الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 25
- بتاريخ: 25 - 12 - 1933
رمضان
نعم رمضان! ولا بد من رمضان بعد أحد عشر شهراً قضاها المرء في جهاد العيش، مستكلِب النفس، مستأسِد الهوى، متنمر الشهوة، ليوقظ رواقد الخير في قلبه، ويرهف أحاسيس البِر في شعوره، ويُرجع روحه إلى منبعها الأزلي الأقدس فتبرأ من أوزار الحياة، وتطهر من أوضار المادة، وتتزود من قوى الجمال والحق ما يُمسكها العامَ كله على فتنة الدنيا ومحنة الناس.
فرمضان رياضة للنفس بالتجرد، وثقافة للروح بالتأمل، وتوثيق لما وَهى بين القلب والدين، وتقريب لما بعد بين الرأفة والمسكين، وتأليف لما نفر من الشمل الجميع، وتنديةٌ لما يبس من الرحم القريبة، ونفحة من نفحات السماء تفعِم دنيا المسلمين بعبير الخلد وأنفاس الملائكة!
ورمضان كله عيد وطني شامل، تفيض بالسرور أنهاره، وتغرق في النور لياليه، وتفتَرُ بالأنس مجالسه. فالرجال يحيون أماسيه في محافل القرآن أو منازل اللهو النزيهة، والنساء يوزعن الوداد والأنس على الأبهاء الكثيرة، والأطفال الهازجون يزينون الطرقات بفوانيسهم الملونة الصغيرة، والبيوت الباقية على العهد تتقرب إلى الله بالذكر والصدقات، والمساجد المقفرة طول العام تعج بالوعظ والصلوات، والمآذن الحالية بالمصابيح، الشادية بالتسابيح، ترسل في أعماق الأبد نور الله وكلمته!
وكل شيء في رمضان جذلان مغتبط، ما عدا الرومي في الحان، والشيطان في كل مكان!
ورمضان مظهر قومي رائع، يعيد إلى القاهرة عز القرون المواضي، فيصبغ لونها الاوربي الحائل بصبغة الشرق الجميلة، ويرفع صوتها الخافت بشعائر الصوم الجليلة، ويبرز شخصيتها الضائعة في زحمة الاجانب بالمظاهر الرسمية للحكومة، والتقاليد العرفية للشعب. وما أروع القاهرة في سكتتها عند الإفطار، وجلبتها عند السحور، وهزتها ساعة انطلاق المدفع!
ورمضان بعد ذلك كله رباط اجتماعي وثيق، يؤكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف، وبين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف، وبين أهل الملة بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميع بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة، ممتزجة الروح، متحدة العقيدة، متفقة الفكرة، متشابهة النظام، متماثلة المعيشة.
ولكن رمضاننا الأول واأسفاه لم يخفَّ على طبع المدينة الحديثة! فرمته بقلة الإنتاج وكثرة الإهلاك وشل الحركة وقتل الصحة، ونفته إلى إحياء العمال وقرى الفلاحين، واتخذت لنفسها من بقاياه رمضان آخر رقيق الدين، خفيف الظل، باريسي الشمائل، يبيح النظرة المريبة والكلمة العارية والأكلة الدسمة والسيجار الغليظ، ولا يسألهم من ظرفه إلا إن يجعلوا العشاء عند الغروب وبعد طلقة المدفع! وإذا كان في بيوت المحافظين قارئ يقرأ القرآن، وذاكر يذكر الله، فليكن في بيوت المتجددين (راديو) يرجِّع أصوات الغناء، وحاك يردد أهازيج الرقص!
وهكذا تُجِدُّ الليالي ونحن نلعب! كأنما كتب علينا أن نأخذ الحياة من جانبها الفضولي العابث فنتأثر بها ولا نؤثر فيها، وكأنما همنا ان نعيش صعاليك على تقاليد الامم دون أن تميزنا خصيصة من قومية، ولا شعيرة من عقيدة! وكأنما الشعائر التلمودية القاسية عاقت اليهود عن المغامرة والنبوغ والتقدم!
أما رمضان القرية فلا يزال يحل من أهلها محل النور من العين والمهجة من القلب! تجسمت في خواطرهم صورته حتى جعلوه رجلا له حياته وعمره وأجله. . يذكرونه على شهرين من مقدمه. فيحسبون حسابه! ويهيئون أسبابه، حتى إذا دب إليهم من غيوب الآباد دبيب الهرم سُلسِلت الشياطين، وأُرسِلت الأملاك. وهبطت الأرواح، ودرَّت أخلاف الخير، واغدودقت أصول النعم! هنالك يملك القرية شعور تقي هادئ خاشع، فلا تعود تسمع لغواً في حديث، ولا عنفاً في جدل، ولا بغيا في خصومة! فإذا أذهل أحدهم الغضب فرفع صوته ندم عجلان واستغفر ثم قال: اللهم إني صائم! ذلك لأن رمضان يُرجع الفلاح نقيا كقطرة المُزن، طاهراً كفطرة الوليد، فلا يقتل ولا يسرق ولا يشهد الزور ولا يقول الهُجر ولا يأتي المنكر. وما أجمل أن ترى فاتك الأمس ناسك اليوم! يمشي من البيت إلى المسجد في ثوبه النظيف وئيد الخطو، غضيض الطرف، ولا تترك المسبحة يده، ولا يفتر عن التسبيح لسانه، فإذا قابل القروية الجميلة وعلى رأسها الجرة، اتحد جمالها في نظره، بجمال الخير في نفسه، فأمعن في التسبيح واستغرق في الله، لأن إبليس في رمضان سجين، وباب الغواية مغلق!
يقضون صدر النهار في تصريف أمور العيش، ثم يجلسون على المصاطب في أشعة
الأصيل الفاترة يستمعون القصص أو الوعظ. حتى إذا تضيَّفت الشمس جلسوا في الطريق أمام بيوتهم فمدوا الموائد على الأرض، ودعوا إليها عابري السبيل وطالبي الصدقة، ثم لا يلبث الأخاء المحض أن يجعل الموائد المتعددة مائدة واحدة، يصيب منها من يشاء ما يشاء!
أما ليلهم فاستماع للقرآن، واستقبال للإخوان، ومسامرة مشتركة ساذجة تجمع أفنانا شتى من شهي الحديث، وكلما انقضى نهار من رمضان تَغَضَّن سرار من وجوه القوم، حتى إذا لم يبق إلا الأربعة الأخيرة تمثلوه محتضرا يكابد غصص الموت، فندبوه في البيوت والمساجد، ورثوه على السطوح والمآذن، وبكوه يوم (الجمعة اليتيمة) أحرَّ بكاء.
فإذا كان المغرب الأخير ولم يبق من رمضان إلا بقية روح، خامرهم الخوف من انطلاق الشياطين السجينة، فجلس الصبيان على أبواب الغرف يكررون البسملة ويضربون حديدا بحديد، ليحفظوا البيت من دخول شيطان مَريد!
ذلك رمضان كما تدركه الفِطر السليمة والقلوب المؤمنة، وهو وحده الباقي لفلاحنا من غفلات العيش ولحظات السعادة! ولكن وا أسفاه! لقد أفسدت الأزمنة رمضان القرية، كما أفسدت المدنية رمضان المدينة!
احمد حسن الزيات
وقفة على جسر إسماعيل
للأستاذ عبد الحميد العبادي
إذا حق لبغداد أن تباهي في غابر أيامها بلدان العالم بجسرها الأكبر الذي كان معقوداً فوق دجلة، والذي يقول فيه علي بن الجهم:
عيون المها بين الرصافة والجسر
…
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وإذا كانت (فروق) عاصمة الترك من آل عثمان تذوب حياء وخجلا كلما أنشد قول شوقي في جسرها المتهدم المتساقط:
أمير المؤمنين رأيت جسرا
…
أمر على الصراط ولا عليه
فمن حق القاهرة أن تسحب الذيل تيها وافتخارا بجسر إسماعيل فهو من غير شك أعظم من جسر بغداد وأروع، وهو لم يظفر بمثله بلد عظيم ظل متبوع مصر أحقابا طوالا.
أنشدتك الله أيها القارئ، إلا ما وقفت مرة بذلك الجسر في أي وقت شئت، وعلى أي حال كنت. قف بكرة، أو ضحى، أو أصيلا. قف في الهزيع الأول أو الثاني من الليل. قف صيفا، أو خريفا، أو شتاء، أو ربيعا. قف فتى مقتبل السن، أو كهلا قد توسط الحياة، أو شيخا نالت منه السنون، فأنا زعيم لك بأنك وأجد جمالا يملأ الجوارح، وحسنا يستغرق العقل. هنا الجمال! هنا الروعة! هنا الفتنة! هنا قطعة من رياض الجنة، أهبطها الله الأرض ثم أباحها الناس جميعا، يستمتع بها الغوي والمهتدي، والمقتصد في أمره، ومن كان على نفسه مسرفا. جسر رشيق التكوين، موزون الأبعاد، يساير الشمس من مشرقها إلى مغربها، والقمر من لدن بزوغه إلى أفوله. فان غابت الشمس وأبطأ القمر فللمدلج الساري عوض عنهما في السرج الوهاجة القائمة على جانبيه ترسل نورا هادئا لينا لا يفرق البصر ولا يحسره. حتى كأن الكواكب قد دنت فتدلت، فاختار منها مهندس ذلك الجسر ما شاء، ثم نظمه سمطين على حافتيه.
ثم هولا تهدأ عنه الرجل ساعة من ليل أو نهار. ففي النهار ترى أفواج الساعين في الأرض تتدافع فوقه بالمناكب والمراكب. فإذا تصرم النهار، وطفلت الشمس للغروب، رأيت المستروحين المتنزهين يغشونه زرافات ووحدانا، يلتمسون طيب الهواء، وجمال المنظر، وبهجة الخاطر. فإذا اختلط الظلام وأرخى الليل سدوله بات الجسر مسترادا ومذهبا
لقصاد الجزيرة من العابثين اللاهين، والعشاق المدلهين. سيماهم حديث مغمغم، ورؤوس متساندة وأصابع مشتبكة، وخطى مضطربة، قد لفهم الليل من نور القمر أو المصباح في مثل الكلة المخرمة تبين ما اشتملت عليه وتستره، وتخفيه وتظهره، على أن كلا آمن مطمئن كأن تلك الأسود المقعية عند طرفي الجسر أرصاد موكلة بحراسة الجسر ورواده.
ثم ارم ببصرك ذات اليمين وذات الشمال. فهذا النيل اكثر انهار الأرض بركة، وأحفلها بالذكرى، ينساب مترفقاً، يصافح متنه نسيم الشمال فيحيله وشياً منمنماً، وتصب عليه الشمس أشعتها الفضية والذهبية فتحيله تارة لجيناً سائلا وأخرى ذهبا مذابا. حتى إذا غربت الشمس وتألق الأفق وانعكست فيه صور النجوم والمصابيح التي تكتنفه من كل نواحيه، رأيت المجرة بين يديك، إن شئت خضتها خوضا، وان شئت لججت فيها تلجيجا.
وهذه الجزيرة تعترض الأفق الغربي بنخلها الذاهبة في السماء، وأشجارها الجاثمة على الأرض، وبنورها الضاحك وطيرها الصادح كأنما هي حجة بليغة على ما بقبالتها من معاهد وديار يهيب بها كل ما حولها أن (ليس هذا بعشك فادرجي) ومع ذلك فقد أعدت هذه الدار والمعاهد عدوى الحسن المجسم أمامها فأكسبتها رقة مدنية، وخلعت عليها مسحة من جمال تعرفها في الدار والديار.
كل جزء من أجزاء هذا المنظر الفخم يسر إليك نجوى، ويتلو عليك نبأ. فهذا الجسر يصور لك الحياة معرَّفة بين نكرتين، ومعلوما بين مجهولين. وهذه الخلائق التي تتصرف فوقه آناء الليل وأطراف النهار، عملا، واستراحة، ولهوا، كأني بها تحدثك بأن لا بأس علينا من أعمالنا متى صدرت مطاوعة لحاجات نفوسنا. وهذه الجزيرة التي يبدو لك بالنهار نخلها وشجرها عرائس تونق العين وتفتن القلب، فإذا أظلم الليل تراءت فوق الأفق شخوصا وأشباحا توحشك وتروعك، كأني بها تفضي إليك بان للظواهر دون الحقائق الأثر الأقوى في توجيه حكمنا على الأشياء. وهذه الثكنات الغاصة بالجند والملأى بالسلاح، ما عبرتها وما بيانها؟ استمع إليها تخبرك لمن كانت أمس، ولمن هي اليوم؟ وتنشدك قول شجرة عدي بن زيد:
رب ركب قد أناخوا عندنا
…
يشربون الخمر بالماء الزلال
عصف الدهر بهم فانقرضوا
…
وكذاك الدهر حالا بعد حال
أما النهر الدافق، والجو الرائق، والنجوم اللامعة، والشمس الساطعة، فتلك كلها السنة تهتف بأن العزة والدوام لله وحده.
الأحنف بن قيس
للأستاذ احمد أمين
ضئيل الجسم، صغير الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، غائر العينين، خفيف العارضين، أحنف الرِّجل، ليست خصلة تدل على قبح المنظر إلا وهو آخذ منها بحظ، تنبو عن مرآة الإحداق، وتتفادى من شخصه الأبصار، وهو مع هذا سيد قومه، سيد تميم، وهي ما هي في العظمة، إن غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب. خطير النفس، بعيد المرمى، ما زال يسود حتى بلغ مرتبة لا يسمو إليها أمل، ومنزلة لا يتعلق بها درك، إذا أوفد وال وفداً إلى خليفة فالأحنف أحد الوفد أو رئيسه وخطيبه، وإذا اختلف الأمراء على الخلافة فالأحنف من أول من يفكرون في اصطناعه، وإذا حزب الأمر، وعظم الخطب، فالأحنف من يفزع إليه في المشورة. دوى اسمه بين المسلمين في الأحداث الأولى للإسلام، وخرج منها على كثرتها وتعقدها واضطراب الأهواء فيها، نقي السيرة، يقر بعظمته من كان له ومن كان عليه، وظل اسمه علما رفيعا في نواح مختلفة على مر الأزمان، إن أُرِّخت الحروب الإسلامية فأحد قادتها وغزاتها، وإن ذكرت الأخلاق فأحد أشرافها ونبلائها، وان أرخ الأدب والخطب والحكم والأمثال فهو ابن بجدتها.
ولد قبل الإسلام ولكن لم ينل شرف الصحبة لرسول الله (، ووقف من أول أمره وهو فتى موقفا يدل على قوة عقله وصدق نظره، فان رسول الله (أرسل رجلا إلى بني سعد رهط الأحنف فجعل يعرض عليهم الإسلام، فقال الأحنف لقومه: إنه يدعو إلى خير، ويأمر بخير، فلم لا نجيب دعوته، وسرعان ما ساد تميما وهي قبيلة من أعز القبائل وأقواها وأشرفها، كانت تسكن مساحة كبيرة من جزيرة العرب تشمل نجداً وجزءاً من البحرين وجزءاً من اليمامة، وانقسمت تميم لكثرتها إلى فروع كثيرة كانت تتعادى أحيانا وتتحالف أحيانا، ولذلك لم يكن عجيباً أن يتهاجى الفرزدق وجرير شر هجاء، وكلاهما من تميم، ولكنهما من فرعين مختلفين. حاربت تميم نفسها ومن حولها في الجاهلية، وشغلت حروبها أياما كثيرة من أيام العرب. وكان لتميم راية في الحروب خاصة على صورة العقاب، كما كانت راية بني أسد على صورة الأسد، ثم أسلمت وحسن إسلامها، ولكنها ارتدت أيام الردة
إلى أن ردها خالد ابن الوليد إلى الطاعة، وكفرت عن ردتها بما بذلت من جهود في الفتوح، حتى إذا تم الفتح سكن بعضها الكوفة وبعضها البصرة، وكان الأحنف بن قيس سيد تميم البصرة. وقد ظلت تميم في الإسلام وفيها من ألوان البداوة، ومن هذا النوع من البداوة ما بدا من نزعتهم الخارجية، فقد كثر الخوارج من تميم، وكان قطرىّ بن الفُجاءة وكثير ممن تبعه من الازارقة من قبيلة تميم.
وأنجبت تميم كثيرا من نوابغ الشعراء لا يعنوننا الآن، كما أنجبت كثيراً من السادة والأشراف والعظماء، وكانوا سلسلة كسلسلة الذهب متصلة الحلقات يتعلم بعضهم من بعض خلق السيادة كما يتعلم العلم على الأساتذة، وكان أستاذ الأحنف ابن قيس في السيادة (قيس بن عاصم) المنقري التميمي الذي قال فيه رسول الله (لما رآه (هذا سيد أهل الوتر) وقد قيل لقيس هذا: صف نفسك، فقال أما في الجاهلية فما هممت بملأمة، ولاحُمتُ على تُهمة، ولم أر إلا في خيل مغيرة أو نادي عشيرة، أو حامي جريرة، وأما في الإسلام فقد قال الله تعالى (ولا تزكوا أنفسكم) وقد نزل في البصرة كتلميذه الأحنف، وتعلم الأحنف من الحلم، ولما مات قال فيه القائل:
عليك سلام الله قيس بن عاصم
…
ورحمته ما شاء أن يترحما
وما كان قيس هلكه هلك واحد
…
ولكنه بنيان قوم تهدَّما
خلف الأحنف قيسا في السيادة، وكان أبو موسى الاشعري واليا على البصرة فبعث بوفد منها إلى عمر بن الخطاب فكان الأحنف أحدهم وخطب بين يدي عمر يسترعيه النظر لأهل البصرة. فاعجب به عمر وقال (هذا والله السيد!) فدوت هذه الكلمة في الأنحاء.
أكثر الواصفون في ذكر الأحنف ومزاياه وسيادته، والسيادة أنواع، وقد ترى لكل سيد طعماً لا تجده في سيد آخر، ولكل سيد نقطة تتركز فيها عظمته قد لا يشترك فيها سيد آخر، فسيدٌ عظمته في شجاعته، وسيد عظمته في سخائه وسيد عظمته في قول الحق يجهر به والسيف على رأسه، فان نحن سئلنا عن مركز العظمة في الأحنف، فعظمته كانت تتركز في خصلتين تتصل إحداهما بالأخرى اتصالا وثيقا: انه منح نظرا صائبا يتعرف به المحاسن والمساوئ، ومعالي الأمور وسفسافها، وقلَّ أن يخطئ في ذلك، ثم منح إلى ذلك إرادة قوية يحمل بها نفسه على ما أدرك من معال ومحاسن مهما كلفه من مشقة وحمله من جهد، فلو
علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه؛ وهي (كما ترى) نقطة ارتكاز يحمل فوقها كثير من الفضائل، على حين أن نقطة الارتكاز عند كثير من السادة لا تتحمل إلا فضيلة واحدة.
وهذا يفسر كل ما روي عن الأحنف، كان لا يعبأ بالمال، وكان لا يعبأ بالحياة، وكان يفر من الشرف والشرف يتبعه، وكان يخضع للحق إذا لزمه خضوع الذليل المستخدي، وإذا كان الحق بجانبه دافع عنه دفاع المستأسد الضاري، يقف أمام علي وأمام معاوية وأمام زياد بن أبيه فيجهر بالحق الصريح من غير مجمجمة ولا مواربة ولا يبالي ما بعده.
تولى في زمن عمر بن الخطاب فتح خراسان فدوخ الفرس وملكهم يزدجرد ولقي من الحروب ما تشيب من هوله الولدان، ولكنه صبر وظفر، وأنجد ملك الفرس الترك وأهل فرغانة والصغد فلم يكن فيهم أمام الأحنف وجنده غناء.
ووقف الأحنف العربي البدوي وليد الصحراء في شملته يطارد يزدجرد المتوج ربيب النعمة، وعصارة المدنية، وسليل الأكاسرة، ونتاج الحروب المنظمة بين فارس والروم، في العدد والعديد، والجنود والبنود، فظفر التميمي بسيد فارس وطارده حيثما حل حتى جاوز حدود بلاده وخرج منها لا إلى رجعة، (وأقبل أهل فارس - كما يقول ابن الأثير - على الأحنف فصافحوه ودفعوا إليه الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم، على أفضل ما كانوا عليه زمن الأكاسرة، واغتبطوا بملك المسلمين)
فلما نشبت الحرب بين علي ومعاوية رأى الحق في جانب علي فانضم إليه بقومه، وأعان عليا بسيفه ورأيه، فاشترك معه في حرب صفين ونصحه إلا يكون أبو موسى الاشعري حكما، وظل مخلصاً له العمل والقول حتى قتل علي. ودانت البلاد لمعاوية فأطاع معاوية في شمم وإباء، فقد دخل عليه يوما فقال له معاوية: أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين، فقال له يا معاوية لا تذكر ما مضى منا، ولا ترد الأمور على أدبارها، فان السيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا. والقلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، والله لا تمد إلينا شبراً من غدر إلا مددنا إليك ذراعا من ختر، وان شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو من عفوك. فقال له معاوية فإني أفعل، ثم استرضاه ومن معه.
ولما أراد معاوية أن يبايع لأبنه يزيد أخذ الناس يتكلمون مدح يزيد والثناء عليه، ويمدحون معاوية على عمله والأحنف ساكت، فقال له معاوية، مالك لا تتكلم يا أبا بحر وكانت كنيته
فقال قولته المشهورة: (أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت) فكانت كنايته أبلغ من التصريح.
ويظهر أنه بعد أن قتل علي رأى من المصلحة للمسلمين أن يشايع الأمويين، فان هذا أقرب إلى الوحدة وأدعى إلى الألفة حتى مع ما هم فيه من ظلم أحيانا وطغيان أحيانا، يدل على ذلك تاريخه وقوله فقد استنصر به الحسن بن علي علىمعاوية فلم يجبه وقال (قد بلونا حسنا وآل حسن فلم نجد عندهم ايالة الملك ولا مكيدة الحرب) وكان بينه وبين عبد الله بن الزبير جفاء. فلم يشايعه في الخروج. ورأيناه ينصح قوما من تميم أرادوا أن ينضموا إلى ابن الزبير إلا يفعلوا.
ولكنه كان يطيع الأمويين وولاتهم طاعة الحازم العاقل، ينقدهم فيما يرى ويمحضهم النصح في صدق وإخلاص، وله كموقف مع زياد من خير المواقف أثراً في تاريخ الإسلام، فقد هم زياد أن يقتل الموالي لكثرتهم ومزاحمتهم العرب فاستشار الأحنف فقال، إن ذلك ليس لك، إن رسول الله (لم يقتل من الناس من قال لا إله إلا الله وشهد أن محمدا رسول الله وانهم غلة الناس، وهم الذين يقيمون أسواق المسلمين، أفتجعل العرب يقيمون أسواقهم قصابين وقصارين وحجامين؟ فأذعن زياد لرأيه ونزل على إشارته، ويقول الأحنف انه ما بات ليلة أطول منها خشية أن ينفذ زياد فكرته.
ووقف في البصرة موقفا بديعا يصلح بين القبائل المختلفة المتعادية من الازد وبكر وعبد القيس، ويبذل من ماله ديات لما يقع من القتل حتى يلتئم صدعهم ويجتمع شملهم ويعيشوا في البصرة عيشة هادئة مطمئنة.
لقد عابوا عليه انه ذُكر أمامه الزبير بن العوام عندما ترك القتال يوم الجمل ومر ببني تميم فعابه الأحنف وقال جمع الزبيريين الناس يقتل بعضهم بعضا ويريد أن ينجو إلى أهله! فتبعه رجل سمع هذا القول فقتله، فقال الناس إن الأحنف قتل الزيبر بكلامه.
كما عابوه بأنه كان سميعا مطيعا لجاريته (زبراء) حتى كان الناس يكنون عن وقوع الحرب بقولهم (غضبت زبراء) لأنها إذا غضبت غضب الأحنف، وإذا غضب الأحنف شرعت الأسنة وانتضيت السيوف.
ولكن أي عظيم لا يعاب؟ وكفى الأحنف نبلا أن كانت عيوبه من هذا القبيل لا تخدش شرفا
ولا تجرح عرضا
وللأحنف ناحية أخرى بديعة هي ناحية أدبية غزيرة أمدت كتب الأدب العربي بغذاء صالح قوي، هو ما روي عنه من جُمل حكيمة جمعت إلى حسن اللفظ وقوته، جودة المعنى وصحته، ونضحت عليها صفات الأحنف النبيلة الشريفة وكانت خلاصة لحياة حافلة بالتجارب. كانت هذه التجارب والمعاني في دماغ ارسطو اليوناني الفيلسوف فصاغها صياغة علم وفلسفة، وكانت في دماغ الأحنف بن قيس العربي البدوي فصاغها في شكل حكم وأمثال وجمل موجزة، تحمل معاني
غزيرة، فكان لكل مزايا منهجه في النظر ومنهجه في القول
لقد وصل الأحنف في الإسلام ما بدأ به أكثم بن صيفي من الحكم في الجاهلية، وزاده الإسلام غزارة وفيضا، وكانت حياته العملية من حروب واتصال بالسلطان والولاة وخبرة بالناس ونزاعهم وأنظارهم، وسيادته وكثرة سؤال الناس له عما سوده مددا صالحا يستقي منها حكمه وأقواله، من مثل قوله: (انصف من نفسك قبل أن يُنتصف منك، ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة، شريف من دنئ، وبر من فاجر، وحليم من أحمق. لا خير في قول إلا بعقل، ولا في منظر إلا بمخبر، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في حياة إلا بصحة وأمن ومن حق الصديق أن تحتمل له ثلاثاً: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة، الخ وله أقوال في الولاة وفي الصداقة وفي السؤدد وفي مكارم الأخلاق ملئت بها كتب الأدب، تدل على صدق نظر، وصحة التجربة، وقدرة على صياغة ذلك في جمل رصينة
من أجل هذا كله نال عند الناس منزلة قل أن يطمع فيها طامع، يعجب الناس بعقله حتى يقول سفيان: ما وزن عقل الأحنف بعقل أحد إلا وزنه، ويعجبون بسيادته وهيبته حتى يقول القائل:
إذا الأبصار أبصرت ابن قيس
…
ظللن مهابة منه خشوعا
فلله الأحنف قائدا في الحروب لا يبارى، ولله الأحنف سيدا في قومه مطاعا، ولله الأحنف حكيما مجربا، ولله الأحنف بليغا مفوها، ولله السعدية إذ رثته فقالت: (نسأل الله الذي ابتلانا بموتك، وفجعنا بفقدك أن يوسع لك في قبرك، وأن يغفر لك يوم حشرك، فلقد عشت مودوداً
حميدا، ومت سعيداً فقيدا، ولقد كنت رفيع العماد، وارى الزناد، ولقد كنت في المحافل شريفا، وعلى الأرامل عطوفا، ومن الناس قريباً، وفيهم غريبا، وإن كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين. رحمنا الله وإياك.)
لقد عمر طويلا ومات سنة 69 هـ ودفن بالكوفة فرحمة الله عليه.
فلسطين
بقلم كنيث وليمامس
سياسة الانتداب في فلسطين سياسة غير عملية، وقد فشلت. وسوف تعاني بريطانيا العظمى منها المتاعب ما بقيت تسير عليها.
هذا رأي وضعي، واقعي، تنبؤي معا، والحقائق أسهل الأشياء إثباتا. وقليل من الإنكليز العارفين بالمسألة الفلسطينية يجادلون في هذه النبوءة. وقد جاءت حوادث أكتوبر الماضي مؤيدة لها. بيد أنه لم تقم قرينة حقيقية على أن سياسة الانتداب مذ بدئ بها سنة 1920 قد قبلتها أغلبية السكان الفقراء، بل لقد غص العرب دائما بذلك العهد الذي احتواه الانتداب بالعمل على تسهيل إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين؛ وليست هناك وسيلة أو ظاهرة من الفوائد المادية التي تزعم الصهيونية أنها تغدقها على فلسطين يمكن أن تحمل العرب على قبوله، فالعرب لا يريدون الانتداب بكل بساطة.
ولكن الساسة الإنكليز لا يؤمنون بهذا، أو على الأقل يتظاهرون بعدم الأيمان به، ويقولون إن عرب فلسطين أقلية ضعيفة ممزقة، وليس لها مميزات عقلية من الوجهة السياسية، ومن هم حتى يجرءوا على مقاومة الانتداب الذي أخذته بريطانيا العظمى على نفسها، والذي حصلت من أجله على مصادقة عصبة الأمم. ثم يقولون إن العرب شعب مشاغب، يشغفون بالتظاهر وإرسال الوفود السخيفة إلى لندن، ويقولون أخيراً: نحن نعرفهم جيداً، فاحكموهم بحزم، ودعوهم يستفيدون من الذهب اليهودي، والزمن كفيل بانضوائهم إلى رأينا.
ولكن ساستنا يخففون من غلوائهم أحيانا، فقد صرح وزير المستعمرات في 31 اكتوبر الماضي بقوله:(أريد أن أتحدث إلى الشعب الفلسطيني بجلاء. إن الانتداب يحمل واجبا للعرب واليهود، وسوف نؤدي هذا الواجب تاما عادلا دون خوف أو تحيز. . . وسوف تضع السياسة البريطانية نصب عينها دائما أن تعمل على خير فلسطين كلها). ولا يستطيع وزير المستعمرات أن يزعم أن في كلماته طرافة، فهي على صحتها ودقتها خالية من التعمق وبعد النظر. وقد قال مثلها كل وزير للمستعمرات، ولم تثمر كلها شيئا. ولماذا؟ لأنك لا تستطيع اليوم أن تخدع العرب بالوعود والشروح، فهم يعرفون كل تدليل يمكن أن تقدمه الدولة المنتدبة أو الصهيونية لتأييد التعاون بين العرب واليهود في فلسطين، أو القول بأن
قيام الوطن القومي اليهودي في أرضهم فيه خير لهم.
وقد نفهم وان كنا لا نستسيغ ما نفهم، أن يلقي كل وزير للمستعمرات كلما وقع اضطراب في فلسطين، نفس الكلمات القديمة، أقول لسنا نسيغ هذا، لأن الحقيقة الواضحة هي أن السياسة البريطانية في فلسطين قد أظهرت أنها تتأثر بعوامل الخوف والتحيز، فكل إنسان يذكر كيف أن الاضطرابات التي وقعت في ايرلنده بعد الحرب قد انتهت بعقد المعاهدة الإنكليزية الأيرلندية، وكيف أن ثورة العرب في الجزيرة (العراق) قد أحدثت تغييرا جوهريا في السياسة البريطانية في العراق، وكيف أن الاضطرابات التي وقعت بمصر بعد الحرب قد انتهت بإعلان استقلالها سنة 1922 (تصريح فبراير) وهكذا. الواقع أن السياسة البريطانية تقلبت في فلسطين تقلبا ظاهرا ومن الصعب أن نقول إن الإدارة العسكرية التي قامت في فلسطين منذ الهدنة إلى سنة 1920 رحبت بالصهيونيين الذين سمح لهم بدخول فلسطين تطبيقا لعهد بلفور، فقد كان عطفها على العرب ظاهرا، ولكن حكومة لندن لم تكن تعنى كثيرا بشأن العرب، وكانت بالعكس تعنى ليل نهار بأماني الصهيونيين ومقاصدهم. وكان مستر لويد جورج وقت رآسته للوزارة قبل الحرب، قد عقد الصداقة مع الدكتور ويزمان الزعيم الصهيوني، فادى ويزمان للحلفاء خدمة جليلة باختراع المفرقعات القوية، وكانت هذه الصداقة نواة تصريح بلفور واصله، حسبما يصرح مستر لويد جورج في مذكراته.
ويمضي الكاتب بعد ذلك في الحديث عن الإدارة الإنكليزية في فلسطين، فيقول أن عهد السير هربرت صمويل أول مندوب سام كان حسنا، وانه ترك فلسطين سنة 1925 في حالة يسر وان لم ينجح في إقناع العرب بقبول الانتداب. ولم يعن خلفه اللورد بلومر بالمشكلة السياسية، ولكنه عني بالعمل على توطيد أركان الأمن والسلامة. وسادت السكينة في عهده حتى أنه نصح بتخفيض عدد القوات المحتلة. بيد أن هذه السكينة ترجع إلى اغتباط العرب بما آلت إليه الصهيونية من الاضطراب، وما عانته من أزمات جعلت اليهود يغادرون فلسطين بكثرة. وفي عهد خلفه السير جون تشانسلور وقعت اضطرابات سنة 1929، فاقتضت تعزيز القوات المحتلة وإرسال لجنة برلمانية للتحقيق (لجنة شو)، ولجنة لبحث مسألة الأراضي والهجرة. وألقت تقارير اللجنتين ضوءا جديدا على قضية العرب؛
ونوهت بضرورة إعادة النظر في طبيعة الانتداب وتوجيه السياسة البريطانية في فلسطين توجيها واضحا. ولما صدر الكتاب الأبيض سنة 1930، شعر العرب أن قضيتهم تسير في سبيل الفوز.
ثم يقول: ولكن اغتباط العرب بالكتاب الأبيض لم يطل أمده؛ فقد بذلت الصهيونية جهودا عظيمة مقرونة بالوعيد لنقض الكتاب الأبيض، فعاد مستر مكدونالد يفسر الكتاب الأبيض في خطابه الشهير إلى الدكتور ويزمان في فبراير سنة 1931؛ فكان الكتاب مثلا محزنا جديدا على ضعف الحكومة في المسألة الفلسطينية. وليس مثل هذا الضعف مما يرضي، بل ليس عادلا ولا متفقا مع الكرامة. ولن يستتب السلام في فلسطين إلا إذا أعيد النظر في مسألة الانتداب؛ ومن الواجب أن توضع سياسة جديدة على أسس التصريحات الرسمية السابقة في الموضوع، وتجري عليها كل الوزارات البريطانية، ويجب أن يستشار زعماء الأحزاب البريطانية الثلاثة، وان يقنعوا بضرورة إخراج المسألة الفلسطينية من معترك السياسة الحزبية؛ والسير فيها على خطة لا يحيد أحد عنها. ولا يستطيع سياسي بريطاني أن يزعم أنه قد وضعت بعد قاعدة لسياسة مرضية في فلسطين؛ والأمر يقتضي شجاعة أكثر لمواجهة الحقائق، فزمن المعجزات في فلسطين قد مضى.
واستمرار السياسة الحاضرة ليس في صالح اليهود ولا العرب ولا الإمبراطورية البريطانية. فانظر إليها من الوجهة اليهودية مثلا: هل يبقى الانتداب إلى الأبد؟ وهل نتصور أن يقنع الصهيونيون إلى الأبد بالاعتماد على الحراب البريطانية؟ لا ريب أن الدولة المنتدبة لم تكسب عرفان الشعب اليهودي بسياستها في فلسطين
أما معارضة العرب للانتداب فلا حاجة إلى ذكرها، ويزعم البعض أن هذه المعارضة من تدبير أقلية مغرضة من (الافندية) الذين يفقدون نفوذهم السابق بين الفلاحين بسبب ازدياد الرخاء الذي يحدثه الصهيونيون. وهي قصة سخيفة، لا يؤمن بها غير أولئك الذين يعتقدون بقيامأية ثورة شعبية في أي بلد. وسواء أكان الحكم الذاتي نعمة أم لا، فلا ريب أن عرب فلسطين قد تطلعوا إليه، ولكن على غير طائل. ثم إنا نجد الدليل على أن العرب إنما يعارضون سياسة الانتداب في مظاهرات اكتوبر الماضي التي لم توجه إلى اليهود كما كان يحدث من قبل، ولكنها وجهت إلى الدولة المنتدبة ذاتها.
وإذا لم تتفق الأحزاب البريطانية على اتباع سياسة جديدة في فلسطين، فان خير سبيل تسلكه الحكومة البريطانية هو أن تتقدم إلى عصبة الأمم، وتقترح عليها أن ترد إليها الانتداب الذي منحته. وهو رأي سيعترض عليه بمنتهى الشدة، وينعت بالخيانة، وضياع الهيبة. ولكن الهيئة تعرف أن الانتداب (قسم 2) يراد به السير بالشعوب ذات الشأن إلى الاستقلال. وإذا لم يكن ثمة ريب في أن على بريطانيا واجبا أدبيا في حماية اليهود الذين دخلوا فلسطين، فان أولئك اليهود لا يقيمون أي دليل على انهم يستميلون أهل البلاد، فهل تحمل بريطانيا في مثل هذه الحالة واجبها إلى الأبد؟
وإذا القي مثل هذا الاقتراح إلى عصبة الأمم فهي إما أن ترد بان تطلب إلى بريطانيا استئناف سياسة الانتداب، وهنا تستطيع الدولة المنتدبة أن تضع بنفسها شروطها، وأما أن تقبل العصبة نزول بريطانيا عن الانتداب. ولو قبلت العصبة هذا النزول فماذا يكون؟ هل في ذلك ما يضير الإمبراطورية البريطانية؟ إن الصهيونيين يتحدثون كثيرا عن أهمية فلسطين للدفاع عن قناة السويس، ولكن الدفاع عن القناة إنما يكون على يد القوى المعسكرة على ضفافها، ثم يقولون إن ميناء حيفا الذي افتتح منذ أسابيع سيغدو قاعدة عظيمة للأسطول البريطاني. ولكن أين هي القوات البحرية التي يمكن أن تهاجم الأسطول البريطاني في مياه الليفانت؟ والخلاصة أن الحاجة اشد ما تدعو إلى انتهاج سياسة عملية حقيقية في الشرق الأدنى. فقد خرجت العراق من الدائرة الإمبراطورية، وما اتخذ هنالك من الإجراءات لضمان المواصلات الجوية يمكن اتخاذه في أي مكان آخر، وسوف تحذو سورية عاجلا أو آجلا حذو العراق. والبلاد العربية في تقدم، وهذا التقدم يزيد المسألة الفلسطينية تعقدا، فإذا لم يمكن الاحتفاظ بالانتداب طبق شروطنا المعدلة، فليس من الحكمة أن نحتفظ به. فلسنا بسياستنا الحاضرة نكسب عرفان اليهود ولكنا نكسب غضب العالم الإسلامي، والعالم العربي بوجه خاص.
التفاؤل والتشاؤم وهل لهما أسباب تاريخية؟
بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين
على الرغم من انتشار الحضارة في مدن الغرب والشرق وتأصل المدنية والمعرفة فيهما منذ عشرات السنين فلا يزال الكثيرون في بعض مناحي تفكيرهم واعتقاداتهم مقيدين بأغلال خرافية يؤمنونبالتفاؤل والتشاؤم على نفس النمط الذي كان يعتقد به من عاشوا في عصور ما قبل التاريخ وبعده.
ما اعجب هذا الإنسان. .! خضعت له عناصر الطبيعة وطمأنت من كبريائها أمام جبروته، ودفع بسفينته إلى المحيطات الثائرة تشق عبابها آمنة لا تهاب غدرها، وبعقله الجبار دانت له العلوم وتفتحت الأسرار، ومع ذلك ما زال هذا الإنسان على ما بلغ منسيادة ومدنية وحضارة وثقافة يستمسك ببعض الأوهام الخرافية التي استمسك بها أسلافه وقد كانوا اقل منه حضارة وتعلما واستنارة، وسيظل عبدا لها مهما قرأ وتثقف.
إن الحضارة لن تقضي على الخرافات مطلقا، وكل ما هنالك أن الناس يستبدلون خرافة بخرافة تحت ضغط المدنية، ولكنالأساس واحد والأصل لا يتغير.
من العجب أن الغربيين يعتقدون أن الشرق (مهد الخرافة) وان أهله هم اكثر الشعوب تعلقا بالخرافات وإيمانا بها، ويعزون هذا التعلق وذاك الإيمان إلا أن هؤلاء لا يزالون في ضلالات الجهل. ومعنى ذلك أن الغرب بما وصل إليه من الحضارة ورقي العلم والأدب قد تجرد عن مثل هذه الأوهام، ولكن الواقع غير ذلك فما زال قوم منهم من أرقى الطبقات يعتقدون أحط الخرافات التي لا تقوم على أساس علمي.
ولئن صدق هؤلاء المتقولون وانتحلوا للشرقيين عذرا من الجهل فماذا يقولون عن أنفسهم وهم الذين يدعون سيادة الشرق استنارة وحضارة. . .؟!
فقد سألت إدارة إحدى كليات المعلمين لمقاطعة (ونكونسن) الأمريكية 488 طالبا أن يذكروا الخرافات التي يعرفونها والتي سمعوا بها، فأجمعت ردود الطلبة على خرافات بلغت زهاء 1225 خرافة.
وهناك في الغرب طائفة من الكتب بمختلف اللغات مقصورة على البحث في الخرافات والمعتقدات المختلفة.
يقول الدكتور كلارك ويسلر وهو من العلماء العاملين في متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك: (يظهر أن المدنية وقد درجت وتطورت من مهد الجهالة لا زالت ذات صلة بطريقة التفكير التي تسيطر على العقول البدوية في الجاهلية الأولى، فالسحر والخرافات يلعبان الى الآن دورا كبيرا في الحياة العصرية).
ويقول أحد علماء النفس من الفرنسيين: (إن الخرافات لم تنج منها أمة في الزمن الغابر ولا في العصر الحاضر وإن تأصل عادة التفاؤل أو قلة ظهورها لا علاقة لها بحالة الشعوب ومبلغ رقيها وتقدمها في الحضارة.)
ووجه الدكتور ا. باودن مدير كلية المعلمين بولاية (مكسيكو) الجديدة بالولايات المتحدة وأحد كبار علماء النفس الأمريكيين سؤالا إلى جمهرة من الناس ولفيف من المعلمين هذا نصه:
إذا كنت ذا تعلم جيد وصحة طيبة تشتغل بجد وضميرك مرتاح. . . أتظن أن هناك قوة تحيد بك عن سوى الصراط وتميل بك قسرا إلى تغيير سبيلك المرسوم؟) فكانت إجابة 77 في المائة من تلك الجمهرة من الناس (نعم) و 62 في المائة من المعلمين.
فزهاء ثلثي الأمريكيين تقريبا من المعلمين يؤمنون بالتفاؤل والتشاؤم.
إن للبيئة والإقليم والدين شيئا من التأثير في الطباع وفي الأجسام، ولكن التأثير الأعظم للوراثة.
للخرافات الشائعة أصول تتفق وعقلية الإنسان الأول، وسبيلنا إلى فهمها أن نعرف أحوال المتوحشين الآن وعقائدهم وكيفية تعليلهم للأشياء والحوادث، لأن المشابهة تكاد تكون تامة بين المتوحش الذي يعيش الآن في أواسط أفريقيا واستراليا، وبين الإنسان الأول، بل يمكننا أن نقول إن المتوحشين هو أسلافنا المعاصرون الآن.
إن معظم الخرافات التي ترجع إلى التفاؤل والتشاؤم ليست كلها ناشئة عن أسباب تاريخية وحوادث وقعت في الأزمنة الماضية، فكم من خرافات عاشت دهورا بلا سبب، ويرجع هذا إلى ما جبل عليه الإنسان من سرعة تصديقه بكل ما يسمعه.
لا تجد أمة تخلو من اعتقادات خرافية راسخة في عقول أهلها ولكن بعض الخرافات تكاد تكون شائعة بين معظم الشعوب، وقد جمعنا في هذا المقال من أوثق المصادر طائفة من
الخرافات الكثيرة الشيوع مع تعليل اصلها وفقا لآراء الباحثين.
البوم
أول ما يلفت النظر من الخرافات هو البوم، فمعظم الناس يتشاءمون منه، ويقولون إن رؤيته تجلب المصائب وتجر النوائب، فهو طائر الشؤم وناعي الخراب، وان الأوربيون يتشاءمون من صوت البوم ويتطيرون منه أيضا. فالمشهور عنه انه يتخذ الأماكن الخربة المهجورة والمحال المظلمة مأوى له، ولذلك قرنت في ذهن الإنسان صورة الخراب مع البوم، ومن هنا نشأ التشاؤم، وهو يقيم في الأماكن الخربة ليأكل ما يجده من الفيران والجرذان والحشرات والبعوض وغيرها.
إن البوم غالبا يعشش في أجواف الأشجار، ولكن بعضها يعشش بين الصخور وعلى الرمال وفي البيوت الخربة ومن ذلك قول بعضهم:
يا قصر جمع فيك الشؤم واللؤم
…
متى يعشش في أركانك البوم
ومن أنواع البوم الهامة وهي مشهورة في قصص العرب؛ والصدى وهو الوارد في قول توبة:
ولو أن ليلى الاخيلية سلمت
…
عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا
…
إليها صدى من جانب القبر صائح
وقد جاء في كتاب سراج الملوك إن عبد الملك بن مروان أرق ليلة فاستدعى سميراً له يحدثه، فكان فيما حدثه به أن قال يا أمير المؤمنين (كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها، فقالت بومة البصرة: لا افعل حتى تجعل لي صداقها مائة ضيعة خراب، فقالت بومة الموصل: لا اقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا سلمه الله علينا سنة واحدة فعلت لك ذلك.)
الغراب
ومن الخرافات الشائعة التشاؤم من الغراب، ويعرف في الشام بالزاغ والقاق، وفي العراق بالزاغ والغراب.
وكان الرومانيون يقولون: إذا طار الغراب عن يسار إنسان أنبأ بالشر وجلبه عليه. وانه
يسبق المقاتلين إلى ساحة الوغى ينتظر وقوع القتلى. وإذا طار فوق بيت فلا بد أن يموت أحد فيه. وإذا وقع به أذى انتقم ممن آذاه ولو بعد موته. وكثيرون من الإنجليز يعتقدون أن نجاحهم في الدنيا نتج عن حمايتهم لغراب عشش في بستانهم، وانه إذا قتل قصدا فلا بد أن يموت أحد من الأسرة على اثر ذلك. ويقول أهالي اسوج إن الغربان التي تنعق في المستنقعات ليلا هي أرواح القتلى الذين قتلوا غيلة، ولذلك حمي الغراب من الأذى في كثير من البلدان الشمالية.
وكان العرب يتشاءمون من الغراب، قال أبو الفرج المعافى ابن زكريا في كتاب الجليس والأنيس: (كنا نجلس في حضرة القاضي أبي الحسن فجئنا على العادة فجلسنا عند بابه وإذا إعرابي جالس كانت له حاجة فوقع غراب على نخلة في الدار فنعب ثم طار، فقال الإعرابي: إن هذا الغراب يقول أن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام، قال فزجرناه فقام وانصرف ثم خرج الأذن من القاضي إلينا، فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتماً، فقلنا له مالخبر؟ قال رأيت البارحة في النوم شخصاً يقول:
منازل عباد بن زيد
…
على أهليك والنعم السلام
وقد ضاق صدري لذلك. فدعونا له وانصرفنا، فلما كان في اليوم السابع من ذلك اليوم دفن)
قال القاضي أبو الطيب الطبري: سمعت هذه الحكاية من لفظ شيخنا أبي الفرج المذكور.
وقال يعقوب بن السكيت: (كان أمية بن أبي الصلت وهو شاعر مسيحي مشهور من فحول شعراء الجاهلية، في بعض الأيام يشرب، فجاء غراب فنعب نعبة، فقال له أمية: بفيك التراب! ثم نعب أخرى فقال له أمية: بفيك التراب! ثم اقبل على أصحابه وقال: أتدرون ما يقول هذا الغراب؟ زعم أني اشرب هذه الكأس فأموت، وأمارة ذلك انه يذهب إلى هذا الكوم فيبتلع عظما فيموت. قال فذهب الغراب إلى الكوم فابتلع عظما فمات، ثم شرب أمية الكأس فمات من حينه)، وهذه الحكاية من أقاصيص العرب.
والتشاؤم من الغراب ربما يرجع إلى سواده، والسواد رمز للحزن حتى أن العرب يسمون السود منهم (أغربة العرب) مثل عنترة وغيره؛ ويقول محيط المحيط: إن الحاتم أي الغراب الأسود سمي كذلك لأنه يحتم بالفراق في اعتقاد العيافة، وزاد على ذلك قوله: إن الغراب سمي غراب البين لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة وقع في موضع بيوتهم فتشاءموا به
وتطيروا منه، فقالوا في المثل أشأم من الغراب إذ كان لا ينزل منازلهم إلا إذا بانوا (أي بعدوا) عنها. وربما يرجع أيضا إلى علاقة لفظية بين اسمه وبين الغربة والغراب أي النزوح عن الوطن والأهل والأحباب.
وعلل الجاحظ تطير العرب من الغراب في كتاب الحيوان فقال: (وأصل التطير إنما كان من الطير إذا مر بارحا أو سانحا (أي عن اليمين أو عن اليسار) ورآه المتطير يتفلى أو ينتف ثم صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم أو الأعضب أو الأبتر زجروا عند ذلك وتطيروا كما تطيروا من الطير، فكان زجر الطير هو الأصل اشتقوا منه التطير ثم استعملوا ذلك في كل شيء، والغراب لسواده إن كان اسود، ولاختلاف لونه إن كان أبقع، ولأنه غريب يقطع إليهم، ولأنه لا يوجد في موضع خيامهم يتقمم إلا عند مباينتهم لمساكنهم ومزايلتهم لدورهم، ولأنه ليس من شيء من الطير اشد على ذوات الدبر من ابلهم من الغربان؛ ولأنه حديد البصر قالوا عند خوفهم من عينيه الأعور، كما قالوا غراب لاغترابه وغراب أبي لأنه عند بينونتهم يوجد في دورهم.
وقال ولإيمان العرب بباب الطيرة عقدوا الرتائم وعشروا (أي نهقوا عشر مرات) إذا دخلوا القرى تعشير الحمار. والغراب اكثر من جميع ما يطير به في باب الشؤم. لكنهم لم يكونوا في ذلك سواء، بل نفى بعضهم التطير، قال سلامة بن جندل:
ومن تعرض للغربان يزجرها
…
على سلامته لابد مشؤوم
وقال غيره:
يا أيها المزمع ثم انثنى
…
لا يثنك الحادي ولا الشاحج
بينا الفتى يسعى ويسعى له
…
تاح له من أمره ذائج
إبراهيم تادرس بشاي
فلسفة ديكارت
للأستاذ زكي نجيب محمود
تمهيد
وثبت الفلسفة في عهد الإغريق وثبة جريئة، كانت من غير شك شذوذا نابيا لا يستقيم مع طفولة العقل عندئذ، ولا يتفق مع سير الإنسانية الوئيد المتثاقل. وما ظنك بثلاثة من قادة الفكر وأفذاذهم البارزين الذين لا تزال فلسفتهم إلى هذا اليوم موضوعا للبحث والدرس، واغلب الظن أنها ستظل موضوعا للبحث والدرس إلى غد وبعد غد! ما ظنك بهؤلاء الجبابرة ينشرون تلك الفلسفة العالية وذلك الفكر الرفيع في أوساط من الناس يستحيل على عقولهم الفجة الساذجة أن تتسع لأشباهها، أو قل لا تدنو من عشر معشارها! ما ظنك بسقراط وأفلاطون وأرسطو، أولئك العباقرة الفحول ينتجون هذه الفلسفة في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح، أي منذ خمسة وعشرين قرنا!
لم تسغها العقول وقتئذ، إذ لم تقو على هضمها وتمثيلها، فكان طبيعيا أن يكون نصيبها الطي والإهمال، حيث استقرت في بطون أسفارها قرونا وقرونا، تنتظر العقل الناضج الرشيد، تنتظر هذه الإنسانية المتلكئة في سيرها حتى تسمو وترتفع إلى حيث هي، وعندئذ تستطيع أن تنشر صفحاتها المطوية وتخرج إلى شمس كنزها الدفين.
ولكنها وقفت تنتظر حينا طويلا من الدهر حتى سئمت الانتظار! وحق لها أن تمل وتسأم، فقد أقبل الناس على عصر بل عصور، اصطلح المؤرخون على أن يطلقوا عليها اسم العصور الوسطى كانت مظلمة شديدة الظلام، تتخبط في ديجور من الجهل، لا يكاد ينفذ فيه قبس واحد من نور، كأنما أصاب الدهر سنة من النوم أو إغفاءة من السهو، فبدل في مواضع الأزمان، حيث قدم ما كان يجب أن يؤخر، وأخر ما يجب أن يقدم!! في تلك العصور سيطرت الكنيسة على العقول إلى أقصى حدود السيطرة، وحرمت على الناس كل ضرب من ضروب التفكير الحر الطليق، كما حضرت عليهم كل دراسة لا تمت إلى الدين بسبب وثيق. اسمع إلى البابا غريغوري الأكبر، رئيس الكنيسة الأعلى، كيف ينحو باللائمة المرة، والتقريع اللاذع، على رجل من رجال الدين، وشى به إليه انه يصرف شطرا من زمنه في قراءة الآداب القديمة فيقول:
(لقد وصل إلى علمنا ما نخجل لذكره، ذلك انك تدرس الآداب القديمة لأصدقائك فامتلأ قلبنا غضبا منك، وازدراء بك، وحسرة عليك، فان لسانا ينشد مديح المسيح، لا يستطيع أن يتغنى بالأدب القديم)
ولكن هيهات أن تصاب الإنسانية بالجمود دون أن تمضي في سبيلها قدما، لا تتقهقر خطوة إلا لكي تتحفز للوثوب الفسيح، فبالرغم من هذا الستار الصفيق الذي اسدلته الكنيسة في العصور الوسطى دون العقول، لتحول بينها وبين التفكير في مظاهر الوجود، فقد نفذ إلى النفوس بصيص من نور، فساورها القلق من هذا الاستسلام المطلق للكنيسة ورجالها. وهنا بدأ الشك يتسرب إلى العقيدة الراسخة شيئا فشيئا، حتى قال (ابيلار) في جرأة الثائر:(يجب إلا نؤمن بمذهب لأنه من عند الله، بل لأن الدليل العقلي قائم على صحته. فان الشك يدعونا إلى البحث، والبحث يوصلنا إلى العلم الصحيح)
ثارت النفوس إذن ثورة عنيفة هدامة، وتناولت بالتحطيم تلك الأغلال الثقيلة التي فرضتها عليهم الكنيسة فرضا؛ والتي كبلت عقولهم حينا طويلا، فحبست عنها الحياة والنور: وكانت فورة الغضب حامية جارفة، اكتسحت أمامها الحدود والسدود، وقوضت العقائد المتأصلة في النفوس، وزلزلت بمعول الشك تلك الآراء التي بلغ يقينها درجة تدنو من التقديس. كانت العصور الوسطى تفرض على ساكنيها التسليم بكل شئ، فجاءت هذه النهضة الفكرية تحتم الشك في كل شئ::
ولم يكن ذلك الشك هداما وكفى، لم يكن يريد أن يقوض البناء، ثم يهمل أنقاضه مركومة بغير تشييد، كلا بل أراد أن يهدم باطلا ليقيم صرح الحق قويا متينا. ذلك ما قصدت إليه الفلسفة في فجر العصر الحديث، ولكن أين عساها أن تجد اللبنات التي تقيم بها ذاك الحصن الجديد؟ أتلتمس ذلك في فلسفة العصور القديمة، أم تلتمسه في فلسفة العصور الوسطى؟ لقد مزجت بينهما جميعا، وكان لها من هذا المزيج ما تريد. فقد كان القدماء ينشدون الحكمة الفلسفية، أو أن شئت فسمها حكمة دنيوية، وكان أهل العصور الوسطى يبحثون عن الحكمة اللاهوتية، فجاءت الفلسفة الحديثة واعترفت بالمطلبين، ثم ألفت بينهما، واتخذت منهما غرضا واحدا. فكان لابد لها أن تأخذ بالحياتين الأولى والآخرة في وقت معا. لابد لها أن تميل بأسرها نحو هذه الحياة الواقعة، وأن تتجه بكليتها نحو الغريب
المرقوب على السواء.
فقد كانت الوثنية الأولى تعتد بالعالم الكائن فحسب، وكانت مسيحية العصور الوسطى تعنى بالعالم الآخر فحسب، ثم تبع ذلك مرحلة انتقال ظهرت فيها النزعتان جنبا إلى جنب: النزعة الوثنية المطبوعة بالطابع الدنيوي، والنزعة الدينية الزاهدة في الحياة الدنيا، ثم جاء العصر الحديث فكان ما أسلفنا من تآلف بين الوجهتين،، وجمع كل رجل في نفسه كلا الجانبين. وذلك إنما يكون بأن نخلق من روحك عالما تعيش فيه عيشة مطمئنة راضية، لا تقف عند الحياة الدنيا محصورا في حقائقها المحسة الضيقة، وكذلك لا تقصر نفسك على الحياة الروحية، فتمر عليك الحياة، أو على الأصح تمر أنت على الحياة، دون أن تشق عبابها وتخترق غمارها. لا تنصرف بالأولى عن الآخرة، ولا تصدفنك الآخرة عن الأولى. لا تعن بالجسد وتهمل الروح، ولا تعن بالروح وتزدري الجسد، بل أجمع بينهما في وحدة متآخية، وأنا أظن أن ذلك ما يدعو إليه الإسلام في الحديث النبوي الشريف: أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وأعمل لأخرتك كأنك تموت غدا. . . مزج بين الروح والمادة، بين الدين والدنيا.
نعم ينبغي ألا تكون ماديا فتنكر هذه القوة التي يفيض بها الوجود، كما يجب ألا تكون صوفيا زاهدا، يزوّر عن هذه المادة التي تملأ جوانب الكون. ولتكن (أيها الإنسان) موضعا يتصافح عنده الطرفان المتخاصمان، ونقطة يلتقي لديها الشطران النقيضان. . . ألست تريد أن تمجد الطبيعة المادية إلى أقصى حدود التمجيد، مفتونا بدقائقها المتناغمة؟ ثم ألا تريد أن تكون مع ذلك لاهوتيا يعبد الروح الأعلى الذي يستغرق الوجود بقوته؟ أو بعبارة جلية موجزة، ألا تريد أن تسرح فكرك في الطبيعة وما فوق الطبيعة على السواء؟ أذن فأبحث الإنسان: تناول الإنسان بالتحليل والدرس، فهو جماع الحكمتين، وملتقى الجانبين. التمس عنده الطبيعة المادية في أدق ترتيب وأحكم تصوير، والقوة الروحية في أروع مظاهرها وأسمى مجاليها. أنه الإنسان الذي أنزله الله في الأرض، ليكون لسانا ناطقا بحكمته، وترجمانا يفصح عن قوته، ورسولا أمينا يصل ما بين الله والعالم المادي، وأذن فقد بات طريق الفلسفة واضحا معبدا. . . فإذا أرادت الحق، فلتبدأ سيرها من النفس، نفس الإنسان، ثم تسلك سبيلها، راسخة القدم موطدة اليقين، حتى يصل بها البحث إلى معرفة الله والعالم
المادي. . . لقد انعكس الوضع، وانقلب المنطق نتيجةً لمقدمة، فقد كانت الفلسفة في بادئ أمرها. تفتح سيرها ببحث القوة والمادة، أعني الله والطبيعة، لكي تنتهي إلى الإنسان؛ أما الآن فهي تبدأ جهادها بدراسة النفس الإنسانية ثم تنتقل منها إلى العالم الخارجي.
بذلك الشك حطمت الفلسفة الحديثة كل ما نزل عند القدماء منزلة اليقين، وعلى هذا الأساس الجديد من توحيد المادة والروح في الإنسان، واختصاصه بالبحث أولاً، ثم الانتقال منه إلى العالم الخارجي، قام البناء الجديد.
وكان أول من وطد ذلك الأساس وشيد عليه البناء فيلسوفنا رنيه ديكارت
فلسفته
1 -
العقل يثبت وجود نفسه:
أن هذا الرأس الصغير الذي تحمله فوق منكبيك، ليفيض بالآراء ويزدحم بالعقائد، وتعمره شتى المعلومات، التي تقطر إلى ذهنك من هنا وهناك. فهذه الطائفة من المعارف قد رأيتها بعينيك وتلك سمعتها بأذنيك، وثالثة لم تسلك إلى ذهنك طريق الحواس، ولا أوحي إليك بها إنسان آخر، إنما نبعت من نفسك الباطنية، فأنت توقن ولا ريب أن النار محرقة لأنك لمستها بيديك، ولا يخامرك شك في أن رجلا أسمه نابليون كان يعيش في أوائل القرن التاسع عشر، لأن إجماع الرواة يؤكد ذلك، ولا تتردد في أن تحكم بأنك ما دمت موجودا في حجرتك، يستحيل أن تكون أنتفي نفس الوقت جالسا في المقهى، لأن عقلك يعلم ذلك بالضرورة. . . وهكذا تستطيع أن تستعرض معلوماتك جميعاً، فتراها قد سلكت إليك هذا الطريق أو ذاك، فهي إما نفذت إليك من الخارج بواسطة الحواس، أو لدنية نبعت من ضرورة عقلية، ومع ذلك فكثرتها الغالبة تقع عندك موقع اليقين الذي لا يحتمل الشك والجدل.
ولكن ألا يجدر بك أن تثوب إلى نفسك فتعسر معها الحساب على هذا الاطمئنان السريع والتصديق العاجل بصحة هذه الحقائق مع أنها قد تكون خطأ كلها؟ أليست هذه الحواس التي تركن إلى أمانتها، خادعة في كثير من الأحيان، فتوهمك مثلا أن القمر لا تعدو مساحته القرص الصغير، وهو ليس كذلك؟ وهذا العقل الذي تعتمد على أحكامه، ألا يقدم لك صورا وأفكارا بعضها وهم خاطئ؟ هذا صحيح لا ريب فيه. فأفرض منذ الآن أن تطمئن
إلى ما يقدمانه إليك من الحقائق، تقبلها بالشك ولا تجزم بصحتها، وإذن فهذه معلوماتك جميعا قد هدمت من أساسها. . . فما يدريك أن هذه الأجسام المادية موجودة حقيقية؟ وما يدريك أن الله موجود؟ ثم ما يدريك أنك أنت نفسك موجود؟ ستقول العقل أو الحواس: كلا، لا تفعل. فقد تبين لك أنهما كثيرا ما يكونان مبعث الخطأ والزلل، ولا يحتمان الحق واليقين. . إذن فلا تتردد في أن تنزع من نفسك جميع العقائد والآراء والأفكار، وأفرض أن كل ما يصادفك باطل ليس له وجود، ولا تصدق ما تمدك به الذاكرة الكاذبة والحواس الخادعة؛ وأدَّع أن الجسم والصورة والامتداد والحركة والمكان كلها من خلق الخيال. فما الذي يبقى من الحق بعد؟ لا شئ: اللهم ألا حقيقة واحدة، ستصمد لهذا الشك الجارف، وتظل ثابتة لا تميل أمام عاصفة الأفكار والجمود، لا بل تزداد يقينا كلها أمعنت في الشك والإنكار، تلك هي أن هناك شخصا يشك!. . أرفض الحقائق، وشك في صحتها ما وسعك الرفض والشك ولكنك لن تستطيع أن تشك في أنك تشك.
نعم مهما شككت فلست أنكر أني أشك، ولما كان الشك ضربا من ضروب التفكير، أذن فلا شك أني أفكر. وبديهي أي لو لم أكن موجودا لما فكرت، وأذن فأنا موجود وليس في وجودي شك
(أنا أفكر فأنا إذن كائن) تلك هي القاعدة الأساسية التي اتخذها ديكارت أساسا قديما أقام عليه فلسفته بأسرها. ويلاحظ أن إثبات الوجود هنا لا ينصب إلا على العنصر المفكر من الإنسان ولا يتعداه إلى الجسم، ذلك لأنه أثبت وجوده بناء على وجود تفكيره، أي عقله، ولم يقم الدليل بعد على وجود الجسم. ولكن مالنا وللجسم الآن؟ هانحن أولاء قد حصلنا على العقل وأيقنا بوجوده، وهو أساس المعلومات جميعا، وحسبنا ذلك لنهتدي عن طريقه إلى معرفة الحقائق التي ننشد، وهكذا بدأ ديكارت بالشك إلى حيث انتهى إلى اليقين. وقد قال قائل:(كلما فكرت ازددت شكا) فعارضه ديكارت بقوله: (بل كلما شككت ازددت تفكيرا، وازددت بالتالي يقينا بوجودي).
حقا لقد انتزع ديكارت من غمار الأنقاض التي ركمها الإنكار والشك، يقينا لا يأتيه الباطل، ذلك أنه هو موجود لا ريب في وجوده. ثم يقرر أن كل حقيقة يستطاع إثباتها بمثل هذا اليقين القاطع، لا يجوز له أن يتردد في اعتبارها حقا لا يقبل الشك. ثم يستطرد قائلا أن
الإنسان يخرج إلى هذا العالم وفي فطرته طائفة من هذه الحقائق اليقينية الثابتة التي تحتمل الإنكار أو الشك، وهي لا تأتي عن طريق التحصيل، كالحقائق الرياضية مثل2و2 تساوي4، فهذه حقيقة مؤكدة، وليست تجيئك عن طريق الحواس، إنما هي مفطورة فيك منذ الولادة، وقل مثل ذلك في كل البديهيات العقلية كأن تقول أن الجزء أصغر من الكل وما إلى ذلك مما هو معروف معلوم.
2 -
إثبات وجود الله
يتضح مما سبق أن ديكارت بعد أن أنكر كل شئ، عاد فأثبت وجود نفسه، ثم أتبع ذلك بالاعتراف بوجود بعض الحقائق الفطرية الثابتة، كالتي قدمناها مثلا. . . . فنحن إذا زعمنا أن شيئا لا يستخرج من لا شيء، فإنما نقرر حقيقة لا تقل يقينا عن حقيقة وجود العقل المفكر، لأنها واحدة من تلك البدائة التي لا تحتمل الرفض والإنكار. إذ لا بد أن يكون الفرع مستغرقا في أصله، والنتيجة في مقدمتها. ومن ذا الذي يستطيع أن يصدق أن الجبل الشامخ قد خرج من ذرة حقيرة، وأن البحر الخضم قد اشتق من قطرة صغيرة؟. يستحيل أن يكون ذلك لأن الذرة لا تلد إلا ذريرة أصغر منها، بناء على البديهية التي أسلفنا ذكرها وهي أن شيئا لا ينشأ من لا شيء
أذكر هذه البديهية جيدا، ثم أستعرض ما يحويه رأسك من صنوف المعارف، قلب النظر فيما يدور بخلدك من أفكار، فماذا ترى؟ ترى أن لكل فكرة أصلا أعم منها وأشمل، وهذا طبيعي لأن الصورة لا يمكن أن توضح أكثر من أصلها، أو قل تجيء على مثاله على أكثر تقدير، كذلك ترى أفكاراً فطرية نشأت معك منذ ولدت ولم تستمدها من العالم الخارجي. ولكنك في هذا البحث الذي تستعرض به أفكارك وتردها إلى أصولها، ستصادف بينها فكرة ممتازة، هي فكرة الكائن اللانهائي، أي أنك تتصور كائنا لانهاية له ولا حدود، فمن أين جاءتك هذه الصورة؟ يستحيل أن تكون قد سبقت من فطرتك، لأنها أوسع منك، فأنت على نقيضها كائن محدود، وبديهي - كما أسلفنا لك القول - ألا تجيء الصورة أشمل من أصلها، ومحال أن يتفرع شيء من لا شيء، وبالتالي محال أن يتفرع الكائن اللانهائي المطلق من كائن نهائي محدود. تستطيع أن تعترض على هذا القول بأن تزعم أنك قد تستخرج من الواحد الصحيح عداً لانهائيا بالطرح المستمر، فتسير في العد سلبا، ناقص
واحد، ناقص اثنان، ناقص ثلاثه. . . . . ناقص لا نهاية. وبذلك تكون قد حصلت على عدد غير محدود من رقم محدود. ولكنك نسيت حين تقدمت بهذا الاعتراض، إنها عندئذ تكون سلبية، في حين أني أتصور لا نهاية إيجابية، كالمكان اللانهائي والزمان اللانهائي وما إليهما.
أتستطيع أذن أن تحدثني من أين جاءتك هذه الفكرة، بعد أن وثقت معي أنها لم تتفرع عن فطرتك؟ لا أحسبك مترددا في أن توافق ديكارت فيما ذهب إليه من أن هذه الفكرة اللانهائية الكاملة لا يمكن أن تنبعث عن الطبيعة البشرية الناقصة، بل لابد لها من أصل يوازيها كمالا وعظمة، لضرورة التكافؤ بين العلة والمعلول، ومن هنا أصبح حتما علينا أن نسلم بوجود اله جامع لكل صفات الكمال، وهو الذي خلق في الإنسان هذه الفكرة وألهمه إياها، وأذن فالله موجود وليس في وجوده شك.
3 -
إثبات وجود العالم الخارجي
لقد رأيت فيما سبق كيف حمل ديكارت معول الشك، وقوض به كل فكرة ورأي، وأنكر الوجود بأسره، بل وأنكر نفسه، خشية أن يكون مخدوعا متورطا في خطأ أوحى به إليه فقابله بالتسليم، ثم سار في طريق المنطق السليم حيث انتهى إلى إثبات وجوده، ثم رتب على وجود نفسه وجود الله، وهاهو ذا يستنتج من وجود الله وجود العالم الخارجي. . . أليس الله هو ذلك الكائن اللانهائي، المطلق القوة، الذي لا تحده الحدود؟ أليس هو علة وجود نفسه وهو خالق الكون؛ أذن فلا ريب في أنه كائن كامل لا تشوبه شائبة من نقص، لأنه ما دام قادرا، مطلقا في قدرته، فمن الطبيعي أن يكون عمله مثلاً أعلى للكمال، لأن ذلك في حدود استطاعته، وما دام حائزا ضروب الكمالات المختلفة، فهو إذن متصف بالصدق الذي لا يخالطه ذرة من خداع، ومعنى ذلك أنه يستحيل على الله أن يكون سببا في تضليل الإنسان وخداعه. فقد منحنا عقلا مفكرا، وضمن لنا أن نصل به إلى معرفة الحق إذا أحسن استعماله، فلا نعتبر حقا ألا ما يحكم العقل بصحته حكما يقينا قاطعا لا يقبل الشك.
وإذن فقد أصبح من اليسر أن نقيم الدليل على وجود العالم الخارجي، فقد كنا شككنا في وجوده، لجواز أن تكون عقولنا خادعة تصور لنا الباطل حقا، فأما وقد أقمنا الدليل على وجود الله، وأثبتنا له جميع صفات الكمال، ومن بينها الصدق، فيجب ألا يعثر بنا الشك في
وجود الكائنات الخارجية، إذ لو كانت وهمية، لترتب على ذلك أن يكون الله خادعا، لأنه هو الذي أمدنا بتلك العقول الخادعة، وهو الذي يصدر لنا جميع ما ندرك، وإذن فالعالم الخارجي موجود وليس في وجوده شك.
ولنوجز ما أسلفنا في حلقات منطقية متتابعة، نقول: أنا أفكر، فأنا موجود، وليس في وجودي شك. ومادمت أشتمل على فكرة الكائن اللانهائي، وهذه لا يمكن أن تشتق من طبيعتي المحدودة، فلا بد أن تكون ناشئة عن سبب خارجي يتكافأ معها، وهو الله. ومادام الله حائزا لجميع ضروب الكمال، فيستحيل عليه أن يضللنا، ولابد أن يكون ما وهبنا من عقل أداة صالحة، وأن ما ندركه حق واقع، وإذن فهذا العالم الخارجي الذي تصوره لنا عقولنا موجود لا ريب في وجوده، وبعبارة أوجز، نقول إن ديكارت بدأ بإثبات نيته، ثم رتب عليها وجود الله، ثم استنتج من وجود الله وجود العالم الخارجي.
4 -
ولكن ما هو لك العالم الخارجي؟ ومم يتكون؟ يحدثنا ديكارت أننا نستطيع أن نرد مظاهره إلى أصلين، أو فكرتين وهما الامتداد والفكر، أو بعبارة ثانية القوة والمادة. فهما شطران منفصلان لا يعتمد الواحد منهما على الآخر بأية حال من الأحوال، وهذا هو مبدأ ثنائية الوجود، أي شطر الكون إلى عنصرين متميزين، أما أحدهما وهو المادة وصفته المميزة هي الامتداد طولا وعرضا وعمقا، إذ لا نستطيع أن نتصور مادة بغير امتداد. وأما الثاني وهو العقل، فخاصيته المميزة هي الفكر، فهو يفكر تفكيرا متصلا لا ينقطع لحظة، كما ينبعث الضوء عن الشمس والدفء عن الحرارة. أي أنه في وعي مستمر دائم، حتى أن ديكارت لم يستطع أن يتصور الجنين وهو في أحشاء أمه بغير تفكير! ويظهر من هذا أن خلافا جوهريا يفصل بين شطري الوجود: المادة والروح، وبالتالي بين جسم الإنسان وعقله، فهما نقيضان مختلفان في الجوهر والعرض على السواء، وان كان ذلك كذلك، فكيف أمكن اتصالهما، وكيف يؤثر أحدهما على الآخر؟ هنا لا يتردد ديكارت في أن ينكر العلاقة بين عنصرين هما على أشد ما يكون التباين بينهما، ويعتقد أنها إرادة الله وحدها التي تشرف عليهما، وتدبر حركاتهما: فأما الجسم فخاضع لما تخضع له كل الأجرام المادية الاخرى من قوانين، وليس للعقل من القوة ما يستطيع بها أن يدفع الجسم إلى الحركة، اللهم إلا إذا وافقت إرادة الشخص إرادة الكائن الأعلى. إذن فالوجود عند ديكارت ينحل إلى
عنصرين أساسيين، أو مادتين أوليتين، فكل أجزاء المادة، كائنة ما كانت صورها، مركبة من مادة متجانسة. وكل ما يحتوي عليه الوجود من قوة، أو بعبارة أخرى من روح، أو بعبارة ثالثة من عقل، فهو مركب من مادة متجنسة كذلك. ويشرف على العنصرين أو المادتين اله قادر حكيم.
ومما يجدر ذكره أن سبينوزا، وقد جاء على أثر ديكارت، لم يطمئن إلى هذا التقسيم الذي لا مبرر له، وصهر الجميع في وحدة متجانسة لا إنفصال فيها ولا اختلاف. وقد عجب من ديكارت، وتساءل: لماذا تقصر القوانين الآلية على الجسم وحده دون الروح؟ أما هو فلا يحجم عن أن يمد من نطاقها حتى تشمل العناصر الثلاثة: الله والعقل والمادة، استغفر الله، بل ليس ثمت عند سبينوزا من تثليث للعناصر، إنما الجميع عنصر واحد متجانس، يسير وفق قانون شامل لا يتبدل ولا يفنى.
جواب رسالة حزينة
للأستاذ مصطفى كامل
أترى في الناس أحداً ينفر من إنسان كان مريضاً بداء خبيث ثم بريء منه؟ وإن نفراً يقره الناس على هذا الخوف السخيف أم يستحمقونه؟ ثم مالفرق بين المرض الجسماني وبين السقطة الخلقية وكلاهما مرض قد يبرأ منه المريض؟
ثم ما ذنبه؟ أيمكن أن إنساناً يطلب المرض بمحض اختياره أم ترى أن المريض ضحية بائسة لا تتمنى على الله شيئا في الدنيا إلا البرء منه؟ ولو أن إنسانا ترك لمناه وهواه لما طلب إلا أن يكون صحيح الجسم سليم النفس
ثم ما فضل السليم على المريض أو الذكي على الغبي؟ وما فضل الكريم على اللئيم؟
هل يمكن أن يكون أحد من الناس من عمل نفسه، أم هو من عمل الأسلاف والبيئة والأجواء والتعليم والثروة وظروف الحياة؟ أليس الفرد نتاج ملايين من العوامل المتفاعلة التي تكوننا وتجعلنا في الصورة التي نحن عليها؟
أترى أحداً استطاع أن يكون ملكا ولم يرض، أو نبيا ولم يفعل؟ أو ثريا ولم يقبل؟ فوالله لو أن أمور الدنيا في مكنة الناس لكانوا ملائكة جميعاً
طبعت على ما فيَّ، غير مخير
…
هواي، ولو خُيرت كنت المهذبا
كلما عرضت لي في أمور الحياة مثل حال هذه الفتاة، خطرت ببالي جملة رائعة ما أزال أذكرها (لبول بورجيه) في كتابه (التلميذ) قال:(أيمكن أن نحترم لاعب الروليت الذي يلعب عشر مرات متوالية على الأحمر والأسود، ألا إنما الفضيلة والرذيلة هما الأحمر والأسود، والفتاة الشريفة، واللاعب المحظوظ سواء في المواهب)
ألا إنما الفاضل من الناس فاضل بسبب الظروف التي عصمته، والمجرم من الناس مجرم بسبب الظروف التي أضعفته.
ولو أن المجرم وضع مكان العالم الورع الشريف وله نفس العوامل في الماضي، ونفس الحوادث في البيئة وأوضاع الحياة، لما كان إلا الرجل الفاضل الورع الشريف، ولو أن امرأة شريفة عرضت لها نفس عوامل المرأة التي سقطت لما ظلت امرأة شريفة، وإذن فما فضل إنسان على إنسان؟ الا أننا كلنا من عمل ما لا نملك في نفوسنا مما قد يرجع إلى ما
قبل وجودنا.
لقد كنت في إحدى القهوات مرة، فلمحت مربياً معروفاً خالس الناس وأخفى بيبة منسية في جيبه، وهو مع ذلك رجل معروف كان يجب أن يكون له من تربيته حصانة فلا يتدنى، ومن رزقه حائل فلا يسفل، ولو لم يكن من ظروف هذا الرجل ما يحميه من الإسفاف لما كان إلا من طريدي القانون.
وإذن فما ذنب مريض قد مرض برغم انفه، ثم بعد ذلك قد بريء، ومع ذلك فما معنى أن نجعل الماضي رجسا للحاضر ودنسا للمستقبل، لقد مات هذا الماضي ولم تعد له من علامات الحياة وا أسفاه إلا ذكريات من عمل الرؤوس وخيالات النفوس.
ليمض هذا الصديق في حبه، فليس في الدنيا كافة ما يعدل القلب المفعم بالحب بهجة ولذة وسعادة، ولينبض قلبه بهذا الحب قبل أن تسكن نامته، وليملأ بيته وعشه الجميل قبل أن يوحش قبره، ولينعم حياته بالأمل والحب والجمال قبل أن تجف الحياة.
الشافعي واضع علم أصول الفقه
للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق. أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية
الآداب
- 3 -
وكان الشافعي في أول أمره يطلب الشعر وأيام الناس والأدب. قال الشافعي: (وخرجت من مكة، يعني بعد أن بلغ قال: فلزمت هذيلا بالبادية أتعلم كلامها وآخذ اللغة وكانت أفصح العرب) ابن حجر ص50.
ثم توجه الشافعي إلى الفقه يدرسه وقد اختلفت الروايات في سبب توجهه إلى الفقه أو تكاد ترجع كلها إلى نصح الناصحين له: إن يصرف جهده وذكاءه في علم تكمل به سيادته من غير خطر على دينه ولم يكن يومئذ إلا الفقه سبيلا إلى ذلك
ويعبر عن روح الوقت من تلك الناحية: ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها فقيل لي: تعلّم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ فتذهب رياستك، قلت: فان سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني، قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ثم لم تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عاراً عليك في عقبك، فقلت لا حاجة لي في هذا، ثم قلت: أتعلّم النحو، فقلت: إذا تعلمت النحو والعربية ما يكون آخر أمري؟ قالوا تقعد معلما واكثر رزقك ديناران إلى الثلاثة، قلت وهذا لا عاقبة له، قلت: فان نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، ما يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك ويحملك على دابة أو يخلع عليك خلعة، وأن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات، فقلت: لا حاجة لي في هذا قلت: فأن نظرت في الكلام فما يكون آخره؟ قالوا لا يسلم من نظر في الكلام من شنعات الكلام فيرمى بالزندقة، فأما أن يؤخذ فيقتل، وأما بسلم فيكون مذموما، قلت: فأن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء وإن كنت شابا، قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته) - تبييض الصحيفة - ص11و12
وتفقه الشافعي أول أمره على (مسلم بن خالد الزنجي) مفتي مكة سنة 180هـ 796م مولى بني مخزوم، وقد اختلف النقاد في أمر مسلم فقيل: ثقة وقيل ضعيف وقيل: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث
ونقل: انه كان يرى القدر ولعل هذا هو سر تضعيفه
ويقولون: أن مسلم بن خالد الزنجي قال للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد آن لك أن تفتي، وكان الشافعي حينئذ دون عشرين سنة.
وأخذ الشافعي في مكة عن: (سفيان بن عيينة الهلالي) المتوفى سنة 198هـ 813م أحد الثقاة الأعلام، روي عن بعضهم: أنه اختلط سنة 197هـ 812م.
ثم رحل الشافعي إلى المدينة ليطلب العلم عن (مالك بن أنس) فقرأ الموطأ على مالك بعد أن حفظه عن ظهر قلب في مدة يسيرة وأقام بالمدينة إلى أن توفي (مالك) سنة 179هـ 795م.
وخبر رحلته إلى مالك مروي على وجوه مختلفة تتفق كلها في أن الشافعي كان فقيرا لا يملك نفقة السفر على فرط شوقه إلى الأخذ عن إمام دار الهجرة.
ثم يسر الله له أسباب الرحلة، وأحسن مالك لقاءه لما تفرس من نجابته وفضله.
وتلقى الشافعي في المدينة عن غير مالك كإبراهيم بن أبي يحيى الذي يقول الرازي: اتفقوا على أنه كان معتزليا.
وخرج الشافعي إلى اليمن بعد موت مالك.
(قال الشافعي: لما مات (مالك) كنت فقيرا، فاتفق أن والي اليمن قدم المدينة فكلمه بعض القرشيين في أن أصحبه فذهبت معه واستعملني في أعمال كثيرة وحمدت فيها والناس أثنوا علي) الرازي ص 18.
وكادت الولاية تشغل بالشافعي عن العلم حتى نبهه بعض شيوخه فانتبه
قال الشافعي: كنت على عمل باليمن واجتهدت في الخير والبعد عن الشر، ثم قدمت المدينة فلقيت ابن أبي يحيى وكنت أجالسه، فقال لي: تجالسوننا وتسمعون منا فإذا ظهر لأحدكم شيء دخل فيه. ثم لقيت ابن عيينة فقال؛ قد بلغنا ولايتك فما أحسن ما انتشر عنك، وأديت كل الذي لله عليك ولا تعد
قال الشافعي رضي الله عنه: موعظة ابن عيينة أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى - الرازي ص 20
وقد أخذ الشافعي عن جماعة من أهل اليمن منهم مطرف بن مازن الصنعاني المتوفى سنة 191هـ 806م
وقد كذبه يحيى بن معين وقال النسائي ليس بثقة، وقال غيره كان قاضي صنعاء، وكان رجلا صالحا وعمرو بن أبي سلمة المتوفى سنة 214هـ 829م وهو صاحب الاوزاعي
ويقولون إن الشافعي جمع كتب الفراسة من اليمن واشتغل بها حتى مهر فيها
ارتفع شأن الشافعي في اليمن (ثم أن الحساد سعوا إلى هارون الرشيد، وكان باليمن واحد من قواده فكتب إليه يخوّفه من العلويين وذكر في كتابه: إن معهم رجلا يقال له: محمد بن إدريس الشافعي يعمل بلسانه ما لا يقدر المقاتل عليه بسيف، فإن أردت أن تبقي الحجاز عليك فاحملهم إليك. فبعث الرشيد إلى اليمن وحملوا الشافعي مع العلوية إلى العراق) الرازي ص18.
وتلك هي المحنة التي اقتضت دخول الشافعي العراق. وفي حديث هذه المحنة اختلاف كبير وقد يكون أسلم هذه الروايات من الحشو وأدناها إلى الاعتدال والقصد: ما رواه ابن عبد البر في كتاب (الانتقاء) قال:
حمل الشافعي من الحجاز مع قوم من العلوية تسعة وهو العاشر إلى بغداد وكان الرشيد بالرقة، فحملوا من بغداد إليه وأدخلوا عليه ومعه قاضيه (محمد بن الحسن الشيباني) وكان صديقا للشافعي وأحد الذين جالسوه في العلم وأخذوا عنه فلما بلغه أن الشافعي في القوم الذين أخذوا من قريش بالحجاز واتهموا بالطعن على الرشيد والسعي عليه، اغتم لذلك غما شديدا: وراعى وقت دخولهم على الرشيد قال: فلما أدخلوا على الرشيد سألهم وأمر بضرب أعناقهم: فضربت أعناقهم إلى أن بقى حدث علوي من أهل المدينة وأنا، فقال للعلوي: أأنت الخارج علينا والزاعم أني لا اصلح للخلافة؟ فقال العلوي: أن أدعى ذلك أو أقوله قال: فأمر بضرب عنقه، فقال العلوي: أن كان لابد من قتلي فأنظرني أكتب إلى أمي بالمدينة فهي عجوز لم تعلم بخبري، فأمر بقتله فقتل.
ثم قدمت و (محمد بن الحسن) جالس معه فقال لي مثل ما قال للفتى فقلت: يا أمير
المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما أدخلت في القوم بغياً علي؛ وإنما أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف بن قصيولي مع ذلك حظ من العلم والفقه والقاضي يعرف ذلك. وأنا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فقال لي: أنت محمد بن إدريس؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: ما ذكرك لي محمد بن الحسن ثم عطف على محمد بن الحسن فقال: يا محمد ما يقول هذا هو كما يقوله؟ قال: بلى وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع عليه من شأنه، قال: فخذه إليك حتى أنظر في أمره، فأخذني محمد وكان سبب خلاصي لما أراد الله عز وجل منه ص - 97 - 98.
ويقول ابن حجر في كتاب (توالي التأسيس) ص71 (وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله محمد البلوي فقد أخرجها (الابرى) و (البيهقي) وغيرهما مطولة ومختصرة وساقها (الفخر الرازي) في مناقب الشافعي بغير إسناد معتمدا عليها وهي مكذوبة وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة، وأوضح ما فيها من الكذب، قوله فيها: أن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على قتل الشافعي، وهذا باطل من وجهين: أحدهما أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان مات ولم يجتمع به الشافعي
والثاني أنهما كانا أتقى لله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم لاسيما وقد أشتهر بالعلم، وليس له إليهما ذنب إلا الحسد على ما آتاه الله من العلم، هذا ما لا يظن بهما وان منصبهما وجلالتهما، وما أشتهر من دينهما ليصد عن ذلك.
والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة: أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة 184هـ800م. وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقي محمد بن الحسن في تلك القدمة، وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز وأخذ عنه ولازمه.
وممن أخذ عنهم الشافعي في العراق (وكيع بن الحراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ) المتوفى سنة 190هـ 805 - 806م و (حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي) المتوفى سنة 210هـ - 852م، و (عبد الوهاب بن عبد المجيد البصري) المتوفى سنة 194هـ 809 - 810م. وقد قرأ الشافعي كتب (محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ
804 -
805م ولازمه وأخذ عنه.
ولم نر فيما بين أيدينا من تراجم الشافعي ذكر مدة مقامه في بغداد في هذه القدمة.
وقدم الشافعي بعد ذلك إلى بغداد سنة 195هـ 810 - 811م فأقام سنتين واشتهرت جلالة الشافعي رحمه الله في العراق وسار ذكره في الآفاق وأذعن بفضله الموافقون والمخالفون. وعكف عليه للاستفادة منه الصغار والكبار من الأئمة والأحبار من أهل الحديث والفقه وغيرهما، ورجع كثيرون منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه وتمسكوا بطريقته كأبي ثور وخلائق لا يحصون. . . . وصنف في العراق كتابه القويم ويسمى (كتاب الحجة) ويرويه عنه أربعة من جلة أصحابه وهم: أحمد بن حنبل، وأبو نور، والزعفراني، والكرابيسي) (شرح المذهب للنووي) ج1 ص9
ثم خرج الشافعي إلى مكة وعاد إلى بغداد في سنة 198هـ 813 - 814م وأقام بها أشهراً، ثم انه خرج إلى مصر في هذه السنة كما في معجم الأدباء ويقول ياقوت في موضع آخر (ويقال: إن الشافعي رضي الله عنه قدم إلى مصر سنة 199هـ 814 - 815م في أول خلافة المأمون وكان سبب قدومه إلى مصر أن العباس ابن عبد الله بن العباس بن موسى بن عبد الله بن العباس استصحبه فصحبه وكان العباس هذا خليفة لأبيه على مصر) ج6 ص 394. وفي شرح المهذب: (وقال الربيع قدم الشافعي (مصر) سنة مائتين ولعله قدم في آخر سنة تسع جمعا بين الروايتين)
وصنف كتبه الجديدة كلها بمصر وسار ذكره في البلدان وقصده الناس من الشام والعراق واليمن وسائر النواحي للأخذ عنه وسماع كتبه الجديدة) ص9
وفي ابن خلكان: (ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهراً ثم خرج إلى مصر وكان وصوله إليها سنة تسع وتسعين ومائة وقيل إحدى ومائتين)
وأقام الشافعي بمصر إلى أن مات سنة 204هـ و819 - 820م كان في آخر عمره عليلاً شديد العلة من البواسير حتى قالوا: أن صدره أصبح ضيقا، وأنه كان يقول أني لآتي الخطأ وأنا أعرفه يعني ترك الحمية
وفي كتاب (توالى التأسيس) لابن حجر: (قلت: قد اشتهر أن سبب موت الشافعي: أن فتيان بن أبي السمح المالكي المصري وقعت بينه وبين الشافعي مناظرة فبدرت من فتيان بادرة
فرفعت إلى أمير مصر فطلبه وعزره فحقد ذلك فلقي الشافعي ليلا فضربه بمفتاح حديد فشجه فتمرض الشافعي منها إلى أن مات ولم أر ذلك من وجه يعتمد) ص86
لم تقتل الشافعي شجة (فتيان) المزعومة إنما قتل الشافعي ما بذله من جهد عنيف في السنين الأربع التي أقامها بمصر ما بين تأليف وتدريس ومناظرة وسعي في بث مذهبه ومدافعة كيد خصومه، هذا إلى مرضه المنهك، وقد كان في ذلك العهد مصابا بنزيف من الباسور.
قال الربيع تلميذه: (أقام الشافعي ههنا أربع سنين فأملى ألفا وخمسمائة ورقة، وخرج كتاب (اللام) ألفي ورقة وكتاب (السنن) وأشياء كثيرة كلها في مدة أربع سنين، وكان عليلا شديد العلة. . .) ابن حجر ص83، وكان يلازم الاشتغال بالتدريس والإفادة في جامع عمرو. .
(وكان يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن فيسألونه، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث فيسألونه عن معانيه وتفسيره، فإذا ارتفعت الشمس قاموا واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة: فإذا ارتفع النهار تفرقوا وجاء أهل العربية والعروض والشعر والنحو حتى يقرب انتصاف النهار ثم ينصرف إلى منزله) ابن حجر ص92
واخرج أبو نعيم من طريق ابن حسين البصري سمعت طبيبا مصريا يقول: ورد الشافعي مصر فذاكرني بالطب حتى ظننت أنه لا يحسن غيره، فقلت له أقرأ عليك شيئا من كتاب أبقراط فأشار إلى الجامع فقال أن هؤلاء لا يتركونني. ابن حجر ص66
وقد يكون الشافعي درس الطب فيما درسه من العلوم في العراق حينما جاءها أول مرة
وقد يكون درس علوم التنجيم أيضا هناك، وأنهم ذكروا أن الشافعي اشتغل بعلوم التنجيم؛ وكل ذلك يدل على ما كان شغف للإمام بالعلم كله.
وقد يكون هذا الجلوس المتوالي في الجامع من أسباب ما أصيب به الإمام من المرض. وذكر الأستاذ مصطفى منير أدهم في رسالته ورحلة الإمام الشافعي إلى مصر، أن أهل الإمام ذهبوا إلى الوالي في صباح الليلة التي توفي فيها، وكان الوالي هو محمد بن السري بن الحكم، وطلبوا إليه الحضور لتغسيل الإمام كما أوصى، فقال لهم الوالي: هل ترك الإمام دينا؟ قالوا نعم، فأمر الوالي بسداد ذلك الدين كله، ثم نظر إليهم وقال لهم هذا معنى تغسيلي له ص41.
وان صحت هذه القصة التي لم يذكر راويها لها استنادا فهي تدل على أن الشافعي خرج من الدنيا فقيراً كما دخلها فقيراً ولسنا نشك في أن الشافعي مات فقيراً، لكنا نشك في أمر استدانته، فقد روي ابن حجر في (توالي التأسيس) عن ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن سواد السرحبي قال: قال لي الشافعي أفلست ثلاث مرات فكنت أبيع قليلي وكثيري حتى حلي ابنتي وزجتي ولم أستدن قط ص67.
وتزوج الشافعي (حميدة) بنت نافع بن عنبسة بن عمرو بن عثمان ابن عفان فولدت له (أبا عثمان محمدا) وكان قاضيا لمدينة حلب (وفاطمة)(وزينب).
في الأدب العربي
الطبيعة في شعر ابن خفاجة
- 4 -
ثم لاحظ في هذه المقطوعات أنه يتعرض للمكان الذي شرب عنده الخمر بالذكر، فيصفه ويصف الغمامة الدكناء والشمس المريضة: فإذا لاحظت ذلك فانك لابد واجد الاختلاف البين بين خمريات أبي نواس المطولة وبين خمريات ابن خفاجة القصيرة. فلعلك ترى أن ابن خفاجة لا يجعل الخمر ولا غيرها موضوعا يقول فيه الشعر، ولكنه يجعل مناظر الطبيعة ومتفرجاتها موضوعاً يتكلم عنه ويصفه، ثم يتعرض في أثناء وصفه إياه إلى الخمر الحمراء والى كؤوسها البيضاء بالوصف، ويتعرض إلى الساقي والشاربين بالذكر، فيكون من ذلك صورة قوم عاكفين على الشراب في أخريات النهار أو في رائعة الصباح على ضفاف الجداول في ظل الأدواح وبين العرار والاقاح.
هذا هو الفرق، تدركه حين تعلم أن أبا نواس كان مغرما بالخمر وان ابن خفاجة كان مغرما بالطبيعة، وان أبا نواس كانيقصد إلى الخمر قصدا فينشئ القصيدة فيها، وان ابن خفاجة كان يقصد الى الطبيعة قصداً فينشئ المقطوعة فيها، وحين تعلم أن أبا نواس في خمرياته يقصد إلى خمارة البلد فيدخلها ويشرب ويصف مجلسه فيها والخمر التي يتناولها والكؤوس التي يرشف منها، وان ابن خفاجة كان يقصد إلى المتفرجات والمناظر فيصفها ويصف مجلسه فيها، وحين تعلم أن أبا نواس كان يشرب ويكثر من الشرب في الحانات أو في المنازل في كل وقت حتى يسكر وتميل به الكأس، وان ابن خفاجة لا يشرب إلا حين يدعوه جمال المنظر ورقة النسيم واعتدال الإقليم.
فأبو نواس حين يصف الخمر كابن خفاجة حين يصف الطبيعة، وابن خفاجة كأبي نواس في الإقلاع عن الخمر وفي التوبة عنها يحسنان وصفها ويجيدانه: فيقول أبو نواس:
وقلت لساقيها أجزها فلم أكن
…
ليأبى أمير المؤمنين واشربا
فجوزها عني سلافا ترى لها
…
إلى الأفق الأعلى شعاعا مطنبا
إذا عب فيها شارب القوم خلته
…
يقبل في داج من الليل كوكبا
ويقول ابن خفاجة:
يا حبذا نادى المدام ومجتلي
…
سر السرور به ومسلى الأنفس
ولئن كففت عن المدام فان لي
…
نفساً تهش بصدر ذاك المجلس
لولا الحياء من المشيب لقبلت
…
ثغر الحباب به وعين النرجس
فهو يتأوه ويقول: يا حبذا نادى المدام حيث السرور وحيث الطرب، ولئن كنت قد كففت عن الشراب وأقلعت عنه فأن لي نفساً تهش إليه مع الصدور، وتحن إليه على البعد، ولولا حيائي من المشيب لقبلت ثغر الحباب، وحضرت مجالس الأحباب، ويقول كذلك:
صحا عن اللهو صاح عافه خلقا
…
فقام يخلع سربالا له خلقا
وعطل الكأس من شقراء سابحة
…
ألا كفاها بريعان الصبا طلقا
ورب ليلة وصل قد لهوت بها
…
مغازلا فلقا أو شاربا شفقا
فهو يقول: لقد صحوت عن اللهو وعفته. وقمت أخلع سرباله الخلق الرث، وقد عطلت الكأس من الخمر الشقراء بعد أن كانت في ريعان الصبا طليقة غير معطلة، ومقربة غير مبعدة، وموصولة غير مقطوعة: إلى هنا يمسك نفسه عن تذكر الماضي ولكنه بعد ذلك لا يرى بداً من ذكره فيقول، ورب ليلة قد أجتمع لي فيها خمر حمراء ووجه جميل، فكنت أقضيها بين مغازلة صباح وضاء، وبين رشف شفق أحمر.
وهو في القطعة الأولى جعل لأحباب ثغراً وأنه لولا المشيب لقبله، وفي القطعة الثانية شبه الخمر بالشفق الأحمر؛ والثغر والشفق منظران من مناظر الطبيعة.
هذا ما وعدناك به في هذا الفصل، فهل ارتحت إليه وهل أعجبت بشعر ابن خفاجة حين يذكر الخمر ويذكر معها جمال الوقت واعتدال الزمان فيسكرك بوصفه الخمر ويطربك بوصفه الطبيعة:(له رشفها دوني ولي دونه السكر)
وكأني بك تتمايل من شدة الطرب وتترنح من شعر ابن خفاجة كما ترنح العباس بن الأحنف حين سمع قول ابن الدمينة يتشوق إلى نجد:
إلا ياصبا نجد متى هجت من نجد
…
لقد زادني مسراك وجداً على وجد
إذا كان ذلك فاسمع إذن هذه المقطوعة في الخمر:
ندى النسيم فما ارق وأعطر
…
وهفا القضيب فما أغض وانظرا
فزففتها بكراً إذا قبلتها
…
ألقت على وجهي قناعا احمرا
ورفلت بين قميص غيم هلهل
…
ورداء قد تمزق اصفرا
والريح تنخل من رذاذ لؤلؤاً
…
رطبا وتفتق من غمام عنبرا
الطبيعة في الغزل: -
قرأت قولنا في خمريات ابن خفاجة ورأيت أقواله في الخمر، ولابد لنا حتى تزول عنك تلك النشوة التي أصابتك من جمال وصفه ومن جودة تشبيهه من أن نورد على مسامعك هذه الأبيات:
وابتع بكيس كأس مشمولة
…
واسحب ذيول اللهو واخلع وهب
واستضحك المجلس عن قهوة
…
قد نبهت للصبح هدءا فهب
نارية اللذعة نورية
…
في صفرة فاقعة أو صهب
وهز من عطفيك عن نشوة
…
غضا إذا ما نفس الصبح هب
بأبيض كالماء مستودع
…
ما شئته من أحمر كاللهب
لو ذاب هذا لجرى فضة
…
أو جمدت تلك لكانت ذهب
فإذا صحوت من نشوتك فاصغ إذا شئت إلى قولنا في غزله والى وصفه الطبيعة في ذلك الغزل.
وانك بعد أن نورد على مسامعك غزله الرقيق ووصفه الأعضاء وتناسقها، والليالي وجمالها، والطيف وزيارته، ستجد في كل هذا وصفا للطبيعة لم يبلغه الكثير من أساطير الشعر. قال يتغزل:
فتق الشباب بوجنتيها وردة
…
في فرغ أسحلة تميد شبابا
وضحت سوالف جيدها سوسانة
…
وتوردت أطرافها عنابا
بيضاء فاض الحسن ماء فوقها
…
وطفا به الدر النفيس حبابا
فهو يقول: إنها شابة فتق الشباب بوجنتيها وردة حمراء، كأن قامتها الهيفاء شجرة الأسحل تميد نضارة وشبابا، وكأن سوالف جيدها البلوري سوسانة، وكأن أطراف أصابعها عناب، وهي إلى ذلك بيضاء كأنما الحسن ماء فاض فوق جسمها فطف عليه حباب أبيض: يشير بذلك إلى أنها مطوقة بقلادة من الدر. ثم يختم تغزله بهذه الأبيات:
بين النحور قلادة تحت الظلا
…
م غمامة دون السحاب نقابا
نادمتها ليلا وقد طلعت به
…
شمسا وقد رق الشراب سرابا
وترنمت حتى سمعت حمامة
…
حتى إذا حسرت زجرت غرابا
ثم اقرأ قوله:
ومهفهف طاوى الحشا
…
خنث المعاطف والنظر
ملأ العيون بسورة
…
تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى
…
وإذا شدا وإذا سفر
فضح الغزالة والغما
…
مة والحمامة والقمر
ولاحظ بعد ذلك ما يمكنك أن تلاحظه: فلعلك ترى أن غزل ابن خفاجة لا يشابه غزل غيره من الشعراء: فهو غزل أشبه شيء بوصف مناظر الطبيعة: فهو حين يقف أمام محبوبته فيتغزل بها يكون كأنه واقف أمام منظر من مناظر الطبيعة، وكأن غرامه بالطبيعة وبمناظرها يغلب على شعره حتى في أوقات الغزل، فيشبه حمرة وجنتيها بالوردة الحمراء، وقامتها بشجرة الأسحل، ثم يرى من سوالفها السوداء فوق جيدها البلوري، ومن أطراف أصابعها التي خضبتها الحناء ما يذكره بالسوسن والعناب، ويشبه حسنها بالماء الصافي، وقلادتها اللؤلؤية بالحباب، وفي القطعة الثانية يشبه محبوبه بحيوانات الطبيعة: يشبه رنوه بالغزالة، ومشيه بالغمامة، وشدوه بالحمامة، ووجهه السافر بصفحة القمر المنير،
ولعلك تلاحظ أيضا أن غيره من الشعراء يقف في غزله موقف الولهان فيمعن في وصف محبوبه. وفي وصف حاله، ثم ينبري فيبدي شكواه ويتألم ويتوجع ويصف عاطفته المهتاجة ونفسه الملتاعة.
ألا ترى إلى ابن الدمينة كيف يبث في مقطوعته لواعج نفسه وكيف يبوح بوجده الذي يسره لمحبوبه حين يهب عليه ريح الصبا فيذكره بديار الحبيب:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
…
لقد زادني مسراك وجداً على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى
…
على فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد صبابة
…
وشجوا وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا
…
يمل وان النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا
…
على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع
…
إذا كان من تهواه ليس بذي ود
وانظر إلى البحتري كيف يبكي على فراق علوة الحلبية بما يثير العواطف والشجون:
قضت عقب الأيام فينا بفرقة
…
متى ما تغالب بالتجلد تغلب
فإن أبك لا أشف الغليل وإن أدع
…
أدع لوعة في الصدر ذات تلهب
ألا لا تذكرني الحمى أن ذكره
…
جوى باطن للمستهام المعذب
أتت دون ذاك العهد أيام جرهم
…
وطارت بذاك العيش عنقاء مغرب
ويالائمي في عبرة قد سفحتها
…
لبين وأخرى مثلها للتجنب
تحاول مني شيمة غير شيمتي
…
وتطلب مني مذهبا غير مذهبي
وما كبدي بالمستطيعة للأذى
…
أسلو، ولا قلبي كثير التقلب
ولما تزايلنا من الجزع وانتأى
…
مشرق ركب مصعد عن مغرب
تبينت أن لا دار من بعد عالج
…
تسر، وأن لا خلة بعد زينب
ولكن ابن خفاجة لم يكن له من ذلك حظ قليل ولا كثير لأنه لم يكن له حبيب يبكي على فراقه ويطلب الشفاء مما قد ساهمه حبه ولم يكن له من لائم يلومه ويكلفه ما لاطاقة له به.
يكلفني عنك العذول تصبراً
…
وأعوز شيء ما يكلفنيه
وإنما كانت حبيبته الطبيعة، والطبيعة ماثلة في كل مكان وزمان قريبة الوصال هينة اللقاء، ولأنه كان يرى أن كل ما في الحياة مجلس إخوان ود في بستان أو على ضفة جدول يقرضون الشعر، ويرشفون الخمر، ويمتعون أنظارهم بجمال الطبيعة الساحر، فلم يك في غزله إلا وصافاً للطبيعة، ولم يك في غزله ولهان، ولم يكن في غزله مفحشا. هذه ملاحظات قليلة خلاصتها انه لم يتفنن في غزله تفنن المحبين المغرمين أمثال ابن الدمينة والبحتري وغيرهما، ولم يفحش في غزله فحش أبي نواس.
أدلب. عبد الرحمن جبير
من طرائف الشعر
بعد 25 سنة
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
تذكر الشاعر الكبير أخاه المرحوم عبد الغني الزهاوي فهاجته الذكرى ودفعته إلى زيارة قبره فبكى عليه ما شاء له الحزن أن يبكي، ثم نظم قصيدته هذه متأثرا كأن أخاه قد مات بالأمس
أخي إلى الموت سلكْ
…
أخي قضى، أخي هلكْ
دار عليه بِرَحا
…
هـ طاحناً له الفلك
أخي عن النور تولَّى
…
راحلا إلى الحَلَك
ليس طريقا للرجو
…
ع ماله أخي سلك
ما دلَكتْ شمس النها
…
ر إنما أخي دَلك
أخي أخي أني أنا
…
ديك ولا جواب لك
أخي أخي ماذا من ال
…
أسباب عني شغَلك
ليت إله الطب وا
…
فاك فدواى شللك
قد زرتُ قبرك الذي
…
ترابهُ قد شملك
من ذا بهذا الجدَث الفد
…
نك أخي قد جعلك؟
من ذا عن الحراك في
…
هذا الحفير كبَّلك
درستَ يا قبر وقد
…
زرتك ابكي طلَلك
لم يبق غيرُ الحزن لي
…
أما دموعي فهي لك
كيف وجدت يا أخي
…
في جوف قبرٍ منزلك!
وعندما دخلت من
…
هـ البابَ من ذا استقبلك؟
من ذا نضا عنك الثيا
…
بَ البيضَ من ذا دلّلك؟
من ذا من الأموات حيّا
…
ك ومن ذا قبّلك؟
والخير أن تجهل في
…
ملحودة مستقبلك
لا تخشَيَن من أبدٍ
…
سوف يلاقي أزَلك
مالي أراك ذا صُمو
…
تٍ غير مُبدٍ جذَلك
آخرك المثير لل
…
حزن ينافي أوّلك
ابكي عليك كلما
…
ليَ الخيال مثلك
ابكي لذكراك كما
…
بكيتُ يوم مُتَّ لك
ابكي خلالك التي
…
سمت وابكي جُمَلك
يا يوم في صبحك أظ
…
هرت لعيني طفَلَك!
يا موت أشرعتَ على
…
صدر شقيقي أَسَلك
يا ليل أحزاني من
…
بعد أخي ما أطولك!
ويا نهار كنت بساماً
…
فمن ذا بدلك؟
يا طرف اهرِق من دمو
…
عك البواقي وشلك
يا همُّ إنَّ ما جرى
…
من ادمعي ما غسلك
يا قلبُ لا يرجع مَن
…
أحببت فاقطع أمَلك
يا شعر قل مؤرخا
…
(عبد الغنيّ قد هلك)
(1326)
غربة النبوغ
للعالم الشاعر الأستاذ احمد الزين
مَن لثاوٍ في الأهل يشكو اغترابه
…
سئم العيش عَذبه وعذابَه
ودَّ لو تطفئ المنون وميضاً
…
من حياةٍ بُرُقُها خلابة
راحَ في الليل يعِقد الأمل الضخ
…
م فلمّا بدا الضياءُ إذابة
كلَّ يوم أمانيُّ تَفنى
…
ورجاءٌ تُذوي الليالي شبابه
تتهاوى الآمال منه فتهوى
…
فَلَذاتٌ من نفسه الوثابة
جحدوا عنده المواهبَ حتى
…
لم يبالوا أن يجحدوا وهّابه
يرسلُ النّورَ في عيون الخفافي
…
ش فتأبى العيون إلا احتجابه
ويسوق اللحن الشجيَّ إلى الص
…
م فتأبى الأسماعُ إلا نُعابه
ويفيض العذبَ الشهيَّ على أف
…
واه مرضى لا تستسيغ شرابه
ولكم نفحةٍ من الروض صدّوا
…
عن شذاها واستروحوا أحطابه
أكثر الإنس لا تحس لديه
…
من صفات الإنسان إلا إهابه
حاملٌ في أديمه نفسَ عَجما
…
ء وفي الشكل مشبهٌ أضرابه
يالجهدٍ قد كان يذكو التهاباً
…
أخمد الغبنُ والعقوق التهابه
وفؤادٍ قد كان مَهدَ الأماني
…
صار لحداً تسقى الدموعُ ترابه
وذكاءٍ يُجزى عليه جحوداً
…
حين يجزي الغبيُّ منهم ثوابه
ونبوغٍ يضيع بين جهولٍ
…
وحَسودٍ بالضغن ضل صوابه
تملأ الشمسُ عينه فيراها
…
وعليها من الحقود ضبابه
كم دعىٍّ قلدتموه خطير الأم
…
ر فيكم وذدتمو أربابه
وغبيٍّ يحيا سعيداً ويعزو
…
ن إليه من كل فنٍّ لبابه
حين يشَقَى أخو الذكاء ويطوي
…
فيكُم العمرَ حاملا أوصابه
لم ينافق فيستحقَّ لديكم
…
رَغَدَ العيش مُحكِماً أسبابه
علَّموه الرياَء ممّا علمتم
…
وخداعَ النهي فيَقرع بابه
بل دَعوه وشأنه لن تروه
…
بائعاً نفسه ولا آدابه
إن سفك الدماء أوهى حسابا
…
من دم الفضل تَحملون حسابه
إنما العبقري روحٌ من الل
…
هـ أمينٌ يوحي إليكم كتابه
إن قتل النبوغ قتلٌ لشعبٍ
…
وعناد لله فيمن أنابه
-
ساجعة
وساجعة في السدر والليل ساكن
…
سوى نسمة في الروض تستقبل الفجرا
ترجع أنات الحنين بغصنها
…
فتحسب رجع الصوت من شجوها جمرا
وتدعو جناحا لا يلبي نداءها
…
أبى البين إلا في مفاصله كسرا
يرف الخميل الطلق غصناً وزهرة
…
فما نظرت غصنا ولا رمقت زهرا
إذا ذرفت من لاعج الشوق دمعة
…
أجابت هواها في محاجري الأخرى
وما خضبت كفا ولكن أدمعاً
…
تكفكفها ردت أناملها حمرا
هو البين يا ورقاء كدر صافياً
…
من العيش فاستبدلت من حلوه المرا
تعالي خذي حر الأسى عن مجرب
…
حوى اللحظ أسيافاً وعالية سمرا
له كبد كالربع ضاعت سطوره
…
سوى أثر فيهن لم يبلغ السطرا
تظل عيون الشوق تنشد رسمها
…
إذا ما دعتها في جو انحى الذكرى
وعين هتون الدمع غشى جفونها
…
قروح على أيامها أبداً عبرى
جفاها الكرى إلا غراراً فنومها
…
كحسو القطا تلوى مناقيرها ذعرا
يزيد محولا خدها كلما همت
…
وما أن عهدت الجدب لا يحمد القطرا
سقا الريف من (دمياط) هتان ديمة
…
وحيا الصبا فيه ملاعبنا الخضرا
تركت بنانا في رباها مخضبا
…
كأن على أطرافها الورق النضرا
عجبت لنفسي يوم ودعت كيف لم
…
أمت شجنا أو تحترق كبدي الحسرى
علي شرف الدين. دبلوم دار العلوم
مختارات من شعر الشاعرة الفرنسية مارسلين
ترجمة الأستاذ خليل هنداوي
- 1 -
حياة اليمام وموته
يا بنات الهديل!
ايه! لله دركن فانتن
…
اللواتي تحسن حفظ الوداد
المعري
هذا هو شأن الورشان الأمين بين سراب اليمام!
يطير في الغابة، لا يستهويه القعود، ليظل هافياً حول محبوبته.
ولا يقدر على أن يأوي الا إلى الوكنة التي سكن فيها الهواء،
حيث جناح محبوبته الملتهب يدفئ جسده دائماً
دعواالقلبين المؤتلفين يخفقا ويضطرما،
فما حياتهما الا خيط ذهبي تربطه عقدة سرية،
بربكم! لا تفصلوا بينهما! فانهما يموتان
هما لا يبغيان الا قليلا من ساري الهواء، وقليلا من وارف
الظل، ومتكأ على ساقية ندية تروِّح عن قلبيهما!
ولا يريدان - من كل السماء والأرض - الا عشا جميلا مظلما
يتقاسمان فيه أسباب الحياة، ويواري سعادتهما.
إذا لم تعد عيناك تلمحان - يمامة الغابة - يلمع نصفها الأبيض في الفضاء
وهي تجوز عبر الشاطئ، فلا تقل: هجر أحدهما رفيقه
فانهما - وهما يحبان دائما - لم يعرفا الحب الا مرة واحدة.
دع شكوك نفسك واتبع آثارهما الضائعة
فانك واجد في الوكنة - في الضريح الصامت -
أربعة أجنحة مسوطة تغمر قلبين هامدين
سيضطرمان حبا في السماء!
- 2 -
اليقظة
هل في استطاعتي أن أتذوق النوم الشهي، على هذا السرير القصبي؟
أنا أشعر بالهواء يطيب شذاه حين يهفو من حولك
لأن تغرك زهرة طافحة بالعبير!
فتعال يا كنزي! ولا تضرم سواي!
وتيقظ! ألا تتيقظ!
لكن هذه النفحة الغرامية
هذه القبلة التي أتمناها، لا أجرؤ على طبعها على شفتيك،
وهي تضاعف لي أيام حياتي إذا سمح بها قلبك،
ولكن نعاسك يطول! وأنت تميتني
وأنا لا أجرؤ على طبعها!
تعال! إننا سنجد ظلا وارفا تحت شجرات الموز
والعصافير ستستأنف تغريدها إذا لمحتنا غارقين في الحب
والشمس غلبت عليها غيرتها، فتوارت وراء الغيوم
وأنا لا أبحث عن نور الضحى الا في عينيك!
ألا تعال! وابسط على الحب نوراً
لا لا! أنت لن تنام، أنت تقاسمني لواعجي
وقبلاتك هي الأرى الذي تمنحه لنا الأزهار،
لماذا يتنهد قلبك؟ هل تفتش عن نفسي؟
إن نفسي تطفو على ثغري، وتهم بان تجفف دموعك،
ألا وارني تحت الأزهار!
من الأدب الغربي
الشعر
محاضرة للشاعر الكبير (بول فاليري). عضو المجمع
الفرنسي
مترجمة بقلم الأديب عبد الرحمن صدقي
(منذ أسابيع عرض الدكتور طه حسين على صفحات هذه المجلة لرأي (فاليري) في الشعر، ومنذ أسبوع حاضر فيه جمهرة حاشدة من سامعيه، ونحن ننتهز هذه المناسبة لترجمة محاضرة للشاعر الفرنسي عن الموضوع بعينه إتماما للفائدة. ولما كان موضوع البحث دقيقا فقد حرصنا على دقة الأصل، ولم نستحل لأنفسنا - بحجة التوضيح والتبيين - تحريف الكلم أو الإضافة إليه أو الاقتضاب منه. ويعذر القراء إذا نحن أوصيناهم أيضا بالتدقيق في مطالعته واكتناه مراميه.) المترجم.
جئنا اليوم نحدثكم عن الشعر فهو موضوع العصر. وعجيب أن عصراً يجمع بين العمل واللهو المسرف معا - وقد يعد بعيداً عن سبحات التفكير والتأمل النظري عامة - يهتم هذا الاهتمام كله بالشعر، ولا يقف عند الشعر ذاته، بل يتعدى اهتمامه أيضا الى نظرية الشعر.
إذن: أستبيح لنفسي اليوم أن أسبح قليلا في النظر التجريدي، وعذري أني بهذه السبيل أستطيع الإيجاز في القول.
وأنا مقترح عليكم فكرة عن الشعر، ونيتي مجمعة على ألا أذكر غير ما كان من قبيل المقررات البحتة، وما كان في إمكان الناس أجمعين أن يلحظوه في أنفسهم أو بأنفسهم أو على الأقل يجدونه باستدلال هين ميسور.
وسأبدأ من البداية. والبداية (في هذا المعرض من الآراء في الشعر) هي بالضرورة تناول الاسم نفسه بالنظر. كما يجري على الألسنة في الكلام المعتاد.
كلمة الشعر
نعرف لهذه الكلمة مدلولين، أعني وظيفتين بينهما فرق بعيد، فهي تعني أولاً نمطاً من
الخوالج النفسية، أو حالة عاطفية خاصة تثيرها أشياء شتى أو ظروف جد مختلفات.
فنحن نقول عن منظر من المناظر الطبيعية أنه شعري. ونحن نقولها عن طور من أطوار الحياة، وأحيانا نقولها عن شخص. ولكن هناك محملاً آخر لهذا اللفظ. ومدلولاً ثانياً هو أخص من الأول. والشعر على هذا الوجه الثاني يذهب بأذهاننا الى أحد الفنون، الى صناعة عجيبة غرضها أن تعيد كرة أخرى إنشاء هذه العاطفة التي يدل عليها الوجه الأول للفظ. فاستعادة العاطفة الشعرية عند القصد وبواسطة افانين اللغة دون الظروف الطبيعية التي تولدت فيها عفوا، هو مطلب الشاعر، وهو هو الفكرة المقترنة بكلمة (الشعر) في مفهومها الثاني، وفيما بين هذا التصور وذاك يوجد من العلائق والفروق مثل ما بين أرج الزهرة وبين عملية الكيميائي العاكف على تأليف العطر من كافة الأجزاء.
على أن الناس يخلطون في كل لحظة بين هاتين الفكرتين، فتنجم من ذلك طائفة من الأحكام والنظريات فضلا على المصنفات، فاسدة في أساسها للإطلاقها كلمة واحدة على شيئين هما على ارتباطهما جد مختلفين.
العاطفة الشعرية
ولنجعل أول كلامنا على العاطفة الشعرية! أي عن الحالة العاطفية الأصلية.
تعرفون ما يخالج معظم الناس من شعور يتفاوت قوة وصفاء. بين يدي مشهد طبيعي رائع، فمناظر الغروب؛ والليالي القمراء، والأحراج الشجراء، والبحر، تطربنا وتحرك عواطفنا، وعظائم الأحداث وأزمات الحياة النفسانية، وأشجان الحب، وتذكر الموت كلها مناسبات أو أسباب مباشرة لما يقع في الوجدان من تجاوب وأصداء داوية، بالغة في الشدة أو غير بالغة، قوية التنبه أو ضعيفته. وهذا اللون من خوالج الإنسان يتميز من سائر خوالجه الاخرى. فبم يتميز؟ ذلكم ما يعنينا بحثه في مطلب اليوم، فيهمنا أن نقابل بكل ما يستطاع من الوضوح بين العاطفة الشعرية والعاطفة العادية، والتفريق بين هذين عمل جد دقيق. إذ هما لم ينفصلا قط في الحياة الواقعة. فتجد الانفعال الشعري الأصلي مشوبا على الدوام بالحنو أو الأسى، بالغيظ أو الوجل أو الأمل، ولا تبرح مصالح الشخص وعلائقه الخاصة متحدة بهذا (الإحساس بالكون) الذي يتميز به الشعر.
الإحساس بالكون
قلت (الإحساس بالكون) وأعني أن الحالة أو العاطفة الشعرية قوامها (فيما أرى) إحساس ناشئ متولد، أو بعبارة أخرى، ميل الى الإحساس (بعالم) أو نظام مستكمل من النسب، ذواته وكائناته، وحوداثه وفعاله، وان شابهت واحدة واحدة ما يعمر به عالم الحس ويتألف منه وهو العالم المباشر الذي هي مستعارة منه، إلا أنها ذات صلة محكمة لا يحدها الوصف بأساليب حساسيتنا العامة ونواميسها. ومن ثم فهذه الذوات وهذه الكائنات المعهودة تتغير قيمها ومعانيها بوجه من الوجوه. فهي تتداعى وتتوارد ويلابس بعضها البعض على وجه يخالف كل المخالفة ما يجري في الأحوال العادية. فإذا هي (مدوزنة) إن جاز لي هذا التعبير، وإذا هي قد أصبحت متناسبة القياس متجاوبة.
وعالم الشعر بهذا الوصف فيه مشابه كبيرة بعالم الحلم.
صورة الشعر وأطياف الحلم
وإذ تطرقت كلمة (الحلم) الى مقالي، فإني أذكر لكم في كلمة عابرة انه في العصور المتأخرة من عهد مذهب المجازيين في الكتابة حدث خلط جل خطبه وإن هان تفسيره بين تصور الناس للشعر وتصورهم للحلم! فليست الأحلام ولا حالة النفس الحالمة شعرية بالضرورة. وهي قد تكون كذلك. ولكن صوراً تكونت بالمصادفة لا يمكن أن تكون صوراً ذات سياق وانسجام الا بالمصادفة.
بيد أن (الحلم) لشيوع معالجتنا له وتكرارها يساعد على تفهيمنا كيف أن الوجدان يمكن أن تطغى عليه وتفعمه وتجبله مجموعة من شتى ما تحدثه الانفعالات والمدركات العادية. فهو يضرب لنا مثلا متعارفاً عن (عالم محصور) تتراءى فيه سائر الأشياء الواقعة وتشكل بتشكل حساسيتنا العميقة، وعلى هذا النحو تقريباً تستقر الحالة الشعرية في أنفسنا وتنمو وتتحلل، أي أنها لا تجري بالضبط على قياس، وإنها متقلبة وغير اختيارية وسريعة العطب. وإننا نفقدها كما نحصل عليها عرضا. وفي حياتنا فترات لا ينجلي فيها هذا الإحساس الشعري، ولا تتبدى فيها هذه التوليدات المحببة، بل لا يخطر لنا إمكانها في بال، فالصدفة تهبنا إياها والصدفة تستردها منا.
الخلود رسالة الفن
ولما كان الإنسان إنسانا بما له عزيمة وقدرة على استنقاذ ما يهمه من حكم العفاء الجاري على الأشياء، واحتفاظه بما ينقذ وإصلاح حاله وإقامة صرحه، فقد صنع الإنسان لهذه العاطفة الرفيعة ما صنعه أو عالج صنعه لسائر الأشياء التي يدركها الزوال مأسوفا عليها. فبحث واهتدى الى الوسائل التي يثبت بها وينتحي بسرها كيف يشاء أجمل أطواره النفسية وأصفاها، والتي يستطيع بواسطتها أن يعرض وينقل ويصون على تطاول الحقب أنماط أريحيته وهيامه وجيشان وجدانه. ثم كان من حسن العقبى أن اختراع وسائل البقاء هذه أتاح للإنسان الفكرة والقدرة معا على تعهد ما تمن به سليقته عليه أحيانا من قطع الحياة الشعرية بما ينميها اصطناعيا ويزيد في زينها وغناها. فتعلمّ أن ينتشل من مجرى الزمن وان يستخلص من الظروف هذه التواليف وهذه المدركات العجيبة العارضة التي قد كانت ذاهبة بلا رجعى لو لم يبادر فينا الكائن المتفنن الأريب الى معونة الكائن الوقتي ويسعف بمخترعاته النفس المحسة.
ولقد نشأت الفنون طراً لكيما تخلد أو تبدل (كل فن بحسب جوهره) لحظة من لحظات النعيم الزائل الى حقيقة راسخة من لحظات ممتعة لا انتهاء لها. فالعمل الفني ليس الا أداة مادية لهذا الإكثار أو التوليد المستطاع.
اللغة
والموسيقى والتصوير والعمارة أساليب شتى تتناسب مع اختلاف المعاني. وهي كلها وسائل لإنشاء عالم شعري أو لإعادة إنشائه، وهي تهيؤه بحسن التنظيم للبقاء، وتفسح بالعمل المدبر نطاقه وتوسع رحابه. إلا أن أقدم هذه الوسائل وأقربها مساساً وإن تك أشدها تعقدا هي اللغة. ولكن اللغة، بسبب طبيعتها المجردة وتأثيرها على الأخص في الفكر تأثيرا غير مباشر، وبسبب نشأتها الأولى ووظائفها في الشئون العملية، تورد الفنان الذي يمارس تنسيقها وصرفها الى الشعر مورداً معقداً عجيب التعقيد.
وما كان يكون في الدنيا شعراء لو أن الإنسان تمثل في وعيه المشكلات المطلوب حلها. (وما كان إنسان يستطيع تعلم المشي لو أستلزم المشي منه أن يتمثل ويستحضر في خاطره صوراً واضحة لجميع العناصر في أقل خطوة من خطاه)
ولسنا هنا - بحمد الله - في مقام قرض الشعر، بل نحن إنما نعالج النظر في الأشعار كأنها شيء مستحيل صنعه، وذلك لكي نكبر جهود الشعراء إكبارا صافيا مبينا، ولكي ندرك مبلغ أقدامهم وكدهم وركوبهم الصعاب، ونتصور فضائلهم، ونعجب فلا نقضي العجب من قوة فطرتهم.
وسأحاول بوجه الإجمال أن أعطيكم فكرة عن هذه الصعاب:
ذكرت لكم منذ هنيهة أن اللغة آلة وأداة، أو بالأحرى هي مجموعة أدوات وعمليات صاغها العمل وسخرها لخدمته. فهي وسيلة جافية غليظة لا محالة، يستخدمها كل شخص، ويوقفها لحاجاته الراهنة، ويمسخها بحسب الظروف، ويطابق تفصيلها على كيانه الجسماني وتاريخه النفساني.
وأنتم تعرفون ما نسلطه على اللغة أحياناً من التجاريب والمحن. فان المدلولات ومعاني الكلمات وقواعد تأليفها ومخارجها وتقييدها هي ألد عيب لنا وآلات تعذيب معا. ولا مشاحة أننا نراعي بشيء من الاعتبار ما يقرره المجمع اللغوي، ولا مشاحة أن رجال التعليم ونسق الامتحانات وعلى الأخص غرور الناس يقيم بعض الحوائل دون تصرف كل فرد في اللغة على هواه. فضلا عن أن الطباعة في العصور الأخيرة كانت عاملا قويا للمحافظة على أوضاع الكتابة.
ومن ثم أبطأت الى حد ما تعديلات الإفراد، إلا أن أهم مزايا اللغة عند الشاعر هي كما لا يخفى خواصها أو طاقتها الموسيقية من ناحية، ومن الناحية الاخرى مدلولاتها المعنوية التي لا حصر لها (وهي القائمة على تكثير المعاني المشتقة من معنى واحد). واللغة من هاتين الناحتين أقل امتناعا على هوى الإفراد وابتكاراتهم وتصرفاتهم ونزعاتهم. وإن لهجة كل شخص وذخره الوجداني الخاص ليدخلان على تداول اللغة عنصر لبس، ومظان وهم، ومكامن بغتة، كلها لامناص منها ولا معدى عنها. وأرجو أن تلقوا بالكم جيدا الى هذين الأمرين: أولهما أن اللغة فيما عدا استعمالهافي أبسط لوازم العيش وأعمها ليست على الإطلاق أداة تحديد، بل هي على النقيض من ذلك، وثانيهما أنه فيما عدا بعض الاتفاقات التي لا تجيءإلا في النادر جدا وفيما عدا بعض تعابير ميمونة مفلحة اقترنت بقالب مفرغ محسوس، فليس في اللغة ما يجعلها وسيلة للشعر
وجملة القول أن حظ الشاعر العاثر المتناقض قد فرض عليه أداة شائعة الاستعمال ممتهنة ليستخدمها في أغراض غير اعتيادية وغير عملية. فلا مندوحة له من استعارة هذه الوسائل وهي نكرات إغفال كأرقام التعداد، ليؤدي بها مطلبه من سمو بالنفس وتعبير عن أخص ما فيها وأزكاه.
العلوم
هل للعلم قيود تفرضها الأخلاق؟
للدكتور هنسن أسقف درهام بإنجلترا
ترجمها بتصرف الدكتور أحمد زكي
(قيد الكاتب البحث العلمي في المقال السابق بقيود ثلاثة، أولها الواجب الذي تفرضه الأخلاق على دارسالعلم بحكم رجولته، وثانيها شروط تحتمها حقوق أولئك الذين تقع عليهم التجربة العلمية ذاتها، وثالثها أمور يفرضها نوع النتاج المقصود من التجربة)
القيد الاول
أما فيما يختص بالقيد الاول فلا حاجة بنا فيه الى الإفاضة الكثيرة. ان البحث العلمي يتطلب المزاج العلمي، وان يباشره الباحث بإخلاص للحقيقة، وولاء مطلق لها، وإغفال تام لصالح الباحث ونفعه الشخصي، واستسلام صريح للعمل المضني، واحتمال غير شاك للآلام في سبيل الطلب.
ورجل العلم لا يدعي حظا من العلم أكبر مما بين يديه، ولا يحاول أن يفيد من جهل الجمهور بعلمه ومن ثقة اعتاد أن يوليها العلماء ضرورة أو اختيارا، وهو لا يستخدم سلطان العلم فيما يحط ويزري، ويعمل كل هذا لأنه واجبه الواضح البين باعتباره إنسانا، ولأنه في علميته لا يستطيع أن يتنصل من إنسانيته، فمُثل الإنسان العالية هي مُثل العالِم العالية، والغايات النبيلة لهذا هي عينها غايات تلك، وموقف الاثنين جميعا من الواجب العام هو الذي حدّث عنه غلادستون حين قال:(أنا لا أبالي أن أسأل كم في الناس سَقَط، وكم فيهم من حُثالة هربت من الأخلاق فحاق بها ما حاق. . . وإ ' نما أنا اعتقد أن الواجب قوة حيّة، تصحو معنا في الصباح، وترقد معنا في الليل، وتصحب كل عمل يصدر في يقضتنا عن ذكائنا الإنساني. الواجب ظل يتبعنا إنما سرنا في مدارج الحياة، ولا يتركنا إلا عندما نغمض الجفن الى الأبد عن نور هذه الشمس)
إن إخضاع العلم للأخلاق بهذا المعنى مبدأ اعترفت به الدنيا قديما وآمنت عليه القرون. وضع أبقراط حلِفه المشهور وحدّد به مسلك الطبيب، واحترمته الأجيال على السواء،
فاحترمه العرب المسلمون، واحترمه إليهود، واحترمه المسيحيون، ولا يزال الى يومنا هذا أول عمل يأتيه الطبيب قبل ممارسة طبه. وهو عهد لا يختص به علم الطب وحده، فكل شعبة من شعب العلم لا شك تقبل ما يتضمنه من هيمنة الخُلُق على جميع مناشط الإنسان.
القيد الثاني
الى هذا الحد ليس هناك خلاف، فليس من ينكر أن العلم لا يستطيع تحرير رجاله باعتبارهم أناسي من الشروط الأخلاقية التي تضبط سائر الرجال والتي بدونها تضيع ثقة الناس بالناس. ولكن عندما ننتقل من رجل العلم الى طريقته ندخل أرض الفتاوى والمحللات، وهي دائرة يكثر فيها الجدل ويطول الحجاج، وهنا قد يسرف العلم ويغلو كما أسرف الدين من قبله وغلا. فالعلم الحديث يشغل من الدنيا الحديثة مكانا أشبه بالمكان الذي كان يشغله الدين في العصور الوسطى من الدنيا القديمة، ففي تلك العصور كان التفكير الإنساني ينبت في أرض طينتها دينية، وهي اليوم طينة علمية. كان هوى الناس في الدين وكان تقديسهم لقساوسته، فصار اليوم هو أهم للعلم وتقديسهم لأساتذته. ومن طلب الدليل على ذلك وجده في الذوق العام، فعظات الأحبار لا تقرأ إلا قليلا، وكتب رجال العلم المبرزين تشترى بكثرة وتطلب بلهفة.
وهنا يتساءل المرء، وقد نزل الدين عن عرشه للعلم، أيخضع هذا المتوج الجديد للغواية كما خضع المتَّوج القديم، وهل يستدرج استدراجه ليؤول الى مثل مآله. ليس في التاريخ ما هو آلم من تاريخ (الافتاء) في النصرانية، ولا أزرى منه ولا أكثر تحييرا وإرباكا، وهو مع ذلك موضوع للمتأمل خصيب. انه مليء بمناقضات من الجسامة بحيث لا يتصورها العقل. أنحى القديس بول على الفتوى التي تقول (دعونا نفعل الشر ليكون منه الخير) ومع هذا لم يؤثر هذا الأنحاء شيئا في أفعال القسيسين ولا في نظريات الأخلاقيين، وكان كل سؤالهم (في أي الظروف والى أي حد يجوز لنا فعل الشر ليحصل منه الخير؟)
هل يكون من العلماء يسوعيون كما كان من أهل الدين يسوعيون؟ وهل يكون لهؤلاء ناقد ساخر في القرن العشرين كما كان لأولئك في شخص بلايز باسكال في القرن السابع عشر؟ كان من مبادئهم أن لا عهد لهرطيق، ولا ذمام لزنديق، وان الكذب والتزييف مباحان في سبيل حماية العقيدة وانتشارها، وان التعذيب والقتل مشروعان في صالح الكنيسة، هذه
ومبادئ أخرى قبلها رجال مسيحيون استحلوا بها أشنع الجرائم التي سجلها مداد واحتواها قرطاس.
فهل يتطور العلم في هذه الناحية مثل تطور الدين؟ هل يسيطر الاعتبار الخلقي على الطريقة العلمية، أم هل يتغلب صالح العلم المزعوم على هذه الاعتبارات جميعا؟ هذا هو المحور الذي يدور عليه كثير من النقاش الذي يمس التجارب العلمية الحديثة، ومنها تشريح الحيوان الحي الذي كثر اللغط فيه وتطاول الحجاج في السنوات الأخيرة. قال قوم انه عمل حلال أمَنّ عليه القانون واطمأن فيه الى أن العلماء إنما يأتونه خدمة للمعرفة، وقال آخرون انه عمل محرم، تحرمه الإنسانية لأنه يتضمن ألماً لحي، وقال غير هؤلاء: إن تحليله وتحريمه منوطان بمقدار الألم الذي يعانيه الحيوان. والحق أن المسألة لها طرفان أولهما يتعلق بالغرض الذي من أجله يجري التشريح. وثانيهما يتعلق بالحي الذي يشرَّح. أما الغرض فيجب أن يكون من الكفاية بحيث يتزن مع التضحية ويستأهل الآلام. جميل أن نصيح (أن العلم للعلم)، ولكن هل نقبل هذه الجملة على إطلاقها أم لابد من الحذر الشديد عند تطبيقها؟ أي المعارف يجب أن نقصد إليه، وهل كل معرفة جديرة بالعرفان؟ يفرّق الأستاذ (وايتهد) بين الطلب يطلبه المرء في سبيل العلم، والطلب يطلبه حلاً لقضية رخيصة أخطرها بالبال الخيال السائب اللاهي. أما فيما يتعلق بالحي الذي يشرح، بالحيوان الأعجم الذي ينطق، فأمره يتوقف على النظرة التي ينظرها به الإنسان، وهنا نجد العلم الحديث نفسه سلَّح أعداءه في هذا الصدد بسلاح قاطع ماض، فان البيلجة الدرونية أزالت الحاجز الذي وضعته الفلسفة بين الإنسان والحيوان، واعتبرت الحياة العضوية ظاهرة فردة واحدة مهما اختلفت أوضاعها وتعددت مظاهرها، وبهذا استوى الإنسان بالحيوان أو قارب، وبهذا جاز على الإنسان ما يجوز على الحيوان، والإنسان يأبى تشريح الإنسان حيا، فلا بد أن يأبى تشريح الحيوان حيا. أم هو يجيز التشريح على إطلاقه ثم يتنصل منه باعتبار ان الإنسان له (شخصية) تكسبه حقوقا لا تكون لغيره من الحيوانات لانعدام (الشخصية) فيها.
أن الغرض مهما طاب ومهما خطر لا يبرر التجربة التي تخل بمسلك الإنسان الخلقي.
حكوا فيما يحكى عن الإمبراطورفردريك الثاني انه دعا رجلين الى الغداء وأطعمهما حتى امتلأ، وبعث بأحدهما لينام، وبعث بالآخر ليصيد، وفي المساء أمر فشق بطناهما ليعلم أيهما
أسرع هضما، الذي نام فاستراح، أم الذي ظل نهاره يجري وراء الصيد؟ وقضى أطباؤه بالفوز للذي نام. لا يقول أحد أن رغبة فريدريك في المعرفة لم تكن مشروعة، ولا أن اتجاهه الى تحقيقها بالتجربة العلمية لم تكن محمودة، ولكن الذي يدم ان التجربة لم تخضع لشروط المسلك الخلقي العام.
القيد الثالث
قرأت حديثا مقالا افتتاحيا في (مجلة تحسين النسل) تناول فيها محررها موضوع الدعوى الحديثة في استكشاف طريقة علمية جديدة يتعين بها النسل قبل ولادته. فبعد أن تشكك الكاتب في المكتشف قال:. . ومهما يكن من الأمر فلا بد ان نتهيأ لأن نسمع يوما ما بأن قد انكشفت طريقة صحيحة مؤكدة للتنبؤ بالنسل أو التحكم فيه. فان وقع هذا، وهو لابد واقع وإن تأخر يومه، فقد وقعت اكبر ثورة في تاريخ البشر، فعندئذ يتجه الناس لا محالة في الانسال اتجاهاً يخل التوازن بين الذكر والأنثى اختلالا لن نختلف في نوعه وان اختلفنا في مقداره، فيصبح عدد الذكور عشرة أضعاف الاناث أو خمسة عشر أو عشرين ضعفا، وعندئذ كيف تكون الحال، لا أجسر أن أقول، ولا يجسر ذو الخيال الرائع ان يقول، وحسبنا أن نقدر أن أول ما يذهب من مُثُل الإنسان عفة المرأة وحرمة الزوجية، فهل من الحكومات حكومة تنظر الى الغد فتعد لهذا الانقلاب عدته؟ لعل أقرب من ذلك أن نرجو أن يتفق البيلجيون فيما بينهم، أن يتفقوا من الآن، على أن يحفظوا هذا السر عن الناس إذا هي تمخضت عنه الأبحاث، لأنه حدث سيكون أوخم عاقبة على المجتمع مما عرف من الأحداث. بالطبع ما من سر إلا افتضح على الأيام، ولكن سيكون قد انقضت مهلة قبل افتضاحه قد تمكِّن أولي الأمر وذوي السلطان من رفع الحواجز وإقامة السدود في وجه هذا السيل الداهم
فلنفترض ان ما يقوله المحرر حق، وان العلماء باتوا على مقربة من كشف هذا السر، وأن هذا السر إذا انكشف للناس فعلوا كالذي خاله الكاتب، فما يكون موقف العالم البيلجي عندئذ وما واجبه؟ أينصرف عن أبحاثه خشية ما تجره نتائجها؟ أيقف في السبيل وقد قارب النهاية احتفاظا بالعفاف الجنسي، ام يقول ان المنشط العلمي من حقه أن يتحلل مما قد لا تستطيع أن تتحلل منه مناشط الحياة الاخرى، وأنه رجل علم فهو بمعصم من المبدأ القائل
بأن الرجال مسؤولون عن أعمالهم وما يصدر عنها من شر تأكدَ أو ترجّح.
أن التقدم الحديث في العلم يتجه اتجاهات لم تكن قديما في الحسبان. حتى أن أكثر المفكرين تفاؤلا، وأسرعهم إجابة إذا دعا العلم، بدءوا يتشككون في تفاؤلهم الكثير، ويرتابون في فرضهم القديم، أن زيادة المعرفة لن يكون منها غير خدمة الإنسانية، والسيطرة على الطبيعة لن يكون منها غير خير المجتمع. قال السير الفريد ايونج
(ائذنوا لي كدارس قديم للميكانيكا التطبيقية أن أعبر عن بعض خيبة أحس بها الآن، وأنا في اعتزالي منتحيا مع النظارة جانبا من الطريق أتفرج على موكب العلم يسير في عظم وفخامة، وأتسلى مع المتسلين بركائب المخترعات تتعاقب في أبهة وضخامة. الى أين يسير هذا الركب الكبير؟ وما أثره الأخير في مستقبل الأسرة الإنسانية؟. . لاشك أنه يحمل للإنسان هدايا تجعل حياته أملأ وأوسع وأصح وأغنى وأهنأ، تلك الهناءة التي تجلبها المادة الجامدة. ولكن كثيرا مما أهداه المهندس الباحث أسيء استخدامه ويساء وبعضه يحمل في أحشائه مآسي لم تنمخض عنها الأيام بعد. إن الإنسان لم يتهيأ بعد أخلاقيا ليتقبل تلك المنح الكبرى)
وجملة الأمر أن العلم وبال على الإنسانية إذا هو أطلق من القيود التي تضبط مسلك الإنسان بقصد إسعاده فردا ومجتمعا.
العالم النسائي
نظرة في الحركة النسائية
للآنسة أسماء فهمي. درجة شرف في الآداب
بدأت النهضة النسائية في أوائل هذا القرن، إلا أنها لم تصبح (حركة) إلا عند نشوب الثورة المصرية سنة 1919 إذ نشطت المرأة نشاطاً كبيرا وسرت إليها روح الحماس الفياض فلبت نداء الوطن، وساهمت بنصيب وافر في الحركة السياسية، فاشتركت في المظاهرات معرضة حياتها لما كان يتعرض له الرجل من مخاطر، والفت اللجان لبث الدعوة الوطنية وتنظيم حركة المقاطعة، وظهرت في الاجتماعات الهامة. ولكم كانت لها مواقف مشهودة في تلك النهضة المباركة!
ولما هبطت درجة الحماس القومي بسبب الانشقاق بين صفوف العاملين أخذت الحركة النسائية تتجه اتجاها جديدا فاهتمت العاملات بتحسين مركز المرأة الاجتماعي، وعلى ذلك تألف الاتحاد النسائي سنة 1923 تحت زعامة السيدة الجليلة هدى هانم شعراوي، ووجه عناية كبيرة إلى المشاكل الاجتماعية التي تمس المرأة كمسألة الطلاق وتعدد الزوجات وعدم تحديد سن الزواج للفتيات، ونجح في حمل البرلمان على الاهتمام بتلك المسائل. كذلك ظهر في ذاك الوقت من بين النساء من تطالب باشراك المرأة في التمثيل النيابي.
على أن تلك البداية الحسنة سرعان ما تعرضت للضعف بدورها وانكمشت في دائرة محدودة لا تتناسب مع مطامع المرأة بدل أن تنمو وتتسع ويصبح لها فروع تهتم بمعالجة نواحي النقص كلها، فلم نعد نسمع تلك الأصوات الجريئة الفتية التي تدافع عن قضية المرأة، كما أفلس معظم الجمعيات النسائية التي كان ازدهارها قصير المدى، وهكذا خلا الميدان مرة أخرى ولم يبق إلا عدد قليل من المجاهدات يثابرنشأن الأبطال متجاهلات المتاعب والنقد.
ولكن ذلك السكون في ميدان النهضة لم يكن إلا كسكون الطبيعة في الشتاء الذي فيه تتجدد القوى برغم التجرد والعراء، فقد دخلت الحركة النسائية على الرغم ذلك السكون الظاهر في طور خطير هو طور الانتقال الهام الذي فيه اتسع نطاق تعليم المرأة فانتشرت مدارس البنات ووحدت مناهج تعليم الذكور والإناث بعد بصلاحها وتوسيعها، فأصبحت الفتاة التي
كان تعليمها قاصرا على مبادئ القراءة والكتابة وقشور اللغات وبعض الفنون المنزلية تتعلم كما يتعلم الفتى، بل وتفوقه في الإقبال على العلم واستساغته.
وفي سنة 1928 سمح للبنات الحاصلات على شهادة إتمام الدراسة الثانوية بدخول الجامعة المصرية. بينما كثرت إرساليات البنات في تلك الفترة إلى الخارج للتخصص في مختلف العلوم والفنون.
وما زالت حركة تعليم البنات سائرة بنشاط رغم سوء الحالة الاقتصادية وما يوضع في طريقها من عقبات، وهذا لاشك أعظم انتصار اكتسبته المرأة، وأقوى سلاح في يدها، ولم يبق إلا أن تستغله إلى أبعد مدى ممكن.
والآن وقد تكاثر عدد المتعلمات وظهر من بينهن من يمتزن برغبتهن الحارة في الاصلاح، فستنتعش ولاشك الحركة النسائية. وان احتفاء زعيمة الاتحاد النسائي بأولى خريجات الجامعة المصرية والجامعات الأخرى في 16 ديسمبر سنة 1933 لمبشر بقرب الوصول إلى هذه الغاية، إذ لا يفيد الحركة النسائية أكثر من جمع تلك العناصر النشطة مبدئيا تحت سقف واحد وأحداث التعارف بينهن وتشجيعهن وتذكيرهن بحقوقهن وواجباتهن نحو المجتمع، وبنات جنسهن، وبالجملة أصبح لدى الحركة النسائية أهم العناصر الأساسية اللازمة للنجاح، وهي الشعور بالنقص، والرغبة في الإصلاح، وعدد لا بأس به من السيدات الناهضات، كما أن لديها أيضا مؤازرة عدد كبير من أفاضل الرجال.
على أن مجرد وجود تلك العناصر لايكفي لاحداث الأثر المطلوب بل لابد من اتحاد تلك العناصر واستغلال جهود الناهضات بان تصبح لهن جماعات منظمة، فالحركات القوية الناضجة ذات الأثر الخالد والمشروعات العظيمة قامت بواسطة الجماعات والتعاون، لا بمجهود الأفراد. والحركة النسائية في حالتها الراهنة الخاملة أحوج ما تكون إلى مثل تلك الجماعات المنظمة التي تدرس وجوه النقص في مركز المرأة وتبسط فيها الآمال والآراء، وتكون نواة لظهور الخطيبات والباحثات اللاتي يوجهن أذهان الناشئات إلي مكانتهن الهامة في الحياة، والى أهمية عهد الانتقال الذي يجتزنه، وإلا أصبح تطور المرأة تطورا غير واع شبيه بتطور النبات والحيوان: يسير بمحرك التقليد لا بناء عن التفكير والانتخاب والتفضيل. والواقع أصبح يخشى طغيان عامل التقليد على الحركة النسائية بسبب قلة
المرشدات والباحثات فكثير من النساء اللاتي سفرن مثلا واختلطن بالرجال فعلن ذلك تحت تأثير (الموضة) وتقليد الغربيات لا بمقتضى مبادئ ثابتة ولا بناء عن تدبر وتفكير. والنهضة إن لم تبن على مبادئ متينة ويكن لها مثل أعلى يوجهها في اتجاه خاص فلا أمل في بقائها، لأنها عرضة للتقلبات والأهواء كسحابة الصيف.
ثم أنه لا يمكن لغير تلك الجماعات المنظمة القوية القيام بأعباء قضية المرأة والدفاع عن حقوقها أمام التقاليد الجائرة، فالمرأة في مصر ما زالت محرومة من حقوقها السياسية، تلك الحقوق التي تمتعت بها المرأة المصرية في أقدم العصور، وتستمتع بها المرأة في كثير من الأمم الراقية لخير المجتمع. ثم هناك التشريع الذي لم يتطور مع روح العصر، والذي يعطي الرجل امتيازات يستعملها بمثابة سلاح يشهره في وجه المرأة كلما هزته شهواته ونزعاته، وهناك أيضا القيود التي تغل تقدمها العلمي، فلم تفتح أمامها بعد جميع أنواع التعليم والدراسات. هذا الحق الذي سلم به شيخ الفلاسفة سقراط الذي تعد تعاليمه لب النهى والحكمة. والذي نأخذ عنه وعن تلاميذه كثيرا من مبادئ السياسة والاجتماع والأخلاق.
كل هذه الأشياء التي تعدها المرأة حقا طبيعيا لها والتي لم تحصل عليها بعد، تبين بجلاء مبلغ خطورة القضية ومبلغ الحاجة إلى توحيد الصفوف وإنهاض جميع الهمم، فالمرأة في الواقع لم تقطع إلا جزءا يسيرا من مرحلة شاقة طويلة، فالأمل معلق على تكوين تلك الجماعات القوية التي بيدها مستقبل المرأة.
أم عربية
للآنسة سهير القلماوي. ليسانسييه في الآداب
مكة أرض الله المقدسة في حصار الكعبة بيت الله الحرام يروح فيها الجند ويجيئون. ألوية هنا ورماح هناك، أسلحة وآلات وجنود داخل المدينة، قائدهم رجل في السبعين هو عبد الله بن الزبير خليفة الحجاز. وجنود حول المدينة كفاهم قوة انهم جند الشام، وكفاهم رهبة أن قائدهم شاب في الثلاثين هو الحجاج بن يوسف الثقفي. جو مكة كله هلع والتياع وكأنما كل شيء يوحي إلى أهلها إن استسلموا فالحرب ضروس والموت على الأبواب.
ماجت مكة بكثرة الوافدين عليها ليؤدوا فريضة الحج. ولكن جند الشام لم يترك مكانه، وجند مكة لم يبرح محاصرا لا يستطيع خروجا. لم يستطع الحجاج ولا جنده الطواف بالبيت بل ظلوا محرمين مكانهم لابسين الدروع فوق الإحرام ولم يستطع ابن الزبير الخروج إلى عرفة فنحر هديه في مكة. جاء جند الشام فافسد على الحجاز كل شيء، سلي الأمن أهلها، وشوه شعائر الدين المقامة بها، وبشرها بأفول مجدها السياسي بتحول مركز الخلافة عنها. الشام الفتية جاءت لتضطر الحجاز الهرمة إلى أن تقنع بما يقنع به الهرم من الحياة.
هدأت الحركة في مكة بعض الشيء منذ رجع الحاجون إلى أوطانهم. ولكن نفوس أهلها في حركة وأي حركة، هلع وخوف وقلق. لقد طال بها الحصار وضاقت نفوس أهلها فلا يستطيعون احتمال المزيد، طال الحصار واشتد الضيق، وصعب الامتحان وكلما صعب الامتحان قل عدد الناجحين: كل يوم يسير فوج إلى القائد الشاب طالبا الأمان. التفت الزبير فإذا هو قليل الأعوان قليل العدة، شيخ تربطه بالحياة خيوط واهية. ما مصيره؟ الموت. وما مصير آماله وهي آمال قطر وآلام شعب؟ ألم يكد يتم له الأمر لولا ظهور مروان في الميدان؟ ألم يكن العراق خاضعا له بآلام بعد أن قتل مصعب المختار؟ ولكن مصعبا قتل، وبقتله أفلتت العراق من يد الزبيريين، وغدا سيقتل هو ويفلت الحجاز من يد الزبيريين بعد أن لم يبق بها إلا هو.
(أما والله إنا لا نموت حتف انفنا كميتة آل أبي العاص، وانما نموت فعصا بالرماح وقتلا تحت ظلال السيوف)
هكذا خطب الناس بالأمس لما نعى إليه أخوه مصعب. هو لا يخاف الموت، وإنما آمال لا يمثلها إلا هو، آمال كاد أن يصل إليها وما زال يأمل في الوصل إليها، آمال شيعة له في جميع الأقطار العربية، من يقوم بها من بعده؟
خمسون ليلة وأهل مكة يعانون من الحصار كل ضيق. لابد من انفجار، لابد من حدث حاسم، فلقد كادت أن تزهق الأرواح. جند الشام لا يضيرهم استمرار الحصار، ولكن أهل مكة، أهله وشيعته ورعيته يعانون من الأهوال. صمم ابن الزبير على القتال، أبناء حمزة وحبيب لا يزالون معه، فتيان من خيرة الفتيان أحدهما يقود فريق، والآخر يقود الفريق الآخر. وخرج ابن الزبير من بيته في الليلة الخمسين ليلقي على ابنيه تعاليم معركة الغد.
(حمزة!. . حمزة!. . حبيب!. . حبيب!. .)
ولكن أحدا لم يجب. وبدأت الحقيقة تتكشف لناظره الحزين قليلا قليلا، فإذا هي أبشع مما كان يقدر. حمزة وحبيب ابناه تركاه في هذا الضيق! والى أين؟ إلى عدوه، إلى من حاصره، وأذاقه هو وأعوانه كل كرب وضيق. وتلاشت صورة القلة من أل أعوان أمام هذه الخيبة. أي ألم؟ أي يأس؟ أي حسرة؟ لم يعد شيء يرجى.
بينما اليأس يحرق قلب الشيخ حرقا إذا بعروة الزبير يناديه. ماذا يريد منه عروة؟ عروة يناصر عبد الملك وهو في أمان من هذا الحصار وهذا الجند. ماذا يبغي عروة منه في ساعة اليأس هذه. عروة رسول أمل جديد جاء ليعرض عليه الأمان بشروط مرضية. هم يعطونه كل ماله: املاكه، سلامته، حريته التامة، كل شيء إلا الخلافة. وفي ساعة اليأس يرى اليائس بصيص النور ضياء ساطعا وهاجا، ولكن السن أملت عليه التدبر فليترو قليلا وليستشر. ولكن من يستشر؟
في ركن من أركان بيت عبد الله بن الزبير قبعت عجوز في المائة من سنها عجوز لها من تجارب الحياة ذخر ثمين، ولها من الصحة ورجاحة العقل رغم هرمها ما شهرت به، ولكن لها فوق هذا كله منزلة في نفس عبد الله لم يبلغها أحد. هي أمه هي أسماء بنت أبي بكر الصديق. فليستشرها هي.
واقترب الابن من أمه الوالهة التي جثم الحزن على قلبها طويلا. لقد فجعت حديثا في ابنها مصعب بعد أن ملأ ذكره الآفاق، بعد أن استولى على قطر من أهم الأقطار العربية وهو
العراق، بعد أن قاتل فقتل في ميدان الجهاد كريما شريفا شهما شهيدا. ولكن حزنها لم يشفع لها لدى الدهر فما زال الدهر يلوح لها بين حين وآخر، يسلب ابنها عبد الله أعز أولادها وأطيرهم ذكرا وأكثرهم جهادا. دنا ابنها منها وسألها:
- كيف تجدينك يا أماه؟
- إني لشاكية
فقال لها وكأنه يحدث نفسه اليائسة:
- إن في الموت راحة. فأجابته:
- لعلك تمنيه لي وما احب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك، إما قتلت فاحتسبك، وإما ظفرت فقرت عيني بك.
صدمه جواب أمه، وكأنما كان جواباً عما أتى يستشيرها فيه، كيف يسألها؟ ولكنها لا تعرف عما عرضوه عليه شيئا، وفي صوت متهدج قال لها:
- أماه لقد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة. والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا. . فما رأيك؟ وجاشت في صدر الأم عواطف ونوازع شتى كلها تتزاحم فلا يتاح لأحدها فرصة التغلب أو الظهور - حنان، شفقة، خوف، شجاعة، حب لولدها، حب لوطنها، حب لربها وللحق ولرسول الحق ولتعاليم الحق. ظلت كل هذه تتصارع في صدر العجوز صراعا عنيفا، وظلت الأم تعاني آلام هذا الصراع حينا وآلام الهزيمة لكل عاطفة تهزم منها، كل عاطفة جزء منها فصراعها يؤلمها وهزيمتها تكاد تقتلها.
ولكن حميتها العربية انتصرت أخيرا وتغلبت من كل هذه العواطف: العواطف الخلقية بأسماء بنت أبي بكر الصديق.
وفي صوت ملؤه اليقين قالت لولدها:
- أنت اعلم بنفسك، إن كنت تعلم انك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك ولأتمكن من رقبتك غلمان بني أمية، وان كنت إنما ردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك. . كم خلدوك في الدنيا؟ القتل أحسن.
القتل أحسن ولكن ماذا بعد القتل؟ لن يتورع الجبار من ارتكاب شيء، لن يردعه دين ولن
يردعه خلق، فقال وكأنما الحقيقة تمثلت له قبل وقوعها.
- أماه! إني أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي
ورفعت ستر المستقبل المغيب عن عين الأم فرأت ابنها مصلوبا، وتمثل لها ما سيلاقيه المصلوب من احتقار وتشهير وضحك واستهزاء، ولكن الحق. الحق وروح من سفكت دماؤهم في سبيله أملت عليها الجواب
- الشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ. فامض على بصيرتك واستعن بالله.
سرت روح الأم إلى ابنها فقشعت من صدره كل يأس وكل خوف، وظلت كلماتها تتردد في نفسه كوجيب قلبه، القتل أحسن، القتل أحسن، حلت الشجاعة محل اليأس، وحل جلال الحق محل الخوف من الموت والمثلة. لم يعد يألم لشيء إلا لتلك الثكلى التي ستفقده بعد فقد أخيه بالأمس.
- أماه إني مقتول يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله، إن ابنك لم يتعهد إيثار كفر ولا عمل بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في امان، ولم يتعهد ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغني ظلم من عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء عندي آثر من رضى ربي.
ثم رفع رأسه إلى السماء قائلا:
- اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسي ولكن أقول تعزية لأمي حتى تسلو عني
خيم الصمت على الأم وولدها وقد أحست أنها ستراه لآخر مرة كما أحس هو بذلك. وترقرق الدمع حارا ملتهبا في عين العجوز. الدمع الذي ظل محتبسا من أهوال الأيام الأخيرة انفجر في الموقف الذي يجل عن كل دمع.
بدأ ابنها يحس شيئا من الإحجام بعد أن صمم على القتال والاستشهاد، وخاف أن يستولي عليه هذا الشعور إن لم يسرع بتنفيذ ما صمم عليه. وكأن الأم ما زالت بروحها تدفعه إلى الاستشهاد كما حضته بقولها منذ قليل فأسرع نحو الباب بعد أن قبلها قائلا
- (أماه لا تدعي الدعاء لي)
- (لا ادعه لك أبدا) وكأنها تريد أن تذكره فقالت
- (فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق)
خرج ابن الزبير من عند أمه فإذا الفجر لاح والمؤذن يدعو إلى الصلاة فليذهب إلى المسجد إذن، عسى أن يبعث الله إلى القلب طمأنينة يجتاز بها قلاقل اليوم
صلى ابن الزبير صلاة حارة أرسل بها إلى ربه ما وسعه من الشكوى، وما استطاع من الرجاء، وأحس بان روحا من العالم الأعلى حلت في نفسه من جديد، فلم يعد شيخا ضعيفا بل أصبح شابا مندفعا في ميدان الاستشهاد.
ظل ابن الزبير بعد الصلاة في المسجد طويلا ترن كلمات أمه في أذنه حينا، ويصلي إلى ربه حينا آخر فيقول:
يا رب إن جنود الشام قد كثروا
…
وهتكوا من حجاب البيت أستارا
يا رب إني ضعيف الركن مضطهد
…
فابعث إلي جنودا منك أنصارا
لم يطل الزمن بابن الزبير حتى هاجمه جند الشام من كل فوج. لاذ بأستار الكعبة ملاذه وملاذ غيره من قبل، ولكن الحجاج لا يردعه عن غايته رادع مهما عظم، فرمى الكعبة بالمجانيق وحميت المعركة الفاصلة لا بين المؤمنين والمشركين وإنما بين المؤمنين يمثل كل فريق منهم رأياً جديداً وسياسة جديدة. كانت معركة بين سياسة الشام الفتية، وسياسة الحجاز الهرمة، بين الخلافة كما كانت، وبين الخلافة كما تكون، بين النظم السياسية القديمة، وبين النظم السياسية الحديثة، هي معركة القديم والحديث يكررها التاريخ فلا يمل من تكرارها. معركة القديم والحديث، هل يفوز بها إلا الحديث.
القصص
صديقها عشيقها
للكاتب الروائي الأستاذ محمد خورشيد
رواية مصرية عصرية في فصل واحد
- 2 -
المنظر الثالث: إحسان وحده
إحسان - (يقف ويسير على المسرح ذهابا وإيابا وهو يقول)؛ صدق فايد لم تحبني إحدى الفتيات الراقيات مع إني أجيد مغازلتهن. كما إني لم احب فتاة أبدا. . نعم لم احب حبا حقيقيا. . أريد أن احب فتاة راقية وان تبادلني الحب. نعم أريد ذلك. . . أريد أن أتذوق الحب مرة. . . مرة واحدة. . لأتذوق الاندماج والائتلاف والاتصال البديع و. . . نعم يجب أن أحب. . . لكن من؟. . . من التي سيقع عليها اختياري؟
(يفتح الخادم الباب الذي في الصدر ويقول لفتاة رشيقة تدخل منه إلى المسرح):
الخادم - تفضلي يا هانم، سيدي إليك سيحضر حالا.
(عندما يراها إحسان يقف ويلتفت إلى الجمهور ويقول): هاهي التي يجب أن احبها وتحبني. (ثم يسرع إليها)
المنظر الرابع
إحسان وسميرة
إحسان - أهلا. أهلا سميرة هانم. كنت مشتاقا إلى رؤيتك (ويقبل يدها)
سميرة - كيف حال إحسان بك؟ أين انت؟ لم انقطعت عن زيارتي؟ لم أرك منذ زمن طويل. ما السبب؟
إحسان - إني أتألم
سميرة - ممه؟
إحسان - من القسوة
سميرة - والحنان؟
إحسان - قد زال
سميرة - من أين؟
إحسان - من قلبك
سميرة - قلبي أنا؟
إحسان - نعم قلبك
سميرة - قلبي يحمل لك اخلص صداقة
إحسان - الصداقة هي نصف الطلب
سميرة - آه، له نصف آخر؟
إحسان - طبعا وهو النصف المهم
سميرة - لكن الصداقة أهم والاهم يفضل المهم
إحسان - الصداقة أهم من الحب في أي شرع؟
سميرة - في شرع العقلاء
إحسان - وفي شرع المجانين؟
سميرة - يتساويان
(وتشير بإصبعين متلاصقين وتضحك)
إحسان - أبدا في كل شرع الفرق بين الحب والصداقة كالفرق بين الليل والنهار
سميرة - خصصت الليل بالحب والنهار بالصداقة، يالك من حاذق ماهر!
إحسان - ليس في قولي مكر أو حذق. صداقتك سوف تملأ نهاري ولكن ليلي سيبقى خالياً. وما أطول الليل الخالي من الحب!
سميرة - كفى مغازلة لا طائل تحتها يا إحسان بك. إني احب زوجي كما تعلم
إحسان - لكنك تحبينه منذ أربعة أعوام يا هانم. هذا كثير. . كثير
سميرة - أربعة أعوام كثيرة؟ والذين مضى على زواجهم عشرون عاما؟. . .
إحسان - على زواجهم لا حبهم. . . أما أنت فقد تزوجت منذ أربعة أعوام، وللآن لا تزالين تحبين زوجك. هذا شيء كثير يا هانم، غريب لا سابقة له. . الحياة الزوجية تصبح على مر الأيام فاترة مملة محتاجة إلى نجدة من الخارج تنعشها وتلهب حرارتها التي
ضعفت
سميرة - لي صديقة تزوجت قبلي وللآن لم تضعف حرارة حبها لزوجها
إحسان - هذا لا يمكن. حرارة الشمس نفسها قد ضعفت عما كانت عليه
سميرة - من قال ذلك؟
إحسان - علم الفلك
سميرة - ضاحكة: دعنا منه انه كعلم الركة لا أول له ولا آخر (يدخل فايد من باب اليسار قائلا)
المنظر الرابع
فايد. إحسان. سميرة
فايد - مساء الخير يا هانم. أرجوك المعذرة. كنت أتمم عملا مستعجلا، والآن تجديني تحت أمرك
سميرة - مساء الخير فايد بك. أريد محادثتك على انفراد
إحسان - اسمح لي بالانصراف يا فايد إني على ميعاد
سميرة - إلى اللقاء يا صديقي
إحسان - سأحضر إليك غدا يا هانم، لنتمم حديثنا وسوف أقنعك (يقبل يدها)
سميرة - إني قانعة بحبي لزوجي. ولا أستطيع أن اصدق نظرياتك
إحسان - أنا طويل البال يا هانم. والأيام بيننا، إلى اللقاء يافايد (يصافحه)
فايد - متى أراك؟
إحسان - سأعود بعد ساعة (يخرج)
المنظر الخامس: فايد وسميرة فايد - تفضلي اجلسي يا هانم (تجلس ويجلس هو قريبا منها)
سميرة - إني آتية من عند حكمت. أتعلم أنها حزينة؟
فايد - وأنا لست بفرحان
سميرة - أنت تغضبها كثيرا ولا تشفق عليها
فايد - هي تغضب من لاشيء، دعيك من غضبها ماذا قالت لك؟
سميرة - تخاصمتما أول أمس فخرجت غاضبا ولم تعد إليها حتى الآن.
فايد - نعم تخاصمنا ولكن هل تعلمين فيم كانت الخصومة؟
سميرة - فيمه؟
فايد - كانت في أني ذهبت إلى الجزيرة الصغيرة
سميرة - ولم ذلك؟
فايد - الجزيرة الصغيرة من الأمكنة المحرمة علي لأنه يحتمل أن أقابل فيها إحدى الغانيات الجميلات فتفتنني رؤيتها أو إحدى الهوانم المستهترات فأهيم بحبها
سميرة - ومن قابلت بالجزيرة الصغيرة؟
فايد - لم أقابل أحدا. إنما حدث بينما كنا أنا وإحسان في طريقنا بالسيارة إلى فدق مينا هاوس أن رجاني أن نعرج على صابر بك في ذهبيته ونأخذه معنا، وذهبية صابر راسية بالجزيرة الصغيرة فخشيت إن أنا صرحت لاحسان بان حكمت تأبى علي الذهاب إلى الجزيرة الصغيرة أن يهزأ بي ويجعلني مضغة في الأفواه، لأنه كما تعلمين مستهزئ متهكم. لذلك اضطررت رغما عني أن أجيب رجاءه وأذهب معه. ولكن إحدى صديقات حكمت كانت لسوء الحظ تتنزه هناك في تلك اللحظة فرأتني وأخبرتها. هذه كل جنايتي التي تخاصمنا من أجلها. عندما ذهبت إليها أول أمس أمطرتني وابلا من الأسئلة فأخبرتها بالحقيقة كما ذكرتها لك، لكنها لم تصدقها وصممت على رأيها أني إنما كنت على موعد مع فتاة لي بها علاقة، وطلبت مني أن أذكر اسمها، فأقسمت أن لا علاقة لي بغيرها وأني لا أحب سواها. أخذت ألاطفها وأهدئ روعها حتى خيل إلي إني أفلحت في إقناعها، لكنها ما لبثت أن عادت تلح على أن اذكر لها اسم الفتاة فعدت أقسم وأؤكد وهي مصرة لا تتحول حتى عيل صبري ولم أتمالك نفسي فتخاصمنا وخرجت غاضبا. هذه حال لا تطاق. تغضب من لاشيء. لا تصدق لي كلاما، ترتاب في كل أعمالي. تشك في جميع أقوالي.
سميرة - إنها تحبك وهي ككل امرأة تحب، مستبدة غيورة
فايد - لكن يا هانم للغيرة حدود
سميرة - آه لو رأيتني مع زوجي في مطعم أو في دار تمثيل أراقب حركاته في يقظة، وأتتبع نظراته باهتمام، حتى إذا ما أتى بحركة (أشتبه فيها) أو رمى ببصره جهة معينة يتحول في الحال نظري إليها، والويل له لو كانت هناك امرأة، أغمره بأسئلة لا تنتهي، لا
أصدق له كلاما، وأستمر اسأل وأحقق وأقول وأعيد حتى أنغص عليه عيشه، لكنه برغم كل ذلك الرجل الوحيد الذي أحببته والذي لا أزال أحبه، أسبب له الحزن والكدر ثم أعود فأتودد إليه وأسترضيه حتى إذا ما عانقني ألجأ إلى صدره وأنا أسعد المخلوقات، كلنا هكذا عندما نحب صدقني.
فايد - (لا يجيب وإنما يطرق برأسه إلى الأرض)
سميرة - لا يجوز لعاشقين أن يفترقا من اجل نزاع غرامي
فايد - لا. يجب أن نفترق أو تغير طبعها
سميرة - وكيف تغير طبعها وهي تحبك؟ انك لا تطلب من سيارة ألا تسير، فكيف تطلب من امرأة ألا تغير؟ يجب أن تتساهل يا فايد بك؟. يجب على الرجل أن يتحمل فايد - تحملت كثيرة سميرة هانم سميرة - تحمل هذه المرة أيضا
فايد - هي التي أرسلتك أم حضرت من تلقاء نفسك؟
سميرة - هي التي أرسلتني ولكنها رجتني أن أخفي عنك ذلك، إنها تحبك وتتألم لبعدك. لا تكن قاسياً
فايد - لست بقاس يا هانم
سميرة - حكمت لا مثيل لها ذكاء وظرفا وطيبة ووفاء
فايد - إني واثق من ذلك
سميرة - إذن. . . اذهب الليلة إليها وصالحها
فايد - سأسافر الليلة إلى استامبول
سميرة - تسافر؟. . تسافر دون أن تقابلها وتودعها؟
فايد - يجب ألا أقابلها الآن. أريد أن أفكر على انفراد في حبنا. . في مستقبلنا
سميرة - لكنها ستحزن. . . أيرضى قلبك أن تسافر وتتركها هكذا حزينة؟
فايد - قلبي مطمئن عليها لأني سأتركها معك. أخبريها أني مازلت احبها وان غيبتي لن تطول
سميرة - لا يمكنني. لتعلم بسفرك من غيري. ولكن ماذا أقول لها؟ إنها في انتظاري
فايد - (يفكر قليلا ثم يقول) قولي انك لم تجديني
سميرة - حسن. افضل أن اكذب عن أن ابلغها ما يحزنها، مع السلامة يا بك، عد إلينا سريعا (وتقف)
فايد - (ويقف ويقول) سلمت يا هانم، وشكرا على جميل سعيك (يقبل يدها)
سميرة - حكمت صديقتي من عهد الدراسة ولها مكانة خاصة (تقول وذلك وهي خارجة مع فايد)
المنظر السادس: فايد وحده
(يعود فايد ويجلس إلى المكتب ويرتب أوراقا في أدراجه وهو يقول) ستحزن كما قالت سميرة، ستحزن لأنها تحبني، إني واثق من حبها. . وأنا احبها. . آه لو لم تكن غيورة. . تباً للغيرة كم تعذب وكم تشقي!. . إنها الآن تتعذب. . وأنا. . امصيب أنا في سفري أم مخطئ؟
هل في استطاعتي البقاء شهرين بعيدا عنها محروما من رؤية وجهها النضر وعينيها الناعستين وفمها العذب؟. . . أخشى ألا أستطيع. . أشعر أني لا أستطيع. . لقد منعتني عزة نفسي عن العودة إليهما مغتنما فرصة إرسالها سميرة. . أصبحت ولابد لي من السفر. . نعم لابد. . ما باليد حيلة. (هنا تدخل حكمت؟)
المنظر السابع
فايد وحكمت
فايد (يقف ويسير إلى حكمت قائلا (أنت؟ أنت؟)
حكمت - نعم أنا، جئت لأنك رفضت المجيء عندي. جئت عندما علمت من سميرة بنبأ سفرك، ولم تمنعني عزة نفسي. أحقا ستسافر الليلة؟
فايد - نعم
حكمت - لو لم أجيء كنت سافرت دون أن تراني؟
فايد - كنت سأكتب إليك واشرح. . .
حكمت - (متهكمة) مادمنا قد تقابلنا تكلم. قل ما كنت ستكتب، أشرح كما تشاء، كن مطمئنا لا نزاع ولا خصام. ولو أن النزاع قد اصبح من مستلزماتي أني أصبحت أنغص عليك
عيشك
فايد - لقد نقلوا إليك الكلام محرفا كالعادة. عزمت على السفر دون أن أحظى برؤيتك خوفاً من نفسي لا منك
النفس والرقص
للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري
ترجمة الدكتور طه حسين
استكشف صديقي الدكتور محمد عوض محمد في نقده القيم الظريف لكتابي على هامش السيرة أن وراء هذا الطلاء الرقيق الذي أظهره من الثقافة الغربية أزهريا قحا. فحق عليّ أن أهنئه بهذا الاستكشاف وأن اشكره له، فقد دلني على نفسي أظهرني على حقيقة أمري. ولعله يأذن لي في أن اهدي إليه هذه الترجمة اعترافاً بفضله ومكافأة له على جهده الخصب العظيم.
وأحب أن اقدم بين يدي هذه الترجمة ملاحظات لابد منها
الأولى: إنني حرصت اشد الحرص على أن تكون الترجمة دقيقة تشبه الحرفية، لأنقل إلى القراء صورة إن لم تكن مطابقة فهي مقاربة لما أراد الكاتب أن يقول
والكاتب نفسه غامض. فهذا النحو من الترجمة يزيده غموضا ولكني سأجتهد في توضيحه بتعليقات قصيرة تبين ما يريد.
الثانية: أن الكاتب زعيم من زعماء الرمزيين فهو يطلب الاستعارة والمجاز فالتشبيه والتمثيل، ويبعد فيها ويصل بهذا الأبعاد إلى إشراك القارئ معه في لذة التفكير والاستنباط، فلا ينبغي إذن أن يضيق القارئ بما سيرى من غرابة، وإنما يجب عليه أن يصبر على هذه الغرابة ويروض نفسه على مواجهتها حتى يألفها ويطمئن إليها فيصبح صديقا للكاتب ومحبا لآثاره.
الثالثة: إن هذا الكتاب حوار بين سقراط واثنين من تلاميذه في آخر وليمة من ولائم العشاء، فليلاحظ القارئ هذا وليلاحظ أن سقراط وأصحابه كانوا وثنيين، فهم يتحدثون لغة الوثنيين، يذكرون آلهة عدة، لا إلهاً واحداً.
الرابعة: أن عنوان هذا الكتاب وموضوعه قد يؤذيان سمع المتحرجين من الشرقيين، ولكنهما لا يؤذيان سمع الفرنسيين، ومن المحقق أن بول فاليري لم يكتب كتابه لنا، ولو أنه فكر فينا وقدر أنا قد نترجم كتابه لكان من الممكن أن يتخذ لكتابه موضوعا وعنوانا غير الرقص. ومن يدري لعله كان يحس أن الأسباب بينه وبيننا مقطوعة غير موصولة، وانه
قد يعجز عن أن يكتب لنا، وقد نعجز نحن عن أن نقرأه.
وليس هذا الكتاب ما يسوء، وليس فيه ما يغضب المتحرجين، إنما هو أثر من الآثار الفنية أراد صاحبه أن يصور في وضوح وقوة ما بين النفس والجمال الخارجي من صلة. فهو إلى أن يكون رسالة في علم الجمال أدنى منه إلى أي شيء آخر.
والآن نستطيع أن نأخذ في الترجمة.
أركسيماك - أي سقراط إني أموت!. . اعطني شيئا من الروح! صب لي الفكرة!. . قدم إلى انفي ألغازك الحادة! هذا الطعام الذي لا رحمةفيه يتجاوز كل رغبة معقولة في الطعام، وكل ظمأ جدير بالثقة!. . يالها من حال، حال الذين يعيشون بعد جيد الألوان ويرثون عنها هضما!. . لم تعد نفسي إلا حلما تصنعه المادة التي تجاهد نفسها! أيتها الألوان الجيدة المسرفة في الجودة إني آمرك أن تمضي!. .
وأحزناه! مازلنا منذ وجبت الشمس فريسة لخير ما يوجد في الأرض، هذا الخير الهائل يضاعفه امتداد الزمان، يثقل محضره على النفوس حتى أني لتهلكني رغبة شاذة في أشياء جافة، خالصة للعقل. . . إيزن أن أجيء فأجلس إلى جانبك أنت والى جانب فيدر، موليا ظهري في جرأة لهذه اللحوم التي تتجدد دائما، ولهذه الأقداح التي لا تنضب، دعني أمدد لكلماتك، هذه الكأس العليا كأس عقلي، ماذا كنتما تقولان؟
فيدر - لم نكن نقول شيئا بعد. إنما ننظر إلى أمثالنا يأكلون ويشربون.
اركسيماك - ولكن سقراط لا ينقطع عن التفكير في شيء ما. . . . وهل استطاع قط أن يخلو إلى نفسه وأن يظل صامتا إلى أعماق النفس! لقد كان يبسم في حنان لشيطانه على الحافة المظلمة لهذه المأدبة. بم تغمغم شفتاك أي سقراط العزيز؟
سقراط - هما تقولان لي في هدوء أن الرجل الذي يأكل هو أعدل الناس. . .
اركسيماك - هذا هو اللغز وهذه هي شهوة العقل التي خلق اللغز ليثيرها.
سقراط - تقولان أن الرجل الذي يأكل يغزى ما فيه من خير وشر. كل لقمة يجدها تذوب وتتفرق في جسمه تقدم قوة جديدة إلى فضائله، كما تقدم قوة جديدة إلى رذائله دون تمييز وتنقسم في بعض الأنحاء بين الشهوة والعقل، وهي تقيم أود آلامه كما تنمي آماله. يحتاج إليها الحب كما يحتاج إليها البغض. وان فرحي وحزني وذاكرتي وهمي لتقتسم كما الاخوة
ما في اللقمة من غذاء. ما رأيك في هذا يا أبن اكومين؟
اركسيماك - رأيي إني أرى ما ترى
سقراط - يالك من طبيب! لقد كنت أعجب في صمت بأعمال كل هذه الأجسام التي تتغذى. كل واحد منها يعطي على غير علم لما فيه من قدرة على الحياة، أو جرثومة للموت، حظه العادل من الغذاء. هي لا تعرف ما تأتي ولكنها تأتيه كأنها الآلهة.
اركسيماك - لقد لاحظت منذ زمن بعيد أن كل ما يمتزج بجسم الإنسان يمضي بعد ذلك بوقت قريب كما يريد القضاء. كأن برزخ الحلق عتبة للضرورات الجامحة والألغاز المنظمة. هنا تنقطع الإرادة وينتهي الميدان المحقق للمعرفة. ولهذا أعرضت في ممارسة فني عن كل هذه الأدوية المضطربة التي يفرضها عامة الأطباء على مرضاهم المختلفين وأخذت نفسي في غير تسامح بأدوية بديهية مرتبة كل واحد منها بازاء الآخر
فيدر - ما هذه الأدوية؟
اركسيماك - هي ثمانية؛ الحار والبارد، الحمية ونقيضها، الهواء والماء والسكون والحركة؛ هذه هي.
سقراط - أما النفس فليس لها إلا دواءان يا اركسيماك
فيدر - وما هما؟
سقراط - الصدق والكذب.
فيدر - وكيف ذلك؟
سقراط - أليست الصلة بينهما كالصلة بين اليقظة والنوم؟ الست تلتمس اليقظة وصراحة الضوء حين يؤذيك حلم رديء؟ أليست الشمس نفسها تبعثنا من مراقدنا؟ أليس حضور الأجسام الصلبة يقوينا؟ ثم على العكس من ذلك ألسنا نطلب إلى النوم والى الأحلام أن تفرج همومنا وان تقف آلامنا التي تتبعنا في عالم النهار؟ وإذن فنحن نهرب من أحدهما إلى الآخر وندعو النهار في أثناء الليل. ثم ندعو الظلمة حين نستمتع بالنور، تشوقنا المعرفة، ويسعدنا الجهل، نبحث فيما هو موجود عن دواء لغير الموجود، ونلتمس فيما لا وجود له راحة مما يوجد، يتلقانا الحق الواقع تارة، ويتلقانا الوهم تارة أخرى. والنفس في آخر الأمر لا حلية لها إلا في الصدق الذي هو سلاحها، والكذب الذي هو وقاؤها.
أركسيماك - حسن! حسن!. . ولكن ألا تظن أي سقراط العزيز أن لخاطرك هذا نتيجة
سقراط - أي نتيجة
أركسيماك - هذه: وهي أن الصدق والكذب يرميان إلى غاية واحدة. فشيء واحد يستطيع من طريقين مختلفين أن يجعلنا صادقين أو كاذبين، وكما أن الحر والبرد يهاجماننا حينا ويحمياننا حينا آخر، فان الصدق والكذب والإرادرت المختلفة التي تلائمهما، تنفعنا حينا وتضرنا حينا
سقراط - ليس شيء أوكد من هذا ولا حيلة لي فيه. إنما هي الحياة تريد هذا، وانك لتعلم اكثر مني إن الحياة تستخدم كل شيء. كل شيء حسن عندها يا أركسيماك، ثم هي لا تنتهي بشيء إلى غاية ما، ومعنى ذلك أنها لا تنتهي إلا إلى نفسها. أليست هي هذه الحركة الخفية التي تحولني دائما إلى نفسي بفضل كل هذه الحوادث التي تطرأ ثم تردني سريعة إلى شخص سقراط لألقي نفسي فيه ثم لأكونه لأني أتخيل أني سأعرفه من غير شك - إنما هي امرأة ترقص ولو استطاعت أن تمضي في وثبتها حتى تبلغ السحاب لتنزهت عن أن تكون امرأة، وكما أننا لا نستطيع أن نمضي إلى غير نهاية لا في الحلم ولا في اليقظة فهي أيضا تعود دائما إلى نفسها وتخرج عن أن تكون ثلجا منثوراً أو أن تكون طائراً، أو أن تكون فكرة، أو أن تكون أي شيء أراد المزمار أن تكونه لأن الأرض التي بعثتها تدعوها وتردها متعبة إلى طبيعتها الأولى طبيعة المرأة، ثم إلى صديقها.
فيدر - يا للمعجزة!. . . يالك من رجل عجيب. . يكاد ما أرى أن يكون معجزة حقا! لا تكاد تنطق حتى تخلق ما لابد منه. . . لا تستطيع الصور التي تحدثها أن تبقى صورا. . انظر محققا كأنما فمك الخالق قد انشأ النحلة والنحلة. انظر إلى الجوقة ذات الأجنحة تتألف من الراقصات الشهيرات!. . . إن الهواء ليدوي مرجعا ما سيتكشف عنه فن الرقص!. . . كل المشاعل تستيقظ! وغمغمة النائمين تتحول، وعلى الجدران التي يهزها اللهب المضطرب تذهل وتشفق الظلال العريضة ظلال السكارى. . . انظر إلى هذه الفرقة التي تجمع بين الخفة الظريفة والجد الحازم! - هن يدخلن كأنهن الأرواح
سقراط - لله ما أوضح هؤلاء الراقصات؟. . يالها مقدمة حية رشيقة لأفكار أدنى إلى الكمال!. . أن أيديهن لتنطق وكأن أقدامهن تكتب - كم من دقة في هذه الكائنات التي تجتهد
في أن تستخدم موفقة مالها من قوى ناعمة. كل مصاعبي تهجرني، وليست هناك الآن مسألة تجهدني، إنما أطيع سعيدا حركة هذه الأشكال! إنما اليقين هنا لعب، كأنما المعرفة قد وجدت نفسها، وكأنما العقل يستجيب فجأة للجمال الظريف الذي لا تكلف فيه انظر. إلى هذه الفتاة أشدهن نحافة وأكثرهن فناء في الاستقامة الخالصة. . . من تكون؟ أنها لصلبة في عذوبة، وأن مرونتها لتعجز الواصفين. . إنها لتسلم أنها لتستعيدانها لتؤدي الوزن في دقة حتى لو أغمضت عيني لرأيتها كما هي بمسعى أني لاتبعها، إني لأجدها وليس إلى أن افقدها من سبيل ولو قد سددت أذني ونظرت إليها كما هي وزن وموسيقى لكان المستحيل ألا اسمع القيثارة!
فيدر - هي رودبيس هذه التي تخلبك
سقراط - إذن فما اجمل اتصال أذن رودبيس بكعبها. . . ما أدقها. . . إنها لترد إلى الزمن الشيخ شبابه
اركسيماك - كلا يا فيدر!. . . . . رودوبيس هي هذه الأخرى التي تلاطف بطرفها إلى غير حد في عذوبة وسهولة.
سقراط - وإذن فمن هذه النحيفة ذات المرونة الشاذة؟
اركسيماك - هي رودينا
سقراط - ما أجمل اتصال إذن رودينا بكعبها!
اركسيماك - على أني اعرفهن جميعا واحدة واحدة وأستطيع أن اسميهن لكما فأسماؤهن تنتظم انتظاما حسنا في شعر قصير يسهل حفظه: نبس، نفويه نيما - نكتيريس، نيفيليه، نيكتيس - رودوبيس، رودينا، بتليه. . . أما هذا الراقص القصير الدميم فيسمى نتاريون. ولكن ملكة الجوقة لم تدخل بعد.
فيدر - ومن تملك على هذه النحل؟
(يتلى) طه حسين