إليها وإن اتخذت أحدث الأساليب في نظام الحكم، فإذا كانت هذه الظاهرة متفشية الآن في مصر - وستبقى متفشية فيها مهما شرع ضدها من قوانين، لأن علاج ذلك ليس بسن قانون وتشريع وإنما بتهذيب الشعب نفسه - فذلك لأن الشعب المصري مازال يعتبر قاعدة الجدارة في الاختيار في المنزلة الثانية.

فالمبادئ الأساسية التي هي مظهر الحكم الديمقراطي، من تمثيل نيابي وإعلان حرية الفكر وإبداء الرأي والمساواة أمام القانون والتمتع بالحقوق السياسية والمدنية لكل فرد مصري أو متمصر، موجودة في أسلوب الحكم المصري الحديث، ولكن مظاهر الحياة الواقعية للشعب تدل على أن سلوكه العملي منحرف عنها وموقفه تجاهها سلبي. وبالرغم من ذلك فهل يترقب لهذا النظام أثر إيجابي حتى يكون كفيلاً بتغيير هذا الموقف وبترقية الشعب؟.

لا يجحد أن تمشى الحكم مع هذه الأسس من العوامل التي تُشعر الفرد باستقلاله وحريته

ص: 14

وتؤمّنه على حياته الفردية وتفسح المجال لجده وذكائه. واستقلال الفرد وإفساح المجال لجده ومواهبه من أسباب رقي الأمة كمجموعة متكونة من أفراد تربطهم روابط عدة، طبيعية وثقافية، ولكن هذه النتيجة الإيجابية مقيدة بتنفيذ هذه الأسس وبفهم الشعب لها فهماً صحيحاً، والتنفيذ والفهم كلاهما ليس حاصلاً لأي أسلوب من أساليب الحكم، وإنما هما مقدمة من مقدمات نجاح الحكم نفسه وعادة تتكون بالمران في نفسية الشعب.

فأسلوب الحكم نفسه لا ينتج عادة وإنما يرعى العادات. في ظله تتكون عادات ذات أثر إيجابي أو سلبي في رقي الشعب أو انحطاطه. وتكوُّن العادات الحسنة سبيله الوحيد التربية والتهذيب. فإذا استقر في نفس الشعب حب الحرية وفهمها فهماً صحيحاً، إذا عرف معنى المساواة، كان عمله طبق ذلك الفهم وهذه المعرفة، وكانت خطواته دائماً إلى الأمام؛ وما أسلوب الحكم الديمقراطي حينئذ إلا مظهر خارجي فقط لمعنى نفسي مستقر، طبيعي أو مكتسب.

فالشك إذن محوط بنظام الحكم وبنتائجه الإيجابية في رقي الشعب كعامل أول في تطور الأمم، ولكن الأمر الذي لا مرية فيه هو عامل التربية التي تنفذ إلى نفس الفرد والجماعة وتكيفها حسبما تختط الأمة لنفسها.

فإذا لم يرب الشعب الضعيف المستعبد على حب الحرية والمطالبة بالاستقلال، لم يشعر بمعنى الحرية وبمزايا الاستقلال إذا ما تركته القوة المستعمرة وخلته ونفسه، بل بالعكس لا ينال من هذا الاستقلال إلا الفوضى وعدم استقرار النظام حتى يتحكم فيه نفر من الشعب نفسه ويسوسه بالقوة والعنف ويومئذ يشعر بحكومة وبنظام.

فإذا قدر للنظام الديمقراطي في أمه لم تتكون عندها بعد الملكات الاستعدادية له أن يكون ذا نتيجة إيجابية في تطور الشعب فلن تلمس إلا بعد زمن طويل وجهد شاق يقوم به زعيم مترسم لبرنامج معين مقصود. ومع ذلك يصح أن ينسب هذا التطور إلى الزعيم كمرب اجتماعي لا إلى الحكم الديمقراطي من حيث هو.

فالنظام الديمقراطي في إنكلترا مثلا ليس نظاما موضوعا ولا مواد دستورية مفرغة في الصيغ القانونية، وإنما هو نظام يحس به الشعب وقد خلقه من نفسه خلقاً، وتكون كنتيجة لازمة لأسلوب مخصوص في التربية، ولعادات مخصوصة لها بطول الزمن قوة الملكات

ص: 15

الفطرية.

والشعوب الأخرى التي تحاول تقليد الدستور الإنكليزي ولم يكن لها بعد ما للشعب الإنكليزي من الاستعدادات والملكات السياسية لا تستفيد من هذا التقليد غلا التخبط وعدم الاستقرار. وما أشد عنايتها حينئذ بالصيغ الدستورية، وما اكبر ولعها بالترنم بأغاني الدستور والتشدق بمواده، أما الشعب نفسه، أما مصالحه، فأمر ثانوي يأتي بعد تنفيذ نصوص الدستور، كأنما الشعب خلق للدستور لا أن الدستور وجد لخدمة الشعب ورفاهية الأمة. ما ذلك إلا لأن التقليد فيما يسمى (دستوراً) لا فيما يقصد من الدستور، في مظهر من مظاهر المدنية لا في: كيف تتكون المدنية. بينما الشعب الإنكليزي نفسه أو أي شعب آخر كون له دستوراً من نفسه لا يلقى الأهمية إلا على: ماذا يقصد من الدستور. وهكذا الضعف يخلق صفة الأمانة والإخلاص في المظاهر فقط، فما أشد الأمم الضعيفة تمسكاً بنصوص ما يسمى قوانين دولية، وما أخلص الفقهاء للنصوص الفقهية - لا للروح الفقهية - في وقت الضعف وانحطاط مستوى الإنتاج العقلي.

فحرية الفكر وحرية إبداء الرأي والمساواة أمام القانون - أو بعبارة أخرى الدستور نفسه - معان تغرس في النفوس ويروض عليها الشعب الفطري أو ما هو قريب منه حتى يقيد حريته الهوجاء التي لا تعرف حرمة للغير ولا للجماعة، وحتى يحد كل فرد من جشعه وأنانيته، ويومئذ توجد الحرية الصحيحة وتستعمل في موضعها وتتحقق المساواة أمام القانون فعلاً.

فالدستور قبل كل شيء معنى خلقي أو هو يرتكز على الأخلاق التي تأخذ صبغتها الوطنية، وما أحوجه لذلك في ثباته واستقراره إلى الدين والتدين. فكلما اشتد ميل الشعب الديني ازداد تمسكه بالدستور، وكلما تحللت حكومة من الحكومات من دينها كان حكمها إلى الديكتاتورية أقرب. وهل هناك في التاريخ الحديث من هو أشد تدينا وأعرق في الدستور من الشعب الإنكليزي والحكومة الإنكليزية؟

وإذن أولى بمصر أن تعنى بدينها وخلقها وبتنشئة شبابها على التربية الوطنية من أن تجري وتتعلق بمظاهر نفعها - أن كان فيها نفع - محدود، أولى بها أن تنظر فيما يخلق الشعوب ويبنيها لا فيما يظهر عليها من أثواب ويكون لها من ألوان!

ص: 16

محمد البهي قرقر

دكتور في الفلسفة وعلم النفس وعضو بعثة الإمام الشيخ محمد

عبده

ص: 17

‌من تاريخ الأدب المصري

أحمد بن يوسف

المعروف بابن الداية

للأستاذ محمد كرد علي

كان والده من جلة كتاب الدولة الطولونية انتقل من بغداد إلى مصر، وكان من أهل المروءات والفضل، ونشأ ابنه أحمد في مصر كاتباً فصيحاً وشاعراً مجيداً، وحاسباً منجماً. وأصل آبائه من أقباط مصر على الغالب، وكان جدهم الأول سميه أحمد بن يوسف الكاتب وزير المأمون. ولأحمد هذا المعروف بابن الداية ثلاثة وعشرون مصنفاً فقدت ولم يبق منها فيما نحسب سوى قطعة من (كتاب المكافأة وحسن العقبى) تدل على علو كعبه في البلاغة وقد أثبت في كتاب المكافأة أخباراً في المكافأة عن الحسن والقبيح مما شاهده في عصره، وذكر قصصاً شهدها أو نقلت إليه عمن أحسن إلى إنسان فكوفئ على إحسانه، وساق في المكافأة على الحسن إحدى وثلاثين قصة، وفي المكافأة على القبيح إحدى وعشرين قصة، قال في آخرها: وإذ قد وفينا ما وعدناك به من أخبار المكافأة على الحسن والقبيح ما رجونا أن يكون ذلك عوناً للاستكثار من مواصلة الخير، وتطلب المعارفة في الحسن، وزجر النفس عن متابعة الشر، وإبعادها عن سورة الانتقام في القبيح وقد قالوا: الخير بالخير والبادئ أخير، والشر بالشر والبادئ أظلم - رأيت أن أصل ذلك حفظك الله بطرف من أخبار من ابتلي فصبر، فكان ثمرة صبره حسن العقبى، وأخبار حسن العقبى تسعة عشر خبراً سقط بعضها فيما يظهر.

قال من أخباره: (حدثنا أحمد بن أبى يعقوب قال: أنكر المهدي على هرثمة بن أعين (من أكبر قواد بني العباس) تحككه بمعن بن زائدة وأمر بنفيه إلى المغرب الأقصى، فكلمه الرشيد فيه واستل سخيمته عليه. ومات معن، وزادت حال هرثمة، وشكر للرشيد ما كان منه. وأفضت الخلافة إلى موسى الهادي فتمكن منه هرثمة. وحدثت الهادي نفسه بخلع الرشيد، وجمع الناس على تقليد ابنه العهد بعده، وعلم بهذا هرثمة، وتذكر عارفة الرشيد فتمارض. وجمع الهادي الناس ودعاهم إلى خلع الرشيد ونصب ابنه مكانه فأجابوه وحلفوا

ص: 18

له، وأحضر هرثمة فقالوا له: تبايع يا هرثمة؟ فقال: يا أمير المؤمنين يميني مشغولة ببيعتك، ويساري مشغولة ببيعة أخيك فبأي يد أبايع؟ والله يا أمير المؤمنين لا أَكدت في الرقاب من بيعة ابنك أكثر مما أكده أبوك لأخيك في بيعته. ومن حنث في الأولى حنث في الأخرى. ولولا تأول هذه الجماعة بأنها مكرهة وإسرارها فيك خلاف ما أظهرت لأمسكت عن هذا. فقال لجماعة من حضر: شاهت وجوهكم، والله لقد صدقني وكذبتموني، ونصحني وغششتموني. وسلَّم إلى الرشيد ما قدره الهادي فيه)

قصة ثانية: (حدثني هرون بن بلال قال حدثني ياسين بن زُرارة قال: كان ببعض أرياف مصر نصراني من أهلها كثير المال فاشي النعمة سمح النفس، وكانت له دار ضيافة، وجرايات واسعة على ذوي الشعر بالفسطاط. فهرب من المتوكل رجل كنى عن اسمه لخطر منزلته، لميل كان من المنتصر إليه، فلما دخلها رأى فيها كثيراً من أهل بغداد، فخاف أن يعرف فنزع إلى أريافها، فانتهى به المسير إلى ضياع النصراني فرأى منه رجلاً جميل الأسر، وسأله النصراني عن حاله، فذكر أن الاختلال انتهى به إلى ما ظهر عليه. فغير هيئته، وفوض إليه شيئاً من أمره، فأحكم فيما أسند إليه واضطلع به. ولم يزل حاله يتزايد عنده حتى غلب على جميع أمره، وقام به أحسن قيام، فكان محل الرجل الهارب من النصراني يفضل كلما ذهب له.

(وورد على النصراني مستحث بحمل مال وجب عليه. (وسأله) النصراني عن خبر الفسطاط فقال: ورد خبر قتل المتوكل وتقلد المنتصر. ووافى رسول من المنتصر في طلب رجل هرب في أيام المتوكل يعرف بفلان بن فلان ويوعز إلى عمال مصر والشام بأن يتلقوه بالتكرمة والتوسعة فيلحق أمير المؤمنين في حال تشبه محله عنده. فعدل النصراني بالمستحث إلى بعض من أنزله عليه، وخلا الهارب بالنصراني فقال: أحسن الله جزاءك، فقد أوليت غاية الجميل وأحتاج إلى أن تأذن لي في دخول الفسطاط فقال: يا هذا إن كنت استقصرتني فاحتكم في مالي، فأني لا أرد أمرك ولا أزول عن حكمك؛ ولا تنأ عني، فقال له: أنا الرجل المطلوب بالفسطاط وقد خلفت شملاً جمّاً، ونعمة واسعة. إنما عدل بي الخوف على نفسي. فقال له: يا سيدي فالمال في يدك وما عندك من الدواب فأنت اعرف به مني فاحتكم فيه، فأخذ بغالاً وما صلح لمثله، وخرج النصراني معه. وقدم كتاباً إلى عامل

ص: 19

المعونة من مستقره، فتلقاه عامل المعونة في بعض طريقه، ووصاه وجميع العمال بالنصراني، وصار إلى الحضرة فأصدر إليهم الكتب في الوصاة به إلى أن قدم بعض العمال المتجرة فتتبع النصراني ورام الزيادة عليه فخرج إلى بغداد.

(قال لي هرون إن ياسين قال له: إن النصراني حدثه أنه دخل إلى بغداد فلم ير بها أدنى محلا، وأكثر قاصداً منه، ثم استأذنت عليه وعنده جمع كثير فخرج أكثر غلمانه حتى استقبلوني فلما رآني قام على رجليه ثم قال: مرحباً يا أستاذي وكافلي والقائم بي حين قعد الناس عني. وأجلسني معه وانكب على ولده وشمله، وأنا أتأمل مواقع الإحسان من الأحرار، وسألني عن حالي في ضياعي فأخبرته خبر العامل، وكان أخوه في مجلسه فنظر إليه من كنا عنده، وقال له: كنت السبب في تقليد أخيك فصار أكبر سبب في مساءتي، فكتب من مجلسه كتاباً إليه بجلية الخبر وأنفذه. وأقمت عنده حولا في أرغد عيشة وأعظم ترفة. وورد على كتب أصحابي فخبروني بانصراف العامل عن جميع ما كان اعترض عليه في أمري. وأخرج أمر السلطان في إسقاط أكثر خراج ضياعي والاقتصار بي على يسير من مالها. قال ياسين فكتب النصراني ببغداد حجة أشهد فيها على نفسي أن أسلمه في جميع الضياع التي في يده (وسماها وحددها) لهذا الرجل الذي كان هرب، وصار بها إليه، فقال له: قد سوغك الله هذه الضياع، فأني أراك أحق بها من سائر الناس، فامتنع الرجل من ذلك وقال له: عليك فيها عادات تحسن ذكرك، وترد الأضغان عنك، ولست أقطعها بقبض هذه الضياع عنك. ورجع النصراني إلى الفسطاط فجدد الشهادة له فيها. فلما توفى النصراني أقرها في يد أقاربه، ولم يزاولوا معه بأفضل حال).

محمد كرد علي

ص: 20

‌ظاهرة هامة

للأستاذ عبد المغني علي حسين

يروي كثير من الناس عن بعض الذين ماتوا من أقربائهم أو أصدقائهم، أن هؤلاء، عندما حضرهم الموت كانوا يهتفون بأسماء بعض الذين سبقوهم إلى الدار الآخرة. ويروي الراوون أن المحتضر كان يتحدث إلى (الموتى) كما لو كانوا منه على مرأى وعلى مقربة. أما قول الناس في تعليل ذلك فهو أنه هذيان نتيجة اختلال الشعور. وبعض الناس يسلم بالعجز عن تعليل هذا الأمر. والجميع يعرفون بالتجربة أن المريض إذا (نادى على الأموات) على حد قولهم، فقد تحقق دنو أجله، ولم يعد ثم أمل في تماثله.

هذه الظاهرة معروفة مشهورة في بيئتنا المصرية، ولا أحسب القارئ الكريم ألا قد سمع بها، إن لم يكن شهدها بنفسه. ولكن أرجو ألا يحسبها قاصرة على البيئة المصرية، أو على أية بيئة معينة، فالواقع أنها شائعة في العالم اجمع، ومعروفة بين بني البشر على اختلاف جنسياتهم وألوانهم ومدنياتهم ودياناتهم. وهي، بالنظر لشيوعها هذا، خليقة أن تسترعي اهتمام الباحث المفكر، سيما وأنها تتصل بذلك السر الأعظم: الموت. هذه الظاهرة قد استرعت فعلا اهتمام من اشتغلوا بالبحوث الروحية، وهي عندهم عظيمة الدلالة والخطر.

أمامي الآن كتاب أخرج في عام 1925، لأحد كبار الباحثين الروحيين الإنكليز، هو سر وليم باريت، عضو الجمعية الملكية البريطانية وفي هذا الكتاب دراسة مستفيضة لتلك الظاهرة الشائعة، ومن يتصفحه ير كيف يمكن أن يصل الباحث إلى نتائج خطيرة من ظواهر مشتتة لا تحمل في ظاهرها دلالة ولا قيمة علمية. عمد الباحث المذكور إلى دراسة هذه الظاهرة دراسة استقرائية على طريقة العلم الحديث التي بلغت به إلى ما بلغ. تلك الطريقة القائمة أولاً على شهود أكبر عدد ممكن من الظواهر، ثم وصف تلك الظواهر بدقة وتفصيل وصدق، ثم المقارنة بينها وملاحظة ما فيها من عناصر مشتركة، ثم استنتاج ما يمكن استنتاجه. ويأتي بعد ذلك استنباط التجارب للوقوف على مبلغ صحة هذا الاستنتاج.

لجأ سر وليم باريت إلى أصدقائه من أطباء ومديري المستشفيات الكبيرة في مدينة لندن، طالباً تمكينه من زيارة من يحضره الوفاة من المرضى كلما سمحت الظروف وسمح ذوو المريض، فحضر بنفسه عدداً كبيراً من الحالات، ودون ما شاهده وسمعه، وكانت تعاونه

ص: 21

في هذا العمل زوجته (ليدي باريت). وكتب أيضاً إلى أصدقائه من أطباء المستشفيات في عدد كبير من مدن العالم راجياً موافاته بوصف ما قد يعرض لهم في هذا الأمر. وبذا تم له جمع عدد كبير من تلك الحالات، رتبها وبوبها، وقدمها لجمعية البحوث الروحية بلندن ثم أذاعها على ملأ القارئين في هذا الكتاب.

في الكتاب وصف دقيق لكل حالة، وبه الأسماء والأمكنة مذكورة، وكذا الزمن باليوم والساعة والدقيقة. أما المحتضر فقد يكون رجلا أو أمرأة، شيخاً أو شاباً أو طفلاً، وقد يكون إنجليزياً أو أوربياً أو أمريكياً أو هندياً أو زنجياً، وهو في أكثر الحالات يعاني آلاماً جساماً، ووجهه متجهم، فإذا به ينسى ألمه برهة، ويتهلل وجهه ويقول:(ماذا أرى؟ هذا أنت يا فلان. لقد جئت لتستصحبني. . .) أو نحو ذلك من الكلام.

ولكن لو اقتصر الأمر على مثل هذا لما كان له كبير وزن من الوجهة العلمية، إذ من الممكن القول بأن المريض وقد برحت به العلة، وتسممت أعصابه، واضطربت دورة الدم في مخه، قد اختلط عقله ولم يعد يفرق بين الحقيقة والخيال، وصار سواء عنده الشعور الذي يصل إلى مخه بالطريق المعتاد من الخارج والشعور الذي ينبعث من عقله الباطن، فالذكريات القديمة تتمثل له في شكل حقائق راهنة مصطبغة بالمشاعر المستولية عليه، فهو من هذه الوجهة كالنائم إذ يحلم بالفكرة كأنها شيء محسوس. ولكن الكتاب لا يحوي هذا الضرب من الحالات فقط، بل به مجموعة أخرى هي بيت القصيد، وهي النقطة الدقيقة حقاً التي عندها يرغم الإنسان على التفكير الجدي في أن كلام المحتضر لا يمكن أن يكون محض هذيان.

في الكتاب حالات هتف فيها المحتضر باسم شخص مات ولم يكن المحتضر يعرف إن ذلك الشخص قد مات، فكان يبدو عليه التعجب لوجود ذلك الشخص بين (الأموات) مع أنه - في زعمه - بين الأحياء. يكون المحتضر مثلاً قد دخل مستشفى منذ شهر أو أكثر، وفي تلك الأثناء توفي فجأة واحد من أقربائه، فكتم الأهل والأطباء عنه الخبر حتى لا تسوء حاله الصحية بتأثير الصدمة والحزن، فتأتي ساعة احتضاره فإذا به يحدث بعض الذين ماتوا من قبل، وبينا هو يحدثهم إذا به يقول مندهشاً (ما هذا؟ أهذا أنت يا فلان؟! وما الذي جاء بك مع هؤلاء، وكان يجب أن تكون في جهة كذا الآن؟. . .) ثم ينظر إلى الحاضرين

ص: 22

ويقول (لماذا لم تخبروني بأن فلاناً قد سبقني، فها هو ذا قد جاء ليستصحبني. . .) أو نحو ذلك من الكلام.

وإني أورد هنا حالة من تلك الحالات اخترتها لا لأنها مؤثرة بل لأن فيها جميع العناصر التي يطلبها الباحث: طفلة في الثامنة من عمرها تدعى جيني، لها صديقة في نحو سنها تدعى أديث. مرضت جيني ونقلت إلى مستشفى، وفي أثناء مرضها توفيت أديث فجأة، وكتم الخبر عن جيني، فلما جاء الموت يطلب جيني رجت الحاضرين أن يبعثوا بصورة من صورها إلى أديث كتذكار، مما يثبت أن الخبر كتم عنها حقيقة. وبعد دقائق من رجائها هذا قالت:(انظروا! هذه هي أديث. إنها تقول إنها ستكون معي. لماذا لم تخبروني بذلك. . .)

تدل ظواهر هذا النوع من الحالات على أن المحتضر يدرك تماماً أن في الحجرة معه طائفتين من الناس، الطائفة المعتادة من أهل هذه الدنيا، وطائفة أخرى من أهل العالم الذي هو قادم عليه، والطائفة الثانية لا تقل عنده عن الأولى وضوحاً، وليست ابعد عن حسه من الطائفة الأولى.

يقول المؤلف: (إن مثل هذه الحالات تضطر الإنسان إلى التسليم بالغرض الروحي، حتى أن البروفيسور شارل ريشيه لم يجد بداً من التسليم بأن نظريته عن الحاسة السادسة لا تكفي لتعليل هذا النوع من الظواهر. . .)

وفي الكتاب أبواب فيها وصف موسيقى سمعت ساعة احتضار بعض الناس دون أن يكون لها مصدر عادي معروف. وبهذه المناسبة أقول إن بعض من أصدقهم روى لي انه حضر موت شاب في ريعانه شبابه فسمع مع الحاضرين (زغردة) انبعثت من أحد أركان الحجرة، ولم تكن صادرة بطبيعة الظروف عن أية واحدة من الحاضرات.

وبعد فلعل القارئ الكريم يسلم معي بما لهذه الظاهرة وأشباهها من دلالة، وبأنها تفتقر فقط إلى الدراسة المنظمة. أما من وجهة الدين فهناك الأقوال بأن المحتضر يرى أرواح الموتى ويحادثهم: روي أن بلالاً كان يبتسم عند الموت، فقيل له في ذلك فقال (سنلقى الأحبة محمداً وحزبه) وروى ابن مالك عن أبي أيوب الأنصاري قال: (إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير من الدنيا، فيقبلون عليه ويسألونه، فيقول

ص: 23

بعضهم لبعض: انظروا أخاكم ليستريح فإنه كان في كرب شديد. قال: فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان، ما فعلت فلانة. . .) الحديث.

عبد المغني علي حسين

ص: 24

‌اتجاهات الأدب العالمي في العصر الحاضر

وكيف يتجه أدبنا

للأستاذ خليل هنداوي

أيها السادة في هذه الجلسة أحدثكم حديثاً أراد البعض أن يكون جديداً، أو أنا نفسي كنت ولا أزال اطلب الجديد وأُلح في طلبه وأردد بيت الشاعر الزهاوي:

سئمت كل قديم

حتى سئمت حياتي

إن كان عندك شيء

من الجديد فهاتِ

ولكن أنى لي أن أعرف حدود هذا الجديد الذي تريدونه وأريده؟ وأنى لي أن أعرف الرجل الذي يستطيع أن يدلني على الجديد الذي يبغيه؟ إنني ما فكرت يوماً في هذا الجديد إلا ذكرت قول حكيم الجامعة: (لا جديد تحت الشمس) ومع هذا أراني كلما استقبلت هذه الشمس وما تحتها رأيت شيئاً جديداً، وما أضيق الحياة لو بقيت حدودها ماثلة لا تتزحزح كما تراها العين!

إني محدثكم حديثاً أرجو ألا تقيسوه بمقياس الجديد، لأننا لا نملك مقاييس صحيحة تفرق بين الجديد والقديم، فقد تعثرون في هذا الحديث على قديم وجديد. وليس هذا كل ما يهمني، وإنما همي أن أوجه عقولكم إلى (نصيب الأدب في حياة الأمم الحاضرة وحياتنا) ومتى ذكر الأدب هرعت وراءه صفوف من الذكريات لا تعد، أو احتشدت حوله جحافل من حياة الناس لا تحصى، لأن حديث الأدب هو حديث الحياة، ومتى كان حديث الحياة تافهاً؟ ومتى كان حديث الحياة يرويه رجل أو يحكم فيه رجل؟

قد يقول البعض: ولم اخترت هذا الحديث الذي إن خص بعضنا فلن يرضي عنه الجل؟ وما هو نصيب الأدب في الحياة الحاضرة حتى تحدثنا عن اتجاهاته وعهدنا الحاضر عهد علم ومادة، لا عهد بضائع كلامية؟ إنني لا أرى رأي من يقول باندحار سلطان الأدب، لأن الأدب، أو قولوا الفن، ليس بشيء غريب عن كياننا، ولا بعنقاء مغرب نحلق وراءها ونريد صيدها، ولا بثوب نرتديه ونطرحه متى نشاء. وأنى لنا أن نهمل الأدب إذا كان الأدب جوهراً كامناً في صميم أنفسنا، أو إذا كانت الحاجة إليه حاجة نفسية تأتي من داخل النفس لا من خارجها؟

ص: 25

ويقول البعض: ونحن لا نجحد قيمة الأدب ولكنا لا نجد فيه الهوة تنفي سأمنا وتملأ فراغنا حين ننتهي من جدنا، نتخذه مسلياً لا قائداً يتصرف بأمورنا، ولكن هذا الأدب قد يكون ضرباً من اللهو يتفكر به قوم قل جدهم ولكن ليس الأدب كله. وكيف يكون الأدب الذي يمثل حياة الناس ويصور هناءهم وشقاءهم، وحيرتهم وطمأنينتهم، ثم يأتي المجتمع يحاول أن يهدم هنا، ويبني هناك، كيف يكون هذا الأدب لهواً تلهون به في فراغكم وهو الأدب الذي ينفذ إلى النفس فيجردها من خرقها الرثة وينشئ لها حياة جديدة وجواً جديداً؟ وإذا كانت رسالة العلم، أن تقرب وسائل الحياة، وتنوع أسباب الرفاه والراحة فان رسالة الأدب من حياة الأمة رسالة تثقيف الروح وتهذيب النفس وصقل العقل. رسالة تنزل منها منزلة الإيمان، رسالة لا يستطيع العلم أن يقوم بها وحده. وما وحّد علم بين أبناء وطن واحد، ولكن الأدب وحد ويوحِّد!

أما حاسة الارتياح إلى الأدب والفن أو حاسة تذوقهما فهي حاسة جذورها بعيدة القرار في النفوس. هذه الحاسة تدفعنا بالرغم منا، وبدون وعي منا إلى أن نطلب الموسيقى مثلاً لأن نفوسنا تحن إليها، وإلى أن نغتبط بمطالعة قصة أو إنشاد قصيدة تمثل نفوسنا برغم المادة التي ترين على قلوبنا. هذه الحاجة هي ميزان أذواقنا وميولنا، لاشيء يقدر على إخمادها، والذهاب بها. ناهيك بأن كثيراً من هذه الأنواع الفنية والأدبية ما تتصل أسبابه مباشرة بأسباب حياتنا الاجتماعية، وان الأديب الذي لا يشعر بهذه الحاجة التي تسوقه إلى الكتابة لا يستطيع أن يبدع شيئاً، أو الفنان الذي لا يحس هذا الدافع في نفسه لا يقدر أن ينشئ شيئاً!

كانت المقاييس التي توجه الأدب والفن أيها السادة مقاييس فنية تستلزم صدقها ودقتها من الأدب والفن نفسها. عودوا مثلاً إلى الأدب الفرنسي وانظروا كيف يدرسه الطلاب على مقاييس فنية صرفة، أما اليوم فقد تبدلت المقاييس وأخذت مقاييس المبادئ الاجتماعية والسياسية تطغى عليه. وبحسب هذه المقاييس تغيرت اتجاهات الأدب والفن، وتطورت غاياتهما في الجيل الحاضر. وتعليل ذلك أن الأدب كان يحيا منكمشاً بنفسه يصف الجمال للجمال، ويرسم الفن للفن، ويقنع بأن يطل على الحياة إطلالاً، ويعمل على إكبار شأن الفرد ويجعل الأديب نفسه قلب الوجود تتلاقى فيه الأشياء أكثر مما يتوزع في الأشياء. وأما

ص: 26

اليوم فقد خرج إلى الحياة، وإلى المجتمع وإلى السياسة. فأصبحنا ندرس الأدب على هذه الطريقة.

من الأدب الأدب الذي لا غاية له إلا نفسه. يتغنى الشاعر مثلا لأنه يريد أن يغني لنفسه ويسمع ألحان نفسه؛ ومن الأدب الذي نزل إلى المجتمع وخبر خلائق الناس وعالج الحياة؛ ومن الأدب الذي تفيأ ظل الدولة والسياسة والأحزاب. أما الأدب الأول ففي إمكاننا أن ندعوه (الأدب الأرستقراطي) لأن الأديب فيه لا يعمل إلا لنفسه، أو لفئة نزره العدد تعجب به، فهو من نفسه في عالم واسع المدد منفصل عن هذا الوجود، والأدب الثاني ندعوه (الأدب الديموقراطي) يعنى بالطبقة الوسطى ويعالج مسائلها ويصور آلامها ويقلب وجوه حياتها؛ والأدب الثالث ندعوه (أدب الأزمة) تخلقه أزمة اجتماعية كأدب الثورة الفرنسية، وأدب الثورة البلشفية الحمراء، أو تبدعه أزمة سياسية كأدب الحرب العظمى الذي صور فضائع الحرب وجوها المكفهر، وأدب الفاشية الإيطالية، والهتلرية النازية. أو تخلقه أزمة عصبية أو دينية أو اقتصادية. وقد يقوم أدب على غير هذا الغرار يتجرد من كل هذه العوامل الضيقة، عوامل الزمان والمكان، أدب شامل إنساني يعانق الإنسانية من أقصاها إلى أقصاها على اختلاف شعوبها ونزعاتها. ولكن حدث هذا الأدب يقوى في أيام البلاء ويخفف من أيام الهناء، لأن الشقاء يقرب الضعيف من الضعيف! حتى إذا استراح الاثنان عادا إلى نزاعهما الذي لا ينتهي.

ومن ذا لا يتأمل في أدب اليوم ولا يجده ميدان صراع في كل بقعة من بقاع الحضارة؟ فأدب الأمم الديمقراطية يذود عن الديمقراطية ويدافع عن حرية الفرد بما في وسعه أن يدافع، لأنه يعلم أن تقييد الأدب هو نوع من القضاء على حريته التي لا يحيا إلا بها. هذه الحرية يتباهى بها لأنه يراها مستمدة من حرية الحياة التي لا تضيق، وأدب الأمم الدكتاتورية يصول صولة أربابها ويفرض على الناس نفسه، فبينما نرى في الأدب الديمقراطي كل فرد يفكر وحده تفكيره الخاص، له استقلاله وذاته وعالمه واعتقاده، نرى في الأدب الدكتاتوري أن الفرد الواحد يفكر تفكير الأمة كلها، وأن الأمة كلها تفكر تفكير هذا الفرد. وخير ممثل للأدب الحر المدرسة الأدبية الفرنسية التي لا تزال تحترم مبدأ ثورتها الذي أعلن حرية الفرد وزاد عنها. ولعل الوضع السياسي الذي خرجت به من

ص: 27

الحرب العظمى أيد هذا الأدب، ولم يزج بها في أحضان الآداب الأخرى التي ولدتها الأزمات المختلفة. وفي هذه المدرسة تجد ألوان الأدب والتفكير متآلفة على اختلافها، فيها الأدب الفردي والأدب الاجتماعي والأدب الإنساني والأدب الشعبي والأدب الشيوعي، ولكن هذا لا يجعلنا نقول: إن مقاييس أدبها وفنها لم تختلف، فلقد تبدلت المقاييس الفنية، وكاد يحل محلها مقاييس تتبع النظريات السياسية والاجتماعية، ولكن محمدة هذه المدرسة أنها وسعت كل هذه الألوان المتقاربة، وهذه المبادئ المتنافرة، وتقبلتها كلها باسم الديمقراطية. . .

إن أدب الأمم الدكتاتورية يسعى كما توجهه الدكتاتورية، ضيق الفسحة، قريب الغاية، سليب الحرية، لأن أصحابها جعلوا منه وسيلة للدعاية المحلية، ويسيطروا على كل ما يتفرع من الأدب والفن كالمسرح والسينما. وأول من بشر بأدب (الدعاية) الأديب الروسي (بليكانوف) الذي كان يقول في مطلع هذا القرن (إن كل أثر فني مرتبط بحياة الشعب السياسية) وقد شاعت هذه النظرية في مؤتمر (فولنا) الذي انعقد في (روما) سنة 1934 للبحث في أدب المسرح وفنه، فقال فيه أحد مخرجي السوفييت:(إن أدب التمثيل بحاجة إلى الاقتراب من الشعب، وملامسة روحه) وقال فيه أحد فناني الألمان: (إن السياسة الممثلة يجب أن تتمثل في أدب التمثيل لأن السياسة اليوم هي روح حياة الشعوب).

وفي روسيا بعد هدوء ثورتها الاجتماعية أدرك أقطابها قيمة الفن، فسخروا كل أنواع الأدب والفن لنشر دعاياتهم ومبادئهم. وعن السينما يقول (لينين) إنها الفن الأول للثورة. . . لأنها تصور الآلام الاجتماعية التي كانت ظهور الناس تلتوي تحتها، وتهيئ النفوس لحياة أعدل ومثل أعلى. وفي المؤتمر الأخير الذي عقده أدباء الروس قال أديبهم الكبير (مكسيم غوركي): (إن الدولة اليوم يجب أن يقودها ألوف من أرباب الثقافة الكاملين. وهذه وسيلة ضرورية لترد على الشعب العامل وسيلة إنماء عقله وبراعته ومواهبه التي هي حق من حقوقه المسلوبة في جميع أنحاء العالم. هذه الغاية التي تتحقق بالعمل - تحتم علينا - نحن الأدباء - أن نكون مسئولين عن عملنا وسلوكنا الاجتماعي وهو عمل لا يحيل منا أدباء واقعيين، وقضاة على الناس ونقاداً للحياة فحسب. وإنما هو عمل يعطينا الحق بإنشاء حياة جديدة وتطور جديد. ومثل هذا الحق يوجب على كل أديب أن يشعر بمسئوليته الخطرة في

ص: 28

هذه المرحلة).

هذا ما يقوله (مكسيم غوركي) اشهر أدباء الروس والأديب الأكثر إنسانية في أكبر مقاطعة غذت الآداب بالأدب الإنساني، لأن تيار (الدعاية) قذف به إلى حيث يريد! وهكذا ارتدى الأدب رداءاً محلياً حتى غدا الأدب في روسيا أدباً روسياً والفن فناً روسياً! وكذلك الأمر في (الفاشية) فأنها عملت بهذا المذهب القائل (إن الموضوع الأدبي يجب أن يستمد من قلب الأمة لا من المحيط الخارج عنها) وأصبحت تريد من الفن أن يخدم الدولة. . .

أما الهتلرية الجرمانية فقد أرادت أن تتفوق في هذا الباب، فسخرت العلم الذي لا يسخر للدلالة على أصالة الجنس الجرماني وطهارته من أخلاط العناصر وقد طغت أيّما طغيان على حقول الأدب والفن. يقول ممثلها في أحد مواقفه:(إن كل ما نعجب به اليوم من علم وفن واختراع إن هو إلا وليد فئة قليلة من الشعوب. وربما كانت هذه الفئة تنسلها سلالة واحدة ومن هذه السلالة تنحدر الثقافة الإنسانية. . . لتتوار هذه الفئة، فكل جمال الحياة يتوارى معها. . . أريد أثراً جرمانياً يبقي اثر الجرمانية فيه بعد ملايين السنين) وقد أيد هذه النظرية أحد رجالها بقوله (أنا نريد فناً حقيقياً، فناً جرمانياً يستمد روعته من قلب الإبداع الفني، فناً يدخل إلى أعماق نفوسنا ويهزها هزاً!) ويقول وزير دعايتها (في اللحظة التي تسطر فيها السياسة رواية شعب ما، حيث يتلاشى عالم وينشأ عالم، حيث تزول قيم عتيقة وتقوم قيم جديدة، لا يجدر برجل الأدب والفن ولا يحق له أن يقول: هذا شيء لا يهمني ولا يعنيني. . . ونحن، رجال السياسة - إزاء هذه الحركة، رجال فن لأننا نهيئ شعباً. ولست أدعو إلى أن يكون الأدب عسكرياً، وإنما يجب على الأدب أن يخلق ويصور العلاقات المرتبطة بهذه الحركة الانقلابية. . . يجب على الأديب أن يجر نفسه إلى الزوبعة التي تعصف في وطنه. يمشي تحت عجاجتها ولا يقف شاهداً على الربوة! إننا نحكم على الفن والأدب بالنسبة إلى تأثيرها في الشعب. وكل ما خالف هذا لا نرضاه. . .)

(البقية في العدد القادم)

خليل هنداوي

ص: 29

‌بحث في الإيمان

للأستاذ علي الطنطاوي

إلى الأخ البغدادي الذي كتب إلي أمس

كتبت إلي تسألني عن الإيمان، وتريد دليلاً عقلياً على صفات الله السمعية، وصورة حسية لما خبر به من المغيبات كالجنة والنار، والجن والملائكة، حتى لكأنك تراها بعينك، وتعرض للقضاء والقدر وتسرد شبهاً عرضت لك تطلب مني ردها، إلى آخر ما ذكرت في كتابك من مسائل تنوء بها أكبر الأدمغة البشرية. وتعجز عن حلها العقول العظيمة، بَلْهَ عقل مثلي ودماغه. من أجل ذلك أزمعت السكوت عن الجواب، ثم بدا لي فرأيت الكلام في هذه المسألة واجباً. لأن معرفة الله أول مطالب الحياة، وأسمى غاية لوجود البشر، ولأن الشباب في حاجة إلى مثل هذا البحث؛ ثم إن البحث في ذاته لذيذ ممتع. فأقدمت على فتح بابه، وذكرت ما ألهمته فيه.

المعارف البشرية

أورد النسفي رحمه الله في أول عقائده هذه الكلمة الجامعة قال: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقق وأسباب العلم كثيرة: الحواس السليمة، والعقل، وخبر الصادق المعصوم) أي أن المعارف البشرية إما أن تكون مشاهدة محسة نراها ونسمعها، وإما أن تكون معقولة ندركها بالفكر والقياس الصحيح، وإما أن تكون مغيبة علمنا بها من طريق الوحي. أما المحسنات فيتساوى فيها الناس والحيوان. وليس في إدراكها ميزة للناس، وإن كان أفقها عند الناس أوسع. وإدراكهم لها أرقى. وأما المعقولات فيستوي فيها الناس كلهم من كل ذي عقل سليم. وأما الإيمان بالمغيبات فهي الميزة التي تمتاز بها عقول المؤمنين الذين يشاركون الناس في الحس والتفكير، ويختصون دونهم بالإيمان.

وسنحاول أن ندرس فيما يلي قيمة كل مصدر من مصادر المعرفة الثلاثة.

الحواس

تستطيع أن تشك في كل شيء، ولكنك لا تستطيع أن تشك في شيء تراه أو تلمسه، لأن الحس أصح طرق المعرفة وأدناها، ولأنك إذا قلت: هذا الشيء (محسوس)، تكون قد

ص: 30

عبرت بأبلغ تعبير عن الثقة بوجوده، والاطمئنان إليه، والحواس هي طريق المعرفة الأولى، والنوافذ التي تطل منها النفس على العالم الخارجي، فلو أغلقت هذه النوافذ آض العالم عدماً. ولو أن رجلاً ولد أعمى أصم لكان عالم الألوان والأصوات (بالنسبة إليه) غير موجود، ولما استطاع مطلقاً تصور الخضرة والحمرة. . .

كل هذا مسلم به، ولكن هل يحق لنا أن ننكر وجود شيء من الأشياء لأننا لا ندركه بحواسنا؟ هل يجوز لنا أن نقول إنه ليس في الوجود ملائكة مثلاً، لأننا لم نر الملائكة ولم نسمع أصواتهم ولم نلمسهم؟ هل نستطيع أن ننكر الشياطين؟

وبالعبارة الثانية: هل هذه الحواس كاملة تطلعنا على كل شيء في الوجود؟ وهل هي صادقة لا تخدعنا ولا ترينا الشيء على غير حقيقته؟

إني أسألك أولاً: كم هي الحواس؟ فتقول إنها خمس، فأسألك: ألا تعرف لها سادسة؟ فتضحك وتحسبني أمزح، لأن الحواس كاملة لا يمكن الزيادة عليها. وأنها مشهورة معروفة من قديم الزمان، لم يفكر أحد أن بالإمكان كشف حاسة سادسة لها.

بينما يعرف صغار طلبة البكالوريا الذين يقرءون علم النفس، أن هناك حواس أخرى، وتعرف ذلك أنت إذا دققت في نفسك وحللت مشاعرك؛ ألا تشعر بالتعب موجوداً في عضلاتك عقب المشي الطويل أو الحركة العنيفة؟ ألا تحس بالجوع والعطش والتهاب الجوف، وغثيان النفس؟ فبأي حاسة من الحواس الخمس عرفت ذلك؟ أأبصرته أم سمعته، أم شممت ريحه أم لمسته؟ إنك لم تدركه بشيء من ذلك، بل بحاسة سادسة دعنا نسمها (الحاسة المشتركة) مثلاً. . .

ثم. . . ألا تحس وأنت مغمض عينيك بأن يدك ممدودة أو مرفوعة، وأن كفك مقبوضة أو مبسوطة؟ إنك لم ترها، ولم تدركها بحاسة من الحواس الخمس، وإنما أدركتها بحاسة سابعة دعنا نسمها (الحاسة العضلية) مثلاً. . .

وكذلك حسك بالحرارة والبرودة، فإنها حاسة ثامنة، وحسك بتوازن جسمك عند المشي أو الوقوف؛ بل لقد استطاع العلماء أن يكشفوا مركز هذا الحس، وان يعلموا أنه في الأذن الداخلية، في مادة كلسية مبلورة، لو أتلفت في حيوان فقد حسَّ التوازن وسار مترنحاً كما يترنح السكران. . .

ص: 31

فالحواس ليست كاملة لأن الكامل لا يقبل الزيادة، وما دامت ناقصة فسيظل في الوجود أشياء لا ندركها أو ندركها ولا ندري أننا ندركها.

ولنأخذ الكائنات التي ندركها، هل ندركها كاملة؟ أنا أرى الألوان ولكن هل أراها كلها؟ هل أرى ما وراء الجدار؟ هل أبصر عصفوراً على شجرة من مسيرة يوم؟ هل أمّيز رجلاً في الصحراء على بعد عشرة أميال؟ وأنا أسمع الأصوات، ولكن هل أسمع صوت نملة تسير على التراب؟

أفيحق لي أن أنكر أن للنملة صوتاً لأني لا أسمع هذا الصوت؟ أو أن أجحد ما وراء الجدار لأني لا أبصر ما وراءه؟ فأنا إذن أدرك من الكائنات أنواعاً معدودة، وأدرك من هذه الأنواع مقادير محدودة.

وهذه المقادير التي أدركها، هل أدركها على حقيقتها؟ ألا تخطئ حواسي أو تضل؟ إني أضع إصبعي الوسطى على السبابة ثم اجري القلم على باطن الإصبعين فأحس بقلمين. . . وأضع العود المستقيم في الماء فأراه منكسراً. . . وأنظر في الصحراء فأرى الرمال مياهاً غزيرة. على حين انه ليس هناك إلا قلم واحد، وإن العود المستقيم يبقى في الماء مستقيماً، وإن رمال الصحراء لا مال فيها، ولكن حواسي أخطأت وضلت. وأنظر أي كتاب من كتب علم النفس (السيكولوجي) تر من ذلك شيئاً كثيراً، فإذا كانت هذه هي قيمة الحواس، فهل يحق لنا أن نجعلها وحدها طريق المعرفة، وأن ننكر كل أمر لا تقع عليه حواسنا؟ ألا ننكر نفوسنا قبل كل شيء لأن نفوسنا وأرواحنا لا تدركها حواسنا ولا تعرف ماهيتها؟

الخيال

وإذا ثبت أن الحواس ناقصة محدودة، ثبت أن الخيال محدود، لأن الإنسان لا يستطيع أن يتخيل شيئاً جديداً لم يدخل في دائرة الحس، ولأنه لا عمل للخيال إلا تأليف صور جديدة من الأجزاء القديمة. فالذي نحت تمثال فينوس لم يأت به من العدم، وإنما جمع في ذهنه أجمل أنف رآه، وأجمل فم، وأجمل عين، ثم ألّف منها صورة جديدة لم يدركها الحس بمجموعها ولكنه أدرك مفرداتها على كل حال. والذي صور الحصان المجنح، أخذ جسم الحصان وجناح الطائر. من أجل ذلك سمى كثير من علماء النفس هذا الخيال جامعاً، وكرهوا أن يطلق عليه لفظ (الخيال المبدع). فكيف إذن تستطيع أن تتصور الجنة أو

ص: 32

الملائكة أو الحياة الأخرى وأنت لم تدرك بحواسك أي جزء من أجزائها؟ إنه ليس في النفس شيء لم يدخل لها من العالم الخارجي، وأنت لم تعش في الجنة، فإذا قلت لك مثلاً. . . إن في الجنة أنغاماً موسيقية عطرة، أو أن فيها عطوراً لها رائحة خضراء، فهل تستطيع أن تتخيل هذه الأنغام العطرة، أو هذه الرائحة الخضراء؟ هل تقدر أن تتخيل بعداً رابعاً غير الأبعاد الثلاثة المعروفة (الطول والعرض والارتفاع)؟ هل تتصور مثلثاً ليس له زوايا، ودائرة ليس لها محيط؟ كذلك لا تقدر أن تتصور أن لله يداً ليس لها طول ولا عرض ولا جسم ولا صلابة ولا صفة من الصفات البشرية ولا تشبه الأيدي ولا تشاركها إلا في الاسم. ألا تجد نفسك مضطراً إلى التسليم بالعجز والإقرار بأن المستحيل على الخيال البشري الوصول إلى معرفة ذات الله وصفاته الإلهية؟

العقل

تقدم معنا أن الحواس خدعت، فأحست القلم قلمين، ورأت العود المستقيم منكسراً، والسراب ماء، ولكن العقل لم يخدع، وكان يعلم انه قلم واحد، وأن العود مستقيم، والسراب ليس بماء، فالعقل إذن أوسع قدرة، وأصح حكماً من الحواس. ولكن أليس لقدرته حدود؟ هل يقدر العقل على أن يحكم على كل شيء؟

الجواب: لا. لأن العقل لا يستطيع أن يحكم على شيء، أو يدركه إلا إذا حصره بين شيئين هما الزمان والمكان. لذلك يسأل العقل دائماً: متى؟ وأين؟ فلو قلت لك: إن حرباً وقعت ولكنها لم تقع اليوم ولا أمس ولا قبل سنة ولا أقل ولا أكثر لم تصدق ذلك ولم تدركه. ولو قلت لك: إني رأيت مدينة ليست في شمال ولا جنوب ولا سهل ولا جبل ولا هواء ولا هي في مكان، رددت ذلك وكذبته، لأن الزمان والمكان ركنا العقل لا يقوم إلا عليهما. وبديهي أن ما اتصل بذات الله لا يخضع للزمان والمكان، ولا يطلق عليه متى وأين. . . ولذلك يعجز العقل عن إدراك أي شيء يتصل بالله عز وجل وصفاته، ولا يستطيع أن يعرف عنهما شيئاً بلا معونة من الخارج.

ثم إن العقل محدود، فلو قلت لك: إن خطاً أبيض يمتد في الظلام ليس له آخر، وأردت أن تفكر في هذا الخط، وتجمع في إدراكه عقلك، لعجزت عن إدراكه وشعرت بأن عقلك ينازعك منازعة شديدة إلى وضع آخر له، ويميل إلى قطعه وإدراك نهايته. ولو قلت لك:

ص: 33

أن المؤمن خالد في الجنّة دائماً دائماً دائماً. . . وفكرت في ذلك لأحسست من عقلك ميلاً قوياً إلى وضع حد لهذا الدوام. ويتجلى هذا الميل في الرياضيات العالية التي فرضت اللانهاية نقطة وجعلت منها (+ (? لانهاية موجبة، و (- (? لا نهاية سالبة. . .

فإذا كان العقل محدوداً، فكيف يحيط بالله وهو عز وجل غير محدود؟ هل يمكن أن تضع بغداد في غرفتك؟ لا. والله المثل الأعلى!

الوحي

بَيّن لك من هذا ضرورة الوحي، والوحي ضرورة عقلية وضرورة عملية.

أما ضرورته العقلية فما رأينا من عجز العقل عن إدراك ما وراء المادة، وعن معرفة الله، فلم يكن بد من إتمام نقص العقل بعلم من الخارج، وهذا هو الوحي.

فالوحي علم خارجي يصل إليه العقل بالسماع والتعلم، كما أن المعارف المعقولة علم داخلي يصل إليه العقل بالإدراك والتفكير، وكلاهما من الله. لذلك لا يمكن أن يكون بينهما تناقض مطلقاً، لأن الله عز وجل مبدع حكيم؛ ومن شروط حكمة المبدع ألا يكون فيما يبدعه تناقض، فالدين الصحيح (أعني الوحي) والعقل السليم متفقان في المبدأ، متعاونان على بلوغ الغاية، لا يقوم أحدهما إلا بالآخر. فلابد للوحي من عقل يدركه ويؤمن به، ولابد للعقل من وحي يكمل نقصه، ويمكنه من إدراك مالا يستقل بإدراكه منفرداً. وليس معنى هذا أن العقل يستطيع إدراك كل ما جاء به الوحي، لأنه لو كان هذا لما كان للوحي من حاجة، ولكن معناه أن الوحي لا يناقض العقل، ولا يوجب ما يحيله، أو يحيل ما يوجبه.

وأما ضرورته العملية فهي أن الفضيلة والعدالة لا تقومان في الأرض إلا بقيام الدين. وبيان ذلك أن الإنسان مسوق أبداً في حياته بالمنفعة الخاصة، لا يعمل عملاً إلا إذا كان له فيه فائدة أو لذة؛ وعبثاً تحاول حين تحاول أن تجد عملاً واحداً يعمله امرؤ لمنفعة غيره فقط. . . ولست بحاجة إلى سرد أمثلة من لاروشفوكلد فقد نشرت عنه الرسالة فصلا ممتعاً في عدد من أعدادها الماضية لا أذكر رقمه تستطيع أن تفتش عنه وترجع إليه، ولكن أسأل القارئ وآمل أن يجيب بإنصاف: هل يتصور رجلاً ملحداً (لا يؤمن بالله واليوم الآخر) فقيراً جائعاً ليس معه إلا قرش واحد لعشائه يضع هذا القرش في صندوق الطيران الوطني أو صندوق جمعية خيرية من غير أن يراه أحد، ثم لا يخبر بذلك أحداً ولا يرجو (بالطبع)

ص: 34

ثواب الله، وإنما وضعه حباً للآخرين؟ أو يتصور طالباً رأى ورقة جاره في الامتحان تستحق الرسوب، فضحى بنفسه من أجله فوضع اسمه على ورقته، ورضى بأن يرسب هو لينجح ذاك، واحتمل لوم أهله وتأنيب أصحابه، ولم يخبرهم ولم يخبر ذلك الطالب بما فعل، ولم يرج عليه ثواباً من الله، وإنما فعله حباً للآخرين؟

قد يفعل ذلك إذا كان عاشقاً؛ غير أن العشق أبعد شيء عن حب الآخرين، بل هو الأنانية بأفظع أشكالها. فأنت لا تحب مطلقاً شخص المحبوب، وإنما تحب لذتك فيه: تحب نفسك. ولو ضاعت هذه اللذة، بأن فقد المحبوب جماله بمرض مشوه أو بذل نفسه لغيرك لأقلعت عن حبه، بل لكرهته اشد الكراهية؛ والحب العذري خرافة ليس هذا موضع الكلام في بطلانها.

فمن هو إذن الذي يضع قرشه في الصندوق وينام جائعاً، ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة؟ هو المؤمن بالله واليوم الآخر لا لأنه أسمى من البشر فهو خارج عن النواميس النفسية، والمبادئ العامّة؛ بل لأنه يشتري لذة كبرى بلذة صغرى، فهي أيضاً أنانية. . . يبذل قرشه هذا ليأخذه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، ويضحي بحياته هذه القصيرة الشقية لينال حياة طويلة سعيدة في الجنة. . . فالتضحية إذن لا تكون إلا ثمرة للدين، أي للوحي.

ولنعرض المسالة بشكل أوضح: لو محي الدين من الأرض هل تكفي القوانين والأخلاق الوضعية لضمان الفضيلة والعدالة؟ أما الأخلاق فليس لها مؤيد عملي، وأما القوانين فتؤيدها القوة، فالقانون معناه الشرطي، فإذا سرق اللص ولم يره أحد، ولم يقدر عليه الشرطي، فسرقته جائزة عملاً وإن لم تجز نظرياً. وإذا قتل القاتل ولم يشهد جريمته أحد فجريمته جائزة وهو غير مسئول أمام القانون. ونتيجة ذلك أن الجرائم تنتشر ويستعمل الناس ذكاءهم ومواهبهم في ابتكار الحيل للفرار من القانون كما نرى اليوم في بعض بلدان الغرب التي تستغل فيها العلوم والفنون للسرقة والغش والاحتيال، في حين أن الدين يؤيده اتباعه، وضامنه فيه. فالمتدين لا يستطيع أن يسرق أو يقتل ولو لم يره أحد، لعلمه أن الله يراه، ويطلع عليه، وهذه أقوى وسيلة لنشر الفضيلة:

لا تنهى الأنفس عن غيّها

ما لم يكن منها لها زاجر

فكرة الإله

ص: 35

وهناك فائدة أخرى للتدين: هي الاطمئنان الذي يحس به المؤمن حيال النكبات والمصائب؛ فبينما نرى غير المؤمن مقبلاً على الانتحار، يائساً قانطاً، نجد المؤمن راضياً بقضاء الله مستسلماً إليه. وقد يفهم من هذه الفائدة أن الدين فطرة في الإنسان على حد قول دوركليم: الإنسان حيوان ذو دين وأكبر الأدلة على ذلك فكرة الإله. فالاعتقاد بوجود إله أزلي خالد قوي خير عادل موجود مع الإنسان منذ وجد الإنسان. وليس من حاجة لإقامة الأدلة العقلية على وجود الله، كما انه لا حاجة للتدليل على أن الجزء أصغر من الكل، لأنهما من البديهيات.

وبيان ذلك أن الإنسان لما بدأ يفكر نظر في نفسه فوجد فيها مبادئ لا يد له فيها، ولا يدري من أين جاءته ولا يعرف عليها دليلاً واحداً، وجد أن الذي هو هو.

الماء هو الماء، ليس الماء ورقة ولا شجرة ولا قطعة ولكنه ماء. . . والأرض هي الأرض. هذه بديهية ثابتة لا يستطيع العقل أن ينكرها مهما اختلفت الإعصار والأمصار، فما هو الدليل عليها؟

ما هو الدليل على أن الجزء أصغر من الكل، وأن وجود الشيء ذاته في الوقت عينه وانعدام هذا

الشيء مستحيل. إن التدليل على أمر معناه رد هذا الأمر إلى بديهية ثابتة. فكيف ندلل على البديهية وإلام نردها؟

وكيف يصح في الأذهان شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل

ومثل هذه البديهيات تماماً الاعتقاد بوجود إله، بدليل أن البشرية لم تعش يوماً واحداً بغير هذا الاعتقاد وإن اختلفت المدارك فعرف بعض الناس الإله الحقيقي الذي لا تدركه الأبصار، وألصق بعضهم صفة الإله ببعض المخلوقات ثم عبدها لا لذاتها بل لأن فكرته عن الإله تمثلت له فيها - وقد يعترض على معترض بأن الشبان اليوم من ينكر الإله ولا يقر بوجوده فأجيب بأن هذا الشاب لو ضاع في صحراء ويئس من المعونة أو أصابه مرض عضال عجز عنه الأطباء لعاد مؤمناً بالله، ولآب إلى الله مقراً مستغفراً. فالإيمان لم يذهب من نفسه وإنما غطته عوارض زائلة. وذلك قريب من قول السيدة رابعة العدوية وقد خبروها أن (فلاناً) من العلماء أقام ألف دليل على وجود الله. فقالت لو لم يكن عنده ألف

ص: 36

شك لما أقام ألف دليل! قيل لها: فما هو إذن؟ قالت من ضاع في الصحراء وانقطع ماذا يقول؟ قالوا يقول: يا الله! قالت: ذاك هو الله. وقول اناتول فرانس: إن كذا غراماً من السكر في بول أشد الناس إلحاداً ترده مؤمناً. يريد أنه لو أصيب بمرض ويئس من الحياة.

فإذا عرفت يا سيدي قيمة الحواس، وحدود الخيال، وطاقة العقل، وفائدة الأيمان، كنت أنت الذي يجاوب على ما بعثت لي به من أسئلة. والسلام عليك ورحمة الله.

(دمشق)

علي الطنطاوي

مدرس الأدب العربي في الكلية الشرعية ببيروت

ص: 37

‌الفلسفة الشرقية بحوث تحليلية

بقلم الدكتور محمد غلاب أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين

- 17 -

المدرسة اليوجية

نشأت هذه المدرسة حوالي القرن الثاني قبل المسيح على أصح الأقوال وسارت في تعاليمها على منهج مدرسة (سامكهيا) ولهذا لم يكن لها في الإبداع الفلسفي شيء يستحق الذكر، وإنما يقدر مجهودها في السلوك العملي الذي بعثته من مرقده بعد أن طغت عليه عوامل أخرى شديدة التأثير. ويتلخص هذا السلوك في الزهادة التامة ومحاولة إنقاذ الروح من سلطان البدن ومحاسبة الإنسان نفسه على مقدار ما حصل عليه كل عضو على حدة من هذا التحرر من سيطرة المادة.

وعندها أن الإنسان مكون من قنوات كثيرة، وأن العلة الوحيدة في أنه لا يصل إلى مبتغاه من المثل الأعلى في الخلوص من الطبيعة هي أنه حين يتزهد لا ينجح في مراقبة جميع أعضائه، وإنما هو يسيطر على بعضها فقط. فالبعض المتروك هو سبب الرسوب في هوى الطبيعة السحيقة والرزوح تحت أنيارها الثقيلة والرسوب في أغلالها الضيقة.

أما من استطاع أن يخلص كليته بتمامها من سلطان المادة، فإنه يصير إلى نهاية المعرفة فينكشف له ما وراء الحجب ويحيط بأسرار الأقدار ويدرك كل ما تجري به أقلام الغيب وتحصل عنده القدرة الكاملة على قهر الزمان والمكان فينطويان أمامه متى شاء وكيف شاء. ويستطيع أن يختفي عن الأعين وأن يتشكل بأية صورة يشاء وأن يشكل جميع العناصر كما يريد، وأن يحيط بمكنونات أفكار غيره، وأن يظهر في عدة أمكنة في نفس اللحظة، فإذا وصل إلى هذه المرتبة فقد حصل على درجة الغيبوبة وتفانى في الكل الأول، وهذه هي عليا درجات الكون أو غاية اليوجية، ولعل ألطف رد على تلاميذ هذه المدرسة هو ما قاله أحد قواد إحدى الفرق الحربية الإنجليزية في الهند حين سمع هذه الميزات التي يعزوها (اليوجيون) إلى مدرستهم، فقال: ساخراً (إني أظن إن زهاد الهنود إن استطاعوا - كما يزعمون - التغلب على الزمان والمكان والاختفاء عن الأعين واختراق حجب الأقدار

ص: 38

ومعرفة خفايا الأسرار إلى آخر ما يدعون، فإني على يقين من أنهم لا يستطيعون التغلب على رصاص بنادقنا وقذائف مدافعنا).

غير أن نساك اليوجيين قد وجدوا لهذا الاعتراض رداً وهو أن حصول الشخص على الميزة شيء واستعمالها الفعلي الذي ينشأ عنه انقلاب نظام الكون شيء آخر.

ومهما يكن من الأمر، فإن هذه المدرسة تعتبر مثلاً أعلى في التنسك والزهادة وإن كانت تابعة لغيرها في الأفكار والنظريات. ولما كانت تعاليمها المتنسكة تتفق مع طبيعة الهنود وما فطروا عليه من روحانية وميل شديد إلى العزلة، وانعطاف قوي نحو التأمل في أسرار الكون وخفايا الوجود، فقد راجت مبادئها رواجاً عظيماً، واعتنقها خلق كثير، ولا تزال إلى اليوم حية آهلة بالمعتنقين والمريدين.

الفيدانتا

كان هذا المذهب في أول نشأته محصوراً في شرح (الفيدا) وتأويلها وتخريج آياتها المتشابهة، ولكنه بفضل تلك البحوث المستفيضة التي كان زعماؤه يخرجونها حول تلك النصوص العتيدة المغرقة في التعقد أخذ يرتقي شيئاً فشيئاً ويخطو إلى النظر العقلي خطوات واسعة حتى تحول إلى فلسفة نظرية عويصة في عهد (سانكرا) ذلك الفيلسوف العظيم الذي يؤكد الباحثون العصريون أنه لا يقل عمقاً في التفكير ودقة في النظر وغوصاً في بحر الفلسفة المنطقية عن (كانْتْ) و (هيجل) وهما أرقى فيلسوفين في العصر الحديث.

يرى هذا الفيلسوف أن العالم صدر عن الله بطريق الانبثاق، وهو يعود إليه بطريق الجذب، وهذه فكرة قديمة سبق بها الأولون هذا الفيلسوف بزمن بعيد، ولكنها أخذت تتطور بين مباحث هذه المدرسة حتى وصلت إلى حلولية من النوع الراقي، فقررت أن هذا العالم الظاهر ليس هو حقيقة الإله، وإنما هو كائن أدنى محدث، ولكن كل جزئية منه تشتمل على طرف من تلك الحقيقة الإلهية، ولهذا يجب أن يفهم الإنسان أن شخصه الخارجي الذي يشبه غيره في شيء ويختلف عنه في شيء، والذي يولد ويموت ويأكل ويشرب ليس في الحقيقة شيئاً مذكوراً وإنما الذي يجب أن ينظر إليه في شخصه هو الحقيقة الإلهية، لهذا يصح أن يقال له: أنت الإنسان والإله، أنت الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، أنت المشخص و (اللا مشخص). وإذا صرفنا النظر عن الناحية الدنيا فيه، قلنا له: أنت الواحد الأوحد والكل

ص: 39

الأعلى والأول والآخر.

ولما كانت هذه المدرسة تؤسس تعاليمها على أن عالم الظاهر لا يساوي شيئاً كما أسلفنا، فقد احتقرت المعرفة الظاهرية واستخفت بالتجربة والمشاهدات إلى أبعد حدود الاستخفاف وأعلنت أن المعرفة الوحيدة الجديرة بالإجلال هي معرفة الحق الأعلى أو هي ما كان موضوعها الحقيقة الإلهية، وإنها لا تجيء غلا عن طريق الإلهام البصيري الذي يتوصل غليه بالتنسك والرياضة والخلوص من المادة. وأخيراً أعلن (سانكرا) أنه لا يصل إلى (براهمان) إلا من تحققت لديه المعرفة الكاملة وتخلص من جميع علائق المادة، إذ هو في هذه الحالة وحدها يصل إلى درجة الغيبوبة الكاملة أو التفاني في الله أو السعادة الأبدية.

غير أنه لم يكد يعلن هذه الآراء حتى هب المتعصبون من البراهمة يرمونه بأنه بوذي يتقمص جسم براهمي، أو زنديق يرتدي ثوب متدين، لأن النتيجة الأخيرة التي انتهى إليها مذهبه هي نفس زبدة تعاليم البوذية، ثم جعلوا يحاربون مذهبه بكل ما أوتوا من قوة وسلطان حتى قضوا عليه، وكان ذلك موافقاً بالمصادفة لأوان الفتح الإسلامي، فاجتمع هذان العاملان وتكاتفا على قطع هذه السلسلة الفكرية من تاريخ الهند، وعلى بدء تاريخ جديد يبرز للباحثين اثر الإسلام في تلك الأصقاع على صورته الحقيقية.

خاتمة

الطبيعة - الرياضة - المنطق

لا نريد أن نغادر الحديث عن تلك البلاد إلا بعد أن نقرر في صراحة أن الفلسفة بجميع أقسامها: الإلهية والرياضية والطبيعية قد أزهرت فيها إزهاراً فائقاً، وأن المقدمة الضرورية للفلسفة وهي المنطق قد بلغت في مدارسها الحد الكافي للتفلسف الراقي.

فأما الإلهيات فأحسب أن ما مر بك فيها كاف للتدليل على ما نقول. وأما الرياضة بجميع أقسامها فلم تصل في أي بلد آخر - إذا استثنينا مصر - إلى مثل ما وصلت غليه الهند من رفعة وارتقاء. ويكفي أن نصرح بأن الهنود هم أساتذة (فيثاغورس) اكبر رياضي اليونان على الإطلاق، وهم أساتذة العرب في الحساب والهندسة والفلك، بل إن أرقام الحساب المستعملة الآن في العربية هي هندية الأصل.

ص: 40

أما الطبيعة فحسبنا لنبرهن على سابقيتهم فيها أن نعلن أنهم قد وصلوا إلى نظرية (الذر) أو الجوهر الفرد قبل (ديموقريطس) و (لوسيب) أول قائلين بهذا في بلاد اليونان بزمن بعيد، وأنهم قاموا في الكيمياء بتجارب جبارة كلفت الكثيرين منهم الحياة نفسها كما روى التاريخ في عدة نواح من حديثه عن تلك البلاد.

وأما المنطق فهو قديم جداً في المدارس الهندية حتى ليرجعه بعض المؤرخين إلى القرن الثاني عشر. ولا شك أن أصحاب هذا الرأي يجزمون بأن المنطق الهندي هو أساس منطق أرسطو، ولكن البعض الآخر لا يصعد بالمنطق الهندي على سلم الماضي أكثر من عصر المدرسة اليوجية أي بعد عصر ارسطو، ولكن هذا الرأي الأخير غير صحيح، إذ أن المنطق قد وجد بلا شك في مدرسة (سامكهيا) وهي قبل أرسطو بزمن بعيد.

وعلى هذا نستطيع أن نجزم بأن الفلسفة بأكمل معانيها قد وجدت في بلاد الهند. وأن اليونان مدينة لتلك البلاد بكثير من نظرياتها التي يعتقد السطحيون أنها مبتدعة، وبالتالي نصرح أن الهند كانت ولا تزال لبنة هامة، بل حجراً أساسياً في بناء الفكر البشري الراقي ما في ذلك شك ولا ارتياب.

(يتبع)

محمد غلاب

ص: 41

‌للأدب والتاريخ

مصطفى صادق الرافعي

1880 -

1937

للأستاذ محمد سعيد العريان

- 4 -

شاعر الحسن

كلف الرافعي بالشعر من أول نشأته، فما كان له هوى إلا أن يكون شاعراً كبعض من يعرف من شعراء العربية، أو خيراً ممن يعرف من شعراء العربية. . . كان الرافعي واسع الأمل، كبير الثقة، عظيم الطموح، كثير الاعتداد بالنفس؛ فمن ثم نشا جباراً عريض الدعوى طويل اللسان من أول يوم. . . وبهذه الكبرياء الأدبية الطاغية، وبما فيه من الاستعداد الأدبي الكبير، وبما في أعصابه من دقة الحس وسرعة الاستجابة لما تنفعل به بكل أولئك تهيأ الرافعي لأن يكون كما أراد أن يكون، وأن يبلغ بنفسه هذا المكان بين أدباء العربية.

وإذا كان الرافعي قد بدأ شاعراً كما أراد، فما كانت له خيرة في المذهب الذي آل إليه من بعد، ولكنها نوازع الوراثة، وعوامل البيئة، ودوافع الحياة التي كانت تضطرب به وتذهب به مذاهبها.

لم يكن الرافعي يقدر في أيام نشأته الأولى انه سينتهي من الأدب إلى هذه الغاية، وأن الحياة سترده من الهدف الذي يسعى إليه في مملكة الشعر إلى هذا الهدف الذي انتهى إليه في ديوان الأدب والإنشاء. وما كان أحد من خاصته وأصدقائه ليعرف أن الرافعي الشاعر الشاب الذي توزعته الصبابة، وفتنته الحياة، وتقاسمته لذات الصبا، وتعناه الهوى، وتصباه الحب والشعر والشباب - سيكون مكانه في غده هذا المكان في الدفاع عن الدين والذود عن العربية والصيال في سبيل الله. وما كان هو يأمل في مستقبله إلا أن يكون شاعراً تسير إليه في إمارة الشعر منزلة تحمل ذكر فلان وفلان من شعراء عصره.

ومضى الرافعي يسعى إلى غايته في الشعر، وقد تزود زاده من الأدب القديم، ووعى ما

ص: 42

وعى من تراث شعراء العربية. وكان أمامه مثلان من شعراء عصره يمتد إليهما طرفه ويتعلق بهما أمله: هما البارودي وحافظ؛ أما أولهما فكانت له زعامة الشعر، على مفرقه تاجُه وفي يده صولجانه، قد قوي واستحصد واستوى على عرشه بعد جهاد السنين ومكابدة الأيام؛ وأما الثاني فكان في الشباب والحداثة، وكان جديداً في السوق، قد فتنته الشهرة وفتنت به من حوله؛ فأخذ الرافعي ينظر إليه وإلى نفسه، ويوازن بين حال وحال، ويقايس بين شعر وشعر؛ فقر في نفسه أنه هو وهو، وأنهما في منزلة سواء، وأنه مستطيع أن يبلغ مبلغه ويصير إلى مكانه إذا أراد؛ فسار على سنّته وجرى في ميدانه، لا يكاد حافظ يقول: أنا. . . حتى يقول الرافعي: أنا وأنت. . . وما فاته أن حافظاً يغالبه بالشهرة السابقة، ويطاوله بالجاه والأنصار، ويفاخره بمكانه من الأستاذ الإمام، وبمنزلته عند البارودي زعيم الشعراء، وبحظوته عند الشعب؛ فراح الرافعي يستكمل أسباب الكفاح ويستتم النقص؛ فأكد صلته بالبارودي، وعقد آصرة بينه وبين الأستاذ الإمام، ومضى يتحدث في المجالس، وينشر في الصحف، ويذيع اسمه بين الناس. وانتهز نهزة فذهب يستطيل بأنه (شاعر الحسن) وبأن حافظاً لا يقول في الغزل والنسيب. . .!

كانت المنافسة بينه وبين حافظ منافسة مؤدبة كريمة، لم تعكر ما بينهما من صفو المودات، ولم تجن على صداقتهما القوية، فظل الرافعي وحافظ صديقين حميمين، منذ تعارفا في سنة 1900 إلى أن قضى حافظ رحمه الله في سنة 1932.

ليس من همي أن أتحدث عن شعر الشاعرين، أو أقايس بين فن وفن وشاعرية وشاعرية، فقد يبدو لي هنا بعد ما بين المنزلتين في الموازنة بين الرافعي وحافظ في الشعر؛ وما يهمني في هذا الحديث إلا إثبات الصلة بين الرجلين؛ فمن أراد شيئاً وراء هذا فسيجد فيما أثبته هنا مقدمات البحث وهيكل البناء.

في أبان هذه المعركة الصامتة بين الرافعي وحافظ، قدم إلى مصر شاعر كبير لم يكن الرافعي يعرفه أو يسمع به أو قرأ شيئاً من شعره، ذلك هو شاعر العراق الكبير المرحوم عبد المحسن الكاظمي، ونشرت له الصحف غداة مقدمه قصيدة عينية من بحر الطويل، قرأها الرافعي فاستجادها ورأى فيها فناً ليس من فن الشعراء المعاصرين الذين قرأ لهم، فملكت نفسه وبلغت منه مبلغاً، فقرر لساعته أن يسعى إلى التعرف به، ليصل به حبله

ص: 43

ويقتبس من أدبه، وكان الرافعي يومئذ كاتباً بمحكمة طلخا، ففارق عمله بغير إجازة، وسعى إلى لقاء الكاظمي في القاهرة، وهو يمني نفسه بأن يكون بينهما من الود ما يرفع من شأن الرافعي ويجدي على أدبه. وكان في الكاظمي رحمه الله أنفة وكبرياء، فأبى على الرافعي أن يلقاه ورده رداً غير جميل، إذ كان الرافعي يومئذ نكرة في الأدباء، وكان الكاظمي ما كان في علمه وأدبه وشهرته وكبريائه، مع خلته وفقره. واصطدمت كبرياء بكبرياء، وثار دم الرافعي وغلى غليانه، فذهب من فوره فأنشأ مقالة (أو قصيدة، لا أذكر) نال فيها من الكاظمي ما استطاع أن ينال بذمه والزراية عليه والغض من مكانته؛ وما كان الرافعي مؤمناً بما كتب، ولكنه قصد أن يلفت الشاعر إليه بالإنذار والتخويف، بعد ما عجز أن يبلغ إليه بالزلفى والكرامة.

وفعلت هذه الكلمة فعلها في التقريب بين الأديبين، فأتصل الرافعي بالكاظمي وصفا ما بينهما وأخلصا في الوداد والحب حتى لم يكن بينهما حجاب، وحتى صار الرافعي أصفى أصفياء الكاظمي، وصار الكاظمي أشعر الشعراء المعاصرين عند الرافعي، ثم ارتفعت الصلة بينهما عما يكون بين التلميذ والأستاذ، وتصادقا صداقة النظراء؛ حتى أنه لما هم الكاظمي أن يسافر إلى الأندلس في سنة 1905 كتب كتاباً إلى الرافعي يقول فيه:(. . . ثق أني أسافر مطمئناً وأنت بقيتي في مصر. . .).

هؤلاء الثلاثة: البارودي، وحافظ، والكاظمي، هم كل من أعرف ممن تأثر بهم الرافعي من شعراء عصره. أما شوقي، وصبري، ومطران، وغيرهم ممن نشأوا مع الرافعي في جيل واحد فلا أعرف بينه وبين أحد منهم صلة تمتد إلى أيامه الأولى، وما سمعت منه رحمه الله حديثاً يشعر أن صلة خاصة كانت تربطه بواحد منهم في حداثته؛ فلعل عند غيري من أهل الأدب علماً من العلم يكمل هذا النقص ويسد هذه الخلة، فليتفضل من يعرف بنشر علمه مشكوراً على وفائه للأدب والتاريخ.

بدأ الرافعي يقول الشعر ولما بلغ العشرين من عمره، ينشره في الصحف وفي المجلات السورية التي تصدر في مصر، وكانت المجلات الأدبية كلها إلى ذلك الوقت في أيدي السوريين؛ فمجلة الضياء، والبيان، والثريا، والزهراء، والمقتطف، وسركيس، والهلال، وغيرها - كان يقوم عليها جماعة من أدباء سورية: كالبستاني، واليازجي، وصروف،

ص: 44

وجورج زيدان، وسليم سركيس وغيرهم؛ وكانت إليهم الزعامة الأدبية في اللغة والأدب الوصفي والتاريخ، أما أدب الإنشاء فكان قسمة بينهم وبين أدباء مصر.

والآن أدع لصديقي الأديب الأستاذ جورج إبراهيم حنا، أن يتحدث عن الرافعي في أول عهده بالشعر؛ قال:

(بدأت صلتي بالمرحوم الرافعي قريباً من سنة 1900؛ كنت يومئذ أقول الشعر، وكان اسمي معروفاً لقراء مجلة الثريا، ولم أكن اعرف الرافعي أو اسمع به، وكان لأخيه الوجيه سعيد أفندي الرافعي متجر في شارع الخان بطنطا، يستورد إليه النقل والفواكه الجافة من الشام، وكنت زبونه، فذهبت إليه يوماً أشتري شيئاً من فاكهة الشام، إذ كان له بها شهرة وكان بي إليها شوق؛ فلما صرت إليه، لقيت هناك فتى نحيلاً في العشرين من عمره، يلبس جلباباً، جالساً إلى مكتب في المتجر قريب من الباب، فما رآني الفتى حتى ناداني ودعاني إلى الجلوس، ثم قال لي: أتعرف أني شاعر؟ قلت: لا؛ لست أعرف. قال: أنا مصطفى صادق الرافعي، وهذه الكراسات كلها من شعري. وعرض علي بضعة دفاتر كانت على المكتب، ثم استأنف قائلاً: ولكنه شعر الحداثة فهو لا يعجبني؛ سأختار أجوده وأمزق الباقي، وسأطبع ديواني بعد قليل فتعرفني. . .!) قال: (وعرفت الرافعي من يومئذ، وقويت بيننا الصلة حتى صرت أدنى أصدقائه إليه: يقرأ على شعره، ويستمع إلى رأيي فيه، ويستشيرني في أمره. وقد كان أوله كآخره، فما لبثت حتى أعجبت به وأحللته من نفسي أرفع محل من الحب والتقدير).

ظل الرافعي يقول الشعر لنفسه، أو ينشر منه في المجلات الأدبية، أو يقرؤه على أصدقائه. وأصدقاؤه يومئذ صفوة من شباب السوريين في طنطا: منهم الأديب جورج ابراهيم، والصيدلي غلياس عجان، والطبيب تُودرى، وكانوا يتخذون مجلسهم عادة في وقت الفراغ، في صيدلية (كوكب الشرق) بطنطا.

فلما كانت سنة 1903، وعمر الرافعي يومئذ ثلاث وعشرون سنة، نشر حافظ بك إبراهيم ديوانه، وقدم له بمقدمة بليغة كانت حديث الأدباء في حينها وطال الجدل حتى نسبها بعضهم إلى المويلحي. واستقبل الأدباء ديوان حافظ ومقدمة ديوانه استقبالاً رائعاً. وعقدوا له أكاليل الثناء. والرافعي غيور شموس، فما هو إلا أن رأى ما رأى، فعقد العزم على إصدار الجزء

ص: 45

الأول من ديوانه، وما دام حافظ قد صدر ديوانه بهذه المقدمة البليغة التي أحدثت كل هذا الدوي بين أدباء الجيل فإن على الرافعي أن يحاول جهده ليبلغ بديوانه ما بلغ حافظ، وإن عليه أن يحمل الأدباء على أن ينسوا بمقدمته ديوان حافظ.

وصدر الجزء الأول من ديوان الرافعي في الموعد الذي أراد بُعَيدَ ديوان حافظ بقليل، وقدم له بمقدمة بارعة فصل فيها معنى الشعر وفنونه ومذاهبه وأوليته، وهي وإن كانت أول ما نعرف مما كتب الرافعي، تدل بمعناها على أن ذلك الشاب النحيل الضاوي الجسد، كان يعرف أين موضعه بين أدباء العربية في غد. وإذا كانت مقدمة حافظ قد ثار حولها من الجدل ما حمل بعض الأدباء على نسبتها إلى المويلحي، فقد حملت هذه المقدمة الأديب الناقد الكبير الشيخ إبراهيم اليازجي على الشك في أن يكون كاتبها من ذلك العصر، مما يخادع نفسه في قدرة الرافعي على كتابتها. قال الأستاذ جورج إبراهيم:

(لما هم الرافعي أن يكتب مقدمة ديوانه، جاء ألي في جلبابه والحر شديد، فحدثني من حديثه، ثم سألني أن أهيئ له مكاناً رطباً يجلس فيه ليكتب المقدمة. فجلس في غرفة من الدار، ثم تخفف من لباسه. . واقتعد البلاط بلا فرش، وبسط أوراقه على الأرض وتهيا للكتابة؛ فحذرته أن تنال منه رطوبة البلاط في مجلسه الطويل، فقال: لا عليك يا جورج؛ غني لأحب أن أحس الرطوبة من تحتي. . . فينشط رأسي. . . ثم استمر في مجلسه يكتب وليس معه ولا حواليه من وسائل العلم إلا قلمه وأوراقه، حتى فرغ من المقدمة في ساعات. . .

قال: (فلما تم طبع الديوان أهدى نسخة منه فيما أهدى إلى العلامة الشيخ إبراهيم اليازجي، والشيخ اليازجي يومئذ أديب العصر وأبلغ منشئ في العالم العربي. وكان الرافعي حريصاً على أن يسمع رأي الأستاذ اليازجي في شعره وأدبه، ومضى زمان ولم يكتب اليازجي، على حين تناولت كل الصحف والمجلات ديوان الرافعي ومقدمته بالنقد أو التقريظ، واحتفل به المؤيد احتفالاً كبيراً فنشر مقدمته في صدره، والمؤيد يومئذ جريدة العالم العربي كله.

قال: (واستعجبت أن يهمل أستاذنا اليازجي هذا الديوان فلا يكتب عنه، واغتم الرافعي لذلك غماً شديداً، إذ كان كل ما يكتب الأدباء في النقد لا يغني عن كلمة يقولها اليازجي. فذهبت أسأله، فقال لي: أنت على ثقة أن هذه المقدمة من إنشاء الرافعي؟ قلت: هو كتبها بعيني فما

ص: 46

أشك في ذلك. قال اليازجي: وأنا ما أبطأت في الكتابة عن الديوان إلا من الشك في قدرة هذا الشيخ على إنشاء مثل هذه المقدمة؛ فأنا منذ أسبوعين أبحث عنها في مظانها من كتب العربية. . . قلت: يا سيدي، إنه ليس بشيخ، إنه فتى لم يبلغ الثالثة والعشرين. . .).

وكتب اليازجي بعد ذلك في عدد يونيو سنة 1903 من مجلة الضياء في تقريظ الجزء الأول من ديوان الرافعي ما يأتي:

(. . . وقد صدره الناظم بمقدمة طويلة في تعريف الشعر، ذهب فيها مذهباً عزيزاً في البلاغة، وتبسط ما شاء في وصف الشعر وتقسيمه وبيان مزيته، كلام تضمن من فنون المجاز وضروب الخيال ما إذا تدبرته وجدته هو الشعر بعينه. . .).

ثم انتقد الأستاذ اليازجي بعض ألفاظ في الديوان، وعقب عليها بقوله:

(. . . على أن هذا لا ينزل من قدر الديوان وإن كان يستحب أن يخلو منه، لأن المرآة النقية لا تستر أدنى غبار، ومن كملت محاسنه ظهر في جنبها اقل العيوب؛ وما انتقدنا هذه المواضع إلا ظناً بمثل هذا النظم أن تتعلق به هذه الشوائب، ورجاء أن يتنبه إلى مثلها في المنتظر، فإن الناظم كما بلغنا لم يتجاوز الثالثة والعشرين من سنيه، ولا ريب أن من أدرك هذه المنزلة في مثل هذه السن، سيكون من الأفراد المجلين في هذا العصر، وممن سيحلون جيد البلاغة بقلائد النظم والنثر).

بلغ الرافعي بالجزء الأول من ديوانه مبلغه الذي أراد، واستطاع بغير عناء كبير أن يلفت إليه أنظار أدباء عصره. ثم استمر على دأبه، فاصدر في سنة 1904 الجزء الثاني من الديوان، وفي سنة 1906 أخرج الجزء الثالث، وفي سنة 1908 الجزء الأول من ديوان النظرات؛ ومضى على سنته، معنياً بالشعر، متصرفاً في فنونه، ذاهباً فيه مذاهبه، لا يرى له هدفاً إلا أنه يبلغ منزلة من الشعر تخلد اسمه بين شعراء العربية.

وتألق نجم الرافعي الشاعر، وبرز اسمه بين عشرات الأسماء من شعراء عصره براقاً تلتمع أضواؤه وترمي أشعتها إلى بعيد؛ ولقى من حفاوة الأدباء ما لم يلقه إلا الأقلون من أدباء هذه الأمة، فكتب إليه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده يقول:

(. . . أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق به الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان الأوائل).

ص: 47

وكتب المرحوم الزعيم مصطفى كامل باشا يقول:

(. . . وسيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي قال الناس: هو الحكمة العالية مصوغة في اجمل قالب من البيان).

وكتب حافظ، وقال البارودي، ونظم الكاظمي، وتحدثت الأدباء والشعراء ما تحدثوا عن الرافعي الشاعر. وظل هو على مذهبه ذاك حتى سنة 1911، ثم تطورت به الحياة، وانفعلت أعصابه بأحداث الأيام، فانحرف عن الهدف الذي كان يرمي إليه من الشعر، وتوجه وجهة جديدة في الأدب سنتحدث عنها بعد.

ليس كل شعر الرافعي في دواوينه، وليس كل ما في دواوينه يدل على فنه وشاعريته؛ فالجيد الذي لم ينشر من شعر الرافعي أكثر مما نشر؛ وقد كان في نية الرافعي لو أمهلته المنية أن يتبرع لشعراء اليوم بأكثر ما في دواوينه، ثم يخرج منها ومما لم ينشر ديواناً واحداً مهذباً مصقولاً، ليقدمه هدية منتقاة إلى الأدباء والمتأدبين، ولكن. . . ولكن الموت غاله فبطل أمله وبقي عمله تراثاً باقياً لمن يشاء أن يسدي يداً إلى العربية يتم بها صنيع الرافعي.

لم ينقطع الرافعي عن الشعر بعد تلك الفترة ولكنه لم يقتصر عليه، وسنتحدث عن ديوان الرافعي الذي لم ينشر حين تحين الفرصة للحديث عن أعماله الناقصة التي لم تتم، فحسبي الآن وإلى اللقاء في الأعداد المقبلة.

(سيدي بشر)

محمد سعيد العريان

ص: 48

‌نقل الأديب

للأستاذ محمد اسقاف النشاشيبي

160 -

هذه الصلة وأنا العائد

قال القاضي ابن خلكان: كان الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل عالي الهمة، حازماً، شجاعاً، مهيباً فاضلاً، جامعاً شمل أرباب الفضائل، محباً لهم، وكان يحب الأدب كثيراً، وله رغبة في فنه، وكان قد شرط لكل من يحفظ (المفصل) للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة، ولم اسمع بمثل هذه المنقبة لغيره، وكان من النجباء الأذكياء: مرض أبو المحاسن محمد بن نصر (الوزير والشاعر الشهير) فكتب إليه:

انظر ألي بعين مولى لم يزل

يولي الندى وتلاف قبل تلافي

أنا كالذي احتاج ما يحتاجه

فاغنم ثوابي والثناء الوافي

فجاء (الملك) بنفسه إليه يعوده ومعه صرة فيها ثلاث مائة فقال: هذه الصلة وأنا العائد. وهذه لو وقعت لأحد من أكابر النحاة ومن هو في ممارسته طول عمره لاستعظم منه.

161 -

القيام عند ضرب النوبة

في (نزهة الجليس): قال العلامة السيد محمد كبريت المدني: سبب قيام آل عثمان عند ضرب النوبة أن السلطان علاء الدين السلجوقي لما شاهد عزم السلطان عثمان وعلم قابليته في فتح أطراف البلاد تلك البلاد أكرمه وأمده. وبعث إليه الراية السلطانية والطبل والزمر ووسمه باسم السلطنة تقوية ليده وشداً لعضده. فلما وصل إليه ذلك، وضربت النوبة بين يديه قام عند أول سماعه لها على قدميه تعظيماً لذلك. فهم يقومون عند ضرب النوبة إحياء لتلك السنة.

162 -

المال ناموس الملك

في (المنهج المسلوك في سياسة الملوك): قد كان يقال: المال ناموس الُملك تظهر به هيبته، وتقوى أبهته. حكى أن سابور ملك الفرس اتخذ أعمدة وقواعد من الذهب، وجعلها على باب خزانة المال يجلس عليها الخزنة وغيرهم، فعظم بذلك عند نظرائه وأهل مملكته، فلما أفضت المملكة إلى ولده جعل يفرق الأموال ويسرف في العطايا، فلما نفدت الأموال أخذ

ص: 49

تلك الأعمدة وسبكها فوجدها مجوفة قد ملئت رملاً فذهب حينئذ ناموسه، وقلت هيبته عند أهل مملكته حين علموا سر هذه الأعمدة. فلهذه المعاني يجب حفظ المال والاحتياط عليه.

163 -

فقر أدى إلى مصالح الرعية

في (كتاب غرر ملوك الفرس وسيرهم): كان كيقباذ يقول: ليس غرضنا فيما نحتفل من أصناف الزين بالقصور المشيدة والفرش الممهدة والملابس الفاخرة والأطعمة الملونة إلا تزيين أمر المملكة، وتفخيم أسبابها في أعين الناظرين إليها والواردين من النواحي عليها، دون الانهماك في الشهوات، والاستكثار من اللذات. وجدوي شأن المملكة وإقامة مروءاتها عائدة عليها بالمصلحة، وما أدى إلى مصلحتها فقد أدى إلى مصالح الرعية.

164 -

إمارات القيام، يا غلام هات الطعام

في (التاج ومحاضرات الراغب): كان لكل ملك أمارة يستدل بها أصحابه إذا أراد أن يقوموا عنه، فكان اردشير إذا تمطى قام سماره. وكان الأردوان الأحمر، وله وقت من الليل وساعات تحصى فإذا مضت جاء الغلام بنعله فقام من حضره. وكان كيشاسف يدلك عينيه، ويزدجرد يقول:(شَبْ بِشُدْ) وبهرام يقول: (خُرّمْ خُسْفاذ)، وسايور يقول: حسبك يا إنسان. وقباذ يرفع رأسه إلى السماء، وأبرويز يمد رجليه. وأنوشروان يقول: قرت أعينكما! وكان عمر يقول: قامت الصلاة. وعثمان يقول: العزة لله. ومعاوية يقول: ذهب الليل. وعبد الملك يقول: إذا شئتم. والوليد إذا قال: أستودعكم الله. والهادي إذا قال: سلام عليكم. والرشيد يقول: سبحانك اللهم وبحمدك. والمأمون إذا استلقى على فراشه. والمعتصم إذا نظر إلى صاحب النعل. والواثق إذا مس عارضيه وتثائب.

وحكي عن بعض البخلاء أنه سئل: ما إمارتك لقيامنا؟ قال: قولي: يا غلام، هات الطعام. . .

165 -

الصبر

الصابي: مآرب الناس منزلة بحسب قربها من هزل أو جد، ومرتبة على قدر استحقاقها من ذم أو حمد، وإذا وقع التأمل عليها والتدبر لها وجد أولاها بأن تعده الخاصة نزهة وملعباً، والعامة حرفة ومكتسباً - الصيد الذي فاتحته طلاب لذة ونظر، وخاتمته حصول مغنم

ص: 50

وظفر، وقد اشتركت الملوك والسوقة في أستجماله، واتفقت الشرائع المختلفة على استحلاله، ونطقت الكتب المنزلة بالرخصة فيه، وبعثت المروءات على مزاولته وتعاطيه، وهو رائض الأبدان، وجامع شمل الإخوان، وداع إلى اتصال العشرة منهم والصحبة. وموجب لاستحكام الألفة بينهم والمحبة.

166 -

العامل (الوالي) النصراني في الدولة الإسلامية

في (كتاب التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق) للبطريك سعيد بن بطريق: ولى المأمون (وهو في مصر) بكام النصراني عمل بورة وما حولها. وكان بكام إذا كان يوم الجمعة لبس السواد وتقلد بالسيف والمنطقة، وركب وبين يديه أصحابه، فإذا بلغ المسجد وقف ودخل خليفته وكان مسلماً يصلي بالناس ويخطب باسم الخليفة ويخرج إليه.

167 -

من نبأ الورقاء أن محلكم حرم

قال أبو المحاسن شرف الدين محمد بن نصر الدين: أنه حضر درس الإمام فخر الدين الرازي يوماً وهو يلقى الدروس في مدرسته بخوارزم ودرسه حافل بالأفاضل واليوم شات وقد سقط ثلج كثير، فسقطت بالقرب منه حمامة وقد طردها بعض الجوارح، فلما وقعت رجع عنها الجارح خوفاً من الناس الحاضرين فلم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد فلما قام الإمام فخر الدين وقف عليها ورق لها وأخذها بيده، قال شرف الدين:

فأنشدته في الحال:

يا ابن الكرام المطعمين (تبرعا)

في كل مسغبة وثلج خاشف

العاصمين إذا النفوس تطايرت

بين الصوارم والوشيح الراعف

من نبأ الورقاء أن محلكم

حرم وأنك ملجأ للخائف

وفدت عليك وقد تدانى حتفها

فحبوتها ببقائها المستانف

لو أنها تحبي بمال لانثنت

من راحتيك بنائل متضاعف

168 -

ارقص للقرد في زمانه

في (وفيات الأعيان): لما ولى جلال الدين الزينبي الوزارة دخل عليه هبة الله بن الفضل بن القطان - الشاعر المشهور - والمجلس محتفل بأعيان الرؤساء، وقد اجتمعوا للتهنئة

ص: 51

فوقف بين يديه ودعا له، وأظهر السرور والفرح، ورقص.

فقال الوزير لبعض من يفضي إليه بسره: قبح الله هذا الشيخ فإنه يشير برقصه إلى ما تقول العامة في أمثالها. أرقص للقرد في زمانه.

ص: 52

‌رسالة الشعر في ظلال الأرز

للأستاذ امجد الطرابلسي

قلبيَ يا ابن الفناء! ماذا

يُصِيبكَ في هيكلِ الخلودِ؟

أيُّ جمالٍ تَراه يبدو

يا قلبُ في مَقْبَرِ العهود؟

وأيُّ لحنٍ هناك يشدو

به وُجومُ المدي البعيد

أراكَ يا أيُّها المُعَمَّى

في الأرض كالهارب الطّريد

تَفِرُّ من نَقمةِ البرايا

وتَتَّقي زحمةَ الوجود

تمشي على هامش الفَيافي

مُجتنباً رنّةَ القُيود

مُلْتمساً ملجأً بعيداً

عن الوشاياتِ والحُقود

كالوحش ليستْ تَقَرُّ عيناً

إلا ببيداَء خلفَ بيدِ

بالأمسِ في بَعْلَبَكَّ، ذكرى ال - زّمانِ من عِزِّهِ التَّليد

قمتَ على رسمها تُغَنَّى

غناَء مُستوحشٍ عَميد

غنيّتَها رائع المعاني

يميسُ في أجملِ البُرود

واليومَ في الأرْز يا فؤادي

وغابِهِ الأعطرِ البَرود

في حِضْن لُبنانِهِ المُوشّى

وعرسِه الضاحكِ السعيد

تُجَنّ في بَحْرِكَ القوافي

كالموجِ في الزّاخرِ المديد

ويحكَ يا قلبيَ المُدَوي!

يا نبعةَ الحبّ والقصيد

درُّك صُنْهُ ولا تبدِّدْ

يتيمَهُ البكرَ في الصّعيد

كَرِّمْهُ يا قلبُ فهو أغلى

من الدّمِ الطاهرِ الشهيد

تَعَوَّدِ الصمتَ فهو أولى

بالحرّ في دولة العَبيد

خيرُ صلاةِ الحزين دمعٌ

يَفيضُ من ناظرٍ شَرود

يا أَرْزَ لبنانَ! يا مُصَلى

ما فاتَ من غابرِ العهودِ

أليسَ في دوحِكَ المُعَلىّ

أَرائِكُ الأَعْصُرِ الهُجودِ؟

تَفَيَّأَتْ ظلَّه وأغضتْ

من بعدِ إعيائِها الشَّديدِ

يا مريضَ الثلج يا مَحَطَّ ال - نُّجوم يا مأمنَ الشَّريدِ!

ص: 53

بِنْتَ وَحَوَّمْتَ في الأعالي

نَسراً تَحرّى ذُرى الفُنودِ

تُرى تَعاليتَ عن مُناخ ال - نفّاقِ والذلِّ والسّجود؟

أمْ قَدْ تَرَفَّعتَ عن فَناءِ ال - وَرى فأمعنتَ في الصّعودِ؟

يا أرزُ لا تظلمِ البرايا في دهرِها المُنجِبِ المُبيدِ!

ما أجدرَ الناسَ بالتَّحَني

لا بالزِّرايات والصُّدود!

وا رحمتا للورى جميعاً

من حَمَلٍ أعزلٍ وسِيد!

وا رحمتا للورى جميعاً

الموقِدِ الشَّرَّ والوَقود!

والآسرِ الخلق والأسارى

والحاسدِ النّاسَ والحسيدِ!

إيهِ أُولُمْبَ العصورِ! ماذا

لدَيْكَ عن أعصرِ الجُدود؟

لعلّ أدواحَكَ الرواني

مثلُ أبي الهَولِ في الجمود

نسألها، والسكوتُ دوماً

خيرُ جوابٍ لها سَديدِ

هاتِ الأحاديثَ عن (عَبيدٍ)

وعن (كُلَيْبٍ) وعن (لَبيد)

ونسرُ (لُقمانَ) ما دهاه

من بعدِ عُمرٍ له مديد؟

أيُّ الأساطيرِ نَسَّقَتْها

قريحة الشاعرِ المُجيدِ

وأيُّها قد شهدتَ حَقاً

في الزَّمَنِ الغابر التليدِ

وأيُّها نَسْجُ أُمّهاتٍ

في الّليلِ حولَ الصَّلى قُعودِ

يَقْصُصْنَها للبنينَ شغلاً

لهم عن اللِّعب والهُجودِ

يا ليتَ شعري! وأين شعري

من ظُلُماتِ المدى البعيد؟

لعلَّ أمس الحياةِ شطرٌ

من قَصَصِ الجَدِّ للحفيدِ!!

مددتُ كفّي أُصوِّرُ اسمي

في صفحةِ الأرزةِ الهَجودِ

فارتعشتْ باليراع كفي

واحترقتْ في دمي جُهودي

ويلي! أَأَنْعى إلى وُجودي

بأحرفٍ من يدي وجودي؟

أينَ (لَمَرْتين) أين (جُوليا)

هل عنهما اليوم من مُفيد

سلْ عنهما الدودَ في ثراه

إن ضَنَّ غولُ الرّدى بدُودِ

أمسِ على قربِهِ إلينا

أشدُّ قُرباً إلى ثمودِ

ص: 54

إيه لمرتينُ يا صديقي!

يا شاعر المأمل الفقيد!

يا صرخةَ الناي في الليالي! ونفحةَ الزهرِ والورود!

وهتفةَ البلبلِ المُعَنَّى!

وبسمةَ البرعمِ الوليد!

يا شاعري! متَّ غيرَ نَقْشٍ

عَزَّ على الموتِ واللُّحودِ

خلَّفتَهُ لِلْحجيجِ دُنيا

من التَّصاويرِ والوُعودِ

يَرِفُّ كالزَّنبقِ المندَّى

في جَبْهَةِ الأرزِة الوَدودِ

يضحكُ للزّائرين اُنساً

بِهِمْ وَيَفْتَرُّ للوُفودِ

نَقَشْتَهُ لاهياً شَغيلاً

عَنِ الفُجاءاتِ والنُّكودِ

و (جولِيا) غِرَّةٌ لَعوبٌ

خَفَّاقَةُ الحُلْمِ والنُّهودِ

بسّامَةُ الطرفِ والأماني

ضحَّاكة الثّغرِ والخُدودِ

تضحكُ في نَومِها وتَعدوا

خلفَ الفَراشاتِ في النجودِ

تناغِم الطيرَ ليس تدري

ماذا وراَء الغَدِ الصيَّيودِ

ماذا لدى الغيبِ من هَدايا

أَو نُوَبٍ كالظّلامِ سودِ

كم عَبْرةٍ تَعقبُ ابتساماً

ومأتمٍ نامَ خلفَ عِيد

خَطَّتْ حروفَ اسمِها غروراً

تحتَ اسمكَ الخالدِ المَجيدِ

أملةً أن تعودَ يوماً

فتقرأَ الخطَّ منْ جَديد

ما أخيبَ العمرَ للأماني!

وألعبَ الدهرَ بالجُدود!

وأوسعَ القلبَ في صباه!

وأقربَ القبرَ للمهود!

خطَّتْ وخطَّ القضاءُ سَطراً

في لوحِهِ المُفْعَمُ الرَّصودِ

أمسكها الموتُ لم يدعْها

تعودُ للموكنِ المَشيدِ

غاضَرَها والصِّبا غَريضُ

بلا ضَجيجٍ ولا وَعيد

بعيدةَ الحصَّبِ والمغاني

غَريبةَ الدار والشُّهودِ

إيه (لمرتين)! أيّ كنزٍ

من الحشاشاتِ والكُبودِ

أودعتَهُ أرضَنا بَليلاً

بدمعِكَ المُسْبَلِ البَديدِ

هديةُ الشاعرِ المعنّى

لموطنِ الشعرِ والخُلودِ

ص: 55

فريدةٌ بِعتها بجرحٍ

في القلبِ مُسْتَعبِرِِ فَريد

وعدتَ من بعدها وحيداً

يا لوعة الشاعرِ الوحيد!

تضربُ: بين الربى البواكي

كالزورقِ التائِهِ الشَّريد

قيثارةً: تُرسِلُ الأغاني

من مِزَقِ القلبِ والوَريد

تَنوحُ في هدأةِ الليالي

وفي الأعاصيرِ والرُّعود

لِلّهِ يا شاعري دموعٌ

ذرفتَ كاللُّؤلُؤِ النَّضيدِ

ما فَتِئَتْ في الْخُطوب تَحنو

على جراحاتِ ذا الوُجودِ

هلاّ حبستَ النُّواحَ قهراً

للزَّمَنِ الشّامِت الحقود

ما زالَ هذا الزمانُ خَصماً

للعبقريِّينَ والبُنود

دَع لاهبَ الجُرحِ في الحنايا

يأتكلُ الصَّدرَ كالوقودِ

فأسبلْ على وَقْدِهِ سُتوراً

من البَشاشاتِ والسُّعودِ

غَلِّفْ جِراحاتِكَ الدّوامي

بِبَسْمَةِ الساخِرِ الجَليد

وكنْ على صولةِ الرَّزايا

أَعندَ من دهركَ العَنيد

هذا هو المجدُ لا دموعٌ

تُسَحُّ فوقَ الثرى المَجودِ

تضحكُ من سَكبها البرايا

في عرسِلها الناعم الرَّغيد

أَوَّاه! مالي أُريقُ شِعري

دماً على مذبحِ الجُحود؟

أنتَ عزائي وأنتَ روحي

فعدْ إلى القلبِ يا نشيدي؟

(دمشق)

امجد الطرابلسي

ص: 56

‌تَردُّد.

. .

أنت يا ليلى مُنًى جنَّحها

حلم الحب الجميل الناضر

أنت في فجر حياتي نجمةً

قد أضاءت غيهباً في خاطري

قد تأملتك دهراً، خاشعاً

أتم النور بطرف حائر

ويراني من يراني هائماً

غير أني في صباح سافر

أنت كالجدول يجري هانئاً

هازجاً ينشد لحن الطائر

وأنا الطائر في أحنائه

نغم الحب الحنون الساحر

رددي يا ليل لحني واذكري

أنه ذوْبُ فؤاد صابر

من ترى يعرف أحلام الندى

غير من فازوا بحب ظافر

من ترى يعرف أسرار الربى

وزهور الحقل غير الشاعر

قد ملأتِ للكأس من خمر الهوى

فاسكبيه في فؤاد ثائر

(السلط)

حسني فريز

ص: 57

‌رسالة الفن

رفائيل

الفنان أبداً

للدكتور أحمد موسى

وله صورة أخرى للمادونا مؤرخة سنة 1506 وهي مسماة (مادونا ديجلي أنسيدى) محفوظة بجاليري لندن، وغير ذلك صورة للعائلة المقدسة محفوظة ببينا كوتيك ميونيخ وهي صورة منظمة تنظيماً سيمتريكياً جميلاً، غير أن روعة تصويره لعلاقة الأم بالابن لم تكن على درجة من الجودة، كتلك التي عهدناها في صوره الأخرى، وغير ذلك من صور المادونا ما هو محفوظ ببرلين وميونيخ، وبانجلترا لدى اللورد كومبر وبمنزل بردج واتر بلندن، كما أن له صورة مشهورة بإنشائها المجيد وهي المادونا (الديلويم) وقد توسطت الصورة، وعن يمينها يسوع الطفل قد أخذه النوم بينما هي ترفع عن وجهه القناع بيمناها لتمكن يوحنا الطفل من مشاهدة يسوع، وقد ركع يوحنا أمامه وكمال الخشوع بادٍ على وجهه وجمال النقاوة يغمر محياه وهي تسنده بيسارها.

والمادونا إلبا بمتحف بطرسبرج ومادونا الدوبرانديني بلندن تسجلان تطور رفائيل واتجاهه اتجاهاً لا يعد جديداً من الناحية الفنية؛ ولكنه يعد عظيماً من الوجهة الدراسية.

هذا ولا تنس أن تذكر أن من بين صور المادونا ما أثار إعجاب مؤرخي الفن بالإجماع، من ذلك مادونا دي فوليجنو (1511) بجاليري الفاتيكان، ومادونا ديلبيسكا (بمتحف برادو في مدريد) ومادونا ديلتندا بميونيخ ومادونا كولديفينو أمورا بنابولي ومادونا ديلليمباناتا بقصر بيتي بفلورنس.

ولقد وضع تصميم صور للعائلة المقدسة وترك إكمالها لتلامذته وأشهر هذه الصور بمتحف برادو بمدريد (؟) وهي المسماة لا بيرله وفيها ظهر بدع تعبير للأمومة في أسمى معانيها والحب في أبلغ مظاهره.

أما للفن الخالص فله أروع صورة للمادونا وهي المسماة

ص: 58

(مادونا دي سان سيستو) أو المادونا السكستينية. وعلى

هذه اللوحة الرائعة التي بلغ طولها 652 متر وعرضها 961

متر والتي يغلب الضن أنه صورها سنة 1515 يتجلى أعظم

ما وصل إليه رفائيل من الإنتاج الفني الخالد الذي سجله

التاريخ بمداد من نور؛ فترى العذراء (ش1) قد اعتلت الغيوم

كملكة للسماء حاملة يسوع الطفل بين ذراعيها وقد تأبطته

يمناها، وبكل حنان أسندت ساقيه بيسراها. أما الوجه فهو أنبل

ما استطاع فنان إخراجه. وفي الجهة اليسرى للصورة القديس

سكستس الثاني وهو ينظر إلى يسوع نظرة التقديس المملوءة

بكل ما أوتي رفائيل من قوة العبادة التي ملأت قلبه، وفي

الجهة اليمنى منها القديسة بربارة. وعند قدمي العذراء ترى

ملاكين يفيضان ببراءة الطفولة ووداعتها اللتين تمتلكان جميع

الحواس لكثرة ما فيهما من الصفاء والنقاء.

وقد عملت هذه الصورة خصيصاً لكنيسة دير بيارسوا، واشتراها القصر السكسوني سنة 1753 بحوالي عشرة آلاف جنيه إنجليزي في وقت كانت قيمة الجنيه فيه تعادل عشرة جنيهات في الوقت الحاضر.

وتنفرد جاليري درسدن وحدها بامتلاك أعظم قطعة لرفائيل ولذلك تسميها (درة الجاليري) بعد حصولها عليها من القصر السكسوني.

وبهذا تكون معظم صوره لمادونا قد انتهت، وله غير ذلك صورة تمثل زواج ماريا بيوسف

ص: 59

(ش2) سنة 1504 وأسماها سبوساليتزيو محفوظة بميلانو وصورة القديس جورج يقتل التنين (باللوفر) وهي مصورة سنة 1506.

والقطعة التي يتجلى فيها حبه وهيامه بالموسيقى، وقد أظهرت أستاذيته في الفن وعظمته في الإنشاء التكويني فضلاً عن التوفيق الكامل في اختيار الألوان ومزجها وإيجاد الانسجام المثلي بينها. هذه هي صورة القديسة سيسيليا (ش3) وحولها ثلاثة تلاميذ (بولس ومجدلين ويوحنا) والقديس جيمينيانوس صورها سنة 1513 تلبية لطلب الكردينال لورنسوبوتشي لأجل سان جيوفاتي في مونتابولونا (محفوظة ببيتا كوتيك بولونا) وقد اهتم بتصوير تفاصيلها اهتماماً خاصاً حتى أنك لترى أنه على صغر مساحتها نسبياً إلى ما شملته في دقة رائعة وبراعة فائقة. فالملائكة في السماء وآلات الموسيقى على الأرض وتفاصيل الملابس والوجوه وما ارتسم على كل منها يبين لنا إلى حد بعيد مدى المقدرة العظيمة التي أظهرها في هذه القطعة.

وله صورة هامة صورها لكنيسة ماريا ديللوسباسيمو في سنة 1517 والتي حازها فيليب الرابع ملك أسبانيا من نفس السنة تبين (حملة الصليب) وهي محفوظة بمتحف برادو بمدريد (؟) وتشمل ستة عشر وجهاً كبيراً بين نساء ورجال عدا رؤوس الخيول وبعض الناس في مؤخر الصورة وهي رائعة الإنشاء التكويني والموضوعي، ترى فيها الوجوه التي طغى عليها اليأس والقنوط إلى وجوه قد انعكس عليها ما في قلوب أصحابها من حقد كمين على المسيح. وهناك في برادو صورة أخرى لماريا (البحث عن المأوى) وغير ذلك صورة العائلة المقدسة تحت شجرة البلوط. وله في سنة 1518 صورة رسمها للملك فرانس يوسف الأول ملك فرنسا وأسماها (القديس ميخائيل يحارب الشيطان بالسفود) باللوفر. وهناك بعض صور أخرى عملها في بدئ حياته الفنية، كما أن هناك عدد غير يسير من اللوحات صورها بعد الذي ذكر، وكلها يضيق المقام عن ذكره، وبذلك ينتهي إنتاج هذا الفنان الخالد من الناحية الدينية وصور غير هذا كله صوراً شخصية لنفسه ولغيره، ومن أهم ما يجب ذكره هنا ما صوره أثناء إقامته بفلورنسا، وهو صورته لصديقه انجيولو دوني وزوجته مادلينة ستروزي دوني (1505بفلورنسا) وصورته لنفسه بفلورنسا أيضاً. أما صوره أثناء أقامته في روما فاهمها صورة البابا يوليوس الثاني جالساً على كرسي ذي

ص: 60

مسند مرتفع محفوظة بفلورنسا ومنها نسخة جيدة منقولة عنها ومحفوظة بلندن، وصورة الكردينال توماس انجرامي (محفوظة بفلورنسا) والصورة النصفية لشاب هو بيدو التوفيتي وقد كان يظن أنها صورته الشخصية إلى وقت ليس ببعيد (محفوظة بميونيخ) وصورتاه دونَّا بيلاتا ودونَّا جرافيدا (بفلورنس). وصورته المزدوجة لشخصين هما بيازّانو ونافاجيرو (بروما).

وبعدئذ وأخيراً صورته المجموعية للبابا ليو العاشر مع الكردينال جيليودي موتيشي ودي روسي (قصر بيتي بفلورنسا).

ولقد حاول العمل أيضاً كمعماري ووصل إلى حد لا بأس به وأنتج إنتاجاً جديراً بالذكر هنا، حيث وضع تصميماً لكنيسة بطرس روما، وقد كلف بعض المختصين بعمل أنموذج مصغر منه أثار إعجاب معاصريه.

هذا مجمل قصة رفائيل سيانتي الذي مات في سن السابعة والثلاثين، ونحن إن ذكرنا هنا إنتاجه القيم دون تعمق في نقد مصوراته ولوحاته فإن هذا راجع لسببين أولهما ضيق المجال وثانيهما إننا لا نرغب في أن تكون دراساتنا جامعية، بل نكتفي بأن نذهب بذوق القارئ إلى السمو ونضع نصب عينيه أن الفن في مصر ضعيف وأن الذين يقومون بالهيمنة عليه ليسوا ممن تخصصوا في الفن علمياً وأن واجب الحكومة وواجب الشعب هو الالتفات إلى ما في هذا الاتجاه الخاطئ من خطورة على تهذيب النشء والسمو بذوقهم ونحن نعتبرهم رجالاً للمستقبل.

وإنه لمما يثير عندنا الدهشة والاستغراب أن وزارة المعارف في الوقت الذي لا تبيح فيه اشتغال تمورجي بالطب ولا تسمح لكاتب محام بالاشتغال بمهنة المحاماة تسمح بملء إرادتها أن يهيمن على الفن وعلى دراسته العلمية والثقافية غير من تخصص في دراسته التاريخية والفلسفية.

أحمد موسى

ص: 61

‌القصص

رجل البيت

للأديب عبد الحميد جوده السحار

دق جرس الباب فأسرعت نعمات هانم لتفتح لزوجها كما هي عادتها في أول كل شهر فما كادت ترى وجهه حتى بادرته

- استلمت المرتب طبعاً. . . سلمه بدورك

فقال لها وهو يدخل:

- انتظري حتى أدخل وأستريح. . . انتظري قليلاً

- لا. . . هاتها. . . أمدد يدك في جيبك. . . أوه. . . أسرع

وضع حسن أفندي يده في جيب سترته الداخلي وهو يتململ وأخرج رزمة من الأوراق المالية ووضعها في يد زوجته التي كانت ممتدة إليه تنتظر أوراق البنكنوت. استلمت نعمات هانم مرتب زوجها فنادت ابنها حسونة ثم ابنتها فيفي وهي سائرة إلى جوار زوجها وكان متجهاً نحو غرفته ليغير ملابسه. لبى حسونة وفيفي النداء وسارا وراء والديهما ودخل الجميع غرفة الوالد فقالت نعمات هانم:

- خذ يا حسونة نقودك. . . وأنت يا فيفي. . . خذي هذا وأخذت تعد - واحد. . . اثنان. . . ثلاثة. . . أربعة. هذا للبقال. . . واحد ونصف هذا للخباز. . . واحد. . . اثنان. هذا للجزار. . . أوه. . . آسفة يا حسن بك. . . نسيت أن أعطيك مصروفك. خذ ولا تحزن. . . واحد. . . اثنان. . . ثلاثة. . . ونصف. . . هذا أجر المنزل وبقيت في يدها بضع أوراق مالية فطوتها وقالت: هذا للخياطة طبعاً

فرفع زوجها رأسه وقال:

- كل هذا للخياطة. . . لا لا. . . هذا إسراف. . . لا أقـ. .

- هذا للخياطة والتنزه والملحقات. . . سنشتري أنا وفيفي أقمشة للصيف ونرسلها إلى الخياطة. . . مسكينة فيفي إنها لا تملك إلا تسعة فساتين فقط

فقال حسونة: ولكن يا ماما. . . أنا محتاج إلى بذلة جديدة

- أوه حسونة. . . الشهر الآتي يا حبيبي

ص: 62

ونظر حسن أفندي إلى حذائه البالي وسترته التي تغير لونها وهم بالكلام ولكنه فضل السكوت لأنه كان يعلم جيداً أن لا فائدة من الكلام.

انتقلت العائلة إلى غرفة المائدة لتناول الغداء، فأخذ حسن أفندي ككل أول شهر ينتقد العمل في الحكومة ويصف الحكومة بمقبرة الكفايات ويعلم الله أن حسن أفندي هذا لا يصلح لأي عمل حكومي أو غير حكومي فهو متردد ضعيف العزيمة ولا يحسن غير الخط. التحق بالحكومة من عشرين سنة أيام أن كان كل من يستطيع القراءة والكتابة يلتحق بها. يعتقد أنها نابغة وأنه لو كانت الإجازات موجودة في أيامه لحصل على أعلى الدرجات. ثم قال: التحق اليوم بوزارتنا موظف جديد متخرج من كلية التجارة وجاءت قرعته في مكتبي فناولته حساباً بسيطاً ليتمه، وقدم إلى الحساب فلم أفهم منه حرفاً. مسكين هذا الشاب إنه اتبع طرقاً عقيمة طبعاً وكان خطه رديئاً، فقلت له:(اسمع يا بني. سأنصحك لوجه الله أترك كل ما تعلمته في المدرسة واتبع الطريقة التي سأعلمها لك) فبهت الشاب ونظر إلي مذهولاً فقلت: (الطريقة التي سأعلمها لك اكتسبتها بالمران الطويل وسترى أنها بسيطة) ثم شرحتها له وأراد أن يعترض فقلت له: (اسمع، أعمل بطريقتي ولا تعمل بغيرها إننا نتبعها من عشرين سنة. أتريد أن نغير من نظامنا إكراماً لخاطرك. لا يا بني لا أسمح لك بغير طريقتي)

فقال حسونة: (ولكن يا أبي لماذا لم تتركه يتبع طريقته التي تعلمها) فرد أبوه محتداً: (أية طريقة؟ لا يوجد للحساب سوى طريقة واحدة، أتظن أنكم تتعلمون الآن؟ أنكم تضيعون وقتكم سدى. رحم الله أيام أن كنا نحصل كل العلوم في أربع سنوات. اترك فلسفتك يا سيد حسونة)

أراد حسونة أن يرد ويقنع أباه ولكن نعمات هانم تدخلت وقالت:

- لنترك هذا الحديث. عليك يا حسن بك أن تكون هنا في الساعة الثامنة والنصف لنذهب إلى السينما

- لا أستطيع الليلة. . عندي شغل كثير.

- بل يجب أن تحضر.

- فثار حسن أفندي وقال:

ص: 63

- قلت لا أستطيع. يجب أن تكون الكلمة كلمتي، نعم يجب أن أطاع هنا. . أنا رجل البيت. . أنا رجل البيت.

وقام ثائراً واتجه نحو غرفته ثم لبس ملابسه. وفي أثناء خروجه قالت زوجته:

- تذكر الساعة الثامنة والنصف.

في الساعة الثامنة أخذت نعمات هانم تعد نفسها للخروج فدخلت غرفة الزينة وأمرت حسونة أن يجهز نفسه واختارت لفيفي الفستان الذي ينبغي لها ارتداؤه فقال حسونة:

- قد نلبس ونتعب أنفسنا ولكن أبي قد لا يحضر.

فردت نعمات هانم: (اطمئن)

فما كادت نعمات هانم تتم قولها حتى سمع رنين الجرس فنظر حسونة إلى أمه فرآها تبتسم فابتسم أيضاً.

- أسرعي يا فيفي وافتحي. . إنه جاء

فتحت فيفي الباب فدخل حسن أفندي مسرعاً وما كاد يرى زوجته حتى قال:

- حظكم حسن. . لقد تمكنا من إنجاز كل شيء قبل الثامنة فحضرت لأمتعكم بالسينما. . هيا أسرعوا.

فنظر حسونة إلى فيفي ثم إلى أمه وضحكوا.

وهكذا اثبت حسن أفندي أنه حقاً رجل البيت.

ظهرت نتيجة البكالوريا وكان حسونة من الناجحين فأراد أن يلتحق بكلية من كليات الجامعة فاجتمعت العائلة ودار النقاش والمفاضلة واشتد الجدل بين الوالد المحترم والوالدة المهذبة، وترك حسونة المسكين ولم يأخذ رأيه حتى كرأي استشاري. الأب يرغب في إلحاق ابنه بكلية الهندسة والأم ترغب في أن ترى أبنها طبيباً.

- هندسة.

- طب.

- قلت هندسة. . هندسة

- قلت طب. . طب

- قلت هندسة وكفى. . أنا ولي أمره. . .

ص: 64

والتحق حسونة بكلية الطب.

وخطب فيفي خطيبان أحدهما محام والثاني ضابط بوليس فاجتمعت العائلة المحترمة ودار النقاش. . فالأب يفضل المحامي ويدافع عنه ويقول يكفي أنه يعمل حراً وانه شاب سيكون له مستقبل باهر، والأم تفضل الضابط لأن منظره بالشريط الأحمر كما تقول (يسر) وأن ماهيته ثابتة، أما المحامي فمن يدري قد يتخاصم الناس وقد لا يفعلون. اشتد الجدل.

- المحامي

- الضابط

- قلت المحامي

- قلت الضابط

- لا. . . لا أقبل هذا أبداً. . . الكلمة هنا كلمتي والرأي رأيي. . . أنا رجل البيت. . . أنا رجل البيت لن تتزوج إلا المحامي. . .

وتزوجت فيفي من الضابط

وهكذا عاش حسن أفندي. . . رجل البيت

عبد الحميد جوده السحار

ص: 65

‌البريد الأدبي

تعطف ملكي كريم

حضرة المحترم الأستاذ أحمد حسن الزيات مدير مجلة الرسالة رفعت إلى الأنظار العلية الملكية النسخة التي قدمتموها إلى حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم من العدد الذي أصدرتموه

من مجلتكم فنالت حسن القبول والتقدير وإني أتشرف بإبلاغ ذلك إلى حضرتكم مع شكر جلالته السامي.

وتقبلوا وافر الاحترام

تحريراً في 6أغسطسسنة 1937

كبير الأمناء

سعيد ذو الفقار

اللغة العربية والألفاظ الدخيلة

لاشك أن اللغة العربية تجوز في عصرنا طوراً من الإحياء والتجديد، ولا شك أن مصر هي التي تحمل لواء هذه النهضة المباركة؛ بيد أن هذه النهضة تتكشف أحياناً عن مظاهر ضعف تدعو إلى الأسف؛ فبينما نجد لغة الصحافة والأدب تبلغ مستوى رفيعاً، إذا لغة المصالح الحكومية والمحررات الرسمية بوجه عام لا تزال على جانب عظيم من الركاكة والضعف، هذا إلى كثير من الألفاظ الأجنبية الدخيلة تستعمل في الدوائر الحكومية والعسكرية؛ وهذه الألفاظ الدخيلة، وهي تركية في معظمها، هي من آثار عصر مضى، ويجب أن تمحى اليوم لاعتبارات قومية وأدبية ظاهرة المغزى؛ واللغة العربية ليست قاصرة عن أن تؤدى بديلا لهذه الألفاظ الأجنبية التي أضحت في الدوائر الرسمية كالطفيليات الضارة. ولقد رأت تركيا الكمالية من قبل أعوام أن تطهر اللغة التركية من جميع الألفاظ الأجنبية التي تسربت إليها، ومن المعروف أن العربية كانت تمثل في التركية بنسبة عالية ولكن زعماء تركيا الكمالية الذين يضطر مون بغضاً لكل ما يمت إلى الإسلام

ص: 66

واللغة العربية بصلة، لم يجدوا بديلاً في التركية لتلك الثروة العربية التي أطلقت ألسنتهم قروناً، بل عمدوا إلى اللغات الأوربية يشتقون منها ويستعيرون. ومن حق العربية على نفسها وعلى أبنائها أن ترد إلى التركية بضاعتها المزجاة من الألفاظ العتيقة؛ واللغة العربية ليست في حاجة إليها، وليست عاجزة عن أن تقدم مكانها البديل؛ أليس مما يبعث إلى الخجل والأسى أن نسمع حتى اليوم كلمات (حقانية، وباشكاتب، وحكيمباشي) وأمثالها تدون في محرراتنا الرسمية، وأن تكون اصطلاحات الجيش المصري إلى اليوم كلها تركية؟ ولقد سبقت العراق مصر في التحرر من هذه الآثار البالية، واستحدثت لنفسها في الدواوين وفي الجيش ألفاظاً واصطلاحات عربية. وضربت بذلك مثلاً رفيعاً يحتذى، فعلى مصر التي تتصدر لزعامة الآداب العربية أن تحرر نفسها من هذه البقية العتيقة من العصر البائد، وأن تطهر لغتها ومحرراتها من هذه الألفاظ الدخيلة، وأن تكون في ذلك قدوة حسنة لجميع أبناء العربية في مختلف الأقطار.

مؤلف جديد في تاريخ العرب

صدر أخيراً مؤلف جديد بالإنكليزية عن تاريخ العرب والإسلام عنوانه (تاريخ العرب) بقلم الدكتور فيليب حتي أستاذ الآداب السامية بجامعة برنستون الأمريكية، والأستاذ حتي شرقي تفقه في الجامعات الأمريكية وعرف بتضلعه في لغات الشرق وآدابه، وكتابه عن العرب مؤلف جامع يقع في نحو ثمانمائة صفحة، ويشتمل على تاريخ الأمة العربية منذ فجر التاريخ إلى سقوط دولة السلاطين في مصر وسقوط مصر في يد الترك العثمانيين في سنة 1517م، وانتقال زعامة الإسلام من الأمة العربية إلى الأمة العثمانية. ويمتاز كتاب الدكتور حتي بطابعه العلمي، ومع ذلك فإن هذا الطابع لم يحل دون حسن العرض وطلاوة الأسلوب. وتمتاز الفصول الأولى من الكتاب، وهي التي تتعلق بأصل الأمة العربية وحضارتها الأولى من الحميرية والنبطية والسبأية، بكثير من الدقة والوضوح، وربما كانت في الواقع أقيم فصول الكتاب وأكثرها طرافة لأن البحث في أصول العرب والحضارة العربية قبل الإسلام ما يزال من الموضوعات الغامضة على البحث الحديث. ومع أنه يصعب على المؤرخ عادة أن يبسط هذه النواحي المشعبة لتأريخ العرب والإسلام في مجلد واحد، فإن المؤلف استطاع أن يلم بهذه النواحي إلماماً حسناً، وأن يقص تاريخ الخلافة في

ص: 67

عصورها وعواصمها المختلفة، وتاريخ الأسر والدول الإسلامية المختلفة شاملة على إيجازها.

وقد كان المرجع الموجز في تأريخ الإسلام والعرب بالإنكليزية حتى اليوم كتاب المرحوم السيد أمير علي (مختصر تاريخ العرب) ولا يزال إلى يومنا من أقيم المراجع الجامعية في بابه. وكتاب الدكتور حتي من هذا الطراز. فهو أيضاً يمكن أن يعتبر من المراجع الجامعية الموجزة في هذا الباب. بيد أن كتاب السيد أمير علي يمتاز بميزة لم تتوفر في أي مؤلف آخر صدر بالإنكليزية في عصرنا عن تاريخ العرب؛ ذلك انه كتب بقلم مسلم يفهم روح الإسلام الصحيح، ويستطيع أن يدرك كثيراً من أسراره التشريعية والأخلاقية والاجتماعية، وإدراك روح الإسلام الصحيح شرط أساسي لكتابة تاريخ الإسلام بروح الفهم والإنصاف. وهذه الخلة قلما تتوفر للكتاب غير المسلمين.

مسارح العراء

كانت مسارح العراء في العصر القديم من أهم ظواهر الثقافة الفنية والرياضية، وكان لها شأن كبير في الحياة الاجتماعية في أثينه ورومه؛ والآن تعمل بعض الأمم العظيمة الحديثة على إحياء مسرح العراء القديم ليتسع لعشرات الألوف من النظارة بين الخضرة والهواء الطلق بدلا من المسارح الضيقة المغلقة التي لا تتسع إلا لفريق من الخاصة والتي يتاح كثيراً لأفراد الشعب زيارتها والتمتع بما يعرض فيها من المظاهر الفنية الساحرة. وقد سبقت ألمانيا البلاد الأخرى في هذا المضمار، فأنشأت مسارح عظيمة في العراء في أجمل المواقع والبقاع، ويبلغ عددها اليوم نحو مائتين وخمسين مسرحاً يؤمها نحو مليوني متفرج؛ وهذه المسارح على خمسة أصناف: مسارح الميادين العامة، مسارح القصور، مسارح الطبيعة، مسارح الحدائق، والمناظر الهندسية الضخمة؛ وقد انتخبت عدة من القصور التاريخية والغابات الشهيرة بجمالها لإنشاء هذه المسارح، ومنها ما يتسع لأكثر من عشرة آلاف متفرج دفعة واحدة.

وقد أقامت ألمانيا هذا الصيف معرضاً دولياً لمسارح العراء في مدينة فرانكفورت، وهو أعظم مظاهرة فنية من نوعه؛ وبه مناظر لتطورات المسرح والتمثيل منذ فجر التاريخ إلى يومنا؛ ومن الأمم المشتركة فيه فرنسا وهولنده وسويسرا وإيطاليا واليابان والصين، وكل

ص: 68

منها تعرض مناظر مسرحها القومي، ولاسيما المناظر التي اشتهرت في التاريخ؛ من ذلك مناظر قدمتها فرنسا ترجع إلى القرن السادس عشر، وأخرى قدمتها سويسرا وإيطاليا وهي جميعاً تدل على روعة المسرح وازدهاره في عصر الإحياء؛ وفي هذه المجموعة الغريبة من المناظر الفنية يشعر الإنسان

بالدور العظيم الذي يؤديه المسرح في نشر الثقافة الفنية والأخلاقية في مختلف المجتمعات التي تتذوقه وتغذي مشاعرها منه. وسيبقى هذا المعرض الفني العظيم قائماً حتى شهر سبتمبر.

الروح الأوربي

ظهر أخيراً بالفرنسية كتاب عنوانه (الروح الأوربي) ' بقلم مسيو ديمون فلدن وفيه يعالج الكاتب مشكلة أوربية جديدة هي فقد ما يسميه هو (بالروح الأوربي). وقد كان جان جاك روسو يقول في القرن الثامن عشر إنه لم يبق في أوربا فرنسيون وألمان وأسبان وإنكليز. وإنما هنالك أوربيون فقط، ويرجع ذلك في رأيه إلى أن أحداً من هؤلاء لم يتلق تربية قومية خاصة. ورأي المؤرخ الفرنسي البير سوريل أن ذلك يرجع إلى نفوذ اليسوعيين لأنهم هم الذين يتولون شئون التربية في معظم أنحاء أوربا، ولكن أوربا اليوم قد تغيرت تغيراً عظيماً وأصبح (الروح الأوربي) القديم أثراً بعد عين. ذلك لأن النزعة القومية العميقة قد طغت بعد الحرب على أوربا طغياناً شديداً واتخذت لوناً محلياً يقرب إلى التعصب وقد كانت الفاشستية أول من وضع بذرة هذا التعصب القومي العميق، ثم جاءت الوطنية الاشتراكية (الهتلرية) في ألمانيا فأذكت هذه الحركة ودعمتها بفكرة الجنس أو الدم؛ وطغت هذه الموجة القومية العمياء على معظم المجتمعات الأوربية؛ وحتى فرنسا التي عرفت بنظرياتها الحرة الواسعة رأت نفسها مضطرة إزاء هذا التيار أن تنهج نفس المنهج، وأن تأخذ بهذه النزعة القومية الجديدة. والآن ينهار الروح الأوربي القديم انهياراً تاماً، ويندر أن يتفاهم رجال السياسة الأوربية على خطة أو جهة موحدة، لأن النزعات والمصالح القومية تمزق الدول والمجتمعات. هذه هي المسألة التي يعالجها الكاتب في كتابه بمنطق حسن وأسلوب جذاب.

ص: 69

‌الكتب

سيرة السيد عمر مكرم

تأليف الأستاذ محمد فريد أبو حديد

للأستاذ أحمد أمين

ما كان لي - ولست متخصصاً في تاريخ مصر - أن أقدم للقراء كتاباً في تاريخ مصر الحديث.

واغرب من هذا أن أقدم كتاباً في تاريخ مصر الحديث للأستاذ محمد فريد أبو حديد، وهو الذي وقف حياته على دراسة التاريخ، وبخاصة تاريخ مصر، فترجم (فتح العرب لمصر) تأليف الأستاذ بتلر، وهو الكتاب الفخم الضخم، لقي في ترجمته العناء المضني، وأخرجه للقراء كأنه مؤلف عربي؛ فذكر الأصول بنصها الأصلي، وترجم الإنجليزية، فلولا ما وضع على الغلاف من أنه ترجمة ما شك القارئ أنه عربي الأصل، عربي الأسلوب، عربي التفكير.

وأخرج (ابنة المملوك)، وهي رواية تمثل عصر المماليك في مصر تصويراً دقيقاً، سلسل حوادثها تسلسلاً بديعاً، وصاغها في أسلوب شيق، ورونق أنيق.

ثم له الفصول الضافية، والمقالات الكثيرة في تاريخ مصر، وأحداث مصر، وبطولة مصر.

ما كان لي بعد هذا كله أن أقدم كتاب (السيد عمر مكرم) للقراء، وكان يكفي أن يقال إنه كتاب

في تاريخ مصر للأستاذ محمد فريد أبو حديد، ليثق القارئ به، ويقومه أحسن تقويم.

ولكن أتاح لي القدر أن أقرأ الكتاب قبل نشره وطبعه، فراقني فيه - بجانب ناحيته التاريخية - ناحيته الأدبية؛ فقد استطاع مؤلفه أن يصوغه صياغة لذيذة شائقة؟ يقرؤه القارئ فكأنه يقرا رواية ممتعة لا كتاباً علميا دقيقاً، مع أنه كتاب علمي دقيق أيضاً:

على أن في عالم التأليف روايات شائقة، بنيت على أحداث تاريخية ثابتة، ولكن عيبها أنها قيمة من ناحية الأدب، وليست بقيمة من ناحية التاريخ، فلا يعرف القارئ أي الحوادث ثابت تاريخياً وأيها من نسج الخيال، أما هذا الكتاب فقيم من ناحيتيه الأدبية والتاريخية معاً،

ص: 70

فليس فيه من الوقائع ما هو نسج الخيال؛ ومع ذلك استطاع المؤلف بمهارته أن يسبغ عليه متعة الرواية وإن لم يكن رواية.

اشهد لقد بدأت قراءته وفي عزمي أن أفرغ منه بعد أسبوع على أقل تقدير، وأن أخصص له كل يوم بعض الوقت ولأعمالي الأخرى بعضه؛ ولكني ما بدأت به حتى أنساني عملي، وأنساني وقتي؛ واستمررت في قراءته بلذة وشغف حتى أنهيته شاكراً غاضباً؛ فأما الشكر فلأنه هيأ لي ساعات سعيدة لذيذة صرفتها في قراءته، وأما الغضب فلأنه اختلس مني زمني، من غير جرم يستوجب الحد.

ومزية أخرى واضحة في الكتاب تظهر لكل قارئ، وهو أن المؤلف عنى أكثر ما عنى - لا بالملوك والأمراء كما فعل أكثر مؤرخينا - بل بالشعب وحركاته ونفسيته وحياته الاجتماعية وآماله الوطنية. واتخاذُه السيد عمر مكرم محوراً لكتابه أكبر دليل على هذا؛ فهو ليس ملكاً ولا أميراً، ولكنه أحد أفراد الشعب، وعظيم من عظمائهم، يشعر بشعورهم، ويأمل آمالهم، ويقصده الشعب في حوائجهم، ويرجعون إليه في خطوبهم. فاتخذه المؤلف نواة نسج حولها تاريخ مصر في هذا العصر وخاصة تاريخ الشعب وتطوراته ونظراته وآماله وآلامه.

وكان حب (فريد) لمصر، وعصبيته لكل ما هو مصري، وحسن تقديره للشعب المصري سبباً في بعض الأحيان أن يلوّن بعض الأحداث لوناً زاهياً جميلاً براقاً يعجب الأديب والشاعر والسياسي، ولست أدري إلى أي حد يعجب المؤرخ الجاف المتزمت. ولكن نحن - على كل حال - أحوج ما نكون إلى الإكثار من الكتابة في تاريخ مصر في عصورها المختلفة، ومن جوانب الرأي المختلفة؛ فكل هذا يخدم مصر ويخدم الحق ويخدم التاريخ ويخدم السياسة.

وأخيراً أهنئ أخي (فريداً) بنجاحه في هذا الكتاب، وتوفيق الله له، وأجدني مغتبطاً سعيداً بتقديمه للقراء، وأرجو أن يجدوا فيه من الفائدة واللذة ما وجدت.

أحمد أمين

ص: 71

‌نقد كتاب إحياء النحو

تأليف الأستاذ إبراهيم مصطفى

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

- 2 -

لا أحسب المؤلف يؤمن بذلك، ولكنه (كما قلت) قد اضطر إليه اضطراراً؛ لتسلم له فكرته، فإنني إذا قلت: لا تلميذ في فصلي راسب، أريد أن أتحدث عن كل تلميذ في فصلي، وأن اثبت له انه غير راسب؛ فتلميذ مسند إليه، ومتحدث عنه، لا ريب في ذلك، وإنما سوغنا حذف خبر لا النافية للجنس في كثير استعمالها؛ لأن الخبر وجود عام، والعرب (إذا كان الخبر وجوداً عاماً) حذفوه، لأنه مفهوم من الكلام. ألا تراهم يفعلون ذلك بعد لولا؛ فيقولون: لولا محمد لهلك علي، فيحذفون خبر (محمد) والأصل لولا محمد موجود لهلك علي؟ ولا أخال المؤلف يشك في أن محمداً مسند إليه، محذوف الخبر، كما حذف خبر لا من غير أن يؤثر في اسمها، بل هو باقي على حاله، مسنداً إليه، ولا أخالني في حاجة إلى تذكير المؤلف بأن العرب يلتزمون حذف متعلق (الجار والمجرور) إذا كان وجوداً عاماً.

ومن ذلك تمحلات الأستاذ لنصب مفعولي (ظن)، وإذا كنت أقتنع بأن اسم لا لم يعد مسنداً إليه، فإنني كذلك لا أستطيع أن اقتنع بأن المفعول الأول لظن لم يعد مسنداً إليه، فانك إذا قلت: ظننت أخاك حاضراً، لم ترد - بلا شك - أن تخبر السامع بأنك ظننت ظناً ما، ولكنك تريد أن تخبره بأنك قد القي في روعك ظن حضور الأخ، فأنت إذاً تقصد إلى أن تتحدث عن الأخ بأنك قد ظننت حضوره؛ وأما ما أحتاجه بأنه يجوز حذفهما إذ لم يعودا مسنداً غليه ومسنداً، فمردود بأن المبتدأ الذي هو مسند إليه بالإجماع يجوز حذفه إذا دل عليه دليل، وكذلك مفعولا ظن يجوز حذفهما إذا دل عليهما الدليل، وليس ثمة استعمال عربي ترى فيه مفعولي ظن محذوفين لغير دليل، بل لا يمكن فهم هذه الألفاظ إلا وهي متعلقة بمفعوليها، ويطول بي القول إذا أتيت بهذه التراكيب التي توهم المؤلف فيها حذف المفعولين لغير دليل، وبينت له أن دليل المفعولين قائم في الجملة يلمسه السامع بأقل انتباه.

ومن ذلك أننا نجد الاسم الذي نريد التحدث عنه منصوباً في باب الاستثناء، ألا ترى أنك

ص: 72

حين تقول: نجح التلاميذ إلا سعيداً تريد أن تخبر عن سعيد بأنه لم ينجح، وتقصد ذلك قصداً، ومع ذلك نجد سعيداً (وهو متحدث عنه) منصوباً أبداً، لا نستطيع رفعه.

رابعاً: لأنه لم يجعل الفتحة علامة إعراب، جعل نصب جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم محمولا على الجر وتابعاً له؛ لأن العرب يعنون بالدلالة على الجر ويغفلون النصب، وتلك علّة تنهدم من أساسها، فلو أن العرب كانوا يغفلون النصب حقاً لما جعلوا له علامة تميزه في المفرد، ولحملوا النصب على الجر في المفردات أيضاً، وذلك ظاهر البطلان؛ على أن المؤلف وقف أمام المثنى ولم يستطع شيئاً، فقال: ولكن باب التثنية في العربية غريب، وأرجو أن يدلني الأستاذ المؤلف على موطن غرابته ومواضعها، فإنني لا أعرف فيه وجه غرابة إلا أنه استعصى على أن يسير مع فكرة المؤلف، وما كان أغناه عن هذه الفروض التي ليس لها اطراد.

اختصار أبواب النحو

أبواب النحو حول سبعين باباً، أراد المؤلف أن يختصرها، فلم يستطع أكثر من أن يضم ثلاثة أبواب هي المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل تحت عنوان واحد هو المسند إليه. وان يستغني عن بعض التوابع وان يدمج الباقي بعضه في بعض، وسوف نناقش رأيه في هدوء لنرى أنه حتى في هذه الأبواب القليلة لا يستطيع ضمها ولا اختصارها.

أولاً: لأن المبتدأ له معنى ليس للفاعل في كثير من التراكيب، فنحو: هذا محمد، وعلي أخوك، لا نجد المبتدأ في الجملة يتصل أي اتصال بمعنى الفاعل أو نائبه.

ثانياً: لأن المبتدأ له أحكام يختص بها دون الفاعل، من حيث وجوب أن يكون معرفة إلا إذا سوغ الابتداء بالنكرة مسوغ، وليس كذلك الفاعل؛ ومن حيث علاقته بالخبر، الذي يجب أن يتأخر عنه احياناً، وأن يتقدم عليه أحياناً، والذي يقع حينا مفرداً، وحيناً جملة، أو شبهها، وليس للفاعل حظ من ذلك، ولا أريد أن أدخل في تفصيل هذا المجمل، فيتعب القارئ، أو يمل.

ثالثاً: لأن نائب الفاعل له أحكام ليست للفاعل، ألا تراه يقع جارا ومجروراً، والفاعل لا يكون كذلك؟ وإذا كان ظرفاً أو مصدراً وجب أن يكون مختصاً، ولا يشترط ذلك في الفاعل، إلى غير ما ذكرت من الأحكام؛ هذا إلى أن باب نائب الفاعل، يقصد فيه إلى

ص: 73

غرض آخر، هو بيان صورة الفعل عندما يسند إليه

فأنت من هذا لا ترى أن ضمّ هذه الأبواب تحت عنوان المسند إليه يؤدي في النهاية إلى بيان أنواعه: من مبتدأ، وفاعل، ونائب فاعل، وإلى ذكر أحكام كل نوع على حدة؛ لا مفر من ذلك ولا مهرب. أما في علم المعاني حيث تتفق كلها في الأحكام التي يتناولها هذا العلم من تقديم وتأخير وذكر وحذف وإثبات ونفي. . . الخ فقد وضعت كلها تحت عنوان واحد هو (باب المسند إليه).

هذا شأن المؤلف في باب المسند إليه، وقد رأيت أن فكرته لا تسير إلى غايتها، بل تنتهي إلى ما أراد الهرب منه. أما شأنه في باب التوابع فأعجب وأغرب؛ ويجب أولا أن أسجل هنا ظاهرتين على المؤلف: أولاهما انه لم يتعرض إلا لتحليل الجمل البسيطة الأولية، أما الأساليب القوية الصعبة، التي من أغراض علم النحو فهمها وإدراك مغازيها، فلم يتعرض لها المؤلف، وأحسب أن كتب النحو لم توضع لتوضيح مثل قام محمد وعلي. وثانيتهما أن المؤلف يغالي كثيراً في قيمة العامل حتى ليتوهم قارئ مؤلفه أن كتب النحو لم تشرح في التوابع إلا العامل فيها وذلك وهم. فمن يقرأ هذه الكتب ير أن ذكر العامل لم يأت إلا عرضاً، أما القصد والغرض فبيان علاقة التابع بالمتبوع وذكر مميزات كل صيغة، وما تتضمنه من معنى وشرح قيمة كل أسلوب.

وسآخذ الآن في مناقشة بعض ما جاء به من الآراء:

أولاً: قال الأستاذ: (إن باب العطف ليس له إعراب خاص، وليس جديراً أن يعد من التوابع، ولا أن يفرد باب لدرسه) فهل قال أحد إن للعطف إعراباً خاصاً، غير إعراب متبوعه؟ ولكن هل اتحادهما في الإعراب يمنع من أن يفرد للعطف باب لدرسه؟ يكفي أن ترجع إلى كتب النحو لترى أن ما ذكر في باب العطف جدير بأن يكون له باب يخصّه؛ فهناك حروف العطف المختلفة. ولكل منها معنى خاص بها، تكفل ببيانه علم النحو، وباختلاف معاني هذه الكلمات تختلف علاقتها بما قبلها وبما بعدها، وكذلك لكل حرف منها شرط لوجوده في الجملة حتى يكون استعماله صحيحاً (وهذا كله عكس ما توهم المؤلف من أن كتب النحو لم تدرس هذه الأدوات إلا من ناحية بيان أثرها في الأعراب) ثم هناك غير ذلك عطف على ظاهر، وعطف على ضمير مرفوع أو منصوب، أو مجرور، ولكل ذلك

ص: 74

حدود وشروط، لا تكون الجملة صحيحة إلا بمراعاتها فأين تذكر هذه الحدود وتلك الشروط إلا في باب خاص بها؟ ومن الغريب أن المؤلف يدعو في أول كتابه إلى دراسة علاقة الكلمة بالكلمة، والجملة بالجملة، وأحسب أن باب العطف الذي يريد حذفه - تتجلى به هذه العلاقة تمام الجلاء، وفضلا عن هذا كيف يفهم طلاب اللغة العربية: الصغار والكبار، هذه الحروف وكيف يعربونها ويعربون ما بعدها؟ أنقول لهم: إن هذه الحروف حروف تشريك، وأن ما بعدها شريك ما قبلها، كما يفهم من حديث المؤلف، هذه الحروف منها ما يفيد التشريك في اللفظ والمعنى ومنها ما يفيد التشريك في اللفظ دون المعنى، كما هو مفصل في كتب النحو، على أنه (إذا كان هذا كل ما يريده) ليس هناك كبير غناء في وضع لفظ مكان لفظ. ولا سيما إن كان اللفظان مترادفين، فظهر لك من هذا وجوب أن يكون للعطف باب خاص بأحكامه.

ثانياً: جعل المؤلف البدل والتوكيد باباً واحداً، وذلك إن دل فإنما يدل على أن صاحب الكتاب يريد أن يتناسى الفوارق المعنوية بين البابين، والتي يوضحها ويبينها الاستعمال؛ فبينما نرى في باب البدل أن المقصود بالحكم هو البدل، نرى في باب التوكيد عكس ذلك إذ أن المؤكد هو المعنى بالحديث المقصود منه وإنما جيء بالتوكيد ليثبته وليقوى معناه، ولأضرب مثلاً يبين ما أردت:

تقول قرأت الكتاب بعضه، فالمقصود من الجملة هو البدل (بعضه) لأنك لم تقرأ الكتاب كله؛ وتقول: قابلت الوزير نفسه، والمقصود من الجملة هو الوزير ولم تأت كلمة (نفسه) إلا لتؤكد أنك قابلته، ولم تقابل (سكرتيره) مثلاً، وأحسب هذا فرقاً معنوياً واضحاً يكفي لأن يجعل لكل منهما باباً خاصاً به، هذا إلى أن للتوكيد ألفاظاً لا يتعداها، ولا يكون بغيرها، أما البدل فمتحلل من هذه القيود وغير خاضع لها.

أحمد أحمد بدوي

ص: 75