الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 310
- بتاريخ: 12 - 06 - 1939
بمناسبة تبرع اللورد نفيلد نسأل:
هل لأغنيائنا وطن؟!
من أنباء البرق الأخيرة أن اللورد نفيلد صاحبَ مصانع سيارات (موريس) الإنجليزية قد تبرع للدفاع الوطني البريطاني بمليون ونصف من الجنيهات، ووضع مصانعه الكبرى تحت تصرف وزارة الدفاع، فبلغت بذلك جملة هباته للوطن في مدى عشر سنوات خمسة عشر مليوناً ونصفاً من الجنيهات على رواية الصنداى إكسبرس! فإذا قرأت هذا وتذكرت ما تبرع به زخاروف وأفيروف وكوتسيكا وأنطونيادس للجيش اليوناني وهم من رجال الأموال والأعمال في مصر، لا يسعك إلا إن تسأل كما أسأل: هل لأغنيائنا وطن؟
الواقع الذي لا مراء فيه أن ليس لأغنيائنا وطن، إنما لهم قصور لإتلاف النعمة، ومزارع لعصر الفلاح، وبرك لصيد البط، وميادين لسباق الخيل، وأندية لقتل الوقت، ومنازه لإظهار الأبهة. وما عدا ذلك من أرض الوطن ومعنى الوطن فهم لا يعرفونه ولا يفقهونه!
هل سمعت أن غنياً من الأغنياء أو أميراً من الأمراء قال إن له وطناً فتبرع له بطائرة في الجيش، أو بجائزة في المعارف، أو بكرسي في الجامعة، أو بمستشفى في الصحة، أو بملجأ في الأوقاف؟
لا تقل في تعليل هذه الفردية الشحيحة: إن أغنياءنا جهلاء العقل، وأمراءنا غرباء العاطفة؛ فإن الوطنية عصبية طبيعية تقتضيها سنة الحياة، فتكون في رجل الفطرة تعصباً للأسرة، وفي رجل البداوة تعصباً للقبيلة، وفي رجل الحضارة تعصباً للأمة، وفي رجل الإنسانية تعصباً للعالم
ولئن سألتني عن تعليل ضعف الوطنية في هؤلاء الناس لأقولن لك إني عنه عاجز؛ فإنهم لا يزالون يشعرون بها شعور الفطرة الضيقة المحدودة. ومن الصعب على العقل أن يتصور أن أصحاب السمو وأصحاب المجد وأصحاب السعادة لا يجدون في أنفسهم من الحب لمصر الحبيبة الخصيبة، ما يجده الإنسان الفطري للغابة السليبة والبادية الجديبة!
يكاد النيل يعتقد أن أكثر الأجانب الذين يعيشون فيه، هم خير له من أكثر الأغنياء الذين يعيشون عليه! لأن أولئك يعاملونه معاملة الراعي الذي يحلب ويرعى، وهؤلاء يعاملونه معاملة العلق الذي يمتص ويهمل. فأينما رأى التجارة والعمارة والإنتاج رأى ضيوفه،
وحيثما رأى الإسراف والإتلاف والتبطل رأى أهله!
ليتني أدري ماذا يقول الغني الأصيل إذا نافره الأجنبي الدخيل أمام قدس الوطن؟ أيقول له: هذه رءوس أموال تنشئ الشركات وتقيم المصانع وتنمي الثروة؟ أم يقول له: هذه (مشروعات) أعمالي تقر الأمن وتحيي البلاد وتقتل البطالة؟ أم يقول له: هذه ثمار أفضالي تعزز الدفاع وتشجع الإبداع وتنشر الثقافة؟ الله أعلم يومئذ أيهما يقول ذلك وغير ذلك؛ وأيهما يقف ناكس الرأس خاشع الطرف عَيّ اللسان، لا يجري على باله إلا أنماط الثياب وسلائل الكلاب وفصائل الخيل وطرز السيارات وأندية القمار وحسان هوليود!
يظهر أن التفدية والتضحية والخدمة العامة إنما تكون أثراً لقوة الروح وصحة الخلق، فإن أول من تطوع للجهاد شباب الأمة، وأول من تبرع للدفاع رجال الدين. فالحيلة في أغنيائنا إذن هي حيلة الله. هو وحده الذي يملك أن يحيل في النفوس عبادة المال عبادة للوطن، ويجعل في القلوب محبة النفس محبةً للناس
يا أغنيائنا، إنا نريد أن نحبكم فساعدونا على خلق هذا الحب. إن ديننا ينهانا أن ننفس عليكم نعمة الله، وإن وطننا يمنعنا أن نضن عليكم بأخوة الوطن؛ ولكن العقيدة والوطنية اللتين تحببانكم إلينا، هما كذلك اللتان تغضباننا عليكم! لأن الأمة تريد أن تقوي وفي نفوسكم قوتها، وتبغي أن تعتز وفي رءوسكم نخوتها، وتحاول أن تدافع وفي أيديكم ثروتها، فحرمتموها كل ذلك ووضعتموه في غير موضعه، وأضعتموه في غير سبيله؛ ثم مكنتم للجهل والفقر والمرض أن تدهمها
من كل جانب، فقعد القوي لجهله عن السعي، وفتر العالم لفقره عن البحث، وعجز الضعيف لمرضه عن الإنتاج
يا أغنياءنا - والناس أجمعون يعرفون من أعني - لقد جربتم بذل المال في اللهو، وقتل العمر في العبث، وفقد الصحة في المجون، فهل كسبتم من وراء ذلك مجداً أو وجدتم في عواقبه سعادة؟ جربوا ولو مرةً واحدة على سبيل التسلية أن تمسحوا دمعة على خد حزين، أو تنفسوا كربة عن قلب بائس، أو تسهلوا طلب العلم لفقير، أو تمهدوا سبيل العمل لمتعطل، أو تشاركوا أبناء الشعب في منفعة عامة؛ ثم انظروا بعد ذلك كيف يشيع في صدوركم الرخاء، ويرتفع بقلوبكم الإخاء، وتنعم نفوسكم في الحياتين بين عاجل المجد
وآجل الخلود. ثم وازنوا بين متعة الجسم ولذة الروح، وتجدوا أن الأولى تنقضي بالملل والعلل والجريمة، والأخرى تدوم بدوام الروح في الأرض وتخلد بخلودها في السماء
يا أغنياءنا - والله هو الغني الحميد - لقد بح الصوت وحفي القلم وأنتم في نشوة البطر وغفوة النعيم لا تسمعون ولا تقرءون! فهل تظنون أننا بما نقول ونكتب نريد أن نخرجكم عن متاعكم، أو نحولكم عن طباعكم؟ لا يا سادتنا! إن ذلك عمل الله وحده؛ أما عملنا فأن نذكركم كلما نسيتم أن لكم مواهب تهملونها وللوطن في استغلالها نصيب، وأن لديكم أموالاً تبذرونها ولله في ريعها حق؛ وأن ننبهكم كلما غفلتم إلى أن هزل الحياة لا ينفع في جد الموت، وأن ملك الدنيا لا يغني عن ملك الآخرة!
أحمد حسين الزيات
بقية من حديث الإيمان
النبوة - الوحي - المعجزة
للأستاذ عبد المنعم خلاف
كتب إلي كاتب فاضل من بيروت، لم يتكرم بذكر اسمه كاملاً، يستعديني على مقال لدكتور فاضل نشر بمجلة (الأمالي) عنوانه (المعجزة) فسرها فيه تفسير الرافضين الاعتراف بالنبوة بمعناها عند المؤمنين.
وأنا لا أحب الجدل العلني في الصحف، ولا أرتاح إلى نتائجه على النفس والحق وخصوصاً في المسائل الشائكة التي يجب أن تمحص في خفاء وهدوء يوحيان عدم التعصب للرأي، وحب الغلبة أمام الجمهور. ولذلك لم أرد أن أناقش ذلك المقال مناقشة حرفية لأن الألفاظ عالم فضيع غير مضبوط الحدود، وإنما أردت أن ألقي خواطري حول هذا الموضوع الخطير، وفيها يستبين رأيي وردي الضمني على ما ورد بالمقال. وأرجو أن يكون فيما كتبت إرضاء (للعقل المؤمن والقلب العاقل) الذي كاتبني من بيروت.
هل يقنع ناظر باحث في حياة الإنسان العقلية والروحية الأولى أنه يجوز أن يترك الله الإنسان من غير أن يتصل به ويرشده، ويبين له بعض ما خفي عليه وخصوصاً إذا كان هذا الخفاء حول أهم غاية في الحياة العقلية والروحية؟
هل يجوز أن يستمر الكون كله صامتاً أمام الإنسان لا يكلمه فيه أحد بكلمة غير إنسانية؟
أيمر كل الناس هكذا على الدنيا سائرين إلى القبور وأبواب الغاية المجهولة من غير أن يسمعوا حديثاً إلهياً عما وراء الحياة؟
هل يجوز عقلياً ووجدانياً أن يحتجب ربنا عنا من أول رجل فينا إلى آخر رجل هذا الاحتجاب القاتل؟!
أيمكن أن يكون هذا من إله نرى رحمته وسعت كل شيء؟
أيكون أوجدنا لنثبته بمنطق عقولنا فيقتلنا هو بشوق قلوبنا إليه شوقاً لا أمل وراءه؟
أكان من الممكن أن يستقل عقل الإنسان في طفولته المنحطة بالاهتداء إلى الحق الفاصل في قضايا الوجود وما بعد الطبيعة؟
ماذا يغني العقل وحده وماذا يرشد إزاء هذه الألغاز والمعميات التي رآها الإنسان في دور
طفولته؟ إنه لا يزال غير مغن ولا نافع عند كثير من الناس حتى في زمن العلم والسيطرة على الطبيعة فكيف يغني في زمن الكهوف والإحراج والغابات؟
كيف يغني في زمن الجهل المطلق بالنفس وبالطبيعة وفي زمن عبادة الأحجار والأبقار والثعابين والجعلان والخنفسان؟
وماذا كان العقل في تلك الأزمان؟ إنه لم يكن سوى انطباعات بسيطة من تجارب الحياة المحدودة التي كان يحياها الإنسان، فكيف يقدر أن يستقل بأمر البت في أمر الإلهية وصفاتها وكمالاتها؟
إن الطفل لا يدرك في أول أمره من أمه غير ثديها وهي تلقمه إياه. . . ثم ينكشف له جسمها ومعناها عضواً عضوا وشأناً شأناً حتى يدركها كاملة. . . ولو تركته منذ ولادته لمات جوعاً ولذهب وجوده ولم يدركها. وكذلك الإلهية مع الإنسان، والله المثل الأعلى
هل يمكن أن ينشأ طفل كامل من غير أم أو من في معناها تقول له قولها المعروف وترعاه حتى يصل إلى سن الرشد فيستطيع أن يستقل بأمره بنفسه؟
أنا لا أستطيع أن أتصور الإنسان الذي هو أكرم ما في الأرض يعيش هكذا وحده وخصوصاً في عصور طفولته من غير أن يقول له قائل من وراء الغيب كلمة التوجيه والتسديد
ولو كنا نرى نوعاً آخر محترماً يعمر الأرض ويتولى الخلافة عليها ويسخرها لقلنا: لعل هذا هو المقصود بالخلق ونحن نعيش على الهامش. . . ولكننا لم نر سوانا خليفة يصح أن يكون مقصوداً بالخلق. . . فكيف يقصد وجودنا الخالق ثم يتركنا من البدء للنهاية من غير كلمة!
كلا! لن يثبت العقل على رأي ثابت في (الله) إلا إذا سمع صوتاً منه. . . وإلا فمن الحكم بين العقول المختلفة؟
كلا! لن يؤمن الإنسان بأنه شيء ذو خطر في الوجود إلا إذا قيل له ذلك من غير عالمه العقلي المستقل. . .
كلا! لن يصبر الإنسان على احتمال الحياة بلذاتها وآلامها من غير أن يسمع من يقول له: احي، واعمل، واصبر. . .
الإنسان ما الإنسان؟ إنه كل شيء في الأرض أمام نفسه وأمام الوجود الظاهر فكيف يهمل ويترك سدى من غير نداء خفي بعيد؟
إن الإنسان نفسه كبير الرحمة في بعض أفراده الذين لا يستطيعون سماع استغاثة حي ذي كبد رطبة دون أن يبكوا رحمة له، ويقولوا له: لبيك لبيك. . . فما بال الرحمن الذي ثبتت رحمته ثبوتاً محسوساً تنظر إليه عقول عباده وقلوب الباكين الدائمي البكاء له السائرين في ظلام الحياة وآلامها، اليقظين لكل فكر وحس وحركة في الوجود، الحاملين آلامهم على ظهورهم وأرواحهم على كفوفهم، الحائرين بين مذاهب الأفكار واتجاهات الطباع واختلافات الميول يقولون له: (رب الحياة! قل لنا كلمة واحدة: ما هو الحق؟ قل لنا بصوت منك أو بلمحة أو بحجة قاطعة حتى نجزم به جزم الحس مع جزم العقل. . .
إن جزم العقل وحده في هذه المسألة الكبرى لا يدخل الطمأنينة الكاملة التي لابد منها في حياة الإيمان يا مولانا! فاكشف لنا الحجاب، واهتك الأستار، وأرنا ما وراء هذه الكثافات والأجرام والأجسام والأحجام. . .) أقول ما بال الرحمن لا يسمع دعاء ممثلي الإنسانية الحائرة المقتولة بالشوق والشك المصروفة بالإفك، فيقول لها بين فترة وأخرى كلمة فاصلة يشير لها بها إلى الطريق مادامت هي القطيع المقصود، ومادام الاهتداء إلى الله هو المعنى الذي يصح أن يكون غاية الله من خلق الإنسان؟
هكذا وقف قلب كل نبي نشأ في حيرة من ضلال قومه قبل أن تتصل به شرارة الوحي، لا يرى نوراً ولا يسمع شيئاً يقول له:(من هنا الطريق. . .)
هكذا وقف كل نبي في الظلمات وبكى. . . بكى لكل شيء. . . بكى للسماء والأرض والحجر والنجم والحي والميت وكل شيء. . . وكل شيء. . .
فإذا كان منطق الإنسان الكامل ورحمته يحتمان أن مثل هذا الباحث الحائر الباكي يجب أن يرحم ويخاطب ويغاث من لهفته وخصوصاً إذا احتاجت الظروف لحركة تطهير الأرض من ضلال وفساد، فأظن ظناً يقرب جداً من العلم أن هذا المنطق وتلك الرحمة يقولان (لابد الله أن يتكلم!) أجل يحكمان على رب الوجود أن يكلم ذلك الرجل الحائر الباكي من عدم الاهتداء إلى حقيقة نفسه وحقيقة الوجود. . . ولن يحمل إنسان عبء النبوة والرسالة الفادح إلا إذا سمع هذه الكلمة. . . ولن يتحدث باسم رب الوجود ويقول:(أوحى إليٌ) إلا إذا سمع
حديث الله له. . . وإلا كان أكبر مجرم ظالم كاذب والكاذب لا يستطيع أن يبني بيتاً كما يقول (كارليل) فلا يستطيع أن يبني أمة. . . (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً، أو قال: أوحى إلي ولم يوح إليه شيء. . .)
تلك هي النبوة أوقن بها كما أوقن بسنن الطبيعة المطردة وأنتزع حججها من صميم النفس الإنسانية منطقها ووجدانها وأحاسيسها. فكما أومن بأن الشمس يجب أن تظهر للنبات والحيوان لكي تعطيهما وجودهما الجسماني أؤمن بأن الله أظهر للإنسان جانباً من نوره حتى يأخذ وجوده الروحي، وذلك كان في أول النشأة ودور الطفولة البشرية
إننا الآن نرضى بصمت الطبيعة المطبق اتكالاً على أن الله كلم بعض أفراد النوع في الزمان القديم. وأنا شخصياً أظن أنني ما كنت لأؤمن بفكرة ثابتة عن الله لو لم أوقن بأن الله كلم محمداً ومن حكى عنهم محمد من الأنبياء. . . وكأني أحس أن الله كلمني شخصياً حين كلم بعض أفراد نوعي. . .
أجل! كيف أثبت على الإيمان به دائماً مادام هو لم يأبه لي ولا لنوعي؟ أمن المعقول أن ينظر الإنسان إلى الله دائماً ولا يبالي هو به؟
إن الله رحمة. . . إن الله محبة. . . إن الله كرم. . . إن الله جمال. . . كما تثبت ذلك صناعته في الخليقة فلا يجوز أن يكون قاسياً متكبراً على الإنسان خليفة الأرض إلى هذا الحد!
إننا الآن في زمن رشد عقلي يلوح لنا أننا نستطيع أن نستقل بعقولنا في الاهتداء إلى الله وإلى الخير. ولكن يجب أن نتذكر حالة النشأة والطفولة التي كنا عليها. . . حين كنا نعيش بالأوهام والأحلام ونرى الكون أمامنا كتلة مبهمة ومجموعة ألغاز ومعميات وأحاج. . . حين كنا نعبد الحجر والبقر والجعلان والخنفسان. . . حين كان العالم مملوءاً أمامنا بالأشباح التي تملأ الهواء والنار والسحاب والبحار. فهل كانت غاية خلق الإنسان متحققة في تلك الدهور والأحقاب بالعقل الإنساني على بساطته؟ ومادامت غاية خلق الإنسان كما يحتمها العقل هي معرفة الخالق وعبادته فلا بد أن تتحقق دائماً وقصور عقل الإنسان في الماضي ما كان يسمح بتحققها فلا بد أن يتولى الله إرشاده عن طريق الاتصال ببعض أفراده
إن الحركة العقلية العنيفة التي كانت في بلاد الإغريق لم تنقذهم من الوثنية المنحطة. فالعقل وحده لا يؤمن بما يصل إليه ويصنعه هو إلى درجة الطمأنينة التي لا بد منها في منطقة الإيمان، والطبيعة الآرية صارت تبحث عن الله بالعقل المادي وحده فما اهتدت إليه إلا أفراداً قلائل. ومن قرأ صور الإله في أفكار كثير من فلاسفة اليونان من العدد إلى الماء إلى العقول السبعة إلى النار إلى آخر الفروض يرى أن العقل وحده حتى في بلاد اليونان لم يقدم الصورة الكاملة للإله كما قدمتها الروح السامية فقد بحثت عن الله في نفسها ووقفت تبكي له بقلوب أنبيائها وصهرتها الآلام وأضناها الإخلاص له إخلاص الطفل حين يبحث عن أمه ويبكي، فظهر لها فأيقنت بالحق والخير
وقد نجحت الروح السامية في إنقاذ البشرية من الوثنية وفي إعلاء شأن الإنسان وفي تعميم صورة الكمال الإلهي وفي سيادة الأرض. فلا يمكن بعد ذلك كله أن نقول إن تلك السيادة السامية المبنية على النبوة كانت عفواً وصدفة، ولا يمكن أن تكون حركة العقليين موازية لتلك الحركة الروحية، وخصوصاً أيام كانت حركة العقل ضئيلة لا تستطيع أن تقيم قوانين وأخلاقاً. فلا بد أن يكون وراء الروح السامية سند من عالم الغيب
لا يمكن أن يستأنف الإنسان عبادة الأحجار والأشجار وغيرها بعد أن وصل إلى التسلط على كثير من قوى الطبيعة وبعد أن زال خوفه من قواها أيام كان يجهل أسرار تركيبها
ولذلك ختم لله الرسالة بمحمد وأعطى الإنسان الطبيعة يسخرها ويتصرف فيها بالتدريج كما يعطي الأب أبنه ماله بعد الرشد يتصرف فيه بعلمه وسلطته
تماماً هو قانون الأبوة مع البنوة فهو اطراد في سنن الكون. والطبيعة كلها متشابهة. النشأة العقلية العامة في الإنسان كالنشأة الجسمانية فيه
لقد استخلص الله خلاصة الحق من تجارب الحياة الإنسانية في جميع الأمم وأسلمها للإنسان ووصاه وصيته الأخيرة وقال له: بلغت الرشد فأمامك الطبيعة، وإلى اللقاء في الدار الثانية التي يحكم بها عقلك وعلمك، فاستعد لتقدم إلى الحساب عما تفعله في النفس والمادة وقواها
أليس هذا هو قانون الطبيعة مع أفراد الحيوان والإنسان ومع أسرهما؟ بلى، وإنه هو نفسه بشكل أوسع بين الله والمجموع الإنساني.
قد يقول قائل: إن الوثنية لا تزال دين عدد هائل جداً من الناس؛ ولا يزال سكان أفريقية
الوسطى وجزر المحيط والصين والهند واليابان يدينون بالقوى السحرية وعبادة الحيوان. فأين رشد الإنسان المزعوم؟
ولكن مع تسليمنا بذلك نقول إن التبعية ملقاة على عاتق الأمم المتعبدة بالروح السامية، وإنه لتقصير فظيع منها أن تترك بعض أفراد الأسرة الإنسانية هكذا ضائعين من الحياة. ولو كان الاستعمار يحمل غاية روحية سامية لجعل همه الأول هدم الوثنية وتعميم فكرة الوحدة الإلهية. وقد وكل الله الشعب الأصغر القاصر إلى الشعب الأكبر الراشد، كما يحدث من توكيل الأب للابن البكر في الأسرة الواحدة. . . فإذا لم يراع الأكبر حسن الرعاية والإرشاد كان اللوم كله منصباً عليه. وستعلم الشعوب المتحكمة العاشقة للمادة وحدها كم ستكون تبعتها ثقيلة باهظة، وجناياتها كبيرة غليظة، بتركها نفوس الزنوج وسكان الجزر النائية في المحيطات وكل الأمم الوثنية من غير حمل لها بالقوة على ترك عبادة الأوثان وعلى سمو الحياة الروحية
لقد صارت الأرض كقطر واحد بفضل الكشوف الجغرافية وأدوات الاتصال العلمية وسرعة الانتقال، فكان من الواجب أن يتلاقى البشر على معان قريبة في الدين، ولكن المادية الحالية هي الحائل وهي الشاغل. . . وعلى أية حال لن تعمر الوثنية طويلاً بعد الآن
كانت الأمة من الأمم السابقة تحتاج إلى رسول معين يرشدها في حياتها الروحية نظراً للقصور العام، ولكن ميراث الرسل المتروك والملخص في رسالة محمد يستطيع أن يخرج رسلاً عديدين ينقذون الخاضعين للسحر الأسود والوثنية الصفراء وغيرهما. . . ولعلها رسالة مدخرة لأبناء محمد حين يتم نضجهم وكمالهم بعد يقظتهم الثانية هذه. فإنه ليس هناك كتاب دين حارب الوثنية وأبغضها وحطمها وناقشها من جميع وجوهها كما فعل القرآن. وليس هناك؟ أمة أفهمها كتابها أنها منتدبة لحماية عقائد البشر من الوثنية وغوائل الروح كالأمة الإسلامية (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)
ويمكن لأي فرد الآن أن يعلم من حقائق الدين وحقائق الطبيعة ما كان يختص بعلمه الكهنة والأوصياء في الزمان القديم. ويخيل إلي أن مجهود النبوات كلها كان موجها إلى تفهيم
الإنسان قيمة الطبيعة وإلى شغل عقله بالبحث فيها حتى يهتدي إلى مفاتيح تسخيرها ويبرأ من عبادة ظواهرها وقواها ويعبد بارئها فقط. وقد نجحت النبوات نجاحاً باهراً في ذلك وأنقذت الإنسان الذي يسكن الجزء الأهم في الأرض وجعلته هو صاحب السيادة والسيطرة فيها، وجعلت الأمم الوثنية خاضعة له، أو ناظرة إليه وتابعة لخطواته. فلم يعد هناك حاجة إلى بعث رسل مؤيدين مكلمين من السماء لأن مجال الدين صار واضحاً وصار التدين مقررا بالعلم لأن العلم كشف في القلب الإنساني منطقة لا غنى لها عن الدين. والخلاف الآن على الطقوس المختلفة في الديانات فقط. وسيكون أقرب هذه الأديان إلى الفطرة والسبيل العلمية هو دين الإنسانية القريبة الموحدة
(للحديث بقية)
(بغداد - الرستمية)
عبد المنعم خلاف
جناية أحمد أمين على الأدب العربي
للدكتور زكي مبارك
- 1 -
لصديقنا الأستاذ أحمد أمين مؤلفات جيدة قامت على أساس المنطق والعقل، وهو من كبار الباحثين في العصر الحديث.
ولكنه على أدبه وفضله لا يجيد إلا حين يصطحب الروية ويطيل الطواف بالموضوع الواحد عاماً أو عامين، وذلك سر تفوقه فيما نشر من البحوث والتصانيف
ولسنا نظلم هذا الصديق المفضال حين نحكم بأنه لا يصلح لتقييد الخواطر العابرة التي تطوف بالذهن من حين إلى حين، لأن ذلك لا يتيسر إلا لمن رزق موهبة أدبية تقيٌد شوارد المعاني بلا تعب ولا عناء، وتضيف المألوف إلى صف الطريف بعذوبة التعبير وقوة الروح
أحمد أمين باحث كبير بلا جدال، ولكنه ليس بكاتب ولا أديب، وإن كان من أساتذة الأدب بالجامعة المصرية
ولم يستطع الأستاذ أحمد أمين على كثرة ما كتب وصنٌف أن ينقل القارئ من ضلال إلى هدى، أو من هدى إلى ضلال، وإنما كانت مؤلفاته وبحوثه ضرباً من (التقرير) الذي يخاطب الأذهان ويعجز عن مخاطبة العقول والقلوب
وحياة الأستاذ أحمد أمين تؤيد ما نقول: فهو رجل لا يعرف الخلوة إلى الفكر والقلم، ولا يتسع وقته لدرس ما في الوجود وما في الأخلاق من مشكلات ومعضلات، وإنما يقرأ ويسمع، ويعلق على ما يقرأ ويسمع، بدون أن يتغلغل إلى أسرار المجتمع أو سرائر القلوب
وهيام الأستاذ أحمد أمين بالظواهر قد عاد عليه بأجزل النفع من الوجهة الشكلية؛ فهو رئيس لجنة النشر والترجمة والتأليف، وهو أستاذ بالجامعة المصرية، وهو عضو في كل لجنة تؤلفها وزارة المعارف، وهو مشرف على بيت المغرب، وهو مؤلف كتب وناشر مقالات، وهو صاحب ثروة يدبرها ويشقى في سبيلها أعنف الشقاء.
وهذا كله مقبول، ولكن الخطر كل الخطر في ألا يقنع هذا الرجل بما وفق إليه في حياته الرسمية والمعاشية
الخطر كل الخطر في أن ينصب هذا الرجل نفسه حاكماً بأمره في تقرير مصير الآداب العربية، وهو لم يستطع إلى اليوم أن يقيم الدليل على أنه يتذوق المعاني والأساليب
الخطر كل الخطر في أن يتوهم الأستاذ أحمد أمين أنه قادر على زعزعة ما أقامته الأيام من الحقائق الأدبية، الحقائق التي ساد بها العرب في أزمان طوال، وكان لها سلطان مهيب في أقطار الشرق وأقطار الغرب
ولكن ما الذي نقل ذلك الرجل الفاضل من حال إلى أحوال، وحَّوله من الروية إلى الارتجال؟
ما الذي قضى بأن يثور أحمد أمين على ما خُلق له فيطالع الجمهور بآرائه من يوم إلى يوم وكان يلقاه من عام إلى عام؟
لقد أصبح الرجل صحفيّاً، وكان أستاذاً ولكنه لم يراع أدب الصحافة، لأن الصحافة تقف عند المشاهدات وهو يهيم بأودية الفروض
ابتدأ هذا الرجل مقالاته في مجلة الثقافة بتلخيص بعض الكتب الأدبية فكان من الصحفيين الأدباء ثم رأيناه يتحول فجأة فيلخص الأدب العربي في جميع عصوره تلخيصاً يقوم على أساس الخطأ والإعتساف، ويعوزه تحرير الحجة وتصحيح الدليل
فهل يظن أنه سينجو من عواقب ما يصنع؟
هل يتوهم أن التجني على الأدب العربي سيمر بلا اعتراض ولا تعقيب؟
إن لهذا الرجل صداقات مع كثير من الأدباء والناقدين، وهو لذلك يرجو أن يصول ويجول بلا رقيب ولا حسيب
فما رأيه إذا أقنعناه بأن للأدب العربي أنصاراً يغارون عليه أشد الغيرة، ويقفون لخصومه بالمرصاد؟
ما رأيه إذا سددنا في وجهه جميع المسالك وقهرناه على الانسحاب من ميدان الدراسات الأدبية؟
ما رأيه إذا فرضنا عليه أن يعود رجلاً يؤذيه أن يجانب المنطق والعقل؟
(للحديث شجون)
زكي مبارك
أعلام الأدب
بين أرستوفان ويوريبيدز
للأستاذ دريني خشبة
ظل أرستوفان يدعو قومه إلى السلم وينفرهم من الحرب، وظل يسخر من القادة المغرورين ويستهزئ بشكل الحكومة وديمقراطية الغوغاء، فلم يزدد قومه إلا عناداً، ولم تزدد جيوشهم إلا هزيمة، ولم تزدد أثينا إلا فساداً وانحلالاً. فلما بح صوته من دعوة السلام والتنديد بنظام الحكم انصرف عنهما آيساً، وفرغ لأستاذه وعدوه يوريبيدز، يقصر عليه نشاطه الأدبي، ويصب عليه جام نقمته، وما أورثه فشله في دعوة السلام من مرارة وغيظ
وقبل أن نخوض مع أرستوفان في هذه المعركة على فخر المسرح اليوناني لا نرى بداً من التمهل قليلاً لنلخص ملهاتين عظيمتين ألفهما الشاعر الساخر قبل الانقضاض على يوريبيدز. . . أما إحداهما فمن أمتع ما نظم أرستوفان، وأما الأخرى فهي أمتع وأعظم ما ألف طول حياته، إلا إذا كان فيما ضاع من كوميدياته ما هو أعظم منها
ففي سنة 411ق. م أخرج أرستوفان ملهاته ليستراتا، وقد نظمها تنفيراً لقومه من الحرب، وصيحة مضحكة في سبيل السلام. . . ولا بد أن الأثينيين كانوا أمة من المجانين حين حاول أرستوفان أن يصرفهم عن آلامهم وما تترك الحرب في كل بيت من بيوتهم من مناحة تمزق القلوب وتفتت الكبود وتفجر المدامع، ليضحكوا ملء أشداقهم من كوميديات مواطنهم المهرج العظيم!! لله كم كنا نتمنى لو لم يفقد ذلك الجزء الثمين من كتاب الشعر لآرسطو الذي تناول فيه فلسفة الكوميديا لنعرف رأيه في علة ازدهار الأدب الكوميدي في فترة حروب البليبونيز خاصة حتى بلغ أوجه بين أنين الجرحى وعبرات الثكالى وأحزان الموجوعين
يصور أرستوفان في ملهاته لسسترا بطلة حازمة تدعو إلى نبذ الحرب ونشر لواء السلم، فما تزال بصويحباتها (نساء أثينا) تحضهن على ذلك وتكون منهن حزباً قوياً تنتهي إليه الغلبة في أثينا الديمقراطية، فإذا احتج الرجال وأخذوا يناوئون حركة النساء اقترحت الزعيمة على توابعها حرمان الرجال من ممارسة (المسألة الزوجية!!) حتى يفيئوا إلى الحق ويرجعوا عن هذه المجزرة التي تودي بأبنائهم وبأنفسهم في غير طائل. . وقد تعمدنا
هنا أن نعكس ما أثبته أرستوفان في ملهاته، فقد قصد أن تكون النساء نساء أسبرطة وهو في الحقيقة لم يعن غير نساء أثينا. . . ثم تنتهي الكوميديا بخضوع رجال أسبرطة ومجيئهم طائعين مختارين يطلبون الصلح من الأثينيين فتضع الحرب أوزارها ويكون السلام على الأرض (!!) وقد كان أرستوفان ماهراً في تلطيف عقدة ملهاته الفاجرة التي لا نحسب أنها كانت تخطر لأديب ببال في سبيل وقف حرب المورة، تلك الحرب التي استمرت تهلك الحرث والنسل ثلاثين عاماً طوالاً فكادت تكون بسوساً يونانية بل هي كانت شراً من بسوس العرب. . . فأي سلاح هو أمضى لوقف الحرب من إضراب النساء عن منح الرجال حق المباشرة الجنسية! أليست الفكرة فكرة جريئة وإن تكن فاجرة داعرة؟ لقد كان المسرح اليوناني الكوميدي يجيز ما هو أشنع من اللستراتا أضعافاً مضاعفة، وقد كان أرستوفان عفاً في ملهاته هذه إذا قيس بزميليه أمفيس وألكزيس اللذين كانا يحشدان في ملاهيهما ما لا يسمح قانوننا ولا عرفنا ولا أخلاقنا بعرض صورة منه ولا الخوض اليسير فيه. . . ومع ذاك فقد كان أرستوفان لبقاً في التضحيك على نسائه وإن كان دائماً في جانبهن ضد الرجال، وقد زاد في إشاعة الروح الكوميدي فيهن بجعلهن عربيدات لا يعقدن مؤتمراتهن إلا حين تعبث الخمر بهن وتروي مشاشهن جميعاً أما أبرع كوميدياته وأمتعها على الإطلاق فهي بلا شك (الطير)، وقد ألفها سنة 414 أي قبل لسستراتا بثلاث سنوات فكانت آية آياته كلها حيث ارتفع بها إلى ذروة الفن الكوميدي وأشاع فيها المرح وجافى بينها وبين الواقع، وبناها على الكذبة الكبرى التي هي أساس الكوميدي اليوناني. وقد قلد فيها سوفوكليس من حيث سرعة العرض ونشاط الأداء والتنقل من مشهد إلى مشهد في خفة وتشوف، كما قلد فيها الشاعر الغنائي الخالد أرفيوس من حيث روعة الأغاني وجمالها وانسجامها وعلوها عن مستوى الغناء الكوميدي الذي كان يقصد به إلى الشعبذة والتهريج لا إلى الفن الخالص الرفيع
استطاع اثنان من أهالي أثينا هما بيثتيروس وإيولبيدز، أن يكتشفا حقيقة عجيبة لم تكن لتدور في روع أحد ولا تخطر يوماً في قلب بشر. . . استطاعا أن يعرفا ما عرفه الشاعر سوفوكليس من قبل، وهو أن ملك الطير إيبوبس هو نفسه الملك تيريوس ملك تراقيا الذي كان يحكمها في سالف العصر والأوان قبل أن يُسحر إلى هدهد وقبل أن يتربع على عرش
الطير مزهواً بتاجه الجميل ومنقاره الطويل وألوانه المتلألئة الحسناء. . . ولما كان بيثتيروس مواطناً منبوذاً من قومه الأثينيين فقد اعتزم الرحلة إلى مملكة الطير ليجرب فيها حظه غير مستعين بأحد إلا بنفسه وزميله المغفل المطواع إيولبيدز. . . هذا وقد كان بيثتيروس رجلاً مقداماً مقاحماً قوي الجدل حاضر البرهان نافذ الحجة لا يعيبه أن يقنع محدثه بالشيء وضده في وقت معاً. وكان يرى الرأي فيصيب به الحقيقة دائماً ولذلك كان قلما يرضيه تصرف الآخرين خصوصاً في شئون الحكم
أما إيبوبس الهدهد ملك الطير، أو تيريوس ملك تراقيا في سالف العصر والأوان، فملك عادل محبوب من رعيته المخلصة له، وهي رعية بُدائية ما تزال تحبو في أول مدارج المدنية، ولذلك فهو دائب على النهوض بها وإصلاح حالها، ولذلك أيضاً يرحب دائماً بكل من يرد عليه من رعايا الدول المتمدينة الأخرى. . . وقد أكرم مثوى بيثتيروس لهذا السبب، واستطاع بيثتيروس أن يقنعه بوجهة نظره في تكوين دولة تحت سيطرته بحيث ينضوي تحت لوائها البشر، وما كادت رعية الطير تسمع بهذا حتى ثارت ثائرتها وهددت الملك بالتمرد وإضرام نار الفتنة، للضغينة القديمة بينها وبين بني آدم ولعدم ثقتها فيهم من قديم الزمان. وقد همت الطير بالفتنة فعلاً، ولكن بيتيروس ألقى فيهن خطبة طنانة رنانة ساد بها الموقف وأنقذ بها مشروعه من الفشل
وأنشئت الدولة برياسة ملك الطير، وأقامت الرعية المتاريس على الطريق إلى مملكة السماء، فانقطعت السبل بين الآلهة وبين الأرض، ولم تقو أرباب الأولمب على إخضاع الطير فاضطرت أن ترسل سعارة من نبتيون إله البحار وهرقل الحديدي إله الرياضة وتريبول الإله البربري الجاهل التمتام التفتاف (!) وقد اضطرت الآلهة إلى إرسال هذه السفارة بعد قبض الطير على إيريس (قوس قزح) مبعوثه حيرا وجاسوستها حين اجتازت بغير حق المتراس الفاصل بين مملكة الطير وطريق الآلهة إلى السماء. . . وقبل أن يصل أعضاء السفارة تنزل الإله برومثيوس - حامي البشرية ونصير الإنسان - مختالاً تحت مظلة كبيرة بين سمع زيوس كبير الآلهة وبصره، ليؤيد بيثتيروس بحجته وليمنحه البركة والتوفيق في مجادلته سفراء السماء. . . وقد استطاع بيثتيروس أن يخدع هرقل بأكلة شهية أعدها له فضمه إلى جانبه، وكان هرقل يسيطر على صاحبه تريبول الجاهل البربري
التفتاف، وبذلك أصبحت الأغلبية في جانب بيثتيروس، وغلب نبتيون على أمره، وعقدت معاهدة بين الفريقين فاز فيها بيثتيروس بأقصى ما كان يصبو إليه من تفوق وسيطرة، فقد رضى سيد الأولمب - زيوس الكبير المتعال! - أن ينزل طائعاً مختاراً عن صولجان ملك الدنيا (الأرض) إلى الأبد لأيبوبس الهدهد ملك الطير كما قبل أن يزوج ابنته الخالدة الفتانة (باسيليا) لبيثتيروس
وفي الكوميديا شخصيات مضحكة أخرى لا يتسع هذا الملخص السريع لعرضها وأهم ما يلفت النظر تعقيباً على ملهاة الطير هو روح الإلحاد والسخرية بالآلهة الشائعين فيها، وهو روح عجيب يدلنا على ما بلغته أثينا من الحرية الفكرية والتحلل من ربقة دينها الأسطوري بحيث لم يتحرج أرستوفان من الشعبذة على أرباب الأولمب إلى هذا الحد المضحك
ثم فرغ أرستوفان لفخر شعراء الدرام، بل لفخر أثينا القديمة، يوريبيدز العظيم، فنال منه ما لم ينل منه شيء آخر، وشعبذ عليه شعبذات أضحكت خصومه حيث ألف فيه ملهاته الفاجرة الشنيعة ال أو محاكمة يوريبيدز كما يسميها المتأخرون والاسم مشتق من (ثسموفوريا) وهو عيد من أعياد اليونان القديمة كانت السيدات يقمنه في أكتوبر من كل سنة تقديساً لربة الزراعة والمدنية سيرس (أودمتير)، ولم يكن يسمح للرجال ولا للذكور بوجه عام في حضوره. . . وقد ألفها سنة 411 أي في نفس السنة التي ألف فيها الليسيستراتا، ولذلك جاء فيها أثر من سابقتها. . .
نمى إلى يوريبيدز أن الأثينيات المحتفلات بعيد سيرس في ال (تسموفوريا) سيثرن قضيته معهن لطول ما شن عليهن الغارة في دراماته ولجرأته على الجنس اللطيف بإبرازه على المسرح، وتناول ما لم يكن ينبغي تناوله من أسراره أمام الناس. وخوضه في شئون الحب والعشق والغرام المحرم من غير ما تورع ولا استحياء ولا مراعاة للعرف، ولا إبقاء على سنن السلف الصالح. وبلغه أيضاً أنهن سيصدرن عليه حكماً صارماً عسى أن يكون له فيه مرتدع. . . خاف يوريبيدز واشتدت خشيته ووقع في حيص بيص (!!)، ولم يدر ماذا يصنع؛ ثم بدا له أن يستعين بشاعر مخنث (!!) جميل الطلعة مشرق المحيا يمكن أن يتنكر في زي النساء ويذهب إلى الـ (ثسموفوريا) ويختلط بالنساء حتى إذا شرعن في فحص قضية يوريبيدز تولى هو الدفاع عنه بكل ما أوتي من ذلاقة ورشاقة وبيان. . . لكن
الشاعر أجاثون يرفض ما يعرضه عليه يوريبيدز من وجوه الإغراء والإغواء فيضرب يوريبيدز أخماساً لأسداس، ثم يبدو له فجأة أن يذهب إلى والد زوجته (حَمئه) - منسيلوخوس - فيرجوه أن يتنكر هو في زي امرأة ثم ينطلق إلى مكان الاحتفال فيتولى الدفاع عن زوج ابنته وإلا وقعت الواقعة وحاقت به البلايا. . . ويقبل حموه، ثم يذهب إلى ال (ثسموفوريا) وما يكاد يتكلم حتى يشك النساء في أمره، حتى إذا تضاعف ريبهن هجمن عليه واكتشفن أنه رجل وأنه حمو يوريبيدز. . . ويسقط في يد الرجل، ويهرب منهن لائذاً بالمذبح، حتى إذا ضيقن عليه الخناق وأوشكن يبطشن به انقض على أحد أطفالهن فاحتمله بكلتا يديه وراح يهددهن بقتل الغلام إذا مسسنه بسوء. . . ويختلط حابل النساء بنابلهن، ثم يكتشفن أن الذي يحمله الرجل ليس غلاماً، بل هو دن خمر مغطى بثوب، فيثرن من جديد ويوشكن أن يوقعن به. . . وهنا يظهر يوريبيدز نفسه ولكن متنكراً في أشكال شتى، فتارة يبدو كأنه منالوس حينما يكتشف أمر زوجته هيلين في مصر؛ ثم يبدو في صورة الفتاة إيخو (الصدى) وهي تساعد الفتاة أندروميدا المصفدة في حيد الجبل. . . ويبدو مرة ثالثة في شكل برسيوس وهو يفك أصفاد أندروميدا. . . ثم يفلح يوريبيدز آخر الأمر في إطلاق سراح حمئه بعد أن نجح النساء في تصفيده في قفص المجرمين، وذلك باتخاذه صورة قوٌادة (هكذا!!) وذهابه مباشرة إلى الضابط الذي عهد إليه بالرجل ليحرسه. . . وتأخذ القوادة في الرقص وهز الردف والأثداء والابتسامات الخليعة الفاجرة حتى تزلزل فؤاد الضابط وتغويه فيطلق سراح منسيلوخوس
هذه هي الكوميديا الشائنة التي طعن بها أرستوفان خصمه العظيم يوريبيدز، وقد حاول فيها استعمال طرائق شاعر الدرام الكبير ووسائله في التعبير والأداء. وقد استطاع بها أن يثير حنق يوريبيدز وأن يحيل بقاءه في أثينا إلى مرارة وتلدد وبرم بالناس وبالحياة. . . وقد ألف أرستوفان في خصمه غير هذه الملهاة شيئاً كثيراً ضاع أكثره لحسن حظ الأدب - أو لسوئه، لا ندري! - فلما مات يوريبيدز سنة 406 ق. م، ألف أرستوفان ملهاته الخالدة (الضفدع) سنة 405 التي تسمو إلى أفق (الطير) والتي عرض فيها ألواناً جديدة من الخيال وجمال التصور، وأطلق (لتفنٌنه!) عنانه، فاستحق التخليد برغم رجعيته وجهله أحياناً. . . وقد سبق أرستوفان في هذه الملهاة إلى ابتكار النقد الأدبي المبني على القواعد والقوانين،
بل هو قد وضع الكثير من قواعد النقد في موازنته بين إسخيلوس ويوريبيدز في حوارهما الشائق اللذيذ الذي اشترك فيه الإله باخوس
حزن الإله باخوس حزناً شديداً حين افتقد شعراء الدرام بعد سوفوكليس ويوريبيدز اللذين ماتا في عام واحد فلم يجد من يسد فراغهما، ولذلك اعتزم الرحلة إلى الدار الآخرة (هيدز) كما صنع هرقل من قبل عسى أن يرد منها يوريبيدز كما رد هرقل ألستيس؛ ويبدو باخوس في جلد أسد وقد تزيى بزي هرقل وحمل عصا غليظة مثل عصاه، وإن يكن مع ذاك يبدو في صورة مخنثة كدأبه دائماً - ثم يكون إلى جانبه عبده - أو خادمه - إكسانتياس - وقد علا صهوة جحش وحمل على كتفه عكازة طويلة (شمروخا!) علق فيها (مخلاته) وحقائبه وكل ما يلزم في مثل هذه الرحلة الطويلة الشاقة من زاد وماء ونحوهما. . . وقد علق هذه الأشياء في طرف العكازة حتى (تحفظ الموازنة) معه. . . ففي المشهد الأول الذي يشك المؤرخون في أن يكون كذلك (أي في أن يكون هو المشهد الأول لأن الملهاة غير مرتبة وقد ضاعت بعض جذاذات منها) نسمع أصواتاً من التنادر (التنبيط!) يتقاذف بها شعراء - أو شويعرون - يجتهد كل منهم أن ينال رضا النظارة بإتقان التهريج وإجادة (التنكيت!) وقد وقف بينهم باخوس - بوصفه حامي مسرح الدرام! - كالصنم لا يحير. . . ثم ينتهي المشهد بنقاش سوفسطائي بين باخوس وخادمه. . . ويهبطان إلى هيدز، ويفتتنُ أرستوفان في إنهاض الموتى لتكلم الزائرين، ثم يأتي أروع مشاهد الملهاة وهو هذا الحوار الأدبي الرائع بين إسخيلوس ويوريبيدز من حيث منهاج كل منهما في الشعر ووجهة نظره في الأدب - وهنا لا يستطيع أرستوفان إخفاء غله على يوريبيدز، بل يختم المشهد بنصرة إسخيلوس (الذي كان يمثل الفضيلة الأثينية والرجولة اليونانية، والشجاعة والإقدام. . . لا هذا الأحمق يوريبيدز الذي هو سبب فساد روح العصر، وأصل خراب الأخلاق!). . . ثم تنتهي الملهاة بطرد يوريبيدز ليستقر في مثواه السحيق من هيدز وقد رهقت وجهه فترة!
والمدهش في هذه الملهاة العجيبة هو قيامها على النقد الأدبي البحت، وهو وإن يكن نقداً بدائياً إلا أن المعارضات التي أتحفنا بها أرستوفان تجعلنا نعجب كيف كان الجمهور الأثيني في هذا العصر يسيغ مثل هذا الحوار الذي هو فوق إفهامه، بل يضحك له ويغرق في الضحك! ثم كيف يحدث هذا، وقد كانت أثينا على شفا الهاوية؟ ألم تدخلها جيوش اسبرطة
بعد هذه الملهاة بسنة واحدة؟!
إن ضحك الأثينيين هكذا على فخر شعرائهم يوريبيدز هو آية انحلالهم وانقضاء دولتهم. . . وقد حصل!
دريني خشبه
من برجنا العاجي
كان إبسن يقول: (الرجل القوي هو الفرد المعتزل) كان إيماني شديداً بهذه الكلمة. وما برحت أرى فيها دستوري الذي لا ينبغي أن أحيد عنه. فأنا كلما انطويت على نفسي واعتصمت ببرجها أعطتني كل ما أريد من قوة ومنعة. وكلما التمست ذلك عند الناس أو عند أصحاب الجاه والسلطان شعرت أنهم أضعف من أن يستطيعوا لمثلي خيراً أو شراً. فليست قوتي المنشودة في ألقابهم ولا في ثرائهم، إنما هي في شيء ليس في مقدور أحد أن يمنحنيه غير نفسي. فالدولة لم تستطع ولن تستطع أن تنقص أو تزيد في قوة قلمي أو رأيي، ولم تستطع ولن تستطع أن تخفض أو ترفع من قدري وقيمتي في نظر الزمن والتاريخ. وهنا كل متعتي فأنا إذن لا أحتاج إلى الدولة في شيء، لأنها لا تستطيع أن تمنعني أو تمنحني شيئاً ذا أثر في كياني الحقيقي
هذا رأي الأستاذ العقاد أيضاً في كتاباته عن (الدولة والأديب). وقد أشار إلي فيها بما يفيد أني مخالف لرأيه. وهذا غير صحيح. فأنا يوم ذكرت الدولة في مقام الأدب لم أرد منها تشريف الأدب بحمايتها؛ فالأدب شريف بدونها وهي لا تستطيع له تشريفاً، إنما هو الذي يستطيع إذا أراد أن يشرفها وينوء بها. إنما أردت من الدولة أن تنظم بوسائلها المادية أسواق الأدب المادية كما تنظم بقية المرافق الحيوية الأخرى حتى يتطهر من السماسرة والمستغلين. إني أردت من الدولة أن تصون نتاجنا من جشع الطامعين كما تصون مال الأفراد من عدوان اللصوص. فلقد كان كل عجبي أن الدولة لا تعترف بمصالح الأدباء اعترافها بمصالح الأفراد، فهي تتركهم نهباً للناهبين حيث تقوم وتقعد إذا استبد تاجر بسوق الغلال، أو استولى مراب على بعض المال!
توفيق الحكيم
صفحة من حياة شاعر
عاشق ومجنون!. . .
للأستاذ صلاح الدين المنجد
كان اسمه جيرار دي نرفال، وكان مولده في باريس حيث الغيوم البواكي وحيث الجو
المكفهر. أما أبوه فكان طبيباً في الجيش، وأما أمه فكانت بنت بائع فقير. فنشأ في قرية أودعه فيها أبوه، بعد أن قضت أمه، وأرسل إلى القتال. فنبت بين الحقول الواسعة، والسهول المتوثبة نحو الأفق البعيد. وطابت له الحياة في هذه القرية التي لا تسمع فيها الأصوات النابية تتعالى على جنبات السين، ولا يٌرى فيها فوران الناس بين الأحياء والشوارع، وإنما تسمع فيها أصوات العجائز الخافتة، وهن يتحدثن عن طرائف السحرة والجان، ويرى فيها أسراب الغنم تقودها الفتيات والرعيان. وأحب الحياة في القرية، فأثر ذلك في حياته. ثم خلّف القرية إلى باريس ليشدو فيها العلم. وما كاد يبلغ الثانية والعشرين حتى أخرج للناس طائفة من أشعاره. ثم قرأ (غوته) فكلف بكتبه، وعزم على نقل (فوست) إلى الفرنسية. وسرعان ما نفذ ما عزم عليه، فجاءت آية رائعة أعجب الناس بها كثيراً. فقدروا صاحبها ورمقوه. ودفعه هذا الظفر الذي سعى إليه مذ سلك طريق الأدب إلى انتخاب قطع من شعر (رونسار) وأخرى من أشعار (غوته) و (شيلر) ليقدمها إلى الناس. ثم انكب على الشعر يقرأه وينظمه ووجد أن حياة الأديب، وما فيها من كسل وما فيها من أحلام، قد صادفت من نفسه هوى، فهو لا يصلح بعد اليوم إلا لها، فقد كان له مزاج الأديب وإحساس الشاعر. وكان كما يقولون عنه دقيق الفكر رهيف الحس واسع الخيال، يسكن إلى الأحلام، ويقضي ساعات من نهاره وساعات يفتش عن حلم يرضى عنه. ويظهر لنا من أشعاره أنه كان يجد في الأوهام راحة لنفسه. . . فهو لا ينفك يتوهم ويتوهم. فهو يصف لنا، كيف يستشف أشباح الجان من وراء الغيوم. . . فيصيخ بسمعه إلى عزيفهم المبهم تارة والمخيف طوراً. . . يرسلونه مع زفيف الريح الثائرة. ويراهم مختبئين بين طيات السحاب. . . فيناديهم، فيأتون سراعاً يحيطون به. . . يكلمونه قليلاً ويحدثهم قليلاً. ثم إنه ليتمثل نفسه طائراً. . . يقفوه نفر من الجن، يسرح معهم في الفضاء حتى يصل إلى السماء، فينظر إلى الأرض الخاضعة تحت قدميه، أو يتمثل نفسه حيناً آخر هابطاً إلى سيف البحار ليستجم قليلاً، ثم ليهبط إلى قرارة البحار فيرى الحيتان والأسماك، ويزور أميرات الجن في قصورهن المتلألئة في قاع البحار
وكان لابد له وهو في مثل هذا الحس الرهيف والخيال العميق والسن الباكرة أن يحب ويعشق. ولقد أحب، ولكن حبه كان لوناً من الحب لم يكن للناس به عهد من قبل. فإن فيه
كثيراً من الطرافة التي تعجب، والفكاهة التي تطرب. فهو لم يعشق فتاة رآها في الشارع أو الطريق، ولا لقيها في الحقل أو عند النبع، وإنما عشق فتاة رآها في حلمه. فلقد مسّ الكرى أجفانه ذات ليلة مساً رقيقاً أنساه نفسه ودنياه:(هأنذا في قصر (مورتو فونتين) أرتع بين رياضه، والقمر الساجي يرسل أشعته فتهوى فاترة كليلة. . . تضئ القصر ذا الجبهة الحمراء ثم تختفي بين أزهار الزيزفون. وفجأة تبدو فتيات حسان. . . يرقصن على النغم، ويغنين الأغاريد؛ وكنت وحيداً فحدقت فيهن ورأيت فتاة شقرا ناعمة الشباب غضة الجمال قد اكتنفنها وأخذن يتمايلن معها. سمعتهن ينادينها: تعالي يا أدريان! فملكت عليّ فؤادي؛ وأقبلن نحوي فرقصن. هاهي ذي بين ذراعيّ. . . أرقص معها. لقد سمعت من يهمس في أذني أن قبلها ولا تخف فهي لك. فضممتها إليّ وقبلتها، ثم جلسنا حولها لتغني لنا. فغنت بصوتها العذب الحلو أغرودة من أغاريد الأقدمين تفيض بالحزن، وتفيض بالسحر، فيها قصة تلك الأميرة التي أودعوها البرج الشاهق. . . لأنها أحبت فتى غرانقاً
(وكانت الفتاة الشقراء تغني فتنحني الأشجار، وتأتي أشعة القمر ترقص حواليها فتحفها بنور يبهر الأبصار ويعشيها. وغفلنا عن الليل، وحسبنا أننا في جنة عدن، فقمت إلى غصن من الغار لأضعه على رأسها، ولكنها قامت تتثنى وتلهو. . . ثم اختفت بين الخمائل عن أبصارنا. . . وتلاشى صوتها. . . ونأى طيفها، ولكن صورتها ما تزال في نفسي لا تغادرها بعد أن تغلبت على كل صورة)
تلك قصة حبه، ولقد كان وفياً لهذا الطيف الذي قبله ورآه واعتقد أنه راجع إليه لا محالة. . . فسماه (زهرة الليل التي تفتحت تحت أشعة القمر الشاحب) وسماه (الطيف الوردي الأشقر الذي اختفى بين الأعشاب، والتف بالسحاب)
وفكر شاعرنا طويلاً في زهرة الليل، فانكب على السحر وما يمتّ إليه بسبب يدرسه ويقرأ أصوله كأنما أراد أن يسخره لإحضار أدريان. وكان يسمع عن الشرق أقاصيص حلوة طربت لها نفسه ورضى عنها هواه، فتمنى لو زار تلك البلاد التي هبطت إليها الأحلام، ورتعت بين جنباتها الأوهام، فيدرك ما فيها من أمور يحيط بها الغموض والخفاء. وخيل إليه أن أدريان هي بلقيس صاحبة العرش العظيم، أتت إلى القصر الأحمر لتهمس في أذنه أسرار الدنيا وتدله على طريق الخلود ويذكر لنا من كتب عنه أنه كان يعتقد في تقمص
الأرواح، وأن نظرته إلى أدريان كانت نتيجة لذلك الرأي. ولقد أصبح هذا الرأي لديه يقيناً عندما قضى بين دروز سورية ردحاً من الزمن غير قصير. على أننا لا ننكر أن للمخدّرات التي كان يقتل بها جسمه ويفني نفسه أثراً في إخلاده إلى ما أخلد إليه. والعجيب أن يعتقد بأن تلك الأوهام حقائق، على حين يعتقد الناس أن الحقائق أوهام. وكان من خبره بعد ذلك أنه التقى ذات ليلة براقصة في حانة بباريس فحسبها أدريان الحبيبة. وبعث الهوى الأول وهاج الشوق القديم، فقال في نجواه لنفسه: لقد عادت إلي بعد أن اختفت بين الرياض. ولازم المقهى لا يغادره إلا لحاجة ليملي بصره من جمال هذه الراقصة التي تقمصتها روح أدريان. وكان يغمرها بأزاهيره التي كان يرسلها وعليها اسمه. . . ملتمساً بذلك لنفسه وصلاً عندها، قانعاً بالنظر دون الكلام. ولكنها ازوّرت عنه بعد أن رأت جنونه وعلقت فتى كان يغني فتزوجت به
وزاد جنون شاعرنا عندما تخطى الثلاثين، فقد رأى في إحدى الأماسيّ نجماً يضطرب في السماء، فضحك له وظن أنه بلقيس تناديه لتذهب به إلى الشرق. فأخذ يقهقه ويغني ويقفز ويبكي، وينزع أثوابه ويمد يديه نحو النجم المتلألئ منادياً تارة ومغرّداً أخرى حتى مر به بعض من عرفه، فأشفقوا عليه ورثوا لحاله وقادوه إلى الطبيب
وذهب ما ألمّ به بعد ثمانية شهور قضاها في مصح للطبيب (بلانش) فعزم على الرحيل إلى الشرق. فترك باريس سنة 1843 وكان له من العمر خمس وثلاثون سنة قاصداً جزيرة مالطة، ثم رحل عنها إلى الإسكندرية فالقاهرة. فراعه منها آثار مدنيتها القديمة وعزّها الخالي، وأعجبه زي المصريين فتزيّا به، وحاول أن يتعلم العربية فلم يفلح. ثم ترك مصر قاصداً سورية ومعه جارية سوداء اسمها زينب
وجد شاعرنا في سورية ضالة نفسه. فقد درس ما فيها من ديانات، فأعجبته منها الدرزية. وزاد يقينه بالتقمص واعتقد أن بلقيس لا بد آتية إليه بعد أن فرت أدريان وأعرضت عنه جون. ألم يجتمع ببلقيس فوق ثبج البحر على سفينة صنعت من الذهب، ورصعت بالدر، وحفت بها الجان، فضمها إلى صدره وروى فمها الضمآن من قبلاته؟
وعاد عقله إلى الاختلاط فترك بيروت إلى القسطنطينة فأقام بها زمناً، يقول (بلغت البسفور. . . فالتفتّ نحو مصر الجميلة فإذا هي وراء الأفق البعيد)
(لقد ذكرت وطني الذي تركته منذ شهور، عندما وطئت قدماي هذه الأرض الأوربية التي استولى عليها المسلمون. والتفت حواليّ. . . فإذا أنا أمام حلاق أرمني يقص اللحى. . . ويقدم القهوة. ورأيت جمعاً من الكلاب النائمة على الطريق. ولقيت شيخاً وقوراً يحمل عمته الكبيرة مستلقياً على العشب. . . نائماً ملء عينيه، يحلم بالجنة التي وعد الله عباده الصالحين)
وعاد جيرار إلى باريس فكتب (مشاهد من الحياة الشرقية) أخرجها للناس بعد أربع سنوات. وما زال يتنقل بين السجون لجنونه والبلاد المجاورة، برماً ببلاده ومحيطه، سائلاً ربه (ألا يبدل من حوادث الكون شيئاً، وإنما يبدل ما يحيط به من الأشياء ليعيش وحيداً في عالمه الجديد) مخرجاً للناس (ذكريات ونزهات) و (بنات النار) و (قصور بوهيميا الصغرى) حتى لقي مصرعه الذي كان يمشي نحوه ببطء منذ زمن طويل.
فقد ألحت عليه الأوهام واشتدت في الإلحاح فأذعن لها، واشتط في الإذعان؛ وخيل إليه ذات ليلة أنه سيلقى بلقيس، فكتب إلى صديق له:(لا تنتظرني هذا المساء؛ فإن الليل سيكون أسود أبيض) ثم هام على وجهه في طرقات باريس ذاهلاً حتى انتهى به المسير إلى مكان فيه أقذار وأوساخ فطاب له الجلوس عنده. فلما وهن الليل سمع غراباً ينعق. . . فحسب أنه رسول بلقيس الحبيبة إليه، فناداه وحدثّه. ثم قام إلى نافذة فربط بها حبلاً علّقه في عنقه ونادى:(هأنذا قادم إليك) وما هي إلا ساعات حتى فاضت روحه وانتهت مأساته بعد أن قضى سبعة وأربعين عاماً يقظان حالماً. . . وخلّف لنا آثاراً مملوءة بالحسن من الوصف والفريد من المعاني.
صلاح الدين المنجد
من العوائد المغربية الممتازة
سلطان الطلبة
بمناسبة تتويجه في ربيع هذا العام
للأستاذ إدريس الكتاني
سيبدو هذا العنوان غريباً عن إخواننا في الشرق. وليس عجيباً هذا، فالمغرب نفسه - لا تاريخه فحسب - غريب في نظر بعض الشرقيين عن الشرق. أما نحن هنا فليس منا من لا يعد المغرب قطعة من الشرق العربي، وجزءاً لا يتجزأ من الجامعة الإسلامية الكبرى. فعسى أن يعمل إخواننا الشرقيون على هذا الاعتبار، ويقلعوا عن تجاهلنا وتناسينا في وقت نجعل نحن فيه الشرق - ومصر في الطليعة - محط أنظارنا وكعبة معارفنا؛ ونتطلع إليه كالمنحط في أسفل الوادي يروم معزوفة ما فوق الروابي التي تعلوه
عفا الله عنا وعنكم يا إخواننا المصريين! كلانا مقصر نحو أخيه ولكن ما عذركم أنتم - وقد أتيح لكم أكثر من ذي قبل - أن تقولوا وتعملوا عملاً صالحاً، وأن تمدوا يد الإسعاف لهذا الشرق العاني فتوقظوه من غفوته؟ إن اليد الضعيفة مع أختها يد قوية، وهي مع أخواتها الضعيفات أشد وأقوى. قد والله نعقل كثيراً ولكننا لا نعمل إلا ونحن جهلاء. . . عفا الله عنا. . . في تاريخ الحياة العلمية بالمغرب الأقصى ما يجعل المغاربة دائماً يفخرون بأمجاد الأجداد، ويعتزون بما خلفه ملوك العرب وأمراء الإسلام من المآثر الحميدة بهذه البلاد العربية الإسلامية. وفي الحق أن الدول التي تعاقبت على المغرب لا يخلو تاريخها من حسنات شتى في مصالح البلاد العامة. وكم تجد لهم في خصوص النواحي العلمية من اهتمام خاص بالعلم والعلماء والأدب والأدباء؛ ولكن الذي يؤسف له حقاً أن الكتب التاريخية لا تزال حتى الآن موضوعة على الرفوف أو مدفونة في الخزائن تلعب بها الأيدي الجاهلة إذ تتركها غذاء للأرضة، وملعباً للخنافس والعناكب
وليس يهمنا الآن أن نلم بجميع ما لتلك الدول من المفاخر الخاصة بنشر التعليم وتشجيع طلابه، فهذا ما يملأ كتباً عدة، وحسبنا من ذلك أن نأتي بوصف أحد تلك المظاهر (الممتازة) فهذه وحدها دليل ساطع على الشعور الكامن من قديم في نفوس ملوكنا نحو بعث
التعليم ونهضة الحياة العلمية. ويلاحظ على الخصوص في هذه الظاهرة مبلغ تعمق ملوكنا في فهم نفسية رعاياهم، وكيف ينفذون إلى قلوبهم فيملكون إحساسها بعبقريتهم الفذة. . .
في ربيع كل عام من بدء ثلاثة قرون مضت يقيم طلاب العلم بفاس ومراكش (سلطنة) رسمية لها أبهة السلطان وجلال العلم، تدوم سبعة أيام؛ ثم في اليوم الثامن تتقوض وتنهار ويعود سلطان الطلبة بعد سلطنة أسبوع طالباً عادياً كما كان قبل أسبوع فقط!
هذه أدوار فكاهية طريفة تقوم بها الحكومة المغربية رسمياً في أواخر فصل الربيع من كل سنة، وهي عادة يلذ للسائح الأجنبي أن يشاهدها ويسجل شتى مظاهرها، وقد تسلسل العمل بها منذ القرن الحادي عشر دون أن يحدث ما يمنع سيرها المعتاد
والحديث عن هذه السلطنة تجره إلى أفواه الطلبة طلائع أيام نيسان التي تتفتح فيها الطبيعة عن أكمامها، وتبتسم الأغصان عن أزهارها، وتحلو الحياة لأبنائها
فإذا هجم نيسان نشوان طروباً يجر أثوابه الخضراء اليانعة، هب طلبة القرويين بفاس وطلبة الكلية اليوسفية بمراكش. يطلبون من جلالة الملك الإذن لهم في إقامة سلطنتهم السنوية. وعند الترخيص لهم بذلك يجتمعون على انفراد بإحدى مدارسهم التي يسكنونها، ثم يقوم (مقدم) المدرسة منادياً ببيع (سلطنة الطلبة) بالمزاد العلني، ولكل طالب الحق في أن يبتاعها لنفسه مادام يستطيع أن يزيد في ثمنها على غيره، فإذا انتهت فيها الرغائب ووقف ثمنها على طالب ما، سجل العدليان الشرعيان اللذان يحضران هذا المزاد هذا البيع على الطالب المشتري، ثم ينفض جمع الطلاب معلنين سلطانهم. أما ثمن هذه (السلطنة) فيتراوح غالباً بين 10000 و 5000 فرنك. ويلاحظ أن شراءها خاص بالطلبة الغرباء عن البلد محظور على غيرهم. ولعل هذا الامتياز قصد إليه لترغيب أهالي البادية والحواضر النائية في ورود منهل العلم من كليتي القرويين وابن يوسف، وتشجيعهم عليه بإدخال أسباب الغبطة والانشراح إلى صدورهم
أما مهمة هذه (السلطنة) فهي قيام (سلطان الطلبة) على رأس رعاياه في موكب رسمي حافل، بنزهة على شط وادي الجواهر بضواحي فاس وهذا الموكب في هيئته المؤلف منها صورة مصغرة لموكب صاحب الجلالة ملك المغرب مولاي محمد الخامس أيده الله
ويقوم (سلطان الطلبة) على أثر تعيينه بتأليف هيئة حكومته من نخبة أصدقائه الطلاب
ومن بينهم وزير للمالية ومحتسب بارع في الهزل والنكات الفكاهية
وفي أول جمعة تلي ذلك ترسل الحكومة المغربية لسلطان الطلبة كسوة فاخرة وتقوم بتنظيم موكبه الرسمي. وعند الساعة الحادية عشرة يتحرك هذا الموكب من المدرسة التي يتفق أن سلطان الطلبة ساكن بها، فيركب هو جواداً مطهماً وترفع المظلة الملكية (الشمسية) فوق رأسه ومن حوله الحراب تحملها الشرطة، وتتقدمه موسيقى عسكرية ثم قواد (المشوَر) فرساناً حاملين السيوف، وتتلوه حاشيته وجمهور غفير من رعاياه الطلبة مشاةً على الأرجل، ثم أصحاب الطبول والمزامير، ويحيط بالجميع من اليمين إلى الشمال سلسلتان من الشرطة والعسس ومقدمي الحارات ويخترق الموكب الأزقة والشوارع سائراً بين أمواج صاخبة من الأهالي إلى أن يصل إلى جامع الأندلس فيؤدي السلطان به صلاة الجمعة. ثم يتابع الموكب سيره لزيارة ضريح السلطان الأعظم مؤسس عرش الدولة العلوية الشريفة المولى الرشيد سنة (1040 - 1083 هـ) بداخل قبة الشيخ أبي الحسن علي بن حرزهم بمقبرة الغرباء خارج باب الفتوح، وهذا السلطان هو الذي سن للطلبة هذه (السلطنة) وحباهم بعطفه الكبير فهم يزورون ضريحه أولاً قياماً بواجب شكره وتذكاراً لعهده اللامع. وعند المساء بعد صلاة العصر يعود موكب (سلطان الطلبة) من حيث أتى بينما الوجوه تطفح بشراً، والنساء يملأن السطوح بزغاريدهن المازحة العابثة
وفي عشية اليوم التالي يخرج (سلطان الطلبة) في موكبه الرسمي كهيئته الأولى قاصداً إحدى ضواحي المدينة حيث ضربت خيام (دولة الطلبة) بسهول خضراء على ضفاف وادي الجواهر يتوسطها سرادق كبير لسلطان الطلبة وحاشيته. وتقدر هذه الخيام بنحو المائة غالباً خمسون منها للحكومة، وهذه خاصة بالطلبة تضم كل منها جماعة من بينهم، وباقي الخيام للأهالي الذين يلذ لهم أن يقضوا نزهتهم الربيعية بجوار (دولة الطلبة) التي تعيش أسبوعاً واحداً، وقد يرخص لها بزيادة أسبوع آخر.
وتقوم واردات الميزانية العامة لهذه (الدولة) المحدودة بالزمان والمكان من:
1 -
ثمن (السلطنة) الذي يدفعه (سلطان الطلبة) على أن تتعهد له الحكومة في مقابل ذلك بإجابة طلب يتقدم به إليها كإطلاق سراح مسجون له، أو جعله موظفاً في بعض الإدرات ونحو هذا.
2 -
الهدايا التي يقدمها جلالة الملك إلى الطلبة باسم سلطانهم، وتتكون هذه عادة من الأكباش وأكياس الحنطة وأكياس من السكر وغيرها، ومن المال أيضاً.
3 -
الهدايا التي يتقدم بها الأهلون إليهم عن طيب نفس.
4 -
الضرائب التي يجبيها (سلطان الطلبة) من وجوه البلاد وتجارها بواسطة (ظهائر) موقعة بإمضائه والتي يؤديها هؤلاء بكل سرور.
5 -
(الذعائر) التي تجمع بواسطة (محتسب) سلطنتهم الماجن الذي يرتدي حلة في شكل مضحك، ويجعل في عنقه سبحة من التين يلتهم منها الواحدة بعد الأخرى من حين إلى آخر، ثم يتجول في شوارع المدينة راكباً بغلة، وواضعاً في حجره صندوقاً مغلقاً يظل يملؤه - من ثقب فيه - بالفرنكات والريالات (كذعيرة) يفرضها على التجار والبقالين بزعم أنه وجد في مبيعاتهم غشاً يعاقب على ارتكابه
وفي خلال أسبوع هذه (السلطنة) ينصرف الطلاب جميعاً للمرح واللهو بقلوبهم وعقولهم معاً، ويقبلون على حياة بعيدة عن حياة الجامعة فيها متعة النفس وصفاء الحديث وطرب القلب.
فإذا مضت ستة أيام وأقبل يوم الأربعاء، تهيأت (أمة الطلبة) حكومة وشعباً لاستقبال جلالة الملك أو خليفته - إن لم يكن هو في البلد - الذي يشرف مملكتهم الصغيرة في موكب عظيم ليقدم لهم هداياه الخاصة، وفي العشية ينتظر (سلطان الطلبة) مع هيئة حكومته سلطان المغرب المفدى؛ حتى إذا لاح موكبه عن قرب ترجل الأول عن فرسه. وتقدم إلى السلطان الأعظم مطأطئاً رأسه، فيقبل يده الكريمة، ويرفع إليه الكتاب المتضمن طلبه الخاص الذي يؤمل من جلالته الأمر بتنفيذه، ثم يرجع إلى الوراء فيركب فرسه، ويتقدم إلى أن يقف قريباً منه
وهنا تتمثل لنا الديمقراطية الحق في ملوكنا الذين ورثوها كابراً عن كابر. ففي هذه الساعة يتنازل (سلطان المملكة المغربية) فيتحدث إلى (سلطان الطلبة) بكل تواضع حديثاً تمليه العاطفة، وتوحيه الرغبة الصادقة في بعث النهضة العلمية. وفوق ذلك يتنازل لسماع حديث دعابة ومزاح ممتع من محتسب سلطان الطلبة الحاذق في الفكاهة والمجون. فإن هذا يتقدم من جلالة الملك ويخاطبه بصوت جهوري أمام ألوف من الناس بنحو قوله: كيف استطعت
وأنت ملك كسائر الملوك العاديين أن تقف بجانب أكبر ملك في الدنيا تخضع لأوامره ملايين من القمل والذباب والضفادع والبراغيث وغيرها من الهوام والحشرات؟ فيرد عليه جلالة الملك بنكتة رقيقة تمثل سمو الهزل عند الملوك، ويسارع سلطان الطلبة فيعرب عن قبوله لجلالته ضيفاً في مملكته ويرحب به باسم أمته أكبر الترحيب. ثم يقوم المحتسب الماجن فيلقي أمام السلطانين ورعاياهما خطبتين ضاحكتين عابثتين في الإشادة (بالزردة) والتنويه بالأطعمة الفاخرة
وعند الفراغ من هذه المظاهرة الرائعة يستأذن جلالة الملك من سلطان الطلبة في الرجوع فيأذن له بعد أداء الاحترام الواجب ويعود جلالته في موكبه الفخم إلى قصره العامر
وفي الجمعة التالية يقوم سلطان الطلبة في موكبه بأداء صلاة الجمعة في جامع أبي الجنود، ثم يرجع لمقر دولته التي لا يبقى على انهيارها إلا يوم واحد. ففي مساء اليوم التالي يكون الطلبة على أهبة الرجوع لمدارسهم حيث تستأنف الدراسة بالكلية صباح يوم الأحد
ويدهشك بل يغريك بالضحك الذي لا تملك معه نفسك أن تجد الطلاب صباح يوم السبت يبحثون عن سلطانهم فلا يجدونه. لقد فرَ ليلة هذا اليوم مختفياً بين غضون ظلامها القاتم خوف أن يصبح على أبواب ثورة عامة من رعيته التي يلذ لها أن تنقض عليه يوم انتهاء سلطنته حتى لا يدخل إلى نفسه شيطانها فيوهمها أنه حقاً (سلطان الطلبة) وأن واجباً عليهم أن يخضعوا له ويقروا بسلطانه عليهم
هذه هي الرواية التمثيلية التي ألفها السلطان (مولاي الرشيد) لطلبة العلم وبعثهم على تمثيلها بأنفسهم كل سنة على مسرح الحياة لكي يعطيهم درساً عملياً في التدريب والتمرين على أن يكونوا رجالاً أكفاء مقتدرين لهم ما للناس في الحياة من حق
وفي ظني أنه لو كان معروفاً لدى حكومتنا الماضية نظام الكشافة الحديث، لما جعلوا غير الفرق الكشفية مع موسيقاها العذبة جنداً وحراساً لموكب (سلطان الطلبة) حرصاً على أن يكون المظهر طالبياً بحتاً، يمثل أمة في الطلبة بسلطانها وجندها وموسيقاها، وفي هذا وحده من الروعة والمظهر الجذاب ما يشوق الأبناء إلى التعلم ويبعث الآباء على تشجيعهم عليه بالبذل والسخاء. أما الآن، فالمستقبل كفيل بأن يكون هذا وأكثر من هذا. وعسى أن ينتبه الطلبة من الآن إلى هذه النقطة الدقيقة فيؤلفوا من بينهم فرقاً كشفية تقوم بهذه المهمة، فوق
أنها تكون عضواً عاملاً في النهضة المغربية الحديثة.
هذه رواية ناطقة أتينا على وصفها معتمدين على ما شاهدناه، وسمعناه، لا على ما قرأناه. فإن تاريخ نشوء هذه (السلطنة) والأسباب التي دعت إليها ووصف مناظرها وظاهرها المتنوعة، كل هذا طواه الزمن في مهملات التاريخ. وما أكثر ما أهمله التاريخ وليت شعري ما الذي حدا بالمؤرخين المغاربة إلى عدم الاكتراث بهذه المنقبة الخالدة؟ أكبر الظن عندي أن هؤلاء اطمأنوا إلى بقائها وخلودها مشاهدة أكثر من اطمئنانهم إلى بقاء مؤلفاتهم التاريخية فاعتمدوا على ذلك ولم يكتبوا ومن يدري؟ فلعلهم كتبوا وأضعنا نحن فجهلنا، وأيَاً كان الأمر فإن اطمئنانهم إلى بقاء (سلطنة الطلبة) قد صدق وسيبقى صادقاً إلى الأبد. ولا أنكر فهناك في بعض الكتب لمحة برقية وعلى الأفواه أسطورة تاريخية وعندي أطروفة فكاهية، فإذا سنحت الفرصة فسأقص خرافتي وإلى اللقاء يا قرائي وقارئاتي في الشرق الحبيب
(فاس - المغرب)
إدريس الكتاني
في بلاط الخلفاء
بين الشعبي وعبد الملك
للأستاذ علي الجندي
(تتمة ما نشر في العدد الماضي)
أقبل الخليفة على رجل جالس بين يديه يرتدي جبة خزّ قد ابيض شعر رأسه ولحيته، وتدلىّ من عنقه صليب ذهب، ورائحة الخمر تنفح من عارضيه! فقال له: ويحك! من أشعر الناس؟ فأجاب الرجل - وفي صوته رنة الزهو والمخيلة والثقة بالنفس - أنا يا أمير المؤمنين
ولم يكد الشعبي يسمع هذه الكلمة حتى تمعّر وجهه ودارت به الأرض، فذهل للمرة الثانية عن آداب السلوك في حضرة الملوك، فصاح بصوت يقطر غيظاً: من هذا يا أمير المؤمنين الذي يزعم أنه أشعر الناس؟
ما كان أغنى الشعبي عن هذا السؤال لو انه روّى في الأمر قليلاً! ترى من يكون هذا الجالس بين يدي الخليفة جلسة الصديق المدلّ بمكانته غير أمدح مداّح الإسلام، وأدب أدباء النصرانية، ولسان تغلب ابنه وائل ومدره ربيعة، والمنافح عن البيت الأموي وشاعر أمير المؤمنين أبو مالك الأخطل؟
لم يستطع عبد الملك أن يكتم استعجابه من عجلة الشعبي بالسؤال وجهله بشاعره الفذ وجرأته عليه! ولكنه تكلف الحلم ورمى الشعبي بنظرة نفذت إلى أعماقه قائلاً: يا شعبي، هذا شاعرنا الأخطل
وكان ما حدث كافياً أن يرد الشعبي إلى صوابه ويفثأ من غضبه على الأخطل، ولكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث، فولّى وجهه شطره - زاوياً ما بين عينيه - وهتف: يا أخطل، أشعر منك الذي يقول:
هذا غلامٌ حَسَنٌ وجهُه
…
مُقْتَبل الخير سريع التَّمام
للحارث الأكبر والحارث الأصغر والحارث خير الأنام
خمسةٌ آباؤُهم ما هم، هُمُو
…
خير من يشرب صوْب الغمام
وكأن عبد الملك أعجبته هذه الأبيات فسرى عنه وقال:
ردّدها عليّ. فرددها الشعبي عليه حتى حفظها
نال هذا التحدّي من الأخطل وشعر بالصغار والضعة، فمسح بيده على جبينه المنديّ وقال في غمغمة الضجر: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فمال عبد الملك على أحد جانبيه قائلاً: هذا الشعبي فقيه العراق. فزَم الأخطل بأنفه وأرسل نفساً عميقاً وقال: أمير المؤمنين - حفظه الله - إنما سألني عن أشعر أهل زمانه، ولو قد سألني عن أشعر أهل الجاهلية لكنت حريّاً أن أقول كما قلت
وهمّ الشعبي أن يتكلم فقاطعه عبد الملك بالسؤال عن حاله - وقد شغل بالحوار عن ذلك - فقال: إني بخير يا أمير المؤمنين
ومضى يتأنق في صوغ المعاذير عما كان من خلافه على الحجاج وخروجه مع أبن الأشعث
وكان عبد الملك نبيلاً حقاً فأبتدر قائلاً: مَه يا شعبي فإنا لا نحتاج إلى هذا المنطق، ولست تراه منا في قول ولا فعل حتى نفترق! وأراد أن يزيد في طمأنينته فغير وجهة الحديث قائلاً: ما تقول في النابغة؟ فقال الشعبي: إن عمر بن الخطاب قد حكم له بالسبق في غير موطن على الشعراء. وذلك أنه خرج يوماً - وببابه وفد غطفان - فقال: يا معشر غطفان، أي شعرائكم الذي يقول:
حلفت فلم اترك لنفسك ريبة
…
وليس وراء الله للمرء مذهب
قالوا: النابغة. قال: فأيكم الذي يقول:
فأنك كالليل الذي هو مدركي
…
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
قالوا: النابغة. قال: فأيكم الذي يقول:
إلى ابنُ مَحرِّق أعملت رحلي
…
وراحلتي وقد هَدِت العيون
أتيتك عارياً، خَلَقٌ ثيابي
…
على خوف تّظَنُّ بيَ الظنون
فألفيت الأمانةَ لم تخنها
…
كذلك كان نوح لا يخون
قالوا: النابغة قال هذا أشعر شعرائكم
ثم أقبل عبد الملك على الأخطل فقال: أتحب أن لك قياضاً بشعرك شعر أحد من العرب، أو
تحب أنك قلته؟ قال: لا، والله، إلا أني قد وردت أني قد قلت أبياتاً قالها رجل منا، كان والله مغدف القناع، قليل السَماع، قصير الذراع! قال عبد الملك: وماذا قاله؟ فأنشده الأخطل القصيدة:
إنا محيوك فاسلم أيها الطَّلَل
…
وإن بَلِيت وإن طالت بك الطيل
حتى وصل إلى قوله:
قد يدرك المتأني بعض حاجته
…
وقد يكون مع المستعجل الزلل
وقبل أن يسمع الشعبي رأي عبد الملك في الشعر، هتف بألأخطل في لهجة المتهكم الساخر: تالله لقد قال القطامي أحسن من هذا! فأدنى عبد الملك تفاحة إلى أنفه فشمها، ثم قال: وماذا قال القطامي؟ فأنشده الشعبي:
طرقت جَنُوبُ رحالَنا من مطرَق
…
ما كنت أحسبه قريب المعنَق
ومر في القصيدة إلى قوله:
وإذا يصيبك - والحوادث جّمة -
…
حَدثٌ، حداك إلى أخيك الأوثق
ليت الهموم عن الفؤاد تفرقت
…
وَحلى التكلم للسان المطلق
فترنح عبد الملك طرباً إلى الشعر وإعجاباً به! وصاح: ثكلت القطامي أمه! هذا - والله - الشعر!
ونظر عبد الملك إلى الأخطل، فإذا هو كالمغشي عليه من الموت فأخذته الحمية لشاعره، وداخلته الشفقة عليه، فقال ينعش نفسه ويشد منها: ما أشعرك يا أخطل حين تقول في وصف الخمر
وتظل تنصفنا بها قرويةٌ
…
إبريقُها برقاعه ملثومُ
فإذا تعاورت الأكفُّ زجاجها
…
نفحتْ فشمَّ رياحَها المزكوم
لم يخف على الأخطل ما أراده الخليفة، فألقى على وجهه نظرة ملؤها الغبطة والرضاء! ثم عطف على الشعبي - والزهو يعبث بعطفيه - فقال: أسمعت بمثل هذا يا فقيه العراق؟!
فتربع الشعبي في مجلسه، وتنحنح، وأمرّ يده على لحيته إمراراً خفيفاً، ثم صاح في وجه الأخطل: بعض عجبك! فأشعر منك والله الذي يقول:
وأدكنَ عاتقٍ حَجْل رِبَحْل
…
صَبَحْت براحه شرباً كراما
من اللائى حُمِلن على المطايا
…
كريح المسك تستلّ الزكاما
فقال الأخطل: ويحك! ومن يقول هذا؟ قال الشعبي: يقوله شيخك أعشى قيس. فصاح الأخطل كمن أصابه مس: قدوس قدوس!!
ولم يسع عبد الملك إلا أن يحكم للاعشى على الأخطل: إذ هناك بون بعيد بين خمر يشمها المزكوم، وخمر تستلّ منه الزكام! وهنا يشعر الأخطل بالخطر المحدق به ويرى أن ريحه قد لاقت إعصاراً! وأنه رمى من هذا العراقي الدخيل بالداهية النكراء! لقد استطاع أن يسدد إليه سهاماً قاتلة في جلسة واحدة! فما الظن به إذا تطاولت المدة وتراخت الأيام؟! إنه لا محالة سيغلبه على مكانته من الخليفة، وسيسحب عليه ذيل الخمول! فتنبهت في نفسه غريزة المقاومة التي أرهقها طول النضال بينه وبين جرير وغيره في ميدان المهاترة! فورم أنفه وانتفخت أوداجه، وانتفشث لحيته، ودارت عيناه في رأسه كأنهما جذوتان ساعرتان! وفغر فاه يدير فيه لساناً كأنه لسان ثور! واتجه إلى الشعبي هاتفاً بصوت فيه مشابه من هدير البعير المغتلم: اسمع يا شعبي، إن لك فنوناً في الحديث وشجوناً في المحاضرة، وإن لنا طريقاً واحداً لا نحسن غيره، ولست أخالك غير ثانٍ من عنانك حتى تحملني على أكتاف قومك فأدعهم حرضاً!!
فعلت هذه الكلمات الناريّة أفاعيلها في الشعبي! فمثله لا ينكر صولة هذا التغلبي الذي لم يتورّع عن هجاء الأنصار! ويعرف أن أبياتاً من هجائه الممضّ الخبيث قد ترمى بقومه من حالق وتجلّلهم عار الأبد! فيكون أشأم همداني على همدان!
ولم يكد يتمثّل الشعبي سوء هذه المغّبة حتى ذابت حماسته فقبع في مكانه كالقنفذ الخشب! وساورته الرعدة من قمة رأسه إلى أخمص قدميّه! فالتفت إلى الأخطل ضارعاً يقول: أقلني هذه المرة يا أبا مالك! ولك عليّ عهد الله وميثاقه ألا أعود لمثلها أبداً!
وأحس الأخطل نشوة الظفر! فقال (ماطَاً صوتَه): ومن يضمن لي ذلك أيها الشيخ؟ فرفع الشعبي إلى عبد الملك عينين منكسرتين متوسلتين قائلاً: أمير المؤمنين
فضحك عبد الملك حتى بدت له سِنّ سوداء كان يسترها! وقال: أنا ضامن يا أخطل ألا يعرض لك بشيء بعد هذا!
فقال الأخطل: وأنا قد صفحت عنه يا أمير المؤمنين!
وأراد عبد الملك أن يصل ما أنقطع من الحديث فقال: يا شعبي أي شعراء الجاهلية أشعر من النساء؟ فقال الشعبي: الخنساء. قال: ولم فضلتها على غيرها؟ قال: لقولها في أخيها صخر:
وقائلةٍ (والنعشُ قد فات خطوَها
…
لتدركه): يا لهف نفسي على صخرِ
ألا ثكلت أمُّ الذين غدوْا به
…
إلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر؟!
فقال عبد الملك: أشعر منها - والله - ليلى الأخيلية حيث تقول في توبة:
مهفهف الكَشْح والسربال مُنْخرق
…
عنه القميصُ لسير الليل مُحتقِر
لا يأمن الناس مُمْساه ومُصْبحه
…
في كل حيّ (وإن لم يَغْزُ) يُنتظر
كان لكلام عبد الملك أثر عميق في نفس الشعبي، فانخزل انخزالاً شديداً وكسف باله! لقد انتصر على شاعر الخليفة ولكن الخليفة لم يعتّم أن أخذ له بالثأر المنيم! وقرأ عبد الملك في وجه الشعبي ما يعتلج في صدره من ألم برح! فقال: يا شعبي لعله قد شق عليك ما سمعت! فقال: إي والله أشدّ المشقة! إنني لم أفدك إلا أبيات النابغة (هذا غلام حسن وجهه. . .) وقد أفدتني أفضل منها
فقال عبد الملك: يا شعبي، إنما أعلمناك هذا، لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق منهم!
ثم جعل عبد الملك يردد على الشعبي أبيات ليلى حتى حفظها، فألقى المخصرة من يده - وهي إمارة الإذن بالانصراف - فنهض الشعبي مودعاً
وخطر لعبد الملك أن ينتفع (بدبلوماسية) الشعبي، فأوفده إلى ملك الروم. قال الشعبي: فلما دخلت عليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة فأمسكني عنده أياماً. فحين أردت الانصراف قال لي: أمن بيت المملكة أنت؟ قلت: لا، ولكنني رجل من العرب. . . فدفع إلي رقعة خاصة وقال: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك فسلمها إليه. فلما رجعت إلى عبد الملك، دفعت إليه الرسائل ونسيت الرقعة، ثم تذكرت بعد خروجي من الباب فكررت راجعاً ودفعتها إليه. فقال لي: هل قال لك شيئاً قبل أن يدفعها إليك؟ قلت: نعم، سألني: أمن بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا، ولكنني من العرب. ثم خرجت فما وصلت
الباب حتى ردني إليه فقال: أتدري ما في الرقعة؟ قلت: لا. فنبذها إليّ وقال: اقرأها. فقرأتها؛ فإذا فيها: عجبت لقوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره؟! فاحتدمت غيظاً، وصحت مرتجفاً: يا أمير المؤمنين، والله لو علمت ما فيها ما حملتها! وإنما قال هذا، لأنه لم ير أمير المؤمنين! فضحك عبد الملك وقال: أتدري لم كتبها؟ قلت: لا. قال: حسدني عليك فأراد أن يغريني بقتلك! ولكن خاب فأله! فاذهب لا بأس عليك!
وقد نبل الشعبي في عبد الملك وجلت مكانته، فبالغ في إكرامه وتقريبه منه، حتى كان أول من يدخل إليه وآخر من يفارقه! وصفوة القول: أن الشعبي في دولة عبد الملك هو الأصمعي في دولة الرشيد.
علي الجندي
رأي في الرجال
للكاتبة الإنجليزية أرسولا بلوم
بقلم الآنسة الفاضلة (الزهرة)
إني أميل إلى الرجال وأختصهم بمودتي، فوق ما أختصّ السيدات، لأني - بعد استثناء حالات فردية قليلة - أجد أنهم يمتازون عنهن بالحصافة وبعد مراد الفكر وصدق المنزعة. كما أنهم أرحب منهن صدوراً، وأبسط خليقة، وأسجح عطفاً، وأسرعها فيئة، وأقدر على رد عرام المنصب، واحتمال الإساءة.
وفي إمكانك أن تتشاجر مع رجل وتصارحه بما تراه فيه حقاً وتلمصه وتعوّج فمك عليه، وبعد مضي عشر دقائق تعودان إلى مألوفكما من المصافاة والموالاة. ولكنك لا تستطيع شيئاً من ذلك مع سيدة، لأنها تذكر على الدوام الملام الذي كافحتها به مرة، وقد يندمل جرحها منه ويلتئم في الظاهر، إلا أنه يلتحم على نغل ويلثرق على غبرة، ولأقل لمسة يزرف ويمجّ دما. ً
والرجل يقول ما يقصد ويتمسك به. أما المرأة فلا تعرف على الدوام ما تقصد، ولذلك لا تستطيع التزامه، أو التمسك به. فقد تقول الأم لطفلها الملحاح:(لا يا حبيبي يجب ألاّ تعتلي غارب تلك الأرجوحة المعلقة فيما بعد). ولكنها لا تجد مفراً من الانصياع له، والنزول على رغبته تحت ضغط تماديه في اللجاجة. فترافقه إلى الأرجوحة مرة أخرى. أما الأب فيقول:(أسمع! دعنا من هذه الأرجوحة وتعال بنا نعود إلى البيت)
وإنك لتعرف المسلك النهج الذي ترده، والمشرع الواضح الذي تقصده مع الرجل، ولكنك لا تعرف متوجهك مع المرأة، لأنها هي نفسها، لا تعرف لها متجهاً ظاهر المنار. وإنك لتجد في الرجل رفيقاً صالحاً، وصفياً ودوداً، وخديناً مخالصاً. . . وإذا كنت في حاجة إلى مناصحته، فإنك تلقى فيه مشيراً صادق الضمير، يتحرى لك وجوه النصح، وينصّب لك ما يهديك إلى عواقب أمرك، ويبصرك مواقع رشدك، ولا يشير عليك بما تعتقد أنه رأي الصواب الذي طوعته لك نفسك، وحدثتك بالإقدام على فعله. أما المرأة فتدلس عليك الرأي مجاراة لك، وإشباعاً لرغبتك في إنفاذه، وإغراء لعزيمتك باتباعه، ولا يخطر لها أن تشير عليك بما تعتقد أنه أحمد لك في العقبى، وألزم للحوط من أمورك. وقد ارتدي قبعة جديدة،
وأتطلّب رأي إحدى صويحباتي فتكره أن تزهدني فيها، وتميلني عنها، بعد أن شريتها. فتقول:(إنك تبدين فيها يا عزيزتي مدهشة فتانة!). وأسأل الرجل فيقول: (ما هذه القبعة؟ أهي صندوق فحم مقلوب. . .!) ومن الغريب أنه لا يريد أن يحدج بسوء حين يجهر بهذا القول. وإني لشديدة الإعجاب بصدقه وإخلاصه في صراحته. لأني أعتقد يقيناً أنه بفطرته محمود الملابسة، شهي المجاملة، لا يعرف كيف يدامل أو يدامج!
وليس من شأن الرجل أن يغتاظ بمثل السهولة التي تنال من المرأة، وتثير لحتدامها، فقد تستاء وتتكدر بل تستشيط غضباً إذا اعتقدت أن إحدى صويحباتها قد قلدت رسم ثوبها الجديد وسبقتها إلى الظهور به، أو أنها قد استمالت خادمتها القديمة النافعة، أو أنها قد أخبرت صاحبتها فلانة أنك تتهم سلامة ذوقها في الأزهار التي يطالعك بها فناء حديقتها! أما الرجل فلا يحفل شيئاً من هذا، ولا يزعجه تنديدك بنظام مغروساته وأزهاره، ما دام هو يحبها ويتعهدها بما يلزمها من السقيا والري.
بيد أني أعتقد أن السيد (آدم) مزهوّ بذاته، وأعرف أنني إذا كنت أبغي النجح لمطلب أقصده، فليس عليّ إلا أن أثني على مهارته ثناء جماً، وأمتدح اجتهاده وشهامته، وأتغنى بمواهبه وحكمته. . . وأعرف أن معدته هي نقطة الضعف فيه. . . وأنه قل أن يوجد في الرجال مَن لا يستخفه طبق شهي مصنوع من (مايونيز الخبياري، وجراد البحر (الجمبري). . .)
وإنك لا تجد للرجل ضريباً في صدق صداقته، وهذا سبب من أعظم الأسباب التي تحفزني على أن أمحص الرجل صافي ولائي
وأعتقد كذلك أن الرجال في غضون عشر السنوات الأخيرة قد كيفوا ذواتهم تكييفاً معجباً، وفاق ما استلزمته التغييرات والتطورات الحديثة. فقد مضوا إلى ميادين القتال، وقارعوا في سبيلنا، وجاهدوا جهاد الأبطال للذود عن أوطاننا، ولاقوا الأهوال، وأفنوا زهرة العمر في الخنادق الضيقة الملوثة بالجراثيم والأوبئة، وواجهوا الموت في المغاور والمخابئ الصماء. ثم عادوا وماذا وجدوا؟ وجدوا عالماً غريباً أفرغ في قالب لا عهد لهم به من قبل. بل وجدوا عالماً جديداً، احتلت فيه المرأة مقام السؤدد
ووجدوا أننا قد سلبناهم أعمالهم ووظائفهم، إذا أطلقنا عقال التقاليد، وعدنا غير ذلك الجنس
اللطيف الضعيف؛ وأصبحنا الجنس القوي، الآخذ عليهم المهلة والأنف. ولو أن الأمر كان على العكس، فكانت المرأة هي التي عادت من الحرب، ووجدت كل هذا التطور، لما تأخرت لحظة عن اغتصاب السلطة من الرجل، ومحاربته ومناجزته، بذلك الأسلوب الجبار القاسي العنيف الذي تتوخاه في جميع منافحاتها ومقارعاتها. . .
ولكن الرجل لم يفعل أي شيء من ذلك. بل جلس ساكناً وأخذ ينظر ويراقب سير الأمور. ولعله عرف أننا سنملّ هذا التغيير الجديد على توالي الوقت؛ ولعله كان حكيماً في ألمه وعنائه، وما قاساه من خشونة العيش وضيقه في تلك الخنادق الوبيلة الضيقة فأبى أن يناوش ويداحل، واعتقد أنه وقف موقفاً نبيلاً تجاه جميع تلك التصرفات.
وإني لأجزم بأن الرجال مدهشون بوجه الإجمال: فهم أصدقاء خلصاء، ومحبون كرماء، ومنافسون شرفاء، وهم السواعد اليمنى القوية التي تتمنى أن تتكئ عليها في أحايين، أوفر السيدات استحواذاً على الحرية، وأوفاهن استمتاعاً بنيل حقوق الأمة. وإنني لأوثر الجنس النشيط الخشن على الجنس اللطيف في جميع هذه الأحوال، لأننا لا نستطيع أن نكون من نظرائه وعدلائه في نبل شعوره ومناقبه العالية وصفاته النادرة التي تتجلى في ميادين المباريات والمنافسات. ولقد كشف لي ابني الحدث هذه الحقيقة الرائعة إذ كنت أتلهى معه بالمصارعة، وكان له الغلب عليّ في جميع الحلقات، من بدائيها إلى نهائيها؛ وإذ كنت سجينة بين ذراعيه لم أفتر عن منازلته. وإني لآسف أن أقول: إن غريزة نسوية وحشية قد طغت على إحساسي بقواعد الشرف المتفق عليها في المباريات والمصارعات، وجعلتني أنقضّ عليه في تلك اللحظة خلسةً، وأعضه في محاذرة وتيقظ. . . فزاح ذراعه وتفرّس في وجهي مؤنباً وقال:(أواه منك يا امرأة!). وإن خير ما أعتقده في صفات الرجل ومميزاته هو هذا الذي بدر من ابني. . . والذي يحملني على المجاهرة في غير منّ ولا تصدق بأن الرجل يجعل النزاهة رائدة على الدوام في النزال والمصاولة. . .
(الزهرة)
من مذكرات بلنت
صفحات مجهولة من حياة الإمام محمد عبده
(بقية ما نشر في العدد الماضي)
10 أغسطس سنة 1903
كان الشيخ عبده قد نقل كتاب الفيلسوف هربرت سبنسر عن (التربية) من الفرنسية إلى العربية بلغة جزلة صحيحة ورأى بهذه المناسبة أن أقدمه إلى مؤلف الكتاب
فذهبت مع الشيخ عبده اليوم إلى بريتون لنزور سبنسر، في ذلك الشأن وأنبأته بأمر هذه الزيارة، فأرسل عربته وسكرتيره مستر تروتون ليقابلنا في محطة بريتون. ولما وصلنا إلى المنزل ألفينا الفيلسوف الشيخ طريح الفراش من شهر إبريل الماضي. ولم يكن المرض الذي انتابه قد اثر في عقله بتاتاً، بل ظل ذهنه صافياً وصوته قوياً ولكن يده كانت ناحلة نحول يد الهيكل العظمي. وقد استقبلنا وقتاً قصيراً قبل الغداء، ثم عاد فأستقبلنا في الساعة الثالثة، وحاول في بادئ الأمر أن يتكلم الفرنسية فتكلم ببطء وصعوبة. ثم عاد إلى الإنجليزية، ورحت بدوري أترجم للشيخ عبده
نعى سبنسر على السياسة الحديثة اختفاء (الحق) منها، وتكلم عن حرب الترنسفال فنعتها بأنها وصمة في جبين الإنسانية وقال: لا شك أننا مقبلون على عصر (قوة) عصر تثار فيه الحروب من أجل السيطرة وتباح فيها جميع ضروب الوحشية
وتناول في جلسة الساعة الثالثة ظهراً حديث الفلسفة، وسأل المفتي عما إذا كان الفكر يتطور حقا في الشرق إلى ناحية الغرب. فقال الشيخ عبده: الواقع أن الشرق يأخذ عن الغرب أسوأ ما فيه وإن كانا ما زالا مشتركين في خير الأفكار وأرقاها.
وهنا قال سبنسر: لنذهب تواً إلى صميم الموضوع. إنني أعتقد أن الفكرة عن القوة المحركة للوجود، هي ما تسميه (الله) وما نطلق عليه نحن (الرب) وهي متقاربة عندنا وعندكم. فأجاب المفتي بنظرية وجد سبنسر أنها جديدة طريفة. فقال الشيخ عبده: إننا نؤمن بأن الله (موجود) غير مشخص. فسر سبنسر من ذلك غير أنه لم يلبث أن أجاب: إن الفكرة صعبة الفهم، وزاد على ذلك: إنه من الواضح على كل حال أنكم من المتعمقين في التفكير
تعمقنا نحن معاشر الأوربيين
ومع الأسف لم يكن في وسعنا أن نتمادى في هذه الأبحاث الطريفة فإن سبنسر لم يكن يسمح له بإطالة الحديث بالنسبة لمرضه. غير أني في أثناء عودتنا إلى المحطة سألت المفتي سؤالاً دقيقاً: أعتقد أن الله يعلم أنك موجود وأني موجود، أو لا تعتقد أن هذا العلم هو شخصيته؟
- إنه يعلم
- أو لا تعتقد أنه يعلم بالطيب والخبيث؟
- إنه يعلم وأنه يسر بالطيب ويستاء من الخبيث؟
- أجل
ومن سوء الحظ أن الوقت لم يتسع لنناقش سبنسر ونقف على رأيه في هذا الأمر وإن أمكن أن نلمح بريقاً خاطفاً من تفكيره في الموضوع
أما النساء اللواتي عرفتهن في صحبته، فما يزلن يلازمنه من سنوات أربع. وقد وقفت منهن على معلومات طريفة عن حياته الخاصة، وأكثرهن علاقة به امرأة صماء. وليس لديها صديق، ولم يزره أحد من شهر إبريل الماضي سوى ثلاثة أو أربعة أصدقاء، ولكن صحته بدأت تتحسن، وشرع يستعيد بعض نشاطه، وأمكنه أن يقضي الصيف قرب (تل ليف) وأن يخرج برفقتهن إلى نزهات خلوية، وكان يجد سروراً مضاعفاً من رؤية الزهور والطيور، وهو الآن يجالسهن ويلاعبهن الشطرنج والضامة.
وتعميماً للفائدة نثبت هنا ما كتبه الشيخ رشيد رضا في تاريخه عن الإمام محمد عبده ومقابلته للفيلسوف سبنسر ليمكن المقارنة بين ما سجله بلنت وبين ما دونه رشيد رضا:
(قلنا إنه في سفره الأخير إلى إنجلترا عام 1903 زار الفيلسوف سبنسر، وكان ذلك في 10 أغسطس. وكان الفيلسوف مصطافاً في برايتون من جنوب إنكلترا وقد نهاه الأطباء عن كثرة مقابلة الناس، وعن الحديث مع أحد أكثر من عشر دقائق لمرضه مع شيخوخته، ولكنه سر من حديث الأستاذ الإمام، ودعاه إلى الغداء معه، وأطال الحديث إليه في فلسفة الدين والأخلاق والأفكار والمادية وسياسة أوربا
وأنني أذكر ملخص ما حدثنا به أستاذنا من ذلك وأرمز إلى سبنسر بحرف (ف) المقتطعة
من (فيلسوف) وإلى شيخنا بحرف (م) المقتطفة من كلمة (إمام):
ف - هل زرت إنكلترا قبل هذه المرة؟
م - نعم زرتها منذ عشرين سنة
ف - كيف وجدت الفرق بين إنجلترا اليوم وإنجلترا منذ عشرين سنة؟
م - إنني زرت هذه البلاد في المرة الأولى لغرض سياسي خاص هو البحث مع رجال السياسة في مسألة مصر والسودان عقب الاحتلال البريطاني وأقمت أياماً قلائل لم يتعد عملي فيها ما جئت لأجله. وقد الممت بها الآن منذ أيام فلم أدرس حالة الناس، وإنما يجب أن آخذ عنكم ذلك
ف - إن الإنجليز يرجعون القهقرى فهم الآن دون ما كانوا عليه منذ عشرين سنة
م - فيم هذه القهقرى وما سببها؟
ف - يرجعون القهقرى في الأخلاق والفضيلة، وبين تقدم الأفكار المادية التي أفسدت أخلاق اللاتين قبلنا، ثم سرت إلينا عدواها، فهي تفسد أخلاق قومنا وهكذا سائر شعوب أوربا
م - الرجاء في حكمة أمثالكم من الحكماء واجتهادهم أن ينصروا الحق والفضيلة على الأخلاق المادية
ف - إنه لا أمل لي في ذلك لأن هذا التيار المادي لا بد أن يأخذ مداه وغاية حده في أوربا. إن الحق عند أهل أوربا هو الآن للقوة
م - هكذا يعتقد الشرقيون، ومظاهر القوة هي التي حملت الشرقيين على تقليد الأوربيين فيما لا يفيد من غير تدقيق في معرفة منابعها.
ف - محي الحق من عقول أهل أوربا بالمرة، وسترى الأمم يختبط بعضها ببعض ليتبين أيها الأقوى ليسود العالم أو يكون سلطان العالم
ثم انتقلا إلى الكلام في الفلسفة الإلهية
ف - ما يقول علماء الإسلام في الخالق، هل هو داخل العالم أو خارجه؟
م - إن علماء الأثر يقولون إن الله تعالى فوق كل شيء بائن من العالم، والمتكلمين يقولون: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، والصوفية القائلين بوحدة الوجود يقولون: إن كل
شيء في العالم مظهر من مظاهر وجوده وذكر له ملخص مذهبهم.
نوفمبر 1903
انتهز الشيخ عبده فرصة قدومه إلى إنجلترا فزار جامعة اكسفورد واستقبل استقبالاً حافلاً من أساتذتها خصوصاً المستشرق براون الذي أقام له حفلة تكريم شهدها أساتذة الكلية. ولدى تفقد الشيخ عبده القسم الشرقي من مكتبة الجامعة عثر على مخطوطات عربية نادرة، أكثرها معروف بالاسم فقط لدي رجال الزهر؛ واهتم اهتماماً زائداً بمخطوط لأحد فلاسفة العرب (السباعي فيه رسائل إلى فردريك الكبير، وقد ذكر الشيخ عبده انه سوف يكلف إدارة الأوقاف بنسخ المخطوط
وتناول الشيخ عبده في حديثه معي زيارته لتونس والجزائر وشرح سوء حالتهما بالمقارنة بينهما وبين مصر، ووصف تلك المقارنة بأنها كالفرق بين الظلام والنور. ثم عرجنا في الحديث على موقف الخديو فقال الشيخ عبده: إن الخديو جشع يعمل كل شيء في سبيل جمع المال، وإنه يريد أن يستبدل ببعض ما يملك أطياناً وعقاراً كلها وقف. ثم إن الخديو ينم ظاهره عن صداقته، ولكنه يعمل في الباطن لإقصائه عن وظيفة الإفتاء
17 يناير سنة 1904
أفضى إلي المفتي بأنه كان في الإسكندرية وقابل الخديو، وهو كعادته معه، له مقابلة حسنة، ومقابلة سيئة. ظاهره ضحك وباطنه دسائس وانتقام. ويقول إن الخديو متضايق منه بسبب الفتاوى الثلاث التي أجاب بها أسئلة مسلمي الترنسفال وهي:
1 -
هل للمسلم المقيم في بلاد أجنبية أن يأكل لحماً لم يذبح على الطريقة الإسلامية؟
2 -
هل للمسلم المقيم في بلاد أوربية أن يلبس القبعة؟
3 -
هل للشافعي أن يقف في صف واحد مع الحنفي في الصلاة؟
وقد أجاب المفتي بما يرضي ضميره. ولكن الخديو اعتبر ذلك كفراً. مع أنه هو نفسه يأكل ويلبس القبعة، ولا يقيم الصلاة في البلاد الأجنبية. على أن كرومر في جانب المفتي، وذلك ما يوجب الدهشة!
22 يناير سنة 1904
تغدى المفتي معنا في الحديقة، تحت شجر الغاب الإفرنجي، وهو متألم لوفاة عالم من علماء الأزهر وخصوصاً أن الخديو مصمم على أن يحدث متاعب لخلفه. وعندما نتكلم على الخديو ينعته بقوله (رجلنا الصغير)!
ومن أحاديثه: أن الخديو منهمك الآن في الأعمال المالية، والتجارية، إلى حد أن كرومر خيره بين أن يظل خديوياً محترماً وبين أن يكون تاجراً محترفاً. وهذا حق، وخصوصاً أن بعض أفراد أسرة محمد علي يحبون المال حباً جماً.
13 إبريل 1905
في حديث اليوم مع الشيخ عبده تفضل وأخبرنا بقصة طريفة لا بأس من إيرادها: ففي أثناء نفيه إلى بيروت عام 1883 حدث أن كان قسيس مقيماً في إنجلترا اسمه اسحق تيلور يقوم بدعاية واسعة النطاق الغرض منها توحيد الإسلام والنصرانية على أساس فكرة التوحيد الموجودة في الإسلام والشائعة عند الكنيسة الإنجليكية. وكان هناك شخص إيراني من أتباعه اسمه ميرزا بكر يشايعه في فكرته. وقد تمكن من التأثير في الشيخ عبده، وفي طائفة من علماء دمشق، فكتبوا إلى القس تيلور في الموضوع. وما إن وصل الكتاب إلى القس حتى فرح به ونشره مستعيناً به على صحة دعواه، إلا أن السلطان عبد الحميد كلف سفيره في لندن أن يستقصي حقيقة الموضوع ويقف على أسماء موقعي الكتاب، فقابل القس وحصل منه على هذه الأسماء؛ وقد أحاق بهؤلاء العلماء فيما بعد عذاب أليم وقرر السلطان إبعادهم عن الديار السورية. . . ويقول الشيخ عبده إن السر في غضب السلطان أنه خشي أن يعتنق الإنجليز الإسلام، ثم يطلبوا أن يكونوا أصحاب الدولة في الإسلام وتكون الملكة فيكتوريا ملكة المسلمين. . . ويذهب السلطان من السلطان. . . وسبحان مدبر العقول
19 فبراير 1905
عاد الشيخ عبده من السودان وأطلعني على تفاصيل زيارته وأنه مغتبط بما رآه وشاهده، فالحكومة هناك أحسن إدارة منها في مصر، والأهالي قانعون حتى عن مسألة النخاسة، والدراسة في كلية غردون على أساس معقول موافق
وعنده أن قانون العقوبات السوداني أسهل وأحسن من القانون المصري، وأن السردار يحكم
بالعدل ويسود بالحكمة واللين، وأن هناك شعوراً حسناً متبادلاً بين الإنجليز والسودانيين
17 مارس 1905
ودعت الشيخ عبده هذا الصباح. ويلوح لي أن هذا السفر إلى الأبد فلا عودة منه. على أن المكان - عين شمس - حبيب إلى نفسي لشمسه المتألقة وسمائه الصافية وما يكتنفه من خضرة وطير. فيا إلهي! من ذا الذي يرعى ذلك كله إذا ما ذهبت؟
وحضر الشيخ عبده إلى المحطة يودعني ويقيناً نتحدث طول الوقت إلى آخر لحظة تحرك فيها القطار. وكان وداعاً مؤثراً حزيناً لأن شعوري أوحى إليّ بأني سوف لا أراه بعد ذلك
8 يوليه 1905
إن الحادث الذي هز عواطفي هو حادث وفاة الشيخ عبده. فأن ذلك من أفدح النكبات التي صادفتها في حياتي كذلك موته خسارة جسيمة للعالم الإسلامي. وإنه يداخلني الريب في كيفية موته، فربما كان موتاً غير طبيعي، وإن له خصوماً سياسيين كثيرين
15 يوليه 1906
قدم مصطفى كامل باشا إلى لندن وجرت بيننا مقابلة طويلة استعرضنا فيها موقف الخديو والأحوال الدولية وسياسة الاحتلال البريطاني والغازي مختار. . . ثم انتقلنا إلى الحديث عن المرحوم الشيخ عبده فذكره مصطفى كامل بتحفظ وأخذ عليه تمسكه بمنصبه الرسمي على رغم تحقير الخديو له. وهو لو احتفظ بكرامته وترك المنصب لجعلناه إمامنا في الحرية والوطنية، ثم تنازل حادث وفاته وقال إنه كان بداء السرطان كما أخبره طبيبه قبل موت الشيخ بثلاثة شهور
محمد أمين حسونة
التاريخ في سير أبطاله
أحمد عرابي
أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصري الفلاح وأن يحدد له
مكانه بين قواد حركتنا القومية؟
للأستاذ محمود الخفيف
ذكرنا أنه كان من نتائج تلك المذكرة المشؤومة اتحاد الوطنيين والعسكرين، ونذكر الآن أن عرابياً ما لبث يومها أن عاد في نظر الجميع الرجل الذي يجب أن يحرصوا على معونته، وتأهب عرابي ليأخذ دور الزعيم من جديد وقد كانت الزعامة تتزايل في نظر الناس عن شريف
ولقد أحس مالت بما كان للمذكرة من أثر في عودة عرابي إلى طليعة الصفوف فأوفد إليه في مكتبه بوزارة الحربية صديقه بلنت، وكان عرابي قد عين وكيلاً لهذه الوزارة كما بينا؛ وكان مالت يطمع في أن يكسب عرابياً إلى جانبه، أو على الأقل كان يتمنى أن يهدئ خاطره لعلمه بما يكون لمثل هذا العمل من عظيم الأثر في ذلك الموقف العصيب الذي سببته رعونة غمبتا وصاحبه
يقول بلنت: وقد ذهبت إلى ثكنة قصر النيل في ظهر يوم 9 وكانت المذكرة قد وصلت في يوم 8 فوجدت عر ابياّ وحدة في مكتبه، وهذه هي المرة الأولى والأخيرة التي رأيته فيها غاضباً، وكان وجهة كسحابة الرعد، وكان في عينة بريق خاص؛ وكان قد رأى نص المذكرة وإن كان لم ينشر بعد، وقد سألته كيف فهمها فقال: أخبرني كيف تفهمها أنت؟ وحينئذ أديت رسالتي فقال: لاشك في أن السير إدوارد ماليت يحسبنا أطفالاً لا نفهم معنى الكلمات. هذه لغة تحد وتهديد وليس في هذه الإدارة كاتب يستخدم هذه الألفاظ لغير هذا المعنى. ثم أشار إلى الفقرة الأولى التي ذكر فيها الأعيان وقال: هذا تحد لحريتنا وليس لإعلان اتحاد فرنسا وإنجلترا معنى إلا أن إنجلترا ستغزو مصر كما غزت فرنسا تونس. . . ثم قال: دعهم يأتون فكل رجل وطفل في مصر سيقاتلهم. ليس من مبادئنا أن نضرب الضربة الأولى ولكنا سنعرف كيف نردها. ثم قال فيما يختص بالمحافظة على عرش
توفيق: (إن السلطان هو الذي يحافظ على عرش توفيق فليس في حاجة إلى ضمان أجنبي. ولك أن تخبرني بما تشاء ولكني أعرف معنى الكلمات أحسن مما يعرف ماليت. . .
والوقع أن تفسير مالت كان هراء في هراء، وقد شعرت لما صرت أمام عرابي بعقلي، وخجلت من حملي إليه مثل هذا الهراء، ولكني أكدت له أني أديت الرسالة كما ألقاها إلى السير ادوارد ثم قلت: وهو يرجوك أن تصدقها وأنا كذلك).
هذا هو كلام بلنت، ومنه نتبين مبلغ غضب عرابي لهذه المذكرة كما نفهم جانباً مما كان يجيش في نفس هذا الزعيم الثائر، فهولن يجبن ولكنه لن يبدأ بالعدوان، وهو بعد ذلك يلمح نيات إنجلترا من هذه المذكرة كما يفعل السياسي البعيد النظر إذ يقرأ بين السطور كما يقولون. وما كان عرابي مبالغاً في تصوير نيات الإنجليز فلسوف نرى أن جرانفيل كان في ذلك الوقت قد وطد العزم على التدخل بالقوة!
عاد عرابي إلى الميدان. وفي الناس من تبلغ بهم الغفلة إلى حد أن يأخذوا عليه هذه العودة؛ وفيهم من يذهب بهم اتباع الهوى إلى أن يجعلوا ذلك من أكبر خطيئاته قائلين في مثل منطق البلهاء إن كان ثمة للبلهاء من منطق، إنه بعودته هذه قد ساق البلاد إلى ما سيقت إليه من دمار.
ومن المؤلم المثير حقاً أن يقول هؤلاء الناس هذا الكلام دون أن ينظروا في موقف الخديو وموقف الإنجليز على نحو ما بيننا، وهم لا يفهمون من المسألة كلها إلا ما شاع من أن عرابيا كان رجلاً ذا أطماع لا يدري ماذا يفعل؛ فكانت إذا هدأت البلاد لا يفتأ يعمل بنزقه على إثارتها ليصل إلى تحقيق أطماعه.
وأحسب الآن بعد الذي رأينا من موقف أعدائه أن هذا الكلام قد أصبح خليقاً بأن يخجل منه قائلوه. وإنا لنكاد نقطع منذ الآن أنهم - بعد أن نفرغ من سيرة هذا الرجل المظلوم على النحو الذي نسير عليه - لن يعودوا إلى مثل هذا الكلام أبداً، وسبيلنا في إقناعهم الحجة التي نستخلصها من الحوادث في عدالة يوجبها الحق، وفي عطف يتطلبه الإنصاف.
تعهد عرابي ألا يتدخل في شؤون الحكومة، فكان إذعانه لهذا الطلب أمراً لا بد منه. ولو أنه رفضه لكان في ذلك مخطئاً أشد الخطأ، ولكن عرابياً لم يتعهد أن يدع وطنه وشأنه لا تهزه بعد يوم عابدين نحوه عاطفة أو يحركه لنجدته ما عساه أن يلم بقضيته من الأحداث.
ولم يكن ليستطيع عرابي أن يتعهد بمثل هذا التعهد ولن ليستطيع ذلك غير عرابي من الناس، ولو أنه فعل ذلك لأجرم في حق هذا الوطن جريمة ما كان ليغفرها له التاريخ. . وكيف يفعل ذلك عرابي أو أي رجل غيره ولا يكون بذلك مجرماً مفرطاً في جنب وطنه؟ وأي فرق بين مثل هذا التعهد وبين المروق والخيانة والجمود في أوضح صورها وأقبحها؟
ألا إنه الحق كل الحق أن يطلب إلى بني الوطن ألا يتدخلوا في أعمال الحكومة، ولكن على شرط ألا يكون من تلك الأعمال نفسها ما يحفز الناس إلى التدخل أو يوجبه عليهم. أما أن تفرط الحكومات في حق الوطن، وأما أن توضع العقبات في سبيل قضيته ثم يطلب إلى الناس بعد ذلك أن يدعوا الحكومة وشأنها فهذا هو الباطل بأجلى معانيه وأشدها فجوراً، ومن أطاع ذلك من الناس فقد أجرم في حق بلاده وضل ضلالاً بعيداً
لن يكون لقيام الحكومات من مبرر إلا العمل لخير المحكومين وصلاح أمرهم. على هذا الأساس ولدت الديمقراطية، وبهذا المبدأ اقترنت الحرية؛ ولكم نادى بذلك القادة ودعاة الإنسانية في الغرب منذ هدموا صروح الظلم وحطموا أغلال الماضي وفصموا سلاسل الرجعية. وما لنا نستشهد بالغرب وهذه الحكومة الإسلامية الأولى التي قامت في الصحراء قد جعلت تلك المبادئ أساس قيامها، فما أروع وأجمل أن يقول الخليفة الأولى للناس:(أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن حرفت فقوموني) وإن يقول لهم الخليفة الثاني: (من رأى منكم في اعوجاجاً فليقومه) فيرد عليه أعرابي من أوزاع الناس بقوله: (لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا) وما أملى على أبي بكر وعمر هذه المعاني السامية وما أمدهما بتلك السياسة العالية إلا ما ألهماه من روح تلك الشريعة السمحة، شريعة دينهما التي تقدم بهذا أحد براهينها على أنها شريعة الفطرة، فما كانت الحرية في شتى مظاهرها إلا بنت الفطرة. . . وأبلغ وأروع من قول أبي بكر وعمر قول الرسول الكريم:(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)
قبل عرابي أن يدع الحكومة وشأنها على أن تجري الأمور وفق ما وضعته الثورة من مبادئ، فكيف لعمر الحق كان يستطيع أن يحمل على السكوت نفسه وقد رأى من الدسائس الأثيمة التي تحاك حول تلك الحرية الوليدة ما أغضب أكثر الناس اعتدالاً وأقلهم علاقة
بالسياسة وشؤونها؟
إذاً فالفرق كبير بين أن يتدخل عرابي في شؤون الحكومة وبين أن يغضب لما حل بقضية وطنه، وفي هذا الغضب دليل وطنيته ووطنية كل غاضب معه. ولقد كان من أصعب الأمور على هذا الرجل أن يدع هذه القضية وشأنها، بل لقد كان ذلك مستحيلاً عليه؛ وإني لأرجو من الذين خاصموا هذا الرجل في غير حق بعد أن أصبح في ذمة التاريخ أن يستمعوا إلى هذا الرأي الذي أسوقه عنه، ألا وهو أن الحرية كانت من طبعه لم يتكلفها يوماً ولم توجهه إليها الحوادث وهو يجهل كنهها كما يقول الذين أرادوا ألا يدعوا له محمدة إلا جعلوها بالباطل مذمة
كانت الحرية من طبع ذلك الجاويش الذي نقم على الجراكسة في الجيش استبدادهم فأكثر من الشغب عليهم. وكانت الحرية من طبع ذلك الضابط الذي اختاره زملاؤه ليحمل عريضتهم إلى رياض. وكانت الحرية هي التي دفعت هذا الرجل إلى أن
يقف ذلك الموقف الفذ عصر ذلك اليوم المشهود في ساحة عابدين، ولسوف تكون الحرية هي الحافز له إلى وثبات أخرى. . .
ولقد استوثق مستر بلنت من ذلك عند ما سعى إلى عرابي يطلب مودته قال: (وكانت غرفته الخارجية بل كان الشارع الموصل إلى المنزل يمتلئ كل يوم بجماعة الشاكين. وكان قد اتصل به نبأ عطفي على الحركة ورغبتي في مساعدة الفلاح فاستقبلني بأسمى مظاهر المودة لهذا السبب، وللصلة التي تربط أسرتي باللورد بيرون الذي كان عرابي وإن لم يعرف شيئاً من شعره يمجده لدفاعه عن حرية اليونانيين)
وكيف كان يمجد هذا الفلاح اللورد بيرون نصير الحرية إلا أن يكون هذا تجاوباً بين نفس حرة وأختها؟ ولقد كان بيرون يدافع عن اليونانيين لاعن المصريين، فلم يكن حب عرابي إياه إذاً مشوباً بعاطفة غير عاطفة حب الحرية أينما كانت وكيفما كانت جنسية الداعين إليها وكيفما كان دينهم
ولنعد إلى خطبته التي ألقاها في محطة مصر. لقد أفصح فيها وهو يرتجلها عن كثير مما تنطوي عليه نفسه. والخطيب في مثل ذلك الموقف الحماسي ينسي نفسه فلا يملك التكلف والتصنع لأنه ليس به حاجة إلى ذلك، بل لقد يكشف الخطيب عما يريد أن يغطيه إذا نسى
نفسه في رهبة الموقف وحماسته دون أن يملك لذلك دفعاً. قال عرابي: (البلاد محتاجة إلينا وأمامنا عقبات يجب أن نقطعها بالجزم والثبات وإلا ضاعت مبادئنا ووقعنا في شرك الاستبداد بعد التخلص منه) وقال: (وقد فتحنا باب الحرية في الشرق ليقتدي بنا من يطلبها من إخواننا الشرقيين على شرط أن يلزم الهدوء والسكينة. . .)
وإنا لنرى في ذلك الكلام من الأدلة على أن عرابياً كان يتحرك بدافع من حبه للحرية ما لا تجدي معه مكابرة؛ وعلى ذلك نتساءل: ألم يأن للناس أن ينصفوا هذا الرجل وقد قضى عليه أعداؤه ثم قضوا بعد ذلك على تاريخه الحق؟
ألم يأن لأبناء هذا الوطن وقد فرغوا من قضية استقلاله وحريته أن ينظروا إلى هذا الرجل نظرتهم إلى زعيم جاهد في الوطن حق جهاده، وأن يكفوا عن تلك النظرة الظالمة التي تصوره رئيس عصابة من الأوزاع والهمج يسيرون على نهج ولا يبتغون من وراء سيرهم غاية؟
ألم يأن لأبناء هذا الوطن أن يفطنوا إلى أن الاحتلال هو الذي صور عرابياً هذه الصورة المنكرة ليبرر بذلك فعلته، وأنهم بمجاراتهم الاحتلال وصنائعه إلى يومنا هذا فيما ادعوا إنما يثبتون على أنفسهم الغفلة ويسيئون إلى رجل ما فكر يوماً في الإساءة إلى وطنه؟ رجل إن كثرت أخطاؤه فقد حسنت نياته، وإن فاته النجاح فقد عظم في سبيل النجاح بلاؤه. ولقد قل في المحنة نصراؤه وتعدد غداة الروع أعداؤه
لا جناح على عرابي أن يعود إلى ميدان النضال في سبيل المبادئ التي اعتنقها المصريون ووطدوا العزم على تحقيقها. ولو أنه وقف في جهاده عند وثبته الجريئة يوم عابدين لحق عليه ما نسبه إليه خصومه من النزق والسير على غير هدى، ولكن هؤلاء الخصوم يلومونه على عودته إلى العمل قائلين لقد أجيبت مطالب الجند على نحو ما كان يرجو عرابي نفسه، وهم في هذا ما يجهلون حقيقة الثورة العرابية وآمال الرجل الذي نسبت إليه تلك الثورة وأغراضه، وإنما يعلمون ذلك ولكنهم يمارون فيما يعلمون، ولكنهم في الحالين ملومون فلن يقبل منهم جهلهم ولن يقرهم أحد على مماراتهم ومكرهم
وسيعود عرابي إلى الجهاد فيقف في وجه الدولتين الطامعتين. وسيسير زعيم الثورة على رأس جيش من أبناء هذا الوادي ليذود عنه في بسالة جريئة وحفاظ مرّ وفق ما توجبه
الوطنية والرجولة. وهذا في الحق هو كل ما يطلب منه في مثل تلك الظروف؛ أما الفوز فأمر قد يخرج عن تصريفه، وسبيله إليه محدود بحدود طبيعته ومقدرته. ولقد يتوافر للقائد من أسباب الفوز ما يكاد يعتقد أنه قبل وقوعه حقيقة لا سبيل إلى الريبة فيها، ثم ينظر فإذا تلك الحقيقة خيال أو دون الخيال. ولئن أخطأ قائد فلن تحمل أخطاؤه على معنى آخر، كما حملت أخطاء عرابي ظلماً وعدواناً على معاني الخيانة والمطامع الشخصية
(يتبع)
الخفيف
نقل الأديب
للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي
438 -
بلع الأمانة فهي في حلقومه
قال أبو الحسن البغدادي الفكيك في نقيب بغداد وكانت في عنقه غدّة:
بلغ الأمانة فهي في حُلقومه - لا ترتقي صُعداً ولا تتنزّلُ
439 -
هذا لا يرسخ إلا في قلب مؤمن
في الأغاني: المدائني: شهد رجل عند قاض بشهادة. فقيل له: من يعرفك؟ قال: ابن أبي عتيق. فبعث إليه يسأله عنه. فقال: عدل رضيً. فقيل له: أكنت تعرفه قبل اليوم؟ قال: لا. ولكني سمعته ينشد:
إن الذين غدوْا بلبّك غادروا
…
وشلا بعينك لا يزال مَعينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي:
…
ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فعلمت أن هذا لا يرسخ إلا في قلب مؤمن فشهدت له بالعدالة
440 -
ما أعظم الله!
في (طبقات الشافعية) منع الشيخ أبو حيان أن يقال: ما أعظم الله، وما أحلم الله، ونحو ذلك. ونقل هذا عن أبي الحسن ابن عصفور احتجاجاً بأن معناه شيء عظمه أو حلمه، وجوزه الإمام الوالد (تقي الدين السبكي) محتجاً بقوله تعالى (أبصر به واسمع) والضمير في به عائد على الله، أي ما أبصره وأسمعه، فدل على جواز التعجب في ذلك. وفي شرح ألفية ابن معطي لمحمد بن الياس النحوي: سأل الزجاج المبرد فقال: كيف تقول ما أحلم الله وما أعظم الله؟ فقال: كما قلت. فقال الزجاج: وهل يكون شيء حلم الله أو عظّمه؟ فقال المبرد: إن هذا الكلام يقال عندما يظهر من اتصافه (تعالى) بالحلم والعظمة، وعند الشيء يصادف من فضله، والمتعجب هو الذاكر له بالحلم عند رؤيته إياها (أي الصفة) عيانا. وذكر الوالد أنه يعني بالشيء نفسه أي أنه عظم نفسه، أو أنه عظيم بنفسه لا شيء جعله عظيما.
441 -
خير لعمرك منه خص عامر
الحسن بن علي الأسواني:
فدع التمدح بالقديم فكم عفا
…
في هذه الآكام قصرٌ دائرُ
إيوان كسرى اليوم عند خرابه
…
خير (لعمرك) منه خصٌّ عامر
442 -
تحاسد الأكفاء
قيل لبعضهم: ما الذي أذهب ملككم؟
قال: تحاسد الأكفاء، وانقطاع الأخبار!!
443 -
هذه والله مكارم الأخلاق
في (الآداب الشرعية والمنح المرعية): كان بين سعيد بن العاص وقوم من أهل المدينة منازعة، فلما ولاه معاوية المدينة ترك المنازعة، وقال: لا أنتصر لنفسي وأنا وال عليهم.
قال ابن عقيل في (الفنون): هذه (والله) مكارم الأخلاق
444 -
كأنها طبخت بنار شوقي إليك
في (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب) للثعالبي: نار الشوق مذكورة على الاستعارة، وكذلك نار الوجد، ونار اللوعة، ونار الغرام؛ وما أشبهها. وقد أكثر الناس فيها نظماً ونثراً. قال أحمد بن طاهر يهجو المبرّد:
ويومٍ كنار الشوق في قلب عاشق
…
على أنه منها أحرُّ وأوقدُ
ظللت به عند المبرَّد قائظاً
…
فما زلت في ألفاظه أتبردُ
وقال لي السيد أبو جعفر الموسوي يوماً وأنا معه على المائدة - وقد قدم لي لون في غاية الحرارة -: كأنها طبخت بنار شوقي إليك.
445 -
بعثه داعياً لا جابياً. . .
في (الطبقات) لابن سعد: إن حيان بن شريح عامل عمر ابن عبد العزيز على مصر كتب إليه: إن أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام، وكسروا الجزية.
فكتب إليه عمر: (. . . أما بعد. فأن الله بعث محمداً داعياً، ولم يبعثه جابياً. فإذا أتاك كتابي هذا، فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية - فاطو كتابك، وأقبل.
446 -
. . . فأعلم أنه طلل
في (إعجاز القرآن) للباقلاني: سمعت الصاحب بن عباد يقول: أنشد بعض الشعراء - من أهل زنجان - هلال بن يزيد قصيدة على وزن قصيدة الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل - وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟
وكان وصف فيها الطلل، فقال هلال بديها:
إذا سمعت فتى يبكي على طلل
…
من أهل زنجان فاعلم أنه طلل. . .
447 -
شطحات. . .
في (ميزان الاعتدال): نقل عن أبي زيد البسطامي:
سجاني. . .
ما في الجبّة إلا الله. . .
ما النار؟ لأستندنَ إليها غداً. وأقول: اجعلني لأهلها فداء أو لأبلغنها. . .
ما الجنة؟ لعبة صبيان. . .
هب لي هؤلاء اليهود. ما هؤلاء حتى تعذبهم. . .
448 -
يلام الصديق إذا ما احتفل
ابن القبطرنة:
دعاك خليلك واليوم طلْ
…
وعارض وجه الثري قد بقل!
لقدرين فاحا وشَمَّامة
…
وإبريق راحٍ ونعم المحلْ!
ولو شاء زاد ولكنه
…
يلام الصديق إذا ما احتفل
449 -
قتيلنا لا يودي وأسيرنا لا يفدى
في (العقد) قال مسلم بن عبد الله بن جندب: دخلت آنا وزبان السواق العقيق، فلقينا نسوة نازلات من العقيق، لهن جمال وشارة، وفيهن جارية خضابية العينين. فلما رآها زَبان قال لي: يا ابن الكرام، دمُ أبيك (واللهُ) في ثيابها، فلا تطلب أثراً بعد عين، وأنشد قول أبي مسلم بن جمدب:
ألا يا عبادَ الله، هذا أخوكمُ
…
قتيلٌ، فهل منكم له اليوم ثائر
خذوا بدمي إن متّ كل مليحة
…
مريضة جَفن العين والطرف ساحر
قال مسلم: فقالت لي الجارية: أنت ابن جندب؟ قلت: نعم.
قالت: فاغتنم نفسك، واحتسب أباك، فإن قتيلنا لا يودي، وأسيرنا لا يفدى.
رسالة العلم
حول مقال
ما هي الحياة؟
للأستاذ عبد الله عشري الصديق
سيدي الأستاذ الجليل صاحب الرسالة:
قرأت في العدد 300 من (الرسالة) الغراء مقالاً للأستاذ نصيف المنقبادي في موضوع (ما هي الحياة) قابل فيه الكاتب الفاضل بين أظهر خواص الكائنات الحيّة وما يماثلها في عالم الجماد، وخرج من تلك المقابلة (بأنه لا يوجد فرق جوهري بين هذين العالمين) والحقيقة التي لا تقبل الشك هي أن هذا الفرق (الجوهري) بين الأجسام الحية وبين الجمادات موجود بصورة واضحة في كل واحدة من تلك الخواص التي أوردها الأستاذ في مقاله. وثمة فرق جوهري آخر يعلق عليه علماء البيلوجيا أهمية كبرى في تفهم ماهية الحياة. وسنعمد في هذه العجالة إلى إثبات وجود هذه الفروق متوخين في ذلك الفائدة العامة وخدمة الحقيقة والعلم
الشكل النوعي
يفهم مما جاء في مقال الأستاذ تحت هذا الباب أنه إنما يعني (بالشكل النوعي) الصورة الخارجية للجسم حياً كان أو جماداً؛ فهو يحدثنا عن أشكال البلورات الهندسية وكيف أن هذه ثابتة في النوع الواحد تماماً كما هو الحال مع الحيوان حيث (تقترب أشكالها باقتراب أنواعها) وكل هذا صحيح لا غبار عليه إذا كان المقصود بالشكل النوعي هو الصورة الخارجية دون ما اعتبار للحجم. والذي نعرفه ويقره العلم الحديث هو أن الشكل النوعي يشمل زيادة على الصورة الخارجية الصفة الأخيرة التي ذكرناها وفيها تختلف الكائنات الحية عن الجمادات اختلافاً ظاهراً. فالمعروف لدى كل إنسان هو أن للأحياء (المعاصرة على الأقل) أحجاماً ثابتة تختلف باختلاف أنواعها إلى حد ما. فالنملة مثلاً لا يمكن أن تكبر حتى تصبح في حجم الفيل؛ ولا يمكن لشجيرة القطن أن تنمو حتى تبلغ حجم شجرة السرو أو السنديانة، كما أننا لم نسمع قط بآدمي بلغ طوله ثلاثة أمتار. أما الجمادات فإننا لا نعرف
لها أحجاماً ثابتة؛ فبلورة ملح الطعام قد تكون في حجم الجزيئة وقد تكبر حتى يزيد حجمها على حجم الكرة أو أكثر من ذلك فهي ليست ذات حجم ثابت خاص
صحيح أن أشكال الكائنات الحية في تغيّر وتحول مستمرين بحكم ناموس التطور، وهذه الحقيقة عينها هي أنصع دليل على وجود الفرق بين تلك الكائنات وبين الجمادات. والذي نعرفه ويعرفه معنا الأستاذ هو أن شكل الفرس بل وحجمه أيضاً قد تغيرا كثيراً عما كانا عليه قبل ملايين السنين. ومثل الفرس الفيل وغيره من أنواع الحيوان، ولكن العلم لم يحدثنا بأن بلورة الملح قد تغير حجمها أو شكلها منذ أن وجد الملح على هذا الكوكب. وأما القول بأن البلورات المعدنية الصرفة (تستطيع) إذا (غطست) في سائل مشبع من مادتها أو فوق المشبع أن تنمو فتعيد الجزء المصاب إلى حالته الطبيعية فهو دليل آخر على وجود الفرق بين الأحياء والجمادات، وإلا فأي معنى يبقى للفظة غطست إذا لم يكن كل معناها هو تضمن قوة خارجة عن البلورة تقرب بين ذراتها فتتصل ببعضها بمجرد فعل الألفة الكيميائية؟
والفرق واضح بين ما يجري في هذه الحالة وبين اندمال الجرح أو نمو العضو المقطوع بنمو خلايا الجسم الحي من الداخل وبدون استعانة بقوة خارجية ظاهرة
تغذي الأحياء والجمادات
والفرق واضح أيضاً بين تغذي الأحياء وتغذي الجمادات؛ فبينما تتغذى الأولى بتحويل المواد الأولية إلى مادتها العضوية تكتفي كمية الهواء بزيادة جزيئات حامض الكربنيك في حالتها الطبيعية إلى جزيئاتها، وليس لها في هذه العملية نصيب ظاهر ولا فائدة محسوسة. والذي يدعو إلى العجب حقاً أن يكون خير مثال عند الأستاذ لتغذي الجمادات (بالمعنى الحقيقي التام) هو ما يحصل من احتراق الوقود في الآلات الميكانيكية فإن هذه كما هو الحال مع كمية الهواء لا تستطيع تحويل مادة الوقود إلى حديد أو غيره من نوع العنصر الذي تتركب منه أجزاؤها، وأما أن يكون التفكير والقوى العقلية وما إليها من مصدر واحد فقط هو الطاقة الكيميائية الكامنة في مادة الغذاء فهو غلو لا نقر عليه أحداً
التنفس في الأحياء والجمادات
أما التنفس أو استعمال الأكسيجين الموجود في الهواء بواسطة الأجسام الحية فهو الفرق الجوهري الذي ذكرناه في أول هذا المقال وقلنا: إن العلماء يعلقون عليه أهمية كبرى في تفهم ماهية الحياة. وقد مرّ الأستاذ بهذه الخاصية بالذات مرّ الكرام وكان الأجدر به أن يقصر كل مقاله على بحثها ودرسها. ولأهميتها الكبرى سنبقيها إلى آخر كلمتنا هذه لنوفيها بعض الحق ونوضح ما ذهبنا إليه من أن فيها فقط يمكننا أن نعثر على الفرق الجوهري بين الأحياء والجمادات
تحرك الأحياء وتحرك الجمادات
يختلف تحرك الأحياء عن تحرك الجمادات في أن تحرك الأولى يكون بمحض إرادتها إلى درجة ما تختلف باختلاف مستوى الحيوان في سلم النشوء. أما تحرك الثانية فهو نتيجة لفعل القوى الخارجية كالرياح أو القوى الجاذبة أو الدافعة وغيرها من العناصر وليست حركة براونية إلا مثالاً للنوع الأخير كما أنه بعيد جداً عن الصواب أن تكون حركة الأجسام (تحت تأثير الجاذبية أو الألفة الكيميائية) حركة اختيارية؛ فبمجرد تسلط هاتين القوتين عليها يخرج بها عن دائرة الاختيار. ولكي نوضح ذلك نضرب مثلاً بحركة أناملي وأنا أحبر هذا المقال؛ فما أعظم الفرق بين هذه وتلك؛ ونعني حركة ذرات الأملاح في محلولاتها. أما حركات الحيوانات ذات الخلية الواحدة وهي كثيرة الشبه بحركة ذرات الأملاح فأنها تختلف عن هذه في أنها لا تكون إلا لدفع أذى أو الحصول على قوت، ومعنى ذلك أنها تكون لفائدة تعود على الجسم الحي. وتختلف عنها حركة الآلات الميكانيكية في أن هذه الأخيرة تفقد فقداناً وقتياً متى نفذ الوقود بينما يموت الجسم الحي إذا فقد الغذاء وليس الموت معروفاً بين الجمادات
التأثر في الأحياء والجمادات
يخطئ الذي يقول بأن تأثر الأحياء كتأثر الجمادات. فالمواد المفرقعة التي (تغضب) وتنفجر لا تستطيع أن تجمع نفسها (وتهدأ) أو تخفي غضبها كما يفعل الأحياء. وتأثر مواد التصوير الشمسي بالضوء لا يجلب لهذه المواد فائدة ما بخلاف الحال مع الأحياء التي تتلون بلون المحيط لتتقي شراً قد أحدق بها، أو على الأقل لمثل هذه الغاية تتلون وهي
تسترد حالتها الطبيعية متى زال الخطر أو انتشلناها من المحيط الذي كانت فيه.
ثم إنه ليس صحيحاً أن الوتر في الآلة الموسيقية يهتز اهتزازاً (ذاتياً) عندما يدق الإنسان على وتر مقابل. والذي يحصل تماماً هو أن اهتزاز الوتر الأول يهز ذرات الهواء الموجودة في محيطه، ويحدث هذا الاهتزاز أمواجاً تسبح في فضاء الكون بأسره. ولما كانت هذه الذرات قريبة من أخواتها فإنها تحدث بواسطة الأمواج الآنفة الذكر اهتزازاً تنقله هذه بدورها إلى الوتر المقابل؛ وبهذه الطريقة نفسها ينتقل الصوت من أقاصي الأرض إلينا عندما نجلس إلى الراديو.
التفاعل مع البيئة
وهناك اختلاف آخر بين الأحياء وبين الجمادات: هو تبادل التأثر بينها وبين المحيط، وهذا يختلف في الأولى عنه في الثانية. فبينما لا يكون التأثر عند الأحياء إلا بقصد الحصول على فائدة ما أو الخلاص من خطر داهم إذا به ليس كذلك عند الجمادات. ونحن لا نستطيع أن نفهم الجسم الحي مستقلاً عن محيطه، فهو ناقص بدونه بخلاف الجمادات التي لا أثر للمحيط فيها إلا بقدر ما يكون بينها وبينه من تفاعل كيميائي لا يتم إلا بتدخل عناصر غريبة عنها. فهذه الورقة التي أكتب عليها لا تتأثر مطلقاً بانعدام الأكسيجين في الغرفة، وكل إنسان يعرف ما يقع للكاتب عندما يحصل ذلك لا سمح الله. والدور الذي يلعبه الأكسيجين في عالم الأحياء هو الفرق الجوهري بينها وبين الجمادات.
نظرية (نوموغرام) الدم للبروفسور هندرسن
كلنا يعرف ضرورة غاز الأكسيجين للكائنات الحية. والواقع أنه لا يمكن تحديد الحياة بدون اعتبار أمرين في غاية الأهمية؛ هما: كيمياء الغازات وعلى الخصوص غاز الأوكسجين. والصفة التي يمتاز بها الجسم الحي من أنه يكون ومحيطه وحدة كاملة حتى ليفقد صفة الحياة في غير ذلك الوضع. وهذا بخلاف الحال مع الجمادات التي كل تأثرها ليس إلا من قبيل التفاعل السلبي مما لا يمكنها التسلط عليه بحال من الأحوال. والمفهوم أيضاً أن العلم الحديث لم يستطع بعد أن يتوصل إلى معرفة جميع المواد الكيميائية التي يتركب منها البروتوبلاسم وكل ما توصل إليه في هذا المضمار لم يتعد إثبات نقطة واحدة تحقق أنها
ذات أهمية كبرى هي أن المواد التي تتركب منها الأجسام الحية من التعقيد بحيث أنه لا يمكن معرفتها معرفة صحيحة تامة. وقد جاءت نظرية العلامة هندرسن بما يؤكد هذه النتيجة. وسنحاول أن نشرح قدر الاستطاعة هذه النظرية الفريدة؛ فمنها فقط يمكننا أن ندرك الفرق الجوهري بين الأحياء والجمادات
كانت النظرية القديمة الخاصة بصلة الدم بغاز الأكسيجين وأهمية هذا في التنفس والتغذية وإزالة الفضلات في الجسم في غاية البساطة، فهي تتخلص في أن هناك مادة في الدم تعرف بالهيموجلوبن تتحد بالأكسجين الموجود في الهواء وفق المعادلة:
+
ولا شك أن لهذا الاتحاد أهمية كبرى في تفهم ماهية الحياة. غير أنه قد ثبت بالبحث أن ثمة نقصاً في هذه المعادلة؛ فقد قرر العلامة باركروفت أنه زيادة على الصلة الموجودة بين كمية الأكسجين التي يمتصها الدم من الهواء فإن هناك صلة أخرى بين هذه الكمية وكمية ثاني أكسيد الكربون الموجود في الخلايا الحية. ولهذا الاكتشاف قيمته من حيث إنه قد أرشدنا إلى تغير قدرة الدم على امتصاص الأكسجين بتغير كمية ثاني أكسيد الكربون الموجود في الألياف التي يتركب منها الجسم الحي وهنا لزم تعديل المعادلة الأولى على الصورة الآتية:
ومعنى هذا أنه متى عرفنا مقدار أي اثنتين من هذه المواد غير الثابتة التركيب أمكننا معرفة المادة الثالثة بمجرد النظر إلى المعادلة. غير أن العلماء الثلاثة ج. س. هالدين، وكرسينانوس، ودوجلاس قد استطاعوا إثبات وجود صلة أخرى مشابهة للتي ذكرنا بين ثاني أكسيد الكربون، والكربونات، والأكسجين إذ وجدوا أن كمية الكربونات تقل بزيادة كمية الأكسجين؛ وهكذا تعدلت المعادلة الثانية فصارت:
وو
وبمتابعة هذه الطريقة في التحليل استطاع العلامة هندرسن أن يثبت وجود معادلة رابعة:
*)) =5
وو
ثم خامسة:
من هذا يفهم أننا لا زلنا في المرحلة الأولى في محاولتنا الوصول إلى معرفة كيمياء الدم، إلا أن ما عرفه العلماء حتى الآن قد أوجد مجالاً للتفكير أدى إلى إجراء تجارب عديدة أثبت بها العلامة هندرسن أن الدم في تفاعله مع المحيطين الداخلي والخارجي إنما يمثل عشرين ضلعاً تدخل في تكوينه ست مواد يربط بعضها ببعض عشرون معادلة.
هنا يجدر بنا أن نذكر بعض خواص هذا التوازن، ففي هذه وحدها يكون الفرق الجوهري بين الكائنات الحية وبين الجمادات. وأهم هذه الخواص هي اشتراك الأكسيجين في ذلك التوازن بل إنه (أي التوازن) لا يتم مطلقاً بدون الأكسيجين؛ فأهمية الأكسجين للجسم الحي أكبر من أهمية أي مادة من المواد التي يتركب منها بل هي كما أثبت البحث فوق ذلك بكثير وهذا ما نعنيه عندما نقول إن الجسم الحي هو عبارة عن توازن فيزيقي - كيميائي ذي قوة حيوية يحصل بين المواد الموجودة في داخل الجسم، وبين أخواتها في الخارج. ويفهم من كل هذا أن الهواء الذي نستنشقه بل كل الطبقة الهوائية المنتشرة على سطح الأرض والتي يتوقف عليها مقدار كثافة الأكسجين هي جزء لازم لكيان الأجسام الحية لزوم العظام واللحم الذي يكسوها، وهو ليس كذلك للجمادات. إذاً فالفرق بين هذه، وبين الكائنات الحية موجود، وهو التوازن الوقتي الذي تقيمه الطبيعة بفعل قواها في المواد الأولية - ذلك التوازن الذي لا يوجد له شبيه في عالم الجمادات.
بيروت - الجامعة الأمريكية
عبد الله عشري الصديق
رسالة الفن
دراسات في الفن
الحب والمرأة والفن
للأستاذ عزيز احمد فهمي
جانب كبير جداً من الفنون يدور حول الحب
ولا عجب في هذا، فالحب عاطفة تشترك في تخليقها عدة غرائز من أقوى الغرائز التي يقوم بها كيان النفس الإنسانية وهي مبعث العواطف. ومن هذه الغرائز التي تخلق الحب في النفس: غريزة حفظ النوع، وغريزة السيطرة، و (غريزة العشرة) وهي أخص واعنف من غريزة الاجتماع، و (غريزة الوثنية) التي تنزع بالإنسان إلى تجسيد ما يصبو إليه وتحديده والتي تخرج به من إبهام المتجرد إلى وضوح الملموس، وهي غريزة لم تضعف إلا عند الذين يدمن إحساسهم التدريب على الاتجاه نحو معان يحبونها ويدهش لهم العالم ويتساءل: كيف يحبونها؟
وهذه الغرائز التي تخلق عاطفة الحب كل منها قوي عنيف. ونفس الفنان بطبعها أكثر طواعية للتأثر من غيرها لأنها أشد حساسية من غيرها. وإذا كانت نفس الفنان تلبي مسرعة نداء المؤثرات الخارجة عنها فأجدر بها أن تستجيب للهتاف المدوي في جنباتها. فلا غرابة إذن أن يزدهر الحب بين أهل الفن أكثر مما يزدهر بين غيرهم، ولا غرابة بعد ذلك إذا دار جانب كبير جداً من الفنون جميعاً حول الحب، فليست نفس أخرى أقرب إلى نفس الفنان من نفسه، وليس أحب إليه منها، وليس أجدر منها بالالتفات الذهني والحسي، وليس أشد منها وضوحاً لديه، وليس شيء ابعث منها على التسجيل
ولكن الذي نلحظه هو أن جانباً كبيراً جداً من فنون الحب يئن بالشكوى من هذا الحب، ويرضخ بالذل له، ويستعطفه متشفعاً إليه بالفن ذاته، كما أننا نرى في هذه الفنون المكلومة كثيراً مما يشبه علامات اليأس، وقد نرى منها قليلاً مما يشبه علامات التمرد الذي يعقب اليأس، إذ ينكر بعض الفنانين الحب إنكاراً، وإذ يسخر بعضهم من المرأة سخرية شاذة لا أصل لها في الطبيعة ولا شبيه لها في حياة الحيوان
وهذا يشهد بان الفنانين فاشلون في حبهم، أو هو يشهد على الأقل بأن كثيرين جداً من الفنانين يفشلون في حبهم. فما الذي يدعو إلى هذا؟ أهو قصور في رجولة هؤلاء الفنانين؟ أم هو التواء حاد بنفوسهم عن المسلك الطبيعي الصحيح الذي يجب أن يسلكه الذكر مع الأنثى ليقنعها بنفسه؟ أم هو انحراف عن أساليب الأرض إلى أسلوب جديد بعيد تسعى الحياة إلى اصطناعه وستأخذ يوماً ولكن بعد أن يكون هؤلاء الفنانون قد ركلوا الأرض إلى عالم يرتاحون فيه ولا يشقون؟ أم هو هذا كله مزيجاً مركزاً؟
الطبيعة وحدها هي التي تهدينا إلى سر هذه المشكلة. وإذا كانت حياة الإنسان قد تشابكت من نواح، وتحللت من نواح، وعقدت الحضارة أغلب أطرافها وأوساطها بحيث لم يعد من الميسور لكل عين أن تميز الأصيل في أفعال البشر من الدخيل عليها، فإن لنا في حياة الحيوان ما يدلنا بوضوح وجلاء على طريقة التهافت الطبيعية التي تجذب الذكر نحو الأنثى، والتي تجذب الأنثى نحو الذكر. فإذا ما تعلمنا من الحيوان هذه الطريقة عدنا إلى الإنسان الفنان ونظرنا: هل هو يماشي الطبيعة في غرامه أو هو يحيد عنها مترفعاً أو متدلياً أو هائماً على وجهه يتخبط ذات اليمين وذات الشمال؟
وقبل أن نخطو هذه الخطوة يحب أن نجيب عن سؤالين قد يخيل لبعض الذين يصحبونني في جولتي هذه أنهما يعرقلان المضي في مذهبنا، أو أنهما على الأقل يشوهان هذا المذهب. أما السؤال الأول فناعم خفيف يقول لنا بصوت خافت رقيق: هبكم رأيتم الفنان قد حاد عن طريق الطبيعة التي تزعمون فلماذا تخصونه بالحساب والعتاب من بين الناس وأكثرهم حائد عن هذا الطريق؟ وإذا كان هو يئن بالشكوى من حبه، فكثيرون غيره يئنون؛ غير أنه يذيع أنته وهم لا يذيعون؟! ونحن نجيب عن هذا السؤال فنقول: إن الفنان هو رائدنا إلى الطبيعة؛ وليس يبرر بعده عنها إلا أن يكون هذا البعد قفزة إلى مرحلة من مراحل الرقي الإنساني يسبق بها البشر ليكون فيهم بشيراً بما سينتهون إليه بعد حين. وليس مما يريح ضمير الإنسانية أن ترى الفنان وهو هاديها إلى الحق ومواطن الراحة مضطرباً في حياته الخاصة، وفي أعز جانب من حياته الخاصة هذه دون أن تعرف علة هذا الاضطراب لعلها تستطيع أن تنقذه منه
وأما السؤال الثاني فيصرخ فينا بعنف ويقول: كيف قررتم أن الحب عند الإنسان يشبه
الحب عند الحيوان، ولم تروا أنه أرقى وأشرف؟ ونحن نرد هذا السؤال بقولنا: إن الحب لا يمكن إن يخرج على حال من حالتين: فأما نزوع روحاني لا يصحبه النزوع البدني وهذا شيء لا يعوقه عائق، ولا تصده عقبه ولا يمكن أن يشكو فيه شاك من بعد أو حرمان أو لوعة أو صبابة أو هجر أو غدر أو غير ذلك مما يشكوه العشاق، ومما تدور حوله فنون المتبرمين من الفنانين العاشقين، فالروح متى رضيت عن روح لم تعد تعبأ بما يفرق بينهما من بعد المكان، أو بعد الزمان، ولم تعد تهتم باختلاف الجنس بينهما أو توحده
إما هذا، وإما أن يصحب هذا النزوع الروحاني نزوع جسدي وفي هذا تظهر الشكوى، ويظهر الأنين، وتظهر فنونهما فلا بد إذن يكون النزوع الجسدي هو الذي يسببهما إذا لم يصب التوفيق، وهذا النزوع البدني موجود عند الحيوان، ولكنه يصيب التوفيق دائماً، ولا يفشل مطلقاً إلا عند العدوان حين يندس بين الذكر وأنثاه ذكر جديد قوي غلاب، وعلى هذا كان من غير الطبيعي في حياة الإنسان أن يفشل الرجل في حبه ما لم يصرعه رجل أقوى منه في الناحية التي تعترف بها الأنثى، وتنقاد لها
هذان هما الحالان اللذان يتشكل بهما الحب في حياة الإنسان على الإطلاق. وأرى من العفة أن أربأ بصورة الحب الإنساني عن الحالة الثالثة التي يتفرد فيها النزوع البدني وحده. لا لأنني أريد أن أمجد الإنسان، ولكن لأني أرى في بعض الحيوان ما يعف عن هذا الحب ويتسامى عليه، ويجمله بالألفة والمعاشرة، والحنان والتعاطف. والمسلم به أن الإنسان أرقى من الحيوان.
وبعد، فأني أحسب أن الطريق قد عبد أمامنا، وأننا نستطيع أن نخطو في خطوتنا الأولى نحو الحب عند الحيوان.
والذي نلحظه هو أن للحيوان غزلاً يشبه الغزل عند الإنسان من حيث إنه دليل الرغبة في إقامة بين الذكر والأنثى، ومن حيث إنه الباب الوحيد الذي يؤدي إلى الحب. والمشاهد أن هذا الغزل يتخذ عند الحيوان عادة شكل الصراع، ومن الحيوان ما يترفق فيه فيكون صراعه كاللعب والمداعبة، ومنه ما يشتد فيه ويقسو فيكون صراعه صراعاً حقيقياً تتهشم فيه العظام، وتسيل فيه الدماء. وهذا النوع الأخير من الصراع يقيم الدليل المحسوس عند الأنثى على أن الذكر الذي يغازلها قوي غلاب، وعلى أنه يأخذ حقه منها قوة واقتداراً، وأنه
لا تثنيه مقاومتها إياه عن الوصول إلى ما يريده من فرض سلطانه عليها، والأنثى في هذا الصراع العنيف تبذل أقصى قوتها لتحول بين الذكر وبين التسلط عليها، لا لأنها تكره أن يتسلط عليها، ولكن لأنها لا ترضى أن تذل لضعيف قد يعجز عن حمايتها وحماية نسلها إذا اعتدى عليها معتد، هذا إذا كانا من الحيوان الذي يأتلف ذكره بأنثاه، أما إذا لم يكونا من هذا الحيوان فهي تكره أن تستسلم للضعيف خشية أن ينتقل ضعفه إلى نسلها الذي تحب أن يكون قوياً غير بما ركب في نفسها من غريزة حفظ النوع سليماً صالحاً.
أما النوع الآخر من الصراع وهو الذي يشبه اللعب والمداعبة فهو أقرب أنواع اللعب والمداعبة إلى المصارعة الإنسانية المصطنعة التي يقيم الناس لها الملاعب في هذا العصر والتي يكتفي فيها الغالب في التدليل على قوته بإظهار تمكنه من تهشيم خصمه دون أن يهشمه وهذا الأسلوب تصطنعه الحيوانات الرقيقة، والحيوانات المستأنسة. ومهما خلا هذا الأسلوب من التحطيم والتهشيم والتجريح، فإنه لا يخلو من معانيها، وإن فيه ما يدل دلالة تامة على احترام القوة والاعتراف بلزوم الغلبة والقهر يقيم عليهما الذكر صلته بأنثاه.
فإذا أضفنا إلى هذا ما نراه من تجميل الطبيعة للذكر دون الأنثى: كالديك ازدان بالعرف دون الدجاجة، والأسد تحلى بالمعرفة دون اللبؤة، والكبش ازدهى بالقرنين دون النعجة، والطاووس تبرج بذيله الملون الطويل دون (الطاووسة). . . إذا أضفنا هذا إلى ما تقدم رأينا أن الطبيعة توجه الذكر إلى (مكايدة الأنثى): قهراً بالقوة، أو اعتزازاً بالجمال، أو قهراً واعتزازاً بالقوة والجمال معاً. ومن هذا يمكن أن ندرك أن الطبيعة قد وضعت ناموساً تقوم عليه الصلة بين الذكر والأنثى، وأن هذا الناموس يستلزم أول ما يستلزم أن يذل الذكر أنثاه، وأن يذكرها دائماً بأنه أقوى منها، أو أنه أقوى وأجمل منها.
والطبيعة توفر في هذه السوق التي يتداول الذكر والأنثى فيها نواحي القوة والضعف، ونواحي الزينة والعطل وبقية تلك الزوائد والنواقص فيهما شرطاً لا بد أن يتوفر في هذه السوق: وهو أن تقتنع الأنثى مؤمنة صادقة مجبرة بفضل الذكر عليها فيما يمتاز به، وإلا فالصلة بينهما زائفة، وهو آخذ منها ما يرضيه ويقنعه، إذ لا يعطيها ما يرضيها ويقنعها كما يحدث للحيوانات المسجونة التي تنسل نسلاً ضعيفاً
اتفقنا في هذا. فلنعرج إذن على الحب عند البشر، ولتكن القبائل التي تعيش على الفطرة
أول من نشارف من البشر. وهذه القبائل لا يزال الرجال فيها يمثلون ما يشبه الدور الذي يمثله الذكر الحيوان مع أنثاه فالقوقاز لا يسلمون العروس لعروسها، وإنما يدبر العروس حملة على محلة عروسه فيهجم عليها في جمع من أهله وأصدقائه، ويختطف عروسه من بين أحضان أهلها بالقوة والعنف ليشهدها وليشهد أهلها على أنه قوي جدير بها، وليسجل عليها هذه الشهادة يذلها بها طول عمرها معه إذا حاولت أن تتمرد عليه أو أن تطاوله. وبعض قبائل الزنوج تحتفل بزفاف فتياتها احتفالاً أعجب من احتفال القوقاز وأشد افتخاراً بالقوة والجلد والصبر. وإن لم يكن فيه من الشجاعة والفروسية شيء: ذلك أنهم يتداولون على العروس السعيد بالضرب المبرح الموجع، فقدر ما احتمل الضرب وكتم التوجع عز عند صاحبته وزاد احترامها إياه ورأته حقيقاً بالحب: لها بل عليها أن تفاخر به معجبة راضية. . . ولا يزال من أهل النوبة المصريين من يفعلون ما يشبه هذا. فالعروس يطلب من صاحبته أن تحضر له جمرة من النار ليشعل بها لفافته، فتحضرها إليه. فيمسك الجمرة بيده، ويضع الجمرة على حجره، تأكل جلده ولحمه ريثما يتأنق في لف التبغ في الورق ليشمل بعد ذلك لفافته ويعيد الجمرة إلى مكانها، وبقدر ما يطول احتراق جسده ويشتد يعز عند صاحبته ويعلو قدره
والمرأة القوقازية تحب من يخطفها لأن بيئة القوقاز بيئة رعي ومهاجرة ومحاربة تكثر فيها الغارات، ويكثر فيها الكر والفر ولا يستطيع أن يخطف المرأة فيها إلا البطل. والمرأة الزنجية تحب من يحتمل الضرب الموجع في سبيلها لأن بيئة الزنوج بيئة قاسية تضرب الناس بالحر والبرد والمطر والرياح والمرض والسم، فالأشد صبراً من غيره في هذه البيئة هو البطل. والمرأة النوبية تحب الذي يحترق في سبيلها بالنار لأن بيئة النوبة يموت فيها الضعاف من وهج الحر والقيظ وشدتهما. فالذي يحتمل الحرارة عندهم هو البطل
هذه بيئات إنسانية قريبة من الطبيعة والرجل فيها لا يزال يلوح للمرأة بقوته، والحياة فيها لا تزال مستقيمة بين الرجل والمرأة
أما جمال الرجولة الخشن فقد ظل الرجال يحرصون عليه زماناً طويلاً كانوا يرسلون فيه شواربهم ولحاهم التي زينتهم بها الطبيعة ولكنهم اليوم لم يعودوا يحافظون عليه، واكتفى فريق من أهل المدنية فيهم بممارسة الألعاب الرياضية لتنمية عضلاتهم وتقويتها كما كان
يفعل اليونان القدماء في وقت يذكر التاريخ أن المرأة فيه كانت متبرمة بالرجل لأنه اكتسب من رياضته تناسقاً وامتشاقاً انشغل به عن النظر إلى جمال الأنثى
ولعل هذه الألعاب الرياضية هي البقية الباقية من معالم الرجولة القوية التي تحتفظ بها الحضارة اليوم، ولكنها شيء إذا كسا البدن رجولة أو ما يشبه الرجولة فإنه لا ينفذ إلى الروح والنفس، ولذلك يستعين الرجل المتحضر اليوم على قهر المرأة بالمال أو الجاه أو النفوذ أو المنصب أو الشهرة أو غير ذلك مما يتنافس فيه الرجال المتحضرون. ونحن إذا أنعمنا النظر في هذه المميزات المدنية كلها رأينا أنها لا تتاح إلا للذين يتكالبون على العمل في سبيل الوصول إليها أو للذين يصيبونها عفواً بالوراثة أو بالواسطة؛ أما الذين يفوزون بها عن جدارة فأولئك الذين في حسابنا، وهم ينفقون في سبيلها من رجولتهم ما كانت المرأة تحب أن يستبقوه لها فهي لا تستطيع أن تستغني عن حياة المناوشة والمصارعة وهي تكره أن تبيع نفسها بالمال، وإن كانت تبيع نفسها بالمال؛ وهي لا تقنع من الرجل بجاهه وإن كانت ترتمي على أصحاب الجاه؛ وهي لا ترضى بمنصب الرجل وشهرته وإن كانت تتهافت على أصحاب المناصب الكبيرة والمشاهير، فهي تنحرف عن طبيعتها مجاهدة مستعيضة بهذه البهارج عما كانت تتوق إليه من قوة الرجل ورجولته. ولعل حوادث الخيانة الزوجية التي تتعدد وتتكاثر في المدنيات دليل قاطع على أن الزوجات ساخطات على الأزواج، وأنهن لا يزلن يبحثن عن الرجولة الضائعة في هذه الحضارة
وإذا كانت المرأة تكره المال والجاه والنفوذ والمناصب العالية وما فيها من أبهة ولا تقبل عليها إلا على سبيل البدل عن مطلبها الطبيعي، وإذا كانت لا تزال تحب أن ترضي طبيعتها بين يدي من يذلها برجولته ومن يتقن فنون المغازلة والمصارعة على ألوانها فماذا هي صانعة عند الفنان أو ماذا هو صانع بها؟
الفنان تسيطر عليه الغرائز التي تسيطر على بقية الناس فهو إنسان مثلهم ولكن هذه الغرائز لا تشتد به - حين تشتد - كما تشتد ببقية الناس، ولا تترفق به - عندما تترفق - كما تترفق ببقية الناس، فهو وإن كان يحب أن يحفظ النوع البشري كما يحب الناس أن يحفظوه فإنه يسعى إلى ما هو أشرف من حفظ النوع وهو ترقية النوع، والفنان يؤدي لهذا النوع بفنه ما يجاهد النوع دهوراً في سبيل الوصول إليه. وهو وإن كان يحب السيطرة كما
يحبها بقية الناس فإنه يتمتع من السيطرة بما لا يتمتع به أحد، ففنه يلوي عنده الأعناق ويخفض بين يديه الرؤوس؛ فإذا لم يوفق إلى هذا في حياته فهو على إيمانه بفنه مؤمن بان البشرية التي غفلت عن تقديره وهو فيها ستنال جزاءها إذ تنصاع يوماً إلى قبره لتطوف بالتقديس حول عظامه ولو بعد أن ينخرها السوس! وإنه ليرى ذلك وهو في ظل العرش. وهو وإن كان يحب العشرة كما يحبها بقية الناس فهو يتأنق في اختيار عشرائه من المعاني والأخيلة والأفكار التي يرصد لها انتباهه وإحساسه ويتعقبها ويتبختر عندها مترنحاً منتشياً كراهبة ترقص في خلوتها على نغم الذكر عابدة لا فاجرة، خالصة غير مشوبة
هذه هي الغرائز التي كان حقها أن تشترك في تخليق الحب في نفس الفنان كما تخلقه في نفوس بقية الناس، ولكننا قد رأيناها جميعاً تعدل عن الحب إلى الفن
وبقيت بعد ذلك (غريزة الوثنية) التي ذكرتها في بدء هذا الحديث، واحسبني قلت إنها لم تضعف إلا عند الذين يهد من إحساسهم التدريب على الاتجاه نحو معان يحبونها هم، ويدهش لهم العالم ويتساءل: كيف يحبونها؟ ومن يكون هؤلاء غير الفنانين؟
إذن فالفنانون على هذا الأساس لا يحبون! وعلة انصرافهم عن الحب بعيدة كل البعد عن الأسباب التي توقعناها في أول حديثنا، فقد خيل إلينا أن عجزهم عن الحب قد يرجع إلى قصور في رجولتهم، أو التواء حاد بنفوسهم عن مسلك الحب الطبيعي الصحيح، أو انحراف عن أساليب الأرض إلى أسلوبهم الجديد
ولكننا رأيناهم في أول حديثنا يحبون. وقد سجلنا عليهم فشلهم في الحب من بعد تسجيلهم إياه على أنفسهم في فنونهم. . . فهل هم يحبون أو هم لا يحبون؟. . . أحبهم الله!
والواقع أنهم يحبون ولا يحبون. فالفنان إنسان حائر بين حلقتين من حلقات التطور البشري. أولاهما الحلقة التي يعيش فيها، والأخرى الحلقة التي ينتقل إليها بروحه ويستنبطها فنه ثم يعود بعد ذلك إلى ناسه. وهذه الحلقة التي يسرى به إليها ستتحقق يوماً ما في الأرض سواء أكان هذا اليوم قريباً أم بعيداً وسيعيشها الناس وكلهم في مستوى ذلك الفنان الذي يبهر جيله وسيكون من بينهم فنانون يبهرونهم بما يستنبطونه من حلقات أخرى لا يسري به إليها غيرهم. وقد ينكر هؤلاء وقد يعترف بهم. . . أمرهم وأمر الحق إلى الله
هذا هو مسلك التطور الروحاني للإنسانية فهو (كالداروينية) الجسدية ولكنه أشد غلياناً
وإبهاماً
والفنان يتذبذبه بين الأرض وسمائه يتلون بلونين ويتشكل بشكلين: شكل يلائم حياة الأرض بقدر ما تسمح ذمته الفنية أن يتسامح في أمانته، وشكل آخر لا يلائم إلا الذين يستطيعون أن يطيروا معه إلى سمائه ولو أتباعاً مسترشدين به. والفنان السعيد الذي يرضى الله عنه هو الذي يوفق إلى غرام واحدة من بنات السماء. والفنان المنكوب الذي أرجو له الرحمة هو الذي يتعلق به غرام واحدة من بنات الأرض: تثقل به وتعرقله عن قفزاته فإن أشفقت عليه وسمحت له بهجرته إلى السماء كلما شاء لم يجد عندها حين يهبط إليها إلا ما اختص به الله بنات الأرض. فهو شقي معها كشقاء المقعد الذي يلهب طاغية ظهره بالسياط ليجري في سباق مع صبيان خفاف شياطين. . . وإن كان المثلان متعاكسين وينتبه الفنان إلى علة إخفاقه في حبه، فإما أن يرضي من محبوبته بما طلب له فيها من الجمال الروحي والبدني وإما أن يحاول صقل نفسها وتهذيبها ليجعلها تشبه ما يجب أن تكون عليه، فإذا وفق في هذا فإنه يرضى أغلب الرضى، أما إذا فشل فيه فهو الشاكي المتبرم الساخط على الحب اليائس منه المتخاذل أمامه أو المتمرد عليه
وقليلاً جداً ما يفرغ الفنان من وقته لمصارعة المرأة ومناوشتها لأنه يتعلم من جولاته في السماء أن هذه المصارعة من أساليب العنف التي يصح الاستغناء عنها بإدراك نتائجها فيحاول أن يتشفع إلى المرأة بفنه، وهو على كثرة ما يتدلل بفنه يخضع نفسه ويخضع فنه للمرأة ويسعى إليها في هذا الخضوع خاشعاً متوسلاً مستجدياً عطفها، فإذا به ينقلب أمام المرأة شيئاً آخر أكثر رحمة بها من الرجل، وأشد حناناً منه، وأكثر بذلاً وعطاء وتضحية في سبيلها ولكنه على أي حال ليس ذلك الرجل الذي تريد أن تراه قوياً، والذي تحب أن يقسو عليها قسوة تصهر أنوثتها وتسيلها. فهذه الرقة وهذه الرحمة وهذا الخنوع وهذه المسالمة التي يقرب بها الفنان من محبوبته كلها من علامات الأنوثة - عندها - لا من علامات الرجولة وهي من مظاهر الضعف - في نظرها - لا من مظاهر القوة، وهي تبعث في نفس المرأة الاستهانة بها والشك في أمر صاحبها إذ لا تضمن المرأة أن يتخذها الفنان وسيلة من وسائل الاستدراج يسلطها على كل من تعجبه من النساء ما دام الأمر لا يكلفه أكثر من كلمات رقيقة أو ألحان عذبة أو صور جميلة
والفنان متى وصل به الحال إلى هذا الموقف كان عليه أن يختار واحد من ثلاث: فإما أن يخصص نفسه لفنه، وإما أن يخصص نفسه لحبه، وإما أن يتذبذب بين الفن والحب وهذا ما يفعله الفنانون الشاكون، فليس يتاح لكل فنان أن يتسامى حتى على الحب فلا يذكره ولا يذكر المرأة إلا كما ذكرها المسيح
عزيز أحمد فهمي
من هنا ومن هناك
دعاوى إيطاليا في قناة السويس - لمحرر الوبرلدوبجست
نقلنا في هذه الصفحة من العدد 302 مقالاً للكاتب الإيطالي ف. بارتو عن دعاوى إيطاليا في قناة السويس، وقد نسب الكاتب الفضل في وضع تصميم القناة وتأسيسها إلى مهندسين إيطاليين ذكر من بينهم: نجّرللي وبترمو وجوايا، وزعم أن إيطاليا هي الدولة الثانية من بين الدول التي تمر في هذه القناة. . . إلى آخر ما جاء في ذلك المقال، والمقال التالي رد على ذلك المقال نلخصه للقراء ليطلعوا على وجهتي النظر في المقالتين.
منذ سنين عديدة كتب أوسكار وايلد مقالاً قيماً عن اضمحلال رذيلة الكذب. فلو عاش في عصرنا هذا الذي انتشرت فيه وسائل الدعاية بين الدول الحديثة، فما لا شك فيه أننا كنا نقرأ له فصولاً ممتعة عن نهضة الكذب.
إن الدعاوى العريضة التي يدعيها الإيطاليون في قناة السويس في هذه الأيام، مما يجعل النفس تشمئز ويعروها الأسف الممض لهذه الهوة التي انحدرت إليها الصحافة في العصر الذي نعيش فيه
ونحن وإن كنا لا نبرئ الصحافة في عصر من العصور من الانحراف عن الجادة في بعض الأحيان، إلا أننا نعتقد أن هذا الانحراف لم يكن يعدو الأمور الصغيرة التافهة التي لا تؤثر بحال من الأحوال في الشؤون العامة التي لها أكبر الأثر في حياة العالم
ولكن إيطاليا وألمانيا تذهبان إلى آفاق بعيدة المدى في الكذب في شئون لها الأهمية الكبرى في الحياة، ولعل أسوأ الأمثلة لهذا الكذب الصراح، هو ما تنشره الصحافة الإيطالية عن قناة السويس، لا في إيطاليا وحدها، ولكن في تونس والأمريكيتين مما ينافي الحقيقة من جميع الوجوه.
ولقد استطاعت بعد الاطلاع على هذه المزاعم أن أتوفر على هذا الموضوع وأبحثه بحثاً جديداً فتبين لي أن هؤلاء القوم يلجئون إلى بعض المخلفات القديمة، ليستخرجوا منها أسماء لها علاقة ما بهذا المشروع الجليل، فيخلعون على أصحابها حلل الفخار والشرف التي ارتداها رجال لهم شهرتهم وعظمتهم بين العالم، بعد أن طواهم الثرى في بطونه
فهذه الأكاذيب من النوع الذي يقول عنه (تتيسون): الكذب الذي هو نصف حق، شر من
الكذب الصراح
فهم يقولون إن إيطاليا تعد في المرتبة الثانية من الدول التي تمر في قناة السويس. فمن أين جاءوا بالبيانات التي يستندون إليها في هذا الزعم؟ من الإحصاءات المبينة على ذلك الظرف الاستثنائي الذي دعاهم إلى نقل آلاف من جنودهم البسلاء مجهزين بالمدافع والطيارات والأسلحة المختلفة لمحاربة الحبشة العزلاء عام 1936 - 1937، وعلى هذه الطريقة في الكذب تجري سائر الدعاوى والمزاعم التي يطلعون بها على العالم
إن قناة السويس التي نشأت فكرتها منذ قدماء المصريين، وفكر فيها نابليون بعد حملته على مصر، ثم مشروعها على يد رجل واحد هو المهندس الفرنسي فرديناند دي لسبس. لقد كان الخطأ الذي حال بين نابليون وبين تنفيذ هذا المشروع هو خطأ المهندس لابير الذي رأى أن هناك فرقاً بين مستوى الماء في البحرين يحول دون ذلك، وقد أصلح هذا الخطأ بتأثير دي لسبس وحده، إذ رفع مذكرة إلى محمد سعيد باشا حاكم مصر مؤرخة في 15 من نوفمبر سنة 1854 ينفي فيها وجود الفارق المزعوم، مستنداً إلى تقارير قدمت إليه من مهندسين من الإنجليز لهم خبرة عظيمة ومهارة فائقة في هذه الشئون، فقاموا بقياس مستوى البحرين وكان لهم الشرف العظيم في نفي هذه الخرافة، والتوكيد بأن لا فارق بين مستوى البحرين
ومما يدعو إلى الضحك أن ينسبوا تأسيس القناة إلى مهندس إيطالي يدعى (نجرللي)، فتأمل عمل الدعاية في الانتفاع بهذا الاسم؟ مما لا شك فيه أن هناك شخصاً يحمل هذا الاسم كان ضمن الذين يعملون في هذا المشروع، ولكنه من أوستريا لا من إيطاليا، وقد كان يشغل وظيفة مهندس عموم السكك الحديدية بها، فعين في بعض الأعمال مع مهندس إنجليزي يدعى استيفنش فنسبته الدعاية إلى إيطاليا لأن اسمه نجرللي لا أكثر ولا أقل. وقس على ذلك سائر الدعاوى والأكاذيب
إن قناة السويس لم تنتفع بإيطاليا في حال من الأحوال، ولكن إيطاليا هي التي انتفعت بها في فتح الحبشة
هل في استطاعة ألمانيا أن تحارب - عن لالبر بلجيك
منذ سنتين - وإذا أردت التحديد في 12 مارس 1937 كتبت مجلة ألمانية تقول: إن أهم
العناصر التي سنحتاجها في الحرب هو الذهب
وهذا القول يفسر مبدأ معترفاً به في تاريخ الحروب بما فيها الحرب الأخيرة، إذ وجدت ألمانيا نفسها عاجزة عن تموين جيشها لحاجتها إلى المال. ويتبين من هذا دقة الموقف الذي تقفه ألمانيا وإيطاليا الآن
مما لا شك فيه أن ألمانيا في عجز عن إيجاد الذهب الضروري لحاجتها، والذهب هو القوة التي يمكن الحصول بوساطتها على المئونة، وألمانيا في حاجة إلى الشعير والسكر، وفي حاجة إلى المعادن اللازمة لعمل الأسلحة وتجديدها
ومن المعلوم أن ألمانيا في حاجة ملحة إلى الحديد والنحاس والألمنيوم والمغنيسيوم والرصاص، وهي في حاجة فوق ذلك إلى البترول وهو الروح الأساسية للآلات والمصنوعات الحربية على وجه العموم
وهي تعتمد على عبقريتها الصناعية للحصول على هذه المواد، حتى لا تعول على الدول الأخرى في استيرادها، تلك العبقرية التي تحول الخشب إلى قطن، ولبن الأبقار إلى صوف
وعلى هذا النحو تصنع الملابس لجنود الجيش، ويصنع البترول والمطاط ويصنعونه من الجير، والصابون ويصنع من الفحم، والزبدة وتصنع من الزيت، وتعيش الأمة جميعها على هذه المصنوعات. وهنا تحضرنا الفكاهة القديمة وهي عجز ألمانيا في المعادن، وقلة ثقتها بإخلاص الحليفة؛ وتحت هذا التأثير ولا شك يتفكك محور رومه برلين
فإذا قامت الحرب فستكون ألمانيا عاجزة كل العجز عن إعداد المال الكافي إذ أنها ستشتري مئونتها ومعادنها من الخارج.
هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها. فقد أصبحت ألمانيا تستورد 20 % من مواد الأطعمة من الخارج فضلاً عن الأجور العالية التي يتقاضاها المزارعون فيها.
ونحن نرجع في هذا الموضوع إلى ما قاله الكاتب الألماني فرتس استرنبرج في كتاب (قوة ألمانيا الحربية). فقد أورد كثيراً من المعلومات والإحصاءات الهامة التي تدل على عجز ألمانيا عن التموين، واضطرارها إلى زيادة نسبة الوارد إليها من مواد الأطعمة، وتلجأ ألمانيا إلى طريقة المقايضة في كل ما تريد من الدول. فتقول: أعطني بترولك وأنا أعطيك عقاقيري. وكل هذه الوسائل المفتعلة لا قيمة لها أبان الحرب. فإذا أطلقت رصاصة واحدة
لا يمكن بعد ذلك أن يعطي: البترول أو الحديد أو النحاس أو الشعير نظير حبوب الصحة وآلات الموسيقى
نحن مسوقون في تفكيرنا هذا وراء رائد التاريخ، ونعتقد أن زعيم الانقلاب في ألمانيا سيتراجع عن فكرة الحرب، إذ أن مسئوليته كبيرة في أمر هو حياة أو موت لأمته، ونود لو يذكر لأجل الإنسانية والمدنية قول شكسبير:
(إن في السماء والأرض أموراً غير التي تحلم بها في فلسفتك يا هروتيو!)
القرد وحياة الإنسان - عن مقالة للدكتور هوفمان
الدكتور منريت يعد من رجال الطب المشهورين، لقد أجرى في هذه الأيام تجربة نفسية لم يسبق لها مثيل.
فمنذ عشر سنوات عاد من سياحة له في أواسط أفريقيا، يصطحب قرداً صغيراً من نوع الشمبانزي يبلغ من العمر سنتين
وقد بذل كل ما في وسعه هو وزوجته وأولاده، لإبراز هذا القرد الذي أسموه - فاتو - في مظهر الإنسان العاقل بحيث ينسى منشأه الحيواني ويعيش معيشة الآدميين - دون أن يعملوا أي عمل لتدريبه كالعتاد. وهذا عمل بلا شك له أهمية عظيمة، إذ إنه يجعل الحيوان الأعجم يحيا حياة الإنسان
وكان أول مرة خرج فيها فاتو في مجمع من الناس، في حفلة غداء أقيمت في منزل منريت حديثاً دعا إليها لفيفاً من الأطباء والعلماء المختصين بدراسة نفسية الحيوان ورجال الأدب والصحافة. فدخل عليهم فاتو منتصب القامة يسير على ساقيه الخلفيتين كالإنسان. وأغلق الباب من ورائه في خفة ولطف. ومر يحيي الضيوف ويصافحهم واحداً بعد واحد في أدب ورقة، وصاحبه يقدمه إليهم كما يقدم الصديق العزيز، ثم أخذ مكانه في مؤخرة المائدة، وساهم في الطعام معهم، ولم يبد على تصرفاته أي مأخذ.
وكان الطعام الذي قدم إليه من نفس الطعام الذي تناوله المدعوون وهو حساء وسمك ولحم وخضراوات وحلوى وفاكهة. وكان فاتو يتناول الطبق من جاره ويملأه لنفسه بنفسه ويأكل بأدب ونظام. وكل ما لوحظ عليه في تناول الطعام أنه يكثر من أكل الخضراوات والفاكهة ويتناول منها أكثر من غيرها. وكان يحتسي كأس النبيذ فيمسكها بيده فيرتشف منها الجرعة
بعد الجرعة في اعتدال وهدوء. فلما انتهى من الطعام قام فوضع ذراعه على كتف مدام منريت وأشار إلى زجاجة من نبيذ بردو عرفها لمجرد النظر إليها، وكان يخاطبها باسم ماما فقدمت إليه شيئاً منها
وفي أثناء تناول القهوة دعاهم الدكتور للتدخين، فقام فاتو دون أن يشير إليه أحد بذلك فقدم إليهم لفافات التبغ. ولم ينس أن يوقد لكل منهم لفافته ثم تناول لفافة فأوقدها وجلس يدخنها بلذة واستمتاع
وكان فاتو يرتدي قميصاً فسيحاً وسروالاً خفيفاً وينتعل حذاء من الخيش. وقد أعد له الدكتور حجرة خاصة تحتوي على منضدة وكرسي وسرير ومشجب وبها حمام خاص يستعمله بنفسه وهو يتنقل في حجر المنزل بحرية تامة
وقد شرح الدكتور منريت طريقته في تربية هذا الحيوان فقال: إنه لم يدربه على شيء كما يفعل أصحاب السيرك، وإنه ألف هذه الحياة من تلقاء نفسه ولم يعلمه أحد من الأسرة أي شيء. وقال إن تربيته تختلف عن تربية الأطفال، فقد تعلم من تلقاء نفسه كيف يفتح الباب أو يغلقه، وكيف يفتح النور وكيف يستعمل الشوكة والملعقة والسكين عند تناول الطعام، وهو ينطق كلمة (ماما) أحسن من أي كلمة أخرى وقد حفظها عن أطفاله. ومن رأى الدكتور منريت أن هذه الكلمة هي أول كلمة نطقها الإنسان بدليل وجودها في جميع اللغات وينطقها القرد آلياً بمجرد فتح الفم وإغلاقه مرتين
البَريدُ الأدبيّ
1 -
مناوأة الخدر والنعاس
في العدد السابق من الرسالة كتب الصديق الفنان الأستاذ زكي طليمات (تعليقاً وتذييلاً) لقصة الفتور في الأدب المصري فراجع بعض ما يراه الأستاذ توفيق الحكيم وبعض ما ذهب إليه فجاءت كتابته جياشة بالمعاني؛ ولعل القراء وقفوا عندما قال فيهم وتدبروه، قال:(فإذا كان النتاج الأدبي في مصر لا يقابل من الجمهور بالحماس الواجب، فلأن الفتور مفروض على كل شيء يجري في مصر، ولأن عدم الاكتراث صفة - ويا للأسف - من صفات الأكثرية الغالبة من الجمهور المصري لا سيما فيما له علاقة بالأدب والفن). غير إني لا أرى كل هذا الرأي، فالذي عندي ما كتبته في هذا الباب من الرسالة لعددين مضيا، ومجمله أن الجمهور المهذب من القراء يرغب عن أدب التسلية والإنشاء التعليمي ويقدر ما يستحق التقدير إلا أنه قليل
2 -
ديوان يظهر في قلب الصيف
ستخرج مطبعة مصرية ديوان شعر بعد شهر وبعض شهر، والديوان مهيأ للطبع منذ ثلاثة أشهر، وإن أنت عجبت للأمر فقلت: كيف يخرج ديوان في العهد الذي فيه يقعد الحَرُّ الناس ويصرفهم عن القراءة ويسيرهم إلى الشواطئ والمصايف القريبة والنائية، فأعلم أن بهذا الديوان غني عن جمهور القراء، إذ أن مؤلفه من أصحاب الحظوة العالية في وزارة المعارف، وحسب ما تقتنيه الوزارة من النسخ. . . قصة معروفة: إن المال الموقوف على تشجيع التأليف في وزارة المعارف لمحبوس - إلا أقله - على إعانة رجالها وأصدقائهم!
3 -
في النقد الأدبي
يعنى الدكتور إسماعيل أحمد أدهم بكتابة فصول في الأدب العربي الحديث. فأخرج مبحثاً في الدكتور طه حسين بك وآخر في الأستاذ توفيق الحكيم (في مجلة الحديث الحلبية) وهو يواصل نشر مبحث في الأستاذ خليل مطران في مجلة المقتطف. ومزية كتابة الدكتور أدهم أنها منصرفة إلى النقد القائم على الوجهة الموضوعية لا الذاتية، كما نقول اليوم. والحق أن النقد عندنا أكثره مجرى على الطريقة التأثرية. وهكذا ترى الدكتور أدهم يميل مع ناقدين
أو ثلاثة من أهل مصر ولبنان إلى جمح التأثر وتحديده ومراقبته حتى تتغلب المعرفة على الإحساس. ألا أني أرى فيما يكتب الدكتور أدهم موضوعين للنظر: الأول اعتماده على الآراء القبلية والمسلّمات والمقبولات. وترى ذلك في الفصل الأول والثاني اللذين كتبهما في خليل مطران، ومثل هذا الأسلوب أجنبي عن طريقة النقد الموضوعية؛ لأن هذه الطريقة تذهب من الواقعات إلى النظر ومن الخاص إلى العام: فلا يتكلم الناقد مثلاً على لون من ألوان الشعر ليدل بعد ذلك على أن شاعراً من الشعراء ينظم على ذلك اللون، بل يجري على عكس ذلك. ومن هذا أيضاً أن الدكتور أدهم يقرر القضية من باب الارتجال فيستخلص منها ما يستخلص: من ذلك قوله في مطران (المقتطف يونيو 1939 ص 87): (وقد خلص الخليل من هذه السنين (سنين الطفولة) بطبيعته الاجتماعية التي تميل إلى خلق جملة صلة اجتماعية مع الناس). فإني لا أفهم هذا النحو من التفكير (الموضعي) وكأني بالدكتور أدهم اقتبس مني (انظر (مباحث عربية) ص 76) هذا التعبير: (جملة صلة اجتماعية) مع ما ينظر إليه باللغة الفرنسية، من دون أن يحسن استعماله في مجرى حديثه، على ما يبدو.
وأما الموضع الثاني فإهمال الدكتور أدهم لاستقصاء المصادر. من ذلك ما فاته من مراجع فن توفيق الحكيم. فقد كان يحسن به أن يلتفت إلى ما كتبته في هذا الباب في مجلة الشباب (9 مارس سنة 1936) ومجمله: أن كلام توفيق الحكيم في مسرحياته الأولى على أن (الكائنات ظواهر لا حقائق) وما يترتب على ذلك من صراع بين الواقع والحلم، وبين الزمان والتاريخ وبين الشهوة والرغبة، إنما هو أصلاً لكاتب مسرحي فرنسي يدعى ومن تآليف هذا الرجل (إنما الزمان حلم) (سنة 1919) و (آكل الأحلام) (سنة 1922) و (الرجل وأشباحه) (سنة 1924). ثم إن في قصص توفيق الحكيم مظهراً آخر مستمداً من الأول وبيانه: أن الإنسان يسيّره ما لا يعرفه وما لا يقدر على مقاومته. وهذا الرأي الآخر يرجع إلى كاتب بلجيكي يدعى موريس ميترلنك (وإلى إبسن قبله). بقى أن الأستاذ توفيق الحكيم ينحو نحو ميترلنك في إنشاء ما يقال له في فن المسرح (الجو)، وجو القصة المسرحية قائم على بث الأنوار، وتوزيع الأثاث وإجلاس الممثلين، إلى غير ذلك. وجو المسرحية عند الحكيم كجو المسرحية عند ميترلنك من حيث الميل إلى بسط الإبهام على
المناظر وإثارة الأوهام في نفس الناظر.
وليس معنى هذا أن توفيق الحكيم لم يأت بشيء من عنده. فقد كتبت قبل اليوم أنه (يحكم سرد الرواية ويحكم الحوار ويحكم تهيئة البيئة؛ فهو صاحب فن حقاً)، وقد استشهد الدكتور أدهم فيما كتبه بهذه الجملة (ص 357)
وبعد، فإني أدعو من يعني بالفصل الذي كتبه أدهم في الحكيم - وهو فصل حقيق بالعناية - أن يرجع إلى نقد الأستاذ صديق شيبوب لذلك الفصل في صحيفة البصير (12 مايو 1939)، فإنه جم الفائدة.
بشر فارس
الأتراك والحرف العربي
كنت نشرت في الجزء (226) من السنة الخامسة للرسالة الغراء - مقالة عنوانها (الحرف العربي والإفرنجي) نعيت فيها على هؤلاء الترك استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، وقلت فيها:(وأما ذلك التجديد فليس لليوم أن يقضي فيه قضاءه، وللغد الحكم فننظر أأحسن القوم أم أساءوا) وبينت أن الحرف الإفرنجي هو الحرف العربي نفسه، وأصل الحرفين معلوم، غير أن الزمن قد حسن الثاني أي العربي وهذبه
وإن ما صنع الترك هو أنهم انقلبوا يسطرون أو يخربشون من الشمال مبذرين مضاعفين الكلمة، وكانوا يكتبون من اليمين موفرين الوقت الثمين والكاغد
وقد قرأنا اليوم في الصحف هذا الخبر من أنقرة:
(أنقرة - أخذت الأوساط التركية تفكر باستعمال الحروف العربية بعد أن قامت عدة صعوبات في استعمال الحروف اللاتينية، ويقال إن حكومة الجمهورية قد تفكر في إلغاء القرار القاضي بمنع استعمال تلك الحروف)
فإذا صدق هذا الإعلام - ولا أستبعد صدقه - فقد عقل القوم من بعد السفه، وصحوا من سكرهم، وأحسنوا إلى أنفسهم وأدبهم وتاريخهم - على ضؤولة
قدرها - وإلا فإصرار المبطل على الضلالة والباطل لا يدل على أنه محق
الإسكندرية
* * *
على فراش الموت
أصدرت دار الهلال أخيراً كتاباً عنوانه (على فراش الموت) من تأليف الأستاذ طاهر الطناحي. وهو كتاب محكم الوضع طريف الموضوع مختلف الجني بين اللذة والفائدة والعبرة، وقد أهداه إلى الأستاذ أمين الخولي فكتب إليه هذا الكتاب:
إلى الأديب الكبير الأستاذ طاهر الطناحي. . .
تحية وسلام. وبعد فقد تلقيت كتابكم عن اللحظات الأخيرة وأثر فيّ تناولكم الدقيق لتلك اللحظات من اليقظة التي تتكشف فيها النفس عن جوهرها السماوي، وتستقبل الحياة الثانية بصفاء كدرته طوال تلك الحياة الدنيا أوهامها وأخاديعها
نظرت فيما دونت من حال العظماء في تلك الدقائق الرهيبة، آخر عهدهم بالدنيا وأول عهدهم بالآخرة، فتجسم لي قول من سلف: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وشعرت أن من كمال الترجمة لعظماء العالم أن تعرض لنا حياتهم في تلك الأويقات الختامية؛ وكأنما (فراش الموت) بساط ساحر لا ينتهي مداه، فهل أقول لك: ابسط منه ما استطعت وحدث الناس في أجزاء أخرى عن تلك اللحظات على باب الأبدية، وعتبة الحياة الثانية، واكشف من نفوس المعدودين ما لا ينكشف إلا في تلك البرهة الدقيقة الجليلة؟
إن الموضوع رائع رهيب؛ وقد بدت تلك الروعة والرهبة في تناوله. وفي لمحات قصيرة نظرت فيها إلى هذا المؤلف غمرتني تلك الروعة والرهبة، وشعرت فيما شعرت به حين كتبت فصلك عن (الحب والموت) على ما أظن. . . مزيج من الخشية والتسامي إلى عوالم اللانهاية
أشكرك وأحييك، وأبعث إليك مع سلامي أطيب تمنياتي
أمين الخولي
اصطلاح جديد
سيدي الأستاذ الزيات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فلقد قرأت مقال أستاذنا الفاضل أحمد أمين (أدب الروح وأدب المعدة) فألفيتُ مطلعه هكذا:(هذا اصطلاح جديد أضعه لنوعين من الأدب يتميزان كل التميز، ويختلفان كل الاختلاف، لعل في وضعه فائدة في تقويم الأدب وصحة تقديره). وما بي من عزم على أن أعرض لما جاء في ثنايا الموضوع من آراء، فأنا أحترم رأي الأستاذ وإن بعُد ما بيني وبينه، ولكني أريد أن أقول: إن هذا النوع من المقابلة - وهو طريف - لم يكن ابن الساعة، فطالما سمعته يجري على لسان أستاذنا المرحوم الرافعي في صور، وهو جرى على قلمه أيضاً في صورة أخرى. ففي وحي القلم الجزء الأول ص 84 س 1 جاء ما نصه:(. . . لستُ المدير بما في نفس أحمد، ولا بمعدته وبطنه. . .) وفي ص 135 س 12 من نفس الجزء جاء: (أفيؤرخ الإنسان يومئذ بتاريخ معدته وما حولها، أم بتاريخ نفسه وما فيها؟) وفي ص 212 س 4 من الجزء الثاني جاء: (. . . ويتعامل الناس في الشرف على أصول من المعدة لا من الروح. . .) ولو ذهبت أتقصى هذا التعبير فيما كتب الرافعي رحمه الله لكلفت نفسي شططاً، وحسبي هذا برهاناً على ما رأيت، والسلام
كامل محمود حبيب
كيفية ظهور الحياة على الأرض
سيدي رئيس تحرير الرسالة:
سلاماً وتحية. أما بعد فقد قرأت مقالة الأستاذ المنقبادي في عدد الرسالة الأخير (309) عن كيفية ظهور الحياة على الأرض. فوجدت فيها كثيراً من الخطأ أبين وجهه وصوابه فيما يلي:
فالأستاذ يبني كلامه على حقيقة لم يقل العلم فيها إلى الآن كلمة (الفصل): فهو يقول إن الكائنات الحية خاضعة لنواميس الطبيعة. ولكن الواقع أن كثيراً من ظواهر الأحياء كالحركة والتفكير والغرائز - لا زالت تحير العلماء - ولما يجدوا لها تفسيراً مقبولاً. ولا زال علماء الحياة يعتبرون أن هناك قوة أسمها الحياة لا يدركون كنهها، ولكنهم يرون أثرها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأستاذ يستنتج من هذه الآراء نتائج غير صائبة. فيقول: إن السبب الطبيعي لنشوء الحياة هو حرارة الشمس، والأشعة البنفسجية التي كانت تبعثها في فجر الحياة. فلو سلمنا أن حرارة الشمس كانت حينئذ أشد منها الآن بمراحل - كما يقول الأستاذ - فإن هذا يدحض رأيه. فالحرارة الشديدة لا تساعد على نشأة الحياة وازدهارها، وإن كانت تساعد التفاعل الكيميائي. وذلك لأن البروتوبلازم (المادة الحية) يصاب بالضرر إذا اشتدت الحرارة كما هو معروف لكل من درس علم الأحياء. . . والواقع أن الشمس لم تتغير كثيراً منذ نشأة الكواكب السيارة، ومنذ ظهور الحياة على الأرض. فإن ثلاثة الآلاف من ملايين السنين ليست إلا يوماً في حياة الشمس):(النجوم في مسالكها تأليف السير جيمس جينز وترجمة الدكتور الكرداني)
ولو سلمنا برأي الأستاذ لتحتم أن توجد الحياة في بعض الكواكب السيارة الأخرى التي وقعت تحت نفس الظروف التي وقعت تحتها الأرض كالمريخ مثلاً. ولكن (يظهر أن احتمال وجود الحياة على المريخ أو على أي كوكب سيار آخر في المجموعة الشمسية لا يمكن أن يسمى احتمالاً قوياً)(النجوم في مسالكها السالفة الذكر)
ويخبرنا علم الجيولوجيا أن الحياة لم تظهر غالباً إلا بعد مدة طويلة من نشوء الأرض. وأقدم الحفريات (وهي بقايا الكائنات الحية الموجودة ضمن الصخور) يقل عمرها عن نصف عمر الأرض، أي إن الحياة لم تظهر غالباً إلا بعد انقضاء نصف الزمن الجيولوجي. وهذا يخالف ما يذهب إليه الأستاذ من أن الحياة نشأت حينما نشأت الأرض
وقصارى القول أن منشأ الحياة لا يقدر أحد أن يجزم بزمانه أو كيفيته. ولعل تقدم العلم - المبني على التجارب والحساب لا على الخيال - ينير لنا هذه المسائل. والسلام.
منير أمين ملطي
توحيد المصطلحات الطبية في العربية
وافق مجلس الوزراء على مذكرة لوزارة الخارجية قالت فيها: إن الجمعية الطبية المصرية طرحت موضوع (توحيد المصطلحات الطبية في اللغة العربية) على مؤتمرها الأخير الذي عقدته في أوائل سنة 1938 في بغداد فأصدر قراراً اقترح فيه مقترحاً فصلت الجمعية
الطبية قواعده فيما يلي:
أن تتصل الحكومة المصرية بحكومات الأقطار العربية في الشرق الأدنى للاتفاق على ما يأتي بصفة رسمية:
أولا: أن تؤلف كل منها في بلادها لجنة من الأطباء واللغويين للنظر في موضوع توحيد المصطلحات العربية للعلوم الطبية أي اختيار أفضل تلك المصطلحات للاستعمال، ويراعى في اختيار هذه اللجان أن تمثل فيها الجمعيات الطبية المختلفة
ثانياً: أن تنتدب كل من تلك الحكومات من أعضاء اللجان المشار إليها عضوين للاشتراك في لجنة دائمة تجتمع بالقاهرة شهراً في كل سنة على نفقة تلك الحكومات لبحث المصطلحات العربية المقترحة بواسطة اللجان المشار إليها أو الوارد في المعاجم الطبية العربية والبحوث اللغوية الطبية في مختلف البلاد واختيار أصلحها للاستعمال
ثالثاً: أن تكون قرارات اللجنة الدائمة المشار إليها معترفاً بها للاتباع في جميع المعاهد التعليمية والطبية في الدول المشتركة بحيث تتوحد المصطلحات الطبية العربية في جميع معاهدها وبالتالي في جميع مؤلفاتها ومجلاتها وعلى ألسن أطبائها
رابعاً: أن يكون انعقاد اللجنة الدائمة في كلية الطب أو مجمع فؤاد الأول اللغوي بالقاهرة، وتتولى الجمعية الطبية المصرية الإشراف على سكرتيرة اللجنة، وتتحمل وزارة المعارف المصرية النفقات الخاصة بالسكرتيرة والمراسلات والمطبوعات التي تصدرها اللجنة
جائزة (أمير ونجن)
تلقت قنصلية الأرجنتين في الإسكندرية من جمعية مكافحة السرطان الفرنسية أنها منحت الأستاذ الدكتور انجل روفو مدير معهد الأبحاث الطبية في (بونس إيرس) عاصمة الأرجنتين جائزة (أمير ونجن) ومقدارها 100 ألف فرنك، وذلك لتقديمه إلى الجمعية أفضل الأبحاث الطبية الدولية عن (تأثير الطعام في إنماء السرطان) وقد سلمت الجمعية قيمة الجائزة إلى الدكتور كركانو وزير الأرجنتين المفوض في فرنسا، لإبلاغها إلى الفائز بها
وقد قرر الدكتور روفو الاكتفاء بالشهادة الممنوحة له من الجمعية، أما الجائزة المالية فقد تبرع بها لحكومته لتنفقها في الأبحاث الطبية، على أن ينتدب لهذا الغرض طبيب أرجنتيني يسافر إلى فرنسا لمدة سنة لأجراء أبحاثه هناك، وطبيب آخر فرنسي يقدم إلى الأرجنتين
لعمل مثل هذه الأبحاث
الشعبة المصرية لمعهد التعاون الفكري
بين القرارات التي اتخذتها الشعبة المصرية لمعهد التعاون الفكري، تحديد قيمة الاشتراك السنوي الذي تدفعه مصر للمعهد وجعلها خمسمائة جنيه في العام
ودرست الشعبة مشروع مرسوم بتنظيم أعمالها ومشروع لائحتها الداخلية وبحثت مسألة اختيار أعضائها، واستقر الرأي على أن يكون بعضهم ممثلاً لهيئات علمية وأن يختار البعض الآخر بصفتهم الشخصية
واقترح سكرتير الشعبة الأستاذ محمد العشماوي بك وكيل المعارف أن تمثل الشعبة في المؤتمر المزمع عقده في مصر لتوحيد الثقافة بين البلدان العربية، فوافق المجتمعون على هذا الرأي على أن يمثل الشعبة في الأعمال التمهيدية للمؤتمر: الدكتور منصور فهمي بك مدير دار الكتب، والأستاذ أحمد أمين رئيس لجنة التأليف والترجمة والنشر
ووافق الأعضاء على تأليف مكتب مؤقت يضم سعادة لطفي السيد باشا رئيس الشعبة، والدكتور علي إبراهيم باشا وكيلها ومحمد العشماوي بك سكرتيرها العام، والدكتور طه حسين بك والدكتور أحمد عبد السلام الكرداني بك
وعرضت على اللجنة مذكرة مقدمة من الأستاذ محمد قاسم بك عميد دار العلوم ومندوب الحكومة المصرية في المؤتمر الدولي الثامن للعلوم التاريخية الذي عقد في أغسطس الماضي بمدينة زوريخ بسويسرا. وقد تضمنت المذكرة طائفة من المقترحات خاصة بوضع فهرس عام يجمع شتات المصادر المطبوعة للتاريخ المصري، ووضع قاموس للتراجم المصرية، ووضع مصور تاريخي يبين أهم تطورات التاريخ المصري إلى غير ذلك. وقد عهدت الشعبة إلى لجنة مؤلفة من مقدم المذكرة، والأستاذ محمد شفيق غربال عميد كلية الآداب ومسيو دريوتون مدير مصلحة الآثار، ومسيو فييت مدير الآثار العربية - درس هذه الاقتراحات
جمعية الفنانين المصرية
ستقام مباراة في فن الخط العربي للفنانين المصريين والأجانب يدور موضوعها حول كتابة
اسم الجمعية. وللمتسابق الحرية في انتقاء نوع الخط وحجمه على أن يذيل النماذج بإمضائه واسمه وعنوانه، ويرسلها إلى مقر الجمعية رقم 6 شارع فؤاد الأول مصر، في موعد لا يتجاوز يوم 27 يونيو عام 1939
وقد تقرر لها جائزة مبلغ جنيه مصري. وللمتسابق الحق في أن يتقدم بأكثر من مخطوط
ج. روفائيل
الكتب
تاريخ التعليم في عصر محمد علي
تأليف الأستاذ أحمد عزت عبد الكريم
للأستاذ علي إبراهيم حسن
ألف حضرة الأستاذ أحمد عزت عبد الكريم مدرس التاريخ الحديث المساعد بكلية الآداب كتاباً عن (تاريخ التعليم في عصر محمد علي). وقد درست هذا الكتاب أو بالأحرى هذا المجلد الضخم الذي تزيد صفحاته على ثمانمائة صفحة فوجدته درساً دقيقاً وإحاطة شاملة وبحثاً مستفيضاً لتاريخ التعليم في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهي الحقبة الهامة التي شهدت تكون إمبراطورية محمد علي وتحول مصر إلى دولة عسكرية فتية آخذة بأسباب الحضارة الحديثة.
وقد نحا المؤلف نحو العلماء الباحثين في بحثه، فسرد الوقائع وأردفها برأيه الشخصي، وعلق على الحوادث بآرائه التي تدل على الفطنة ودقة الحكم والتمييز. وقد استند المؤلف في بحثه إلى مراجع كثيرة ما بين عربية وإفرنجية وتركية. كما استند إلى وثائق ومخطوطات بقسم المحفوظات التاريخية بديوان جلالة الملك.
ولسنا نستطيع في هذه العجالة أن نفيض في الحديث عن كل فصول هذا الكتاب الضخم، وحسب القارئ أن يرجع إلى الفهرس التحليلي الذي أورده المؤلف في صدر الكتاب.
قسم المؤلف فصول كتابه تقسيماً منطقياً إلى ستة كتب وثلاثة وعشرين فصلاً، فتكلم أولاً عن التعليم قبل محمد علي وهو التعليم الديني في الأزهر والكتاتيب والتربية التي كان يأخذ بها الأمراء مماليكهم، والتأثير الفكري الذي استحدثته الثورة الفرنسية في الثقافة المصرية. وانتقل المؤلف من هذا الفصل إلى فصل ألم فيه إلماماً عاماً بسياسة محمد علي في التعليم فعرض لنا فصولاً شائقة في جهود العاهل الكبير في إنشاء المدارس وبعث البعوث وترجمة الكتب ونشرها والأغراض التي كان يتوخاها من النهضة التعليمية. ثم عرض المؤلف مسائل هذه السياسة عرضاً تمهيدياً مبيناً ما بينها وبين وسائل التربية الفرنسية من شبه ومن خلاف، والأثر الغربي في النظام التعليمي الحديث في مصر. ثم أخذ المؤلف في
شرح تطور هذا النظام التعليمي في عصر محمد علي، فتحدث عن نشأة التعليم الحديث في مصر من 1811 إلى 1833 ثم عن إنشاء شورى وديوان المدارس وقد حقق تاريخ إنشاء هذا الديوان واختصاصه وكبار موظفيه تحقيقاً قال عنه أستاذنا شفيق غربال إنه (يصح أن يكون مثالاً لكيفية استخراج الحقائق التاريخية من الوثائق الرسمية)
ثم انتقل المؤلف إلى حركة التعليم في سنة 1841 والنهضة التعليمية التي جدت في السنوات الأخيرة من عصر محمد علي والتي كانت ترمي إلى تجديد الأساليب التعليمية وإلى نشر التعليم بين الأهالي. وفي الكتاب الثالث فصل المؤلف الكلام على معاهد الدراسة الابتدائية والتجهيزية والخصوصية ومناهج التعليم في مراحله الثلاث وخططه، وأتى بإحصاءات دقيقة لهذه المعاهد وعدد تلاميذها وكتب الدراسة بها طوال عصر محمد علي
وقد عنى المؤلف بالحديث عن البعوث العلمية فنقد نظامها وتحدث عن أوجه انتفاع البلاد بأعضائها، ثم سرد إحصاءات طريفة عن البعوث المختلفة في عصر محمد علي. وقد خصص المؤلف فصولاً ممتعة في الحياة المدرسية وكل ما تعلق بها. ثم أعاد بحث المسائل التي ابتدأ بها مستعيناً في نقده بما أورد في الكتب السابقة من التفصيل، فتحدث - في الكتاب الأخير - عن العلاقة بين التعليم القديم والتعليم الحديث ومدى تأثير كل منهما في الآخر وعلاقة الدولة والمجتمع بكل من التعليمين. وفي الفصل الثاني من هذا الكتاب نقد المؤلف النظام التعليمي الحديث في عصر محمد علي مبيناً ما به من أوجه الضعف وأخصها إهمال التعليم الأول وضعف الصلة بين مراحل التعليم والمركزية في إدارة التعليم وضعف مناهج الدراسة. ثم انتقل المؤلف إلى بيان الصلة التي نشأت بين المدرسة المصرية والمجتمع المصري في النصف الأول من القرن التاسع عشر
ولم يختم المؤلف كتابه إلا بعد أن عقد فصلاً ختامياً تحدث فيه عن مدى نجاح النظام التعليمي الذي أنشأه محمد علي في مصر من حيث توجيه البلاد إلى التعليم الحديث واتصالها بالحضارة الأوربية وتوطيد زعامة مصر في الشرق العربي ونهضة اللغة العربية. وختم المؤلف كتابه بفصول إضافية في تاريخ المعاهد الخارجة عن النظام القومي كمدارس الجاليات الأجنبية والطوائف الدينية غير الإسلامية، وبصور عن بعض الوثائق الهامة كلوائح الدراسة وتقارير الامتحانات والتفتيش، وبنقد للمراجع التي رجع إليها، وبيان
مفصل لسجلات الوثائق الرسمية التي استمد منها مادة البحث وخاصة السجلات التركية والعربية لديوان المدارس في عصر محمد علي، وفي نهاية الكتاب يرى القارئ (لوحات) طريفة لنماذج من الوثائق التركية والعربية والفرنسية يرجع عهدها إلى عصر محمد علي، قصد بها المؤلف - كما قال في مقدمته -:(نقل بعض الوثائق ذات الأهمية التاريخية العظيمة وبيان أسلوب ذلك العصر في تقييد أوامر الوالي ومكاتبات الدواوين وطريقة العمل في الدفاتر التركية والعربية لديوان المدارس، وتقييد نتائج الطلبة المبعوثين لطلب العلم في فرنسا). نذكر من بين هذه اللوحات - على سبيل المثال - الوثيقة الأصلية لأمر محمد علي بإنشاء ديوان المدارس وأختام ديوان المدارس التي كانت تبصم بها قراراته وسجلاته، ومضبطة أول جلسة عقدها شورى المدارس، والجلسة التي أعلن فيها إنشاء الديوان، وصورة التقرير الذي كتب بالفرنسية عن امتحان الخديو إسماعيل عند الالتحاق بمدرسة سان سير بفرنسا في أكتوبر سنة 1848 وفيه بيان أسئلة الامتحان والدرجات التي نالها في كل منها الخ. . .
وقد صدر الكتاب بتقديم تاريخي نفيس في أربع عشرة صفحة بقلم أستاذنا المؤرخ الجليل (محمد شفيق غربال) عميد كلية الآداب وأستاذ التاريخ الحديث بجامعة فؤاد الأول وصاحب الفضل في تخريج عدد كبير من الشبان الباحثين في التاريخ. تحدث أستاذنا في مقدمته عن الوثائق التاريخية (وحق المؤرخ) فيها وجهود المغفور له الملك فؤاد - طيب الله ثراه - في حفظها وتشجيع الباحثين على الاستفادة منها، ثم تحدث عن اتجاه (المؤرخين الشبان) نحو دراسة (الإصلاح المحمدي العلوي) وذكر منهم مؤلف الكتاب الذي نتحدث عنه اليوم فأظهر النواحي التي أهلته للكتابة في تاريخ التعليم في مصر. ثم انتقل أستاذنا العلامة إلى الحديث عن محمد علي والتعليم فعرض لنا صورة بديعة (لمنظر الرجل الذي لم يتزود من تعليم المدارس يستحث رعيته على طلب العلم، وينفق النفس والنفيس في تهيئة وسائله لهم) ودرس خطة محمد علي في التعليم وأهميتها (لأهل الجيل الحاضر في مواجهتنا مستقبل الثقافة في مصر).
و (التعليم) عند المؤلف يمثل ناحية هامة من نواحي النشاط السياسي والاجتماعي لمصر الحديثة. وعلى هذه الفكرة بنى المؤلف بحثه حتى جاء كتابه بحثاً تاريخياً بيداجوجياً يجد
فيه المؤرخون بحوثاً واسعة في تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، كما يجد فيه رجال التربية والتعليم بحوثاً أخرى في نظم التربية وتطورها في مصر في ذلك العصر ونظريات بيداجوجية عن تعليم الطفل والبالغ وعلاقة المدرسة بالمجتمع ومدى تأثير كل منهما في الآخر. ولذلك فهو مجموعة لا غنى عنه لطلبة (التاريخ) بكلية الآداب، وطلبة المعاهد والمدارس التي تدرس التربية كدار العلوم ومعهدي التربية للبنين والبنات ومدارس المعلمين والمعلمات والمهتمين بدراسة التاريخ السياسي والاجتماعي لمصر الحديثة والمشتغلين بالتربية والتعليم.
علي إبراهيم حسن
مدرس التاريخ بالمدرسة الخديوية