المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 23 - بتاريخ: 11 - 12 - 1933 - مجلة الرسالة - جـ ٢٣

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 23

- بتاريخ: 11 - 12 - 1933

ص: -1

‌فلسطين.

. .

بين حديد الانتداب الذي يأكل الأجسام، وذهب الصهيونية الذي يأكل الأرض، يعيش العربي في فلسطين عيش المحكوم عليه بالقتل أو النفي، إذا سلم له بدنه، لا يسلم له وطنه؛ وما هذه الصرخة التي صرخها فصكت المسامع الصم، وبلغت الضمائر الغلف، إلا العارض المنذر في الحي بالضر يلُوعه، أو الخطر يَرُوعه، أو الظلم يحيق به!

وأن الصرخة للحياة تسلب، أو للديار تغصب، لهي الصرخة التي يدوي فيها صوت الحق، ويمتزج بها أنين العدل، ويضطرب فيها احتجاج الإنسانية على قوم اتخذوها حِيالة لإستعمار الأوطان، ووسيلة لاستعباد الأمم

كانت البربرية في العهود الخوالي تغزو سفارة الوجه، وتنهب ظاهرة اليد، وتقول صريحة العبارة، وتعمل واضحة الغاية؛ فجاءت مدنية اليوم فوضعت اليد الحمراء في القفاز الأبيض، والفريسة بمعاهدات الصداقة ومؤتمرات السلم، وصاغت معاني القوة والغصب في ألفاظ القانون ومصطلحات العلم، وأشفقت على شعور الإنسانية فسمت الاسترقاق تمدينا، والاغتصاب انتدابا، والحماية وصاية؛ وعمَّقت أغوار القلوب السياسية فلا تعرف لماذا حرمت بيع إنسان لإنسان، وحللت بيع شعب لشعب!

هذه أمة من أسبق الأمم قدما في المدنية، وأعرق الشعوب نسبا في الحرية، تسير على دستور رفيع الدعائم أثيل المنبر، ولم يمنعها عرفها الموروث ولا شرعها القائم أن تبيع فلسطين العربية جهراً لنفايات اليهود، وليس العرب من مماليكها، ولا فلسطين من أملاكها! ثم تسخِّر لضمان هذا البيع الباطل قوة الحكومة وسلطان الدستور، وتمثل تحت العلم البريطاني وعلى مواطن المسيح أروع مآسي العدالة!!

سلطوا على البلاد الجوع وأرسلوا من ورائه الذهب! فكأنهم قالوا للعربي البائس: أما الوطن ولا حياة، وأما الحياة ولا وطن! فأما الذين قهرهم الفقر وبهرهم المال فقد باعوا أنفسهم وأهليهم بيع الغبن للدخيل، وأما بقايا السيوف وأحفاد الفاتحين فآثروا أن يدفنوا أعزة في ثراها العزيز، على أن يتركوها أذلة لليهود والإنجليز، فدافعوا الأزمة بالصبر، والانتداب بالعزم، والصهيونية بالمقاطعة، وأروا هذه القوى الثلاث التي حالف بينها الباطل أن العربي الذي غزا العالم ولا يمسك رمقه إلا قبضة من سويق وشفافة من ماء، لا يُخذل من قلة، ولا يفشل من جوع!

ص: 1

لك الله يا فلسطين! لشد ما تكابدين من عسف القوى وكيد الغني وقسوة الظالم!!

إن دموعك منذ الفاجعة لم ترقأ، وجروحك منذ الواقعة لم تندمل، وصوتك الجازع المكروب لا يزال يجلجل في أعماق الشرق وآفاق العروبة مستغيثا من الخطب الذي ناء بألمانيا وأنقضَ ظهر الدول! ولكن بنيك البواسل يا فلسطين يتنافسون في مجد الموت وشرف التضحية! فهل تخشين أن يعيث في أديمك المقدس عائث، وأنت ترين شبابك الميامين يخوضون غمرة الهول وراء زعيمهم الشيخ، وصدره الواهن مشبوب بعزم آبائه، وشعره الأبيض مخضوب بدم أبنائه؟

الوطن العربي اليوم في البلاء سواء. لأنه فقد الروح الفتية التي كانت تعمره، والحيوية القوية التي كانت تغمره، وأصبح هيكلا متهدم الجرف لا يملك بعضه بعضا.

على إن فزعته الإجماعية لمظلمة فلسطين تبعث الأمل في عودة تلك الروح ورجعة هذه الحيوية. ولعلها فزعة المغيث المسعف لا فزعة النادب الآسف! فان مصاب فلسطين لا ينفع فيه البكاء ولا يدفع منه الخزن

إن فاجعة وادي الحوارث صورة صغيرة لمصير فلسطين إذا استنام أهلها للوعود، وبيعت أرضها لليهود، وقبض العرب أيديهم عن معونة إخوانهم على دفع هذا الخطب.

وان دول الأرض جمعاء لتعجز عن إيفاء وعد بلفور ما دامت الأرض في يد العرب، فإذا ما استنزلوا عنها بأغلاء الثمن وإغواء الذهب شتتهم القانون وحده تحت كل كوكب.

فان اليهودي إنما جاء فلسطين ليشتري وطنا يستعمره، لا حقلا يستثمره، فكل شبر من الأرض يخرج من يد العربي يدخل إلى الأبد في يد اليهودي، ويومئذ لا يرده إلى أهله احتجاج ولا تظاهر.

وما الاحتجاج والتظاهر إلا إعلان للحق لا دفاع عنه.

والدفاع المنتج عن فلسطين أقواه وسيلتان:

أن يأخذ الزعماء والعلماء موثقا من الشعب إلا يبيع المضطر أرضه لغير العربي مهما خدعته المطامع ودلاه الطامع بغرور.

أن يقوموا بدعاية منظمة قوية في الأقطار العربية، وعلى الأخص في مصر، إلى تأليف الشركات العقارية لاستعمار فلسطين.

ص: 2

والعرب الذين فُطروا على نُصرة الأخ، ونجدة الصريخ، ومعونة الضعيف، لا يعرضون عن يد فلسطين التي تمتد، وصوتها الذي يهيب:

فان كنتُ مأكولا فكن خير آكلٍ

وإلا فأدركني ولما أُمَزَقِأحمد حسن الزيات

ص: 3

‌بيير فيلليه

في اليوم الرابع والعشرين من شهر أكتوبر الماضي كان قطار من القطر آتيا إلى باريس من مدينة (كان) فانحرف عن طريقه وسقطت القاطرة ومعها عربات أربع في هوة عميقة، وكثر الجرحى والقتلى، وكان بين الذين حملتهم عربات الإسعاف إلى مستشفى قريب فمات فيه آخر النهار عالم أديب من علماء الفرنسيين وأدبائهم هو الأستاذ بيير فيلليه، ولم تكد الصحف تذيع نعيه حتى وقع من قلوب الأدباء المثقفين الفرنسيين موقعا أليما.

وقد طلبت مجلة العالمين إلى الأستاذ جوز يف بدييه مدير الكوليج دي فرانس وأستاذ الفقيد أن ينعاه في كلمات قصيرة إلى قرائها في العالمين فقبل رغم ما بقلبه من الحزن. وكتب صفحات مؤثرة نترجمها في ما يلي:

كان بيير فيلليه صاحب الآثار الأدبية القيمة ضريراً كما يعلم كثير من الناس، أصابته هذه الآفة بعد مولده بقليل، ولكنه لم يرض قط أن يشير في أثر من مآثره التاريخية إلى هذه الآفة، وكان يكره أن يشير إليها في مقدمة من مقدماته على أنها تعلة من التعلات أو معذرة من المعاذير. وكان يصدر في ذلك عن رأي له فضله في كتابه (عالم المكفوفين). كان يرى في هذا الكتاب عزاء لأمثاله انهم ليسوا بحال من الأحوال مغلقين كما يقول الناس، وان ليس هناك ميدان من ميادين العمل الاجتماعي أو العقلي يؤخذ عليهم ويغلق من دونهم. وان آفتهم يمكن أن تضايقهم ولكنها لا تستطيع أن تعجزهم عن العمل والإنتاج، لا يحتاجون في ذلك إلا إلى أن تكون قلوبهم قوية صلبة. وأن أشد آلامهم، أو قل ألمهم الوحيد، لأنهم لا يرون، إنما يأتيهم من هذا الإشفاق الظالم الذي يختصهم به المبصرون. وقد أراد دائما أن يعامل في مهنته التي كان يحترفها كغيره من الأساتذة، وفي كتبه التي كان يمليها كغيره من المؤلفين كما يعامل غيره من الناس، فينقد ويحكم على آثاره في غير رعاية ما بأنه ضرير.

أيجب علي الآن أن أطيع أمره وأحترم كبريائه هذه؟ لا. فان الموت قد ألغى هذا الأمر. وإذا كان من الحق أن آفته هذه هي التي بعثت في نفسه أقوى الفضائل وأحقها أن تكون قدوة ومثلا، فأني أستطيع أن أقول أن هذه الآفة نفسها هي التي منحت حياته وآثاره نصيبهما الموفور من الجمال، وكل من قرأ هذه الكلمات سيشعر بأني لا أقول هذا إشفاقا وعطفا، بل حنانا وإكبارا.

ولأجل أن أجد في نفسي أصول هذا الحنان والإكبار يجب أن أرجع بالذاكرة إلى عهد بعيد.

ص: 4

دخل بيير فيلليه مدرسة المعلمين العليا في سنة 1900، وكنت حينئذ معلما فيها. كان قبل ذلك تلميذا ينشأ في معهد العميان الأهلي، ثم اختلف إلى غير مدرسة من المدارس الثانوية في باريس. ثم أقتحم المسابقة لدخول مدرستنا على نفس القواعد والشروط، وفي نفس المواد التي يستبق فيها غيره من المبصرين، لا يميزه منهم إلا أنه كان يستعين بغلام أقل منه ثقافة وعلما، فكان هذا الغلام يبحث له في المعاجم، ويكتب ما يملي عليه. فنجح نجاحا حسنا. ونستطيع أن نتصور ما أدركنا نحن الأساتذة من القلق، وما أدرك رئيسنا الطيب القلب جورج بيرو. كنا نتساءل ماذا نصنع بهذا الغلام الحدث الذي كان يحسن فنون البيان في أكبر الظن، ولكنه كان ضئيلا نحيلا ضريرا. إلى أي نحو من أنحاء العلم نوجهه؟ والى أي غاية نسيره؟ ولا سيما وقد كان يقول أنه لا يحب إلا التاريخ وتاريخ الآداب خاصة، ولكن كيف كان يعرف هذا النوع من العلم؟ كنا ننظر إلى كتبه المكتوبة بالخط البارز والتي أصطحبها حين أقبل إلينا، فكنا لا نجد إلا ديوان فرجيل وبعض الآثار الفرنسية الكلاسيكية، وبعض كتب النحو، ومع أن هذه الكتب كانت تزحم غرفته فإنها لم تكن في حقيقة الأمر إلا شيئا يسيرا جدا مما يستعين به التلاميذ. ماذا كان يتصور من أمور البحث التاريخي ومصاعبه؟ ألم يكن حقا علينا أن نوجهه إلى نحو من أنحاء هذا البحث العقلي الذي يمكن أن يعتمد فيه الباحث على تفكيره الخاص، فان صاحب ما بعد الطبيعة أو الأخلاق أو المنطق أو فقه اللغة، يستطيع إلى حد ما أن يعتمد على نفسه. فكان علينا إذن أن نبين له إلى أي حد يعرض نفسه لخيبة الأمل إن مضى في طلب التاريخ، وأن نمحو هذه الآمال التي كان يعلل نفسه بها. ولكني رأيت إلحاحه وحزنه، فاعتزمت سرا أن أخضعه لامتحان لا يعلم به أحد.

فكلفته أن يهيئ بحثا عن أسطورة من أساطير لافونتين، وهي أسطورة الطحان وأبنه والحمار، ليلقيه في محاضرة قريبة. فقبل محزونا لأني كنت قد كلفت رفاقه بأبحاث أخرى أوسع من بحثه وأعظم خطرا، وكان يحس أني كنت أريد أن أحصره دائما في التمرينات المدرسية التي كان قد شبع منها حتى أدركته التخمة قبل أن يدخل مدرسة المعلمين، ولم يكن يطمئن إلى هذا الموضوع إلا حين أنبأته بأن أستاذي جاستون باري قد خصص له صفحات عشرا في بحثه المعروف عن القصص الشرقي وأثره في الأدب الفرنسي. وكنت

ص: 5

أكلفه أن يدرس هذه الأسطورة، لا في صورتها الكثيرة التي اختلفت عليها. ولم أدله إلا على هذا المرجع ثم انتظرت:

وبعد ستة أسابيع أو بعد شهرين ألقى الدرس الذي طلب إليه. فيا له من دهش عم رفاقه في قاعة المحاضرات! ويا له من فرح ملأ قلبي! فأنه لم يكتف كما كان غيره يكتفي بالتفكير في هذه النصوص الخمسة أو الستة التي رواها جاستون باري: فقد اهتدى لا أدري من أي طريق إلى مجلة (بنفى)(الشرق والغرب) حيث كان (جودوك) قد أخذ منذ سنة 1860 يسجل مجموعات من الأساطير الشعبية، وما هي إلا أن أراه قد استطاع أن يستكشف نصوصا عشرة أهملها جاستون باري عمدا أو خطأ. هنالك أعلنت مكيدتي وهي أن أعرض على هذا الطالب الجديد أيسر بحث في ظاهر الأمر، هذا البحث الممهد المطروق لأتبين من أمره ما أريد، ولأعلم أيكتفي بإعادة ما قرأ، أم يحاول أن يأتي بشيء جديد، وبينت لرفاقه مصاعب هذا البحث عن الأساطير. وقد كان الناس كلفين به في ذلك الوقت، وبينت لهم ما يحتاج إليه الباحث المجد من الجهد والاستقصاء لاستكشاف الصور المختلفة لهذه الأساطير في كتب غامضة مهجورة، ثم أنبأتهم بأن جهدا خصبا منتجا للاستقصاء العلمي قد ظهر في هذا اليوم.

وما لي أطيل الوقوف عند هذه القصة كأني أريد أن أتحدث عن نفسي، ذلك لأبين أولاً كيف كانت الحياة قديما في مدرسة المعلمين، كيف كانت صورة من صور التعاون بين الأصدقاء، يعطي الأساتذة فيها من أنفسهم أكثر ما يستطيعون إعطاءه، ولكنهم يأخذون من طلابهم مثل ما يعطون، ثم لأن بيير فيلليه كثيرا ما كان يذكرني بهذه القصة فيما بعد، في ذلك اليوم أعلن بعض الطلبة المتقدمين الذين لم يسبقهم كثيرون أنه مؤمن بهذا الشاب الضرير واثق بفوزه في هذا النوع من البحث الذي يميل إليه.

ولكن هذا الشاب - بيير فيلليه - وجد في الوقت نفسه بين أساتذته ورفاقه من أعانه على قطع هذه الطريق. وكان منهم الظريف (بيير موريس ماسون) والجاد (جبرييل ليرو) وكلامها سقط في ميدان الشرف أثناء الحرب الكبرى، ومنهم بول ازار، وأوجين البرتيني، وتراشيه، وموريت، وبيير كومير، ولويس ريو، وألكسندر جوانو، واميه برتو، وجاك شيفالييه. . . وكم أحب أن أسميهم جميعا هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا مثله في سن

ص: 6

العشرين، والذين أعطوه وأخذوا منه أحسن المثل وأقومها. بهذه التجربة وبتجارب أخرى أمثالها اثبت بيير فيلليه أثناء الأعوام الثلاثة التي قضاها في المدرسة أنه كان قادرا على النهوض بأعباء الاستقصاء العلمي وبأثقلها وأشدها تعقيدا.

ومن هنا دهشت البيئات العلمية، ولم ندهش نحن حين أظهر في سنة 1908، بعد أن ظفر بإجازة الأجر بجاسيون - وبعد أن أتم دراسته في معهد تيير في ظل أميل بوترو الذي لقيه أحسن لقاء - كتابه الأول الذي عرض فيه مصادر كتاب - تطور فصوله.

وكان قد فكر في هذا الكتاب أثناء إقامته في مدرسة المعلمين وشجعه على ذلك الأستاذ جوستاف لنسون، ولأجل أن يبلغ من هذا البحث ما يريد، بدأ فنسخ كتاب مونتيني بيده خطا بارزا فكانت نسخته تبلغ عشرين مجلدا. ثم وضع حكم مونتيني وتجاربه في قصاصات من الورق، وكانت هذه القصاصات التي رتبها على حروف المعجم تملأ صندوقا ضخما لم يفارقه أعواما طوالا. وكذلك تسلح بهذه الأدوات وحفظ كتاب مونتيني عن ظهر قلب على اختلاف نسخه، ثم أخذ يبحث عن مصادره. فمن أراد أن يقدر هذه المحولة فليلاحظ ما أحاط بها من الظروف. فقد كان يجب أن يقرأ عليه كل المؤلفين الذين نقل عنهم مونتيني، وكل المؤلفين الذين كان يرجح أن مونتيني قد عرفهم في التراجم اللاتينية التي كانت معروفة في وقته، مثل سكستوس امبيريكوس، كزينوفون، ديوجين، لارس، أفلاطون، وفي التراجم الفرنسية المعروفة في ذلك الوقت تيودور الصقلي، هيرودوت، اريانوس، وفي النصوص الأولى من لوكريس إلى فاليريوس مكسيموس، أي كل ما كتبته روما القديمة تقريبا. ثم ما كتبه علماء النهضة من ارسم إلى جوست ليس. وإذنفقد بذل بيير فيلليه جهده هذا في قراءة ألف من الكتاب، ويمكن أن نقدر غنيمته المادية من هذا الجهد إذا نظرنا في الجزء الرابع من طبعته لكتاب مونتيني التي ظهرت سنة 1920 ورأينا المراجع وقد رتبها على حروف المعجم بثمانية آلاف مرجع تتصل بأربعمائة من المؤلفين كتبوا باليونانية واللاتينية والإيطالية والفرنسية.

وبنحو هذه الطريقة وبمعونة طائفة من القراء كانوا يعيرونه أبصارهم إعارة آلية استطاع أن يتتبع تأثر المؤلفين والكتاب بمونتيني، فأظهر كتاب مونتيني ولوك وروسو، ثم مونتيني وبيكون، ثم مونتيني والألاهيين الإنجليز. هذه عنوانات لطائفة من أبحاثه ظهرت كتبا أو

ص: 7

رسائل. وهذا النحو من إظهار استعارة المؤلفين بعضهم من بعض أو تقليد المؤلفين بعضهم لبعض لا يعني أصحاب الاستقصاء من العلماء وحدهم، وإنما يمكن أن يقال في كتبه كلها ما قاله أميل بوترو حين قرأ كتابه الأول:(انه يظهر في هذا الكتاب مفكرا مرويا، ماهرا، نفاذا، فيلسوفا، يمس بدقة غريبة أخفى الفروق. وما بين الأفكار والآراء من صلات)

ولكن أتراه أنفق جهده الضعيف الخصب كله في درس مونتيني؟ ألم ينته إلا إلى طبعه كتاب مونتيني التي ظهرت سنة 1922 والتي وصفها أخصائي ماهر هو المسيو هنري شمار فقال إنها توشك أن تبلغ الكمال. كلا. فلنذكر كتابه الذي سماه مصادر الآراء في القرن السادس عشر، أو كتابه عن المصادر الإيطالية لمقالة الدفاع عن اللغة الفرنسية الذي يظهر فيه بين ما أظهر من الغرائب أن القسم الذي يثبت فيه دبيلليه مساواة اللغة الفرنسية للاتينية واليونانية ليس إلا ترجمة من كتاب سبرون سيروني ألفه في مدح اللغة التسكانية. ولنذكر أبحاثه عن دوبينيه وأبحاثه عن مونلوك، وأحدث كتبه الكبرى (مارو ورابليه). فهو قد عنى بروضته وهي هذه الروضة النضرة روضة النهضة الفرنسية، فلم يهمل منها شيئا. ثم هو لم يكتف بخدمة الآداب، وإنما أنفق أعظم جهده المادي والعقلي والشعوري في الإحسان إلى أصدقائه المكفوفين. فعاش كما عاش فالنتان هاوى، وبراي، وموريس دي لاسيزيران. وقد أستحق من المكفوفين تقديس ذكراه بكتابه (عالم المكفوفين) وكتابه (تربية المكفوفين) وبإحسانه إليهم في غير انقطاع.

أما حياته الخاصة، أما المعونة التي وجدها عند زوجه بنت أميل بوترو التي تأثرت بوفاء أمها لأبيها، فلم تفارق زوجها يوما واحدا والتي كادت تموت معه يوم 24 أكتوبر، فلا أستطيع أن أشير أليها إلا في خفة وسرعة، وحرص شديد على ما ينبغي من التحفظ. ولكن جميع الذين عرفوا بيير فيلليه وأحبوه يرون من الخير والعدل أن أقول فيه ما قاله مونتيني حين تحدث عن صديقه ايتين دي لابويسي:(إني أعرف كثيرا من الناس يمتازون بأنحاء من الخير والجمال، هذا يمتاز بالعقل، وهذا يمتاز بالقلب، وهذا يمتاز بالمهارة، وهذا يمتاز بالضمير، وهذا يمتاز بالحديث، وهذا يمتاز بعلم، وهذا يمتاز بعلم آخر، أما هذا فقد كان حقا ذا نفس مليئة وكان يستقبل الأشياء كلها أحسن استقبال: نفسا من تلك النفوس التي وسمها القدم بسمة العتق والرقي الصحيح).

ص: 8

‌جواب عن سؤال

للأستاذ أحمد أمين

وجه الأستاذ علي الطنطاوي في العدد الماضي إلينا وإلى أدباء الرسالة سؤالا ملخصه: أنعمل وغايتنا الأدب للأدب؛ أم نعمل وغايتنا الأدب للحياة؟ ثم سأل لماذا ينصرف أدباؤنا عن الأدب القومي الذي يعالج (القضية الكبرى) إلى ذلك الأدب الغزلي الضعيف؟ وقد أجبنا أجمالا في ذلك العدد عن بعض هذا السؤال، وتفضل صديقنا الأستاذ أحمد أمين فأجاب تفصيلا عن البعض الآخر (المحرر)

لك الحق (كل الحق) يا أخي أن تصرخ ونصرخ معك في وجه زعماء

الأدب العربي طالبين أن يلتفتوا إلى الأدب القومي ويكثروا القول فيه،

فالعالم العربي كله يجيش صدره بآلام وآمال، والأدب يجب أن يعبر

عن هذه الآلام والآمال، بأسلوبه الرشيق، وعواطفه القوية، وخياله

الرائع؛ وإذ ذاك يجد الناس غذاءهم فيما يقرأون، ولذتهم ومتعتهم فيما

يسمعون وينشدون، والناس في كل عصر يتطلبون من الأديب أن يكون

موسيقاهم التي تناسب عاطفتهم، فأن كانوا فرحين مرحين كانت

الموسيقى فرحة مرحة، وان كانوا باكين محزونين كانت الموسيقى

حزينة باكية، ومن السماجة أن توقع الموسيقى نغمة فرحة في مأتم، أو

نغمة باكية في عرس، وقد كان الناس يقصدون إلى الشعراء يشرحون

إليهم عواطفهم ويطلبون منهم شعرا يناسبها ويرويها.

كان بيت بشار في البصرة مقصدا لهذا النوع من الناس، يذهب إليه الغزِل الذي تجيش في صدره عاطفة الحب ولا يستطيع أن يعبر عنها ليجد بشار من فنه ما يعبر عما في نفسه، وتذهب إليه النائحات لينشدهن شعرا يستنزف الدمع ويبعث الشجا والشجن

وكل عصر له مطالبه وكل أمة لها مواقفها وعواطفها، ولا خير في الأدب إذا لم يصف الحياة، ويغذ العواطف، ويجد الناس في كل موقف يقفونه قولا أدبيا قوياً يشرحه، وشعرا

ص: 10

جميلا يعبر عنه

والعالم العربي الآن له عواطف قومية جديدة لم تكن لديه قبل سنين، هي نتاج التيار الحديث الذي غمر أوربا وسار منها إلى الشرق، فملأ مشاعرها ألما مما هي فيه، كما ملأها أملا في حياة خير من الحياة التافهة التي يحيونها، ثم التفتوا إلى الأدب القديم فلم يجدوا فيه غذاءهم كافيا، ليس فيه شعر يتغنى بالحرية كما نود، ولا بالقومية كما نحب وإنما هي أبيات مبعثرة مجملة، قيلت لوصف مشاعر غير مشاعرنا وفي مواقف غير مواقفنا. وتلفتنا إلى الأدب العربي الحديث فوجدناه ناقصا كأخيه، لم يسد الفراغ، ولم يكمل النقص، قد أفرط القدماء في الغزل فأفرط المحدثون فيه، وقصر القدماء في وصف المناحي الإجماعية والنزعات القومية فقصر المحدثون فيه، وأصبح ناشئنا لا يجد الغذاء الكافي في القديم ولا في الجديد، فلك الحق أن تطلب من الزعماء وأن تطلب من الرسالة أن تدعوا الكتاب والشعراء أن يلتفتوا إلى وجوه النقص فيكملوها، حتى إذا احتاج الشباب إلى نشيد أو أناشيد وجدها، وإذا وقف موقفا يتطلب قصيدة في معنى من معاني القومية أو الحرية أنطلق بها لسانه، وإذا طرب لمنظر طبيعي في بلاده وجد القصائد قد قيلت فيه واستوفت محاسنه، وهكذا، ولك أن تطلب من كتاب الروايات أن يبحثوا عن نواحي الضعف في الحياة الإجماعية الشرقية، فيجلوها ويعالجوها، وأن يكون لهم نظر صادق في تعرف نفسيات الأفراد والجماعات فيحللوها، وأن يتجه الكتاب الاجتماعيون فيدرسوا أمراض قومهم، ويستخدموا الأدب في الخطب والمقالات تثير مشاعر الناس وتهيجهم، ليتخلوا عن رذيلة، ويستكملوا فضيلة، ويعالجوا نقصا، وينشدوا كمالا

لك الحق أن تنعى على الأدباء أن أكثرهم في الشرق لم يتجه هذا الاتجاه إلا قليلا، وانهم بين أن ينظموا في الأغراض القديمة ولا يحسنوها إحسان القدماء، وبين أن ينقلوا من الأدب الغربي ما فقد روحه، أو لم يتناسب وروحنا. وإلا فأين هو أدبنا القومي؟ وأين التغني بمناظر طبيعتنا؟ وأين الروايات الاجتماعية تصفنا؟ لا شيء من ذلك إلا القليل الذي لا يتناسب ونهضتنا الحديثة

أنا معك في هذا كله - ولكن لست معك في إنكارك: أن يكون الفن للفن، والأدب للأدب، ولست معك في أن تطلب أن يكون الأدب للحياة - فليس من شك في أن القطعة متى

ص: 11

استوفت عناصرها الأدبية كانت أدبا، مهما كان موضوعها الأخلاقي، وليس أحد ينكر أن قصائد أبي نؤاس الفاجرة الداعرة أدب، كما لا ينكر أحد أن الصورة العارية إذا أجيد تصويرها فن جميل، وان لم ترض عنها الأخلاق. فالأدب للأدب والفن للفن، ولكن هذا لا يمنع أن تكون سلطة المصلحين فوق سلطة الأدباء؛ فإذا رأى المصلحون أن ضربا من الأدب يحل الأخلاق ويفك عرى المجتمع، حاربوه بكل ما استطاعوا من قوة، وإذا رأوا أن ضربا من الأدب في الأمة ضعيف ويجب أن يقوى، طلبوا الإكثار منه بشتى الوسائل، وشجعوا عليه ومهدوا له السبل، وهذا هو موقفنا بالضبط. فقد كثر فينا ما نسميه بالأدب المائع كثرة تحل الأخلاق وتضعف الرجولة، وهذا الأدب المائع من غير شك أدب، وقد يكون أدبا راقيا، ولكن يصح أن نخضعه لنظر المصلح. فإذا كان المصلح الاجتماعي قويا ضرب على هذا النمط من الأدب ولو إلى زمن محدود، حتى تستكمل الأمة قوتها ورجولتها. ومثل الأدب في ذلك مثل العلم، فالأدب للأدب كالعلم للعلم - فان أردت بقولك أن الأدب لا يكون أدبا إلا إذا خدم الحياة فأنا مخالفك، وان أردت أن المصلحين والدعاة يجب أن يخضعوا الأدب لأغراض الحياة الصحيحة فإني موافقك.

وبعد - فقد غلوت يا أخي في رأيك، فلم ترد أن يكون في الأدب حب إلا من نوع خاص، وأردت من الأدب أن يكون قويا وقويا فقط، وبعبارة أخرى تريد أن تكون حياة الأدباء حياة حربية ليس فيها إلا القوة وما يبعث على القوة، ليس فيها زهرة جميلة ولا غزل ظريف، وأنا أخشى أن الأدب باقتصاره على القوة يفقد القوة، فان للنفوس سآمة، ويحسن أن يكون بجانب صوت المدفع والقنابل صوت العود والقانون. ولقد كنت أكتب في هذا الموضوع حتى إذا وصلت إلى هذا الموضوع شعرت بملل، فما هو إلا أن سمعت نغمة رقيقة من بيانو فأصغيت إليها حتى استكملتها فعادة نفسي إلى نشاطها - ألا يكون في هذا مثل صالح للحياة الأدبية؟ فجد وهزل، وتغن بالحرية، ونعي على الاستبداد، وتغزل في زهرة، وفكاهة حلوة. هذا يا أخي أصلح حتى من الناحية الجدية، فمن لم يله أبدا قصرت حياة جده وتقبضت نفسه، ولم يتحمل طويلا مرارة العمل، وأن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى. أحب أن تكون الحياة الأدبية كفرقة الموسيقى: لا طبلا فقط، ولا نايا فقط، بل هما وغيرهما، وعيب حياتنا الأدبية الحاضرة أنها رخوة فقط، فيجب أن يضاف إليها نغمات

ص: 12

القوة، لا أن تحل النغمات القوية وحدها محل النغمات الرقيقة، فأنا إن فعلنا ذلك كان الأدب أبعث على الحياة، وأحفظ للقوة، فطمئن نفسك ولا تأس على شاعر طال ليله وأرق جفنه حبيب أعرض عنه وابتسامة احتجب عنه نورها، فمن يدرينا لعل الحب كله من واد واحد، فمن أحب فتاته أسرع استعدادا لأن يحب أمته، ويحب ربه، ومن تحجر قلبه لم يبك على شيء.

وبعد فموقف (الرسالة) كما أفهم من مبادئها يجب أن يكون الدعوة إلى تكميل النقص في الأدب العربي، وحث قادته على أن يطرقوا من الأبواب ما نحن في أمس الحاجة إليه حتى يكون أدبنا صورة تامة لنا، وحتى يكون غذاء كافيا لمختلف عواطفنا، يجب أن يكون موقفها - فوق الموقف الأدبي، موقف المصلح، فترفض أن تنشر الأدب الساقط المرذول، المضعف للخلق، المفسد للرجولة، ولكن يجب كذلك أن تفسح صدرها لنوع من الأدب لا هو بالقوي الذي تتطلب الاقتصار عليه، ولا هو بالضعيف المائع، هو أدب الحب العف، والفكاهة الحلوة البريئة، والهزل يشف عن جد، والمزح مبطنا بعظة، ونحو ذلك، ففي التزام الجد خروج إلى الجفاء، وانحدار إلى الجمود.

هذا إلى أن الرسالة يجب أن تكون بجانب دعوتها إلى الإصلاح سجلا للنزاعات الأدبية على اختلاف أنواعها ما لم تكن النزعة مستهترة، تميط قناع الحياء، وتخرق حجاب الحشمة.

وأخيرا لك الشكر (يا أخي) على ما حوى كتابك من غيرة صادقة، وعاطفة نبيلة، وما أثرت من موضوع يستحق العناية، ويدعو إلى طول التفكير.

أحمد أمين

ص: 13

‌حول (الوضوح والغموض)

للأستاذ عباس فضلي خماس

روى لنا الدكتور طه حسين في مقالة (حول قصيدة) حادثة طريفة عن قصيد المقبرة البحرية للشاعر الفرنسي بول فاليري، وكان غرضه من استعراض ما دار بين أدباء فرنسة وشعرائها بعد ذيوع هذه القصيدة أن يطرق باب بحث طالما اشتاق الأدباء إلى طرقه وهو (مقياس فهم الشعر والأدب). وكان بحث الدكتور حائما حول هدف أساسي وهو (هل يحسن بالشعر أن يكون واضحا لا خلاف فيه، أو إن بعض الغموض فيه مغتفر بل مطلوب؟ وهذا المطلب في نظري جدير بالبحث والتمحيص إلى حد بعيد، ولعل المضي في استقصائه يؤدي إلى إظهار حقائق جديدة في عالم الأدب، تقلب أوضاعنا الراهنة رأسا على عقب، ويلوح لي أن التوسع في بحث هذا الموضوع بحثا مستفيضا دقيقا ربما انزل بعض أمراء الشعر وملوك البيان الذين اعتلوا في أذهان الناس العروش إلى الحضيض، وربما رفع بعض خاملي الذكر من الشعراء والأدباء إلى تلك العروش وقدم إليهم معتذرا صولجان الشعر والأدب الذي شاءت الأقدار أن يغتصب منهم اغتصابا.

لقد كتب علينا نحن أبناء هذا الجيل أن ندرس الأدب درسا آليا كدرس

المعادلات الرياضية والرموز الكيمياوية. وقد ترتب على طرز دراستنا

هذه أن نكون آليين في نظرنا إلى الشعر، آليين حتى في فهمنا إياه، بل

وفي طريقة تفهمنا. وهذه النتيجة خلقت فينا نزعة التقليد لا في مزاولة

الشعر والأدب فحسب بل في طريقة تفكيرنا وفي أساليب محاولتنا فهم

أغراضه ومراميه. مبتعدين في ذلك عن السنن الطبيعية الابتعاد كله.

فليسمح لي الأستاذ الكبير بشيء من الحرية فيما أعرض له.

الغموض في الشعر والأدب

للغموض في الشعر والأدب أسباب معينة واضحة؛ أولها ضعف الأسلوب في التعبير عن الشعور، وثانيها غرابة التعبير وعدم انطباقه على الطريقة المألوفة عند جمهور القراء.

ص: 14

وثالثها نقص جزء مهم في الصورة التي يتخيلها الشاعر ويريد إبلاغها إلى النفس. ورابعها ازدحام جملة من الصور الفكرية وتداخلها في رقعة واحدة ضيقة بحيث يتعب العين تبينها دفعة واحدة ويجهد الذهن تصور علاقة أجزائها بعضها ببعض. وخامسا إظهار القطعة الفنية قبل نضوجها في الفكر، وقبل اختمارها في النفس. وسادسا ابتعاد الصورة التي يرسمها الشاعر عن تصور الجمهور ومداركهم مما هو مألوف عندهم ومعهود لديهم في معارفهم ومشاعرهم الماضية والحاضرة، حتى في معارفهم ومشاعرهم التخيلية؛ وأجزاء الصورة الخيالية التي ترتسم في ذهن الإنسان تتكون في الحقيقة في المواد التي تتألف منها معارفه ومشاعره الماضية والحاضرة عينها

هذه هي العوامل الأساسية لغموض لغة الشعر والبيان إذا كنا نستند في بحثنا إلى الحقائق الصريحة. أما إذا أردنا أن نموه على القراء فنستطيع أن نقول ما يخرج عن نطاق هذه العوامل ونستطيع أن نرغم الناس على أن يتصوروا في القطعة المعقدة بسبب من الأسباب الآنف ذكرها غموضا ينطوي على إبداع فني، ونقول لهؤلاء الناس إن أذواقكم الفنية أحط من أن تصل إلى رؤية هذا الإبداع، وان مستوى شعوركم وتفكيركم، أوطأ من أن يدرك هذا الفن البديع المتلفع بهذا الغموض. .

لقد جاز الشعر والأدب أدوارا غريبة، ووجد الشعر والأدب في ظروف عجيبة، وكان العامل في هذه الغرابة وهذا العجب النقدة من الكتاب والأدباء، فقد لعب بعضهم أدوارا طمس فيها الحقائق وأبرز إلى الناس الغث سمينا وأرغمهم على اعتبار السمين غثا.

ولولا شعوذة هؤلاء النقدة ومهارتهم في تصريف الكلام ومقدرتهم في البيان لكان جمهور الناس يرون في ترتيب طبقات الشعراء والأدباء غير ما يرونه الآن. نعم لو ترك هؤلاء الكتاب الناس وشأنهم يقرأون الشعر بصورة طبيعية ويفهمونه كما هو المقصود منه، لما كنا الآن مرغمين على أن نؤمن بالأحكام الثابتة في المفاضلة والموازنة بين شاعر وشاعر أو بين أديب وأديب.

ولكن اعتدادهم بأنفسهم ساقهم إلى أن يقولوا مثلاً إن الشاعر الفلاني أراد بقوله كذا. . . كيت وكيت - ولم يقصد كيت وكيت.

ولعل أقوى حجة يتذرع بها من يرون تحت الشعر الغامض إبداعا فنيا، هي إن الإنسان إذا

ص: 15

جابه منظرا رائعا في ثوب جمال من مناظر الكون يرى في المرة الثانية فيه ما لم يره في المرة الأولى ويلتذ بما يراه في المرة الثالثة اشد من التذاذه بما رآه في المرتين الأولى والثانية. أما أنا فاعتقد أن هذه الظاهرة لا يصح على الإطلاق اتخاذها دليلا على اعتبار الغامض من الشعر ذا قيمة فنية.

فكل بديع في هذا الكون من منظر إلى صوت إلى شعر يلازمه الوضوح كيفما تكيف وتطور وتصور. والوضوح جوهر الجمال الحقيقي، أما (الغموض) بمعناه الذي يعرفه الناس فلا يجتمع مع الإبداع أو الجمال في صعيد واحد، وقد يجهد الإنسان نفسه ويكد ذهنه إذا سمع قطعة شعرية فيها شيء من الغموض، وقد يجد في هذا الإجهاد والكد لذة التوصل إلى الصورة الذهنية المقصودة. فليس من الضروري أن تعتبر هذه اللذة ناشئة من تلمس الإبداع، وإنما هي ناشئة من التوصل إلى نتيجة بعد إجهاد وكد.

لقد ذكر الأستاذ العقاد جملة عبارات يؤيد بها أن وراء الغموض في الشعر والأدب إبداعا فنيا، وكان من جملة ما ذكر أن الإنسان قد يقرأ كتابا غير مرة فيجد فيه كل مرة من المعاني ما لم يره في القراءات السابقة. وعندي أن تفسير هذهالحقيقة الراهنة هين، وعلتها واضحة لا غامضة. هذا إذا لاحظنا أن معارف الإنسان التي تنمي فيه شعوره وذوقه ومداركه تتبدل على الدوام وتتكيف حسب الظروف المختلفة التي يكون فيها. فالأثر الذي يتركه مطالعة كتاب في نفس الإنسان في وقت ما ذو علاقات متنوعة بشعوره وذوقه ومزاجه في ذلك الحين، وان الانطباعات التي تتولد في نفسه من معاني ذلك الكتاب تتناسب مع ما ذكرناه في ذلك الحين فقط. أقول في ذلك الحين فقط، لأن الشعور والذوق والمزاج ظواهر نفسية تتبدل وتتطور بالنظر إلى الظروف المحيطة بالإنسان. فليس ثمة غرابة إذا وجد الإنسان في مطالعاته المتوالية لكتاب ما معاني جديدة لم يكتشفها في مطالعاته السابقة. ولا ينبغي أن تعتبر هذه الصفة في الكتاب غموضا، لأن تبين جميع المعاني والمرامي المقصودة في الكتاب دفعة واحدة أمر مستحيل، ولا يتمكن الذهن من استيعاب جملة معان دفعة واحدة. والذهن مثل العين أو سائر الحواس. فكما إن عينك إذا وقعت على رقعة تحتوي على عدة أشكال لا تحيط بها جميعا دفعة واحدة ولكنها تتمكن من ذلك بتوجيه البصر إلى كل شكل بصورة خاصة، وكما أن الأذن إذا سمعت ألحانا مختلفة لا

ص: 16

يمكنها أن تؤلف بين هذه الألحان إلا إذا أنصتت لكل لحن على حدة، كذلك الذهن لا يتمكن من الوجهة السيكولوجية أن يدرك كل ما أودع في كتاب من معان دفعة واحدة، وهذا ما يجعل الإنسان يكتشف في قراءته المتوالية لكتاب واحد معاني جديدة.

ولكن الخاصة من الأدباء يأبون إلا أن يخترعوا لهذه الظاهرة الطبيعية النفسية اصطلاحا أدبيا وهو ما رمى إليه الأديبان طه والعقاد فأسموه: (بالغموض) فسرد لنا الأول قصة (المقبرة البحرية) للشاعر الفرنسي بول فاليري وتبسط في وصف ما دار حولها من مناقشات وآراء في غموضها وعدم اشتمالها على معان واضحة. فقال من جملة ما قال أن: (كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئا آخر أظنه أقوم وأجل خطرا من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفسادا ويقربه من الابتذال).

ولكن! إذا لم تتمكن القصيدة من بيان المعاني التي يودعها الشاعر فيها فهي إذن ليست قصيدة، ولك أن تسميها ما شئت.

إن لم تستطع أن تودع المعاني التي تريدها الألفاظ التي تقولها فأنت والصامت أو الهاذر سواء.

وما هو هذا - الشيء الآخر - الذي يظنه الدكتور أقوم وأجل خطرا من هذه المعاني؟:

(هو مذهب الشاعر في فن الشعر)

لا ريب في أن مذهب الشاعر في فن الشعر أجل خطرا من المعاني باعتبار أن العناية بالمذهب هي التي تقوي المعاني وتصقلها فتظهرها ناضجة واضحة براقة، ماضية في نفوذها إلى النفس.

ولا أدري كيف نوفق بين هذين النقيضين: ألا يتمكن الشاعر من إيداع المعاني التي يريدها في قصيدته، وهو بعد ذلك يستطيع أن يظهر مذهبه في فن الشعر.

ويظهر أن الدكتور بعد أن يصل به القلم إلى عبارة (ويقربه من الابتذال) يدرك أن ما أورده (غامض) للتناقض الظاهر فيه فيستدرك الأمر بأن يقول: (فهو يرى مثلا أن جمال الشعر يأتي من أنك تجدد اللذة الفنية في نفسك كلما جددت قراءته، ومن أنك تستكشف في

ص: 17

القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنونا جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها)

هذا صحيح إذا تمكن الشاعر من إيداع قصيدته الصور الذهنية التي تخلق للقارئ هذا الجمال، والصور الذهنية في الواقع سداها الألفاظ ولحمتها المعاني التي تبرز تراكيب هذه الألفاظ في عبارات وجمل

فجمال الشعر إذن يأتي من طريق مذهب الشاعر في فن الشعر إذا كان هذا المذهب خليقا بأن يظهر المعاني المقصودة بحلل قشيبة جذابة، ومذهب الشاعر في فن الشعر ليس أجل خطرا من المعاني إلا إذا تمكن الشاعر من أن يودع قصيدته المعاني أولا. وبتعبير آخر لا يمكننا أن نعترف للشاعر بمذهب (خاص كان أو عام) إن لم يودع القصيدة التي ينشئها المعاني التي يقصدها.

فإذا أنشأ الشاعر قصيدة وجاء الناس يتساءلون منه ماذا أراد أن يقول بهذه القصيدة، فهذه القصيدة أما أن تكون خالية من المعنى وأما أن يكون صاحبها عند نظمها مرتبك الأفكار والخواطر مزعزع الحس والشعور إلى حد انه لم يستطع أن يودع قصيدته معنى معينا. فإذا كنا نسمي هذا شاعرا ويعتبر ما يودع في منظوماته من أفكار مشوشة غير معينة ولا مفهومة (غموضا) ثم نتحرى تحت طيات هذا الغموض إبداعا فنيا يزينه إلينا خيالنا المحض، فيجب أن نعتبر عوام الناس طرا شعراء مبدعين بكل ما تمر بين شفاههم من عبارات مرتبكة يسوقونها عندما تثأر نفوسهم ببعض الظواهر والمشاعر. ويجب أكثر من ذلك أن نعتبر الجمل المرتبكة المتقطعة المبهمة التي يتمتم بها الطفل عندما يجابه منظرا غريبا أو حادثا جديدا غموضا ينطوي على إبداع فني.

وبهذا نكون قد أسرفنا في الإساءة إلى الفن والى الإبداع والى الشعر والبيان إساءة عظيمة

بغداد الآنف ذ

ص: 18

‌رسائل حزينة

هل كان حبهما خطيئة. .؟

أصحيح أنني ألقيت بهذا اللون من الرسائل الحزينة ظلالا شاحبة كئيبة على حياتك الباسمة بين أحضان الريف. وتحت سمائه الصاحية الجميلة. فان يكن ذلك حقا؟ وانك قد أصبحت تضيق ذرعا حتى بهذا القدر التافه من العزاء الذي أجده في الكتابة إليك ترويحا لقلب عان ونفس ثائرة مضطرمة، فقد ينبغي لك أن تعلم أن الشجرة التي انتصبت في الفضاء، تهزأ بالأعاصير والأنواء. ساخرة متحدية. حتى عريت من أوراقها وتحطم الكثير من أغصانها، ما يزال في جذعها الضخم العنيد، وأعراقها الراسخة القوية، ما يعينها على الصبر إلى نهاية المعركة، حتى ينجلي ليل محنتها قليلاً قليلا. ثم يطالعها في أعقابه فجر باسم حالم، ينبت فيها أوراقا بأوراق، وينشئ لها أغصانا بأغصان. ويومئذ تفيء الطيور إلى ظلها الوارف الظليل: لتملأ هذه الأجواء الحزينة شدوا شجى النغم حلو الرنين، يعيد إلى هذا القلب الذي هانت عليه آلامه فيضا دافقا من حلاوة المنى ولذة الأمل. وإذن فسأحتجن هذه الآلام من دونك بعد اليوم في صدري: فما يزال فيه قدرة على احتمال المزيد منها. وسأدير الحديث إليك في هذه الرسالة حول شخص لا تعرفه، قد آخت بيننا سهمة من الألم المشترك، وسأنفض إليك جملة حاله وجماع قصته علني أقف منك على رأي تراه له، لأنني - وأنت تعرف رأيي في المرأة - تحرجت من إبداء رأي قد يفسده ما أحسه اليوم في قلبي بسببها من جراح وندوب. والحق أنها قصة تعتبر تصويرا صحيحا لمشكلة من مشاكلنا الاجتماعية. أو قل إنها ثورة عنيفة على بعض تقاليد الأسرة المصرية وتحطيم لها. أو قل أنها استجابة حارة لهتاف الروح ودعوة القلب، وهي لهذا الذي أسلفت لك جديرة بشيء من العناية غير قليل.

انحدر إلى هذه الدنيا وحيدا لأبوين رزقاه على وجد للبنين بعدما كادت الأيام تشرف على ربوة العمر. فتهيأت له من هذه الناحية طفولة ناعمة مدللة أسلمته إلى دار من دور التعليم جعل يتخطى سني دراستها غير وان ولا متخلف، حتى وصل إلى السنة الثانية من دراسته في كلية الحقوق بالجامعة المصرية. وعندئذ بدأ الجدول العذب الذي كان يتسلسل في طريقه سهلا رفيقا يتحول إلى طريق ملتوية مليئة بالجنادل والأحجار. فقد توشجت بينه

ص: 19

وبين زميلين من رفاقه بالجامعة أواصر الصداقة والمودة. واتفقا معه في نظرهما إلى الحياة من ناحيتها العابثة الماجنة. فكانت لهم في ظلال الليل متع سعيدة بسامة. ينهلون من خمرين: ريق ورحيق، ويتساقون من كأسين: آونة من فم الإبريق، وأخرى من خلال شفاه وردية في حمرة العقيق، وجعل في هذه الغمرة المجنونة لا يدع واجبا مدرسيا إلا أهمله حتى فوجئ بالفصل من الجامعة بعد رسوبه في اختبار النقل عامين متواليين. وكانت الصدمة عنيفة قوية. والحسرة على ضياع مستقبله الجامعي لذاعة أليمة. وأخذت آماله التي كانت تضيق بها الدنيا تتضاءل وتنكمش حتى وسعتها مدرسة البوليس على كره منه ومضض. . وتخرج في هذه المدرسة ضابطا يختال بنجمته اللامعة ويلقى من التحية ألوانا كلما مر في طريقه بواحد من أولئك الجندالمساكين. . . وعاوده الحنين إلى المرأة غلابا قويا. وأخذت جوارحه تهتف بنداء الجنس فيستجيب لها في جنون وشغفإلى أن وضعت الأقدار في طريقه تلك المرأة التي أنا بسبيل من الحديث عنها الآن.

كان الفصل شتاء، والسماء عابسة يدوي في جوانبها الرعد، مظلمة يلتمع في حواشيها البرق، والليلة باردة الأنفاس، مقرورة النسمات، وكان الفتى على موعد مع رهط من أصدقائه في حفلة غنائية ذهب يشهدها، فاتفق له أن يجتاز في طريقه ميدانا صغيرا من ميادين القاهرة، فلمح على هامش الطريق فتاة تعبث الرياح الغاضبة بثيابها الفضفاضة عبثا منكرا قبيحا، تتململ في وقفتها الضارعة الذليلة. وترعش أوصالها تحت أضواء هزيلة يرسلها على الطريق مصباح باهت شاحب. فعرف أنها طريدة من طرائد الليل قد أتاحتها له الفرص السعيدة في هذه الليلة العصيبة. فمشى إليها جريئا يختال بنجمته اللامعة وسمته الرائع الجميل، وسدد إليها تلك النظرة التي تعرف المرأة وحدها سر ما تنطوي عليه. فأغضت حياء وقد اصطبغ وجهها بلون الورد في زمن الربيع. . واستقل معها عربة إلى مسكنه الخالي إلا من خادم ريفي يتوفر على خدمته والعناية بشأنه. وهناك في تلك الخلوة التي تهيج في المرأة أشجانها المستورة، وتثير عواطفها المكمودة، ترقرق الدمع في مآقيها وجعلت تفضي إليه بودائع قلبها الدامي الجريح في لهجة محزونة تنتزع من أصلب القلوب ألوانا من العطف والإشفاق والرثاء. . . عرف أنها واحدة من تلك الضحايا البريئة التي غلبت على أمرها في خلوة مجنونة عابثة. مأخوذة بمعسول الأماني وبواسم الأحلام. زين

ص: 20

لها لص من لصوص الأعراض سحر الخطيئة. فأكلت من الشجرة الملعونة ثم تنكر لها. وعلم أهلها بعارها فنبذوها، وعضها الجوع وأذلتها الحاجة، فخرجت إلى الطرقات دامعة العين مصدوعة القلب غير مستعصية على طالب متعة لقاء ثوب تلبسه، وفضلة من طعام تأكلها. ولقد هتفت بكل ما فيه من رجولةورحمة أن يستبقيها في بيته خادما ترعاه وتعبده، وأن يمسك عليها تلك البقية الباقية من شباب ذبلت زهرته، وحياء كادت تأتي عليه عوادي الليل وأحداث النهار. . . . . . فتجمعت الدموع في عيني الشاب عطفا عليها ورثاء لها. وبدأت تخامر قلبه من نحوها عاطفة مجهولة غامضة. عاطفة إن لم تكن حبا فهي قريبة من الحب. وأجمع أمره على أن يعصمها من السير في هذه الطريق الشائكة الملتوية. وسيشعرها في جواره هناء الحياة ولين العيش. وحسبها تكفيرا عن زلتها ما لاقته من أهوال وخطوب.

ولبثت في بيته عاما كاملا لا تكشف الأيام منها في خلاله إلا عن كل ما يملك القلب ويأسره، خلق رضي كالماء رقة وعذوبة ووفاء يسمو إلى حد التضحية. وعرفان للجميل أحبته من أجله حبا هو أشبه بالعبادة والتقديس منه بأي عاطفة أخرى. وأحس الشاب إحساسا عميقا بهذا كله فبادلها حبا بحب، ووفاء بوفاء. وأقدم على الزواج منها زواجا رسميا ترامت أخباره في الريف إلى أبويه وهو وحيدهما. فجن جنونهما وثارا به ثورة عنيفة لم يجد في تهدئتها توسل ولا رجاء. وآذناه بالقطيعة والحرمان من ثرائهما العريض إن هو لم يفصم تلك الروابط التي تربطه بهذه المرأة الآثمة كما نقل إليهما خادمه الريفي الذي هجره من عهد قريب.

وبعد. . . فهل يهدم الشاب هذا العش الجميل الذي يتذوق فيه السعادة خالصة والنعيم محضا ليجدد على أنقاضه مودة أبوية. وليرضي تقاليد الأسرة العريق التي ينتمي إليها، ويرسل تلك المرأة التي تعبده الآن وتسعده، لتحيا من جديد حياة كلها عار ورجس ودنس. أم تراه يمسك عليه زوجه ويدع للأيام أن تبلي غضب أبويه كما يبلي في هذه الحياة كل شيء. . . . هذا هو الموضوع. ويسعدني أن أشرك معك أيها الصديق في إبداء الرأي كرام الكاتبين من قراء (الرسالة) العظيمة.

عبد الوهاب حسن

ص: 21

‌مذهب النشوء وإخوان الصفا

نشوء الكائنات (الأحياء الدنيا تنشأ أولا) التخصص في الأعضاء دليل الرقي (الوظيفة توجد العضو) تنازع البقاء ووسائله (الغريزة الجنسية وحفظ النوع) الحواس وحفظ الذات (الجمال مسخر لحفظ النوع) البقاء للأصلح (تنازع البقاء وسيلة للرقي) التعاون وسيلة للرقي.

لم يكن دارون أول من اهتدى إلى مذهب النشوء وتوابعه، ولم ينفرد

وحده بالتنبه إليه. فاليونان وغيرهم من الأمم القديمة قد لمحوا إليه

وبحثوه بقدر ما كانت تساعدهم معارفهم ووسائلهم العلمية. وتنبه إليه

العرب، فطبقه ابن خلدون في مقدمته على نشوء العمران وانحلاله.

وشعر المعري بما يدعونه تنازع البقاء فحفل بالإشارة إليه شعره.

وأخيرا إخوان الصفا فجاءونا بما يجعل هذا الفصل خليقا بهذا العنوان

جاءنا إخوان الصفا بأن هذه الكائنات المختلفة من معادن ونبات وحيوان هي سلسلة متماسكة الحلقات شديدة الإندغام بعضها في بعض. وانه ليس ثمة حدود فاصلة أو مراحل متقطعة بين الحلقة وتاليتها. (المعادن متصل أولها بالتراب وآخرها بالنبات، والنبات أيضا متصل آخره بالحيوان، والحيوان متصل آخره بالإنسان، والإنسان متصل آخره بالملائكة) وهم في هذا على أشد ما يكون من الإقتناع. ورسائلهم حافلة بهذه الفكرة يبدئون فيها ويعيدون كأن الإشارة المفردة عندهم لا تنيلهم ما يصبون إليه من إقناع

كذلك يقول إخوان الصفا - وقولهم حق -: (إن الحيوانات الناقصة الخلقة متقدمة الوجود على التامة الخلقة بالزمان في بدء الخليقة، وذلك أنها تتكون في زمان قصير. والتي هي التامة الخلقة تتكون في زمان طويل لأسباب وعلل يطول شرحها) هنا لا يختلف إخوان الصفا عن نشوئي هذا العصر القائلين بأن الحياة قد بدأت بأحط أنواع الأحياء وأبسطها تركيبا. والقائلين أيضا بأن الطبيعة تصرف على الحيوانات الراقية جهدا فوق ما تصرفه على الحيوانات الدنيا، ولذا فأنسال هذه كثيرة وأنسال تلك قليلة.

ويشير إخوان الصفا إلى أن التخصص في الأعضاء دليل على الرقي في سلم النشوء،

ص: 23

ويطبقون ذلك على النبات والحيوان فيقولون: (وأما النخل فهو آخر مرتبته النباتية مما يلي الحيوانية، لأن بعض أحواله مباين لأحوال النبات. ذلك أن القوة الفاعلة فيه منفصلة عن القوة المنفعلة، والدليل على ذلك أن أشخاص الفحولة منه مباينة لأشخاص الإناث. ولأشخاص فحولته لقاح في إناثها كما يكون ذلك الحيوان)

ثم يقولون: (أعلم أن أدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة وهو الحلزون. . . وهكذا أكثر الديدان التي تكون في الطين في قعر البحر وعمق الأنهار ليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم)

وإذ يقر إخوان الصفا هذه الحقائق يتقدمون خطوة أخرى جريئة ويساهمون دارون في أن الانتخاب الطبيعي يفني كل عضو لا فائدة للجسم منه، ويوجد الأعضاءالتي تفيد الجسم في تنازع البقاء:(لأن الحكمة الإلهية لم تعط الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جر المنفعة أو دفع المضرة، لأنه لو أعطاها ما لا تحتاج إليه لكان وبالا عليها في حفظها وبقائها)

ويزيدون هذه الفكرة جلاء فيأتونها من ناحية أن الوظيفة توجد العضو فيقولون: وأما السباع الآكلة اللحمان فأن خلقتها وطباعها وتركيب بعض أعضائها الظاهرة والباطنة وأمزجتها وشهواتها مخالفة لما عليها الحيوانات الآكلة العشب. وذلك أن الباري لما خلقها وجعل غذاءها من اللحمان جعل لها أنياباً صلاباً ومخالب مقوسة، قوية وأزنادا أيد متينة، ووثبات خفيفة تستعين بها على قبض الحيوانات)

بعد هذا يتقدم إخوان الصفا بجرأة ويقررون: (إن شهوة البقاء وكراهية الفناء هما أصل وقانون لجميع شهوات النفوس المركوزة في جبلتها، وأن تلك الشهوات هي أصول وقوانين لجميع أخلاقها وسجاياها) وهكذا يبين إخوان الصفا في هذه الجملة الفذة أن جميع الغرائز الحيوانية هي أداة التنازع على البقاء الذي يظهر في شطريه: التنازع على حفظ الذات، والتنازع على حفظ النوع: ليس هذا فقط بل يرجعون بالأخلاق والسجايا الإنسانية إلى هذين الحافزين الأكبرين. وهي في الحقيقة نظرة في الغاية من النفوذ والإصابة، فالأخلاق والمزايا الإنسانية ما كانت لتنشأ وتشتد لو لم يكن التنازع على البقاء وحفظ النوع أقوى الحوافز الإنسانية. واليك جميع الفضائل والأخلاق الإنسانية، افحصها فحصا مدققا وجردها من النظرة التيولوجية فتجد أنها جميعها تمت إلى حفظ النوع وحفظ الذات بسبب شديد

ص: 24

وإذا ما انتهى إخوان الصفا من تقرير هذا القانون على ذلك النحو من الشمول والإجمال عادوا إلى التفصيل فقالوا: (أما علة شهوة الجماع المركوزة في الجبلات فهي من أجل التناسل، والتناسل من أجل بقاء الصورة في الأشخاص المتواترة. .)

وهم - كعلماء النشوء - لا يبالون أن ينزلوا بإحساس الجمال من منزلة الرفيع ويحسبوه أداة تسخرها القدرة لحفظ النوع، فيقولون على لسان الحيوان معارضاً ومناظراً الإنسان:(وأما الذي ذكرت أيها الأنس من حسن الصورة وافتخرت بهعلينا فليس فيه شيء من الدلالة على ما زعمت بأنكم أرباب ونحن عبيد، إذ كان حسن الصورة شيئا مرغوبا فيه عند أبناء الجنس الواحد من الذكور والإناث ليدعوهم ذلك إلى الجماع والتناسل لبقاء النسل، وذكر أننا لا نرغب في محاسن إناثكم ولا إناثنا في محاسن ذكرانكم، كما لا يرغب السودان في محاسن البيضان). ولا يفوتنك في آخر القطعة الطريفة إشارة الأخوان إلى أن الجمال أمر نسبي يقدره الناس تقديرا متباينا. ونظرية نسبية الجمال نظرية مشهورة يقول بها كثيرون من الباحثين في فلسفة الجمال

وكما يحسب الإخوان أن الغريزة الجنسية مسخرة لحفظ النوع كذلك هم يقررون أن الحواس مسخرة لحفظ الذات فيقولون: (قصد الله وغرضه في الحيوانات ليس عقوبة لها وعذابا بل حثا لنفوسها على حفظ أجسادها وصيانة لها، ولو لم يكن ذلك كذلك لتهاونت النفوس بالأجساد وخذلتها وأسلمتها إلى الهلاك. . . فلهذه العلة جعلت الآلام والأوجاع للحيوان لتمكنه من البقاء أما بالحرب أو بالهرب)

وبعد أن يفرغ إخوان الصفا من هذا القانون - قانون تنازع البقاء - وذكر وسائله وأدواته يعودون فيقولون: إن هذا التنازع لا يكون الفوز فيه إلا للأصلح، أما الضعيف فيجب أن يفنى أمام القوي:(لأنه لما كان بعض الحيوانات أتم خلقة وأكمل صورة جعلت النفس الناقصة خادمة ومسخرة للتامة، وجعلت أجسادها غذاء ومادة لأجساد الناطقة منها وسببا لبقائها لتبلغ أتم غاياتها). أما الغرض من ذلك كله (فهو النفع الكلي والصلاح العام، وان كان يحصل في ذلك أضرار جزئية. مثال ذلك أن الشمس تشرق وتغيب للمنفعة العامة، ولكن قد يكون في ذلك ضرر يقع على أناس مخصوصين)

إلا أن إخوان الصفا لا يقفون عند هذا الحد ولا يكتفون بالقول بأن قانون التنازع وحده أداة

ص: 25

الرقي والنشوء أيضا، بل هم كعلماء النشوء يحسبون أن التعاون لا يقل شأنا في مضمار التقدم والنشوء عن التنازع. فهم يقولون: إن ما جعل في طباع بعض الحيوانات من الألفة والأنس والمودة هو ليدعوها إلى الاجتماع والمعاونة لما فيه من صلاحها وكثرة منافعها.

هذه لمحة موجزة في آراء إخوان الصفا النشوئية، وهي على كل حال لا تمثل إلا ناحية ضيقة من هذه الآراء التي يبثها إخوان الصفا في رسائلهم المعروفة. والذي لا يزال حريا بالدرس من آرائهم هو شيء كثير. وإنني لعلى رجاء بأن تغري هذه الصفحات قارئها بالنظر في رسائل الإخوان، فأنه - وأنا الكفيل - سيأخذ أجوره نقدا صحيحا لا زيف فيه. لست أنكر أن قسما كبيرا من هذه الرسائل صحراوات لافحة لا ظل فيها ولا ماء. ولكنني، من جهة أخرى، أستطيع أن أقول: أن الواحات تنتشر في هذه الصحارى انتشارا كبيرا، فلا يعدم القارئ في سيره واديا هنا أو واحة هناك يستظل أفياءها ويتبرد بنسيمها وينهل من مائها فيستجمع قواه ويعاود السير كأقوى ما يكون. وبذا يفيد فائدتين: فائدة أنه يأخذ نفسه برياضة تعوده السير الطويل المتعب، وأخرى أنه يشهد آفاقا لا عهد له بها ولم تطأها قدماه من قبل فيما نعتقد.

ولعلنا، إذا أفسحت لنا (الرسالة) الغراء صدرها، عائدون إلى إخوان الصفا ومفصلون لك آراءهم في كثير من المسائل كعلم النفس والتربية والأخلاق، فأن لإخوان الصفا في هذه النواحي آراء هي في الغاية من الطرافة والإصابة.

شرق الأردن. أديب عباسي

ص: 26

‌قلوب تتقلب!

نشأت في كنانة حول الطائف ومكة، وقد باكرها النعيم فشبت صحيحة جميلة، ورضعت أفاويق البلاغة من قومها، فنشأت فصيحة بليغة، خطبها سيد قرشي، من أشراف مكة وعصبة النبي، وبنى بها فطاب حالهما، وصفا عيشهما. وقرأ في المدينة زمنا أسعدهما الله فيه بغلامين كانا بهجة النظر وأمنية الفؤاد.

اختار (الأمام علي) زوجها ليكون عاملا له على (اليمن) يجبي خراجها، ويقوم بشعائر الدين فيها، فابتهجا بالمنصب الرفيع والحظ المقبل، وانتقلت الأسرة إلى مقرها الجديد إلى اليمن، واليمن جنة العرب وروضة الجزيرة. هواءها رخي وتربها ندي، وفاكهتها كثيرة، وجدا فيها مجالا للمتعة، ومراحا لطفليهما العزيزين يطلقانهما في الصباح لينعما بشمس الشتاء الضاحية، ويتمتعا بمناظر الوديان، ومظاهر الجنان، وقد حل فيهما من بهجة الأزهار، ونغمة الأطياف وانعطاف الأغصان، وانسجام الظل، مشابه؛ فاستحار جمالهما، وتمت آدابهما، واستوليا على كل قلب، واختطفا النظر من كل عين.

غاب أبوهما عن مدينته لبعض شؤونه، وخرجا كعادتهما يتنزهان وإذا رجل يقبل عليهما مسترق الخطى، ويتلطف بهما ويغريهما بالسعي معه، وإذا به يقبض عليهما ويكم أفواههما، واذا به قد انتضى سكينا مرهفة وقضى عليهما، ثم أطلقها ضحكة عالية قائلا:

(الآن تمتع بالحياة يا عبيد الله!)

انتظرت (جويرية الكنانية) ولديها يؤوبان إليها مع الغداة، ولكنهما تأخرا على غير عادتهما، فتربصت طويلا، منصتة إلى بابها لعل طارقا يطرقه، وكلما لعب به الريح هرولت إليه وفتحته باسطة ذراعيها، ولكنها في كل مرة تعانق الهواء، ولما فرغ فؤادها دفعت خادمتها لتقصهما، وما كادت الخادمة تسير خطوات حتى اندفعت وراءها سافرة حائرة، وطافت بمعاهد البلد وملاعبه، وكل فتى تتوسمه فتاها، وكل ندي تظنه قد حواهما، ولبس الأصيل ثوبه المعصفر، وزحف الليل بسواده وما رجعت بطائل غير هم ملأ قلبها وأسى قلقل كيانها، ومضى يوم ويومان وثلاثة وهي تطوف وتقول:

ألا مَنْ بيَّنَ الأَخويْ

ن أُمُّهُمَا هي الثكلى

تسائلمنرأى ابنيها

وتستبقيفماتبقى

فلما استيأست رجعت

بعبرةوالهٍحَرَّى

ص: 27

تتابع بينولولةٍ

وبين مدامع تترى

وفي كل يوم تزيد شدتها وتذكو سكرتها ويضيق أفقها. وفي ساعة اقتحمت عليها السبيل فتاة، وأخبرتها بما سمعت عن فعل (بسر ابن أرطاة) بولديها. فأن معاوية أخرجه لينكل بشيعة علي، فمضى في سبيله حتى انتهى إلى اليمن، ولما لم يجد عاملها يتلقى عقارب كفه اقتص من ولديه وذهب بشفرته.

وكان هذا كافيا لفقدان وعيها، وطيران عقلها، ولكنها أبت أن تصدق، وألا فكيف يموت عزيزان في لحظة، ثم هامت على وجهها، تناشد المواسم والمجامع بقولها:

يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما

كالدرتيْنتشظّى عنهماالصدفُ

يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما

سَمعْي وطرفي فطرفي اليوم مختَطَف

يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما

مُخُّ العظامفمخي اليوممزدهف

نُبِّئْتُ بُسْراً وما صدّقت ما زعموا

من قولهم ومن الأفك الذي اقترفوا

أنحىعلىودَجَىطْفليّ مرهفةً

مشحوذةًوعظيمالإفكيقْتَرَف

مَنْ دَلَّ وآلهةًحريّ مُفجَعَّة

على حبيبيْن غاباإذ مضى السَّلَف

أما عبيد الله بن العباس فقد انتزع منه حشاه، عزف عن الدنيا وأحس زخرفها شوكا ففارقته الهناءة كما تنبأ بسر بذلك.

آه لو ملك القاتل! إذن لنبش عن قلبه وان لم يكن من قبل فظاً. آه من معاوية ورهطه! قوم غرب الإيمان من قلوبهم واشتروا دنياهم بدينهم. آه! وآه على نجمين قد أفلا في ساعة من نهار. هذا ما يثور بفؤاده.

تبدل برجل آخر سقيم الجسم دقيق العظم مشتعل الرأس. وشاطره همه ابن عمه علي ولعن القاتل ودعا عليه بالجنون والمروق وأجاب الله دعوة وليه، فإذا بسر مخبول يهذي ممسكا بسيف من خشب وزق من جلد منفوخ ما يفتأ يضربه بسيفه حتى تهن قواه، وكان خبله يقوى تارة ويضعف أخرى

مضت سنوات ودخل بعدها عبيد الله على معاوية أبان ملكه، وكان عنده بسر، فقال له عبيد الله:(أأنت قاتل الصبيين أيها الشيخ؟) قال بسر: (نعم أنا قاتلهما) فقال عبيد الله: (أما والله لوددت أن الأرض أنبتتني عندك) قال بسر: (فقد أنبتتك الآن عندي) قال عبيد الله: (ألا

ص: 28

سيف؟) فقال بسر: (هاك سيفي). فلما أهوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال لبسر: (أخزاك الله شيخا، قد كبرت وذهب عقلك، ذاك رجل من بني هاشم وقد وترته وقتلت ابنيه، تدفع إليه سيفك؟ انك لغافل عن قلوب بني هاشم. والله لو تمكن منه لبدأني قبلك.) فقال عبيد الله: (أجل والله وكنت أثني به.)

أحمد أحمد التاجي

ص: 29

‌الصهيونية

نشأتها وتطورها

2 -

بعد عهد بلفور

للأستاذ محمد عبد الله عنان

أصدرت الحكومة البريطانية عهدها بإنشاء الوطن القومي اليهودي (عهد بلفور) في الثاني من نوفمبر سنة 1917 كما قدمنا، بينما كانت القوات البريطانية بقيادة لورد اللنبي في طريقها إلى بيت المقدس. وفي التاسع من ديسمبر استولى الإنكليز على بيت المقدس؛ وبدأت سيادة إنكلترا على فلسطين من ذلك التاريخ، وبدأ تنفيذ مشروع الوطن القومي اليهودي بصورة عملية. وتلا عهد بلفور صدور تصريحات ووقائع رسمية من مختلف دول الحلفاء بتأييد أماني الصهيونية، ومشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين

وفي مؤتمر سان ريمو سنة 1920 وزع (الانتداب) على بلاد الشرق الأدنى التي سلخت عن تركيا. فكانت فلسطين وشرق الأردن والعراق من نصيب بريطانيا العظمى. وفي سبتمبر سنة 1922 صادق مجلس عصبة الأمم على صك الانتداب على فلسطين متضمنا في ديباجته المصادقة على عهد بلفور بإنشاء الوطن القومي اليهودي؛ ونص فيه على إنشاء هيئة يهودية ذات صفة رسمية يحق لها أن تسدي الرأي لحكومة فلسطين وتتعاون معها في جميع الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها مما يتعلق بإنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح اليهود في فلسطين، وتتخذ بالاتفاق مع الحكومة البريطانية جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق التعاون بين جميع اليهود الذين يريدون الإشتراك في إنشاء الوطن القومي اليهودي (المادة الرابعة). ونص على تسهيل الهجرة اليهودية واستعمار اليهود للأراضي (المادة الخامسة) كما نص على جعل اللغة العبرية لغة رسمية في فلسطين إلى جانب العربية والإنكليزية (المادة الثانية والعشرون) واستثنيت منطقة شرق الأردن وجعلت منطقة خاصة لا يطبق عليها شيء من النصوص المتعلقة بالوطن القومي اليهودي.

وفي سنة 1923 تنازلت تركيا في معاهدة لوزان عن كل حق على فلسطين وغيرها من الأراضي التي وضعت تحت الانتداب، واعترفت بالانتداب البريطاني على فلسطين، وتمت بذلك سلسلة الوثائق الدولية التي تؤيد السيادة البريطانية على فلسطين، وتؤيد إنشاء

ص: 30

الوطن القومي اليهودي فيه.

ولنر الآن كيف عملت الصهيونية في فلسطين بعد أن مكنت من غزوها، وكيف نفذ مشروع الوطن القومي اليهودي، والى أين وصل وإلام ينتهي اليوم؟

كان برنامج مؤتمر بازل الذي أتينا على ذكره دستور الصهيونية عملت على تنفيذه في فلسطين عن طريقين: الأول الاستعمار الزراعي والاقتصادي، والثاني إحياء تراث اليهودية الروحي والفكري. والأول سلاح اليهودية المادي لغزو فلسطين والاستقرار بها. وقد بدأت بإعداده واستعماله منذ بعيد. فمنذ أواخر القرن الماضي أنشئت في فلسطين بعض المحلات والمستعمرات الزراعية اليهودية بسعي بعض الماليين اليهود. . . ومنذ سنة 1901 أنشئ (الاعتماد القومي اليهودي) في لندن ليجمع الأموال من اليهود في جميع أنحاء العالم. ومنذ عهد بلفور يسير الاستعمار اليهودي لفلسطين بخطوات سريعة. وتعتمد الصهيونية في ذلك على هيئتين ماليتين قوميتين الأولى (الاعتماد القومي اليهودي) المذكورة، ومهمتها شراء الأراضي الزراعية في فلسطين. والثاني (الكرن هيسود) ومهمتها أن تقدم الأموال اللازمة للمهاجرين لتسهيل الاستعمار والاستقرار والتربية وما يتعلق بها. وتطبيقا لعهد بلفور وصك الانتداب فتح الإنكليز أبواب فلسطين على مصاريعها للهجرة اليهودية، فوفد عليها اليهود آلافا مؤلفة من جميع أنحاء العالم، واشترى اليهود مساحات شاسعة من الأراضي في جميع أنحاء فلسطين، وأقيمت عليها المستعمرات اليهودية الزراعية والصناعية. وقامت (اللجنة التنفيذية الصهيونية) في بيت المقدس لتنظم الاستعمار اليهودي بمعاونة حكومة فلسطين تطبيقا للمادة الرابعة من صك الانتداب، واستأثرت لدى الحكومة بكل نفوذ، واستولى اليهود على معظم المناصب الهامة؛ وعلى الجملة استطاع اليهود في أعوام قليلة أن يستأثروا بأعظم قسط من مرافق فلسطين الجوهرية اقتصادية وغيرها

هذا، وقد بذلت الصهيونية جهودا عظيمة لأحياء تراث اليهودية الفكري والروحي، فأنشئت في ظاهر بيت المقدس منذ سنة 1925 جامعة عبرية كبيرة تعمل على إحياء هذا التراث؛ وأنشئت مكتبة يهودية عظيمة، كما أنشئت طائفة كبيرة من المدارس اليهودية في جميع أنحاء فلسطين، جعل التعليم بها باللغة العبرية؛ واتخذت العبرية إلى جانب العربية

ص: 31

والإنكليزية لغة رسمية للتخاطب والمعاملات، وأنشئت عدة صحف يهودية عبرية، وبذلت على العموم مجهودات عظيمة لأحياء الثقافة والتقاليد اليهودية

وهكذا سارت الصهيونية في إنشاء الوطن القومي اليهودي بفلسطين بخطوات سريعة تسدد كل خطوة منها الملايين الطائلة، والسياسة الإنكليزية من ورائها تؤيد جهودها وتحمي مرافقها ومشروعاتها.

وقد بلغ الاحتشاد اليهودي في فلسطين مبلغا عظيما؛ فقبل عهد بلفور لم يكن عدد اليهود بفلسطين يزيد على بضعة آلاف معظمهم من اليهود المحليين، ولكن عددهم حسب إحصاء سنة 1922 بلغ 87، 794 من مجموع قدره 757 ألفا؛ وبلغ حسب إحصاء سنة 1929 - 149، 554 من مجموع قدره 794، 906 آلاف - ويبلغ اليوم حوالي مائتي ألف من مجموع قدره مليون نفس. وأعظم احتشاد يهودي في (مدينة) تل أفيف وهي مدينة يهودية محضة أنشئت على الطراز الأوربي، ويبلغ سكانها اليوم زهاء ستين ألفا. والهجرة اليهودية ما زالت تتدفق على فلسطين بنسبة مزعجة ولا سيما عقب حوادث ألمانيا الأخيرة، حيث اضطرمت خصومة السامية من جديد ولقي اليهود نوبة اضطهاد جديدة شاملة.

وقد يلوح مما تقدم أن الصهيونية قد أحرزت نجاحا لا شك فيه، وان الوطن القومي اليهودي يقوم اليوم في فلسطين على أسس ثابتة، وان حلم هرتسل في قيام دولة يهودية موحدة يسير نحو التحقيق. ذلك أن الصهيونية قد استطاعت من الوجهة الدولية أن تحصل على العهود والمواثيق اللازمة للاعتراف بالوطن القومي اليهودي كوحدة سياسية ذات وجود، وعلى الضمانات الكفيلة بتأييده وحمايته، واستطاعت من الوجهة المادية أن تقوم في فلسطين بطائفة كبيرة من الجهود المادية والإنشائية لإقامة هذا الوطن القومي طبق ما فصلنا. ولكن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن الحركة الصهيونية تقوم من الوجهة التاريخية والدولية على أسس وبواعث فاسدة مضطربة، وجهودها في سبيل إنشاء الوطن القومي اليهودي تسيرها في الواقع عوامل مصطنعة. ثم هي بعد هذه الجهود كلها لا تستطيع أن تطمئن لمصيرها في فلسطين، ولا تستطيع أن تغفل إرادة العرب بعد أن تجلت هذه الإرادة أكثر من مرة قوية متقدمة بتحطيم هذا الصرح اليهودي المصطنع. ذلك أن الصهيونية الحديثة لم تكن مستقلة النشأة، وإنما كانت بالأخص نتيجة لخصومة السامية أو حركات الاضطهاد ضد

ص: 32

اليهود في أوربا، وكانت وما زالت تتبع هذه الخصومة قوة وضعفا، فإذا اضطرمت خصومة السامية، اضطرمت الصهيونية بفورة مؤقتة من الحماسة، وإذا خبت فتر روح الصهيونية المعنوية. وفكرة الوطن القومي اليهودي تقوم من الوجهة التاريخية على أن أرض فلسطين كانت قبل ألفي عام وطن الشعب اليهودي ومهاد مجده، وإنها ما زالت برغم كر الأحقاب مثوى تراثه الروحي وذكرياته المقدسة. وهي فكرة ظاهرة الخطل والإغراق؛ ففلسطين عربية إسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا، ولم تعرف خلال هذه الآماد الطويلة من أثر اليهودية سوى ذكرى التاريخ؛ ولو كانت ذكرى التاريخ تصح سندا لاستعادة الأوطان الغابرة لما كان لشعب أن يبقى اليوم في الأرض التي يحتلها. واليهودية لا وطن لها منذ ألفي عام؛ وقد استقرت منذ الحقب أشتاتا في سائر أنحاء الأرض، وفقدت لغتها وكثيرا من خواصها ومميزاتها القومية؛ ولم تبق اليهودية جنسا موحدا، وإنما هي دين فقط. وقد كان مزجها بين فكرة الدين والجنس من أهم عوامل اضطهادها، لأنها برغم نزولها في مختلف الأوطان وتأثرها بمؤثرات الإقليم والوسط، تأبى إلا أن تعيش دائما في معزل، وتنكر دائما جنسيتها المكتسبة بتعاقب القرون، وتتخذ دائما من الدين جنسية مستقلة. وقد كان هذا الفهم الخاطئ لنظرية الجنسية موضع الإنكار والنقد من بعض مفكري اليهودية الممتازين مثل مندلزون ولسبخ، فقد رأوا أن تتخذ اليهودية أوطانها القومية حيثما حلت مع احتفاظها بتراثها الروحي.

هذا، ومن جهة أخرى فان الصهيونية لم تحسب حساب العرب؛ وقد رأت بالأدلة المادية أن التأييد المسلح الذي أخذته بريطانيا على نفسها لا يكفي لسلامة الوطن القومي اليهودي، وان إرادة العرب أصحاب البلاد يجب أن يحسب لها أكبر حساب. وقد ظهرت هذه الإرادة قوية مضطرمة في حوادث أغسطس سنة 1929؛ ثم ظهرت في حوادث فلسطين الأخيرة التي جاءت أقطع حجة على أن فلسطين العربية ما زالت تجيش بقوى معنوية لا تقدر. وهذه الانفجارات القومية القوية التي تضطرم بها فلسطين من وقت لآخر هي وثبات شعب يريد الذود عن حياته وكيانه. فقد رأينا كيف نزعت أراضي العرب من أيديهم، وكيف سلبوا كل مرافقهم ومصالحهم الجوهرية، وكيف فتحت بلادهم لتلقي سيل الهجرة اليهودية تنفيذا لعهد بلفور وصك الانتداب. وقد أقرت لجنة التحقيق البريطانية التي انتدبت على أثر حوادث

ص: 33

سنة 1929 عدالة كثير من المظالم التي نزلت بالعرب، ولا سيما مسألة الأراضي ومسألة الهجرة اليهودية. ولكن السياسة البريطانية لم تغير شيئا من مسلكها، وما زالت تؤيد غزو الصهيونية لفلسطين بكل قواها. وقد وصل اقتناء اليهود لأراضي العرب في العهد الأخير ووصلت الهجرة اليهودية إلى حدود خطرة، وشعر العرب بالضغط عليهم وعلى مرافقهم يشتد إلى الغاية، فكان الانفجار الأخير؛ وكان أن أثبتت فلسطين مرة أخرى أنها ستقاوم هذا الغزو البربري المنظم بكل ما وسعت من قوة؛ وشعرت اليهودية مرة أخرى أن الوطن القومي اليهودي إنما هو لعبة خطرة لا تزال تنقصها كل عناصر السلامة والطمأنينة؛ وكان لحوادث فلسطين الأخيرة وقع عميق في العالم العربي والإسلامي كله؛ فعرفت اليهودية مرة أخرى أن فلسطين لا تقف وحيدة في ميدان النضال، وان من ورائها الأمم العربية والإسلامية كلها تشد أزرها بجميع قواها المعنوية؛ وعرفت اليهودية مرة أخرى أن الوطن القومي اليهودي لا يقوم في قلب فلسطين فقط، وإنما يقوم في قلب العالم العربي والإسلامي كله على بركان من الخصومة المشتركة، وان عليها إذا أرادت البقاء في فلسطين أن تتأهب لمنازلة العالم العربي والإسلامي كله.

ص: 34

‌الشافعي واضع علم أصول الفقه

للأستاذ مصطفى عبد الرزاق

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب

الشافعي هو أحد الأئمة الأربعة الفقهاء: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي المتوفى سنة (1500هـ - 767م) وأبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني المتوفى سنة (179هـ - 795م) وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المكي المتوفى سنة (204هـ - 820م) وأبي عبد الله أحمد بن حنبل البغدادي المتوفى سنة (241هـ - 855م)

وهؤلاء الأئمة هم اللذين استقرت مذاهبهم في الفقه الإسلامي بين جمهور المسلمين منذ نحو ألف عام.

وتلاشى ما عداها من المذاهب كمذهب (الحسن البصري) المتوفى سنة (161هـ - 777م) ومذهب (سفيان الثوري) المتوفى سنة (161هـ - 777م) ومذهب (عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي) المتوفى سنة (240هـ - 854م) ومذهب (محمد بن جرير الطبري) المتوفى سنة (310هـ - 922م)

وطالت مدة المذهب الظاهري الذي أسسه (داود بن علي الأصفهاني)) المتوفى سنة (270هـ - 883م) وزاحم المذاهب الأربعة ودرس بعد القرن الثامن

والتنافس بين المذاهب الأربعة على الغلبة والانتشار والسلطان قديم يرجع إلى عهودها الأولى، ولعل بعض آثاره لا تزال باقية إلى اليوم والآن كان هذا التنافس قد أدى في بعض الأحايين إلى إثارة أحقاد وفتن بين العامة فانه في أكثر أمره كان سبب حياة عقلية ونشاط فكري وتسابق إلى الإتقان والكمال في البحث العلمي فان أهل كل مذهب كانوا لا يفتأون يتفننون في جعل مذهبهم ميسراً لإفهام الناس وأذواقهم، متسعا لما يتجدد من حاجاتهم، متميزا بلطف الاستنباط وحسن التخريج، وكثرة الجمع للمسائل، وجودة التأليف حتى أصبحت علوم الأحكام الشرعية أكمل مظهر للمجهود العقلي العظيم في الإسلام بوفرة أبحاثها ومؤلفاتها التي لا يحصى عديدها وبما في كثير من هذه المؤلفات والأبحاث من ابتكار وإبداع

لا جرم كان التراث الفقهي الإسلامي من أنفس ما ادخر البشر من مباحث المتفقهين. ولا

ص: 35

نزاع في أن لأشخاص واضعي المذاهب أثراً في رواج مذاهبهم وإقبال الناس عليهم وتغلبها على ما عداها. وقلما تمتاز عند الجمهور مقالات المفكرين عن صورهم وأشخاصهم.

ومن أجل هذا كان من وسائل أهل المذاهب الأربعة لنشر مذاهبهم والدعوة لها: وضع المصنفات في مناقب الأئمة أصحاب هذه المذاهب، وفي الترجمة لحياتهم على وجه يبرز فضائلهم ويبين مزايا مذاهبهم وقد تفرد الأئمة الأربعة بكثرة ما دون من المؤلفات في تراجمهم حتى ليقول (أبو زكريا النووي) المتوفى سنة 676هـ - 1277م في شرحه للمهذب المسمى بالمجموع:(وقد أكثر العلماء من المصنفات في مناقب الشافعي رحمه الله وأحواله من المتقدمين كداود الظاهري وآخرين.، ومن المتأخرين كالبيهقي وخلائق لا يحصون)

ويقول أبو حفص عمر بن أبي الحسن الشافعي المعروف بابن الملقن في كتابه (العقد المذهب في تاريخ المذهب) المؤلف في القرن الثامن الهجري: (وترجمة الشافعي حذفناها في هذا المؤلف لأنها أفردت تأليفا فبلغت نحو أربعين مؤلفا)

على إن كثرة هذه المؤلفات وان وفرت للمؤرخ مراجع البحث فإنها تقوم في الغالب على العصبية لإمام على إمام، فلا تخلو من سرف في المدح وسرف في الذم، وجدل فيما ينسب لهذا من المناقب وما ينسب لهذا من الهنات، ولا تخلو من اعتماد على روايات ظاهرة البطلان وعلى الأحلام والرؤى.

ومن أمثلة ذلك: ما ورد في كتاب مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان لمحمد بن شهاب المعروف بابن البزاز الكردي صاحب فتاوي البزازية المتوفى سنة 827هـ 1423م، من عقد فصل لصفة الإمام في التوراة.

وقلما تجد كتابا في مناقب الأئمة ألا وفيه باب لما رأى الإمام المترجم له في المنام وما رؤى له.

نعم لكل ذلك وزنه ودلالته في نظر الباحث، لكن التقصي لهذه المقالات في مصادرها والمقارنة بين رواياتها المختلفة واعتبار حجج المثبتين لها والمزيفين مما لا يدخل في غرضنا ولا يتسع له المقام.

غرضنا من هذا البحث أن ندرس ما يتعلق بأثر الشافعي في تكوين العلم الإسلامي.

ص: 36

ولما كان وصف الأثر العلمي للأمام يستدعي تصوير شخصيه التي صدر عنها هذا الأثر، فأنى اجعل هذا البحث قسمين:

- ما يتعلق بالشافعي في خاصة نفسه من نشأته وسيرته.

- ما يتعلق بأثر الشافعي في وضع علم (أصول الفقه) وأتناولهما على هذا الترتيب.

أ - نشأة الشافعي وسيرته

يقول أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري المالكي المتوفى سنة 463هـ في كتابه (الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة رضي الله عنهم لإخلاف علمته بين أهل العلم والمعرفة بأيام الناس من أهل السير والعلم بالخبر والمعرفة بأنساب قريش وغيرها من العرب، وأهل الحديث والفقه أن الفقيه الشافعي رضي الله عنه هو محمد بن إدريس بن العباس ابن عثمان بن شافع بن السائب بن عبي ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن قهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ويجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف بن قصي، والنبي صلى الله عليه وسلم (محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف).

والشافعي محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، وإلى شافع ينسب، وقد تقدم انه شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد ابن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي.

فالنبي صلى الله عليه وسلم هاشمي، والشافعي مطلبي، وهاشم والمطلب أخوان ابنا عبد مناف، ولعبد مناف أربعة بنون: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس (ص66) وهذا الذي لم يكن يعرف فيه ابن عبد البر خلافا من نسب الشافعي قد حدث فيه الخلاف.

قال فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة 606هـ - 1209م في كتابه في مناقب الإمام الشافعي:

(وطعن الجرجاني وهو واحد من فقهاء الحنفية في هذا النسب وقال: إن أصحاب مالك لا يسلمون أن نسب الشافعي رضي الله تعالى عنه من قريش، بل يزعمون أن شافعا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش فامتنع، فطلب من عثمان ذلك ففعل، فعلى هذا التقدير يكون الشافعي رضي الله تعالى عنه من الموالي لا من قريش).

ص: 37

ص5

وعرض الرازي للرد على هذه الدعوى بما لا نرى حاجة للإطالة به ما دام صاحب الطعن يعزوه إلى أصحاب مالك، وقد نقلنا عن أمام من أئمة المالكية ما ينقض هذه الدعوى التي يقول في أمرها الرازي:(واعلم أن الجرجاني إنما أقدم على هذا البهتان لأن الناس اتفقوا على أن أبا حنيفة كان من الموالي، ألا انهم اختلفوا في انه كان من موالي العتاقةأو من موالي الحلف والنصرة، وطال كلامهم في هذا الباب وأراد أن يقابل ذلك بمثل هذا البهت، وما مثله في إلا كما قال الله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)) ص7 و8

وقد يكون اصل هذه الحكاية ما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمة للشافعي من أن أم شافع أم ولد.

فالشافعي من جهة أبيه قريشي مطلبي ليس في ذلك نزاع يقام له وزن، وان كانت أم جده ليست من العرب.

وقد ذكر الكثيرون ممن ترجم للشافعي: إن جده السائب اسلم يوم بدر، وكان صاحب راية بني هاشم مع المشركين فأسر ففدى نفسه وأسلم وروى: انه اشتكى فقال عمر: اذهبوا بنا نعود السائب ابن عبيد فانه من قريش، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حين أتى به وبعمه العباس: هذا أخي.

أما ابنه شافع فلقي النبي وهو مترعرع، فالسائب بن عبيد صحابي، وابنه شافع صحابي، وأخوه عبد الله بن السائب والي مكة صحابي.

وروى ابن حجر العسقلاني الشافعي المتوفى سنة (852هـ - 1448م) في كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) عند الكلام على عبد يزيد بن هاشم بن المطلب روايات قال على أثرها:

(وعلى هذا فيكون في النسب أربعة أنفس في نسق من الصحابة: عبد يزيد وولده عبيد، وولده السائب بن عبيد، وولده شافع بن السائب) ج8 ص193

ويظهر أن بيت الشافعي كان بيت حكم وعلم في مكة. فقد رأينا أن عبد الله بن السائب أخا شافع بن السائب كان واليا لمكة.

ص: 38

وقال ابن حجر العسقلاني في كتابه (توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس): (وأما عثمان بن شافع فعاش إلى خلافة أبي العباس السفاح) وله ذكر في قصة بني المطلب لما أراد السفاح إخراجهم من الخمس وأفراده لبني هاشم، فقام عثمان في ذلك حتى رده على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ص45

وذكر ابن عبد البر فيمن أخذ عن الشافعي علمه من أهل مكة أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع قال: (وهو ابن عمه، وروى أيضا عن ابن عيينة وغيره وكان، ثقة حافظاً للحديث ولم ينتشر عنه كبير شيء في الفقه، وكان منشؤه بمكة وتوفي بها سنة سبع وثلاثين ومائتين، وحدث عن جماعة) ص104

ولسنا نعرف من أمر إدريس والد الشافعي إلا انه كان رجلا حجازيا قليل ذات اليد، وانه خرج مهاجرا من المدينة حين ظهر فيها، بعض ما يكرهه، أو خرج من مكة إلى الشام لحاجة في رواية اخرى، وأقام بغزة أو بعسقلان من بلاد فلسطين ثم مات بعد مولد الشافعي بقليل.

أما أم الشافعي فهي أزدية في ارجح الروايات، وهي الرواية المشهورة المعزوة إلى الإمام نفسه، وذكر بعض المؤرخين أن كنينها (أم حبيبة الأزدية).

ونقل بعض أصحاب التراجم أن أم الشافعي هي فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

وقيل: فاطمة بنت عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي.

وقالوا: إنهم لا يعلمون هاشميا ولدته هاشمية إلا علي بن أبي طالب والشافعي.

ورجح هذا القول ابن السبكي في كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) لكن الفخر الرازي يرى: إن هذا القول شاذ، ويقول ابن حجر العسقلاني: انه لم يثبت ويرده كلام الشافعي نفسه. قال ابن السبكي: (ولله درها من أي قبيلة كانت!).

قال ابن حجر: (ومن ظريف ما يحكى عن أم الشافعي من الحذق: إنها شهدت عن قاضي مكة وهي اخرى مع رجل. فأراد القاضي أن يفرق بين المرأتين، فقالت له أم الشافعي: ليس لك ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (أن تظل إحداهما فتذكر تحداهما الأخرى) فرجح القاضي لها في ذلك. وهذا فرع غريب واستنباط قوي).

ص: 39

ولو أن أم الشافعي كانت بهذه المثابة من دقة التفريع وقوة الاستنباط لعرف التاريخ على الأقل اسمها وعرف أين وافاها حمامها وفي أي زمن.

هذه السيدة التي يختلفون في نسبها ويختلفون في اسمها هي التي كفلت طفلها يتيما غريبا فقيراً، ولم تزل ترعاه بعنايتها وتتولاه بهديها حتى أصبح بين المسلمين إماماً.

خرج إدريس بن العباس والد الشافعي من مكة مهاجراً يفر من الظلم أو يفر من الفقر أو يفر من كليهما، وقد يكون في طريقه إلى فلسطين أقام في المدينة زمنا، فقال بعض الرواة: إن هجرته كانت من المدينة ثم نزل في غزة أو في عسقلان، وهما ثغران من ثغور فلسطين متجاوران، وعسقلان هي المدينة، وأقام هناك مع زوجه التي وضعت له طفلا ذكرا لم يكد يتنسم الحياة حتى أدرك الموت أباه.

هذا مولد الشافعي، ولا خلاف بين الرواة في أن الشافعي ولد (سنة 150 هـ - وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة على الصحيح كما ذكر ابن حجر وغيره.

ص: 40

‌جنون الشباب

أفْدي بروحي الْغَانيا

ت المائسات قُدُود هنَّهْ

الخالعاتِ عَلى الحيا

ةِ روَاَءها بجمالِهِنَّهْ

النَّاعمات الْغيدِ يُرْ

شَف كالْمُدامَةِ ريقهنَّهْ

الْباعثاتِ بِكلِّ قَلْـ

بٍ وَجْدَهُ ألْحَاظهنَّهْ

يَمرْحْنَ في ظِلِّ الشَّبا

بِ فَتَرْقصُ الدُّنيَا لهنَّهْ

خطَوَاتهنَّ عَلَى الفؤا

دِ كأنَّها وقْع الأسنَّهْ

الشِّعْرُ والسِّحْرُ الحلا

لُ وفتنة الألبابِ هَنَّهْ

وإِذا أرَدْنَ جَعَلْنَ مِنْ

صَحْراءٍ هذا العَيْشِ جنَّهْ

لِلّهِ يَوْمٌ كُنت في

هـ صريعَ نَبْلِ جفونهنَّهْ

ما أعْذَبَ الألمَ الَّذي

يَصْلاهُ قَلْبي عِنْدَهنَّهْ!

آمَنْت بالحُسنِ المبي

نِ وهِمْتُ مِنْهُ بكلِّ فتنهْ

لَوْلا الْجَمال لكانتِ الدُّ

نْيا كأسْدافِ الدُّجهْ

ياطيبَ أحْلامَ الصِّبى

مِنْ بَلْسَم يا طيبهنَّهْ!

إِنَّ الحياةَ هي الشَّبا

بُ فان تولى فَهْيَمحْنَةْ

رقَّ النسيمُ ورجَّع الْ

غريدُ في الأغصان لَحْنَهْ

فاغْنَمْ ربيعَ العُمْرِ غضّ

اً، فالشَّباب هوىً وجِنَّهْ

دمشق. حلمي اللحام

ص: 41

‌راعي الغنم

يا ليتني راعياً غنما

في البر أقضي الحياة منفردا

// لي أمة أينما ذهبت معي

تذهب لما ارتضتهدايهدى

أمة ضأن قد ارتضيت بها

أهلا كما اخترت ولدها ولدا

فكل صبح نمضي إلى وطن

وكل يوم نبني لنا بلدا

موطننا حيثما يطيب لنا

وكل أرض عشنا بها رغدا

آنس فيها اما وجدت أسى

أو تلتجي لي إمارات أحدا

حينا تراني كالفيلسوف بها

يضرب في الكون ناظري صعدا

وتارة شادياً أردد في

لحني وأصغي إذ تستعجل صدى

تهيج نايي النعاج ثاغية

مثال جوقين بالغنا اتحدا

وتارة أغتدي لها ملكاً

تطيعأمري مهما رفعت يدا

وكيف أرضى بذبحواحدة

منها وقد أغدقت علي ندى

تأكل عشبالثرىوترضعني

دَراً وتكسو بالصوف لي جسدا

عمري عيشي في الضان لأعمر

يذهببينالورىعلى سدى

أحمد الصافي النجفي

ص: 42

‌الكروان

ألَا أيها الكروان صَحَّتْ لك الرُّبَى

وطابت مَجانيها ففيمَ تَصيحُ

أراكَ كأن الوَجْدَ أشجاكَ والأسى

رماكَ فتَغْدو وَالِها وتروح

كأنك والأشجارُ أعوادُ مِنْبرٍ

خطيبٌ لأرباب الهوَى ونَصيحُ

ألا غنِّني وأنشدْ فُؤاداً أضلَّهُ

عُيونُ المَها عَلَّ الفُؤاد يلوحُ

وآسِ بِما توحيهِ قلبي فَربَّما

تَقَرَّح قلْبُ المَرْءِ وهو صحيحُ

محمد محمود الرافعي

ص: 43

‌في الأدب العربي

الطبيعة في شعر ابن خفاجة

1

في سنة 450 للهجرة ولد الشاعر أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة في الأندلس في جزيرة شقر ونشأ فيها كما ينشأ غيره حسب نظام الحياة في تلك العصور على أخذ اللغة العربية عن الرواة والنحويين، وعلى تلقن أحكام الفقه عن الفقهاء والمعلمين، حتى كانت له في الفقه مكانة لم ينكرها معاصروه فلقبوه بالفقيه.

ربما خطر ببالك أننا سنأخذ بعد هذه المقدمة في وصف حياة الشاعر بعد زمن التعلم، وربما لاح لك أن حياته بعد أن صارت له بالفقه تلك المكانة ستكون مملوءة بالأحاديث العلمية والمجادلات الدينية وانه سوف لا يخرج من مجلس علماء إلا ويدخل في مجلس فقهاء، ربما لاح لك أن حياته ستكون بعد أن لقب بالفقيه حياة مدرس جاد أو قاض عادل، أو انه سيسلك سبيل المناصب في الدولة من أمارة أو وزارة، ربما لاح لك ذلك على وجه الظن إن لم يكن على وجه التحقيق، لأنه نتيجة محتومة لحياة التلمذة التي قضاها بين الجد والدرس، وبين مسائل الفقه وأحكام الدين، وبين كتب الكوفيين وكتب البصريين، فنحن نجيبك عما خطر ببالك بالإيجاب، وعما لاح لك بالسلب، ونقول فيه انه كان في طبيعة أبي نؤاس وفي حالة فقيهان غلب عليهما الشعر، وعالمان غلب عليهما الظرف والدعابة

عاش ابن خفاجة في الأندلس وهي يومئذ جنة الله في أرضه، أكسبها موقعها اعتدال المناخ ورقة الهواء، وسقاها الغمام من دموعه، في أكثر أيام السنة، وتفجرت أرضها بالينابيع والجداول في كثير من وديانها، ونبتت الأعشاب والأزهار حول هذه المياه، وقامت فيها الأشجار فلا ترى إذا سرت فيها إلا مياها قوية دافقة، وظلالا وارفة واسعة، في أيام استتب الأمن فيها على يد العرب الفاتحين، وعملت يدهم فيها فأقاموا الجسور وشيدوا القصور وبنوا المدن، ثم خططوا الرياض والبساتين وغرسوا بها الأشجار والأزهار والرياحين، وأسالوا إليها مياه الأنهار والجداول، وأقاموا فيها البرك الجميلة، والبحيرات الواسعة، والمجاري الكثيرة، فدنت قطوفها وكثرت خيراتها، وتحولت من حقول خربة واسعة وأحراش كثيفة إلى بلاد عامرة، ورياض زاهرة، وقصور مشيدة، فتحولت من ملك

ص: 44

مضطرب قبل الفتح إلى ملك ثابت وطيد بعده، وتحولت حياتها من حياة ريفية مقلة، إلى حياة مترفة ساحرة

وكان من الطبيعي أن يكون لسكان تلك الأرض عواطف رقيقة ونفوس جميلة لما للطبيعة الماثلة في كل وقت وفي كل مكان أمام أعينهم من أثر، ولما في حياتهم من ترف ونعيم

وابن خفاجة في حياته يمثل لنا الرجل الأندلسي الذي عاش في تلك العصور أحسن تمثيل، وفوق ذلك كان لا يميل إلى مناصب الدولة ولم يكن له عمل من الأعمال العامة، وإنما عاش كما وصفه الأستاذ الزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي (عيشة الفنانين خيلع العذار طليق الإسار) وكان له من طبيعته خير مساعد على الهرب بنفسه من بين كتب الفقه والنحو، ومن بين جدران قاعات الدروس والمجالس العلمية، فاقتصر في حياته على مشاهدة طبيعة بلاده الساحرة ومناظرها الزاهية، في اجتماعاته على مجالس الأدباء والشعراء في بياض يومه، وحضور ليالي اللهو والخمر تحت أشجار الأراك بين الأباريق والأقداح وبين الورد والريحان، حتى يمسح الصبح كحل الظلام (فامتلأت عينه ونفسه من جمالها، وراح يبرز هذا الجمال المعنوي في حلل شعرية)

الممنا في المقدمة السابقة إلمامة قصيرة بوصف طبيعة الأندلس، وطبيعة ابن خفاجة، فالأولى كانت جميلة المناظر، زاهية الألوان، والثانية كانت كوجه البحيرة صفاء وركودا ينعكس فيها كل مشهد من مشاهد الكون جميلا جذابا، وقلنا إن طبيعة ابن خفاجة أحبت طبيعة بلاده حبا بلغ به حد الغرام حتى هجر حياة الدرس وحياة العمل واقتصر على حياة كحياة الفنانين الذين ينقطعون إلى مشاهدة مناظر الحياة التي تتعلق بفنهم، ولعلك ترانا محتاجين إلى مثل هذه المقدمة، فان الموضوع الذي كلفنا أنفسنا بحثه يحتاج إلى مثل هذه المقدمة، إذ كل ما نقصد من هذا الموضوع أن نقدم بين يديك الصور التي اجتلاها بن خفاجة عن الطبيعة.

ترى الطبيعة في شعر ابن خفاجة ماثلة واضحة، تقرأ له القطعة فترى وتسمع وتشم. ترى الناظر واضحة جلية، وترى خضرة الأشجار، وحمرة الأثمار، وبياض الحباب، وصفرة الشمس، وترى ذهب الأصيل ولجين الماء وزرقة السماء، ثم تسمع نشيد المغني ووقع الرباب وغناء الحمام، ورنين المكاء وخرير الماء، وتشم عرف الروضة الغناء، وأريج

ص: 45

الأزهار البيضاء، ورائحة الورد الحمراء، ثم تقرأ له من التشبيه الساحر والطباق الدقيق، والكتابة اللطيفة ما لا يخرج عن الربا الخضراء والوهاد الشجراء والأدواح اللفاء، وما لا يخرج عن العنبر والعرار والسوسن والأقحوان. إن بلاداً يصفها الشاعر فيما يصف فيقول:

يا أهل أندلس لله دركموا

ماءوظلوأنهاروأشجار

ماجنةالخلدإلا فيدياركموا

ولو تخيرت هذا كنت أختار

لا تحسبوا بعد ذا إن تدخلوا سقرا

فليس تدخل بعدالجنة النار

وان حياة يحياها الشاعر كما وصفها فيقول:

إنما العيش مدام أحمر

قاميسقيهغلامأحور

وعلى الأقداح والأداوح من

حببنور وتبرأصفر

فكأن الدوح كأسأزبدت

وكأن الكأس دوح مزهر

إن تلك الأرض وهذه الحياة لدليل واضح على صفاء نفسه ودقة حسه، وعلى تأثيره بمشاهد أرضه إلى حد يشبه جنون الفنانين فقد كان يذكر الطبيعة في مواقفه التي وقفها راثيا باكيا وفي مواقفه التي وقفها زاهدا متململا، وفي مواقفه التي وقفها معاتبا ممضا، وفي مواقفه التي وقفها مادحا يمدح الإخوان والقضاة، وفي مواقفه مداعبا إخوان الود ورفاق اللهو والسمر

لقد كان للطبيعة في لطف نفس الشاعر ورقة حسه أثر، وكان للطبيعة في شعره ظل، وكان للطبيعة في كل أغراضه التي قال بها الشعر ذكر، فهو (شاعر الطبيعة ومصورها) كما قال الأستاذ الزيات

2

نفس الشاعر:

لأبن خفاجة في شعره صورة صادقة من طبيعة نفسه ففي قوله:

إنما العيش مدام أحمر

قام يسقيه غلام أحور

إلى آخر الأبيات صورة لتلك النفس التي لا ترتاح إلا إلى خمرة حمراء من يد جميل أحور في ظل الدوح المزهر

فهو لا يرى في الحياة شيئا غير هذا، أو كأنه لا يريد أن يرى في الحياة شيئا غير ما ذكر،

ص: 46

أو قل أنه يضع بذلك نموذجا للحياة اللذيذة كيف تكون، ألا ترى أنه كيف عكف على رشف الكؤوس الحمراء ومراقصة الأغصان الخضراء:

عاظر إخلاءك المداما

واستسق للأيكة الغماما

وراقص الغصن وهو رطب

يقطر أو طارحالحماما

فهو لا يرى للحياة أن تنهك الأذهان بالتفكير فيها، ولا يرى لها أن تهلك المرء بالعمل لها، وليس للحياة أن نجعل من الإنسان عبداً ذليلا للجد والعمل. ولكنه يرى أن تكون الحياة ألهية جميلة يتلهى بها الإنسان عن مشاقها، ويتسلى بها عن أحزانها، ويرتاح لها، ولا يرى في الحياة ألذ من رشف الكأس الوردية، ولا أروح للنفس من مراقصة الأغصان الرطبة، ولا ألذ في السمع من مطارحة الحمام ولا أجمل في العين من ألوان النور في الصباح والمساء في الروضة الغناء، فابن خفاجة لا تطيب له الحياة إلا عند شواطئ الجداول والينابيع وتحت ظلال الأدواح، وبين الأباريق والأقداح انظر إليه كيف يقول:

أمالديك حلاوة

أما عليك طلاوة

طايب وداعب ولاعب

واترك سجايا البداوة

فكأن حياة الجد وطبيعة الانقباض والوحشة لا توافق مذهبه أو قل لا تتشابه ولا تتجانس مع طبيعته التي تتعشق السرور ونفسه التي تحب اللهو والعبث.

لم يبق بعد هذا من شك في أن طبيعة الرجل كانت طبيعة سرور وطرب، بل كانت فوق ذلك طبيعة متفائل يهزأ بمصاعب الحياة وليس من شك في أن نفسه كانت تميل إلى الهزل وتميل إلى العبث، بل ليس من شك في أن حياته كانت حياة مستهتر يهرب من وجه الحياة العابس إلى وجهها الضاحك، فلم يتول عملا من الأعمال العامة. ولم يتصد لمدح الأمراء والوزراء والملوك على كثرة تهافت العلماء عليهم، وعلى حاجة الملوك إلى أمثاله.

هنالك ملاحظة أخرى: هي أن ابن خفاجة كان على علمه وفقهه لا يشتغل بالعلم ولا بالفقه، ولعله كان يعتقد أن للعلم فضيلة في ذاته وان على الإنسان أن يتعلم العلم لا ليجعله آلة تدر عليه المال، بل كان يعتقد أن العلم جمال لأهله وزينة لهم. ومثل هذا الاعتقاد نجده في قوله:

درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم

فيها صدورمراتبومجالس

ص: 47

وتزهدوا حتىأصابوافرصة

في أخذ مال مساجد وكنائس

فهو ينعى على أولئك الذين يجعلون العلم وسيلة لتصدر المجالس، ولنهب المساجد والكنائس، ويعيب عليهم ذلك. ولعل هذا هو السبب الذي دعا ابن خفاجة إلى أن يعرض عن مجالسة علماء عصره وأن يصدف عن مجالس العلم ومسائل الفقه، وأن يقتصر في مجالسه على مجالس الأدباء والشعراء، وأن يقتصر في أحاديثه على ذكر المتنزهات، وأن يقتصر في شعره على وصف الطبيعة:

هذه هي الصورة الواضحة التي نراها للرجل في شعره. نفس تميل إلى السرور والبهجة وطبيعة تهرب من الجد إلى الهزل، ومن الانقباض إلى الانشراح، ومن اللذة الآجلة إلى اللذة العاجلة، ومن التحجب والحياء والتكلف إلى اللهو والعبث والمجون. فليس بغريب أن تميل هذه النفس وتلك الطبيعة إلى مجالس السرور والطرب وإلى معاطاة المدام، وليس بغريب بعد هذا أن يصف ابن خفاجة في شعره مجالس أنسه، وأن يصور لنا بمقطوعات رائعة الأنهر الفياضة والضفاف الخضراء والرياض الفيح.

وصف الطبيعة: -

وفي وصفه مناظر الطبيعة وفي تشبيهه إياها بمناظر وأشياء تشابهها لا يخرج في كل هذا عن الطبيعة في شيء. فيشبه النهر المتعطف والأزهار النابتة حوله بمجرة السماء.

متعطف مثل السوار كأنه

والزهر يكنفه مجر سماء

ويشبهه أيضا وقد حفت به الغصون بأهداب العين الزرقاء

وغدت تحف به الغصون كأنها

هدب يحف بمقلة زرقاء

ويصف موقد قد اشتعلت فيه النار فيقول:

منقسم بين رمادأزرق

وبينجمرخلفه يلتهب

كأنما خرت سماءفوقه

وانكدرت ليلا عليه شهب

فهو في وصفه الطبيعة لا يخرج عن الأوصاف والتشبيهات التي تحتويها الطبيعة: فالنهر المتعطف والأزهار النابتة حوله، وزرقة النهر وأغصان الأشجار القائمة على شاطئيه، والموقد المشتعل، والرماد الأزرق والجمر الأحمر، كلها مناظر طبيعية؛ كذلك مجرة السماء والمقلة الزرقاء والسماء المتساقطة، والشهب المنكدرة كلها مناظر طبيعية، من هذا يمكنك

ص: 48

أن تلاحظ إلى أي حد بلغ غرام ابن خفاجة بالطبيعة وحبه لها. وأنظر إليه كيف يصف ما فعل بهم الطرب وكيف يشبه الهلال بالطوق المذهب:

واهتز عطف الغصن من طرب بنا

وأفتر عنثغرالهلالالمغرب

فكأنهوالحسنمقترنبه

طوق على برد الغمامة مذهب

فهو يشبه اهتزازهم من شدة الطرب وقت المساء الساحر بالغصن يهتز وينعطف، ثم شبه الهلال الذي ابتسم عند المغرب بطوق ذهبي على برد الغمامة. وقال يصف الصباح الرائع:

والصبح قد صدع الظلام كأنه

وجه مضيء شف عنه قناع

فقد شبه نور الصبح حين ينتشر فيمحو ظلمة الليل بوجه وضاء شف عنه قناع رقيق. ويصف الصباح في غير موضع فيقول:

وقد مسح الصبح كحل الظلام

وأطلع فود الدجى أشيبا

فكما أن الصبح المضيء والدجى المظلم من مناظر الطبيعة فكذلك كحل الظلام وفود الدجى الأشيب صورتان عن الليل المظلم والصباح المنير، ويقول في تشبيه الظلام بالكحل والقطر بالعبرات

يجول للغيم كحل

فيه وللقطر عبره

فلم يخرج في تشبيه الغمامة الدكناء والأمطار الهاطلة عن كحل الكاحل وعن العين المستعبرة، ويشبه خيوط الشمس الذهبية في المساء، ولون الماء الصافي فيقول:

والريح تعبث بالغصون وقد جرى

ذهب الأصيل على لجين الماء

والذهب الأصفر واللجين الفضي كلها ألوان طبيعية: فكأن ابن خفاجة يحتقر الصناعة ويحتقر ألوانها، فلا يشبه مناظر بلاده التي يراها إلا بمناظر وألوان طبيعية، ولا يصور الطبيعة إلا بألوان وأدوات طبيعية، أو قل أنه رأى أن الصناعة والحياة الاجتماعية أقل مناظر وأقل ألوانا من الطبيعة، فمال عنها إليها يمتع الطرف ويقول الشعر ويصف الشيب والشباب فيقول:

فأحسن من حمام الشيب عندي

غراب شبيبة ألف النعيبا

فهو يشبه الشيب المخضب بالحناء بالحمام، ويشبه شعر رأسه الأسود في زمن الشباب

ص: 49

بالغراب، ثم يقول: إن نعيب الغراب المشؤوم أحسن عندي من هديل الحمام المحبوب.

ونختم كلامنا الآن بهذه المقطوعة وهي تصف عشية من عشيات الأنس، ولاحظ إذا شئت فيها أنه لا يخرج في تشبيه مناظر الطبيعة عن الطبيعة:

وعشي أنسأضجعتني نشوة

فيه تمهدمضجعي وتدمث

خلعتعليبهالأراكة ظلها

والغصن يصغي والحمام يحدث

والشمس تجنح للغروب مريضة

والرعديرقىوالغمامة تنفث

عبد الرحمن جبير. أدلب

ص: 50

‌من الأدب الغربي

من كتاب الحب

للكاتب النرويجي بيتر نانزن

نقلا عن الترجمة الألمانية

حبيبتي أشهى النساء إلى النفوس، لقد وهبني غيرها من النساء حبهن فكن يذهبن ويجئن، بعضهن مرة وبعضهن مراراً، أنني أشكر لهن جميعاً، ولكني كنت أنساهن حين يجاوزن عتبة الدار.

على أنني كنت دائما مشغول الفكر بواحدة أخرى، أفكر فيها حتى وأنا مع غيرها، لأنها كانت المثل الذي أقيس علبه الأخريات فلا تستطيع إحداهن أن تكونه.

هي واحدة ليس غير! كنت دائما أرجو أن أظفر بمرآها داخلة من الباب، فان جمالها كان يتجدد في كل مرة أراها.

هي واحدة لا أكثر! كنت أرغب أن أحيا في ظلها، لأن العيش معها يفرغ على الحياة الجمال كله، ويبعث في أفقها أشعة شمس جديدة.

هي واحدة لا أكثر! كنت أشتهي معها الموت، لأني وأنا بجانبها لا أعرف الخوف.

اسم حبيبتي مارية، وهي أجمل النساء.

لست أبالي الثناء الذي يضفي الشاعر حلته على حبيبته الوحيدة، لأن حكمه كحكم الفلاح الجاهل. وغالباً ينطق كل شيء بأنها لا تستحق كل تلك الكلمات الجميلة التي أغتصبها من اللغة لأجلها.

إن الرجل الذي لا يعرف إلا لوناً واحداً ثم يزعم أن هذا اللون - وليكن الأحمر أو الأزرق أو الأصفر - هو أجمل الألوان، فان حكمه وإن اختلف عن حكم الأعمى، لا يعدو حكم الأعشى.

ولو أن لي عشيقة تطمئن إلي وأنا أقول لها انك أول من أحببت، وأنت أنت الوحيدة التي أحببتها، وانك أجمل إنسانة. لو أنها اطمأنت إلى هذا القول لهانت علي وسللت ثوبي من ثوبها، إذ لو كانت على ثقة من قدرها، أو يعنيها أن يزداد حبي لها، لقالت: اتخذ لنفسك عشر عشيقات أو عشرين، واختر منهن من يقتتل عليها الرجال، فإذا ما ملكتهن جميعا ثم

ص: 51

رجعت إلي تصفني بأنني أجمل امرأة في الدنيا فعندئذ أفخر بذلك وأكون سعيدة.

فأنا إن قلت لمارية أنها أجمل من أظلهن الأفق فليخفق قلبها خفقات السرور، فإني ما كنت الأمين في حبها إلا ساعة أيقنت أني أقول الحقيقة. ما عرفت أني جهرت بالحقيقة إلا حين شعرت بأني سأفقدها إلى الأبد.

إنها تجربة الحب التي أرجو أن تقع لكل إنسان، إنها تجربة تبعث الألم لأنها من نار.

الألم يفصح ويثمر، الحب الذي يذوي بالنزق، ينمو بالألم ويترعرع. فبوركت أيها الألم لأنك ثبّت في قلبي حب مارية.

عرفتها وهي كالطفلة الغريرة الساذجة، وإني لأراها في ذلك اليوم وهي على ثقة من نفسها، فكانت تحاول أن تظهر كالمجربة، فكانت تتحدث عن الحياة كأنما سبرتها إلى الغور، ولاقت من التجاريب ما كشف لها عن الحياة وزورها، ووقفها على فتنتها وغرورها، فملّت كل شيء وكانت تؤكد - وهي تنظر بعينيها الصافيتين كعيون الأطفال - أنها تفكر حقا في الالتحاق بالدير، لأنها تعلم أن حياة التجرد الهادئة تعينها على احتمال البقية الباقية من الحياة التي فرضها عليها القضاء، فإنها كما كانت تؤكد، ترى أن السعادة في الحب، وقد فرغت من هذا الأمر منذ زمن وقالت:(لقد أحببت خطيبي، وكان طالباً، ولكني الآن أحتقره وأمقت عبارات الحب التي كان يقولها، إنني لا أصلح للحب)

كانت تقول هذا بصوت خافت وقد احمرت وجنتاها وبرقت عيناها، وفي حياء المرأة التي لا تصلح إلا لشيء واحد. . . هو الحب.

عندما وقفت تلك الفتاة الرشيقة أمامي تقص علي تجاريبها المحزنة شعرت بأنني أصبحت عاشقا.

ما كان أجملها وعلى وجهها سمات الألم البريئة، وما كان أحلاها في ثوبها الجميل!

لن أنسى ثوب مارية الجميل ساعة عرفتها لأول مرة. لقد جاء وقت كان فيه لمارية كثير من الثياب. ولكنها أجمل ما تكون في ذلك الثوب الذي كان وحيدها يومئذ. انه ثوب بسيط نصفه الأعلى صدار أبيض موشى له لمعة الحرير وإن لم يكن حريراً وتزر طوقه حول عنقها بمشبك دقيق مموه بالذهب.

كانت ككل فتيات المدن الصغرى يخرجن يوم الأحد للنزهة فتسفر وجوههن عن الجمال و

ص: 52

تنم ثيابهن عن معرفة أمهاتهن بقواعد الاقتصاد

كان هذا الصدار بسيطا ومقبولا لدى الذوق، ولشد ما كانت تحرص على ألا يعلق به قذى. ولما أبى القدر القاسي إلا أن تقع عليه بعض قطرات من النبيذ نشطت في حماسة تغسل تلك البقع (الرذلة) متظاهرة بعدم المبالاة كأن لديها الكثير من الثياب الجميلة الغالية.

يا لك من فتاة صغيرة جميلة لا تحسنين الكذب، فما كان أيسر على المرء أن يستشف قرارة نفسك وأنت منهمكة في التنظيف تؤكدين أنه لم يحدث ضرر لأن الثوب عتيق!

هذا الثوب العتيق هو ثوبك الوحيد. . . . . تكاد الدموع تبتدر من عيني كلما خطر ببالي ذاك الخاطر. فمن خلال هذا الصدار الرقيق تروحت لأول مرة شذى جسمك الطيب وشعرت بدقات قلبك المضطربة

في ذلك الوقت كنت أشعر بعطف على تلك الفتاة الصغيرة ذات الصدار الموشى التي كانت تتكلم كذوات السن من النساء، وأعتقد أن لهذا الصدار أثراً كبيراً في ليني ورقتي لمارية، هذا الصدار الذي كان مملكتها الوحيدة والذي كانت تحرص ألا يبلى

يقف الرجال غالبا من النساء مواقف الأغبياء لأنهم يكثرون من الحرص والحذر، فالمرأة لا تريد أن تخدع بالكلام ولكنها تحب أن تؤخذ بالقوة فإنهن بلا استثناء يشعرن غريزة بأنهن الجنس الضعيف المغلوب ويردن أن يشعرن بإرادة الرجل وقوته مسيطرة عليهن، وتراهن لسبب لا يستطعن إيضاحه يحتقرن الرجل الذي يتذلل للحصول على رضاهن وهن يعتبرن الرجل الذي يرتد أمام فضائلهن غبياً، لأن هذه الفضائل، في رأيهن، ما عزت إلا لتخضع لليد القوية.

لم أذهب مع مارية ذلك المذهب الحاد لأنني كنت واثقا من أنه سيأتي اليوم الذي ترتمي فيه من تلقاء نفسها بين ذراعي لأن هناك مكانها الطبيعي وقد عرفت ذلك من انكسارها أمام نظرتي وضغطها يدي، عرفت ذلك من أول يوم، إذ وقفت وراءها وهي لا تراني ولا تسمعني وإذا بجسمها يضطرب وتسري فيه الرعدة من فرع إلى قدم.

لم تكن طريقة الهجوم هي الطريقة التي تتبع مع مارية، وقد رقق الصدار الموشى قلبي حتى أنني لم أرغب في أن أمتلكها على غرة.

وكما أن البستاني يفرح بزهرة نادرة ويظل يرقبها يوماً بعد يوم وهي تنمو وتتفتح، فلا

ص: 53

يلمسها بيده ولكنه يزيل من حولها العشب والأوراق التي تكتنفها وتضيق عليها، ويعرضها للضوء والحرارة ويتعهدها بالماء والعناية، هكذا ظللت أرقب مارية وهي تنمو وتتكون امرأة ويشتد غرامها.

كان طبيعيا أن يأتي اليوم الذي تسقط فيه الزهرة بين يدي البستاني الذي ظل ينتظرها بصبر وأناة.

طال صبر البستاني. وفي بعض الأوقات كانت مارية تجتذبني من ذراعي وقد ضرجت وجنتيها الحمرة وتقول لي وقد ملأتها سخرية بنات حواء: (هل أنت غبي؟)

تظن المرأة أنها تتمتع باحترام الرجل لها وإعجابه بها إذا هي ظلت إلى اللحظة الأخيرة تمثل دور المستغواة، ويجمل بالمرأة ألا تتورط في استعمال هذه الألاعيب مع المجربين من الرجال.

ربما كان لهذه الألاعيب تأثير في الذين يرون أنفسهم لصوصا حين يستحوذون على امرأة، ولكن هذه الخدع، التي لا تتنوع ولا تتغير، قد تهيج نفوسنا وتضطرنا إلى الغلظة في الكلام أو المعاملة، وهذا ينتقص الجمال الكامل ويشوه مظهره ويفقد المرأة كثيراً من الذكريات الجميلة في حياتها.

مارية!! يا أرق إنسانة شعوراً! أشكرك لأنك أعفيتني من هذه الخدع والمهازل، من الحياء المتكلف، من الخوف المموه، من الدموع الكاذبة.

مارية كانت لي! ولكني لم أكن لها، أو على الأقل كنت أعتقد ذلك وكانت هي تعرف هذا حتى أنها لا تطمئن إلى خروجي من الباب. إنني أعرف رأيها فقد صارحتني به مراراً ولم أحاول تفنيده لأنها كانت تعجبني كثيراً وهي تبدي رأيها.

كانت شديدة الغيرة، ولكن بذكاء وروية وتسامح.

كانت تعتقد أن لي في اليوم عشر عشيقات.

أيتها الفتيات الصغيرات! إنكن تبالغن في مقدرة الرجل إلى حد بعيد، وتندفعن دائما وراء خيالكن.

في هذه النقطة لم تكن مارية في شيمة غير شيمة بنات جنسها. كانت تزورني لا أقل من ست مرات في كل أسبوع وكانت تجدني كل مرة في انتظارها باشتياق، وبالرغم من هذا

ص: 54

كانت تؤكد، وكذلك يقول كل الناس، أن لي عشرات العشيقات.

لست أنكر أنني كنت أخون مارية في الحين بعد الحين ولكن كنت لها أكثر مما تظن.

أما ما يقوله الناس فلست أباليه.

كل الناس!

عبارة أشمئز منها، ديدان تنساب إلى حياتنا المنزلية من ثقب الباب أو من فرجته وتجر معها شيئا من قاذوراتها.

أحكموا إغلاق النوافذ والأبواب، حصنوا حياتكم الخاصة بالحديد والفولاذ، فأنكم بالرغم من ذلك ستجدون (كل الناس) واقفين ينظرون من الخارج ويظنون ظنون السوء ويعلق الوضر بأبوابكم أو نوافذكم.

كل يوم أرى على زجاج نافذتي ذبابة تنفس بها العمر تبدو ضعيفة كأنها لا تستطيع الحراك، ولكني لا أكاد أقترب منها حتى تكون قد طارت بسرعة.

إني أسمع طنينها واصطدامها بالزجاج فأفتح النوافذ جميعها وأطاردها بالمنشفة، فإذا بها تختفي فجأة تحت السرير أو وراء المرآة أو على إطار صورة حيث تقف لا تبدي صوتا.

إنها لا تتركني وتلحق القذى بفراشي وأسمع طنينها المقلق فوق سريري كل يوم.

وذات مساء بينما كانت مارية تنضو عنها ثيابها أمام المرآة وإذا بتلك الذبابة القبيحة تقع على جسمها الأبيض.

أحمد شكري

ص: 55

‌من الشعر الإنجليزي:

إلى الحرب

للشاعر الأسترالي هيلز يدعو الإنجليز إلى إشراك قومه في حرب

جنوب أفريقية

مَاذَا غدَوْنَا؟ أسوُقاً لا تَرَوْنَ لهَا

لَولَا تِجارَتُكُمْ قَدْراً ولا شَانا؟

أمْ نَحْنُ بَعضُ بني ذَا المُلْكِ ما بَرحُوا

مُنَظَّميِنَ بِهِ خَيْلاً ومُرَّانَا؟

فَإنْنَكُنْسنعيشُالدَّهرَفيرَحمٍ

كالابْنِو الأمِّإخلاصاًوإيمانا

فلْنَحْتَمِلْ مَعَكمْ عبَءالجهاديداً

ولْنشهدِالرَّوْعأنجاداًوأعوانا

فماأرىالشعبَ شعباً يوممَفْخَرهِ

وَلَا أُحِسُّ لهعِزَّاوسلطانا

حتى تَزُفَّ بنيها كلُّ والدةٍ

إلى الرَّدَى مُسفِراً في الرَّوْع عُريانا

ها قد دعتْأُسْتُرالْيافَلْتلبِّ لهَا

إنْجلتْرِاو لْتُجيبُوااليومَ نَجوانا

مِنَّاابْتِسامٌإلى مَنآبَفيغَدِهِ

لَنَا ودمعٌعلى مَن في الوَغى حانا

سَنَمْتَطي الخيلَ مَع أفذاذِ مَنْ نَجَبَتْ

إنكلتراوَنخُوضُ الهَوْلأَقْرَانا

لانَبتغيغيرمَيدانٍلِعَسْكرِنَا

رَحبٍ ومَدْفَنٍ أجْنادٍلقتلانا

فخري أبو السعود

شهيدا الطيران

للأستاذ عبد المغني المنشاوي

هاضت الأقدار للنسر جناحاً

فتردَّى من علاه في الحُفَرْ

وبكاه ملكَ الموت فصاحا

كل شيء بقضاء وقدر

كنتَ يا بدرُ سميرَ المَلَكِ

مَنْ سمير القبر وَهْناً يا تُرَى؟

طرتَ يا حجاجُ فوق الفلكِ

هل تطير اليوم في جوف الثرى؟

هتفَ الناعي فقلنا كذبَا

كيف يَهْوى من سماه كوكبُ

أطلعته مصرُ يَروى نسبا

في علَاها فحواهُ المغربُ

ص: 56

طار يبغي وَكرَهُ مقتحما

كلَّ لُجٍّ لا يبالي الغَرقا

واحتواه شوقه مضطرما

فتلظَّى قلبُه فاحترقا

شيَّعوهُ يا لَه مِن كوكب

كان ملء العين والقلب ضياَء

سارتْ الدنيا له في موكِب

زلزل الأرض وكم أبكى السماَء

إِن غداً جُسمانُه في العَلَمِ

فهو نَجْمِ في هلال ونجومْ

أو بدا في الموت كالمبتسم

فسجينُ فَرَّ من دار الهمومْ

لا تَشُقِّي مصرُ جيباً بعده

يفزع الأبطال من شق الجيوب

بل فشقّي كل قلب عندهُ

ثم قومي فادفنيه في القلوبِ

انثرى الأزهار من بين يديه

فهو يهوَى في مُنى مصر المنايا

وارتدي صبرك لا تبكي عليه

إن مجد الشعب تبنيه الضحايا

حبس القبرُ لديه جثةً

ثم رفَّت روحها كيما تطيرا

فانشَقُوها بيننا ريحانةً

والمحوها فوقنا بدراً منيرا

صوِّرُوا طائرةً فوق الضريحْ

وأشهدوا الأنسر تهوى للفرارْ

قدمت أرواحها وهو طريح

فديةً لو صحَّ في الموت الفرارْ

يا نسوِّرَ النيل طيروا في علاهْ

ورِدوا الكوثر إن عزَّ الورودْ

منحتكم مصرُكم سرَّ الحياهْ

فامنَحوها كل شيء في الوجودْ

هل رأيتم؟ هذه كفُّ العَلاءِ

تكتب التاريخَ يا جند الشبابْ

سطرت سفْر الضحايا بالدماءِ

فادرسوا العلياَء في هذا الكتابْ

ص: 57

‌العلوم

نذير وبشير

للدكتور أحمد زكي

كل إنسان يحمل داءه، وكل حي يتضمن فناءه، إن فاته المرض، أدركه الكبر وحسبك بالكبر داء، والخلية الصغيرة من نبات أو حيوان، فيها البروتوبلازم، وهي معدن الحياة، ولكنها كذلك معدن الموت، تظل تنشط ما دبت الروح في الجسم، فإذا فارقته نشطت في التلف، في التفكك والتحلل، بمثل نشاطها في الحياة

وجماعات الأحياء على هذه الأرض كالأجسام تصحو حينا وتمرض حينا، وهي مثلها فيها أسباب الفناء، فهي لكي تفنى ليست بحاجة إلى أن ينقضّ عليها نجم أو تهوي من سمائها شمس، بل إن في الأرض كفايتها من أسباب العدم. والحياة على هذه الكرة رهينة بموازنات شتى بين أجناس الحيوانات والنباتات من إنسانها ودوابها وطيرها وحشرها وجراثيمها وطحالبها وفطرها أو حزازيِّها وسرخسيِّها وبذريِّها، موازنات عماده التقاتل المستمر بين هذه الأجناس جميعا، والتآكل الذي لا ينتهي، فما من قبيل إلا يأكل قبيلا، وما من قبيل إلا يأكله قبيل، وقد يزيد حظ هذا القبيل من الحياة وقد ينقص حظ ذلك منها، ولكن الحياة المطلقة في مجموعها ثابتة في هذا النضال. وهو نضال سجال، لا يغلب فبه غالب كل الغلبة، ولا ينغلب مغلوب كل الانغلاب، إذ لو كان هذا، لاختل التوازن بين جماعات الأحياء، وهو سر استمرار الحياة على النحو الذي نعرفه على سطح هذه البسيطة

والجمعية الإنسانية لا تشذ في ذلك عن جمعيات سائر الخلائق الحية، والتوازن الذي بين الإنسان وبينها لا بد أن يستمر ليعيش هو وليعشنَ هنَّ، فنحن نأكل الحيوان والنبات لنعيش، ونموت ليأكلنا الحيوان والنبات بالتباشر أو بالواسطة، فيعوضا بذلك ما فقدا، ولو أننا أكلنا منهما ثم أكلنا واستمررنا مع ذلك في حياة صريحة لا يخالطها عدم لفني، المأكول ففنى الآكل

إلا أن هذا التوازن قد يختل اختلالا يذهب بجماعة من جماعات الأحياء أو يكاد، وقد حدث في التاريخ أن انقرضت أجناس لا نجد الآن منها غير آثارها. وسؤالنا اليوم هل يجوز على الجمعية الإنسانية ما جاز على تلك الأجناس المنقرضة؟ هل يفسد هذا الاتزان في

ص: 58

ناحية من نواحيه فيهوي بالإنسان إلى فناء محتم، أو على الأقل ينزل به في نظام الأرض إلى منزلة وطيئة وضيعة، تنقصه عدده، وتقل عدته، وتفقده هذه السيطرة المطلقة الحاضرة على سكان هذه اليابسة؟

هذا ما ينذر به (السير ملكولم وتسن) رئيس معهد رس الصحي بلندن، وهو رجل إذا قال استُمِع له، فهو يقول في مقال قريب انه لا يبالغ إذا ارتأى أن المدنية قد تنتهي باضطراد الزيادة في طرق المواصلات اضطرادا سريعا يسبق العلم في مكافحته النتائج السيئة التي تنجم عن صلات قريبة بين مناطق الأرض التي لم تصلها إلى الآن روابط وثيقة. واتخذ مضربا لمثله الحمى الصفراء، وهي حمى فتاكة، تبلغ الوفيات منها 60 في المائة، وقد بلغت في بعض الوافدات 94 ?، وهي تنتقل من فرد إلى فرد بواسطة جنس خاص من البعوض اسمه السليم بعد عضة البعوضة المعدية له لا يظهر عليه المرض في الستة الأيام الأولى ولا يكون عندئذ مصدراً للعدوى، فإذا ظهر عليه المرض كان مصدرا لها في الثلاثة الأيام الأولى فقط من ظهور المرض، فلا بد للبعوض السليم أن يعضه لكي يُعدى المريض في خلال هذه الأيام الثلاثة فحسب.

وهذه البعوضة ذاتها بعد دخول المرض فيها لا تُعدي بالعض إلا بعد عشرة أيام من ذلك، ولكنها خلافا للإنسان تحمل العدوى طول عمرها.

والحمى الصفراء تستوطن الآن غرب أفريقيا من السنجال إلى أنجولا، وبين هذه المنطقة الوبيئة وما جاورها من سائر أفريقيا حواجز طبيعية منيعة، فبينها وبين شمالها الصحراء الكبرى، وبينها وبين غربها جبال منيعة، وفي كلتا الحالتين يستغرق الإنسان للخروج من هذه المنطقة إلى بقية الدنيا أسابيع طويلة مشيا على القدم أو ركوبا على الدواب، فإذا أصاب المسافر عدوى وسافر عقبها فالموت يدركه أو الشفاء، قبل أن يصل إلى غايته شمالا أو غربا. كذلك البعوض المصاب لا يصمد لهذه السفرة الطويلة. وأما وقد أمكن الآن أن يصل الإنسان إلى تلك المنطقة أو يخرج منها بالسيارة أو القطار أو الطائرات في تسعة أيام فما دونها فقد أصبح من المحتمل أن يُعضّ المسافر في السنجال ويبلغه المرض في مراكش أو تونس أو في مصر. وجنس هذا البعوض موجود في تلك البلاد، فما هي إلا أن يحل بها المريض فيعضه البعوض فتعم البلوى على أن البعوض السنجالي نفسه في

ص: 59

استطاعته أن يسافر على الطائرات، وقد ثبت ذلك فعلا فقد امتحنت مائة طيارة بعد سفر 1250 ميل فوجد أن منها اثنتي عشرة تحمل بعوضا.

وإذا دخل المرض أفريقيا الشمالية والشرقية فلن يقف عند هذا الحد، فهو لابد سائر إلى جزيرة العرب فالهند فالشرق الأقصى، إما أرضا وإما على السفن بحراً وإما في الطيارات جوا، وإذا هو أدرك آسيا انتشر انتشار النار في الهشيم لزحمة السكان، ولوجود هذا البعوض بكثرة لا سيما في المناطق الاستوائية منها، ففي كولومبو بحثوا المنازل بحثا منظما فوجدوا البعوض في 98 ? منها. وكذلك الحال في الملايا

وإذا طغى المرض على أفريقيا وآسيا هذا الطغيان فقد طغى على أكثر من نصف المعمورة فأنقض صرح التجارة وامتنع التبادل بكل أنواعه بين الشرق والغرب ووقفت السفن واعتلت الحياة واهتزت أسس المدنية اهتزازا ينذر بالتداعي.

هذا حلم لا شك مريع يقصه علينا السير (وتسن) لا نريد بروايته إلا التمثيل بما يمكن أن يحدث للمجتمع الإنساني من جراء قبيل دنيء من الأحياء إذا أعطيت له الفرصة للسيطرة على قبيل الإنسان: جراثيم صغيرة فتاكة صغرت حتى مرَّت في المرشحات البكتريولوجية، ودقت حتى لا تراها الميكروسكوب العادية. ولكن الإنسان بطبيعته يقظ لكل اختلال في اتزان يقع بينه وبين أي قبيل من قبائل الأحياء، ولا أدل على هذه اليقظة من إنذار السير (وتسن) نفسه، ومن إنذارات مثلها سبقته حدت برجال العلم، وهم جنود البشر في هذا النوع من الكفاح من زمن بعيد إلى دراسة هذه الحمى، أصلها، وموطنها، وناقلاتها، وطرق الوقاية منها، ووسيلة علاجها، وقد خطوا في هذه السبيل خطوات واسعة تدلنا على أن النصر تراءى ولو من بعيد. ففي الشهر الذي ينذرنا فيه عالم بالدمار، يبشرنا علماء آخرون أن الأمل كبير في وقاية السليم بالتطعيم. ذلك أنه بادئ بدء استكشفوا أن ميكروب الحمى الصفراء إذا عُرّض للهواء أو لفعل مواد كيمياوية كالفرمالين والفينول والجلسرين يفقد بالتدرج شيئا من حدته، فإذا حقن به السليم عندئذ لا تظهر عليه أعراض المرض الإكلينيكية ولكنه يكتسب بذلك حصانة ضد العدوى. وقد استخدم هذا اللقاح بنجاح في مكافحة وافدة هذه الحمى في عاصمة البرازيل عام 1928. لكنهم وجدوا أن تحضير هذا اللقاح لا يخلو من خطر، فانهم إذا أطالوا تعريض الميكروب للمواد الكيمياوية المذكورة بلغ

ص: 60

به الضعف أنه لا يكسب حصانة، وإذا قصروا تعريضه كان من القوة بحيث لا يؤمن شره، وفوق هذا فاللقاح بعد تحضيره سريع العطب حتى إذا أختزن في الثلاجات العادية. عند ذلك اتجهوا في التفكير وجهة جديدة فذكروا أن المريض إذا نجا اكتسب بمرضه حصانة فلا تأتيه العدوى مرة أخرى ولو تعرض لها، فطلبوا الوقاية في دم هذا المريض الناقه فاستخلصوا منه مصلا حقنوا به الأصحاء فأكسبهم حصانة ضد الداء، ولكنها لم تدم سوى أسابيع قليلة بعدئذ جمعوا الاثنين معا، اللقاح والمصل، فوجدوا مدة الحصانة تطول، ولكن لم يزل بذلك الخطر من استخدام لقاح قد يحتوي الميكروب في تمام حدته. فكان لابد من كشف طريقة جديدة لأضعاف الميكروب إضعافا يذهب بسورته دون الذهاب بحيويته فبلغوا الغاية من ذلك بامرار الميكروب بمخ الفئران بضع مرات متعاقبة، وحصلوا على ميكروب لا بالضعيف ولا بالقوي، يحقن به الإنسان فيتحصَّن ضد الداء بمقدار ما يتحصن من عاناه. إلا أن ملاحظات جديدة أظهرت أن الخطر لم يزل تماما، وأهم من ذلك أن دم المحقون بهذا اللقاح الجديد يحتوي الميكروب الحي فهو مصدر خطير لعدوى البعوض. عندئذ فكروا في الجمع مرة أخرى بين هذا اللقاح الجديد وبين مصل الناقهين، لأن هذا المصل يزيد حصانة المحقون عقب الحقن فيقاوم فعل اللقاح إذا زاد على الحد، وظُنّ فيه كذلك أنه قد يمنع وجود الميكروب الحي في الدم. وقد دلت النتائج على أن الجمع بين هذين يزيد في حصانة المرء زيادة كبيرة دون أن تظهر عليه عقب الحقن أعراض المرض، أو يظهر الميكروب الحي في دمه فيكون سببا في عدوى البعوض فالناس.

والعقبة الوحيدة التي باتت رهينة التذليل هي صعوبة الحصول على المصل من دماء الناقهين من بني الإنسان. وحتى هذه يظهر أنها ذُللت بما أُعلن في نشرة علمية في مايو الماضي من أن الخيل إذا حقنت مرارا متتالية بميكروب الحمى اكتسب دمها القدرة على مقاومة الميكروب، وإذن ففي الاستطاعة إبدال دم الخيل بدم الإنسان

هذا ما يختص بالبحث في زيادة حصانة الناس حتى لا تفجأهم العدوى وهم غافلون، ولكن لعل أهم من هذا أن يُستأصل البعوض الذي ينقل العدوى. وقد جرت أبحاث في ذلك، ولكن عادات هذا البعوض وطريقة معيشته وأسلوب إفراخه أعجزت البحاث، فالبعوض يُفرخ في الماء ككل البعوض، إلا انه يفرخ في كل ماء حتى في الحُفَن الصغيرة منه والاسآر القليلة،

ص: 61

في شقوق الشجر أو فلقات الحجر، وفي الكوب والزير وسائر ما يحمل الماء في البيوت. وقد استخدموا الزيت يضعون منه على الماء المكشوف فيمتد فِلْما رقيقا على سطحه فيمنع الأفراخ، ونجح هذا بالطبع، ولكن كم من أرباب المنازل في المدن الصغيرة والكبيرة يركن إليه في القيام بهذا، وكيف تصل يد الإنسان بالزيت إلى كل فجوة وكل نقرة في الأصقاع عامرها واليباب. وجربوا كذلك السمك الصغير يضعونه في مستودعات مياه الشرب في المناطق الحارة، فيأكل العلق قبل أن يستحيل بعوضا. وقد قدر لهذه الوسيلة بعض النجاح أما المرض وقد أصاب المريض فليس له دواء. أمامك المريض يتضور من الألم الشديد، ويقيء الدم الأسود الصديد، قد اصطبغ جلده صفرة، وعلت وجهه وعيناه وخياشيمه حمرة، ولا حيلة لك فيه غير التمريض بتخفيف الأعراض بالثلج وأشباهه ثم الصبر حتى يقضي قضاء الله، كل هذا وأنت نفسك معلق بين الموت والحياة

ولكن مع كل هذا، وبعد كل هذا، أليس يحق للإنسان أن يظل يتساءل: أفي الإمكان اختلال الاتزان بين قبيل الإنسان، وقبيل من سائر الأحياء، ولو دنيئا كالذي نحن بصدده، اختلالا يذهب بسيد الحيوان ويمسح آثاره من رقعة الوجود؟

ص: 62

‌الدكتور أميل رو

(1853 - 1933)

-

للدكتور محمد عوض محمد

في اليوم التاسع من الشهر الماضي شهدت باريس حشدا هائلا يعلوه الحزن، وتخيم عليه الكآبة؛ فان فرنسا في ذلك اليوم كانت تشيع جثمان عالم جليل منأكبر علمائها وهو الدكتور أميل رو، خليفة باستور ومدير المعهد الشهير باسمه زهاء الثلاثين عاما. وقد سار الموكب الخطير، يتقدمه رئيس الجمهورية والوزراء والسفراء والعلماء حتى وصل إلى كنيسة نوتردام، حيث أقيمت مراسم الحزن على الفقيد العظيم، ثم نقل النعش بعد ذلك إلى معهد باستور حيث أودع مؤقتا ذلك السرداب الذي يحوي قبر باستور نفسه، وذلك ريثما يقام له ضريح خاص في حديقة المعهد

ولد أميل رو في 17ديسمبر سنة 1853في مقاطعة شارنت وبعد أن أتم دراسته الأولى ونال البكلوريا في العلوم، ذهب يدرس الطب في مدينة كارمان فران أولاً ثم في باريس. وقد اجتذبه إلى هنالك وجود أستاذه الذي تلقى عليه علم الكيمياء وهو الأستاذ دلكاو وجعل يشتغل محضرا في معامل أستاذه هذا، وفي عام 1878 كان الأستاذ باستور يلتمس مساعدا له ممن درسوا الطب. فبادر الأستاذ دلكاو بترشيح رو لهذا المنصب ومن تلك السنة بدأت صلته بالأستاذ الأكبر، تلك الصلة التي لم تزدد على الأيام إلا توثيقا، والتي لم يقطع حبلها سوى الوفاة

لم يمض زمن حتى أصبح رو ألصق الناس بباستور، وجعل هذا يشركه معه في تجاربه عن النبيذ، وفي أبحاثه في هيضة الدجاج، والجمرة الخبيثة التي تصيب الماشية، وفي سنة 1883 أرسله مع بعض مساعديه إلى القطر المصري لدراسة الهيضة (الكوليرا) الآسيوية التي انتشرت في بعض أقاليم مصر. وبعد عودته اشترك مع أستاذه في الأبحاث التي كان باستور يقوم بها عن مرض الكلب

وفي السنوات التالية أخذ رو ينشر أبحاثا هامة عن مرض الجمرة الخبيثة وبعض الأمراض التي تصيب الخنازير وفي عام 1887 وفق إلى اكتشاف خطير وهو اكتشاف

ص: 63

التوكسين (أي المادة التي يفرزها المكروب) فانه استطاع أن يبين للعالم أن المكروب لا يؤثر تأثيره بنفسه بل بواسطة مادة يفرزها. وانه في كثير من الأحيان يمكن عزل هذه المادة. وهذا الاكتشاف أوصله إلى اختراعات خطيرة تتعلق بمعالجة بعض الأمراض بواسطة المصل، ولهذا يعتبر رو مبتكر العلاج بالمصل يلبث أن وصل إلى إيجاد الأمصال ضد مرض الكزاز وضد الطاعون وضد سموم مكروب الالتهاب الرئوي. ولعل أكبر اكتشافاته جميعا هو اكتشافه لتوكسين الدفتريا، فقد كان هذا هو الخطوة الأولى في سبيل إيجاد المصل الشافي والواقي من هذا المرض.

في عام 1895توفي باستور ودفن في المعهد العظيم المسمى باسمه بالقرب من سان كلو. فخلفه في إدارة المعهد الأستاذ دلكاو، وكان الدكتور رو نائبا للمدير الجديد، إلى أن توفي هذا عام 1904 فتولى رو إدارة معهد باستور. وقبل هذا بسنوات أنتخب رو عضواً لأكاديمية الطب، ثم عضوا لأكاديمية العلوم، وقلد جميع وسامات اللجيون دونير بجميع طبقاتها.

وقد بقى لمعهد باستور رونقه ونشاطه تحت إدارة أميل رو. بل لقد تقدم واتسعت أعماله وانتشرت فروعه. غير أن أعمال رو الإدارية كانت كثيرة ومجهدة، فاستغرقت منه كل وقته ولم يكن بوسعه في السنين الأخيرة من حياته أن يتفرغ لأبحاثه كما كان يفعل من قبل. لكنه كان أكبر مرشد للباحثين، وكان كثير التشجيع للعلماء، ومن غير شك كان له فضل في كثير من الاكتشافات التي صدرت عن المعهد أثناء إدارته دون أن تنسب إليه.

وقد قضى رو حياته كلها في خدمة العلم والإنسانية. وعدا جهوده العلمية لم يكن في حياته حادث يستحق الذكر، فانه لم يتزوج ولو أنه كان كثير العطف على أخواته وأقربائه. وكان شديد التواضع إلى درجة إنكار الذات. ومما يؤثر عنه في هذا الصدد أنه عندما أريد تقليده وسام اللجيون دونير من درجة أوفسييه أبدى امتناعا شديدا وصاح بالحاضرين:(إن شرف الاكتشاف يرجع إلى الأستاذ بهرنج.) ولكن الرئيس أمسكه من ردائه بعنف وقلده الوسام بالرغم منه.

إن أجل شيء قام به رو هو من غير شك اختراعه العلاج بالأمصال، وبنوع خاص اكتشافه لتوكسين الدفتريا عام 1887. وهذا الاكتشاف انتفع به الأستاذ الألماني بهرنج في

ص: 64

إيجاد مصل ضد الدفتريا، ولهذا أراد رو أن يعزو شرف الاختراع كله لبهرنج على أن رو نفسه قد استطاع في سنة 1894 أن يستخرج المصل المضاد للدفتريا بطريقة في غاية الإتقان، وذلك بحقن الخيل بتوكسين الدفتريا واستخراج المصل من دمها. وقد عرض طريقته هذه على المؤتمر الصحي العالمي في بوادبست سنة 1894 فأثر في سامعيه أبلغ التأثير. وقد منح بعد قليل هو وبهرنج جائزة نوبل. وقد تهافتت عليه الطلبات من مختلف الممالك من أجل ذلك المصل؛ ولم يكن بوسعه أن يجيب كل هذه الرغبات. لكنه لم يلبث أن استعان ببعض أصدقائه على نشر الدعوة في فرنسا لمساعدة المعهد وتوسيع نطاقه. وقد نجح في هذا كل النجاح. وفي إسطبلات المعهد اليوم ما لا يقل عن 400 رأس من الخيل من أجل استخراج مصل الدفتريا، الذي بلغ ما أنتجته منه في السنين الأربع الأخيرة زهاء 12 طنا أو ما يكفي لعمل خمسة ملايين حقنة.

ومنذ زمن طويل تنبه رو إلى أهمية المصل كوسيلة للوقاية من المرض لا لمجرد العلاج منه. فقد كتب في سنة 1889 إلى بعض زملائه يقول:

(لعل من الممكن قريبا الانتفاع بالتوكسين باستخدامه في الوقاية من المرض. .)

حقا لقد فقدت فرنسا في رو عالما كبيرا، وفقد العالم خادما مخلصا. ولم يكن بعجيب أن قررت حكومة فرنسا أن تحتفل بجنازته احتفالا وطنيا

(ملخصا من مجلة الستراسيون)

ص: 65

‌العالم المسرحي والسينمائي

إلى القراء

من ناقد (الرسالة) الفني

وفجأة. . . يتضخم بريد (الرسالة) الغراء ويتلقى الأستاذ محررها في مطلع كل يوم عشرات الرسائل، بعضها من مصر، وأكثرها من الأقطار العربية الشقيقة، يجزع فيها كاتبوها من قراء (الرسالة) وصفوة المفكرين ممن يغارون على هذه المجلة ويطمعون أن تبقى دائما تحمل إليهم رسالة الثقافة والأدب العالي، جزعوا عندما أعلنت (الرسالة) أنها ستدخل على أبوابها أبوابا جديدة، وبين هذه الأبواب ما يختص بالمسرح والسينما. .

وتسألني فيم إشفاق الأدباء وعلام جزعهم الواضح في رسائلهم؟ يشفقون ويجزعون أن تنهج (الرسالة) في هذين البابين، المسرح والسينما، نهج ما يقرأون في بعض الصحف والمجلات الأخرى، مما لا يتناسب مع مستوى (الرسالة) ولا يتلاءم مع ما تنشره في الأبواب الأخرى من ألوان الثقافات العالية والآداب الرفيعة.؟ وأسأل: أهل الفن الذي سطرت صفحاته أمثال سوفوكليس وأوربيدس وشاكسبير وموليير وكورني وراسين، وابسن وجوته، وكين وتلما وسارة برنار، وهنري ارفنج، وجمعت مكتبته أعمالا خالدات يكاد بعضها ينزل مكان القداسة من النفوس، هذا الفن الذي شب في أحضان الآلهة عند اليونان وكان وسيلة الزلفى إليها والتقرب منها، هذا الفن الذي يقبس من السماء ليؤدي رسالتهم على الأرض، ما خوفنا منه وما إشفاقنا من الحديث عنه؟ أجل، إن لم نهب هذه القداسة فماذا نهاب؟ وان لم نخش أن تنتهك هذه الحرمة الغالية فماذا نخشى؟

كذلك فن السينما أصبح ولا ريب ركناً قويا من أركان الثقافة العامة، وهو والمسرح من أقوى العوامل اليوم في تهذيب الجمهور وتثقيف الناشئة فلا يزكو بمجلة راقية أن تغفل هذين العاملين وتهمل أثرهما الصالح في خدمة الإنسانية

للقراء الكرام العذر إن أشفقوا على الرسالة أن تعالجهما من النواحي التي يعالجهما منها بعض الصحف ولكننا نؤكد لهم أن الأمر لا يمكن أن يسير على ذلك المنهج

سنكتب ونرجو أن نوفق إلى إرضاء قراءنا بقدر ما تحيط به جهودنا، وأن نبدل هذا الجزع اطمئنانا، وهذا الإشفاق ثقة، وإني لسعيد فخور إذ أتحدث إلى قوم ألمس فيهم هذا الاهتمام،

ص: 66

وأجد في نفوسهم هذه المكانة لهذا الفن الرفيع.

محمد علي حماد

ص: 67

‌فلم (الوردة البيضاء)

مجمد عبد الوهاب. . . . . . . . . محمد جلال

سميرة خلوصي. . . . . . . . . رجاء

دولت أبيض. . . . . . . . . فاطمة هانم

محمد عبد القدوس. . . . . . . . . خليل أفندي

سليمان نجيب. . . . . . . . . إسماعيل بك

زكي رستم. . . . . . . . . شفيق بك

توفيق المردنلي. . . . . . . . . الشيخ متبولي

إخراج: محمد كريم

عرض في الأسبوع الماضي في سينما رويال فلم (الوردة البيضاء) وهو بلا شك أول فلم غنائي ناطق من نوعه، ويعد خير الأفلام المصرية التي ظهرت إلى اليوم، ومن المظنون أنه سيحتفظ بمرتبته هذه طويلا، وقد لقي من النجاح والإقبال ما لم يلقه فلم من قبله، وهذه العاطفة الجياشة المتدفقة التي قابل بها الجمهور بطل الفلم الأستاذ الموسيقار محمد عبد الوهاب أثناء العرض، وهذه الهتافات الحارة ومظاهر التقدير والإعجاب لفناننا الشاب، هي بعض ما يستحقه، وعبد الوهاب يتمتع بمكانة في نفوس الشعب يغبط عليها، وقد نالها عن جدارة وكفاية وموهبة سامية رفعته درجات في سماء المجد والشهرة، ولم يزل الموسيقار العبقري في مقتبل العمر ونضرة الشباب

يمتاز هذا الفلم بأشياء كثيرة أولها: أن به قطعة للمغفور له أحمد شوقي بك أمير الشعراء وهي قطعة (النيل) آخر ما وضع شوقي من الأغاني لعبد الوهاب، وكأن القدر شاء أن تبقى هذه الطرفة الغالية في مخبئها الأمين حتى تظهر في أول أفلام عبد الوهاب فتضفي عليه من جلالها جلالا ومن سحرها سحراً. وكأني بأمير الشعر يأبى إلا أن يلازم أمير الغناء حيا وميتا، ويأبى عبد الوهاب إلا أن يظهر إلى جانب إحدى صور الفقيد العظيم في مشاهد هذا الفلم. ويحمد له الناس هذا الصنيع الكريم الذي يتضمن من معاني الاعتراف بالجميل أسماها وأبقاها على الزمن.

كذلك ينفرد هذا الفلم بما أبداه عبد الوهاب من التقدير لمن سبقه من رجال الفن بإظهار صورهم، وتسجيل أصواتهم في فلمه الأول، فرأينا على الشاشة عبده الحمولي والشيخ

ص: 68

سلامة حجازي والشيخ سيد درويش، وقد أدرك الجمهور بحاسته الصادقة ما في هذا الصنيع النبيل من تقدير عبد الوهاب للسابقين الخالدين من رجال الفن، فقدره قدره وأولاه من أجله ما يستحق من الثناء والحمد الجميل. وعبد الوهاب خليق بالشكر لهذا الشعور الذي لا يصدر إلا عن فنان حق.

ومن مميزات هذا الفلم أنه يعطي الجمهور (في ثنايا القصة) صورة رائعة عن خلق الفنان وشهامته ونبله، وكيف تتسع روحه الكبيرة للتضحية العظيمة عن رضى وكرم، في سبيل فكرة أو في سبيل عاطفة صادقة من الإقرار بالجميل والاعتراف به. وما أروع هذا الموقف الذي نرى فيه (جلالا) وهو يعد، وعد فنان، أن يقطع صلاته بحبيبته (رجاء) ثم يكون عند وعده

وهذه الصورة النبيلة التي أرادها عبد الوهاب (لجلال) الفنان. . قد تبرر ما يؤخذ على القصة في هذه النقطة، والشخصيات التي نتخيل فيها مثلنا العليا لا تحدها الاعتبارات المألوفة والغايات القصار المدى. ولا شك أن (جلالا) كان مثلاً أعلى في التضحية السمحة الكريمة فرفع شأن رجل الفن وأعلى من مكانته، وجعله في مركز أسمى من كل هذه الشخصيات التي ظهرت إلى جانبه في القصة، وكلها مترفة تنعم بالجاه والمال، وتلقى أينما حلت الاحترام والإجلال، أما هو فليس أكثر من جلال أفندي. . . ولكنه فنان، وحسبه ذلك فخرا وكفى.

أما ميزة الفلم الكبرى بظهور عبد الوهاب فيه فهذا ما أر جيء الحديث عنه الآن.

قصة الفلم بسيطة، لا تعقيد فيها ولا تشعب، يتتبعها المشاهد في سهولة ويسر، وأعتقد أنها توافق تماما الغرض الأول الذي رمى إليه من وضع هذا الفلم ومن إسناد دور البطل فيه إلى عبد الوهاب الموسيقار، فشخصية (جلال) هي الشخصية البارزة وتجري حوادث القصة حولها متخذة من الشخصيات الأخرى بطانة وحاشية لها. على أن القصة تسير في بطئ، وكان يمكن تفادي ذلك في وضع السيناريو أو في التقطيع (ديكوباج) وهذا ما سنفصل الحديث عنه بالكلام عن الإخراج.

قام الأستاذ محمد عبد الوهاب بتمثيل دور (جلال) الشاب الوديع، الهادئ، الوقور. . . . وفي عبد الوهاب نفسه كثير من شخصية جلال من هذه النواحي، ولذلك كان فيه طبيعيا

ص: 69

جهد استطاعته. على أن شخصية عبد الوهاب كموسيقار قد طغت على هذه الناحية وخلفتها وراءها وكانت موضع اهتمام الجمهور، فلا عجب إذا أولاها الناقد القسط الأوفى من عنايته.

والآن. . . هل أنا في حاجة إلى الحديث عن عبد الوهاب الموسيقار، الملحن، والمغني؟ لا يستطيع أحد أن ينكر على عبد الوهاب الملحن ما أدخله وابتكره في الموسيقى من الألوان الجديدة الطريفة، وهذه ألحانه وأغانيه تشهد له بالنضوج الفني الكامل، والذوق السليم، وان له ملكة الفنان الحق، الفياضة، المتدفقة، التي يغترف من معينها الذي لا ينضب، ويستقي من نبعها الصافي السلسبيل، أنغاما تشجي القلب والفؤاد، وتبث في النفس ألوانا شتى من العاطفة الحية القوية، فأنت معه: إن بكى أبكاك، وان طرب أطربك، وان وصف خلت أنك ترى بالعين ما تسمع بالأذن، وان شدا حلق بك في سماء من النشوة أنت فيها هانئ سعيد، وملأت موسيقاه روحك بخيالات الأمل وأحلام الشباب، وتنقل بك ما شاء أن يتنقل بين عواطف القلب وميول الفؤاد، وأنت تنهل من موسيقاه في مثل نبع سائغ عذب حلال.

ولقد جدد عبد الوهاب في موسيقى التخت الجامدة، فأدخل عليها بعض الآلات، كما وضع لألحانه توزيعها الموسيقي (أوركستراسيون) فأضفى عليها ثوبا قشيبا من التجديد له خطره وله جلاله. وعبد الوهاب المغني حبته الطبيعة بصوت مرن، يعلو حتى يكد العازف في تتبعه، وينخفض حتى لا يكون أكثر من همس الخاطر، أو مناجاة العاشق، على خوف من الرقباء والعاذلين، وقد أحسن عبد الوهاب استخدام هذه المرونة كالصانع الحاذق يشكل ما في يديه كما يشاء، ويلون في تموجات صوته معاني ما ينشد من الألحان، فيكسب اللفظ جدة وروحا، ويبرز لك المعنى بروزا قويا صريحا، وقد تقرأ اللحن فلا تجد فيه شيئا، فتسمعه من عبد الوهاب فكأنما صاغه من جديد صياغة الماهر اللبق، وما أذكر أني سمعت عبد الوهاب مرة إلا وأخضلت عيناي بالدموع

يلقي عبد الوهاب في الفلم ثماني قطع غنائية، منها قطعة (الرومبا) التي وضعها على نسق هذا النوع الطريف من الموسيقى الإفرنجية، فأتى فيها بمعجزة، ولست أقتصد في القول ولا أتهيب أن أقدم لعبد الوهاب أبلغ آيات الإعجاب على توفيقه في تلحين هذه الأنشودة. كذلك كانت القطعة الختامية التي ينشدها على مقربة من منزل حبيبته ليلة عرسها، والأسى يقطع

ص: 70

قلبه، والألم يحز في نفسه. وتراه من خلف القضبان الحديدية متشبثا بها كغريق يتعلق بأمل أخير، فلا تسمعه ينشد، وإنما يبكي ويسفك الدمع في اللحن والأغنية حتى لتكون أشبه بنواح بلبل جريح.

وهذا المشهد من الفلم أروع مشاهده، وما تستطيع أن تملك دمعك فيه ولو كان عصيا، وقد رفعه عبد الوهاب بأنشودته إلى أسمى ذروة من الفن الغنائي والسينمائي معا، ولو لم يكن لعبد الوهاب من أثر في الفلم كله إلا هذه القطعة، وهذا المشهد لكفى لنعترف له مخلصين بالكفاية النادرة والموهبة المؤاتية الجبارة التي يتفرد بها ملحنا ومطربا. وباقي القطع ليست أقل من هذه فكلها من صنع عبد الوهاب وكفى.

طال بنا القول ولما ننته، ومن الخير أن نكتفي بهذا القدر اليوم على أن نعود الحديث عن الفلم من ناحيته الفنية المحضة في مقال آخر. ولكن لنهنئ ممثلي الفلم قبلا على ما أبدوه من كفاية في مواقفهم جميعا، وما لاقوه من نجاح في أداء أدوارهم، أما المخرج فلينتظرنا قليلا، على إننا نكتفي اليوم بأن نشد أذنيه في غير عنف ولا قسوة، ترقبا للمعركة القادمة فليأخذ أهبته وليعد السيف والترس فسنجول معه جولة لعله لا يصاب فيها بكثير من الجراح والخدوش.

ص: 71

‌الحركة المسرحية والسينمائية في الخارج

بوخارست

وضع طبيب روماني يدعى ميهاي نايليمينو رواية مسرحية في أربعة فصول أسماها (أمواج العقل) بطلاها غليون الثاني قيصر ألمانيا السابق وبرناردشو الكاتب الإنجليزي المعروف. ويقع أحد مشاهدها في قصر من قصور بروسيا وفي غرفة للتدخين نسقت على أحدث طراز عصري. وهذه هي الرواية الأولى لهذا الطبيب إلا إذا صدقت تلك الإشاعة التي تقول إن الرواية لكاتب مسرحي معروف اختار أن تظهر روايته تحت اسم مستعار لأسباب خاصة.

بونس آيرس

زار في شهر أكتوبر الماضي بيراندللو الكاتب الإيطالي الشهير مدينة بونس آيرس في أمريكا الجنوبية للأشراف على إخراج إحدى مسرحياته المعروفة هناك. وقد نجحت الرواية نجاحا كبيرا. وقد ألقى بيراندللو في الليلة الأولى لتمثيل الرواية محاضرة عن (المسارح قديما وحديثا)

نيويورك

كاد ينتهي أوجين أونويل الكاتب الأمريكي الشهير من وضع رواية جديدة، وقد اتبع في كتابتها طريقة مبتكرة، فبدلا من تقسيمها إلى فصول، قسمها إلى أربع روايات مختلفة تحتوي كل منها على عدة مشاهد ومناظر، وتمثل على أربع حفلات متتابعة في أربعة أيام متعاقبة. وتجمع الأربع روايات وحدة الموضوع والفكرة والشخصيات وتكاد تشابه بذلك طريقة الحلقات المعروفة في عالم السينما

- ألقى مستر ويل هايز من أكبر مديري الشركات السينمائية في أمريكا محاضرة في الشهر الماضي في وشنجطن ذكر فيها بعض الأرقام التي تتعلق بصناعة الأفلام السينمائية. ونظرة بسيطة على هذه الأرقام تستطيع أن تكون منها فكرة عن ضخامة هذه الصناعة التي تعد من أهم الصناعات في أمريكا اليوم. وقد جاء في أقواله أن ثماني شركات من التي يشرف عليها تستخدم 49 ، 000 شخص تبلغ مرتباتهم السنوية 27 ، 000 ، 000 جنيه

ص: 72

ورأس المال المستخدم في هذه الشركات يبلغ 135 ، 000 ، 000 من الجنيهات وتدفع شركات السينما الأمريكية مبلغ 20 ، 000 ، 000 جنيه في السنة كضرائب للحكومة

باريس

مثلت في منتصف أكتوبر الماضي في (تياتر دي باري) بباريس الرواية الجديدة (الرفيق) التي وضعها المؤلف المسرحي المعروف جاك ديفال وتقع في ثلاثة فصول وأربعة مناظر وقد نجحت نجاحا كبيرا. وموضوع الرواية روسيا البولشفية ونظام الحياة فيها اليوم. وقامت بالدور الأول الممثلة الفير بوبسكو وساعدتها لهجتها السلافية على إعطاء نبرة أصلية تماثل لهجة الشخصية التي تمثلها. ومن الممثلين الذين اشتركوا في الرواية أندريه ليفور الذي اشتهر في رواية (توباز) المعروفة

ص: 73

‌القصص

سنشيتا الأسبانية

بقلم حسين شوقي

(سنشيتا) الأسبانية بطلة القصة حسناء تبيع برتقالا على عربة، يعاونها في عملها (بدرو)، وليس هو البطل الآخر للقصة وإنما هو شقيقها، وهو صبي لم يعد العاشرة، أما البطل الحقيقي فهو الشاب (خوان) خاطب (سنشيتا)، وهو صياد بارع يضارع في قوته (نبتون) اله البحر، ولكنه جميل الوجه. . أما أقارب (سنشيتا) فلم يعش منهم غير (بدرو) وغير الأم التي تقوم على إدارة المنزل. وكانت (سنشيتا) في آخر النهار إذا ما فرغت من البيع تدفع العربة أمامها في طريق الدار، يعاونها في ذلك (بدرو) و (خوان). وكانت هذه المهمة تستغرق وقتا طويلا على قرب البيت، لأن ذلك الطريق القصير كان يقطع في مغازلة مستمرة بين الخطيبين، فتارة يقارن (خوان) ما بين البرتقال وخد الفتاة في الحمرة والنضرة، وطورا تكون ابتسامة رقيقة ذات معان تبعثها (سنشيتا) إلى (خوان). . ومرة ثالثة، ملاحظة وقحة من (بدرو) الصبي على أعمال العشيقين، تثير غضب الفتاة، ولو في الظاهر. .

وقد خطب (خوان) الفتاة منذ ثلاث سنين، والخطوبات الطويلة المدى من العادات المألوفة عند الأسبانيين. .

اتفق المحبان على الزواج لدى عودة (خوان) من رحلة يزمعها بعد أيام قلائل إلى بعض الجزر النائية حيث يكثر السمك، وكانت نية الفتى أن ينقطع عن عمله مدة بعد عودته من تلك الرحلة التي سوف تعود عليه بالربح الوفير، يقضيها إلى جانب زوجه المحبوبة في هناء وسعادة. .

أزف الرحيل وكان يوما قاتما، كأن الطبيعة تشارك الخطيبين الحزن، وبكرت الفتاة في الذهاب برفقة شقيقها إلى المركب الشراعي الذي يبحر عليه خطيبها، وهو مركب قديم يندر وجوده الآن إلا في أشرطة السينما عن القرصان، وكانت الفتاة تحمل سفطا ممتلئا بالبرتقال أخذت توزعه على (خوان) ورفاقه، أقلع الشراع ولم تكن إلا هنيهة حتى غاب عن نظر (سنشيتا) الحاد. .

ص: 74

صارت الفتاة تتردد في غيبة خطيبها إلى غابة منعزلة كان يقصدانها أحيانا أيام العطلة، فتبث شكواها إلى أشجار الصنوبر الزاومة، وتعيد على سمعها في صوت عال وسط هذه العزلة التامة، تلك الكلمات الرقيقة التي كانت تسمعها من (خوان)، وأحيانا ولا سيما في الليل كانت تخرج إلى الشاطئ لتشاهد الأنوار العديدة الخافتة المنبعثة على صفحة الماء من زوارق الصيد التي تروح وتغدو على مقربة. وفيما هي تعود إلى المنزل بعد جولة من تلك الجولات الليلية وجدت شقيقها (بدرو) جالسا إلى المائدة يطالع في شغف كتابا مصورا، فلما رآها التفت إليها قائلا:(سنشيتا يحسن إلا تتركي خطيبك يتنقل في البحار لأنهم يقولون أن حور البحر يخطفن البحارين الحسان!) فابتسمت الفتاة لهذا القول وقبلت أخاها قبلة طويلة في جبهته. وفي ذات يوم دقت الأجراس في القرية على غير عادة، فعجبت لذلك (سنشيتا) وكانت إذ ذاك في حجرتها منهمكة في ارتداء ثيابها لتخرج إلى السوق. . رباه! لماذا تقرع الأجراس، وليس اليوم من أيام الأعياد؟ وإذا (بدرو) يدخل عليها الحجرة بغتة هاشا مسرورا فينبئها بالخبر العظيم. . بعودة (خوان)، وبأن هذه الأجراس إنما تقرع تحية له ولرفاقه الصيادين الذين عادوا من رحلتهم الطويلة. . خرجت الفتاة إلى الشاطئ وأراد (بدرو) أن يرافقها إليه، ولكن الأم احتجزته معها في المنزل ليساعدها في تنسيق مائدة الطعام إكراما للخطيب المحبوب. .

بلغت الفتاة الشاطئ فوجدت السفن راسية والصيادين يعانقون أهليهم وذويهم، ولكن. . (خوان)!. . أين (خوان)؟ أين (خوان) الجميل؟ خوان لم يؤب فقد ابتلعته الأمواج في ليل عاصف، وهو في طريق العودة إلى الوطن. . ثم دنا أحد الصيادين من (سنشيتا) قائلا:(انتظري سنشيتا سأعطيك نقود خطيبك التعس). . ولكن (سنشيتا) لم تنتظر بل قفلت راجعة إلى المنزل. . وعندما بلغت عتبة الدار وجدت شقيقها (بدرو) ينتظر متطلعا، ثم سألها في لهفة:. . (ولكن أين خطيبك؟) فأجابته في هدوء: (لقد احتفظت حور الماء بحارنا الجميل يا بدرو)!

كرمة بن هانئ

ص: 75

‌مثلت فأتقنت التمثيل

للآنسة سهير القلماوي

ليسانسييه في الآداب

لقد ألفت البكاء بعد فقد وحيدها واستبدلت بالرقص التنهدات وبالغناء النحيب. كانت تعمل في أحد المسارح راقصة ومغنية، فأصبحت تعمل في مسرح الحياة نائحة وباكية.

في سنة 1776 قامت أمريكا تطالب باستقلالها وأعوزتها الجيوش فأرسلت تستنجد فرنسا. أرسلت فرنسا المدد إليها بقيادة القائد لافاييت ذلك العظيم الذي أصبح فيما بعد من زعماء الثورة الفرنسية. نالت أمريكا استقلالها وظلت مساعدة فرنسا لها دينا في عنقها تترقب الفرص للوفاء به. ولكن الأعوام توالت وما زال هذا الدين غلا في عنق أمريكا.

وفي سنة 1914 انفجرت الحرب العظمى في أنحاء أوربا وقامت لها الدول وقعدت. وأخيرا أرسلت فرنسا تطالب بدينها وتلح في طلب المدد. تذكرت أمريكا لافاييت وجيشه فأرسلت جيشها وفاء دين، وتحية إجلال، لروح ذلك البطل الخالد.

وشاعت الأنشودة المشهورة (جئنا إليك يا لافاييت) في أمريكا بين صفوف الجند وفي المسارح والمقاهي. أنشدها القوم لحث الشباب على التطوع في الجيش المرسل مددا لروح لافاييت ممثلة في فرنسا، ولكم ألهبت تلك الأنشودة من قلوب، ولكم أثارت من حمية الشباب ودفعت بهم زرافات إلى صفوف الجيش الراحل إلى وطن لافاييت وفاء دين ورد جميل.

شهرت تلك ألأم بإنشاد هذه الأنشودة واشتهر وحيدها بأنه أول من تطوع في هذا الجيش. كانت الأم تغني تلك الأنشودة وهي ترقص رقصة الجندي المقتول، رقصه تمثل وقوع الجندي الباسل في ميدان القتال فداء الوطن وضحية النصر فكانت تلهب قلوب المتفرجين حماسا وإقداما. وأنشدتها لآخر مرة ليلة رحيل الجيش في المعسكر، وكان ابنها من اكبر المعجبين بها، والمتحمسين لها. هذه آخر مرة رأت وحيدها وفي الصباح رحل الجيش.

رجع الجيش ولكن وحيدها لم يرجع فقد قتل في ميدان الحرب شهيدا كما أملت عليه تلك الروح التي ألهبتها الأم بأنشودتها. لم يمت في ساحة الوطن وإنما قتل في ساحة الوفاء

وأنشد الجند (وجئنا إليك يا لافاييت) احتفاء برجوعهم إلى وطنهم فتقطعت نياط قلب الأم

ص: 76

حسرة وكمدا. وتمثلت لها الحرب بأبشع مظاهرها. فهزأت من الجند الساذج الذي يسير إلى الموت فرحا مستبسلا مضللا بكلمات جوفاء كالوطن والحرية والوفاء والشهامة. وازدرت أناشيد الحرب وأعلام الحرب، وكل ما يمس الحرب، لأنها كلها ليست إلا وسائل إغراء الشباب ليقدم على الموت فتنال الأمة مطامعها. وهكذا لابد من ثمن لكل نصر.

بزغت الشمس هذا الصباح فتململت الأم في فراشها وانحدر الدمع على صدرها سخينا ملتهبا فتنهدت قائلة (رباه، أما في دنياك من جديد؟) ليس هناك جديد لك أيتها الثكلى، فقد حرمت ثمار غرس تعهدته وسهرت عليه فجنى الموت ما كنت إليه تتطلعين، وتمتع الفناء بزهر تعهدته وسقيته دم القلب. ليس لك سوى أنشودة تعيدينها ليل نهار هي كل مالك من ذكرى. نعم ليس هنالك سوى أنشودة الذكرى فردديها كلما غنت الطيور، وردديها طلوع شمس ومغربها. ردديها ما بقي فيك صوت ينشد، ردديها، ولتكن آخر ما يسمع من صوتك العذب الرقيق.

صحت الأم في ذ لكاليوم يملؤها شعور خفي، إنها ستلاقي وحيدها ولكن أين؟ وكيف؟ لا تدري. لقد دعاها الجند اليوم وتوسلوا إليها لتحضر احتفالهم بمرور عام على وفاة وحيدها. ذهبت ولكنها كانت ذاهلة عن كل ما حولها. يكلمها هذا ويعزيها ذاك فلا تشعر بشيء ألا أنها ستلاقي وحيدها اليوم.

وعزفت الموسيقى بأنشودة (جئنا إليك يالافاييت) فاندفعت ألأم نحو المنبر بشعور غريب وبدأت تغني وترقص رقصة الجندي المقتول، كما كانت ترقصها ليلة ترحيل الجيش. تسمع الجند أليها بقلوب باكية، وعيون ينهمر الدمع منها انهمارا. لقد رأى كل منهم الموت بعينه فما بكى، ورأى أصدقائه يترنحون قتلى في ساحة الحرب فما ذرفت عينه نصف ما ذرفت لمنظر تلك الأم الثكلى ترقص رقصة تمثل وحيدها يقع قتيلا في الحرب. سمعوا المدافع والطبول وسمعوا الأنين وحشرجة الموت فما هلعت قلوبهم ولا وجلت مثلما وجلت لسماع صوت الأم وهي تنشد أنشودة دفعت ثمنها غاليا.

وترنحت ألأم في رقصتها استعدادا لسقطة الموت الأخيرة، سقطة تمثل سقطة الجندي الباسل مقتولا في ساحة الحرب. وهنا ٍرأت وحيدها! نعم رأته يسير أليها بطيئا مهيبا! يسير أليها هي بعد أن قام من بين صفوف الجند مادا ذراعيه نحوها. فصرخت صرخة مروعة

ص: 77

(ولدي. . . . ولدي. . . ألي يا ولدي)

وسقطت كما يسقط الجندي المقتول في ساحة الحرب.

-

ص: 78

‌صه!

للقصصي الروسي تشيكوف

يعود ايفان كراز نوكين، وهو محرر متوسط في صحيفة يومية، دائما لمنزله في ساعة متأخرة من الليل مكتئبا حزينا، على سحنته الوقار وفي مشيته الجلال. وأحيانا تراه جامعا أشتات فكره مستغرقا بكليته في تصوره كأنما يترقب أن يفتش أو يفكر في الانتحار. ذرع عرض غرفته، ثم توقف ونفش شعره وقال في لهجة (لابرتس) منتقما لأخته (إنني حائر تعب ملتاع إلى ابعد قرارات النفس. إن الحزن يجثم على قلبي، ويهيمن على جسمي، ومع هذا فلزاما علي أن اجلس لأكتب. . وهذا ما يسميه الناس (العيش)

ليت شعري لم يصف كاتب حتى اليوم هذا الخبل الذهني المؤلم، وهذا

الاضطراب الفكري الشديد الذي يعذب روح المؤلف ويؤلم نفسه.

فعندما يكون حزينا حزنا يذيب لفائف القلب، يجب عليه أن يبعث

الجمهور على الطرب المستخف والسرور العظيم. وعندما يكون فرحا

يثلج الصدر ويبهج القلب يجب عليه أن يرسل الدمع الهتان وينفث

الحزن الدفين.

أجل! يجب علي أن أكون مرحا مستهترا لا أكترث لشيء ولا أحفل به. مليح النكتة بارع الدعابة عندما ينوء بي الهم ويقتلني الحزن. حتى إذا كنت (دعني أقول) مريضاً. . . إذا كان طفلي في نزعه الأخير. . . وكانت زوجي تنهشها الأحزان وتفترسها الآلام

لما فرغ من قوله هز جمع يده وأدار حماليقه. ثم دلف إلى المخدع وأيقظ زوجه. وقال: (ناديا!. . سآخذ في الكتابة. أرجو أن تحرصي على ألا يقاطعني أحد أو يمنعني من العمل إنسان. فما أستطيع الكتابة والجدي ينب والطاهي يغط! ثم قدمي أيظاً بعض الشاي وشريحة من اللحم، إذا أمكن، فأنت تعرفين أني لا أوفق إلى الكتابة إلا إذا شربت شايي، فالشاي وحده هو الذي يبعث في القوة على العمل.)

أخذ سمته إلى غرفته وخلع معطفه وصدريته وحذاءه. نضا عنه ثيابه بتأن تام. ثم كون ملامح وجهه حتى أصبحت تعبر عن الإنسان البريء المعذب (وجلس إلى مكتبه)

ص: 79

على هذا المكتب لا تقع عين الإنسان على حقائر الأشياء اليومية وصغائرها. فكل الأشياء وأتفهها تنقلب ذات معنى، ويظهر عليها برنامج عابس! هنا تماثيل نصفية وصور شمسية لمؤلفين عظيمي الشهرة ذائعي الصيت. وهناك كوم من المخطوطات ومجلد بمؤلفات بلينيسكي ومنه صفحة مقلوبة. ثم عظام رأس تستعمل محبرة وصفحة من جريدة طويت كما يتفق، بيد أنها تعرض عمودا معلما عليه بالقلم الأزرق بالخط العريض (جبان) وهناك جمهرة من الأقلام المبرية حديثا وريش بأسنان جديدة حتى لا يمكن لأي سبب خارجي أو حادث عارضي أن يمنع التحليق السامي لهذه المخيلة المبدعة!!

ألقى كرازنوكين نفسه على كرسيه المريح وراح يفكر في موضوع فسمع زوجه تضرب الأرض بخفها تشقق قطع الخشب (للسيماور) وخيل إليه أنها مازالت وسنانة لأن غطاء السيماور أو رجله كان يسقط من يدها بين آونة وأخرى. ووصل إلى سمعه نشيش المغلاة وأزيز اللحم المقلي، وزوجه مازالت تشق الخشب مفرقعة قرب الموقد. مغلقة بشدة باب الفرن مرة، وأخرى النافذة الهوائية، وآونة أخرى باب المدفئة. فأرتجف كرازنوكين، وفتح عينين يملؤهما الرعب ويتطاير منهما الشرر. وأخذ ينشق الهواء ويلهث (رحمتك الهم!. . . دخان الفحم؟. . . هذه المرأة التي لا تطاق عزمت على خنقي. . قل لي بالله كيف أوفق للكتابة في حالات كهذه؟)

جرى إلى المطبخ يولول وينوح، وبعد برهة عادت زوجه تمشي على أطراف أصابعها مقدمة له قدحا من الشاي فوجدته جالسا على كرسيه الطويل كما كان من قبل! لا يبدي حراكا ولا يحرك جارحة غارقا في موضوعه، فلم يتحرك، وأخذ ينقر بخفة على جبهته بأطراف أصابعه متظاهرا بأنه لا يلاحظ وجودها ووجهه يعبر مرة ثانية عن:(البريء المعذب)

قبل أن يكتب العنوان أخذ يتملقه ويدلله مدة طويلة! كأنه عذراء أهداها بعض الناس مروحة جميلة! آونة يمر بيديه على صدغيه وأخرى يرتجف ويهتز جميعه ساحبا قدمه من تحت كرسيه كالمتألم. مغلقا نصف عينيه بفتور كقطة على فراش.

وأخيرا بعد تردد دنا من الدواة وسطر العنوان وكأنه يوقع صك الموت. . . .

سمع صياح ابنه (ماما!. . قليل من الماء)

ص: 80

فأجابته أمه (صه!. . بابا يكتب. . . صه!)

كان الأب يكتب بسرعة مدهشة دون توقف، دون أن يمحو حرفا أو يشطب كلمة وليس عنده من الوقت ما يتسع لقلب الصفحات أما التماثيل النصفية والصور الشمسية لمشهوري المؤلفين فكانت ترقب يراعه الجوال وقلبه السيال وكأنها تفكر (اها. . . أخواه استمر. . . .)

خدش القلم (صه)

فجلجل المؤلفون وقد اهتزوا بدفعة من ركبة الكاتب (صه) عاد كرازنوكين إلى نفسه ووضع قلمه وتسمع. فسمع همسات متزنة لا تنقطع. وكان ذلك صوت فوما نيكوليتش الساكن معهم وهو يصلي في الغرفة المجاورة.

فناداه كرازنوكين (أعرني سمعك!. أما تستطيع الصلاة بأسرع من هذا؟. . انك تحول بيني وبين الكتابة)

فأجابه فوما نيكوليتش بحياء ووداعة (أستمحيك العفو يا سيدي)(صه!)

بعد أن كتب صفحات خمساً تمدد ونظر إلى الساعة وتأوه. (يا للسماء!. . الساعة الثالثة!. . الناس جميعا مستريحون نيام. . . وأنا وحدي. . أنا. . يجب علي أن أعمل)

بعد أن استفرغ العمل جهده وأفنى قوته أخذ طريقه إلى المخدع ضارع الجسم، واهن القوى ورأسه ساقط على عاتقه. أيقظ زوجه صائحا بها مكدود الصوت (ناديا. . . قدحاً آخر من الشاي. . . إني. . . إني أشعر بضعف)

كتب إلى الساعة الرابعة وود لو استمر في كتابته إلى الساعة السادسة بيد انه أنجز عمله وفرغ من موضوعه

زهوه العجيب وفرحه الغريب بهذه الأعمال الجامدة ولا بصيرة عنده ولا فراسة له! استبداده وجوره، عسفه وظلمه، في مسكن النحل الصغير التي خولت له الأقدار السلطان عليه وأعطته مقاليد الأمر فيه. هذه عنده أطايب الحياة وزبدة ما فيها.

كم يشابه هذا الاستبداد الذي تراه في المنزل هذه الأجناس الذليلة الصامتة التي يخالط كلامها التورية والتي اعتدنا رؤيتها في مكاتب الصحف.

قال لنفسه وهو ذاهب لفراشه (إني تعب جدا حتى يخيل إلي إنني لن أستطيع النوم. . .

ص: 81

فعملنا الجهنمي الذي لا نلاقي منه جزاء ولا شكورا لا يجهد الجسم كما يجهد القريحة، على إنني سأتناول مقويا. . والله يعلم لو لم يكن هذا لخير الأسرة لنفضت منه يدي. . . . . . . أه. . انه مرعب أن يكتب الإنسان ويجبر على العمل هكذا!!)

استغرق في سبات عميق. . . فنام حتى الساعة الواحدة أو الاثنتين بعد الظهر، وما الذي كان ينامه أطول أو يحلمه ألذ. . إذا كان مؤلفا مشهورا أو محررا بارعا. أو حتى ناشرا؟

همست زوجه بوجه مرتاع (كتب سحابة الليل!. . صه!)

ما جرؤ أحد على الكلام أو السير أو التصويت فنومه مقدس ومن يذنب فيقطع هذا السكون ويشوش هذا الهدوء، فعليه أن يدفع عن هذا غاليا.

(صه!. . . . صه!)

ورن هذا الصوت في جميع الحجرات

محمود البدوي

ص: 82

‌الكتب

على هامش السيرة

للدكتور طه حسين

مقدمة

هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين، لأني لم أرد بها إلى العلم، ولم أقصد بها إلى التاريخ. وإنما هي صور عرضت لي أثناء قراءتي للسيرة فأثبتها مسرعا. ثم لم أر بنشرها بأسا، ولعلي رأيت في نشرها شيئا من الخير. فهي ترد على الناس أطرافا من الأدب القديم، قد أفلتت منهم وامتنعت عليهم. فليس يقرؤها منهم إلا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واسعة عميقة في الأدب العربي القديم. وانك لتلتمس الذين يقرأون ما كتب القدماء في السيرة وحديث العرب قبل الإسلام فلا تكاد تظفر بهم. إنما يقرأ الناس اليوم ما يكتب لهم المعاصرون في الأدب الحديث بلغتهم أو بلغة أجنبية من هذه اللغات المنتشرة في الشرق. يجدون في قراءة هذا الأدب من اليسر والسهولة ومن اللذة والمتاع ما يغريهم به ويرغبهم فيه، فأما الأدب القديم فقراءته عسيرة وفهمه أعسر، وتذوقه أشد عسرا. وأين هذا القارئ الذي يطمئن إلى قراءة الأسانيد المطولة والأخبار التي يلتوي بها الاستطراد وتجور بها لغتها القديمة الغريبة عن سبيل الفهم السهل، والذوق الهين الذي لا يكلف مشقة ولا عناء.

ذلك إلى أن الأدب القديم لم ينشأ ليبقى كما هو ثابتا مستقرا لا يتغير ولا يتبدل، ولا يلتمس الناس لذته إلا في نصوصه يقرئونها ويعيدون قراءتها، ويستظهرونها، ويمعنون في استظهارها. إنما الأدب الخصب حقا هو الذي يلذك حين تقرأه لأنه يقدم إليك ما يرضي عقلك وشعورك، ولأنه يوحي إليك بما ليس فيه، ويلهمك ما لم تشتمل عليه النصوص. ويعيرك من خصبه خصبا، ومن ثروته ثروة، ومن قوته قوة، وينطقك كما أنطق القدماء، أو لا يكاد يستقر في قلبك حتى يتصور في صورة قلبك، أو يصور قلبك في صورته. وإذا أنت تعيده على الناس، فتلقيه إليهم في شكل جديد يلائم حياتهم التي يحيونها، وعواطفهم التي تثور في قلوبهم، وخواطرهم التي تضطرب في عقولهم.

هذا هو الأدب الحي، هذا هو الأدب القادر على البقاء. ومناهضة الأيام. فأما ذلك الأدب

ص: 83

الذي ينتهي أثره عند قراءته فقد تكون له قيمته، وقد يكون له غناؤه، ولكنه أدب موقوت يموت حين ينتهي العصر الذي نشأ فيه. ولو أنك نظرت في آداب القدماء والمحدثين، لرأيت منها طائفة لا يمكن أن توصف بأنها آداب عصر من العصور أو بيئة من البيئات، أو جيل من الأجيال، وإنما هي آداب العصور كلها والبيئات كلها والأجيال كلها. لا لأنها تعجب الناس على اختلاف العصور والبيئات والأجيال فحسب، بل لأنها مع ذلك تلهم الناس وتوحي إليهم، وتجعل منهم الشعراء والكتاب والمتصرفين في ألوان الفن على اختلافها.

وليس خلود الإلياذة يأتيها من أنها تقرأ فتحدث اللذة، وتثير الإعجاب في كل وقت، وفي كل قطر، بل هو يأتيها من هذا ومن أنها قد ألهمت، وما زالت تلهم الكتاب والشعراء، وتوحي إليهم بأروع ما أنشأ الناس من آيات البيان. ولقد كان ايسكولوس أبو التراجيديا اليونانية يقول: أنه إنما يلتقط ما يسقط من مائدة هوميروس، وما زال القصاص، وشعراء التمثيل والغناء في الغرب خليقين أن يقولوا الآن ما كان يقوله ايسكولوس منذ خمسة وعشرين قرنا، ولم تكن قصص ايسكولوس وغيره من شعراء التمثيل اليوناني أقل خصبا من الإلياذة، بل هي قد ألهمت من الكتاب والشعراء قديما وحديثا، وما زالت قادرة على أن تلهمهم إلى اليوم والى غد. وإني لأذكر أني قرأت منذ أعوام قصة تمثيلية هي الثامنة والثلاثون من نوعها وقد سماها صاحبها (جيرود) وبهذا الرقم. فوضع لها هذا العنوان (أنفيتمريون رقم 38) كانت أسطورة تتصل بمولد هيرقل، فصورها سوفوكل قصة تمثيلية في القرن الخامس قبل المسيح. وما زال الشعراء والكتاب من اليونان والرومان والأوربيين المدنيين يتأثرونه ويذهبون مذهبه في تصوير هذا الموضوع حتى انتهت القصص التي كتبت فيه شعرا ونثرا إلى هذا العدد الضخم، ولم يحجم فحول التمثيل عن طرق هذا الموضوع لأنهم سبقوا إليه، بل زادهم ذلك حرصا عليه، ورغبة فيه، وكان بين الذين طرقوه الشاعر اللاتيني بلوت، والشاعر الفرنسي موليير. ثم لم يشفق جيرودو من أن يطرق موضوعا سبقه إليه الفحول من شعراء التمثيل في العصور القديمة والحديثة. فصور قصته هذه الثامنة والثلاثين وعرضها على النظارة في باريس سنة 1929، فكان فوزها عظيما وإعجاب النظارة والقراء بها لا حد له.

ص: 84

وفي أدبنا العربي على قوته الخاصة، وما يكفل للناس من لذة ومتاع، قدرة على الوحي، وقدرة على الإيهام. فأحاديث العرب الجاهلين وأخبارهم لم تكتب مرة واحدة، ولم تحفظ في صورة بعينها، وإنما قصها الرواة في ألوان من القصص، وكتبها المؤلفون في صنوف من التأليف، وقل مثل ذلك في السيرة نفسها، فقد ألهمت الكتاب والشعراء في أكثر العصور الإسلامية وفي أكثر البلاد الإسلامية أيضا. فصوروها صورا مختلفة تتفاوت حظوظها من القوة والضعف والجمال الفني، وقل مثل هذا في الغزوات والفتوح. وقل مثل هذا في الفتن والمحن التي أصابت العرب في عصورهم المختلفة. ولم يقف إلهام هذا التراث الأدبي العظيم عند الكتاب والشعراء الذين ينمقون النثر ويقرضون الشعر في اللغة العربية الفصحى، بل تجاوزهم إلى جماعة من القصاص الشعبيين الذين تحدثوا إلى الناس في صور مختلفة وأشكال متباينة بما كان لآبائهم من مجد مؤثل، وبما أصاب آباءهم من محن مظلمة، وفتن مدلهمة، عرفوا كيف يثبتون لها ويصبرون عليها، ويخرجون منها كراما ظافرين، ولا خير في حياة القدماء إذا لم تلهم المحدثين ولم توح إليهم بروائع البيان شعرا ونثرا، وليس القدماء خالدين حقا إذا لم يكن التماسهم إلا عند أنفسهم، ولا تعرف أنباؤهم إلا فيما تركوا من الدواوين والأسفار، إنما يحياالقدماء حقا، ويخلدون حقا، إذا امتلأت بصورهم وأعمالهم قلوب الأجيال مهما يبعد بها الزمن. وكانوا حديثا للناس إذا لقي بعضهم بعضا، وكنوزا يستثمرها الكتاب والشعراء لأحياء ما يعالجون من ألوان الشعر وفنون الكلام.

إلى هذا النحو من إحياء الأدب القديم، ومن إحياء ذكر العرب الأولين قصدت حين أمليت فصول هذا الكتاب. ولست أريد أن اخدع القراء عن نفسي ولا عن هذا الكتاب، فإني لم أفكر فيه تفكيرا، ولا قدرته تقديرا، ولا تعمدت تأليفه وتصنيفه كما يتعمد المؤلفون، إنما دفعت إلى ذلك دفعا، وأكرهت عليه إكراها، ورأيتني أقرأ السيرة فتمتلئ بها نفسي، ويفيض بها قلبي، وينطلق بها لساني، وإذا أنا أملي هذه الفصول وفصولا أخرى أرجو أن تنشر بعد حين.

فليس في هذا الكتاب أذن تكلف ولا تصنع ولا محاولة للإجادة ولا اجتناب للتقصير، وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما أجد من الشعور حين أقرأ هذه الكتب التي لا أعدل بها كتبا أخرى مهما تكن، والتي لا أملّ قراءتها، وآنس إليها، والتي لا ينقضي حبي

ص: 85

لها وإعجابها، وحرصي على أن يقرأها الناس. ولكن الناس مع الأسف لا يقرئونها لأنهم لا يريدون، أو لأنهم لا يستطيعون. فإذا استطاع هذا الكتاب أن يحبب إلى الشباب قراءة كتب السيرة خاصة وكتب الأدب العربي القديم عامة، والتماس المتاع الفني في صحفها الخصبة، فأنا سعيد حقا موفق حقا إلى أحب الأشياء إلي وآثرها عندي.

وإذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب حب الحياة العربية الأولى، ويلفتهم إلى أن في سذاجتها ويسرها جمالا ليس أقل روعة ولا نفاذا إلى القلوب من هذا الجمال الذي يجدونه في الحياة الحديثة المعقدة، فأنا سعيد موفق إلى بعض ما أريد.

وإذا استطاع هذا الكتاب أن يدفع الشباب إلى استغلال الحياة العربية الأولى واتخاذها موضوعا قيما خصبا، لا للإنتاج العلمي في التاريخ والأدب الوصفي وحدهما بل للإنتاج في الأدب الإنشائي الخالص. فأنا سعيد موفق إلى بعض ما أريد.

ثم إذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب أن القديم لا ينبغي أن يهجر لأنه قديم، وأن الجديد لا ينبغي أن يطلب لأنه جديد، وإنما يهجر القديم إذا بَرِيء من النفع وخلا من الفائدة، فان كان نافعا ومفيداً فليس الناس أقل حاجة إليه منهم إلى الجديد فأنا سعيد موفق إلى بعض ما أريد.

وأنا أعلم أن قوما سيضيقون بهذا الكتاب لأنهم محدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه، وهم لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ولا يرضاها، وهم يشكون ويلحون في الشكوى حين يرون كلف الشعب بهذه الأخبار، وجده في طلبها وحرصه على قراءتها والاستماع لها، وهم يجاهدون في صرف الشعب عن هذه الأخبار والأحاديث واستنقاذه من سلطانها الخطر المفسد للعقول، هؤلاء سيضيقون بهذا الكتاب بعض الشيء لأنهم سيقرؤون فيه طائفة من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبوا أنفسهم لحربها ومحوها من نفوس الناس، وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضى من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل ولم يرضها المنطق ولم تسعها أساليب التفكير العلمي، فان في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم وخيالهم وميلهم إلى السذاجة واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها ما يحبب إليهم هذه الأخبار، ويرغبهم فيها ويدفعهم

ص: 86

إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشق عليهم الحياة. وفرق عظيم بين من يتحدث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرها العلم وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخير، صارفة عن بواعث الشر، معينة على إنفاق الوقت واحتمال أثقال الحياة وتكاليف العيش

وأحب أن يعلم الناس أيضا أني وسعت على نفسي في القصص ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأسا إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي أو بنحو من أنحاء الدين، فإني لم أبح لنفسي في ذلك حرية ولا سعة، وإنما التزمت ما ألتزمه المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث ورجال الرواية وعلماء الدين.

ولن يتعب الذين يريدون أن يردوا فصول هذا الكتاب القديم في جوهره وأصله، الجديد في صورته وشكله، إلى مصادره القديمة التي أخذ منها، فهذه المصادر قليلة جدا لا تكاد تتجاوز سيرة ابن هشام، وطبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري. وليس في هذا الكتاب فصل أو نبأ أو حديث إلا وهو يدور حول خبر من الأخبار، ورد في كتاب من هذه الكتب، فإذا اتصل الخبر بشخص النبي فإني أرده إلى مصدره ليستطيع من شاء أن يرجع إليه، لا أحتمل في ذلك تبعة خاصة لأني لا أذهب فيه مذهبا خاصا إلا أن يكون تبسطا في الشرح والتفسير، واستنباط العبرة، والوصول بها إلى قلوب الناس.

فلييسر الله سبيل هذا الكتاب إلى النفوس، وليحسن الله موقعه في القلوب.

ص: 87