الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 242
- بتاريخ: 21 - 02 - 1938
صاحب المعالي هيكل باشا
أنت يا أخي أول أديب في مصر العظيمة رفعه الأدب المحض إلى منصب الوزير ورتبة الباشا. وأقول (الأدب المحض) وإن كنت لا أنكر أن لثقافتك وكياستك وسياستك أثراً ظاهراً في هذا الحادث الأدبي الخطير؛ لأن الأدب بمعناه الأصح لا يكمل إلا بهذه الصفات، ولأن أدبك على الأخص مثال الأدب الكامل الذي يقوم على ألزم الخصائص للإنسان وهي سراوة الخلق وذكاء القريحة وسداد الذهن وسعة الثقافة. وإذن لا نستطيع أن نحلل تركيبك الأدبي إلى فقيه وأديب وصحفي وسياسي، مادام أسلوبك الفكري مزيجا من أولئك جميعاً. فإذا كان غيرك قد وصل بالأدب من غير خلق، أو بالصحافة من غير أدب، أو بالسياسة من غير صحافة، فإنك لم تصل إلا بهذا الأدب الشامل الذي يشرق فيه وميض الروح ويسيطر عليه نبل النفس. لذلك نعد بلوغك هذه الغاية من المجد انتصاراً للأدب المجاهد، وترضية للقلم المجهود، وتمكيناً للفكر الجميل أن يؤدي رسالته في عالم أوسع وعلى طريق أسد؛ ولذلك نجعلك من بين الوزراء الصلة الطبيعية بيننا وبين أولي الأمر؛ فقد قطعوا أسبانيا الواصلة، وسفهوا حقوقنا المعلومة، واعتقدوا أننا حلىً تزين ولا تنفع، ودمىً توجد ولا تعيش
فمن غيرك اليوم يا باشا يستطيع أن يسمعهم أن الأدباء بعد انقطاع الوحي هم رسل الله وكتبه: في أقلامهم أقباس الهداية، وفي أفواههم أبواق اليقظة، وفي أيمانهم مفاتح الخلود؟
من غيرك اليوم يا باشا يستطيع أن يقنعهم أن الشعب بغير صوتهم لا ينهض، والجيش بغير روحهم لا ينتصر، والرأي بغير منطقهم لا يجتمع، والحكومة بغير سلطانهم لا تحكم؟
من غيرك يا باشا يستطيع اليوم أن يقول لولاة الأمر، لعيشه فيهم وقربه منهم، إن الأدباء هم الذين ينشئون الصحف للجمهور، ويؤلفون الكتب للقراء، ويدبجون الخطب للزعماء، ويصوغون الشعر للوزراء، ويكتبون التاريخ للملوك؟
الأدب يا باشا كما تعلم هو شعاع الحس اللطيف، وعطر النفس الزكية، وزاد الإنسانية الدائبة من أفكار السلف وتجارب الماضي
والأدباء يا باشا كما تعلم هم أوصياء الخليقة على تراثها العقلي، يحفظونه ويزيدونه، ويتصرفون فيه، ويجعلون منه مرشداً للحائر وقصداً للجائز وسنداً للضعيف
وقد عرفت الأمم الرشيدة فضل الأدب والأدباء فأطاعوهم كالقادة، واتبعوهم كالرسل، ورفعوهم كالمصابيح. ولكن الأدب في مصر كما تعلم يا باشا لا يزال فريسة الإهمال
والفوضى: يكابد طغيان السياسة في استسلام، ويجاهد سلطان الجهالة في يأس، ويقاسي مضض الحرمان في ضراعة؛ وأولوا الأمر يقابلون جهده بالاستهانة، ويكافئون بره بالعقوق، ويستغلون سلطانه في الصحف وعلى المنابر، ثم لا يدخلونه في الحساب يوم الغنيمة. والأدباء في مصر كما تعلم يا باشا لا ينفكون يؤدون رسالة الروح المضنية في بسالة وصبر، وقرائحهم المجهودة تنضح بالمداد كما تنضح الجباه الناصبة بالعرق والصدور المحاربة بالدم؛ ثم لا يلقون ممن يحملون لهم الشعلة إلا ما لقي أصحاب الرسالات من الكفران الغادر والخذلان المهين. وما حال الأدب في الأمة الأمية إلا كحال النبوة في الأمة المشركة، إذا لم يكن له سند من الله وعون من الحكومة ذهب ذهاب المصباح في عواصف البيد المظلمة
فالأديب المضطر إنما يشقى للقوت لا للفن، ويسعى للحياة لا للمجد، وينتج للحاضر لا للمستقبل؛ وإذن لا يكون الأدب إلا كما ترى: بخس في الكيف، ونقص في الكم، وشعوذة في الوسيلة، وإسفاف في الغاية
كل ذلك علمته وكابدته وشكوته أيام كنت معنا في الطريق المزدحم الصاخب، تعرض على فقراء المعرفة غذاء العقل والروح من عصارة مخك وقلبك، فيعرضون عنك ويأبون إلا خَنْزَرةً تسوف التراب وتلغ في القذر.
فماذا أعددت يا باشا لهذه الأعصاب المحترقة التي لا تبغي من الناس إلا أن يستفيدوا من احتراقها النور والحرارة؟
لا نريد أن نصف لك العقدة ولا أن نقترح عليك الحل، فإن ذلك بجانب علمك وخبرتك وتجاربك أنفال وفضول. وقصارى ما نرتجيه أن تبسط الحكومة على الأدب ظل الحماية، فما يستطيع لضعف دولته وجهل رعيته أن يستقل. نريد ألا تدعوه لأهواء الجمهور ودوافع الحاجة، فإن في إخضاع الأدب لشهوات الناس وضرورات العيش إفساداً لملكة الذوق وتكديراً لنقاء الضمير وتشويهاً لجمال الوحي.
ليس الأدب من المهانة بحيث تتخطاه رغبة الأمة. وليس الأدباء من الكثرة بحيث تضيق بهم معونة الحكومة؛ ولكن السياسة الحزبية في البلد الجاهل تقلب الأوضاع، وتغير المقاييس، وتعامل كل فرد بحسب ما له من الدالة، وتقدر كل شيء بمقدار ما فيه من
السياسة. فالكتابة في غير السياسة لغو، والسياسة على غير مذهبهم هذر!
فهل آن للأدب أن تنهض به عواثر الجدود، وللأدباء أن تَرِفَ عليهم ذوابل المنى؟ إن الأدب الذي رفعك هذه المكانة وبوأك هذا المجلس ينتظر منك البر، وإن الأدباء الذين صافيتهم على الشدة وعاهدتهم على التأييد يرجون منك الوفاء. فأخرج من عهدة ما وعدت يا صديقي واليد طائلة والرأي نافذ، قبل أن تعود بعد عهد طويل زاهر إلى المكتب الذي ليس فوقه محفظة، ولا أمام بابه حاجب، فلا تملك إلا ما نملك من الشكاة والألم
أحمد حسن الزيات
تحية شوبنهور
للأستاذ عباس محمود العقاد
صديقنا القديم من جديد!
يوم قرأت أنهم سيحتفلون في معاهد الغرب الفلسفية بانقضاء مائة وخمسين سنة على مولد (شوبنهور) كان شعوري بهذا النبأ كشعور السالك في الطريق يلقاه على حين غرة صديق قديم مستحب اللقاء مذكور البدوات، على شوف إلى مراجعة عهده السابق واستئناف عشرته القديمة
هذا أنت يا صاح؟
وأين كل هذا الزمن الطويل؟
فقد مضت فترة ليست بالقصيرة لم أصاحب فيها هذا (المعري) من بني الجرمان ولم أراجع كتبه ولم أساجل آراءه وخواطره وأفانين تفكيره، فلما سمعت أنه سينبعث من جديد في ذكرى ميلاده، وأن ميلاد إمام المتشائمين القائلين بأن الولادة أدعى (الذكريات) إلى الحزن والندم - سيصبح في الملأ كله موعداً للغبطة والتبجيل، وأن الدنيا ستشهد هذا الحادث المتناقض كما شهدت نقائض شوبنهور في إبان حياته - عادت إلى الذهن تلك النقائض كلها وتلك الطوائف المقرونة بها، ولاح لي شوبنهور الظريف وهو أول ما يلوح للذهن منه قبل الفيلسوف وقبل الشيخ الوقور
وتلك أولى النقائض والبدوات من صاحبنا القديم: فيلسوف متشائم ولا يذكره الذاكر إلا ابتسم لفكاهاته ونكاته وغرائب عاداته، وولع الدنيا بمناوأته واستخراج شكاياته
فإذا ذكرت (شوبنهور) فأنت تذكر الرجل الذي يبشر بالفناء ويستنكر الحياة، ثم يسمع بظهور الهواء الأصفر في برلين فلا يقف في طريقه هرباً حتى يبلغ فرنكفورت، ولا يعود منها حتى بعد جلاء الوباء بسنين
وتذكر الحكيم الزاهد في عرض الحياة وهو لا يترك دانقاً من حسابه في المصرف، ولا يضع النقد إلا في صندوق مكتوب عليه (مادة طبية). . . كما فعل العطار الذي يكتب عنوان الفلفل على صندوق الحلوى!
وتذكر الراهب الذي يعربد حتى يلحق به تلاميذه في بيوت بنات الهوى، وينفي لذاذات
الدنيا وقد أخذ من جميع لذاذاتها بما استطاع من نصيب
وتذكر المبشر بالبرهمية في بلاد الغرب وقد سمي كلبه (أتما) أي روح الوجود!! وأبى الصبية من جيرانه إلا أن يسموه شوبنهور الصغير، إذ لم يكن في البيت صغير غير ذلك الكلب المسكين. . . الذي قال بعض المعجبين بالفيلسوف إنه هو أيضاً لابد أن يكون من المتشائمين، ولابد أن يبدو على وجهه ما يبدو على وجه أستاذه من عبوس ظريف
وتذكر الفيلسوف وقد جلس إلى مائدته في المطعم وأخرج من جيبه كعادته كل يوم جنيهاً إنجليزياً فوضعه على المائدة بحيث يراه الحاضرون، ثم يفرغ من طعامه فيرده إلى جيبه ويقول:(قد كسبت الرهان). . . أي رهان؟؟ رهانه مع نفسه أن زوار المطعم من الضباط لن يتكلموا ذلك اليوم في شيء غير النساء والكلاب وخيل السباق!
وتذكر طالب الجائزة من جامعة كوبنهاجن برسالة لا نظير لها في كتابات عصره، فلما ضنت عليه الجامعة بالجائزة - غفلة منها عن قيمة الرسالة - طبعها وكتب عليها بالخط العريض:(لم تظفر بالجائزة من جامعة كوبنهاجن). . . كأن هذا تزكية لها وضرب من الإعلان!
وتذكر المتهكم الحانق الذي نقم على بعض الممثلين ارتجاله العبارات من غير كلام المؤلف حتى شكاه الكتاب إلى مدير المسرح فنهاه وأنذره بالفصل إن عاد إلى مجونه. . . قال شوبنهور: فلما ظهر بعدها في المسرح على ظهر جواده نسي الجواد موقفه وأتى بصوت لا يسمح به في مسارح التمثيل، فارتبك الممثل وصاح بالجواد: ألم تعلم أنهم يحرمون علينا الارتجال بغير تلقين؟!
تذكر هذا وأشباهه قبل أن يطرأ على بالك شأن الفيلسوف العظيم وتفصيل ذلك المذهب المستفيض الزاخر المجتمع من بديهة الحكمة وسليقة الفن وشعور الرجل المتصل بالحياة على غير انقطاع ولا مجافاة، كمجافاة النساك في صوامع الدين، أو النساك في صوامع العلم والدراسة
فإذا ذكرت ذلك المذهب فلعلك واجد فيه من وشائج القربى مثل ما وجدت من طرائف صاحبه ونقائضه وأفانينه. لأنه مذهب شعر بفحواه كل شاب عالج الفلسفة واشتغل بالتفكير في أوائل هذا القرن العشرين
لقد كان التشاؤم طبيعياً معقولاً في زمان شوبنهور فأصبح طبيعياً معقولاً أن يتصل الرأي والشعور بينه وبين الشبان في مثل عهده وفي مثل حاله وإن لم يكونوا على مثاله في مزاجه وأطواره
وخير ما قرأناه في تعليل التشاؤم عند ذلك الفيلسوف الكبير كلمة (دورانت) مقدم طبعته وملخص فلسفته حيث يقول عنه وعن بعض معاصريه:
(لماذا كان النصف الأول من القرن التاسع عشر مبعثاً لتلك الأصوات من أصداء العصر ينطق بها الشعراء المتشائمون على غرار بيرون في إنجلترا ودي موسيه في فرنسا وهيني في ألمانيا وليوباردي في إيطاليا وبوشكين ولرمنتوف في روسيا، عدا الموسيقيين من أضراب شوبير وشومان وشوبان بل بيتهوفن المتشائم الذي حاول أن يقنع نفسه أنه من المتفائلين؟ بل فوق ذلك جميعه فلسفة الحكيم العميق في تشاؤمه ارثر شوبنهور؟
(لقد ظهرت مجموعة الويل والهول المسماة بـ (الدنيا إرادة وفكرة) سنة 1818 وكانت سنة الحلف المقدس بعد أن قضى الأمر في معركة واترلو وخمدت الثورة وقذفت الحوادث بابن الثورة إلى صخرة في البحر السحيق يبلى عليها ويذوي. وإن قبساً من تقديس شوبنهور للإرادة مأخوذ ولاشك من ذلك الأفنوم الفخم المخضب بالدماء المجسد في شخص ذلك الكورسيكي الصغير، وإن قبساً من قنوطه وإحجامه عن الحياة مأخوذ ولاشك من جوانب جزيرة القديسة هيلانة حيث صارت الإرادة إلى الهزيمة والفشل في النهاية، وأصبح الموت وهو الظافر الوحيد المحوم على ميادين تلك الحروب، وقد عاد البوربون إلى عرشهم، ورجع الأمراء والنبلاء يطالبون بأرضهم، وراح خيال الاسكندر الطامح إلى السلام يحتضن في غفلة منه عصابة تقضي على التقدم من كل صوب وفي كل مكان. فقد ولى العصر العظيم وقعد جيتي يحمد الله على أنه ليس بالشاب الفتيِّ في عصر مفروغ منه مقضي عليه بالختام
(خشعت أوربا، وانقرض ألوف الألوف من أشد الرجال، وخربت بطاح واسعات، وكتب على الحياة في كل موضع على القارة الأوربية أن تبدأ من جديد وأن تبدأ من أعمق الأعماق كي تستعيد في ألم وبطء شديد ذلك الفيض الذي التهمته الفتن والحروب. وكان شوبنهور يسيح خلال فرنسا والنمسا في سنة 1804 فيروعه ما يشهد من الفوضى والقذارة
في القرى، ومن الفقر والبؤس بين الفلاحين، ومن القلق والشقاء بين المدائن والحواضر. ذهبت حروب نابليون وأعداء نابليون وخلفت وراءها ندوب الويل والهلاك على وجه كل بقعة من هاتيك البقاع: فموسكو في الرماد، والبلاد الإنجليزية على ما أصابها من فخر الانتصار قد مُني فيها الفلاحون بكساد القمح وغلات الزراعة، ومُني فيها صناع المعامل بكل ما يبتلى به الصناع في معمل لا رقيب عليه ولا حسيب، وزاد تسريح الجنود في نكبات البطالة. وروي كارليل عن أبيه في تلك الآونة أن العمال كانوا يذهبون يومئذ فرادا إلى البرك والجداول يملأون بطونهم بالماء بدل الطعام ولا يعنيهم إلا أن يستروا ما بهم من الضنك عن الآخرين. ما كانت الحياة قط أفرغ من معنى ولا أخس مما كانت يومذاك)
هذا منشأ الفلسفة الشوبنهورية من أحوال السياسة وأطوار الدول والمجتمعات. ولهذه الفلسفة منشأ آخر من أطوار الفكر والعقيدة لا يقل في أثره عن حروب نابليون وهزائم الجيوش، وذاك هو شيوع الشك في العقائد والأديان والأمثلة العليا بين الأوربيين بعد عصر النهضة العلمية وعصر الثورة الفرنسية، فلا أمل في الدنيا ولا في الآخرة، ولا معنى للسعي ولا للقعود، ولا خير في التفكير ولا في التسليم، ولا مناص بعد ذلك من ترجمة هذه الحالة في فلسفة منظمة منسوقة مقنعة كتلك التي بشر بها صاحبنا رسول التشاؤم ونذير الفناء
أي حالة هي أشبه بحالة الشاب القارئ في أوائل القرن العشرين من حالة ذلك العصر أو حالة ذلك الانتقال؟
كل شاب يخرج من حظيرة البيت إلى معترك العالم فإنما يخرج من دنيا أحلام وظنون إلى دنيا صراع لا هوادة فيه، ولاسيما في أوائل القرن العشرين حيث كان للعقائد سلطان، وكان للأمثلة العليا بين الشرقيين خاصة مجال لم تضيقه الحقائق والتجاريب
لهذا كان بين شوبنهور وكثير من الشبان القارئين عندنا نسب قريب في أوائل هذا القرن العشرين. ثم تقلبوا مع الحياة فنسوه بعض النسيان من أثر الواقع تارة ومن أثر التشاغل تارات، أو من أثر التصحيح والتهذيب الذي لا محيص عنه مع تعاقب الأيام وتعدد القراءات
فلما قيل إن العالم سيحتفل بميلاد إمام المتشائمين كان في القول ما يشبه الفكاهة والدعابة؛ ولو قيل إن العالم سيحتفل بيوم وفاته لكان في القول بعض المجاراة لموضوع الاحتفال
وصاحب المذهب. ولكن الرجل ظريف على الرغم منه ومن فلسفته، فلتكن هذه من دعابات الزمن معه، ومن وفاء الزمن له في قرن واحد
أما فلسفة الرجل بتفاصيلها فيطول شرحها ولا يتسع لها مقال ولا سلسلة مقالات، وهي مستمدة من حياته ومن سيرته ومن عصره. فمن عرف تاريخه عرف الكثير من بواعث آرائه وعلل أحكامه، وعرف مكان الصدق في المطابقة بين الوحي ومصدره وبين البيئة والتعبير عنها. ومجمل تلك الفلسفة في سطرين: أن الإرادة هي صاحبة السلطان في أعمال الأحياء وحركات الحياة؛ وأن الإنسان يلتمس الأسباب والبراهين لأنه يريد، ولا يريد لأنه يلتمس الأسباب والبراهين؛ وأن الفكرة تلغي الإرادة وتشل الحركة وتنتهي بالحياة إلى سكون كسكون (النرفانا) عند الهنود؛ وأن الإرادة تتعلق بالفردية، أما الفكرة فتتعلق بالعمومية الشائعة في الكون كله. ومن ثم يجيء الفن والدين والعبقرية على رأس الفكرة ومن وراء الإرادة أو من وراء عالم الأعمال والحركات، فالمصير الذي يطوينا جميعاً ويطوي أعمالنا وآمالنا إنما هو الفناء أو ما يشبه الفناء
وفي مقال آخر سنطابق بين سيرة الرجل وفلسفته، وبين العرض والجوهر في هذه المطابقة. وحسبنا الآن وهم يحتفلون بميلاده في الثاني والعشرين من شهر فبراير أن نزجي إلى ذكراه تحية المودة والإكبار، وأن نهتف به: مرحى! ومرحباً صديقنا القديم من جديد!
عباس محمود العقاد
غريب الهوى
في عيد القمر
للدكتور زكي مبارك
أتذكرُ يا قلبي؟
أتذكر أن من الناس من يقول: (عيد الأضحى)، وأن منهم من يقول:(العيد الكبير)، وأن أهل سنتريس يقولون:(عيد القمر) كأنما عزّ عليهم أن يبقى القمر بلا عيد؟
ليت شعري أظلّ أهلي وأهلك يسمونه عيد القمر، أم تغيرت من بعدنا الأسماء؟
كان لي أهل، وكان لك أهل، يا قلبي
أما أهلي فبخير، وإن كانت أتوجع كلما ذكرت أن أولئك الأهل خلا ناديهم من وجه أبي؛ وكان لك أهل يا قلبي، ولكن أخبارهم غابت عني منذ أزمان. فإن كانت عندك أخبار فحدثني عنهم، فما أحب لك أن تعيش في دنياك عيش الغريب!
لا تكتم عني شيئاً يا قلبي، فم لك في الدنيا آسٍ سواي. أما رأيت كيف كانت أحاديث الناس في هذا المساء؟ فما لقيني أحد من أعضاء المؤتمر الطبي إلا سألني عن صحة ليلى. وما أذكر أبداً أن أحداً سألني عنك! وكذلك جاز أن يسأل الناس عن صحة القاتل ويسكتوا عن فجيعة المقتول! والويل كل الويل للمغلوب
إن ليالي الأعياد ترجعني إليك يا قلبي
فهل تذكر يوم كنا طفلين، حين كان من المألوف أن يزور الناس المقابر وفي أيديهم المصابيح؟ وهل تذكر أننا سألنا مرة عن الحكمة في حمل المصابيح في الليلة المقمرة، ليلة عيد القمر، فكان الجواب أن الأموات يأنسون بالأضواء؟
فهل تسمح بأن أحمل مصباحاً في هذه الليلة، وأخرج معك لزيارة المدفون من أوطارك وأحلامك؟ ولكن أين المقابر التي دفنت أوطارك وأحلامك حتى أونسها بضوء المصباح؟ أين؟ لا أين، فإني أخشى أن تكون المقادير صنعت بأحلامك ما يصنع البحر بما يُدفن فيه من سرائر القلوب!
حدثني أين دفنت أحلامك، فإني أعرف أنك قليل البخت في دنياك. ولو كان لك بخت لما جاز أن تبيت مشرد الأماني في ليلة عيد
قلبي، قلبي!
يرحم الله غربتك بين القلوب!
قلبي!
أتذكر ما صنعت في سبيلك؟
لقد فررت بك من سعير الحب في القاهرة، ونقلتك إلى بغداد: دار السلام، فهل كانت بغداد يا قلبي دار سلام؟ أم كان أسمها من أسماء الأضداد؟
لقد تجهمت أبشع التجهم حين وقع البصر عليها أول مرة، واستقبلتني بوجه يتطاير منه شرر القسوة والوعورة، فقلت: لا بأس، فهي هدنة يستجم فيها قلبي، ليقوى على مناضلة العيون حين يرجع إلى القاهرة. ولكنك استوحشت وأخذت تفتش عن (عيون المها بين الرصافة والجسر) وقد انخدعت لك فتركتك ترود مراتع الغزلان وأنا آمن، فقد كنت سمعت أن بغداد لم يبق فيها للحب سامر ولا أنيس، ثم وقعت الواقعة وأسرتك عيون المها بعد أسبوعين أثنين من قدومنا بغداد
قلبي!
لقد كان يعز علي أن تخرج من بغداد بلا هوى، فمن الفضيحة لبغداد أن لا تكون فيها عيون ترمي فتصيب، ولكني ما كنت أحب أن أحملك جريحاً محطماً إلى الأنامل الرقاق التي تعبت في تضميد جروحك بين مصر الجديدة والزمالك. وما كان يخطر بالبال أن تكون دار السلام دار حرب، وأن تتألب ظباؤها على قلب أعزل كان يرجو أن لا يعرف البلاء وهو ضيف العراق
من كان يظن أن هذه المدينة الجافية التي لا تعرف غير وصل النهار بالليل في سبيل الرزق أو المجد، من كان يظن أن مثل هذه المدينة تعيش فيها مباسم وعيون لا تتقي الله في الناس؟ من كان يظن أن ينعدم كرم الضيافة في بغداد حتى يستبيح ظباؤها انتياش قلبٍ غريبٍ لا يملك من وسائل الدفاع غير الأنين؟
أهذا جزاء الصنع الجميل في بغداد؟
أهذا جزاء من يملأ الصحف العربية بالثناء على العراق؟
سيعود ناس إلى أوطانهم صحاح القلوب، وأعود إلى وطني بقلب ممزق لم تبق منه غير
أطياف من الأشلاء
بغداد!
لقد كاد يسفر الصبح ولم تغف عيناي. أكذلك تكون ليالي الأعياد، يا بغداد؟ ليتني أعرف أين يقيم اللصوص الذين سرقوا النوم من جفوني! ليتني أعرف أين يقيم أولئك اللصوص فأنتقم منهم أشنع انتقام بتقبيل جفونهم في غفوات الليل!
بغداد!
خذي من نومي ما تشائين، بل خذي من دمي ما تشائين، فلن أنسى ما حييت تلك المؤامرة الوجدانية: مؤامرة العيون: عيون المها، على قتلي؛ فإن من الشرف أن يكون المرء قتيل المها في بغداد
إي والله! هذا الصبح يتنفس وما غفت عيناي. فهل تعرف الظباء التي كانت تعترض طريقي لتصرعني أنني لا أزال بين الأحياء؟
أنا أدعوها إلى مناضلتي مرة ثانية، وموعدنا بهو أمانة العاصمة يوم الأربعاء
أحبابي في مصر الجديدة والزمالك!
ناموا هانئين وادعين، وانهبوا ما شئتم من أحلام الأماني، فسأغفر لكم جريمة النسيان والعقوق
أحبابي في بغداد!
تذكروا أن الشاعر لم يعن أحداً غيري حين قال:
وكل محبٍّ قد سلا، غير أنني
…
غريبُ الهوى، يا ويح كل غريب!
زكي مبارك
حدود الحق والواجب
للأستاذ عبد الرحمن شكري
مفتش التعليم الثانوي
إني أرى أن رقي كل أمة لا يقاس بما فيها من مسببات الرفاهية والثروة أو معدات القتال إذا كان احترام حدود الحق والواجب غير شائع بين أبنائها. فإنها إذا فقدت هذا الاحترام فقدت العروة الوثقى التي تعتصم بها للمحافظة على مسببات الثروة والرفاهية وللانتفاع بمعدات القتال والدفاع. وإذا عرضنا حياة الأمم وتاريخها الاجتماعي وجدنا أن مسببات الثروة لا تلبث أن تزول إذا كان نظامها الاقتصادي غير مؤسس على احترام حدود الحق والواجب. إنها قد تزدهر فيها الثروة حيناً، وقد يؤجل لها الخراب المحتوم زمناً ربما طال، وربما يغرها طول هذا الزمن الذي تستمر فيه رفاهيتها وثروتها بالرغم من ضياع احترام أبنائها لحدود الحق والواجب؛ وما طول تأجيل خرابها إلا لما يزال فيها من العناصر الصالحة والقوة المدخرة من عهد الماضي الصالح، كالقوة التي تدفع المرء إذا نزل من سيارة سائرة فيسير هو أيضاً بعد نزوله منها؛ وقد تكون خطوات سيره قليلة أو كثيرة، ولكنه إنما يسير إلى الأمام مدفوعاً لا مختاراً. وكذلك الأمة التي تنزل عن احترام حدود الحق والواجب إذا تقدمت فإنما يكون سيرها سيراً آلياً لا فضل لها فيه، ولا يلبث أن ينتهي، إلا إذا أدركتها أسباب جديدة تدعوا إلى استمرار سيرها. وينبغي ألا نستبطئ أو نستعجل انتهاء تقدم مثل تلك الأمة التي فقد أبناؤها احترام حدود الحق والواجب، فإن خطوات الأمم أطول مدى من خطوات المرء الذي ينزل من سيارة سائرة؛ وقد تستجد أمور تزيد خطوات سيرها إلى حين، وكلما كانت السيارة التي ينزل المرء منها أسرع في سيرها كانت خطوات المرء الذي ينزل منها أكثر.
وهذه الظاهرة تشاهد في أمور مختلفة من أمور الأمم، فهي إذا فقدت احترام حدود الحق والواجب لم يكن الخراب مقصوراً على حالتها الاقتصادية، بل هو يشمل أيضاً خراب الأسرة وخراب التعليم وخراب كل شيء. وكثيراً ما نرى في التاريخ جيوشاً أقل عدداً وعدة تهزم جيوشاً أكثر عدداً وعدة من جيوش أمة فقد أبناؤها احترام حدود الحق والواجب. وهذا لا ينفي انتصار الفريق الأكثر عدداً وعدة إذا ظفر الفريقان المتحاربان
بقدر متكافئ من احترام حدود الحق والواجب
ولكن القارئ غير الملم بحقيقة الأمر ربما يظن أن انتصار جيوش الدول الأوربية على جيوش الدول الشرقية كان دائماً بسبب كثرة حظ الجيوش الأوربية من عدد القتال وآلاته الحديثة. نعم إن الأمر كان كذلك في معارك كثيرة، ولكنه لم يكن دائماً على هذه الحال. ففي واقعة بلاسي في الهند كان جيش سراج الدولة أكثر عدداً وعدة، وكان قد اشترى من الفرنسيين مدافع وأسلحة كثيرة، ولكنه - بالرغم من ذلك كله - دارت عليه الدائرة
وفقدان احترام حدود الحق والواجب يفسد أيضاً أداة الحكومة وأداة التعليم، ويفسد صلات أعضاء الأسرة الواحدة كما يوقع بين الأسرة والأسرة؛ وهذا الفساد وهذا الخراب لاشك من مظاهر التدهور مهما كان في الأمة من مسببات الثروة أو مظاهر الحضارة والتفكير والأدب. فمن المعروف في التاريخ أن مظاهر الحضارة والتفكير والأدب والفنون قد تزدهر حتى والأمة على حافة التدهور؛ وقد تستمر وهي آخذة في التدهور فنحسب هذه المظاهر نضوجاً، وإن كانت نضوجاً فهي نضوج العطن العفن كالفاكهة التي تعطن من كثرة النضج
ولقد كانت في أواخر مراحل الدول الإغريقية والرومانية والفارسية والعربية مظاهر كثيرة من مظاهر الحضارة والأدب والفنون حتى بعد أن أخذت في التدهور
ولاشك أن فقدان احترام أبناء الأمة لحدود الحق والواجب يفسد عليهم مظاهر الحضارة والتفكير والأدب، ولكن هذا الفساد قد يعمل في السر عمل السوس ولا يظهر في أعظم أشكاله خطراً إلا في النهاية. وفي بعض الأحايين لا يحترس أبناء الأمة ولا يأخذون الحيطة والحذر لمنع أسباب التدهور اغتراراً منهم بكثرة المدارس، وأنواع التعليم، وكثرة الصناعات، ورواج التجارة وانتشار التفكير، وكثرة المؤلفات والمؤلفين، وازدياد الأرض المزروعة، وغير ذلك من مظاهر الحضارة ككثرة المباني الشاهقة الحديثة، والشوارع المنتظمة، والميادين الفسيحة، والسيارات الفخمة، ومهيئات الراحة والرفاهية، ودواعي الاطمئنان وما يجلب اللذة والسرور. . .
فإذا تنبه أحدهم إلى أمر ضروري وهو احترام حدود الحق والواجب وافتقده ولم يجده في النفوس بالرغم من كثرة المدارس والسيارات والعمارات والمنشآت وغيرها من وسائل
الحضارة، وإذا حذرهم وقال لهم إن افتقاده لابد أن يؤدي حتماً إما آجلاً وإما عاجلاً إلى التدهور والخراب - عدوه متشائماً وخدروا عقولهم تخديراً بأن يحسبوا أن يحسبوا أن وسائل الحضارة هذه من مدارس وعمارات وميادين وسيارات وغيرها لابد أن تجلب لنفوسهم هذه الصفة الضرورية وهي احترام حدود الحق والواجب، إذا كانت حقيقة ضرورية لا غنى عنها إذا أريد تجنب التدهور لأنهم لا يستطيعون أن يتصوروا كيف أن كل مظاهر الحضارة هذه لا تحميهم من التدهور والخراب إذا افتقد شيء غير مرئي ولا منظور وهو احترام حدود الحق والواجب
وهؤلاء الذين يأملون أن تعصمهم المنشآت والعمارات والسيارات والمدارس والميادين وغيرها من التدهور، لأنها في ظنهم لابد جالبة هذا الشيء المطلوب، وهو احترام حدود الحق والواجب، ربما كانوا أقل ضرراً من الفريق الذي يتبجح ويقول إن الحضارة الحديثة مؤسسة على عدم احترام حدود الحق والواجب، وإن كان هذا الفريق يصوغ قوله في قالب آخر فيقول مثلاً: ينبغي ألا نيأس، فإن التفكير الحديث قد قلب الأخلاق رأساً على عقب، وألغى الأخلاق القديمة وجاء بأخلاق تناسب رجل المستقبل. أو يقولون: إن الإنسان الذي يريد أن يكون رجلاً ينبغي أن يحرر نفسه من قيود الأخلاق القديمة. كأن الفلسفة الحديثة يمكنها أن تعطل سُنة من سنن الحياة، وهي سنة تدهور الأمم إذا فقدت احترام حدود الحق والواجب
ومما يدعوا إلى الأسف انتشار هذه النغمة بين بعض المثقفين المفكرين الذين كان ينبغي أن يكونوا أكثر فهماً لحقائق الحياة الثابتة والذين يستطيعون أن يروا كيف سرت هذه الحقائق في الماضي في حياة الأمم، والذين ينبغي أن يفهموا أن ما يدعون إليه من الأخلاق الجديدة ما هو إلا عدم احترام حدود الحق والواجب ذلك الاحترام الذي إذا فقد تدهورت الأمة التي تفقده كما يشهد التاريخ
وهناك فريق آخر أكثر صراحة وأكثر أثرة وهم يفهمون حقيقة الأمر، ولكنهم يقولون: الطوفان بعدنا. ويريدون أن يستفيدوا من فقد احترام حدود الحق والواجب، وأن يعيشوا بهذه الفائدة قبل الطوفان
وهناك فريق آخر يدرك حقيقة الأمر، ويحاول أن يزيل الخطر وأن يصلح الأمر، ولكن
بقوة مشلولة، لأن الله إذا أراد بأمة سوءاً شل إرادتها وقوتها، وهذه الطوائف الأربع هي الطوائف التي تكون في الأمة التي فقدت احترام حدود الحق والواجب.
وإذا نظرنا إلى بلادنا وجدنا مظاهر الحضارة من مدارس ومنشآت وعمارات وصناعات وميادين فسيحة وسيارات، ووجدنا من يظن أن هذه الأمور تعصم من التدهور الذي ينشأ من افتقاد احترام حدود الحق والواجب، ووجدنا أيضاً طائفة من هذه الطوائف الأربع، ووجدنا أيضاً. . . فقدان احترام حدود الحق والواجب، والشواهد على فقدانه لا يمكن أن تحصى فهي كعدد الرمال على شاطئ البحر
ولكني سأقص على القارئ حوادث تدل على أن فقدان احترام حدود الحق والواجب أمر قد تفشى حتى في نفوس أرقى الطبقات.
والحادثة الأولى حدثت عندما كنت ناظراً لمدرسة ثانوية في الأقاليم، ورسب ابن أحد كبار رجال الإدارة وابن أحد كبار رجال البوليس في امتحان النقل. ويكفي أن نقول (أحد كبار الرجل) وكان رسوبهما في اللغة الإنجليزية، ورفض الأستاذ الإنجليزي مراقب تصحيح المادة أن يزيد درجتي الطالبين في الامتحان، والقانون يقضي أنه لا يمكن أن تزاد درجة إلا بواسطة مراقب التصحيح، والنظم الحديثة التي كانت سائدة وقت الحادثة تحرم على ناظر المدرسة أن يزيد هو الدرجة، فحاولت أن أطلع أحد الكبيرين على حقيقة الأمر، وعلى حدود حقوقي وواجباتي كناظر مدرسة، وعلى أن القانون يحرم عليّ زيادة الدرجة وإنجاح الطالبين، فقال أحدهم: أنا لا أفهم كيف أننا نتصرف في تطبيق قانون يتوقف عليه حياة الناس، ويتوقف عليه امتلاكهم لما يملكون، وأنت لا يمكنك أن تتصرف في تطبيق قانون (مدرسي) لا أقل ولا أكثر! ثم ذهب ولم يصدق قولي. والحادثة الثانية تشبه هذه الحادثة تمام الشبه، ولكنها حدثت في مدرسة قريبة من القاهرة، فقد رسب أيضاً طالب في اللغة الإنجليزية، ورفض المراقب زيادة الدرجة وإنجاح الطالب، وأبى أبو الطالب، وكان من الوجهاء العظام، إلا أن يحمل لي ضغينة شديدة وأن يثير ضدي غيره من الناس وإن كنت لا أملك وسيلة قانونية لزيادة الدرجة إذا رفض مراقب اللغة الإنجليزية أو غيرها من المواد إنجاح الطالب. كما أني ما كنت أملك وسيلة لمنع مراقب التصحيح من إنجاح الطالب لو أراد إنجاحه، ورأى أنه يستحق النجاح، وفي هذا العجز عن منعه من إنجاح
الطالب ما يدل على العجز عن منعه من إسقاطه مادام يستعمل حقه القانوني ومادام الطالب يستحق التقدير الذي قدره له مراقب التصحيح
وقد اتضح لي أن أولياء أمور الطلبة في مثل هذه الأحوال يريدون أن يوسطوا بعض المشتغلين بالتعليم فيزيد هؤلاء النار أجيجا. وقد ذكرت الآن حادثة ثالثة حدثت في المدرسة الأخيرة وهي أن طالباً أهان أستاذاً فرفت الطالب بضعة أيام، فجاء إليّ والده وقريبه وهما من الأعيان ومعهما ثالث من المشتغلين بالعلم والتعليم، وحاولوا من غير تلطف بل بوجاهتهم ونفوذهم، وقبل أن يعرفوني بأنفسهم أن يحملوني على نقض ما أبرمت، ورأيت أني لا أملك حق السامح للطالب أن يهين أستاذه، فرضت، فحملوا لي الضغينة وكان أشدهم ضغينة ذلك المشتغل بأمر التعليم. وذكرت حادثة أخرى مثلها حدثت في مدرسة من مدارس الوجه البحري، وتدخل أيضاً أحد المشتغلين بالتعليم بخطاب شفاعة من القاهرة فتلطفت في رد طلبه، فحمل لي ضغينة العمر. والذي أعرفه أن الطلبة كانوا قديماً لا ينقمون العقاب المدرسي إذا عرفوا حسن نية موقعه، ولكن الحال قد تبدلت الآن لسوء قدوة الكبار. فإذا كان بين الطلبة من لا يحترم حدود الحق والواجب فقد لقنوا ألا يحترموه، بل لقنوا أن احترامه ضعة ومهانة. وكثيراً ما كنت أشاهد أن الطالب قد يتذمر من العقاب ولكنه يعود إلى الصفاء والولاء. أما الشفيع المخذول فإنه لا ينسى أبداً أنه قد رفضت شفاعته، وهذا كان قبل أن تسري طباع الكبار إلى الطلبة. ومن عجائب الدهر أن أشد الناس لوماً للطلبة وتعنيفاً لهم وذماً لسلوكهم في كثير من الأحايين أسوأ قدوة للطلبة، وهم على نفس الطباع والخصال التي يذمونها في الطلبة والتي سرت منهم إليهم، وهؤلاء هم الكبار على اختلاف طبقاتهم وأعمالهم.
عبد الرحمن شكري
من برجنا العاجي
يدهشني في حياة الملكة فكتوريا تلك الإرادة التي استطاعت بها أن تفصل بين (واجبها) كملك تحكم، وبين (قلبها) كامرأة تحب. إنها كانت مشغوفة بزوجها الأمير (ألبرت)، ومع ذلك أقصته أول الأمر في قسوة عن دفة الملك وشئون الحكم، وهو الرجل الذكي الواسع الاطلاع، فكانت تدرس هي معضلات الدولة وتتركه هو يقتل الوقت بالقراءة وعزف الموسيقى. آه! ما أحوجني أنا إلى مثل هذه المرأة التي تتركني أقرأ وأكتب وأسمع الموسيقى، وتنصرف هي إلى حمل المسؤوليات وحل مشاكل العيش. . . شيء آخر يعجبني في تلك الملكة العظيمة: إنها كانت تقرأ. إني أحب الملوك والقادة الذين يقرأون. تلك هي الوسيلة التي بها يعرفون حاجات شعبهم. لقد قرأت فكتوريا بعض قصص (ديكنز) التي يصف فيها شقاء الطبقات الفقيرة، وأحست وهي في أبراج قصرها ما يعانيه ألوف من البشر يطؤهم ظلم أرستقراطية جامحة بعرباتها الفخمة وخيولها المطهمة، فأدركت من خلال سطور ذلك الأديب كيف أن في بلادها عالماً آخر مهملاً يئن من الجوع والبؤس ولا يلتفت إليه أحد. فتركت الملكة الكتاب وقامت صائحة مرتاعة لم يهدأ لها قرار حتى مدت يدها إلى أولئك المناكيد، فرفعت عن أعناقهم نعال الفئة الباغية، وأطلقتهم يعيشون في هواء الحرية والرخاء كما يعيش الآدميون. في مصر والشرق أيضاً بغي وبغاة، وظلم وظالمون من جميع الأنواع؛ وفيهما كذلك فقر وشقاء وجهل وظلام في كل ركن من الأركان. ولقد يسألني سائل: أين هو الأديب الذي يصف كل هذا البلاء، ويصور هذه الدنيا التعسة المهملة التي لم تمتد إليها يد إصلاح منذ أجيال؟ جوابي على هذا السؤال بسيط: هات لي من يقرأ، أحضر لك من يكتب. إن الطاهي لا يوجد إلا إذا وجد الآكلون. إن الشرق لن يتغير حتى يعلم قادته كيف يملئون أدمغتهم بكل ما يمكنهم من فهم حال شعوبهم. إن ربان السفينة لا يركب البحر قبل أن يعرف بعض أسرار الريح والماء ونجوم السماء. فلنرج دائماً ممن يمسك بالزمام أن يمسك أيضاً بالكتاب
توفيق الحكيم
بين الوطنية والأممية
للأستاذ ساطع بك الحصري
مدير الآثار بالعراق
الوطنية من أهم وأقوى النزعات الاجتماعية المتأصلة في النفوس البشرية، ومع هذا فهي لا تسلم من أعداء وخصوم، يسعون إلى كسر قوتها وإزالة تأثيرها. . . إنني سأتحدث إليكم عن أهم أعداء الوطنية وأخطر خصومها. . .
عندما أقول (أعداء وخصوم) لا أقصد بقولي هذا (الأشخاص والأفراد) بل أقصد (الميول والنزعات). . لا أقصد الأشخاص والأفراد الذين يعادون وطنهم، ويخونون أمتهم. . بل أقصد الميول النفسية والنزعات الفكرية التي تعاكس الدواعي الوطنية، وتوجه العواطف والأعمال إلى اتجاه يخالف اتجاهها. . .
إن أهم وأعم الميول النفسية التي تعارض الوطنية وتعاديها بهذه الصورة هي (الأنانية). . . لأنها توجه النفوس نحو المصالح والملذات الذاتية، وتحملها على تقديم هذه المصالح والملذات على كل شيء. . في حين أن (الوطنية) - بعكس ذلك - تدعو إلى (الإيثار) و (التضحية)، في سبيل الوطن والقومية. . إنها تطلب من كل شخص أن يحب وطنه ويخدم أمته بكل ما أوتي من قوة، وأن يضحي بشيء كثير من راحته وهنائه في هذا السبيل، حتى أنها تطلب منه أن يوصل هذه التضحية إلى درجة (بذل النفس والحياة) عند اللزوم. .
ولذلك نستطيع أن نقول: إن الأنانية تعمل على الدوام عملاً معاكساً لدواعي الوطنية. . . فالوطنية لا تستطيع أن تنمو وتقوى دون أن تتغلب على الأنانية المعادية لها
غير أن الأنانية لا تعادي النزعة الوطنية وحدها، بل تعادي جميع الفضائل والنزعات الأخلاقية، على اختلاف أنواعها. . فكسر قوة الأنانية ليس من الأمور التي تتطلبها النزعة الوطنية وحدها، بل هو من الأمور التي تتطلبها سائر النزعات الأخلاقية بأجمعها
فنستطيع أن نقول لذلك: إن خلال النضال العنيف الذي يحدث بين الوطنية والأنانية لا تبقى الوطنية بدون أنصار. . . بل إنها تجد لنفسها عدة أنصار من سائر النزعات الأخلاقية التي تشترك معها في هذا النضال. . .
غير أن هناك بعض النزعات التي تعادي الوطنية دون أن تعاكس سائر الفضائل الأخلاقية؛ فالوطنية لا تجد لنفسها أنصاراً من تلك الفضائل خلال مناضلة مثل هذه
النزعات، فتتحمل أعباء هذا النضال بمفردها بطبيعة الحال
أما منشأ هذه النزعات المعادية للوطنية فهو الآراء والمذاهب الفلسفية والاجتماعية التي تعتبر الوطنية من (النزعات البالية المضرة) فتدعو الناس إلى نبذها والتخلص منها
لعل أقدم هذه الآراء والمذاهب هي الفكرة التي تعرف في بلاد الغرب باسم الـ (كوزموبوليتيه) بمعنى (مواطنية العالم) - أو بتعبير أقصر (العالمية) - هذه الفكرة تدعو الناس إلى الترفع عن (النزعات الوطنية الخاصة) وتطلب إليهم أن ينزعوا إلى (حب العالم) دون أن يفرقوا بين مختلف الأوطان
أما الملاحظات التي تستند إليها (فكرة العالمية) فيمكن أن تلخص بهذه الكلمات:
ما لفرق بين الأوطان المختلفة؟ ألم تكن كلها من أجزاء الأرض التي نعيش عليها؟ وما قيمة الحدود التي تفصل الأوطان بعضها عن بعض؟ أفلم تكن كلها من الأمور الاعتبارية التي أوجدتها الوقائع الحربية أو المناورات السياسية؟ وما الفرق بين الأمم المختلفة؟ ألم تنحدر كلها من أصل واحد؟ أفلا يجدر بالإنسان - وهذه هي الحال - أن يسمو بأفكاره وعواطفه فوق الأوطان وفوق الأمم، فيعتبر الأرض بأجمعها (وطناً) كما يعتبر أبناء البشر بأجمعهم (مواطنين)؟
لقد مر - في الحقيقة - في تاريخ حياة البشرية عهوداً طويلة، كانت فيها (الرابطة الوطنية) ضيقة محدودة لا يتعدى نطاقها أسوار بعض المدن. كما كانت فيها الرابطة القومية محدودة المدى، لا يتجاوز تأثيرها حلقات بعض القبائل. فقد شهد التاريخ (الدور) الذي ارتفعت فيه الحدود من بين المدن التي كانت متحالفة، وانتفت فيه الضغائن من بين القبائل التي كانت متعادية. . . فتوسعت فيه فكرة الوطنية والقومية إلى ما وراء حدود المدن ونطاق القبائل، فوصلت إلى الحدود التي نشاهدها في الحالة الحاضرة. إن سلسلة التطورات التي حدثت بهذه الصورة إلى الآن، تدل على أن هذا التوسع سيستمر على الدوام، فسيأتي يوم تندمج فيه الأوطان المختلفة بعضها في بعض، إلى أن يصبح (العالم)(الوطن المشترك) لكل الناس، كما تمتزج فيه الأمم المختلفة بعضها ببعض إلى أن تصبح (الإنسانية) بمثابة (القومية المشتركة) بين جميع أبناء البشر. وأما (النزعة الوطنية) التي نعرفها الآن فستزول حتماً بتقدم البشر وتسامي العواطف، وستترك محلها لعاطفة إنسانية،
وأخوة شاملة. . . فيجدر بالمفكرين أن يسبقوا سائر الناس في استقبال هذا التطور الجديد، فيسموا بأنفسهم - من الآن - فوق الوطنيات الخاصة ويعملوا بهذه الصورة على تعجيل حلول عهد الإنسانية الحق. . .
هذه هي سلسلة الآراء والملاحظات التي تستند إليها فكرة (الكوزموبوليتية)، (فكرة العالمية). . .
لاشك في أن هذه الآراء لا تخلو من قوة جذب وإغراء: لأنها تفسح أمام الأذهان مجالا واسعاً لأحلام الأخوة البشرية وأماني السلم الدائم، وتصور أما الخيال عالماً جديداً أرقى وأسمى من العالم الذي نعيش فيه الآن. . . فمن الطبيعي أن تستولي هذه الآراء - من الوهلة الأولى - على بعض النفوس التواقة إلى الكمال، ولو كان في الخيال. . .
فقد انتشرت الفكرة - فعلاً - انتشاراً كبيراً بين المفكرين في النصف الخير من القرن الثامن عشر. . . ولا سيما في ألمانيا، وحيث أصبحت النزعة السائدة في عالم الفكر والفلسفة. . فكان معظم الفلاسفة والأدباء - من كوته إلى لسينغ، ومن هردر إلى شللينغ - يقولون بها ويدعون إليها؛ فكان (كوته) - مثلاً - يترفع عن النزعة الوطنية، ويقول (وقانا الله إياها)، وكان (هردر) يعتبر الوطنية (من النزعات التي لا تليق بالمستنيرين والمفكرين). . .
ومما يجدر بالانتباه والملاحظة أن هذه النزعة الفكرية - مع انحدارها في الأصل من روح التشوق إلى الكمال - تتفق - في النتيجة - مع روح الاستكانة السلبية، وتكتسب لذلك قوة من ميول الأنانية الخفية. . .
لأن (فكرة الإنسانية والعالمية) نزعة أفلاطونية، لا تتطلب من الفرد عملاً فورياً وتضحية فعلية، في حين أن الوطنية نزعة واقعية تتصل بالحياة الحالية، وتتطلب من المرء أن يقوم ببعض الأعمال والتضحيات بصورة فورية؛ فالانصراف عن النزعة الوطنية، استناداً إلى (الفكرة الإنسانية) يكون بمثابة الانصراف عن الأعمال الإيجابية استكانة إلى الأوضاع السلبية. . ولهذا السبب يتفق هذا الانصراف اتفاقاً كبيراً مع روح الأنانية، التي كثيراً ما تتقنع بأقنعة خداعة تستر وراءها كثيراً من الميول النفعية. . .
لقد انتبه (جان جاك روسو) إلى هذه الحقيقة، فانتقد (الفكرة العالمية) بأسلوب لاذع، فقال:
(إن بعض الناس يحبون أبناء الصين، لكي يخلصوا من الواجبات الفعلية التي تترتب عليهم من جراء حب أبناء وطنهم الأقربين)
وعلى كل حال يمكننا أن نقول: إن فكرة (العالمية) انتشرت في القرن التاسع عشر انتشاراً كبيراً بسبب تشوق المفكرين إلى الكمال الخيالي من جهة. . . وبدافع ميل الناس إلى التخلص من ثقل الواجبات الفعلية من جهة أخرى
وهذا الانتشار صار عظيماً في البلاد الألمانية بوجه خاص؛ أولاً: لموافقة الفكرة لروح الفلسفة السائدة بين مفكري الألمان عندئذ، وثانياً: لعدم اصطدامها هناك بنزعة وطنية قوية بسبب انقسام الأمان إلى دويلات كثيرة، واشتباك منافع هذه الدويلات وأمرائها اشتباكاً يحول دون نمو النزعات الوطنية والقومية نمواً سريعاً. . . إننا نجد في إحدى الكلمات التي كان قالها المفكر الألماني (شله يجل) دليلاً قاطعاً على ما أسلفناه؛ فقد قال: من العبث أن نحاول تكوين أمة ألمانية، فالأجدر بنا أن نأخذ بالفكرة العالمية، ونخدم الإنسانية. . .)
واستمر الحال في البلاد الألمانية على هذا المنوال حتى غزوة نابليون وهزيمة (يه نا). . .
ولاشك في أن الانهزام الهائل الذي مني به الجيش البروسي في واقعة (يه نا) كان من أبرز نتائج ضعف النزعة الوطنية وانتشار الفكرة العالمية. . . فإن الجنود كانوا ينهزمون من ساحة القتال تاركين أسلحتهم فيها دون أن يحاولوا استعمالها لصد غارة العدو الزاحف إلى بلادهم
غير أن كل ما حدث بعد ذلك بدد الأحلام العالمية والأماني الإنسانية التي كانت مستولية على النفوس. . . وأظهر لكل ذي عين بصيرة الفروق الهائلة بين (الوطن) الذي ينتسب إليه وبين غيره من الأوطان. . . وبين (الأمة) التي ينحدر منها وبين غيرها من الأمم. . .
فإن الذين كانوا انهزموا من ميدان القتال دون أن يستعملوا أسلحتهم لصد غارة الجيوش الأجنبية اضطروا - بعد بضع سنوات من تاريخ الواقعة - إلى الانخراط في سلك الجيوش المذكورة ليخدموا مآرب قائدها الخاصة. . . إنهم أرغموا على التجنيد وعلى العمل تحت إمرة قواد فرنسيين ليحاربوا - رغم أنوفهم - الدول والأمم التي أراد زعيم الفرنسيين الاستيلاء عليها دون أن يكون في كل ذلك أدنى مصلحة لهم ولوطنهم الخاص ولأمتهم الحقيقية. . .
وهكذا قد شاهد مفكرو الألمان بأعينهم أنه بينما كانوا يغطون في أحلام الإنسانية والعالمية استولت على بلادهم جيوش أمة بعيدة عن تلك الأحلام، ومتشبعة بروح الوطنية بأشد وأحد أشكالها، فأخذت تلك الأمة تسيطر عليهم وتستعبدهم، وتذيقهم أنواع الذل وتسوقهم إلى حيث تريد. . .
فكان من الطبيعي أن تنقلب الآراء والنزعات في ألمانيا انقلاباً هائلاً تحت تأثير الدروس القاسية التي ألقتها هذه الوقائع والنكبات. . وفي الواقع لم يمض على واقعة (يه نا) مدة طويلة، حتى تركت الفكرة العالمية محلها لحماسة وطنية شديدة ويقظة قومية جبارة. . . وهذه الحماسة الوطنية واليقظة القومية هي التي أدت إلى نهضة بروسيا المعلومة، وخلصتها من نير الفرنسيين ثم قادت الأمة الألمانية بأجمعها نحو الاستقلال والوحدة والقوة والعظمة. . .
ومن المفيد لنا أن نتتبع هذا التطور العميق فيما قاله وكتبه البعض من مفكري الألمان أنفسهم في ذلك العهد. . أود أن أذكر لكم مثالين بارزين: أحدهما من الحكماء وهو (فيخته) والثاني من الشعراء وهو (آرنت)
عندما يذكر اسم - فيخته - في ألمانيا، يتبادر إلى الأذهان الخطب الحماسية التي وجهها (إلى الأمة الألمانية) خلال أيام النكبات التي بحثنا عنها، تعتبر هذه الخطب من أهم عوامل النهضة في ألمانيا، ومن أقوى موجهات القومية فيها. . .
ألقى فيخته خطبه الأربع عشرة في مدرج جامعة برلين، عندما كانت الجيوش المحتلة تقوم باستعراضات متوالية في شوارع العاصمة البروسية وميادينها. . . تحتوي هذه الخطب على نظرات فلسفية في تاريخ حياة الأمة الألمانية، وأبحاث شيقة عن الحيوية الكامنة فيها وعن وسائل التربية التي تكفل تجديد حياتها. . . وكل هذه النظرات والأبحاث ترمي إلى غاية واحدة، هي استنهاض الهمم في سبيل بعث الأمة الألمانية، وإعادة بناء مجدها. .
إن خطب فيخته تنم عن روح وطنية متأججة، وتدعو إلى نزعة قومية متعصبة، ولاسيما الخطبة الختامية، فإنها تعتبر آية من آيات التحميس والاستنهاض. يوجه (فيخته) في خطبته هذه بعض الكلمات إلى الشباب، ثم إلى الكهول، ثم إلى رجال الدولة والمفكرين والأدباء، وأخيراً الأمراء، مصدراً كل واحدة من هذه الكلمات بقوله: (إن خطبي تستحلفكم
وتبتهل إليكم. . .)
بعد ذلك يضطرم حماسة، فيقول لجميعهم:(إن أجدادنا أيضاً يستحلفونكم معي، ويضمون صوتهم إلى صوتي (ويأخذ في تصوير صوت الأجداد) بأسلوب حماسي جذاب. ثم يعقب ذلك بقوله: (إن أخلافكم أيضاً يتضرعون إليكم). ويشرح صوت الأخلاف بأسلوب مؤثر خلاب
وأخيراً ينهي الخطبة بكلمات تدل على شعوره بغرور قومي عميق: (. . . ولو تجاسرت لأضفت إلى كل ما تقدم قائلاً: إن القدرة الفاطرة أيضاً تستحلفكم وتستنهضكم. . . لأنه لم يبق على وجه الأرض أمة حافظت على بذور قابلية التكمل البشري بقدر ما حافظت عليه أمتكم المجيدة. . . فإذا سقطت الأمة الألمانية سقط معه الجنس البشري بأجمعه، ولا يبقى له أدنى أمل في السلامة. . .)
(يتبع)
ساطع الحصري
التاريخ في سير أبطاله
ابراهام لنكولن
هدية الاحراج إلى عالم المدنية
للأستاذ محمود الخفيف
- 2 -
يا شباب الوادي! خذوا معاني العظمة في نسقها الأعلى من
سيرة هذا العصامي العظيم
ما لبثت الأسرة أن رأت في عميدها (توماس لنكولن) ميلاً شديداً إلى الرحيل من (كنتوكي) إلى حيث يسهل عليه كسب قوته وقوتها مع اليسير من الجهد، وكان توماس من النفر الذين يضيقون بالجهد والذين يطلبون أكلاف العيش من أيسر سبلها فهو لذلك لا يكدح إلا مضطراً؛ وما فتئ يذكر اسم (انديانا) مقروناً بالخير والبركة وهو يزين لزوجه الرحيل إلى تلك الجهة، ثم ذهب فخبرها بنفسه وعاد بعد قليل يحمل إليها متاعه وأسرته. وما كان أسرعه بعد عودته في توطيد ما اعتزم! حزم متاع بيته وحمله على جوادين أعدهما لذلك، وكان ابنه (أيب) يركب معه على ظهر أحد الحملين، وتركب زوجه وابنته (سارا) على الآخر وقضوا في الطريق زهاء أسبوع يشقون في سيرهم الأحراج ويجتازون بعض مجاري المياه، فإذا جنهم الليل قام عميد الأسرة على حراستهم حتى ألقوا رحالهم آخر الأمر في (انديانا)
وشمر توماس لنكولن عن ساعديه وشمر معه أيب وأهوى بفأسه على الأشجار يقطعها ويشقها ويسوي فروعها وابنه يعاونه ما وسعه العون وهو لا يني يشق هاتيك الخشبة، ويقطع تلك ويشذب هذه، حتى تم له إعداد ما يلزم لإقامة كوخ تأوي إليه الأسرة، ثم دعا إليه بعض جيرانه ليساعدوه في رفع تلك الأخشاب بعضها فوق بعض. وكان رفع الأخشاب عملية يدعى إليها الجيران فيلبون في سرور وإخلاص، وكان يجري فيها من فنون اللهو والمزاح ومن ضروب التندر واللعب بقدر ما يكون فيها من مشقة ونصب
أقامت الأسرة في انديانا، وتركت موطنها في كنتوكي، وإنك لترى هذا الارتحال من مكان إلى آخر ومن مقاطعة إلى مقاطعة أشبه بتنقل البدو في الصحراء. ليس بين الحياتين من فرق إلا بمقدار ما يكون بين الغابة والبيداء، وبين البيت يتخذ من الشعر أو يقام من كتل الخشب؛ ومن ثم فليس بين المعيشتين من فرق من حيث أثرهما في الخلق والخيال إلا بقدر ما يقوم بين الطبيعتين من اختلاف
وكان لهذا الترحال أثره في نفس الغلام، إذ أخذ الوطن منذ ذلك الحين يتسع في نظره ويمتد حتى أصبح وطنه هو أمريكا كلها؛ فهو مرتحل أبداً مادام العيش يتطلب الارتحال، وهو متخذ من كل مكان وطناً يتصل بنفسه ويعلق بخياله، وظل ذلك شأنه حتى انتهت إليه زعامة الولايات جميعاً وحتى أخذ بيده مقاليد الحكم فيها
وكانت الحياة في انديانا سهلة لا تكلف الناس عناء ولا ترهقهم عسراً، إذ كانت تقوم على الصيد، وكانت الحيوانات موفورة في الغابات لمن يطلب الصيد، ولكن تلك المعيشة كانت إذا قيست إلى معيشة المدن بعيدة كل البعد عن أسباب الرفاهة، بل عن أبسط وسائل الراحة، وحسبك دليلاً على ذلك أن الملابس كانت ما تزال تتخذ من جلود الحيوانات، إلا في بعض الأحيان حين كان يغزل الصوف وينسج بالأيدي وفي الأكواخ، وأن البيوت كانت كما رأيت، وما كانت تفتقر إليه تلك الأصقاع من المتاجر أو سبل الاتصال أو دور الاستشفاء أو دور التعليم إلا ما كان منها في أبسط حالاته، أو غير هذه من مظاهر العمران المعروفة في غير تلك البيئة من البيئات
على أن الصبي كان مغتبطاً ببيته الجديد في أنديانا، يأنس بكثرة الجيران هنا، ويرى الحياة أكثر نشاطاً وأوسع مجالاً، ولقد جاء ذوو قرباه فأقاموا معهم حيث كانوا يقيمون. ومرت الأيام في هدوء وسلام وصفو، وكان كل يقوم بنصيبه من العمل لم يتخلف عن ذلك حتى الصغار؛ فهذا (أيب) وكان غلاماً قوي الساعدين - على نحافته - يبذر الحب في الربيع، ويشترك في الحصاد وقت الصيف، ويطعم الخنازير، ويحلب الأبقار، ويساعد أباه في أعمال النجارة؛ وهذه سارا تساعد أمها فيما لا يحسنه أيب من أعمال البيت. وظل هذا حال تلك العشيرة مدة عامين
ولكن الزمن القاسي يأبى عليهم أن يظلوا في أمنهم وسكنهم فتنتابهم حمى مروعة ينوء بها
الناس والدواب، ويحار الكبار والصغار في أمرها وهم لا يجدون طبيباً. وهيهات أن يظفروا بطبيب إلا أن يقطعوا نيفاً وثلاثين ميلاً على الأقل. وهل كانوا يستطيعون أن ينتقلوا بضع خطوات؟. . . لقد هدهم المرض فرقدت الأم ورقد الجيران من ذوي القربى. ثم جاء دور أيب وأخته. . . وأخيراً حم القضاء ووقعت الكارثة فماتت الأم وقد أضنتها الحمى وفتكت بجسدها النحيل! ماتت الأم ورزئ أيب بأول صدمة من صدمات الأيام. وأي صدمة! لقد ضاقت في وجهه الدنيا، وأحس معنى اليتم إحساساً قويّاً زاد من وقعه ما فطر عليه الصبي من عمق الخيال واشتداد العاطفة. ولقد ظل واقفاً أمام تلك البقعة من الأرض التي دفنت تحتها أمه حتى تناوحت من حوله رياح المساء، ومشت في الأفق ظلال الطفل، فذرف الدمع سخيناً وعاد إلى الكوخ كسير القلب موجع النفس يحس كأنه غريب في هذا الوجود الواسع!
وكان قد سبق أمه إلى الموت أبوها وأمها، ذهبا كما ذهبت ضحية تلك الحمى القاسية، وعلى ذلك صارت ربة الأسرة سارا الصغيرة التي لا تزيد سنها على الثانية عشرة! وكانت سارا تخدم أباها وأخاها فيما يلزمهما من شؤون البيت؛ ولكن الرجل لم يطق صبراً على تلك العيشة، فترك - بعد سنة من وفاة زوجته - ابنه وابنته وصحبتهما طفلة دونهما في العمر هي بقية العشيرة؛ ثم عاد إليهم في عربة يجرها أربعة من الجياد! ونزلت من العربة سيدة يذكر أنه رآها قبل ذلك في كنتوكي، ونزل منها غلام وأختان له، وكانت تلك السيدة - كما عرف - زوج أبيه!
ودهش أيب لما رأى من متاع جديد! فقد رأى سرراً حقيقة وكراسي وخواناً ومائدة ومُدىً وسواها مما لم تقع عليه عينه من قبل بين جدران الكوخ. وسرعان ما توثقت عرى المودة بين الجميع، فكوَّن الصغار رفقة تربطها المودة والمحبة، لا يحسون جوراً في المعاملة من جانب ربة البيت الجديدة؛ فلقد كانت امرأة صالحة طيبة القلب، رقيقة العاطفة حلوة الشمائل، ذكية الفؤاد، ازدادت محبة في نفس أيب إذ رأى منها - فوق ما أولته من عطف - ميلاً إلى تعليم الصغار، وسمعها تجادل زوجها في ذلك وتصر على أن يذهبوا عصبة إلى المدرسة؛ وكان الزوج في بداوته يقدم الفأس على القلم ويضن بابنه وقد أنس من قوة ساعديه ومهارة يده أن يرسله إلى المدرسة وهو أحوج ما يكون إلى مساعدته، ولكن رأيها
تغلب في النهاية وسار الأولاد إلى المدرسة وكانت على مسافة ميل ونصف ميل من كوخهم
وفي المدرسة أقبل أيب على تعلم القراءة والكتابة إقبالاً لم يعرف له مثيل في قرنائه. أليس ذلك غاية مبتغاه ومنتهى هواه؟. لقد كان يعمد إلى قطع الفحم إذا عاد إلى الكوخ فيكتب بها على غطاء صندوق من الخشب تارة، أو على ظهر لوح الخشب الذي كانوا يحركون به النار تارة أخرى! يكرر ذلك في غير ملل مع صعوبة الكتابة بالفحم على مثل تلك الأشياء. وأنى له الحبر والورق إلا ما ندر من قصاصات رديئة كان يضن بها على التمرن فلا يخط عليها إلا ما يحسنه فيزهي به ويباهي. . . هكذا تعلم إبراهم لنكولن القراءة والكتابة!
لكن أباه لا يهتز لذلك ولا يهش له، بل إنه ليقطع عليه أكثر الأحيان هوايته فيستصحبه إلى الغابة ليعاونه فيما كان يراه أجدى على الأسرة من الأعمال. وهو يرى فيه الآن وقد ناهز الرابعة عشرة خير عون له إذ كان الفتى حاذقاً قوياً حتى لتبدو قوته مدهشة تحمل على العجب ما رأى الجيران مثلها قط فيمن كان في مثل عمره. ورأى فيه أبوه فوق ذلك قدرة على الرماية تجلت له في حادثة واحدة ولكنها كانت مقنعة: تناول البندقية ذات يوم وصوبها نحو فرخ بري فأصابه في مهارة وخفة. . . على أنه قد جزع وأخذه الرعب وندم على ما فعل، وعافت نفسه هذا الفعل وما فيه من قسوة، وما رآه أحد بعدها يصوب سلاحاً نحو مخلوق. . .
وما كان إذعان إبراهام لأبيه إذا دعاه ليصرفه عما مالت إليه نفسه، فكان يختلس الساعات فيكتب ويقرأ ويكتب ويقرأ والشوق يحدوه واللذة تدفعه حتى صار قادراً على تناول الكتب! وأول ما تناوله من الكتب الإنجيل وخرافات إيزوب وروبنسن كروزو ورحلة الحاج. وكم كان لهذه الكتب من أثر في خياله ووجدانه، ذلك أن نفسه أخذت تتفتح للحياة كما تتفتح الزهرة أحست دفء الربيع ونوره وصفاءه! وتاقت تلك النفس الذكية إلى تاريخ العظماء، فقرأ حياة هنري كليي وحياة فرانكلن ثم حياة وشنجطون بطل الاستقلال وزعيم الحرية. ولقد كان جد معجب بهذا الزعيم العظيم مأخوذاً بما يطالع من مواقفه في حرب الاستقلال، مسحوراً بما تجلى في تلك الحرب منن أعمال البطولة. ولا يخفى ما تركته مثل هاتيك المطالعة من عميق الأثر في تلك النفس الوثابة الجياشة بأنبل المعاني
وعرف عنه وهو في السادسة عشرة من الشمائل ما لا يتحقق إلا للمصطفين الأخيار. كان
على قوة جسمه مضرب المثل في دماثة الخلق وعفة اللسان واليد، وكان حديث القوم في أمانته ونزاهته وسمو أدبه. تحدثت عنه زوج أبيه مرة فقالت:(لم يوجه إلى مرة كلمة نابية أو نظرة جافة، ولم يعص لي أمراً قط سواء أكان ذلك في مظهره أم في حقيقة أمره) ويروي عنه أنه استعار من أحد الجيران كتاباً عن وشنجطون لمؤلف آخر فأقبل عليه يطالعه حتى جن عليه الليل فوضعه في شق بين الكتل الخشبية في أحد جدر الكوخ فبلله المطر، فلما رآه في الصباح اشتد أسفه وحمله إلى صاحبه، وهو لا يقوى على الوقوف أمامه من شدة الخجل، ولا يدري كيف يعتذر! ثم بدا له فعرض على صاحب الكتاب أن يدفع ثمنه، وكان ذلك الثمن أن يأجره الرجل عنده ثلاثة أيام في عمل من أعمال الزراعة! وقد تم له ذلك فطابت به نفسه وصار الكتاب ملكا له، وذلك ما اغتبط له أشد الاغتباط
وراح يقرأ وهو يقتبل شبابه كل ما تصل إليه يده. يقرأ في ضوء النهار حتى ينقضي فيقبع في الليل إلى جانب الموقد يقرأ على ضوء اللهب! لا يكل له طرف ولا تأخذه سنة حتى لينسى طعامه وشرابه إذا كان حيال فقرة قوية أو حديث ساحر
ومالت نفسه إلى تفهم أسرار الحياة وهو بعد في تلك السن، فأخذ يتأمل ويتأمل، يلتقط جريدة قديمة فيقرأ فيها ما يعجب له ولا يفهمه، يقرأ عن الانتخابات وعن مسألة العبيد، ويسمع أشباه ذلك في الكنيسة وفي أحاديث الجيران فيعجب بينه وبين نفسه، وهو لا يدري كنه هذه الأشياء على وجه اليقين
وأخذ يدرس من كثب طباع الناس، وكانت له نظرة نافذة إلى أعماق الأشياء، وكانت نفسه بطبيعة تكوينها تنفعل للجمال والحق وتنفر من الشر وتنأى عنه. ولو رآه خبير بطباع البشر يومئذ لظن أنه حيال شاعر تنبسط جوانب نفسه، وتتهيأ لرسالة من الرسالات روحه. ولقد كان إبراهام يكتب الشعر يومئذ ويقرأه على خلانه؛ وصارت للشاعر بيرنز عنده مكانة سامية حتى لقد حفظ ديوانه عن ظهر قلب، وصار لا يقدم عليه شاعراً سوى شكسبير
عجيب حقاً أمر هذا الفتى الذي تنقسم حياته بين المدرسة وبين أعمال النجارة في الغابة، والذي يقرا مثل هذا النوع من الكتب قراءة تمعن وتمحيص! ولكنها العبقرية تفتح وتعلن عن وجودها بشتى الصور والأساليب، وهي هي الجوهر الثابت لا تدركه الأبصار وإن أحسته القلوب والعقول.
هو الآن يتخطى السادسة عشرة، طويل الجسم مديد القامة عريض الصدر، ولكنه نحيف تستوقف الأبصار نحافته كما يستوقفها طوله، وهو على نحافته قوي الجسم قوة ما توافت لمثله في هذه السن؛ وكأنما تجمعت تلك القوة في ساعده، فليست هناك دوحة تقوى عليه إذا هو أهوى بفأسه عليها. بذ أباه في قطع الأشجار وتسوية الأخشاب، وغالب أقرانه في الغابة حتى سلموا له بالتفوق مكرهين
وكانت هيئته وحشية بسبب شعره الأشعث المغبر وهندامه الساذج المتهدل، وتقاطيع وجهه المسنون الذي يبرز فيه الأنف بروزاً شديداً فيبدو كأنه أضخم من حقيقته، ولذلك ما كان يطمع ابراهام وهو في سن الأحلام والتظرف أن تنظر إليه فتاة نظرة ذي علق. . . وهل كان يتجه خياله إلى شيء من هذا؟ حسبه ما هو فيه مما هو أسمى من ذلك وأجدى
ولاحظ عليه أقرانه شيئاً من الشذوذ يومئذ، فهو يلقي بفأسه أثناء العمل في الغابة ويخرج من جيبه كتاباً فيقرأ ويقرأ في صوت جهوري كأنه خطيب. . . وهو يضحك أحياناً بلا سبب ظاهر وقد يعلو في ضحكه مبتدئاً من ابتسامة حتى يصل إلى قهقهة، وهو على رقة عاطفته ورفق قلبه يقوم للجيران إذا دعوه بأعمال الجزارة فيقتل لهم الخنازير بوقذها في جباهها في جرأة وسرعة. . وبينا يرى الناس منه ذلك يعجبون العجب كله إذ يرونه يمد يد المساعدة إلى الضعفاء والبؤساء. لقي وهو في طريقه مع رفيق له رجلاً قد ألقاه جواده في الطريق وقد ذهبت الخمر بلبه، فمازال به يوقظه وهو لا يستيقظ ولا يفيق، فتبرم صديقه، فرد عليه أنه لا يستطيع أن يترك هذا الرجل على الرغم من سكره فريسة للبرد وحمله على ظهره إلى كنه؛ وأقام إلى جانبه ردحاً من الليل. وسمعه الناس يعلن عطفه على الهنود الحمر قائلاً إنهم أصحاب تلك الأرض وإنهم أخرجوا من ديارهم وأنهم لذلك جديرون بالرحمة والعطف!. ولم يقف به عطفه عند الإنسان، بل لقد أظهر غير مرة الرأفة بالحيوان، فوقف ذات يوم ينقذ كلباً وقع في الثلج وقد ناله في ذلك من التعب ما ناله. ورأى بعض خلانه يلعبون بسلحفاة أوقدوا على ظهرها ناراً فعنفهم وذهب من فوره فكتب موضوعاً في الرفق بالحيوان وقرأه على من صادفهم من جيرانه!
ومما يعرف من ميوله يومئذ ميله إلى المحاماة، ولعل مرد ذلك إلى حدبه على المستضعفين. عرف هذه المهنة حين قصد ذات يوم إلى جلسة قضائية في بلد قريب
ليتفرج، وقد أعجب بدفاع أحد المحامين ودفعه إعجابه إلى أن يتقدم إلى ذلك المحامي مهنئاً، فاقتحمته عين المحامي المدل بنفسه وازدراه وهو يرى من هيئته ورث ثيابه ما يرى، ولم يدر أنه كان يزدري من سيكون يوماً رئيس الولايات المتحدة! ومنذ ذلك اليوم تاقت نفسه إلى معرفة القانون عله يستطيع أن يخطب ويدافع فينصر المظلومين، فلقد صار ذلك العمل محبباً إلى نفسه.
ولكن أنى له المال الذي يهيئ له سبل الدراسة والظهور في المجتمعات؟ أنى له المال وهو لا يكاد يراه. هاهو ذا يصنع قارباً بيديه ويحمل فيه بعض حاصلات إقليمه ليبيعها في سوق قريبة ولكنه يبيعها بثمن زهيد؛ بيد أنه حدث أن حمل في تلك الرحلة بعض الناس في قاربه من شاطئ النهر إلى حيث أدركوا قارباً بخارياً في عرض النهر، وما كان أعظم دهشته حين مد إليه أحدهم يده بقطعتين من الفضة كانتا تساويان ريالاً، وما كان أعظم فرحه بذلك. أشار إلى ذلك الحادث يوماً وهو في منصب الرياسة يخاطب صديقه ستيوارت فقال:(إني لم أكد أصدق عيني. ربما رأيت ذلك يا صديقي أمراً تافهاً، أما أنا فإني أعتبره أهم حادث في حياتي. لقد كان من العسير عليّ أن أصدق أني - وأنا ذلك الفتى الفقير - قد كسبت ريالاً في أقل من يوم؟ لقد اتسعت الدنيا في ناظريّ وبدت لي أكثر جمالاً؛ وازداد أملي وثقتي بنفسي منذ تلك اللحظة).
(يتبع)
الخفيف
المثل الأعلى للشاب المسلم
للأستاذ علي الطنطاوي
تتمة
هذه هي الصفة الأولى للشباب، وهذا هو المثل الأعلى فيها. تزوج ثم أحب زوجتك، وأوْلها قلبك، وامنحها عاطفتك. أما الصفة الثانية فهي البطولة، وحظ الشباب المسلمين فيها أوفى من حظوظ شباب الأمم. وعلى الشباب المسلمين واجب أضخم، ذلك أن المصلحين كانوا يتلفتون قبل عشرين عاماً فلا يرون حولهم إلا ظلاماً لا تسطع في ثناياه بارقة أمل، ونوماً (أو قل موتاً) لا ترى في خلاله أمارة حياة، وخيبة مستمرة في السياسة والعلم والعمل؛ ثم انجلت الحرب العامة عن جسم واحد، حاول الأقوياء الغالبون أن يخالفوا فيه سنة الله ونواميسه في كونه، فيجعلوا الرأس يحيا وحده، واليدين تعيشان وتفكران على استقلال، والقلب يصبح إنساناً برجلين؛ فقرروا أن تكون هذه الحكومات الكثيرات المضحكات في بلد مجموع سكانه أقل من نصف سكان لندن، فكأنهم جرَّبوا ألا يكون الواحد ربع الأربعة، بل يكون كل واحد أربعة كاملة!
كان المصلح يرى ذلك كله ولا يرى إلى جانبه ما يبعث في النفس أملاً أو يحيي فيها رجاء، فكان يتشاءم ويقنط؛ ولكن الزمان يا سادتي قد تحوَّل، وختمت يد القدرة المجلد الثاني من تاريخ الأمة الإسلامية، ذاك الذي سجلت فيه عصر الانحطاط والتأخر، وافتتحت اليوم المجلد الثالث من هذا التاريخ لتسجل فيه عهد البعث والتقدم. إن المصائب التي اشتدّت وآلمت، وتتالت وتعاقبت، قد نبَّهت وأيقظت، وحذرت وأنذرت، فأفاقت شعوب هذا الشعب الإسلامي مذعورة تفتش عن طريق الحياة، وتبحث عن سبيل العمل؛ وظهرت بوادر يقظة قوية، ونهضة شاملة، ولكن (يا سادتي) ينقصنا الإيمان بهذه الحقيقة الواقعة فليكن اجتماعنا هذا تبشيراً بها ودعوة إليها. يجب أن نؤمن بهذه النهضة إيماننا بوجود أنفسنا، ويجب ألا يبقى فينا متشائم
لقد نهضنا، ولكن القافلة تجتاز اليوم أشدّ مرحلة من الطريق، وأخطر مغارة في هذه البادية. كانت القافلة تسير نائمة يقودها أدلاء جهلوا الطريق، وحادوا بها عن المحجة، وتنكبوا بها الصراط المستقيم، فلما سمعت صوت القدر على لسان أولئك الأعلام: الأفغاني، ومحمد
عبده، والقاسمي، والشيخ طاهر، والألوسي، وسعد، ورشيد رضا، وشكيب أرسلان، والرافعي وأمثالهم - أفاق منها من أفاق، فنهض وفتح عينيه من لم ينهض، وقال كلٌّ كلمته، فوقعت المعركة بين الداعين المصلحين والأدلاء الجاهلين، وانقسم الناس بينهم انقساماً؛ فكانت بلبلة، وكانت جلبة، وكان اضطراب، ولكن القافلة تمشي. . . تمشي على الطريق لأنها أفاقت، ومن أفاق وانتبه لا يتبع دليلاً جاهلاً
إن هذه النَّبتة على قوتها مختفية بين مئات من الأعشاب الجافة التي بقيت من الموسم الماضي، إنها ستشق طريقها من بينها وتحيا من دونها، لأن النبتة الجديدة أمُّ المستقبل: نصيبها الغد، وتلك الأعشاب بنت الماضي فستذهب مع الأمس إلى غير ما رجعة. إن صوت النهضة الجديدة، صوت الحق، ضائع الآن في الصيحات التي تُدوّي اليوم في الأسماع صدى للأصوات الماضية لا يلبث أن يخفت، لأن الصدى ينتهي، أما الصوت فإنه يبدأ
هذه النهضة واضحة، فآمنوا بها يا شباب، وانظروا إلى الحياة من ناحية الأمل المشرق الواسع لا من جهة اليأس الضيق القاتم
إن شبابنا متشائمون: اقرؤوا قصائد الشعراء من الشباب، إنها مليئة بالآلام، مغمورة بالكآبة، غارقة في الدموع. اسمعوا موسيقى الشباب كلها بكاء، كلها نحيب: يا لوعتي يا شقايا، ضاع الأمل من هوايا. . . فما لشعرائنا وموسيقينا الشباب لا يرون في الدنيا لذة ولا سروراً؟ لم يبصرون ظلام الليل ولا يرون بهاء الشمس؟ لم يفكرون في وحشة الخريف ولا يفكرون في روعته؟ لم ينتبهون إلى عُري الشتاء ولا ينتبهون إلى خشوعه؟ إن كلّ ما في الدنيا جميلٌ بهيٌ ولكن في عين الشاب الصحيح القوي. أما المريض، أما المسلول المحطوم، فلا يرى إلا الظلام. فيا شبابنا داووا نفوسكم من سُلِّ اليأس
لقد استدار الزمان كيوم ظهر الإسلام، واحتضرت الحضارة وكادت تأتي عليها مادية الغرب، فتذهب بها كما كاد يذهب بالحضارة الأولى تَفَسخ الحكومتين الكبيرتين فارس والروم. إن العالم اليوم بين حجري الرحا التي تطحن المدنية، وتتركها هباء منثوراً كما تكهن ولِزْ. العالم بين مادية الغرب وحياته الحديد الآلية وروحية الشرق الأقصى وفناء الهنود في ما وراء المادة، ولا سبيل إلى النجاة إلا بالنهج السوي نهج الإسلام
فيا شباب المسلمين تجردوا لأداء الواجب، وإسماع العالم صوت الإسلام
إن هذه الدور الذي تجتازه اليوم أمم الشرق الإسلامي، يشبه دور البعث (الرونِسانس) في أوروبا، وعلى الشباب أكبر الوجائب في هذا الدور
على الشباب واجب علمي هو أن يبعثوا المكتبة العربية القديمة بحلل جديدة، وأساليب مستحدثة. إن في هذه الكتب الصفراء علماً جماً ولكنه مطمورٌ تحت أنقاض الأسلوب الماضي. في كتب الفقه مثلاً ما يستنبط من القانون الأساسي، والقانون الجزائي، والقانون المدني، والقانون الإدراي، وقانون أصول المحاكمات، ولكن هذه الكتب موضوعة على طريقة لا نسيغها اليوم، ولا نألفها ولا تصلح لنا ولا نصلح لها، وإن كانت تصلح كل الصلاح في عهد من ألّفوها، فيجب على الشباب أن ينقطع منهم فئة إلى دراسة هذه الكتب وتفهمها، ومعرفة ما فيها، واستخلاص موادِّها العلمية، وعرضها بشكل جديد
إن الأساليب (يا سادتي) أزياء، وقد تبدل الزي اليوم، فليأخذ الخياط الماهر هذا الثوب القديم، وليصنع من قماشه ثوباً جديداً، على ألاَّ يضيع منه خيطاً واحداً. إن من العار أيها السادة أن تترقى أساليب التأليف في كل العلوم ونبقى نحن، في علومنا، على ما كنا عليه. إن الذين كتبوا هذه الشروح وهذه الحواشي وهذه التقارير عظماء أجلاء، لأنهم أنتجوا شيئاً، وعرضوه على أحسن شكل يألفه عصرهم، وليس عليهم من ذنب، ولكن الذنب علينا، نحن الذين لا يؤلفون، ولا يشتغلون، ولا ينتجون، وإنما يعيشون عالة على أجدادهم كهذا النبات الطفيلي الضعيف الذي يتمسك بأقدام النخلة الباسقة
وإن على الشباب واجباً اجتماعياً هو أن يدرسوا الإسلام، ويكشفوا عن رأيه في هذه المعضلة الاجتماعية: إن العالم سيضيع بين الاشتراكيين والماليين الفرديين، ولا طريق إلى النجاة إلا الطريق الأوسط الذي يهبط عن خيالات الشيوعيين وأحلامهم التي لا تتحقق أبداً، ويترفع عن أفق الماليين الذين يستعبدون الناس بأموالهم، ويسخرون المجموع لمصلحة الفرد
وإني على يقين أن للإسلام القول الفصل في هذا الباب، ولكن أحداً من العلماء لم يكلف نفسه عناء البحث عن رأي الإسلام الاجتماعي
وإن على الشباب المسلمين واجباً أخلاقياً، هو إنقاذ العالم المتردّي في مهاوي الرذيلة التائه
في مهامه الظلام. ارفعوا منار الإسلام، وانشروا مكارم الأخلاق التي بعث نبيكم صلى الله عليه وسلم لإتمامها
أليس من العجيب يا سادتي أن يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المؤمن: هل يسرق؟ هل يزني؟ فيجيب باحتمال ذلك، وإن كان نادراً، فإذا سئل: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا. أليس من العجيب أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الكذب ثلث النفاق، وإخلاف الوعد الثالث الثاني؛ ثم يكون في المسلمين اليوم أكذب الناس، وأخلفهم للمواعيد؟
أليس عجيباً أن يأخذ الإفرنج غير المسلمين أخلاقنا، فتكون لهم عادة وطبعاً، ويضيع المسلمون أخلاقهم؟
أليس عجيباً أن يقول الله في كتابه: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، ثم يكون المؤمن أذل الناس في نفسه وأضيع الناس لكرامته، ويكون المسلمون أمة ذليلة بين الأمم، لا عزة لها ولا كرامة؟
فيا شباب المسلمين تخلقوا بأخلاق الإسلام وانشروها بين الناس وأنقذوا بها العلم
أتحبون بعد هذا أن ألخص لكم المثل الأعلى للشاب المسلم؟
بسم الله الرحمن الرحيم:
والعصر، (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا) بالله وعلموا أنه الأول والآخر، وأنه المريد القادر، وأيقنوا أن كل شيء بإرادته، لا شريك له في ملكه، ولا شفيع عنده إلا بإذنه ولا يعلم الغيب إلا هو، فلم يغفلوا عنه، ولم يعبدوا غيره، ولم يقدسوا سواه، ولم ينتظروا النفع والضر إلا منه، وعلموا أن له جنداً لا نراهم وملائكة وجناً، وعوالم لا نبصرها، وآخرة وجنة وناراً، وسموات وعرشاً. . . وأنه بعث أنبياء وأنزل كتباً (وعملوا الصالحات) فأدوا حق الله عليهم من صلاة وزكاة وصيام وحج، وتقربوا إليه بالنوافل والأعمال الحسنة، وأدوا حق الناس فلم يتعدوا على أحد في ماله ولا عرضه ولا جسمه، وأدوا حق أهليهم ووالديهم ومن له فضل عليهم، وأدوا حق الأمة بالسعي في نجاحها وتقوية روابطها العامة، وضمان مصالحها المرسلة، والعمل على كل ما يرفع شأنها، ويعلي مقامها بين الأمم من علم أو فن أو صناعة أو زراعة، أو وعظ وإرشاد، أو تعليم وتهذيب، (وتواصوا بالحق)، أوصوا به نفوسهم، ووصوا به غيرهم، وتحروه في أمورهم، فكان
الحق إمامهم ودليلهم ورفيقهم وقائدهم ولم يكونوا من أنصار الباطل أبداً، فلا يقبلون من المبادئ والعلوم والفنون إلا ما هو حق لا باطل فيه (وتواصوا بالصبر) على أداء الواجب وعلى التواصي بالحق، واجتناب الباطل والابتعاد عن الرذائل مع منازعة النفس إليها، وإقبالها عليها. هذا هو المثل الأعلى للشاب المسلم: إيمان كامل لا شرك فيه، وتصديق بكل ما جاء من عند الله على مقدار ما جاء عند الله، وعبادات منزهة عن البدعة، وعمل صالح ينفع الفرد والمجموع، ودعوة إلى الحق وتمسك به، وصبر على تحقيق هذا المنهج، وأداء هذه الواجبات
علي الطنطاوي
المدرس في كلية بيروت الشرعية
مهداة إلى جماعة دار العلوم العليا بمصر
حلم!
في ملتقى العواصم
للأستاذ عبد المنعم خلاف
من مبلغ عني تلاميذ علم الإسكندري ومحبي شعر الجارم بمصر أني ظفرت بما لم يظفروا به وشهدت ما لم يشهدوا. . .؟ شهدت شيخ الأدب العباسي أستاذنا الجليل ومؤدب الجيل الشيخ أحمد الإسكندري الممتلئ بدنيا بغداد - يدب على أديم بغداد (ملتقى العواصم) ويناقل الخطو على مواقع أقدام الجاحظ. . . وعلى فمه ابتسامة عريضة شفافة أعرف معناها معرفة التلميذ معاني أستاذه. هي ابتسامة للأرواح والأطياف التي تطفر من رأسه الكبير لتعيش في جوها وملاعب وجودها الأول. . . أو هي ابتسامة الحاج إلى كعبة فكره ومعالم أنسه الروحي
ويشهد الأدب أني حين أدرس (العصر العباسي) في كلية دار العلوم بالأعظمية أو المدرسة المتوسطة الغربية، أستحضر صورة مجلسه في دار العلوم بمصر وإيمانه بهذا العصر وامتلاءه من علومه وآدابه وأخباره؛ ويشاء الله أن أراه في بغداد لأحظى بالصورة الكاملة للعالم والمعلوم
ومن مبلغهم أخرى أني رأيت للمرة الثانية قلب شاعرنا الموسيقي الممثل علي بك الجارم يرقص على الأجواء التي رقص عليها قلب النواسي والبحتري وابن الرومي وأبي تمام. . . في الضوء الذي بنوا منه أبياتهم الخالدة. . . ويسكب في أسماع أحفاد بابل سحر بابل. . . من الخمر التي عتقت ألفاً في دنانٍ من الأذهان. حادرة من إبريق إلى إبريق حتى رأيناها شيقةً ريقةً مترقرقة في فيه. . . ويهمس في أذن دجلة الراقدة، بصدى الأصوات البعيدة التي رفت عليها أيام أن كانت حدائق وبلابل وظلال وبنود، ومعسكر جنود، وسوامر إنشاد، وملتقى كل واد. . . وفي عينيه بريق وتحديق إلى السماء التي أوحت بكواكب الأشعار إلى مفرغي قلوبهم في قلبه، وباسطي اجتحتهم على خياله. . .؟!
إني رأيت ذلك كله. . . وكان لابد لي منه. . . كان لابد من الإسكندري في دار العلوم
العليا بمصر حتى أعرف العراق في عالم الفكر ذي الوقود الأبيض. . .
وكان لابد من الجارم حتى أعرفها في عالم القالب ذي الوقود الأحمر. . . وكان لابد أن أراهما معاً في بغداد حتى تتم الصورة ويشبع الخيال الجائع فيمزج الثلج بالنار!
ولقد سمعت الجارم العام الماضي في رثاء الزهاوي ولكن جو الرثاء لم يكن طليقاً أمام هذا الطائر الصداح
ثم كان صباح المؤتمر الطبي العربي في (بهو أمانة العاصمة) ببغداد، وجلس شاعرنا قلقاً في مجلسه من فيض شعوره (بجو الساعة) الذي قذف في قلوب الجميع، حتى أبناء العلم والمخابير والمباضع، شعلة الشعر والإحساس بالتاريخ الذي يسير في الدم. . والحاضر الذي يخلق الثقة، والمستقبل الذي ينادي إلى العمل. وجلس الإسكندري يتفرس ويقلب الصور ويستحضر البعيد. . . من ابن سينا والرازي والزهاوي، وجلست أرقبهما وأرصد طرفي عليهما وأتسلل بقلبي إلى قلبيهما فيرجع بالذكرى بعيدة وقريبة.
ثم ابتدأ الجو الروحي بكلمة فخامة رئيس الوزراء جميل بك المدفعي التي يسجل بها ويقول - وهو رجل مسئول - (ولاشك أن وحدة النزعة العلمية والأدبية هي في الوقت ذاته تمثل وحدة الفكر والرأي بينكم وتؤلف منكم أخوة من أمة واحدة عبثا حاولت الحدود والحواجز أن تفرق بين قلوبكم وأهدافكم. . .)
ثم يقف بعد فخامته الدكتور شوكة الزهاوي رئيس الجمعية الطبية العراقية فيقول: (إن من جملة ما يقوم به هذا المؤتمر من الأعمال الصالحة هو توحيد صفوف أطباء العرب وجمع آرائهم حول مكافحة الأمراض ومعالجتها بالطرق الفنية فضلا عن أنه يقرب الأقطار العربية من بعضها ويبعث على تكاتفها وتعاضدها في مختلف النواحي الحيوية، وأعد هذا المؤتمر خطوة مباركة منبعثة من الشعور المتقابل ونتيجة من نتائج الثقافة العامة التي أخذت تتغلغل في بلادنا العزيزة وفاتحة عهد حافل بالأماني السامية. . .)
ثم يعقبه سعادة علي باشا إبراهيم بخطابه الجميل الذي يقول فيه: (ولعمري إنه لأسبوع مبارك ميمون الطلعة بوقوف الأطباء في بغداد إبان وقفة الحج في عرفات نضم إلى دعواتهم المتصاعدة إلى السماء في رحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءنا أن يبسط على بلاد الناطقين بالضاد ظل رضاه ونعمته وأن يوطد بالاتحاد سؤددها وبالعلم
عروشها ويغمر بالسلام والصحة ربوعها)
ثم يقف الدكتور كمال رحيمة فيرفع صوت سورية العربية المجاهدة العاملة بقصيدة عصماء برهنت على أن حرفة الأدب تتسلل دائماً إلى كل مهنة في سورية
ثم وقف الجارم يرسل قلبه في صوته المعهود الذي يخيل إلي أنه كله هاء عميقة. . . من فرط الشجو وإثارة النفس واستحضار المعاني الكامنة التي لا تظهر وتستعلن إلا إذا تلا لها ساحر رقية. . . أو عزف لها عازف برَنَّة. . . أو شدا لها شاد بحنة. . . أو خيل لها مخيل بريشة. . .
وقف يقلب وجهه في السماء والأرض والجهات الأربع في قلق وغيبوبة شاعر. . . ويمسح على أبصار الجمع بحركاته ويرسل نشيده، فيخيل إلينا من سحره أن كلماته أجسام تسعى. . . أو أمواج تطغى على قلوبنا فتملؤها بالذكرى الحادة، ثم بالفخر النافخ، ثم بالضحك المرسل؛ ثم بالعزم الممرِّس الدافع، ثم بالأمل القريب، فيخرج الدكتور زكي مبارك - طبيب ليلى المريضة بالعراق - عن طوره وعن حدود وقار الحفل فيستعيد ويطلب المزيد وبخاصة إذا جاء بيت فيه ذكر (الحسان) ووعود الحسان
ثم ينتهي الحلم السعيد بجوه الروحي وقلوبنا راقصة وأكفنا دامية؛ ويقبل الأدباء والأطباء على الجارم يطلبون منه ثمن دواء للأكف المتسلخة والقلوب الجريحة. . . ويقبل (طبيب ليلى) فيطبع على خدي الجارم بك قبلتين ذواتي رنين أدار الأبصار إلى مصدر ضجتهما. . . ثم ينقلب يفخر عليّ بأنه نال بهما ما لم أنل. . . ثم يرتد إلى الجارم بك يبشره بأنه من أول الداخلين إلى الجنة جزاء خدماته بشعره للغة القرآن. . . ولله في الدكتور زكي شؤون!
وكنت أرقب خلسة وجهي طبيبين أوربيين أخذا مجلسهما بجانبي، يستمعان في غير فهم إلى ما يقال، ويريان صداه صفق كف بكف وتلاقي هتاف بهتاف فاعرف ما يقول قلباهما الفقيران جداً إلى الشعور بمثل هذه الأخوة الملموسة المعلنة بين أبناء الشرق الإسلامي. . .
هنا الأخوة من غير دم. . . والواشجة من غير نسب. . . والحب من غير غرض. . . والتفدية من غير ثمن. . . والتلاقي من غير رياء. . . والكلام من غير خبئ يا أوربا!
هنا التاريخ لا يزال واحداً في العقول والقلوب واللسنة والأهداف حتى في وحدة الأمراض! كما يقول الدكتور شوكة الزهاوي
خذاها مني يا أستاذي تحية في نشوة الذكرى وسكرة الآمال أنا اليقظان أبداً. . . الساهد القلب أبداً. . . العائش في التاريخ أبداً. . . تاريخ المجد والحياة! ومعكما السلامة
(بغداد)
عبد المنعم خلاف
فلسفة التربية
كما يراها فلاسفة الغرب
الناحيتان الاجتماعية والنفسية
للأستاذ محمد حسن ظاظا
- 10 -
(لا يعيش المرء بالخبز وحده)
(الإنجيل)
(إن عقل الرجل ليضيق، وإن مشاعره إزاء غايات الإنسانية لتتحجر إذا ما قصر فكره على الحشرات، أو المعادلات الجبرية، أو تدبيب أسنان الدبابيس!)
(جون ستيوارت مل)
(لا كمال إلا باتحاد الجهد والشوق، وهنا يكون المرء سابحا (مع) التيار؛ أما الشوق دون ما جهد فطفو فوق التيار، كما أن الجهد دون ما شوق سباحة ضد التيار)
(هورن)
رأيت في المقال الآنف ما تستطيع أن تستفيده التربية من علمي الحياة ووظائف الأعضاء. وسترى اليوم فائدتها بالمثل من علمي النفس والاجتماع
الناحية الاجتماعية
وتتلو هذه الناحية ناحية الفسيولوجيا. والتربية هنا هي الأسلوب الذي يجعل الفرد مشاركا في حياة الجنس، ويعنى بعلاقته مع غيره من أعضاء الجماعة ومثلهم العليا. وعناصر هذه الناحية ثلاثة: الإدراك والوجدان والنزوع، أي الحق والجمال والخير.
1 -
أما (الحق) فسبيله (العقل) الذي يبدأ بالمحسوس وينتهي بالمعقول، والذي تشمل علومه (الموضوعيات) و (الذاتيات) على السواء. وتعرفنا هذه (العلوم) بالعالم وتشجعنا على البحث وتحررنا من الأوهام. فدراسة الطبيعة مثلا تقوي فينا (الملاحظة) و
(الاستقراء) وبعد (النظر) و (التجويد)، وتمكننا من السيطرة على القوى الطبيعية، وتنتهي بنا إلى فكرة (الوحدة) التي يندمج فيها الكون كله. ودراسة الرياضة تعطينا كما يقول المسيو فكرة واضحة عن (القياس)، وتنتهي بتفكيرنا إلى نتائج مؤكدة، وتبث فينا احترام الحق، وتقدم لنا أكبر أداة للبحث الدقيق في علوم الطبيعة. أما الفلسفة والأخلاق واللغة والفن والدين فقيمتها جميعاً عظيمة إلى أبعد حد وإن خلت من النفع المحسوس كما يتهكم دعاة (الخبز)!؛ ألم يقل الإنجيل (لا يعيش المرء بالخبز وحده)؟ أو لا ترتفع هذه العلوم بالمرء إلى عليين وتجعله فوق البشر؟
2 -
وأما (الجمال) فسبيله العاطفة ويشمل الفن والدين. والجمال المحسوس وحدة تسيطر على كثرة، وتبدو في مادة تجسم معنى. وأرقى الفنون هو (الأدب)، وأرقى ما في الأدب (الشعر)، والعلاقة بين الفلسفة والأدب هي أن هذا يعبر عن الحياة بالإلهام، وتلك تعبر عنه بالمنطق؛ كما أن العلاقة بين الفن والدين هي أن هذا تعبير عن الشعور إزاء الشيء الإلهي، وذلك تعبير عنه إزاء الشيء الجميل. هذا وقيمة الفنون في التربية عظيمة بحيث لا سبيل إلى إغفالها. أليس الإحساس بالجمال أمتع شعور يستطيع أن ينعم به العقل؟ أو لا يمدنا ذلك الإحساس بقوة سامية تعيننا على الرفعة في الحياة؟ أو لم يعترف (دارون) بطل التاريخ الطبيعي المشهور في مذكراته الخاصة: أن انكبابه على (العلم البحت) قد افقده لذة ذلك الشعور العظيم بالجمال؟ أو لم يصرح بأنه لو ارتد صغيراً لأخذ نفسه كل يوم بترتيل قصيدة من الشعر، وسماع لحن من الموسيقى، ورؤية آية من آيات الفن لئلا يفقد على مر الزمن أسمى شعور بالسعادة يتاح للإنسان؟ وكذلك قيمة الدين في التربية عظيمة ولاسيما في هذا العهد المادي الجشع الذي يملأ الإنسان عتواً وغروراً. ذلك أن الشعور الأساسي في الدين هو الضعف والاعتماد، ويؤدي ذلك بنا إلى الإحساس (بالجوهر الخال) في أمثل صوره وأعظمها، وإلى الفناء فيه والرضا بقضائه وقدره فيسهل علينا احتمال الحياة، ونقدم على الكفاح فيها بقوة وبأس وإقدام. ولكن لما كانت دراسة الدين في المدارس تؤدي أحياناً إلى نزعات وعصبيات طائفية، فإن الأمل في (المعلم) وفي لباقته وحسن منزعه لم يزل كبيراً. ذلك أنه يستطيع أن يكون أمام التلاميذ (نبياً) لا شيخاً ولا حاخاماً ولا مطراناً!
3 -
وأما (الخير) فسبيله (الإرادة) ويشمل الأخلاق والقانون والنظم والدساتير والتاريخ.
ويرى (هيجل) أن هذا الأخير (التاريخ)(هو النحو الذي يكافح به الحق على مسرح الحياة، والذي تحقق به إرادة الإنسان إرادة الله)؛ أما الدساتير فهي إرادة الأمة ممثلة في وثيقة، وأما القوانين فهي إرادة الجماعة فيما يخص خيرها العام، وأما الأخلاق فهي كلمة الضمير فيما يخص قدر الإنسان وأعماله مع الناس، ومجال الحرية فيها أفسح وأسمى من مجال القانون. . . وقيمة هذه العلوم في التربية عظيمة أيضاً، إذ بها يعلم الناشئ مركزه في الجماعة ويدرك أنه غاية ووسيلة معاً، كما أنه يستمد من التاريخ ملكة الحكم الصحيح ويملأ ذاكرته وخياله بحوادث فريدة ومثل عليا وبطولات فذة؛ وهذا وغيره يجعله عضواً اجتماعياً يفهم ما له وما عليه، ويصدر أحكامه الخلقية والدستورية على المواقف المعقدة التي تعرض له فلا يكون مجرد (إمعة) يصفق لكل متكلم، ويتشيع لكل كاتب، ويعبد ما لا يستحق أن يعبد، ويتغير ويتحول بهبوب العواصف الطبيعية أو المصطنعة. . .! كما أنه يجعله طامحاً أبداً إلى أن يكون بطلاً هو أيضاً، فيقف موقف الجهاد الذي وقفه (وشنطن)، أو يصرخ صرخة الحق التي صرخها (سعد زغلول)!
وأما فائدة الجماعة ذاتها من التربية فلا تكاد تقدر - إذ هي تحفظ لها (الماضي) وتصونه كالحارس الأمين كيما تستطيع الأجيال أن تبني عليه لتعليه، وهي تصون الحاضر وتسعد أهله وتقوي الرأي العام كما قال الزعيم وشنطن، وتحرر الناس وتضمن لهم حكومة صالحة. ثم هي تمحو الإجرام أو تقلله بفضل تنميتها للشعور والإرادة والمسئولية، وبفضل تحويلها النزعات الشاذة إلى نواح أخرى صالحة، وتقويتها الشعور ضد الإجرام. يقول الأستاذ (فالكنر) إن الإجرام يقل في الأمم المتمدنة من حيث معناه الأدبي، فإن وجد بعد ذلك إجرام بالمعنى القانوني فإنما مرجعه ظروف أخرى تقتضي الإصلاح والتعديل؛ وأخيراً تضمن التربية مستقبل الجماعة إلى حد كبير. أليس الإبقاء على الماضي الجدير بالإبقاء تحسيناً للمستقبل؟ أو لا يزيد امتلاكنا للطبيعة كل يوم بفضل ما ندخله على الماضي من تحسين؟ أو لا توجد علوم الطبيعة عملاً لملايين العمال؟ أو لا تخرج لنا أولئك العلماء الأفذاذ يخضعون البحر والجبل والهواء لإرادتنا؟ ثم إذا كانت التربية لا تخلق عبقرية الفنان أو العالم أو الفيلسوف أفليست تصيدها بشبكتها المحكمة؟ أو ليست تمدها بمادة الأزهار والإيناع؟
وإذاً فالتربية في هذه الناحية الاجتماعية، كما يقول الأستاذ هورن:(هي أحسن وسيلة للملاءمة بين الفرد وبين البيئة العقلية والعاطفية والإرادية)
الناحية النفسية
وأما هذه الناحية فتبحث في طبيعة النشاط العقلي، وفي نوع النمو العقلي، وفي صفات العقل النامي:
1 -
فمن حيث طبيعة النشاط العقلي: يرى الجميع أن العقل أساس الإدراك والوجدان والنزوع، وأنه لا ينمو بغير عمل كما هو الشأن في كل شيء، وأنه مرتبط في نموه بنمو الجهاز العصبي وبدرجة احتكاكه بالوسط حوله، وأنه يحتاج فيما يتعرض له من تقليد وشوق وجهد إلى رعاية حتى يكون نموه كاملاً. فمثلاً يجب أن يرى الطفل مثلاً حسنة يقلدها، ويجب أن تكون المدرسة آية في النظافة والنظام والجاذبية والجمال حتى يرتاح إليها ويعمل بتعاليمها، ويجب أن تكون شخصية المدرس قوية تحمل النشء على احترامها وحبها والأخذ منها، هذا من حيث التقليد الذي هو إعلان للنفس يؤدي إلى الاستقلال
أما من حيث الشوق فيجب أن يكون موضوع الدراسة مثيراً لرغبة الطفل وحافزاً لاهتمامه، لأن ذلك كما يرى الأستاذ (شيرمان) أهم كلمة في التعليم. وأضمن سبيل لإثارة الشوق هو المدرس نفسه إذا كان محباً لمهنته ومتحمساً لمادته. وأما من حيث الجهد - وهو ما يبذله المرء في عمل لا يساير شعوره - فيجب - لتقويته - غرس الآمال العذبة البعيدة في نفوس الناشئين، ويجب تعويدهم مخالفة أهوائهم في أمور طفيفة كل يوم حتى تكون لديهم المناعة الكافية ضد كل إغراء دنيء. ويجب التوفيق بين الشوق نفسه والجهد بحيث يصبح الأول كالنسيم الذي يهب على سفينة حياتنا أحيانا، ثم ينحرف عنها أحياناً أخرى، فيقوم لنا الجهد حينئذ مقام المجاديف التي توصلنا إلى البر سالمين، ولنعتقد أبداً أن الكمال كائن في اتحاد الشوق والمجهود حتى يكون المرء سابحاً (مع) التيار لا فوقه ولا ضده. . .
2 -
وأما من حيث نوع النمو العقلي فقد أثبت علم النفس أن هناك مراحل تجب رعايتها في حلقات التربية والتعليم حتى يكون النمو سليما. فالطفولة مثلاً تمتاز باللذة والألم وتزعزع الإرادة. وإذاً فلتكن التربية هنا حسية بحتة كثيرة التسامح واللعب. وفي الشباب الباكر تنمو الصداقة والحب، والطموح وروح الاجتماع، وإحساس الخير والجمال، كما
تتذبذب الأخلاق وتسود العاطفة. وإذاً فلتكن الدراسة هنا مليئة بالتاريخ الطبيعي، والسياسي، وبالقصص السامي، وبكل ما يؤدي إلى سرعة الحكم ودقته، وإلى كل ما يتسامى بالعواطف والغرائز ويغرس روح المحبة والتعاون، ويرشد الناشئ إلى كيفية حماية نفسه مما يتعرض له من عادات سرية وسقوط خلقي وانهيار جنسي. . . (وإن كان لا يزال هناك من يعتقد أن التحدث في مثل ذلك للشبان وقاحة وفسق. .!!)؛ وفي الشباب المتأخر تتمركز الشخصية ويستقر العقل وتسود الوحدة. وإذاً فلتكن الدراسة هنا مرتقية إلى نظرات كلية جامعة لقوانين الوجود العامة. . . ويتلخص هذا كله في أن الطفل (يرى)، والشاب الباكر (يفهم)، والشاب المتأخر (يتأمل ويحكم)
3 -
بقيت صفات العقل النامي، ويمكن إيجازها في أن التعليم نشاط وخلق لا تسلم وقبول، وتأمل وتفكير لا وعي وحفظ، وقوة معرفة أكثر منه معرفة فحسب: حواس مرهفة، وعقل واسع المدى راغب في المعرفة بريء الاتجاه؛ وحب للحق المجرد عن التدجيل والتهويش؛ ومعرفة بالعالم لا تترك شيئاً فيه خرافياً، وإحاطة بالنفس بعد الإحاطة بالعالم؛ وخيال يقدم الفروض للعلم والإبداع للفن، والإحياء للتاريخ؛ وحكم مدرب حصيف عام النظرة منطقي الخطوات؛ وذوق جميل مهذب يدمج الإنسان في الكون ويجعله جميلا في كل شيء؛ وشعور أخلاقي راق يدرك الخير والشر، ويحكم على الخير والشر، ويلوح بساعد الإدارة القوية أمام كل إغراء حقير؛ وحب للعمل وتلذذ به؛ وإحساس بالسعادة يمتلك قوى الشخص جميعاً ويجعله يعيش هانئاً مطمئناً حي الضمير حر الإرادة جريء الجنان؛ واتفاق مع السماء واطمئنان للنهاية المحتومة التي تنقلنا من عالم ناقص إلى عالم كامل. هذا إلى تواضع نزيه، وعشق لأحسن ما في الحياة كله حماس؛ ووفاق تام مع النفس لا يترك في الشخص أدنى نزاع؛ وتعليم للغير هو رسالة النور تبدد ظلام الحياة؛ وحياة تفني النفس في الكون لا الكون في النفس، ولا تشغل المهندس أو الطبيب عن نواحي العيش الأخرى بما فيها من خير وجمال. . .
يقول (هكسلي): (للرجل المثقف جسم خاضع لإرادته، وعقل صاف متئد القوى سهل العمل مليء بما في الطبيعة من حق عظيم وقوانين كلية. هذا إلى امتلاء بالحياة المنسجمة الخادمة لضميره الحي، وإلى حب للجمال وكره للقبح، وإلى احترام للنفس وللناس، وإلى وفاق تام
مع الطبيعة يفيدها فيه ويستفيد منها، ويسير معها كوزيرها أو ترجمانها وهي كأمه الحنون)
وتكون التربية هنا هي (الملاءمة بين الرجل التام النمو الجسمي والعقلي، وبين بيئته العقلية والعاطفية والإرادية)
إمكان التربية
بقيت كلمة صغيرة نختم بها هذا البحث الذي مهدنا به لنقد التربية في مصر، وهي كيف تفسر الفلسفة إمكان التربية من الناحية الميتافيزيكية؟ يقول (كانت) في كتابه عن التربية:(إذا تدخل مخلوق أرقى منا في تربيتنا فلسوف نرى إلى أي مستوى يبلغ الإنسان، وإن الإنسان لا يصير إلى ما يستطيع أن يكونه إلا بالتربية. كما تسأل: أين هي النفوس التي فطرها الطبع على الشر حتى تبقى مستعصية على حزم أم رحيمة وسلطة أب محب؟). فترى هل يقوى المدرس حقّاً على التأثير في الناشئ، أو بالأحرى هل الإنسان (حر) حتى تصلحه التربية؟ أما العلم فيقول (بجبرية) المادة وباعتماد العقل - وهو أساس التربية - على (مادة المخ). . . فكيف إذاً نستطيع تغييره؟ ينقدنا الأستاذ (هيزنبرج) فيقول:(إن (جبرية) المادة نفسها موضع شك لأنا لا نستطيع التنبؤ بحالة (الأتوم) المستقبلة إلا بمعرفة مركزه وسرعته في لحظة واحدة. وذلك محال. . . ومع كل فهاهو الإنسان قد خلق لنفسه دنيا واسعة عريضة من التأمل، وسما بخلقه وتطور وتغير، وخرج على ما قد خالوه (قانوناً)، مما يثبت أنه (حر) بالفعل. وإذا قال قائل: إن العالم يسير وراء (غاية) خفية، وإن الإنسان كجزء منه مضطر أن يحقق (مجبوراً) هذه الغاية؟ سألنا: وهل تمنع (حريته) من تحقيق الغاية الكبرى إذا كانت هذه الحرية محدودة بحدودها الخاصة؟ إن القول بالغائية والجبرية الضيقتين يجعل الإنسان مجرد ألعوبة، ومسئوليته الخلقية مجرد تناقض محزن. يقول برجسن في كتابه:(الحرية تجربة راسخة وإن كان الفكر ينكرها)
(يتبع)
محمد حسن ظاظا
مدرسة الفلسفة بالمدارس الثانوية الأميرية
يسرني أن أسجل هنا شكري (للرسالة) الغراء على تكرمها
بإفساح صدرها لهذا البحث المتواضع، وأعدها وأعد القراء
الكرام بتطبيق الحقائق الآنفة على التربية في مصر ابتداء من
العدد القادم إن شاء الله، وأرجو كل من يريد أن يتكرم عليّ
بملاحظة ما أن يكتب إليّ على مدرسة شبرا الثانوية الأميرية
للبنين
موت سقراط
للشاعر الفرنسي الكبير لامارتين
ترجمة السيد أحمد عيتاني
تذكر لنا الرواية اليونانية أن سقراط حينما حكم عليه بالموت أشار عليه أصدقاؤه بمغادرة أتينا والنجاة بنفسه، فأبى عليهم ذلك، وآثر الموت على الفرار. ولما قدمت إليه كأس السم تجرعها بجرأة ورباطة جأش، ولم يكد يفرغ من تناول ما فيها حتى أجال نظره بين أصحابه، فلمح عبراتهم تتساقط على وجناتهم حزناً عليه، وألماً لما حل به؛ فآلمه هذا المشهد، ووقف في أصدقائه خطيباً وهو في نزاعه الأخير، يشرح لهم الموت ونظرته إليه، ويطلب إليهم أن يكفوا عن البكاء. وقد نظر الشاعر الفرنسي الكبير لامارتين إلى هذه الرواية، فنظم حوادثها في شعر يفيض رقة وعذوبة وجمالا وسلاسة، وجعل عنوانها (موت سقراط). وفيما يلي خطبة سقراط بعد تجرعه السم، وهي من أروع ما جاء في هذه القصيدة الفذة
(أحمد عيتاني)
ماذا؟! أتبكون أيها الأصدقاء؟!
أتبكون وقد تحررت روحي من أثقالها الجسدية الدنيئة
فهي كالبخور تحرقه الكاهنة
على وشك الطيران نحو الآلهة؟!
أتبكون أيها الأصدقاء
حينما ترحب روحي بهذا اليوم الطاهر
الذي كانت تطمح إليه؟!
حينما توشك على السفر في رحله مقدسة
تبحث فيها عن الحقيقة
فتعثر عليها، وتتعرف إليها؟!
إذاً علام الحياة إذا لم يكن مصيرنا للموت؟!
علام أحببت الألم في سبيل العدالة؟!
علام كانت نفسي الحبيسة
تقاوم حواسها وميولها الدنيئة العنيفة
أثناء تلك الميتة التي تسمونها الحياة؟!
ماذا عسى تكون الفضيلة بغير الموت أيها الأصدقاء؟!
ذاك ثمن المعركة، ذاك تاج سماوي
يمنحنا إياه حكم زكي في نهاية المرحلة
إن صوت جوبيتر يدعوني إليه
ألا فلنقدسه أيها الأصدقاء
فإني أستمع إليه الآن!
لقد كان بوسعي، لو رغبت في بقية من الأجل
أن أحمل السماء على ترديد ندائها إليّ.
ولكن، لِتحفظني الآلهة من هذا!
فأنا حين تدعوني إليها أُلبيها عبداً مطيعاً!
وأنتم أيها الأصدقاء: إذا كنتم تحبونني
فأريقوا على رؤوسكم العطور،
شأنكم في أبهج أعيادكم،
وعلقوا على حائط سجني قرباناً،
ثم خذوا بيدي نحو ذراعي الموت،
وقد توجتم جباهكم بأطواق الرياحين
كما يؤخذ بيد العريس الشاب إلى سرير زفافه،
وقد أخذت الجموع المتدافعة
تنثر أمامه الأزهار، أمام عتبة عروسه!
وبعد، فما الموت؟ إن هو إلا تحطيم هذه العقدة الدنسة؛
إن هو إلا فسخ هذه الاقتران الشائن بين الروح والأرض؛
إن هو إلا إزاحة عبءٍ ثقيل نرمي به في القبر!
إن الموت انتقال أيها الأصدقاء، وليس فناء!
والإنسان مادام رازحاً تحت هذا الجسد المقيد به
يزحف بعناء عظيم نحو الخير الحق.
ومادامت رغباته السافلة تقطع عليه هذا المسير
فسيسير وراء الحقيقة بخطوات راجفة، وربما أضاعها أيضاً!
ألا إن من يصل إلى آخر حياته التي يرجوها
ويبدو له شعاع فجر يومه الأبدي
ليعودُ ثانية نحو السماء، وكأنه شعاع من أشعة المساء!
ويرتدُّ ثانية إلى جوار الآلهة، بعدما أُقصى عنها
حيث يحتسي بشَرهٍ ذلك الرحيق المسكر
ويبدأ حياته من ذلك اليوم الذي يقضي فيه!
ألا إن الموت ألم، والألم شر أيها الأصدقاء!
ولكن ما يدرينا ذلك؟!
ولو كانت ساعة الموت الرهيبة
ساعةً يتألم فيها جسمنا الفاني
كما تتألم الضحية الذبيحة
أو ليس عن الشر يصدر كل الخير؟!
إن الشتاء ليتمخض عن الصيف، وإن الليل لينكشف عن النهار!
لقد وضع الله تعالى بنفسه هذه السلسلة،
ونحن، وقد جئنا إلى هذه الحياة على الرغم منا؛
فليست هذه الميتة الهانئة التي يرهبها ضعاف النفوس
إلا ابتداء حياتنا في العالم الخالد!
ولكن، أيكفي أن نموت لنبعث ثانية؟!
لا! بل يجب أن نحرر أنفسنا من نير حواسنا
ونعملَ لنصرتها على ميولنا الفانية!
يجب أن تكون حياتنا هذه موتاً طويلاً!
إن حياتنا معركة، والموت انتصار لنا فيها!
إن الأرض لدار يطهر فيها الإنسان نفسه؛
فعليه، وهو فيها على عتبة الموت قد تجرد عن حواسه،
أن يقذف إلى النار بثوبه المدنس
قبل أن يتقدم بروحه، ضحيةً طاهرةً
إلى الآلهة الزكية في الدار الصالحة!
إنهم (الأشخاص الصالحين) يلحقون بالأبطال والآلهة لدى الإشارة الأولى!
يلحقون بهم في السماء حيث لا يوجد موت!
إنهم يلحقون بهؤلاء الذين دمروا شهواتهم إبان حياتهم القصيرة
فأخضعوا المادة للعقل وأذلوها له.
هؤلاء الذين خضعوا للشرائع والقانون،
وأصغوا إلى صوت ضميرهم الداخلي،
واتبعوا طريقاً سوياً بعيداً عن الناس،
وخدموا الآلهة وعبدوها، وفي ذلك أصل الفضيلة،
وأحبوا الحقيقة، وتألموا للفضيلة،
فاستعادوا حريتهم من الآلهة ابنة السماء
أحمد محمد عيتاني
عضو بعثة جمعية المقاصد في معهد التربية
الترجمة
خطرها وأثرها في الأمم المختلفة
للدكتور عبد العزيز عزت
2 -
عند الرومان
ونجد أثر الرواقيين والأكاديمية الجديدة في كل كتبه الأخرى وعلى الخصوص في (غايات الخير والشر) وهو أهم كتاب لشيشرون بإجماع مؤرخي الفلسفة، ويشرح فيه الأخلاق النظرية، وهي ترتكز على حرية الإرادة التي تتضمن سياسة النفس الفردية وانسجامها مع منطق المجتمع البشري، وتفهم إرادة الوجود العالمي الذي فيه الإنسان جزء بسيط في مرتبة الكائنات المختلفة التي تتسلسل في درجات متصاعدة حتى تبلغ القداسة السماوية. كذلك في كتابه الواجبات ويشرح فيه الأخلاق العملية معلناً أن مغريات الحياة الخارجية أعراض زائلة يجب الزهد فيها، ويجب التماس النافع منها لتقوية روح الإنسان لفعل الخير ومقاومة الشهوات الجامحة والانفعالات الثائرة، كي يصل الإنسان إلى تلك الجنة النفسية الداخلية التي يصورها الرواقيون في تفكر الفلاسفة والحكماء، وكذلك في (طبيعة الآلهة) حيث يعرض للإِلهيات والطبيعة. وبينما يتأثر في الجزء الأول منها بأبيقور ومذهبه في اللذة في مجال الأخلاق وفلسفة الطبيعة عامة، يتأثر في الجزء الثاني بفلسفة الرواقيين من حيث خلق العالم وترتيب نظامه وعناصره ومخلوقاته، ثم هرمه وتناقصه حتى المبدأ الفطري الأول حيث تحصل الطهارة ويخلق العالم من جديد وتتم دورة نظامه. وهو أهم هذه الأجزاء لأنه يبسط آراء كريزيب وكلبانت، وفي الجزء الثالث يحدثنا كوتا عن آراء أرسطو
وبجوار ذلك ترجم شيشرون الكتب الآتية من أولها لآخرها وهي كتاب لزينوفون، (ولقد ضاعت هذه الترجمة) وكتاب البروثا جوراس لأفلاطون وهي من كتب عهد الصبا حيث يتأثر أفلاطون بتعاليم سقراط الأخلاقية إذ يتساءل فيها عن صفات الفضيلة: أهي طبيعية فينا أم هي مكتسبة بالتعلم والتمرين والعادة؟ (ولقد ضاعت هذه الترجمة)، وترجم لأفلاطون كذلك كتابه العظيم الخالد، الذي يلخص كل فلسفته وكل العلم اليوناني حتى زمان أفلاطون
وهو كتاب (طيماؤوس) وفيه يتكلم أفلاطون عن رحلاته وعن روح العالم، وكيف تتوسط بين الخالق الفنان وبين سائر المخلوقات التي تنتظم في ترتيب يحقق جمال عالم المثل. وبعد أن يعرض لطباع المخلوقات بالتفصيل مبتدئاً من الله ومعقباً بالعالم السماوي ثم بالإنسان والحيوانات والنباتات والجمادات، يمهد لرأيه في السياسة الذي يبسطه بعد ذلك في (جمهوريته) وفي نواميسه. (فطيماؤس) هذا هو أهم كتاب في نظري تركه العالم اليوناني وسار سواء في العالم الروماني عن طريق شيشرون أم في العالم العربي بعد ذلك حيث ترجمه حنين بن إسحاق وأصلحه يحيي بن عدي كما يؤكد ذلك العلامة لكليرك في كتابه (تاريخ الطب عند العرب) الجزء الأول، وكما يؤكد القفطي في مقالته عن أفلاطون في أخبار الحكماء. ولقد شرحه أخيراً بالفرنسية أستاذنا العلامة ألبير ريفو في مجموعة بيدي
فمؤلفات شيشرون بنوعيها سواء المترجم منها أم التي يسودها الترجمة في أغلب أجزائها تدل دلالة واضحة على أنه لا أهمية لشيشرون كمؤلف، لأنه لم يضف شيئاً جديداً إلى ما قاله اليونان القدماء. وهذا راجع إلى أن عقلية الرومان عقلية عملية تهتم بالحياة الجارية أكثر من الحياة الفكرية، وبحياة الفتح والغزو أكثر من حياة الاستقرار والإنتاج، وبحياة القهر والاستعباد والقانون والعقاب أكثر من حياة الحقيقة المجردة والخطأ الفكري وإصلاحه وواجب الفضيلة وتأنيب الضمير. عقلية تمتزج بعوارض الدنيا، وإذا أرادت أن تتحرر من قيود المادة هامت على وجهها في ميدان العقل. فنجد مثلا شيشرون يخطئ في التعليق على آراء الفلاسفة كما يفعل عندما يتكلم عن عناصر المادة في الكاديميك مما دعا العلامة تيوكور في رسالته لدكتوراه الدولة أن يصفه بأنه فيلسوف بالواسطة لا بالذات. وأهمية شيشرون في نظر هذا العلامة تنحصر في أن مؤلفات شيشرون تكوّن موسوعة لا يسبر غورها لفلسفة اليونان وخصوصاً للفلاسفة الذين جاءوا بعد أفلاطون وأرسطو مباشرة وضاعت كتبهم أي الفلاسفة الرواقيون، لأن العلامة لوسيان ليفي في شرحه (لنواميس) شيشرون يذكر أن لكريزيب نحو ستمائة كتاب أغلبها إن لم يكن كلها قد فقد. ولخلق مثل هذه الشخصية العظيمة يرجع أستاذنا إميل برهبيه ، في كتابه عنه إلى شيشرون في كل صفحة من صفحاته. ولزيادة الدقة في البحث نذكر أن الكتب الرواقية المفقودة والتي نستعيض عنها بمؤلفات شيشرون هي كتب الرواقيين القدماء أي زينون وكلبانت
وكريزيب، وليست كتب الحديثين منهم أي بنيتيوس وبسدونيس الذين كادوا يعاصرون شيشرون في زمانه، ونحن في هذا نعتمد على رأي العلامة جورنز
ويجب ألا يتطرق إلى ذهن القارئ أن ضعف شيشرون في هضم الفلسفة يرجع إلى عيب في مداركه، فللحكم عليه يجب ألا نتأثر بحالتنا الراهنة للفلسفة في أوروبا، وإنما يجب أن نرجع إلى حالة الفلسفة في عهده. فسنجد أن ما نسميه الآن ضعفاً كان قوة، وكان هو سيد العبقريين في زمانه بين أهله وعشيرته، بل إن ما نسميه الآن ضعفاً كان فضيلة لها ميزتان: الأولى أنه أخلص لعبقرية جنسه فأثبت أنه عريق في الرومانية يمت إلى أهله بأصل ثابت، فلم ينفرد عنهم بقوة التجريد. الثانية أنه لم يتصرف فيما نقله عن فلاسفة اليونان فكانت مؤلفاته أو بالأحرى (ترجماته) خير معبر صادق عما ضاع من نصوص، وخير معين على تتبع حركة الفكر عند اليونان دون ضياع حركة ما
ويجب أن يعلم القارئ مع ذلك أن شيشرون لم يكن فيلسوفاً (محترفاً) وإنما كان على وجه الخصوص سياسياً ماهراً وخطيباً مصقعاً لم يعرف التاريخ له مثيلا، وأنه اتخذ من الفلسفة وسيلة لتدعيم مركزه في الأوساط الرومانية وبين أعضاء مجلس الشيوخ برومة، فكلما حيل بينه وبين منبر الخطابة ذهب إلى الفلسفة ليشرح إلى بني وطنه أصول المعرفة فيتصل بهم عن طريق العقل والآراء فلا ينسونه وهو بعيد عن حظيرة السياسة، كذلك وجد في الفلسفة وسيلة لتربية ابنه، وسائر أبناء وطنه فهو يقول:(إذا كان الخطيب المصقع له الحق أن يعلم ذلك الفن الذي أثبت قدرته فيه، مرات، فللسياسي الحق أن يلقن شباب المستقبل بعضاً من المبادئ والدروس البالغة)(إقراء لكليرك (مؤلفات شيشرون الجزء الثاني عشر صفحة 3)). ويذكر العلامة بيشون في كتابه (تاريخ الأدب اللاتيني) أن شيشرون اتخذ من الفلسفة وسيلة لتفهم القانون الروماني الذي ساد في زمانه واستيحاء هذا القانون خلال تلك المبادئ العقلية في خلق فلسفة سياسية نجدها في جمهوريته ونواميسه. والفلسفة بعد ذلك كانت وسيلة للعزاء في آخر حياة شيشرون لأنه فقد زوجته بعد حياة ثلاث وثلاثين سنة واضطر إلى الزواج من أخرى صغيرة السن لم تستقم سيرتها مع ابنته التي ماتت بعد ذلك في شبابها المبكر؛ فلزم الحزن وسطر كتابه (التأسي)(اقرأ القسيس العلامة برتران في كتابه (منتخبات من مؤلفات شيشيرون في الفلسفة)) وعليه فالفلسفة عند شيشرون لاحقة
بالسياسة وتابعة لها وهي وسيلة عنده لا غاية، وإن كان هذا يقلل من قيمته كمؤلف إلا أن مؤلفاته لنفس هذا السبب ذات قيمة تاريخية عظيمة جداً.
ومهما يكن من شيء فشيشرون في جملة القول يتأثر فيما يبسطه في كتبه بمذهب الرواقيين ومذهب الأكاديمية الجديدة؛ وإن مؤلفاته تحل محل المؤلفات اليونانية الضائعة فلا تضيع حركة تاريخ الآراء والمذاهب عندهم. ثم إن لمؤلفاته قيمة أخلاقية إذ شرحت للناس طوال القرون الوسطى في أوروبا أصول الفضائل العملية والنظرية لأن أفلاطون وأرسطو لم يعرفا على حقيقة أمرهما إلا عن ترجمة آباء الكنيسة للتراث الإسلامي، وبمساعدة علماء اليهود في إسبانيا إبان القرن الثالث عشر الميلادي. ولها في النهاية قيمة أدبية لأن أسلوب شيشرون له مميزاته، فهو يبسط الآراء لا في شكل متتابع بل في شكل حوار؛ فهو يقلد أفلاطون في ذلك، ولم يخرج عن هذه القاعدة من مؤلفاته إلا الـ أي الواجبات؛ والـ أي المحيرات
عبد العزيز عزت
عضو بعثة الجامعة المصرية لدكتوراه الدولة
في المؤتمر الطبي ببغداد
بغداد
للأستاذ علي الجارم بك
بغداد! يا بلد الرشيدِ
…
ومنارة المجد التليدِ
يا بسمة لما تزل
…
زهراء في ثغر الخلود
يا موطن الحب المق
…
يم ومضرب المثل الشرود
يا سطر مجد للعرو
…
بة خُط في لوح الوجود
يا راية الإسلام والإ
…
سلام خفاق البنود
يا مغرب الأمل القد
…
يم ومشرق الأمل الجديد
يا بنت دجلة قد ظمئ
…
ت لرشف مبسمك البرود
يا زهرة الصحراء رد
…
ي بهجة الدنيا وزيدي
يا جنة الأحلام طا
…
ل بقومنا عهد الرقود
يا بهرة الملك الفسي
…
ح وصخرة الملك الوطيد
يا زورة تحيي المنى
…
إن كنت صادقة فعودي
بغداد يا دار النهى
…
والفن، يا بيت القصيد
نبت القريض على ضفا
…
فك بين أفنان الورود
سرق التدلل من (عنا
…
ن) والتفنن من (وحيد)
يشدو كأن لهاته
…
شُدَّت على أوتار عود
بغداد أين البحتري وأي
…
ن أين ابن الوليد؟
ومجالس الشعراء في
…
بيت ابن يحيي والرشيد
أين القيان الضحكا
…
ت يَمسِن في وشي البرود
الساحرات الفاتنا
…
ت الحسن من هِيف وغيد
الساهرات مع النجو
…
م الآنفات من الهجود
من كل بيضاء الطلى
…
مهضومة الكشحين رُود
يخطرن حتى تعجب الأغ
…
صان من لين القدود
وإذا سفرن فأين ضو
…
ء الشمس من شفق الخدود
يعبثن بالأيام وال
…
أيام أعبث من وليد!
خبأَ الجمال لهن
…
كنزاً بين سالفة وجيد
كم جاش جيشك بالفوا
…
رس من أساورة وصيد
للنصر في أعلامهم
…
صلة بأبناء الغمود
مجد إذا صورته
…
عجز الخيال عن الصعود
وجهود جبارين تص
…
غر دونها شم الجمود
الرسل تتلو الرسل م
…
ن بيض صقالبة وسود
ساروا (لقصر الخلد) يع
…
شي طرفهم وهج الحديد
يتعثرون كأنهم
…
يمشون في حلق القيود
الجو يسطع بالظُّبا
…
والأرض تزخر بالجنود
حتى إذا رجعوا بدا
…
بجباههم أثر السجود
الفلسفات عرفتها
…
والعلم طفل في المهود
والغرب ينظر في خمو
…
د نحو قاتلة الخمود
كم موئل للمستج
…
ير ومنهل للمستفيد
(والجاحظ) المرح اللعو
…
ب يغوص للدر الفريد
بغداد يا وطن الأدي
…
ب وأيكة الشعر الغريد
جددت أحلامي وكن
…
ت صحوت من عهد عهيد
جمع الخيال فما اطم
…
أن ولا استقر إلى خلود
جاز القرون النائيا
…
ت وفك أسرار العقود
ذكر العهود فأنَّ للذ
…
كرى وحن إلى العهود
واهتاجه الطيف البعيد
…
فجن للطيف البعيد
وصبا إلى ظل العرو
…
بة في حمى الملك العتيد
يا أمة العرب اركضي
…
ملء العنان ولا تهيدي
سودي. فآمال المنى
…
والعبقرية أن تسودي
هذا أوان العدو لا الإ
…
بطاء والمشي الوئيد
المجد أن تتوثبي
…
وإذا وثبت فلا تحيدي
وتحلقي فوق النجو
…
م بلا شبيه أو نديد
وإذا شدا الكون المفا
…
خر كنت عنوان النشيد
لا تخطئي حد العلا
…
ما للمعالي من حدود
من يصطد النمر الوثو
…
ب يعف عن صيد الفهود
هذي طلائع نهضة
…
ذهبت بآثار الركود
بغداد أشرق نجمها
…
وبدا بها سعد السعود
سلكت إلى المجد القديم
…
محجة النهج السديد
وزهت بأقصار الهدى
…
وسطت بأظفار الأسود
بغداد إنا - وفد مصر
…
نفيض بالشوق الأكيد
جئنا نحيي العلم والْ
…
آداب في العدد العديد
لقياك عيد للمنى
…
فزنا بها في يوم عيد
أهلوك أهلونا وأب
…
ناء العشيرة والجدود
بين القلوب تشوف
…
كتشوف الصب العميد
حتى يكاد يحب نَخْ
…
لك نخل أهلي في (رشيد)
شطت منازلنا وما احت
…
اج الفؤاد إلى بريد!
الرافدان تمازجا
…
في الحب بالنيل السعيد
وتعانق الظلان: ظ
…
لا (الطاق) والهرم المشيد
جئناك نستبق الخطى
…
أنضاء أودية وبيد
طالت بنا الصحراء حتى
…
خلتها أبد الأبيد
يتلخص المرمى المديد
…
بها إلى مرمى مديد
كتخلص الحسناء من
…
وعد طوته إلى وعود
بحر بلا شُطآن يز
…
خر بالتنائف والنجود
وسفينتي (نون) بها
…
ما في فؤادي من وقود
جئنا إلى الغازي سليل
…
العُرب والحسب المجيد
نختال بين هباته
…
في ظل إحسان وجود
أحيا المنى بالعزم والتد
…
بير والسعي الحميد
وغدت به سوح العر
…
وبة منهلا عذب الورود
في نهضة الفاروق والغ
…
ازي غنى للمستزيد
فاروق منبثق الرجا
…
ء وملتقى الركن الشديد
ما عاش عاش الشرق في
…
عز وفي عيش رغيد
علي الجارم
وحي الشاعرية
عصريات
للأستاذ حسن القاياتي
الكيدُ ما تُعْلِن السَّجَاياَ
…
والحقدُ ما تضمرُ الطوايا!!
يا عصرُ ما فيك من عَوَادٍ
…
يا عهدُ ما فيك من خفايا؟؟
ما للثنايا تَرِفُّ بِشْرا
…
على الجوى يصدَعُ الحنايا؟
لا قُدس العصرُ من أَوَانٍ
…
تُذَمُّ في حمده التحايا!!
عَلَامَ نُزْهىَ بفجر علمٍ
…
كأنه للدجى بقايا؟؟
لدى البغاياَ لنا خلالٌ
…
وما لنا فتنةُ البغايا!!
نُطالعُ الحفْلَ بالمخازي
…
يا قُبحُ لا تنظرِ المَرَاياَ
لو شِمْتَ - نُزِّهتَ - ما نُواري
…
أقمتَ في مرقص العرايا!!
إنَّا لَفي الخُلْد من زمانٍ
…
تُنِيل فِرْدَوْسَهُ الخطايا
جِيلٌ تبَاَهى بلُبِّ حُرٍّ
…
وظلَّ عبداً لدى العطايا!!
رَغِّبْ وأَوْعِدْ فسوى تحوى
…
ضمائر الصيد في الهدايا!!
مَن أدَّعى أنهُ طليقٌ
…
إلام يختال في السبايا؟؟
يا عصرُ ما فيك من فُتُونٍ
…
لا رشُد فيه سوى المنايا؟؟
سَلِ الأضاليل كيف لاقَتْ
…
حُنوَّ موسى على الوصايا؟؟
شَقِتَ بالحق فلتَرُمْهُ
…
بحيث تشقى به القضايا
صباحةُ الحق حجبَّتْهُ
…
فقَرَّ والحسنَ في الخبايا!!
لا يحسنُ العدلَ من تولَّى
…
فَغَادَرَ العدلَ في الشكايا
جَزَالةُ الرأي من فؤادي
…
يطير من فتنةٍ شظاياَ
جاذَبتُ عصري مُنَى سَرِيٍّ
…
فَعَرْبدَ العصرُ في مُناَياَ
شدا فأشجى بكل وَاهٍ
…
لبُلبُل العصر مشتكايا
قيل: انتخابٌ. فقلت: سَبْقٌ
…
إلى الكرامات بالدنايا
وَقيعةٌ والخنا قِسيٌّ
…
وهدنة والنُّهى رمايا
هَوَى الكراسيِّ والغواني
…
أسىً تَغَنَّتْ به الضحايا
حديث ندْبٍ لناخبيه
…
شكاة آسٍ إلى البلايا
سُرىً تُباعُ القلوبُ فيه
…
سوافر الهون أو نقايا
من شام فالنقد والتَّهادِي
…
أو شَمَّ فاللحم والقلايا
صِلْنِي بدينارك المرجَّى
…
أَهَبْكَ خيرَ الورى مَزَاياَ
لعيني النبل حين أغزو
…
قُوَى مباريَّ في سرايا
مشوا إلى الكيد في الغواني
…
فلا سراةٌ ولا سَرَايا
شكا من الجوع فاشتكاني
…
مُرَفَّهُ العيش في حمايا
للخبز دون الجلال تُسْبَى
…
فَوَاتِنُ المال والصفايا
بكى عدوي إلى صَفيِّي
…
فردَّه الدمعُ من عِدَايا
ضَعْفٌ ترامى عليه ضعفٌ
…
كالغيد مالت على الحشايا
لَدَى العشايا حمدت رأياً
…
فسَلْهُ ما أنتَ في الغدايا؟؟
سَماَ بِطِفل الجلال شعبٌ
…
ثَوَى بمْعِله في الزَّوايا
سمَاَ وما لَقَّنوهُ حرْفاً
…
كوثبة الميْت إن تحايا!!
من سوّد النذل في الأعالي
…
فَهَدَّ للحفرة الثنايا؟؟
هي السجايا فحيثُ جارت
…
تَرَقَّبْ الجور في القضايا
هَوَى بيانٌ كما تَلاشَى
…
تبسُّمُ الدّلِّ في الثنايا!!
بيان هادٍ غذته آيٌ
…
من المثاني فرق آيا
يراعةٌ صُرِّفَتْ جماَلاً
…
كما يشق اليراع نايا
يا سقطة والفنون ليلٌ
…
كسقطة الشمس في العشايا
إن عزَّني بالنجاح نذْلٌ
…
فرُبّ لكعاء في الحظايا
أَدَلَّ شعْبٌ على فتَاهُ
…
ليضحك المجد من فتايا!!
على قطيعٍ سَرَى غبيُّ
…
بلغتَ يا راكب المطايا
بالعلم فليصحب الليالي
…
من صَاحَبَ القَفْرَ بالرّوايا
تَبّاً لعصر الجلال يمشي
…
لسُدّة الجهل في الرعايا
يا مُنصف اللُّبِّ كم أجارِي
…
بصبيةٍ ألَّبت صبَاَيا؟؟
أنصف بوزني ومن يُباري
…
فلا هواهُ ولا هَوَايا
باعد سجاياه من خلالي
…
وقس حجاه على حجايا
من اعتلى والهدي حُلاه
…
شأَوْتُهُ والهدي حُلايا
العزُّ في النفس، رُبَّ وَغْدٍ
…
بجده تشرف البرايا
وَيْحَ الأمانيّ كم تُعادِي
…
حلو الأمانيِّ والسجايا؟؟
إني وللحمد ما أعانيّ
…
كالبدر في ظلمة سُرَاياَ
بَرٌّ إذا حَفَّتِ العوادي
…
تَنَهَّدَ الناسُ من حشايا
أصُدُّ والحظ يبتغيني
…
أقول باسمي دعا سوايا
الحُرُّ يمشي إلى المساعي
…
كمشية النحل في الخلايا
(السكرية - دار القاياتي)
حسن القاياتي
القصص
من الأدب الإيطالي
حياة جديدة
من دومنيكو ماريا ماني
للأستاذ دريني خشبة
رآها أنطونيو فشغف بها حباً، وكانت نظرته الأولى إلى وجهها المشرق الجميل الرائع فاصلاً عظيما في حياته التي جد بها الظمأ، ففجأها وابل من كوثر الحب، فرويت، ولكنه وا أسفاه كان روى أحر من قاتل الظمأ، وآلم لنفسه من شديد الجواد
وأحبته جينفرا، وكانت تقضي لياليها مثله مؤرقة مسهدة، تفكر في روحه الشاعرة الحلوة التي تطل عليها من عينيه الحبيبتين وقلبه الذي يرسل إليها نبضاته الموسيقية على أجنحة الأثير. . .
ولبث أنطونيو يجد في ميادين الحياة ليبني دعامة مستقبله على لبنات من مادتها، حتى إذا تقدم إلى والد جينفرا تقدم وفي يديه حفنة من ذهب قارون لا تطمئن ألباب الآباء إلا إليه، ولا تطب إلا به، ولا تقيس العيش إلا بمعياره. . . وكان يعمل دائباً وفي عينيه صورة جينفرا ما تفارقهما، وفي قلبه المعمود تمثالها المعبود ما يبارحه، حتى إذا تصرمت سنون أربع طوال كالدهر وتقدم إلى والدها دلجي امييرا يخطب إليه ابنته، رده الأب الجبار رداً لا رحيماً ولا كريماً، لأن فتى من أسرة أجولانتي يقال له فرانسيسكو كان قد تقدم إلى الرجل يخطبها على نفسه، فقبل الرجل يده، من غير أن يستشير ابنته، ومن غير أن يقيم للحب الذي صهر فؤادها وزناً، مع علمه به، ورثائه لها من أجله. . .
وكانت المادة التي عمل أنطونيو على اكتسابها جهده سبب رد الوالد التاجر إياه، لأن أسرة الفتى فرانسيسكو كانت أسرة جاه ويسار ومجد، وإن يكن الفتى نفسه من هذا الشباب القُنَّع الذي لا خير فيه، وإن يكن قلب جينفرا لم يجزه إلا صدوداً، ولم يشعره إلا جفاء وسلواناً
ولكن ما قيمة أن تأبى الفتاة في هذا العصر العنيف الظالم ما لا يأباه أبواها من أمر لا يعنيهما بقدر ما يعنيها، لأنه أمر حياتها ولأنه أمر سعادتها أو شقوتها؟ لا! لا قيمة
لاعتراض الفتاة. . . وهي مرغمة على أن تقر صاغرة ما اختار لها أبواها. . . وإن كرهت. . . فلابد إذن من أن ترضى جنيفرا بهذه الزيجة لأنها صفقة من صفقات قارون، وصفقات قارون رابحة مطلقاً، لأنها تمشي بالفتاة على أرض من ذهب، وإن تك في قلبها جحيما من لظى ولهب، وهكذا زفت جينفرا المسكينة إلى زوجها المفروض عليها. . . وهكذا انتصر العالم الفاني على العالم الباقي، وصرع شيطان الأرض ملاك السماء، وتسلط التراب على الروح فعفر وجهها الحر الكريم
وذهبت الفتاة إلى زوجها جسما بلا روح، ودمية من اللحم والدم والعظم ليس لها قلب، لأن روحها وقلبها مع رجل آخر غير هذا الرجل. . . مع أنطونيو لا مع فرنسيسكو. . . مع الحبيب الذي منحها وجوده، وجعلها علة بقائه، مع الشاب الذي ثوى ملء جوانحها يضرمها بإخلاصه، ويؤججها بآماله التي انهارت في الأرض، وثبتت في السماء. . .
وذهب أنطونيو يبكي من أعماقه، وينشد النظرة الخاطفة من حبيبته في الكنائس والمسارح والمجتمعات، ويقسم جهد أيمانه أن يعيش على ذكراها، وألا يتصل بأنثى من بنات حواء مادامت جنيفرا قد أفلتت من يديه. ولم لا؟ أليس بحسبه أن يعرف أن قلبها له، وأن جسمها لزوجها الذي لم يكن لها يد في اختياره، ولابد من الرضاء به؟ ثم أليس بحسبه أن يكون وفياً لها مادامت قد أرغمت على شيء لا يستطيع أحد أن يرغمه هو على مثله؟!، وما الفرق بين أن ترغم جينفرا فتتزوج، ولا يرغمه أحد فيتزوج؟ إنه إن فعل فإنها تفضله؛ وإن لم يفعل عاش كما عاش المحبون المخلصون من قبل، وعاش خالداً في القديسين الخالدين
في سنة 1400 نكبت أكثر المن الإيطالية بطاعون عظيم ذهب ضحيته أكثر سكانها، وكانت قرى بأكملها تصبح خلاء من أناسيها وحيوانها، وكانت فلورنسا الجميلة، عروس المدائن الإيطالية في ذلك العصر من أكثر البلدان ضحايا وشهداء
ولم تسلم جينفرا من هذا الوباء، بل تعذبت به طويلا، وكلت حيل الأطباء في سبيل إنقاذها، فأسلموها للمقادير، وانصرفوا عنها يائسين. . ولم تمض أيام حتى وقعت فريسة لنوبات جنونية كانت تعصف بها عصفاً شديداً، وتعذبها عذاباً مبرحاً، وتذيب من حولها قلوب ذويها أسفاً عليها. . . وأغمي عليها مرة إغماءة قاسية فحسب أهلها أنها أسلمت الروح. . .
وسواء أحسبوا ذاك أم لم يحسبوه فإنهم كانوا قد ضاقوا بمريضتهم ذرعا، وملئت قلوبهم منها ذعرا، لأن أنفاسها وباء، وبزاقها داء، وأنينها لهم أنين، وحملها عبء إن كانوا قد استطاعوا حمله أياماً فأنهم عليه مع هذا الجنون غير صبُر
وكان الناس لا يتورعون أن يدفنوا مرضاهم أنصاف أحياء خشية استفحال الوباء، فلما أغمي على جينفرا، وطال عليهم إغماؤها، وقر في قلوبهم أنه الموت، فجهزوها مسرعين، وحمل تابوتها طائفة من القسيسين فهرولوا به إلى مدفن العائلة، وكان قبواً عظيما تحت الأرض بعيداً من المدينة، فدفنوها فيه في احتفال بسيط؛ ووقف زوجها وأهلها وعارفو فضلها يذرفون عبراتهم على ثراها. . . ثم انصرفوا. . . وأقبل أنطونيو المحزون يبكيها بدوره، ويسكب عليها شئونه لا كما يسكبها غيره من الناس، بل كما ينبغي أن يفعل العاشق الصب وسد الناس قلبه تحت الثرى والصفاح
كذا فليجل الخطب، وليفدح الأمر، وليبك أنطونيو روندينللي!
لقد وقف المسكين على ثرى معبودته، وعند قبوها الهائل، وراح ينثر بقايا روحه على جدثها الطاهر العزيز. . . ثم جلس في ذهول وفي شبه إغماء، وانطلق يحلم بماضيه الجميل، ويرسل عينيه وراء سجفه الشفشافة ليراه جالساً إلى جينفرا يناجيها، ويتحدث إليها حديثاً كقطع الروض، ومنضور الورد، ويقبلها تلك القبل الحالمة الناعمة فوق ثغرها وفوق نحرها وفوق ذراعيها. . ثم يفيق المسكين. . . فيراه جالساً يبكي. . . فوق قبرها. . . وهي تحت هذا الجندل المركوم والتراب المهيل جثة هامدة ساكتة صامتة، لا يتحرك لسانها، ولا تنفرج شفتاها، ولا يتفتح الورد في خديها، ولا ينبعث النور واللألاء من جبينها ووجنتيها فيحس كأنما روحه تساقط مع أنفاسه الباردة لتثوي مع جينفرا تحت التراب.
ويقف أنطونيو فجأة ويحدج القبر بعينيه الباكيتين، ويقسم أنها ليست فيه!. . . ليكن! قد يكون ما يعني روحها. . أو. . ذكرياتها.
ثم يمضي إلى المدينة، ويذهب إلى منزله مصدوع القلب، ذائب النفس، خفق الأحشاء، ليس أسمج في عينيه من هذه الدنيا الكريهة الغادرة!
لم تكن جينفرا قد ماتت كما وهم القوم، بل كانت مغمى عليها إغماء شديداً. . . وليت أنطونيو ما فارق ثراها، حتى يسمع صوتها الضعيف داخل القبو بعد إذ انصرف بلحظات.
لقد هبت المسكينة من غفوتها في العالم الآخر، فجاهدت كثيراً حتى نهضت من تابوتها، وسرعان ما عرفت مصيرها فلم تذعر ولم تنزعج مع ما كانت تضيق به من برد المقبرة وهوائها المرطوب، وريح أكتوبر القارسة
ثم أنشأت تعالج التخلص من تلك الأكفان التي لم تخلق للبوس هذه الحياة الدنيا، وكانت تسبح بأسماء الآلهة والقديسين وتتوكل عليهم فيما هي فيه من الضيق، وكانت شعاعة ضئيلة من أشعة القمر تنسرق إلى القبو من شق صغير فيه، فكانت لها في شدتها وحرجها كبسمة الأمل الحلو الذي ضاعف جهادها في سبيل الحياة. . . واستطاعت بعد لأي أن تخلص من بعض أكفانها، وأن تخطو في ضعف وإعياء نحو باب القبو. . . وتهالكت على نفسها حتى صعدت فوق الدرج. . وهناك جلست لتستريح لحظة، وتستجم لما أمامها من العمل. . . حتى إذا أحست في ذراعيها قوة أعملتها في الحجارة التي كانت تسد باب القبو، والتي كانت تتماسك بطبقة رقيقة من الملاط، كانت ما تزال لينة رطبة، فسهل على جينفرا إزالة بضعة منها، بحيث أحدثت ثغرة تكفي لخروجها في شيء من الصعوبة، وقليل من العناء
وشجعها ما كانت فيه من هلع على نفسها داخل القبو، وما نالته من الظفر فاحتملت قر الليل وصرير الريح ووحشة الوادي، وجعلت تخطو بقدمين متخاذلتين في الطريق المقفر إلا من أشعة القمر، المنجرد إلا من عشب هنا وعشب هناك، حتى وصلت إلى المدينة. . .
لله ما أروع هذا الشبح الساري في ضوء القمر يدب على التراب المندى بقدمين عاريتين، وفي أكفان حريرية كأنفاس البخار تصاعد من النبع!
ولله هذا الوجه الشاحب الذي برز الساعة من ظلال الموت وحدود الفناء، وجعل يتدَهْدَى في طرقات المدينة حتى بلغ دَايْ كالْزَاجُولي!
لقد كان فرنسيسكو جالساً يستدفئ بالقرب من النار المتأججة في المدفأ، ووجه عابس وجبينه مقطب، وعليه من بداوات الأسى وعلائم الحزن ما كان ينبئ عما في قلبه من ثورة الوجد على عروسه التي لم يعش في كنفها الوارف أكثر من أشهر ثلاثة ثم قضت. . . وفاز بها الطاعون دونه!
وكان يهم أن يخلع ثيابه، ثم يمضي لينام، لولا أن سمع صوتاً خافتاً وراء الباب، ونقراً خفيفاً ضعيفاً على الباب، فذهب ليرى من الطارق بليل؟
لله ما كان أروع القمر الساري في ملكوت الله وهو يلقي أشعته على الشبح الواقف لدى الباب!
لشد ما ذعر فرنسيسكو. . .
لكنه ركع أمام الشبح، وأخذ يرسم علامة الصليب بسبابة مرتعشة، ونظرات مغضية، ثم نهض فتوسل إلى الروح الكريم أن يذهب. . . فلما لم تتحرك جينفرا مما دهاها من الدهش. . . أغلق فرنسيسكو الباب، وأحكم رتاجه. . . ومضى إلى فراشه وبه رجفة تزلزله زلزالاً عظيماً. . . ثم نذر أن يتصدق على روح زوجته ما وسعه ذلك، وأن يقيم على جدثها الطاهر ما لم يؤد لها من قُدَّاسات
وبكت جينفرا ما شاء لها أن تبكي، ثم جعلت تجَمْجم وتقول:(وَيْ! أذاك هو مدى ما أحببتني يا فرنسيسكو؟! وي! لابد أنني كنت عبئاً عليك، ووزراً تنوء به، وتود لو تخلصت منه! وا أسفاه! أين أذهب يا ربي؟ أأفلت من ظلام القبر لأموت من البرد والضنى والجوع في أشعة القمر؟). وذكرت أن بيت أبيها قريب فانقلبت. . . وشرعت تخطو. . .
ولم يكن أبوها هناك. . .
وكانت أمها في الطابق العلوي، توشك أن تمضي إلى سريرها فتنام. . . فلما سمعت همس جينفرا وصوتها الخافت المستنجد أطلت من النافذة لترى من الطارق. . .
وكان الشبح المريض المهزول يتكئ على مصراع الباب مما به من ونى وإعياء؛ ولم تَسْتَرب به الأم المحزونة، فقالت له وهي تتوسل إليه:(انصرفي في سلام أيتها الروح. . .!) ثم أغلقت النافذة، وانكفأت إلى فراشها لتصل أحزانها على جينفرا. . .!
وعرت الفتاة رعشة من الحسرة لا من البرد، فشدت ذراعيها، وذهبت على وجهها لا تعرف أيان تمضي. . . ثم خطر لها أن تلجأ إلى بيت من بيوت أعمامها، فلم تصل إليه إلا بعد أن جلست مرات ومرات تستريح وتستجم، وتمزج دموعها وأحزانها بضياء القمر الذي كان يبدو كأنه يبكي لها ويرثى لحالها، ويحوطها بغلالة دافئة من قمرائه
وا أسفاه عليك يا جينفرا!
لقد وقفت بباب عمها فلم تلق أطيب مما لقيت في المرات السابقة، ثم وقفت بباب عمها الثاني، فعمها الثالث، ثم بباب خالها، فخالها الآخر، فأبواب جميع أقاربها، فكانوا يردونها على أنها روح سارية، ويغلقون أبوابهم جميعاً دونها
واعتزمت آخر الأمر أن تلجأ إلى مستراح سان بَرْتولوميو لتنام فيه أو لتموت فيه، ولتستريح من هذه الدنيا التي تجهمت لها، وعبست بألف وجه من وجوه أقربائها. . . وما كادت عيناها الحزينتان تغمضان كما تغمض النرجسة الذابلة، حتى خطر لها أن تنهض من فورها، وتمضي إلى بيت حبيبها الوفي، أنطونيو روندينللي، وإن تكن بينها وبينه مسافة طويلة، ضاعفها ضربها في المدينة أضعافاً مضاعفة. . .
ثم هجست في ضميرها بكليمات باكيات فكأنما كانت تقول: (ولكن!. . . ماذا انتظر من رجل لقي الويلات مني ومن ذوي؟ وماذا عساه يصنع لي وقد ذادني كل أهلي عن منازلهم؟ يا رب! وحق أسمائك ما خنته! وحق ربوبيتك ما ضيعت موثقه!)
وذهبت تدلف إلى بيت أنطونيو وتهدج، حتى كانت لدى الباب، فوقفت تسمع إلى دقات قلبها، قبل أن تصغي إلى نقرها فوقه
وفتح أنطونيو الباب. . . ولم يكد يقع بصره عليها حتى تقدم نحوها بدافع غريب قوي من الحب، أو من الشجاعة، ولم يتقاعس كما تقاعس ذووها، ثم طفق يحملق فيها ويقلب فيها عينيه من إخمصيها إلى زؤابة رأسها، فلما أيقن أنها هي، تنفس صعداءه، وقال:(أأنت حقاً جينفرا؟ أم أنت روحها القديسة المطهرة؟) ولم ترد عليه، بل أرسل الحب ذراعيه القويتين إليها، فاحتملها كالطفلة، ثم أخذ يصيح من الجذل، داعياً أمه وخدمه ليزف إليهم البشرى، ولكن سرعان ما ارتد هؤلاء من الفزع حين أقبلوا ليروا فيما دعاء أنطونيو لهم، لما رأوه يحمل فتاة كالشبح في أكفان!!
وهرول به أنطونيو إلى مخدعه فسجاها في سريره، وهتف بخادم فأحضرت الموقد ليدفئها بما بقي فيه من قبس، ثم دعا أمه فطمأنها، وجلست مع الفتاة في السرير تضمها وتجعلها في حضنها لتدفئها كذلك
وكان الهلع يغشى أنطونيو خشية ألا يشيع الدفء في كيان حبيبته البارد المرتجف، فتذهب ضحية القر؛ بيد أنه اطمأن حينما رآها تثوب، وكان فرحه بها أشد من حزنه عليها، عندما
فوجئ بنبأ وفاتها، وجلس عند قدميها فوق أرض الغرفة يرعاها ويتولاها بعنايته، غير مطمئن إلى ما كانت تبذل أمه من التلطف بها، والحدب عليها
وانتعشت جينفرا، فهبت من السرير فجأة، ونزلت إلى الأرض، ثم أهوت على قدمي أنطونيو تقبلهما، وتريق عليهما دموع محبتها وشكرانها، وترجوه أن ينشر عليها جناح الطهر من وده وصداقته، وأن ينسى إلى حين ما أنها حبيبته، وإن تكن تعد نفسها خادمة له، وترتضي العبودية في كنفه. . . ثم ذكرت والدموع تحجب عينيها، ما كان من شجاعته عندما رآها أمام بابه، فلم يفر ولم ينزعج كما فر أهلوها وانزعجوا. . . وارتبك أنطونيو، وهم من مجلسه فركع أمامها، وراح يطلب صفحها عما عسى أن يكون قد بدر منه، مما أثر ظنونها. . .
ولم تستطع جينفرا أن ترد عليه بلسانها، فأخذت كفيه، وضغطت عليهما بكفيها الواهيتين، ثم انطلقت تغمرهما بالقبل، وتنضحها بالدموع. . . وكان التأثر قد بلغ من أنطونيو مبلغاً عظيماً، فراح يبادلها دموعاً بدموع، وينكر على نفسه أنه أدى لها يداً غير ما يقتضيه الواجب والمروءة والإنسانية، وأنه لم يكن ينتظر جزاءً على ما صنع إلا أن تتدفق الحياة في جينفرا العزيزة. . . المعبودة!
ثم سألها إن كانت تحب أن ينهض معها من فوره فيردها إلى ذراعي زوجها. قال:
(لا ترتبكي يا جينفرا. . . إن هذا واجب. . . إني أحضك عليه وإن يكن في قضائه قضاء علي. . .)
وامتزج بكاء جينفرا بجوابها فقالت: (كلا. . . كلا. . . كلا. . . لن أعود إليه. . . لا أود أن أراه. . . إني أوثر أن ألقى في دير فأعيش فيه ميتة، على أن أعود إلى فرنسيسكو. . . وفضلاً عن هذا. . فلقد فرق بيني وبينه الموت. . لقد مت في اعتباره. . ومشى في جنازتي. . . ووسدني التراب بيديه. . . وقبل ساعة كنت أطرق بابه، فلما رآني فزع وطردني. . . وأغلق الباب دوني. . . أرجوك يا أنطونيو. . . أرجوك ألا تردد اسمه أمامي. . . وإن أرغمني أحد على العودة إليه فسأشكو أمري إلى القضاء العادل ليفصل بيننا من جديد. . . سأقصد إلى كل محكمة. . . إلى كل سلطة دينية. . . لقد شهدوا جميعاً أنني مت، وصرحوا بدفني فدفنت حية، ولمه؟ لا لشيء إلا ليستريحوا مني؛ أفإن شاء
القضاء السماوي أن أنهض في رمسي بمعجزة، وعدت إلى الدنيا ولم أمت في القبر أشنع موتة، جاءوا من كل فج ليناوئوني، ويحجروا علي من جديد؟!)
وصمتت جينفرا، وأكب أنطونيو يسكب عبراته تحت قدميها الجميلتين المرتعدتين، وما كانت دموعه تلك إلا دموع الفرح بما سمع من حسن توكيداتها
ولبثت جينفرا لدى حبيبها الأول الوفي
ثم حدث أن رأى فرنسيسكو أجولانتي غادةً هيفاء من ذوات اليسار فغزل بها وغزلت به، وأغرم كل بصاحبه، فعقدا النية على الزواج. . . وما أن علم أنطونيو بذاك حتى انتهز هو أيضاً فرصته، وجعل يسعى لدى فرنسيسكو حتى اشترى منه كل جواهر جينفرا، وهو لا يدري أنها حية ترزق، وأنها قد نجت من براثن الطاعون والفناء بإرادة السماء. . . وعادت من عالم القبور لتخلق خلقاً آخر
في صبيحة يوم من أيام الآحاد ذهب أنطونيو روندينللي من أعيان فلورنسة، ومعه السيدة جينفراد دِجلي أمييرا، وأمه العجوز الوقور المتضعضعة، وخادم من خدم قصره، إلى كنيسة المدينة الخالدة ليعقد على حبيبته جينفرا
وهناك في بهو الكنيسة الكبير، التقى هذا الجمع اليسير بجمع آخر حاشد غاية الحشد، فيه الفتى فرنسيسكو أجولانتي وأمه وملأ عظيم من ذويه وأصدقائه. . . ذاهبين للعقد على غادة فرنسيسكو الهيفاء الغنية المثرية، ولما يمض على دفن جينفرا ثلاثة أشهر أو نحوها. . . والمؤلم المبكي أن أمها الساذجة كانت من ضمن المحتفلات بزوج ابنتها السابق. . . فما كادت العيون والأرواح تتعارف حتى ساد بهو الكنيسة صمت كصمت القبور، ووقف الجمعان خاشعين خابتين، ينظر بعضهم إلى بعض ولا يصدقون ما يرون!
ترى! من يتقدم ومن يتأخر؟
ولم تنتظر جينفرا طويلا. . . بل تقدمت مسرعة نحو أمها التي أخذت تحدق فيها بصرها، وترنو إليها مسبوهة مشدوهة
(أحقاً هذه جينفرا ابنتي؟ لم يكن شبحاً ما رأيت إذن. . . ويلاه!. . . ولكن. . . كيف عادت إلى هذه الدنيا ياترى؟ وأنى لها هذا الشباب وتلك النضارة؟ إنها تميس في شفوف وأفواف)
ولم تتركها جينفرا لتصل هذه السلسلة من أحلام اليقضة، بل قطعتها عليها قائلة:
(أما وقد ذهبتم بي إلى القبر فوسدتموني التراب بعد إذ شهد أطباؤكم بموتي، وبعد أن نثر القس زيته المقدس على جثماني معلنا بذلك أنني انتهيت من هذه الدنيا، فإني أعلن بدوري أنني لم أعد أمت إليكم بوشيجة، لاسيما بعد أن رفضتم جميعاً إيوائي حين عدت إلى دنياكم بمعجزة من معجزات القدر في حين قد آواني ملاكي أنطونيو روندينللي فأعادني إلى الحياة والحب، ولولا ذلك لقتلني البرد والمرض أمام باب من أبوابكم، ولعدت إلى القبر عودة لا رجعة لي بعدها إلى دنياكم. . . من أجل هذا كله أقرر أمامكم وأمام الحبر الجليل سيد هذه الكنيسة، وفي هذا المكان المقدس أنني أصبحت ملكا لحبيبي. . . وأنني إنما جئت اليوم ليشهد الله لنا. . .)
ثم ودعت أمها، وبعض الأعزاء من ذويها، وانفلتت إلى أنطونيو فضمته على مشهد من الجميع. . . وهنا. . . تأخرت جماعة فرنسيسكو حتى يروا بماذا يحكم الحبر الجليل. . . فوقف هذا. . . وهتف بأنطونيو ثم بجينفرا فباركهما، وكتب لهما، ودفع الصحيفة إلى أحد الرهبان فتلا ما فيها بما لا يزيد عما ذكرت جينفرا من الحجج. . . ثم دعا للكنيسة. . . وتم القداس البسيط فكان أروع قداس أبرم في كنيسة فلورنسا منذ أنشئت. . .
دريني خشبة
البريد الأدبي
تكريم شاعر الهند محمد إقبال
من أنباء الهند الأخيرة أنه أقيمت في جميع المدن حفلات لتكريم الشاعر الفيلسوف الهندي الكبير السير محمد إقبال بمناسبة عيد ميلاده (9 يناير) وألقيت في هذه الحفلات الخطب والقصائد في نواحي شعره واستعراض مناقبه وخلاله. واشترك فيها كبار الكتاب والشعراء الهنود من كل الطوائف
وكانت أهم تلك الحفلات في بلدة حيدر آباد، حيث رأس الحفلة حضرة صاحب السمو أعظم جاه ولي عهد مملكة حيدر آباد وفي بلدة لاهور حاضرة إقليم بنجاب حيث يقطن الشاعر، فرأس فيها الحفلة الأولى السر كوكل شند نارنج (وهو عالم هندوكي كبير)؛ وألقى فيها عقب تلاوة القرآن الأستاذ يوسف سليم شستي، والعلامة الفاضل عبد الله يوسف علي، والدكتور شكرورتي (وهو عالم هندوكي كبير وأستاذ بكلية بلاهور) والأستاذ كورشرن سنج (وهو عالم كبير من اتباع ديانة سيخ وأستاذ في كليتهم المسماة (خالصة كالج) بلاهور) والسيد بشير أحمد، والأستاذ السيد نذير نيازي محاضراتهم القيمة. ثم تلاهم حضرات الشعراء نور محمد، وجلال الدين، وحامد علي خان، فألقوا قصائدهم. ورأس الحفلة الثانية والثالثة حضرة صاحب العزة السير عبد القادر، وألقى فيها حضرات الشعراء أسلم جيراجيوري (وهو أستاذ بالجامعة الملية الإسلامية بدهلي)، والأستاذ سراج الحق، والأستاذ خوشي محمد قصائدهم الرائعة. وألقى كذلك الأستاذ خواجه غلام السيديْن عميد الجامعة الإسلامية بعليكره محاضرة قيمة، كما ألقى الدكتور محمد دين تأثير محاضراته العلمية في شعره وألقى الشاعر حفيظ هوشيار يوري قصيدته الرائعة فنالت استحسان الجميع
وخلاصة ما قال الخطباء، هو أن السير إقبال يعتبر اليوم بتمكنه من الشعر والفلسفة في الشرق والغرب ذهناً عالمياً، وداعية وطنياً عظيما يعمل على إزالة الفوارق الجنسية والطائفية؛ وهو اليوم في طليعة زعماء الشعر الأوردي والفارسي معاً؛ وقد ذاعت شهرته منذ سنة 1908 كشاعر عميق الفكرة وترجم ديوانه الفارسي (أسراري خودي)(أسرار النفس) إلى الإنكليزية بعناية المستشرق المعروف الأستاذ نيكلسون؛ والسير إقبال سليل
أصل كريم من علماء كشمير، وقد تلقى تربية متينة في معاهد لاهور وعليكره، وفي كليات أوربا، وكان تلميذاً للسير توماس أرنولد والسير عبد القادر الهندي الذي كتب ترجمته؛ وهو ينظم شعره بإفاضة مدهشة، ويستطيع أن ينشده غيباً بسهولة، وفي كتابه (تنظيم التفكير الديني في الإسلام)(بالإنكليزية) نراه داعية إلى إحياء الدين على ضوء التطورات الحديثة؛ ومن رأيه أن الحياة التي تستحق الحب هي حياة النشاط والدأب، والتي تتخللها الصعاب والمتاعب، وشعره في الأوردية يعتبر من اثمن وأجل تراث ظفرت به إلى يومنا
ومع أن السير إقبال مسلم صادق العقيدة والنزعة، فهو لا يكتب أو ينظم بروح طائفية. وهو يحاول أن يصور الإسلام في أصدق وابسط مبادئه الديموقراطية؛ وهو وطني كبير يدعو إلى مبادئ الوحدة والإخاء
ذكرى السيد جمال الدين الأفغاني
السيد جمال الدين الأفغاني ضحى حياته في خدمة الشرق الإسلامي وغذى النهضات المصرية والعربية والإيرانية والهندية في العصر الحاضر بأعماله المجيدة وآرائه السديدة، ومع ذلك لم تقم بما وجب عليها من تكريمه وتبجيله لا في حياته ولا بعد وفاته. حتى ضريحه لم يبن إلا أخيراً وعلى نفقة المستشرق الأمريكي مستر كرائن. وقد فكر أخيراً المسلمون في الهند فقرروا إحياء ذكراه في 9 مارس القادم في طول الهند وعرضها وهو اليوم الذي انتقل فيه المرحوم إلى الرفيق الأعلى. وحبذا لو نهجت الأمم الإسلامية الأخرى منهج المسلمين في الهند فيكون الاحتفال بذكراه عاماً في يوم واحد
كتاب عن الشئون المالية للأمم الإسلامية
صدر في مدينة فينا منذ أيام قلائل كتاب بالألمانية من نوع جديد يعالج ناحية هامة من نواحي الحياة العامة في الأمم الإسلامية عنوانه: (من عالم المالية في الأمم الإسلامية بقلم الكاتب الاقتصادي الدكتور يوسف هانس وقد زار المؤلف مصر منذ أشهر قلائل واستقى كثيراً من المعلومات والمواد المتعلقة ببحثه. وهو يعالج الشئون المالية لمصر وباقي الأمم الإسلامية بوضوح وإيجاز، ويستهل بحثه بفصل تمهيدي عن التطورات السياسية التي جازتها الأمم الإسلامية منذ نهاية الحرب الكبرى، ثم يتناول أحكام الشريعة
الإسلامية في الربا، وما تعلق بتنظيمه في القوانين المدنية بمصر وتركيا، ويتحدث بعد ذلك عن النقد والسياسة النقدية في الأمم الإسلامية، ويخص كلا منها بفصل يتحدث فيه عن أهم العوامل والظروف الاقتصادية المتعلقة بها؛ ويتناول بحثه الأمم الآتية: تركيا، والعراق، وإيران، وأفغانستان، ومصر، وسوريا، وفلسطين، وشرق الأردن، والمملكة العربية السعودية واليمن، وحضرموت، ويقدم عن كل منها خلاصة حسنة عن أحوالها المالية والنقدية؛ ويقدم إلينا في هذه البحوث الدقيقة معلومات طريفة عن طرق النقد والتعامل والموارد المالية لكل منه
ويخص المؤلف مصر بفصل يتناول فيه أحوال الورق النقدي (البنكنوت) وإنشاء بنك مصر والدور الذي لعبه في الحياة الاقتصادية المصرية منذ سنة 1920 إلى يومنا. ويقدم إلينا إحصاءات مقارنة عن أعماله وميزانيته. كذلك يقدم إلينا خلاصة حسنة عن الميزانية المصرية، ومركز مصر المالي
ولا ريب أن هذه ناحية هامة من نواحي الحياة العامة للأمم الإسلامية لم يتناولها الكثيرون من قبل، ولم تظهر فيها بالعربية كتب أو بحوث ذات شأن
وقد تخصص المؤلف من أعوام طويلة في هذه المباحث النقدية والمالية، وقصر جهوده على دراستها في الأمم الشرقية والإسلامية وأخرج من قبل كتابين في هذا الباب هما (النقد والذهب في آسيا) و (التطورات النقدية في الشرق) وكلاهما بالألمانية
ذكرى الفيلسوف سويد بنورج
احتفلت السويد بذكرى فيلسوفها ومفكرها الأكبر أمانويل سويد بنورج لمناسبة انقضاء مائتين وخمسين عاماً على مولده. وتلقت لجنة الذكرى رسائل تقدير للفيلسوف الراحل من ملك السويد وملك إنكلترا والرئيس روزفلت. ويعتبر سويد بنورج من أعظم أساتذة التفكير الحديث. وكان مولده في سنة 1688، ووفاته سنة 1772؛ ودرس دراسة مستفيضة ونبغ في الرياضيات والفلسفة الطبيعية وترك تراثاً فكرياً عظيماً، واشتهر بالأخص بكتبه ورسائله الفلسفية، وفي مقدمتها كتابه عن (فلسفة اللانهاية وأسباب الوجود) و (عبادة الله وحبه) و (الجنة والنار) و (الحب الإلهي والحكمة الإلهية) وله عدة كتب ورسائل أخرى في الرياضيات والفسيولوجيا والعلوم الطبيعية وغيرها. وقد وضع معظم مؤلفاته باللاتينية،
وترجم الكثير منها إلى معظم اللغات. وقضى سويد بنورج حياة طويلة حافلة، وملأ العالم بكتبه وأفكاره، وقضى أعوام حياته الأخيرة في إنكلترا وهولنده. ولقي كثيراً من عنت خصومه ولاسيما رجال الدين؛ وحاول بعضهم أن يرميه بتهمة الكفر والمروق، ورفعت عليه القضية الجنائية بالفعل ولكنه برئ، وفشلت مساعي خصومه من الأحبار الناقمين
كتاب جديد للرئيس هريو
ظهر أخيراً كتاب جديد للكاتب والسياسي الفرنسي الكبير إدوار هريو رئيس مجلس النواب الفرنسي عنوانه: ' وليس الرئيس هريو زعيما سياسياً فقط، ولكنه أيضاً كاتب عبقري ومن أعضاء الأكاديمية الفرنسية. وكتبه الأدبية والسياسية تفيض طرافة وقوة، وكتابه الجديد عن تاريخ الثورة الفرنسية في ليون. وليون هي بلده ومسقط رأسه، وهو إلى اليوم عمدتها ونائبها وقد لعبت هذه المدينة دوراً كبيراً في الثورة، وكانت بعد باريس قلبها النابض. ويقص الرئيس هريو حوادث الثورة في ليون بأسلوبه القوي الساحر، ويعرضها بروح المؤرخ المنصف المنزه عن الأهواء والنزعات. وسيكون كتاب الثورة في ليون أول قسم من سلسلة كتب عن الثورة ينوي أن يخرجها الرئيس هريو
التمثيل في المدارس
أصدر معالي بهي الدين بركات باشا وزير المعارف قراراً بتأليف لجنة من الأساتذة محمد قاسم بك ناظر مدرسة دار العلوم ومحمد رفعت مراقب تعليم البنات المساعد، وتوفيق الحكيم مدير إدارة التحقيقات عهد إليها دراسة موضوع التمثيل في المدارس المصرية دراسة مستوفاة على أساس أنه أداة صالحة تستعين بها الوزارة في تثقيف طلاب المدارس وتهذيبهم، وتصفية ذوقهم وتنقيته، ومساعدتهم على حسن الأداء وإجادة النطق والتعبير. وستجتمع اللجنة للمرة الأولى في غضون هذا الأسبوع
وتتجه اللجنة في دراستها إلى استيفاء هذا الموضوع من أصوله، والخروج عن القاعدة العتيقة السابقة، والتقدم إلى الوزارة بمشروع جديد كبير يرقي من شأن المسرح، ويحقق الأغراض التي تنشدها الوزارة في هذا الشأن
وسيكون لعلاج رواية المسرح المدرسي أوفى نصيب من تلك الدراسة، فسيقضي على
الفكرة القديمة الغالبة، وهي اختيار روايات مثلت من قبل في بعض دور المسرح المصري، وبذلك تصبح للمسرح المدرسي روايات تتفق والقاعدة السليمة التي ينشأ من أجلها هذا المسرح
وستقوم اللجنة إلى جانب هذه الدراسة التمثيلية بدراسة أخرى تتفرع عن الحاجة إلى فن الإلقاء، وتدريسه في مدارس المعلمين كما ستعنى بتهيئة الأساتذة الذين سيشرفون على التمثيل في مدارس الحكومة وغيرها من المدارس الخاضعة للتفتيش
جمعيات تحفيظ القرآن في المدن والقرى
يشتد الضغط هذه الأيام على الأزهر الشريف وعلى المعاهد الدينية اشتداداً عجيباً بعدما كان من انصراف الناس عنها قبل خمس سنين أو سبع؛ والضغط ملحوظ، بل هو على أشده في المعاهد الابتدائية، وهذه حالة تبعث على الإعجاب والرضى لتنبه الشعور الديني في قلوب المسلمين، وتفضيلهم التربية الدينية التي تناولها الإصلاح الكثير على التربية في المدارس التي تقذف كل عام بمئات المتبطلين للشوارع والمقاهي. . . ونحن لا نغض بهذا من قيمة التعليم المدني، ولكننا نقرر أن التعليم الديني الذي أدخلت عليه إصلاحات كثيرة مدنية قد أوشك أن يبذ التعليم المدني الصرف من كل الوجوه. ولو عني الأزهر بتقرير دراسة لغة أو لغتين أجنبيتين في معهد أو معهدين من معاهده لسبق المدارس المدنية بألف شوط في مضمار الحياة. . .
على أننا نتساءل: لمن كان الفضل في هذه النهضة التي تشبه البعث؟! ليس شك في أن كثيراً من الفضل راجع إلى الرجل المصلح الذي وجه الأزهر هذا التوجيه، ولكنا لا نخفي أن أكبر الفضل في تزويد الأزهر بالأبناء النابغين هو هؤلاء الرجال الذين فكروا في إنشاء مدارس تحفيظ القرآن، فهذه المدارس لم تخدم القرآن فقط، بل خدمت الأزهر خدمة عظيمة خالدة. . . ولكن مالية هذه المدارس ضعيفة لاعتمادها على موارد غير ثابتة، فهل كثير على الأزهر وأوقافه العظيمة وعلى وزارة المعارف أن تمد إليها يد المساعدة؟!
سارة للأستاذ عباس محمود العقاد
نشر الأستاذ الجليل عباس محمود العقاد قصة وجدانية تحليلية بعنوان (سارة) وهي فيما
نظن أول ما عالج أو نشر من هذا النوع. لذلك سنفرد لها فصلاً خاصاً في عدد آت من الرسالة. وهي ذات حجم لطيف وطبع أنيق؛ وتقع في قرابة مائتي صفحة، وتباع بعشرة قروش في أغلب المكاتب
غرفة قراءة للمتحف المصري
في الأخبار الإنجليزية أن غرفة القراءة بالمتحف البريطاني ستظل مفتوحة للزوار ساعة بأكملها فوق الوقت المعتاد. ولا ندري ماذا يمنع مصلحة الآثار عندنا من إنشاء قاعة للقراءة بالمتحف المصري على نمط قاعة المتحف البريطاني؟ هل المتحف المصري (للفرجة) فقط؟ وهل يصح أن يكون كذلك وعلى مقربة منه جامعة مصرية باذخة بها كلية للآداب، وفي مصر نهضة، وفي مصر قراء. . .؟
وعلى ذكر هذه القاعة التي نأمل أن يفكر المتحف سريعاً في إنشائها نتساءل أيضاً: ماذا يمنع علماء الآثار المصريين وعلى رأسهم الأستاذ سليم حسن بك من التأليف في تاريخ مصر القديم بالعربية؟ أو على الأقل لماذا لا يترجمون كتبهم إلى لغتنا؟
متحف لمكسيم جوركي
افتتح أخيراً في موسكو متحف ضخم لآثار الكاتب الروسي الأشهر مكسيم جوركي؛ وقد توفي هذا الكاتب الكبير منذ نحو عامين، وترجمته الرسالة في حينه. ويضم المتحف الجديد أحد عشر بهواً عرض فيها كل ما يتعلق بحياة جوركي وكتبه ومخطوطاته وآثاره المختلفة، وخصص فيها بهو لقطعه المسرحية، عرضت فيه نماذج من أشخاص مسرحياته. وقد خصت حكومة موسكو جوركي بهذا التكريم باعتباره (عميد الأدب السوفيتي الاشتراكي الجديد وزعيمه). والواقع أن جوركي هو أعظم كتاب الثورة الاشتراكية بلا نزاع، كما كان تولستوي في أواخر القرن الماضي أعظم كتاب الثورة الاجتماعية الروسية. وقد عرض قضية العمال وبؤس الطبقات العاملة في قصصه أقوى عرض. ومما تجدر ملاحظته أن الحركة الأدبية في روسيا الاشتراكية تبوأت مكانتها من القوة والازدهار، ولم تتعرض لها الحكومة بأكثر من التوجيه نحو الغايات الثورية التي تطبع سياستها الاقتصادية والاجتماعية، ولم تلق شيئاً من ذلك الاضطهاد الشامل الذي قضى على الأدب الألماني في
ظل النظام الهتلري
المسرح والسينما
هنري إيرفنج
1838 -
1938
بقلم محمد علي ناصف
منذ مائة علم في مثل هذا الشهر من اليوم السادس على
الترجيح كان مولد الطفل جون هنري بردريب، ولم يكن بعد
(هنري إيرفنج)
ولد في سومرست، وقضى سنيه الأولى الباكرة في كورنوول. وفي الحادية عشرة انتظم بإحدى مدارس التجارة بلندن وتركها بعد سنتين ليلتحق بأحد مكاتب المحاماة حيث كان من المأمول أن يكون كاتباً نابهاً. وبعد عامين آخرين (1853) حدث له وهو في الخامسة عشرة مثل ما حدث للممثلين العظيمين تالما وكين فظهرت دلالات ميوله إلى المسرح
وقد أشبع هوايته بعض الشبع بتعرفه بعد عام إلى وليام هوسيكنز الممثل الذي تلقى عليه هنري أول دروسه في التمثيل فيما بين الثامنة والتاسعة من صباح كل يوم قبل ذهابه إلى العمل.
ظل هنري طوال مدة عمله بمكتب المحاماة نهبا موزعا بين وساوس أحلامه وزخارفها، بين جحيم المكتب ونعيم المسرح، فكان يجلس إلى مائدة الكتابة ينسخ الصحائف ويدون الأرقام. . ولكنه كثيراً ما كان يحس فجاءة بجمهور كبير من حوله، من الحسان، ومن الكبار، يتطلع إليه، ويصفق له، فيهيم في أودية الخيال ويقفز من لباس إلى لباس، ومن مكان إلى مكان، ومن شخص إلى شخص، ومن عصر إلى عصر. . . ذلك نعيم المسرح (فترة راحة صغيرة)
(أكتب هذا ثانية يا سيد برودريب لو تفضلت)
(شخص أقبل ثم ذهب. سكون مخيم قابض)
وسرعان ما يهبط السيد برودريب من حالق. سرعان ما تتبخر الأحلام وتتجسم الحقائق،
وتتكدس الأوراق أمامه، وتتراجع الكلمات الحلوة من فوق شفتيه لينطق بجملة واحدة مريرة. . . (هذا جحيم المكتب)
ولم يطل تردده بين نعيمه وجحيمه. فذات مساء في أواخر يولية سنة 1856 كان وليام هوسكينز جالساً أمام نار المدفأة مستغرقاً في بعض شئونه، وإذا بطرق متواصل على بابه لم يدعه طويلاً رب الدار الذي أسرع نحو الباب، فإذا به يجد الطارق تلميذه هنري، وقد بدا مشرق الوجوه بنور باهت هادئ أوضح ما يرى على وجه تخلص صاحبه من عذاب طويل.
علم الأستاذ أن تلميذه قد انتهى من الاختيار، وأنه اختار النعيم الذي ارتآه
وقد ودعه هوسكينز في ذات الليلة بعد أن سلمه خطاباً فضه هنري في الطريق فطرب من كلمات الثناء التي قدمه بها معلمه إلى ا. د. دافيز بمسرح الليسام بسندرلاند. ولم يكن في تقدير هوسيكنز أو هنري أو دافيز أو أي أحد أن هذا الزائر الجديد سيصبح مدير الليسام وأحد قادة المسرح في جميع العصور
وفي 18 من سبتمبر عام 1854 رفع الستار لأول مرة على هنري كممثل محترف. وكانت كلمات المسرحية الأولى (إنا نبدأ المسعى). . . ولم تكن بداءة مشجعة لهنري، فقد نصحه بعض الناقدين وقتئذ بمغادرة المدينة على أول باخرة فاستجاب إليهم، ولكن ليواصل جهاده في أدنبره حيث قوبل في أول الأمر بالصفير والهزء كممثل طريد، ولكنه سرعان ما نقض هذا الحكم، وسرعان ما أصبح نجم الليسام وأحب ممثل إلى الجماهير
ولقد مثل في هذه الفترة 429 دوراً مختلفاً في 782 يوماً، وهذا رقم قياسي في تاريخ كبار الممثلين. مثل في جميع أنواع المأساة والملهاة: مثل الذئب في وأوجور في - وكاسيو في وسيلفيو وأورلاندو في وسبعة أدوار مختلفة في
وفي عام 1871 ظهر لأول مرة على الليسام بلندن وصار من ذلك الحين (هنري إيرفنج)
وقد عزى إلى إيرفنج أنه لم يكن يحفل باختيار ممثلين تتكافأ صفاتهم مع صفته ومكانته، حتى قال برنارد شو في إحدى مقالاته في النقد سنة 1897:(إن المرء في الليسام معرض للجنون في الفترات التي يخلو المسرح فيها من هنري إيرفنج وأليس بتري) غير أن هناك من ينتحل الأعذار لإيرفنج في هذا الصدد لاشتغاله ممثلاً ومديراً ومخرجاً في آن واحد؛ فلم
يكن يستطيع فوق ذلك أن يتفرغ لشئون تلاميذه وممثليه. ومن هؤلاء المدافعين عن هذه النظرية التي سافرت إلى هوليوود قريباً، وكانت في صباها من ممثلي الليسام. . .
وعلى ذكر شو نقول إنه من الكتاب القليلين الذين اجترءوا على نقد إيرفنج؛ وكان أكثر ما يأخذه عليه مسخه لشكسبير وإهماله لإبسن. ففي شكسبير كان شو يعتقد أن الجماهير تذهب لمشاهدة إيرفنج لا من أجل الكاتب الإنجليزي الكبير. وأما مسرحيات إبسن فقد كان إيرفنج يتخلى عنها لألين بتري وجنفياف وارد في الأدوار الرئيسية
ومهما قيل في إيرفنج فليس هناك من ينكر فضله بين زعماء المسرح الخالدين
ولقد قدر أخيراً لجون هنري برودريب ابن أحد فلاحي سومرست أن يلقى مضجعه الأخير في وستمنستر آبي مقر عظماء الإنجليز باسم (سير هنري إيرفنج) وأن يكون الممثل الوحيد الذي يقام له تمثال في لندن يحج إليه في السادس من هذا الشهر كبار ممثلي إنجلترا يحيون أعظم رجل عرفه المسرح الإنجليزي
محمد علي ناصف