المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 284 - بتاريخ: 12 - 12 - 1938 - مجلة الرسالة - جـ ٢٨٤

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 284

- بتاريخ: 12 - 12 - 1938

ص: -1

‌من مآسي الحياة

بل ليت للأوقاف قلباً!

ذلك ما ابتدرني به رجل يهدف للخمسين أشمط الرأس أصهب الشارب جركسي البشرة، يترجم كلامه عن العزة، وينم هندامه على الفاقة، ويشير سَمْتُه إلى مسحة من الأرستقراطية تتراءى ضئيلة على معارف وجهه وحركات يده

دخل عليَّ المكتب أول أمس في أدب كأدب البيوتات الكريمة الدارسة: سلام تحس فيه تواضع المملوك وكبرياء الملك؛ وبسمة متملقة تجري على شفتيه الرقيقتين كأنها من طبَعيَّتها خِلْقة؛ وأسلوب هذبته (الإتيكيت) فهو مختار اللفظ موزون الإشارة؛ ثم شكر لي المقال الذي افتتحت به عدد الرسالة الماضي وقال:

إذا كان طلاب الأوقاف الخيرية يتمنون أن تكون للوزارة عين، فإن طلاب الأوقاف الأهلية يتمنون أن يكون لها قلب. أولئك يشكون أنهم يبأسون من وراء عينيها فلا ترى، وهؤلاء يشكون أنهم يشقون بين يديها ولا ترحم! وما دام المستحقون لا ينالون نصيبهم من الحق، فكيف تزجو أن ينال المعتَفون نصيبهم من الخير؟

كان الرجل يتكلم كلام الشاكي الكظيم يهمه أن يقول ولا يهمه أن يسمع. فتركته يستريح إليّ بما في نفسه، لا أعترض عليه ولا أصح له، فإن عليَّ أن ابلغ أولي مسامع الأمر زفرات الصدور المكروبة، وعليهم هم أن ينظروا إن كان مبعثها خطأ النفس على النفس، أو خطأ الناس على الناس.

قال محدثي وهو يضع سيجارته الملفوفة باليد في مبسم طويل من الآبُنُوس:

- إذا عذرنا وزارة الأوقاف على أنها لا تسعف أولئك المنكوبين الذين انفرد بهم البؤس في ظلام الدور، ومنعتهم الأنفة عن الخروج إلى النور، فكيف نعذرها على أنها تدُخل البوس بيدها على قوم جعلهم أهلوهم في ذمتها وأمانها، تحفظ لهم الملك وتثمرِّه، وتبسط عليهم الرزق وتوفره؟ أنا ضحية من ضحايا الأوقاف الأهلية، اعتمدتُ منها على جُرُف منهار فهويت إلى قرارة الفاقة. لم أتهيأ للعمل الحكومي بشهادة، ولا للعمل الحر بصنعة؛ وإنما نشأت في بيت جدي فلان باشا نشأة المترفين المدللين، أجيد ركوب الخيل، وأحذق أنواع الصيد، وأساهم في تجميل حياة القاهرة بالسرف في الملاهي، والقصف في البيوت،

ص: 1

والمقامرة في السباق، والافتنان في المظهر. وكان أبي رحمه الله ناظراً على ما وقف جدي على أسرتنا الكبيرة المتشعبة من الضياع والرباع، فكان يغرق رغباتي في فيض من المال لا يغيض ولا يخُلْف. فلما توفاه الله آلت النظارة من بعده إلى أرشد أعمامي، فانقبض عني شيء من بسطة العيش. وكان لي بنون وبنات نشئوا في نعمة أبي. كما ينشأ النبات الربَّعي في خصيب الأرض، فلم أرد أن يمس نضرتهم ذلك الضيق الذي جره علينا طمع الناظر، فبعت ما ورثت عن أبي، وعشت سنين على الخفض والسعة. حتى إذا لم يبق إلا الوقف أخذت أرُوض نفسي وأهلي على التدبير، فاختصرت المسكن، واختزلت الأثاث، وضيقت المطبخ، ورضيت أن أركب (التاكسي) وأن أجلس في (النيوبار). . . وليت ذلك يا سيدي دام! فإن كبار المستحقين شغبوا على الناظر فعزلوه، وتألبوا على خلفه فشلوه، وأستحكم بينها الشقاق فلم يتفقوا على ناظر منهم. ثم لم تَنقطع أسباب هذا الخلاف، إلا (بتنظير) وزارة الأوقاف!

كان لجوء المستحقين إلى تنظير الوزارة، كلجوء القطين المتنازعين على قطعة الجبن إلى تحكيم القرد. فلم يبق لهم على الأعيان الموقوفة عين ولا يد. وأدارتها الوزارة على المنهج الحكومي فأرهقتها بالكتاب والنظار والمفتشين والمراقبين والخبراء؛ ولكل واحد من هؤلاء طريقة في العمل ورأي في الإصلاح يتغيران بتغييره. فالبناء الذي أُقيم يُهدم، والمصرف الذي حُفر يرُدم؛ ثم يسُتأنف البناء والحفر في مكانين آخرين! وهكذا دواليك: يتعاورُ البناء والتخريب، ويتعاقب الاقتراح والتجريب، حتى تذهب غلة الأرض بين نفقة الإدارة وحصة الوزارة! وأما الدور فهي قصور فسيحة ذات أسوار وحدائق رغب الناس عن سكناها لمخالفة طرازها لمقتضيات المدنية الحديثة. وأغفلتها الوزارة فلم تفكر في تجديدها واستغلالها ولا في بيعها واستبدالها، وإنما تركتها لمعول الزمان فلا تؤجرها إلا مخازن للتجارة وزرائب للحيوان ومساكن للفعلة!

كان دخلي على عهد الناظر الطماع ستمائة جنيه في العام، فأصبح على عهد الوزارة شيئاً لا أسميه! فهو سنة يكون ستين، وسنة يكون ستة، وسنة يكون مطلاً، وسنة يكون دَيناً! وأنا وزوجتي وأولادي نكابد غصص الحرمان في ركن رطيب من إحدى دورنا الخربة؛ فالبنون لا يجدون عملاً لمكانهم من الجهل، والبنات لا يجدن أزواجاً لمكاني من الفقر، ولا

ص: 2

نقضي أيامنا السود إلا على اقتراض من الجزار والبدّال والعياش والقماش، حتى ضاق بنا العيش، وعاقنا الوجود، وأصبحنا إذا دخلنا أقضنا الهم، وإذا خرجنا أمَضَّنا الخجل. . .

يا سيدي! إن الوقف إن حفظ العين فقد أضاع الرَّيع. وليس لهذه الغاية الحمقاء وقف الواقفون. فسبيل الإصلاح في عهد الصلاح أن يُحَل؛ فإن المرء أدرى بشأنه وأعلم بخيره، وليس من يعمل لنفسه كمن يعمل لغيره. . .

احمد حسن الزيات

ص: 3

‌تحية الشتاء

للأستاذ عباس محمود العقاد

الحرية والأمان هما قصارى أمل الإنسان

وكون الإنسان آمناً في سربه حراً في عمله ورأيه هو المطلب الذي لا يتخطاه إلا وهو ظالم نفسه وظالم غيره، إلا أن تكون سيادة على الآخرين برضى منهم وشهادة له بالاستحقاق، وتلك غاية لا يطمح إليها كل إنسان

وللحرية من الطبيعة موسم، هو الصيف

وللأمان من الطبيعة موسم، هو الشتاء

فبركة الصيف هي الطلاقة، وبركة الشتاء هي الطمأنينة، وهذا إذا صلحت الأحوال. . . فأما إذا فسدت فلا بركة في صيف ولا شتاء

إذا لاح الصيف خرج الناس إلى المنازه، وكرهوا الحدود والقيود، فلا سقوف ولا أسوار، ولا غطاء ولا دثار، وإنما الحرية كأنما الإنسان نفس من الهواء، لا يريد إلا نفساً من الهواء

وإذا لاح الشتاء فالرياح تزمجر، والسماء تمطر، ومن فوقنا حجاب ومن ورائنا حجاب، ولا سرور إلا أن تسكن إلى الدفء الوثير بين الجدران

وهكذا تتمثل في الطبيعة غاية مطالب الإنسان: الحرية والأمان والناس يزعمون أن البركة كلها في الربيع، وأنه موسم الزهر والفاكهة، ومشهد الحب والجمال، ومعرض المدينة والريف. فهل بقيت للشتاء بقية بعد هذه المحاسن والخيرات، وبعد يقظة النفس ويقظة الدنيا؟

والناس لا ينصفون، أو لعلهم ينصفون وينسون. فبعد الربيع يبقى الشعور بالربيع، ومن أوفى نصيباً من هذا الشعور؟ أهل الربيع أو أهل الشتاء؟ الذين يجدون الربيع سهلاً غير مرقوب، أو الذين يجدونه عسيراً بعد ارتقاب واشتياق؟

ما عرف الربيع أناس كالذين اختبروا قسوة الشتاء، فالشمس ضيف ثقيل في بلاد الصيف القائظ، وطلعة جميلة في بلاد الشتاء القارس؛ والزهرة فتاة مبتذلة من فتيات الطريق عند من يشهدونها في كل يوم وفي كل مكان، وهي عروس خفرة و (رسولة) مبشرة عند من

ص: 4

يشهدونها آونة بعد آونة، ومقبلة مع الخير والحرية ومحاسن الأرض والسماء

أهكذا وحسب؟

كلا. بل للشتاء أثر في تقويم الجمال غير هذا الأثر في تعريفنا بقيمة الربيع

للشتاء أثر في أمم الشمال نلمسه فيما رزقته من حصافة وخيال، فهو الذي علمها الشعر والفن، وهو الذي علمها العمل والصناعة، وهو الذي علم أقوامها أن يطلبوا شيئاً فوق الأمان والحرية، ونعني به سيادتهم على الأمم التي جاءتها حرية الطبيعة بغير عناء

تخيل رجل الشمال المثلج والريح تعصف، والبرق يخطف، والرعد يقصف، والسماء لا شمس فيها ولا قمر، والأرض لا زهر فيها ولا ثمر، والنفس لا ترى لها مدى تمتد فيه إلا أن تثوب إلى سريرتها وتتغلغل في طويتها، وتخلق الصور وتناجي الأحلام وتأنس بالخواطر والأشجان

وتخيل هذا الرجل منفرداً في كوخ منفرد، ولا بد من انفراد في ساعة من الساعات وفي أمد من الآماد

ألا ترى أنه خليق أن يعمر عالم السريرة بخلائق الخيال، وأحلام الشوق والجمال؟

ثم تخيل قوم هذا الرجل سنة بعد سنة وجيلا بعد جيل، وكل سنة تضيف إلى قدرتهم على كفاح الشتاء قدرة جديدة، وإلى حيلتهم في دفاع البرد حيلة مفيدة، وإلى عزيمتهم في درء السيول والأمطار عزيمة رشيدة. فكيف تراهم يكونون بعد مائة شتاء وبعد ألف عام، وبعد ما لا عداد له من أجيال وسلالات؟

ثم تعلم أن الأعصاب هي خزانة الأخلاق الموروثة والقوة النفسية المذخورة، فماذا تكون الأعصاب التي تفتلت على هذا الجلد وهذا الجليد؟ وماذا تكون الطاقة فيها على استيعاب الشعور واختزان الأحاسيس وتصوير الأخيلة والأشكال؟

ففي الشتاء تربية للخيال، وتربية لوعي السريرة، وتربية للأعصاب وتربية للأخلاق، وفي كل أولئك استزادة من نصيب الشعور، ونصيب الفهم، ونصيب العزيمة، ونصيب الخلق والإبداع

ومن ثم يأخذ القوم من الربيع فوق ما يعطيه أهله المعرضين عنه الجاهلين بقدره، الناظرين إليه عن عرض كأنه زينة نظر في ساعة صفو أو ليلة سمر، فلا أعماق له وراء

ص: 5

ذلك ولا أسرار

على أن الشتاء قد يفرط في قوته وقسوته حتى لتبطل فيه كل حيلة الإنسان فلا يبقى له غير حيلة الحيوان: جلد دب مسلوخ، وإيواء إلى كوخ، كأنه كهف، أو كهف كأنه كوخ، وهكذا شتاء القبائل الحافين بقطب الشمال

وإن الصيف ليفرط في طلاقته حتى تنقلب إلى مطاردة كأنها الملاحقة بالسياط الكاوية، فتبطل فيه كل حيلة الإنسان، ولا يبقى له غير حيلة الحيوان: بركة ماء، أو ظلال غابة غبياء، وكذلك صيف خط الاستواء

ولا بركة في هذا ولا في ذاك، وإنما البركة فيما لم يجاوز الحدين من هذين الموسمين

وبعد فنحن نذكر بركات البرد والحر، فهلا ذكرنا أناساً لا يجدون البركة في أوان، ولا في مكان؟

يقول حكيمنا:

لقد جاءنا هذا الشتاء وتحته

فقير معرى أو أمير مدوج

وقد يرزق المجدود أقوات أمة

ويحوم قوتا واحد وهو أحوج

هذا الواحد أولى بذكر الألوف، لأنه واحد تجتمع منه ألوف، ولن ينساه في مستهل الشتاء إلا مخلوق يستحق النسيان، بل يستحق الذكر بالمسبة إن كانت قوانين أبناء آدم لا تذكره بالزجر والعقاب

ما تمنيت لمصر عملا من أعمال الأمم التي هدمت الديمقراطية إلا إعانة الشتاء التي يخرج كبراء الألمان لجمعها من الخاصة والعامة في الطرقات والأسواق: ذلك عمل مجيد نحن به أولى، ونحن إليه أحوج، ونحن عليه أقدر، فيما يبدو لنا من تفاوت بين رخاء بلادنا وضنك البلاد الأخرى

فإذا ألهمنا أن نعين المحتاجين منا إلى معونة الشتاء فقد حق لنا أن نسبغ على شتائنا صفة الأمان الشامل، وأن يشتمل علينا جميعاً راضين آمنين. . . ونرجو أن نلهم هذه المبرة فما فيها مشقة على قادرين ولا أشباه قادرين

وكل شيء تقال فيه كلمة ثناء، حتى الشتاء

عباس محمود العقاد

ص: 6

‌رجال التربية والتعليم

في وزارة المعارف

للدكتور زكي مبارك

الذي يقرأ الجرائد المصرية يتوهم أن وزارة المعارف عبارة عن بناية فسيحة الأرجاء، يجلس فيها الموظفون هادئين وادعين يتبادلون التحيات والسجائر والشاي والزنجبيل

وإنما يكثر اللغط حول وزارة المعارف لأن موقعها بين سائر الوزارات، يشبه موقع كلية الآداب بين سائر الكليات. فوزارة المعارف تهتم بتعويد الناس على فصاحة الكلام فيكثر حولها الكلام الفصيح، بالنقد والتجريح؛ وكلية الآداب تحرص على أن تتفلسف فيكثر في نقدها المتفلسفون، ولا يظلمك من يرد إليك بعض ما تنفق!

والحق أن وزارة المعارف في هذه الأعوام لا تعرف الهدوء، فهي نار تستعر في الصباح والمساء

ومن كان في ريب من ذلك فليزر مكاتب الوكلاء والمراقبين والمفتشين، فان فعل فسيعرف أن في القاهرة مكاناً يشبه برج بابل في أساطير الأولين

يستطيع من يهمه الوقوف على مصادر الحيوية في وزارة المعارف أن يزور أي مكتب من تلك المكاتب ليوقن بأن الجد الصريح هو أساس العمل في تلك الدار الفيحاء

احضر إن شئت إلى تلك الوزارة وفي يدك قلم وقرطاس لتدون ما تسمع من الجدل حول المذاهب التعليمية، ولتدون ملاحظاتك الخاصة على مذاهب أولئك القوم في الحياة، وإني لموقن بأنك ستخرج من ذلك بمحصول نفيس

ويحسن ألا تمر على مكتب وكيل الوزارة أو مكتب الوكيل المساعد، فان الاستفادة من هذين المكتبين لا تضمن إلا لمن عرف سرعة الكهرباء في إنجاز الأعمال

ويغلب علي الظن أن الرجل الذي اسمه محمد العشماوي يملك شيئاً من مواهب الشعراء، فسرعته في تسوية المشكلات ليست إلا ضرباً من أعمال الشياطين

أما عوض إبراهيم فتظهر قدرته السحرية حين تصبح الأعمال كلها فوق كاهله حين يغيب الوكيل. وهذا الرجل من كبار الأكفاء ومن أعمدة وزارة المعارف، وإن كان يتعرض لطغيان الألسنة من حين إلى حين

ص: 8

وفي برج بابل هذا ناس لا يتكلمون إلا قليلاً، أمثال حسن فائق ومحمد حسين وصادق جوهر وأحمد عاصم والعجاتي ومحمد الدمرداش، ولكن في هؤلاء الرجال الصامتين خصوصية عجيبة، فهم يعتقدون أن وزارة المعارف دارهم، ولا يخطر في بالهم أنهم موظفون، وإنما يكافحون ويجاهدون وكأنهم يدبرون ملكهم الخاص، وما وقع بصري على هؤلاء الرجال إلا أحسست الغيرة تلذغ قلبي، فأنا أتمنى أن أملك بعض ما يملكون من قوة وإخلاص ويؤذيني أن يكونوا أصدق مني في خدمة الواجب

ولكن برج بابل لن يكون كله صمتاً في صمت، وهل يصمت برج بابل؟ هيهات!

هناك محمد فهيم الرجل البسام الضحوك الذي تلقاه فيقلب مشكلات التعليم كلها فوق رأسك، ويفرض عليك ألا تغادر مكتبة إلا بعد ساعة أو ساعتين. وهذا الرجل متعب جداً، لأنه ينتقل بك من موضوع إلى موضوع، ويبلبل رأسك ولسانك بلا ترفق، فمن الحزم ألا تمر عليه حين تزور وزارة المعارف

وهناك نجيب حتاته، وهو رجل لا تعرف أين يذهب. فهو يلطف حين يشاء، ويثقل حين يشاء، فان لطف - وهو الأغلب - طاف بك حول مشكلات كثيرة تمس التعليم وتمسّ المجتمع. وإن ثقل - وهذا قليل - سلم عليك بأطراف أصابعه كما يصنع مدير الجامعة المصرية

وهناك علي الجارم - جعل الله كلامي خفيفاً عليه - وهو رجل كثير المزاح، ولكن إقباله على الواجب يبهرك ويرضيك

وهناك محمد جاد المولى، وهو في مظهره ومخبره صورة صحيحة من الطيبات في أدب القول وشرف النفس

وعندنا طموم مراقب المستخدمين، ومكانه في وزارة المعارف يشبه مكان محمد الهراوي في دار الكتب المصرية، كلاهما يسأل عن الحساب، مع أن الأدب عندهما فوق الحساب

وعندنا توفيق الحكيم الذي حوسب أمام مجلس التأديب منذ أيام، وهو في رأيي (أعقل) رجل في وزارة المعارف بعد طبيب ليلي المريضة في الزمالك

ولتوفيق الحكيم قصة وقضية، وكيف لا تكون له قصة وقضية وهو صديق طه حسين؟

هذا الرجل أعلن عداوته للمرأة بضع سنين، ولم تعد عليه تلك العداوة بسوء، فظن لغفلته

ص: 9

أن العداوات كلها سواء فأعلن أنه يعادي المرأة ويعادي النظام البرلماني، ولكن النظام البرلماني غير المرأة، لأنه محروس برجال أشداء يقابلون الجميل بالجميل!

أترك هذا وأنتقل إلى أحاديثي مع عمدة برج بابل حفظه الله فهل تعرفون من هو عمدة برج بابل؟

هو المحدث البارع الذي لا يسكت أبداً والذي قضى الله أن ألقاه من يوم إلى يوم؟

من هو عمدة برج بابل؟ من هو؟ من هو؟ ألا تعرفون؟

هو محمد رخا الذي يقيم بمصر الجديدة ويطرب لسماع القرآن بالألحان

ابتليت من هذا الرجل بداهية، وابتلى مني بداهية:

ابتليت منه بداهية لأن لقاءه يوجب أن أكون صافي الذهن حاضر البديهة، ومن المزعج أن أطالب بصفاء الذهن وحضور البديهة، لأني لا أذهب إلى وزارة المعارف إلا بعد أن تكون أعمالي أخمدت ذهني وأذوت نشاطي

وابتلى مني بداهية لأني سأسجل عليه كل شيء، وسأصنع معه ما صنعت مع الرجال الذين عرفتهم بوزارة المعارف العراقية، وأنا رجل رمته الأقدار في ذاكرته بشذوذ عجيب، فأنا أنسى الأعلام والأرقام بصورة مزعجة مخيفة، وما قدمت كتاباً إلى رجل من أقطاب وزارة المعارف إلا سألت كاتبه الخاص عن أسمه بالضبط لأقيده في ورقة قبل أن أخط اسمه على الكتاب، ولكن ذاكرتي في الحوادث والمعاني قوية إلى حد الشذوذ، فأنا أستطيع اليوم أن أدون أول محاضرة سمعتها بالجامعة المصرية سنة 1913 وأستطيع اليوم أن أدون جميع المحاضرات التي سمعتها في جامعة باريس.

وأستطيع أيضاً أن أسجل الكلمات التي سمعتها من الدكتور هيكل باشا، الكلمات التي تشهد بأنه يشجع التأليف بالقول لا بالفعل.

محمد رخا يتكلم في كل وقت كما يتكلم الفرنسيون في كل وقت

فهل أستطيع أن أعطيه درساً عساه يقتصد في الكلام بعض الاقتصاد؟

إليكم ما دار بيني وبينه منذ أيام:

دخلت عليه وفي مجلسه رجلان نسيت اسمهما مع الأسف، ولعل أولهما يسمى رفعت

وابتدأ فسألني عن الليسيه الفرنسية المصرية بمصر الجديدة، فقلت إن مديرها هو المسيو

ص: 10

دي كومنين، أعظم أصدقائي في دنياي، فاستطرد وقال: وما رأيك في ذلك المعهد بعد أن زرته مرتين؟ فقلت: إن الغاية نبيلة ولكن تحقيقها صعب، لأن هذا الرجل، يريد أن يصل تلاميذه إلى البكالوريا المصرية والبكالوريا الفرنسية في وقت واحد

ثم انتقلنا بسرعة إلى الأصول التي يجب أن يراعيها أساتذة اللغة العربية في المدارس الأجنبية. فقلت إن الخطر كل الخطر أن يفهم تلاميذ تلك المدارس أن عندنا لغتين، الفصيحة والعامية، فهذا الفهم الخاطئ يشعر التلاميذ بأن اللغة الفصيحة لغة ميتة وأن مكانها يشبه مكان اللاتينية بالنسبة إلى الفرنسية والإيطالية

وهنا يحسن أن نسجل ما اتفقنا عليه في ذلك الحوار الطريف

اتفقنا على أن التلميذ إذا كتب (محطة باب الحديد) فليس من واجب المدرس أن يشطب كلمة (محطة) ويضع مكانها كلمة (محط) بحجة أن هذا هو اللفظ المختار في كتب المطالعة المدرسية

وإذا كتب التلميذ (بائع متجول) فليس من حق المصحح أن يشطب كلمة (متجول) ويضع مكانها كلمة (جائل)

والتلاميذ جميعاً يقولون (قط) بضم القاف كما يقع على ألسنة الناس في أكثر البلاد العربية، فليس من الحتم أن نصحح هذه الكلمة كل يوم وأن ننص على أنها بالكسر، لأن سيرورتها مضمونة تشهد بأن الضم لغة من اللغات وإن لم تنص المعاجم على ذلك

وإذا قال التلميذ (فرشة) فليس من الواجب أن نفرض عليه أن يقول (فرجون) لأن الفرشة ذاتها مخففة من الفرجون

وإذا قال التلميذ (أجفف وجهي بالفوطة) فلا تفرض عليه أن يقول (القطيلة) لأن الكلمة الأخيرة مهجورة ومنسية وثقيلة، ولا كذلك للكلمة الأولى فهي مأنوسة ومألوفة لجميع الناس.

وإذا قال التلميذ جلست على (السفرة) فلا تحتم عليه أن يقول (المائدة) لأن السفرة كلمة فصيحة وإن كان العرف نقلها من وضع إلى وضع.

وإذا قال التلميذ (الليالي القمراء) فلا تلزمه بأن يقول (الليالي القُمر) لأن الكتاب في العصر الحديث تسامحوا في هذه القضية، ولأن أسئلة الامتحان بوزارة المعارف جاء فيها مرة كلمة (الليالي القمراء) ولأن للشيخ النجار كتاباً اسمه (الأيام الحمراء) ولأننا نستثقل عبارة

ص: 11

(الحدائق الغنّ) ونستخف عبارة (الحدائق الغناء)

وإذا قال التلميذ (خَطوة) بالفتح فلا توجب عليه أن ينطقها بالضم، لأن الفتح لغيَّة وهو اليوم أسهل وأفصح

وإذا سكن التلميذ بعض أواخر الكلمات فلا تفرض عليه أن يراعي التحريك في كل وقت، إلا إذا كان يهمك أن تختبره في الإعراب، لأن من المستبعد جداً أن يكون العرب التزموا الإعراب في جميع المواطن، وهم قد نصوا على أنه يجوز نصب الفاعل ورفع المفعول عند أمن اللبس، ومعنى ذلك أن الإعراب لا يطلب إلا لتحديد المعاني.

وأغلبُ الظن أن العرب لم يلتزموا الإعراب إلا في موطنين اثنين: الشعر والقرآن.

وإنما التزموا الإعراب في الشعر لمراعاة الوزن، والتزموه في القرآن لأن القرآن نظم نظماً غنائياً فهو في أغلب أحواله كلام موزون روعي في وزنه أن يصلح للترنم والترتيل

واتفقنا على أن اللغة العربية ليست بدعاً بين اللغات، فالتعبير بها يختلف باختلاف أقدار المخاطبين؛ والمدرس الحق هو الذي يفرق بين ما يعبر به وهو يلقي درساً في مدرسة أولية، وما يعبر به وهو يلقي درساً في مدرسة ثانوية؛ والمدرس الغافل هو الذي يتكلم بطريقة واحدة في جميع الفصول

واتفقنا على أن أساليب التعليم لا يجب أن تكون واحدة في جميع المدارس، وإنما يجب أن نراعي مقتضيات الأحوال فنسلك في المدارس الأجنبية غير ما نسلك في المدارس المصرية

وأصول التربية نفسها توجب ذلك. إنها توجب أن تخاطب كل تلميذ بأسلوب خاص بعد أن تدرس نفسه حق الدرس، لأن الناس يختلفون في العقول كما يختلفون في الوجوه. وهذا لا يمنع من أن تكون هناك سياسة عامة يعامل بها جميع التلاميذ

واتفقنا على أن مدرس اللغة العربية يحق له أن يكون أقرب الأساتذة إلى قلوب الطلاب، لأن عنده فرصاً لا تتاح لسواه، إذ كان يقدر بلباقته أن بجد في دروس المطالعة والمحفوظات والأدب مجالاً لمحادثة الطلبة في معان كثيرة تتصل بالعقل والقلب والوجدان

ومدرس اللغة العربية يستطيع إذا كان من أصحاب المواهب أن يضع في صدور تلاميذه بذور الشوق إلى المشاركة الجدية في الحياة الأدبية والفنية والاجتماعية. وفي مقدوره إن

ص: 12

أخلص لواجبه أن يدفع تلاميذه دفعاً إلى رحاب الواجب في خدمة الوطن الغالي. وهو يستطيع أن يخلق منهم رجالاً يفرقون بين المعاني الوطنية والمعاني الإنسانية بحيث يصبحون فيما بعد من دعائم الحياة القومية

مدرس اللغة العربية مسئول قبل سواه عن خلق الروح المعنوي في المدارس لأنه يملك التعبير الجميل، ولأنه ارتاض على سياسة القول، ولأن لديه فرصاً كثيرة يستطيع بها توجيه التلاميذ إلى شريف الأغراض وكريم المعاني

ثم انتقلنا إلى موضوع شائك هو تحديد الفروق بين المدارس المصرية والمدارس الأجنبية

والظاهر أني أحب المدارس الأجنبية حبا يجعل ذنوبها حسنات، وقد فصلت رأيي في حضرة رخا بك وارتضاه، فما هو ذلك الرأي؟

من بين أبنائي ثلاثة يتعلمون بمعهد الليسيه في مصر الجديدة. وهؤلاء الأبناء الثلاثة يختلفون عن أخيهم الأكبر الذي يتعلم في مدرسة مصرية. فأخوهم الأكبر يأخذ مصروفه على أسلوب رتيب لا يتغير ولا يتبدل؟ أما أولئك الثلاثة فيزعجون المنزل بالمطالب المتنوعة في كل يوم، وقد قاست أمهم ما قاست حين كنت بالعراق، فلما اختبرت الأمر بنفسي ضِقْتُ به ذرعاً لأول وهلة؛ ثم تبينت أن تلك المطالب المتنوعة هي شواهد الحيوية في الحياة المدرسية، فالتلميذ لا يجد الفرصة ليهدأ ويسكن، وإنما يشعر بالمسئولية تتجدد أمامه في كل لحظة، فهو اليوم في حاجة إلى كتاب، وكان بالأمس في حاجة إلى كراس، وهو غداً في حاجة إلى ثوب جديد للحفلات، وهو بعد شهر سيقدم إلى المدرسة ديناراً للاشتراك في رحلة مدرسية، إلى آخر مالا آخر له من موجبات اليقظة في المدارس الأجنبية

أقول إن هذه المطالب راعتني لأول وهلة، ثم رأيت أن هؤلاء الأبناء حالهم أحسن من حال أبيهم، الأب المسكين الذي يخترق شوارع القاهرة في كل يوم ولا يراها، لأنه لا يمتطي تراماً أو سيارة إلا وهو مشغول بمطالعة الجرائد والمجلات أو مراجعة بعض الأوراق

أترونني على حق في استحسان هذا المذهب في التثقيف؟

إن كنت مخطئاً فاعذروني لأن اتصالي بالأجانب حبَّب إلي الحركة وزهدني في السكون!

هل تصدقون أنني لا أستريح إلى الدعوة التي تكررها الجرائد في الصبح والظهر والمساء،

ص: 13

الدعوة إلى الوفاق والاتحاد والائتلاف؟

هل تصدقون أني أعتقد أننا نختلف أقل مما يجب، وأنه ينبغي ألا نعرف غير النضال والصيال؟

هل تصدقون أن التجارب علمتني أن الراحة نذير الموت؟

هل تصدقون أني نفرت من منزل جميل في باريس لأن أصحابه كتبوا على بابه عبارة تشير إلى أنه معروف بالهدوء؟

هل تصدقون أني لم استرح في بغداد إلا حين اهتديت إلى منزل تحيط به الضوضاء؟

الحق أن مزاجي أفسدته المدنية الحديثة فساداً لا يرجى له صلاح

ولكن هذه هي المدينة، وهذا هو عقل العصر الحديث، وأنتم تطلبون أن نروضكم على التخلق بأخلاق العصر الحديث

ثم ماذا؟ ثم ماذا؟

ثم انتقلنا إلى تعليم البنات فعرفنا بعد الأخذ والرد أن البنت في المدرسة المصرية تقتل قتلا بالدروس، فلا تستطيع أن تكون بهجة البيت في المساء

والواقع أننا كنا أخطأنا في تقدير مناهج التعلم بمدارس البنات، فقد كانت البكالوريا واحدة للبنات والبنين مع أن المزاج يختلف بين النوعين أشد الاختلاف

وقد لوحظ أن البنات في المدارس الأجنبية يعاملن معاملة تقوم على أساس العطف والرفق، والمفهوم عند الأجانب أن البنت إنما تتعلم لتصلح تمام الصلاحية لتكون ربة بيت.

ولوحظ أيضاً أن مديرات المدارس الأجنبية يحاولن أن يعرفن كيف تعيش العائلات التي تجيء منها التلميذات ليستطعن تلوين الحياة المدرسية بألوان مختلفات

وهذا شيء قد لا تعرفه المدارس المصرية لأن الصلات قد تكون مقطوعة بين المدرسة والبيت

والظاهر أني لا أزال استجيد الوصف الذي أطلقته على مدارسنا منذ أكثر من عشر سنين حين سميتها (مجازر بشرية) فنظام هذه المدارس لا يتيح فرصة للتعمق، وإنما يلهي الطلبة بالقشور لكثرة ما يعرض عليهم من العلوم والفنون

وسيجيء يوم يعرف فيه الناس أن أسلافنا كانوا أبصر منا بالمذاهب التعليمية لأنهم كانوا

ص: 14

يعرضون على الطالب علوما قليلة ثم يفرضون عليه أن يتعمق

ولو شئت لقلت إن المدارس الفرنسية تريح التلاميذ من الدروس يومين كاملين، ومع ذلك لم يقل أحد بأن الفرنسيين تخلفوا في الميادين العلمية

ولو شئت لقلت إن الامتحانات عندنا لا تزال جائرة الميزان، فليس من المعقول أن يكون تلاميذنا من الضعف والجهل بالمنزلة التي توجب ألا ينجح من كل مئة غير عشرين أو ثلاثين

وهناك مجموعة يعرفها جميع المعلمين، وهي مجموعة الأسئلة الخاصة بالامتحانات العمومية، ونظرة واحدة إلى تلك المجموعة تشعر المنصف بأن الممتحنين لا يرون التيسير من الأمور ذوات البال، والأساتذة أنفسهم يحتاجون إلى تأمل يسير حين ينظرون إلى الأسئلة المسطورة في تلك المجموعة، فكيف يصنع التلاميذ وبينهم وبين أساتذتهم من الفروق ما تعرفون؟

ولو شئت لقلت إن أسئلة الامتحانات العمومية يضعها رجال مكدودون من بين المفتشين والمراقبين، والعقل يفرض أن يتفرغ لوضعها جماعة من الأساتذة ينقطعون إليها أسبوعاً أو أسبوعين حتى تسلم من العنت والإرهاق

أحب أن يشعر التلميذ المتوسط بأن من حقه أن ينجح. أحب أن يشعر التلميذ الضعيف بأنه قد ينجح إذا ضاعف من نشاطه وبذل ما يملك من العافية في الاستعداد للامتحان

ولكن هذه آمال لا تتحقق إلا إذا غير الممتحنون ما بأنفسهم فعرفوا أن الشهرة بالشدة والعنف مطلب سخيف

ثم ماذا؟

ثم تحدثنا عن الصلة بين المدرسة والبيت، واتفقنا على أن الواقع أننا نتكلم ولا نفعل

وأين المدرس الذي يجد من الوقت ما يزور فيه بيوت التلاميذ؟

وأين الناظر الذي يجد في جيبه ما يسعفه بأن يقيم للتلميذ وآبائهم حفلة أو حفلتين؟

لقد حاولت ذلك بنفسي ثم عجزت، لأني كنت أخرج من المدرسة مكدوداً لا أصلح لشيء

ولو شئت لصرحت بأن المدرسين يعجزون عن متابعة النشاط المدرسي، لأن المناهج لا تقيم له أي ميزان، وهو سخرة يقوم بها المدرسون بلا جزاء

ص: 15

أما بعد فهذه صورة لساعة لطيفة قضيتها مع الأستاذ رخا بك. فان أعجبته هذه الصورة فذلك ما أرجوه، وإن رآني أذعت ما لا ينبغي أن يذاع فليعرف أن هذا مذهبي، وعليه أن يعقل لسانه حين يراني

يا مصر

إنك تستعدين لأخطار عظيمة في بناء الجيل الجديد، فاعرفي ما تأخذين وما تدعين، واحذري أن يعتقد أبناؤك الأوفياء، أنهم لا يلقون منك حسن الجزاء

وأنتم أيها المدرسون

ثقوا بأن واجبكم الأول هو التغلب على المصاعب، المصاعب التي تواجهكم في الحياة المعاشية والحياة المدرسية، واعرفوا أن الاخلاص للواجب هو الكفيل بأن يرفع عن كواهلكم أثقال العيش وأعباء التعليم

إن التدريس مهنة لا يعرف فيها الراحة إلا من يتعب نفسه في تأدية الواجب، ولا يشقى في هذه المهنة إلا من يؤديها بتهاون واستخفاف

إن العناية التي تبذلونها في إلقاء الدروس تعدي تلاميذكم بالجد والنشاط، وتروضهم على النظام، وتغريهم بحب التفهم لما يسمعون وما يقرءون

وأنتم القدوة الصحيحة للتلاميذ، فاحذروا أن تعدوهم بالضجر واليأس. وتذكروا دائماً أن المدرس المنشرح الصدر، المبتهج النفس، هو وحده الذي يقدر على جعل المدرسة أحب إلى التلميذ من كل مكان

إن في الدنيا متاعب كثيرة تنتظر رجال الغد من تلاميذكم، فأعطوهم من ذخائر الأمل والبهجة ما يدفعون به متاعب الحياة في الأيام المقبلات. والله بالتوفيق كفيل.

مصر الجديدة

زكي مبارك

ص: 16

‌كتاب المبشرين

من أغلاطه في العربية

لأستاذ جليل

(بقية المقال السادس)

32 -

في الصفحة (330): مضطر على أفعاله

قلت: اضطر على كذا خطأ والصواب اضطر إلى كذا (ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار)(وقد فصل لكم ما حرَّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) وفي الجمهرة: وللضرورة والضارورة واحد وهو الاضطرار إلى الشيء، ومثل هذه التعدية في كلامهم وفي كتب اللغة. وفي كتاب الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري هذه الفائدة: ولهذا المعنى قال المحققون من أهل العربية إن حروف الجر لا تتعاقب حتى قال ابن درستويه: (في جواز تعاقبها إبطال حقيقة اللغة، وإفساد الحكمة فيها، والقول بخلاف ما يوجبه العقل والقياس) وذلك أنها إذا تعاقبت خرجت عن حقائقها، ووقع كل واحد منهما بمعنى الآخر فأوجب ذلك أن يكون لفظان مختلفان لهما معنى واحد، فأبى المحققون أن يقولوا بذلك وقال به من لا يتحقق المعاني. ولعل قائلا يقول: إن امتناعك من أن يكون للفظين المختلفين معنى واحد - ردُّ على جميع أهل اللغة لأنهم إذا أرادوا أن يفسروا اللب قالوا: هو العقل، أو الجرح قالوا: هو الكسب، أو السكب قالوا: هو الصب، وهذا يدل على أن اللب والعقل عندهم سواء، وكذلك الجرح والكسب، والسكب والصب، وما أشبه ذلك. قلنا ونحن أيضاً كذلك نقول، إلا أنا نذهب إلى قولنا اللب وإن كان هو العقل فأنه يفيد خلاف ما يفيد قولنا العقل. ومثل ذلك القول وإن كان هو الكلام والكلام هو القول فان كل واحد منهما يفيد بخلاف ما يفيد الآخر، وكذلك جميع ما في هذا الباب

33 -

في الصفحة (329): في كل محرس من الليل

قلت: إن كان المراد الحرس فالحرس الدهر أو وقت من الدهر دون الحقب. والذي يقال في هذا المقام هو الجرس أو الجرش، ففي تهذيب الألفاظ لابن السكيت: مضى جرس وجرس من الليل، وفي الصحاح: أي طائفة منه، وفي المخصص مضى جرش من الليل والجمع

ص: 17

جروش وأجراش، وقد يقال بالسين وفي اللسان: وقد يقال بالشين، وفي التاج: أتيته بعد جرش من الليل - مثلثة - ما بين أوله إلى ثلثه وقيل هو ساعة منه، والسين لغة، قال أبو زيد: مضى جرش من الليل أي هَوِىّ (أي هزيع من الليل أي طائفة منه. . .)

34 -

في الصفحة (80): ثم حسن لخديجة وهي أرملة ذات شرف ونسب أن تتخذه فيخرج في تجارتها

قلت: في كلام العرب وأكثر كتب اللغة: الأرملة التي مات زوجها وهي فقيرة. قال المصباح قال الأزهري: لا يقال لها أرملة إلا إذا كانت فقيرة فإذا كانت موسرة فليست بأرملة. وفي الأساس: وأرملت ورملت من زوجها ولا يكون إلا مع الحاجة. وفي اللسان والتاج، قال ابن الأنباري: سميت أرملة لذهاب زادها وفقدها كاسبها ومن كان عيشها صالحاً به، ولا يقال إذا ماتت امرأته أرمل إلا في شذوذ لأن الرجل لا يذهب زاده بموت امرأته إذا لم تكن قيمة عليه. . . والرجل قيم عليها، وتلزمه مؤنتها ولا يلزمه شيء من ذلك. وفي القصيدة الطويلة - كما يسميها أديبنا الكبير الأستاذ المردمي - المنسوبة إلى أبي طالب في مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه

ثمال اليتامى، عصمة للأرامل

وأنشد ابن بري:

لبيك على ملحان ضيف مدفّع

وأرملة تزجى مع الليل أرملا

35 -

في الصفحة (132): وقد تكرم عليه في آخر سنة من عمره بأن متعه بالنظر إليه

قلت: تكرم عليه خطأ، والتكرم تكلف الكرم، وتكرم تكلف الكرم قال المتلمس:

تكرم لتعتاد الجميل ولن ترى

أخا كرم إلا بأن يتكرما

وتكرم عن كذا أي تنزه عنه وترفع. قال أبو حية:

ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت

على طمع لم أنس أن أتكرما

ولم يجئ في كلام العرب ولا في معجمات الألفاظ ولا في معجمات المعاني تكرم عليه بمعنى أفضل عليه، تفضل عليه، أجدى عليه، من عليه، تطول عليه، تندى عليه، تسخى عليه، أسدى إليه؛ يدي عليه، أيدي عليه، أنعم عليه

36 -

في الصفحة (396): أما الوعد فانه عرف من شدة انهماكهم على الملاذ الشهوانية

ص: 18

قلت: لا يقال في العربية انهمك على الشيء بل أنهمك فيه. ففي حديث خالد بن الوليد رضي الله عنه أن الناس انهمكوا في الخمر. وفي الصحاح: انهمك الرجل في الأمر أي جد ولج، وكذلك تهمك في الأمر. وفي الأساس: انهمك في الباطل وفلان منهمك في الغي. مثل هذه التعدية في الجمهرة والنهاية واللسان والمصباح والتاج والمعجمات العصرية. والملاذ في اللغة جمع ملذ وهو موضع اللذة. وفي الفائق: النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ركب أحدكم الدابة فليحملها على ملاذها: أي ليسرها في المواضع التي تستلذ السير فيها من المواطيء السهلة غير الحزنة والمستوية غير المتعادية والشهوانية نسبة إلى الشهوان أو الشهواني وهو شديد الشهوة ومنه قول رابعة: يا شهواني. والشهوة اشتياق النفس إلى شيء كما في المصباح، أو نزوع النفس إلى ما تريده كما في مفردات الراغب. فماذا يعني كتاب المبشرين بكلامه الطمطماني؟

37 -

في الصفحة (340): قال الغزالي قد انتهى قوم في الشطح (لعله يريد الشطط) والدعاوى العريضة إلى دعوى الاتحاد بالله وارتفاع الحجاب.

قلت: لا يريد الشطط بل يريد الشطح، وإن من يجهل هذا المصطلح المشهور عند المتصوفة لجاهل. وهذه اللفظة إن لم تضعها العربية من قبل فهي كلمة اصطلاحية. ولم يكتب في التصوف كاتب، ولم يؤلف في طريقة القوم مؤلف، إلا ذكرا هذا الشطح كثيراً. ولن يسد شطط الشاطين ولا طائفة كبيرة من خلط المبشرين مسد الشطح. . . جاء في التاج: اشتهر بين المتصوفة الشطحات وهي في اصطلاحهم عبارة عن كلمات تصدر منهم في حال الغيبوبة وغلبة شهود الحق عليهم بحيث لا يشعرون حينئذ بغير الحق كقول بعضهم أنا الحق، وليس في الجبة إلا الله، ونحو ذلك. وفي التعريفات: الشطح عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى، وهو من زلات المحققين، فانه دعوى بحق يفصح بها العارف من غير إذن إلهي بطريق يشعر بالنباهة. . .

38 -

في الصفحة (437) فهذا الكلام يستلفت نظرنا من جهتين

قلت: استلفت خطأ، وإن قبل: قال سيبوبه في (هذا باب استفعلت): (وتقول استعطيت أي طلبت العطية، واستعتبته أي طلبت إليه العتبى، ومثل ذلك استفهمت واستخبرت أي طلبت إليه أن يخبرني). قلنا: جاء ما ذكره سيبوبه ولكنهم لم يقولوا استلفته أي طلب لفته؛ ثم

ص: 19

اللفت في اللغة ليّ الشيء عن الطريقة المستقيمة، ولفته لواه على غير جهته - كما في اللسان - فيكون معنى الجملة حسب بناء هذا الفعل؛ (وهذا الكلام يطلب ليّ نظرنا على غير جهته من جهتين. .) وهناك نظران: نظر البصر ونظر البصيرة فأيهما المقصود؟

39 -

في الصفحة (153) ويعتقد المسلمون بعصمة الأنبياء

قلت: قالوا: اعتقد كذا بقلبه - كما في الصحاح - ولم يقولوا اعتقد بكذا. وفي المصباح: اعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير

40 -

في الصفحة (59): على أنها أيضاً تعلق في الكعبة بأمر الأمة مكتوبة في ثوب قبطي بماء الذهب

قلت: اضطر (سال) أن يقول في (ثوب قبطي) حتى يوضح في لغته اللفظة. ولو كان مترجم (المقالة) وذو الذيل ممن شدا من العربية شيئاً لجلب الكلمة التي وضعها اللغة أو التي أوردتها كتب الأدب في خير المعلقات والتعليق وهي القباطي ومفردها القبطية. قال أبن رشيق في العمدة: (وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في القباطي بماء الذهب وعلقت على الكعبة. وقال صاحب العقد: (فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة وعلقتها في أستار الكعبة) والقبطية في الشعر القديم وفي الحديث. جاء في الفائق: كسا صلى الله عليه وسلم امرأة، قبطية فقال مرها فلتتخذ تحتها غلالة لا تصف حجم عظامها. ومن حديث عمر رضي الله عنه لا تلبسوا نساءكم القباطي فانه إلا يشفّ، فانه يصف

أجتزئ بما أوردت من أغلاطهم وسائرها سيظهر في وقت، في كتاب

(الإسكندرية)

* * *

ص: 20

‌سر العالم

لشاعر الهند رابندرانات طاغور

ترجمة الأديب عبد الوهاب مصطفى بحلاق

عندما مرت الدهور، وتردد النحل على حدائق الصيف، وابتسم القمر لزنبقة المساء، وبعث البرق قبلاته النورانية للسحب، وسرح ضحكاته في الفضاء. . وقف الشاعر في ركن مشحون بالأشجار مكلل بالسحب، وظل قلبه صامتا كالزهرة. . . يستطلع خلال أحلامه كما يفعل الهلال، ويهيم كما يفعل نسيم الصيف لغير ما غرض. .!

وفي إحدى ليالي إبريل عندما بزغ القمر كفقاعة ماء من أعماق الغرب. . . وكانت إحدى الفتيات مشتغلة بري النبات وأخرى تطعم غزالها، وثالثة ترقص لطاووسها بدأ الشاعر يغني:

(آه. . . أنصتوا لأسرار العالم. . . إني أرى أن الزنبقة شاحبة مصفرة لأنها تحب القمر. . . وزهرة اللوتس تسحب قناعها أمام شمس الصباح، والسبب جلي لو أنعمتم التفكير. ومعنى طنين النحل في إذن الياسمين الصبوح قد غرب عن خاطر العلماء ولكن الشاعر يعلم. . .!)

وذهبت الشمس في تورد الحياء، وصعد القمر متمهلاً خلف الأشجار، وهمست ريح الجنوب لزهرة اللوتس أن الشاعر ليس بساذج كما يظهر منه. فشبك الفتيات والشبان أيديهم وصاحوا:

(لقد انكشف سر العالم. .!)

ثم نظر بعضهم في عين بعض وأنشدوا:

(ليطر سرنا أيضاً على أجنحة الريح. .!)

عبد الوهاب مصطفى بحلاق

ص: 21

‌رسالة من باريس

بعض الدكاترة الفخريين

الذين منحوا الدكتوراه في فرنسا هذا العام

للباحث الأديب مصطفى زيور

- 1 -

سيدي رئيس تحرير الرسالة وأستاذي العزيز

ولا يغضبك من تلميذك أن يذكرك بعهد كرت عليه الأيام، وطواه الدهر في صفحات بدأ يعلوها الاصفرار. فكم في مثل هذه الذكريات من العذوبة ما ترق له النفس، وتذوب حنانا، يرسل في قسوة الحاضر سحر الماضي، فنرضى ونبتسم. . . ثم ينسينا التلهفَ على الماضي حسنُ الظن بالمستقبل. وهكذا تدفعنا دائماً مناعة النفس ضد التبرم بحقائق الحاضر أن نلوذ بما نتصوره سحر الماضي، حتى ترهقنا الحقيقة ونرى قلم الزمان يجر رقما جديدا في حساب الأعمار، فندير إليه ظهورنا ونتعلق بآمال المستقبل

فإذا أنكرت من تلميذك حديث الحنان ومنطق العاطفة، وإذا اتهمته بسوء النية في إثارة حديث الأعمار، فهو يدفع عن نفسه بأن التلميذ غير مسئول إذا اصطنع حديث العاطفة - ولو لم يكن هذا في فطرته - إذا كان أستاذه هو صاحب ذلك الأسلوب الموسيقي في ترجمة (آلام فرتر) و (رفائيل)؛ وهو متأهب بعد ذلك أن يسل حسام المنطق الجاف، منطق العقل الخالص، يعالج به مشكلة الأعمار ويقيم الدليل على أنه لم يكن ماكراً خبيثاً في إثارتها، وهو الذي لا يقنع بتلك الحجة البائسة تساق للسلوة عما مضى من الشباب، في قولهم إن مع المشيب نضوجا وحكمة، فما كانت هذه الحكمة في الغالب إلا خمودا في جذوة الحياة، وفرقا من اعتناق ثائر الأنظار تضطرب من تحتها الأرض. لا يقنع تلميذك بهذا بل هو مصطنع لسان الطب يعالج به مشكلة الأعمار فيقول: إن ما يختلج أعضاء المرء من الحيوية لا يقاس بما مر من السنين على بزوغ هذه الحيوية، وقديما قال الفرنسيون: وما عمر المرء إلا عمر عروقه ' وهو ما يعبر عنه بلغة البيولوجيا الحديثة (أو قل علم الحياة حتى يرضى عني أنصار ترجمة المصطلحات العلمية) بأن مبلغ الطاقة الحيوية في المرء

ص: 22

موقوف بما عليه إفراز غدده الصماء كما وكيفاً، وبما تطبقه مجموعته الاشتراكية بالفعل وبالقوة. فإذا كانت المقاييس الحديثة لنشاط هاتين المجموعتين قد أدت إلى تقرير مبادئ جديدة في حساب الأعمار يستند إليها علم حديث يدعونه بيوتبيولوجي يرمي إلى تمييز الشخصية الحيوية للأفراد لتوجيههم في معترك الحياة، بأن يدلهم على ما يصلحون له وما يطيقونه؛ وإذا كنا نرى هذا البحث الجديد قد جعل من بعض الشيوخ شبابا ومن بعض الشباب شيوخا، أفلا يرى معي أستاذي أن لا بأس على الشيوخ إذا كان نشاطهم شابا، وأن يخفف الشباب من غلوائه إذا كان نشاطه متقاعدا هرما؟

فإذا لم يرضك مني حديث المنطق بعد حديث العاطفة، وهممت أن تجري قلمك الأحمر على هذا اللغو تحذفه من كلمتي كما تعودت أن تفعل معي قديما في (كراسة الإنشاء) فإني أهيب بك أن تسمح لي بالاستئناف أمام أستاذي أحمد أمين، فلعله يكون أقل صرامة في الحكم، وقد سمعته يشير إلى تلك الظاهرة النفسية التي تدفع بالكاتب إلى الحرص على آثار قلمه والاعتزاز بها الغث منها والسمين، كما تحرص الأم وتحب فلذات كبدها، الدميم منهم والجميل

وبعد فهأنذا أفي بوعد قديم فأكتب (للرسالة) صفحات أردت أن أشير فيها إلى بعض تيارات الفكر العلمي الحديث في الغرب، التي تعنيها تلك المظاهر الدولية تعلن لحاملي لوائها تقدير الأوساط العلمية، فتجيزهم جوائز فخرية مثل جائزة نوبل أو الدكتوراه الفخرية تمنحها لهم الجامعات

وقد كان منح الدكتوراه الفخرية هذا العام في الجامعات الفرنسية حادثاً جللا بالنسبة لمصر، فقد رأينا لأول مرة أديباً مصرياً ينال هذا الشرف هو الدكتور طه حسين بك. ولست أشك أن غيري كتب في الجرائد المصرية يبين خطر هذه المنحة. وحسبي أن أشير إلى أن الجامعات الفرنسية ضنينة بإجازاتها فلا تمنحها لغير العلماء الذين ثبت فضلهم على العلم؛ فلم نر إينشتين يمنح الدكتوراه الفخرية من باريس إلا سنة 1929 بعد أن نال جائزة نوبل مرتين. وها نحن أولاء نرى بين العلماء الذين فازوا بهذا الشرف هذا العام اثنين من العلماء هما (تزنت جيورجي) و (كارر) قد سبق أن فازا بجائزة نوبل الأول للطب والثاني للكيمياء لقيامهما - منفردين - بأبحاث خطيرة في مسألة الفيتامين كما سأبين بعد

ص: 23

وليس في عزمي أن أقدم إلى قراء الرسالة الدكتور طه حسين بك كما سأقدم إليهم العلماء سورنسن، وتزنت جيورجي، وكارر من بين العلماء الذين فازوا بالدكتوراه الفخرية من فرنسا هذا العام، فإن عميد كلية الآداب ليس في حاجة إلى أن يقدم إلى صحف الأدب العربي، كما أنه ليس في عزمي أن أتناول بهذه المناسبة مؤلفاته الأدبية بنقد أو تحليل، فلم يكن الأدب من عملي ولم أكن يوماً من الأدباء

وحسبي أن أردد ما قاله ممثل الجامعة الفرنسية في عميد كلية الآداب من المقابلة بينه وبين أديبهم الفرنسي رينان، فقد قال: إن رينان كان أديباً فذاً ولكنه كان إلى ذلك مؤمناً قوي الإيمان بمستقبل العلم نصيراً له؛ وكذلك الدكتور طه في مصر فهو إلى صفاته الفنية في الأدب قد بعث فيمن حوله روحاً علمية صحيحة وأنفق من الجهد في نصرة الروح للعلمية والأخذ بمنهجها ما يجعله حقيقاً أن يحتفل به العلماء قبل الأدباء. ومن أجل هذا فإني أسجل له تحيتي هنا

العلامة سورنسن ?

يمتاز هذا الكيميائي الدانمركي بعبقرية مبتدعة في طرائق البحث التجريبي واختراع الوسائل الفنية التي يدعونها بتلك الكلمة اليونانية الأصل (تكنيك)؛ ولعل العلماء المبرزين في هذا النوع من النشاط العلمي أقل حظاً من غيرهم في ذيوع الشهرة وجريان أسمائهم على أفواه المتعلمين؛ ذلك لأن هذه الوسائل وما يتصل بها من الأجهزة تبقى في العادة داخل المعامل يستغلها الباحثون في الكشف وتحقيق الفروض، فإذا ما انتهى إلى جمهور المتعلمين شيء منها فهي نتائج هذه البحوث: قانون طبيعي، أو نظرية جديدة في تفسير طائفة من الظواهر تحمل اسم قائلها ولكنها غفل من اسم مخترع الوسائل التي أدت إلى هذا الكسب الجديد في ميدان المعرفة. ومع ذلك فان هذه الوسائل كثيراً ما كانت تكأة لفتوح خطيرة في العلم بل تكأة لعلم بأسره؛ فكثير منا يعلم مثلاً أن جاليليه هو أول من أقام الدليل على صحة نظرية كوبرنيك في دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها، ولكن كم منا يعلم أن هذا الجهاز البسيط المقرب للأبعاد المدعو تلسكوب، والذي خرج من خلاله كل محصولنا الحالي في علم الفلك بل كل هذه الثورة على جدل القرون الوسطى النظري وتوجيه العلم نحو الملاحظة والتجريب، كم منا يعلم أن المنظار المقرب يحمل اسم جاليليه؟

ص: 24

ثم كم من الأطباء في العالم الذين يستعملون كل يوم منذ أكثر من قرن ذلك الجهاز المدعو (سنتوسكوب) أي السماعة الطبية ويقيمون تشخيصهم على ما يسمعونه خلالها، كم منهم يعلم أنها تحمل اسم الطيب الفرنسي الكبير (لَيْنِك) مؤسس فن التشخيص السمعي؟

اتجه نشاط سورنسن بعد بحوث في الكيمياء المعدنية نحو دراسة المكون الرئيس للمادة الحية: المواد الزلالية المسماة في الاصطلاح الدولي بروتيد؛ بدأ باستخلاصها في حالة النقاء أي خالصة من المواد الأخرى العالقة بها مما مكنه ومكن غيره من الباحثين من دراسة خصائصها الكيميائية والفيزيقية؛ أجرى عليها تجربة التحليل الغشائي، أي النفاذ خلال الأغشية وهي أجسام من أصل نباتي أو حيواني ذات ثقوب دقيقة (مثل جلود الحيوانات) لا تسمح لغير الجزئيات الدقيقة مثل جزئيات الملح الذائبة في الماء باختراقها، بينما الجزئيات الزلالية لا تنفذ منها. ونتيجة هذه التحليل الغشائي أن الجزئيات الغريبة العالقة بالجزئيات الزلالية تنفذ خلال هذه الأغشية تاركة الجزئيات الزلالية في حالة النقاء. وهكذا تبدو لنا المحلولات المحتوية على مواد زلالية كأنها تسلك مسلك المحلولات الغروية (نسبة إلى الغراء) أي تلك المحلولات التي تختلف عن المحلولات العادية - المسماة بالمحلولات البلورية مثل محلول الملح - بكبر حجم جزيئاتها مما يمنعها من اختراق تلك الأغشية، والتي تختلف عنها أيضاً بأنها لا تترك بعد تبخير السائل الذائبة فيه دقائق متبلورة بل تترك جسماً يشبه الغراء

ولكن هذه الحقيقة، حقيقة وجود المواد الزلالية وبالتالي المادة الحية على الحالة الغروية تحمل نتائج غاية في الخطورة؛ ذلك أننا نعلم أن المحلولات الغروية تنفرد بصفات خاصة يرجع إليها السبب في ثبا بهذه المحلولات أي بقاء الجزئيات منتشرة في السائل لا تسقط، فإذا ما حدث اضطراب في هذه الصفات فان جزيئات المحلول الغروي تتهالك بعضها على بعض أي تفقد ثباتها فينهار المحلول الغروي. ولما كانت المادة الحية توجد على الحالة الغروية فان بقاء الحياة واستمرارها يترجم عنه من الناحية الفيزيقية بثبات الحالة الغروية، وفناء الحياة أو اضطرابها يترجم عنه من الناحية الفيزيقية بانهيار الحالة الغروية

أما أهم هذه الصفات التي يرجع إليها ثبات الحالة الغروية فهو وجود شحنة كهربائية من نوع بعينه تحملها الجزئيات المنتشرة فتدفعها إلى التباعد بعضها عن بعض فتمنعها من

ص: 25

التهالك. فإذا ما أُدخل على المحلول الغروي جسم يحمل شحنة كهربائية مضادة لشحنته لا تلبث جزئيات المحلول الغروي أن تتجاذب مع هذا الجسم الغريب وفقاً للقانون الطبيعي الذي يقرر التجاذب بين جسم موجب وآخر سالب، وبالتالي ينهار المحلول الغروي؛ وهذا ما يحدث بين السموم المفرزة من الجراثيم وبين الجزئيات الزلالية في الأنسجة الحية. ومما يجدر ذكره أن تقدم الكائن الحي في السن وانحداره نحو الهرم يقابله تغير في الصفات الغروية الخاصة بأنسجته ينتج عنه تباطؤ في نشاطها؛ وهكذا يمكننا أن نقرر دون خشية الخطأ أنه في اليوم الذي تتم لنا فيه معرفة جميع الصفات الغروية نكون قد كشفنا الغطاء عن جميع معميات المظاهر الفسيولوجية في الصحة والمرض

ومن المسائل التي استرعت اهتمام سورنسن مسألة الوزن الجزيئي للزلاليات، أي وزن أصغر جزء له نفس صفات الجسم الذي يتركب من عدد كبير من هذه الجزئيات؛ فاستعان بالضغط (الأسموزي) أي الضغط الذي يحدثه دفع محلول على جدار غشاء إذا وجد من الناحية الأخرى من هذا الغشاء محلول ذو تركيز يختلف عن تركيز المحلول الأول. وبواسطة قانون (فان تهوف) الذي يعين العلاقة بين الضغط ودرجة الحرارة المطلقة والتركيز الجزيئي يصبح من السهل استنتاج الوزن الجزيئي. أدت هذه الطريقة سورنسن ثم (أدير) إلى تقدير الوزن الجزيئي لزلال البيض ب 34. 000 وبضعف هذا العدد لزلال الدم. وقد حققت التجارب التي أجريت بواسطة طرق فيزيقية أخرى هذا العدد كما حققت أن المواد الزلالية المختلفة لا تختلف في وزنها الجزيئي إلا بأنها حاصل ضرب هذا العدد في أعداد صحيحة. وليس في ذلك غرابة، فنحن نعلم أن المواد الغروية تتكون من وسط منتشرة فيه دقائق مؤلف كل منها من عدد معين من الجزئيات قد يختلف من مادة غروية إلى أخرى. ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف في الوزن الجزيئي فان ما يسترعي النظر حقاً هو ضخامة حتى أصغر قيمة وجدت للوزن الجزيئي في الزلاليات وهي 17. 000 (يلاحظ أن نصفها 34. 000)؛ ذلك لأننا لا نعرف جسماً يقترب وزنه الجزيئي من هذه القيمة مما يدل على شدة التعقيد في تركيب المواد الزلالية؛ ومع ذلك فان تحليل هذه المواد إلى عناصرها الأولية لا يؤدي إلا إلى أربعة عناصر بسيطة هي الكربون والهيدروجين والأكسجين والأزوت، ثم في معظم الحالات أيضاً للكبريت. إذن فالتعقيد لا يأتي من ازدحام

ص: 26

عدد كبير من العناصر الأولية، بل من النظام الداخلي في ارتباط هذه العناصر. كيف تتركب إذن هذه المواد؟ إذا أجرينا على المواد الزلالية تحليلا خميريا أي بواسطة الخمائر مثل خمائر الأمعاء فإنها تنحل في النهاية إلى عدة أجسام بسيطة التركيب إلى حد ما، يدعونها الأحماض الأمينية أي أجسام يعينها وجود وظيفة حمضية بجانب وظيفة أمينية (وهي وظيفة قلوية تحتوي على الأزوت منتشرة في المواد العضوية)؛ وعلى ذلك كان من السهل أن يتحد حامض أميني مع حامض أميني آخر بأن ترتبط الوظيفة الحمضية لأحدهما مع الوظيفة الأمينية للآخر، كما أنه يمكن أن يتحد هذا الجسم المزدوج الجديد مع حامض أميني ثالث بنفس الطريقة وهكذا. وقد تمكن فيشر من تركيب نحو ثمانية عشر حمضاً أمينياً بعضها مع بعض فنتج لديه أجسام لها كثير من خصائص المواد الزلالية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان الأحماض الأمينية نفسها يمكن تركيبها من أجسام بسيطة. وقد كان لسورنسن الفضل في دراسة وتركيب أحد الأحماض الأمينية الهامة وهي الأرجينين، كما كان له فضل ابتداع طريقة للتقدير الكمي للأحماض الأمينية في محلول يحتوي عليها

للبحث بقية

مصطفى زيور

ص: 27

‌للتاريخ السياسي

جهود المستر تشمبرلين

وما أدت إليه

للدكتور يوسف هيكل

(علمتني التجارب أن الضعف في القوة العسكرية يعني

الضعف في السياسة)

تشمبرلين - 6 أكتوبر

إن خطاب الهر هتلر في نورمبرك وما تبعه من اضطرابات في تشيكوسلوفاكيا، وقطع المفاوضات بين حكومتها وحزب السوديت الألمان، أقلق الرأي الدولي ولا سيما في لندن وباريس. فقام المستر تشميرلين، رئيس الحكومة البريطانية، بالاتفاق مع المسيو دلادييه رئيس الحكومة الفرنسية، ببذل جهود شخصية لم يكن أحد يتوقعها منه، لإبعاد شبح الحرب العالمية وتثبيت السلام. وإننا في عرضنا لهذه الجهود نتكلم عن مباحثات برختسكادن ومشروع لندن، ونذكر مطالب الهر هتلر الجديدة، ونبدي ما تلاها من الذعر الدولي، وما تم في مؤتمر مونيخ

مباحثات برختسكادن ومشروع لندن

اشتدت خطورة الحالة في تشيكوسلوفاكيا في 13 سبتمبر (أيلول) وخشي حدوث حرب أهلية بين التشيك والألمان السوديت على أثر انتشار الاضطرابات بين العنصرين في كثير من المقاطعات السوديتية، وذلك مما كاد يؤدي إلى تدخل الجيوش الألمانية، وبالتالي إلى مساعدة الجيش الفرنسي لحكومة براغ. وهذه الأعمال الحربية إن وقعت، لا تلبث أن تصبح حربا عالمية بتدخل الدول الأخرى عملا بالمحالفات تربطها مع براغ وباريس من جهة، ومع برلين من جهة ثانية

وبما أن النظام الدكتاتوري الذي يضع مصير البلاد في قبضة رجل واحد قلل الانتفاع من النظام الدبلوماسي الاعتيادي ولا سيما في ساعات الأزمات، لذلك قرر المستر تشمبرلين،

ص: 28

بالاتفاق مع حكومة باريس، الذهاب إلى ألمانيا، ومقابلة الهر هتلر، ليتحقق ما إذا كان لا يزال باقيا أي أمل في حفظ السلام. فأرسل إليه في 14 سبتمبر (أيلول) برقية قال فيها:

(نظرا لازدياد تحرج الحالة أرى أن آتي لمقابلتكم بقصد السعي لإيجاد حل سلمي. وفي عزمي أن آتي بطريق الجو، وإني مستعد للسفر غدا. فأرجو أن تخبرني عن أقرب وقت تستطيع فيه مقابلتي، وعن المكان الذي نجتمع فيه). فرد الهر هتلر على هذه البرقية بقوله إنه مستعد لمقابلة رئيس الوزارة البريطانية غداً في برختسكادن

طار المستر تشمبرلين إلى ألمانيا صباح 15 سبتمبر (أيلول) فوصل برختسكادن الساعة الرابعة. وبعد تناول الشاي مع زعيم ألمانيا أخذ رجلا الدولة يتباحثان. ولم يحضر مباحثاتهما هذه التي دامت ثلاث ساعات غير المترجم

خلال هذه المحادثات أبان الهر هتلر بوضوح وتأكيد، وجوب إعطاء السوديت الألمان حق تقرير مصيرهم، والعودة إلى الريخ إذا كانوا يريدون ذلك. وإذا لم يعطوا ذلك الحق فان ألمانيا تأخذه لهم بالقوة.

وقد تذمر الهر هتلر من تهديدات بريطانيا له فأجاب المستر تشمبرلين على ذلك أنه يجب التفريق بين التهديد والإنذار. وقد يكون للهر هتلر سبب معقول من التذمر لو أن المستر تشمبرلين مكنه من التفكير في أن بريطانيا لا تدخل ضده في حرب مهما كانت الظروف، ولكن عملياً توجد حالات إن وقعت تضطر بريطانيا إلى دخول الحرب ضد ألمانيا.

ظهر للمستر تشمبرلين أن الهر هتلر كان يتأهب إلى اكتساح تشيكوسلوفاكيا مما جعله يسأله لماذا مكنه من السفر إليه مسافة طويلة، ما دامت نتيجة ذلك ضياع وقته فقط. فأجاب الهر هتلر على ذلك أنه لو أن المستر تشمبرلين يؤكد له هناك (أي في ألمانيا) وفي ذلك الوقت - أن الحكومة البريطانية تقبل مبدأ حتى تقرير المصير، لكان (أي الهر هتلر) مستعداً لبحث الطرق والوسائل لتنفيذ ذلك. ولكن إذا كانت الحكومة البريطانية لا تعتبر هذا المبدأ، فان من الحق ألا تكون هناك فائدة من متابعة المحادثات. غير أن المستر تشمبرلين لم يكن حينئذ وفي ذلك المكان في حالة تمكنه من إعطاء مثل ذلك التأكيد، فأعلم محادثه أنه يريد العودة للمشاورة مع زملائه في هذا الشأن، إذا امتنع الهر هتلر عن القيام بأعمال عدائية ريثما يتمكن من معرفة جوابهم. فوعده الهر هتلر بذلك

ص: 29

عاد المستر تشمبرلين إلى لندن صباح 16 سبتمبر (أيلول)، معتقداً أن لا شيء يحول دون احتلال الجيوش الألمانية تشيكوسلوفاكيا إلا منح الألمان السوديت حق تقرير مصيرهم في وقت قريب. وكان ذلك في رأيه، الأمل الوحيد في الوصول إلى حل سلمي.

وفي اليوم نفسه، وبطلب من المستر تشمبرلين عاد اللورد رنسيمان من براغ إلى لندن. ولما سأله الصحفيون عن رأيه في الموقف أجاب:(كنت أود لو أني أعرف عن الموقف ما تعرفون، وأخشى ألا يكون عندي من المعلومات ما أفضي إليكم به غير القول بأن الحالة دقيقة جداً وأنها بين يدي الله).

وفي مساء ذلك اليوم عقد مجلس الوزراء البريطاني جلسة، حضرها اللورد رنسيمان. وفي هذه الجلسة عرض رئيس وزارة بريطانيا لزملائه ما سمع من الهر هتلر، وما حمل من فكرة عن موقف الجيش الألماني إزاء المشكلة التشيكوسلوفاكية. وفي هذه الجلسة أيضاً أوقف اللورد رنسيمان الحكومة على الحالة في تشيكوسلوفاكيا وأبدى لها ما يعتقده من حل حاسم لمشكلتها.

بعد أن عرض اللورد رنسيمان سير المفاوضات ووضع مسؤولية فشلها على الهر هنلاين ومعاضديه داخل البلاد وخارجها قال: (مع ذلك فإنني أعطف على قضية السوديت. إنه من المؤلم جداً أن يخضع الشعب لحكم شعب غريب) ثم أبان أنه حين وصوله كان زعماء السوديت المعتدلون لا يزالون يرغبون في حل يبقيهم داخل حدود الدولة التشيكوسلوفاكية، لتأكدهم أن الحرب ستقضي على بلادهم لأنها ستكون ساحتها. وقد حاول اللورد الوصول إلى مثل هذا الحل ولكنه لم ينجح، لتصلب اتباع الهر هنلاين وإيجادهم العراقيل أمام تحقيق الحلول المعروضة. لهذا أخذ اللورد رنسيمان يدين بأن المقاطعات المأهولة بأكثرية كبيرة ألمانية يجب أن تعطى حالاً حق تقرير مصيرها، وأنه إذا كان لا بد من إلحاق بعض الأقاليم بألمانيا، وهو يعتقد بضرورة ذلك، فانه يجب أن يكون حالا ومن غير تأخر. لأنه يوجد - حسب رأيه في ترك الحالة غير جلية - خطر حقيقي: خطر حرب أهلية. ولذلك يرى وجوب اتباع سياسة سريعة حاسمة. أما إجراء الاستفتاء في المقاطعات التي تكون أكثريتهم الساحقة ألمانية، فما هو ألا عمل شكلي إذ الأكثرية من سكان هذه المقاطعات تحبذ الانضمام إلى ألمانيا. والاستفتاء لا يؤدي في هذه الحالة إلا إلى تهيج شعور الجمهور،

ص: 30

وبالتالي إلى نتائج سيئة. لهذا فان اللورد رنسيمان يوصي بضم هذه الأقليم التشيكوسلوفاكية إلى ألمانيا

أما الأقاليم التي فيها النسبة الألمانية قليلة فانه يوصي بإعطائها الاستقلال الذاتي ضمن حدود الجمهورية التشيكوسلوفاكية

وبعد أن عرض اللورد رنسيمان مسألة الحدود، تناول الأوجه السياسية التي تتعلق بسلامة الجمهورية التشيكوسلوفاكية وبتحسين علاقتها مع مجاوريها الملاصقين، ولتحقيق ذلك يوصي:

1 -

منع الأحزاب والأشخاص في تشيكوسلوفاكية الذين يشجعون اتباع سياسة الخصومة لمجاوريها، من متابعة تحريضهم حتى ولو باتخاذ وسائل قضائية ضدهم

2 -

تغير حكومة براغ علاقاتها السياسية الدولية كما تعطي تأكيداً لمجاوريها بأنها لا تريد مهاجمتهم في أي ظرف من الظروف، أو بالاشتراك في أي اعتداء عليهم تنفيذاً لمعاهدات مع دول أخرى. ومعنى ذلك إلغاء حكومة براغ لمحالفاتها الدفاعية مع فرنسا والروسيا

3 -

ضمان الدولة الرئيسية - الذين يهمهم السلام في أوربا - حدود تشيكوسلوفاكيا في حالة التعدي عليها، غير المحرض عليه

4 -

عقد معاهدة تجارية بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا إن كان ذلك مفيداً لاقتصاديات البلدين

كان لتقرير اللورد رنسيمان تأثير عظيم على الحكومة البريطانية. وقبل أن تضع خطتها النهائية، رأت من الضروري استشارة الحكومة الفرنسية، فدعا المستر تشمبرلين المسيو دلادييه رئيس وزارتها، والمسيو بونيه وزير خارجيتها إلى لندن للتشاور مع الوزراء البريطانيين في 18 سبتمبر (أيلول)

اجتمع الوفد الفرنسي بالوزراء البريطانيين، وأبان له المستر تشمبرلين مطالب الهر هتلر ورأي الحكومة البريطانية فيها، وأوقفه على ما وصل إليه اللورد رنسيمان وقد تم الاتفاق بينهم على مشروع لحل النزاع الألماني التشيكوسلوفاكي ضمن تحقيق مطالب زعيم ألمانيا ويحتوي على النقط التالية:

1 -

فصل المناطق المأهولة بأكثرية ألمانية عن تشيكوسلوفاكيا وضمها إلى الريخ.

2 -

عدم إجراء الاستفتاء، للصعوبات التي تنجم عنه، والاستعاضة عنه بالتنازل عن

ص: 31

المقاطعات التي كان يجب إجراء الاستفتاء فيها.

3 -

تأليف لجنة دولية، تكون تشكوسلوفاكيا أحد أعضائها، لتعيين الحدود التشيكية الجديدة والأشراف على تبادل السكان.

4 -

تعهد حكومة بريطانيا بالاشتراك بضمان دولي للحدود التشيكية الجديدة بدلا من معاهدات الدفاع الحالية.

وافقت الوزارة البريطانية بالإجماع على هذا المشروع، أما في فرنسا فاعترض عليه أربعة من الوزراء. وفي 20 سبتمبر (أيلول) أرسلت حكومة براغ ردها على مشروع لندن إلى الحكومة البريطانية، أبانت فيه الأسباب التي تدعوها إلى عدم قبول التنازل عن الأرض السوديتية. وأشارت إلى أنها لا يمكنها فقط قبول الاقتراحات الإنكليزية الفرنسية التي وضعت دون موافقتها، وطلبت أن يكون الخلاف بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا موضع التحكيم، وفقا لمعاهدة عام 1926 المعقودة بين هذين البلدين، وأن تعيد حكومتا لندن وباريس النظر في المسألة؛ غير أن سفيري بريطانيا وفرنسا زار الرئيس بنيش في الساعة الواحدة والربع من صباح 21 سبتمبر (أيلول) وألحا عليه بضرورة قبول مشروع لندن، وقد أفهماه أن الحالة في بريطانيا لا تمكنها من دخول حرب دفاعاً عن تشيكوسلوفاكيا، وبالتالي فان الحكومة الفرنسية لا تستطيع نجدة حليفتها. فقضت حكومة براغ ما بقي من الليل في درس الحالة. وفي الصباح أصدرت بياناً ذكرت فيه الأسباب التي اضطرتها إلى قبول مشروع لندن. ومما جاء فيه، أنه (لم يسع رئيس الجمهورية والحكومة إلا قبول اقتراحات الدولة الكبرى لأننا وجدنا أنفسنا بلا معين).

على أثر ذلك اضطرب الرأي العام في تشيكوسلوفاكيا، وقامت في البلاد مظاهرات وطنية، واحتشدت الجماهير أمام قصر الرياسة صارخة (فليحي سيروفي، وليحي الجيش). فأطل الجنرال سيروفي مفتش الجيش العام من شرفة قصر الرياسة وألقى خطاباً قال فيه: (إنكم لا تعلمون الأسباب التي حملت الحكومة على اتخاذ القرارات الأخيرة. إني أحب الجمهورية بقدر ما تحبونها. إننا لا نستطيع أن ندفع بالشعب إلى الانتحار). فأجابت الجماهير (إننا نفصل الانتحار ولا نريد أن يمس شرفنا. نريد الكفاح). . . وكانت النساء على الأرصفة يشهقن بالبكاء، والدموع تتساقط من أعين رجال البوليس.

ص: 32

وفي صباح 22 سبتمبر (أيلول) استقالت وزارة الدكتور هودزا وأعلن تأليف وزارة قومية برياسة الجنرال سيروفي، رجل تشيكوسلوفاكيا القوي.

وبرغم مطالب بولندا وهنغاريا التي زادت تعقيد المشكلة التشيكوسلوفاكية فان الدوائر السياسية ظنت أن الأزمة الدولية قد انفرجت بقبول تشيكوسلوفاكيا مشروع لندن الذي هو عبارة عن تحقيق مطالب الهر هتلر. واعتقدت أن طيران مستر تشمبرلين إلى ألمانيا للمرة الثانية في 22 سبتمبر (أيلول) مكلل بالنجاح. فهل تحقق ظن هذه الدوائر؟ هذا ما سنعرفه في المقال المقبل

يوسف هيكل

ص: 33

‌في اللغة

المؤنث والمذكر في اللغات السامية

للأستاذ عمر الدسوقي

(نقدم إلى قراء الرسالة كاتبا جديداً من نوابغ الشبان الذين جمعوا بين الثقافتين الشرقية والغربية وهو الأستاذ (عمر الدسوقي). فقد تخرج في دار العلوم سنة 1932 ثم أرسل إلى إنجلترا للتخصص في اللغات السامية، فدرس منها الحبشية والحميرية والآرامية والعبرية، ودرس إلى جانب ذلك اللغات الفرنسية في إنجلترا وجرنوبل بفرنسا، والألمانية بإنجلترا وجامعة (بن)، ودرس أيضاً الفلسفة في جامعة لندن، وحاز على بكالوريوس الشرف في اللغات السامية من معهد اللغات الشرقية بلندن. وقد وعد الأستاذ أن يخص الرسالة ببحوثه القيمة في المواد التي تخصص فيها)

ما الفكرة التي حدث بالساميين إلى تأنيث بعض الأسماء وتذكير بعضها الآخر؟

وهل كان هذا التقسيم معتمداً على فكرة تشبعت بها أذهانهم وتصوراتهم أم كان ذلك عفواً ومن غير قصد؟ لماذا كان الذهب مذكراً والفضة مؤنثة، والكرسي مذكراً والمائدة مؤنثة، والبيت مذكراً والدار مؤنثة، والقمر مذكراً والشمس مؤنثة؟

تسأل علماء اللغة وكتب اللغة فلا تجد جواباً شافياً، اللهم إلا هذا التقسيم القديم، وهو انقسام الاسم إلى مذكر ومؤنث، والمؤنث إلى حقيقي وغير حقيقي ومعنوي ومجازي ولفظي؛ ولكن لماذا لحقت تاء التأنيث وأخواتها المؤنث غير الحقيقي؟ أو لماذا اعتبروا بعض الأسماء مؤنثاً ولو لم تكن بها إحدى علامات التأنيث؟ هذا ما سيدور عليه البحث الآتي: -

نجد في اللغات الأوربية الهندية مذكراً ومؤنثاً، وألفاظاً لا هي بالمذكرة ولا هي بالمؤنثة، وهي ما تسمى بالإنجليزية وأن بعض اللغات الأوربية قد اقتصر على المذكر والمؤنث كالألمانية والفرنسية ونجد بعض كلمات في الإنجليزية مؤنثة أو بعبارة اصح تعتبر مؤنثة، مع أنها بعيدة عن فكرة التأنيث حيث (الجنس) أي فمثلاً كلمة سفينة مؤنثة، وكلمة أي قمر مؤنثة، وكلمة أي آلة مؤنثة، ولكنها كلمات قليلة لعلها أثر من آثار الماضي. أما اللغات السامية فقد اتحدت على تقسيم الاسم إلى مذكر ومؤنث، واتحدت في الأسماء التي تؤنث، وهذا ما جعل المستشرقين - ما عداً نولدكه وفنسنج - يقولون إن الساميين قد قاموا

ص: 34

بهذا التقسيم حينما كانت لغتهم لا تزال لغة واحدة - وإن نظريتهم إلى الأشياء كانت نظرة عميقة جعلتهم يتخيلون فيها المذكر والمؤنث.

اعتبر العرب بعض الأسماء مؤنثة وإن لم تكن بها علامة تأنيث، ولا تدل على مؤنث من حيث الجنس كالدار والنار، والذراع والإصبع، والسوق واليمين، والأرض والأذن والعين والسن والشمس والحرب، وهذا ما يسمى مؤنثاً مجازياً؛ وتجد من هذا النوع خمسة عشر اسماً في جسم الإنسان، وأحد عشر اسماً من أسماء الآلات، وأحد عشر اسما لأجزاء السماء والأرض، واسمين للأمكنة، وخمسة للحيوانات. ويلاحظ أن هذا المؤنث المجازي يخرج تدريجيا في بعض اللغات السامية من المؤنث إلى المذكر؛ فمثلاً كلمة (رحى) وكلمة (كأس) نجد كلاً منهما في العربية والسريانية مؤنثة وفي الآرامية مذكرة، ومؤنثة تارة ومذكرة أخرى في اللغة العبرية. وخذ مثلاً كلمة (شمس) تجدها مؤنثة دائماً في اللغة العربية، ومذكرة دائماً في الآشورية، ومؤنثة تارة ومذكرة أخرى في الآرامية والعبرية.

أما في الحبشية فقد تطورت هذه الكلمات تطوراً آخر، فحينما نسي الناس الفكرة الأصلية للمؤنث والمذكر حدث خلط حتى في الكلمات المنتهية بإحدى علامات التأنيث

ويظهر أن هذا الانتقال من المؤنث للمذكر لم يتبع في كل حال انتقال الكلمة من معناها الأصلي إلى معنى جديد كما حدث في كلمة (دار) حين أصبحت في العبرية (دور) بمعنى الجيل، وانتقلت بذلك من المؤنث إلى المذكر، بل ربما كان هذا الانتقال لضعف فكرة التأنيث كما في (رحى، وكأس).

وقد أسترعي نظر بعض العلماء وجود علامات التأنيث لا في الاسم الدال على مؤنث حقيقي فحسب، ولا في الاسم التي اعتبرها الساميون مؤنثة لفظاً، بل في بعض المصادر وبعض الجموع، وكثير من الكلمات التي تدل على الكثرة والقوة. فنجد الألف المقصورة علامة من علامات التأنيث. كما في سلمى وحبلى، وليلى؛ ونجدها في جمع فعيل، كصريع وصرعى وجريح وجرحى، وقتيل وقتلى، وميت وموتى. . . الخ. ومعنى هذا أنه لا فرق في العلامة بين صيغة المؤنث وصيغة الجمع.

ونجد الألف الممدودة علامة من علامات التأنيث كما في شقراء وزرقاء وصحراء، وورقاء، ونجدها في جمع فعيل بمعنى فاعل إذا كان وصفاً لعاقل معتل اللام أو مضعفاً مثل

ص: 35

أغنياء وأشداء وأقوياء؛ ونجدها كذلك في جمع فعيل بمعنى فاعل وصفاً لعاقل غير معتل اللام ولا مضعفاً مثل كرماء وجبناء، وبخلاء وسعداء وعظماء؛ وهذان الجمعان من جموع الكثرة.

ونجد أيضاً التاء علامة من علامات التأنيث كما في فاطمة وسكينة؛ ونجدها كذلك في بعض أوصاف الذكور للمبالغة كعلاقة وفهامة وبحاثة، ورواية ونابغة، وداهية وقعدة، وجثمنه، وضجعة ونؤمة، وفي العبرية (قُوِحِلة) وهو الذي يؤم الناس في الصلاة. ونجد أيضاً هذه التاء تلحق الجموع لفاعل وفَعلة، وخائن وخونة، وعامل وعملة، وكاتب وكتبة، وكامل وكملة، وطعام وأطعمة، وغلام وغلمة، وصبي وصبية، وجهبذ وجهابذة؛ وفي العبرية (أو رحاه) جماعة المسافرين.

وتأتي هذه التاء في المصدر كتجارة وزارعة وصباغة، وحمرة وزرقة ودكنة وعذوبة ونباهة، ومجادلة ومسابقة ومخاصمة، ودحرجة ووسوسة وبعثرة وزمجرة، وتلبية وسيطرة

والتاء في السريانية كعلامة للمبالغة والكثرة والمصدر والمؤنث ليست نادرة ولكنها تأتي مع (آن) وذلك موجودة بالعربية أيضاً؛ فعندنا في المصدر غليان وفيضان وخفقان، وفي الوصف عطشان وظمآن، وفي الجموع إخوان وفرسان وشجعان وفتيان وغلمان وولدان وسودان وحمران، وهي الصيغة المألوفة في الحبشية لجمع العقلاء ونعوتهم؛ ونجدها في العبرية بأسماء التفضيل دلالة على بلوغ النهاية (ريشون) الأول، و (آمرون) الآخر و (حيصون) الخارج، و (حيخون) الداخل و (عليون) الأعلى. . . الخ

وتأتي في الآرامية علامة لجمع المؤنث. ويقول الأستاذ مولر إنها كانت أول الأمر (آت) كما في مسلمات وفاضلات، وأصبحت (آن) قياساً على جمع المذكر في الآرامية وعلامته الياء والنون

وليست هذه العلامات قاصرة على المؤنث والجمع والمصدر، ولكنها تلحق الكلمات الدالة على أمور معنوية: مثل رحمة، ورأفة، وشفقة، وقسوة، وغلظة، وكرة، وحياة، وشقاوة، وسعادة وبلواء وبأساء وبغضاء، والعلامة هنا تدل على (شدة) ومتانة في المعنى كما يقول العلامة فنسنج ويقول أيضاً إنها تلحق المصغر لتفخيمه وتعظيمه مثل حديا وعجيلي وحميا

يدلنا كل هذا على ما يأتي: -

ص: 36

أولاً: ليس للمؤنث علامة خاصة به من حيث كونه مؤنثاً باعتبار الجنس.

ثانياً: وجود صلة وثيقة بين المؤنث والجمع والمصدر والأسماء، الدالة على الكثرة والقوة والأمور المعنوية

ثالثاً: هذه الصلة هي دلالة الجمع على بلوغ النهاية وتركز الفكرة ومتانتها

رابعاً: وعلى هذا فالفكرة التي حدت بالساميين إلى تأنيث بعض الأسماء تأنيثاً حقيقياً أو غير حقيقي هي دلالة هذه الأسماء على بلوغ النهاية في بابها أو لعظمتها وما عليك إلا أن تقرأ صفحة من أحد معاجم اللغة في باب الهاء لترى ذلك واضحاً جلياً: فالقهقهة شدة الضحك، والكمه العمى يولد به الإنسان، والكنه جوهر الشيء وغايته، والكهة الناقة الضخمة المسنة العجوز. . . الخ

وسأبين في المقال الآتي إن شاء الله لماذا نظر الساميون هذه النظرة المملوءة إكباراً وتعظيماً للمؤنث.

عمر الدسوقي

بكالاريوس الشرف في الآداب من جامعة لندن

ومدرس بحلوان الثانوية

ص: 37

‌للأدب والتاريخ

مصطفى صادق الرافعي

1880 -

1937

للأستاذ محمد سعيد العريان

- 44 -

الخاتمة

مات الرافعي فانطوت صفحة من تاريخ الأدب في مصر وانقرض جيل من أدباء العربية كان له مذهب ومنهاج؛ ولكن الرافعي الذي مات وغيَّبتْه الصفائح قد خلَّف وراءه تراثاً من الذكريات والآثار الفنية ستتعاقب أجيال قبل أن يفرغ الأدباء من دراستها والحديث عنها؛ وإنها لذكريات تثير في كل نفس ما تثير من عوامل الكره أو المحبة، وإنها لآثار. . .

أما هذه الذكريات، على ما تبعث في نفوس طائفة من الأدباء من معاني الغضب أو معاني الرضا، فقد أثبتّ منها في هذه الفصول ما قدرت عليه؛ وليس يعنيني ما تترك من أثر في نفس قارئها، إذ كانت غايتي التي أحرص عليها هي جلاء هذا التاريخ لقراء العربية كما أجد صورته في نفسي وأثره في وجداني، متجرداً ما استطعت من غلبة الهوى وسلطان العاطفة وتحكم الرأي؛ لأضع بين يدي كل قارئ - اليوم أو غداً - المادة التي تعينه على الدرس والحكم والموازنة

وأما آثاره الأدبية فقد فصَّلت الحديث عن بعضها في بعض ما سبق من هذه الفصول، وإلى القارئ جملتها مرتبةً على التاريخ الزمني:

1 -

ديوان الرافعي: ثلاثة أجزاء، صدرت بين سنتي 1903 و 1906، وقدم لكل جزء منها بمقدمة في معاني الشعر تدل على مذهبه ونهجه، وهي مذيلة بشرح يُنسب إلى أخيه المرحوم محمد كامل الرافعي وهو من إنشاء المترجم نفسه

2 -

ديوان النظرات: جزءان، صدر بين سنتي 1906 و 1908

3 -

ملكة الإنشاء: كتاب مدرسي يحتوي على نماذج أدبية من إنشائه، أعدّ أكثر موضوعاته وتهيأ لإصداره في سنة 1907، ونشر منه بعض نماذج في ديوان النظرات، ثم

ص: 38

صرفَته شئون ما عن تنفيذ فكرته فأغفله، وقد ضاعت (أصوله) فلم يبق منه إلا النماذج المطبوعة في ديوان النظرات

4 -

تاريخ آداب العرب: صدر في سنة 1911 بسبب من إنشاء الجامعة المصرية، ويراه أكثر الأدباء كتابَ الرافعي الذي لا يعرفونه إلا به

5 -

إعجاز القرآن: وهو الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب، طُبع ثلاث مرات، أخراها في سنة 1926 على نفقة المغفور له الملك فؤاد

6 -

حديث القمر: أول ما أصدر الرافعي في أدب الإنشاء، وهو أسلوب رمزي في الحب تغلب عليه الصنعة، أنشأه بعد رحلته إلى لبنان في سنة 1912، حيث التقى لأول مرة بالآنسة الأديبة (م. ي) فكان بينهما ما كان مما أجملت الحديث عنه في بعض الفصول من قصة حبه

7 -

المساكين: فصول في بعض المعاني الإنسانية ألهمه إياه بعض ما كان في مصر من أثر الحرب العامة أنشأه في سنة 1917

8 -

نشيد سعد باشا زغلول: كتّيب صغير عن نشيده: (اسلمي يا مصر!) الذي أهداه إلى المرحوم سعد زغلول في سنة 1923، طبع المطبعة السلفية بالقاهرة؛ وأكثر ما في الكتاب من المقالات هو من إنشاء الرافعي أو إملائه

9 -

النشيد الوطني المصري: (إلى العلا. . .) ضبط ألحانه الموسيقية، الموسيقار المشهور منصور عوض

10 -

رسائل الأحزان: كتاب أنشأه في سنة 1924 يتحدث فيه عن شيء مما كان بينه وبين فلانة، على شكل رسائل يزعم أنها من صديق ببثَّه ذات صدره

11 -

السحاب الأحمر: هو الجزء الثاني من قصة حب فلانة، أو الطور الثاني من أطواره بعد القطيعة، صدر بعد رسائل الأحزان بأشهر

12 -

المعركة تحت راية القرآن: هو كتاب (الجديد والقيم) وفيه قصة ما كان بينه وبين الدكتور طه حسين بمناسبة كتابه (في الشعر الجاهلي)، صدر في سنة 1926

13 -

على السفود: قصة الرافعي والعقاد، نشرته مجلة العصور في عهد منشئها الأول الأستاذ إسماعيل مظهر، ولم تذكر اسم مؤلفه ورمزت إليه بكلمة (إمام من أئمة الأدب

ص: 39

العربي)

14 -

أوراق الورد: الجزء الأخير من قصة حبه، يقوم على رسائل في فلسفة الجمال والحب أنشأها ليصور حالا من حاله فيما كان بينه وبين فلانة، ومما كان بينه وبين صديقته الأولى صاحبة حديث القمر

وتعتبر كتبه الأربعة: حديث القمر، ورسائل الأحزان، والسحاب الأحمر، وأوراق الورد - وحدة يتمم بعضها بعضاً، لأنها جميعاً تنبع من معين واحد وترمي إلى هدف واحد وإن اختلفت أساليبها ومذاهبها

15 -

؟؟؟: كتاب لا أسميه، أنشأه في صيف سنة 1935، استجابة لرأي صديقه فلان وإليه ينسب!

16 -

وحي القلم: مجموع مقالاته في الرسالة بين سنتي 1934 و1936 إلى مقالات أخرى، طُبع منه جزءان

وله عدا ذلك كتب لم تطبع أهمها ما يأتي:

1 -

الجزء الثالث من تاريخ آداب العرب: تام التأليف والتصنيف تقريباً

2 -

أسرار الإعجاز: فيه فصول تامة التأليف، وفصول أخرى أجمل فكرتها في كلمات على ورق أو أشار إلى مصادرها، وكان الرافعي يعتدّ بهذا الكتاب اعتداداً كبيراً، وهو جدير بذلك حقاً؛ وقد أطلعني رحمه الله على فصول منه، كما تحدث إليّ من نهجه في تأليفه، وأذكر أن نهجه فيه كما يأتي:

أ - يتحدث في صدر الكتاب عن البلاغة العربية، فيردها إلى أصول غير الأصول التي اصطلح عليها علماؤها منذ كانت، ويضع لها قواعد جديدة وأصولاً أخرى

ب - ويتحدث في الفصل الثاني عن بلاغة القرآن وأسرار إعجازه، مسترشداً في ذلك بما قدم في الفصل السابق من قواعد

ج - ويتناول في الفصل الأخير من الكتاب، آيات من القرآن على أسلوب من التفسير يبين سر إعجازها في اللفظ والمعنى والفكرة العامة؛ ويعتبر هذا الفصل الأخير هو صلب الكتاب وأساسه؛ وقد أتم الكتابة - إلى آخر يوم كنت معه - عن بضع وثمانين آية على هذا النسق؛ وقد نشر منها في الرسالة بضع آيات مفسرة على ذلك النهج، جعلها في بعض

ص: 40

أقاصيصه

3 -

ديوان أغاني الشعب: وهو ديوان من الشعر جعل فيه لكل جماعة أو طائفة من طوائف الشعب نشيداً أو أغنية عربية تنطق بخواطرها وتعبر عن أمانيها؛ وقد أنجز الرافعي طائفة كبيرة من هذه الأغاني نشر بعضها وما يزال سائرها بين أوراقه الخاصة ومؤلفاته التي لم تنشر. وأكثر الأغاني في هذا الديوان مأنوس اللفظ رشيق المعنى مما يجعل وقعه في النفس ويخف جرسه على الأذن.

4 -

الجزء الثالث من وحي القلم؛ وفيه سائر المقالات التي كتبها، سواء منها ما نشر في الرسالة وغيرها من المجلات والصحف، وما لم ينشر من قبل

5 -

الجزء الأخير من الديوان: وهو مجموعة كبيرة من شعره بين سنتي 1908 و 1937، بما فيه من شعر الحب، والمدائح الملكية التي أنشأها للمغفور له الملك فؤاد

هذا إلى شتيت من المقالات والرسائل الأدبية أنشأها لمناسباتها ومنها كثيرة من مقدمات الكتب المطبوعة، بعضها منسوب إليه وبعضها منحول مجهول النسب!

وعلى كثرة ما ألف الرافعي وأنشأ من الكتب والرسائل والمقالات والشعر، فانك لا تكاد تجد كتاباً من كتب الرافعي في دكان من دكادين الوراقين، اللهم إلا نسخاً من كتاب وحي القلم في مكتبة لجنة التأليف والترجمة والنشر، التي طبعته قبل نعي مؤلفه بأشهر

أما المطبوع من سائر الكتب فقد نفذ من السوق، وأما غير المطبوع منها فما يزال ورقات وقصاصات على مكتبه، وإني لأخشى أن يمضى وقت طويل قبل أن نتنبه إلى ضرورة العناية بهذه المؤلفات التي خلفها الرافعي ورقات مخطوطة يكاد يبليها الإهمال والنسيان أو يسبق إليها العث والقوارض

ولدى الدكتور محمد الرافعي مشروع لأحياء تراث أبيه، لست أدري أيجد الوسائل لتنفيذه أم تحول دونه الحوائل وتمنع منه الضرورات!

على أني أكاد أومن بأن هذه ليست هي الوسيلة للمحافظة على تراث الرافعي؛ فليس من الوفاء للرافعي وحسن الرعية لأولاده أن نحمل عليهم هذا العبء وما انتفعوا من أبيهم بأكثر مما انتفع كل أديب وكل مسلم وكل عربي في مصر وغيرها من بلاد العربية

هل عرفت الحكومة المصرية أو عرف الأدباء في مصر ما عليهم لأسرة الرافعي من حق

ص: 41

قبل أن نحمل عليها هذا العبء إلى ما تنوء به من أعباء؟ إنه عقوق وكفر وإنكار للجميل!

(شبرا)

محمد سعيد العريان

ص: 42

‌من رحلة الشتاء

في مضارب شمر

أكبر بيت من الشعر في الجزيرة (موزوبتيميا)

للآنسة زينب الحكيم

زرت جملة من بيوت البدو عاليها ومتوسطها وفقيرها. فوجدتها كلها تتحد في نوعية النسيج التي صنعت منه، وفي النظم التي اتبعت في إقامتها منذ القدم

أما الفروق التي بينها، فمن حيث الحجم وازدياد الأثاث، وإن محتويات تلك الديار بسيطة ساذجة بوجه عام، ولا تشمل إلا أهم الأدوات الضرورية للحياة المتقشفة. على أن من أكبرها وأعمرها وأكثرها تحضراً، دار ملك البادية شيخ مشايخ شمر

زرت هذه الدار، فإذا بها دار طويلة عريضة، متينة الأوتاد قوية الحبال، مهفهفة الجوانب. كلها من نسيج صوف الأغنام والجمال، على شكل دهليز طويل مقسم إلى حجر، وهذا التقسيم إما بالنسيج أو بالحصير (السمار)، وأرضها مفروشة بالأكلمة أو بالسجاد العجمي الجميل أو بالحصير؛ ويتبع هذه الدار على مسافة قريبة جدا منها دور أخرى، منها ما يختص بالمطبخ أو بالمخازن الخ

وصف الحجرة التي استقبلتني السيدات فيها

خباء من الشعر في أحد أطراف الدار عن يمين الداخل إليها طالما تخيلناه وتمنينا رؤيته، وضع في الجهة اليسرى منه نوع من السرير العريض، عليه فراش وثير مغطى بغطاء من الحرير الخالص الملون. وإلى جانبه (شلت) زرابي مبثوثة على الأرض المغطاة بالسجاد العجمي، وتحت السرير حقائب وصناديق، تبنت فيما بعد أن بها ملابس وحليا، وحلوى تقدم للزائرات

كانت السيدة الأولى التي استقبلتني ابنة الشيخ عجيل الياور، وهي فتاة رائعة الحسن: لون خمري جميل، وخد أسيل، ولحظ كحيل، ووجه مستدير عليه وشم قليل. إذا تكلمت فكأنما صوتها موسيقى الجنة العذبة قد انبعثت إلى عالمنا، دلال في وقار كالنسيم إذا سرى، وكالزهر إذا تمايل

ص: 43

اسمها ملك وهي ملك حقا، تفيض رقة إذا حودثت، وتذوب عاطفة إذا استلهمت، حياء في غير تعمل، وشمم في غير تكبر. عرفتني بعدد من زوجات أبيها وأخيها، كلهن كحيلات الطرف أو متكحلات، يغطى الوشم الأخضر أجزاء من وجوهم وأجسامهن، فمنهن من غطى كل ذقنها برسومه، أو زججت حاجبيها به، ومنهن من وشمت شفتها بحيث لا تظهر حمرتهما، وإنما اندمج لون الوشم مع لون الشفاه فصار اللون أخضر داكنا. وبعضهن طرزن قبب أعينهن برسوم غريبة، هذا والحناء تخضب أناملهن وأكفهن وكعوبهن

أما (ملك) فكانت في زينتها وأناقتها تفوقهن جميعاً رقة ودقة وملاحة

سألتها كيف تمضى أوقاتها، فقالت إنها لا تعمل شيئاً (هذا لأنها ابنة ملك البادية بالضرورة) قلت: ولكن ألا تضجرين؟ قالت: بلى، ولكن هنا ماكينة خياطة أخيط عليها أحياناً. قلت: وهل تقرئين وتكتبين؟ قالت في غضاضة وألم: لا، إنهم لم يعلموني. قلت: وهل لك شقيقات؟ قالت: لا، أنا وحيدة. قلت: إذن تفضلي معي إلى مصر وأكون أختا لك والدار دارك أنت. توهجت وجنتاها بالدم العربي النقي ولمعت عيناها، وانحبست أنفاسها، ثم قالت في حرارة: لا يسمحون (تعني أباها وأخاها) قلت: قد يسمحان، قالت: قولي لهما

وفعلاً سألت أخاها (لأن والدها كان قد سافر إلى بغداد) إذا كان مما يتمشى وتقاليدهم أن تسافر البنت إلى بغداد أو إلى مصر مثلاً، فقال: هذا ضد نظام العشائر. فسألته لماذا لا تتزوج (ملك) فقال: هي لا تريد، ومن جهة أخرى حتى يتيسر من يناسب مقامها (فهمت من سياق الحديث أن الزواج هناك يجري على أساس سياسي بحيث تصير بعده مصاهرات صداقة واكتساب قوة للعشيرة)

الملابس

أعجبت بثياب تلك البدوية، فعزمت على أن أرتدي زياً كاملا منها حتى أصوَّر به. وأسرعت فأخرجت من صندوق تحت السرير، ثوبين من الحرير أحدهما أحمر والآخر أخضر، باردان طويلة واسعة. فارتديت هذين الواحد فوق الآخر

ثم ارتديت معطفاً من الجوخ الثمين يقارب طول الثوبين، وردنه طويل واسع مفتوح إلى نصف الذراع، ثم ارتديت معطفاً ثانياً من الجوخ أيضاً أقصر من الأول وعلى نظامه فيما عدا ذلك، وهما مزركشان بتطريز جميل. ووضعت على رأسي نوعين من الغطاء، أحدهما

ص: 44

رفيع والآخر سميك، وحليت معصمي بجملة من الأساور الذهبية، ووضعت على رأسي حليات ذهبية، وعلق في شعري قرب أذني مثلثين من الذهب الخالص المطعم بالأحجار الكريمة، لا يقل الواحد منهما عن نصف رطل

وطوقت جيدي بطوق من الذهب في إحدى أطرافه حلية ذهبية دقيقة الصنع جميلة المنظر جداً. وفوق هذا كله ارتديت العباءة الصوفية الشفافة، ثم العباءة الصوفية الثقيلة التي تستعمل في الشتاء

شعرت أني مشلولة الحركة، ثقيلة الخطى، لا أستطيع التنفس، عكس ما تتمتع به صديقتي (ملك) البدوية التي تمتاز بخفة الحركة ورقتها. والإنسان ابن العادة

الطعام الذي تناولته في مضارب شمر

من أهم ما كنت أرقب مشاهدته، تناول الطعام على الطريقة البدوية في البادية، ولما كان وصولي إلى مضارب الشيخ عجيل الياور بعد الظهر، فانهم بالضرورة لم يعزموا عليّ بتقديم الغداء، ولا ينبغي أن نتصور أن أهل البادية يستطيعون إعداد طعام بالسرعة التي يؤدي بها هذا العمل في الحضر

ويصعب جداً على نفس البدوي أن يظهر بغير المظهر اللائق به، لا سيما أمام الزوار الأجانب، أو أبناء العشائر الأخرى

وقد قدّم لنا الشيخ الشاي الحار اللذيذ مع اللبن على طريقتنا نحن، فكان أول فنجان من الشاي استسغت طعمه من مدة طويلة، وقدم معه أنواعاً من البسكوت الجاف الأفرنجي

العشاء

وفي المساء حوالي الثامنة، دعينا إلى تناول العشاء في خيمة بيضاء كبيرة أقيمت في وسطها مائدة أنيقة الترتيب إفرنجية. وكان الندل من العرب النجدين السود البشرة، يقدم ألوان الطعام على أحدث نظام، قلت: يا حضرة الشيخ، ما لهذه النظم والقيود أتينا. قال: في الصباح تأكلون على الطريقة البدوية. قلت: ولكننا نسافر في الصباح الباكر، قال: لا، بل تبقون ثلاثة أيام على الأقل، قلت: شكراً، ولكن وقتنا محدود، فقال: إذا يكون الرحيل بعد الظهر

ص: 45

وجاء الصباح، وجلسنا حول مائدة الإفطار، وكانت أيضاً على أحدث نظام أوربي أنيق؛ فقلت: حقاً لقد خسرنا القضية في هذه الرحلة يا حضرة الشيخ، قال: لا، الغداء سيكون بدوياً فلا تخافي، وحقاً لقد كان

الغداء البدوي

انتشرنا بعد تناول طعام الفطور في البادية نستجلي مباهجها، ونستكشف أزهارها، ونجمع أنواعها الغريبة، ونبحث عن الكمأة (الكمه) - وهي نوع من الفطر يوجد تحت الأرض، يشبه البطاطس، ولا ورق له ولا فروع - يستعملها البدو كنوع من الخضار يطهى مثل البطاطس. وتجفف منه كميات كبيرة لفصل الصيف المجدب

عند الساعة الثانية عشرة ظهراً دعينا لركوب السيارات، وإذا بها تسير بنا من حيث خيام الشيخ إلى قلب البادية، فقطعنا نحو عشرة أميال على بساط سندسي جميل على أرض مستوية ثابتة، حتى وصلنا مجرى ماء بجري في مساحة طويلة وسط البادية (كونته سيول الأمطار الغزيرة) وهناك وجدنا عبيد الشيخ، قد فرشوا سجادة عجمية نفيسة حمراء اللون، قرب مجرى الماء. ووضعت صينية كبيرة فضية وعليها حَمَل محمر، ومعه أرز الزعفران المزخرف بالكشمش (أي الزبيب)

قال الشيخ: هكذا يكون أكل البدو، وضرب بيمناه في الأرز المحشى به الحمل، وأخذ منه كمية طيبة إلى فمه، ثم بدأ يوزع علينا من اللحم الشهي. فكانت أكله بدوية بحته، بين مظاهر الطبيعة الخلايا، والنفوس العربية الكريمة والأيدي السخية

تفضل الشيخ فسمح لي باستخدام صحن خاص أضع فيه الكمية التي أستطيع أكلها، وما كدت انتهى منها حتى أمر الندل أن يضع لي كمية أخرى، وما أرى وقد حمل المغرفة وملأها بالأرز وفتات اللحم، وينوي وضعها في صحن، فقلت له: لا أريد مزيداً، أشكرك، فظل ممسكا المغرفة بيده الممدودة نحوي وقال: ولكنه أمرني (يعنى أن سيده قال له ضع طعاماً للسيدة) ومن سلوكه وتوخيه تنفيذ أمر شيخه المطاع، شعرت ضمناً أنه يقول (من لم يمت بالسيف مات بغيره)، وكبشة الندل كانت (غيره) على التحقيق ما أشد إصرار البدوي، وما أقوى عزمه فقلت: حسن أطع أمر الشيخ بارك الله فيك. فوضع ما بالمغرفة في صحن وصار جذلاً

ص: 46

بعد أن تناولنا الفاكهة، وغسلنا أيدينا بالماء الدافئ والصابون، انطلقنا للصيد. وكانت محاولات الرماة كلها غير صائبة، ما عدا الشيخ صفوك الياور، فقد رأى ثلاثة من طير الحباري الكبيرة، فقال: لأرمينها ونحن في السيارة، أسرع يا سائق ولا تتوقف أبداً أو تبطئ. وهاهو ذا يصيب طائرين من الثلاثة، حملنا واحداً منها معنا هدية لأصدقائنا في أربل، فإن هذا الطير لذيذ الطعم بعد الطهي

وبذلك انتهت زيارتنا للبادية مع شديد الأسف

(للحديث بقية)

زينب الحكيم

ص: 47

‌طاقة أفكار

للأديب محمد فهمي

إن أبطال التاريخ هم أفرادٌ متحمسون للمُثُل العليا إلى درجة الجنون. ومجنونٌ واحد من هذا النوع في مصر يغير مجرى تاريخها. . .

الثقة الهائلة بالنفس والإيمان بها إلى غير حدهما مفتاح العظمة.

ثلاثة لا يصح أن يطلبها في الحياة عاقل: الراحة السعادة. الوفاء.

لقد عاد الغرب إلى الوثنية، ومعبودة تمثال من الذهب على صورة المرأة.

يُخَيَّل إلي أن كل ما يقوله الفلاسفة والحكماء عن الحقيقة كذب صراح ليس بينه وبين الحقيقة أية صلة، والدليل على ذلك أنهم منذ آلاف السنين للآن لم يتفقوا على رأي في تعريفها، وحتى آراء الشخص الواحد وحكمته تتغير وتتبدل حسب حالاته النفسية وانفعاله بالبيئة ثم هي لا تثبت كلما تمادت به السن. أما الحقيقة (إذ كانت حقا هناك) فما زالت بِكراً محجبة ما دَخل خدرها مغرم!

لو فهم الفنان الحياة لما صار فنانا.

ينظر الفنان إلى الناس وكأنهم أشباح تعيش في عالم الوهم والخيال وينظر الناس إلى الفنان كأنه طيف بشر يعيش في عالم أوهامه وخيالاته. . .

لولا نصفنا الأسفل لصرنا ملائكة.

ابحثوا عن النفوس الشريفة بين المغمورين.

يصعد البارزون في الحياة والمجتمع عندنا على جثث صرعى المثل العليا.

إذا عشقت الحياة وضحيت في سبيلها بكل شيء غمرتك بالرضا وهناء العاشقين. وأما إذا ازدريتها ومضيت صاعداً نحو (المثل الأعلى) عدوها اللدود جردت خنجرها وطعنتك من الخلف. فإذا أصابتك قتلتك وإذا أخطأتك صرت معبود الملايين. فإذا بها تسعى إليك ذليلة خاضعة تتمرغ عند قدمي معبودها الجبار ولكن حذار أن تصغي لتوسلاتها، إنها تضمر لك الانتقام الهائل المروع. فإذا انخدعت هوت بك من حالق فإذا أنت سخرية الملايين!

الطمع رأس الفضائل كلها، والنفوس الشريفة تحققه بالوسائل الشريفة فيكون طموحاً والنفوس الدنيئة تسعى إليه بدنيء الوسائل.

ص: 48

الطمع هو الذي يقود الإنسانية إلى الأمام. فالطموح إلى السيطرة والطمع في امتلاك الشرق والغرب هو الذي قاد الاسكندر من مقدونيا إلى الهند - فامتزجت ثقافات وولدت ثقافات. وهو الذي قاد قيصر إلى أوربا حتى بريطانيا (إنجلترا) فنشر لواء الحضارة الرومانية بين البرابرة. وهو الذي قاد ويقود الأوربيين في مشارق الأرض ومغاربها ومسيرَّ ويسير الحضارة والإنسانية إلى الأمام

القناعة داء الشرق العضال فمن لي بطبيب يداوي هذا العليل؟!

لأن تكون كل فضائل القناعة والزهد في الحياة فأنت أبعد الناس عن الفضيلة؛ فان المشهورين بالقناعة والزهد من السلف الصالح وأبطال الإسلام كانوا على قناعتهم أكبر الطامعين في ثواب الله ورضائه، ومن أجل هذا قاموا بأعمال جليلة من الفتوحات والغزوات. وهم في هذا يتفقون ورجال الغرب الذين قادهم طمعهم في السيطرة والجاه إلى التحكم في أمم الشرق ولا فرق غير أن طمع الأولين كان في نعيم آجل، وطمع الأوربيين في نعيم عاجل

ما يتعلمه الشيخ من الشاب هو تجاهل الأمر الواقع في طلب المثل الأعلى وازدرائه المستحيل

أقارن بين الشباب والشيوخ فأرى كفة الأولين أرجح، فالشباب يفتقرون إلى الحنكة وخبرة الحياة وهذا ما سَيُكْتَسب بطول العمر. أما الشيوخ فينقصهم الحماس والثقة التي لا حد لها وهذا ما فقدوه إلى الأبد

الحياة كالمرأة، لكي تنال رضاها يجب أن تفعل من أجلها كل شيء

الكبر في الرجل زراية وفي المرأة وقاية

إذا رأى الثور مظاهرة من الجماهير تهتف بطلب الحرية والاستقلال - ظن أنهم جائعون يطلبون العلف والشعير وهكذا لا يعرف الجاهل من الحياة إلا أنها أكل وشرب:

آه. ما اسهل أن ينصح الإنسان غيره ولكن ما اصعب أن يعمل هو بهذه النصائح:

الوفاء. والشرف. الأمانة. فضائل يكثر التحدث بشأنها والتحسر عليها والنعي على المجتمع لإغفاله أمرها، وما ذلك إلا لأن هؤلاء الذين يتحسرون عليها لا يذكرونها إلا إذا كانوا هم في حاجة لأن يعاملهم بها الآخرون، أما عندما تطالبهم هذه الفضائل بالعمل بها فانهم

ص: 49

يشيحون عنها بوجوههم ثم ينسون أن غيرهم لا يفعلون إلا مثل ما فعلوا

الحب شيطان جميل

قل لمن يطلبون الراحة في الحياة. مهلاً فإنها تنتظركم ولسوف تملونها. . . هناك في القبر

(القاهرة)

محمد فهمي

ص: 50

‌رد على باحث فاضل

بين الغرب والشرق

للدكتور إسماعيل أحمد أدهم

تتبعت في شيء غير قليل من الإمعان والتدبر ما كتبه (باحث فاضل) على صفحات (الرسالة) أخيراً تحت عنوان (بين الشرق والغرب) تعليقاً على ما جاء في المقالين الأول والثاني من مقالاتي في الردّ على ما أثاره صديقنا الأديب النابغة (فليكس فارس) من اعتراضات استمدها مما قاله في مناظرة جرت له معنا منذ عام أو أكثر، وذلك في صلب مقال نشرته له (الرسالة) وجهها لفنان مصر (توفيق الحكيم) بمناسبة ما كتبه عن الشرق والغرب في قصته (عصفور من الشرق).

وقد راعني من كتابة باحثنا الفاضل تخبطه في أمور لا أعتقد أن لها سبباً غير ضعف كفاية التأمل والقياس العلمي عند الجيل الحاضر من كتابه العربية، فقد انساق باحثنا إلى مواقف ما كان ليقفها لو كان التأمل والقياس عنده اكتملت أسسهما من المنطق العلمي. والمسألة بعد لم تخرج بيني وبين باحثنا المفضال عما كان بيني وبين الصديق (فليكس فارس)، خصوصاً وأن الكثير من أجزاء مقال الباحث مقتعلة من المادة التي جابهنا بها مناظرنا (فليكس فارس)، والتي كانت مقالاتنا في (الرسالة) بياناً مفصلاً لزيفها، وأنها لا تثبت لكي تقف على قدميها لترجح رأياً. لأنها تحمل في طياتها أدلة ضعفها. وبعد فباحثنا الفاضل حاول أن يكون في كتابته منطقياً على قدر الإمكان، فجاء في الشطر الأول من تعليقه بكلام يرد فيها كلامنا إلى أصولها الأولى وخطوطها الأساسية، ويفصل فيها برأي عنده، هو الحد الفاصل على ما يرى بين اعتقاد له في الشرق واعتقاد لنا في الغرب.

والمسألة لم تخرج عن كونها قضية إن احتلت الجدل من ناحية المنطق الشكلي من حيث هو إدارة الكلام في صور من الأقيسة لإثبات وجهة من النظر معينة، إلا أنها من ناحية الواقع لا تحتمل الجدل؛ ذلك أنها أولية من الأوليات التي تنزل من مواضعات فكرنا الحديث من حيث لقح بالمنطق العلمي. ونحن في ردنا على ما أثاره باحثنا الفاضل من اعتراضات ظنها تقوِّمُ وجهة نظر في تفاضل الشرق على الغرب، فإننا نرجو أن نفصل الكلام بعد في موضوع الغرب والشرق موجهين البحث إلى وجهه الصحيح بعد أن تشعب

ص: 51

وطال باعتراضات استلزمت ردوداً منا وكلاماً.

وأول شيء ننظر فيه مع باحثنا المفضال في أساس المفاضلة وهل تقوم على أس من شطر العالم إلى شرق وغرب كما هو في تقويم البلدان. أما باحثنا فهو يرى هذا، فلكل من الشرق والغرب عنده عادات وطبائع تباين الأخر، ولقد اتسع مدى هذا التباين حتى ألبس العقلية في كل منها مظهراً خاصاً تميزت به عن الآخر.) ونحن من جهتنا نتفق إلى حد ما مع مفهوم هذا الكلام، ولكن نقطة الافتراق أننا نرى طابع العقلية الإنسانية كان يتأثر في كل من الغرب والشرق في عصور التاريخ بمد وجزر العقليتين الشرقية والغربية في حالة جزر، ويقابل ذلك مد من جهة العقلية الشرقية فان عوالم من الغرب كانت تدخل في منطقة المد الشرقي تتأثر بطابع العقلية الشرقية، وأحياناً كان يحدث العكس. إذا فيجب أن نكون محتاطين في قبول الأساس الجغرافي تقسيم العالم إلى شرق وغرب. لأن الشرق كان يمتد في بعض عصور التاريخ فيشمل بقاعاً من العالم الغربي، كان يصل إلى سفوح جبال البرانس بأسبانيا وسلسلة جبال الكرابات والطونة في البلقان ولمبارديا في إيطاليا، كما أنه كان يتقلص في بعض العصور فينسحب إلى الصحراء العربية في الشرق الأدنى والصحراء الكبرى في أفريقيا. وهذه مسائل ملحوظة من التاريخ لا تحتاج إلى بيان، فمن هنا يتضح أن كلامنا عن التفرقة بين الشرق والغرب إلى ما يمكن له من طابع للغرب وطابع للشرق أدق ما يمكن أساساً لبحث الفروق الكائنة بين طبيعة العقل الشرقي وطبيعة العقل الغربي. والموضوع بعد ذلك راجع لمفهوم الشرق والغرب من علم تقويم البلدان، ولكن بالصورة القاطعة التي تستخلص من التحديد الجغرافي الصرف، وإنما على وجه مرن يتفق والواقع الملموس.

وبعد فيتبين أن ما حار فيه باحثنا الفاضل في تحديد لفظي الشرق والغرب من كلامنا واضح ليس فيه موضع للبس أو غموض أو إبهام. أما أنه يرى بعد هذا كله كلمتي الشرق والغرب مجهولتا المعنى والتحديد في كلامنا، فلسنا نرى لكلامه هذا وجهاً. وهو الذي بعد أن انتهى من تلخيص رأينا في طبيعة العقلية الغربية وطبيعة الذهنية الشرقية ذهب يقول: (إلى هنا أحسن الكاتب صنعاً - يعني بذلك دراستنا لطبيعة العقلين الشرقي والغربي - ولو أنه لم يتعد مدلول هذا، يعني بذلك أننا لو وقفنا عند هذا الحد ولم نعمل على كسب تحليلاتنا

ص: 52

العقلية صفة الشعبيات لكان بحثه (بحق) أوفى ما يكتب في بحث مظاهر العقليات) ولسنا نعرف كيف يتفق رأيه في اعتبار بحثنا أو فيما يكتب بحق في بحث مظاهر العقليات من حيث تتناول الفروق الكائنة بين طبيعة العقل الشرقي والعقل الغربي مع قوله إن مفهومي الشرق والغرب بقيا مجهولي المعنى في كلامنا. . .

إذن لنا أن نصرف النظر عن هذا الكلام الذي يخترمه التناقض والاضطراب، ولننظر فيما يعيبه علينا من إكسابنا العقليات مظهر الصفات الشعبية، فهو يرى أن ليس ثمة فرق أساسي بين طبيعة العقليات جميعها. وعلى هذا فالصور الذهنية لكل شعب - عنده - قد يغلب أن تكون مرآة للشكل المتكون من تفاعل خصائص ذلك الشعب التاريخية مع البيئة. وباحثنا المفضال في رأيه هذا يفترق عنا عند نقطة أساسية، ذلك أننا نرى أن هنالك فروقاً بين عقليات الشعوب، فطبيعة العقل الألماني غير طبيعة العقل الفرنسي، وطبيعة العقلين الألماني والفرنسي غيرها بالنسبة لطبيعة العقل الإنجليزي. ذلك أن طبيعة عقل شعب ما ليست سوى خصائص ذلك الشعب منعكسة من مرآة نفسه. . .، وطبيعة عقل الشعب يتلون بها العلم تلونا كبيراً ذلك بحكم أن العلم نتاج ذو شكل خاص للعقل الإنساني، وهذه حقيقة تنكشف لمن يتعمق في المسائل العلمية الصرفة. وأنا شخصيا بحكم اختصاصي في العلم الرياضي لي أن أتكلم عن هذه الفروق في مادة تخصصي، وكل ما لي الآن أن أفعله هو أن أنقل لباحثنا المفضال بعض السطور من كتابنا (الفيزبقا والرياضة والمنطق) الذي نشره غوستاف م. فيشر عام 1930 بالألمانية عن ليزبغ ويتا، وذلك عن الصفحة 218 فقد جاء هنالك ما ترجمته:

(إن التمايلين اللذين نلمسهما في علم الرياضة، من حيث رجوع أحدهما بوتيرة سير الاستدلال الرياضي للحدس والآخر للمنطق - مرده ما هنالك من فروق بين طبيعة الذهن الألماني من الجهة الأولى والذهن الفرنسي من الجهة الأخرى.)

وقد جاء في هامش كتابنا هذا تعليق على هذه الفقرة ننقله كما هو مترجماً للعربية:

(أما قطب أن التمايلين الأساسين في علم الرياضة راجع لطبيعة العقلين الألماني والفرنسي وما بينها من فروق فذلك حقيقة أولية لا يتنازع عليها، غير أنه يجب أن نلاحظ أن هنالك من الرياضيين في ألمانيا من تأثر بالعقلية الفرنسية وطابعها الخاص، أذكر من هؤلاء شيخ

ص: 53

المدرسة التحليلية في الرياضة جوتفريد ويلهلم لينبتز، فقد كان المذكور تلميذاً لديكارت، وكانت عقليته عقلية فرنسية صرفة. أما في فرنسا فهناك قد تأثروا بطرائق العقلية الألمانية نذكر منهم البروفسور شارل هيرميت من دهاقنه العلم الرياضي البحت في القرن التاسع عشر، والمسألة بعد ذلك راجعة في العموم إلى طبيعة العقلين وخصائصهما).

وإني لأذكر أنني منذ مدة لا تتجاوز ربيعاً واحداً من عامنا هذا كنت في زيارة الصديق حسين فوزي في مكتبه بإدارة الأبحاث الألمانية، وكان على مكتبه بضعة أعداد من مجلة (نيتشز) الجديدة وفي أحدها وقفت على مقال لعالم ألماني كبير على ما أذكر هو رئيس لمعهد ويلهلم للبحث العلمي يقرر فيه أثر الدم السامي في العلوم الوضعية، وأنه يجنح إلى صور يمليها من الخيال على العلم فتعرقل سير العلم الصحيح. وهذا كلام إن لم نتفق مع صاحبنا عليه في تفاصيله فلا يمكننا أن ننكر أن فيه من وجهة عامة عنصراً من الحق، أتى من جهة التجريد الذي هو طبيعة الذهن السامي.

إذا صح هذا، من أن العقليات تكتسب الصفة الشعبية كثيراً على عكس ما ذهب إليه باحثنا الفاضل في تعقيبه على ما كتبناه سقط كل ما أقامه على هذا الوجه من آراء

وبعد فللباحث المفضال سقطات استوجبها عدم تعمقه في مدلول عباراتنا والنظر إلى ما وراء ألفاظها الظاهرة، فهو يتساءل قائلاً: متى بدأ الإنسان يتحسس الخالق في شر مخلوقاته، أهو الشرقي مصريا كان أو آشوريا أو كلدانيا أو عربيا أم بدأ به اليونان والرومان والسكسون؟ والسؤال على هذا الوجه لا معنى له بالنسبة لنا، لأن الأصل فيه تحسس الخالق بآثاره في مخلوقاته، فالخالق هنا أصل والمخلوقات أو الطبيعة فرع. ونحن نقدر أن مثل هذا النظر كان من خصائص العقل الشرقي!. . وليتأمل بعد موضع كلامه باحثنا المفضال!. . .

غير أن السؤال لو وضع في صيغة أخرى تتفق مع نظرة العقلية الغربية للأشياء لكانت إفادته: متى بدأ الإنسان النظر في الطبيعة؟ ومتى انتهى من نظرته هذه إلى الخالق؟ أهو الغربي أم الشرقي نظر على الوجه؟ فان السؤال يستقيم له إجابته من أن مثل هذه النظرة من خصائص العقلية الغريبة

والواقع أن باحثنا الفاضل يلزمنا عسيراً مثل هذه الاعتراضات ووجه العسر أنها تضطرنا

ص: 54

أن نعيد القول ونكرره ونتكلم في الأوليات

ووجه آخر من أوجه اعتراضات الكاتب، ذلك قوله: إذا كان الشرقي قد أدخل العنصر الروحي في تقدير المعاملات بين الناس فهل يتنافى ذلك مع العقل السليم؟ وهل يتهم بعد ذلك بأنه قاصر؟

لا. . . أيها الباحث! ولكن قبل كل شيء يجب أن تنتبه إلى هذه الحقيقة وهو أننا لم نقل إن الشرقي يدخل عنصراً روحيا بين الأشياء حتى تنحلنا هذا الرأي، وكل ما قلناه إن الشرقي يدخل العنصر الغيبي في الأشياء لأن نظرته غيبية فجعلتها أنت العنصر الروحي. . . وشتان بين العنصرين، وأين كلامك من كلامي هذا!. . .

ثم مسألة أخرى. . . قلنا إن الغرب اتجاهه في النظر للأشياء البدء من العالم المنظور، أعني عالم الطبيعة، وهو ينتهي منه إلى العالم غير المنظور إن كان هنالك ثمة وجه لمثل هذا الانتهاء. ولكن باحثنا الفاضل يتساءل متى بدأت هذه العقلية في الغرب بحثها عن الخالق عن طريق الطبيعة، وهو يجيب أن الشرق هو الذي سبق الغرب بمثل هذا الاتجاه، وما كان الغرب إلا مقلداً لها ومتأثراً بها وبأسبابها. وهذا وهم عريق في الخطأ، وناحية الخطأ أن الباحث الفاضل توهم أن معنى النظر في العالم المنظور والبدء منه أن ينتهي منه الإنسان للعالم غير المنظور. والمسألة لم تخرج عن أن صاحبنا ينظر لكلامي من ناحية عقليته الشرقية وهنا موضع الداء في كلامه

(البقية في العدد القادم)

إسماعيل أحمد أدهم

ص: 55

‌التاريخ في سير أبطاله

ابراهام لنكولن

هدية الأحراج إلى عالم المدنية

للأستاذ محمود الخفيف

يا شباب الوادي! خذوا معاني العظمة في نسقها الأعلى من

سيرة هذا العصامي العظيم. . . . . .

- 28 -

وكان على الرئيس ورجال حكومته بعد قرار التحرير أن يبذلوا غاية جهدهم ليضعوا حداً لتلك الحرب، فان انتصار أهل الجنوب معناه القضاء على كل شيء، فبه تصبح الحرية مجرد أمنية وتصير الوحدة ضرباً من الوهم. . .

ولقد انقضت تلك السنة الثانية للحرب والجنوبيون أرجح كفه، ففيها أرغم ماكليلان كما رأينا على التراجع وكان من رتشمند عاصمة الجنوب على بضعه أميال، وفيها حلت الهزيمة بالقائد بوب وهو يدافع عن طريق العاصمة الشمالية، وكذلك انتصر الجنوبيون في الميادين الغربية؛ ولقد كان مرد تلك الانتصارات إلى كفاية قوادهم وحسن نظام جنودهم. . .

وفي نهاية تلك السنة حل محل ماكليلان في قيادة الجيش المرابط على نهر بوتوماك، في طريق العاصمة، قائد آخر هو بيرنشيد؛ ولقد برهن هذا القائد الجديد على كفايته في بعض الأعمال الحربية من قبل، ولذلك اتجهت الأنظار إليه في مركزه الجديد، وراح أهل الشمال يعلقون الآمال على تغيير القيادة، أن كان قد ألقى في روعهم أن ما حل بهم من الهزائم فيما سلف إنما يرجع إلى سوء تدبير ماكليلان. . .

ولكن في الجيش عدد كبير من الجند قد آلمهم أن يفارقهم قائدهم أو أن يحال بينهم وبينه على هذا النحو، لذلك لم يحسنوا لقاء القائد الجديد أو لم يشعروا تحت رايته بما كانوا يشعرون تحت راية ماكليلان من حماسة

ص: 56

وزحف القائد الجديد على رأس جيش ليحتل فردريك سبرج على الضفة الأخرى للنهر، حيث كان يرابط لي قائد الجنوب العظيم؛ ووقف القائد الشمالي تجاه خصمه يفصل بينهما نهر يوتوماك، وقف ينتظر أن توافيه هناك تلك المعابر المتنقلة التي لا بد له منها ليعبر النهر ولكن المعابر وصلته متأخرة فاستطاع خصمه القوي أن يحصن المرتفعات حول المكان، فلما أخذ يعبر النهر هو وجنوده انصبت عليهم النيران الحامية من كل صوب، ونظر القائد فإذا كثير من جنده حوله صرعى لا يقل قتلاهم عن الجرحى، فكان لا بد أن يتراجع وكانت هزيمة جديدة تضاف إلى سلسلة الهزائم في ذلك العام المشئوم. . .

وحمل الجرحى إلى وشنجطون فضاقت بهم المستشفيات حتى لقد حول عدد كبير من الكنائس وغيرها من الأبنية إلى أمكنة للجرحى، وطافت النذر بالمدينة، وانعقدت في جوها سحب الغم مركومة سوداء، وأخذت الناس غاشية من الحزن ورجفة من الذعر زاغت لهما الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. . .

وأخذت الأنظار تتجه إلى البيت الأبيض وليس فيها من معاني الأمل بقدر ما فيها من معاني اللوم والغيظ، وكأنما كانت ترف من حوله أرواح القتلى فتلبسه كآبه وتشيع فيه ما يكرب النفوس ويؤلم الصدر. . .

وأخذ يظهر في العاصمة حزب جديد ترمي أغراضه إلى وضع حد لهذه الحرب بأية وسيلة، وألفى الرئيس نفسه بين تيارين، فهنا من ينادون بوضع حد لتلك المحنة، وهنا من يطلبون إعادة ماكليلان إلى القيادة والسير في الحرب ولكن في سرعة وحمية وإقدام، وغير هؤلاء وهؤلاء قوم يطالبون بتغير القواد والبحث عن وسائل جديدة تكفل النجاح، وقوم آخرون خيل إليهم أن الفرصة قد سنحت لهم لإعلان رأيهم في مسألة تحرير العبيد وكان رأيهم ألا يمس ذلك النظام بما يغير من أصوله. . .

وترامى إلى الناس فضلا عن مزعجات الحرب وشائعاتها أن المجلس التشريعي منقسم بعضه على بعض، وأن مجلس الوزراء نفسه قد شاع الخلاف بين أعضائه، ورأى الناس مما يشاع ويذاع أنهم على حافة الكارثة. . .

ولكن السنديانة ثابتة على رغم العاصفة لا تنال الريح العاتية شيئاً من ثبوت أصلها وسموق فرعها. أو لم يك في الغابة منبتها وكان فيها غذاؤها وريها؟. . . أجل، إن رجلا واحدا هو

ص: 57

الذي بقي أمام هذه الشدة رابط الجأش صارم العزم قوي الإيمان، وذلك هو الرجل الذي ألقت عليه الأقدار عبء قومه دون غيره من الرجال فكانت كأنما اختارته عن بينة مما تبيت وتدبر!

وقف ابراهام عزيزاً لا يهون، صلبا لا يلين، بصيرا لا يطيش حلمه، أميناً لا يخون العهد الذي قطعه على نفسه، مؤمنا لن يقعد حتى يتم رسالته أو يموت. . . وكان موقف الرئيس هذا هو كل ما بقي للقضية من عناصر القوة. . . ولكن أية قوة لعمري هي أعظم وأبقى من تلك القوة؟ ألا أن الظروف التي بالغت في قسوتها على الاتحاد وأنصاره قد عوضتهم من جهة أخرى خير العوض بأن جعلت على رأسهم ذلك الرجل العظيم. . .

وليت شعري ماذا كان عسيا أن يحدث من أول الأمر لو لم يكن على رأس البلاد هذا الذي درج من بين أدغالها؟ بل ماذا كان عسيا أن يحدث في هذه الآونة الدقيقة التي لم يكن للبلاد فيها من عاصم إلا الصبر كأعظم ما يكون الصبر؟ وأي صبر هو أشد وأبلغ من صبر ذلك الطود الراسخ الأشم؟

وكان من قواد الحرب يومئذ قائد يدعى هوكر وهو في المرتبة الثانية من بعد بيرتسيد، راح في ذلك الوقت يذيع في الجند أن البلاد أشد ما تكون حاجة إلى ديكتاتور يقضي على المنازعات ويرغم الأحزاب أن تحبس هذرها وتدفن خلافها، وأن الجيش لن يقوده إلى النصر إلا مثل ذلك الرجل الذي يقبض بيد قوية على أزمة الأمور في الدولة وفي الميادين جميعاً!. . . ولقد ذاعت أفكار هوكر حتى لقد اجترأ ضابط كبير أن يعلن (أن الجيش وعلى رأسه ماك الصغير يستطيع أن يطهر المجلس التشريعي والبيت الأبيض). . . قالها من غير تحرج وإن كان قد ألقي القبض عليه من أجلها. . .

وكتب لنكولن إلى هوكر يعاتبه على ما يذيع من أفكار ويحذره العاقبة ويعينه قائداً لجيش بوتوماك، ومما جاء في خطابه قوله:(إنك لن تستطيع أنت ولا نابليون - إذا قدر له أن يبعث - أن ترجع بخير من جيش هذه هي روحه. . . ألا حذار من التعجل، حذار من التعجل، ولكن أقدم في نشاط وحمية لا تخبو واكسب لنا النصر)

انتهى العام الثاني بهذه الحرب الهائلة، وقد لاقى الشماليون ما لاقوا من الهزائم، ولقي الرئيس من عنت الظروف والرجال ما لاقى، وحل العام الثالث فلقي الرئيس في مستهله

ص: 58

وفود المهنئين بالعام الجديد وباليوم الذي يحل فيه موعد التحرير، والرئيس مشغول بالحرب وما تتطلب من الرجال والمال. . . وهاهو ذا يعلق الآمال على ما عسى أن يفعل هوكر ويسأل ترى ماذا سيكون نصيب القضية في هذا العام

وزار الرئيس ميدان القتال على نهر بوتوماك وقضى هناك أسبوعاً يشرف بنفسه على الجيش ثم عاد إلى العاصمة يمني نفسه بالعوز الذي يضع حداً لهذا القلق الذي تزايد حتى عم الرجال جميعاً

وتحرك جيش بوتوماك في إبريل من تلك السنة ولكنه ما لبث أن هزم هزيمة منكرة في شانزلورزفيل، بعد أن أبلى في المعركة بلاء حسناً أول الأمر. . . ثم انقطعت أخبار الجيش عن العاصمة بعد الهزيمة حتى بات الناس في حيرة شديدة. . . ورضي لنكولن من الغنيمة بالإياب، فكان يمني نفسه أن يعود الجيش إلى موقفه الأول فيمنع الطريق إلى العاصمة. . . وأخيراً وصلته رسالة من القيادة أن الجيش قد عاد إلى موضعه، ولقد تسلمها الرئيس وقرأها فتندت جفونه، وهو يقول لمن حوله من أصحابه: ماذا عسى أن يقول الشعب؟ ماذا عسى أن يقول الشعب؟ واشتد به الغم حتى ما يفلح كلام في الترفيه عنه. . .

وركب الرئيس وجماعة من صحبه زورقاً بخارياً إلى حيث يرابط الجيش، فاستطلع واستفهم القائد عن سبب الهزيمة ثم رجع إلى المدينة وقد عقد النية على أمر. . . أعلن الرئيس ما يشبه الأحكام العرفية، فحد من حرية الصحافة ومن حرية القول، وأنذر من يعمل على عرقلة قضية الاتحاد أنه سوف يقدم إلى المحاكم العسكرية لتنظر في أمره، ولم يعبأ الرئيس فيما فعل بالنقد الشديد يوجه إليه من كل جانب، فلقد كان مستنداً إلى أحكام الدستور الذي يخول له أن يتخذ عند الخطر ما تتطلبه مصالح البلاد من الأحكام

وحل الورق محل الذهب والفضة في المعاملة إذ كانت الحكومة في حاجة إلى المال لتنفق منه على هذه الحرب الضروس، ولقد التجأت من أجلها إلى القرض. . . وعمت الضائقة حتى شملت الناس جميعاً وهكذا ظهر للناس أن هذا العام الجديد أشد هلعاً مما سبقه

ولكن هذه الشدة لم تأت بالغرض منها، لقد وجد أعداء الحرب وأعداء القضية فيها فرصة لنشر آرائهم، وسرعان ما تألفت في نواح كثيرة من البلاد جمعيات سرية تعمل على مقاومة الرئيس وحكومته بكل ما يمكن من الوسائل

ص: 59

وجهر فريق من ذوي الرأي والمكانة بمقاومتهم هذه السياسة ومن هؤلاء وَلندنجهام وهو نائب عن أهايو في المجلس التشريعي. . ولقد أخذ هذا الرجل يعمل في نشاط وقوة على معارضة كل مشروع في المجلس يراد به نصرة قضية الحرب، وفي خارج المجلس راح يطلق لسانه في الرئيس بكل فاحش من القول فتارة يسميه (الملك لنكولن) وتارة يسخر من ذلك الرجل الذي يريد (أن يخلق الحب بالقوة، وأن ينمي شعور الإخاء بالحرب) وتطرف ذات مرة فهتف بسقوطه في مجتمع احتشد فيه عدد من الديمقراطيين الذين أعجبوا به

وكان برنسيد يقود الجيش في الجهات التي تقع فيها أهايو مدينة ذلك النائب، ولقد أعلن القائد أن كل شخص يعمل ضد الحرب وقضية الاتحاد جزاؤه أن يقدم إلى محكمة عسكرية لينال عقابه على يديها. . . ورد وَلندجهام على هذا بخطاب حماسي احتشد الناس في تلك الولاية لسماعه ودعا الناس إلى رفض هذا القرار وعصيانه؛ ولم يسع القائد إلا أن يقبض عليه ويسوقه إلى المحكمة العسكرية فقضت بحبسه في أحد الحصون هناك. . .

وارتفعت الأصوات بالاحتجاج على هذا الفعل الذي يتجلى فيه خنق الحرية، فغير لنكولن حكم الحبس بالنفي إلى خارج مناطق النفوذ الشمالي، وأرسل ذلك النائب المتمرد إلى الولايات الجنوبية في حراسة نفر من الجند

تكاثفت السحب واكفهر الجو، ولم يعد يرى الناس بصيصاً من نور الأمل، فيئسوا من النصر، وتحرجت الأمور حتى ما يعرف لنكولن نفسه ماذا يفعل!. . . ألا هل من قائد يكسب معركة واحدة فيعيد الرجاء إلى النفوس، والأمن إلى الخواطر، والعزم إلى القلوب؟

إن هزيمة الشماليين في شانسلو رزفيل كانت أقسى ما لاقوا من المحن، حتى لقد عد مايو وهو الشهر الذي وقعت فيه الهزيمة شر الأيام هولا في تاريخ تلك الحرب الأهلية الكبيرة. . . ولقد كانت خسائر الشماليين في تلك المعركة بعد ما ذاقوا من الهزائم من قبل، مما يثبط الهمم ويحل العزائم بينما خرج منها الجنوبيون ولم يخسروا كثيراً اللهم إلا إذا ذكرنا خسارتهم الفادحة بموت قائدهم جاكسون الذي خر صريعاً من رصاصة طائشة أصابته من يد أحد جنوده. . .

هاهو ذا الرئيس يفكر ويدور بعينه يتلمس القائد الذي يفلح مسعاه بعد أن خابت مساعي القواد. . . ألا من له بهذا القائد؟ من له بهذا القائد؟. . . ولكن أين جرانت؟ أنه هو الرجل،

ص: 60

وإن قلب الرئيس ليلتفت إليه في هذه المحنة كأنما يلتفت من إلهام. لقد برهن جرانت على كفايته في بعض المواقع وإن لم تكن بذات بال، وحسبه النصر فيها على أي حال، ولعله لا يتخلف عنه النصر إذا ألقيت على عاتقه القيادة في غيرها من المعارك الكبيرة. . . لقد استطاع أن يستولي على حصني هنري ودونلسن على نهر المسيسبي في فبراير من عام 1862 سنة الكروب والهزائم واستطاع كذلك أن يحمل الجنوبيين في أبريل على التراجع في معركة حامية حدثت في أبريل من تلك السنة

وكان الرئيس لا يعرف جرانت معرفة شخصية، ولكن هاتيك الانتصارات في أوقات عز فيها النصر تنم عن كفاية، وتدل على بطولة، وإن عين الرئيس البصيرة لتستشف من وراء تلك الأخبار الرجل المرجو. . . وإذا فليرسل الرئيس إليه وليعطه الراية ولينتظر النصر على يديه

ولكن بعض الرجال يلقى إلى الرئيس من أنباء ذلك الرجل أنه بابنة العنقود مولع حتى ما يفيق منها إلا قليلا، فاستمع إلى الرئيس وقد هداه قلبه الذي لا يكذبه ودلته بصيرته التي لا تخطئه، استمع إليه يقول لهؤلاء الناس (أرجو أن تدلوني: أي نوع من أنواع الويسكي يشرب ذلك الرجل لأرسل منه دنا لكل قائد من قوادي الآخرين)!

أيقن الرئيس أن سوف تنقشع السحب ويتنفس الناس الصعداء، فلئن لم يكن لهم إلا ثقتهم في رجلهم، لقد امتدت عيناه البصيرتان إلى القائد الذي يكون في ميادين القتال مثل ابراهام في البيت الأبيض، رشيدا لا يزوغ بصره، قويا لا يكل عزمه، ثابتا لا يخف حلمه، حكيما يعرف ما يأخذ مما يدع، جريئا مؤمنا يرى الحياة الحقيقية في أن يموت في سبيل مبدئه. . .

(يتبع)

الخفيف

ص: 61

‌خطوات في الحياة والموت

عند رؤية جمجمة

للأستاذ عبد الرحمن شكري

رحيقك يا كأسَ النهى والمشاعر

ومهبط سر الله بين السرائر

أكأس الحجا أين الرحيقُ تَرَشفتْ

علالاته نَشْوَى النهى والبصائر

أجُرِّعَةُ ثغر من الموت ظامئ

طوى ما طوى من فطنة وخواطر

حوتها عوادي الدهر إلا أقلها

إذا خُطَّ لفظ في بطون الدفاتر

بدا الناس جيلاً بعد جيل كأنهم

تَهَاوِيلُ سِحْرٍ أو سمادير ناظر

وما تُدْرِكُ الألباب منهم عديدهم

إذا استجمعتهم بين ماضٍ وحاضر

كأنْ لم يَلُحْ منهم إذا الموت غالهم

ومَيض الثنايا أو بكاء المحاجر

ولم يعرفوا الآلام تُحْسَبُ أنها

ستَخْلدُ في جسم إلى الموت صائر

فأين مضت أحقاد قوم كأنها

لهيب جَحِيمٍ خَاِلدٍ في السرائر

وأين ولوع بالجمال كأنه

زعيم بتخليد الوجوه النواضر

وأين فِعَالٌ يحسب الناس أنها

على جبهة الأيام من وشم قادر

وأين جيوشٌ دَكَّتِ الأرضَ خَيْلهَا

مضت حيث لا تمضى خواطر شاعر

وأين الغزاة الفاتحون وقد بدوا

كما تبعث الأشْبَاحَ نفثةُ ساحر

فهل أنتِ ممن قد جنته سيوفهم

وداسته خيل تحتها بالحوافر

أم ازدان تاج قد لبست بحكمة

بها اسْطَعْتِ تصريف الصروف الدوائر

وهل أنتِ مِمَّنْ دَبَّرَ الشرَّ لبُّهُ

وأحكم زَهْوُ النفس جَرَّ الجرائر

أم الخير ما حنت إليه نوازع

لديك وإن لم تحتقب خير غادر

لقد كنتِ وكر اللب لو أن عادياً

من الموت لم يهبط عليك بكاسر

بِكِ ارتاع مسعود إذا ارتاح يائس

بذكرى الردى يرجو عُلَالَةَ صابر

قد اختلف الأقوام في العيش والردى

فَمِنْ ظافر يهوى الحياة وخاسر

هنيئاً لكل ما يرى من عُلَالَةِ

بحسن حياةٍ أو بنجوى المقابر

وما عَلَّلَتْ نفسُ الفتى بِمنَيَّة

ستطوى هموم العيش طي الدساكر

ص: 62

سوى رغبة في العيش يرهب صرفه

فيعدو على البُؤْسَى بذكرى الغوابر

بذكرى الحتوف الجاليات على الورى

من الراحة الكبرى أجَلَّ البشائر

عبد الرحمن شكري

ص: 63

‌الليل

للأديب حسن حبشي

أيُّها الَّليْلُ: أيُّها الكاهِنُ الصَّا

مِتُ من فَجْرِ عُمْركَ الوَسْناَنِ

نَشَأتْ في ضِلال صَمْتِك أحْلَا

ميِ فكانَتْ كالزَّنبَقِ الغَيْسَان

وَاكتَسَتْ مِنْ جَلَالِ رَوْعَتكَ الكْبرى

تَهَاوِيل حُسْنهَا الفّتَّانِ

وَتَبَدَّتْ كغاَدَةٍ نَسَجَ اُلْحسْ

نُ لها تَاجَ رِقَّةٍ وَحَنَانِ

شاَعَ في النَّفْس نورُها، وَمَحَا لَا

لَاؤُهَا ظُلمَةَ الفؤادِ العَانيِ

أتُرُاهَا يَدُ اَلمِسيحِ أزَالَتْ

كلَّ يأسٍ مِنْ خاطِري المدْجَانِ؟

كم سُكُونٍ يَفُوحُ بالعطر رَفْافاً

وبالشَّرْ والهوَى الرَّيَّانِ

ولكَمْ فِيكَ نَغْمة رَقَصَ الْقَلْبُ

لها هَاتِفاً بشَتَّى المعَانيِ

أتُرَى هَذِهِ النّجُومُ نوافيسٌ

بمِحْرَابِ أفْقِكَ الفتَّانِ

من بنَاَهُ وَشَعْشَعَ النَّوُرَ فيه

سَاحِرَ الُحْسنِ فِتْنَةَ الأذْهَانِ

أيَّهَذا الظَّلَامُ يا أفُقُ العُمْ

رِ، وَياَ مَعْبَدَ الأمَانيِ الحِسَانِ

إنمَّاَ أنْتَ هَيْكَلٌ جَثَمَ الظَّنَّ

عَلَى باَبِهِ جَهُول البيَاَنِ

لم تَطَأى قدْس أرضهِ أو تَجُبْهُ

غَيْرُ أوْهَام شاِعرِ فَنَّانِ

نَظَمَ الُحبْ والَجَمال نِشيداً

وَقَّعَتْهُ يَدُ الهَوَى فيِ الأغَانيِ

وتغَنَّى ياَ ليْلُ في صَمْتِكَ المُشْ

جِي طَروباً بمِسْكرِ الألْحانِ

بَعْدَ مَا حَطَّمَتْ هَوَاهُ الَمنَايا

وَرَمَتْهُ بِكاَلحِاتِ الأمانيِ

وِطَوِى صَفْحَة الشَّباَبِ على كُرْ

هٍ، وأغْضَى على شَبَاةِ السَّنانِ

حسن حبشي

ص: 64

‌إلى صاحبة السمو الأميرة فريال

بسمة المنى

للأستاذ إبراهيم مأمون

يا ابنةَ التاج مِنْ أبيك مثالٌ

هو في الصَّيد مَضربُ الأمثال

هو وحيُ السماء في نهضة الدي

ن نمتهْ جلائلُ الأعمال

عصم الشعبَ من نيوب العوادي

وأعزَّ الحمى بالاستقلال

ولدى مَهْدك الطهورِ رَءُومٌ

هي غرس الندى ونَبْتُ الكمال

أنجبتك العُلا وظلَّك الطه

رُ وما زلتِ في أعف ظلال

وغدت مصرفي رحابكِ فِرْدَوْ

ساً لولدانها، وللأطفال

انظروا ضافيَ المبرَّة يمتدَّ

فيكسو طفولةَ الأقلال!

فاض نور الِمهاد حتى كساهم

نضرةَ النور ضافي الأذيال

بين أيديهم الأمانيَّ تسعى

في ثغور المنى وحسن المآل

خطروا أمس بالبلاد يطوفو

ن ومن نورهم سنا الإجلال

فإذا مصرُ من سناهم نعيمٌ

وإذا هم مطالعُ الإقبال

لو رأيت الجنانَ قلتَ هم الول

دان، أو هم فرائدٌ وغوالِ

هبة الله للمليكْين (فريا

لُ) فأنعمْ بما حَبَا ذو الجلال

يا ابنة التاج: خلف ركبك ركبٌ

حوله الدهرُ والملوكُ مَوالي

فاملئي المُلْك مِنْ أريج المعالي

واجعلي المهدَ غابةَ الأشبال

كتب الله أن يعزَّ بك الطه

ر وتعتز صاحبات الحجال

نهض الدين بالفتاة قديماً

وسقى الوائدينَ كاس النكال

فاحشري الدينَ في ظلالك يصط

ف وفي الدين أعظم استقبال

ربَّما كنتِ كالبتول مكاناً

تضربينَ الأبطال بالأبطال

ربَّما كنتِ مريمَ ابنة عِمْرا

ن تَحُلَّين فوق كل منال

حفصة الأمس سايرتْ أبويها

ومشى الدين خلفها في احتفال

حفظتْ غرةَ الكتاب من الده

ر وصانتْهُ من يَد الأهوال

ص: 65

والحميراء فيأتْنا نُهاها

وأشاحتْ عن شِرعة الجهَّال

نِصْف دين السماء يُؤخذ عنها

ومِن الله والنبيَّ أمالي!

أنتِ في الدين بينهن وفي الحر

ب كجنْدرك في صفوف القتِال

قد حشدْنا لدى الزفاف الفراع

ين وركب الملوك والأقيال

وسألتُ البيان ترديد ما قل

ت فأغضى وما استجاب سؤالي

وإذا بي أجيل في مولد الطه

ر قصيداً في غرة وتعالي

سوف ألقاه بالقصيدة حَفيا

فوق ما تعهدُ اللّغى من الأقوال

والبيان الموهوب لا يعرف العو

نَ، ولا ملجأ إلى التسآل

أنا لا أعرف الخواطر تنسا

ب سواَء ولا اتفاق المقال

ربَّما تجمع السباقَ المذاكي

ولكلّ ميزاته في المجال!

ربما يعرض الأديب أديباً

فتراه كناحت التمثال

والدراري وإن نظُمْن عقود

مَيزَتهنَّ قدرة اللآل

والقوافي إذا اتحدن بحوراً

ضل فيهن سابح الأوشال

فتياتِ البلاد قد بسم الده

ر وزالت فوادح الأغلال

هذه مصر ترتجيكنّ للمج

د وحمل اللواء غير أوال

إيه ثَبَّتْن للحنيف لواءً

وأنِرْنَ الطريق بالأعمال

واستَعِدْن التاريخ في صحف الغي

ب كما كان في السنين الخوالي

تلك (فريال) في التقى فتمشي

ن إليها علىَّ تُقىً واعتدال

واتخذْن الكتاب في نهضة الشر

ق دليلاً تُزِلْنَ كل اعتدال

يا مَليكَيْ كنانة الله في الكو

ن رسا الملك في أصول الجبال

فاهنآ تهنأ البلاد بفريا

ل مدى العمر في السنين الطوال

طلعتْ مطلع الجلال على الشر

ق فكانت لمصر أيمنَ فَال

إبراهيم مأمون

ص: 66

‌البريد الأدبي

أحمد زكي باشا والرافعي

في المقال رقم 42 من مؤلف الأستاذ محمد سعيد العريان في (مصطفى صادق الرافعي) أن (زكي باشا (شيخ العروبة) كان على نية إعداد معجم لغوي كبير قبيل وفاته، وكان للرافعي في إنشاء هذا المعجم أثر ذو بال، وفيه فصول كتبها الرافعي بتمامها وأعدها للإمضاء)

والذي أعرفه حق المعرفة، للصلة التي كانت بيني وبين احمد زكي رحمه الله، أن ذلك المعجم كان مجموعة من الجزازات على الطريقة الإفرنجية، وهي الطريقة التي حذقها احمد زكي دون غيره من أهل اللغة عندنا فيما أعلم. وقد اتفق لي غير مرة أن أنظر في هذه الجزازات فكانت من خط أحمد زكي أو من خط كاتبه الخاص. هذا وقد وقع لي أن أطلع على مسودات القليل المدون من هذا المعجم، فإذا الخط خط احمد زكي. ذلك ما اعرفه وربما غابت عني أشياء، أو ربما كان احمد زكي يستشير الرافعي كما كان يستشير غيره من المشتغلين باللغة، وليس في ذلك مغمز.

أما حديث المقالات التي كان يكتبها الرافعي يمدح فيها نفسه ثم يستدرج احمد زكي إلى توقيعها فمن الغريب أن يعدها الأستاذ العريان مما انتحله احمد زكي وهو تأليف الرافعي.

والحقيقة أن هذه المقالات مما أراد الرافعي، لسبب في نفسه، أن ينسبه إلى احمد زكي.

ب. ف

الأستاذ محمد محمود باشا

قال صاحب المقام الرفيع الأستاذ محمد محمود باشا رئيس الوزراء في خطبته الغراء في الإسكندرية: (نحن الآن نجتاز (أوقاتٍ) ملأى بالأحداث والعبر). وصاحب المقامات المشهورة أبو محمد الحريري في (ملحمة الأعراب) يقول:

وكل ما كثر في الجموع

كالأسْد والأبيات والربوع

فهْو نظير الفرد في الأعراب

فاسمع مقالي، واتبع صوابي

وقال الناظم في الشرح: (وفي جمع التكسير ما يوجد في آخره ألف وتاء فيتوهم المبتدئ أنه من قبيل جمع المؤنث السالم الذي لا تفتح تاؤه في النصب، وذلك مثل أبيات وأقوات

ص: 67

وأموات فهذه الجموع الثلاثة من نوع جمع التكسير ويدخل تاءها النصب)

الأستاذ محمد محمود باشا من الفصحاء المعربين إذا خطب. وكان الشاعر العظيم (أحمد شوقي) يقول لي: (إنه من المشغوفين بالعربية) لغة آبائه الكرام العرب، وقد صادق الأستاذ الرئيس - ولم يعاد كدأب كثير من عمال السلطان - كتب اللغة والأدب. والكبير المشهور تقلده الناس مخطئاً ومصيباً؛ ومن أجل ذلك كتبنا هذه الأسطر

القارئ

دار العلوم وكلية اللغة العربية

حضرة الأستاذ الكبير صاحب الرسالة الكريمة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قرأت - بإعجاب يمازجه الشكر - ما كتب تحت العنوان الآنف، في عدد الرسالة رقم 281، وشاركني في عرفان هذا الجميل كل أزهري.

وقد أتاح لي إعلانَ هذا الشكر ما كتبه حضرة (ع. ح. خ) في العدد (283) رداً على الكلمة السالفة، إذ أورد حضرته شبهات ليس من الخير أن تمضي بلا جواب.

يرى حضرته أن محاولة المنافسة بين المعهدين آتية من جهة الأزهر؛ وأنه ليس من المساواة الحقيقية أن يعين الأزهريون في وظائف التدريس بالمدارس، دون أن يعين أبناء دار العلوم في وظائف التدريس بالأزهر؛ وأن أبناء دار العلوم أجدر بتدريس العلوم الحديثة، والأزهر يوليها سواهم؛ وأن دار العلوم في عهدها الجديد تنفرد من بين جميع معاهد التعليم بدراسة اللغات الأجنبية والسامية وآدابها، إلى جانب الدراسة المستفيضة للغة العربية وأدبها، دراسة تبرئها من الجمود؛ وأن دار العلوم تنشأ في كنف الوزارة وعلى عينها. الخ.

وأكبر الظن أن حضرة (ع. ح. خ) هذا لا يمت إلى دار العلوم بنسب قريب؛ إذ لو كان من صميم أبناء الدار الكريمة لعرف أن في مختلف المعاهد الدينية: الابتدائية والثانوية، عدداً ليس بالقليل من أبناءها، يعرفون من حسن زمالة إخوانهم الأزهريين ما ينكره حضرته، ويشاركونهم فيما لهم وما عليهم، إلا في الرواتب، فان حظ أبناء الدار منها أسعد. وإذا كان

ص: 68

حضرة الكاتب يريد بالعلوم الحديثة التي ذكر الجدارة بدراستها: العلوم والآداب، فجوابه عند حضرة صاحب العزة خالد بك حسنين ورجاله، لا عند الأزهريين الشيوخ.

فأما كلية اللغة العربية، فالدراسة فيها إلى رجال من الأزهر يتولون دراسة العلوم الأزهرية في كتبها القديمة، يزاملهم صفوة من خير رجال الدار، على رأسهم أستاذ الأساتيذ: أحمد بحاتي؛ ويتولون دراسة الإنشاء، وفقه اللغة، وأدب اللغة، للفرق العالية، ويشاركهم بعض من لا يذمون مشاركته من الأزهريين في الفرق الأخرى.

ويستأثر بالدراسة في تخصص التدريس رجال من أعضاء البعوث: أبناء دار العلوم وأبناء الجامعة، لا يشاركهم فيه أزهري واحد في كلتا سنتيه؛ وهم أنفسهم الذين يقومون على تمرين طلابه، وامتحانهم، وتخريجهم. فان لم يكن في كل أولئك ضمان لتبرئة الأدب من الجمود، فلا أبرأه الله إلى يوم القيامة. . . ولئن نامت عين الوزارة عن هذه الجهود المشتركة، إنها لنؤوم. . .

ولقد تجنى الكاتب على الأزهريين في رميهم بالتعدي ومحاولة المنافسة، كما بالغ في الآمال التي يبنيها على العهد الجديد لدار العلوم. ولو راجع ذاكرته، لذكر أن الاتفاق بين الأزهر والوزارة على حلول كلية اللغة محل دار العلوم بالتدريج، حديث مفروغ منه. كما أنه لو رمى بنظره بعيداً للمح أن دار العلوم الحق تنقرض؛ وأن العهد الجديد سيميل بها عن مقامها الكريم إلى التعاليم الغربية الجامحة التي تباعد بين القديم الخالد، وبين ناشئة الأمة ورجال مستقبلها. ومن لنا بدار العلوم؟!!

عذيرك من خليلك من مراد

أريد حياته، ويريد قتلي

وأما بعد، فان بين الأزهريين وبين الخلص من أبناء دار العلوم من الروابط والصلات ما لا يدفعه تهافت الواغلين، ونزوات الطائشين، من أبناء المعهدين: كلية اللغة العربية، ودار العلوم.

أزهري

حول المركزية في التأليف

قرأت في الرسالة بتوقيع (م. ا) نقداً لمناهج الأدب وتأليف الكتب للمدارس، فلا يسعني إلا

ص: 69

أن أصحح ما تورط فيه الكاتب من خطأ قد يكون تلقفه من أفواه الناس من غير أن يراجع الكتب قبل أن يخط حرفا.

ونحمد الله أن الحملة ليست موجهة إلى المادة العلمية في الكتب، وإنما هي راجعة إلى اشتراك المفتشين والمدرسين، ولكن ما ذكره الكاتب من أن بعض المفتشين اشترك باسمه في كتبنا فهو تجن وتحكم. ولو كان في الواسع أن أقول: كتب فلان وأرشده فلان، وحقق معه المراجع العلمية فلان، لندم كاتب الرسالة فيما خاض مع الخائضين

وأما كتاب السنة التوجيهية الذي ألفه اثنان من زملائنا في العام الماضي فهو واحد من الكتب التي اشتركنا فيها، وما دام الكاتب المقنع قد جار على الحقيقة وظلم الناس، فأنا مستعد أن أضع أمام عينيه في إدارة الرسالة نسخة قديمة ونسخة جديدة من التي اشتركنا فيها، وعليه أن يراجع الموضوعات موضوعا موضوعا القديم منها والحديث، وأنا واثق نه سيعود إلى ما كتب بالتصحيح إن كان يقصد وجه المصلحة العامة.

حسنين حسن مخلوف

المعاهد العلمية الإسلامية في الهند

جاء من عليكرة أن اللجنة العامة للمعارف في الهند اجتمعت في جامعة عليكرة الإسلامية للنظر في تنظيم التعليم في الهند. وقد بسط الدكتور راكز حسين للجمعية برنامجه الخاص بالتعليم وهو يلخص في أن تجعل الحكومة التعليم مجانياً وإجباريا في المدارس الابتدائية للأولاد لمدة ثمانية أعوام وللبنات لمدة ستة أعوام، وأن يفرق بين البنين والبنات في المدارس المشار إليها، وأن تكون لغة التدريس في كل مدرسة لغة المقاطعة التي تقع فيها المدرسة، وأن يتعلم التلميذ صنعه يدوية أو فنية، وأن ينشأ فرع لإخراج المعلمين من الطلبة المسلمين، وأن تساعد الحكومة المدارس الأهلية، وأن يكون التعليم الديني إجبارياً في المدارس

ومن أنباء كلكوتا أن رئيس وزراء البنغال السيد فضل الحق رأس حفلة افتتاح المدرسة الإسلامية العليا في كلكوتا، وقد ألقيت خطب ترحيب عديدة من مندوبي المدارس الإسلامية فرد رئيس الوزراء وقال: إن الضرورة كانت تقضي بفتح مدرسة لتعليم لغة الأوردو وأثنى

ص: 70

على الثقافة والأدب البنغالي. وتألف بعد ذلك موكب سار مع الوزير إلى باب المدرسة ففتحه السيد فضل الحق بمفتاح من الفضة

بين مصر ولبنان

حضر الأستاذ محمد عمر منيمنه مدير الكلية الشرعية على رأس بعثة الكلية لمصر؛ وقد وفق لأخذ قرار مجلس الأزهر الأعلى بمعادلة شهادة الكلية الشرعية الثانوية الأزهر، وأدخل خمسة طلاب في كليات التخصص في الأزهر، وثلاثة في دار العلوم العليا، وواحدا في جامعة فؤاد بكلية الآداب.

والأستاذ محمد عمر منيمنه مدير الكليات الشرعية يسعى لدى المراجع الرسمية لتكون الكلية الشرعية في بيروت مشمولة بالرعاية الملكية والمعاضدة السامية الخاصة فندعو له بالتوفيق. . .

الإذاعة المدرسية وتفاهة المكافآت

أشرنا مراراً إلى الجهود الجبارة التي تبذل في جميع الممالك الغربية ولا سيما إنجلترا من أجل الإذاعة المدرسية؛ وأشرنا مراراً إلى الميزانية الضخمة التي تعدها إنجلترا سنويا لهذه الإذاعة ونحن هنا في حاجة إلى ستين إذاعة - لا غير - ثلاثون منها للمدارس الابتدائية والثلاثون الأخرى للمدارس الثانوية، وكلا الإذاعتين صالحتان لجميع السكان غير التلاميذ - فلو أن الوزارة جعلت مكافأة الإذاعة الواحدة جنيهين لكان المبلغ المطلوب لهذه الإذاعات الستين مائة وعشرين جنيها. . . ولكن وزارة المعارف تقول: لا لا! هذا المبلغ يرهقني! اجعلوا مكافأة الإذاعة الواحدة خمسين قرشاً فأدفع لكم عن الإذاعات الستين ثلاثين جنيها، وأنا لا يهمني أن تنفق إنجلترا على إذاعتها المدرسية تسعين ألف جنيه فإنها دولة غنية وهي تعني بالتربية الصحيحة أكثر مني!

ومع ذلك فالوزارة تطمع في اشتراك كبار رجال التربية في الإذاعة المدرسية ولو بالمجان

بين الإسلام واليهودية

كتب إلينا الدكتور م. هـ. يقول: إن ما يبديه العالم الإسلامي اليوم من روح العداء لليهود يخالف تقاليد الإسلام. فقد ظل اليهود خلال القرون العصيبة آمنين في حمى المسلمين

ص: 71

بالأندلس وتركية ومصر وسورية، وذلك لقوة الرابطة بين العرب واليهود في أصل الجنس وأصل الدين وأصل اللغة وأصل الموطن. وكان الأحرى بأبناء العم أن يعطفوا على السامية المضطهدة في بلاد الدكتاتوريات القائمة على عصبية الجنس واللون ومجافاة الإنسانية والدين. . .

ونحن نؤكد للدكتور م. هـ. أن ليس بين المسلمين واليهود إلا فلسطين. ونقصد باليهود هنا الصهيونيين الذين يريدون أن يجعلوا من فلسطين وطناً قومياً لهم على حساب العرب. أما اليهود المصريون والعراقيون وغيرهم ممن لا يدين بالصهيونية، ولا يساعد على هذه اللعبة الإنجليزية، فانهم يعيشون مع المسلمين في كل مكان على وفاق تام وأخوة شاملة

اللغة الأجنبية ومعلمو اللغة العربية

جاء في الأهرام بتاريخ 4 ديسمبر سنة 1938 تحت عنوان (تنفيذ خطة الإصلاح في معهد دار العلوم) أنه قد (استقر الرأي على إنشاء قسم لتعليم اللغات الأجنبية وآدابها لخريجي دار العلوم على أن تكون الدارسة ليلية. وسيذاع في الأيام القادمة بيان بأغراض هذا القسم ونظام الدراسة فيه، على أن يبدأ العمل فيه من منتصف الشهر الحاضر)

وهذا إصلاح جدير بالثناء يتقبله خريجو الدار بنفوس راضية مطمئنة متشوقة إلى الكمال، راغبة في الاستزادة من العلم. فاللغات الأجنبية الآن من أعظم مناهل الثقافة في العلوم والآداب؛ وهم شديدو الرغبة في ورود مناهلها، ولديهم الاستعداد للاستفادة منها، حتى تجدي عليهم في أدبهم ورسالتهم التي يودون أداءها على أحسن الوجوه وأكملها

ولكن ليس كافياً أن تفتتح الوزارة قسما لتعلم اللغات الأجنبية وآدابها، وتنادي المعلمين: هلموا إلى هذا القسم، فإذا هم إليه يوفضون، ومنه يستفيدون مادة جديدة؛ ثم إذا هم يصدرون عنه وقد حمدوا الورد والصدر، وروّوْا نفوسهم من معينه، وتحببوا رِيّا من نميره؛ وإذا هو اصبح طيب الأثر لديهم عظيم الجدوى على علمهم وأدبهم وصناعتهم

لا. ليس هذا كافياً، بل لا بد أن تنظر الوزارة إلى الموضوع من ناحية أخرى: تلك هي أنهم ينوءون الآن بعملهم، فلا يتوقع لهم أن يصلوا إلى الفائدة المرجوّة ما لم يجدوا الوقت فسيحاً يمكن لهم من إتقان عملهم الأصلي أولاً ومن التحصيل المثمر ثانياً

إن المعلم الابتدائي مثلا يقوم بتدريس 24 حصة في الأسبوع؛ وقد يكون لديه عمل إضافي

ص: 72

كمكتبة المدرسة، فيشغل نفسه بالتحضير والتدريس والتصحيح وغير ذلك من الأعمال الإضافية؛ ثم لا يجد وقتا للاستجمام وتجديد المعلومات والاطلاع على ما يجد من البحوث؛ مع أنه كان أولى من غيره بالبحث والاطلاع والإنتاج؛ ولكن عمله الأصلي يأكل وقته ويلهيه عن العناية بشأن نفسه، بل يورثه الكلال والأسقام

كنا في لجنة امتحان لا نزيد على عشرة معلمين من خريجي دار العلوم؛ ولعل القارئ يأخذه العجب إذا علم أن ستة من هؤلاء كانوا على الطعام يتناولون أدوية تساعد على الهضم وتنظيم عمل المعدة وهم في سن تعد عند غيرهم سن الشباب؛ ولكن الذي خبر المهنة وأحس متاعبها يعجب كيف لا يصطحب العشرة جميعهم قارورات الدواء إلى مقر الامتحان!

إني لأعرف كثيراً من معلمي اللغة العربية أقبلوا على تعلم اللغة الإنجليزية حتى نالوا منها قسطا كبيرا جديرا بأن يفيدهم لو بقي في نفوسهم، وهيهات أن يبقى مع تتابع أعمالهم المرهقة

وهذا واحد منهم تعلم ستة اشهر بمدرسة أجنبية، وحصل من اللغة الإنجليزية في هذه المدة القصيرة ما لم يحصله التلميذ في ثلاث سنوات. أتدري ماذا من أمره بعد ذلك؟ لقد قضى سنة يتردد على أطباء العيون والمعدة والأسنان والمفاصل والأعصاب. أما ما عرفه فما لبث أن استحال ضبابا غائماً، ثم تصاعد بخاراً دائبا

إذا كانت الوزارة تعتزم الإصلاح حقا، فلتتخذ الوسيلة لذلك بتخفيف العبء عن معلمي اللغة العربية؛ ولتجعل أقسام اللغة الأجنبية في المدن الكبرى متعددة ليسهل على كل معلم أن يرد القسم القريب من مسكنه؛ حتى يحفظ وقته، ويحصل أكثر ما يستطاع

ولا يجولّن بخاطر أحد أن المعلمين يرجون التخفيف بطرا وتجنبا. لا بل إن كل نقص في الكم يقابله تحسين وتجويد في الكيف. فلتسلك الوزارة السبيل القاصدة تحمد غبها وتجد خير النتائج إن شاء الله

مدرس

حول بيت للكميت بن زيد

ص: 73

قرأت في العدد 281 من مجلة (الرسالة) الكريمة ما كتبه الأستاذ البحاثة الشيخ عبد المتعال الصعيدي عن (الكميت بن زيد، شاعر العصر المرواني) وقد ورد في هذا الفصل بيت من هاشمية الكميت الميمية ذكر الأستاذ أن الشاعر قاله في بني هاشم وفي خصومهم بني مروان، ورواه على الوجه التالي:

ساسة لا كمن يرعى رعيةالنا

س سواء ورعية الأنعام

وإذا ما رجع حضرته إلى هاشميات الكميت بتفسير أبي رياش أحمد بن إبراهيم القيسي المطبوعة في ليدن عام 1904م بعناية المستشرق جوزيف هوروفتس، رأى هذا البيت على وجهه الأصلي الصحيح كما نذكره:

ساسه لا كمن يرى رعية النا

س سواء ورعية الأنعام

هذا ما أردت تبيانه وعرضه على الأستاذ الصعيدي عن طريق (الرسالة) الغراء والسلام. . .

(الأعظمية - بغداد)

(ص)

موقف مصر تجاه فكرة العروبة

تلقينا بعد الفراغ من طبع هذا العدد مقالا لصديقنا الأستاذ الجليل ساطع بك الحصري وجهه إلى الدكتور طه حسين بك رداً على ما جاء في الحديث المنسوب إليه في جريدة المكشوف البيروتية حول موقف مصر من فكره العروبة، فأرجأناه مضطرين إلى العدد المقبل

فرنسس برت بنج والحياة المدرسية

لخصنا للقراء آراء برنردشو وبريسنلي ومس دي موربير في المشاكل المدرسية التي استفتّهم فيها مجلة عالم المدرسين الإنجليزية، وقد نشرت المجلة في عددها الأخير رأي الأديب الكبير فرنسس برت بنج، وأهم ما ذكره الأستاذ هو أسفه على أنه بدأ تحصيله كبيراً وشكاً من ضعف حافظته، واعترف بما كان لترجمة الإنجيل الإنجليزية من الأثر العظيم في توجيهه الأدبي. . . ثم أنكر أثر مدرسية فيه. . . وإلى هنا يتفق أولئك الأدباء

ص: 74

الأربعة في هذه النقطة. . . ولم يخصص كتاباً كان له فيه أثر يذكر، بل كانت كل الكتب لديه سواء، وذلك أنه كان يقرأ منهوماً لا يبقي على شيء ولا يفضل شيئاً على شيء. . . ونحن نعلل ذلك بمزاجه الديني الفج، وإن يكن اليوم من أكبر الأدباء الإنجليز. . . وقد أوصى المدرسين أن ينموا قوة الملاحظة في تلاميذهم وأن يحببوا إليهم الحياة بكل ما فيها على أن يعرفوا حقائقها. . . ولم ينكر الجمع بين الجنسين في المدرسة إلى الرابعة عشر واستحسن التفريق بعد ذلك، فيكون برنردشو هو وحده لم ينكر الجمع بعد هذه السن مع أنه أكبر أدباء العالم الأحياء سنا. ونفي بنج ما يتهم به تلاميذ هذا العصر من الفظاظة والغرور ومحبة العيش على هامش الحياة. واستحسن أن يعمم التعليم الابتدائي لكل التلاميذ على أن يكون مرحلة أولى في تثقيفهم؛ وحبذ تعليم الخط على أن يكون مادة مستقلة؛ تم أنكر أن يعلم التلاميذ المواد الجافة التي لا تصلها بالحياة العملية صلة المنفعة.

ص: 75

‌المسرح والسينما

الفرقة القومية

مديرها ولجنة القراءة

كلمة عن رواية طبيب المعجزات

أرجو ألا يداخل مدير الفرقة شك في تجنينا الشخصيات فيما نكتب، سواء أكان أصحابها من رجال الإدارة أو لجنة القراءة أو اللجنة العليا أو طائفة الممثلات والممثلين أو غيرهم، لأن لكل شخصية في نظرنا حرمة وكرامة، ولأننا جميعاً سنزول، أما الفرقة القومية للتمثيل فستبقى، لأنها في نظر الحكومة التي أنشأنها، وفي نظر النواب والشيوخ الذين يعتمدون ميزانيتها، وفي نظر الأدباء الذين يغارون عليها، مؤسسة أدبية لها خطرها في الثقافة العامة. فإذا كنا أهملنا اسم الأستاذ عضو لجنة القراءة الذي تحدث إلينا حديثه الشائق (؟) ونهمل أيضاً ذكر اسم حضرات الأساتذة الذين أدلوا إلينا بآرائهم؛ وإذا كنت تعمدت إخفاء أسمي الصريح عن القراء والاستعاضة عنه (بابن عساكر) فلكي أستبعد كل مظنة، وأنفي كل شبهة أو تأويل، ولأبرز قدر المستطاع رغبات الغيورين على الفرقة، الراغبين في حياتها حياة تتواءم ونهضتنا الأدبية، الوجلين أن يدب إليها سوس الهرم وهي في المهد، فتنالها الشيخوخة بعدوى من روح شيوخها القائمين عليها

هو ذا غرضنا بأوضح تعبير. فإذا طاب لمدير الفرقة - وهو وحده المسؤول عنها - ألا يحمل دعوتنا إياه رؤية خلايا الفساد تنتشر في جسم الفرقة، على محملها الصحيح، أو إذا أحب أن يغضب فيعمد إلى استدعاء محرر بإحدى المجلات كما فعل فيقول له في سياق الحديث:(لقد يصل بي الأمر إلى أن أعطل الفرقة وأقفل أبوابها وأقدم تقريراً إلى وزارة المعارف أقول فيه أن التجربة قد فشلت)

إذا طاب له ذلك فهو وشأنه، ولكننا نستبعد إقدامه على تنفيذ تلك الفكرة، فهي فضلاً عن أنها تثير الضحك، تهدم جميع ما بناه في سني حياته الأدبية. ثم هو يعلم جيداً أن وزارة المعارف لن توافقه على إلغاء الفرقة القومية بجرة قلم استرضاء لخاطر مديرها الموتور من تألب أدباء البلد وفنانيها عليه، وتفكههم في مجالسهم بتصرفاته الدالة على بُعده عن فن

ص: 76

الرواية والمسرح، وأنه أقحم على هذا الفن إقحاماً لا مبرر له

نعود الآن إلى أحاديث أعضاء لجنة القراءة فأقول: لقد تفضل حضرة الأستاذ. . فأجاب على سؤالي بقوله: (مهمة لجنة القراءة هي قراءة الروايات التي تقدم إليها وفحصها من جميع النواحي، أعني النواحي الفنية، والخلقية، والاجتماعية، واللغوية؛ فإذا أجازتها فذاك وإلا رفضتها. على أنه قد يكون في بعض الروايات عيوب من ناحية من هذه النواحي ممكن علاجها. وحينئذ ترد إلى المؤلف أو المترجم ليعالجها طوعاً للملاحظات التي تبديها اللجنة، ثم ترد إليها لترى إذا كانت صالحة بالعلاج أم لا)

سألت: هل لرأي النقاد المسرحيين قيمة في نظر اللجنة؟ فأجاب (ليس للنقاد المسرحيين رأي في النواحي التي ذكرناها (كذا) وإنما لهم رأي من ناحية الإخراج، كمعدات الإخراج، وطول الروايات وقصرها عن الوقت المناسب، ونحو ذلك مما يتعلق بعملهم الفني البحت (؟؟!!) أما أن الروايات قيّمة أو ليست قيمة، أو مناسبة أو غير مناسبة، فمن عمل اللجنة وحدها) ثم أردف قائلاً (لم أر إلى الآن في مصر نقداً فنياً قوياً يستطيع أن يسقط الروايات أو يعليها، وكل الذي رأيت محاولات أولية من هذا القبيل. وَهب أنه كان هناك نقد قوي فأعضاء اللجنة نقاد أيضاً (كذا) فلنا رأينا كما لهم رأيهم

هذا من جهة النقاد الفنيين، أما من جهة جمهور النظارة فقد يخالف حكمه حكم اللجنة فيقدر تقديراً عالياً رواية حكمت اللجنة أنها متوسطة، أو يحكم بأنها متوسطة وقد حكمت اللجنة عليها أنها راقية. وسبب ذلك أن الجمهور قد يقدر الروايات من نواح غير فنية ككثرة ما فيها من فكاهات، أو لأن مغزاها قريب المتنأول، وهذا لا يظهر إلا بعد أن تكون اللجنة قد أصدرت حكمها من قبل. ومع هذا فاللجنة تستفيد من رأي الجمهور فيما لا يعجبهم وما لا يعجبهم، وكل هذا يؤثر عند نظر اللجنة في الروايات المقبلة لا في الروايات التي أصدرت حكمها عليها

قلت: هل معنى كلامكم أن اللجنة تؤثر حكم الجمهور وتستفيد من رأي الجمهور ولا تأبه لرأي النقاد؟

فأجاب: (لا، من غير شك. يجب أن يكون رأي النقاد الفنيين في المقام الأول لأن منزلتهم منزلة الخبراء، ولكن قلت لك إنني فيما قرأت لم أر نقداً قوياً إلا في القليل النادر، وما عدا

ص: 77

ذلك فمدح مفرط من غير أسباب فنية، أو ذم مفرط لأسباب شخصية غير فنية. والرأي الواجب الاحترام هو ما يصدر من فنيين راقين ينقدون الفن للفن. وإذا حدث ذلك، وقليلا ما يحدث، أحللناه المحل الأول من الاعتبار وقدرناه أكثر من تقدير الجمهور) قلت: هل لاحظتم تقدماً في تأليف الروايات خلال السنوات الثلاث، لأني أزعم أن الروايات التي مثلها الفرقة في عامها الثالث أحط منزلة من الروايات التي مثلت في السنين الثانية والأولى؟ فقال:

(من غير شك لاحظت هذا التقدم خصوصاً عندما قرأنا الروايات التي قدمت للمسابقة الأخيرة. نعم إننا لم نجد روايات حازت المكافأة الأولى، ولكننا رأينا روايات ظهرت فيها القدرة الفنية، وظهر فيها حسن السبك، وحسن الحوار، وإذا قارناها بالروايات التي قدمت في ظروف أخرى قبلها رأينا هذا التقدم محسوساً)

قلت: ما رأيكم في رواية ردتها لجنة القراءة إلى مؤلفها غير مرفقة بأسباب الرفض رأفة به، ثم أعيد تقديم تلك الرواية المرفوضة بعينها إلى اللجنة مع ما تقدم إليها من روايات للمباراة ففازت وأعلن فوزها مع أنه لم يتغير فيها سوى اسم مؤلفها الشاب باسم فتاة، فهل المسؤول عن هذه (اللعبة) مدير الفرقة أم لجنة القراءة؟

حدجني محدثي الفاضل بنظرة الدهشة والاستغراب، وبعد صمت هنيهة قال:(أحب أن أعرف رأي مدير الفرقة في هذا الواقعة) فأجبته بأن مهمتي هي استطلاع رأيه هو لا نقل آراء زملائه إليه

لم أحاول الاتصال بالشيخ الثالث من أعضاء لجنة القراءة لأن مهام الحكم أبعدته عنها، فلم يبقى أمامي سوى رابع الشيوخ الإجلاء وقد كنت أؤمل أن يكون بعيداً عن تخبطات زميليه الفاضلين فيما قالاه عن النقد والنقاد وفيما زعماه من نضوج الفكر الروائي السريع ومن تقدم المسرح نحو الكمال؛ غير أن حضرته أعز الله به دولة الأدب قال لي ما نصه:(يمكنك أن تقول لقراء الرسالة أو من شئت من الناس إن فلاناً، وذكر اسمه مجرداً من اللقبين العلمي والحكومي، لا يريد أن يقول كلمة في الفرقة القومية) وأرى أن في إصراره على عدم الكلام هو التهرب، وهو يتهرب من الكلام عن المسرح الذي طالما تكلم عنه قبل أن يكون لنا فرقة قومية

ص: 78

بقي مدير الفرقة وهو الشيخ الخامس المتمم لأعضاء لجنة القراءة، وهو ما فتئ يقول للمجلات الأسبوعية إن فرقته ستصل إلى مستوى الكمال بعد حين، وأنه سيبني لها مسرحاً من المال المدخر، وأن الأدباء لا يوالونه بالتعضيد لأغراض ذاتية، وأن الصحافة لا تأخذ بناصره قبل أخذ ما بخزانته

لم يتيسر لي حضور تمثيل رواية (طبيب المعجزات) والذي أعرفه عنها، وقد قرأتها قبل عرضها على لجنة القراءة، أنها تدور حول شاب طبيب انقطع إلى البحوث العلمية فهداه علمه وتجاريبه إلى استنباط إكسير يطيل الحياة ويقضي على الموت. تفرح الأمة والحكومة، وتفرح حماته أيضاً بهذا الاختراع الذي أنقذ البشرية من الموت المكروه، ورفع مقام صهرها إلى مصاف الخالدين بتخليده الحياة

تجمع الأمة والحكومة على تكريمه، ثم لا يلبث الحال أن ينقلب عليه لفساد جميع النظم الاجتماعية وتغير الأوضاع وتساوي الحياة فيثور الناس على المخترع المسكين فيعمد إلى قواريره فيكسرها وإلى عقاقيره فيفسدها ليعيد العالم سيرته الطبيعية

وبهذه المناسبة أقول لحضرات أعضاء لجنة القراءة: إن قراءة الرواية شيء يختلف جد الاختلاف عن مشاهدتها تلبس ثياب الحياة على المسرح، وأن لا محيد للقارئ عن خصائص فنية مكتسبة وموهوبة تجعل حكمه غير مقتصر على الخلق والاجتماع واللغة فقط

ابن عساكر

ص: 79