الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 239
- بتاريخ: 31 - 01 - 1938
من مشاهد المهرجان
كنت أمشي في شارع إبراهيم عصر يوم الأحد الرابع من أيام الزفاف الملكي السعيد، ونظري وفكري يتبعان فلول الزوار وهم يسيرون زمُراً في باحة الطريق يلقون أنظارهم الطائرة على بقايا الزينة من أقواس وأعلام، وينفقون قروشهم الأخيرة في مغريات النفس من شراب وطعام؛ وكان الملايين الثلاثة الذين ساهموا بآمالهم وأموالهم في زفاف الفاروق قد انتشروا في ميادين القاهرة وفنادقها وحدائقها ثم تركوها أشبه بمروج الربيع نفشت فيها قطعان الشاء فجعلتها كالصريم؛ ولكن هذه الأفواه الفرحة التي لم تفتر عن الضحك والهتاف، أو عن المضغ والارتشاف، قد أفعمت جيوب القاهرة مالاً وغمرت جنوبها بهجة. فكان منظر هذه الشراذم المتخلفة وهم يودعون مجال العُرس والأنس يبعث في النفوس شعور الأسف على انقضاء فترة من فترات الجنة اجتمعت فيها القلوب على السرور المصفى والوداد المحض
كنت أقول لنفسي وأنا أسير الهوينى في غمر من الصفاء استفاض على أوجه الناس حتى شاع حولهم في النسيم وشع فوقهم في الأفق: متى يتاح لسلائل الطين أن ينزعوا من صدورهم الجشع والأثرة فيعيشوا كما عاشوا في هذه الأيام حُشْداً على الخير عكفاً على الجمال خلصاً على المودة، ولهم على الله هواء يفعم كل رئة، وغذاء يتخم كل معدة، ورخاء يعمر كل قلب؟
ليت شعري أعجز ابن آدم ومعينه نور قلبه ووحي ربه وهدى عقله أن
يجعل دنياه الفانية كرياض الطير مسارح للشدو ومجاليّ للبهجة
ومشارع للحب، فيعيش على فضل الله كما تعيش الطير تغدو خماصاً
وتروح بطاناً وتغفوا أوامن؟ إن بقاء النفس أو القوت، وبقاء الجنس أو
الأنثى، هما الأصلان لكل غاية، والمصدران لكل عمل، فهل أعيا على
شريعة الخالق وفلسفة المخلوق أن تهذبا هاتين الغريزتين فتقطعا
أسباب الشر وتقلعا أصول الجريمة؟
ألا. . . ولكنني شعرت فجأة بجسمي الطليق الهائم ينحصر في زحمة ضاغطة من السواعد
والأكتاف، فاطلعت فرأيتني أضطرب في سيل دافق من الأخلاط والطوائف يموج بعضهم في بعض، ويهدرون بذكر الله هديراً طغى على كل صوت وغطى على كل حركة. كان ذلك موكب الطرق الصوفية تجمعت ألوفه من جوانب القطر ليرفعوا إلى ملكهم الصالح فاروق تهنئات الطريقة. لم أستطع الخلوص إلى طوار الشارع من شدة الزحام، ولم أطق السير لا إلى الخلف ولا إلى الأمام، فتركت نفسي إلى تدافع الموكب أرسب في لججه واطفوا على أمواجه حتى أنصب في ساحة عابدين. وهناك رأيت على حواشي الميدان صفوفاً متراصة من الناس يحجزها عن الموكب الذاكر سلسلة من الجنود والشُّرط؛ ووجدت نفسي تحت البنود الخفاقة وبين الفرق الدفاقة أمام الشرفة الغربية من قصر المليك، وقد شرقت من حولي الساحة على رحبها بالطوائف المختلفة الإشارات والشارات والأناشيد، تملأ السماء بالأنغام، وتجلل الأرض بالأعلام، وتجعل من الميدان غابة من شجر الزان تسقسق تحت أفيائها الوريفة أسراب من الطيور الغريبة
أدركت القوم حال من حميا الوجد فترنحوا مهللين ومنشدين، واختلطت على غير نظام ولا انسجام هتفات الناس ونقرات الدفوف وصدحات الناي، فما كنت تسمع إلا لجباً لا يتبين فيه نشيد ولا يتميز به نغم. ثم قرَّت فورة القوم حين تنقَّل على أفواه المريدين أن جلالة الفاروق سيشرق عليهم، فخشعت الأصوات وسكنت الحركات واتجهت النظرات إلى الشرفة الملكية يرقبون منها طلعة المحيا الأبلج الموموق؛ ولكن الشرفة ظلت في سدْلها القرمِزي المتوَّج كأنها شفق الفجر يبشر بالحياة والنور والبهجة قبل أن تهصر الطبيعة ستائرها الوردية عن خِدْر الشمس. فلما طال الانتظار عاد النقباء والخلفاء يرتبون ما يقول الأتباع عند تجلي المليك: - لا ينبغي أن نصفق كما يصفق الأفندية - لا يجوز أن نهتف كما يهتف العامة - قولوا في صوت واحد: الله! الله! - بل قولوا: الله أكبر! - ولم لا نقول: عاش الملك الصالح! عاش أمير المؤمنين؟
- هذه الجهة تهتف بهذا ثلاثاً، ثم تسكت فتهتف الجهة الأخرى: ليحي حامي الإسلام
- أرى أن يهتف المرغنية: عاش ملك مصر والسودان، ويهتف النقشبندية: عاش خليفة الرحمن، ويقول الرفاعية. . .
- لا لا. هذه كلها هتفات لا تزكوا بأهل التصوف. اتفقوا على دعاء واحد تجأرون به إلى
الله أن يحفظ عبده الفاروق لإعلاء كلمته وإعزاز دينه
وأخذت كل طائفة تروض ألسنتها على النداء والدعاء وأعينها شواخص إلى شرفات القصر ونوافذه
لعل الملك يخرج من هذا الباب يا فرحات! أظنه يطل من هذا الشباك يا مسعود! ربما يخرج إلى الميدان مع المشايخ فيعرض (الأشاير)
ثم انعقدت الألسنة وعُلقت الأنفاس واتجهت الأنظار بجاذب خفي إلى الشرفة. وهنالك تجلى ملك الناس للناس!! فهل رأيت البحر إذا مار به الإعصار، أو الغابة إذا رجفت بها العاصفة؟ لقد أصيب القوم بما أصيب به الكليم يوم الجبل، فوقعوا في بُحران من الحماسة السَّكرى لا يملكون غير حناجر تصيح، وشفاه تدمدم، وأذرع تلوِّح، وأكفٍ تصفق
تلك حال القروي الذي زعموا أنه بات ليلة القدر سهران يقلب طرفه في النجوم يرصد (الطاقة) أن تنفتح فيطلب إلى الله الغنىَ والعمر؛ فلما جاءت الساعة المرقوبة وانشقت السماء عن كوة من النور تلتهب التهاب البوتقة، التمس لسانه فلم يجده، فانطلق يعوي عواء الذئب حتى ثاب إلى نفسه فارتد من العواء إلى البكاء.
وجلال الفاروق قبس من جلالة السماء، وفيض من قداسة الأنبياء، فهل تقوى على بَهَره عين، وهل يثبت على سحره فؤاد؟
أحمد حسن الزيات
ليلى المريضة في العراق
للدكتور زكي مبارك
- 8 -
. . . ومضيت أعود ليلى مرة ثانية، بعد أن قبْلت الصورة التي أدفع بها وحشة الليل في بغداد، وبعد أن قرأت الرسائل المعطرة التي وردت من مدينة. . . وكذلك أعددت قلبي للرفق واللطف، وأنا في عالم الطب كالبلبل في عالم الأغاريد، لا أطرب إلا بعد مناجاة الأحلام، ولا يطرب إلا بعد أن تضوع من حوله أرواح الأزهار. فهل تعرف معنى ذلك تلك الإنسانة التي بلغ بها العناد أن تصرح بأنها لن تفتضح في حبي إلا يوم يظهر أنها دفعتني إلى الخلود؟ رباه! ما أصعب تكاليف الخلود! ولكن كيف ألقى ليلاي؟
إنني أخافها أشد الخوف؛ فقد بدت لي في المرة الماضية على جانب من الوعورة، ولا يبعد عندي أن تكون حمقاء، فان الجمال يورث أهله بعض خصال النزق والطيش؛ وأنا والله على استعداد لمقابلة الشر بالشر، فان رمتني بالحمق رميتها بالجنون، ولكنّ ذلك لا يقع بدون جزاء، فقد تفسد العلائق بين مصر والعراق
فراقك صعب، سيدي! كذلك قالت ليلى منذ ليال
فما الذي يمنع من الأدب؟ وهل كُتب عليّ أن أظل دهري شقيَّا لا أعرف غير الرجس؟ مالي لا أجرب الحب العذري مرة واحدة في حياتي؟ مالي أحرم قلبي أطايب العفاف؟ آمنت بالله! وهل كنت فاسقاً حتى أفوه بمثل هذا القول؟
إنك يا ربي تعلم كيف ابتدأت وكيف انتهيت. إنك يا ربي تعلم أني أشرف مخلوق سوته يمناك، مع استثناء الأنبياء؛ ولكني طبيب جنى عليه الأدب فسار في بقاع الأرض أنه من الفاسقين
كيف ألقى ليلى؟ تلك هي النقطة، كما يقول لافونتين!
ألقاها بالتجارب التي أفدتها في باريس، فقد وردت مدينة النور أول مرة في سنة 1927 وكنت سمعت أنها مدينة تموج بالهوى والفُتون، فكان أكبر همي أن أعيش فيها عيش المجانين بعد أن عانيت الأمرين من عيش الجفاف في شارع الحمزاوي وعطفة الجمالية!
ودخلت السربون، سقاها الغيث وجعل الله لها لسان صدق في الآخرين، فكانت عيني لا تقع
على الأساتذة، وإنما كانت تقع على الطالبات، وهن في دروس الأدب أكثر من الطلاب. والفتيات هناك يفهمن وحي العيون، وكان يتفق أن تلقاني فتاة بعد المحاضرة فتقول: من فضلك يا سيد، هل عندك مذكرات عن دروس المسيو شامار؟ فأجيب: نعم، يا آنستي! فتقول: هل تتفضل فتعيرني إياها لأنسخها ثم أردها إليك؟ فأقول: وهل لمثلي أن يرفض ما تطلب هاتان العينان! فتنظر الفتاة إليّ نظرة سخرية وتنصرف!
وحدث مرة أن قالت لي فتاة ريَّا الجسم كأنها من دمياط: هل لك يا سيد أن تتفضل فتعيرني مذكراتك عن دورس المسيو مورنيه؟ فقلت: لك ذلك يا آنستي، ولكني لن أعود إلى السوربون إلا بعد يومين. فهل أستطيع أن أراكِ غداً عندي في الساعة الخامسة لأقدم إليك المذكرات؟ فأجابت بالقبول بعد أن استفهمتْ عن أسم الشارع ورقم البيت
وما كاد يحين الموعد حتى كانت المائدة مجهزة بأطيب ما تعرف فرنسا من ألوان الشراب. ثم مضت ثوان ودقائق وساعات، ولم تحضر الفتاة، عليها وعلى أمها اللعنات!
وفي ذات يوم قالت إحدى زميلاتي في الدرس إنها تجيد الرقص، فقلت إني لا أحسن منه غير (الحنجلة)، ورجوتها أن تعينني على إتقان ذلك الفن الجميل، فأجابت جواباً كله إغراء.
ولكنني اشترطت أن يكون ذلك في غرفتي حتى لا يعرف أهل باريس أنني رجل (غشيم)
وانتظرت، ثم انتظرت، ثم انتظرت، ولم تحضر الراقصة الحسناء!
ولم تمض أسابيع حتى شاع في جميع أروقة السوربون أني فتى ماجن خليع، فكنت ألقي أطيب التحيات ولا يجيبني مجيب. والشيطان يشهد أني كنت في ذلك العهد أعظم مغفل عرفته باريس
ونظرت فرأيت فتياناً أقل مني فتوة وجاذبية يعيشون في ظلال الحب عيش الملوك، فعرفت أنهم يحسنون ما لا أحسن من فن الغرام، وللغرام فنون
ولكن أين أذهب؟ لقد ضاع حظي في كلية الآداب، فهل أذهب إلى كلية العلوم؟ وكيف وهي أيضاً من السوربون؟ فلم يبق إلا أن أذهب إلى كلية الطب لأقيم فيها تجارب الحب من جديد، بعيداً عن جو الأراجيف الذي خلقتُه خلقاً بفضل الغفلة والجهل
وكانت فرصة عرفت فيها قيمة الشر في خَلْق الرجال. فلولا الحب ما عرفت كلية الطب؛
ولولا الطب ما شرفتني الحكومة المصرية بمداواة ليلى المريضة في العراق
أقول إني ذهبت إلى كلية الطب بعد أن صقلتني التجارب، وبعد أن عرفت أن من العيب أن أخيب في باريس وأنا شاعر سنتريس؛ فلم تمض أيام حتى كنت في تلك الكلية فتى الفتيان. وبيان ذلك أني كنت أخفي عواطفي كل الإخفاء، فكنت ألقى الفتاة فلا أحدثها عن عينيها وخديها وشفتيها ونهديها - وما أجمل نهود الفتيات في باريس! - وإنما كنت أسارع فأتحدث عن حدائق الحيوانات في القاهرة وأقول إنها أجمل ما يعرف العالم من حدائق الحيوان. فان اعترضت إحدى الفتيات وفضلت حدائق الحيوان في لندن تحمست وقلت إن هذا مستحيل، لأن مصر هي البلد الوحيد الذي يطيب فيه العيش لأنواع الحيوان!
وما كنت أكتفي بهذا، بل كنت أخترع أسماء وهمية للباحثين والمفكرين، فكنت أقول إن بلدنا هو الذي نبغ فيه فلان وهي أسماء تحلى بها بعد ذلك بعض الناس!
وفي أثناء تلك الأحاديث الوهمية تجول عيناي في أعطاف الفريسة الحسناء، فان بدا لها أن تعترض علي ما تقول عيناي، أنكرت ما تقول عيناي، وهل كنت مسئولاً عما تقوله عيناي؟ وما هي لغة العيون؟ وهل للعيون لغة؟ إنْ هذا إلا اختلاق!
وما زلت أوغل في المداهنة والنفاق حتى تقدمت إحدى الفتيات وقالت: ما أجمل عينيك يا مسيو مبارك! فتكلفت الغضب وقلت: أنا اكره المزاح! فطوقتني بذراعيها وقالت: أنا أحب الشبان العقلاء! فقلت: وأنا أحب المجانين من الفتيات؟ وكانت لحظة ستنصب لها الموازين يوم يقوم الحساب!
وفي ظلال هذا الروح الطيب مضيت لعيادة ليلى، وقد صممت على الخوض في أحاديث لا تتصل بالحب. وما قيمة التجارب إن لم تنفع وأنا في ديار الاغتراب؟
دخلت على ليلى في ليلة مطيرة غاب فيها القمر وغابت النجوم، فتفضلت حرسها الله ومدت يديها الناعمتين لمعاونتي على دَرَج السلالم، فشعرت كأن خيوطاً من نور تجذبني إلى العِلِّية، وقد تكلفت التعب والضعف لأرى كيف تجذبني تلك الأنامل الرقاق. وكانت لحظة سحرية لا يعرفها إلا من أسدلت عليه الستائر في ليلة قمراء بالقصر الذي يعرفه القلب في الشارع رقم. . . بالضاحية. . . إحدى ضواحي القاهرة الفيحاء
رباه! إن القاهرة نعمة من نعمك على عبادك، فاجعلها عامرة أبدا الآبدين، واجعلها إلى يوم
القيامة عروس الشعر والخيال، بل احفظها واجعلها شقيقة الفردوس يوم يلقى المخلصون جزاء ما يعملون! رباه! إن القاهرة هي الشاهد على أن اللغة العربية خليقة بالسيطرة في عالم العلم والمدنية. رباه! إن القاهرة من أجمل ما خلقت من المدائن فاجعلها كنانتك واحفظها من السوء حتى أعيش فيها عيش السعداء، وحتى يعيش فيها أبنائي وأحفادي وأحفاد أحفادي عيش النّضرة والنعيم، على وفاق وسلام مع جميع الأقطار العربية
كانت ليلى في زينتها، وكنت في عقلي!
وكان في نيتي أن أثير الجدل حول (قضية الأخلاق) التي اشتجرت فيها أقلام الخولي وعزام والزيات؛ وكنت أنوي أن أقرر أن المنافقين ينجحون باسم الأخلاق، فكيف لا ينجح بها الصادقون؟ وكنت أحب أن أقول أيضاً إن الثورة على الأخلاق كالثورة على الدين، فالذين يثورون على الدين لا يبغضونه من حيث جوهره، وإنما يحاربون الأبالسة الذين يسترون سوآتهم بتكلف الغيرة على الدين. وكذلك يثور على الأخلاق من يؤذيهم أن يغار المنافقون على الأخلاق. وكان من شهوة النفس أن أعلن في حضرة ليلى أن أهل البلادة يسترون تخلفهم بالأخلاق، فإذا رأوا رجلاً قوي القلب مُشرق العبقرية، أسرعوا فاتهموه بضعف الأخلاق لينفض الناس من حوله ويخلو لهم الميدان. ومن أجل هذا كان من النادر أن يمر بهذه الدنيا رجل عظيم بدون أن تطول في تجريحه ألسنة المتخلفين والمنافقين. وهل سلم الأنبياء من ألسنة الناس؟
كان في نيتي أن أصول وأجول في حضرة ليلى، فأعظم لذة في الدنيا أن يعذب لسانك، وتقوى حجتك، في حضرة امرأة حسناء. والكلام في هذا الموضوع يسهل عليّ بفضل ما أضعت من العمر في دراسة علم النفس وعلم الأخلاق، وبفضل ما ابتلاني الدهر من معاشرة أهل الرياء
ولكن ليلى ابتدرتني وقالت:
هل قرأت العدد الأخير من مجلة الرسالة؟
وما كادت شفتاها تفصحان عن هذا السؤال حتى كاد قلبي ينخلع، فقد تذكرت أنني رجعت عن عزيمتي في طيّ هذه المذكرات وأرسلتها جميعاً إلى الزيات. وهل أخاف ليلى أكثر مما أخاف سعادة الأستاذ محمد العشماوي بك الذي أوصاني بالاعتصام بالعقل يوم سفري إلى
العراق؟ وما وجه الخوف؟ إن مذكراتي بريئة من العبث، وأنا أعيش في بغداد عيش النساك، وإن لم يكن لي فضل في هذا التنسك، فإن الحفلة التي كرمني بها أدباء بغداد جعلتني ممن يشار إليهم بالبنان، ولم يبق من ميادين الهزل غير تذكر الأحلام القديمة، أحلام القاهرة وباريس
ثم تشجعت فقلت: ماذا في مجلة الرسالة؟
فقالت: إن الأستاذ سعيد العريان يتحداك
فبلعت ريقي، وحمدت الله. وهل يؤذيني أن يتحداني كاتب من الكتاب؟ يرحم الله الأيام الماضية حين كان الأدباء يتهيبون المرور في طريقي، وحين كانت مقالاتي في جريدة البلاغ كالسيف المصلت على رقاب الكتاب والشعراء والمؤلفين. يرحم الله الأيام الماضية حين كان أعاظم الرجال يسرهم ويشرفهم أن أهجم عليهم في جريدة البلاغ. ولكن وا أسفاه! أنا اليوم أعيش في قفصين من الفولاذ. وهل كان الدكتور طه حسين يمزح حين قال: تذكر يا صديقي أنك أصبحت موظفاً في حكومتين، وأن مركزك دقيق؟
لقد قرأت كلمة الأديب العريان، ولكن لابد من التجاهل لتعيدها ليلى على مسمعي، فإن الهجوم عليّ يعذُب ويطيب حين أسمعه من ليلى. وهل كانت رخامة الصوت إلا عند ليلى، ليلى التي زعموا أنها مريضة في العراق، مع أن في صوتها من الحلاوة ما يهد رواسي الجبال؟
وقرأت ليلى:
(ولقد سرني والله أن تُعْنى وأنت في العراق بدفع تهمة العقوق عن أدباء مصر؛ وإنها لعاطفة وطنية نبيلة أعرف كل العرفان ما يدفعك إليها وأنت بعيد)
- أعيدي يا ليلى
- ولماذا؟
- أعيدي يا ليلى، ففي مصر إنسان يشهد بأني أعرف معنى الوطنية! وهل كنت في حاجة إلى من يشهد لي بصدق الوطنية؟ عشنا وشُفْنا!
- ولكنه يتهمك بعد ذلك بمصانعة أهل العراق!
- أنا أصانع أهل العراق؟ وهل صانعت أهل مصر حتى أصانع أهل العراق؟ لقد جنت
عليّ الشجاعة ما جنتْ فلم أتهيب ولم أتوجع، وتركت الجبناء يتمتعون بمناصب كنت بها أحق، فكيف جاز لأديب مصري أن يتهمني بالمصانعة في معاملة أهل العراق؟
اسمعي يا ليلى. إن هذا الأديب نسى أن مجلة (الرسالة) لها في العراق قراء يعدون بالألوف، ونسي أن كلمته قد تؤذيني، وهذا الأديب الطيب القلب نسي أيضاً أن أهل العراق لن ينتظروا شهادته في عبقرية زكي مبارك، ونسي كذلك أنني لا أحتاج إلى إسناد يتفضل بها كاتب يجعل الرافعي إمام الأدباء. فأنا أعيش في مصر والعراق بفضل الله وبفضل عزيمتي، وإن كنت لا أنكر أن في مصر إخواناً كراماً يجعلون سيرتي مسك الختام في كل حديث
اسمعي يا ليلى. إن أدباء مصر لا يعرفون عواقب ما يكتبون. أليس من البلاء أن أنفق أوقات الفراغ في الدفاع عن مصر والمصريين؟ أليس من البلاء أن يكون من واجبي أن أنتقل في الأندية والمجتمعات لأصحح الأغلاط التي ارتكبها الكتاب المصريون؟ إن مصر ليس لها مطامع في العراق، ولكن ما الموجب لحرمان مصر من مودة أهل العراق؟ إن العراقيين يروننا إخوانهم أهلاً وسهلاً! فبأي حق يستبيح ناس في مصر أن يفوهوا بكلمات ينفر منها أدباء العراق؟
إن مصر تنفق ألوف الدنانير لتؤسس صداقات ومودات في الأقطار الأوربية والأمريكية، فكيف يغيب عنها أن تنفق الكلمات الطيبات لتؤيد ما يربطها من العلائق بالأقطار العربية؟
هل يعلم أدباء مصر - ولا سيما أعدائي - أني أدفع عنهم السوء في العراق؟
اسمعي يا ليلى. إن أهل بلدكم يقولون إن زكي مبارك لا يزال يحافظ على مصريته. وهذا حق، ولكنني أتشبث بمصر في سبيل اللغة العربية، فاللغة العربية هي الرباط الوثيق الذي سيكون في المستقبل أساس ما سيعرف الشرق العربي من قوة البنيان
وكنت وصلت إلى حد من التأثر انزعجت له ليلى. فقالت: هوِّن عليك يا صديقي!
فنظرت إليها نظرة الطفل المكروب إلى أمه الرءوم ثم قلت: ليلى، إنها سنة واحدة أقضيها في العراق!
فقالت وهي تتنهد: ستبقى عندنا طول حياتك.
فأجبت: على شرط أن تعفوني من هفوات الكتاب المصريين الذين أحمل جرائرهم صباح
مساء
فقالت ليلى: وعلى شرط أن تنسى مصر الجديدة والزمالك!
فقلت: ذلك إليك يا ليلى!
فصوبت إلي عينين عاتبتين، فعرفت أنها تبغض التشبيب
ما أجمل ليلى حين تعتب بعينيها! إن ليلى جميلة يا بنى آدم، وإنها لخليقة بأن تنسيني من في مصر الجديدة ومن في الزمالك، إن حِاز لقلب مثل قلبي أن يعرف العقوق
- ليلى!
- نعم يا مولاي!
- ليلاي!
- لست ليلاك!
- معذرة يا ليلى، فأنا طبيب جنى عليه الأدب. وهذه عبارة شعرية سبقت إلى اللسان
- ماذا تريد أن تقول؟
- أريد أن أقول. . . أريد أن أقول إني سأعيش في بلدكم سنة واحدة، أعني أنني سأفارقك بعد أشهر معدودات
- هذا وعيد؟
- لن أعيش في بلدكم إلا إذا عينتني الحكومة المصرية واعظاً في بغداد
- واعظ؟ ما هذا الكلام؟ هل جننت؟
(وقد انتشيت من هذه العبارة لأن المرأة الجميلة لا تصف الرجل بالجنون إلا إذا ارتفع بينه وبينها التكليف)
- ما جننت، وإنما أقول إن المصريين والعراقيين يحتاجون إلى من يرعى العلائق بين البلدين فلا ينشر خبر في جرائد العراق عن مصر، ولا ينشر خبر في جرائد مصر عن العراق، إلا بعد أن يمر على رجل حكيم يفهم عواقب ما تنشر الجرائد والمجلات
- وأنت ذلك الرجل الحكيم؟ آمنت بالله!
- اسمعي يا ليلى. إن المحررين في الصحف يحتاجون إلى لجام من العقل والذوق
- دع هذا، وحدثني عما تعرف من أسرار ليلى المريضة في لبنان
- تريدين (فلانة) التي قيل إنها كانت تحب الرافعي؟
- نعم! وهذه أهم نقطة تعنيني في كلمة الأديب العريان
- وأنا أريد أن أمن على مصر وأدباء مصر فأقول إني قضيت في بغداد سنة كسبت لوطني فيها ألوفاً من الأصدقاء
- أنت تمن على وطنك، والمن على الوطن لا يليق بكرام الرجال
- وماذا أصنع إذا كان وطني لا يعرف غير من يمنون عليه؟! وهل يعرف وطني أني أكتب في كل أسبوع أكثر من تسعين صفحة وأشتغل أكثر من سبع عشرة ساعة في كل يوم؟ هل يعرف وطني أني أهتم بالمصريين المقيمين في العراق أكثر مما أهتم بنفسي؟ هل يعرف وطني أني أزور كلية الحقوق مرتين في كل يوم لأطمئن على صحة الدكاترة عزمي وفهمي وسيف؟
- ومن هؤلاء؟
- هم أساتذة في القانون لا في الطب، وهم من أبناء القرن التاسع عشر
(وكانت غلطة فظيعة، فإنه لا ينبغي أن تعرف ليلى من المصريين أحداً سواي)
- حدثني عن ليلى المريضة في لبنان
- كانت ليلى المريضة في لبنان زميلتي في الدرس يوم كنا طالبين في الجامعة المصرية؛ وكنت أتقرب إلى قلبها باغتياب الأساتذة، فأزعم أن الكونت دي جلارزا لا يفهم الفلسفة، وأن الشيخ المهدي لا يعرف أسرار الأدب، وأن الشيخ الخضري لا يدرك حقائق التاريخ، وأن إسماعيل بك رأفت يجهل الجغرافيا ووصف الشعوب!
- يظهر أنها طالبة شقية!
- كانت أشقى من ليلى المريضة في دمياط
- أنا لا يهمني إلا الوقوف على أسرار ليلى المريضة في لبنان
- إنتظري، إنتظري، إن الله مع الصابرين
(للحديث بقية وبقية)
زكي مبارك
ظفر المكيافيلية
وإلام يدفع العالم هذا الظفر؟
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لما وضع المؤرخ والفيلسوف السياسي نيكولو ماكيافلي، كتابه (الأمير) في سنة 1513 متضمناً لمذهبه المشهور في الحكم والسياسة، لم يكن يتوقع أن يغدو كتابه بعد أربعة قرون إنجيلاً لنوع جديد من الحكم يحاول اليوم أن يفرض مبادئه على العالم، ولم يكن يتوقع بالأخص أن تغدو آراؤه السياسية نبراساً لإيطاليا الجديدة يدفعها إلى طريق السلطان والقوة، أو يتصور أن هذه الآراء قد تغدو يوماً مثار حرب عالمية طاحنة بين المبادئ السياسية والاجتماعية الخصيمة. ذلك أن مكيافيلي كتب كتابه في عصر كانت إيطاليا تنقسم فيه إلى عدة جمهوريات وإمارات صغيرة، ينافس ويقاتل بعضها البعض، وتتقلب إماراتها ورياساتها بين عصبة من الزعماء والمتغلبين؛ واستوحى معظم آرائه من دراسته لأحوال هذه الدويلات الصغيرة، وهذا الرهط من الأمراء المتنازعين، واتخذ أميره الأمثل من رجال من طراز هذا العصر شقوا طريقهم إلى السلطان والملك بوسائل مثيرة من العنف والخيانة والغدر؛ وكان أقصى أمانيه حينما وضع (الأمير)، وأهداه إلى أميره وحاميه لورنز دي مديتشي أمير فلورنس، أن يكون كتابه مرشداً لأمراء عصره في تفهم أساليب الحكم التي تلائم روح العصر، وتلائم مطامع الزعامات المحلية التي كانت تضطرم يومئذ في دائرة محدودة، قوامها عدة من الولايات والمدن الإيطالية.
كانت المكيافيلية إذن شعار عصر خاص ومجتمع خاص؛ وكان طابعها القاتم، وما انطوت عليه من المبادئ العنيفة التي لا ضمير لها ولا وازع، والتي تغاضت عن كل المثل الإنسانية والأخلاقية، يسبغ عليها دائماً في نظر المجتمعات الرفيعة لوناً من الشذوذ البغيض الذي تأباه السياسة المستنيرة. ومن ثم كانت الفلسفة المكيافيلية على كر العصور مضرب الأمثال للسياسة البغيضة.
وليس من موضوعنا أن نتبسط في شرح المكيافيلية وأصولها، ولكنا نورد من أقوال واضعها هاتين الفقرتين اللتين تتضمنان لب النظرية المكيافيلية في الحكم والسياسة:
1 -
(لا يستطيع الأمير العاقل وليس عليه أن يحفظ العهد، إذا كان مثل هذا الوفاء قد
ينقلب ضده، وإذا زالت الأسباب التي حملته على قطعه
2 -
(ليس من الضروري أن يتصف الأمير بالخلال الحسنة التي ذكرتها، ولكن من الضروري أن يبدو كأنه متصف بها. . ولا يستطيع الأمير، ولا سيما الأمير الجديد، أن يراعي كل الأمور التي يقدر الناس من أجلها لأنه كثيراً ما يرغم لكي يحفظ الدولة على أن يتصرف بغير ما يقضي به الإخلاص والصداقة والإنسانية والدين، وإذاً فمن الضروري أن يكون ذهنه متأهباً للعمل وفقاً لتقلب الريح والجدود)
هذا هو لب النظرية المكيافيلية في الحكم. ويكفي أن نقرأ كلمة (الدولة) مكان كلمة (الأمير) لنسبغ على هذه النظرية طابعها الحديث؛ وفي التاريخ كثير من الأمراء والطغاة الذين حكموا قبل مكيافيلي بنفس الروح والوسائل التي نادى بها مكيافيلي، وفيه كثير من الأمراء والساسة المحدثين الذين أعجبوا بمبادئ مكيافيلي وطبقوها في عصور تعتبر فيها هذه المبادئ من ألوان الغدر السياسي والاجتماعي الذي يصمم الدولة المتمدنة؛ وما زالت المكيافيلية إلى يومنا محكوماً عليها، وما زالت تعبر دائماً منافية لجميع المبادئ الحرة والإنسانية التي تقوم عليها المدنية الحديثة
على أن هذه الحقيقة التاريخية القديمة تختفي اليوم شيئاً فشيئاً؛ فلم تعد المكيافيللية في عصرنا فلسفة سياسية منبوذة، ولكنها نغدو بالعكس حقيقة واقعة تطبقها وتؤمن بها دول عظيمة. ذلك أن الفاشستية الإيطالية والأنظمة الطاغية المماثلة الأخرى تقوم في جوهرها على الفلسفة المكيافيلية؛ وقد أسبغت وسائلها وأساليبها على نظريات فليافيلي شرعية جديدة، وغدت هذه النظريات اليوم أساساً لنوع جديد من الحكم والسياسة تقوم عليه عدة دول قوية جديدة؛ ففي إيطاليا وألمانيا وروسيا تجد نظريات مكيافلي اليوم ميداناً شاسعاً لتطبيقها
وقد تناول هذا الموضوع الخطير أخيراً كاتب ومؤرخ فرنسي كبير هو مسيو لوي دي في كتاب قيم عنوانه (نحن ومكيافيلي درس فيه حياة الفيلسوف دراسة وافية، وانقل منها إلى عصر التطبيق، فذكر أن الفاشستية هي أعظم تجربة مكيافيلية عرفها التاريخ، وأن فكرة السنيور موسوليني في توحيد الشعب هي فكرة مكيافيلية محضة. (أن تكون الدولة (وفي لغة مكيافيلي الأمير) كل شيء والفرد لا شيء، وأن تكون الدولة مصدر كل السلطات والقوانين، وأن تطرح كل اعتبار أخلاقي في تحري غاياتها) هذا هو شعار الفاشستية، كما
يعرفها الأستاذ دي فيلفوس، وهذا هو شعار الدول الطاغية الأخرى التي تقوم على أصولها؛ وهذه هي نفس الرسالة التي بشر بها الفيلسوف الإيطالي في كتابه (الأمير)
وكما أن الفاشستية تقوم من الوجهة العلمية على أسس المكيافيلية فهي أيضاً تؤثر لغتها وأساليبها الدبلوماسية؛ فزعيم الدولة الإيطالية يستعمل اليوم نفس الوضوح الجاف، والصراحة المثيرة، في تمجيد وسائل العنف وأساليب القوة الهمجية، ويبدي نفس الاغتباط في تمزيق جميع المثل العاطفية، ويتقدم إلى العام باسم الدولة وضرورة قيامها على أنقاض جميع العناصر والاعتبارات الإنسانية، وبأنها مصدر الحق ومجمع القوى؛ ثم هو يرجع مثله الأعلى إلى نفس الكعبة المقدسة التي مجدها مكيافيلي، وهي (روما) وعظمتها الخالدة
فالفاشستية هي إذن ذروة النجاح العملي في تطبيق الفلسفة المكيافيلية؛ وإذا كانت المكيافيلية قد استطاعت من عصر إلى آخر، وفي بعض الظروف المناسبات أن تحقق لمحات من الظفر، فإنها اليوم على يد الفاشستية تحقق ظفرها كاملاً. وخلاصة شعارها الظافر الذي نادت به منذ أربعة قرون هو شعار الدول الفاشستية المعاصرة، وهو أن النصر الحقيقي إنما هو للقوى المسلحة والوسائل المدمرة، وإن كل سياسة لا تقوم على الحقائق العملية مصيرها إلى الفشل المحقق، وإنه لا حق للضعيف والأعزل في البقاء، ولا وجود لمثل أو مبادئ مثلى لا تدعمها القوة المادية
بل ويرى الأستاذ فيلفوس أن ظفر المكيافيلية لم يقف عند هذا الحد؛ ذلك أن هذا الظفر يشمل ميادين لم تكن تصلح بطبيعتها ولا بمبادئها لاعتناق المكيافيلية وتطبيقها وهي الدول الديموقراطية؛ ولكن الدول الديموقراطية ترى نفسها اليوم مضطرة إلى أن تتحوط لخطر الدول الفاشستية المدججة بالسلاح، وأن تقابل القوة بالقوة محافظة على سلامتها وكيانها، فهي بذلك مضطرة إلى أن تقتبس نوعاً من المكيافيلية التي لا ترغبها ولا تؤمن بها، وهذه هي حقيقة محزنة، ولكنها حقيقة لا ريب فيها
هذه هي خلاصة الحقائق التاريخية الجديدة التي يبسطها الكاتب الفرنسي في مؤلفه بسطاً قوياً شائقاً؛ ونقول إنها حقائق تاريخية لا تعوزها الأدلة الواقعية. وماذا تكون المكيافيلية إذا لم تكن هي نفس النظم التي تطبق اليوم بمنتهى العنف والصرامة في إيطاليا الفاشستية، وألمانيا النازية، وروسيا البلشفية؟ إن هذه النظم جميعاً تقوم على نوع من الزعامة الممعنة
في الطغيان والاستئثار بكل السلطات، وهذه الزعامة ذاتها تستتر وراء فكرة الدولة؛ ولم يبق للفرد اليوم وجود في ظل هذه النظم المطلقة، ولم يبق له شيء من الحقوق أو الحريات العامة، فهذه كلها تفيض وتنمحي في شخص الدولة؛ والدولة أو أولئك الذين يعملون باسمها يضعون أيديهم على مصاير الأمة أرواحها وعقولها وجسومها وكل ما ملكته أيديهم، ويتخذون من التسريع المدعم بالقوة القاهرة سلاحاً لفرض كل تجاربهم الإصلاحية على الشعب، ويزعمون أن مناهجهم الإصلاحية هي السبيل القويم لتحقيق عظمة الأمة وخير الشعب؛ وقد يعتمدون في هذا السلطان فضلاً عن قوة الجيش العامة على صفوف حزبية كثيفة من الشباب المسلح المدرب على أساليب العنف؛ وتسيطر هذه التجارب والمحاولات الإصلاحية على حياة الفرد الخاصة فضلاً عن الحياة العامة، فترسم له خطط أعماله وتفكيره واعتقاده واتجاهاته وتصرفاته كلها دون أن تكون له إرادة الاختيار أو المعارضة، وتجري هذه المحاولات جميعاً باسم الدولة التي تقبض عليها الزعامة المتربعة في دست الحكم
وهذه الزعامة المطلقة العاملة باسم الدولة هي بعينها (أمير) مكيافيلي، واستثارها وراء فكرة الدولة إنما هو نوع من النفاق السياسي الذي أوصى به مكيافيلي
وكما أن المكيافيلية تبدو واضحة أيضاً في السياسة الداخلية لهذه الدول المطلقة، فهي تبدو واضحة أيضاً في السياسة الدولية الخطرة التي تجري عليها هذه الدول في تنظيم علائقها مع الدول الأخرى؛ فالقوة في نظرها هي أساس الحق والعهود، والمواثيق الدولية لا قيمة لها في نظرها مادامت لا تتفق مع مصالحها ومراميها. وهذه هي الصورة الحديثة لمبدأ مكيافيلي في قوله:(إن الأمير كثيراً ما يرغم لحفظ الدولة على أن يتصرف بغير ما يقضي به الإخلاص والصداقة والإنسانية والدين) ولقد رأينا إحدى الدول العظمى تلغي ما بقي من تعهداتها في معاهدة الصلح، وتنكر ما وقعته من مواثيق دولية لصون السلام بحجة أن هذه النصوص والعهود تصطدم مع مصالحها الوطنية ولم يبق اليوم مبرر لبقائها بعد أن تغيرت الظروف التي أبرمت فيها، ولم تفعل ذلك إلا بعد أن آنست من نفسها قوة تدعم بها خطوتها. بيد أن الروح المكيافيلية تبدو بنوع خاص في اعتداءات بعض الدول القوية على الدول الضعيفة وغزوها أو استعمارها، وقد كان غزو الفاشستية للحبشة والاستيلاء عليها
بلا ريب أسطع المغامرات المكيافيلية في عصرنا، فقد انتهكت فيه جميع المعاهدات التي عقدت والمواثيق التي قطعت باحترام سلامة الحبشة واستقلالها، ولم تخف الفاشستية أنها أقدمت على هذه الخطوة الجريئة تحقيقاً لمطامعها الإمبراطورية
وهانحن أولاء اليوم نشهد نفس التجربة المحزْنة في أسبانيا وفي الصين
فإلى أي مصير يسير العالم في ظل المبادئ العنيفة الخطرة؟ يقول لنا مؤلف كتاب (نحن ومكيافيلي) إن مدى الشر الإنساني لم ينقص وإن العناصر السيئة في الأفراد تجمع من جديد لتطلق بعد ذلك من عقالها في أعمال العنف والشر، وأنها قد تدفع العالم إلى كارثة أفظع وأروع من كارثة الحرب الكبرى
ونخشى أن يكون في ظواهر العصر وتطورات السياسة كثير مما يدعم هذا التكهن المروع
محمد عبد الله عنان
التنويم المغناطيسي وقراءة الأفكار في القديم
لأستاذ جليل
هذا التنويم المغناطيسي قديم، وقد عرفته الحضارة العربية يوم كانت، وقيدته بالكتاب، وأثبته بعضهم في مجلة العجائب وجريدة ما وراء الطبيعة، وحاول العلماء تعليله وتفسيره فعجزت ذرائع علمهم في ذلك الوقت عما حاولوا. وهل اهتدى إليه علم الغربيين إلا منذ حين؟
وأول من ذكر التنويم المغناطيسي في العربية - وأن لم يسمه باسمه - هو (أوحد الزمان أبو البركات هبة الله بن علي بن ملكا البلدي) في كتابه (المعتبر) منذ أكثر من (800) سنة
قال الوزير جمال الدين يوسف القفطي في كتابه (إخبار العلماء بأخبار الحكماء): (هبة الله بن ملكا أوحد الزمان طبيب فاضل عالم بعلوم الأوائل، وقريب العهد من زماننا. كان في وسط المائة السادسة، وكان موفق المعالجة لطيف الإشارة. وقف على كتب المتقدمين والمتأخرين في هذا الشأن وأعتبرها واختبرها، فلما صفت لديه وانتهى أمرها إليه صنف فيها كتاباً سماه (المعتبر) أخلاه من النوع الرياضي وأتى فيه بالمنطق والطبيعي والإلهي فجاءت عبارته فصيحة، ومقاصده في تلك الطريق صحيحة. وهو أحسن كتاب صنف في هذا الشأن)
وقال ابن أصيبعة في (عيون الأنباء في طبقات الأطباء): (أبو البركات هبة الله بن علي بن ملكا كان في خدمة المستنجد بالله (العباسي) وكان له اهتمام بالغ بالعلوم وفطرة فائقة فيها، وله من الكتب كتاب (المعتبر) وهو من أجل كتبه وأشهرها في الحكمة)
وهذه قصة ذاك التنويم كما حدث أبو البركات:
(والمرأة العمياء التي رأيناها ببغداد، وتكررت مشاهدتنا لها منذ مدة مديدة قدرُها ما يقارب ثلاثين سنة، وهي على ذلك إلى الآن تُعرض عليها الخبايا فتدل عليها بأنواعها وأشكالها ومقاديرها وأعدادها دقيقها وجليلها؛ تجيب على أثر السؤال من غير توقف ولا استعانة بشيء من الأشياء، إلا أنها كانت تلتمس أن يرى أبوها (المرءَ) الذي يسأل أو يسمعه، فيتصور الدهماء أن الذي تقوله بإشارة من أبيها، وكان الذي تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة، وإنما كان أبوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة
الأشكال والأنواع في مرة واحدة كلمة واحدة، وأقصاه كلمتان، وهي التي يكررها في كل قول، ومع كل من يسمع ويرى:(سلْها وسلها تخبرك؛ أو قولي له، أو قولي يا صغيرة) وقد عاندته يوماً وحاققته في ألا يتكلم البتة، وأريته عدة أشياء، فقال لفظة واحدة، فقلت له: الشرط أملك فاغتاظ، قال: ومثلك يظن أني أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة. واسمع الآن، ثم التفت إليها وأخذ يشير بإصبعه إلى شيء وهو يقول تلك الكلمة، وهي تقول: هذا كذا، وهذا كذا، وهذا كذا، على الاتصال من غير توقف، وهو يقول تلك الكلمة لا زيادة عليها، وهي لفظة واحدة بلحن واحد، وهيئة واحدة حتى ضجرنا، واشتد تعجبنا ورأينا أن هذه الإشارة لو كانت تتضمن هذه الأشياء لكانت أعجب من كل ما تقوله العمياء. ومن عجيب ما شاهدنا من أمرها أن أباها كان يغلط في شيء يعتقده على خلاف ما هو به، فتخبر هي عنه على معتقداتها كأن نفسها هي نفسه. ورأيناها تقول ما لا يعلمه أبوها من خبيئة في الخبيئة التي اطلع عليها أبوها. وهذا أعجب وأعجب، وحكاياتها أكثر من أن تعد. وما زلت أقول إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها)
وقد أورد ابن أبي الحديد خبر (العمياء) هذه في بحثه عن المغيبات في شرح (النهج) وقال قبل روايته: (وقد يقع الأخبار عن الغيوب بواسطة إعلام إنسان آخر الغيب، لنفسه بنفس المخبر اتحاداً وكالاتحاد، وذلك كما يحكي أبو البركات بن ملكا الطبيب في كتاب المعتبر):
وعدّ الرازي تلك العمياء (كاهنة) فقال في تفسيره (مفاتيح الغيب): (الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملك شاه من بغداد إلى خراسان وسألها عن الأحوال الآتية في المستقبل ذكرت أشياء ثم إنها وقعت على وفَق كلامها.
وأنا قد رأيت أناساً محققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة أخباراً على سبيل التفصيل وجاءت تلك الوقائع على وفق خبرها. وبالغ أبو البركات في كتاب (المعتبر) في شرح حالها، وقال لقد تفحصت عن حالها مدة ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً)
وليست (العمياء) بكاهنة، وليس الذي تقوله من أنباء الغيب، وما ذلك إلا (التنويم المغناطيسي) الذي عرفناه في هذا الزمان، وهو اليوم حرفة محترفين، ومَصيدة متصيدين. .
روى المقريزي في (عقوده) هذا الخبر ونقله السخاوي في (الضوء اللامع لأهل القرن التاسع):
(كان أحمد بن عبد الخالق البدر القاهري إذا كتب له البيت من الشعراء أو نحوه في ورقة لم يرها ودفعت إليه، ويده من تحت ذيله قرأها، ويده وثوبه يحولان بين بصره وبين رؤيتها، إلا أنه كان يمر بيده على المكتوب خاصة فيقرأ ما كتب في الورقة، امتحناه بذلك غير مرة، وشاهدت غيره يفعل مثله أيضاً)
والذي رواه المقريزي إنما هو من (قراءة الأفكار) وهو من ضروب المسمى عند الفرنج وقد رأينا المنومين يفعلونه كثيراً
وذكر القفطي في كتابه (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) رجلاً اسمه (مخرج الضمير) فقال: (هذا رجل اشتهر بهذا الاسم، وكان يدعى المعجز في إخراج الضمير، فانطلق عليه ذلك) ثم روى قصة من قصصه، و (إخراج الضمير) مثل:(قراءة الفكر) أو هو هي، والحكايات الصحيحة لبعض المتصوفة في المخاطبة أو المراسلة النفسية (الكهربية) هي من هذا الباب
كنت قد أقرأت حديث ذلك التنويم القديم المنومين: الدكتور سلمون والدكتور داهشاً) فقالا: هذا هو التنويم المغناطيسي بنفسه، وسلم سلمون ودُهش داهش! وسلمون هذا شاب من دمشق، وداهش فتى من بيت المقدس، وهذه الدكتورية وهذه التسمية أو التعمية هي أفنون من أفانين هذا التنويم. . . وما أقول ذلك لائماً أو عائباً، إني أعلم أن عملهما يقول لهما يا منومان، يا لا عبان، العبا كما تهويان، وتسميا وتلقبا بما تريان. . .
وكل في هذه الدنيا إما منوِّمٌ مستهوٍ وإما منوَّمٌ مسهوىً. وما الأول - يا أخا العرب - إلا مثل الثاني؛ فالمستهوِي مستهوىً، والقاهر مقهور، والمستعبد عبد، والحر غير طليق، وذو الإرادة فاقدها، والكون في موج القدر
وبصير الأقوام مثلي، أعمى
…
فهلمو في حندس نتصادمْ
بل ليس الناس كلهم أجمعون غادين ورائحين وعاملين ومتناحرين على الرغيف - إلا نائمين منومين، إلا في شبه الحالة المسماة عند الفرنج وما الإنسان إلا النائم السائر (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود)
مفتحةُ عيونهم نيامُ
وما يشعرون وما يستيقظون إلا وقت الموت. و (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)
(ق)
النار المقدسة
للأستاذ عبد المنعم خلاف
أنضجت قلبه النار المقدسة التي أنضجت قبله قلوب رعاة القطيع. . . ورواد الطريق، وآباء الإنسانية البلهاء. . . فغدا يسير على الدنيا وله فيها زفير وشهيق مكتومان لا يحسهما إلا من يتصل به عن قرب فيفتح له قلبه الكبير الذي فيه كل آلام الناس، وكل فجائع الناس، وكل مسئوليات الناس. . . كأنه أب ذو عيال! وكأنه مسئول عن ذنوب البشر فهو يبخع نفسه أسفاً ويسيل نفسه حسرات.!
سألته مرة: لم تحمل على قلبك الدنيا؟ ولم تجتر آلامها وتمضغ أسقامها، ولست فيها حاكما ولا شرطياً! فقال: بليت بالنظرة الناقدة إلى العيوب، وبالعجز عن وسائل الإصلاح، فكان لي ما تراه من إدمان المضغ لأحاديث الشقاء وأماني الشفاء!
مات أبوه فبكت عينه وقلبه ذلك البكاء الرحيم لألم الحب والرحمة والفقد ساعات. . . ثم نامت عينه ونام جسده بجوار جثة أبيه حتى صباح الدفن والضريح كأن شيئاً لم يحدث. . . ولكنه لا ينام إذا مات من دينه أو وطنه شي. . . حتى يكاد يجن من الأرق، لولا أن يتداركه الله بالنسيان والسلوى
ينخل الرجال والأعمال، ويرى ما وراء الوجوه ويقرأ ما بين السطور. . . فتروعه عورات الحقيقة العارية في الناس. . . إذ يرى الجهل والإثم والدجل والخيانة والأنانية والبلاهة. . . فيسأل السماء: أهذه هي الإنسانية أثمن وديعة في الأرض حاكمة ومحكومة؟!
مرهفٌ حسُّه: فيرى كل شيء ويشم كل شيء ويسمع كل شيء حتى امتلأ وأتخمته الدنيا بما فيها؛ فضوي جسده، وتوسعت نفسه على حسابه
استقى لنفسه من الأنهار الكبيرة الجارية، ومن الجداول الصغيرة، ومن البرك الآسنة، وحط على الزهرة والشوكة، والجبل والحصاة والنار والماء. . . فاصطرعت فيه الأضداد.
يعيش في سجن من وصايا الدين والعلم والخلق كأنه (ديدبان) فهو مسجون وسجان. . .
متيقظ للزمان. . . يعيش كل دقيقة. . . ويحسب كل نفس، ويصحب نفسه دائماً حتى أصيب بالذهول عن الناس.
يتكلم مع كل شيء؛ فيقول لكل حق أنت صديقي، ولكل باطل أنت عدوي. . . لا يؤمن
بالذكاء؛ لأنه يدلس. . . ولكن يؤمن بالطبع لأنه صريح. . .
يريد أن يعلم الناس كيف يحبون؛ وهم يرونه ميتاً. . . فأين الملتقى؟!
يقول لهم: لا تأكلوا الثُّفل. . . والحروف. . . والحجارة. . . واكتفوا بالعصارة والمعنى والروح؛ فيقولون له: أنت تمضغ ماء وهواء. . .!
يا رحمتاه هذا ما دام حيَّا. . . فإذا مات فوا رحمتاه للناس!
إن هذا وأمثاله هم أعضاء الإنسانية وأوتادها. من أجلهم وجدت على الأرض، وإن نارهم موُقدة من القبس الخالد الذي أضيئت به السماوات وقام عليه صلاح العالم
يكفي أن أنظر إلى واحد من هؤلاء حتى أهتدي إلى نفسي الضائعة، فأجدها تحت ركام من ضجة الدنيا. . . فأقول لها: تعالي وارمضي لفائف صدرك في هذه النار المشبوبة في هذا الرجل المحترق المضيء وتطهري بها وارجعي إليّ. . .
ولقد وجدت واحداً منهم وعشت معه سنتين، رأيت على ضوئه كل شيء في موضعه الحقيقي من الدنيا، فحملني على احترام الإنسان والثقة بما فيه من عالم طاهر مؤنس إذا صُفى جوهره من الخبث والشوائب بهذه النار
بل لقد حملني على احتقار أكثر القوالب الإنسانية التي تملأ الأسواق والشوارع. . . وجعلني أدور دورة (ديوجين) بمصباحه وأنشد مع القائل:
ما أكثر الناس! لا بل ما أقلهم!
…
الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها
…
على كثير ولكن لا أرى أحدا
أو مع المتنبي: (أرى أناساً ومحصولي على غنم!)
أو مع الآخر:
لا تعجبنْكَ الثياب والصور
…
تسعة أعشار من ترى بقر!
في خشب السرو منهمُ مَثَل
…
له رُواء وما له ثمر
ويا ويلي من الإنسان! إنه يشغلني دائماً بصوره التي لا عداد لها كلما رأيت وجهاً له. . . وأقسم غير حانث أني لا أعرفه ولا أدركه، رغم خبري به في هويتي ودمي وصورتي! وإن نفسي التي بين جنبي ي القفل والغَلَق الذي حال بيني وبينه حتى عييت وبئست. . .
بل يا ويلي من نفسي واحتكاكها بما وراء الحياة الظاهرة والصور والأشخاص والمواد. . .
ومن طلبها المزيد من هذا الاحتكاك الذي يمغطسها ويتركها ذاهلة ماضية إلى غير وجه الحياة الذي يمضي عليه الناس. . .
ولكن لا. . .! بل يا لذتي من غريزة التكوين والتخريب هذه التي تريني كل شيء كامل كومة من الأنقاض. . . وكل شيء مخرب خلقاً سويا. . .!
أليس الرجل طفلاً كبيراً؟
يلذ لي أن أراقب الناس وقتاً طويلاً في الشارع، وأشبع عيني وما وراءها من أنواعه واختلافه. . . لأزداد به جهلاً. . .
بل إني أذهب إلى (السينما) لأراه في جميع بقاعه وألوان معاشه واختلاف سحنه وألوانه ولغاته، لأخرج بعد ذلك مبلبل الفكر فيه في سوء ظن تارة، وفي إحسان تارة أخرى
بل إني أطوف كل يوم قبيل نومي بخيالي عليه في جزره النائية في المحيطات، وفي القطبين، وفي خط الاستواء، وفي هضبة التبت، وفي سفوح الهند، وفي رمال العرب، وفي. . . وفي. . . لأعيش في غيبوبة الصحو قبل غيبوبة النوم!
لقد رأيته قاتلاً ومقتولاً. . . جنينا محمولاً وميتاً ملحوداً. . . عاهراً وناسكا. . . جميلاً وقبيحاً. . . رجلاً يشعر وجهومة، وامرأة بزينة ونعومة. . . عالماً يضيء استراليا وهو في أوربا، وجاهلاً فدْماً عارياً آبداً عاجزاً أن يعد أصابع يده. . . فذهبت من نفسي قداسته وانحطت هيبته. . .
والذي حارت البرية فيه
…
حيوان مستحدث من جماد!
أجل! إني رأيت مخه. . . ورأيت قلبه. . . فلم أر شيئاً غريباً عما آكله من الغنم والثيران. . . ولذلك كفرت بالجسد كفراً لا إيمان بعده أبداً. . . ورحت أبحث عن الإنسان - ذلك المجهول. . . فلم أعثر إلا على لمحات عنه خلال كلمات ليست منه وإن كانت بألفاظه. وهي كما رواها محمد:
(إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد)
(وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون. . .)
(ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم. . .)
(هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً. . .)
(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين)
يا يد الله! يخيل للإنسان العاجز أنك تخرجين الصنعة من مخابير ومسابير وعجلات ودواليب في مصانع وحظائر. وأنك تستخدمين طلاسم ولوغاريتمات ومعادلات. . . كما يفعل هو إذا أراد أن يحاكي أو يوحد بين ذرتين أو يفصل بينهما. ولذلك سألكِ إبراهيم أحد المقربين إليك: رب أرني كيف تحيي الموتى فأريته ذلك الكَيْف. ولكنه لم ير شيئاً أكثر من أنه دعا مًوَاتاً فاستجاب له حياً! إنه لم ير شيئاً. . .
إن كل آلاتك كلمة واحدة من حرفين اثنين بِكَيْلِنَا نحن ولكنها عندكِ خارجة عن حدود التعداد والقياس
إنك يد تتكلم كلمات وراءها حقائقها المُنْجزة التي لا تنفد ولو كُتبت بما في الأرض من شجرة أقلاماً ممدودة بماء البحر من بعده سبعة أبحر. . .
قال (إسحاق نيوتن) ما معناه: إن خالق هذا الكون على علم تام بعلم الميكانيكا. . . تماماً كما يقول الطفل: إن الملك عنده مائة دينار
ومن هنا آفة الفكرة في (الألوهية) عند أكثر الناس إذ جعلوا (الله) على صورتهم وبمنطقهم. . .!
قالت القدرة المطلقة للعجز الإنساني: تَهَج هذه الأبجدية التي شئت أن تراها وحدها مني وهي حسبك من معرفة. ولكنه تخطى البُدائيات وخاض في المجاهل فضل في فلسفاته وفرضياته حتى عاد لا يرى تلك المشيئة الغالية
(حددوا المادة وأنا أتكفل بتحديد الروح). هذا قول (مِلِكنَ) العالم الطبيعي الذي قاس مقدار الشحنة الكهربائية على الإلكترون، والذي اكتشف أشعة تفوق أشعة إكس مئات الأضعاف في قوة اختراقها للمواد. . لم يتخط عقله إلى البحث في الروح قبل أن يدري ما هي المادة. . . ولعمر الحق إن مثل هذا لن يضل. . .
سأراك أيتها الشمس في عيني جديدة كل صباح. . . وأنت يا عالم الظلام. .
وأنت أيتها الأشجار سأصحبك بلفتاتي الذهنية كلما رأيتك قائمة بالفرع ساجدة بالجزع في محراب الطبيعة. . .
ويا أيها الماء والحيوان والإنسان والجبل والحصى. . .
يا سائر ما خُلق من الآيات التي نمر عليها ونحن عنها معرضون أقسمتُ لا أبرح أراكِ جديدةً عجيبةً مثيرة للفكر في الرأس والدم في القلبِ. . . حتى لا أنسى. . . حتى لا أنسى!
عبد المنعم خلاف
من برجنا العاجي
يتساءل بعض الناس كيف لا يستطيع أدباؤنا أن ينتجوا إنتاج أدباء الغرب؟ أما أنا فأتساءل كيف استطاع أدباؤنا أن ينتجوا إطلاقاً، ولماذا هم ينتجون؟ إن موقف أدبائنا اليوم ليدعو إلى العجب. إنهم في موقف لم يقفه أدب ولا أدباء في عصر من العصور. إن المعروف في كل عصر أن الأدب يرعاه دائماً تشجيع طبقة من الطبقات. ففي عهد الأرستقراطية كان في كنف الملوك والخلفاء والأمراء والنبلاء، يتبارون في حمايته، ويتسابقون في إعلاء كلمته. وفي عهد الديمقراطية الحديثة وانعدام الأمية انتقل أمره إلى يد الشعب المتعلم فهو الذي يثيب الأديب بالتهافت على اقتناء كتبه، وهو الذي يحوطه بمظاهر الاحتفال والتقدير. أما أدبنا اليوم، فهو حائر كاليتيم بين أرستقراطية لا وجود لها، وإن وجدت فلا شأن لها بأدب ولا أدباء، وبين ديمقراطية اسمية في شعوب لم يتم تعليمها، فهي بعد لا تعنى بأدب ولا أدباء. فأنا ننتج ونحن نعرف أن إنتاجنا لا يهم الحكام ولا المحكومين، وأن ثمرات هذا الفكر الذي أضعنا من أجله كل حياتنا الجميلة لن يجنيها غير نفر قليل ممن ينظرون إلى استشهادنا بعين الرثاء. نعم إن هو إلا استشهاد، هذا الأدب في هذه البلاد. . . لا شيء غير ذلك. وإني قد سألت نفسي مراراً لمن أنشر كتبي؟ فكان الجواب: إني إنما أفعل من أجل أولئك التسعة أو العشرة من الأدباء الكرام الذين يفهمونني لأنهم يعانون عين الألم، وينتظمون معي في سلك العذاب، ويدبون مثلي على أقلامهم في تلك الحياة الطويلة الجرداء، كأنها صحراء من الجليد لا يهب علينا فيها غير صقيع الإهمال من الشعب وأصحاب السلطان، ولكننا مع ذلك نسير ونسير متجلدين، أيدي بعضنا في أيدي البعض كأننا منفيون في مجاهل سيبيريا. . . وما نحن في الحقيقة أكثر من ذلك. . . ما نحن إلا منفيون في مجاهل (فكرنا) الذي يجهله الناس
توفيق الحكيم
كلمة لبنان في مهرجان القران الملكي السعيد
للأستاذ أمين بك نخلة
باسم القلم في لبنان، بل باسم القلم اللبناني في كل أرض، بل باسم اللبنانيين في دارهم وفي
كل دار لهم على جنبات المعمور، أرفعُ هذا الصوت على النيل، في فرحة البيت المصري بصاحب التاج، فينجلي الحجاب، ويبش وقار المْلك وبأنس عرش (محمد علي) لرسول الأحبة من ارض (بشير)!
فيا فاروق، يا لابس المطرف (العلويّ) ووارث الميثاق: هذه رسالات الوفاء في يدي، أحملها إليك من وراء قنال (السويس)، من نهايات شطه الآخر، حيث لا ينبسط القتال في ظن القلوب بين بيروت والقاهرة، ولا يشطر دار الهوى في خطرات (محمد علي) وسرائر (بشير)، فكأن معاول (دي ليسبس) عند عقدة (الأبيض المتوسط) و (الأحمر)، وأوشك التلاقي بين لوني آسيا، وأفريقيا، في مخطط الدنيا، لم يُسمع لها رنّة على الساحل الشرقي من (المتوسط)!
وهكذا تسلم علاقة الماضي بين جبل المقطم وجبل الأرز، لا يحول دونها خط (السويس) في الخارطة، وهي من إرث الوجدان قبل عهد الخلائق بالورق. . .
كان التراب أمس - كما تدري - أوفر أثراً من الماء في علائق البشر، وتعمير الممالك، ونقل المدنيات؛ بل كان مدار العقل القديم في تأليف الأمم، ومزج الأجناس، قبل أن يصبح المدار على دم العرق، وهوى الضمير، ولغة الفم، ففي ذلك الأبد السحيق كان من المتحتم أن يغدو هذا الشاطئ المشرقي المنطرح من مباسط (طوروس) إلى مشارف (أسوان) ملعباً لدورين ينقص تاريخ البشر يوم يسقط لهما ذكر! لنا دور منهما ولمصر الآخر. فرجت كرة الأرض يومئذ من الحركة المشرقية. فالملعب عريض، قبالة الأمم على (المتوسط)، والرواية رواية المدنية، وأصحابها أساتذة الأزمنة في رفع الحجر إلى الجو، وإخراج النبتة من الأرض، وإبراز خاطرة البال في حلة الحرف، وربط هذه المخيّلة البشرية بالغيب العالي، فشهدت الدنيا القديمة، للمرة الأولى، كيف العهد بآفاق يراد لها وحدة، وشعوب يراد لها تأليف، وإذا الشمس لا جديد تحتها؛ فكرة من صوب مصر علينا، وكرّة من صوبنا على مصر، حتى تتعب الأزمنة بين أخذ ورد. فكان عبثاً مجيء (كنعان) من جوار الجبل اللبناني، ووادي مصر أغبر، وماء النيل هدره، فيسمح بالخضرة، هاهنا، على كل فج عميق. وكان عبثاً أن يقطع (تحتمس) إلينا، حتى يبلغ ضفاف (الفرات) ويكاد يشرف على صفرة آسيا، كما كان من العبث أن يقطع (سلاتيس) إليكم حتى يبلغ ضفاف النيل ويكاد
يشرف على سواد أفريقيا. بل كان من العبث فوق ذلك أن نتلاقى على الملعب: فرعونية من جانب، وفينيقية من آخر. نمدكم بالحرف واليد والشراع، وتمدوننا بالخاطرة والصنع والوسق، فتدق البشائر في الدنيا بأول العهد بالعلم والصناعة والتجارة
ولا تقف المحاولة عند ربط صعيد بصعيد، وعلم بعلم، ومصلحة بمصحلة، بل جاوز الأمر إلى الديانة. فإذا الإله اللبناني (أدونيس) تحت القناطر في (أسوان)، وإذا الإله المصري (أوزيريس) فوق المذابح في لبنان. فألف الأول في العصبية الدينية زرقة السماء المصرية على خضرة الجبل اللبناني، كما جمع الآخر أمواج (أفقا) إلى أزباد النيل. ولكن الوحدة في التيجان والرايات وأجناس القبائل لبثت على ذلك كله غير مستطاعة، حتى إذا دار بنا الفلك بعد مليءٍ من الدهر، وطلعت علينا أمم الفتوح واحدة واحدة من الآشوريين إلى الرومان، خفقت على هذا الشاطئ المشرقي صيحة الوحدة
ثم انقلب أمر الدنيا، ثم جاء (الإنجيل)، فنوَّرت هاتيك الجهات على مقربة من لبنان ، ثم نور لبنان بالسبب الجديد؛ وما هي حتى جاءكم مرقس يكرز، فكأنما عدنا إلى المحاولة. ويلمع في الأيام بعد ذلك ضياء من صوب (البحر الأحمر)، فتلألأ (مكة) وتغرق بلاد العرب في اللألاء (القرشي). فإذا القضية لقومية، فوق كونها لديانة. فتنقل شعاع (القرآن) في مشرق (المتوسط) على الدروب الباقية من ذلك الغرض القديم. وشرعت الرايات (المحمدية) تخفق في دمشق على خطوتين من جبل اللبنانيين، فأقبلنا في الزمن (الأموي) نعب من (كتاب) العرب، وندير ألسننا في الفصاحة؛ كما أقبلتم على يد (ابن مروان) تتلقون عقيدة الكتاب الجديد، وتتلقنون لسانها؛ فكان أن جَمَعت رابطة الفم بين هذا (الوادي) وذلك (الجبل)، بعد أن جُمعا تارات في المحاولة على المصلحة والعلم والديانة، وعلى دفع الفتح، وتحمل الأمم الغربية. ولكن تلك الرابطة التي تضم الفم إلى الفم، كانت أشد الروابط، فتلاقينا معاً على ملعب (المتوسط) كرة أخرى. أما الغرض القديم فكان في نقلة الزمن قد تحول من نحو إلى نحو، بل انتقل من جنس في الجمعة المشرقية إلى جنس؛ فضج الكون بالعرب، ورقصت فصاحتهم على (شنيل) الأندلس، كما رقصت على (نيل) الكنانة، وغدوا وراحوا على الممالك، حتى لقد تصايحوا بالضاد على أبواب فرنسا
وتسكن العروبة بعد الدور العظيم، وتجيء العثمانية تملأ الملعب، فنعتليه ومصر؛ وتتعاقب
فصول في الرواية التركية الطويلة، وتختلف وجوه؛ وكانت مغارب الشمس قد أضاءت وطفقت مشارقها تعتم. فيرج المدفع في (عكا)، ويقطع على (بونابرت) طريق (الهند) ويرد يد الإسكندر الثاني عن تغيير خارطة العالم:
فيا صاحب الجلالة
في تلك اللَّفتة من التاريخ جاء جدك. . . وقد كان من الاتفاق أن يولد بونابرت في (أجاكسيو) خارج فرنسا في العام الذي ولد فيه محمد علي في (قَوَله) خارج مصر. فلما غلغلت الشمس الفرنسية في جوف (البركان المنطفئ) وراء (الأوقيانس)، وأخذت الشمس المصرية تتعالى في سماوات التاريخ - وكأنما أنوارها تتفلت من وحشات ذلك الغروب البعيد - كان من الاتفاق أيضاً أن ينهض عرش عصامي في الشرق، حيث يهوي في الغرب عرش عصامي؛ فيتربع (محمد علي) في مصر، ويعود الشاطئ المشرقي على يديه إلى المحاولة. وأنت تدري أن كرة الأرض قد صغر حجمها في عيون أساتذة الطمع، منذ ما قامت أوربا على قدميها، وأصبح قيد الشبر من أرض على خليج يحله فاتح في الأعصر الحديثة، بمثابة نصف قارة يخوضه في الأعصر القديمة فاتح مثله؛ فلم يخرج (محمد علي) على قاعدة الأساتذة، ولكن قيد شبره كان كبيراً. . . فصهلت خيل (طوسون) و (إبراهيم) على سيف (البحر الأحمر) المشرقي، وفي صحراوات (الحجاز)، ومشارف (نجد)، ولوّحت أعرافها تحت (إسماعيل) على (البحر الأزرق)، وخطرت عمارة (إبراهيم) بين عيني الجزائر (اليونانية)، ثم طلعت أعلامه علينا من (العريش)، فقطعت من يافا العربية إلى (قونية) التركية خلف (طوروس)، وكادت تطل على خليج (البوسفور)!
أما لبنان فأقبل على المحاول المصري الكبير في إجابة من النفس. إذ الملعب المشرقي لنا فيه سابقة الخطرات. فلا عجب أن تصبح يد (بشير) في يد (محمد علي) - وكان سيد (الجبل) قد نفضها قبل من نابليون نفسه - عند أسوار (عكا). . .! ثم تنسخ في المحاولة الجديدة صورة أختها تلك، فيرتبط الجبل اللبناني بالوادي المصري في العلْم، بعد أن ارتبط به في الحد والمصلحة واللسان؛ وفي دين (ابن مروان) ودين (مرقس)؛ فأظلنا (القصر العيني) معاً، وجمعتنا مطبعة (بولاق) على الممتعات في الفلك والزراعة والهندسة والجغرافية
وكما كانت المحاولة في الأمس العتيق تساجلاً بين نضرة من هنا ونضرة من هناك، كذلك كان الأمر في أعقاب القرن الماضي؛ يوم أصبح العلم العربي لا يطلع له قمر إلا من أرضنا، فبعثنا بالممتعات في الأدب والفن والتاريخ واللغة، وجاء الرد بعد الأخذ، وصحت المقابلة في التاريخ! وإذا كانت رياح العربية تهب اليوم من مصر ومن عندنا في آن معاً، حتى ليكاد يختلط الطيب فنتقاتل على فخر الشيوع، فما هي إلا من أهبة يأخذها التاريخ لتدوين هذا النسق الجديد من المحاولة التي لم ينقطع خيطها، والحمد لله. . .!
فيا صاحب الجلالة
شرفاً لعرشك فهو كرسي النيل، ودق ظلَّل نصف الحضارة البشرية؛ وتيهاً لمطرفك فهو ثوب (محمد علي) وقد فيَّأَ نصف الحضارة العربية. فشاطر عرشك في محاولة الشرق القديمة، وساهم مطرفك في المحاولة الحديثة؛ فإذا تسلمت بكفّيك الغضتين وديعة الماضي الباهظة، فلا خوف عليها، وأبيك (يا ابن فؤاد)! وإن لبنان الذي شرفني بالوقوف بين يديك، فوق تشرفي بالكلام باسمه، لا يبرح على العهد. فدارنا الشرق، وأهلنا العرب، ولساننا الضاد، نشمخ به في الأفلاك. . .
ويا صاحب الجلالة
مقبلٌ أنت - يا ربيع الوادي - على سنَّة الثمر، غِبَّ الزهر، فتصبح المثال العالي لجبل الشرق الطالع، في مباكرة ذلك النعيم الاجتماعي، الذي يأنس له العقل والدين، ويحمد (واديك) طيب الموسم، وينظر لبنان إلى البركة بعين الصديق. إذا شاء الله
أمين نخلة
بحث سيكولوجي
اعمل ما تخشاه
للأستاذ أحمد المغربي
من أشهر المجلات الشهرية العالمية وأوسعها انتشاراً وأغزرها فائدة، هي مجلة (زبدة القراء) التي يشرف على تحريرها نفر كبير من مشاهير الأدباء والعلماء، وقادة الفكر المحدثين. ولعل خير وصف لها تسميتها (بمجلة المجلات). ذلك لأن القائمين على إدارتها يختارون لها من عشرات المجلات أطيب الآثار الأدبية وأوثق الآراء العالمية وأحدث الأنظمة الاجتماعية وما إليها، ثم يجملونها ويوجزونها في صفحات قليلة يعرضونها على قرائهم بصورة جذابة وطريقة خلابة تستلفت أنظارهم، وتستهوي أفئدتهم، وتسحر عقولهم، فيقبلون على انتهال مواردها إقبالاً يفوق إقبال الصادي في الصحراء على موارد المال
وميزة أخرى يتحتم علي إلا أغفل ذكرها، هي أن القارئ يجد في القسم الأخير منها موجزاً لكتاب في مختلف ألوان الأدب والقصص والعلوم، تقره في كثير من الأحيان، جمعية (كتاب الشهر) وتوصي بمطالعته بعد أن تكون قد اختارته من مئات الكتب التي صدرت في تاريخ صدروه
ولا شك في أن مثل هذا العمل المثمر والإنتاج النافع يسدي إلى القراء خدمات جليلة. ذلك لأن الإنسان، بلغ ما بلغ من حب المطالعة لا يستطيع، بل إنه ليعجز عن أن يطالع جميع ما يصدر من كتب ومجلات، مهما اتسع وقته وتوفر فراغه. ولا ريب أيضاً في أن الأستاذ الزيات يشاركني في اعتقادي، ونحن في مستهل نهضتنا الفتية المباركة، بأن حاجتنا مُلِحةٌ جداً إلى مثل هذه المجلة الفريدة، مع نبل الرسالة التي تحملها رسالته، فعسى أن تكون كلمتي هذه حافزاً له في تحقيق هذه الفكرة وسد هذه الثغرة
كاتب هذا المقال الذي نقتبسه من هذه المجلة هو الدكتور هنري لنك رئيس دائرة الخدمة السيكولوجية في مدينة نيويورك. وتضم هذه الدائرة جماعة من علماء النفس الذين يقومون بإرشاد من يستشيرهم في المشاكل التربوية والمهنية والشخصية. ولا يزال كتاب الدكتور لنك الأخير: (العودة إلى الدين) يتمتع بشهرة واسعة وإقبال عظيم، بالرغم من مضي أكثر من سنة ونصف سنة على نشره
يستهل الكاتب حديثه قائلاً:
لقد نازعتني عوامل التردد والإحجام قبل أن قررت الكتابة في موضوع (الأوهام والمخاوف)، ذلك لأن طائفة كبيرة من المخاوف التي تعتور نفوس الناس، إنما هي بلا جدال تعزى إلى كثرة ما كتب في هذا الصدد. وكم كنت أتمنى لو أن لفظة (مركب الضعة أو الشعور بالحطة) لم تخرجها المطابع إلى الوجود، إذن لما خطر لملايين البشر بأنهم مصابون بذلك، ولنقص خوف من مخاوفهم ووهم من أوهامهم
والواقع أن معظم المخاوف لا تنشأ عبثاً، بل تتولد عموماً من الإغراق في المطالعة والإكثار من التفكير والكلام. فنحن نتعهدها ونرعاها ونغذيها حتى تستحيل من أمر بسيط في غاية البساطة، وشيء تافه بعيد عن الخطورة، إلى هم مقيم وعذاب أليم
إن الأم التي تكثر من مطالعة الكتب المختصة بتربية الأطفال وتحرص كل الحرص على الإحاطة بدقائقها وأسرارها تصبح شديدة المخاوف. والفتاة التي تهتم بمظهرها الخارجي وتكلف كل الكلف بأناقتها سرعان ما يزداد قلقها ويتعاظم هلعها مما يراه الناس فيها، والجماعات التي تدقق البحث في أحاديثها ومناقشاتها عن وضع البلاد يؤول تشاؤمها في الغالب إلى الخوف
وصلتني رسالة من فتاة تبتدئ كما يلي:
(منذ أن بلغت السادسة عشرة من عمري كنت أخاف من التحدث إلى الغرباء. ثم تستمر الرسالة في تعداد مخاوف أخرى، كالخوف من رئيسها، والخوف من الرجال، والخوف من سوق السيارة، والخوف من تقديم تقرير في ناد للبنات، وغيرها من المخاوف التي بلغ عددها). وجميعها مخاوف من صعيد مشترك واحد، يقاسي منها ملايين البشر. والنتيجة لهذه المخاوف، في كل حالة تقريباً هي واحدة: نوع من الشلل الزاحف، شعور بالبؤس والاختناق والروع والرعب والهزيمة
شكا إليّ شاب بأن النوم يجفوه، وبعد أن شرح لي شرحاً سيكولوجياً مسهباً على ما أصابه سألني: (هل تستطيع أن تساعدني على التخلص من هذه الهواجس والوساوس؟ فأجبته: لا. فتوسل إليّ قائلاً: إذن، ماذا أستطيع أن أعمل؟ فاقترحت عليه أن يركض في الليل حول الحي الذي يعيش فيه حتى يكل وينصب ويبلغ به الجهد حداً يشعر معه بأنه سوف يسقط
على الأرض إعياءً. وقلت له: إن ما تحتاج إليه، هو الإجهاد؛ لقد أنهكت قواك البدنية في التفكير والتخيل والأحلام؛ فإذا ركضت ركضاً مكداً مجهداً فلا تلبث أن تشعر بالارتخاء والفتور فتنام؛ إنك لشدة ما فكرت، جررت نفسك إلى الخوف، بفكرك، وإنك لقادر على أن تفر منه بساقيك)
ولقد فعل!
قدمت إليّ والدة منذ أمد غير بعيد، هذا الملخص المهم لتاريخ حياتها:(كنت وأنا فتاة، تعروني مخاوف كثيرة تسبب لي قلقاً واضطراباً، منها الخوف من الجنون، ولقد استمرت هذه المخاوف حتى بعد زواجي. إلا أنه بعد مدة قصيرة، رزقنا طفلاً ثم انتهى بنا الأمر إلى أن أصبح لدينا ستة أولاد. ولما كنت أقوم بنفسي بجميع أعمالي البيتية كنت كلما بدأت أشعر بالقلق، أسمع بكاء الطفل أو نزاع الأطفال، فأبادر إلى تهدئة أحوالهم. أو كنت أتذكر فجأة بأن وقت الغداء قد حان، أو بأنه يتحتم عليّ أن أتم كي الملابس، فكانت المخاوف التي تنتابني تُقطع على الدوام بواجبات عائلية، وعلى مر الأيام تلاشت تدريجياً. وأنا الآن ألقي عليها نظرة لمجرد اللهو والسلوة)
وقد يكون مغزى هذه الحادثة ألا يكون للوالدين ستة أطفال، ولكن الميل إلى تقليل عدد أفراد العائلة وزيادة أوقات الفراغ، يؤدي، في الحقيقة، إلى توليد المخاوف. ومن الحقيقة أيضاً، أن الكثيرين ممن تلازمهم هواجس مقلقة، قد يجدون لذة جديدة في الحياة لو أنهم يهتمون بشئون أناس آخرين بواسطة الاشتراك في الأعمال الاجتماعية المحلية.
أنت لا تحب مثل هذه الأعمال؟
إذن، يجب أن تتذكر بأن كل خطوة في التغلب على الخوف تتطلب، في البداية، قوة إرادة
إن الذين تعلموا الغطس، مثلاً، يذكرون المصاعب التي أصابتهم. فأنت أول في الأمر، توازن نفسك ثم تميل إلى الأمام، فتتردد فترتد إلى الوراء خوفاً وهلعاً، ثم تحاول مرة ثانية فتنسحب. وأنت في كل تردد تزداد مخاوفك. وأخيراً تثور ثائرتك ويشتد غضبك من هذا الخور والجبن، فتقذف بنفسك دون أن تبالي بانحراف ذراعيك، أو تكترث لاعوجاج ساقيك. تصعد، بعد ذلك. كسيفاً مضطرباً، وتزداد حالتك سوءاً حين تسمع قهقهة أصدقائك وتشاهد سخريتهم. فلو أن مخاوفك، في هذه النقطة، حالت دون أن تقوم بمحاولات أخرى
لما تعلمت الغطس؛ ذلك لأن مخاوفك تصبح غير قابلة للقهر. ولكن لو أنك تشبثت وداومت على القيام بغطسات مؤلمة خرقاء غير لبقة، لأمكنك الغطس بهدوء ونعومة، والصعود مرتاح الفكر ناعم البال. ولقد كنت في طريقك إلى أن تصبح غطاساً ماهراً
تلك هي السيكولوجية الأساسية للتغلب على الخوف، واكتساب الثقة والإيمان بكل ناحية من نواحي الحياة؛ وليس ثمة مفر من هذه الطريقة. يتحتم علينا، بين آونة وأخرى، أن نخوض جدول الحياة ونغوص فيه، فنضيف نصراً إلى نصر، وننتقل من فتح إلى فتح، متغلبين على ما يعترض سبيلنا من مخاوف وأوهام، الواحد بعد الآخر. وكما قال امرش: افعل الشيء الذي تخاف منه فان موت الخوف محقق. والواقع أن مخاوفنا هي القوى التي تكوننا حين نعالجها بشدة وحزم، وهي التي تحطمنا إذا ما عولجت بالتردد والحيرة والتواني والتعقل
سألني شاب منذ مدة غير طويلة أن أقترح له بعض أعمال صعبة يقوم بها، وقال لي: (إن كتابك يوصي بالتمرن على الرقص وكرة السلة أو بعض المباريات الرياضية والبردج وحفلات السمر والألعاب، ويقول بأن على الإنسان أن يعمل حتى الأشياء التي ينفر منها ويبغضها؛ على أنني لم أكن أكرهها وأنفر منها فحسب، بل كنت أخاف من القيام بها. بيد أنني عزمت على تجربتها. فمر عليّ ردح من الزمن الرهيب كنت أشعر فيه بالبؤس والتعاسة وأعاني فيه عناء كبيراً وعذاباً مريعاً؛ ولكن سرعان ما زالت مخاوفي واستعدت نشاطي وانكببت على هذه المشروعات الجديدة. والواقع أنني أتمتع بحياة جديدة تضفي على نفسي ألواناً من الهناء والصفاء حتى بت أخشى أن أميل إلى حياة الراحة والترف. وأود منك أن تخبرني ببعض الأعمال التي أجد في القيام بها مشقة حقيقية.
إن هذا الشاب تعلم درس استخدام مخاوفه كواسطة للفوز والانتصار والهناء والمرح البهيج. واتجه إلى حياة أوسع نشاطاً وأغزر حيوية من الناحيتين الحيوية والفكرية
والخطوة الأولى في التغلب على الخوف هي أحياناً عملية بسيطة أولية جداً. أتذكر شاباً غمرته المخاوف إلى حد كلما كان يتمكن من الكلام بصوت مسموع. كان يعمل في مصرف كبير ويعرف اثني عشر رجلاً في دائرته، إلا أنه عندما كان يذهب إلى مكتبه لا يحيي أحداً. فاقترحنا عليه أن يبدأ بتحية رفاقه من صميم قلبه قائلاً: صباح الخير، إبراهيم، يا
أهلاً، زهير،. . صباح الخير، يا سيدي، أثناء مروره بهم. فجرب ذلك وكانت تجربته مرضية مدهشة حتى أنه تشجع لتجربة أعمال أشد صعوبة كان الفوز في أحدها يقوده إلى فوز آخر
إن أكثر المخاوف شيوعاً وانتشاراً، كالخوف من الجنون أو الاضطهاد والظلم، أو الخوف من الأغراب والأجانب، أو الضعة هي عادة، نتيجة فشل الإنسان في التغلب على مخاوف صغيرة كافية وقهرها بمثل هذه الطريقة التي أشرنا إليها. إلا أنها تغري أحياناً، إلى أن الإنسان، لسبب ما، كالفشل في الحب، أو موت قريب عزيز، أو لكوارث مالية، أو لخسارة عمل أو وظيفة - ينزوي عن الناس وينسحب من أعماله المألوفة. ويتحتم على الإنسان، إذا ما مني بكارثة، خصوصاً ألا يتابع أعماله القديمة فحسب بل يوجه إرادته ويعزم عزماً أكيداً على أن يبدأ بمساع جديدة يستحسن أن تكون مكدة عنيفة
ومع أن التعاميم مخطرة جداً فإني أجرأ على القول بأن في قرار معظم المخاوف فكراً مجهداً، وجسما خاملاً، ولهذا فأنني نصحت كثيراً من الناس في سعيهم وراء السعادة أن يقللوا من استعمال رؤوسهم ويكثروا من استعمال أذرعهم وسيقانهم في عمل أو لعب مثمر نافع. فنحن نولد المخاوف بركوننا إلى الراحة، ونتغلب عليها باللجوء إلى العمل؛ وما الخوف إلا نذير الطبيعة بدعوتها إلى العمل
إن ملايين البشر الذين يعتمدون في معاشهم على المساعدات الحكومية إنما هم يربون في أنفسهم المخاوف والأوهام من حيث لا يشعرون. وقد يكون من الواجب المحتم علينا أن نضع نصف سكاننا في مخيمات الخدمة الاجتماعية - هي مخيمات تضم عدداً من الشبان في سن الدراسة الثانوية والجامعية العاطلة عن العمل، تستخدمهم الحكومة الأميركية في القيام ببعض الأعمال الاجتماعية كتعبيد الطرق وبناء الجسور والمحافظة على الغابات من الحريق الخ. . . لقاء أجور زهيدة تدفع قسماً منها إلى أهليهم كما أنها تهذبهم في المخيمات تهذيباً منظماً وتدربهم على الأعمال الفنية التي تفيدهم بعد تخرجهم فيها) حتى نستأصل شأفة المخاوف التي تقلق الأمة
والخوف في أدواره الخفيفة الأولية يتخذ شكل النفور من بعض المشاريع والاشمئزاز من بعض الناس وانتقادهم، فيقيم بذلك شاهداً ودليلاً على أن الإنسان يبرر خموله المستمر.
إن العالم مليء بالمستائين والساخطين، غني بالشيوعيين والنظريين الاجتماعيين، لأنهم لا يريدون أن يغيروا أنفسهم، يتحدثون عن تغيير نظام العالم بأسره. ويظهر أن الكثيرين منهم لا يدركون انه، في أي نظام اجتماعي، مهما كان نوعه ولونه، لا بد من وجود مفاسد ومساوئ، وهم بأحاديثهم يصوبون غضبهم من العالم ويسبغون على سخطهم وتذمرهم رداءاً من الحكمة والتعقل بدلاً من أن يسخطوا على أنفسهم ويهبوا إلى القيام بعمل صالح نافع
(بغداد)
أحمد المغربي
مدرس العلوم الاجتماعية بدار المعلمين الابتدائية
الخلود
'
للشاعر الفرنسي الكبير لامارتين
ترجمة السيد أحمد عيتاني
أحب لامارتين (ألفير) حباً ملك عليه حواسه ومشاعره وكاد يقرب من العبادة إلا أن القدر أبى أن يمنعه بهذا الحب طويلاً، فبينما هو يقضي إلى جانب محبوبته ألذ ساعات العمر وأعذب أوقات الحياة، إذا بالنبأ يفاجئه بأنها مريضة ومشرفة على الموت، فينال هذا النبأ منه وينظم آلامه وشجونه في تلك القصيدة التي ينظر فيها إلى الموت نظرة المنقذ الذي ينقل الإنسان من آلام الحياة الفانية إلى سعادة الحياة الأبدية
لقد آلت شمس أيامنا منذ فجرها إلى الاصفرار!
فهي لا تكاد ترسل نحو جباهنا الكليلة
سوى بضعة أشعة مرتجفة تقاوم الظلمة!
ولكن الظلمة تنمو، والضياء يتلاشى، وينمحي كل شيء ويزول!
ألا فليرتعد سواي أمام هذا المشهد! ولتخنه قواه!
وليبتعد مرتجفاً عن شفا الهوة!
وليعجز عن الاستماع بعيداً دون أن يجزع
إلى أنشودة الموت البائسة التي يتهيأ لالتقاطها، أو إلى الزفرات
المختلفة تصعدها حبيبة أو شقيق
فتعلق حول أطراف سريرها الكئيب!
أو إلى الناقوس المدوي،
تنشر دقاته المضطربة بين الملأ أن فلاناً قد قضى!
سلاماً أيها الموت! أيها المنقذ السماوي!
إنك لا تظهر لي في هذا الشكل الرهيب
الذي ألبسك إياه الوهم والرعب زمناً طويلاً!
إن ذراعك لا تحمل ذلك الخنجر الهدام!
إن جبينك ليس مرعباً! وإن عينيك ليست غادرة!
إن رباً لطيفاً يسوقك لتخفيف الآلام!
إنك لا تهلك! إنك تنقذ!
وإن يدك لرسول سماوي يحمل شعلة إلهية!
عندما تنطبق عيني المتعبة على ضوء النهار
ستأتي، وتغرق جفونها بنور أشد نقاوة منه!
ويفتح أمامي الأمل، وأنا أحلم في القبر على مقربة منك
أبوابَ عالم أبهى من هذا العالم!
تعال إذاً وأنقذني من قيودي الجسدية!
تعال وافتح لي سجني! تعال وأعرني جناحيك!
ما يلهيك؟! اظهر! ولأقذف بنفسي أخيراً
نحو هذا الكائن المجهول: مبدأي وغايتي!
من فصلني عنه؟! من أنا؟! وما يجب أن أكون؟!
إني أقضي ولا أفهم معنى الحياة!
أيتها الروح! أيها الضيف المجهول! يا من أسائلك عبثاً!
في أية سماء كنت تقطنين قبل أن تكوني فيّ؟!
أية قوة قذفت بك إلى هذه الكرة الأرضية؟!
وأية يد ألقت بك في سجنك الصلصالي؟!
أي روابط خفية، وأي عقد مدهشة
جعلتك تقيمين في الجسد، وجعلت الجسد مالكاً لك!
أي يوم تنفصلين فيه عن المادة؟
وإلى أي صرح جديد تغادرين الأرض؟
أتنسين عندها كل شيء؟!
أتعودين بعد القبر إلى الحياة؟!
أتبدئين حياة ثانية؟
أم ستعملين، وقد تجردت إلى الأبد من قيودك الفانية
على التلذذ بحقوقك الخالدة
في جوار الله مبدأك ومعادك!
أي نعم. ذاك ما أتمناه يا نصيفة حياتي!
ذاك ما جعل نفسي مطمئنة
وقادرة على النظر، دون ما ذعر إلى قسمات وجهك الوسيمة
تذوي عليها ألوان ربيعك الساطعة!
ذاك ما جعلك ترينني أبتسم
وأنا أموت شاباً فريسة تلك الطعنة التي أصبت بها!
ذاك ما جعل دموع الفرح تلمع في عيني
عند رؤيتك الأخيرة، في وداعنا الأخير!
(أمل باطل!) هكذا سيقول أتباع أبيقور!
إنهم سيقولون: (يا فاقد الشعور، يا من يخدعك غرورك الكثير!
أنظر حواليك: فكل شيء يبدأ ويتلاشى!
كل شيء يسير إلى نهاية! وكل شيء يولد ليموت!
إنك ترى الزهرة تذوي في تلك الحقول الصفراء!
والأرزة الشامخة تسقط في الغابة تحت أعباء السنين لتفنى خلال الأعشاب!
إنك ترى البحار تجف في أحواضها الناضبة!
والسماوات نفسها قد أخذت بالاضمحلال!
حتى الشمس، ذلك الكوكب الذي كتم الزمن مولده
تسير مثلنا نحو الفناء!
ولسوف يبحث البشر عنها يوماً فلا يجدونها، فيتيهون في الفضاء الفارغ!
إنك ترى الدهور حواليك، في الطبيعة كلها! تتراكم غباراً على غبار!
وإنك لترى الزمن يخطو خطوة واحدة فيطويك مع كبريائك!
وينقلب كفناً لجميع ما أنتج!
والإنسان! والإنسان وحده! يا للجنون العظيم!
يظن أن سيعود ثانية إلى الحياة في أعماق لحده!
ويحلم بالخلود، بعد أن حطمه الزمن
وحملته العاصفة إلى العدم!
ألا فليحبكم سواي يا فلاسفة الدنيا!
ودعوني ووهمي! فالأمل يجب عليّ وهو حبيب إليَّ!
إن عقلنا ليتعثر ويختلط عليه الأمرَ
نعم إن العقل ليسكت، ولكن القلب ليجيب!
أما أنا، فحينما أرى الكواكب
وقد تاهت عن طريقها السوي في السهول السماوية
يصطدم بعضها ببعض في حقول الأثير
وتنقلب دون ما غاية في السماوات المذعورة؛
حينما أسمع الأرض تئز وتتحطم!
حينما أرى كرتها الشاردة المنعزلة
تسبح بعيدة عن الشموس، باكية إنسانها الهالك!
لتضل في حقول الليل الأبدي!
حينما أكون آخر شاهد لتلك المناظر الرهيبة؛
حينما أظل محاطاً بالموت والظلمة
وبالرغم من وحدتي وجزعي
سآمل فيك أيها الكائن الحق اللطيف
وسأنتظرك أيضاً، وأنا في العوالم البالية
مؤمناً بعودة الفجر الأبدي!
ما أكثر ما غمرتني وإياك تلك الظلمة ونحن بعيدان عن العالم، يحدونا الأمل
تارة على قمم الصخور الهرمة! وأخرى على ضفاف البحيرة الكئيبة القاحلة!
أثناء مقامنا السعيد. . . حيث بدأ حبنا الخالد
لدي النظرة الأولى كما تذكرين!
لقد كانت الظلال، وهي تنحدر من وراء الجبال
بقطعها الطويلة، تحجبها عن أبصارنا!
فلا تلبث كواكب الليل الغريبة
بعد برهة من الزمن
إن تزحف دون ما جلبة أو أبهة
وترد على أبصارنا ما حجب عنها
وتسبغ على الأرض ثوباً من الأنوار الضئيلة
كما يسبغ المصباح نوره المقدس على المعابد المقدسة التي أضاءها النهار بنوره
فينير منها الهياكل بعد ما تأخذ أشعة المساء تدريجاً بالاصفرار!
هنا كنت تفتشين وكنت تنتقلين ببصري
من السماء إلى الأرض، ومن الأرض نحو السماء
وكنت تقولين: (إيه يا إلهي الخفي)
إن الطبيعة هيكل لك
إن العقل ليراك في كل بقعة تتأملها العين منها
إن هذا العالم مرآة لكمالك الذي يحاول العقل إدراكه!
وصورة له وانعكاس عنه!
إن النهار نظرتك، والجمال بسمتك!
إن القلب ليعبدك في كل ناحية!
وإن النفس لتحيا بك!
أيها الخالد الأبدي! أيها القدير اللطيف!
إن جميع تلك النعوت ليست كافية لتصوير عظمتك!
إن العقل ليعنو أمام جوهرك العظيم!
فيمجد عظمتك حتى لدى سكوته!
إلا أنه وهو ذاك العقل المنهزم يا إلهي
حينما يشعر أن الحب سر وجوده
يندفع بذاك القانون الجليل نحوك
متشوقاً إلى حبك ومتحرقاً إلى معرفتك
لقد كنت تقولين، وقد وحد قلبانا زفراتهما المتصاعدة
نحو هذا الكائن المجهول الذي نمت عليه آمالنا!
كنت تقولين ونحن جاثون أمامه وقد أجبناه في خلقه
وحمل إليه الفجر والعشاء تمجيدنا إياه!
كنت تقولين وقد أخذت عينانا المنتبشيتان
تارة تتأملان الأرض: منفانا نحن!
وأخرى تتأملان السماء مقامه هو!:
(أه لو أن الله يستجيب دعواتنا في هذه الساعة التي تحاول بها نفسنا الغرارة خلاصها
وتحطيم قيدها وإسارها!
فيرسل علينا من علياء سمائه طعنة تحررنا كلينا!
إذا لرجعت روحانا نحو منبعهما دفعة واحدة!
ولصعدتا على جناح الحب في ثنايا اللانهاية كأنهما خيط من نور! حتى تصلا، وقد
اجتازتا في سيرها العوالم معاً
أمام الله، وقد ذهلنا عن ذاتيهما
فتعيشان إلى الأبد ممتزجتين فيه!
أتريننا مخدوعين بهذه الآمال؟!
أصائران نحن إلى العدم؟!
أمقدر على أرواحنا الفناء؟!
أتقاسم الروح والجسد مصيره بعد خلاصها منه! فتفنى معه في ظلمات القبر
وتتحول إلى غبار؟! أو تتلاشى كما يتلاشى الصوت في الفضاء؟!
أو لا يبقى، بعد الفراق الفادح واللوعة الضائعة
جزء يحبك من ذاك الذي كان يحبك؟!
أه يا إلفير! لا تسائلي سوى نفسك عن ذلك السر العظيم!
وانظري إلى من أحبك وهو يموت
ثم أجيبي!
أحمد عيتاني
عضو بعثة أساتذة جمعية المقاصد في مصر
للأدب والتاريخ
مصطفى صادق الرافعي
1880 -
1937
للأستاذ محمد سعيد العريان
- 22 -
الرافعي وعبد الله عفيفي:
لم يكن الأستاذ عبد الله عفيفي خصماً للرافعي على الحقيقة، ولا أحسب أن أحدهما كان يرضيه أن يكون بينهما ما كان ولا سعى إليه؛ ولكن الأستاذ عفيفي في مكانه من ديوان جلالة الملك، وفي موضعه عند الإبراشي باشا، قد دارت به المقادير دورتها حتى وقفته مع الرافعي وجهاً لوجه، وجعلته بالموضع الذي لا يستطيع واحد منهما فيه أن يتجاهل أنه أمام خصم يحاول أن يظفر به. ومن هنا نشأت الخصومة بين الرافعي وعبد الله عفيفي
على أن هذه الخصومة بينهما تختلف عن سائر الخصومات التي نشبت بين الرافعي وأدباء عصره، فهنا لم تنشأ الخصومة إلا للتزاحم على رتبة (شاعر الأمير)؛ على حين كانت أكثر خصومات الرافعي ذياداً عن الدين وحفاظاً على لغة القرآن، فما كنت ترى فيها إلا التراشق بألفاظ الكفر والزيغ والمروق والإلحاد؛ أما هنا فكانت المعركة تدور وما فيها إلا التهمة بالغفلة وفساد الذوق وضعف الرأي وقلة المعرفة. . . وما بدٌّ من أن يكون في نقد الرافعي أحد هذين اللونين: الاتهام بالزيغ، أو الاتهام بالغفلة، ولا ثالث لهما. ومن هنا فقط نستطيع أن نزعم أن الرافعي لم يكن موفقاً في النقد، مع أهليته واستعداده وإحاطته الواسعة وإحساسه الدقيق؛ إذ كان أول ما ينبغي أن يتصف به الناقد هو عفة اللسان والاقتصاد في التهمة وضبط النفس. . .
وثمة شيء آخر يفرق في بين هذه الخصومة وبين سائر الخصومات: هو أن هذه المعركة كانت إيجابية من طرف واحد، على حين ظل الطرف الثاني صامتاً قاراً في موضعه، لم ينبس بكلمة ولم تبدر منه بادرة مشهودة للدفاع. . .!
كتب الرافعي مقالات ثلاثاً بعنوان (على السفُّود) في نقد ثلاث قصائد أنشأها الأستاذ عبد
الله عفيفي في مديح الملك - والسفُّود هو الحديدة التي يُشْوَى عليها اللحم - وهو عنوان له دلالته، وفيه الإشارة والرمز إلى ما حوت هذه المقالات من الأساليب اللاذعة والنقد الحامي. وإذ لم يكن توقيع الرافعي في ذيل هذه المقالات ولا كان يريد أن يُعرف أنه كاتبها - فإنه خرج عن مألوفه في الكتابة وفي نمط الكلام، فاسترسل ما شاء كأنه يتحدث في مجلسه إلى جماعة من خاصته: لا يعنيه الأسلوب ولا جودة العبارة ولا عربية اللفظ، بقدر ما يعنيه أن يتأدَّى معناه إلى قارئه في أي أسلوب وبأية عبارة؛ فكثر الحشو في هذه المقالات من الكلمات العامية والنكات الذائعة والأمثال الشعبية، ولكنه إلى ذلك لم يستطع أن يتخلص من كل لوازمه في النقد والكتابة، فبقيت له خفة الظل وحلاوة اللفظ وقسوة النقد، إلى بعض عبارات في أسلوبه تنم عليه وتكشف عن سره.
ولم يذكر الرافعي حين أنشأ هذه المقالات أنه يتناول بهذا النقد شاعراً من شعراء القصر له حظوة عند رئيس الديوان الملكي، وأن هذا الشعر الذي يفريه ويكشف عن عيبه إنما أنشأه ناظمه في مديح الملك. أو لعل الرافعي كان يذكر ذلك ولكنه يحسب نفسه بنجوة من التهمة لأنه لم يوقع بإمضائه على هذه المقالات؛ فلم يتحرج مما كتب، وألقى القول على سجيته في صراحة وعنف وقسوة، ولم يصطنع الأدب اللائق وهو يتحدث عما ينبغي أن يكون عليه الشعر الذي يقال في مدح الملك وما لا ينبغي أن يقال؛ فجاء في بعض كلامه عبارات لا يسيغها الذوق الأدبي العام عندما يتصل موضوع القول بالملك الحي الذي يحكم ويدين له الجميع بالولاء. وكأنما ركبتْه طبيعةٌ غير طبيعته خَيَّلتْ إليه أنه يكتب في نقد شاعر من الماضين يمدح ملكاً من ملوك التاريخ، فلم ينظر إلى غير الاعتبار الأدبي الخالص من دون ما ينبغي أن يُراعي من التقاليد واللباقة السياسية عند الحديث عن الملوك
وانتهت أولى هذه المقالات إلى القصر، فمالت الأفواه إلى الآذان، وتهامس القراء همساً غير خفي، ثم جهروا يتساءلون: من يكون هذا الكاتب؟ ولكن أحداً منهم لم يفطن إليه ولم يعرف الجواب، وأنفذوا دسيساً إلى الأستاذ إسماعيل مظهر صاحب العصور يسأله فلم يظفر منه بجواب
ونُشر المقال الثاني والثالث، فلم يلبث أن أنكشف السر؛ ونم الرافعي على نفسه بلسانه في مجالسه الخاصة. . . أو نم عليه أسلوبه وطريقته في النقد
وجاءه سائل من القصر يسأله ويستوثق من صحة الخبر في أسلوب السياسي البارع: (. . . وكيف تأذن لنفسك أن تقول ما قلت في شاعر من شعراء الملك، وأن تكتب عنه بهذا الأسلوب؟ أفيتفق مع الولاء لصاحب العرش أن تكتب ما كتبت لتصرف الشعراء المخلصين عن ساحة الملك. . .؟ أم تريد ألا ينطق أحد بالثناء على صاحب التاج وألا يكون أسمه على لسان شاعر؟ أم هي دسيسة تصطنع الأدب لتفض المخلصين من رعيته عن بابه. . .؟)
وغص الرافعي بريقه، وتبين الهاوية تحت قدميه يوشك أن يتردى فيها بحيلة بارعة، وأحس الإبراشي باشا من ورائه يحاول أن يدفعه بعنف لينتقم لكبريائه التي مسها الرافعي بحماقته منذ بضعة أشهر. . .
وحاول النجاة بنفسه من هذه المكيدة المبيتة، فلم يجد له وسيلة إلا الصمت فأوى إليه. وانقطع ما بينه وبين القصر من صلات، إلا الصلة العامة التي بين الملك وبين كل فرد من رعيته. وكان أخوف ما يخاف الرافعي أن تكون خاتمة ذلك هي انقطاع المعونة الملكية عن ولده الذي يدرس الطب في جامعة ليون على نفقة الملك؛ ولكن ذلك لم يكن إلا بعد هذه الحادثة بأربع سنين (في سنة 1934) لسبب آخر، ولم يكن باقياً بين الدكتور الرافعي وبين الإجازة النهائية غير بضعة أشهر كما تقدم القول
لقد كَثُر ما استغل خصوم الرافعي السياسي لينالوا منه. ولقد كثر ما اتهموه من أنه من أدوات الإبراشي باشا في محاربة سلطة الأمة، وأنه صنيعته ومولاه؛ على حين كان هذا الموقف هو كل ما بين الرافعي والإبراشي باشا من صلات الود والموالاة! فما انقطعت صلة الرافعي بالقصر إلا في عهد الإبراشي، وما كان معه يوماً على صفاء. على أنه كان تلميذاً معه في مدرسة المنصورة الابتدائية فيما أذكر. . .
ولقد كتب كاتب من خصوم الرافعي غداة دالتْ دولة الإبراشي، فصلاً مؤثراً. . . بعبارات بليغة. . . في صحيفة من صحف الشعب، يصف جناية الإبراشي باشا على الأدب؛ وكان من براهينه على ذلك أنه اصطنع الرافعي ليحارب بقلمه ولسانه سلطة الأمة. . . وقرأت هذه المقالة مع الرافعي، ونظرت إليه فإذا هو يبتسم ابتسامة مرة، ثم قال: (هذا أديب يتحدث عن جناية السياسة على الأدب. . . أرأيت. . .! صَدقَ! لقد جنت السياسة على
الأدب)
لم يكن لهذه المقالات الثلاث التي كتبها الرافعي عن الأستاذ عبد الله عفيفي صدى في غير هذه الدائرة المحدودة؛ على أنها أنشأت بينهما خصومة صامتة ظلت مع الرافعي إلى آخر أيامه، وظلت مع الأستاذ عفيفي في أحاديثه الخاصة إلى أصدقائه، وإلى طلابه في كلية اللغة العربية بالأزهر. . .
فلما مات المرحوم شوقي بك في خريف سنة 1932، كتب الرافعي عنه مقاله المشهور في مجلة المقتطف، وذكر فيما ذكر فيه أن شوقي بك لو كان مصرياً خالصَ المصرية لما تهيأت له الأسباب النفسية التي بلغت به مبلغه في الشعر؛ لأن الطبيعة المصرية لا تساعد على إنضاج المواهب الشعرية، ولا تعين على إبراز الشاعرية الكامنة في كل نفس
هو رأي أبداه فيما أبدى من الرأي، لم يقصد به التعريض بأحد أو الحط من مقداره. وقد يكون رأياً إلى الخطأ أو إلى الصواب، وقد يتكافأ فيه كِفتا الخطأ والصواب، ولكنه رأي أبداه الرافعي مجرداً من الهوى، لا يعني به إلا أن يستوفي عناصر بحثه. ولكن خصومه تناولوه على ألوان وفنون
أما طائفة فمالت به إلى السياسة، وقال قائلهم: هذا رجل ليس منا، يريد أن ينكر فضل مصر عليه وعلى آله، فيتهمها بالعقم وركود الذهن وجمود العاطفة فيجردها من الشعراء. . . ومضى في دعواه. ذلك سلامه موسى. . .!
وأما ثانيةٌ فقالت: وهذا قول يعنينا به نحن الشعراء المصريين ليجردنا من الشاعرية في قاعدة عامة لا تستثني أحداً إلا من انحدر إلى مصر وفي أعرافه دم غريب. . . ومضت هذه الطائفة تنقض دعواه وتسفه رأيه بما تسوق من الأمثال وتذكر من أسامي الشعراء المصريين
وانتضى الأستاذ عبد الله عفيفي قلمه ليكتب في (البلاغ) مقالاته الأسبوعية بعنوان (مصر الشاعرة) يذكر فيها من شعراء مصر في مختلف الأجيال منذ كانت مصر العربية، ما يراه رداً على دعوى الرافعي. ومضى في هذه المقالات بضعة أسابيع يضرب على وتر واحد، ثم ملّ هذه النغمة فراح يتصيد موضوعات أخرى من مشاهداته وآرائه في الناس والحياة؛ ولكن عنوان (مصر الشاعرة) ظل على رأس هذه المقالات يبحث عن موضوعه. . . فكان
حسْب الأستاذ عفيفي في هذه المقالات أن أنشأ هذا العنوان في الرد على الرافعي. . . .!
وقد ظل الرافعي إلى آخر عمره يذكر أيامه وهو شاعر الملك، ثم ما كان بينه وبين الإبراشي، وبينه وبين عبد الله عفيفي. وما كانت تظهر للأستاذ عفيفي في الصحف مدحة ملكية، في موسم من المواسم أو عيد من الأعياد، حتى يتناولها الرافعي فيقرأها إلى آخرها، ثم يلتفت إلى جليسه فيقول:(ماذا رأيت فيها من شعر ومن معنى جديد؟) ثم يسترسل فيما تعود من المزاح والتندر
وقد ذكرت فيما قدمت من هذه المقالات أن الرافعي كان يسمي كل جميلة من النساء (شاعرة)، فمنهن كالمتنبي، ومنهن كالبحتري، ومنهن بشار بن برد، ومنهن عبد الله عفيفي
فهذه الأخيرة عنده هي ذلك النوع (البلدي) من نساء الطبقة الثالثة، التي تبدو ملفوفة (محبوكة الأطراف) في ملاءتها السوداء، غضةً بضة، تستهويك بجمال الجسم دون جمال المعنى، وفيها أنوثة الدم واللحم ولكنها جامدة العاطفة عقيم الخيال. . .
معذرة إلى الأستاذ عبد الله عفيفي! فإنما أنا راوية أكتب للتاريخ، وما شهدت إلا بما علمت، وعلي تبعة الرواية وعلى غيري تبعة الرأي. وللأستاذ عفيفي في نفسي رغم أولئك كل إجلال واحترام
(شبرا)
محمد سعيد العريان
أناشيد صوفية
جيتانجالي
للشاعر الفيلسوف طاغور
بقلم الأستاذ كامل محمود حبيب
- 89 -
في اليوم الذي يطرق الموت بابك، ماذا تقدم إليه؟
آه، سأضع أمامه كأس حياتي المترعة لكيلا يرتد صفر اليدين
سأقدم له كل ما يحلو من ثمار أيام الخريف وليالي الصيف، وكل ما كسبت والتقطت في حياتي المليئة بالجد. . . سأقدمها كلها إليه عند آخر لحظة من لحظات حياتي. . . حين يطرق الموت بابي
- 91 -
أيها الموت، يا من هو آخر أمل في الحياة، تعال وأهمس في أذني!
الأيام تمر وأنا أرقب لقياك؛ فمن أجلك أنشأت في حياتي والسرور والألم معاً
أنا، وكل ما أملك، وكل ما آمل، وكل حين. . . كل أولئك يندفع إليك في أعماق الخفاء. إنني أبتغي النظرة الأخيرة من عينيك ثم لتكن حياتي شيئاً تملكه أنت إلى الأبد
لقد صففت الزهور، والأكاليل تنتظر العروس. وبعد العرس ستنقلب العروس من دارها لتلقى سيدها - في خلوة - في هدأة الليل وسكونه
- 91 -
أنا أوقن بأن اليوم الذي أحرم فيه النظر إلى الأرض آت لا ريب فيه! وأن روحي ستفزع عني في صمت. فيسدل على عيني آخر ستار من أستارها
ولكن النجوم ما تزال تتألق في غسق الليل، والصبح ما يبرح يتنفس في حينه، والساعات تمر جياشة كأنها الموج المضطرب وفيها اللذة والألم في وقت معاً
وحين تتراءى لي ساعتي الأخيرة يتصدع أمام عيني حجاب الزمن. فأرى من خلال لمعات
الموت. . . أرى دنياك وفيها كنوزها المهملة؛ وما فيها سوى منزل وضيع وحياة حقيرة
دع كل ما أندفع عبثاً في إثره وكل ما أصيبه. . . دعه يمر ولكن مُنّ عليّ بكل ما كنت أزدريه وأعرض عنه
- 92 -
لقد اعتزمت الرحيل فودعوني يا اخوتي! سأنحني لكم جميعاً في رفق ثم أنطلق
هاكم مفاتيح داري فخذوها. . . سأنزل لكم عن حقي فيها. . . ولن أطلب إليكم شيئاً سوى كلمة عطف
لقد تجاوزنا طويلاً؛ ولقد نلت أكثر مما أستطيع أن أعطي والآن ابتسم الفجر وفزع عني السراج الذي أضاء ركني المظلم زماناً؛ وناداني الداعي، وهاأنذا على استعداد للرحيل
- 93 -
في ساعة الرحيل، تمنوا لي السعادة، يا رفاقي! فالفجر يلمع في السماء والطريق أمامي لاحب جميل
ولا تسألوا عما أتزود به فأنا أندفع في طريقي قفر اليدين ممتلئ القلب بالإيمان
سألبس إكليل العرس، ولن ألبس ثياب الرحيل الحمراء القاتمة؛ ورغم أن في الطريق مخاوف فقلبي مطمئن ساكن
ستبزغ نجوم الليل حين تنتهي رحلتي، سترن في مسمعي ألحان الدجى الشجية تتصاعد عند باب ملك الملوك
- 94 -
لم يكن لي أن أعرف اللحظة التي أخطو فيها خطواتي الأولى نحو الحياة
أي قوة جعلتني أتفتح في هذه المتاهة الواسعة كما يتفتح كم غض في مضلات الصحراء تحت ستر الظلام
وعلى ضوء الصباح فتحت عيني فما استشعرت في نفسي الغربة عن هذه الدنيا؛ لأن قوة خفية لا اسم لها ولا شكل، ضمتني إليها تهدهدني كأنها أمي
بمثل هذا ستبدو أمامي هذه القوة الخفية نفسها. . . . ستبدو عند موتي كما عهدتها، وكما
أحببت الحياة سأحب الموت
إن الطفل ليصيح حين تنتزعه أمه عن ثديها الأيمن. ولكنه سرعان ما يجد في الثدي الأيسر سلوة وغراء
- 95 -
فلتكن كلمة وداعي حين أبرح هي: إن ما رأيته هنا هو المثل الأعلى
لقد رشفت بعض الرحيق الخفي من زهرة اللوتس المنشورة على محيط النور. لهذا فأنا سعيد. . . فلتكن هذه هي كلمة وداعي
وفي هذا الملعب اللانهائي وجدت نفسي لهوها؛ وفيه استطعت أن أنظر إليه نظرة خاطفة. . . إليه هو الذي لا شكل له
وأرتعد جسمي كله واضطربت أطرافي بلمسة من لمساته هو. . . هو الذي لا يلمس؛ وإذا حان حَيْني فليأت. . . فلتكن هذه هي كلمة وداعي
- 96 -
حين أجد لذتي معك لن أسأل: من عسى أن تكون؛ فأنا لا أعرف الخداع ولا الخوف، لأن حياتي كانت صاخبة
وفي بكرة الصباح ستوقظني من غفوتي في رفق كأنك صديقي، ثم تقودني في سرعة من طريق إلى طريق
أنا - في هذه الأيام - لا يعنيني أن أدرك معنى الأغاني التي تترنم لي بها؛ غير أن صوتي يوقع اللحن، وقلبي يرقص على النغم
والآن، وقد تصرّم زمان العب، ماذا عسى أن تكون هذه النظرات الفجائية التي تتساقط علي؟ إن الدنيا مطرقة في خشوع ونظراتها معلقة بقدميك وكواكبها صامتة
كامل محمود حبيب
في المهرجان الملكي
هنيئاً لك اليوم السعيد!!
للأستاذ علي الجارم بك
صفا ورده عذباً، وطابت مناهله
…
وجلَّت يد الدهر الذي عز نائله
وأقبل منقاد العنان مذللاً
…
تطامن متناه، ودانت صوائله
يطأطيء للفاروق رأساً وتنحني
…
أمام سنا الملْك المهيب كواهله
تلفت في الآفاق شرقاً ومغرباً
…
فلم ير في أنحائها من يمائله
رآى ما رآى! لم يلق عزماً كعزمه - تقد مواضيه، وتفرى مناصله
يذوب مضاء السيف عند مضائه
…
فما هو إلا غمده وحمائله
إذا ما انتضاه فالسعود أعنة
…
إلى ما يرجى، والليالي رواحله
رأى طلعة لو أن للبدر مثلها
…
لما انحدرت دون النجوم منازله
عليها شعاع لو رمي حائل الدجى
…
لفاخر وجه الصبح في الحسن حائله
تراها فتغضي للجلال، وربما
…
تشوف لحظ العين لو جال جائله
هو الشمس يدنو في الظهيرة ضوءها
…
ويصعب مرآها على من يحاوله
هو الروض، أو أزهى من الروض نضرة
…
إذا داعبت وجه الربيع خمائله
هو الأمل البسام، رف جناحه
…
فطارت به من كل قلب بلابله
هو الكوكب اللماح، يسطع بالمنى
…
وتنطق بالغيث العميم مخايله
ترى بسمة الآمال في بسماته
…
وتلمح سر النبل حين تقابله
شباب كما يصفو اللجين، كأنما
…
تملأ من ماء الفراديس ناهله
يفديه غصن الدوح ريان ناضراً
…
إذا اهتز في كف النسائم مائله
تطلع رمح الخط يبغي اعتداله
…
فعاد حسيراً ينكت الأرض ذابله
ومن أين للرمح المثقف عزمه
…
ومن أن للرمح الطويل طوائله؟
إذا حفّزته الحادثات رأيته
…
وقد شك أحشاء الحوادث عامله
علاء تحدَّى الدهر في بُعد شأوه
…
فمن ذا يدانيه؟ ومن ذا يفاضله؟
ورأيٌ كأنفاس الصباح وقد بدا
…
تشف مجاليه، وتهفو غلائله
وخلق كمخضل النسيم بروضة
…
ذوائبه نفَّاحة وجدائله
يمس جبين النيل في رفق عاشق
…
وتفتح أكمام الزهور مساحله
دعوت إليك الشعر فانقاد صعبه
…
وقد كان قبل اليوم شُمساً جوافله
وما كدت أدعو الوحي حتى سمعته
…
تبادهني آياته ورسائله
خيال إذا أرسلتُهُ إثرَ نافر
…
أتت بأعز الآبدات حبائله
ولفظ كوجه الروض في ميعة الضحى
…
وقد صدحت فوق الغصون عنادله
إذا قلته ألقى عطارد سمعه
…
وساءل شمس الأفق من هو قائله
وإن سارت الربح الهبوب بجرسه
…
فآخر أكناف الوجود مراحله
إذا ذكر الفاروق فاض معينه
…
وثجت قوافيه، وعبَّت حوافله
يقول وما لي حين أكتب قوله
…
من الفضل شيء أني ناقله
رأى ملكاً يحيا القريض بوصفه
…
فضائله جلت، وعمت قواضله
رأى ملكاً يزهى به الدين والتقى
…
شمائل أملاك السماء شمائله
رأى ملكاً كالنيل، أما عطاؤه
…
فغمر، وأما المكرمات فساحله
فغرد بالأجواء باسمك طيره
…
وردد في الآفاق ذكرك هادله
وصاغت لك التبر المصفى فنونه
…
وحاكت لك البرد الموشى أنامله
ولم يبق من نسج السحائب زهرة
…
ترف ندى إلا حوتها فواصله
وصب شعاع الشمس تاج مهابة
…
لمن توَّجته بالفخار فضائله
وفك رموز السحر من أرض بابل
…
لأجلك حتى استنجدت بك بابله
أعدت له عهد الرشيد فأسرعت
…
إلى سدة الفاروق تشدو بلابله
وما أنت في الأملاك إلا قصيده
…
تفاعليها البر الذي أنت فاعله
يهب طريح الشعر في دولة النهى
…
وتلهم أسرار البيان مقاوله
حملت له الريحان يوم زفافه
…
نضير الحواشي ينشر المسك خاضله
أزاحم للفاروق حشداً كأنه
…
خضم من الأمواج، ضاقت سبائله
يغطى أديم الأرض عز اختراقه
…
وسدت على أقوى الرجال مداخله
إذا أنت لم تعرف مدة أخرياته
…
فسل طرفك المحدود أبن أوائله
حملت له لريحان، أرفع معصمي
…
إلى الملك الفرد الذي فاز آمله
وقد ملأ الأنس الوجوه فأشرقت
…
من البشر حتى كاد يقطر سائله
طلعت على الجمع الحفيل بموكب
…
يبادلك الشعب المنى، وتبادله
مواكب لم يعرف لرمسيس مثلها
…
ولا خطرت في مثلهن قنابله
يحيط بها عز المليك ومجده
…
وتزحمها فرسانه وصواهله
إذا امتلك الحب النفوس هفت له
…
سراعاً، وأعطفت فوق ما هو سائله
رأوك فعالوا بالهتاف كأنما
…
ينافس ند نده ويساجله
كأنهم جيش الغمائم أرقت
…
رواعده جفن الدجى وزواجله
فلا عين إلا وهي ترتقب المنى
…
ولا صدر إلا فارح القلب جاذله
وقد رفعت أعلام مصر خوافقاً
…
يغازلها من الصبا وتغازله
فإن كل من عين، فإنك نورها
…
وإن كان من قلب، فانك آهله
وإن كان من دهر فأنت نعيمه
…
وإن كان من فضل، فانك باذله
رأى فيك هذا الشعب آماله التي
…
تمنى على الأيام وهي تماطله
أحبك حتى صار حبك روحه
…
ونور أمانيه الذي لا يزايله
فمن شاء برهاناً على صادق الهوى
…
فتلك الجموع الزاخرات دلائله
نثرت بذور الحب في كل مهجة
…
وتلك التي تهفو إليك سنابله
حياتك يا فاروق للدين عصمة
…
وأعمالك الغر الجسام معاقله
منابره تهتز باسمك فوقها
…
وتلتف من شوق عليك محافله
تعفر بالترب الجبين الذي عنا
…
له الشرق وانقادت إليه جحافله
له لمعات المشرقي ازدهت به
…
على كل أبناء الغمود صياقله
لياليك أقمار الزمان وسعده
…
وأيامك البيض الحسان أصائله
قد اختارك الرحمن موضع فضله
…
إذا عز موصول فقد جل واصله
هنيئاً لك اليوم السعيد الذي زها
…
على الدهر لما لم يجد ما يشاكله
يذكرنا المأمون يوم زفافه
…
وقد مشت الدنيا إليه تجامله
وسال به سيل النضار كأنما
…
تفجر من بين السحائب وابله
وأين من المأمون أو من زفافه
…
جلالة ملك أعجزت من يطاوله؟
أبى الدهر أن يلقى ليومك ثانياً
…
يقاربه في نبله أو يعادله
تخيرت من وادري الكنانة زهرة
…
تتيه بها جناته وظلائله
فريدة مجد، يعرف المجد قدرها
…
وتزهى بها يوم الفخار عقائله
ودرة خدر أقسم الخدر أنه
…
على مثلها لم تُلق يوماً سدائله
يتيه بها ضافي الشباب ونضره
…
وتسمو حواليه بها، وعواطله
تخيرتها فوق السحاب مكانة
…
وأصفى من الماء الذي هو حامله
حباها إله العرش أكبر نعمة
…
فجلت أياديه، وعمت جلائله
فعش في رفاء بالبنين ممتعاً
…
يضيء بك الوادي، ويخضر ماحله
ودم لبني مصر أماناً ورحمة
…
فأنت حمى النيل الوفي، وعاهله
علي الجارم
القصص
أقصوصة سيكولوجية من كاي بوبل
كيف تنفس في قلبها الحب
للأستاذ دريني خشبة
كانت تجلس هي وجدَّتها العجوز الحَيْزَبون فوق حَيْد الجبل على مقعد خشبي صنع لهما خصيصاً في هذه الجهة لكثرة ما بَسَق فيها من الأيّك. . وكانت السماء ترسل عليها مدراراً من الغيث، وكان الهواء بالرغم من ذلك دافئاً جميلاً منعشاً
وكانت الفتاة تتلو في كتاب عن الأدب الإنجليزي، والجدة مُصغية ساكنة، فلما انهمرت شآبيب المطر أقفلت الفتاة كتابها، وراحت تصغي بدورها لهذه المحاضرة الطويلة الممتعة التي أنشأت جدتها تلقيها في حماسة عن اللغة والأدب، وعن دكنز وإليوت وثاكراي وغيرهم من فحول رجال الأدب في العصر الفكتوري وتنعى على الأدباء في هذا العصر هراءهم الذي يؤلفون فيه الكتب من غير أن تكون لهم مُثلٌ عليا يؤلفون من أجلها، ويبشرون بها بين الناس. . .
وكانت الجدة لا تبالي أن تضرب لحفيدتها الأمثال بما ورد في قصص أولئك الفحول عن الحياة والعمل والأخلاق. . . والحب. . .
فهذه بِكّي شارب بطلة قصة ثاكراي الخالدة لا ترى شيناً في أن تنفع زوجها بمجازفة غرامية يكون فيها حبيبها رجلاً شيخاً ضعيفاً. . . وهذا لورد لِستَر في قصة سكوت
لا يرى بأساً في أن تُقتل حبيبته إيمي حتى لا تقف عقبةً في سبيله إلى عرش إنجلترا. . . وهذا فلان، ثم ذاك فلان. . . أما في هذا العصر. . . فماذا يصنع الأدباء؟!
وكانت الأمثال التي تضربها الجدة المتحمسة تطن في أذن الفتاة الصغيرة كما يطن النحل في الخلية الفارغة. . . ذلك أن فؤادها كان خالياً من هذا الوحي الجديد الذي نبه فيه غرائز حواء، من غير أن تعرف الفتاة علة هذا القَبس المقدس الذي بدأ يذكو في أعماقها، والذي نعرف سلفاً أنه فجر الحب وخَيطه الأبيض الجميل
ثم حدث أن أقبل فتى وفتاة في هذه اللحظة، وطفقا يَتَوَقّلان في الجبل، فلما جاوزا، نظرت
الجدة إلى الشاب نظرة المشغوف الظميء. . . ثم رددت طرفها في الفتاة كأنما استيقظ في فؤادها العجوز ماضيه الجميل الوارف المنَدَّى. . . المفعم بالمغامرات!!
وصَعّد الفتى والفتاة. . وظلت العجوز تتبعهما بعينها المشوقتين. . . وكانت الفتاة قد حَسَرت عن ساقيها خشية أن يصيب الوحل حاشية ثوبها الوردي الهفهاف، فبدا جزء عظيم من الساقين الجميلتين. . . وكانت تدلف أمام الفتى، فحسبت العجوز وغالت في الحسبة؛ ثم التفتت إلى حفيدتها تقول:(عجيب جداً أمر هذا الفتى وهذه الفتاة! كل يوم في هذه الساعة يقبلان إلى الجبل ويصعدان فيه، ويغيبان في الدوح. . إن هذا أمر يثير الشك، ويبعث على الريب! تُرى ماذا يصنعان ثمت؟ شاب ريان يتدفق الدم حاراً في عروقه، وله قلب ينبض بموسيقى الحياة، وفم تخرج منه الكلمات عذبة سحرية، وعينان زرقاوان ترتسم فيهما صوَرُ هذه الدنيا لا كما ترتسم في عينين سواهما. . . ووجه مشرق وثغر باسم. . . يخلو بهذه الفتاة في تلك الغابة لغير ما سبب! ومع ذلك فالفتاة غضة يانعة. تتأرج كما تتأرج الزهرة إبان الربيع ويتورد خداها كما تتورد تيجانه. . . يا للساقين!! أبداً لا يخلب ألباب الشباب مثلهما أبداً!!. . .)
ثم أفاقت الجدة من سكرتها فوجدت حفيدتها ذاهلة عن نفسها وقد أخذت القناديل الرائعة التي تحترق في سُوَيدائها تشع السناء من عينيها، وأرهفت أذنيها تتلقفان الكلام العجيب الحلو الذي كان يخرج من فم الجدة، والذي لم تكن الفتاة تحسن أن تقول مثله
- (تُرى؟ فيم تساؤل جدتي عن الفتى والفتاة؟ وفيم خلوتهما بين الأيك في مثل هذا الوقت من كل يوم؟ وأي شك يثيره أمرهما ثمة؟ شاب ريان! إلا ما أجمل هذا الوصف البديع وأنا أفهم أن يكون الإنسان رياناً، ولكن ما هذه الدماء الحارة التي تتصبب في عروق هذا الشاب؟! ذاك شيء غريب لا أفهمه! وهذه الموسيقى التي ينبض بها قلبه ماذا تكون؟ ولماذا تكون في قلبه موسيقى؟ ولم لا تكون الموسيقى في أذنيه كما هي في آذان جميع الناس؟ أية موسيقى هذه التي تكون في القلب يا ترى. .؟ وكلماته العذبة السحرية ما هي؟ قد تكون من صنف هذه الكلمات التي تقولها جدتي. . . إنها تكون جميلة جداً إذا استطاع الشاب أن يقول مثلها؛ وأحسبه لا يستطيع، لأن جدتي كبيرة، وقد قرأت كثيراً في الأدب، ووعت كل ما جاء في القصص. . . وأنا نفسي لا أشعر بأية طلاوة فيما ترغمني على قراءته لها في
هذا الكتاب العتيق الجاف، مع أنها تكاد ترقص طرباً عند بعض فقراته؛ ولا أدري لماذا تفرح بهذا الهراء السخيف الذي لا أفهمه. لقد قصت عليّ من أمر بكا شارب والفتاة المسكينة إيمي، وان قصارى حكمي على شارب أنها سافلة قليلة الأدب لأنها لم تحب زوجها كما أحب أنا أمي. وبمثل ذلك حكمت على هذا اللورد التاعس ليستر الذي ضحى إيمي ليتزوج الملكة. . . ولكن. . . لماذا حزنت إيمي؟ ولماذا أحَبَّته؟ هل كانت يتيمة ليس لها أم تحبها ولا أب تحبه؟ ولكن هذا كله ما قيمته إذا قيس بالموسيقى التي ينبض بها قلب الشاب. . .)
ومرت هذه الخواطر كلها في قلب الفتاة في اللحظة القصيرة التي تلت صمت الجدة، ثم سألتها حفيدة في سذاجة الصبي وطهارته
- (بالله يا جدة! ما هذه الموسيقى التي ينبض بها قلب أحد من الناس؟)
وانفرج فم العجوز عن ابتسامة كبيرة، ثم ربتت بأناملها المرتجفة على خد الصغيرة، وقالت لها:(أقرئي)، وأطاعت الفتاة، وراحت تقرأ الببغاء، ولا تكاد تفقه شيئاً مما تقرأ
واعتدل الجو، وسكنت الريح، واعتز النبات ينفض قطرات المطر كالطيور الصغيرة. . . وانتشرت عصافير السنونو في السهل الفياح توقع على شجيراته ألحانها، وأشرقت الشمس لتشترك في مهرجان الطبيعة بآرادها الذهبية الناصعة. . . ولبثت العجوز تنتظر عودة الفتى والفتاة بنفس مشوقة وقلب خفِق، حتى أقبلا آخر الأمر، وفي وجه الفتى صُفرة وفي ساقيه رجفة، وقد مشت الفتاة هذه المرة في إثره، لا تعرف العجوز لماذا. . .
ولا جاوزا أرسل الفتى نظرة وسنانة من عينيه النافذتين ناحية فتاتنا حفيدة العجوز. . . ثم مضى في سبيله حتى كان في سفح الجبل. . وهنا نهضت عجوزنا مهرولة إلى السفح كذلك، وحفيدتها تتعثر في خطاها خلفها، وفي قلبها سرب من الهواجس عن هذه الموسيقى التي تستطيع القلوب أن تنبض بها. . . ثم عن هذه النظرة التي رمقها بها الشاب العابر، والتي لم تعرف بم تفسرها. .
(إنه شاب ريان كما ذكرت جدتي، وإن له لعينين نفاذتين كما قالت. . . ولكن لم ألمسه حتى أحس دمه الذي يتدفق في عروقه فأعرف إذا كان حاراُ حقاً. . . وكذلك قلبه الذي ينبض بالموسيقى. . . لابد لكي يسمعها الإنسان من أن تكون له (سماعة) طبيب أو على
الأقل، لابد من أن يضع الإنسان أذنه فوق صدره، ليعرف ما هنالك. . على أن وجهه أصفر كاللوتس. . فما السبب يا ترى؟ هل هو مريض. . .؟)
وظلت هذه الهواجس تضطرب في صدرها، وجدتها تنهب الطريق في إثر الفتى والفتاة، حتى إذا كانت حذائهما، أقرأتهما سلاماً جميلاً، فرداه احسن رد وأطيبه، وافتر فم الشاب عن ابتسامة حلوة حيا بها الفتاة. . . فلم تدر كيف ترد عليه ابتسامته. . .
وجلست الفتاة تقرأ لجدتها في ضوء مصباح عليل. وجدتها ما تلبث أن تتثاءب وتتثاءب. . . وحتى تضايقت حفيدتها من ذلك ولم تبال أن تقول:
- إذن نبقي القراءة إلى الصباح يا جدة، ولابد أن تذكري لي شيئاً عن هذه الموسيقى العجيبة التي تنبض بها القلوب
فقهقهت الجدة حتى بدت نواجذها وقالت: هل تذكرين حينما كنت أزوركم وذهبنا في المساء إلى (السرك)؟ فلما انتهت الموسيقى قلت لكم إنها لِبَاخ؟) فعبست الفتاة، وقالت:(ومن باخ يا جدة؟) فأجابتها: (موسيقي عظيم يا تلدا) فقالت تلدا: (وما شأنه فيما سألتك عنه؟) فقالت الجدة: لقد كان باخ يوقع على بيانه بأنامله، وفي الحقيقة لقد كان يوقع عليه بقلبه؟) فتجهمت تلدا وقالت:(تعنين أنه كان يتكئ على البيان بصدره؟ فتضاحكت العجوز وزجرت تلدا، ثم قالت لها: (هذه يا تلدا أشياء كالعلوم التي تتلقنينها في المدرسة، هل تستطيع فتاة في السنة الأولى أن تفهم درساً من دروس السنة الخامسة؟) فهزت الفتاة رأسها الجميل وقالت: (طبعاً هذا غير ممكن!) فقالت الجدة: (فهذا مثل ذاك يا بنية!) ثم أمرتها أن تقرأ، ففتحت الكتاب وما كادت تقلب صفحاته باحثة عن الباب الذي كانت تتلوه، حتى تثاءبت جدتها بشدة، فجعلت تلدا تقلب وتقلب إلى أن أغمضت العجوز عينيها، وألقت على سنادة الكرسي رأسها، وغطت في سبات عميق
وقذفت تلدا الكتاب على سريرها، ثم انطلقت إلى مكتبة جدتها فجعلت تقلب في الكتب، وتنظر إلى الرسوم والصور، حتى عثرت آخر الأمر على قصة دانتي الرائعة المسماة (الكوميديا الإلهية)، وكانت نسخة هذه القصة مصورة حافلة بالرسوم الزاهية بالألوان الطبيعية. . . فجلست تتفرج بها، وتنعم النظر فيها، حتى اهتدت إلى الصورة الخالدة الباهرة، صورة بوْلو وفرنشسكا، وهما متعانقان في الجحيم، وقد انطبق فم بولو على ثغر
حبيبته، وراح يقبلها تقبيلاً حاراً، يخفف عنهما ما هما فيه من عذاب السعير
ولبثت تلدا تنظر في الصورة وتتعجب. . . (ترى ماذا يصنع هذا الساب الريان في هذه النار المتقدة؟ إنه يضع وجهه في وجه امرأة ويقبلها كما تقبلني أمي حينما أكون مغضبة! ألا يحس هذه النار المتأججة حوله؟ هل هذه المرأة ابنته؟ لا شك أنها ابنته، وإلا فلماذا يقبلها!)
ثم قرأت في أسفل الصورة هذه السطور:
(بَولوّ يقبّل حبيبته فرنشسكا في سواء الجحيم، غير عابئ بالنيران التي تشتعل في ساقيه وتلتهب من حوله. . . وهكذا قضى الله أن يكون الحب عزاء للمحبين حتى في وهادِ سقر. . . فهو الماء العلوي الذي يطفئ النار المندلعة بين جوانحهم والقبلة ثمرته المشتهاة، وحَمْرُه وجناه!)
وبرقت عينا تلدا، وحملت الكتاب ذا الصور إلى حيث راحت جدتها تغط وتزعج البوم بشخيرها:
- جدة، جدة، استيقظي!
- ماذا. . . ما. . . ذا. . .
- استيقظي وحياةِ أبيك!
- ماذا يا تلدا؟ لماذا لا تقرئين؟
- هاأنا ذي أقرأ والله! واسمعي:
ثم شرعت الفتاة تقرأ السطور التي تحت صورة بولو وفرنشسكا!
- ما هذا يا تلدا؟! الكتاب تأريخ للأدب الإنجليزي، وبولو وفرنشسكا شخصان خرافيان اخترعهما دانتي الإيطالي! هاتي الكتاب!
وتناولت العجوز الكتاب، ونظرت في الصورة، ثم عبست وبسرت وأقفلته لترى ما هو. . .
- هذه كوميدية دانتي من أين جئت بها؟
- من المكتبة. .
- آه يا خبيثة. . . كان يجب أن أبقي المفتاح معي. . . الصور التي من صنف هذه
الصورة، والموسيقى التي تنبض بها القلوب، من دروس السنة الخامسة، ولا تستطيع تلميذة السنة الأولى أن تفهم دروس السنة الخامسة!
وفي صبيحة اليوم التالي قرع الباب قادم فهرعت تلدا لتلقاه
- أهو أنت؟
- أجل، هو أنا!
- وأين الفتاة التي كانت معك أمس فوق الجبل؟
- في المنزل
- وما هذا الورد الجميل! أَتُعْطيني وردة؟!
- إنه كله لك!
- كله؟!
- أجل. .
- والفتاة التي كانت معك، ألا تأخذ منه شيئاً؟
- إنها أختي!
- أختك؟ وهل أختك لا تحب الورد؟
- ومن ذا الذي لا يحب الورد؟ إنها تحبه جداً
- إذن لا آخذه كله يجب أن تبقي بعضه لأختك ثم صاحت جدتها تسألها مع من تتكلم، فقالت للشاب:
- ما أسمك أيها الشاب. . . الر. . . يان؟
- فكتور!
فصاحت تجيب جدتها:
إنه فكتور يا جدة!
- فتكور؟! ومن فكتور؟
- أجل فكتور. . . الشاب الذي رأيناه على الجبل أمس وأقبلت العجوز الحيزبون مُهرْولة فسلمت على الشاب ودعته إلى حجرة الجلوس، فدخل ومعه باقة الأزهار الكبيرة
- مرحباً بك يا فتكور، كم أنا سعيدة بك
وكانت تتكلم وذكرياتها القديمة ثائرة كلها في صدرها العجوز والدم العجوز يتدفق في عروقها الضعيفة. . . والمفاجأة الحلوة تعقد لسانها فتأخذها ربكة مضحكة
- هذا الورد جميل. . . أوه. . . ذاك سَوْسَن ما أبهاه! وبنفسج، لمن حملت هذا يا مسيو فكتور؟
- لـ. . . لهذه الأخت الصغيرة. . . و. . . لك يا أماه
وبلعت العجوز ريقها، ونظرت إلى حفيدتها في حنق، وقالت للشاب:
- والفتاة الجميلة التي كانت معك أمس؟
فقالت تلدا:
- إنها أخته يا جَدّة
- أخته؟ حقاُ هي أختك؟
فقال الفتى (إي وربي، إنها أختي)
فقالت العجوز: (إذن. . . احمل هذه الباقة إليها. . . فهي بها أحق. .)
فقال الشاب: (ولكني قطفتها بِيدَيَّ من حديقتي هدية لحفيدتك!)
وتدخلت تلدا فقالت له: (من حديقتك؟ إذن أنت تملك حديقة؟)
فقال لها: (أجل، وهي حديقة غناء، تليق بك)
فقالت له: (وهل تأذن لي في زيارتها؟)
فقال: (ولم لا. . . إنك تكونين أبهى زهرة فيها. . .)
ولم تطق العجوز أن تسمع إلى كل ذلك، فصرخت صائحة (كفى! حَسْبُك، أرجوك)
بيد أن الفتى ما زال بها حتى وعدت أن تزوره في صحبة حفيدتها بعد يوم أو يومين
وكثرت زيارات العائلة المقدسة لحديقة الفتى، وتوثقت بينهما عرى الصداقة والتحاب، وكانت أخته الجميلة التي حسبتها العجوز حبيبته من قبل تلقاهما فيأنسان إليها
وذهبت تلدا مرة وحدها تزور حديقة فكتور ففرح بها أيما فرح، وقطف لها أحسن وردة وأبهاها، وجاءها بتفاحة كبيرة حمراء؛ ثم جلس بجانبها برهة، وجعل يحدق فيها بصره
ثم اقترب منها فلم تبتعد. . .
ولمس جسمه جسمها فأحست بدفء ولكن ليس كالدفء الذي ينبعث من النار. . . ثم
لمحت في عينيه شيئاً غريباً فلم تجسر أن تسأله عنه. . . ثم مد إليها يده فمدت إليه يدها. . . فأخذها في كلتا راحتيه
وتركت الأزهار تسقط على العشب أمامها
وأبصرت عبرة تترقرق في عينيه فسألته لماذا يبكي؟ فلم يجب
ثم ارتبك قليلاً وقال لها بلسان متلعثم: (تلدا!) فقالت له: (نعم يا فكتور؟) فقال لها والخجل يبعثر الحروف من شفتيه: (أتأذنين لي في. . . قُبلة. . .؟)
وسمعا وراءهما هاتفاً يقول:
(فرنشسكا. . . بَوْلو. . .)
فنظرا. . . فإذا هي الجدة العجوز الحيزبون
وكان هذا في سن تلدا التي لم تبلغ الثالثة عشرة. . . وبعد ثلاث سنين أُخر. . . كانت موسيقى جميلة تصدح في حديقة فكتور، انتظاراً لقدوم عروسه تلدا
دريني خشبة
البريد الأدبي
المهرجانات الأدبية في موكب الزفاف الملكي
كان زفاف الفاروق الميمون موسماً من مواسم الأدب والشعر، اهتمت له جميع الهيئات الرسمية وغير الرسمية، فأعدت الحفلات الحافلة، وأقامت المهرجانات الفخمة، وتبارى الشعراء والخطباء في وصف اليوم الرائع وكلهم مجيد محسن. فأقامت جمعية الشبان المسلمين حفلة شائقة افتتحها الأمير عمر طوسون بكلمة طيبة، وأقامت اللجنة الأهلية مهرجاناً رائعاً في دار الأوبرا تكلم فيه نخبة طيبة من رجال المواهب في الشعر والخطابة، وأقامت الجامعة الأزهرية حفلاً مهيباً حضره رئيس الوزراء وخطب فيه شيخ الأزهر وكثير من الأعلام، وإنما كان أروع وأفخم جميع الحفلات والمهرجانات ذلك المهرجان الكبير الذي أقامته وزارة المعارف في دار الأوبرا الملكية في الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الاثنين الموافق 24 يناير سنة 1938م، فقد حضره مندوب جلالة الملك، وألقى وزير المعارف كلمة الافتتاح، ثم تعاقب على منصة القول حضرات الأساتذة الشعراء علي الجارم وخليل مطران ومحمد الهراوي وعلي محمود طه، والأساتذة الخطباء عباس محمود العقاد وأحمد أمين وإبراهيم المازني وعبد العزيز البشري. وقد زاد في روعة المهرجان وأفاض عليه روح الفكاهة والبهجة أن الخطباء والشعراء عُرضوا على الجمهور عرضاً مسرحياً فكاهياً ضمن صورة تاريخية مسرحية لمجالي الشعر والأدب في عصر الرشيد وضعها الأستاذ توفيق الحكيم وهي فكرة طريفة لم يسبق إبداعها في مثل هذه المناسبات، وقد صدحت فرقة الهواة الموسيقية تحت رياسة الدكتور الحفني بالأنغام العذبة الشجية في البدء والختام
متحف فلسطين
أفتتح أخيراً في بيت المقدس متحف عظيم، قد يغدو في المستقبل القريب المتحف الثاني في الشرق الأدنى من حيث أهميته الأثرية بعد متحف القاهرة، ولهذا المتحف قصة ترتبط أيضاً بذكر متحف القاهرة؛ ففي سنة 1923 عرض المثري الأمريكي الشهير روكفلر كما نذكر، على الحكومة المصرية هبة مالية عظيمة لبناء متحف مصري عظيم، ولكن الحكومة المصرية اعتذرت من قبول هذه الهبة نظراً لما اقترن بها من شروط غير مقبولة؛ فعندئذ
تدخل بعض علماء الآثار في الأمر وفي مقدمتهم العلامة الأستاذ برستيد، وتوسطوا لدى المثري روكفلر في أن يحول مشروع الهبة إلى حكومة فلسطين، فنزل عند هذه الرغبة وقدم إلى الحكومة الفلسطينية هبة قدرها مليونان من الدولارات (أربعمائة ألف جنيه) لبناء متحف عظيم في فلسطين يضم آثار الأرض المقدسة؛ وتبرعت الحكومة بالأرض التي يقام عليها المتحف وهي تبلغ نحو عشرة فدادين تقع في الجانب الشمالي الشرقي من المدينة وتشرف على جبل الزيتون، وقبة الصخرة، وربى شرق الأردن
وأقيم المتحف في هذا الموقع التاريخي على أحدث الأصول الفنية، وقسم إلى أروقة تظللها حنيات معقودة، وأقيمت في شماله حظيرة بها فسقية عربية جميلة؛ ونظمت أروقته تنظيماً تاريخياً لتكون معرضاً لتاريخ فلسطين في جميع أطواره، وجمعت فيه كل الآثار التي وجدت في فلسطين حتى اليوم، ومنها آثار العصر البرنزي حتى عصر الكنعانيين. وسيخصص فيه قسم لعرض الزخارف العربية التي استخرج معظمها من أطلال قصر هشام ابن عبد الملك التي اكتشفت أخيراً بالقرب من أريحا، وقسم آخر للتحف المصرية الآشورية، وهكذا. وقد فتح للجمهور رواق واحد هو الذي يضم آثار العصر البرنزي، وذلك حتى يتم تنظيم الأقسام الأخرى
وقد أثار افتتاح هذا المتحف الجديد اهتماماً في الدوائر الأثرية والمعتقد أنه سيكون إلى جانب آثار بيت المقدس التاريخية عاملاُ جديداً في إغراء السياح من أنحاء العالم على زيارة الأراضي المقدسة
حرب الأثير
يشهد العالم اليوم أغرب حرب عرفت في التاريخ فهي ليست صراعاً بين الجيوش والقوى المادية، بل هي صراع بين وسائل الدعاية لغزو أعظم حشد ممكن من العقول والقلوب. ولم يبق الراديو أداة للدعاية القومية أو المحلية فقط بل غدا أداة للدعاية العالمية يرسل أمواجه فيما وراء البحار إلى مختلف الأمم؛ فمن محطة باري الإيطالية تسمع الأمم العربية منذ أعوام خطباً عربية في مختلف الشئون وتسمع أنباء العالم بالعربية وتسمع الموسيقى العربية؛ ولم يكن القصد من ترتيب هذه البرامج العربية في محطة إذاعة أوربية إمتاع الأمم العربية فقط أو تحري غايات ثقافية، بل رتبت بقصد التأثير في عقول السامعين
وتوجيههم إلى ناحية معينة من التفكير السياسي. ومنذ أسابيع قلائل أنشئت في لندن محطة للإذاعة العربية تنحو نحو المحطة الإيطالية في إذاعة الخطب والمحاضرات والموسيقى العربية من العاصمة الإنكليزية؛ ومن أنها أنشئت في الحقيقة لمقاومة الأثر الذي تحدثه محطة باري في نفوس الأمم العربية، فإنها لم تسلك سبيل الدعاية المفرقة، على أنها تؤمل على أي حال أن تلطف من هذا الأثر الذي اعتبر في لندن ضاراً بهيئة إنكلترا وسمعتها في الأمم العربية. والذي يلفت النظر في أمر هذه الحرب الأثيرية الغريبة هو العبرة التي يمكن للأمم العربية أن تستخلصها منها؛ فهي في كلتا الحالتين الميدان المختار لأحداث الأثر والآثار المنشودة، وهي المقصودة بالتوجيه والتحريك، ولا ريب أن الأمم العربية ليست من الغفلة بحيث يفوتها هذا الاعتبار
في مجاهل التركستان
عاد أخيراً إلى ألمانيا العلامة الرحالة الألماني الدكتور فلشر بعد رحلة خطرة في مجاهل التركستان دامت أربعة أعوام، واستقبل في برلين بحفاوة عظيمة؛ وكان قد بدأ رحلته في سنة 1934، وذلك بقصد استكشاف الخواص المغنطيسية والمعدنية للمنطقة الشاسعة التي تقع بين الصين والهند، فقصد إلى نانكين ومنها إلى التركستان في قافلة مؤلفة من زميل له وستة من الصينيين وأربعين جملاً، ولقي من الصعاب والمتاعب ما لا يوصف من اعتداء قطاع الطريق وتمرض رفاقه، والمرض المتكرر والحر المرهق. ولما وصل إلى خوتان قبض عليه الحاكم وألقاه مع رفيقه في السجن وصادر ما يحملانه من الآلات الفلكية والعلمية؛ ولبثا في السجن ستة أشهر، ثم أفرج عنهما أخيراً بتدخل ممثل إنكلترا؛ فاستأنفا رحلتهما إلى (لي) بعد أن عبرا جبال الهمالايا الشامخة
وأنفق الدكتور فلشر أربعة أعوام في الدرس والاستكشاف وفي رأيه أن هذه المناطق غنية بالبترول ولا سيما في شرق التركستان حيث تبدو آثار الزيت ماثلة في مياه الأنهر، كذلك هناك ما يحمل على الاعتقاد بوجود الذهب في سهل كشغر نظراً لأن الأهالي يحرزون كثيراً من تراب هذا المعدن النفيس
وقد زار الدكتور فلشر هذه المناطق من قبل في سنة 1903 حيث سافر من طشقند في التركستان الروسية إلى منغوليا وكنسو، وفي سنة 1926 عاد إلى طشقند وسار منها إلى
تنجاز، ثم عاد إلى الهند بطريق كشمير، فهو بذلك من العلماء الخبيرين بهذه المنطقة وخواصها
نسائم الأستاذ الجارم
الأستاذ علي الجارم الأديب الكبير وخليفة (شوقي) في مصر عند طائفة يقول في لاميته في المهرجان الملكي:
يفديه غصن الدوح ريان ناضراً
…
إذا اهتز في كف النسائم مائله
فجاء بالنسائم جمعاً للنسيم أو للنسمة، والمعروف أن جمع نسيم أنسام وجمع نسمة نَسم وسالمها نسمات، ولم ترد هذه (النسائم) في كلام إسلامي أو مولد. دع عنك المخضرم والجاهلي، والمتأخر والعصري ما هما حجة
(الإسكندرية)
(* * *)
مخطوط للموسيقي موتسارت
ظهرت أخيراً تحفة أثرية جديدة للموسيقى الأشهر موتسارت هي عبارة عن مذكراته التي كانت يكتبها (بالألمانية) عن حياته وتآليفه الموسيقية في مذكرة جيب صغيرة، وقد كانت هذه التحفة في حوزة أحد الهواة الإنكليز، فعمل أخيراً على تصويرها، وطبعها أحد الناشرين الإنكليز، ولم يغير شيئاً فيها بل نقلها كما هي في لوحات (أكليشيهات) مصورة، وبذلك يستطيع القارئ أن يقرأ فيها محتويات بخط الموسيقي نفسه
وفاة مستر كيلوج
ليس في الدنيا رجل محب لسلام العالم لا يعرف مستر كليوج صاحب الميثاق المعروف باسمه لعدم اتخاذ الحرب وسيلة لحسم المنازعات التي تحدث بين الدول. . . هذا الميثاق الذي حمل غصن الزيتون طويلاً والذي أقرته الدول قاطبة، وكانت اليابان ثم إيطاليا أول من جعله قصاصة ورق لا قيمة لها من حيث القيمة الفعلية. . .
مات مستر كليوج في 22 ديسمبر الماضي في سن الحادية والثمانين بعد حياة موفورة مليئة بجلائل الأعمال. . . حياة غالية غزيرة الحب للإنسانية، هي المثل الأعلى لما يجب أن
تكون عليه حياة العظماء العصاميين في كل زمن ومكان
ولد كيلوج في ديسمبر سنة 1856 من أبوين فلاحين وعمل في المزرعة مع أبيه ثم تردد على مدرسة أولية تعلم فيها القراءة والكتابة ورشف قدراً تافهاً من المعلومات البسيطة أغراه بالدراسة العالية بطريق المراسلة والانتساب من الخارج حتى نال إجازته التي فتحت له باب المجد على مصراعيه فما زال يرقى من منصب إلى منصب حتى عين سنة 1924 سفيراً لبلاده (والولايات المتحدة) في لندن وفيها سعى حتى عقد ميثاقه ضد الحرب بين الدول ثم نقل إلى واشنطون ليظل سكرتيراً للجمهورية طوال رئاسة مستر كوليدج (1925 - 1929) ثم عين قاضياً لمحكمة (إلهاج كورت). . . . . . وهكذا كانت حياته سلسلة من المفاخر سيزهى بها أسمه على اسكندر قيصر روسيا وولسن رئيس أمريكا وغيرهما من خدام السلام
صومبارت والوطنية الاشتراكية
أفلحت النازية - أو أفلحت الاشتراكية الوطنية الألمانية - في خلق فلسفة جديدة ثابتة الدعائم هي الآن ألد أعداء الماركسية أو بالأخرى الشيوعية، وقد كتب العلامة فرنر صومبارت كتابه العظيم (فلسفة جديدة اشتراكية فلفت إليه الأنظار بما تناول به كتاب كارل ماركس (الرأسمالية الحديثة) من النقد المر والتجريح البارع، وقد ارتفع العلامة صومبارت بكتابه هذا إلى مرتبة هِيِجل في الوطنية الألمانية، والألمانيون يتخذون من كتابه إنجيلاً جديداً يذكي فيهم روح المطامع العالية التي نفختها فيهم النازية والتي نفخها في أسلافهم هجل من قبل. وصومبارت يدعو إلى فلسفة إيجابية تأتي من الله مباشرة، فلا تعرف هذه الطريق الملتوية المكتظة بالوسطاء من قسس وأحبار ودهاقين؛ وهذا هو الذي أثار عليه الكنيسة وخلق منها عدواً داخليّاً لألمانيا النازية، بل هو أيضاً ما ألب الألمان على اليهود وحفزهم إلى طردهم خارج الوطن الألماني المقدس لأن النازية لا تعنى بشيء أكثر مما تعنى بالوحدة في كل شيء
تاريخ أبن حيان
صدر أخيراً القسم الثالث من الجزء الذي انتهى إلينا من تاريخ ابن حيان مؤرخ الأندلس
مطبوعاً بعناية بعض المستشرقين وقد نشر هذا الجزء بأقسامه الثلاثة عن مخطوط وحيد تحتفظ به مكتبة (بودليان) الإنكليزية؛ وتبدو نفاسته وأهميته متى علمنا أن مؤلفه أبو مروان ابن حيان هو أعظم مؤرخي الأندلس المسلمة؛ وهو جزء من تاريخه الشهير المسمى (المقتبس في تاريخ الأندلس) وفيه يستعرض تاريخ الأندلس منذ الفتح إلى أوائل الطوائف، ويعنى عناية خاصة بترجمة العلماء، ويتعلق الجزء المنشور بعهد الأمير عبد الله الأموي (275 - 300هـ) وهو عصر من اخطر عصور الدولة الأموية، وفيه كانت ثورات الأندلس الشهيرة ومنها ثورة ابن حفصون أعظم ثوار الأندلس؛ هذا ويظن بعض العلماء المطلعين أن كتاب (المقتبس) بأكمله لم يفقد نهائياً، وأنه ربما وجدت منه نسخة في بعض مجموعات المغرب؛ خصوصاً وأنه كان حتى القرن الحادي عشر الهجري مرجعاً للكتاب المتأخرين ومنهم المقري
مقدمة ابن خلدون بالفرنسية
منذ نحو قرن وضع المستشرق الفرنسي البارون دي سلان ترجمة فرنسية لمقدمة ابن خلدون، صدرها بترجمة لحياته مشتقة مما كتبه ابن خلدون نفسه عن حياته في (التعريف) وقد لبثت هذه الترجمة عمدة المستشرقين حتى يومنا؛ وقد فكر لفيفهم في إعادة طبع هذه الترجمة وتنقيحها وإخراجها في ثوب جديد؛ وبالفعل صدرت أخيراً طبعة جديدة لترجمة دي سلان تفضل الترجمة القديمة بكثير، وهي كالقديمة في ثلاث مجلدات كبيرة، منقحة مهمشة ذات فهارس جديدة
الكتب
في منزل الوحي
بقلم الدكتور محمد حسين هيكل بك
للأديب محمد فهمي عبد اللطيف
لعل فريضة من فرائض الإسلام وشعائره لم تخدم الثقافة الإسلامية، وتنفع الأدب العربي كما خدمت في ذلك فريضة الحج وأفادت، فإن جل الذين كتبوا الرحلات، وألفوا في التاريخ الإسلامي خصوصاً تاريخ بلاد العرب، ووصف طبيعتها وجغرافيتها وتقويمها، هم من الذين كانوا يقصدون إلى أداء الفريضة المقدسة، وزيارة الروضة المطهرة. وكتاب (في منزل الوحي) إنما هو أثر من تلك الآثار التي فاض بها الشعور الإسلامي، والاتجاه الوحي نحو تلك البلاد الطيبة التي تنزع إليها النفوس، وتهفو نحوها الأرواح، وتطمئن بذكرها القلوب. وقد وصف المؤلف الفاضل كتابه وتحدث عن القصد الذي قصده من تأليفه فقال:(وليس هذا الكتاب مرجعاً من مراجع التاريخ الإسلامي، ولا شيء فيه من تقويم بلاد العرب، إنما هي وقفات وقفتها في بلاد الوحي ومنزله، أستوحي فيها مواقف محمد عبد الله ونبيه ورسوله، وهناك في هذه المواقف تجردت نفسي وسمت روحي وكررت بالعصور والقرون أطويها، ورحت أتمثل هذا الهادي الكريم، وأتمثل المسلمين من حوله، ألتمس في ذلك الأسوة والعبرة، آملاً أن أشرك فيهما إخواني المؤمنين بالله، وبما جاء من عند الله. لم أتقيد في هذه المواقف بما جاء في كتاب غير كتاب الله الكريم، ولم أخضع تفكيري لحكم غيري، وما كان لي أن أخضعه، فقد كنت أحس في كثير من هذه المواقف أنني بين القوم أسمع وأرى، وأتمنى لو كنت أجاهد معهم، فأفوز فوزاً عظيماً، وما كان لي أن أفعل ثم أخدع نفسي فأزعم أنني إذ أحدث الناس إنما أقص عليهم ما رأيته وما أحسست به في حين لا أقص إلا ما رآه غيري، وما سبقني إلى تسطيره. لقد تركت نفسي على سجيتها تتوجه بوحي روحي، وتستلهم الحق مما حولي، وتستعرض ما تستلهمه على حكم عقلي وتقدير ضميري، ثم سطرت ما اجتمع من ذلك لا أبغي به إلا رضا الله)
هذا كلام المؤلف الفاضل في وصف كتابه، وهو كلام، على ما أرى، فيه شيء من
التواضع يغطي جانباً من الحق؛ وقد تكون هذه نية الدكتور هيكل في تأليف كتابه، أراده على أنه (ليس مرجعاً من مراجع التاريخ الإسلامي ولا شيء فيه من تقويم بلاد العرب وإنما هي وقفات في بلاد الوحي ومنزله) ولكنه على ما يظهر غلب على أمره فجاء كتابه مرجعاً من مراجع التاريخ الإسلامي، وجاء خير دليل يجب أن يصحبه كل راحل إلى تلك البلاد، وجاء أيضاً من أهم التقاويم لكثير من الأماكن في بلاد العرب، ثم جاء مشروع إصلاح قويم يهم من يهمهم (العناية بهذه البلاد المقدسة ودراسة حاضرها وماضيها دراسة علمية دقيقة، وما يدعو المفكرين والساسة أولي العزم ليعملوا على إصلاح هذه البلاد)، ثم هو نفحة روحية من أثر الرسول الكريم فاض بها قلب خافق وشعور دافق. فإذا كانت نية الدكتور هيكل على ما ذكرنا من قبل، فلا شك أنه قد غلب على أمره، وتجاوز رغبته في إخراج كتابه، وتحديد الموضوع الذي أراد أن يجري في حلبته؛ وهو تجاوز قد اقتضته طبيعته، ودفعته إليه صناعته، فكان ذلك في حظ العربية وحظ قرائها وحظ رواد تلك البلاد المقدسة
نعم! هو تجاوز اقتضته طبيعة هيكل، لأن هيكلاً كما نعرف صحافي، والصحافي من طبيعته لا يقف عند شيء ولكنه يحب أن يقف على كل شيء؛ ثم هو أديب دقيق الشعور وافر الإحساس يتأثر ويهتاج لكل ما يراه ويقع عليه حسه، فإذا وصف أضفى على وصفه الإحساس والشعور وخلقه خلقاً حياً كله الروعة والجلال؛ ثم هو عالم ناقد ينظر إلى كل شيء بعين فاحصة، وفكر صائب وتقدير سديد، وهذه الغريزة في نفسه هي التي جعلته يقول ما يقول عن حق (إن لحكمي المكان الأول من الاحترام عندي، وإذا لم يكن من حسن القصد أن نعجل بالحكم قبل لأن نطمئن إليه وقبل أن تتم بين أيدينا أسبابه، وكانت العجلة طيشاً غير جدير بمفكر يحترم عقله فليس من حسن القصد ولا من احترام المفكر عقله أن ينحل نفسه حكم غيره قبل أن يمحصه حتى يطمئن ضميره إليه، ومن الجمود الذي لا يقاس إليه طيش أن نأبى تقليب الأمور على وجوهها جميعاً حتى نطمئن إلى بلوغ غاية ما نستطيع من الحق فيها)
وأحب لك أن تتأمل الكتاب بنفسك، وأن تصحب مؤلفه الفاضل من (عزم السفر) حتى (أوبة الرضا) فستقضي في ذلك سفرة سعيدة، ورحلة طيبة، يسعد فيها عقلك بكثير من العلم
والمعرفة، ويفوز منها قلبك بكثير من البهجة والانشراح، وتطيب بها روحك على خير ما تطيب به الأرواح من ذكر الماضي وأثر الدين؛ غير أني أحب لك أيضاً أن تكون صبوراً مع هيكل ما وسعك الصبر، إذ تراه يسير سيراً بطيئاً فيقف بك عند كل أثر من آثار الرسول، ينبش الماضي، ويسأل التاريخ، ويفحص المعالم، ويستوحي الروح، ويحكم العقل، ويقارن بين ما يرى وما يسمع، فإذا طفت معه مثلاً في أنحاء مكة الحديثة، فكن شديد الاحتمال إذ تراه يدخل بك في كل زاوية، وينعطف بك على كل ثنية، وينحدر بك إلى كل مغار، ويرتفع بك إلى كل نجد، ويدفعك دفعاً حتى بين النؤى والأثافي، والأحجار والصخور، ويقف بك عند كل أثر ظاهر، وكل مظهر قائم. وإذا ما صحبت هيكلاً مثلاً إلى أسواق العرب فاصبر إذ تجده يطيل عليك فيحدثك عن الأسواق الثلاث في العهود القديمة، ويتلمس لك موقع المجنة وموقع ذي المجاز، ويكشف لم عن أسباب الخصومة في الأسواق العامة؛ ثم يحدثك عما كان يجري في عكاظ وعن موقف النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السوق، ثم يسرد الأقوال التي قيلت في ذلك من قبل محاولاً أن يطبقها على ما يرى وأن يقيسها بمقياس العقل. نعم أحب لك أن تكون صبوراُ مع هيكل إذا رأيته في جميع المواقف يبحث ويتقصى ويطيل النظر والتأمل فإنه إنما يقف بك على آثار ومعالم لحياة قوم ملئوا الدنيا بمجدهم، وأسعدوا العالم بهديهم، وأفعموا التاريخ بذكرهم. أما نفس هيكل في هذه المواقف فهي نفس مطمئنة يقول هو عنها بأنها (قد سمت إلى حيث لم تسم من قبل قط) وهو يحدثك عن شعوره في ذلك فيقول:(رأيت نور الله ماثلاً في كل دقيق وجليل من خلقه، ورأيت آية الهدى متجلية يشهدها كل من أراد أن يفتح لها قلبه وبصيرته، ورأيت سنته في الكون تبتدى لكل من أخلص إلى الحق وجهة ثابتة لا تبديل لها، رأيت هذا كله رأى العين، وآمنت به إيماني بما يقع عليه حسي، وما تلمسه يدي، وأيقنت أن العلم بهذا كله هو الحياة الراضية المرضية)
وما نفس هيكل في ذلك وشعوره إلا طراز من النفس السامية على حقيقتها، وتمط من الروح الشرقية التي تمجد الدين أبداً، وتقدس المعنويات أبداً، إذ ترى سعادتها في الروحيات أكثر منها في الماديات
والظاهر أن هيكلاً في حياته الروحية الجديدة قد اتصل بالقرآن اتصالاً وثيقاً، وتغذى
بألفاظه وأسلوبه كما تغذى بمعناه وروحه، وإنك لتلمح أثر ذلك واضحاً جلياً في تعابيره خصوصاً إذا ما تحدث عن معاني الإسلام تعمر القلوب، وسمو الإيمان يغمر الأرواح والنفوس. أنظر إليه وهو يصف الحجاج محرمين في طريقهم إلى مكة فيقول: طبع هذا المنظر أعمق الأثر في نفسي فهذه القوافل من المشاة والركبان تقصد إلى غاية واحدة وترجو في ربها الرجاء الأسمى. . . ليس يذكر أحدهم ما له من ثروة أو جاه أو ولد، وإنما يذكر أنه هو وهؤلاء المسافرين معه أخوة في الله وأنهم جميعاً قد أتوا قاصدين بيته، ملبين داعيه، ليشهدوه على أنفسهم وليطهروا بين يديه مما قدمت أيديهم، وليبدؤوا بذلك حياة جديدة يبتغون فيما أتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا ويحسنون كما أحسن الله إليهم، ولا يبغون الفساد في الأرض. لهذا جاءوا من كل فج عميق، ولهذا ركبوا البر والبحر واستهانوا بالمشقة ونسو كل شيء إلا الله، ولهذا أحرموا آية إخائهم ومساواتهم إيذاناً بأن أقربهم إلى الله أتقاهم، ومظهراً لميلادهم الروحي الجديد، ليتخذوا من هذا الميلاد عدتهم لحياة جديدة، ولهذا تتصل قلوبهم وإن اختلفت أجناسهم وألوانهم ولهجاتهم، وهم يعبرون عن هذا الشعور بالتلبية تنفرج عنها شفاههم في حبور وغبطة مطمئنين إلى رحمة الله ومغفرته، إنه يغفر الذنوب جميعاً، لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء
فهيكل كما ترى مولع بآيات القرآن يقتبسها لأسلوبه؛ ويقحمها في عباراته، ويستخدمها استخداماً طلياً منسجماً يدل على مهارة وتمكن. ولقد بلغ من ولعه بألفاظ القرآن أن آثر كلمة (طوّع) على مرادفتها في الأستعمال، فعبر بها مراراً إلى حدّ يلفت النظر، حتى أنه ليستخدمها في مواضع قد تكون مرادفاتها أولى بها، وقد لا تؤدي المعنى إلا على شيء من التسامح، ولكن هيكلاً يؤثرها لأنها لفظة قرآنية فهي حلوة سائغة. وإن من العجيب حقاً أن يؤثر هيكل ألفاظ القرآن كل هذا الإيثار، وأن ينتفع بأسلوبه إلى هذا الحد الذي يفوق فيه أولئك الذين شبوا على مدارسة القرآن، وقضوا أعمارهم في مزاولة عباراته والبحث في نصوصه على حين أنه قد نشأ نشأة مدنية كما يقولون، وتثقف ثقافة تتصل بالغرب أكثر مما تتصل بالشرق، وما آثاره الأولى إلا لون من ألوان تلك الثقافة الأجنبية. وإنما يسر لهيكل أن يندمج في حياته الروحية كل هذا الاندماج، وأن يتصل بثقافة القرآن وأسلوبه كل هذا الاتصال، أنه ذو موهبة فنية، وطبيعة أدبية صافية، والأديب إذا ما صفت طبيعته،
وخلصت نفسه، ينطبع على الحياة التي يريدها وكأنها حياته التي تعودها حياته، ويفنى في البيئة التي يلابسها فإذا هو صورة قوية رائعة لما فيها من الألوان والمظاهر، ويخضع حواسه في الانفعال للفكرة يريد تنفيذها فينجلي لك صادق الإحساس صحيح الغرض، وهذا هو السر في أنك ترى الكاتب أو الشاعر يدرج بين صخور البادية وعلى أشواكها فتلمح في أسلوبه وتفكيره الشدة والجفوة، ثم ينتقل إلى مطارف الحضارة فإذا به هين لين مذلل الفكر يجري أسلوبه في مثل رقة الماء والهواء. وهذا هو السر أيضاً في أنك ترى الكاتب أو الشاعر يحدثك مثلاً عن البؤس فيجيد الحديث على أنه ليس ببائس، ويقول في النسيب والغزل فيملك عليك نفسك مع أنه ليس بغزل ولا محب، فكيف بذلك الأديب أو الشاعر إذا كان صادق العاطفة، خالص الرغبة، صافي النفس والروح كهيكل في حياته الجدية؛ لاشك أنه يكون شيئاً كبيراً، ويكون أثره أثراً قوياً رائعاً كهيكل (في منزل الوحي)
وأما بعد فقد أطلت على القارئ، ولنا وقفة أخرى مع (هيكل) في منزل الوحي سيرى القراء فيها لوناً طلياً من ألوان الفكر الروحي الذي يحترم العقل ويمجد الحق
محمد فهمي عبد اللطيف
المسرح والسينما
محنة المسرح
بقلم محمد علي ناصف
تساءلنا في العدد الماضي عن مصير المسرح بعد طغيان السينما واجتذابها أنظار الأدباء والفنانين فضلاً عن توطد مكانتها بين الجماهير
وقبل أن نجيب على هذا السؤال دعنا نستمع إلى حدث لأدولف زوكور كبير مؤسسي شركة برامونت السينمائية لعله يغني أو يمهد للجواب
يقول زوكور لأحد الصحفيين الأمريكيين: (إن شركته متعاقدة مع 83 ممثلاً وممثلة، منهم 64 أتوا عن طريق المسرح والباقون خمسة أطفال، وأربعة من محطات الإذاعة، واثنان من الأوبرا، واثنان من الأندية الليلية، واثنان من الفرق الموسيقية وآخران عن طريق المسابقات الصحفية، وواحد من الألعاب الأولمبية، وآخر من أحد معاهد التمثيل!!)
فالغالبية الكبرى إذن قد تخرجت على المسرح، وأكثر الباقين قد كسبوا كذلك خبرة تمت إلى المسرح بصلة
وليست هذه الحال فريدة بأمريكا؛ فان المسرح في كل بلد يمد السينما بحاجتها من الممثلين. . . كما أن له نصيباً كذلك من تقديم طائفة من كبار المخرجين السينمائيين أمثال ريتهاردت ولوبتسن وماموليان وديتريل وغيرهم
نستخلص من ذلك أن تغذية السينما بحاجتها من الفنانين إنما هي خطوة تالية لنهوض كفايات مسرحية
ولكنا إذا نظرنا إلى حديث أدولف زوكور من ناحية أخرى فماذا نستخلص من وراء قوله إنه متعاقد مع 83 منهم 64 من المسرح؟
أو ليس معنى ذلك أن السينما تجرد المسرح من قواه وكفاياته، وأن المسرح أصبح وسيلة أو قنطرة عبور إلى السينما؟
أجل، هنا يتكشف الستر قليلاً عن محنة المسرح، فإذا سفرت حقيقة تلك المحنة، فإنما هي كلمة تضيء بنور يخطف الأبصار:(المال)
المال هو الذي يسلب المسرح جاهه ويقلم أظافره
المال هو الذي يخلب برقه ألباب الكتاب والممثلين والفنانين فيجذبهم من أنوار المسرح الباهتة إلى أنوار الاستديو الساطعة
والواقع أن هؤلاء الأمريكيين لا يحسبون حساباً للمال، أو أنهم يحسبون حساباً عجيباً؛ ففي العام الماضي ابتاع هاري كوهين صاحب شركة كولومبيا حقوق إحدى المسرحيات الناجحة ببرودواي بمبلغ 40. 000 جنيه، نعم أربعين ألفاً، وكان هذا رقماً قياسياً شاءت شركة راديو أن تكسبه لنفسها فدفعت خمسين ألفاً من الجنيهات في مسرحية آبوت
وقبل ذلك بعام دفع سام جولدوين 160 ، 000 دولار إلى سنكلير لويس في روايته التي شهدناها في الموسم الماضي.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي قد يعتبرها المرء أمثلة لشغف هؤلاء القوم بالبذخ والإسراف
فأي كاتب يستطيع أن يحمل نفسه على الاقتناع بعد ذلك بما يقدمه له الناشر أو القارئ؟ أي كاتب لا يحلم الآن بمجد هوليود ومال هوليود؟ إن عمل الكاتب في الفيلم يذاع أكثر من عمله في المطبعة بمئات المرات، فضلاً عن هذه الآلاف من الجنيهات
لقد طالب محصلوا ضريبة الدخل في أمريكا ب. ج. وودهاوس أحد كتاب السيناريو بمبلغ 50. 000. . . فإذا كانت هذه ضريبة دخل، فكم بلغ إذن دخل الرجل؟!
ويستوي في التمثيل هنا المخرجون والممثلون؛ فإن ماكس ريتهاردت عاهل المسرح الكبير رأى تلامذته في هوليود يثرون ويشتهرون من الأفلام، وهو باق في فينا يشهد ركود المسرح، رأى إيرفنج تالبرج يتقاضى أسبوعياً من شركة مترو 2. 400 جنيهاً مع 10 % من أرباح الشركة، ورأى المخرج العادي يأخذ في الفيلم الواحد عشرين أو ثلاثين ألفاً من الجنيهات فلم يطل انتظاره وحزم أمتعته ورحل إلى هوليود فأخرج (حلم منتصف ليلة صيف) وهو يأخذ عدته الآن لإخراج فيلمه الثاني (وانتون)
وأبهظ الأجور في أمريكا من نصيب ممثلي السينما، فقد أصبح من الأمور العادية أن يأخذ الكوكب من الفيلم الواحد خمسين ألف جنيه، ومثل هذا الأجر كفيل باقتلاع أي ممثل من فوق خشبة المسرح
فإذا استثنينا القليل من الممثلين الذين لا تستعبدهم تماماً شهوة المال فيقسمون أوقاتهم بين
العمل في المسرح والعمل في الأستوديو مثل والتر هاستون وهنرى فوندا ومثل هيلين هايز التي تركت الشاشة وهي في أوجها، وبعد أن اكتسبت التمثال الذهبي من أكاديمية الصور والفنون لأحسن ممثلة سينمائية في أول فيلم مثلته - إذا استثنينا مثل هؤلاء فأنا لا نغالي إذا قلنا إن الدولار هو الذي هزم المسرح
محمد علي ناصف