المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 264 - بتاريخ: 25 - 07 - 1938 - مجلة الرسالة - جـ ٢٦٤

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 264

- بتاريخ: 25 - 07 - 1938

ص: -1

‌قنطار ثمين

للأستاذ عباس محمود العقاد

رأيي في الجسم الجميل أنه الجسم الذي لا فضول فيه، وأنه الجسم الذي تراه فيخيل إليك أن كل عضو فيه يحمل نفسه، غير محمول على سواه

من هنا جمال الرأس الطامح، والجيد المشرئب، والصدر البارز، والخصر المرهف الممشوق، والردف الماثل، والساق التي يبدو لك من خفتها وانطلاقها واستوائها أنها لا تحمل شيئاً من الأشياء، ولا تنهض بعبء من الأعباء

بل من هنا جمال الحيوان الأعجم، وجمال المهر الكريم وقد اختال بعنقه وشال بذنبه، وضمر بدنه وأصبح في جملته كالكلام المختصر المفيد، أو الكلام المختصر البليغ، لأنه يبلغ حيث شاء

كان هذا هو الرأي المصري في الجمال قبل ببضعة آلاف من السنين، أيام كان المصريون سادة في الحياة وكان المثال الفائق عندهم لجمال الرجولة والأنوثة ما نراه على الهياكل من صور الرجال والنساء

ولم يكن هذا هو الرأي المصري في الجمال قبل بضعة أجيال، يوم ركد المصريون ركود البطء والكسل فأصبحت الكثافة الواهنة عندهم مقياس الملاحة والقسامة، وأصبح جمل المحمل و (التختروان) مثال الحسن المطلوب في النساء: تعلو المرأة السمينة وتهبط في مشيتها وما تنتقل شبراً في أقل من خطوتين، والمقرظون من حولها يهللون ويكبرون ويباركون الخلاق العظيم ويعوذون هذا الجرم الذي لا تمضي فيه السيوف من لحظات العيون، ومن حسد الحاسدين!

العالم كله يثوب إلى مذهب المصريين الأقدمين في جمال النحافة والرشاقة والنسج الدقيق، ومن العالم كله المصريون المحدثون

وشاع هذا المذهب بعد الحرب العظمى أشد من شيوعه في زمن من الأزمان، حتى غلا بعضهم فأوشك أن يلتمس الجمال في الهياكل العظمية، وهي على أية حال أجمل من هياكل الشحوم واللحوم!

أهي نفحة من نفحات الفن العلوي هبت فجاءة على أذواق الناس في العالم كله فأصبحوا

ص: 1

جميعاً من صاغة التماثيل الملهمين؟

مثل هذه النفحات - فيما أحسب - أغلى وأرفع من أن تكال جزافاً للملايين في المغارب والمشارق، وبين الأذكياء والأغبياء، وعند من يحسون ولا يحسون

إنما هي (الطيارة) جزاها الله خيراً بما هذبت من أذواق وأصلحت من أخلاق

إنما هي (الطيارة) قد أتمت مذهب السرعة في كل شيء، والسرعة والخفة لا تفترقان، والخفة والسمنة لا تتفقان

فالرجل الذي يقفز من القاهرة إلى الإسكندرية في ساعة واحدة لا يلتفت بعد ذلك إلى امرأة تزن القناطير المقنطرة من الشحم واللحم، ليعجب منها في مشيتها بجمل المحمل والتختروان

والرجل الذي يصعد إلى السماء لا يصبر على حمل الجبال، فالملائكة وحدها هي التي تحسن الصعود إلى تلك الآفاق

وهكذا تعلمنا الآلات أحياناً كيف نشعر وكيف نتذوق الجمال وكيف نصحح الأذواق

على شاطئ الإسكندرية - والمصادفة من أجمل المصادفات - طيارة في الهواء، وفتاة على الأرض هي أولى بالطيران من تلك الحديدة الصاعدة؛ بل هي تطير ولا يتخيلها الناظر إلا طائرة تفلت من لحظات العيون وخطرات الأرواح

لا تحس العين أنها أدركتها، لأنها إذا أدركتها تأملت فيها وسرحت في معانيها، فإذا هي بعيد بعيد، أبعد من الفراش الذي يقع عليه الطفل فإذا هو على الغصن، ويثب إليه في غصنه فإذا هو في الهواء

تلك هي القنطار الثمين!

لأنها لا تزيد في الوزن على قنطار، ولم يخلق في الدنيا قنطار أثمن وأولى بالاقتناء منها، أيا كان معدنه ومبناه

جمالها يزيدك عجباً من دقتها، ودقتها تغريك بوزنها وتقويمها. فأما الوزن فهو ما علمت؛ وأما التقويم فهو ما لا تعلم وما لا يدخل في حساب، لأن هزة من الشعور قد تسومها بكنوز الأرضين والبحار، وهزة من الشعور قد تبذلها رخيصة لمن تهواه

قل إنها تساوى وزنها من ذهب

ص: 2

وقل إنها تساوى وزنها من كريم الجوهر

فإنما الحياة هنا هي مقياس التقويم والتقدير، وما أحسب شيئاً في هذا العالم إلا ومرجع تقويمه إلى حظه من الحياة

وإلا فكم يساوى القصر المشيد إذا لم يشعر به الساكن فخامة وزهواً وجمالا وطمأنينة وراحة، ولم يشعر به الناظر هيبة واستحساناً ورغبة؟

وكم تساوى السيارة إذا لم يشعر بها راكبها ولم يشعر بها ناظرها ولم يشعر بها من يملكها ومن يتمناها؟

إنما (الاقتصاد) الصحيح هو اقتصاد (الفنان) لا اقتصاد السماسرة وحملة السهوم ومديري المصارف والشركات

إنما الاقتصاد الصحيح هو الذي يقومَ هذا القنطار الثمين فإذا هو أثمن من كل قنطار في معادن هذه الدنيا، لأن ما يحويه من ذخائر الشعور أكبر وأنفس من كل مملوك ومذخور

وإنه ليرخص بالشعور كما يغلو بالشعور. فدع قنطارنا هذا الثمين يهيم حباً بمن شغل عنه، ثم أنظر كم يكون له من ثمن، وكم يكون له من وزن وكم يكون له في رأي نفسه من حساب وتقويم!

وما ندري أمن حسن الحظ أم من سوئه كما يقولون أننا نشعر بالقصور ولا تشعر بنا القصور!!

وإلا فلو وهبت كل قنية ثمينة نفسا تريد هذا المالك ولا تريد ذاك فماذا يبقى من الأثمان؟ وماذا يبقى من البيع والشراء؟

هذا القصر يبذل نفسه لمن يريده بغير ثمن، ويأبى أن يأوي إليه شارٍ غيره ولو بذل فيه ألوف الألوف؛ فهو تارة بدرهم وتارة بالألوف المؤلفة من الدنانير، وهو تارة أخرى بالمجان لمن لا يسومه حتى بهذا الثمن الرخيص

إن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الشعور هو (وحدة) التقويم والتسويم في كل ما نملك وما نريد، وأن الذين يشبعون من الحياة هم أغنى الناس وأعظم أصحاب الثراء، وان لم يعرف لهم اسم في خزانات المصارف ودفاتر الشركات

أنت يا بنية ذخيرة في الحياة

ص: 3

أنت يا بنية كنز من الفتنة والحب والمتعة واللذائذ والآمال والأشجان والأحلام

أنت يا بنية قنطار ترخص عنده قناطير الذهب والفضة وقناطير الجواهر والفصوص.

أنت كل هذا حتى يأخذ منك الشعور ما أعطاك الشعور. وسألت من خلقك هذا الخلق السوي إلا يأخذ منك إلا بمقدار ما يعطيك، وألا يرغبَك إلا بمقدار ما يرغب فيك، فليس آلم من هوان النفيس عند الصيرفي العليم بالحياة إلا نفاسة الهين الزهيد

أنت يا بنية هكذا في لغة الزمان الذي لا نسمع فيه إلا (كم نقصت فلانة) وكم زاد فلان؟ وكم يساوى هذا وتلك في أسعار الأوان؟

وعلى مقربة من (مثابة) الإسكندرية ما أشبه هذه اللغة بأسلوب المكان!

على شاطئ الإسكندرية ثروة لمن أحب الغنى

ثروة لم يملكها قارون عند من يحسب موارده بحساب الحياة وكل ما تتقاضاك من جهد بضع نظرات

عباس محمود العقاد

ص: 4

‌بين الشرق والغرب

رد على رد

للأستاذ فليكس فارس

(تتمة ما نشر في العدد الماضي)

أي صديقي أدهم إن الغرب لا يرتقص على براكين من النار إلا لحفرة مثل هذه الآيات القاتلات على ألواحه. . .

أن صاحبك هابل الكاتب الذكي الذي قام بدور له شأنه في عالم الأدب لا يقصد الجدَ فيما يقول، بل هو يتهكم تهكماً ويقول للناس: إن العقلية الشرقية تلائم الحياة الباقية، (فإذا) انتقلتم إلى الأخرى فهناك اتبعوا وحي هذه العقلية!

إن (إذا) لا تفيد الظرفية هنا بل تفيد شرطاً ممتنعاً وما هي إلا أداة تحَد صريح وإنكار مطلق لكل ما لا يقع تحت الحواس الخمس، فكأنك أيها المناظر الكريم وأنت تدعونا إلى اقتباس العقلية الغربية، تهيب بنا مع صديقك هابل آدم إلى الاعتقاد بالعدم قبل الحياة وبعد الحياة. فهل يجاريك علماء الغرب الذي نباهي بحضارته؟ هل يوافقك من يدعون أهل الشرق معك إلى الاتجاه نحو الحضارة الغربية في القول بأن هذه الحضارة الآرية لم تصل إلى ما وصلت إليه إلاُ عن طريق الإلحاد؟

إن حضارة الأقوام التي ترغب إلينا أن نقتبسها إنما بنيت في تاريخها القديم كما بنيت في تاريخها الحديث على الاعتقاد بحياة أخرى. وما تدعوه (منطق الغرب الإثباتي) الذي ورثه الرومان عن الإغريق هذا المنطق الذي تنكره على العرب لأنهم ذوو استلهام ولأنهم يؤمنون بالغيب ويوحدٌون علة الوجود، إنما هو منطق نشأ في ذهنية فلاسفة كانوا يؤمنون (بأولمب) يغص بالآلهة ذكوراً وإناثاً؛ تلك كانت حضارة الغرب القديمة لم تقتل المنطق فيها حتى عبادة الأوثان ولكنها لم تكن إلاُ حضارة غاشمة شطرت فيها الإنسانية إلى شطرين: الإنسانية المتنعٌمة. والإنسانية التي تعرق دماً تحت لسعات السياط

أما حضارة أوربا الحديثة ففقد قامت على ما نعلم بتعاليم عيسى، وإذا كان قد بقى فيها شيء من الرحمة فهي من آثار موعظة هذا الناصري على جبل من جبال الشرق. وإذا كان قد

ص: 5

هبٌ فيها بعد انتصار شارل مارتل من دعوا إلى إصلاح المسيحية فما كان صوت هؤلاء المصلحين إلاٌ صدى للصوت الذي دوى في صحراء العرب منذ ثلاثة عشر قرناً. . .

إن الإيمان الشرقي الذي يدعوه المناظر نسكاً أسيوياً لم يحل إذاً دون سير الغرب على سبيل الاكتشاف والاختراع، وما منع باستور إيمانه وتدينه من اكتشاف الجراثيم وإيجاد أمصالها لإنقاذ الإنسانية من أفظع أدوائها. وما كان أديسون وماركوني ومن تقدمهما من المخترعين إلا من المؤمنين بالله وباليوم الأخير

إن الدكتور أدهم يريد أن يميز بين عقلية الشرقي وعقلية الغربي فيقول إن الأولى مستسلمة (محضاً) للقضاء والقدر تخضع للغيب، والثانية تناضل نضالاً (محضاً) ضد الغيب.

أما أن يكون الشرقي هذا المستسلم الضعيف فمما يكذبه التاريخ، تاريخ المسيحية وتاريخ الإسلام على السواء، فما كان المسيحيون الأولون ليجبنوا حتى بين أشداق الأسود، وما كان المسلمون إلا مجاهدين بالجهادين، توكلوا فما تواكلوا وسلموا أمرهم لله فما استسلموا لزعازع الحياة بل أرغموها إرغاما ليسيطروا عليها بمكارم الأخلاق.

أما قول المناظر بأن العقلية الغربية تناضل ضد الغيب فقول فيه جنوح في التعبير، ولا نعتقد أن الدكتور أدهم يقصد الغيب بل أسرار المادة وما يكمن فيها من تفاعل، لأن الغرب إنما هو من هذه الإنسانية التي حُدت قواها فوقفت واجمة أمام نظام الكون وسرّ الحياة والموت، وما نعلم أن العمل على درس خفايا المادة كان وقفاً على الغرب دون سواه، وقد رأينا العرب يذهبون إلى أبعد الأشواط في هذا السبيل.

هذا وأن الحضارات قد توالت على هذه الغبراء فكان لكل أمة دورها في الاعتلاء والانحطاط، فما تراث الذهنية العلمية إلا مشاع لكل رأس فيه دماغ يفكر لاستخدام عناصر الطبيعة لمنفعته.

ليس هنالك إذاً عقلان عقلٌ للغرب وعقلٌ للشرق في ميادين الاستقراء؛ غير أن هنالك فطرة أو ثقافة تختلف بين شعب وشعب. وقد أراد المناظر أن ينكر استقلال الثقافة الأدبية عن العلم الوضعي فأسماها روحاً كأنه يمحو أثرها باستبدال اسمها.

لتكن الثقافة روحاً كما يريد الدكتور أدهم، فلماذا يطلب حضرته أن يلفظ أبناء الشرق روحهم لتتقمص روح الغرب حضارتهم؟

ص: 6

ثم أليس من غرائب المنطق أن يقول المناظر بفرعونية مصر وبتمردها على العروبة نيفاً وثلاثة عشر قرناً ثم يطلب منها أن تتفرنج بين عشية وضحاها؟

إذا كان ما يرمي إليه الدكتور أدهم من تفرنج مصر دفعها إلى طريق الرقى العمراني فقد أثبتنا له أن مصر كسائر البلاد العربية تأخذ بالحكمة السامية: (اطلبوا العلم ولو في الصين) فلا تأنف من الأخذ بعلوم أوروبا الوضعية كما أخذ أجدادنا بعلوم الإغريق من قبل دون أن (يستغرقوا) فعلام يراد منا أن (نستغرب) نحن؟. . .

ما هي الفائدة التي يرجوها المناظر لمصر إذا هي أنكرت إيمانها وأفسدت لغتها وتغنت على الأنغام الإفرنجية التي تتنافر مع ذوقها وحتى مع مخارج ألفاظها، ورَّقصت أبنائها وبناتها متفاخذين متباطنين متناهدين؟. . .

أية فائدة نرجوها لمجتمعنا إذا نحن أعرضنا عن الأخذ بحضارة ثوت مبادئها العليا في سرائرنا لنصبح كالقردة مقلدين نتحرك تبعاً لحوافز غيرنا؟

وأخيراً لا يظنن مفكرٌ أننا نقصد بالحضارة العربية هذه الحالة الراهنة التي أوصلتنا إليها قرون من الويلات والعبودية لأرهقتنا حتى تنكرت لنا أنفسنا

لقد طغت على مجتمعنا في معتقداته وفي نظم أسرته وفي آدابه وفي حكوماته دخيلات من متخلفات جميع العصور وجميع الأمم، فنحن اليوم أشبه بنبيل أخنى عليه الدهر فأجاعه، فهو يأكل من فضلات موائد الأمم، ومزّق ثوبه فهو يستر عورته بترقيعه ملتقطاً له الخرق أمام كل بيت غريب، ومن كل مزبلة تعترض طريقه.

أما والله ما يُهيب بنا إلى الدعوة لإقامة حضارة عربية شرقية بهذه الأوطان إلا الاشمئزاز يستذرف الدمع لما يصدم سريرتنا كل يوم من هذه المساخر تتمشى وهي لا تبالي على قبور الأجداد وعلى مهود الأطفال

وقد يكون هذا النفور نفسه ما يدفع بالمفكرين الأجانب حتى وبعدد من مفكري العرب أنفسهم إلى الإهابة بالشرق للنهوض من كبوته ليستبدل بروحه الراقدة روحاً غربية ناهضة

إنها لعاطفة قد يكون الألم والإشفاق مصدريها، ولكن العربي الأصيل بما يسمع في أجواء نفسه من هتاف القبور لا يقطع الرجاء من حقه في الحياة

لقد ذهبت الطوائف الدينية كل من جهتها مذاهب جد غريبة عن روح الدين الذي أنار الدنيا

ص: 7

من مشارقها حتى أصبح من الأسهل عليها أن تعتنق الإلحاد من أن تقضي على تعصبها وتطرح التآويل التي تقضي على اتحادها على الأقل في إقامة حضارة تكفل حياتها

لقد تبلبلت النظم الاجتماعية بيننا إلى درجة يسهل على شعوبنا فيها أن تُغرق فطرتها الأصلية المريضة في تيارات مدنية الغرب من أن تستفيد منها قوتها وتعمل على شفائها

إن الاندفاع إلى الأغوار أسهل على المتعب من العودة إلى تسلق الذرى التي انزلق عنها

ولكن أترضى النفوس العربية النابهة التي لا تجهل ما يكمن في هذه البلاد من قوى أن تتخير الجمود فلا تقوم بواجبها لتحول دون انتحار شعب بزغت أنوار الهداية من آفاقه وبقيت حضارته مدى أربعين قرناً محوراً لتيارات التفكير في العالم؟

لتكتب الأقلام العربية في هذا المطلب، لتملأ الصحف السيارة بالآراء، وليتناقش المفكرون

إن كل أمة قد مرَّت على مفرق الطرق قبلنا لم يتأخر مفكروها عن وضع الكتب الضخمة فالتهمها الشعب الحائر التهاماً، أما هنا فمن العبث أن نعقد الفصول الطوال في كتب عناوينها نفسها تنفر جمهور القراء منها

لقد نشرت في العام المنصرم كتاباً بعنوان (رسالة المنبر إلى الشرق العربي) فاستنفد نصف نسخه في بلاد المهاجر حيث يعرف النازحون قيمة الوطن، وحيث يشعرون بغربتهم في حضارات ليسوا منها وليست منهم. أما هنا في الأقطار العربية فلم يقرأ كتابي إلا أربعمائة قارئ أهديتهم إياه وثلثهم أو أكثر لم يتفضل بإرسال بطاقة أعرف منها وصول الكتاب إليه

إن معظم القراء يهتمون للمشاكل الراهنة الجوالة من الأمور السياسية والإدارية التي تؤثر في حياتهم في يومهم، فنحن نعيش لعصرنا كأننا لا نترك على أرض الشرق أبناءنا وأحفادنا

لقد تناولت في رسالة المنبر بحث ما نحن عليه الآن وما يجب أن نأخذ به من حضارة تتوافق وسرائرنا وأحوالنا، فإن أنا أردت استيفاء موضوعي الآن حقه اضطررت أن أنشر كتابي برمته على صفحات الرسالة. فلأكتفين الآن بإيراد فقرة من مقدمته أجعلها ختاماً لهذا الرد

(إنني مازلت معتقداً منذ قدر لي أن أعتلي المنابر أن هذه البلاد العربية مستودع لأشرف الثقافات ومكمن لأسمى المواهب، وإن من واجبي أجناد المنابر والأقلام فيها إظهار هذه

ص: 8

القوات لأبنائها نزوعاً بهم عن الانقياد لدخيلات العادات والأخلاق التي تغلبت عليهم بما أوجدوه من التوهم في أنفسهم فاستصغروها.

إن كلاً من سلالات العالم تنتفض الآن لتنبه ما يكمن في قومياتها م حوافز وهي تناوئ قوميتنا الساميّة منزلتها منزلة تنحط عن مراتب الشعوب الآرية. فالأقوام المنتشرة في جزيرة العرب وفلسطين وسوريا ولبنان ووادي الفرات ووداي النيل وعلى الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط وشواطئ البحر الأحمر تدمغها حضارات الغرب والعالم الجديد بطابع التواكل والخمول، في حين أن القومية في الشرق العربي لا تقف تجاه السلالات المنكمشة على ذاتها في العالم موقف كتلة تبني وحدتها على المميزات الجسمية مفتشة عن الوحدة في الأنساب والعروق بل هي تبنيها على المميزات الروحية في حوافز أصبحت فطرة لكل سلالة قديمة توطنت هذه البلاد التي خشع عظماء العالم تحت سمائها الصافية وفوق أرضها المطهرة بدماء الشهداء من أجل الإخاء الإنساني والحق المطلق. فإذا ما افتخرت قوميات الدنيا بالعرق، فإنما نحن نباهي بالفكرة الحية السماوية التي أقامت من شتاتنا أسرة واحدة كلمة التعارف بينها اسم الواحد الأحد رب العالمين)

فليكس فارس

ص: 9

‌حظي بالشيء.

. .

الرافعي، المجمع اللغوي، أزهري المنصورة، اليازجي. . . .

. . . . .

لأستاذ جليل

- 1 -

روى الكاتب الألمعيّ الأستاذ محمد سعيد العريان في مقالاته الرشيقة الرافعية شيئاً من حكاية هذا الفعل: (حظي بكذا) وأعلن - وهو صديق أبي الساميّ الصادق المَصدق - أن صاحب هذا الاسم: (أديب صغير) في (البلاغ) هو الأديب الكبير الأستاذ مصطفي صادق الرافعي رحمه الله وإنه ليؤيد إعلان الأستاذ (العريان) بلاغةٌ في القول المعزو إلى فقيد العربية وبراعة ولباقة بتصريفه وتوجيهه حيث يشاء. وهل يقدر على مثل ذلك إلا الأديب المقتدر، إلا الأديب الرافعي

ومما ينفع الأدباء ويخدم به هذا اللسان أن يروى في (الرسالة) مجلة العرب، وسيحل اللغة والبلاغة والأدب - ما قيل في تغليط من قال:(حظي بالشيء) وتصويبه

وحظي بكذا، وفاز به، وحصّله، وأدركه - من المترادف والفعل الأول هو في الكلام العربي وفي أقوال كبار، ولم يُخَطَّأ إلا في هذا الزمان، خطأه الشيخ إبراهيم اليازجي اللغوي الكبير في مجلته (الضياء) في ثلاثة مواضع، وخطأ الأديب الكبير الأستاذ الرافعي رحمه الله في (البلاغ) وصوّب قائليه المرحوم العالم الفقيه الشيخ حسين والي:(المجمع اللغوي) والأستاذ (أزهري المنصورة)

وسأورد في هذه الفصول من أقوال المغلطين والمصوبين ما يستوجبه البحث وما يفيد ثم اتبعه طائفة من شعر القوم وكلام الأئمة تحق صحة ذاك الفعل. وهناك الشرح والتعليق إذا اقتضتهما حال

وإني لأجهر اليوم كجهري أمس بأن هذا الذي أمليه - وهل كاتب غيري في أدب الرافعي في (الرسالة) أو غيرها إلا مثلي - هو من إحسان الأستاذ (العريان) ومن معروف الأستاذ (الرافعي) المفضل الجاري على العربية في الحياة وفي الممات

ص: 10

فتىً عيش في معروفه بعد موته

كما كان بعد السيل مجراه مرتعاً

والرافعي في أدبه أعظم ممن قيل فيه هذا البيت في كرمه

أديب كبير شعر فجوّد، ثم نثر فبهر، وكان (وحيُه) في (الرسالة) فكان ختام كلامه في حياته مسكاً

وفي هذا المقام أقول: إن أخطأ كبير في لفظة أو مقالة فهذا دليل الإنسانية، برهان أنه إنسان، وأيّ أديب لا يخطئ؟ وأي عالم لا يهفو؟ وأي عظيم ما زل؟ (ومن ذا الذي ترضى سجياه كلها) كما قال بشار

ولن يضع من فاضل باحث خفيت عليه في مباحثه خافية أو خافيات ثم بُيِّنت له - أن يتقبل هذا التبيين أو التذكير بقبول حسن، فإن كان ثمة نقص تمم، أو كان خطأ اصلح، أو كان لبْس وضح؛ إنه العلم ينوره ويَزبنه التحقيق، وإنه العالم يجله ويعليه الإذعان للحق

ومن مزايا الأدباء المهذبين، والفضلاء الكاملين، والعلماء المسلمين - العملُ بقول الله:(ولا تبخسوا الناس أشياءَهم).

كان (مجمع اللغة العربية الملكي) - وقد قيلت في تكوينه أقوال، وأي شيء أو أي شخص في هذه الدنيا يخلص من القيل والقال - واجتمعت رجاله من العرب والعَربَانيين في داره في شارع (ابن ارحب) في (الجزيرة) في 14 من شوال سنة 1352 ولم ينشد المنشد في ذاك الجمع بيت المتنبي:

تجمع في كل لِسْن وأمة

فما تفهم الحُدّاث إلا التراجم

بل أنشد بيت البحتري:

إذا تقاربت الآداب والتأمت

دنت مسافة بينِ العجم والعرب

وقال رئيسه (كلمة الافتتاح) وفيها تحية الأعضاء، والترحيب بهم وتهنئتهم، ثم تلفظ عضو ب ـ (كلمة الشكر) شكر فيها للرئيس تحيته، ودعا لحضرة صاحب الجلالة الملك الذي (رفع شأن مصر بين الأمم وشأن الدين الإسلامي واللغة العربية بهذا المجمع) ثم أرسلت الجماعة إلى (حضرة صاحب المعالي كبير الأمناء) بهذه البرقية:

(قصر عابدين

حضرة صاحب المعالي كبير الأمناء

ص: 11

أرجو أن ترفعوا إلى السُّدة الملكية السامية، أن أعضاء مجمع اللغة العربية الملكي، المجتمعين من مصر والبلاد العربية والغربية، في عهد حضرة صاحب الجلالة المليك المعظم - ذلك العهد الناهض باللغة العربية وآدابها المزدهر بالعلوم والفنون - يتضرعون إلى الله تعالى أن يمن على جلالته بالشفاء التام، والصحة الكاملة، ليحظى المجمع بتشريف جلالته لافتتاحه قريباً إن شاء الله تعالى، وينتهزون هذه الفرصة لرفع ولائهم وإخلاصهم إلى صاحب العرش المُفَّدى

30 من يناير سنة 1934

عن أعضاء المجمع

محمد توفيق رفعت)

قلت: يا ليت، يا ليت أن القوم استبدلوا التاريخ الإسلامي في برقيتهم بهذا التاريخ الفرنجي

فملتنا أنّنا مسلمون

على دين صدّيقنا والنبي

حدّثت الجرائد في اليوم الثاني (15 شوال 1352) أَخبارَ المجمع، وأوردت فيها تلك البرقي، فظهرت في جريدة (البلاغ) المشهورة في 16 شوال 1352 كلمة عنوانها (أول الغلط من المجمع اللغوي) للأستاذ (أديب صغير) وهو الأديب الكبير الأستاذ الرافعي رحمه الله قال فيها:

(قالت إحدى الصحف إن حضرات أعضاء المجمع اللغوي اجتمعوا: إلى أن قالت: واتفقوا على إرسال البرقية التالية ورفعها إلى الأعتاب الملكية وهذا نصها) ثم ذكر البرقية ونقد اضطراباً في أسلوبها العربي رآه ثم قال: (وما لهذا كتبنا هذه الكلمة وإنما كتبناها لنسأل حضرات أعضاء المجمع اللغوي في أي كلام فصيح جاء مثل هذا التعبير (ليحظى المجمع بتشريف جلالته) وهل يجوز استعمال الباء مع حظي ثم هل يعرف حضراتهم كيف دار هذا الفعل (يحظى) في كلام المتأخرين، ومن أي معنى أخذوه، وكيف مكنوا له في استعمالهم هذا التمكين؟ فإنهم إن عرفوا هذا كان ذلك نقداً آخر. ويقولون (تشريف جلالته لافتتاحه) ففي أي كلام عربي يستعمل التشريف بمعنى الحضور؟ إنا نسمع العامة يعظمون الضيف فيقولون (شرفت) وهم بالطبع لا يريدون معنى حضرت إذ يكون هذا عبثاً من الكلام. غير أن المجمع اللغوي استعمل التشريف بمعنى الحضور، وهو خطأ شائع)

ص: 12

اطلع المجمع اللغوي على هذا النقد فنشر المرحوم الشيخ حسين والي في (البلاغ 17 شوال 1352) كلمة عنوانها (نقد في غير محله) قال فيها:

(نشر البلاغ (لأديب صغير) مقالة بعنوان (أول الغلط من المجمع اللغوي) ينقد فيها كما زعم كلاماً هو في الحقيقة رفيع وَفْق أصول البلاغة والحال التي اقتضت، ولم تنحرف كلمة منه عن جادة العربية) ثم أشار إلى سداد الكلام واطراده ثم قال:(وقال الناقد (وهل يجوز استعمال الباء مع حظي) نعم يجوز فقد قال الزمخشري في أساس البلاغة (وحظي بالمال وتقول ما حلي بطائل ولا حظي بنائل وأحظاه الله بالمال والبنين) وقال الناقد (ويقولون تشريف جلالته لافتتاحه وفي أي كلام عربي يستعمل التشريف بمعنى الحضور) لم يستعمل التشريف بمعنى الحضور، وإنما استعمل بمعناه الأصلي ومعموله مفهوم أي تشريف جلالته إياه، فليرجع الناقد إلى علم البلاغة)

الإسكندرية

(* * *)

ص: 13

‌جورجياس أو البيان

لأفلاطون

للأستاذ محمد حسن ظاظا

- 5 -

(تنزل (جورجياس) من آثار (أفلاطون) منزلة الشرف، لأنها

أجمل محاوراته وأكملها وأجدرها جميعاً بأن تكون (إنجيلا)

للفلسفة!)

(رينوفييه)

(إنما تحيا الأخلاق الفاضلة دائماً وتنتصر لأنها أقوى وأقدر

من جميع الهادمين!)

(جورجياس: أفلاطون)

الأشخاص

1 -

سقراط: بطل المحاورة: (ط)

2 -

جورجياس: السفسطائي: (ج)

3 -

شيريفين: تلميذ سقراط: (س)

4 -

بولوس: تلميذ جورجياس: (ب)

5 -

كاليكليس: الأثيني: (ك)

ط - (رداً على جورجياس) وإذاً فمادام البيان ليس هو الفن الوحيد الذي ينتج الإقناع، ومادامت هناك فنون أخرى تنتج من الإقناع بقدر ما ينتج البيان، فمن حقنا أن نسأل زيادة على ما تقدم (كما سألنا في موضوع المصور): بأي إقناع يختص البيان؟ وما موضوع ذلك الإقناع؟ ألست ترى أن هذا السؤال الثاني مناسباً؟

ج - إنه لكذلك

ص: 14

ط - فاجب إذا مادمت تراه مناسباً

ج - حسن يا سقراط. إنني اعني الإقناع الذي يؤُخذ به في المحاكم والجمعيات الأخرى العمومية كما قلت منذ هنيهة، والذي يتعلق بالأشياء الظالمة والعادلة

ط - لقد كنت أشك في أنك تعني حقيقة هذه الأشياء وذلك الاقناع، ولكنني أسألك مع ذلك من جديد، وأرجو ألا تعجب إذا طلبت منك في مجرى الحديث أن تشرح ما يبدو واضحاً من الأشياء، إذ لست أفعل ذلك من أجلك كما قلت قبلاً وإنما أفعله من أجل البحث كيما يتتابع منتظماً، وكيما لا تتذبذب أفكارنا إزاء الأوهام البسيطة يمنة ويسرة، وكيما تستطيع أنت أخيراً أن تكمل القول حسبما تشاء، ووفقاً لما تضع من أصول.

ج - أرى أن ليس هناك أحصف من ذلك السلوك يا سقراط

ط - فلنتقدم إذاً ولنبحث ذلك أيضاً: أتسلم بما يُدعى (معرفة؟)

ج - نعم

ط - وبما يدعى (عقيدة؟)

ج - نعم

ط - وهل ترى أن المعرفة والعقيدة - أي العلم والاعتقاد شيء واحد أو شيئان مختلفان؟

ج - أرى يا سقراط أنهما شيئان مختلفان

ط - إنك تقول حقاً، وتستطيع أن تحكم على هذا النحو إذا سألك سائل قائلاً: هناك يا جورجياس اعتقاد باطل وآخر حق؟ ألست ستوافقه على ذلك دون ريب؟

ج - بلى

ط - ولكن ماذا؟ أهناك بالمثل علم باطل وآخر حق؟

ج - كلا بالتأكيد

ط - فواضح إذاً أن الأمر ليس واحداً؟

ج - ذلك صحيح

ط - ومع ذلك فأولئك الذين (يعرفون) يقتنعون كما يقتنع أولئك الذين (يعتقدون)

ج - أوافقك على ذلك

ط - وإذاً أنستطيع أن نضع نتيجة لذلك نتيجة لذلك نوعين من الإقناع، أحدهما ينتج

ص: 15

الاعتقاد من غير علم، والآخر ينتج العلم فحسب؟

ج - حسن جداً

ط - وأي هذين النوعين يستعمله البيان بالمحاكم وبالجمعيات الأخرى في موضوع العدل والظلم؟ أهو الذي ينتج العقيدة بلا علم؟، أم هو الذي ينتج العلم فحسب؟

ج - واضح يا سقراط أنه هو الذي ينتج العقيدة

ط - فالبيان إذا - كما يلوح - عامل الإقناع المولد (للاعتقاد) في موضوع العدل والظلم، لا المولد (للمعرفة) في ذلك الموضوع؟

ج - نعم.

ط - ولا يُعنى الخطيب في المحاكم وغيرها من الجمعيات بتعليم العدل والظلم، ولكنه يسعى فقط لحمل الناس على (الاعتقاد) بهما. ثم هو لن يستطيع أن (يُعلم) أفراداً كثيرين دفعة واحدة مثل تلك الموضوعات الخطيرة في وقت قليل كهذا

ج - كلا بلا شك.

ط - وإذ قد قررنا ذلك أرجو أن نبحث عما ينبغي أن نقوله في البيان لأني لم أكون بعد فكرة دقيقة عما يجب أن أقوله فيه. عندما يجتمع أهل المدينة ليختاروا الأطباء وبناة السفن ومن عداهم أنواع الصناع، أليس صحيحاً أنه سوف لا يكون للخطيب أو (رجل البيان) هنا نصيحة يقدمها، مادام واضحا أنه يجب أن نختار الأكفأ والأمهر في كل من هذه المهن؟؟ وبالمثل في بناء الأسوار والمواني ومصانع الأسلحة: ألا نأخذ بآراء المهندسين؟؟ بل وعندما نتناقش في اختيار أحد القواد أو في النظام الذي نتقدم به نحو العدو أو في الموانئ التي يجب أن نستولي عليها: ألا يبدي هنا رجال الحرب رأيهم من دون الخطباء؟؟ ما رأيك في هذا يا جورجياس؟ إنك رجل بيان، وإنك لقادر على تأليف الخطب، فأنت خير من يتوجه إليه المرء لمعرفة أساس فنك، وتستطيع أن تصور لنفسك فضلاً عن ذلك أنني أعمل هنا من أجل مصلحتك. وأنه قد يوجد بين المساعدين من يرغبون في أن يكونوا تلاميذ لك كما ألاحظ في الواقع، ومن هم كثيرون في العدد إلى حد كبير، ولكنهم قد لا يجرؤون مع ذلك على توجيه الأسئلة إليك. .؛ وإذا فأقنع نفسك بأنني عندما أسألك فإنما أفعل كما لو كانوا هم أنفسهم يسألون قائلين: ماذا عساه يحدث لنا لو قد أخذنا بدروسك يا

ص: 16

جورجياس؟؟ وعلى أي أساس نعتمد عندما نسدي النصح إلى مواطنينا؟؟ أنعتمد على العدل والظلم فحسب؟ أم أيضاً على تلك الموضوعات الأخرى التي تكلم عنها سقراط تواً؟؟. فحاول إذاً أن تجيبهم!؟

ج - أريد في الواقع يا سقراط أن أوضح بالتدريج كل خصائص البيان لأنك قد وضعتني تماماً في الطريق حقاً وأحسب أنك تعلم يقيناً أن مصانع أسلحة الأثينيين وأسوارهم وموانيهم إنما أنشأت برأي (تمستوكل) من ناحية، وبرأي (بركليس) من ناحية أخرى دون أن يؤخذ رأي واحد من الصناع!

ط - اعلم يا جورجياس ما يقولون عن (تمستوكل). أما (بركليس) فقد سمعته بنفسي عندما كان ينصح الأثينيين بإقامة سور (مينشي)

ج - وهكذا ترى يا سقراط أنه عندما نحتاج إلى بحث الموضوعات التي تتحدث عنها فهم الخطباء الذين ينصحون والذين يعلو رأيهم!

ط - وهذا ما يثير العجب في نفسي أيضاً يا جورجياس، وما قد دفعني إلى توجيه السؤال إليك عن خواص البيان طوال ذلك الوقت. ويلوح لي أن دراسة تلك الخواص على ذلك النحو عظيمة للغاية

ج - إذا عرفت كل شيء يا سقراط فسترى أن البيان يحوي على ذلك الرأي جميع خصائص الفنون الأخرى. وبرهاني على ذلك قاطع ومؤثر. إذ كثيراً ما دخلت مع أخي وأطباء كثيرين على مرضى معينين ممن كانوا لا يتناولون جرعة الدواء ولا يقاسون الحديد والنار بسبب عجز الطبيب عن كسب نفوسهم؛ وممن نجحت أنا أخيراً معهم دون مساعد غير فن البيان. . .

(يتبع)

محمد حسن ظاظا

ص: 17

‌دراسات للمستشرقين

قيمة التراجم الأعجمية الموجودة للقرآن

للعلامة الأستاذ الدكتور أ. فيشر

- 2 -

ذكر الأستاذ ي. شاخت في بدء مقدمته لكتاب للمطالعة في تاريخ الأديان عنوانه:

' ،) 1931.) (الإسلام، باستثناء القرآن) أنه استبعد القرآن من كتابه لأنه كما قال (توجد للقرآن تراجم وافية بالحاجة وبعض التراجم الألمانية كاملة وافية، وعلى المرء أن يختار منها ما يشاء) ويصح أن يشمل حكمه هذا المترجم الإنجليزية أيضاً، التي يعتبرها الكثيرون أحسن التراجم (وإني أضع اعتبارهم هذا موضع التساؤل، كذلك يصح أن يشمل حكمه هذا الترجمتين الفرنسيتين الأولى لكازيمرسكي والثانية لمونتيت كما يشمل الترجمة السويدية لزترستين والترجمة الإيطالية لبونللي وبعض تراجم أخرى

سبق لي أن كتبت ما يلي سنة 1906: - (لا يداخل الذي تعمق في أسرار العربية شك في أنه لا يوجد بين تراجم القرآن - سواء كانت ترجمة كاملة له أو هي قاصرة على بعض آيات منه - ترجمة تفي بالمطالب اللغوية الدقيقة) راجع ، ? - ، ، 34 ، 1وذكر شوالي رأياً قريباً من هذا في:

(2 ? ' ، 219)

إذ قال: (رغم الخطوات الكبيرة التي اجتازها في البحث في القرآن منذ سال لا توجد حتى اليوم ترجمة له تثبت أمام هذا العلم أو أمام التفسير) وذكر باريه في:

، ، - ، 1935 ، 122):

(لابد من إيجاد ترجمة للقرآن صالحة للاستعمال يصح الاعتماد عليها) وراجع أيضاً اقتراح صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشريف والمقدمات المنطقية للفتوى التي أصدرها علماء الأزهر في شأن ذلك الاقتراح، وفيها يعربون عن رأيهم في أن التراجم الموجودة للقرآن فيها (أغلاط كثيرة)

وعلى أي حال فإني لازلت إلى اليوم أعزز رأيي الذي صارحت به عام 1906

ص: 18

وليست ترجمة القرآن بالأمر الهين، فقد تنحى عنها أشهر المستعربين من العلماء المستشرقين أمثال رايسكه وساسي وفليشر وده غويه و ? نولدكه وجولدزهر وغيرهم لأسباب منها على الأقل إدراكهم كبير صعوباتها. ولقد كان أغلب مترجمي القرآن مستعربين من الطبقة الثانية، بل ومنهم من هم دون الطبقة الثالثة والرابعة

على أن أهم الصعوبات التي تعترض مترجم القرآن ويتحتم عليه التغلب عليها هي:

1 -

كلمات وجمل غير قليلة وردت في القرآن لها معنى مبهم أو لها أكثر من معنى. وقد تأيد ذلك في موضع جدير بالاهتمام (السورة الثالثة الآية السابعة - مصحف ميري).

وَهُوَ الذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتُ هُنَّ أُمٌّ الكِتَاَبِ وَأُخَرُ مُتَشَاَبِهَاتٌ، فأَمَّا الذينَ فيِ قُلًوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَبِعُونَ ماَ تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابتِغْاَءَ تأَوِيِلِهِ، وَماَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللهُ والرَّاسِخُونَ فيِ العِلْمِ يَقُوُلونَ آمَنَّا بِهِ كلٌ مِنْ عِندِ رَبَناَ وَماَ يَذّكَّرُ إلاَّ أُولوُا الأَلْباَبِ)

وفيما يلي نص ترجمة هذه الآية بالألمانية من قلم الأستاذ الدكتور أَ. فيشر:

، ? ، ، ، ، ، ، ? ، ، ' ?

ونزلت هذه الآية على النبي صلعم حين حاول أعداؤه (وكانوا يهودا وأعرابا أذكياء واسعي المعرفة) إثبات وجود غموض ومتناقضات في الذي أنزل عليه، وكانت محاولاتهم هذه لا تنقطع

2 -

يحوي القرآن عدداً وفيراً من التوريات عن أشخاص بالذات وعن أعداء عاديين وعن حوادث تاريخية وعن أحوال عامة وأخرى خاصة. وكثير ما يكون إيضاح وتفسير هذه التوريات صعباً غاية الصعوبة، ذلك لأن هذه التوريات وردت عادة بأسلوب سهل ممتنع لم يرد فيها أي أسم. وفي الروايات العربية القديمة عنها تناقض كثيراً كشف عن عدم كفايتها، ويوجد هذا التناقض في تفاسير القرآن وفي كتب الحديث وفي أقدم السير للرسول، إلا أن التمحيص قد يساعدنا على استقراء حالات كثيرة منها

3 -

جمع القرآن وترتيبه ينقصه الوحدة أو الترتيب التنسيقي أو الترتيب التاريخي للسور، وقد تتألف السور الطويلة من وحي نزل مرات عديدة لأسباب متباينة وفي أوقات مختلفة، ولهذا كان غالباً من الصعب تبينها وإدراك كنهها

ص: 19

4 -

توجد للقرآن عدة قراءات، وغالباً ما يُعلل وجودها إلى عاملين أحدهما أن الوحي لم يدون في حينه ومنذ بدايته بطريقة منتظمة، بل بقي إلى أمد بعيد يتناقل أغلبه بالرواية. والعامل الثاني أن الخط العربي الذي كتبت به الآيات القرآنية بادئ ذي بدء لم يكن وافياً، إذ كان ينقصه الحروف المتحركة وغيرها من علامات الشكل، كذلك كان ينقصه التفرقة الصحيحة بين الحروف الساكنة. ولهذا كان اختيار واحدة من القرارات المحتملة لتلك المخطوطات ليس بالأمر الهين. وقد قام المسلمون في العصر الحديث بأداء أهم جزء من ذاك العمل

وكان من جراء تلك الصعوبات أن اختلفت التفاسير العربية للقرآن الكريم منذ العصور الأولى للإسلام فقد تباينت تبايناً كلياً في تفاسير مواضع كثيرة من القرآن. وليس بالأمر النادر أن يورد بعض المفسرين ستة معانٍ أو أكثر لموضع من المواضع العويصة في القرآن ليتخير منها ما يشاء. ومع ذلك لا يمكن بحال من الأحوال أن نستغني عن هذه التفاسير، وفي الغالب لم يَعْنِ المترجمون الغربيون العناية الكافية بهذه التفاسير حين قيامهم بترجمة القرآن. ومن المحقق أن البعض أهملها لأن فهمها كان عليهم عسيراً. أما الذين عنوا فلم يكن لدى الأولين منهم خاصة سوى التفاسير المتأخرة فقط، تلك التفاسير التي جاوز فيها الشرح المذهبي التأملي لكتاب الله التفاسير التقليدية القديمة التي لازالت تعتبر إلى حد ما تاريخية لغوية (وأهم هذه التفاسير تفسير الطبري)

ومن هذا البيان يتضح أن الإنسان لن يكون في وسعه أن يدرك كل دقائق القرآن. ولذلك فالمترجم الأمين يضطر دائماً إلى التشكك في صحة عمله، كما يضطر إلى تدوين مختلف المعاني المحتملة.

(للبحث بقية)

إبراهيم إبراهيم يوسف

ص: 20

‌للأدب والتاريخ

مصطفي صادق الرافعي

1880 -

1937

للأستاذ محمد سعيد العريان

- 32 -

(منذ عام دعاني الأستاذ الزيات لأنشر هذا الحديث على قراء الرسالة، فصدعت بأمره عرفانا بحق الداعي والمدعو له. واليوم وقد بلغت هذا المبلغ فلم يبق إلا بضعة فصول، فإنني أتقدم بالرجاء إلى قراء هذه المقالات أن يعينوني على تمام هذا التاريخ؛ فأيما أحد كان عنده من خبر الرافعي شيء أغفلته، أو سهوت عنه، أو تصرفت فيه بنقص أو زيادة، أو لم يبلغني نبؤه - فليتفضل بالكتابة إلي في البريد أو على صفحات الرسالة؛ وفاء بحق الأدب على أهله. وإني لأعني بهذه الدعوة أصدقاءه وخاصته، ومن كتبوا إليه وكتب إليهم، ومن كان عندهم من رسائله ومن أوراقه؛ ولا أستثني هؤلاء الذين عرفوه على بعد أو سمعوا من أنبائه؛ على أني لا أسأل أحداً رأيه، فما يعنيني في هذه الفصول إلا الرواية والخبر والحادثة، وللرأي كتاب ثان بعد الفراغ من تدوين التاريخ)

سعيد العريان

مقالاته للرسالة (3)

كان بين الرافعي والابراشي ما قدمت الحديث عنه في بعض الفصول السابقة، وكان منه أن انقطعت صلة الرافعي بصاحب العرش ليحل محله الأستاذ عبد الله عفيفي. . . وسارت الخصومة بين الرافعي والابراشي إلى مدى، حتى انتهت إلى قطع المعونة الملكية عن (الدكتور) محمد الرافعي مبعوث الخاصة الملكية لدراسة الطب في جامعة ليون!

وضاقت نفس الرافعي بهذا اللون من ألوان الكيد، ولكنه صبر له واحتمل مشقاته وتكاليفه؛ وألزمته الضرورةُ أن يقوم بالإنفاق على ولده حتى يبلغ مأمله، على قلة إيراده وضيق ذات يده؛ فاستمر يرسل إليه أول كل شهر ما يقدر عليه وفي نفسه أن يأتي يوم يرفع فيه أمره

ص: 21

إلى الملك فيحط هذا العبء عن كاهله! ووجد الفرصة سانحة لذلك في عيد الجلوس الملكي سنة 1934، فانشأ كلمة بليغة في تحيته بعنوان (آية الأدب في آية الملك) وأرسل بها إلى الرسالة لتنشر في العدد 66 سنة 1934، فلم تنشر به وإنما نشرتها الأهرام في صبيحة عيد الجلوس، وقرأها من قرأها. ثم كانت آخرة العهد الابراشي بعد ذلك بشهر واحد، فكتب من كتب من خصوم الرافعي يعددّ فيما يعدد من (جناية الابراشي باشا على الأدب) أنه كان يصطنع الأدباء ليحارب بهم سلطة الأمة، ويسخرهم للإشادة بحكم الفرد؛ وكان الرافعي عنده من صنائعه، وآيته هذا المقال وآيات أخرى من تلفيق الخيال!

وأرسل الرافعي إلى الرسالة بدل هذا المقال مقال (أرملة حكومة) وكانَ يعني به صديقنا الأديب المهندس محمداً، وهو شاب من (أدباء القراء) أبيقوري المذهب صريح الرأي؛ سلخ من عمره ثلاثين سنة ولم يتزوج، وبينه وبين الأستاذ إسماعيل خ صاحب (أستنوق الجمل) صلة من الود، وشركة في الرأي، وصحبة في البيت والندي والشارع. . .

لقينا مجتمعين في القهوة اجتماعنا كل مساء، فعاج يسلم ثم جلس، وسأله الرافعي:(. . . وأنت فلماذا لم تتزوج؟)

قال المهندس: (لست والله من رأي صاحبي فيما حدثكم به أمس، إني لأريد الزواج وأسعى إليه؛ ولكن من أين لي. . . من أين لي المهر، وهدايا العروس، وأكلاف الفرح؟ إن الزواج عندي ليشبه أن يكون معجزة مالية لا قبل لي بها!. . . ولو قد عرفت أن هذه المعجزة تتهيأ لي بالبخل على نفسي والقصد في نفقاتي وباحتمال العسر والمشقة على نفسي وعلى من حولي - لما وجدت ما يشجعني على هذا الاحتمال. إني لأعرف من بنات اليوم ما لا يعرف غيري، أفتريدني على أن أحتمل هذا العنت سنتين أو ثلاثاً حتى يجتمع لي من المال ما يجتمع، من أجل الوصول إلى زوجة قد يكون لي منها شقاء النفس وعدو العمر. . .؟)

وقال الرافعي. . . وقال الشاب. . . وطوى الرافعي ورقاته وقد اجتمع له موضوع جديد. وتهيأت له الفكرة تامة ناضجة فأملى علي مقالة (أرملة حكومة) وبعث بها إلى الرسالة في البريد المستعجل لتدرك موضعها في عدد الأسبوع

وقلت للرافعي وقد فرغ من إملاء هذا المقال: (أراك لم تنصف صاحبنا المهندس فيما كتبت

ص: 22

عنه وما نقلت من رأيه وما رددت به، إنه ليعتذر إليك بعذر لم أجد جوابه فيما أمليتَ عليّ، لقد صدق؛ فمن أين له. . . من أين له هو؟. . . إنه لحري بك أن توجه العتب والملامة إلى آباء الفتيات وإلى هذه التقاليد التي تفرض على الشاب الذي يريد الزواج ما لا طاقة له به إلا أن تكون له معجزة مالية!)

فضحك الرافعي وقال: (أتراه كان يتحدث بلسانك؟. . لقد أخفيتها عني يوم سألتُك؛ وليس ثمة ما يمنعني أن أصحبك غداً إلى ع. . . لأطلب إليه أن يعفيك من هذه المعجزة المالية!)

. . . ومضت أيام، ثم دعاني ليملي عليّ (قصة زواج): قصة سعيد بن المسَّيب إمام المدينة وعالمها الذي ردّ رسولَ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وقد جاءه في خطبة ابنته لولي عهده الوليد بن عبد الملك، وزوَّجها من طالب العلم الفقير أبي وداعة على مهرٍ ثلاثة دراهم!

كانت هذه القصة هي جواب ما سألتُه تأخر إلى ميعاد. وكانت هي أول ما أنشأ من القصص لقراء الرسالة

وإني لأراني وقد بلغت هذا الحد، مسئولاً أن أتحدث عن قصص الرافعي، وكيف كان يؤلفها، وأول ما عالج منها، وطريقته فيها:

لم يعالج الرافعي القصة - فيما أعلم - قبل قصة سعيد ابن المسيب إلا مرتين: أما أولهما ففي سنة 1905، وكانت مجلة المقتطف قد سبقت بين الأدباء جائزة لمن ينشئ أحسن قصة مصرية، فأنشأ الرافعي قصته الأولى وكان عنوانها (الدرس الأول في علبة كبريت) ولم يحصل بها على جائزة، ولكن المقتطف كافأته بنشرها اعترافاً بما بذل فيها من جهد. وقد أعاد الرافعي نشرها بعد ذلك بثلاثين سنة، بعنوان (السطر الأخير من القصة) وسأتحدث عنها في موضعها

أما القصة الثانية فأنشأها في سنة 1925 بعنوان (عاصفة القدر) ونشرتها المقتطف أيضاً. ثم كانت قصة سعيد ابن المسيب في سنة 1934

على أن ثمة فرقاً بين هذه القصة والقصتين الأوليين؛ ذلك أن هاتين القصتين هو أنشأهما إنشاءً فلم يعتمد فيهما على حادثة في التاريخ أو حدث في كتاب؛ أما قصة سعيد بن المسيب فلها أصل معتمد في التاريخ فلم يكن له في إنشائها إلا بيان الأديب وفن القاص، وكانت

ص: 23

نواةً فمهد لها وأستنبتها فنمت وازدهرت. وفي الأدب القديم نوَيات كثيرة من مثل هذه النواة لم ينتبه لها الذين يدعون إلى العناية بأدب القصة في العربية، ولو قد تنبهوا لها لوجدوا معيناً لا ينضب كان حرياً بأن يمدهم بالمدد بعد المدد لينشئوا في العربية فناً جديداً من غير أن يقطعوا بين ماضينا وحاضرنا في التاريخ الأدبي؛ وبمثل هذا تحيا الآداب العربية وتتجدد، وإلى مثل هذا ينبغي أن تكون دعوة المجددين، لا إلى الاستعارة والاستجداء من أدب الغرب والجري في غبار كتابه وشعرائه

. . . أعترف بأن الرافعي لم يكن يعرف عن فن القصة شيئاً يحمله على معالجتها ويغريه على العناية بها؛ وقد قدمتُ القول بأنه كان يسخر ممن يقصر جهده من الأدباء على معالجة القصة ولا يراه أهلاً لأن يكون من أصحاب امتياز في الأدب؛ إذ لم تكن القصة عنده إلا ضرباً من العبث ولوناً من ألوان الأدب الرخيص لا ينبغي أن تكون هي كلَّ أدب الأديب وفن الكاتب. وقد كان يعيب عليّ لأول عهدي بالكتابة أنني لا أكاد أكتب في غير القصة، وأنني أجعل بعض همي في دراسة الأدب أن أقرأ كل ما أستطيع أن أقرأ عن فن القصة وأسلوبها وطرائقها ومذاهب الكتاب فيها، وكان يرى مني ذلك تخلفاً وعجزاً ونزولا بنفسي غير منزلتها بين أهل الأدب!

على أنه إلى ذلك كان يجد لذة في قراءة القصة على أنها لون من ألوان الرياضة العقلية لا باب من الأدب؛ كما يشاهد رواية في السينما أو يقرأ حادثة في جريدة. وأحسب أنه كان يعتقد - على أنه كان لا يعرف التواضع في الأدب - بأنه لا يحسن أن ينشئ قصة ولا ينبغي له. واحسبه أيضاً حين انشأ قصة سعيد بن المسيب لم يقصد إلى أن تكون قصة، ولكنها هكذا جاءت على غير إرادته فكأنما اكتشف بها نفسه. . .

والحقيقة أن الرافعي كان يملك طبيعة فنية خصبة في القصة، يعرفها من يعرفه في أحاديثه الخاصة بينه وبين أصحابه، حين كان يعتمد العبث والتسلية، فيطوي من الحديث وينشره، ويكتم ويوري، ويورد الخبر إلى مورده، ويهزل ولا يقول إلا الجد؛ ويطوي النادرة إلا أخر الحديث، ويقول في آخر المقال ما كان ينبغي أن يكون في أوله.

وكان له إلى ذلك تعبير رشيق وفكاهة رائقة يخترعها لوقتها لا تملك معها إلا أن تضحك وتدع التوقُّر المصنوع؛ وإن له في هذه الفكاهة لمذاهب عقلية بديعة تحس فيها روحه

ص: 24

الشاعرة وحكمته المتزنة وسخريته اللاذعة. ويكاد كثير من مقالاته يكون برهاناً على ذلك؛ فقلما تخلو إحداها من دعابة طريفة أو نكتة مبتكرة.

. . . وهذه هي كل أدوات القاص الموفق؛ فما ينقصه إلا أن يدرس فنّ القصة ومذاهبها ليكون فيها من السابقين المبرَّزين. ولكن الرافعي كان يجهل طبيعة نفسه، وكان له في كتَّاب القصة ما قدمت من الرأي، فكان تخلفه من هذين!

وحتى فيما أنشأ من القصص بعد ذلك، لم يكن له مذهب فني خاص يحتذيه ويسير على نهجه؛ ولكنه كان يقص كما تلهمه فطرته غير ملقٍ باله إلى ما رسم أهل الفن من حدود القصة وقواعدها؛ فإننا بذلك لنستطيع أن ندرس طبيعته وطريقته القصصية خالصةً له وحده، غير متأثر فيها بمذهب من مذاهب المتقدمين أو المتأخرين من كتاب القصص؛ على ما قد يكون فيها من نقص وتخَّلف، أو ابتكار وتجديد.

وطريقة الرافعي في كتابة قصصه غريبة، وغايته منها غير غاية القُصاص، فالقصة عنده لا تعدو أن تكون مقالة من مقالاته في أسلوب جديد؛ فهو لا يفكر في الحادثة أول ما يفكر، ولكن في الحكمة والمغزى والحديث والمذهب الأدبي، ثم تأتي الحادثة من بعد؛ فهو إذا هم أن ينشأ قصة من القصص، كان همه الأول أن يفكر في الحكمة التي يريد أن يلقيها على ألسنة التاريخ - على طريقته في إنشاء المقالات - فإذا اجتمعت له عناصر الموضوع وانتهى في تحديد الفكرة إلى ما يريد، يكون بذلك قد انتهى إلى موضوعه فليس له إلا أن يفكر في أسلوب الأداء، وسواءٌ عليه بعد ذلك أن يؤدي موضوعه على طريقة المقالة أو على طريقة القصة فكلاهما ينتهيان به إلى هدف واحد؛ فإذا اختار أن تكون قصة تناول كتاباً من كتب التراجم الكثيرة بين يديه، فيقرأ منها ما يتفق، حتى يعثر باسم من أعلام التاريخ، فيدرس تاريخه، وبيئته، وخلانه ومجالسه؛ ثم يصطنع من ذلك قصة صغيرة يجعلها كالبدء والختام لموضوعه الذي أعده من قبل؛ وإنه ليلهَم أحياناً ويوفق في ذلك توفيقاً عجيباً، حتى تأتي القصة وكأنها بنت التاريخ وما للتاريخ فيها إلا نادرة ويرويها في سطور، أو إلا أسماء الرجال. . . . . .

على أن الإبداع في ذلك هو قدرة الرافعي - يرحمه الله - على أنه يعيش بخياله في كل عصر من عصور التاريخ، فيحس إحساسه ويتكلم بلسان أهله، حتى لا يشك كثير ممن يقرأ

ص: 25

قصة من قصص الرافعي في أنها كلها صحيحة من الألف إلى الياء. . .

وأحسب أن الرافعي لم يتخذ هذه الطريقة في تأليف القصص عن عمد واختيار؛ فلم يكن ثمة ما يدفعه إلى معالجة القصة واختيار طريقة فيها - ورأيه في القصة رأيه - ولكنه مذهب اتفق له اتفاقاً بلا قصد ولا معاناة؛ وإنما تأتى له ذلك من طريقته التي أشرتُ إليها في الحديث عنه عندما يهم بالكتابة؛ فقد أسلفتُ القول أنه كان يحرص على أن يعيش وقتاً ما قبل الكتابة في جو عربي، فيتناول كتاباً من كتب الأدب القديم يقرأ منه فصلاً ما قبل أن يشرع في إملاء مقاله؛ فمن هنا كان أول الطريق إلى مذهبه في القصة. ولكل شيء سبب. وأحسبه لما همَّ أن يكتب عن (المعجزة المالية) في تقاليد الزواج وعن فلسفة المهر، وقد اجتمعت له الفكرة في ذلك، تناول - كعادته - كتاباً من كتب العربية يقرأ فيه ما تيسر، فأنفق له في مطالعته أن يقرأ قصة سعيد بن المسيب والوليد بن عبد الملك وأبي وداعة فرآها أشبه بموضوعه وفيها تمامه، فبدا له أن يؤدي موضوعه هذا الأداء فكانت قصة. وأذكر أنه لما دعاني ليملي عليّ هذه القصة قال لي في لهجة الظافر:(. . . لقد وقعت علي نادرة مدهشة من التاريخ تتحدث عن فلسفة المهر حديثاً لا أعرف أبلغ منه في موضوعه. . .!)؛ فمن ذلك أعتقد أن أول هذا المذهب في القصة كان اتفاقاً غير مقصود، صادف طبيعة خصبة ونفساً شاعرة فكان فناً جديداً

وأكثر قصص الرافعي من بُعد على هذا المذهب. على أن لكل قصة من هذه القصص - أو لأكثرها - أصلاً يستند إليه من رواية في التاريخ أو خبر مهمل في زاوية لا ينتبه له إلا من كان له مثل طبيعة لرافعي الفنية وإحساسه ويقظته؛ على أن أهم ما أعانه على ذلك هو عندي صلته الروحية بهذا الماضي وشعوره بالحياة فيه كأنه من أهله ومن ناسه؛ فإن له بجانب كل حادثة وكل خبر من أخبار ذلك الماضي قلباً ينبض كأن له فيه ذكرى حيةً من ذكرياته تصل بين ماضيه وحاضره، فما يقرؤه تاريخاً كان وانطوت أيامه ولكنه يقرأ صفحة من ماضيه ما يزال يحس فيها إحساس الحيّ بين أهله فما أهون عليه أن يترجمها من لغة التاريخ إلى لغة الأحياء!

وتماماً لهذا البحث سأحرص في فصل قادم على أن أرد كل قصة من قصص الرافعي إلى أصلها من التاريخ وأنسبها إلى راويها الأول، ليكون النموذج واضحاً لمن يريد أن يحتذي

ص: 26

ليتمم ما بدأ الرافعي على مذهبه في تجديد الأدب العربي.

(سيدي بشر)

محمد سعيد العريان

ص: 27

‌حواء

. . . عَلَم على ديوان شعر طريف في الغزل العرفاني من نظم الأستاذ الحوماني تحت الطبع تحمل الرسالة نماذج منه إلى قرائها في عالم الفن

حكمة المجنون

أمِنَ الفن كنتِ إذ كنتِ في العا

لَم، أَم كنتِ عالماً للفنون؟

جُنَّ فيكِ الحكيم فافتَتَنَّ حتى

كنتِ في فيهِ حكمةَ المجنون

أتناساكِ، والعوالم فوقي

وأُناجيكِ، والعوالم دوني

أفَكالناسِ كنتِ فيهم وسّوا

كِ أبوهم من صَلصَلٍ مسنون؟

سَفَهٌ في اكتناهِ ذاتك أن نخل

صَ منه إلى اكتناهِ الطين

إنما كنتِ كيفما شئتِ إذ قا

ل لكِ الله كيفما شئتِ كوني

ص: 28

‌فم في فم

أسلميني واستسلمي لي فالح

بُّ فم في فم وخدٌّ لخدَّ

واكشفي لي نهديكِ أُشرفْ على

غُرَّ لياليَّ في قرارة مهدي

هل تَرَينَ الحياة ثمةَ إلا

قطرةً من دمي على كل نهد؟

عند عينيك لي من الأمل البا

سم في الحب ما لعينيك عندي

فأَعِلي خديك من دم عينيَّ

وزيدي بما يعلاّنِ وجدي

ودعيني أشمُّ منكِ شذا الح

بِّ فما يستفزُّني عطر وردِ

الحوماني

ص: 29

‌أثر المرأة في النهضة القومية

للآنسة فلك طرزي

في هذه الآونة العصيبة التي تجتاز فيها الدول الأوربية أزمة سياسية خطرة قد تؤدي إلى حرب طاحنة تقضي على ما بذلته الأمم المتمدنة من جهود في سبيل رفع المستوى الإنساني وإيصاله إلى المثل الأعلى المنشود - يجدر بنا نحن الذين تضعنا حالنا الحاضرة إزاء مشاكل دولية دقيقة، أن نلقي نظرة على أحوالنا الشخصية منها والعامة، نظرة نافذة ثاقبة نسبر بها أغوارنا، لنفحص على بينة ووضوح كل ناحية من نواحي هذه الأمة، فإن اهتدينا إلى تشخيص العلة الأساسية التي تسبب لنا أنواعاً من الآلام والأسقام، استطعنا بعد دقيق الفحص وبُعْد التأمل، إيجاد العلاج الذي يبرئنا شيئاً فشيئاً من هاتيك الآلام والأسقام

ولقد جرينا على عادة لست أدري أأنسب ما نحن فيه من قلق وفوضى إليها، أم أنسبه إلى الظروف الطارئة التي كانت الحائل بيننا وبين ما نصبو إليه جميعاً من واسع الآمال والأماني التي نبتغيها كاملة صحيحة؟

جرينا على أن نبذل في مجتمعنا الكثير من بضاعة الكلام، ونعرض على الأنظار أشكالاً مختلفة من أجناسها وألوانها ثم نهمل العناية بتحويل هذه البضاعة إلى صنوف من العمل المثمر، لنبصر بالعين ما سمعناه بالأذن، ونلمس باليد ما صورناه بالكلام

وتأصلت هذه العادة في أنفسنا بحكم ما أوليناها من شديد الرعاية والعناية، وأخذت تضغط بقوة أثرها الذي تغلغل في كل خفية من خفايا نفوسنا على بقية القوى الكامنة فينا التي في استطاعتنا إذا تعرفنا الوسائل الممهدة لسبيل إبرازها - أن نستغلها أحسن استغلال فنستعين بما تمنحنا من رغبة في العمل وصبر على الجهاد، على تذليل العثرات التي قد تعترض سبيلنا أثناء قيامنا بتحقيق أقدس الأهداف وأنبلها

فأي كلام يبشرنا بنهضة اجتماعية مباركة تضاهي النهضات الأوربية الحديثة لم نسمعه؟

وأي كلام ينبئنا فحواه بمستقبل نير وضاح يبدد سطوع شموسه ما تراكم من سحب وغيوم على سماء حياتنا فحجب رونقها وصفاءها، لم نصغ إليه؟

بل أية آمال وضاءة لألأءة لم نبصرها شذرات متفرقات في هبوب الريح بعد أن أصغينا إلى رنين ضحكاتها يتردد بين قيم الألفاظ وجميل العبارات؟

ص: 30

لقد سمعنا كلمة (البشرى) تتردد على الأفواه حلوة فحسبناها لفظاً مبطناً بحقيقة تحمل إلينا ما في الحياة من معاني الكمال والحق

وسمعنا كلمة (المستقبل) ترتل أناشيدها الشفاه، فحسبناها لحناً مستمداً من القلب تكمن وراءه الحيوية المبدعة الخالقة

ثم أصغينا إلى صوت الأمل تتجاوب نبراته بين السطور، فحسبناه أغنية تهدهد أنفسنا المظلمة المكدودة على نغماتها وتدعونا إلى سنة من عميق النوم ولذيذه، فلبينا ما حسبناه صواباً ورحنا في سبات عميق استغرق سنين طوالاً فقدنا خلالها الكثير من الصفات الشخصية والشعبية، فخملت حيويتنا، وبلد تفكيرنا، وانحصرت عقليتنا ضمن ذاكرة تحدها الأوهام وأشباح التقاليد البالية التي قضت عليها وبددت ظلماتها أنوار العلم والثقافة

ولما استيقظنا من نومنا، واستفقنا من سباتنا، تلفتنا يمنة ويسرة، وأدرنا رؤوسنا ناحية الغرب وناحية الشرق، فإذا بكل من هذه اللفتات تضع أنظارنا المشدوهة إزاء تطورات قومية وشعبية، وتنبه حواسنا المخدرة على انقلابات فكرية وعقلية، فمن أقاصي الشرق إلى أقاصي الغرب، تحفز نحو المجد والتقدم، كل أمة تجاهد وتستميت في سبيل التفوق وفرض السيادة على العالم سواء من الناحية العلمية أم الفكرية، أم التجارية. وقد رأينا كيف أخذت اليابان تكتسح الأسواق العالمية ببضائعها وتجارتها. وعمدت بعض الأمم إلى التمسك بنظرية تفوق جنسها على بقية الأجناس البشرية لبلوغ ما تصبو إليه من عزة وقوة وفخار. كل هذه القوى الفعالة التي مهدت لها سبيل البروز والظهور الحرب العالمية الكبرى وما ينتج عنها من التطورات والانقلابات تجري حوادثها أمام أنظارنا، فنسمع بالخيال قرقعة الأسلحة والمدافع تدوي وتنذر بالويل والتهديم، وهي مازالت آلات مفككة تحت آلات المصانع، وندرك بالعقل مبلغ الرقي الذي توصلت إليه في الغرب الآداب على تنوع بحوثها والعلوم على مختلف أنواعها، والفنون على تعدد فروعها، تلك القواعد الثلاث التي لا تقام حضارة أمة بغير أسسها، ونتعرف بالاختبار أي أثر بليغ تتركه التربية العائلية في نفوس الناشئة، وأية توجيهات مختلفة توجهها المبادئ التي تتلقاها في محيط الأسرة حين الصغر، فالناشئة التي تزدهر سنو طفولتها في وسط يدرك الحياة على حقيقتها ويتعمق في معانيها ويسبر غاياتها، هي غير تلك التي تنمو وتشب في آخر لا يدرك من الحياة إلا

ص: 31

سطحها، ولا يفقه من معانيها وغاياتها إلا قشورها دون لبابها

ثم نلقي نظرة إجمالية إلى تلك القوى التي تسير العالم المتمدن فنراها منهزمة مرة، منتصرة أخرى، ناهضة تارة، منحطة تارة أخرى، مجسمة في حال نهضتها وانحطاطها، وانتصارها وانهزامها، صورة الإنسان في آلامه وآماله وجبروته وعجزه، وبطشه وضعفه، وطموحه ومطامعه، صورة الإنسان الذي كلما اكتمل تكوينه العقلي والجسدي، اكتشف نقائص جديدة تخل من توازنهما فيعمد إلى مختلف الوسائل يتوسل بها لتقويتها وضبط هذا التوازن بينهما

وكثيراً ما يتعثر بالصدمات فينهزم حيناً تعود بعده نغمة الأمل تتنفس في صدره حارة تمنحه قوة أشد بأساً من كل قوة تنسيه فشله وهزيمته، فيعاود الكفاح والمناضلة من جديد، وكلما عراه ضعف يقاومه بالإرادة والطموح النفسي إلى أن يتغلب عليه

فأي شعور يعترينا يا ترى ساعة يتجسم في مخيلاتنا بعض من صور هذه القوى التي عرضتها الآن؟

بل أي إحساس نتحسسه عندما نأخذ بتقييد كل صنف من صنوف الرقي الذي أمدته الأمم كل من هذه القوى ومهدت له السبيل لتحقيق غاية من الغايات؟

لا شك أننا نتحسر وتنقبض صدورنا ألما كلما تنازعنا فكرة نهضتنا القومية الفتية وإلى جانبها النهضات القومية الأخرى التي قطعت شوطاً بعيداً في مضمار التقدم والحضارة

وثقن أيتها السيدات أنني لا أبني من تساؤلي هذا إضافة حسرة جديدة إلى ما نشعر به من حسرات تتمشى بين جنباتنا كلما شاعت في نفوسنا مرارة هذا التساؤل

وإني ما تساءلته قط إلا ليقيني بأنه يدور في خلد كل منا، وإننا جميعاً مذ أخذت أنفاس اليقظة تنفح على وجوهنا نفحات الجد والتوثب، لا نفتأ نولي أنظارنا ناحية الغرب نتبع حركاته وخطواته ونرقب تطوراته، نستعين بما يسن من قوانين ودساتير على تنظيم هيئاتنا الحكومية والإدارية، ثم نقبس عن مدنيته قبسات تجعل حياتنا شبيهة بالحياة الغربية من بعض نواحيها

ولِمَ لا نتساءل، وبالتساؤل نتعرف مدى شعورنا ومبلغ قوته وغزارته؟

ولم لا نتساءل وبالتساؤل نزداد إحساساً بنقائصنا؛ وكلما ازددنا إحساساً بها ازددنا رغبة في التبرؤ منها؛ وليس الشعور بها شعوراً دقيقاً صحيحاً إلا بشيراً بزوالها

ص: 32

فنحن إذن المرضى، ونحن إذن الأطباء، نسمع أنات الألم تزفرها صدورنا المكلومة فنعكف على هذه الصدور نشخص داءها ونتبين علتها، فإذا ما انكشفت العلة والداء سهل علينا وصف الدواء الذي يجدد قوى أمتنا ويشفيها من آلامها

إن أمتنا مريضة في هذه الآونة أيتها السيدات؛ ومرضها لا تشكو منه ناحية جسمها دون بقية النواحي، إنما هو مرض يشمل جميع أطرافها ويخشى عليا من فتكه، إذا لم نسارع إلى إنقاذها من براثنه هي مريضة في تفكيرها، مريضة في ثقافتها، مريضة في عقليتها، مريضة في أخلاقها، ثم هي مريضة بسبب العلة المزمنة التي أصابت موضع القلب منها

فأي شأن من هذه الشؤون يعالج قبل الآخر يا ترى، ليتم لنا ما نريد ونبلغ ما نصبو إليه جميعاً من صميم أنفسنا؟

أنعالج ثقافتها، والعقلية التي تهضم هذه الثقافة وتستسيغها مازالت قلقة مقيدة؟

أم نعالج أخلاقها، والأداة التي تعالج بها هذه الأخلاق - وأعني بها الإرادة - ما برحت ضعيفة واهنة؟

أم نعالج الفكر، والصلة الوثقى التي تربط الفكر بكل ما في هذا الكون من خفايا الأمور وأسرارها مفككة الأجزاء؟

أنا أرى أن أول شأن يجب معالجته قبل بقية الشؤون هذا القلب، أيتها السيدات، لأنه ميزان الحياة الدقيق، والصلة التي تربط الإنسان بها، ومتى قامت بين الإنسان والحياة رابطة متينة تغلغل فكره في زواياها وخلاياها وأدرك كل معنى من دقيق معانيها، وشعر بها تتفجر في أعماقه قوة وحيوية

فإن كان القلب سليماً خفاقاً، جرت الحياة في شرايين الجسم حارة متدفقة

وإن كان سقيماً عليلاً بلدت حركتها واعتراها كثير من الضعف والخمول

فإذا نحن عالجنا القلب ودققنا في تشخيص دائه، فمعنى ذلك أن كل واحدة منا انعكفت على ذاتها، وأخذت تفحص هذه الذات على نور من البينة، فإن بدا لها ضيق في ناحية من نواحيها وسعته، وإن اتضح لها نقص قومته، لأن المرأة من هيكل الأمة بمثابة القلب من جسم الإنسان يضبط توازنه، وينظم الحركة الحيوية فيه

وقد يعترض على قولي هذا معترض، ويخالفني مخالف، مبيناً ما يزعمه من خطأ هذا

ص: 33

القول. غير أن في نفسي من العقيدة المبنية على عديد التجارب، ما يجعلني أومن بهذه الحقيقة إيماناً صحيحاً لا يخامره شك ولا يزعزعه ريب.

ولم لا نقر بها وكلنا يعلم أن المرأة مربية الرجل ومهذبته، ومعلمته الأولى في مدرسة الحياة؟

ولم نرتاب في صحتها وقد علمنا الماضي من تاريخ الإنسانية وحاضرها أن نصف الأمة لا يصلح إذا بقي نصفه الأخر مشلولاً؟

بل لم لا نأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار، وقد لمسنا أثر المرأة البعيد واضحاً في تكوين نفسية الطفل، وعرفنا مدى تأثيرها في حضارة الأمم؟

فنحن إذا نفذنا إلى دخيلة أمتنا وتغلغلنا في كل مناحيها، مرهفين السمع إلى دقات الحياة ينبض بها قلبها، فماذا نسمع أيتها السيدات؟

أنسمع دقات يؤلف مجموعها وحدة موسيقية جميلة اللحن، منسجمة النغم، تطرب لسماعها القلوب وتسر؟

كلا! إننا لا نسمع إلا دقات متفرقات، تنبض مضطربة حائرة، لا تكاد دقة منها تنبعث من بين الضلوع متزنة قوية، حتى تتبعها أخرى وأخرى، تعيد القلب إلى مجرى الفتور والخمول الذي كان عليه.

فالمريض إذاً من جسم أمتنا هو القلب، وأول الأدواء الذي تجب مداواته هو داؤه لأن عقل الأمة المفكر الذي هو الرجل لا يصبح دقيقاً صحيحاً إلا إذا شفي هذا القلب وعاد ملاذاً أميناً يأوي إليه العقل ليجدد بقربه قواه الفكرية، ويستعين ببصيرته النافذة على استكشاف ما مضى عليه من أمور.

منذ أيام كنت أتحدث إلى عالم جليل وزعيم في طليعة الزعماء الذين أحيوا الحركة القومية في هذه البلاد وبعثوها حية من تحت أردية الموت. ومما قال لي هذه الجملة التي ينطوي معناها الدقيق على حقيقة بليغة:

(إذا أبصرت عبقرية تشع أنوارها وتلألأ في سماء المجد ساطعة، فأيقني أن ورائها امرأة توقد جذوتها وتبعثها من مكمنها.)

عبقرية تبعث فيها الحياة امرأة؛ وتوقد شعلتها المقدسة وتحولها نوراً ينشر ضيائه اللامع

ص: 34

على مشارق الأرض ومغاربها، مخترقاً النفس البشرية موضحاً ما غمض من أمورها، كاشفاً ما خفي من ألغازها؟

إنها نغمة انبعثت أول ما انبعثت من أرض عربية، ثم انتشرت على بقية الآفاق فغناها أبناء الغرب وما زالوا يتغنون بها بينما نحن نسينا لحنها

إنها نغمة انبعثت إلى الوجود يوم انبثق فجر الرسالة العربية من آفاق غار حراء، وأخذت أشعته المنيرة تخترق قلب كل عربي فتبدل كفره إيماناً، وشكوكه ثقة وعقيدة، ويوم كانت إلى جانب الرسول العربي الكريم امرأة تحيي عبقرية النبوة في قلبه كلما أصابتها فرية من سهام المفترين

غير أنني لا أحمل المرأة وحدها تبعات هذا النسيان؛ فلشريكها الرجل نصيب غير ضئيل منها، لأنه أهمل شأنها زمناً طويلاً وأسرف في هذا الإهمال، فكان من جرائه أنها بقيت قابعة في زاوية مظلمة من زوايا الحياة لا تشترك في أمر من أمورها حتى تكون لدى الكثير من الرجال اليقين بأنها مخلوق وجد ليحيا على هامش الحياة، وأن جميع حقوقها وامتيازاتها محفوظة للرجل في كل زمان وفي كل مكان

لست في حاجة، أيتها السيدات، إلى إثبات خطأ هذا الادعاء، لأن جسامة خطئه واضحة فيه. بل ما أريده هو كشف اللثام عن إدعاء لست أدري أيسر التصريح به أسيادنا الرجال أم يغضبهم

إن إسراف الرجل في أنانيته قد حمله على إبعاد المرأة عن جد الأمور وخطيرها معللاً ذلك بسبب تجردها من الصفات العقلية والفكرية التي تمكنها من إدراك دقائق هذه الأمور وتقدير خطورتها

وكأني بهذه الدعوى بل هذه النظرية المبنية على غير الواقع قد سرت بالعدوى إلى المرأة فأخذ وهمها يستولي عليها مع مرور الزمن شيئاً فشيئاً حتى أضحت لديها حقيقة واقعة يخيل إليها أنها تبصر وميضها يشرق من نوافذ عقل الرجل ناسية أنها الأم التي أنشأته طفلاً وكونته رجلاً، وأنها الزوج التي قاسمته الحياة على السراء والضراء. فنشأ فيها من جراء هذه الخاطئة ضعف أضاف إلى وضعها الطبيعي ضعفاً آخر، وجعل منها برهاناً يدعم به الرجل صحة دعواه، ودليلاً يثبت خطأ هذه الدعوى

ص: 35

وقد انطبعت في المرأة السورية هذه العقيدة المغلوطة، وتمكنت من عقلها إلى حد حملها على اليقين بصحة النقص القائم بينها وبين الرجل، وأنها حقاً دونه عقلاً وفكراً وإدراكاً، وتناست أن مستواها العقلي والفكري كان قد يساوي المستوى العقلي والفكري عند الرجل، لو أن أنانية هذا لم توح إليه بإهمال شأنها وإهمال رفع مستواها إلى أوج الكمال النسبي

فأخذت نظرته إليها - أي الرجل - تنحط مع الزمن وتنحصر ضمن نطاق محدود، وأخذ اعتباره إياها يتضاءل يوماً بعد يوم، حتى أصبح ذات يوم وفي نفسه نحوها احتقار يبيح لسانه الحط من قيمتها واعتبارها وسيلة من وسائل اللهو والتسخير

فليس عجباً أن نفيق بعد هجعتنا الطويلة فنبصر حال المرأة في أوساطنا متقهقرة، وقد أدركنا سر هذا التقهقر. وليس بمستغرب أن نرى الرجل في هذه الأوساط ناقص التربية ناقص التهذيب وقد وقفنا على سبب ذلك النقص. إنما المستغرب في كل هذه الأمور أن ندرك سرها وأسبابها ثم نقف عند حدود الإدراك دون أن نتجاوزه إلى حيز العمل، حيث تظهر حقيقة المرأة ويسطع جوهرها

وفي المرأة أيتها السيدات صفات فطرية مفقودة عند الرجل فهي حساسة بغريزتها رقيقة بطبيعتها، والحس والرقة صفات إذا توصلت المرأة إلى صقلها وتهذيبها استحالت من مخلوق بشري إلى ملاك سماوي يحمل بين جوانحه معاني الرأفة والحب والسلام

والمرأة شاعرة بطبعها وفطرتها، فإن هي عرفت كيف تنمي هذه الشاعرية فيها، وعرفت كيف تغذيها، تحولت كوكباً ينبعث من صميم الحياة نوراً ينشر على هذه الحياة أشعة من الود والصفاء

فأثر المرأة لا يظهر جلياً واضحاً في النهضات القومية ولا يخلف بعده أفضالاً وحسنات ترفع الأمة من الحضيض إلى العلاء، إلا في حين يستيقظ فيها الحس العميق بوجوب تهذيب الصفات الطبيعية التي فطرت عليها، وتحويلها من غريزة إلى شعور سام رفيع، يجعل من رسالتها إلى الأمة، رسالة الحياة وكل ما تحوي هذه الحياة من معاني المجد والحضارة والازدهار.

فلنستعن سيداتي بما ترك لنا أولئك الذين أدركوا النفس البشرية على حقيقتها، واستطاعوا بقوة بصيرتهم اختراق لفائفها والنفاذ إلى أعمق موضع فيها، لنستعين بأنوار نفوسهم على

ص: 36

إنارة نفوسنا، فإذا ما نفذت هذه إلى أعماقنا واستقرت فتحت أعيننا على عوالم من مختلف المشاعر والعواطف تحيا في هذه الأعماق فتهدينا إلى كل موضع من مواضع السحر والجمال التي يحويها العالم الخارجي لنتأمل مفاتنه ونصغي إلى موسيقاه، فمن كان له قوة التأمل وقدرة الإصغاء أدرك كبائر الحياة وصغائرها. ويخيل إلي أن نجاح أمتنا وحضارتها متوقفان على دقة البصر وإرهاف السمع. ومن غير المرأة التي فطرت على الإحساس يدرك هذه الدقائق؟.

(دمشق)

فلك طرزي

ص: 37

‌الثقافة الإسلامية

1 -

مصادرها

لمناسبة اهتمام معالي وزير المعارف بأمر الثقافة الإسلامية. . . . . .

. . .

للأستاذ إبراهيم جمعة

ثقافة العرب الجاهليين - العرب يستقبلون الإسلام أبعد ما يكونون عن علم أو فلسفة - أثر اليهود والنصارى فيهم - أثر النساطرة من أتباع الكنيسة الشرقية - فضل الإسكندرية على الثقافة الإسلامية - مراكز العلم في حران ونصيبين وجنديسابور - مهمة النساطرة والسريان في النقل عن الإسكندرية إلى الشرق الأدنى - اشتغال العرب بالعلم والفلسفة متأثرين بالنساطرة وبالصابئة في حران - حركة النقل وما نقل العرب عن الأمم الأخرى

الثقافة الإسلامية كما يؤخذ من اسمها وليدة الإسلام، فالإسلام، هو العامل الوحيد في نشوئها، والعرب هم حملة لواء الإسلام فهم إذن الكواهل التي نهضت بهذه الثقافة وأقامت على الزمن بنيانها المكين. ولم يكن العرب ليؤدوا هذه الرسالة الكبيرة وهي رسالة علم جامع شامل، لو لم يكن في طبيعتهم لذلك استعداد وقبول

والعرب الجاهليون أميون، أبعدتهم تضاعيف شبه الجزيرة العربية عن الأمم ذات الحضارة، وعزلتهم عنها انعزالاً لم يخفف من حدته سوى خروج بعض الأعراب وبخاصة من قريش في التجارة إلى الشام ومصر. وقد ذقت أخفاف الإبل على وجه الجزيرة العربية طريقين هامين: الأول طريق حضرموت والبحرين والخليج الفارسي، والثاني طريق اليمن والعسير ومكة والبطراء، فإذا ما انتهت المتاجر إلى خليج فارس وتخوم الشام كان اختلاط بين العرب وسكان الحضر، وكان تبادل في التجارة، وكان امتزاج فيه مصلحة مادية، وفيه تبادل أفكار، وفيه أخذ وعطاء فكريان إلى جانب الأخذ والعطاء المعروفين في التجارة

وقد حل عرب الحجاز محل اليمنيين في السيطرة على الحركة التجارية وعلى مسالك التجارة قبل انبثاق فجر الإسلام بقليل، وكاد عرب الحيرة بسبب شدة ولائهم لفارس، ورغبتهم في تنحية ما عداهم من الأعراب عن خدمة الفرس يستأثرون بتجارة إيران.

ص: 38

وظلت متاجر الهند والحبشة والبقاع الخصبة في جنوب شبه الجزيرة العربية تنقل إلى تلك البلاد حتى جاء الإسلام فشغل العرب بالجهاد في سبيله، وانصرفوا إلى الفتح، وما يصحبه من شواغل، واستوطنوا أرضاً جديدة أو قل استوطن كثير منهم البلاد المفتوحة فوجدوا فيها غناء صرفهم عن الكدح في سبيل العيش على النحو الذي عرفوه في جاهليتهم، وكفاهم سواد العراق أول الأمر مشقة السعي المضني وراء الرزق في هجير البادية - ثم استقبلتهم وديان الشام بما خصها الله من خير، وانفتحت لهم أبواب مصر فأبدلتهم بقتاد الصحراء جنة فيحاء، فكان استقرارهم وامتزاجهم بالعناصر الأجنبية سبباً في التحضر وترك عيشة البداوة، والاقتباس الذي زاد على الزمن وانفرجت دائرته، فأحاطت بالشيء الكثير مما عرفت أمم إيران والجزيرة والشام ومصر من مظاهر التمدن. وعلى هذا كان اختلاط العرب بالأمم المجاورة قبل الإسلام بسبب التجارة وامتزاجها بها بعد الإسلام بسبب الفتوح أول خطوة في سبيل تكون ثقافة جديدة لم يكن يعرفها العالم من قبل

هؤلاء العرب الذين شهدوا الحضر شهوداً موقوتاً وهم يقومون على أمر قوافل التجارة أو الذين نزلوه واستقر بهم المقام فيه جنوداً أو بطوناً مهاجرة لم يكن لهم من مظاهر الثقافة إلا ما كان للعرب الجاهليين عامة من لغة وشعر وقصص وأمثال. وينسب إليهم بعض المؤرخين دراية بالطب والتنجيم والأنساب والأنواء. وليس من العدل في شيء أن ننسب إلى جماعة هبط مستواهم الاجتماعي إلى مثل ما هبط مستوى عرب الجاهلية علماً منظماً. بل إن كل ما عرفه العرب من هذا القبيل معلومات تقوم على الخبرة التقليدية التي كثيراً ما تخطئ وقليلاً ما تصيب. يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام: (ومن الخطأ أن تسمى هذه الأشياء علماً كما يفعل الألوسي وغيره فيقول - ومن علومهم علم الطب وعلم الأنواء وعلم السماء، ثم يشيدون بذكر ذلك حتى يوهموك أنه كان عندهم علم منظم بأصول وقواعد، فإن ما كان عندهم من هذا القبيل لا يتعدى معلومات أولية وملاحظات بسيطة لا يصح أن تسمى علماً ولا شبه علم)

وقد جهل العرب الجاهليون الفلسفة جهلا تاماً وكل ما عرف عنهم خطرات فلسفية يقول عنها الأستاذ أحمد أمين أيضاً:

(. . . هناك فرق كبير بين مذهب فلسفي وخطرة فلسفية؛ فالمذهب الفلسفي نتيجة البحث

ص: 39

المنظم، وهو يتطلب توضيحاً للرأي، وبرهنة عليه، ونقضاً للمخالفين وهكذا. . . وهذه منزلة لم يصل إليها العرب في الجاهلية. أما الخطرة الفلسفية فدون ذلك لأنها لا تتطلب إلا التفات الذهن إلى معنى يتعلق بأصول الكون من غير بحث منظم وتدليل وتفنيد، وهذه الدرجة وصل إليها العرب)

إذن استقبل العرب الإسلام وهم خلو من كل علم صحيح أو فلسفة حقة. ويجدر بنا قبل أن نتعرض إلى الموارد التي تطرق إليها العرب ونهلوا منها علماً وفلسفة خارج ديارهم - أن نذكر شيئاً عن أثر الديانتين اليهودية والنصرانية. أما اليهود فالمعروف أنه كانت لهم جاليات في يثرب وتيماء وفدك وخيبر ووادي القرى. وللثقافة اليهودية ناحيتان: الأولى مادية، فقد نشروا بين الأعراب معرفة بضاعة المعادن ولاسيما الأسلحة، كما عرفوا الزراعة. والأخرى معنوية، فقد بثوا بين الأعراب كثيراً من تعاليم التوراة قبل الإسلام، فعرف هؤلاء شيئاً عن البعث والحساب والعقاب، وظل تأثير اليهود باقياً على شكل أساطير وخرافات، ومن ذلك ما بثه في الإسلام كبار من أسلموا من اليهود مثل كعب الأحبار الذي نقل إلى الإسلام فكرة (تحريم التصوير) وهو في ذلك ناقل عن تعاليم اليهود ومتأثر بطبيعة الجنس اليهودي، تلك الطبيعة التي تكره التصوير لأنها تعجز عنه وتقصر دونه

ومن أهم المصادر الثقافية التي أخذ عنها العرب أيضاً المسيحيون في شبه الجزيرة قساوستهم ورهبانهم ومنهم الشعراء والبلغاء أمثال أمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة

واليهود والمسيحيون متأثرون بالثقافة اليونانية التي ازدهرت على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وغزت بلاد الشرق الأدنى وامتزجت بنفوس سكانه، واتخذت لها مواطن تركزت فيها أشهرها حران وإنطاكية والإسكندرية؛ فكأن شيئاً من الثقافة اليونانية كان قد وصل العرب عن طريق انتشار اليهودية والمسيحية في بلاد شبه الجزيرة قبل الإسلام، ولكن الأثر البالغ لهذه الثقافة الإغريقية وصل إلى العرب عند ما انطلقوا من عقالهم والتقوا خارج بلادهم بممثلي هذه الثقافة في مراكزها أو بعبارة أخرى في البؤرات التي تركزت فيها

وأشهر الأوساط الثقافية التي كان لها على العرب فضل لا يعدله فضل (الإسكندرية) مدينتنا

ص: 40

العظيمة، ففيها اختلط ما كان للإغريق من علم وفلسفة، وهناك امتزجت الفلسفة بالدين امتزاجاً جعل منها ضرباً من ضروب التصوف الفلسفي. ولا غرابة في ذلك فقد كان معظم المشتغلين بالعلم في العصور الوسطى من رجال الدين وقد لجأ هؤلاء إلى الفلسفة والمنطق يؤيدون بهما تعاليم المسيحية

واشتهر النساطرة واليعاقبة من أتباع الكنيسة الشرقية باحتفاظهما بعلوم الأقدمين وفلسفتهم، وهم في واقع الأمر حلقة الاتصال بين العلمي اليوناني وبين العرب. وكان النساطرة مترجمين لكثير من كتب الفلسفة واللاهوت عن اليونانية إلى اللغة السريانية كما حذقوا الطب والكيمياء وعرفوا بهما في فارس وفي البلاط العباسي. والعلاقة وثيقة - كما يقول الأستاذ الدكتور بطلر في كتابه (فتح العرب لمصر) - بين لغة السريان وبين العلم. والظاهر أنه كان لابد لكل من يريد أن يحذق علوم الأقدمين من الإلمام باللغة السريانية أولا، وأن يتتلمذ على أساتذة من النساطرة ثانياً

ويهمنا بنوع خاص كمصريين أن نتعرف مقدار ما أفاد العرب من الإسكندرية. والمؤرخون العرب والسوريون يعتبرون الكاتب والمؤرخ (حنا الأجرومي) أصدق ممثل للحركة العلمية الإسكندرية وآخر رجالها، وإليه وإلى الفيلسوف السفسطائي (اصطفان الإسكندري) وإلى اصطفان الأثيني وهو طبيب مؤلف ومعلق على بعض تصانيف (جالين) الطبيب الإسكندري يرجع الفضل فيما نقل العرب من علوم الإسكندريين

وحنين بن اسحق من أكبر الناقلين لعلوم الإسكندرية يذكر لمناسبة نقله لمقالات جالينوس إلى السريانية والعربية أنه قبل الفتح العربي بقليل تضافرت جهود أطباء الإسكندرية على جمع سبعة من مصنفات جالينوس الطبية، أصبحت أساساً للدراسات الطبية في وقت كاد لواء العلم فيه يسقط أو قل سقط بالفعل في مدينة الإسكندرية، اللهم إلا إذا اعتبرنا تلك الاجتماعات التي كانت تعقد ليتذاكر فيها المجتمعون من محبي العلم عامة والطب خاصة بعضاً مما وضع جالينوس، أو بنقلها إلى لغة أخرى من غير كبير تقيد بتعاليم جالينوس نفسه

وممن يذكر المؤرخون العرب أنهم اشتركوا في العمل الطبي الكبير في أخريات أيام العلم الإسكندري: حنا فليوتس واسطفان الإسكندري وجسيوس وبلاديوس ومارينوس، الذين

ص: 41

علقوا على مؤلفات أبقراط وجالين

ومما شهد العرب في الإسكندرية مدرسة فلسفية مسيحية أعقبت المدرسة (الأفلاطونية الحديثة) التي كان يتزعمها (الشيخ اليوناني) أفلوطين الإسكندري كما يصفه الشهرستاني

ومن أشهر فلاسفة هذه المدرسة الفلسفية المسيحية الفيلسوف المسيحي السرياني (حنا الأفامي) نسبة إلى أفامية إحدى مدن سوريا الشمالية، والطبيب (سرجيوس الرسعني) المعروف باسم تيودوسيوليس الذي نقل عدداً لا بأس به من مقالات جالينوس إلى اللغة السريانية. وقد أنتجت هذه المدرسة نفسها الطبيبين المصنفين (بولس الأجانيطي) و (أهرون) وقد أثر عن هذا الأخير كتابه (الفتاوى الطبية) الذي نقل من السريانية إلى العربية وكان له أثره المحسوس في الطب الإسلامي في أوائل عهد العرب بالاشتغال بالعلوم الطبية

ومن الطريف أن نعرف كما يقول الأستاذ الدكتور ماكس مايرهوف أن الحجة الذي يحدثنا عن مدرسة الإسكندرية في عصر من عصور اضطراب الإسكندرية وركود حركتها العلمية إنما هو (الفارابي) الفيلسوف العربي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، يقول في كتابه عند ذكر الفلسفة اليونانية وهو كتاب مفقود الآن إلا فقرات منه وعاها كتاب (عيون الأنباء) لابن أبى أصيبعة تفيد أن إمبراطور المسيحيين كان يتدخل في حرية البحث والدراسة ويقصر ما يدرس من علم المنطق في كتب أرسطو على نقط لا تتعدى باب (الأشكال الوجودية) وكان يحرم دراسة ماعدا ذلك لتعارضه مع التعاليم المسيحية. ولا يهمنا ذلك إلا للدلالة على أن الإسكندرية لم تصبح قبيل الفتح الإسلامي وسطاً صالحاً للدراسة الحرة كما كانت من قبل، بل أصبحت الحركة العلمية فيها وقفاً على رجال الدين؛ ولم يكن من خير العلم أن يتناوله رجال الدين؛ فيخضعونه للدين وسلطانه

ويذكر الفارابي أيضاً أن أستاذه المسيحي (يوحنا بن حيلان) رفض أن يعلمه فصولاً بذاتها من علم المنطق لأرسطو كان محظوراً على فلاسفة الإسكندرية في ختام القرن التاسع الميلادي تعليمها إلا حين أبيح ذلك في وقت ما للمسلمين دون سواهم

ولا يعزب عن البال أن الحركة العلمية وإن تكن قد فقدت في الإسكندرية مرتعها الخصب فقد وجدت في النسطورية المنتشرة في الشرق الأدنى وتطرقها إلى جوف الإمبراطورية

ص: 42

الساسانية ما أيقظ في الناس هناك رغبة صادقة في العلم في شكله الهليني السرياني

ويعرف التاريخ أنا الإمبراطور (زينو) كان قد أمر بتحطيم مدرسة علمية نسطورية عام 489م كانت مزدهرة في (أودسا) فأعقبتها على الأثر مدرسة قامت في (نصيبين) ببلاد الفرس. ونرى أنه قامت بجند يسابور بإقليم خوزستان بفارس أيضاً مدرسة طبية ذات بال ظلت حتى القرن التاسع الميلادي، وفيها تخرج كثير من الأطباء الذين خدموا بلاط الخليفة العباسي ببغداد وجلهم من المسيحيين. ويهمنا ذلك للدلالة على أن النساطرة كانوا على أقل تقدير منذ القرن الخامس الميلادي يشتغلون بالعلم وبالطب خاصة في أودسا ونصيبين وجنديسابور من أعمال فارس فلم بكن غريباً أن يكونوا حلقة الاتصال بين علم الإسكندرية والعرب فيكون منهم نقلة هذا العلم والحفظة عليه في عصر عصفت فيه أنواء الاضطراب فهددت الثروة العلمية الهيلينية بالزوال

ويحدثنا الأستاذ ماكس مايرهوف عن وثائق قيمة يتضمنها كتاب تاريخ الحكماء لابن أبي أصيبعة وأصلها عن كتاب لأبي نصر محمد الفارابي مفقود تتضمن (أنه بعد خضوع الإسكندرية للإسلام انتقل مركز الثقافة منها إلى (إنطاكية) وهناك استقر طويلا حتى قضى معظم أساتذة العلم نحبهم غير رجلين هجرا إنطاكية يحملان ما اقتنيا من كتب، أحدهما من (حران) في أعالي أرض الجزيرة، والثاني من (مرو) في بلاد العجم. وكانا من تلاميذ (المروزي) هذا إبراهيم المروزى ويوحنا بن حيلان. أما تلاميذ (الحراني) فكان منهم القس (إسرائيل) و (الكويري) وهذا الاسم الأخير تحريف للاسم السريانى كيوريه اوقيرس

وقد أفادت بغداد من علم الكويري والقس إسرائيل وحنا بن حبلان ما أفادت وانتفع بلاط العباسيين بطب هؤلاء، وأخذت عن هذا وذاك الثقافة الإسلامية ما أخذت عن طب القدماء وفلسفتهم.

وكان انتقال مركز العلم من الإسكندرية مستقر العلم الهليني اليوناني إلى إنطاكية في خلافة عمر بن عبد العزيز ومن إنطاكية إلى حران في خلافة المتوكل العباسي. وانتهى العلم في زمن المعتضد إلى عالمين هما (الكويري) و (يوحنا بن حيلان) الذي مات ببغداد في خلافة المقتدر، وعن هؤلاء انتقل إلى (إبراهيم المروزي) و (محمد بن كرنيب) وأبى بشر متي بن يونس وهما تلميذان لإبراهيم المروزي. وينسب إلى متي هذا إنه علق على كتب

ص: 43

أرسطو في علم المنطق. وبوفاة متي هذا ببغداد في خلافة (الراضي) انتقلت الفلسفة العربية إلى أبي نصر محمد بن محمد الفارابي أحد تلاميذ حنا بن حيلان وهو أشهر من يرجع إليهم في المسائل الفلسفية من العرب والذي لم يكن ينافسه غير مسيحي واحد هو (أبو زكريا يحيى بن عدي)

ولقد سبق أن عرفنا أن دراسة الفلسفة اليونانية على الشكل الذي انتهت إليه في الإسكندرية هاجرت إلى (حران) مغادرة إنطاكية؛ وغدت حران بذلك وسطا لدراسة الفلسفة اليونانية، وعلم النجوم كما عرفه اليونانيون ولاسيما وقد صادفت هذه الناحية من نواحي الدراسة في حران فئة (الصائبة) من عبدة النجوم فوجدوا فيها مرتعاً ووجدت فيهم تلاميذ مخلصين. وهنا في حران نشأ بعض أعاظم فلكيي العرب أمثال (ثابت بن قرة) والبتاني وغيرهما

وقد تجلت العقلية العربية الهاضمة بكل مزاياها ومميزاتها في حركة النقل الكبرى في عصر المأمون فترجمت إلى العربية أشهر الكتب في كل ناحية من نواحي الثقافة. ويمكننا أن نعتبر هذه الثروة الفكرية الهائلة التي نجمت عن هذه الحركة أساس الثقافة الإسلامية كلها، وهي ثقافة متشعبة الأصول واسعة الأطراف يحتاج الإلمام بفكرة إجمالية عنها إلى مقال خاص

ولا غنى لطالب الثقافة الإسلامية عن الإلمام بالنواحي المختلفة التي شملتها هذه الثقافة وبعضها فكري بحت والبعض مادي له اتصال وثيق بالحضارة. وهذا الجانب المادي في اعتبارنا هو الطابع الجديد الذي طبعه العرب على وجه العالم منذ القرن السابع الميلادي حتى العصر الذي فشت فيه المدنية الأوربية بما استصحبت من ذوق جديد شغف العالم به فكان قاضياً على كثير من نواحي الحضارة الإسلامية، فحب الإيرانيين وشغفهم بتقليد الأوربيين في زمن الدولة الصفوية في القرن السادس عشر طبع التصوير الفارسي وهو مظهر من مظاهر الحضارة الإسلامية بطابع أوربي أفقده مميزاته الأساسية التي هي سر جماله وسحره، وانتشار الطراز الأوربي في البناء قضى في مصر مثلاً على الطراز التركي العثماني وهو آخر مدرسة من مدارس العمارة الإسلامية

ولعل هذه العناية التي بدت من جانب وزارة المعارف لإحياء الثقافة الإسلامية لا تكون قاصرة على إحياء الجانب الفكري منها، بل لعلها تتناول الجانب المادي أيضاً منها، فيعود

ص: 44

إلى الحياة طراز إسلامي في البناء تتسم به مصر الإسلامية وينبعث منها إلى البلاد الإسلامية المجاورة، وتعنى مصانع النسج بإخراج أقمشة ذات أنماط فارسية بارعة الجمال كالتي عرفناها في دراساتنا. وتتمتع بلادنا بمركزها الجغرافي بمكانة طالما أدت بها أجل الخدمات كوسيط بين الشرق والغرب. وقد أغرم الغرب يوماً ما بفنون الشرق والغرب. وقد أغرم الغرب يوماً ما بفنون الشرق وحضارته وكان ناقلاً عنه بإعجاب شديد. ويعي تاريخ الفنون كثيراً من المعلومات عما كان بالبندقية في القرن السادس عشر من مدارس فنية مهمتها تقليد التحف النحاسية الشرقية والخزف الشرقي وما كان لصقلية من (طراز) أو مصانع النسج التي كانت تخرج منتجاتها محاكية الأنماط المصرية والفارسية محاكاة تدعو إلى كثير من الاغتباط والإعجاب

ولنا في موضوع الثقافة الإسلامية جولات مستقبلة إن شاء الله نتناول في إيجاز حركة النقل ونشوء المدارس والجمعيات العلمية الإسلامية في مقالنا التالي

(دار الآثار العربية)

إبراهيم جمعة

خريج معهد الدراسات العليا للآثار الإسلامية بدرجة الشرف

ص: 45

‌بين العقاد والرافعي

(سارة) وغزل العقاد

للأستاذ سيد قطب

- 13 -

حديثي اليوم عن (سارة) وعن غزل العقاد، فما يصح - في الحقيقة - أن يكون إلى جانب الفن الممتاز، والحياة الدافقة، والعبقرية المرموقة، مجال للأحاديث التافهة، والجدال العقيم، والطبائع المغلقة. نحن هنا في حرم مقدس، فلا يليق تدنيسه بالأهاذير!

ولقد كنت أخذت بعد إجمال الرأي في مكانة سارة من الأدب، أشخص بعض خصائصها. وسأتمم اليوم ما بدأت؛ إلا أن هناك ملاحظة أحب أن أعرضها. فالقارئ لسارة، المتتبع لمواقفها وحالاتها النفسية، التي تجسم حتى تصبح شخوصاً ملموسة، يجد كثيراً من الحالات والشخوص التي تشابهها في قصائد العقاد الغزلية؛ وقد مثلت لهذا في الكلمة الماضية بقطعة (الحان المسجد). وليس هذا عجيباً، فالعقاد هو خالق هذه الشخوص هنا وهناك، ولكنه جدير أن يلفت النظر بدلالته على أن شخصيتي (همام وسارة) عميقتان في نفس الؤلف، وأنه استوعبهما في نفسه وحسه قبل أن يبرزهما على الورق (قصة) ومن هنا كانت حياتها، وكان امتيازها. وسيرى القارئ أمثلة أخرى للتوافق أو التشابه بين كثير من الشخوص النفسية في القصة وفي الديوان

من الخصائص الفريدة في (سارة) تلك الملاحظة الدائبة على تسجيل الحالات النفسية وإبرازها وتحليلها. فما من خطرة خاطرة، أو خلجة عابرة، إلا وهي واضحة مرسومة، تبلغ في وضوحها حد التشخيص. وفي هذا القول ما يشمل الخاصية الأولى التي أشرت إليها في الكلمة الفائتة من التفات همام إلى (كل ذرة في نفس حبيبته وكل لحظة من لحظات حبه) ولكنني أعني هنا أكثر مما عنيت هناك، أعني الحالات النفسية التي أحس بها همام، أو أحستها سارة، أو أحساها معاً في مدى حبهما كله. فمن هذه الحالات تبرز شخوص شتى، تساوي أحفل القصص بالشخوص الحقيقية التي تعيش في الحياة. والواقع أن (الشخوص النفسية) كما أسميها في (سارة) أعمق، والالتفات إليها أصعب، لأنها تعيش

ص: 46

فينفس من يرصد نفسه لملاحظتها وتسجيلها! فهي في حاجة إلى طاقة فنية كبيرة، وإلى ترتيب عقلي محكم، لكشفها وإبرازها

وكل شخص من تلك الشخوص لا يقل أصالة وفنية عن سواه، ولكنا نختار:

بعد قطيعة همام لسارة لقيته مصادفة، ودار بينهما حوار، واتفقا على أن تزوره في الساعة الخامسة موعدها القديم للقاء. ولكن هماماً كان قد ذاق قبل القطيعة ما ذاق، ثم آوى إلى ركن شديد واعتصم بالفراق والسلوان الكظيم. فلما كان هذا اللقاء المفاجئ، عادت إليه عقابيل الداء، ولم يعد مصمماً على انتظارها ولا مصمما على لقائها، و (العقاد) يصفه في يوم الموعد:

(ثم استيقظ في الصباح وهو يسأل نفسه كأنما يسأل مخلوقاً غريباً يجهل ما عنده من نية وشعور؟

(أتنوي أن تنتظرها في الموعد)

(فما هو إلا أن وضح السؤال في خاطره، حتى شعر بأنه سؤال غريب، يدل على ما وراءه، وحتى بدت له الدهشة من أن تكون هناك نية معقولة غير الانتظار!

(وهنا دارت في سريرة هذا الرجل - هذا الرجل الواحد - مناقشة عنيفة طويلة كأعنف ما تدور المناقشة بين رجلين مختلفين كلاهما مصر على عزمه، وكلاهما يحاول جهده أن يخدع الآخر ويستميله إلى رأيه، وكلاهما يبذل كل ما هو قادر عليه في هذا الحوار من أساليب الإقناع والأغراء والرياء والتصريح

- كيف لا تنتظرها؟ أتعطي سيدة موعداً ولا تنتظرها فيه؟ أهذا يليق برجل؟

- ولكنها ليست سيدة كسائر السيدات، ولا زائرة من زائرات المجالس العامة اللواتي تقع بيننا وبينهن هذه التكاليف إن هذه المجاملات أو هذه القيود لا حساب لها في العلاقات التي انطلقت من جميع القيود

- ولكن مم عساك أن تخاف؟ أنتظرها وقل لها: إنك لا تريد أن تراها بعد هذا الموعد!

- عجباً. . . أتجهل ما أخافه؟ أتجهل تلك الآلام التي لا حيلة فيها لمخلوق، ولا تزال تبتدئ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبتدأ لأنها تبتدئ من الشكوك، وليس للشكوك قرار حاسم ولا مقطع بيقين؟ أتجهل تلك الأشباح اللئيمة التي تطل عليك في أطيب أوقاتك

ص: 47

فتنغص عليك كل لذة، وتكدر عليك كل صفاء؟

- لكن علام كل هذه الشكوك التي ليس لها أول ولا آخر. . . اصرفها عنك مرة واحدة، وافرض أسوأ الفروض، وقدر أنها تخونك، وأنك تلهو بها في ساعات فراغك، ولا يعنيك من شأنها بعد ذلك إخلاص ولا خداع

- أأنت مخلص فيما تقول؟ وكيف تنقلب هذه المرأة التي كانت كل نساء الأرض عندي، وكل ما يخفق له قلبي، فتصبح بين مساء وصباح، وهى لهو ساعة، ومتعة فراغ؟ أهذا خداع يجوز على إنسان؟ أو تضمن إذا أنا اتخذتها لهواً ومتاعاً ألا يتمكن الهو وبطيب المتاع، وأننا لا ننكفئ بعد أيام أو بعد أسابيع إلى استغراقنا القديم، وشكوكنا القديمة، وعذابنا الأليم؟ لا، لا هذا مجال باطل، واستدراج لا يستر ماوراءه، وتزوير لا أرضاه

- (لكن الفتاة مليحة مع ذاك. . تصور بضاضتها وهى جالسة إلى جانبك في المركبة، وأنفاسها وهى تهب على خدك فتسري في جميع أوصالك، وقبلتها وهى ترتعش على شفتيك، وحلاوتها وقد زادها النحول في هذه الأشهر حلاوة على حلاوة، ونحولها نفسه وما ينبئ عنه ويكشفه لك من المودة والحنين، وتصور ذلك كله بين يديك في مدى بضع ساعات، وأنت مع هذا تفكر. . تفكر في ماذا؟ في نبذ هذه النعمة التي تسعى إليك، وفي الخوف والجبن والفرار!

- (هذا حق كله. إن الفتاة لمليحة ولا نكران. . ولكن!

- (ولكن ماذا يا أخي. .! انتظرها واله بها، ولا تدعها لغيرك ينال منها ما لا تنال. . . ولا تستضعف عزيمتك هذا الاستضعاف المهين، وأنت رجل ذو عزيمة ومضاء، فإذا عاودتك الشكوك فأنت قادر على قطع العلاقة بينك وبينها كما قطعتها من قبل، وإلا فأنت رابح ما استرجعت من متعة وسرور.

- (عزيمتي؟ وأين هي عزيمتي إن كانت لا تنجدني في هذا النزاع العنيف؟

- (إنها تنجدك في كل حين، ولكنك أنت لا تريدها الآن. . . لا تريد عزيمة الجفاء والقطيعة، ومتى أردتها غدا فهي حاضرة لديك، وهى في كل ساعة طوع يديك. . ومع هذا ألا يشوقك أن تستمع إلى حديثها عن أيام القطيعة بينكما؟ ألا يجوز أن تفسر لك بعض الغوامض، وتريك من البواطن ما ينقض الظواهر، وتصف لك من حالها في غيابها عنك

ص: 48

ما يهمك ولو من باب الدراسة والاستقصاء؟.

(وتعاقبت الساعات ساعة بعد ساعة في هذا الحوار الحثيث ولا قرار

(وتناول صاحبنا غداءه ولا قرار

(وجاءت الساعة الرابعة ولا قرار

(نعم لا قرار فيما يشعر به صاحبنا، أو صاحبانا المتحاوران، على أصح التعبيرين. غير أن الذي حدث بعد ذلك يدل دلالة لاشك فيها على أن الإنسان يقرر ما ينويه وهو لا يشعر ولا يعترف بشعوره، بل يدل على أن صاحبينا المتحاورين لم ينفردا بالميدان فيما شجر بينهما من عراك عنيف، وإنما كان معهما ثالث لا يدريان به، وهما ماضيان في الإقناع والإنكار.

(ففي الساعة الرابعة وبضع دقائق - والحوار على أشده بغير قرار - وجد صاحبنا أنه يلبس ملابس الخروج، ويفتح باب حجرته، وينحدر على الدرج، إلى حيث لا يعلم إلا أنه خارج من المنزل وكفى. ومضى في طريقه مهرولا كمن يمضي إلى غاية معلومة يخشى أن يفوته لحاقها، وركب سيارة لم يعرف إلى أين تحمله إلا بعد أن استقر فيها، واستطاع أن يمكث حيث ذهب ساعات ثلاثا لا ساعة واحدة ولا نصف ساعة كما كان يتمنى وهو يعالج أن ينجو من الموعد المحدود!

(ثم ساوره القلق، ودلف إلى منزله بالسرعة التي فارقه بها، واستحالت كل حيرته قبل الخروج إلى حيرة أخرى، أو شوق

آخر: وهو أن يعرف ما حدث في غيابه بجميع تفصيلاته: هل حضرت في الساعة الخامسة أو حضرت قبلها أو بعدها؟ وماذا قالت حين علمت بخروجه؟ وما بدا على وجهها وهى تصدم بهذه (المقابلة)؟ وإذا كانت لم تحضر فما الذي عاقها عن موعدها؟ ولماذا ضربت ذلك الموعد باختيارها؟ هل ضربته وهى تنوي أن تخلفه من اللحظة الأولى، أو طرأ الحائل بعد ذلك على الرغم منها؟)

أما الذي حدث بعد هذا، ففي القصة نبؤه والى هنا يستطيع القارئ أن يدرك الصدق والبراعة والامتياز في تصوير هذه الشخوص النفسية. ومتى علمنا أن القصة حافلة بها، أدركنا قيمتها الفنية، وقيمتها كذلك في الدراسات النفسية العالية.

ص: 49

ولعل مما تزيده هذه الحالة وضوحا قراءة هذه الأبيات بعنوان (النعيم المفقود)

فيم اجتنابك ظلها الممدودا؟

ولم اتقاؤك يومها الموعودا؟

ولأي طارقة كرهت مزارها

وذممت طالعه، وكان حميدا؟

تلك المآلف كنت تهتف باسمها

كيف اجتويت جنابها الممهودا؟

تخشى اللمام بها وتفزع أن ترى

شفة تردد ذكرها ترديدا

كانت سماءكما فأصبح وردها

كالقبر يغشاه النزيل وحيدا

وغدت كأنك حيث تقبل واجد

شبحاً هنالك للنعيم شريدا

الآن فاستقبل بكل محلة

رصداً يردك هائماً مزءودا

وأقم لنفسك في منازل لهوها

منفى على قرب الديار بعيدا

لا النيل مطروق الرياض ولا حمى

خوفو على تلك الذرا مقصودا

وترى دواعي (عين شمس) بُدّلت

لعناتِ شؤم ينتحين طريدا

يجني عليه بشوشها ويذوده

ما كان يجذبه إليه سعيدا

وجد الجحيم بكل أرض من رأى

في حيث سار نعيمه المفقودا

وإذا كنت لا أستطيع أن أستقصي الحالات النفسية في القصة، فلابد أن أشير إلى حالة الشك من ص24 إلى ص27 في القصة، وأن أنصح طلاب الأدب النفسي الرفيع بمراجعتها وقراءة قصائد:(يوم الظنون ص327 والحب المريب ص328 من الديوان. وكذلك فصل (القطيعة) والوعي الفني لحالة همام وسارة قبلها، وهما يندفعان في القرب واللقاء، ويندفعان في الوقت ذاته إلى القطيعة من حيث يشعران أو لا يشعران!، ولا يكون للحب من غذاء هذه الفترة إلا قوة الاستمرار من الماضي، وخوف المستقبل، لا الرغبة في البقاء والدوام وذلك من ص86 إلى ص90 من القصة. ومثلهما حالة (همام) بعد اليقين وسفر أمين في ص191 من القصة ومعها قصيدة اليقين ص339 وقصيدة السلو ص335 من الديوان

وفي قصة (سارة) عقد المؤلف فصلا بعنوان (لماذا هام بها؟) تقرأ هذا الفصل فترى فيها التفسير الكافي لا لحب (همام) بل كذلك لغزل (العقاد) كله في دواوينه، وتلمح فيه ذلك النضوج الفني والنفسي الذي ألمعنا إليه في خصائص (سارة) الأولى.

ص: 50

فقد (هام بها) أولاً: لأنها تعمقت في حياته، وتعمق في حياتها رويداً رويداً، وكانت الطبيعة من ورائهما تدفعهما إلى هذا التعمق، وتوغل بهما في دروبها ومنحنياتها، وهما يلتذان هذا الإيغال، لأن الالتذاذ به وديعة مذخورة في نفسيهما من ودائع الطبيعة الأريبة

(وهام بها) ثانياً: كما يقول لأنه وجد (لذة الاستكشاف الدائم المصحوب بالتجديد والتنويع، فإن الرجل ليسره أن يستكشف المرأة، ويسره إلا يزال واجداً فيها كل حين ميداناً جديداً للاستكشاف، ويسره أن يراقب المرأة وهى تستكشفه وتتخذ لها منسرباً إلى عواطفه، وترفع من دخائله حجاباً وراء حجاب، ويسره أن يستكشفا الدنيا معاً، والناس معاً والطبيعة معاً، بروح مركبة من روحين وجسد مؤلف من جسدين، وضياء كله شفوف وتجديد، وآفاق تنساح إلى آفاق

(فإن وقف الاستكشاف ولم يتجدد من جانب الرجل ومن جانب المرأة فقد يكون سبباً للسآمة والعزوف لا سبباً للشغف والهيام

(إن المرأة في استكشافها الرجل لكمن يجوس خلال الغابة المرهوبة ليهتدي أولاً وآخراً إلى موطن الرهبة منها ووسيلة الطمأنينة إلى تلك الرهبة؛ ثم يرتع في صيدها وثمرها ويشبع من مظاهر العظمة والفخامة فيها

وإن الرجل في استكشافه المرأة لكمن يجوس خلال الروضة الأريضة ليهتدي إلى مجتمع الظل والراحة والمتعة والحلاوة بين ألفافها وثناياها. فهو يستكشفها ليعرف أحلى ما فيها، وهي تستكشفه لتعرف أرهب ما فيه، ثم تصبح الروضة روضة وغابة، وتصبح الغابة غابة وروضة، ويقوم حواليهما سور واحد يشعران به إذا خرجا إلى الدنيا، ولا يشعران به وهما بنجوة منها

(وكان همام وسارة يتكاشفان كل يوم ولا يخفيان أنهما يتكاشفان، بل يتحدثان بما يعن لهما من شأنها وشأنه، كأنهما رحالتان في نزهة طويلة، يشتركان في مراجعة عمل النهار كلما سكنا إلى ظلال الخيمة في المساء

(كان يراقبها في نفسها ويراقبها في نفسه؛ كان يرى المرأة المرحة الطروب وهى تلهو وتعبث، ويرى المرأة الكسيرة المطواع وهى تلتمس الأمان والعزاء، ويرى الإنسانة الفطرية وهى تطيع الغريزة وتلبس (دورها) على مسرح الطبيعة بين نباتها وحيوانها

ص: 51

ومكانها وأهوائها، ويرى المرأة الذكية وهى تقرأ النثر والشعر، وتنتقد الصور المتحركة، ويرى المرأة العصرية وهى تتغلب على امرأة الجيل الغابر في ميدان، وتخضع لها وتنهزم أمامها في ميدان، ويرى من وراء ذلك جميعه، وفي كل ذلك جميعه، المرأة الخالدة التي لا تتحول ولا تتبدل، و (الأنثى) السرمدية التي يهمها من (الذكر) الحماية والجاه قبل كل شيء وبعد كل شيء، ولا يهمها العقل والرجحان والفضائل والمناقب إلا لأنها وجه من وجوه الحماية والجاه)

و (هام بها) ثالثاً: لأنهما (مازالا يتكاشفان ويتكاشفان حتى علما أنهما مكشوفان لا يتواريان في جنة لا ينبت فيها ورق التين، فكان هذا التكاشف سبباً ثانياً من أسباب هيام همام

(ومن أسباب هيامه بها ألفة متغلغلة في أنحاء النفس والجسد كألفة المدمن للعقار المخدر: من شاء أن يسميها حباً فهو صادق ومن شاء أن يسميها بغضاً فهو صادق، ولمن شاء أن يزعم أن المدمن يتعاطى عقاره وهو راغب فيه، ولمن شاء أن يزعم أنه يتعاطاه وهو ساخط عليه. فقصارى القول أنه يتعاطاه، وأن الإقلاع عنه يكلفه جهد الطاقة وغاية المشقة)

و (هام بها) لغير هذا وذاك وذلك من الأسباب، والقارئ خليق أن يقولها في نفس واحد، لقد هام بها لأنه رجل كامل الرجولة، ولأنها امرأة كاملة الأنوثة مع ما فيهما بعد ذلك من امتياز واختصاص

والناس يحبون، ولا يسألون أنفسهم لماذا أحبوا، ولا يكلفون أبطال قصصهم هذا السؤال. ولكن العقاد هو الذي يصنع ما يقول همام:

(أنا أستمتع بالشيء ثم أبحث عن فلسفته، وإنني لأبحث عن فلسفته كما يجيل الشارب الكأس في جميع جوانب فمه ولهواته، كما لا يبقى جانب من النفس لا يأخذ نصيبه من متاعه، فأحسه، واعمله، وأذكره، وأفكر فيه، وأستقصي معناه!)

وهذه الجملة مفتاح من مفاتيح أدب العقاد، ولاسيما غزله الذي يقف أمامه المغلقون، فيقولون هو غزل عقلي، تملؤه الفلسفة، وتقل فيه العاطفة. ولعلهم يعرفون الآن لماذا يتفلسف العقاد بعد الاستمتاع، ولعلهم يدركون أن هذه إحدى وسائله لتعميق الإحساس بالحياة، وإفساح جوانبها لمتعة العاطفة، وكل جوانب النفس الإنسانية

وأنت واجد بعد كل أولئك في (سارة) مظاهر واضحة لنضوج الحب في نفس (همام)

ص: 52

وفسحة النفس لتلقي أطيافه المختلفة، وفسحة أخرى لتلقي أنواع الجمال، وأنواع المرأة وإعطاء كل منهن ما تستحقه طبيعتها من الاهتمام والاتجاه. وخبرة تامة بنفسية المرأة الخالدة وغرائزها وخصائصها الأنثوية، وخبرة مثلها بنفس (سارة) ممثلة هذه المرأة الخالدة، وتصوير بارع لخصائصها ومميزاتها، وتدرك منه مقدار امتيازها واستحقاقها لحب (همام) وقد عقد عنها فصلاً بعنوان (من هي؟) ولكنك خليق أن تطلبها كذلك في غير هذا الفصل من مبدأ القصة إلى نهايتها، فأنت واجد في كل صفحة، وكل موقف جزءاً من (ماهيتها) التي حللها في الفصل المعنوي المحدود

وإنما أجمل هذا الأجمال السريع حيث يحلو التفصيل ويجمل لأنني استغرقت الفراغ المحدد لي من (الرسالة) ولم أتحدث عن (غزل العقاد) وإن كنت قد وضعت بعض الأسس للحديث عنه

فإلى اللقاء.

(حلوان)

سيد قطب

ص: 53

‌حول أدب الرافعي

بين القديم والجديد

للأستاذ محمد أحمد الغمراوي

- 4 -

أشفقنا على كاتب المقالات (بين العقاد والرافعي) من هول ما جنى على نفسه بتسخيره عقله لهواه فيما تصدى له، فدعوناه إلى أن يفيء إلى الحق ويسلك في أدبه سبيل القرآن قبل أن يحق عليه ما حق على كل مجانب لطريق القرآن من قبله. لكننا لم نكد نتم قراءة مناقشاته وشروحه التي بسط في العدد 262 من الرسالة حتى أيقنا أننا أمام مغرور لن يدع له غروره مرجعاً إلى حق، ولا رجوعاً عما هو بسبيله من مكابرة ومماراة

وكان أكبر ما أيأسنا وآسفنا منه في كلمته تلك جوابه على ملاحظة الفاضل الفلسطيني الذي نبهه بجلاء ووضوح إلى خطئه فيما اعتبره تناقضاً بين تلخيص الرافعي لرأي شوبنهور في الجمال وبين حقيقة ذلك الرأي. في ذلك الجواب بعد أن ذكر أن نصف تلك الملاحظة في موضعه قال: (وقد نشأ هذا عن اضطراب في ترتيب بعض اجمل! وكثيراً ما يقع مثل هذا فنكتفي بفطنة القارئ) ولكن مع هذا بقي التناقض بين قول شوبنهور وتلخيص الرافعي واضحاً). وأكبر المآخذ على هذا الكلام خلقي لا عقلي، وموضع المؤاخذة هو ما بين قوسين - والقوسان من عندنا - فقد كبر عليه أن يعترف بالخطأ صراحة فجعل يخادع عن خطأه بالتماس تعليل لا ينطبق على الواقع كما فعل بالضبط في مقاله الثالث حين أراد أن يخرج من رأي ارتآه في الرافعي إلى رأي. ومخالفة تعليله هذا للواقع يتضح من كلامه الذي انتقده الفاضل الفلسطيني من مقاله التاسع في العدد 260 من الرسالة. ونحن موردون الآن ذلك الكلام بنصه؛ قال:

(ثم هذا الخلط بين الرأي الذي جاء به الرافعي وبين رأي شوبنهور، ونسبة كلام إلى رجل يقول ضده تماماً. الفيلسوف يقول: إن الأشياء (تسرنا) كلما قربت من عالم الفكرة وابتعدت عن عالم الإرادة. فيقول الرافعي عنه: إن الأشياء (تحزننا) كلما ابتعدت من عالم الفكرة واقتربت من عالم الإرادة. وهو عكس قول شوبنهور. ثم يعود فيقول: (وإنها تفرحنا كلما

ص: 54

ابتعدت من عالم الإرادة واقتربت من عالم الفكرة. وهو عكس كلام الرافعي الأول!! فأيهما يريد؟ أغيثونا بالله يا أصحاب الفهم وقولوا لنا متى تفرحنا الأشياء ومتى تحزننا؟ وأي القولين ينسبه الرافعي لشوبنهور وأيهما ينفيه عنه؟)

هذا نص كلام سيد قطب الذي يزعم أن في ترتيب بعض جمله اضطراباً هو علة الخطأ الذي نبهه الفاضل الفلسطيني إليه، ويزعم وراء ذلك أن هذا الاضطراب الموهوم في ترتيب الجمل كثيراً ما يقع فيكتفي بفطنة القارئ! والقارئ يرى في الكلام اضطراباً ولكن في الفهم والحكم لا في ترتيب الجمل، فإن الجمل ترتيبها مستقيم كما يتضح لسيد قطب نفسه فإنه مدرس لغة عربية؛ وليس هناك شك في أن الجمل كانت مرادة كما هي بترتيبها ومعناها حين خرجت من قلمه أول مرة. لكن العزة تأخذه بالإثم فيحاول أن يفر من تبعة خطأ في الفهم قد يغتفر فيقع في تبعة ادعاء مخالف للواقع لا يمكن أن يغتفر بحال. ويزعم مع ذلك أنه يمثل مدرسة (جديدة تعنى بتصحيح المقاييس الأدبية عنايتها بتصحيح المقاييس النفسية)!

مثل هذه المكابرة في الواضح المحسوس هو الذي ييئسنا من هذا الكاتب أن يقر بخطأ أو يرجع إلى الحق إذا وضح مادام هذا الحق عليه لا له

وقد ارتكب سيد قطب ذلك الخطأ الخلقي ليفر من خطأ عقلي فوقع في خطأ جديد من غير أن ينجو من خطئه القديم. إن كلام الرافعي في تلخيصه شوبنهور كلام متسق لا ينقض أول منه آخراً ولا آخر أولاً. وإذا كان آخره يوافق رأي شوبنهور بإقرار قطب فأوله يوافقه أيضاً. إنما أراد الرافعي أن يفسر رأي شوبنهور ويقربه للذهن بتعليل معقول يزيل عنه غموضه وتجرده فلم يفهم قطب تفسير الرافعي واستمسك بجملة فيه قطعها عن أخواتها فبدت له كأنها تثبت ما يريد من تناقض الرافعي

شوبنهور يقول - فيما لخصوا له - إن الجمال يكون في عالم الفكرة المنقطع عن الأغراض والشهوات، ولا يكون في عالم الإرادة المتصل بالأغراض والشهوات. وهو كلام غامض ليس يسهل فهمه وتصوره، فالتمس الرافعي له توجيهاً وتعليلاً حسناً بقوله أن الجمال المتصل بغرضك وشهوتك ليس بجمال، لأن غرضك وشهوتك هما زينا الشيء لك فبدا جميلاً وإن لم يكن جميلاً في الحقيقة. فهو باعتبار الإرادة أي الغرض والشهوة جميل،

ص: 55

وباعتبار الفكرة المجردة عن الغرض والشهوة لا جمال فيه. فتعلق قطب بالكلمات (باعتبار الفكرة المجردة لا جمال فيه) كما يتعلق الغريق وقال إن الرافعي يناقض بها رأي شوبنهور! ولو لم يكن يفكر بهواه لا بعقله لرأى أن هذه الكلمات في كلام الرافعي راجعة إلى شيء في عالم الإرادة تعلق به الغرض والشهوة، وهذا الشيء في رأي شوبنهور غير جميل باعتراف سيد قطب نفسه. فقطب هو الذي لم يفهم عن الرافعي، ورمى الرافعي بأنه لم يفهم عن شوبنهور في كلام طويل جعل يشير فيه ويصيح ويستغيث.

هذا المقال يمثل من الناحية العقلية ضربا آخر من أغلاط قطب ويبرز علة أساسية في سوء تقديره الرافعي. إنه في كثير من الأحوال يخطئ غرض الرافعي ويفهم من كلامه غير ما أراد ثم يحكم عليه بما لم يرد وما لا يدل عليه كلامه: يسرف على نفسه وعلى الرافعي في الحكم وهو في الحقيقة قد أخطأ جوهر الموضوع.

خذ مثلاً لذلك رميه الرافعي بأنه ينظر إلى الأمور نظرة مادية ويذكر نفسه وقلبه في سوق (المجوهرات) معتقداً أنها أثمن من القلوب إلى آخر ما تشدق به وافترى على الرافعي.

وسيد قطب يلقي الدعاوى ثم يثبتها بأمثلة، وهو طريق في إثبات الدعاوى غريب لا يثبت منها شيئاً ولو صحت الأمثلة كلها. ومع ذلك فإن كل مثال جاء به سيد قطب ليثبت به دعواه تلك هو مثال أخطأ فيه غرض الرافعي وأخطأ لب الموضوع

إن أول ما هاج قطب إلى تلك الدعوى قول الرافعي من قصيدة له في الحب معجبة:

قلبي هو الذهب الكري

م فلا يفارقه رنينه

قلبي هو الألماس يع

رف من أشعته ثمينه

وواضح أن هذه كأبيات العقاد التي ذكرها اللبابيدي، من باب التشبيه ومن التشبيه في ناحية مخصوصة واضحة في كل من البيتين. فالرافعي يشبه قلب نفسه بالذهب الكريم لا من ناحية سعره وقيمته - ولو قال الرافعي هذا ما كان فيه عليه من بأس إذ يكون واضحاً عندئذ أن قلبه في القلوب كريم كالذهب في المعادن - ولكن من ناحية أن عاطفته النبيلة لا تفارقه كما لا يفارق الذهب رنينه. والذهب في لغة العلم فلز نبيل لا يصدأ في الجو ولا تؤثر فيه الأحماض ولا القلويات وإن أثر فيه الكلور المتولد. فكأن الرافعي يقول إن قلبه يحتفظ بنبله وطهارته رغم المغريات والفتن كما يحتفظ الذهب برنينه رغم المصدئات

ص: 56

والمغيرات. واختيار الرافعي خاصة الرنين من بين خواص الذهب رمزاً لتلك الخواص ينطق بلطف شاعرية الرافعي وسلامة طبعه، فإن خاصة الرنين أشبه خواص الذهب بعواطف القلب: هذه يثيرها ويحركها وقع الحوادث والمناظر، وذاك يثير موجاته نقر القضبان والأنامل. فليست القافية هي التي ألجأت الرافعي إلى اختيار كلمة الرنين، ولو فعلت لكان ذلك أوثق لشاعريته، لأن من أصدق الدلائل على شاعرية الشاعر ألا تصرفه قافية عن غرضه، ولا تستنزله عن بعضه، بل تخدم قافيته غرضه فيجتمعان له كلاهما في سهولة ويسر. وهذا من أصدق مظاهر الطبع في الشعراء

والمهم في بيت الرافعي أنه لم يشبه قلبه بالذهب من حيث قيمته ولا من حيث نوع رنينه، بل في الخاصة الواحدة التي يمتاز بها الذهب من سائر الفلزات غير النبيلة: أنه لا يفارقه رنينه، وإن اختلفت عليه المؤثرات والظروف. وهناك فلزات أخرى كالنحاس والفضة لها رنين قد يكون في الأذن أوقع من رنين الذهب لكن هذا خارج عن مقصد الرافعي. إنما الذي يريد الرافعي توضيحه بالتشبيه هو ثبوت قلبه للحوادث وعدم ذهاب المغريات والأهواء بلبه كما تذهب بأكثر القلوب والألباب. فهدته شاعريته إلى تشبيه قلبه في هذه الخاصة التي تميزه في القلوب بالذهب الكريم الذي يمتاز من غير النبيل من أفراد جنسه باحتفاظه بخواصه ورنينه، على رغم المؤثرات المغيرة، لا يشركه في ذلك فضة ولا حديد ولا نحاس

أما نوع العاطفة التي يستجيب بها قلبه للحوادث فقد أشار إليها ألطف إشارة في البيت الأول حين وصف الذهب بأنه الذهب الكريم. ويشهد للطف حس الرافعي في الشعر أنه اختار هذا الوصف دون كل الأوصاف التي يستقيم بها الوزن. فلم يقل مثلاً قلبي هو الذهب الثمين فيدع لكل متجن مترصد متكأ يتكئ عليه في تهمته التي يتهم بها. والرافعي طبعاً لم يكن يعرف الغيب لكن الشاعر المطبوع يتجنب المزالق بلطف حسه وقوة طبعه. وهذا مظهر آخر من أصدق مظاهر الشاعرية والطبع في الشاعر المطبوع

لكن الرافعي أراد أن يتبع تلك الإشارة اللطيفة إلى نبل قلبه بما يظهرها ويوضحها فلا يكون هناك شك في نبل ما يتحرك به قلبه من عاطفة، كما لم يكن هناك شك بعد بيته الأول في ثبوت قلبه على تلك العاطفة برغم الفتن والأحداث. أراد ذلك فأتبع بيته الأول بيته

ص: 57

الثاني:

قلبي هو الألماس يع

رف من أشعته ثمينة

والألماس يعرف بعدة خواص: يعرف بكثافته النوعية، ويعرف بصلابته، فهو يخدش ولا يخدش. لكن هاتين الخاصتين لا تصلحان مطلقاً لأن تكونا وجه شَبه بين الألماس وبين قلب الرافعي، لأنها إلى وصف القلب بالغلظة والقسوة أقرب. فهدى الرافعي لطف حسه وصدق طبعه مرة أخرى إلى اختيار الخاصة الواحدة من خواص الألماس التي تليق أن تكون جامعة بين الألماس وبين قلب مثل قلب الرافعي: خاصة أخذ الألماس للنور والتأثير فيه بتفريقه إلى أضوائه المتعددة بألوانها الزاهية الجميلة، ثم إرسال تلك الأضواء كلها مجتمعة غير مشتتة فتخرج منه باهرة يكاد بريقها يذهب بالبصر. وهي خاصة يشرك الألماس فيها الزجاج والبلور إلى حد ما، ولكن لا بتلك الدرجة التي اختص بها الألماس والتي هي أساس تقدير الناس له، فالألماس بهذه الخاصة الفريدة أشبه قلب الرافعي، وأشبهه قلب الرافعي فيما يتناول ويجمع من مختلف الأحاسيس الكريمة والعواطف النبيلة فيهذبها وينظمها ويرسلها أشعة قلبية كريمة طاهرة باهرة تعرفها في مقالاته رحمه الله في الرسالة، وتعرف قلبه بها في القلوب كما يعرف ثمين الألماس بأشعته من مزور الألماس.

أرأيت دقة هذين التشبيهين وحسن التمثيل فيهما وشموله وكرم المعنى مع كرم اللفظ؟ هذا هو الذي أخطأه سيد قطب فلم يفهم من ذلك اللفظ الواضح إلا ما تبادر إلى ذهنه من المعاني السطحية السوقية المتعلقة بالماديات وسوق (المجوهرات)، فيزعم أن هذا هو مراد الرافعي، ويحكم على الرافعي به وما يحكم إلا على نفسه. ولو كان العقاد هو قائل هذين البيتين لأدرك قطب منهما هذا المعنى الذي وضحنا مع تمام التطابق في أوجه الشبه بين طرفي التشبيه، ولأتخذهما دليلاً لا على نبل العقاد وسموقه وتفرده فقط كما يجب أن يقول، لكن أيضاً على اتساع ثقافته وعلمية تفكيره. لكن اصطناع المعاني العلمية في الأدب يحتاج فيما يظهر إلى شرط آخر حتى يعجب سيد قطب، يحتاج بعد الفهم إلى أن يكون مصطنع ذلك في الأدب هو العقاد.

على أن الرافعي رحمة الله عليه لم يكتف بما في بيتي التشبيه من دلالة على ما يريد مما فصلناه، بل أراد ألا يدع الأمر في ذلك للفهم وقد يخطئ، ولا للتأويل وقد يختلف، إذ قد

ص: 58

يكون القلب ما يكون ويزعم صاحبه أنه نبيل يخفق بكل نبيل من العاطفة والشعور. أراد الرافعي أن يرفع الشك من هذه الناحية بالتصريح عما يريد فيكون ذلك تلخيصاً لمراد البيتين وتفسيراً لهما وقطعاً للشك في معناهما فأردفهما رحمة الله عليه بقوله:

قلبي يحب وإنما

أخلاقه فيه ودينه

فهو يتأثر بالجمال في شتى مظاهره ومواطنه، لكن تأثره بالجمال وإن عظم لا يخرجه عما يرضي الخلق الكريم والدين القويم كما تخرج أكثر القلوب خصوصاً في هذا الزمن الغريب الكنود الذي كأنما طابع أهله الجحود فيأبون إلا أن يجعلوا شكر الله على نعمة الجمال معصيتهم لله فيه. ولا كذلك الرافعيُّ، فقلبه رحمه الله كان يستجيب لدواعي الجمال فيخفق له خفقاً ويهتز به اهتزازاً لكن من غير أن يخرج في ذلك عما يعلم أن لله فيه رضا. قلبه يحب وإنما أخلاقه فيه ودينه. وهذا عندنا من الفروق الأساسية بين المدرسة القرآنية التي ينتسب إليها الرافعي وبين المدرسة التي تتلقب بالجديدة وهي قديمة قدم الشهوة على وجه الأرض. وقد أشرنا إلى ذلك في كلمتنا الأولى ونرجو أن تكون لنا إليه عودة قريبة إن شاء الله

هذان موضعان أخطأ فيهما ناقد الرافعي غرض الرافعي برغم وضوح كلامه، فأخطأ لب الموضوع واتخذ ذلك دليلاً على ما الرافعي منه بريء

وموضع ثالث أخطأ فيه جوهر الموضوع مرة أخرى واتهم الرافعي، قول الرافعي فيما نقل الكاتب من رسائل الأحزان حين أراد أن يقص على صاحبه قصة حبه بغير ترتيب:(فإن هذا مما يحسن في تاريخ صخرة تتدحرج، أما أنا فسأقدم لك تاريخ لؤلؤة فريدة) هذا قول الرافعي الذي جعله سيد قطب مثالاً لمادية الرافعي ومغالاته (بالمجوهرات) إذ لا فرق لدى الفنان الحي بين أن يقص تاريخ صخرة وتاريخ لؤلؤة إلا أن يكون (الثمن) هو الفارق بينهما. والفنان الحي الذي يستشعر الحياة في أعماقها في رأي قطب كان يقول في هذا الموضوع إنه سيقص قصة بنية حية يدخل في تأليفها الحس والشعور (أو تاريخ نبتة تنمو من داخلها أكثر مما تنمو من خارجها) إلى آخر ما أظن أنه يدل على حياة الفنان. ولو جاء الرافعي بمثل ما قال صاحبنا ما سلم من قوارص كلمه وباطل تهمه. وإذا كان كتاب يضطرم بالحب ويتضرم بآثاره لا يدل عند مثل سيد قطب على حياة القلب الذي زاد به

ص: 59

العذاب حتى فاض بالكتاب تنفيساً عن نفسه، فهل كان يدل على حياة ذلك القلب عنده أن يمثل في جملة عارضة بنبتة حية أو بنية حية، أو ما شاء أن يختارها من عالم الأحياء؟

على أن النبتة الحية أو البنية الحية التي يدخل أو لا يدخل في تكوينها الشعور لا تغني شيئاً في التمثيل لما أراد الرافعي أن يمثل له. إن الرافعي أراد أن يقول أنه سيقص قصة حب قليل الشبيه عزيز النظير: حب نادر كاللؤلؤة الفريدة لا حب عادي كالصخرة المتدحرجة. فالنبتة الحية أو أي بنية حية يقترحها قطب مما قرأ في علم الأحياء هي والصخرة المتدحرجة سواء في العادية والشيوع، من شاء يضع يده على مثلها وضع. ولو مثل الرافعي بها للحب القادر الذي يريد أن يقص قصته لما كان هو الرافعي في لطف حسه وسلامة طبعه ونفوذ بصره وصدق تمثيله، ولوقع فيما لا يصح أن يتهم من أجله بأنه شكلي ينظر إلى ظواهر الأشياء ولا يفقه بواطن الأمور. لا! ما كان الرافعي في مقام التمثيل للشيء الفريد النادر ليقع فيما كان يقع فيه صاحبنا الفنان الحي من التمثيل بنبتة حية أو بنية حية، دخل في تأليفها شيء غير الزمان والمكان أو لم يدخل. لكن الرافعي اختار للتمثيل شيئاً نادراً قابله بشيء عادي هو الصخرة المتدحرجة من السهل أن يراه الإنسان في مكانه المناسب

ومن الغريب أن الرافعي اختار للتمثل لحبه النادر الذي كان، شيئاً فريداً لا ينتج إلا من الحياة، ومن الحياة عند ملتقى بحرين، وإن كان هو في ذاته غير حي. وكلها أوجه شبه بين اللؤلؤة الفريدة وبين حب الرافعي الذي كان. فهو حب فريد أنتجته الحياة عند ملتقى قلبين أو نفسين مختلفتين في النوع اختلاف البحر والنهر وبينهما مع ذلك من الصلات الفطرية الوثيقة ما بين البحر والنهر. ثم هو حب كان وانقضى فهو كاللؤلؤة لا في الانفراد فقط ولكن في انقضاء النمو وفي عدم الحياة. ترى هل كان الرافعي رحمه الله ينظر إلى كل ذلك حينما مثل لحبه باللؤلؤة الفريدة ولم يمثل بالماسة الفريدة مثلاً، وهي والصخرة من قبيل واحد؟ أكبر الظن أنه كان ينظر إلى كل ذلك في مثله الذي اختار. ولئن لم يكن واختار بفطرته المثال الواحد الذي يشبه حبه من كل تلك الوجوه فلقد أقام من حيث لا يقصد الدليل الحسي الذي لا ينقض على انه رجل الفطرة السليمة والطبع الذي لا يضل. ولا يضره بعد ذلك ألا يسمو إلى فهمه أناس يتهمونه اتهام البغضاء، وهو مما يتهمونه براء

ص: 60

وهناك أمثلة أخرى كثيرة أخطأ فيها سيد قطب جوهر الموضوع، لكنا نقتصر الآن على ما هو من قبيل الأمثلة السابقة في غير تفصيل إذ لا نرى الآن إلى التفصيل من حاجة.

هناك قول الرافعي عن الأعرابي الذي كانت الشمس تلوح له على حائط حبيبته أحسن منها على حيطان جيرانها: (قد والله صدق وبرت يمينه فإن في كلماته الشعرية لأثرا من عينيه، إذ يرى الشمس على حائطها كالشمس على البلور الصافي لا على الحجر والمدر) فظن سيد قطب أن الرافعي اختار البلور لأنه أثمن من الحجر والمدر، وليس كذلك؛ إنما اختاره لفعله في أشعة الشمس وتفريقها إلى الألوان المحببة التي يفرح بها الصغار إذا نظروا إلى الأشياء من خلال منشور من زجاج الثريات والتي تبدو للكبار إذا ترقرق الندى في ضوء الشمس في الصباح، وتبدو للكبار والصغار إذا انعكس الضوء المائل عن مرآة سميكة من البلور. ولا شك أن الأعرابي في سذاجته لو رأى الشمس ساطعة على (حائط) من البلور لراقته تلك الألوان ولفضلها على الشمس على بقية الحيطان. لكن سيد قطب برغم قراءاته في علم الضوء في الطبيعة لم يفهم عن الرافعي ما أراد فاتهمه مما هو منه براء

وهناك قول الرافعي في رسائل الأحزان: (ثم يجري كلامه فيها شعراً خالداً مطرداً كنهر الكوثر في رياض الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت). قال الرافعي هذا فزعم صاحبنا أن الرافعي لا يتشكك في أن النهر الذي حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت (أجمل) من النهر الذي حافتاه من العشب الأخضر ومجراه على الرمل والطين. ولا ندري كيف استباح أن ينسب إلى الرافعي كلاماً لم يقله ومعنى لم يقصده، وهو على أي حال فيه بعد حتى عن الواقع. فالنهر لا تكون حافتاه دائماً من العشب الأخضر، ولو كانتا فإن الرافعي لم يذكرهما بعشبهما، ولو ذكرهما ما كان ذلك حكماً منه للذهب بأنه أجمل من العشب لأن المقام ليس مقام تمثيل للجمال ولكن مقام تمثيل للخلود والاطراد. وليس هناك من شك، حتى عند مثل سيد قطب فيما نظن، في أن الذهب أمكن في الخلود والاطراد من العشب، بل ولا في أن العشب إنما يضرب به المثل في التغير والزوال لا في الاطراد والخلود، مهما كان حظه من الجمال. فماذا يقول الإنسان فيمن يتصدى لنقد أديب أيا كان، بله مثل الرافعي في أدبه، فيقرأ له ولا يفهم عنه، أو يفهم ولكن غير ما يريد أو عكس ما يريد مع وضوح اللفظ ووجود النص، ويتقول على الأديب غير ما قال، ويتجنى عليه غير

ص: 61

ما يقصد، ثم يسرف عليه ويطيل فيه القلم واللسان، فإذا ما نبه إلى غلطه مضى في التجني والتجرم وزعم أن زلة الأديب المنقود زلة بألف، ككذبة الذي يقول أنه رأى أسدا يسير في شوارع القاهرة؟ ماذا يقول الإنسان في ناقد كهذا جديد أو قديم؟ وماذا يظن في إنسان كهذا؟

إن الرافعي هو المسكين لا شوبنهور!

محمد أحمد الغمراوي

ص: 62

‌تيسير قواعد الإعراب

لأستاذ فاضل

- 2 -

ولابد من تقدير الإعراب في الجمل أيضاً، لأنه قد يعطف على الجملة اسم مفرد يراعى فيه تقدير إعرابها، فيجب من أجل هذا تقدير الإعراب فيها، ومن ذلك قول الشاعر:

يا رُبَّ بيضاَء من الْعَواهِجِ

أمِّ صبيٍ قد حَباَ أو دَراِجِ

ومن قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي)

فإذا قلنا - زيد يحسن - فزيد مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة يحسن خبر المبتدأ مرفوعة بضمة مقدرة. وهكذا كل الجمل التي تقع خبراً عن مبتدأ أو حالا أو صفة أو نحو ذلك؛ أما الجمل التي لا تقع هذا الموقع فلا يقدر إعراب فيها

وقد ثبت من هذا كله أن ألفاظ العربية كلها معربة، ومن الواجب أن ينقل الإعراب بعد هذا إلى اصطلاح غير الاصطلاح المعروف له، لأن اصطلاحهم في الإعراب أنه عبارة عن تغير أحوال أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً، والإعراب على هذا لابد له من عامل يقتضيه، فإذا لم يكن هناك عامل لم يكن هناك إعراب، ولهذا كانت الحروف وبعض الأفعال عندهم غير معربة. وقد ذهب بعض من النحويين إلى إعراب فعل الأمر فلم يكن له بد من تكلف عامل في إعرابه لأنه لا يوجد إعراب لا عامل له، والكوفيون هم الذين ذهبوا إلى إعراب فعل الأمر، وهو عندهم مجزوم بلام أمر مقدرة، لأنه في رأيهم مقتطع من المضارع، فأصل - قُمْ - مثلاً - لِتَقُمْ - حذفت اللام للتخفيف، وتبعها حرف المضارعة وهو التاء، وقد قال صاحب المغني: وبقولهم أقول، لأن الأمر معني فحقه أن يؤدى بالحرف، ولأنه أخو النهي وقد دل عليه بالحرف

أما الإعراب في الاصطلاح الذي ننقله إليه فهو عبارة عن تغير أواخر أجزاء الكلام على حسب ما جاء عن أهل اللغة، فلا يلزم في الإعراب على هذا الاصطلاح أن يكون معه عامل مقتض له، ولهذا يجيء عندنا في الحروف والأفعال التي يرى القوم أنها مبنية لا معربة، وهذا الاصطلاح يغنينا عما تكلفوه من العوامل في بعض المواضع التي جاء الإعراب فيها بدون عامل، كالمبتدأ الذي يتكلفون له عاملاً يسمونه الأبتداء، وكالمضارع

ص: 63

الذي يتكلفون في رفعه عاملاً يسمونه التجرد من الناصب والجازم

على أن هناك ما هو أهم من هذا في ترجيح اصطلاحنا في الإعراب على اصطلاحهم وما يثبت به أن هذا هو معنى الإعراب في اللغات المعربة، لأن اللغات الغير معربة هي التي تنتهي أواخر كلماتها بالسكون دائماً ولا فرق في ذلك بين أسمائها وأفعالها وحروفها، وهذا كما نراه في لغاتنا العامية وغيرها من اللغات التي لا إعراب فيها، أما اللغات المعربة فهي التي لا تلزم أواخر كلماتها هذه الحالة من السكون، بل يتغير آخرها من ضم إلى فتح إلى كسر إلى سكون على حسب ما جاء عن أهلها، فيجب أن يكون الإعراب فيها بهذا المعنى فلا يختص به نوع من ألفاظها، ويكون عاماً في كلماتها كلها، ويشمل في ذلك أسماءها وأفعالها وحروفها

وقد ذكرنا أن الكوفيين يذهبون في فعل الأمر إلى أنه معرب لا مبني، وهذا يدل على أن مسألة الإعراب والبناء مسألة تقديرية، وأنه لا شيء في أن نذهب فيها ذلك المذهب الذي يتفق مع تلك الغاية التي تريدها وزارة المعارف من تسهيل قواعد الإعراب، وقد جاء عملنا فيها أتم من عمل جماعتها وأعم إصلاحاً منه، وأقرب إلى الغاية التي تريدها، كما جاء دليلاً على أنها كانت مخطئة حينما تناست رجال الأزهر في هذا العمل الذي ألفت من أجله هذه الجماعة ولم تظم إليها من الشيوخ الأزهريين من يهمه أمر هذه اللغة كما تهمها

العلامات الأصلية والفرعية للإعراب

ترى الجماعة في هذا أن تجعل كلا من هذه العلامات أصلاً في بابه، وأن يقسم الاسم المعرب إلى الأقسام الآتية:

1 -

اسم تظهر فيه الحركات الثلاث وهو اكثر الأسماء

2 -

اسم تظهر فيها الحركات الثلاث مع مدها وهو الأسماء الخمسة

3 -

اسم تظهر فيه حركتا الضم والفتح وهو الممنوع من التنوين

4 -

اسم تظهر فيه حركتا الضم والكسر وهو الجمع بالألف والتاء

5 -

اسم تظهر فيه حركة الفتح وحدها وهو الاسم المنقوص

6 -

اسم تظهر فيه ألف ونون أو ياء ونون وهو المثنى

7 -

اسم تظهر فيه واو ونون أو ياء ونون وهو المجموع بهما ويستغنى بهذا عند الجماعة

ص: 64

عن الإعراب التقديري، وعن القول بنيابة علامة عن علامة

وقد عرفت أنه لا يمكن الاستغناء عن الإعراب التقديري، فلا نعيد ذلك هنا، وكذلك لا يمكن الاستغناء عن القول بنيابة علامة عن علامة، لأن اسم الضم كالمرادف لأسم الرفع وكذلك الفتح مع النصب، والكسر مع الخفض أو الجر؛ فإذا حصل رفع بغير الضم أو نصب بغير الفتح أو خفض بغير الكسر كان الأقرب إلى الفهم في ذلك أن يجعل بطريق النيابة، فيكون ما ذهبت إليه الجماعة فيه تعسيراً لا تيسيراً، وليس هناك ما يدعو إلى ارتكابه من اختصار في الإعراب أو نحوه، بل الأبواب هي الأبواب بحالها، والعلامات هي العلامات بدون تغيير فيها، الله إلا ذلك التغير الذي لا طائل تحته

فيجب أن تبقى علامات الإعراب على حالها، وأن تكون علاماتها الأصلية هي الضم في الرفع، والفتح في النصب، والكسر في الخفض، والسكون في الجزم، وأن تكون علاماتها الفرعية كما هي بدون زيادة أو نقص فيها إلا علامة واحدة نرى زيادتها في باب النداء، لأن المنادى فيه إذا كان مفرداً ينصب بالضم وما ينوب عنه من الألف والنون أو الواو والنون، فتكون الضمة في ذلك نيابة عن الفتحة، وقد نابت الكسرة عن الفتحة في جمع المؤنث السالم، ونابت الفتحة عن الكسرة في الاسم الذي لا ينصرف، فلا شيء في أن تجعل الضمة وما ينوب عنها نائبة عن الفتحة في المنادى إذا كان مفرداً

فيقال في إعراب - يا أحمد - أحمد منادى منصوب بالضمة نيابة عن الفتحة، وفي إعراب - يا زيدان - زيدان منادى منصوب بالألف النائبة عن الضمة نيابة عن الفتحة، وفي إعراب - يا زيدون - زيدون منادى منصوب بالواو النائبة عن الضمة نيابة عن الفتحة، وفي إعراب - يا سيبويه - سيبويه منادى منصوب بالضمة المقدرة نيابة عن الفتحة، ولابد من تقدير الضمة في المثال الأخير كما قدرت فيه عند الجمهور، لأن ظهورها في تابعه دليل على تقديرها فيه

ولا شك أن تقدير الجمهور للضمة في نحو - يا سيبويه - فيه تقريب لما ذهبنا إليه من تقديرها في نحو - جاء سيبويه - لأن الذي منع من ظهور الضمة عند الجمهور في نحو - يا سيبويه - إنما هو حركة البناء الأصلي، وهذا هو عين ما ذهبنا إليه من جعل هذه الحركة موجبة لتقدير الاعراب، وجعلها في ذلك كألف المقصور وياء المنقوص سواء

ص: 65

بسواء

(يتبع)

أزهري

ص: 66

‌رسَالة الشَعر

الشاعر في مصر

شكوى

للأستاذ محمود عماد

جبالٌ ووديانٌ جِهامٌ وآجامُ

أُذللها بالصبر أم تلك أيامُ؟

وما جهدُ هذا الصبر حتى أسومه

صعاباً بها ناءت نجومٌ وأجرامُ؟

لعلى نجم ضلّ فيها مدارَه

فأسقطه نحسٌ إلى الأرض جشّام

وإلا فكيف اندك في الأرض جِرمهُ

ولاح دخان يحتويه وإظلام؟

أذلك شِعري أكتوي بلهيبه

وفي الشعر ترويحٌ إذا اشتدّ إيلام؟

وذلك فضلي أبهمتني غيومه

وهل آية الفضل المؤثّل إبهام؟

وهل هذه الدنيا التي في نعيمها

تحجبت الأخرى فلم يُهدَ أقوام؟

لئن يَهنهِم فيها طعامٌ ومتعةٌ

فإني ليهنيني صيام وأسقام!

أما قيل إن الصوم يسمو بحسِّنا

إلى حيث لم تبلغ على الأرض أحلام؟

بلغتُ إذن بالشعر ما فات وهمهم

وإن خيل أنّ الشعر في الكون إيهام

نعمتُ به في شقوتي فهو دوحة

وعيشي صحارى لم تطأهن أقدام

إذا اشتدّ بي حَرٌّ أرحتُ بظلِّه

فراوحني منه نسيمٌ وأنغام

وطاف بصحرائي من الوحي طائف

وهل في سوى الصحراء وحي وإلهام؟

فيالكَ من شعر بدنياي كلها

شريتُ. ألا غبنٌ هناك وإلزام؟

ويا أمّةً أعلنتُ فيها رسالتي

أكلُّكِ فرعونٌ لموساه ظلامّ؟

ألفتِ خوارَ العجلِ حيناً فإن شدا

هزارٌ نولّي سمعَكِ اليوم إبهام!

إذا كان لَغوُ السامريَّ حقيقةً

فتوراةُ موسى في بني مصر أوهام

وإن كان حبْوُ العاجزين تقدما

فإن بحسبي أن عدَوْيَ إحجام

سيلبث شعري رمزَ ظلمٍ وعزةٍ

بمصر كما في الدهر ترمز أهرام

يقولون لا تجزع ستظفر في غدٍ

يذكر وللتاريخ في الناس أحكام

ص: 67

فأهونْ به ذكراً، لكي ما أناله

أموت ابتداءً ثم تمحق أعوام!

متى كانت الأموات تهتزُّ غبطةً

بذكر ويشفيها من الموت إعظام؟

تعلاتُ إفلاس ومَن فاته الغنى

يقلْ إن فقرَ المرء صونٌ وإكرام

ولكن رويد المترفين فربما

نعمنا بما نالوا وهم عنه نوّام

نرى الزَهرَ في جناتهم فيروقنا

ويا ربما هم ما رأوه وما شاموا

لقد جهلوا فيه الجمال وما دروا

بأن فريقاً بالذي جهلوا هاموا

ولو قيل فيه من طعامٍ لأقبلوا

أما تأكل الزهر المقدسَ أَنعام؟

يزينون بالأصنام أبهاَء دورهم

وما عزّت الأبهاَء من قبل أصنام

لقد جلبوها لا لفنٍ وإنما

بها من سجاياهم جمودٌ وإعجام

وهذا قضاءٌ ما خلا من عدالةٍ

جمودٌ ومالٌ. أو شعوررٌ وإعدام!

إذا أنت لم تفقد لدى الكون مطلبا

فما أنت بحاثٌ ولا أنت مقدام

محمود عماد

ص: 68

‌عودي إلي.

. .

(إلى التي أنتظر صوتها. . . لأحس بالحياة!)

للأستاذ محمود حسن إسماعيل

لا زلتُ أَنتَظرُ اللِّقاَء. . وأنَه

عَهدٌ لِمَنْ صانَ العُهود قَسَمْتِهِ

عَهْدٌ تَرَكتِ به الحَبيبَ مُضيَّعاً

ما ضَرَّ يا دُنْيا المُنَى لوْ صُنتِهِ؟!

خَلَّفْتني. . وعلى (المَسَرَّةِ) خاطري

أَمَلٌُ عَلَى أَسلاكِهاَ ضَيَّعْتِهِ

تَهفْوُ لها أُذُنْي كأنَّ بقَلبها

لحنا عن الوتَر الحَزينِ حَبَسْتْهِ

وكأنَّ صَمْتَ حَدِيدِهاَ تَغْريدةٌ

سَوْداءُ في نايي الذّي يَتَّمْتِهِ

خَرْساءُ يَصْخَبُ في ظلالِ سُكونِها

لَهَبٌ بِكَفِّكِ للمُنْى أَشعَلْتِهِ. . .

عُوديِ إلَيَّ. . وَأَسرِعي لِمُدَلّهٍ

طَلَبَ الخُلْودَ من السَّماءِ فجِئتْهِ

وذَهَبْتِ ما تركتْ عُيونُكِ في دَمي

إلا عذاباً لَوْ عَلِمْتِ رَحَمْتِهِ

وأَتَيْتنيِ مِنْ قَبْلُ يُطفَأُ مِشْعَلي!

وتّذُوبُ أَياَّمي عَلَيْكِ وأَنْتَهيِ

محمود حسن إسماعيل

ص: 69

‌الرسم المحترق!

للأستاذ أحمد فتحي

أَهْدَيتَ لي رسْمَكَ في نشوَةٍ

منْ صَبْوَةِ الحبِّ وسِحْرِ الغَرامْ

وقد تَفَضَّلْتَ، فَطَرَّزْتَهُ

باسْمِكَ توقيعاً بديعَ النَّظامْ

مؤَكِّداً لي، أن قَلبْي لَهُ

فيكَ نظيراً عاشقاً مُسْتَهَامْ

حَفِظتُ للرَّسم حقوقَ الهوى

وصُنْتهُ في مأْمَن لا يُرامْ

وكنتُ إن جَدَّتْ بنا فُرقَةٌ

وَعزَّ مَرآكَ وَضجَّ الهيامْ. . .

أَخرجْتُهَ، أَملأُ من حُسنِهِ

عَيناً جَفاهاَ - في نَوأكَ - المنامْ

أراكَ فيه حاضراً واصلاً

يؤنِسُني من شَفَتَيكَ ابْتِسامْ

أَضَلُّ أَدعوك بِنجوى لها

في خاطري لُطْفُ صَفَاءِ المُدَامْ

كأنما رَسمُكَ في راحتيِ

تميِمةٌ - بالوَهم - تَشفيِ السِّقَامْ

وكم أطالَ الناسُ لي عَذْلَهمْ - فيكَ وكم ذا أسْرَفواُ في المَلامْ

عاصَيتُهم فيك جميعاً، ولم

يُرْعَ لهم عند غراميِ ذِمامْ!

شُبِّهَ لي ناصِحُهُمْ بُومَةً

وَصوْتُ حُبيَّ لك شدو الحَمامْ

وقد ظلَلناَ زَمناً لا نَرىَ

لنا مثيلاً - في الهوى - في الأنام!

نسْموُ بِهِ عن ساَنِحاَتِ المُنى

فَهيَ عَلينا إن عَدَتهُ حَرامْ!

وما الأَمانيُّ؟ إذا لم تكنْ

وَصْلَ حبيب في ليالي وئامْ؟!

يا رَحَم اللهُ عهوداً طَوَتْ

في صَفْحَتَيها الدهْرَ، عاماً فَعامْ!

قد لَقيَ الحبُّ بأكنافِهاَ

فيْئاً وَريفاً من ظِلالِ السَّلامْ

ظنَنَهْا تَخْلُدُ، إذ لم أَكنْ

أَحسبُ دُنياَهاَ لغَيرِ الدَّوامْ!

حتى تنكرَّتَ لعهد الهوى

وسُمْتَهُ - بالغَدرِ - سُوَء الخِتامْ

سَمِعْتُ همساً دارَ حولي بما

أَثِمْتَ، وأنسابَ إليَّ الكلامْ

فكذّبَتْ أُذُنيَ ما أُسمِعَتْ

عنك وقالتْ من هراءِ الطغاَمْ

لكنني اسْتَوثَقْتُ من أَنَّني

خُدِعتُ في ودَّكَ خَدعَ الكرامْ

وأَسفَرَ الحقُّ مُبَينَ السَّنَى

وأنماطَ عن وَجهِكَ ذاكَ اللثامْ

ص: 70

فَعُدتُ للرَّسمِ الذي صُنتُهُ

من غَضبي عَفَّرْتُهُ في الرِّغامْ!

وجِئتُ للنارِ فألقَيتُهُ. . .

كَيمْاَ أَرى حُسْنُكَ بين الضِّرامْ!

حتى أحْتَوَتْهُ في لَظىَ قَلبِهاَ

فاضَ عليهِ من دمُوعِي سِجَامْ!

(بني عياض)

أحمد فتحي

ص: 71

‌البَريدَ الأدَبيّ

حكومة التشيك ووضع قاموس للغة العربية

وفد على مصر، منذ أيام، أحد كبار المستشرقين هو وزوجه مندوبين عن حكومة تشيكوسلوفاكيا

وقد قصدا إلى وزارة المعارف وقابلا صاحب العزة الأستاذ محمد العشماوي بك وكيل الوزارة، وذكرا له أنهما قدما إلى مصر رغبة في وضع قاموس باللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة الوطنية في بلادهما (تشيكوسلوفاكيا) وطلبا إلى سعادته معاونتهما فيما قدما من أجله. وقد رحب وكيل الوزارة بالضيفين

وقد صدر بناء على ذلك قرار بتأليف لجنة من الأستاذ علي الجارم بك مفتش أول اللغة العربية بالوزارة والأستاذ محمد أبي بكر إبراهيم عضو مكتب تفتيش اللغة العربية للقيام بهذه المهمة على أن تعرض الأعمال التي تفرغ اللجنة من إنجازها على سعادة وكيل الوزارة.

وسيبقى المستشرق والسيدة زوجه في مصر إلى أن ينجزا وضع هذا القاموس وسيغادران مصر ثلاثة أشهر في كل سنة يزوران في غضونها السودان للوقوف على حالة اللغة العربية فيه، ومقدار الاختلاف بين اللهجات في القطرين الشقيقين.

هبة الماجور اندرسون

بدأت وزارة المعارف في اتخاذ التدابير لتنفيذ القرار الذي أصدره مجلس الوزراء في يوم 4 يوليو الحاضر خاصاً بقبول هبة الماجور جاير اندرسون بك إلى الأمة المصرية

وتقوم تلك الهبة على تنازل الماجور اندرسون عن مجموعاته الأثرية العربية والأوربية وتقدر قيمتها المادية بنحو خمسة آلاف جنيه للأمة المصرية مضافاً إلى ذلك هبة قيمتها خمسمائة جنيه تستمر ويستخدم ريعها في حفظ المجموعات وصيانتها

وقد منحته الحكومة حق استعمال الدارين (المعروفتين ببيت الكريدلية) والبيت الملحق به المعروف بدار (آمنة بنت سالم) وهما متصلتان وقائمتان على جانبي عطفة المتولي وهي حارة تؤدي إي جامع ابن طولون، وأن يستعملهما دون أن يشاركه فيهما أحد إلى حين وفاته أو مغادرته بلاد المملكة المصرية نهائياً، وذلك بدون إيجار أو مقابل من أي نوع كان فيما

ص: 72

عدا نفقات المياه والنور، وأن يقوم المأجور بتبويب هذه المجموعات وان يحتفظ بحق استعمالها وحيازتها هي والقطع التي تضم إليها في المستقبل إلى حين وفاته أو مغادرته البلاد

وتقوم الحكومة بصيانة هذين المنزلين وإبقائهما على حالتهما الراهنة

سلامة الأسلوب العربي في تدوين المقررات المدرسية

لاحظت وزارة المعارف أن كثيراً من الكتب والمؤلفات التي توضع باللغة العربية في مختلف المواد وفروع العلم المقررة في درجات التعليم المتباينة، تبعد في بعض أجزائها عن الأسلوب الذي يجب أن يعنى بها المؤلفون

وقد أعدت الوزارة منشوراً لتلاف هذا النقص، طلبت فيه أن يلاحظ دائماً في الكتب التي توضع باللغة العربية في مختلف المواد وتكون لجان الفحص قد قررت صلاحيتها للدراسة أو تداولها بين الطلاب المترددين على المكتبات المدرسية أو الكتب التي تضعها لجان تؤلفها الوزارة، أن تعرض على أحد حضرتي مفتشي اللغة العربية الأولين لمراجعتها بنفسه أو من يندبه من حضرات مفتشي تلك اللغة وذلك للتحقيق من سلامة الأسلوب وملاءمته من وجهة اللغة لمستوى التلاميذ الذين يقرأ لهم

آلة لتصوير المخطوطات في مكتبة الأزهر

كانت مشيخة الأزهر، وقد اشترت فيا لعام الماضي آلة لتصوير المخطوطات من طراز ألماني حديث، وقد ركبت هذه الآلة في مكتبة الأزهر ورئي أن يقوم باستعمالها أخصائيون متمرنون على التصوير. ولهذا دربت المشيخة بعض موظفيها في أحد المعامل، ولما أتم تدريبه نقلت آلة التصوير، إلى غرفة خاصة بالإدارة العامة، وسيشرع، بواسطتها، في نقل المخطوطات النادرة في مكتبة الأزهر، وإرسال نسخة منها إلى الآثار والمكتبات الكبرى

ومن بين الآثار التي عني بالتقاط صور لها، كتب على جلود الغزلان، ويرجع تاريخ تأليفها إلى أكثر من ألف سنة.

إلى السادة الكتاب

يجمل إلينا البريد فيما يجمل مقالات ورسائل غفلاً من الإمضاء، وقد أعلنا من قبل أننا لا

ص: 73

ننشر مقالاً لا يمضيه كاتبه. وللكاتب الحق في أن يرمز لأسمه ما يشاء على شرط أن يكون اسمه معلوماً لرئاسة التحرير. فنرجو من حضرات الكتاب أن يراعوا ذلك حتى لا نضطر إلى إغفال مقالاتهم وهي قيمة

الفروسية العربية

ورد في القسم الثاني من المقال المنشور تحت هذا العنوان في العدد 262 من الرسالة الغراء ما يلي:

(والمرأة هي التي تثير حماس الرجال في الحرب. وكما قلت تحكم في بطولتهم. وقد جرت العادة أن تحضر النساء الموقعة باكية فوق كتبان مزينة) وقد شرح المعرب كلمة كتبان في نهاية الصفحة بقوله:

(الكتب أو الغبيط نوع من الهوادج) والصواب كما اعتقد أن كلمة (الكتب) - إذا لم يكن فيها تطبيع - غير صحيحة ولا تؤدي هذا المعنى. وإنما التي تؤديه (القتب) وتجمع على أقتاب لا (قتبان) كما جمع المعرب كلمة (كتب):

وجاء أيضاً في المقال عينه: (أن هتاف فرسان البدو في الحرب ينحصر في اسم حبيبة الفارس أو اسم أخته أو اسم قطيع جماله، فيهتف مثلاً (أنا أخو جوزا، أو لعيون حميدة، أو خيال العليا) والعليا قطيع من الإبل)

وأقول إن البدوي إذا هتف بقطيع جماله لا يقول (خيال العليا وإنما يقول (راعي العليا) وكلمة (خيال) يرددها عادة إذا هتف بجواده. فيقول (خيال الشقرا) أو (خيال الشهبا) مثلاً كما سمعت ذلك بنفسي من البدو النازلين في أطراف بادية الشام أثناء قيامي برحلتي الطويلة في سوريا.

وأضيف إلى ما تقدم أن البدوي يستهل هتافه دائماً بكلمة (لحّد) فيقول مثلاً (لحّدونا أخو فلانه) وأظنه يقصد بها (لأحد أحد) أي لا أحد يجوس الحمي وأنا أخو فلانه حيَّ ارزق.

هذا وما أبديته لا يمنعني أن أعترف لصاحب الموضوع (الميجر كلوب) بما تحمل من جهد في جمع مواده. وبتحريته الصدق في نقله إلى أبناء جلدته

يافا - فلسطين

ص: 74

محمد سليم رشدان

دقائق لغوية في حاجة إلى الجلاء عنها

جاء في الصحاح: (ويقال جمة عظيمة، وجمة عظيمة أي جماعة يسألون الدية). قال الشاعر (وجمة تسألني أعطيت). وفي القاموس وشرحه تاج العروس؛ (ويقال جاء في جمة ويضم (الأول) أي جماعة يسألون الدية. قال ابن الإعرابي: الجمة البركة (بالضم فالسكون) والجمع جمم ولم يضبط حركة الجيم

وفي النهاية لابن الأثير. (الجم (ولم يضبط الأول) جمع جمة وهم القوم يسألون في الدية) وفي القاموس وشرحه: (اللجنة (بالفتح) الجماعة يجتمعون في الأمر ويرضونه) وفي البستان أن هذا الحرف ضبطته التكملة بالضم أي لجنة. ففي هذه النصوص ما يأتي:

(1)

كل من الجمة (بالفتح) والجمة (بالضم) بناء مستقل عن الآخر أو هما أصل وفرعه. فأيهما الأصل، وما الدليل على أن كليهما أصيل أو على أن أحدهما فرع عن الآخر؟

(2)

كيف يضبط جمم بناء الجمع أبضم ففتح أو بفتحتين؟ وإذا كان الوجهان صحيحين فعلام لم يرد ذلك في التاج نصاً

(3)

لم يضبط صاحب النهاية بناء جم، فهل هو بالضم وما الدليل أو بالفتح وما الدليل؟

(4)

الجمة بالضم تقع على الجماعة كما مرّ وعلى مجتمع شعر الرأس، فهل ورد المعنيان لبناء واحد أو كل معنى له بناء خاص؟ فإذا كان لكل منهما بناء خاص فما بناء كل منهما؟ وما الجمع؟ لأن الخال بمعنى شقيق الأم له جموع ليست للخال (الشمة) والتليل بمعنى العنق ليست للتليل بمعنى القتيل

(5)

الجمة (بالفتح) الجماعة كما مر والبئر، فهل هما معينان لبناء واحد أو كل بناء منهما مستقل عن الآخر وله معناه الخاص، وما جمع البناء الأول وما جمع البناء الثاني؟

(6)

ما الفرق بين اللجنة والجمة - وعلام في القاموس وشرحه ذكر اللجنة بالفتح دون الضم ويغير صيغة جمع لها؟ وهل استدراك التكملة صحيح؟ وما وجه صحته؟ وعلام اللجنة بالفتح جمع على لجان كسخلة وسخال، ومرة ومرار وخطوة وخطا؛ وليس لجمة جمع على جمام

ص: 75

(7)

ماذا تعد الجمة واللجنة، أمن أسماء الجنس أو من أسماء الجموع أو من الجموع؟ وما الدليل الذي يعين الحقيقة؟

ألتمس ممن ندبوا لاستخراج المعجم الوسيط من أعضاء مجمع اللغة العربية الملكي الجلاء عن هذه الدقائق، لأنها من المشاكل التي تعترض عملهم أثابهم الله مشكورين

(دمشق)

أمين ظاهر خير الله

ص: 76

‌الكتب

ديوان الجارم

للأستاذ حسنين حسن مخلوف

عهد إلي الأستاذ صاحب (الرسالة) أن أكتب عن ديوان صاحب العزة الأستاذ علي الجارم بك إذ كنت عن كثب من الديوان عند طبعه، وكان بيني وبين نغمات هذه القصائد والخيال الخصب الذي ملك علي سمعي وبصري في نسمات الأسحار، حديث ومجاوبة؟ وربما قرأت القصيدة ورددتها مراراً، وظللت مدة طويلة مأخوذاً بسحر البيان حتى أنسى الغرض الذي شرفني الشاعر بالقيام به. فأما إن كتبت عن الديوان فإنما أكتب عن مبلغ علمي، جاهداً أن أصور للقراء شخصية شاعرنا ممثلة في شعره، وأن أرسم ما أحسست به عند قراءتي شعره

إذا جلست إلى الأستاذ الجارم بك رأيت رجلاً تمثلت فيه أعصار الآداب العربية وفنونها من عصر امرئ القيس إلى اليوم؛ فهو قد قرأ الآداب العربية منذ نشأته، ووقف وقفة طويلة عند كل شاعر وكاتب، وحفظ ما استطاع أن يحفظ، فامتزج ذلك كله، وجاوبته نفس نزاعة إلى الأدب فكان الأستاذ الجارم بك. إن شئت أن ترى المتنبي وعمقه وغزارة مادته وجبروته الشعري فأجلس إلى الجارم بك وأقرأ شعره. وإن أردت أن ترى حضور البديهة ورقة الشعور ولباقة التعبير والروح الشعرية الوثابة التي تتمثل في الحديث والظرف والسلام والكلام، فأجلس إلى الجارم بك. فهو شاعر بطبعه، شاعر ببديهته، شاعر بكل معنى من المعاني التي تلمحها في روح الشعراء

إن قرأت أدباً عباسياً أو أندلسياً فرأيتهم يقولون: إن الشاعر لا يكون شاعراً حقاً إلا إذا تمكن من أدوات الأدب، ومارس شعر العرب، وملك ناصية الأدب، ثم أعانه على ذلك قريحة وقادة وبديهة مسعفة وخيال قوي، فإن ذلك كله موفور لشاعرنا الكبير

كان أستاذنا مصطفي صادق الرافعي - طيب الله ثراه - ينكر على الشعراء الذين أنبتتهم طبيعة مصر عمق الخيال وامتداد النفس الشعري؛ وكان يرى أن الشعراء المصريين صغار الدواوين لا يقف الواحد منهم على شاطئ بحر الخيال حتى ينزوي عن ذلك البحر. فلما حدثني بذلك الرأي، وكتب عنه في الصحف عزّ عليّ ذلك؛ فجئته في اليوم التالي بعدد

ص: 77

من مجلة (المعرفة) وقد نشرت فيها قصيدة للجارم بك، ونسى محررها أن ينسب القصيدة إلى قائلها، وأطلعته عليها فطرب لها وبخاصة الأبيات الآتية منها:

لعبت بك الحسناءُ تدنو ساعة

فتثير ما بك ثم تهجُرُ عاما

والحبُّ ما لم تكتنفه شمائلٌ

غرٌ يعود معَرةً وأثاما

والحبُّ أحلام الشباب هنيئة

ما أطيب الأيامَ والأحلاما

والحبُّ نيران المجوس لهيبها

يحي النفوس ويقتل الأجساما

والحبُّ من سرَّ السماء فسمه

وحياً إذا ما شئت أو إلهاما

يا جنةً لو كان ينفع عندها

نُسْك لبتْنا سجَّدا وقياما

وسألني: لمن هذا الشعر؟ فلم أجب. وقلت: إن كان هذا شاعراً مصريّاً فقد اعترفت لهم بالقوة وعمق الخيال. إنك شاعر وكاتب ومطلع اطلاعاً وثيقاً، وعليك أن تنسب الشعر إلى صاحبه من غير أن أدلك على اسمه؛ فأجاب فوراً: إنه الأستاذ الجارم. فقلت: أتراني كسبت القضية؟ قال: إنني عندما أستحضر صورة وجه الجارم وهو من رشيد، ورشيد على ساحل البحر أحكم أن دمه ليس خالصاً لمصر؛ فليست كل شاعريته مصرية؛ كشوقي مثلاً فهو مجموعة من عقليات أمم كثيرة تعاقبت على الزمان بالمصاهرة كما قال هو عن نفسه

ولقد كان أستاذنا الرافعي قاسياً على الشعراء المصريين؛ وقسوته في ظني كانت تعود إلى عوامل محلية في علاقته بأدباء مصر وعلاقتهم به، فقد كانوا أثرين يغتصبون الشهرة اغتصاباً، ويتخذ كل شاعر شيعة تسبح بحمده، وكانت الشهرة الأدبية ميداناً للتزاحم ليقول كل واحد: أنا!! فيقول له الآخر: لست ذاك!. وأنا أرجو أن يطهر النقد الأدبي في العصر الحديث من هذه الصغائر والخزعبلات، وأن تتجه الجهود إلى بناء لا إلى الهدم، فالعصر عصر السرعة ونسيان النفس إن أرادت مصر نهوضاً حقاً، وغسلت نفسها في كل نواحيها السياسية والأدبية من قوله أنا! وبعدي الطوفان!

لكل أمة من الأمم بيئة خاصة، وعقلية خاصة، وتيارات في الحياة خاصة توجه أدبها، وهذا الاتجاه يتوارث على توالي القرون؛ فالمدح أو الرثاء في الشعر العربي من طبيعته، وتصوير الأشخاص ورسم صورة فنية لعمال العظماء كانت ولا تزال مجال الشعراء العرب قديماً وحديثاً، والأسلوب كذلك تراث نقلته إلينا الأجيال؛ فالأستاذ الجارم بك تمثلت

ص: 78

فيه العقلية العربية وجزالة اللفظ قوة الأسلوب وضخامة التعبير في كثير من الأحيان. ويظهر أن رأيه أن يخدم الأدب العربي العالي بانتقال القراء إليه لا أن ينزل هو إلى القراء ويتملقهم، ويفني شخصيته فيهم، لذلك عهد إلى بعض تلاميذه يشرح الديوان

وأبرع ما ترى في شعره تصويره لشخصية مليكنا الشاب فاروق الأول. وقد تغلغل شعره في نهضة هذه الأمة الكريمة وفضل الأسرة العلوية عليها كقوله في (التاجية الكبرى) التي أنشدها في تتويج مولانا الفاروق:

لله يومك والضياء يعمّه

فعشيه سِيان والأبكارُ

يومٌ تمناه الزمانُ وطالما

مدّت إليه رءوسَها الإعصارُ

حامت نسور النصر حول جيوشهم

حتى كأنّ غُبارها أوكارُ

وقوله في العيد المئوي لوزارة المعارف

فأتاها (محمدٌ) جَدّ (إسما

عيل) بالخصب مورقاً والحياةِ

هل رأيت النجم الذي يُبهرُ العي

شَ ويمحو دياجر الظلماتِ

هل رأيت الآمال بعدَ نفار

واقتبال الشبابِ بعد فواتِ

شاعران في مصر سجلا عزها القديم والحديث، ونثرا على صفحات الأوراق أمجاد العرب والفراعنة في صورة جميلة جذابة ومنطق قويّ خلاب هما شوقي والجارم؛ كلاهما أحس بأمجاد الآباء، وامتزاج روحهم بمصر الحديثة، واتخذ من ذلك سبيلاً إلى إنهاض الشباب وحفز الروح الوطنية والعزة القومية

ولكن شوقي شغف بمصر القديمة بقدر شغف الجارم بمصر العربية والحضارة الإسلامية؛ هما نشأتان في طريقين مختلفين إحداهما في طريق مختلطة اتصلت ببيت الملك والعرش أيما اتصال، وعرش مصر تراث عربي فرعوني. ذلك مجال شوقي.

والأخرى في طريق خالصة للعروبة تمت إلى الدين واللسان العربي بأقوى الأسباب منذ الصبا إلى يوم الناس هذا. ذلك مجال الجارم. وكلاهما يغرف من بحر العربية الأكبر، وتطاوعه ثقافته العربية الواسعة فيلعب بالألفاظ لعب الرياح بالأعواد

اقرأ قصيدته بمناسبة انقضاء خمسين سنة على دار العلوم وأنا ضمين لك أن أعطافك ستثب مع أعطاف الشاعر حين كان يلقيها ومنها مخاطباً دار العلوم: -

ص: 79

بسمةٌ للزمان أنت تلتها

كشرة للزمان عن أنياب

كلما رمتُ خدعْ نفسي بنفسي

كشفت لي المرآة وجه الصواب

أين تلك الأيام بانت وبنَّا

وتولت بشاشة الأحباب

إيه دارَ العلوم كنت بمصر

في ظلام الدُّجى ضياء الشباب

في زمانٍ من كان يُمسك فيه

قلما عُدّ أكتب الكُتاب

تخذت فيك بنت عدنان داراً

ذكرتها بداوة الأعراب

فإذا بكى الجارم واستبكى أحسست زفير الحزن يضطرم في قلبك، ودويّ صوته يعتصر عينيك. وبخاصة قصيدته في رثاء المرحوم أبي الفتح الفقي الذي كان وكيل دار العلوم ورئيس جماعتها

أما الحكم البالغة والأمثال السائرة فهي منثورة في جنبات قصائده كقوله:

الدّين طبّ النفس من آلامها

وهداية الحيران في بيدائه

يكره الظلمُ كلَّ شيء من الضو

ء ولو كان في ابتسام الفتاة

وفي عزم شاعرنا بعد فترة وجيزة أن يخرج للناس الجزء الثاني من الديوان وفقه الله إلى خدمة العروبة، وأعلى به منار الأدب.

حسنين حسن مخلوف

ص: 80