الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 30
- بتاريخ: 29 - 01 - 1934
إلى الأقصر.
. .
- 1 -
كان لا بد للاّغب أن يستجم، وللصائم أن يعيد، وللمجادل في مجد الفراعين أن يزور الأقصر.
وكان (قطار الآثار) قد جرأ الجيوب الهزيلة على أن تباري الجيوب الأمريكية في (وادي الملوك)! وقطار الآثار كقطار البحر فكرة سديدة، تنفذها إرادة رشيدة. .
ولكن حرف (لكن) لا يزال وا أسفاه أكثر أخوات (إن) استعمالاً، وأشدها بحياتنا اتصالاً! فأنا مضطر أن أقول: ولكن هذا القطار لا يصلح إلا لأقوياء البنية، أشداء العصب، ممن يستريحون على الوقوف، وينامون على الرفوف، ويغمضون على ضيق المكان، وكظّة الديوان، وحرج الأسِرة. أما أخو الجسد المهدود، والعصب المجهود، فلا مناص أن يقضي ليله كما قضيت: مقسم النفس بين القلق والأرق، ولا يجد نفسه ولا يملك قلبه!
سار بنا القطار المثقل في منتصف الساعة التاسعة من مساء يوم الاثنين أول أيام أمس العيد، وكان المفروض على راكبه أن يبيت قائماً في الممشى، أو نائماً على (الرف)، أما الجلوس لو أراد، فلا سبيل إليه إذ لا محل له! وكان من الميسور تلطيف هذا المقدور بشيء من لهو الحديث ولو جمعنا الحظ العنيد برفقة من أهل الأنس، ولكنني كنت أنا وصديقي بين أربعة لا يصل أحدهم بالآخر سبب من جنسية أو لغة، فحملونا مكرهين إلى الفراش النابي والوساد القلق. . . ولا أريد أن أثقل عليك وعلى إدارة القطار بذكر ما أعقب ذلك من أزمة الصدر، وضمة القبر، وإزعاج الصحب، وإغاثة الإسعاف، وقضاء الليل الطويل قابعاً أمام الباب لا يخدع في عيني نعاس، ولا ينفس عن صدري فرج، فان علاج ذلك كله إعداد عربة للجلوس يتنفس فيها الساهد المكروب باللهو والسمر.
القطارالجاهد يخوض في أحشاء الليل المظلم، والهواء البارد يسفي غبار الطريق الخانق، والركب المترجح يغط في النوم غطيط الخلي، والكرى الجائر قد غلبني على أخوي فأوى بهما إلى المضجع! وأنا وحدي في هذا القفص الطائر أرعى نجوم الكهرباء في سمائه المحصورة الرفيعة، وأقول في آخر ليلة من ليالي رمضان المحتضر: متى يا اله الناس يصبح هذا الليل؟!
وأخيراً، أخذ نور المصابيح الزاهر يشحب قليلاً فقليلا، وستر الظلام الصفيق يرق عن جوانب القطار شيئاً فشيئا، وأنفاس الفجر الندية تخلص إلي من خلال النوافذ، وكنا حينئذ نمر على الجسر الحديدي (بنجع حمادي)، ففتحت الشباك القريب وأرسلت طرفي الكليل في شمال الوادي، فرأيت رءوس الشجر الرفيفة، وذوائب النخل الرفيعة، طافية في سيل من الضوء المشوب المبهم، وتبينت القرى الجاثمة على الضفاف الخضر تستيقظ مطلولة الجنبات مع الطبيعة، والصبح الوليد يهتك عن مهده الوردي كلَّة السحر الداكنة، وأبصرت من وراء (قنا) خطاً من ذائب المرجان قد ارتسم على قمم الجبال اللوبية، ثم أخذ ينتشر رويداً على الظلال المتخلفة من بقايا الليل حتى غمر الوادي، فاستبانت في سهوله الخصيبة حقول القمح والفول والعدس يكللها الطل، ويهفو فوقها رقيق الضباب.
أشرقت الشمس علينا كما كانت تشرق منذ آلاف السنين على سيتي ورمسيس، فهي وحدها المخلوق الذي شهد ضخامة الماضي، ويشهد الآن ضآلة الحاضر! فليت شعري ماذا تقول ذكاء في هؤلاء الأقزام الذين يحجبون اليوم (طيبة) مختالين على مركب ليس في صنعه قسط من حديد أو خشب؟ ماذا تقول ذكاء وقد رأت ملوكنا العماليق وهم في طفولة البشرية ينقلون قطع الجبال من أدنى الشمال إلى أقصى الشلال على عجلات وآلات من خلق عقولهم وصنع أيديهم، ثم ترانا معشر الأعقاب نلوك الفخر أمام الغربيين بعظمة الأقدمين، ونتبجح أمام الأقدمين بعبقرية الغربيين، فنحن كخلفة الدوحة العتيقة تنبت رخوة على جوانب الجذر الثابت، ثم يقعد بها الوهن عن مطاولة الجذع، فلا هي في رسوخ الأصل وقوته، ولا هي في سموق الفرع وإشرافه!!
لا يكاد الصعيد يختلف اليوم عما عهده الفراعين منذ أربعة آلاف سنة! فالشمس المعبودة هي الشمس، والنيل المقدس هو النيل، والقمح الذي خزنه (يوسف) هو القمح، وجوارح الطير التي تحوم فوق ساحلي النهر هي بأنواعها وأشكالها وألوانها التي كانت تحلق في أجواء (طيبة)، لأن الحيوان والنبات قلما ينالهما التغير. أما الذي نال منه الحدثان، وغير من حاله الزمان، فهو هذا الإنسان المسكين، فإنسان النيل لم يعد ذلك الذي قارع الدهر، وصارع البلى، وحاول الخلود، وقدس القوة، وأخضع العراق والشام وفلسطين والسودان والحبشة، وإنما أصبح من فعل القرون وإلحاح الجور شيئاً من المتاع تابعاً للأرض، يُملك
ولا يَملك، وينتج ولا يٌهلك!
على أن القبس الإلهي العربي الذي بعث الضوء في شبابه الكادي، والحرارة في جسمه المنحل، لا يزال قديراً على إحياءه، جديراً برفعه.
وإذا كان البحر يتعاوره الجزر والمد، والشمس يتعاقبها الغروب والشروق، والطبيعة يتناوبها الخريف والربيع، فأن مصر الناهضة تشارف بثروتها المد، وتطالع بقادتها الشروق، وتستقبل بشبابها الربيع!
ضحت الشمس واستطاع النظر القصير أن يجمع الوادي في نظرة! وهيهات لابن (الدلتا) الفسيحة أن يفهم معنى الوادي إلا في أعالي الصعيد! فهناك تتقارب السلسلتان بما ورائهما من موات وجدب، وينساب بينهما النهر العظيم بما يحمل من حياة وخصب، ويشعر المصري الذي يرى هذا المنظر أول مرة فيجد واديه كله في عينه وفي قلبه، بنوع من الغبطة لم يحسه من قبل، ويستغرق في نشوة من الذكريات والأماني لا يخرجه منها إلا وقوف القطار في محطة الأقصر. . .
احمد حسن الزيات
ربع مية.
. .
للدكتور طه حسين
يا دار مية بالعلياء فالسند
…
أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقفت فيها أصيلاً لا أسائلها
…
عيت جواباً وما بالربع من أحد
ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة والجديدة، حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة. والذي كثيراً ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء التي لا تحصى، والذرات التي لا تعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يحس فيها التباين، فإذا حللتها رأيت اختلافاً لا حد له، وتبايناً ليس له آخر: رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوماً يذكرون الله، وقوماً يدرسون العلم، وقوماً يتلون القرآن، وقوماً يقرأون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوماً يخوضون فيما تظن وما لا تظن من فنون الحديث، ومن هذه الأصوات كلها ينعقد صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحدٍ يملأ فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، إلى أي باب تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء والانعطاف.
نعم في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة لأنه كان حياة كله. وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة وحركة وإنتاجا. في هذا الربيع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلاً وإنما وقفت بعد صلاة العتمة ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر القدماء، فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه. ودون أن نتأثر به كما يتأثر به الشعراء.
وكانالأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وجه إليه السؤال، وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد. طال عليه الأمد أكثر مما طال على ربع مية فما أضن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال
على ربع مية كان طويلا مسرفا في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين حين أتحدث عن الأزهر والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين. وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال. فما أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاما، ولكني حملت في نفسي دائما للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة عظيمة النشاط رائعة الدوي عسيرة التحليل) وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطاً وحنينا إلى هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض واستقبلت معي الوان الخطوب لم تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل. والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند القبلتين لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها، فلما بلغت الربع - وليتني لم أبلغه - نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطا وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي القاهرة.
قال أصحابي وكلهم مثلي أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له: وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب. قلت وأني في ذلك لراغب، وأني إلى ذلك لمشوق. ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي الفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطاً، ونمتزج به أمتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف. نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له. ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو القاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله إربا خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب.
كنا نقدر هذا كله فلما دخلنا الأزهر لم نرى إلا وحشة ولم نحس إلا صمتاً، لم نعرف شيئاً ولا أحدا، ولم يعرفنا شئ ولا أحد. وإنما كنا أشبه شئ بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان خال موحش لا حياة فيه ولا عمران، وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين
بنا، يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث. ويحكم! فأنا أعلم منكم بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأت لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه نفوسنا وان أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي وأعوان الجبلاوي؟ اين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ أين الغراب وأيام الغراب؛ وأين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء جميعا وما كان يحيط بهؤلاء جميعا من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات. ولست أدري من هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين. وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إلي وأتحدث إليه بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه. كأنما نحن في دار من الدور أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس لا في الأزهر الذي لم يكن يحب ألا الجهر ورفع الصوت، وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوطالأسارير يحينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلح علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى القران ويشرب الشاي. .
وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى تلك الايام، ولنسألها عما ألم بها من الحوادث وأختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثراً في النفوس، ولكن الشيخ دعى فلم يكن بد من أن نستجيب، فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالا ورهبة وإكبارا. في تلك الغرف كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار. وفي تلك الغرف كانت تدبر أمور الأزهر وتصرف شؤون العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ وأقوالهم وأعمالهم. وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة والعضة والفكاهة. وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها
ذخراً لما يعقدون من مجالسهم إذا أشرق الصبح أو أقبل المساء.
صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه، وعن هذا الصمت ما مصدره. والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب. ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام مثله لقونا لقاء حسنا، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم لا يستطيعون رجع الجواب.
ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب. ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ انه رجل مطربش قد اتخذ زيا غير زي الأزهر، لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك. وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن. ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه طربوش. هذا خير ما في ذلك شك. ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من قلوبنا شاذا قلقا، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب التجديد. ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نر الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم نستطع أن نطيل عندها الوقوف. قلت لأصحابي: ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا الخفوت المنكر المخيف. قال أصحابي فانك تنسى أن الأزهر قد كان جامعاً فاصبح جامعة. وإنك تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وأنك تنسى ان للجامعة نظام يحد حظها من الحركة وحظها من النشاط. فأذكر هذا كله وأذكر أنك تخطئ اشد الخطأ إن ظننت ان التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطاناً مما تظن. أنظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل. وقد كان الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار. قلت لأصحابي يا بؤسي للتجديد إذا
انتهى بالأزهر إلى هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعا وإلا يمسخ جامعة.
طه حسين
منطق اللغة
للأستاذ أحمد أمين
قال صديقي: ألا تنظر إلى هذه الظاهرة الغريبة؟ أنا في مجلس يتجادل أحيانا فيما يعرض عليه باللغة العربية، وأحيانا باللغة الإنجليزية، فإذا تجادل باللغة الإنجليزية فالحجة تقرع بالحجة في إيجاز، وداخل حدود معينة. قل ان يكون هناك استطراد. وقل أن يكون لعب بالألفاظ، وقل أن يكون خروج عن الموضوع، وقل أن يكرر المجادل نفسه فيما يقول. فما أن يأتي بحجة جديدة وأفكار جديدة، وأما أن يسكت. وما هي إلا هنيهة حتى يؤخذ الرأي، ويفصل في الأمر. وذا تجادلنا باللغة العربية فهناك يطول الجدل، ويكثر الحديث، وكثيراً ما تقرع الحجة لا بأختها، ولكن بنت عمها، وكثيراً ما يستطرد من موضوع إلى موضوع لأقل مناسبة أو بدونها، وبعد طويل من الزمان يعودون إلى ما بدءوا فيه، وتثار مسائل كثيرة لا يفصل في واحدة منها، ويقول المجادل الآن ما قال من قبل، فيرد عليه صاحبه بمثل ما رد من قبل، وتتشعب الآراء حتى يصعب حصرها. وحتى ينسى أخيراً ما بدئ به أولا، ثم يؤخذ الرأي وقد مل المتجادلون، وسئموا الجدل، وودوا أن يفصل في الأمر على أي شكل. ولذلك قد يكون الرأي يؤخذ أخيرا شرا من الرأي يؤخذ أولا، بل قد يكون الرأي الذي قرر لا علاقة له بالمسألة التي أثيرت من قبل.
نعم يا صديقي. أنا أعتقد أن لكل لغة منطقا يخالف منطق اللغة الأخرى، وإن المسالة لا ترجع إلى عقلية المتجادلين وحدها، فقد يتجادل جماعة - كما ذكرت - باللغة الأجنبية، ثم هم أنفسهم يتجادلون باللغة العربية فيكونون في الأولى أكثر توفيقا، وليس من الصحيح أن ترجع هذا إلى ضعفهم في اللغة الأجنبية. وقوتهم في اللغة العربية، فهذا القول ينطبق تماما على من أجادوا اللغتين، وحذقوا اللسانين
وتعليل ذلك قد يبدو غريبا، فأن أول ما يتبادر إلى الذهن أن اللغة ليست إلا وسيلة للتعبير عن المعاني، وليست إلا مظهرا من مظاهر العقلية، فإذا كان التفكير صحيحا سليما كان التعبير عنه كذلك مادام صاحبه يجيد التعبير ويتقن اللغة، وإذا كان التفكير فاسدا كان التعبير عنه فاسدا متى وفق صاحبه للتعبير عما يريد، ولكن يظهر لي أن المسالة أعمق من ذلك وأن هناك تفاعل بين اللغة والتفكير، فاللغة المنظمة تعمل في تنظيم الفكر، والفكر
المنظم يعمل في تنظيم اللغة - وكذلك العكس - وان المتكلم إذا تحدث باللغة الإنجليزية أو الفرنسية خضع لمنطقها وطرق تفكيرها كما يخضع لاختيار كلماتها، واختيار أساليبها وكيفية معالجة الموضوع، فيؤثر ذلك كله في تفكيره وجدله وحججه، وعلى الجملة فهو يحاول أن يكون إنجليزيا أو فرنسيا في تفكيره كما هو إنجليزي أو فرنسي في لغته - يشعر هذا تمام الشعور من أجادوا لغتين أو أكثر، فهم إذا تكلموا بلغة أجنبية راقية شعروا مثلا - بأن هناك غرضا محدوداً واضحا يرمون إليه في حديثهم وحججهم وانهم يضعون لذلك خططا ثابتة معينة تشبه خطط الحرب يضعها قادتها لتسلم كل خطوة إلى التي تليها، أو كالخطط التي يضعها، لاعب الشطرنج الماهر إذا لعب لعبة علم ماذا يريد منها وما هي الألعاب التي تترتب عليها فتنتج الفوز، وهو هو إذا تكلم باللغة العربية لم يتضح القصد له وضوحه باللغة الأجنبية، ولم يرتب حججه ذلك الترتيب الذي يرتبه باللغة الأجنبية - ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن مجيد اللغتين كثيرا ما يفكر باللغة الأجنبية، ويترجم تفكيره إلى اللغة العربية، وقلما يعكس، مع أن اللغة العربية هي لغته الأصيلة، وهي التي نشأ عليها وتربى في أحضانها، فكان معقولا أن تكون هي لغة تفكيره فإذا عبر بلغة أجنبية نقل تفكيره إليها - وليس من الهين تعليل هذه الظاهرة، ولكن يمكن أن يقال أن السبب في ذلك أن اللغات الأجنبية الراقية قد استكملت أدواتها، من حيث الألفاظ الموضوعة لكل آلة مخترعة ولكل معنى مستكشف، كما استكملت أدواتها من حيث أساليب التفكير وصياغة المعاني صياغات مختلفة، أدخل في الذهن، وأقبل للعقل، وأجمل في الذوق، وأن اللغة العربية أبطأت في تاريخها الحديث ولم تسرع في السير، برغم ما يقوله الدعاة من أنها أغنى اللغات وأجمل اللغات، ثم ينامون على ذلك من غير أن يعملوا على تكميل نقصها، ومعالجة ضعفها، وكيف يعمل على معالجة الضعف من لم يشعر بألم المرض؟ وكيف يعمل على تكميل النقص من لم يشعر بنقص؟ - لهذا كان فكر المفكر إذا أجاد اللغتين يتبع - من غير اختيار - أرحبها صدراً وأغزرها مادة وتعبيراً.
وسبب آخر: وهو أن الأمم الأجنبية الراقية قد مرنت طويلاً على المجالس النيابية والمناظرات المدرسية والجامعية، وتكونت لها مع طول الزمن تقاليد معروفة مألوفة غير مكتوبة، وأثرت في جدلهم ومناظراتهم ومجالسهم أثراً كبيراً، كما أثرت في طرق تفكيرهم
ولغتهم التي يتبعونها في الجدل والمناظرة.
ثم - مما لا شك فيه - أن هناك ارتباطاً قوياً بين اللغة والخلق، فلست تجد في لغة أجنبية من ألفاظ الملق وعباراته ما تجده في اللغة العربية مما أدخله عليها الفرس والأتراك، ولا تجد من عبارات الحشو التي تدل على الذل والخضوع ما تجد في لغتنا العربية الحديثة كانت اللغة ديمقراطية شريفة نبيلة يوم كانت اللغة العربية لغة العرب الديمقراطيين الذين لا يفرقون كثيراً بين مخاطبة الأمير ومخاطبة بعضهم بعضاً، ثم أصبحت لغة العبيد يوم تسرب إلى أهلها الذل والعبودية - لقد جلست أول أمس إلى رجل يحدث (باشا) فكان ما أحصيت في حديثه من (سعادة الباشا) أكثر من كلماته في الموضوع - ومالي أذهب بعيداً - مدلول الكلمة في اللغة العربية أصبح غير مدلوله في اللغة الأجنبية، فإذا قال الألماني أو الإنجليزي (نعم أفعل) لم تدل على نفس المعنى الذي يقوله المتكلم باللغة العربية (نعم أفعل)(فنعم أفعل) العربية تدل على قد يفعل وقد لا يفعل - والسامع إذا سمعها شك في مدلولها (هل يفعل أو لا يفعل) فاحتاج إلى أن يكرر عليه الطلب والرجاء. واحتاج المتكلم أن يعيد (نعم أفعل) وربما أقسم، وربما استعمل كل صيغ التأكيد، وهي بعد هذه الأيمان وهذه التأكيدات كلها لا يزال مدلولها أنه قد يفعل وقد لا يفعل - وهو إذا لم يفعل لم يخجل، لأنه حقق وجهاً من وجوه الجملة - بل المتكلم الشرقي إذا قال (سأفعل) باللغة الأجنبية كانت أقوى في نظره وأكثر التزاماً مما إذا قالها باللغة العربية، والمتكلم هو هو، لم يتغير في الكلمة إلا التعبير عنها بإحدى اللغتين، فإذا قالها العربي لأجنبي كان لها أشد احتراما ولتنفيذها أشد رغبة وأقوى إرادة - أليس في هذا كله دليل على شدة الارتباط بين اللغة والعقل واللغة والخلق، وأن العقل واللغة والخلق كلها تتفاعل، فإذا رقيت اللغة تبعها - نوعاً ما رقي العقل والخلق، وإذا رقي العقل تبعه - نوعاً ما - رقي اللغة والخلق، وهكذا. ومن هذا تنتج معادلات جبرية معقدة الحل.
إن الغيرة القومية والنهضة الشرقية تتطلبان أن يعنى قادتها بهذه المظاهر، وأن يضعوا للأمة تعاليم جديدة في اللغة والتفكير، فهم مطالبون بكل الوسائل أن يميتوا ألفاظ الملق من اللغة العربية ويحيوا ألفاظ الأدب النبيل، وأن يربطوا أشد الربط بين الألفاظ ومدلولاتها، فلا يسمحوا أن يضيعوا مدلول الألفاظ كما هي ضائعة اليوم - وأن يضربوا الأمثال
للناشئين في الجدل والمناظرات فيعلموهم كيف تؤدي المعاني على وجوهها، وكيف تلتزم حدود الجدل فلا تتخطى، وكيف يرسم الغرض الذي يرمي إليه الباحث، وكيف يختط السبيل اليه، وكيف يوفر الزمن إذا هو التزم ألا يقول إلا جديداً في المعنى، وكيف يصل إليه من أقرب طريق.
ولو فعلنا ذلك لوفرنا على المجالس زمنها وتفكيرها ولوصلنا في مسائلنا إلى نتائج خير مما نصل إليه الآن، بل عندي أن السرعة مع الخطأ أحياناً خير من الإبطاء الممل والتفكير الراكد مع الصواب دائماً.
أحمد أمين
أحاديث الناس؟!
للأستاذ حسن جلال
المنظر الأول
(في الطريق)
رجلان يسيران إلى جانب الطريق. فيصادفهما ثالث يعرف أحد الرجلين دون الآخر فيستوقفه. ويدور بينهما الحوار الآتي بينما ينتحي الرجل الآخر ناحية ريثما ينتهي صاحبه من الحديث.
1 -
أين أنت يا رجل؟ لا نكاد نراك إلا مرة في كل عام!
2 -
أنا (تحت الأنظار) يا فندم!
1 -
كن فوقها واظهر!
2 -
ها. ها!
1 -
سلامات!
2 -
أوحشتنا!
1 -
طيبون!
2 -
الله يحفظك!
1 -
إلى أين؟
2 -
أرافق صاحبي هذا (ويشير إليه)
1 -
طيب يا أخي (أروفوار)!
2 -
مع السلامة يا عزيزي!
يتصافحان بشدة ويعود الرجل إلى صاحبه الذي كان ينتظره ويقول:
روح الله لا يرجعك. إنك ثقيل!
الصاحب - من هذا؟
- والله لست أعرف اسمه!
- ظننت من حرارة حديثكما أنه أحد أقاربك المقربين!
- على العكس. فإني لم أره في حياتي قبل هذه المرة إلا مرة واحدة. وكان ذلك في (قطار البحر) هذا الصيف حيث كنا نحن الاثنين في طريقنا إلى الإسكندرية فقطعنا الطريق في الحديث ولكني لم أقابله بعد ذلك إلا الآن
(ينصرفان وهما آخذان في مثل هذا الكلام)
المنظر الثاني
(في التلفون)
رجل يعزي صاحباً له في وفاة والده
2 -
آلو. فلان؟
2 -
نعم أنا فلان!
1 -
2 -
آلو! آلو!
1 -
2 -
ماذا تقول؟
1 -
أقول!!
2 -
لست أسمعك جيداً!
1 -
ألم يتوف المرحوم والدك؟
2 -
نعم مات.
1 -
إني أعزيك. البقية في حياتك!
2 -
متشكر يا أخي. أبقى الله حياتك!
1 -
أنا تألمت جداً. ولكن هذا حال الدنيا!
2 -
أي نعم. ربنا يلهمنا الصبر!
1 -
(شد حيلك) أنت. والبركة فيك (برضو)!
2 -
بارك الله فيك. أنا متشكر لسؤالك.
1 -
العفو يا حبيبي!
ويضع السماعة في ضجر وهو يقول:
جاتك داهية في أبوك مطرح ما راح!
المنظر الثالث
(في النادي)
جماعة من الأصحاب يجلسون حول منضدة يتحدثون:
1 -
ألم يعد يأتي (فلان) إلى النادي؟ إني لم أره هنا منذ زمان.
2 -
أعوذ بالله من غضب الله! أنا عارف إيه اللي فكرك (باللهو الخفي) ده دلوقت؟
3 -
سبحان الله يا أخي ما تفهمش ليه أنا كمان ما أقبلوش الجدع ده! أهو تجدني أكرهه كده لله في لله!
4 -
جات دا داهية في غلاسته بعيد عنك!
1 -
آه. أفتكرنا القط جانا ينط!
2 -
أتفرج يا سيدي داخل نافش ازاي زي الديك الرومي
يقبل (فلان) ويدخل عليهم
الجميع - أهلا. . . . . ن وسهلاً فلان بك!
1 -
اتفضل هنا.
(ويقدم له مقعد)
2 -
لا والله. تعال جنبي أنا هنا!
أيها القارئ:
صدقني لقد حضرت هذه الأحاديث جميعها بنفسي. وسمعتها بأذني. ولست أظنك إلا سمعت لها أشباهاً ونظائر كثيرة. فأنا إنما أذكرك بها الآن لأهمس في أذنك قبل أن أتركك:
(ما هكذا تكون (أحاديث الناس) الطيبين! وخليق بذي الوجهين الذي يستقبل (الوجوه) بلسان، ويشيع (الأقفية) بلسان آخر، أن يعقد لسانيه، إن كان لا يملك أن يتخلى عن أحد وجهيه!)
حسن جلال
الروضة
بحث طريف لم ينشر
للعلامة المغفور له أحمد باشا تيمور
الروضة جزيرة بها مقياس النيل واقعة بين مصر القديمة والجزيرة، وملخص تاريخها أنها من الجزر القديمة الحادثة قبل الفتح الإسلامي ولكن لا يعلم زمن حدوثها. وبسبب قربها من قاعدة الديار المصرية وطيب هوائها وموقعها ظلت في كل جيل مطمح أنظار الملوك والأمراء وذوي اليسار، وتعاقب عليها حالان فكانت تارة تجعل حصنا للدولة وأخرى متنزها حاويا للبساتين والدور والمساجد والحمامات كما يأتي.
الحصن القديم والحصن الطولوني:
لما فتح الله على المسلمين مصر وملكوا الحصن الشرقي المعروف بقصر الشمع لجأ المقوقس وقومه إلى حصن كان بهذه الجزيرة، وبعد تمام الفتح خرب الأمير عمرو بن العاص بعض أبراجه وأسواره ثم نما عمرانها بعد ذلك فكانت في ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر عامرة بالدور المشرفة على النيل من كل جهة، وكان بها خمسمائة عامل معدة لحريق يطرأ أو هدم. وفي إمارة أحمد بن طولون بنى بها حصناً ليحرز فيه حرمه وماله وذخائره لما بلغه مسير موسى بن بغا من العراق قاصداً مصر ثم أهمل بعد الدولة الطولونية فأخذه النيل شيئاً فشيئاً.
المختار والروضة:
وكانت بها الصناعة لعمل السفن الحربية فلما تولى محمد بن طغج الإخشيد على مصر نقل الصناعة إلى ساحل الفسطاط وأنشأ موضعها بستاناً سماه المختار وبنى فيه قصراً وأماكن له ولغلمانه، وكان يفاخر به أهل العراق، وبقى بعده فكان يتنزه فيه المعز الفاطمي وابنه العزيز، ثم في أيام استيلاء الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي على وزارة الفاطميين وحجره على الخليفة أنشأ في شمالي الجزيرة مكانا نزها سماه الروضة وبنى فيه المناظر البديعة، فمن حينئذ عرفت الجزيرة كلها بالروضة وكانت تعرف في أول الإسلام بالجزيرة وبجزيرة مصر ثم بجزيرة الحصن. هذا قول عامة المؤرخين، وقال ابن المتوج
انم سميت بالروضة لأنه لم يكن بالديار المصرية مثلها. وبعد قتل الأفضل بنى بها المأمون البطائحي الوزير منظرة بقيت إلى آخر الدولة الفاطمية، ويذكر المؤرخون انه بناها مكان الصناعة بعد أن نقل الصناعة إلى مكانها القديم بالفسطاط، ولا يخفى أن نقلها أول مرة من الجزيرة كان زمن الإخشيد كما تقدم، ولم نرهم ذكروا أنها أعيدت إليها ولا رأينا منهم من تنبه لذلك غير الإمام السيوطي في كوكب الروضة فانه علق على هذا الخبر بقوله (وهو يدل على أن الصناعة أعيدت إلى الروضة بعد أن نقلها الإخشيد إلى ساحل مصر حتى نقلت ثانياً).
الهودج:
ولما تولى الآمر بأحكام الله الخلافة أنشأ بها قصراً على النيل بجوار البستان المختار سماه الهودج وأسكن به زوجته الغالية البدوية، وسبب ذلك أنه كان مغرما بالجواري العربيات فبلغه أن بصعيد مصر جارية من أكمل العرب وأظرف نسائهم جميلة شاعرة فأرسل إلى أهلها وخطبها وتزوجها، فلما نقلت إلى القصر انقبضت نفسها من حيطانه واشتاقت إلى تسريح طرفها في الفضاء على ما اعتادته فبنى لها الهودج على شاطئ النيل بالجزيرة في شكل غريب وصار يتردد عليه إلى أن قصده رابع ذي القعدة سنة 524 فلما بلغ رأس الجسر مما يلي الروضة وثب عليه قوم من النزارية كانوا كامنين له هناك وضربوه بالسكاكين حتى أثخنوه فحمل إلى منظرة اللؤلؤة بشاطئ الخليج وقد مات. قال ابن سعيد وقد أكثر الناس من ذكر الآمر والبدوية وابن عمها حتى صارت رواياتهم كأحاديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك. فمما روي عنها أنها بقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربيت معه يعرف بابن مياح فكتبت إليه من قصر الخليفة الآمر:
يا ابن مياح إليك المشتكى
…
مالك من بعدكم قد ملكا
كنت في حي مطاعا آمرا
…
نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر موصد
…
لا أرى إلا خبيثاً ممسكا
كم تثنينا كأغصان النقا
…
حيث لا نخشى علينا دركا
وتلاعبنا برملات الحمى
…
حيثما شاء طليق سلكا
فأجابها بقوله
بنت عمي والتي غذيتها
…
بالهوى حتى علا واحتبكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفها
…
لو غدا ينفع منا المشتكى
مالك الأمر إليه يشتكى
…
هالك وهو الذي قد أهلكا
شأن داود غدا في عصرنا
…
مبدياً بالتيه ما قد ملكا
وبلغت الآمر الأبيات فقال لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع لرددتها إلى حيه وزوجتها به. قال القرطبي وللناس في طلب ابن مياح واختفائه أخبار تطول. وكان من عرب طيء في عصر الأمير طراد بن مهلهل، فلما بلغته قصة الآمر مع الغالية قال:
ألا أبلغوا الآمر المصطفى
…
مقال طراد ونعم المقال
قطعت الأليفين عن ألفة
…
بها سمر الحي بين الرجال
كذا كان آباؤك الأكرمون؟
…
سألت فقل لي جواب السؤال
فقال الآمر لما بلغته الأبيات جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله وأمر بطلبه في أحياء العرب ففر ولم يقدر عليه فقالت العرب ما أخسر صفقة طراد! باع أبيات الحي بثلاثة أبيات. وفي خطط المقريزي أن الهودج بقي متنزهاً للخلفاء الفاطميين بعد الآمر إلى أن خرب وجهل مكانه بالروضة.
قلنا ما أشبه الليلة بالبارحة فقد وقع لوالي مصر عباس باشا الكبير المتولي سنة 1264 مثل ما وقع للآمر في بدئه ونهايته فانه كان مشغوفاً بإحدى البدويات أيضا فتزوجها وأسكنها قصرا في ضاحية من القاهرة وصار يتردد عليه خفية ثم كانت نهاية أمره أنه قتل غيلة في قصره بينها سنة 1270. قتله مملوكان من الجركس بإغراء رجال الدولة العثمانية على ما قيل لأنهم آنسوا منه ميلا للخروج عن طاعتهم والاستقلال بمصر، وقد أدركنا الناس في مصر يلهجون بحديث البدوية ويروون فيه روايات شتى، وسمعنا العامة يلوكون أغنية قيلت في ذلك الزمن أولها (يا حالي ع البدوية) وقليل من أهل مصر الآن من يعرف هذا الخبر وهو من غريب ما يتفق وقوعه لملكين في مملكة واحدة.
القلعة الصالحة:
وفي أواخر الدولة الأيوبية بنى الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد قلعته بهذه الجزيرة وأنشأ بها الدور والقصور وغرس الأشجار وبنى بها جامعاً وعمل لها ستين
برجاً وأنفق عليها أموالاً جمة فعرفت بالقلعة الصالحية وبقلعة المقياس وبقلعة الروضة وبقلعة الجزيرة واحتاج بسببها إلى هدم أماكن كثيرة من دور وقصور ومساجد ليدخلها فيها وخرب الهودج والمختار، ويقال إنه قطع من الموضع الذي أنشأها فيه ألف نخلة مثمرة كان رطبها يهدى لملوك مصر لحسن منظره وطيب طعمه، ولما كملت جعلها مقر ملكه وسرير سلطانه وأسكن بها جنوده البحرية وشحنها بالأسلحة وآلات الحرب وما يحتاج إليه من الأقوات خشية محاصرة الإفرنج فانهم كانوا حينئذ عازمين على قصد البلاد المصرية. وكان سور هذه القلعة الشرقي مطلاً على فرع النيل الشرقي الذي بين الجزيرة ومصر وكان بها الإيوان الملكي العديم المثال، وفيها يقول ابن سعيد الأندلسي (وكنت أشق في بعض الليالي بالفسطاط على ساحلها فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل أمام سور هذه الجزيرة الدري اللون ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة وفي داخله من الدور السلطانية. ما ارتفعت إليه همة بانيها وهو من اعظم السلاطين همة في البناء وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانا لجلوسه لم تر عيني مثاله ولا أقدر ما أنفق عليه وفيه من صفائح الذهب والرخام الأبنوسي والكافوري والمجزع ما يذهل الأفكار ويستوقف الأبصار ويفضل عما أحاط به السور أرض طويلة وفي بعضها حاظر حظر به على أصناف الوحوش التي يتفرج عليها السلطان وبعدها مروج تنقطع فيها مياه النيل فينظر بها أحسن منظر، وقد تفرجت كثيراً في طرف هذه الجزيرة مما يلي بر القاهرة فقطعت فيه عشيات مذهبات، لم تزل لأحزان الغربة مذهبات) انتهى. واستيعاب ما قبل في محاسن هذه القلعة يطول ويخرج بنا عن المقصود.
ولما ملك المعز أيبك التركماني أول ملوك الدولة التركية البحرية أمر بهدم هذه القلعة ليعمر منها مدرسة المعزية واقتدى به ذوو الجاه فأخذوا كثيرا من سقوفها وشبابيكها وغيرها، ثم لما ملك الظاهر بيبرس البندقداري اهتم بإعادتها كما كانت فأصلح بعض ما تهدم منها، ولما تولى المنصور قلاوون نقل منها ما يحتاج إليه في بناء البيمارستان والقبة المنصورية، ثم نقل منها ابنه الناصر محمد ما احتاج إليه في أبنيته فدب إليها الخراب إلى أن ذهبت كأن لم تكن قال المقريزي وبقي من أبراجها عدة قد انقلب أكثرها وبنى الناس فوقها دورهم المطلة على النيل. قلنا أما موضعها بالروضة فقد صرح ابن اياس (ج 1 ص 83) أنها
بنيت بالقرب من المقياس أي في الجهة الجنوبية للجزيرة، ونقل الإمام السيوطي في كوكب الروضة في كلامه على جامع الريس المعروف اليوم بزاوية البسطامي نصوصا من التوقيع الذي كتبه الملك المظفر بيبرس الجاشنكير لمنشئه يعلم منها أن هذا المسجد بني موضع برج الطراز أحد أبراج هذه القلعة. وقال ابن دقماق في انتصار بناه الرئيس صدقة على أول برج من أبراج قلعة الروضة. وذكر السيوطي أيضا في كلامه على جامع المقياس المعروف اليوم بجامع عبد الرحمن بن عوف أن الملك الصالح عمره بقلعة الروضة ونرى في المصور الملحق بهذه المقالة أن كلا المسجدين في في الجهة الجنوبية من الجزيرة. وقد ظهر لنا من هذا ومما استخلصناه من أقوال غيرهم من المؤرخين أن هذه القلعة كانت في الثلث الجنوبي للجزيرة آخذة من مقياس النيل في المواضع الشمالية منه إلى زاوية البسطامي الواقعة في موضع برج الطراز أول برج من أبراجها من الشمال وأنها كانت مطلة من الشرق والغرب على فرعي النيل الصغير والكبير، ومما يدل أيضا على إشرافها على النيل من الجانبين قول ابن سعيد الأندلسي في وصفها (وركبت مرة هذا النيل أيام الزيادة مع الصاحب محيي الدين بن ندا وزير الجزيرة وصعدنا إلى جهة الصعيد ثم انحدرنا واستقبلنا هذه الجزيرة وأبراجها تتلألأ والنيل قد انقسم عليها فقلت:
تأمل لحسن الصالحية إذ بدت
…
وأبراجها مثل النجوم تلالا
وللقلعة الغراء كالبدر طالعا
…
تفرج صدر الماء عنه هلالا
ووافي إليها النيل من بعد غيبة
…
كما زار مشغوف يروم وصالا
وعانقها من فرط شوق لحسنها
…
فمد يمينا نحوها وشمالا
فانه أبان بتشبيهه ماء النيل بالهلال عن استدارته بطرفها الجنوبي، ثم أبان عن امتداد في جانبيها بتشبيهه بمشوق يعانقها باليمين والشمال وإذا عرفنا ذلك وعرفنا فيما تقدم أن المختار والهودج كانا مطلين على النيل وأن الملك الصالح خربهما ليدخلهما في القلعة كسائر ما خربه من الأماكن، تبين لنا أنهما كانا في الجهة الجنوبية أيضا. والغالب على الظن أنهما كانا على الفرع الكبير للنيل الذي بين الجزيرة والجيزة أي في أحد المواضع الواقعة بين المقياس وجسر عباس لأن المختار أنشئ موضع الصناعة ويستبعد أن تكون الصناعة على الفرع الصغير الشرقي.
قصر نجم الدين:
ذكر الفرنسيس في كتابهم وصف مصر (ج15 ص 450و465) أنهم أدركوا زمن الاحتلال بقايا قصر بالمقياس ملاصق له من الشرق ومطل على الفرع الشرقي للنيل يعرف بقصر السلطان الملك الصالح نجم الدين ولم يكن باقياً منه وقتئذ غير قاعة كبيرة تتصل بها عدة أماكن أكثرها خرب، وهو بلا ريب من قصور القلعة الصلاحية، ولعل الذي حفظه من الدثور عناية الدول في كل جبل بالمقياس وأبنيته، ولكن يظهر لنا أن الذي أدركوه منه لم يكن من الأبنية الصلاحية القديمة بل كان مما جدده فيه السلطان الغوري من القاعات والمساكن. ومما يذكر عن هذا القصر نزول السلطان سليم العثماني به مدة مقامه بمصر فانه لما تم له فتحها وصفا له الوقت بعد قتل السلطان طومان باي استطاب السكنى بالروضة فانتقل إليها ونزل بالمقياس. قال ابن اياس في حوادث ربيع الثاني من سنة 923هـ (وفي يوم الاثنين سادسه أشيع أن ابن عثمان عدى إلى المقياس وكان في ذلك اليوم رياح عاصفة فكاد يغرق، فلما سلم من الغرق أقام بالمقياس ونقل وطاقه إلى الروضة ومصر العتيقة، ثم أن أمراءه طردوا السكان الذين بالروضة وبمصر العتيقة وسكنوا في دورهم فحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك فأعجبه المقياس فأقام به مدة أيام). ثم إنه أنشأ منظرة من خشب فوق المقياس جعل إقامته بها وهي التي سماها ابن إياس بالقصر فقال عنها في حوادث جمادى الثانية من هذه السنة (وفيه أشيع أن السلطان سليم شاه أنشأ له قصراً من خشب بالمقياس من فوق القصر الذي أنشأه السلطان الغوري فوق بسطة المقياس وصار يجلس به في اليوم الحر وأحضر جماعة من النجارين والبنائين وشرع في بنائه حتى فرغ منه في أيسر مدة). قلنا وفي هذه المنظرة حاول (قانصه العادلي) أحد أمراء الجراكسة قتله انتقاما لطومان باي وقومه ذكر ذلك ابن زنبل الرمال في تاريخ فتح السلطان سليم لمصر فقال معبراً عن هذه المنظرة بالطيارة (فدبر في نفسه أن يلبس مثل العرب ويأخذ معه جماعة من أهل القوة وينزل إلى مركب ليلا ويسير بها تحت المقياس ويجعل له سلم تسليم ويصعد عليه وينزل إلى داخل المقياس ويقتل السلطان سليماً ويأخذ بثأر قومه وما علم أن الحي ما له قاتل ثم إنه فعل ذلك حتى وصل إلى الطيارة التي فوق المقياس وهي محل السلطان فوجد الحراس مستيقظين) الخ وعبر عنها الإسحاقي في تاريخه
بالكشك متابعة للأتراك فقال (وكان مقام السلطان سليم بالروضة وبنى له كشكاً فوق قاعات المقياس وهو مشرف على بحر النيل والروضةوالمقياس، ولما رحل السلطان سليم منه أقفل ومنع من يجلس فيه حرمة لمولانا السلطان سليم). وروى قطب الدين الحنفي في تاريخ مكة المسمى بالاعلام أنه راى بيتين من الشعر كتبهما السلطان سليم بخطه على رخامة بهذا (الكوشك) مدة مقامه به فقال (ورأيت بيتين بالعربي بخطه الشريف كتبهما في علو المقياس في (الكوشك) الذي أمر ببنائه لما افتتح مصر وسكن الروضة وقد انمحى لطول الزمان مداده، ومال إلى لون البياض سواده، وكان هذا (الكوشك) محترما مقفلا لا يصل إليه أحد لعظمة بانيه، ولا يبتذل بالدخول إليه تعظيما لراعيه، فلما قدمت مصر في سنة 943 وكان يوم كسر النيل السعيد ففتحوا هذا الكوشك لبكلربكي) مصر يومئذ خسرو باشا وكنت مصاحبا لمعلمه مولانا عبد الكريم العجمي فطلع وأطلعني معه في صحبة خسرو باشا المذكور فرأيت مكتوبا على الرخام الأبيض كتابة خفية لا تكاد تظهر إلا بتأمل، هذين البيتين وهما
الملك لله من يظفر بنيل غني
…
يردده قسراً ويضمن منه ما أدركا
لو كان لي أو لغيري قدر أنملة
…
فوق التراب لكان الأمر مشتركا
وتحتهما ما صورته (كتبه سليم) بذلك الخط وذلك القلم ولعمري أن كان هذان البيتان من نظم المرحوم فهما غاية في البداعة، ونهاية التمكن من الصناعة، فيدل على تمكنه رحمه الله أيضا في اللسان العربي لأنهما من أعلى طبقات الشعر العربي الفصيح لبليغ المنسجم وإن كان قد تمثل بهما وهما لغيره فهذه أيضا مرتبة عالية في حسن التمثيل ولطف الاستحضار لفهم الأشعار العربية والذوق لها وهذا القدر يستكثر على علماء الروم وعلماء العجم المكبين على علوم العربية فضلا عن سلاطينهم المشغولين بضبط الممالك) انتهى. قلنا البيتان معروفان لأبي العلاء المعري في لزوم ما لا يلزم وصحة العجز في البيت الأول (يردده قسرا وتضمن نفسه الدركا)، وأما القصر وما يتبعه من الأبنية فلم يبق لها أثر ودخلت كلها في قصر حسن باشا المناسترلي وحديقته.
الجزيرة في حكم الأسرة المحمدية العلوية:
في زمن العزيز محمد علي أنشأ ولده العزيز إبراهيم في خرطوم الجزيرة الشمالي بستاناً
كبيراً جلب له الأشجار الغريبة من البلاد البعيدة وبنى به منظرة عالية ومغارة مجللة بالودع، وقد أدركنا بقايا ذلك. وكان من مزايا هذا البستان احتواؤه على أنواع كثيرة من الأشجار والنباتات المحتاج إليها في الطب، ومن طالع كتاب المادة الطبية للرشيدي المسمى عمدة المحتاج يرى عجباً مما كان فيه من هذه الأنواع، وكان قصد العزيز إبراهيم رحمه الله الاستغناء بها عن جلب العقاقير من البلاد الإفرنجية بقدر المستطاع.
وقد أنشأ أمراء ذلك العصر وسراته القصور والبساتين الأنيقة بالجزيرة، وكان للخديو إسماعيل بن العزيز إبراهيم قصر بديع في وسطها على الشاطئ الشرقي تحيط به حديقة غناء ثم أهملت من بعدهم وهجرت فدب إليها الخراب وأدركناها جميعاً وهي خاوية على عروشها، وانحط شأن الجزيرة إلى أن أنشئت فيها الجسور الثلاثة: جسر محمد على، وجسر الملك الصالح بينها وبين مصر القديمة، وجسر عباس بينها وبين الجيزة، فعاد إليها الانتعاش وأقبل الناس على البناء بها فهدمت قصورها وبيعت أراضيها قطعاً وامتلأ الثلث الجنوبي بالدور الصغيرة والكبيرة ولكن على الطراز الإفرنجي الجديد وقطع ما كان بها من الشجر والنخل وحطمت عروش الكروم فعريت من الظلال وزالت عنها مسحة الملاحة القديمة بعد أن كانت ببساتينها وحقولها قرة للعيون وفرجة للمحزون.
أبو عبد الله آخر ملوك الأندلس
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- 1 -
مأساة شهيرة في التاريخ الإسلامي، هي مصرع غرناطة آخر معقل للإسلام بالأندلس، وشخصية محزنة هي شخصية آخر ملك أندلسي مسلم، طويت على يده تلك الصفحة المجيدة الباهرة التي افتتحها موسى وطارق في تاريخ الإسلام بإسبانيا قبل ذلك بثمانية قرون.
لبث الإسلام في إسبانيا خلال هذه القرون الثمانية يغالب النصرانية وتغالبه، والإسلام مذ انهار صرح الدولة الأموية دائم الخلاف والتفرق، سائر أبداً في طريق الضعف والانحلال؛ والنصرانية تجتمع دائماً على غزوه ونضاله، وتنتزع منه تباعاً قواعده وثغوره، حتى إذا جاء القرن الثامن لم يبق من دولة الإسلام الشامخة بالأندلس سوى مملكة غرناطة الصغيرة، تواجه وحدها داخل الجزيرة عدوها القوي. وسطعت هذه الأندلس الصغيرة مدى حين، ولكنها لم تنج من خطر التفرق؛ وإسبانيا النصرانية أثناء ذلك متربصة بها تكاد تلتهمها من وقت إلى آخر، لولا أن كانت صولة الإسلام في الضفة الأخرى من البحر - في المغرب الأقصى - تروعها وتردها. وكانت مملكة غرناطة كلما تبينت شبح الخطر الداهم تستغيث بجارتها المسلمة القوية فيما وراء البحر، دولة بني مرين. ولكن بني مرين لم يستجيبوا دائما إلى دعوة الإسلام المحتضر بالأندلس، وكانت لهم أحياناً مطامع ومشروعات في الأندلس ذاتها. وكانت إسبانيا النصرانية كلما استيقنت تصرم العلائق بين الشقيقتين انقضت على الأندلس فاقتطعت منها ثغراً أو قاعدة جديدة. وكان رجالات الأندلس يستشفون من وراء ذلك خطر الفناء المحقق، بل لقد استشعر به ابن الخطيب وزير الأندلس وكاتبها الكبير قبل تحققه بأكثر من قرن، وصرح به في إحدى رسائله إلى ملك فاس إذ يدعوه إلى غوث الأندلس ونجدتها ويقول:(ولاشك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم أو أعرضتم عن ذلك الوطن استولت عليه يد عدوه) وهكذا نرى الأندلس منذ أوائل القرن التاسع الهجري تسير بسرعة في طريق الانحلال والفناء، حتى إذا كانت أواخر هذا القرن لم يبق للإسلام في إسبانيا سوى مملكة غرناطة الصغيرة وفيها مدن وثغور قلائل تتربص
بها النصرانية وتعد العدة لسحقها.
وكان على عرش غرناظة يومئذ السلطان أبو الحسن علي بن سعد النصري الأحمري. ولي الملك سنة 871 هـ (1466م)، ولكنه لم يستخلص الملك لنفسه إلا بعد نضال عنيف بينه وبين منافسيه وعلى رأسهم أخوه أبو عبد الله المعروف (بالزغل). وكانت الحرب الأهلية تضطرم في مملكة غرناطة كلما لاحت فرصة للتنازع على العرش. فلما استقر أبو الحسن في عرشه، أبدى همة فائقة في تحصين المملكة وتنظيم شئونها، وبث فيها روحاً جديداً من البأس والطمأنينة، واستطاع أن يسترد عدة من الحصون والقواعد التي افتتحها النصارى، ولاح للنصرانية أن الأندلس المحتضرة تكاد تبدأ حياة جديدة. بيد أن هذا البعث الخلب لم يطل أمده. ذلك أن عوامل الخلاف الخالدة عادت تعمل عملها، وبذر أبو الحسن حوله بذور السخط والغضب بما ارتكبه في حق الأكابر والقادة من العسف والشدة، وبما أغرق فيه من صنوف اللهو والعبث. وكان أبو الحسن قد اقترن بالأميرة عائشة ابنة عمه السلطان أبي عبد الله الأيسر، ورزق منها ولدين هما محمد ويوسف. ولكنه عاد فاقترن بنصرانية رائعة الحسن تعرف في الرواية العربية (بثريا الرومية). وتقول الرواية الإسبانية أن (ثريا) هذه كانت ابنة عظيم من عظماء إسبانيا هو القائد (سانكو كمنيس دي سوليس) وأنها أخذت أسيرة في بعض المعارك وهي صبية فتية، وألحقت وصيفة بقصر الحمراء، فهام أبو الحسن بجمالها حباً، ولم يلبث أن تزوجها واصطفاها على زوجه الأميرة عائشة المعروفة (بالحرة) تمييزاً لها من الجارية الرومية أو إشادة بعفتها وطهرها ولم يكن اقتران السلطان بنصرانية بدعة، ولكنه تقليد قديم في قصور الأندلس، وقد ولد كثير من خلفاء الأندلس وأمرائها العظام من أمهات من النصارى مثل عبد الرحمن الناصر وحفيده هشام المؤيد. وكان لهذا التقليد أثره السيئ في انحلال عصبية الدولة الإسلامية، بيد أنه كان أشد خطرا وقت الانحلال العام. وكان وجود أميرة أجنبية في قصر غرناطة تستأثر بالسلطان والنفوذ في هذا الظرف العصيب، عاملا جديدا في إذكاء عوامل الخصومة والتنافس. ذلك لأن (ثريا) أعقبت من السلطان أبي الحسن ولدين، وأرادت أن يكون العرش لأحديهما، وبذلت كل ما استطاعت من الإغراء والدس لإبعاد خصيمتها الأميرة عائشة عن كل نفوذ وحظوة، وحرمان ولديها محمد ويوسف من كل حق في الملك، وكان أكبرهما محمد ولقبه أبو عبد
الله ولي العهد المرشح للعرش، فنزل أبو الحسن عند سعي حظيته وأعصى عائشة وولديها عن عطفه ورعايته: ولا زالت ثريا في سعيها ودسها حتى اعتقلهم أبو الحسن في أحد أبراج الحمراء وضيق عليهم وأخذ يعاملهم بمنتهى الشدة والقسوة، فأثار هذا التصرف غضب كثير من الكبراء الذين يؤثرون الأميرة الشرعية وولديها بعطفهم وتأييدهم، وانقسم القصر وانقسم الزعماء والقادة إلى فريقين خصيمين، واضطرمت الأهواء والشهوات والأحقاد، واشتد السخط على أبي الحسن وحظيته التي أضحت سيدة غرناطة الحقيقية، واستأثرت بكل سلطة ونفوذ.
وكانت الأميرة عائشة امرأة وافرة العزم والشجاعة فلم تستسلم إلى قدرها الجائر، بل عمدت إلى الاتصال بعصبتها وأنصارها، وأخذت تدبر معهم وسائل الفرار والمقاومة. وفي ذات ليلة استطاعت أن تفر من الحمراء مع ولديها محمد ويوسف بمعاونة بعض الأصدقاء المخلصين. وتقدم الرواية إلينا عن هذا الفرار صورا شائقة، فتقول إن الأميرة استعانت بأغطية الفراش على الهبوط من نوافذ البرج الشاهق في جوف الليل، وأبدت في ذلك من الجرأة والشجاعة ما يخلق بأبطال الرجال. وكان ذلك في ليلة من ليالي جمادى الثانية سنة 887 هـ (1482م). واختفى الفارون حيناً حتى قويت دعوتهم وظاهرهم فريق كبير من أهل غرناطة، وظهر الأمير الفتى محمد أبو عبد الله في وادي آش حيث مجمع عصبته وأنصاره ونشبت الثورة وانقضت العاصفة على أبي الحسن، وكانت عصبته أقلية ففر إلى مالقة وكان بها وقتئذ أخوه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد (المعروف بالزغل) يدافع عنها جيشا جرارا من النصارى سيره ملك قشتالة (فرديناند الخامس) لافتتاحها. وجلس أبو عبد الله محمد بن السلطان أبي الحسن مكان أبيه على عرش غرناطة (أواخر سنة 887 هـ) وأطاعته غرناطة ووادي آش وأعمالهما وبقيت مالقة وغرب الأندلس على طاعة أبيه. وكان أبو عبد الله يومئذ فتى في نحو الخامسة والعشرين.
وكان ملك قشتالة يرقب سير الحوادث في مملكة غرناطة بمنتهى الاهتمام. فلما اضطرمت بنار الحرب الأهلية ولاحت له فرصة الغزو والفتح، سير جيشه إلى مالقة لافتتاحها ولكن المسلمين تأهبوا لرد النصارى بعزم وقوة وهزموهم في عدة مواقع فيما بين مالقة وبلش (فيليز وهزم النصارى في ظاهر مالقة هزيمة ساحقة وقتل وأسر منهم عدة آلاف بينهم
عدة من الزعماء والأكابر (صفر 888 هـ - مارس 1483م) وكان منظم هذا الدفاع الباهر الأمير أبو عبد الله (الزغل) فانتعشت آمال المسلمين نوعاً وسرت الحماسة إلى غرناطة واعتزم ملكها الفتى أن يحذو حذو عمه الباسل في الجهاد والغزو وأن ينتهز فرصة اضطراب النصارى عقب الهزيمة، فخرج في قواته في ربيع الأول من هذا العام (أبريل 1483) متجهاً نحو حصن قرطبة شمال شرقي غرناطة؛ واجتاح في طريقه عدداً من الحصون والضياع، ومزق النصارى في عدة معارك محلية؛ ثم ارتد مثقلاً بالغنائم يريد العودة فأدركه النصارى في ظاهر قلعة اللشانة (لوتشينا وكان يزمع حصارها: ونشبت بين الجيشين معركة هائلة ارتد فيها المسلمون إلى ضفاف شنيل والنصارى في اثرهم، فهزم المسلمون هزيمة شديدة وغرق كثير منهم في شنيل. وقتل وأسر كثير من قادتهم وفرسانهم، وكان بين الأسرى السلطان أبو عبد الله محمد نفسه، عرفه الجند النصارى من الأسرى أو عرفهم بنفسه خشية الاعتداء عليه وأخذوه إلى قائدهم الكونت كابرا، فاستقبله بحفاوة وأدب وأنزله بأحد الحصون القريبة تحت رقابة حرس قوي) وأخطر في الحال ملكي قشتالة بالنبأ السعيد؛ وعاد المسلمون إلى غرناطة دون ملكهم، فارتاعت غرناطة للنكبة واضطرب الشعب؛ واجتمع الكبراء والقادة وقرروا استدعاء أبي الحسن السلطان المخلوع ليجلس على العرش، ولكن أبا الحسن كان قد هدمه الإعياء والمرض وفقد بصره ولم يستطع أن يضطلع طويلاً بأعباء الحكم، فنزل عن العرش لأخيه محمد أبي عبد الله (الزغل) حاكم مالقة وارتد إلى المنكب فأقام بها حينا حتى توفي، وجلس (الزغل) على العرش يدير شئون المملكة وينظم الدفاع عن أطرافها.
أما السلطان أبو عبد الله بن أبي الحسن فلبث يرسف في أسره عند النصارى وأدرك ملك قشتالة في الحال ما للأمير الأسير من الأهمية، وأخذ يدبر أفضل الوسائل للاستعانة به في تحقيق مآربه في مملكة غرناطة. وبذل أبو الحسن حين عوده إلى العرش مجهوداً لافتداء ولده لا حباً فيه وشفقة عليه، ولكن لكي يحصل في يده ويأمن بذلك شره ومنافسته، وعرض على فرديناند نظير تسليمه أن يدفع فدية كبيرة وأن يطلق عدداً من أكابر النصارى المأسورين عنده فأبى فرديناند وآثر أن يحتفظ بالأسير إلى حين، وبذلت الأميرة عائشة من جهة أخرى مجهوداً آخر لإنقاذ ولدها بمؤازرة الحزب الذي يناصره، واقترحت على ملك
قشتالة معاهدة خلاصتها أن يتولى أبو عبد الله الملك في طاعة ملك قشتالة، وأن يدفع له جزية سنوية، وأن يطلق كل عام عدداً معيناُ من النصارى، وأن يدفع مقابل إطلاقه فدية كبيرة وأن يفرج في الحال عن أربعمائة من أسرى النصارى يختارهم ملكهم، وأن يقدم المعاونة العسكرية كلما طلبت اليه، وأن يقدم ابنه الوحيد كفالة مع عدد من أبناء الأسر الكبيرة ومع أن عقد هذه المعاهدة كان خطوة كبيرة في سبيل القضاء على مملكة غرناطة، فإن فرديناند رأى قبل عقدها أن يستغل أسر ملك غرناطة وأن يستعين به على تنفيذ برنامجه الحربي. وكان أبو عبد الله أميراً ضعيف العزم والإرادة، قليل الحزم والخبرة، كثير المطامع والاهواء، ولم يكن يتمتع بشيء من تلك الخلال الباهرة التي امتاز به أسلافه وأجداده العظام بنو الأحمر، وكان الملك والحكم غايته يبتغيها بأي الأثمان والوسائل. وقد ألفى ملك قشتالة القوي في ذلك الأمير الضعيف المستهتر بحقوق أمته ودينه، أداة صالحة يوجهها كيفما شاء، فاتخذه وسيلة لبث دعوته بين أنصاره ومؤيديه في غرناطة وغيرها، وليقنع المسلمين بأن الصلح مع ملك قشتالة خير وأبقى، وسير ملك قشتالة في الوقت نفسه قواته في أنحاء مملكة غرناطة لكي تنتزع أثناء الاضطراب العام كل ما يمكن انتزاعه من القواعد والحصون الإسلامية، فاستولت على عدة منها، ونشبت من جهة أخرى في غرناطة حرب أهلية لم تكن بعيدة عن وحي أبي عبد الله وحزبه، وقامت (البيازين) ضاحية غرناطة بدعوته، وشغل ملك غرناطة (أبو عبد الله الزغل) بإخماد الثورة عن مقاتلة النصارى. وفي نفس هذه الآونة العصيبة أطلق فرديناند سراح أبي عبد الله بعد أن ارتضى عقد المعاهدة التي عرضت عليه مع تعديل يسير في بعض نصوصها، وبعد لقاء تم بين الملكين في قرطبة أعلن فيه أبو عبد الله خضوعه وطاعته لملك قشتالة، واتفق أن تكون الهدنة لعامين وأن تطبق في جميع الأنحاء التي تدين بالطاعة لأبي عبد الله. وظهر أبو عبد الله يبث دعوته في الأنحاء الشرقية والحرب الأهلية قائمة في غرناطة (أوائل سنة 891هـ - 1486م) وبدأت المفاوضة بينه وبين عمه (ملك غرناطة) في الصلح. ولكن حدث أثناء ذلك أن هاجم النصارى مدينة لوشة جنوب غربي غرناطة واستولوا عليها (جمادى الأولى سنة 891هـ) وكان موقف أبي عبد الله ' ثناء هذه الحوادث مريباً؛ وكان يمزج الدعوة لنفسه بالدعوة لملك قشتالة، وشيد بمزايا الصلح المعقود معه، ولم يكن خافياً
أنه يستظل بمظاهرة النصارى وفي شوال سنة 891 ظهر أبو عبد الله في (البيازين) فجأة واجتمع حوله أنصاره، وأعلن الثورة على عمه؛ ونشبت بينهما الحرب في ظاهر غرناطة، وأمد فرديناند حليفه أبا عبد الله بالجند والذخائر والمؤن. واستمر القتال بينهما مدى أشهر. وفي ربيع الثاني سنة 892 (1487م) سير فرديناند قواته إلى بلش مالقة (فيليز مالاجا) الواقعة على مقربة من ثغر مالقة ليفتتحها تمهيداً للاستيلاء على مالقة، وأدرك أبو عبد الله الزغل أهمية بلش الحربية فهرع إلى الدفاع عنها مع بعض قواته، وترك البعض الآخر لقتال أبي عبد الله وأهل البيازين ولكن إقدام الزغل وعزمه وشجاعته لم تغن شيئاً، وسقطت بلش في يد النصارى (جمادى الأولى 892 - أبريل 1487) وعاد الزغل بجنده ميمماً صوب غرناطة، ولكنه علم أثناء مسيره أن غرناطة قامت أثناء غيابه بدعوة أبي عبد الله، وأنه دخلها وتبوأ العرش مكانه (جمادى الأولى)، فارتد إلى وادي أش وامتنع بها، وانقسمت بذلك مملكة غرناطة الصغيرة إلى شطرين يتربص كل منهما بالآخر: غرناطة وأعمالها ويحكمها أبو عبد الله محمد، ووادي آش وأعمالها ويحكمها عمه أبو عبد الله الزغل، وتحقق بذلك ما كان يبتغيه ملك قشتالة من تمزيق شمل البقية الباقية من دولة الإسلام بالأندلس تمهيداً للقضاء عليها.
(للبحث بقية)
أطلنطس القارة المفقودة!
للدكتور محمد عوض محمد
في زعم طائفة من الكتاب أن المحيط الأطلسي الشمالي لم يكن في جميع العصور بحراً خالصاً، بل كانت تحتله قارة عظيمة تصل ما بين العالم القديم والعالم الجديد. وهذا الزعم هو ما نريد أن نعرض له في هذا المقال.
من أهم ما يمتاز به المحيط الأطلسي - في وقتنا هذا - أنه قليل الجزر. فإذا صرفنا عن الجزائر الملاصقة للسواحل، مما يعده الجغرافيون جزءاً متمماً للقارات، فان هذا المحيط عبارة عن مساحة هائلة من الماء، ليس فيها من الجزر سوى الشيء القليل جداً.
هذه حالة المحيط اليوم، لكن هذه لم تكن حالة المحيط في كل عصر وزمن. فان تعاقب الماء واليابس على الجزء الواحد من سطح الأرض، من الحقائق الجيولوجية المسلم بها. وليس هنالك خلاف في أن أمريكا الشمالية كانت متصلة بأوربا، وأمريكا الجنوبية بأفريقية في زمن جيولوجي قديم.
غير أن القائلين بوجود جزيرة عظيمة أو عد جزر كبيرة في وسط المحيط الأطلسي ما بين ما هو اليوم أمريكا، وبين ما هو اليوم أوربا وأفريقية، أطلقوا عليها اسم قارة اطلنطس - هؤلاء الكتاب يزعمون أن هذه القارة لم تكن موجودة في زمن جيولوجي قديم، يرجع إلى ملايين السنين، بل إلى عهد حديث جداُ، عهد نشأة الإنسان واستعماره لسطح الأرض. ولقد يسرف بعضهم فيزعم أن هذه (القارة) كانت موجودة قبل العصر التاريخي، بحيث كان المصريون القدماء يعلمون من أمرها الشيء الكثير.
من المهم إذن أن نقرر أن الاتصال بين شرق المحيط وغربه في زمن جيولوجي قديم، ليس موضع البحث، وليس هو بالأمر الذي يعنى به هؤلاء الكتاب، بل الذي يعنيهم وجود اليابس في هذه المساحة العظيمة التي لا نرى فيها اليوم سوى الماء، وذلك في عصر حديث شهده الإنسان في أول نشأته.
والآن نتساءل: هل هناك من شاهد على صحة ما ذهب إليه أولئك الكتاب؟
قبل أن نعرض لآراء أصحاب هذا المذهب يحسن بنا أن نكون على حذر من أمرين: أولهما أن وجود هذه القارة أمر يرتاح إليه الخيال البشري المولع دائماً بالغريب المدهش
من المسائل العلمية: وكثير من الكتاب في هذا الموضوع يبدأون بحثهم وفي نفوسهم رغبة في أن يثبتوا وجود هذه القارة المزعومة. كالقاضي الذي يبدأ تحقيق الحادث وفي قلبه رغبة في أن تثبت التهمة على المتهمين. وهذه الرغبة قد تصبغ الأدلة الضعيفة بصبغة قوية. وتحمل الباحث على التغاضي عن مواطن الضعف فيما يعرض له من الحجج.
الأمر الثاني الذي يجب أن نحذره، هو أن وجود مثل هذه القارة أمر مرغوب فيه جداً من الوجهة العلمية. . . لأنها تصبح مرجعا نرجع إليه في كثير من المسائل التي صعب علينا فهمها أو تعليلها. فإذا رأينا - مثلاً - في أوربا أو في أفريقية شعباً أو جماعة لا نعرف لها مصدراً، أمكننا أن نقول بكل بساطة إنها بقية من سكان القارة المفقودة - فالرغبة في التخلص من بعض المسائل العويصة قد تجعلنا في اشتياق لأن نسلم بوجود هذه القارة المزعومة وأن نقبل من أجل هذا كثيراً من الاقتراحات الواهية الضعيفة.
إن أول من ذكر قارة أطلنطس فيما بين أيدينا من الكتب هو أفلاطون. فقد حكى في كتابه (طيماوس) رواية عن أحد أجداده أن صولون حكيم اليونان الأشهر لما قدم إلى مصر، وتحدث إلى كاهن من كهنتها، أخبره هذا الكاهن أنه كان في المحيط الأطلسي إلى غرب عمودي الهرقل (بوغاز جبل طارق) جزيرة عظيمة تزيد في الحجم على ليبية (أفريقية) وآسيا الصغرى معاً. وأنها كانت عامرة يسكنها شعب قوي ذو بأس وصولة، استطاع أن يبسط سلطانه على جميع قارة أطلنطس وعلى ما جاورها من الأقطار في أفريقية وأوربا. وأن سلطان هؤلاء (الأطلنطيين) قد امتد حتى بلغ إلى مصر وبلاد اليونان. غير أن اليونان استطاعوا أن يردهم على أعقابهم.
وهذه القارة العظيمة كانت عرضة للزلازل العنيفة والبراكين الثائرة، فلم تلبث أن أخذتها الرجفة فهبطت تحت سطح الماء واختفت. وذلك قبل عهد صولون بنحو تسعة آلاف من السنين!
هذه هي القصة التي ذكرها أفلاطون نقلاً عن أحد أجداده. وليس هنالك ما يثبت أن هذه القصة قد رواها صولون حقيقة، وأنها ليست من اختراع أفلاطون نفسه. وعلى كل حال، وأياً كان مصدر هذه القصة، فان مجرد روايتها على هذه الصورة، لا يفيد الباحث عن أمر هذه القارة شيئاً.
إن اختفاء جزيرة صغيرة تحت سطح الماء بسبب هبوط في قشرة الأرض ليس بالشيء المستغرب، وقد يكون اليونان أنفسهم قد شهدوا مثل هذا الحادث في بلادهم الكثيرة الزلازل، وهذا وحده كاف لأن يوحي إليهم بأن جزيرة قد وجدت ثم اختفت في وسط المحيط، ولهذا فان أكثر الباحثين لم يكن يرى في حديث هذه القارة أكثر من أنه أسطورة جميلة. غير أن كثيراً مما كان يراه العلماء مجرد أساطير قد أثبت البحث العلمي وجوده. وقد أخذ الباحثون يهتمون حديثاً بتحقيق أمر هذه القارة.
إن هبوط جزء عظيم من سطح الأرض واختفاءه تحت سطح الماء ليس بدعاً في الحوادث الجيولوجية الطويلة المدى، التي تستغرق عشرات الملايين من السنين. وكذلك ليس بعجيب أن تختفي جزيرة صغيرة تحت الماء في زمن وجيز بسبب حادث بركاني خطير. لكن الأمر الذي يصعب تصوره هو أن كتلة هائلة من اليابس تهبط نحو ثلاثة آلاف متر في زمن يعد وجيزاً جداً بالنسبة إلى ما يستدعيه مثل هذا الانقلاب الخطير في سطح الأرض. وبالطبع ليس إثبات هذا الأمر بالشيء السهل، لأن أكثر الأدلة مقبور تحت غمار البحار، في أعماق يصعب جداً الوصول إليها.
ولننظر الآن في الأدلة التي يدلي بها القائلون بصحة هذه الأسطورة.
لعل أول جهة يجب أن يتجه إليها البحث أن نتساءل: هل في قاع المحيط الأطلسي أو في جزء من قاعه ما يدل على أن هذا القاع أو هذا الجزء من القاع كان أرضاً ظاهرة فوق سطح الماء في زمن حديث يقدر بنحو عشرة آلاف من السنين؟ وهل في السواحل الشرقية والغربية للمحيط ما يدل على أنها كانت إلى وقت قريب متصلة؟
يجب أن نجيب أو أن نحاول الإجابة على هذين السؤالين. ولكن يجب علينا أن نحذر فلا نخلط بين الاتصال الجيولوجي القديم، وبين الاتصال الحديث بواسطة قارة أطلنطس المزعومة.
من المعلوم أن قاع المحيطات ليس أرضاً مستوية. بل فيه المرتفعات والمنخفضات والسهول والجبال. وقد أصبح ثابتاً ان في وسط المحيط الأطلسي جبال طويلة جداً تمتد من شماله إلى جنوبه، وفي بعض الأحيان تظهر طائفة من قمم هذه السلسلة فوق سطح الماء فتتألف منها جزر مثل جزر الأزور. في الشمال وجزيرة الصعود في الوسط. وجزيرة
(ترستان داكنها) في الجنوب. وفي زعم القائلين بوجود القارة المفقودة أن جزر الأزور هي البقية الباقة منها. وأن الجزء الأوسط من المحيط الأطلسي قليل العمق لأنه هبط حديثاً.
كذلك يشير أصحاب هذا الرأي إلى التشابه العظيم بين السواحل الشرقية والغربية للمحيط الأطلسي، مما يدل على اتصال الساحلين في زمن قديم. وليس من شك في هذا التشابه، لكنه يرجع إلى اتصال في الأزمنة الجيولوجية القديمة. ولا فائدة لأنصار هذا الرأي من الرجوع إلى هذا الدليل الذي لا يفيدهم في قضيتهم شيئاً.
أما الأبحاث الخاصة بقاع المحيط الأطلسي، والتي أريد بها إثبات أن هذا القاع كان إلى وقت قريب بارزاً فوق سطح الماء، فهي على قصورها أقوى البراهين - أو على كل حال أقلها ضعفا - التي يدلي بها القائلون بوجود هذه القارة العظيمة.
وخلاصة هذا الدليل أنه في عام 1898 كانت إحدى السفن تبحث عن سلك تلغرافي قد انقطع في وسط المحيط الأطلسي، وفي أثناء بحثها عن هذا السلك كانت تستخرج من قاع البحر قطعاً من الطين والصخر، وقد فحصت هذه المواد فتبين أنها مما تقذفه البراكين الثائرة، وأن هذه الصخور البركانية كانت مادة منصهرة ذائبة ثم تجمدت وكان تجمدها فوق سطح الأرض لا تحت سطح الماء كما هي حالها اليوم. وذلك لأن حمم البراكين (اللافا) إذا تجمدت في الهواء كان لها شكل خلاف شكلها إذا تجمدت في الماء.
والنتيجة التي يراد الوصول إليها من هذا، هي بالطبع أن هذه البراكين هي براكين قارة أطلنطس وأن هذه اللافا قد تجمدت على سطح القارة المفقودة قبل أن تختفي تحت عباب الماء. لكن لابد لنا للوصول إلى هذه النتيجة الخطيرة من أن نثبت أن هذا الجزء من قاع المحيط الأطلسي الذي استخرجت منه هذه المواد قد كان في وقت حديث - أي منذ نحو اثني عشر ألف سنة. بارزاً فوق سطح الأرض.
ولاثبات هذا الأمر يقول بعض الحتاب أنه في نظر كثير من الجيولوجيين لا يمكن اللافا أن تبقى تحت سطح الماء اكثر من 15000 سنة، لأنها في هذه المدة تتحلل عناصرها تماماً فلا يبقى لها أثر. إذن فاللافا التي استخرجت من قاع المحيط والتي ثبت أنها قد تجمدت فوق سطح الأرض. لابد أن تكون قد غمرتها المياه حديثا ً - أي أن هبوط القاع حدث في وقت حديث لا يتجاوز الخمسة عشر ألف سنة!
هذه من غير شك أقوى حجة طبيعية يستند إليها القائلون بوجود قارة أطلنطس، ولكنها للأسف لا تخلو من شيء من الضعف. ذلك أنه - على فرض أن ماء البحر يحلل اللافا ويذيب عناصرها في مدة لا تتجاوز الخمسة عسر ألف عام - يجب أن نذكر أن اللافا عادة تتراكم طبقات بعضها فوق بعض، ذات غلظ عظيم. وقد يتحلل الجزء الأعلى ويبقى الجزء الأسفل والذي يليه وهكذا. ولابد لها من مئات أو آلاف الأزمنة التي ذكرت قبلاً - لكي يتم تحللها جميعاً.
فهذه الحجة اذن - وإن لم تخل من قوة - فإنها لا تثبت إثباتاً قاطعاً سوى أن قاع المحيط الأطلسي في بعض جهاته كان يوماً ما قطعة بارزة من اليابس ثم هبط تحت سطح الماء. ولازلنا في حاجة إلى دليل أقوى من هذا يثبت لنا أن هذا الهبوط كان منذ زمن حديث مقدر بعشرة آلاف من السنين.
كذلك التشابه الذي يشاهد اليوم بين أنواع من الحيوان في شرق المحيط وغربه، دليل على وجود قارة أطلنطس، بل على اتصال قديم جداً في أزمنة جيولوجية غابرة، بين طرفي المحيط شرقاً وغرباً.
فالأدلة الطبيعية قليلة الغناء، ولا يبقى بعدها سوى الأدلة البشرية أو الأنثروبولوجية، أي التي تتصل بالإنسان جنساً أو لغة أو ديناً وتقاليد أو ما شابه ذلك.
وتتلخص هذه الأدلة البشرية فيما يأتي:
1 -
أنه قد ظهر في أوربا أثناء العصر الحجري القديم جنس
من الناس طوال القامة عظام الهامة حسان الصورة في وقت
لم يكن فيه بأوربا سوى جماعات من جنس ذي صفات منحطة
دنيئة. وقد أطلق العلماء على هذا الجنس العظيم اسم جنس
(كرومانيون) - (نسبة إلى ناحية في فرنسا وجدت بها
هياكل عظيمة كاملة لأفراد من هذا الجنس). ولا يعرف أحد
على وجه التحقيق من أين جاء هذا الجنس، الذي ظهر في
أوربا فجأة فاحدث في ثقافتها ثورة هائلة.
والآن يريد أصحاب قارة أطلنطس أن يخبرونا أن هذا الجنس إنما جاء من قارتهم المفقودة!
افتراض جميل سيخلصنا من مشكلة عويصة وهي نشأة هذا الجنس الذي لا نعرف تماماً أين نشأ! ولكن هل من العقل أن نتخلص من مشكلة لكي نقع في مشكلة أعظم منها؟
إن القائلين بأن هذا الجنس مصدره القارة المفقودة يزعمون أن هنالك شبهاً بينه وبين جنس قديم منقرض وجدت بقاياه قي البرازيل. وهذا الزعم لو صح لكان من غير شك حجة قوية لا تدحض. ولكن أكثر علماء الأجناس لا يرى مطلقاً وجه شبه بين هذا الجنس البرازيلي القديم الذي وجدت بقاياه في لاجواسانتا وبين جنس (كرومانيون).
2 -
في أوربا شعب اسمه شعب الباسك يعيش على حدود
فرنسا وإسبانيا. في الإقليم الملاصق لخليج غسقونية. هذا
الشعب القديم يعيش شطره في فرنسا وشطره في إسبانيا ويتكلم
لغة ليس لها نظير في لغات العالم كلها. وفي زعم أصحاب
نظرية القارة المفقودة أن الباسك هم بقية الأطلانطيين الذين
هاجروا من قارتهم إلى أوربا قبل الميلاد بعشرة آلاف سنة.
وأن لغتهم تشبه لغات سكان أمريكا الأصليين بينما هي تختلف
عن سائر لغات أوربا.
وهذه الحجة البراقة لا تستند هي أيضاً على أساس متين، لأن لغة الباسك لا تزال عقدة العقد. وقد رأى فقهاء اللغات فيها آراء متناقضة متضاربة، ولم يبلغ العلم في أمرها إلى حل مقبول. وليس القول بأنها تشبه لغات أمريكا بأقوى من الرأي الذي يرى شبهاً بينها وبين لغات البربر في أفريقية ولغة المصريين القدماء.
3 -
أما الأدلة البشرية الأخر التي يوردها أنصار قارة
أطلنطس، فتنحصر في وجود تشابه حقيقي أو موهوم بين
بعض العقائد الدينية والعادات والتقاليد والآلهة في العالمين
القديم والجديد، ومجرد ذكر هذه الأمور كاف لأن يثبت للقارئ
أن هذه الأدلة ليست بالشيء الذي يسهل الركون اليه، ولا
نستطيع أن نستند إليها في القول بأن تلك الأشياء المشتركة
مصدرها واحد وهو هذه القارة المفقودة، التي انطلق منها
فريق إلى الشرق وآخر إلى الغرب فنشروا آراءهم وعقائدهم
وآ لهتهم في عالمين بينهما الآن آلاف من الأميال.
وهكذا يرى القارئ أن فكرة قارة أطلنطس لا تزال مفتقرة إلى دليل أقوى بما بأيدينا اليوم، ولكنا على كل حال يجب أن نرتاح إلى أن موضوعها أصبح اليوم معرضاً للبحث العلمي بالأساليب العلمية بعد أن كان مجالاً للظن والخيال. ولهذا يسرنا، أن نسمع الخبر الذي رواه أحد الكتاب في عدد الشهر الحالي من مجلة فورتنبتلي من أن بعثة ألمانية قد سافرت حديثاً إلى إقليم جزر الأزور لتفتش في قاع البحر عن أدلة جديدة عن هذه القارة المفقودة.
محمد عوض محمد
الشعر والفن
يتمتع قليل من الناس بإحساس راق مهذب، ينفعل انفعالا قوياً حينما يشهدون جمال الطبيعة أو يتأملون أسرارها، وهذا الإحساس السامي لا يصلون إليه من كثرة القراءة والاطلاع، ولا من كثرة الحفظ والاستظهار، ولا من تأبط الدواوين والكتب، وإنما يأتيهم من تدريب احساساتهم وتمرينها على التأثر بجمال الطبيعة والتأمل فيما يغمرها من أسرار، ويشرق عليها من نظام، وما يزالون يدربون احساساتهم، ويتعهدونها بالتمرين، وحتى إذا أوفوا من ذلك على الغاية، وضاقت قلوبهم عن حبيس ما يجيش فيها من عواطف وانفعالات، اضطروا اضطراراً إلى إخراج هذا الفيض القلبي متدفقاً في هذه الأنهار الجميلة التي نسميها فناً، من موسيقى ورسم ونحت وعمارة وشعر، وما أشبه قلوب هؤلاء الناس بالبؤرة الصالحة ترد إليها أشعة الاحساسات الصادرة عن صور الطبيعة المختلفة، فتحلل فيها، ثم تنعكس فكراً جميلة، وصوراً بديعة، وسرعان ما يجد الفنان نفسه مضطراً إلى إبرازها وإظهارها لأنه لا يستطيع أن يؤويها في نفسه، ولا يمكنه أن يخفيها في زوايا قلبه، فيقدمها للناس في هذه الثياب الساحرة، ثياب الفن الجميل فتسترعي ألبابهم، وتستهوي أفئدتهم.
والفنون جميعها تعبر عن عواطف مشتركة، وتسعى إلى غاية واحدة هي إظهار ما في الكون من جمال، ولهذه الصلة الواضحة بين أنواعها كان لزاماً على من يخصص نفسه في فرع من فروعها أن يتزود ما أمكن بالفروع الأخرى، وأن يتثقف بها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وقد فقه الغربيون ذلك وعرفوا قيمته فراح شعراؤهم يدرسون الفنون الجميلة، ويمدون شاعريتهم بما يلذ لها من صنوف طعامها، وألوان رحيقها، وبينما هم مجدون في ذلك مبالغون فيه، نجد كثيراً من شعرائنا قد استناموا إلى حياة شعرية غريبة، حياة كلها تقليد وقطيعة للفنون، فهم لا يستمدون غذاء شاعريتهم إلا من فتات مائدة، هي هذه الدواوين الشعرية التي ورثوها عن الأقدمين، يحفظون ألفاظها، ويجودون أساليبها ويبتغون مثلهم العليا في معانيها وصورها، فترى الواحد منهم إذا أراد أن يقول شعراً راجع ما قاله القدماء، والتقط ما نثروه من ألفاظ وأساليب، ونطقوا به من معان وصور، حتى إذا اجتمعت إليه مجموعة لا بأس بها من هذا كله، سلكها في هذه السلاسل التي يسميها أوزاناً شعرية، وقد نشأ عن ذلك أن قل الابتكار في الشعر. وأصبحنا لا نكاد نتأثر أو نحس به لأنه موسيقى متكررة توقع من حين لآخر على نغمة واحدة، وشاعت السرقات الشعرية عن هذه
الطائفة من الشعراء، فاستباحوا حمى أسلافهم الأقدمين وأغاروا على دواوينهم، واجتلبوا منها سبايا الأساليب والصور، ولكنها سبايا باردة جامدة لا تنبض قلوبها بحرارة ولا بحياة، والشركات كثيراً ما تعقد في هذه السبايا، ولكن الشعر للأسف لا يرج منها إلا ألفاظاً لا غناء فيها ولا قيمة لها ولو كان للشعر العربي حكومة لأخذت على أيدي هؤلاء المتشاعرين الذين لا يقعون منا إلا موقع الضوضاء الممقوتة المنكرة، فحرمت عليهم اجتراح هذا الإثم، أيا كان لونه، وأياً كان شكله، وإذن لاستراح الشعر العربي من عبء ثقيل يتعبه ويشقيه، ويمرضه ويضنيه.
ومما يدعو إلى العجب أن بعض النقاد أخذ يهيب بهؤلاء الشعراء، ويضع أيديهم على ما هم فيه من عيب ونقص، علهم يصلحونه أو يتخلصون منه، ولكنهم يعرضون عنه، ويصرون على ما يجلل آثارهم الشعرية من عيب، وما يسومها من نقص، وتضيع من وقت لآخر هذه الدعوات المخلصة، وتذهب كأنها نفخة في رماد، لا تبعث لهيباً ولا توقد ناراً، أو صحة في صحراء، تضيع في متسع الاجواء، وتفنى في منفسح الآفاق، ولو أنصف هؤلاء الشعراء أنفسهم لأصاخوا إلى هذه الدعوات المباركة واستجابوا إليها، وهل يحسن بهم أن يؤثروا العقم على الإنتاج، أو يستحبوا التقليد على الحرية؟ إنهم لو تدبروا لسارعوا إلى تخليص أنفسهم من ذل الجمود ورق التقليد، ففكوا عن أعناق شعرهم هذه الأفعى التي تحاول أن تخنقه على أن هذه الحياة الجديدة التي نأمل فيهم أن يستبقوا إليها، لن تكلفهم مشقة كبيرة. فان السبيل إليها سهل ميسر، وما عليهم إلا أن يلقوا محبة من نفوسهم على عوالم الفن الأخرى، فيثقفوا بها، ويجدوا في ذلك التثقيف، حتى يدربوا احساساتهم، حاسة حاسة، تدريباً طويلاً، وأكبر ظني أن هذا هو السبيل الواضح الذي يصل بهم على عجل إلى غايتهم المنشودة، ولعل من أمس هذه العوالم الفنية بالشعر، عالم الخطوط والحركة، أو ما يسمونه باسم (الرسم) ففي هذا العالم يستطيع الشاعر أن يمرن احساساته تمريناً تاماً كاملاً على التأثر بجمال الطبيعة والانفعال بمشاهدها الرائعة ومظاهرها الساحرة، ويظن كثير من الناس أن جمال الصورة يتركز في ألوانها وأضوائها، ولو كان الأمر كذلك، لكانت الصورة قليلة الجدوى، والواقع أن جمالها البديع يتركز في الخطوط وحركاتها واتجاهاتها، تلك الخطوط التي تعدل الصورة وتقومها وتنتهي بها إلى
شكلها الفني الجميل، أما الألوان فهي شيء إضافي يلحق بالخطوط بعد تكونها ووجودها، والشاعر كالمصور لا يختلف عنه في شيء إلا في المادة التي يصور بها، وان في الصورة المجتمعة، وندرة العناصر، وتناسب الجمع، لنوعاً سامياً من القوة الإلهية كما يقول فلوبير، وأهمية الصورة في الشعر ترجع إلى أنه لا يعبر عن الحقيقة كما هي وكما نجد عند النثر، وإنما يتخذ للإفصاح عنها طريقاً آخر، هو تمثيلها وتخييلها، وعرضها في صور خلابة ورسوم ساحرة، وهذا هو الذي حدا باليونان منذ القدم إلى أن يخصوا الشعر ببرهان قائم بنفسه، برهان لا يقوم على اليقين ولا يتخذ مقدماته من المنطق، وإنما يقوم على الإقناع والتمثيل، ويتخذ طريقه من التأثير والتخييل، ونحن نلحظ مع الأسف أن الشعر العربي لا يهتم بالصورة الاهتمام الواجب، وإنما يضع همه كله في الألوان والأضواء، ولا نكاد نجد فيه الخطوط الكثيرة التي تخلق الصورة خلقاً، وتبتكرها ابتكاراً، وتعمر قلبها بالحرارة والحياة، فمعظم شعرائنا يقف همهم من الصورة عند هذا النوع التافه الذي يسمونه مجازاً أو كناية، وما عرفوا أن هذه الأشياء هي أقل أنواع الصور قيمة بل هي في الواقع لا تزيد على أنها طريق من طرق التعبير، أما الصورة الصحيحة فهي أسمى من ذلك وأرفع، ولا بد فيها من تحضير لمواد طويل، وجمع للعناصر كثير.
وعلاقة الشعر بالرسم علاقة قوية شديدة، ولكن يظهر أن علاقته بالموسيقى أقوى منها بأي فن آخر، فقد نشآ معاً، ولكن تقدم الفنون فصل بعضهما عن بعض فاستقل كل منهما بوظيفة خاصة، على أن الموسيقى لا تزال تحتل الشعر ولا يزال أثرها واضحاً فيه، والشاعر في الواقع ليس إلا موسيقياً ساحراً يلعب بأنامله على قيثارته الشعرية فيطربنا بأنغامه، ويشجينا بألحانه، ويأخذنا بفيض وحيه وقوة إلهامه. والواجب على شعرائنا أن يدرسوا الموسيقى، وأن يعنوا بدراستها عناية كبيرة، فكثير من الألوان التي يؤديها الشعر ترجع إلى الموسيقى نفسها، ولقد استفاد اليونان قديماً من هذه الدراسة فوجدوا طريق الشعر في العقيدة كلها، بل في الرواية التمثيلية على طولها، واختلاف أشخاصها خلا الشعر الغنائي الذي كان يتخللها، ولقد كان الرومان يفهمون الشعر على أنه غناء أكثر منه شيئا آخر حتى تجوز بعضهم فسمى الشعراء باسم الموسيقيين، ويقول بعض النقاد أن الموسيقى هي سر السحر في الشعر وهي نفس صناعته، وكيفية تأثير الموسيقى الشعرية فينا يختلف فيها النقاد اختلافا
كثيراً، ومهما يكن فهي تحدث تغيرا في أسلوب الوجدان، وكل نغمة تصلنا منها تؤثر في ادراكنا، وترتفع معها نغمات عاطفية في نفوسنا، ولا ينكر أحد ما لموسيقى الألفاظ من قيمة في الشعر، فهي ذلك الجمال الخفي الذي يستمد من غير المنظور مؤثرات ساحرة بديعة، ولقد كان شاكسبير يعنى بها عناية فائقة، حتى قيل انه يحب الألفاظ من أجل الألفاظ، لكن ينبغي أن ننبه إلى أن موسيقى كل لفظة موجودة معها في اللغة قبل وجود الشاعر، ولكن لا ننس أنه هو الذي يختار الألفاظ، ينتقيها ويجمعها في سلك واحد فلا نحس تنافراً ولا شذوذاً، وإنما نجد جمال التناسب والتوافق يتجلى فوقها ساحراً بديعاً، واللغات نفسها تهتم بموسيقى الألفاظ، ويتضح هذا في اللغة العربية في ألفاظ الاستغاثة والندبة والتعجب فان قدماءنا قلبوا ياء المتكلم التي تنتهي بها ألفاً حتى يشبعوا النغمة في هذه الألفاظ ويستتموا بها التأثير في الوجدان، وقد زادوا في ذلك فجعلوا لبعضها حرف نداء مخصوصاً هو (وا) ليزيدها قوة في الصورة، ويتناسب مع شدتها في المنطق، وهم قد فعلوا هذا كله ليدلوا على الانفعال الوجداني ويكون التأثير في قلب السامع أوفى وأقوى.
وليس من شك في أن تتابع المقاطع والأصوات وصور النبرات يجعل العقل مستعداً لنغمة خاصة، وينقل القلب إلى حالات وجدانية متماثلة، ويتبين هذا في أننا نصبح بعد قراءة بيت أو بيتين من الشعر مهيئين لسماع ما يوافق هذه الحالات الوجدانية التي هيجتها فينا الأصوات والنبرات الأولى، فإذا فوجئنا بمقاطع ونغمات جديدة أحسسنا بالفرق الظاهر والانتقال الواضح، على أننا يجب ألا نبالغ في ذلك، فان التأثير الذي يفد إلينا من الشعر لا يأتي من الضغط والمقاطع وتشديد الصوت وقوته، نعم تؤثر فينا هذه الأشياء تأثيرات مختلفة، ولكن هذه التأثيرات ليست كل شيء في الشعر فان قراءة الشعر ليست نغماً خالصاً، ولا شكلاً غنائياً تاماً.
شوقي ضيف بكلية الآداب
التفاؤل والتشاؤم وهل لهما أسباب تاريخية
بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين
- 2 -
نباح الكلب في الليل
من الخرافات الفاشية عند أكثر الأمم وبين الفلاحين عندنا، التشاؤم من إهلال الكلب، أي الصياح بين الأنين والنباح الغير العادي في الليل، ويسميه أهل الشام (العواء المقلوب) وفيه يقف الكلب وقفة منكرة ينظر فيها إلى القمر، ويشرع في عوائه الغريب الذي يكاد يقرب من عواء الذئب، فيظن من يراه على هذه الحالة أنه يدعو على أحد، ويناجي القمر لعله يساعده على جعل هذه الدعوة مستجابة، فيتشاءمون من هذا الصوت ويقولون أنه نذير شؤم يقع منه موت لأحد الناس. وأسلافنا المصريون هم في الأغلب الأصل في هذه الخرافة، فقد كانوا يؤمنون أن عزرائيل يتشكل في شكل ابن آوى، وكانوا يرسمونه في حفلات الجنازة والموت والحساب، وابن آوى يشبه الكلب كثيراً في هيئته، وربما كان له وللكلب قديماً اسم واحد، أو ربما كان الاعتقاد سائداً بأن الكلب يتلاقح مع ابن آوى، فلما زالت عقائد المصريين من الناحية الدينية الرسمية بقيت بين الفلاحين وانتشرت بين عامة الأمم الأخرى.
وربما يرجع هذا التشاؤم إلى الاعتقاد بأصل النجاسة التي يوسم بها الكلب عند العرب، ولكن يجب ألا نبالغ في الاعتقاد بنجاسة الكلب فان من العرب من كان يجله ويرعاه، ويعرف له فضله في الأمانة والحرص على مصالح مولاه. وقد قال كتاب (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)، تصنيف الإمام أبي بكر بن خلف المرزبان في سنة 381 هجرية:
(والكلب أيدك الله منافعه كثيرة فاضلة على مضاره بل هي غامرة لها وغالبة عليها. ولم تزل القضاة والفقهاء والعباد والولاة والنساك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا ينكرون اتخاذها في دورهم، وهم مع ذلك يشاهدونها في دور الملوك. فلو علموا أن ذلك يكره لتكلموا ونهوا عن اتخاذها. بل عندهم أنهم إذا قتلوا الكلب كان فيه عقوبة.)
وعلى هذا النسق مضى المؤلف يعدد فضائل الكلال، وأتى في الكتاب بطائفة من الأقوال البارعة والأبيات اللطيفة التي قيلت في الكلاب ومنها يتبين للقارئ نظر العرب لهذا الحيوان.
القط
يتشاءم بعض الناس بأن القط الأسود مجلبة للشر وطالع نحس وعنوان كل كارثة مقبلة. . . ويتطير الغربيون بالقط الأسود إذا عبر طريقهم. وكان الإنجليز حتى عهد قريب يحتفلون سنوياً بمدينة (شرفتيد) بالإتيان بقطة سوداء، رمز الظلام، ويضربونها بالسوط حتى تموت.
وربما يرجع هذا التشاؤم إلى سواده، والسواد رمز للحزن أو ربما يرجح إلى عقائد قديمة كانت شائعة عند القدماء بشأن سواد القط.
ولا يزال الايطاليون والهنغاريون يعتقدون بان القطة التي تنب فوق سطوح المنازل لابد أن تكون قد تقمصتها روح ساحرة شريرة. والبراهمة على العموم يعتقدون بحلول أرواح البشر في القطط. وذلك أيضاً هو اعتقاد أهل السيام الذين يقدمون للقطط على سبيل الهدية أقفاصاً من ذهب يضعونها في المعابد، وقد شوهدت قطة سوداء في موكب الاحتفال بتتويج ملك سيام في سنة 1926.
وكثيراً ما كانت القطة في القرون الوسطى سبباً في قتل صاحبتها من العجائز لاتهامها بالسحر وكانت القطة تعتبر دليلاً على ممارسة العجوز لهذا (الفن الأسود) في الخفاء لمساعدة الأرواح العديدة التي تسكن جسم القطة.
ومن الخرافات المصرية التي شاعت في العالم أن للقطط سبع أرواح أو تسعاً. وقد يعزى إلى هذه الخرافة بعض القسوة في معاملة القط، ولكن أصلها يرجع إلى حرمة القط بل إلى تقديسه، فقد كان قدماء المصريين يقدسون هذا الحيوان ويحنطون جسمه ويشيدون له المقابر، وكانت (بشط) ربة مصرية لها رأس قطة، وكان المصريون يعتقدون أن لها تسع أرواح.
وذكر المؤرخ اليوناني (هرا بللون) أن الإغريق كانوا يصنعون تماثيل القطط بمعبد الشمس بمدينة هليوبوليس، لأن عين هذا الحيوان تتبع الشمس في انتقالها في الأفق وقد عثر المنقبون في سنة 1890 على مقبرة كبيرة بجهة بني حسن موجودة بها جثث القطط
المحنطة موضوعة في صفوف منظمة، ولسوء الحظ أن الفلاحين تشاءموا من وجودها فأحرقوها.
وبدأ الناس في فجر المسيحية يمقتون آلهة الأقدمين فاعتبروا القطة رمزاً للشيطان ومجلبة للشر.
قتل الثعبان
من أغرب العادات عند بعض سكان مصر أنه لا يرضى بقتل ثعبان البيت ويتشاءم من هذه الفعلة إذا حدثت، وقد كان الثعبان مؤلهاً عند أسلافنا. فالحرمة التي يحوطه به بعضنا الآن هي في الحقيقة حرمة دينية نسينا أصلها وغايتها وبقي رسمها.
نعل الفرس
يتفاءل الناس بنعل الفرس ويعلقونها على الحوانيت وأبواب المنازل لتجلب السعد لساكنيها. ومن وجد نعلاً في الطريق عد ذلك حظاً حسناً يستأنس به طول يومه بل طول عامه.
وأصل هذا الاعتقاد، أن نعل الفرس كانت في الزمن القديم رمز الربة (عشتروت) فكان كل نم بجد نعلاً يتفاءل بها كأن الربة عد أهدتها إليه، وربما يرجع أيضاً إلى أنها تشبه الهلال.
ونعل الفرس حديثة العهد في التاريخ لأنه لا يمكن أن يعدو تاريخ الحديد المصنوع منه. والحديد لم يعرف إلا منذ ثلاثة آلاف سنة. ولذلك قد يتوهم الإنسان أن الاعتقاد في حسن الحظ من النعال هو من مبتكرات المتمدينين الذين عرفوا الحديد، وأن المتوحشين لا علاقة لهم بهذا الاعتقاد، ولكن الحقيقة أن هذه الخرافة آتية من المتوحشين نزلت منهم إلى المتمدينين. فنعل الفرس تشبه الهلال الجديد. والمرجح أن الإنسان كان يصنع هلالاً من خشب أو عظم للتيمن، فلما ظهر الحديد صار يصنعه من الحديد. ثم لما عرف نعال الخيل استغنى بها الإنسان عن الأهلة القديمة وصار يعلقها على الأبواب والحوانيت بدلاً منها، للمشابهة، وبدلاً من أن يرسم الهلال. والأوربيون يتفاءلون بها مثلنا ويتعلقون بهذه العادة أكثر منا.
إبراهيم تادرس بشاي
يتبع
المعتصم بن صمادح على فراش الموت
للدكتور عبد الوهاب عزام
الأندلس في أمر مريج، زال عنها سلطان الخلافة فاضطربت، وفقدت رواسيها من بني أمية فمادت. وأصبحت كرقعة الشطرنج يتغالب الملوك على كل بيت فيها. كل قوي يحوز ما وسع حوله وهمته، والعيش غلاب. (والبر أوسع والدنيا لمن غلبا).
في هذا المعترك ملك محمد بن أحمد بن صمادح التجيبي (مدينة (وشقة) وملك بنو عمه مدينة (سرقسطة). ثم غلبوه على مدينته.
ثم ملك ابنه معن بن محمد مدينة (المرية) غصبها من عبد العزيز بن أبي عامر. وخلفه ابنه أبو يحيى المعتصم بالله وهو في سن الرابعة عشرة. نشأ في ملك ضيق الرقعة، فاستعاض منه سعة الخلق وبعد الهمة، وحلية العلم والادب، والسخاء الشامل، والجود العمم، حتى طاول المعتمد بن عباد كبير ملوك الطوائف ونافسه، وحتى قال أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حينما لقيهما بالأندلس (هذان رجلا هذه الجزيرة).
قال ابن خلكان:
(وكان رحب الفناء، جزيل العطاء، حليماً عن الدماء، طافت به الآمال، واتسع في مدحه المقال، وأعملت إلى حضرته الرحال، ولزمه جماعة من فحول الشعراء)
وقال الفتح بن خاقان:
(ملك أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في انتظام مجالسها واتسقها، وأوضح رسمها، وأثبت في جبين أيامه وسمها. لم تخل أيامه من مناظرة، ولا عمرت إلا بمذاكرة أو محاضرة. . . وكانت دولته مشرعاً للكرم، ومطلعاً لهمم، فلاحت بها شموس، وارتاحت فيها نفوس. ونفقت فيها أقلام الأعلام، وتدفقت بحار الكلام، كإجادة ابن عمار وإبداعه، في قوله معتذراً من وداعه.
أمعتصماً بالله والحرب ترتمي
…
بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي
دعتني المطايا للرحيل وإنني
…
لأفرق من ذكر النوى والتفرق
وإني إذا غربت عنك فإنما
…
جبينك شمس والمرية مشرقي
وكان المعتصم، كالمعتمد بن عباد، شاعراً مجيداً: كتب إلى الوزير الشاعر بن عمار؛
وزهدني في الناس معرفتي بهم
…
وطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلاً تسرني
…
مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمة
…
من الدهر إلا كان إحدى المصائب
طوى الأمير أربعين عاماً في إمارته، شاع فيها ذكره ونبه اسمه، وحلب الدهر أشطره، ورأى أحداثه وعبره. ثم حم القضاء وبعث ابن تاشفين جنوده على ملوك الطوائف تثل عروشهم، وتعفي على آثارهم. ولقي (رجلا الجزيرة) الصدمات الأولى فدارت على المعتمد الدائرات، فإذا هو أسير أغمات، وللمعتمد بن عباد قصة ملؤها العبرات والزفرات.
وعلم ابن حماد بما أصاب صاحبه فملكه الغم، وناء به الحزن، وكان أسعد من صاحبه جداً، نجاه الموت من الإسار، وأنقذه الحمام من المذلة: رب عيش أخف منه الحمام. ولله ابن بسام حين يقول: (وكان بين المعتصم وبين الله سريرة أسلفت له عند الحمام يدا مشكورة. فمات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة، وفي سلطانه وبلده، وبين أهله وولده).
دع ما نمق الكتاب، وأنشد الشعراء، ودع أربعين طواها الزمان كأنها أحلام، وانظر المعتصم ليلة الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة - الليلة التي طلع عليه بالردى فجرها - هاهو ذا على فراش الموت في قصره بالمرية، ومعسكر ابن تاشفين على مقربة من المدينة ترى خيامه، وتسمع ضوضاءه. ويسمع المعتصم وجبة من الجيش اللجب، والجند المصطخب، فيقول كأن لم ينعم بالملك والجاه أربعين عاماً!
لا إله إلا الله! نغص عليها كل شيء حتى الموت، قالت (أروى) إحدى جواريه:
(فدمعت عيني، فلا أنسى طرفاً إلي يرفعه، وإنشاده لي بصوت لا أكاد أسمعه)
(ترفق بدمعك لا تفنه
…
فبين يديك بكاء طويل)
عبد الوهاب عزام
الحرص على الحياة
للعلامة الأمير مصطفى الشهابي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق
لكم تساءل الإنسان عن هذه الحياة ومعناها، ومبدأها ومنتهاها، ولكم
أجهد نفسه بلا جدوى للحصول على جواب مقنع تسكن إليه نفسه
الكليمة من أحاجي هذا الكون. وهو بين الأزل والأبد يمر في هذه
الحياة الدنيا كأسرع من إيماضة كهربائية تطوي الأرض في أقل من
ثانية!.
ما هي هذه الحياة الكامنة في جنين بزور النبات، وكيف تحتفظ بعض البزور المجففة بخاصة (الانتاش) عشرات من السنين، حتىإذا زرعت وابتلت دبت فيها الحياة فضربت (نتشها) عن الأرض وأبرزت سداها فوق التراب يتلمس الشمس والهواء وهو أحرص على الحياة من الشيخ الفاني والهم البالي. وراقب جذور هذه النبتة كيف تخترق ذرات التراب وتتغلغل فيها سعياً وراء الماء اللاصق بها حيث تجد غذاءها مذاباً صالحاً لامتصاص. والغريب أنك كيفما أدرت ذلك الماء دارت الجذور معه وسعت إليه كأنها تدرك أن لا حياة لها إلا به. وإذا ما وضعت حاجزا معدنيا بينها وبين ذرات التراب المبتلة دارت حوله حتى تتخطاه، وان أعياها الأمر أرزت حوامض تذيبه، حتى إذا ثقبته دخلت في الثقب كما يفعل الكماة عندما يخرقون سور المدينة الحصينة، ويدخلون من الخرق فيستولون عليها وينعمون بها.
وانظر إلى الأزهار الموضوعة في نافذة غرفتك كيف تميل إلى الخارج تستقبل الضياء حتى لكأنها تفر من الظلام إلى النور. والحظ الأشجار المغروسة بجانب أحد الجدران كيف تبتعد عنه بأغصانها النوامي فتبدو عريانة فيما يليه كان قضبانها اللدنة لا تلتذ برغد العيش إلا حيث يتماوج النور ويتلاعب الهواء. وهذه زهرة تدور مع الشمس من مبزغها إلى مغربها حتى سموها عبادة الشمس. وتلك ورقة مركبة تفتح وريقاتها في النهار وتضمها في الليل مرتقبة شروق الشمس في اليوم التالي وهي أحرص ما تكون على الانتفاع من شعاعها المتناثر. واعجب لتلك النبتة الحساسة التي يسمونها (مستحية)، وخجولة إذ تنطبق
أوراقها عندما يمسها الإنسان، وتنكمش أغصانها وتتدانى كأنها تشعر بالخطر المحدق بها فتبتعد عنه، وكأنها تستعد لمغالبة ذاك الذي جاء ينتزع منها الحياة. وأغرب منها قواتل الحشرات التي تنطبق أزهارها على الذباب فتميته وتعصره وتغتذي بعصارته بعد أن تحتال عليه بشتى الحيل لئلا يفلت منها فيفوتها رزقها وتفوتها الحياة.
أما الحشرات فلها أفانين وأعاجيب في التشبث بالحياة والتعلق بها ولا سيما بواسطة أنسالها. والذي يتاح له أن يربي مثلي بعض أنواعها ويتابع سير حياتها بالمجهر أو بالعين أو بالعدسات يذهل من أساليب التلاقح والتسافد بين الذكر والأنثى ومن ضروب الحيل والقسوة التي ربما أدت بأحدهما إلى الهلاك في سبيل حفظ النسل وضمانة بقاء النوع حياً. وما من أحد إلا وله معرفة بخلية النحل ويعسو بها، وقرية النمل وأنابيرها، وخيوط العناكب ومصايدها، دع الحيوانات العليا وما تفتقه قرائحها من ضروب الحيل إما في اتقاء عدو أو تلمس قوت أو إخلاف نسل. والنتيجة في كل ذلك واحدة وهي بقاء أنواع ببقاء الحياة فيه.
لكن ابن آدم الذي سمت مداركه، كيف تلذ له الحياة على ما فيها من شرور وآثام وآلام مبرحة، ولماذا ترتعد فرائصه من الموت، ويقف شعره لشدة فزعه منه؛ وما هذه الشهوة الشديدة التي تدفعه إلى الأنسال، وتلك العاطفة الغريزية التي تجشمه أشد المتاعب وأضناها في تربية الأبناء وإعدادهم للحياة. تخر كل هذه الأسئلة في خاطر الإنسان فلا يحير لها جواباً لأنه لا يفقه شيئاً عن ماهية الحياة ولا عن الغاية نمها. وإذا بأصحاب مذهب العدم أي العدميين ينتصبون قائلين: أما والحياة ليست سوى مجموعة من الآلام التي لا حد لها ولا نهاية، فما علينا إلا أن نقضي عليها بقتل كل حي على هذه الكرة الأرضية الحمقاء. فيضحك العالم من هذا الرأي ويجيب: هبوا الناس قبلوا رأيكم هذا وعملوا به، فماذا يحصل بعد أن تفقد الحياة على هذه الكرة؟ هل تظل الأرض خالية من الأحياء، تدور أن يدرك أحد دورانها، ويتعاقب الليل والنهار دون أن يحص أحد تعاقبهما؟ هذا ما لا يقبله العقل السليم. والراجح أن العلة التي أوجدت الحياة ستعيدها سيرتها الأولى مهما تعددت آراء الصحاب الأديان والمذاهب والفلسفات المختلفة والعقائد المناقضة والعلوم الحياتية المحدودة في تفسير هذه العلة وفي تحديد ماهيتها. وعندئذ تعود الحياة إلى ما كانت عليهن ويعود الأحياء إلى
التكاثر والتنوع والتناحر والتفاني وتكون نتيجة العمل برأي العدميين وقف الحياة بضعة ملايين من السنين، وهي بعد لا تعد شيئاً مذكوراً في هذه الدهور الأبدية، والكائنات السرمدية.
مسكين أنت أنها الإنسان! ما أشقاك بهذه الحياة! عقل قاصر وجد عاثر، وإدراك بسيط، وحواس محدودة. تأتي إلى هذه الحياة وأنفك راغم، فتعيش بأوهامك وأخيلتك الشعرية التي لا ظل للحقيقة فيها، ثم تجالد وتكافح وتتألم وتشقى وتتوهم السعادة أحياناً، لكنك سرعان ما تهلك مقهوراً مدحوراً، فلئن كانت لك أمنية في حياتك هذه فأجلها أن يسمو العقل البشري حتى يصير قادراً على اكتناه أحاجي هذا الكون الغامض.
من طرائف الشعر
شوقية لم تنشر
نظمها شاعر الخلود شوقي بك في الطلاب المصريين الذين
يتعلمون في أوربا
قف حيّ شبان الحمى
…
قبل الرحيل بقافيه
عوْدتهم أمثالها
…
في الصالحات الباقيه
من كل ذات إشارة
…
ليست عليهم خافيه
قل يا شباب نصيحةً
…
مما يزوّد غاليه
هل راعكم أن المدا
…
رس في الكنانة خاويه
هجرت فكل خليَّة
…
من كل شهد خاليه
وتعطلت هالاتها
…
منكم وكانت حاليه
غدت السياسة وهي آ
…
مرة عليها ناهيه
فهجرتمو الوطن العز
…
يز إلى البلاد القاصيه
أنتم غداً في عالم
…
هو والحضارة ناحيه
واريت فيه شبيبتي
…
وقضيت فيه ثمانيه
ما كنت ذا القلب الغلي
…
ظ ولا الطباع الجافيه
سيروا به تتعلَّموا
…
سرّ الحياة العاليه
وتأملوا البنيان وادّ
…
كروا الجهود البانيه
ذوقوا الثمار جنية
…
ورِدوا المناهل صافيه
واقضوا الشباب فان سا
…
عته القصيرة فانيه
والله لا حرج علي
…
كم في حديث الغانيه
أو في اشتهاء السحر من
…
لحظ العيون الساجيه
أو في المسارح فهي بالن
…
فس الطيفة راقيه
المحزون!!
لشاعر سورية الأستاذ خليل مردم بك
أعِن اللهم من صوّ
…
رته من حَزَن
ألف الحزنَ فلو فا
…
رقه الحزنُ بكاه
وجفا اللهو فلو وا
…
صله اللهو شكاه
نفسه ليس لها غي
…
ر الأسى من سكن
الأسى في مقلتيه
…
قد محا كل ضياء
جاعل في مسمعيه
…
كل صوت كالبكاء
إن ما يبصر أو يس
…
مع داعي الشجن
درج الطفل إليه
…
ضاحكاً مستبشرا
ناشراً كلتا يديه
…
كالمصلي كبرا
أو كطيرٍ همَّ بالاس
…
فاف عن غُصن
ضمه المحزون لا يم
…
لك رد العبراتِ
ذاكراً يوماً وإن طا
…
ل التراخي فهو آت
تصدع الشمل به جو
…
راً صروف الزمن
لو تراه والتي ها
…
م بها عند التلاقي
خلْته يلفظ روحاً
…
بلغت منه التراقي
مغمض الجفنين للغص
…
ة لا للوسن
قال: لا آسى إذا لا
…
قيت يوماً مصرعي
إنما أخشى على حبي
…
أن يودِي معي
فاحفظ اللهم هذا ال
…
حب واحرس وصُن
وإذا قبلي ماتت
…
ما عساني أصنع
هل يؤدي حق حزني
…
أن بفيض الأدمع
لا وربي دون أن نم
…
سي معاً في كفن
ورأى الظالم لا ير
…
قب في المظلوم ذِمه
فبكى حزناً لمن عُرَّ
…
ي من عدل ورحمه
وعلى من بشديد ال
…
جور والظلم مُني
قال: يا ذا المال ما في ال
…
مال لي من مطمع
أي شيء هو أغلى
…
من لآلي الأدمع
هل رأت عيناك دراً
…
غيرها في الأعين؟
فأنا أملك منها
…
ثروة لا تنفد
وأنا، إلا بها في
…
كل مال أزهد
وحدها كم كشفت
…
عني ظلال المحن
لا ترد مني شعراً
…
ولو أن الشعر سحر
كلما أنشدت شطراً
…
فاض من روحي شطر
يا لروح بين أبيا
…
ت له مرتهن
نبذ الأديان يعتد
…
بها كل غبي
وجفا الإسلام لو لم
…
يك دين العرب
فهمو لو عبدوا الأو
…
ثان أمسى وثني
ما أحب العرب إلا
…
منذ لاقوا المحنا
فهم قد زرعوا
…
لكن سواهم قد جنى
كم لقوا سوءاً بصنع
…
قدموه حسن
ضاق بالأحزان ذرعاً
…
فانتحى الروض النضير
يتغنى بنشيد
…
مثل أسجاع الطيور
نفسه قد نشزت مَعْ
…
هـ ولما تنثن
وهزار مع ورقا
…
ء عليه عكفا
قال للورقاء ما با
…
ل أخي البلوى غفا؟
قالت الورقاء بل ير
…
حمه الله فنى!
السكك الحديدية تحت الأرض
للأستاذ فخري أبو السعود
خَلَصْت من زحمة الدنيا وضجتها
…
إلى طرائق تحت الأرض تنسرب
جَرتْ مفاوزها في كل ناحية
…
فلم تزل تتلاقى ثم تنشعُب
ظلماء جونٌ كأحجار الأراقم قد
…
مدُّوا لها سببا في إثره سبب
تجري بها مركباتٌ ما يزال لها
…
تحت الثرى والدياجي مسلك عجبُ
سَرَى بها دافع للكهرباء فلم
…
تَقذفْ دخاناً ولم يزفر بها لهب
شتيمةَ الوجه إذ تنسل ساربة
…
مثل الثعابين في أنيابها العطبُ
ترى على سَفَر طوّل المَدَى فإذا
…
حُوَاتها صَفَروا سالت بها القضب
إن يبتغوا انطلقت أو يبتغوا وقفت
…
لم تشكُ أنْياً ولم يعلق بها لغبُ
تظل ذاهبة منهم وآيبة
…
تمضي مولولةً صْخبى وتنقلبُ
يرمي بها نفقٌ داج إلى نفق
…
وينطوي سَرَبٌ من بعده سرب
كأنما هي سعلاة بها كلَبٌ
…
أو أنها طالب قد شفَّه الطلبُ
تجري النهارَ وما تدري له وَضَحاً
…
ودَاجَى الليل لا تبدُو له شهبُ
تظل تقطع أنحاء المدينة لم
…
يشعر على الأرض من جاءوا ومن ذهبوا
وتنثني في الدياجي غير حافلة
…
بمن مَشَوْا في ضياء الشمس أو ركبوا
فكلُّ نَهْجٍ لها أنى مَضَتْ جَدَدٌ
…
وكل قاصٍ إذا رَامَتْهُ مقترب
-
إلى شباب العيد
للأستاذ محمود الخفيف
جددوا العزم فالزمان أهابا
…
وخذوا الحذر واستحثوا الوكابا
ألبسوا العيد روقة وجلالا
…
قد ظمأنا إليهما أحقابا
واملأوا مهرجانكم كبرياء
…
وطموحاً وعزة وغِلابا
وانشدوا المجد بكرة وأصيلا
…
وذكروا مصر جيئة وذهابا
وابعثوا في البلاد صوتاً قويا
…
فستلقون صوتكم مستجابا
وأفيضوا من الحماس علينا
…
فسينصب في القلوب انصبابا
وانظموا العزم والوفاء كتابا
…
وانشروا في الجموع ذاك الكتابا
واتركوا الكيد والخصام لقوم
…
لا يرون الجهاد الا سبابا
أيها المنكر الحياة غلينا
…
أقصر اللوم هل رأيت الشبابا؟
انظر اليوم كيف قاموا بأمر
…
يملأ الشرق كله إعجابا!
رأوا النيل راسفاً في قيود
…
صاغها الجور تستذل الرقابا
جنة الأرض أصبحت نهب قوم
…
أخذوا الشرق عنوة وانتهابا
يشرب الرَّنق أهلها في هوان
…
ويبيتون في حماها سغابا
يمرح الطامعون فيها اختيالا
…
ويقاسي الأحرار فيها اغترابا
فأبت نخوة الشباب عليهم
…
أن يناموا ومصر تلقى العذابا
فسعوا للكفاح سعياً حثيثا
…
أرأيت الشبول هبت غضابا؟
نَضَّرَ الله وجه مصر بقوم
…
مسحوا عن جبين مصر الترابا
أجمعوا أمرهم وساروا جموعا
…
يتخطون بالثبات الصعابا
لهم المجد تالدا وطريفا
…
والمعالي وراثة واكتسابا
كل يوم لهم بمصر نداء
…
ولهم عزمة تذيب الصلابا
اسألوا مصر عنهمو يوم قاموا
…
لا يخافون بطشة أو عقابا
يرفعون اللواء صفاً ويمشو
…
ن سهاماً إلى الردى أسرابا
زمر تبدل النفوس وتحدو
…
ضاحكات لدى المنون طرابا!
كتبوا صفحة العزاء لمصر
…
بدم كان كالعباب انسيابا
يا شبول العرين في مصر هيا
…
أبعدوا عن ربوع مصر الذئابا
لست أدعوكمو لكيد ولكن
…
أبتغي الرشد عندكم والصوابا
نافسوا الطامعين بالجد وامضوا
…
قد كفانا تصايحاً واعتصابا
لا تقولوا ضيوفنا بعد هذا
…
أسمعتم عواءهم والسبابا؟
نحن أولى إذا أردتم ملاما
…
فاصرفوا اللوم عنهمو والعتابا
وأهيبوا بقومكم أن أفيقوا
…
إن للمحسنين منكم ثوابا
قد سئمنا تردداً ونكولا
…
وخنوعاً وغفلة وارتيابا
سبل العيش مهدوها وسيروا
…
في حمى النيل جحفلاً غلابا
أنتم اليوم للبلاد عتاد
…
وغدا سوف تدركون الطلابا
الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية
- السلم الموسيقي -
- 2 -
هل توجد حقاً فروق بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية؟ يقول الموسيقيون الغربيون بوجود هذه الفروق ظاهرة واضحة لا سبيل إلى إنكارها أو الشك فيها، ويؤمن الموسيقيون الشرقيون بهذا الرأي، ويذهبون إلى أبعد حدود الفكر، ثم تقوم القائمة بين مفكريهم، في هل تظل هذه الفروق على ما هي عليه أبداً، أم نقرب بينهما لفائدة الموسيقى الشرقية ونهضتها. ولكل رأي أنصاره ولكل رأي الداعون إليه بقوة وإيمان.
أما من أين نشأ هذا الخلاف، وهل كان منذ أن عرف العالم شيئا اسمه موسيقى، أم أنها كانت واحدة في بدئها ثم انقسمت إلى فرق وشيع باختلاف أذواق من اشتغلوا بها والمؤثرات التي أحاطت بهم. للجواب على هذا السؤال يلزمنا أن نمهد له بذكر شيء يسير من تاريخ الموسيقى ونشأتها وتطورها والنواحي التي اتجهت إليها.
يقول التاريخ إن أقدم حضارة عرفها العالم هي في الأمة المصرية القديمة، وان أقدم موسيقى عرفها التاريخ هي موسيقى قدماء المصريين. لا يخالفنا في ذلكم مخالف، غير أن بعض من بحثوا في تاريخ الموسيقى من الغربيين يميلون إلى نسبة الموسيقى القديمة إلى فلاسفة الإغريق، وأنهم أول من وضعوا قواعدها وأصولها، ولعل في ذلك روحاً من تعصبهم في البحث وعدم إيرادهم الحقيقة في كثير منها ما دام الفضل سيعود من ورائها إلى الشرق وأهله. أم لعل ذلك راجع إلى أن أقدم ما عثروا عليه من كتب الموسيقى، هو لفلاسفة اليونان القدماء.
ومما لا شك فيه أن الموسيقى كانت تدرس عند قدماء المصريين وكانت لها قواعدها وآدابها، ففي الحروب كانت تذكي نيران الإقدام والبسالة، وفي المعابد كانت تبعث الخشوع والإيمان، وفي قصور الملوك وفي دور النبلاء كان للموسيقى المكان الأسمى.
ذلك ما تدلنا عليه آثارهم المحفورة في المعابد والهياكل والقبور. وأقدم الآلات التي عرفها التاريخ هي الناي والمزمار واللير وهي من صنع قدماء المصريين. ويقول هيرودتس المؤرخ القديم. . إن أعظم الاحتفالات المصرية، الاحتفال بعيد الإله أزوريس، فكان الكهان
يحملون تماثيل الإله من الذهب الخالص، وفريق منهم ينشد الأغاني الدينية وفريق منهم يعزف على الناي.
وأخذ بنو إسرائيل الموسيقى عن المصريين، ونبغ منهم أفراد، وفي أقاصيصهم عن سحر مزمار داود وأثره في الطير والحيوان الكثير. وعند خروجهم من مصر نشروا في مختلف البطاح والوديان ما عرفوه من العلوم الموسيقية، ولعل أقدم نشيد عرفه التاريخ هو نشيد مبيريام الذي أنشد عند عبورهم البحر الأحمر.
وأخذ الإغريق الموسيقى وأصولها عن المصريين والعبرانيين، وتدرجت الموسيقى في الغرب من المعابد إلى قصور الخاصة ثم إلى المحافل العامة وتطورت بتطور المجتمع الغربي وتأثرت بما تأثر به من مختلف التأثيرات. وانتشرت في الشرق من بلاد الفرس إلى العرب إلى ما يجاورها من بلاد الشرق وتأثرت بما تأثر به المجتمع الشرقي من عادات وأخلاق وطبائع، وعرفنا نحن من هذا أن أصل الموسيقى في العالم واحد وأنها كانت في بدايتها ولا اختلاف فيها ولا تقاسيم. ولنتكلم الآن عن أول تقسيم للسلم الموسيقي عرف في التاريخ وهو المسمى سلم فيثاغورس وتقسيمه كما يلي من اليسار إلى اليمين
دوسلاصول فا ميريدو
ــــ ـــــــــ ـــــــــــــــــــــ
ليما مسافة كبيرة مسافة كبيرةمسافة كبيرة ليما مسافة كبيرةمسافة كبيرة
أي أنه مقسم إلى مسافتين صوتيتين كاملتين ثم نصف مسافة صوتية ناقصة ثم ثلاث مسافات صوتيات كاملات ثم ليما. وهذا السلم يكاد يقابل سلماً شرقياً لنغمة (عجم عشيران) من حيث نسب المسافات الموجودة بين مقاماته وترتيبها كما يلي من اليسار إلى اليمين تصاعدياً:
عجم. . . حسيني. . . نواه. . . جهاركاه. . . كرد. . . دوكاه. . . راست. . . عجم عشيران وهذا ما يطلق عليه بالاصطلاح العربي الحديث اسم السلم الكبير وأول سلم شرقي عرف هو السلم الفارسي العام وترتيب درجاته كما يلي:
هفتاه. . . ششكاه. . . بنجكاه. . . جهاركاه. . . سيكاه. . . دوكاه. . . يكاه
ولما استعملت الاصطلاحات الموسيقية الفارسية في المجتمعات العربية حصل بعض تعديل
في أسماء المقامات فتغير اسم هفتتكاه إلى اوج واسم ششكاه إلى حسيني وبنجكاه إلى نواه ويكاه إلى رصد واستعمل اسم مقام يكاه للمقام الأول في ترتيب أوتار العود وهي نغمة قرار النواه.
المسافاة الصوتية العامة.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
- 1 - المسافة الصوتية العامة
- 2 - 6553659049
- 3 - نصف المسافة الكاملة
- 4 - الناقصة 256243
- 5 - الفرق بين المسافة الناقصة والمسافة الكاملة وتسمى
كوما 531441524288
ولتفهيم معنى بلك القيم الكسرية للمسافات، نفرض أن هناك نغمتين متتاليتين الأولى اوالثانية ب، وأردنا أن نعرف قيمة المسافة الصوتية الموجودة بينهما. لذلك نضبط وتر الصونو متر (جهاز يستعمله علماء الطبيعة لقياس الأصوات بواسطة الأوتار) حتى يصدر النغمة افيكون طوله عبارة عن مقام الكسر، ثم نحرك ضابط الصونو متر المتحرك على الوتر حتى يصدر النغمة ب فيكون طوله حينئذ عبارة عن بسط الكسر ويصبح عندنا كسراً حسابياً يدلنا على قيمة المسافة الصوتية بين نغمتي اوب (وهذا باعتبار أن نغمة اأوطأ من نغمة ب).
تلك المسافات هي المقاييس الصوتية العامة سواء كانت
للموسيقى الشرقية أم الغربية، ولكن الموسيقيين الغربيين لا
يتبعون الآن في تقسيم سلمهم إلا المسافة الكاملة ونصف
المسافة المقرب وهو يساوي عددياً 1615 ويطلقون عليه اسم
السلم المقرب مسافاته كما يلي
1615.
. 98. . 98. . 98. . 1615. . 98. . 98
بينما يتبع السلم الموسيقي الشرقي في مسافاته وتقسيمه العام هكذا
. . 98. . 21872048. . . . 6553659049. . . . 98.
. . . 21872048. . . . 6553659049. . . . 98. .
ومن هنا نشأ خلافان أساسيان أولهما أن السلم الغربي لا يستعمل المسافة الناقصة، وثانيهما أن نصف المسافة الثانية في السلم الغربي يقع آخر مسافة، بينما في السلم الشرقي يوجد نصف المسافة الثانية بين المقامين السادس والسابع.
تقسيم المسافات الصوتية في السلم الغربي الحديث
قسم الموسيقيون الغربيون المسافة الصوتية إلى قسمين متساويين فالمسافة بين مثلاً دو، ري يقع في منتصفها تماماً نصف مقام يسمى عند نسبته تصاعدياً دو دييز وعند نسبته تنازلياُ ري بمول وفي التقسيم العلمي الصحيح نجد أن علامة دييز تكون لرفع المقام الذي تنسب إليه خمس كومات كاملة، وعلامة بمول لخفضه خمس كومات كاملة، ولما كانت المسافة الكاملة مقسمة إلى تسع كومات وهو التقسيم الذي يقر به فيثاغورس، إذا أصبح موقع دو دييز غير موقع ري بمول، أي أننا عندما نريد تقسيم المسافة بين دوري بحساب علامتي الدييز والبمول، يلزمنا تقسيمها إلى ثلاثة أقسام كما يلي:
ري. . . . دو ديز. . ري بمول. . . . دو
غير أن علماء الصوت والموسيقى يحتجون بأن الأذن لا يمكنها التمييز بين نغمتين الفرق بينهما كومة واحدة، ولذا استغنوا عن ذلك التقسيم الصحيح الدقيق واعتبروه نظرياً بحتاً، وأصبح لا يوجد فرق بين دو دييز وري بمول وأصبح موقعهما واحداً كما في البيان. وإن كان هناك بعض الموسيقيين اللملاسيك ممن لا يخضعون لهذا التقسيم ولا يستعملون الآلات ذات الدرجات الثابتة.
تقسيم المسافات الصوتية في السلم الشرقي
ظل الموسقيون الشرقيون القدماء يستعملون التقاسيم الدقيقة في سلمهم الموسيقي، وما زالت المسافات الصوتية في السلم الشرقي هي الخمس المسافات التي بيناها وهي المسافة الكاملة والمسافة الناقصة ونصف المسافة الكاملة ونصف المسافة الناقصة ثم الكومة، وسنبين الآن كيفية التقسيم ليتضح لنا عظم الفرق بين التقسيم الشرقي ودقته، والتقسيم الغربي وبساطته.
1 -
المسافة الصوتية الكاملة 98
تقسم إلى أربعة أقسام، فمثلاً بين الرصد والدوكاه توجد النيم زير كولاه، وبعدها عن مقام الرصد عبارة عن نصف مسافة ناقصة ثم تليها الزير كولاه تبعد عن الرصد نصف مسافة كاملة، ثم التيك زير كولاه وبينها وبين الرصد مسافة ناقصة ثم الدوكاه وبعدها عن الرصد مسافة كاملة.
دوكاه. . تيك زير كوله. . زير كوله. . . نيم زير كوله. . . رصد
2 -
المسافة الصوتية الناقصة 6553659049
تقسم إلى ثلاثة أقسام فمثلاُ من الدوكاه إلى السيكاه يوجد الكردي وبعده عن الدكاه نصف مسافة صوتية ناقصة ثم التيك كردي ويبعد عن الدوكاه نصف مسافة كاملة، ثم السيكاه
سيكاه. . . . تيك كردي. . . . كردي. . . . دوكاه
3 -
نصف المسافة الكاملة 21872048
تقسم إلى ثلاثة أقسام، فمثلاً من السيكاه إلى الجهاركاه، يوجد البوسلك وبعده عن السيكاه كومه واحدة ثم التيك بوسلك وبعده عن السيكاه نصف مسافة ناقصة ثم الجهاركاه وبعده عن السيكاه نصف مسافة كاملة
جهاركاه. . . تيك بوسلك. . . بوسلك. . . سيكاه
وعلى ذلك يكون ترتيب الرباعي الأول ولثاني اللذان يكونان السلم الشرقي هكذا
رصد 21872048 عراق 6553659049 عشيران 98 يكاه
الرباعي الأول
جهاركاه 21872048 سيكاه 6553659049 دوكاه 98 رصد
الرباعي الثاني
ومن هذين الرباعين يتكون السلم الموسيقي الشرقي العام مع إضافة مسافة صوتية كاملة بعد الجهاركاه ليختتم السلم بجواب مقام اليكاه وهو النواه. ويصبح ترتيبه كاملاً كما يلي
نواه 98 جهاركاه 21872048 سيكاه 6553659049 دوكاه
98 رصد 21872048 عراق 6553659049 عشيران 98
يكاه
بقي بعد توضيح الفوارق بين تقسيم السلمين الشرقي والغربي أن نذكر شيئاً عن الأنغام والأوزان في كلتي الموسيقتين، وأرجو لو سنحت فرصة قريبة إن شاء الله على صفحات من الرسالة المقبلة.
مدحت عاصم
العلوم
العنصرية
للدكتور أحمد زكي
قامت النازية الألمانية على مبادئ عدة، منها السياسي ومنها الاقتصادي ومنها الإداري، ولكن لعل أخطر من هؤلاء جميعاً وأكثر وروداً على ألسنة خطبائها، وأسرع إذكاءً لحمية مستمعيهم، ذلك المبدأ الغالي الذي يعتمد على القومية الخالصة والدم الصريح، في استنهاض الشعب الجرماني إلى كل ما تقول به النازية وتدعو إليه من العقائد والأعمال.
لو أن النازية قصدت إلى تمجيد قومها، وغالت في ذلك ما شاءت وشاءت لها الدعاية، لما شكا أحد مما تقول، ولو أنها غالت حتى ألهتهم، لنظرت إليها الأمم بابتسامة عريضة يستتر وراءها اغتباط هادئ من تذوق فكاهة هائلة، في عالم يحسن أن تكثر فيه الملح والنكات. أما وقد أرادت أن تمجد قومها بتجريد غيرها من الأقوام، وأن تزيد في أولئك بانتقاص هؤلاء، فقد أثارت حفائظ الأمم، وأيقظت عزة الأجناس البشرية، فاستقاموا في جلستهم يستمعون لجد حسبوه مزاحاً، وتقطبت من جباههم أسارير للتفكير، بعد أن كانت قد انبسطت وجوههم بالبشر، وذلك لما رأوا المهزلة تستحيل إلى مأساة، ووجدوا النازية تطرح على كتفيها روب الأستاذ العالم الأنثروبولوجي، ينظر في أصول الأمم، ويقدر قيم الأصلاب، ويضع الخلق في منازل تعلوها جميعاً تلك النطف الجرمانية التي ادخرتها الآلهة على الأجيال، لتنحدر إلى الوجود في القرن العشرين فتكون للناس سادة أمثالاً، وتكون هدى وبشرى للعالمين. وكل ذلك باسم العلم.
لذلك تصدى للرد على هذه النظرية التي اتخذت صورة علمية رجال من رجالات العلم، ولعل أكثر هؤلاء اعتدالاً رجل متحدر هو نفسه من أصلاب جرمانية، ذلك هو (ملكولم بيسل) الأستاذ بجامعة كاليفورنيا. قال:
قل من يخالف في أن الجنس الجرماني جنس عظيم، وأما أنه أعظم جنس كان في كل زمان ومكان، وأن كل مدنية كانت وتكون، اعتمدت وستعتمد على هذا الجنس، فذلك ما لا تحتمله أكبر المخيلات إسرافاً، ولا تتسع له أكثر الحلوم رخاوة وسماحة. ومثل هذه المغالاة، لاسيما إذا استعير لها لسان العلم، ستظل دائماً نذيراً بأن الإنسان لا تزال عواطفه
سيدة عقله، وهواه حاكم صوابه. يدخل الأمر نفوسنا ويستأذن في لطف على قلوبنا، فيجد كل أهوائنا توافقه، وكل ميولنا تناصره، فنألف هذا الأمر، ثم نعتقده، ثم من بعد ذلك نتطلب الحجج على أنه الحق. نعتقد صواب شيء، نعتقد أن الجرمانيين سادة الجناس لأننا نحن جرمانيون، أو أن النصرانية أقوم الأديان لأننا نحن نصرانيون، أو أن هذا الحزب أصدق الأحزاب لأننا له متحزبون، ثم من بعد هذا، ومن بعد هذا فقط، ننظر في الأدلة لنصرة معتقدنا، ونخرج في سهولة أو يسر تلك البراهين التي تعزز مذهبنا، وتلك الأدلة لا شك آتية، وتلك البراهين لا شك غير مستعصية وبذلك نحسب أن عملية التخريج تمت، وأن العلاقة بين السبب والمسبب استبانت، فيتأكد بذلك معتقدنا ويزيد به إيماننا، ونحن نتبع أسلوب هذا المنطق الطريف غير شاعرين ولا متيقظين اليه، ويتبعه العلماء كما يتبعه السوقة بمثل تلك الغفلة، فهو أسلوب متستر خفي، أخطر ما فيه تستره وخفاؤه.
ليس في دعاوى النازية اليوم من جديد، فهي تكملة للدعوى التي بدأت في القرن التاسع عشر، وهي مثل من أمثلة عدة لم يسلم منها قرن من القرون ولا شعب من الشعوب فالشعوب دائماً تميل للسيطرة على الشعوب بدعوى تفوق الجنس، وتستغلهم بحجة قوة الدماء وخلوصها، وتبعث فيهم حسا ًبحقارة أنفسهم لفقر وخلط في دمائهم، وخسة في أصولهم، فهي إذن دعاوى للعيش وأسباب للغلبة، أكثر منها دعاوى في العلم وقضايا في المنطق.
ليس مذهب الجرمانية إلا فرعاً من مذهب الآرية، وكان من أكبر دعاة هذا المذهب وشارحيه، الكونت (جوزف دي جوبينو كان فرنسياً أرستقراطياً مات عام 1882 ادعى جوبينو أن الآريين خلقوا ثم أمدوا بالروح والعمر كل ما هو جميل وعظيم في الحضارة. ونسي أن يثبت وجود هؤلاء الآريين كجنس واحد نقي خالص. ان فكرة الآرية نشأت من دراسة لغات بعض الأمم الأوروبية وبعض الأمم الآسيوية، والاهتداء إلى وجود أشباه بين تلك اللغات، أدى إلى افتراض أنها جميعاً مشتقة من لغة واحدة هي الآرية، وذلك فرض علمي لا شبهة فيه. استنتج جوبينو وأشياعه من وجود لغة آرية وجود شعب آري قديم عزا إليه حضارات الأزمان الخوالي، وزعم أن هذا الجنس الآري هاجر إلى شمال أوروبا فتحدرت منه الشعوب التيوتونية والانجلو سكسونية، فهي لذلك سبب الحضارات الحالية
والعلة في استمرار وجودها. وفات جوبينو أن وجود لغة واحدة ليس بدليل قاطع على وجود جنس واحد، وأن اتحاد اللغات في أمتين أو أمم، ليس بحجة على اتحاد الأصلين أو الأصول فقديماً ما أعارت الأمم اللغات واستعارت، فوجود جنس آري كالذي تحسبه النازية اليوم، لم يقم عليه أي دليل.
والعنصر الجرماني نفسه مجهول الأصل، وفوق هذا فلا يستطيع أحد أن يدعي له أرومة خالصة. إنه عنصر شديد قوي، ولا شك أن اختلاط دمه بدماء أوروبا الوسطى والجنوبية كان له أثر كبير فيما حدث هناك من التقدم والارتقاء، ولكن ما يقال في العنصر الجرماني يقال في سائر العناصر، فكثيراً ما أدى اختلاط عنصرين إلى عنصر جديد أشد وأكثر حياة من أصليه.
على أن العلم إلى اليوم لا يستطيع بثقة أن ينسب إلى أية مجموعة بشرية، خصالاً خاصة عتيقة ثابتة فيها، لأنه إلى اليوم لا يدري كيف يقيس هذه الخصال برغم ما أسموه (مقاييس الذكاء)، فتلك مقاييس ثبت مراراً وتكراراً أنها لا تقيس الذكاء وحده وإنما تقيس معه آثاراً من البيئة والثقافة لا يمكن عزلها عنه. ومع هذا لا نفتأ نسمع الخرافة الجرمانية تلوكها الألسن، وتردد على الأسماع، فمجد الإغريق كان بسبب غزو الجرمان، وروما دام عزها وبقي سلطانها ببقاء دمها الجرماني خالصاً صريحاً، فلما اختلط حاق بها ما حاق، وإسبانيا لم تستيقظ إلى ما استيقظت إليه إلا بسب ما دخل عروقها من الدم التيوتوني، (والنهضة) الأوروبية نفسها لم تكن إلا ظاهرة جرمانية صرفة.
يقولون أن الرومان والإغريق كانوا وهم في أوج عزهم جرمانيين صرحاء. ليس من السهل الحكم على ما كانت تتألف منه أمم قديمة كالإغريق والرومان، ولكن من الثابت أنه في العصور التي سبقت، كانت حروب وكانت فتوح، وكانت غلبة وكان انغلاب، وكانت هجرة وكان تشتت، فلم يرتبط قوم بأرض، ولم ينعزل جنس بسبب ذلك عن جنس، فلم يكن في عصر الإغريق ولا في عصر الرومان دم لم يختلط، ولا عنصر لم يتلقح، فكل ما يقال عن خلاص السابينن والاترسكانيين وحتى عن نقاء الرومان والأغريق، لا يمكن تدعيمه على ما هو معروف اليوم في علم الأجناس. قالوا وشادوا بان الإسبرطيين جرمانيون خلصاء ومع ذلك أدخلهم (دكسن) في عداد الألبيين وقالوا وشادوا بأن الاترسكانيين
جرمانيون خلصاء ومع ذلك قال عنهم هرتس مؤلف (الشعوب والمدنية) أنهم لم يكونوا من المجموعة الهندية الجرمانية، وأن هذا ثابت ثبوت يقين.
ان العنصر له أثر لا ينكر في أحداث المدنيات وتنشئ الشعوب ولكن هناك أمور أخرى لا تقل آثارها عن أثره، ولا نتائجها عن نتائجه، وهي تلك التي ينكرها لمتصلفون من دعاة العنصرية وغلاتها. ليس من العلم في شيء أن ننسب عظمة الإسبان مثلاً إلى دخول الدم الجرماني إليهم، وسقوطهم إلى دخول دماء أخرى غير جرمانية، ثم نغفل العوامل التاريخية والجغرافية الكبرى التي كان لها أثر كبير في تلك الرفعة وهذا الهبوط. وإذا عزونا كل مدنية إلى الدم الجرماني وكل تقدم إليه، فكيف نفسر تلك المدنية العربية التي ازدهرت يوماً ما في الأندلس وطالت ما حولها من المدنيات الأوروبية طولاً كبيراً.
إن إبطال الدعوى الجرمانية بل تسخيفها عمل يسير هين. ولكن العمل الشاق الذي يتعب الإفهام ويجهد العقول، إنما هو تسبيب نشوء المدنيات، وتسبيب انحطاطها أو زوالها. الناس تجنح دائماً كما يجنح الألمان اليوم إلى جعل العنصر العامل الوحيد في ذلك، الذي تتضاءل دونه العوامل، والسبب الذي لا تستأهل سائر الأسباب إلى جانبه ذكراً. خطأ كبير تغذيه العاطفة، وسهولة في تبسيط القضايا لا تسيغها العقول العلمية الهادئة. من بدء أزمان لا تقدر، إلى ما قبل قرون قلائل كان الجنس الجرماني يكن شمال القارة الأوربية، وكان جنساً غير مذكور ولا مأبوه له، وكان أحط الأمم الأوربية سكاناً، فأين كانت خواصه الإلهية، وصفاته السماوية كل تلك القرون؟ أكان عاجزاً عن خلق مدنية لنفسه؟ أم هي المدنية نشأت عند غيره وقريباُ منه، ومع ذلك خاب برغم قرب المساس عن اقتباسها واستعارتها؟ أم الحقيقة هي التي نقول، أن العنصر وحده غير كاف لخلق المدنيات واستنباط الحضارات.
بدأت الحضارات في مصر والعراق والهند وشرق البحر الأبيض، ومشى التاريخ قدماً فانتقلت مراكزها إلى أواسط هذا البحر ثم إلى غربه، ثم مشى التاريخ خطوات أخرى فبلغت الحضارة بحر الشمال والمحيط الأطلسي، وعندئذ، وعندئذ فقط، بدأ العنصر الجرماني يظهر في التاريخ، فان كان العنصر وحده قميناً بكل شيء فكيف ظل الجرمان ابرة كل الأحقاب بينما كانت العناصر الأخرى، وهي وطيئة في زعمهم، تخترع الحروف وتبتدع الأرقام وتخط البحار بالتجارة وتبني الدول وتقيم الحضارات.
إن الجزر البريطانية تألفت سكانها في القرن الثاني عشر من نفس العناصر التي تتألف منها في القرن العشرين، إلا في اليسير الحقير، وقد كانت في أوائل القرن السادس عشر جزراً لا شأن لها ولا خطر، ولم يمض على ذلك العهد غير قرنين حتى وجدناها قوة عظيمة في دول العالم، فكيف جاءها هذا الشأن وذلك الخطر، والعنصر هو هو لم يتغير؟ أليست العوامل التاريخية والجغرافية إذن أبعد أثراً من كل ما عداها؟ كانت الجزر البريطانية في طرف أوربا، والحضارة متركزة في شرق البحر الأبيض أو وسطه، فلم يكن لبريطانيا ذلك المساس الذي لا بد منه لاشتعال الثقاب، لذلك لم يكن لها في الحضارة قول كبير ولا عمل خطير، ثم استكشفت أمريكا، وبين عشية وضحاها انقذفت بريطانيا في وسط المسرح العالمي، فلم يكن لها بد من تمثيل دورها، وانتقل مركز المدنية إلى غرب أوربا حيث بقي ويبقى سنين طوالاً، حتى أصبحت لفظة الغرب علماً على المدنية، وأصبحت إنجلترا قائدة الأمم، وإن كان لعنصرها الجرماني أثر في هذا الانقلاب، فهو لا يقارب في شدته الأثر الذي للحوادث والتاريخ والجغرافيا معاً. ولنفس تلك الأسباب زالت عن إيطاليا تلك السيادة التي كانت لها يوم تربعها في وسط المسرح العالمي، في وسط البحر الأبيض المتوسط حينما كان هذا البحر عظيماً لوقوعه في الطريق إلى الشرق وأممه، ولكن كشف أمريكا قذف بإيطاليا حفيدة الرومان من بؤرة الرقعة إلى طرفها، وفي الوقت نفسه كشفوا عن طريق الهند الآخر، فلم يكن بد من نزول إيطاليا حفيدة الرومان عن قوتها وثروتها وجاهها نزولاً سريعاً كسرعة الحوادث في ذلك المكان الغربي النائي من سطح الأرض. فهل ننسب هذا النزول إلى العنصر وهو الذي إليه نسبنا الصعود في سالف الدهور؟
ثم المخترعات الحديثة وعلى رأسها البخار، أحدثت في العالم السياسي والاجتماعي والاقتصادي أحداثاً أين منها أثر العنصر؟ أن التاريخ في القرنين الفائتين كتب بالفحم الأسود والحضارات قيست بعدد الأحصنة البخارية التي للأمم، حضارات بنيت على الفحم والحديد، فالفحم والحديد عاملان جغرافيان أين منهما أثر العنصر؟ فلو لم يكن في صخور إنجلترا وأمريكا ذلك الذخر الكبير من الوقود الصلب والسائل لكان للتاريخ الأخير مجرى غير الذي كان برغم العنصرية ودعاتها.
إن الأمم كالأفراد يتألف نجاحها من عاملين، عامل الوراثة وعامل البيئة، ومن عوامل البيئة العوامل الجغرافية التي ذكرنا مثلاً منها، ولعوامل البيئة هذه أثر لا يناهض في تقدم الإنسان أو تأخره، وهي على الأقل تضع حداً جازماً لتقدمه لا يمكنه تجاوزه. والحضارات أنتجت إنسانية نادرة نشأت من الأرض في بقاع متفرقة، كانت كلها نتيجة انفعال الإنسان لبيئته وتفاعله معها وتغيير نفسه وحاله وفقاً لها، وعلى هذا لا يمكن مقارنة مدنية ولا مقدرة شعب بشعب الا إذا قارنا بيئتيهما وهذا جد عسير، ودون هذا لا تمكن إقامة الدعوى على أن قوماً غير أهل لمدنية لأنهم وهم في بيئة خاصة خابوا فيما حاولوه. إن الماياس واليوكاتان قبيلان من الناس كبيران كانت لهما مدنيتان زاهرتان في أمريكا الوسطى قبل الفتح الكولومبسي بقرون فلو أنك قرنتهما بالإغريق فربما خرجت بأنهما دون هؤلاء عنصراُ، لأنهما لم يأتيا بمثل ما أتى الإغريق. ولكن إذا علمت أن هذين القبيلين كانا يعملان في عسر من الطبيعة شاق، فقد حرمتهما الدواب وحرمتهما الحديد، فلم يعرفا لهذه رسماً ولا لهذا اسماً، وامتحنت بعد ذلك ما خلفا لوقعا من نفسك موقعاً قد يناهض موقع الإغريق أو يعلوه.
أحمد زكي
العالم المسرحي والسينمائي
مسارحنا في الأعياد
لناقد (الرسالة) الفني
جرت تقاليد المسارح الكبرى، ودور اللهو في أوربا عامة، وفي إنجلترا خاصة، على إعداد برامج حافلة في مواسم أعياد الميلاد ورأس السنة، تعنى بعرض مشاهد مسلية يجد فيها الأطفال متعة ولهواً بريئاً يثير في نفوسهم الغضة ألواناً من السعادة والجذل، ويجعلهم ينعمون بأمسيات طيبة في ليالي العيد، تبهج قلولبهم، وتبعث فيها الحياة والمرح.
وتزدحم المسارح في أيام العيد بروادها من الأطفال مع أهلهم الذين يصحبونهم يشاركونهم اللهو والسرور جذلين فرحين بأن ينعم أبناؤهم بما أعدوه لهم من مباهج العيد ومسراته في المنزل أو في المسرح على السواء.
وتستمر حفلات الأعياد في المسارح قرابة شهر، وأكثر البرامج من نوع (البانتوميم) الذي يمثل بعض الخرافات الشائعة، أو القصص الصغيرة المسلية، التي لا يعيا ذهن الطفل الحدث في تفهمها ومتابعتها، وتصحب بالموسيقى والأغاني الرقيقة التي يسهل على الطفل حفظها وترديدها بلفظها الجزل، ولحنها السهل، ونغمها الشجي العذب.
وهناك بعض الروايات على المسرح الإنجليزي، تعد خصيصاً لحفلات أعياد الميلاد ورأس السنة، وقد أصبح تمثيلها من التقاليد الموروثة التي لا مندوحة عنها، وبعضها يرجع تاريخ ظهوره إلى حوالي نصف قرن، ولكنها تظهر كل عام في مظهر أنيق، فتعد لها الملابس الجديدة الزاهية، والمناظر الدقيقة الجميلة، وقد تضاف إليها بعض الأناشيد والأغاني لتجعل لها لوناً جديداً جذاباً.
وأشهر الروايات التي عرضت هذه السنة على مسارح لندن في مواسم الأعياد (سندرلا) و (الأطفال في الغابة) و (ديك وتنجتن) و (علاء الدين) ويرجع تاريخ ظهورها إلى سنة 1893، أعني إلى واحد وأربعين سنة مضت.
ومن أحسن الروايات التي عرضت هذه السنة، ولها تاريخ ماض طويل، رواية (بيتربان) التي يحتفظ بطلها بنضارة الصبا على مدى الحياة، وهو خالد على مر الدهور لأنه يمثل روح الشباب الخالدة أبداً.
ومثلت رواية (هانسل وجريثل) على مرح كامبردج، وقد ظهرت لأول مرة على مسارح لندن سنة 1895 حيث مثلتها فرقة كاروزو. وتعد بموسيقاها من أحسن الروايات الغنائية، ولها شهرتها البعيدة في إنجلترا وألمانيا على السواء، بل في القاهرة أيضاً وقد كتبت قصتها للأطفال خاصة.
ومن الروايات القديمة التي تمثل في هذا الموسم في رواية (أين ينتهي قوس قزح) التي يرجع تاريخ ظهورها إلى حوالي عشرين سنة مضت، وهي رواية وطنية تثير في الطفل الإنجليزي ألواناً شتى من العاطفة القومية، وموضوع القصة خرافي ولكنه من موضوعات الشائقة التي يكون لها في قلب المشاهد أبلغ الأثر.
وبعض هذه القصص والروايات تمثل في لندن وفي كثير من المدن الإنجليزية الكبرى في وقت واحد أثناء أعياد الميلاد. ولا نريد أن نمضي في هذه الناحية من الحديث إلى غير نهاية، فإنما أردنا بذلك أن نمهد لما نريد أن نقوله للمشتغلين بالمسرح في مصر، وإنا لنرى منهم إهمالا تاماً وعدم احتفاء بأعيادنا القومية أو الدينية وإنها لتمر عليهم كغيرها من سائر الأيام، فلا يعدون لها برنامجاً خاصاً ولا روايات معينة، بل يحشدون فيها رواياتهم القديمة المعروفة فلا جديد في أيام العيد ولا ما يشبهه، وما يعنون بإعداد مشاهد مسلية طريفة يستطيع أطفالنا أن يجدوا فيها متعة ولهواً، ويكون في مقدورنا أن نصحب صغارنا إلى دور المسارح مطمئنين إلى أنهم سوف يلقون قصصاً تبهجهم وتسعدهم وتناسب عقليتهم الساذجة البسيطة.
وبينما يجد الطفل الإنجليزي في العيد من الروايات والمشاهد ما يحي في قلبه عاطفة قوية أو يبث في نفسه الحمية الوطنية، أو يدفعه إلى حب الخير وينمي فيه حاسة العطف على الفقير والبائس والمحروم، أو يريه من نواحي الفضيلة ما يحببه فيها، ومن صور الرذيلة ما يزهده في اقترافها، ومن معاني تقدير الآباء واحترامهم، وتجيل الأهل وإيتاء ذوي القربى، ما ينشئه نشأة صالحة طيبة، بينما يجد الطفل في إنجلترا وفي غيرها من الممالك الأوربية هذه الروايات الطيبة التي تسليه وتربيه معاً، ويراها يوم عيد ونفسه أحسن ما تكون استعداداً لنلقى ما يلقى إليها من المعاني السامية والأغراض الجليلة، لا يجد طفلنا شيئاً من هذا، وأنه ليمضي نهاره وليله حبيس غرفته وقد نمضي به إلى حديقة أو إلى زيارة بعض
الأقرباء، وليس في كل هذا جديد عليه.
ولست أدري من ألوم. المؤلف المصري أو مديري الفرق التمثيلية؟ فلو أن مؤلفاً كتب قصة من هذه التي تماثل ما ذكرنا من قصص المسرح الإنجليزي التي تعرض في مواسم الأعياد هل كان يجد الفرقة التي تقبلها وتعرضها؟ إن مؤلفنا لا تنقصه الموضوعات إن شاء وفي كثر من الخرافات الشائعة مجال واسع لقلمه إن أحب، وأنه ليستطيع أن يخلق من بعض هذه الخرافات التي يتلقاها الأطفال في المنزل وتفسد عليهم تفكيرهم البريء موضوعات شائقة تنقلب بها الخرافة من النقيض إلى النقيض وتزيح عن عقل الصغير شيئاً ما نظنه بالهين ولا باليسير.
وهذا (البعبع) الذي خلقته العجائز لإخافة الطفل وإفزاعه أما نستطيع أن نعيده رجلاً طيباً يحنو على الأطفال ويحبهم ويهبهم ليلة العيد العطايا والمنح الطيبة من اللعاب والحلوى، أسوة ببابا نويل الذي خلقته الخرافة في الغرب فجعلت منه معبوداً للأطفال الصغار؟! و (أبو رجل مسلوخة) ما ذنب المسكين في سلخ رجله، وما ذنب أطفالنا نقيمه لهم مخافة ومفزعاً؟ أما في مقدورنا أن نضع حول خرافته قصة لطيفة مسلية نبرزه فيها الرجل الطيب الذي يحب الأطفال الذين يحترمون أباءهم ويبجلون أساتذتهم، ويهب النشيطين منهم والمكبين على الدرس الهدايا واللعب الحلوى، وننتزع بذلك تلك الصورة المشوهة التي نلقيها في ذهن أطفالنا وندفعهم إلى التقرب منه عن طريق حبه ورجاء خيره، بدل أن نفزعهم بصورته البشعة ورجله المسلوخة؟
وفي العيد الكبير ألا تصلح قصة كبش الفداء موضوعاً لرواية سهلة يرى فيها أطفالنا أصل هذه العادة الإسلامية التي تدفعنا إلى ذبح الكباش يوم العيد وتوزيع لحومها على الفقراء والمعوزين؟
إننا نستطيع أن نخلق عشرات الروايات من تاريخ مصر القومي ومن تاريخنا الإسلامي تدور حول موضوعات تبث في قلوب الأطفال حب الوطن وتقدير تاريخهم المجيد، كما تبذر فيهم بذرة طيبة صالحة من الخلق القويم والأدب الرفيع، غير ما ندخله على نفوسهم من ألوان المرح والسرور بهذه القصص الشائقة المسلية، ونجعل العيد متعة لهم ومبعث سعادة وفرح، ونجعلهم مشوقين إليه جد الشوق، يحسبون مبلغ عنايتنا بالترفيه عنهم وإدخال
السرور على نفوسهم، ونجعل من العيد حياة زاخرة قوية، ومن أيامه أفراحاً وأعراساً للصغار وللكبار على السواء ونقيم فارقاً بين ساعاته التي يجب أن نملأها نعيماً وهناء، وبين أيام السنة التي تمضي بين الجد والعمل، وتمر فاترة مملولة.
وبعد. . . هل تجد هذه الكلمة أذناً صاغية من مؤلف أو مدير فرقة؟ لقد مرت فرصة العيد الصغير ولكن ما يزال في الوقت فسحة للعيد القادم، فلعل صغارنا يلقون فيه بعض ما يلقى صغار الأمم والشعوب يوم العيد.
محمد علي حماد
القصص
أمير النوبة
بقلم الأديب حسين شوقي
عاد أمير النوبة إلى (نباتا) بعد أن قضى سنوات طويلة في مصر، على زعم أنه يتلقى الدروس بجامعة (عين شمس) الدينية العظيمة، ولكن الواقع هو أنه قضاها في مغازلة وصيفات الإله (رع) الحسان، وما كاد الأمير يرجع إلى وطنه حتى شعر بحنين شديد إلى مصر، وطنه الثاني، فتذكر في حسرة شوارع منفيس الواسعة، وحوانيتها الفخمة، وبائعاتها الرشيقات، ومراقصها. . أما هنا في (نباتا) فكل شيء يضايقه: فقصر أبيه الملك لا يزيد شأناً على الأعشاش التي يقيمها بعض وجهاء المصريين - في المصايف - على شاطئ البحر، والنساء كلهن بدينات متزينات بالريش والودع، دميمات المنظر مثل (سحمت) الإله المصري الذي يلتهم المذنبين في العالم الثاني. . أما أصدقاؤه من النوبيين فكلهم خشن الطباع، يلتهمون الطعام بأيديهم في وحشة وقذارة. . إنه يؤثر عليهم العزلة ليخلو إلى خياله فيتذكر أصدقاءه المصريين المرحين في (عين شمس) الذين قضى معهم أياماً سعيدة في قصورهم الشامخة على ضفاف النيل. ما أبهج تلك الليالي التي قضاها معهم في احتساء (الجعة) اللذيذة المخصصة لقرابين الإله رع، والتي كانوا يحصلون عليها خفية!. أما النوبيون فكانوا لا يميلون اليه، بل كانوا يسخرون من عاداته التي اكتسبها من مصر، ويرمونه بالخنوثة. .
حقاً! إنآلام الأمير النفسية كانت شديدة، خصوصاً وهو لم ينس قط (تايا) الحسناء بنت معلمه الكاهن (منتو)، كم ود أن تصحبه هذه الفتاة إلى (نباتا)، ولكن ماذا يعمل أمام رفض والدها الكاهن وهو رجل يحافظ على التقاليد. لم يرض أن تتزوج ابنته من أجنبي دنس في نظر الدين. .
وبينما هو سابح في هذه الأحلام، يذكر هذه المناظر المصرية خلال الدخان المتصاعد من (غليونه)، إذا بأبيه الملك يدخل عليه فجأة فيقول:
ولدي! أتحب أن تعود إلى مصر؟
فأجاب الأمير وقد تهلل وجهه:
ما أشد سروري بذلك يا أبت! هذه غاية مناي
الملك - ولكنك ستعود هذه المرة طالباً ملكهم لا علمهم!
فستقود الجند الذين سيزحفون على مصر في الغد، لأن الوقت مناسب لهذا الهجوم، أما أنا فصحتي لا تسمح لي بالسفر، أنظر إلى ساقي، إن ورمهما يزداد كل يوم. . هذا بلا شك أهر لسحر تلك الجارية التي طردتها في الأسبوع الماضي، آه من السحر! كان يجب أن أدق عنقها بدلاً من أن أطردها، ومع ذلك فأنت تعرف مصر جيداً، ولا بد أنك مغتبط بهذه المهمة. .
قال الأمير (في غضب) - كلا يا والدي! لا أريد أن أذهب إلى مصر جلاداً. .
فصاح الملك متعجباً ماذا تقول يا ولدي؟ من علمك هذه الترهات؟
إني آمرك بذلك. أفهمت؟
قال الأمير - إني آسف يا والدي إذ لا أستطيع أن أرافق جيشك في هذه الغزوة!
فصاح به الملك - (في غضب) - إني آمرك حقاً لقد أخطأت في إرسالك إلى مصر لتتعلم، إن القوم مهرة في علم السحر، فهم قد سحروك. .
الأمير - أجل! إنهم سحروني بحضارتهم!
الملك - (يضحك بصوت عال) - حضارتهم! أين هي؟
أتسمي حضارة هذا (الغليون) الذي يكتم أنفاسي بدخانه؟
الأمير - ولكن يا أبت ما الفائدة التي نجنيها من هذه الحرب؟ إن المصريين أقوياء وجيشهم مجهز بأحدث الأسلحة. .
الملك - ولكنهم منقسمون، يحارب بعضهم بعضاً، إنها فرصة ثمينة لغزوهم الآن. .
الأمير - ولكن ألا تخشى غضب آلهتهم العظام؟
الملك - (يضحك) - ليست آلهتهم إلا ضفادع المستنقعات وقطط الحيطان. . (ثم قال في جد) كفى الآن مزاحاً، إذهب! فارصد أهبتك للرحيل
الأمير - لن أذهب يا أبت!
الملك - (محتداً) - بل ستذهب أنها الولد العاق!
غادر الملك الحجرة فشعر الأمير بعد أن هدأت ثورته بحزن عميق، لأنه لا يستطيع بحال
أن يحارب المصريين الذين تعلم في ديارهم، وتثقف بثقافتهم، واتخذ من بينهم أصدقاء كثيرين. . انه لا يستطيع أن يتصور الني مصبوغاً بالدماء، ورياضه وخمائله جرداء، وقصوره تلتهمها النيران. . كلا! هم ان المصريين لم يعتدوا من جانبهم على النوبة حتى يكون هناك مبرر لهذا الزحف، كلا! هذا أمر فظيع! إنه يؤثر عليه الموت. .
ألقى الأمير بنفسه على السرير واخذ يبكي طويلاً، ثم نهض فتذكر قنينة السم التي أعطاها إياه معلمه الكاهن (منتو) عندما ذهب ليودعه يوم سفره، كما تذكر قول الكاهن وقتئذ:
(ولدي! إن في الحياة أوقاتاً يفضل الموت فيها، وأنتم معشر الملوك والأمراء معرضون لأخطار كثيرة كالأسر أو المنفى، ثم إن هذا السم لا يحدث ألماً وإنما يشعر شاربه كأنه في الفردوس. .)
قصد الأمير دون تردد زاوية من الحجرة حنث كانت حقيبته التي صحبته في رحلاته إلى مصر، فنظر بعين ملؤها العطف إلى البطاقات الكثيرة التي تحملها الحقيبة من الفنادق الكبيرة في منفيس وطيبة والحجر، فأخرج منها قنينة السم ثم شربها جرعة واحدة وتطرح على السرير. .
وفي صباح اليوم التالي خاء خادمه لإيقاظه من النوم كالعادة، ولكنه امتنع هذه المرة عن تأدية هذا الواجب لأن وجه سيده كان يفيض بشاشة، فلم يشأ أن يعكر عليه أحلامه اللذيذة. .
حقاً! إن الكاهن (منتو) لم يكذب حين قال أن شارب سمه يحلم بالفردوس، ولكن الواقع أن روح الأمير كانت فعلاً في الفردوس، لأن الآلهة أرادوا مكافأته على تضحيته وإنقاذه مصر فردوسهم الثاني في هذه الأرض. .
حسين شوقي
أسطورة جاهلية
أساف ونائلة
حدث السادن (تيم) من (جرهم) يروي قصة (أساف) و (نائلة) للذين مسخا صنمين، فعبدتهما قبيلتا (قريش) و (خزاعة) ومن حج الكعبة من بعدهما، قال: كان (أساف بن يعلى) من أشراف (جرهم) ومن أشجع فرسانها، وكان مليح الوجه ظريفاً عظيم النفوذ بين العرب، وكانت (جرهم) تهابه أكثر مما تحبه، وقد أوتي حكمة الشعر والكهانة، وجمع إلى المال قوة العماليق، شيد له صرحا في اليمن كعش النسرن ولم يسكنه إلا بعد أن أخذ بثأر أبيه المقتول، ونحر على قبره، واحتفر للغنائم من حوله، حفراً ختمها بالحديد هذا الجبار الذي كان يتلهى بقتل عبيده في أوقات الفراغ، وقع أسر حب (نائلة بنت زيد) من (جرهم)، وكانت من أجمل نساء العرب، وأكثرهن ذكاء. تنشد الشعر، وتترك النار مشبوبة حول بيوتها للضيفان، وكان ربما خرج (أساف) للصيد والقنص، فصادف جواري يستقين، فينشدنه من أشعارها ما يطربه، وما كان (أساف) ليأنف أن يقف للناس في الأسواق وهو الزعيم القوي البأس لكي ينشدهم شعره في نائلة، فاشتهر عشق البطل لربة الجمال، وتغنت به الركبان في أرض اليمن وكان من عادة العرب، التفريق بين العاشقين، فكان طبيعياً أن يحرم العاشق لذة اللقاء، وأن يذوق حرارة البعد، ومرارة الفراق، وأن تفكر المعشوقة في خلها طول النهار، وطرفاً من الليل، وأن يتحين العاشقان فرصة اللقاء، ليرتشفا كأس الحب، فلما أقبلت نائلة من اليمن تحج البيت، كان أساف قد سبقها إليه، وكانت العرب تعظم الكعبة، وتبالغ في حبها والتبرك بها، وكانت تضع في جوفها أصنامها المعبودة.
والتقى أساف بنائلة حول ذلك البيت المقدس حاجين، وما كان أشد اشتياق البطل لمعشوقته، فطافا مراراً، ثم دخلا الكعبة يتبركان بأصنامها، فاتفق أن وجدا غفلة من الناس، وخلوة في البيت، فتقدم البطل إلى ربة الجمال، وأسلمت نفسها له في خفة، ورقة ولين، فضمها العاشق إلى نفسه، وتبادلا قبلات فيها شغف ولهفة، وفيها، وجد وجنين، وإذ ذاك صدرت في الحال همهمة مروعة، من أجواف الأوثان، أخرجت العاشق من لذة القبل، فغضب، وسب الأصنام ولعنها، فلما أصبح الحجاج وجدوهما صنمين على صورتهما من العقيق الأحمر، فعدت قريش مسخهما فضلاً من الآلهة ورحمة، واحتفلت خزاعة بهما، ونصبتهما
للعبادة في أرفع مكان بالكعبة، وكانت تتقرب إلى عبادتهما بالهدايا والقرابين، وتنحر عندهما، وكلما حجت العرب الكعبة تمسحت النساء بالصنم (نائلة) وتمسح الرجال بالصنم المعبود (أساف) وطافوا من حولهما. وبالغت قريش في تقديسهما فأقامت لهما منحراً ينحرون فيه الهدايا من النوق العتاق، والشياه السمان، واختارت سدنتهما من مشايخها. وكانت بنات (نائلة) السادنات يرسلن شعورهن، وينتظرن ظهورها على قارعة النخل مرة كل عام. وكانت نائلة تظهر مرة كل عام في صورة شيطان، رائعة الجمال، مرسلة الشعر، يركض بها جواد أشهب، إلى مقر الكعبة، فإذا بلغتها اختفت، وسمع من الصنمين صوت القبلات المتبادلة، وربما يكون العربي الحاج في هذه الفترة على بعد ألف فرسخ من مقر زوجته أو أمه، فيشعر كأنه قد قبلها وقبلته.
سليمان متولي
في الكتب
حياة نابليون
تأليف الأستاذ حسن جلال
يقول الإنجليز (لا ينجح مثل النجاح) وهذا ما أردده حين أتعرض للأستاذ حسن جلال، فقد أخرج من قبل كتابه (الثورة الفرنسية) فكان توفيقه باهراً، ثم طلع علينا أخيرا بكتابه (حياة نابليون) فكان بحق مثار الإعجاب والدهشة.
نعم، الكتاب جدير بإعجابنا وتقديرنا، فها هي ذي كتب التاريخ الكبيرة بين أيدينا نقرؤها من غير شهية، وهذا في اعتقادي ناشئ من أن الكاتب لم تتشبع روحه بالموضوع ولم يهضم مادته هضماً يمكنه من جعل الحقائق غذاء سائغا لقرائه؛ وأستاذنا من هذه الناحية يحب تاريخ الثورة الفرنسية وعهد نابليون ويعجب به، ولعل الكثير من تلاميذه لا يزال يذكر مقدار توفيقه في تدريس هذه المادة، الحق أن الأستاذ بلغ في هذا منتهى ما يصل إليه الخيال من حدود التوفيق، ذلك لأنه كان يقبل على عمله بعاطفة، ولعل هذا يفسره إخراج هذين الكتابين.
فإذا كان الأستاذ قد أحب هذه الصفحة من التاريخ الفرنسي، وصرف شطرا من عمره
يبحثها وتشبعت روحه بها، فلا أقل من أن يضع بين يدي طلاب الثقافة عصارتها، ومن ثم كان الكتاب سهلاً سائغاً يحبه القارئ وتلذه قراءته. ولا يفرغ منه إلا ليقرأه من جديد.
هناك نقطة أخرى، هي الحقائق لا أكثر ولا أقل، يسود المؤلفون بها صحائف الكتب ويلقونها على تلاميذهم دون أن يحاولوا استخلاص الآراء التي تحتجب وراءها، أو بمعنى أخر دون أن يعلقوا عليها التعليق الذي يجعلها تفيض نضارة وحياة وقوة. إلى هذا كله فطن الأستاذ حسن جلال، فلم يكن يهمه في كتابه أن يعلم القارئ أن مئات الحوادث قد وقعت، ولكن يهمه أن يصل بالقارئ إلى ظروف حدوثها وكيف كان يفكر أبطالها، ثم إلى أي حد كتب لهم التوفيق ولماذا أصابهم النجاح أو ضرب عليهم الفشل، ونرى في (حياة نابليون) أن الأستاذ المؤلف يوجه القارئ بواسطة المعلومات التي ساقها في مهارة ولباقة فائقين، إلى سبل التطور وتتبعها، وتفهم الأصول الاجتماعية والسياسية والخلقية والعقلية والاقتصادية التي أحاطت بالعصر الذي عاش فيه نابليون. أما مادة الكتاب فلم يكن الأستاذ مخترعاً لها، فالتاريخ إنما يستخلص من المراجع، ولكنا نجد بعض المؤلفين ينقلون صحائف برمتها من هذه المراجع، ثم يكتبون صحائف أخرى بأنفسهم، فلا نجد انسجاماً بين أجزاء الكتاب الواحد. والقارئ لكتاب الأستاذ جلال يلمس مهارة المؤلف في اختيار مادة كتابه، ويلمس كذلك الترتيب المنطقي للمعلومات، وتبدو شخصية المؤلف الذارة وروحه الخفيفة قويتين بحيث لا نميز خلالهما روح مؤلف ممن رجع إليهم، كل هذا برغم أن الكتابة عن الأشخاص في نظري أبعد أنواع الكتابة التاريخية منالاً.
وليس عجيباً أن يكون الأستاذ هادئاً بطبعه، ولكن العجيب أن يكون هادئاً حتى وهو يكتب هذه الحياة العاصفة، لا يميل مع الإنجليزي الذي يمثل نابليون أفعى نفثت سمومها، ولا مع الفرنسي الذي يصور الرجل من قادة البشر إلى الجريمة والإخاء والمساواة، بل يجلس الأستاذ بينهما مجلس القضاء.
ومهارة الأستاذ في القصص، تفوق مهارته في التاريخ، فأنت حين تقرأ وصفه للقاء نابليون بجزفين بعد عودته من مصر، تنسى التاريخ وتنسى كل شيء إلا ذلك التصوير الرائع، ولكنك لا تكاد تنتهي منه حتى تصدمك عنوانات تاريخية جافة (حالة فرنسا في غياب بونابرت - انقلاب برومير - دستور 1799) فتوقظك من ذلك الحلم وتعيدك إلى حظيرة
التاريخ مرة ثانية؛ ذلك نصادفه كثيرا في كتاب الأستاذ؛ فهل نعتبر الكتاب قصيدة منثورة أو نعتبره قطعة من التاريخ؟ أما رأيي فهو أن الكتاب تاريخ شعري، وما أحوج التاريخ إلى أن يكون سائغاً جميلاً، ولاسيما إذا تنبهنا إلى أن الأستاذ لم يكتب لنا مؤلفاً نضعه في عداد المراجع التاريخية، أو سفراً له قيمة السجلات الرسمية، ولكنه صاغ حلقة من سلسلة المعارف العامة التي تعنى لجنة التأليف والترجمة والنشر بوضعها بين أيدي طلاب الثقافة. وآخر كلمة أقولها بعد أن قرأت (حياة نابليون) أن الأستاذ المؤلف قد عرض المؤرخين الذين ترجموا لهذا البطل صفاً صفاً، استملاهم جميعا فأفرغوا ما كان يملأ جعباتهم (من وحي الهوى وتصوير الإعجاب وإملاء المقت وصدى الحفيظة) ثم ناقشهم الحساب العسير حتى عرف البواعث التي أملت ما قالوا، وأخيراً قال كلمة العدالة التي عصبت عينيها، ورفعت الميزان في إحدى يديها، وأمسكت بالأخرى سلاحها، فكانت كلمته فصل الخطاب.
عبد الفتاح السرنجاوي